تزوجت بدوياً مارغريت فان غيلديرملسين نقلته إلى العربية سلمى خليل المقدادي Original Title: Married to a Bedouin Marguerite van Geldermalsen ISBN 1-84408-219-9 Copyright © Marguerite van Geldermalsen 2006. All rights reserved.Authorized translation from the English language edition Published by: First published in Great Britain by Virago Press, an imprint of Little, Brown Book Group Ltd Brettenham House, Lancaster Place, London WC2E 7EN (U.K) .حقوق الطبعة العربية محفوظة للعبيكان بالتعاقد مع ليتل براون. المملكة المتحدة © 2008 - 1429 ISBN 4- 357 - 54 - 9960 – 978 الناشر للنشر المملكة العربية السعودية - شارع العليا العام - جنوب برج المملكة - عمارة الموسى للمكاتب هاتف: 2937574 / 2937581 فاكس: 2937588 ص.ب: 67622 الرياض: 11517 الطبعة العربية الأولى 1429هـ - 2008م مكتبة العبيكان، 1429هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية في أثناء النشر فان، مارغريت تزوجت بدوياً./ مارغريت فان، سلمى خليل المقدادي. - الرياض، 1429هـ ردمك: 4 - 373 - 54 - 9960 - 978 1 - القصص العربية - الأردن          2 - الزواج منا لأجنبيات أ. المقدادي، سلمى خليل (مترجم)             ب. العنوان ديوي: 813.039568              7642 / 1429صدرت هذه الطبعة باتفاقية نشر خاصة بين الناشر  ومؤسسة  مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم غير مسؤولة عن آراء المؤلف وأفكاره، وتعبر الآراء الواردة في هذا الكتاب عن وجهة نظر المؤلف وليس بالضرورة عن رأي المؤسسة؟امتياز التوزيع شركة مكتبة ______________________ المملكة العربية السعودية - العليا - تقاطع طريق الملك فهد مع شارع العروبة هاتف: 4160018 / 4654424 - فاكس: 4650129 ص.ب: 62807 الرياض 11595 جميع الحقوق محفوظة للناشر. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكية، بما في ذلك التصوير بالنسخ «فوتوكوبي»، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر. الإهداء إلى سلوى ورامي ومروان؛ إحياء لذكرى محمد. المحتوى شكر في البداية: عام ١٩٧٨ إلى الكهف قليل من التاريخ نظرة إلى العروس حفل زفاف بدوي القدر والقسمة المغازلة شهادة زواج - لماذا؟ شهادة زاوج - وأخيراً نجحنا أهل الزوج الجغرافيا والتاريخ القديم حفل زفافنا البدوي ويستمر... ويستمر.. ماذا قالت أمك؟ الحفر اليومي الشراك وحيوان الوبر وخشب العرعر عزيزتي إليزابيث التنظيف في فصل الربيع مغامرة لطلب الشفاء السيل الدافق مولود بديوي جميل: ١٩٧٩ قليل من الوجاهة عيادة البتراء زائرو العيادة العجوز والربابة مشروع القرية الخزنة - مكان عمل زوجي عشاء في قدر واحد دكان الحي المدينة والأرواح العقرب البلاستيكي يعاند القدر الماكينة الحج إلى مكة الأخطار جدعة الرتم ورق اللعب: ۱۹٨۰ الخبز المقدس الطريق إلى أم صيحون الكتابة النبطية جدايا المنجمة سميِّة عوادا مغامرة إلى وادي صبرا سلوى - فخرنا واعتزازنا عناية ما بعد الولادة ساعات دوام مرنة الكهوف والخيام نهى، سيدة التطعيم الشتاء عند عبدالله عيد الأضحى وثبة نحو الوطن أرض جديدة وقنديل قديم: ١٩٨١ سيارة وقرض في السيارة إلى الخطيب في منتصف الليل إلى معان الحوادث تقع بالتأكيد لماذا تتبرع بما تستطيع أن تبيع العلاقات وتحسينات المنزل: ١٩٨٢ جوالون نيوزيلانديون مسرح صحراوي قوى اليرموك أساور بدوية اسمه الجميدي الحوادث تقع (٢) الوقبات والطرنقات الفيل والطفل المشاغب نزل رامي بقدميه بدلا من رأسه تقديم رامي أم سلوى ١٩٨٣ أرجوحة سلوى قصص الصيف التدخين وبت جزءا من الربع خيمة بخيتة دخيل الله - رجل مريض ١٩٨٤: الملكة إليزابيث - زيارة ملكية الصيام بنت وصبيان أهل الزوج مرة ثانية التماثيل ١٩٨٥: السن الذهبي الانتقال لقد حان الوقت وتوقفت الشاحنة أمام حافة الجبل الخاتمة إن هذه الخريطة ليست مرسومة على مقياس، ولكنها تغطي منطقة مساحتها 1 كيلومتر من الشرق إلى الغرب و 1 ونصف الكيلو متر من الشمال إلى الجنوب. جبال صخرية أو نتوءات صخرية. تلال رملية. كهف سكني أو دكان. XX        موقع خيمة. A      موقع خيمة حفل زفافنا. B      الشجرة الكبيرة والطريق المعبد. C      مخيم نزال وقصر البنت وشجرة ألكينا (شجرة الصمغ). D      وادي صيّاغ. E      العيادة في وادي الدير. F      فم الوادي. G      عمود الفراعنة. H      قبر التركمانية. I      أم البيارة. شكر أود أن أخص بالشكر عدة أشخاص، مع ذكر أسمائهم، وهم: أمي وأبي وتيد وجون وآنا؛ لكونهم عائلتي الرائعة (وأيضا لمن أخذ بعض الصور الفوتوغرافية الموجودة في هذا الكتاب) ليني غوديغنز وأليس ديلزورث من مطبعة فيراغو والسيدة ماري إس، ولويل التي عرفتني بهم وجين تيلير (anetaylorphotos.com) وذلك لصداقتها والحقائق وصور الدير الموجودة على الغلاف الأخير وإلى جان كورنيل «كتابة المذكرات دون جهد». وأريد أن أتقدم بالشكر إلى كل من قابلته وقال لي: «يجب أن تكتبي كتابا»، أشكركم جميعا. إلى الذين شجعوني وأنا أكتب هذا الكتاب - وكنت فعلا بحاجة إلى هذا التشجيع، أشكركم. إلى بدو البتراء حتى هؤلاء الذين لم أقابلهم، ومع ذلك شاركوا في جعل حياتنا ذكرى لا تنسى، أشكركم. وأخص بالذكر محمداً - رحمه الله - الذي لولاه لما كان عندي قصة أحكيها. في البداية: عام 1978 «أين ستنزلين؟» سأل البدوي.«لماذا لا تبقين معي الليلة، في كهفي؟» لقد تعرفت على محمد عبد الله في البتراء. عندما كنت أنا وصديقتي إليزابيث جالستين على عتبات بناء الخزنة المنحوتة في الصخر، متكئتين على عمود ضخم، جلس هذا الشاب على العتبة التي تلتنا وبدأ الحديث. كان يضع قماشا أبيض وأحمر مليئا بالطرر وملفوفا على رأسه وكان يرتدي (بدلة) ذات قماش مصنع أخضر اللون. لقد سافرت أنا وإليزابيث إلى اليونان ومصر، كان لنا في الأردن حوالي أسبوع وكنا نمضي وقتا رائعا في عمان. أقمنا مع شخصين من نيوزيلاندا وقمنا بمشاهدة جميع الأماكن التي قد تثير اهتمام الزائرين؛ فقمنا بزيارة المتحف والقلعة والمسرح الروماني وبعدة رحلات يومية إلى مادبا المشهورة بخريطة الفسيفساء وإلى مدينة جرش الرومانية التي مازالت إلى الآن في أحسن حالها. وفي جرش، وبعد بضع ساعات من رحيل آخر حافلة ركاب، تعطفت علينا مجموعة من الأمريكيين وأقلتنا بحافلتها المبردة والمزودة بدليل سياحي أردني لقب نفسه باسم جو، وكان يتكلم اللغة الإنكليزية بلكنة أمريكية وبكثير من المبالغة. هذه المجموعة لم تقلنا فقط إلى عمان بل أخذتنا أيضاً إلى البتراء في اليوم الآتي. لقد زاد التبريد في الحافلة من حدة حرارة منتصف النهار وخاصة عندما نزلنا منها في موقف السيارات المغبر عند مدخل المدينة القديمة. كان للمجموعة برنامجها الخاص، ولكن قبل أن نفكر بترتيب برنامج خاص بنا، قام جو بتعريفنا إلى صديقه رشيد الذي قال لنا بشكل رسمي: «أهلاً وسهلاً، اسمي رشيد وأنا من قرية وادي موسى وسأريكم البتراء». إن قرية وادي موسى ذات أسوار مبنية من الحجارة وأشجار مثمرة رأيناها عندما انحدرت إليها الحافلة من الجبال مستنفذة كل مكابحها. أشار جو إلى النبع حيث «ضرب موسى الصخر فتدفق الماء» وشرح لنا بواسطة مكبر الصوت أن الوادي والقرية لهما اسم واحد ألا وهو وادي موسى. لقد بدا رشيد في أوائل العشرينيات من عمره، مثلي تماماً وكان نحيلاً ذا شعر أسود وبشرة بلون الزيتون الشاحب وعينان جارحتان وابتسامة محيرة. كان يرتدي بنطالاً بسيطاً وقميصاً ذا قبة مفتوحة، قمنا بتعريف أنفسنا ومن ثم تصافحنا. «إليزابيث» لقد عرف الاسم «الملكة إليزابيث». لقد كانت إليزابيث إسترالية سمراء وأكبر مني ببضعة أعوام ولكن لم تكن لديها أي تجاعيد في وجهها وكانت تبتسم بلطف، ولكنها لم تكن تعطي شيئاً لأحد، وقد أوحت للجميع أنها ملمة بكل شيء. لم تكن هناك أي بوابات أو تعريفة دخول، كما أكد لنا رشيد أنه لن يتقاضى أي أجر، وهكذا وضعنا حقائبنا وتبعناه إلى الطريق المؤدي إلى البتراء. كنا قد وصلنا إلى حد الإشباع من رؤية الآثار، ففي الأشهر الأخيرة زرنا متاحف زاخرة بالقطع الأثرية وشاهدنا مواقع أثرية أخرى مليئة بالأعمدة المقلوبة، ولم يعد بوسعنا أن نستوعب حقيقة تاريخية أخرى. لذا لم أكن أستمع جيداً إلى رشيد عندما قال لنا: إن قبائل النبطيين حكمت هذه المنطقة لمئات السنين. لم يعد يهمني، فقد كنت أمشي بصندلي المغبر خطوة تلو الأخرى ولم يعد هناك ظل أحتمي به. مرت بنا بعض الخيول فأثارت الغبار وبعثرت روثاً يعبق برائحة القش الرطب. ولمدة ما، مشينا في ممر أوصلنا بين تلال الحجار الرملية التي بدأت تبدو أعلى وأقرب، وهناك بان في السق الذي أمامنا واد ضيق عميق ظليل، وهكذا دخلنا السق. «هذا هو الطريق الوحيد المؤدي إلى البتراء» هكذا قال لنا دليلنا «لهذا كان من السهل حمايتها» وفي الحقيقة أيقنا ما كان يقول لنا. لقد كان عرض الوادي بضعة أمتار فقط وأطرافه المنحدرة الممتدة المجبولة باللون الوردي الغوغائي تحجب معظم أشعة الشمس إلا عندما تتجه القنوات إلى الداخل وتدنو من أوراق شجر التين العالية الموشحة باللون الأخضر. مر بنا السياح الذين كانوا يستقلون الحافلة، وكانوا يمتطون خيولاً تحدث أصواتاً مقعقعة، ويلوحون ويضحكون، أما الرجال الذين كانوا يقودونها فقد أمسكوا أربطة طويلة وكانت أغطية رؤوسهم مشبوكة، وكانوا يلوحون عصيانهم باتجاه الخيول وكانوا يتهافتون. كانت أثوابهم بيضاء ولكن بعضهم كان يلبس اللون الرمادي أو المقلم الغامق. أما غطاء الرأس فكان يتألف من قطعة قماش بيضاء وحمراء أو سوداء وبيضاء أو بيضاء فقط ولم يزد قياسها عن متر واحد تطوى على شكل مثلث وبعدها يوضع المنديل وحبل أسود سميك (عقال) على شكل دائرتين فوق أعلى الرأس. لقد أثاروا المزيد من الغبار، وكان الممر مليئاً بالحجارة، وبدأت أمتعتنا تثقل أكثر فأكثر، وبالرغم من وجودنا في الظل، بدأنا نعرق. وبعد نصف ساعة اتضحت في ذهني الصورة التي رأيتها في السفارة الأردنية في القاهرة. فجأة ودون سابق إنذار وبين جدران السق الوردية وفوق شجيرات الدفلى المزهرة ظهر بارق نُصُب أثري يشع بالنور وأشعة الشمس. أما بقية وجه البناء فقد بان عندما انتهى السق فجأة وفتح أمام واد ضيق. وضعنا حقائبنا على الأرض واتكأنا على صخرة ظليلة، أمام ما بدا لنا وكأنه معبد إغريقي. صعد بعض السائحين درجاً واختفوا داخل أحد الأبواب. ومن بعيد شممنا رائحة دخان الحطب المشتعل المهدئ للأعصاب، حيث استرخى بعض الرجال في الظل. جاء بعضهم مرتدين أثواباً رثة وسترات طويلة يعرضون علينا بعض السلع، ولكننا أشرنا إليهم أن يبتعدوا، فذهبوا. لقد بدا علينا أننا مسافرون ولسنا من السائحين الذين يملكون المال. نظرنا إلى وجه البناء، بدا كأنما أعيد حفره في الصخر وارتفع إلى قمة الصخرة. كان لرشيد سيل من الكلام «هذه هي الخزنة وهي الكلمة العربية لكلمة «تريجيري» لقد حفرها النبطيون بأيديهم منذ ألفي سنة، نحن لا نعلم إذا كانت معبداً أو قبراً، يعتقد البدو أن كنز الفراعنة هنا في هذا الإناء الخزفي الموجود في الأعلى. كان الإناء الخزفي جزءاً من الصخرة الحية، ولكن طرف الإناء الذي كان باستطاعتنا رؤيته، كان مثقوباً وكأنه ضرب بفأس. «ليس هناك كنز، فقط صخرة، باستطاعتكم رؤية الحفر التي سببها رصاص البدو» بدوي! هناك غموض ورومانسية تنبعثان من هذه الكلمة. جال بخاطري أنها كلمة توحي بشيء ما، حر، غير مقيد. وفي هذه اللحظة بدا اهتمامنا بالأمر أكثر فأكثر. «من هم؟ ما هو الشيء الذي يميزهم عن غيرهم؟ كيف نستطيع أن نتعرف عليهم؟» سمعنا من عدة مسافرين بما فيهم النيوزيلنديين الذين أقمنا معهم في عمان أن باستطاعتنا المبيت مع البدو في البتراء. قال لنا رشيد: إن البدو عبارة عن رحالة متنقلة. كدت أسمع نبرة الازدراء في صوته وهو يردد: (إنهم يسكنون هنا في الخيام والمغارات دون ثقافة، دون مرافق صحية» فما زادتنا كلماته إلا عزيمة وحماساً. أكد لنا رشيد أنه لم يكن بدوياً. فإن البدو لا يعيشون في بيوت كالناس المتحضرين كقبيلته. في وادي موسى تعيش العائلات في بيوت ذات نوافذ زجاجية، بيوت مزودة بالمياه الجارية، وبعض البيوت قد صنعت من فولاذ وإسمنت. وبعض العائلات قد تشاركوا بمولد كهربائي. قال رشيد «هناك فندق يبعد قليلاً عن البتراء، توجد فيه حمامات ومولد كهربائي»، وهذا ما زاد فضولنا ولم يعد باستطاعته أن يجعلنا نتراجع. أردنا أن نبقى عند البدو. واعترف رشيد بعد ذلك قائلاً: «أعرف بعض العائلات، وإذا كنتما متأكدتين سأخذكما؛ كي تسألا بأنفسكما» نعم لقد كنا متأكدتين. التقطنا حقائبنا وابتعدنا عن الظل وبعد مدة وجيزة ظهر الوادي أمامنا. عن شمالنا مررنا بمسرح محفور من الصخر وعن يميننا مواقع أثرية على جانب الجبل مرتمية عند التلال. كان هناك بعض الناس، منهم من كانوا سائحين عائدين على ظهور خيولهم ومنهم من كانوا رجالاً يرتدون أثواباً طويلة متمددين تحت ظلال شجيرات الدفلى، وكان بعض الأطفال يسوقون الحمير و(التنكات) المعلقة على ظهورها تحدث قعقعة. وأخذ الغبار الساخن ورائحة روث الأحصنة تتفاقم. وبدأت التلال القاحلة المتسخة والأسوار المتهدمة تظهر أمامنا ببطء على ضفتي المعبر. لم أكن أعلم أن البتراء كبيرة إلى هذا الحد. بدأت أشعر بالحسد تجاه إليزابيث؛ وذلك لأنها سافرت إلى كل أنحاء أمريكا الجنوبية قبل عدة سنوات؛ ولأنها استبقت جميع عروض المساعدات التي تلقتها والآن بدلاً من أن يكون لديها حقيبة تحمل على الظهر لديها حقيبة ذات يدين اثنتين تستطيع عادة أن تعلقها على كتف واحد. الرجال لا يمكنهم إلا... فها هو رشيد يحمل نصف أمتعتها، أما أنا فقد ظلت أمتعتي متربعة على ظهري. وبينما كنا نجرجر بأنفسنا رأينا خيمتين سوداوين، لم يكن هناك شيء يتحرك في تلك الحرارة وتحول المعبر إلى طريق ذي رصيف أسود الحجارة، أما الطريق فقد أكل الدهر عليه وشرب وكان أبيض يعكس الحرارة والنور الساطع تجاهنا. كنا في شهر حزيران وفي منتصف النهار وبدأت أفكر بكتاب «الكلاب المسعورة والرجال الإنكليز» تلاطمت صنادلنا ولم نعد نتكلم، وعلى جانبي الطريق وبدلاً من المحلات التي وجدت يوماً ما، انبثقت نباتات الدفلى بأزهارها وبعض الشجيرات المغبرة. لم نعد نريد أن نعرف أي شيء عن المعبد الذي لا سقف له في آخر الطريق وتجاهلنا منظر أشجار الصمغ الرائع المتاخم له والظل الذي قد تعطينا إياه، أردنا فقط الوصول إلى المكان الذي كنا نحاول الذهاب إليه. لحقنا برشيد صعوداً باتجاه شرخ حار، حيث كانت هناك عائلة بدوية تسكن في مخيم من الكهوف، وكان على امتداد الفسحة جدار صخري وعدة مداخل سوداء اللون. وكانت رائحة الطماطم المقلية شيئاً اعتيادياً جداً لهذا المشهد. تناثر بعض الأطفال في المكان وكانت أنوفهم مليئة بالمخاط، أما أعينهم فكانت تبتسم، ووقفت امرأة كانت ترتدي ملابس ثقيلة وراء شاب مراهق وأخذت تهمهم وتنظر إلينا بارتياب. كانت إليزابيث ترتدي سروالاً طويلاً وقميصاً ذا أكمام طويلة، أما أنا فقد كنت ألبس سروالاً قصيراً وقميصاً دون أكمام. وكانت ساقاي سمينتين ومع ذلك لم أدرك أنني من الممكن أن أسيء لأي أحد بلباسي هذا، أما إليزابيث فقد كانت مرهفة الحس ومهذبة وشعرت أنها يجب أن تغطي جسدها؛ لأنها في العالم الإسلامي، ولكن الأمر لم يهمني. إذا كن يردن أن تُغطين، حسنا. أما أنا فلا أغطي عادة ولماذا يجب علي أن أتغير من أجل أحد؟ أتت امرأة أخرى إلى الفسحة ذات قامة ممشوقة وبشرة نقية كالأولى، ولكن عندما تكلمت كان صوتها حاداً. قالت لرشيد: إن أزواجهن ليسوا في المنزل وإننا لن نستطيع أن نبيت عندهم. أصبنا بخيبة أمل ورمقنا هذه المغارات المسكونة والشخصيات البدوية ونزلنا من التل ودرسنا ميزانيتنا عن كثب؛ لنبيت في فندق ذي حمامات ومولد كهربائي. كان الفندق المسمى بمخيم نزال يقبع بسرية خلف الآثار المسورة التي تحيط بالمعبد الذي لا سقف له، وكان موشحاً بظل أشجار الصمغ العتيدة. كان من قبل مخيماً مداراً من قبل توماس كوك آند سنز (توماس كوك وأولاده) وذلك عندما كانت آغاثا غريستي تحضر لقصتها "موعد مع الموت" عام 1938، أما الآن فقد أصبح بناء من الحجر والإسمنت له درج مزدوج يؤدي إلى الباب الأمامي. كانت غرفة الطعام في الطابق الأول، أما غرف النوم فكانت في الطابق الثاني وزادت من الغرف، تلك التي عرضت علينا، كانت مهيأة في كهوف يزيد عمرها عن ألفي سنة محفورة خلف طرف الجبل. أما البقع المربعة الإسمنتية فكانت الدليل الوحيد على أنه كانت هناك خيام تستضيف الكم الهائل من الناس عندما كان الفندق في أوجه، ولكن مضى زمن ولم يعد. في الحقيقة، كان الفندق على وشك الإغلاق في نهاية السنة، وكان هناك ثمة فندق جديد يستقبل الزبائن خارج الموقع، لقد كنا النزلاء الوحيدين في مخيم النزال. وفي الصباح سألنا الشبان الذين كانوا يديرون الفندق: ما الممكن القيام به في البتراء؟ لم يكن هناك أي نشرات أو كتيبات سياحية. قالوا لنا: إنه بإمكاننا الذهاب إلى المكان العالي أو إلى الدير ولكن الشمس كانت قد بدأت تسطع ولم تستهونا أي من التسميات؛ لكي نقوم بالتسلق؛ لذا رجعنا لنتجول حيث أتينا في اليوم الفائت. أما في الخزنة فكنا وحدنا. وكان باستطاعتي أن ألتقط صورة للمكان دون أن يظهر فيها أي سائح، ولكن آلة تصويري كانت من النوع العادي جدًا؛ لذا لم يكن بإمكانيتها أن تأخذ المشهد برمته، كما أن إليزابيث لم تحمل آلة تصوير بتاتاً. وعلى جانبي المدخل، استقام فرسان منهكان إلى جانب أحصنة صخرية بلا رؤوس. وأطلنا أعناقنا إلى الأعلى لرؤية الزهور المنقوشة التي بدت زاهية ناضرة كاليوم الذي حفرت فيه. واكتشفت لاحقاً أن النبطيين كانوا أصلاً من البدو الرُّحَّل. أصبحوا ذوي أهمية بالنسبة لتجارة البخور عبر الجزيرة العربية واليمن، ففي البدء كانوا يهاجمون، أما بعد ذلك فباتوا يضمنون طريقاً آمناً لقوافل الجمال. وفي بداية القرن الثالث قبل الميلاد كانوا يضربون خيامهم في البتراء لكونها حصناً منيعاً طبيعياً وفيها عدة ينابيع ومنافذ سهلة الحماية. وفي القرون الآتية بنى النبطيون مملكة مزدهرة هيمنت في بداية القرن الأول بعد الميلاد على منطقة بدأت بجنوب سورية وامتدت إلى صحراء النجف في فلسطين وانتهت بالجزيرة العربية، وكانت عاصمة هذه المملكة مدينة البتراء. سافر العديد من التجار وذوو الحرف إلى العالم المكتشف وعادوا بأفكار جديدة. امتدت المدينة عبر التلال، صنعوا فخارًا فائق الجودة وسكوا قطعًا معدنية (نقش على بعضها وعلى كلا الوجهين، رأس الملك والملكة) حفروا آثاراً رائعة عظيمة في الصخر الذي أحاط بالحوض وجمعوا كل قطرة من المطر جاءتهم من السماء. ظلت مدينة البتراء مزدهرة إلى القرن السادس ولكن تغيير طرق التجارة والزلازل والجفاف أدى إلى هجرها تماماً. صعدنا الدرج ونظرنا إلى داخل الحجرات. كانت آثار الإزميل التي حفرت خلال كل السنين العابرة، ما زالت واضحة، وكانت الزوايا دقيقة، أما الأرض والدرج فكانا متهالكين. كنا هناك جالستين على الدرج مقابل فوهة السق، وظهورنا مستندة على الأعمدة الشامخة عندما أتى محمد ودعانا أن نبيت عنده. التفتت إليّ إليزابيث باعتبارها تراعي شعور الآخرين وقالت «ماذا تظنين؟» كان سؤالها متأخراً؛ لأنني كنت قد قبلت الدعوة. كان متحمساً وكنا نبحث عن المغامرة. إلى الكهف غادرنا الفندق بعد ظهر ذلك اليوم وحملنا أمتعتنا مرة أخرى ومشينا في الطريق المرصوف القديم باتجاه الشجرة الكبيرة حيث قال مضيفنا البدوي: إنه سيقابلنا. لم يظهر للعيان أي إنسان في المكان وبدأنا نتساءل: ماذا سنفعل إذا لم يأت؟ وإذا بنا نسمع صوتاً ينادي ويقول: «هل تريدان محمد عبدالله؟» لقد طلب مني أن أرشدكما إلى الطريق. نظرنا إلى الأعلى وإذا بنا نرى صبياً يلوح بذراعيه على قمة تل صخري منحدر إلى أقصى اليمين. تتبعنا أوامره بلغته الإنكليزية الطليقة ونحن مندهشتان وهو يقودنا مرة إلى اليمين ومرة إلى الشمال حول الصخور وإلى الأعلى إلى أن وقفنا إلى جانبه نلتقط أنفاسنا وننظر إلى الأسفل والى الطريق الذي كنا فيه للتو. قال الغلام الصغير الحافي القدمين ووجهه يشع بالدهاء: «أنا أعلم أنها حقائبكم» وعندما كنا نتبعه إلى أعلى التل تكسرت تحت أقدامنا كميات هائلة من قطع الفخار. تبعناه إلى حافة الجبل الرملية المغطاة بأشعة الشمس ولم نعد نرى كهفه ذا الواجهة الصخرية الملتوية والذي اختفى وراء زاوية الجبل، وكان مضيفنا البدوي واقفاً وقد أزال المنديل؛ ليكشف عن وجهه بالكامل وعن شعر أسود كثيف أشعث ولكنه لم يبدل سترته ولم ينس دعوته. قال محمد: «أهلاً وسهلاً«، وهو يمد يده؛ كي يساعدنا بالنزول من الدرجة العميقة إلى حافة الجبل. لم أكن أعتقد أنه كان يتذرع كي يمسك بأيدينا، فلقد كانت الدرجة الرملية الهشة قريبة من هاوية طولها عشرة أمتار. خطونا واحدة تلو الأخرى إلى ممر يصل إلى طرف تل، حيث كان هناك باب مفتوح و نافذتان مغطيتان بمشبك معدني في جدار صخري. إحدى النافذتين كانت عالية وعلى يسار الباب، أما الأخرى فقد كانت على اليمين ومستوية بالأرض. وفوق الحجارة والإسمنت برزت بقايا الواجهة الصخرية الوردية الحية المتأكلة بعناصر الزمن والأمواج، متجهة إلى السماء. كان محمد قد انتقل إلى هذا الكهف منذ شهرين. لقد كان على علم بأن هذه البقعة لها إمكانيات جيدة جعلها مسكناً له، مع أن الرمال المتراكمة منذ قرون كانت قد ملأت حافة الجبل وسدت مدخل الكهف. كانت الماعز تأخذ لها مكاناً في الظل أيام الظهيرة الحارة، وعندما كان محمد يحاول إثارتها، رأى كهفاً ذا مساحة جيدة قابعاً بمفرده على حافة التل كاشفاً نصف مدينة البتراء ولم يكن هناك أي جار قريب. لقد أمضى أسابيع طويلة ينظف الممر ويبني جداراً في قلب الواجهة المتهالكة. لقد حرص محمد أن يتباهى بهذا المكان. أشار لنا بالدخول وكان هذا الكهف محتلفاً عن الخزنة وعن مكان إقامتنا الليلة السابقة. وكان المدخل ذا علو كافٍ، فلم نضطر إلى الانحناء، وعندما اعتادت عيوننا على نور المكان وجدنا أنفسنا في كهف يكاد يكون مربعاً، حجمه حوالي خمسة أو ستة أمتار، ذي سقف مقوس منخفض يستطيع المرء أن يلمسه بيده، وكانت الأرض من الإسمنت الخشن. أما الأرض الأصلية التي ربما كانت تحتوي على مقابر وكنوز، أعمق ببضعة أمتار ولكن محمداً كان قد أوقف الحفر وصب الإسمنت عندما وصل إلى الارتفاع المطلوب كما أنه كان مشغولاً بطلاء المكان. علامات الإزميل والتصدع في الصخر كانت بمنزلة لوحة فارغة وراء عمله الفني الجديد. كان قد دهن الجدار الخلفي والجدران الجانبية، للطول الذي يصل إلى كتفيه، بلون أخضر عادي وليس جميلاً أبداً. وأما الجدران المطلية باللون الأخضر نفسه، فقد انبثقت وامتدت إلى السقف الأبيض، رسومات ستة زهور من فصيلة عباد الشمس وكان لكل واحدة منها ورقتان. كادت تشبه ما كنت أرسمه بدهان الإعلانات في مركز للعب ولكنها كانت أكبر. «إنه جميل» قالت إليزابيث التي كانت بارعة في تنمية الثقة بالنفس، أما أنا فلم أوافقها الرأي، ولكني استطعت أن أتوقف عن التعليق. وهناك على الأرض وراء الباب الخشبي كان هناك «بريموس» طباخ صغير وبجانبه صينية من التنك وإبريق شاي وكؤوس وفوقها لوح خشبي معلق بطريقة ما إلى الصخرة، ووضع فوقه بعض الصحون وقدراً للطبخ. وكانت هناك أيضاً حقيبة سفر حمراء فوق طاولة خضراء معدنية قابلة للطوي ذات أرجل رفيعة في الزاوية البعيدة. وكان هناك سرير وعليه فراش إسفنجي وبطانية وبساط قطني رمادي وأبيض اللون غطى نصف الأرض تقريباً. وكان الحمام قد بنى عشاً له في طرف النافذة. وضعنا أمتعتنا وبدأت هرة صغيرة زنجبيلية اللون تلعب بأحزمة الحقائب. وأراد الصبي الفتي أن يفعل شيئاً مفيداً، فبدأ بصب الشاي. كانت له عينان عميقتان وأسنان كبيرة، وعندما عرض علينا محمد بعض السجائر أخذ الصبي واحدة. لم نصدق، فقد قال لنا بكل فخر: إن عمره أحد عشر عاماً، كان مازال طفلاً. محمد قدم لنا قداحته ورائحة زيت الكاز تفوح منها، بدأنا أنا وإليزابيث نسعل أما الصبي فاستنشق الدخان بكل عزم. بدأت أعتقد أنه قد بدأ يدخن منذ ولادته. لوح مودعاً والسيجارة بيده وخرج ليتبع الماعز إلى المنزل. «لنذهب إلى الدير؛ كي نرى غروب الشمس» قال محمد بعد أن شربنا بما فيه الكفاية من الشاي. لقد كان حلواً جداً وأسود ولم يكن هناك أي حليب. «إذا ذهبنا الآن وبسرعة، سيكون هناك وقت كاف لرؤية المغيب. «ياالله» هيا!» بالرغم من أن الوقت أصبح متأخراً للحاق بغروب الشمس، فقد بدأ الجو يبرد وبدا لنا أن رؤية الدير أصبحت أكثر إثارة مما كانت عليه هذا الصباح، أسرعنا بالنزول إلى ما بعد الفندق ومن ثم إلى واد وبعد ذلك صعدنا إلى ممر رائع محفور بالصخر دون توقف بينما كان محمد يقطف بعض زهور القبار (شجيرات ذات وريقات بيضاء ووردية رقيقة و رائحة عطرة) و وصلنا إلى أروع المعالم في البتراء، والذي بدا ذهبياً من أشعة الشمس، لم نستطع أن نرتاح... لقد كانت بقعة الغروب أبعد بقليل وعلى حافة وادي الغور العظيم. انهرنا ضاحكين على حافة صخرة قبل لحظات من نزول الشمس وراء الجبال بعيدا إلى الغرب. كنا جالسين على قمة العالم! يا له من مشهد! سيظل محفوراً في ذاكرتي إلى الأبد وأيضاً في الصور، فلقد انضم إلينا مصور فلسطيني كان مدرساً ويسكن في مدرسة محلية، ولحق بنا عندما سنحت له الفرصة كي يتدرب على لغته الإنكليزية. واغتنم محمد الفرصة لتؤخذ لنا نحن الثلاثة صورة عند غروب الشمس. وعندما رجعنا إلى الكهف أشعل محمد مصباحاً، وحضر (البريموس) كي يطبخ لنا العشاء. عرضت إليزابيث المساعدة وذلك بتقطيع البطاطس، ولكن محمداً لم يكن لديه إلا سكين واحد، مطواة تصلح لكل الاستعمالات وذلك للتقشير والتقطيع مباشرة في القدر، كما كان يستعملها لفتح المعلبات. وبينما كان الطعام يُطهى، جلست على الأرض وظهري مسنود على الصخرة وقمت بكتابة بطاقة بريدية لأختي في نيوزيلاندا. كان المنظر المطبوع على البطاقة للمسرح ولصف من المقاعد حفرت في الصخر الرملي، أما سطح البطاقة اللامع فقد أعطى المشهد مظهراً براقاً ولم يظهر الرمال والحصى الجاف اللذين كنا نجلس عليهما. أما بالنسبة للتاريخ فكتبت: حزيران 1978 . فقد كنت قد بدأت أفقد الرغبة في تتبع تاريخ الأيام ولم يكن الأمر مهماً بالنسبة لي؛ لأنني أدركت أن البطاقة لن ترسل إلا بعد عدة أيام. وصفت لها المصباح الذي كنت أكتب على ضوئه والغروب الذي رأيناه ومحمد البدوي الذي كان يطهو لنا العشاء. ولجهلي النابع من ثقافتي، لم أشعر بأنه شيء غير اعتيادي أن يسكن محمد وحده، ولم أستغرب أنه لم يكن محاطاً بعائلة كبيرة. "كنت أعمل في العقبة من قبل" قال لنا عن نفسه «في الميناء، وأيضاً في فندق العقبة، لقد عملت أيضاً في فندق النزال وهناك كنا نقوم بأداء الرقص البدوي للنزلاء بعد أن نغسل الصحون» كان كلامه عن حياة العزوبية التي كان يحياها ولم يشر إلى عائلة. جاء صبي طويل القامة، شاربه يوحي بأنه كان ما يزال مراهقاً، وضع ربطة على الأرض وقرفص أمامنا ينظر إلينا، كان صندله من المطاط المهترئ، أما حزامه فقد التف على خصره ممسكاً بسروال قديم أكبر من قياس جسده بكثير. أمسك محمد بمرفقه وقدمه لنا قائلاً: «إنه لا يتكلم الإنكليزية» نهض وتقدم نحونا، وقفنا لتتصافح، وقلنا: «إزيَّك» هذا ما تعلمنا قوله في مصر. نظر إلى محمد. «هنا نقول: «كيف حالك» أو نقول: «مساء الخير» أو: «مرحبا». كل الكلمات التي تعلمناها في مصر لن تنفعنا هنا. حاولنا أن نقول: «مرحبا» فضحكوا. قال محمد: قولي: «شغل الشيطان» «ما معنى هذه الكلمة؟» «شغل الشيطان؟ لا تعني شيئاً، فقط قوليها» وضحك. لم نحاول، فقد تعلمنا عدة كلمات بذيئة في اليونان لتكفينا زمناً. قدم لنا محمد وجبة الطعام على طبق دائري وكانت عبارة عن خليط من البطاطس والبصل والبازلاء المعلبة وصلصة طماطم ولحم بقر معلب. قام بفك ربطة الشاب؛ ليخرج خبزاً دائرياً كبيراً يشبه «البان كيك» وكان ما زال ساخناً وأسماه «شراك». حاول الاثنان أن يعلمانا كيف نطوي الخبز المقسوم ونغمس بالطبخ المكمور، لم يكن هذا سهلاً، ولكن الطعام كان لذيذاً جداً. كان من الواضح جداً أن مضيفنا كان قادراً على أن يعتني بضيوفه ونفسه جيداً. نزلنا إلى الأسفل؛ كي نقضي حاجتنا وراء بعض الشجيرات وقبل أن نخلد إلى النوم غسلنا أسناننا بقليل من الماء من (تنكة) كانت بجانب باب المنزل. بالرغم من أن مأوانا لم يكن فيه حمام و«مرش» فقد كانت لنا غرفة خاصة؛ وذلك لأن محمداً أخذ فراشه وبطانيته ونام خارج الكهف. استعملنا المناشف كوسادات للنوم ونمنا في «أكياس النوم» على البساط القطني. ومن وقت إلى آخر انتهك الصمت صوت نهيق حمار مجنون أو نباح كلب أو هديل حمام عند حافة النافذة، ومن الباب المفتوح كنت أرى الفناء المغبر، وعبر الوادي كنت أرى الجبال الصخرية مجمعة بضوء القمر الأبيض. لقد كنت على حق، فلقد كانت فكرة جيدة أن نقبل دعوة محمد. ليس فقط لأن المبيت عنده كان أرخص من الليلة الماضية، بل لأن المبيت عنده كان أكثر إثارة ومتعة. لقد كنت دائماً أعتقد أن على الإنسان أن يغتنم الفرص ولقد كنت جريئة وفعلت ما قد يشعر الآخرون تجاهه بالتوتر والقلق. لقد تنقلت كثيراً، عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري في نيوزيلاندا، وكانت وسيلة تنقلي السيارات التي تعبر الطرق وذلك عندما كنت أود الذهاب إلى شاطئ البحر أو إلى البلدة، وفي بريطانيا تنقلت مرات عديدة وفي كل اتجاهات الطرق السريعة. لقد أرادت إليزابيث مرافقة لها في رحلتها إلى الشرق الأوسط وذلك كي تشعر بالأمان عندما يعرض لها عارض كهذا. لم أشعر بالتوتر أبداً هذه المرة وافترضت أننا اثنتان وكان محمد صغير الحجم، ولا أعتقد أنه فكر بأي شي كهذا. لقد كنا نبحث عن المغامرة وقد وجدناها. الإفطار كان عبارة عن الخبز المتبقي من الليلة الفائتة وعلبة من الجبن المصنع وشاي حلو المذاق في كؤوس صغيرة. لقد أدركنا أننا كنا محظوظتين بأن نمر»بتجربة حقيقية في البتراء» لقد تعرفنا على بدوي ورأينا غروب الشمس ونمنا في كهف. لم نعد بحاجة لرؤية المزيد من الآثار المصورة في الكتيب الأبيض والأسود الذي أخرجه محمد من حقيبته. لم بعد هناك شيء موصوف بالكتيب بمغالاته وأخطائه الإملائية الكثيرة، يحرك فينا شيئاً. حزمنا أمتعتنا استعداداً للرحيل. لم يرد أن يستعيد الكتاب. «إنه لكما - احتفظا به لتذكروني» وهناك عند الخزنة نشر محمد سلعه الرخيصة الثمن على الطاولة. جاءت سيارة نقل على طريق الحصى ولوَّح لها بيده؛ كي تتوقف. دبر لنا رحلة دون مقابل وساعدنا على الصعود إلى الخلف مع حقائبنا. قال: «أنتما محظوظتان»، إنها السيارة الوحيدة في البتراء التي تذهب إلى العقبة!» «مع السلامة، شكراً» تصافحنا وتبادلنا القبل على الوجنتين. «سوف نكتب، ونتمنى أن نعود يوماً ما»، قلناها بابتهاج كما قلناها لكثير من الناس الذين تعرفنا إليهم من قبل، واستقرينا في المؤخرة. وعبر السق كانت السيارة "تنطنط وكان هناك شريط أزرق من السماء يموج ما بين جدران الوادي المتعالية. وعند المدخل طلب منا السائق أن ننزل، وكان من الواضح أنه لم يكن متحمساً كمحمد لمساعدة المسافرين الشبان، ولكن هكذا هو السفر. تمكنا من إيجاد من يقلنا، وفي نهاية اليوم كانت البتراء وراءنا وكنا نستقر في فندق ومطعم السمكة على شواطئ البحر الأحمر. قليل من التاريخ مطعم السمكة كان رائعاً. وعلى الشرفة الكبيرة المغطاة بسقف من الخيزران أكلنا سمكاً مطبوخاً بالثوم وصلصة الطحينة. ومن شاطئ البحر المليء بحجارة الغرانيت المتكسرة سبحنا في مياه البحر الأحمر. وبينما كنا نفكر في الذهاب إلى سورية ولبنان، اقترب منا رجل يشبه بيتر أوتول وله عينان كعيني عمر الشريف يمشي على مهل باحثاً عنا. عرف بنفسه وقال: «أنا علي، سائق سيارة الأجرة«، كان قد أرسله محمد عبدالله؛ كي يقلنا إلى البتراء لحضور زفاف بدوي. تكلم علي وأشار بيديه وكانت إحدى أصابعه وكأنها ليس فيها أي عظام، كان إصبعه ذا تركيبة عجيبة، فقد أطلق علي عليه النار؛ كي يسرح من الجيش، وكان إصبعه يهتز بشكل دائري عندما كان يتكلم. فهمنا معظم ما كان يقول وصدقنا نصف ما قال لنا. «أنا البدوي من البتراء... أم، أب متوفيان، إخوتي في عمان، أنا أدرس في القدس. في حرب 1967. عدت إلى البتراء. ذهبت إلى إنكلترة، وفيرجينيا ووتر. «لم أسمع بهذه البلدة في حياتي ولكن كيف له أن يخترع اسماً كهذا! مد يديه الرفيعتين السمراوين ووضع خنصريه واحداً بجانب الآخر؛ كي يشرح لنا كم هو قريب من محمد». «إن محمدًا كأخي، أنا أبيت عند عائلته، لقد ترعرعنا معاً، ها هي سيارتي، خارجاً». وفي الصباح الآتي عبأ لنا أبو ماجد، صاحب المطعم ذو الشخصية الساحرة والرأس الأصلع، صندوقاً مليئاً بالسمك الطازج ووضعه في صندوق السيارة مع أمتعتنا وانطلقنا جميعاً إلى البتراء. يستخدم البدو كلمة «قسمة» أو «نصيب» مما يعني حظاً أو قدراً، لو لم يرسل محمد سيارة الأجرة تلك ليعيدنا إلى البتراء، لظللت أتجول في العالم دون هدف معين، ولتلاشت البتراء وأصبحت فصلاً مليئاً بالغبار ذا غروب شمس رائع. ولو لم أقابل إليزابيث، لما كنت ذهبت إلى هناك في الأصل. فإن الشرق الأوسط لم يكن وجهة أحلامي ولم أكن قد سمعت عن البدو، ولكنني أمضيت الشتاء الأخير في بريطانيا الرمادية الرطبة وبالذات في سلت كوتيدج في سول وي فيرث، وبالرغم من مقانق كمبيرلاند الشهية وموسيقا السوبر ترامب وفرقة سبايك وكراولي، فلم أكن أريد أن أعيد هذه التجربة مرة أخرى. لقد كانت إليزابيث تبحث عن أحد؛ لتسافر معه إلى الشرق الأوسط، وبدا لي أن الشرق أكثر دفئاً. لعل عيشة البداوة كانت من شيمي. فقد هاجر والداي من هولندا إلى نيوزيلندا قبل أن أولد. ودعا والديهما وسافرت أمي على متن إحدى السفن، ورحل والدي في أول الطائرات التجارية. لقد كانت الامتيازات تعطى للعازبين فقط فلم يتزوجا حتى وصلا إلى هناك. كان لوالدي عم لديه صديق بالمراسلة في أوكلاند، وكان يتبادل معه الطوابع، فأقاما مع هذا الشخص وتزوجا عنده. السيد والسيدة كومبز أصبحا جدينا النيوزلنديين ولكننا لم نكن نراهما أكثر من جدينا اللذين كانا يعيشان عبر القارات، وذلك لأن والدي كان قد حصل على وظيفة عامل تقني (في إدارة العلوم والأبحاث الصناعية) في بستان تفاح على قمة ساوث أيلاند. ترعرعت هناك في موتوري هيلز بين مدينة نيلسون وموتيكا ولم يكن لدينا أي أقارب لا من بعيد ولا من قريب. كان لدي أخ أكبر مني وأخ أصغر، تيد وجون، وأما أختي آنا فقد كانت أصغر مني. لقد كنا نركب الدراجات أنا وإخوتي إلى مدرسة آبيلباي، وكنا نتوقف في منتصف الطريق عند بحيرة فريزيرس هيل، وفي الشتاء كنا نكسر الجليد، أما في الربيع فكنا نلتقط الضفادع وصغارها؛ كي نلعب «شو أند تيل». لقد كانت مادة الإملاء سهلة أما مادة الرياضيات فقد كانت صعبة بالنسبة إلينا. كانت للمدرسة حقول كبيرة واسعة للعب، وكنا نتعارك على الحشيش المقصوص الفائح الرائحة. وفي يوم النزهة العامة كان السيد أوكونير يقوم بنقل كل التلاميذ إلى رابيت إيلاند بعربته ذات الحصان. كانت أيام الصيف طويلة وحارة. كان والدنا يأخذنا بعد الانتهاء من عمله لنسبح في نهر الأبيبي أو رابيت إيلاند أو كنا نلعب لعبة الكريكت الفرنسية بعد شرب الشاي، وكنا نخلد للنوم قبل أن يحل الظلام. كان أنفي دائماً محروقاً بأشعة الشمس، وكنا دائماً نخيم في توتارانوي ذات الرمال الذهبية والشجيرات المحلية. كان عملي اليومي إطعام الدواجن وجمع البيض، وكنت أنا وإخوتي نتناوب في تنشيف الصحون أما أبي فكان يغسلها. لم أنشف الصحون مع أختي ألبتة، فقد ولدت بعدي بثماني سنوات، وعندما أصبحت كبيرة كان لدينا غسالة صحون أتوماتيكية. لم أركب الدراجة للمدرسة مع أختي آنا؛ لأنها عندما بدأت تركب الدراجة كنت أنا قد دخلت المدرسة الثانوية وكنت أذهب إليها بالحافلة، وعندما أصبحت هي في المدرسة الثانوية كنت أنا قد تركت البلاد. عندما أصبحت في الحادية عشرة من عمري بدأت أتعلم اللغة الفرنسية في المدرسة، وقد أتيت بتذكار برج إيفل من منزلي إلى المدرسة. لقد رأيت أشياء كثيرة غير اعتيادية موزعة في منزلنا، لم تكن أشياء مميزة ولكنها كانت مختلفة. لقد حاولت ألا أكون مختلفة وألا أكون هولندية. فقد كان اسمي هولندياً وكان هذا كافياً. لم أتكلم اللغة الهولندية؛ لأن أمي وأبي قررا أن يكونا نيوزيلنديين وأن يتكلما فقط اللغة الإنكليزية. وكان لدينا أشياء أخرى في أرجاء المنزل مثيرة للاهتمام كلعبة «وييانغ» التي جلبها أبي من إندونيسيا حيث كان يخدم في الجيش الهولندي، وكان هناك أيضاً الكرسي الخشبي المحفور والمخدة الحريرية بجانب الهاتف. وعندما كان يأتينا ضيوف، كانت أمي تخرج كتاب الطبخ الهولندي/ الإندونيسي؛ لتطهو «ريجسترافيل» مع الرز المبخر والذي كانت تكمره في سريرها ليبقى ساخناً وكنت أشتم رائحة صلصة الفستق العبيد والربيان المقرمش. كانت البيوت في نيوزيلاندا مليئة بالأعمام وأولاد العم، كانت رائحة لحم الخروف تعم أرجاء المطبخ، ورائحة اللافيندير تفوح في غرف النوم، وكانت تحط على جدران غرفة الجلوس ثلاث بطات من السيراميك. أما أمي فقد كانت تتبع في تربية الأولاد أسلوب عدم التدخل، وكان ذلك بالنسبة إليها انقلاباً على تربية أمها، لأن أمي كانت تعتقد أن أمها تدخلت كثيراً في شؤونها حتى في الرسائل التي كانت تأتيها من شتى بقاع الأرض. أما أبي فكان يتحايل ويتقايض كي يتجنب معاقبتنا. لا أتذكر عقوبة أقسى من إرسالي إلى غرفتي مع طعام العشاء، وكان ذلك يجدي، «كما قالت أمي» حتى أصبحنا نفضل المكوث في غرفنا. عندما أصبحت في السابعة عشرة من عمري تركت المنزل والتحقت بمستشفى «بريمير» كي أدرس في معهد الأطفال المعاقين عقلياً. لقد استمتعت هناك جداً، ليس فقط لأني كنت أحب هذا النوع من العمل، بل لأني كنت أتقاضى أجراً جداً. فقد لبست الجينز من ماركة «أمكو» وقمصاناً من ماركة «هانغ تين تيشيرت» وقمت بخياطة سترات مبهرجة. أما أيام الهيبية (حركة شبابية تمردية على العادات المألوفة والتقاليد)، فقد كنت أخيط التنانير الطويلة المزركشة بزهور صغيرة، وبلوزات محاكة وقبعات «الأنكا» وجزمات منسوجة بالصنارة. تعرفت على مورين خلال مدة عملي وسكنت معها في شقة، وكان هناك دائما متسع لمن أراد أن يتخذ له غرفة في أي بيت استأجرناه. واستمعنا إلى جميع الأغاني المحببة في ذلك الوقت، وفي عطلة نهاية الأسبوع كنا نذهب إلى نادي روثيرفورد أو ميتروبوليتين، لنرقص على أصوات موسيقا الفرق آنذاك. لم يكن هناك أي فرق موسيقية خلال الأسبوع؛ لأنه لم يكن هناك عدد كاف من الشباب. كانوا إما أن يذهبوا إلى الجامعة أو إلى حيث يذهب التلاميذ (أي دور العبادة، والتي كانت تبعد حوالي ست ساعات بالسيارة أو إلى ويلينتغون بالطائرة أو بسفينة نقل)، وبدا أن أكثر الذين تبقوا من السبعين ألف نسمة، لم يكونوا يريدون قضاء وقت ممتع كالشباب، فقد كانوا إما صغاراً جداً أو كباراً جداً أو كانت لديهم ديون لدفع أقساط منازلهم. وعندما كنت أتعلم عن الشلل الدماغي وانشقاق العمود الفقري وطرق المعالجة باللعب بدأت أشعر بالملل من نيلسون. وبدأت أتطلع إلى أن أتحرر بعد أن أنهي الثلاث سنوات من دراستي. ولكنني لم أرغب في الانسحاب أيضاً، فقد كنت أشعر أن انسحابي سيكون مضيعة للوقت. لقد أحببت دوماً أن أتمم ما قد بدأت. ابتعت دراجة نارية طراز «سوزوكي» وشددت الرحال أنا ومورين في عطلة نجوب البلاد. شاهدنا جميع ما نراه في صور التقاويم، وتعرفنا على أناس من كندا وسويسرا وأماكن بعيدة مثيرة أخرى لا أذكرها كلها، جميعهم كانوا يبحثون عن المغامرة. لنعد مرة ثانية لنيلسون، كنا نمرح عندما كنا نعاين الحانة المحلية لنعرض مواهبنا، وكان الرجوع إليها يعني الرجوع إلى مركز نيوزلاندا الميت. إن مركزها الجغرافي كان مشاراً إليه على تل خلف شارع بروك؛ وكنت قد صعدت إليه عندما كنت طفلة بحماس بالغ، أما الآن فقد كنت فقط أود الرحيل. حتى سفن «بي آند أو» التجارية والآمال بأن يكون على متنها شباب يتكلمون لغة رومانسية، بدؤوا يقلون تدريجياً خاصة بعد أن أصبحت هناك طريقة للشحن بالحاويات الخشبية. لم يعد هناك ثمة أي شيء مثير من الممكن أن يحدث هنا. لقد كانت نيوزيلاندا بعيدة كل البعد عن العالم. حلمنا ولكننا لم نخطط كثيراً. عندما كنت طفلة تمتعت بالاستماع إلى قصص عن الغرب الأمريكي «وايلد ويست» وعن عيد جميع القديسين «الهالووين» وعن المروج الخضراء، كما فكرت في الذهاب إلى أمريكا، ولكن مورين عرفت بعض الناس الذين ذهبوا إلى لندن واعتقدت أنه ربما سيكون المكان المناسب لبداية الرحلة. وبعد أن علمت أنني نجحت في الامتحانات، ابتعت تذاكر ذهاب فقط وأعطاني والداي بعض المجوهرات المرصعة بالحجر الأخضر؛ كي أقدمها لجدتي الهولندية وبعض الخالات والعمات وقائمة بعناوينهم، وهكذا طرت أنا ومورين من نيلسون في حزيران 1976. ورحلنا في يوم شتاء مشمس. مررنا سريعاً هنا وهناك وزرنا أقارب مورين، عائلة ماكهيوز في مدينة دونيغال في الساحل الإيرلندي، وأقربائي عائلة فان غيلديرسون وعائلة كامفيرمان في آميرزفورت في جنوب هولندا وقرية غرافينزندي. وزرنا جميع الناس الذين أعطونا عناوينهم وقالوا لنا ذات مرة: «عندما تأتون إلى لندن اتصلوا بنا«، معظم هؤلاء استضافونا ليلة أو ليلتين في بيوتهم. عملنا في المقاهي وعملنا خادمات ونادلات في المطاعم في نوتينغهام وكارليسيل وبورنيماوث ووينديرمير وبين ذلك وذاك تنقلنا في جميع أرجاء البلاد بواسطة السيارات المارة على الطرق السريعة. توقفت مورين عن التجوال عندما قابلت الرجل الذي تزوجته لاحقاً وكنت سعيدة جداً؛ لأنني تعرفت على إليزابيث. فلقد كانت رحالة متمرسة وكان لها دائماً خطة وتذكرة عودة. عرفت الكثير عن الاختلافات الثقافية والأوضاع السياسية ولم تكترث لجهلي. طبعاً كنت قد سمعت عن الآثار اليونانية والمصرية ولكني لم أعرف أبداً أن الأردن بلد، إلا عندما رأيت الخريطة، كما أني لم أسمع عن البتراء شيئا. «هل أنت متأكدة أنك تودين الذهاب معي؟ سيكون هذا رائعاً» وانتشرت السعادة حولها، لذا قررت أن أذهب لأرى ماذا يمكن أن أشاهد، ولكي أقول: إنني قد كنت هناك. كنت متأكدة أننا سنمضي وقتاً ممتعاً. نظرة إلى العروس عندما رجعنا في المساء إلى العقبة ذهبت إليزابيث إلى الفندق مع السائق وذهبت أنا مع علي ومحمد؛ كي أقابل العروس البدوية. وكانت خيمتها ذات الشعر الأسود القليلة الارتفاع تقبع في منطقة صغيرة خالية بين الكتل المنهمرة من الأبنية القديمة. وفي ذلك المساء تصادفت مع فريجة، أم العروس ذات التجاعيد الكثيرة وابنتيها حيية ورخية. مصدر الضوء الوحيد كان قنديل كاز يتدلى من وتد الخيمة الخشبي وكانت الروائح غريبة. كان هناك دخان كثير لا يمكن وصفه. حيية، الأخت الكبيرة المتزوجة وضعت وسادة كبيرة أو كما يسمونها «جنبية» على الأرض قرب النار، وجلسنا فوقها مربعي الأرجل. أما رخية العروس فقد كانت تنفث على الجمر ووضعت عليه إبريق شاي معلق بمنصب معدني ذي ثلاثة أرجل وأجابت على تعليقات محمد بوجه عابس. لقد كان الكلام غير مفهوم بتاتاً؛ لذا لم أعد أستمع إليه ولكن العبوس كان واضحاً جداً. لقد اعتقدت في البدء أن العبوس كان بسببي، ولكن محمداً شعر بذلك وأكد لي بأنني لست السبب. أوضح لي محمد قائلاً: «إن زوج المستقبل أكبر منها بكثير ولكنه ثري ودفع مهرا عاليا وبما أنها لم تتزوج من قبل لم تسأل إذا كانت تريده أم لا... وليس هو من تريد». لربما فهمت ما يقول بالإنكليزية أو إنها فقط أدركت ما كان يقول، فضحكت كتلميذة مدرسة، ولا أعتقد أنها كانت تزيد عن ثلاثة عشر عاماً، ولم أعتقد، أنه في حال سئلت عن رأيها، سيكون لديها رد أكثر عقلانية. لم يكن الزواج شيئاً أحلم به. لم أتخيل أبداً زفافي ولم أوفر أي شيء كي أتباهى به لهذا اليوم. لقد كنت عازفة عن الزواج وكان الزواج في نظري تقليداً بالياً وبعيداً كل البعد عن طريقة تفكيري، وكنت أخطط دائماً لتجنبه. أدركت الآن كم كنت محظوظة؛ لأني ولدت في مجتمع يعطيني حرية الاختيار. الفتيات وأمهن لبسن أثوابا غامقة ولم أر غير وجوههن وأيديهن في الضوء. لقد كانت فريجة صغيرة الحجم وسمراء، أما الفتيات فكن طويلات القامة وفاتحات البشرة. لقد كنت سعيدة؛ لأنني لبست قميصي الزهري الفاقع اللون ذا الأكمام الطويلة، ولقد حرصت أن أضع ساقي تحت تنورتي. لقد وصلنا في الوقت المخصص للتجمل ووضع المساحيق. وقد كان الاحتفال بالزواج يقام في خيمة الزوج البعيدة خلف الجبال، وكان الجميع سيصلون في الصباح الباكر؛ كي يأخذوا رخية إلى عريسها. وكان يجب على عائلتها أن تحضِّر طعام الإفطار لهم، وكان يجب على رخية أيضاً أن تستيقظ معهم في الصباح الباكر؛ كي تحضِّر الطعام حتى لو كانت هي العروس ولكن كان في استطاعتها وضع المساحيق قبل ذلك. قرفصت حيية إلى جانب النار وبدأت تكشط الهباء إلى داخل كيس بلاستيكي موضوع في وعاء مسطح كبير. قال محمد: «إن الهباء يأتي من شجرة المتي، ومنها نستخلص أجود أنواع الكحل». (أما الوعاء الكبير فقد كان عبارة عن الصاج الذي يستعملونه للخبز على النار ويتكون الهباء تحته). وضعت القتيات الكحل المصنوع من أيديهن على أعينهن ناظرات إلى كسرة مرآة، وبواسطة عود صغير أملس، كن يلعقنه ثم يضعنه في الكحل، لطحوا حول أعينهن الغامقة هذا الكحل الأسود. لقد غيرن هيئتي أيضاً. ذهبت حيية إلى خيمتها و(جلست قريبة جداً وتشابكت حبال الخيمة بعضها ببعض) وأتت بفستان أسود؛ كي أضعه فوق ملابسي. كان الفستان دون أكمام وكانت بعض القطع من القماش تتدلى من جانبيه وكأنها أجنحة منسية. لقد كان سميكاً ومطرزاً باللون البني الذهبي حول الصدر والأطراف. كما وضعت شالاً زهري اللون على شعري وربطته خلف عنقي. لم أدر حين انتقت هذا الشال بالذات ليتناسب مع لون قميصي أم أنه فقط كان شالأ إضافياً لديها. وبعد ذلك جلست رخية إلى جانبي ونظرت إلى ححمد، لأخذ الموافقة، وبدأت بوضع الكحل على عيني. وبما أنني نادراً ما أضع مساحيق على وجهي، فقد اعتبرت الوضع استسلاماً و لكنه في الوقت نفسه ثمن زهيد يدفع لرؤية ما في داخل عالمهم وكان ذلك استباقاً لوضع الكحل داخل أهدابي (بالعود نفسه التي استعملته هي وبواسطة اللعق والغط والتلطيخ) وكانت ابتسامتها بالنسبة إلي، أكبر مكافأة. وعندما شربنا الشاي وقبل أن نذهب وضعوا الحنة على راحتي. كان خليط الحنة سميكاً ورائحته كزيت الكاز، يبدو أن الكاز يجعل لونه أغمق. ضحكن بخفة ولطخن المزيد وبعد ذلك أمسكت رخية كلتا يدي بينما لفتهما حيية بخرقة. ساعدنني على الوقوف وقالت رخية: «نراك غداً» و»تصبحين على خير» وذلك بلغة إنكليزية واضحة وحاولت أنا، وهن يعلمنني أن أقول الجمل نفسها بالعربية، فكانت النتيجة أن ضحكت فريجة. قادني محمد في الظلام المنار بالنجوم إلى مخيم نزال. كنت بحاجة إلى أن يضع يده بمحاذاة كوعي، وخاصة أن يدي كانتا مربوطتين وقدمي كانتا مقيدتين بسبب الفستان الطويل، وأعتقد أنني كنت أود أن يصلني بيديه. كنت أتذرع للاقتراب منه. »ديري بالك» وكانت ثرثرته المتواصلة دليلاً على أنه كان يريد ذلك أيضاً. لم أتوقع هذا. لقد جئت لحضور حفل زفاف بدوي ووجدت نفسي أمضي عطلة رومانسية. «أزيليها». كنت خجولة من الخِرَق، وربما من تسرعنا في التقرب من بعضنا، وذلك لأنني جعلته يزيل الخرق ومشيت وحدي عندما اقتربنا من الفندق. ذهبت مباشرة إلى الحمام وغسلت يدي. وبدأت أتساءل عن اللون الذي كانت العروس وأختها تريدان الحصول عليه. كانتا تريدان وضع الحنة قبل النوم والبقاء فيها كل الليل للحصول على لون غامق يدوم طويلاً. ومع أني فركت راحتي جيدًا فقد كانتا بلون العسل الغامق. وأما بالنسبة إلى عيني فقد كان الكحل مصنوعاً من أجود الأنواع؛ لذا كان من المؤكد أنه سيدوم عدة أيام. فقدت الأمل وخرجت كي ألحق بإليزابيث ومحمد وعلي وأبي ماجد البدوي ذي الشخصية الطريفة الذي دعانا إلى عشاء سمك. حفل زفاف بدوي عندما وصلنا إلى خيمة العروس في الصباح المقبل كان العريس والمرافقون قد وصلوا، وكان (المنسف) قيد التحضير. المنسف هو الأكل البدوي الذي يقدم في المناسبات، وهو عبارة عن لحم خروف أو ماعز يذبح في اليوم نفسه ويسلق لحمه في لبن الماعز، ويقدم على طبق مغطى بخبز الشراك والأرز الأبيض. بدت الخيمة صغيرة في ضوء النهار، فقد قزمتها التلال الصخرية والوجوه الحجرية العمودية. كان هناك بسط ممدودة في الخارج، وبقي محمد مع الرجال ولكن حيية أخذتني أنا وإليزابيث إلى داخل الخيمة. أبعدت النساء الأطفال؛ كي يفسحوا مجالاً للشباب أن يدخلوا أزواجا أزواجا يحملون الصواني الكبيرة، والبخار يتصاعد منها ليضعوها على الأرض. أتى صبي وسكب الماء وغسلنا أيدينا مرة ثانية، كان هذا أسهل علينا من أن نقول له: لقد غسلناها توّاً، وفي المرة الثانية تعلمنا أن نبتعد قليلاً كيلاً؛ يتناثر الماء على ملابسنا. قرفصت ست أو سبع نساء حول كل صينية، شددن بنا إلى الأسفل؛ كي نأكل معهم وحثونا على الأكل بحفنات صغيرة بأيدينا. إحدى النساء دفعت بقطع اللحم باتجاهنا ولكننا أكلنا أقل ما يمكن أكله. كان لون اللحم رمادياً، وكانت رائحته غنية وغريبة، كانت هذه أول مرة نأكل فيها المنسف ومع أننا لم نر أي ألسنة أو رؤوس أو أعين (لأنها كانت جميعها في أطباق الرجال) فإن لحم الماعز المطبوخ باللبن كان شيئأ يجب التعود عليه، خاصة لوجبة الإفطار. أعدت حيية غرفة بواسطة وضع سجادات صغيرة تدلت من فوق الخيمة. جلست رخية هناك وبدت جميلة. أظهر الكحل الأسود جمال عينيها، أما الشال الأبيض الحريري الشفاف فقد زاد من بياض أسنانها، والخيط الذهبي المزركش على عباءتها قد أبرز سنها الذهبي. وضعت يديها وراحتيها في حجرها. أخذ الطعام من المكان وغنت النساء والبنات بصوت عال، وسمعنا رجع صدى أصواتهن وزغاريدهن يرتد من وجوه الصخور. أخذت امرأة قارورتي عطر ورشتهما على الجميع. عندما دخل والد رخية إلى غرفتها تزاحمت النساء حولها واسترقوا النظر من خلف الستارة المسدولة وأعطاها بعض المال، وعلمت لاحقاً أنهن كن يردن أن يعرفن كم من المال أعطاها. كان هناك الكثير من الحركة؛ وكان الرجال والصبية يغنون في الخارج، وجاءت النساء وغطين وجه العروس بشال ومن ثم غطين كل جسمها بالعباءة.وبعد ذلك رافقنها من غرفتها بكثير من الضوضاء والألوان والغناء وإطلاق الرصاص (في الهواء ولكن برصاصات حية ومن بنادق ومسدسات حقيقية) أخذوها حول التل والى سيارة الشحن الصغيرة التي كانت تنتظرها. زجَّنا محمد مع عدد كبير من البدو في سيارة شحن ذات قفص عال يحمي الناس من الوقوع، وكان هاجسنا الأكبر أنه من الممكن أن نسحق. استمر الغناء وإطلاق الرصاص. ثم مررنا بالسق ورأينا هذا الشريط السماوي مرة ثانية وصعدنا إلى قرية وادي موسى، وبعدها مررنا بالجبال ومن ثم نزلنا في طريق حصى ملتو إلى وادي بيضة. لم نعد نرى أي خيمة سوداء أو أي بيت حجري، وكان هناك رجل كبير في السن يقف في منتصف الطريق يلوح بمسدسه في الهواء. «أبي،» قال محمد (ولما لا يحدث هذا في مكان مهجور ومجهول!). «إنه يريد أن يدعو القطار إلى خيمته. إنها العادات، فمن يمشي يحتاج إلى شرب الشاي» من الواضح أن هذا الحدث كان سيكتب في التاريخ، لأنها كانت أول مرة يأتي الموكب بالسيارة. لم نكن بحاجة إلى شرب الشاي. أطلق والد محمد بعض الأعيرة النارية في الهواء محتفلاً، ومن ثم وضع مسدسه في حزامه وصعد إلى المطب ومن هناك انطلق، أما نحن فتابعنا المسير إلى نهاية الطريق الترابي الملتوي، حيث كان مخيم عائلة العريس. يا له من مشهد بين الجبال الصخرية المستديرة ذات اللون العسلي! والذي اندفعت فيه إلى الأعلى صخور منحدرة من الوادي المنبسط، وكانت الخيام قد جهزت بالأعلام التي كانت ترفرف في ذاك النسيم العليل. وضعت الشاحنات الصغيرة متا عها، وصاحب صوت إطلاق الرصاص المتواصل والغناء والزغاريد المبحوحة موكب العروس إلى الخيمة. بقي الرجال في الخارج (وبقينا معهم) أما النساء فسحبن رخية إلى الداخل وتزاحمن وراءها. وعندما خفضن رؤوسهن تحت السقف القليل الارتفاع امتزجت أغطية رؤوسهن وقبعات الأطفال الذين كن يحملن مع ألوان قطع القماش التي كانت تزين مقدمة الخيمة. ولم نعد نرى إلا فساتينهن الطويلة التي تعلق بها أطفالهن الآخرون وهم يتدافعون ويغنون ويبكون. كانت هناك خيمة أخرى حيث جلس الرجال. كان باستطاعتي أن أرى البُسُط الزاهية الألوان التي مدت على طول الخيمة بتؤدة؛ وذلك لأن العروس قد سلمت الآن. كان هناك علم أردني أخضر وأبيض وأسود وفي وسطه مثلث أحمر ونجمة بيضاء سباعية، منصوب على أحد السواري، وعلم أبيض آخر منصوب على سارية أخرى. قال محمد: إنه لا يستطيع أن يقف بجانب خيمة النساء ولكن كان يجب علينا أن ندخل ونجلس، وهكذا قدمنا إلى الفتاتين الصغيرتين فاطمة ووضحة وتركنا معهما. تدربت وضحة وفاطمة على اللغة الإنكليزية معنا وقالتا: إنهما سكنتا ودرستا في البتراء وإنهما في الصف السادس. لقد تركتا فينا انطباعاً جيدأ، فقد كانت لغتهما الإنكليزية أفضل بكثير من لغتنا العربية. كانتا تلبسان فساتين قصيرة إلى الركبة وسراويل تحتهما، وكان غطاء رأسيهما منفوشا بفعل شعرهما الغزير الأسود. أصرت وضحة أن تأخذ إليزابيث في الحال؛ كي تلبسها الهندام المناسب، حيث إن إليزابيث لم تأت معي إلى صالون رخية وحيية الليلة الفائتة. لم يأخذ الأمر وقتاً طويلاً، فسرعان ما وجدوا لها فستاناً وشالاً وأكثروا من وضع الكحل. الجميع كان يضع الكحل، وخاصة النساء والرضع الذين ما زالوا في القماط. كنت على يقين أنه ليس من الممكن أن تكون عيون الشباب شديدة السواد إلى هذه الدرجة! أما عينا إليزابيث وبشرتها السمراء فجعلتاها تبدو كأنها بنت عربية. بعد ذلك قررتا أن تعطيانا أسماء عربية. لم أسمع قط بأسماء عربية من قبل باستطاعتي لفظها أو على الأقل تفضيلها. عندما اقترحت فاطمة اسمها، وبدا لي أن الأمر سيسعدها، وجدت أنه علي ألا أجادل في الأمر. لم يخطر ببالي قط أن هذا الاسم سيعمر وأنه سيلازمني مدة أطول من هذا اليوم، أو أنه كان علي أن أتمعن أكثر في انتقائي هذا. اكتشفت بعد ذلك أن اسم فاطمة له ميزات عدة، فهو اسم ابنة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، المفضلة، وأن كل عائلة لديها ابنة اسمها فاطمة، وأن من تحمل هذا الاسم سوف يقترن اسمها باسمي في كل مناسبة اجتماعية. اختارت إليزابيث اسم بسمة، وكان اسماً قد سمعت به إليزابيث من قبل وأحست بأنه مرتبط باسمها (وما زالت أختها عندما تكاتبها تبدأ: «عزيزتي بسمة»). امتلأت بقع الخيمة المظللة إلى حافتيها بالنساء واستمر الغناء. تربعت النساء وتزاحمت في مجموعات صغيرة، وكانت رؤوسهن ملتصقة بعضها ببعض، وأخذن يغنين وهن يتمايلن إلى الإمام والوراء بأصوات جهورة. أما أولادهن الرضع، فقد كانوا ملفوفين بصرر نائمين إلى جانبهن بالرغم من الحر والغبار والضجيج. ومدت الأمهات أيديهن محذرات ألا ندهسهم عندما كنا نحاول أن نتجول في الخيمة. كان لدى رخية غرفة صغيرة حارة مليئة بالبطانيات، وكانت تسميها خلة، وجلسنا معها لمدة. أتت النساء لتعطيها المال ولكنها بانت وحيدة. قالت: إنها لم تذهب إلى المدرسة ولكنها تعلمت الإنكليزية من السائحين. كنا نفهم ما كانت تقول: «هذا الرجل، لا أحب» وكانت تعني بالطبع زوجها. عندما قدمنا لهن السجائر أخذنها دون تردد، وقدمن لنا حلوى مصنعة في عمان من سكر مغلي محشوة بجوز الهند. «حلويات الناجد«، هذا ما كتب على العلب الفارغة التي تبعثرت في أرجاء الخيمة وكانت دبقة ولكنها في الوقت نفسه أضافت لوناً جديداً للمكان. التهمت النساء الحلوى، أما الأطفال فأخذوا ينتزعونها من بعضهم بأصابعهم الدبقة الممتلئة بالرمال وكانوا يبكون يريدون المزيد. جاء محمد وعلي ليزوانا بالسجائر. كان لدى محمد آلة تصوير فأخذ لنا صورة مع فاطمة وقالت له وضحة عن اختيار أسمائنا الجديدة. تجمع البدو كما يتجمع الناس على مشهد حادث سير وذلك لتؤخذ لهم صورة، وبذلك حصلنا على سجل ملون حافل لأرض مغبرة وصف من الأولاد غير السعداء ومجموعة من الوجوه السمراء ذات العيون الضيقة وفساتين وأثواب وقمصان وسراويل وأغطية رأس خضراء وبيضاء وحمراء وزرقاء وزهرية اللون وكثير من السواد. كما ظهرت بالصورة فريجة أم العروس وحيية أختها وأبو ماجد وسلامة المختار الذي سأسرد قصته فيما بعد. عرف الجميع أسماءنا البدوية، ولم ينس ذلك أحد. وضع محمد آلة التصوير وقال علي »ياالله، هيا بنا». انتقلنا من الضجيج والأتربة إلى مكان وصفه يفوق الخيال. تبعناهم إلى داخل واد يبعد بضع دقائق عن الخيام، وهناك خلف ستارة زهرية اللون من شجيرات الدفلى كان المدخل السري متخفياً وما إن دخلنا، أصبحنا في عالم آخر، ممرصخري محفورباليد يؤدي إلى واد ذهبي الرمال الناعمة، مرتفع الصخور، حسبت أنني دخلت إلى خزانة مليئة بالثياب. وكنا نسمع من وقت إلى آخر صوت الغناء وطلقات الرصاص، ولكن معظم الوقت كنا لا نسمعها. كان الوادي ضيقاً ومليئاً بالأشجار وبعض المجموعات من الشجيرات الصغيرة. كانت هناك كهوف مسودة وأحواض مائية عميقة محفورة بقاع الأجراف على كلا الجانبين. أزاح دليلنا البدوي بعض الشجيرات من الطريق؛ كي يمكننا من الدخول أكثر فأكثر إلى قلب الوادي العميق. ثم تبعناهم صاعدين درجاً محفوراً أدى إلى كهف عال في جدر الصخر. لا أدري أين قفزنا وأين كانت الدرجات المتآكلة، ولكننا مططنا أنفسنا بكل حرص وأمسكنا بأيديهما بكل قوتنا. كان في الكهف مقعدان محفوران وطاقات وسطح مقوَّس ومُطَيَّن في المؤخرة. أما سطح الطاقات فكان عليها رسومات كروم وعصافير وبعض الوجوه وكدنا لا نراها، ما لم يلفت محمد نظرنا إليها. يا له من مكان! كانت التشكيلات الطبيعية المرسومة على امتداد سقف الكهف الرئيس بألوانها الصفراء والبنية والبنفسجية تبدو كأنها صورة من المسيسبي، التقطت عن طريق الأقمار الصناعية، وتذكرت الدلتا المتدفق إلى أعماق البحر. أشعل محمد سيجارة وجلسنا على المقعد نتمتع بسماع صوت الزيز وصوت فحيح الضب وأغاني العصافير، أما علي فقد قدم لنا جرعات من عصير البرتقال. عدنا إلى الحفل وكان طعام العشاء قيد التحضير. وكان بعض الشباب يتباهون بمقدرتهم على الرماية فأخذوا يطلقون الأعيرة النارية من أسلحة مختلفة باتجاه أهداف مرسومة بالفحم على الصخور البعيدة. عرضوا علي أن أطلق بعض الرصاصات، ففعلت وأصبت أحد الأهداف. كان ذلك مجرد ضربة حظ أو ربما سلاح جيد (لقد قمت بالصيد مرة واحدة من قبل وكان ذلك في ويرو وكنا نتصيد بعض الحيوانات الثديية الصغيرة التي كانت ترمي بنفسها أمام أنوار السيارات في الليل) ولكنني لم أقل شيئاً، وهمت إعجاباً بنفسي. وبعد العشاء كان هناك رقص لم أره في حياتي. كانوا يسمونه السمر. اصطف الرجال أمام الخيمة، الكتف بالكتف يتمايلون قليلاً من جنب إلى جنب ويحركون الركب بطريقة لا شعورية. كان هناك قنديل واحد معلق في وسط الخيمة، وقدرت أن أميز محمداً من بدلته وابتسامته. كانت أقدامهم ساكنة، أما أثوابهم فأخذت تتحرك ببطء حين أخذوا ينشدون أشعاراً رائعة بصوت مختلف عن أي شيء عرفناه من قبل. كان الجميع ينصتون بكل جوارحهم؛ علهم يلقطون بعض الكلمات. لم أكن أتخيل كيف لهم أن يميزوا أي حرف من هذا السيل العارم من الكلمات. خرجت النساء من ظلام الخيمة وبدأن الرقص أمام صف الرجال، كانت عباءتهن السوداء تنساب وتهبط و كانت العيون المتخفية مشعة وكان الحماس جلياً للغاية. بعد ذلك بدأ محمد وأصدقاؤه يرقصون بسرعة أكثر، وما زالوا صفاً واحداً وبدوا كالأفاعي، يتلوون وراء قائدهم الذي كان يهز منديله بينما كانوا يخبطون الأرض بأقدامهم معاً وبوقت واحد. كان أحدهم يعزف العود أما الآخر فقد أخذ ينقر على صحيفة من التنك. كانت موسيقا من النوع الذي لا يقاوم؛ لذا عندما طلب مني محمد أن أرقص، مع أنه لم تكن هناك أي امرأة ترقص في ذلك الوقت، انتهزت كوني سائحة ورقصت طوال الليل أمام جمع من الرجال الفرحين، حتى بعد أن ذهب العريس مع عروسته إلى اخلة. وبعد ذلك أخذنا (أكياس نومنا) وخلدنا للنوم في شرفة وجه البناء الصخري النبطي. ظهر القمر فى الجبال وكان هلالاً، ولم يخفِ ضوءَه المشع بريقُ النجوم. أشرقت شمس الصباح المحرقة بسرعة؛ لذا لم نستطع أن نأخذ كفايتنا من النوم. كثير من الضيوف باتوا هناك، ولكن أنا وإليزابيث كان لنا الشرف أن نذهب لنتناول الإفطار مع رخية. تناول زوجها وجبة الإفطار مع الرجال. أعطتنا شالات ذات ألوان براقة من جهازها وهمست إلينا سرأ بأنها ستعود إلى البتراء في غضون أيام. «سوف ترون». حان وقت الرحيل. «كانت الشاحنات قد غادرت الليلة الفائتة وقال محمد: «سيكون سيراً جميلاً بين التلال». كان هذا جميلاً بالنسبة للبدوي، أما بالنسبة إلينا فقد يستغرق الطريق عدة ساعات. ولكنه كان طريقاً مختصراً، سبعة كيلومترات، بالمقارنة مع خمسة عشر. مشى معنا أبو ماجد ومهدي صديق محمد السعودي. لم يكن مهدي يتكلم الإنكليزية على الإطلاق، لكن هذا لم يمنعه من مغازلة إليزابيث، ولم تتمنع هي؛ لأنه بدا أنيقاً جداً بثوبه الحريري ومنديله الأحمر والأبيض. جلسنا خارج الخيام بجانب ضفة النهر الجافة التي التفت بين التلال الصخرية المخططة بلون العسل. أشار محمد بذراعه إلى تل رملي وقال: «هنا نقَّبت السيدة الإنكليزية«، ولكننا لم نتوقف لمعاينة آثار العصر الحجري، (جرى التنقيب من قبل عالمة آثار إنكليزية اسمها دايان كيربرايد) لأنه كان يجب علينا أن نتسلق وندخل كومة التراب؛ كي نطل على الخنادق التي حفرتها. «يالله» صرخ مرشدانا المؤدبان ذوا المناديل، وهما يقوداننا إلى طريق الماعز بجانب الوادي وإلى الأعالي حيث كانت هناك هضبة زاخرة بحقول بقايا الزرع المحصود. أخذ محمد ومهدي يغنيان ولم يستطيعا أن يبقيا الموسيقا في داخلهما. طار عصفور من الشجيرات وبرق وميض لونه الأبيض والأسود. أما صنادلنا فعفرتا في المعبر الترابي. نزلنا في واد، وكانت الجبال الشامخة فوقنا والقمم الدائرية تحيط بنا من كل جانب، وعلى أطرافه رأينا الأشكال الدرامية مأمواجها الحمراء والبنية واللبنية والوردية وجميع الأطياف، وبدت كأنها معرض فني في الهواء الطلق. وقفنا لشرب المرطبات. كان النبطيون قد نحتوا بركاً في جوانب الجبل؛ لتتساقط فيها المياه من شق في الصخرة. وشربنا بكل جرأة من علبة قديمة وجدها محمد مرمية هناك، وكنا سعداء؛ لأننا استطعنا أن نرشح الماء، بطرف منديله، من العشب الذي كان يطوف على سطحه. وتابعنا المسير وضاق الوادي وتسلقنا بصعوبة بالغة إلى الداخل والخارج عبر جدول رملي. كان شعرنا مزيناً بأزهار الدفلى وكانت أنوفنا محروقة بأشعة الشمس. وهنا رأينا الأدراج المتهالكة تتلاشى كحلم على وجه الصخرة الدائرية، وإلى الشمال كان هناك مدفن ذو واجهة من الأدراج، وفي الأمام واجهة ذات قوس. كنا نسمع أصوات أطفال ونهيق حمار. لم يعد مرشدانا يمسكان بأيدينا. (اكتشفت بعد ذلك أن الأسلوب العربي والبدوي يراعي أمور»السترة» وهي الحماية وعدم خدش الحياء). مررنا بكهف مظلم مليء بالدخان، وبعد ذلك مررنا بمنزل يبدو مثل قصر ذي نوافذ وباب وشرفة صخرية حية. وكانت فاطمة هناك تناديني مؤكدة لي الترابط الذي بيننا بسبب اسمنا الموحد. ونادت: محمداً؛ كي يأتي بنا لنشرب الشاي، ولكننا لم نتوقف، وفي منتصف النهار وصلنا إلى المنزل لننام و نرتاح من الليل الذي سهرناه راقصين. لقد أيقنت أني مغرمة بمحمد عندما كان يغني وهو يدلنا على الطريق عبر واد صخري مليء بنباتات الدفلى. لِمَ لمْ أنتبه إلى ابتسامته عندما قابلته لأول مرة؟ لا أعلم، ولكنني لاحظتها الآن. أحببت أسلوبه المليء بالثقة والبهجة. كان يشعل لنا السجائر ويقدمها لنا، وكانت هناك عادات أخرى تدل على كرم الأخلاق، عادات كنت قد كرهتها كامرأة متحررة في نيوزيلندا. بدأت هذه العادات تعجبني الآن. أصلح منديله الأبيض والأحمر ودفع بأطرافه المعقودة فوق رأسه إلى داخل لفة بدوية طريفة، وابتسم لي. لم أعد أرى بدلته المحاكة من القماش المصنع. لقد أصبحت مفتونة مسحورة. لم أكن أعلم أنه الحب. نعم لقد كنت مفتونة بمحمد وتمتعت بكل الأيام التي أمضيناها معاً، ولكن كانت هناك أماكن أخرى وددت رؤيتها وأناس آخرون أردت مقابلتهم، وكانت بطاقة إليزابيث إلى بيروت ستنتهي في غضون أسابيع. كان يجب علينا أن نمضي وأن نقول: إلى اللقاء مرة ثانية. القدر والقسمة لو كانت هناك سفارة لبنانية في دمشق أو لو قدرنا أن نحصل على تأشيرة دخول عند الحدود لما كنت عرفت أنني أكثر من معجبة بمحمد. إنها مشيئة الله! كانت الطريقة الوحيدة للذهاب إلى لبنان هي عبور الحدود إلى الأردن والذهاب إلى السفارة اللبنانية في عمان. عندما ختم لنا المسؤول في الحدود الأردنية شهراً آخر للدخول إلى بلاده، خطرت لي فكرة. لم أكن بحاجة للذهاب إلى لبنان، كان على إليزابيث فقط الإقلاع من هناك. لم يكن لدي أي التزامات ولا خطة مسبقة. أستطيع الذهاب ثانية إلى البتراء والبقاء مع محمد وآنذاك سأفكر إلى أي جهة سأرحل. لقد كان مرحاً والبقاء معه لن يكلفني شيئاً. ودعتني إليزابيث ودعت لي بالتوفيق وتمنت لي احظ ووعدتني أن تبقى على اتصال بي. ذهبت إلى احزنة مرة ثانية وأسرع محمد إلى هناك. «كنت أفكر فيك الآن» قالها بحماس بالغ، وأيقنت أنه حقاً كان يفكر في وأنه كان سعيداً لرؤيتي كما كنت أنا سعيدة لرؤيته. وبعد ذلك كان محمد يمزح ويقول للناس عندما يسألونه: كيف تقابلنا؟ «لقد كنت أتصيد وشبكتها بالصنارة». أعتقد أنه من تلك اللحظة أيقن أنني قد ابتلعت الطعم ولم يأخذ وقتاً طويلاً كي يسحبني إليه. وبعد بضعة أيام، بدأ الجميع يتحدث بأننا سنتزوج. أما في نيلسون وفي السبعينيات وفي عالم تحرير المرأة والعيش المشترك بالخطيئة، كان الزواج فخاً لا يجب الوقع فيه. (لقد مزحت وقلت له سأفكر بالأمر، ليس فقط كي أتخلص من كنيتي الهولندية المعقدة، ولكن حتى آخذ اسم الزوج كان أمراً غير مطروح). إن الزواج هنا غاية كل فرد. أعرف الآن لماذا قالوا: إننا سنتزوج، لقد قالوا ما كانوا يفكرون فيه، فمن الواضح أنني كنت أبحث عن زوج، وأن محمداً كان بحاجة إلى زوجة، وكنا نحب رفقة بعضنا، و في الوقت الذي ظننت فيه أنه ضمن دعم القبيلة كلها، ضحكت كثيراً عندما سألني بعض الرجال ذوو العيون المضيئة، ذات يوم عندما كنا جالسين أمام الخيمة: إذا كنت أريد الزواج من محمد. «ويدك تاخذي«؟ وبدؤوا يقنعونني أن محمداً رجل «كويس». وكان الكلام أكثر جدية عندما أقبل صديقاه الضاحكان علي وعوض وانفردا بي، وقالا: «محمد (فري غوود)، سيكون زوجاً صالحاً» وأن الزواج فكرة جيدة. شعرت بالاضطراب والتوتر وقلت لهما: إن هذا ليس من شأنكما، ولم أكن أعلم أن هذا كان "التكتيك" البدوي. المشكلة لم تكن محمداً. لم يكن عندي في حياتي صديق أوسم منه. كان صغير الحجم وقوياً ورشيقاً كماعز الجبل. كانت بشرته سمراء وشاربه أسود وابتسامته مشرقة. أنفه كان كامل الجمال بشكل يلفت الأنظار. كان دائماً يمزح بكلمات لا معنى لها، وكان يطبخ طعاماً لذيذاً وجعلني مركز اهتمامه. كان أيضاً محط اهتمام الجميع، كانت النساء الكبيرات في السن يقبلن يديه، وكانت الفتيات تخبزن له، عندما كان أصدقاؤه يأتون كانوا يرقصون ويمزحون. اعتبرت نفسي محظوظة؛ لأنه لم يكن متزوجا من قبل. لم يزعجني كهفه أو طريقة معيشته. أعجبتني أيضاً فكرة العيش دون أقساط منزلية وفواتير كهرباء ووجود غرفة واحدة للتنظيف. لم أعتقد أيضاً أن زواجي من محمد سيعني أنني سأعلق في البتراء، فقد كان يحمل جواز سفر وكان متحمساً جدا؛ كي يستعمله. المشكلة كانت في الزواج. لقد كنت راضية بالأمور كما كانت عليها، فقد كنت أسير معهما إلى الخزنة كما كنا نشرب الشاي من البائع ونجلس إلى جانب النار أو بين الصحور الغربية، حيث كنا نغسل ونسبح، وكنا نصعد إلى كهف عال، حيث كنا نجلس على السرير في ضوء المساء وكانا يتحدثان وكنت أدع الكلمات تنساب من حولي وكنت أتمتع بعدم المشاركة بحديثهم أومع أي صديق آخر. كان علي يأتي بالعصير ويشوي لنا الدجاج حول نار صغيرة بواد مليء بأشجارالعرعر، وكنا نعود الى الكهف ونغني معاً: «ليلى، ليلى، ليلى»......... بدأ الناس يرتابون ويتساءلون ماذا كنت أفعل هنا إذا لم أكن أريد الزواج من محمد؟ حذروه، وقالوا له: إنه من الممكن أن أكون جاسوسة. لذا بدأت أفكر جدياً بالأمر. لقد كان والداي قدوة حسنة لي وتعلمت منهما أن الزواج التزام وارتباط أبدي، ولم أكن واثقة أن محمداً، الذي كان دائماً مشغولاً بالضحك والمزاح (وأحببته لذلك) كان يقدر هذه الأمور. «سوف أهرم وسوف تغطي وجهي التجاعيد» قلتها محاولة التهرب. كان لي شعر أشقر وبشرة مسمرة صافية وكنت أعرف أن هذا لن يدوم إلى الأبد، لم أكن أهتم بمنظفات الوجه والكريمات، وكان عندي بعض التجاعيد على جبيني. وقالت لي إليزابيث: إن المنطقة المحيطة بعينيي سوف تتجعد بسرعة إذا لم أبدأ بوضع نظارة شمسية. «ولكنك ستكونين زوجتي وسأحبك في كل الأحوال» قالها بإصرار. كان محمد يوحي بأنه سيبقى عزباً إلى الأبد، ولكنه كان يؤمن أن على الإنسان أن يفتح عينيه ليجد الشخص المناسب؛ كي يستقر ويكوِّن عائلة. وعلمت لاحقاً أنه كان يرغب في زوجة أجنبية. حدثني صديقه الألماني كارل، عندما زار البتراء منذ أحد عشر عاماً، عن محمد الذي تعرف عليه آنذاك. «لم يكن سعيداًبأنه فقط سائق حمير» «كان يريد أن يدرس الإنكليزية في الطريق«، هكذا قال لي كارل. وعندما سألته: لماذا تريد أن تتعلم الانكليزية قال لي: «أريد أن أتزوج امرأة أوروبية». «إنه لمن دواعي سروري أن أتعرف عليك أخيراً». ولكن الأجانب من أمثالي، قالوا لي: إنه يجب علي أن أتوخى الحذر. «هل أنت متأكدة أنه غير متزوج«؟ وقال لي أحدهم: «إن البدو لهم تقاليد غريبة» وقال الآخر: «إذا مات زوجك يجب عليك أن تتزوجي أخاه». الأمر الوحيد الذي عرفته، أنه غير متزوج. ضحك محمد كثيراً عندما قلت له ما سمعت. «لا أدري من أين يأتون بكل هذه القصص، ربما هذا سيحدث إذا هي أرادت، لأنه يجب عليه أن ينفق عليها وعلى أولادها بطبيعة الحال ومن الممكن أن يناسبها الأمر». مع أنني لم أرد أن أفكر في الطلاق ولكنني كنت أود أن أعرف إذا كان موجوداً، تماماً كمن يتفقد مخارج النجاة عندما يركب الطائرة، ويأمل ألا يحتاجها. «طبعاً إذا لم تسر الأمور على ما يرام، فسوف نطلق«، دون أن يقول لي: إن الطلاق أسهل مما أتصور، سيقول لي فقط: «أنت طالق«، ثلاث مرات. أردت أن أفكر بوضوح فسافرت إلى لندن. وبعد ثلاثة أساببع أمضيتها في البيوت المنحدرة والحانات المحلية مع الأصدقاء في دونكاستير وادينبيرغ وكارليسيل وثلاثة أسابيع في هولندا المنظمة والتي أمضيتها مع أقاربي المهتمين بالموضوع، عرفت أن المكان المفضل الذي كنت أريد حقاً أن أكون فيه، كان البتراء مع محمد. ارتكبت الطائرة عائدة؛ لأتزوج. وفي السنين التي تلت، وعندما كان الزائرون يأتون ويعرفون أنني أسكن في كهف مع زوج بدوي، كانوا يصفونني بالشجاعة والجريئة، ولكني شعرت أنني كنت مخادعة بعض الشيء. فقد فعلت ما كان هو الأسهل. لم يكن هناك أي فلسفة أو سياسة، فقط رجل رائع، رجل كان يبدأ نهاره بالصلاة، وكان يدعو الله أن يكون راضيا عنه وأن يكون والداه راضيين عنه أيضاً. وبعد ذلك كان يذهب إلى عمله ينفض منديله، ويخطو بمرح، بينما فعلت أنا ما أريد دون الاهتمام بأي شيء في العالم. كنت محظوظة. لم أكن متأكدة تماماً أنني فعلت ما يجب علي فعله، ولكني كنت متأكدة أن هناك كان طريقة واحدة لمعرفة ذلك. ألا وهي الزواج منه. المغازلة ضحك محمد عندما قلت له: إنه ليس من شأن أصدقائه أن يطلبوني للزواج. قال: «لم يقصدوا أن يغضبوك». «هذه هي طريقة البدو». ثم روى لي هذه القصة. قال لي: إن فريج كان قد بلغ الخامسة والثلاثين ولم يكن قد تزوج بعد. سمع عن زوجة مطلقة كانت تسكن مع أهلها في خيمتهم الصيفية في منتصف الهضبة المؤدية إلى معان. وعلى ما يبدو، كانت اختياراً جيداً، فطلب من صديقه سليمان أن يطري عليه وأن يعرض عليها وغبته في الزواج منها عندما يذهب إلى معان ليأتي بالمؤن. وبعد أسبوعين تقريباً رأى فريج سليمان مرة ثانية وسأله عما أجابت المطلقة. «آه، أنا آسف (يخوي)» أجاب سليمان. «لم أستطع أن أقنعها أن تتزوجك... ولكن الزيارة لم تذهب هباء فقد قروت أن تتزوجني»! كانت القصة طريفة بعض الشيء وليست مضحكة لهذا الحد، ولكنني الآن قد بدأت أعرف «طرق البدو» وأتساءل عما إذا كانت قصة حقيقية. لكنها كانت قصة محمد المفضلة، أعتقد أنه كان يحبها؛ لأنها كانت تصور سير أمور الحياة بأقدار عير متوقعة. شهادة زواج - لماذا؟ وبعد شهرين من تعارفنا، وفي الأيام الأولى من شهر رمضان ذهبت أنا ومحمد إلى عمان؛ لنتزوج. كان الزواج البدوي الاعتيادي لا يجدي نفعاً، فقد كنا بحاجة لأوراق رسمية؛ كي أستطيع أن أحصل على أوراق إقامة. جرت العادة بالنسبة للمجتمعات البدوية أن يتم الزواج دون إخراج أي أوراق رسمية. وبعد ذلك وفي الثمانينيات صدر قرار يلزم المتزوجين إصدار شهادات زواج. ذهب أهل زوجي إلى مكتب مؤقت وجاؤوا بشهادة زواج وعلبة شوكولاتة وزعوها على الأطفال والأحفاد والجيران، ولكن قبل ذلك، كان الزواج يتم بحضور الجالية ويحتفل به بذبح عنزة أو خروف. في ذلك الوقت وبعد التأكد والتحقق من أن العائلتين متفقتان وأن ليس هناك أي طالب زواج أحق بالعروس، عندئذ، كانت الخطبة ترتب. كان أهل العريس وأصدقاؤه يأتون إلى بيت الفتاة حيث يجتمع أهلها وأصدقاؤهم. كان هناك مجلس للنساء ومجلنس للرجال. كان والدا العريس والعروس يقرؤون بعض الآيات من القرآن ويتفقون على مهر العروس وعلى موعد الزواج. كان الرجل عادة يعطي بعض المال لأم العروس وأخواتها؛ كي يشترين لها ما تريد متمنين أن يكون المبلغ مرضياً. وكان العرسان بعض الأحيان يجتمعون أمام الشهود ويقدمون السكر لبعضهم، كعربون محبة، وبعض الأحيان كانوا أطفالاً، ولصغر سنهم، لم يحضروا مراسم الخطبة. وبعد عدة شهور أو سنوات وعندما يكون الرجل مستعداً والعروس قد نضجت، يتم الزفاف وتذبح الماعز، لم يكن هناك تبادل للخواتم ولم يكن هناك أوراق لتوقع. كان محمد يعلم أن هذا لم يكن مناسباً لنا، فقد كنا بحاجة إلى أوراق؛ لذا كان علينا أن نذهب إلى عمان. كان شهر رمضان، شهر الصيام الإسلامي، والذي كان خلاله المسلمون الورعون لا يدخنون ولا يأكلون ولا يشربون من الفجر (أي قبل شروق الشمس) إلى المغرب، وكان من غير القانوني القيام بهذه الأمور في الأماكن العامة. كانت البتراء بعيدة عن عين العامة وكان محمد لا يصوم فلم تؤثر علينا هذه القيود، ولكن الآن وقد قررنا أن نتزوج كان يجب علينا أن نهتم ونفعل كل ما يتطلب منا. كان محمد يأمل أن نتدبر الأمر ولم أكن أعلم أن الأمر صعب إلى هذه الغاية. كانت الليلة الغائتة مسلية؛ لأن ححمداً جهز المنبه وكانت المفاجأة كبيرة عندما علمت أنه كان لأحدهم في الوادي منبه ليستعيره! أما الآن فقد سلط محمد مشعلاً أمام عيني ولم يعد الأمر مسلياً. «قومي». لقد جهزت الشاي، «قال لي متلطفاً». حاول مرة أخرى «هيا، لن نجد أماكن غير شاغرة في (السرفيس). نعم، نظرياً، كنت أريد أن أتزوج، ولكن في الساعة الرابعة صباحاً كنت على وشك أن أغيِّر رأيي. كان الوقت بالنسبة لي - في الحقيقة - منتصف الليل. حاول محمد مرة ثانية، «يللا حبيبتي، يللا». تركنا الكهف القابع على حد الجبل وسافرنا عبر السق في الظلام. ومباشرة بعد صلاة الفجر تركنا وادي موسى في سيارة مرسيدس بنز مرصوصة بالركاب والمتاع. رؤية سيارة مرسيدس في نيوزيلندا كان شيئاً مميزاً وممتعاً، أما هنا فكنت أركبها دائماً مع أن أكثرها لم يكن من آخر الموديلات. (السيرفيس) هو عبارة عن سيارات خاصة مرخصة تقل الركاب عبر طرقات مخصصة كالحافلات، وكنا ندفع أجرة مقاعدنا فقط. لم يكن السائق صائماً هذا الصباح، فدخنا السجائر في الطريق. وصلنا إلى محطة الحافلات الجنوبية، مرآب (كراج) الجنوب، وركبنا سيارة أجرة أخرى لفت بنا عبر السوق وبعدها صعودا إلى المحكمة المدنية الرئيسة التي انتصبت إلى جانب جبل عمان. مدينة عمان مبنية على سبعة تلال (جبال صغيرة) تحيط بحوض البتراء. أخذ محمد يستفسر من الناس، وكان الجميع مستعدين أن يساعدوا. أولاً، كان يجب علينا أن نجلب ورقة من السفارة البريطانية تثبت أنني غير متزوجة. ركبنا سيارة أجرة ثانية وتوجهنا إلى جبل عمان. هذه المرة دفعت أنا. أعطيت السائق خمسة دنانير وفعلت مثلما يفعل محمد، وقلت له أن يحتفظ بالباقي. وعندما أسرعت السيارة أيقنت أن ما قرأته في عداد السيارة كان 450 فلساً (أقل من جنيه إسترليني واحد) وليس أربعة دنانير ونصف. لقد كانت دنانيري الخمسة تساوي 5000 فلس! يا للعنة! درس مكلف للغاية. لاحظ محمد تعبير وجهي وسألني ما الأمر؟ ولكنني كنت محرجة جداً أن أقول له ما حصل، فهززت برأسي وقلت له: «لا شيء». كان للسفارة سور حديدي، وكان هناك جمع من الشباب الأردنيين يحاولون الحصول على تأشيرة. حاولنا أن نقف بالصف ولكنهم أذنوا لنا أن نمر. اعتقدت في بادئ الأمر أن السبب كوني امرأة أجنبية، ولكنني أدركت بعد ذلك أنهم كانوا يسألون محمداً كيف ظفر بي وأنه كان محظوظاً، وإذا كان عندي أخت قد ترغب في أحدهم. الحصول على الورقة لم يأخذ وقتاً طودلاً ولكنهم قالوا لي: إنه يجب علي أن أترجمها إلى العربية وأن أعيدها مرة أخرى للتصديق. ولم أدر لماذا لم يكن عندهم مترجم هناك؟ وجهوني إلى ترجمان مرخص، وكان مكتبه في البلد في أسفل الوادي. كان يوماً حاراً وكنا قد عطشنا ولم يكن الماء مسموحاً بشرب الماء إلا بعد غروب الشمس. وتنقلنا من سيارة إلى سيارة وكم كنت شاكرة عندما أذن لي الجمع الذي كان موجوداً في السفارة أن أشق الصف إلى الأمام مرة ثانية. قام المسؤول بتصديق الترجمة بسرعة. بعد ذلك ركبنا سيارة أخرى إلى المحكمة. اعتقدنا أننا قد أنجزنا الكثير. خارج باب المحكمة وعلى جميع الأرصفة وعلى الأدراج وبطريقة محفوفة بالخطر وإلى بداية السوق، جلس الكتَّاب في دكاكين خشب صغيرة مؤقتة. كانت الطاولات القابلة للطي التابعة لهؤلاء الرجال المتعلمين مصفوفة جنباً إلى جنب تحت مظلات باهتة، وكان المكان مزدحماً بالأثواب والشالات المطرزة، وأناس يلوحون بأوراقهم يريدون طلبات لشهادات ميلاد أو وفاة أو زواج؛ لتكتب باللغة العربية الفصحى. أما الكاتب الذي وجده محمد فقد كان يرتدي سترة قديمة لماعة من آثار المكواة، وبالكاد رأينا وجهه المخبأ تحت منديله الأبيض والأسود والذي كان بالياً أيضاً. هز برأسه وأخذ ورقة طويلة وكبيرة. وعندما كان محمد يجيب عن أسئلته كان يكتب المعلومات المتعلقة بهمة وبخط متشابك ومفكك. التعقيد الأول كان اسمي، ليس فقط لأنه كان طويلاً وهولنديا. دقق محمد والكاتب جواز سفري وسألني محمد «ما اسم أبيك وجدك»؟ صرخت في أعماقي غير مصدقة. يا إلهي! «هذا جواز سفري؛ لذا يوجد عليه اسمي, أليس هذا من البدهي؟ ولم تريد اسم الأب والجد»؟ حاول محمد أن يوضح لي وأراني جواز سفره الثمين وأشار إلى الترجمة الإنكليزية: «محمد، أنا وعبد الله، أبي وعثمان، جدي والمناجعة، قبيلتي» لم أسمع باسم قبيلته من قبل. وكان هناك أيضاً مكان لاسم أمه، عقيلة. قلت لهم: إن اسم أبي مارتين، ولكن هذا لم يكن مجدياً لأن اسمه لم يكن مدوناً على الجواز. تركتهم يحاولون تدبير أمرهم ولم أكترث للطريقة التي سوف يتبعونها طالما أن الموضوع سيُحلّ وبسرعة. وبعد عشر دقائق كانت النتيجة: مارغريت، أنا وجين، أبي وفان، جدي وغيلديرملسن، قبيلتي. ولعدم وجود بعض الحروف المرادفة في اللغة العربية كان لفظ اسمي بالعربية مضحكاً وكأنه اسم آخر. لا أدري ماذا كانوا سيفعلون لو لم يجدوا لي اسماً غير مركب. أما اسم أمي فقد كتب بكل بساطة في العربية ودون أي تعليق. ناول محمد الكاتب بعض النقود وأخرج بعض الطوابع، من علبة معدنية صغيرة قرمزية اللون، وكانت صورة الملك حسين مطبوعة عليها. ألصق الطوابع على عمله المبدع ووقعها بحماس وهلهلة ومن ثم أشار والورقة بيده إلى أبواب المحكمة المفتوحة. وفي الداخل تردد صوت ضجيج الجموع وراء الحواجز الخشبية الغامقة اللون والسقف المنحفض. وجاء دورنا وقدم محمد الورقة للموظف الذي قرأها وأشار إلى الصفحة وبدا محمد مرتبكاً وغير متأكد، تبعته إلى الخارج؛ لأسمع ما سيقول. «يقول: إنه يجب أن نعود إلى المكان الذي يسكن فيه الزوج، أنا من البتراء يجب أن نذهب إلى معان». تذمرت قائلة: «هذا عظيم! لم لم يقل لنا الكاتب الذي كان في الداخل هذا الكلام«؟ رفع محمد كتفيه وهز برأسه وتأرجحت طرر منديله عندما ابتسم. كان كل هذا جديداً بالنسبة إليه أيضاً. كنا بحاجة إلى الطعام والماء، وكنا قد فقدنا الأمل اليوم، فذهبنا إلى كيفين وأنيس الزوجين النيوزيلنديين اللذين رحبا بي وبإليزابيث عندما وصلنا هنا لأول مرة واللذين ظلا يرحبان بي وبمحمد عندما كنا نأتي من البتراء. كانت أنيس من نيلسون وكنا نعرف بعضنا من أخوينا، أخي الأكبر وأخيها الأصغر اللذين كانا صديقين حميمين. عندما كنا في مصر علمت أمي أن أنيس وزوجها كانا يقطنان في الأردن فأرسلت لنا عنوانهما. عندما وصلت أنا وإليزابيث إلى عمان وجدنا رسالة في البريد، وبعد أن طلبنا الرقم بمدة وجيزة ظهر السيد كيفن بشكل درامي على ظهر دراجة نارية ذات مقعد جانبي وعرَّف بنفسه. عرض علينا كثيرون المساعدة عندما كنا ننتظر على الرصيف مع أمتعتنا، وتجمع حشد من الناس؛ ليروا كيف سيكون هناك متسع لنا نحن ولأمتعتنا على تلك الدراجة. رمى كيفن حقيبة إليزابيث في المقعد الجانبي وأمرها أن جلس في الفجوة المتبقية بحماس ورجولة، أما أنا فكان يجب علي أن أضع حقيبتي على ظهري وأن أكون الراكب الخلفي. تعلقت بسترة كيفن الجلدية ومضى بسرعة؛ ليأخذنا في طريق ملتو إلى جبل عمان وحول الساحات إلى منزله. رحبا بنا مع أنهما كانا مشغولين وكان عمر طفلهما جيسين بضعة أشهر وكان أهل كيفن يزورونهما، وعندهما بعض الناس من نيوزيلندا. كان منزلهما عبارة عن منزل لنا، حيث لم يكن لدينا منزل هناك. قالت أنيس: «خذوا راحتكم واخدموا أنفسكم». أحببت ترحابهم و(رفع الكلفة) وقمت بتحضير إبريق من الشاي وهيأت لنفسي «سندوتشاً )) من إدام الخضار وزبد ومربى لمحمد، بينما كنا نخبرهم عن يومنا المتعب. ضحكوا وخففوا عنا؛ فقد كان كيفن يعمل في شركة محلية وكان يدرك كم قد تحبطك البيروقراطية. وفي الصباح الآتي أخذنا سيارة أجرة إلى (مرآب) كراج الجنوب. عج الشارع الضيق المزدحم بالبنايات مما جعل الجو خانقاً. وكانت طاولات و كراسي أكشاك الطعام المقفلة مرصوصة فوق بعضها على الرصيف الحار. وكانت الحافلات وسيارات الأجرة بأبواقها المزعجة تحشرنا بين البائعين الذين كانوا يعرضون بضاعتهم من شفرات حلاقة وأحذية مستعملة. ودفع بنا جمع من المصريين الذين كانوا يفرغون حمولة شاحنتهم خارج ممرات المشاة. وكان بعض الرجال يفتحون أفواههم الخالية من الأسنان ويصرخون «معان، معان، البتراء، البتراء» فتح أحدهم باب سيارته المرسيدس؛ ليجذبنا إلى داخل السيارة التي كانت مليئة بالمناديل والشوارب، ولكن محمداً دفعني إلى الإمام. تبعته عن كثب ولم يكن هناك مجال لتشابك الأيدي هنا. كنت ألبس (دشداشة) مريحة ومحتشمة كانت طويلة، وأصبحت بعد أن غسلتها قصيرة تصل إلى أعلى قدمي، ولكني لم أغط شعري اللامع. ورمقتني أعين سوداء بريبة وفضول وظن. وكانت هناك سيارة أجرة نقل إلى معان، وفيها مكان لنا نحن الاثنان في المقعد الأمامي. كان عدد الركاب كاملاً، مما أمكننا من الرحيل مباشرة. وضع السائق يده على بوق السيارة ولم يتركه حتى شق طريقه من هناك. رجعنا عبر الصحراء، وكانت الحرارة في الساعة التاسعة صباحاً، تسعاً وثلاثين درجة، وجميع شبابيك السيارة بقيت مفتوحة. و بينما كان دخان السجائر ينفث إلى الخارج كان دخان المازوت والغبار ينفثان إلى الداخل. وكانت الشاحنات المحملة تدوي نحونا من وقت إلى وقت مغلقة خطوط الطريق السريع. كم أعجبت بسائقنا عندما كان يتخطى منعطفات الطريق، وكم مقته عندما كان يلحق الشاحنات الطويلة عند منعطف خفي. آه، كم تمنيت لو أنني لا أتقن قيادة السيارات. وصلنا إلى معان بعد ثلاث ساعات، ومن موقف السيارات مشينا في الشوارع الرملية المبسطة باتجاه مباني الإدارة التي كانت مبنية على مرتفع صغير بين أشجار صمغ متفرقة. كان هناك بعض الرجال، ولكن الطريقة التي نظروا فيها إلينا كانت توحي بأن أعينهم لم تقع على أي أجنبي منذ أن جاء لورانس إلى البلاد العربية. وخاصة على امرأة ذات شعر أشقر. أعجب الموظف بالطوابع القرمزية وقرأ الورقة وتجمع الناس في الغرفة؛ ليروا ماذا يجري. أعلن الموظف إلى الكل جمعاً وأفراداً (وترجم محمد لي)، أن المحكمة التي يجب أن تقصد يجب أن تكون في البلد الذي تقيم فيه عروس المستقبل، يجب العودة إلى عمان». صرخت قائلة: «لا أصدق ذلك! أنا لا أسكن في عمان، وعمان هي التي أرسلتنا إلى هنا«! وكان من البدهي أن محمداً كان يقول الشيء نفسه بالعربية، ولكن الموظف أشار إلى الورقة والطوابع وأمرنا أن ننصرف. اقترح محمد متفائلاً وقال: «دعينا نذهب إلى البتراء، بعد شهر رمضان، ونحاول مرة ثانية». أعتقد أنه كان اقتراحاً جيداً، لم أعد أريد أن أفكر في الأمر مرة ثانية. وكنت على يقين أنه سيكون عملاً شاقاً جداً. شهادة زواج - وأخيراً نجحنا وفي طريقنا إلى موقف الحافلات في معان أوقفنا رجل كان يعرف محمداً. تصافح الرجلان وتبادلا القبل على الوجنتين عدة مرات. أوضح لي محمد «هذا أبو علي، والد علي«، «أمه تكون أخت والدي». لم تكن هيئته كهيئة محمد، فقد كان طويلاً ذا وجه مدور ويدين ضخمتين. أخذنا من موقف السيارات إلى جادة مغطاة بالغبار الأبيض، تقع بين جدران طينية وعلى جانبيها بعض أشجار النخيل. لقد أيقنت مباشرة أنه سيستضيفنا. فتح باباً خشبياً في الجدار ومنه دخلنا إلى ساحة بيضاوية الشكل ذات ثلاثة أبواب على اليمين، أما على الجانب الأيسر فقد كانت هناك كتلة جدارية، وكان باستطاعتي أن أرى وراءها حديقة الجيران. أدخلنا من الباب الأول إلى غرفة في غاية النظافة مطلية باللون الأبيض. دخل الضوء اليها من باب وشباك صغير بمحاذاته. خلعنا صنادلنا ودخلنا إلى الظل. كانت الأرض الإسمنتية باردة وناعمة كالحرير. جلست على فرشة سميكة محشوة بالصوف وطويت قدمي تحتي واتكأت على بعض المساند المرصوصة، ولكن أم علي أقبلت بحماس، وكان يجب علي أن أقف مرة ثانية. انحنت وقبلت يد محمد. قدمني محمد لها وقال: «هذي مرتي» أمسكت وجهي بكلتا يداها الناعمتين الكبيرتين وتفحصتني بود بعينيها السوداوين. كان يجب علي أن أميل إلى الأسفل؛ كي أتقبل قبلات الترحيب على وجنتي. جاءت فتاة صغيرة وأعطتها صينية الشاي وغصت أنا بين المخدات. تربعت أمامي على الأرض الإسمنتية وصبت الشاي من إبريق أزرق براق في كأسين صغيرين فيهما بعض الأوراق الخضراء. وفاحت رائحة النعناع في الغرفة. وضعت الكأسين المليئين بالأوراق الخضراء أمامي وأمام محمد. كانت هي وأبو علي صائمين. رشفت قليلاً ثم اتكأت إلى الوراء. وبعد ذلك غيرت مزاجي وبدأت أتمتع بشرب الشاي الحلو المذاق ذي طعم النعناع. وتركت صوت حديثهم يمتزج مع بعض الطقطقة من الحديقة والصراخ البعيد وضجيج السيارات. بدأت أتساءل كيف يستطيعون أن يصوموا؟، كيف يقدر أبو علي أن يتحمل الشارع الحار المغبر؟، كيف يستطيع أن يقاوم الإغراءات؟ حتى لو لم تكن عطشان أو لا تقدر على الشم فإن الكؤوس اللماعة والشاي العنبري واخضرار الأوراق وحتى لون الإبريق الأزرق والصينية المعدنية الملمعة كانت كلها تغري. أشركني محمد في الحديث وقال: «جميع الأطفال الصغار صائمون». وكان صوته مفعماً بالإعجاب وبعض الحرج؛ لأنه لم يكن صائماً وربما موجهاً سؤالاً لي: ما رأيك؟ ولكني لم أستوعب. لم الامتناع؟ ما هو المقصود؟ من سيعرف؟ لم أقل أي شيء بصوت عال؛ لأنني كنت مسترخية لدرجة أنني لم أكن أبالي. قدموا لنا طعام الغداء وكان عبارة عن خبز منتفخ ساخن ووجبة صغيرة مؤلفة من البصل وكبد الخروف، فقد كان طعاماً لذيذاً. «كويس» قلت لأبي علي الذي قرب الصينية إلي وأعطاني المزيد من الخبز. حذرني محمد قائلاً: «لا تأكلي كثيراً، فإن الأطفال الصغار سيأكلون ما تبقى» وآهكم انزعجت لأنه لم يخبرني ذلك من قبل، لكنت أكلت أقل بكثير. وبعد ذلك استرخينا ولم نعد نستطيع الرجوع إلى البتراء؛ لأن الوقت كان منتصف النهار وعلى الأغلب لم يعد هناك سيارات. كان أبو علي يعرف شخصاً ما يعمل في المحكمة، وأراد أن يأخذنا في المساء؛ لنرى إذا كان بإمكانه إصدار ورقة جديدة تنص على أنني أسكن في البتراء أيضاً. كان يجب علينا أن نحاول ولم نستطع القيام بأي شيء حتى ذلك الحين. خلد محمد للنوم. اكتشفت البنات في المطبخ وجلست أراقبهن وهن يحضرن وجبتهن. «اسمي بسمة» «عمري أحد عشر عاماً «قالت الفتاة الكبرى. «في المدرسة أتعلم الإنكليزية. هذه أخت، هذا أخ». «أنا فاطمة» لقد تعلمت أن أعرف نفسي، وكانت هذه هي كل المحادثة التي استطعنا أن نقوم بها. تربعت معهم على أرض المطبخ الإسمنتية، وكنت فرحة لوجود جدارما. أخذن يراقبنني وهن يبتسمن بحياء وشجعنني على محاولة حشو الباذنجان والكوسة بخليط الأرز المبهر واللحم المفروم. وفي آخر المساء ذهبنا لرؤية صديق أبي علي الذي يعمل في المحكمة. جلسنا على فرش من الإسفنج المطاطي وحشرنا في الشرفة الأمامية لمنزل مربع كبير. كان هناك جدار عازل للريح يحيط بالمنزل وبعض أشجار الزيتون المزروعة في أرض بيضاء قاحلة. جلست زوجة الصديق ووالدته معنا وقدمت لنا حلوى بشكل نصف قمر محشوة بالفستق الحلبي وكانت لذيذة جداً. كلما قضمت لقمة نَزّ منها سائل سكري حلو المذاق. قالت: «حلوى رمضان«، «قطايف». على أي حال، لم تكن هناك أي طريقة لتغييرورقتنا. أعتقد أنه كان أمراً طريفاً و جديداً بالنسبة لهم، وفوق ذلك كله، عرف الجميع في المحكمة أنني أعيش في عمان وكانت الورقة مليئة بالأختام. ولسبب ما، أصبح الرجوع إلى البتراء غير وارد، لعلنا كنا قلقين أن نغير رأينا. وفي الصباح الآتي وبعد الكثير من القبل الناعمة من الأطفال قمنا بالرحلة مرة ثانية: طريق الصحراء السريع والمرسيدس المفتوحة النوافذ وتكسي المدينة إلى المحكمة في عمان. لحقت بمحمد وانتقلنا نحن وأوراقنا من نافذة إلى أخرى، و بدأت أفقد صبري واعتقدت أنه يجب علي أن أجد طريقة أسرع من هذه؛ خاصة لأنهم أرسلونا إلى معان دون مبرر. أردت أن أتكلم مع أي أحد قد يساعدني. قال: «كلا» وتلفت حوله؛ ليتأكد أن أحداًلم يلاحظ غضبي «يجب علينا أن نكون حذرين. لا نريد المشكلات. ستكون الأمور على ما يرام إن شاء الله». لقد كان على حق. بعد قليل جاء أحد المسؤولين وأخذ استمارة أخرى وبدأ يمليها بينما كان محمد يجيب عن أسئلته ويترجم لي الأسئلة المتعلقة بأموري. وكانت: «هل أنت عذراء أم مطلقة«؟ و»لماذا ترغبين بالزواج«؟ لقنني محمد الأجوبة المقبولة وترجمها للمسؤول. وقعنا الاستمارة وخرزها الرجل مع الورقة القديمة التي كانت معنا. توجه محمد إلى باب ثان. «ماذا الآن«؟ أردت أن أعرف. «يجب علينا أن ندفع الرسوم ثم نذهب إلى الشيخ». «حسناً، فقد اعتقدت أننا اقتربنا من الانتهاء. ولكن لا، يا له من حظ تعيس! لقد صرنا في وقت الظهيرة وكان المحاسب قد أغلق شباكه؛ لأنه كان عليه أن يذهب إلى البنك؛ كي يودع المال، حيث إن البنك سيغلق أبوابه الساعة الواحدة والنصف، و كان ذلك، دوام رمضان». أراد كيفن وأنيس أن يسهرا في المساء، وأردنا أن نقدم لهم خدمة فبقينا في المنزل؛ لنعتني بطفلهما إلى أن يعودا. عند طلوع الفجر يوم السادس والعشرين من شهر آب «أغسطس» وعندما فتح المحاسب شباكه، كنا في أول الصف. دفعنا الرسوم وأخذنا عنوان المسجد الذي يوجد فيه الشيخ الذي سوف يتمم مراسم زواجنا. كان يجب علينا أن نأخذ شاهدين معنا، ولذلك ذهبنا إلى فندق فيلادلفيا، حيث أكد لي محمد أنه يعرف واحدا هناك. كان فندق فيلادلفيا في ذلك الوقت أشهر فندق في عمان، لكنه الآن قد هدم. كان قد بني على الساحة الأمامية من المسرح الروماني القديم. وكان له طابع الفخامة الاستعماري، فلم أشعر بالارتياح هناك (مع أنني انتهزت فرصة استعمال الحمامات هناك، وأي فرصة). كان مالكو الفندق يملكون أيضاً مخيم النزال، فكثير من الموظفين عملوا هناك؛ لذلك كان لابد لأحدهم أن يكون من قبيلة البدول ( معظم البدو الذين يسكنون في البتراء كانوا من قبيلة البدول. ولكن محمداً لم يكن مثلهم)، لذا معظم البدو المنتمين إلى قبيلة البدول كانوا يأتون ويجلسون في الفندق عندما يأتون إلى عمان. وجدنا عوض الذي اعتقدت أن وجوده هناك لم يكن بمحض المصادفة، كان قد ذهب إلى الحلاق و هذب شعره بمجفف الشعر. كان يلبس عادة منديلاً أبيض وأسود، وكان هذا الطراز يظهر رجولته أكثر من تجفيف الشعر وتصفيفه بهذه الطريقة. كان يرتدي قميصاً ضيقاً وسروالاً عريضاً من الأسفل كمعظم الشباب الذين كانوا يجوبون الشوارع آنذاك. قال لنا: إنه سيكون في خدمتنا. أما الطباخ أبو سليمان الذي كان يعمل في مخيم النزال فقد وافق أن يساعدنا ريثما ينهي تقديم وجبة الغداء للنزلاء. كما أصر أن نتناول الطعام، خاصة أننا كنا في شهر رمضان، ولم نكن نستطيع الأكل في الطريق العام؛ لذا فقد أكلنا. وفي المساء كان باستطاعة الناس الأكل في الحديقة ذات الأعمدة والجدران المنقوشة، حيث تسلقت أزهار الياسمين، أما الآن فقد كانت غرف الطعام العالية الأسقف والمغلقة هي التي يقدم فيها الطعام. عندما انتهينا من الأكل وأنهى الطباخ عمله أخذنا سيارة أجرة واتجهنا إلى المسجد. توقعت أن أرى قبة مطلية بالذهب أو أي قبة، ولكن هذا المسجد كان في الطابق الثالث لعمارة إسمنتية بسيطة في البلد قرب مكتب البريد. صعدنا إلى قاعة الصلاة المفتوحة والتي كانت مفروشة بالسجاد ولم يكن هناك أحد، لا شيخ ولا متعبدون. صعدنا قليلاً إلى أعلى الدرج؛ كي نسترق التدخين، على السطح، فوجدنا هناك مكبر صوت معلق على الجدار الخارجي من الدرج، وكانت هي الإشارة الوحيدة التي كانت تدل على وجود مسجد في البناء. وقلت بيني وبين نفسي لقد ضاع يوم آخر. ولعل هذا اليوم لم يكن اليوم المناسب. كانت هناك ضجة في الأسفل عند باب الشارع. لقد وصل الشيخ أخيراً. وقف يهز برأسه ويشير إلى ساعته، وفي هذا الوقت كان أبو سليمان قد أوقف سيارة أجرة وبدأ محمد يفقد الأمل. «ياالله، يا ناس» واكتشفنا بعد هذا كله أن هذا الشيخ الذي كنا محتاجين إليه أكثر من أي شيء في الدنيا، لم يكن الشيخ الذي قصدناه؛ فالشيخ الذي كنا نريد رؤيته كان في المنزل، في عطلة! كان يسكن في جبل (الويبدة) وبما أن الشوارع في عمان كانت غير مرقمة وليست لها أسماء، لم يكن باستطاعتنا إيجاد منزله دون دليل. وذلك الشيخ لم يكن يريد أخذنا إليه؛ لأن كان عليه أن يؤذن وينادي للصلاة بعد عشرين دقيقة. كان هذا سبباً كي نسرع أكثر وأكثر! كم وددت لو أخطفه. ربما أدرك الشيخ ما وصلت إليه حالتنا فتردد قليلاً ثم ركب السيارة وأثوابه تتمايل. هرعنا خلفه وبدأنا نشكره شكراً جزيلاً بينما أسرعت السيارة في الشوارع الضيقة ذات الأسوار الحجرية. «تفضل«، دفع محمد أجرة السيارة ليعود بالشيخ إلى المسجد؛ حتى يستطيع أن يؤذن للصلاة في وقتها. لم أكن أفكر في هذا الأمر، فقد كان شغلي الشاغل أنني سأتزوج الآن. رحبت بنا سيدة وقالت: «أهلاً وسهلاً». وأدخلتنا إلى الغرفة الأمامية. بدت هذه الغرفة كأنها مزيج من غرفة استقبال ومكتب. جلسنا على مقاعد محشوة متقابلين وبيننا عدة طاولات زجاجية صغيرة. وعندما دخل الشيخ، كان علينا أن نتحرك كي نفسح له مجالاً أن يدخل بصعوبة وراء مكتبه الخشبي الغامق الملمع. كانت هناك رفوف للكتب معلقة على الحائط وراءه، وعلى الحائط الآخر كانت هناك لوحات موشاة بالذهب لآيات من القرآن الكريم. معلقة واحدة تلو الأخرى. لم يتذمر الشيخ؛ لأننا أيقظناه من قيلولته. وبعد أن عرف أننا قد جئنا من البتراء، طلب من زوجته أن تأتي لنا بالشاي والقهوة؛ فالمسافرون يعفون من الصيام. (أعتقد أنها فكرة جيدة). لقد كانت علامات الارتياح تبدو على وجهه. كان في منتصف العمر، وبالرغم من لباسه وثوبه وبشرته الشاحبة (من عدم التعرض للشمس) فقد شعرت بالارتياح له. وسرعان ما أيقن أنني لا أحتاج إلى موكل من الذكور، وذلك لأنني كنت في الثانية والعشرين من عمري؛ لذا، ومن جهة قانونية، كنت قادرة على أن أمثل نفسي بنفسي. وكنت حريصة أن أثبت لهم أن من يقرر مصيري هو أنا وليس أبي أو أخي أو عمي. حتى الرسالة التي أرسلتها إلى والدي لم تكن قد وصلتهم بعد. هذه حياتي وكانوا أبعد شيء عن تفكيري الآن. كانت مقدرة الشيخ الإنكليزية معقولة. قال لي وهو يعبئ شهادة الزواج، «أنت مسيحية وليس واجبا عليك أن تصبحي مسلمة لتتزوجي وجلاً مسلماً، ولكن إذا أردت أن تغيري دينك أستطيع أن أحضِّر هذه الأوراق أيضاً». مسيحية... مسلمة... لم يكن الدين يعني أي شيء بالنسبة لي، وكان من الممكن أن أسلم إذا كان هذا ضرورياً لإتمام الزواج أو إذا أصر محمد. (كونه مسلماً كان مهماً جداً بالنسبة إلى محمد، حتى لو لم يكن يصلي أو يصوم). أما الآن فأصبح عندي اختيار. الإسلام... المحمدية... مسلم ... كل هذه الكلمات لم تكن تعني لي شيئاً. أجبت: «إذا لم يكن علي أن أغير، إذن لن أغير«، لقد كان الزواج خطوة كبيرة وكافية لهذا اليوم. (كنت مسرورة؛ لأنني لم أرد أن أكون منافقة تجاه الدينيين). أكمل وقال: «يجب أن يُحدد مبلغان من المال ليكتبا في عقد الزواج. أولهما المهر، الذي يدفعه الزوج عادة إلى والديك وحسب القانون يجب ألا يكون هذا المبلغ أقل من ربع دينار». (لقد سميت هذا المبلغ سابقاً بثمن العروس، ولكنه في الحقيقة مهر يدفعه العريس، وإذا أخذ الأهل المال وجب عليهم أن يجهزوا المنزل الجديد بما يعادل المبلغ المدفوع، ولكن جرت العادة أن يطلب الربع دينار كنقد رمزي لعقد الزواج). رفض محمد تحديد المبلغ. وكنت أحاول أن أقدر كم بقي في جيبه، على الأكثر تبقى القليل بعد كل هذه الرحلات التي قمنا بها. اقترحت بحذر: «خمسة دنانير». لم يفاجأ الشيخ لقلة المبلغ فكتبه، لم يطلب من محمد أن يعطيني إياه. وقال بعد ذلك: «أما المبلغ الآخر، فيدفع في حال الطلاق». لقد كنت أريد أن أتأكد أن الطلاق ممكن، ولكنني لم أكن أعلم أنه سيكون جزءاً من عقد زواجنا. وأصر الشيخ أن يفسر لي: «إذا أراد محمد أن يطلقك فيجب عليه أن يدفع لك، وإذا أردت أنت أن تطلقيه فيجب عليك أن تدفعي له، ولكن يجب أن يشترط المبلغ الآن». أحسست أن الأمر بات أكثر جدية، فلقد تعرفت على محمد منذ شهرين؛ لذا بدأت أفكر إن المبلغ يجب أن يكون كافياً في حال، إذا ما رماني محمد إلى الشارع، سأستطيع الذهاب إلى عمان وأتدبر أمري حتى تأتيني مساعدة, وفي الوقت نفسه ليس بالمبلغ الكبير الذي من الممكن ألا أحصل عليه إذا جرت أمور فظيعة أجبرتني على الرحيل. لا أصدق أنني فكرت هكذا بكل هدوء. «خمسون دينارًا» قررت ذلك بكل بساطة آملة ألا تكون حساباتي خاطئة. كتب الشيخ المبلغ و أكمل قائلاً: «إذا كانت هناك أي شروط أخرى يجب أن تحسم الآن. بعض الناس يطلبون بيتاً».... بدأت أتساءل ما معنى كل هذا وربما كان علي أن أكتب أن محمداً قد وافق على الذهاب إلى نيوزيلندا يوماً ما، ولكن محمداً اختصر الموضوع وقال: «ثقي بي. لن تحتاجي أن تكتبي أي شيء آخر». وقعنا شهادة الزواج. وكان الشاهدان على الزواج، عوضا وأبا سليمان وفتح الشيخ علبة الختم ووضع آخر ختم عليها. وبقيت أنا، كما أنا، من عائلة فان غيلديرملسن. وفي الشارع كشر محمد، وقال: «لا أملك نقوداً الآن. سأدفع لك الخمسة دنانير لاحقاً». وكان شاهدنا عوض، يمزح ويقول: إن محمداً لن يدفع أي مهر. ومع أن محمداً لم يدفع لي أبداً الدنانير الخمسة، سرعان ما أصبح ماله ومالي ملكنا نحن الاثنين. لم أتعلم أبداً أن أصرف المال كما كان محمد يصرفه؛ وذلك بإسراف وسعادة تامة. وفي كثير من الأوقات كنت أشتكي متبرمة من الأشياء التي كان يشتريها، ولكن في النهاية كنت أتمتع باسرافه أو أستفيد من عائدات ما كان يعيد بيعه. أهل الزوج عندما وصلنا أخيراً إلى المنزل في اليوم الثاني في الظهيرة، كانت هناك خيمة سوداء منصوبة أمام كهفنا. استأجرنا شاحنة؛ لتأخذنا من وادي موسى، ووافق السائق أن يتعارك مع الطريق الضيق الذي التف حول التل نزولاً إلى الكهف وحول مسار السيارة من الطريق الرئيس إلى الوادي الذي كان يؤدي إلى أماكن قي الجنوب والغرب، أماكن كانت تستعمل من قبل الناس والحمير، ولكنني لم أر مركبات عليها من قبل. قال محمد: إن هذا الطريق كان قد استعمل لحفريات الكتوتة وهي مكب النفايات النبطية جنوب أسوار المدينة؛ لذا فقد كان عريضاً بما فيه الكفاية لمرور مركبة. خرج محمد من السيارة عدة مرات لإزالة بعض الصخور المنهمرة٠ وعندما وصلنا صاحت أخت محمد ذات الشعر الشائك وركضت إلى الخيمة. أما أبوه فقد أقبل إلينا عندما منشينا إلى التل وقال لي محمد: «خاطبيه: عمي وقبلي يده». لم أفكر بأهل الزوج... ولا حتى بتقبيل الأيادي. لم أستطع أن أفعل لا هذا ولا ذاك. همهمت: «مرحبا» بينما أخذت يده الممدودة وصافحتها بكل جرأة. وأظن أني نظرت إليه عيناً بعين. لم يكن أطول من محمد، وكان يشبهه بعض الشيء مع أن وجهه كان يبدو أضيق وكان شاربه أكبر وأسمك. أما حاجباه فقد كانا مختلفين بشكل ملحوظ، إذ كانا موصولين عند عظم الحاجب، وكأن أحدهم لطخه بكرم حاتمي. بينما حاجبا محمد كانا مستقيمين وتربعا فوق جفنيه الناعمين. عندما ابتسم لي، بالرغم من عدم تقديمي قبلة الاحترام، ارتفع خداه السمراوان تماماً كابنه. لقد عاش محمد مستقلاً، ومع أني تعرفت على أهله في بيئته التي تبعد مئات الأميال، بكل سذاجة، لم أفكر بهم بتاتاً ولم أتخيل أنهم سيكونون جزءاً من حياتي. هاهم الآن أقرب إليَّ من حبل الوريد. لقد توفيت والدة محمد منذ أحد عشر عاماً وتزوج والده مرة ثانية. جاءت زوجة أبيه وقبلتني على الوجنتين. كانت أطول من زوجها، بطولي تقريباً. وكانت وجنتاها سمراوين وناعمتين، وكان هناك وشم منقط أزرق على جبينها وحول فمها. وكانت تفوح منها رائحة الماعز والخشب المحترق والتبغ المحلي. كان اسمها مؤلفاً من مجموعة أصوات لا يمكن تخيلها، وتجنبت أن أقولها. كان اسم ابنها الصغير لافي الذي صافحني بجدية. ومع أنه لم يكن هناك أحد يلقبها بأم لافي، إلى أن توفي زوجها عبد الله عام 1987 . قررت أن أشير إليها من الآن وصاعداً، بأم لافي. عندما يسألني أحدهم ماذا كان رأي أهل محمد بزواجه من أجنبية، كنت أرد وأقول: «أعتقد أنهم كانوا فرحين؛ لأنه وجد زوجة... لم يضطروا إلى أن يدفعوا لها! كانت لمحمد سمعة بأنه زير نساء، ولم يكن يملك أي ماعز أو خراف، ومن المؤكد أنه كان من الصعب إيجاد أي أهل يقبلونه زوجاً لابنتهم. لم أكن أعلم هذا، ولكني عرفت بعد ذلك أن من يتزوج بأجنبية يعدونه قد صاد صيدا ثمينا. أما أخوات محمد طفلة ونزيلة وندى ومريم فلحقوا بنا إلى الكهف وراقبوا بعيون كبيرة كل حركاتنا. قال لي محمد: إنه أيضاً شيء جديد وطريف بالنسبة لأخواته؛ لأنهن لا يرونه كثيراً. لقد تنفست الصعداء في اليوم الآتي عندما نقل أهل زوجي خيمتهم إلى موقع مقابر القصر. وهناك وبعد أسبوع تقريباً بدؤوا يحتفلون بزواجنا. ومن حسن الحظ كان تحضير الحفل على أهل العريس، ولم أكن قد وفرت أي مال لدفع مصاريف الاحتفال. كانوا كل ليلة - بوجودنا أو عدمه - يقدمون القهوة والشاي ويدعون الرجال للرقص. لم يرسلوا دعوات لهذا الاحتفال أو للحفل الكبير الذي كان سيعقد رابع يوم العطلة في نهاية رمضان، وهو رابع يوم العيد، ولابد أن الجميع قد أخبروا بعضهم؛ لأننا كلما ذهبنا إلى هناك وجدنا الكثير من الناس وكنا نسمع أصوات غناء السمر التقليدي يتردد عبر الجبال، حتى بعد ذهابنا إلى خيمتنا. مع أنه كان من الواضح أنني لا أتكلم العربية، ولا أعرف كيف أحلب عنزة ولا كيف أخبز أو أشعل ناراً ومن المؤكد أنني لم أكن أنوي أن أعتني بأهل زوجي، فقد أرادوا أن يقيموا حفلاً ستحكي عنه الأجيال طوال السنين القادمة. الجغرافيا والتاريخ القديم. وذات مساء استمعنا إلى احتفال زواجنا من فوق الجبال. قال محمد: «هل نذهب الى القصر العالي«؟ وكانت نبرة صوته كأنها تأمر ولا تسأل. لقد كنت أعرف أن القصر العالي كان موقعاً مهماً كالدير، وكنت أعلم أيضاً أن المكان ليس بعيداً، ولكن لم أكن متحمسة للصعود هناك؛ لأن اسم الموقع لم يوح إلي بصفات تذكر. ومن ثم قال لي «هيا يا حبيبتي». وكان لهذه الكلمة تأثير كبير لإبعاد كل تردد أو تأمل، وهكذا انطلقنا. لففنا فرشة صغيرة وابتعنا سجائر من نوع غولدستار وبعض القطع من الجبن المصنع وعلبة من السردين وفتاحة علب وطلبنا من أحد سكان الخيام أن يتصدق علينا بخبز الشراك، واتجهنا إلى أعلى التل وراء الكهف. أعتقد أن الطريق الذي سلكناه لم يكن طريقاً للسائحين، مع أن مناظره كانت ساحرة. بدا كأنه خط مستقيم ما بين الكهف وأعلى الصخرة. تسلقنا بأيدينا وأرجلنا إلى الأعالي. وصعدنا إلى معرض طبيعي من الكهوف والأدراج المحفورة من الحجر الرملي ذي الألوان البني والأحمر والأبيض وأمواج ودوائر من التراب الحديدي الأحمر، كما رأينا قنوات ماء بدت وكأنها أفاعي. كان محمد يغني عندما كان يدفعني بين الصخور ويمشي أمامي في الممرات المحفورة. وعند أحد الجدران تسلق فوق كتقي ومن ثم رفعني إليه وكأني لا أزن شيئاً، مما رفع من معنوياتي. وكان نبات العلقم ونبات العرعر ونباتات أخرى لم أكن أعرف أسماءها في ذلك الوقت، متعلقة بالتشققات الصخرية مشكِّلة بساطاً دافئاً من الجيوب ذات الرائحة الجبلية. وأحياناً كنا نرى ضباً فزعاً يحف فوق العشب الجاف ويدب فوق الصخر. وصلنا إلى هضبة صخرية بلون الحديد الأحمر وأخذنا استراحة قصيرة وجلسنا وأرجلنا تتأرجح من أعلى الحافة الهاوية. وامتدت البتراء تحتنا وكأنها خريطة مسكونة. وكان باستطاعتنا أن نرى سطح كهفنا الصخري والخيمة المنصوبة لحفل زفافنا. وكنا نرى أيضاً الفتيات يسقن الحمير محملة بالتنك، وقطيع الغنم يتوالى نازلاً من على الدرجات الصخرية، وجامعي الحطب والفرسان يركبون الأحصنة بكسل، وبائعي التذكارات، كما رأينا البدو يعودون إلى خيامهم. لقد أصبحت جزءاً من قبيلة كانت بالنسبة إلي بكل بساطة، مجرد بدو رحل. كنت لا أعلم تحديداً ما معنى (البدو) وإلى الآن أجد صعوبة في وصفهم. ومع أن كثيراً من العائلات استقرت في البتراء ولم تعد تجوب الصحراء مع قطعان الماعز تبحث عن الماء والطعام، ما زالت هذه العائلات مصرة على أنها ما زالت بدواً. لقد كان هذا نوعا من الانتماء العرقي، فقد كانوا يشعرون بارتباط أقوى مع قبائل البدو الأخرى لا يشعرون به مع مزارعي وادي موسى (الذين كانوا يربون الماشية ويصنعون بيوت الشعر للمسكن الصيفي) أو إلى النّور الذين كانوا يجوبون الصحراء عاكفين على بيع بضاعتهم، ولكن النظرة إليهم كانت متعالية؛ لأنهم كانوا بلا جذور. ولزيادة الأمور تعقيداً بالنسبة إلي، كان محمد قد ولد في كهف في الدير، ولكنه لم يكن من قبيلة البدول مثل الآخرين الذين سكنوا البتراء، لقد كان من قبيلة الناجعة التي كانت تقطن في رأس النقب إلى الجنوب الأقصى. انتقل والد محمد إلى البتراء بسبب زوجته التي ترعرعت مع قبيلة البدول؛ لأن أمها كانت من البدول، ورجعت إلى البتراء بعد أن توفي والدها الذي كان ينتمي إلى قبيلة المناجعة. ولكن هذا الاختلاف لم يكن له تأثير كبير على القبول، فتلقائياً كان كل أولاد عبدالله يُعدون من البدول، ولكن هذا الاختلاف أثر على حياتنا نحن بطريقة ألطف وأفضل، فبما أن محمداًلم يكن له أقرباء، لم يكن مضغوطاً من قبل عم أو خال ليقولوا له ما يجب فعله، ولم يكن له أبناء عم أو أبناء خال ليتحمل وزر أخطائهم أو سيئاتهم فيوجب عليه أن يدفع الثمن، والأهم من ذلك كله - ولم أكن أعرف هذا آنذاك - أنه لم يكن هناك أحد مجبر أن يعطيه زوجة. لقد رحب بي وقبلني الجميع، والحقيقة أنني أدركت بعد وقت طويل أنني بزواجي من محمد أصبحت جزءاً من شيء أكبر مني، وأنه لن يكون هناك فقط محمد وأنا وحدنا. قمنا بتحضير مخيمنا، فعلقنا الطعام على غصن شجرة العلقم ووضعنا باقي الأشياء على صخرة وانتشرنا لبضع دقائق حول فقاعات الحجارة الرملية العسلية اللون وإلى سلسة الجبال الهرمة، ومن ثم إلى المذبح الذي صنع من قبل النبطيين في المكان العالي. لم يكن هناك أي مخلوق. لم يكن المكان العالي كالدير؛ فالدير كان وجهه إلى جانب الجبل أما المذبح فقد كان محمد يسميه بأرض القتل. ولصنع هذا المذبح اقتطع النبطيون من أعلى الجبل الدائري الرملي الحجارة، وتركوا منصباً مرتفعاً حول الأطراف الثلاثة من الساحة المربعة المسطحة. وفي الوسط صنعوا فراشاً حجرياً واحداً. وإلى الغرب مسطح صخري بداخله وعاء مقعر وساقية، وهكذا صنع المذبح بنحت فجوة صخرية بعرض الحوض وعمق الخصر. لابد أنهم عندما خططوا لهذا العمل اهتموا كثيراً بدقائق الأمور؛ كي لا ينحتوا أكثر مما يجب. بحث محمد بالمذنب خلف المذبح عن علب البيبسي. قال لي: إنه كان يخفيها هناك عندما كان يبيع المشروبات للسائحين، فقد كان هذا عمله الإضافي. كان هذا منذ عشر سنوات عندما كان محمد يعمل نادلاً في مخيم نزال. فكان عندما يقدم لهم طعام الإفطار يستفسر عن الموقع الذي يريدون زيارته، وكان عادة المكان العالي في الصباح، وحالما أنهى تنظيف الطاولات من الأطباق وأنجز عمله وضع كيساً مليئاً بالمشروبات على كتفه وانطلق إلى الطريق المختصر. جاء السائحون عبر ممر من الأدراج وبعدها إلى دهليز للاحتفالات محفور لجمهور من المتعبدين، ولكن تسلقه كان صعباً من أي جهة كانت، وهكذا كان محمد يبيع الكثير من المشروبات. كان يدس العلب غير المفتوحة؛ كيلا يحملها مرة ثانية عند النزول. وبعد الغداء كانت المجموعات تذهب عادة إلى الدير وهكذا كان يفعل. وعندما كان يتجمع لديه شحنة كبيرة من العلب الفارغة كان يستأجر حماراً ويذهب إلى دكان الحاج نصر في وادي موسى؛ كي يبدلها بعلب مملوءة، وذلك قبل أن يهرع مسرعاً لتقديم طعام العشاء. جلسنا قليلاً في المذبح وكان هواء المساء بارداً وحلَّق صقر إلى الطرف وحامت عصافير الدوري؛ لتنقض على الحشرات الهائمة في الهواء. وعبر السنين القادمة، وببطء تغلغلت أسماء الجبال التي حولنا، في مفرداتي، وأما الآن فقد كان محمد يعرفني بها لأول مرة. إحدى السلاسل الجبلية التي اسمها الشراة امتدت عبر الشرق من الشمال إلى الجنوب، وحجبتنا عن العالم. وعلى كتف الجبل كانت قرية وادي موسى، وهي عبارة عن بقعة من أشجار الزيتون وتحتها، - وهي التي كانت تبدو قريبة جدا لدرجة أني كنت أشعر بأني أستطيع لمسها - جثم جبل خبثة ذو مرتفعات الحجارة الشاحبة. وأما الهضبة التي كانت تمتد إلى الجنوب من لحف جبل الشراة كان محمد يسميها حريمية، والهضبة البيضاء السفلى التي كانت تتجه نحو الغرب، فقد كان يسميها، السطوح. كانت هذه الظلال تمزج، عبر الغرب، الجبال بإطار متكامل عاكس شمس المغيب. أما إطلالة جبل هارون فقد بدت كأنها مساجد من القرن الثالث عشر، متربعة على قمة جبل. أما جبل البرة وأم البيارة وأم زيتونة وأم سيسابانا فقد امتزجن نحو الشمال لتلتقي بأم صيحون، الشرخ الطويل ذي اللون الزهري القاتم الذي امتد إلى الوراء نحو الشرق وارتفع إلى منتصف طرف جبل الشراة ليكمل الدائرة. وفي مخيم أشجار العرعر جمعنا العيدان الجافة، و كان محمد يغني و يصنع لنا الشاي. وبينما كنا نأكل السردين وخبز الشراك، بانت النجوم في السماء. وتحرك درب التبانة فوقنا، وبعد ذلك تلاشت لألأة الأضواء من وادي موسى، ووضح لي محمد: »لقد أطفئ المولد الكهربائي». لم يكن هناك كهرباء لمئات من الكيلومترات... وأصبحت السماء كلها درب التبانة. لقد عرفها محمد جميعاً، وادي الحليب ونجمة الشمال والقدر. جلست أفكر في فريق (الإيغلز) وأغنيتهم التي تعول: «شعور مسالم، شعور مريح.... أريد أن أنام في الصحراء وملايين النجوم حولي» غنيت وحدي... كان محمد يسمعني ولم يميز إذا كنت مخطئة أو صائبة. كم كنت معجبة بصوتي. وبينما كنا نستمتع إلى غناء حفل الزفاف، تجاهلنا بكل بساطة نباح الكلب الذي انساق إلينا من الأسفل. نمنا على الغطاء المبطن بأشواك العلقم والأرض الرملية. وعند طلوع النهار استيقظت مع ضوء الشمس، وهمت في الصمت العميق. ولمدة لا بأس بها كنا في عالمنا الخاص وتبختر طائر الهدهد وطأطأ برأسه ثم طار بغمضة عين. وبدأت أصوات بدء النهار تتعالى ببطء: نهيق حمار وراع يحث ماشيته على المضي وأصوات حوافر الأحصنة متوجهة إلى السق، وهنا في القصر العالي المزيد من العصافير التي كانت تغرد لتوقظ العالم. كان يجب علينا أن ننهض؛ فقد كان على محمد أن يجهز بعض الأشياء لحفل الزفاف وهكذا، بعد شرب إبريق من الشاي وأكل بعض الخبز والجبن تدحرجنا عائدين إلى الكهف. حفل زفافنا البدوي لقد كان معاونو محمد، لترتيبات الزفاف، كُثراً، مما ساعد في اكتساب الوقت الذي كاد يسرقنا. ودون سابق إنذار، جاء أخوا لافي وسالم وإبراهيم لتقديم المساعدة. لقد كانوا أيضاً أولاد عقيلة وكانوا يشبهون بعضهم كثيراً ويشبهون محمداً أيضاً. وعلى مر السنين، وإذ لم يجلسا جنباً إلى جنب لم أكن أميز بينهم. بينما كان أصدقاء محمد يقنعونني بالزواج من محمد، كان إخوته يعملون في الشركة الصينية التي كانت تبني طريقاً في وادي عربة عند قعر البحر الميت، حيث كان هناك مشروع صناعي لاستخراج «البوتاس» إلى ميناء العقبة. وبعد الزفاف حملوا أحزمتهم والتحقوا بعمل مع ورش مختلفة في الجنوب، ولم يكن لديهم أي عمل معظم الأوقات. أما سالم وإبراهيم ولافي وكل «النشامة» الآخرون (هؤلاء الشباب الذين يلبسون الثوب والمنديل ويضعون الكحل في أعينهم) فقد قاموا بإجراء الترتيبات بكل متعة وسرور. كانوا في الصباح يتجهون إلى الجبال وفي المساء، وعندما كانت الراعيات يرجعن إلى بيوتهن، كانوا يصلون على حميرهم المحملة بالحطب. أما أخوات محمد ندى ومريم فكانتا صغيرتين، أما طفلة ونزلة فقد كانتا تنقلان الماء بواسطة الحمير، وكانتا تقومان برحلة بعد رحلة لتفريغ التنك ببراميل تتسع لأربعين غالوناً من الماء. استعاروا قدوراً كبيرة و»صدورا» من الألمنيوم (أطباق كبيرة لتقديم الطعام قطرها بطول قطر دولاب الدراجة). كما استعاروا أيضا فُرُشاً صوفية وأغطية من الكهوف والخيام المجاورة في الوادي. كنت قلقة عليها، فقد كانت تبدو غير مستعملة، وكانت الأغطية نظيفة ومن قماش الأطلس والقطن الأبيض الناصع. قامت أم لافي بطيها طولياً بشكل شرائح سميكة وطبقتها فوق بعضها البعض في خزانتها الخشبية، المخصصة لحفظ الأغطية، التي سندتها بحجر عوضاً عن رجلها الرابعة المكسورة. وكانت أي صدمة توقع بها على الأرض الترابية فتنهمر كجبل ناعم، فما كان على مريم وندى وصديقاتهن إلا أن يرفعهن و ينجزن عملهن بسرور. ولم أكن أعلم الكثير عن مؤن السكر والقهوة والشاي والحلوى والذخيرة التي أتوا بها، إلا عندما ساعدت في دفع ثمنها. وبعد ظهر يوم بارد في ذات يوم حار، ذهبت أنا ومحمد إلى (عرقوب الجميعان) لجلب خيمة. فقد قامت عائلة بإعارتها لنا لزفاف بعد أن انتقلت لبعض الوقت إلى صخرة ظليلة مقوسة فوق متن الجبل، حيث كانت تهب رياح خفيفة. وكانت هناك أيضاً بقايا برج حجري دائري كان يستعمل كبرج مراقبة عند أسوار المدينة النبطية. إن (عرقوب الجميعان)، متن جبل على شكل ذقن معوج. لقد كان البدو يسمون المعالم الجغرافية تبعاً لأجزاء جسم الإنسان، ومنها: رأس النقب، وفم الوادي، والذنب، وبطن الوادي، والذراع (كالعرقوب ولكن أكثر تسطيحاً) وأسماء أخرى. سرعان ما قام جمع المساعدين بطي الخيمة ولفها، جاعلين إياها حزمة سوداء ضخمة جاثمة حول الأوتاد السوداء التي كانت تستعمل كأيدي لرفع الحمولة فوق الحمار. وكان الحيوان المسكين يتلاشى تحتها. وحملت حبال القنب وكيس من الأوتاد الحديدية وحزمة صغيرة احتوت على الجدار الخلفي للخيمة وبعض السواري على ظهر حمار آخر. مشينا أنا ومحمد إلى المنزل على مهل، أما سالم وإبراهيم فقد تسابقا وكأنهما يدفعان عربة يد هاربة، وكانا تارة يتعلقان بالسواري وتارة أخرى يلعنان الأولاد الذين كانوا يمشون بمحاذاتهما راجيين مساعدتهما بتلويح أيديهما أو بالصراخ على الحمير، ولكن هؤلاء الصغار أثاروا المزيد من الهيجان بسبب الدوران واللف حول الحيواذات الزائدة الحمولة وبان عليهم الخوف من أن يسحقوا تحت حمل قد يسقط. كانت خيام الزفاف الثلاثة منصوبة على صف واحد أمام قبر القصر الذي كان البدو يسمونه أم الصناديق؛ وذلك بسبب غرفه التي كانت تشبه الصناديق. كانت أم الصناديق مؤلفة من ستة طوابق، ارتفاعها وعرضها متساويان. ومع أنها حفرت بجبل كثبة، فقد بدا الجبل قزما أمامها. وخلال الاحتفالات كان ضوء القناديل يعكس ظلال الراقصين على واجهتها. وبين القبر والخيمة كان هناك حقل، ولكن لم يكن فيه أي عشب. كان البدول يزرعونه ويزرعون بقعاً أخرى في الوادي وقد أزالوا جميع الصخور التي كانت عليها، ولكن إدارة الآثار منعت الفلاحة داخل أسوار المدينة. كانت الخيام الثلاثة مربوطة بعضها ببعض، فواحدة كانت للنساء والطعام والفراش وبراميل الماء، وكانت منفصلة عن الخيمتين الاثنتين (اللتين كانتا للرجال وتسمى شق، وتعني قسم الرجال) ببساط باهر من اللون الأسود والأبيض ذي أشكال هندسية جميلة، معلق وكأنه جدار من وراء الخيمة وحتى نهاية الحبال من الأمام. كما أخذني محمد إلى وادي موسى؛ كي أبتاع مدرقة شبيهة بالفستان الذي استعرته من حيية لحضور زفاف رخية. لم يكن عند محمد أي مانع إذا ارتديت سروالاً (جينز) أو تنورة وقميصاً، ولكن يبدو أن زوجة أبيه كانت تضغط عليه. وبالرغم من أنه لم تكن العلاقة الغريزية بين الأم والابن موجودة بينهما، إلا أنها كانت تريد أن تعامله وكأنه ابنها. لو كانت العروس بدوية لكان من المفروض أن تهيئ لها حقيبة مليئة بالملابس الجديدة التي كانت ستتباهى بها أمام الضيوف. ولحفظ ماء وجهها، كان علي، على الأقل أن ألبس ثوباً جديداً. جرت العادة أن تطلب المدرقة المطرزة قبل عدة أسابيع لتجهز في الوقت المناسب، ولحسن الحظ وجدنا واحدة في اليوم نفسه. لقد كانت يسرى، المرأة التي باعتني إياها تاجرة ماهرة، فقد قالت لي: إنها كانت تطرزها لنفسها، وهكذا أصبحت بعد ذلك خيَّاطتي المفضلة. كانت المدرقة تفصل من قماش صناعي وذات طراز بسيط. كان لونها أزرق غامقاً ومطرزة بالماكينة باللون البني الذهبي الذي كان يغطي مقدمتها المفصلة على شكل حرف (في) بالإنكليزية، كما كان طولها يغطي أيضاً رسغ اليد والقدم. كانت حتماً ستنال الإطراء. لم يكن طولها كافياً، وبينما كنا نشرب الشاي، قصت يسرى الأكمام وأضافت بعض القماش على الأكتاف ومن ثم أخاطتهما ثانية. كانت المدرقات عادة دون أكمام؛ لذا كان علي أن ألبس تحتها سترة أخرى؛ لأن فتحة الثوب عند الرقبة كانت مفتوحة بعض الشيء، وكان عندي قميص قطني اشتريته بحماس. فتاة نيوزيلندية تذهب لأول مرة إلى شارع كارنبي في لندن! لقد بدا جميلاً ومناسباً عندما لبسته بدأت أشعر حقاً بأنني عروس. كنا نذهب إلى خيام الزفاف كل يوم تقريباً. كان الجو حاراً وساكناً. كان محمد يقوم بعدة أعمال، وكنت أنا بدوري، أضع مريم وندى على ركبتي ألاعبهما وأغني لهما أغاني الأطفال الأجنبية. وبعض الأحيان كنت أسرح في عالم من صنع خيالي. ومرات أخرى كنت جزءا من تسليتهم. كنت أعرف بعض الكلمات العربية فقط ولم أكن أتخيل أني سأقدر على تعلمها يوماً ما. كان وقع اللغة المحكية على مسامعي كالحروف المكتوبة، موسيقية وانسيابية ولكنني لم أقدر على استيعابها. وكنت أتفاجأ بعض الأحيان عندما كنت أتعرف على بعض الأصوات التي فاضت إلى مسامعي. (مبسوط)، كانت من أول الكلمات التي تعلمتها؛ لأن الجميع كان يسألني إذا كنت (مبسوطة). كان عندي مشكلة مع كلمات مثل (حما) و(حمار) فبالنسبة لي كانت الكلمتان تلفظان بالطريقة نفسها. حاولت حفظ الكلمتين في ذاكرتي، حاولت أن أسمع الفرق بينهما مراراً وتكراراً و أن أفرق بين هذه الحروف المششابهة ولكن دون جدوى. ولذلك قررت أن أقول: «أخ زوجي» أو سالم أو إبراهيم وألا أستعمل كلمة (حمار) كيلا أستعملها لكلمة حما. أصبحت هذه المشكلة كبيرة، خاصة عندما أصبح لدينا حمار وكنا نتركه يرعى وحده، وكان علي أن أمشي وأبحث عنه عبر التلال وأسال الناس إذا وجدوه. وبعد حين أكتشف أن الفرق لم يكن يتعلق بحرف الحاء، بل كان يتعلق بحرف الراء. إن كلمة «أخ الزوج» لم يكن فيها حرف الراء بتاتاً، لقد كانت فقط (حما). كل مساء وعند المغيب كان الناس يتجمعون ويجلسون على (الجنبيات) حول النار ويرقصون إلى وقت متأخر من الليل، وثالث يوم العيد تسارعت الأمور بعض الشيء. ذهبنا صباح يوم ولم أر محمداً إلا بعد يومين من انتهاء حفل الزفاف. بدأ الناس يتوافدون وكان الجميع يضع الكحل في أعينهم. كانت الأمهات تأتي مع أولادها والرضع معلقة بمحمل على ظهورها، والأطفال مزروعون فوق حمولة الفرش وعلى ظهور الحمير، وأكثر الأحيان كان هناك ولد يجر عنزة أو خروفاً (هبة للاحتفال وليس هدية عرس). وبعض العائلات كانت تقدم أكياساً من السكر والأرز، وإحدى النساء التي كانت تسكن قرب القرية أتت بصندوق طماطم طازجة. وانتشرت الأكياس أمام جدار الخيمة، وكانت تستعمل بعد الظهر للجلوس، ونزلت حمولة الفرش وتكومت عند طرف الخيمة. وتطوع بعض الأولاد من المراهقين والمراهقات بتعيين الحمير والتسابق إلى النبع؛ ليعبئوا المزيد من الماء الذي بدأ يُطلب بتزايد. كان من المستحيل أن يكون هناك ماء كاف للشرب والغسيل لجميع هؤلاء الناس الإضافيين. أما بالنسبة للمتطوعين، فقد كان موقع النبع ظليلاً وبارداً، كما أنهم كانوا محجوبين عن عيون الكبار. استمررت في التنقل من مكان إلى آخر وكأني سائحة، ولكني معظم الوقت كنت أجلس في خيمة النساء وعاينت ما كان يجري. لم يمانع أحد وبدا لي أن الجميع كان يتجاهلني. كان محمد يركض من مكان إلى مكان، وطرر منديله تتطاير وهو يرحب بالرجال ويقبلهم ويقول لهم: «سلام، سلام» ومن ثم يجلسهم في السق الذي احتوى فقط على الفرش والمخدات. وأمام الخيمة وإلى جانب نار محاطة بإطار حجري جهز محمد صينية الشاي وطاسة فيها ماء على طاولة معدنية جيء بها من الكهف. أما إبراهيم وسالم فكانا يجلسان بجانب النار يقدمان الشاي والقهوة، وعندما جاء الصغار ليقوما بعملهما هربا ليجلبا الماء. لم يأت الرجال إلى خيمة النساء، ولكن بعضهم كانوا يصلون وبأيديهم بنادق يمررونها فوق الجدار الفاصل لتخبأ بين الأغطية. أما ندى ومريم وباقي الأطفال الصغار الذين أتوا دن الخيام القريبة فقد كانوا يركضون ويضحكون ويصرخون، ولكن أكثر الزائرين منهم كانوا يتعلقون بأثواب أمهاتهم بخجل. وعندما أتت النساء كن يملأن الطاسات الكبيرة بالطحين؛ ليصنعن العجين. وبينما هن يعجن كانت أصواتهن وغناؤهن تملأ الخيمة، وبين هذا الجمع الغفير من الأجساد، لم يعد هناك مكان للهواء أن يتحرك. وكن جميعهن يرتدين الكثير من الملابس. كان هناك الكثير من المدرقات المخملية الغامقة المنوعة التطريز وأطراف أثواب، كانت سابقاً أكماماً، مقلوبة ومعقودة خلف ظهورهن كاشفة أكمامهن الداخلية الزاهية الألوان والموشاة بالزهور. وعندما كن يخلطن الحساء و يرفعن أفضل أثوابهن ويعقدهن حول خصورهن؛ كي لا يتسخن بالعجين ولا يحترقن بالنار، كنت أرى أن فساتينهن المزهرة كانت فضفاضة وتصل إلى الركب، وكن أيضاً يرتدين السراويل وأحذية بلاستكية وجوارب من النايلون. الكثير من طبقات الملابس! كنت أرتدي صندلي الجلدي اليوناني المفتوح، وكانت ملابسي الداخلية شحيحة بالمقارنة مع ما لبسن، ومع ذلك كنت أشعر بالحر الشديد. وكن كلهن يغطين رؤوسهن، وكانت الفتيات الصغيرات يلبسن أقمشة صغيرة قديمة مثلثة الشكل معقودة حول ذقونهن، أما الفتيات الكبيرات والنساء الفَتِيَّات، فقد كن يلبسن شالات من الحرير الأزرق أو الأصفر، وعرفت لاحقاً أن النساء المتزوجات الأمهات كن يلبسن شالات مميزة تغطي جميع الرأس وكانت تسمى (مسفح و عصابة). المسفح مصنوع من نسيج قطني شفاف أسود وطوله متران، معقود من الطرفين. يغطي الرأس ويدخل تحت الذقن، ومن ثم يرفع ثانية فوق الرأس. أما طياته فكانت تتدلى من الإمام وتطوى مع الشعر المضفر إلى داخل قبة الفستان. أما العصابة فقد كانت عبارة عن شال مطوي يغطي الجبين ويربط إلى الخلف. كانت النساء الكبيرات في السن ذوات الوجوه المجعدة، يلبسن مسافح سوداء فاتحة، أما اللواتي كن أصغر سناً، فكن يضعن شالات ذات ألوان فرحة مطوية مرتفعة على رؤوسهن وكأنها تاج أو إكليل، والتي كان محمد وعوض يسميانها السد العالي؛ تيمناً بسد أسوان. وبالنسبة إلى ما تعودت عليه، فلم تكن واحدة منهن تملك المقدرة على مزج الألوان بانسجام. كن يلبسن المدرقات الزرقاء الغامقة المطرزة باللون الزهري فوق أثواب برتقالية وأرجوانية الألوان، وسراويل حمراء مخططة بالأبيض تحت مدرقات سوداء مطرزة بالأخضر والبرتقالي، وشالات بنية مع فساتين مشغولة بالأخضر والزهر، فبدت الخيمة وكأنها انفجار ألوان. وفي منتصف النهار، استأنفت الأمور، فبدأت النساء يبحثن ما بين طيات الأغطية عن البنادق؛ لتعطيها للرجال. وأخذت النساء يعقدن شالاتهن ويرتبن فساتينهن، ومن ثم يجمعن السواري الموجودة أمام الخيمة ويغنين ضمن مجموعات متقابلة. وعندما بدأت طفلة تساعد أمها في حل حبل محبوك من بقايا الأقمشة الزاهية الألوان ورفعها إلى الطرف العالي من الخيام، بدأت إحدى المغنيات تضيق فمها بيدها وتطلق زغاريد متتالية طويلة. ولحقت بها باقي النساء متباريات، لعلهن يقمن بأداء أفضل. أما أم لافي فقد أمنت وجود (الرياح)، وهو قماش أبيض يرفع باتجاه السماء وفوق الساري الأمامي؛ وذلك وللإعلان للملأ، أن الله بارك هذا الاحتفال. وقف محمد وأصدقاؤه أمام النساء وأطلقوا الرصاص في الهواء. غطت الأمهات آذان الأطفال الباكين، أما الرضع فقد اهتز بعضهم في القماط و عاد آخرون إلى النوم، وارتدَّ الصدى على المنحدرات الصخرية، أما رائحة البارود فدامت مدة أطول. كان كل هذا يسمى (غزا). وكان زفافنا جارياً تحت رعاية الله. كان طعام الغداء (الفتة) التي كانت تقدم في أوعية من الألمنيوم كبيرة بحجم إطار السيارة. وكانت الفتة مؤلفة من شراك مهروس في (الرشوف) وهو عبارة عن حساء من اللبن والعدس، سكبت أم لافي السمن فوقها وحرصت أن تكون كريمة، ولكن في الوقت نفسه لم ترد أن تسرف؛ لأنه بالرغم من أن السمن كان ينتج محلياً ولكنه مما يدعو للاستغراب كان باهظ الثمن. بعد الغداء استلقى بعض الرجال الكبار في السن في السق. ومعظم النشامة تجمعوا إلى جنوب الخيام فوق كومة من الحجارة المنحوتة المرتفعة. وعلمت لماذا يجلسون هناك عندما تسلقت مع محمد لرؤية البتراء برمتها ورؤية الآثار التي كانت تحتنا والتي كان في الماضي بناء ذا أهمية، فقد كان الموقع يكشف خيمة النساء، بكل سرية، فرصة اغتنمها الجميع. كنت المرأة الوحيدة الموجودة في الموقع ذي الرؤية الواضحة وشعرت براحة تامة. وعندما تركني محمد وقفت مع صديقيه إسماعيل وعلي اللذين تكلما بعض الإنكليزية. لم أرد أن تفوتني فرصة التسلية بعد الظهر مع صبية الخيول. كان أكثرهم رجالاً ومع ذلك كنت أنظر إليهم كصِبية صغار. هم هؤلاء الذين جنوا لقمة عيشهم من جلب السائحين إلى البتراء وعندما كانوا ينتظرون السائحين في البتراء، كانوا يستغلون الفرصة؛ ليتباهوا ببراعتهم. أتوا من فم الوادي يعدون بخيولهم ويثيرون الغبار في حقل القمح الذي تحول إلى حلبة سباق، وعرض أمام خيام الزفاف. كانت الخيول عربية أصيلة من اللون البني والأبيض والأسود والذهبي تتبختر وتقفز. وكان الودع يزين الرسن المحبوك، وكانت قطع الزينة على صدورهم تبرق في الشمس والحبال الملونة تتدلى من أغطية السرج وتتموج بألوان زاهية حول أرجل الخيل. وكانت مناديل الفرسان وأثوابهم تتطاير بألوانها الزرقاء والبيضاء فوق السراويل القطنية القصيرة. كانوا يغنون وينشدون أنغاماً لم أستطع أن أميزها بفعل صوت الحوافر. وكان كل زوجين يقتربان من الخيمة؛ لينقرا (الرياح) بعصيهم، بينما كانت الخيول تتسابق وتركض. وجاءت مجموعة سائحين من سيرلانكا، وربما كانوا رجال أعمال؛ ليشاهدوا العرض. قدم لهم محمد الشاي وجلس إلى جانبهم في (السق). قدموا لنا رقصة سيرلانكية شعبية، واصطف بعض النشامة في الشمس وقدموا لهم رقصة السمر؛ وذلك لتسلية الجميع، مع أن الرقص كان وقته ليلاً. أما الغناء فلم يتوقف طوال النهار في خيام النساء، جلست فوق الأكياس وبدأت أراقب. دنت مني النساء المكحلات متفحصات، بدأن يلمسن فستاني وأعجبن بساعتي، العادية جداً والتي أهداني إياها والدي عندما أصبحت في الخامسة عشرة من عمري، ووضعوا مئة أو مئتي فلس في يدي. لقد بقيت تلك النساء شيئاً طريفاً وغامضاً في حياتي. لم أتخيل أبداً أن هؤلاء الأشخاص أو الناس سيكونون جزءاً من حياتي في المستقبل، كنت أعيش اللحظة وودت لو أن فستاني كان له جيوب؛ كي أضع النقود في داخلها. غنوا وشربوا الشاي وطهوا المزيد من الحساء والشراك لوجبة العشاء. أما سالم وصديقه، المكحلة أعينهم بسخاء، اللذان وقفا وسط خيمة النساء والأطفال ونفخا في الناي لمرافقة الفتيات وهن يغنيين فأمرهما محمد أن يخرجا. ومضى بعد الظهر. حل الظلام بعد نصف ساعة من غروب الشمس، ومباشرة بعد العشاء ملأت النساء الخيمة بالفراش والغطاء وجهزوا الأطفال للنوم. وأنزل الستار الخلفي للخيمة لمنع الهواء البارد من الدخول. وأمام الخيمة وضع الرجال بسطهم وجلسوا يراقبون الصبية الذين كانوا يرقصون. لقد كان الرقص رتيباً ولكنه مثير في الوقت نفسه. كان كل زوجين يغنيان معاً ويتمايلان إلى الأمام والوراء، بالكاد يحركون أقدامهم، وكانت صنادلهم تضرب الأرض من وقت إلى آخر. وبدأت النساء تهدأ وتنصت للكلمات. وبدأ الأطفال يستقرون في أمكانهم ويخلدون للنوم بالرغم من الغناء المستمر. الغناء الذي استمر لساعات وساعات. لم أعد أستطيع أن أشرب المزيد من الشاي الحلو المذاق، مع أن النساء قرفصن إلى جانب النار وصنعن إبريقاً تلو الآخر. وبين الرقصات كان الشبان يقرفصون حول النار، أيضاً؛ ليشعلوا السجائر أو ليلقوا نظرة إلى الخيمة المظلمة. راقبت محمداً وهو يرقص مع صف الراقصين، وكان يبدو كأنه في عالمه الخاص ضاحكاً هو وشريكه في الرقص وبعد ذلك نظر إلي. كان شعوراً رائعاً أن نحس نحن الاثنان بالهواء يرتعش ما بيننا، وكانت أعيننا تكلم بعضها ولكننا لم نستطع أن نتلامس. وفي المستقبل، كنت أتمتع باهتمامه وإحساسه بي، خصوصاً عندما ينفصل الرجال عن النساء في المناسبات، كان محمد يأتي إلي ويسألني إذا كنت مرتاحة أو بحاجة للسجائر أو أي شيء آخر. كان الأمر يبدو كأن «كوني امرأة مختلفة» أعطاه الحق والحرية للدخول إلى خيمة النساء متى أراد. كان الجميع يسرون لرؤيته ويقبلون إليه يصافحونه ويقبلون منديله، وكنت أراقبه وهو يتجه نحوي ويقرفص أمامي، وكان علي أن أمنع يدي من لمس خديه واكتفيت بتماسّ أصابعنا عندما كان يشعل لي السيجارة، كانت لماسته مليئة بالوعود. نام الأطفال ولم ينزعجوا من الغناء والطلقات المتفرقة والأصوات العالية ونباح الكلاب ونهيق الحمير. بدا لي أن الأطفال ينامون في كل الأحوال مهما امتلأ الكهف ومهما جرى فيه. كانت جميع الأغطية والفرشات ذات النوع الجيد موجودة في خيمة الرجال، وفجأة تذكرني أحدهم وأرسل لي فرشة صوفية ووسادة وغطاء أبيض ووضعوه بين النساء والأطفال النائمين وأذنوا لي بالدخول هناك. كانت الفرشة المربعة قصيرة بالنسبة لي، وبذلك كانت قدماي تلمسان الرمل وكانت الوسادة تستعمل كمسند؛ لذا فقد كانت قاسية كالحجر، وقد كنت ما زلت مرتدية ثيابي فلم أستطع أن أتحرك تحت الغطاء الصوفي الثقيل. شعرت كأنما أنا في امتحان، وتذكرت قصة (الأميرة وحبة البازلاء). وبعد ذلك جاءت امرأة كبيرة السن تلبس الكثير من الأساور. كتمت أنفاسي وتظاهرت بأني نائمة. لكنها لم تكن تريد أن تقوم بأي طقوس تقليدية، لقد كانت تريد فقط أن تستفيد من النوم على فراش من النوع الجيد. ويستمر....ويستمر... وبدأ موكب العرس في الصباح الآتي، فقد جرت العادة أن يأتي القطار ويمشوا معي من خيمة والدي إلى خيمتي، وعندما جاء محمد إلى الخيمة تجمعت النساء حوله راجيات لنا التوفيق، آملات أن يسمح لهن أن تتباهى في موكب استعراضي حول الحقل المغبر. وافق محمد، ولكن على شرط ألا يغطوني بالعباءة ويدعوني أمشي في تلك الحرارة المرتفعة. لا زلت معجبة إلى الآن بطريقة تصرفات محمد تجاهي، وأنه كان دائماً يفعل ما هو الأنسب لي. اقتربت شاحنة من الخيمة وكان صوت محركها منفراً، أخرج النساء والأطفال من الخيمة وبدأ البدو الذين كانوا واقفين في مؤخرة الشاحنة يطلقون النار في الهواء ابتهاجاً واحتفالاً. رحب بهم أبو محمد كما رحبوا به. لقد كان أقرباء محمد من قبيلة المناجعة، كان إبراهيم قد أرسل ليخبرهم بموعد الزفاف فأتوا مرتدين أحسن ملابسهم وتركوا نساءهم في خيامهم في الهضبة العالية في رأس النقب التي تقع في منتصف الطريق إلى العقبة، ورجع معهم في شاحنة مأجورة. كانت عتيقة السيدة الوحيدة التي أتت، فقد كانت عمة أبي محمد. ذهب جميع الرجال إلى السق بينما أتت هي إلى الخيمة. كان وجهها مليئاً بالوشم الأزرق، وجعلتني أجلس معها على فرشة إسفنجية جديدة كانت موضوعة بكل حرص على كومة الأغطية. أعطتني عتيقة منديلاً بنياً وضعته على شعري، ومن ثم ناولتني عشرة دنانير علقتها في منديلي. أتت بعض الفتيات الصغار ولمسن رأسي المغطى ووقفن معجبات، وقلن: «كويس». شعر محمد أنني بدأت أشعر بالملل، فلقد كان مشغولاً ولم يكن عنده الوقت الكافي لتسليتي، وكان يعلم أنني لن أهرب (بعض العرسان يخافون من هذا الأمر عندما يقومون بترتيبات الزواج)؛ لذا أرسلني مع شابة اسمها مريم، لا تتكلم الإنكليزية. كانت ممشوقة القامة ولها بشرة صافية وأنزلتني من التل وراء الخيام. وكان (سدها العالي) يجعلها تبدو بطول قامتي نفسها. نزلنا في واد ضيق حيث كان الهواء ثقيلاً ولم نسمع هناك أي صوت من أصوات الزفاف. ولقضاء حاجتنا ذهبنا وراء شجيرات الدفلى الملتفة قبل أن نصعد إلى مذنب شديد الانحدار باتجاه منزلها. كان منزلها يقع في مجموعة الكهوف الكائنة على الصخرة المسطحة التي ذهبت إليها أنا وإليزابيث أول يوم كنا فيه في البتراء. ولكن في هذا اليوم بالذات كان لابد لزوج مريم أن يكون موجوداً في المنزل. كان يجلس على وركه السمين على الأرض الإسمنتية أمام أكبر كهف هناك وكان محاطاً بعلب صغيرة من الطلاء. كان قد وضع الخزانة، قطعة الأثاث الوحيدة في المنزل، في وسط الغرفة وكان يدهن الجدران البيضاء بخطوط من الأشكال المعينة، بحجم اليد تقريباً، باللون الأزرق والأصفر والأحمر والأخضر. إن انطباعي الأول عن سلامة المختار أنه كان دائماً وعبر السنين يتطلع إلى الأفضل. استمر العرس دوني، دون أي تردد. وعندما رجعنا كان سباق الخيول في أوجه، وكان بعضهم يطلقون النار باتجاه أهداف معينة، كما كان الغناء والطبخ مستمرين أيضاً. أما الماعز (ذبح الماعز وأشياء أخرى تعد من تقاليد مباركة الاحتفالات) فقد كان يغلي في اللبن بثلاثة قدور كبيرة منصوبة بصف واحد على النار. ماعز «حساء، رؤوس» جميع الطقوس. جلست لتؤخذ لي صورة. جاءت أرسولا، السيدة الألمانية التي كانت تسكن في عمان، مع إسماعيل وأمرت محمداً قائلة: «تعال واجلس مع عروسك». كانت أرسولا تعتقد مثلي تماماً أنه يجب على محمد أن تكون له مكانته كعريس وأن يدع الجميع يعمل من دونه ولأجله. ولكنه قال: «غدا سأجلس معك«، وذهب. ولكنها تدبرت أمرها معه وأتت به لأخذ أقرب ما يكون لصورة زفاف. وكانت الصورة: محمد بيني وبين إسماعيل وشمس المغيب تدفئ جبل الشراة الذي كان وراءنا. ماذا كنت أتوقع؟ ففي بيتنا لم أر صور زفاف أبي أو أمي بالفستان الأبيض معروضة على رف الموقد أو ألبومات مليئة بصور رفيقات العروس والبنات اللواتي يحملن سلال الزهور في الأعراس؛ لنتباهى بها عندما تأتي جدتي. وبدأت أتساءل عن السبب. لماذا لم أحلم أبداً بيوم زفافي؟ هل كان السبب أن كل هذا كان بعيداً كل البعد عن عالم خيالي؟ بدأت النساء يزغردن بنغمة واحدة عندما حمل النشامة سدراً كبيراً خلف الآخر مغموراً بالطعام للضيوف الموجودين في السق. وكان على النساء والأطفال الباكين أن ينتظروا لمدة أطول. وبعد قليل جاء الصبية الذين حملوا السدور إلى أبناء العم الذين أتوا من رأس النقب، إلى حيث كانوا يتربعون على الأرض بجانب القدور؛ لينظموا توزيع الطعام، فقاموا بإعادة ترتيب باقي الأرز والشراك وسكبوا كمية من اللحم من القدر وبعض اللبن الساخن فوقه، وهكذا قدم إلى النساء والأطفال. أما أنا وأرسولا فقد قدم لنا الطعام من يد أبي محمد بطبق صغير نسبياً، وفي الوقت نفسه الذي قدم فيه الطعام للرجال. وسمح لامرأتين بتناول الطعام معنا، وأما الأخريات فقد بقين بعيداً؛ حتى نستطيع أن نأكل بسلام وراحة. وبعد ذلك مباشرة، وقبل حتى أن نستطعم الأكل، أمر أحد الصبية أن يقدم لنا الماء والصابون؛ كي نغسل. كانوا يراقبوننا؛ لذا غسلت بجد كما كنت أراهم يفعلون، حففت الصابون حول فمي وشطفته وبصقت على الأرض. وبدأ الرقص من جديد وكان مسلياً لهؤلاء الذين كانوا يفهمونه! ومرة ثانية وضع البساط أمام خيمة النساء وجلس بعض الرجال ورقص بعضهم الآخر. ومرة ثانية بدأت أراقب زوجي. انتشر ضوء النار والقناديل أمام الخيام فبانت ظلال الراقصين وأثوابهم المتمايلة على واجهة قبر القصر. وبعد مدة طويلة جدا وعندما لم يعد في استطاعة أحد أن يرقص أو يلقي النكات، جاءت مجموعة من أصدقاء محمد وواكبونا إلى كهفنا. ولم يتوقفوا عن الغناء طوال المسير، كان رجع كلماتهم يتردد حول الحوض. لقد كان حفل زفاف طويل جداً، وبالنسبة لمحمد كان حفلاً ناجحاً جداً، أما بالنسبة لي فقد كنت سعيدة جداً؛ لأن محمداً أصبح لي وحدي. ماذا قالت أمك؟ بقينا عرسانا لمدة، ولكننا أمضينا شهر العسل كما أمضينا الأيام التي سبقته. لقد عشت مشردة لمدة سنتين أنا وحقيبتي المعلقة على ظهري، وكنت أتوق للاستقرار، وكان محمد يتطلع إلى بدء حساب المستقبل وذلك لدفع تكاليف زفافنا. سمحت لنفسي أن أستدرج بلطف إلى حياتي المنزلية في الكهف. وفي البداية ظل محمد يهيئ الشاي في الصباح ويشعل البريموس، بينما كنت في بعض الأحيان أنام لوقت متأخر. وعندما كان يحثني على القيام وشرب الشاي بقوله: «تشربي شاي» كنت أستيقظ وأشرب معه كأساً وبعدها أذهب إلى الفراش ثانية وأنام قليلاً، و كان محمد يذهب إلى الخزنة. كنا نمد فراشنا خارج الكهف، ولكن عندما كانت الشمس تشرق ساطعة إلى ما فوق قمة الكهف كان علينا أن ندخل وإلا كنا سنطهى بنارها. كنت أكوم الفرشة الإسفنجية والبطانية على منصب الفراش وأغسل الأطباق، ولم يكن لدينا الكثير منها؛ لذا لم يأخذ هذا وقتاً طويلاً وكنت أضعها في الشمس؛ كي تجف، وبعد ذلك كنت أخرج؛ لأنه لم يكن لدي أخ أو ابن كي أرسله، وأجلب لزوجي بعض الخبز والطماطم أو علبة سردين لوجبة الغداء. كنت أتمتع ببرنامجي اليومي الروتيني، وكنت أجلس مع محمد عند الخزنة معظم الأيام، وعندما لم يكن هناك أي سائحين لبيع بضاعته، كنا نتجول من مكان إلى آخر لشرب الشاي مع من يدعونا إلى ذلك. لم تكن حياة ذات متطلبات كثيرة، كانت حياة بسيطة كسولة. كان محمد ذا شخصية مرحة وكان دائماً، عندما كنا نمشي صامتين، يقول شيئاً سخيفاً؛ ليضحكني. وكانت كلماته في معظم الأحيان لا تعني شيئاً، ولكني كنت أحب وقعها على أذني، وكنت أحاول قول الكلمات بطريقة صحيحة. وكان يضحك ولم أعرف أكان يضحك لأن لفظي كان مضحكاً أم لأن الكلمة التي علمني إياها كانت بذيئة أم كانت لعنة أم لم تكن كلمة يمكن قولها. أما الكلمة التي كنت آسفة لتعلمها فقد كانت تستعمل لوصف الغيوم السوداء التي كانت تأتي من الجبال الغربية في فصل الشتاء. «جت مثل ظهر العبد«، وكنت أقولها أحياناً لأعلن مجيء الغيوم بكل تهذيب، ولكن محمداً فسر لي ما كانت تعني تلك الكلمات وقال لي: إذا أردت أن تستعملي هذا التعبير يجب عليك أن تنتبهي متى وأين تستعملينه. وكانت كلمة عبد تعني أيضاً خادماً أو عابداً مثل اسم عبد الله، خادم أو عابد الله. وفي أوائل أكتوبر جاء محمد من مخيم نزال وبيده برقية من أمي وأبي تحمل ردهم على إعلان زواجنا. «نعتقد أننا ربيناك تربية صالحة وأعطيناك الفرصة كي تفكري باستقلالية؛ لذا نحن واثقون بأنك تدركين ما تقومين به. ونحن سنظل إلى جانبك مهما جرى». وكان والدي قد وجد الكثير من المقالات في مجلات «ناشينال جيو غرافيك» التي كانت لديه، وأما أمي فقد وجدت مدينة معان في الأطلس. وفي المستقبل كنت أردد كلمات هذه الرسالة، لأن الكثير من النساء (وليس الرجال) عندما كن يسمعن أني تزوجت بدوياً، وأنني أسكن في كهف، يسألن باستعجاب، «وماذا قالت أمك«؟ وكنت أستشهد بكلماتها وأعيد أحرف الرسالة بكل فخر واعتزاز. وبعد مدة اعتقد والدي أنه كتب عن الوحدة التي عانى منها عندما سكن في مجتمع أو ثقافة غربية عنه. لقد جاء والدي من خلفية هولندية مختلفة، وكانت لهم تجارب غير تلك التي مر بها النيوزلنديون. و لكنني لا أعرف أَكَتَبَها أمْ لَمْ يكتبها، أو إذا ما كنت أنا التي لم أتذكرها. لم أحفظ الرسالة؛ لأنني كنت مصممة على عدم الاحتفاظ بهذه "الكركبة"، فكنت أحرق كل الأشياء التي كانت من هذا النوع ولم تعد تهمني إطلاقا. وبعد سنوات قالت لي أمي: إنها حلمت حلماً بدا كأنه حقيقة وروته لأبي وأصدقائه: «لقد حلمت بمارغريت، لم يكن حلماً سيئاً ولكن كان هناك شيء ما حولها، أنا متأكدة». وأيقنت ما كان هذا هو الشيء عندما وصلت رسالتي. وعندما أتينا إلى نيوزيلاندا لاحقاً، قال لي أبي: «لقد عرفت لماذا اخترته هو بالذات«، وسأتحدث عن هذا لاحقاً. الحفر اليومي وخلال الشهور الأولى كان عبد الله يصل باكراً حاملاً أداة القحف، وكان إذا وصل ونحن نتناول طعام الإفطار، يأكل معنا وإذا وصل ونحن ما زلنا نائمين، كان يقف أمامنا ويقول لنا: «قُمْ يا محمد، وحِّد الله«، حتى نستيقظ. وكانت كلمة «وحد الله» واحدة من إحدى التعابير التي تذكر فيها كلمة (الله) في كل وقت من أوقات حياتنا اليومية. فقد كان محمد يقول هذه الكلمة عندما كان يقوم بغسل وجهه ويديه في الصباح. وكان يقول أيضاً: «لا إله إلا الله محمد رسول الله». وكان محمد يدعو الله أن يساعده في توسيع البقعة التي كنا نسكن فيها وذلك بإزالة جبل التراب الذي كان يغطي النتوء الصخري إلى يسار الباب. كان محمد وعبد الله يرجوان أن يعثروا على كهف آخر. خلال النهار كان عبد الله ينخل التراب باحثاً في داخله عن أي قطع أثرية من الفخار أو عملة معدنية قديمة، وعندما كان يحل الظلام كان يلقي بالتراب الذي تمت إزالته في النهار من فوق حافة الجبل. و كانت الريح تهب في المساء إلى الوادي وترد الغبار عليه وعلى كومة البقايا المرمية أمام الكهف، ويتكاثر التراب بطريقة تتجاوز كل الحدود. لم نجد كهفاً آخر في الصخر، ولكن على بعد سبعة أمتار من باب كهفنا وجد محمد حائطا رومانيا من الحجارة الصلبة، مجبولاً بالطين وممتداً إلى حافة الجبل. وبينما كانوا يزيلون الرمل من الزاوية التي تكونت من الحائط والجدار، كشقوا عن عدة أمتار من البلاط وأرضية غرفة قديمة، وفي أحد شقوق البلاط عثروا على أربع قطع معدنية نقدية قديمة، يبدو أنه وقعت منذ قرون. لقد كانت النقود من الفولاذ، ملمسها ناعم بفعل الزمن، وكان لونها كامداً أسود وبحجم غطاء قارورة البيبسي، وقد نقش صليب على أحد وجهيها وعلى الوجه الآخر حرف ميم بالإنكليزية "M". «يوجد عليها الحرف الأول من اسمينا، انظري» قال محمد «ليس لها علاقة بمارغ ومو«، «وردني إلى الواقع». «الميم والصليب وحجمهما الكبير يتطابقان مع طراز العهد البيزنطي. إن عمر هذه النقود ألف وخمس مئة سنة فقط، وليست كالنقود النبطية القديمة النادرة التي يبلغ عمرها ألفي سنة». لا أصدق! عملة أثرية في فسحة بيتنا ومنقوش عليها حروف أسمائنا الأولى! عندما لاحظ مفتش الآثار جبل التراب الذي كان قد بدأ بالتكاثر، جاء إلينا ليستفسر عما يجري. ولكن عندما وصل، كانت فسحة بيتنا بالحجم الذي كنا نحتاج إليه، فدعاه محمد لتناول العشاء ووعده ألا يحفر بعد الآن. وفي السنة التي تلت، صنع محمد غرفة هناك إلى جانب الصخرة، مستغلاً الجدار الروماني، كما بنى جدارين سميكين من الحجارة. كان السقف من التنك؛ لدا لم تكن الغرفة صالحة لتصبح غرفة نوم، فهي في الصيف حارة وفي الشتاء باردة، وكانت معظم الوقت مليئة بالغبار، وعندما كانت السماء تمطر، كان الماء يترشح عبر الفتحات التي شكلت من المسامير، تاركة بركاً صغيرة من الوحل. وددت أن أستعمل هذه الغرفة كمكان خاص لي، ولكن بعد بضع سنوات استسلمت، وحولناها إلى مطبخ. وفي تلك الأثناء بدأت أعمل على تصميم الديكور الداخلي للغرفة. وجدت أن لون الجدران الطبيعي كان الأجمل؛ لذا كان الأجدر به ألا يغطى، وأما اللون الأخضر الذي طلاه محمد من قبل فقد كان أخضر خاماً، بليداً لا يمكن التعايش معه؛ لذا قررت أن أكشط الدهان من على جميع الجدران. لم يجادلني وجعلني أكتشف بنفسي. وبعد أن حفيت بعض الرقع، حوالي نصف متر مربع، استسلمت. وبدأت أشعر مع النبطيين. لقد أرهقت يدي؛ لأنه كان علي أن أحف تحت الدهان؛ كي أزيله من الصخر. بعد ذلك أقنعني محمد أن طلاء الغرفة باللون الأبيض هو أحسن بكثير من محاولة إزالة الدهان الأخضر. لقد استعلمنا عدة طبقات من الطلاء الكلسي للتخلص من ذلك اللون الأخضر والبقع التي حفرتها فأضاف لون الطلاء الأبيض نوراً جميلاً إلى الغرفة، ولقد فرحت جداً إذ خطتي الأولى كانت صعبة جداً ولم تنجح، وبذلك بات الكهف أكبر حجماً وأنصع بياضاً. وعلى مضي الزمن وخصوصاً في فصل الشتاء كان الملح الطبيعي يندفع من قلب الصخور وينزل على شكل نقط بين حين وآخر على هيئة لطخات من اللون الأحمر ولون الحجر الرملي المطلي، فتنزل على طعامنا أو على وجوهنا ونحن نائمون. وعندما أصبح الوضع لا يحتمل، وعندما بدأ شبح زهور عباد الشمس التي رسمها محمد تظهر، بدأ التفكير بأن الجدران بحاجة إلى وجه جديد من الطلاء بالطلاء الأبيض. أما مرحلة النوم المتأخر فلم تدم طويلاً، فقد كان محمد دائماً يلجأ إلى التفكير المسبق، فعلمني كيف أستعمل البريموس وأن أعد الشاي. وكان يلعن الوضع عندما كانت حلقة الطباخ المطاطية تنقلب إلى الداخل أو عندما كانت دفقته تحبس في الفتحة الضيقة فكان يجب عليه أن ينقرها بقضيب حديدي رفيع، ولقد تعلمت أن أقطع هذا القضيب من مشبك النافذة. أو عندما لم يعد هناك زيت كاز فيه، كان يجب علي أن أجد قمعاً وأن أعبئ الخزان وأن أحقن البريموس من جديد. وكان محمد يلعن أكثر عندما يكتشف أنه لا يوجد زيت كاز في البيت، فكان مجبراً على أن يذهب إلى الدكان؛ كي يبتاعه. كان إعداد الشاي يبدو سهلاً، فقد كان محمد يرمي أوراق الشاي القديمة على حافة ضفة الجبل ومن ثم يشطف الإبريق ويعبئه بالماء، ومن ثم يسكب حفنة أو حفنتين من السكر وحفنة صغيرة من الشاي ويضعه على البريموس. لم يكن الأمر سهلاً كما تصورت، نعم لقد كان وضع الماء في الإبريق سهلاً! بدأت بوضع مقدار الشاي والسكر في كؤوس صغيرة وذلك كي أضع الكمية الصحيحة، وكان ذلك من أصعب الأمور، ألا وهو وضع المقدار الصحيح. ومرت أيام عديدة قبل أن أتعلم أن أعد شاياً ممتازاً صحيح المقادير. وحتى إلى ذلك الحين كنت إذا لم أستعمل نوع الشاي نفسه الذي نستعمله عادة، وهو شاي (الفاخر) سيلاني المنشأ ومستورد من قبل شركة استيراد و تصدير الشاي الفلسطينية، لكان الشاي إما فاتحاً جداً أو مراً جداً أو غامقاً جداً. أما عن البريموس فكان عندما أشعله يبدو بحالة ممتازة، وما إن أدير رأسي عنه لحظة واحدة، يندلق الماء المحلى وأوراق الشاي كبركان متفجر، فيسد الدفقة وينفث رائحة دخان الكاز في كل مكان. لم يكن محمد ليكترث كثيراً من أجل الشاي، ولكني عندما تعلمت أن أشعل البريموس، كان علي أن أستيقظ باكراً كل صباح وأن أعده له. وبفضل هذا كانت لي هناك مكافأة، فمنذ ذلك الحين كنا نتناول طعام الإفطار سوية على متن الجبل. وكانت الشمس تشرق رويداً على جبل خبثة، وكان الجو في ذلك الوقت بارداً وجميلاً. وكنا قد جعلنا من الحجارة مقاعد ومن عمود دائري طاولة. شربنا الشاي وغمسنا الخبز في الزيت وأذبنا عطعاً حلوة المذاق من «الحلاوة» في فمنا. وعندما كان يتوفر لدينا بطاريات للمسجل كان محمد يستمع إلى القارئ المصري الشهير، الشيخ عبد الباسط يرتل القرآن الكريم. لم يكن هناك داع لأن أفهم أي كلمة، لقد كانت كلماته لهذا العالم وخاصة في الصباح، حيث كنا نراقب بإعجاب ورهبة كيف كان الوادي يستيقظ وكيف كان ضوء الشمس ينزلق على الوجوه الصخرية التي كانت مقابلنا. الشراك وحيوان الوبر وخشب العرعر كان هناك فرن في معان يعمل بالمازوت، وكان ينتج خبزاً جيداً، ولكن قرية وادي موسى كانت صغيرة لكي تحتضن فرناً، وفي الوقت نفسه كان المشي إليها يستغرق ساعة ونصف الساعة على الأقل. وفي قلب الوادي لم يكن هناك أي مكان لشراء الخبز، على أي حال لقد تدبرنا أمورنا؛ لأننا لم نكن بحاجة إلى أكثر من قطعتين من الشراك لطعام الإفطار والعشاء وكنا نجلبهما في تجوالنا بعد الظهر. وكانت النساء اللواتي يجلسن أمام خيامهن ويعجن الخبز لوجبة المساء تنادي وتقول: «جنبوا تعشُّوا معنا» وعندما لم نصغِ إليهم، كن يرسلن الأطفال؛ ليعطونا رغيفاً أو رغيفين. وعندما كان الطقس يتحسن كانت أم لافي تخرج فرن الطابون وترسل إلينا مع الفتيات رغيفاً طازجاً ساخناً وبعض الغذاء أحياناً. لقد كان خبز الطابون لذيذاً جداً، عندما تذوقته لأول مرة لم أصدق طعمه الرائع المميز، وخصوصاً أنه وجد هنا في الصحراء. لقد كان حجمه بحجم الطبق وسمكه بضعة سنتيمترات وعلى وجهه تموجات بنية ذهبية من الطبقة الثخينة، وكان عندما يقسم يخرج منه شيء ناعم ورخو من قمح الذرة. كانت النساء تخبزه في فرن مصنوع من الفخار، ناره من روث الحيوانات. في يوم من الأيام لم نتجول كعادتنا في المساء، وقبل أن أذهب إلى رخية؛ لأطلب منها أن تخبز لنا، اقتنعت أنه يجب علي أن أتعلم. كانت رخية قد رجعت إلى خيمة أهلها منذ بضع ليال وأقسمت أنها لن تعود إلى زوجها الذي اختاره لها والدها مهما وفَّر لها من نعم. لقد كنت أزور خيمة أهلها وكانوا يرحبون بي دائماً ويقدمون لي الشاي والطعام، ولكنني لم أعد أريد أن أطلب منهم خبزاً مرة ثانية. وبعد مدة كان باستطاعتي أن أكتفي بخبز الصاج الرقيق، ولكن صنعه كان يتطلب الكثير من العمل. طلب محمد من أم محمود أن تعلمني، فلم تتردد وقالت لي وعيناها تغزلان: «بدري بدري تعالي بدري». كان أبو محمود وأم محمود يسكنان خلفنا في كهف عند قعر القصر العالي. كنت أحب أن أنادي الناس باسمهم الأول، ولكنني في هذه الحالة لم أستطع. كان الناس يلقبون محمد بمحمد الأطرش؛ لتمييزه عن باقي الرجال الملقبين باسم محمد، ولم أكن أحب هذا اللقب ولم أحب أيضاً اسم زوجته أم حيلة؛ لأن حروف اسمها كانت تنطق من أسفل الحلق ولم أستطع أن ألفظها لعدة سنين. حتى لفظ اسم أم محمود لم يكن سهلاً لهذا الحد. أدركت أنهما كانا زوجين صغيرين في السن؛ لأنهما كانا والدين لصبيين صغيرين. ولكنني لم أكن أنظر إليهما كأنهما فتيان. فقد أثر طرش محمد على هيئته فبدا كبيراً في السن، أما زوجته، فبما أنها كانت تعلمني، كنت أنظر إليها وكأنها أماً مع أنها كانت أصغر مني سناً. وفي الصباح الآتي ذهبت إلى كهفها باكراً لأجد أنني لم أكن مبكرة بما فيه الكفاية، فقد وجدتها تضع آخر رغيف من الشراك على الصاج. ضحكت واقترحت علي أن أبدأ بعد الظهر. كنت أذهب إليها بعد الظهر أحياناً، وكانت دائماً ترحب بي وتضع لي جنبية في ظل صخرة، أو إذا كان الطقس بارداً بما فيه الكفاية أمام الخيمة حيث كنت أرى الدرب الذي كان محمد يسلكه إلى البيت. كانت تعد لي الشاي وكنت أراقب أطفالها محموداً ومحمداً يلعبان أمامي. كنت أراقبها أيضاً وأعجبتني الثقة التي كانت تمارس بها حياتها اليومية. كانت سمراء ولها رموش كثيفة وجميلة، وكانت لها ضفيرتان غزيرتان تصلان إلى خصرها، وكم كنت أعجب بها بصمت عندما كانت ترفع غطاء رأسها؛ كي تربطه من جديد. وكان وجهها البيضاوي يظهر أكثر بيضاوية بعصابتها العالية الخمرية اللون، وكانت بعض خصلات من الشعر تغطي صدغيها فكان مسفحها معقوداً تحت ذقنها. وعندما كانت تجهز الشاي كانت دائماً تبرده لأطفالها فلم تدعهم ينتظرون، فقد كانت تخاف عليهم أن يقفزوا قرب إبريق الشاي. وإذا خلع أحد الأطفال حذاءه تلبسه إياه مباشرة، وإذا ابتلت سراويلهم كانت تلبسهم سروالاً ناشفاً. وهي تفعل كل هذا براحة واسترخاء وتؤدة. راقبتها وأعجبت بها، وبعد عدة أسابيع تعلمت كيف أصنع الخبز وأصبحنا صديقتين، وكنا نجلس مع بعضنا ساعات طويلة ناظرات إلى الوادي دون أن ننبس بحرف واحد. وعندما كنا نرى محمداً، كانت تناديه لشرب الشاي، وبعد ذلك كان محمد يدعوهم إلى العشاء. بعض الأحيان كانت تدعونا إلى العشاء أيضاً أو تعرض علينا أكثر من رغيف خبز؛ لنأخذه معنا إلى البيت. لقد بدوا لي أنهم فقراء جداً. فكهفهم لم تجر عليه أي تعديلات، ولم تكن له أي أبواب أو أرض إسمنتية، ومع ذلك كان عطاؤها دائماً سخياً! فذكرتني بكتاب عناقيد الغضب وكانت تقول: ما عندنا إلا بطاطا، أعطيك بطاطا»! وبعد الظهر ملأت تنكة الماء وغسلت يديها ثم سكبت لي قليلاً من الماء؛ لأغسل يدي أيضاً. وضعت بعض الدقيق وقليلاً من الملح في حلة العجين، وقالت لي: قولي «بسم الله» قبل أن أبدأ العجن. كنت قد شاهدت الكثيرات وهن يصنعن الخبز؛ ولذلك كانت عندي فكرة كيف أبدأ العجن؟ وضعت خواتمي وساعتي في جيبي وطويت ثوبي وراء ظهري وركعت على البساط في بقعة ظليلة من واجهة الكهف. بدأت بسكب قليل من الماء وخلطت الطحين وبعد ذلك أضفت المزيد من الماء وخلطت مرة ثانية، وقبل أن يصبح العجين كتلة واحدة، بدأت ذراعاي تتعبان، وأما ركبتاي فقد أرهقتاني بعد بعض الوقت؛ لذا اقتربت أم محمود مني مترددة بعض الشيء وتربعت ثم بدأت تعجن وتزيد قليلاً من الماء، ومن ثم تعجن ثانية حتى تشكلت لدينا كتلة من العجين ناعمة مطاطية طرية، لتملأ الحلة كلها. والآن لقد بدا وقت المرح. أشعلت النار وركزت صفيحة الصاج فوق ثلاثة حجارة ووضعت قطعة من القماش مرشوشة بالطحين بجانب النار. كورت في يدها قطعة من العجين بحجم قبضة اليد وأسقطتها في الطحين وأخذت تشتغل بها بخفة ورشاقة حتى أصبحت كرة مغطاة بالطحين. رشت قطرة من الماء على الصاج، فأصدرت صوتاً، وكان هذا دليلاً على أنه كان جاهزاً للخبز، ثم طبطبت على الكرة، وخاصة على أطرافها حتى أصبحت مسطحة، وبعد ذلك رفعتها وأخذت ترميها من راحة يد مفتوحة إلى الأخرى حتى شكلت دائرة كبيرة دقيقة من العجين وألقتها فوق الصاج وفور ملامسته الصاج بدأ يخبز. وقهقة الأطفال حين أمرتني قائلة: «اقلبي»! كنت قد اعتدت على القرفصة. ولكني بدأت أشعر بالتوتر عندما بدأ التحدي الأكبر؛ وذلك حين كان علي أنا أن أقلب أطراف الرغيف من على الصاج الحار، والدخان والنار حوله، ومن ثم رفعه قطعة واحدة وقلبه على الوجه الآخر. جرى كل شيء على ما يرام وتم الرفع والقلب بطريقة مرضية واستقر الرغيف على جانبه الآخر. كان وسط الرغيف كان رقيقاً بعض الشيء فرفعته أم محمود بشكل خيمة، وذلك لتخبز أطرافه التي كانت أسمك بقليل. وها هو مرة ثانية شراكاً طازجاً! قالت «دورك الآن» منذ أن وقعت عيني على خبز الشراك وهو يخبز ظننت أنني سأستطيع أن أقوم بهذا العمل. وكنت متشوقة جداً للمحاولة. وظننت أنني سأستطيع أن أعجن العجين أيضاً، وكم تمنيت لو أنه لم يكن هناك أحد يراقبني أول مرة. تأكدت من أن أكمامي مرفوعة، وبعد ذلك قلبت العجينة، لم يكن هناك مكان للتراجع. وقد حصل ما توقعت، لقد كانت العجينة مطاطية، لذا كان الأمر سهلاً، وهكذا أنجزت عمل أول رغيف شراك يخبز على الصاج، ولم تكن فيه إلا فتحتان في الوسط. وبعد ذلك كنت أذهب كل صباح ومساء. وبعد مدة قصيرة، لم يعد ساعداي يؤلماني إلى ذاك الحد. كنت أحب الصباح؛ لأن الجو كان أبرد. مطبخ الكهف كان صغيراً وكان علي أن أخفض رأسي عند الدخول ولكنه كان مريحاً فرائحة الحطب المشتعل والأطفال المستيقظون يبعثون في النفس رغبة الاحتضان، والشاي الحلو المذاق ورائحة حليب البودرة كل هذا جعلني أشعر بالدفء، وكنت آخذ الخبز الساخن إلى محمد؛ لأوقظه به. وفي يوم الجمعة تعلمت أن أتجاهل صوت التشويش من مذياع البطارية و لم أقدر على تمييز شيء. إنه صوت القرآن، إنه «كويس«، اليوم يوم الجمعة، وكانت أم محمود تقول الكلمات بالعربية وكان علي أن أحزر. وجاء الوقت الذي اعتقدت أنني سأقدر على رمي الشراك وحدي. كان محمد قد ابتاع صاجاً صغيراً وكيساً كبيراً من الطحين، وفي ذلك اليوم كنت قد جمعت بعض الحطب في طريقي إلى النبع. صنعت العجين ووضعت الصاج على النار، وعلى ثلاثة حجارة. وبعد نصف ساعة أجهشت بالبكاء، فالنار لم تبق مشتعلة طوال الوقت، وكانت العجينة تلتصق بالصاج البارد أو تحترق عليه إذا أصبح ساخناً. عندما جاء محمد إلى البيت ورأى فضلات النار في فسحتنا وقطع الخبز المحروق أو العجين غير المخبوز منثوراً حولها، بدأ يضحك. قال لي: يجب علي أن آخذ دروساً في طريقة إشعال النار ولمعرفة الحطب المناسب، فقد كانت العيدان التي استعملتها من شجر الدفلى غير الصالحة لإشعال النار، واكتشفت فيما بعد أن شجيرة الدفلى نبات سام. واقترح محمد أن أذهب مع سالم وعوض لجمع الحطب. قال سالم: «دعونا نذهب غداً». وفي الصباح الآتي أتيا بصحبة حمارين وحبال وبندقية. بدا لي أن قميص سالم كان ضيقاً جداً كقميص عوض، وظننت أنهما ذهبا إلى الخياط نفسه لتضييقهما. وكانت غرز القطب كبيرة وظاهرة من تحت الإبط وإلى الدرز الجانبية. وكانت أعينهما مكحلة وبراقة. تسلقت وراء سالم و هرعنا إلى قاعدة الجبل الصخري المسمى البرا الذي كان يبعد نصف الساعة. وكان يوماً مشعاً ومشمساً وحاراً. عقلنا الحمير وأزلنا سُرُوجها. أخذنا نصعد إلى مذنب من الحجر الرملي الغامق المليء بالشجيرات. وبعد أن صعدنا حوالي مئة متر إلى أعلى الجبل الذي كان صحناً كبيراً يفوح برائحة قوية و مليئاً بشجيرات الرتم البيضاء اللون. وكان هناك شجر العرعر الكثيف ذو الرائحة العطرة فقطعنا من أغصانه الجافة؛ لم أبذل جهداً فقد كان تقطيعها سهلاً، ولكنها كانت مليئة بأشواك حادة كالإبر. كنا نسمع صوت عزف الناي من أم البارة، الجبل المجاور، ورأى سالم العازفة. لقد كانت مع مجموعة من الرعيان يلبسون ألواناً مختلفة، و كانت قطعانهم ترعى على الهضبة المنحدرة. بدأ سالم ينادي فتوقف العزف وبدأا يتبادلا كلمات بدت لي مثيرة وتمنيت أن تكون بريئة؛ لأن جميع من كان في تلك المنطقة كان يستمع إليها، ورفعا أصواتهما بحدة لإيصاله عبر الهواء النابض النقي. وبعد عام أو عامين وعندما ذهب سالم ليطلب يد العازفة من أبيها مع والد أم لافي وبعض الأعمام لمؤازرته، رفض طلب سالم بكل وقاحة. وبدأ الكبار يواسونه قائلين: «لقد تجاهل أبوها كل الأصول والأعراف ولم يظهر أي احترام لنا، فيجب عليك ألا تفكر في ابنته أبداً». سمعت صوتاً عالياً لاختراق حاجز الصوت، كنت قد سمعته من قبل ولكنه هنا كان الصوت أعلى بكثير. طيارات نفاثة إسرائيلية كانت تتدرب إلى الغرب بمحاذاة وادي الغور ووادي عربة اللذين كان ارتفاعهما أقل من مستوى البحر. وهنا على جبل البرا كنا على ارتفاع آلاف الأمتار، فكانت الطائرات تمر تماماً من أمامنا. وعندما جمعنا حزمة كبيرة من الأغصان الجافة، استرحنا وفتحنا أمتعتنا في الظل وبدأنا نعد الشاي. ولقد كان شاياً ذا مذاق جبلي ساحر، وكان إبريق الشاي مغلفاً بكيس يحمل رائحة النيران التي وضع فوقها من قبل، ملأته بماء النبع وغلى على نار مفعمة برائحة خشب العرعر. وبعد وقت طويل لمح سالم حيوان الوبر على حافة الجبل يتلظى تحت أشعة الشمس. وعندما أطلق النار عليه، ابتلعت السماء صوت الطلق. كان ذلك الحيوان ذا فرو وبطول ذراع تقريباً ولم يكن له ذيل. لم أعرف ما هو، ولم أجد التسمية الإنكليزية لهذا الحيوان إلا بعد سنوات عدة. قام سالم وعوض بسلخ جلده وإفراغ أحشائه في دقائق، وكانت (شبرية) سكينة سالم بطول حيوان الوبر. كانت يد السكين مصنوعة من قرن ماعز أسود، و كان حد السكين فولاذياً ومسنوناً من الطرفين، وبذلك شق جلد الوبر بكل سهولة. شويا قطع الوبر وكان عوض يتصرف كششاف شاطر، فحمل في جيبه بعض الملح، وكان طعمه لذيذاً جداً ولكن الأكل بدون رغيف خبز جعل غداءنا شحيحاً. وبعد ذلك جررنا الأغصان التي جمعناها من حافة المذنب الذي صعدنا إليه ورميناها إلى الأسفل. ونزلنا مستعينين بأيدينا وأرجلنا. وكم ارتحت عندما اكتشفت أن الحمار لم يصب بأذى، وكم فرحت عندما رأيت أن جميع الأغصان التي جمعناها، وبالكاد استطعنا جرها إلى الحافة، تحطمت وتحولت إلى قطع صغيرة يمكن التحكم بحجمها. وتذكرت الأسطورة الأمريكية التي حكي عن بول بنيان الذي كان يرمي جذوع الشجر من أعالي الجبال ليصل بعد ذلك إلى أسفل المدينة فتكون أصبحت «نكاشات أسنان» حاضرة للتعبئة. وبدأ سالم وعوض يحمِّلان الحمار، وبدا كأنه عمل هندسي يحتاج إلى التوازن والبراعة. ومن أجل أن يوازنا الحمل على ظهر الحمار، وضعا حزمتين على كل جنب منه، وبعدها وضعا حزمة في الوسط لتعديل الحمل. ساعدت في تهدئة الحمار الأول بينما حمَّلا الحمار الثاني. وبعدها انطلقنا. وكان الحماران متحفزين للانطلاق وكأنهما كانا يريدان أن يتحركا كي لا يفقدا التوازن. لقد كان حملهما ضخماً وكان الدرب حجرياً وملتوياً وضيقاً ومنحدراً ورملياً ورتيباً ومع ذلك استطاع هذان الحماران أن يوصلا حمل الحطب إلى حافة الجبل، وبدأت أنا أنسق عدة النار وأدوات إعداد الخبز؛ كي أنتج أجود خبز الشراك من الآن فصاعدا. عزيزتي إليزابيث 30 أيلول (سبتمبر) عزيزتي إليزابيث، لقد سعدت جداً باستلام رسالتك اليوم. استخلصت من رسالتك أنك سعيدة ومستقرة. كم أرجو ذلك. وكنت على وشك عدم استلام رسالتك هذه، فقد أخذها صبي من مكتب البريد ونسيها عندما مكث في الاستراحة. واليوم انتقل بعض الناس إلى الكهف الذي يحتوي على أقدم كتابة نبطية. رآها أبو محمد ولكنه لم يعرف أنها موجهة لي؛ لذا فإن محمداً أرسل أخاه الليلة ليجلبها. لقد كانت أماكن لم..... كان الأمر معقداً. لم تجرِ العادة هنا أن يستلم الكثيرون الرسائل؛ ليقدروا كم كانت هي غالية على مستلميها ولم يعرفوا كم هو جميل أن تستلم الرسائل على وجه السرعة وليس متأخراً. وبعد أن كانت هذه الرسالة على وشك الضياع، بدأت أتساءل كم لي من الرسائل قابعة في الكهوف أو في خيام الوادي، وهكذا ذهبت إلى وادي موسى واتخذت صندوق بريد باسمي ولي وحدي. أصبح هناك الآن مكتب بريد رسمي، ولم تعد وكالة في دكان مثل ما كان في الماضي، عندما جاء محمد ليصوت، لم تكن هناك أي انتخابات بلدية منذ حرب 1967 . ومعنى ذلك أنه كان ما يزال صغيراً ولا يحق له الانتخاب. ولكنه قال لي: إن ممثلاً من معان كان قد جاء إلى البتراء حاملاً دنانير قد أغرت الكثير أن يذهبوا إلى وادي موسى؛ ليصوتوا له. كانت عينا محمد تشع بالبريق عندما كان يروي هذه القصة ويتذكر كم كان فخوراً أن يوقع اسمه وليس فقط أن «يبصم» كالكبار في السن، وكم كان للدينار، الذي كان يدفع عندما كان يغادر دكان الغنيمي، قيمة حينذاك. مكتب البريد أصبح مبنى مستقلاً، ولكنه بدا كباقي الدكاكين الأخرى، له واجهة صخرية وباب دوار مظلل بأشجار الفلفل الباكية التي زرعت على طول الطريق. جاءت الرسائل لاحقاً معنونة بأمان، وكم كان عزيزاً علي العنوان الآتي: السيدة النيوزيلاندية مقصف، شاي وقهوة البتراء، الأردن وجاءت كثير من الرسائل معنونة باللغة الإنكليزية إلى أشخاص آخرين، ووضعت أيضاً في صندوقنا. زارتني إليزابيث بعد عام، وكانت جميع برامج سفرها أُفسدت بسبب الحرب الأهلية في لبنان، وبعد ذلك استقرت في أستراليا. وهكذا وبالتدريج لم نعد نكتب لبعضنا ولم نجتمع إلا بعد عهود. التنظيف في فصل الرييع كل بضعة أيام كنت أفتح باب الكهف الخشبي وأقفله ورائي، حاملة حقيبة مليئة بالملابس المتسخة على ظهري وأنطلق إلى البيت المخصص للغسيل. كنت آخذ الدرب المؤدي إلى قلعة الصليبيين، وأنزل من خلفها بعسر على أكوام الصخور المتكسرة إلى أرض الوادي. كان جبل أم البارة شامخاً أمامي وجبل أم الزيتونة يحجب السماء، وعلى يميني - فوق الصخور المترامية - كانت أسوار القلعة تتعالى. وكان الدرب يؤدي إلى ضفة النهر الجافة في ظل شجيرات الدفلى الباسقة. ومعظم الأوقات كان هناك أناس آخرون يسلكون هذا الدرب المؤدي إلى النبع، فربما تجد رجلاً يعزف الناي في طريقه إلى حديقة أبيه المزروعة بشجر الزيتون، أو راعية تسوق قطيعها لشرب الماء. وكان هناك دائماً أطفال في طريقهم لجلب الماء يهرعون بالحمير، يتسلون ويلعبون. وكانت أصوات هذا الدرب بالنسبة إلي موسيقا، والتنك تقرع كأنها أصوات الطبول، كان صداها يتردد من الجبال، حقاً كان منظراً خلاباً، يسلب الألباب. وبعض الأحيان كان بعضهم يتعرف علي، فيقولون: «أنت زوجة محمد؟ تركبين»؟ ولم أكن أعرف أحداً منهم، ولكان لم يكن هذا هو السبب الذي دفعني أن أرفض الركوب معهم. السبب الحقيقي يرجع للطريق المليء بالحجارة المتعرجة ولم أكن مستعجلة، وكنت أحب أن أسمع صدى الأصوات يتلاشى. كانت هناك زاوية عريضة جرفت بسبب السيول الدافقة. كان النبطيون يقتطعون الحجارة في هذه البقعة مخلفين وراءهم جدراناً مستقيمة عالية تحت جرف شديد الانحدار. وفي الداخل كانت هناك حديقة جد محمد، وكانت مليئة بالحجارة، ولم يكن فيها الكثير مما يسمى بحديقة، كانت هناك فقط بعض أشجار المشمش والزيتون وكرمة عنب تحاول الهروب بتمرد إلى الأعلى، متداخلة بشجيرات الدفلى وأشجار البجم في الوادي. وكان النبع موجوداً وراء الأجراف العالية، وكانت الأشجار الصلبة المقاومة للسيل تحجب السماء. كانت مياه النبع تتدفق بين الحجارة في أرض الوادي وتنهمر في جدول صغير. وكان الأطفال يحدثون جلبة وهم يحاولون صنع برك صغيرة؛ ليغرفوا الماء بطاساتهم التعبة. وكان بعضهم يعقلون حميرهم قرب النبع؛ كي يملؤوا تنكاتهم التي حملت على ظهور الحمير، ولكن ماء الجدول كان أسرع من التنكات، فكان على الأطفال أن يطلبوا المساعدة لتحميل الحمير. لقد راقبت سير هذا العمل الخطر عدة مرات، وقف الأخ والأخت إلى جانبي الحمار، حيث كانا بالكاد يريان ما وراء الحمار. الولد أقوى بقليل من البنت، فكان يؤرجح التنكة الأولى إلى الأعلى ويركبها على السرج الخشبي، ولكنها كان يتسرب منها الماء وخاصة إذا لم يكن غطاؤها محكم الإغلاق. أما أخته فكانت تحاول التحكم بها، وكان الحمار يحاول أن يخطو خطوة واحدة في محاولة للتعود على وزنها، بينما يأخذ الولد التنكة الأخرى ويضعها على ركبته ويسندها على خاصرة الحمار، ويعقد بعد ذلك حلقة إلى داخل مقبضها ويدخل قضيباً إلى داخل الحلقة ويصرخ قائلاً: «خلص» وذلك كي يعلم أخته أنه عليها أن تسحب التنكة التي كانت تمسكها إلى جانبها من السرج وأن تنزلها ببطء في حال لم يتحمل القضيب الوزن، حتى تتوازن التنكتان وتستقرا على جانبي بطن الحمار. وإذا كان هناك أي تسريب، كانوا يسدونها بقطع قماش معلقة على الشجر. وكانوا يقطعون أعواداً من شجر الدفلى ويقفزون فوق الحمل من على صخرة منحدرة من الجبل على جانب الدرب. وعندما بدأت أعرف كيف تتم تلك العملدتة، بدأت أساعد، ولكنه كان عملاً شاقاً؛ فالحمير تتحرك والتنكات تسرب الماء، والعيدان تتكسر، والحبال تتعقد، وكنا معظم الوقت نتوقف في وسط الجدول المزحلق ولم أستطع أبداً التخلص ص فكرة الخطر الذي يحدق بمجرى سير العملية. ولبضع دقائق تنقلت من مكان إلى آخر، مرة في الظل ومرة تحت أشعة الشمس، وبعد ذلك استقررت بجانب قناة ماء طبيعية في صخرة بيضاء ناعمة بفعل الزمن. جلست هناك وجميع أغراضي حولي وقدمي في الماء البارد المنهمر. وكان صابون البودرة إما «وتايد أو صرف» يباع في علب كرتون صغيرة كانت تتمزق حالما تشتم رائحة الرطوبة؛ لذا كنت أستعمل العلبة كلها كي أغسل الرمل والدخان وفضلات الطعام. وكان غسل بنطال الجينز الأصعب، حتى ولو لم يكن مبقعاً بالزيت أو أي طعام آخر، وحثني هذا كله أن أنتبه أكثر عندما آكل بيدي. علقت الملابس على الأغصان المتدلية، وعندما أدركت أنني لم أعد أسمع أي صوت آدمي، خلعت ملابسي الخارجية؛ كي أغتسل. وكان هناك ما يشبه بركة سباحة منتجع بحجم حوض استحمام محفورة بالصخر. وكان علي أن أرفع ركبتي؛ كيلا تحف قدمي بالطحالب. كان النشامة يقتادون المسافرين الإنكليز الذين كانوا يريدون التخلص من الحر والغبار إلى تلك البقعة. لم أذهب أبعد من بقعتي هذه. القليلون كانوا يأتون إلى هنا، ولقد شاركت في هذا المكان مرة واحدة مع امرأة كانت تغسل الصوف؛ لذا كان باستطاعتي أن أنتعش قليلاً ببعض رشات ماء، وكنت متأكدة أنه لو رآني أحد لقال: إني كنت عارية. الجميع كانوا ينقلون ماء إضافياً ويغسلون ملابسهم في البيت، لقد بدا لي أن هذا الأمر كان سخيفا في بادئ الأمر؛ لأن جلب الماء كان صعباً للغاية. ولكن بعد ذلك كان محمد - من وقت إلى وقت - يستعير حماراً وكنا ننقل أربع تنكات بسعة ثمانين لتراً من الماء تكفينا لبضعة أيام إذا كنا حريصين. وعندما امتلكنا حماراً، كان لابد لي أن أوافق أن الغسيل بالبيت كان أسهل وأنظف أيضاً؛ وذلك لأنني كنت أستطيع أن أسخن الماء. ولكن لمدة من الزمن استمتعت بالهواء الطلق والمنحدرات الجبلية الرائعة والجو البارد المهدئ، واستمتعت بالصخور الدائرية الناعمة التي كنت أستلقي على واحدة منها ريثما أجف أنا وثيابي. وبعد أن أصبح نظيفة ومنتعشة كنت أضع حقيبتي فوق ظهري وأوافق على أن أركب مع من يعرض عليَّ التوصيل إلى المنزل. مغامرة لطلب الشفاء مع أني كنت أقبل توصيلي إلى المنزل على ظهر الحمار من وقت إلى آخر، لم يكن لدي الخبرة الكافية بعد في ركوب الحمير، عندما أرسلني محمد ذات يوم في رحلة استكشافية إلى وادي عربة. كانت زوجة أبيه أم لافي التي كان يناديها «خالتي» تقوم برحلة ويرافقها أخوه سالم، وكانوا مستعدين أن يسرجوا لي حماراً إذا وددت القيام بمغامرة ما. كنت متحمسة جداً ولم تمنعنا أنا ومحمد خبرتي القليلة بركوب الحمير، من التردد. «ديري بالك» كانت التعليمات الوحيدة التي تلقيتها عند الركوب. لم أر أم لافي منذ حفل زفافنا، فلقد انتقلوا إلى كهف يبعد حوالي العشرين دقيقة إلى الوادي الكائن خلف قبر القصر، ولم يزرنا من حين إلى آخر إلا الأولاد الكبار. على ما يبدو كانت حماتي مبحوحة. وكانت بحة صوتها تزداد سوءاً منذ يوم الزفاف(كل هذا الغناء) وقد جربت شرب جميع أنواع الأعشاب وابتلعت بعض الأقراص من إحدى النساء ولكن دون جدوى. كنت أعتقد أنه كان عليها أن تريح صوتها، ولكنها قررت أنه من الضروري القيام برحلة استرضاء إلى أجدادها الأولين، لأهل عوض. لقد كانت حاملاً في شهرها السابع، ومع ذلك لم يشكل لها ذلك عائقاً. ويبدو أن القيام برحلة إلى قبر أهل عوض كان تقليداً جديداً. فالقبر لم تكن له أي سمة دينية، وكانت التربة لسالم عوض، شيخ قبيلة عامرين الذي عاش هناك عام 1900 . كانت القبائل الموجودة في المنطقة، تعتقد أن هذا الشيخ له مقدرات خاصة؛ لذا فقد أصبح قبره مزاراً. وكانوا يعتقدون أنهم لو زاروا قبره أو طبخوا لاسمه سوف يرضى عنهم ويجلب لهم الحظ. وإذا نسوه فسوف يجلب لهم سوء الطالع أو المرض والموت. واعتقدوا أيضاً أن المحظوظين منهم يظهر لهم في الحلم، ولكن العقاب قد يأتي في أي وقت ودون سابق إنذار، وأرادت أم لافي أن تغطي جميع النواحي. رحلنا في مطلع النهار، وكان كل واحدة منا تركب حماراً. جلست أم لافي على طرف واحد من سرج حمارها، وكانت عباءتها البنية ملفوفة حول جسدها. لقد كان الجو بارداً وكم كنت فرحة؛ لأنني كنت أرتدي سترتي، إلى أن مشيت تحت أشعة الشمنس. مشينا على الدرب الترابي نزولاً إلى قعر المنحدرات الغربية وبعدها إلى الوادي متجهين جنوباً. وظهرت الكهوف، على غير تعيين، من المنحدرات وعلى اليسار كان هناك منحدر يؤدي إلى ضقة نهر جاف. كانت الحمير تعرف طريقها على ما يبدو فمشت بسرعة وثبات. لقد كان حماري مناسباً جداً لي، كان رمادي اللون وهادئاً ولم يكن مرتفعاً كثيراً عن الأرض، ومشى بثبات على حوافره العاليتين. لقد كان الوضع مريحاً. أمسكت بالزمام وجعلته رخواً حول مقبض السرج وكانت أرجلي متدلية مرتاحة محمية، من المقبض الخشبي، ببطانية مطوية. وبعد مدة، نقرت الحمير بحوافرها نزولاً على ممر ملتوٍ صخري أبيض وخرجنا منه إلى واد مرتفع. كانت الأرض محروثة ومحصورة ببقع من الطبقات الصخرية وضفاف جداول جافة. وكانت آثار الحرث ظاهرة حول أشجار العرعر وشجيرات الرتم وأكوام من الصخر. ومن وقت إلى وقت كان سالم يحث الحمير، ويقول: «حرررر» ملوِّحاً بذراعه ولم نعد نتكلم. بدا لنا جبل هارون أبيض تحت أشعة الشمس، وكأنه مسجد ذو قبة عالية. ولمحنا بعض البقع البيضاء تنادي قطيعها، وكانت العصافير تزقزق و طيور الفري تفزع وتطير طيراناً قليل الارتفاع. درنا حول الجبل في دروب مغطاة بالغبار الأبيض وعبر وديان صغيرة حتى وصلنا إلى وادٍ ضيق عميق من الحجر الرملي ذي نسيم بارد، ومن بين جدرانه لمحنا وادي عربة. وقفنا عند حافة الجبال. وكانت السماء زرقاء صافية. نظرت إلى الأسفل، فكانت هناك تلال من الرمل الأبيض إلى الغرب ووديان واسعة بينها. وهناك على الجانب الآخر في الأرض المحتلة، بانت سلسلة من الجبال المطموسة. أما سالم وأم لافي فقد كانا يتفحصان رتلاً من الحجارة المتكسرة الهاوية تحتنا مباشرة. بالنسبة إلي، فقد بدا عبورها مستحيلاً، ولكنها على ما يبدو لم تكن هكذا؛ لأنهم ترجلوا عن حميرهم واستعدوا للنزول. زمت أم لافي طرف ثوبها وعقدته فوق بطنها وكانت تلبس ثوباً آخر وسروالاً تحته. كما لفت عباءتها ووضعتها فوق رأسها. أما حذاءاها فكانا من البلاستك. كان من الأفضل لو كنت مرتدية الجينز وقميصاً قطنياً عند امتطاء الحمار، ولكن الآن وقد أصبحت جزءا من القبيلة، وجب علي أن أحاول التفكير كما يفكرون. لقد كانت هذه الرحلة إلى مزار، فكان علي أن أرتدي لباساً مناسباً، وأن أكون محتشمة. لقد كنت أضع منديلاً على رأسي كما كنت ألبس مدرقة فوق سروال قطني، وفعلت ما فعلت أم لافي، وكم كنت سعيدة؛ لأنني كنت أنتعل حذاء رياضياً. أدخل سالم سرواله في جواربه البيضاء. لقد كان صغيراً ووسيماً كمحمد، وكانوا يلقبونه أبا كحل؛ لأنه كان دائماً يضع الكحل في عينيه بسخاء. كان منديله ناصع البياض بالمقارنة مع عقاله الأسود الملتف الذي كان يلبسه بطريقة مائلة، فبدا كأنه جناح كبير. وكان يلبس سترة غامقة وقميصاً أبيض ضيقاً و سترة رياضية وحزام كتف علّق فيه مسدساً استقر على وركه، وأعتقد أنه قد لمَّع حذاءه قبل أن يبدأ الرحلة. يا للغرور؛ بدأت أتساءل عما إذا كان يأمل أن يقابل أحدا! لم نقابل أحداً بعد، وكنت أشك بأننا سنفعل، في هذه البقعة. فكنا كلما اقتربنا من وجهتنا نبتعد أكثر فأكثر عن الحضارة. «اهيا، ديروا بالكو» قال محمد وهو يقودنا إلى نقر صغير في الصفيحة الصخرية السوداء. مشيت وراءه وتبعتني أم لافي. وكنا نبعثر الحجارة على بعضنا ونحن ننساب ونتعرج إلى الأسفل. بعض الأحيان كنا نجر الحمير وبعض الأحيان كنت أتعلق بالحمار راجية أن تكون للحمار خطوات ثابتة على الأرض وألا يقع فوقي. وعندما وصلنا إلى الأسفل كنا نشعر بالحر الشديد، وبعد أن نفض سالم الغبار عن حذائه بدأنا نتجه إلى الشمال بمحاذاة الوادي العريض المنبسط. كانت الجبال على يميننا شامخة سوداء موحشة، وموشاة بصخور الغرانيت وبعض البقع الخضراء هنا وهناك، والتي بدت براقة عندما سطعت الشمس فوقها. ظهرت فجوة في الصخر الأسود مكتظة بشجيرات الدفلى والخيزران منتصبة بماء صاف. أشار محمد إلى الماء وقال: «وادي صيياغ» وهناك في الشرق «ووادي موسى والبتراء». لقد أمضينا الصباح بطوله للوصول إلى وجهتنا، والآن أصبحنا في أسفل النقطة التي بدأنا منها. واختفت المياه التي خرجت من الوادي الصخري الضيق والتي كانت محمية به، لتتسرب في الرمال. كانت هناك فتاتان تغرفان الماء بتنكات تعبة. لم أتصور أن أحداً من البشر هنا، عندما رأتانا ردتا علينا السلام بحياء وأتمتا تعبئة الأكياس المطاطية الكبيرة التي كانت على جانبي ظهر الحمار. ملأنا قواريرنا بالماء وغسلنا وجوهنا وأقدامنا وسقينا الحمير. لقدكان الهواء حاراً وكانت المياه باردة ومنعشة. وكنا كلما اتجهنا إلى الشمال كان الوادي ينبسط ويعرض أكثر. والآن بدأنا نرى المزيد من الشجيرات الكبيرة النابتة في الرمل الملتوية أغصانها بفعل الأشواك الخضراء الثقيلة. ورأينا أيضاً الكثير من الشجيرات الصفراء بجذورها المرتفعة عن الأرض التي هجرتها مياه السيول. وكانت هناك بعض أشجار القرظ الظليلة وبعض العشب الذي نبت عندما وجدت جذوره ملجأ بين الرمال. مررنا بخيمتين سوداوين ربما كانتا للفتاتين الصغيرتين، ولكننا لم نر أحداً. وأخيراً بدا القبر الذي كان عبارة عن ارتفاع صغير من الرمل المنبسط المزين بالشجيرات. أزاح سالم السروج عن الحمير وربطها بشدة؛ كي لا تفلت، وبدأت ترعى عند أسفل الشجيرات. لقد كنت سعيدة عندما ترجلت، ولكننا لو ذهبنا سيراً على الإقدام لاستغرق الطريق وقتاً طويلاً. كانت تربة القبر السفلى من الرمل والحجارة وكانت كلها باتجاه واحد. وحتى مزار قبر سالم بن عوض، لم تكن له شاهدة باسمه ولكنه كان محاطاً بجدار منخفض قاس ومميز بقطع القماش الأخضر المهلهل الذي لف بين حجارته. لم تقترب أم لافي من القبر حتى أفرغت حمولة السرج وملأت إبريق الشاي ووضعته على النار، وبعد ذلك توضأت وتسلقت الجدار. كنت أتوقع أن مراسم الزيارة ستأخذ وقتاً طويلاً ولكن سرعان ما قرأت بعض آيات من القرأن الكريم وأوقدت شمعة للنذر (مصنوعة من قطعة قماش ملفوفة ومغموسة بالسمن) وضعتها بين الحجارة، خرجت، وبدأت بتناول طعام العشاء. أما أنا وسالم فلم نتسلق إلى الداخل للزيارة، وكم تمنيت لو أنني لم أكلف نفسي بارتداء منديل وفستان. وعندما سمع سالم إبريق الشاي ينذر بالغليان، أنزله بسرعة من فوق النار بعصا طويلة، ومن ثم أعاده؛ كي يغلي قليلاً لإذابة السكر واختمار الشاي. جلست متكئة على الجدار أشرب الشاي بينما بدأت أم لافي تعجن طحيناً ليناً أصفر اللون؛ وذلك لإعداد وجبة الغداء، لم تكن هناك سندوتشات جاهزة هنا، وكان الغداء عبارة عن فتة طازجة، ولكن هذه المرة ليست مع الشراك والرشوف بل مع اللبن ورغيف مخبوز في قلب النار. عندما احترق الحطب أخذ سالم عصا طويلة وبدأ يوزع كومة الجمر؛ وأخذت أم لافي العجينة ١لقاسية التي كانت بحجم فطيرة البيتزا ووضعتها مباشرة على الفحم. وأخذ سالم يغرف بعض الفحم على العجينة بتؤدة وعلى كل قسم منها. وبعد تأكده أنه غطى القشرة تماماً، دفن الرغيف كله تحت الرمال الساخنة التي كانت تحت النار. أعطتني أم لافي قطعة (جميد) مكسرة منقوعة في الماء، وقالت لي: «امرسي». وهنا أحسست أنني ذات فائدة، وأن هذه هي مهارات التدبير المنزلي التي أتقنها؛ ألا وهي فهم الكلمة وإنجاز العمل بإتقان. كان مصدر الرزق في تلك المنطقة هو صنع كور اللبن (الجميد) المنتج من حليب الماعز والغنم، إلى جانب إنتاج اللبن. وطريقة صنع المنتج هذا، كانت أولاً باستخراج الزبد من اللبن بالمخض، وبعدها يترك اللبن ليركد، ثم يزال الماء الزائد ويؤخذ باقي اللبن ويوضع في كيس شاش؛ كي يصفى. وبعد أن يصبح قابلاً للعجن يضاف إليه بعض الملح ويعجن بشكل كرات صغيرة بحجم قبضة اليد، ثم توضع هذه الكرات على سطح خيمة الشعر؛ حتى تجف وتصبح قاسية كالفخار. وكانت هذه الكرات تبقى صالحة للأكل لسنوات طويلة. واستمررت في الفرك حتى أصبح الماء أبيض ولم تبق إلا بعض الكتل العنيدة في القاع. فتحت أم لافي غطاء علبة النيدو ووضعتها على النار؛ كي يذوب السمن. وعندما نقر سالم على الخبز وبدا جاهزاً، أزاله مما تبقى من النار وحركه ثم ضربه بكيس الطحين الفارغ؛ حتى يحلحل ما تبقى من الحبوب اللجوجة. وبعد ذلك كسرنا الخبز ذا القشرة القاسية الصفراء الثقيلة، في القدر وسكبت أم لافي اللبن فوقه وبدأنا نخلط بيدنا اليمنى فقط. وبعد أن أصبح كالقشدة حفروا حفرة صغيرة في أوسطه وسكبوا فيها السمن الأصفر الصافي. قلنا: «بسم الله)) وأكلنا وغرفنا وغمسنا، ونحن جالسون على الرمال إلى جانب المقبرة تحت السماء الواسعة المفتوحة. رجعنا من الطريق نفسه الذي سلكناه، وبدأ ظهري يؤلمني ولم أكن أريد أن أقر بذلك، فقررت أن أقلد أم لافي وأمتطي السرج، جالسة على جنبي لبعض الوقت. وقفنا في مكان ما في الوادي وترجل سالم واتجه إلى جانب الجبل، و بدأت أتنصت وأدركت أن الحديث مع بعض الرعيان لم يكن فقط»سلام وكلام«، فقد سمعت حديثاً مطولاً وأصداء أصوات عديدة. وكانت القصة أن أم لافي نسيت عباءتها إلى جانب الجدار الحجري، وكان سالم يدلي بالمعلومات إلى دائرة المفقودات. (وبعد بضعة أشهر كنت أقوم بزيارة إلى أم لافي عندما جاء رجل كبير في السن إلى خيمتها في طريقه إلى وادي موسى وجلب لها العباءة). بدأت ساقاي تؤلماني عندما وصلنا إلى المنحدر الصخري ولم أستطع أن أتظاهر بعكس ذلك. تعبت جداً وعلى ما يبدو لم أفكر نهائياً بالطاقة التي كنت قد أحتاجها، عندما اغتنمت فرصة المجيء دون تردد، ولكنني أردت القيام بشيء جديد، ولقد كان الألم من ركوب السرج شيئاً جديداً! «ياالله» قال سالم مشجعاً. صعدت أم لافي بخطوات ثابتة إلى الأعلى، مع أنها كانت حاملاً. كم كنت شاكرة؛ لأننا توقفنا للراحة، ولكنني لم أستطع أن أجلس من جراء الألم. وضحكا كثيراً عندما عرفا سبب عدم جلوسي. غابت الشمس وبدأنا من جديد. يا لي من سائحة! مشيت قليلاً وتمنيت لو أني أستطبع أن أمضي قدماً، وعندما حل الظلام لم نعد نرى الطريق المتعرج، أعتقد أنني كنت أنا السبب في تأخيرهم، لم أكن أعرف أن هذه الرحلة عادة لا تستغرق كل هذا الوقت، بدأ محمد وأبوه يقلقان. لم تكن لدى الحمير أي مشكلة بالتحرك في الظلام ومعرفة الطريق، وتابعنا مثابرين. أما سالم فاستمر بالضحك منادياً «ياالله» وكان علي أن أستمر بامتطاء الحمار أنا ووجعي. كم سررت عندما بدأت أرى من بعيد بقع الضوء تشع من بيوت البدو. وفجأة كانت هناك أصوات ومشاعل في المكان، وإذ بي أرى محمداً يقود حملة تفتيش. «ليش طولتوا» «لقد كنت أنا السبب، إنه ألم مؤخرتي». كانوا يضحكون وكانت سعادتهم كبيرة عندما علموا أن أم لافي، وبأعجوبة، لم تسقط الجنين. ذهب الجميع بعد ذلك لإخبار الباقي أننا عدنا سالمين، ومشيت أنا ومحمد ببطء شديد إلى كهفهم المليء بالدخان. أخوات محمد كن بانتظارنا، وكانت أعينهن تشع بضوء النار، كن مجتمعات حول القدر حيث كان الماعز الضحية يستوي على النار. كان طعام العشاء منسفاً، وأمضينا الليلة هناك؛ لأنني لم أستطع أن أمشي إلى بيتنا عند حافة الجبل. لم يتحسن صوت أم لافي ذلك اليوم ولا اليوم الآتي. ولكنها كانت راضية؛ لأنها فعلت كل ما قدرت عليه، وبهذا هدأت ولم تعد تتكلم كثيراً، وعلى أي حال عندما جاء المولود كانت قد شفيت. السيل الدافق لقد كان الجو بارداً هذه الليلة وقد بدأت السماء تمطر. كان المنقل موقداً في الكهف وكنت أشعر بالدفء والراحة عندما هرع محمد إلى الداخل بعد أن ذهب إلى الخلاء، وقال لي: «تعالي واسمعي السيل.» وفي الظلام ومن موقعنا، كنا نسمع هديراً قوياً آتياً من الوادي. «إنه شديد، لنذهب ونرى». كان الظلام قد حل وكانت السماء تمطر، فقلت لمحمد: «لماذا لا ننتظر حتى الصباح؟» ضحك محمد، وبينما كنت ألبس معطفي شحن محمد القنديل وبللت بعض نقاط من المطر غطاءه وبدأنا ننزل في ضوئه الساطع. لقد تذكرت والدي عندما كنا نذهب لصيد سمك موسى عند ضفاف النهر الموحلة في جزيرة رابيت. كنت أجلس في القارب، بينما كان أبي يجدف وكان يمسك بالقنديل بيد والرمح باليد الأخرى، وفي اليوم الآتي كنا نأكل سمك الموسى المقلي بالزبد في الصباح. اشتد الهدير، وعندما وصلنا إلى الطريق المرصوف لم نعد نسمع بعضنا. كشف الضوء عن نهر من الوحل والحجارة تضرب في الوادي. كنت قد رأيته من قبل مغطى بالصخور الملساء، أما الآن، فأصبح الماء المنهمر يغمر المكان. بت أحس بالأرض وهي تهتز بالحجارة المحطمة الهاوية المرتطمة. وارتفع غصن إحدى الأشجار المنتزعة الملوية إلى الأعلى وكأنه ذراع يطلب النجدة. وجاء جارنا الجميدي؛ ليشاهد السيل، كما رأينا مفلحاً قادماً في الضوء. سيظهر مفلح من وقت إلى وقت في هده القصة، تماماً كشخصيته، فقد كان جوالاً حتى بمفاهيم البدو. لم يكن أخاً لأحد، ولم يكن له أي أولاد عم. توفي والده قبل أن يولد وعادت أمه إلى البتراء تاركة بيرشيبا وأهل زوجها ولم تهتم به ولم تتزوج. ترعرع في الوادي وكانت القبيلة تهتم بشؤونه (إن الناس الذين يطعمون أو يلبسون أو يحسنون إلى اليتيم، فإن الله يحسن إليهم، إذا فقد أحدهم أحد الوالدين، يعد يتيما) ولكن مفلحاً لم يتأهل اجتماعياً ولم تكن له أي التزامات عائلية. كان أكبر من محمد بقليل، وكان محمد ينظر إليه بأنه خائب. «ليس عليه أن يرعى أحداً إلا نفسه، يجب أن يكون غنياً«! ولكن يبدو أن مفلحاً لم يكن طموحاً وكان يعمل من وقت إلى وقت في إدارة الآثار، وهيأ لنفسه بيتاً في أحد الكهوف وبعد ذلك بيتاً آخر، وخاض عدة تجارب زواج لم تدم أي واحدة منها طويلاً. توقف المطر الآن وبدأ الماء يتراجع. غسل الغبار وأصبح الهواء منعشاً. وعندما رجعنا إلى الكهف وأغلقنا الباب لهذه الليلة، كانت السماء تضيء بالنجوم. وعرفت عند ذلك لماذا ضحك محمد، ولم أعد أتعجب، ففي الصباح الآتي لم يعد هناك شيء، إلا بركاً صغيرة تناثرت هنا وهناك. مولود بدوي جميل: ١٩٧٩ في مساء يوم مظلم من أيام شباط (فبراير) جاء سالم مبشراً بولادة أخيه. فرحنا وتحمسنا، إلا أبو محمد الذي كان يشرب الشاي عندنا والذي قال لنا: إنه لم يلاحظ أي شيء غير اعتيادي عندما تناول العشاء معهم. لم يكن الوحيد الذي لم يعلم أنها في المخاض عندما كانت تحضر العشاء، مع أنها أرسلت لافي؛ ليأتي بجارتها من الوادي الآخر. كان الزائرون يشربون الشاي في قسم الرجال وراء الحائط المنسوج عندما أتت النساء بهدوء وأخذن أم لافي إلى كهف عند أسفل التل، حيث جاء إلى هذا العالم مولود دون أي مضاعفات. (الحمد لله على السلامة). أرسلني محمد في الصباح الآتي لرؤيتهم، وقال لي: إن زيارته ليست متوقعة إلا بعد حين. كن في خيمتهن، وكانت أم لافي مستلقية على فرشة صوفية في منتصف الخيمة بكل فخر واعتزاز. رفعت أم لافي منديلاً مزهراً كان بجانبها؛ لتريني رضيعها الذي كان نائماً في سلة مبطنة خاصة للرضَّع. كانت عيناه مغمضتين كهلالين، أما أهدابه فقد كانت غامقة ووجنتيه كالفطر، ووجد شعره الأسود طريقاً له من تحت الشريط الملفوف حول رأسه الصغير، لقد كان أجمل طفل رأيته في حياتي. كم كانت أمه فخورة، وأسمته حسيناً؛ تيمناً بالملك حسين. لقد كنت زوجة الابن؛ لذا كان علي أن أذهب كل يوم لأثبت وجودي. وكانت معظم الزائرات من ضواحي البتراء، فلقد كانت أم لافي من عمرين؛ لذا جاءت أخواتها من تلال البيضة. لم أكن مقتدرة بأمور الخيمة بعد، وخصوصاً تلك، فقد كانت تعم بالفوضى ولم أعرف من أين أبدأ. فلقد كانت طفلة تختفي مع الماعز باكراً كل يوم وتعود متأخرة، وكان لافي يذهب إلى المدرسة، وكان يجب علي مخادعته وملاطفته كل يوم حتى يقبل أن يجلب الماء عندما يرجع في منتصف النهار. أما نزلة التي كانت في الثامنة من عمرها آنذاك وندى التي كانت في الخامسة فكانتا تساعدانني. الحقيقة إن القليل من البدو كانوا يهتمون بأمور تدبير المنزل، كغسيل الأطباق المتسخة وتدريب الحيوانات الأليفة وتنظيم الخزانات. تغيرت الأمور الآن بفضل التعليم والمياه الجارية المتوافرة وأصبحت بيوتهم نظيفة للغاية. ولكن قبل هذا، كانت الفتيات ترمين فراش النوم بعشوائية فوق خزانة الأغطية، وكن يلتقطن الثياب من الأرض ويعلقنها فوق حبال الخيمة (وذلك لغسلها عندما يحتجن للبسها)، وكن يسكين الماء للدجاج في قدور الطبخ التي استعملت بالأمس وما زالت بقايا الطعام الجاف عالقة بها، ويضعنها بين طوب الحجارة والصفائح، أمام الخيمة. وكانت الماعز الصغيرة، المبعدة عن أمهاتها في النهار، تدخل وتخرج ترشوش بولها وتلوث ببعرها كل أرجاء المكان. وصلت الزائرات بمدرقات نظيفة وعصابات طويلة. جاءت النساء بالهدايا، بيضاً وسمناً وبعض المال. جلسن يغتبن ويشربن الشاي، ومعظم الأوقات كن يمضين كل النهار في مخض الزبد وقلب جلد الماعز في الحليب الدسم ويصنعن الجميد يضعنه على سطح الخيمة. أما فتحية، عمة أم لافي العمياء، بسبب الماء الأزرق، فقد كانت تعجن لوجبة الغذاء إذا وضعت أحداهن الطحين والماء أمامها. كنت أستمتع بكل هذا وكانت هناك الكثير من الأمور تجري، ومعظم النساء كن ودودات. كن دائماً يتكلمن عني وفي إحدى المرات، لم أتمالك نفسي وغضبت جداً. رمقتني امرأة سمينة ذات وجه متجعد، من تحت منديلها وأشارت لي قائلة «هذي مرت محمد» وبعد ذلك قالت «كيف حالك؟» تمتمت برد ونظرت إلي وجوه أخرى. لقد كانت تلك المرأة ذات الوجه المتجعد، أم قيثة، وكانت تعرفني، فقد صافحتني عندما وصلت ورأتني من قبل في بيت رخية، كانت تعرفني حتماً. نظرت إلي امرأة أخرى صغيرة في السن حاملة رضيعاً أكحل العينين وقالت «تحكي عربي» ونظرت إلى باقي النساء منتظرة جواباً. قلت «شوية» وسألتني أخرى «أمك طيبة؟» أجبت «أيوة» حدقن وابتسمن وهززن رؤوسهن وقيمن وضعي. ومالت نحوي إحداهن واضعة يدها على بطني وقالت، «غي بيبي» لم أكترث لرائحة زيت شعرها لأنها كانت تبتسم متحمسة وهي تمسك بيد طفلها بتباه وفخر. «ما في» بدأن يناقشن الرد ويتحدثن مع بعضهن. سمعت أم قيثة تعلن وتقول «تاخد مانع» وهي تضع ذقنها على صدرها وتهز برأسها دون أن تنظر إلي، وأخفضت رأسي متظاهرة أنني لا أعرف أنها تتكلم عني وأنني لا أفهم ما تقول وأنها كانت تقول للجميع إنني أستعمل مانعاً للحمل. بدأت أغضب بهدوء. كيف لها أن تعرف؟ لم يكون لها رأي في هذا الموضوع، تلك العجوز الشمطاء؟ ما شأنها هي؟ كنت أريد هن أن يعرفن أنني لا أستعمل حبوب منع الحمل. ولكن لماذا يجب علي تبرير ذلك؟ وتمنيت لو كنت أعرف بعض الكلمات العربية؛ كي أستعملها بسوقية وفجور. «كلا لا أستعمل مانعاً» وكنت أريد أن أقول لهن (وإننا نحاول أن ننجب طفلاً بكل ما استطعنا من حيلة، ولكن لم يحالفنا الحظ إلى الآن» ولكنني كنت متأكدة أنهن سيضحكن. ولكنني لم أكن أستطيع أن أعبر عن نفسي؛ لذا أدرت برأسي وتجاهلتها بقدر ما استطعت. لم تفعل أم لافي شيئاً طوال النهار إلا الاعتناء بمولودها، ولمدة أربعين يوماً لم تتمكن من أن تطبخ أو تضع إبريق شاي على النار. لم تكن نظيفة. كانت تضع كأسها في كيس بلاستيكي تحت فرشتها، وكان الطعام يصب لها وحدها وليس من الطبق المشترك. وكان هذا الأمر مبالغ فيه بالنسبة إلي خصوصاً إذا نظرنا إلى ما حولنا من عدم النظافة. ولقد لاحظت أنها لم تدع أحداً ينظر إلى حسين. شرحت لي وقالت: «كي أحفظه من العين الحاسدة». ولم أفهم حكمة هذه المعتقدات الجاهلة إلا عندما مرضت طفلتي التي كان عمرها أسبوعاً بالأنفلونزا، حيث جاءتها العدوى إما من مشاركتي كؤوس الشاي مع الجميع كي أبرهن لهم بأنني لست وسخة، أو لأنني كنت أسمح للجميع أن يقبلوا ابنتي كي أبرهن لهم أنه لا يوجد هناك أي شيء يسمى بالعين الحاسدة. جاءت أم لافي الكثير من الهدايا، وقلينا البيض بالسمن لوجبة الإفطار، وأرسلت أم لافي ندى إلى الدكان في فم الوادي كي تبتاع بعض القرفة لتعد شراباً ساخناً وبعض البخور لتنفحه في الخيمة. وجلب إبراهيم شاياً وكيساً من السكر على حماره. أما حسين فلم يكلف أهله كثيراً. كان يرضع من صدر أمه وينام في معطف أبيه. وكان قماطه عبارة عن فستان قديم ممزق إلى قطع صغيرة يلف بها. وكان الجيران وأطفالهم يتجمعون كل مساء ويسهرون لوقت متأخر، يشربون الشاي الحلو المذاق. كما جاء سلامة المختار وبعض الرجال من الوادي، وبقيت النار مشتعلة طوال الليل، لم تكن هناك حاجة للهدوء ولم تكن هناك حاجة لتوفير السكر. قال سلامة: «المرأة والطفل يظلان عرضة للمرض مدة أربعين يوماً» وطلب من محمد أن يترجم لي كي أفهم لم يأتون كل ليلة. «نحن نأتي كي نؤنس محمداً». أحسست كأنني أعاقب، وأتيت أنا ومحمد بعض المرات واستهوانا الجلوس في كهفنا الدافئ باقي الليل. قليل من الوجاهة «زوجتك ممرضة (نيرس)، ليش ما تشتغل؟» تكرر هذا السؤال عديداً، فبت أفهم ما يعني توا. وكانت نظريتهم العملية أنني سأدير عيادة البتراء أفضل بكثير من الممرض الحالي؛ لأنه يقطع كل الطريق من وادي موسى. لقد فهمت ما كانوا يقصدون. لقد مضت عدة شهور وأنا أعيش حياة ترف وكسل وحان وقت العمل، ولكنني لم أكن متأكدة من العمل بالعيادة. السبب الأول؛ لأن المنصب كان ليس شاغراً، والسبب الثاني أنني لم أكن متأكدة من مؤهلاتي، فاختصاصي كان بالأولاد المتخلفين عقلياً، وكان يتعلق بالتصرفات وليس بالإسعاف الأولي. ومعلوماتي عن الإسعاف الأولي تلقيتها من فصل دراسي عن الأداء في سيارات الإسعاف أعطي من قبل مستشفى القديس جون عندما كنت في المدرسة الثانوية. وبالإضافة إلى كل ذلك، لم أتصور كيف سأتفاهم مع المرضى دون إتقاني العربية. محمد لم يفهم وجلي وقال: «الرجل معظم الوقت لا يأتي، سوف يكون سعيداً جداً بالعمل في وادي موسى، وأما بالنسبة للغة، فالطبيب يكتب الوصفة باللغة الإنكليزية». كانوا كلهم متحمسين؛ لذا قررت أن أجرب. فكرت أنه من الأفضل أن أشغل نفسي وأقوم بعمل يعود بالفائدة عليهم، وبالوقت نفسه أجني بعض المال، لم أعتقد أن الأمر كان سنيئاً لتلك الدرجة. وفي مستشفى وادي موسى حاول الأطباء إقناعي بالعمل في المستشفى وليس بالعيادة. لقد كانوا يأتون من عمان ويعملون مدة سنة بالتناوب، وكان باقي الموظفين من القرية ليس عندهم التدريب الكافي؛ لذا فقد كانوا محتاجين إلى ممرضه مؤهلة تكون هناك دائماً. الحقيقة أنني كنت أريد أن أعمل دون بذل مجهود كبير، ولم أرد أن أذهب إلى وادي موسى كل يوم؛ لذا كان منصب ممرضة في عيادة البتراء الأنسب لي، وهكذا أصبحت، الممرضة المساعدة في عيادة البتراء. لم أشعر أنه فعلاً عمل غاية في الصعوبة، فقد قبلوني ووثقوا بما قلت، قبل أن أرسل نسخة من شهادتي التي تثبت بأنني ممرضة مؤهلة مسجلة ، لتوضع في ملفي. وكان الراتب أقل بكثير مما كنت أجنيه في نيوزيلندا، وكنت محرجة أن أسميه راتباً شهرياً، وكانت العيادة في كهف مغبر ورطب، لم تكن عيادة حقيقية معنى الكلمة، وهكذا كان الأمر استمراراً لمغامرتي. في الستة الأسابيع الأولى كنت أذهب إلى العيادة كل يوم؛ وذلك كي أرى كيف تسير الأمور. وكانت ساعات العمل من الساعة الثامنة وحتى الساعة الثانية، ما عدا يوم الجمعة، وذلك ككل المدارس ومكاتب الحكومة والمصارف. كان يجب علي أن أمشي إلى السق ومن هناك كنت أستقل سيارة المستشفى «لاند روفر» من بداية الطريق المرصوف. وكان السائق يدور في القرية كي يصطحب ثلاث ممرضات أخريات. كنت أتمتع بترك الكهف باكراً وأستهوي المشي عبر السق مع أول فارس. وعندما بدؤوا يتعودون علي وعرفوا أنني «مرت» محمد كانوا يصرون علي أن أمتطي الحصان وأن يمضوا مشياً على الأقدام. كانوا يذهبون إلى العمل، وبما أنهم كانوا يعملون كدليل سياحي، فكان هذا يستوجب أن يمشوا ويضعوا السائحين على الأحصنة، ولهذا لم أرد أن أحرمهم من فرصة الركوب، لكنهم كانوا يصرون دائماً أكثر من رفضي المهذب. لقد كنا في فصل الشتاء وكان الجو رائعاً والهواء شديد البرودة، وكانت أصوات غناء الرجال الصافية ونقر حوافر الخيول تردد الصدى عبر الإفجيج والصمت البعيد. لقد كانت بداية يوم سحرية. كانت العيادة بمثابة مركز صحي يغلق بعد أوقات الدوام. كان هيكل المستشفى عبارة عن مستطيل من الطوب الإسمنتي مبني في الطريق إلى وادي موسى وأعلى بكثير من القرية. وكانت تطل على منظر خلاب لجبال البتراء القابعة في الأسفل، وإلى الجنوب أطلت على معرض طبيعي من الجمال المتغير. وفي أكثر من صباح كانت الجبال تبدو أقرب، خاصة عندما كانت الشمس تسطع فوقها، وكانت الصحراء وتلال وادي موسى تبدو أوضح في الأفق. وعندما بدا وادي عربة مكدراً، كان يجب علي أن أذكر نفسي أني لست ناظرة إلى محيط أزرق وراء الجبال. وبعض الصباحيات، كان وادي عربة يدثر بغيمة فتبدو الجبال كأنها سد يمنعه من الانسياب في البتراء. وذات مرة كان حوض البتراء مغطى بغيمة ضخمة، وبدا جبل هارون وكأنه جزيرة ومقام النبي هارون الناصع البياض فوق قمته لامعاً تحت أشعة الشمس. كانت أقرب مستشفى، تحتوي على أسرة ومخبر، موجودة في معان وتبعد حوالي خمسين كيلومتراً إلى الشرق. كانت كل المعدات الطبية تأتي من هناك، وكنت أذهب إليها مرة في الشهر كي أقبض راتبي، وبالرغم ض ضآلته، كنت أفرح باستلامه. كان هذا الأمر مهماً جدا بالنسبة لمحمد وعائلته، فكوني أصبحت عاملة لدى الحكومة أضاف الكثير من الوجاهة إلي؛ لذا فقد أصبحت زوجة ابن مرحبا بها، وكنت أشعر بالارتباك عندما كنت أسأل: «قديش بتجيبي أو، توظفتي؟ اشتغلتي؟». لم تزعج هذه المسألة محمداً كثيراً، فقد كان يقول «إنك تجنين هذا المال ولا تسرقينه فقولي لهم كم راتبك». ولكن بالنسبة إلي، كانت المسألة كمن يسأل امرأة عن عمرها، وكانوا يفعلون ذلك أيضاً دون أي خجل أو اعتبار. عندما قررنا الذهاب إلى نيوزيلندا (هذه الرحلة الموعودة وليست المشروطة) قمت بالترتيبات اللازمة لوضع راتبي في البنك. وهكذا تخلصت من القيام برحلات إما بالجو الحار أو البارد، ولكن بالتأكيد، رحلات محفوفة بالأتربة في الحافلة المقرقعة وعبر كل قرى الصحراء المصفوفة واحدة تلو الأخرى. معظم الأحيان، لم يكن المركز الصحي مليئاً بالمرضى؛ لذا كنت أجلس وأحاول أن أتكلم مع باقي الفتيات العاملات اللواتي كن ودودات، ولكنهن لم يتكلمن الإنكليزية بطلاقة. وكنت عادة أذهب إلى الصيدلية حيث كان السائق والمحاسب والمساعد يجلسون. وفي أحد الأيام جاء المدير وقال لي: إنه ليس من المقبول أن أجالس الرجال. وفي البداية حاولت أن أشرح له أن السبب الرئيس لمجيئي إليهم هو محاولة التحدث إليهم فقط، ولكنه اعتقد أن الجلوس مع الرجال بحد ذاته غير مقبول. وقلت لنفسي: إنني لست هنا كي أغير العالم؛ لذا ذهبت وجلست مع البنات. وإلى ذلك الحين لم أعرف كيف سأتدبر نفسي مع البدو في البتراء عندما أكون هناك وحدي معهم. لقد علمني البنات بعض الكلمات مثل، راحة وبسكوت التي كن يشترينها في الصباح ليتناولنها مع الشاي. وعلموني أيضاً كيف أغلي الإبر الفولاذية والحقن في وعاء مخروطي الشكل وكيف أضع مرهم الفورازينا الدهني ذا اللون الأصفر الفاقع على الأربطة التي تلف على الجروح والحروق. كانت الضمادات القطنية والصوفية الوحيدة المتوافرة هناك وبعض الأحيان لم تكن متوفرة بتاتاً. ولم تقع عيني على أي حقن ترمى بعد الاستعمال إلا عندما قابلت نهى، سيدة التطعيم. كان المرضى يأتون من أجل مضاد حيوي أو دواء للسعال، وكان الأطباء يستطيعون أن يؤمنوا هذه الأدوية من الصيدلية. وأما المرضى الذين كانوا يعانون من أمراض أكثر جدية فكانوا يرسلون إلى معان. أول مرة شاهدت ما بداخل عيادة البتراء كان يوم ثلاثاء. كان الطبيب يأتي إلى البتراء، مرة واحدة في الأسبوع، وكنت أقابله هناك. كنت أذهب باكراً إلى وادي الدير وأنتظر الطبيب عند أسفل جدار الإفجيج، الذي أشار إليه محمد من قبل، وكنت قد مررت به وأنا في طريقي لزيارة رخية. كانت عائلتها تمضي فصل الشتاء في كهف هناك، وكانت المواعز الصغار ترعى عند حافة الجبل في الأعالي. وأما الجدار المقابل فقد احتوى على عدة كهوف مسكونة، وكنت أعرف أنها مسكونة عند رؤية الحمير وبراميل الماء وحبال الغسيل النادرة الوجود والأطفال الذين يلعبون والأطواق التي هي عبارة عن خطوط سوداء اللون تغطي الصخور وتبدو كأنها شلالات جافة، شكلت هذه الخطوط بفعل الماء المنهمر عبر مر السنين، وفضلات الطعام والقمامة. كان للدجاج حقاً مرتع خصب. أما سليمان، الرجل الذي حللت مكانه، فقد كان رجلاً دمثاً وله شارب أسود سميك محلوق مهذب، وكان يلبس ثياباً أوروبية مكوية نظيفة. كان يصل بعدي مباشرة ويفتح الباب المقفول بمفتاح معدني كبير معلق بسلسلة. كان يجب عليه أن يضع عصاً ليكسبه قوة رفع عالية، وكان المفتاح يطقطق بصوت عال حين كان يديره في القفل، ولكنه لم يكسر. وبعد ذلك كان علي أن أحمل قضيباً معدنياً مع المفتاح حتى لا أكسر عصاً خشبياً كل مرة. كان الباب ومصنوعاً من قطع خشب العرعر المخروطة. وكان سليمان يدفعه بقوة؛ ليفتح، وكان صريره قوياً عند دورانه إلى اليسار ليستقر على كدمة خشبية. كان يجب علي أن أخفض رأسي عند عتبة الكهف لأضع قدمي على حجارة قديمة مغروسة في الإسمنت. وكانت رائحة الغبار والرطوبة تغمر المكان. وأما الدرجات المتعرجة فقد كانت مطلية بالدهان الأبيض وبدت وكأنها لم تمسح من الغبار ولا مرة واحدة. وبفضل الضوء الذي دخل من الباب كان باستطاعتي أن أرى طاولة الطبيب. أرشدني سليمان إلى موضع سجلات المرضى والعقاقير والوصفات الطبية والإيصالات. ووراء الطاولة كان هناك متسع فقط لكرسي الطبيب. فتح سليمان خزانة خشبية طويلة إلى يسار الطاولة احتوت على رفوف متفرقة مليئة بالأدوية وعلب ملفات بهت لونها الزهري، وإلى اليسار وتماماً خلفي، استقرت الطاولة الآيلة للسقوط والتي لولاها لارتد الباب على الحائط. كل شيء عليها بدا قديماً وقديماً جداً. أظن أنني رأيت، طباخًا يعمل بالغاز، صحون مخروطية، صوف، قطن، ومشبك للسحب، أما تحت الطاولة فقد كانت هناك قارورة غاز وتنكة وسلة قمامة. إلى يمين طاولة الطبيب كانت هناك طاولة فحص مغطاة بقماش بلاستيكي رمادي اللون. وتحت طاولة الفحص مقعد .خشبي يرتكز على لوح .خشبي وستائر بيضاء مهترئة. وكانت هناك طاولة أخرى بين اللوح والباب تعلوها علب كرتون مغطاة بالغبار. وصل الطبيب بسيارة «اللاند روفر» ومرة ثانية بدأت أتساءل كيف سأتدبر الأمور. جاء جمع غفير من الناس، بعضهم رأى الباب يفتح من المنحدر المقابل، وبعضهم سمع هدير السيارة قادمة عبر الوادي الهادئ. وبدأ سليمان يعبئ إيصالات باللغة العربية، وكان المرضى يدفعون أجرة الدخول. «لن أستطيع أن أفعل هذا«، صرخت بأعلى صوتي، ولكن الطبيب قال: «بل ستفعلين، لأن جلالة الملك حسين أصدر مرسوماً ملكياً بمنح بدو البتراء رعاية طبية مجانية، وسيبدأ تطبيق هذا المرسوم بعد أسبوع». لقد كان توقيتاً ممتازاً بالنسبة إلي؟ مرسوم ملكي واحد ألغيت فيه كل المعاملات الورقية التي تكتب بالعربية. إذاً ستكتب الوصفات من الآن وصاعداً باللغة الإنكليزية، كما قال لي محمد. عندما أتممت وقتي في وادي موسى وكنت مستعدة لأن أتسلم مسؤولياتي، قابلت سليمان في العيادة لتدريب عجيب. كان يجب عليه أن يسلم كل الأقراص والأثاث والحقن والكتب دون الالتفات إلى أي حالة آلت إليها. وفي تلك العلب الكرتونية المغطاة بالغبار منذ سنين كانت هناك مجموعة من الموازين الخاصة بالأطفال، وقنديل منذ كانت الممرضة تعيش في الكهف، وكثير من الحقن القديمة التي هي غير قابلة للاستعمال؛ لأنها عقمت بمياه قاسية، وحبوب فحم حولت إلى غبار، وكان من المستحيل عدها، وتنكة نحاسية سعة عشرة لترات ذات صنبور تعلق على الحائط وتعبأ بماء الاستعمال. أمضينا ساعات طويلة ولم نتوقف إلا عندما أردنا شرب الشاي أو إعطاء الحقن لبعض السيدات. كان يجب علينا أن نحصي ونسجل كل قرص وكل حقنة مغبرة، ولم نضطر إلى إحصاء الملفات التي كانت في الخزانة لأن سليمان قال إنها ليست مهمة. وبعد ذلك ذهب إلى المنزل، ومنذ ذلك الحين بدأ يعمل في المركز الصحي، أما أنا، فتركت لبدء عملي الجديد. عيادة البتراء لقد كان حقاً شعوراً رائعاً أن يكون لي مكتب وأسباب للذهاب إليه كل يوم. كنت أختار الطريق النازل من التل وأمشي بمحاذاة البيوت المهدمة ذات الحجارة المقطوعة مارة بالأسواق القديمة المزالة وأسس الأعمدة الضحمة المهدمة والملقاة على الأرض وكأنها حجارة لعبة الدومينو، مصفوفة كالأفعى في فسحة المعبد، وبعد ذلك كنت أنزل من الدرج العظيم والمتداعي إلى الطريق المرصوف. ومن وقت إلى آخر، كنت أرى بعض الأزهار البرية و زهور شقائق النعمان تطل من بين الصخور والشجيرات الشوكية التي امتدت كصف من الطابات وكأنها خلطة كيماوية مبشرة بقدوم الرببع. اشتريت دفتراً وكتاباً بعنوان «علم نفسك العربية))، أما بالنسبة لطاولة الدرس، فكانت من الكماليات. لقد كانت محاولتي الأولى تعلم الأبجدية وكنت أدرس الحروف في المنزل. جاءتني عجوز لا يزيد طولها عن طول الحمار الذي أتت به، وكانت من أول مرضاي. لقد كان وجهها الأسمر مليئاً بالوشم والتجاعيد، وظهرها محدودب ومثقل بطبقات من المدرقة، لقد جعلني مظهرها أعتقد أنها كانت بعمر تلك التلال. جاءتني لتحقن بفيتامين «بي كومبليكنس«؟ نقص ينتج عن قلة تناول النباتات الخضراء، وفي أول زيارة لها أرادت أن تعطيني بعض النقود. أوضحت لها بصعوبة، أنني أتقاضى راتباً شهرياً ولا أتوقع أن أستلم منها أي أجر. ومع ذلك، عندما جاءت في المرة الآتية جلبت لي أربع بيضات ملفوفة بقطعة قماش وموضوعة في علبة قديمة، أما في المرة الأخرى، فقد جلبت لي سمناً وأصرت على أن أعتبر هذه الأشياء هدايا وليست أجرة. كثير من المرضى الآخرين عرضوا علي مالاً، وعلمت أن هذه العادة بدأت في 1960 . خلال حملة تطعيم ضد مرض السل عندما جاء قبلان، بدوي من قبيلة البدول، والذي تدرب على إعطاء حقن (الستربتومايسين). ولم يتوقع أحد أن يُعطى هذه الحقن دون أن يدفع شيئاً بالمقابل. لقد أصبح قبلان رجلاً مسناً الآن، وكان الجمبع يدلونني عليه، وكان يلبس نظارة سميكة العدسات ملصقة في وسطها، معوجة ومسمرة على وجهه النحيل وكأنه فعلاً «الطبيب». لقد كان كرمهم يشعرني بالترحاب وبالارتباك. وكان من السهل علي أن أرفض المال، ولكن لم يكن قلبي يطاوعني أن «أكسر خاطرهم» برفض أخذ منتجاتهم التي كانوا يفتخرون بها والتي كنت قد بدأت أعتاد عليها وأحبها. وهكذا تعرفت على البدو. قابلت عائلة محمد وبعض العائلات الصديقة الأخرى وبعض الشباب الذين عمل معهم في الخزنة وبعض النساء اللواتي أتين إلى حافة الجبل؛ كي يروني بأنفسهن. ولكن في العيادة تعرفت على بقية قبيلة «البدول«، وقبيلة عمرين وبعض من «السيديين«، وهكذا قدرت أن أجد صلة الوصل بينهم. هؤلاء الذين لم يروني في الكهف جاؤوا ليتفحصوا شكلي ومظهري؛ وبعضهم جاء لوضع ضمادة جديد على جرح أو حرق أو لأخذ حقنة، وبعضهم الآخر لمحاولة أخذ شراب سعال أو حبة دواء، وكانت كل محاولاتهم تبوء بالفشل، لأنهم لم يكونوا يستطيعون أخذ أي شيء دون وصفة طبية. وعندما كان الطبيب يأتي إلى العيادة كان الناس يتجمعون، وكان الذين تعرفت عليهم يعرفونني على الآخرين، والكثير منهم كانوا يعرِّفوني على أنفسهم أيضاً. قالت لي إحداهن بكل فخر: «أنا أم سالم» معبرة بذلك عن أنها والدة صديق محمد الأعزب؛ وكانت تصرفاتها الأخرى تساعدني أن أعرف بقية المعلومات عن العائلة: هاتان التوأمان نايفة ونجدا، بناتي، ولقد أسميتهما تيمناً بأسماء الممرضات اللواتي ساعدنني في الولادة في معان. لم يسأموا أو يستسلموا، كانوا دائماً يحاولون إيصال الكلمة، إلي وبذلك كنت أسمع المزيد من كلمات لغتهم. قالت إحداهن وهي تحمل طفلها على وركها: (ازوجي بيعشتغل مع محمد في الجارة».(كانوا يسمون الخزنة «الجارة» أو «أرن» بالرغم من سيل كلام الدليل السياحي المنافي لذلك). كان هناك دائماً طبيبان يتعاقبان في الخدمة. ففي ستة الشهور الأولى كانا يديران المركز الصحي، وفي ستة الشهور التالية كانا يقومان بجولات في العيادة. وهكذا قابلت العديد من الأطباء خلال السنين، منهم من درس في عمان أو بغداد أو أوكرانيا وروسيا ويوغوسلافيا. وكان العديد منهم يريدون أن يتدوبوا، وكانوا يشعرون بالإحباط عندما كان المرضى الكبار في السن يرفضون أن يفتحوا أفواههم ويقولون، «آه، آه». وكان بعضهم الآخر يريدون أن يكونوا أطباء فقط؛ لأن مهنتهم كأطباء تعود على أهلهم بالوجاهة والوقار، وكانوا يشعرون بالرضا الكامل عندما كانوا يصفون مرهماً أو أقراصاً أو حقناً لخيالات تلك الهياكل البشرية التي كانت تقف عند الباب شاكية من الدوار أو الحمى أو بعض البقع الجلدية. كانت الوصفة تكتب كالتالي - اسم المريض «اسم الأب، اسم الجد، وأما السن فكان عادة يخمن. وكان معظم المرضى يقولون: «لا أعرف سني، فأنا لا أقرأ ولا أكتب«، ولكن بعضهم كان يجلب ورقة صغيرة مدون عليها تاريخ، أو هوية عسكرية تعطيهم سناً أصغر من الذي خمنته. لم يكن لأي أحد منهم أي شهادة ميلاد، ولكن بعضهم كانت لديه شهادة «تقدير سن» كالتي امتلكها محمد عام 1974 . عندما ذهب للمعاينة من قبل مجموعة من الأطباء في معان، وقد قدروا سنه بناء على «شكله وهيئته العامة» وذلك في حالة قرر أن ينخرط في الجيش. (خمنوا أنه ولد عام 1950 . مما سمح له بعدم الانخراط في الجيش وذلك لأنه تخطى السن المطلوب). ودون وجود محمد ليترجم لي كان يجب علي أن أستمع جيداً للمرضى، وعندما كنت أذهب إلى المنزل كنت أبدأ بتوجيه الأسئلة إليه وهكذا كنا نبدأ العمل. «كل ما مني يوجعني يا طبيب«، كنت أعيد الجمل وأشير إلى ظهري وكتفي وصدري وأقول»ظهري بيوجعني، كتفي بيوجعني وبحس كبدي طالع عراس قلبي يا طبيب». كان يضحك، ربما بسبب تشخيصي لما كان يقومون به، ولكنه في الوقت نفسه كان يشعر بالحرج أو بقلة الصبر حيال الصحة العليلة. كان يشرح لي ويقول، «كلهم مرضى هكذا». هذا ما يقولون، «كل شيء في جسمي يوجعني، كتفي، وأشعر أن كبدي قد قفز إلى قلبي». وكان يقول لي أيضاً: إن ما يقولون هو كلام ينم عن الجهل، ويجب علي ألا أتعلمه. أكان جهلاً ما يقولون أم لا، كانت هذه هي لغتهم وتلك هي اللغة التي تعلمتها. ماذا تقول؟ سألني أحد الأطباء مرة، أكان يسألني أنا ما معنى «دشبه»! لم تكن عندي أي فكرة ماذا كانت تعني تلك الكلمة، ولكن السيدة بدا عليها أنها تشتكي من الزكام، وهذا ما اعتقدت أنها تعني، ولكن الطبيب قال لي: إن الكلمة للزكام هي «رشحة». كان البدو يتكلمون اللغة العربية بلهجة نقية قديمة ومشتركة بين القبائل التي تعيش عبر سيناء والأردن إلى المملكة العربية السعودية. كانت اللغة تحتوي على كلمات وعبارات عامية عديدة لم تكن تستعمل في اللغة الأردنية المدنية الحديثة. وكنت أعرف أنني استعلمت إحدى تلك الكلمات، من الطريقة التي كان الناس - من خارج البتراء - يرمقونني بها. كان محمد يشعر بالارتباك، ولكن البدو الآخرين كانوا يضحكون ويرددون»عندما تعاشر قوماً أربعين يوماً، تصبح واحداً منهم». أما النساء العصريات الصغيرات في السن فكن يرفضن تلك اللغة وبساطة المعيشة التي كانت تعبر عنها، وكن يتظاهرن أنهن لم يسمعن أبداً بالغذاء الذي تعود عليه أجدادهن. لقد كانت طريقة تعلم هذه اللغة هو الانغماس الكامل. فقد بدأت مفردات لغتي الطبية تزخر بالكلمات البدوية والحديثة، ولكني خارج العيادة لم أتعلم إلا العربية التي نطق بها البدو، ولم أكن أنساق إلى الكتابة إلا في المجتمع الأمي. وهكذا بدأت أفهم كل الأحاديث التي كانت تجري تحت الشجرة وبدأت أدرك أنه «إذا كان الكبد فوق القلب وإذا كان الرحم (أم أطفالك) قد أزيح من مكانه، فمن الأفضل لك الذهاب إلى نورة أو فتحيه كي تقوم بتدليكه لترجعه إلى مكانه، على أن تأتي إلى العيادة حيث كان الأطباء لا يفهمون بهذه الأشياء». تعلمت كيف أفسر للأمهات كيف يعيدون تفعيل شراب المضاد الحيوي بوضعه في ماء مغلي وليس بماء يغلي. عبأت الأقراص في مظاريف صغيرة ورسمت عليها ثلاثة خطوط لتعني، ثلاث مرات يومياً. وتعلمت أن أكتب الأرقام بالعربية، ولكن لم يكن هذا مجدياً لأن معظم مرضاي لم يقدروا أن يقرؤوها. ووضعت الحقن في مظاريف أيضاً، وكان الكثيرون منهم يطلبون مني تركها في العيادة خوفاً علي الزجاجة الصغيرة أن تكسر في االخيمة، ولكن بعضهم الآخر كان يأخذها إلى خيمته ليتباهى أمام عائلاته؟ إحضار الحقن كان يعني أنك بالطبع مريض. وفي الأيام المحددة التي كنا نتوقع فيها مجيء الطبيب، كنت أعد إبريق شاي وأنتظر مع المرضى المتجمعين وأجلس معهم على الرمل تحت فيء شجيرات الدفلى التي ملأت الوادي. لقد كان الرمل نظيفاً لأنه وجد في قعر الوادي وكان قد غسل بسيل الشتاء، ولكن عندما كان الصيف يأتي كانت الرمال تتسخ، وكنت أجد لي مقعداً حجرياً أجلس عليه تحت عريش الدفلى الزهرية اللون. وبعض الأحيان كان بعض السائحين يمرون عبر الوادي في طريقهم إلى الدير. ومعظم الأوقات كانت نظراتهم المشككة ترمقني قائلة (أهي ثائرة «اهيبية» تركت معتقداتها وأصبحت مواطنة) وكانت الأسئلة المتطفلة تضعني في موقف المدافع، ولم أرد أن أظهر، لهؤلاء الذين يجالسونني، أنني أكثر اختلافاً عما كنت عليه؛ لذلك عندما كنت أرى السائحين قادمين نحوي كنت أجلس وأدير ظهري إلى الدرب أو أدخل إلى الكهف. كنت عادة أرتدي جينزاً وقميصاً ولكنني بدأت أغطي شعري؛ وذلك لأننا عندما كنا نحمل الماء كان شعري النظيف يتسخ. وعندما كان متسخاً لم يقدر أحد أن يعرف أنني لم أقم بغسله. أما سبب تغطيه شعري فلم يكن مهماً بالنسبة للنساء وكن يقلن لي «مبروك المنديل» ويهنئنني فرحات وأما فريجة التي كانت تخاف على خصلات شعري الأشقر اللامع التي كانت تدعو لكارثة، وكانت بمثابة القضيب الذي يجذب الصاعقة والعين الحاسدة، فقد اطمأنت أن شعري بات محفوفاً بالأمان. كان غطاء رأسي يسمى بالمنديل، لأنه كان مطبعاً بالزهور، أما البنات فكن يضعن «إشارب» وكان من الحرير القطني، ويربط تحت الذقن ولم أضع «الإشارب» لأنني بكل بساطة لم أحب مظهره. لم يأت الطبيب دائماً في اليوم المخصص له، فقد كان في بعض الأحيان يتغيب بضعة أيام عطلة في عمان، ومعظم الأيام كانت سيارة «اللاند روفر» تتعطل، أو تستعمل من قبل أحدهم لجلب المؤن من معان، ومن وقت إلى وقت كان يذهب إلى عيادة أخرى قبل أن يظهر أمامنا فجأة بعد منتصف النهار. ولم تكن هناك أي طريقة لمعرفة ماذا سيجري، لذا كنا ننتظر. كانت النسوة يثرثرن ويمزحن، وكان الرضع ينامون أو يبكون أو يرضعون من نهود أمهاتهم اللاتي كن يبرزن، عندما يلزم الحال، من صدور أثوابهن الفضفاضة. وكان الأطفال يلعبون متكئين على أمهاتهم، وكان بعضهم ما زالوا رضعاً، بما جعلهم مانعاً طبيعياً لحمل آخر. وكان الرجال المارون بالمكان، خاصة إذا وجدت بعض الشابات اليافعات، يقفون هناك، لتسلية الحضور، وذلك بإلقاء النكات أو لسماع تسجيلات غناء السمر لآخر حفل زفاف. وبعض الأحيان كانت تأتي إلينا إما ذات شعر أشعث، من سهول بيضة أو من وادي عربة تحمل طفلاً ذابلاً في مزفر، محمل الأطفال، وعندما كنت أشد جلد بطنه الرقيق كي أفحص حالة الجفاف التي وصل إليها، أدرك أن حالته مستعجلة، وأنه يجب علي أن أقرر إن كان على الأم أن تفقد أمل انتظار الطبيب، وأن يهرع به إلى طريق السق ويؤخذ إلى المركز الصحي للتأكد من حالته. أجاء الطبيب أم لم يجئ، كان يجب علي أن أقفل الباب بالمفتاح المزعج حوالي الساعة الثانية. ولم يكن هذا يعني أن عملي قد انتهى، فمعظم الأوقات كان هناك أحدهم ينتظرني وبيده حقنة عند التل المؤدي إلى الوادي. زائرو العيادة معظم الأيام وما بين زيارات الطبيب، كان أحدهم يأتي لأخذ حقنة أو تغيير ضمادة. لم يكن هذا الأمر يتطلب طلاقة باللغة العربية. كان تضميد الجروح شيئاً معهوداً وبسيطاً والجميع تعودوا أن يتحملوا وخز الإبر، وكان معظمهم يأخذونها واقفين. جاءت حسنية، التي كانت فرحة جداً بحملها، واستلقت على طاولة الفحص بانتظار حقنة فيتامين الحديد التي عادة كانت تترك لوناً أزرق إذا لم تعط بشكل جيد. لقد عرفني محمد على حسنية وابن عمها عبدالله «الزوجان الآخران اللذان يملكان شهادة زواج» لذا فقد كان بيني وبينها رابط مميز، مع أنها لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها ومتزوجة للمرة الثانية. كانا يسكنان في بيت والدي عبدالله في أعلى التل الذي لم يبعد كثيراً عن بيتنا. وكان هذا يعني، أن القيام بزيارتهم كان سهلاً. كانت حسنية جميلة جداً، ومع أن جميع الشابات كن جميلات في نظري، كان هناك شيء مختلف يميزحسنية عن غيرها. ربما وجنتاها المستديرتان وابتسامتها المليئة بالفضول! كانت ذلك اليوم ترتدي شالاً أصفر معقوداً تحت ذقنها. أما شعرها الأصفر الغامق فقد كان مفروقاً على جانب واحد وممشظ بكثير من زيت الزيتون، مغطياً جبينها ومثبتاً على خدها بالكثير من ملاقط الشعر، ومن تحت شالها بدت لي ضفيرتان سميكتان. وفيما بعد طلبت مني أن أجلب لها قارورة(بيرواوكسيد) من معان، ولكن قبل ذلك ومع أنني لاحظت لون شعرها، لم يخطر ببالي قط، أن أياً من تلك الفتيات قد تهمها الزينة إلى هذا الحد في تلك الصحراء النائية. كانت تراقبني وأنا أحضر الحقن وهي مستلقية على جنبها على طاولة الفحص وكانت مدرقتها وتنورتها الداخلية ملفوفتان على خصرها، وكانت على أهبة الاستعداد لتسل إصبعها تحت مطاط لباساها الداخلي المصنوع من النايلون، عندما رأيت نظرة رعب على وجهها وسمعت صوتاً غريباً يصدر من حلقها. وقبل أن يبدو علي الهلع، تمالكت نفسها وأشارت بإصبعها ومن ثم قفزت من على الطاولة. وعندها رأيت أرجلاً سوداء وكلاليب، كان هناك عقرباً، بحجم يدي، يزحف فوق الباب الخشبي، وكان هذا أول عقرب أراه هنا. نسيت حسنية حملها ودفعتني وراء طاولة الطبيب وتناولت مكنسة وضربت العقرب وأوقعته على الأرض وأحالته إلى إرب ممزقة. أطلت الرؤوس من وراء الباب لمعرفة ما يجري. «يا ما أكبره» وفهمت ما قالوا، بالفعل كان كبيراً جداً. وقالوا لنا «الحمد لله على السلامة،» وقلنا نحن بدورنا «الحمد لله». لم أشاهد من قبل ما قد تسببه العقارب؛ لذا كان اهتمامي بها أكثر بكثير من خوفي منها. ولم أدرك كم كان هذا العقرب كبيراً، وأعتقد أنني لم أر أكبر منه بعد تلك المرة. كانت العقارب عادة نصف حجم ذاك، وكانت هناك أيضاً عقارب شفافة صفراء اللون، وكان سمها غامقاً وبالإمكان رؤيته تحت أطراف ذيلها. يبدو أن لدغ العقرب يشبه إلى حد كبير، لسع النحل. فبعض الناس كانوا يبصقون على مكان اللدغة ثم يفركونها ويتابعون عملهم. أما الآخرون، فقد تكون ردة فعلهم للسم مثلي تماماً. فعندما تعرض إبهامي ذات يوم للدغة عقرب، بينما كنت أهم بتناول قنينة الماء الموضوعة جانب الحائط، كان الألم منحصراً في إصبعي. وأما بقية الليل، فبدأت أشعر أن ذراعي كلها مخدرة وكأنما وضعت عليها مرهماً ضد الألم. خف الألم ببطء شديد ولكنه استمر حتى مساء اليوم التالي حيث لم أستطع أن أعجن الخبز. وبعضهم الآخر، كانت ردة فعلهم عنيفة جداً، فقد كانوا يتقيؤون و يشعرون بآلام في الصدر، وإذا كانوا فعلاً محظوظين يهرع بهم إلى المركز الصحي لإعطائهم جرعة مضادة لسم العقرب. وفي تلك الحالات كان قدرهم ومنيتهم «بيد الله». أما الرضع الذين لا يقدرون أن يعبروا عما أصابهم، فكانوا يبكون لمدة عشرين دقيقة، بعدها، يكتشف العقرب الآثم الذي يكون مدسوساً في ثيابهم. كان هؤلاء يلاقون حتفهم بالتأكيد. ولقد مات أخو حسنية، الذي كان ما يزال في الصف السابع، يوماً بعد أن تعرض للدغ عقرب، مع أنه كان قد تلقى العلاج اللازم وأخرج من المركز الصحي الليلة التي سبقت وفاته. كانت احتمالات الطبيب تؤكد أن التشنجات اللعينة التي جرت الليلة الفائتة أعيد نشاطها، عندما وصل الصبي إلى المنزل، فقد كان ظمآن من جراء رعي الغنم، وشرب كثيراً من الماء؛ لذا، توقف قلبه قبل أن يصل إلى المركز. ولم تكن عيادتي مهيأة لتقديم المساعدة الحقيقية للمرضى. حتى عندما كان أحدهم يلدغ خلال أوقات الدوام، لم يكن عندي إمكانية حفظ المصل المضاد؛ لأنه كان يجب أن يوضع في الثلاجة ولم يكن في البتراء أي ثلاجة ولا حتى الكهرباء اللازمة لها لتعمل. العجوزوالربابة عندما كنت أدخل وادي الدير وأنا في طريقي إلى العيادة، كنت أمر بكهف، ومعظم الأوقات كنت أرى أمامه وجلاً عجوزاً واهناً، قاعداً على الأرض ورجلاه متقاطعتان تحته، في ظل الصباح الباكر، يعزف على الربابة وينشد الشعر. وكانت موسيقاه تتبعني إلى الوادي. سألت محمداً إذا كان يعرفه، فقال لي «مسكين ماله وريثة». و»االوريثة» هي كلمة بدوية قديمة تأصلت قبل اختراع الكبريت والولاعات، وكانت الطريقة الوحيدة التي استطاع البدوي بواسطتها أن يبقي على النار مشتعلة، وهي دفن عود من الخشب القاسي في قعر الرماد ليحترق ببطء حتى الصباح. وكان هذا العود يسمى «الوريثة» وكذلك الأولاد الذكور يسمون «بالوريثة«؛ لأنهم يبقون على أسماء آبائهم كما يبقي العود على النار. كان كل الناس يسمون الرجل العجوز ذا الربابة «أبو عرقوب» مع أنه لم يكن لديه ابن. ويبدو أن لقبه كان مناسباً له لأن جسده كان كالعيدان النحيلة تحت ثوبه المعقود الذي كان أبيض في يوم من الأيام. عندما كان شاباً كان زير نساء، فقد كان يميل منديله يتبرج ويضع الكثير من الكحل في عينيه. كان يمضي نهاره مطارداً الراعيات في الوديان المخفية ولم يكن يعمل. لقد تمتع بحياته ومرت السنون، وبعد فوات الأوان، أدرك أن الفتيات أصبحن يقابلن شباناً أصغر منه. وكان لدى العائلة الوحيدة، غير قبيلة البدول، التي سترضى أن تزوجه ابنتها، ابنة كبيرة في السن وليست أهلاً للزواج ولكنه تزوجها وأنجبت له بنتاً ذات قدرات محدودة، ومع ذلك استطاعت أن تعتني بأبيها العجوز فتأتيه بالماء والحطب وتعد له الطعام. وكانت ربابة أبي عرقوب نموذجاً من أدوات العزف البدوية. كانت مصنوعة من جلد الماعز المشدود على أجزاء من الخشب، وكانت بحجم الكمان وتحمل كأداة «التشيلو«، الكمان الكبير. وكان لها وتر واحد مضموم بقوس مصنوع من الدفلى وشعر الخيل. كان صدى موسيقاه المتكرر الجميل يلاحقني عبر الوادي. وكنت معظم الأحيان، الجمهور الوحيد الذي كان ينصت إليه، وكان وقع كلماته يقشعر لها بدني، مع العلم أنني لم أكن أفهم معناها. كان نواح ربابته وصوت شعره الكئيب يبعثان في مهب الريح وفي أوراق أشجار العرعر، ناراً ليلية تحت سماء الصحراء والراعية التي أحبها تزوجت رجلاً آخر. وعندما مات انتهى الأمر، ومهما كان اسمه الحقيقي، فقد دفن معه تحت التراب. أما ابنته فقد زوجت لأحد أقربائها، ليأخذها كزوجة ثانية وذهبت زوجته لتعيش ما تبقى من عمرها مع أخيها. حتى الكهف الذي كان يعيش فيه قد اختفى، فقد جرف عام 1980. كي يبنى مكانه مطعم «الفوروم«، ومن المؤكد لو أن شبحه ما زال يعزف الربابة في الوادي لما استطاع أن يطغى على صوت المولد الكهربائي. مشروع القرية ابتاع محمد حماراً صغيراً وكنت أذهب كل بضعة أيام؛ لأملأ التنك، سعة العشرين لتراً، من ماء النبع. كان باستطاعتي أن أملأ تنكتين وأمتطي الحمار أو أملأ أربع تنكات وأمشي خلفه. كما كنا نستخدم الحمار أيضاً نحن الاثنان إذا أردنا، فدون حمل الماء استطعنا امتطاءه سوية. وفي ذاك الصيف وعندما أقفلت المدارس، انتقلت عائلة محمد شمالاً إلى بيثة لحصد الشعير. وضربوا بيوت الشعر السوداء إلى جانب السق البارد حيث جرى الاحتفال بزواج رخية الصيف الفائت. وبعد ظهر أحد الأيام، ذهبنا عبر وادي معيسرة الشرقي كي نقوم بزيارتهم. كان هذا هو طريق الوادي الذي مشيناه يوم الزفاف ولم يكن قطع هذا الطريق أسرع بكثير على ظهر الحمار. فقد أستغرق بضع ساعات، وكنا طوال الطريق ننزل من على ظهر الحمار ومن ثم نمتطيه ثانية أو كان علينا أن نتحايل عليه عبر الأماكن الصعبة السلوك. عندما وصلنا إلى هناك، كان الرضيع حسين نائماً في سرير معلق يتأرجح بين أعمدة الخيمة، أما مريم وندى فكانتا فرحتين جداً عند رؤيتنا، وأصبحتا تقفزان طلوعاً ونزولاً وكأنهما زنبرك كرسي خشبي هزاز. كان شعرهما منفوشاً، وكم كان هذا الشعر يحظى بالإعجاب والفخر لو رآه أحد حلاقي لندن! وللحظات أخذتني الذاكرة إلى شمال إنكلترة، قاعة بلاكبيرن، حيث كنت منذ سنة جزءاً من الجمهور المثار الذي كان يحضر حفلة لفريق «ثي كلاش«، الذي كان يقفز طلوعاً ونزولاً. حين رأى أبو محمد حمارنا الوديع أبدله مباشرة ببغل كان قد ابتاعه في وادي موسى، فقد كان في السوق وبتصرف ارتجالي،(ما هذا الشبل إلا من ذاك الأسد) ابتاع أبو محمد هذا الحيوان القوي الغريب. واكتشف لاحقاً عندما أخذه قرب الخيمة، أن هذا الحيوان قد يكون خطراً جداً، فقد بدأ يرفس يميناً وشمالاً عندما سمع صراخ الأولاد الحاد وأصواتهم العالية. كنت أحب ذلك الحمار، ولكن محمداً كان فرحاً جداً بالبغل ومع أنه كان يشكل خطراً على الأولاد فقد حسم الأمر، ولم يعد هناك مجال للمجادلة. لقد كان البغل ضخماً جداً لعبور الطريق الذي اتخذناه للوصول إلى هنا؛ لذا اتخذنا طريقاً آخر أبعد إلى الشرق، وتعرجنا دخولاً وخروجاً من الوادي بمحاذاة قعر الشراة ودرنا حول نهاية متن الجبل ونزولاً إلى الغرب. قال محمد «هذا هو المكان الذي سننقل إليه. اسمه أم صيحون، «لأن الرياح تهب هنا دائماً». كنت قد سمعت عن مشروع القرية، فقد أورد محمد ذكرها عندما كان يريد الزواج مني، فقد كان يشرح لي ببراءة الراغب المندفع، فيقول لي: إنني لن أضطر للعيش في كهف إلى الأبد. كان محمد يعتقد أنه باقتناء بيت فيه كهرباء ومياه جارية سيصبح تلقائياً خاطباً جديراً بالزواج بي. وبالتأكيد لم يكن هذا العامل الذي جعلني أقبل، وربما كان له تأثير عكسي على قراري. ولا أعتقد أنني بالفعل صدقته. فقد كانت الفكرة كغيمة طفيفة في الأفق وإشاعة لا أساس لها، ومن المحتمل أن تتبدد إلى أي شيء على الإطلاق. بدأت هذه الغيمة تكبر قليلاً عندما جاء أناس من USAID/NESCOU يحملون مخططات ورسوماً حقيقية لقرية المستقبل. كانت فكرة القرية إجلاء سكان موقع الآثار القديمة، تلك الخطة التي وضعت منذ حوالي عشر سنوات من قبل USAID، الذين قدروا عدد أفراد القبائل بمئتي شخص، كما سمح لعدد آخر من الناس الانضمام إلى القرية، ولكنني كنت أشك بإحصائياتهم. كنت أعلم أن نسبة وفيات الرضع الواردة كانت خمسين بالمئة، ولكن هده النسبة لم تعد صحيحة. فمند أن وصلت، ولد عدد كبير من الأطفال ولقح الكثيرون ولم يتوف أحد منهم. فقد بدأت قبيلة البدول تستفيد من الأدوية والإقامة المجانية في المستشفيات، ولكنهم لم يبدؤوا بمحاولة الاستفادة من موانع الحمل المجانية. نظرت خلفي إلى جانب التل بينما كان محمد يحث بغلنا على النزول إلى البتراء. لم تكن مساحة الموقع كافية لتتسع لكل هدا العدد من البيوت والحظائر والفسحات الموجودة في الرسوم التي كان من المفروض أن تبنى، وبالإضافة إلى ذلك، وكما وعد المهندس المعماري، أن يكون لكل مسكن إطلالة فوق البيت الذي أمامه. لقد كان المكان موحشاً ومعزولاً وبت أعتقد أن الغيمة ما زالت بعيدة جداً. كان يحب علي أن أتعلم صوتاً جديداً كي أقود البغل. كان من الصعب علي أن أنطق الصوت المناسب «هرررر» لسوق الحمار، والآن يحب علي أن أتعلم صوتاً آخر. لم أكن متأكدة أن البغل سيفرق بين الأصوات، ولكن محمداً كان يضحك عندما أقول أي صوت آخر غير «داول». (عندما أتينا بحصان كان يجب علي أن أقول «هيرا» وعندما أتينا بجمل كان الصوت «هيت، هيت«، وهكذا دواليك. ولكنني لم أقترب من البغل، حتى دون صراخ الأطفال، كان هذا البغل يرفس. حاول محمد أن يروضه قليلاً، مرة بمكافأته ومرة بمعاقبته ولكن دون فائدة، فهذا البغل كان يرفس بكلتا قوائمه إلى الخلف تجاه كل من كان يقترب منه. وبعد عدة أشهر وفي بعد ظهر يوم، انتفخ هذا البغل كالبالون وخر جيفة هامدة أمام الكهف. تجمع شبان القبيلة وأتوا بحميرهم وسحبوه إلى الوادي حيث صب عليه محمد الكاز وأحرقه وترك جيفته تتعفن هناك. كانت رائحة بغلنا النافق تفوح بالقرب من الطريق المرصوف طوال أيام الصيف. الخزنة - مكان عمل زوجي كنت، معظم الأحيان وقبل أن أبدأ عملي، أزور محمداً في الخزنة. أما الآن فكنت أذهب فقط يوم الجمعة، ولكن سير العمل هناك كان يجري وكأنه مسرحية جرب أداءها بدقة، ولم يتغير إلا قليلاً عند تغير فصول السنة، وحسب عدد وجنسية السائحين. وعندما كنت أطل من الافجيج القصير الذي يقع تحت الخزنة، كان البائعون ينادوني ويقولون «تعالي، اشربي شاي». وبين فم السق ودرجات الهيكل الأثري اصطفت طاولاتهم مزدحمة تحت أشعة الشمس. وكانت هناك علب خشبية مبطنة بالقصدير ممتلئة بالماء ينبثق منه شراب برتقالي اللون بعلب كرتونية مثلثة الشكل. وكان اسم العلبة بالعربية «ثلاجة» وكانت ترجمة مضللة لأن كلمة ثلاجة تعني «فريزر» و هو بيت التجميد. وكانت الأرض في الساحة الأمامية كتلك التي كانت في السق ومعظم الأودية كانت عبارة عن صخور منحدرة مستديرة وحصى ورمال وشجيرات دفلى كثيفة. وكانت هناك أيضاً شجيرات نبات الرتم ذي الأغصان التي تحمل أوراقاً إبرية متدلية كذيول الأحصنة. ووراء الطاولات وبين الشجيرات تربع محمد وأصدقاؤه البائعون (كلهم من قبيلة البدول: محمد واثنين اسمهما موسى واثنين اسمهما علي وسليمان وعوض) حول إبريق شاي صغير منصوب على نار صغيرة. وكانت الحجارة التي نصب عليها الشاي قريبة جداً من بعضها حتى لم يكن هناك متسع لعود صغير أن يدخل بينهما وكانت الشعلة خافتة جداً ومع ذلك فإن رائحة الخشب المحروق والشاي الحلو المذاق فاحتا وفاقتا كل شيء. كانوا يبحثون بين الشجيرات ليجدوا لي كيساً لأجلنس عليه، وكان موسى يعطيني أول كأس شاي، وكنت أجلس بسرعة في الرمل قبل أن أحرق أصابعي. كان الشاي الذي يعدونه أكثر حلاوة من الشاي الذي نعده في البيت وأقوى أيضاً؛ لذا كنت أبرم شفتاي متخيلة قسوته ومتأهبة ولكنني لم أرفض شربه أبداً، خوفاً من إهانتهم. برقت عينا محمد. «محمد بدو يتجوز». كانت هذه هي الجملة المعتادة التي يتفوه بها ومن ثم ينظر إلى محمد ويترقب ردة فعلي. في البداية لم أكن أفهم ما يقول: لذا لم يكن عندي أي ردة فعل. وبعد ذلك، بدأت أفهم ما يقول ولكنني لم أملك القدرة على الإجابة باللغة العربية؛ لذا كنت أكظم ردة فعلي مما كان يحبطني. ولكن في النهاية جاء اليوم الذي استطعت فيه أن أقول »للأسف إنني واقفة على رقبته» هذه المقولة العربية التي تماثل «أنه قابع تحت إبهامي» وبذلك كنت أغيظ الاثنين معاً. وكان محمد يلهو معهم بالكلمات ولكنه لا يطمئن، ولكني كنت متأكدة أننا متفاهمان على هذا الأمر. لقد بحث معي هذا الاحتمال عندما طلب مني الزواج، ولكنه كان يدرك أن أصدقاءه المتزوجين أكثر من واحدة، يعانون من المشاكل. بالإضافة إلى ذلك، كان يكتشف أن هناك أموراً أخرى يريد أن ينفق أمواله عليها. يأتي ضجيج من السق، السائحون الأمريكيون يعتلون الأحصنة ويقولون بتعجب «واو، يا لروعة المكان». وما إن يرفعوا كاميراتهم لأخذ صور أول لمحة للواجهة المشهورة، يبدأ الفرسان بالهتاف قائلين «الآن، الصورة الآن» وذلك لأنهم يريدون أن يرجعوا إلى الاستراحة بسرعة كي يأتوا بفوج آخر من السائحين. ويغدو إبريق الشاي والزوجة الأخرى من المنسيات، ويرتب التجار مناديلهم ويلتقطون النقود المزيفة والقلائد المعدنية المرصعة بخرز أزرق من بقايا طاولاتهم، مقبلين على الواصلين الجدد، من كل طرف قائلين: «هي مستر، انظر«! وأنزوي أنا بين الشجيرات. وعندما تترجل المجموعات كلها ويبدأ الدليل السياحي سيله من الكلام، يتراجع البائعون قليلاً ولكن حالما ينتهي الكلام يتبعونهم أولاً إلى الخزنة وبعدها نزولاً إلى الافجيج. ثم يرجعون بعد ذلك إلى إبريق الشاي ويناقشون مبيعاتهم وما قدروا أن يفوزوا به من صفقات. كان الأمريكيون أفضل المشترين. وكانوا يمضون فقط بضع ساعات في البتراء، ولكنهم كانوا يحبون المقايضة وكانت السلع زهيدة الثمن. وكان محمد يتذكر أنه كان يفلطح أغطية زجاجات البيبسي ومن ثم يحرقها في النار ليمحى آثار الشكل الذي كانت عليه؛ ومن ثم يبيعها لهم ببضعة دولارات على أنها عملة قديمة. أما الألمان فكانوا يمضون بضعة أيام في فندق بيت الاستراحة. كانوا يقرؤون عن النبطيين قبل أن يأتوا إلى البتراء، وكانوا يستأجرون البدو ليدلوهم على الصخرة الملفوفة كالأفعى وكأنها تحرس المدفن القديم في الطريق إلى جبل هارون. أو الجمال التي نقشت في الوادي الضيق بعد الدير. وحاولوا شراء النقود القديمة والفخار ولكنهم لم يخدعوا بحيل محمد، واعتقد أن الأمريكيين الظرفاء أدركوا أنها عملة مزيفة ومع ذلك اشتروها فقط لإعطاء هذا الرجل اليافع المقدام، بعض الدخل. كما أتت بعض المجموعات الإنكليزية والفرنسية وقليل من الإيطاليين والإسبانيين وقلة من الروس الذين كانوا يأتون معدمين ودون مال، ومع ذلك كان محمد يتدبر أمره معهم فكان يقايض الشبرية بمنظار والمنديل بكاميرا؛ وذات مرة قايض عقداً من العقيق بساعة يد نسائية، لأن ساعتي كانت معطلة، وضعها على معصمي بحماس وقد بقيت تعمل لعدة سنوات. أتى قلة من العرب وبين فترات متقطعة. والقليل منهم تذكروا أنهم رأوا مقابلة مع محمد في التلفاز، والتي كان قد وافق على إجرائها وقد صورت وبثت بعد زواجنا بقليل. لقد كان محمد فخوراً جداً بكل هذا الاهتمام، وبالنسبة إليه، قد جلست أنا، خلال المقابلة، غير مرتاحة في زاوية حارة في فسحة بيتنا، وذلك لأن فريق العمل أراد إضاءة مناسبة للتصوير. كم كان محمد يحب تسليط الضوء عليه، فقد كان بعض الأحيان يأتي بتلاميذ المدارس إلى كهفنا. كانت الفتيات الصغيرات يتجمعن حولي ويقلن لي وفي وجهي بقوة »هالو.. هالو..» وحتى لو كنت أتكلم لغتهم، لم يفسحن مجالاً لي أن أنبس بحرق. لقد كان محمد يجد بعض أسألتهم مسلية ومضحكة فيترجمها لي، كهذا السؤال»كيف تتسلق التل«؟ كنت أذهب إلى الكهف وأغلق الباب، وإذا كنا في الخزنة كنت أترك المكان. لم يفهم محمد تصرفي هذا، فكان يقول لي «إنهن فتيات صغيرات، وكن يجدن أن تركك العالم ذا الشوارع المرصوفة والسيارات والبيوت لتعيشي في كهف في قلب الصحراء، شيء مثير وطريف للغاية». وكنت أقول له: «لا يهمني ما يفكرون، فأنا أسكن في الكهف كي أمضي بعد الظهيرة معك وبهدوء وليس كي أظهر لجيل من الفتيات العربيات أن الحياة فيها أمور أهم بكثير من امتلاك أرض مبلطة». وعندما ندرك أنه لم يعد هناك المزيد من السائحين، كنا نعود إلى البيت مارين بالدكان كي نبتاع علبة من أي شيء كي نطبخه للعشاء. عشاء في قدر واحد كان الطبخ والخبز، غذاءنا اليومي. وكان الطبخ يذكرني»بحساء الحجارة» في الحكايات الخرافية، لأن الطبخ قد يؤلف من أشياء قليلة كالبصل والماء ومعجون الطماطم والمعكرون، وكان الطبخ يعتمد على الخضراوات الموسمية، وما كان عندنا من «طعام معلب». وكان من الممكن بالطبع إضافة المزيد والمزيد من المواد في القدر. الطريقة كالآتي: ضعي القدر على الطباخ (بوتوغاز، كهرباء، بريموس، نار) وقليل من زيت الزيتون أو أي زيت طبخ أو سمن الغزال النباتي. قطعي القليل من البصل وحمريه مع الزيت على النار، أضيفي حبتين من البطاطس المقطعة وأي نوع من خضار الموسم، ولقد كان الباذنجان، والكوسى والقرنبيط، أنواع الخضار الوحيدة التي كنا نحصل عليها. إذا كان لديك طماطم للطبخ قطعيها وضعيها فوقها وقلبيها قليلاً وإذا لم تكن عندك أي طماطم لا تقلقي. اغمريها بالماء وأضيفي الملح، وإذا لم تضعي الطماطم الطازجة أضيفي ملعقتين من معجون الطماطم. دعيه يغلي وحركيه من وقت إلى آخر، وإذا أردته سميكاً، ضعي حفنة من المكرونة أو ظرفاً من شوربة المكرونة الرفيعة. عندما تنضج البطاطس ويقل السائل ضعي المواد المعلبة كلحم البقر أو الفاصوليا الخضراء، البازلاء، خضرة مشكلة، وفطر مقطع. وكم كانت عديدة اختياراتنا. وباستطاعتك وضع اللحم والخضار المعلبة وإضافة لبن المخيض والبطاطس والمعكرون. تشكيلة الوصفات لا تعد ولا تحصى. وكان هذا الطبخ لذيذاً مع الأرز ولكننا كنا نغمسه مع خبز الشراك أو الطابون. هذه الأيام، أضيف قطعاً من اللحم أو الدجاج بعد أن أحمر البصل وبعض الأحيان أقلي فلفلاً أخضر وثوماً وكرفساً وبصلاً. والآن نستطيع أن نجلب الجزر والفاصوليا الخضراء الطازجة، ولكني لا أزال أطبخ في قدر واحد وأقدمه في صحن كبير دائري ونتناول الطعام منه كلنا. دكان الحي كانت المرة الأولى التي أرسلني فيها محمد إلى الدكان، قبل أن نتزوج. كنا بحاجة إلى شاي وسكر ولم يكن هناك أحد لنرسله، حتى من كهفنا الذي يطل على كل شيء. قلت له: «ولكنني لا أتكلم العربية». «لا تبالي سألقنك ما ستقولين». لقد كان سريعاً، فدرس اللغة العربية لليوم كان «نص وقية شاي ونص رطل سكر». ولقد أحببت أن يكون للمئتين وخمسين غراماً اسم وللثلاثة كيلوغرامات، اسم آخر، وكم أحببت الكلمات التي يستعملونها. كنت أردد الكلمات وأنا في الطريق إلى فم الوادي «نص وقية شاي ورطل سكر». طريق الصعود المؤدي لكهف الدكان كان مليئاً بالأحصنة المربوطة، حوافرها واضحة على الأرض وحول غبارها إلى بودرة ناعمة تبعث منها رائحة الروث، والأسوأ من ذلك كله كانت قوائم الأحصنة الأمامية وأرسانها وذيولها التي كانت تنفض الذباب، والتي كان يجب علي أن أمشي بينها وبين عيون أصحابها الذين كانوا يجلسون أمام الدكان منتظرين عودة السائحين. كدت أنسى قافيتي التي كنت أرددها في الطريق. اتجهت إلى مدخل الكهف المظلم، وعندما أصبحت في داخله، شعرت، وأنا مندهشة، بالأمان، مع أنني لم أستطع أن أرى شيئاً. جاء الفرسان كل مرة، ليعرفوا من أنا، وبدأ الصغار منهم والكبار، يلقون السلام علي؛ وذلك كي أتعرف عليهم، ولكنني لم أشعر بالأمان على الإطلاق عندما كنت أشق طريقي بين أحصنتهم المتزاحمة والتي كانت تنفض الذباب بذيولها. عندما بدأت عيناي تتعود على تلك الغمة، تلوت طلبي المقفى على الرجل الذي كان واقفاً خلف دفة الدفع المتهالكة. كان منديله الأبيض يبدو كأنه مظلة فوق وجهه الملتحي. كانت عيناه في الظل، ولكنه أخفض رأسه ووزن الشاي والسكر ووضعهما في أكياس ورقية. لن أنسى في حياتي هذا الدرس. وفي ذلك الوقت كان السائحون يشترون الطوابع البريدية ويختمون رسائلهم بختم البتراء؛ وذلك في مكتب البريد المدار من قبل عوض في كهف أسفل المتحف. وكان يبيع أيضاً بطاريات للمسجلات؛ كي يستطيع النشامة أن يبكوا وهم يستمعون إلى أم كلثوم تغني أغاني الحب التي كانت تستغرق أكثر من نصف الساعة. وعندما كان صاحب الدكان يذهب إلى العقبة كان يشتري شراب الشعير لبعض الزبائن. كان أبو علي، الحاج مطلق يملك دكاناً صغيراً يقع في موقع أثري محمي، وبدا كأنه شامة كبيرة على تلال عرقوب جميعان حيث كان يزن «حشي«، التبغ البدوي من أكياس كبيرة وزيت الكاز من التنكات وحبال القنب من لفافات ضخمة موضوعة إلى جانب الحائط الخلفي. ابتاعت قسمة الحلوى لابنها من الدكان ذي الرائحة العفنة في أعلى الوادي، وكانت رائحته كريهة لدرجة مأساوية، فعندما بدأ ابنها يختنق وصرخت هي: «ابسم الله» لم يفكر أحدهم أن يقلبه ويضربه على ظهره، وكانت الصناديق في الخيام لها أقفال، والأبواب تفتح في التلال في فترات متقطعة، وإلى أن تباع علبة حليب «كارنيشن» المبخر أو علبة سجائر «غولد ستار«، ذات النوع الجيد والمهربة من المملكة العربية السعودية حيث لا يفرض عليها ضريبة هناك. كان الدكان في فم الوادي الأقرب إلى كهفنا. ومع أن حجم الدكان كان ثلاثة أو أربعة أمتار، وكانت رفوفه مصنوعة من خشب الصناديق رفع بعضها فوق بعض إلى أن وصلت إلى السقف، اكتشفت أن الحاج سلامة كان يبيع كل شيء تقريباً. 1979. أنا ومحمد في خيمة السق – مدخل ومخرج البتراء أم لافي كانت حريصة ألا تزيد من جمال مريم، وذلك لتحويل نظرات الغيرة عنها، ولكن جمالها شع بجميع الأحوال. كهفنا - واجهة جميلة وساحة مليئة بالغبار. حوض حمام متنقل (عند الحائط) ومدفأة حطب (ليست.جاهزة للوضع في الداخل بعد). في طريقنا إلى مغامرة صبرا مع علي وراوية. والد رخية أطعم ماعزه الكثير من الشعير فأسرعت الدواب إلى المنزل آخر النهار. الخيام والآثار المتردية والواجهات القديمة شكلت المناظر الطبيعية. محمد يستمتع بعادة غربية. الأب فخور يحمل ابنته. عقيلة وحسنية مع طفلها تقفان في وضعية التصوير في حفل زفاف. ألبس الجوارب تحت «الشبشب» لأحمي قدمي من التشقق. المنظر من حافة كهفنا العيادة في كهف. كل الأدوية من إنتاج شركات أردنية خاصة بالصيدلة. خبزت كل يوم إلى جانب حائط عمره 2000 عام. القمح المزروع محلياً كان رائعاً وينتج عجيناً قابلاً للمد بسهولة. في مطبخ وغرفة جلوس بيت حماي. تلبس البنات أثواباً جديدة ابتعتها من المكان بمناسبة العيد. 1982. كنا نعيش تحت المعرش وعند «حديقة محمد المعلقة» في الصيف. تبدو في الصورة أمي وسلوى في حضنها، أم محمود مع صبيانها وعلي وراء محمد يستمتع بأكل البطيخ معنا. حماي، أبو عبدالله يحمص القهوة. والدايّ منسجمان في الأجواء. أبي يلعب سيجة مع عبد الله. اعتبر والدي نفسه رابحاً، إذا لم يحصل على بعر الماعز. رامي في كرسيه العالي الذي صنعه محمد. اقتباس رائع للاختراع الغربي. سلوى مع حمارنا. السرج مصنوع من خشب شجر صفصاف وادي الصياغ. المنظر باتجاه الشرق من قمة كهفنا. الثلج يغطي البتراء. النشامة يسلخون ماعزاً لحفل زفاف. داخل كهفنا. كدست الفراش والبطانيات على طاولة الأغطية وغطيتها بالسجاذة التي أتي بها فريجة من مكة. تنكة مثقوبة ومقسومة إلى النصف كانت أداة جيدة لحفظ الألعاب. الكهف الذي تركناه كان قد أصبح بيتاً حقيقياً ذا نوافذ زجاجية. المعرش ونبتة «المجنونة» المتسلقة يبدوان من باب المطبخ. 1984. رامي نائماً وسلوى تشعر بالضجر وأنا فرحة مسرورة لمقابلة الملكة إليزابيث والملكة نور أيضاً. وجه فضية ذو التجاعيد والوشم المميز، خالة حماتى. موكب زفاف، أثواب ومناديل ومدرقات. 1985. كهفنا على التل وحافة الجبل، أسوار وأبواب لحماية الأطفال والنباتات، برميل للمياه الساخنة، كهف للسيارة وراء كومة التراب فوق خيمة الخيش. المدافن الملكية ومدفن القصر إلى أقصى الشمال. وإلى جانب السكر والشاي التي وزن(وبدقة تجعلك تتضايق) كان يبيع الأرز الطويل أو القصير والعدس البني أو البرتقالي وزيت الزيتون الذي كان بلون خضرة البحر وعلب السردين (مع أو بدون الزيتون الإيطالي)، ولحم البقر المعلب، ولحم سمك الطن والحمص والفول ومعجون الطماطم والسمن النباتي والحليب المبخر، وكانت كل هده المواد مكدسة كالأهرام. وكان هناك على دفة البيع، كبريت وأوراق لف التبغ التركي، ولكن علب السجائر كانت تحت الرف وكانت أكياس «الحشي» مكدسة في الزاوية وراءهم. وكانت لديه أكياس صغيرة من البن التركي المطحون وأوعية خاصة لإعدادها. وكانت لديه أيضاً راحة وبسكوت و»اغريبة» لذيذة جداً لدرجة لا تقاوم. والغريب في الأمر أن الحاج ولبضعة أشهر في عام 1980 كان يبيع «فريش آب«، عصير برتقال وتفاح مصنع في نيلسون، وكان التفاح الذي يصنع منه يزرع في بستان حيث ترعرعت. وكان يبيع أيضاً قماشاً أسود لخياطة المدرقات، وقماشاً مصنعاً «أكريليك» لخياطة الملابس الداخلية وقطعاً طويلة من الساتان لأغطية البطانيات، مطوية في أكياس بلاستكية مغبرة. وكان هناك شال أو شالان ومنديل وسروال وبعض الجوارب الأكريليكية. وكان الحاج ينبش عن لفات الخيوط السوداء والبيضاء ما بين الرفوف التي احتوت أيضاً على إبر كبيرة لحياكة أغطية الفراش وإبر كبيرة جداً لخياطة قطع الخيام المصنوعة من وبر الماعز، وبكرات خيوط ماكينات الخياطة وإبرها التي بت أشتريها دائماً. وكانت هناك علبة دبابيس شعر سوداء اللون، كانت البنات يستعملنها لتثبيت غرتهن على خدودهن. وكانت هناك أحذية بلاستكية وصنادل سوداء وأحذية ذات رباط للرجال وبوابيج ضيقة ومطبعة ذات عقد للنساء و»شباشب» للجميع. وكان مخمد يتذكر الحذاء البلاستيكي اللامع الذي كان يلبس فقط في المناسبات، الذي ابتاعه له والداه عندما ذهبا إحدى المرات إلى المستشفى في معان، كم كان متحمساً وفرحاً لاقتنائ ذاك الحذاء الذي كان دائماً يحرص على إبقائه لامعاً نظيفاً. وكان للحاج سلامة مواد أخرى للبيع، فإذا احتجنا مقلاة ألمنيوم أو إبريق شاي مطلي بالميناء، فكنا سنحصل عليه عنده. وكنا نستطيع أن نختار، إما الحصول على كؤوس شاي فرنسية من النوع الجيد «آركروك» أو من النوع المقلد التركي الرخيص. وأما كؤوس شرب الماء، فكان النوع الوحيد المتوفر يأتي بشكل دستة من الكؤوس البلاستيكية ملفوفة مع صينية، وكانت الزهور المطبوعة عليها تقشر من أول مرة تغسل بالماء الدافئ. وكان لدى الحاج أيضاً، مخزون من الحلقات المطاطية والجلدية الخاصة بالبريموس والقناديل وأغشية حريرية للمصابيح لتعطي نوراً باهراً و»نكاشات» لتنظيف فتحات الطباخ. وكانت هناك أيضاً قوارير بلاستكية سعة عشرين لتراً، «كبيرة ولكنها خفيفة» محشوة في أعلى زاوية. كما كان المكان ممتلئاً بالأكياس المعبأة بكرات اللبن «االجميد» والملح الصخري والعدس والسكر. وهناك لفافات حبال ثخينة ورفيعة بلاستكية ومن القنب مرمية فوق الأكياس، وبعض الأحيان قد تجد مواد لتزيين الخيول - لجام محيك ومصنوع من شعر الماعز مزين بالودع - ومعلق بمسمار على الحائط. أما الشيء الآخر الذي احتفظ به كل البائعين فقد كان دفتراً لتدوين الديون. وإذا كان البائع أمياً، فقد كان يطلب من المشتري أن يدوِّن ما عليه من دين، أوكان يخزن كل شيء في رأسه حتى يأتي أولاده من المدرسة فيوثِّقون ما لديه من معلومات في الدفتر إلى التاريخ الحالي. وأما الزبائن الموظفون فقد كانوا يدفعون عندما يستلمون رواتبهم، وبعضهم كان يبيع عنزة في سوق الجمعة كي يسد دينه، وكان هنالك قلة من الناس، اشتهروا بحقارتهم، يملؤون صفحة في كل دفتر دكان، بائعين ضمائرهم، من البتراء وإلى وادي موسى. ولكن محمداً أعطاني المبلغ الكافي لتسديد ثمن الشاي والسكر فدفعت وحملت أكياسي إلى رخية ورجعت كي أتمتع بشرب فنجان شاي مع زوجي ونحن نطل على العالم سوية. المدينة والأرواح بالرغم من فائدة وجود الدكاكين في الوادي، كانت هناك مواد وأغراض أخرى، لم نجدها إلا في عمان. وفي إحدى رحلات محمد إلى عمان، وبعد أن تزوجنا رجع ومعه برميل ماء حديدي مطلي بالتوتياء ويسع مئة وستين لتراً وله غطاء وصنبور. وقبل ذلك كنا نستعمل برميلاً معدنياً قارياً يسع أربعين لتراً وليس له غطاء، وكنا نسكب الماء «بطاسة». بنى محمد مصطبة حجرية لوضع البرميل الجديد في زاوية المطبخ، ووضعت إناء بلاستكياً على الأرض تحت الصنبور، وكان هناك متسع ما بين البرميل والسقف الصخري لرفع الغطاء وتفريغ تنكات الماء فيه. لم يعد أحد بحاجة إلى أن يغطس طاسة ملوثة بالرمل في مائي النظيف بعد الآن. وفي رحلة أخرى إلى عمان عاد محمد إلى البيت ومعه خواتم زواج في كيس مخملي صغير. «يا لك من مجنون». لم أصدق حماقته. «كيف تعرف قياس إصبعي»؟ «لقد جربته في إصبعي الصغير، سوف يكون قياسه صحيحاً»، قال بإصرار، وبالفعل كان، فاعترفت بإعجاب. لقد كان الخاتم جميلاً ومن الذهب الخالص، عيار ثمانية عشر قيراطاً، كما لو أنني قد اخترته بنفسي ولكنه كان أعرض وأثقل وأغلى ثمناً مما كنت قد أسمح به. وكنا نذهب معاً إلى عمان بضع مرات في السنة. كان السرفيس يترك القرية بعد أذان الفجر في الرابعة والنصف أو الخامسة صباحاً وكان عادة يمتلئ بالركاب العائدين، الساعة الثانية عشرة ظهراً؛ لذا كان يجب علينا أن نعود باكراً أو نبيت في عمان. وفي الصيف كنا نستيقظ عند حافة الجبل وكان القمر ينساب وراء قلعة الصليبيين بينما كنا نشرب الشاي ونمشي إلى السق تحت ضوء النجوم. كانت هناك بعض المواقع في السق ذات منحدرات صخرية مائلة بحدة وتحجب الضوء كلياً، فكنا نمسك بأيدي بعضنا. مشت السيارة شرقاً باتجاه شروق الشمس وإلى طريق الصحراء السريع بشاحناته الثقيلة. وفي الشتاء كنا نصعد إلى وادي موسى ليلة ما قبل السفر ونبيت عند أبي علي، الحارس العجوز، والذي يظهر في صورة على غلاف كتاب دليل سياحي اسمه «الدليل السياحي المنفرد لكوكب الشرق الأوسط»، وهو يتكئ على أعمدة الخزنة. كان يعيش في بيت تقليديي ذي سقف مصنوع من خشب العرعر ذي الرائحة التي تبعث الراحة في النفس. وكانت زوجته تدللنا بالبطانيات الصوفية، وكانت تسألني كل دقيقة «أنت دافية». كانت تستيقظ في الرابعة صباحاً كي توقد المدفأة التي تعمل بزيت الكاز، وتعجن وتخبز وتدعونا لأكل الزيتون واللبنة قبل أن نرحل، قائلة «كلوا، كلوا». لم أحب عمَّان: بدت كأنها نحمل قذارة المدينة ولكن دون أي رونق. كان يجب علينا أن نذهب إلى البلدة كي نبتاع بعض البضائع التذكارية لدكان محمد. وكانت أبواق السيارات تزمر دون انقطاع، وفي الصيف لم يكن هناك أي هواء وكانت الحرارة ترتفع إلى أربعين درجة، وكانت الروائح تفوح في المدينة. أما في الشتاء فقد كان الجو بارداً جداً وكانت السيارات المارة تلطخ الوحل في كل مكان. وكان من المستحيل علينا أن نناظر البضاعة فقط، فقد كان الباعة حالما نبطئ المشي، يجروننا إلى داخل دكاكينهم. كانوا يقولون بالإنكليزية «أهلاً وسهلاً، انظروا«، مما كان يسرع خطواتي. وكانت الأسعار نادراً ما كانت تكتب على البضائع ولم تكن محددة، وكانت دائماً أغلى للأجانب. وعندما كنت أعرف ما أريد أن أشتري كنت أرسل محمداً؛ كي يبتاعه لي. لم أكن السيدة الوحيدة في الشارع، فقد كنت أرى سيدات عصريات يلبسن بدلات ويضعن حمرة شفاه ولهن شعر أسود طويل، وشيخات فلسطينيات يلبسن أغطية بيضاء شفافة وفساتين مطرزة بكثافة وبعض الأحيان شحاذات من النور ذوات جدائل فاتحة وتنانير دائرية متعددة الألوان. ومع ذلك لم أشعر بالارتياح لنظرات الناس. وبعض الأحيان كنت أشعر أن أحدهم يقترب مني أكثر من اللازم فكنت أسرع خطواتي، وعندها كان محمد يتلفت حولي بتجهم، ليرى من ذا الذي كان يزعجني. وبتمهل، وعندما بت أعرف طريقي وبدأ الناس يعتادون على مظهري في الشوارع، تغيرت مشاعري. لم أضلل أحداً بمدرقتي ومنديلي(عندما حملت، لم أعد قادرة على لبس الجينز) ولكنني عندما بدأت أفهم ماذا كان يقول البائع لجاره، «هذه هي الأجنبية التي تعيش مع البدوي«، بدأت أشعر بتحسن. . . ولكنني ما زلت أجنبية ولكن لحسن الحظ، أجنبية معروفة ومقبولة. بعد عدة سنين بدأت أتدبر أمري جيداً، ففي ذات مرة وأنا في شارع المستشفى الإيطالي الضيق في عمان حيث كانت الشرفات مكتظة بالملابس المستعملة إلى درجة التلاحم، وكنت ما أزال أرتدي ملابس غربية، بمعنى آخر أجنبية، كان هناك بائع جوال ينادي «جوزين جرابات بدينار». وعندما ألقيت نظرة إلى عربته، بدأ ينادي بالإنكليزية مضاعفاً السعر قائلاً: «جوزين جرابات بدينارين». ولفتت مناداته نظر جميع الحاضرين فقلت له، دون أنا أرتكب أي خطأ: «يا عمي إذا بشتري بالعربي أحسن لي». فضحك البائع الجوال، وعندئذ، لم أعد أشعر بالغربة. وأمام مسجد الحسين المركزي في عمان كان هناك سوق البخارية ذو السقف العالي. لقد كان معبراً طويلاً وعلى جانبيه دكاكين خشبية صغيرة، كل منهم له اختصاص مختلف، فقد كان بإمكاني شراء مقص عادي وقصَّاصة شعر ألمانية من ماركة »صولينجين» وعرائس بلاستكية صينية، رخيصة الصنع، تنكسر مرافقها حالما تلمس. وعندما أدركت قدرتي على الخياطة، ابتعت خيوط قطن للتطريز (ومشبك والذي دونه لم يكن باستطاعتي أن أطرز رسومات القطب المتقاطعة على قماش الثوب) ومن الدكان الثاني اشتريت »الألماس» لرخية بعد أن أعطتني ثمنه. كانت القلادة والسوار والحلق مشبوكة على قطعة كرتون مهلهلة ومغلفة بورق «السولايفان» وكانت فائقة اللمعان، ولم أصدق أن هذا هو ما تريده، ولكن محمداً أكد لي أنه تماماً ما كانت تريده، وقال لي «يا للسخافة، كان باستطاعتها ابتياع خاتم من الذهب عيار 21 قيراطاً بهذا الثمن». ولكنها أرادت أن تبدو غير رزينة وكانت ابتسامتها الرائعة، عندما رأته، كنزاً بالنسبة لي. كانت فرحة جداً وجربت كل قطعة وكانت تلبسه في كل عرس ولسنين طويلة. وفي منتصف المعبر، كان لنا ملاذ في دكان بدر، الذي كان يزودنا بالبضاعة، ورحب بنا قائلاً: «أهلاً وسهلاً«، ووضع لنا كراسي عالية في طريق المارة خارج دكانه، وأرسل الصبي كي يجلب لنا مشروباً. رجع الصبي وبيده صينية وفوقها كؤوس ساخنة من الشاي الأسود وأوراق النعناع ومقادير السكر الموضوعة في كؤوس صغيرة تستعمل لوضع البيض المسلوق. وفي الشتاء كان يجلب لنا شاي البابونج الأصفر أو «سحلبا» أبيض، وهو عبارة عن شراب سميك يوضع فوقه جوز هند وفستق حلبي مبشور وقليل من القرفة. كنت أدفئ يدي بالكأس وأشربه بالملعقة. كان بدر رجلاً ضخماً، فكان يملأ المكان الضيق وراء الدفة الزجاجية. وكادت ابتسامته البشوشة تختفي وراء القلادات المعدنية المعلقة المتدلية أمام الدكان و المزينة بالخرز الزجاجي الأزرق لتحمي من العين الحسود. وكانت الرفوف المرصوصة خلفه مليئة بالعلب المطعمة بالصدف وعلب طاولة النرد وشبريات مرصعة وبعض الجمال المنحوتة برداءة، من خشب شجر الزيتون. وعندما كنت أصطحب طفلاً معي كان يزيح الدفة ويخرج، كي أغير حفاظته على الأرض، وحدي، وبخصوصية أكثر. ومن وقت إلى وقت كنا نلتقي مصادفة بأفراد من قبيلة البدول. فكنا نأحذ بعضنا إلى مطعم السلام أو القاهرة وذلك لتناول وجبة الإفطار أو الغذاء وذلك حسب الوقت (كان الطعام دائماً، نصف دجاجة مشوية لكل منا) وكنا نتجادل لوقت طويل، من منا سيدفع الحساب. وبعد ذلك تبدأ رحلة العودة وبعض الأحيان كنا آخر الركاب، وهكذا كان السرفيس ينطلق مباشرة وبعض الأحيان كنا ننتظر ساعات طوال لوصول آخر راكب. معظم الوقت كان السرفيس يأتي من معان فقط، وكنا نعرض على السائق أجرة إضافية، راجين أن يوصلنا إلى البيت. لقد كانت المسافة حوالي مائتين وستين كيلومتراً من عمان إلى البتراء، وكانت الرحلة تستغرق فوق الثلاث ساعات، حتى عندما كنا نأخذ سيارة خاصة. كان السائق يقول عندما يتجه إلى الطريق السريع: «توكلت على الله». وبالفعل كان يجب علينا أن نعتمد على الله في تلك الرحلات، لأن الطريق السريع كان مليئاً بالشاحنات المعبأة بالحمولة الثقيلة التي تأتي من ميناء العقبة إلى عمان أو بعد ذلك إلى العراق. ولكن منظر الشاحنات كان مسلياً ومثيراً جداً، فكانت ربطات الحمولة مزركشة بأشكال هندسية ومطلية بألوان فاقعة، وكم من فنان أظهر إبداعه برسم «يد فاطمة» أو بكتابة «ما شاء الله» على لوح الشاحنة الخلفي؛ وذلك لحماية الركاب من العين الحاسدة. وكانت الستائر الواقية من الريح، مرفوعة إلى النصف بحاشية لامعة كالحرير ومدبسة من الأعلى بمسافات متشابهة، فبدت الدبابيس وكأنها جزءاً من الديكور وبنفس الأسلوب، غطيت لوحة الشاحنة الأمامية الداخلية، بقطع من القماش المصنوع من شعر ماعز طويل مصنع. واستخدمت المرايا لتعليق السبح وأحجار النرد وصور للكعبة المشرفة ومجسمات لعيون تغمز عندما تتحرك. كانت الرحلة لعبة حظ بحتة وكنا نرد على السائق مؤكدين قائلين «على الله». وعبر السنين تأذى الكثيرون ممن أعرفهم بحوادث سير على الطريق السريع وكثير منهم لاقوا حتفهم. لم يكن هناك أي ضوابط على تحديد الوزن، ففتحت الكثير من التصدعات في الزفت ووصل عمق بعضها إلى انحدار عشرة سنتيمترات وفي بعض الأحيان إلى مترين، وهكذا كنا نتعرض إلى ضربة قوية، ومن ثم صعوداً إلى الأعلى. وكان على السائق بعض الأحيان كي يتجنب هذه التصدعات، أن ينعطف بسرعة باتجاه السيارات القادمة بالاتجاه المعاكس. وكنا نقف عند أكشاك باعة الطريق لنشتري بطيخاً أو علبة طماطم أو لنصلح إطاراً أو نقوم بتبريد محرك السيارة الذي سخن. وفي إحدى المرات اتخذنا تحويلة طريق باتجاه الكرك؛ لأن سائقنا تعرف على حطام سيارة صديقه على جانب الطريق، فأراد أن يزوره في المستشفى. وفي المرة الأخرى قابلنا جارنا الجميدي وركبنا بسيارته التابعة لإدارة الآثار، وبذلك خرجنا حوالي عشرة كيلومترات عن الطريق؛ وذلك فقط لأن محمداً أراد أن يزور ابن عمه. معظم الأحيان كنا نذهب دون توقف، وفي الطريق كنت أحصي علامات الطريق والشاحنات القادمة نحونا، وكنت أحاول أن لا أهلع عندما كان السائق يطأطئ برأسه من النعاس فأقول له كي أوقظه: «خذ سيجارة أو بسكوت التمر». وبعد ساعات وحين كنا نمر من النشراة وألمح جبل هارون إلى الغرب، مع أنه كان يختفي عند النزول إلى وادي موسى، وكان علينا أن نجد شاحنة لتأخذنا نزولاً إلى السق، كنت أحس بأن هناك شيئاً خاصاً متعلقاً بهيئته جعلني أشعر بالسعادة؛ لأني عائدة إلى البيت. نادراً ما احتاج مخمد وعلي إلى المزيد من البضاعة، وعندما لم أكن أنا بحاجة إلى فوط صحية أو تجديد إقامة، اغتنمت فرصة البقاء وحدي. في البداية، لم يحب محمد فكرة البقاء وحدي، ولم أدرك لم كان إقناعه صعباً إلى هذه الدرجة. «أفضل البقاء وحدي». «ألا تخافين؟» «هل هناك شيء مخيف هنا؟» «لا، ولكن....» أجبت بإصرار: «إذن، لن أخاف» واذا نظرنا بعين الاعتبار إلى أن بيتنا كان مدفناً لجميع أفراد عائلة واحدة، كنت مستغربة أنني لم أفكر بما سمعته من القصص. فلقد حكت لي حسنية عن الخيمة البدوية الغريبة التي رأتها عندما هربت من زوجها الأول في الليل عبر الجبال - كان فيها أناس يحتفلون ببهجة وفرح، ولكن لم تجد لها أثراً في اليوم التالي، ولقد أخبرني دخل الله أيضاً عن «الغولة» التي سيطرت عليه بالقرب من جبل هارون وكادت تخنقه عندما أجبرته على أن يرضع من ثديها، وكنت قد مكثت وحدي عدة مرات، وكنت أعرف أنني لن أزعج من قبل أي نبطي أو أي أرواح مسنة من قبيلة البدول. قلت مرة ثانية بإصرار «سأتمتخ بالبقاء وحدي» «سالم وإبراهيم سيأتيان ويبقيان معك». وقلت لنفسي: لست بحاجة إلى أن أسهر وأسليهم! لم أكن خائفة من البقاء وحدي. لم يخطر ببالي قط بأنني كنت امرأة وحيدة، وأنه لن يسمع أحد صراخي من الكهف القابع على حافة الجبل. ولم أعتقد أن محمداً كان يشك بشخصي أو أنني كنت بحاجة للمراقبة. ومع أن بعض الزوار جاؤوا إليَّ في مثل تلك الليالي، لكنني لم أشعر أبداً بعدم الأمان ولم أكن غاوية، بل كنت شابة وبريئة وواقعة في الحب وكان الزائرون بالنسبة إلي، أصدقاء محمد. وإذا كان لدى أي منهم أي نوايا أخرى، فسيكون موقفي حتماً عير ذلك. العقرب البلاستيكي وفي يوم بعد الظهيرة، وبينما كان محمد يشرب الشاي خارج الكهف، رأيت عقرباً أسود مفلطحاً على الأرض تحت طاولة المطبخ. كان محمد قد أتى للتو من عمَّان وشككت رأساً أنه اشترى عقرباً بلاستيكياً من دكان الألعاب في سوق البخارية، ليغيظني. ناديت قائلة «آه، أعرف حيلك! هل تعتقد أنك ستخدعني؟» أجابني بكسل: «أي حيل؟» «هل تعتقد أنني لا أمييز العقرب عندما يكون بلاستيكياً؟» وسمعته يتحرك قبل أن ينطلق صوته عبر الهواء قائلاً «لا تلمسيه«، ووقف إلى جانبي حاملاً عصا. «لم أشتر عقرباً بلاستيكياً، أين هو؟» تظاهرت بالهدوء - وقلت ربما كان لا يزال يكمل فصول حيلته. أومأت برأسي: «لازال هناك، تماماً حيث وضعته». نكزه محمد، وفعلاً كان من فصيلة العقارب الحقيقية؛ وكان ذيله مليئاً بالسم وملتوياً على أرجله متهيئاً للانقضاض وكأنه ملاكم في حلبة المصارعة لا يعرف من أين سيتلقى الضربة. لقد جاءت من الأعلى، هرسه محمد بالعصا بقوة، تثير الاشمئزاز. وبفرح شديد نظر إلي طالباً الموافقة، وفي ومضة قرأت ما جال في رأسه. الرحلة الثانية إلى عمان ستأتي بعقرب بلاستيكي حقيقي صادق. لم أكن معتادة على العقارب؛ ففي نيوزيلندا لم يكن هناك أشياء خطرة كهذه. كان يجب علي دائماً أن أذكر نفسي، عندما ألتقط أي شيء من الأرض، وتعلمت أن أقتل في الحال، وتمنيت لو كانت هناك أي طريقة أخرى قد لا أسمع فيها صوت سحقه التي كانت نجفل جسدي وتخمد صوتي بين شفتي. يعاند القدر ذهبت وحدي إلى عمان عندما شككت أنني حامل في شهر آب «أغسطس» عيد الفطر. وكان التاريخ عشرة أيام قبل عيد زواجنا الأول؛ وذلك لأن السنة الهجرية هي سنة قمرية وتتقدم عشرة أيام كل سنة. عرفني كيفين على الطبيب في المستشفى الإيطالي، وكانت النتيجة ايجابية. ومشيت قفزاً إلى السق بالرغم من شدة الحرارة، وتذكرت أن أشتري الحلوى كي أتقاسمها مع الشباب في الخزنة. سألوا محمداً عن المناسبة. «يعاند القدر» تمتم الرجال عندما قال لهم محمد إنني حامل في شهري الأول. «حتماً سيطرأ مكروه ما». لم تذكر زوجاتهم شيئاً عن المولودين الجدد، وذلك خوفاً من الحسد، حتى يلدوا ويُسمع بكاؤهم. نظروا إلي بطرف عيونهم، وكنت أقرأ أفكارهم «عادة أجنبية لا تتسم بالمسؤولية، حتماً ستدمرهم«، ولكنهم ربتوا على ظهر محمد وحيوه على إنجازه العظيم وطلبوا من الله أن يرزقنا ولداً... راعي جمال، إن شاء الله». لم نناقش تلك الأشياء، ولكننا عندما مشينا إلى البيت قال لي: «اللي يجي من الله، حيا الله». وعرفت ماذا يعني وأيقنت أننا سنرحب بما يعطينا إياه الله. الماكينة كانت الماكينة وهي آلة الخياطة، هدية زواج لنا من أقاربي الهولنديين، كانوا قد أرسلوا إلينا نقوداً فابتعناها من وادي موسى. كانت من نوع «بترفلاي» ومصنوعة في الصين. وقد كانت كآلات الخياطة القديمة التي كنت أراها في البيوت التاريخية القديمة في نيوزيلاندا، ولها المدواس الثقيل الأسود نفسه المصنوع من حديد الدق ومن الخشب الملبس البراق والأحرف الذهبية الملتوية المرسومة على هيكلها. وكانت دواليبها الصغيرة مثبتة في اتجاه واحد؛ لذا كنت أقدر أن أديرها إلى جانب واحد، ولكن كان علي أن أجرها إلى الوراء أو إلى الأمام. رأى الجميع الماكينة عندما وصلت، فقد كان الجميع ينتبه إلى أي سيارة تتحرك في الوادي، وكنا دائماً نراقبها لنعرف أين تذهب وماذا تحمل، وظن الجميع أنني سأمتهن عملاً ما، مع أنه لم تكن هذه نيتي. «أتى الناس من كل حدب وجلبوا معهم جمعاً من الأطفال وقدموا لي التهاني لاقتناء الماكينة، وبينما كنا نشرب الشاي سألوني إذا كنت أتقن الخياطة: «بتخيطي؟» أتوا بأقمشة الحرير المصنع وتمنوا. حيث ترعرعت، تعودت أن أهنا للأمور التي وصلت إليها - كسن أو مكان معين، غير الذي وصلت إليه مؤخراً، وعندما اشتركت في سباق المسافات الطويلة بعد ظهر السبت في ويما هاريس. أما الآن فقد بدأت أتعلم معنى آخر للكلمة، فقد بت أهنأ بمناسبة ابتياع حمار أو بغل أو مدرقة جديدة خيطتها يسرى وعلى الخاتم الفضي التي سحبته أم محمود من إصبعها وأعطتني إياه لأنني أحببته، وعلى الفراش والبطانيات والحزن المليئة بأدوات المطبخ التي اشتريناها من مفلح عندما سافرت زوجته السويسرية إلى بلدها وأراد بعض النقود للحاق بها، وبدأت أعوِّد نفسي أن أنتبه لمقتنيات أصدقائي الجديدة، فلم أكن أريد إهانتهم. كانت النساء قد سمعت، عندما تزوجت أنني أجيد الخياطة. فكانت هذه الخصلة الجيدة تحصى مع الأخريات، كالبشرة الفاتحة، والشعر الأشقر، والساعة، وأنني ممرضة، وأنني قادرة على القيادة والكتابة والقراءة؛ وفوق كل ذلك كانوا يأملون أن تكون لهم خياطة محلية، فكيف لي أن أتملص. لقد كنت من قبل أخيط لأجل المتعة فقط، ولم أكن أريد أن أمتهن الخياطة. وكنت أخيط دائماً طبقاً لأنموذج بسيط؛ لذا كنت أختلق الأعذار. كان العذر البدهي أن أقول «إني حامل» وكان الجميع يقبلون به، فقد كانوا يدركون الخطر الذي قد يحدق بالمرأة الحامل من مدواس الآلة أو من الرقص، فهذان الأمران كان يجب الابتعاد عنهما. لم تكن أعمالي اليومية شاقة جداً، فكنت أرفع تنكات الماء وأفرغها في البرميل، وأحمل حزمة الحطب على الرأس وجلد الماعز المليء باللبن من القسم السفلي من الخيمة، حيث كان يجب علي أن أضاعف الانحناء إلى الأمام، كي أهيئ المنصب لمخض الزبد، وأحمل الصخور الثقيلة لتثبيت أوتاد الخيمة. وهكذا كان حملي المعلن، هو عذري، وبالطبع كنت أعلم أن قليلاً من الخياطة لن تضرني؛ لذا حصلنا على كرسي قديم من مخيم النزال واستطعت أن أوسع مدرقتي كلما تقدم حملي وأن أخيط أغطية مخدات تحمل الطابع المحلي (جيبان ساتان من اللون الفاقع ومسندان)، كما قصرت جينز محمد الجديد الذي كان طويلاً. رآني سالم وعوض أستعمل الآلة فعرفوا كيف يستفيدون مما أتقن عمله. وكانت الخياطة لأجلهم حقاً متعة. أصرا قائلين «ضيقي من هنا«، وهكذا فعلت، عكس كل تقديراتي. وكانت الخياطة تحت الإبط من أصعب الأمور لأنهم كانوا قد ابتاعوا قمصاناً ذات قياس كبير وأرادوا أن يجعلوا مقاسها أصغر بكثير مما يجب. لم يباليا إذا كانت الأكمام غير مريحة، فقد كانا يريدا أن يلبسا قمصاناً ضيقة لينالا الإعجاب، واعترفا لي أمام من كانا يريدان أن يتباهيا. كانت رخية بارعة في تدبير أمرها معي (وكانت لا تزال ترفض أن تعود إلى زوجها مع أنها لم تكن مطلقة بعد، ومضت سنة وأيام طويلة من الغضب والإحباط، لإقناع كل من الأب، والعم، والزوج وأخي الزوج، أنها أصبحت شابة مصممة ولن تغير رأيها) ولاطفتني قائلة «آتيني بكلفة من عمان«، ولقد اكتشفت أن الكلفة كانت على شكل جديلة، ولكنني اشتريتها وجعلتني انهمك في طراز حياكتها، وبالتالي غرزها على المدرقة. وجدت نفسي أضع قماشاً آخر في مقدمة الثوب المفتوح وإصلاح جميع العيوب الناجمة عن خياطة وادي موسى وهكذا وجدت نفسي أعيد خياطة الثوب كله. وكانت رخية كلما اشترت قماشاً جديداً، أصبحت أنا بدوري جزءاً من المشروع. منذ أن تعرفت عليها وهي تعطيني مناديل وتثرثر بكلمات عربية وتقدم لي شراكاً وقطعاً من الخزف القديم وباقي الفتة؛ لأطعمها لمحمد وشراب اللبن في موسمه وبيضاً طازجاً، والآن وأخيراً كان باستطاعتي أن أعطيها شيئاً مقابل كل هذا. ولقد أعطتني أيضاً فرصة كي أتقن فن صنع المدرقة دون أي ضغط من أي هيئة، ولقد كانت حقاً عارضة أزياء رائعة. عندما أدركت كم كانت خياطة المدرقة سهلة وبسيطة، قررت أن أخيط لكل أخت من أخوات محمد واحدة بمناسبة العيد. ولكن بين هذا وذاك وللسنتين القادمتين (حتى عندما لم أكن حاملاً، قلت لهم: إنه ليس عندي وقت)، وهكذا حل جلد دولاب الماكينة وبقيت مطوية داخل طاولتها الخشبية. الحج إلى مكة الحج إلى مكة هو خامس ركن من أركان الإسلام. فرض الحج على كل المسلمين ذكوراً كانوا أم إناثاً، مرة على الأقل، وذلك إن استطاعوا مادياً وصحياً. وان الشخص الذي يقوم بهذه الرحلة، يسمى حاج أو حاجة. كان هناك الكثيرون يسمون بالحاج في الوادي. ولكن الكل كان يعرف دائماً من الحاج المعني بالكلام، وكنت أجد ذلك محيراً. كان هناك الحاج نويجة، ذو المظهر الرائع والقامة الصغيرة والابتسامة التي كشرت عن أسنان حادة رقيقة واللحية الصغيرة المهذبة في أسفل ذقنه، الذي قابلته في خيمة عبدالله، والحاج سلامة الذي أدار الدكان في فم الوادي والذي كان يترك فيها ابنه ليهتم بها خمس مرات في اليوم وينزل إلى وادي الدير؛ ليؤذن للصلاة. (كان الكهف الكبير الكائن بجوار العيادة مسجد البتراء، وكان له باب وفيه عدة قطع من السجاد الذي غطى الأرض الإسمنتية، ولكن نادراً ما كان يوجد فيه أي مصليين. فقد كان البدو يصلون في أي مكان وجدوا فيه، وفي يوم الحمعة كان الحاج سلامة يذهب إلى المسجد في وادي موسى). وكان أبو علي، صاحب الدكان، حاجاً أيضاً. كان متشوقاً للذهاب إلى مكة، ولكنه لم يستطع أن يحقق الرحلة، فقد وجب عليه إطعام زوجة وثمانية أولاد، وذات ليلة رأى حلماً يملي عليه أن يذهب ويفلح قطعة أرض جانب التل الكائن تحت خيمته. لقد كان رجلاً مؤمناً وأذعن لما أملت عليه رؤيته، وبفضل ذلك الحلم أخرج من تحت الأرض الكثير من الخزف القديم، وهكذا استطاع أن يؤمن ثمن الرحلة وأن يجلب الهدايا للجميع عند عودته. في عام 1979. بدأ ستة ض قبيلة البدول يهيئون أنفسهم للذهاب إلى الحج. بت أعرف كل فرد من قبيلة البدول من وجودي في الخزنة والعيادة ومناسبات أخرى عديدة، الكبار منهم والصغار؛ لذا كان علي أن أنهمك أيضاً في الترتيبات. وأخيراً كان باستطاعتي أن أقدم لهم شيئاً مقابل اللبن والسمن اللذين أعطيا إلي بالباع والصاع. صنعت لهم خبزاً معجوناً بالتمر وخبزته في الفرن الذي يعمل بالغاز، الذي اشتراه محمد في اليوم الذي رآه، في وادي موسى، فقد وصل إلى مكتب بريدنا شيكاً من عمتي الكبيرة بقيمة الفرن الغازي. (بالرغم من وجود صندوق بريد باسمنا، كنت أحصل على الكثير من رسائلي من خيام بعيدة، كانت ترسل إلى هناك دون أي قصد سيئ ولكن الشيك كان مرسلاً بالبريد المسجل). قبل أسبوعين تقريباً من عيد الأضحى، انطلق الحجاج إلى مكة في حافلة كبيرة وقديمة ووضعت فراشهم على أعلى الحافلة. ضج الوادي عندما ذهبنا جميعاً وبدأنا نحمِّل الحافلة بالطعام متمنين أن يمنحهم الله السلامة في الطريق. ودعناهم قائلين «في أمان الله«، وهكذا رحلوا. لم نسمع عنهم شيئاً حتى ثالث يوم العيد عندما رجعوا مصحوبين بالنشامة المتحمسين لرؤيتهم والذين ذهبوا إلى وادي موسى للقائهم وجلبهم إلى البيت. إذا كنت قد أصبت بالحيرة من قبل بالتعرف على أي حاج كانوا يقصدون، فقد باتت حيرتي أكثر بكثير من الماضي. الأخطار كان لنا حمار آخر، وكنا نربطه إلى شجيرة إلى جانب التل، وإذا كان الجو ماطراً، كنا نربطه في الكهف المخفي وراء أكوام القمامة التي كان محمد قد رماها من على طرف الجبل. كنت أستطيع أن أذهب في الوقت الذي يناسبني لجلب الماء. ولقد تحسنت مهارتي في ركوب الحمار ولم يمنعني الحمل أبداً. كان ما يزال عندنا بعض الماء، ولكنني كنت ضجرة؛ لذا وضعت السرج على الحمار وقفزت فوقه متجهة إلى النبع. لقد كان الطقس بارداً ومغيماً، لويت سترتي حول جسدي وفرحت بمنديلي الذي أدفأ أذني. مررت بعمود الفرعون وخلف قلعة الصليبيين، وفجأة، إذ بي أرى رأساً يطل من مكان حفريات غير مرخص له، في أسفل التل يلوح بيديه ويقول «وين، الدنيا شاتية». لم أكن متنأكدة مما كان يقول ومن كان؟ منديله كان مطوياً وملفوفاً على رأسه ووجهه كان لونه بلون الأرض التي خرج منها - ولكنه هرع باتجاهي وأمسك بلجام الحمار فوقف. لم يمنعه ضعف لغتي العربية من إيصال رسالته إلي، فبدا يلوح بذراعيه إلى الغيوم السوداء قائلاً: «شتاء«؛! وأشار إلى الوادي وقال لي «لا» وبرم حماري وضربه على قفاه ليمضي، وهكذا أرسلت إلى المنزل وفي الطريق سقطت بعض حبات من المطر. كم كنت محظوظة أن جانب التل كان طريقاً سلساً وأن الحفار استطاع أن يراني من حفرته التي لم تكن عميقة جداً وأنه لم يهرب خوفاً من أن أخبر عما كان يفعل، لولا كل هذا لكنت نزلت إلى المنبع بين المنحدرات الصخرية وما كانت لدي أي طريقة للهروب. لماذا لم أقدر الأخطار المحدقة بي؟ لم يكن المطر الماء الوحيد الذي يهبط على البتراء وينهمر عبر الوادي، بل كل المياه التي تهطل حول قرية وادي موسى. إن سلسلة جبال الشراة المتاخمة التي تبعد بضعة كيلومترات إلى الشمال والجنوب من القرية، كانت بمثابة قمع يسحب مياه الأمطار منذ مئات وآلاف، بل ملايين السنين إلى الوادي الذي انبسط في قلب إفجيج السق الذي شكل بفعل الزلزال ماراً بالبتراء وإلى وادي صياغ ليجف في وادي عربة. وعندما كانت الأمطار تهطل بكثرة، كانت تتجمع وتنهمر، ويبقى السيل لبضع ساعات وبعد ذلك وحين يتوقف، تكشف طبقة من الأرض الجديدة، يبحث فيها عن النقود وقطع الفخار الأثرية. ويحدث السيل الهائل كل بضعة قرون، حيث تهطل أمطار غزيرة لعدة أيام فتشكل نهراً عظيماً من الوحل والصخر تتلاطم في الوادي. وكان السيل، عندما ينهمر في السق، يصل ارتفاعه إلى خمسين متراً. لهذا السبب بنى النبطيون السد. وعندما استقروا في البتراء قرروا أن يسيطروا على بركة الدمار هذه. بنوا سدا عند مدخل السق، وبحفر قناة بطول سكة الحديد في قلب كتف الصخرة إلى الشمال، غيروا مجرى السيل إلى الوادي الصغير الذي التف خلف جبل خبثة. وحفروا أحواضاً في قعر الجبل وقنوات أخرى لتحويل المياه إليهم وما تبقى منها، لينساب إلى وادي متاهة ومن ثم إلى وادي موسى في قلب المدينة مباشرة تحت كهفنا، حيث رأيت أول سيل مع محمد. ولكن سد النبطيين لم يعمر طويلاً. وعندما اكتشف، جوهان لودفيك بوركارت، البتراء للمرة الثانية في عام 1812. كانت المياه تنهمر إلى السق منذ مئات السنين. أما السد الحالي فقد بني أمام المدخل بعد حادثة أليمة وقعت في 1963. عندما غمر ثمانية وعشرون سائحاً فرنسيا في السق أثر السيل الدافق. ونجا سائق حافلة وبنتان، تعلقوا بقناة المياه، أما الباقي فقد جرفوا إلى وادي موسى وقتلوا جميعاً مع الدليل السياحي وجميع الحمير المحملة بالأمتعة والمؤن. هرع رجال البتراء ووادي موس حالما سمعوا بالنبأ، ليساعدوا، ولكنهم تمكنوا فقط من انتشال الجثث. كان محمد عندئذ في الثانية أو الثالثة عشرة من عمره، وأفظع ما يذكره من مشاهد كان منظر البرتقال المنشور بين الضحايا المنجرفين إلى الوادي وهم عالقون بين الشجيرات والصخور. حتى إن هذا السيل الهائل من الصخور والوحل، حمل معه بعض الضحايا إلى وادي صياغ. وجد بعض رجال قبائل السيدين جثة أحد المجروفين، أبعد من هذه المسافة بكثير، وبعد عشر سنوات، دلوا فريقاً من السفارة الفرنسية على مثوى الجثة لاسترجاعها من موقع دفنها قي وادي مروان. ولكن سد النبطيين والنسخة الحديثة منه لم تحم إلا السق، السيل ما زال يدفق إلى الصياغ؛ لذا بت حريصة جداً ألا أخرج إلا في الأيام المشمسة فقط لأحضر الماء، وبدأت أستعمل الأحواض النبطية للغسيل. كان هناك حوض عند قاعدة المكان العالي يجمع عدة أمتار من المياه كلما هطل المطر، وقد كان من الممكن استعمال هذا الماء النظيف للشرب أيضاً، ولكان كان من المستحيل أن أعلم كل الناس أن يستعملوا مغرفة نظيفة. أم عوض التي كانت تعيش قبالة الحوض، كانت تطلب من بناتها أن يعددن الشاي، وبعد ذلك كانت تصر على أن أبقى لتناول الغذاء. كان كهفهم طلق الهواء وكبيراً بحيث إنهم كانوا، عندما يهطل المطر، يشعلون النار في داخله، وكانت أمامه فسحة صخرية رائعة للاسترخاء عندما يكون الطقس جميلاً. لم يكن عندي شيء وجب علي عمله في المنزل؛ لذا كان من السهل علي أن أجلس وأراقب الأولاد يلعبون والخباز يلوي شراكاً تلو الآخر على قمة الصاج. وكان الحمار يرعى بسعادة إلى أن حان الوقت لتحميله وأخذه إلى البيت. عندما كنت أمر من أمام أي بيت، كان أصحابه يدعونني للدخول. وكان صعباً علي أن أبتعد عنهم وفي الوقت نفسه كنت أحب أن أجلس وحدي؛ كي أنفرد لمدة مع أفكاري. مضيفتي قد تذهب إلى كهف آخر لتعد الطعام أو تتحدث مع زائرة عني وتوافق أن محمداً قد اختار امرأة صالحة، ترتدي المدرقة والمنديل وأنني لطيقة وهادئة. لقد كان لصالحي أن أعرف - قبل أن أجيد الكلام الكثير - أن الهدوء هو فعلاً سمة جيدة. جدعة الرتم كان التل الذي نعيش عليه ذا طابع البتراء النموذجي، فهناك الجدران الحجرية المطمورة وقطع الفخار وبصل عنصل البحر وشجيرات مبعثرة هنا وهناك. لم تكن البيوت النبطية مكتشفة بعد، وفي بعد ظهيرة أيام الشتاء البارد، كنا نأخذ كيساً وفأساً صغيراً لنبحث عن عيدان الرتم المستعمل لإشعال النار. حتى عندما كان الطقس مشمساً، كانت الليالي باردة وعندما تأتي الرياح بغيوم سوداء من الجنوب واعدة بالمطر يصبح الجو في النهار بارداً أيضاً. وعندما كانت تنساب الغيوم القاسية البيضاء مسرعة عبر الريح الآتي من الشرق، يصبح الجفاف في الجو، ثلجياً قاسياً. عندما كان محمد يعثر على جدعة، كان يبدأ بإزالة الرمل ثم يبدأ الهجوم، وكان يقطع الجذور العتيدة بالفأس. وبعض الأحيان كنا نعبئ الكيس بجدعة كبيرة وكنا نشعر بالحر جراء الحفر. وبعض الأحيان كانت بنات روية اللواتي كن يبقين مع الماعز حتى الغسق، يأتين لتحصين قطع الفخار التي عثرنا عليها والتي رسمت عليها رسوم جميلة محتلفة الأشكال، لنعرضها على السائحين في اليوم التالي. وكان أولاد أبي نواس يأتون كي يتسلوا ويساعدوا بحماس بالغ، بالحفر والبحث مستخدمين فقط أيديهم المتشققة، وكم كانوا يتباهون بقوتهم! وعندما كنا نرجع إلى البيت، ثم نبدأ بالتسعير. وكان محمد يكدس كل مقتنياتنا على شكل هرم في المنقل (لم أرد أن أستعمل كلمة موقد لأنها عبارة مبهرجة لتسمية ما كان مصنوعاً من تنك)، وكان يتجاهلني عندما كنت أقول «هذا كثير، عندنا ما يكفي لليلتين«، ويرش عليها زيت الكاز ويشعلها بولاعته الكيروسين. كم كان يحب النار الكبيرة! وكنا نجلس حول النار، في الفسحة والرياح تلوح ألسنة اللهيب، حتى لا يتبقى منها إلا الجمر. وكانت الأمور تتطور إلى حالة يرثى لها، عندما كانت الغيوم تتجهم ويسقط المطر، كان علي عندئذ، أن أستسلم لرغبة محمد وأدعه ينقل النار إلى داخل الغرفة الجديدة. كان يريد إدخال المنقل إلى آخر الغرفة، ولكن المجادلة لم تجده نفعاً، ومع ذلك فإن الدخان كان يهيج على الجدران المطلية بالدهان الأبيض وعلى الستارة الكستنائية اللون. كنا إما نتربع أو نجلس على أكياس فوق الأرض: كانت أسنة اللهب تلظى بوحشية، وكان المطر ينقر على سقف الصفيح (الذي كان يزرب)، وبعد مدة، كانت رائحة الكيروسين تفوق رائحة الخشب المشتعل، وعندما يهرب معظم الدخان إلى الخارج، كنت أنصب إبريق الشاي على حافة النار. وبعد أن يحترق جميع الخشب، كنا نجر المنقل وجمراته الساخنة الحمراء إلى خارج الكهف ونغلق الباب. كما كنا نحشو النوافذ بالأكياس لنمنع الرياح من التسلل عبر الشبك ونضع فرشات إسفنجية حول النار ونشرب حليباً ساخناً ونلعب «شيش - بيش» طاولة النرد، وطالما لم يحتج أحدنا أن يذهب إلى الخلاء، فكنا ننسى البرد والظلام في الخارج. ورق اللعب: 1980 في نهاية السنة بدأ محمد يختفي بعد العشاء. كان يقول لي: إنه ذاهب إلى كهف إدارة الآثار ليلعب الورق مع أصدقائه وسائق الجرافة من عمان الذي كان يقيم هناك في أثناء القيام بعمله في البتراء. قمت بترتب سريرنا باكراً وبعد ذلك جلست عليه وحيدة وكنت أرفض أن أشعل ناراً إذا كانت لي وحدي. استمعت إلى الإذاعة البريطانية المشوشة فكان البث سيئاً في داخل الكهف. كتبت الرسائل، رسائل طويلة موحشة، رسائل لم أرسلها، وفي بعض الأحيان كنت أحيك الصوف ولكن مع أني كنت أحيك لطفلي، فإن الحياكة وأنا جالسة دون رفيق ودون تلفازلم تمتعني. ولو كان بحوزتي كتاب، لساعدني قليلاً لقد ترك لي بعض السائحين لدى الباعة كتاب (عصافير الشوك) الذي قرأته في أربعة أيام، ولم أستطع أن أجد كتاباً آخرا في أي مكان. «هذا كثير، أنا لم أتزوج كي أبكي كل ليلة إلى أن تغمض عيني وأنا وحدي في السرير». جادلني محمد قائلاً، عندما جاء ذات ليلة ورآني أجهش بالبكاء تحت الغطاء: «ولكننا لا نفعل شيئاً، نلعب الورق فقط». اتهمته قائلة «ولكنك على الأقل تقوم بعمله مع أناس آخرين» «رافقني إذاً، ولكنني لا أعتقد أنك ستتمتعين، لا توجد أي امرأة هناك». «لم أتزوجك لأمكث مع النساء الأخريات». وبدأت أذهب معه. وكان صوت الراديو مشوشاً أيضاً وكانوا يستمعون إلى «صوت فلسطين من أورشليم القدس«، وكانت الأغاني المنبثة تحرك مشاعري مع أنني لم أكن أفهم الكلمات. كنت أجلس وأراقبهم يلعبون بينما أقوم بحياكة جربانا للطفل تحت ضوء القنديل. وبدأت أدرك لماذا كان محمد يبقى لساعة متأخرة خارج البيت، فقد بدأت بدوري أدمن على اللعب فقط من مراقبتي لهم. لم يلعبوا مقابل المال ولكنهم كانوا يحلفون بعض الأحيان قائلين: «والله وشاربي إذا كنا نلعب مقابل المال، لكنت أفرغت كل جيوبك«! وكانوا يغيظون بعضهم بعضًا في اليوم الثاني وبعض الأحيان لأسابيع، خاصة إذا كان التعليق على إحدى الألعاب مخزياً. وفي ذات ليلة لم يكن لديهم غير ثلاثة لاعبين، فانضممت إليهم وجعلتهم يدركون أنني فعلاً كنت أراقبهم. ومنذ تلك الليلة كان لي دور في اللعب معظم الليالي، تماماً كالصبية. وبعد ذلك اشترى محمد ورق لعب جديد من البلاستيك، من عمان، لأن الدكاكين في وادي موسى لم يكن لديها إلا ورق لعب مصنوع من الورق. وكان سلامة المختار يهتم دائماً بورق اللعب القديم، وبعد مدة من الوقت أدركنا أنه يدس الجوكر بين الورق. وقد أصلح محمد المذياع دون أن يكترث للورقة الملصقة عليه والتي تقول «احذر، خطر كهرباء، لا يقتح إلا من قبل كهربائي» أو لأنه بكل بساطة وسعادة، لا يقرأ، فكان يزيل المسامير اللولبية ويعبث بداخل الراديو حتى تصبح الإبرة تدور بهدوء عبر جميع المحطات. كانت عائلة سلامة وزوجته مريم، صغيرة ولقد كان من قبل سائقاً في الجيش، وأما الآن فكان يعمل في إدارة الآثار. المختار كان لقبه الآخر، عمدة المدينة، والذي كان يتطلب منه تسجيل الولادات والوفيات، وكان هو الذي يخاطب القبيلة بأمور، كقرية المستقبل. ولكن مرحه وحبه العارم للعب الورق و»الشيش بيش» ورغبته الطائشة بالذهاب إلى عمان أو العقبة ليلاحق امرأة غربية في دور السينما أو ليزن نقسه مقابل «شلنا«، كل هذه الأمور كانت لا تتماشى مع منصبه وجديته. (كان كثير من الرجال، صغاراً وكباراً يجلسون بجانب ميزان حمام، عند الأرصفة في عمان والعقبة (وإلى الآن لا أعرف إذ كانوا يلبون حاجة الناس أم كانوا يريدون أن يتلقوا حسنة مقابل .خدمة يوفرونها للناس). بقي سائق الجرافة مدة سنة، ومنذ ذلك الوقت لم يأت إلى الكهف إلا علي وعلاف وسلامة. وحيث كنا نبدأ اللعب معهم بعد الغروب وبعض الأحيان قبل ذلك، ويستمر اللعب لوقت متأخر من الليل. كان سلامة يقول «هاتي الشيش بيش«، وهو يهم بالجلوس على الفراش. وكان يطلب المخدات، فقد كان يعاني من آلام الروماتيزم في ركبته؛ لذا كان بحاجة لأن يتمطى. كان محمد يقول له وهو يفتح طاولة النرد «هل أنت بعجلة من أمرك لكي تغلب«؟ وهكذا «تك، تك«، كانوا يكدسون الحجارة؛ لينهوا لعبة واحدة قبل العشاء. كان الغروب عادة وقت العشاء، ولكن سلامة كان معظم الأوقات شبعان، أو كان يطلب من مريم. أن تسخن له طعامه عندما يرجع إلى البيت. كان طلبه «للشيش والبيش» أو المخدات بالنسبة إلي شيئاً عادياً تماماً كما في نيوزيلندا عند الأصدقاء، فكنا نجلب أي شيء بأنفسنا ونعتبره أيضاً شيئاً عادياً. «تفضلوا». كنت أستعمل عبارات في اللغة العربية لم تعد مستخدمة اللغة الإنكليزية المحكية. فكلمة «تفضلوا كانت بمثابة دعوة وليس فقط «تعالوا وخذوا». أغلقوا الطاولة ووضعت وجبة الطبخ على الأرض بينهم. (كان سلامة يراعي رقة إحساسنا)، ولكنه نادراً ماكان يأكل معنا. وما إن ننتهي حتى يصل أحدهم وبذلك كنا نؤمن اللاعب الرابع الذي كنا بحاجة إليه. كانوا كلهم يحبون الغش. وكنت أشعر بالإحباط لهذا الأمر، وأتجاهل شريكي عندما يريني كرت 2 أو الجوكر وذلك لأعرف كم جوكراً لديه. وكان محمد يلحس كرت الجوكر بفجور، ويلصقه على جبينه ومن ثم يتابع رؤية باقي أوراقه. بالنسبة إليه، كان الهدف الرئيس هو الربح، والربح عن طريق الغش، هذا إذا لم يلاحظ أحد - والربح تبعاً لقوانين اللعبة - كان سواء عند محمد، وكانت محاولة الغش تستحق العناء. لم يكن عندي شارب؛ لذا لم أستطع أن أحلف به كي أربح، ولكنني لم أكن الشريكة المفضلة، ولم تكن الخسارة أو الإغاظة تزعجاني أبداً. أنبنا أبو محمد باستمرار لكثرة استهلاكنا للسكر. لقد كان الكثيرون يتجولون في المساء ويعرفون أننا في المنزل وأننا كنا مستعدين لنعد إبريق شاي آخر، وكانوا يعرفون أن لعبنا وجدالنا المحتد ومزاحنا غير اللائق كان أمراً مسلياً. ولقد كنا نعتقد أن عدة أباريق من الشاي كانت ثمناً صغيراً ندفعه لمساء لهو في بيتنا. الخبز المقدس «لا يجوز أن تفعلي هذا«! كانت لهجة لم أسمعها من قبل في صوت محمد. أكان مشدوهاً لغبائي أم مندهشاً لجرأتي أو فزعاً من إهمالي، لم أقدر أن أعرف. لقد كان من الواضح أنه كان يقلل من قدري لشيء ما... ولكني لم أفعل شيئاً. كنا عند الخزنة نأكل خبزاً وطماطم ابتعتهما لتناول الغذاء. ولكي نستغل دفء الشمس، للوقت القصير التي سطعت فيه على الساحة الأمامية في ذلك الوقت من السنة، دفعنا ببضاعته جانباً وجلسنا على الطاولة الخشبية وأقدامنا متدلية. «هذا حرام»! قفز محمد وبدأ يلم بقايا خبز الطابون الذي رميته. كنت قد رميت قطع الخبز المحروق التي لا تصلح للأكل. «لا تجوز أن تلقيها هنا»! «لم لا؟ كلكم ترمون بقمامتكم على الأرض. على الأقل ستأكل الماعز بقايا الخبز فإنه أفضل من علبة السردين أو قشر الموز». «لقد كانوا هناك إلى جانب الخبز الذي رميته ولكنه لم يهتم بالتقاطها». «ولكن هذا خبزا!» كان هناك بعض الصمت بينما كان ينتظر وقع كلماته علي... ولكن لم يحصل... لذا بدأ يفسر لي. «الخبز نعمة من الله، ونحن لا نطأ عليه بأقدامنا». (إذاً لقد كان مشدوهاً لغبائي). وضع بقايا الخبز بحرص تحت أقرب شجيرة حيث لا تصل إليها إلا عنزة كسيحة. لم نكن نهدر الطعام، بالرغم من عدم وجود الثلاجات. عندما كانت أم لافي تعد الفتة ويبقى منها القليل (حتى بعد أن يضع عبدالله كتلة منها على الصخر لكلبه الأجرب)، كانت تضع البقية في وعاء وتغطيه بغطاء قدر أو كيس سكر وترسله إلينا عبر الوادي مع أم لافي. كنت أضعها بالقرب من الشباك، وفي الصباح كنا نقليها في المقلاة ونحتفل - فاصوليا مقلية أو بطاطس مسلوقة مقلية على الطراز البدوي. الطريق إلى أم صيحون في بداية عام 1980 بدأ العمل في الطريق الممتد نصف كيلومتر إلى قرية أم صيحون. لم يصل إلى البتراء ولكنه بدأ عند نهاية الطريق الحالي وقريباً من المدخل، وتابع شمالاً بمحاذاة الشراة وخلف جبل خبثة. ولولا الدوي البعيد المتقطع للآلات الثقيلة في النهار، ولو لم يسند إلى أبي محمد منصب الحارس الليلي للمشروع، حيث ذهب وعائلته ليسكن في خيمة الخيش إلى جانب الجبل، لما كنا انتبهنا له. وكنت أشتاق إلى الجلوس معهم كل يوم في الكهف. وكنت أشتاق إلى أم محمد وهي تناديني من درب أسفل الراس ومعها حمارها المحمل بالتنكات، «تريدي مي؟«، وتدعوني إلى الذهاب معها لجلب الماء. كنت أشتاق إلى ضم الأولاد. قررت الذهاب لزيارتهم. أمضيت طوال النهار وأنا أبحث عن مخيمهم. كان محمد قد أشار إلى التل الرملي الذي كان علي أن أتسلقه لأصل إلى متن جبل أم صيحون، وكان هذا من أسهل الأمور. وكان علي بعد ذلك أن أتبع الطريق لأصل إلى المكان الذي يلتقي مع الشراه، ولكن الممرات الصخرية وآثار الماعز ضللتني، وبدأت أشعر بالحر عندما عدت من حيث أتيت. لقد كان المتن مغطى بالحجارة المفتتة المبعثرة المزحلقة. كان الطقس حاراً، كيوم صيف في نيلسون، دون أي نسمة هواء، وكنت حاملاً ولم أعد أعرف كيف سأعبر حافة الشراه. خلعت مدرقتي ووضعتها على رأسي وبقيت بالقميص والجينز لأرتاح قليلاً. وفجأة ظهر ثلاثة راكبي حمير، وهكذا استطعت أن أكتشف الدرب. لقد استجيب دعائي، لوحت لهم بثقة وقلت «سلام«، ومن ثم لبست مدرقتي وتبعت الدرب حتى وجدت الخيمة. حالما رآني أحمد بدأ يقفز وينشد أمام خيمة الخيش التي تعلقت بجانب الجبل على بعد عدة أمتار من الطريق ويقول «هيه أمي فاطمة جت، هيه أمي فاطمة جت«، بينما كنت أنا أتعثر للوصول إليه. وبدأ يضحك بغبطة، عندما التقطته. لقد كان أصدقائي هنا وكانت بشرتهم متشققة، وأتيت من أجل تلك البسمات. كم اندهشت عندما رأيت كيف أن أم محمود تركت الراحة في الكهف وخيمت هنا مع ولديها بكل يسر. ليس هناك أي مشكلة، فالآلات اقتلعت الكثير من الحطب، وكانوا يستطيعون أخذ الماء من الخزان ولكن بقعتهم كانت صغيرة جداً. لو أن أحدهم تزحلق، لتدحرج من أعلى الجبل. وفي داخل خيمة متن الجبل ولبضعة أمتار إلى الأمام كانوا قد مشطوا أرضاً مبسطة من الأرض القاسية، أما أطراف الخيمة فكانتا مفتوحتين، ولكن الفصل كان شتاء والجو بارد في الليل وكانت الرياح تهب بقوة، وعندها فهمت لماذا كانت الحجارة تمسك بأطرف الخيمة. وكانت أسرتهم تغطي أرض الخيمة كلها. سحبت أم محمد جنبية ودعتني للجلوس معتذرة لترك مخداتها الجيدة في الكهف، ولفت لحافاً قديما كي أتكأ عليه. جلس أحمد على ركبتي ولعبت معه وغنيت له ترانيم الأطفال. كما مد محمود يده، وقد كان متحفظاً في البداية، ليلعب أيضاً. لم يفهموا الكلمات ولكنهم كانوا يفهمون الكركرة. وبينما كانت أم محمود تشعل النار وتعد الشاي، لعبت ثانية مع أصدقائي الصغار متجاهلة قسوة ورهبة المنظر وكانت قمم الجبال شامخة على مد النظر. زرتهم عدة مرات وكان محمد يأتي معي أيضا بعض الأحيان. ودون أي شك لقد جعلنا لهم عملا أضافيا ولكنني لم أستطع أن أبعد عنهم طويلا. أما أحمد ومنذ الأيام التي تعلمت فيها العجين والخبز، أصبح يعتبرني كأم ثانية له. وفي أحد الأيام وجدت أم أحمد تنخل الطحين، ولاحظت أن الكثير من النخالة نزلت منه. قالت لي: إنه شعير، وكنت أعرف الشعير أو، طعام الحمير، واعتقدت أنها لم تفهمني أو أنها كانت تمازحني. ولكنني لم أسئ الفهم ولم تكن تمازحني، فقد أزالت الحجارة من الشعير وأخذه أبو محمود إلى المطحنة في وادي موسى. لقد عجنته بطريقة مختلفة ولم تقبل مساعدتي، وخبزته في النار المطمورة تحت الرمل. بقينا، وكانت وجبة العشاء الفتة المؤلفة من خبز النخالة ممزوجاً مع اللبن وضع في وسطه زيت الزيتون بدلاً من السمن. وكانت الوجبة الجانبية شرائح من البصل النيئ أكلناها مع الطعام كما يؤكل الخبز المقمر مع الحساء. كان طعمه لذيذاً، وذهبنا إلى المنزل ونظفنا بعض النخالة التي كانت لدينا وأخذها محمد إلى المطحنة وبعدها جلبها لي كي أتعلم كيف أعجنه. استمر العمل في الطريق ببطء، ولكنه توقف في منتصف عام 1981 وقد جرف إلى حدود بيثة ورجع أصدقائي إلى كهفهم. الكتابة النبطية على الصخرة الحمراء البنفسجية اللون التي مررت بها من المكان العالي كان هناك موقع كتابة نبطية. الكتابة النبطية عبارة عن كتابة بشكل مربعات، تصطف وراء بعضها، كما السلاسل الذهبية المعروضة في سوق عتَّان. عندما رأيتها لأول مرة، أزاح محمد أغصان شجر العرعر التي كانت تحميها، ولكنها، منذ ذلك الحين باتت معرضة للهجوم من قبل الرياح والمطر والأولاد والعصي. أينما استقر النبطيون كانت هناك كتابة ونقوش - فقد كان سلامس وآريتس هنا. أشهر كتابة في البتراء، وهو الوصف الوحيد في مدينة جميع الحدائق والأحواض وقاعات الاحتفالات التي تناغمت مع بعضها لتشكل مجمع الدفن، كانت في مدفن التركمانية. قرأت عنها في كتاب أعطاني إياه علي. لم يكن بحاجة إلى كتاب «البتراء - بقلم إيان برونينغ» والذي تركه بعض السائحين في الدكان، ولكنني قرأته كله ومن الغلاف إلى الغلاف. لقد وصف الكتاب كنوزاً مدفونة في التصدعات الصخرية في كل مكان، ولقد اكتشفت الكثير منها في مناسبات اجتماعية. تفحصت التركمانية عندما ذهبنا لزيارة ابنة عم أم لافي، رخية، التي أنجبت مولوداً في ذلك الوقت. رأيتها لبضع مرات فقط ولم أعد أراها كثيراً في العيادة، ولأني ما كنت أذهب وحدي لرؤيتها، ولكن أم لافي اقترحت علي - إذا أردت - أن نذهب سوية. لقد كنت قلقة بعض الشيء من العواقب. وعرفت أنني إذا أعطيتها مبلغاً من المال، كهدية، سيحفر في ذهنها إلى أن ترده إلي، ولقد كنت حاملاً في الشهر السابع، وبدا لي أن الأمر قد يكون استثماراً وقحاً. «هذه هي طبيعة الفكرة«، شرحت لي أم لافي: «الناس هنا يساعدون بعضهم بعضاً عند الحاجة». وهكذا ذهبت تحت جنح حماتي إلى وادي التركمانية. جلس حسين على كتفي أمه وإحدى ساقيه متدلية على ظهرها والثانية على صدرها، وكانت ذراعاه ملتفة من حول رأسها وكأنها عصبة. ومشت بقامة منصوبة ممشوقة مرتدية مدرقة بالية، ولكنها نظيفة، وحذاء بلاستيكياً مشقوقاً، وبكل ثقة مشت دليلتنا إلى درب محفوف بالأشجار. مررنا ببناء المدرسة الإسمنتي والمؤلف من ثلاث غرف، وبعد قليل دخلنا إلى مرتع من أشجار الخيزران والدفلى ومنها إلى حديقة أعناب ورمان ومشمش مسيجة بأشجار الصفصاف والأثل، ومن هناك ظهر الوادي أمامنا. لقد تذكرت عندما رجعنا نعدو من بيثة على ظهر بغلنا، وأدركت لماذا لم أنتبه إلى المدفن. لم أكن أمتطي من قبل حيواناً، وفجأة بدأ العدو يشرح لي صدري وبدأت أتمتع بسلاسته وانسيابه، وشعرت أنني محظوظة جداً بأن أكون خلف محمد؛ لأتعلق به، وأن البغل كان قادراً على حملنا نحن الاثنين، وهذا ما انتبهت إليه في تلك المرة. عندما رأيت الكتابة أول مرة أصبت بخيبة أمل، فقد كانت الكلمات عريضة مسطحة، ولكنها متقنة، وعلى شكل إشارات مستطيلة لا تشوبها شائبة، ولكنها لم تتماش مع باقي واجهة الصخر المتلاشية. أما الكتابة في قاعة الاحتفالات والحديقة فقد مسحت على مر السنين من أثر سيل الشتاء، كما كان الجزء السفلي من المدفن يعاني من المصير نفسه بسبب أشعة الشمس التي حولته إلى هباء أسود. كانت عائلة الحاج نويجة، ذي والابتسامة التي أظهرت أسناناً حادة رقيقة ولحية صغيرة وزوجته رخية وأولاده التسعة يخيمون هناك، ولم يكن لديهم كهف كباقي الكهوف، مهيأ للسكن، فقد غمرت أرضه بالرمل العميق المنتثر والمسود من أثر الحرائق وزرب احيوانات على مر السنين. وكنت متأكدة أن أكوام الحجارة في الزوايا كانت تعج بالأفاعي النائمة. وفي فتحة في الحائظ الخلفي كانت هناك غرفة عميقة مظلمة حفظوا فيها أكياس الحبوب والطحين وتنك السمن. وكانوا سينتقلون إلى ما وراء جبال الشراه بعد شهرين عندما ينضج محصولهم على هضبة الفوجيج العالية. كنت أعتقد دائماً أن اسم الهضبة هو (الف جيج) وتذكرت الاسم بتخيل رقم ألف وكلمة جيش وهكذا (ألف جيش) يخيمون على الهضبة الضخمة العالية. وعندما اكتشفت أن كلمة فوجيج ليس لها أي علاقة بالجيوش، علقت الصورة في ذهني وحفظت الاسم. بدأت ثرثرة النساء الزائرات تتراشق حولي. لم يسمح لي أن أقوم بأي عمل. هل لأني كنت أجنبية وأزور رخية في مخدعها كبدوية حقيقية، أم لأنني كنت أحمل أول ظفل لمحمد، لم أعرف، ولكن العائلة كانت تعاملني وكأنني ضيفة شرف، ومنذ ذلك الحين كانت روح ضيافتهم تشعرني وكأنني كنز ثمين. لقد همت بعيداً عن الكتابة النبطية، نعم كانت جميلة، لكنها لم تأسرني. قد يقول لي الدارسون: إن الكتابة النبطية لها علاقة بالكتابة العربية والعبرية، وإن هذه الكتابة وجدت في سيناء والنجف والجزيرة العربية، ولكن أفضل ما قدمته لي النبطية هو تعرفي على محمد وقبيلته. جدايا، المنجمة بالرغم من تأثير عبارة «اللي يجي من الله، حيا الله«، بدأت أفكر ما معنى أن أرزق بصبي. لقد ظل خيال الأطفال المعوقين الذين اعتنيت بهم يحوم حولي، وكنت أصلي دائماً بأن أرزق بطفل يتمتع بصحة جيدة، ولم أكن أبالي بجنس الطفل، ولكنني عندما هنأت رقية على قيامها بالسلامة عندما رزقت بالمولود الجديد، قالت لي «المرة القادمة، دورك... صبي، إن شاء الله«، وهكذا قالت لي فاطمة ونورة لأن أدوارهما جاءت قبلي. لقد أزعجني هذا الشعور؛ لأن جميع النساء، وحتى البائعين عند الخزنة، كانوا يعتقدون أن الصبيان أفضل. كنت أعرف أن هذا ليس صحيحاً، وكنت دائماً أشغل نفسي - عندما تتاح لي الفرصة - كي أثبت لهم أنني أقدر أن أكون مثلهم تماما وأفضل. وفي عقلي الباطن كنت أريد أن أرزق ببنت لأثبت لهم أنني سأعاملها في الطريقة نفسها التي أعامل فيها الصبي، ولكن مشاعري كانت أكبر وأقوى من ذلك. وكأنني أحسست أنني سأرزق ببنت، اخترنا لها اسماً - سلوى - كان سمعه سهلاً لأذني الانكليزية وتقليداً وغير متداول. لم نجد اسماً لصبي. وفي أحد الأيام أوقفتني جدايا عند فم الوادي. كانت جدايا دائماً تضفي جواً جميلاً على حفلات الزفاف، فقد كانت تربط منديلاً بشدة حول وركها وتؤدي الرقص الشرقي على وقع التصفيق وطرق كؤوس الشاي التي كانت تضعها مقلوبة فوق أصابعها. كانت تلبس عصبة طويلة ذات لون فاقع، وتضع الكحل بكثافة حول عينيها، وعندما بدأت بالخياطة، جلبت لي بعض قطع القماش تكفي لخياطة أكمام وكانت تقوم بحياكتها على فتحة إبط ثوبها كي تبدو وكأنها تلبس فستاناً جديداً تحته، ولكنني في ذلك الوقت لم أكن أعرفها جيداً. لم أقابلها في العيادة؛ لذا استغربت عندما أوقفت حمارها المحمل بأكياس الحبوب ولوحت لي وقالت: «فاطمة». «كيف حالك، شلونك». وتبادلنا عبارات «كيف حالك» عدة مرات وقبلنا الوجنتين والأيدي. قالت لي بالعربية... «حلمت بنت، راعية غنم» لم أفهم في البداية ولكني بعد ذلك فهمت. كانت ابتسامتها حزينة ووضعت يدها على ذراعي تواسيني، وعندما أومأت برأسها ناظرة إلى بطني، كانت عيناها مليئة بثقة المنجمة العارفة المتأكدة. لم أقدر أن أفسر لها أن غريزتي كانت توحي لي بالمثل، وإذا بان ذلك على وجهي ربما ظنت أنها لم تفهمني. ليس باستطاعتنا إلا أن ننتظر ونعرف. سمِّيه عواداً وفي أحد الأيام تسكع محمد إلى كهفنا. لقد زارنا من قبل واسترجع ذكريات الماضي مع محمد. «هل تذكر عندما كنا نعمل في الحفريات قرب طفيلة عندما عانيت من حصى في الكلى وقيل لي: إن الجعة نافعة للتخلص منها. لقد مشينا عشرين كيلومتراً في الليل، لقد كنا حتماً مجانين». وافق الاثنان قائلين: «الحمد لله تعقلنا». وبدا عليهما أنهما راضيان عن أنفسهما. «هذا ما فعله الزواج بنا». ولكنه اليوم بدا مترددا بعض الشيء. وضعت فراشاً في الظل والشاي على النار. قال: إن زوجته أرسلته إلينا، وبدأت أتساءل إذا كان احمرار خديه الأملسين الممتلئين تحت بشرة وجهه الملوحة بالشمس، بدا أكثر احمراراً من الخجل. «حلمت أن ملاكاً أيقظها من نومها وقال لها أن تذهب إلى محمد عبدالله. «قولي له إذا أنجبت زوجته صبياً أن تسميه عوادا«، هذا ما قاله الملاك لها. حدث هذا منذ زمن، ولم تقل لي في البداية، ولكن عندما تكرر حلمها أرسلتني لأنها اعتقدت أن الأمر بات بالغ الأهمية». فكرت بصمت، إذا كان الملاك ملحاً إلى هذه الدرجة، كما قالت، فيبدو أنه كانت تأمل أن يرحل كي تنام نوماً هنيئاً بعد إخبارنا. ومنذ ذلك الوقت صليت أن تكون غرائزي صائبة. كنت سعيدة أن أسمى أم سلوى وأن محمداً سيلقب بأبي سلوى، ولم أرد أن أكون أم عواد وأن يكون محمد أبا عواد، لأنهم كانوا يسكنون هناك عند الحوض. معظم البدو لم يهتموا بهذه الأمور. فإذا حلم أحدهم باسم للمولود فإنهم يعدون ذلك الحلم علامة بركة. ولكنني كنت قلقة لأننا قد أنذرنا، فإذا جاءنا صبي، نستطيع أن نسميه عوادا أو نمضي بقية عمرنا خائفين من العقاب. وهكذا فقدت فرصة اختيار اسم بنفسي. مغامرة إلى وادي صبرا العديد من النساء قصوا حكايات تقول: إنهن وصلن إلى البيت برفقة الماعز وحزم الحطب وطفل جديد - مما يعني أنهم قد أنجبوا الطفل في التلال وألقوا بالمشيمة في مجرى الماء من أجل استمرار الذرية. هكذا كن يفعلن، يقطعن قطعة قماش من منديلهن ومن ثم يلففن حبل الصرة ويقطعونه بحجر على صخرة ما. أما أنا فكنت أعرف أن الأمور من الممكن أن تتأزم وتمنيت - إن شاء الله - أن أتمكن من الوصول إلى المستشفى عندما يحين وقت الولادة، وربما رحلتنا إلى وادي موسى ستثبت عكس ذلك. أنا هنا في البتراء منذ ما يقرب من السنتين ولم أزر وادي صبرا. سمعت أنه جميل وقرأت في كتابي عن وجود ينبوع صغير ومسرح آخر محفور في الصخر. كما أن محمداً لم يسبق له أن ذهب هناك. لقد سكنت عائلته شمال البتراء حيث كان يعرف كل دوب في الجبل وكل ظل شجرة وكل حرف نبطي، أما وادي صبرا فقد كان يقع في الجنوب حيث طريق القوافل القديم. الممتد من البتراء إلى مصر وغزة؛ وكان في الضواحي الجنوبية التي يسكن فيها عدد قليل من قبيلة البدول. لقد تكلمنا عن الذهاب إلى هناك عدة مرات، وافق علي وعلي، لاعبا الورق على الفكرة وقالا: «يوماً ما». ولكنهما لم يحركا ساكناً. ذهب علي إحدى المرات ليرعى ماعز أهله ولم تعجبه الآثار هناك، ولكنه كان يعرف موقع الينبوع، وكان مستعداً أن يدلنا على المكان. في أوائل آذار «مارس«، كنت في بداية الشهر التاسع من الحمل وأدركنا أنني سرعان ما سأكون أماً لصبي يجب علي أن أعتني به... وبعد ذلك سيأتي الصيف وسيكون الجو حاراً وربما يكون بعض الرعاة قد سبقونا إلى هناك، فقررنا الذهاب في اليوم الثاني. وفي الفجر تعرضت لإسهال شديد وأصبح جسدي ضعيفاً من كثرة الذهاب إلى بيت الخلاء، وعندما وصل الباقون كنت أشرب «البيثران» وهو صنف من أعشاب الصحراء يشرب للعلاج، ولكنه مر كالعلقم وطعمه كريه جداً؛ لذا، كان لابد أن يكون شافياً! كانوا مستعدين أن يرجئوا المغامرة ولكنني لم أكن مستعدة أن أرجئ، وعرفت أنه ربما لن تسنح لنا الفرصة أن نقوم بهذه الرحلة، فجمعت قواي وسرج محمد الحمار وحمله بالمؤن. منذ ليلة كنت أريد أن ألد طفلي في المستشفى، وفي الليلة الثانية، أردت الذهاب إلى مكان معزول بعد ما أصبت بمغص حاد. قد يبدو هذا الأمر حماقة عمياء، ولكنني أعتقد أن الوضع هنا كان مختلفاً. لقد كانت تلك الحماقة العمياء تعني أن حياتي ستكون جيدة وأن المغامرة ستكون حتماً ممتعة. لم أعبر عن أفكاري أنني كنت قوية وصحتي جيدة، وأنني لست على وشك الإنجاب، لكن أفكاري كانت غريزية وصادقة. كان علي، الذي كنت ما زلت أتكلم معه بالإنكليزية والذي كان محمد، عندما يسأم، يصارعه بقوة، قد تزوج حديثاً. ولقد جاء بزوجته راوية من مصر. (وهنا القسمة والنصيب - لقد تدبر أن يجد لنفسه أحداً يطابقه تماماً). كان عمرها خمس عشرة سنة وبراقة العينين، وكانت شجاعتها كافية لتحمل رحلة الطيران من مصر إلى هنا لتبدأ حياة جديدة مع زوج قابلته للتو، كانت مستعدة للقيام بأي شيء. لم يعد علي سائق تاكسي، ولكنه كان ما يزال أعزب، استعار حماراً وجلب معه الناي. في البداية ركبنا أنا وراوية سوية، لم أشعر برغبة في الكلام، ولقد أدركت هي أنني لا أفهم لهجتها ولكنني كنت أقرأ تعبير وجهها، فهي لم تفهم حقيقتي وما كنت أمثل. ابتسمت وبدأ شعوري تجاهها يتحسن. كان الشباب يغنون ويضحكون ويتوقعون أنني سأتوقف في أي دقيقة لأذهب إلى الخلاء. كانوا يضحكون بطريقة هستيرية وضحكت معهم. ذهب المغص وفرغت أمعائي من كل شيء. بدأ الدرب عبر الصخور البيضاء يضيق، وكان يجب علينا أن نترجل للصعود إلى «السطوح». وبعد ذلك امتطينا الحمير ثانية، وكنت أنا وراوية نتعلق بظهور رجالنا وعلى يغني عن امرأة يتمنى أن تتعلق به يوماً ما. درنا حول الأرض المحروثة في السهل العالي. وفجأة بدا لنا منظر راس صبرا من الأسفل. جلسنا لنأخذ قسطاً من الراحة. هناك صورة فوتوغرافية صفراء، أظهر فيها ببطني الضخم ومعي طاقم غريب من الأوائل، ومحمد هو وبندقيته «الكلاشينكوف» غير المرخصة. كان راس صبرا رأس واد على شكل حرف اليو بالإنكليزية. كانت أطرافه سلسلة من الحجارة الرملية الشامخة التي قل ارتفاعها عندما انحرفنا تدريجياً إلى الغرب. كان الموقع من الداخل أكثر خضرة، أشجار العرعر ونبات العلقم وشجر الأثل، تعلقت بأطراف الوادي البعيد، وكان المسرح في المنتصف تقريباً ولم يكن مرئياً من حيث كنا ولكنه بدا كخيال أسود. وبينما كنا نختار الطريق الملتوي المؤدي إلى صبرا بدأنا نشم رائحة زهر الرتم. ومشينا في بطن الوادي العميق. كم أحببت المكان عندما كان علي يعزف الناي ولزم الآخرون الصمت كي تملأ الموسيقى الهواء المحيط برأسي. وبدأ الوادي يضيق وارتفعت المنحدرات الحمراء فوقنا. وفي منتصف النهار عثرنا على ماء راكدة تحت أشجار الدفلى الضخمة، واندفع علي يبحث بين الشجيرات عن الينبوع. ربطنا الحمير وتبعناه وبدأنا ندفع بالشجيرات لنكتشف ماء يسيل قليلاً، قليلاً من الدرجات الصخرية للمسرح الصغير، وكانت بعض النباتات تترعرع عليها وتأكل بجذورها المقاعد. واستلقينا قليلاً على الدرجات الفخارية وكأننا .جمهور غوغائي عند قاعدة المنحدر الرملي الحجر. كانت السماء زرقاء وغلب تغريد العصافير الصمت. أحاطت بنا روعة مهولة، عرضاً خاصا لنا. كم كان المجيء إلى هنا فكرة صائبة. شاركت الآخرين بأكل الشراك، أما السردين فلم أكن قادرة على أكله بعد. كان الشاي لذيذاً. ذهب محمد وعلي؛ ليريا إذا كان هناك أحد؛ ليبيعنا عنزة نشويها للعشاء، ولكنهم ما لبثوا أن عادوا وقاموا بوضع السراج على الحمير، لننطلق من جديد. «هناك شخص مجنون، لقد هددنا ببندقية! لن نبقى». اعتقدت أنها مزحة فقلت: ألم ير أنكم بدو؟ هل أنت متأكد أنه لم يدعوك إلى شرب الشاي؟ أم إنك تحزم أمتعتك لتذهب هناك لأكل المنسف»؟ «بالعكس، لقد اتهمنا بأننا يهود». «هيت لك! قلت لهم غير مصدقة، مع أننا كنا بصدد الرجوع إلى الوادي. «ليس الأمر سيئاً إلى هذا الحد». قال محمد: «لا أريد أن أمتحنه، لو لم يكن مجنوناً لما أسكن عائلته هنا». «ولكن إسرائيليون؟» «حسناً، في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات كان هناك قتال في تلك التلال؛ لذلك كانت النساء تهرع إلى داخل الكهوف عندما يسمعن صوت المروحيات. لقد كان بعض الإسرائليين يقطعون الحدود مشياً على الأقدام وكانوا يحاولون الدخول إلى البتراء عبر الجبال، وكانت هناك بعض المناوشات وتوفي بعض البدو. لم يعد هناك مشاكل هذه الأيام ولكن هذا الرجل حتماً مجنون ولديه سلاح فليس هناك مجالاً لمجادلته». تتبعنا أثرنا راجعين إلى راس صبرا، وعندما حل المساء خيمنا في مذنب ضيق باتجاه الشمال تحت جسر نبطي ينضب بالماء النقي. كنا نشرب الشاي وكانت البطاطس والخبز المدور تخبز في النار عندما ظهر علي من الظلام، بادياً عليه القلق وقال: «يبدو أنها ستمطر». تبعناه خروجاً من ضوء النار وحول الصخرة. وافق محمد وعلي فقد كان اختلاج النور المتقطع الآتي من الجنوب ينذر بالشر، كما وافقوا أن المسافة طويلة جداً إلى الأرض المحروثة للتمكن من إيجاد مأوى قرب منصب الأفعى. هتف الجميع: «ياالله» وكأننا لم نأخذ كفايتنا من الإثارة ليوم واحد. وتحت ضوء النار لملمنا أشياءنا المبعثرة، ولحسن الحظ كان الخبز جاهزًا فلفته راوية في كيس سكر ووضعته في كيس السرج، أحصيت خمسة كؤوس وإبريقاً، ووضع الشباب السروج وحملنا فراشنا وبضوء الولاعة تفحصنا المكان علنا نسينا شيئاً ومن ثم انطلقنا في عتمة الليل. بدأ علي يغني مشجعاً إيانا على الخروج من الوادي إلى الهضبة وفي قلب الريح. كان من الصعب المشي على الأرض المحروثة، وكانت الحمير تتعثر أيضاً فلم نستطع أن نمتطيها. وكان الظلام شديداً. كان محمد يقود حمارنا، وتمسكت بشدة بطرف السرج الخشبي كي يرشدني إلى الطريق ويخفف من حملي. تعثرت كالعمياء البدائية على السطح المحروث، وكانت قدماي كأنها أحذية تلاطم أمواج البحر، ترتطم بقمم الموج وتسقط بين المنخفضات. كنت عملياً أجري، وكنت أضحك بصوت خافت عندما أتخيل تكشيرة محمد عندما صرخ في وجهي قائلاً: «أنت من أراد هذه المغامرة»! بدأت العاصفة تهب بسرعة، وكان صوت الرعد يحث الحمير على المنشي. وكان وميض البرق يضيء الأرض كلها من جبل هارون إلى جبل البرا وجبل انمير وجبال الشراة، وكنا في منتصف الطريق إلى الهضبة، وفي ثوان معدودة خيم الظلام على كل شيء وأصبحنا لا نرى شيئاً، بل نسمع هدير الرعد من كل جانب. وأخذنا نتعثر ونشجع بعضنا قائلين: «ياالله مش بعيد». شعرنا بالبرودة من الريح الرطبة، وأصبح البرق والومض من حولنا كأنه عرض ألعاب نارية براقة سماوية يصفق لها الرعد. وبعد ذلك سرنا فوق الصخور وبدأت أشم رائحة الروث والدخان... الحضارة أخيراً! وبينما بدأت بعض حبات من المطر تتساقط مع الريح أظهر لنا البرق كهفاً مفتوحاً على مصراعيه. كم فرحنا، وبدأت راوية تزغرد على الطريقة المصرية بينما هرعنا إلى داخله مع الحمير ومع كل شيء. لقد كان الكهف كبيراً ومحمياً من الرياح بسبب اتجاهه الجنوبي. وكانت هناك كومة من الحطب الجاف. وقمنا بإشعال النار حتى نتمكن من الرؤية، وبدأ المطر ينهمر ويضرب الأرض بقوة، بينما كنا نتناول العشاء. كلنا شعرنا بالارتياح، صليت وشكرت حمودة؛ لأنه جلب لي البيثران، وللنبطيين؛ لأنهم حفروا الكهف، وللذين سكنوا بالقرب من المكان وخزنوا حطبهم في الكهف، وللحمير؛ لأنها أوصلتنا إلى هذا المكان بالسلامة عبر الحقول دون أن يكسر لنا أي ضلع وقبل أن ينزل المطر، وحتى للبدوي المجنون الذي تقاتل معنا لنخرج من وادي صبرا حيث لم يكن هناك أي مخبأ، ولله الذي رعى المشهد كله. فرشنا على الصخور، واستلقيت أنا ومحمد والطفل في أحشائي، ونمت على سماع صوت حبات المطر ورائحة الأرض المبتلة، كل هذا بعث في نفسي الراحة، لم يكن هناك مكان أفضل من هذا أتمنى أن أكون فيه. سلوى - فخرنا واعتزازنا لم أكن متأكدة من تواريخي، فلم أحتفظ بتقويم أو دفتر مذكرات، ولكنني ذهبت إلى الطبيب في المستشفى الإيطالي، وقال لي: إن موعد الولادة سيكون في بداية نيسان(أبريل). حزمت حقيبتي وكنت أتدرب كل يوم على التنفس والاسترخاء. لم يحدث بعد شيء. وفي ذات يوم بعد الظهر دعا محمد واحداً ومن السائحين الأردنيين - الذين قل ما يأتون إلى البيت - لشرب الشاي، وعندما رأى بطني قال: إنه طبيب توليد وقدَّر عدم تأكدي من التاريخ، ولكنه قال: إنه يجب علي ألا أنتظر طويلاً، لأن الوضع قد يصبح خطيراً. «إدا لم تشعري بالطلق الأسبوع القادم تعالي إلى مستشفى البشير. والتفت إلى محمد قائلاً أنت تفهم الأمر، أليس كذلك؟ الأمر مهم جداً» كان الأسبوع القادم غير حافل بالأحداث، فإنني لم أشعر بالطلق الخفيف والذي كان النساء يتحدثن عنه عندما يقترب موعد ولادتهن. لم يمض محمد وقتاً طويلاً في الخزنة تلك الأيام. «هل تشعرين بخير؟ هل تريدين الذهاب إلى عمان«؟ لم نعد جاهلين والحمد لله. «هل ما زال الطفل يتحرك«؟ بدت الأمور على ما يرام ولم تتغير، وقررنا أن نذهب في الرحلة الباكرة إلى السق للتأكد. ركبنا الحافلة وبدأنا الرحلة الصعبة المتعبة. كان طبيب التوليد يعمل في مستشفى البشير العام الرئيس في جنوب عمان في منطقة أغلب سكانها فلسطينيون وقريبة جداً من كراج الجنوب. لقد كان طبيباً جيداً كما وصف نفسه، فقام بتصوير أشعة لي وأعطاني مصلاً لتحريض الولادة. لم يحدث شيء، فقط شيء خفيف مما سيحدث ولكن أبطأ من المتوقع؛ لذا نزع الطبيب المصل وأدخلني إلى جناح المرضى قبل أن ينهي دوامه. استمرت خلجات الوجع كل الليل وبدأت تشتد وتتابع في الصباح وعندما فقدت ماء المشيمة، أخذتني ممرضة إلى غرفة الولادة وأعادت تركيب المصل. عدة ممرضات أحطن بي وطلبن الطبيب المناوب، الطبيب بسام. لم أدر أكنت محاطة بكل هذه الأهمية لأني كنت ألد طفلي الأول أم لأنني كنت أجنبية. لم أكترث، فلقد رأيت امرأة بدوية سمراء قصيرة، دخلت إلى الجناح في الصباح وكانت صرخة وليدها الأولى هي التي نبهت المرأة التي كانت برفقتها أن تنادي الممرضة. لقد علمتها التقاليد أن تبقى هادئة. لم يكن عندي أي تقاليد أتبعها، فقد صرخت بصوت عال ووضعت طفلتنا التي بكت بصوت عال أيضاً، وبعد سماعي لصوت آلة الشفط، أطلت علينا البنت التي كنت أتوقعها. أخذت إلى غرفة الأمهات الجديدات. ووضعت في مهد صغير إلى جانب سريري، أما الأمهات الأخريات فقد وضعن أطفالهن إلى جانبهن في السرير. رقدت طفلتي وكانت صامتة ونائمة، لم تبك (جاء البكاء لاحقاً)، لم يكن وجهها أحمر، كانت كاملة. كان محمد جالساً هناك وبيده الزهور ليقول لي الحمد لله على السلامة. ولقد تأثرت بأنه فكَّر أن يجلب لي باقة زهور من مدينة لا توجد فيها الكثير من محلات بيع الزهور، أكثر من فرحي بالباقة نفسها؛ فالعرب عادة يهدون مالاً. لقد كان يدلل الأجنبية ولم يبدِ أي خيبة أمل بأنه رزق ابنة. وبعد الظهر جاءني بعض الزوار. جاءت لين الأمريكية التي أتت لتعمل في حفريات البتراء وتزوجت من مفتش الآثار وكانت تسكن قريباً من المستشفى ومعها أخت زوجها، وجلبت لي (ثيرموس) من شاي القرفة. وجاء كيفين وأنيس من المدينة. أعجبني حماسهم ولكنني قلقت بعض الشيء عندما سألني كيفين: «هل أستطيع أن أحملها»؟ فقد أدركت أن محمداً لم يحمل ابنته بعد، ربما لم يفكر بهذا الأمر لأنه ترعرع في بيئة لم ير الآباء مولودهم لأربعين يوماً، فكيف سيفكر بأن يحملها. ولكنني لا أعرف لماذا لم أفكر بهذا الموضوع. لقد كانت فكرة جيدة، فبدأ كل واحد يحملها بدوره، أخذت لمحمد صورة وهو يبتسم، وكان هذا إثباتاً أن محمداً يوافق كلياً على بعض من تقاليدي. نمت جيداً تلك الليلة، وفوجئت في الصباح عندما وجدت أكثر من أم وعدة أطفال يرقدون في سرير واحد. لم يتذمر أحد. في الحقيقة كن مشغولات بقص حكايات المخاض والولادة، وكن يهنئن الأمهات المراهقات بصبي بكر، ويواسين أماً لديها خمس بنات وقد أجهضت صبياً للمرة الثالثة. كان الزوار يأتون من كل حدب، وامتلأت الغرفة بالصراخ «مبروك» الحمد لله على السلامة«، ورأيت الجدات الفلسطينيات والأمهات والحموات يلبسن أثواباً مطرزة بأجمل الألوان، ويضعن أغطية بيضاء مطرزة باليد بالزهور، وكن يتشاركن الطعام المهيأ في البيت والبابونج وشاي القرفة. وقد من الحلويات والشوكولاتة باحتفال بهيج. عناية ما بعد الولادة في اليوم الثاني ركبنا الحافلة واتجهنا إلى البيت، واستأجرنا شاحنة صغيرة لتأخذنا إلى البتراء. وعندما اقتربنا من أسفل الكهف بدأ البدو يتواردون إلينا. وفي الداخل مددت يدي لأجلب فراشاً، فأتت أم صغيرة في السن كانت تسكن في خيمة خيش بجوارنا، واستلمت الوضع. وضعت فراشين جنباً إلى جنب وقالت لي «أليس عندك فرشة صوف؟ إن فرشة الإسفنج هذه ستؤلم ظهرك. ضعي الطفلة إلى جانب الحائط لتحميها - لا تستلقي هكذا يجب أن يكون اتجاه رأسك إلى الغرب وليس الشرق». عرفت أن هذا الأمر سيكون عملاً شاقاً. وسرعان ما وصل عبدالله باسم الوجه قائلاً إن المولود الذكر هو الأحسن ولكن البنت رائعة أيضاً. كانت سلوى الجيل الثاني، فقد كانت حفيدته الأولى وحفيدة والدي الأولى، كما كانت أيضاً أول ابنة حفيدة لجدتي. (كان محمد قد أرسل برقية إلى أهلي من عمان). أتت حماتي بفرشة الصوف، ولكنني لم أستسلم لها، فقد كنت معتادة على النوم فوق فرشتي، وكانت فرشة الصوف قاسية وليست بالطول الكافي. «لماذا لم تأخذي أحداً معك إلى عمان؟ ماذا لو أنجبت في الطريق؟ لم أرد أن أشرح لها عن التحريض؛ لذا تجاهلت تأنيبها». «لم تأخذ أحداً وكل شيء تم على ما يرام». عندما أشعل الرجال النار، أزالت قطعة بخور من طرف عصبتها وأحرقتها، فتتها على الفحم الموضوع في صحن حجري مسطح وأخذت تلوح الدخان في كل أرجاء الكهف. حالما وصلت أم محمود أشغلت نفسها بإعداد الشاي، أما محمود وأحمد فأرادا أن يريا الطفلة. «أين الدقيق؟» بدأت طفلة تعد العشاء. أما علي وراوية فوصلا مع فراشهما. وقف علي مع الرجال حول النار في الخارج وبدأت راوية تنظف العدس لتحضير الرشوف. وبدأت سلوى بالبكاء وبدأنا نصارع بالثديين. كان علي أن أشق مدرقتي من الأمام إلى الخصر كي أصل إليهما. انتزعت أم لافي شال طفلة الذي كان يلف رأسها ووضعته فوق ثديي والطفلة لتحميها من العيون الخطرة. وضعت الأم الصغيرة طفلها لينام على فراشي وبللها في الحال. انقبضت وكان باقي اليوم بالنسبة لي مبهماً. ذهب جميع الزوار في وقت متأخر بعد العشاء، ولكن طفلة بقيت كما بقي علي وراوية لمدة أسبوعين. كان بقاؤهما لا يقدم ولا يؤخر، فقد جاء الجميع للزيارة، النساء والرجال ومعظم الأطفال أتوا من البتراء. جاء معظم الرجال بعد الظهر. لم يكن كهفنا مهيأ لانقسام الرجال عن النساء، فكانوا يدخلون إلى الكهف ويصافحونني ويعطونني بعض المال، ومن ثم يخرجون ويقفون حول النار. وكانت النساء تأتين في الصباح ويلبسن أفضل ما لديهن، مجملات بزيت الزيتون، وكن يبقين طوال النهار. كانت الأمهات تموه جمال أطفالها لحمايتهم من الحسد؛ فكن لا يسرحن شعورهم ويلبسونهم ثياباً رثة. احتلت النساء والفتيات المطبخ، وسيطر الأولاد على باقي المكان. كنت أكز على أسناني وأبقى على فراشي. أصبح الكهف حاراً جداً بوجود الجميع، وكان معظم الناس يدخنون، فامتلأ الكهف أيضاً بالدخان.كنت أنا ومحمد والشباب ندخن علب سجائر، وكنا قد تعودنا على قليل من الدخان في الكهف، ولكن السيدات كن يدخن «هشي» (مستخرج من النبات) وكن يلففن التبغ في ورق ولم يكن مصمغاً، فكن يبللن طرفه؛ كي يلتصق. كان التبغ عبارة عن أوراق مفتتة، فكان الكثير منها يقع خلال عملية اللف، كما أن الثقوب في أثوابهن أثبتت أن المزيد من أوراق التبغ كانت تقع بينما كن يدخن. وكانت أرض كهفنا إسمنتية خشنة، وأصبح كل شيء يسبب الإزعاج. جلب الجميع شيئاً عندما كانوا يأتون، السمن واللبن والمال والبيض، وكان هناك فائض من كل شيء. لقد جلبت رقية سمناً بقيمة أكثر بكثير مما أعطيتها من مال. أما طفلة فقد أفرغت جميع القناني البلاستيكية وطاسات الألمنيوم وتذكرت أصحابها. في اليوم الخامس كان لدينا مئة وعشرون بيضة مع أننا قلينا الكثير منها مع السمن لوجبة الإفطار. لم ألف سلوى كما يلفون أطفالهم. كانوا يلفونهم بلفافات متأنقة ويشدونها عليهم، وقد ذكرتني تلك اللفافات بالعرائس القديمة المصنوعة من ملاقط الغسيل التي كنا نلعب فيها عندما كنا صغاراً، لم يتحرك شيء من جسدهن إلا رؤوسهن. لم أرض أن أقلدهم، فقد دبست حفاضها وألبستها سروالاً من النايلون وبيجاما واسعة وجعلتها ترقد على معدتها، وأغلقت أذني عن كل التعليقات التي قد أسمعها. وقالت لي أم لافي: إنه يجب علي أن أنتبه من العيون الفارغة. أصرت قائلة «يجب أن تغطيها طوال الوقت». لقد كن يلبسن أطفالهن قبعات من البوليستر محاكة باليد لها كشكش مثنى ويثبتن عليها قطع قماش كغطاء للوجه الذي كانوا يسدلونه لحماية جمال أطفالهن أو يرفعونه عندما يردن أن يتقاخرن بجمالهم. كان هذا طبعاً يعتمد على العيون الموجودة في الغرفة، ولكنني لم أرد أن أفعل أي شيء من هذا القبيل؛ لأني لم أؤمن بهذه المعتقدات. «سألت النساء أم لافي هل لديها «كباس«؟» فقد اعتبرن أنه من واجب الحماة أن تتأكد بأنني أفعل ما يجب فعله. أكثرهن لبسن خاتماً فضياً أو ذهبياً وكان لجميع الأطفال «كباس» (وكان الكباس عبارة عن أحجار عقيق ذات أطراف مسطحة وله قوى عجيبة) وكن يعلقنها على قبعات الأطفال أو يصنعن منها عقداً ذا سلسلة من القماش. كن يقلن: إن كل الأمور من الممكن أن تكون خطرة للغاية إذا لم تحم سلوى، وأدركت أنه من السهل جدا أن أقول أنها محمية، ولكن كان من الصعب علي أن أفسر لهم بعوبيتي المحدودة، والتي كانت تتحسن يوماً بعد يوم، أنني لا أؤمن بهذه القوى. ولكنني على كل حال آمنت أن هذه الأشياء لن تؤذيها فوضعت خاتم زواجي الذهبي وخاتمي الفضي وكباس أم لافي الثمين في خيط ودبوس وعلقته على بطانية سلوى. ولكي أنعم بالسلام وضعت شبرية تحت وسادتي؛ وذلك لحماية رمزية. كانت أم لافي قد وصلت في الصباح الذي وجدت فيه حبل الصرة في حفاض سلوى ولم تسمح لي أن أرمية في القمامة. «هل تريدينها أن تصبح قمقماً؟ سأقول للافي أن يرميه في المدرسة، وهذا أفضل مكان له حتى تذهب إلى المدرسة عندما تكبر». وبعد سنوات، أسر لي هارون صديقي الشاب الذي كان تلميذاً عندما ولدت سلوى، أنهما تسلقا، في كثير من الأحيان، مع زملائه إلى سطح المدرسة ورميا كل الأقمشة الملفوفة بالجلد اليابس إلى أبعد ما يمكن فوق شجيرات الدفلى. ولم يمنع هذا الأمر، سلوى، من الذهاب إلى المدرسة. أتت نورة ووضعت الكحل على رموش وحاجبي سلوى كي تصبح فيما بعد جميلة وسميكة، أردت أن أمنعها ولكنها كانت سريعة وواثقة مما تفعل ولم أجرأ أن أمنعها. لقد كانت نورة هكذا في كل شيء، مع أنها ترعرعت في خيمة في بيثة فلقد سكنت في المدينة عندما خدم زوجها في الجيش؛ لقد اكتسبت مهارات فنية عالية. كان بيتها دائماً غاية في النظافة؛ وكان لبنها أبيض دون أي شائبة أو غثاء أو شعرة ماعز؛ وكانت تخبز شراكا رقيقاً، وكانت تطبخ (شيش برك: عجينة، بشكل جيوب صغيرة محشوة بدهن ذيل الماعز وتطبخ في اللبن) (وبازينا: معكرون دوي بنكهة الجبن) وكانت تأتي لتستعمل الماكينة لتحيك فساتين لبناتها كي تلبسهن للمدرسة، ولقد كانت صديقة طيبة للمرافقة، وخاصة إذا كانت إحداهن تريد أن تذهب إلى المستشفى لتلد أو تحتاج لربط حبل صرة وليدها. وأما الآن فقد وضعت عود كبريت بين أسنانها؛ ليصبح أملس ومن ثم أدخلته في حبة بصل كي يصبح طرياً وبعد ذلك وضعته في الكحل. لم تصب سلوى بالعمى، ولكنني لم أستطع أن أتخلص من اللطحات السوداء على القمصان البيضاء الثمينة التي اشتريتها من محل داكن في أحد شوارع عمان الخلفية. ومر شهران وبدأ يظهر للبدول أن سلوى لم تكن تترعرع كما يجب، بالرغم من كل الاحتياطات وكانوا يسمون هذا الأمر بالمكبوس. «ماذا يجري لابنتك؟ إنها صغيرة جداً. لابد أنه قد جاءك زائر نجس. (إما سيدة في المحيض أو الأسوأ من ذلك، رجل لم يقم بالغسل بعد الجماع)» هل جربت العدس؟ لم ينشغل بالي، فعندما ولدت كان وزنها ألفين وسبع مئة غرام ومع أنني لم أزنها فقد كنت ألاحظ أنها تنمو وكانت تبدو أكبر، وقد بدأت ترفع كتفيها من على البساط وتقلب على ظهرها ولكنها كانت تبكي كثيراً، وعند ذلك كنت أرضعها، وعندما لم أعد أتحمل بكاءها كنت أعطيها لأحد أعمامها ليأخذوها في نزهة. أطلعتني إحدى السيدات على العلاجات المستخدمة للطفل المكبوس، وكالعادة كان من الأسهل إلي أن أصغي إليها، وكان العلاج أن أنقع عدساً أسود طوال الليل في الماء، وبعد ذلك أغسلها في ماء النقع، وكانت حيية قد لفت طفلها ذا العام الواحد في جلد ماعز جديد، ولكن حالة سلوى لم تكن سيئة إلى هذا الحد بنظرهم. أتت جدايا بقلادتها ذات الخمس عشرة قطعة من الذهب الخالص منظومة في حبل أسود (كانت أثمن من جميع ممتلكاتنا). قالت: «ضعيه في وعاء فيه ماء ودعيه كل الليل تحت ضوء النجوم. وفي الصباح اغسلي ابنتك بماء النجوم«، هكذا كانت التعليمات. لقد تأثرت وقلت لها «شكراً» وكنت مسرورة أنني سأقفل عليه الخزانة لبضعة أيام فقط؛ لأكون مؤدبة. كنت قلقة على وجود القلادة في كهفي، فكيف إذا بقي في الوعاء خارج الكهف وتحت النجوم! بدأت أشعر بأن سلوى تبدو جائعة فبدأت أطعمها. وجدت في الصيدلية في معان طعام حبوب الأطفال «ميلوبا» الخاص لعمر العشرة الأسابيع الأولى، وسرعان ما بدأت تشارك الكبار الطعام الحقيقي، فبدأت تلعق وتشرق الفتة وعصيدة الأرز من أصابعي، وكنت أنقع الشراك في الشاي المحلى وأطعمها ولم تمانع. وبعد عدة شهور وعندما زرنا أقارب محمد في رأس النقب قالت له عتيقة عن حلمها «وزوجتك كانت تحمل إبرتي حياكة مما يعني أنها ستنجب صبيين«، فقد كانت الإبر تمثل الذكور. عندما أخبرني محمد ما قالت، قلت له: «حسناً، أتمنى ذلك، فجميل أن نرزق ببنت وصبيين». وكم ارتحت عندها قال لي «نعم، أمر جيد». فقد كنت أخاف أنه كان يريد أكثر من ثلاثة أطفال. ساعات دوام مرنة كان يحق لي أن آخذ إجازة أمومة لمدة أربعين يوماً بعد أن ولدت سلوى، ولكن بعد أن عدنا الى البيت ببضعة أيام، جاءت سيارة المستشفى «اللاند روفر» وتوقفت أمام كهفنا. جاء الطبيب بمحمد من الخزنة لينظر في قضيته. بما أنني كنت المسؤولة عن كل حبة في العيادة، كان يجب علي أن أذهب لأفتح الكهف أو أحرم الناس مدة أربعين يوماً. فانتظروا حتى جهزت نفسي وطفلتي وذهبت معهم. كانت هذه نهاية دوامي الروتيني في العيادة. فمنذ ذلك اليوم بدأ الناس يتوافدون إلى منزلنا عندما كانوا بحاجة إلي، وفي يوم الثلاثاء كنت أفتح العيادة وأنتظر في الوادي زيارة الطبيب. كان هذا الوضع مناسباً للجميع، فلم أضع ساعات في الانتظار، ولم أبال إذا أتى المرضى إلى بيتي، لقد قدمت لهم العناية التي كانوا يحتاجون إليها عندما كانوا بحاجة ملحة إليها، حقنتان في اليوم حسب الوصفة، بعض الضمادات يوم الجمعة، إذا كان ذلك ضرورياً، وبعض الأدوية في الليل عندما كانت صيدلية المستشفى مغلقة، وطالما كانوا يأتون بوصفة طبية وسيارة تقلني في الذهاب والعودة، كنت دائماً جاهزة. وبعد بضعة أشهر انتشرت عدوى الحصبة، وكان الكثير من المرضى يحتاجون لحقنتين بنسيلين في اليوم الواحد، وكان أكثرهم لا يستطيعون أن يتحركوا من شدة المرض، فبت أزورهم في البيت أيضاً. تمنيت لو أنني كتبت كل هذه الأمور على ررقة وعلقتها على باب العيادة، لقد أصبح تعلمي للقراءة لا معنى له؛ لأن أكثر الناس كانوا لا يقرؤون. كان الناس يعرفون الأخبار بواسطة ما تتناقله الألسن، وبينما كنت أدور متعبة في الوادي أضمد المرضى عند سفح التل كنت أعمل على حسين لغتي المحكية. الكهوف والخيام لقد استمتعت بالمعاينات المنزلية. كان الناس مختلفين عن بعضهم، وكان هذا أمراً يثير اهتمامي، وخاصة مشاهدة كيف كانوا يهيئون مساحاتهم، خياماً كانت أم كهوفا. كان لأبي شاهر، والد فاطمة (التي سمتني باسمها) وبنات أخريات فخورات، كهف جميل مميز وكم حسدته عليه. فقد كانت له نافذتان كبيرتان من ألواح الزجاج على جانبي الباب. وكان للكهف أيضاً ساحة أمامية صخرية وأرض إسمنتية ملساء. تذكر محمد أنه كان يعيش فيه عندما كان صغيراً، فقد شارك والديه ذاك الكهف مع ثلاث عائلات أخرى، عاشت كل منهما في زاوية. ولكن أبا شاهر الآن لديه عائلة كبيرة وكان يسكن فيه وحده. كانت الأغطية والمخدات دائماً غاية في النظافة، وكانت هناك دمى تتدلى من رفوف وراء باب زجاجي لشيء ما يشبه الخزانة. وكانت هناك صور معلقة في حلقات مثبتة في الصخر ذات إطارات مذهبة. صورة أبي شاهر عندما كان شاباً في لباس الجيش، وصورة أخرى لعائلته الصغيرة عندما كان له فقط أربعة أولاد، أخذوا كلهم عند المصور عندما كانوا يسكنون في عمان، وصورة أخرى كبيرة للملك حسين. وكانت الحقائب مرفوعة فوق سرير بمحاذاة الحائط، مقفلة دائماً خوفاً من تسلل العقارب. وإلى جانب الباب كان هناك مطبخ صغير وفي وسطه حفرة للنار في أرض صخرية مكنوسة، وعلب خشبية سوداء من جراء التعرض للدخان على مر السنين، تستعمل كرفوف لأواني الألمنيوم والصحون المطلية بالميناء. وفي الخلف كان هناك سرير آخر وضعت عليه أكياس الدقيق والسكر والأرز. كان هناك أيضاً كهف آخر أكبر من ذاك فيه متسع لبراميل الماء وقدران، يتسع أحدهما لعنزتين والآخر لثلاث عنزات، وأكياس من الحبوب وحمار تعيس. وفي الصيف كانوا ينصبون خيمة من قطع شعر الماعز المحاكة والمعتنى بها، على الطرف المسطح من حافة التل الصخري. كانت بيوت الشعر مناسبة جداً لمتن الجبال في البتراء في موسم الصيف. فكان الغطاء الخلفي للخيمة «رواق» يفتح ليدع الهواء يدخل عبرها، وكانت توفر الظل البارد. وفي وقت متأخر من بعد الظهر والمساء يتناقص عمل تلك الخيام إلى مجرد مكان لجلب الفراش أو الماء. جلسنا في الأمام في منطقة الشفق وضوء القمر. وأما العائلات التي لم يكن لديها كهف قريب لتخزين الماء أو لإيواء الماعز استخدموا خيامهم بشكل تقليدي. فكان جزء منها «السق» حيث يستقبل الزوار وحيث يجلس الرجال في النهار، وبعض الأحيان كان الشباب والرجال يأخذون فراشهم ليستلقوا هناك. القسم الأوسط كان يسمى «الحريم» وكان للنساء والأطفال، حيث كانوا يعيشون وينامون، وأما القسم الخلفي فيترك للماعز، وإذا كانت في طور الولادة، فكان المكان يترك للأطفال ليتظللوا به ولحفظ اللبن وتنكات السمن. وفي البتراء، وإذا لم يكن هناك ضيوف من خارجها، كانت الحدود سلسة جداً، فكانت النساء يجلسن مع رجالهن والأولاد في حضن آبائهم، وأما الماعز فكانت تَرُمُّ أينما شاءت. وفي الخريف عندما كانت الرياح الشرقية تهب من صحراء الجزيرة العربية كنا ندخل أسرتنا إلى الداخل كي لا نطمر فوق حافة الجبل، وكنت أستيقظ في الصباح فأرى خياماً هابطة فوق متن الجبال التي تقابلنا. كانت الرياح تثير غيوماً كبيرة من الرمل وتطيرها في الوادي وترفع الخيام الثقيلة وأوتادها وترميها من جديد على الممتلكات والأهالي. وعندما هدأت الرياح الشرقية تفاقمت حرارة الجو، ولكنني أخذت سلوى لأرى كيف كانت الأمور يجري مع أهل زوجي. قالت أم لافي «الحمد لله» لم يصب أحد بأذى من السواري التي سقطت، وكانت لها البصيرة أن تخمد النار وأن تغطي حفرتها بالصاج. ولقد سمعت مرة أو مرتين أن بعض الخيام قد احترقت بالكامل. ومع أن الرياح الشرقية أصبحت باردة كالثلج في آخر السنة فقد كانت جافة جداً. لم تكن هناك أي خراطيم ماء، وإذا لم يكن هناك ماء في التنك، لا يستطيع أحد أن يفعل شيئاً. وكنت دائماً أعجب بالسرعة التي تحمل بها البطانيات والدقيق والحطب والمواعين على الحمير من كل أرجاء الوادي حتى يتسنى للعائلات أن يرتبوا أمورهم مرة ثانية. وكانت الشرقية تدوم لثلاثة أيام، تقل في منتصف النهار ومن ثم تشتد عند الفجر، قررت أم لافي الإخلاء، فتركت الخيمة كما هي على الأرحش ممسكة بكل شيء وأرسلت نزلة ولافي ينبشون تحتها ليجلبوا المواد الأساسية التي حملناها بروح المغامرة إلى وادي متاهة وإلى واحد من كهوفهم الشتوية. ساعدت في إعداد عصيدة أرز ولبن تكفي للعائلة الثانية التي وقعت خيمتها أيضاً. أكلناها بأيدينا بعد أن وضع في وسطها السمن بسخاء. كانت حياة أقرباء محمد في رأس النقب أشد قسوة، فلم يكن عندهم أي كهوفا يلتجئون إليها أو يضعون فيها قطعانهم. كانوا في بعض الأحيان ينتقلون إلى قاع الخندق المحيط بالحصن الذي كان أدفأ بقليل، وكانوا يهيئون خيامهم لتحمل الطقس السيئ. فقد كان الرواق الذي يقفل الخيمة، من الأمام يجبر الرياح أن تندفع من فوق الخيمة وكانوا يضعون حبالاً إضافية لتثبيت الخيمة على الأرض. يرتفع رأس النقب عن سطح البحر أكثر من ألف متر، وكان الثلج ينهمر في أكثر فصول الشتاء. وأدت الرطوبة في الجو إلى انتفاش جلد الماعز مما زاد في تماسك نسيج الخيمة ليمنع تسرب الماء. وكانوا يضعون التنك تحت السواري المركزية لجعل الخيمة على شكل هرم كي ينزلق الثلج من عليها. وفي الحقيقة كانت هذه هي المرة الوحيدة التي استطعت فيها أن أقف مستقيمة في خيمة - ولكنني لم أبق طويلاً في الداخل؛ لأن نسيج الخيمة أصبح متماسكاً لدرجة أن دخان الحطب بقي في أعلى الخيمة. خيام وكهوف، صيف وشتاء، كلها كانت متشابهة. «أهلاً وسهلاً اقعدي اقعدي أم سلوى». هكذا كان يقال لي أينما ذهبت. الشاي دائماً وطبعاً يتبع بعشاء. وفي رأس النقب مهما كان الوقت متأخراً كان لابد لنا أن نأكل المنسف، وفي البتراء كنت دائماً أخاف عندما أذهب في المساء لإعطاء حقنة البنسلين الصباحية أو المسائية أن أجد منسفاً قد أعد خصيصاً لي. نهى، سيدة التطعيم إن أكثر عمل استمتعت به في العيادة هو التطعيم. في البداية عندما كانت إحداهن تسألني عن الست أم الظهر، لم أستطع إجابتهم لأنني لم أعرف عما كانوا يتحدثون، ولكنني الآن تعلمت بأن كلمة ست كانت لقب احترام للنساء (حتى أنا كانوا يلقبونني بالست فاطمة)، وأن الست أم الظهر هي السيدة التي كانت تقوم بالتطعيم. وذات يوم عندما كنت في العيادة سمعت صوت اللاند روفر ولم أكن أتوقع الطبيب مع أنه كان هناك بعض الناس ينتظرون آملين. «الست جت، الست جت«، صرخ أحد الأولاد من الداخل متحمساً. خرجت فرأيت سيدة حدباء تنزل من مقعد السيارة الأمامي. حيَّت النساء بابتسامات عريضة وصافحتهم، كان وجهها مدوراً وبشرتها فاتحة، وكان شعرها الغامق خفيفاً ومعقوداً إلى الأعلى ومكشوفاً. كانت تلبس سروالاً وسترة طبية بيضاء، وقد وضعت صليباً معلقاً بسلسلة حول عنقها. قالت لي باستحياء بالإنكليزية، «هالو، أنا نهى». وساعد السائق سيدة أخرى تبدو أصغر سناً بالنزول من السيارة وكانت جالسة في المقعد الخلفي وتلبس سترة طبية طويلة وتضع غطاء على رأسها وأخذتا معهما خابية باردة تحمل اللقاح المحفوظ بالثلج إلى الكهف، وأخرجتا علبة الملفات الزهرية اللون (غير المهمة) ووضعوا عيادتهم المتنقلة على الطاولة «إضبارات التطعيم» الآن عرفت ما كانت تحتوية علبة الملفات الزهرية اللون. أم ظهر كانت سيدة مسيحية ولم تكن تكبرني بكثير، وأغلب الظن أن أمها كانت بلغارية. لم تكن لتصل إلى كتفي ولكنها رفعت رأسها عالياً بجدارة. لقد كانت مسؤولة عن برنامج تطعيم الأطفال، وكان هذا البرنامج أقرب شيء إلى العناية ما بعد الولادة المتوفر في إقليم معان (الذي شمل آلاف الكيلومترات من الصحراء) وكانت تقوم بجولات شهرية إلى كل القرى النائية والعديد من خيام البدو. ولقد وجدت صعوبة في نطق اسم ابنها وفضلت أن أناديها بنهى. وبعد عدة شهور اكتشفت أنها ليست متزوجة؛ لذا، ليس من الممكن أن تكون أم ظهر. وسألت محمداً كيف لها أن تلقب بأم ظهر. ضحك وقال: «آمل أنك لم تناديها بأم ظهر» إنهم يلقبونها بهذا الاسم بسبب ظهرها المحدب. مثل سليمان، الأحدب الذي يعمل معي في الخزنة فهو ملقب بأبي ظهر أيضاً. إنها مجرد مزحة. وبذلك تحسنت لغتي. تجمعت النساء بسرعة عندما سمعن عبر التلال بقدوم الست، ولكن بعض الأمهات لم تأتين خوفاً من الميزان. لم يردن أن يوزن أطفالهن، ولم يكن الخوف نابعاً من حوض الوزن البارد ولكن خوفاً من الغيرة والحسد على وزن أطفالهن الزائد. قابلت نهى الجميع ولم تصر على الميزان، فقد كانت تقول لكل أم مشجعة إياها «خلينى أشوفها«، فتنزع الأمهات طبقات الملابس وكان معظمها مبللاً أو مليئاً بالبراز المفعم برائحة الحليب الحلوة. وكانت ترى الطفل وراء ستارة لترى بأم عينها وتقيم وزن الطفل. كان الأطفال يلفون بقماط وملابس كثيرة وسميكة، حتى في الأيام الحارة. وكان الأطفال معظم الأوقات عراة من الخصر وحتى القدمين، وإذا ما تبولوا حين يحملون، كانت النسوة تضحك وتقول، «إنه ماء فقط». وكانوا كلهم على المنوال نفسه ورائحة البول نفسها، وكان يجب علي أن أجبر نفسي كي أضعهم في حجري، ولكني كنت أفعل، وأقبل وجوههم الملوثة بالمخاط، وأقول: «يا شاكر الله» حتى لو اعتقدت أنهم كانوا قبيحين. وإذا أحست نهى أن أحد الأطفال يعاني من سوء التغذية كانت تلجأ إلى الميزان وتعوضهم بكيس من حليب البودرة. كانت دائماً تؤنب الأمهات اللواتي يضعن الكحل لأطفالهم وتقول: «ليس للكحل أي تأثير على طول وسماكة الرموش وقد يؤدي إلى التهابات». ولكنهن لم يعرنها أي انتباه بخصوص هذا الموضوع. كانت تتحقق من اسم الطفل، اسم الأب، اسم الجد واسم العائلة. لقد كان هناك الكثير من الأسماء المتكررة كفاطمة ومريم وسالم ومحمد، وكان من الضروري في بعض الأحيان الرجوع إلى اسم الجد للتمييز بين طفل وآخر. كانت نحاول أن تقدر تاريخ ميلاد الأطفال بعشرة أسئلة وكأنها لعبة: أكانت الولادة بعد زفاف علي، بعد الرياح الشديدة، قبل نزول الثلج، قبل العيد أم بعدما أنجبت أتيمة طفلها؟ وكانت الأمهات عادة يساعدن بدلالة ما. وكلما كبر الطفل أصبحت المسألة أصعب. كان لنهى طريقة تسجيل خاصة بها وذلك كمرجع إضافي إلى جانب الملفات الزهرية اللون، وبينما كنت أنا أحقن قفا الأطفال السمراء المشدودة وأضع نقطاً زهرية اللون في أفواه الأطفال الحمراء المبتلة أو في أفواه الأطفال الكبار الخائفين الذين يكزون أسنانهم، كانت الممرضة تدون المعلومات. وإذا كان الطفل فوق العشرة أشهر وكانت زيارته الأولى، كنا نعطيه لقاح الحصبة أولاً، وفي الحالات الأخرى كنا نعطي نقاط شلل الأطفال والطعم الثلاثي. كانت تلك اللقاحات يجب أن تعطى على دفعتين، على ألا تزيد المدة بينهما أكثر من ثلاثة أشهر وإلا كان على الطفل المسكين أن يبدأ من جديد. وكانت الفروقات تحدث دائماً؛ لأن نهى كانت تعتمد على سيارة المستشفى لتأتي بها إلى البتراء، وكانت إذا لم تحضر في يومها المحدد لم نكن نعرف ما قد يحدث. في بعض الأحيان كانت تأتي في الإثنين الآتي وفي بعض الأحيان لا تأتي. وكانت النساء يجتمعن لثلاثة أيام إثنين، وفي الاثنين الرابع كان يجب عليهن الذهاب إلى الحصاد، مما كان كافياً لتأجيلهم ثلاثة أشهر أخرى. ولو كان هناك هاتف لساعد كثيراً، ولكن لم تكن هناك أي هواتف في الوادي. وبما أن برنامج نهى كان واسعاً وزيارات بعض العائلات موسمياً، لم يكن مستغرباً أن تزورك مثلاً، غيضة التي أنت مرة إلى العيادة وملأتها بأفراخها الجميلة الرثة الثياب ذات العيون الكبيرة البنية وكأنها فناجين قهوة. وكانت أعمارهم تتراوح بين الثلاثة أشهر والثمانية سنوات. «جئنا للتطعيم. مضى زمن طويل منذ أن أخذوا لقاحاً«، هكذا أعلنت غيضة وبدأت تعرفهم بابتسامة مشرقة تظهر سنها الذهبي وتضع يدها على رؤوسهم واحداً تلو الآخر. «هذا غسان، وهذا قاسم، وهذه قسيمة، وهذه باسمة، وهذه - وهي تحمل المولود الجديد - بسامة، ولكننا نسميها بأبية». وكانت تشع بالافتحار، وبالفعل كان علي أن أمنع نفسي من الضحك الذي كاد أن ينفلت مني. وكان على نهى أن تعرف من منهم أخذ اللقاح ومتى كان يجب عليهم أن يأخذوه مرة ثانية؛ لأنه قد مضى زمن طويل على أخذ آخر طعم. وبعد ذلك حرصت أن أتذكر أن أكتب تاريخ ميلاد كل طفل جديد يولد. الشتاء عند عبد الله الشتاء: فتحت باب الكهف الخشبي فرأيت نفسي في قلب ضباب كثيف. رميت بمعطفي الكبير حول كتفي وأغلقت الباب وركضت إلى الدرب الذي يؤدي إلى حفرة دورة المياه الذي كان يقبع تحت صخرة ناتئة وكانت بعض الشجيرات تضفي عليه بعض الخصوصية، وفي يوم صاف كان بوسعي أن أرى أشجار الكينا ولكنني اليوم لم أستطع حتى أن أرى الدرب. فقد أسكت الضباب العالم وقتل الأصوات في الوادي. وفي الكهف، والباب مغلق؛ ليقينا من البرد والرطوبة، كان الضوء خافتاً. وكنت في الشتاء أخبز الخبز في الفرن. كنت أعجن العجينة في المساء وأتركها لتختمر، وكنت أضع بعض الحصى المدورة في الصينية كي يظهر الخبز كأنه خبز الطابون الذي كانت النساء الأخريات يصنعنه. ومع أن خبزي كان جيداً، لم يكن خفيفاً ولم يكن «مقرومشاً» كالذي كانت الأخريات يصنعن. وكان محمد وسلوى يستيقظان عندما تفوح رائحة الخبز الطازج في الكهف. عندما فتح محمد الباب ليخرج، اندفع الهواء البارد. وعندما عاد غطى نفسه بالبطانيات. وضعت بعض أوراق نبات المريمية في الشاي لجعله مريحاً للنفس، وكان الفطور جاهزاً. وكنا نغرف بالخبز الساخن لقماً من زبد الماعز الأبيض الطازج والحلاوة المهروسة مع السمن، كما غمسناه في الزيت والزعتر. وكان محمد يسلي سلوى فيأخذ قطعة جبن مغلفة بورق القصدير ويكبسها بيده فتلتوي وكأنها المعكرون وتبدأ سلوى بلعقها من إصبعه. وضع محمد بعض الملابس الدافئة ولف منديله حول وجهه. كم كنت أحب الطريقة التي كان يطوي فيها المنديل على أنفه وحول رأسه ويدخل الطرر في المرير ولم أعد أرى إلا بريق عينيه وخطوط ابتسامته المحفورة حولها. ذهب ليرى إذا كان هناك أي سائحين، وبقيت أنا في الكهف، وكان لدي الوقت الكافي لأرتب الفراش على طاولة البطانية وأغسل المواعين من الليلة الفائتة. وبدأت سلوى تتململ، وبدلاً من محاولة تسليتها في الظلام قررت أن آخذها إلى جديها. وبدت سعيدة لأنها عرفت أننا سنخرج عندما وضعتها في المزفر ولففتها ببطانية. ضحكت النساء محرجات عندما صنعت المزفر لسلوى. قلن لي: «أنت مدنية«، وعرفت ما كان يتضمن كلامهم، فإن بنت المدينة تكره أن يراها أحدا تحمل طفلها في مزفر. كما قلن لي بسحرية: «المزفر للبدو». المزفر متقادم وللبدو الجهل. لماذا لا يقدرون ما لديهم؟ لقد كان المزفر فكرة رائعة وممتازة للاستعمال في البتراء. وكانت النساء يحملن أطفالهن به طوال تلك السنين. لم أرد أن أحمل طفلتي بين ذراعي، فقد تحجب رؤية الدرب، وإذا تعثرت قد تسقط مني، وإذا وقعت ستقع تحتي، وكنا نمشي مسافات طويلة في البتراء، فإلى العيادة كانت المسافة تستغرق ربع الساعة، وإلى بيت أهل زوجي نصف الساعة، ومجرد التفكير في حملها بدأت يداي تؤلماني. لذا قمت بصنع المزفر وكنت أضع سلوى في ذاك الكيس المربع المغطى بالقماش، وكنت أسحب الحبل الصوفي المثنى الذي كان ملفوفاً داخل أطرافه، ومن ثم العلاقة فوق قدميها ويبقى رأسها مكشوفاً. كنت أحمل ثقلها على جبيني، وكانت تستقر على الجزء الصغير من ظهري. لكم أشدت بصمت بهذه الطريقة القديمة للتنقل، ورميت معطفاً كبيراً فوقنا نحن الاثنتين وانطلقنا إلى الكهف. وفي فم الوادي رأيت بعض الخيول واقفة فعرفت أن بعض السائحين قد أتوا، وكنت أعرف أنهم سيتمنون لو أتوا في يوم مشمس صاف، ولكن بالنسبة لي فقد كان رذاذ الضباب ساحراً. وكان الضباب قد بدأ ينجلي قليلاً، إلا أن الرطوبة كانت تحوم بالمكان. وفي وادي متاهة، وعلى الجدار المواجه لشمال جبل كثبة، كانت عائلة عبد الله تسكن هذا الشتاء. وقد اتخذوا لهم مدفناً نبطياً كبيراً ذا أرض مرصوصة بالرمل والرماد والروث والعشب الجاف، عظمت عبر السنين فأصبحت كسجادة ربيعية مبطنة بالمطاط. وكان مدخل الباب في أحسن حال والنافذة المحفورة بكل عناية في الواجهة الأصلية للمكان مما أثبت أنهما كانا محميين، وكان كبيراً وفيه عدة كوات قبور وكأنها خزائن ملابس تتسع للمشي ومحفورة في الجدار الخلقي؛ لذا كان من الصعب إبقاء المكان دافئاً. وكان الأولاد حفاة الأقدام يتكومون بشعورهم المنكوشة حول نار صغيرة. وكان حسين يجلس في جحر نزلة الصغير، وكانت مريم وندى ولافي يلكزون بعضهم بعضاً قائلين: «زيحي غاد«، محاولين أن تتدفؤوا ويدخلوا بالأعواد تحت إبريق الشاي الذي كانت طفلة تحاول أن توازنه، وكان على وشك أن ينقلب. وعندما وصلنا خرج عبدالله إلى الوادي وأخذ شبريته معه وقطع غصناً طويلاً أخضر، بطوله تقريباً، من شجيرة الرتم وساعده لافي في جره إلى الكهف ومع أنه كان كبيراً جداً فقد دخل من الباب، ولكن بصعوبة، ألقاه عبدالله في النار. وسرعان ما اشتد لهيبه وانحنيت جالسة على الفراش، أصبحت ناراً مستعرة. وبدأ الدخان يتصاعد إلى الزوايا، وبدأ الأطفال بالصراخ وتلاحق الشرر المتطاير وينقضون عليها مانعين إياها من إشعال الفراش أو الملابس. أصبحنا نشعر بالدفء حالما أحرقت جميع الأشواك الخضراء وخرج بعض الدخان إلى الخارج بدأنا نتنفس أيضاً. وبعد الظهر هطل المطر بغزارة، ووصل محمد مبتلاً، وكان قد فقد الأمل لهذا اليوم بأن يبيع شيئاً، فقد كان بعض الناس الذين قابلهم يعانون من شدة البرودة فلم يعودوا يفكروا بالخناجر البدوية أو شريط مناظر البتراء ذي الأربع والعشرين صورة الذي كان في جيبه. وضع مريم في حضنه وقال لها: «هل أنت أختي؟» فأجابت «نعم». وقبلت أنفه. وغاظتها أم لافي قائلة: «إذن أنت لست ابنتي». فقال محمد: «ألست بنت أمك المدللة؟» فنظرت إلى أمها وقالت «بلى». «إذا أنت لست أختي«! وأنزلها من حجره وكانوا يغيظونها ضاحكين، فكانت تركض من واحد إلى آخر وتضربهم بقبضة يدها الصغيرة. بقينا لتناول العشاء، وقي هذا الوقت كان المطر قد توقف. وعندما ظهر القمر لففنا سلوى مرة ثانية واتجهنا إلى متن الجبل. عيد الأضحى كان عيد الأضحى قد اقترب، وكنا نعد أنفسنا للذهاب إلى نيوزيلندا. حلمت ذات مرة أن محمداً كان واقفاً عند القمة الصخرية في كهفنا، وكان يحضر نفسه لنحر سلوى، وكنت أنا أنظف قدراً كبيراً عندما آتى جارنا الجميدي من التل المتاخم ومعه عنزة سوداء وبيضاء على مربط وقال لمحمد «هذا الطفل سيكون كافياً». لم أكن قاصة أحلام أو من النوع الذي يعول عليها ولم أقصه على محمد، ولكن ذلك اليوم في بعد الظهر طرح فكرة ذبح عنزة لنا بمناسبة عيد الأضحى (للاحتفال بالخروف الذي أرسله الله إلى إبراهيم عليه السلام حتى لا يقتل ابنه إسماعيل، أخو إسحاق). وكان عبدالله قد أشار إلينا بأننا قد أصبحنا عائلة الآن ويجب علينا أن نذبح عنزة للعائلة. لقد فسر حلمي وفهمته الآن وأذعنت له، فذهب محمد ليبحث عن حيوان مناسب. مع أن البدو كانوا يسمنون خرافهم وأولادهم ولاسيما لمناسبات، فقد كان العيد بعد يومين، وكنت خائفة من أن محمداً لن يجد أي خراف. لم يكن هناك داع للقلق فلقد رجع بعد خمس عشرة دقيقة ومعه عنزة بيضاء وسوداء كالتي في الحلم، وقد اشتراها من الجميدي! وقبل الفجر في يوم العيد أخذنا عنزتنا إلى عبدالله ونبحناها هناك عند شروق الشمس. (اكتشفت لاحقاً أن الناس كانوا ينظرون إلي باستغراب عندما هنأتهم بالعيد؛ لأنهم كانوا لا يعتبرون العيد قد بدأ إلا بعد شروق الشمس). ولكن بعد شروق الشمس كان هناك خبز الشراك وإعداد الشاي وتقطيع اللحم، على أي حال، انغمسنا في الأحداث. «مبارك عيدك». «مبارك عيدك». «كل عام أنت بخير». «الله يبارك فيك». وهكذا امتلأت الأجواء بالتهاني والتمنيات. كان الأمر عريباً بالنسبة إلي؛ لأننا وللساعة الماضية على التوالي قمنا بعدد هائل من المصافحات وتقبيل الرؤوس، مما كان جديراً باجتماع عائلي مضى عليه زمن طويل لم يعقد! كلهم لبسوا ثياباً جديدة. وفي السنة الماضية لم يكن لدي مولود جديد أعتني به أو رحلة إلى نيوزيلندا أحضر لها؛ لذا فقد فاجأت أخوات محمد وخيطت لهم مدرقات جديدة من الحرير البوليستر ثبت فوقها جديلة من القماش اللامع حول الرقبة وأطراف الأكمام. كم فرحت عندما رأيت بريق أعينهن عندما لبسن الأثواب الجديدة، وأيقنت أن غضبي من القياسات المختلفة لم يذهب هباء. وظلت مريم تظهر حبها للثوب الجديد فتلبسه حتى تحول بعد عدة أشهر إلى قطع ممزقة بالية. هذه السنة كانت الأثواب ملونة بالبرتقالي والحواشي الزهرية اللون وكانت البنات يلبسنها فوق السراويل والقمصان. كان هناك فائض من اللحم، ووضعنا الكلى والكبد والقلب مباشرة على النار، ووضع سالم فخذين في الطابون (ولقد ذكرتني الرائحة بيوم الأحد عندما كان أبي يأخذنا في نزهة). وساعد محمد ولافي الفتيات بقلب الأمعاء من الداخل إلى الخارج ووضعها على عيدان ومن ثم شوائها على النار، وبعدها وضعنا الباقي في قدر المنسف ليطبخ للغذاء. ووعد لافي أن يأخذ الرأس حتى يتسنى له أن يسحقه ويغرف مخه، ولكنه كان لابد أن يوضع في «سدر» وعاء الرجال، ولكنهم كانوا عادة لا يأكلون إلا اللسان والخدين لأنهم كانوا يعلمون أن هناك طفلاً ما ينتظر كي يأكل اللحم اللذيذ الذي كان في داخله. أرسل عبدالله لافي وأنزله كي يدعو الجيران الذين أتوا جميعاً وأكلوا، مع أنه كانت لديهم ذبائح وفيرة في منازلهم. رجعنا إلى المنزل وبعد ذلك، وفي المساء، ذهبنا إلى كهف أبي محمود لتناول ذبيحتهم للعشاء. كنت سعيدة لأنني لن أرى منسفاً إلا بعد تسعة أشهر. وثبة نحو الوطن لقد طرنا من دمشق في وقت كانت فيه الحشود الأردنية والسورية متأهبة ضد بعضها على الحدود المشتركة. اختفت استمارة محمد لطلب الدخول بطريقة مريبة من جواز سفره عندما دخلنا الحدود السورية. اعتقدت أنا أنها ربما وقعت منه وضاعت، ولكن محمداً كان يفكر بطريقة أخرى. «يريدون مني أن أدفع رشوة، وأنا أستطيع أن أدفع، أو أن أفقد أعصابي، وأخاف أن أفقد أعصابي لأنهم عندئذ، سيكون عندهم شيء ضدي». لقد أمضينا وقتاً طويلاً عند إدارة الهجرة، ولحسن الحظ، لم نكن في عجلة من أمرنا لأننا أخذنا آخر حافلة من المدينة الساعة الثانية عشرة، وكانت رحلتنا ستقلع الساعة الثالثة صباحاً. لقد أعجبتني رباطة جأشه وتهذيبه وأنه قد تمالك نفسه، وبعد حين سمح لنا بالمرور. وفي الطائرة، بدأ طاقم الرحلة يبدي قلقاً حول اسم سلوى، وبدأت أظن أنني ربما أخطأت في تسميتها، فتارة كانوا يقولون «سالاوة» وأخرى «سوواوا» وكنت أنا ومحمد نصحح ونقول سلوى. كان أبي وأمي في المطار مع أختي آنا وجوقة أصدقاء مرحبين من نيلسون. لقد نبهت محمداً وقلت له إن الأمور هنا عكس ما هي عليه في الأردن (هنا تُقَبِّل النساء ولا تُقَبِّل الرجال)، ولكنني لم أراقبه لأرى ما كان يفعل، لم أعد أرى بسبب دموعي، ولقد بدأت أنفعل عندما اقتربنا من شواطئ نيوزيلندا، وعندما كنا فوق كوك ستريت انهمرت دموعي، لقد ارتاع محمد فقد كان يعرف أن الدموع تنهمر فقط عند الحزن، وحتى في تلك المناسبة، كان يجب علي أن لا أبكي في الأماكن العامة، ولكنني لم أستطع أن أتوقف. «أنت تغالين، أليس كذلك«؟ أخذتني أمي بين ذراعيها، نعم لقد كنت أغالي. ولكننا وصلنا بالسلامة وها نحن هنا، والديَّ وأصدقائي والسماء التي ترعرعت تحتها، نعم لقد وصلنا. تجاهلت صدمة محمد الثقافية وبدأت أسترخي. بعض الأحيان تبدو الأوطان بعيدة جداً. «كيف زيلاندا»؟ «في بدو زينا غاد»؟ «بعيدة نيوزلندا؟ زي مصر»؟ لقد وجدت وصفها صعباً كما وجدوا تخيلها أصعب. قلت لهم: «من هنا إلى مصر ساعة طيران، وإلى نيوزيلندا أربع وعشرون ساعة». سبحان الله، القسمة كيف! لم يكن حماي الوحيد الذي لم يرد أن يبعد محمد عنه أبداً، فقد كانت النساء تقول لي «وين تاخدي»؟ ونبهونا أن لا نبقى هناك «لاتطولوا غاد»؟ قال لي محمد أن أتجاهلهم، لقد كان مستعداً للرحيل ومتحمساً ربما للبقاء. ولقد عرف أن تفسيري لهم لن يخترق جهلهم وإنهم يصدقون فقط ما يريدون تصديقه. لقد تأقلم محمد بسرعة في نيوزيلندا وعمل بقطف التفاح وعلم نفسه ركوب الدراجة. وإذا نظرنا بعين الاعتبار أن محمداًلم يركب إلا الحيوانات في حياته ولم يقع من على ظهورها عندما كانت تتوقف، فقد أتقن ركب الدراجة. وسرعان ما بدأ يذهب إلى مطعم المسافرين وعلَّم نفسه لعب البيلياردو. لقد سحر الجميع؛ لأنه كان يفعل ما اعتاد عليه، ففي عمله لم يقدر أن يتناول شطيرته قبل أن يعرضها على زملائه، واستغرب كيف أن الجميع يستطيعون أن يتمتعوا بغذائهم دون أن يقوموا الشيء نفسه. وفي البتراء كنت أراه يسحق قطعة الحلوى إلى قطع صغيرة حتى يتسنى جميع الأطفال الذين رأوها أن يتذوقوها. لقد تحسنت لغته الإنكليزية، وعندما انتهى موسم قطاف التفاح، كنا نستعير سيارة والدي ونقوم في جولة في ساوث أيلاند، وكانت سلوى تكره مقعد السيارة فكنا نخيم، وبعد أسبوعين اكتفى محمد بما رآه من أدغال ولم يعد يريد أن يرى أكثر. لم نقابل أي عربي أو مسلم في جولتنا تلك. كتب محمد برقيات إلى أبيه وعلي. ومن وقت إلى آخر كانوا يكتبون أيضاً، وكانت معظم رسائلهم سلامات وبعض الأخبار المتفرقة: توفي ولد علي وراوية وكان عمره أربعة أيام، جد محمد توفي، وعلي الذي تزوج فتاة أحلامه منذ سنوات، تزوج عروساً مصرية وبعث لنا بصورة حرصا ألا يبتسما فيها (يا للهول، يظهرون أسنانهم - الصورة الناجحة هي الصورة التي لا تظهر فيها الأسنان حتى ولو كانت الأجمل) وبدا كأنهما ميتان، وأما رخية فقد طلقت باختيارها وتزوجت صديقنا الطيب سالم. عمل محمد بعد ذلك مع شركة واتاكي لأعمال التثليج في أومارو وكان يعمل بمهنة الجزارة لذبح اللحم الحلال في السوق الإيراني. ولقد عمل مع أربعة أو خمسة أشحاص مسلمين وكان هو العربي الوحيد. كان المسلخ مخصصاً لذبح الخراف بالطريقة الشرعية فكان الجزارون يتجهون نحو مكة، وكان عليهم أن يكونوا طاهرين قبل أن يبدؤوا عملية الذبح، وكان هذا بالطبع يرجع لهم شخصياً، وأن يقولوا «بسم الله، الله أكبر» كل مرة يجزون فيها رقبة الذبيحة، وذلك لألفي أو ثلاثة ألاف مرة كل نهار وحتى تنفد الخراف، (وكانت الماعز تذبح من قبل أناس عاديين لأنها كانت لا تصدر إلى إيران)، أو إذا دعى الاتحاد إلى إضراب. وكان الإضراب يدفع بمحمد إلى الجنوب، فقد كان يضجر في البيت وأراد أن ببجني المزيد من المال. وعندما جرح إصبعه واستغرق أسابيع كي يتعافى، قدم استقالته ورجعنا إلى نينسون. بدأت أضجر أنا أيضاً بالرغم من النزهات وحلقات ملاعبة الأطفال والعائلة والتنزه في الحدائق، وكان من الصعب تمضية الوقت بين كل النشاطات السالفة الذكر. لم يعد يعجبني أنه علي أن أتصل بأصدقائي كي أسألهم إذا كان من الممكن زيارتهم، أردت فقط أن أزورهم وأردت أن يزوروني في اليوم التالي. وبدأنا نعرف الأمور التي أحببناها في الأردن وكنا مستعدين للرجوع. ذهبت إلى المدينة وبعت إسطواناتي بخمسين دولاراً (الأمر الذي أندم عليه دائماً)، مع أنني لم أندم أبداً على حرق مذكراتي التي كتبتها عندما كنت مراهقة. وعدنا إلى عمان استعداداً للاستقرار. أرض جديدة وقنديل قديم: 1981 رجعنا من نيوزيلاندا في يوم حار جداً في منتصف 1981. ومنذ ذلك اليوم أردت أن أكون امرأة بدوية؛ لنا لبست مدرقتي واتخذت ثياباً ذات أكمام طويلة وربطت غطاء رأسي فوق شعري قبل أن نعود إلى البتراء. أردت أن أنسل حيث تركت، وكنت أعرف هذه الأيام أن المظهر مهم جدا. وفي خيمة عبدالله عند مدفن القصر جلست في الظل وقابلت أصدقائي القدامى والمولودين الجدد. أنجبت أم محمد صبياً وشتياً أنجبت بنتاً (لقد بدت لي وكأنها جدة كبيرة في السن، واعترفت لي أنها استغربت الأمر أيضاً). وفي تلك الليلة ندم عبدالله منسفاً احتفاء بعودتنا سالمين، ودعينا إلى مناسف أخرى أقيمت على شرفنا في خيام الوادي وذلك لعدة أيام. وأزلنا الحائط الذي بنياناه على باب كهفنا ونفضت كرات النفتالين الطاردة للعت عن الأغطية التي وجدتها والحمد لله، في أحد المحلات في وادي موسى. لم نجد أي عقارب، ونقلنا المطبخ (الطاولة والأدوات والفرن وبرميل الماء) إلى غرفتي الخاصة، ووضعنا سوراً من الأسلاك المعدنية والعصي لمنع سلوى من السقوط من على حافة الجبل. لقد رأى محمد عالماً آخر. وكانت دائماً لديه أفكار ذكية لإضافة التحسينات، فمنذ سنتين صمم طاولة معدنية ذات غطاء لوضع بضائعه التذكارية، وهكذا لم يضطر إلى حزمها كل يوم، وأما الآن وهو يفكر في البيوت المريحة التي رآها والشرفات والأسطح والبرندات، باتت رحلته بمثابة إلهاماً للقيام بالتحسينات. عندما اشترى أكياساً من الإسمنت ووصل بعضها ببعض ليصنع تظليلة فوق متن الجبل، تضايق عبدالله وأشار إلى أم صيحون حيث كان العمل مستمراً على تنظيف منطقة الإعمار للقرية التي كانت تثير الغبار، وقال: «يا ولدي، لا ترهق نفسك بالأرض الإسمنتية فإنك لن تستطيع أن تأخذها معك إلى الوحدات». ولكن محمداً أراد أن يكن مرتاحاً الآن حتى لو كان عمله استثماراً لشيء يجب عليه تركه عندما تنتهي الوحدات، التي كنا بالتالي سننتقل إليها. لقد كان البدو رحالة بطبعهم، وكانت ممتلكاتهم متحركة جوالة وأشياؤهم الثمينة محمولة لم تكن كالأرض الإسمنتية. وكانت النساء تتلهى بالأسنان الذهبية أو الوشم، وكان الرجال لهم مقولة مشهورة: «عندما يصبح البدوي غنياً، يشتري حصاناً، أو بندقية، أو يتزوج زوجة ثانية». وبينما كانوا يراقبون بعضهم بغيرة ليروا من سيحصل على ماذا، كانت النساء تشجع رجالها على شراء حصان أو بندقية. طلب محمد من راوي الذي كان دائماً يبحث عن عمل مساعدته في مد الأرض. كبروا مساحة الساحة الأمامية بزيادة بعض الأمتار من التراب إلى الكومة السفلى. وحملوا الرمل من الوادي على كيس مقسوم في الوسط على ظهر الحمار، وماء من الحوض تحت المكان العالي. ولبضعة أيام خلطوا الإسمنت في الساحة ومدوا الأرض ورفعوا المعرش وأقاموا ممراً من الكهف إلى المطبخ. ولقد كلفتنا الأرض التي امتدت إلى خمسة عشر متراً مربعاً، مبلغ إطعام الحمار لشهر واحد، ولكن عمرها كان أطول من ذلك. الانتقال إلى القرية لم يتم بسرعة كما توقع الناس، ولقد استمتعنا بالأرض والظل لعدة سنوات. لقد أصبحت المحافظة على نظافة المكان أسهل بكثير من قبل. وبوجود تلك الأرض أصبح المعرش غرفتنا الصيفية، جلسنا وأكلنا هناك، وكنت أغسل الملابس وأنشر أكوام الغسيل حول الحوض المعدني الكبير «لغن«، وفي الليل كنا ننام هناك أيضاً. وعندما اقترب الشتاء كنا ننزل تظليلة الأكياس حتى لا تتلاشى من الريح والمطر وحتى يتسنى لنا أن نتمتع بأيام الشتاء المشمسة. كنا جالسين ذات يوم بعد الظهر عندما رأينا والد محمد يصعد إلى التل. كان من عادته أن يزورنا، ولكننا أدركنا أنه لم يأت ليبحث عن العملة القديمة، وأنه كان في مهمة، وكان يلبس مجموعته المعتادة من الملابس كي يموه هيئته وحجمه الصغير، لا مشيته. كان يمشي دائماً منحنياً إلى الطرف ويذكرني بالسرطان. نظرت إليه بإمعان كي أتأكد من انطباعي الذي كان يحيرني. كان يلبس سترة صوفية بنفسجية، كنت قد حكتها له وسترة رياضية لها جيوب لوضع التبغ والإزميل وبعض الكنوز. كان منديله أحمر وحذاؤه بلاستيكياً. وكان سرواله العسكري الصوفي ومعطفه فضفاضين فوق جسده. انضم إلينا على البسط وانحنى إلى الأمام وسأل محمداً «ما معنى كلمة «أود أود هود»؟ «أُولد»! قال محمد وعرفت ما كان يقصد وقلت. «قديم»، وعرفنا أنه فهم ما قصدناه، من جراء تجعد وجهه إثر الابتسام. «لا عجب» فكر ملياً وهو يخرج صرة قماش من جيب داخلية. أحنى رأسه وهو يفتحها في راحة يده - لقد كان قنديل زيت زجاجي زهري اللون مسوداً حول فتحة الفتيل، ومع ذلك بدا كاملاً كاليوم الذي صنع فيه. «لقد قابلت سائحا عند الطريق الروماني وأريته إياه وبدا عليه مهتماً. وفي الحقيقة لقد أبدى رغبة شديدة باقتنائه، ولكنه بدا حذراً عندما أطلعته على السعر. لقد كان فقط مجرد «انهادي» (الطراز النبطي الأكثر شيوعاً) لذا لم أطلب الكثير، وسألني إذا كان القنديل قديماً. وبدا عليه مرتاباً؛ لذا اعتقدت أن كلمة «أولد» تعني نسخة أو مزيف فأقسمت له، «لا، ليس قديماً«! ضحك عبدالله بصوت خفيف وأضاف وقد أخفض ذقنه في معطفه، «كان يجب علي أن أطلب أكثر، وعندها كان سيعرف أنه حقاً قديم». مع أن الأمر كان غير قانوني، فإن البدو كانوا يبيعون الخزف الذي كانوا يجدونه أو العملات التي كانت تظهر بفعل الريح والمطر. وعندما عرفت كمية القطع الهائلة الموجودة في علب في أقبية المتاحف (والتي سترى فقط من قبل الناس الذين يقومون بتصنيفها) تمنيت لو أن هناك طريقة حفر وتجارة تكتشف، طريقة تُـحمى فيها القطع النادرة والأسرار التاريخية التي تكتشف، وأن تخرج إلى العالم القطع الشائعة فقط، كقنديل عبدالله. قد يكون الحفر مجدياً، ولكنه كان خطراً. كانت الأرض الرملية ثابتة وتحفظ شكل الحفرة، وإذا عمل عدة شباب على الحفر سوية لعدة أمتار كان من الممكن أن يتبعوا عرقاً من الخزف تحت الأرض وغالباً بمحاذاة جدار، تماماً كما يتبع المنجمون عرقاً من خام المعدن. وبعض الأحيان كانوا يتقاسمون غنائمهم فيضعونها في مناديلهم ويأخذونها إلى منازلهم. ترك البيزنطيون قناديل وفناجين بدائية الشكل وكأنها صنعت من قبل الأطفال، وترك الرومان أوعية صلبة وجرر دموع وقناديل زيت، وأما النبطيون فقد تركوا تماثيل آلهة وأحصنة ومواعين وأباريق جميلة دقيقة الصنع وبارعة الرسم. وفي يوم بعد الظهيرة كنت في البيت. كنا في فصل الربيع أو الخريف، وكانت الشمس حامية، وكان الهواء صافياً جداً لدرجة أنني أحسست وكأن رئتي قد تنفجران. وكان أم البيارة يلوح عالياً في الأفق بعد الظهر والظلال تخفي تفاصيل وجهه. ارتفعت الأصوات عند الكينا وبعد ذلك انطلقت اللاند روفر التابعة لإدارة الآثار بسرعة جنونية أسفل سفح الجبل... وبعد بضع دقائق رجعت بالسرعة نفسها وبعد أن اختفت باتجاه السق رأيت مفلحاً يمشي على الأثر وناديته؛ لأعرف ما قد جرى. جاء ليشرب الشاي. لقد كانوا يأخذون زوج بسمة إلى المستشفى. كان يحفر في المنطقة المكسبة قرب القلعة الصليبية، ليس بعيداً عن موقع سكنهم، عندما سقط في الحفرة التي كان يحفرها. أما الطفل الذي كان يحفر معه، فقد أدوك أنه لا يوجد أي أمل في إزاحة التراب فصرخ لبسمة التي أسرعت إلى أقرب يد مساعدة ألا وهي مكتب إداوة الآثار، التي كان يوجد فيها عادة بعض الناس وسيارة ما. حفروا وأخرجوه. قال لي مفلح: «لا أعرف كيف - كان يجب أن تري عمق الحفرة! من حسن الحظ، أن التراب قد وقع خلفه فحوصر ولم يكن مطموراً كلياً. لكن تنفسه لم يكن جيداً؛ لذا أخذ إلى المستشغى». لقد خرج من الأزمة ويوجع الفضل إلى كل الذين تصرفوا دون أنانية. نظر إلى الحادث ببساطة كما بسط التراب على الحفرة. سيارة وقرض خلال وحلتنا إلى نيوزيلاندا تعلم محمد القيادة. قد نجح في امتحان القيادة في يوم مبلل في أومارو وكان يتطلع إلى شراء سيارة. وعندما وجعنا إلى البتراء، ذهب هو وعلي وعادا إلى المنزل يزحفان على الدرب في سيارة سيدان - مازدا ذات لون أزرق معدني تطلق الدخان من كل جانب. وكانت تحمل لوحة سعودية. وقد كانت لأب تايه الحويطات - البدوي الذي عاصر السيد لورنس، وكان ما يزال يسكن في الصحراء الجنوبية ويقطع الحدود بين الأردن والسعودية - قد أتى بها من هناك، وكان يجب أن تدفع عليها ضريبة الجمارك الأردنية. ولم نستطع أن نستعملها حتى ندفع؛ لذا مهدنا أرض الكهف الذي يقبع أسفل بيتنا ووضعنا تلك التحفة الجلدية المقاعد فيه، حتى يتسنى لنا الحصول على قرض من المال. عندما ذهبنا إلى الكينا لنطلب من الطبيب قبلان قرضاً، قدم لنا ميرند وبيبسي من ثلاجته، وفتح لنا الزجاجات ثم قال لنا أن نأتي في المساء. بدا مخمد يسترجع الماضي عندما صعدنا إلى كهف قبلان في الذنب. «كنا نصنع السيارات من الأسلاك وعلب الحليب ونقودها إلى كل مكان. هذا عندما كانت أمي ما تزال حية، وكنا نسكن هنا، وكان علي تتيماً ويسكن معنا. كنا نجمع من هنا وهناك ونصنع أروع السيارات، وكنا نقودها ونحن واقفون». إنني أرى أطفالاً ما زالوا يصنعونها حتى الآن - كانوا يأخذون سلكاً صغيراً وبعض العلب واستطاعوا أن يصلوها بمقود موضوع فوق قضيب طوله متر. «كنا نمهد طريقاً إلى الدكان جانب الكينا حتى يتسنى لنا أن نقودها إذا أرسلتنا أمي». كانت عائلة قبلان تسكن في الكهف الشتوي المليء بالدخان، لم يصد ضوء القنديل إلى الجدران المظلمة ولكنه أشع على عيون الأطفال المتجمعة حول النار وعلى صفحات دفتر مفتوح على الأرض إلى جانب النار، وصبي صغير منحن على يديه وركبتيه ينسخ درسه. جلسنا بمعطفنا وأحذيتنا على جنبية قريبة من النار ونفضنا سجائرنا فيها. صبوا لنا الشاي وعرضوا علينا العشاء (الذي عادة يأتي دون سؤال)، ولكن الوقت كان متأخراً فأقنعناهم أننا قد أكلنا قبل أن نأتي. خرجت بخيتة في الليل وعادت ومعها علبة حليب النيدو ذات الثمانية كيلو غرامات. ضربت حافة العلبة بالأرض لتفتحها فأعطاها قبلان شبريته كي تفتحها، فتحتها وأخرجت منها رزمة ملفوفة بالبلاستيك ومربوطة بخيط. وكانت الدنانير الموجودة في العلبة مقسمة حسب ألوانها، فالعشرينات خضراء، والعشرات زرقاء والمخمسات حمراء. كانوا قد حفظوا كم ورقة نقدية موجودة في العلبة ولكنهم لم يستطيعوا أن يحسبوها بالدينار. أعطت بخيتة الأوراق النقدية واحدة تلو الأخرى إلى قبلان وبدأنا نحصيها سوياً. وكان الصبي الذي يدرس ينصت بانتباه يلفت النظر. وبعد ذلك أعطى قبلان محمداً، عداً ونقداً، عشرين ورقة خضراء «أربعمائة دينار«، قال له محمد «الله يكثر خيرك«، ووعده أن يسدد له المبلغ في أقرب فرصة. عدنا إلى المنزل، وكنا محظوظين فقد كان في جيب محمد رزمة من النقد (تعادل تقريباً ثماني مئة جنيه) وهكذا سنستطيع استعمال سيارتنا التي ما هي إلا علبة معدنية، ولم أستطع إلا أن أفكر بهؤلاء الأطفال الذين كانوا يكتبون واجباتهم بضوء النار وتساءلت في نفسي عن الأولويات. في السيارة إلى الخطيب عندما دفعنا الجمارك بدأنا ننشغل، وكانت سيارتنا واحدة من أربع سيارات موجودات في الوادي، وبما أنه كان لها أربعة أبواب، أصبحت السيارة المفضلة لجميع العائلات الذين احتاجوا أن يذهبوا إلى الطبيب في وادي موسى أو المستشفى في معان أو إلى الخطباء الذين كانت لهم مواهب خاصة في القرى المطمورة بالرمل من القويرة الى القترانا. كل خطيب كان يشتهر لمدة قصيرة ثم يختفي في ثنايا التاريخ المحلي؛ وذلك عندما يشفي كل من تمنى شفاء من جرب علاجا، أو زالت عنه أوهام المرض. وآخر خطيب كان قد جاء من العيوانات، وهي عبارة عن مجموعة من الأبنية الإسمنتية على جانب طريق الصحراء السريع. وكان الناس، الذين يرجون علاجاً، يتواردون من كل مكان، ومن مناطق بعيدة قد تصل إلى الحدود السورية أو السعودية. رحب بكل الناس، حتى هؤلاء الذين لم يجلبوا ماعزًا مربوطاً في شاحنتهم ليشاركوا في وجبة المساء. وأعد أعضاء العائلة المنسف في حظيرة محجوبة من الريح وقدموها تحت ضوء قناديل زيت الكاز للنساء في غرفة وللرجال في غرفة أخرى. بدأت النساء يتبادلن القصص، واكتشفن أن هناك حالات أسوأ من حالتهن. كانت هناك بعض السيدات قد أسقطن أطفالاً مصابين بشلل دماغي أو بالمنغولية (وبلاءات سببت كلها بتعويذات سحرية) وبنات هاربات من أزواجهن ولكنهن جئن لسعال مزمن أو زكام عادي. وبعد العشاء كان الخطيب وهو رجل عادي يلبس سروالاً عسكرياً ومعطفاً أكل عليه الدهر وشرب، وكانت المرضى تستلقي على الأرض كي يخطو ض فوقهم ويبصق عليهم ويعالجهم، إن شاء الله. وأما الرجال الذين كانوا عاجزين جنسياً أو مصابين بالعقم أو كانت ذريتهم من البنات فقط، فكانوا يخضعون للعلاج نفسه ولكن في السق. ولم يكن هذا المكان من أول الأمكنة التي كانوا يقصدونها ونادراً ما كان هؤلاء الناس يلجؤون إلى الدواء التقليدي فقط. لقد كانوا يجربون عدة علاجات في وقت واحد؛ لذا كان من المستحيل معرفة إذا ما كانت إبر المضاد الحيوي التي أعطيتهم إياها أم بصاق الرجل الذي كان يرتدي المعطف الصوفي الناعم، كانت سبب الشفاء. وكان هناك أيضاً خطباء لمعضلات أقل جدية ولا تتعلق بصحة الإنسان، كتلك المرة عندما أنتجت حماتي سمناً مراً. عندما صبت السمن فوق الفتة، تذمر الجميع وقالوا: إن السمن كان مراً. حتى أنا أحسست بطعم غير اعتيادي، شيء ما يشبه طعم الأرض، ولكنني لم أكن أعرف الكثير عن هذه الأمور، فلم أعلق. كانت دفعتها الأولى من سمن الموسم الجديد. لاحظت الطعم الغريب عندما قامت بمخض الزبد، ولكنها تأملت أن الطعم الغريب سيختفي عندما تقوم بتنقيته. غلت الزبد وأضافت بعض الدقيق كي يمتص الشوائب وبعض الأعشاب لتعطيه اللون الأصفر الفاقع التقليدي. ولكن الطعم لم يتغير عندما لعقت أصابعها بعد أن قشطته من المقلاة. أضافت المزيد من الأعشاب ولم يتحسن الوضع. عندها قررت أن السبب لابد أن يكون تعويذة نفثت من عيون غيورة فارغة، وخمنت أنها تعرف عيون من تلك التي حسدتها. كانت كل الجلود «السمن» التي استعملتها لتجميع الحليب جديدة. لقد صنعتها الصيف الماضي عندما طلبت من النشامة الذين كانوا يذبحون الماعز، بمناسبة حفل زفاف، أن لا يجذوا الجلد بل أن يسلخوه من الذبيحة؛ حتى يكون هناك فقط ثقب الذيل والرأس. ولقد ذهبت بنفسها إلى بير الدباغات (بئر جامعي التنين) فوق التلال في بيثة وأمضت بضعة أيام مع أختها تحفر لتصل إلى جذور شجرة البلوط الشائكة، وتقحط لحى التنين الغني بما يسمى الدباغ. ورجعت إلى المنزل عندما ملأت كيساً منه، وبعد أن عالجت الجلد به باعت الباقي (معبأ بعلب زيت الغزال النباتي) للنساء الأخريات في الوادي. لقد أزالت كل شعر الماعز من الجلد قبل معالجته ووضعته لأسابيع في (اللغن) مع مادة الدباغ الصابغة، ووضعت بعض الحجارة فوقها كي تثبت في مكانها. وبعد كل هذا أقفلت الفتحات بطي الأطراف المثنية على حصى ومن ثم ربطها بقطع من الجلد القديم تاركة فتحة الرقبة لصب اللبن فيها. وبدأت أتساءل، ربما الطعم كان طعم الدباغ، فلعلها لم تشطف الجلد جيداً، ولكن أم لافي قالت، «لا، كل هذا من العيون الفارغة. كان يجب علي ألا أقول: إنني استطعت أن أنتج حليباً باكراً في أول الموسم. كان يجب علي أن أقص قطعة من ثوب فلانة عندما رأيتها معجبة جداً بعنزتنا السمينة دون أن تذكر الله. لو أنني حرقتها، لبات الحسد مغلوباً مقهوراً». وكانت الفتة الطعام الوحيد الموجود آنذاك، فأكلنا بضع لقم وقلنا لبعضنا: إن الطعم ليس سيئاً إلى هذا الحد. وفي اليوم الآتي ولإشباع فضولي ذهبت مع محمد ومعها لزيارة الخطيب المحلي الذي يسكن في وادي موسى. وقفنا عند باب في جدار مظلل بشجرة تين ضخمة. عندما سمع حمد صوت السيارة خرج ودعانا للدخول. كانت هناك غرفتان ومطبخ ذو نافذة مسودة، وفتح الباب إلى ساحة ترابية ممهدة ونادى حمد زوجته لتعد لنا الشاي وهو يفتح باب غرفة الضيوف، خلعنا أحذيتنا وخطونا من فوق صحون سجائر زجاجية لنجلس على فراش مرصوص إلى الحائط. لم يضيِّع حمد أي وقت، أخرج كمية من حجر الشب وبدأ يحركها بشكل دائري فوق رأس أم لافي، ومن ثم اختفى إلى المطبخ عبر الساحة. لم يكن الشاي جاهزاً بعد عندما رجع بالنتيجة والرد. بدأ حجر الشب ينفث ويجيش وعندها، قرر حمد أن الشب أخرج بما فيه الكفاية من الفقاقيع، أزاله من على النار وفسر لنا الأشكال التي تكونت منه. «المشكلة من الأرض، مش من الناس«، وبهذا كانت نظرية أم لافي غير صحيحة، فبدأ يشرح لنا طريق الخلاص. «احرقوا بخورا فوق جلد الماعز، وانقلوها إلى مكان آخر في الكهف - فربما كان السحر هناك منذ مدة طويلة -«؟ وكتب بعض الآيات من القرآن الكريم على قطعة ورق صغيرة وطواها في قطعة معدنية أصغر من قطعة نقود. طوى طرفي الحجاب بالمفك وملسه بضربه ضرباً خفيفاً على درجة إسمنتية. أعطته أم لافي بعض الجميد كأجرة، وعندما وصلت إلى البيت أخاطت قطعة قماش صغيرة حول الحجاب وعلقته حول رقبتها. وبعد مدة وجيزة أصبح سمنها ولبنا لذيذاً. واعتقدت أن التعويذة قد أفسدت وأن الأرواح في الأرض قد أرضيت، ولكن على الأغلب، أن الجلد كان قد تشرب كفايته من الحليب وبذلك خرجت منه كل آثار الدباغ. ولكن أهم ما في الأمر أننا قد حصلنا على سمن وفتة لذيذة. في منتصف الليل إلى معان جاء دوري لقيادة السيارة عندما حان وقت ولادة إحداهن. فقد كان الدق على الباب في منتصف الليل أو المناداة المتواصلة من البوابة تستمر حتى نستيقظ. (وكنا قد ركبنا بوابات عند الممرات التي تؤدي إلى حافة الجبل لحفظ سلوى ولحماية النباتات التي زرعها محمد عند الدرجات الخلفية من المعروش). لبست مدرقتي فوق ملابس النوم وربطت شالاً على شعري ورجعت للوراء بالسيارة للخروج من الكهف. أخذت لفيفاً من الناس من كهفهم أو من أقرب طريق واتجهت بالسيارة بتؤدة فوق المسحلح الحجري للحروج من السق. وكانت أضواء السيارة الأمامية تنعكس مراراً وتكراراً على المربعات المخصصة للآلهة بين انحناءات المنحدرات وعلى جذوع أشجار التين التي تعلقت بتشققات الصخور وما تبقى من بلاطة جلست عليها مرة لأطعم سلوى عندما كنت أتمشى ذات مرة في السق. (وكانت مربعات الآلهة مربعات طريفة نحتت في زمن النبطيين كتمثيل لآلهتهم). وكانت رائحة شعر الماعز التي انبثقت من الحماة وزوجها تطغى على الرائحة العطرة التي فاحت من المرأة التي كانت في المخاض. فلقد استحمت عندما جاءها المخاض؛ لأنها لم تكن تستطيع أن تستحم لعدة أسابيع بعد أن تلد؛ وذلك لأن الاقتراب من الماء كان غير آمن بعد الولادة ويسبب الوباء. وفي بعض الأحيان كنا لا نبتعد أكثر من وادي موسى إلى القابلة، ولكن بمرور السنين وعندما بدأ البدو يؤمنون بالحاضذات والعمليات القيصرية، كنا نذهب إلى معان. وفي معان انتظرنا في الممر، عندما خرجت نايفة وطلبت ملابس للطفل، عندها أدركنا أن الطفل في حالة جيدة. سألنا، «هل الأم في حالة جيدة أيضاً«؟ «هل الطفل صبي أو بنت؟» وكنا نريدها أن ترد علينا ولكنها كانت تتركنا في حالة ترقب. وفي معظم الأحيان لم يكن هناك أي ملابس للطفل؛ وكانت نايفة تنتظر وتضع يديها على خصرها غير مصدقة عندما كانت الجدة الجديدة تحلع غطاء رأسها المزهر أو سترتها الصوفية وتعطيها إياها، فتهز رأسها بعجز فقدان الأمل. شاهدت هذه المسرحية عدة مرات، وبت أدرك أن نايفة كانت نذوب في تلك اللحظة، وربما كانت تتذكر جدتها الطيبة، وكانت نتأفف وهي تمضي لتلف المولود الجديد الحبيب، لعلها تحتال عليهم بأن يجهزوا ملابس الطفل في المرة القادمة. وفي اليوم التالي أو لاحقاً في اليوم نفسه وحين تبدأ رحلتنا في الصباح الباكر، نرجع ونأخذهم إلى المنزل. استيقظت سلوى وبكت، «ودي أروح معاك يوم» وكان الركاب بصرون أنه يوجد متسع لها ويضعونها على ركبهم. لم يكن لدينا مقاعد سيارة مخصصة للأطفال، ولم يستعمل أي منهم أحزمة الأمان التي كانت متوافرة للكبار. كان الطبيب يقوم بجولته الصباحية ويسمح للأمهات الجديدات - إذا كان وضعهن طبيعياً - بالخروج، وكانت لدى المحاسب نسخة من المرسوم الذي نص على العلاج المجاني، وبذلك كانت معظم الأمهات تخرج من المستشفى بعد ساعات من الولادة. وحملت الجدات الرضع من المستشفى ووضعنهن تحت عباءته، وارتمت الأمهات الجديدات على البطانية في المقعد الخلفي. وكان بعض الأزواج يصرون أن نذهب إلى مطعم عبدو لتناول الإفطار أو الدجاج المشوي أو كبد الخروف المقلي فوق صحون الحمص، وبعضهم الآخر يشترون قطعة خروف معلق في شباك الجزار أو يطلبون من بائع الدجاج أن يذبح وينظف كمية من الدجاج تكفي لإعداد المنسف في البزت. وتصر بعض الجدات على الوقوف عند دكان العمراني لابتياع الحلبة، منقوع يساعد على إعادة الرحم إلى وضعه الطبيعي، وزيت بذر الجرجير الذي توضع منه بعض النقاط على حلمة المرضعة، فتساعد الرضيع على التخلص من الإمساك. وتطلب الأمهات من الآباء شراء علب المانغا، الشراب البارد السميك الحلو، لنشربه في طريق العودة. وعند الرجوع إلى البيت والسيارة في الكهف السفلي ودعوة للعشاء مقبولة، كنت أود لو أنني فقط أستلقي وأحس بالجبال، ولكن سلوى كانت قد نامت في السيارة وبحاجة للمراقبة، وكان علي أن أنظف بعض الصحون وجلب الماء ومعظم الأوقات إعطاء إدرة أو تضميد جرح. الحوادث تقع بالتأكيد يا للعجب، تساءلت عندما رأيت أتيمة عند البوابة تحمل حفيدتها على وركها. ماذا فعلوا لها الآن؟ كان من البدهي أن زيارتها ليست فقط زيارة اجتماعية، فقد كانت تلبس عصابة عادية حول رأسها ومدرقة غير مطرزة، وكانت الطفلة ذات السنتين تلبس شبه فستان رث. تركت الغسيل وعندما فتحت الباب صرخت بسمة المبللة فقد عرفتني ورفعت يديها بوضعية الدفاع، فرأيت ذراعها الأيمن وقد غطي بمعجون الطماطم. وهكذا أجيب سؤالي: حرق آخر. وضعت أييمة بسمة على الأرض الإسمنتية، تجاهلت الضجيج وبدأت تدافع عن نفسها قبل أن تهدأ الطفلة. «كنت مشفولة» في قلي القرنبيط لوجبة غذاء الأطفال وركضت بسمة إلى الداخل وقلبت كل شيء «البريموس والمقلاة والزيت والطعام، أنت تعرفين أمها وتعرفين أن الطفلة لا تجلس ساكنة. ولحسن الحظ أن الأطفال الآخرين لم يكونوا موجودين - انظري لقد طرش على كمي أيضاً«؛ وجلست على البساط تفرك ذراعها مغتاظة. وضعت إبريق الشاي على فرن الغاز، وأتيت بعلبة الضماد من الكهف وتربعت أمامهما ووضعت محلول السالين في الوعاء. اشتد الصراخ واتسخ وجه بسمة الصغير بالغبار والدموع ومسحته أتيمة بطرف عصبتها. وبحتها قائلة: «أنت من بين جميع الخلق يجب أن تنتبهي أكثر، انظري إلى ساقها». لقد كانت الندبة في ساقها ممتدة من الكاحل إلى الفخذ، وكانت قد حرقت منذ بضعة أسابيع بكأس من الشاي الساخن. «ولقد قلت لك مئة مرة ألا تضعي معجون الطماطم على الحروق، سوف تتألم كثيراً لاسيما عندما أحاول تنظيفه. لاعجب أنها تحاف مني، والآن امسكي بذراعها إلى الأعلى». أمسكت بها أتيمة وهي على ركبتها. لماذا لا يتعلمون؟ كنت أفكر وأنا أغسل. لحسن الحظ أن المعجون لم يثبت. فعندما حرقت ساقها وضعوا معجون الأسنان الذي التصق بالحرق كالجبس الفرنسي. مسكينة بسمة لقد قشرت قطعة من جلدها. «اسم الله، اسم الله،» قالت أتيمة محاولة تهدئتها وببطء خف صراخ بسمة، بينما كنت أضمد يدها بالنسيج الشمعي الطبي. لم أكن أحب أن أغطي الحروق، ولكنهم كانوا يعيشون في خيمة مغتوحة من شعر الماعز وذات أرضية رملية، ولم يكن هناك أي مجال أن تبقى بسمة نظيفة. كان يجب علي أن أبذل قصارى جهدي أن أحميها من الالتهاب، وتغيير الضمادات سيكون مؤلماً كتنظيف الحرق من المعجون. وبينما كنا نشرب الشاي، لقنت الإوشادات للجدة مرة ثانية، وتأملت أن بعضها سيرسخ في ذهنها. قلت لها »احضريها بعد يومين، حاولي أن تبعديها عن الرمل، وإذا نزع الضماد احضريها فوراً - وإذا قررت أن لا تحضريها أبداً، لا تدعي أحداً يضع لها شيئاً فوق الحرق». لماذا تتبرع بما تستطع أن تبيع في إحدى الليالي أخذ محمد فاطمة أخرى في حالة ولادة إلى معان، وأجرى لها الأطباء عملية قيصرية. كانت نحتاج إلى الدم. عاد محمد إلى البتراء وأخذ الإخوة وأبناء العموم والأخوال وبعض المتطوعين (كلهم ذكور) الذين كانوا متحمسين للتبرع، ولكن لم يكن لأي أحد منهم زمرة دم تتطابق مع زمرتها؛ لنا ذهب محمد إلى عمان مع أحد أبناء العم علهم يجدونها في عمان. لم يجدوها في بنك الدم أيضاً. وكان الناس الذين لديهم عنصر «Rh سلبي» لا تتبرعون بدمهم بل كانوا يبيعونه في المقاهي في البلدة. والحمد لله أن ابن العم كان لديه الكثير من النقد الذي أرادوه. كان عليه بالإضافة إلى الدفع للشخصين اللذين كانت لهم الزمرة المطابقة كان يجب عليه أن يدفع أيضاً للطبيب في جوش (الذي كان يبعد ستين كيلو متراً عن عمان) الذي سحب من كل منهما وحدة، وكان يجب عليه أن يبتاع براداً صغيراً كي يحفظ الدم فيه لدى عودته إلى معان. وفي المستشفى فحصوا الزمرة وضخوا الدم كله وربما كان عندهم بعض الدم في المخزن مهيأ للاستعمال كالذي أتى به محمد. في كل الأحوال، لابد أنه كان جيداً لأن فاطمة وزوجها عادا لينجبا المزيد من الأطفال بالرغم من نصائح الطبيب - حتى أنجبا ثلاثة عشر طفلاً. العلاقات وتحسينات المنزل: 1982 لمدة طويلة لم يزرني أحد من أهلي. كان أخواي تيد وجون يدوسان ثم بدأا يعملان، وأما أختي آنا فكانت ما تزال في المدوسة. لم تكن لوالدي أي خطط لترك بلدهم الذي اختاروه. تصادف ذهاب جون وزوجته كاثي إلى أوربا مع وحلتنا إلى نيوزيلندا. وأما تيد فقد ترك نيوزيلندا وذهب إلى روسيا عبر هولندا التي عندما وصل إليها كانت تواجه شتاء قارساً قاسياً لم يتحمله حتى الهولنديون الذين يتزلجون في جولة الإحدى عشرة مدينة، فرجع مباشرة إلى الوطن. كانت أقرب نقطة إلينا قد وصل إليها، هي ميناء يوكوها ما بانتظار العبارة ليستقل «تراننس سايبرين اكسبريس». سفينة تسير على غير هدى تجمع الركاب، وفي النهاية تأخذهم إلى الشرق الأوسط والأردن، وقالت إحدى الفتيات: «أروع مكان هو البتراء. يجب أن تروها». «هذه وجهتي. أختي تسكن هناك... قد تزوجت أختي بدوياً». «هذا مذهل! لقد بت معهما. يسكنان في كهف، أليس كذلك؟ مارغريت ومحمد»! وأخيراً جون وكاثي آتيان إلينا، وقرر محمد أن يصنع حماماً رشاشاً. وإلى ذلك الوقت كنا إذا أردنا أن نستحم، نسحن ماء في إناء معدني ونغلق باب الكهف ونحشو النوافذ بيعض الأشياء لتكن لنا بعض الخصوصية، وبعد ذلك نتربع في حوض استحمام دائري ذي قعر مسطح، وكنا نغرف الماء على أنفسنا أو على بعضنا، وبعد ذلك نفرك أجسادنا بالليفة ونصب على أنفسنا الماء الدافئ لنتخلص من الصابون. وكان أصعب فصل هو محاولة تحريك الحوض من مكانه وإخراجه من الباب وكفئه لكب الماء في الساحة. اعتقدت أن زوارنا سيتدبرون أنفسهم، وقلت لنفسي: إذا كانوا حقاً يريدون حماماً رشاشاً لما أتوا إليناً ولكن محمداً كان مصراً. وكأن محمداً كان صانع حمامات رشاشة كل حياته، فبدأ العمل. قص أنبوباً للقياس المطلوب، ومن ثم ابتاع رأس رشاش وصمام في وادي موسى، ومن ثم وضع برميل سعة أربعين غالوناً على صحرة فوق المطيخ ووصل الأنابيب على وجه الصخرة ومن داخل السطح. ووراء باب المطبخ صنع حوضاً للرشاش من الإسمنت، وخارج المطيخ حفر حفرة لتصريف الماء. ووضع بعض الألواح فوقها، ومن ثم طمرها. وعلق أيضاً ستارة رشاش، وكان الهدف من الستارة إبقاء الماء في الحوض وليس الحصول على الخصوصية. صببنا بعض الماء لاختبار ما صنع، ووجدنا أن السباكة كانت في حالة ممتازة، ولكن تسخين الماء اسنتغرق يوماً كاملاً تحت أشعة الشمس كي يصبح بدرجة حرارة مقبولة. عندما استلمنا البرقية في منتصف زيارة جون وكاثي، كدنا لا نصدق ما جاء فيها، وقد فرحت جداً أننا ركبنا الرشاش. لم نكن نتخيل أن والدينا سيتركان نيوزيلندا، ولكن البرقية نصت أنهم سيأتون الأسبوع المقبل. ولم أعتقد أنه كان عليهما أن يخوضا تجربة الاستحمام (باللغن). لقد كان عمالاً مرهقاً أن نبقي البرميل ممتلئاً طوال الوقت، ولكن والدي كان يحب الذهاب إلى النبع ليملأ الماء وكنا نوكله لفعل ذلك. مكث والدي عشرة أيام. لم يصدق البدو حتى ذلك الوقت أنه كان لدي عائلة. كانوا يسألونني «ألا يريدون أن يزوروك«؟ «هل هم كبار في السن«؟ لم يخطر ببالهم المسافة أو الكلفة. والآن كنت أريهم البتراء وفي الوقت نفسه كنت أتباهى بهم. جاءت النساء لتسلم عليهم وتصافح أيديهم كي يقلن «هذا أبوك؟» أو «هذي أمك؟» وبعد ذلك كانوا يقبلونهم، ولو لم يكن شعر أمي القصير يحيرهم، لتلقت قبلة على كلتا الوجنتين. دعينا لشرب الشاي وتناول الطعام وكانوا يتفرسون فينا ليجدوا وجه التشابه بيننا. وبدا أن الجميع أراد أن يقدم وجبات الطعام لوالدي. وكنا في شهر رمضان؛ لذا كانت الدعوات لتناول وجبة »الفطرة» (أو الإفطار كما يسمونها عرب الحداثة)، وجبة المساء لإنهاء الصيام. ذهبنا إلى أم علي، حيث كان علي يسكن مع زوجته المبتسمة التي تظهر غير مبتسمة بالصور، وإلى مدفن القصر حيث كانت خيمة علي تستقبل نسيم بعد الظهيرة والى الذنب حيث كان على مريم في تلك الأيام أن تشارك مجمع كهفها مع زوجها وزوجته المصرية الجديدة، وإلى دخل الله في الدير حيث استرخينا على فرشة أمام النصب الأثري المهيمن على المكان كالستارة الخلفية المرسومة في محلات التصوير. وكان الدير - وهو المنصب الأثري المفصل لدي - كبيراً وهادئاً وبعيداً عن كل مكان. وقد تبنى سلامة وعلي والدي فكانا يأتيان كل يوم ليلعبا معه «الشيش بيشش» وكذلك عبدالله وخصوصاً عندما عرف أن والدي قد تعلم كيف يلعب «السنيجة». السيجة هي كلعبة الدامة، بالإمكان أن تلعب في أي مكان، وكانت رقعة اللعب ترسم في الرمل، ويحتاج كل لاعب لأربعة وعشرين حجراً، وكانت تجمع من أي شيء موجود بكثرة في المكان كالحجارة الصغيرة أو أغطية علب البيبسي أو بعر الجمل والماعز الجاف والتي كانت هي الأكثر شيوعاً. كان والدي يربح في معظم الأوقات، ولكن ربحه الأكبر كان يتوج عندما - حتى قبل أن يبدأ - لا يضطر إلى استعمال البعر. وكانت أمي مراقبة عصافير في هولندا ومختصة نبات هاوية في أدغال نيوزيلندا، فكانت تحمل دفتراً وتدون أسماء النباتات والعصافير التي تعرفت عليها والتي أرادت أن تتحقق من أسمائها لاحقاً، كتلك الطيور السوداء الكبيرة التي كانت تجلس فوق الصخور فوق المسرح لتنقض وتفتش بين النفايات التي يتركها أولاد المدارس بعد أن يتناولوا غذاءهم. كتبت: غرابانا أم تراهم غربان القيظ؟ ولكنها عندما رجعت إلى البيت وإلى كتابها لم تجد أي إجابة، فقد كانت الغربان بأنواعها تعيش بين تلال الأردن). وذات مرة رأينا على عتبات المكان العالي ضباً أزرق من الصنف الذي يعيش في سيناء، كما كنا نرى الكثير من الضباب في الدروب والسمندل الأخضر والأصفر الذي يشبه الأفاعي ينسل داخل شجيرات الدفلى عندما كنا نذهب إلى النبع. ولقد عثرنا على عقرب واحد - على الأقل - عندما رفعنا فراش النوم من الساحة في الصباح ولكننا لم نعثرعلى أفاعي. وجعلنا لبيت الخلاء خصوصية أكثر، ولكن كان يجب علينا أن نقرفص، ببناء جدار صفير، وغطينا حفرة عميقة بألواح لتصريف أفضل. ووفرت ورق الحمام؛ لأنني حتى أنا لم أستطع أن أستعمل الحجر الذي كان هو البديل الطبيعي للورق. عارضت محمداً مرات عديدة وعلى مر السنين أن يقوم بالتحسينات المنزلية وأن يغامر بالعمل، ولكن جاء الوقت الذي اعترفت به أنه كان على حق. وكانت السيارة عظيمة أيضاً، مع أنها لم تتسع للجميع. أخذ محمد عائلتي إلى العقبة وإلى مطعم السمكة لتناول السمك المشوي، وركبا قاربا ذا قعر زجاجي، وكانت مشكلته الكبرى عندما حاول أن يقنع الشرطي عند نقطة الحدود أن هؤلاء كانوا حقاً أهل زوجته، وأنه لم يكن يستعمل سيارته الخاصة لاقتناء المال. ولقد أوقفت أنا أيضاً (عندما انتهت زيارتهم وقدتهم إلى المطار عبر طريق الملك السريع)، ولكننا أظهرنا جوازات سفرنا ورحب بنا في الأردن بأذرع مفتوحة وانحناءات رؤوس. جوالون نيوزيلا نديون جاء محمد من العمل، ذات يوم يعد الظهر وهو مكشر كالقط، وهو يقص علي الحكاية وكنت أتخيل المشهد. لم يعد يعمل عند الخزنة. فقد اشتد التباري بين البائعين هناك، كما أن الخبرة التي اكتسبها مذ رجعنا من نيوزيلاندا، بأن هناك طرقاً أخرى لفنون التجارة جعلته متحمساً لإنشاء بقعة خاصة به؛ لذا انتقل إلى مكان مقابل للخزنة ورتب طاولته أمام كهف أحمر مفتوح. وعلى مر السنين طوره إلى مقهى لشرب الشاي والقهوة، ولكن هذا اليوم بالذات كان قد هيأ الطاولة وتخيلت منظره وهو جالس في الظل يراقب الدرب المغبر بين أرجل الطاولة. وكانت الخيالة تمر من وقت إلى آخر وتقول له: «قواك». كانوا يعرفون أنه هناك دون أن يروه. وكان يجيبهم دائماً قائلاً: «الله يقويك، تفضل». رأى أربعة سائحين يتدرجون من الطريق العلوي، فقام بكسل وانحنى فوق مؤخرة طاولته المعدنية وبدأ يتفحصهم وهم يقتربون منه. كان شعرهم مصفراً من أشعة الشمس، يلبسون قمصاناً قطنية وسراويل قصيرة مجرودة، وصنادل جلدية، فقال لنفسه «امقطايين«؛ ينفعون للدردشة فقط وليس للشراء، وكان يحاول أن يكون سمحاً بالنسبة لتلك الأمور. أعتقد أن كلمة «أمقطايين» تأتي من «قطاعي الطرق«، وتطورت لتشير إلى «هيتشهايكرز» المسافرين الذين يتنقلون من مكان إلى آخر بواسطة المركبات المارة على الطريق، أو إلى أي شحص ليس له مكان إقامة ظاهر. تلكأت الفتاة ذات الساقين السمراوين نحو الطاولة وفي يدها سوار من الخيوط المضفورة، وكانت الثانية تحمل حقيبة ظهر عسكرية كالتي حملتها عندما وصلت. اتجه الشباب إلى القوس ومن ثم إلى المسرح. بدأ محمد الحديث وقال: «من أين أنتم«؟ وقد قرر مسبقاً أنهم إما أستراليين أو نيوز يلنديين. نظرن إلى بعضهن، وقد سئمن من السؤال المطروح نفسه ثم أجين وهن يجربن الأساور الفضية: «ذيوزيلاندا»، »من أببن في نيوزيلاندا»؟ تخيلته وهو يرفع رأسه إلى الأعلى وربما انتبه إلى قلب أعينهم التي عنت: «أيعرف هو ما شكل خريطة العالم حتى يعرف أين تقع نيوزيلندا»! ولكن إحداهن أجابته بكل تهذيب وهي تنظر إلى نفسها في المرآة ذات الإطار المطرز: «نيلسون». لو كان محمد حقاً يكتب هذه النكتة لما كان الرد أفضل (وكم أحببته لسرعة بدهته). برقت عيناه، وربما استقام بوجهه كي يستفسر، «نيلسون... أم موتوكا»؟ صب لهم الشاي وبدؤوا يتذاكرون عن شي إيلكو وقطف التفاح. مسرح صحراوي لقد شبه والدي حافة الجبل الذي كنا نسكن فيه بالمسرح، فقال: إن لدى الحافة مخرج مسرح يساري ومخرج مسرح يميني وسترة خلفية من الجبال. وعبر السنين العديدة هفت إليه الكثير من الشخصيات المختلفة. كان حبل الغسيل الذي امتد عبر الساحة، وقد رفعته بعامود أشعب من شجرة الصفصاف، يظهر في كل صورة أخذناها هناك وعليه شيء يتطاير، فبدا دائماً كأنما وراءنا ستارة. وفي أيامي الأولى، ومع أنني لم أكن أعرف أحداً، كانت النساء والفتيات يأتين لينظرن إلي. كنا نجلس فوق البساط على أرض الكهف وكن يرمقنني قائلات: «وين محمد»؟ مع أنهن كن يعرفن أن محمد لابد أن يكون في الخزنة. وكن يقدن: «أنت وحدك»؟ وينظرن إلى فراشنا باستنكار (فرشة واحدة، كيس للنوم، بطانية ووسادة) وكنت أعرف ما كن يقصدن، «أهذه هي كومة فراشك»؟ مما يعني أنها لم تكن كافية. حتى أفقر عائلة كانت تأخذ مهراً لعروسها لتمكنها من التزود بفرشتين من الصوف وبطانيات من الساتان وأربعة مساند محشوة بالقطن ومفطاة بالساتان أيضاً، وأغطية مخدات بيضاء مطرزة، وسجادة طويلة مصبوغة بألوان فاقعة، وخزانة خشبية طويلة لها باب ذو قفل لتحفظ في داخلها كل الأشياء. ولكن هذه المسرحية ولت، عندما أصبحت من القبيلة وكبرت كومتي. جاءت نورة تطلب مني قطعة نقود. قالت: «أريدها لأشتري شراباً »، ولم تقل لي لماذا. ثم أردفت تقول: «يجب أن أشحذ قطع نقود من سبعة رجال اسمهم محمد ومن سبع سناء اسمهن فاطمة»، وأعتقد أنها أتت إلي لتكملة العدد ولأنها اعتبرتني فاطمة أخرى. جاء رجل بدوي محترم يلبس ثوباً بأزرار وسترة متلائمتين وطلب نقوداً. فقد قتل ابن ابن عمه رجلاً، ولقد أمرت محكمة بدوية أن تدفع قبيلته لعائلة الضحية خمسة وعشرين ألف دينار. فبدأ يجمع، كما كان يفعل جميع أقربائه، كي ينقذوا القاتل من عقوبة الإعدام ولينقذوا أنفسهم من اقتصاص مماثل. أتى لافي بشنار ذي لون أعفر وخطوط بيضاء وسوداء تحت جناحيه وشريط من الريش، كالقناع الذي يلبس في الحفلات التنكرية، فوق عينيه. لقد اصطاده بواسطة إحدى أفحاخ الطيور. دفع محمد ثمنه وصنع له قفصاً، وسرق منه في اليوم نفسه؛ لذا لم نتمتع بتغريده في الصباح. كان لحم الشنار لذيذاً؛ وكان يحب علينا أن نعرف أن أحدهم لن يقاوم ذلك الإغراء. جاء أحدهم بصقر كان قد لقطه في منحدرات أم البيارة، فوق النبع بكثير. أمسك به وقرفص على ركبتيه وفرد جناحيه بقدر ما استطاعت ذراعاه أن تمتد. كان هناك شار من جرش أراد أن يستخدم دمه لمعالجة الخبيث وهو مرض السرطان. إن الدم محرم على المسلمين، فهم يجزون رقبة الحيوانات التي يريدون أكلها حتى يسيل الدم، كما أنهم يحبون أن يطهوا لحمها جيداً، ولكن الدم كان يستعمل في الكثير من العلاجات والتعاويذ السحرية. جاء رجل آخر يلبس قميصاً رقيقاً وسروالاً لامعاً من آثر المكواة، ومعه وعاء أدوات مليئاً بالشبريات. الكثير من البدو كان لديهم شبريات تصنع من قبل النَّوَر الذين يمنتهنون حرفة الصناعات المعدنية، ولكن أبا رياض الهوشان كان فناناً يصنع تحفاً للسائحين. كانت الأنصال عادية، أما الغمد واليد فكانت جميلة وحفورة بإفراط، - بعضها كان قصيراً ومستقيماً إلى نهاية الحد - وكانت كلها مرصعة بالخرز الزجاجي الملون ومحفورة بأشكال أوراق الشجر والزهور. فاشترينا جميع ما لديه وطلبنا المزيد. ومرة في وقت متأخر من الليل جاء رجلان وكانا يتهامسان ويتكلمان عن الذهب. كانا من الشرق، وقد سمعا عن تلك الجبال والكتابة والنحت الموجودة فيها. (هناك ذهب في هذه الجبال) قالوا: إن لديهم وسيلة لاستخراج الغني غير المستدرك، وليسوا بحاجة لبخور وديك ضحية ومغربي يملك كتاباً حقيقيا (لم يكن هناك حاجة لفأس أو رفش - فإن الصحرة تفتح أمام المغربي الحقيقي وسينساب الذهب). كانا مستعدين أن يشاركا محمداً إذا أرشددهما إلى جدار الصحرة التي سمعا عنها والتي نحتت فيها أفعى عل طرفي النيش الوسطي. لقد سمعنا عن هذه الأحلام الأسطورية من قبل، ولكننا كففنا عن إعداد الخطط لشدة تعقيدها (فجميع الذهب الموجود في الأرض كان ملكاً للتاج) وبالرغم من الواقع أن الذهب الوحيد الذي عرفنا أنه قد عثر عليه، كان تركي الأصل، واكتشف من قبل عصابة طرق بواسطة جرافة، ففي أعالي جبال الشراه ودون وجود أي مغربي، وبالرغم من تشككي الذي لم يؤثر على زوجي، فقد برقت عيناه وذهب. بالإضافة إلى أن ما كان محمد على وشك القيام به، غير قانوني، فإن مجرد التقكير فيه يحرج المجرمين؛ لذا بقيت طوال الليل مستيقظة حتى عاد بالسلامة إلى المنزل ومرة ثانية فارغ اليدين، دون ذهب. جلبت طفلة ذهباً، قرطاً طرياً أصفر. كانت فيه دائرة صغيرة، ربما سقط منها حجر، وتدلت منه قطعة صغيرة ثبت عليها حجر عقيق أحمر غامق. وكان قد برق أمامها ذات صباح ماطر في فم الوادي عندما عبرته لتجلب لنا خبز الطابون. جاءتنا سيدتان إيطاليتان وأمضيتا الليلة معنا. قرر محمد وعلي أن يذهبا إلى عمان في اليوم التالي؛ لذا قررا أن يذهبا باكراً في الصباح ليلحقا «بالسرفيس». وفاجأني محمد وعلي عندما رجعا وقالا «كسر نعل حذاءيهما فكان يجب علينا أن نحملهما إلى منتصف طريق السق.» وبدأت أتساءل، هل هذا معقول كسر نعل حناءيهما؟ ولكنني لم أقلق كثيراً فقد كان محمد هنا معي. جاء شرطي بزيه الرسمي وانحنى فوق البوابة وقال: «هل مر فلان من هنا«؟ لقد كان صغيراً، بدوياً مطلوباً للجندية الإجبارية ما لم ينتسب إلى قوى الشرطة للحصول على راتب وتقاعد، ولكنني لم أحبه لذا لم أدعه للدخول. كنت أكره الطريقة التي يأتي بها إلى البتراء مع سبق الإصرار ليوقف الصبيان الذين فروا من الجندية. وحيث كنا واقفين كان باستطاعته رؤية فلان في منتصف الطريق إلى السوق القديم، وهو يركض عبر التلال. رفع الشرطي جرابه ورتب قبعته ولحق به ملاحقة عديمة الجدوى؛ وذلك؛ لأن فلانا كان أسرع منه وكانت تلك التلال تلاله. كانت المشاهد عل حافة جبلنا تستمر وتجلب لنا الكوميديا والتراجيديا والدراما اليومية حتى جاء اليوم الذي كان يجب علينا أن نزيل بواباتنا وحبل غسيلنا وأن ننتقل الى مشروع القرية في أم صهيون. قوى اليرموك منذ بدأ الترميم في قصر البنت، بدأ محمد يعمل كحارس هناك. في الليل كان ينام في خيمة خيش محاطة بأكياس الإسمنت، والفؤوس والمسحاة والدلو، وكان يصحو في الفجر«ليوحد الله» ويحصي الأدوات للعمال الذين كانوا يبدؤون العمل في الساعة السابعة. وخلال النهار، وبينما كان العمال ينصبون السقالة ليصلوا إلى أعلى قوس ويضعوا الإسمنت ليبقوا عليه بضع سنين أخرى، وحتى بعد أن ينتهي العمال ويسلموا أدواتهم في الساعة الثانية والنصف، كان يجلس أمام المذبح الواقع بمحاذاة المعبد يراقب العالم ينسل من أمامه. وفي ذات يوم شتائي مشمس من بعد الظهر، وقبل أن نذهب إلى نيوزيلندا، كنا نمر من هناك فدعانا، ووضع الراديو الذي يعمل بالبطارية على أذنه وقال: «بدأت الحرب بين إيران والعراق». لقد كان يومأ جميلاً، وكانت تلك البلاد بعيدة، فلم أعر الأمر اهتماماً كبيراً. «وبدأت أتساءل: لا أفهم كيف للمسلمين أن يحارب بعضهم بعضاً» وكان من الممكن أن يبرر أحمد قائلاً: الايرانيون شيعة»، ومرت سنة ونصف عندما بدأت هذه الحرب تتعدى على حياتنا. كنت نادراً ما أستمع إلى الإذاعة البريطانية المشوشة، مقنعة نفسي بأنه لابد أن شيئاً سيحدث؛ ليؤثر علي. عرض الأردن على العراق قوة محاربة من المتطوعين، وبدأ النشامة يلتحقون كالقطعان. وكان أخوا محمد، سالم وإبراهيم بينهما. لم أكن أفهم المبرر، فكلهم كانوا يكرهون الدخول في الخدمة العسكرية في جيوش بلادهم، والعديد منهم أمضوا سنين طويلة في الجيال هاربين متحلين أو مسجونين. رما كان هو الوعد بعمل شيء ما أو ربما كان المال، على أي حال، ذهبوا كلهم، البدول والعمارين والليحاثنة من وادي موسى. وعندما بدأت القنابل تتساقط عليهم، استغنوا عن المال الذي كانوا يجنونه، فرجع عوض وفتى صفير اسمه خالد بعد أول معركة خاضتها القوات. وقد جلبوا للجميع من بغداد هدايا سحية، فساتين للفتيات من النوع الجيد ومن القماش المصنع ذي اللون الأحمر والأزرق، وسيارات سباق للصبيان تعمل بالبطارية ولكنها لم تكن تعمل، وأما للعائلات فقد أتوا بأباريق زجاجية وكؤوس تتماشى معها وكانت مزينة بدوائر ذهبية لم تقشر إثر الغسيل. وفقد محمد الاتصال بأخويه. وبعض الأحيان كان يصل أحدهم لقضاء الإجازة، ولكن لم يبق أي أثر لمحمد وإبراهيم. قالت إذاعة BBC إن القوات العراقية كانت تتراجع من خرم شاه؛ لذا قرر محمد الذهاب إلى العراق؛ ليبحث عنهما. أخذ أحمد معه، وهو صديق من وادي موسى وبقوا هناك مدة أسبوع. وعندما رجعا كانا نحيلين ومصدومين بالواقع. لم يكن هناك أي طعام في العراق. وفي مقاهي الشاحنات التي وجدت على طرقات الصحراء ذات الآلاف الكيلومترات، قدم لهم حساء طماطم وبعض الأرز. ومن العاصمة وجهوا إلى القوة الأردنية. لا أعرف أذهبوا إلى الشمال أم الجنوب (ربما إلى الشرق)، فلم تكن لديهم خارطة. سألا عن الاتجاهات وقيل لهم: «قبل، قبل». وجدوا المعسكر وأخوي أحمد وأخذوا بعض الصور. ولم نقدر أن نعرف من الصور أن الحرارة كانت خمسة وأربعون درجة وأن محمداً وأحمد لم يتناولا المنسف والشاي. وبدت الصحراء وراء الهرم الصغير من الجنود ذوي القبعات المعدنية، دون أي ملامح. ولم يقدر محمد أن يحصل إلا على ماء ساخن وأخبار تقول: إن أخي محمداً والجميدي كانا في فرقة أخرى في الجبهة. فقدوا الأمل وعادوا إلى المنزل بحفي حنين. وأخيراً وصل الخبر إلى إبراهيم واتصل كي يخبرنا أنه هو وسالم حيان يرزقان. وقبل أن يسترجع الإيرانيون الأرض، كان جميع البدو قد تسرحوا وعادوا إلى موطنهم. أسأور بدوية ابتاع محمد سوارين فضيتين من حرفي في شوارع بغداد. كانتا قطعتين حديثتين ومختلفتين عن الطراز المنقوش والمطلي الذي يلبسه البدو. وقد حفرت عليهما أشجار نخيل وزوارق صغيرة ذات أشرعة مربعة وكانتا جذابتين، ولكن واحدة مههما كانت بسيطة وأما الأخرى فكانت معقدة. وكنت أعلم أن محمداً أحب تصميم السوار المزركش المطعم بالحجر النفيس، ذا القفل الدقيق، ولكنه كان كثير الزخرفة وغير عملي للتزدن في البتراء. وضعت الأخرى ذات الطراز العادي والرقيقة الصنع ذات الأطراف الملساء على معصمي وهناك بقيت. وأعطى محمد الأخرى للأم، وكانت الاثنتان سعيدتين جداً. اسمه الجيدي لقد كان محمد الجميدي جارنا معظم الوقت الذي سكنا فيه في الكهف. وفي البداية كان يعيش وراء الراس في كهفين نكراني ببيت عائلة لورا انغالز وايلدر الذي كان مثل كتلة من التراب والأعشاب ويقيع على ضفة جدول مختبئ كليا تحت التل، ولم تكن تستطيع رؤيته حتى تدور وتقف أمامه وترى النوافذ والشباك في الجدار الحجري. كان الجميدي أطول من باقي أفراد قبيلة البدول، كما أنه كان أنيقاً جداً ونادراً ما كنت تراه يلبعى ثوباً. لقد كانت عظام وجنينه قوية وعظام حاجبيه أقوى مما جعل عينيه العميقتين تبدوان أكثر شراسة، إلى أن يبتسم. كان يسوق سيارة إدارة الآثار بين نوبات الانغماس في شرب الكحول، وقد أتى بزوجات من مصر بخفة ومهارة. وقبل أن يذهب إلى مصر كان قد تزوج اثنتين من قبيلة البدول وطلق واحدة. وقد تزوج المرأة المصرية الأولى عندما أتيت أنا وإليزابيث إلى البتراء أول مرة. وتلك الزوجة لم تبق مدة طويلة وتركت فاطمة وطقلين صغيرين في منزله. وعندما كانت فاطمة تأتي لزيارتي وكنا نشرب الشاي والأطفال يمرحون حولنا ويدمرون كل شيء، كانت تقول: «مجنونة«، وهكذا كانت تبرر تصرفات ابنتها وعدم تملكها القدرة على التنظيم. كان طول فاطمة يصلني إلى الكتف، وكان وجهها العريض يبدو قوياً وأكبر سناً وذلك بسبب العصابة التي لفت وجهها. لقد كانت حاملاً للمرة الثالثة، وكانت تقرفص باتزان على قطع من حجر الجير لتتخلص من حرقة المعدة التي كانت تعاني منها. وعاد الجميدي إلى مصر وأتى بزوجة أخرى جديدة. كان طول هانم كباقي المصريات، وكانت ترفع رأسها بكبرياء، وحالما سمعت النساء طريقة زغردتها أحببنها وقبلنها، فلقد كان صوت زغردتها قوياً ومتواصلاً؛ وبذلك أصبحن لا يستغنين عنها أبداً في المناسبات. ولقد نقل جميع زوجاته إلى الكهف في التل السفلي على رأس البر فوق آثر (نيمفيوم). وعند مدخل الكهف، أقام حداراً حجرياً لبناء المطبخ. لكن بقايا المعدن التي جمعها ليبني سقفاً لم ترفع وبقت هناك مبعثرة، وكان على النساء أن تتصازع معها كل يوم. فكان المعدن يرن وينعق عندما كانت النساء تحاولن تغطية أكياس الشعير والحطب وأغطية الحمير أو الماعز والخراف. كنت أذهب هناك بعد الظهر في أيام الصيف الطويلة. وإلى أن تتأهل خيمتهم من جديد، كنا نجلس في فيئها عند حافة المنحدر نراقب الطفل الذي قد بدأ يزحف، والذي كان مربوطأ من كاحله بمنديل إلى سارية الخيمة، والأطفال الكبار يرمون الحجارة على الماعز التي تثغو في الأسفل. وبعد ذلك كنا ندخل إلى الكهف، وكان الأطفال يدخلون ويخرجون ويتسلقون كومة فراش فاطمة ولاسيما عندما كانت تعول لهم ألا يفعلوا ذلك. وكانت الكومة تندحرج وكم كانوا يستمتعون بذلك. وكانوا لا يجرؤون على فعل ذلك مع هانم. فقد كان لها النصف الدائري من الكهف، وقد وضعت ستارة أمام أغراضها. كان قماش الستارة من قماش الساتان الأزرق اللون والمطرز بكثافة، وكان طرازه مصرياً بحتاً وليس كباقي الأقمشة التي تستعمل للستائر وظننت أنها لابد صنعته من قماش فستان عرسها؛ لأنها أيقنت أنها لن تلبسه في هذا المكان. لقد كان ذاك الكهف أصغر من كهفنا، وبدأت أفكر كيف كانت النساء تقضي وقتها الخاص مع زوجها. كن يمزحن بما يتعلق بدور من تلك الليلة، تارة بفجور وتارة بتوتر، ومعظم الأحيان كن حوامل، وكانت كل منهن تلعب دورها، فتنام العائلة أو تتظاهر بالنوم، وكان الزوجان يصمتان لمراعاة مشاعرهم أو;اولة ذلك. وكانت حفرة النار في منتصف الأرض الإسمنتية الخشنة، وكنا نجلس حولها على جنبيات ذات أغطية مزهرة، وجسدت فضية العمياء (أم خالة لافي، وجدة فاطمة) وتمسكت بأشيائها كي لا يسرقها الأطفال، وكانت عادة تحمل الطفل الباكي. وبدأت الروائح تختلط، رائحة قماط الرضع وعشاء الأمس وحشي فاطمة (كانت تدخنه عندما كان وديها ورق لف وتمضفه عندما لم يكن نديها)، والحطب المشتعل في النار. ونادراً ما كان الطب يحرق جيداً؛ وذلك لأنه لم يكن هناك نافذة، أو مدخنة وفي أي حال كانوا يددسونه ويعدون الشاي عندما كنت أصل. كان الأطفال يتبعثرون هنا وهناك، وفتحت فاطمة علبة الحليب المبحر بوضع الشبرية على طرفها ضربها بالأرض. وصب صبي صغير بعض الشاي في العلبة ليشرب ما تبقى من الحليب لآخر قطرة قبل أن يهرع لدرميها إلى أبدد نقطة من فوق المنحدر. صبغ الجميدي شاربه ذات يوم بعد الظهر (رأيته جالساً متربعاً منحنياً على (اللغن) أمام كهفه) ورجع إلى القاهرة ليقدم بعض الأفراد من قبيلة البدول، علهم بصبحون أزواج مستقبل محتملين. وقبل أن يفتح لهم الطريق إلى مصر، كان هناك نقص في النساء في البتراء. فقد كانت معظم الفنيات تؤخذ أو يوعد بها قبل أن يبلعن سن المراهقة وإذا كن مطلقات أو أرامل فكان يجب عليهن الانتظار لقضاء أشهر العدة الثلاث (لمعرفة إذا ما كانت المرأة حاملاً) قبل أن تتزوج مرة ثانية. وبات للرجال الذين كانت نساؤهم عاقرات أو لا ينجين إلا البنات والرجال الأغنياء فرص أخرى ألا وهي أحياء من مدينة القاهرة مليئة بالبنات الناضجات الصغيرات الممتلئات احلوات اللواتي لم يمانعن أن يكن ضرة أو زوجة ثانية. والعديد من أصدقائنا غير المتزوجين والمتزوجين ذهبوا إلى هناك وأتوا بزوجات (لم يبقين طويلا)، وأتت المصريات بلهجة لم أكن أفهمها وبطريقة زغردة لم أستطع أن أقلدها، وكن ينجبن بكثرة لم أكن أرغب بمماثلتها. الحوادث تقع (٢) وفي ذات يوم بعد الظهر، باع محمد السيارة بحفنة نقود. نظرت من حافة اجبل عندما سمعت السيارة ورأيته يخرج منها وبيده علبة الذخيرة التي كان يضع فيها عدته. وبعد ذلك قاد الشاري السيارة وانطلق قبل أن أعرف أنه كان شارياً. أكد لي محمد قائلاً: «لا تقلقي يا مارغ، سنشتري سيارة أخرى» «سيارة أحسن منها«، وكان يشير إلى المرة التي تعطلت فيها السيارة على طريق الصحراء السريع، والمرة الثانية في عمان واضطررنا للوقوف يائسين إلى أن توقف سائق حكيم وحفها من الرمل العالق بين أجزائها. ولم تكن الكراجات جيدة، ففي إحدى المرات كان المحرك يقدح ناراً، فجاء مصلح متحمس وضخ أنابيب البنزين بآلة ضخ هواء عال بغية تنظيفها وعندما لم يعمل المحرك، جلس عدة ساعات يخمن ما حدث، ليدرك بعد ذلك أنه قد أفسد مضخة الوقود. كان يجب علينا أن نبيت هناك. كنت سعيدة أن ندفع لقبلان ما تبقى من مال، ولكننا كنا قد تعودنا على سيارتنا بالرغم من تنفيس إطاراتها وتعطلها عن العمل وكم اشتقنا إليها. وحتى ذلك احين ولعدة أشهر قبل أن نجد واحدة أخرى جيدة وبسعر مناسب، ودون أن نحتاج قرضا، وذات لوحة أردنية، بقينا حت رحمة الآخرين. وعندما ذهبت إلى طبيب الأسنان في معان لإصلاح سني المكسور، تركت سلوى مع جدتها ومشيت إلى وادي موسى. وبعد ذلك وجدت سائقاً وافق على أن يقلني إلى هناك واتفقنا على الأجرة. وفي الطريق التقطنا عجورين، وبالقرب من معان جنديا عائداً إلى ثكنته، وكم أحرجت عندما دفعوا إلى السائق أجرة ركوبهم، لقد كنت أريد أن أغطي نفقة رحلتهم أيضاً. كم كانوا شاكردن أنني قد وافقت على التقاطهم، كما أن السائق كان يعول على ركاب آخرين كي يجني المزيد. كم أمضينا ساعات طوال - قبل أن نمتلك سيارة أخرى - على قارعة الطريق في الصحراء ندعو الله أن يرسل لنا أي عربة، وكنا دامماً مستعدين أن ندفع إلى أي شخص يتوقف ويلقنا، (ومعظم الأوقات كان السائق يضع الأطفال في مؤخرة الشاحنة كي نجلس أنا ومحمد في الداخل). «هي أمك جت يا سلوى» كانت خالاتها ينزلن مسرعات من التل لتقابلنني عندما عدت من وادي متاهة في ذلك اليوم. كنَّ يسكن في كهف عند قاعدة المنحدرات المجمعة. «يا له من يوم«؛ قالت أم لافي بحماس عندما جلست وسلوى على جحري وكأس الشاي بيدي. «لقد بلبلا أنفسهما هي وحسين عندما كنت أغسل الملابس، أرادا أن يساعداني ومن ثم نهبا ليلعبا، وعندما حان وقت الطعام لم نجد لهما أثراً. وبدأنا ننادي ولكن لا من مجيب، وبدأت أقلق عندما سمعتهم يجيبان. كانا يلوحان بأيديهما من الوقبة هناك في آخر الترنقة». وأشارت بيدها إلى المنحدر البعيد، وعندها أدركت لِمَ لم ترهما حتى لوحا لها. ثم تابعت، «عندما صرخت وقلت لهما أن يعودا من أجل الله، بدأا يقفزان ولحسن الحظ كان لافي وندى هناك فأنزلوهما، لم يكن باستطاعتي الذهاب هناك». وكم تمنيت لو لم تسرد لي ما حدث. فإن الحوادث تقع في البتراء، بالإضافة إلى لدغات الأفاعي والعقارب المميتة، فإن الأحواض النبطية قد ابتلعت الكثيرين والصخور النشديدة الانحدار قد أوقعت الكثير من الضحايا. كتلك البنت الصغيرة، التي كانت مازاك تخطو خطواتها الأولى، عندما وضعت أمها السرح على الحمار، مما كان يعني لها الرحيل من الكهف، فاتجهت إلى المنحدر وسقطت من أعلاه قبل أن تستطيع أمها أن تمسك بها، ولم تسقط فوق الدرب الذي يحيط به عادة، وكان ارتفاع السقوط سبعة أمتار فقط، ولكن الصخرة كانت ذات نتوءآت وحدبات فلم يتحمل جسدها الغض الارتطام فمالت قبل أن تصل إلى القاع. لقد كنت حاملاً بسلوى في ذلك الوقت، وفجأة ومع أنني لم أكن قد رأيتها بعد، أصبحت عزيزة وغالية على قلبي، وبدأت أفهم لماذا فقدت أسمهان الرغبة في العيش، وعرفت لماذا انطغأ النور من عينيها، وعرفت كم هي محظوظة أن يكون لها زوج يحبها ويؤمن أن موت ابنتهما كان قدراً، وأنها قد ماتت بسدب وقوعها من فوق الصخرة، وكان من الممكن أن تموت بسبب الحمى أو الحروق أو رفسة حمار، كما أن مشاركتهما تلك المأساة جعلتهما قادرين على فعل أي شيء. وليبعدها عن المنحدرات والذكريات فقد التحق باجيش البحريني وأخذها معه. الإيمان بالقسمة والنصيب كان مستحسناً. كم تسليت عندما مشيت مع سلوى ويدها الصغيرة ممسكة بيدي، ولم أعد منعمة بالجهل، لقد تركت سلوى مع جدتها وأنا في كامل سعادتي ذلك اليوم ولم أقلق عندما كنت بعيدة عنها، وأما الآن، فقد أدركت أنني لن أسعد بهذه الرفاهية بعد اليوم. الوقبات والطرنقات الوقبات والطرنقات يصعب وصفها باللغة الإنكليزية أو العربية. فإنها كلمات بدوية لا يفهمها حتى أهل وادي موسى. وبالنسبة إلي فإن سمع تلك الكلمات تشبه شكل الصحور التي تصفها. الطرنقة صخور منهكة بفعل الريح، فهي تشكل درباً مجروفاً يأخذك حول حافة الجبل، حيث لا تجرأ إلى النظر إلى الأسفل. وبعض منها نمق من قبل النبطيين فنحتوا جمالاً موقرة في وجه صخري وآلهة في التكتلات الصخرية في القسم الأملس الأحمر اللون. كما أن البدو حفروا أسماءهم أو حروف أسماء أولى تمثل أحلامهم الطائشة، بينما كانت الماعز تفثى نحو شجيرات الرتم المزهرة عند طرف المذنب. أما الوقبة فتظل بمكانها. إذا وجدت واحدة تستطيع أن تجلس عليها وكأنها كرسي خيزران معلق، وتحيط بك جوانبها، ولو رفعت قدميك، كما كان الأطفال يحبون أن يفعلوا وهم في منتصف الطريق إلى الدير، تستطيع أن تختبئ مثلهم وبعدها تطلع لتفاجئ اجميع. الفيل والطفل المشاغب أصبحنا الآن في شتاء 1982. وكنت حاملاً للمرة الثانية وهذه المرة كنت حاملاً بصبي. لم يكن هناك آلة اختبار الطبقات الصوتية، «أولتراساوذد«، في المستشفى الإيطالي، ولكنني كنت على يقين أن الجنين كان ذكراً، تماماً مثلما أيقنت عندما حملت بسلوى. ولقد انتقينا اسم رامي مسبقأً، وتذكرت حلم السيدة العجوز من رأس النقب التي كانت تحيك الصوف. كما أن محمداً حلم أنه امتلك مسدساً جديداً، والمسدس يمثل الذكر! عندما اخترنا اسم رامي، كنت أعرف شخصاً واحداً فقط يهذا الاسم، ولكنني أعتقد أن شعبية هذا الاسم ازدادت تلك السنة؛ فأصبح هناك «ألف» رامي و ومئات «أبو رامي». كما أنني اخترت أن أتهجاه باللغة الإنكليزية بحرفي (aa) عوضاً عن (a) واحدة حتى تلفظه الناس جيدا ولم أعرف أن سيصبح شائعا لهذه الدرجة. فكان أصعب على رامي أن يفسر للناس كيفية تهجيته، لا كيفية لفظه. كان شتاء محاطاً بالعناية الإلهية، فقد هطل المطر منذ شهر أيلول «سبتمبر» عدة مرات، وكانت العواصف الماطرة تأتي سريعة وقصدرة بعد سماء مغطاة بالغيوم اوسوداء المبللة، تخللته بضعة أيام مشمشدسة وصاحية. وفي ذلك الوقت أصبح لدينا ضوء يعمل على الغاز (قوس معلق على أنبوب موصول بقنينة غاز يعمل مدة شهر أو شهرين) ولم نعد نتعارك مع القنديل المزاجي الطبع، كما أصبح لدينا مدفأة عظيمة تعمل على الكيروسين، ومع ذلك كنا نحب أن نشعل ناراً من وقت إلى آخر، كنا نتجادل حول الدخان المتصاعد في المطبخ. لم يعد هناك الكثير من شجيرات الرتم فوق تلنا ولكن كومات الحطب كانت مرصوصة وراء باب الكهف، الحطب الذي جاء به ابن أبي عوض من البيضة. فقد كان طريق القرية الجديد يؤدي إلى هناك، وكان يستخدمه كثيراً ويحمل شاحنته بالفستق الحلبي البري والبلوط الشائك الذي كنا نشتريه بثمن باهظ. وفي المساء كنا نستعمل الفحم لخبز الفطير لنأكله مع اللبن والسمن الأصفر. وبعد العشاء كنت أجهز فراشنا وأسنده إلى حائط الكهف الخلفي، وكنت أحضن سلوى و أقرأ لها من الكنوز التي كانت تبعثها لي أمي، لم أتكلم معها دائماً بالانكليزية ومعظم كلامها كان باللغة العربية، ولقد تعلمت الإنكليزية من القصص التي كنت أحكيها لها. قرأت: «وذهب الفيل نزولا إلى آخر الطريق... بائع المثلجات...» كان كتاب «والفيل والطفل المشاغب» قد وصل بآخر طرد، وكانت سلوى قد حفظت نصفه عن ظهر قلب. كانت تطلب مني أن أقرأه مراراً وتكراراً، ولكنني في بعض الأحيان، كان لابد لي أن أقرأ لها أيضاً كتاب «الدودة الجائعة» أو «السيد منغوليا» كي لا أصاب بالجنون. يجيء علي وسلامة كل مساء، وحالما غردت الشمس، ليلعبا الورق، وعندما كانت سلوى ناممة كنت ألعب معهم أيضاً. كنا عادة نلعب «الرمي» أو «باناكيل» التي كانت تلعب مع شريك. وكان محمد شريكي عادة، وإذا لم نكن محظوظين في ذلك المساء أو عندما كان يرغمني على الغش، كنت أشارك سلامة؛ وذلك لأنه كان يتجنب التلفظ بكلمات نابية عندما كنت أرتكب خطأ ما أو أتجاهل تلميحاته. وفي بعض الأحيان عندما كان علي يأتي، كان يجب غلي أن أنتظر دوري، وبعض الأحيان، كانوا يحاولون إقناعي بعدم القراءة لسلوى كي يبدؤوا اللعب في الحال. بدأت عظامي تتخلخل وبدأ ظهري يؤلمني بسرعة، فكنت أسترخي قليلاً عندما كنا نأخذ قسطأ من الراحة من اللعب. كنت أمد ساقي وأذهب بسرعة إلى المطبخ البارد لأعد الشاي الحلو المذاق أو مشروبات ساخنة ممزوجة بحليب البودرة والقهوة السريعة التحضير. وفي ذات مرة سمعت صوتاً ينادي في الظلام عند البوابة. كان صوتاً عير مألوف، وكيف لا؟ اعتقدت أن أحد مواطني بلدي قد أرشد إلى منزلنا وكان يصرخ في مهب الريح. «هل تبحث عني»؟ وسلطت المشعل على وجهه وإذ بي أرى شاباً يافعاً يحمل حقيبة ظهركبيرة. «إنني أبحث عن أي أحد يساعدني، ولم أتوقع أن أجد نيوزيلندياً»؛ ولم أكن أتوقع أحداً أيضاً ولكنني دعوته إلى الدخول لأن الناس قد يسقطون من المنحدرات وهم يتجولون في الظلام. ولم أرد أن أفكر فيما قد يحدث، إذا لم أخرج في ذاك الوقت. عندما دخلت حاملة الشاي كانت وجوه الناس المتجمعة غير مصدقة بأنني أتيت لهم بأسترالي! في عام 1978 . لم يكن هناك مدخل إلى البتراء، كان هناك فقط مكتب حيث كان بالإمكان استئجار حصان أو دليل، لم يكن هناك أي شيء آخر. بعد أن انتقلنا إلى القرية، فرضت أجرة دخول للمرة الأولى، وقبل ذلك بمدة وضعت إشارات تمنع السائحين من المبيت في الموقع. وغضب الجميع بسبب تلك الإشارات، فقد كان الجميع في البتراء يدعون السائحين ويستفيدون منهم، فقد كانوا يدفعون المال لمضيفيهم وكانوا يشترون البسط والمردقات، وكان بعضهم يرسل الهدايا، وكان جميع السائحين يحرجون من الموقع ويشيدون بالضيافة البدوية والترحاب الذي تلقوه؛ وبذلك يشجعون المزيد من السائحين لزيارة البتراء. حسبي الله، ألم أقابل محمداً بهذه الطريقة! لقد كانت هذه الإشارات تسبب لنا الضيق وعدم الارتياح، فبدأنا نتطلع إلى الاستقرار في القرية وفي بيوت خاصة بنا. طوال السنوات التي عاش فيها البدو في البتراء لم تكن هناك أي إصابة في المنطقة (ما عدا ضحايا السيل). ولكن في السنين التي تلت، فقد الكثيرون حياتهم، فقط لأنه لم يكن هناك أحد يرشدهم إلى الطريق الصحيح، أو يسمعهم في الليل عندما يضلون الطريق، أو حتى أن ينتبه إلى الطريق الذي اتخدوه. وفيما بعد كانت فرق البحث تبدأ العمل، عندما يُفقد أحدهم دون أن يعلم أحد منهم إلى أين يتجهون، وعندما كانوا يجدونهم يكون الأمر كان انقضى. عندما كانت السماء تمطر، كنا نضع وعاء أو دلواً لنجمع الماء المتسرب من السقف لنغتسل به. كنا نلعب الورق لساعات طوال، أو إلى أن يخسر سلامة أكثر مما يقدر عليه في ليلة واحدة. نزل رامي بقدميه بدلا من رأسه وفي ذات ليلة، كان قد مضى على موعد ولادتي أسبوع، فاقترح محمد أن نذهب إلى العقبة في اليوم التالي لنتحقق مما يجري. في آخر زيارة لي منذ حوالي أربعة أشهر قال الطبيب: «كل شيء على ما يرام، إلى الآن. لا يزال هناك فرصة للمولود أن يقلب رأسه إلى الأسفل«، ولقد تجاهلت ما قال لي الطبيب في وقتها، أما الآن فقد بدأت ملاحظته تراودني باستمرار. بدأ المخاض في وقت متأخر من تلك الليلة مما أيقظ محمداً عندما شق أول ضوء. وذهب إلى الحارس الليلي لخيمة أبيه طالباً المساعدة، كان عبدالله غائباً تلك الليلة، وكان لافي وندى يحلان محله. ذهب لافي إلى جميعان العرقوب ليأتي بعلي، الذي كانت لديه سيارة داتسون سيدان، وهرعت ندى إلى المنزل حافية لتأتي بأمها كي تذهب معنا. وبعد أن ذهب محمد بمدة وجيزة، أتى علي بسيارته إلى أسفل حافة الجبل ووصلت ندى تجر أمها بحماس بالغ وقالت: «سأعتذي بسلوى وأرتب المكان حتى تعودي». كنت قد جهزت سلوى للذهاب معي، ولم أكن أريد أن أتركها أو أن أغير رأيي بهذا الشأن، طالما كانت سلوى معي، فلن أقلق عليها. لقد كنت جاهزة للذهاب أيضاً، فقد حزمت ملابس اجنين منذ أسبوع، وبدأت أم لافي تتململ ورفضت أن تتحرك قبل أن أحضر شفرة وخيطاً وذلك إذا اضطررنا لقطع وربط حبل الصرة، وبعد ذلك أخذت بطانية ووضعتها تحتي وأمرت الجميع أن يركبوا السيارة. كنت أتنفس وأرتاح بهدوء، ولكن الطلق بدأ يشتد ويتقارب، وبدأت أحس بكتلة قاسية تحت أضلعي. هل كان هذا رأساً؟ فقلت بقلق بينما كنا نأخذ الطريق الملتوي العالي إلى جبل الشراه، «ربما يجب علينا أن نذهب إلى وادي موسى»، لم يوافقوني الرأي وقالوا: «ليس هذا مستحسنا»، «من المحتمل ألا يكون الطبيب هناك... ألن تبقي في حالة جيدة حتى نصل إلى معان»؟ لم أكن متأكدة من ذلك الأمر، بينما كان علي يسارع في الطريق إلى الشراة عبر قرية أضرع ومن ثم خروجاً إلى هضبة معان. وفجأة وكأنه طلق ناري انفجر إطار السيارة، انحرف علي عن الطريق ونطق بعصبية: «ليس عندي إطار بديل». «لا أستطيع أن أنتظرك حتى لو استطعت أن تبدله»، شهقت ونحن نحرج من السيارة إلى الطريق الموحش البارد. وقفنا أمام قبة السماء الزرقاء الصافية الباردة، وكانت الأرض مائلة إلى اللون الأخضر الفاتح المبهم. وقفنا بضع دقائق وبدأت الشمس تدفئنا من كل جانب. لوح محمد للسيارتين اللتين كنا قد تجاوزناهما للتو وتوقفت الاثنتان. كانت الأولى شاحنة، أما الأخرى فقد كانت مرسيدس واسعة قديمة وذات مقاعد جلدية، وفيها رجل وامرأتان وكان هناك متسع لبعض منا. تركنا محمد وعلي مع سائق الشاحنة كي يصلحوا الإطار المثقوب أما نحن فانطلقنا. والتفتت إلينا الشيخة الممتلئة المرتدية ملابس سوداء لتتحدث إلينا. لقد كانوا من وادي موسى، وكان سائق السيارة ابنها، الذي يعمل بالدفاع المدني وزوجته. وعندما بدأت تراقب الطريقة التي كنت أتنفس بها، حثت السائق على الإسراع. لم يعد هناك فاصل بين الطلقات وكدت أن أقول لهم بأن يتوقفوا. كان الهواء بارداً وجافاً وساكناً. كان عندي بطانية وكان لدى أم لافي شفرة، وكانت باقي السيدات يتقن عمل شيء ما، ون أستطيع أن أكمل فكرة أن أضع وليدي في سيارة أحد الغرباء. ولكن ماذا سيحدث إذا وي مكروه ما؟ كانت الكتلة قاسية تحت أضلعي. بقيت محتارة حتى قطعنا ضواحي معان ولم يعد هناك مجال للعودة. أدار السائق صفارة الإنذار (كانت هذه فائدة العمل في الدفاع المدني) وأسرع في ذاك الصباح الباكر ليتوقف بعد بضع دقائق أما أبواب المستشفى. وبدأت وجوه طيبة تساعدني بالخروج من السيارة ولكني تجاهلتهم وكنت أتنفس وأتنفس حتى تمضي الطلقات. وثم ركضت إلى الممر وصعدت الدرج المؤدي إلى مكتب جناح الولادة، وجلست على كرسي مريح قبل أن تبدأ الطلقات من جديد، تاركة مبرئيني وأم لافي وسلوى يلملمون أنفسهم ورائي. لم تضيع الممرضة أي وقت وهرعت بي إلى غرفة الولادة لفقحصني. وكم فرحت بأن الممرضة كانت نايفة التي كنت متيقنة أنها ماهرة، ولكنني كنت أدوك من تعبير وجهها أن هناك ثمة مكروه. وبالتالي، أمرتني قائلة: «لا تدفعي قبل أن آتي بالطبيب». «يا إلهي، ما الأمر»؟ «سيكون كل شيء على ما يرام، ولكن الجنين سينزل بقدميه أولاً ولا أستطيع أن أتدبر الأمر وحدي؛ لذا لا تدفعي، دن أطيل الذهاب». ذهب وأغلقت الباب. وبقيت وحدي. قلت لنفسي بصمت: «كنت أعلم أنني كنت أحس برأس الجنين»، وبعد ذلك رجعت مع الطبيب، وبعد بضع دقائق قال لي الطبيب: «إنه صبي»! ولكنني لم أسمعه. كنت أرى قدميه الصغيرتين بين يدي الطبيب بينما كان يدوره ورأسه إلى الأسفل كي يفك حبل الصرة الذي كان معقوداً على رقبته. أداره ثلاث مرات، وبعد ذلك أصبح كل شيء على ما يرام. بكى رامي، وعقد حبل الصرة، وبعدها وبينما كان يحاول أن يعتني بي، بدأ الطبيب يتكلم بالإنكليزية. «لقد فهمت أنك تسكنين في البتراء». لم أرد أن أدخل في تلك التفاصيل الآن. «نعم، هذا صحيح». حاولت أن أكون متحضرة... ولم يكن لدي أي خيار. «قالت لي نايفة إنك متزوجة ببدوي هناك». «نعم». «أعتقد أنك أنجبت طفلة في مستشفى البشائر، أليس كذلك»؟ وبدأت أفكر أن هذا تفيير للموضوع غير عادي، عندما قال، «لقد كنت الطبيب الذي ساعدك على إنجاب الطفلة، ألا تنكرينني؟ أنا الطبيب بسام»! لم أدر ما أقول. «إنه حقاً عالم صغير، سلم الله يديك»! ارتحنا بضع ساعات قبل أن يصلح محمد وعلي السيارة كي يأخذونا إلى البيت. أنارت شمس الصباح سريرنا وامتدت الصحراء أمام النافذة نحو الشرق الخالي إلا من بضعة صخور متفرقة. وفي هذا الحلم المريح كان رامي يرضع راضياً سعيداً، وبدأت أخطط كيف أستفيد من هؤلاء الذين سيتولون الأمور، والذي كان حتماً سيبدأ حالما أصل إلى الكهف. تقد. رامي ذات يوم بعد الظهر جلبت المزفر من المستودع (حقيبتي الحمراء الموضوعة تحت طاولة الأغطية)، ووضعت رامي فيه، وأمسكت بيد سلوى واتجهت إلى بيت أهل زوجي. معظم النساء تنتظر مدة أربعين يوماً قبل أن يأخذوا أطفالهم إلى أي مكان، ولكنني عندما أنجبت سلوى واضطررت إلى البقاء مدة أربعة عشر يوماً عالقة في متن الحبل، قررت أنني لن أتبع هذا التقليد بعد اليوم. كنت قد ذهبت إلى العيادة؛ لذا لم أعد أرى أي وجهة نظر. اكتشفت لاحقاً، أن وجهة الوصول أو الشخص المضيف لتلك الزيارة الأولى كان مهماً جداً. ففي الشهور التالية كان كل الناس يسألونني «لمين دخلتي بنتك«؟ وكان يعني ذلك، لمن «قدمت» بنتك؟ وكان الأمر على ما يبدو اختياراً شخصيا وليس تقليداً قبلياً. فالنسبة للأمهات اللواتي قدمن أطفالهن إلى النبي في المقام الكائن على قمة جبل هارون فقد كان من الضروري لهن أن ينتظرن أربعين يوماً، وذلك لاستعادة قواهن، ولكن الأخريات قدمن أطفالهن للجيران، وكم كانت فرحة جدي سلوى كبيرة، عندما ظهرت معها أمام خيمتهم. وهكذا بدأت بتبني تقددي الخاص بتقد. أطفالي لأهل زوجي. وبينما كانت سلوى تحجل أمامي بسعادة لأنها خرجت بعد حين، فقد أمطرت بالأمس، وأما اليوم فكان الجو صاحياً والسماء زرقاء صافية. وبدت المياه تتسلل ص وجه الصخور لامعة تحت أشعة الشمس. كانت الأرض رملية «ولم تكن في أي يوم من الأيام طينية«، وكانت الخضرة تتألق في كل مكان ورائحتها تفوح في أرجاء الدروب. وأمام مدفن القصر وفوق مجرى سباق الزفاف، نبتت الحبوب من العلف المسفوح وروث الماعز والحمير والخيول، فكان بإمكاني التخيل أن محاصيل البدول كانت ما تزال مزروعة هناك. كان عبد الله وأم لافي ما زالا يمضيان فصل الشتاء في وادي متاهة، ولكن كالعادة، في كهف مختلف. خيمت ظلال الجبال على ذاك الكهف الرطب البارد الذي لا يرى الشمس إلا في وقت متأخر من بعد الظهر، ولكن ندى ومر. أتيتا بجنبيتين ووضعتهما لنا تحت أشعة الشمس. قلدتا أمهما قائلتين: «أهلا أهلا أهلين». وأخذا يقبلا رامي الذي مط جسمه عندما وضعته وحول عينيه من وهج النور. أسرعت سلوى مع عماتها لإعداد الشاي. نهض إبراهيم؛ ليرحب بابن أخيه الجديد، وري على ركبتيه؛ ليحك شعر خديه الخشن غير المطوق بوجنتي رامي الناعمتين، وضحك عندما تململ رامي. وكان لدى إبراهيم بعض الكبريت، فأشعل النار. كان المذنب الرملي أمامنا مغموراً بجميع أطياف الاخضرار، فبين شجيرات الدفلى والرتم، ترعرع لفيف من شجيرات الشعير والقمح ونبات الخبيزة والقريص، الذي كان يلسع الأطفال عندما كانوا يلقطون الخبيزة ويحملوها في شال ندى، ثم يعودون بعد ذلك وهم يلعقون أصابعهم ويفركون اللسعات. طبخت أم لافي الخبيزة كما يطبخ السبانخ والشمندر الأبيض. قال إبراهيم: إن طعمها سيكون ألذ، لو عصر عليها بعض الليمون، ولكن لم يكن هناك أي ليمون، وأحببتها كما هي إذ كانت حرارتها ملائمة للأكل مع خبز الطابون. وبعد الغذاء استلقيت تتحت أشعة الشمس مع رامي ولعبت الفتيات مع بنات الجيران عندما تبقى من الجدار اكجري. نقلوا الحجارة ليبنوا غرفاً ونادوا لافي كي يقتل العقرب النائم الذي أيقظوه بوقاحة. وكان المذنب مرتعاً لأغطية الزجاجات الصدئة وعلب السردين ومعجون الطماطم التي ملأت الرفوف الحجرية. قطعوا شجيرة «الزكننا» واستعملوها لكنس منازلهم من الحجارة والعيدان. وكانوا يجمعون الحجارة المطاولة ويلفوها بقطع قماش ليصنعوا منها دمى يغنون لها لتنام، وعندما تستيقظ كانوا يتظاهرون بأنهم يرضعوها من تتحت مناديلهم. لقد كانت الدمى الحجرية رائعة؛ لأنها لا تفقد ساقاً أو نراعاً ولا تكسر ومن الممكن تبديلها بسهولة، ولكن المشكلة كمنت في حال نشبت مجادلة بين الفتيات، وفي هذه الحالة كان الركض أحسن حل. أرسل لافي إلى أبيه في خيمة الحارس عند شجرة الكينا ولم يسمح لي بالرحيل إلا بعد أن يرجع ومعه بعض المال لرامي. وكانت عشرة الدنانير التي أرسلها بقيمة ربع راتبه الشهري، ولكن رفضها كان مستحيلاً. تحتى لو قلت لهم إنني سأقدم طفلي الثاني في مكان آخر فلم يكن هذا يجدي نفعا، وكانوا يعلمون أنني لن أهينهم بهذا الشكل، وكانوا سعداء بأنه سيكون هناك المزيد من الأطفال؛ لذا أخذت الدنانير وكان بوسعي أن أقل للنساء اللواتي قابلتهن في الطريق إن أهل زوجي كانوا كرماء جدا. أم سلوى 1983: للعامين اللذين مضيا كنت ألقب بأم سلوى، ولقد سميت بأسماء كثيرة وكان هذا أحدثها. كان محمد يناديني بعض الأحيان «مارغ» وأكثر الأوقات «فاطمة» وما زال أصدقاؤنا القدامى ينادوني فاطمة. كنت ألقب «مرت محمد» من قبل الناس عندما كانوا يتكلمون عني، حتى عندما كنت أسمع ما يقولون. وكانت هذه التسمية: «السيدة زوجة محمد عبدالله» ولاسيما عندما كانت التسمية تنطق من قبل عائلة محمد. عندما أصبحت موظفة حكومة لحقت بنظام جديد. فكان الصيدلي الشاطر في وادي موسى عندما علم أن اسمي مارغريت يناديني «مارغريت ثاتشير» والتي كانت تعايشنا ذاك العصر، ولكن الكثير من البدو الذين تعرفوا علي في العيادة كانوا يسموني «الست فاطمة». عندما ولدت سلوى انضممت إلى ركب الأمهات وأصبحت أم سلوى وأصبح محمد أبا سلوى. وكون سلوى بنتاً لم يشكل أي عائق. «وكنت دائماً أتذكر» أن من يحمل ببنت سيحمل بصبي«؛ لذا كان يجب علي أن أتوقع أن اسمها سوف يرمى جانباً عندما يولد رامي. وحاربت ذلك الأمر قدر ما استطعت ولأطول مدة ممكنة. سألني صاحب الدكان في عمان «ما اسم المولود«؟ لكي يخاطبني بالاسم اللائق وقال «نحن نلقب باسم الصبي«، واستغرق في الشرح، عندما قلت له: إن لقبي هو «أم سلوى«، وكان من البدهي أن من كنت أحمله بين ذراعي كان صبياً. لم أقدر على الحفاظ على لقبين، وسرعان ما بدأت أسمى بأم رامي، وأما أم سلوى فاختفى كما اختفت مارغريت من قبله. أرجوحة سلوى أراد محمد أن تكون لسلوى أرجوحة ولاسيما بعد أن رأى الأراجيح في كل مكان في استراحات الجزيرة الجنوبية في نيوزيلاندا، وكان محمد عندما يريد شيئاً ما يحصل عليه عاجلاً أم آجلاً. لقد كانت سلوى بنت أبيها وكان يدللها كثيراً. وكان أبو محمد يدلل محمداً كثيراً أيضاً، فكان يستيقظ باكراً ويصطاد طيور الشنار أو الفري كي يجلب له اللحم، كما كان يصطاد الغزلان والوعول. أما هذه الأيام فأصبح بمقدورنا أن نبتاع الدجاج الطازج من وادي موسى، وفي طريق عودتنا من عمان كنا نشتري أيضاً بضع الكيلوغرامات من لحم الخروف المعلق والمغطى بكيس من النايلون في الطريق الصحراوي، وكان محمد يدلل سلوى بطريقته الخاصة. وعلى سبيل المثال، كان يدعها تشرب قدر ما تريد من البيبسي عندما كانت تذهب معه إلى السوق، وكان يعطيها حب الرمان كي تقشره بنفسها دون أن ينبهها أن لا تبقع ملابسها، بل على العكس كان يدعها تمتص حبات الرمان كيفما شاءت تاركاً إياها تفعل ما يحلو لها. وفي عيد ميلادها الثالث فاجأها بأرجوحة. كنا عائدين من العيادة وكان الجو حاراً؛ ولم يكن الطبيب قد وصل بعد، فكان علينا الانتظار طوال الصباح. لقد كان المكان ظليلاً، وكان هناك الكثير من الأطفال لتلعب معهم، ولكنا بدأنا نشعر بالجوع، وكان علينا أن نأخذ طريق التل الطالع للوصول إلى البيت. صعدنا الدرج العظيم، وبينما كنا نتجول في الأسواق القديمة (كنا ما نزال نعتقد أنها أسواق آنذاك) أطلقت سلوى أصوات دهشة عظيمة لا توصف. لقد كانت قمة الكهف والسور المحيط بحافة الجبل ظاهرة للعيان، وكذلك إطار الأرجوحة. لم أكن أتصور أنها ستعرف ما هي ولكنها عرفت وقالت: «زنقيحة«، كدت أرى قلبها وروحها تطيران وحتى جسدها كاد يطير وهي تتمايل وكأنها تود أن تحلق، وركضت طوال ما تبقى من الطريق إلى الأرجوحة. قصص الصيف كان الوقت يمر، ولولا زيارة الطبيب مرة في الأسبوع لكنت فقدت الإحساس بالأيام كلياً. ذهب محمد كي يفتح طاولة سلعه التذكارية، وكنت أشغل نفسي مع رامي وسلوى وأمضي معظم الوقت أغسل ملابسهما لأنظفها من الرمل الأحمر الذي كان يدبغها مثل الصباغ، وأراقبهما حتى لا تقع سلوى من على الصخور أو أن تلتقط العقارب، وكي لا يأكل رامي الرمل أو أعقاب السجائر التي كانت تتسرب من بين أصابعه الصغيرة. كنت معظم الأحيان أقود السيارة إلى معان، وذلك عندما كانت هناك حالات ولادة، ومرة واحدة في حالة ولادة مشيمة! كانت أم خالد قد أنجبت ابنة طال انتظارها، ولكن المشيمة لم تطرح بعد الولادة، مع أن جميع صديقاتها الحاضرات جربن كل الحيل. قطعن وربطن حبل الصرة وبقت امرأة واحدة في المنزل مع الطفل، وأما الأخريات فقد رافقن أم خالد إلى الوادي حيث كنت أتنظرهن في السيارة. أكدن لي أنه يجب علي أن لا أقلق فقد ثبتوا المشيمة (بلف حبل الصرة حول حجر وحملته أم خالد تحت مدرقتها)؛ لذا كان من المستحيل للمشيمة أن ترتد إلى داخل جسمها مسببة أخطاراً جسيمة. لقد رأى الطبيب الكثير من هذه الحالات فما كان عليه إلا أن يعطيها حقنة، وكان التدليك السريع كفيلاً بإنهاء الأمور بأسرع وقت. في آخر فصل الصيف وعندما ينضج العنب والتين في بساتين وادي موسى وعند النبع، كانت تلك الفاكهة تقدم للزائرين حينما يأتون، وكان الجميع يصاب بالتهاب باطن جفن العين. وكان غسل العيون بمحلول الينسون يخفف الالتهاب، كما كنا نعطي للجميع قطرة للعيون متوفرة لدينا في العيادة. وفي ليالي الصيف كنا نجلس على حافة الجبل ونعد الشاي مع النعناع ونقدم البطيخ المقطع على السدر والسكين مغمودة فيه. كان من الأسهل البقاء في البيت، لاسيما عندما كبر الأطفال، ولم ننقطع أبداً من الزائرين. أعددنا فراشنا تحت المعرش، أربع فرشات من الإسفنج جنباً إلى جنب، وفوقها غطاءان موصولان يبعضهما وبعض البطانيات للاستعمال في الليل، ونصبنا فوقنا شبكة لتحمينا من البعوض والعقارب التي بدت وكأنها نسيج عنكبوت متدل من السواري. ونامت سلوى ورامي وهما يستمعان إلى قصص البدو. حكى لنا موسى عن رحلته إلى وادي عربة. لقد كان من قبيلة عمرين، رجل خيمة، بدوي حقيقي، فقد كان نحيلاً وذا عظام بارزة وأسنان كأسنان الظبي وقهقهة عالية. كان قد ابتاع شاحنة قديمة وعلّم نفسه القيادة ولكنه، مثل باقي السائقين في الصحراء، لم تكن لديه رخصة قيادة. ولقد تخلص من ورطة دفع غرامة كبيرة بدهائه. قال: «منذ أسبوعين، ذهبت لغريغوري لأجلب كمية من الطماطم». وكان الطريق الترابي الحجري عبر الجبال يستغرق عادة ساعتين، وبعدها كان هناك مقطع من الطريق السريع الرئيس الذي تسير عليه الشاحنات المحملة بالبوتاس، قبل الانعطاف إلى سوق الحدائق التابع للقرية. «كنت سعيداً أنني اتخذت الطريق المرصوف، وكنت أطوف بسيارتي دون إحداث أي ضجة، عندما أوقفني شرطي عند حاجز التفتيش. وعندما توقفت أدركت أنه علي، رجل من قبيلة العامرين لم أره منذ كنا في الصف الثاني، عندما ترك المدرسة. تعرف علي أيضاً، واستقام ناصباً كتفيه ليريني زيه وطلب مني الرخصة. «أخرجت محفظتي وأعطيته هويتي. أمسكها علي وتفحصها، قلبها وأمعن النظر، ثم قال وهو يرجعها لي: «أرى أنك تعلمت القيادة». «أسرعت بوضع الهوية في محفظتي، وبينما كنت أضع المحفظة في سترتي، خطر ببالي أن أقول له جملة مفيدة مرادفة، فرفعت قدمي برفق من على دواسة التعشيق مع مراعاة قدرة تحمل الداتسون القديمة، وأجبت، «وأرى أنك تعلمت القراءة!» لا أعرف إذا كنا جميعاً قد صدقنا ما قال، ولكننا ضحكنا من كل قلبنا. وكان الجميدي يحكي لنا عادة عن النمور التي قتلها أبوه أو جده أو أحد من أجداد أجداده. نمور؟ في تلك المنطقة؟ كنت متشككة من الأمر، إلى أن رأيت الحيوان المحنط المكسو بالقشرة في أحد دكاكين السجاد في العقبة، والذي أعجب محمداً. ولم أدر أنه كان نمراً إلا من حماس محمد. كان مخططاً بالنبي الغامق والأصفر، وعندما تفحصته عن كثب رأيت أنه كان شبلاً عندما قتل. لم أستطع أن أستحضر في ذهني كيف أن أجداده رأوا النمر واقفاً على صخرة بعيدة، وكيف أنه كان متأكداً من أنه قد أطلق النار عليه وأصابه و ظل واقفا هناك. أطلق النار مرة ثانية، وأيقن الجميع أنه كان يجيد التصويب، ومع ذلك ظل النمر واقفاً على الصخرة. وتقلبت القصة، فمرة قال إنه أطلق سبع طلقات، ومرة قال عشر طلقات، حتى أرداه قتيلاً، وعندما ذهب للتأكد، كانت هناك وراء الصخرة كومة بنية من النمور المقتولة. لقد أحرجتني هذه القصة كثيراً، وودت أن أقول له كم كانت سخيفة وغير محتملة، وإذا كانت حقيقية، فإن الصياد كان مسؤولاً وحده عن القضاء على هذه الفصيلة من الحيوانات التي كانت بالفعل قد انقرضت في تلك المنطقة. كان هناك كثيرون من الناس القدامى أيضاً. حكوا عن سلامة وسامحين الذي كانوا يلقبونه بهبوب الريح. فقد غرق في حوض مدفن أرن، ولكن قبل أن يغرق كان يحارب الانتداب الإنكليزي، وقد أخرج مسلسل تلفزيوني حول سيرته. كان محمد يحب أن يقص علينا كيف أن الجنود عندما قدموا من مركز شرطة وادي موسى ليعتقلوه، حاول أن يتجنبهم، ولكنه في الوقت نفسه أجاد عليهم بحسن الضيافة البدوية. لوح ببندقيته إلى المنحدر الذي يعلو خيمته وأمر الجنود أن يذبحوا ماعزاً من قطيعه بينما كانت زوجته تخبز الشراك لإعداد المنسف. وهكذا أعادهم من حيث أتوا بخفي حنين. وكانوا يتكلمون برهبة عن الرجل الذي كان يتسلق أسطح البيوت في وادي موسى ليسرق التين المجفف. يا للوقاحة، ولكن بالوقت نفسه، لابد أن الفقر كان متفاقماً لدرجة تدعو الناس للتصرف بمثل هذا الغباء. عندما عاد محمد مرة من قضاء حاجته وبيده حية كان قد قتلها للتو برمية حجر، كان قد رآها على الصخرة تبرق بنور القمر، بدأت قصص الأفاعي تنصب من كل ناحية وكانت لدى كل واحد منهم قصة يرويها. كان والد عوض قد تعرض للدغة أفعى في إصبع قدمه الكبير منذ عدة سنين، وحدث هذا قبل وجود المستشفيات ومضادات السم، فلم يضيِّع أي وقت للتفكير بمثل تلك الأمور، استل شبريته، التي كانت دائماً حادة، وقطع إصبعه ومن ثم لف قطعة قماش من ثوبه وضمد الجرح، وعاش كأن شيئا لم يكن. كم كان محظوظاً لأنه لدغ في منطقة من جسده كان باستطاعته بترها، وكانت هناك حكاية أخرى عن رجل لدغ في كعب قدمه ولم يمت. ولا أدري إذا قالوا لي هذا القصة المتعلقة بفرج، كي يمتحنوا سذاجتي، أم ليصفوا قسوة حياة البدو. لقد كان يصفون رجلاً لم يلبس حذاء في حياته. قالوا: «لقد كانت قدماه عريضة كحوافر الجمل«، وكانت متشققة ومغطاة باللحم المتصلب لدرجة أنه عندما جاء ذات مرة إلى موقع الحفريات كانت هناك حية عالقة بأنيابها في لحم كعب قدمه الميت، وكان الجميع يضحكون. لقد كان حقاً محظوظاً، فقد ماتت الحية السامة وهي تتلاطم على الأرض الحجرية وهو يجرها دون أن يدري، ولأنها كانت صغيرة لم ينتبه للوزن الذي كان عالقاً بقدمه. وكان هذ النوع من الحيات ينسل بسرعة، فلا ترى منها إلا أثرها في الرمل، آثارًا كالتي تتركها السحلية، ولكن دون أثر القدمين. ولو كانت الحية من فصيلة الهام لكان انتبه إلى وزنها، وكنا نراها كثيرا، كتلك التي قتلها محمد. وكانت الهام سوداء اللون ويبلغ طولها حوالي متر، وهي غليظة القوام وثقيلة، وتترك أثراً أعمق في الرمل وتتلوى فوق نفسها، كما تفعل الأنهار البطيئة الجريان، لتدفأ بحرارة الرمل. كان الناس يقولون إنها لا تؤذي، ويقولون «سيب» دعها تذهب، ولكن معظمنا لم يريدوا أن يجازفوا. (وكلمة سيب، كنا نقولها للأطفال عندما لا نريدهم أن يلمسوا شيئاً معيناً). وذات مرة استيقظ والد عبدالله، ليجد الهام ملتفة في ثوبه. أخذ يدعو الله وهو في ذلك الوضع قائلاً: «سترك يا رب». وكانت جميع العائلة في ذلك الوقت في الحصاد. أسند عبدالله ظهره إلى شجرة البطم التي كانت توفر له الظل وربما جحرا للحية. لقد انتبه للحية عندما استقرت في جزء من ثوبه الفضفاض والكائن تحت حزامه. عرف أنها الهام، وكان يدري أنها ليست خطرة، ولكن كيف له أن يخرجها من حجره دون أن تفزع وتهاجمه. لقد كان دائماً حريصاً على ربط حزامه بطريقة صحيحة، وبينما كان يفك حزامه واصل الدعاء وكان قلبه يطرق بقوة، وتفاجأ كيف أن الحية لم تتنبه لذلك. وانتفض واقفاً منتزعاً الحزام ما حمل، وانطلقت الحية تسعى، ولم يقتلها عبد الله لأنها لم تسبب له أي أذى. وقال سيب، وهكذا ذهبت. ولكن عنزة عبد الله ذات العام، لم تتلق المصير نفسه، فقد ذبحها تلك الليلة كشكر لله لاستجابة دعواته، ودعا جميع من كان باستطاعته مناداته ليشارك في أكلها. ولقد فرحت لأن محمداً كان قد قتل الحية التي وجدها، لأنني كنت قد أمتنع عن استعمال الحمام لو أن فيه حية تسعى، وكانت بقعة الخلاء المناسبة الأخرى تبعد كثيراً عن المكان. قال لنا الناس إنه من المؤكد أن حية أخرى ستحل مكان الحية الخالي، ولكني وبالرغم من أنني كنت أفتش المكان كل يوم، لم أر واحدة أخرى. وكانت هناك قصة جريمة أخرى لم يحب الناس أن يذكروها كثيراً، فقد خرج المجرم من السجن وكانت له زوجة وأطفال، وكان قد قتل إنساناً من أجل بندقيته وملابسه. وكانت هذه خطيئة لا تغتفر. وفي ذات ليلة تسلل عقرب إلى مخدعنا في المساء، عندما كنا جالسين حول القنديل، وقتلناه والحمد لله أنه لم يتسلل إلى أحد السترات أو السراويل عندما كنا مسترخيين على البسط وظهورنا تغرق تحت الظلام الدامس. وفي بعض السنين كنا نرى الكثير من العقارب وبعضها الآخر لم نره أبداً. وفي الصباح عندما كنت أرفع التنكات والفراش وغطاء الحمار كانت تقفز أو تتظاهر بأنها ميتة. وقمت بخياطة ستائر مستعملة لأصنع خيمة ضخمة، وكم كنت ممتنة لوجودها؛ فقد كانت تحمينا، من العقارب والقطط التي كانت تتسلل إلى فراشنا. ولقد حاولت القطة الزنجبيلية اللون التي أنقذها محمد وسلوى من العقبة والتي كانت قد أنجبت، أن تنقل صغارها إلى فراشنا الناعم، ولإخراجها من بين أغطيتنا، وضعت لها كيساً في علبة تحت طاولة المطبخ، وهكذا امتلأ المطبخ بصوت الخرخرة. كانت العقارب تمد جسمها وتستقر تحت سريرنا، وذات مرة راقبنا عقرباً أسود كبيراً يستعرض قوته فوقنا من وراء الشبكة. ولم نقدر على وضع الشبكة داخل الكهف، فعندما كانت الرياح الشرقية تجبرنا على مد فراشنا في الداخل، كنت عادة أضع كيساً أمام مدخل الكهف ليستقروا هناك. وذات يوم، إما لأنني نسيت أن أضع الكيس، أو لأن العقرب لم يفهم الإشارة، وجدته في سترة سلوى. والحمد لله أن السترة كانت مقلوبة ولو لم أعد قلبها إلى الوجه الآخر لكنت ألبستها إياها من فوق رأسها. عندما أدخلت يدي في الكم لأقلبه، كانت ردة فعلي، أن أرمي المتسلل إلى عرض حائط الكهف، قبل أن أدرك ما قد لمست. التدخين لقد دخنت لعدة سنوات، وكنت عندما أحمل، أدخن أكثر، كما كنت أتمتع أيضاً بأن أدخن عندما كنت أرضع أطفالي. معظم الرجال كانوا يدخنون، أما النساء فلم يمانعن عندما كنت أقدم لهن سيجارة. كنت أنا ومحمد ندخن سجائر «غولد ستار» من إنتاج شركة التبغ الأردنية، وكنا في بعض الأحيان لا نجدها في دكاكين الكهوف، فكنا نشتري نوعية أقل جودة كالريم أو الكاميل، وكنا بعض الأحيان نلف سجائر الحشي، التي كانت تسبب لنا السعال وتدبغ أسناننا وأصابعنا باللون البني ولكن طعمها كان كالسجائر تماماً. وعندما كنت أجد نفسي أنبش في زوايا ساحة كهفنا الأمامية باحثة عما ذرته الريح من أعقاب السجائر أو أي شيء جاف أجده، أدركت أنه يجب علي أن أتوقف، ولم يكن باستطاعتي التوقف لو أن محمداً لم يتوقف قبلي. ذات صباح وبعد أن ذهب محمد إلى العمل، وجدت علبة سجائره وظننت أنه نسيها، وعندما عاد قال لي إنه قد توقف عن التدخين، وفي الأيام التي تلت حاولت ألا أدخن أمامه، وتساءلت كيف استطاع أن يتدبر الأمر، وذات صباح تركني في دكانه لأهتم به لبضع ساعات. وكنت قد تناولت الشاي والسجائر لوجبة الفطور، ودخنت كل العلبة تقريباً وأنا في انتظاره. شعرت أن فمي جافا ومقرفا وبتعبير بدوي (وكأنه غطاء حمار). وفكرت أنه يجب علي التوقف الآن، وإلا لن أتوقف أبداً. حشرت العلبة في داخل الصندوق الخشبي وتمنيت أن لا يراني أحد. لم أكن أريد أن يراهن علي أحد، ليرى كم من الوقت سوف أستمر. وفي الأيام الأولى كنت أقول لمن يقدم لي سيجارة بأني قد دخنت واحدة للتو،(كنت أشغل يديي بتناول كيلوغراماً من الحلوى، لوز مغطى بالسكر). اعتقدت أنني نجحت وسأبقى غير مدخنة للأبد، ولكن ذات ليلة لم يأت محمد إلى البيت وبدأت أجن. وكان قد عرض على ثلاث فتيات أستراليات، يلبسن القمصان الضيقة المفتوحة، وذوات ابتسامات براقة، أن يأخذهن إلى خيمة قريبة بمحاذاة الاستراحة؛ وذلك كي يركبن حافلة الصباح. وبدأت الغيرة تعتريني عندما هبط الليل، ولم يأت. وسيطرت علي أكثر فأكثر،عندما شع ضوء القمر من وراء القلعة الصليبية. بحثت في الخزانة علي أجد علبة سجائر مخبأة هنا أو هناك قائلة لنفسي «إذا لم يمض الليلة في السجن أو المستشفى، سأرحل في الصباح!». بحثت في الساحة ومشطت المكان كله. جلست عند السور تحت ضوء النجوم أدعو أن يمر بي مدخن من الدرب ولم يأت أحد. وهكذا مرت ليلة الإحساس بالضعف. لم يبت محمد عندي، فقد أمضى الليلة في السجن؛ لأنه تجادل مع الشرطي المغرور الذي كان يعتقد أنه الوحيد القادر على التكلم بالإنكليزية، وقد حاول أن يستغل زيه لمنع البدوي الجاهل من مضايقة البنات الأجنبيات. ولم يكن لمحمد أي مشكلة بالحصول على سيجارة لتهدئة أعصابه. ومرت مناسبات عبر السنين شعرت بها بالغيرة. وكان يحب علي أن أذكر نفسي دائماً بأنني أحببت محمداً لكرمه وروحه المفعمة بالحرية، وكثير من المرات امتعضت من أطفالي لأنهم كانوا السبب الذي أعطاني إياه محمد عندما لم يكن يريد أن يأخذني معه لأي من مغامراته. وبت جزءاً من الربع كنا في حفل زفاف ذات ليلة صيف أو ربما احتفال ختان فقد كانا احتفالين متشابهين، وبدلاً من موكب العرسان، كان الشلبي ينتقل من خيمة إلى أخرى حاملاً حقيبته الجلدية يتبعه جمع متحمس. (كان علي أن أقنع محمداً أن نجري عملية الختان في المستشفى، ولكنني بعد ذلك أدركت أن شلبي كان فناناً سريعاً وماهراً. وقد جلب إلي بعض الأطفال الذين احتاجوا إلى بعض الرعاية الطبية بعد الختان، ولكن السبب كان أن بعض الأمهات كن حريصات ألا يبلبلن مكان الختان، فكانت الضمادة تلتصق بمكان الختان. وبعد أن تجرى عملية الختان للصبي، يتجاهله الجميع طوال مدة الاحتفال وينشغلوا بضيافة المدعوين. كانت أعمار معظم الصبية عاماً أو عامين؛ مما ساعدهم على نسيان الأمر؛ لأنهم لحسن الحظ كانوا ما زالوا صغاراً. على أي حال، ختاناً كان أم عرساً، فقد اجتمعت ثلاث عائلات لتتشارك بالاحتفال والتكاليف. نصبوا خيامهم جنباً إلى جنب في عرقوب الجميعان المطلة على البتراء. وكانت قطعة لباس الزينة التي تسمى «حبل المودة» ملكي أنا، فقد كنت أعمل في المنزل الآن وأجيد خياطة الملابس الداخلية، وكان الجميع يأتونني بقطع القماش كي أخيطها لهم، ولم تطو الماكينة منذ ذلك الوقت أبداً. وإذا لم تكن قطع القماش أو الأكمام كافية لتفصيل فستان الطفل، كنت أضيف ما لدي لخياطة ثوب الاحتفال هذا. وبدأت ألوان ذلك الثوب تشابه ألوان قصتي، عينات نموذجية، كالناس، بعضها كان براقاً والأخر باهت اللون، وكان الحبل مثلي يحاول أن يربط بعضها ببعض ويباهي بإبرازها للملأ. أعرت «حبل المودة» لمن أراد أن يستعيره ولأي مناسبة كانت، وكانوا يرجعونه لي متشابكاً ورائحته مليئة بدخان العرعر وبصحبته علبة حلوى الناشد، إعراباً عن شكرهم وتقديرهم. واستمر الغناء والاحتفال كالعادة إلى وقت متأخر. وأمام الخيام تمايلت صفوف الراقصين بنشوة وانضم بعض النشامة الخجولين إلى جانبي الصف، ولكن معظم الأطفال كانوا نياماً في ظلام الخيام. وانتشرت أصوات أبيات شعر السمر التقليدي في أرجاء الوادي، الذي كان الصمت يخيم عليه عادة. جلست قليلاً مع محمد وبين الرجال لأدردش مع ثلاثة علماء آثار أمريكيين كانوا يبيتون عند أبي شاهر ويجرون بحثاً عن بدو البدول. كنت أتتبعهم عن كثب وهم يراقبون، وتذكرت نفسي في يوم زفافي وكيف كنت أنظر إلى البدو بالنظرة الثاقبة نفسها محاولة أن أجمع المعلومات. وأما الآن. فإنه باستطاعتي أن أقول بكل فخر: إنني أعرفهم شخصياً، وكان ذلك الشعور قوياً وملأ قلبي لدرجة أنني أحسست أنه قد ينفجر، وأنا أراقب الراقصين ووجوههم مشعة بضوء النار المشتعلة. وكان كل الجمع هناك، عوض وسالم وعلي وإسماعيل وعلي وسليمان ومفلح. واستمرت مشاعري بالتأجج عندما تربعت مع الرجال إلى جانب النار ومع عيد وحويمل لأشاركهما بتدخين الحشي الذي أخرجوه من كيس قماشي، ومع النساء، جديا وأم محمود اللتين كانتا توقدان النار لإعداد الشاي والمزيد من الضوء يشع على وجهيهما. وكان هؤلاء الناس العاديون، الطيب والسيئ، السعيد والتعيس، الجاهل والشاطر، كانوا «أناس البتراء» في هذا العالم وكانوا جميعاً أصدقائي. كنت عادة أجلس مع الرجال. وفي البداية، عندما كنا ندعى لتناول الوجبات كنت دائماً أجلس مع محمد وآكل مع الرجال، لكن عندما بدأت أتعرف أكثر على النساء وأتمكن قليلاً من اللغة، بدأت أجلس معهم. ومع ذلك، ففي الأعراس والاحتفالات الطويلة كان محمد في كثير من الأحيان يأخذني لأجلس معه، فقد كان يعرف أنني أحب القهوة والاتكاء على المساند، وحتى عندما لم يكن موجوداً كنت أتجول في مجالس الرجال حتى يتعودوا على وجودي هناك. وبعد ذلك كان تصرفي المليء بالثقة بالنفس في كل المناسبات الذي جعلني أجني الإطراء وكانوا يقولون عني: «تقول رجل». ولاحقاً في الاحتفال كان الفتية ذوو الكحل والأثواب والمناديل يغيرون مزاج السهرة، فيرقصون رقصة الدبكة مرة تلو الأخرى. وكان أبو سكسوكة يدير منديله في الهواء ويقود الغناء قائلاً: «رداحة، رداحة!» وكان الجميع يخبط بقدميه في الأرض. تطاير الغبار وقرع الطبل، ويداً بيد ارتدوا إلى الوراء. وانطلقت شرارات الرصاص في السماء لافتة الأنظار وسلت المسدسات من أحزمة الكتف التي كانت ملفوفة في محارم مطرزة بالخرز، وأرسلت الأخوات والزوجات ليجلبن البنادق من أكوام الفراش المكدسة في الخيام المظلمة. رفعت المسدسات إلى الأعلى واشتد الرصاص ولكن صوتها تضاءل أمام صوت طلقات أم القرن، الكلاشينكوف والتي سميت بأم القرن لمخزن ذخيرتها المنحني. وانطلق صوت الصدى في أرجاء الوادي متلاشياً، جاعلاً صوت الغناء خافتاً. وفي خيمة النساء كانت الصبيات يتنافسن بقوة لجلب الاهتمام. وقامت ختمة وصديقتها ختمة تغنيان سوية وكان صوتهما الحاد جميلاً وقوياً؛ وكانتا ترسلان صوتهما إلى من كانتا تحبان، حيث كانا يرقصان الدبكة في الخارج. هذا ما كانتا تقدران عليه أن تسمعا صوتهما دون أن تقتربا، «يابو الجاكيت الرمادي، لا لا تتمشى بالوادي، على العين لاقيني، على العين استنيني»، وتجمع المزيد من البنات بأثوابهن الجديدة وأغطية رؤوسهن يغنين معهن ويكررن مرة تلو الأخرى، ويتمايلن إلى الأمام وإلى الوراء. وعندما كانت كلمات الأغنيات الشعبية تنتهي، كن يؤلفن أغنيات خاصة بهن. «بكرة بينزل الصاروخ يا يوم» وكن يشرن إلى صاروخ «سكايلاب» الذي انفجر وسقط في المحيط الهندي. أما جدايا وأم عوض وأخريات من النساء اللواتي كن من جيلهن، فقد كن يغنين الهيجيني، فيمددن الكلمات مداً طويلاً ويتامدين بالكلمات مكملات أبيات القصائد. وكن عادة يغنين مع بعضهن، إلا أن الفتيات كن يتوقفن قليلاً حتى يتسنى للنساء تسجيل غنائهن على شريط دون تضارب الضجيج الإضافي. وكانت بسيمة قد أحضرت بطاريات جديدة لمسجلها وتدبرت أن تأخذ شريطاً نصف فارغ من أحد النشامة، وكان علينا أن نستمع إلى تسجيلها مذاعاً في الهواء الطلق، كل يوم بعد الظهر، من كهفها القابع أسفل القلعة الصليبية، إلى أن ضعفت بطارياتها. لم نجلب بطانياتنا ذلك اليوم، فذهبنا إلى المنزل. وكان نور القمر يضيء الدرب، وكان صوت السمر وطلقات النار المتفرقة تتلاحق عبر المنحدرات، وبعض ومضات من الضوء أشارت إلى بعض بيوت البدو. كانت سلوى تغط في نوم عميق على كتف أبيها، وحملت رامي في المزفر على ظهري، وشعرت أنني محاطة بشعور مبارك بأنني أصبحت جزءاً من الربع. خيمة بخيتة في صيف 1983، نصبت عائلة قبلان خيمتها على التل المقابل تحت ظل القلعة الصليبية الذي يخيم على المكان بعد الظهر. وأخرجت بخيتة نولها ووضعته خلف الخيمة وبدأت تحضر لحياكة قطعة من شعر الماعز لخيمتها. ولقد قررت أنه قد حان الوقت كي أتعلم الغزل والحياكة، وبدأت أبذل جهداً كي أذهب إليها يومياً. وحالما كان محمد يذهب إلى المسرح، كنت أضع رامي على ظهري في المزفر وأدع سلوى تخطو أمامي، وكنت أمر من أمام خيمة أخوات علي ورخية وكذلك عمود الفرعون. وفي نهاية الشتاء كان صبية القبلان قد جروا بخيامهم من وراء الكهف ومدوها تحت أشعة الشمنس بشكل مستطيل على صخرة الذنب القاحلة. كما قامت بعض العائلات بالعمل نفسه. ولم يعد لسلامة المختار خيمة شعر سوداء، ولكنه صنع لنفسه معروشاً على سطح كهفه من الألواح والأكياس وقطع خيش قديمة. وساعدت النسوة بعضهن بعضاً، فأصلحن الثقوب وأعدن ترتيب القطع وتأكدن أن قطع الخشب المنحوتة التي كانت تغطي رؤوس السواري (كي لا تثقب القماش) كانت كلها في محلها. وكن يغطين أصابعهن بالخرق، عوضاً عن الكشتبان كي يدفعوا بالإبر، التي كانت بمثابة مسامير طولها عشرة سنتيمترات، داخل القماش السميك. وكانت خيامهم بالحجم نفسه تقريبا، مع أن بعض العائلات حول الوادي كانت لهن خيام أصغر وأقصر وأضيق. كانت خيمة بخيتة مصنوعة من ثماني قطع، طولها ستة عشر متراً وعرضها ستة أمتار. وعندما كانت تنصب على سواريها الإحدى عشرة، تصبح مساحتها مئة متر تقريباً. وكانت عادة تفصل ثلثي المساحة بجدار حاجز، للحصول على السق، وعندما كانت تفعل ذلك كانت تضطر أن تحيك قطعها خارج الخيمة وأن تجد لها مكاناً ظليلاً. وكان الرواق مؤلفاً من ثلاث قطع تتداخل بينها قطع من القطن الأبيض المحاك بشكل طوق على طولها ومثبت بمخل فوقها. وكان المخل بمثابة قطعة عرضها عشرون سنتيمتراً، وعندما كانت تهترئ من ثقوب العيدان الحادة التي كان تستعمل لربط مؤخرة الخيمة بسطحها، كانت تبديلها غير مكلف. وفي بداية الصيف كان النشامة يعملون في الوادي، يجزون الماعز لإحدى العوائل كل ليلة، وكان ذلك الوقت احتفالياً ومخصصاً لأكل الفتة وشرب الشاي والمغازلة والمتعة. والغزل في الصيف كان تمضية وقت للنساء العاملات. وكانت البنات اللواتي يرافقن الماعز يضعن ضفائر من الصوف حول أذرعهن ويحملن أكياساً منتفخة، وفي المساء كن يحولنها إلى كرات سمينة من الصوف المغزول ملفوفة حول مقابض مغازلهن الخشبية البسيطة. كانت النساء عندما تأتي إلى العيادة لا يظهرن الشعر الذي كن يفردنه في كل مكان. وعندما يصل الطبيب، كن يدخلن مغازلهن في أكياس الحبوب البلاستيكية التي طورنها لتصبح حقائب كتف (ولكنهن كن يحملنها على جبينهن) وتثبتهن على أعواد شجيرة الدفلى الملتفة. ولحياكة قطعة واحدة كن يجززن خمسين عنزة، وعندما كانت بخيتة تنتهي من غزل بكرات ضفيرتين ثنائيتين على شكل شلل رخوة، كانت تأخذ نولها المصنوع من العيدان والحجارة وتنصبه بمساعدة نورة، وجمع من الأطفال حولها وصرخات النساء تنادي «حق يا عيل» «امسك يا ولد» «شوي شوي» وذلك لتسخيرهم وللتحكم بحماسهم المفرط. وكانت بخيتة تقيس الشلة بالرأس، واحد اثنان، ثلاثة... وكانت تمسك بها حول رأسها وتلفها أربعين مرة وتخرج منها خيطاً مجدولاً كل مرة. واستغرق الأمر عدة دورات إلى الأمام وإلى الوراء لوضع الخيوط جنباً إلى جنب لتكفي حبك القطعة. وكان المغزل يعد عدة مرات في النهار وقريباً من مكان الحياكة، وكنا نفكه ومن ثم نعيد تركيبه ونقربه من أيادي الغازلات. ومع أنني تعلمت كيف أغزل وأحيك خلال عشرة الأيام الكافية لصنع قطعة الخيمة، كان الأمر يتطلب الكثير من الإصرار والمثابرة. وكانت بخيتة كل يوم، وقبل أن تدعني أجلس إلى جانبها كي أسحب كل خيط بشدة بواسطة مشبك مصنوع من قرن الغزال، وأدفع الخيوط إلى الأسفل وألكز الشلة المنسوجة إلى الداخل بعود، تعاملني وكأنني ضيفة، فتضع لي جنبية وتقدم لي ولأطفالي الشاي والفطور. ومعظم الأيام كانت تأتي امرأة واحدة أو أكثر لتجلس في المكان المخصص؛ وكن خبيرات ومساعدات أكثر مني؛ فتعلمت جدل وتمشيط الصوف، بينما كنت أنتظر دوري. وكانت فريجة - عندما تأتي لتقدم مساعدتها - تحبط من عزمي، ولا سيما عندما تراني أجدل خيطيين مبللين معاً (الخيط المبلل يتمدد وعندما يجف يصبح قاسياً) وتتصرف نحوي بعنف وتقول: «ألا تريدين أن تعرفي؛» وتمد يديها المتشققتين وتقول بإصرار: «سوف تقضي على يديك». ومع أنني تعلمت كيف أغزل، لم أمارس تلك الصنعة، فلم أكن أحتاج إلى خيمة، وكان من السهل استعارة واحدة كالتي استعملناها للاحتفال بختان رامي وزفاف سالم وإبراهيم، وعلى ما أظن فإن هذه الخيمة كانت ستستعمل فقط لتلك المناسبات في المستقبل. فقد بدأت الغيمة، قرية المستقبل، تنتشر رويداً رويداً فوق تلال أم صيحون وبشكل بيضاوي ودون ترك أي مساحة لأرض أو منفذ لسيل الشتاء أو لاتجاه الشمس والرياح أو لإطلالة البيوت، وكانت قد بدأت تؤثر على مستقبلنا. دخيل الله - رجل مريض ذات مساء توقفت شاحنة أسفل حافة تلنا، وقام سالم زوج رخية بدفع الأجرة إلى السائق، بينما كان يساعد أخاه للصعود إلى دربنا، وأدركت أنهما أتيا ليبقيا. كان دخل الله منحني الظهر ومن المستحيل له أن يصعد مرة ثانية إلى الدير أو إلى كهف سالم أو رخية، الذي كان أقرب، ولكن مساره كان عسيراً بسبب انحدار الممر الذي كان يؤدي إلى وادي الدير. وضعت فراشاً تحت المعرش، بينما كانوا يدخلون، وقال دخل الله بصعوبة «سلام» وخلع شبشبه ثم ارتمى على جانبه فوق الفراش، ومن ثم طوى منديله حول رأسه ولواه بشكل كرة ووضعه تحت اللحاف. كان دخيل الله بطول محمد، ولكنه بدا أصغر منه بسبب ملامحه الدقيقة. كانت نظرته جدية، وكان يتسم بها عندما كانت الحاجة تدعوه لذلك، وكان ذا فطنة حادة وابتسامة براقة. لقد عاش في الدير مع زوجته التي كان اسمها رخية أيضاً ولكنها سميت بأم خالد، عندما ولد أكبر أبنائها التسعة. (كانوا يعيشون في الذنب وكان محمد قد أشار إلى الحفرة الإسمنتية في الصخر - حفرة الحوض التي سقط فيها ابنهم الثاني وغرق، وكان لم يخط خطواته الأولى بعد - وهناك عند الدير كانوا أقرب إلى الحطب ومناطق رعي الغنم، وكانوا يقدمون الشاي للسائحين الذين كان يستغرق صعودهم إلى الدير حوالي خمسة وأربعين دقيقة، وكان دخيل الله يعمل يومياً كعامل بناء وكاسر حجارة لدى دائرة الآثار، وبما أنه كان ماهراً في عمله، كان دائماً يحصل على أعمال إضافية مع علماء الآثار عندما يقومون بعمليات الحفر. وكان دكانه - الذي يفتحه بعد انتهاء عمله - في كهف تحت المتحف ونذهب عنده بعد الظهر في أيام الصيف، وظل الجبل الذي كان كهفه محفوراً فيه يجذبنا إليه وكذلك إبريق الشاي والحديث معه. لقد كان يبيع أكياس الشاي المعتادة وعلب السردين والأحذية البلاستيكية، وأحد أبنائه الوسيمين يساعده أحياناً في الدكان. هؤلاء الصبية أسرع من الماعز، كانوا يركضون في الجبال وقد ضربوا رقماً قياسياً في الصعود إلى الدير والنزول كل مرة أرسلوا فيها بمهمة قصيرة. صببت الشاي لسالم، الذي أمسك بالكأس ويده ترتعش وقال: «لقد جئنا من المستشفى«، المركز الصحي في وادي موسى. ذهبت لأبتاع بعض السجائر ووجدته جالساً هناك في دكانته يعض منديله من الألم. ولحسن الحظ كان أبو زلاعة يسلم الشعير آنذاك، وكان باستطاعتي إيقافه عند عودته وطلبت منه أن يأخذنا إلى الطبيب الذي أعطاه حقنة، ولكن حالته لم تتحسن. قلنا لهما «خذوا راحتكو«، ورجونا له ولأخيه نوماً مريحاً وهنيئاً ونصحناهما قائلين قبل أن نخلد إلى النوم: «توكل على الله». وفي منتصف الليل عندما سمعت أصواتاً عند المعرش أدركت أنه موسى، مختص المسمار الأحمر الساخن، فتقلصت تحت بطانيتي. لقد قابلت موسى لأول مرة بعد عدة أيام من زواجي، وبعد هذا اللقاء لم أجد أي صعوبة في التعرف عليه أو على صوته. عانى محمد من ألم حاد في أحد جانبيه فكان ينطوي على ركبتيه من الألم، وأسفرت الرحلة إلى الطبيب بإعطائه حقنة، وأمره أن يشرب الكثير من الماء. لقد شك الطبيب بأن محمداً يعاني من بعض الحصى في كليته. انتهى مفعول الحقنة قبل أن يطرح كل الشاي الذي شربه، وعاوده الألم. وعندما سمع عبدالله أننا ذهبنا إلى الطبيب، أرسل في طلب موسى. وأشعل الاثنان البريموس وسخنا رأس مسمار طوله عشرة سنتيمترات إلى أن أصبح أحمر. لم يخفوه عني ولم أتخيل بأي شكل من الأشكال تلك الطريقة الهمجية التي كانوا يعدونها لمعالجته، ولم أصدق حتى عندما سمعت كوي الجلد وشممت قطعة الجلد المحترق. وصرخت قائلة: «لا! لا!» وعرفت أنهم فهموا ولكنهم تجاهلوني، فأمسكت بمعطف موسى وبدأت أسحبه بقوة بعيداً عن محمد. طلب مني محمد أن أخرج حتى ينتهوا، ولم أصدق أنه كان يدعهم يحرقونه عمداً. كانت لديه ثلاث بقع حمراء كالبصمات على وركه الشاحب اللون. بدا أن ألمه كان شديداً لدرجة أنه لم يعرف صالحه، ولكنه انتظر حتى خرجت، وأمسكه أباه، بينما كوى موسى ظهره. وفي الصباح كان الألم قد اختفى. وبدأ عبدالله يقول «شوفي النار كويس«، وعلى ما أظن فإن الحصى طرحت من كلية محمد خلال رحلات ذهابه وإيابه إلى دار الخلاء ليتبول، واعترف لي أن الألم كان شديداً جداً. بدأت أعتقد أن دخيل الله قد أرسل في طلب موسى، بعد أن أيقن أن مفعول الحقنة قد يكون قد انتهى، وأنني لن أستطيع أن أفعل له شيئاً، وكان من الأفضل لي أن أبقى في السرير وأن أخفي رأسي تحت الغطاء حيث لا أسمع ولا أشم شيئاً. كان دخل الله جالساً عندما استيقظت لأحضر الفطور، ومع أنه شرب الشاي، لم يلمس الخبز الطازج. وقال: إنه لا يتذكر شيئاً إلا الألم، قبل أن يؤدي موسى خدماته الجليلة، ولكنه أكد لي أنه بينما كان موسى يضع المسمار الحامي على جسده، أحس كأن شيئاً ما قد انتزع منه، وشعر بالراحة عندما أزيل الضغط عن مكان الألم. كان من الممكن أن يسمح لي بحكم عملي أن اطلب رؤية مكان العلاج. وبالرغم أنني رأيت علامات الكوي والكثير منها منذ ذلك الوقت، لم أكن مستعدة أن أرى ذلك العدد الهائل منها على جسد واحد. لقد كان جانب دخل الله الأيمن من عظم الرقبة وحتى الخصر كأنه قميص مرقط. لقد كان هناك أكثر من عشرين حرقاً، كما كان الكثير منها على ظهره. وكأن الألم الذي في داخله لم يكن كافياً! أو ربما كان الهدف تحويل نقطة التركيز على ألم دون الآخر؟ وضعت كريم التطهير. ولم يأخذ الأمر وقتاً طويلاً حتى أدرك الناس أن دخل الله كان مريضاً وبدؤوا يتوافدون ويجلسون معه تحت المعرش ويتساءلون عن سبب مرضه وطريقة علاج حالته. وتمسك دخل الله بقصته الزاخرة بالأعمال البطولية، فانتقل من أول طعنة تلقاها في المركز الصحي إلى أيدي موسى المداوية في الليل. ولم يتفق الزائرون على التشخيص نفسه أو طريقة المعالجة بالأعشاب. بدؤوا يقدمون الاقتراحات: «هل يوجد لديك شح، بيثران أو هندية»؟ وسرعان ما وجد ما لم يكن متوافراً لدي. فقد أرسل حسن طفلاً وضيعاً حاملاً بيده قطعة قماش براقة الألوان مليئة بعشبة المريمية، وأرسل آخرين إلى الكهوف والخيام لينقبوا عن زاد من الأعشاب النافعة. كان محمد قد ذهب إلى عمله، وقام الزائرون بتسلية سلوى ورامي وساعدوا في إعداد الطعام وقمت أنا بغلي ما كان يعتقد أنه الدواء الشافي. لقد كان دخل الله مستعداً لأن يجرب كل شيء وأي شيء، ولكن لم يستطع أن يتناول أكثر من ملء فمه، ومع أنه كان يدردش وينام قليلاً ويشرب جرعات صغيرة من الحساء، إلا أنه كان ينهك مع انتهاء النهار. ومرت الليلة الثانية دون ألم. وبعد الفجر مباشرة وصلت أم خالد. حملت أطفالها على ظهر الحمار أتت لتبقى مدة طويلة. وبالرغم من أنها علمت أن زوجها كان بخير، كانت بحاجة لرؤيته بنفسها؛ وذلك لأن الجميع هنا يؤجلون المحتم ويقولون: إن كل شيء على ما يرام حتى لو كان الشخص ميتاً. ولم تشعر بالارتياح عندما رأته، فقد كان شاحب اللون هذا الصباح، وقال: إنه لم يذق طعم النوم، وكان القلق يبدو عل وجهه. لقد كنت أشعر بالقلق أيضاً، وأقنعت محمداً وسالماً أنه من المستحسن أن نأخذه إلى الطبيب مرة ثانية. قرروا أن يأخذوه إلى العقبة التي كانت تبعد نصف المسافة إلى عمان، ويوجد فيها مستشفى عسكري، وكان الأطباء والخدمات هناك أفضل بكثير من وادي موسى أو معان. حمل سالم أخاه إلى السيارة، الأمر الذي حمل النساء على العويل والندب. مر اليوم ببطء، وجاء كثير من الزائرين، وعندما لم يجدوا دخل الله انتظروا عندنا. كان يوماً حاراً وكان الجو أشد حرارة في العقبة وأعلى بخمس درجات على الأقل. اقترحت فريجة عشبة القيسوم، وقالت: إنها علاج ممتاز لوجع المعدة. أما أم خالد فقد كانت على معرفة بتلك العشبة وصممت أن تجمع بعض الأوراق. طال غيابها ورجعت ترتعش فارغة اليدين، فبينما كانت تبحث بين الصخور المنحدرة والتي تقع تحت القصر العالي اختل توازنها وكادت أن تقع، لقد كانت خائفة من فقدان دخل الله، والآن أصبحت قلقة على فقدان التوازن. أكدنا لها مطمئنين «دخل الله سيكون بخير». «فكري بالأولاد - هناك الكثير من الناس الذين يودون المساعدة». ولقد كانوا حقا يمدون يد المساعدة، فبعضهم أحضر الحطب، ومريم عجنت الخبز. وحيية جلبت اللبن وأعدت الحساء. أكلنا الفتة لوجبة الغذاء وكان هناك الكثير من أباريق الشاي والأحاديث المتفرقة. كثير من النساء لم تر بعضهن البعض منذ زمن، وأخذن يتبادلن أطراف الحديث ويتكلمن عن الماعز والمحصول والأمراض والأولاد والتطعيم والعرسان والأزواج والفضائح. وكم ارتحنا عندما رأينا المريض يخرج من السيارة في ذلك اليوم بعد الظهر. لقد أخذت له صورة أشعة شخصت مرضه، تبين أن عنده حصى في الكليتين أو التهاباً كلوياً، لم أفهم تماماً ولكنه كان قد حقن في المستشفى وجلب معه أقراص الدواء مع جميع التعليمات التي استطعت أن أتدبر أمرها، وحرصت أن أعطيه الدواء والدواء فقط. لم يتحسن في اليوم الثاني، ولكنني دأبت على مواظبة العناية به، وحاولت أن أقنعه أن يأكل العصيدة التي طبختها، وكانت طرية ولزجة، ولكنه أسر لي قائلاً: «لم يخرج مني شيء مذ أتيت إلى هنا يا فاطمة، أشعر إنني ممتلئ إلى عنقي ولا أستطيع أن أبلع لقمة واحدة». حالما جاء محمد، حمل دخيل الله بمساعدة سالم إلى السيارة مرة ثانية وذهبوا به إلى عمان في الليل. أخذوه مباشرة إلى المستشفى الإيطالي حيث أجريت له عملية جراحية على الفور. عندما أجرى الطبيب جولته على المريض، أخبرنا أن دخيل الله كان محظوظاً جداً، وأمسك بقنينة زجاجية احتوت على الزائدة التي أزالها. لقد كانت ملتهبة (مسببة الألم) ومن ثم انفجرت (فخف الضغط) وأصبحت غنغرينية (مسببة الانسداد). عندما رجع دخيل الله إلى المنزل انتقلت عائلته إلى كهف في المنحدر المقابل للعيادة ونصبوا خيمتهم على حافة التل في المقدمة حتى يتسنى لهم أن يستوعبوا كل الزائرين الذين أتوا ليهنئوا دخل الله بسلامته. وكان الجميع يتساءلون عن جرح العملية و طوله وإذ كان قد فتح بالطول أم بالعرض وكم عدد القطب. ولكنها كانت كلها تخمينات، ولاحظت أن دخيل الله لم يكن يعرض الندبة كما كان يعرض حروق رأس المسمار. وعندما كنت أغير له الضمادة، كانت أم خالد تضع أغطية حول مكانه لتشكل ستاراً يمنع العيون غير النظيفة من النظر إلى الجرح. ولقد قدَّر دخيل الله الدواء الحديث الذي استفاد منه، ولكن كانت له آراء خاصة حول الاعتناء بنفسه، فكان كلما أتى إلى بيتنا يطلب كأساً من زيت الزيتون الأخضر الغامق، فيشربه جرعة واحدة قبل أن يتناول الخبز أو يشعل سيجارة، وبقي قوياً ومعافى. 1984: الملكة إليزابيث - زيارة ملكية وصل نيازي عام 1984 مع مجموعة من الأناس الجميلين إلى ساحتنا الأمامية، وكنت جالسة متربعة ومحاطة بأكوام الغسيل الوسخ ووعاء الغسيل. وكان نيازي رجلاً من وادي موسى، والمدير المحلي للسياحة، فاقتربت منه ووضعت الفراش عند الحائط السفلي وتحت أشعة شمس الشتاء وبدأت أتساءل عما يدور في ذهنه. قدم لي الرجال والنساء الذين كانوا معه، وقال لي: «بعد عدة أساببع ستزور ملكة إنكلترة الأردن، وهؤلاء الناس هم المسؤولون عن علاقاتها العامة». وتابع أحد الرجال المرتدين سترة مبطنة أنيقة: «إن جلالة الملكة ستكون الملكة الإنكليزية الأولى التي ستزور الأردن، ونحن نحاول أن ننظم لها برنامجاً متنوعاً، ولقد سمعنا عنك وعن زوجك البدوي وأنك تعيشين هنا في الكهف من نيازي، ويبدو أن قصتك غير اعتيادية؛ لذا فإننا نعتقد أن الملكة ستكون مهتمة جداً أن تقابل عائلتك، ولاسيما أنك الإنسانة الوحيدة التي هي من رعايا الملكة في هذه المنطقة». ذهبت إلى المطبخ؛ لأعد الشاي ولتجنب رميه من فوق حافة الجبل. لم أكن متأكدة من مشاعري. وبدأت أفكر. هل أنا حقاً عندما تزوجت من هذه القبيلة البدوية النابعة من هذه الآثار النائية من البتراء والتي تقبع في وسط صحراء الأردن وعند نهاية الطريق المضيء بنور النجوم، سأختفي ولن يتوقع مني أي شيء بعد ذلك؟ وللحظة حاولت أن أنظر إلى الأمور بمنظارهم، فقد كانت حياتنا اليومية تنتثر حول الساحات الترابية المرصوصة، وجرة الماء والتنكات وسروج الحمير الخشبية، وأباريق الماء المغلي والملابس الملتوية من العصر، وما كنت أراه عادياً بدا لي فجأة بدائياً، وكان عليَّ أن أنظر إلى أبعد من ذلك، وإلى وجه كهفنا الحلزوني المطل على الساحة وإلى السماء الزرقاء القريبة التي كنت تشعر أنه بإمكانك لمسها، وإلى المنحدرات المحفورة بالآثار، المتضرعة إلى أي أحد أن يهتم بها. وانحسرت أصوات البتراء إلى داخل نافذتي العريضة التي كانت تبدو وكأنها صورة. كان رامي يخطو إلي، فحملته وشعرت بالاعتزاز والإحراج، بالخجل والدهشة. صببت الشاي وتذكرت عام 1963 عندما رسا اليخت الملكي «بريطانيا» عند البحر قريباً من بولدير بانك، التي شكلت مرفأ نيلسون الطبيعي. نزلنا إلى رصيف الميناء كما فعل جميع أهالي الحي ولوحنا بأيدنا وهتفنا راجين أن نلمح الملكة أو على الأقل يدها ذات القفاز، عندما اقتربت من الشاطئ. ولعدة أسابيع ظللنا نتخيل أننا سندعى إلى قصر باكينغهام ونلوي بأصابعنا الصغيرة لنتعلم انحناءات الاحترام. وكانت لدي الفرصة الآن. ومن أكون أنا لأمنع عنها زيارة رعيتها الوحيدة في المنطقة؟ طبعاً سأقابل جلالة الملكة. ولم يتحرك لمحمد جفن. فلقد كان يعيش في بلد لا يصعب الوصول فيها إلى الملك. قال لي «لقد قابل أبي الملك حسين عندما هبط بمروحيته قريباً من مدفن القصر، شيء عادي». وازدادت حدة توتري، ولم أكن واثقة مما قد تتطلب المناسبة، ولم يكن هناك أي أحد لأسأله. اخترت لباساً لكل واحد منا ووضعته بعيدا عن متناول اليد، كي لا أفاجأ آخر دقيقة بقماش محروق أو بقعة زيت أتصارع معها. لقد كنت راضية بمدرقتي الزرقاء وكنت قد انتهيت من تطريز واحدة لسلوى، واستعملت الغرز المتعامدة وخيطاً قرمزي اللون. وبينما كنت أتجول في سوق القماش في عمان وجدت قماشاً مطابقاً للمدرقة فخيطت قميصاً ليلبس تحتها. اعتقد محمد أن الملكة ستتوقع أن يقدم لها بعض الزهور، ربما باقة تقدم من قبل سلوى، ولم يكن هناك محل زهور كي نطلب منه باقة ترسل إلينا في مثل هذه المنطقة من العالم، فكان علينا أن نفكر في شيء آخر. أردته أن يكون من البتراء بشكل خاص، وعندها قرر محمد أن يصنع لها زجاجة من الرمل الملون. وكنت قد رأيت بعضاً منها في العقبة، فقد كانوا يملؤون زجاجات الشراب الصغيرة بالرمل الملون صناعياً بأشكال منمقة من الجمال والزهور، ولكنني كنت متشككة أن محمدا لديه القدرة على صنع واحدة، ولاسيما إذا كانت ستقدم إلى الملكة. قال لي: إن صنعها ليس صعباً وإنه عندما كان صغيراً كان يصنعه، وكان يسحق الصخور الملونة طبيعياً ليصنع الرمل. وفعلاً قام بصنع واحدة. وتجادلت معه لأنه استعمل مقص الخياطة الجيد (الذي لم أستطع أن أشتريه من هذا القسم من سوق البخارية) كي يقص علبة زيت الطبخ التي لحمها ليصنع منها قمعاً - فلقد كانت لديه سبيكة لحام في حقيبته. وكنت أتحدث بصخب بينما كان هو ينخل الصخر المسحوق مستعملاً مصفاة الطحين؛ وذلك ليحصل على رمل ناعم دقيق. وصرخت غير مصدقة عندما أنهى تحفته - في زجاجة الصلصة الحارة «توباسكو»! كان لابد لي أن أقر أنها كانت جميلة الصنع. وعندما تنسى أنها كانت معبأة بصلصة التوباسكو، فإن اللون الرمادي ولون الصدأ والبني الذهبي والأبيض بدا أجمل مما توقعت. لقد كانت أفضل هدية ذكرى من البتراء. وبعد ذلك علَّمنا أنفسنا أن نصنع تصاميم وصوراً وملأنا الآلاف من الزجاجات بالرمل، وأصبح محمد ممثل الأردن لهذا الفن في أوروبا، وكان يعرضه في كل مكان، ولكننا الآن لم نكن بحاجة إلى جمال أو زهور، فقد كانت الخطوط جميلة وبأشكال الصخور. وهكذا حصلنا على باقة الزهور لسلوى. وفي الثلاثين من آذار، مارس، انتشرت البادية بشكل منمق عبر التلال. البادية هي شرطة الصحراء وكان معظم أفرادها من النشامة. كانوا يلبسون أثواباً وسترات جلدية ضد الرصاص ذات لون أحمر تماشت مع مناديلهم الحمراء والبيضاء التي علت رؤوسهم كالتيجان، فبدا البدينون منهم بكامل أناقتهم ورشاقتهم. كنا سنقابل الملكة في الخيمة التي نصبت إلى جانب شجرة الكينا حيث كان صوت دق القهوة في الجرن الخشبي، يتردد صداه في الهواء. وكانت الحمير المحملة بالبسط تجر من كل ناحية، وبدأ الناس يتجمعون محدثين الضجيج. وانطلقت محركات العربات وتعالت وهبطت على الطرق المرصوفة. وعندما اقتربنا من قصر البنت انهمر علينا جمع من المراسلين، وبدؤوا يوجهوا لنا أسئلة عنيفة ذات صيغ معروفة. هددت وتوعدت قليلاً، ولكن عندما سألني أحدهم مشيراً إلى السماء الزرقاء، «أخبريني - ما هو سبب عيشك هنا في هذه المدينة القديمة الجميلة الجبال؟» كنت أعرف الجواب. نظرت إلى محمد وكان يمشي إلى جانبي وبدا وسيما جدا فقلت دون أي تردد «هو». كانت الخيمة كبيرة. وكانت السواري عالية جداً، فلم يضطر أحد أن ينحني عند الدخول. قال: إن الخيمة ملك للملك، ولكن قبيلة البدول كانت تقوم بتجهيزها. وضعت ثلاث فرشات فوق بعضها لتشكل مقعداً مريحاً، وكانت مزينة بنسيج مرسوم بالصور والألوان، وعرفت أنها أخذت من كهف سلامة، وسجاد محاك من حسن وأبي شاهر، وكانت أرض الخيمة مغطاة بالبسط المحاكة باليد من قبل عائلات أخرى وكانت طويلة وضيقة، وكانت طريقة صفها جنباً إلى جنب، تظهر الخيمة أطول مما كانت عليه. وكان أهل البادية والبدول يعملون معاً، فقد أعدوا مكاناً للنار أمام الخيمة لإعداد الشاي والقهوة، وكانت رائحة حطب البلوط المشتعل تعطر الهواء مختلطة مع رائحة القهوة وحب الهال. وكانت أباريق القهوة مصفوفة في الجمر جميعها إرث عائلة أبي محمود. وكان هناك قياسات مختلفة من الأباريق لغلي الماء وصنع القهوة ولإضافة حب الهال وللصب صنعت كلها من النحاس الملمع ولها قواعد دائرية دقيقة الخصر وأغطية ذات مفاصل كالمنارات ومصبات كمناقير العصافير المزخرفة. شربنا الشاي وجلسنا. لم يسمح للسائحين أن يقتربوا من المكان ذاك اليوم؛ لذا فقد كان يوم عطلة نادر. وبقي كثير من الناس في المكان كي يلقوا نظرة على مليكهم، وكذلك جلست الأمهات والأطفال إلى جانب الطريق. طال النهار وامتد ولم يكن أحد متأكداً من موعد سير الأمور. وعندما نام رامي في حضني، ظهر الموكب. كانت هناك سيارات بيضاء ووراءهما حشد من سيارات اللاندروفر يقترب من طريق الأعمدة وعبر قوس النصر. توقفت السيارات: روفرز بيضاء اللون، فخمة ودون سقف. وعندما ترجل الملك حسين والمكلة إليزابيث من السيارة الأولى، رجعنا إلى الوراء، وبينما كان الملك يرافقها إلى الخيمة سلبت الملكة نور كل انتباهي، لقد بدت في كامل أناقتها وهي ترتدي اللونين الأبيض والزهري؛ وقد وصلت في السيارة الثانية مع الأمير فيليبس. بدأت من آخر الصف، وبدأت تصافح جنود البادية فرداً فرداً قائلة «مساء الخير«، قبل أن تدخل الخيمة. وأما بقية الحاشية المرافقة فقد تفرقت داخل الخيمة، وكان الجنود يفتحون باب السيارات الأخرى وامتلأت الخيمة. جلسوا على المخدات وقدم لهم الشاي البدوي المغلي على النار بإبريق أزرق وكؤوس صغيرة ذات طرف ذهبي. وتقدم عالم آثار إنكليزي اسمه كريستال بينية؛ ليشرب الشاي مع الملكة. لم تمل علينا أي تعليمات من قبل أي أحد، ويبدو أننا لم ندع لشرب الشاي. ووقفنا خارج الخيمة مع الحشد الكبير والجنود والصحفيين والبدو الآخرين. وهمس أحدهم: «بعد لحظات سيأتي دورك»، «ضعي الطفل هناك». فقد كان رامي نائماً على كتفي. حاولت أن أوقظه ولكنه كان معتاداً على أن ينام عندما يكون متعباً، مهما كان يجري حوله، ولم أرد أن أضعه، وكانت هناك كاميرات التلفاز في كل مكان. حثني الناس من كل جانب أن أدخل إلى الخيمة قائلين: «ادخلي» بدأت أنفعل. لقد تصورت أن أحدهم سوف يقدمني ولكن من الواضح أنه كان من المتوقع أن ندخل وحدنا. ولكن أين نذهب؟ اتجهنا إلى الملك حسين بخط مباشر، وكان يقف أمامنا مباشرة، ولكن إيماءته كانت واضحة وعنى مرحبا، أن نقترب من ضيفة الشرف أولاً. انعطفنا إلى اليسار وكانت الملكة إليزابيث أمامنا. وكانت مرتدية ثوباً أزرق وتبدو ناعمة كما في الصور. لم أستطع أن أنحني لأني خفت أن أوقع رامي الذي كان نائماً على كتفي. لم يكن هناك أي وضوح، وكانت سلوى تحاول أن تقدم زجاجة الرمل وأن تقول: «لقد صنع أبي هذه الزجاجة خصيصاً لك» ولقد كان صوتها خافتاً لدرجة أن الملكة لم تنتبه إليها فقد كانت تتكلم معي. لم أسمعها، لقد كنت مرتبكة لدرجة أنني حبست دموعي. كان محمد يتحدث مع دوق ادينبرة بكل ارتياح. وعندما استعدت رباطة جأشي لأشرح للملكة عن زجاجة الرمل، كانت قد اختفت. أترى كان هناك شك في خرق للقانون، لن أعرف أبداً. وحين بدأت الملكة تسأل عن حياتنا، شعرت أن أحدهم أوجز لها عنا، وكانت تعرف جميع الإجابات مسبقاً، وشعرت بالارتياح عندما تقدمت الملكة نور ووجهت ملاحظة بارعة لي قائلة: «لهجتك أسترالية«، ووافقت الملكة إليزابيث. (لقد كانت الملكة نور أجنبية بحد ذاتها، وكانت أمريكية وزوجة الملك حسين الرابعة). ربتوا على شعر رامي وأعجبوا بقدرته على النوم، وبعد ذلك انتهى وقتنا المخصص وصافحنا الجميع وختمنا بمصافحة الملك حسين وتركنا الخيمة مفعمين بهذا الشرف. وعندما اصطفت السيارات وبدأ الضيوف يستعدون للرحيل وقفنا حول النار وصب لنا رجال البادية القهوة. شعرت بارتياح أكبر وأنا واقفة معهم. تجمع الصحفيون. «ماذا قالت؟ لقد تكلمت لوقت طويل...» ولكننا فقدنا الشعور بالإثارة وتركناهم ورجعنا إلى المنزل. كتب عني مقال في مجلة المرأة النيوزيلندية الأسبوعية. كانت القصة لا بأس بها، ولكن المراسل لم يذكر أن اسمي فاطمة (أم سلوى، أو أم رامي) ولسبب ما أفرحني ذلك الأمر. وشعرت أن ما كتب، كتب عن شخص آخر ولاسيما عندما بعثت لي صديقة مقالاً نشر في جريدة تصدر في إفريقيا الجنوبية وعنوانه «النيوزيلندية ورجل الكهف». ظهرنا في جميع محطات العالم بنشرة الأخبار. ولقد أدرك أصدقائي الإستراليون والإنكليز الذين رأوني آخر مرة وأنا ذاهبة إلى محمد، أنني استقريت. أما والداي فلقد كانت تجربتهما قاسية بعض الشيء. لقد لمحوا حفيدهم نائماً على كتفي، ولكن أمي بكت عندما ختم المذيع الخبر قائلاً: «وافترقوا، رئيسة دول الكومن ويلث إلى القصر ورعيتها إلى الكهف». الصيام وبعد ذلك بدأ السائحون البريطانيون بعض الأحيان يتعرفون على محمد ويوجهون لي الأسئلة. وكنت أتمتع باهتمام الناس بنا وبحياتنا وكنت بين الفينة والفينة آخذ سلوى ورامي لنجلس مع محمد في دكانه. ومن نواح أخرى، وبعيداً عن تكسير الحجارة وغسيل الزجاجات لصنع قوارير الرمل التذكارية، استمرت حياتنا كما كانت من قبل، إعداد الخبز، حمل الماء، غسيل الملابس، العمل في العيادة والذهاب إلى المستشفى، وتوجت أيضاً بالزيارات وشرب الشاي في خيام سوداء ظليلة. وكانت الوحدات السكنية في أم صيحون قد انتهت في ذلك الحين، ولكن قرار الانتقال إليها لم يكن قد صدر بعد. وتفاقمت الإشاعات، فيوم سمعنا أننا سنرفض العيش في الوحدات إلا إذا وسعوا مساحتها، وفي اليوم الآخر سمعنا أن العائلات التي ستحصل على وحدتين يجب أن يكون عدد أفرادها عشرة بدلاً من سبعة، وذهب الآباء إلى معان ليسجلوا الأطفال الذين لم يكونوا في الحسبان، وبعض الآباء شغلوا أنفسهم بتزويج أبنائهم لأنهم أدركوا أن جميع الأبناء المتزوجين سيحصلون على بيوت. وكانت هناك اجتماعات مرتجلة عند الكينا، وجمعت العائلات المال لنفقات السرفيس والتاكسي والإقامة لسلامة التي قد يحتاجها عندما يذهب إلى عمان لإجراء مباحثات هامشية. وجاء شهر رمضان وأيقنت أنه يجب علي أن أصوم. وكم كنت أشعر باليأس عندما كنت أراقب الناس الصائمين الذين لم يدخنوا طوال النهار، يتناولون مباشرة وعند غياب الشمس علبة السجائر، وكنت أقول بيني وبين نفسي حاسدة، إذا كان باستطاعتي البقاء دون سيجارة من الفجر وحتى المغيب، فإنني لن أصوم فقط بل سأتوقف عن التدخين. والآن وقد توقفت عن التدخين فإن التوقف عن الطعام والشراب يبدو سهلاً. صام محمد وعلي عام 1979، وحسب ما أذكر، من الفجر، الساعة الرابعة والنصف وحتى المغيب الساعة، السابعة وخمسة أربعين. وكانا يستقلان سيارة إلى وادي موسى ويشتريان الطعام من هناك. وبعد الظهر كانا يضعان التمر في مواعين ويعدان شراب «التانج» ويقطعان البطيخ ويضعاه على سدر كي يبرد. أعدا السلطات المكونة من الخيار والطماطم وعصير الليمون وزيت الزيتون والطحينة. وكانا يسلقان الدجاج ومن ثم يقليانه بالسمن النباتي. كانا يفتحان علب الحمص ويخلطانه جاعلين منه مزيجاً يشبه الكريم. كنت أصنع الشراك وأعد الشاي. لم تكن هناك بطاريات في مسجلنا، فكنا نحمل الطعام إلى الصخرة في المساء عند أعلى الكهف، وكانت أم محمد التي كان لديها راديو، تؤشر لنا عندما تسمع الآذان. كانوا يقولون: «اللهم، لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا يا الله«، ومن ثم يأكلون ويشربون ويدخنون... وظلوا يأكلون ويشربون حتى لم يقدروا على الحركة. لم يستطيعا أن يتحملا الصيام أكثر من يومين. لم أقل لأي أحد منهم أنني نويت الصيام. وعندما رجع محمد إلى المنزل كنت أشكو من الصداع، ولم يكن عندي أي حيوية ونشاط، فأدرك أنني كنت صائمة. كنت قد وضعت بعض الماء في اللغن لأشغل سلوى ورامي. وطال انتظار المغيب، وقام محمد بإعداد طبخته المعهودة المكونة من لحم البقر المعلب وطلب من أم محمود أن تخبز لنا. بدأت أتساءل عندما وضعت الأطفال في الفراش، هل يستحق هذا الأمر كل هذا العناء؟ هل أستطيع أن أتحمل يوماً آخر كهذا. بدت أم محمود ممتنة جداً، وقال لهم محمد: إنني سأواصل الصيام، وبتشجيعهم ومع استمرار الوقت، أصبح الأمر أسهل من قبل. وبات الصيام أمراً آخر أقوم به مثلهم تماماً وهكذا زاد ارتباطي بالقبيلة. وأصبحوا الآن وعندما يتكلمون للأغراب عن خصالي الجيدة، يقولون بكل فخر: «إنها تصوم رمضان» «إنها تتكلم العربية، وتخبز ولقد أسلمت». لقد كان الضيوف (المدعوون لحفلات الزفاف) يهزون برؤوسهم موافقين، أما السائحون فكانوا يحرجون مثلي تماما. لقد أصبحت مسلمة بأناة، ولم يكن لي شهادة إسلام بعد تقر أنني مسلمة، ولكنها جاءت فيما بعد عندما ذهبت إلى المحكمة وشهدت ويدي فوق القرآن الكريم بأن «أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله» - وفيما بعد اكتشفت، وكانت لغتي العربية قد تحسنت، أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم كان خاتم الأنبياء، وكان يدعو إلى عبادة إله واحد، وأن الأنبياء الآخرين هم نفسهم الذين درست عنهم في مدارس الأحد. واكتشفت الله عز وجل في كل أمور حياتي. وأمضيت بقية الشهر أستيقظ أتسحر في الفجر، وجلست على حافة التل أشرب الشاي وأتناول الخبز والجبن ليكونا زادي لليوم التالي. وكنت أرى بصعوبة أضواء الخيام المتاخمة في عرقوب الجميعان والذنب؛ لأن ضوء الليل كان براقاً. خيَّم الصمت على المكان وهدأت الكلاب والحمير وكان صياح الديكة لم يبدأ بعد. لقد كنت أستمتع بالذهاب إلى النوم فيما بعد لبضع سويعات. محمد لم يصم. وحاول في اليوم التالي ولكن عند الساعة الثامنة صباحاً جف لسانه وظهر له ورم في فمه، وبعد مدة وجيزة هرعنا به إلى المستشفى في حالة إغماء ناتج عن مرض السكر. شعر بالتحسن بعد أن أعطي حقنة أنسولين، شعور جيد لم يذق طعمه منذ زمن، ولكن مرض السكر ذلك القاتل الصامت، غيَّر مجرى حياتنا. وبدأ محمد يتلقى حقنات روتينية (كان باستطاعتنا شراؤها من أي صيدلية في معان)، ويأكل طعاماً خاصاً (معظم طعامنا كان مليئاً بالدهن الحيواني)، ولم يعد يشرب شاياً محلى (مما كان يعني أنني بعد انتهاء شهر رمضان كان علي أن أعد إبريقين من الشاي لنشربه على حافة الجبل في الصباح، ولأنني اعتدت على شرب الشاي الحلو المذاق). لقد أصبح روتيناً محتلفاً للغاية عن طراز حياة البدو، وكان من الصعب التعود عليه. بنت و صبيان كان إبراهيم وزوجته هندة يعيشان في الكهف العالي إلى جانب وادي الدير. وعندما بدأت هندة تشعر بآلام الولادة، نادى إبراهيم جارته ريا؛ كي تساعدها. وإلى جانب مساعدتها على إنجاب الصبي ذي الأطراف الطويلة وربط حبل الصرة وزج بعض الحشي في أنف هندة كي تعطس للتحريض على التخلص من الخلاص، فقد أمرت أولادها بجلب الماء والبقاء معها كي يمدوا لها يد المساعدة. لقد كانت ما تزال هناك، عندما أتيت في اليوم الثاني، ولا أعتقد أنها كانت ستقول لي: إنها أتت، ولم أكن قد رأيتها هناك. ولقد شعرت بالفضول عندما أطلت برأسها من وراء حفرة النار لتقول لي: «لقد حلمت بك بالأمس». لقد أحسست أنها تريد أن تخمن ردة فعلي. ولم تكن واثقة مما قد ستكون، ولكنني كنت أحب أن أسمع عن أحلامهم التي تتنبأ بالمستقبل، وما قد يتحقق منها. فقلت لها: «أحقاً، هل كان خيراً أم شراً؟» قالت: «لقد جئت لزيارتك؛ لأنك أنجبت وكنت تجلسين في زاوية كهفك ترضعين المولود، وعندما هنأتك، أجبت: الحمد لله بنت وولدان يكفي». أحسست أنها قد حلمت بما كان يجول برأسي. لم أكن أناقش أمور تنظيم أسرتي مع الآخرين، مع أنني كنت أشجع أصدقائي على تنظيم أسرهم. وكانت النساء التي تعد نفسها محظوظة تنجب ولداً كل سنتين ويرضعنه إلى أن يحملن مرة ثانية، وهكذا لم تأتهم العادة الشهرية. ومانع الحمل هذا لم ينجح دائماً مع الجميع، كتلك الأم الصغيرة التي اكتشفت عندما أنجبت طفلها الثاني بعد عام من الأول وكانت متعبة جداً ولم يكن لديها أي حليب، وحملت مباشرة بالثالث، حاولت أن أقنعها بأن تستعمل مانعاً للحمل. وقلت لها: «إنك تستفيدين من الحديد والفيتامينات والمضادات الحيوية وحليب البودرة، فلم لا تحاولين أن تستفيدي من حبوب منع الحمل أيضاً؟» ولكنها أجابت كما كان الجميع يجيب «كله من عند الله» لقد كان حلم ريا مثل حلمي، وفي العام التالي ومع أنني كنت جالسة في زاوية وحدتنا المبينة من الطوب في أم صيحون، تحقق الحلم. أهل الزوج مرة ثانية أعتقد أنني أريد بعض الراحة. منذ عدة أسابيع انتقل أهل زوجي إلى جانبنا لقضاء فصل الشتاء، وبدأت أنتظر بشغف وقت الربيع حتى ينصبوا خيمتهم و يبتعدوا عني، اعتقدت أن هذا لن يحدث أبداً، ألا يكون هناك أي كهف مجاور قابل للسكن. لكن عبد الله كان مصمماً وحفر طريقاً مائلاً في كهف منخفض لم أستطع لا أنا ولا أم لافي الوقوف فيه منتصبتين. وبنى حائطاً حول المدخل وقناة لتحويل مياه المطر إلى أسفل التل. كانت مريم. وندى وحسين يأتون في الصباح الباكر ليلعبوا مع سلوى ورامي خارقين كل الآمال التي رجوتها بأن يكون لي نظام خاص. وبعد مدة قصيرة بدأت سلوى تنزل معهم إلى أسفل التل، وكان الأمر عادة يعتمد على أمرين، حاجتي للسيطرة على سلوى أو حاجتي للهدوء والسلام، فإما أعيدها إلى المنزل أو أتركها تلعب معهم هناك. وكان لعب الأولاد مثل بحر هائج من الحرب والسلام، ففي وقت السلام، كانوا يحيون بعضهم ويتبادلون القبل ويتظاهرون أنهم يقدمون الشاي، ولكن الأمر قد يتدهور بثوان ويبدأ العراك والبصق والشتائم ورمي الحجارة. كان لعبدالله ثماني عنزات، وكانت نزلة ترسل كل يوم إلى الحريمية المسفية لترعاها. وكانت تأتي إلى المنزل في الغسق، وقوامها الهزيل يتطوح بين المخلوقات الصوفية ذات الذيول المتمايلة العائدة إلى الكهف. كانت يداها متشققتين، ووجهها يتضاءل وراء ظل منديلها. كان شتاء شحيحاً ولم تهطل أمطار كثيرة، ولم يكن هناك الكثير من العلف، فوجب عليهم شراء الشعير لإطعام دوابهم. وكم كنت أشعر بالراحة من أجل نزلة، عندما كانت تموت أولى العنزات فيقرروا أن يعوضوا خسارتهم ببيع الباقي. وكانت أم لافي تصنع خبز الطابون. وهيأت فرنها عند أسفل حافة الجبل وصنعت جداراً حجرياً خشناً لتحميه من الريح الغربية. وكانت القبة الفخارية منصوبة فوق كومة من الحصى وفيها حفرة من الأعلى بحجم الرغيف، كانت أم لافي تغطيها بغطاء قدر قديم. وكان كل هذا مغطى بنار روث تحترق ببطء، تشبه لحافاً من الرماد، وكانت تغذيه مرتين في النهار بعد أن تخبز بحفنات من بعر الماعز الجاف. وكانت نفحات الدخان الشتوي تعبق حافة التل. وكانت تطلب مني أن أعد حساء العدس مع اللبن كي نتناول الفتة لوجبة العشاء. كانت تقول لي: «ما فائدة إشعال نارين عندما يكون كهفك دافئاً وفيه متسع للجميع؟» وكان اقتراحها عملياً جداً ولم أقدر على عدم الموافقة. وقبل المغيب كان بيتنا يمتلئ، وعندما كان عبدالله وأم لافي يغادران كنا نساعدهما في حمل الأطفال إلى أسفل الدرب. لم يكن هناك مجال أن أغلق الباب وأتظاهر بأنني لست موجودة. لم يكن هناك مجال أن أقول لهم: إنني أريد أن أبقى وحدي أو أن أقول لهما أن يغادرا المكان. وتعلمت كل هذا فيما بعد. كان هذا في بداية زواجنا، وكان علي أن أعمل في العيادة في وادي موسى، وعدة مرات عندما كنت أرجع إلى المنزل، كنت أجد كؤوس شاي غير مغسولة أو أوراق شاي في الإبريق، وبما أنه لم يكن لدي الكثير من المواعين، كنت أعرف أنني لن أتركها هكذا. وكانت بطاريات المسجلة تفرغ أسرع من المعتاد. وذات مرة عدت إلى المنزل باكراً لأجد باب كهفي مفتوحاً ورأيت سالماً وبعض أصدقائه جالسين في الداخل وإبريق الشاي منصوباً وكان صوت المسجل عالياً لدرجة أنهم لم يشعروا بوجودي إلا حينما سددت ضوء الباب بجسدي. قلت «اقلب وجهك«، تعبير تعلمته وأحببت وقعه على سمعي والذي كان يعني»اخرجوا» ولم يكونوا سعداء ذلك اليوم. ولم يكن محمد مسروراً أيضاً تجاه تصرفي أو لهجتي. قال لي «سولكن سالما أخي وهو معتاد أن يأتي هو وأصحابه عندي. ما قيمة قليل من الشاي والسكر، مارغ؟». لم يكن أمرهم بالخروج أمراً غير مقبول فقط بل كان أمراً غير مفهوم أيضاً. «طالما كان هناك أناس يأتون إليك فأنت في حال ازدهار» هكذا كان يعتقد البدو؛ لذا فإن أي شخص يأتي لزيارتك يستحق منك الترحاب والاحترام. كان يجب علي أن أفكر أن سالماً كان يوفر لي الراحة عندما حقن البريموس عوضاً عني، وجلس يشرب الشاي ويتسامر مع رفقائه. وافقت على ما قاله محمد وأن قليلاً من الشاي والسكر لن يؤثرا، ولكن حيث ترعرعت أنا، كانت أمي تطرق باب غرفة نومي ولم تكن تدخلها إذا لم أكن موجودة فيها. لم أعرف إذا كان محمد قد فهمني أم أنه أراد فقط أن أكون سعيدة، ولكنه ذهب إلى وادي موسى واشترى قفلاً أكبر لا يفتح بجذبة قوية. وأصبح سالم يأتي في المساء هو وزوجته جمية وابنتهما، وكانوا يسكنون في كهف أهل زوجي. وكانت نزلة وطفلة يحملان الرضيع إلينا، وتصل جمية بعد ذلك تشق الطريق لرجل عجوز يسند نفسه على عصا قصيرة. وكان يرفع ثوبه إلى ركبتيه ومنديله المتسخ مقلوب إلى داخل «المرير«، وبعض أجزائه متطايرة وكأنها أذان الماعز. وكان يقرفص بصعوبة على ركبة واحدة ويدفئ يديه الملطخة على النار. كنا جميعاً نعرف أنه سالم، ولكن الأطفال كانوا يتجمعون حوله ليستمعوا إليه يتهته وينخر، وكانوا يضحكون بطريقة هستيرية على تصرفاته الحمقاء الساخرة، وكان سالم بالنسبة إليهم بمثابة إعادة لكوميديتهم المفضلة. لقد كنت أستمتع كثيراً، ولكن الأمر كان يتكرر كل يوم وكل ليلة ويستمر لشهور عديدة. وكنا بعض الأحيان نغلق باب بيتنا مستسلمين، ونذهب لنلعب الورق مع سلامة، فقد كان قد انتقل إلى الوحدات في أم صيحون. وإلى جانب كونه المختار والمسؤول عن أمور القرية فقد كان يعتقد أن السكن في بيت أفضل بكثير. وكان يتطلع إلي ويتكلم بشكل مستديم كيف أن قبيلته ستسكن في بيوت حقيقية كالناس المتحضرين. وكان هناك أنبوب ذو ضغط عال آت من نبع يجري تحت الأرض قرب معان، يغذي الموقع كله. وفي وسط القرية كان هناك حوض ماء كبير للحيوانات وصنبور، فكنا نملأ تنكاتنا ونضعها في صندوق السيارة قبل أن نحشر في بيت سلامة للعب الورق. وكان غرفة الجلوس التي كنا نقعد فيها مع أبنائه الكبار أقل من اثني عشر مترا مربعاً، ولكنها كانت أكبر غرفة في الوحدة ولم يكن لها جدار مشترك مع الوحدة المجاورة. وكانت مريم وثناء ضرتها المصرية تجلسان مع أطفالهما في الغرفة الصغيرة، وتأتيان لجلب الشاي أو الحليب الساخن مع النسكافة. وكلما فتح أحدهم الباب دخلت هبة ريح باردة وحلت محل الدفء، وعندما كانت الريح مصاحبة بالمطر كانت أرض الغرفة تبتل إلى منتصفها، وكان سالم يصرخ مذكرا «أغلقوا الباب» (وكنا في نيوز يلندا نقول «لماذا لا تغلقون الباب؟ هل ولدتم في خيمة» وهنا نصف الناس ولدوا في خيمة ومن الصعب تغيير عادة عدم إغلاق الأبواب.) وكانت الوحدات كلها متشابهة ومبنية من الطوب الأحمر غير «المليس» وذات أطراف ناتئة. وكانت هناك قضبان تسمى «حرامية» كقضبان السجن على الشبابيك، وبالمقاييس الأردنية كانت بمثابة تأمين على محتويات الوحدة. وكانت جميع الوحدات لها أرضية إسمنتية ملساء وألواح معدنية استعملت لبناء السقف، والأبواب من الحديد القوي، ولم أفاجأ عندما سمعت عن فقدان بعض الأصابع في الشهور الأولى عندما كانت تخبط بفعل الريح بقوة عشرين كيلومتراً في الساعة. كان محمد يسميها «المدينة الكهربائية» عندما قابلته وكانت بعد لم تنته، وكنت ترى الأسلاك في أنابيب معدنية تعلو الجدران وتغطي الأسطح واصلة إلى مصابيح الكهرباء. ولوصل التلفاز، كان لسلامة موتور في الساحة الخارجية، يخرق الصمت. كان يحب التلفاز، وكان أولاده يقضون معظم الوقت على السطح يوجهون الأنتين، وكان أحسن إرسال يأتي من الأرض المحتلة وباللغة العبرية. كان يجب علي أن أتوقف عن التفكير بالوحدة بأنها بمثابة منزل، فقد كانت تحتوي على الأساسيات أكثر من أي بيت عطلة في نيوزيلندا. وكان هناك إلى يمين غرفة الجلوس سقف منخفض إسمنتي يعلو المطبخ وغرفة التخزين والحمام. وامتلأت الوحدة بالطوب غير «المليس«، وكان المطبخ خالياً إلا من حوض إسمنتي مطلي وصنبور موصول إلى الأنبوب الداخل عبر السطح. وكانت هناك غرفة تخزين ولم يكن هناك حمام، وأدركت أن محمداً سيستخدم مهارته في صنع الرشاشات والأنابيب. وكان الحمام يحتوي على صنبور ماء بارد إلى جانب حفرة إسمنتية دون نافذة، وصغيرة جداً، وعلى المرء أن يزم جسده إلى الحائط الطوبي كي يستطيع أن يغلق الباب، ولم يكن هناك مجال للمقارنة بينه وبين الخصوصية النائية والمناظر الخلابة التي كنت أتمتع بها في حفرة الخلاء عند الكهف. وكان التل المجاور إلى بيت سلامة يتحول إلى وحل عندما تمطر السماء، وكان رامي وسلوى يتحمسان ويصيحان بصوت عال عندما كانت السيارة المثقلة بتنكات الماء تنزلق حتى نصل إلى وسط القرية والطريق المرصوف بالحصى. وكانت أفكار المستقبل تتبدل بالواقع، لا سيما عندما كنا نتبع سير الجدول في السق، ونخرج هنا وهناك نبحث عن الحفر أو نبعد الصخور الدائرية التي سقطت بفعل المياه المنهمرة السريعة. كما كانت الثعالب النحيلة التي كانت تهرب أمام ضوء السيارات تدفع بأفكار المستقبل بعيداً وتذكرني بأغنية «خرج الثعلب في ليلة شديدة البرودة» وكنا نغني بصوت عال ونحن في طريقنا إلى المنزل عبر الجبل ونقول: «وطلب من القمر أن ينير طريقه... لأنه أراد أن يقطع الكثير من الأميال تلك الليلة ليصل إلى القرية.. » وكنا عندما نقترب من حافة الجبل نشم رائحة الحطب المحترق ببطء والمنبعث من كهف عبدالله التي كانت تذكرني بجيراني. وبدوا أكثر بعداً وربما سنتشارك في جدار عندما نذهب إلى القرية. وكنت أدعو إلى أن تتشابك «الخطوط الحمراء» وأن يتأخر الانتقال إلى القرية. وكنت أتعاطف مع الفتاة الايطالية التي كانت تسر لي عندما أهرب أنا وأولادي لنجلس في الدكان. فقد كانت في البتراء مع زوجها الأردني الوسيم الأسمر، وقد جاء والداها لزيارتها في الأردن. لقد قابلت زوجها في ميلانو حيث كان يدرس الهندسة، وعندما أكمل دراسته جاءت معه إلى الأردن وعاشت في بيت أهله في قرية في الشمال. كان لديهما غرفة في منزل العائلة والأخ الآخر له غرفة أخرى هو وزوجته. كانوا يمضون كل النهار مع بعضهم ويأكلون معاً وكانت حماتها تعلمها أن تطبخ الطعام الذي يعجب ابنها. وكانت رحلتها إلى البتراء المرة الأولى التي تخرج فيها من طوق العائلة وتعتقد أنها لن تستطيع العودة إلى هناك. كنت أشعر معها، ولكن لم يكن لدي أي نصيحة أسديها إليها. وكنت أستفيد من مجالستها كما كنت أستفيد من مجالسة السائحين الآخرين، وكنت أسمي هؤلاء الناس الذين يحملون همومي بعيداً بالأطباء الجوالة المداوين. وبدأت أعرف كم أنا محظوظة. فلقد قابلت محمداً وتعرفت عليه في عالمه الخاص، في منزله، وحده. ولقد تأقلمنا على التغيرات التي طرأت على حياتنا. وكانت عائلته تعيش في البيثة معظم فصول الصيف وعلى التل المقابل المعظم الآخر. وأما الآن فقد كانوا يقضون فصول الشتاء هناك في وادي متاهة. وكان أهل زوجي من البدو، وكان لدي لحاف صوفي وخبز الطابون ومساعدون صغار في السن يتنافسون أي منهم سيجلب لي الماء. (وكنت أتساءل أحياناً ربما لو كانت أم محمد على قيد الحياة لكانت الأمور اختلفت، ولم أشأ أن أتوغل كثيراً في التفكير بهذا الأمر). وقررت ألا أقلق كثيراً على المستقبل وأن أتمتع قدر الإمكان برفقتهم إلى أن ينتهي الشتاء. التماثيل وفي ليالي الشتاء تلك، بدأ محمد ينحت تماثيل من حجر الجير الأبيض الناعم الذي كان يأخذه من الأعمدة الساقطة - أو على وجه أدق - من أسسها لأن قواعدها الجوفاء كانت من الحجر الرملي. وكان إيجاد قطع جيدة من ذلك الصخر النادر، يأخذ وقتاً طويلاً؛ وذلك لأن الرمل والمطر والرياح عملاً معاً وصيرا الأنقاض التي غطت التلال إلى خليط من الأطياف أخفت ألوانها وقوامها الداخلي. كان يجلب القطع المناسبة ومن ثم يقطعها إلى أجزاء متطاولة، مستخدماً منشاراً جديداً اشتراه من دكان الحاج رجا في وادي موسى. وكان المنشار يخرب بسرعة؛ لأنه كان مخصصاً لقطع الخشب؛ لذا كان محمد يبتاع واحداً جديداً لكل قطعة آثار تحور. كان محمد يجلس على كيس بمحاذاة منقل الفحم، محاطاً بالعائلة والأصدقاء، ويبدأ بفتح وقحط الحجر بواسطة مفك ذي رأس بلاستيكي طرقه ليصبح ذا طرف مسطح. وكانت يداه مربعة الشكل ذات عروق سميكة بانت تحت جلدته السمراء. وأما ذراعاه النحيلتان فقد أظهرا شكل يديه المربعتين وأظافره التي كان يقصها ويقلمها بواسطة شبريته، فبدت عريضة أيضاً. وكانت الندبة البيضاء على ذراعه تذكره بطفولته عندما كان يرعى مع حيية في جبل كثبان. فعندما كان يبري عصا كي يصنع فخاً لطير الشنار، جرح جرحاً بليغاً وساعدته حيية على إيقاف النزيف. (وكانت حيية قد انتقلت مع عائلتها إلى عمَّان بعد مدة قصيرة من زواج رخية، ولقد توفيت هناك منذ ثلاث سنوات). كان ينتج عدة تماثيل صغيرة مستطيلة كل مساء. وكان يسميها (النبطيون) وكان ينحت سيقانهم في وضعية الجلوس وأيديهم متشابكة، وبعض الأحيان ينحت تمثالاً ممسكاً بقطة منحوتة، أو ذا شعر كشعر كليوباترا، أو يزينه بطوق بشكل الحية، وفي بعض الأحيان بتاج كتاج تمثال الحرية. وكان وهو جالس على كيسه محاطاً بقطع الجير والغبار وأعقاب السجائر، يطمر جميع التماثيل في النار، فيصبح لونها أسود (وأعتق مع كل دقيقة تمر) وكان يبيعها في دكانه للسائحين بأي سعر يعرضونه عليه. 1985: السن الذهبي في بداية ربيع 1985 اتخذت سناً ذهبياً. كان يوماً مشمساً وكانت الماعز منتشرة فوق التلال تقضم شوك البعير؛ وكانت حماتي تعد الشاي للراعيات. ذهبت إليهن لأحتسي الشاي وكن يثرثرن عن نوري الأسنان الذي أتى إلى البتراء، وكيف أن عبدالله أكرم زوجتا سالم وإبراهيم بأسنان ذهبية. وكانت طريقة كلامهن تنم عن الحسد. وكان الكثير من البدو - نساء ورجالاً - لهم أسنان ذهبية. وكنت دائماً أتساءل كيف يسعهم أن ينفقوا على شرائها، ولكني عرفت السر الآن، لقد كانت الأسنان فقط غطاء ذهبياً يوضع فوق السن، كقطعة مجوهرات تلبس على السن الأيمن أو كي تمسك بالسن الاصطناعي. وعندها وصل عبدالله مع ضيف. ضحكت الفتيات وانتشرن ليجمعن أكوام العيدان ويحثثن الماعز على التحرك وقلن «هذا هو، النوَريُّ». ذهبت أم لافي لتحضر بساطاً وحاولت أن أرى كيف يعرفون أنه نَوَرِي - فقد كان بالنسبة لي كأنه بدوي، فكان ثوبه مغبراً، ولم يكن قديماً ولكنه مليء بالثقوب جراء تساقط الحشي المحترق عليه، وكان منديله الأسود والأبيض وصندله البلاستيكي كهندام نصف قبيلة البدو. والفرق الوحيد الذي لاحظته أن حقيبته المصنوعة من الكرتون التي حملها تحت ذراعه كانت مربوطة بشريط. أعلن عبدالله أنه جاء بالرجل كي يثبت لنا أسناناً ذهبية. حاولت أن أتملص من الأمر، فلم أكن أحب الذهب، ولقد نجحت إلى الآن بأن أرفض عروض محمد لشرائه لي من سوق الذهب. ولكن حماي أصر، فلقد كنا جميعاً ذوات أهمية بالنسبة إليه، فلقد باع الماعز وكان لديه مال في جيبه، وكانت ابنتاه قد أنجبتا وبدت الحياة حلوة، وأرادها أن تبدو كذلك. «هل أستطيع أن أحصل على إكرامية مختلفة؟» «لا، لا ينفع. تخيلي ما سيقولون، لقد ابتاع لبناته أسناناً ذهبية ما عدا فاطمة. لا، لا، ينفع أبداً». وبعد دقائق جعلني أنا وأم لافي نقرفص جنباً إلى جنب في الشمس وجدار الكهف المنخفض وراء ظهورنا وتربع النَّوري أمامنا. كانت لديه شوارب سوداء موشاة بقليل من الشيب. رفع شفتي وشفة أم لافي ونظر إلى أسناني وشعرت كأنني حصان. وضحكت كي أقلل من عدم ارتياحي للقرفصة قريباً جداً من شخص غريب. وبدت أم لافي غير منزعجة إطلاقاً. لقد كنت مأخوذة بهؤلاء الناس وكيف كانوا دائماً يتأقلمون مع الأوضاع الجديدة بكل سهولة. وكنت ألاحظ كيف أنهم كانوا يبدون دائماً غير محرجين عندما كانوا يتلقون الحقن في العيادة. وكانوا عادة يفتحون طاقة بين الثوب والمدرقة والسروال كي يكشفن عن مؤخراتهن، وفي بعض الأحيان كان بعضهم يأتي دون سروال داخلي ويتدبرون الأمر واقفين بكل احتشام للمناسبة. وفتح النَّوري حقيبته الموضوعة على الأرض إلى جانبه وبدأ ينبش في أكداس من الأدوات والخرق والأنابيب والأغراض وأخرج مرطباناً من الزجاج مليئاً بالأسنان الذهبية. وعندما سمعت صوت ارتطامها بالزجاج أيقنت أنها كانت فقط طبقات أسنان ذهبية. وكان هناك حوالي عشر أو خمسة عشر سناً من جميع الأحجام القصير والطويل الكبير والصغير، وكان ينتقيها بواسطة ملقط صغير. ولقد ذكروني بالأغطية الفضية التي كنا نصنعها من ورق السجائر القصديرية عندما كنا صغاراً. وانتقى واحداً وجربه على سن أم لافي الأيمن. كان طويلاً بعض الشيء فهذبه بمقصه بعناية فائقة، ولكي تسقط الأجزاء المقصوصة ثانية في المرطبان. وبعد ذلك جرَّب واحداً لي، ولكنه لم يكن القياس المطلوب، فجرب آخر ووضعه جانباً. وحام عبدالله يراقب إجراء العملية وليتأكد من أنه سيطلب السعر الذي اتفقا عليه. نعم، لقدكان لدينا أسنان عادية، فلم يفاجأكثيراً. وبعد ذلك مسح طبيب الأسنان الغبار عن حجر مسطح وأخرج انابيب صمغ ومزج الصمغ بكميات مماثلة بواسطة عود كبريت كان قد استعمله ليشعل سيجارة. «افتحي» وضع قليلاً من الصمغ على الطبقة الذهبية وأمسكها فوق سني لبضع لحظات، وبعد ذلك تأكد أنني أستطيع أن أغلق فمي دون أن أصر أسناني. وجعلني أمسك بسني إلى أن يعلق الصمغ، وبدأ يلصق واحداً في فم حماتي. لم يكن لدي الشجاعة أن أحركه بعد ذلك. وعندما رأيته في المرآة أدركت أن شكله مختلف عن باقي أسناني الحادة. اعتدت عليه بعد عدة أيام، ولكن لم يسمح لي أن أنساه. فقد كان الكل يلاحظونه ويباركون لي ويهنئوني بوالد زوجي الكريم. كان هذا السن الذهبي خطوة أخرى غير مقصودة خطوتها على درب الانتماء لهم، وكان بمقدوري أن آخذه معي عندما انتقلنا، أما أرض الكهف فلم يكن بوسعي حملها معي. الانتقال أصبح موضوع القرية موضوع النقاش الأساسي الذي كان بسبب الجدال الحامي في الخيام والكهوف المنتشرة في الوادي. حتى عند الانتظار تحت شجيرة الدفلى خارج العيادة لم أستطع أن أهرب من السياسة والغيرة الوضيعة. كم اشتقت إلى الأيام التي لم أكن أتكلم فيها العربية مع أنني تحمست للعاطغة الملتهبة التي اتسمت بها اللغة من حولي. والآن وددت لو أنني لا أفهم الكلام العقيم، ووددت لو ننتقل كي لا أسمع المزيد عن الموضوع، لقد كنا غير مستقرين هنا وغير قادرين على الاستقرار هناك. لقد خصص لنا وحدة، بالرغم من العريضة التي بصمت وقدمت إلى حاكم حي وادي موسى التي نصت على أن عبدالله عثمان وأولاده ليسوا من قبيلة المناجعة بل من قبيلة البدول، فلا يجوز لهم أن يطالبوا ببيوت. رمى الحاكم تلك العريضة، فقد كانت أم صيحون لساكني البتراء، وبما أن عبدالله وأبناءه الثلاثة المتزوجين من سكان البتراء فسيحصل كل واحد منه على وحدة. كانت المفاتيح بأيدينا، وكم أردت أن ننتهي من المشاحنات وننتقل ونتابع حياتنا. وفي أبريل «نيسان» احتفلنا بعيد ميلاد سلوى الخامس. مع أن محمداً لم يعرف تاريخ ميلاده، فقد أحب هذا التقليد وأصبحت أعياد أولادنا حدثاً اجتماعياً شعبياً ومحبوباً. كان أهل محمد يأتون لتناول العشاء، وكان محمد يعلق الزينة (التي كان يشتريها من سوق البخارية) أمام الكهف من علاقة الصخرة في الجدار الخلفي وإلى النافذة الأمامية. كان الأولاد يعشقون تلك الزينة ويحبونها أكثر من المقلوبة (روزوتو بدوي معد بالدجاج والخضار والأرز) التي طبختها، وأكثر من البرتقال الذي كان محمد يقدمه للجميع حتى الرضع، وأكثر من كعك عيد الميلاد الإسفنجي المغطى بالكريم. الذي وضعت عليه الشموع التي جلبها محمد من المطعم (المبني على كهف أبي عرقوب) الذي كان يديره الآن، ولكن ليس أكثر من غناء «سنة حلوة» التي أسرت الأطفال والكبار معاً. لقد كان آخر عيد ميلاد لنا في البتراء وقبل نهاية نيسان أبريل كنا قد انتقلنا جميعاً إلى أم صيحون. لقد كنت في العيادة عندما سمعت أن الأمر قد صدر للانتقال. وبعد كل هذه الشهور المليئة بالجدال والمباحثات وعدم تغيير حجم الوحدات أو عدد أفراد العائلة التي تستطيع أن تحصل على وحدتين. ولكن حصلت بعض التغيرات منذ أن وضع المخطط الذي رأيته عام 1979 ، فلم يكن هناك أي قبب على الأسطح، ولم يكن هناك إسطبل للحمير والأحصنة وقطيع الماعز أو مأوى لأكياس العلف أو أوعية الطبخ، ولم يكن للوحدات مطل على الجبال المتاخمة. وقالت لي رخية: «يقولون إذا لم ننتقل خلال أسبوع فسوف نخسر وحدتنا». ربما مدة الأسبوع هذه كانت إشاعة، ولكن معظم أفراد القبيلة كانوا يعتقدون كما اعتقد سلامة مختارهم، أن البيت وبغض النظر عن حجمه أو شكله أو مما بني فهو أكثر حضارة من الكهف أو الخيمة، ولم يريدوا أن يفقدوا أي شيء؛ فهرعوا إلى البيوت ولم يمكثوا فيها الوقت الكافي لتفحصها. تدحرجنا إلى المنزل ذلك اليوم وأخذت الأطفال في الطريق الطويل إلى التل، ووراء قصر البنت. كنت أريد أن أتذوق التجربة التي كانت قد أصبحت روتيناً والتي ستصبح قريباً من الماضي. لقد كنت حاملاً مرة ثانية، فكان رامي يمشي، وأمسكت بيده بينما كنا نتابع طريقنا بين الجشيرات الشائكة وأكوام الابنة المتساقطة. وحين انعطفنا إلى درب المنزل رأينا عائلة علي المؤلفة من الزوجات والأطفال والبنات المتزوجات وأولاهن متجمعين تحت ظل جدار حجري متهالك ولحفهم وأكياسهم وصناديق أغراضهم مكدسة حولهم. نادوا قائلين: «تعالوا، اشربوا شاي«، وقالوا بحماس «بنستنى الجميدي، من الصبح واحنا بنرحل«، (من أم البيارة على الحمير) «متى ويدكو ترحلوا؟» «أي وحدة وحتدكو؟» وكان الجميدي قد وظف مرة ثانية كسائق شاحنة إدارة الآثار، وكان منشغلاً بها هو والموظفون الآخرون ويتصرف أنه الرجل المسؤول عن الانتقال. لقد حان الوقت. لقد فكرنا بعدم الانتقال والبقاء في كهفنا المريح على حافة الجبل ذي المناظر الخلابة التي لا تقدر بالملايين، ولكننا لم نستطع. ودون النظر إلى طاولات بائعي السلع التذكارية وبائعي البيبسي في الثلاجات، فلقد كانت كل الجالية ستنتقل. ولقد خصصت وحدتان للمدرسة، وواحدة أخرى للعيادة، ووجب على أصحاب الدكاكين أن يحشروا بضائعهم في إحدى غرفهم إلى أن يبنوا شيئاً ما. ولقد كانت عائلة محمد راحلة وجميع أصدقائنا. قال محمد مثلاً: «الجنة بلا ناس ما بتنداس«، ووافقت. ومع أننا كنا نحب ألا يكون لنا جيران قريبون جداً، كنا ندرك أننا لن نستطيع أن نعيش دون الجالية. لقد كانت الشاحنة منشغلة تحاول الوصول إلى الوديان النائية وإلى تتبع الطرق ذات أثر السيارات المحفور الواضح كي تجري الأمور بسهولة ويسر. توقفت عند العيادة وبين شجيرات الدفلى ونبات الصبرة التي كانت تشتعل بتمويجات الزهور البرتقالية وكأنها اللهب لعدة أسابيع كل ربيع، وكانت مجموعات العمال البدو يدفعون ويسحبون دون أي تنسيق، ولكن حتماً بحماس بالغ، «شد من عندك». «مش هيك» «خلييني أورجيك» وذلك إلى أن يخرجوا كل الأشياء من الكهف ويحملونه بخطر محدق. لم أكن أصدق أنني أدرت العيادة هناك في تلك الحفرة في الصخرة. لقد تركت الباب مفتوحاً ولكنني أخذت المفتاح معي للذكرى. وفي سبعة أيام انتقلت جميع العائلات من حوض البتراء والبالغ عددهم ثماني وسبعين عائلة. لقد كبرت القبيلة كما توقعت، وكان على العائلات التي كانت تقطن قرب جبل هارون وسهول بيثة أن تنتظر سنة أخرى أو أكثر لوحدات جدد. وتوقفت الشاحنة أمام حافة الجبل. لو كنا قد انتقلنا إلى أم صيحون عندما وصلت في البداية، وكان لي فقط حقيبتا سفر وظهر، لكان الانتقال سهلاً جداً، ولكن الآن وعندما بدأ النشامة يحملون أمتعتنا من الكهف نزولاً إلى الدرب، تعجبت كم من الأغراض جمعنا. كان لكل قطعة قصة، الخزانتان الطويلتان، كنا قد أزلنا الزجاج منهما وحملناهما على الحمير من وراء قلعة الصليبيين عندما باعنا إياها مفلح بسرعة للحصول على النقود، وأما الصندوق ذو الأدراج الخمسة فلقد حشرناه في صندوق سيارة المرسيدس حالما وجدتها في معان؛ وذلك لأنني خفت ألا أجد غيرها، والفرن الذي اشتراه محمد عندما رآه في وادي موسى وكان لديه الشيك الذي أرسلته لنا عمتي الكبيرة وقد سد الشيك كلفة الفرن، وآلة الخياطة وأكوام الفساتين الداخلية التي لم تكمل خياطتها بعد، والثلاجة التي تعمل بالكيروسين (لقد استعرنا شاحنة موسى كي ننقلها من قرية صغيرة على الحدود السورية لأننا كنا بحاجة إلى ثلاجة لوضع إبر الأنسولين، أما الآن فكان هناك كهرباء) وبرميل الماء الذي جلبه محمد من عمان في بداية زواجه. وكان لدينا أكوام من الفرشات الإسفنجية والمخدات القطنية والبطانيات ذات الأغطية الساتانية. حمل الشباب كل شيء بروح احتفالية، وكانوا فرحين لمساعدة محمد على فك الباب والنوافذ الخشبية والألواح القصديرية من سقف المطبخ، وأزالوا المعروش وأرجوحة سلوى من الساحة الإسمنتية بالإزميل. ومع أننا كنا نعتبر من أصغر العائلات، كان لدينا أشياء أكثر من أي عائلة، وعندما رأيت كل أغراضنا مكدسة في صندوق الشاحنة، بدأت أخاف أن أفكر أنه لن يكون هناك متسع لها في صندوقنا المبني من الطوب. حملنا جرر الماء الفخارية ونبات الحطمي المزروع في أصص في السيارة مع أطفالي، والقطة الزنجبيلية وانطلقنا خلف الشاحنة عبر الطريق المغبر. لم ننظر إلى الخلف وسيبقى الكهف هناك لمئات من السنين القادمة. قال محمد: «توكلنا على الله» لقد فعلنا ما بوسعنا والباقي كان على الله. وبينما نحن ننعطف خارجين من السق، تساءلت إذا كنت سأندم لأنني لم أذرف أي دمعة، ولكن لم أشعر برغبة في البكاء. لقد كان الأمر حماسياً ولم يكن هناك تبادل للوداع الذي يصاحب الرحيل عادة، فلقد كنا كلنا ذاهبين ومتطلعين لأشياء كثيرة. سيكون البيت لنا وباستطاعتنا فعل ما نريد (نستطيع أن نضع الإسمنت والبلاط والأرضية التي نحب)؛ ولأن البيت كانت له نوافذ زجاجية سيكون بإمكاني إغلاق الباب للاحتفاظ بالدفء في ليالي الشتاء الباردة، وسيكون بمقدوري أن أرى ما في الخارج. وكانت المدرسة التي ستذهب إليها سلوى تبعد بضع دقائق عن البيت، وكانت العيادة في الوحدة المجاورة لبيتنا. وإلى جانب ذلك كله كنا ننتظرمولوداً جديداً. كنت أعرف أنه سيكون صبياً دون التنبؤات (ولم تكن لطبيبي آلة الطبقات الصوتية بعد) ولقد قررت أن أسميه مروان تيمناً بالوادي القابع وراء الدير. بدا المستقبل مشرقاً. الخاتمة وهكذا اختفى أسلوب حياة البتراء، ولم يعد البدو ينصبون خيام الشعر على طول متن الجبل التي تجذب الريح، ولم يعودوا يرومون كهوفها القديمة الآمنة أو ينامون تحت ضوء النجوم. حتى مداخل الكهوف وجدران المطابخ التي بنوها هدمت، ولم يبق لها أي أثر، مع أنني أعلم أن هناك الآلاف من علب معجون الطماطم وأباريق الشاي المطلية اللماعة قابعة هناك تنتظر من سيكتشفها من علماء الآثار في المستقبل. لقد كنت دائماً أذكر الأوقات الجميلة، وهكذا أحب أن أنظر إلى الحياة. لم أتكلم عن الطفلة الذي توفيت بعد أن سحبت دلواً مليئاً بالماء المغلي على نفسها، أو الرضع الذين مرضوا وتوفوا بسرعة هائلة، حيث لم أستطع أن أخمن المرض الذي أصابهم. وبعض القصص عن الدكان الذي سرقت منه المناظير ومن ثم بيعت قبل أن يلتقط السارق. لم أحك لكم عن قصة الفتاة التي زحفت من مخدع زوجها، ومشت فوق الحجارة حتى لا يتتبع أثر قدميها، عندما ذهبت لتقابل عشيقها في الجبال، وكيف أقنع الأصدقاء الودودون الزوج أن يغض النظر عن تصرفاتها وأن لايرتكب جريمة شرف وأن يسترها ويسامحها ويعامل طفلها كأنه واحد من أبنائه. ولكن الحياة في القرية لم تكن أقل إثارة من الحياة في الكهف، في الحقيقة كان أولادنا يكبرون وأصبح دكان البتراء رزق العائلة، وكان علينا أن نستعمل المواصلات. ولد مروان وكانت ولادته ليست كولادة رامي وسلوى وبعيدة كل البعد عن الدراما، ولكنها اتسمت بالمتعة نفسها والمساعدة والعناية ما بعد الولادة وإعداد منسف كبير عربوناً عن الشكر والامتنان. واكتشفت لاحقاً أن اسم مروان كان ذا شعبية في الأردن منذ قرون. ولقد تركت العيادة لأننا الآن كنا نسكن قريباً جداً من الجميع (وكانوا من قبل يمشون إلى كهفنا إذا كان جرحهم بليغاً وعميقاً)، وأيضاً لأنني اكتشفت أنني أحببت العمل في دكان محمد في البتراء. وعندما أصبح الأولاد كباراً وقادرين على الاعتماد على أنفسهم بدأت أذهب مع محمد كل يوم. وعندما بدأ محمد يشتهر بمهارته في صنع زجاجات الرمل وكان يظهر في أفلام التسلية التي تبث على متن طائرات الخطوط الأردنية، كما كان يحضر معارض السياحة والسفر في المدن الأوروبية الرئيسة، بدأت أتحسن واستطعت أن أستلم مكانه عندما يتغيب. وأخذت تجارتنا تزدهر (ولكنها خسرت خلال الانتفاضة وحرب الخليج) وسرعان ما تحسن الوضع بعد ذلك. لم أعد أختبئ عندما كان السائحون يأتون، ولم أعد مجبرة على الإجابة عن أسئلتهم المواجهة مثل «وماذا عن دراسة الأولاد؟» والحقيقة إن ما كنت آمله، أن نعطي أولادنا ثقافة كافية وواسعة لكي يقرروا ما يريدون لأنفسهم بأنفسهم. لقد اخترت هذه الحياة، ولكنني أردت لهم أن يختاروا ما يريدون، لقد أحب محمد أن يشتري لهم ما يريدون وأن يلتحقوا بالجامعة. أرادت سلوى أن تذهب إلى نيوزيلندا وإلى كلية نيلسون للبنات، وأن تسكن في السكن الجامعي مدة سنة، وبعد ذلك ترجع إلينا وقد أكملت دراستها الثانوية في وادي موسى وأتمت الشهادة الجامعية المعتبرة من الجامعة الأردنية. أما رامي فقد ذهب إلى نيلسون لإكمال دراسته الثانوية. لقد كان من السهل إقناع محمد بإرساله إلى هناك، لأنه كان الطالب الوحيد في صفه هنا حتى أصبح عمره اثني عشرة سنة. فلقد ترك زملاؤه المدرسة وذهبوا إلى البتراء مع حميرهم وعادوا ومعهم دولارات السائحين. وذهب رامي بعد ذلك إلى أستراليا ليدرس التكنولوجيا الإلكترونية في سيدني. ولم يدع محمد مروان أن يذهب، وكان يقول: «إنه ولي عهدي»، وعلى كل حال قليل من زملاء مروان الذين تركوا المدرسة. ولقد كان مروان سائقنا أيضاً، وعندما أصبح في الثانية عشرة من عمره كان يقود السيارة إلى المنزل على الطريق الترابي من وادي عربة وعبر الصحراء وطلوعاً إلى طرف الوادي الكبير المليء بحجارة الغرانيت المتفتتة، وكان الطريق يستغرق ساعتين في سيارة النسيان «بايفايندير» التي كنا نمتلكها آنذاك. وكانت هناك سنون مليئة بمغامرات السفر أيضاً. وكلما أراد محمد أن يبتاع لي ذهباً، كنت أقول له «أفضل أن تشتري لي تذكرة». زرنا جدتي في هولندا وأصدقاء في ألمانيا وسويسرا. ذهبنا كمسافرين جوالين إلى تركيا وتايلاند، لقد كانتا مختلفتين وممتعتين. كما زرنا أخي جون وعائلته عندما كانوا يسكنون في أمستردام ولندن وسدني. وزارني والدي عدة مرات، وفي إحدى السنوات ذهبنا بواسطة سفينة نقل إلى صحراء سيناء. تسلقنا جبل سيناء وبعد ذلك استرحنا في ميناء دهب، واستلقينا على شواطئه لنخفف من آلام العضلات التي أصابتنا. وكل هذا الوقت كان محمد يحمل حقن الأنسولين في حاوية ثلج، وكان يراقب مستوى السكر الذي كان يعلو وينخفض. وكان من الصعب عليه كمصاب بداء السكري أن يمارس حياة طبيعية... لقد كانت التغييرات بطيئة ولكنها كانت خفية، ذهبنا إلى الطبيب الذي أجرى له الفحوصات ووصف له الأقراص لارتفاع الضغط وقال: «يجب أن تنتبه لما تأكل»، وكل بضعة أشهر كان يسدي له النصائح نفسها. ولكن ما هي قدرة الإنسان على الانتباه؟ وفي نهاية 1990، أجبر بائعو البتراء بأمر من مجلس البتراء الإقليمي على الانضمام إلى تعاونيات - وكم كانت فكرة سيئة، باعتبار أن حياة البدو كانت تعتمد على الدهاء الفردي والعمل الشاق (وكم كانت أعمال التجارة تختلف عن بعضها في البتراء) ولاسيما بالنسبة ألينا، لأن الدكان كان محور حياتنا. ولكننا كنا قد بدأنا بأكثر من مجرد حماس للعمل، كان هناك حاجز لغوي بيننا، ولكننا قررنا أنه الحب الذي جمعنا ولن نتوقف. وبدأ محمد يدخل في مشاريع جديدة وبدأت أنا بإدارتها. تزوج أخوة محمد وأصبح لهم أولاد، وكبرت حفلات أعياد الميلاد، ولو أني أصبحت في الخمسين من عمري في البتراء لكان علي أن أدعو خمسة وأربعين قريباً (ما شاء الله)، قبل أن أفكر بأن أدعو عائلات أصدقائي. كان الجميع يسكنون قريباً من المدرسة المحلية، وكانت الحافلات تنقل التلاميذ إلى المدارس الثانوية في وادي موسى وإلى المعاهد العليا في معان. وكانت بعض البيوت تحتوي على حواسب آلية «كومبيوتر» وأصبح للنشامة عناوين إلكترونية. أضافت معظم العائلات الكثير إلى بيوتها، وكان من الصعب على المرء معرفة شكل الوحدة الأصلية. على أي حال المزيد من الغرف كان يعني المزيد من التنظيف، وكنت أفكر كثيراً في كهفي، غرفة واحدة فقط للتنظيف ولم يكن هناك أي تشققات تدخل الغبار، ولكن عندما يأتي فصل الشتاء كنت أتمتع برؤية الغيوم السوداء تنهمر فوق الجبال الغربية من غرفتي الدافئة المنورة، وكم كنت شاكرة. والمزيد من الغرف كان يعني أيضاً تجميع المزيد من الكراكيب، ولم يكن لمحمد أي نية للتوقف، فقد كان يجمع بعفوية كل شيء، دمى، درجات من أوروبا، وسدور ضخمة، وقناني ماء وسكاكين عسكرية من مشاة البحرية الأمريكية، ورؤوس أفران غاز للمناسبات التي تتطلب إعداد المنسف، ومن تايلاند رجعنا ومعنا خمسون كيلوغراماً من الوزن الزائد. أصيب محمد بارتجاج سائل الشريان الرئوي في شهر مارس أيار 2001. كنا في مطار عمان ننتظر وصول والدي. ومن حسن الحظ كنا هناك وإلا لما كان عندنا الوقت الكافي للوصول إلى المستشفى. وكانت كل الطرق الخارجة من وادي موسى تخضع للترميم في الوقت نفسه، ولحسن الحظ أيضاً كانت المستشفى قريبة جداً من الفندق، وعندما وصلنا إلى المستشفى كان محمد يجد صعوبة بالغة على التنفس. قيل لنا: إن كليتيه قد توقفتا عن العمل ربما بسبب السنين الطويلة التي عانى منها بعدم التحكم بمستوى السكر في دمه، وكان يحتاج إلى غسيل كليتيه مرتين في الأسبوع. وتسابق البدو لأخذه أو الذهاب معه لمؤزراته في محنته إلى العقبة لغسيل الكلى أو لعمان لإجراء التحاليل. استفسروا عن زمرة دمهم وعرضوا أن يعطوه كلاهم، وفي النهاية وجدوا أن جسم أخيه حسن يتطابق معه، ونجحت عملية زرع الكلية في مستشفى الملكة علياء في عمان. ولكن فيما بعد، اكتشفنا أن كل هذا كان مهلة مؤقتة. توفي محمد في شهر فبراير شباط 2002، وفي ذلك اليوم هبت الرياح الشرقية وكانت باردة ونشرت الغبار في كل أنحاء الوادي، كان قد ذهب من البتراء إلى المنزل، وتوفي هناك على فرشة في غرفة جلوسنا المريحة، وعندما كان يأخذ قيلولة بعد الظهر. وعندما وصلت إلى البيت، كان مليئاً وجاء أصدقاؤه وغسلوه ولفوه بكفن أبيض. أعطاني أحدهم خاتم زواجه ووضعته في إصبعي الأوسط. كان هذا هو الخاتم الذي جلبه من عمان عندما شككت بمقدرته على معرفة قياس إصبعي. امتدت أيدي المساعدة لتهيئة قبر محمد قبل أن يحل الظلام، وهكذا دفن في اليوم نفسه الذي توفي فيه، وهذا يعد بركة عظيمة لأي مسلم. وفتح باب العزاء لثلاثة أيام حسب التقاليد والأعراف، وجاء كل من يحمل في قلبه حباً لمحمد. نصبت النشامة الخيام لاستقبال الرجال واستقبلنا نحن النساء في منزلنا. جاءت أخوات محمد وبقين معي، وجاء باقي الأصدقاء كل يوم وأناس آخرون لا أعرفهم أثبتوا حضورهم. كنت منهمكة واستلمت رسائل إلكترونية كثيرة، علقتها في كل أرجاء المطبخ حتى لم أعد أرى الحائط. ذبحت عائلات البدول الماعز وأعدوا المنسف ووضعوه على سدور دائرية كبيرة، وقدموه للغذاء والعشاء والبخار يتصاعد منه. ولعدة شهور عانيت الكثير من تقلب حياتي. ولم يتوقف الزائرون ولم أتوقف عن الاستقبال، ولكن سبب بقائي هنا كان قد انتهى. ومن ذلك الوقت ونحن نعيش في سيدني. أختي وأخي يعيشان هناك، وهي ليست بعيدة عن البتراء مثل نيوزيلاند. وفي الحقيقة، لم نستقر أبداً. كنت أفكر بالسؤال المعهود الذي كان الأردنيون يسألونني إياه في الأيام الأولى، محاولين أن يستوعبوا كيف أنني تركت الحياة الغربية في بلدي وجئت لأعيش حياتهم (دون أن يعطوا قوة الحب حقها): «أي أحسن الأردن أو نيوزيلندا؟» كنت أدرك وقتها أن الأمور غير ذلك، فهناك أمور أحسن في الأردن وأمور أفضل في نيوزيلندا وسيكون دائما مكان فيه أشياء أفضل من الاثنين. من الأفضل أن ننظر دائماً إلى الأمور الأحسن حيث نكون في ذلك الوقت، وأن نقوم بفعل بما هو الأصح في تلك الظروف. لا أستطيع أن أتكلم بلسان سلوى، رامي ومروان فهم ناضجون، وآمل أن تكون لديهم الخبرة الكافية؛ كي يختاروا مستقبلهم. كم أحب عندما ينادونني «يوم» وهي الكلمة البدوية التي أوشكت على الانقراض، لكلمة «ماما» والتي تأخذني بعيدا إلى البتراء. من المحتمل أن أعود لأرى إذا كان باستطاعتي إيجاد البتراء التي من الممكن أن أعيش بها دون محمد. فأنا على يقين أنها ما تزال مكاناً يحلو للإنسان العيش فيه. لقد استقر البدول في أم صيحون، ولكنهم في النهار ما زالوا يسكنون آثار البتراء معيدين الحياة إليها، مستعملين الحمير لنقل السائحين إلى المكان العالي والدير والجمال لأخذهم إلى وادي صبرا وجبل هارون، وبأي واسطة نقل إلى الظل، ليقدموا لهم كأس شاي مع النعناع. وإذا ما كان هنالك زفاف ما، يدعونهم بدفء الضيافة نفسه إلى قريتهم ليحضروا الاحتفال. لم أكن في البتراء من أجل الجبال أو التاريخ، ولا من أجل التراث. ودون يد محمد تمسك بيدي، فأنا الآن لست متزوجة من بدوي، وبالرغم من كل الأشياء التي جمعناها، أصبحت رحالة من جديد.