دماء وأحلام في بلاد الشام البريد الالكتروني: unecriv@net.sy E-mail : aru@net.sy موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت http://www.awu-dam.org صمم الغلاف : •• الدكتورة ناديا خوست دماء وأحلام فـي بـلاد الشـام روايـــــة من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005 إهــداء خلال كتابة هذه الرواية، زرت العراق مرتين. وتفرجت على كنوز متحف بغداد، وعمارة المعتصم والمتوكل في سامراء. وعمارة بابل والنجف والكوفة وكربلاء. ورأيت غابات النخيل، واستمعت إلى الغناء العراقي الشجي. وعبرت جسور دجلة التي دمّرها القصف الهمجي وعمّرها المهندسون العراقيون. خلال كتابة هذه الرواية، توهجت انتفاضة الأقصى. وأعادت إلى ذاكرة البشر فضائل التضحية والشجاعة وهوى الوطن. وكادت تفرض موقفا عالميا من الاحتلال، لو لم يجرف ذلك غزو العراق. خلال كتابة هذه الرواية، سقطت أمامنا بغداد. فرأينا هولاكو وعشنا في زمن يختال فيه مجرمو الحرب من أفغانستان إلى فلسطين والعراق، وتلعب فيه بمصير الشعوب شركات النفط والسلاح. امتدت منذ بداية القرن سنوات صعبة دامية حزينة. صدّع هدير الانهيار العالمي الخجل والشهامة والشرف. وكأنما طويت مرحلة تاريخية تميزت بأحلام التحرر والعدالة ومايرافقهما من الأخلاق! خلال ذلك، رسمت رانيا أشجارها الأسطورية ونخيل بغداد. وعزفت على الكمان موسيقى زمن آخر كان فيه موتسارت وتشايكوفسكي وفيفالدي ودفرجاك يضيفون إلى الثقافة الإنسانية صفاء الأمل وصلابة الروح. فمدّت لي فضاء مرهفا، وثبّتت لي الجمال مقابل الهمجية. أهدي هذه الرواية، إذن، إلى العراق! إلى شعبه الشجاع، إلى مدنه المقاومة ومدنه المدمرة، إلى نخيله الرشيق، وإلى دجلة الذي جرى فيه حبر المخطوطات العربية! وإلى الشعب الفلسطيني الذي يقاوم همجية الاحتلال! وأهديها إلى رانيا التي أحاطتني، خلال ذلك الانهيار، بموسيقى النهضة وبرسموها المبهجة! (( خرجت حتى نفيسة مع نساء سوقساروجا لتحتفل بيوم الجلاء. قالت لنرجس عندما لاحظت ازدحام طريق الصالحية بالناس: "جدي لعب بعقل تيس"! سألتها نرجس: "الله يسامحك يانفيسة خانم، أنا الجدي؟ فردت نفيسة ساخرة: لا، تقبريني، أنا التيس! كأنما كانت المدينة كلها تمشي إلى الملعب البلدي! وصل الناس من غوطة دمشق ومن حمص وحلب إلى دمشق ليحضروا الاحتفال. استسلمت نفيسة للشعور بعيد يحتفي به الصغير والكبير. ركبت مع النساء الترام في مقطع من الطريق، من بوابة الصالحية إلى جسر فيكتوريا. وامتلأت العربة فصعب على الكمساري المرور فتناول ثمن التذاكر فوق رؤوس الركاب. ولم يدفعوا عن الأولاد. نزلت النساء من الترامواي ومشين إلى طريق الربوة وسط جمع تحرك في اتجاه واحد: مرجة الحشيش. واستقر الأولاد والصبيان على الأشجار كعناقيد العنب. كم بدت المدينة واسعة لليلى! وصلت إلى أمكنة لاتعرفها ولايمكن أن تصل إليها وحدها. تفرجت على الأشجار الباسقة في طريق بيروت، على بردى الممتلئ بالماء إلى حافتيه، على الأولاد الذين تسلقوا الأشجار. وصلت إلى الملعب البلدي. وعندما وقفت قرب أمها شعرت بأنها بين قامات أعلى منها. فرفعتها منور لتتفرج على الخيالة الذين يؤدون الاستعراض بملابسهم الشركسية. رأتهم يقفون على الخيل، ثم ينزلقون تحت بطنها، يمتطي أحدهم حصانين معا، ثم يقترب خيّالان ويصعد ثالث فوق أكتافهما والخيل تعدو مسرعة. راقبت نفيسة دهشة ليلى واستمتعت بها. هل ستحفظ هذه الطفلة في ذاكرتها هذا الاحتفال بالجلاء؟ لو تدرين ياليلى كم كلفنا الجلاء! كلفنا فقد المحبين! خيل لنفيسة أنها ستروي ذات يوم لليلى كيف أحبت خالد آغا وكيف فقدته في ميسلون. وأنها سترسم لها عشقا لم يجسر أحدهما على البوح به. وأنها ستحدثها عن الموت الذي لم يكن يليق بخالد آغا في أي مكان دون ميسلون. ستحدثها عن ذلك عندما يبرد القلب! لكن نفيسة لن تكون أبدا قادرة على لمس التفاصيل لأن السنوات ستجعلها أكثر وضوحا ودقة. لذلك ستمدّ ليلى بخيالها الموجزات التي سترمي أطرافها نفيسة. وسيجعل مزيج الحقيقة والتخمين مكانة خاصة لنفيسة تجذب ليلى إلى مدارها. في الطريق إلى البيت لم تتحدث نفيسة لمن حولها من نساء سوقساروجا عن وجع قلبها، بل عن اليوم الذي خرج فيه أهل دمشق إلى مرجة الحشيش ليتفرجوا على الطائرة العثمانية والطيارين اللذين احتفت بهما بيروت، ثم سقطا في طبرية ودفنا في حديقة ضريح صلاح الدين الأيوبي. فذكّرا بحكاية عباس بن فرناس. لكن منور سلّمت ليلى لمرجانة وانصرفت إلى دموعها على أخيها سعيد! هدّأتها نرجس: عيب يامنور خانم، البكاء على الشهيد عيب! لولا الشهداء أكنا نحتفل بهذا اليوم! هدّأتها ومسحت هي نفسها دموعها في السر عن منور، وتذكرت اليوم الذي رافقت فيه نفيسة خانم إلى المرجة ورأت فيه سعيدا بين الشهداء المعروضين في الساحة مغطى بالزهور التي نثرها عليه الناس. سمعت ليلى مزيجا من أصوات النساء، ولمحت من وراء كتف مرجانة دموع منور ونرجس. هل تدري أنها ستقف ذات يوم في مرجة الحشيش نفسها قرب أشجار الكينا مستمعة إلى الجواهري وهو يؤبن عدنان المالكي الذي سيقتل هناك، وأنها ستتدرب فيها على السلاح مع زميلاتها في المقاومة الشعبية! قالت نرجس: هكذا الدنيا يامنور خانم، يأتي البشر ويرحلون والبلاد باقية تستقبل وتودع! انشغلت نفيسة ومنور ونرجس بغداء يناسب عيد الجلاء. قدمت مرجانة رقبات الغنم المحشوة باللوز والصنوبر والرز واللحم، ومايناسبها من الخضار المطبوخة بالزيت. وشربن القهوة. افترقن طوال المساء. وخرجن في الليل ليتفرجن على الكشافة الذين حملوا المشاعل ومشوا على ايقاع الأبواق والطبول. تفرجت ليلى عليهم. كانوا يلبسون سروالات قصيرة ويطوقون أعناقهم بمناديل نيلية صغيرة، يتقدمهم قارعو الطبول المزينة بالشرائط. وصلت النساء بعد الفرجة على الكشافة إلى آخر قاسيون. مررن بين الصخور ليشرفن على ساحة ممهدة. مدّ الناس البسط والحصر وجلسوا. ومثّل الكشاف مسرحية في الأسفل على ضوء المشاعل والفوانيس. كان الفتيان في ملابس فتيات وحاولوا أن يغيروا أصواتهم فضحك المتفرجون. وضخّم بعض الفتيان أصواتهم فبدا ذلك أيضا مضحكا. وقتذاك وقع ولد من المتفرجين، وتدحرج حتى الأسفل فهبّ رجال ليسعفوه ومعهم الممثلون فانقطعت المسرحية. قالت منور: أمس في العرض العسكري جنحت دبابة وقتلت بعض الناس! والتفتت إلى ليلى المحبوسة بينها وبين مرجانة: لاتتحركي من مكانك! هدأت الضجة واستمرت المسرحية. ثم صعد قمر ساطع، بدر، أضاء السماء والجبل. بدأت المشاعل تخبو في ضوئه في الساحة الصغيرة الممهدة، وظهر المتفرجون واضحين. في تلك الأيام قالت نفيسة لمنور: ضعي ليلى في روضة الأطفال في مدرسة الأميركان. قريبة، والبيت نعرفه! بيت العابد الذي يلعب الخيّال في باحته! تحتاج ليلى رفيقات في عمرها! لبست ليلى صدرية سماوية مخططة بالأبيض وجلست في مقعد ووضعت يديها خلف ظهرها. وفي صدر الصف عُرض دبّ هادئ سيكون في آخر الأسبوع جائزة "للعاقل". راقبتها منور من سطح مكرم خانم ورأتها تحمل محفظتها الصغيرة في الفرصة فضحكت. لاتعرف أنها يجب أن تتركها في الصف! رفعتها في ذلك اليوم وأجلستها على مكتب بهاء وسألتها: ماذا تعلمتِ؟ قالت: أن أضع يدي وراء ظهري إذا أردت أن يكون لي الدب! ضمتها منور إلى صدرها! وذهبت إلى مخزن الزين في سوق الحميدية واشترت دبا كبيرا حول رقبته شريطة خضراء. ووضعته على الكرسي الذي كان يجلس عليه بهاء قرب المكتب. وفكرت في اليدين المعقودتين خلف الظهر. تقيد يدا الإنسان السجين، تقطع يد السارق، تغلّ اليد وتمنع من الحركة. واليد هي التي عمرت المدن، وزخرفت الأموي بالفسيفساء، ورصفت الطرقات، وكتبت المخطوطات، وهي التي زرعت الشجر وقطفت الثمار، ومدّت مربى المشمش في الصواني على السطوح المغمورة بالشمس، وعلّقت عقود الملْبن! قدمت منور لليلى ورق العنب المحشو بالرز واللحم، وقالت لها لففته بيدي! وأطعمتها الرز بالحليب المعطر بماء الزهر وقالت لها: طبخته بيدي! ثم أعطتها الدبّ الكبير وقالت لها: عمله الناس للأولاد. عملوه بأيديهم في بلد لانعرفه اسمه برلين! عانقت ليلى الدبّ وتركت كفها الأخرى لمنور ففتحتها وتفرجت على أصابعها الصغيرة الطرية: ياليلى، ماذا ستفعلين بهذه اليد الحلوة عندما تكبرين؟ قالت ليلى ماستردده في فتوتها أيضا: سأداوي الناس! ماأهم يد الإنسان إذن! وستتذكر ليلى كلمات منور عن يد الإنسان وهي تداوي الجرحى في حرب تشرين. وستزيّن أصابعها بالخواتم الجميلة كمن يؤدي واجب احترام أصابع الإنسان. ولن تخلع خواتمها إلا في غرفة العمليات. بقيت ليلى في مدرسة الأميركان حتى روت لمنور أن رفيقتها ركعت في زاوية الغرفة ورفعت يديها فوق رأسها لأنها تكلمت في الصف. قالت لنفيسة: كفى! هذه ليست مدرسة! هذا سجن! أفرح منور، فيما بعد، أن المدرسة الابتدائية كانت في بيت عربي واسع، وأن ليلى عادت منها راضية. روت لمنور أن تلميذات المدرسة الابتدائية وقفن صفوفا بين أشجار اليوسف أفندي والبرتقال والأكدنيا في أرض الدار. وأن المديرة خرجت إلى الفسحة التي ترتفع درجات، ورفعت بيدها الكمان وأسندته إلى ذقنها. تفرجت ليلى على الخاتم الألماس الذي يلمع في إصبع المديرة، وإلى وجهها النضر الممتلئ، وثيابها الأنيقة. لمست المديرة الكمان بالقوس، وضربت الأوتار ضربات قوية ثم بدأت العزف، وبدأت التلميذات ينشدن النشيد السوري، وارتفع العلم على السارية أمام نوافذ الطابق العلوي. أطلت النساء من سطوح الجيران على المديرة والفتيات. ورفعت ليلى نظرها إليهن في حذر. "خلال النشيد يجب ألا نتحرك"! بعد النشيد أعلنت المديرة: كن مرتبات غدا! شرائط الرأس بيضاء مكوية، الجوارب القصيرة بيضاء نظيفة، الصداري مكوية، القبات بيضاء مكوية أو من المشمّع الأبيض النظيف! ثم استدارت إلى غرفتها المطلة على الباحة. وصعدت التلميذات إلى صفوفهن. في الصف تلميذتان في كل مقعد. والمقعد جديد، حفر في مقدمته مكان للدواة. واللوح الأسود جديد. الصف مضاء بنافذتين تطلان على الباحة تلمسهما أشجار النارنج. لدى بعض الطالبات "ستيلو"، لكن المعلمة لاتسمح لهن باستعماله حرصا على جمال الخط. "اكتبن بالريشة"! غمست الفتيات الريشة في الدواة وكتبن. ولوّن الحبر أصابعهن. "اجلسن مستقيمات الظهر"! تحدثت المعلمة عن العمود الفقري الذي يعوجّ إذا أساء الإنسان جلسته. "في ظهر الإنسان شكله وأخلاقه"! استمعت التلميذات في احترام إلى المعلمة. يعرفن أن قريبها حكم بالإعدام في أيام الاحتلال! شابة شقراء بيضاء بيتها قريب من المدرسة. سترفع ليلى نظرها إلى بيت المعلمة كلما مرت به وستتوهم أن المعلمة تراها من النافذة فتشد ظهرها وتضبط مشيتها. تصفحت ليلى الكتب المدرسية في تهيب وفرح. فيها صور فتيات وفتيان وأشجار. ورق أبيض عليه كتابة بحروف كبيرة وبحروف عادية. أي سحر! هل ستنهي الكتاب كله حتى نهاية السنة! لكن المعلمة تحدثت لتلميذاتها عما يتجاوز الكتب. حكت لهن عن الاحتلال والاستقلال، عن العِلم والدراسة وقراءة الكتب، وعلمتهن نشيدا.. "حققوا آمال غازي، وحدة تحيي الأمل.." من هو غازي؟ من فيصل؟ الدولة العربية.. "طلبت المديرة منكن أن تكن مرتبات غدا لأن رئيس الجمهورية سيمر أمام المدرسة وسيقف ليراكن. العِلم أساس بلادنا المستقلة! لذلك يجب أن تدرسن وتتفوقن! العلِم شرف.. لكن وللوطن"! تأملت منور صخب ابنتها: سيتوقف رئيس الجمهورية أمام مدرستنا ليرانا! القبة.. الصدرية.. الجوارب..! قالت منور: لو يجعل الدفاتر رخيصة بدلا من زيارتكن! آه، هل هذا وقت الانتقادات؟ استمعت منور إلى حديث الجارات عن احتكار السمن والزيت. "أكل التجار البلد! ماذا يهمنا إذا كانوا سوريين أم غير سوريين؟ لاضمير لهم، لايبالون بأهل بلدهم! هذا ماانتظره الناس من الاستقلال؟ في الحرب احتكر التجار قوت الناس، وبعد الحرب لم يتبدل الوضع"! الحق مع سلامة الأغواني الذي غنى "يابو درويش خبّرني كيف بدنا نعيش"..! وضعت ليلى أمامها لوحة من الكرتون فيها صور سمك متنوع الأشكال كُتبت أسماؤها بالفرنسية وبدأت ترسم مثلها، مبتهجة بعلبة الألوان الجديدة، وبأنها ترسم للصف مثيل لوحة الكرتون المطبوعة في فرنسا. سيمر غدا رئيس الجمهورية! وستكون ليلى غدا مرتبة! صُفّت التلميذات على جانبي الطريق. وانشغلت المعلمات في تفقدهن مرات. أعدن إلى الصواب القبة البيضاء التي طاشت من مكانها، لمسن شرائط الرأس ونشرنها لتكون كالفراشات. وضعن في الصف الأمامي البنات الجميلات والغنيات. لمست ليلى شريطتها الاورغانزا. وهاهو رئيس الجمهورية! مشى بين التلميذات. سلم على المعلمات وعلى المديرة. سلم على التلميذات الواقفات في الصف الأمامي. نظرت إليه ليلى وهي تمدّ له يدها. لايختلف عن أي رجل رأته. قالت منور ضاحكة: "ظننا الباشا باشا، طلع الباشا زلمة". في ذلك اليوم أعلنت المعلمة: "ستعلّمكن المديرة الوضوء والصلاة"! والتفتت إلى ناجية المسيحية: "ناجية يابنات من أهل الكتاب. مثلنا لكنها تصلي بشكل آخر! لذلك ستبقى معي". كم بدت أرض الدار واسعة لتلميذات صفّ فيه عشرون فتاة! مشت التلميذات بين الأشجار حتى وصلت المديرة فتحلقن حولها. استمعن إليها. ثم تفرقن على صفّ من الحنفيات في طرف أرض الدار، يشربن منها وقت الفرص. وقفت المديرة بينهن وبدأ الوضوء تحت السماء. بعد الوضوء وقفت البنات على الحصر التي فرشت بين الأشجار. وأمّتهن المديرة التي وضعت على شعرها إشاربا وبقيت ظاهرة الساقين، جاهرة بصوتها، وردّدن خلفها آيات الصلاة. زقزق عصفور على شجرة السرو، وهسّت أوراق شجرة اليوسف أفندي الكبيرة. رفعت ليلى نظرها إلى الأشجار وإلى السماء الزرقاء، الزرقاء. رددت ماتقوله المديرة. وغمرها الفرح بما حولها. قالت المديرة بعد الصلاة: "جهرنا بالآيات كي نتعلم الصلاة. لكن يفترض أن نتلوها في السر". صعدت إلى مكتبها وبقيت الفتيات في الباحة سعيدات بالفسحة الواسعة والأشجار. وأقبلت معلمتهن مع ناجية ووضعت سبابتها على فمها: هسّ! لاتزعجن بأصواتكن الصفوف الأخرى! صمتن وتجولن في الباحة هامسات حتى خرجت المديرة وهزّت بيدها الجرس الأبيض ذا القبضة السوداء. هرعت ليلى إليها فناولتها المديرة الجرس، أخذته وهزّته بسرعة وقوة فابتسمت المديرة: كفى! سمعتنا الحارة كلها! في اللحظة التي هزّت فيها ليلى الجرس لمعت للمديرة فكرة: ليلى مناسبة لتكون بطلة في التمثيلية عن الجلاء! نادتها إلى غرفة المعلمات: ليلى، احفظي هذه المقاطع! ستبقين بعد الانصراف ابتداء من الغد. خبري أمك. سنتدرب على التمثيلية كل يوم. أعطيت ليلى دور فرنسية تحتقر السوريين وتناديهم "سال سيريان". وأعطيت، دور سورية التي تحررت من الانتداب! وأدت الدورين وهي تنشر ذراعيها مع الكلمات، كما سينشر التلاميذ دائما أذرعهم فيما بعد. دارت في البيت وهي تكرر: "يالعزي وفخاري، يالبهجتي وحبوري، يداي طليقتان وقد أنهكتهما القيود والأغلال، ملكت البشرى علي مشاعري، نفسي مهتاجة طروب، بهذه الأعلام الخفاقة والأنوار المتلألئة". قاطعتها منور مداعبة: أنا حفظت الدور! في التمثيلية الثالثة مثلت ليلى دور الزنبقة التي تتبارى مع بقية الأزهار. واستمعت منور إليها تردد: "أنا الزنبق زهري مطبّق، قلبي أبيض صافي وريّان"! فقالت لنفيسة: لاتجيد ليلى الكتابة بعدُ، ومع ذلك تحفظ بالفصحى كلمات ثقيلة! حفظت ليلى الكلمات بصما، تماما كما حفظت مرة قصيدة عن قلم الرصاص. لكن الممتع كان الحركة، صفّ الكراسي، البقاء بعد الانصراف، القرب من المعلمات، الوقوف على منصة تشرف على الباحة ذات الأشجار، الناس، والمعلمات الواقفات في طرف المنصة جاهزات لمساعدة التلميذات الممثلات. لبست ليلى بلوزة بيضاء على صدرها نجوم حمراء مكان الأزرار، وتنورة سوداء، وشريطة خضراء. هذه هي "سورية المستقلة"! وألقت كلماتها، وعندما صفق لها الناس بحثت بعينيها عن أمها. هرعت إليها المعلمة وقبّلتها. في الصف الأمامي من القاعة صفّت أرائك للوجهاء كما ستصفّ فيما بعد طوال عقود في الحفلات. وخلفها صفت الكراسي الخيزران للناس. تكررت الاحتفالات بعيد الجلاء فيما بعد. لكن أين الأفراح بعد احتلال فلسطين؟! كأنما صحونا من الحلم بأن الدنيا ستتغير! اشتركت ليلى مرة فقط في تمثيلية في المدرسة. وقالت منور لنفسها: ليت بهاء تفرج عليها! بدت حلوة ورائقة. فهل نسيت مقتل أبيها في الجليل؟ ونسيت اليوم الذي أتى فيه رجل أوصل لمنور مذكرات بهاء الموشاة بدمه؟ يبدو أنها لاتتذكر ذلك. وماأحسن النسيان! فلتنشعل بالمدرسة! المدرسة دنيا واسعة خارج البيت، باحة فيها شجر، ومعلمات لطيفات ورفيقات. هاهي ليلى تمسك بيد رفيقتها سمر في الطريق إلى المدرسة. تؤرجحها وتضحكان. وصفتهما سعاد لمنور: مثل عصفورتين لاتعرفان ما في الدنيا من هموم! كانت سعاد على الرصيف الآخر، فتمهلت لتتأملهما. ماذا يضحكهما؟ ماذا يسعدهما في هذه الدنيا التي انقلبت فصارت فيها سعاد صاحبة أراضي بيسمون، وصاحبة البيت الجميل في عكا، لاجئة؟ هل تعي ليلى التي فقدت أباها في فلسطين عذاب أمها التي لاتستطيع أن تزور قبره ولاتعرف المكان الذي دفن فيه في الجليل؟ مايزال احتلال فلسطين الذي سماه العرب نكبة، طريا. لم يسلم حتى برنادوت لأنه أوصى بعودة الفلسطينيين المهجرين إلى مدنهم وبيوتهم. يعني اغتيال برنادوت أن دولة المستوطنين الغرباء الذين سلبوا العرب بلادهم لن تسمح لهم بالعودة إليها! ربما كان يخيل لسعاد في تلك الأيام أن الفرح ذنب، وأن الأطفال يجب أن يعرفوا نكبة فلسطين وأن يربيهم أهلهم على فهم خطرها. كانت هي المنكوبة ببلدها تزور منور يوميا لتفكر معها بما حدث ولتعلن لها العناوين التي عرفتها: فاطمة اليشرطية الآن في بيروت. صدقي الطبري الآن في حوران. ابن الخوري، المحامي الكبير، في حماة.. كانت منور قد منعت الحديث عن حزنها واستدارت عن المواساة. هل يمكن أن تطمر امرأة مقتل زوجها وابنها؟! انصرفت إلى الأخبار التي تنقلها لها سعاد عن فلسطين. أخبار لاتنشرها الجرائد! فما يزال الفلسطينيون يتسللون إلى قراهم سالكين طرقات يعرفون حتى حجارتها وأشواكها. يصل بعضهم سليما ويبقى كأنه لم يغادر أرضه، فينقله الإسرائيليون إلى قرى أخرى إذا كانت قريته في مشروع قرروه. أو يسقط مقتولا كمتسلل إلى بلاد صارت للغرباء القادمين من بولونيا وهنغاريا واوكرايينا وروسيا ورومانيا. كان بعضهم يجد بيته منهوبا أو منسوفا. وكان بعضهم يعود ببعض ماطمره إذا سلم في العودة. لم تكن الحدود بعد مضبوطة فالدوريات الإسرائيلية لاتستطيع بعد قطع صلة فلسطين بالبلاد العربية. وماذا يعني ذلك يامنور؟ يعني أن هذه البلاد لاتزال بلاد الشام، ويصعب اقتطاع فلسطين منها. من يستطيع فصل جزء من الروح عن جزئها الآخر؟! تعيش حيفا بقمح حوران، وتأكل دمشق البرتقال اليافاوي! فجّرت منور حزنها في الغضب! قالت لأختها: اقتطعوها؟ قولي وهبها رؤساء العالم الظالم الذين لايعرفونها للغرباء الذين لايعرفونها! وسامح بها الملوك العرب المستوطنين! من سلّم لهم اللد والرملة؟ وسلم لهم أم الرشراش في العقبة التي سيسمونها اسما آخر؟ الناس والأرض ضحية الأمم المتحدة وضحية الحكام الخونة! كان عبد الرحيم ينقل لسعاد التفاصيل فتقول له: يعرف الناس ذلك دون أن تنقله بشكله الرسمي! لكنها كانت تستمع إليه وتقول لنفسها: كم تبدو الأمور محبوكة! هنا أبو حنيك. وهناك قرار الأمم المتحدة الذي يمنع العرب من الاعتراض على قراره وإلا.. يعرف الجميع أن التقسيم وهب الغرباء حقا في أرض ليست لهم ولن يبقوا في حدودها التي أعلنت لهم كدولة يهودية! من يجهل أن الهدنة كانت مفصّلة كي يستقدم اليهود السلاح الذي يحتاجونه والمتطوعين الذين يحتاجونهم! وأن الهدنة كانت تنتهي وقت يستطيعون احتلال قطعة جديدة من الأراضي الفلسطينية! كيف تستطيع ليلى، إذن، الضحك مع رفيقتها كأن الدنيا في أمان؟ تابعتهما سعاد وهما تسبقانها على الرصيف الآخر، سريعتين نحيلتين. انتبهت سعاد إلى بقية البساتين التي تواكبهما. كانت مزروعة بالأرضي شوكي الذي يبدو قريبا من قامتيهما. التفتت إلى البساتين التي تمتد من جهة حتى قاسيون وتتصل من جهة ببساتين "وراء الدور" التي كان يملكها خالد آغا، وفي سبيل توزيعها في عدل بين الإخوة انتحر ابنه شهاب! وهاهو بهاء، ابنه الآخر، في تراب فلسطين! فهل يستطيع رجال غرباء بقرار أو دون قرار أن يدّعوا لأنفسهم هذه الأرض؟ هذه بلاد الشام، لايستطيع أحد أن يقسّمها، ومهما طال الزمن والعذاب ستعود متصلة بأهلها العرب ويجب أن يهجّر منها الغرباء كما هجّرونا! فلتعترف الدول العربية بما تُلزم به من قرارات دولية، ولتنحن لما يراد لها أن تنحني له! لكني أنا سعاد، وهؤلاء الناس، لن نقبل مالايقبله العقل والضمير! عشنا في فلسطين، عاش فيها آباؤنا وأجدادنا، فيها قبورنا، فيها بيوتنا وشجرنا، فكيف يقبل العقل أن توهب لغرباء نقلتهم إليها السفن؟ كيف يقبل أن يأخذوا بيتي في عكا ويناموا على سريري ويقطفوا اللوز من شجرتي المزروعة في حديقتي، ويحتلوا المقعد الذي سهرت عليه مع عبد الرحيم؟ ولدت أولادي في بيتي، عبأته بروحي وحزني، بليالي الأرق وليالي الصبر، فكيف يقرر غرباء أنه لغرباء قادمين على سفن غريبة؟ لأنهم يهود؟ كأن سعاد كانت في تلك اللحظة، تفكر بما سيكون موضوع الصراع بين العرب والإسرائيليين طوال نصف قرن! وبما سيكون موضوع المفاوضات التي ستبدو الدول فيها مقسمة بين الواقع المفروض، وضمائر الشعوب الملتزمة بالحقيقة التي تعرفها: أنها رأت سرقة فلسطين بالقوة من أهلها، سرقة أراضيها التي زرعها العرب، وبيوتها التي شيدوها وأثثوها! والذكريات التي حشدوها بحياتهم وموتهم! انساب حنان رقيق في قلبها على الفتاتين. وكأنها انتبهت إلى صلابة في الطفولة تجعلها عصية على الانهيار. وتساءلت أهي الجهل بعمق المصائب؟ أم هي النضارة التي لم تتراكم عليها طبقات من الأحزان؟ وبدأت تستمتع بخفتهما في المشي، وبسرعتهما وفرحهما! وصلت بعدهما بزمن. وقصدت أن تتوقف قرب الحديقة المزروعة بالعشب، المسوّرة بنصف دوائر منخفضة من القضبان في بوابة الصالحية قرب الفيجة. عندما وصلت إلى بيت منور وجدت أفراح ليلى ماتزال طرية. رفعت ليلى الجلاء المدرسي وأقبلت عليها: الثانية، ياخالتي! لذلك أعطوني جلاء مطبوعا بأحرف في لون الطاووس! جفلت منور. استعادت البيت الذي أمضت الصيف فيه في قدسيا والطاووس الذي أكله الضبع! كمد وجهها وابتعدت: ستبدو كمن يحضّر القهوة لسعاد! في المطبخ وضعت يدها على رقبتها واهتزت: الصبر، ياربي! لاتستطيع أن تبتلع ريقها. بدا لها أنها تتذكر تفاصيل الأمسيات التي أمضتها مع بهاء في قدسيا. تجلس معه على الشرفة فوق النهر مظللة بالشجر، ويتحادثان حتى يأتي النعاس رقيقا وشفافا تصعب مقاومته. كانا يتجولان في دنيا واسعة خلال دقائق. وكانا يضحكان دون أن يدريا سبب ضحكهما. وكالأطفال يكتمان الضحك كيلا يصل صوتهما إلى ولديهما. ولو سئلا ماالذي كان يفرحهما لكان صعبا عليهما الجواب بكلمات. ولاختصرا ذلك بجملة: سعداء لأننا معا! قرب الفجر كانت منور تنتقل إلى سرير آخر، مخمّنة أن ليلى ستفيق مبكرة وتأتي إلى أبيها فتندس إلى جانبه. كانت تراقبها وهي توقظه، تلمس وجهه لكنه لايفتح عينيه بل يشدّها إليه مغمض العينين، ويقبّلها مغمض العينين فيضحكها ذلك وتمد أصابعها تحاول أن تفتح جفنيه. يعجبه ذلك فيشدهما بقوة حتى تقول له: بابا، قم! وتنهض وهي تسحبه من يده. عندئذ يستعيدها ليعانقها فتستكين بين ذراعيه سعيدة ومعتدة بانتصارها. تتأملها منور وتفكر بسحر الحب. يحتاجه الأطفال ليشعروا بمكانتهم، ليؤمنوا بأنهم مدللون ومهمون، ويكبرون بذلك الحب. تفادت منور عناق ليلى كيلا تذكرها بعناق الصباح الذي تخصّ به أباها ويخصّها به. وكانت تخاف من تدفق الحزن من خلال وهن الحب. فلجأت إلى التظاهر بالقوة. بأن أيا منهما لاتحتاج المحبوب الذي غاب، وستقبلان الحياة دونه ولن تكونا دونه ضعيفتين. استمر ذلك بعد موت بهاء. بكت ليلى بحرارة يوم أعلن الزائر الغريب مقتل بهاء وأعطى منور مذكراته الدامية. بكت من قلبها، وخيل لمنور أنها لم تر حبات دمع أكبر من دموع ليلى. ثم تجاهلت ليلى غياب بهاء، ولم تعد تذكره. بدت كمن نسيه. وأراح ذلك منور لكنها لم تنخدع بذلك الظاهر. فقد اختفى من البيت نصف الأسرة، اثنان، معتصم وبهاء! في بعض الليالي صرخت منور: أكان يجب أن أحمل أنا فقدين في وقت واحد؟ ياللظلم! لكنها حرصت على ألا تشعل ضوء غرفتها. وتحملت امتداد الليل وثقله منتظرة الفجر. شغلت نفسها بتحضير فطور جيد لليلى. الرز بالحليب المبطن بعصير البرتقال، والفطائر بالقشدة، المأمونية مع القرفة، السحلب، الهيلطية، كشك الفقراء مع الفستق الحلبي وماء الزهر. وكأنهما اتفقتا دون كلام على ألا يمسّ حزنهما الطعام فأكلت إحداهما كي تأكل الأخرى. قصدت منور ألا تطبخ طعاما كان يحبه بهاء. حتى سهت ذات يوم فحضّرت ملوخية على الطريقة المصرية. شعرت بخطئها وقت بكت ليلى فجأة وركضت إلى فراشها وغمرت وجهها بوسادتها. هرعت منور إليها وتحدثت عما تفادتا الكلام عنه. يجب أن نألف أنه غاب عنا. لكن يجب أن نستبقيه بيننا بالفرح لابالحزن. لم يعلّموك في المدرسة بعد أن الشهداء لايموتون لأن البلاد لاتبقى إلا بهم! لو كان الناس كلهم مثلنا يعيشون في بيوتهم ولم يخرج للدفاع عن الأوطان أحد لما بقي بلد كريما. قدرنا ياليلى أن نفقد أحباءنا لأنه لابد من الدفاع عن هذه البلاد. ستقرأين ذات يوم في التاريخ أننا محظوظون ببلاد ذات حضارات قديمة، فيها بدأ الإنسان يزرع ويحصد ويبني بيوتا جميلة فلم يعد صيادا يطلب المأوى في كهف. فيها كتب الإنسان أول مرة بلغة كانت خطوطا ثم صارت أحرفا. تقع هذه البلاد على طريق القارات. وفيها إلى ذلك ثروات وتراب خصب ومياه وأماكن مقدسة جميلة، وربما فيها أشياء أخرى ثمينة نجهلها. لذلك أتاها الغزاة من زمان طويل. فكان يجب أن يدافع عنها أهلها. كان فيها كثيرون مثل أبيك. جعل هذا حتى التراب ثمينا. كل ذرة تراب ياليلى منهم، طبقات فوق طبقات. ولابد أن بنات كثيرات لانستطيع أن نعدّهن فقدن مثلك آباءهن. والآن في سورية ومصر والعراق وفلسطين ولبنان توجد مثلك بنات بقي آباؤهن في فلسطين. فأحبيها كلما تذكرتِه، أحبيها كلما شعرتِ بغيابه! إياك أن تنسيها ياليلى، وإياك أن تسامحي بها الغرباء الذين سرقوا بيت خالتك وقبور أجدادك! أحبيها بمقدار ماتحبين الشام! ولاتفصلي الشام عنها أبدا! استمرت ليلى في البكاء فبدت منور كمن تكلم نفسها. لكنها كانت تعرف أن ليلى تسمع كلامها وأنها تحفظه لأنه يفسر لها لماذا قتل أبوها في الجليل. وكانت منور تعزّي نفسها خلال كلامها وهي تذكّر نفسها بأنها واحدة من ملايين النساء في بلاد الشام اللواتي فقدن أحباءهن وسيفقدنهم بعدها. كأن مصيرهن معلق بالعدل في الدنيا كلها. بيوم لايأتي فيه غريب إلى هذه البلاد إلا ليزور حضارتها ويمشي في أزقتها ويعجب بنظافتها وبساتيها. بغابات الفواكه التي تحيط بدمشق حتى تلامس الصحراء، بالجبل الذي تسند دمشق إليه ظهرها ويجري نهرها في واديه ويتسلق بفروعه شَرَفيها، ويعبر صخورها ليروي بساتينها في السفح ويدير نواعير الصالحية ويغسل حماماتها ويشطف مدارسها التاريخية وأضرحتها. ويوم لن يأتي غريب إلا ليتذكر الشعر الذي صدح في أمسياتها وترقرق على ضفاف سواقيها، عندئذ ستمد النساء أيديهن ويلتقطن له الورد الذي تحمله سواقي البيت، وسنقطف له الياسمين ونحبكه عقودا وأساور، وسنضع له الفلّة قرب كأس الماء، ونعلّمه كيف يعطر الملابس بصابون الطّيب. وسيصيد الزوار الجالسون على ضفاف يزيد مثلنا حب الآس الذي سقط من شجيراته الكثيفة في الماء. استدارت ليلى فجأة عن فراشها وعانقت منور. بدت دافئة صغيرة نحيلة وهي تتنهد من البكاء. وكادت منور تبكي عندئذ من الشفقة عليها. لكنها قالت لها وهي تربّت على شعرها: سنأكل الطعام الذي يحبه بهاء، وسنشعر بأنه معنا! بعد ذلك اليوم صارت منور تقصد أن تدعو أولاد سعاد إلى الغداء، أو زميلات ليلى في المدرسة. وملأ ذلك البيت بالضجة التي فقدها في غياب نصف الأسرة، وبأصوات أخرى شغلت ليلى. وجدت سعاد الصحون على الطاولة فنادت: اتركي القهوة الآن يامنور! سنشربها بعد الغداء! بلعت منور غصّتها بكأس ماء وعادت إلى سعاد. وركضت ليلى لتفتح الباب لرفيقتها: تركتني سمر لتخبر أمها بأنها نجحت، ورجعت لتتغدى معنا! فسّرت منور لسعاد: ابنة جيراننا في الصف نفسه مع ليلى! بيتها في البنايات الجديدة في عين الكرش وراء سوقساروجا! تفرجت سعاد على صديقة ليلى. تابعت اللغة التي تتكلمانها همسا وبالإشارات. كانت النظرة كافية لتعيد كلا منهما إلى قصة طويلة تتذكرانها. أيمكن أن تكون لهما في هذا العمر حكايا تستعيدانها؟ كبح حضور سعاد في البداية ليلى ورفيقتها، ثم نسيتاها. وتظاهرت سعاد أيضا بأنها لاتنتبه إليهما. لكنها تابعت الصمت والهمس بينهما، وبريق العيون، واحمرار الخدود، والضحكة المكتومة. يالهذا العمر الجميل الذي يتفتح بعيدا عن الهموم! كم ابتعدنا يامنور عن الطفولة! ذات يوم سيكتب راشد كيلاني عن تلك اللحظة التي عاشت فيها ليلى ورفيقتها وراقبتهما فيها سعاد: "عندما استسلم الحي اليهودي للقوات الأردنية في القدس ضغطت أمريكا وإنكلترا على مجلس الأمن فأصدر قرارا يلزم بوقف إطلاق النار. بدأت الهدنة في 11/6/1948 وطوال ثمانية وعشرين يوما تجول مندوبو اليهود في اوروبا وأمريكا طالبين السلاح وغيّروا مجرى الحرب. اشتروا من مركزهم في تشيكوسلوفاكيا طائرات مسر شميدت الألمانية المقاتلة وأودعوها في براغ كقطع تبديل وحضروها في ورشة في براغ واستعانوا بحكومة تشيكوسلوفاكيا، ونقلوها إلى إسرائيل. واشتروا أربع قلاع طائرة قاذفة للقنابل من الولايات المتحدة جُهز كل منها باثني عشر مدفعا رشاشا، أغارت على دمشق والقاهرة. كانت سورية قد أوفدت فؤاد مردم لشراء أسلحة من تشيكوسلوفاكيا. شحنها على سفينة. فلاحقها الصهاينة، ورشوا عمال ميناء براتسلافا فأخّروا إبحارها. أمّن فؤاد مردم إبحارها. لكنها عادت من عرض البحر كأنها تخشى عاصفة. وفجّرها البالماخ الذين تخفوا كبحارة. لكن الأسلحة أنقذت. دبر فؤاد مردم باخرة أخرى نقلتها. فسرّب الصهيونيون بعض رجالهم كبحارة. قبل وصول الباخرة إلى بيروت اعترضوها في البحر ونقلوا الأسلحة منها إلى سفينة إسرائيلية وأغرقوها". هزّ قصف قوي بيت منور. فهبّت واقفة واندفعت إلى غرفة ليلى. وصل اليهود إلى هنا؟ ماذا حدث؟ ضمت منور ليلى إليها وسمعت دقات قلب ليلى على صدرها. رجع الهدوء وكان عميقا حزينا طويلا. ثم تدفقت أصوات الناس في الطريق. هل تترك منور ليلى وحدها في البيت لتستطلع ماحدث؟ تتركها وقد يعود ذلك الانفجار؟ لا، يجب أن تحميها بجسمها! لاحظت أن وجه ليلى اصفر. فسقتها ماء الزهر، وغسلت وجهها. ثم أمسكت بيدها وخرجتا من البيت في حذر، كما سيخرج مئات الأطفال الفلسطينيين وأهلهم بعد عقود ليفحصوا البيوت والسيارات والأسواق التي يقصفها الإسرائيليون! وجدت النساء والرجال والأطفال يمشون في اتجاه واحد، وجرت معهم. سمعتهم: قصفت طائرة يهودية دمشق! يأتوننا من السماء التي نفتح نوافذنا في الصباح عليها، وننتظر فيها قمر الليل! كانت ليلى لاتقبل أن تلبس معطفا إلا إذا تفرجت على السماء ووجدتها مغلقة بالغيوم. وكانت منور تحاول دائما أن تقنعها: برد، ولو كانت السماء صاحية. هذا شتاء، البسي معطفك! كم مرة تكرر ذلك الحوار بينهما؟ من تلك السماء التي يتجول فيها السنونو في المساء نزلت قنابل الطائرة. كم كانت منور تحب مساء دمشق الحافل بأصوات السنونو وهيجان أسرابه التي تدور في سماء المدينة! جرت مع الناس وهي تشد قبضتها على يد ليلى. لكنها لم تمش كثيرا! على بعد مئات الأمتار من بيتها لمحت البناء المقصوف. فارتدّت إلى الوراء لتعود بليلى لكن ليلى جرّتها وهي تركض وتصرخ: سمّورة! بذلت منور جهدا كي تكبح ليلى. ولكن هل يمكن أن يخفى دمار بناء؟ طوال نصف قرن قادم لن يستطيع أحد أن يمنع الناس من الوصول إلى البيوت التي تقصفها إسرائيل، ليجمعوا الأشلاء وينقذوا الضحايا. وسيكون القتلى والضحايا دائما عربا، فلسطينيين أو لبنانيين أو مصريين أو عراقيين! عندما وصل رجال ونساء بملابس بيضاء، أبعدت منور ليلى قسرا. ضمتها إليها بالقوة وجعلت ظهرها إلى الناس. وظلت تقبض عليها حتى استسلمت. وكأنهما تفاهمتا على أن منور ستعرف الحقائق فيما بعد وسترويها لليلى. لكن فات منور أن سمع ليلى صار بصرها. وأنها عرفت الموت الذي تمنت ألا يكون مصير سمر التي دللتها فنادتها سمّورة. عرفت أن القتلى والجرحى نقلوا. لم تعد منور تشعر بتوتر ليلى على جسمها. ثم ارتخت وكادت تسقط لو لم تشدها منور إليها. عادت بها على ذراعيها. ورفضت أن يحملها أحد من الجيران الذين مدوا لها أذرعهم. جلست منور في غرفة معتمة قرب ليلى. متى كانت تغني لها أو لأخيها؟ متى كان صوت منور شجيا عميقا حلوا مطربا وحزينا؟ من قصّ ذلك الماضي عن الحاضر ورماه كأنه من قرون سحيقة؟ رددت بينها وبين نفسها: ياربي! وكادت تطلب منه، كما يطلب الضعفاء، أن يرجم الظالمين بتلك الحجارة من سجّيل! ثم نفضت ظهرها فاستقام. ظلت تربّت على شعر ليلى: كم هو ناعم! وياله من حرير ثمين! كانت سمر قد حملت، دون أن تدري، بعض حِمل منور بصداقتها لليلى. بحرارة مايصل طفلتين في عمر واحد في صف واحد وفي بيوت متجاورة. وهاهي تُسرق منها! هل تستطيع منور أن تستنجد بأولاد سعاد؟ ستفهم ليلى ذلك كلعبة وسترفضها. لانستطيع أن نمنع الحزن عن الأطفال! هل نلام إذا كرهنا اليهود الغرباء وحقدنا عليهم، وإذا عشنا في انتظار أن نصبح قادرين على ردّهم عن المدن التي احتلوها؟ هل يمكن أن يعترف أي واحد منا بأن ماسرقوه صار حقهم الشرعي، ولو اعترفت دول العالم كلها لهم ومنها الدول العربية؟ من سيعيد لنا القتلى الأعزاء، من سيعيد لي بهاء ويعيد السمّورة لليلى؟ كبرت ليلى مبكرا، ولاتستطيع منور أن تمنع هذا النضج الحزين! لكنها شعرت بأنها يجب أن تدلّلها وأن تظهر لها الحب كأنها مئات الأمهات. بدأت تربت على راحة ليلى، ثم تطوي أصابعها إصبعا إصبعا كأنها تكرر لعبة بهاء مع ليلى. واستسلمت ليلى لها. وكأن الذكريات ملأت الغرفة حولهما بنسيم ناعم. غدا ستبحث منور عن الأحياء من أسرة سمر، وستزورهم مع ليلى. ولتسمع ليلى كل ماسيقال! نهضت منور فجأة، وفتحت الدرج الذي تضع فيه الصور. وأخرجت الصورة التي تذكّرتها، ورفعتها. تجمع الصورة ليلى وسمّورة، متشابكتي الذراعين، وإحداهما تميل برأسها نحو الأخرى. ماتزالان صغيرتين، ياربي! مسحت عينيها ووضعت الصورة قرب سرير ليلى. وعادت تربت على شعرها الناعم كالحرير. وقفت ليلى مرات أمام صورة سمّورة. ثم ألفتها. يجب أن نعيش ياليلى الحياة التي لم يعشها المفقودون الأعزاء! يجب أن نتتفس الهواء عنهم، وندرس عنهم، ونشعر بأنهم يرافقوننا في الطرقات! ألا تشعرين بأن الدنيا تصبح أحلى عندما يوجد فيها حتى اولئك الذين قدّر عليهم أن يبكّروا بالرحيل منها؟! رأت ليلى من النافذة غيوما وردية. مايزال الناس يغلقون نوافذهم لكن رائحة الربيع تهف. هل هذا عبق الربيع أم عبق العمر المزهر من الطفولة إلى الصبا؟ فتحت النافذة ومدّت نفسها منها لتحيط بأكثر مايمكن أن تحيط به من الغيوم. بم فكرتِ ياليلى؟ وأي فرح هطل عليكِ كالمطر وبللك؟ ألم تلاحظي أن الناس يمشون في الشارع بالمعاطف؟ وضعت كرسيا وقفت عليه وفتشت الرفوف في أعلى الخزانة. انحنت وفتشت الدروج في أسفلها. هاهي! تنورة مزهرة بشيالين من الكشاكش وبلوزة بيضاء! خلعت الثوب الصوفي الذي اشترته لها منور من المخزن الهندي الكبير ولبستها. وخرجت من البيت. مشت في اتجاه الغيوم الوردية. وتبينت أن ألوانا بنفسجية صارت ترتسم في أعماقها. في مكانٍ تغير اللون الوردي وتوهج، وفي مكانٍ آخر أعتم. قطعت شارع الصالحية. وأصبح الضوء نفسه ورديا عندما وصلت إلى شارع أبي رمانة الذي فُتح وسط البساتين. لاشيء يحجب عنها الغيوم هناك. أمامها حديقة أبي العلاء المعري في أعلى الشارع، حديقة جديدة مرتبة، يسيل الماء في قنوات فيها من الحجر. فيها بعض أشجار ومدرج أخضر وبعض مقاعد وضعت في المطل على منحدر الشارع والبساتين حوله والحديقة. من يتصور أن الشارع سيجرف بساتين أبي رمانة ويحرم المدينة منها، وستتفرع منه شوارع أخرى تبدد بساتين كيوان والنيربين والمئذنة والربوة؟ ماتزال البساتين تطوق البيوت. وماتزال البساتين تحيط بالطرقات التي عبرتها ليلى. شجر المشمش والجوز والتوت على مدّ العين. وفي أول شارع أبي رمانة تدفق الماء على العشب قويا ذا رنين. وزاد ذلك من البرد. وليلى بقميص صيفي قصير الأكمام، بتنورة صيفية مزهرة! في طريقها عبرت قلّة من الناس فهل نظروا إليها دهشين أم مشفقين؟ جلست على طرف حاجز الحديقة. كأنها أحاطت نفسها بالغيوم والسماء. تجاهلت البرد. تتدفأ بوهج الغيوم؟ خيل إليها أن الهواء نفسه أصبح ورديا. كانت السماء مدهشة لكن الأرض موجودة أيضا. يالهذا الصحو! ماأبعده عن دوارها عندما تستلقي على السطح فتصبح السماء وحدها موجودة، ويتسع الكون حتى يصبح دون نهاية، دون سقف، دون قعر، دون موطئ لقدميها. فتظن أنها تسبح في زرقة عميقة. ليل النجوم غير ذلك! تضحك منور وهي تجلس قربها: تفرجي على نجوم درب التبّان! كنت أحبها كثيرا وأنا صغيرة! درب من النجوم! عندما تتأملين النجوم زمنا، تحبينها، وتفهمين لماذا علق العرب القدماء مواليدهم بأبراج السماء. كانت دليلهم إلى الطريق في صحراء لاثوابت فيها. ليتك تختصين عندما تكبرين بالفلك. علم العرب العظيم الذي نثر مراصدهم في أنحاء بلاد الحضارة الإسلامية! كانت ليلى في مثل تلك اللحظة تنتبه إلى أن منور تريدها أن تعمل مافاتها أن تعمله. في ذلك اليوم سألتها: أحببتِ أنت أن تدرسي الفلك؟ ياليلى، يتمنى الإنسان أحيانا متأخرا مالم يعد قادرا أن يعمله. في الشباب لم تشغلني النجوم! عندما انتبهت إليها كان الشباب قد مرّ وأجيال أخرى تدرس في الجامعات. عندما رأت منور في دفتر الرسم على طاولة ليلى، سماء نيلية فيها نجوم بيضاء وصفراء وبرتقالية قالت لليلى: ماأجملها! ارسمي ياليلى، ارسمي! لاتقلدي ماترينه بعينيك بل ارسميه كما ترينه بقلبك! تمنيتُ لو أستطيع الرسم! سألتها ليلى: كنت تحبين أيضا أن ترسمي؟ ضحكت: أحببت الرسم. رسمت لنفيسة طواويس على قماش لتطرزها. بقيت تلك الطواويس على ستائر غرفتها! هل أدهش ليلى أن أمها تمنت أشياء كثيرة في الحياة؟ قالت لها مرة: لكني لاأستطيع أن أكون رسامة وفلكية فوق ماأريده أنا! التفتت إليها منور: لن تكوني إلا ماتريدين أن تكونيه! ولكن ماهذه المفاجأة؟ يعني فكرت بينك وبين نفسك بم تريدين أن تكوني! لم تلمها إلا لأنها لم تشاركها في قرار مهم! ولم تكن تكلمها كما تكلم طفلة، بل كما تكلم صديقا في عمرها. ردّت ليلى: قررت أن أكون طبيبة! طبيبة ياليلى؟ لماذا؟ ظلت ليلى تتذكر تلك البرهة سنوات طويلة وستحدث عمرا عنها، فيما بعد. ردّت: كي أمنع الموت! إذا ذهب رجال مثل أبي ليستعيدوا بلادنا سأكون معهم! وضعت منور كفيها على وجهها وبكت. وغضبت على نفسها لأن ليلى أخذتها فجأة فهربت إلى غرفتها. كانتا إذن تخفيان الرجل الذي بقيتا تعيشان معه بالرغم من غيابه! لكن ليلى ستعرف ذلك في عمق فيما بعد. عندما يصبح الغائب رجلها الذي أحبته متأخرة. هل استعادت ليلى حديثها مع أمها عن الأمنيات وهي جالسة على طرف حديقة أبي العلاء المعري بثياب صيفية في برد شباط؟ بل كانت بقوة الفتوة مبهورة بما تقدمه الحياة. المستقبل والحاضر أقوى من الماضي لمن في عمرها. ولم تدرك هناك اختلافها عن منور. ولن تدركه إلا بعد عقود عندما لن تكون منور موجودة، ولن تكون ليلى قادرة على التعبير عما فاتها أن تقوله لها مخترقة مابينهما من مهابة تحاشتا بها ماتفجره العواطف. انصرفت ليلى إلى الضوء الوردي. تقلبت فيه وهو يخبو ثم يندلع فجأة ناريا. تلفتت لتعرف من أين أتى ذلك الوهج في آخر النهار. كان متدفقا كأنه وداع الضوء العظيم. هجم لون بنفسجي، ثم رمادي. انسحب الوهج وانتهت الفرجة فنهضت ليلى ومشت راجعة إلى البيت. كانت البساتين قد غيّرت ألوانها وأصبحت مهيبة بلونها النيلي القاتم. لكن السماء مقابل ليلى أصبحت مذهلة بلونها النيلي العميق. وتقدمت ليلى منها. لم تنتبه إلى البرد؟ عندما وصلت كانت ترتجف. كانت منور قد رأت الثوب الصوفي على سرير ليلى. إلى أين خرجت ليلى التي ترتب عادة ثيابها؟ هل تعترف بأن خوفها عليها يتجاوز الخوف على ولد؟ تشعر منور بأن ليلى لها الحاضر والمفقودين. وتكبح نفسها كيلا تقيّد ليلى بحب يفرض قيودا تأسرها وتذبلها. كان يمتعها أن ترى ليلى تنمو حرة، مستقلة عنها، وأنها قررت ماستدرس في الجامعة وهي لم تنه بعد المدرسة. كادت تقع من القلق عليها. وتبيّنت كم هي ضعيفة وهشة في خوفها على ليلى. خنقت قلقها عندما رأتها من النافذة تمشي كالطير الحرّ. ماأجملها! أصبح هاجس منور أن تبقى حيّة لتحرسها حتى تكبر. وأن تبقى قوية كي تكون شراشف ليلى نظيفة، وملابسها جميلة، وطعامها طيبا. لفّتها منور بحرام صوفي نبيذي وسقتها كأس شاي بالزنجبيل. استسلمت ليلى لذلك الدفء وهي ترتجف. لم تسألها منور أين كنت. قالت ليلى جملة واحدة: كان لون السماء ورديا. "بيجنن"، يامنور! عندئذ قالت منور: مشوار بثياب صيفية في البرد؟ إذا اشتقت إليها البسيها في البيت! وهل ستلبسين ثوبك الصوفي في الصيف؟ ياليلى، لكل شيء أوان! العنب طيب في آب، والبطيخ لذيذ في الحر، والبرتقال للشتاء، والزبيب والتين والجوز لأيام البرد! يوم يخرّب التقدم الدورة الزراعية، فتضيّع الفواكه والخضار أوانها، ستقول ليلى: لاأحب البطيخ إلا في الحر. ولاآكل العنب إلا في آب. ولاأقبل البرتقال إلا في الشتاء!. لماذا يبدو لنا أننا سنبقى ثابتين إلى الأبد كما نحن في هذه اللحظة؟ لم يخطر لمنور التي تحملت كارثة المجاعة في بيروت خلال الحرب العامة، ووزعت أرغفة الخبز على الجائعين فأنقذت فتيات من الدعارة، أنها قد لاتبقى ذات يوم متماسكة وقوية. بل خيل إليها أنها تحملت مقتل زوجها وابنها في شجاعة. وستقول سعاد: كان ذلك صحيحا، حتى فتحت الانقلابات العسكرية جروحها! أنا التي عشت في فلسطين أيام الثورة ورأيت ظلم الاحتلال أعرف أن الإنسان ليس صخرة، واجبه أن يعطي للحزن حقّه! منور تكابر وياخوفي من أن تقع فجأة! لم يخف على سعاد أن "مرض" منور يبدو في قلقها على ليلى. فكرت في أختها تلك الليلة وبحثت عن طريق إليها. ثم قررت أن تنبش ما تخفيه منور وتتركه يأكلها قطعة قطعة. قالت لها: اسمعي! راح بهاء فدى فلسطين مع من راح فدى لها. كسر ظهري غيابه، أنا أيضا! يوجعني أني لم ألتق به في المرة الأخيرة إلا وأنا آتية من فلسطين وهو ذاهب إليها. لم أسقه فنجان قهوة! لكن لنفهم أن ذلك قراره. كان يمكن أن يقتل في ثورة 36 يوم كان مع المتطوعين العرب! كسب أكثر من عشر سنوات من الحياة بعد تلك الثورة، شاركتِه أنتِ فيها! غضبت منور: يحسب علينا مانعيشه كأنه هبة، وكأن الموت هو الطبيعي في هذه البلاد؟! نستحق غير ذلك، ياسعاد خانم! هذه بلادنا، لم نسرقها من أحد ولم نأت إليها كالمستوطنين اليهود الغرباء عن بلادنا ولغتنا وعاداتنا! قتل بهاء في الجليل وهو في ذروة قوته ونضج عقله! أنا التي خسرته؟ خسرته بلاده! وخسرته ليلى! ولاتزال طفلة! هل أخطأت سعاد، بالرغم مما صرفته من ليلة الأمس في التفكير، عندما سلكت هذه الطريق إلى منور؟ قررت أن تمشي إليها بخط مستقيم. قالت: إذا كنت تخافين على ليلى فابعدي الحزن عنك! لاتظني أن الأطفال لايلاحظون مافي قلوبنا! لكن افهمي أن حزن الأطفال ليس كحزننا. حزنهم حار لكن الدنيا التي أمامهم تشغلهم عنه. سيدخل أشخاص جدد إلى حياتهم وسيصبح المفقود ذكرى حلوة. نحن الذين لانستطيع أو لانريد أن نجدد المحبوبين، نظل ندور حولهم وننتشل التفاصيل التي لم ننتبه إليها فنجعلهم أحياء أكثر مما كانوا، فنزيد في حزننا عليهم ونصبح في غيابهم أكثر وحدة! هزّت منور رأسها! يريحها أن تطمئنها سعاد إلى أن ليلى سترى بهاء كذكرى حلوة، وستحفظه لكن أشخاصا آخرين سيأخذون المكان الواسع الذي تركه! يريحها أن تعترف سعاد بحزنها على بهاء وأن تفهم أن منور قررت أن تبقيه حيا أكثر من الأحياء وتعتّق حزنها عليه! ولكن لماذا بدا معتصم كأنه منسي؟ مع أن معتصما قطعة من روحها؟ ألأن الثكل عميق ومؤلم لذلك تتفادى سعاد أن تلمسه، ويتفادى ذلك الناس، وتحاول ليلى ألا تذكر معتصما بالرغم من أنه كان لها كالأب الحنون؟ أم لأن موته مؤلم أكثر من موت بهاء، لأنه مخجل، لأنه موت برصاص سوري بعد الاستقلال؟ كانت صورة بهاء تطل عليهما من الحائط، وبدا بابتسامته الرائقة كأنه يشارك سعاد كلامها إلى منور. رأت منور فيه روحا أخرى وهي تنظر إلى الصورة. لكنها انتبهت إلى غياب صورة معتصم من أي مكان في البيت. كيف حدث هذا الغياب؟ هل قصدته لتهرب من وجعها الأكبر؟ لايحزنون على الابن عندما يستعاض بآخر يعزيهم عنه. لكن من ينجبه راح معه! وياسواد ليلك يامنور! فهمت سعاد أن قلق منور يبدو في خوفها على ليلى. كأنها تريد أن تجعل ليلى تكبر خارج الأحداث. بعيدا عن الحزن العام وحزن منور، بعيدا عن ضياع فلسطين ولجوء سعاد. يجب أن تعبّ ليلى كثيرا من الأفراح، وأن تعيش فتوتها كفراشة حتى تكبر، بعدئذ فلتختر ماتسمعه أو تسعى إليه من الهموم والأحزان! يامنور، كوني عاقلة! هل لديك مقص تقصين به ماتلصقينه حول ليلى وما تحذفينه؟ هذه حياة، اخترنا أن نعيش في وسطها. لم ننف أنفسنا إلى هامشها! تساءلي دائما لو كان بهاء حيا ماذا كان يفعل؟ في ذلك اليوم حملت منور صورة معتصم وقصدت محل "فمينا" قرب البارلمان، أفخم مخزن في طريق الصالحية. بحثت هناك عن إطار للصورة. تبينت لهجة البائعة الفلسطينية. - من أين أنت؟ - من حيفا! - من البلد التي ولدتُ فيه، إذن! أتيتِ مع اللاجئين؟ - رأيت الموت مع أهلي قبل أن أصل مع اللاجئين! هجم اليهود علينا بالرصاص والقنابل! - مااسمك؟ - ميمي! أصلي يوناني! تجد منور فلسطين أينما تلفتت. لو تستطيع أن تقول للغرباء الذين قرروا التقسيم في مجلس الأمن ووهبوا الغرباء أكثر من نصف فلسطين، لو تفهمون أنكم لم تحلوا المشكلة بل غرستم أساسا لها. فلسطين موجودة في عمرنا فكيف تقصونها منه؟ بالقوة والقتل؟ لابد إذن من القصاص واستعادة المدن المسروقة! - ياميمي، هذه الصورة لابني الذي قتل هنا باسم فلسطين! انتقي لي أجمل إطار لها! - هذا أبسط إطار ياخالتي! وهو أجمل إطار. تفسد الزخرفة جلال الموت! - لذلك لم أكبّر الصورة. فلتسبح وسط هذا البياض! - نعم ياخالتي، لاتحتاج التكبير! بيدين ناعمتين رشيقتي الأصابع ثبتت ميمي الصورة في الإطار ولفتها بورق أزرق. وضعتها منور على الصندوق المصدف. فلاحظتها ليلى وأدهش منور أنها لمستها مبتسمة: معتصم! ماأحلى ابتسامته! هزّت منور رأسها. يبدو أن الحق مع سعاد! شاركت ليلى في تأمل الصورة: صحيح، وماأحلى أسنانه! حدث ذلك قبيل انقلاب حسني الزعيم. حضّرت منور الفطور، وضعت بيضة في صحن ليلى، سكبت حبة من المكدوس ووضعت الصحن في أفضل مكان بين صحون اللبنة والمربى. تحب ليلى في الصباح أن تشرب الشاي وتأكل معه المكدوس. تنظر إليها منور في متعة وهي تتذوقهما كل صباح. لاتغير العادة أبدا طربها بهما! لكن منور تدفع البيضة اليومية بين تلك الصحون كمن يؤمن بأن ليلى تكبر بها. هاهي ليلى ذات هوى وطباع: لاتقدم شيئا على فنجان الشاي والمكدوس في الصباح، وتترك كأس الحليب للمساء. الفطور جاهز، ستجده ليلى في انتظارها على الطاولة عندما تدخل إلى المطبخ. وستجلس مقابل عريشة البنفشا البيضاء التي نثر الهواء تويجات زهرها على الحارة أمس! تستطيع منور إذن أن تشعل الراديو لتسمع أخبار الصباح في هذه الدنيا التي لم تهدأ منذ حرب فلسطين! سمعت موسيقى عسكرية! خفضت الراديو وانتظرت. نظرت إلى إبرة الراديو. نعم، الإبرة على إذاعة دمشق! ماذا جرى إذن؟ أنصتت وانتظرت. انقطعت الموسيقى. "بلاغ رقم واحد"! كادت تندفع إلى الطريق. هدأت نفسها. واستمعت إلى الصوت. كأنه يعلن انقطاع الحياة المألوفة! "مدفوعين بغيرتنا الوطنية ومتألمين مما آل إليه وضع البلد من جراء افتراءات وتعسف من يدّعون أنهم حكامنا المخلصون، لجأنا مضطرين إلى تسلم زمام الحكم موقتا في البلاد التي نحرص على المحافظة على استقلالها كل الحرص، وسنقوم بكل مايترتب علينا نحو وطننا العزيز غير طامحين إلى استلام الحكم، بل القصد من عملنا هو تهيئة حكم ديمقراطي صحيح.." لاتهمها البقية! أسرعت إلى الروزنامة وانتزعت ورقة اليوم السابق منها. هذا زمن جديد، يبدأ في الثلاثين من آذار سنة 1949. كانت ليلى قد خرجت من الحمام مغسولة الوجه، ممشطة الشعر، جاهزة للفطور. تجلس في السابعة والنصف تماما كل يوم لتستمتع بفنجان الشاي والمكدوس على مهل. تخرج بعد عشر دقائق من البيت. يكفيها مابقي من الوقت للوصول إلى مدرستها في طريق الصالحية! مدرستها التي كانت ذات يوم معهد الطب الأول، وكانت قبل ذلك قصر زيوار باشا. بناء من الحجر والقرميد تحيط به حديقة واسعة. قالت لها منور: كلي بهدوء! وابتسمت: كأنكِ في يوم عطلة! ماأحلى عيني ليلى الدهشتين! - ستنتظرني رفيقتي قرب الباب! - أدخليها عندما تأتي وادرسا هنا! المدرسة مغلقة ومصفحات الجيش في الشوارع. كادت ليلى ترمي نفسها على أمها. جيش؟ أي جيش؟ الجيش الذي قتل أباها؟ أم الجيش الذي قتل أخاها؟ وطمأنها هدوء منور. استعادت منور قصة فساد السمن التي تناقلها الناس. حكوا أن القوتلي زار مع خالد العظم معسكرات الجيش. ثم تفقد طعام الجنود. وطلب أن تقلى له بيضة فلم يستسغ رائحة السمن. اختار تنكة سمن من مخزن تموين الجيش فتحت له فأيقن أنها فاسدة. فاعتقل أنطون البستاني المسؤول عن تموين الجيش. بحث النواب في البارلمان فساد التموين. وجد فيصل العسلي نائب بلودان، رئيس الحزب الاشتراكي التعاوني، فرصة ليلقي خطابا يهاجم فيه قيادة الجيش. أذلك رد حسني الزعيم قائد الجيش، أم خلفه مسائل أخرى؟! عندما وصلت سعاد إلى بيت منور كانت ماتزال غاضبة. نقلت مارواه عبد الرحيم عن الانقلاب. اجتمع حسني الزعيم بضباط الجيش في القنيطرة، تحدثوا عن الهجوم على الجيش في البارلمان، وكتبوا مذكرة إلى رئيس الجمهورية. حملها له حسني الزعيم. فقال له القوتلي: صار ضباط الجيش كالمخاتير يجمعون التوقيعات ويحملون العرائض؟ زار القوتلي ضباط آخرون بينوا له أن غضب الضباط حقيقي، يتجاوز كلمة العسلي في البارلمان. ويبدو أن خالد العظم، رئيس الوزارة زار القوتلي ليبحث معه المسألة نفسها. جرى الحديث عن ذلك حتى في نادي الصفا. اجتمع الزعيم بالضباط في القنيطرة وقرروا الانقلاب. قالت سعاد: لكن يبدو أن اتفاقية التابلاين ومباحثات الهدنة هي السبب. تردد البارلمان في التوقيع عليها. وسيوقع عليها بهذا الانقلاب! اعتقلوا القوتلي والعظم ونقلوهما إلى سجن المزة! واستقر حسني الزعيم كالطاووس في مديرية الشرطة! ومعه من يامنور؟! احزري! معه ابراهيم الحسيني! قال لي عبد الرحيم اطلبي من منور خانم أن تزور الحسيني وتفهمه مكانة القوتلي! وتذكّره بأن هذا الرجل الوطني حمل فلسطين على كتفيه! فلتذكّره بأن القوتلي كان من جمعية الفتاة! ابراهيم الحسيني الذي كنتُ أساعد أمه في غسله؟! ابراهيم الذي سألوني رأيي في زواج أخته أسماء من الحبوباتي؟! سأذهب إلى أهله! بل سأذهب إليه! لايستحق القوتلي أن يسجن في السجن الذي بناه غورو! ولايستحق ذلك خالد العظم الذي ينفق من ماله على السياسة! هل ننسى أن خالد العظم رفض أن يستقبل الفرنسيين الذين أتوا بعد فيشي، في أسفل الدرج كما طلبوا، بل انتظر أن يصعدوا هم إليه؟! هل تنسى منور أن خالد العظم، ابن سوقساروجا، ألجأ الحكومة إلى بيته يوم قصف دمشق في أيار؟! قالت منور مازحة في مرارة: لخالد العظم فضل علي.. يوم عبرت الحكومة البحصة لتلتجئ إلى بيته، قصف الفرنسيون سوقساروجا وامتلأ بيتي بالغبار ورائحة الحريق! نعم، للرجل فضل علي! كان يمكن أن تتناول سعاد سخرية منور وتمدّ منها حديثا بينهما، لولا غضبها من اعتقال القوتلي. هل تذكر لمنور أنه جلس إليها في أيام الثورة وطمأنها إلى أن السلاح سيرسل إلى الثوار؟ ولم تكن يومذاك تعرف أنها ستجلس على ذلك السلاح طول الطريق! قالت: يرى عبد الرحيم أن أكرم الحوراني هو الذي كتب البلاغ رقم واحد! يظن الحوراني أن الانقلاب العسكري سينهي الفساد ونفوذ التجار! كانت ليلى واقفة قرب النافذة تربت على القطة التي تمد لها رقبتها كلما اقتربت يد ليلى منها كأنها تطلب: وهنا أيضا! التفتت سعاد إلى ليلى ثم التفتت عنها. هل تقول لمنور: تمنيتِ أن تبعدي ليلى عن مصائبنا؟ تفضلي! احبسيها في غرفة! خلال الحديث بعد القهوة بدا لمنور وسعاد أنهما ما كانتا يجب أن تفاجآ بالانقلاب. فالغضب بعد حرب فلسطين لابد أن ينفجر بشكل ما! رمى الناس التقصير على خيانة السياسيين، وضعف العسكريين، وتآمر الدول العظمى. ورمى العسكريون التقصير على السياسيين. ورمى السياسيون التقصير على الجيش! اتهموا الشرباتي بأن زوجته يهودية ليتوانية. وقالوا ماذا ينتظر إذا كان غلوب هو القائد الأعلى للجيوش العربية؟ أليس هو الذي اقترح صيد الجيش المصري بطريق يعبرها في الانسحاب؟ نبشوا حتى للقوتلي أخطاءه. يبدو أن فيصل العسلي أشعل عود كبريت! لكن المجنون فقط يرى أن هدف الانقلاب إبعاد العائلات الغنية عن حكم البلاد! نهضت سعاد: سأمر بعمتي نفيسة. وأنت يامنور، اذهبي إلى ابراهيم الحسيني، يرضى عليك! ربطت منور منديلها الأسود على شعرها وخرجت من البيت. كانت قد أرجأت قرارها حتى اللحظة الأخيرة: هل تقصد ابراهيم الحسيني في مكتبه أم تقصد بيت أهله؟ بعد خطوات مشت في اتجاه الجامعة. مكتبه في مديرية الشرطة مقابل الجامعة. كأنما كانت جدران البيت تحجب عنها هواء نيسان! رفّ طرف ثوبها عندما أغلقت الباب. وشعرت بأنه ظل يرفّ مع خطوتها. فتلفتت كمن يبحث عن البساتين التي لابد أن تكون في أول اخضرارها النضر. وكأنما تدفق عليها مع النسيم رضا لم تعرف سببه المفاجئ. وستعاني فيما بعد مثل تلك الموجات من الفرح التي يثيرها النسيم، تتبعها موجات من الأسى. مشت مستقيمة القامة كفتاة في العشرين. لايستطيع ثوب الحداد الأسود أن يدفع عنها سحر شهر نيسان في دمشق! في نيسان ترتعش ثلوج جبل الشيخ تحت الشمس، تبرق وتذوب متسربة إلى بردى. وعلى عرض طرقات بلودان يسيل الثلج الذي ذوبته الشمس، وتزهر أشجار اللوز. وفي دمشق تكتظ عرائش البنفشا بأزهارها البيضاء والصفراء وتفوح بعطرها الناعم، وتبدأ بواكير الفواكه، ويصل المشمش الهندي في السلال من لبنان، وتبدأ حبات الفريز بالاحمرار في الأحواض، ويأتي الفستق من حلب في سلال الفلاحين، ويفوح المنثور، وتظهر أحيانا بقايا باقات البنفسج المتأخر على فرش يحمله فلاح. لو أغمضت منور عينيها عن إشارة الروزنامة إلى الشهر لخمّنت من خفقة النسيم أنه شهر نيسان! لايمكن أن تخطئه! فهل تحجب قلبها عنه من الحزن على بهاء ومعتصم، ومن الاضطراب الذي بدأ يجرف البلد بأول انقلاب؟ تنهدت واستسلمت لنيسان. وانسابت على فرح ناعم هادئ لايريد أن يشعر بالذنب أو بالندم. لن تحاسب الشباب المتدفق في قلبها وقوة الحياة في مشيتها وحركة ذراعيها وخطوتها، ولن تسأله هل لها الحق فيه بعد أن غاب الحبيب، ولو كانت في هذا العمر! للبهجة بالشباب أعمار موقوتة لايجوز أن يتجاوزها أحد؟ لاتبالي بأن تصحح ذلك الآن فتهتف: ليست لروح الإنسان أعمار! انسابت في أفكارها كأنها تسري على نسيم نيسان. ووصلت إلى نفيسة. ماأعجب أن تستعيد عواطف بهاء نحو نفيسة الآن وهي تمشي إلى ابراهيم الحسيني! كأنها تريد أن تشاركه فيها متسللة إلى علاقته الخاصة بها. كان بهاء يحب نفيسة لأنها العزيزة على أبيه، والجزء الحي الباقي منه؟! أم كان يدهشه شبابها العصي على العمر؟ كأنها كانت بحيويتها تهشّم تقسيم الحياة إلى شباب وكهولة وشيخوخة، بين بقاء وفناء! فكان بهاء يتأملها كأنه يستقصي أسرار الخلود! تتذكر منور الآن أنها قالت له مرة وهي تتابع نظرته المعلقة بنفيسة: تكتشفها بعد كل هذا العمر؟ ابتسم يومذاك، وكأنها ترى ابتسامته الرائقة الآن. قال: وأكتشف روحي! أكتشف أنواع الحب التي يستطيعها إنسان! وربما أكتشف ماتستطيع المرأة أن تكونه لرجل! تعرفين أني تبيّنت وأنا أنظر إلى نفيسة سعادة أن تكون لي أم لاأحتاج أن تطعمني أو تعنى بملابسي ونومي، بل أن تكون فقط موجودة؟ قالت له منور يومذاك: يابهاء ألا تحاول أيضا أن تتسلل إلى عمتي نفيسة لتعرف الدروب التي قطعها أبوك خالد آغا إليها؟ ابتسم: ربما، وذلك أيضا! لكن مايذهلني أن تبقى نفيسة خانم شابة بالرغم مما رأته من الموت! هل أعاد منور إلى نفيسة نسيم نيسان أم شعورها بقوة الشباب؟ تنهدت! أي شباب هذا وهي مصبوغة بلون الحداد، وبلدها على كف عفريت! لا، لعل ماتشعر به من القوة ليس قوتها كفرد، بل قوة الأرض والناس التي تستمر بالرغم من المصائب والهزائم! انتصر المحتلون عليها، قتلوا رجلها المحبوب، خطفوا مايمكن أن يكون سعادة تمتد على بقية عمرها، لكن ذلك ومضة في الزمن في هذه البلاد التي كانت قبلها وستستمر بعدها! هل تقبض الآن على سر هدوء نفيسة بالرغم من الموت الذي خطف خالد آغا؟ وخطف سعيدا ونوري؟ ربما تصل الآن إلى السر الذي تقصّاه بهاء في بحثه عن شبابها وهمّتها! انحدرت منور في الطريق المرصوف بالحجر الأسود بعد التجهيز ومشت بين حديقتين تحبهما. التفتت إلى يسارها ورأت البحرات في الحديقة. أحسن رجال الاستقلال يوم رتبوها لتستحضرعلى حافة الطريق بحرات دمشق والأندلس! اجتازت أشجار الكينا على يمينها وعبرت طريق بيروت ثم عبرت الجسر فوق بردى. مرت بين التكية والمتحف الوطني. أصغت إلى مئات العصافير التي لاتزقزق عادة في هذا الوقت من النهار، لكنها تحتفي الآن بهذا الطقس الرخي المنعش. رفعت رأسها إلى أشجار الكينا تحاول أن تتبين تلك العصافير. وفاجأتها أيضا أسراب السنونو التي تملأ سماء دمشق كل مساء. نظرت إلى ساعتها. هل جنّت العصافير في هذا اليوم وضيّعت أوقات الطيران، أم تحتفي بطقس نيسان وعبق الزنزلخت؟ مقابلها مستشفى الغرباء، المستشفى الوطني الذي رأت فيه ابنها معتصما على سرير أبيض مغطى بشرشف عليه بقع الدم. كان زملاؤه يحيطون به. وكانوا في عمره، طلابا مثله، تظاهروا لأجل فلسطين وصرخوا في الشارع كي يطوي السياسيون العرب خلافاتهم، وكيلا يضيعوا وقت الدفاع عنها باجتماعاتهم وخطاباتهم! أحرقت حلقها الغصة وبدا لها أن هذا الألم الذي تخفيه عن نفسها أعمق من ألمها على بهاء. ردّدت لنفسها: نعم، نعم، قتل معتصم في أول العمر. لم يكن في يده حتى حجر! كأنها صارت تمشي في قوة وهي تصعد على ضفة النهر وتنعطف إلى مديرية الشرطة. وكأن الغضب اجتاح روحها الرائقة وأبعد نيسان. رأت حشدا من الناس أمام مديرية الشرطة، رجالا ليست بينهم امرأة. ألذلك استطاعت أن تخترقهم كأنهم شقوا لها الطريق، أم تراهم لمحوا هيبتها أو غضبها؟ عندما رفع الشاب الجالس وراء مكتب الحسيني نظرته إليها قالت: قل له منور خانم! لم تذكر حتى اسم ابراهيم الحسيني! بقيت واقفة أمامه كأنه تطلب منه أن ينهض فورا. من هذه المرأة التي تأمره؟ من هذه التي تبدو خصلة شقراء على طرف جبينها يزيدها سواد المنديل شقرة؟ ردد لنفسه: ماشاء الله، ماشاء الله! سألها: للتهنئة، أم لترفع طلبا؟ أشارت له بإصبعها: قل له منور خانم! وكأنها عقدت مابين حاجبيها! فنهض ليخبر ابراهيم الحسيني عنها. فتح الباب لها، ورأت ابراهيم الحسيني يمشي إليها. انحنى كأنه أراد أن يقبل يدها فسحبتها. أجلسها ثم جلس قربها. لايمكن أن تكون أتت لتهنئه! أتت لتطلب شيئا. قال: ياخالتي، أمرك؟ لاتخطئ ارتباكه. يوم قتل بهاء كان يطرق الباب ويسألها دون أن يدخل: ياخالتي، تحتاجين شيئا؟ ويوم صار يطرق الباب عليها بعد قتل معتصم مكررا السؤال نفسه بدا لها أنه كان يبدو كالمذنب. وكانت تجيبه بالإشارة فقط. تركها ليردّ على التلفون. وماكاد يجلس حتى طلبه تلفون آخر. سألته: سجنتم القوتلي وخالد العظم؟! قل لأصحابك باابني، كأنكم ضربتم الناس على وجوههم! قل لهم لاتصدقوا من يهنئكم اليوم، لأنه سيكسر الجرار وراءكم غدا! استمع إليها. وتذكرت وهي تراه في بذلته أنها حمته ذات يوم من أمه التي همت بأن تضربه. هل تذكر أنها غسلته في حمام بيت أهله؟ وقفت فوقف: ياخالتي لم تشربي قهوتي! ردّت: شربت كثيرا من قهوة أهلك! ونظرت إليه نظرة طويلة. لماذا عادت وهي تشعر بالشفقة عليه؟ ألأن مثله سيحمل عبء الخطأ وسيواجه الناس والبلاد؟ ألأن الذين يمدون أيديهم إلى السلطة ليحكموا بلدا ينساقون بمشروعهم، وتستخفّهم أيام النجاح، ويغريهم المهنئون، ويتكاثر عليهم المنافقون، فلايفكرون في أيام الحساب التي لاتذكر فيها غير الأخطاء؟ أم لأنها وهي تراه في بذلته ومكتبه فهمت أن الصبي الذي عرفته انتهى، مات، طوي، وأنها لاتتصل ببقاياه إلا بذكرى بعيدة. لايغير ذلك الحرارة التي قابلها بها! أم لأنها فكرت أيضا بأن مثله يفقدون حياتهم نفسها، عندما يصبحون خدما في مشروع يهرولون فيه النهار والليل؟ أم لأنها شعرت بالحدّ الفاصل بين ذلك البناء والشوارع، بين الدولة والناس؟ كأنما لمست أشجار الكينا الباسقة كتفيها، وكأنما لم تر بردى وهي تعبره مع أنها توقفت بمقدار غمضة عين على الجسر فوقه. ولم تتذكر أنها تحب هذه المنطقة في دمشق بين التكية والمتحف، وتنقل نظرها بين الكينا والتكية والنهر والحدائق التي تطل من الجانب الآخر على النهر. لاتترك وراءها آخر لحظة رأت فيها معتصما على سريرالمستشفى الوطني، بل تترك وراءها الماضي الذي كانت فيه تزور أهل الحسيني وتحمي ابنهم وتسمع همومهم الصغيرة وتفكر معهم في زواج ابنتهم ودراسة ابنهم. هل تقولين لنفسك يامنور أن حياتنا تنتهي ونحن نعيشها، وأننا نفقدها في كل خطوة نستمتع بها، في كل خطوة يكبر بها أبناؤنا، كأن الحياة هذه الدنيا التي تعبرينها الآن، وتصبح خلفك وأنت تتقدمين فيها! لكن فضيلة الإنسان أنه يستطيع أن يستعيدها بالذكرى! مرّ فوقها سرب من السنونو الصاخب وهي تعبر واجهة التجهيز. ألا تلتفتين يامنور إلى هذا البناء الذي درس فيه معتصم؟ إلى هنا وصل مع طلاب الجامعة ليرفده طلاب التجهيز في تلك المظاهرة القاتلة! رفعت رأسها: وراء تلك النافذة كان صفه! ذهب معتصم وبقي البناء، وكأن مهمته أن يستبقي أطياف حياة لاتفنى تجمع الكهول والشباب، وتجمع الأجيال، وبمقدار ماتجمعه من الذاكرة تصبح قطعة من الموزاييك الذي يرسم المدن والزمان. لماذا لم يخطر لمنور أن تقصد التجهيز كمن يطلب أن يجالس معتصما! لماذا لم يخطر لها أن تتوقف معه بين الطلاب كأنه يخرج من المدرسة في تلك الفسحة التي تفصلها الحدائق عن بردى، يستمتع مع أصحابه بالكلام، يضحك ثم يمشي معهم على عرض الرصيف والشارع مبطئا في العودة إلى البيت! طمأنها ابراهيم الحسيني: لن ندخل الأحلاف العسكرية الأجنبية! قالت له كيلا يشعر بأن ذلك منّة: مكتبك ليس بعيدا كثيرا عن ساحة المرجة التي تشهد ماقدمه الناس للاستقلال! من يخطر له أن يعيد الاحتلال بالأحلاف العسكرية سترده البلاد من أولها إلى آخرها! لكن منور تعود مثقلة القلب بتساؤل يحرقها: لماذا تذهب الحياة هكذا، ويضيع نيسان إثر آخر، وشتاء بعد آخر! لماذا قدّر لها أن تفقد زوجها وابنها؟ كانت تتنقل بين قمم سعادتها فلماذا نزلت تلك السكين وقطعتها بالطول وبالعرض؟ هل تمس الآن حزنها كامرأة ترتب بيتها، وتحب زوجها، وتربي أولادها شبرا شبرا؟ هل تمس حقها كامرأة في الحب والأسرة السعيدة؟ قالت لنفسها: ليت بهاء كان شرسا! ليتني كنت غاضبة منه يوم قتل! ليتنا لم نكن كالسمن والعسل! ضمت قبضتها إلى جنبها وهي تمشي. شعرت كأنها تمسك بيد بهاء. وتذكرت عودته من فلسطين يوم سمعت زفّة في عز النهار، وأصوات أهل سوقساروجا الذين حملوه حتى الباب. ميزت يومذاك حتى صوت قفزته على الأرض ووقع قلبها في غيبوبة. أيمكن أن يكون مفقودا، وقد يعود ذات يوم فجأة كما يعود المفقودون؟ وتكون مذكراته التي وصلتها كرسالة من جريح أنقذ. شدت قبضتها. إياك يامنور أن تسقطي في الوهم! إياك أن تكوني مثل أم إحسان التي بدأت منذ ذلك اليوم مسارها الطويل بين الصليب الأحمر والأمل باحثة عن الضابط الذي حمل عنك ذات يوم ليلى المريضة على ذراعيه! هل يجب أن تكون حياة بهاء مجسدة بوجوده؟ ألا تشعرين به في غرفتك وبيتك؟ ألا تمدين في الليل ذراعك كأنك تمسكين به؟ استدارت منور عن المرض الذي ستعاني منه في السر ولن تكتشف سعاد على منور غير ظلاله. ولن تستطيع أن تشفى منه إلا بحوار طويل بينها وبين نفسها، يوم تفحصه فترفض المتعة بالوهم وتميزه من الذكرى. يوم تفهم أن الوعي يجب أن يرسم الحد بين حقها في استبقاء بهاء حيا كشهيد وكمحبوب، وبين موته الحقيقي الذي يفرض أنه ذكرى لاتملك الحق في أن تكون عودة محتملة إلى الحياة. كانت منور في ذلك اليوم في بداية ماستسميه فيما بعد مرضها السريّ. رفض القوتلي والعظم الاستقالة. تمسكا بأنهما شرعيان والانقلاب غير شرعي! دلّلهما حسني الزعيم فنقلهما إلى المستشفى العسكري. وأرسل لهما الجرائد التي تمدحه، وجهاز راديو. أضحك عبد الرحيم أن القوتلي سأل عندما أدخل إلى المستشفى العسكري: أين العلم السوري؟ ظن أنه مايزال رئيس الجمهورية! أخيرا قبل القوتلي والعظم الاستقالة. وطلب القوتلي الخروج من سورية. رحل إلى مصر. أثنت سعاد على غضبه: الحق معه! فليراقب من بُعد ماسيفعل هذا المجنون في البلاد! قالت لها منور ساخرة: رئيس جمهورية "يحرد"؟ قالت سعاد: هذا مافهمتِه من سفره؟ لكن ماأعجب هذه الدنيا! روى لي عبد الرحيم أن كبار رجال الدولة ودعوه رسميا في مطار المزة. تمنى عبد الرحيم له عودة سريعة فأجابه: لن أعود حتى تعود المؤسسات الدستورية، وماأبعد ذلك الآن! ماأسرع ماصار الراديو ضرورة! في الثاني من نيسان أعلن حسني الزعيم للمرأة الحق في التصويت، وأعطى لنفسه السلطة التشريعية والتنفيذية. قالت سعاد ساخرة: قسمة عادلة! صار الخصم والحكم! فهل تصدقين يامنور خطابه عن العدالة الاجتماعية وتصميمه على التحقيق في الفساد؟! تفرجت منور على صوره المنشورة في الجرائد: يجلس في الصف الأول على كرسي خاص، والأوسمة على صدره. سألت أختها: متى استحق هذه الأوسمة؟ في حرب فلسطين التي انتصر فيها؟ لا، ياحبيبتي! في الجيش الفرنسي عندما كان فيه مع فيشي! وروت لمنور أنه أوصى على عصا الماريشالية في باريز! ويقال إنها مرصعة! صار الزعيم موضوع الأحاديث. وضع على عينه المونوكل. نفخ صدره لتعبر ملامح وجهه عن العظمة. أخاف رجال الدين الذين زاروه بمشرحية فعدلوا عما نووا أن يطلبوه. يقال إنه سهر في فندق بلودان! لا، تلك الحفلة كانت في نادي الضباط! نقلت الحفلات التي تحتفي به بالراديو. وغنت فيها زكية حمدان أو ماري جبران. هذه أم كلثوم الشام! قالت منور: ياللصوت الحلو! لكن ماهذا الكلام؟ أهو عن الزعيم؟ "ياحلم.. بل ياأسمر.. ماخلق الله ولامثلك كان البشر"! هل يريد هؤلاء العقلاء له الجنون؟ اسمعي! يبدو أنه جُبل "من طينة فيها عنبر"! لكن منور صرخت بعد السخرية: لو أعرف من يكتب العرائض وقصائد الشعر والأغاني التي تصاغ له! كيف يغلب التزلف للحاكم حق الناس في مراقبته؟ كيف يشعر الناس بأنهم دونه، مع أنهم سنده والحَكَم عليه! ألأن الرغبة في الكسب تتقدم على ايمان الناس بحقوقهم؟ - يامنور لاتتعبي رأسي! اسمعي زكية حمدان أو ماري جبران، لاأميز بينهما! اسمعيها تقول: خلقتِ جميلة لتعذبينا! - لاأضع أحدا فوق أم كلثوم. أتعرفين لماذا؟ لأنها لاتترك النهر لتغوص في الساقية! - يامنور، يبدو أننا نحن الذين غصنا في الساقية. بعد انقلاب حسني الزعيم وصل نوري السعيد إلى دمشق، وطلب وحدة سورية والعراق. قال له السوريون: سورية مستقلة والعراق مرتبط بحلف أجنبي! الوحدة مع العراق الآن تعني تجريد سورية من استقلالها! يقال إن نوري السعيد رجع غاضبا. وماأدراك مانوري السعيد! يعرفه عبد الرحيم. في سنة 36 أتى من العراق واجتمع بالمعتقلين الفلسطينيين! بدا كرسول من العرب، لكنه كان رسول الإنكليز! يوم إعدام ضباط ثورة رشيد عالي الكيلاني حضر الإعدام ويقال إنه أمر بقصف رقبة فهمي سعيد الذي لم ينجز حبل المشنقة إعدامه! روى لي عبد الرحيم أن الجاسوسة الإنكليزية غرترود بل اعتبرته أهم شخصية قريبة من الإنكليز! لذلك يامنور، بدأت بعد عودته إلى العراق الحملة على سورية من العراق والأردن. فكري متى يحدث ذلك؟ الآن، بعد نكبة فلسطين! ولذلك سافر الزعيم إلى مصر واستقبله فاروق في المطار! - طمأنني ابراهيم الحسيني. قال: لن نفرط باستقلالنا! - صدقته؟ - لايكذب علي! - صدقيه إذن! - لاأصدق أحدا! استعادت نفيسة مرات انقلاب حسني الزعيم الذي فاجأها ذات صباح. فقالت لها سعاد مداعبة: كأنك ياعمتي تحسبينه من أحداث حياتك! لم تسمح نفيسة بمثل تلك الدعابة فردّت مؤنبة: الأحداث العامة أحداث حياتنا الشخصية، ياسعاد خانم، قبل أن تولدي. ألم يكن شنق شهداء أيار، وسايكس بيكو، ومعركة ميسلون، والثورة السورية، من حياتنا الشخصية؟ هل تستطيعين ياسعاد أن تنفضي حياتنا كما ينفض السجاد، فتقع تلك الأحداث منها كأنها ليست من خيوطها؟! كررت نفيسة أنه لم يخطر لها يوم قصدت منور في صباح انقلاب حسني الزعيم أن الأحداث ستتلاحق هكذا. ستقول إنها عرفت بالانقلاب قبل أن يذاع من الراديو. ففي الصباح خرجت مع مرجانة لتشتري سلة من الخضار والفواكه. لم تكن ترافق مرجانة إلى السوق إلا في شهر آب لتنتقي التين الطازج، والصبارة المزّاوية. لكنها في ذلك الصباح تساءلت لماذا تهمل الربيع، شهر المشمش الهندي والعقابية؟ فرافقت مرجانة مبكرة لتعودا قبل أن تشتد الشمس. عندما خرجت من سوقساروجا إلى بوابة الصالحية واجهتها المصفحات. هبّ قلبها. حدث أمر كبير يامرجانة، كي تأتي المصفحات إلى الأركان! استدارت: فلنقصد سوق العقيبة! لكنها رجعت إلى البيت وفتحت الراديو. في الساعة السابعة سمعت البلاغ رقم 1. فقصدت بعد ذلك بيت منور. قالت لها: جئت أشرب عندك فنجان قهوة وأطمئن عليك! أدهشت منور بزيارتها؟ ربما! فنفيسة ترسل عادة مرجانة لتعلن وقت زيارتها. لاتطلب الإذن، بل تبلّغ من تزوره بأنها قادمة. فتقول منور لسعاد: كأن عمتي رئيس جمهورية! وتدافع سعاد عن عمتها: مشغولة، لاتطلّ إلا كالبدر! في عمرها لاتزال تقرأ الفواتير وتفكر في التجارة، وتستشير ابن الكحال ويستشيرها! لم تتغير! يجد الواحد منا في هذه الدنيا من بقي كما تركه! لذلك بدا لنفيسة أن زيارتها يومذاك أربكت منور، وبدا لها أن منور تنتظر أن تنقل إليها خبرا. قالت نفيسة: كأن الهرجاية فتحت عندك مبكرة! ياسمينتك حلوة، لكنها صارت كلها في المشرقة! اتركي عرقين تراهما العين في أرض الدار! تابعتها منور وهي تحوم بالمقدمات، وسكبت لها القهوة. الياسمينة ياعمتي تلحق الشمس! ماذا تريدين أن تقولي لي؟! يامنور، قبل الفجر سمعتُ رصاصا وعندما شقشق النهار خرجتُ من البيت فرأيت المصفحات في بوابة الصالحية عند الأركان. ثم عرفتُ القصة! يبدو أن حسني الزعيم يلعب بالنار وأخشى أن يحرقنا! صار الانقلاب مناسبة للقاء نفيسة بابن الكحال وبمنور وسعاد. روت نفيسة أن منور كادت تقول لها فلنشكر الياسمينة التي فتحت لك الطريق لتبوحي بما في قلبك! لكن يبدو أنها سمعت البيان الأول من الراديو كما سمعته نفيسة! وتذكرت نفيسة دعاءها: يكسر أيديهم، أخذوا خالد العظم.. أخذوا هذا الرجل الذي يجب أن تفخر به بلاده، إلى سجن المزة! فهمت منور غضب نفيسة. رأت مالايراه في تلك اللحظة الذين فرحوا بسقوط الفساد. ألم يترك القوتلي الحبل على الغارب للتجار؟! يامنور لاتغشّنك الضجة بل افهمي الأمور في هدوء! في هذه المسألة القوتلي والعظم على حق! لم يكن القوتلي على حق في طيبته يوم قبل وساطة محسن البرازي فأعاد الزعيم إلى الجيش وأعطاه قيادة الشرطة، ثم قيادة الجيش! استعادت نفيسة قصة السمن الفاسد. ذهب القوتلي مع العظم ليحضرا تجربة السلاح والذخائر التي اشتراها الجيش من التجار. أطلقت المدافع في سهل المزة، فلم تنطلق، وطاش ماانطلق منها عن أهدافه. يبدو أن القوتلي عرف أن الفساد ليس فقط في الأسلحة بل في تموين الجيش أيضا. فمال مع العظم إلى مستودعات الجيش في المزة. فحص الفوضى فيها وطلب أن تفتح تنكة سمن وخمّن أنها فاسدة. فطلب أن يقلى له بيض ليجرب طعم السمن! ففاحت رائحة بشعة. ومن منا يخطئ في تمييز رائحة السمن العربي من السمن المغشوش! أخذ تنكة سمنة ليحللها. وتسرب الخبر إلى الصحافة فكتبت عن ذلك وتعرفين أن مجلس النواب هاج وأن فيصل العسلي هاجم حسني الزعيم. لم يهاجم أحد الجيش، بل يثبت ماحدث الغيرة على سلاحه وتموينه. يبدو أن الزعيم يريد أن يستر أصحابه فقلب المشكلة وجعلها كأنها بين عسكريين ومدنيين. قالت منور: ياعمتي، المشكلة هي نكبة فلسطين! اتهم العسكريون المدنيين بأنهم لم يسلحوا الجيش، واتهم المدنيون الجيش بأنه لم يدافع كما يجب عن فلسطين! صحيح، يامنور! لابد أن يحدث زلزال بعد نكبة فلسطين! لكن الانقلاب على المجلس والحكومة باب مثل باب جهنم، يجب ألا يفتح. ستروي نفيسة التفاصيل فيما بعد وستستعيد الأحداث. في 30 آذار اجتمع الزعيم بضباط القنيطرة وهيجهم ضد الحكومة، وأخذ توقيعاتهم على مذكرة وقدمها للقوتلي كأنه مدافع عن الجيش وكأن الحكومة ومجلس النواب ضد الجيش. ولم ينتظر نتائج التحقيق فنظم الانقلاب! لم يحزم القوتلي أمره فيسرح الزعيم في اللحظة المناسبة. هكذا حدث الانقلاب وحل الزعيم المجلس النيابي وسجن رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، بدلا من محاسبة المتهمين في المحاكم! تنهدت نفيسة في تلك الجلسات التي لم يشغلها فيها غير الانقلاب: طار الدستور وطارت الجمهورية! انتبهت منور منذ صباح الانقلاب إلى ماالتقطته نفيسة. وكادت تقول لها مرة أخرى: ياعمتي، يناسبك أن تكوني قائدة حزب! وكتمت ابتسامتها. هل هذا طيف من الأيام الحلوة التي كانت تجمع نفيسة ببهاء ومنور تراقبهما؟ كم تهرب منا الأيام مسرعة! في اللحظة التي نستمتع بها تبتعد! لكن أليس من حظ الإنسان قدرته على استعادتها! بقيت نفيسة تراقب الأحداث كمن ينتظر نهايتها. وعندما كانت تعلن لابن الكحال غضبها على الزعيم ثم على الحناوي الذي قد تسلم سورية بيديه للعراق، ثم على الشيشكلي يوم جنح في مغامرته، لم تكن الشروخ تلمس روحها. وردّدت: مشاريعهم ضعيفة، ولن يصحّ إلا الصحيح! وصارت السخرية طريقتها في انتظار نهاية الانقلابات العسكرية. في تلك الأمسيات نبّه ابن الكحال نفيسة إلى الحوراني. فهم هذا الرجل أن عنصري القوة ضباط الجيش الوطنيون، والمثقفون، يسندهم الفلاحون. يرى الحوراني أن تحالفهم يستطيع أن يقرر مسار سورية. ماذا يريد؟ حقوق الفلاحين والعدالة الاجتماعية. رفعت نفيسة حاجبيها. كلام جديد! قال لها ابن الكحال: الحوراني قوة في حماة. له تاريخ. في سنة 1945 هاجم مع الضابطين صلاح وأديب الشيشكلي وبعض القوميين السوريين قلعة حماة وطردوا منها الحامية الفرنسية. في تلك السنة أسس الحوراني الحزب العربي الاشتراكي. كي تفهمي علاقته بالضباط تذكري أنه اشترك في حرب فلسطين مع أصحابه كمتطوعين مع القاوقجي. بقي على صلة بالضباط. وتذكري أنه تطوع مع بعض الضباط للدفاع عن حكومة رشيد عالي الكيلاني في سنة 41. وانتخب في تلك السنة نائبا في البارلمان. يقال إن بهيج وخليل كلاس وضباط الكلية العسكرية أصحابه. ولهؤلاء يد في انقلاب الزعيم والانقلابات بعده. ويقال إنه هو الذي صاغ بيانات الزعيم ثم بيانات الشيشكلي. المشكلة أنه ليس صاحب القرار الحاسم فيها. تلتقي جماعته بمشاريع مجموعات أخرى وأفراد فرضوا فيما بعد اتجاه الانقلابات! خطّط بهيج كلاس وأديب الشيشكلي والحوراني انقلاب الزعيم. وقاد الشيشكلي المدرعات من قطنا في 30 آذار. فاحتلت محطة الإذاعة والقصر ومديرية الشرطة واعتقلت رئيس الوزراء وفيصل العسلي. هل كان ابن الكحال ينبّه نفيسة إلى سياسيين جدد سيؤثرون في المستقبل، ويؤكد لها ماتبيّنته: أن جماعة القوتلي عجزت عن الخروج من زمنها؟! كان يؤمّن لنفيسة المعلومات التي تؤكد حدسها ويسند بالحقائق نبوءتها. لتثق بأنه رفيقها وحارس روحها ويقظتها! يقول لنفسه: نعم، يانفّوس! نحرس روح المحبوب كي نبرهن على حبنا؟ بل نستقوي بثقته في قواه التي تتجاوز رؤية الظاهر وتعتد باستشفاف مالاتراه العيون! نستنهض روحه لتعرف قدراتها الاستثنائية كي نسند أنفسنا به! تنظر إليه نفيسة كأنها تسمعه. وتقول لنفسها: ماأطيبه! كان يشعر بمسؤوليته عن روح نفيسة في المعبر بين زمن وآخر وقت تغيم النظرة ويضعف الناس، فينساقون مع المنتصرين أو يسقطون مع المهزومين. لايريد أبدا أن تشعر نفيسة بأنها تطوى مع عصر يطوى! يريدها في واجهة اللحظة الحاضرة والمقبلة، محمّلة بثمار عمرها. وكان يشغل بذلك روحه ويملأها، ويوسع حياته. وكأنه بنفيسة يجتاز البوابة بين عالم تجارته المحدود بأسواق وفواتير وعلاقات مقتضبة، وعالم نفيسة المبهر بآفاقه الملونة. في تلك الأيام وضعت نفيسة أمام منور كومة جرائد جمعتها طوال الأسبوع. تفرجي! قلبتها منور منتبهة إلى الأريكة الوثيرة التي يجلس عليها الزعيم، والأوسمة التي يزخرف بها صدره، والأبهة التي يحب أن يتظاهر بها وهو ينفخ وجهه وذقنه. رأته في بعض الصور بالمونوكل. سمعت عن عصا المارشالية التي رصعت بالمجوهرات في باريز ودفعت سورية ثمنها بالفرنكات الفرنسية. قالت ساخرة: جنون العظمة! لكن قولي لي ياعمتي، كيف يقبل ناس محترمون أن يجلسوا على كراس عادية خلفه كأنهم دونه؟ ردت نفيسة: لاتستخفي بهم! لولاهم لحدثت كارثة! لكن ياخوفي من أن يقلده من بعده! فضيلته حتى اليوم أنه لم يسقط في مشروع الوحدة مع العراق! لكن هل هذه رغبة أجنبية، أم حرص على الاستقلال؟ الله أعلم! استمعت نفيسة يومذاك إلى حفلات زكية حمدان وماري جبران التي نقلتها الإذاعة. وقالت منور: تفترض الأبهة هذه الحفلات! لكن الزعيم نظم مزادا على قلمه في حفلة في فندق بلودان الكبير! آه، كأن اليهود الغرباء غير موجودين، ياعمتي! رحم الله اليوم الذي اجتمع فيه رجال العرب في فندق بلودان ليعلنوا أن فلسطين قضية قومية لايملك أحد المساومة فيها! يومذاك أتى عبد الرحيم من فلسطين ليحضر المؤتمر وأتت معه سعاد! هل تنبأت سعاد بسقوط الزعيم؟ ذكّرت سعاد نفيسة بأنه سلم أنطون سعادة للبنان فرتبت الحكومة اللبنانية لسعادة محاكمة سرية في يوم واحد حكمت عليه بالإعدام ونفذ الحكم. توهم أنطون سعادة بأنه سيسقط الحكومة بالهجوم على بعض المخافر اللبنانية، ثم هرب إلى سورية. لم يفهم أنه ضعيف كلاجئ ويمكن أن يكون موضوع صفقة! قالت نفيسة: سقط الزعيم لأنه سلم من التجأ إليه! ولم يأتنا بعد ذلك السقوط بلبن العصفور! حشد أعداءه وفقد حلفاءه ونظم من سيقتله! رفعت منور نظرها إلى سعاد، كأنها خرجت من "غطيطة" في جبل لبنان: يوقفنا الحاكم الفرد لنتأمل أعداءه وأصدقاءه، فشله ونجاحه! وهذا كله وقت ضائع! كفى! لم أعد أريد أن أسمع اسمه! لاأريد أن نضيع الوقت في الكلام عنه! لكنها اضطرت أن تسمع اسمه يوم قتل مع محسن البرازي. وقالت عندئذ: هذا القتل يفتح باب الانتقام! بان يومذاك أن الزعيم لم يستغل وظيفته، وأنه دون بيت، دون مال، تحتاج أسرته راتبه التقاعدي! لم يكسب غير الأبهة والمنفخة! بعد موته ستسرد نفيسة أعماله الحسنة، كأنها تؤكد "لاتجوز على الميت غير الرحمة" مع أنها لن تنسى سيئاته! ساوى بين المرأة والرجل في حق الانتخاب، لكنه ابتكر لنا الاستفتاء بدلا من الانتخابات! فك الأوقاف الذرية! منع جرّ المرأة إلى بيت الطاعة! أخطأ المسكين في حلمه بأن يوحد اللباس مثل أتاتورك! في أيامه القصيرة أنجز احتفالات غنائية وراقصة في نادي الضباط ودور السينما. ورقصت النساء الرقص الغربي، وغنت زكية حمدان وماري جبران، وأقيم مزاد على قلم الزعيم فاشترته التابلاين، كما يقال، وحمل عصى الماريشالية التي أوصى عليها في فرنسا مع أن صياغنا أكثر مهارة في الصياغة! وحرر أرملة فوزي الغزي. سألتها سعاد: هل قصته معها صحيحة؟ يقال ياسعاد إنه التقى بها وكل منهما سجين، هي لأنها اشتركت مع حبيبها في قتل زوجها. وهو لأنه متهم بمال أخذه من دانتز ولم ينفقه على تنظيم مقاومة فرنسة الحرة. وعدها بأنه سيطلق سراحها يوم يحكم سورية. وأطلق سراحها! رأيتها بعيني تزور ابنتها! طويلة ملفوفة بملاءة سوداء لاتكشف حتى وجهها! سألتها منور: ياعمتي، عاد خطر الوحدة مع العراق؟! سيقرر الوفد السوري الذي يزور بغداد الوحدة، فيضيع الاستقلال؟ بدت متألمة وغاضبة. وتمنت: ليت بهاء كان موجودا! نظرت إليها نفيسة وكادت تقول لها: وماذا يستطيع أن يفعل؟ أنعيده ليعيش مصائب أخرى؟ يكفيه ماعاشه منها! قال ابن الكحال لنفيسة مداعبا وقت تحدثت عن سيئات الزعيم: نفيسة خانم، وقعت البقرة فكثرت السكاكين؟ كمد وجهها. ردت: تلك تفاصيل ياابن الكحال! لكن الرغبة باللقاء بإسرائيليين قتلوا أهلنا واحتلوا بلادنا وحرمونا من يافا وعكا وطبرية، جريمة لاتمحوها حسنات! حرموني من زيارة قبر أخي يوسف في حيفا، ومن زيارة قبر فاطمة وقدري في طبرية! قتلوا العرب في سنة 48 فقط؟ بل ظلوا يقتلونهم منذ استقووا بالانتداب. نسينا أنهم قتلوا قدري؟ أراد ابن الكحال أن يضع حتى تلك الجريمة في مكانها الواسع. كي يبرئ الضابط المقتول من الصلة بإسرائيل؟ قال: قطف الزعيم ثمرة أخطاء الزمن. عجز السياسيين، وعجز الجيش غير المؤهل لحربٍ بعد الاستقلال، وانحياز الغرب لإسرائيل وفرضها على العرب كقوة عسكرية محتلة. لكنه كوم أخطاء كبيرة في عمره القصير. أتى باسم مجموعة وتجاوزها. وقع اتفاقيات تمهل المجلس النيابي والسياسيون في توقيعها. وسقط في غرور الحاكم الفرد. قرّب البرازي ورمى الحوراني. جمع أعداءه وفقد حلفاءه. ألغى الأحزاب وسجن السياسيين من البعثيين إلى حزب الشعب. عادى الدروز والقوميين السوريين والاشتراكيين. ولم يفهم أن العراق اتصل ببعض الضباط والسياسيين ومنهم الحناوي وصهره أسعد طلس. كان كمن وضع يده في عش الدبابير عندما سرح صديقيّ الحوراني في الجيش، أديب الشيشكلي وبهيج كلاس. فنبه الحوراني، كسياسي مطّلع، العسكريين إلى ضرورة العمل وإلا ضاعت الفرصة. نقل الحناوي الآليات المتجهة إلى جبل الدروز إلى قطنا لإصلاحها. ومن هناك حولّها إلى الانقلاب. وكان الانقلاب على الزعيم سهلا. اجتماع في مكتب أمين أبو عساف لبعض الضباط. نظموا اعتقال الزعيم من بيته، واعتقال ابراهيم الحسيني آمر الشرطة العسكرية، ورئيس الوزراء محسن البرازي، واحتلال الأركان والإذاعة. قاد مريود وأبو منصور الزعيم والبرازي إلى الأركان، ثم أخذاهما إلى المزة، وأعدماهما. دفنا في أم الشراطيط على طريق القنيطرة. ونقلهما أقرباؤهما فيما بعد إلى مقبرة أخرى. سدد الزعيم والبرازي حسابات كثيرة! سألته نفيسة: بالموت؟ يبدو أن الحياة لاتتسع أحيانا لصبر الغاضبين! منذ انقلاب حسني الزعيم تركت نفيسة صوت الراديو منخفضا من الصباح إلى المساء. تسمعه ولاتسمعه. وكانت حكيمة. فمنه سمعت بلاغات انقلاب الحناوي والشيشكلي العسكرية. قالت منور: لم تنزل قطرة دم في انقلاب حسني الزعيم. لكن الدم سال في هذا الانقلاب! سألتها نفيسة: ماذا تريدين؟ لم يعجبك الزعيم فأزحناه لك! تنهدت منور. ولاحظت نفيسة أن منور صارت تكثر من التنهد. لكنها لم تستنتج أنها فقدت الشعور بالأمان. قالت منور: كأن بلادنا في المزاد! شمر العرب عن زنودهم وشمر الأجانب عنها! اولئك يريدونها عرشا، وهؤلاء يريدون عودة الانتداب! هذا معنى رفض القوتلي والعظم الاستقالة في البداية، وعندما استقالا صاغا استقالته موجهة للشعب السوري. دافع الرجلان عن الدستور. ودافع عنه من رفض الاجتماع من النواب. ففشل الزعيم في الاستعانة بالسياسيين. كانت البلاد تواجه لأول مرة الخروج على الحياة الدستورية التي دفعت الدماء في سبيلها. فحل الزعيم المجلس واندفع في جمع السلطة في قبضته. ولم يتميز بصبر السياسيين. يامنور، كثرت عليه الضغوط. تذكري! وصل في 16 نيسان نوري السعيد وحدثه، كأنه قوة عظمى، عن أحلاف تضم دول الشرق الأوسط، فكذب الزعيم وقال إنه تسلم أسلحة وسيكون القوة الثانية بعد تركيا! رجع نوري السعيد في اليوم التالي إلى بغداد وفي ذلك اليوم وصل عزام باشا الذي تكرهه بغداد ليجرف الزعيم بعيدا عن العراق. وفي 21 زار الزعيم الملك فاروق في مصر. وفي 26 نيسان أطربنا الزعيم بجنونه فقال: "اعتقد سادة بغداد وعمان أني سأقدم لهم تاج سورية على طبق من فضة ولكن خاب فألهم فالجمهورية السورية لاتريد سورية كبرى ولاهلالا خصيبا.. قررنا تقديم الأشخاص الذين يجرون اتصالات بالحكومة الأردنية أو يسافرون إلى ذلك البلد إلى محكمة عسكرية". وقال إنه لايخشى التهديد لأن بريطانيا مع الوضع الراهن وكذلك فرنسا وأمريكا. بعد الظهر في يوم انقلاب الحناوي أعلنت من الراديو سبعة بلاغات. أهمها أن البلاد يقودها مجلس عسكري فيه بهيج كلاس وأمين أبو عساف.. ريثما تشكل حكومة دستورية. وأن المجلس الحربي برئاسة سامي الحناوي القائد العام للجيش حاكم الزعيم والبرازي وحكم عليهما بالإعدام بالرصاص. والوعد بتسليم الحكم للمدنيين. لكن على هامان يافرعون؟ أعدم الحناوي والزعيم قبل قرار المجلس الحربي! وصل الخبر أن فضل الله أبو منصور صفع الزعيم ولامه لأنه سلم أنطون سعادة للبنانيين. من سيفرض ذات يوم كرامة المتهمين والمحكومين بالموت؟ سيبصق على عبد الكريم قاسم جندي من الجنود الذين زاد رواتبهم، وسيعرض التلفزيون رجلا شد شعره وهو مقتول! وسيعرف الباحثون أن سياسيين أشرفوا على تعذيب منافسيهم، وأن قائدا سياسيا طلب الماء قبيل موته تحت التعذيب فشتمه جلاده! وربما سيذكّر ذلك القتل بقتل لومومبا. وسيكون ذلك من الجرائم التي ستسجل في أنحاء الأرض! رفع الحناوي الحظر عن الأحزاب. وأعلن مرسوم أن هاشم الأتاسي رئيس للوزراء مع صلاحيات رئيس جمهورية وسلطات تنفيذية وتشريعية، ريثما تعود الحياة النيابية. وضعت الحكومة قانونا جديدا للانتخابات أعطى الرجال والنساء حق الانتخاب. عينت الانتخابات في 15 تشرين الثاني سنة 949. ظهر رجال حزب الشعب وعادت الدعاية للاتحاد بالعراق. أعلن الحزب الوطني ببيان في 29 أيلول أنه مع الوحدة مع العراق. هل حملته الموجة العامة؟ زار الوصي دمشق في 5 تشرين الأول. تفوق حزب الشعب في الانتخابات وقاطعها الحزب الوطني. برزت مشكلة قَسَم رئيس الجمهورية بعد انتخابه: الولاء للجمهورية أم العمل على تحقيق الوحدة العربية.. يعني مع العراق! في 17 كانون الأول أقرت الجمعية التأسيسية القَسَم لتحقيق الوحدة العربية. وحدد يوم 19 كانون الأول لأداء رئيس الجمهورية القَسَم. فبدت البلاد مرة أخرى كأنها في عشية انقلاب. اقتُرح على الحناوي اعتقال الضباط المعارضين لحزب الشعب، والاتحاد فورا مع العراق. فدعا خمسة من كبارهم إليه ليعتقلهم، فخمّنوا نيته. فرتب تنقلات منها نقل أمين أبو عساف ومحمود بنيان. اتصل أكرم الحوراني بأمين أبو عساف في المدرعات، وأفهمه الخطر. وكان أكرم ينقل رأي الشيشكلي. في 19 كانون الأول قاد الشيشكلي الانقلاب ودعمه البعث وآخرون. سجن الحناوي ثم رحل إلى بيروت حيث سيقتله قريب محسن البرازي، محمد حرشو البرازي، في 30 تشرين الأول سنة 1950 في حي المزرعة ببيروت وهو ينتظر الترامواي. لو سأل طبيب منور: متى شعرت أول مرة بالقرف الذي دفعك إلى قوقعة كقوقعة السلحفاة، لقالت يوم 20 تموز! لكنها لن تكون صادقة. فالروح لاتُظلم دون مقدمات المساء. كانت متماسكة يوم قابلت ابراهيم الحسيني. دافعت عن القوتلي لأن سعاد طلبت منها ذلك؟ بل لأن المصفحات في الشوارع أجفلتها. لم تر سابقا خيلاء القوة العسكرية إلا في أيام الانتداب الفرنسي. عرفت كيف اعتقل خالد العظم: كسروا قفل بيته برصاصة، وأخذوه من غرفة نومه بالبيجاما حافيا وساقوه إلى سجن المزة. رجل وطني، أنقذ بنفوذه وحكمته دمشق من القصف والخراب يوم انسحب الفيشيون ودخل الديغوليون! ألجأ الحكومة إلى بيته في سوقساروجا عندما قصف الجيش الفرنسي دمشق! رئيس وزراء يعامل بهذه الفظاظة؟! صار السلاح أقوى من الدستور والبارلمان والجمهورية! نشر اعتقال العظم والقوتلي الوجوم في حي سوقساروجا، ووخز روح منور. مرة أخرى يعامل سوري سوريا آخر كما كان يعامله المحتلون! نعم، لعل مرض منور بدأ يومذاك! لكن مقاومتها كانت يومذاك قوية! ثم أضافت تفاصيل 137 يوما الذهول والقرف والغضب والأسى والسخرية فأصبحت شعورا بالغربة. وصارت منور تتابع الأحداث من خلال غمامة. الزعيم سلطة تشريعية وتنفيذية! لكن السوريين يمكنوا أن يصححوا ذلك! أما اتفاقية الهدنة فمن يصححها؟ كان يوم 20 تموز يوما فاصلا. فقصدت منور نفيسة كمن يطلب نجدة. وبعد ذلك غاصت في نفسها. كانت الانتقادات على القوتلي كثيرة: تزوير الانتخابات، وتعديل الدستور لتجديد رئاسته، ونهب التجار. وخلف ذلك كانت الاضطرابات قد هزّت البلاد في تشرين الثاني سنة 48 بعد نكبة فلسطين، فقابلت حكومة جميل مردم المظاهرات بالرصاص، فقتل شباب منهم ابن منور، وأعلنت حالة الطوارئ. واستقال مردم وشكل خالد العظم الوزارة. كانت أمام وزارته مباحثات الهدنة مع إسرائيل، والاتفاقيات مع شركات النفط الأمريكية والإنكليزية: التابلاين والآي بي سي. وقع مردم الاتفاقيتين بالأحرف الاولى واستقال. وكان العظم قد تحفظ عليها كوزير للاقتصاد في وزارة سعد الله الجابري. حدثت عندئذ فضيحة الصفقات التي يديرها مسؤول التموين في الجيش. بعد الانقلاب أنجز الزعيم التوقيع على الاتفاقيتين، ووقّعت الهدنة. هل تحدث الزعيم حقا عن رغبته بمقابلة بن غوريون، لكن هذا رأى اللقاء بين وزير خارجيته شاريت ووزير الخارجية السوري؟ عرض الزعيم في مجلس الوزراء في أيار سنة 49 إمكانية أن يأتي شاريت إلى القنيطرة، فرفض عادل أرسلان ذلك وحرّم على أي موظف في الخارجية اللقاء بإسرائيلي. عين الوفد إلى مباحثات الهدنة من فوزي سلو ومحمد ناصر وعفيف البزرة، وصلاح الطرزي مستشارا قانونيا. قيل إن الحسيني نقل شاريت في سيارة عسكرية بملابس ضابط سوري من جسر بنات يعقوب إلى بلودان ليلتقي بالزعيم. وإن شيخ الخالصة، الذي قتلته فيما بعد دورية سورية في الأراضي اللبنانية، توسط لذلك اللقاء. عقدت الهدنة وأصبحت الأرض التي يحتلها الجيش السوري أرضا منزوعة السلاح بإشراف دولي! لمن تشكو منور هذه المصيبة التي لاتستطيع ردّها؟ قالت لنفيسة: ياعمتي، خسرت سورية ماحررته من فلسطين! ووقعت اتفاقية التابلاين التي كسبت منها الشركات البريطانية، مع أن بريطانيا كسرت ظهرنا في فلسطين! كأن الانقلاب حدث كي ينجز هذه المصائب! من منا لم يكن يحلم بتحرير فلسطين من المستوطنين الغرباء؟! وهانحن نعترف بهم بالهدنة! ردّت نفيسة: يامنور، هذه ليست رغبتي ورغبتك، هذا أمر مفروض علينا! خلال تلك الأحداث بدأت منور تغرق في الصمت. حتى بدا لنفيسة أن منور لم تعد تشعر بما حولها. تابعتها نفيسة بهدوء طبيب يفحص مريضة لكنه لايستطيع شفاءها. كانت منور تستعيد مقابلتها ابراهيم الحسيني، ذلك الشاب الذي عرفته طفلا. وتواجه الأسئلة التي لابت في نفسها يومذاك وشغلها عنها الاستقبال الذي خصّها به، والاحترام الذي عبر به عن إخلاصه للماضي. تذكرت طرف وجهه المتجهم الذي لاقى به همسة حاجبه، والناس الذين ينتظرون حظهم في دخول مكتبه، والمرافقين، السكرتير، أجهزة الهاتف على مكتبه. أمعقول أن يبتعد الحاكم إلى هذا الحد عن شعبه؟ ومن هؤلاء المسلحون المنصوبون على بابه؟ هل تبعتها نفيسة في الممرات التي تاهت فيها؟ أرادت أن تقول لها: يامنور، قبل انقلاب حسني الزعيم كنا نرى رجال الحكومة منا، لنا عليهم حق التقويم. كانوا من الرجال الذين ألفناهم في أيام مقاومة الاحتلال، ومنهم من سجن. لذلك كان أي رجل يشعر بأن من حقه أن يقصد بيت القوتلي أو العسلي أو أن يلتقي بسعد الله الجابري في فندق "الاوريان بالاس" ويستطيع أن يدخل الهافانا أو البرازيل ويقول رأيه للحوراني أو الأتاسي أو للصحفيين. انقلاب حسني الزعيم أنهى ذلك الزمن. ابتعد الحوراني وصار الزعيم سلطة تشريعية وتنفيذية. قابل الزعيم رجال السفارات ورجال المخابرات الإنكليز والأمريكيين، وخصّ السفير الفرنسي بمعاملة متميزة. وأحيانا استقبل رجال الدين الذين لم يجسروا على الاعتراض على مالمسه في قانون الأحوال الشخصية، بعد تمثيليته أمامهم. الزعيم ضعيف لأنه أتى بانقلاب. طلب السند في اتفاقية مع العراق لكنه فهم أن لنوري السعيد موّاله، وللوصي عبد الإله حلمه بعرش سورية فطلب السند من مصر. قالت لها: اسمعي، يامنور! أنا وأنت في زمن حائر. تجرفه موجة من نوري السعيد وطموح الوصي إلى عرش. وموجة من طموح عبد الله في سورية. وموجة من مصر والسعودية اللتين تعارضان الهاشميين. نحن بين أحلام أمريكية وأحلام إنكليزية! أحلام دول تتداخل فيها أحلام الطامعين بعروش. هل تظنين أن حزب الشعب بعيد عن هذه الحيرة؟ يردد حزب الشعب حقيقة أعرفها من السوق: مصلحة سوق حلب في الموصل والعراق! لكن رجال هذا الحزب يفهمون كره السوريين نوري السعيد والوصي! ولابد أنهم يذكرون تطوع السوريين في ثورة الكيلاني سنة 41. ليس سياسيو حزب الشعب أغبياء! لكن لعل بعضهم يظن أنه سيأكل الطعم وينجو من السنارة! استمعت منور إليها جامدة. وأقلق نفيسة أن البريق باهت في عيني منور. أسدلت منور نظرتها إلى حضنها. قالت: ياعمتي، يقلقني الناس! انقلبوا إلى مطبلين ومزمرين! كأني كنت أعيش في بلد آخر ووصلت الآن من السفر! غضبت نفيسة من خيبة منور: اسمعي، عشتُ أكثر منك وأعرف أكثر مما تعرفين من الدنيا! وجد غورو من يسرج نفسه له ويجر عربته بدلا من الخيل. كان يراد بتلك المسخرة أن يقال إن دمشق استقبلته ورحبت به وإن رجال ميسلون كقطاع الطرق! شجعه الأذلاء على زيارة ضريح صلاح الدين ليقول له هاقد عدنا! لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ أطلق الرصاص على غورو، ولوّعت الثورة المحتلين! تنهدت نفيسة كأنها تعود إلى زمن الثورة: قلتم إني كنت أجمع بيانات الثورة كأني قائد عسكري! ربما جمعتها لأني أردت أن أؤكد لنفسي أن بلادي لاتستكين! سرحت نفيسة. وغمرها الأسى. ليتها امرأة ضعيفة كي تطلق دموعها فتستريح! تنهدت. فتلك الأيام أيام شبابها، أيضا. أيام حبها خالد آغا الذي أعلنته لنفسها بعد مقتله في ميسلون. شفيت من حزنها؟ لايشفى الإنسان أبدا من فقد المحبوب! لكنه يستعيد نفسه. وقد استعادت نفسها بعد سنة طويلة، يوم جلست في الأموي وتأملت الفسيفساء واستمعت إلى العصور الطويلة وشعرت بأنها عابرة من العابرين الذين حزنوا مثلها. وأمسكت بالروح التي تصوغ منهم مايشبه ذلك الموزاييك. لكن نفيسة كانت محظوظة بابن الكحال الذي حرسها من قرب. منور وحيدة، وحيدة! دون رجل كابن الكحال يراقب حزنها ويهبّ إليها عندما يتجاوز الأسى الحدّ الذي يرهق الروح ويمتنع الشفاء منه. كادت تقول لها اكتشافها: الحزن ضرورة للروح، ينقّيها ويغسلها بدموعه، يجعلها مؤهلة للقرب من الآخرين، وينزلها من مرتفع الانتصارات المغرورة، ويمنعها من وهم الأقوياء الذين يتصورون أنفسهم عصاة على القهر طول العمر! لكن لكل عاطفة حدودا يجب ألا تتجاوزها. هناك قدرنا ومهارتنا، الانسياق في عواطفنا ولجمها! هل تستطيع أن توصل إلى منور اكتشافها المتأخر الذي مارسته طول عمرها لكنها لم تفكر به في جملة تضعها أمامها؟ كم مرة قالت منور لنفيسة قبل أن تسقط في الصمت: سأسجل ياعمتي يوم العشرين من تموز سنة 1949 كيوم حزين! تراجعنا فيه عما ربحناه بدم متطوعينا وضباطنا وجنودنا! ياعمتي، كبسنا الملح على الجرح وقلنا تقدم السوريون خطوة في أرض فلسطين، ولو خسرنا مدنها العربية! ذاق إحسان كم ألماظ القهر في صفد يوم استلمها ساري الفنيش فتنبأ إحسان بسقوطها. ثم ضاع إحسان في سمخ. وبقي بهاء في الجليل. ثمن تلك الخطوة إذن دم أعزائنا فكيف يتركها حسني الزعيم للصهيونيين؟ اتفاقية الهدنة خيانة! فحصت نفيسة منور بنظرة طويلة. لماذا تحمّل روحها هذا المقدار الكبير من الهمّ؟ لكن هل تستطيع أن تلومها؟ سلّم الزعيم لليهود مستعمرة مشمارهايردن. فماذا أخذ السوريون مقابل الأرض التي سلمها؟ ياعمتي، هذا يعني الاعتراف بإسرائيل التي احتلت بلادنا! فكرت نفيسة في السوريين الذين وقعوها: العقيد فوزي سلو، المقدم محمد ناصر، النقيب عفيف البزرة، الحقوقي صلاح الطرزي. هل تتهمهم بالخيانة؟ لا! أجبرتهم الدول على الهدنة! لكنها تأملت أمرا آخر. فالقرار الذي قد يكون حكمة قد يكون خيانة. ينفذه موظفون أو ضباط. فأين الحدود بين الأوامر وبين الموقف الذي يرفضها؟ أين الحدود بين حق مجموعة أو دول في أن تفرض واقعا على أجيال قادمة تمتنع العودة عنه؟ وحق المجموعة، الناس، الشعب، في أن يرفضها؟ هل تفكر لأول مرة في أن التوقيع اعتراف خطر! يتمهل من يوقع عقد بيع وشراء، أفلا يتمهل من يوقع اتفاقية مع عدو، ألا يستشير شعبه؟ ينتخب الناس المجلس والحكومة ليديرا الحياة، لكن القرارات الكبرى تحتاج العودة إلى الشعب! فمن عاد إلينا؟ قالت نفيسة في سخرية: انتظري ياحبيبتي! قبل الاستقلال كان السياسيون يحتاجون الشعب. أما بعده فهل سألنا جميل مردم رأينا؟ ألم يأت حسني الزعيم لأن التجار بلعوا أقوات الناس وسكتت على ذلك الحكومات الوطنية؟ أية دروب عبرتها منور لتقف مقابل هذا الجرح؟ يامنور، كل شيء موقوت بزمنه! لايوجد قفل للزمن! إذا حرسنا روحنا من التصدع عشنا حتى أيام الرد! وياحزن من يموت قبله! لكن الاتفاق مع شركات النفط الإنكليزية ومرور أنابيب النفط في سورية دون مكسب لنا خطأ كبير من أخطاء حسني الزعيم! لم يحترم الزعيم اقتراحات فتحي الصقال التي تضبط الاتفاقية مع التابلاين! لا، ياعمتي! هذه اتفاقات تلغى ذات يوم! لكن الإشاعات عن لقاء الزعيم بإسرائيليين عار لايمحوه غير رد في مستواه. وأين ذلك الرد والزعيم محاط بالمتزلفين والمداحين! ربما كانت نفيسة تتفادى أن تلمس أمام منور مارأته نكبة كبرى. أن يجسر ضابط سوري على الحلم بلقاء مسوؤلين إسرائيليين. مثل هذا الأمر لايخفى على الناس. تهامسوا في مقهى سوقساروجا: قال الزعيم في مجلس وزرائه يريد اليهود مفاوضتنا مباشرة، ويمكن أن يرتب اجتماع بيني وبين بن غوريون. وقال لوزير الخارجية لامناص من الاجتماع بشاريت! لم يفهم هذا المجنون أن بن غوريون لايلتقي بعربي دون أن تكون التنازلات التي لايملك الزعيم مثلها جاهزة! هذا ليس نوري السعيد تطلب منه اتفاقية على الورق! هذا مستوطن خبيث ذو مشروع في فلسطين كلها! يقال إن عادل أرسلان حرّم على موظفيه اللقاء بأي إسرائيلي، لكن ابراهيم الحسيني نقل شاريت بملابس ضابط سوري في سيارة عسكرية سورية إلى بلودان حيث التقى به الزعيم بحضور الحسيني وسعيد حبي وصلاح طرزي! وبعد ذلك عقدت الهدنة في خيمة بين مشمارهايردن والجاعونة في 20 تموز! يقال لولا صمود فوزي سلو ومن معه لوقعت الاتفاقية كما أرادها الإسرائيليون! قد تغطى الخيانة بعد موتنا بصيغ أخرى. لكن لنعلن في حياتنا أن الاتصال بإسرائيل التي طردت الفلسطينيين من أراضيهم وذبحتهم في دير ياسين وسعسع خيانة! رطّب قلب نفيسة مانقله لها ابن الكحال: لاحق الملازم أكرم طبارة وثلاثة جنود سوريين الجاسوس كامل حسين شيخ الخالصة الذي يقال إنه توسط بين حسني الزعيم والإسرائيليين. خلال الملاحقة قتلوه في أرض تتداخل فيها بلاد الشام، سورية ولبنان وفلسطين. بدت خطوة في أرض لبنانية فسبب ذلك مشكلة. اعتقلوا وأغلقت الحدود اللبنانية. انتعشت نفيسة. قالت له: هذا هو الجيش السوري، وليس الزعيم! لكن ابن الكحال هز رأسه: تساءلي معي لماذا أراد الزعيم معاهدة دفاع مشترك مع العراق قبل مباحثات الهدنة؟ ليقوي موقفه أمام الإسرائيليين! قد ينفي عنه هذا تهمة أنه تمنى الاستسلام لإسرائيل! هل سيكون ابن الكحال حيا يوم يكتب الحوراني في مذكراته عن امرأة أوصلها إليه كمال جنبلاط، والحوراني مختف في بيروت في بيت سري؟ قالت له المرأة إنها زوجة كامل حسين، واقترحت عليه أن يلتقي بإسرائيليين. سألها الحوراني: كيف عبرت الحدود؟ فروت له أن رجال الحدود على الجانبين يعرفون من هي ويسهلون مرورها. عندئذ خطر للحوراني أن يتصل بالشيشكلي، مع أنه هارب منه، لينبهه إلى خرق إسرائيلي يحدث في الأرض العربية! لم تكن اتفاقية الهدنة صدمة لمنور فقط. ومع ذلك لم تكن كما تصورتها. وسط النكبة التي نزلت بفلسطين استطاع السوريون بالبطولة لابالتفوق في السلاح، أن يحتفظوا بقطعة من أرض فلسطين، جنوب الحولة، التي اتفق العرب على تحريرها للشعب الفلسطيني. بدأت مباحثات الهدنة في 12 نيسان، وأصر الوفد السوري على الاحتفاظ بتلك الأرض العربية التي وضعها قرار التقسيم في الدولة اليهودية. فاقترح الوسيط الدولي أن تصبح منزوعة السلاح مع جزء مما احتله الإسرائيليون. وهكذا أصبحت في اتفاقية الهدنة منطقة منزوعة السلاح، وربط احتلالها بإعلان الحرب! لذلك قالت نفيسة يوم قتل الزعيم: سبب قتله لقاؤه بالإسرائيليين! فردّ ابن الكحال: وهناك سبب آخر! نفذ القوميون السوريون قتله انتقاما لقائدهم! وأرادته جماعة العراق! أتى الزعيم بانقلاب. وربما لم يكن سهلا أن يصمد في اللقاءات بسفراء دول عظمى يفهمون أنه دون غطاء شرعي. تناول منهم رغبتهم في "إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي" وجعل ذلك هدفه. لم يتذكر أن العرب لم يخترعوا ذلك الصراع بل اخترعه من احتل أرضهم وطردهم منها! حضرت سعاد بعض لقاءات ابن الكحال بنفيسة ومنور. ولاحظت أن منور تسرح كأنها تصغي إلى نفسها أكثر مما تصغي إلى من حولها. لكنها تظهر أنها كالمرأة الشامية التي أكملت عمل النهار واستسلمت للمساء. تعرف سعاد أن المرأة الشامية تزوّق نفسها في المساء لتستقبل الزوار. تغسل عنها بماء الصيف البارد روائح الطعام وتعب المطبخ. تختار ملابسها وتتأمل نفسها في المرآة. تمشط شعرها الطويل وتغرس فيه وردة حمراء قطفتها من أرض الدار، وتمشي بقبقابها المصدّف على رسوم الحجارة البيضاء والسوداء حول بركة الماء. تدفع إلى صدرها حفنة من الياسمين، وتجلس قرب البحرة مكشوفة لنسيم المساء ولسماء تتلون بالأزرق المخضر في مكان وبالنيلي في مكان. وتستمع إلى رعشة الدوالي وفوح الفل. فيجدها زوارها نضرة كشجرة بعد المطر! ولكن هل أنتِ مثلها اليوم يامنور؟! لن تغشيني! أتت سعاد في الصباح، لتفحص أختها منور دون تزويق المساء. فوجئت بها منور. فقدمت سعاد حجتها: كنت مارة قرب بيتك فقلت لنفسي أطل عليك. ماعندي غير دقائق! كانت منور في تلك الأيام تقاوم هواجسها بالطبخ. فوجدتها سعاد مشغولة بمطبخها ورائحة ورق العنب تفوح في البيت. لمن هذا الطعام؟ عندك مدعوون إلى العشاء أو الغداء؟ كان يمكن أن أساعدك! ردت منور: جئتِ في وقتك! خذي هذا الصحن من فتة المكدوس! هذا طعام لن تطبخي مثله! ليلى لاتحب الباذنجان! وخذي هذا الصحن من البُرك! لن أعطيك غير صحن صغير من ورق العنب لأن ليلى تحبه! نقلت سعاد نظرها بين أنواع الأطعمة. كانت صغيرة يوم علّمت أمها حواء المهجّرة من طرابلس الغرب الطبخ! وقهرت به حواء حزنها على أهلها وبلادها. فهل تلتمس منور هذا الدواء بعد عقود من السنوات؟ ماأعجب الدنيا! سألتها: من سيأكل هذا الطعام الطيب؟ ردت منور: في الشام عادة "مساكبة" الجيران! تظن منور أني لاأعرف هذه العادة؟! آه أيتها الكاذبة! في الشام تقدم كل جارة صحنا من طعامها للجارة المشغولة بالغسيل فتجتمع عندها أنواع من الطعام! ماعملتِه غير ذلك يامنور! عملتِ وليمة لن تذوقي منها لقمة! دفعت سعاد إلى هذه الزيارة في الصباح إشارات منها كلمات ليلى: تجلس منور معي إلى طاولة الأكل لكنها لاتأكل! ليلى صادقة! أين حمرة خدي منور، وأين بشرتها المعافاة؟ تحت عينيها زرقة توحي بليالي الأرق! لكن كيف تعبر سعاد هذه المسافات الرمادية وهذه الصحاري التي تحصّن منور بها نفسها وتبعد بها من يقترب منها، فتذيقه العطش والجوع قبل أن يستطيع أن يقول لها كلمة! قالت منور وهي تلفّ صحن البرك بكيس من الورق الأبيض: في طريقك ناولي هذا الصحن لعمتي نفيسة. تحب البُرك! فهمت سعاد إشارة منور: انصرفي! نهضت. لم العتب؟ ألم تقل لمنور إنها لن تبقى غير دقائق؟ انصرفت سعاد وبقيت منور بين صحونها. كان بهاء يحب أن تكون الطاولة غنية بصحون المقبلات والمعجنات والخضروات بالزيت. يحب البُرك بالجبن، البُرك الرقيقة المنفوخة المذهّبة. كان يثني على كل لقمة يذوقها كأنه يعبّر لمنور عن حبه دون حرج. فتفهمه وتكتم ابتسامتها. كان يقول لنفيسة: منور كنز، منور كاملة تجمع الجمال والذوق. يعبق كل ماتلمسه، الشراشف معطرة بالطيب في خزائنها، الفلّ والياسمين يفوح من ملابسها! ويخيل إليه أن للنظافة رائحة عطرة تهفّ عليه كلما فتح الباب ليعبر الممر إلى أرض الدار. تواجهه الأرطاسيا بألوانها الزرقاء والصفراء والزهر حيث يجلس في المساء. فيلتفت إلى منور في امتنان: فكرتِ يانوّارة حتى في مرمى النظرة؟! لكن لمن هذا الطعام الذي أعدته؟ للغائب الذي لن يعود؟ عبرت روحها في هذا الصباح بحار الضوء وبحار الظلمات. اندفعت في الطبخ وسددت المهارة التي تعلمتها في طرابلس وبيروت وحيفا وطبرية ودمشق، والتي تعلمتها من الأتراك الذين تركوا طعامهم في بلاد الشام. وأضافت إليها ذوقها واجتهادها. اندفعت مشغولة بعملها. ثم رتبت الصحون على طاولة المطبخ وجلست على كرسي مقابلها. وضعت كأسا صغيرا مقابل المكان الذي كان يجلس فيه بهاء. لمن الكأس؟ لمن لن يشرب منه؟ كثيرا ماكان يخيل إليها في هذه الأشهر أن بهاء حي فتخاطبه. تتحدث إليه وتسمعه. وتجد نفسها أحيانا تبتسم، وأحيانا تكتم ضحكتها. سألته: لماذا كاد يغضب ابن الكحال منها، على قلة غضبه؟ رد: ألم تنتبهي إلى ماقلتِه له؟ كان يتحدث عن رجل شهد بالزور. فتدخلتِ أنتِ وقلت: لكن هذا الرجل مستقيم وطيب. فارتعش ابن الكحال: يعني أنا كاذب أم أني لاأفهم؟ آه لم تنتبه إلى ذلك. ضحكت، وأخفت ضحكتها بكفها: لم أقصد ذلك يابهاء! يانوارة، كأنك قلت لابن الكحال أنت لاتفهم، مع أنه يعرف الرجل الذي ذكره أكثر مما تعرفينه! في تلك الأيام كان هيجان من الفرح يجتاح منور أحيانا. تهمد بعده كأنها استنفدت فيه قوتها. طبخت بسرعة وهوى في ذلك الصباح وأنجزت وليمة فاخرة. فتنتها أنواع الطعام وكأنها قالت لبهاء: تفرج! كأننا في بيروت وقد دعوتَ أصحابك! ثم تركت الصحون على طاولة المطبخ، والكأس الصغير الذي كان بهاء يحب أن يشرب به وانسحبت إلى غرفتها. وجدتها ليلى جالسة على السرير تحدق في يديها، غارقة في نفسها. لم تنتبه منور إلى ليلى التي فتحت الباب بمفتاحها. ولم تنتبه إليها وهي تمشي في البيت باحثة عنها. رأت ليلى أنواع صحون الطعام لكنها لم تجد على الطاولة صحنين لها ولأمها. حدث ذلك لأول مرة في حياتها. كانت منور تتلقاها عادة من الباب وتنتظرها حتى تغسل يديها، وتتابع الدقائق التي تخرج فيها من الحمام لتجلس إلى الغداء معها. فماذا جرى اليوم؟ مشت إلى أمها بخطوات هادئة. كأن منور لم تنتبه إلى ليلى حتى عندما اقتربت منها. فوجئت بها فارتعشت وهبّت واقفة: أتيتِ؟ في المطبخ تبينت منور أنها لم تضع صحنين على الطاولة المزينة بأنواع الطعام! فساعدتها ليلى كأنها لم تنتبه إلى غياب منور عنها. لاحظت ليلى أن أمها لا تأكل إلا لقيمات. فصارت تراقبها. وصارت في المساء تقاوم نعاسها فتنهض من سريرها بخفة وتحاول أن تلتقط صوتا من هدوء البيت. تراقب باب منور المفتوح على الظلمة. لاصوت! فتعود إلى فراشها وتغرق في نومها. كانت منور في تلك الأيام تشعر بثقل جفنيها فتنهض إلى فراشها. تظن أنها ستغفو مذ تضع رأسها على الوسادة. لكنها تنتفض صاحية. وتبدأ صراع الليل. تحاول أن تستعيد النعاس. تحاول ألا تتحرك كأنها نائمة. ثم تتقلب في فراشها كمن لايطيق الحر. تضبط حركتها وتهدئ نفسها، وتنشغل بالسياحة في ماضيها. وتعود منه فتتذكر التفاصيل التي لم تنتبه إليها، فترتب طرف الخزانة الذي نسيته، وترتق الستارة، وتتذكر أنها لم تكمل للفران في الحارة ثمن الخبز التنوري. لكنها خلال أرقها لاتشعل الضوء. تستسلم لاضطرابها فتتقلب من جانب إلى آخر كأنها تبتعد عن شوكة في فراشها. ثم تحاول أن تتصور أزهارا لتعدها. ثم تسخر من هذه الطريقة في إبعاد الأرق. تقول لنفسها لماذا يجب أن أتظاهر بأني لاأعاني من الأرق؟ فلأنهض! لكنها تتذكر ليلى فتقول لنفسها: لا، حرام! وتعود إلى الدوران حول أرقها. ثم تنتفض غاضبة: لست حرة حتى في الأرق! وتحس بثقل ابنتها المحبوبة. لكن تلك الأيام لم تكن متماثلة. في البداية كانت تستحضر بهاء. بل كان يحضر بنفسه! تمد ذراعها فيخيل إليها أنه يمسك بها وتلمس الشعر على سلاميات أصابعه. تتذكر كلامه ويخيل إليها أنها تسمعه. يهبّ قلبها وهو يلمسها. فترفع رأسها وتضعه على ذراعه. تتذكر التفاصيل التي عاشتها معه. كيس الفلّ الذي حمله لها في بيروت! الجوارب الحريرية التي اشتراها لها بخمس ليرات ذهبية! لوعته في أيام هجرها! تستقدم حتى يوم رأته وهي واقفة على السلم قرب عريشة العنب في حيفا، صاعدا الكرمل إلى بيت أبيها. تتذكره في البيت الذي يقع على سور طبرية ويطل على البحرة. يتأملها وهي مرتبكة وماء البحرة ينسفح من الشرفة ويبلل السجاد. تتذكر اليوم الذي طبخت فيه أول طعام في بيتها، وأول حلوى. أضافت السميد إلى الحليب فكان المزيج جامدا فأضافت الحليب، فماع، فأضافت السميد. فشلت فجلست وبكت. وجدها بهاء حزينة. قالت له: أريد أن أعود الليلة إلى بيت أبي في حيفا! ماذا جرى؟ خمّن السبب عندما مر بالمطبخ. قال: أشتهي يامنور لبنة وخيارا وبندورة! مارأيك في أن نأكل طعاما خفيفا؟ لم تتذكر مااتهمته به في أيام هجرها، حتى جاءت أيام الغضب عليه. من يستطيع أن يلحقها في تلك الدروب السرية التي تقطعها في الليل! لاتستطيع هي نفسها أن تعود على الطرقات التي تتقاطع هنا وهناك، فبعضها كالأزقة المسدودة في دمشق! كان الصباح يعلن عنها أحيانا بنوبة فرح لم تألفها ليلى في أمها. أو بحزن تبدو منور غارقة في أعماقه المظلمة. بقيت إشارة وحيدة إلى صحة منور في تلك الأيام هي أنها تحضّر الحليب والشاي وصحون اللبنة والجبنة والبيض والمربى والمكدوس فتجدها ليلى جاهزة على طاولة الفطور في الصباح. فتلتقط ليلى تلك الإشارة وتطمئن على أمها. لكن ليلى وجدت نفسها كالتائهة يوم عادت من المدرسة فوجدت أمها جالسة على الفراش جامدة. كأنها في منعطف لاطريق بعده. اجتاح ليلى شعور بالخطر. وقتذاك وعت أنها فقدت أباها وأخاها وقد تفقد أمها وتصبح وحيدة في الدنيا. لاحظت المعلمة أسى ليلى في ذلك اليوم بعد عودتها إلى المدرسة بعد الظهر، فاستبقتها: ليلى أريدك أن تساعديني بعد الانصراف! بدت هذه العناية من المعلمة سندا لليلى أمام زميلاتها. ارتفعت الأصابع: وأنا مستعدة لمساعدتك! لا، أريد ليلى اليوم! دوركن في الأسابيع التالية! سنعمل الكاتو معا! كانت غرفة التدبير المنزلي في ذلك البيت العربي في طرف أرض الدار المزروعة بشجرة وارفة من اليوسف أفندي، وبشجرة ليمون. هناك تحتفل التلميذات بتحضير الكاتو والبسكوت. وهناك كانت تصفّ اللوحات التي تعرض أحيانا في الدروس. لوحات من الكرتون عليها رسوم أسماك مدهشة الألوان سجلت أسماؤها باللغة الفرنسية. عليها رسوم جسم الإنسان ومافيه من شرايين وأعضاء مدهشة. عليها أزهار غريبة وأزهار معروفة. أو طيور سجلت أسماؤها أيضا باللغة الفرنسية. لكن المعلمة لم تذهب مع ليلى إلى تلك الغرفة في طرف أرض الدار. بل أجلستها مقابلها: ليلى مابك؟ ابتلعت ليلى ريقها وهربت بنظرتها. تذكرت زيارة معلمات المدرسة لبيتها بعد استشهاد أبيها في فلسطين. لم تعانقها معلمتها يومذاك بل شدت يدها بقوة: ياليلى، تعرفين لماذا أضع على صدري وردة سوداء؟ قتل أخي في العراق سنة 1941. كان مع المتطوعين الذين هرعوا إلى بغداد ليدافعوا عن ثورة رشيد عالي الكيلاني والضباط الأربعة. لذلك كنت الاولى في دار المعلمات! أنت ياليلى ابنة شهيد من شهداء فلسطين! بعد اليوم لايمكنك أن تكوني إلا الاولى في الصف! فهمتِ؟ هزت ليلى رأسها يومذاك! سألتها المعلمة: ياليلى، نسيتِ اتفاقنا؟ ذكرنا يومذاك الدروس فقط، لكن المقصود كل شيء، كل شيء! رفعت ليلى نظرتها إلى المعلمة. وتذكرت النشيد الذي تعلمته منها في الصف: "حققوا آمال غازي، وحدة تحيي الأمل، حققوها بالمواضي، وانجزوها بالعمل"! من هو غازي؟ ملك قتلوه في العراق لأنه كشف في إذاعته من قصر الزهور أن الإنكليز يغرسون الصهيونيين في فلسطين! فلسطين التي تصف منور بحرها ومدنها! فلسطين التي طردت منها خالتها وأخذ بيتها يهود غرباء، بولونيون أو تشيك أو روس! فلسطين التي ترك بهاء لأجلها ليلى، رغم حبه لها حبا لايقاس به شيء، وبقي هناك! هزّت ليلى رأسها. عانقتها المعلمة: ليلى، أنا مثل أمك. إذا احتجت شيئا تذكري أني موجودة! بيتي مقابل المدرسة. تعرفينه. زرتني مع التلميذات يوم كنتُ مريضة! في ذلك المساء تأخرت ليلى عن وقت العودة إلى البيت. لو حدث ذلك في يوم آخر لرأت أمها واقفة في النافذة في انتظارها! ولكانت "العصرونية" جاهزة على الطاولة! فواكه أو عروسة لبنة فيها ورق النعنع، طيبة، طيبة! لكن ليلى وجدت منور جالسة على طرف فراشها تحدق في يديها. وضعت ليلى محفظتها في غرفتها، وخلعت صدريتها. تنهدت ومشت إليها. وقفت أمامها وحدقت فيها. انتفضت منور: أتيتِ؟ بقيت ليلى واقفة مقابلها. وخيل إليها أنها ترى نقطة ميتة في عيني منور. نعم، هناك موت لم يكتمل في عينيها بعد، غياب، نأي، بدأ يقتحم العينين الحيتين الزرقاوين الرماديتين. توغلت ليلى في العينين، كأنها تريد أن تمسك بتلك النقطة الميتة وتقبض عليها وترميها. في أية لحظة صرخت ليلى باكية: يامنور، لاتموتي! لاتموتي! ضربت بكفيها كتفي منور كأنها توقظها من موت يقهرها، أو من غياب يجرّها إلى ظلماته. هزّتها: يامنور، لاتموتي! وصل صوت ليلى إلى منور عبر تلك الظلمات، وشعرت بكفين صغيرتين تهزانها. تنفست كمن يطلب هواء لايجد منه حاجته، وتنهدت مرات كمن ظل يبكي حتى شحّ الهواء في رئتيه. ثم شعرت بقلب ليلى يخفق على صدرها بسرعة، بسرعة. فوصلها هول الرعب الذي تشعر به، الرعب الذي لابد أن تكون كتمته عن أمها زمنا طويلا. هل شدّتها دقات قلب ليلى، بقوة خيط رفيع من الحرير، فبدأت تعود من الطرقات التي تشردت فيها أياما طويلة، وبدأت تخرج من الظلمات التي غرقت فيها، وتعود من الغياب الذي بدأ بإغراء استعادة حبيبها المقتول في الجليل، ثم أغرقها في بحر الظلمات ففقدت أطياف الحبيب البعيد وفقدت الحقيقة الموجودة أمامها: ابنتها؟! عانقتها ليلى بقوة كأنها تريد أن تحتفظ بها، كأنها تريد أن تبعد عنها الموت الذي رأته في مكان صغير من عينيها. ستتذكر منور مرات كثيرة حرارة عناق ليلى وقوة ذراعيها! وستظل تسمع دقات قلب ليلى على صدرها، الدقات الخائفة التي استعادتها من صحراء التيه الكبرى وسرابها! اطمأنت ليلى عندما بدأت منور تلمس شعرها وتربّت عليه كما كانت تربّت عليه في الأيام البعيدة. وعندما شعرت بأن عناق منور ليس أقل من عناقها لها. عندئذ تركتها وجلست قربها. ثم رأتها تهتز إلى الأمام والخلف مرات. ياليلى، يبدو أن الروح تمرض أيضا! ربما كانت روحي مريضة طوال هذه الأيام، وربما نسيتك فيها! ربما فهمتُ أني مريضة لكني لم أستطع منع نفسي من المرض! سأشفى ياليلى! ليس المرض حقا لكل إنسان! نحن دون هذا الحق ياليلى! قدرنا أن نبقى من أول العمر إلى آخره أصحاء! لذلك اقفلي على ماجرى الباب واتركيه بيننا! لاتقولي حتى لسعاد أو نفيسة عنه كلمة! لاتخافي علي! سأشفى بهدوء. تحمليني بعض الوقت! نظرت ليلى إلى عيني منور كأن المرض والصحة هناك. نظرت إليها كطبيب يفحص مريضه، أو كأم تفحص ابنتها. لمست بكفها خد منور. نعم، يبدو أن نقطة الموت بدأت تزوغ مبتعدة. هزّت ليلى رأسها كمن يقول لمنور: سأنتظر عودتك! سألتها: ماما، هل أحضّر لك عصرونية؟ لمحت ليلى طيف ابتسامة على وجه منور. تذكّرها بالعصرونية التي أهملتها؟ نهضت معها: سأشرب ملّيسة وتحضّرين لنفسك العصرونية! لم يخفَ على سعاد أن منور تغلق روحها دونها. زارت نفيسة وتحدثت معها عن منور. استمعت إليها نفيسة وفكرت في قدر بلاد الشام. ماأحلى هذه البلاد، ماأطيب هواء الأمسيات بعد أيام الحر! ماكان أحلى الليالي التي قضتها مع خالد آغا وابن الكحال في الليوان! مع ذلك حكم عليها بفقد خالد آغا المقتول في ميسلون. ياسعاد، بماذا يصيب الروح قتل الحبيب؟ يمزقها؟ يوجعها؟ يشردها؟ ينزع عنها الأمان! يفقد البيت أنسه، ويعذبنا بالمكان الذي بقي لنا من المحبوب، بملابسه التي نحفظها كأنه سيعود ويلبسها، بالهواء الذي تركه لنا ولم يعد يشاركنا فيه! تبدو الحياة فراغا بعد فقده، فلانرغب بشيء! نفقد بعده حتى الرغبة بالحياة! كأن لم يعد لدينا ماننتظره، ولم يعد لدينا مانتذوقه، ومانفاجأ به! لايموت الحبيب فقط، بل يموت بعضنا معه! ثم نبدأ بالشفاء! فنبحث عن سبب للحياة. تمر أشهر وربما سنوات ونحن نعيش الحياة كواجب، وكضرورة لمن بقي لنا من الأحياء. لم تجتز منور بعد هذه المضائق المظلمة. ماتزال تصارع أعاصيرها! هل نستطيع أن نساعدها؟ يجب أن تشعر بأننا حولها، وبأننا ننتظرها. هذه امرأة لا تشفى إلا بقرارها. ستجد دواءها بنفسها. تعرف منور كل كلمة يمكن أن نواسيها بها! وإذا لم تجده ياعمتي؟ نتركها تضيع منا؟ ياسعاد، ذات يوم فقدتُ صديقة عزيزة علي، ضاع عقلها، ضاعت ذاكرتها. ومن كانت؟ امرأة شجاعة هرّبتُ معها السلاح للثوار! لذلك يقول الناس: اللهم أحسنْ آخرتنا! ياعمتي، تلمحين إلى أن منور ستضيع؟ ياسعاد، منور قوية، لكن دعيها تستنفد حزنها وعتبها. لم تولول عندما وصلها خبر موت بهاء! لم تولول يوم قتل معتصم! وطوال أربعين يوما بعد المأتم لم تبك! وبعد الأربعين لم تبك! تحتاج قوة خارقة كي تهمل حق الندب والبكاء الذي تركه إرث طويل تفيد منه الثاكلات والأرامل! اتركيها الآن تؤدي واجب الحزن على الموتى! سنبقى حولها كمن لايعرف بصراعها مع أشباحها. إياك أن تلمسي جرحها! اسمعي كلامي ولاتتمني فقد الأحبة حتى لعدوك! ستشفى منور لأن ليلى معها. لاتتركي ليلى، لكن لاتتجسسي على منور بليلى، وإلا فقدتهما معا. أمس أرسلت مرجانة إلى منور لتأتي بليلى كي تذوق زنود الست التي تحبها. وقبل ذلك طلبت ليلى لتذوق المهلبية. أخذتها مرة إلى الأسواق معي، وجلسنا عند بكداش في سوق الحميدية وأكلنا كشك الفقراء وكعكا. ليلى أمانة بهاء وطريقنا إلى منور! مارأيك في أن تطلبي من منور أن تذهب معك إلى سوق الحميدية لتنتقي قماش ثوب لابنتك؟ إذا رضيتْ سأذهب معكما! تذهبين معنا؟ هل ذلك قليل ياعمتي؟ من خلال رقائق شفافة كضباب جبال لبنان لمحت منور انتباه سعاد إليها، وزيارات ليلى إلى نفيسة. والتقطت نظرات سعاد الفاحصة. لكن ذلك مر كما تمر الأطياف من تول الناموسية في ليلة مقمرة. تلمحه كظلال بعيدة عنها، وتقول لنفسها: فيما بعد سأفكر فيه، فيما بعد سأفحصه، أما الآن فيجب ألا يمنعها عن الانصراف إلى الذهاب والإياب على طرقاتها المعتمة. تساءلت منور فيما بعد متى حدث ذلك. وقدرت أن مرضها واكب الانقلابات في سورية. لا، لاتستطيع أن تحدد البداية بالمسطرة! فيوم ذهبت إلى ابراهيم الحسيني كانت تبدو صحيحة وقوية، لكن ألم تنسلّ الدودة السوداء إلى روحها قبل ذلك؟ خلال الصراع بين الاستسلام لفقد عزيزين، وبين مقاومة الحزن كواجب نحو حبيبتها الباقية ليلى؟ قالت دهشة: يالعالم الروح الواسع والجاف كالصحراء، النديّ المتشابك بالظلال والخضرة كغوطة دمشق! كأن كل مافي الكون في الروح، تحتوي عناصره بمقدار ماتتسع، فتستقدم العواصف والزهور والمروج والمياه والجبال الجرداء! ستقول لليلى يوم تصبح شابة: حتى شجرة التين وشجرة الزيتون موجودة في روح الإنسان! حتى العبق والروائح ونافورة الماء موجودة فيها! لكن أكانت قادرة على معرفة ذلك وهي غارقة في سراديب ضيقة تعصر روحها؟ مع ذلك أرّخت منور، فيما بعد، مرضها بالانقلابات العسكرية في سورية! ألأنها كالبلاد، فقدت الأمان؟ كانت تسمع مايتناقله الناس عن لعب وزراء القوتلي بالإعاشة وترك الحبل على الغارب للتجار. وتعرف أن صاحب مقهى سوقساروجا صار يسمع رواده من أهل الحي "كوانات" سلامة الأغواني، فيضحك الجالسون ويرددون: الله، الله، يسلم فمك ياأغواني! فيؤكد لهم صاحب المقهى: لاتلائم زمن الحرب فقط، بل زمن مابعد الاستقلال! فوق ذلك من يستطيع ألا يسمع هدير نكبة فلسطين في روح الناس؟ بدا اللاجئون الذين كانوا أصحاب أراض وحواكير وبيوت كمشردين في خيام نصبت في حديقة المنشية خلف نصب الشهيد المجهول! طردوا بالثياب التي عليهم. تركوا وراءهم صورهم، وأوراق الطابو، ووثائق الزواج والشهادات. ووضعوا في المدارس والجوامع في دمشق وحلب وحمص. قال بهاء لنفيسة يومذاك: احتلال فلسطين وإعلان إسرائيل على أرض عربية نكبة للعرب كلهم! جرح سيبقى مشتعلا طوال القرن إذا لم نوقف هذا الظلم العلني! ستدور أحداث القرن كله يانفيسة خانم هناك، كي يتسع الاحتلال ويبلع مابقي من فلسطين، وكي يعترف العرب بأن تلك الجريمة شرعية، إذا لم نضع حدا للاحتلال الآن! فهل كشف بهاء لمنور نبوءته كما كشفها لنفيسة؟ ففهمت أن اتفاقية الهدنة التي وقعت في زمن انقلاب حسني الزعيم مع إسرائيل تعني أن هذا البلد المخترع المفروض على العرب بالقوة وبخيمة الاتفاقيات بين الدول العظمى، سيعمق أسسه حتى تتحقق نبوءة بهاء؟ ألم يجرحها، كزوجة مقاتل استشهد في الجليل أن يتنازل حسني الزعيم عن أرض فلسطينية حررها السوريون؟ تذكرت نفيسة أن منور قالت لها في آخر زياراتها: لو انتصروا في فلسطين كنا تحملنا الفساد وسرقات التجار! أما أن نتحمل الهزيمة هناك والهزيمة هنا، ويبقى كل شيء كما كان فلا! وألف لا! هز انقلاب حسني الزعيم البلاد. وكان يفترض أن ترحب به منور لأنه أنهى الحكومات التي سددت إحداها الرصاص على الطلاب المتظاهرين فقتلت ابنها! لكنها لم تحتفل بانقلاب حسني الزعيم. ولم يغشها أنه جمع سياسيين معروفين، وأعلن بالراديو بيانات حلوة! وأن مرافقه هيثم كيلاني ومعاونه بهيج كلاس، ووزير الخارجية عادل أرسلان. سمعت القصيدة التي ألقاها أبو ريشة في الثامن من أيار في سينما دمشق في عيد جلوس الملك فاروق على العرش وحضره الزعيم. وحارت بين أولها وآخرها! قال في مطلعها: ولاح قائدها المأمول فالتفتت إليه وانطلقت بالشعب تأتزر وقال في نهايتها: ياللرئاسات كم غرت مفاتنها وكم كبار على إغرائها صغروا ناموا على بهرج الدنيا وماعلموا أن الفراش على المصباح ينتحر لكن منور منذ رأت الدبابات في الشوارع، نفرت : مكانها ليس في وسط البلد! هل كانت تدين الزعيم الذي استند إلى قوة من القنيطرة وحرض الضباط في الجبهة؟ أكانت تتوقع أن تنزل قوات من الجبهة فيما بعد أيضا في انقلاب آخر! في تلك الأيام صارت المعلمة تقصد أن تظهر عنايتها بليلى. اختارتها كي توصل أوراقا للمديرة. اختارتها كي تأتي بلوحات خرائط اوروبا وآسية من غرفة وسائل الايضاح والتدبير المنزلي في طرف أرض الدار، وطلبت من ليلى أن ترسم خريطة بلاد الشام. وقدمت لها علبة جميلة من الألوان المائية لم تر التلميذات مثلها. كأنها أرادت أن ترسم وهجا حول ليلى يغري التلميذات بمزيد من القرب منها! خمّنت المعلمة أن ليلى تعيش أياما صعبة فقررت أن تسندها. وقوّتها في أيام مرض أمها. اختارتها لتقرأ مقطعا من الشعر كتبته بخطها. فأنشدت ليلى أمام الصف: أيها الأنجم التي قد رأينا عبرا في أفولها كالشموس إن هذا الأفول كان شروقا في دياجير طالع منحوس وسيأتي منه الزمان بسعد تنجلي منه داجيات النحوس قالت المعلمة: قال الرصافي هذه القصيدة في ضباط ثورة الكيلاني الذين أعدمهم الإنكليز. لستن ملزمات بحفظها، لكن انقلنها إلى دفاتركن، فقد تفكرن فيها ذات يوم! وستعرفن كيف يتصل الشعر بالتاريخ. خلال الفرصة نادتها، أحاطتها بذراعها وقادتها إلى مقعد في باحة صغيرة تطل عليها غرفة المعلمات. حكت لها عن أبيها الضابط الذي تطوع ليسند الانتفاضة العراقية ضد الإنكليز سنة 41. كانت يومذاك صغيرة، في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، تعي وتسجل في ذاكرتها لكنها تكتم ما في روحها. ماأثقل الحزن عندما يموت إنسان! لكن ماأعظم الحزن عندما تشعر مدينة بأنها ثكلى! هكذا كانت بغداد المهزومة التي رجع إليها الوصي الهارب ونوري السعيد والإنكليز. وقبلها هكذا كانت دمشق بعد ميسلون! مدينة حزينة محتلة فرضت عليها الغرامات بالليرات الذهبية لأنها قاومت الاحتلال، وفرض عليها تسليم الأسلحة! رجع أبي جريحا من بغداد. وقبله بعشرين سنة رجع خالي جريحا من ميسلون، وحكت لي أمي عما قدّرت فيما بعد أنه دموع المقهور الذي تكاتفت عليه دول عظمى. لكن كم دام ذلك ياليلى؟ خمس سنوات بدأت بعدها الثورة! اشترك فيها أخوالي. كان بيتنا في الميدان من البيوت التي نسفها المحتلون. فهل تعرفين من ألجأنا؟ المسيحيون في باب توما! تفرق رجال الأسرة يومذاك بين عمان وجبل العرب حتى أعلن العفو. فبنينا بيتنا، وقصدنا أن يعاد كما كان. لكننا تركناه ولحقنا بأبي إلى العراق. بقينا في بغداد حتى قتل الملك غازي. عندما بدأ في سورية جمع التبرعات والأدوية لثورة رشيد عالي الكيلاني تطوع أخي مع جماعة أكرم الحوراني ورحل إلى دير الزور ومنها إلى بغداد. قاوم الاحتلال الإنكليزي مع العراقيين. وقتل هناك! فتذكرتُ مارواه خالي لأمي عن ميسلون. هل كنتُ بالذكرى أستعيد أخي الذي ابتعدت عنه في سنوات فتوتي، وأحاول أن أجد الصلة بينه وبين أبي الذي فتح البيت لاستقبال المهنئين ومنعَ العزاء به؟! في أيام ميسلون كان أبي في الكتيبة مع ضباط عراقيين. ذكر لنا منهم فهمي سعيد وصلاح الدين الصباغ. احفظي ياليلى هذه الأسماء التي يدفنها نوري السعيد والإنكليز اليوم. درس اولئك الضباط السوريون والعراقيون في أفضل المعاهد العثمانية والألمانية، وجمعهم الجيش العربي. كان معهم القاوقجي الذي قاتل فيما بعد في فلسطين. نزل فهمي سعيد في التكية مع مجموعته بعد ميسلون. صادف صلاح الدين الصباغ في المرجة نوري السعيد. فطلب منه نوري السعيد أن يلحق بمجموعته ليحافظ على الأمن حتى يستلم غورو البلد عندما يدخل في الغد. روى الصباغ ذلك لفهمي سعيد متقززا من نوري السعيد الذي استقبل غورو وابتسم له. لحق الصباغ وفهمي سعيد وأبي بالقوات الوطنية في حمص. لكنهم أسروا. سجن أبي في قلعة دمشق، وسجن الضابطان العراقيان في قلعة أرواد، ثم سلما للإنكليز. اولئك الوطنيون الشجعان أسسوا الجيش العراقي ياليلى. لذلك حاولوا أن يسلحوه ويقووه. ولذلك هرّبوا أسلحة الجيش العراقي للثوار الفلسطينيين سنة 36، وجهزوا المتطوعين وستروهم حتى تسللوا إلى فلسطين. وكانت فرقتهم من أول الفرق التي هاجمها الطيران الإنكليزي في فلسطين. ماأكثر المعلومات التي ترويها المعلمة! هل تستطيع ليلى أن تحفظها كلها؟ حاولت أن تفهم كل كلمة، ووعدت نفسها: سأفكر في هذا فيما بعد. لكن ميسلون التي قرأت عنها في كتب المدرسة أصبحت حيّة بحديث المعلمة. وأتى إليها عراقيون وأردنيون. كانت دفاعا عربيا عن دولة عربية صغيرة جديدة! ولم تكن متطوعين بسطاء تناولوا ماتيسر من البنادق القديمة وركبوا القطار إلى ميسلون! بل كانت ضباطا قديرين تعلموا في أفضل معاهد الدنيا. كسب العراقيون بالمعاهدة قليلا من السيادة وتخلص الإنكليز من الثورات والتمرد. لكن الإنكليز أرادوا أن يدخل العراق الحرب منحازا إليهم. فهل كان يمكن أن ينحاز العراقيون إلى الإنكليز الذين غرسوا المستوطنين اليهود في فلسطين وسلحوهم ووهبوهم الأرض الأميرية وحموا مذابحهم وطردهم الفلاحين العرب؟ ينحازون إلى الإنكليز الذين أعدموا الثوار الفلسطينيين وحرّموا عليهم السكين وسلحوا المستوطنين اليهود؟ أراد الضباط الوطنيون حياد العراق في الحرب، فهاجمهم الإنكليز واحتلوا العراق، وكانوا يومذاك مهزومين أمام ألمانيا! كان الوصي قد هرب من بغداد بحماية السفير الأمريكي والتجأ إلى بارجة بريطانية. ساعد بعض يهود العراق الإنكليز وتجسسوا لهم. نزل الإنكليز في البصرة، وقصفت الطائرات الإنكليزية الجيش العراقي. هكذا رجع الاحتلال والوصي ونوري السعيد. ثم أعدم الضباط الوطنيون الذين حلموا بأن يحرروا العراق من الانتداب، ثم يحرروا بلاد الشام منه، وينظفوا فلسطين من المستوطنين. العراق مهم لفلسطين ياليلى، ولو شوه سمعته في حرب فلسطين من خان العراق والعرب. تذكري أمرا يجب ألا تنسيه أبدا مهما تخفّى: ستحاول الدول الكبرى أن تفرض إسرائيل على العرب، وسيرفض الوطنيون ذلك دائما، وستجد الدول الكبرى دائما من تعتمد عليه من الضعفاء والأذلاء! وسيحكم هذا الصراع حياتنا كلها! كنا قد عدنا من العراق بعد موت الملك غازي. زارنا العائدون من العراق. وحكوا لنا عن احتلال العراق. عن قصف الطائرات الإنكليزية الجيش العراقي. ذكروا لنا أن أخي قتل في الدفاع عن بغداد. كان الإنكليز قد نقلوا مجموعة صهيونية من فلسطين إلى العراق لتساعدهم في التخريب والاغتيالات والخطف. فقتل العراقيون رئيسها رازييل، ودفنه الإنكليز في احتفال عسكري! ودفن العراقيون أخي الذي كان ممن هاجم تلك المجموعة الصهيونية. أترين كيف وصلت فلسطين التي قتل فيها أبوك إلى العراق؟ في بلاد الإنكليز كتّاب سأعيرك بعض كتبهم. شكسبير، شارلوت برونتي، ديكنز وغيرهم.. لكن المحتلين ليسوا اولئك المثقفين! المحتلون قساة، قتلة، ومغرورون! قتلوا الملك فيصل يوم صار ثقيلا عليهم. ثم قتلوا ابنه الملك غازي بحادث سيارة. رجع أبي يومذاك من المأتم حزينا. قالوا سقط عمود الكهرباء عليه وهو يقود سيارته بسرعة! وماكانت المسافة تتحمل السرعة بين قصر الزهور وإذاعته. بقيت السيارة سليمة! أتته الضربة من الخلف حيث جلس رجلان يرافقانه! قتله الإنكليز ونوري السعيد وعبد الإله الذي صار وصيا بعد مقتله. قتلوه لأنه كان يتصل بالضباط الوطنيين، ويذيع من محطة قصر الزهور تضامنه مع الفلسطينيين. ولأنه أراد أن يضم الكويت التي اقتطعها الإنكليز من ساحل العراق ووهبوها لإحدى العشائر. إذا تأملتِ الخريطة ياليلى تبينتِ الظلم الذي قسّم العرب. لكن رجال الانتداب أكثر قسوة من تلك الخطوط. لأنهم بمشاريع وحدة الهلال الخصيب، ومشروع سورية الكبرى يريدون سلب السوريين استقلالهم. فيغرسون العداوة بين العرب. سورية اليوم بين إغراء المال العراقي والمصالح التجارية التي تربط حلب ببغداد، وبين عبد الله الذي استفز شكري القوتلي فطلب عودة سورية إلى الأردن! يرى الملك عبد الله سورية عرشا يحق له. كان الوطنيون العرب يدفعون روحهم فداء الوحدة العربية. وصار همّ رجال الانتداب والطامحين إلى العروش مدّ المعاهدة التي تقيد العراق والأردن إلى سورية المستقلة. دثّرت المعلمة ليلى بنبوءاتها. قالت لها إن بغداد ستبدو بعيدة جدا، وسيزيدها السياسيون الذين تراكضوا إلى دمشق خلال الانقلابات العسكرية بعدا. يمدون بين دمشق وبغداد الصحاري التي لاتستطيع سيارة "نيرن" أن تقطعها. لذلك يجب أن تبقى في ضمائرنا. يجب أن نتذكر أن العراقيين ماتوا في سبيل فلسطين، وأنهم دافعوا معنا عن الوطن أمام أول هجوم عسكري غربي في عصرنا الحديث في ميسلون. وسجنوا مع الوطنيين في أرواد. يجب أن نتذكر أنهم كانوا من أساس الجيش العربي وأنهم أداروا مع السوريين الدولة العربية الاولى في تاريخ بلاد الشام الحديث. وأنهم استقبلوا الوطنيين الذين لجأوا إلى العراق، واستقبلوا أمين الحسيني وجعلوه واحدا من اللجنة السباعية التي أدارت العراق أيام حكومة رشيد عالي الكيلاني. هل كانت المعلمة تكشف لليلى حقائق فقط، أم كانت تنشد حبها لبلد عاشت فيه مع رجال الثورة العربية وأسرهم، ثم دافع عنه أخوها ودفن فيه؟ هل كانت مسحورة بما يبقى في الذاكرة من المدن التي نعيش فيها عندما تصبح بعيدة عصيّة؟ أم كانت تقول الحقيقة التي عرفتها لأنها تشعر بواجبها في نقلها إلى أجيال أخرى؟ لأنها ترى أن عملها في التعليم يتجاوز ماتوجزه الكتب المدرسية وتكتمه عنها الضرورات السياسية، وضعف الثقة في عقول الفتيان؟ لم تكن لديها غير صور على كرتون كأنها بطاقات بريدية على ظهرها اسم "ستديو". صور رجال بكوفيات أو فيصلية كالتي يضعها زوج سعاد على رأسه. صور رجال ببذلات وطرابيش، أو بعباءات جميلة وكوفيات بيضاء، أو ببذلات عسكرية منفوخة البنطلونات. لم تحدد الصور المدينة، فتركت الخيال يرسمها واسعة وممتدة تستطيع ليلى أن تضيف إليها ألوانها. فتتخيل دجلة كبحر واسع لأنه أعظم من بردى. نهر تجري فيه القوارب في المساء، وتصدح عليه الأغاني منذ قرون الخلفاء، ويسمر على ضفافه الناس ويتنزهون في شارع أبي نواس. حول كل بيت حديقة، ياليلى، كالبستان! لابد أن يكون فيها نخيل وحمضيات. العراق ياليلى بلد شعرائنا القدماء. بلد الخلفاء العباسيين والعلماء ورجال الفلك والطب. بلد سامراء والقصور الرائعة في تاريخ العمارة في العالم. بلد قانون حمورابي، أول قوانين الدنيا. ومتى أرسل هارون الرشيد إلى شارلمان الساعة؟ وقت كانت اوروبا غارقة في ظلام الجهل والفقر! سآخذك ذات يوم لتري مكان الساعة في باب جيرون في جدار الأموي! وسأعطيك كتاب ابن بطوطة لتقرئي وصفها، فتسمعي رنين الكرات النحاسية الصفراء في النهار، وترين ضوء القنديل الذي يشير إلى الساعة في الليل! كان هارون الرشيد في صورة الكتاب المدرسي رجلا في مقدمة عمامته ريشة عجيبة قد لاتكون ريشة. فهل هو ذلك الرجل العظيم الذي عاش في بغداد؟ ستتسلق ليلى كرسيا لتتناول كتاب ألف ليلة وليلة وتقرأه في الصيف، وستتصور بغداد والمدن التي رحل إليها تجار بغداد ومكتشفوها. لتعرف العراق الذي حدثتها عنه معلمتها ورسمت نخيله الرشيق. كانت كلمات المعلمة ترتسم صورا في خيال ليلى. الملك فيصل نحيل طويل يتميز بالحكمة، والملك غازي شاب متحمس قتل في السابعة والعشرين من العمر، ونوري السعيد مكور سمين زائغ العينين خبيث، وصلاح الدين الصباغ ضابط رشيق وجميل، وفهمي سعيد أهيف حاد النظرة، والوصي عبد الإله نحيل مخاتل ماكر. وبغداد تستند إلى ضفتي دجلة مدثرة بالنخيل الرشيق. تصوري ياليلى غابات من النخيل على مدّ العين تصبح قاتمة في البعد! في العراق أفضل أنواع التمور في العالم، وأجمل النخيل! يعملون من التمر الدبس والشراب والخل. من التمر أنواع كريمة مدللة، ومنه أنواع يصنعون منها الخلّ. من سعف النخيل يحوكون السلال الطرية ويبنون المظلات. شجر النخيل كريم ياليلى، ومثله أهل بغداد. كانت وهي تحكي لليلى عن العراق ترحل فيه في الزمان الذي لاتعرفه هي نفسها، وفي المكان الموجود الآن والذي وجد قبلها. أصبحت للمعلمة صورة أخرى. ماأكثر مارأت ومع ذلك هي شابة ورشيقة وجميلة! أهذا هو سبب الضوء الذي يتألق في عينيها عندما تسرح خارج الكتاب المدرسي لتتحدث عن بلاد جميلة وكريمة، عن رجل اسمه يوسف العظمة ترك طفلته الصغيرة وزوجته المحبوبة وخرج إلى ميسلون وهو يعرف أنه لن يعود منها؟ ماهذه الجيوش الكبرى التي تهاجم بلادا صغيرة ذات تاريخ حضاري عظيم، لاتراه بل ترى نفطها وحريرها وموقعها؟ أصبح بهاء، مع أنه أبوها العزيز الذي لامثيل له، واحدا من كثيرين قتلوا وسيقتلون في سبيلها. الوطن ليس أرضا فقط، لأنه لايباع ولايشترى ولايستبدل. الوطن تاريخ عمره آلاف السنوات نحن لحظة فقط منه مهما تألمنا ومهما فرحنا وسجلنا من البطولات. لذلك له هوية ولا يمكن أن تكون فلسطين وطنا للمستوطنين اليهود! فالوطن لايهجر كما هجروا أوطانهم الأصلية، ولايشترى كما حاولوا أن يشتروا فلسطين من السلطان عبد الحميد، ولايفرض باتفاقيات دولية أو بقوى خارجية كما فرضوه. الوطن يولد في ضمائرنا كتاريخ وأرض معا، كذاكرة لاعمر لها يجب أن نضيف إليها مايليق بنا ويجب ألا نسيء إليها! سألت المعلمة ليلى فجأة: لديك مشكلة ياليلى أستطيع أن أساعدك في حلّها؟ جفلت ليلى وانسحبت من الصور التي تلحقها كسلحفاة تعود إلى قوقعتها. سمعت صوت أمها وتذكرت كلامها: لاتذكري ذلك حتى لسعاد أو نفيسة. هزت رأسها تنفي حاجتها إلى مساعدة هذه المعلمة الحلوة. هل يخفى على المعلمة التي أقفلت قلبها وهي في عمر ليلى على حزن وقهر أن ليلى مثلها في ذلك العمر، تقفل قلبها بكرامتها؟ هذا ماتمنته لها تماما! لكن قلب الطفلة يجب أن يخفق بعواطف أخرى. قررت ألا تمس حزن ليلى بل أن تضع مقابله أفراحا تستحقها فتوتها. وقررت رحلة إلى لبنان. ستكون المعلمات مع هذا الصف الذي تحب تلميذاته في باص يخرج إلى لبنان في الفجر ويعود في الليل! فرحت ليلى ثم همدت. سألتها المعلمة: ستشتركين في الرحلة يوم الجمعة! أطرقت ليلى: كيف أترك أمي وحدها؟ التقطت المعلمة الإشارة إلى مايقلق ليلى. قالت: أليس لك أقرباء؟ اطلبي منهم أن يكونوا معها! فكرت ليلى: خالتي سعاد! ستطلب من خالتها أن تدعو أمها إلى الغداء؟ قالت المعلمة: ياليلى، أريدك أن تكوني في الرحلة! هل حاولت ليلى أن تستعيد أحلام منور بها؟ لاحظت منور أنها تحمّل ليلى حصة أخيها معتصم من تلك الأحلام وهمست لنفسها: حرام! صغيرة! ثم فسرت لنفسها لماذا تريدها أن تتفوق في الدراسة: يجب أن تكون جديرة بأبيها وأخيها! وكانت تشعر كأم، بأن الدراسة بوابة واسعة للعمل. وكأن ليلى قصدتها هناك لتكمل شفاءها، ففاجأتها بأنها الاولى في صفها. عادت من المدرسة في أول حزيران حاملة ورقة فيها علاماتها وثناء متنوع الألوان من معلماتها ومديرتها. قالت مبتسمة: أزحتُ الاولى وأخذتُ مكانها! سألتها منور: أغضبتِها أم أبقيتِ على صداقتها؟ هزت ليلى كتفيها: لم أسألها. لكننا نلعب معا بالطابة في الباحة! كنت الثانية في الصف فصرت الاولى، وكانت الاولى فصارت الثانية، فلم الغضب؟ لكن ليلى أدهشت أمها بالمكافأة التي تطلبها: تريد دراجة! بسكليت؟ بسكليت! فهمت منور من إصرار ليلى أنها حلمت بالدراجة زمنا طويلا. كيف تفهمها أن الفتاة لاتركب دراجة في الشام، ولو كانت في عمر ليلى؟ سألتها: هل رأيت في سوقساروجا فتاة تركب دراجة؟ ردت: رأيت فتاة على دراجة قرب البارلمان! سألتها منور: فتاة سورية؟ ردت: لاأعرف! لكن هل هي أحسن مني إذا كانت أجنبية؟ تركت ليلى أمها دهشة وأغلقت على نفسها الباب، وتظاهرت بأنها نائمة بعد الغداء. وكتمت فرحها لأنها شغلت منور! عندما شقت منور الباب لتطمئن عليها، شعرت بأنها نجحت في شد منور إليها، واندفعت في ذلك. فشكت أمها لنفيسة. استمعت إليها نفيسة وهي تحتفي بنجاحها. قدمت لها مربى النارنج المحشو باللوز الذي تحبه: كلي ياحبيبتي! كلي! لكل مشكلة حلّ! استندت نفيسة إلى ظهر مقعدها وتأملت ليلى راضية. كأن هذه الصبية تعيد مسار نفيسة في طفولتها! ألم تفرض نفيسة على أبيها أن يساويها بأخيها في التعليم؟ ألم تتاجر بالحرير وتذهب إلى مزارع التوت راكبة الفرس؟ وفي شبابها ألم تختر زواجها وتقرر طلاقها؟ مع ذلك لم تستطع أن تتصور فتاة على الدراجة في سوقساروجا. سألتها ليلى: هل أنا دون أي صبي في الحارة؟ ردّت نفيسة: بل أنت أفضل من أي صبي في الحي كله! سألتها: تحكمونني إذن لأني أصغر منكم، ولأني دون مال أشتري به دراجة؟ مال أبيك وأمك لك ياليلى! لكن.. قاطعتها ليلى: لاأريد مالكم! سأشتغل عندما أكبر. لكن لن أكلم أحدا منكم حتى أموت! ابتسمت نفيسة! ماأجمل غضب هذه الصبية! ماأحلى كرامتها! بحثت نفيسة عن حلّ لمشكلة لم تخطر لها. جلست إلى نافذتها وتفرجت على الطريق. وابتسمت عندما خيل إليها أنها ترى ليلى على دراجة! قالت لنفسها "ستجعلنا فرجة، مثل كشّاش الحمام"! لكن يالهذه الفرصة التي أتت في وقتها! فلتنتقل منور من بيتها ومن الحيّ، ولتبتعد عن أطياف بهاء ومعتصم! سيشغلها ذلك عن نفسها! اقترحت نفيسة على منور أن تنتقل إلى بيت من البيوت الجديدة التي بنيت في البساتين خلف المستشفى الطلياني. أجفل الاقتراح منور. تترك بيتها الجميل الواسع لتعيش في طابق لاترى منه السماء إلا من النافذة؟ لاأرض دار يزهر فيها البنفسج وتظلها شجرة الليمون، ولاسطح مفتوح للنجوم والقمر تزينه عريشة العنب، ولابحرة ولانافورة؟ تنهدت وهي تتذكر الليل مع بهاء على السطح في فجر بارد، وذات ليلة أهداها فيها عقد اللؤلؤ. تذكرت المشرقة التي شربت فيها القهوة معه، واستعادت يوم أطلت عليه من النافذة وهو يصطحب ضيفه الثائر الهارب من الحكم بالإعدام في فلسطين. تذكرت حتى اليوم الذي نقل فيه بهاء السلاح للثورة كأنه ينقل للبيت مؤونة الحطب. فهل تترك أطياف حياتها في هذا البيت الرحب وتهاجر إلى حي جديد لايعرف فيه الجار جاره، والله يعلم من هم سكانه؟ كادت تلوم نفيسة. ثم فكرت في الطريق الطويل الذي ستقطعه مع ليلى. قالت لها نفيسة: ليلى صبية لن تتسع لها الحارة. تلزمها دنيا! لماذا ترك آل القوتلي بيوتهم الواسعة في المدينة القديمة وانتقلوا إلى الصالحية والرئيس؟ ولماذا يبني أغنياء الشام بيوتا في الروضة وأبي رمانة؟ يحبون أن يطلوا من شرفاتهم على شارع يرون أوله وآخره. يريدون شوارع عريضة. يتحملون لسع الشمس ونفخ الريح كي يمدوا نظرهم. هناك يلبسون مايشتهون من الملابس، ولامن رأى ولامن سمع! سألتها منور: وأنتِ، ستتركين بيتك؟ تنهدت نفيسة: لن أخرج منه إلا إلى قبري! لكنك لست حرة مثلي. اسمعي نصيحتي! لاتنقلي أثاثك. اعملي مثل ابنة أبي الشامات. تركت بيتها في القنوات كما هو، وسكنت في الروضة. تعود إلى بيتها في القنوات يوم الجمعة وتستقبل فيه أصحابها وجيرانها! لن يكون أثاث البيت الجديد من الصدف والموزاييك! ولن يثقل عليك ثمنه! هل كانت نفيسة تجد الحلّ لدراجة ليلى ولمرض منور. كانت تقدّر أن الحياة مع أطياف المحبين اختيار صعب. تستطيعه نفيسة، ولكن لماذا تتحمله منور؟ فلتملأ منور بيتها الجديد بأطياف أخرى، أو فلتتركه أبيض الجدران! لتستعد روحها وليكن بهاء لها كمن يطلّ من النافذة. تمنت مرات أن تقول لمنور يجب ألا يحتل الموتى حياتنا! يجب ألا يشاركونا الأيام التي استداروا عنها! يجب أن يبقوا داخل إطار الصورة وإلا دفعونا إلى الهامش. لمن نترك الحياة التي يعجزون عنها ونتفادى لأجلهم أن نعيشها؟ سألت نفيسة نفسها هل يعني هذا أن تقبل لمنور الزواج مرة ثانية؟ وأجابت لا، هذا مناقض لمسار عائلتها! لماذا؟ لأن الكرامة تفرض علينا ألا نهبط من ذروة صعدنا إليها! لأن مثلنا يطلب من نفسه مالايطلبُ من آخرين! زوجة بهاء، الشهيد في الجليل، لاتستطيع أن تضع رجلا آخر في مكانه! ومع ذلك بدا ذلك لنفيسة مثل دفن المرأة مع زوجها! لا، لا، هذا خيارنا الذي لم يلزمنا أحد به! لكن يجب أن تحمي منور روحها من سطوة الأطياف! وسيساعدها البيت الجديد على ذلك! عرض "دلاّل" على ابن الكحال عدة بيوت جديدة في الروضة والعفيف وآخر الخطّ في المهاجرين وخلف المستشفى الايطالي. اختار منها بيتين اقترحهما على منور. فرجّحت الأقرب منهما إلى سوقساروجا. مشت نفيسة معها وتفرجت على ذلك البيت. قالت لها: الطريق من الطلياني إلى سوقساروجا نزهة! تقطعينه في عشر دقائق! أعجب ليلى البيت الجديد لأنه يطل على البساتين. وطارت من الفرح عندما صادفت الهداهد تنطّ تحت الأشجار في طرف بستان على حافة الطريق. اختارت كراسي خيزران لغرفتها، وخاطت منور لتلك الكراسي قماشا أخضر فيه رسوم بيضاء. مقابل نافذتها بساتين مزروعة بالخضار وأشجار التوت والتين والمشمش. وساقية يشق منها الفلاحون سواقي صغيرة يروون بها البساتين. تستطيع من شرفتها التي تكاد تلامس الطريق أن ترى السماء حتى نهاية بساتين الصالحية أبي جرش الممتدة حتى القابون في الغرب، وحتى قاسيون في الشمال. في المساء ستشعر بالبرد بالرغم من حرّ حزيران. وستظل تذكر الهداهد التي صادفتها في تلك البساتين. ماأكثر مانادت منور كي تتفرج عليها، وماأكثر ماحدثت نفيسة عنها! بدا لها أن أجمل طير رأته هو الهدهد. ماأحلى ألوانه، وماأجمل تاجه! جلست لترسمه. فتحت علبة الألوان، واختارت الأقلام الساطعة، وملأت عدة أوراق برسوم عصفور يشبه الهدهد لكنه ليس هو. ثم جربت الألوان المائية فغطت الطاولة بالفناجين التي تخلط فيها الألوان، ونشرت رسومها المبتلة على الكراسي لتجف، وسألت أمها: أي منها يشبهه؟ وظلت تنتظر الهداهد ولاتمل من متابعتها. وقالت لنفيسة إنها تحب البيت الجديد لأن الهداهد تحوم حوله. لن تفهم ليلى إلا بعد عقود أن ذلك البيت كان من الأبنية التي ستقتلع البساتين. وسيصبح الطريق العريض الذي مشت على رصيفه الواسع متأملة غيوم الخريف البنفسجية والوردية طريقا مزدحما بالسيارات. ولن تستطيع أن تعرف مكان الساقية، ولن ترى هدهدا طوال حياتها الباقية في دمشق. صارت منور تخرج إلى بيتها في سوقساروجا عندما تخرج ليلى إلى المدرسة. وتعود منه وقت عودتها. لكن البيت الذي لم تعد تفوح فيه رائحة الطعام، ولم تعد شراشفه تحمل رسوم جسم إنسان، ولم تعد في فناجينه آثار القهوة، يعاقب بكآبته من هجره. مع أن منور بقيت تكنس أوراق الليمون وأزهار الياسمين من أرض الدار، وتنظف بحرته وتطلق نافورتها. لكن هل تتجاهل أن الانتقال منه عجّل بالإعلان عن صفحات طويت من حياتها؟ وعن فقدها ماكانت تعيش به، والاعتراف بأنها صارت معلقة بابنتها! كان مفتاح بيتها في سوقساروجا أكبر من مفتاح بيتها الجديد، وأثقل منه، لكنها لم تضق به أبدا. هكذا كثرت زياراتها لنفيسة فسألتها: عرفت جيرانك؟ عرفتهم! زاروني كما يزور الجار جاره الجديد. بعضهم تجار وبعضهم موظفون! بعضهم لطيف ومهذب، وبعضهم ثقيل ومغرور! هذا جواب؟ يبدو أن منور قررت ألا تجيب نفيسة! وماذا تقول؟ الناس هنا معروفون بآبائهم وأجدادهم، وهناك كل واحد مقطوع من شجرة! صدقي مايقوله عن نفسه أو لاتسأليه من هو! هذه أحياء جديدة غرست أبنيتها ولم تغرس بعد تاريخها! قالت منور: حمل أهل سوقساروجا بهاء وأوصلوه على أكتافهم إلى البيت يوم عاد من ثورة 36 في فلسطين! هل تذكرين ياعمتي ذلك اليوم؟ لكن ليلى سعيدة بالبيت الجديد. الشارع عريض والرصيف واسع. تركب ليلى الدراجة ساعات كل يوم وأتفرج عليها من الشرفة. نبهتها نفيسة: لنفكر إذن في سعادة ليلى! تعلقت ليلى بالبيت الجديد لأنها وجدت غادة. فتاة سمراء لطيفة، أكبر منها بسنوات، في مدرستها نفسها، يرى بيتها من نافذة ليلى. تمر غادة بليلى في الصباح وترافقها في طريق المدرسة. وماأيسر أن تتحدث إحداهما مع الأخرى بالإشارات من الشرفة! راقبت منور صداقة ليلى وغادة. وخمّنت أن تلك الصداقة من العلاقات التي تتعتق مع الزمن وتصبح ذكريات من عمر، وتحتضن أسرار الحب. بل قدّرت أن ليلى قد تتحدث عن أمها لغادة. وفكرت في حاجة الإنسان إلى الحنان والتفاهم والصداقة. وتساءلت ترى هل ستجد ليلى ذات يوم الرجل الذي تعيش معه كما عاشت هي مع بهاء؟ وفهمت عمق علاقة ليلى بغادة عندما سألتها ليلى: مارأيك في اختصار سنوات الدراسة لأقدم البكالوريا بسرعة؟ سألتها منور مداعبة: لتدخلي الجامعة مع غادة؟ دللت منور غادة. دعتها إلى الغداء مع سعاد وأولادها في بيتها في سوقساروجا. وطلبت لها الإذن من أهلها بالتلفون. وهناك رأت مديحة، رفيقة غادة وليلى في المدرسة. استمتع الأولاد بأرض الدار الواسعة التي نقلت إليها منور طاولة الطعام، وأعجبهم الطعام والحلوى. صعدوا إلى السطح وتفرجوا على الحمام الذي يدور في السماء فوق الحي ويتبع إشارات الكشاش. استمتعوا بالنزول على السلالم وبالصعود عليها. ففكرت منور وهي تراقب صخبهم بأن الأسرة الكبيرة ممتعة، مع أنها قدّرت أنها لن تستطيع أن تنظف البيت وحدها بعد انصرافهم. لاحظت أن نفيسة توقفت قرب غادة وتحدثت معها. قالت لمنور فيما بعد: صديقة ليلى ذكية وطيبة. قررت أن تدرس في الجامعة وتصبح صاحبة مخبر! هل عرفتِ من هم أهلها؟ عرفت! أمها معلمة وأبوها مدير في وزارة التربية. بيت منور الجديد أجمل من بيت سعاد. فهل تجد لنفسها مثله؟ شجعتها نفيسة: منطقة جديدة، العرض فيها أكثر من الطلب! لكن ذلك كلفها أياما من البحث. فعبد الرحيم رجل لم يعرف طول عمره مافي بيته. آه منه، "لاللخل ولاللخردل"! لم يعرف كيف كبر أولاده! انتقلت سعاد إلى بيت قريب من بيت منور، أجره مائة ليرة في الشهر. أجر يتحمل دفعه عبد الرحيم الذي أمن له القوتلي العمل في القضاء، واستطاع أن يستقبل في بيته أمين الحسيني وشكري القوتلي ورياض الصلح وبقية رجال الأمس! هل خطر لمنور أن سعاد تفخر بزوارها عندما فحصت البيت الجديد وقالت إنه مناسب لاستقبالهم أكثر من بيتها السابق؟ لكن سعاد قالت بصراحة أجفلت منها منور: فتح احتلال فلسطين زمنا وطوى زمنا! هؤلاء الرجال مستمرون لأن صفحات الدنيا تطوى ببطء! تأملتها منور: تعجبك شرفتك التي تطل على البساتين؟ تعجبني! تشربين فيها القهوة، وتتأملين الحياة! لذلك صرت حكيمة، ياسعاد خانم! لكن انتبهي، فالحكمة متعبة! كانت منور كمن يتحدث عن نفسه أيضا. فالحياة تبدو كالكفّ أمامها وهي جالسة في شرفتها المستديرة المطلة على البساتين والسواقي. تقول لنفسها بلد جميل والحياة فيه رائقة ومغرية فلماذا تهرب منا الأفراح؟ سعاد على حق! فتح احتلال فلسطين زمنا جديدا حياتنا فيه دون أسوار. غرس احتلال فلسطين بلدا عسكريا أقوى من البلاد العربية، يستطيع أن يحرق بقنابله أي بيت فيقطع غفوته على أفراحه أو أحلامه! وكأنما بدا بهاء لمنور في نور جديد. أليس من الرجال الذين حاولوا أن يردّوا عن العرب ذلك القدر؟! تفرجت منور من شرفتها على ليلى التي تركب الدراجة في طريق واسع على ضفته البساتين والسواقي. وتساءلت هل تستطيع أن تنجو من قدر حكمها منذ كانت طفلة؟ لم تنتبه ليلى إلى هواجس منور، ورفعت يديها عن مقود الدراجة فرحة بمهارتها، وتطاير شعرها في الهواء. تبينت منور من مكانها حمرة خدي ليلى، وانتبهت إلى غصن زيزفون زينت به دراجتها. ظلت ليلى تذهب وتعود في الطريق نفسه، ولاتملّ، مشغولة بفرحها ودراجتها. كأنها كانت تطير! كأنها كانت تحتفي بغيوم يوم صاح من الشتاء، لوّنها الغروب بلون وردي وبنفسجي ورمادي ومالايخطر بالبال من تدرجاتها. ماأسعد ليلى بدراجتها! وبالغيوم والبساتين، وبهذا الطريق الخالي من الناس كأنه فتح لدراجتها! شعرت منور بالرضا على بيتها الجديد. هاهي تملأه بذكريات جديدة، ببداية صبا ليلى وأهوائها الشفافة. لاتعرف منور أنها ستخشى بعد سنوات هذه البيوت الحديثة التي تطل على الشارع وتسهل للحبيب مراقبة من يهواه. وتسهل له أن يرمي رسالة حب من النافذة، وأن يتسلق جدار الحديقة ليطل على المحبوبة. وأن يختبئ خلف الدرج وينتظر عودتها. ستتمنى منور أن تعيد ليلى إلى بيتها في سوقساروجا الذي يبتعد فيه الباب عن الغرف، ويراقب فيه أهل الحارة الغريب العابر، ولايطال فيه المحب نافذة يرمي منها رسالة! فرحت منور بطول ليلى من سنة إلى سنة، وبتقدمها في صفوف المدرسة. لم يخطر لها أن ذلك يقربها من الأيام التي ستخاف فيها على ليلى من حب قلق قد يسبب لها العذاب ولايليق بها. كان الفرح، الذي تعبّر عنه نفيسة وسعاد ومنور، بنضج ليلى كفتاة حلوة ذات عينين واسعتين وأهداب طويلة، وقامة هيفاء وشعر غزير، وتظهر ليلى أنها غير مبالية به، يقرّب ليلى من مكانها بين الناس الذين سيغريهم جمالها وسيقصدونه بالخير والشر. آه يامنور! من يستطيع أن يهرب مما في الدنيا! لم يتأخر القلق! كانت البداية انتباه منور إلى شاب ينتظر ليلى على بعد خمسين مترا من بيتها. ويتبعها إلى المدرسة، متقدما عليها أحيانا ومتأخرا أحيانا. رصدته منور من نافذة إلى أخرى. وشعرت بأن ذلك عدوان على ابنتها. هل الفتاة التي تمشي في الطريق مباحة؟ خطر لها أن تخرج وتمسك به. حدثت سعاد عن ذلك غاضبة: في المدينة الجديدة لاأحد يعرف هذا الشاب أو غيره لذلك يظن نفسه حرا لارقيب عليه! فيتصور أن كل فتاة تمشي في الطريق البعيد عن بيته مباحة له! أفهم لماذا لاتحب ليلى أن تنزل معي إلى سوق الحميدية! أنا الكبيرة أسمع غزل الرجال وأراهم يكادون يمدون أيديهم إلي! قالت سعاد: في فلسطين ماعندنا مثل هذا! ردّت منور: هل تظنين اولئك من أهل الشام؟ بل غرباء سقطوا في سوق الحميدية! هل روت سعاد لابنها زياد تلك الحكاية عن ليلى والشاب والطريق؟ رأت ليلى ابن خالتها زيادا يستوقف الشاب. احمر وجهها ورجعت إلى البيت مسرعة. من قال لك يامنور إني أحتاج من يدافع عني؟ من قال لك إني أحتاج وصيا علي؟ لن أستقبل خالتي بعد اليوم ولن أقول لابنها مرحبا! لاينقصني إلا "بريانتين" هذا! حرمت ليلى أمها من الجلوس إلى الطعام معها، وحرمتها من رؤيتها في النهار. أقفلت على نفسها غرفتها ولم تخرج منها إلا في غياب منور. خشيت منور أن تطلب مساعدة غادة. وتفادت أن تزورها سعاد. لكن غادة هي التي أتت إلى منور. أتعرفين ياخالتي أن ليلى تحمل دواة الحبر دائما معها؟ لماذا؟ لترش بها من يتطاول عليها. لايجسر أحد على الاقتراب منها. تحل المشكلة بنظرة حازمة! نعم، بنظرة من عينيها الحلوتين! سألتها منور: وهذا الشاب الذي يلحقها، ياغادة؟ هل نمنعه ياخالتي من المشي في الطريق؟ لم يقل لها كلمة. لم يتأوه كغيره! لم ينفخ الهواء كأنه معذب! فكرت منور بكلمات غادة. هل تتفوق هذه الصبية عليها بالحكمة؟ حقا، لاتستطيع أن تمنع شابا من المشي في الطريق! ولاأن تعاقبه على كلمة لم يقلها! قدّرت منور خطأها: روت لسعاد ماكان يجب أن تسأل ليلى عنه. وجعلت الاستفهام شكوى! لم تتنبأ منور بالمستقبل! لم تعرف أنها ستلجأ إلى زياد محاولة تخمين مالاتبوح به ليلى لها. لتعرف ماتكتمه شابة من شعور حقها ألا تكشفه لأحد. ومايقلق أماً حقها أن تطمئن على ابنتها. سيخطر لمنور في لحظات قلقها أنها لو بقيت في بيتها في سوقساروجا لشاركها الحي في حراسة ليلى من الشر. ولما وقع ذلك الواجب عليها وحدها. وفي اللحظات التي ستفلت منها ليلى ستتمنى لو أنها رضيت بسلطة الأقرباء على بيتها، ولو أنها لم تؤكد لليلى أنها لم تطلب من سعاد أو من ابنها حراستها. هل يلجئ العجز الإنسان إلى مارفضه؟ فتعيش منور حتى الزمن الذي ستعود فيه الشعوب إلى ماتركته وسجلت أنها تقدمت عليه؟ وترى عودة البلاد الاشتراكية إلى الكنائس، ولجوء المسلمين إلى البحث عن الخلاص في تعاليم الدعاة بعد هزيمة الأنظمة الوطنية؟ ستتذكر منور غادة. وستتساءل هل نحتاج وقفة تذكرنا بأن لاثبات في الكون؟ فكيف نحلم بأن نثبّته مرة بمعاييرنا ومرة بأنظمتنا؟ الحق مع سعاد التي رأت أن القوتلي والصلح والحسيني شخصيات زمن مضى! ولكن كيف سيكون الزمن الآتي؟ ليتها زرقاء اليمامة التي تستشف الغيب! ليتها تقرأ في المندل ماسيجرف الدنيا بعد عقود! ستملّ الحياة إذا عرفت صفحاتها القادمة؟ بل ستتذوقها في بطء، وستحتاط من فقد مالاتقدّره في وقته!. ستتساءل منور هل حرست طفولة ليلى ومراهقتها وصباها، فتركتها تستنفد الأهواء الملونة والطيش الرائع، ولن تستهويها في كهولتها مراهقة مفقودة تجعلها تزين نفسها بعقود الفتيات، أو تهين نفسها بخفة المراهقات؟ أغمضت منور عينيها وأطلقت ليلى، لكنها بقيت كالأسد الساهر على بوابات المعابد السورية. راقبت أهواء ليلى منذ الطفولة، وميزت ماتشترك فيه مع زميلاتها وماتتميز به. وقالت لنفسها: لكني يجب ألا أكون حارسا ثقيلا! وربما زاد من مسؤوليتها أنها أم وأب معا. وخمّنت ليلى أن منور جاهزة دائما للحظة التي تطلبها فيها. لكنها شعرت دائما بأنها حرة. وستقول في رضا: استنفدت طفولتي ومراهقتي، واستمتعت بأيام المدرسة وأيام الجامعة. لكن هل يُستنفد الشوق إلى الحياة؟! نهضت ليلى وقت الفجر. فتحت باب غرفتها في هدوء. إلى الحمام! فتحت حنفية الماء وتوضأت. الماء حتى المرفقين، الوجه، خلف الأذنين، القدمين.. تماما كما تعلمت ذات يوم في المدرسة الابتدائية! لكنها أدت الحركات في وجد كأنها تقدس الماء وجسم الإنسان. تسللت إلى غرفتها ومدت بساطا صغيرا ووقفت تصلي عارية الرأس والذراعين. أية صلاة دون غطاء أبيض للشعر وكمّين طويلين وتنورة تغطي الساقين؟! ومع ذلك بدا لها أنها تخاطب الله وحيدة أمامه في الكون وأنه يسمعها. طوت البساط الصغير، بساطا لينا خفيفا منسوجا من بقايا الأقمشة التي تفتلها وتخيطها النساء. ثم بدأت رياضتها. الحركات التي تعلمتها في المدرسة ومن المجلات. وبدأ الضوء يتلامح من النافذة، فاقتربت منها وتأملت السماء. ياللونها النيلي الساحر! مرت دواب محملة بالقنب إلى الأفران! هسهسة القنب هي الصوت الوحيد في الفجر. لم يستيقظ الناس بعد! لم تستيقظ بعد العصافير! تزايد الضوء في السماء بسرعة، ففتحت ليلى الباب وخرجت في هدوء. تناولت الدراجة وانطلقت إلى الشارع. ماأعذب نسيم الصباح الذي يقبل عليها باردا وهي تسرع بالدراجة في طريق فارغ، كأنه شق لها. لاتوجد سيارات. يندر من يملك سيارة، والباصات لم تبدأ رحلاتها بعد. مدينة صغيرة نائمة قلّ فيها المرضى والأشقياء فنامت فيها المستشفيات والشرطة. اندفعت ليلى بالدراجة في الطريق بين بساتين الصالحية والروضة، ثم في شارع بغداد، عبرته بين أسيجة من الورد الجوري والزيزفون وبعض الأبنية الحجرية. توقفت لتقطف غصن زيزفون تزين به الدراجة ثم عبرت مقبرة الدحداح وأشجار السرو، عبرت الساقية التي تقابل المقبرة والضريح القديم، عبرت الأنهار والسواقي والأرضي شوكي الممشوق الأخضر الداكن في البساتين حول اللاييك، وجامع لالا باشا مقابلها، وحديقة صغيرة فيها مرج من العشب. رفعت يديها عن مقبضي الدراجة. متوازنة! كادت تصفق فرحا! صادفت عربة محملة بالخضار يجرها حمار ويقودها فلاح، قادمة من الغوطة إلى سوق في دمشق. شعرت على رقبتها برفيف ياقة قميصها الأبيض القصير الأكمام. وصلت في رحلتها إلى البارلمان مخترقة شارع العابد. الدراجة فرحة عظيمة! متعة! لو تستطيع في النهار أن تركب الدراجة كالفتيان في المدينة كلها! لا، المشي متعة أيضا على أرصفة واسعة مبلطة، في شوارع هادئة فيها قليل من الناس. كم عدد سكان دمشق؟ نصف مليون أم مليون؟ عادت ليلى في الشوارع الفارغة إلى شارعها المزروع بأشجار الزنزلخت. فاح الياسمين من أسيجة حدائق الأبنية الحجرية. كم يفوح الياسمين في الفجر! توقفت قرب الرصيف تماما وترجلت من الدراجة موردة الخدين. لم يستيقظ الناس بعد، لكن نوافذهم كلها مفتوحة لهواء الليل كي يبرّد البيوت. هواء الليل المنعش الرطب في دمشق. في المساء يرتعش من البرد في عز الصيف من يعبر البساتين في الصالحية وقرب مدرسة اللاييك، وفي الشعلان، وفي الحلبوني. تتداخل البساتين في أحياء دمشق. كان ذلك يوم الجمعة في أول أيام المدرسة في أيلول. لم تتكاثف الدروس بعد، ولم يستقم البرنامج بعد. لازال مقطّعا بساعات "فراغ"! ذلك يناسب أيلول الذي ينسحب منه حر الصيف، ويقبل فيه الخريف الذهبي، ويرتعش فيه النسيم المنعش، وتبدأ الغيوم جولاتها في السماء، وتفاجأ فيه بالمطر. "أيلول ذيله مبلول". هل كانت ليلى في جولتها تحتفي بتباشير الخريف، معشوقها العظيم؟ من لايهوى الذهبيات في دمشق! يبهجها أن يهبّ النسيم فينثر فوقها أوراق شجر الزنزلخت الصغيرة. تبطئ الخطى وقتذاك. وينسل إلى قلبها شعور بالأسى الرقيق. تمشي وعيناها على الأفق. في الطرقات كلها يقابلها الأفق. في دمشق لاتوجد أبنية مرتفعة تغلق النظر. تمشي وتتساءل في أية خطوة في أي يوم ستنفتح لها بوابات الحياة أو تجد نفسها فجأة على مطلها. لاتعرف بعد أننا مهما عشنا سنظل نصعد إلى مطلات في الحياة ونتبين بأننا كنا قبلها في سفوح! من بعيد تبدو ليلى للشاب الذي يتبعها ممشوقة، رشيقة، سريعة الخطوة، مستقيمة الظهر، معتدة بنفسها. لاتبطئ لتتفرج على من حولها وتوسع له الفرصة ليتأملها! من يتابعها يشعر بأنه يحاول أن يمسك البرق. في ذلك اليوم قالت لمنور: يستحيل أن أدخل! رجتها منور: سايري، واعملي ماتريدين! "أحِب وداري، واكره وواري"! قالت ليلى: ليتفرجن علي كما يتفرجن على قماش في السوق؟ لن أتزوج أبدا بهذه الطريقة! قالت منور: تفرجي عليهم كما يتفرجون عليك! ادخلي احتراما للناس. من يرغمك على الزواج في هذا العمر؟! لم تفقس عنك البيضة بعد! قالت ليلى: سأدخل لكني سأتكلم كما أشتهي! فهل كانت منور تتصور أن ليلى ستقول ماقالته؟! لم تجلس ليلى كالبنات المهذبات على المقعد بل جلست على يده. وتحدثت عن ايمانها بأن الرجل يجب أن يساعد زوجته. كيف؟ تقشر هي البطاطا ويقليها هو! أو العكس! ذهلت النساء المرتبات اللواتي أتين ليخطبنها لابنهن. تابعها على طريق المدرسة مرات. أحب عينيها وقامتها. أعجبته رشاقتها. كان هو أيضا مختلفا عن الرجال فلم تستهوه الممتلئات والمتثنيات. ابن أسرة دمشقية تقليدية ومعاصرة. تضع النساء فيها الإشاربات فقط على رؤوسهن، ينصرفن إلى أعمال البيت ويؤدينها في مهارة وذوق حتى الظهر. وفي المساء يرتبن أنفسهن ويخرجن إلى الزيارات. هل يقبلن أن تستخف فتاة في هذا العمر بما عشن مخلصات له؟! قالت منور بعد انصرافهن: ليتك لم تدخلي إليهن! لم ينقصنا إلا عرض آرائك في الإرث! ضحكت ليلى: لو لم يكفيهن ماقلته لتحدثت عن رأيي في الإرث! غضبت منور الخبيرة بالحديث مع الناس: الناس ليسوا فقط زميلاتك في المدرسة! الناس أشكال وطباع. تعلمي احترامهم والحياة معهم. لم أطلب منك الدخول كي تقبلي تلك الخطبة. بل كي تتعلمي الجلوس مع الناس في هذه المناسبات وتتعلمي معاملتهم. اعرفي أن العلاقة بالنساء طريق إلى العلاقات بالمجتمع! بينهن تعرفين العادات في الأفراح والمآتم والاستقبالات. لاتريدين ذلك؟! أنت من جيل مغرور يتوهم أن الحياة تبدأ به! لايفهم أن الظروف التي ينعم بها خلقها جيل سابق عليه! دخلت ليلى غرفتها لتكمل قراءة "رسالة الغفران" للمعري. صعبة! لذلك ستظل تعود إليها حتى البكالوريا. مفتونة بشعر المعري عن اللحد الذي يضحك من تزاحم الأضداد، وعن الحيرة بين المئذنة والناقوس والبحث عن الحقيقة. عدتها معلمة اللغة العربية بحب المعري، مع أن قامتها أكثر نحولا من أن تحمله. ولابأس! فلتتحمل المشقة! فلن تسلك السبيل السهل الذي سلكته رفيقتها مديحة. تقرأ مديحة رواية الحرب والسلم، وتتقمص ناتاشا، وتسترسل في الانبهار بالكاتب والشخصيات، وتتمنى أن تعرف المزرعة التي عاش فيها تولستوي! وماأبعد روسيا! أقرب منها بكثير معرة النعمان! تساءلت منور: من علم ليلى أن تفكر في قانون الإرث وتتفلسف في قضايا لافائدة من الكلام عليها؟ تساءلت وهي تعرف أن ليلى لاتحتاج إلى من يعلمها التمرد على الظلم. كم حملت من القطط الصغيرة المهجورة إلى البيت وأطعمتها! وكم أثارت هلع أمها بعطفها على الكلاب الشاردة الجائعة! كم مرة ضبطتها وهي تتناول الطعام من البيت وتتسلل إلى الكلاب والقطط الضالة! ياليلى انتبهي! قد تكون مصابة بالكَلَب! تنهض ليلى مرتعدة عندما تسمع إطلاق الرصاص في الليل. وتصرخ غاضبة: يقتلون الكلاب الشاردة! كانت صغيرة يوم عادت عابسة من المدرسة. لماذا ياليلى؟ وتسألونني لماذا؟! لأن للذكر مثل حظ الأنثيين! غاضبة كأننا مسؤولون عن ذلك! تحاول منور أن تفسر لها الأسباب والظروف، فترفع ليلى كفيها وتسد أذنيها بسبابتيها: لاأقبل ذلك! أي مبرر يجعل الصبي أفضل مني لأنه صبي؟! ندرس كالصبيان، وسنشتغل مثلهم! ترتعش منور. فليحم الله ضمائر الشباب، كيلا ينهار الكون! بعد ذلك اليوم ستمر سنوات هادئة. ستحمل ليلى بعدها كتبا متنوعة في الصيف. كتبا عن الحلاج، وابن عربي، والخيام، وابن طفيل، وابن سينا، وابن رشد، والشعراء الصعاليك وعن ثورة الزنج. بعد اوجيني غرانديه، ومدام بوفاري، والبؤساء، والجريمة والعقاب، والمقامر، وبطل من هذا الزمان، والمعطف، وآنا كارنينا. وستسألها منور: لماذا كل هذه الكتب؟ وسترد: استعرتها من مديحة وغادة. وستقول منور: لكن الأدب ليس اختصاصك! وسترد ليلى: يجب أن يقرأ هذه الكتب المثقف الجامعي! لكن ليلى عادت في تلك الأيام من المدرسة وهي تخفي سرا. أكلت مسرعة مع أنها تحب البرك وتستمتع بها عادة. جلست إلى مكتبها وانصرفت إلى نسخ قصيدة طويلة. يجب أن تعيد القصيدة غدا إلى زميلتها! هكذا انتشرت "بهيرة" عبد المعين الملوحي، في مدارس بلاد الشام! وصلت من دمشق إلى بيروت وعمان وإربد وحفظها قيس. نسخها الطلاب بأيديهم! نسخت ليلى مطلع القصيدة مبهورة بجرأة الشاعر: فرغ الاله وجنده من قتل زوجتي الصغيرة وتجمعوا يتضاحكون وقد توارت في حفيرة نسخت بخط واضح صفحة. وكادت تبكي وهي تنقل عذاب شابين: نادته، والآلام تنهشها، حنانك ياحبيبي نادته، تحسب في اسمه الميمون أدوية الطبيب ارتعشت ليلى. طبعا، الحق معه في الجنون: أحبيبتي خرف الاله ومات من زمن بعيد فعلام تعبده البهائم بالركوع وبالسجود تنقلت ليلى مسرعة بين أبيات القصيدة الطويلة. قرأت، قفزت، عادت إلى النسخ: لو ذاق ربك لذة الدنيا وأفراح الحياة لو ذاق طعم القبلة الاولى على شفتي فتاة لو كان يفهم ثورة الأحرار في دنيا العبيد هدموا السجون وشيدوا مستقبل الشعب السعيد لو ذاق هذا لم يكن يرضى بقتل الكون ظلما لكنه ماذاقه.. لكنه .. ماكان يوما ليلى سعيدة لأنها تشارك زميلاتها بالتمرد وهي تحفظ القصيدة وتنسخها. يلمسها الشباب في تقلبه واندفاعه وجرأته. لايتمرد الشاعر فقط على الاله بل يتمرد على يأسه. يتدفق الشباب في الحزن نفسه! لايوجد باب مغلق! هذه الحياة هي الحقيقة والأصل! تنسخ في إتقان: أبهيرتي لاتزعمي أن قد عرفت الحق بعدي أنا صنته وبذلت في تعليمه عرقي وجهدي أبهيرتي ماالحق تحت الأرض أو بعد الممات الحق فوق الأرض في الإنسان في هذي الحياة تنهض ليلى من كرسيها وتمشي إلى النافذة، وتنظر نحو السماء. وتشعر بحب جارف للحياة، برغبة في أن تعيش وتحب وتمشي وترحل وتدرس وتنط إلى السنوات القادمة وتعبرها... إلى الحياة.. بعد سنوات، عندما ستنشغل بدروس الطب سيدهشها أنها حفظت تلك القصيدة. رن الهاتف. زميلتها غادة. هي أيضا تنسخ القصيدة. إلى أين وصلتِ؟ أنا وصلت إلى نهايتها: ونظل رغم الداء رغم الموت نفرح بالوجود ونظل رغم الداء رغم الموت نحلم بالخلود في تلك الأيام، جلس قيس تحت شجرة الزيتون ونسخ القصيدة. من مثله يفهم غضب الشاعر على المحبوبة التي تركته: لاتزعمي أن الهوى لم يستطع للموت دفعا الحب منتصر فهل أحببتني؟ أو كنت أفعى موتي فمالك في فؤادي غير جرح سوف يشفى المارد الجبار لايأسى لميت مات ضعفا من مثل قيس الذي يسجل كل ثنية في حياته ويستعيدها في المساء، قادر على فهم الشاعر الذي يستعيد سعادته مع المحبوبة المفقودة: .. الغرفة الزرقاء في هضبات إهدن لاتبالي ساءلتها عنا وعن أسرار هاتيك الليالي فوجدتها خرساء مدت في غباء ساعديها كالمومس العمياء من تسمع تخله رنا إليها ينط قيس إلى القوة التي يطلقها الحزن: أبهيرتي إني لأسمع صرخة في أرض شعبي أنا واجد في بعثه سلواي بعد ممات حبي عندما ستتذكر ليلى بعد سنوات تلك القصيدة التي تناقلتها التلميذات كالأسرار ستنظر في شفقة إلى الكلمات التي حفظتها. وستقول لغادة ومديحة: كم يشرّد الغضب الروح! لكن غادة ستذكّرها: علمتنا تلك القصيدة كلمات جديدة. فرحنا بها لأنها كانت خارج سياق القصائد التي ندرسها. وكان ذلك لنا حرية عظيمة! طوال سنة سكنت مديحة في بيت قريب من بيت ليلى. فصارت تمر بها صباحا وتمشيان معا إلى المدرسة. ماأمتع أن تكونا جارتين وفي المدرسة نفسها، وأن تكون المدرسة على بعد دقائق من المشي بين بيوت وبساتين وأرصفة عريضة ناعمة يفوح عليها زهر الزنزلخت! تمر مديحة ببيت ليلى، تتلفت في الشارع الخالي وتصفّر كالصبيان فتخرج ليلى، وتمشيان وكل منهما تضم إلى صدرها كتبها. خيل إليهما أنهما اختارتا قرابة لاتعتمد الدم والعشيرة. كأن الزمن يوهم الفتيات والشباب بأن العلاقة العميقة هي علاقة التفاهم والاختيار لاعلاقة الدم والعشيرة. كانت غرفة الصف التي تدرسان فيها تلك السنة ممتعة: غرفة "الطيارة" في بيت عربي في طريق الصالحية، حولها مساحة مظللة بدالية تطل على أرض الدار الواسعة، يعبر من درابزينها الضوء ويرمي على الأرض البيضاء ظلال زخارفه. في ذلك الصف في تلك السنة سألت معلمة اللغة الإنكليزية طالباتها ماذا يتمنين أن يكن؟ ورأت أن يكتبن ذلك على أوراق بيضاء دون أن يذكرن أسماءهن. لماذا؟ كي يتعلمن التعبير في صراحة، ويصغن رغباتهن باللغة الإنكليزية. كانت الأجوبة متنوعة، قرأتها المعلمة عليهن ثم أحرقت أمامهن الأوراق. كانت ورقة واحدة منها فقط تبوح بأن صاحبتها تتمنى الزواج من رجل وسيم وغني تشيّد معه أسرة في بيت واسع. أما الأوراق الباقية فعرضت كلها أمنيات بالدراسة العليا، تتزوج صاحباتها بعد التخرج من الجامعة، وبعد علاقة حب وتفاهم ومعرفة. أعلنت ورقة واحدة منها أن صاحبتها تتمنى أن تعيش محبوبة ومحترمة في سلام. صرفت التلميذات ساعة في الكتابة، وصرفن ساعة في الاستماع إلى ماكتبن. قطعت القراءة ضحكاتهن ودهشتهن. وخشيت المعلمة أن يصل صوت الصخب والضحك إلى المديرة المتجهمة في الطابق الأول، فكانت تهدئهن بين ورقة وأخرى. وفوجئت المعلمة بقطع الكاتو كأن التلميذات يحتفلن بذلك الدرس المتميز. وأدهشها أن الكاتو وصل إلى الصف دون أن يفتح باب. فاعترفت التلميذات بأنهن يحتفظن بحبل يدلينه إلى الطريق فيضع بائع الكاتو مقابل المدرسة ماطلبنه في سلة يربطها بالحبل ويهزه فتعرف التلميذات أن السلة جاهزة فيسحبنها! ستتذكر ليلى ومديحة تلك السنة كأحلى سنوات المدرسة، وستذكر إحداهما الأخرى بها بعد خلافهما في الموقف من الوحدة. في تلك السنة كادت مديحة تخرق ماكتبته في ورقتها. أعجب رجل بها وطلب الزواج منها. ونقلت ذلك الخبر لليلى. زار أستاذ في الجامعة أمها التي عرفها خلال العمل في الوزارة. دق الباب ففتحت مديحة الباب. كانت تقمط شعرها بإشارب وعرقها يكاد يسيل على وجهها، وفي يدها الممسحة. أحرجها اللقاء لأنها في قيافة غير مناسبة. وسحره اللقاء لأنه دخل إلى عالم حميم لايراه الغريب. ولأنه رأى شابة نضرة متفانية في شغل البيت. قبلته مديحة مبهورة بأستاذ أنيق وسيم، ونسيت ماكتبته في ورقة الأمنيات المحروقة. بدأت ليلى تتفرج على الملابس التي تشتريها مديحة من بيروت. طبعا، تقصد العرائس بيروت! في عائلة مديحة ليس الزواج معقدا. تزوجت أختها زميلها في الجامعة، وأكملا دراستهما معا. لكن مديحة التي كانت حالمة ورقيقة يومذاك اكتشفت كذبة صغيرة أو كبيرة كذبها عليها خطيبها فتركته فورا. حضرت ليلى جمع الملابس والهدايا لإعادتها إلى الخطيب. ورافقت مديحة في أيام الفراق الصعبة. يسّر ذلك أنهما انشغلتا بالامتحانات. فهل كانت مديحة تشكرها عندما أهدتها كتابا أنيقا طبعت فيه رباعيات الخيام بالإنكليزية والفارسية مع منمنمات ملونة لكل قصيدة؟ اشترته مديحة من بيروت. نشر الكتاب ترجمة فيتزجيرالد، فياللكتاب الثمين! احتفلتا بالكتاب على الشرفة وشربتا الكاكاو بفنجانين أبيضين كبيرين، وكانت أغنية فيروز "سمرا ياأم عيون وساع والتنورة النيلية" تتسرب من الراديو، ومديحة تلبس تنورة سوداء مؤطرة بقماش نيلي، والبساتين تتلامح من الشرفة. ماأوسع الدنيا يامديحة! خسرتِ رجلا كيلا تحترق أمنيتك التي كتبتها في الورقة! سحر الخيام ليلى في تلك السنة. قرأته بالانكليزية! كانت معلمتها في المدرسة خريجة الجامعة الأمريكية في بيروت، لاتلتزم بالبرامج المقررة، فتقدم لطالباتها روايات إميلي برونتي وجين اوستن. صعبة؟ استخدمن القاموس ولنفسر الصعب معا! قرأت مديحة وليلى مرتفعات وذرينغ وغيرها من الروايات، وقالتا هذا هو برنامجنا المدرسي. وغلب حبهما المعلمة صعوبة النصوص. انصرفت ليلى إلى الخيام. في أول العمر يسحر حب الحياة في الرباعيات. لم تكن ليلى ذاقت الخمر، فبدت الخمر رمزا من رموز حب الحياة. المستقبل ملء الفؤاد، لذلك بدت اللامبالاة به في الرباعيات رمزا إلى تقديس البرهة الحاضرة. حفظت رباعيتين أحبتهما. وسيدهشها بعد عقود أن تعرف أن قيسا أحبهما أيضا! فقرأهما لها بعد أربعين سنة وهو يروي لها أن الخيام ساعده في إبهار البوليفية ماروتسيلا، زميلته في دراسة اللغة. وسيبدأ في قراءة الرباعية في اللقاء الذي سيجمعهما مع غادة ومديحة وعمر وستكملها عنه فيشعران بأنهما يستعيدان زمنا قديما: Ah, my beloved, fill the cup that clears To-day of past Regrets and future fears To-morrow? -why, Tomorrow I may be myself with Yesterday,s sev,n thousand years * * * * Ah, fill the cup: -what boots it to repeat How time is slipping underneath our feet: Unborn tomorrow, and dead yesterday, Why fret about them if to-day be sweat! ينبش كل زمن شعراءه وينشد قصائده. فلماذا استخرجت الخمسينيات الخيام؟ فغنته أم كلثوم وترجم ترجمات جديدة؟ كيف جاورت الرباعيات نشيد الشابي "إذا الشعب يوما أراد الحياة"؟ كم أغنى الخيام حياة بشر فجعلها براقة ممتعة ومطربة! ملك مديحة زمنا أكثر مما ملك ليلى. تأملته فيلسوفا وذواقة. وأضفى على تلك السنوات من صباها فتنة. كان الدفاع عن الوطن الذي اندفع إليه الشباب يفترض الصحو، المشروع والبرنامج. وكانت الأحزاب كلها، ذات برامج تغطي السنوات القادمة. حام على ضفافها المنحازون إلى القومية العربية والاشتراكية العربية والماركسية وحللوا العصور الانسانية واستشفوا أشكال المجتمع القادمة. وذلك كله بعيد عن عمر الخيام! لماذا إذن سحر الخيام الكهول والشباب وجر إليه مديحة وليلى وغادة وقيسا وعمرا؟ فتنهم تناسق البنية الفنية، وإنسانية الرؤية الفلسفية، وحب الحياة والحزن عليها، وأسئلة الإنسان الخالدة! ومايحفّ بالتراث الإنساني من أنفاس أجيال وصدى عصور. سيحمي ذلك ليلى وعمرا يوم تضيّق السياسة الفن فتجعله كأنه صوتها فقط، أداتها وخادمها. وسيهرع عمر عندئذ، مع أنه طبيب، إلى سعة الفن ووظائفه الكبرى في تربية الشعور بالجمال والذوق وشفافية الروح ونقاء الضمير وصفاء الأخلاق. وسيحرس ذلك التمردَ السري التراثُ الانساني الرفيع الذي استطاع الحياة خلال العصور ليسند روح الإنسان! مع ذلك لم تستسلم ليلى لرؤية الخيام كما استسلم لها قيس ومديحة. رأت من الخيام فقط الفنان، محب الحياة، وذواقتها. والشعر المطرب. نعم للفن خصوصية! ليس الفن فكرا فقط كالفلسفة. الفن للمتعة، للطرب، لتذوق الجمال! لذلك بقي عمر الخيام بينها وبين رفيقتها مديحة متعة سرية. من أشيائهما الشخصية، رفيق مقطع من العمر. قد يعود في عمر آخر لكنه لن يكون بمثل ذلك السحر. حاولت مديحة أن تجد نسخة أخرى من رباعيات الخيام التي أهدتها لليلى. لكنها لم تجد مثلها في مكتبات بيروت. لماذا تمنت أن تحتفظ بمثيلة تلك الطبعة؟ لأن فيها أثر زمن؟ أم لأن ترجمة أحمد رامي والصافي النجفي مختلفة عنها؟ استعارتها مديحة من ليلى: أسبوعا فقط! لكن ليلى نسيت الكتاب في تلك الأيام، وتفادت مديحة بعد موقفها من الوحدة. وصارت أقرب من غادة. فبقي الخيام عند مديحة يوم سافرت ليلى في بعثة إلى موسكو دون أن تودع صديقتها القديمة. ولم تعرف إلا بعد عودتها أن الخيام صودر من بيت مديحة. عبأت سيارة من السيارات الستّ التي طوقت بيت مديحة، كتبها. هل استقر الخيام في إضبارة مديحة كمقطع من الحياة يخبر عن صاحبته؟ هل قرأه هناك أحد، أم انشغل من تناوله بالمنمنمات وقصها صورا يلصقها على سيارة أو مكتب؟ وإذا قرأه هل مسه سحر الخيام، أم كان فقط كالمنقب عن المعلومات والأسرار؟ في الساعة التي صودر فيها الخيام يومذاك كانت مديحة تعبر الحدود إلى لبنان. ستردد ليلى فيما بعد: ماأحلى أيام المدرسة، وكم مرت مسرعة! وكانت السنوات الأخيرة أحلاها، لأن ليلى ورفيقاتها اقتربن من المعلمات، وزرنهن في بيوتهن. ستتزوج واحدة فقط من صف ليلى قبيل البكالوريا، وستنتسب بقية الفتيات العشرين إلى كليات العلوم والآداب والطب. سيكن قلة في صفوف أكثريتها ذكور، وسيلزمهن ذلك بأن يتفوقن. لكن الجامعة لن تقطع علاقتهن بمعلمات المدرسة. وكانت رشيقة، أستاذة التاريخ، أقرب المعلمات إلى الطالبات. تتجاوز الكتاب المدرسي المقرر وتتحدث بلغة صافية كمن يروي حكاية، عن الأمة العربية المظلومة: لاتضيعوا ياأولاد في التفاصيل كأن كلا منها منفصل عن الآخر. بل افهموا الأحداث في سياقها الذي يجري إلى هدف. واستنتجوا محورها المركزي. تساءلوا ماهو جوهر الأحداث منذ بداية القرن حتى اليوم، وماهي القوى التي رسمتها والمصالح التي دافعت عنها؟ كانت رشيقة تفصّل في المعاهدات الاستعمارية التي قسّمت الوطن العربي. وتقرأ على طالباتها قرار الأمم المتحدة الذي اتفق فيه الغرب والشرق على اختراع بلد لاعلاقة له بدول المنطقة وشعبها. وتقول إن المهاجرين الصهيونيين غرباء عن المنطقة لأنهم من اليهود الخزر. وتعبر عن دهشتها لأن الاتحاد السوفييتي وافق على التقسيم واعترف بإسرائيل بعد إعلانها، مع أنها قاعدة للغرب الاستعماري! تساءلوا إذن عن مراكز النفوذ التي يحتلها اليهود في الشرق والغرب! ماالحل؟ تجمّع الوطنيين في تنظيم يخلّص الوطن من الإقطاعية والرأسمالية ويبني الاشتراكية العربية، ويوحد الوطن المجزأ ليصبح قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية. لم تنجز أحزاب البورجوازية برنامج التحرر الوطني الاقتصادي والثقافي والسياسي، بعد إنجازها الاستقلال. لذلك يجب أن تنجزه تجمعات أو قوى أخرى! كان درس الأستاذة رشيقة ممتعا لأنه متصل بالواقع، ومليء بالأحلام. كانت تمازح تلميذاتها، وتدعوهن إلى بيتها, وتنظم لهن أحيانا رحلات إلى الغوطة. كانت امرأة فريدة. تلبس ملابس طويلة حتى الأرض كأنها من عصر مضى، وتطلق شعرها في ضفيرة ثخينة تصل إلى خصرها. ولم تكن تلبس أحذية بكعوب أبدا. وبدا أنها يمكن أن تصبح رياضية لو صرفت بعض الوقت في الرياضة. لكن وقتها كان مكرسا للكتب ومناقشة مؤلفيها واستقبال السياسيين أو زيارتهم. في الرحلة التي اشتركت فيها ليلى وغادة التقت الطالبات بالأستاذة رشيقة قرب الباب الشرقي في السادسة صباحا. فحدثتهن رشيقة عنه وعن سور دمشق والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين: "هم عرب البلاد الأصليين". ثم مشين في طريق الغوطة إلى خرابو. قالت لهن: أتعرفن أن حلم فخري البارودي في أيام الدولة العربية كان تأسيس مدرسة زراعية تعلّم أصول الزراعة الحديثة؟ كان الطريق ملكهن لاتقطعه أحيانا غير دواب محملة بالخضار متجهة إلى أسواق المدينة. قالت: انظرن إلى هؤلاء الفلاحين! هم المنتجون، لكنهم لايملكون الأرض التي يعملون فيها! ركضت الأستاذة رشيقة وسابقت تلميذاتها تحت أشجار الجوز التي تظلل الطريق في خرابو. سبقتهن واستدارت إليهن وانتظرتهن. قالت: أتعرفن يابنات أن المهاجرين اليهود يفرضون التدريب الرياضي! ذلك جزء من التدريب العسكري الذي يؤهلهم للحرب علينا! يجب ألا تهملن الرياضة. انتسبن إلى نادي الفتيان أو إلى النادي الغساني. العبن في الملعب البلدي! لاتتصورن أن إسرائيل ستكتفي بالقطعة التي احتلتها من فلسطين! حدثني الأستاذ أكرم الحوراني عن وحشية الاحتلال اليهودي التي خبرها بنفسه خلال الحرب في فلسطين. أنتن من الجيل الذي يجب أن يرد ذلك الخطر. وستكون سورية دائما في خطر. لأنها قلب العروبة النابض. هنا شنق شهداء أيار، وهنا قال يوسف العظمة لن يدخل المحتلون إلى دمشق دون مقاومة! وهنا استكمل نور الدين الشهيد توحيد الإمارات العربية وأسس الشروط لتحرير القدس وطرد الفرنجة! كانت الأستاذة رشيقة تتوهج عندما تتحدث. فيحمر خداها وتتألق عيناها. فتقنع المستمع إليها بصدقها وتُعديه باندفاعها. وكانت بالمقدار نفسه تظهر الحماسة للخلاص من التخلف الذي تعاني منه المرأة. وتقول هذا نتيجة الاستعمار والوضع الذي يلائم الإقطاع. فالمرأة العربية شاركت الرجل في الحرب، وأنشدت الشعر، وكانت تصلي في المساجد مع الرجل وتناقش الخلفاء، وكانت تدير صالونات أدبية. تذكرن أن غزالة الحرورية كانت تحارب دولة! وأن سكينة كانت تحاور المفكرين! سحرت الطالبات بساطة رشيقة وصدقها. وشعرن لأول مرة بأنهن أفراد في مجموعة، وأن لهن دورا في مصير الوطن العربي كله. أصبح الحلم بالحب والزواج مقطعا يواكب حياة واسعة. وصارت المهنة نفسها وسط تلك السعة. لكن الحق في الحب واختيار الزوج بدا من شروط أن تكون المرأة ندا. مع احترام رضا الوالدين. قرأت رشيقة بعض قصائد نزار قباني وأثنت على لغته البسيطة التي تقرب الناس من الشعر، وارتقائه بالعواطف الذي أذلها المغنون السوقيون! بدا نزار قباني من التفتح الذي تحمست له رشيقة. هل انتقلت طالباتها بعد البكالوريا إلى الجامعة لأنها حدثتهن عن العلم كواجب نحو النفس ونحو المجتمع، وخاصة للنساء؟ أم كانت رشيقة نفسها من مزاج عام رفع قيمة العلم والعمل، وأغرى ببناء وطن متنور يتفتح فيه الإنسان! شاركت ليلى الطالبات في زيارة الأستاذة رشيقة في بيتها. وشربت معهن الشاي وتفرجت على مكتبة أستاذتها. كانت المكتبة تغطي جدارا كاملا، مع أن رشيقة قالت إنها لاتحب الاحتفاظ بالكتب، وتمارس توزيعها كي يقرأها غيرها. هذه المكتبة إذن بعض ماكان لديها! عرضت رشيقة على الطالبات أن يخترن مايحلو لهن منها. فأخذت غادة روايات دستويفسكي التي ترجمها سامي الدروبي وروايات غوركي التي نشرتها دار اليقظة. واختارت ليلى ديوان عمر أبي ريشة. شربت ليلى الشاي مع زميلاتها وذاقت الكاتو الذي حضرته رشيقة لطالباتها. لم تكرر ليلى الزيارة إلا مرات قليلة صادفت خلالها رجال الأدب والسياسة الذين تنشر الجرائد أسماءهم. لكن غادة وبعض التلميذات بقين يترددن عليها. ثم صرن يحضرن اجتماعات في مكتب حزب البعث في الشهداء. وصارت ليلى تراهن فيما بعد في صدر مظاهرات الجامعة. وستتساءل: هل كسبت غادة من رشيقة فيما بعد بعض الكتب التي استخدمتها في مناقشة مديحة؟ قالت غادة: سأزور زوجة أكرم الحوراني. تعالي معي! ورافقتها ليلى. سترى بيت الرجل الذي تتحدث البلد عنه، وستعرف زوجته! كانت رشيقة قد حدثت غادة عنه منذ بداية تقاربهما. كان أكرم الحوراني قد عرف في شبابه بيروت ودمشق وفلسطين. درس في معهد الحقوق في دمشق وانتسب إلى الحزب القومي السوري مجذوبا بعلمانيته وتنظيمه ومشروع وحدة سورية. وتركه بعد سنتين وترأس حزب الشباب في حماة فسند الفلاحين ضد الإقطاعيين. كان من شعارات ذلك الحزب "هاتوا القفة والكريك لنعش الآغا والبيك". حمل الحوراني مزاج الحموي الزكرت، ونقله إلى مستوى سياسي. دافع عن الفلاحين بالقوة، فكسب سمعة لن يبددها انصرافه إلى مشروع سياسي واسع. في سنة 1941 هبّ لنجدة الضباط الثوار ضد الإنكليز في العراق، وجرّ معه ضباطا سوريين. فعاد بعمق عربي في مشروعه. محملا بتجربة الرد الاستعماري الوحشي على الضباط الذين أرادوا حياد العراق بين المتحاربين في الحرب العالمية الثانية. فانتخبته حماة نائبا في البارلمان سنة 43 وهاجم العشائر والإقطاع. ثم دخل إلى فلسطين مع المتطوعين واشترك في مقاومة الصهيونيين. وقوى هذا المسار علاقاته بالضباط الجدد في كلية حمص العسكرية. كان الضباط الذين ساهموا في الانقلابات قد حاربوا في فلسطين قبيل خسارتها. فكان عجز الجيوش العربية عن الحرب من أسباب الانقلابات التي عصفت بمصر وسورية. فهل كان الحوراني يتصور أن المساهمة فيها تحقق مشروعه بسرعة؟ مع ذلك كان يتقدم في تنظيم الشباب. وكان أعضاء حزب الاشتراكي العربي في سنة 1950 أكثر من عشرة آلاف. في سنة 1952 وحد حزبه مع حزب البعث، حزب ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار. كانت رشيقة قد استمعت إلى ميشيل عفلق وتابعته. بدا لها أنه يصوغ النظرية. لكن الحوراني هو رجل العمل، رجل الواقع والجماهير. أحدهما رجل المدرسة الفكرية والآخر رجل السياسة. أحدهما ينغمس في الانتخابات النيابية ويمارس ماتفتحه له من اتصالات ونشاط وقرارات، والآخر يرى أن اللعبة البارلمانية يجب ألا تشغل عن المشروع الواسع. بدا لها أن الحوراني يفهم بدقة دور الجيوش في العالم الثالث ويفيد من ذلك الدور. ولايبالي بأن يقال عنه إنه من أنصار "الاستعجال". يجب تركيز العمل في قطاعي التعليم والجيش فهما القطاعان الحاسمان في القرار. وستتبين رشيقة فيما بعد أن ملاحظاتها لمست الاختلاف الذي أثر في مسار الحياة العامة في سورية والعراق. لم يتردد الحوراني في الاعتماد على الانقلاب العسكري، مع أنه سيرفض فيما بعد نفوذ العسكريين. لكن الرزاز سيسمي ذلك خطوة في الظلام تلغي دور المنظمات الشعبية والعمل الشعبي. وستقرأ في الأيام الصعبة فيما بعد قوله "خطر الحكم العسكري يزداد حين تضعف القوة الشعبية". وستتأمل رأيه في ضرورة أن تحكم القيادة الحزبية المدنية المنظمة الحزبية العسكرية. ساقت الحماسة والأحلام رشيقة وبهرت بها تلميذاتها. كان الانتباه يومذاك مسددا إلى حلف بغداد الذي سيغير أسماءه فيصبح حلف السنتو، ويصبح فراغ ايزنهاور. وإلى حشد الأصوات لقائمة الاشتراكيين في انتخابات حرة. وتأسيس منظمات قوية مثقفة. كانت غادة تعتد بأنها أصبحت ضيفة أليفة في بيت أكرم الحوراني. فالتفاهم ألغى الفرق في سنوات العمر. وصارت تطل على جانب آخر في علاقة السياسي بزوجته. وتعرف القدَر الذي يحرمهم من المتع العادية. قالت نزيهة ضاحكة مرة: قصصت شعري وعدت مزهوة من صالون الحلاق. كان أكرم مستعجلا فصادفته قرب الباب. سألته ماذا تلاحظ؟ نظر إلي وقال إنه لم يلاحظ شيئا غير عادي. سألته ألا يعجبك شعري القصير؟ سألني وهل كان طويلا؟ لكن نزيهة حملت واجبات السياسي المعقدة. بدت لغادة ربة بيت، وسيدة أنيقة جميلة، ومعلمة تحب مهنتها، وحاضنة أزمات عامة، ورحالة تتنقل مع زوجها إلى حيث سيقدر له أن يرحل راغبا ومضطرا. ولن تلتقي بها إلا بعد عقود وهي مريضة تقاوم السرطان في شجاعة. وستتبين العينين الحلوتين الخضراوين، وبريقهما الأخاذ، والابتسامة الساحرة نفسها، والذكاء. لكنها ستتبين الحكمة التي كنزتها نزيهة من السنوات الطويلة الصعبة. كان يسعد غادة خلال الدراسة في الجامعة أن تصطحب معها إلى بيت نزيهة بعض زميلاتها أحيانا. مشت مع ليلى في طريق تحف به بساتين الصالحية. وبعد ربع ساعة فقط وصلتا إلى بناء جديد في عين الكرش. استقبلتهما شابة خضراء العينين، حلوة، لطيفة. كانت معلمتهما القديمة رشيقة في انتظارهما عندها. وأظهرت فرحها بلقاء ليلى بعد غياب طويل. تأملت ليلى نزيهة الحمصي، زوجة السياسي الذي انتخب نائبا في البارلمان في أيام الاحتلال الفرنسي، ورحل إلى العراق لنجدة ثورة الكيلاني، وتطوع في حرب فلسطين، وكتب البيان الأول في انقلاب حسني الزعيم. ولم يغب عن انقلاب الحناوي والشيشكلي. وهاهو الآن في المجلس النيابي السوري رئيس مجموعة ذات رأي حاسم. خمنت ليلى أن غادة تجاوزت مرحلة فحص المجموعة التي تلتقي بها عند رشيقة. فقد عرضت آراءها لمنور خلال الغداء. اشتراكيتنا ليست شيوعية ياخالتي! لأنها مفصّلة للواقع العربي. يفيدنا الاطلاع على كتب الماركسيين لنفهم شرط الثورات وظروفها. الماركسية مصدر مهم من مصادرنا. تجربة تيتو مصدر آخر، وكذلك الصين والهند. لكن نظرتنا مؤسسة على واقع بلادنا. وليست لنا مرجعية خارجية تفرض علينا قرارها كما تفرض على الشيوعيين. لذلك نختلف عنهم في أمر آخر هو الموقف من فلسطين. فقد قبلوا قرار التقسيم لأن الاتحاد السوفييتي قبله. مع أن الأمة العربية تعرف أن المستوطنين اليهود غرباء فرضهم الانتداب البريطاني ثم احتلوا بالقوة مايتجاوز حتى حدود التقسيم! استمعت منور إلى غادة في حنان. تأملت حماستها التي تنقل أحداثا لم تعرفها لكنها تصدق ماروي لها عنها. وأثار شفقتها اندفاع غادة إلى مصير تستعد فيه لأية تضحية تطلب منها. متى اجتازت هذه الصبية حدود أسرتها وأصبحت وسط هيئة في سعة خريطة تمتد من الخليج إلى المحيط؟ هل تجهل منور التي عاشت أيام الانتداب أن الأسرة البعيدة عن الأحداث العامة قد تحمي أفرادها، لكن الفرد الذي يصبح عضوا في منظمة عامة يوسع قدره بها! قالت لها: عرفت عكا ويافا اللتين لاتعرفينهما! مدينتان عربيتان. فمن يستطيع أن يقبل التقسيم الذي وضعهما في خريطة يهود غرباء! وهل تعرفين من اولئك المستوطنون؟ أنا عرفت بعضهم! كان الواحد منهم يشتري السمكة في طبرية ويضعها في عبّه! في ذلك الغداء الطويل الذي قدمت منور فيه ورق العنب والكوسا المحشي المطبوخ مع الجانرك والشرحات والعصاعيص، استمعت إلى غادة. تركتها تقول مافي قلبها. ثم قالت لها: موفقة! لكن ليلى ابنة شهيد قتل في الجليل. ولذلك يجب ألا تنحاز إلى حزب ولو كان برنامجه تحرير الوطن العربي من التخلف والإقطاع، كما قلتِ، وبناء الاشتراكية التي تمنع الاستغلال، كما قلتِ! يفيد ليلى أن تلتقي بأشخاص متنوعين، وأن تفهم البلاد التي قاوم أبوها فيها الاحتلال، وأنجد فيها جياع الحرب العالمية، واستشهد ليرد المستوطنين اليهود عنها! لكنها يجب ألا تنحاز لحزب من الأحزاب التي تنظمكم في الجامعة! لم تعترض ليلى على كلام منور. لأنهما تحدثتا عن ذلك مرات. فالإخلاص لذكرى أبيها أمر لايناقش. والإخلاص له يعني أن تكون مثله، مع المجموعة لامع قسم منها. ولكنها لم تخمن أنها ستميز، فيما بعد، سعة انحياز عواطفها وفكرها من ضيق التزام الأحزاب المقيد بالولاء لبرنامج وترتيب تنظيمي! وستقنع نفسها بأنها كطبيبة لايمكن أن تميز مريضا من آخر. وستؤكد ذلك وهي تسعف الجرحى في حرب تشرين! وقت أخبرت أمها بأنها ستزور زوجة أكرم الحوراني مع غادة. سألتها منور: ستحضرين اجتماعا هناك؟ لا، سنلتقي بها وستكون السيدة رشيقة هناك. لايغيب عن منور أن الشباب يلبون حاجة روحية بالانتساب إلى الأحزاب الوطنية. يحتاجون إلى مشروع واسع يسددون حيويتهم فيه، ويحملون منها هدفا كبيرا وقضية عامة. يكتشفون الحرارة في عمل المجموعة، ويستقوون بأنهم منها. ويتبينون مافي أنفسهم من القوى ويتعودون التنظيم. ألم تعرف منور ذلك بعد عملها في الهلال الأحمر؟ ألم تجد فيه خلاصا من وحدتها وهواجسها؟ ألم تتبين فيه قوة الروح والجسم التي ظنتها خبت بعد مقتل ابنها وزوجها؟ كم بدا الوطن لليلى جميلا خلال الحديث عنه في بيت الحوراني! كم بدت الأحلام نقية وقريبة! لاشيء يمكن أن يمنع وحدة الأمة العربية المجزأة في أقطار باتفاقيات استعمارية. وحدة الأمة قدر يجب أن يحمل تنفيذه شباب مؤمن بقدرة الأمة العربية وحيويتها. أما الاشتراكية فستكون عربية نابعة من حاجات محلية عربية. تتمايز البلاد العربية بسبب التجزئة، لكن التصميم يمكن أن يزيل الفروق بينها. مع ذلك بدا كل ذلك غائما متداخلا في الحلم. لكن الحقيقة المتوهجة أن الأشخاص الذين التقت بهم ليلى مخلصون وصادقون ومتحمسون. وكانت نزيهة الحمصي، فوق ذلك، صافية الوجه، أنيسة، جميلة، هادئة، متفائلة، تبدو سعيدة وابتسامتها ساحرة. قدمت للفتاتين سكاكر وقهوة. وتحدثت مع صديقتها رشيقة عن كثافة الاجتماعات التي تحرمها من اللقاء بزوجها تقريبا. لكنها لم تكن تشكو. بل بدت كمن يروي واقعا لايدينه بل يعتز به. سألت منور ابنتها: أعجبتك زوجة أكرم الحوراني؟ ردت: نعم، كثيرا! لايحسد الإنسان المتعب المشغول. لكني غبطتها! قالت منور: لكن تذكري مكانك! لاتستسلمي لإغراء أي حزب! لاأقول لك ذلك لأني أخاف عليك. بل لأن الأحزاب التي ترينها متفقة اليوم قد تختلف غدا. وابنة الشهيد يجب ألا تنغمس في المنافسة أو في الصراع بين الجماعات والأحزاب! ستكون ليلى شاهدا على حوار بين مديحة وغادة. وستسألهما: هذا تنافس أم صراع؟ وسترد مديحة: بل اختلاف في إطار التجمع! قالت غادة: تطبقون على بلادنا نظرية مجردة. تتحدثون عن بروليتاريا غير موجودة، وعن فلاحين لم نعرف مثلهم إلا في الأفلام والكتب. الاطلاع على نتاج الفكر السوفييتي ضروري لاستكمال ثقافة أي مواطن. لكننا لن نقتلع من هويتنا. تفرجي، تتحدثون عن الواقعية الاشتراكية وفي بلادنا لايزال الفلاح يمشي أمام زوجته والرجل يمكن أن يطرد زوجته من البيت! نحن نستقي من أية نظرية اشتراكية في العالم. نستفيد من أسلوب ماركس العلمي في تحليل القوى الفاعلة في المجتمع وسياق حركة التاريخ والمراحل التاريخية. نأخذ بهذه المقدمات كوسيلة علمية. أنتم تنقلون صورة التطبيق السوفييتي للاشتراكية كصيغة مقدسة! ردت مديحة في هدوء: حاجات الإنسان واحدة، أكان أبيض أم أسود أم أصفر. والماء يغلي في الدرجة مئة! فقالت غادة: لكن العرب يعيشون في ظروف معينة ياحبيبتي! والتاريخ يبين أنكم التفتم إلى الصراع الطبقي عندما كانت الثورة على الاستعمار هي المسألة في الوطن العربي. وأكبر أخطائكم أنكم رأيتم أن مقاومة الصهيونية حركة رجعية تقودها الرجعية العربية، وأن وحدة المصلحة تجمع بين البروليتاريا العربية واليهودية. وعندما غيرتم نظرتكم لم يكن ذلك التغيير نابعا منكم بل بسبب قرارات المؤتمر العشرين في الاتحاد السوفييتي وانتباه السوفييت إلى حركات التحرر القومية والحق في تعدد الطرق إلى الاشتراكية. أضيف إلى ذلك أننا نختلف معكم في مسألة الحرية والحق في التعبير وتنوع التنظيم. تحددونها أنتم بالطبقة ونراها نحن متصلة بحق الإنسان في التجمع والتعبير. ياغادة! أنت التي تتوهمين أن الإنسان يعيش خارج شروط الزمان والمكان! لذلك فالحرية عندك مطلقة خارج الطبقات. والأمة عندك كتلة واحدة ثابتة لاأغنياء وفقراء فيها. والعالم لديك معسكر واحد يستوي فيه المعسكر الاشتراكي الذي يساعدنا والمعسكر الرأسمالي الذي يعادينا! ستقول لهما ليلى وهي تتركهما غارقتين في الحوار: سأنصرف لأعدّ الاحتفال باتفاقكما! وسترد غادة مداعبة: هذا خلاف في إطار الاتفاق! في السنة الاولى من الدراسة في الجامعة التقت ليلى وغادة ومديحة بعمر. سبقت غادة زميلتيها في معرفته. قدمه لها رفاقها: عمر بطل من أبطالنا، صمد في سجون الشيشكلي. خيل إليها أن عمرا ارتبك فقال: لاتصدقيهم! أنا طالب في كلية الطب خسر أكثر من سنة من الدراسة ويحاول أن يعوّضها! وشعرت غادة بضيقه بريش الطاووس الذي يزينونه به. وكم بدا لها لطيفا ودمثا! أتى عمر من الحسكة في شمال سورية ليدرس الطب. ومنذ وصل تسرب كسواقي الماء في دمشق. استأجر غرفة في زقاق الصخر، ثم انتقل إلى غرفة في الشعلان دلّه إليها طالب أردني. قال له أبوه: ادرس، لكن مع الدراسة اعرف الدنيا! في العاصمة رجال السياسة وموظفو الدولة! عش، صر رجلا ياابني، ولاتفكر في المصروف، بل في العمر الذي يهرب فلايبقى لك إلا ماتكسبه منه! يزرع أبوه القمح، ويرسل قطعان الخرفان مع الرعيان إلى البادية، والدنيا في خير. لم يخطر لأبيه أن عمرا سيبدأ نضجه في السجن. وجد عمر نفسه بين طلاب يرفضون اللعب بالقوانين وحكم الفرد، ويتوجسون من اتصالات سرية أمريكية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين. دون مؤسسات ديمقراطية يمكن أن يقرر كل شيء في السرّ! التنازل عن فلسطين التي حارب فيها الحوراني والمالكي والشيشكلي نفسه، وقتل في سبيلها القسام وسعيد العاص ومئات المتطوعين العرب؟ ذلك من الكبائر! قال عمر لزملائه الطلاب أنا معكم! لن ينتسب إلى أي حزب فيقيد نفسه بنظامه وأوامره ويحاسب على كلمة زائدة وكلمة ناقصة. لكنه لايوافق على إلغاء الأحزاب. لم يعتقل، لكنه لايوافق على اعتقال الناس، بل يتمنى أن تكون السجون حتى للمجرمين من زجاج شفاف. مرّ خلال نزهته في شارع بغداد ببيت الشيشكلي. بيت بسيط. لمح مقابله على الرصيف الآخر بيتا تبدو من نوافذه وفي شرفاته فتيات جميلات. ذهل. رجع فرآهن مرة أخرى. تساءل: لإفساد الضباط بمكافآت صغيرة؟ مكان للعمل ومقابله مكان للراحة؟ صرخ عمر مع زملائه الطلاب: تسقط الديكتاتورية، يسقط الإرهاب! ووجد نفسه معتقلا مع مجموعة منهم. اكتشف خلال الاعتقال مهانة الإنسان في السجن. لم يتحمل بعنفوانه الريفي أن يضربه جندي ويقول له ياكلب. فأضرب عن الطعام. وعندئذ تلقى أول دروس السجن: لايجوز الإضراب عن الطعام إلا بعد الاتفاق على برنامج يوافق عليه المعتقلون ويستطيعون الدفاع عنه. هل ندمّر أجسامنا بإضراب عن الطعام لاهدف له؟ كرامة الإنسان؟ من حسنات اعتقالنا أن نطّلع على معاملة المواطنين الفقراء الذين لاسند لهم! هل سمعت نحيب تلك الأسرة التي سجنت مع أطفالها؟ التحقيق ضرب وفلقة وسياط! هل رأيت المحامين الذين حلقت شعورهم؟ في سجن تدمر ضباط معتقلون، أيضا! أفاد عمر من خبرة السياسيين في السجن، لكنه بقي حرا دون ولاء لحزب! يوم نقل مع الطلاب المعتقلين بشاحنة عسكرية مغلقة إلى تدمر، رأى تسليم المعتقلين واستلامهم في المخافر كأنهم بضاعة. من هذا الذي خفف عنهم في عتمة الشاحنة بحكايا مضحكة وقال لهم احتفلوا، فلو لم تكونوا مهمين لما شحنوكم إلى الصحراء؟! في تدمر صُلب عمر وضرب. وهناك بدا له أن كرامته في عناده فحاول ألا يصرخ من الألم. حتى نصحه أحد المعتقلين: بل يجب أن تصرخ كيلا تزيد من حقدهم عليك. لكنه ظل دهشا من اندفاع الجلادين الذين ضربوه: كأن بيني وبينهم أحقاد! كأني أكلت مال أبيهم! انتهى الاعتقال بمسرحية. بعد الاستفتاء الذي جعل الشيشكلي رئيس جمهورية استقبل، كمنتصر، الطلاب المعتقلين واعتذر لهم. لكن مارآه عمر في السجن كان أكثر عمقا من مسرحية العفو. وبدا له أن زمن الشيشكلي انتهى. اجتمع السياسيون في أيلول سنة 953 في مؤتمر في حمص برئاسة هاشم الأتاسي واتفقوا على استعادة الديمقراطية والدستور. وفي بداية السنة الجامعية كان الطلاب جاهزين للإضرابات، وجروا إليها المدارس الثانوية. كانت قوات الشيشكلي تقصف جبل العرب كأنما لتستبق تمردا فيه. وأنجز الشيشكلي قائمة لتسريح الضباط البعثيين والمعارضين. كان الوقت ملائما لإبعاده، ويبدو أن الحوراني نبّه الضباط إلى ضرورة أن يستبقوا التسريح. فأعلن الضابط مصطفى حمدون العصيان من إذاعة حلب في 24 شباط ودعا القطعات العسكرية إلى مساندته. فانضمت إليه بمن فيها من المستقلين وحزب الشعب، ومنها القوات التي كانت في جبل العرب. نزل عمر مع المتظاهرين الذين سندوا الضباط المتمردين في حلب. واحتل مع الناس محطة الإذاعة. هل كانت سطوة القوة تغطي هشاشة النظام؟! سقط الشيشكلي في سهولة! وفهم الحقيقة فتفادى المقاومة الخاسرة وكتب استقالة متزنة: "حقنا لدماء الشعب الذي أحبه، والجيش الذي أفتديه، والوطن العربي الذي أردت أن أخدمه بتجرد وإخلاص، أقدم استقالتي من رئاسة الجمهورية السورية إلى الشعب السوري العزيز الذي انتخبني ومنحني ثقته الغالية، راجيا أن يكون ذلك خدمة لبلادي وأن يحقق وحدتها ومنعتها، ويأخذ بيدها إلى قمة المجد والرفعة". تذكر عمر أن القوتلي لم يقدم استقالته لحسني للزعيم بل قدمها للشعب السوري! لكن أية رفعة وأي مجد حيث يهان الإنسان ويضرب ويعذب؟ من وهب فردا أو مجموعة الوصاية على الناس ليختار لهم مايظن أنه مجد وسعادة؟ يوم دخل عمر قاعة المحاضرات بعد السجن استقبله أساتذته وزملاؤه بالتصفيق. واستقبلوه بالتصفيق عندما دخل إلى المكتبة. عزّوه في مرح: صرت مثل ناظم القدسي! ستقول أمك يوم تخطب لك: "مستقيم، من السجن إلى القصر ومن القصر إلى السجن"! لكن هل ألزمته حفاوتهم بمتابعة الأحداث كبطل من أبطالها؟ كانت قاعة المكتبة تهدأ بعد الساعة العاشرة مساء فلايبقى فيها غير الغرباء عن دمشق. وكان هؤلاء الطلاب يخترعون لأنفسهم محطات من الراحة فيأتي أحدهم ببور كاز كأنه يريد أن يحضّر الشاي فيعترض آخر ويدافع عنه ثالث وينعقد حوار مرح. خلال تلك المحطات دفعوا عمرا إلى الوقوف على الكرسي ليلقي كلمة. سعل، واصطنع الجد، ثم شكرهم على تتويجه بالزعامة. لكنه أكد لهم أنه لايرغب في انتزاعها من "الدوتشي"، طالب الحقوق، الذي يرفعون له الأذرع تحية كلما مرّ بهم. وقال في نهاية كلمته المرحة: ضاعت مني أشهر من الدروس. يجب أن أتصوف كي ألحقكم يازملائي الغالين! لكنه وجد نفسه يحتفي بأول انتخابات حرة في خريف سنة 954 ويغضب على تفريق الضباط المسرحين الذين أعيدوا إلى الجيش، في قطعات بعيدة، مع أن لهم الفضل في سقوط الشيشكلي. قال: ليس ذلك مسألة وطنية فقط، بل مسألة عدالة! فأثنى عليه البعثيون، لكنه ذكّرهم في مرح: إذا مشيت على هذا الرصيف فامشوا على الرصيف الآخر! الدراسة! لاحظ عمر أنه بعد السجن لم يعد يتحمل البقاء في غرفته، ولايطيق الستائر المسدلة، ولايغلق الباب على نفسه إلا وقت النوم. وينهض أحيانا وسط الليل ضيّق الصدر. داوى نفسه بالمشي. وكم يحلو المشي في دمشق! سحرته دمشق منذ نزل فيها. وبدت له بعد السجن أكثر فتنة. كانت مدينة صغيرة بيضاء وسط غوطة هائلة من الأشجار المثمرة، تنعم بأنهارها التي تتسلق جبليّ الربوة، يتدفق فيها بردى قويا وهادرا، يغمر في الشتاء ساحة المرجة وتصبح مياه أنهاره شلالات تتقافز على الطريق تحت المقاهي في الربوة. كانت بعض البيوت الجديدة قد بدأت تخرج إلى بساتين أبي رمانة في الغرب، وإلى بساتين "ماوراء الدور" في عين الكرش على ضفة شارع بغداد. لكن البساتين كانت تمتد متصلة من شارع بغداد حتى قاسيون. وكانت البساتين تمتد خلف بيت فخري البارودي في كيوان، كثيفة حتى قاسيون. فيرتعش عمر من البرد في عزّ الصيف عندما يمرّ من هناك. بهرت عمرا السبلان المنتشرة في أنحاء دمشق. هذه مدينة لايمكن أن يعطش فيها الإنسان! ينحني في أية حارة على سبيل الماء ويغرف منه بيديه! مدينة سعيدة بمائها، بالتناسب بين سكانها وعمارتها وبساتينها. مدينة تشبع من خضارها وفواكهها وترسل مايفيض عنها إلى ما حولها. أهلها مثال الرقة والتهذيب. ذاق فيها عمر طعاما لم يذق مثله في حياته، وعرف فيها أنواعا من الشراب لم يتصور أن توجد مثل نكهتها. كان زملاؤه الدمشقيون يحتفون به فيدعونه أحيانا إلى الغداء في بيوتهم فيتبين في الطعام الأناقة والنكهة والعبق. صار يرى الشاهد على الحضارة في الطعام والصوت واللهجة والملابس والحركة، ويقول: ذلك لايكتسب إلا في قرون وعصور! وبدا له أن دمشق بدّلته فتساءل مازحا: تدمشقتُ؟ كان في السنة الثالثة من كلية الطب عندما رأى طالبة جديدة ذكّرته بالغزلان التي ألفها في الشمال. كان يحدّث زميله عن حضارة دمشق التي اكتشفها. فقال لنفسه وهو ينظر إلى الشابة: هاهي! مرت به دون أن تراه. وعرف فيما بعد أن اسمها ليلى وأنها انتسبت إلى كلية الطب. فطمأن نفسه: سأجد من يقدّمني إليها! لكنه لم يخمّن أن أصحابه سيستعجلون ذلك فيقدمونه لها مرات ثم سيقدم نفسه لها في المكتبة مداعبا، وأن غادة ستجمعهما في شرفة الضيوف في المجلس النيابي، وأنه سيكون قريبا من ليلى في تلك السنة نفسها! بدت له دمشق في تلك السنوات رخيّة وارفة. يمد يده ويتناول منها مايشاء. من يأكل في مطعم سقراط في جسر فيكتوريا ومطعم الريّس في بوابة الصالحية وبريمو في البارلمان؟ موظفون، صحفيون، كتاب، وسياسيون! وكان عمر حرا، يختار مقامه ومساره. لاعشيرة نعه ولاأهل، وفي الشباب المنتصر من يشعر بالوحدة! كأنما كان السجن له بوابة إلى صداقة الرجال. وبصحبتهم عرف البلد. جلس معهم في المقاهي، واستمع إلى المناقشات السياسية، وخرج في النزهات، وتذوق الشوارع في الليل. كم مرة مشى في شارع بغداد بعد منتصف الليل حتى وصل إلى قصر البللور في باب توما! كم مرة ركب عربة الخيل من الربوة إلى دمشق مفتونا بايقاع حوافر الخيل على الطريق! وكم مرة مشى تحت شجر الجوز في شارع الربوة مالئا جيبيه بثمار الجوز التي جمعها من الرصيف المزدوج تحت الأشجار! ركب عمر الترام مع مجموعة من أصحابه من المرجة ووصل إلى دوما! كان الترام ممتلئا بالناس. فتناول الكمساري المال وناول "البيليتات" لأصحابها فوق رؤوس الركاب. طاشت السكة من شريط الكهرباء، فنزل الكمساري وأعادها إلى مجراها. ومد الجالسون رؤوسهم من النوافذ وراقبوه وهو يعدّل وضعها بالحبل ثم يربط الحبل في مكانه. وكأنما احتفل السائق بذلك فصار يضغط بقدمه جرس الترام في ايقاع يعلن أن النزهة بدأت. تدفقت على عمر سعادة بتلك التفاصيل. كان مع أصحابه في مؤخرة الترام فأحاط بما يعبره من البساتين التي بدأت بعد القصاع. قطع جوبر وعربين وزملكا وحرستا ونزل في محطة مسيجة بالورد الجوري. مشى كالناس يبحث عن بستان مناسب. الغوطة في أيام زهر المشمش بساتين خضراء وأشجار بيضاء. والسواقي تعبر أشجار الجوز على حوافّ البساتين وتتسرب حصصا مرة إلى هنا ومرة إلى هناك. غرّدت الشحارير، وعبرت السماء أسراب من السنونو، وقاقت الغربان. كان الهواء منعشا نظيفا والشمس دافئة. توقف عمر: هنا! اختار البستان المناسب. جلس أصحابه على كتف ساقية. نظَموا اللحم في الأسياخ. قدم لهم البستاني حصيرا يجلسون عليه. وقدم لهم الماء والملح الذي نسوه. سيخيل إلى عمر أنه أحب أصدقاءه أكثر من قبل، وأنه اقترب من ليلى، وهو مستلق على البساط تحت شجرة مشمش مزهرة، تتساقط منها عليه تويجات بيضاء مع النسيم. ولكن هل كان يدري أنه سيكون أحد ثلاثة رجال أحبوها وحملوا الشقاء والسعادة من ذلك الحب؟ في أول الصيف قبيل الامتحانات، كان عمر يختار مع أصحابه مقاهي القصاع ليدرس مستمتعا بهدوئها. يجلس تحت أشجار مقهى "جناين الورد" أو في مقهى "السلوى". من يفتقده في النهار يطلبه هناك! وقت عرف قيسا صار يتغدى معه أحيانا في مطعم الريّس، ويتعشى مثله في مطعم بريمو في البارلمان. لكن بقيت لعمر مساربه الخاصة. ففي بعض الأماسي يفضل قصر البللور في باب توما. وبعد الظهر يجلس أحيانا في مقهى الكمال المكشوف. يختار أحيانا المطاعم الصغيرة خلف السرايا، ويعبر خمّارة فريدي على شاطئ بردى، ومشرب المنتدى، والكوكب، ثم مطعم سقراط، والصفا، و"لوازيز". وأحيانا يستهويه البرج الفضي أو مطعم الشموع الجديدان في الصالحية. ويعجبه أحيانا أن يتناول الشاورما من "الصدّيق" في بناء المنزل في المرجة، فالشاورما فيه طيبة ونظيفة مثل اللحم المشوي عند أواديس في باب توما! لكن من ير عمرا جالسا في مقهى الهافانا يظنه من زبائنه. فضّله على مقهى البرازيل حيث يلتقي الزعماء السياسيون وقادة اللاجئين السياسيين الأردنيين والعراقيين. لذلك رمى عمر نفسه في الحوار بين جماعة البرازيل وجماعة الهافانا. وكان مصير مقهى البرازيل حدَثا. لم يخطر لأحد أن ذلك بداية تغيير مدينة صغيرة مستقرة لاشبيه لها. احتل دكان "للنيشان" مكان مقهى يجمع السياسيين، فغيّر هيأته ورواده. وسيحتل مخزن مكان مطعم "لوازيز" بجانب الهافانا. وسيقول عمر فيما بعد: في تلك الأيام كانت دمشق ماتزال غنية تستطيع أن تنفق الكثير من ملامحها! قيل لعمر عندما وصل إلى الهافانا في طريقه إلى الجامعة: لم يتحمل مقهى البرازيل السياسيين فأفلس. صار دكانا "للنيشان"! سأل مرحا: مامصير الزعماء؟ وانشغل مع رواد الهافانا بمراثي "البرازيل". نشرت المقالات والقصائد التي كتبت على طاولاته، وعلق الرواد عليها، وكتبوا الرد. ونفدت الجرائد التي تابعت المتبارين. اجتمع عمر وأصحابه حول رجل قرأ عليهم مقالته، وقاطعوه بالتعليق. قرأ: كان لنا مكان واحد نفضل أن نلتقي فيه ونرفع الصوت المباح وغير المباح، أن نرمي في ساحته أشلاء الدول وبقايا الحكومات، أن نمضغ فيه السياسيين من عيار الكيخيا إلى عيار أبي طوق. وكانت كراسيه مثل سحاحير هايدبارك وكل مناضده كمشرحة الجامعة، وكل حيطانه في الصمم كآذان المديون أمام إلحاح الدائنين. كان مقهى لكنه كبرلمان. كان مقهى لكنه كدار الندوة. وكانت أحاديثنا تجمع في قلبه بين فيضي الأتاسي الحمصي الشعبي الفرنسي البيان، وخليل كلاس الحموي الواضح المنطق.. جلس قرب عمر في الهافانا رجل من أصحابه، سحب قلمه من جيبه كأنه يستل سيفا وطلب ورقة، فقصّ له عمر ورقة من دفتره، وشهد مولد القصيدة واشترك في تصحيحها. قال الرجل: اسمعوا، أرفع باسم رواد مقهى الهافانا قصيدتي إلى اللاجئين إلينا من البرازيل: يامرحبا، ألف تأهيل وتسهيل باللاجئين زبونات البرازيل تفضلوا إنكم من أهل شارعنا زين الكلاحيس جيران الزناكيل إنا سمعنا بأمجاد لكم سلفت في الزندقات وفي نصب الأحابيل لاتخجلوا وادخلوا أهلا بلا طلب أو قدموا طلبا لكن بلا بُول مقابل عمر واحد من اولئك "اللاجئين". أشرق وجهه وهو يستمع إلى القصيدة. قال طربا: وقعت البقرة فكثرت السكاكين! في اليوم التالي حمل عمر جريدة الفيحاء ودخل الهافانا. وسعّوا له مكانا إلى طاولة عامرة بالجالسين. وضع الجريدة على الطاولة وقال: اسمعوا! كان قد أحاط بالقلم الأحمر قصيدة بتوقيع سليم سلامة. واستمع إليه الجالسون في شوق. نفسي فداؤك عج لي بالبرازيل وقبّل الأرض فيها أي تقبيل واسأل جوانبها السوداء مافعلت أيدي الزمان بهاتيك الدراكيل كانوا ملوكا على الفنجان يجمعهم نشر الإشاعات أو بث الأضاليل لم يرحموا أحدا من ظلمهم أبدا ولم يراعوا حقوقا للجرانيل جار الزمان عليهم ثم فرّقهم تحت الكواكب تفريق البهاليل قال عمر: لن يسكت البرازيليون! سيشهرون الرمح وينزلون إلى الساحة! وكان على حق. ردوا بتوقيع بديع الزمان. قف بالطلول وقل يادمعتي سيلي أخنى الزمان على مقهى البرازيل كأن أركانه لم تحو ندوتنا ولاتضارب فيه القال بالقيل ولاسقانا خليل فيه قهوته ملوطة بشعير الهند والفول تلك الموائد كم حيكت بجانبها مقالب وأعدت من أحابيل مقلاية الحق في أرجائها نصبت لكل منتفخ بالعرض والطول قالوا تدسون، قلنا ذاك ديدننا إن ساد في الناس أصحاب الأباطيل تحارب الظلم والطغيان ألسننا إذا تقاعس كتاب الجرانيل الشامتون بنا لادرّ درّهم من ساسة الحكم أو أهل الرساميل بدا الجو منعشا عندما خرج عمر من الهافانا. أحقا يسعده أن يشترك في تلك المعركة الأدبية؟ نعم، نعم! مشى راضيا على الدنيا. أين سيتعشى الليلة؟ لم يقرر بعد. لكنه مشى في اتجاه طريق الصالحية. سيتذكر عندما يستعيد ذلك اليوم بعد عقود أن حواره مع ليلى استغرق الطريق كله. قال لنفسه: تبدو ليلى وهي تتلفت كأنها تستطلع جوهر ماتراه! وأنت؟ ماجوهر ذلك الحوار الذي استسلمت له؟ ورد على نفسه: المتعة! سعيد! نعم، ولكن ماالجوهر، ياعمر؟ آه، كأن ليلى عدتني! أعيش مستمتعا بالحوار بين الهافانا والبرازيل! يكفي ذلك! لكنه عاد يتساءل: ماالجوهر؟ الجوهر أن المدينة للطبقة الوسطى! يستطيع أي إنسان فيها أن يدخل إلى أي مكان يشاء فيشعر بأنه يملك البلد! ماأكثر المقاهي والمطاعم في دمشق، مكشوفة في البساتين، أو مغطاة. يتحادث فيها الناس عن كل مايخطر لهم دون خوف. يتناولون أي حدث وأي شخص كمن يمارس حقا. يجلس الوزراء والسياسيون في المقاهي كأي عابر! ألم تلاحظ أن بعض الناس يقصدهم هنا؟ البال خلي! والعلاقة حية بالمكان، ولو كان في مساحة مقهى البرازيل! المثقفون وجه البلد! هذه التجمعات سمة الزمن! وهل انتبهت إلى القرب من شعر القدماء، وسهولة النظم؟ لكن هذا الجيل ينتهي. نحن ياعمر لانستطيع ذلك! لم تكن ليلى موجودة مع عمر يومذاك، ولم يرو لها شيئا عن غرقه تلك الأيام في الحوار بين رواد الهافانا ورواد البرازيل. لكنه استمتع بأن يتصورها ماشية معه إلى طريق الصالحية، لذلك عبر مطعم البرج الفضي ومطعم الريّس ومقهى الكرنك ولم يتوقف. نعم، ممتع أن يتصور ليلى إلى جانبه ويسمع صوتها فيتمنى ألا ينتهي الطريق! سيقول عمر بعد عقود لم تكن تلك السنوات لمقاومة حلف بغداد والحلف المركزي، والتضامن مع بور سعيد والأردن، وحفر الخنادق والتدريب على السلاح في جبال المزة، فقط! كانت سنوات النزهات والأفراح، سنوات الحوار بين أهل البرازيل وأهل الهافانا. سنوات معرض دمشق الدولي والحفلات الفنية والترجمة والكتب. السنوات التي أصبح فيها صوت ليلى دائم الحضور في سمع عمر. وتساءل هل يستطيع أن يعود إلى بلدته الصغيرة في الشمال، ويترك دمشق؟ وكان يقصد: هل أستطيع أن أبتعد عن ليلى؟ ألم يبالغ عمر عندما وزن تلك السنوات بالذهب؟ لم يمر يوم في هدوء منذ سقط الشيشكلي، فلماذا شعر بأنها أيام انتصار؟ لا، لم يبالغ! لأن الناس كانوا مندفعين في تلك الأحداث ولاأحد منهم يتفرج عليها من الرصيف! لأن الناس كانوا يؤمنون بأنهم قوة وحَكَم وليسوا رعية، كما سيشعرون فيما بعد! لأنهم لم يبايعوا مجموعة بالحق في أن تقرر لهم مصيرهم بل اندفعوا إلى صياغته بأنفسهم! قال فوزي لعمر: محظوظ ياعمر! من تحت الدلف إلى تحت المزراب! لم يمض على خروجك من السجن زمنا كافيا للراحة! ولم يمض على التحرر من الشيشكلي زمنا كافيا تستريح فيه البلاد! قد يحدث عدوان على سوريا أو مصر! رد عمر مداعبا: نحن هنا! ولكن كيف عرفت؟ العدوان المحدود أمر عادي. وهل توقف؟ لكن كم تتلاحق الأحداث! في 28 شباط 1955 احتلت إسرائيل العوجا المنزوعة السلاح وعجزت مصر عن الرد. وصلت الأسلحة التشيكية في 27 أيلول 1955 وفي تشرين الثاني 1955 أقر المجلس النيابي السوري اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر، وردت مصر القوات الإسرائيلية التي هاجمت موقعا مصريا في منطقة صبحة بين سيناء والنقب. في ليلة 22- 23 تشرين الأول 1955 دخلت قوة إسرائيلية مع أسلحة ثقيلة كيلومترا في الأراضي السورية وقطعت الطريق الموازي لخط الحدود بين جسر بنات يعقوب والبطيحة. في الاصطدام قتل ضابط وجنديان سوريون وأسر خمسة سوريين. وفي 22 تشرين الأول وصلت عشر قطع بحرية من الأسطول السادس إلى بيروت. فهل العدوان إسرائيلي فقط؟! أعلن في تشرين الثاني 1955 أسبوع التسلح في سوريا. فطرقت غادة الأبواب. وفاجأتها عواطف النساء! خلعن خواتمهن وأساورهن أمامها دون تردد وقمنها لها. قالت لها أمها: في زمن جدتك تبرعت النساء بحليهن للأسطول العثماني. خذي خاتمي.. كنت سأقدمه لك ذات يوم! قدمت ليلى سوارها المطعم بالياقوت وطوقها الذهبي. وقالت لأمها: بلدنا في خطر الآن! فردت منور: الآن؟ متى لم يكن في خطر ياحبيبتي؟! وقال فوزي لعمر: قد يدفع إلى العدوان على سورية أن التمثيل الديبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي رفع إلى سفارة. وأن مرشح الجبهة الشعبية التقدمية في حمص، أحمد الحاج يونس، نجح. وصدّق المجلس النيابي الاتفاقية السورية البولونية. فسأله عمر مداعبا: انتزعتم حمص من اليمين "العفن"؟! في ليلة 11 - 12 كانون الأول 1955 هاجمت إسرائيل مخافر الجيش السوري الأمامية في منطقة بحيرة طبرية وقتلت 25 سوريا منهم ثلاثة ملازمين. كلهم شباب! ووصل فجأة تمبلر رئيس أركان حرب القوات البريطانية إلى عمان ليربط الأردن بحلف بغداد، بعد زيارة عامر قائد القوات السورية المصرية المشتركة إلى المراكز الأمامية في الأردن، مع ضباط سوريين. ملأت المظاهرات شوارع الأردن. واستقالت حكومة سعيد المفتي احتجاجا على زيارة تمبلر. جاءت حكومة هزاع المجالي وقابلت المتظاهرين بالرصاص فسقط جرحى وقتلى. واستقال هزاع المجالي. حمل المتظاهرون صور رجاء أبو عماشة التي قتلها رصاص الإنكليز في القدس. ورُفعت الصورة نفسها في مظاهرات دمشق وحلب تضامنا مع الأردن. استقالت حكومة ابراهيم هاشم وشكل سمير الرفاعي في 9 كانون الثاني حكومة، وتعهد بألا يدخل أي حلف. لكن الاعتقالات استمرت، واستمرت المظاهرات. مُنع مؤتمر الهيئات الوطنية فطلب المتظاهرون حل البارلمان، وانتخابات حرة، وتنظيف الجيش من الانكليز. فأعلن غلوب حالة الطوارئ. هجم المتظاهرون على مراكز النقطة الرابعة والمفوضيات الأمريكية والإنكليزية والتركية. وأنزلوا العلم الأمريكي في القدس وأحرقوه. وطاردتهم قوات البادية. اشترك عمر في تنظيم مظاهرة جامعية، فدعا أصحابه الطلاب المستقلين إليها. وكان ذلك مناسبة من المناسبات التي اقترب بها من ليلى. استوقفها قرب قاعة المحاضرات وقال: في الأردن الآن مظاهرات كبيرة. أضربت نقابة المحامين في دمشق تضامنا مع المحامين الأردنيين المعتقلين. وسيتظاهر طلاب الجامعة تضامنا معهم. ألا تشتركين في هذا العمل الوطني؟ وقفت حائرة: سيضيع يوم آخر! قال عمر: سيضيع علي أيضا! لكني لست المذنب! غلوب وتمبلر هما المذنبان! ابتسمت ليلى واستدارت معه. كانت تحب الصفوف الخلفية فتجرها غادة إلى الصفوف الأمامية. فتبطئ خطواتها وتتراجع إلى الصف الثالث أو الرابع. مشت المظاهرة إلى البارلمان. قفز إلى سور المجلس النيابي طالب وخطب في المظاهرة، ثم تحدث طالب آخر. بعد القصيدة التي ألقيت في رجاء أبو عماشة عادت ليلى إلى الجامعة، ولحقها عمر. ماأحلى الشوارع بعد المظاهرة! فاترة وهادئة، لايكاد يعبرها غير الشباب الراجعين من المظاهرة. قال عمر: هدفهم الآن ياليلى ضم الأردن إلى حلف بغداد، ثم ضم لبنان، وحصار سوريا ثم كسرها. أنزلت بريطانيا قوات جديدة في الأردن لتمنع المدّ الشعبي! في الأردن انتفاضة وطنية حقيقية. تقع في ذلك السياق فظائع غلوب. حكى عمر عن بعضها: دخلت الشرطة إلى بيت فواز الروسان عضو محكمة التمييز العليا تطلب أخاه. فقال إذا كنتم تروّعون أسرتي وأنا عضو محكمة فماذا تفعلون بالمواطنين العاديين؟ يحكم غلوب الأردن. بأمره أبقي فلاح في الرمثا تحت المطر طول الليل فمات. اعتقل رئيس بلدية الرمثا والمجلس البلدي لأن سيارة عسكرية أحرقت في البلد. بأمره ضرب الضابط المتوحش كريشان قيسا في إربد، بقضيب من الحديد على رأسه. قتل بالرصاص على المتظاهرين ثلاثة طلاب رجاء واحدة منهم. لاحظت ليلى أن الطالبات في مقدمة المظاهرة فخورات بموتها وبطولتها! نعم، ياليلى! ماأعجب أن يكون الموت بوابة الحب العام! ماالعمل؟ أدان المندوب السوفييتي في مجلس الأمن عدوان إسرائيل على سورية. واحتج الشقيري مندوب سوريا على المساعدة الأمريكية لإسرائيل وطلب عقوبات اقتصادية عليها! لكن الصراع الآن على الأردن، وفيه. يجب أن نمنع ضم الأردن إلى حلف بغداد. سألته ليلى: كيف؟ رد: نتضامن مع إخوتنا، ونقدم المساعدة البديلة عن المساعدة البريطانية! حزب الشعب، المشترك في الوزارة السورية، مع حلف بغداد روحيا. لكن الحكومة لاتستطيع أن تتجاهل مزاج الشارع ومزاج الجيش. لابد أن يعبّر بيان الحكومة عن ذلك. سأحضر جلسة المجلس لأستمع إليه. سألته: هل هذه المظاهرات في دمشق ضغط على الحكومة السورية، إذن؟ ردّ: أوسع من ذلك! التعبير العاطفي تعبير عن موقف وطني يقوي إخوتنا في الأردن! خلال ذلك نقول لحزب الشعب الذي لايريد أن يغضب العراق والإنكليز، نحن هنا! مُنع الأردنيون اللاجئون إلى سوريا من الوصول إلى دمشق. تركوهم في درعا. فاتصلنا بوزير الداخلية، كي يسمح لهم بالوصول إلى دمشق. الجيش يسند الوطنيين. سألها عمر فجأة: هل أقول كلمات موزونة أم ترين أني "أهبش" فكرة من هنا وأخرى من هناك؟ التفتت إليه: لا! بل تضع التفاصيل في سياق. وتقدم لي معلومات أجهلها! احمر. لو تعرف كم يقاوم ارتباكه عندما يتحدث إليها! يشعر بأنه ينشر ريش الطاووس كي تُعجب به، ويخشى من انتباهها إلى ذلك! قال: أخشى أن أكون أسير لغة أدّاها غيري مئات المرات! لاتوجد كلمات شعرية للتعبير عن الأحداث! سألته: ولماذا تحتاج لغة شعرية للتعبير عنها؟ فلتبقها لقصائدك! لو تدري ليلى كم أوجعته! ذكّرته بما يهمله! استمع عمر في ذلك المساء من شرفة الزوار في مجلس النواب إلى بيان الغزي. لم يجد كرسيا فارغا فبقي واقفا. قال الغزي: "الأردن جزء من الوطن العربي، كما أنه في الوقت نفسه جزء من الوطن السوري نريد له الخير والاستقلال التام.. الأردن مرتبط بدستور ومجلس وحكومة وأوضاع شرعية لتلك المنظمات.. نحن لانتدخل في أموره الداخلية. لكن واجبنا القومي أن نقدّم إلى الأردن الشقيق المساعدة والمعونة التي تمكنه في ظل حكم نيابي شرعي صحيح من أن يتخلص من القيود التي تحد سلطاته الشرعية. وقد تشاورت هذه الحكومة مع الحكومتين الشقيقتين مصر والسعودية في أمر تقديم المساعدة المالية للأردن. وبعد المشاورات التي بدأت بعد الحوادث الاولى في الأردن وانتهت اليوم، قدّمت الحكومات الثلاث مذكرة رسمية إلى الأردن جاء فيها أن الحكومات الثلاث ترغب في أن تتشاور مع الحكومة الأردنية في الطريقة التي تقدّم بها الدول العربية المساعدة والمعونة للأردن.. أما المساعدة الأخوية التي علينا أن نقدّمها نحو أبنائنا وإخواننا من أبناء الأردن الشقيق الذين جاؤونا مستغيثين، فقد فتحنا لهم أبواب بلدنا وحدودنا وقدّمنا وسنقدّم إليهم كل المساعدات التي يفرضها علينا واجب الإخاء". مشى عمر بعد الجلسة مع فوزي. سأله عمر: مارأيك في البيان؟ ردّ: لبق! طلبت الهيئات الوطنية الأردنية ولجان التوجيه الوطني في نابلس من الملك أن يسعى إلى المساعدة العربية بدل الأجنبية! جوهر البيان الوزاري أنه يقترح تلك المساعدة العربية! كانت الجلسة فرصة لعمر للحديث مع ليلى. روى لها ماسمعه في الجلسة. ابتسمت: كأنك كنت تعرف مافي البيان! لكن الفرق بيننا وبينه واسع. هو يتحدث عن أوضاع دستورية في بلد شقيق، وعن إمكانيات المساعدة استنادا إلى ذلك. ونحن الطلاب نبدأ من أن تقسيم البلاد العربية غير شرعي، ولا حدود لمساعدة عربي لآخر. أين يبدأ التدخل وأين تبدأ المساعدة؟ تحب ليلى أن توجز ماتراه في نتائج! ردّ عمر لها الابتسامة وقال: يختلف موقف طلاب غير مسؤولين، عن موقف سياسي يجب أن تكون كلماته في شكل قانوني. نؤمن بأننا شعب واحد! لانمارس إذن التدخل! لكن بيان الغزي يتضمن احترام حدود سايكس بيكو، واحترام عواطف الجيش والشعب. بعد أيام نظم اجتماع في دار نقابات العمال تحدث فيه الخطباء عن الغضب الشعبي، والغرامات الجماعية، ومنع التجول، وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، وجرائم "أبو حنيك" وباتريك مدير المباحث البريطاني! ثم قرئ بيان جبهة النضال العربي، وبيان تضامن المجتمعين مع الأردن. وسافر عمر إلى حمص ليشترك في اجتماع للتضامن مع الأردن. قال: في بلد الأتاسي الذي عرقل دخول الأردنيين إلى دمشق! وعاد ليحضر اجتماعا في سينما بلقيس لدعم الأردن ألقى فيه سليمان العيسى قصيدة وتكلم فيه الدكتور عبد الرحمن شقير الذي وصل من الأردن، وقرئ فيه بيان المجتمعين الذين طلبوا تنظيف الجيش الأردني من البريطانيين. انساقت غادة في الاجتماعات وبقيت ليلى على ضفتها. بدت غادة سعيدة مؤمنة بأن التضامن سيثمر. يجب أن يحكم الناس الذين يجتمعون ويقاومون الأحلاف، قدر بلادها! لكنها بالغت في دور النخبة، فسخر منها عمر: كل هؤلاء الآلاف نخبة؟ أين الشعب إذن؟ كانت غادة كمن يسبح في انتصار، فلم تتساءل يومذاك لماذا قدر أن تبدأ حياة أجيال وتنتهي وهم يقاومون حلفا أو عدوانا أو خطرا ما! وأن يقتل الشباب، أو يكون السجن مرحلة في حياتهم! لماذا ستتمنى الفتيات أن يكن كرجاء أبو عماشة المقتولة في القدس، أو كجميلة بو حيرد، وينسين أمنيات الحياة الواسعة! في ذلك التوهج لم تفكر غادة وعمر وليلى ومديحة وفوزي بأن المشاريع التي ترمى للبلاد تهدر الوقت وتبدّد القوى. وبأن المقاومة تستنفد أجيالا. هاهو بيان ثلاثي أمريكي انكليزي فرنسي يهدد بإرسال جيوش إلى المنطقة لتمنع الحرب بين العرب واسرائيل! فتردّ عليه وزارة الخارجية السوفيتية ببيان: دخول جيوش إلى منطقة الشرق الأدنى والأوسط يناقض مصلحة السلام، ولايمكن أن يقف الاتحاد السوفييتي لامباليا. قال عمر: هل يستغرب أن تمتلئ روح جيلنا بالكره للغرب وبالامتنان للشرق؟ مزاج جيلنا فقط؟ لا! مزاج بلدنا! فرض الغرب المعركة علينا. خذي اقرئي بيان خالد العظم! يجيب عنا جميعا! تناولت ليلى منه الورقة وقفزت بين الجمل: "قد يكون تهديد اسرائيل حقيقة أو لدفع العرب إلى صلح مع اليهود.. يجب الاستعداد لمقاومة الاعتداء.. لولا أمريكا ومساعداتها لما استطاعت اسرائيل التهديد.. اسرائيل مدينة بوجودها لأمريكا وحلفائها.. اجتماع واشنطن بين أمريكا وانكلترا للتدخل في الشرق الأوسط، جرّوا إليه الفرنسيين.. لاأحد له الحق في تقرير مصير العرب غيرنا.. إذا أراد الغربيون الذين اجتمعوا في واشنطن توفير السلام هنا فعليهم أن يكفوا عن تسليح الصهيونيين. الروس بعيدو نظر لأنهم يرون أن استقلال العرب أضمن لمصلحتهم من اسرائيل.. بيان السوفييت أمس واضح وقوي ويجب أن نقوي صلاتنا بهم. محادثاتي مع مولوتوف صريحة، لسنا شيوعيين ولانعتبر النظام الشيوعي النظام المثالي لسوريا، لكننا نقبل التعاون النزيه. أجوبة مولوتوف صريحة. لايعملون على التدخل في الشؤون الداخلية وفي نظامنا.. الغربيون يثيرون المخاوف من الشيوعية ويطلبون منا مكافحتها ولايجوز أن ننفذ ذلك". حشود، مشاريع، أحلاف، مؤامرات، انقلابات، اعتقالات واضطهاد. تدمير القوة البشرية. يُستنفد السياسيون والضباط الوطنيون والشباب. لو كانت الحرب التي تبيد هذه الشعوب ممكنة الآن لرتبوها. وكل ذلك لأجل موقع جغرافي وآبار نفط! ماأرخص البشر! هل تعرفين ياليلى أن دالاس، وزير الخارجية الأمريكية، صاحب مكتب سيلفيان آند كرومويل، مدير شركة أميريكان اوف كندا، قريب من شركة الفواكه؟ افهمي إذن لماذا أعلن في مؤتمر الحزب الجمهوري في آب 1956: حلف بغداد يحمي الموارد البترولية العظيمة التي تتعلق بها القوة الصناعية والعسكرية في العالم الحر.. الحرمة الإقليمية لاسرائيل هدف من أهم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية..! هل مرّت لحظات نظر فيها عمر إلى حياته في أسى؟ هل أحس هو الذي عرف القسوة في سجن تدمر بالحزن على الحياة التي تهشّم، فملأه الشجن؟ تدمّر حياة الشباب، لكن هذه الأجيال ترى هذه السنوات عمرها الجميل! وسينشد الشعراء السين وسوف، ويقول عمر في ثقة: طابع زمننا نهضة آسيا وإفريقية! شاركت ليلى وعمر وغادة ومديحة وفوزي في مظاهرات التضامن مع الأردن قبل أن يسمح لقيس بالوصول إلى دمشق من درعا. نظم عمر وفدا من طلاب الجامعة حمل فواكه وحلويات وزهورا إلى الأردنيين الذين وصلوا إلى درعا، والتقى هناك بقيس. عندما سمح وزير الداخلية لقيس بالوصول إلى دمشق زار عمرا في الجامعة. وهناك رأى ليلى. وفي تلك الأيام ألقى قصيدة في بيت عربي في حي الميدان وكانت ليلى من الطلاب الذين حضروا ذلك الاحتفال. سيفكر عمر فيما بعد بالزمن. ويتساءل لماذا نمدّ لحظة كأنها سنة، ونستبقيها في ذكرياتنا كومض ساطع يضيء ماحولها، ونختصر أشهرا ونشطبها من عمرنا. وسيتذكر في السجن الفسحة المشمسة والظليلة التي كانت تمتد بين الدروس في حديقة الجامعة، وفي الطريق من الجامعة. وسيعترف لنفسه بأن ليلى كانت وسط تلك الفسحة كوردة دمشقية. لم تفت عمرا نظرة قيس إلى ليلى. عندما تركت ليلى النادي مع غادة ومديحة قال قيس لعمر: شربنا القهوة، فلنمش في الحديقة! ويوم رآها تلعب كرة الطاولة في نادي الجامعة قال له: سجل لنا دورا! لكنه تنازل عن الدّور وقت خرجت ليلى من الصالة. وعندما رآها تخرج من الجامعة ودّعه مسرعا، ولمحه عمر من خلال حاجز الحديقة يمشي على بعد أمتار خلفها. ويوم كانت ليلى أمامهما ظل قيس معلّق النظر بها وهي تمشي على ضفة النهر تحت أشجار الكينا وتعبر المتحف والتكية وكازينو دمشق الدولي، حتى شدّه عمر في اتجاه الهافانا. هل يسحر قيسا رسغ قدميها، شكل ساقيها، رجفة شعرها، سرعة لفتتها؟ لكن قيسا لايعرف مايجمع ليلى بالغزال! عمر الذي ألف الغزلان في بلده، يعرف ذلك! كان عمر في الصف الثالث عندما انتسبت ليلى إلى الجامعة. رآها أول مرة أمام لوحة في الممر تنقل أوقات محاضراتها. فعاد راجعا في الممر نفسه، ورآها تطوي دفترها وتمشي إلى الحديقة. وقف عند باب الكلية وتأملها من بعد. فبانت له قامتها الرشيقة، وبدا له أنه عرف روحها من ملابسها البسيطة، وخفيها المقطّعين، وحركاتها. قال لنفسه: ليس بينها وبين العالم قفل وباب. قد يستطيع أي طالب أن يكلمها، لكن الوصول إلى صداقتها صعب. في الأيام التالية بحث عنها، وتعمد أن يمشي في الحديقة في الاتجاه المعاكس، ليتأمل وجهها. بهره صفاء عينيها، وقال لنفسه: عصيّة على الغش! وتسرب إلى روحه وجع هادئ، وشعر بالشفقة عليها. لمحها جالسة في المكتبة في صباح مبكر ولاأحد حولها. وضع كتبه على الطاولة مقابلها وسألها: هل المقعد محجوز؟ رأى دهشتها. المقاعد كلها فارغة! هزّت رأسها فقال: شكرا. اسمي عمر، من كلية الطب! قالت: اسمي ليلى! حرص ألا يرفع عينيه إليها. لكنه لم يقرأ الصفحات التي قلّبها بل فكر في القرار الذي وضعه لنفسه والتزم به. لن يرتبط بفتاة قبل عشر سنوات على الأقل! ولن يحبس نفسه في صَدَفة الحب! بدأ من واقع يفرض ذلك. أمامه سنوات الدراسة ثم سنوات الاختصاص، والسفر الذي يفترض أن يكون فيه خفيفا دون زوجة وأولاد. وحفر لقراره أساسا بعد السجن في تدمر. وجد عالما واسعا لاتستطيع المرأة أن ترافقه فيه. استطاب لقاء الرجال في المقاهي. والمشي بعد منتصف الليل. ودعوة زملائه إلى المطاعم. والسهر واكتشاف المدينة. وبدا له أنه يمكن أن يعشق مدينة أو زمنا، فليس العشق فقط للنساء. نعم، ماأعذب أن يشعر بأنه يملك نفسه! يبدو أن ثلاث سنوات من الحرية بعيدا عن أهله جعلته يألف عادات الأعزب! لن يتخلى عن الرغبة في العشاء في مطعم الريّس وحده أحيانا، ثم المشي في شارع بغداد مستسلما لرعشة من البرد قرب اللاييك، مغمورا بالظلمة بعدها حتى تنسكب عليه أنوار باب توما. كان قراره يعني أيضا أن يتحاشى السياسة. تكاثر عليه زملاؤه: أيعقل أن تتحمل السجن والصلب والضرب، ثم تعتزل العمل السياسي؟ ردّ: الدراسة! لكن انتبهوا، لم أمتهن العمل السياسي كي أعتزله! لست طالبا في كلية الحقوق ملء جيوبي الوقت! وقت الحاجة ستجدوني معكم! هل تصفح عمر قراره وهو يقلّب كتابه جالسا مقابل ليلى المستغرقة في دروسها؟ استمتع بأسى خفيف كالضباب الذي فاجأه مرة في الصحراء. ستكون ليلى من الدنيا الحلوة التي تسعده بهواها! سأل نفسه ساخرا: هل يجب أن نلتهم كل مانحبه، ومنها هذه الشابة الهفهافة؟ سيكون صديقها المخلص! فهم أنه لن يمنع شعوره بالأسى وهو يبقي نفسه على بعد خطوات منها. لكنه مصمم على تنفيذ ماألزم نفسه به. عرف عمر أوقات محاضرات ليلى فصار يعبر الممر أمام قاعات الدرس كأن ذلك صدفة. فحص حرارة سلامها، وقاس فيه الودّ. بحث عنها في الحديقة وراقبها من بعد. صار كمن لديه زهرة يتأملها ويراقب لونها ويفكر حتى في نومه بها. هل كان يقدّر أن الشعور بالسعادة لن يحرجه يوم سيصادفها في يوم مشمس جالسة وحدها على مقعد في الحديقة فيجلس قربها؟ وأنه، بالرغم من أساه، سيرى نفسه محظوظا لأنها استشفت أنه يرغب في صداقتها فقط لافي حبها؟ ستعرّفه غادة بها دون أن يطلب منها ذلك. وستدهشه ببراءتها عندما ستسأله كيف سجن في أيام الشيشكلي، وهل يستطيع أشخاص أن يضربوا شابا لايعرفونه مع أنه لم يسئ إليهم؟ ستطلب منه أن يصفهم لها! وستسأله كيف استطاعوا أن يصلبوه! وسيشكر الحظ الذي جعله يقع في سجن تدمر كي يحدثها عن تلك الأيام ويتأمل ملامحها وهي تتابع كلامه. ستخصّه بأن تمشي إليه إذا رأته وأن تتوقف لتحييه. وسيرافقها مرات من الجامعة حتى أول الشارع الذي يوصل إلى بيتها. وسيكتشف عطشها إلى أخ وأب ويتبين أن المفقودين يتركون مكانهم فارغا مهما ابتعدوا. وسيلمح دموعا مقهورة يوم يسألها ماذا تتذكر من أخيها. وسيلمح غضبها على نفسها لأن الطفولة لم تسمح لها بأن تميز ماتتذكره مما تحتفظ به الصور. ستقول له دامعة العينين كأنها تلوم نفسها أو تطلب لنفسها العذر: كنت صغيرة! سيكتشف أن الحزن الذي دفنته هي وأمها بقي جاهزا ليتدفق في نبع صاف من الدموع. قالت له كأنها تهرب من حزنها: كنت طفلة عندما مشيت في مظاهرة ضد احتلال فلسطين ورأيت شكري القوتلي! في ذلك اليوم سيعِد عمر نفسه بألا يترك ليلى أبدا! وبأن تختار هي العلاقة التي تريدها به! في ذلك الصيف خرج مع أصحابه في الفجر إلى البادية واستمتع بالمدى الذي لاينقطع فيه النظر. تنفس في عمق الهواء النديّ. وفكر في ليلى. فيها صفاء الفلاة النقية ورشاقة الغزلان. تنفس في عمق الهواء والضوء. هل حلم في تلك اللحظة بأن يتزوج ليلى؟ قال مرة وهو يحدثها عن العالم الثالث: يعيش شبابنا على موائد أهلهم زمنا طويلا، فهل يجرؤ طالب على القول لفتاة يحبها هل تتزوجينني؟ مع ذلك سيبقى وفيا لذلك الحلم البعيد! كانت سيارات الصيادين الهواة تقتحم يومذاك البادية وتصيد الغزلان بالرشاشات دون رحمة. وصارت الكبّة بلحم الغزال طبقا فاخرا! وسينقرض الغزال السوري بتلك الوحشية. مع أن الصبي الغزال كان أسطورة يومذاك. فروي أن غزالة أرضعته وعاش مع الغزلان في البادية حتى صادفه أحد اولئك الصيادين وأتى به إلى المدينة. هل يستطيع عمر أن يطلب من الصيادين المتوحشين أن يستخدموا البندقية على الأقل كي يوفروا للغزال المسكين فرصة للهرب ويهبوا أنفسهم بعض الفروسية؟ رأى غزلانا مقتولة في سيارة، وغزالا حيا ربطت ساقاه الدقيقتان بحبل. فسمع صراخ قلبه. رجا الصياد: أريده! بكم تبيعه؟ عرض الرجل الغزال أمام عمر: لاجرح ولاندبة! سليم! أخذه عمر وعاد إلى دمشق. خابر ليلى: دلّيني إلى بيتك. العنوان الدقيق! أحمل لك هدية من البادية. ضايقها الطريق، ويجب أن تصل حالا! ضايقها الطريق؟! نعم، نعم، أرجوك، العنوان بسرعة! فتحت ليلى الباب ورأت أمامها عمرا يحمل بين ذراعيه غزالا. شهقت، وضعت يدها على صدرها، أغمضت عينيها وفتحتهما: غزال؟! تناولته منه وارتبكت وهي تحمله: ماأحلاه! وضعته على الأرض. ورأت عينيه الحزينتين! ربتت على رأسه وعنقه. وخيل إليها أنها رأت دموعا في عينيه. جائع أم حزين؟ ماذا أطعمه؟ تلفّت الغزال غريبا، ومشى خطوات. ياعمر، كيف سيعيش دون فضاء؟ أين سيركض؟ في تلك اللحظة فهم عمر أن هديته حملت إلى ليلى الأسى. كأنه أتى إليها بما يذكّرها بالصيادين الذين يطاردون الغزلان ويبيدونهم بالرشاشات، وبغربة البشر الذين يقتلعون من بيئتهم، وبالأطفال المشردين، وباليتامى المحرومين من أمهاتهم. تفرجت منور على عمر وليلى والغزال. ولم ينتبه أحد إلى أطياف ابتسامتها. تركتهما وحضّرت كؤوس التوت الشامي الممزوج بالثلج المدقوق، وصحن لوز للغزال. كسب عمر دعوة أم ليلى إلى الغداء. وبعد الغداء فهم أنه كسب معرفة منور. هل قال لنفسه: ماأعجب كل ذلك! أنا الذي لاأطمع في حب ليلى عرفت أمها وبيتها وصرت صديقها، ومن يطمع في حبها مايزال بعيدا؟! في بقية ذلك الصيف ظل يخابرها كل يوم، يسأل عن الغزال وتحدثه في تفصيل عنه كأنه إنسان.. يحب السكر، يأكل اللوز، يألفني، أفيق في الليل أحيانا لأطمئن عليه. لكنه ياعمر دون فضاء! عند جيراني مزرعة لكني أخاف أن أتركه وديعة فيها. قد يأكلونه! في الصباح الباكر خرجت ليلى مع الغزال إلى الشارع. وأحزنها أنه لم يهرب منها. نسي الحرية؟ ركض وعاد إليها. بقيت تروي نزهاتها لعمر حتى خابرها ذات مساء وردّت أمها على التلفون. همست: ليلى تبكي. خرجت مع الغزال ورجعت دونه. يبدو أن الغزال خاف فتزحلق على الأرض ومرت فوقه سيارة. هل يستطيع قيس أن يرى في ليلى مايراه فيها عمر؟ فليحبها قيس! ولتشبع ليلى من الحب! تستحق أن يعشقها الشباب كلهم! لايغار عليها؟ لا، مابينه وبين ليلى صداقة لايستطيع أن يفكّها أحد! كان عمر يمشي مع قيس عندما صادفا ليلى. كانت تحيط عنقها بإشارب عليه رسم تتداخل فيه الوجوه بالطيور. قال عمر: ليلى، هذا قيس! خيل إليه أنها تساءلت في سخرية: قيس؟! التفت إلى قيس: ليلى! قالت: لكني لست مثل ليلى القديمة، ياأستاذ قيس! عدّ قيس فورا ثلاثة جروح: سمّته أستاذا، وسخرت من ليلى القديمة، ولم تتذكر أنها استمعت إليه في سنة ماضية يلقي شعرا عن حلف بغداد في اجتماع في بيت عربي في حي الميدان! قال عمر لنفسه: لم يعط التعارف صورة صادقة للمتعارفين! اقترح: أدعوكما إلى فنجان كاكاو في النادي! حول الطاولة عادت عينا ليلى صافيتين. وانسابت بسيطة في الحديث. قال قيس لنفسه: يشف قلبها في نظرتها. لاستائر ولاحجاب! ولكن هل هذا يقرّبها؟ فهم أن الطريق إليها طويل وصعب. هو الذي لم يتعود الصبر، هو الذي تسعى إليه النساء، سينتظرها حتى تشعر به؟ لوى غروره: يوم رأيتها أول مرة قلت، هذه الصبية لي مهما طال الزمان! تركهما قيس دون رغبة ليسلم على شاب من بلده. فقال عمر: ياليلى، من يتذكر عندما يراك ليلى القديمة؟! ردّت في هدوء: لكني أحببتها بمقدار مالمتها! بهرني قيس بهواه. وأدهشني أنها لم تختره. يجب أن تقرأه ياعمر لتتبين روحه الشفافة وحضارته. لم يخجل بحبه. ولم يدمّر زواج ليلى هواه. من يستطيع في عصرنا أن يكون مثله! قرأته بعد موت الغزال! ياليلى، تدفعينني إلى قراءة شعر قيس؟! ياعمر، دون ذلك حياتنا صغيرة! يكشف التعبير مساحات جديدة للشعور! اقرأه ياعمر، اقرأه! نحن طلاب الطب يجب أن نقرأ الأدب! كيف طاوعك قلبك على هجر الشعر؟ ياليلى، بدا لي أن نصف أهل الريف شعراء، لذلك هربت من الزحمة! ظل عمر يستمتع باستعادة أول مرة رأى فيها ليلى، وأول مرة تحدث إليها، وأول مرة قُدمت إليه، وأول مرة دعاها فيها إلى فنجان كاكاو في نادي الجامعة، وأول مرة مشى معها طريق الجامعة. استسلم لرسوم خياله قبل أن يصبح من جيران مقعدها في المكتبة، ويصبح ممن يمشي قربها في المظاهرات، ويرافقها أحيانا في الطريق إلى بيتها. ستقف أمام لوحة الدروس في الممر فيقترب منها ويسألها: في كليتنا؟ ستطلب كأسا من الكاكاو في نادي الجامعة فيتناوله من أعلى الرف لأنه أطول منها ويوصله إليها! سيشتري منديلا شفافا كالذي تعقده على قبة قميصها الأبيض ويسألها: هذا لك؟ وجدته على كرسي الحديقة! ويالحظه! عرّفته بها غادة ثم مديحة ثم فوزي ثم آخرون. تكرر التقديم نفسه تقريبا: ياليلى، هذا عمر، الذي اعتقل في سجن المزة ثم في سجن تدمر! وهذه ليلى، ابنة أحد شهداء حرب فلسطين! وكانت ليلى تهز رأسها، فيتذكر عمر الغزال مرة أخرى. صار يتبادل الابتسامة معها كلما قدمها أحدهم إليه، وتشاركه التواطؤ وكأنها لاتريد أن تخيّب من يقدم أحدهما إلى الآخر. وأمتعته تلك اللعبة. رآها جالسة في المكتبة في صباح مبكر ولاأحد حولها. كان يلزمه وقت ليكبح خفقان قلبه، لكنه خشي أن يضيع فرصة وحدتها حول طاولة خالية. وقف قربها: صباح الخير! رفعت إليه وجهها متسائلة، قال لها: اسمي عمر، من كلية الطب، سجنت في سجن المزة، ثم في سجن تدمر. كسب ضحكتها: اسمي ليلى، من كلية الطب، ابنة أحد شهداء فلسطين! رآها أمامه مع غادة. كان واقفا في الحديقة يستمتع بالشمس بين محاضرة وأخرى ويتذكر كيف عرفها، عندما مرت الشابتان. توقفت غادة: مرحبا ياعمر! لدي بطاقات من أكرم الحوراني لجلسة المجلس النيابي. جلسة مهمة، مارأيك في أن نحضرها؟ انتظر عمر جواب ليلى. سأل وهو يتناول بطاقته: تصلين وحدك ياغادة أم تريدين أن أرافقكما؟ ضحكت: نصل وحدنا إلى أي مكان! ابتسم. اعتداد الشباب، أم اعتداد من لم يذق خيبة؟! لن يبوح عمر أبدا بأنه كان في ذلك اليوم مضطرا إلى مراجعة دروسه، ولم يكن يرغب حتى بنزهة. كان خالد العظم وزير الخارجية قد أعلن أن ممثلي إنكلترا وأمريكا وتركيا أبدوا الرغبة في تحسين "علاقتنا" باسرائيل. وأن سوريا ترفض المساعدات لأن تلك المساعدات تقيّد الاستقلال. وكانت اسرائيل قد اعتدت على الجيش المصري في غزة. وتركيا حشدت حشودا على الحدود السورية بعد توقيع حلف بغداد. والسفير الأمريكي جيمس موس سلّم لوزير الخارجية السوري مذكرة تطلب الدخول في حلف بغداد. وصدر بيان الحكومة السوفيتية في تأييد سيادة سوريا. ستكون جلسة المجلس عن السياسة الخارجية مهمة، إذن! تابع عمر جلسات المجلس كمن يهوى معرفة خفايا الأحداث. لكنه وقت رافق ليلى وغادة إلى الجلسة التي تحدث فيها خالد العظم عن السياسة الخارجية، فهم مقدار انصرافه إلى مايسميه زملاؤه سياسة ويسميه عملا وطنيا. وبدا له أن ليلى تنتبه إلى الجانب الإنساني فقط! في الطريق حكت غادة لليلى عن عمر: تعرفين طبعا أنه ليس عضوا في حزبنا أو غيره. وأنهم زادوا في تعذيبه في تدمر لأنهم توهموا أنه يخفي تنظيما سريا لايعرفونه. عمر شجاع وشهم. علته أنه لايقبل التنظيم الحزبي ولايفهم ضرورته! كيف تحركين شعبا دون تنظيم؟! سألتها ليلى: ستنظمين الشعب كله؟ ردّت: لا، لكن عمرا ثمين. لأنه محبوب وذكي وقادر على جذب الناس! من حظنا أنه صديقنا! قالت ليلى: على كل حال، الفضيلة أن يحاول حزب كسب رجل جيد! هل كانت ليلى تعي أن الجملة التي رمتها ببساطة تمسّ علاقة المنظمات بالأفراد، الولاء والفصل والتشهير، وتقسيم الأحزاب واستبعاد نخبتها في العقود القادمة؟ قالت مداعبة: لاتحاولي أن تنظميني ياغادة، لأني ألتزم بقرار منور! لن أحاول ياليلى، ولايمنع هذا أني أراك منا! ابتسمت ليلى: لعل مديحة أيضا تراني من جماعتها! انتفضت غادة: لا، هناك تقسيم فلسطين الذي لايغفر! وهناك حلول قاسية باردة لاتبالي بما يمسّ القلب والوجدان! نحن لايمكن أن نهمل أبدا الطموح العربي! كان يطمئن غادة أن بيت ليلى مفروش بطقم من الخشب المطعم بالصدف، على دواوينه بسط عربية، على جدرانه صور في إطارات من الموزاييك والخشب المحفور. وأن ليلى تهوى المناديل الحريرية الحلبية. قتل أبو ليلى في الجليل، فهل يمكن أن تترك أصولها الوطنية وتقبل فكرا مستوردا؟ ردّت ليلى: مديحة طيبة ومخلصة! كانت ليلى تتأمل السقف والجدران عندما لمحت غادة عمرا في شرفة الزوار. الكراسي مشغولة كلها، لكنه حجز لهما كرسيين إلى جانبه. كاد يشعر بالدوار وليلى تجلس قربه! أغمض عينيه لحظة مستسلما لرفيف قلبه. وأمتعه أن يتصور نفسه راسبا في امتحاناته منتظرا ليلى ثلاث سنوات كي تصبح في صفه في كلية الطب. شعر بها وهي تصغي في فضول. وتابع على وجهها الدهشة والانتباه. لم تكن ليلى وحدها المهتمة بالحوار. وقف الجالسون في المقاعد الخلفية في الشرفة. تحدث خالد العظم عن السياسة الخارجية. وكان صوت الإبرة يسمع في المجلس! خيل لليلى أنها الآن تفهم بلدها. وتعرف أيامه الماضية التي لم تنظر إلى جنباتها. يقدّم لها هذا الرجل الزمن الذي عاشته ولم تعرفه، والزمن الذي لايريدها أن تعيشه. كأنه يلمس منابت الاعتداد الوطني في بلاده. قال خالد العظم: "سوريا تعتز بأنها أول بلد عربي حقق استقلاله وسيادته خالصين من كل شائبة، ومن الطبيعي أن تحافظ حكومتنا على هذا الاستقلال.. إن حكومتنا ترى من بديهيات واجبات الدول العربية الدفاع عن أرض العرب ضد كل عدوان، وهي ترى في الوقت نفسه أن عدونا الأول إنما هو الصهيونية الباغية التي احتلت جزءا من وطننا العربي المقدس. ولذلك فإنها ستتجه في سياستها الخارجية إلى مصادقة كل دولة ترعى صداقتنا وحاجاتنا وتقف إلى جانب قضايانا القومية المشروعة ولاسيما قضية فلسطين".. استمعت ليلى إلى خالد العظم مبهورة وراضية. وسجلت في دفترها بعض كلمات. تحدث العظم عن جهده لإقامة ميثاق عربي يوحّد الشؤون السياسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، ويضع الهيكل لوحدة عربية متحررة للراغبين فيه. وبيّن أزمة الجامعة العربية لأن العراق فاجأ الحكومات العربية برغبته في التوقيع على حلف عسكري مع تركيا. "ورغم جهودنا لم يثمر اقتراح التريث فوقع الحلف". وتحدث عن مقابلة سفير أميركا رئيس الوزراء بحضور العظم. قال العظم: "إن أمريكا رحبت بالحلف علنا كخطوة لإنشاء منظمة دفاع حقيقي يمكن أن تضم ايران والباكستان وبعض الدول العربية. وبعد التوقيع تستطيع البلاد الواقعة وراء الخط الشمالي أن تنضم إلى هذه المنظمة الدفاعية.. وتحسين العلاقات العربية الإسرائيلية ضروري لمساهمة أمريكا في الدفاع عن الشرق الأوسط. لأن ميثاق الضمان الجماعي العربي لايفي، في رأي أمريكا، بحاجة المنطقة إلى منظمة دفاع فعالة". مرت عتمة على وجه ليلى. لمحها عمر بطرف عينيه. قال العظم: "لذلك يجب رفض الحلف، ليس فقط دفاعا عن الاستقلال بل أيضا لضرورة السعي إلى الوحدة العربية ورفض أية تسوية مع اسرائيل مهما كان نوعها". وبيّن أن المنظمة الدفاعية المقترحة تشطر العرب إلى شطرين، الهلال الخصيب، وشطر آخر فيه مصر والسعودية واليمن والإمارات. مصر تؤيد موقف سوريا. وصل موفد من مصر وانتهت المداولات ببيان مشترك سوري مصري في الثاني من آذار وهو نقطة انطلاق تدعو العرب إليها. وقد وافق مجلسكم الكريم أن تجهد حكومتنا للسير بالدول العربية نحو الوحدة. لذلك كانت الرحلة التي قمت بها مع الصاغ صلاح سالم إلى المملكة الأردنية الهاشمية فالمملكة العربية السعودية فلبنان، ثم إلى العراق فمصر. لعرض الأسس والمبادئ على الدول العربية. تريّث الأردن مع عطفه على المشروع، وتحمس الملك سعود له. ثم فوجئنا بإذاعة حلف بغداد وانضمام إنكلترا إليه. وجهت تركيا مذكرة قاسية إلى وزارة الخارجية السورية مدّعية بأن البيان المشترك الثلاثي، أي مشروع الميثاق العربي، موجه ضدها وأجبنا الجواب اللازم وتأزم الوضع بين البلدين. تابعت ليلى حلما رائعا: مجلس دائم لدول الميثاق، خطوط عامة للسياسة الخارجية، سوق واحدة، حرية التنقل دون سمات، قيادة عسكرية عليا مركزها دمشق! نظر عمر إليها. تطير على أحلام خالد العظم؟ همست لعمر: يعني نعود كما كان أهلنا في أول القرن. يركبون القطار في الصباح ويصلون في اليوم نفسه إلى حيفا! فتح عينيه: إلى حيفا؟! قال العظم: ستمس آثار هذا الميثاق عند تطبيقه الأسس السياسية والمالية والاقتصادية والعسكرية في حياة معظم أبناء الأمة العربية، فتقتضي الزيادة بالتمحيص والدقة والبحث. بدت ليلى سعيدة. ياغادة، هذه الحكومة تهب الراحة. أشعر بأني قوية! قال عمر مداعبا: طبعا، خالد العظم معك! قالت في جد: سعيدة بالزمن! من سمعتهم، في مستوى الزمن. استعدت بكلمات العظم شهداء أيار، شكري العسلي، ورجال الثورة السورية الذين تحدثني منور عنهم. الزمن مضيء، هنا، عند ممثليه! هل يقول لها عمر: تمهلي ياليلى فليس كل من يعلن رأيه أمامك يعلنه وراء ظهرك؟! لا، فليترك لها مساحة الحلم! حدثها مرة عن سمة الزمن. وهي التي تحدثه الآن عنها! قال لنفسه: حكمك ياليلى صحيح في هذه البرهة من التوازن بين القوى. لكن المحمولين على الموجة قد يعودون إلى مشروعهم. بين السياسيين والعسكريين اتفاق وصراع. يدعم العسكريون الوطنيون السياسيين الوطنيين. أثق بوطنية العسكريين لكني لاأثق بحكمتهم! وهناك آخرون قد لاأثق بهم أبدا! لم يكدّر ذلك رضا ليلى. سألها عمر وهو يرافقها مع غادة في الطريق إلى بيتها: أعجبتك الجلسة؟ قالت: أعجبتني الغيرة على الوطن! أعجبتني الصراحة. قد تصبح المعلومات التي سمعناها معروفة ذات يوم، كوثائق التاريخ. لكن الريادة مأثرة. وياللذوق! قال عمر: أمسكتِ بالجوهر ياليلى! ضحكت: حقا؟ في تلك اللحظة سحرته بجدها وضحكتها وفطنتها. سحره أنها انتبهت إلى التفاصيل وفهمت روحها. لكن عمرا لم يستسلم لانبهار ليلى بتلك الجلسة من جلسات المجلس النيابي. لأنه حضر جلسات قبلها، وتأمل القوى السياسية خلال تلك الجلسات، وقاس مساحة التلاقي بينها. ولمس أيضا الفواصل الدقيقة التي تفرقها. كان قد التقى في المقاهي بالكيخيا واليان والعسلي واستمع إليهم. كم لديهم خبرة في صياغة الكلمات! ياللذكاء! ولكن ياللمهارة في البحث عن الزعامة والمصلحة الخاصة! بدا له أنهم لايستطيعون الحياة إلا كزعماء! لاتعرف ليلى هؤلاء السياسيين، ولاتقدّر أنهم قوة تواجه الجيش دون صراحة، وأن العظم ليس القوة الحاسمة بين المجموعات السياسية. لذلك شعر بالشفقة على ليلى. ومع ذلك قال لنفسه عندما استمع إلى تقرير اللجنة الخارجية الذي وافق عليه المجلس بالإجماع: سوريا الآن مركز الحلم! وأطربه أن يقرأ في ذلك الصباح برقيات وصلت من نابلس تؤيد موقف سوريا من الأحلاف! لم تفهم ليلى لماذا هزّ عمر رأسه كالحكيم الكهل. كان يهمس لنفسه: هل تصبح هذه البلاد في أمان قبل أن ينضب منها النفط؟! سمعت غادة تقرير اللجنة الخارجية الذي وافق عليه المجلس بالإجماع، فعرفته قبل أن تقرأه عليها منور فيما بعد: "اتفقت جميع الأحزاب والهيئات مع الحكومة بأن تقف البلاد موقفا موحدا في وجه الضغط الذي تستهدف له سوريا اليوم، وفي مقاومة كل تدخل أجنبي يرمي إلى الحد من سيادة سوريا وحريتها في رسم سيادتها". قالت منور لليلى في تلك الأيام: جارتنا مهتمة بك! روت لي "صادفت ليلى في أول الطريق مع شاب وسيم فهل سنحتفل قريبا بخطبتها"؟ توهج وجه ليلى يومذاك: لاتفهم جارتك ياأمي إلا نوعا واحدا من العلاقات بين النساء والرجال! مسكينة! كان معي عمر! أرسلت غادة ماجمعته من القسائم بالبريد. كأنها إذا أخّرتها إلى اليوم التالي أبطأت نجاة جميلة بو حيرد من الإعدام. لكنها خلال ذلك انشغلت بعاطفة خشيت أن تسميها الحب. وكانت تجد نفسها أمامها مواربة كلما اقتربت من البيت. وتقابلها في المساء أمام نافذتها المفتوحة عليه. ولكن هاهي أخيرا تعترف بأنها محبوبة ومحبة، وتبحث عن إنسان يشاركها فرحها! فهل تنقل إلى ليلى قلقها العذب، واكتشافها الوجع والأشواق ورفيف القلب، فتثبتها بكلمات وتصبح مسؤولة عنها؟ بدت غادة لليلى حتى اليوم بعيدة عن الهوى، مشغولة مرة بزيارة زوجة أكرم الحوراني ومرة بمحاضرة أو لقاء في مقر حزبها. فكيف تظهر أمامها الآن عاشقة كأية فتاة؟ هل تستطيع أن تروي لليلى ماحدث منذ البداية؟ ألن تعاتبها ليلى: أخفيت ذلك كله عني؟ كانت تسمع صوت المطر وهي تدرس. بدا لها فجأة أنه أصبح قويا فلماذا تحرم نفسها من الفرجة عليه؟ فتحت النافذة فتدفقت عليها رطوبة أرعشتها، ومع ذلك أبقت أزرار كنزتها مفتوحة. لم تر من النافذة غير ظلام الشتاء، وومض برق بعيد. أغلقت النافذة ورتبت جلستها على مقعد مقابله مقعد آخر مدت ساقيها عليه، ووضعت كأس الشاي على الطاولة قربها. جلسة مريحة تؤهلها للسهر إلى منتصف الليل. كانت تجزئ التحضير للامتحانات القادمة. وغرقت في دروسها. رسم لهب المدفأة على الجدار أشكالا برتقالية. وهمهم إبريق الماء فوق المدفأة. كأنما نامت الدنيا على ايقاع المطر وبقيت غادة وحدها صاحية مع المدفأة! ستنجز هذا الجزء الصغير من الدروس وتستسلم هي أيضا للنوم الذي سيأتيها مسرعا! كان السكون مذهلا، يوشيه صوت سيول المطر على جانبي الطريق. قفزت مرة أخرى فوق مسند المقعدين ومشت إلى النافذة. وعندئذ ومض ضوء النافذة في الجهة المقابلة. بقيت الأبنية كلها معتمة إلا نافذتها ونافذة الضابط الوسيم الذي انتقل إلى هذا الحي مع أسرته منذ أشهر. بدا ذلك ممتعا. هل نحرس الحي معا؟ وقفا صامتين يشعر أحدهما بالآخر ويرى إطاره المعتم فقط. تمنت غادة عندئذ أن تمشي تحت المطر مع رجل يحمل مظلة يتدافعان تحتها. لا، فليغلقاها ليبتلا بالمطر! ولتغمر هذه السيول الصغيرة أقدامهما، وليتوقفا قرب بائع الكستناء ليستدفئا بالجمر! من يمكن أن يكون ذلك الرجل غير هذا الضابط الرشيق كالرمح؟ كانت قد صادفته مرات وسيارة الجيب العسكرية تنزله أمام بيته، وهي راجعة من الجامعة. وخيل إليها أنه في المرة الأخيرة ابتسم لها وأحنى رأسه في تحية لم يلاحظها غيرها. هل فهم من وقفتها مقابله في العتمة أنها قَبِلَته؟ سمعت صفيرا ناعما وكتمت ابتسامتها. يصفّر لحن أغنية كارم محمود عن الساكنة مقابله ويدعوها إليه! أية رسالة أكثر وضوحا من هذه الرسالة المحملة بالوجد والشوق؟ سمعت الصفير الرقيق نفسه وهي تطفئ الضوء. يودعها به! غفت بسرعة وأفاقت مبكرة قبل جرس المنبه. لعلها ستراه وهو ينتظر السيارة العسكرية التي ستنقله إلى عمله! كانت في الساعة السابعة ممشطة الشعر، صاحية، تلبس معطفها وتقف قرب النافذة كأنها تنتظر صديقة سترافقها إلى المدرسة. رأت الشوق في نظرته وخيل إليها أنها لمحت طيف تحية فأسدلت نظرتها إلى الأرض وانشغلت بهدير قلبها. بدا لكل منهما أنهما تبادلا حديثا طويلا في لحظة. وكأنه اعترف لها بأنه سهر كثيرا من الليالي معها وهي تدرس، وتفرج عليها وهي ترتب غرفتها أو تغير ماء الكأس للورد، أو تحضّر ملابس الصباح. وخشيت أن يكون رآها في قميص النوم أو رآها وهي تبحث أمام المرآة عن شكل يناسب شعرها الطويل. وخمنت أن أغاني فيروز التي كانت تنساب من نافذته موجهة إليها. كلّف فيروز بنقل كلمات وأشواق لايجسر على البوح بها! بعد تلك الليلة صارت الدراسة ممتعة. بدا لها أن الضابط الوسيم يحرسها. وكانت دائما تطمئن عليه في الصباح. ثم اختفى فجأة. استمعت غادة إلى الراديو الذي أذاع أن إسرائيل هاجمت في كانون الأول سنة 1955 المخافر السورية وقتلت ضباطا وجنودا سوريين. هل يغمى على القلب؟ أغمي على قلبها! هل جارها بين القتلى؟ مرت أيام طويلة ثقيلة. لم تعرف غادة مصيره إلا عندما قالت لها أمها: عينك على الباب. إذا أتت أختي نادني من بيت جيراننا الجدد، مقابلنا! ابنهم في الجبهة والواجب أن نطمئن عليهم! زغرد قلبها؟ عرفت مكانه وفهمت سبب غيابه! همست لنفسها: ياربي، ياربي، سق خالتي! أرجوك ياربي، أرجوك! لم تكد خالتها تقرع الجرس حتى تركتها أمام الباب المفتوح وقطعت الشارع راكضة. وقفت على الدرج لتسكت صخب قلبها. فتحت أخته الباب فرأت أمامها شابة متوهجة الوجه، مرتبكة. سألتها غادة: هل يمكن أن أنادي أمي؟ تفضلي ياروحي، تفضلي! من الباب؟ مستحيل! ادخلي! ودخلت غادة وهي تحاول بالرغم من خجلها أن تلتقط كل تفصيل في بيت الضابط. سجاد الأرض، والصور المعلقة على الجدران، والمقاعد المغلفة بالكتان الأبيض، والطاولات الموزاييك، وآنية ماء الورد الفضية في زوايا الخزانة الموزاييك، والثريا ذات الزنابق، وصورته بملابس الضابط ونجومه. ماأحلى ابتسامته فيها! هل سمعت النساء اللواتي ملأن مقاعد الصالون خفقان قلبها؟ رحّبن بها كما ترحب النساء بصبية ينتظرن الفرح بها، فزاد ارتباكها. قرب الباب قالت لها أخته: زورينا! الباب مقابل الباب ومع ذلك لم تسلّمي بعد علينا! رأته غادة عندما عاد من الجبهة. كم اسمرّ وجهه بالرغم من الشتاء! هل بدا حزينا بالرغم من فرحه بلقائها؟ سلّم عليها ووجدت نفسها ترد التحية. ولاحظ كل منهما أن وجهها احمر وأن احمراره أربكها. بدا راغبا في أن يطيل وقفته، لكن أخته وقفت في الشرفة المشمسة، وابتعدت سيارة الجيب العسكرية. سلّمت أخته عليها ودعتها بالإشارة إلى زيارتها. وهزّت غادة رأسها كمن يقول: فيما بعد. تساءلت عندما صعد محمود إلى بيته ووقف في منتصف الدرج لحظة ليتأملها، كيف لم يخطر لها أنه قد يموت في الجبهة برصاصة إسرائيلية؟! في ذلك المساء صادفته واقفا مع أخته وأمه في الشرفة، بالرغم من البرد. نادتها أخته: تعالي! هنئينا بسلامة الغائب! ومشت إلى الباب لتفتحه في انتظارها! لم تستطع غادة الرفض مع أنها مرتبكة. هتفت لنفسها: ياربي، أبعد هذا الاحمرار! ولماذا الاضطراب؟ كأني لاأتحدث مع زملائي في الجامعة! أو كأني طفلة! ومن هؤلاء؟ جيران، الزيارة بينهم ممكنة! سمعت سخرية ناعمة من نفسها: الفتاة الشجاعة التي ظنت أنها ممن يحملون الوطن، تعجز عن لقاء جارها؟ افتحي عينيك واكتمي مافي قلبك! أحبي أو اكرهي لكن اضبطي عواطفك باتزانك! تذكري أنك مسؤولة عن هوية سياسية كشابة بعثية تحمل الحلم بتوحيد الأمة العربية ورد الأخطار عن الأرض العربية، واستنهاض شعب عظيم ابن حضارة عظيمة! هل هدأتها النصائح؟ لاحظ محمود اضطرابها واحمرارها. وفتنته بخجلها. ولاحظ أنها حاولت أن تغلب ارتباكها وتبدو متزنة شجاعة. وبدت له تلك النضارة تعويضا عن أيام الجبهة المتعبة المتوترة. ستتذكر غادة بعد سنوات طويلة ذلك اللقاء، بعد أن يهبها العمر فضيلة التأمل. وستستعيد تفاصيله وتتذوقه في هدوء كأنها ترشف القهوة في فجر ليس فيه سواها. وستتساءل كيف نضيق بالزمن ونستعجله أحيانا، والزمن يمضي خاطفا كما مضى في ذلك اليوم؟ أعتمت الدنيا يومذاك وهي تستمع إليه. أجابته في سرعة عن دروسها في الجامعة، ثم استمعت إليه. كان خيالها يرسم مايرويه، فرأت خيمته التي علق فيها بيتا من الشعر كان يتردد من الإذاعة دائما: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر". سيحمل محمود معه الورقة التي كتب عليها ذلك البيت طول عمره لكنه سيفهمه في أشكال متنوعة. وسيستوقف ذلك الشعر زياد الحريري قائد اللواء السادس في أيام الانفصال ويقربه منه. هل كنت أعزي نفسي ببيت الشعر؟ كنت أرى على ضفة بحيرة طبرية المقابلة المحتلين الإسرائيليين ينعمون بالكهرباء والطرقات والسيارات والمسابح، وكنا في مواقعنا نستخدم البغال والحمير، وننقل الماء من الينابيع، ونأكل المعلبات، وتشاركنا الفئران أرزاقنا، ونقتل العقارب والحيات. كنا ننفي إلى الجبهة من نغضب عليه! هل يروي لها أمام أهله أنه سهّل الاغتسال على الجنود، وأتى لهم بالماء الإضافي، ليخلصهم من القمل؟ وأنه استنهضهم بالرياضة والألعاب؟ لابد من جهد خارق كيلا تكون الجبهة انتظارا مملا للصدام، أو حراسة تثير الغيظ والسأم! رأت غادة أمامها شخصا رقيق القلب، كأنه شاعر! واسع الرؤية كأنه سياسي! قال لها إن الفلاة فاتنة، حتى البرد فيها ليس كبرد المدن. توهم الإنسان بأنه يعود إلى علاقته بالدنيا. يتذكر رائحة الخشب المحروق ومتعة مراقبة النار ويفهم لماذا عبدها الإنسان. هل كان يخفي حزنه؟ طارت ذات ليلة خيمته. وبلله المطر المفاجئ. وطارت ألواح التوتياء التي تحمي المؤونة فهرعنا لنجمعها ونحمي بها ماسلم من أرزاقنا. نعم، حولنا حقول الألغام التي زرعناها. ويجب ألا تخطئ فرسه فتنفلت إلى وسطها! ويجب ألا يطمئن إلى الهدوء! ففي ليلة هادئة ساجية خطف العدو ملازما وقتلوا جنديين. كان عسكره يراقب حركة الملازم ومساره. فنصبوا له كمينا صادوه فيه. ويبدو أنه كان موقنا بأنه في أرض صديقة فغاب عنه أن العدو قد يتسلل إليها. أمرتُ فريقا من الاستطلاع بأن يتسلل إلى الأرض المحتلة ويأتيني بأسرى. كان قراري بعيدا عن ردة الفعل. فالعسكري يجب أن يتفادى العمل دون دراسة دقيقة. سمعتِ عن الحادث! في 10/12/55 أسر الإسرائيليون مجموعة من السوريين قرب البطيحة، وبدأ القصف. من بحيرة طبرية قصفت الزوارق الحربية الإسرائيلية المخافر الأمامية السورية. تسمي إسرائيل جيشها جيش الدفاع، وأسميه جيش العدوان! اجتاح الإسرائيليون المخافر السورية في قطاعات الجبهة وقتلوا ثلاثة ملازمين من قادة السرايا. كان الليل مظلما، والمعركة شرسة. عرف محمود من الهاتف العسكري أن المعارك شملت الجبهة من الشمال إلى الجنوب. استمرت المعركة حتى الصباح. وأتت القوات الدولية لتعاين ماحدث. رأيتُ دماء الإسرائيليين على شاطئ طبرية. نقل شهداؤنا إلى دمشق ليشيعوا فيها. رجال شجعان استشهدوا فوق رشاشاتهم. فجر الإسرائيليون حتى بلوكوز النقطة الطبية. بعد المعركة سحبنا جنودنا إلى الخلف وأخذ آخرون مكانهم. وانتقلنا إلى المنصورة. في الاجتماع الذي حضرته غادة في مقر حزبها تحدث المتكلمون يومذاك عن سبب العدوان الإسرائيلي: سببه أن في سورية مجلس نيابي منتخب فيه مجموعة قوية من رفاقنا النواب الاشتراكيين، وأن الجيش يدعم السياسة الوطنية، وأن مظاهرات الشارع تكبح الرجعية! وأن السجون فارغة من المعتقلين السياسيين! سببه أن سورية تختار سياستها الخارجية في حرية وتتقارب مع البلاد الاشتراكية وتسعى إلى صفقات السلاح منها دون شروط، وتفك الحصار الغربي عنها وتسعى إلى تأسيس اقتصاد مستقل! إسرائيل وسيلة التهديد الغربي! إسرائيل خنجر مغروس في الجسد العربي، يفصل المشرق عن المغرب، ويفرض على الوطن استهلاك ماله في التسلح! اعرفوا أن كل مايطلق حرية المواطن وكرامته يقوي الشعب ويجعله خطرا على إسرائيل المحتلة. العدوان ضغط على سورية التي ترفض القواعد والأحلاف العسكرية. هتفت غادة في نهاية الاجتماع في حماسة: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. كادت عيناها تدمعان. وانسابت على الأحلام باستعادة أمجاد العرب التي تقرأ عنها في كتب التاريخ! أحلام؟ أي واقع لم يكن حلما؟ لايوجد مستحيل إذا اجتمع الناس في قوة منظمة ذات برنامج وأهداف! هل كان تحرير الصين، التي تحتلها دولة عظمى ويكسر شعبها الأفيون، غير حلم؟ كانت تلك الصبية تحمل الايمان والحماسة التي جعلت جميلة بو حيرد تحمي أسرار جماعتها وتصمد في التعذيب. وجعلت الضابط محمودا يندفع في تأسيس مادمره الإسرائيليون في العدوان. في سنة 962 عندما سيعود إلى الجبهة ويفاجأ بأن الجنود يعانون من القمل، سيشتري لهم من راتبه الصابون، وسيولم لهم ولائم من صيد الحجل. وسيستقبل زياد الحريري في الجبهة ثم سينزل معه ليقلب حكومة الانفصال. سبقت العدوان الإسرائيلي على المخافر السورية أحداث كثيرة. بدأ بعضها قبل أن ينتقل محمود وأهله إلى حارة غادة. سمعت غادة قبل أشهر من الراديو حديثا عن مذكرة أمريكية رفضتها سورية. رأى مندريس أن رد سوريا على المذكرة عدائي. وهاهي غادة تتبين أن المذكرة ليست ورقة تطوى بل سياسة! وستحكم تلك السياسة والرد عليها مسار السنوات القادمة. دعت ليلى زميلتها غادة إلى الغداء. طلبت من منور أن تطبخ لبنيّة لأن غادة تحب لبنيّة منور مع الطرخون! راقبت منور الشابتين. تجدان دائما مايضحكهما. ياللشباب! لم تطل جلستها معهما إلا وقت الشاي بعد الغداء. وعم يمكن أن يتحدث السوريون اليوم؟! تنفد الجرائد من السوق، ويحمل حتى الرعاة راديو ترانزيستور! كان عدد من الجرائد قرب منور. قالت لغادة: اقرئي ياحبيبتي! طلبت المذكرة الأمريكية من الحكومة السورية ألا تتخذ قرارات تعارض الحلف التركي العراقي، ريثما يأتي يوم انضمام سوريا إليه. لايخجلون من الإعلان أن هذا الحلف نواة منظمة دفاعية تشمل الشرق الأوسط، فيها إسرائيل! الجامعة العربية، والضمان الجماعي العربي؟ لايمكن الاعتماد عليهما للدفاع عن الشرق الأوسط! ولاأسلحة إلا لمن ينضم إلى الحلف! يجمعنا حلف مع إسرائيل؟! حلف مع عدونا؟! أين سُفك دم بهاء؟ من سفكه؟ ولماذا؟ إسرائيل عدوتنا فإياكم ياصغار أن تنسوا ذلك! وتذكروا دائما أنها محمية! قال خالد العظم: اشترطت أمريكا وإنكلترا تحسين علاقتنا بإسرائيل. أرأيتِ يابنتي من يحتضن إسرائيل ويرضعها من دمنا وكرامتنا؟ اعتدت إسرائيل أمس على الجيش المصري في غزة، فسند مندوب الاتحاد السوفييتي مصر في مجلس الأمن واتهم كبير المراقبين بيرنز بالتستر على إسرائيل. فهل ذاك عدونا وهل حليفتنا إسرائيل؟! تسألين ياغادة كيف يرد بلد صغير مثل سوريا؟ احمي، يابنتي، أولا عقلك وضميرك. وتساءلي من عدوي! ضد أي عدو يوجه الحلف إذن؟ الاتحاد السوفييتي ليس خطرا علينا! هو في حاله ونحن في حالنا! الخطر علينا إسرائيل والتدخل الغربي! لم يستعمرنا الروس بل الغربيون! بعد ذلك فكري هل الرد يناسب التدخل الأمريكي! راحت حكومة حزب الشعب، وأتت حكومة العسلي العظم وأخذت الثقة على أساس الالتزام برفض الأحلاف العسكرية! أيد السعوديون واليمنيون البيان السوري المصري ضد الأحلاف. هل هذا يكفي؟ أعلن خالد العظم، وزير الخارجية، أننا نعتمد على جيشنا ومواردنا فقط. فللمساعدة العسكرية شروط لانقبلها. لاتنامي ياغادة على الثقة بحقك. لكن الدنيا تنهض من غفوتها! الشعوب مخيفة بما تخزن من قوة قد لاتتبينها هي نفسها. الشعب قوة إذا كان مسددا في مشروع صحيح. فالشعب أيضا قد يكون غوغاء! يفرحني أن التهديد الأمريكي لم ينشر الخوف. بل العكس! اقرئي! وافق المجلس النيابي بالإجماع على قرار اللجنة الخارجية: "اتفقت جميع الأحزاب والهيئات مع الحكومة بأن تقف البلاد موقفا موحدا في وجه الضغط الذي يستهدف سوريا اليوم وفي مقاومة كل تدخل أجنبي يرمي إلى الحد من سيادة سوريا وحريتها في رسم سياستها". هل تقرأ شابة مثل غادة ماتنقب عنه منور في الصحف؟ هل تستطيع في عمرها أن ترسم من التفاصيل لوحة سياسية واسعة؟ ستقول غادة لنفسها بعد سنوات: كم علمتني وأفادتني أم ليلى! نسيت ماأحاطته بخطوط حمراء في الجرائد لكنها حفظته وفسرته به ماأتى بعده من الأحداث! تضامنت يومذاك نابلس، التي تسمى جبل النار، مع سوريا! ونشرت الصحف برقيات وعرائض من نواب وصحفيين ومحامين لبنانيين يتضامنون مع الحكومة السورية! كتبت جريدة النصر: "لم يعد أحد يقبل لغة السيد والمسود.. حتى الماو ماو". وكتبت جريدة بردى وجريدة الكفاح عن علاقة تركيا بإسرائيل. لكن حسني البرازي كتب في جريدة الناس: تقول الحكومة إنها تحرص على سلامة البلاد، فهل يمكنها رد العدوان بالجيوش المصرية أو السعودية وكلاهما أعجز من أن يدفع عن نفسه العاديات؟ وضعت منور يومذاك إطارا بالحبر حول بيان عمدة الإذاعة الذي نشرته جريدة البناء في 23 آذار. "سياسة الحياد عدا كونها نظرية لاتتحقق في بلادنا في حال حرب عالمية، لاتعالج التجزئة والعوامل الأجنبية التي تغذيها. فهي إذن سياسة لاتخدم أهدافنا القومية.. الشيوعية عدو أكيد أما المعسكر الشيوعي فالانحياز إلى جانبه في الصراع العالمي لايؤمن لنا مصلحة قومية.. إن حل مشاكلنا القومية والقضاء على أوضاع التجزئة أمر لايتم إلا بأحد طريقين: التفاهم مع الغرب أو الصراع المسلح ضده. والظرف الحاضر هو أنسب الظروف للتفاهم مع الغرب". هذا الكلام غير مقبول! الحذر إذن واجب! تتآمر الحكومات العربية المحيطة بسورية عليها. لكن الشارع العربي غير ذلك. مظاهرات في الأردن. ومظاهرة كبرى في بيروت ضد حلف مندريس السعيد اصطدمت أمام مخفر البسطة بالشرطة. وفي دمشق أصدر ملتقى مندوبي الأقطار العربية بيانا عن التدخل الاستعماري والأحلاف. وذكر أن هدف الحلف هو الصلح بين الدول العربية وإسرائيل بجمعها في كتلة عسكرية تشمل منطقة الشرق الوسط. وأن الاتفاق الإنكليزي العراقي الأخير صكّ عبودية يبيح استعمال مطارات العراق. أكد الملتقى حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم. انتبهي إلى هذا ياغادة! لأن الأمريكيين يحملون مشروع توطين اللاجئين! وتذكري أنهم عرضوه على الشيشكلي! تساءلت ليلى: لماذا توجه كلامها إلى غادة؟ لأنها تنتسب إلى حزب؟ لأن منور تخمّن أن غادة تستطيع أن تؤثر في مجموعة؟ أم تستشف أنها ستكون شخصية مهمة في حزبها؟ هل تظن منور أن غادة وحدها موجودة أمامها؟ تقيد منور ابنتها بحرمة أنها ابنة شهيد لايجوز أن تنحاز إلى حزب! ألم تقل لغادة يوم عرفت أنها دعت ليلى إلى زيارة زوجة أكرم الحوراني: ياغادة، ابنة الشهيد للبلد كله. لاتنحاز إلى حزب فتنال عداوة حزب آخر! توسع معرفة الناس العقل والرؤية، وتستطيع ليلى أن تزور من تشاء، شرط ألا تجرفها الحماسة لأحد! قالت غادة لمنور يومذاك ماقرب بينهما: ياخالتي، كان يجب أن تعرفي أكرم الحوراني. يشبهك! يشعر مثلك بخطر إسرائيل ويرى مصير فلسطين متصلا بمصيرنا جميعا. هو مثلك يشعر بالخطر الغربي علينا. ويقدر دور المعسكر الاشتراكي ويرى أننا يمكن أن نستوحيه لكننا لسنا ملزمين باعتماد أوامره أو توصياته! في تلك الأيام كانت منور مهتمة بمؤتمر باندونغ. وكثرت زيارات غادة إليها. كأنها تطلب معلومات لاوقت لديها للبحث عنها، ورؤية تكمل ماتسمعه في مقر حزبها. أدهش ليلى وهي تراقبهما أنهما لاتملان من الكلام عن أمور جافة. من يعقّد حياة البشر فيضطرهم إلى هدر الوقت في السياسة؟ قالت منور: يأتينا العدوان من آخر الدنيا فلم لايأتينا الأصدقاء من آسيا وإفريقية؟! في أيار قابل وزير العراق المفوض رئيس الوزراء السوري وسلمه مذكرة من الحكومة العراقية عن رأيها في ميثاق الضمان الجماعي العربي. ورد وزير الخارجية السوري: تستند سياسة سوريا إلى مصالحها، ويخططها ممثلو الأمة في المجلس النيابي! سند بولغانين سورية فقال في مؤتمر الدول الاوروبية في فرصوفيا إن الاتحاد السوفييتي لايمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام الضغط الاستعماري على سوريا ومصر والبلاد العربية لإرغامها على الانضمام إلى الكتل العسكرية. في 18 نيسان عقد مؤتمر مؤتمر الشعوب الآسيوية والإفريقية في باندونغ وتألق فيه العرب. حضره عبد الناصر وخالد العظم ونهرو وشوإن لاي وسوكارنو. تحدث خالد العظم عن حق الدول الصغيرة في السيادة. وقال إن إسرائيل جيب من جيوب الاستعمار وحصن من حصونه على أبواب آسيا. قرر المؤتمر: تأييد حق الشعب الفلسطيني وإلغاء الاستعمار، واستخدام الذرة لأجل السلام، وعدم الانحياز. نشرت صورة الأمير فيصل آل سعود بين زوجة شوإن لاي وابنة نهرو وخلفهما نهرو وشوإن لاي. في هذا التوهج عقد في سورية مؤتمر لنقابات العمال، ومؤتمر لطلبة سورية، وعقدت اتفاقية بين مصر وبولونيا، وعرض فيلم عن جامعة موسكو في كلية التربية قدمه كامل عياد. ودعت رابطة العلماء بدمشق إلى إتلاف السلاح الذري وشجبت الأحلاف. واستنكر مؤتمر دلهي، الذي حضره معروف الدواليبي وعبد الكريم زهور وحسان مريود، الأحلاف وسياسة إسرائيل وأيد حقوق اللاجئين في وطنهم. وندد الكاتب الأمريكي جون شتاينبك بأساليب السلطات الأمريكية في اتهام الأبرياء. واستنكر اللبنانيون في مؤتمر وطني البيان التركي اللبناني وتصريح شمعون بأنه سيتعاون مع العالم الحر. وأذاع مجلس السوفييت الأعلى بيانا إلى شعوب وبارلمانات العالم يؤكد أن علاقته مع الدول الصغرى والكبرى على أساس المساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وفي نيسان أذيع نص بيان الحكومة السوفيتية عن تأييد سوريا والبلدان العربية، وذكر أن الطلب الأمريكي من سورية أن تنضم إلى الحلف التركي العراقي أتى بشكل إنذار، وأنه يغطي الخطر الاستعماري بالخطر السوفييتي. ولايمكن أن يقف الاتحاد السوفييتي كالمتفرج من إقامة الكتل العسكرية على حدوده مما لاينطبق مثلا على الولايات المتحدة البعيدة.. سوف يؤيد الاتحاد السوفييتي دفاع هذه البلاد عن استقلالها. "سيدافع عن حرية دول الشرقين الأدنى والأوسط واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية". ستتذكر ليلى تلك الأيام فيما بعد، وستبتسم وهي تستحضر منور. كادت تكرر لها ماقالته منور لنفيسة ذات يوم: يناسبك أن تكوني قائدة حزب! لماذا خيل لمنور يومذاك أنها مكلفة بأن تصحح البيان السوفييتي! قالت لمديحة: هذه البلاد أرض عربية. والبلاد المهددة بلاد عربية! لم نسمها نحن شرقا أوسط أو شرقا أدنى! ايقاع تلك الأسماء غريب على الأذن العربية، يامديحة! فهل يتفادى أصدقاؤك هذه الصيغ الغريبة عنا في المستقبل؟ أخشى أن تكون إسرائيل مدسوسة وسطها! ضحكت مديحة: ياخالتي أنا معك! لكني لاأستطيع أن أصل إلى الحكومة السوفيتية! المهم روح البيان! المهم أثره! صحيح يامديحة، صحيح! لكن تعلمي أن تفحصي حتى الكلمات العذبة! تثقف الأحداث الناس؟ نعم! لم تستطع منور أن تنسى أن الشيوعيين العرب وافقوا على التقسيم. وأن الاتحاد السوفييتي وهو دولة كبيرة تميز الخطأ من الصواب، كان يجب أن يرفض التقسيم لاأن يعترف بإسرائيل. رأت سعاد بعينيها المستوطنين الروس والأسلحة التشيكية. ألم يحاول المستوطنون اليساريون أن يوهموا العرب بأن الصراع ضد الأغنياء والرجعيين العرب لاضد الاستيطان؟! لكن الدنيا تغيرت. بيان الحكومة السوفيتية ثمين! وأسلحته ثمينة! وماذنب هذه الصبية التي كانت طفلة يوم وافق الشيوعيون على تقسيم فلسطين كيلا يخالفوا قرار الاتحاد السوفييتي؟! كانت منور تحفظ قصاصة تركها بهاء بين أوراقه مع قرار التقسيم الذي فجع العرب كتب فيها: "أكمل التقسيم وعد بلفور ونفذه. وأنجز ماسهر عليه الانتداب في فلسطين". لم يبال بهاء بتصويت الولايات المتحدة على التقسيم، لكنه رأى أن الاتحاد السوفييتي كان يستطيع أن يستعمل الفيتو. وقدّر أن الصهيونية أثرت في قراره. وأثر أنه لايريد الصدام بحلفائه الذين شاركوه في الحرب على النازية. حفظ بهاء كلمة أندريه غروميكو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 أيار :1947 المصالح المشروعة للشعب اليهودي وللشعب العربي يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار إذا أقيمت دولة مستقلة ثنائية القومية عربية ويهودية. مثل هذه الدولة تمنح حقوقا متساوية لمواطنيها من اليهود والعرب وتضمن تعاون الشعبين على أساس المصالح المشتركة. ومع ذلك فإذا ماتبين أن مثل هذا الحل لايمكن تحقيقه في الواقع العملي بسبب تدهور وسوء العلاقات اليهودية العربية فإن هناك بديلا آخر علينا أن ندرسه وهو تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين تتمتع كل منهما بحكم ذاتي إحداهما يهودية والأخرى عربية. كتب بهاء ملاحظة ربطها بتلك الأوراق: ليت التقسيم راعى الواقع العملي! ترك للعرب وهم مليون وثلاثمائة وسبعة وعشرين ألفا 43% من فلسطين ووهب اليهود وهم ستمائة وثمانية آلاف 57% من الأراضي. وهبهم مدنا عربية خالصة مثل عكا ويافا! وتجاهل أنهم مستوطنون غرباء! سجلت منور الأحداث، كما كانت نفيسة تسجلها في أيام الثورة السورية، لتراقب تسلسلها. هل كانت تشعر بأنها تكمل مذكرات بهاء في الجليل؟ كادت تعرض أوراقها بعد العدوان على المخافر السورية على غادة وتقول لها: مكان المذكرة الأمريكية في هذا السياق! صفقة سلاح تشيكوسلوفاكية لسورية سنة 54. اجتماع فاضل الجمالي في لبنان بشوكت شقير رئيس أركان الجيش السوري في تموز. اتفاق سورية مع السوفييت على صفقة سلاح سنة 55. إعلان وزير خارجية السوفييت أنه يسند سوريا أمام التهديد الأمريكي. حلف عسكري، ولو رمزي، مع مصر في تشرين الأول سنة 955. الاعتداء على السوريين في طبرية في كانون الأول سنة 955. هل كانت منور تتصور أنها تمسك بجوهر الأحداث وهي تسجلها، وتستطيع أن تغير مسارها؟ هل وضعت إشارة حمراء على لقاء شوكت شقير بفاضل الجمالي متوقعة له دورا ما في حضن الجيش؟ بعد عقود سيسجل مقاتل في جنوب لبنان الأحداث في مفكرته، كما سجلتها منور، وكما سجلها بهاء المقتول في الجليل. وستنقل مفكرته إلى أهله بعد مقتله، كما نقلت مفكرة بهاء إلى منور. لكن أهله لن يفهموا الرموز التي تمتد من تلك الجمل الموجزة. وسيخيل لأمه أنه ترك بقيتها بين صخور قلعة الشقيف الشاهقة. ولن تفهم لماذا سجل ابنها إشارات إلى أحداث كتبت عنها الجرائد! لأن أمثاله يقفون على الشفرة الدقيقة بين الحياة والموت، فيتركون بقية الكلمات في المدى، متمنين أن يستكملوا الموجزات التي سجلوها إذا بقوا أحياء! لم تعرض منور على غادة أوراقها! قالت فقط: ياغادة افهمي الأمور في تسلسلها! الجوهر أن سورية تختار حلفاءها وتعرف أعداءها وتحرر نفسها من أسر الغرب ولاتصالح إسرائيل! أسعد غادة أن تستمع إلى أم ليلى في تلك الأيام. "هذا كلام امرأة استشهد زوجها في الجليل". خارج النافذة فاح عبق الربيع. وجمح غصن شجرة لوز بزهره الأبيض. بالرغم من المذكرة الأمريكية، بالرغم من تهديد مندريس، بدت الدنيا رائعة الجمال، والربيع يدعو الفتاتين إلى الفضاء خارج البيت. مشتا على ضفة البساتين التي تمتد حتى قاسيون، تفرجتا على فلاح يشق مجرى للماء من الساقية، رفعتا نظرهما إلى الغيوم الوردية والرمادية التي زينت السماء. بدتا سعيدتين. لاتحتاجان غير النجاح في الجامعة وحب رجل وسيم ومخلص! وجدته غادة، فهل تجده ليلى؟! في أحلى أيام نيسان قتل عدنان المالكي في الملعب البلدي قرب شجرات الكينا الباسقة، خلال مباراة بكرة القدم! انتحر قاتله، وبدأت مطاردة الحزب القومي السوري. فرأى عمر وهو يدخل إلى الجامعة طلابا بعثيين يضربون طالبا ويطردونه من الجامعة. كان عدنان المالكي يعارض حلف بغداد وحلف الدفاع المشترك. تعاطف مع ثورة الكيلاني في العراق سنة 41 وشارك في المقاومة الوطنية السورية سنة 945. وكان من الضباط الذين حاربوا في الجليل، واحتل موقعا مهما يشرف على مستعمرة مشمار هايردن في منطقة كعوش التي احتلها قبل فترة قصيرة الفدائيون الشراكسة بقيادة العقيد محمود بنيان. ورد في الفجر هجوما مضادا يهدف إلى استعادة التل. فسمي تل أبو الريش تل المالكي. وأصيب المالكي في تلك المعارك بجرح في رأسه. اعتقل بعد دورته الدراسية في فرنسا واتهم بتحضير تمرد على الشيشكلي. وسجن مع الضباط المتهمين بذلك في سجن المزة العسكري وفي سجن تدمر. خرج المالكي من السجن بعد تمرد عبد الغني قنوت في حلب الذي رفدته القطعات العسكرية في الوسط والجنوب، واجتماع السياسيين في مؤتمر حمص معلنين ضرورة الحياة الدستورية وسقوط الشيشكلي. وصار الرجل الذي يُجمع عليه الضباط الوطنيين. كان غسان جديد مقابله، مركز تجمع الضباط القوميين السوريين. وحاول تنظيم استنفار في حمص. لكن المالكي رأى محاسبته لاتسريحه. فسرحه قائد الجيش. اتهم المالكي بتسريحه ليبرر التحريض على قتله. هل نقلت زوجة الملحق الأمريكي للمالكي تحذيرا أم تهديدا وقت نصحته بأن يبتعد عن سورية؟ كان سيسافر إلى خطيبته في صيدا يوم الجمعة، لكن السفير المصري ألح عليه ليحضر مباراة كرة القدم. فهل كان ذلك مشاركة في قتله؟ هل التقط البريطانيون فقط جناح عبد المسيح في الحزب القومي السوري ورسموا اغتيال المالكي؟ قتله يونس عبد الرحيم يوم الجمعة في 22 نيسان سنة 1955 وانتحر. بعد المحاكمة العلنية أعدم ضابطا الصف المشاركان في الاغتيال وطورد الحزب السوري القومي. وسيطلب أسد الأشقر فيما بعد محاكمة عبد المسيح حزبيا لمسؤوليته عن قتل المالكي وعما لحق بالحزب من ضرر. وستحاكمه محكمة حزبية في سنة 957 في لبنان. وقف أعضاء البارلمان السوري حدادا على المالكي. ورفع الحصانة عن حنا الكسواني نائب القوميين السوريين، واتهمهم بالصلة بالمستعمرين. ونشرت الجرائد صور تشييع المالكي الذي صلي عليه في الأموي. وكتبت الجرائد الصينية والروسية عن اغتياله. في أول نيسان كانت بريطانيا قد وقعت اتفاقية مع العراق بدلا من المعاهدة العراقية البريطانية، وانضمت إلى حلف بغداد الذي عارضته سورية. يجب إذن الخلاص من الضباط البعثيين لتغيير السياسة السورية! وكان شقير قد أبعد أكثرهم إلى الأطراف، مع أنهم كانوا القوة العسكرية التي أسقطت الشيشكلي. سيستفاد من السياسيين في المؤامرات التي ستعصف بالسنوات القادمة وستنشر الصحف أسماء غسان جديد وابراهيم الحسيني والشيشكلي وهايل سرور ومنير العجلاني وميخائيل اليان وغيرهم. عندما استعادت غادة فيما بعد اغتيال المالكي بدا لها أنه يجسد أخطار تلك الأيام، وارتعشت: كان يمكن أن يقتل محمود بالطريقة نفسها! كان محمود أكثر منها وعيا عندما فهم أن الرصاص الذي قتل المالكي موجه إليه أيضا! كان يمكن أن يمس قتل المالكي، الذي رأته غادة حدثا عاما، حياتها ومصيرها. فهل صرفها حب محمود عن الخشية من موته؟ وهل كان يمكنها أن تخمن أن الموت لن يأتي إلا وقت ظنت أن محبوبها محصن ضده! ستتداخل حياة غادة في حياة الضابط محمود كجذعي شجرة تين التف أحدهما على الآخر وكبرا معا. ذات يوم قصدت بنات الصف سينما دنيا. حجزن صفا كاملا. التفتت غادة فوجدته خلفها بين مجموعة من زملائه الضباط. لاحظ أنها احمرت حتى كاد وجهها يصبح كالشوندر. وتظاهرت بأنها لم تره. لم تفهم شيئا من الفيلم. وبدت لها مشاهد الحب فيه محرجة. احتمت بزميلاتها عندما خرجت إلى الطريق. وعندما شعرت بأنه اختفى أسرعت إلى البيت. لكنها فوجئت به قرب السبع بحرات. وجدته مقابلها تماما. أحنت له رأسها في تهذيب كأنها تراه الآن فقط. خطر له أن يؤدي لها التحية العسكرية وابتسم. قال: هل أرسل أهلي إلى أهلك أم نتحدث كما يتحدث أشخاص متنورون متعلمون؟ آه، يكاد خداها يشتعلان! بقيت واقفة. قال: على بعد خطوات في طريق الصالحية "غرفة الشاي". هل أستطيع أن أدعوك إليها؟ ياللكارثة! وحدها معه في "غرفة الشاي"؟ قال: يرتادها طلاب الجامعة والمثقفون. ابتسم: لايمكن أن أدعوك إلى مقهى الهافانا! ابتسمت ومشت معه وهي تسمع دقات قلبها وتدعو الله ألا تصادف شخصا تعرفه. قدمها أمامه إلى الطابق العلوي. وأطل على طريق الصالحية ليبعد الدوار الذي أحس به وهو يرى قامتها الممشوقة على السلم. ماأحلى عمر العشرين! قال لها: سيسعدني أن تقبلي الزواج مني. لست غنيا. لكن راتبي جيد.. خمسمائة ليرة. ويسهل علي أن أستأجر بيتا. سيؤلمني أن يطلبك أهلي من أهلك قبل أن أقول لك إنك تعجبينني.. بل أكثر! تلفت حوله. كانا وحدهما في تلك اللحظة في المقهى. قال: أحبك! خيل إليها أن قلبها تجمد وأنها ستقع على الأرض! عندما سمع خطوات النادل يصعد السلم سألها: هل أطلب لك شوكولامو؟ وقال مداعبا: سيملأون به كأسا كبيرة يضعون لك فيها ملعقة طويلة. ستسليك الملعقة! كأنه خمّن أنها ستداري ارتباكها بتحريك الملعقة! شعرت بأن السعادة تصيب بالدوار. وحاولت أن تكبح فرحها به، بوسامته، بحبه الذي انهمر من نظرته، من حركة يديه التي قربت لها الكأس وقدمت لها المنديل. وكم كانت كفه جميلة! همست لنفسها: يصعب حتى على الرجل أن يلجم حبه! لن يثقل عليهما أهله. أمه من أوائل المعلمات في دمشق، من اللواتي نزلن إلى ساحة المرجة وأعلن سفورهن وكان يحيط بزميلاتها يومذاك رجال الكتلة الوطنية. لها راتب تقاعدي. وأخته معلمة لها راتب أيضا. وهما تحبانها. بل هما متحمستان لزواجه منها حماسته نفسها! قالت له: لكني لن أتزوج قبل أن أنهي دراستي الجامعية! ابتسم: لن أؤخرك عن الدراسة إذا قبلت أن نتزوج خلالها! لا، لا! لاأريد أن أنشغل عن الدراسة! إذن نعلن الخطبة كي أستطيع أن أدعوك إلى السينما دون أن أجرّ زملائي معي، وكي أستطيع أن أجلس إلى جانبك ولاأبحث عن مقعد خلفك! زاد ارتباكها ببوحه! قال: ونستطيع أن نطمئن ونحن جالسين في غرفة الشاي! وأستطيع أن أخبرك بأني استدعيت إلى الجبهة! وجدت نفسها في جو رخيّ. ياله من رجل لطيف يدثرها بالمخمل! سألها وهي تدوّر الملعقة في الكأس: هل أعرف جوابك الآن أم بعد أيام؟ سأقبل أي حل يبقينا معا! إذا رغبتِ سأنتظرك حتى تنهي دراستك في الجامعة. لكني سأقترح أن نتزوج بعد سنة! أراد أن يوصلها إلى السبع بحرات: واجبي أن أعيدك إلى المكان الذي أخذتك منه! لا، لا! ودعته وهرولت لتبقى وحيدة مع سعادتها واضطرابها. هرعت إلى بيت ليلى وباحت لها بأنها جلست وحدها مع رجل في مقهى لأول مرة في حياتها. وأن ذلك الرجل يريد أن يتزوجها. تداخلت أسرارها في غرفة ليلى، وفاحت في الغرفة كالورد. تلفتت فجأة وسألت ليلى: عندكم رائحة بخور! ابتسمت ليلى: لا! أنت بخّرت البيت كله! سألتها: هل تظنين ياليلى أنه صادق في أن يتركني أكمل دراستي إذا تزوجته؟ لم تنتظر جوابها وانغمرت بأحلامها. تأملتها ليلى. هذه الشابة التي تكبرها في العمر والمعرفة، وتنقل لها الأخبار السياسية الخفية، تضطرب هكذا من الحب؟ رأت ليلى لأول مرة هيجان الحب والخجل منه، السعادة به والرغبة في الهرب منه. لماذا ياربي؟ وقيس غنى حبه للفلاة والناس؟ هل ارتباك الفتاة منه قدر أم فضيلة؟ لم تقل بثينة كلمة عن جميل، ولم تقل ليلى كلمة عن قيس، فسمعنا صوت جميل وقيس فقط. هل هذه فضيلة كتمان السر والترفع عن البوح للناس بكنوز القلب؟ أم هذا حبس قدّر على الفتيات بالقسر؟ تساءلت وأجابت نفسها: لن أبوح بالحب للناس إذا أحببت! سيكون ذلك سري وكنزي، لن أرفع أحدا ليطل عليه! ولامنور؟ ولامنور! ستتزوج غادة خلال دراستها في الجامعة. سيراها الضابط محمود وهي تندفع إلى قصر الضيافة والدمع في عينيها، تريد أن ترى "بطل العروبة" عبد الناصر، وسيكون هناك معه، وسيحميها من الزحمة. لكنهما سيختلفان بعد الوحدة لأن عبد الناصر فرض حل الأحزاب، فحل حزبها نفسه. ستمر أيام سيئة تقتلع روحها. ستشعر بالوحدة الباردة وهي مع محمود، حبيبها، بعد اتفاقهما ألا يتحدثا عن الوحدة أو الانفصال. لكنها فيما بعد ستحمل الكارثة وحدها! سيكون زوجها الضابط من جماعة جاسم علوان التي تمردت مع مدرسة الإشارة. لن يبوح لها بسره قبل التمرد، محترما اتفاقهما. ولن تبوح له بأنها تجتمع مع أعضاء حزبها الذي يحاول أن يستعيد تماسكه. ستسمع صوت الرصاص والرشاشات، وسترى في التلفزيون نزع الرتب عن بعض الضباط قبل إعدامهم. ولن تعرف إلا بعد ذلك أن زوجها مع المتمردين! لم يخطر لليلى أنها ستكون بعد أيام شاهدة على غضب عمر! صادفته واقفا قرب باب كلية الحقوق، ظهره إلى الحديقة وأمامه فوزي ومديحة. لم ينتبه إليها أحد منهم. فوقفت مع غادة تراقبهم على بعد خطوات. بدت كالغريبة لكن غادة كانت تخمّن مايجري. همست لها: تتحدث الجامعة كلها اليوم عن طرد سليمان من حزبه، والتشهير به في جريدتهم! علا صوت عمر: لولا سليمان من يعرفكم في الجامعة؟ لاتقولوا لي إنه خائن وعميل! أعرفه، كنت معه في تدمر. عُلق من ذراعيه، صُلب، وضُرب أكثر مما ضُربت. وكان بعد التعذيب حلو الحديث، يشجعنا نحن الذين نصغره في العمر. هل تعرفون أنه يداوي عند أساتذته اللاجئين السياسيين العراقيين والأرنيين؟ هل تعرفون أن أساتذته يحترمونه ويقدرونه، وأن الدكتور بشير داوى لأجله قيسا عندما وصل مسلولا من معتقل الجفر في الأردن؟ أنت يافوزي تعرف أنه وطني وصادق! وأنت يامديحة تعرفين ذلك. فلماذا تسكتان على الكذب والخطأ؟ حتى يأتيكما الدور وتطردان مثله؟ حاول فوزي أن يشد عمرا من ذراعه ليبعده عن المدخل. فكل من يمرّ يسمع جملة فتنتشر الفضيحة. رفض عمر أن يترك مكانه. أردتم التشهير بالرجل متوهمين أنكم قادرون على سحق من يخالفكم، فلماذا تخافون الفضيحة؟ لم تتعلموا من طرد نجاة حسن مع أنكم فقدتم به رجلا من أركان مجتمع دمشق، تفترض مصلحتكم كسبه لا إبعاده! لم تفهموا حتى الآن أنه ربح نفسه وخسرتموه، وهاأنتم تضيفون إليه سليمان! ماذنب سليمان؟ أنه انتقد أشخاصا في القيادة؟ هل قيادتكم آلهة لايأتيها الباطل؟ نادوه واسألوه رأيه وناقشوه! العمى! لاحق لكم في الكلام عن الديمقراطية والحرية أبدا! لديكم جلادون أكثر مما لدى أية سلطة فاشية. من حظ سورية أنكم لاتحكمونها! تلفتت مديحة. هذه مصيبة! نعم هذه فضيحة! فالطلاب يحترمون سليمان ويحبونه. قالت لها غادة فيما بعد: مانشرتموه في جريدتكم تشهير على الطريقة السوفيتية! ينقل أصحابك حتى هذه الطرق البالية في معاملة الناس! لكن يبدو أنكم لم تسمعوا بعد بالمؤتمر العشرين! سأعطيك جريدة البعث التي نشرت تقرير خروشوف السري! يامديحة ياحبيبتي، جربي أن تفهميهم ضرورة أن يخرجوا من حارة ركن الدين والقصاع ليفهموا دمشق! عندما يفهمونها سيعرفون أن دماثة خالد العظم تفتح بوابات الناس وليس الحسام المهند الذي يرفعه الجهلة الذين لم يغادروا حارتهم! ردّت مديحة: لاتحكمي على حزب إلا من سياسته. لاتحكمي عليه من التفاصيل العابرة! غضبت غادة: البشر تفاصيل عابرة؟ الأفراد حشرات؟ هذا يقع في نظريتك عن الفرد والجماعة! فما أهمية اولئك المفكرين الذين رميوا في معسكرات الاعتقال السوفيتية؟ أفراد لاقيمة لهم! سأعطيك مجلة فرنسية يحررها أراغون نشرت صورة حقيقية قديمة، وصورة بعد تزييفها بحذف بعض الأشخاص المغضوب عليهم منها! هكذا توثّقون التاريخ يامديحة! تدخلت ليلى لتخفف عن مديحة. هؤلاء وطنيون يشاركونكم في مظاهراتكم ضد الأحلاف. لكن غادة مصيبة في أمر لم توضحه. ضمير دمشق! تحدثوا بلغة تلمس ضمير دمشق. فالشعارات الصحيحة لاتقرب وحدها الناس. لغة البطش لاتقرب الناس بل تبعدهم! قالت غادة: ولغة التهويل والضجة لن تخترع لكم جماهير خاصة. تعرفين ياحبيبتي مديحة أن البلاد تمشي الآن مع تجمع الأحزاب. لكن فكري ماذا يبقى لكل منها إذا رجعت إلى مكاتبها؟ قال عمر ساخرا: أصحاب مديحة يزنون قوتهم بإضافة الاتحاد السوفييتي إليهم! فما حاجتهم إلى رجل شجاع محبوب مثل سليمان؟! هل تبوح مديحة لهم بأنها حاولت أن توضح لأحد المسؤولين أن طرد سليمان سيثير ضجة في الجامعة؟ كان يزهو أمامها بأنه من أصول عمّالية، ويعلّمها أن قيادة الطبقة العاملة ضرورة وشرط لبناء الاشتراكية. استند على قدمه اليسرى وقال لها: يارفيقة مديحة، تعرف القيادة أكثر منك ومني مايجب. لو لم تر ضرورة طرده لما قررت ذلك. وأين النكبة في ذلك؟ ماأهمية الفرد في مسار التاريخ؟ تصنع التاريخ الجموع، الشعوب! أنا وأنت ذرات عابرة، قيمتنا بما نقدمه لكفاح الطبقة العاملة! تأملته مديحة وقالت بينها وبين نفسها: رجل أميّ! اشترت كتابا عن حياة كارل ماركس من مكتبة التنبكجي وقرأته في ليلة. تأملت ثقافة ماركس. وبدأت تمسك بأول الاستنتاجات التي سيتراكم كثير منها فيما بعد. تساءلت هل صدفة أن كبار الثوريين في العالم مثقفون؟ دون ثقافة كيف يستطيع قائد أن يحيط بنظره مساحات الكون الواسعة وأن يحلّلها ويخمّن قوانينها ومسارها؟ دون ثقافة واسعة ورهافة إنسانية كيف يمكن أن يستشف، وأن يكون مسؤولا عن قرارات قد تجرف مجموعات وأزمنة؟ هل كانت مديحة تتنبأ دون قصد، بأن مرحلة تاريخية ستسفك، وأن أحلاما نضرة ستدمر، وأن أخاديد ستنفتح باسم الغيرة على الوطن؟ هل تظن أن ماتستنتجه شروط لقادة ثوريين فقط، أم لقادة وطنيين أيضا؟ كانت العدالة مبهرة لمن في عمرها. وكانت ترى أن رفاقها في الجامعة يكرسون لها أنفسهم في وجد. فوزي ميسور، بل غني، وقد يكون من النادرين الذين يلبسون قمصانا ثمينة ويتزينون بربطات عنق غالية. لكنه يشغل نفسه بتنظيم المظاهرات. هل تهمس له بما تشعر الآن به: ليست النظرية أو المشروع فقط هي المهمة، بل حمّالوه؟ بعد عقود، ستقول لفوزي: يحمل أكثر النظريات تطورا في الكون، أكثر الناس تخلفا! تَفترض احترام عقل الإنسان ويلغونه، تَشترط شراكة المجموعة ويرفضونها. ولايستطيع العقلاء الجدّيون أن يغيروا ذلك! ليس الشعب الفلسطيني العظيم فقط منكوبا بقيادة متخلفة. نحن مثله! والمصيبة أن قمة الهرم تضيق لتصبح عائلة صغيرة! ينتظر الناس من العناية الإلهية أن تخلّصهم ممن نكبوا بهم، لأن الزعماء صاروا قدَرا والانتخاب ألغي؟ سيكون فوزي قد أمضى سنوات في السجن. وانساق سنوات في الخلافات الداخلية. وقد بدأ بخطوة صحيحة وصل بها إلى ماسمته مديحة أخطاء. سيكون من المجموعة التي طلبت استقلال الحزب عن الاتحاد السوفييتي بقراره وسياسته، متذكرا خطأ قرار التقسيم. وطلبت انتخابات حقيقية في مؤتمر ديمقراطي لاتفرض فيه القيادة نفسها. لن ينجح وستبدأ أول الانقسامات، وسيرطّب قلوب أصحابه أن انقسامات مشابهة حدثت في الأحزاب السورية والعربية. لكن أحدا لن يتساءل كما تساءلت مديحة: أيعقل أن يتخلف هؤلاء المتخاصمون عن الشعور بحاجة الزمن إلى لغة جديدة ورؤية واسعة؟ أيعقل ألا يفهموا الخطر الذي يجرف المنطقة كلها فينصرفوا إلى خصامهم وغيرتهم على مناصبهم، ويتزاحمون على مراكز القادة التي لاتتسع لهم جميعا؟ ألا يفهمون أنهم صاروا عبئا على البعثيين بدلا من أن يكونوا سندا لهم؟ لن يكون فوزي يومذاك قريبا من مديحة. لكن عمرا سيواسيها ويحاول أن يبين لها أن همومها الشخصية همّ عام. فالزمن فرّق المجموعات وبعثر الأصدقاء. سيقول لها: يقع هذا في سياق الأحداث! يستكمل الانهيار! كشف سقوط الاتحاد السوفييتي هشاشة الأحزاب التي كانت تأتمّ به. ألا تذكرين قول منور لك: لاتضيفي قوة الاتحاد السوفييتي إلى قوتك! كم كانت دقيقة في نبوءتها! عندما سقطت الخيمة تخبطت القوى التي تستظل بها. لم يتخبط أصحابك فقط، بل مجموعات سياسية أخرى. لكن الوطنيين الذين يستندون إلى عراقة تقاليدهم استطاعوا أن يقفوا على أقدامهم وأن يناوروا كيلا يسقطوا تحت القوة الوحشية التي تجتاح العالم. أما اولئك فبدوا عراة، ولن يستعيدوا قوتهم إلا بانتفاضة يرمون في نارها أخطاءهم السياسية والأخلاقية. يامديحة، ماهو سبب بعد الناس عن السياسيين اليوم، لاعن السياسة؟ سببه أن الأخلاق بعيدة عن سلوك السياسي، كأنها مستقلة عن السياسة. ماذا يقول الناس؟ يقولون إن هؤلاء يسجدون في سبيل استبقاء سيارة مرسيدس وسائق على أبوابهم! يقولون أصبح العمل الوطني مهنة لاتطوعا، أصبح نوعا من اقتسام الوظائف والمراكز والامتيازات! والشاطر من صعد على السياسة إلى مشاريع اقتصادية وحسابات مالية! هل تصادفين أحدا من السياسيين ماشيا في الطريق كما كنا نصادف الوزراء والنواب في الخمسينيات؟ أبدا! بينهم وبين الناس حجّاب وسائقون وزجاج السيارة القاتم! لذلك لم تعد القوى السياسية التي عرفناها في الخمسينيات ذات وزن اليوم، لم تعد قوى مستقلة ذات رأي واجتهاد، بل صارت موظفين ببغاوات. كانت صاحبة مشاريع سياسية، وصارت صاحبة مشاريع استثمارية. هل يمكن أن يخطر لك أن أحد اولئك طلب حصصا مستثناة من الدَور لتوظيف جماعته من العاطلين عن العمل؟ لكن لاتفقدي يامديحة الثقة بالأفراد. فلعلنا لم نعرف سابقا مثل هذا الوعي في الوطن العربي. يتابع الناس أخبار الفضائيات ويقابلون إحداها بالأخرى ليعرفوا الحقائق. يختارون مايستمعون إليه. لم يعودوا ينتظرون البشير لينقل إليهم الخبر الخاص والتحليل المنزَل. ولم تعد توجد أسرار خاصة تنقل إليهم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومخابراته. صار الأفراد يعرفون أكثر مما يعرف قادتهم، ويخمّنون ويحللون ويستنتجون. صاروا أكثر كفاءة في قراءة الأحداث مما كنا قبل عقود. وياللأسى لأن القيادات السياسية لاتفيد من ذلك بل تتجاهله! لكن انتبهي! بعد الانهيارات لم يعد الناس ملزمين بالاستماع إلى رجل لايقدّم رؤية جديدة! لم يعودوا ملزمين بتسجيل حضورهم في اجتماع يتحدث فيه أو بالتصفيق له! هل أرهقتك يامديحة بالمجردات؟ أبدا ياعمر، فأنت تتحدث عن حياتنا. عن الأحلام التي غرقت في الدماء. ولم يغرقها أعداؤنا فقط، بل أغرقها الوطنيون بجهلهم، والجهلاء بجلافتهم، والزعماء الأنانيون الذين ضحوا بأحزابهم في سبيل امتيازاتهم وأولادهم. قال لي أحدهم في شيخوخته كمن يبوح لي بكلمة صدق يريد أن يستبقيها: من حظنا أننا لم نكن في الحكم وإلا لنصب أحدنا المشانق للآخر. وتساءلت فيما بعد عندما اكتشفت روح جلاد في بعض اولئك، هل كان يفهمهم إلى هذا الحدّ من قرب؟! كان يومذاك يقف في المطل على انهيارات كبرى يعرف أكثر من غيره مداها المدمّر. فنقد بداياته، وروى لي أنه صادف فخري البارودي في طريق الصالحية فاستوقفه البارودي وقال له: الله يسامحك، أتسمينا عملاء استعمار؟! لكن من ورثوه استخدموا التهم نفسها ليحتموا ممن يبحث كفاءتهم! يامديحة انتبهي، لاتسقطي في الصغائر التي يجرونك إليها! دعيهم هناك يستمتعون بها. ياعمر، هل أستطيع أن أنجو من حقدهم وانتقامهم لأني أترفع على الصغائر التي لايعفّون عن خنق من يخالفهم بها؟ لاتشعري بأنك وحيدة، يامديحة! فالناس عادة يسندون المعتدى عليه! أعلن العدد التالي من جريدة الحزب يومذاك طرد زوجة سليمان. كانت مديرة دار نشر في بيروت. هجرت أهلها المغتربين في إفريقية ورجعت محمولة على جناحي رومانسية جعلتها مستعدة للجوع في سبيل مشروع ثقافي طليعي. غنت في وجد الأغاني الثورية في جبال قريتها مع إخوتها ورفاقها قرب أشجار التوت وأفران فكّ الشرانق. كانت تحلم معهم بأن تؤسس مجتمعا عادلا عظيما لم يعرف الشرق مثله بعد! وستهرع "الجماهير" وراءها لتنفّذ ذلك المشروع! ثم تركتهم إلى بيروت. صادفها سليمان في دار النشر وقد وضعت كومة من البزر تسدّ بها جوعها. فقد قررت لنفسها أجرا رمزيا لتوفر المال للدار. ورآها توزع الكتب بنفسها وتحملها وتنزلها وترفعها كي توفر أجر عامل. وماأهمية ذلك والشباب يحمل الأرض؟ اقترح سليمان على مديحة أن ترافقه إلى بيروت مع مجموعة من رفاقه كي يزوروها. ورأتها مديحة. شابة فاتنة الشخصية، حلوة. تحمست المجموعة لزواج سليمان منها. وأتت العروس أخيرا إلى دمشق. فماذا كان يمكن أن يقول فوزي ومديحة في ذلك اليوم؟ يدافعان عن التشهير بزوجة سليمان؟ رماهما عمر بنظرات غاضبة ولم يسلّم عليهما. لحقاه. قال غاضبا: لن أدهش إذا شهّرتم بأمه وأبيه وإخوته وأجداده فالرعاع يتناولون عادة الأب والأم والزوجة بالشتائم! أنزلتم أخلاق السياسي إلى مستوى الغوغاء والنّوَر! زار عمر سليمان في المساء. ورأى دموع ذلك الرجل الذي لم تُبكه سياط الجلادين في سجن تدمر. كانت زوجته تهون عليه الغدر. وعرف عمر في اليوم التالي أن أساتذة سليمان نقلوه إلى المستشفى. سيعاني من انهيار عصبي. وعندئذ سيقول النقابي الذي دافع عن طرد سليمان: في الحقيقة، كان سليمان مجنونا ولم يكن من الممكن أن يتحمل الحزب مسؤولية أخطائه. وستسأله مديحة: وماهي أخطاؤه؟ وسيردّ: تعرفها القيادة، وماكل مايعرف يقال حرصا على الأمن الحزبي. لماذا تحمل ذلك المسؤول اعتراض مديحة؟ كي يجد الفرصة للإعلان عن حبه؟ سيقول لها إن عواطفه نحوها "تطورت" وإنه يطلبها للزواج. وستشعر بالغثيان. هنا أيضا "تطورت"؟ ستتحاشاه، ولن تراه إلا يوم يلجأ إليها كي تؤويه وتصله بمن يهرّبه في بداية الاعتقالات في أيام الوحدة. تمنى عمر لو لم تره ليلى غاضبا ولم تسمع ذلك الحوار عن سليمان. كأنه يحرص على أن تجهل هذا الجانب الفجّ والظالم من الحياة! ألأنه يتمنى ألا تفقد صفاء الروح؟ لام نفسه: كأني أتمنى لها الجهل بما يمكن أن يعرفه آخر. وهذه إشارة إلى تصور يريد المرأة هفهافة وضاحكة وغبية! فراقِب نفسك ياعمر! قال لنفسه: لاتوجد الأفكار مستقلة عن أصحابها! لكنه يتمنى أن تميز ليلى بين الناس المتنوعين الذين تحملهم الانتصارات على موجها! سيحاول أن يكون حاضرا في البرهة الضرورية. لكنه سيلاحظ أن نظرة ليلى النضرة تلتقط الخطأ وتدوران حوله! وسيقول لنفسه: في فطرتها عدالة تنجيها من عواطف العشيرة المتضامنة في الصواب والخطأ. منطقها متزن وعدالتها حازمة! بعد اغتيال عدنان المالكي رأى كمدها. دخلت إلى الجامعة فرأت طلابا يرفسون طالبا ويرمونه خارج الجامعة. جفلت، غيّرت طريقها ومشت إلى عمر الواقف على باب النادي: لماذا يضربونه؟ ردّ: لأنه قومي سوري! اتهم القوميون السوريون بقتل عدنان المالكي. سألته: هذا الشاب اغتاله؟ قال: لا. لكنه من حزب القاتل! قالت: ينفذ في الحرم الجامعي مايترك للقضاء؟ ارتبك عمر: يعتقل القوميون السوريون للتحقيق! ردّت: تعلمنا أن كل متهم بريء حتى يثبت القضاء أنه مذنب! لذلك تخيفني هذه الطريقة في معاملة الإنسان! ياعمر لماذا لم تتدخل وتمنع ضرب إنسان؟ تلفّت عمر وقادها إلى النادي: لنشرب الشاي! حاول ألا يسمعها أحد. تفور البلد كلها غضبا على الذين اغتالوا المالكي. تستهدف الجريمة سوريا! عدنان المالكي صمام الأمان في الجيش. اغتاله يونس عبد الرحيم، الرقيب في الشرطة العسكرية في الملعب البلدي وانتحر. أدانت العرائض والمظاهرات في سورية ولبنان والأردن قتل المالكي. وكرس المجلس النيابي جلسة لبحث اغتياله ورفع الحصانة عن حنا الكسواني نائب القوميين السوريين. الظروف التي اغتيل فيها المالكي: حشود تركية على الحدود السورية، عدوان إسرائيلي على القوات المصرية في غزة، الضغط على سوريا لتدخل الحلف التركي العراقي. كشف رئيس الحكومة اتصال قادة القوميين السوريين بالمستعمرين لقلب الحكم. وشهد رئيس الأركان على محاولة غسان جديد تنظيم انقلاب وفشل الاستنفار في حمص وقطنا. وعرض الاتهام في المحكمة رسالة هشام شرابي إلى جورج عبد المسيح عن مشروع أمريكي لتنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط يؤهل له انقلاب في سورية، ووساطة شارل مالك كي تعتمد أمريكا على الحزب لينفذ ذلك. نشرت جريدة الرأي العام أن زوجة الملحق العسكري الأمريكي ستيفنسون حذرت عدنان المالكي من الخطر على حياته ونصحته بأن ينتقل إلى الخارج. بعد نشر الخبر نقل ستيفنسون في 24 ساعة. قال عمر وهما يشربان الشاي في النادي: من يسمع غضبك ياليلى يمكن أن يتصور أنك تدافعين عن اغتياله. التفتت إليه: إذا كان من يسمعني عاقلا يفهم أن من يرفض ضرب طالب في الجامعة لايقبل الاغتيال! أطرق عمر. في السياسة جانب آخر! ليست السياسة فقط الدفاع عن الوطن. بل القدرة على ضرب الخصم. قالت: لاأتحمل ياعمر قتل إنسان أو ضربه! ياليلى لسنا الذين نضرب أو نقتل. نحن الضحايا التي تُقتل وتُضرب! تحمل الأفكار مجموعات سياسية قد تتفق في مشروع وقد تختلف. نتمنى أن تجتمع هذه المجموعات في مشروع وطني فالمرحلة الحالية ليست مرحلة تفصيل أنماط من المجتمع والاقتصاد، بل مرحلة مقاومة الأحلاف. أنا معكِ، يجب أن يحاكم القضاء فقط المتهمين. لسنا مكلفين بمهمات القضاء. لكني أريدكِ أن تفهمي الواقع. اقرئي بيان عمدة الإذاعة في جريدة البناء في 23 آذار، قبل اغتيال المالكي: "سياسة الحياد عدا عن كونها نظرية لاتتحقق في بلادنا في حال حرب عالمية، لاتعالج التجزئة والعوامل الأجنبية التي تغذيها، فهي إذن سياسة لاتخدم أهدافنا القومية.. الشيوعية عدو أكيد أما المعسكر الشيوعي فالانحياز إلى جانبه في الصراع العالمي لايؤمن لنا مصلحة قومية.. إن حل مشاكلنا القومية والقضاء على أوضاع التجزئة أمر لايتم إلا بأحد طريقين: التفاهم مع الغرب أو الصراع المسلح ضده. والظرف الحاضر هو أنسب الظروف للتفاهم مع الغرب". نُشر ذلك في جريدة مع أنه يعارض الاتجاه العام للحكومة والكتل النيابية ومزاج الشارع. لاأشك في دور جورج عبد المسيح في اغتيال المالكي. لكن يجب أن نقدس العدالة فلا يلاحق إلا المشبوه! جيراني شباب قوميون سوريون أختلف معهم في الرأي. لكني أعرف أنهم لايمكن أن يقتلوا إنسانا. لذلك يحزنني اعتقالهم. وقفت ليلى أمام مسألة الحياة: أين الفاصل بين حدود الفكر وبين مجاله في العمل؟ وكيف نميز المتهم من البريء؟ لكن عمرا تذكر فيما بعد حوارهما، وقال: حس العدالة عند ليلى كان صحيحا، والخطأ الذي ارتكب بمطاردة جميع القوميين السوريين والتغاضي عن تعذيبهم في السجن، مهد للاعتقالات الأخرى فيما بعد ولشرعية التعذيب في السجون كطريقة في معاملة الخصم. وسيتذكر عمر وهو في السجن مارواه له جاره القومي السوري: جورج عبد المسيح خائن وعميل. لكن ماذنبي أنا؟ عمري فقط تسعة عشر عاما! ضربوني. دخلوا الزنزانة في منتصف الليل وقالوا لي جهز نفسك للإعدام. ثم رجعوا وقالوا ضاحكين: أجّلنا إعدامكم! لكن المحقق كان ضابطا نبيلا. قال لي: لاتُجب إلا بمقدار السؤال! وسيتساءل عمر في السجن هل أخفى عن ليلى مارواه له جاره خوفا على روحها من الجرح؟! نسجت مناقشات ليلى وعمر وهما يدوران في حديقة الجامعة في شمس الشتاء، أو يشربان الشاي في نادي الجامعة، أو يمشيان في الطريق إلى بيتها، صداقة ممتعة بينهما. فردّدت ليلى في أحيان بينها وبين نفسها: هذا أبقى وأعمق من حب رجل وامرأة! وردّد عمر: هي قريبة مني أكثر مما يمكن أن تكون قريبة مني أية امرأة! بحثا معا الحياة والمستقبل. وروى كل منهما حاجة الآخر إلى من يسمع حديثه عن الهواجس والأسئلة التي يبوح بها فقط لنفسه. قالت له مرة: ياعمر لايعجبني الذين يقدمون كأنهم حملة رايات الفكر المتنور. أستطيع أن أميز لك منهم الصادق، والدعي! مثلا يدافع عن اللغة الفصحى من يستعمل العامية، ويدافع البليغ في الفصحى عن العامية! لم أتحمل قراءة دفاع أحدهم عن التقدم والتحرر. بدا لي مثقلا بالتخلف. لغته، وصياغته من زمن مات. كأنه ربي في كتّاب! من يثقله التخلف لايستطيع أن يستضيء بفكر جديد. ذلك غير من يعود إلى التراث باحثا عن الفن الرفيع. أعرف ياليلى! في السجن اكتشفت مناضلين يتخلفون عن الرجعيين وعن الرجال التقليديين في نظرتهم إلى المرأة. سألته: كيف تجتمع رؤية رجعية مع أرقى أفكار العصر؟ الحق معها! رفعت الغطاء الشفاف عن المتخلف والدعيّ! قال ياليلى: تحمل الانتصارات أشخاصا من بيئات ومستويات ثقافية متنوعة إلى الصفوف الأمامية. ويفترض أن يثقفوا أنفسهم. أظن أن صفاء الفطرة هو الذي يقرر مساراتهم فيما بعد. لاتستعجلي الحكم عليهم. اتركيه للزمان! سيولد ذات يوم آخرون يبدأون من مستوى آخر. وسيكونون أفضل منا. الآن، ليس لدينا أفضل من هؤلاء. لايمكن أن نرفضهم لأنهم ليسوا في قامة الأفكار التي يعبرون عنها! قالت: آمل ألا يغلقوا الطريق أمام من هو أفضل منهم! قال: حقا، يحدث ذلك في التاريخ. في يوم مشمس من الشتاء فتحت غادة لعمر مشروعا: قراءة التاريخ العربي! سألها عمر: تريدين أن تثقفينا أم أن تجرينا إلى الحلم باستعادة أمجاد الأمة العربية؟ كانت تقرأ المتنبي. وافقت ليلى على المشروع: ديوانه في مكتبة ابي! سأقرأ فيه هذه الليلى! سألها: لديك وقت؟! أجابت: سأجد الوقت! وعندما لمحها من نافذة المكتبة تقرأ قصَدها. انحنى وهمس: ياليلى، الربيع مدهش في الخارج، فلنأخذ بعض وقت المتنبي! في ذلك المساء دعته ليتعشى في بيتها. لم يسمع ضجة صحون حتى خيل إليه أن الدعوة وهم. ثم ظهرت أمها: تفضل! جلس إلى طاولة صفت عليها أطباق بيضاء على غطاء فستقي. بدا المنديل الفستقي قرب الصحن كفراشة من فراشات الربيع. شعر بنبل وجبة الطعام. قدمت منور أطباقا قليلة طبختها في ذوق. وضعت كل حبة من حبات اللحم في داوود باشا كأنها تضع جوهرة على بياض الصحن. مقابله على خزانة قديمة من الخشب حزمة من ريش الطاووس في إناء قديم من الفضة. وفناجين الشاي اليابانية مصفوفة في الخزانة خلف الزجاج. كأنه في بيت أمير! ولكن ياللبساطة أينما تلفّت! لمح الفرح في عيني منور منذ استقبلته. لمس دلالها له. كم تحب ليلى! لكنه فهم أيضا أن في قلبها أسى لاشواطئ له. وانتبه إلى حذرها وهي تكلم ليلى. أتكون ليلى قريبة منه أكثر من قربها من أمها؟ عندما رفعت منور نظرتها عن صحنها صادفت عيني عمر، وفي لحظة كالبرق بدا أن كلا منهما فهم الآخر. نظر عمر بعد ذلك إلى ليلى وقال لها في نفسه: إياك ياليلى أن تهملي هذه المرأة الرائعة! إياك أن تربي في قلبك الوحش الذي يأكل من يحبه! ردّت ليلى له نظرة بريئة. فكر: يكسر الطفل أثمن الآنية وهو لايدرك مايفعل! هل تعيشين مع أم وحيدة وتزيدين في وحدتها؟! التفت إلى منور وحادثها. لم يبدّد فرحها بالحديث معه، توازنها. أعجبه اعتدادها المتزن بنفسها. وخمّن أن ذلك الاعتداد ليس هبة بل كسب أخذته من الحياة التي عبرتها، من انتصارها على أحزان الحرب العالمية الاولى وعلى موت أقربائها. عرف أنها تتابع محطات الإذاعة وتقارن تناقضاتها، وتقرأ الجرائد أحيانا. تحاول أن تستشف المستقبل الذي ستعيش فيه ليلى؟ لاتنجّم في الفنجان، لاتقرأ أوراق اللعب، بل تقرأ الأحداث! فهل تقدّرين ياليلى كم أمك متقدمة؟ تستحضر الماضي المليء بالأشخاص في وحدتها، لكنها تخرج منه إلى جيرانها ومعارفها. خمّن أنها مركز التجمع حيثما كانت. قدّمتهما عليها في بداية العشاء، لكنها في نهايته أصبحت مركز الحديث. وراقب عمر رشاقتها وقامتها عندما مشت إلى المطبخ. قال: محظوظة ياليلى بأمك! ابتسمت ليلى: هل تبادل؟ لم يبتسم، وشعرت ليلى بغلطتها فتنهدت. نعم، لايقدّر الإنسان ياليلى مالديه! لايقدّره إلا عندما يفقده! لكنك ياعمر لاتفهم أن الحب يظهر أحيانا في شكل نزق ومتكبر أو أحمق! أعرف أني أشبه أمي. أصطنع البعد عنها من شدة الحب والشفقة! في قلبي وحش؟ ربما! كالوحش الذي كان في قلب أمي عندما كانت شابة تريد أن تتحرر من أمها! حدثتَني عن الشبكة المعقدة في السياسة، فهل شبكة العواطف أقل تعقيدا منها؟ عادت منور بالفواكه. منعت ليلى من وضع الصحون: عمر ضيفي اليوم! فليكن ضيفك في المرة القادمة! شكرها عمر وفهم أن بيت ليلى مفتوح له، وشعر بالرغبة في أن يعرف أم ليلى. قال: هل تستقبلينني ياخالتي إذا أتيت دون دعوة ليلى؟ تساءلت ليلى: دوني؟ ردت منور: صديق ليلى مثل ابني! عندما زار عمر منور فيما بعد، أخرجت له فناجين الشاي اليابانية الباقية من يوم مولد ليلى وقدمت له بها الشاي. كرّمته. فلمس بأصابعه رسوم الملابس اليابانية في امتنان. وتخيل ليلى وهي تنظر إلى من حولها في الغرفة بعد مولدها. رسم لنفسه عينين واسعتين وأهدابا طويلة ونظرة تستطلع ماحولها. وشم عبق الياسمين الذي عرش على درابزين غرفتها. رأى القمر الذي يغمر ناموسيتها. رآها تحرق أصابعها وهي تغمسها في الطنجرة لتعرف مافيها. رآها تشم الورد واحدة، واحدة في أحواض البيت. مشى في حارتها وسهر معها على السطح واستمع معها إلى الغناء في ليلة مقمرة. في زياراته إلى أم ليلى تفرج عمر على صور ليلى وهي طفلة ذات شريطة على رأسها، رآها في البساتين، في المدرسة، رأى ضحكتها السعيدة في رحلة مدرسية، لاحظ الإشارب الملون الذي وضعته على طقم نيلي، ورآها في الثلج كجنية جميلة. مرّ الربيع والخريف، نزل المطر وهطل الثلج وهي أمامه تكبر محلولة الشعر ومربوطة الشعر، قصيرة الشعر وطويلة الشعر. لم تعرف ليلى أن أمها كشفت له طفولتها وصباها. لكنه لم يكتشف ليلى فقط. عرف حب الأم الذي يحفظ دقائق الابنة وملمسها وعبقها والشامة الصغيرة بين نهديها، ويقبل المكان الذي تبعده إليه الابنة المبهورة بأنها كبرت. سيكتم عمر زياراته إلى بيت ليلى. وستبدو له واحات ظليلة. وستكون تلك اللقاءات بليلى ومنور على ضفة أحداث عاصفة، ناجية من أعاصيرها. وكأن الثلاثة اتفقوا على ألا يمسّوا مايشغلهم في النهار. وكأنما كان عمر يعلق على المشجب قرب الباب الحماسة والغضب، عندما يدخل إلى بيت ليلى. ويجلس إلى طاولة العشاء هادئا مستمتعا بالطعام والذوق وبالنظرة الواسعة إلى عالم لايوجد في هذه اللحظة فقط، بل يمتد قبلها وبعدها. في النهار يستسلم لحرارة اليوم. يتساءل هل يجمع التفاصيل ليزيد من هواجسه. ويجيب نفسه: كي أفهم هذه اللحظة لابد من الذاكرة! كي لاأراها دون أن أتذكر ماقبلها ولأضعها في سياقها! شرب فنجان كاكاو في نادي الجامعة وحيدا في آخر المساء. كان مرهقا بدروس اليوم. وبدا له التفكير في التفاصيل السياسية راحة منها. قال لنفسه: سجّل ياعمر أن بن غوريون قال في سنة 1946 "إذا وافقت بريطانيا على إنشاء دولة يهودية في فلسطين فنحن نضمن أن تكون هذه الدولة قاعدة ضد روسيا". وعندما اتفقت مصر على صفقة الأسلحة التشيكية قال بن غوريون: "يجب أن يسقط النظام في مصر قبل أن تصل الأسلحة الروسية". في 11 أيار سنة 1953 قال تشرتشل إنه يريد أن تكون اسرائيل أقوى دولة في الشرق الأوسط. وسيسجل عمر فيما بعد: في 6 آذار سنة 1957 قال إيزنهاور في مؤتمره الصحفي: أقيمت اسرائيل لتبقى. يجب اعتبار ذلك حقيقة تاريخية. أوضحتُ هذا لجميع الزعماء العرب الذين تحدثتُ معهم، ومنهم الملك سعود. وقلتُ لهم إن عليهم أن يعتادوا العيش مع إسرائيل. تأمل عمر الإصرار على فرض إسرائيل وفرض خضوع العرب لها. وقال: هناك مشكلتنا! فيالعنصرية اولئك الذين يحتاجون نفطنا وأسواقنا! لكن الحقيقة لن تكون كما يفرضها الغرب علينا! الحقيقة أن في مصر وسوريا أسلحة روسية! والحقيقة أن الدولتين وقعتا اتفاقيات تجارية مع البلاد الاشتراكية! والحقيقة أننا ضد الأحلاف العسكرية! لم يلغ التهديد الطموح العربي إلى العدالة الاجتماعية. بل نجحت في الانتخابات في الأردن قائمة النابلسي. وهناك اتفاقية الدفاع المشترك، المصرية السورية السعودية. فوق ذلك وقعت اتفاقية ثقافية سورية أردنية. وتسلل الفدائيون من غزة للرد على عدوان اسرائيل على القوات المصرية. يحمل العرب الترانزيستور ويستمعون إلى الأخبار والبيانات. قتل الملحق العسكري المصري في عمان وضابط المخابرات في غزة بطردين مفخخين. لكن تلك الاغتيالات لن تقلع الطموح العربي إلى الحرية. لابد لهم إذن من عملية كبرى! ولكن هل يمكن ألا تردّ الشعوب عليها؟ هاهي البلاد تغلي في انتظار حدث كبير! كان يخيل لعمر، في مثل تلك اللحظات التي يجلس فيها وحيدا ويستعيد التفاصيل ويصفّها في سياق، أنه يتوقع مايليها. فيكاد يخابر في الليل أصحابه ليحذّرهم من حرب أو اغتيال. سحب دالاس تمويل السد العالي فأعلن عبد الناصر في 26 تموز تأميم القنال. وهاهي سنة 1956 تشتعل! خلال خطاب عبد الناصر كانت المجموعات المصرية تحتل مؤسسات القنال. انتهت آلام عقود من الزمان؟! كان محمد علي على حق يوم رفض مشروع القنال فقال: لاأريد بوسفورا آخر! جمّدت إنكلترا أرصدة مصر. وانعقد مؤتمر الدول البحرية في 16 آب. فأضرب ملايين العمال العرب تضامنا مع مصر. حرضت شركة القنال المرشدين كيلا يعملوا في شركة مؤممة. فتطوع مرشدون سوفييت ويوغوسلاف ويونان وأمريكيون. استخدم شبيلوف وزير الخارجية السوفييتي الفيتو ضد التوصيات الإنكليزية الفرنسية التي تقسر مصر على السماح للإسرائيليين بعبور القنال. قال عمر: الزمن! يجب أن يعترفوا بأنه تغيّر! خذي ياليلى، اقرئي ماكتبته مجلة فايننشال: "أصبح التأميم موضة العصر. يبدو أن تأميم القنال سيتبعه تأميم شاي سيلان ونحاس روديسيا ومطاط الملايو"! لمَ لا؟ لماذا لاتردّ الشعوب الظلم؟ تأخذ شركة السويس 71% من الأرباح. تملك الاحتكارات الأمريكية 60% من بترول الشرق الأوسط. ويعبر القنال 46% من مجموع صادرات العالم من البترول. لذلك اقترح دالاس تدويل قنال السويس وفصلها عن مصر. لابد من عملية كبيرة إذن لكسر النهضة العربية فهي ليست مشروع نخبة سياسية فقط، بل مشروع جماهير تطلب ثرواتها الوطنية وتعي أنها يمكن أن تستند إلى البلاد الإشتراكية كقوة دولية. أعتقد أن عدوانا واسعا سيحدث لمنع الأسلحة الروسية ومشروع التنمية، ولفرض دولةٍ إسرائيلية قوية! انتبهي ياليلى إلى ماقاله ايزنهاور: "يحتاج العرب طاقة إسرائيل الصناعية، وإسرائيل لاتستطيع أن تعيش معزولة لاتتاجر مع أحد غير اوروبا والولايات المتحدة". في هذا المنعطف ستأخذ أمريكا مكانها في المنطقة كقوة استعمارية بديلة عن بريطانيا وفرنسا! يتذكر عمر ماقاله عازوري في بداية القرن: سيحكم الصراع بين الصهيونية والعرب قدر المنطقة. ويصله بما قاله ايزنهاور بعد نصف قرن. ياليلى، لماذا يقرر ايزنهاور أن إسرائيل هي الصناعية لانحن؟ لأنه يريدنا أسواقا وعمالا لها وله! عندنا الثروة النفطية، عندنا الأرض والقوة العاملة، فلماذا لانكون نحن البلاد المنتجة؟ لانحتاج إسرائيل! هي المغروسة في أرض عربية بالقوة، تحتاج العرب! نحن لانحتاجها أبدا! ولماذا تكون وسيط الغرب؟! تبع عمر الإشارات، لذلك أكد لليلى: سيحدث عدوان! فردّت: يبدو أن العدوان خبزنا منذ كنا أطفالا! أجاب كالخبير: لا! هذه المرة سيحدث عدوان كبير! وستقول له ليلى فيما بعد: نبوءتك صحيحة! ضع عمامة خضراء على رأسك، واشعل البخور كالمنجّمين! وستضحك غادة: سأقف أنا وليلى على بابك لتقنين زوارك. ولن تكون مديحة وفوزي معنا لأنهما لايؤمنان بالتنجيم! وصلت إلى الملحق العسكري المصري في استنبول والملحق العسكري في باريز معلومات عن الغزو. وسيكشف أحمد حمروش وخالد محي الدين فيما بعد أن هنري كورييل، سلّم للمصريين المعلومات التي وصلته عن الغزو. ففي 22 تشرين الأول اجتمع في سيفر، قرب باريز، بن غوريون وموشي دايان وسلوين لويد وغي موليه واتفقوا على خطة عسكرية: قصف المطارات وتدمير الدفاع الجوي. الإنزال المظلي. إنذار مصر وإسرائيل لتبتعدا عن القنال. احتلال القنال. لكن عبد الناصر استبعد مغامرة إنكليزية فرنسية، ولم يتوقع غزوا إسرائيليا. في 29 تشرين الأول نزل المظليون الإسرائيليون في ممر متلا. فسحب عبد الناصر الجيش من سيناء إلى القنال. بدأت الحرب! وسُلم السفيران المصريان في باريز ولندن إنذارا لمصر وإسرائيل، يطلب الانسحاب من القنال خلال 12 ساعة، وإلا نزلت في القنال قوات إنكليزية وفرنسية. قال عمر في اجتماع الطلاب: الهدف احتلال القنال، وحرق حركة التحرر العربية! سنتطوع في المقاومة الشعبية! اللقاء في الملعب البلدي! في تلك اللحظة نزلت المظاهرات إلى الشوارع في المدن العربية، وصرخت: لن يمرّوا! في الملعب البلدي خلف الجامعة، رأت ليلى نفسها وسط طالبات من صفوف متنوعة من كليات الجامعة. هاهو العدوان يهبها الشعور بأنها مسؤولة عن ردّه. ليلى تستطيع أن تقاتل؟ لمَ لا! ماأيسر ذلك عندما يؤمن المواطن بأنه قوة حاسمة! سألتها نفيسة: هل ستردّون الغزاة؟! نعم، ياعمتي! كل مواطن عربي يشعر بذلك! ياليلى، ليتني في عمر يسمح لي بالنزول إلى مرجة الحشيش لأتدرب كالناس على الرمي! ابتسمت منور: ياعمتي، يمكن أن تفيديهم من خبرتك في نقل السلاح! في 30 تشرين الأول دخلت قوات سورية إلى الأردن مستندة إلى اتفاقية الدفاع المشترك ضد عدوان إسرائيلي. وقابل وفد من الضباط السوريين سفير مصر محمود رياض وبلّغه: قرر الجيش دخول الأردن. من الضفة الغربية سنشتبك مع إسرائيل فنخفف الضغط عن مصر! سنقطع أنابيب النفط الأنكلو عراقية! لكن عبد الناصر رفض توسيع الحرب. ستتذكر ليلى بعد عقود توهج عمر في تلك الأيام. كان كقائد في جبهة وكشاعر في فلاة. قال: نتوقع إنزالا في اللاذقية. لكن الإنزال لن يواجه جيشا فقط، فأمامه شعب! ولن يمرّوا! كان طوال أيام العدوان على مصر يخرج في الليل مع الطلاب، حاملا سطل دهان، ويكتب على الجدران: لن يمروا! وكان يحرس في الليل، وقت مناوبته، مع مجموعات الطلاب، الطرقات والساحات. وكانت ليلى ترفع رأسها إلى السماء وتتساءل هل يجرؤون حقا على الإنزال؟ فيقول لها عمر: نعم، قد يحدث إنزال! كانت تلتقي بعمر لقاءات خاطفة كثيرة يكمل فيها كل منهما بقية حديثه في اللقاء السابق. رأته على بعد أمتار منها خلال توزيع الطلاب على مجموعات لإطلاق الرصاص ورمي القنابل في جبل المزة. ولاحظ أن جلد كفها قد كشط حيث تمسك البندقية، وخمّن أن كتفها تؤلمها من ارتداد الرشاش عليه. لكنها تجاهلت ذلك واستسلمت لدهشتها: كم أصبحنا منظمين ودقيقين! كم أصبحنا سريعين! قُصفت محطة القاهرة فأذاعت دمشق وعمان: هنا القاهرة! رفعت ليلى كفها إلى عينيها ومسحت دموعها. لو تستطيع أن تذهب إلى القنال! طمأنها عمر: لاتقلقي! القوتلي في موسكو. بحث العدوان مع بولغانين وجوكوف وخروشوف. وطلب مساعدة السوفييت. وسيساعدون مصر! يقود الوطنيون المقاومة الشعبية في مدن القنال. وزعت الأسلحة هناك على الناس. تشترك مجموعات من الضباط المتطوعين في العمليات! قطعت سوريا والسعودية العلاقات بإنكلترا وفرنسا، وقطعت الأردن والعراق العلاقات بفرنسا. في باريز ولندن مظاهرات كبيرة تحتج على التدخل في مصر! في ذلك اليوم فجر جول جمّال بطوربيده أكبر المدمرات الفرنسية؟ في المظاهرة التي مشت فيها ليلى وعمر ومديحة وفوزي من الجامعة إلى ساحة المرجة هتف أحد الطلاب الزجالين: "ركب الزورق جول جمّال، شق عباب البحر وطار، أطلق علْ مركب طوربيد، قطّع من خصمه الأوصال". أبهذه السرعة ألّف الأهزوجة؟ وبسرعة انتشرت من مظاهرة إلى أخرى حتى ضاع اسم مؤلفها! في الخامس من تشرين الثاني كان المظليون الإنكليز والفرنسيون قد نزلوا في بور سعيد وفي بور فؤاد. وكان المصريون قد أغلقوا القنال بسفينة. وكتب الشاعر كمال عبد الحليم نشيدا غنته فايدة كامل وردّده الناس في البلاد العربية: دع سمائي فسمائي محرقة دع قنالي فمياهي مغرقة واحذر الأرض فأرضي صاعقة دع سمائي دع قنالي ردد الأولاد في الشارع الذي يسكن فيه عمر: هذه أرضي أنا، وأبي ضحى هنا، وأبي قال لنا، مزّقوا أعداءنا.. واستمع عمر إلى أم كلثوم تغني: والله زمان ياسلاحي. كاد عمر يقول لليلى عندما رآها ببذلة خاكية تحت شجر الكينا قرب الجامعة، ماأحلى هذه الأيام! لكنه قال: في الأيام الصعبة، في الأزمات الكبرى، في الحروب ليست المأساة فقط مايحدث، بل ألا يشعر المواطن بأنه فعّال. إذا أطلقت طاقاته سجّل أن تلك الأيام الصعبة أيام عظيمة من حياته. وأنه نقل حياته المفردة، إلى مساحة كبرى عامة. الخطر والخطأ أن يكون السياسيون فقط محاور فعالة، وأن يوظفوا هم فقط حياتهم في مسار عام. إذا حدث ذلك فلايمكن أن ينجح مشروع اقتصادي أو سياسي. تلفتت ليلى. هل كانت المدينة عزيزة عليها كما هي الآن؟ هل كانت هي نفسها، وصديقاتها، وجيرانها، وعمر وغادة ومديحة، كما هم الآن؟ بعد أن حرسوا الطرقات وهتفوا في المظاهرات، ورصدوا السماء، وسهروا قرب الراديو وتنقلوا بين المحطات، وتلقوا الأناشيد وانتظروا البيانات؟ - ياليلى أحرقت طائرات مصر على الأرض. لم يحارب الجيش في سيناء. وانسحب من مدن القنال. الهزيمة العسكرية حقيقة. ويفترض أن تبحث وأن يحاسب المسؤول عنها. لكن البطولات الفردية والمقاومة الشعبية هي التي لن يمحوها الزمن. في الأمم المتحدة استخدمت إنكلترا وفرنسا الفيتو ضد مشروع أمريكي ومشروع سوفييتي. فنقلت القضية إلى الجمعية العمومية. صدرت توصية بانسحاب الجيوش الأجنبية لكن الحرب مستمرة. لاينتظر الناس الرحمة من الأمم المتحدة. يقاومون الغزو. الشارع حيّ. ينظّم المقاومة في بور سعيد المعتقلون الوطنيون الذين أفرج عنهم. قال الضباط لشمس بدران: الحل الوحيد هو أن يدخل المتطوعون الوطنيون بور سعيد! صمت عمر فجأة. التفتت إليه ليلى. سألته بعينيها: ماالخبر؟ قال: رفض رئيس المباحث العامة في بور سعيد أن يتلف السجلات قبل انسحابه، فتناولها الانكليز الذين نزلوا في المدينة! استند إلى تلك السجلات ضابط المخابرات الإنكليزي ويليامز الذي اشتغل عشرين سنة في مصر، وأجاد العربية كأنه مصري وعرف مدن القنال، ليعتقل الوطنيين! لكن مجموعة من طلاب الجامعة قتلته! لندع هذا الآن! نداء مصر إلى العالم وطلبها متطوعين مؤثر وفعال. تطوع الضباط والجنود السوفييت. لابد من قوة كبرى ترد القوى المعتدية. لابد من تدخل سوفييتي! أذاعت محطات الراديو إنذار بولغانين في الخامس من تشرين الثاني إلى غي موليه وايدن وبن غوريون. واستمع عمر في مقهى الحجاز إلى إنذار بولغانين. هنأ الناس بعضهم بعضا. انتقل الإنذار بالترانزيستور إلى المراعي والقرى. واستمع الناس في المقاهي العربية إلى إنذار بولغانين. كان تمرد المجر قد انتهى بعد طلب كادار تدخل الجيش السوفييتي في الرابع من تشرين الثاني. فقال عمر: من حركة السوفييت في المجر يفهم الغرب أن الإنذار جدّي! صدح الراديو. لاصوت إلا صوت المذيع يكرر قراءة الإنذار. تداخلت عواطف الجالسين في المقهى. فرح، تشفّ، انتباه، انتصار، شماتة! ستخرجون مهزومين! أمامكم قوة أكبر منكم! استقويتم علينا فهاتوا الآن شجاعتكم! ولمن هذا الكلام ياشباب؟ لتلك الرؤوس الكبيرة! قرأ المذيع: "يجب أن أقول لكم بكل صراحة أن الحرب التي باشرتها فرنسا وانكلترا مع استخدام اسرائيل ضد الدولة المصرية، مشحونة بالعواقب الفادحة الخطرة على السلام الشامل... ماذا يكون موقف فرنسا لو هاجمتها دول أخرى تملك وسائل رهيبة حديثة؟.. الحكومة السوفيتية مصممة كل التصميم على اللجوء إلى القوة لسحق المعتدين وإعادة السلام إلى الشرق". أرسل صبري العسلي رسالة شكر إلى الحكومة السوفيتية.. وصفق الجالسون في المقهى بعد الرسالة. لكن تشفّيهم الأكبر من إنكلترا. بدا لهم أن الإنذار إلى حكومة إنكلترا أشد منه إلى فرنسا. أعطاهم المذيع لحظة يعلقون فيها بسرعة، وبدأ يقرأ بلهجة فخمة إنذار بولغانين إلى إنكلترا: "هذه الحرب عمليا حرب عدوانية ولصوصية ضد الشعوب العربية لتصفية استقلالها الوطني.. ماموقف انكلترا نفسها لو هاجمتها دول أقوى منها تملك جميع أسلحة الدمار الحديثة؟ هذه البلدان قد تستطيع الآن عدم إرسال قواتها البحرية أو الجوبة نحو الشواطئ البريطانية، ولكنها تستطيع استخدام وسائل أخرى كالقذائف الموجهة مثلا.. نأمل أن تستنتجوا مما سبق قوله مايلزم". ياشباب، ستكون رسالة بولغانين إلى بن غوريون في حجمه تماما. اسمعوا الإنذار لإسرائيل. وجود إسرائيل نفسه معرض للزوال. سحب السفير السوفييتي من تل أبيب. "نأمل أن تتفهم حكومة إسرائيل وأن تقدر الإنذار كما ينبغي". نعم، يقول بصراحة: الإنذار! نقل عمر لليلى جو المقهى، وحماسة الناس للإنذار. قال: قرروا أن العدوان انتهى! ردت: صحيح! انتهى! في السادس من تشرين الثاني أوقف الإنكليز القتال! لكن المقاومة الشعبية استمرت، وساهم القنصل السوفييتي في بور سعيد في نقل الأسلحة والمنشورات والأشخاص إلى بور سعيد. استعاد عمر وليلى الأحداث السريعة. طالبت الدورة الاستثنائية للجمعية العامة بوقف القتال وخروج الجيوش من أراضي مصر. ومع ذلك اتسعت الحرب، وقصفت مدن القنال. اعتمدت توصية الجمعية العمومية للأمم المتحدة مشروع كتلة الدول الآسيوية الإفريقية: سحب قوات إسرائيل وإنكلترا وفرنسا. رفضت أمريكا الاشتراك مع الاتحاد السوفييتي لتنفيذ القرار فأعلن الاتحاد السوفييتي أنه سينفذ وحده مهمة سحق المعتدين، وأذاع ذلك راديو موسكو ودمشق والقاهرة والقدس. قالت غادة: كم كانت هذه الأيام مليئة! وقالت مديحة: صحيح. لكنها انتهت على خير. ولولا إنذار الاتحاد السوفييتي لما انسحب الغزاة! فردّت غادة: لولا المقاومة العربية لما كان الإنذار! هزّ فوزي رأسه منبها مديحة: لولا تضامن الشعوب العربية، والمقاومة المصرية، وأداء عبد الناصر السياسي، لما اهتز العالم من الغزو! قدّر عمر في تلك البرهة كم كان متوترا وصاحيا وكم نام قليلا. وفهم أن مسار حياته الشخصية جرى بعيدا عنه. كانت قمة انتصاره يوم قطع راديو موسكو برنامجه ليذيع نداء الحكومة المصرية إلى دول العالم طالبة مساعدتها بالمتطوعين والسلاح: في هذه اللحظات الحاسمة تناشد مصر العون بالمتطوعين والأسلحة.. ومادام العدوان على مصر مستمرا في إقليمها متحديا قرار الأمم المتحدة فإن مصر ستستمر في القتال بكل عزم وإصرار ضد قوى الشر. وأذاع راديو موسكو أن ضباطا سوفييتيين سجلوا أسماءهم في السفارة المصرية في موسكو متطوعين. هل سمعت ليلى همس عمر مع نفسه فقالت له: لاحياة شخصية في هذه المنطقة ياعمر! سواء وعينا ذلك أم لا! أم كانت تشاركه الشعور نفسه؟ ماأقربها إليه في هذه اللحظة! نظر إليها وتبين أن الشمس لوحت وجهها، وأن جبينها ثبّت لون الشمس. بل بدا له أن القميص ترك خطا أسمر على رقبتها. بعد إنذار بولغانين استبعد خطر الإنزال في سوريا. لكن الناس سهروا قرب الراديو. وأمتع عمرا أنه كان يكمل الاستماع إلى الخبر وهو يمشي في الشارع بين بيت وبيت. وكان صوت الراديو مرتفعا كأنما يخشى أصحابه أن تفوتهم مفاجأة. كان عمر في تلك الأيام يخابر ليلى وغادة كلما سمع خبرا جديدا. اتصل بليلى مرة: - ليلى اسمعي الراديو! - سأسمعه! - اتصلي بغادة واطلبي منها أن تسمع الأخبار الآن! في الثامنة مساء عقد همرشولد مؤتمرا صحفيا. أعلن: "وافقت فرنسا وإنكلترا على وقف إطلاق النار". وافقت على مقررات الجمعية العامة 64 دولة وعارضتها الدول المعتدية الثلاث واستراليا ونيوزيلاندا. القرارات: وقف إطلاق النار. سحب القوات الإنكليزية والفرنسية من مصر. حرية الملاحة في القنال. أن توقف الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة تموين دول الشرق الأوسط بالسلاح. - ياعمر، حق الملاحة لإسرائيل؟! - المهم الآن سحب القوات الأجنبية!.. نعم ياليلى! يجب أن تفكر مصر في بنيتها العسكرية والسياسية! قبلت مصر قوات طوارئ دولية على حدودها مع إسرائيل. وفتح مضائق تيران للملاحة الإسرائيلية. والمراقبة الدولية في شرم الشيخ. وتحديد الأسلحة في الضفة الشرقية. لكن كل ذلك يمكن أن يطوى إذا أصبح العرب أقوياء! سقطت حكومتا فرنسا وإنكلترا! انسحبت إسرائيل في آذار. ونسفت خلال انسحابها الطرق وآبار النفط وآبار الماء! ولكن ماذا حدث في كفر قاسم خلال الاحتلال الإسرائيلي! يالهول المذبحة! سيقول عمر لليلى فيما بعد وهما يتابعان عملية سناء محيدلي التي فجرت نفسها في المحتلين: ألا تلاحظين أن لكل زمن روحه وايقاعه؟ طوى القوميون السوريون صفحة غسان جديد وعبد المسيح. قلبوا صفحة الخمسينيات وانغمسوا في المقاومة في جنوب لبنان. يبدو أننا الآن بعد عقود مرت، نستطيع أن نضع التفاصيل في لوحة الزمن. كنا يومذاك ندافع عن وطن مهدد بحرب وإنزال واغتيالات وتدخل عربي. ولم نتهيب ذلك! كان كل منا يشعر بالمسؤولية عن الوطن، لأنه لم يبايع مجموعة سياسية بتلك المهمة وينحسر عن واجباته الوطنية! في يوم دافئ من أيام تشرين المشمسة قبل عقود، تناول عمر جريدة الفيحاء من دكان الجرائد مقابل التجهيز وانساب نازلا في طريق مرصوف بالحجارة السوداء عابرا أشجار الكينا في كازينو دمشق الدولي. كم يحب هذه الأشجار الباسقة! عرفها منذ انتسب إلى الجامعة. وستظل حتى نهاية القرن العشرين واقفة ممشوقة حتى يقصها فندق الفصول الأربعة ليقيم كتلته الغليظة فوق بيوت زقاق الصخر كلها وفوق حديقة كازينو دمشق الدولي كلها. رأى عمر طلابا يتصفحون الجرائد مثله. يتابعون محاكمات القوميين السوريين. كانت لديه نصف ساعة فقط قبل المحاضرة. فقرأ مطالعة الرئيس محمد الجراح، مساعد النائب العام لدى المحكمة العسكرية الموقتة، في قضية اغتيال عدنان المالكي. كانت المفاجأة رسائل هشام الشرابي إلى عصام المحايري. بدت في الصور صفوف من الناس الذين حضروا المحاكمة. وفي وسطهم رشيقة، معلمة التاريخ، تحيط رقبتها بمنديل أسود علامة الحداد على عدنان المالكي. قرأ عمر الرسائل التي عرضها الجراح! "الرجاء إعلامنا عن عنوان خاص بدمشق لاستعماله في المستقبل، أو إذا أردتم سنداوم على الرسائل بواسطة بيروت.. هذا التقرير سري في غاية الخطورة مستقى من مصدر موثوق به مطلع على دخائل السياستين العربية الأمريكية، وعلى اتصال وثيق بالمراجع العليا المسؤولة في أمريكا والعالم العربي.. يجب أن يلقى عناية فائقة منكم.. نظرا لتعاقب الحوادث الآن على مسرح شرقي الأردن. 1 - الوضع في الشرق الأوسط على مفترق طرق أكثر من أي وقت مضى، والحكومة الأمريكية عازمة عزما أكيدا على تنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط وسدّ الثغرة فيه مهما كان الأمر، وخطتها في ذلك ربط العراق أولا بحلف مع تركيا، كما جرى أخيرا، ومن ثم الأردن والجمهورية السورية ولبنان. 2- بموجب هذه الخطة ينفصل العالم العربي إلى منطقتين شمالية وهي الهلال الخصيب، وجنوبية هي مصر والسعودية. 3- لبنان والأردن راغبتان في الانضمام إلى الحلف العراقي التركي والمسألة مسألة وقت. 4- تبقى الجمهورية السورية وهي في وضعها الحالي عاجزة عن اتخاذ موقف حازم تجاه هذه القضية. وبالنظر لحالة الجمهورية السورية الحاضرة فالاتجاه يسير نحو إشراك الأردن ولبنان بالحلف العراقي التركي تاركا الجمهورية السورية في حالة عزلة من المنتظر أن ينشأ عنها نوع من الانقلاب الداخلي يكون بحكم الضرورة مؤيدا لموقف الدول السورية الثلاث الأخير المشار إليه أعلاه. السياسة الأمريكية منصرفة انصرافا عنيدا إلى تهيئة الجو لحدوث ذلك النوع من الانقلاب الداخلي في الجمهورية السورية. ومن الواضح أن السياسة الأمريكية هذه تلاقي صعوبة كبرى بالنظر لخلو المسرح السياسي في الجمهورية السورية من أحزاب أو هيئات أو أشخاص ترى فيهم إمكانية قيام انقلاب ايجابي خلاق. هنا ينبغي السؤال الخطير التالي: هل يمكن إقناع الحكومة الأميركية بإمكان الثقة في الحزب وحده لإقامة حكم يستطيع كبح جماح السياسة السلبية الغوغائية في الجمهورية السورية، واتباع سياسة ايجابية منسجمة وموحدة لسائر دويلات الهلال الخصيب. للإجابة على هذا السؤال هناك الملاحظتان التاليتان: أ- السياسة المتبعة في الوقت الحاضر في الجمهورية السورية، أي السياسة المعارضة للشيوعية والغرب في الوقت نفسه، هي أساس البلبلة السياسية القائمة في الحقل الخارجي. والسبب في ذلك أن الحياد في الصراع العالمي القائم، لاسيما في منطقة كمنطقتنا، هو موقف غير واقعي مناقض للسير التصاعدي في سبيل البقاء ومضيع للمصلحة القومية. ب- إذا كان الأمر كذلك فعلى الحزب أن يتخذ موقفا صريحا واضحا يتّصف علنا: 1- بمقاومة الشيوعية. 2- بالاستعداد للتعاون مع الغرب بشروط تؤمن وتضمن المصلحة القومية العليا. 3- على ضوء هاتين الملاحظتين الرئيسيتين يكون الحزب في موقف يخوّل التفاوض على أساس أن الحزب وحده مهيء لإقامة حكم ايجابي قوي. وهذا يطلب مايلي: أ- الاتصال فورا بالمراجع الأميركية. ب- لتحقيق هذا الاتصال ونجاحه يقتضي على الحزب التقرير والقيام بما يلي:1- أن يقرر الحزب ويعلن في الجمهورية السورية السياسة الخارجية المبينة في الفقرة ب. 2- أن يقرر الحزب ويعلن في الجمهورية السورية السياسة الداخلية على برنامج عملي واضح للإصلاح الاجتماعي الاقتصادي الشامي. 3- أن يقرر الحزب ويعلن في الجمهورية السورية في بيان رسمي مسار الأوضاع المتعاقبة منذ العهد الاستقلالي وفشلها ومعارضته لها ودعوة الشعب للالتفاف بشكل صارم من أجل الخروج من هذه الحالة. لكي يضمن الحزب تنفيذ خطته المشار إليها يقتضي على الحكومة الأمريكية أن تستخدم جميع الوسائل لمساعدة الحزب على الوصول إلى الحكم وتمدّه بالمساعدة المادية وتتعهد بالاعتراف بالأوضاع الجديدة عند قيامها. رسالة. سري. مجيء الأمين عصام ضروري كموفد رسمي من الحركة.. أعطي هنا إشعار لمنحه الفيزا. ضرورة أن يطلع الأمين عصام على التفاصيل ويزوّد بالتعليمات.. أقترح نشر عزمكم على إرسال موفد يزور المهاجر الأميركية لتغطية سفره الذي سيُعرف.. رسالة. طلب اتصال الأمين عصام بمستر براور الضابط السياسي في السفارة الأمريكية والطلب منه شخصيا فيزا.. حسب إرشادات مستر فرانغ ألين. إذا حصل أي تأخير فأبرقوا: أحمد لم يصل. وإذا تم الأمر: أحمد سيصل بتاريخ.. لم تحضر رشيقة، معلمة التاريخ التي رعت ليلى وغادة، المحاكمة للتشفّي، بل أتت لتتابع الحقائق. أتت لأن عدنان المالكي سحرها بوطنيته وتفاؤله. تابعت سجنه في أيام الشيشكلي وتعذيب أخيه، ورأته بطلا. بدت لها المؤامرة واضحة وكاملة. وتحدثت عن ذلك لغادة! قتل عدنان المالكي مقطع منها. التهمة واضحة لها، هي التي تؤمن بوحدة الوطن العربي: فصل العالم العربي إلى منطقتين.. تمزيقه.. ربطه بأحلاف. وتحضير انقلاب على الحكومة والجيش. لأول مرة اجتمع مجلس العمد والمجلس الأعلى لدراسة تقرير هشام وخرجوا بقرارهم: إرسال عصام المحايري إلى أمريكا.. عرفوا أن دولة أجنبية تنوي التدخل في بلادهم ورحبوا بذلك! قال عصام المحايري إنه زار شارل مالك الذي ذكر له أن أمريكا ستجعل سورية غواتيمالا ثانية إذا ظلت على جمودها. صدر البيان الثلاثي تلبية لملاحظات هشام. استعجلهم جورج عبد المسيح النظر في مشروع الاتفاق بين الدول السورية الأربع وطلب دراسته وإقراره قبل فوات الأوان! حضرت أميركا إليهم بشخصية شارل مالك ولاضرورة لسفر المحايري! قرأ عمر يومذاك في انتباه مااستمعت إليه رشيقة، وماقرأته منور ونفيسة ومديحة في ذلك اليوم. قبل الظهر نفدت الجرائد التي عرضت المحاكمة. على مقعد في حديقة الجامعة أكمل عمر قراءة مطالعة النائب العام: سقط الحزب في الجولة الاولى في الانتخابات النيابية. تلفن غسان جديد من حمص إلى حسين الحكيم في دمشق باسم حسن الحكيم، وطلب منه هو والرفاق أن يكونوا حاضرين. ضبطنا المخابرة ودهشنا، لأن حسن الحكيم رئيس وزراء.. عجبتْ رئاسة الأركان. أيكون فشل حسن الحكيم في الانتخابات دفعه للاتصال بالعسكريين؟ انتبه موظفو الشعبة الثانية إلى أن المقصود هو المقدم حسين الحكيم فراقبوا بيته. كان مضاء لكن المجتمعين كانوا قد انصرفوا. طلبت رئاسة الأركان تبليغ غسان جديد ضرورة أن يقابل الزعيم رئيس الأركان ليفسر سبب غيابه عن مركزه دون إذن. انتظرته الشرطة العسكرية عند جسر تورا لتبلغه بالأمر. لكنه كان قد احتاط فأرسل زوجته بالسيارة العسكرية في الساعة الرابعة صباحا وأشاع أن الشرطة العسكرية رابطت لاغتياله واتهم بذلك أكرم ديري وعدنان المالكي. اجتمع حسين الحكيم بالمقدم زهر الدين وقال له قد تتعرض لمثل ذلك غدا. فاتجه هذا إلى فوجه ليستنفره. وخرج حسين الحكيم إلى كراجات حمص فصادف زياد الساعاتي الضابط المجند الذي قال له فلنأخذ وحدنا سيارة إلى حمص. في الطريق فرّط حسين الحكيم بكلمات مثل الحالة ستنقلب في هذين اليومين. وفي حمص رفض حسين الحكيم دعوة زياد للعشاء لعجلته. فقدر زياد أن أمرا خطيرا يرتب واتصل برئيس الشعبة الثانية وأخبره أن استنفارا سيقع في قطنا والقنيطرة. فنقل معين عرنوق الخبر إلى رئيس الأركان العامة محمود شوكت. واتصل زياد بالعقيد شحم في القنيطرة وبلغه بهواجسه. فاتصل شحم بمراجعه وأرسل الضابط رشيد البارودي من الشعبة الثانية إلى حمص للمراقبة. رافق العقيد شوكت غسان جديد ومنعا الخروج والدخول إلا بأمر غسان. اتصلت ثكنة حمص بالقطع الأخرى وانكشف الأمر! وشكا غسان في تقريره للحزب من: تسرع حسين الحكيم، وحماقة زهر الدين.. استدعت رئاسة الأركان العامة غسان جديد إلى دمشق لسؤاله عما حدث. فطلب رأي قيادته في الحزب.. أرسل عيسى سلامه ليبلغ الحزب بأنه استدعي لأنه قومي يقف في وجه البعثيين وتدخلهم في الجيش، وبأنه يفكر بالاعتصام في حمص. وطلب رأي الحزب. فرأى جورج عبد المسيح أن الهدف القضاء على الحزب لاعلى غسان جديد لأن الحزب بضباطه عرقل محاولات البعثيين، والأولى أن نعتصم جميعا مع غسان. ورأى عصام المحايري أنه لايجوز أن يدفع الحزب كله إلى المغامرة. فقيل ليست المسألة اعتقال غسان وإنما اغتياله. فقال المحايري غسان شخص والحزب قضية لايجوز أن يضحى بها. هكذا فشلت محاولة الانقلاب ونقل غسان إلى دمشق فحقد على المالكي. قال نقلوني إلى وظيفة رقيب، والمالكي له يوم! وصار يداوم في جريدة البناء ويحرر فيها باسم مستعار. وصل عمر إلى المدرّج متأخرا. جلس في الصف الأخير، وظل يطل على الجريدة التي وضعها على حضنه. ماأوضح الأمر! ولكن كيف استطاع هؤلاء أن يتآمروا على وطنهم! واجهت سورية بعد الانتخابات النيابية مسألة الأحلاف. ورفضت الارتباط بها. لامصلحة للشعوب العربية في أن تكون طرفا في حرب! لكن العراق جنح إلى غير ذلك. كتب العميد سعيد تقي الدين إلى المجلس الأعلى عن مقابلته سعيد القزاز وزير الداخلية في العراق: حاول العراقيون القيام بحركة في دمشق بواسطة الشخصيات والأحزاب، ودفعوا مبالغ لقاء ذلك ففشلوا فاعتمدوا على حركة داخل الجيش.. قال سعيد تقي الدين: ناهضنا دائما زعامة مصر للعالم العربي. وأما زعامة العراق، فهي نصر لنا، فالعراق بعض بلادنا. وختم رسالته بضرورة كتابة مقال افتتاحي عن نوري السعيد. واتصل عصام المحايري بالملحق العسكري العراقي السامرائي وطلب دخول جريدته إلى العراق. بلغ جورج عبد المسيح برسالة في 8 شباط سنة 1955 المجلس الأعلى قرار إرسال وفد إلى العراق للاتصال بساسته مثل نوري السعيد لأن الظرف الطارئ يوجب ذلك.. في ذلك المساء زارت غادة ورفيقاتها معلمتهن رشيقة. نظرت رشيقة إليهن وشعرت بالشفقة عليهن. من يطاوعه قلبه فيثير الفتن ويشوش حياة هؤلاء الصبايا؟ روت لهن كما تروي حكاية أن قتل المالكي مقطع فقط من مؤامرة. قَدَر بعض الأشخاص أن يتصل مصيرهم بمصير الوطن! سحر غادة دائما صفاء وجه رشيقة عندما تتحدث عن الوطن. وأصغت إليها وهي تغبط من يتصل موته بوطنه! هل تستطيع أن تكون من اولئك؟هل حلمت بمثل ذلك المصير وهي تجمع توقيعات للإفراج عن جميلة بو حيرد، وترسلها إلى الأمم المتحدة، وتتظاهر مطالبة بالحرية للجزائر؟ كم غبطت تلك الفتاة التي برق اسمها في البيوت العربية! قالت لهن رشيقة: أسقطت المدفعية السورية طائرة إسرائيلية قرب بانياس، اخترقت أجواءنا. وردت القوات المصرية هجوما اسرائيليا بالدبابات. فاستدعى جورج آلن مساعد الخارجية الأميركية كلا من أحمد حسين سفير مصر في واشنطن وأبا ايبان سفير إسرائيل وسلمهما مذكرتين متشابهتين. اتهمت الحكومة الأميركية الطرفين بخرق الهدنة! هكذا تساوي أمريكا بين المعتدي والمعتدى عليه في الظاهر، لكنها تسند دائما إسرائيل المعتدية! في هذه الظروف افهمن الانتخابات في حمص! صرح عبد الهادي معصراني بأن المقعد النيابي الذي فرغ بموت سليمان المعصراني هو للحزب الوطني. لكن حزب الشعب لم يقم وزنا للقيم الأخلاقية فأراد أخذ المقعد. وعندما رأى الحزب الوطني أن المدينة ستنقسم أيد مرشح الجبهة الشعبية أحمد الحاج يونس. انتهى لقاء الفتيات برشيقة متأخرا. قالت غادة لهن في الطريق: ضاع علينا فيلم سينما الأهرام، نهر لاعودة منه! مارلين مونرو وروبرت ميتشوم! قالت رفيقتها: لم يضع! لدينا الغد! أحب روبرت ميتشوم جدا، جدا! ضحكت أخرى: أنا أحب كلارك غيبل! هل تذكرنه في ذهب مع الريح؟ يأخذ العقل! استدعي الرئيس مصطفى رام حمداني ليؤدي شهادته في مقتل المالكي. فكشف أن أحد عناصره نقل له أن الرقيب يونس عبد الرحيم من الشرطة العسكرية سيقتل المالكي. التقى برئيس الشرطة العسكرية أكرم ديري، ورئيس الأركان شوكت شقير وطلب نقل الرقيب إلى حلب. فرفض أكرم ديري لأن حمداني يتدخل في شعبة يشرف عليها. فحمّلهما المسؤولية عن حياة المالكي وترك الأركان وطلب أن يرسل إلى مصر للدراسة. أبعد شوكت شقير بعد شهادة حمداني. ولكن هل يعيد ذلك الحياة للمالكي؟ هل يعلّم قتله أن الصغائر طريق إلى الكبائر؟ لم تهب تلك الأيام فقط عمرا مابدا له فيما بعد حكمة وخبرة. كبر قبلها في السجن في تدمر، وجرب في السجن صبره الروحي والجسدي على التعذيب. استقبله الشيشكلي يومذاك مع أصحابه المعتقلين، صافحهم واعتذر لهم. فاستنتج عمر: خصوصية سورية! واستنتج أيضا أنه الجانب الذي سينتصر مهما طال الزمان. لكنه كسب من السجن نقيضين: ثقة بأنه يستطيع أن يتحمل الضرب والصلب! ويقينا بأن روحه فقدت السلام. نعم، فقد عمر متعة الوهم ونضارة البال الخالي من الهمّ، فعزّى نفسه: ثمن الحكمة! لم يعد ينصرف إلى الموجود المرئي، بل صار يخمّن مابعده من احتمالات. هل التقط المأساة في قوة السياسيين الوطنيين؟ يعيشون في محور الأحداث ويوجهون الممكن، فيخيل إليهم أنهم يصوغون القدر، لكنهم في تلك القمم يرون متع الحياة كالصغائر ويفقدون مذاقها! لذلك ظل عمر يتأمل البراءة في عيني ليلى، وتدهشته نظرتها التي تنبهر بأشجار الكينا على طريق الجامعة والنهر الذي يجري تحتها، وفرحها بشمس الشتاء ونسمة الربيع الباردة، كأن كل ذلك يحدث أول مرة ولن يتكرر. ووضع لنفسه مهمة أن يحميها من الحكمة التي أفقدته الشباب. بدا له أنه بأحاديثه يكشف لها الخيوط التي تنسج مصيره ومصيرها، وكان كمن يأتمنها على اكتشافات سرية، ويقدم لها أدوية تتقوى بها. لكنها ستبوح له فيما بعد بأن كلامه يشبه كلام فوزي، وأنه يتناول الموضوعات نفسها، وأحيانا المعلومات نفسها. وسيعترف لها: ذلك لأن المسائل نفسها كانت تشغلنا، ولأن مواقفنا كانت وقتذاك واحدة منها! قال لها يومذاك: انسحب الغزاة لأن زمنا جديدا بدأ في سورية وفي المنطقة العربية وفي آسيا! وبدا عمر كمن يقبض عليها. "تفرجي، كنا نظن أن الأردن سيبقى أسير الخبراء البريطانيين في جيشه، وأن غلوب سيظل الحاكم الفعلي فيه. فأزيح غلوب وفي الأردن الآن صراع كبير". فسّر لها ملامح الزمن التي استنتجها. وبهرته كلماته كما بهرتها. لماذا كان يسرد عليها تفاصيل لاتعرفها أو لاتبالي بها؟ كي يرسم من المنمنمات أفقا مفتوحا؟ أم كي يميز نفسه أمامها من آخرين فيكسبها؟ انتصر الاتحاد السوفييتي على النازية. ولد معسكر اشتراكي فرض علاقات عالمية جديدة. ماتزال أمريكا نفسها تحمل آثار الصراع الكبير في الحرب العالمية الثانية. هذا الزمن كالربيع الذي يفتح الأزهار. يتفتح الشرق. ينشئ السوفييت مصانع تعدين في الهند، توقّع مصر اتفاقية تجارية مع بولونيا، واتفاقية مع الاتحاد السوفييتي ومع الصين، فتصدر القطن والفواكه وتستورد الآلات. يتحدث سياسيو آسيا عن العلاقات الاقتصادية المتكافئة وأثرها في تنمية الثروة الوطنية. هذا معنى مؤتمر باندونغ الذي اشتركت فيه سوريا بوفد رسمي كبير. مقررات باندونغ في 18 نيسان 1955 تعبر عن طموح آسيا، وبرنامجها. مقررات مؤتمر باندونغ تعني إلغاء الاستعمار والتدخل. قال خالد العظم في مؤتمر باندونغ اسرائيل جيب من جيوب الاستعمار. وتحدث عن حق الدول الصغرى في البقاء والسيادة. في باندونغ هاجم نهرو الحلف الأطلسي. يعترف نهرو بالصين الشعبية فقط! في الهند استقبالات شعبية لبولغانين وخروشوف. سوكارنو يقول لابد من مساهمة الاشتراكيين في الحكومة. سمة هذا الزمن ياليلى أن الستار الحديدي الذي منع بلاد آسيا أحدها عن الآخر وحجبها عن البلاد الاشتراكية انهار. وسيتقوى أحدهما بالآخر. في العالم حركة. اجتماعات مجلس السلم العالمي، النقابات، الطلاب، مؤتمر السلام في برلين، مؤتمر هلسنكي للسلام، مهرجان الشباب في فارصوفيا، مؤتمر دلهي. أيد مؤتمر دلهي حقوق اللاجئين واستنكر سياسة اسرائيل. في منصة الرئاسة في مؤتمر هلسنكي لبنانيون وسوريون ومصري. من الشخصيات العربية التي حضرت مؤتمر هلسنكي عبد القادر التل رئيس المجلس النيابي الأردني السابق، المطران نيفن سابا من لبنان. وفد سوريا إلى مؤتمر هلسنكي 27 شخصا منهم النائب صالح عقيل. الوفد السوري إلى مؤتمر دلهي معروف الدواليبي ونظيم الموصلي ونواب سوريون. نخرج إلى الدنيا كبلاد مستقلة. يلتمس العرب القوة العالمية التي يمكن أن تسندهم، ويكسرون حصار الغرب: وفد نقابي سوري إلى الصين. وفد بارلماني سوري إلى الاتحاد السوفييتي من 16 نائبا يمثلون الكتل النيابية، يستقبل في حفاوة، ويلتقي ببولغانين. منهم علي بوظو وناظم القدسي ومحمد المبارك. الوزير المصري الباقوري يتحدث عن زيارته الصين. وفد من الأطباء المصريين برئاسة وكيل وزير الصحة، ووفد من الصحفيين المصريين في موسكو. من ذلك الفوران: التلاقي الوطني الشعبي العربي في دمشق في آخر آذار، احتفالات بيوم العمال، بيوم الجلاء، مؤتمر النقابات السوري، مؤتمر فلاحي الصقيلبية، اجتماعات ومظاهرات في ذكرى اسكندرون وتقسيم فلسطين ووعد بلفور. ومئة ألف توقيع على نداء مجلس السلم العالمي لتحريم الأسلحة الذرية. سلطان باشا الأطرش يؤيد نداء السلام. المجلس النيابي السوري يوافق على مذكرة اللجنة الخارجية ضد حلف بغداد. رابطة العلماء ضد الحلف. نابلس ضد الحلف. مؤتمر الخريجين العرب في القدس يستنكر الأحلاف. برقيات من لبنان ضد الحلف. لبنان يضرب احتجاجا على زيارة جلال بايار. أقام رئيس وفد الصين الشعبية حفل استقبال على شرف الوفود العربية في مؤتمر دلهي. استقبل مولوتوف سفيرنا وأكد الثبات على تأييد سوريا. وسط هذه الانتصارات نقل سياسي اسمه عرفان من معتقل الجفر الصحراوي إلى مستشفى عمان! ابتسمت ليلى: في هذه المناسبات خرجت من الجامعة مظاهرات حتى صار يمكن أن تعد أيام الدوام! أخشى ياعمر، أن تضيع الطبّ! هل تعني ليلى أن المظاهرات تضيع العلوم على الوطن؟ يالهذا القدر! هز رأسه. ليلى مجتهدة. تأتي إلى الجامعة مبكرة. تحضر محاضرات الصباح وتدخل إلى المكتبة في أي فراغ بينها. لاتضيع الوقت! لكن الدروس تتعطل في ذكرى وعد بلفور.. أو "لشجب الأحلاف" أو لسند النواب الوطنيين في المجلس النيابي! فتقول: نحن طلاب الطب ضحايا! وتمشي أحيانا مع الطلاب من الجامعة إلى المجلس النيابي أو ساحة الشهداء لكنها تعود مسرعة عندما تبدأ الخطابات. فيجدها عمر بعد المظاهرة في المكتبة. وقد يستمتع بمرافقتها فيدعوها إلى الغداء في مطعم الجامعة، ويشعر بأنه أحرجها وأنها تتفادى أن تخيّبه فتخابر أمها لتعلن لها أنها لن تعود إلا بعد دروس الجزء الثاني من النهار. ويراقبها وهي حائرة بين أطباق ليست من طبخ أمها. تقول أخيرا لنجاح عامل المطعم: سبانخ ورز! فيردد نجاح لمن يسكب الصحون بصوت مرتفع: ميزو سبانخ مع الرز! ويتبين عمر أنه يظلمها لأنها تأكل قليلا مما طلبته. فيقول لنفسه: طبعا، ماأطيب طعام أمها! في مساء أيام الامتحانات فقط كان عمر يعفي نفسه من واجباته الوطنية، ويجلس في آخر الطاولة التي تجلس إليها ليلى أحيانا، ويدرس في هدوء. هل يقول إنه حول تلك الطاولة عرف صفحة أخرى من ليلى؟ فراقب جولاتها في الكتب، تفكيرها، العقدة بين حاجبيها، ابتسامتها! كانت تلك الطاولة في زاوية المكتبة، تطل على الحديقة، استقر كل من حولها في كرسي يحرسه له زملاؤه، فإذا أتى غريب ليجلس على الكرسي الذي لم يحضر بعد صاحبه نقرت الطاولة أقلام زملائه فجفل وابتعد. تحجز مقاعد تلك الطاولة لأصحابها مهما ازدحمت المكتبة. مكان عمر قرب النافذة. إلى يمينه ويساره طالبان من الإخوان المسلمين. مقابل ليلى بعثي، وإلى جانبها طالب من حزب الشعب. جميعهم متضامنون في السهر على كراسي زملائهم. في أيام الامتحانات يهبّ نسيم الليل من النافذة ويكون الطلاب قد ملوا الدراسة بعد صمت طويل. عندئذ تُفتعل حفلة ما. حمل أحدهم مرة غصنا كبيرا مزهرا ودخل به المكتبة. وأتى أحدهم مرة بطبق من البنفسج والمضعف كأنه بائع ينادي على زهوره. أخرج أحدهم مرة من كيس بابور كاز وضعه على الطاولة وحقنه ليحضّر عليه الشاي. واصطنع زملاؤه ضجة لمنعه فأطاعهم بعد تلك المسرحية التي قسمت الطلاب قسمين بعضهم يتصنع الدفاع عنه وقسم يتصنع لومه. هل كانوا يتدربون على الحوار والصراع؟ امتدت تلك الفرص من الراحة من رواد تلك الطاولة إلى المكتبة كلها. كان عمر يرفع رأسه أحيانا ليرى ليلى عندما تدرس في المكتبة. وتعيده تلك النظرة الخاطفة إليها مطمئنا وسعيدا. هناك راقب الشاب الذي جلس خلف ليلى مواربا ورسمها. وشهد مولد اللوحة التي عرضت في معرض الفنانين في نادي الجامعة. حاول أن يقنع صاحب اللوحة بأن يتنازل له عنها. لكن الشاب لم يفرّط بها. فقال عمر لنفسه في يقين: مغرم آخر بليلى! لكن ماأثار فيه الأسى أفرحه. يسعده أن يقدّر ليلى آخرون! لكن من منا سيهبكِ السعادة، وأين سيكون مصيرك؟ ياليلى، خرجتِ من مساحات الظلال، وأتمنى ألا يلسعكِ الضوء! عندما كانت ليلى تستعيد سنوات صداقتهما في الجامعة كان عمر يبدو لها أحيانا كخطيب في مظاهرة. فتقول لنفسها: في المساء تنظم الفتيات في دمشق أزرار الياسمين عقودا. ويأخذ نزار قباني أحدها: سوار الياسمين! خلال ذلك ينشغل عمر بنظم سمات الزمن! فأين الشوارع التي يتجول في ليلها الفاتن، وأين المطاعم التي يحب السهر فيها، أين جناين الورد التي سحرته في دمشق؟ ستقول له فيما بعد: ياعمر تحدثت عن حلف بغداد ومبدا أيزنهاور أكثر مما تحدثت عنهما الصحف! كان صوته ينساب: ياليلى، تذكري أني لست منتسبا لحزب من الأحزاب! لكن الحياد مستحيل في أيام الخطر على الوطن. حلف بغداد مقدمة صلح بين الدول العربية، لأنه يدخل اسرائيل مع العرب في كتلة عسكرية تشمل الشرق الأوسط. ولذلك رفضه المجلس النيابي السوري ببيان واضح. وسنده بيان الاتحاد السوفييتي. فهل ينتبه الاتحاد السوفييتي أكثر مني إلى الخطر؟ اقرئي، هذا هو البيان! "في الآونة الأخيرة بلغ الأمر حد مطالبة سوريا على شكل إنذار بأن تنضم إلى الحلف التركي العراقي.. لايمكن أن يقف الاتحاد السوفييتي كالمتفرج من إقامة الكتل العسكرية على حدوده، مما لاينطبق على الولايات المتحدة البعيدة.. وسيدافع عن حرية دول الشرقين الأدنى والأوسط واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية". أعلن بولغانين في المؤتمر الاوربي في فارصوفيا: "لايمكن أن يقف الاتحاد السوفييتي مكتوف الأيدي أمام الضغط على سوريا ومصر والبلدان العربية لإرغامها على الانضمام للكتل العسكرية". على أساس هذا الخطر يولد التضامن العربي ولو في أشكال بسيطة. قررت مصر شراء أسلحة تشيكية، فأيدتها سورية والسعودية. وقرر المجلس النيابي تأييد مصر. قال عبد الناصر، كنا دائما نهدد بتسليح اسرائيل.. اتفاقيتنا مع تشيكوسلوفاكيا تجارية بحتة: ندفع ثمن السلاح بالقطن! هددت تركيا سورية لأنها رفضت حلف بغداد فأيدتنا مصر. الاتفاق العسكري السوري المصري، اتفاقية الدفاع المشترك، إذن نتيجة. في هذا الصراع لسنا وحدنا أمام التهديد الأمريكي البريطاني. صدر بيان من مجلس السوفييت الأعلى يؤيد سوريا. وبيان من الحكومة السوفيتية يؤيدها. ورفع التمثيل بين سوريا والاتحاد السوفييتي إلى سفارة. هل رأيت صورة الاحتفال بثورة اكتوبر في دمشق؟ في الصدر شخصيات سياسية سورية معروفة! ذلك إشارة إلى أننا لسنا وحدنا أمام المستعمرين القدماء! لم تنظر ليلى إلى عمر وهو يتكلم في تلك الأيام. عيناها على الأفق. هل تحاول أن ترسم صورة تلك البلاد البعيدة التي تسند الآن وطنها؟ ساح عمر أيضا معها. لاتخفى عليه الرومانسية في النظرة إلى البلاد الاشتراكية. قال: لنسمّ هذه الأيام أيام الاكتشاف! واستعاد ماكتبه كاتب لبناني عن فرحه بلقاء ناظم حكمت، ودخوله إلى الكرملين حيث افتتح مؤتمر الكتاب السوفييت. دهش لأن جوكوف محرر برلين موجود في المؤتمر، مهتم بالأدب! دهش لأن بيت غوركي متحف! قالت ليلى: ليت مديحة معنا لتسمعك! قال: ليتها معنا حقا! بدا ياليلى من التقارير المنشورة عن ذلك المؤتمر أن الكتاب السوفييت يميزون الأدب الجيد عندهم من الأدب السيء، وأنهم يختلفون في نقد مؤلفات روائييهم. ليسوا إذن مثل جماعة مديحة الذين يؤكدون أن كل مايكتب في الاتحاد السوفييتي عظيم، وأن الواقعية الاشتراكية مدرسة تهب من يتبناها الكفاءة! لكني لاأتوقف هناك الآن! بل يشغلني انصراف العالم كله إلى اكتشافات إنسانية، قد تكون العلاقات بين الدول، وقد تكون طراز المجتمعات، وقد تكون نمط التعبير الأدبي! هل سيسمح للعالم بذلك؟! سارتر أيضا يكتشف هذا العالم فيختار الآن أبطالا آخرين وموضوعات أخرى. أتمنى لو أستطيع التفرغ لقراءة الأدب! لو كان ذلك اختصاصي لبحث هذه الظاهرة ولتأملت علاقتها بالزمن! سألته ليلى: هل تفكر بأن تترك الطب ذات يوم؟ لا، ياليلى! الطب مهنة قد نهب بها المرضى سنوات إضافية من الحياة. وتسند حريتنا باستقلالنا الاقتصادي عن الدول والمنظمات والأحزاب! لكن الأدب سيظل هوى! بحت لك بأني كتبت بعض القصائد في فتوتي! لاتقولي ذلك لأحد! لكني لاأنظم الآن شعرا بل أحتفي بأن سورية عقدت اتفاقيات تجارية مع الصين والاتحاد السوفييتي. وأتأمل معنى صورة الأمير فيصل وهو بين نهرو والسيدة نهرو والمندوب الصيني في مؤتمر دلهي! لم تطلعني ياعمر على قصائدك! لكن يبدو لي أنك لاتقدّر موهبتك أو هوايتك! لو قدّرتها لما هجرت الكتابة إلى تفاصيل لاتستحق هذا المقدار من انتباهك! فهمتَ سمات الزمن، فلماذا تستزيد من التفاصيل التي تؤكدها؟ أحقا لم تفهمه ليلى؟ في هذه الاكتشافات نضارة تسحره. قد لاأكتب الشعر الآن، ياليلى، لكن لعلني لاأبتعد عنه. لعلني صرت أكثر شعورا بالمسؤولية التي تجعلني أتهيب كتابته الآن! لم أنصرف عنه، بل ربما أسلك دروبا طويلة إليه وأنا أنشغل بهذه الدنيا الجديدة! أنتبه كالناس إلى الأفلام والمطبوعات السوفياتية وأرى أنها تؤثر فينا. فيها تعبير فني آخر، وموضوعات أخرى. فيها هوى الحياة. سحرتني قصة راقصة باليه شلت وعميت فصارت نحاتة! يقدم هذا النمط من الثقافة أبطالا انتصروا على الضعف واليأس! هذا نمط من الفن يعبر عن منتصرين. لذلك يتفادى رسم القلق الإنساني والحيرة واليأس وأسئلة الإنسان الكبرى عن الموت والحياة والخلود التي شغلت الأساطير الكبرى في حضارة بلاد مابين النهرين والحضارة السورية، وستظل تشغل البشر. لكننا الآن على كل حال متفرجون! دون كفاءات تبدع مايناسب طريقنا السياسي. مختصونا القلة أبناء أغنياء درسوا في الغرب الحقوق أو الطب. تحتاج التنمية والمقاومة الوطنية خبرات فنية وعلمية أخرى لايمكن أن تهيئها إلا البلاد الاشتراكية. في الفكر نحتاج العمق والأصالة. الدراسة والمعرفة ثم الإبداع! ينقصنا هذا. لذلك بدت لي قصيدة عبد الوهاب البياتي "إلى ابني" مستوحاة من قصيدة ناظم حكمت إلى ابني محمد! البرنامج السياسي سهل ياليلى، لكن التعبير عنه بفكر وفن وبناء اقتصادي أصيل، صعب. نحتاج الزمن! ومن يملك الزمن ياليلى؟ الزمن هو مالن يتركوه لنا! الصراع عليه! التفتت ليلى إليه. يرى مالاتراه؟! الزمن ملء يديها! الزمن مستقبل لاشاطئ له! نظر إليها عمر وقال لنفسه: ماأنضر من لم يشعر بالظلم! قال: ياليلى، لم أهجر الشعر! أقرأ كل ليلة ولو صفحة من شعر النابغة والمتنبي والحلاج والأحنف. ولعل تلك البلاغة الرائعة الرفيعة تحبطني الآن! يحزنني أننا نفقد سطوة الشعر على الحياة. وأية حياة يمكن أن تكون مهذبة، وأي شعور يمكن أن يكون راقيا عميقا إذا لم يربّه الشعر! أظن أن كارثتنا الكبرى أننا فقدنا ديوان العرب! ويدهشك أن الوطنيين يساهمون في هذا أكثر من غيرهم! لأنهم يقدمون بآلة الدعاية التي يبيحها لهم الزمن، شعراء ملتزمين بالقضايا الوطنية لكن مأبعدهم عن الشعر العربي العظيم! يقول أحدهم: لنا النصر ياأخت فاستبشري ألم يضح الصبح للمبصر جحافلنا تملأ الخافقين طلائع للجحفل الأكبر ويقول آخر: إني أحب قضيتي، حب الحياة، في العمق مني في دمي، تنساب مثل الظل في شمس الغداة. وينشد ثالث قصيدة عن العمال، وقصيدة للأطفال. لكني ياليلى لن أنقل هذه القصائد البسيطة المباشرة على ورقة. قصصت قصيدة أخرى تهمني، سأرسلها ذات يوم لمن اختارها قلبي. خرجت ليلى من الجدّ إلى المرح. سألته ضاحكة: أية قصيدة؟ أخرج من جيبه ورقة مقصوصة من جريدة وعرضها لها دون أن يفك أصابعه عنها. قرأت العنوان: طلب زواج. ضحكت: تسمح لي بأن أقرأها قبل تلك المحظوظة؟ أفلت عمر أصابعه عن الورقة. لايخطر لليلى أنها قد تكون هي! تناولت ليلى الورقة وقرأت: أنا يارفيقة مثلما قال لك الوسطاء عني، لاأمن لااطمئنان لاأطياف أيام رغيدة، ستظل تعبث بي رياح الظلم عاصفة كؤودة، فلربما حكموا علي وليس ذلك بالبعيد، بالسجن أعواما طوال، ولربما كان المآل، إلى الرصاص أو الحبال. سألته: من صاحب تلك القصيدة؟ ردّ: قيس! قالت: تستطيع أن تكتب أحلى منها! ألم تحدث مديحة عن النقل والأصالة؟ لست مثل قيس فكيف تستعير كلامه؟ هزّ رأسه. لو يستطيع أن يقول لها آه ياليلى، تصيبن بحجرك الحقيقة! لكن هل أجرؤ على صياغة قصيدة في المحبوبة! تمنيت أن تنتبهي إلى عنوان القصيدة! عمر على حق! لم تجد ليلى في تلك القصائد كلها قوة شعر المتنبي الذي حفظته في المدرسة، ولاقوة كلمات المعري الذي درسته في الصيف مع معلمتها. لم ترفع ليلى نظرها إلى عمر. كم أنت إذن حزين ياعمر، رغم كل مارويته عن الانتصارات! قلبك ليس من صوان كقلوب السياسيين الذين وصفتَهم! قالت له كالمراهقين الذين يعدون بصداقة أبدية: ياعمر، سأكون رسولتك إلى تلك المحظوظة، وسأحدثها عنك! التفت عنها إلى الأفق الذي صفا بعد مطر الأمس. هل أفرحته؟ وعدته بقرب الصديق الوفي، وحرمته من الحلم بما أبعد منه! نعم، التقطت ليلى أساه. بالرغم من الانتصارات التي تحدث عنها، بالرغم من سمة الزمن، يشعر بأن البرهة الحاضرة وحدها هي الحقيقية. يحمي روحه من الايمان بأن االغد "مطوب" له. يزن الخلل في الجبهات الموجودة بين الضباط وبين السياسيين. يزن موقع البلاد العربية وثرواتها. يستعيد ماقاله عازوري في أول القرن عن الصراع بين العرب والصهيونية. ويشعر بالقلق. ويقول لنفسه يجب أن ندافع عن البرهة الحاضرة، عن المشروع، دون أي وهم بأننا لن نهزم. لايستطيع أن يبوح بذلك لأحد. فهل يجهل أن التفاؤل موقف فكري؟ يتذكر أحيانا الذين عذبوه في سجن تدمر. كانوا أبناء بلده. لم يتصور أنهم يمكن أن يوجدوا، مع أنهم كانوا موجودين! لذلك يبعد التفاؤل الغرّ عن نفسه. ويقول: الدفاع عن اليوم! الغد موضوع صراع بيننا وبين الآخر، والآخر ليس خارجيا فقط! لكني ياليلى لاأستطيع أن أقلقك بهذه الهواجس! عندما كان عمر يحكي لليلى عن استنتاجاته، ويتألق أمامها باكتشافاته كان يبدو لنفسه كأنه يعرض ريش الطاووس. لكنه كان يتبين أمامها خلال ذلك مافكر فيه، وقدرته على صياغته. ويستدفئ ببراءتها ونضارتها، بالأوهام التي تعبئ عينيها، بايمانها بالدنيا دون تحفظ. كم يخاف على تلك البراءة! ليته يستطيع أن يرسم حدودا لاتُخترق بين المعرفة وبين الهموم! بين شباب النضارة وبين كهولة الحكمة! في تلك الأيام لم يشك قيس، كما شك عمر، في أنه يملك القدر! كان يؤمن بأن العلاقات الاجتماعية والإنسانية تتقدم من مرحلة تاريخية إلى مرحلة ترتفع عليها! مع أنه كان يعيش في تلك اللحظة على الحدّ بين الحرية والسجن، لأن الأردن كان في تلك اللحظة بين قوة المظاهرات التي اندفع فيها الشعب مكتشفا عنفوانه، وقوة النفوذ البريطاني. كانت خطوط التقسيم في الخريطة العربية قد بهتت في اللحظة التي أعلن فيها عبد الناصر تأميم قناة السويس ثم احتلت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية أرضا مصرية. تدفق العراقيون في الشوارع بالرغم من الرصاص، فرموا حطبة أوقدت همّة الضباط الأحرار لاستكمال الثورة القادمة على الملكية في العراق. كانت تلك اللحظة من أيام الذروة التي تحتل فيها الشعوب الشوارع، لكنها تدرك أن صراعها متصل بقوى دولية لذلك تبقى قرب الراديو. بعد عقدين من السنوات سيوجد في البلاد العربية كثير ممن يتقنون اللغة الروسية. سيضعون إبرة الراديو على محطة موسكو ويستمعون إلى ماتذيعه ويترجمونه مباشرة للمسؤولين الذين يطلبون المعلومات. وبعد ثلاثة عقود سيتنقل أي مواطن عربي بين الفضائيات ولو لم يفهم لغتها، باحثا عن الحقيقة في الصورة، أو مقاطعا المعلومات والأخبار ليستنتج المضمر. لكن العرب انتظروا قبيل العدوان الثلاثي على مصر ماسيقوله الاتحاد السوفييتي الذي يجهلون لغته. وبدا قيس كمن يعرف موقف تلك الدولة العظمى بطريقة خاصة! قال لمن حوله في مقهى الكمال في إربد: منذ تأميم قنال السويس وانسحاب المرشدين الأجانب من قناة السويس بدت الحرب على الباب! لكن المعتدين لن يخرجوا منتصرين! موقف الاتحاد السوفييتي واضح! لن يسمح بهزيمة مصر! قدم الاتحاد السوفييتي لمصر مرشدين. وحذر مؤتمر المستفيدين من قنال السويس، ليمنع قرارات ضد مصر. وزار شبيلوف سوريا مع ابنته واستقبل في سوق الحميدية بحماسة وترحاب. وافق الحاضرون على كلام قيس. كانوا يستمعون إلى نشرات الأخبار يوميا، لكن يبدو أن لدى قيس معلومات أخرى! كان المشير عبد الحكيم عامر قد زار الأردن بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك، ردا لزيارة فوزي الملقي واللواء علي أبو نوار في نهاية تشرين الأول. في يوم 29 تشرين الأول حذرت الولايات المتحدة مصر من عدوان سيقع في ذلك اليوم. وبدأ العدوان الإسرائيلي. في 30 تشرين الأول قال قيس للجالسين في مقهى الكمال: نزول المظليين في ممر متلا بداية حرب أكثر سعة مما يبدو! وعندئذ أذيع الإنذار الفرنسي الانكليزي إلى مصر وإسرائيل لوقف إطلاق النار. فقال: ذلك تمهيد لاستعادة قناة السويس بالقوة! شكل الجيش السوري مجموعة من القوات السورية، لواء مشاة ولواء مدرعات وثلاثة أفراج مدفعية دخلت إلى الأردن في 31 تشرين الأول، رئيس أركانها أحمد عبد الكريم. تنفذ اتفاقية الدفاع المشترك. بدا أنها قد تخفف الضغط على مصر باشتباك مع الإسرائيليين في الضفة الغربية! لكن عبد الناصر رفض توسيع الحرب. خلف القوات السورية في دمشق، اكتشفت مؤامرة عراقية، مشروعها قلب الحكومة السورية خلال العدوان الثلاثي على مصر. وسيحاكم هايل سرور، وعدنان الأتاسي، وميخائيل اليان، في محكمة رئيسها عفيف البزرة! أما فيضي الأتاسي فسيهرب إلى بيروت! وستزيد تلك الأخبار في الحماسة للمقاومة الشعبية. وقتذاك تدرب الشباب على السلاح في الملعب البلدي في دمشق، وفي تلال المزة. ووزع السلاح على أفراد المقاومة الشعبية. وحفرت الخنادق. "إذا نزل العدو من السماء بالمظلات سنصيده! نتوقع أن يمتد العدوان! والإنزال في اللاذقية متوقع! الهجوم التركي في الشمال متوقع! لكن الغزاة لن يمروا"! تدرب الناس في الحدائق العامة على الرمي. حرست ليلى بندقيتها ونظفتها. ورافقت زميلاتها إلى جبل المزة للتدريب على رمي القنابل وإطلاق الرصاص. وحفر عمر وفوزي مع زملائهما الخنادق. عندما عبرت القوات السورية الحدود إلى الأردن أصبحت قاعدة المفرق البريطانية وراءها. المفرق على الحدود السورية، وقد تُقطع الطريق بين القوة السورية وقاعدتها في سوريا. ناقش أحمد عبد الكريم مع البزرة الذي رافقه إلى الحدود الأردنية خطر أن تبقى قاعدة المفرق خلفه. اجتمعا مع أبي نوار. ذكر قائد لواء المدرعات طعمة العودة الله أن الطائرات البريطانية طارت فوق الرتل السوري منذ دخوله الأردن حتى وصوله عمان. لم يهتم أبو نوار بالملاحظة. ونبّه إلى المعاهدة بين الأردن وبريطانيا. في اليوم التالي قبلت الأردن القوات العراقية بقيادة عبد الكريم قاسم التي دخلت وتمركزت في المفرق. طلب أحمد عبد الكريم وضباطه الاجتماع بالحكومة الأردنية. فاجتمعوا في مكتب وزير الخارجية عبد الله الريماوي مع وزراء منهم شفيق رشيدات. أكد هؤلاء أنهم لايستبعدون أن يـتآمر الانكليز مع قوات المفرق لضرب القوات السورية. فاقترح السوريون نقل قواتهم إلى محور جسر الشيخ حسين - إربد ـ المفرق ـ درعا. ونفذوا ذلك فورا وطوّقوا قاعدة المفرق. وأصبحت لهم قاعدة في ضاحية إربد. عرف أحمد عبد الكريم أن أحد ضباطه زميل قديم من زملاء عبد الكريم قاسم، يعمل في الجيش السوري منذ تصفية ثورة العقداء الأربعة في العراق سنة 41. فاجتمع به مع عفيف البزرة وطعمة العودة الله وطلبوا منه الاتصال بعبد الكريم قاسم. عاد رسولهم وقال إن قاسم ومعاونه عبد السلام عارف وطنيان ينويان الانقلاب على نظام بغداد. اجتمعوا بهما. وعرفوا من عبد الكريم قاسم أن مؤامرة تنظّم في سورية بأسلحة عراقية. وافق الجيش السوري على ضم العراقيين إليه إذا فشل تمردهم. اطمأن السوريون! لن تضربهم القوات العراقية في الظهر، وفي الجيش العراقي ضباط وطنيون! لكن تلزم السوريين معلومات عن قاعدة المفرق البريطانية! تلزمهم مساعدة الوطنيين الأردنيين! طرق الباب على قيس ضابط سوري طويل وسيم عرّفه بنفسه: أنا مروان السباعي مسؤول استخبارات القوات السورية في الأردن! هل يمكن أن نتحادث؟ من القوات السورية؟ أهلا وسهلا! لاضرورة للمقدمات! الوضع في المنطقة ينذر بحرب شاملة. قد تخفف سورية الضغط عن مصر بالضفة الغربية. انكلترا تعتدي على مصر وهنا في المفرق قاعدة انكليزية! سأله قيس: المطلوب؟ أجاب: معلومات دقيقة عن قاعدة المفرق! تعرف الاستخبارات السورية نفوذكم في النقابات. عمال قاعدة المفرق منظمون في نقابة. وقيس مسؤول عن منطقة واسعة مركزها إربد، منها منظمات المفرق! قال قيس: أنا موافق. ولكن يجب أن أستشير منظمتي. في سرعة بُحث الطلب السوري. وفي سرعة عاد مروان السباعي ليعرف الجواب. قال له قيس: سيجمع أصحابنا المعلومات الدقيقة وسنقدمها لكم كعمل وطني، بشرط! ماهو؟ ألا تعرضوا مالا على أي شخص نصلكم به. وإلا انقطع بيننا الاتصال! أكرر، يقوم رفاقنا بهذا العمل لأنه ضرورة وطنية! جمع أصحاب قيس في قاعدة المفرق المعلومات الكاملة عن القاعدة. رسموا أمكنة الطائرات والورشات والمكاتب، وسجلوا الأرقام. وسلّم مسؤول في المفرق تلك المعلومات الثمينة لمروان السباعي. عرض مروان السباعي مالا على الشاب الذي سلّمه المعلومات. ووصل الخبر إلى قيس في اليوم نفسه. قال قيس لمروان السباعي: - خرقت الشرط، ولامجال للتعاون بيننا بعد الآن! هل تعجزون حقا عن فهم أن العمل الوطني طوعي لانطلب المكافأة المالية عليه؟ أي مال يساوي الخطر الذي عرض الشباب أنفسهم له؟ أم تبحثون عن عملاء؟ - أعترف لك بأني خرقت الاتفاق! لكني أعدك بألا يتكرر ذلك! - سأصدقك هذه المرة وأعتبر وعدك كلمة شرف! دعا متصرف إربد، محمد نزال العربوطي القريب من البعثيين، وحكمت مهيار قائد المنطقة، ممثلي الأحزاب إلى اجتماع في المتصرفية. خريس البعثي، حشيشو القومي السوري، ممثل الإخوان المسلمين، ممثل الوطني الاشتراكي، ممثل القوميين العرب، وقيسا. قال حكمت مهيار، قائد المنطقة: قد تتسع الحرب ضد مصر. يتوقع الأردن أن تمتد الحرب من مدن قنال السويس إليه. دعونا ممثلي الأحزاب كي ينظموا الدفاع المدني ويساهموا فيه. قال قيس: الاجتماع ضروري. لكني أعلن احتجاجي على حضور ممثل القوميين السوريين! في سوريا الشقيقة أدين القوميون السوريون بقتل عدنان المالكي. وبيّنت المحاكمات في دمشق علاقة جورج عبد المسيح بالجهات الغربية. فكيف نوفق بين مقاومة العدوان الغربي وبين وجود من تآمر على الجيش السوري لحساب أمريكا! ردّ خريس بحدة: القوميون السوريون أكثر وطنية منكم، لأنهم ضد الصهيونية. أنتم وافقتم على التقسيم! مرة أخرى قرار تقسيم فلسطين الذي وافق عليه الشيوعيون العرب! قيس غير موافق عليه! دمّرت الموافقة على قرار التقسيم الحزب الشيوعي العراقي بعد نهضة الوثبة. ودفعت إلى حرق مكتب الحزب الشيوعي السوري. رأي قيس: الموافقة خطأ! ولسنا ملزمين بما رآه الاتحاد السوفييتي حلا ممكنا في وضع الأنظمة العربية يومذاك! ردّ قيس: من يحمل المشروع الأمريكي لايمكن أن يكون ضد الصهيونية! الصهيونية هي التي تفيد من قتل ضابط وطني كعدنان المالكي. كان جورج عبد المسيح يخطط لقلب النظام الوطني في سوريا! سأله خريس: تسمح لنفسك بأن تتميز عمن وافق على تقسيم فلسطين، ولاتسمح لحشيشو بالتميز عن جورج عبد المسيح؟! تدخل الحاضرون. صبوا ماء فوق النار. لكنهم أقروا بقاء حشيشو. لايدان القوميون السوريون كلهم بذنب جورج عبد المسيح. نعود إلى الهدف الذي جمعنا! قد تنتشر الحرب خارج مصر. نتوقع أن تصل من مدن القنال إلينا. يجب أن نتعاون. كلنا مهددون! لن تميز الغارات المحتملة شخصا من آخر! اتفق المجتمعون على تنظيم دوريات حراسة ليلا ونهارا تساعد المواطنين إذا حدثت غارات عدوة أو إنزال. وطلب قائد المنطقة أن تقدم الأحزاب مجموعة من أعضائها لتنظم الدفاع المدني في مناطق يتفق عليها. قال مهيار: ونرجو أن تعطونا قوائم بأسماء أعضائكم في تلك المجموعات. قال قيس لنفسه: قوائم في بلد فيه نفوذ بريطاني؟ توجد اليوم حكومة النابلسي الوطنية، ولكن من سيوجد في مكانها غدا؟ قال: لن نقدم قوائم بأسماء مجموعاتنا، فقد نبدل الأشخاص، خلال العمل. لكننا سنلتزم بعددهم. وسنكون مسؤولين عن أداء تلك المجموعات في المناطق التي تقرر لها. ماذا يستطيع حكمت مهيار أن يقول؟ يعرف قيسا ولافائدة من الإلحاح! يريد العنب ولن يقاتل الناطور! قال: فليكن! قسّمت المدينة إلى مناطق ووزعت فيها المسؤوليات. كأنما أراح المجتمعين أن ينجزوا مهماتهم فانصرفوا إلى الحديث عن الوضع العربي. فرصة نادرة أن يجتمع في مكان واحد هؤلاء الرجال الذين ينشغلون بالقضايا نفسها، حتى ليتساءل من يراقبهم عن سبب خلافهم. تساءلوا: هل ستمتد الحرب؟ وإلى أين؟ فقال قيس: الغزو مستمر، لكن الاتحاد السوفييتي لن يسمح بهزيمة مصر! سأله حكمت مهيار: تعني أن الاتحاد السوفييتي سيتدخل؟ قال قيس في ثقة: سيتدخل! في أية منطقة أو مكتب لايعصف الغضب؟ مهيار مثل قيس، ذاهل من استهانة دول كبرى بالقوانين الدولية! كأن لاحدود ولاسيادة وطنية ولاأمم متحدة! تحتاج الأزمنة المتوترة من يثقب الظلمة بنظره، ويعلن مابعدها! البشير، حامل الراية، المتنبئ؟ لايحلم قيس! يقرأ الزمن. يدخل المعسكر الاشتراكي في الحياة الدولية بقوة، ويهمّه أن يثبت العالم الثالث في هذه المنطقة على حدوده! أمس دخل الجيش السوفييتي بودابست بطلب من كادار وانتهى التمرد. وهنا لن يسمح الاتحاد السوفييتي بعودة الاحتلال الغربي إلى مصر! ظلمة كثيفة، وضع معقد، انسحب الجيش المصري من سيناء ومن مدن القنال، والإنزال حقيقة. لكن المقاومة الشعبية أيضا حقيقة! من الموهوب باستشفاف المستقبل في هذه الظلمة؟ قال قيس في ثقة: سيفشل هذا العدوان! لن يبقى الفرنسيون والإنكليز في مصر! سأله حكمت مهيار: واثق من ذلك؟ ردّ: نعم، سيتدخل الاتحاد السوفييتي! لن يسمح باحتلال مصر! لكنه عندما وصل إلى بيته تساءل لماذا يبدو مهيار خائفا أكثر مني؟ منذ الإنزال في ممر متلا، ثم الإنزال في القنال عاش العرب مع الراديو. تابعوا المقاومة في بور سعيد. واستقووا بغضبهم. في النهار حملوا الراديو الترانزيستور. وفي المساء تحلقوا حول الراديو في المقاهي الشعبية. في النهار تدربت ليلى وغادة ومديحة مع طلاب الجامعة في جبل المزة على إطلاق الرصاص. وتدربن على رمي القنابل اليدوية. واهترأ جلد أيدي الطلاب من حفر الخنادق لكنهم خجلوا من ربط جروحهم. وحمل بعضهم سطل دهان وكتبوا على جدران الشوارع: لن يمروا! كان قيس جالسا في مقهى الكمال في إربد ومن الراديو المرفوع على رفّ في صدر المقهى تنطلق أغنية: دع سمائي فسمائي محرقة، دع مياهي فمياهي مغرقة... قطع المذيع الأغنية فجأة وأعلن: وجّه الاتحاد السوفييتي إلى حكومات.... وبدأ يقرأ الإنذار إلى ايدن وغي موليه وبن غوريون. يهدد بولغانين بضرب عواصم المعتدين بالصواريخ ذات الرؤوس النووية، وبمحو إسرائيل من الخريطة. وقف الجالسون في المقهى وصفقوا. تبادلوا التهاني. قبّل بعضهم قيسا. وشعر قيس بالاعتزاز والطرب. كم تغير الزمان! نعم، كم تغير! تحادث الناس في حماسة عن الإنذار، شمتوا في الإنكليز والفرنسيين: ليرونا الآن بطولتهم! قوة عظمى تطلب منهم الانسحاب فورا وإلا..! مرت عشر دقائق وقيس نشوان. عندئذ دخل إلى المقهى ضابط، بحث بنظره عن قيس، ثم اتجه إليه مباشرة وقال له في أدب: تطلبك قيادة المنطقة! حكمت بك يريدك .. لم أجدك في بيتك فقصدتك هنا. نهض قيس، عبر المقهى في اعتداد كأنه هو الذي صاغ الإنذار. ومشى أمام الضابط إلى قيادة المنطقة. في انتظاره حكمت مهيار! "أهلا، أهلا!". قدم له مقعدا. ثم سأله كمن يطلب منه أن يبوح بسر: أسألك بالله، كنت تعرف أن الاتحاد السوفييتي سيوجه إنذارا؟ سؤالي مني فقط، وجوابك لي فقط! ابتسم قيس: عرفتُ ذلك لأني أثق بأن الاتحاد السوفييتي لن يسكت على العدوان على مصر في هذه الظروف. دافعت مصر عن أرضها الوطنية فتركت له الفرصة ليتدخل. عندما نحدد عدونا ونقاومه نترك الفرصة لأصدقائنا كي يساعدونا على ردّه. لكني لم أعرف ذلك بطريقة أخرى! نظر إليه حكمت مهيار مبتسما: أقسم لك بأن ماتقوله سيبقى عندي ولن أبوح به لأحد! ياحكمت بك! فتّشتم بيتي مرات وتبيّنتم أنه لايوجد لدي لاسلكي! أنت تعرف أن ليس عندي حتى تلفون! قال مهيار: لكنك كنت واثقا من تدخل الاتحاد السوفييتي! ردّ قيس: من يشتغل مع بريطانيا يمكن أن يتلقى منها الأوامر. علاقتي بالاتحاد السوفييتي لاتقاس بهذا المعيار. نظر حكمت مهيار إلى قيس وهزّ رأسه. أيمكن ألا تكون لدى قيس معلومات خاصة؟! فسّر له قيس: لنفكر في وضع مجموعة عدم الانحياز لو لم يتدخل الاتحاد السوفييتي وانتصر المحتلون! هل يسمح بهزيمتها؟ أليس من مصلحته أن يسند العالم الثالث الذي يدافع عن استقلاله؟ بالرغم من الإنذار استمر التدريب على السلاح يومذاك. تجمعت طالبات الجامعة في مرجة الحشيش في دمشق. صفّهم رقيب في الجيش صفوفا. القصيرات في الصفوف الأمامية، والطويلات في الخلفية. ليلى في الوسط. وزّعت عليهن بنادق جديدة. لاينفي الموقف أن تبتسم ليلى وتتهامس مع صديقتها! صاح الرقيب: لستن في الجامعة! ولستن في بيوت أمهاتكن! هذا جيش! مفهوم؟! سكتت ليلى وزميلتها وابتسمت الفتيات. الشمس محرقة لكن الرقيب أبقاهن واقفات كالتماثيل. همست ليلى لنفسها: هذا لن يفيد في ردّ الإنزال! المهم أن نتعلم استعمال البندقية! مشى الرقيب بجوارهن وتفقدهن. استمتع بسطوته. همست غادة لزميلتها عندما ابتعد: لم يكن يحلم بأن يوقفنا هكذا تحت رحمته، ولو في المنام! ارتد الرقيب إلى الخلف: من يثرثر؟ من لايتحمل الوقفة خمس دقائق صامتا تحت الشمس لن يتحمل الرمي! تذكرت غادة أيام المدرسة، الهمس في الصف، والتظاهر بالإصغاء كلما التفتت المعلمة. همست مديحة عندما ابتعد الرقيب: ليس صحيحا ماقلته ياسيادة.. الرقيب! ركبت الفتيات شاحنات عسكرية نقلتهن إلى جبل المزة. سبقتهن إلى هناك مجموعات كثيرة من الفتيان والفتيات. صف الرقيب مجموعة ليلى ثم أمرها: انبطحن! فانبطحن على الأرض كما علّمهن. أسندن البندقية إلى أكتافهن كما علّمهن. استندن على المرفق إلى التراب كما علّمهن. مر وصحح أوضاعهن. أشار إلى الدريئات، وبين كيف يجب التسديد وأين. وبدأن بالرمي. دوى الرصاص. تجربة عظيمة! تجربة جديدة! انهضن الآن وافحصن دريئاتكن! مرّ قرب كل واحدة وأحصى الإصابات! دريئتك أنت نظيفة تماما؟ أين أطلقت الرصاص؟ في الهواء؟ ستنتصرين على العدو؟ سيقتلك قبل أن تصوبي إليه! همست ليلى لزميلتها ذات الدريئة النظيفة كأنها تتقمص مكان الرقيب: افهمي أننا لانطلب منك الجرأة، نطلب الدفاع عن النفس! قالت لها زميلتها: سأصحبك كي تدافعي عني في الليلة الظلماء! اقترب الرقيب من دريئة ليلى: ممتاز! رصاصاتها كلها في مركز الدريئة! لكن الرقيب لايريد أن يثني عليها، لأنه يعرف أنها تهمس كلما ابتعد. قال: يبدو أن زميلاتك سدّدن إلى دريئتك! كبحت ليلى ابتسامتها، لكن هل تستطيع أن تكبح بريق عينيها؟ نقلهن الرقيب إلى مكان قريب. صفّهن خلف حواجز ترابية. تنقل والقنبلة اليدوية في يده. بيّن كيف يفكّ منها الأمان. بيّن كيف ترمى بعيدا. كرّر الحركة. أخرج واحدة منهن من الصف، وضع القنبلة في يدها وطلب منها أن تعيد حركة الرمي. طلب أخرى. تردد برهة ثم طلب ليلى. خطت إليه وتناولت القنبلة وكررت الحركة. قال لها: ممتاز! ثم تراجع وقال: لابأس! ابتسمت ليلى وغمزت غادة وهي تعود إلى مكانها! بيّن الرقيب الخطر عليهن إذا لم ينبطحن فورا خلف الستار الترابي بعد رمي القنبلة، بيّن الخطر إذا خفن فرمينها قربهن! يجب أن يقدّرن الزمن بالشعرة! قال لهن دون أن يبيّن سبب حرمانهن من رضاه: مدلّلات، ومباشرة إلى الرمي والقنابل اليدوية؟! آه، لايعرف أننا لعبنا بالطابة في باحات المدرسة وكنا ماهرات في رميها من أول الباحة إلى آخرها! لايعرف أن الطابة لعبتنا المفضلة في الطفولة والشباب! لكن غادة تعرف أن ذراع حنان هشة في رمي الكرة. قالت لها: اسمعي، ارمها بعيدا، قدر قوتك! ليس هذا وقت الموت! لاحظت أن حنان مرتبكة. خفق قلب غادة، همست لرفيقاتها انبطحن فورا وقت ترمي حنان القنبلة! هل يحتجن نصيحتها؟ ألم يكن معا في المدرسة! رمت حنان القنبلة قريبا من الساتر الترابي. لكننا نجونا يابنات! قال الرقيب: هكذا تقتلين نفسك ولاتقتلين عدوك! لم يقترب من غادة. تركها حتى أصبح المستحيل إهمالها. "أرنا شطارتك الآن"! همست لنفسها: طبعا سأريك شطارتي! رمت القنبلة بكل قوتها، بعيدا، بعيدا! اقترب منها الرقيب وقال: هكذا تتجاوزين عدوك! ترمين خلفه! قالت له: رميت حيث تصورت العدو! قال: تتصورينه بعيدا جدا! وتجاوزها! في المساء لاحظت ليلى أن الشمس خطت على رقبتها حدود القميص. وأن لون جبينها يختلف عن لون منبت شعرها. وأن جلد كفها احمر وانتفخ. ستربط يدها كيلا يسخر منها الرقيب، كما سخرت من زميلاتها اللواتي تعودن المشي بالكعب العالي فاختلت مشيتهن دونه خلال التدريب! بعد أربعة عقود سيتصفح قيس مع عفيف، القومي السوري، تلك الأيام من خمسينيات القرن العشرين. وسيروي عفيف لقيس كيف حاول اغتياله: قررنا تصفيتك! بعد أسابيع من ذلك البوح سيمشي قيس في جنازة عفيف وسيبكي عليه. هل كان ذلك الاعتراف رغبة في راحة الضمير؟ أم مهّد له الزمان؟ لم يكن الخلاف بين قيس وبين عفيف خلافا بين شابين متحمسين جامحين فقط. كان خلافا بين اتجاهات التقت فيما بعد وأنضجها الزمن. فاجتمع الأعداء القدماء أمام موت واحد أيام حصار بيروت واحتلال جنوب لبنان. وعلّقت في بيوت خصوم الأمس صورة الشهيدة ثناء محيدلي. كان كلاهما من صفورية، خرجا منها في يوم واحد، وقت احتلها الإسرائيليون سنة 1948. وجمع أبويهما ماهو أكثر من الصداقة. وعندما فرقت السياسة ما بين قيس وعفيف، رأى الأبوان ذلك من اندفاع الشباب الذي سيعيده الزمن إلى سكّة العقل. في تلك الأيام من سنة 1956 وصلت رسالة إلى قيس: "جورج عبد المسيح موجود في بيت حشيشو. بلّغ القوات السورية"! جورج عبد المسيح متهم بتنظيم اغتيال عدنان المالكي، والدعوة إلى حلف بغداد. وسيتهمه حزبه فيما بعد بأنه رتّب الاجتماع الحاسم في بيت جولييت المير ليسلّمها للشرطة. حاكمت سوريا قادة القوميين السوريين بتهمة التنسيق مع الغرب. هل كان الالتباس بين مشروع الهلال الخصيب ووحدة بلاد الشام، فقط؟ وحدة عربية بين بلد متحرر كسوريا وبين بلد مقيد بحلف بغداد؟! هل يجوز الانحياز إلى الأحلاف العسكرية؟! قابل قيس مروان السباعي، في مقر القوات السورية الموجودة في شرق إربد، وأوصل له الخبر. لكن قبل أن تطوّق مجموعة من القوات سورية بيت حشيشو، اختفى عبد المسيح. لاأسرار في بلد صغير! قرر عفيف عقاب قيس! رتب خطة دقيقة: تطوق مجموعة مسلحة بالعصي والسكاكين بيت قيس ليلا وتنتظر عودته، تخطفه وتقيده، تضعه في كيس، يراقب ذلك من بعد سائق سيارة أبي عفيف الرابض في نهاية الطريق فيتقدم بالسيارة، يوضع الكيس في صندوق السيارة وينقل إلى الشونة، وهناك يرمى في البركة. في ذلك اليوم استدعي قيس إلى الرمثا، وبقي هناك حتى اليوم التالي. كانت المجموعة المكلفة بخطفه قد أحاطت بيته في انتظاره. بيت قيس قرب مضافة شيخ الجبل. في منتصف الليل خرج من المضافة أحد الساهرين فيها منصرفا إلى بيته فرأى مجموعة من الشباب مسلحة بالعصي تجوب الطريق. رجع إلى المضافة وأعلن: الحارة مطوقة أو مراقبة! ليسوا عسكريين! شباب! خرج الرجال من المضافة فهرب الشباب. لكن الرجال أمسكوا بأحدهم: صبي من عشيرة شيخ الجبل. أدخلوه إلى المضافة: احك بالتي هي أحسن! تردّد ثم حكى عن خطة لخطف قيس. في تلك الليلة ذهب رجل من المضافة إلى بيت أبي قيس وقال له: أنت حذّر ابنك، ونحن سنقوم باللازم. في اليوم التالي جلس عفيف العفيفي أمام البركة التي كان يفترض أن يرمى فيها قيس. فشلت الحملة أمس لكنها ستنجح يوما ما! كان عفيف يراقب العمل في شركة الباصات التي يملكها أبوه بين إربد والشونة. عفيف شاب غني مدلل، وزعيم. لكن مقابله منظمة نقابية كبيرة من العمال الزراعيين في الشونة. وصلهم الخبر عن محاولة خطف قيس وهو مايزال في الرمثا. اجتمعوا وقرروا تأديب عفيف دون أن يستشيروا أحدا. إذا كانت الدولة لاتمنع الاعتداء على قيس سنمنعه نحن! فليفهم أن لحمنا مرّ! وليخمّن مصيره إذا كرر حملته! كان عفيف جالسا في المقهى قرب البركة، فتقدمت مجموعة منهم، حملته مع كرسيه ورمته في البركة. وصل قيس إلى بيته في مساء اليوم التالي. فتلقاه أبوه: يجب أن نذهب فورا إلى قيادة المنطقة. خير يابا؟ طلبوك! خرج قيس مع أبيه إلى هناك. وجدا أبا عفيف جالسا قرب قائد المنطقة والغرفة ملأى بالرجال. قال أبو عفيف لقيس معاتبا: ولو، ياقيس! وصلت بيننا إلى الدم؟! عم يتكلم أبو عفيف؟ لم يفهمه قيس. سأله: كيف تصل بيننا إلى القتل ياعمي؟ قال أبو قيس: خير ياأبا عفيف؟ عفيف مثل ابني! قال أبو عفيف لقيس: لاتعرف؟ سأله قيس: أعرف ماذا ياعمي؟ لن أقسم لك. لكني لاأعرف عم تتكلم. حكى أبو عفيف أن أصحاب قيس رموا ابنه في البركة في الصباح. لم يفهم قيس لماذا فعل أصحابه ذلك. قال: هذا أسلوب لاأوافق عليه! عندئذ روى أبو قيس ماجرى في ليلة الأمس حول المضافة. دهش قيس، وتفرج الحاضرون على دهشته. حاولوا خطفي؟ قال أبو عفيف: حاولوا خطفك وقتلك؟! لم أعرف ياابني. وهل أوافق على مسّ شعرة في رأسك؟ احكوا لي القصة كلها، احكوا.. قال أحد الحاضرين: واحدة بواحدة. والبادئ أظلم! الحمد لله، لاهذه نجحت ولا تلك. يورطنا أولادنا في المشاكل. لاتوجد سياسة ياأولاد دون هذا القتال بينكم؟! لاتتجاوزوا الكلام.. تقاتلوا بالكلام ماشئتم ولكن دون دم! فليفرد كل واحد منكم ماعنده، لكن لاتستعملوا الأيدي. هل يليق بعفيف أن يرسل أصحابه حاملين العصي كعصابة ويخطط استخدام سيارة من سياراتي؟ حساب عفيف معي! وصلت أخبار محاولة خطف قيس إلى قائد المنطقة في وقتها. ثم وصلت أخبار الانتقام من عفيف. ولكن من يعتقل؟ مجموعة من الشباب؟ ستقوم عليه الدنيا. أبو عفيف وأبو قيس صديقان. سيفرض الأهل الصلح ويبقى هو خارج المائدة. لن يتورط في هذه القصة. ستحل بالتفاهم! وهذه الأوقات ليست للاعتقالات! لكن تلك الأوقات لم تكن طويلة. لم يتجاوز عمر حكومة النابلسي الأشهر. وقع انقلاب الملك على الحكومة في نيسان سنة 1957. بدت المظاهرات والاحتفالات التي تصدّرها البعثيون والقوميون والشيوعيون مبررا لخوف الملك من انقلاب اجتماعي على الطريقة المصرية. احتل الناس الذين كان يُظن أنهم مسالمون الشوارع! وحملوا الأحزاب التي كان يُظن أنها في الهامش الظليل! وظهر في الجيش ضباط تجرفهم حماسة الشارع العربي! فاضطرب بلد كان الإنكليز يعتقدون أنه مستقر! هل أثمر تحذير كميل شمعون وهمسه للملك؟ هل أوهمت الهبّة ضد الأحلاف والتضامن مع مصر أن المسألة تسليم القيادة العربية لناصر وجرف الممالك؟ في الأردن فرقة عسكرية سورية، ومقابلها فرقة عسكرية عراقية! فإلى متى تقبل إسرائيل وأصحابها ذلك؟ كان الكونغرس قد وافق في التاسع من آذار سنة 1957 على مبدا أيزنهاور. فشرّع بشكل ديمقراطي التدخل في البلاد العربية. فوصل مبعوثون أمريكيون ليحذّروا الحكومات العربية من النفوذ السوفييتي وينبّهوها إلى خطر سورية التي تقبل المساعدات العسكرية والفنية السوفيتية. رأى مبدأ أيزنهاور أن المنطقة العربية تعاني من الفراغ بعد هزيمة الفرنسيين والبريطانيين في السويس، ولابد أن تملأ الولايات المتحدة ذلك الفراغ. وكان مووز سفير الولايات المتحدة في سورية قد عبّر عن قلقه من نجاح البعثيين في الانتخابات الفرعية للمجلس النيابي، ومن اتجاه المجلس نحو "اليسار". أيدت حكومتا العراق ولبنان مبدأ أيزنهاور. لكن الشعوب العربية تظاهرت ضده وأنشدت "دالاس يادالاس، يابو الدسائس، مابيخوفنا الأسطول السادس". وبيّن بعض المسؤولين العرب أن التدخل في سورية غير مسوّغ وأن العرب يرون الخطر على العرب من إسرائيل لامن الاتحاد السوفييتي. أذاع الراديو السوري: الأمة العربية هي التي تملأ الفراغ. وأعلن إحسان الجابري، رئيس لجنة الشؤون الخارجية السورية في مجلس النواب السوري، أن: مبدأ أيزنهاور لن يحمي سوى المصالح الغربية واحتكار الغرب نفط الشرق الأوسط، ولايحترم طموحات شعوب المنطقة. وجه الملك رسالة إلى سليمان النابلسي أعلن فيها قلقه من "المدّ الشيوعي"، وأقال حكومته. فقال قيس: هذا ليس بعيدا عن الضغوط الأمريكية على حكومات المنطقة العربية! سيبدأ تطبيق مبدأ ايزنهاور! وقتذاك أعلنت الولايات المتحدة: "استقلال الأردن ووحدة أراضيه أمر حيوي" للأمن القومي الأمريكي، واتجه الأسطول السادس إلى المنطقة. فوصلت إلى قيس تعليمات: لاتبق في بيتك! فهجره قبل الانقلاب وسكن مع أبي قاسم. طلب الملك سحب الفرقة السورية الموجودة في الأردن. لماذا؟ هذه ضمانة فهل نسينا اجتياح إسرائيل سيناء؟ اتصل القوتلي بالملك مرات فلم يجبه. وعندما أجابه أعلن له أن قراره مسألة داخلية! في ذلك اليوم اجتمع طلاب الجامعة البعثيين في مقر الحزب في دمشق قلقين على الأردن. فقيل لهم اهدأوا، صلاح البيطار الآن في القصر الجمهوري يتباحث مع القوتلي، والقوتلي يتصل بالملك حسين. وسيأتيكم بالخبر اليقين عندما يرجع. كان زميلهم أبو العباس قد سافر إلى نابلس ليعرف الحقيقة بنفسه وسيعود في ذلك المساء. انتظر الطلاب ساعات ثم قرروا أن يجلوا عن مقر الحزب وينتظروا أبا العباس في مقهى من المقاهي. أتى أبو العباس متأخرا. ماالخبر ياأبا العباس؟ كان متفائلا! ماذا يستطيع الملك أن يفعل؟! رأيت بعيني لوحة طويلة عريضة في نابلس كتب عليها: كراج جمال عبد الناصر. لا يجسر أحد على نزعها من مكانها! ومثلها كثير! ضحك الطلاب، لكن ماالعمل؟ سيراقبون الأحداث في الأيام التالية! ماذا يستطيعون أن يعملوا؟! لاتقولوا ذلك! فالجامعة مركز يسند حكومة أو يهزّ عرشا! كان قيس منذ ثلاثة أسابيع سجينا في بيت سري في إربد مع أبي قاسم. تفادى القرب من النافذة. وتفادى تحريك ستارة. أصبحت حاسة السمع صلته بالعالم، وفقد الصلات الأخرى المتنوعة، صلة القدمين بالشوارع، والعيون بالفضاء، والجسم بالبرد والحر. فقد ملامسة الناس بالمصافحة. ولمس الخضار والفواكه في الدكان. والاستمتاع بواجهات باعة الحلوى. وتذكر هبات الحياة المتنوعة: الروائح التي كانت تهفّ عليه وهو يعبر البساتين والبيوت، عبق التراب بعد المطر، ألوان الحشائش والزهور، ألوان السماء الفاتنة، حركة الضوء في أوقات النهار وفي الفصول، نعمة انسياب الليل والنهار والشروق والغروب. كم تبدو الحياة باهتة دون حركة الإنسان في الأرض! هل دافع قيس عن نفسه فحشد الذكريات حوله وملأ بها البيت الذي أغلقه على نفسه كسجن؟ استعاد قريته البعيدة، ارتوى من ماء القسطل ومشى في سهل البطّوف. لمس شجر التين في طفولته. وسمع أغنيات أسمهان من "الفونوغراف". تذكر دمشق وليلى. ثم هرول إلى التفكير في الأحداث، وحلّلها مرة أخرى، وحاول أن يستشف نتائجها. لم يتساءل هل أنا على صواب أم على خطأ الآن. بل بدأ من ايمان متين بموقفه. لكنه شعر وهو يستعيد ماضيه القريب بأنه كمن يعزّل بيته قبيل الشتاء! يغسل جدرانه وأرضه ثم يرتب فرشه في مساحة نظيفة! سيقول قيس فيما بعد لأصحابه: كنت في ذلك البيت السري في إربد كأني في انتظار القدر! تنفست في عمق وقت فتحت الراديو فسمعت إعلان الأحكام العرفية ومنع التجول في صباح 7 نيسان. أليست مواجهة المصيبة أيسر من انتظارها! سمح للناس بالتجول بين الساعة الثالثة والخامسة لشراء إفطارهم في رمضان. فتش قيس جيوبه فوجد أربعين قرشا. ووجد مع أبي قاسم أكثر منها بقليل. كان أبو قاسم غير معروف في مراكز الشرطة، مع أنه كان على رأس الدبكات وقت إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية، ومشى في الشوارع وراء حَمَلة المشاعل في الليل وفي مقدمة الاحتفالات والمهرجانات. ولكن من لم يساهم في تلك الأفراح؟! قال له قيس: تعرف أبي، فاذهب إلى دكانه في فترة التجول. مخزن الحبوب على بعد عشر دقائق من هنا! قل له إني موجود معك وسيعطيك مالا ومؤونة! خرج أبو قاسم ورجع بخمسة دنانير وبعض الحبوب، وبالصحف الأردنية الصادرة في ذلك اليوم ومنها صحيفة "الدعوة" التي يصدرها الإخوان المسلمون. فتحها قيس على عرضها. ماهذا؟ في صفحتها الاولى بخط أحمر وحروف كبيرة: هؤلاء هم الشيوعيون والبعثيون الخونة! في الصفحة الأولى ثلاثة إطارات. في الإطار الأول صورة فوتوغرافية غير واضحة كتب تحتها: الخائن خالد بكداش في موسكو مع سكرتير الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وفي الإطار الثاني صورة رسالة كتب تحتها: رسالة الخائن أكرم الحوراني إلى الجنرال كاترو. وفي الإطار الثالث: قصيدة الخائن قيس.. طوى قيس الجريدة دون كلمة. وطبخ أبو قاسم مجدّرة من البرغل الموجود في البيت ومن العدس الذي أتى به من دكان أبي قيس. أكلا صامتين. قال أبو قاسم: كان يجب أن أشتري لبنا نشربه مع المجدّرة! لم يجبه قيس. مايزال مشغول البال بما نشرته الجريدة، مع أنه يثق بأن الناس الذين قادهم في المظاهرات ضد الأحلاف يعرفونه، ولايمكن أن يصدّقوا أنه كتب تلك الكلمات! شرب قيس فنجان الشاي، وقال لأبي قاسم: تعال ياأبا قاسم نتحدث الآن! الصورة الأولى فيها غبش، وتحتاج الى خبير يظهر إن كانت حقيقية. إذا كانت حقيقية فهي تسجل أن قائد حزب اجتمع مع قائد حزب آخر، ولذلك الاجتماع أسباب هو المسؤول عن الدفاع عنها. مع أني أعرف أن ميكونيس روسي أبيض، معاد للثورة! وستبين الأيام صحة رأي قيس يوم يؤيد ميكونيس العدوان على سورية ومصر والأردن في حزيران. وسيصبح ابن موشيه سنيه، افرايم سنيه، الذي كان سكرتير الشبيبة الشيوعية، وزير الصحة في حكومة بيرتز! وسيقول موشي دايان في تأبين ميكونيس: سيأتي اليوم الذي ستعرف فيه الحركة الصهيونية أية خدمات كبرى قدمها هذا الرجل لها! قال قيس: يشترط الموقف الصحيح من اليسار الصهيوني، وعينا. المسألة هل نصدّق هذا اليسار أم نفهم أن الصهيونية واحدة ذات وجوه وألوان! أما رسالة الحوراني إلى الجنرال كاترو فقد تكون مزوّرة مع أن الحوراني لم يكن وقتذاك اشتراكيا. فإذا كانت صحيحة فيجب أن تُفهم في سياقها وزمنها لأن الرجل حارب المحتلين الفرنسيين. أما هذه القصيدة المنشورة فهي قصيدتي حقا، وأنا الذي كتبتها! والحق مع من يتهمني، لأني أقول فيها لرجل يؤكد ضرورة عودة اللاجئين إلى وطنهم: خسئت! فينهض عرفان ويقبلني ويقول لي: هذه قصيدة تنضح بالأممية! وسأروي لك كيف حدث ذلك! في سنة 1954 جرت انتخابات نيابية زوّرت بشكل واضح. وكانت جماعتي تدعم في إربد رجلا وطنيا هو أحد المحامين الذين دافعوا عن عرفان عندما اعتقل وحوكم في سنة 1952. زوّرت الانتخابات بطريقة فظة. وعندما بدا التزوير وأفلت الغضب والصراخ في الساعة الحادية عشرة ليلا، جاء رجال الشرطة، ضربوني وسحبوني من مركز الفرز في البلدية إلى السجن. كانت المسافة بين البلدية وبين السجن لاتزيد عن عشرة أمتار. وفي الفجر نقلوني الى الجفر بالسيارة. فالتقيت بعرفان للمرة الثانية. في هذه المرة تعرفت بيعقوب. كان فراشي بجانب فراشه، ومقابلي فراش الدكتور عبد الرحيم بدر. لاتعرفه؟ رجل محبوب، واسع الثقافة، طبيب وأديب وناقد كتب كتابا في الفلك عنوانه الكون الأحدب، وهو الذي نبهني إلى روايات الكاتب الايطالي إغناسيو سيلوني الذي كتب فنتيمارا، والخبز والنبيذ، والبذرة تحت الثلج. هل عمّق الاعتقال الثاني شعوري بأن عرفان لايجسد المثل التي حلمت بها، وأن ظله أطول منه؟ ومع ذلك ألم أستر عن نفسي مخالفة الإجماع يومذاك لأن تلك المخالفة تساوي جريمة؟ ألم أحاول أن أقنع نفسي بأني كنت مخطئا في حدسي؟ أقام عرفان صلة جيدة بأحد ضباط المعسكر، فأمّن له الصلة بخارج الجفر. صار الضابط ينقل الرسائل من عرفان وإليه. وقد وصل مقال كتبه عرفان عنوانه "نهرو كلب حماية المصالح الاستعمارية في الهند". كانت آسية قد بدأت تنهض ومعسكر عدم الانحياز يتلامح ولنهرو مكانة مهمة في تلك المساحات، وكان موقفه من العرب جيدا. لذلك تأملنا المقال بدهشة وتساءلنا هل هذا خطأ أم هو نتيجة غربة القائد عن الأحداث؟ لابد أن العزلة منعت ذلك القائد من متابعة حركة الدنيا! ولم ينشر المقال الذي كتبه عرفان. في تلك الفترة ولد مشروع جديد لتوطين اللاجئين في البلاد العربية. وأتى أحمد الشقيري يدعو لتثبيت حق اللاجئين الفلسطينيين في وطنهم. قوبل هذا الرجل باحتجاجات بتحريض من الشيوعيين، وقيل لي إن الشقيري ضُرب في منطقة أريحا بالبندورة والحجارة، واتهم بأنه يدعو إلى تحرير فلسطين من المستوطنين ورميهم في البحر! فكّر ياأبا قاسم معي الآن، هل كان موقفنا صحيحا يومذاك من رجل يدعو إلى عودة اللاجئين إلى أرضهم، أم كان موقف الشقيري هو الصحيح! كتبتُ يومذاك في المعتقل، برومانسية "ثورية"، قصيدة بدأتها: قل للمبشر بالرجوع خسئت من متآمر.. سنعود لكن لاعلى أشلاء شعب آخر! في الجفر كان المعتقلون في برّاكات والمحكومون في برّاكات أخرى وبينهما شريط فقط. وكانت إدارة السجن تسمح للمحكومين بأن يتغدوا مع المعتقلين يوم الجمعة. فكانت أيام الجمعة لقاءات ثقافية يلقى فيها الشعر والنثر وما يترجمه بعضنا. قرأت تلك القصيدة في اجتماعنا يوم الجمعة بعد الغداء في الجفر. كانت أقدام المحكومين مقيدة بالسلاسل، فوقف عرفان ورفع قيوده بيديه وقبّلني أمام الجميع. وقال: هذه قصيدة تنضح بالأممية، وتشبه القصيدة التي حيى غوته بها نابوليون عندما هزم جيوش بروسيا. كنت شابا فتيا فكان تقدير قائد الحزب لي وعناقه وساما جديدا أضافه إلى أوسمته السابقة. لكني بعد سنوات تبينت ضحالة مفهوم عرفان عن الأممية وبساطة فكره. سرق اوكراني أو بولوني بيتي في فلسطين، فهل أعترف بما اغتصبه وأقول للشقيري خسئت؟! من حظي أن هذه القصيدة لم تنشر. يبدو أن جريدة "الدعوة" أخذتها ممن حفظها! وهذا درس يبيّن للسياسي أنه لايستطيع أن يرمي كلماته ثم يعتذر عنها! فسيحاسب على كل مقطع من حياته وعلى سياقها! "خسئت من متآمر، سأعود ولكن ليس على، أشلاء شعب آخر"؟ هكذا أكون سقطت في قرار التقسيم الذي اعترف للمستوطنين الذين وصلوا إلى فلسطين قادمين من أنحاء الأرض، بأنهم شعب! وأخالف العناصر التي تكوّن الشعوب في عصور بتاريخ وثقافة وبنية روحية وأرض! ويحتفي بخطئي قائد حزب علنا فيقول لي "قصيدة تنضح بالأممية"! وأقول عنها الآن: غباء، وخيانة! فهم أبو قاسم أن قيسا يتحدث إليه كمن يتحدث إلى نفسه. فهذه الأمور لاتبحث بهذه البساطة، في مثل هذا الوقت، والبلاد مشلولة بالأحكام العرفية، ورقبة قيس مشدودة بحبل من طرفين! قد تودي هذه الكلمات بصاحبها قبل أن تمسك به الشرطة! استنهض ذلك شهامة أبي قاسم. وتعلّم درسا من هذا الشاب الذي يماثله في العمر تقريبا، كان السوريون الرسميون أقدر على فهمه: في مسألة العلاقة بالصهيونية وإسرائيل كن مبدئيا وإياك أن تتأرجح أبدا! فهنا مقتل السياسي أو شرفه! لولا ذلك لما تزلف الحكام إلى شعوبهم بإدعاء أنهم أعداء إسرائيل! تجوّل أبو قاسم بين محطات الإذاعة وخفّض صوت الراديو. يحفظ أوقات نشرات الأخبار في المحطات العربية كلها. لكن هل يقدّر الحرّ أهمية الراديو كما يقدرها الآن هذان الرجلان المختفيان في بيت لاترفع ستائره؟ سأله أبو قاسم: مارأيك في فنجان شاي؟ كان يريد أن يعرف مقطعا آخر من حياة قيس. ولم يبخل قيس عليه به! وكأنه كان ينقّب في شكه ويقينه. أول مرة اعتقلت وضعوني في سجن إربد. كان ذلك في سنة 1951. بعدها اشتغلت فترة قصيرة جدا في عمان، في دائرة المياه والأراضي. وعشت في عمان. كنا أربعة في مجموعة: فائز ، وأنا، وعامل في محمصة اسمه خليل لاجئ من اللد، ومحمد. ذات يوم اتفقت مع العامل خليل على اللقاء في مكان معين ليناولني حصتي من النشرة لأوزعها. نزلت من مكان عملي في جبل اللويبدة في عمان ومشيت إلى سينما الزهراء. عند المفرق هناك كان سيعطيني رزمة الجرائد. ورأيته. جاء على دراجة، سلمني الرزمة واختفى. كان يفترض أن أنزل على الدرج إلى شارع الملك طلال. لكن الشرطة كانت تننظرني على بعد خطوات من مكان الموعد. أمسكوا بي والرزمة في يدي كما هي، وأخذوني إلى قيادة شرطة عمان. لم أضرب، لم يمسني أحد. أرسلت بالسيارة في الليلة نفسها إلى معتقل الجفر. لماذا لم أقدّم إلى المحاكمة مع أن الدليل الذي يحكم علي به خمس عشرة سنة موجود، حسب قانون المكافحة؟ استنتجنا في المعتقل أني لم أقدم للمحاكمة كي يستر الخائن فيبقى في مكانه في الداخل. هكذا وصلت الى الجفر أول مرة. لم أخفِ عن نفسي أني كنت سعيدا باللقاء بالقائد عرفان الذي اعتقل يوم دوهمت المطبعة التي كان فيها مع اثنين من القياديين وعامل مطبعة وقدموا الى المحاكمة. صدر الحكم عليه يومذاك بالسجن عشر سنوات وعلى الآخرين بسبع سنوات وثلاث سنوات ونقل عرفان إلى الجفر. وصلت إلى الجفر إذن كمعتقل لاكمحكوم. وبحثت جماعتي ظروف اعتقالي وسبب استبعاد محاكمتي. اعتقلت في زمن حكومة توفيق أبو الهدى. وكان في الجفر خمسون أو ستون معتقلا. سيسجل بعض المعتقلين في مصر والأردن والعراق فيما بعد مذكراتهم. وستبدو أيام الاعتقال مركزا في حياتهم. سيكسب بعضهم منها الحكمة والتأمل. ولن تتفادى مذكرات يعقوب تسجيل مايخسره المعتقل كإنسان من علاقات بزوجته وأولاده، مع ماخسره في ذلك المقطع من عمره. لكن المعتقل لن يهب التواضع للمتكبر بل سيزيده غطرسة. كان المحكومون مع عرفان رشيد، وعبد الله عامل المطبعة ، وجابر الذي سيهاجر الى بورتوريكو بعد خروجه من السجن سنة 1967، وعبد العزيز الذي سيبقى فترة طويلة قائدا. سيكبر ولدا يعقوب بعيدا عنه، وستصرف زوجته سلوى شبابها في العناية بهما. وستتحمل أحيانا قسوة الصهيونيين الحاكمين في البلاد الاشتراكية. سترى جارتها الايرانية تتزوج من رجل ألماني مقدّرة أن زوجها المعتقل في ايران لن يخرج من السجن حيا. وستنفر منها لأنها لم تخلص للمحبوب. ولن يكون لدى سلوى غير صورة صغيرة تضعها خلف زجاج خزانتها لتذكّر ولديها بأبيهما المعتقل في الجفر. نظم المعتقلون والمحكومون في الجفر أنفسهم في حلقات يناقشون فيها الوضع السياسي في الأردن والعالم العربي، وقرأوا مايكتبه عرفان في كراسات يتداولونها. قرأ قيس في إحدى الكراسات يومذاك دراسة عن تاريخ حركة التحرر الوطني الفلسطيني. قرأها مرة أخرى وأرِق في تلك الليلة. لم أستطع ياأبا قاسم أن أهضم ماكتبه عرفان! ذكر أن منظمات يهودية مثل شتيرن ساهمت بطرد الاستعمار البريطاني من فلسطين. من يجهل أن الانتداب نفّذ ماالتزم به في وعد بلفور فيسّر الهجرة الصهيونية ونقل الأراضي إلى المستوطنين، وسهّل تنظيم قوة عسكرية يهودية؟! نعرف كيف انسحب البريطانيون من كل منطقة في فلسطين ولمن سلّموها! وجدت نفسي أمام الأوهام التي نشرها اليسار الصهيوني ونقلها عرفان! لكن هل بقي عربي يجهل جرائم شتيرن؟! ربما بدأت من هناك بذرة الخلافات بيني وبين عرفان. لكن ماذا طمر ذلك؟ تقديس القائد وتنزيهه عن الخطأ، صموده في المعتقل؟ تحفّ بالقائد هالة من الثقة والاعتداد فتستر مايلتقطه حدسك، وتؤجل التفكير فيه. ويبقى خلافك معه في السر، ينتظر اليوم الذي يظهر فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود. ذات جمعة احتفل المعتقلون والمحكومون بعيد ميلاد عرفان، وقرأت قصيدة كتبتها لتلك المناسبة. لاأستطيع أن أتذكر بيتا من تلك القصيدة. كأني ضيّعت المكان الذي طمرتها فيه! أذكر أنه أعجب بها فقام وعانقني وقبّلني وشكرني. في أيام تلك الرومانسية كانت قبلة القائد وساما من بطل وطني. فمرّت فترة لقبوني فيها بالمدلّل. مدلّل؟ اعتقلت قبل تشكيل المنظمة وكانت قصائدي على لسان الناس، ليس لأنها تحف فنية وإنما لأنها قريبة من قلوبهم. ومايزال أبناء جيلي حتى اليوم يحفظونها. قصائد لاتوجد عندي حتى أني فكرت بنشر إعلان أطلب فيه ممن يحفظها أن يرسلها إلي. خلال اعتقالي، مات ستالين في آذار سنة 1953. كان ستالين وقتذاك يعني انتصار الاشتراكية في الحرب العالمية الثانية! اجتمعنا في يوم الجمعة، يوم لقاء المحكومين بالمعتقلين، في احتفال تأبين، وألقيت القصيدة التي كتبتها عن ستالين. كان الطقس باردا جدا في ذلك المعتقل الصحراوي، وكل منا يلتفّ ببطانيته. ألقيت القصيدة فقام عرفان وعانقني وقبّلني. وكان ذلك وساما آخر يعلق عليّ! كنت أستطيع أن أتيه بأوسمتي حتى يسمع رنينها في عمان! لكني تبيّنت أن الولاء للقائد لاللمبدأ هو الثمن الذي يدفع عادة. نعم، الولاء لشخص! وكأنما المسالة ليست حقا وباطلا أو صوابا وخطأ، بل هات وخذ! قلت لنفسي هذا ليس صالونا اجتماعيا بل مكان وطني، وليس ملكا شخصيا حتى لقائد حزب. الجميع سواسية أمام معيار الحق والباطل! هل كنت مخطئا ياصديقي أبا قاسم؟ سأله أبو قاسم: لماذا تعذّب نفسك؟ أفد من هذا السجن الاختياري ونم! ماأبعده عن النوم! هل يكفينا السكّر؟ فلنشرب إذن كأسا أخرى من الشاي! بقيتُ يومذاك أربعة أشهر في الجفر انتهت بالعفو العام باعتباري غير محكوم. استقالت يومذاك وزارة توفيق أبو الهدى وأتى فوزي الملقي وكان قريبا من الحركة الوطنية فشكل الحكومة وكان فيها شفيق رشيد وزير العدل فصدر عفو عن المعتقلين غير المحكومين فخرجت. لكني في تلك المدة القصيرة من الاعتقال أخذت السل الرئوي، وبدأت أنزف، فذهبت لأتداوى في دمشق. تناولني سليمان وكان قد خرج من السجن في تدمر. أخذني إلى أستاذه بشير. وضعت في غرفة في آخر الممر في الطابق الثاني في مستشفى الغرباء، تطل على مآذن التكية الرشيقة وعلى النخل والأشجار. وكان يعودني مع صديقه فوزي، طالب الطب، وأصحابه الأطباء كل يوم! سرح أبو القاسم في ذكرياته، هو أيضا. رجع إلى فلسطين. هل ينقّب هو أيضا في الأحداث ويقلب الترتيب المعتمد الذي وضعت فيه؟ هاهو في سنة 1943 يرى حركة عمالية أسسها العمل في ثكنات الجيش الانكليزي. لن يناقش من يسأله: وهل تنشأ طبقة عمالية في حضن ورشات موقتة إنكليزية! فهذا هو التحليل المعتمد! كان بعض الضباط الإنكليز ماركسيا فنقل أفكاره إلى مأموريه، ورأى أن ذلك مساهمة في نشر الوعي بين الفلسطينيين. كان فهمي، الذي أصبح قائدا فيما بعد، عامل مطبخ في إحدى الثكنات، والضابط الانكليزي المشرف عليه من اولئك الماركسيين. أما عرفان الذي تحدث عنه قيس فمن الناصرة. كان في سنة 1936 قائد فصيل في الخليل وبيت لحم. قرّبه الحاج أمين الحسيني ليؤكد وحدة المسلمين والمسيحيين في الانتفاضة على الإنكليز. اعتقل فيما بعد في عمان وأفرج عنه في أيام حكومة النابلسي. يتذكره أبو القاسم ويضيف إلى صفاته التي لم يتحدث عنها قيس ولعه بالاستعراض. ويقول لنفسه: هو ابن طريقة في السلوك يبدو أنها كانت سائدة في الاتحاد السوفييتي. يحب أن يُرهب من حوله ويفترض أن يعلنوا الولاء له. وإلا فهم ضده. يذكر أبو القاسم أن عرفان كان يعارض تأسيس حزب فلسطيني. دعي الطرفان يومذاك إلى الاتحاد السوفييتي لحل المشكلة. فتكتم عرفان على الدعوة وسافر وحده، وفسر المسألة للسوفييت كما يريد، وأخذ موافقتهم على ألا يشكل حزب فلسطيني! وماالسبب في انفصال الحزب الأردني عن الفلسطيني؟ السبب أن في هذا يهودا وذلك يعزله عن الجماهير العربية، صاحبة الأرض! فهل يضيف أبو القاسم هذه المعلومات لقيس؟ بعد ثورة سنة 36 لجأ عرفان إلى العراق. فهل أفاد من الحركة الوطنية الناضجة هناك، أم أضاف تلك التجربة إلى أمجاده الشخصية التي استند إليها ليقهر خصومه؟ حمل الروح الوطنية إلى تلك المجموعات، نبيه الذي درس في كلية الطب في دمشق، ويعقوب الذي درس في الجامعة الأمريكية في بيروت. فهل يبوح أبو القاسم بما يقوله بينه وبين نفسه: لولا انقلاب الأوضاع لكانا مقابل عرفان. جمع أبو القاسم حوادث حياته من ذلك الصراع. وسجل مظاهرة نابلس الكبرى التي نظمتها عصبة العمل الفلسطيني ضد ضم الضفة إلى الأردن، واستشهد فيها روحي الكيلاني. أمر الملك يومذاك بأن يأتوه بالمتظاهرين تجرّهم أذيال الخيل! كانت الخيل من خلف المتظاهرين، وأمامهم النهر. طلب الشهيد نقطة ماء فمنعوها عنه. وكأنما تكررت حكاية المصلوبين على أسوار دمشق الذين كانوا يرجون قطرة الماء فلايجسر المشفقون عليهم أن يقدموها لهم. قلّب أبو القاسم صفحات حياته، لكنه لم يتبين أنه يقلب صفحات عامة وأنه دون حياة خاصة. في سنة 1949 علّم أبو القاسم في عجلون. وفي سنة 1950 انتقل إلى الفحيص قرب عمان وتعرف فيها بأستاذ أردني قادم من لبنان. ودار معه بعرائض ضد القنبلة الذرية فالمطلوب كان يومذاك جمع ملايين التوقيعات على تلك العرائض من العالم لإحراج الغرب. ولاقى أسئلة الناس: مادخلنا بالقنبلة الذرية؟ هات لنا شيئا ضد إسرائيل فنوقع عليه! اندفع اولئك الناس معه في المظاهرات ضد حلف بغداد، ولتعريب الجيش الأردني. وهاهو يستعيد انتخابات 1956 فيراها كاحتفال شعبي. نجح الوطنيون وأصبح النابلسي رئيسا للحكومة، وأسس الحزب الوطني الاشتراكي. يالتلك الأيام المجيدة! الاتفاقية التي جمعت بعد حرب السويس مصر وسورية والسعودية والأردن، المساعدة العربية للأردن بدلا من المساعدة البريطانية، أبو نوار والضباط الأحرار بدلا من غلوب والضباط الإنكليز. عاشت تلك الحكومة الوطنية سبعة أشهر تقريبا! أقال الملك الحكومة، وسجن النواب. شملت الاعتقالات الضفة والأردن. وقيل إن عدد المعتقلين بلغ الآلاف. لماذا لم يقاوم أبو نوار والضباط الأحرار ذلك الانقلاب؟ ألم يروا هبّة الشعب ويفهموا أن الشارع وطني، وكثيرا من رجال الجيش وطنيون؟ ألم يروا في سنة 1956 المظاهرة التي احتفت بتعريب الجيش؟ في نابلس حمل الناس سيارة الملك على الأكتاف! كانوا يشكرونه لأنه لبى طلبهم فأقال غلوب. واستقبل قوات سعودية وسورية وعراقية في الأردن. لكن أبا القاسم سيساهم فيما بعد في مغامرة فاشلة. سيلبس ملابس عسكرية ويركب سيارة عسكرية، ويحاول أن ينظم انتفاضة مسلحة، قبل انسحاب القوات السورية من الأردن. وسيتوهم أنه ضيع فرصة إسقاط النظام الملكي، لأنه كان يملك شرطيّ النجاح: الجيش الوطني والمدّ الجماهيري. ولن يفكر في محيط تلك الانتفاضة! وسيتابع المغامرة من دمشق بعد الوحدة. فيساهم في مشروع "ثورة مسلحة" بمجموعات تتدرب على السلاح وتتسرب إلى الأردن. ولن يفكر في أن تلك المغامرة التي استندت إلى ولاء اولئك الأشخاص ونبلهم لعبت بمصائرهم. سيعود أبو القاسم بعد حرب حزيران إلى الأرض المحتلة. سيمشي ست ساعات مع زوجته، وابنه على ظهره. سيقطع النهر حيث الماء إلى الركبة. لكن الاسرائيليين سيلتقطونه وسيعيدونه من الغور الشمالي. في المرة الثانية سيحاول العبور من المكان الذي جرت فيه فيما بعد معركة الكرامة، من الغور الجنوبي، مع أن النهر هناك عميق حتى أعلى الصدر. وسينجح في الوصول إلى الضفة وسيبقى فيها حتى حرب تشرين. وسيبعده الإسرائيليون عن وطنه سنة 1973 في ذكرى إعلان حقوق الانسان. سيمشي مع المبعدين ساعتين وسيلتقطهم المخفر الأردني، ثم سيستقبلهم مدير المخابرات، ثم مسؤول آخر ثم الملك. وسيتمنون: ليت الحكومة الأردنية لم توافق على استقبالنا. وسيرتبون مظاهرة إعلامية مع وكالات الأنباء في عودتهم إلى الجسر ويعطلون حركة السير. لكن الأوامر ستنفذ بإعادتهم قسرا. سينزلون ضيوفا في فندق من الدرجة الأول. ثم سيسافرون إلى دمشق حيث سيلتقون بالسفراء العرب، وبرئيس الجمهورية مدة أربع ساعات ونصف. وسيستقر قسم منهم في دمشق، ويرحل الآخرون إلى لبنان. هكذا طوي مقطع من حياة قيس وبدأ آخر بسقوط حكومة النابلسي. كان قيس قد عاد من سورية بعد طرد غلوب واستمتع بالفترة الذهبية التي تسمى فترة المدّ الشعبي. يومذاك استلم علي أبو نوار قيادة الجيش، في 24 أيار سنة 1956، الضابط الذي حارب في فلسطين، عضو لجنة الهدنة في رودس، ياور الملك. وشكلت قيادة عسكرية مشتركة سورية مصرية أردنية. وبدأ التحضير للانتخابات. وخلال الانتخابات حدث عدوان على قلقيلية في 10 تشرين الأول. وصل اللواء عامر لتفقد القيادة المشتركة. وأسقطت اسرائيل الطائرة المرافقة له في طريقه إلى دمشق. بعد زيارة عامر والاعتداء على قلقيلية طلب علي أبو نوار من الملحق العسكري المصري أن تتوقف الأعمال الفدائية من الأردن إلا بعد إذن السلطة الأردنية. في الانتخابات رشح في إربد فائز صديق قيس، لكنه لم ينجح. لكن التجمع الوطني فاز في الانتخابات وشكلت وزارة النابلسي في 17 تشرين الأول سنة 1956. في كانون الأول سنة 1957 قبل النابلسي مساعدة مصرية سورية سعودية بدلا من المعونة البريطانية. وفي آذار أعلن نهاية المعاهدة البريطانية الأردنية. كان ذلك هو الزمن الذهبي. لم يسجن فيه قيس! ولم يلتق به أبو صالح، مدير السجن، حتى في الطريق. سأل عنه أباه فأجابه أبو قيس: وأنا أيضا لاأراه! في ذلك الزمن الذهبي وصلت ست باصات من الجامعة السورية، استقبلها النواب الأردنيون في عمان والقدس ونابلس، ألقيت الكلمات وقصائد الشعر، وحُملت الأكاليل إلى قبر رجاء أبو عماشة. وفي نابلس قُدمت صواني الكنافة النابلسية للضيوف، وألقت فدوى طوقان قصيدة. زار الطلاب أسواق القدس العتيقة، تفرجوا على جدار وأسلاك بين القدس الشرقية والغربية، وتأوهوا: الاحتلال! زاروا المسجد الأقصى، ووقفوا لتلتقط لهم صور تظهر فيها قبة الصخرة المذهبة. لم يوفق قيس في لقاء أصحابه! وصل إلى عمان عندما أصبحوا في القدس، ووصل إلى القدس عندما انتقلوا إلى بيت لحم. في نيسان سنة 1957 انتهى ذلك الزمن الذهبي عندما أعلن الملك عن مؤامرة نظمها علي أبو نوار، وعزله. أقيل النابلسي وشكلت حكومة سمير الرفاعي. أعلن أيزنهاور أن الشيوعية العالمية تهدد استقلال الأردن الحيوي لمصالح أمريكا، وتحرك الأسطول السادس إلى المنطقة. وبدأ أبو صالح ينتظر عودة قيس إلى السجن. لكن قيسا لم يعد إلى السجن. لبس ملابس ضابط سوري، ونقلته معها القوات السورية المنسحبة من الأردن. فوصل إلى دمشق في يوم ميلاده. والتقى بصاحبه الجامعي فهد في مقهى الكرنك. خلال ساعة استأجر غرفة في الحبوبي، ومشى مع فهد ليقابل عرفان. "استدعيناك لنرسلك في الوفد الذي سيمثلنا في مهرجان موسكو للشباب في هذا الصيف. لكن جدّت أمور جعلتنا نريدك لأمر آخر أهم من ذلك. اكتب لنا أسماء من تثق فيهم، وتثق بأنهم يستطيعون أن يكلفوا بمهمة. واسترح حتى نطلبك". سجل قيس في رأس من يثق فيهم صديقه فائز، زوج هند. طافت ذاكرته في القرى والمدن من جرش إلى قرى إربد، لينتقي أشجع أصحابه وأفضلهم. هل كان يدري أنه يقدّمهم إلى المعتقلات؟ كان ينفذ أمر القيادة! وكان احترام السرّ لايسمح له بالسؤال لماذا! في ذلك الصباح نزف دما. فقصد صديقه نبيه. أخذه نبيه إلى الدكتور بشير. فحصه، وصور رئتيه، وقرر له أن يدخل المستشفى: هل تتصورون أنكم يمكن أن تنتصروا على الاستعمار والرجعية والتبعية دون صحة؟! كيف تهملون صحتكم إلى هذا الحد؟! حجز له الدكتور بشير في المستشفى الوطني غرفة في آخر الممر في الطابق الثاني. الغرفة نفسها التي نزل فيها يوم أتى إلى دمشق بعد سجنه في الجفر. يطل منها على شارع الجامعة والتكية السليمانية ومدى أخضر من بساتين دمشق يصل إلى جبل قاسيون. وتعنى به ممرضة حلوة من صافيتا اسمها ازدهار. كان المستشفى بناء من طراز عثماني دمشقي، سقفه من القرميد، في أعلى واجهته لوحة بالتركية المكتوبة بالعربية تسجل سنة إنشائه في أيام السلطان عبد الحميد، ستنتزع بعد عقود وقت الترميم. أمام بوابته المركزية المغلقة، بين درجين يلتقيان في الأعلى، لوحة من الحجر منقوشة بالتركية المكتوبة بأحرف عربية فوق سبيل ماء. كم من الغرباء قبل قيس عبروا هذا المستشفى بعيدين عن بلادهم الممتدة في طول الامبراطورية العثمانية وعرضها! كم منهم مات ودفن في قبور غريبة! كان المستشفى إلى زمن قريب يسمى مستشفى "الغرباء". لعل قيسا كان أكثر عابريه حظا، بأصدقائه الأطباء الذين يعنون به، وبممرضته ازدهار. لكن قيسا لن يشعر بطيف الجنود الذين ماتوا فيه غرباء عن مدنهم البعيدة. أما ليلى فستبدو كمن لايرى إلا ظاهر ذلك البناء الجميل، المحاط بحديقة وأشجار. وستوحي لمن يرافقها وهي تعبره بأنها تراه مقطعا من شارع الجامعة، تمرّ به معجبة بالنخيل الذي يتقدمه، جاهلة ماضمّه من تعاسة. ولن يخمّن أحد أن الألم ينسلّ إلى قلبها كلما مرت بالمستشفى، مع أنها لم ترافق أمها لترى فيه معتصما آخر مرة مغطى بشرشف مبقع بالدم. ويوم يعرف عمر من منور كيف قتل معتصم وأين رأته منور آخر مرة، سيخيل إليه أنه يلمح غصة ليلى وهي تمرّ بذلك المستشفى. لكنها ستلتفت إليه صافية الوجه وتقول كمن يردّ عليه: أشعر بأني أملك هذا المكان كله كما تملكه هذه النخلة! وسيفهم أنها تغلب أساها بتلك الحكمة! وسيشفق عليها لأنه سيتبين أنها لاتستطيع أن تمرّ بذلك المستشفى أبدا دون أن تلتفت إليه كمن يبحث عن طيف عزيز. وسيتساءل بعد عقود هل تقصد ليلى ذلك المكان في المساء كي تستمع إلى صخب العصافير التي تعشش في شجر الكينا في حديقة المتحف، ولأنها تحب الهدوء في باحة التكية، أم لأنها تحاول أن تعيش ساعات بين الأطياف! طوال شهر تجول قيس في الممر الطويل، أطل من النافذة، استقبل الدكتور بشير وصديقه نبيه، رسم معهما صورة الحاضر والمستقبل القريب. وانتظر خطوات ازدهار. كانت تلوح له من آخر الممر بثيابها البيضاء رشيقة وأنيسة. وخيل إليه أنه أحبها. وفهمت هي أنها تستهويه. فمشت معه في حديقة المستشفى المتصلة بحديقة كلية طب الأسنان. توقف أمام مدخل الكلية. فسألته ازدهار: تعرف أحدا هنا؟ لا! هل تصور أنه سيلمح نعمت ذات القامة السويدية التي حدثه عنها مرة صاحبه فهد؟ خيل إليه أنها يجب أن تكون واقفة هنا في انتظار حبيبها، كما تقف هذه الأشجار وهذا البناء! نظر إلى حديقة الجامعة المقابلة التي تلامحت له عن بعد. أيمكن أن يصادف ليلى؟! كانت نافذة غرفته تحيط بمئذنتي التكية الرشيقتين، وبمدفن آخر أحفاد سلاطين عثمان فيها، وتعبر أشجار المتحف الوطني، وتصل حتى قاسيون، لكنه لم يلمح ليلى أبدا في أية مرة رصد فيها طريق الجامعة. خيل إليه ذات مساء أنه رآها وسمع صخب قلبه في أذنيه. ثم تبين وهمه. وعزّى نفسه: سيبحث عنها وقت يتحرر من المستشفى. سأل قيس الدكتور بشير: سأشفى تماما؟ ستشفى. لكني لن أغشك. ستظل هذه نقطة ضعفك! أشار الدكتور إلى صدره. فابتسم قيس. نعم، يادكتور! هنا مركز ضعفي! وأشار إلى قلبه. ردّ بشير: لاتغشني وتغش نفسك! انتبه إلى رئتيك، وإياك أن تدخن! وضع نبيه على الطاولة الصحف التي حملها لقيس، وكيسا فيه فواكه، وهزّ رأسه يائسا: قيس يترك السيجارة؟ مستحيل! فاحت في الغرفة رائحة تفاح تنفسها قيس في متعة: تفاح الشام! لكني كمن انتقل من الحدود إلى المستشفى دون أن يرى الشام! نعم، كم الشهر طويل لشاب محبوس في رقعة محدودة ولو كان سياجها الشجر! وكم هو قصير بين الناس في المدينة! لكن الشهر مرّ أخيرا! خرج قيس من المستشفى. ونسي أنه كان ينزف، ونسي ذلك أصحابه أيضا. انساب في الحياة في دمشق. كتب مقالة يومية لإذاعة سرية موجهة إلى الأردن. أكل في المطاعم. زار الجامعة وبحث عن ليلى. سهر حتى الثانية بعد منتصف الليل. شرب ودخن. جلس في مقهى الكرنك في النهار وقابل القادمين من بلده. وأخيرا استدعي إلى بيت "سري". وصل إذن بعض الذين سجل أسماءهم لعرفان! والهدف تنظيمهم وتدريبهم وإعادتهم إلى الأردن ليقوموا فيه بثورة مسلحة. هل فوجئ قيس بذلك المشروع؟ كاد يصرخ: عرفان مجنون! لكن هل يستطيع ذلك؟ وجد نفسه بين الشباب الذين رشح أسماءهم لعرفان، يخرج مثلهم في مجموعات صغيرة كل صباح إلى مواقف في طريق الربوة، تمرّ بهم سيارات عسكرية فتلمّهم وتوصلهم إلى المزة. هناك يتدربون على رمي القنابل واستعمال السلاح. رمي، زحف، استراحة واستعداد.. طوال أسابيع التدريب منعوا بعد عودتهم من الرمي من الخروج من البيوت التي أسكنوا فيها. بعد نهاية التدريب عاد قيس إلى غرفته في الحبوبي في انتظار "الثورة المسلحة"! وعرف أن مجموعات أخرى وصلت إلى دمشق! لم تعجبه غرفته. من مقهى الكرنك الذي ينقسم إلى جناح للاجئين السياسيين العراقيين، وجناح للاجئين السياسيين الأردنيين، خرج مع طارق العراقي إلى بيت الأرملة. قال لها طارق: رفيقنا قيس! مثلي لكنه أردني! رأى قيس الغرفة التي سيقيم فيها. قرب الباب، في أول ممر يصل إلى أرض دار صغيرة فيها بركة ماء وشجرة مشمش هندي. غرفة واسعة تطل على الطريق بنافذتين، فيها سرير وديوان وخزانة وطاولة. لايحلم بأكثر من ذلك! سيعرف فيما بعد أن عبد القادر اسماعيل، الذي سيعدم في قصر النهاية في سنة 1963، أقام ذات سنة في تلك الغرفة! كان يجب أن يسجل قيس في وزارة الداخلية كلاجئ سياسي، ويأخذ راتبا. لكنه تفادى ذلك بالعمل في الإذاعة السرية الموجهة إلى الأردن. فكتب مقالة يومية يسجلها في الصباح في بناء في المهاجرين يعمل فيه عصام حماد ومحسن أبو ميزر، وينقل منه الشريط ليبث من حوران. ثمن كل مقالة خمس عشرة ليرة. مبلغ ممتاز! يستطيع قيس أن يعيش في سعة. فيتغدى في مطعم الريّس في بوابة الصالحية، ويتعشى في مطعم سقراط في جسر فيكتوريا، أو بريمو في البارلمان. سينفق على النساء اللواتي سيعرفهن، سيدعوهن إلى مقاهي دمر والقصاع، وسيدلّلهن بهداياه. وسيبدو منفاه أكثر سعة ومتعة من بلده. وكم دمشق حلوة! ومع ذلك كان يجب أن ينتظر "الثورة المسلحة" التي لايؤمن بها! عندما وصل قيس إلى دمشق كان محملا ببعض المغامرات السرّية، وذكريات الحب الذي يومض كالبرق وينزل كالصاعقة في أيام الصبا. وكان قد ذاق اللوعة في الهوى. كان ذلك قبل الخطأ الذي تحدث عنه في رسالته. في الأيام التي سميت أيام المدّ الشعبي، كان مشغولا طوال اليوم. لكنه لم يكن يفرّط بمتع ضرورية، منها العلاقة بالنساء. وكان يحب أن يصوغ بذوقه مايتداوله أصحابه ببساطة. لولا تلك الصياغة ماالفرق بين الإنسان والقطة أو العصفور؟! نفذ ماقاله له أبوه ذات يوم: "خذ هذا المال وانفقه! اعرف الحياة"! وكان أبوه يقصد يومذاك: اعرف النساء! لكن قيسا لم يصل كلام أبيه بصيغه المعقدة عندما قال لصاحبه: بالنساء نصل إلى عمق اجتماعي لايمكن أن نلمسه دونهن! نتعلم كل شيء من النساء. لكن النساء البريئات جاهلات. أما الساقطات فيطّلعن على أرواح رجال متنوعين، ويدخلن إلى أسرار الشرائح الاجتماعية. وسّع قيس صياغته فيما بعد عندما انتقل إلى دمشق وبيروت وبغداد، ثم من قارة إلى قارة، فصار يقول: اللغة تحت ملابس المرأة! في الأيام التي سميت أيام المدّ الشعبي، كان يجلس مع صاحبه في المقهى، عندما دخل من الباب الرجل الذي يمرّ بالمقهى ليؤمن للراغبين امرأة. فسأل قيس صاحبه: مارأيك؟ ونادى الرجل واتفق معه. أين؟ متى؟ ينتظره في البستان قرب.. على كتف.. قبل.. بعد!.. المكان موصوف في دقة! وإن يكن في الهواء الطلق، تحت الأشجار! ماأبعد صياغات قيس عن هذا المستوى الشعبي! لابأس! يجب أن يلبّي الرجل حاجته! ألا يأكل الجائع، ويشرب العطشان؟ متى شعر قيس بهذا الجوع؟ وقت رأى امرأة جميلة أو مكتنزة في الشارع؟ وقت كان جالسا في اجتماع وفتحت الباب امرأة قدمت القهوة؟ وقت وقف قرب نافذته ولمح في البيت المقابل شابة تزهو بصباها وتغري به من بُعد؟ ذهب مع صاحبه إلى الموعد. فليكن! رجلان يرويان حاجة بهذه الطريقة كيلا تسجل عليهما مآخذ تحسب على قوى سياسية! بعد لحظة وصل إلى البستان رجل يحمل على ظهره امرأة. دهشا! هل هي مقعدة؟ أم يدلّلها قبل أن يسلّمها إليهما؟ لن يسألاه ولن يعرفا الحقيقة أبدا! تناول الرجل المال، ترك لهما زوجته، وغاب خلف سياج الصبار. من منهما أولا، قيس أم صاحبه؟ قدّم أحدهما الآخر، كما يقدّم الرجل صديقه وقت الدخول من الباب إلى المضافة أو إلى زيارة ما: تفضل، أنت أولا! الفرق بين مايأخذه الأول ومايجده الثاني ثانوي هنا. لايهتمان بالتفاصيل. المهم أن ينتهي كل ذلك بسرعة! ابتعد قيس عن صاحبه إلى المرأة الملقاة تحت الشجرة. ثم أخذ صاحبه مكانه تحت تلك الشجرة نفسها. انتهى ذلك بسرعة. بحثا عن زوج المرأة خلف سياج الصبار. ووهبه قيسا مالا إضافيا. مسكين! سيعطي هذا الزوج بعض ماأخذه للوسيط الذي يقصد المقهى بحثا عن زبائن! قال قيس: ياللفقر! وبعد خطوات لم يعد أي منهما يتذكر ملامح تلك المرأة. ولم يخطر لأي منهما أنه ساهم في تجارة البؤس. بل بدا أمام نفسه كمن يدفع صدقة لشحاذ أو يستخدم شابة ستستخدم عند غيره إذا لم يقبلها في بيته. يربح تاجر القمح على حساب الفلاح، يأخذ صاحب المطحنة أجره من تاجر الطحين، ويضيف تاجر المفرّق أتعابه إلى ثمن كيلو الطحين، يحسب أجر مخزنه ويحسب الربح الحلال ويتجاوزه في أيام القحط إلى مايفرضه العرض والطلب. هذه السلسلة ليست طويلة هنا! هنا سمسار وزوج وزوجة. ولكن ماذا يصل من تلك القروش إلى المرأة؟ فكر قيس بما يتجاوز ذلك بعد عودته إلى البيت. ماذا يمكن أن يحدث لو ضبط هناك؟ لو عرف من يقتفي أثري أني ذاهب إلى امرأة، والتقط لي صورة وأنا معها تحت شجرة ثم دفع الزوج إلى اتهامي بالاعتداء عليها! هال قيس الأمر واحتشدت حوله العفاريت. مع أنه كان في تلك الأيام كثير الحركة، كثير العمل، يحمل المدينة وقراها على كتفيه، ولم يكن لديه متسع للهواجس. ماالعمل إذن؟ نفذ قيس مبادئ التنظيم كما جاءت في الكتب الثورية، وكما نقلت إليه. "الانتقاد الذاتي" ضرورة! سيعرض خطأه ويستمع إلى مناقشة تتقصى أسبابه، ليمنع تكراره فيحمي الفرد والمجموعة. "خلال الانتقاد الذاتي، أيها الأعزاء، يثقف الإنسان نفسه، ويثقف المجموعة. نأتي إلى المنظمات حاملين معنا أوساخ مجتمعنا. في المنظمة نعيد تثقيف أنفسنا ونقوّمها بالفكر الثوري"! طبق قيس ذلك على نفسه يومذاك! جلس وكتب رسالة طويلة وصف فيها انزلاقه إلى رجل المقهى، وخروجه إلى الموعد في البستان، ولقاءه بالمرأة المسكينة، واشتراكه مع رفيقه باستغلال بؤسها. "لكني يجب أن أوضح أننا لم نتصل بالمرأة معا في وقت واحد"! مع ذلك، لم يستغل قيس بؤس المرأة، فقط، بل تهاون في "اليقظة الثورية" التي تفترض انتباهه إلى الأخطار الممكنة في علاقة تحت السماء! في نهاية الرسالة طلب قيس من اللجنة التي وجه إليها رسالته، أن تنزل مرتبته وتسحب منه المسؤولية لأنه لايستحق ذلك الشرف! نفذ قيس مهماته في دقة وحماسة طوال أسابيع وهو ينتظر البديل الذي سيأخذ منه مكانه. لكن الردّ على رسالته لم يصل، ولم يأت البديل عنه! قال لنفسه سأنتظر أسبوعا آخر! التقى صدفة بفهمي فطلبه لحديث خاص وخرجا معا. لم تجيبوني على رسالتي! أية رسالة؟ الرسالة التي انتقدت فيها نفسي! ضحك فهمي: هل ترى من المناسب أن تشغل القيادة بأمور تتعلق بجسمك؟ انس الرسالة! بين قيس وبين هذا الرجل سنوات العمر، والخبرة، ومايبيحه مركز القائد من معرفة الأسرار وتحليل الأحداث، والصلة بالمنظمات الأخرى وبالسياسيين الآخرين، والصلة بدولة عظمى وماتكشفه من معلومات تجمعها بأجهزتها المتنوعة فتحيط بالوضع العالمي أكثر من إحاطة منظمة محلية به، وتقدم النصح أو الآراء التي تؤهلها لها تجربتها الغنية الطويلة والآلام التي عبرتها!هذه القيادة التي تشترك مع دولة عظمى في الايمان بنظرية واحدة قرأت رسالة قيس، ووضعتها جانبا! يجب أن يفهم إذن أنه لم يخطئ! في دمشق نضجت واقعية قيس وبددت حتى قداسة عرفان. من تفاصيل تلك الواقعية أن السياسيين في الأحزاب الطليعية وغير الطليعية، يمكن أن يمارسوا مايمارسه رجال بلادهم. لايدان أحد على ذلك! في دمشق التي لم يكن قيس يعرف مساربها، قال لرفيقه فهد الذي استقبله يوم وصل الى مقهى الكرنك وأوصله إلى عرفان: أريد امرأة! رافقه ذلك المقيم في دمشق، الخبير بالبيوت المناسبة، إلى بيت في الشعلان. طرق الباب طرقات معينة ففتحته امرأة كهلة. وضّح الشاب لقيس: في البيت نساء متزوجات وعذراوات، يداومن ساعات يوميا. لكل منهن ثمن يناسبها. حاسب "الحاجة"، واختر امرأة من النساء المصفوفات في الصالة! في بيت الشعلان انطلق قيس على هواه. لم يكن يحب أن يحبس نفسه بوقت محدد! فحاسب "الحاجة" بما تقدّره لذلك. وهناك بدأ يصوغ عاداته في المقدمات الطويلة، والحديث مع النساء عن حياتهن. في تلك المياه الراكدة جرى في مجرى خاص. وصار يدفع للمرأة التي تطربه فوق مادفع "للحاجة": لكِ! كان في سعة يفيض منها على النساء اللواتي يستهوينه. يعرف أنه لايلمس الروح، وأن الحب مفقود هناك، ولكن في الزوايا المعتمة قد توجد المودّة. يمكن الاستلطاف على الأقل في هذه العلاقة التي تقرب بين اثنين أكثر مايكون القرب وهما متباعدان أكثر مايكون البعد! لذلك نفر قيس من صاحبه يوم ارتفعت الأصوات، فلبس ثيابه وخرج ليعرف الخبر. فوجد صاحبه يتشاجر في الغرفة الأخرى مع المرأة التي اختارها! رفيقك يدعي أنه.. يريد مرتين بثمن مرة! هدّأ قيس المرأة و"الحاجة". انصرف صاحبه وحاسب قيس عنه الحاجة والمرأة. تنضج البيوت السرية الرجل! تنضجه النساء حتى في حضيضهن! ألا يكشفن له العلاقات الإنسانية والاجتماعية المعقدة؟ العلاقات بالأزواج الذين يقتّرون عليهن أو يحتاجوهن؟ الرغبات المقموعة، الأوضاع المزيفة والرياء والنزوات؟ من النساء من ينتظرها زوجها. ومنهن من سيصادفها قيس مع زوجها في مخزن كامرأة وفيّة. منهن شابة فقيرة كان أحد أصدقاء قيس يحبها ويحلم بأن يخطبها عندما يتخرج من الجامعة فيجرؤ على طلبها من أهلها. كانت تأتي إلى بيت الشعلان أياما فقط. أتى مرة إلى ذلك البيت فقالت له "الحاجة": سأقدم لك عذراء شرط أن تحترم عذريتها! وقبل الشرط. فوجئ بحبيبته. صعق وفقد منذ ذلك اليوم توازنه العصبي. هذا عالم سرّي لا يظهر في الشوارع والمقاهي، لكنه موجود خلفها، متصل بها ومستنبت منها! سيصبح قيس في ذلك البيت ضيفا مرغوبا به، كريما ورقيقا. مع أنه كان في تلك الأيام يعرف نساء يرافقنه إلى البساتين والمقاهي. لكن المتع معهن كانت سريعة، حذرة. في بيت الشعلان كان يطلب مايريده في الوقت الذي يريده! ويوهم نفسه بأنه ينصرف بذلك عن هواه وعن أشواقه إلى ليلى العصية. في الليل فقط سيحاسب نفسه وهو يمشي في الشوارع الهادئة المقفرة. ترويك نساء بيت الشعلان؟ الحب فقط يروي، ياقيس! ولديك لايجتمع الحب بالعلاقة. ليست لديك المرأة التي تفخر بها، وتحبها، وتهبك العلاقة الكاملة! وهناك فقط يكون الريّ، ياقيس! لذلك ستسوح هائما من امرأة إلى أخرى! لا، ليس ذلك! بل، "لم يزدني الحب إلا عطشا"! الفرق كبير بين عطش لايرتوي من المحبوب، وبين عطش لايرويه عدد من النساء غير المحبوبات! كم سنة ستلوب ياقيس في أنحاء المدن والغابات والنساء! كلما توغلت فيها ستشعر بالوحدة والظمأ! ستنتقل من صيد الى آخر، وعندما تخلو إلى نفسك ستشعر بأن انتصاراتك هزائم لأنها ليست ماأردته حقا، وليست ماكان يليق بك! سيوسع لقيس غياب المهمات، والوقت الطويل الذي يرهق المنفيين، والمال، الانشغال بالنساء. وسيبيح له ذلك الاعتراف العام بحقوق للرجال لامثيل لها للنساء. فالرجل فقط يشعر بالحاجة التي تخنقه إلى المرأة. تعيق تلك الحاجة، إذا لم ترو، عمله وتفكيره، فتؤثر على نشاط المجموعة! "لذلك توجد البيوت العمومية. فالحاجات لم تعد كما كانت في زمنها القديم مربوطة بالطقوس المقدسة. أنزلها تطور العلاقات الاقتصادية إلى حقيقتها المعاصرة: بضاعة. وبما أنها أصبحت تتصل بالمنظومات الأخلاقية والطبقية فهي بضاعة سرّية موضوعها الجنس الآخر الذي جعله التطور سلعة. نعم، نعم! في المجتمع الطبقي المرأة سلعة، والجمال سلعة، يأخذها القادر على دفع ثمنها. نحن، سياسيين وغير سياسيين، نعيش وسط علاقات اجتماعية معينة ولو لم نكن موافقين عليها. منها البيوت السرّية التي يقصدها الرجال مهما كانت مبادؤهم الفكرية! خلافنا معك ياقيس، هو أننا نأتيها وقت الحاجة، بينما توغل أنت فيها وتستمتع بها"! سيضيف قيس إلى فتنة سيرته ودقته في تحليل الأحداث، أنه ضحية قيادته، التي تتابعه حتى في علاقاته بالبيوت السرّية. ولاتفهم مزاجه الشعري الذي يغلّفه الأسى، ولاتدرك سحر أحاديثه الممتعة عن بيئة يعرفها ويحفظ أمثالها ونكاتها ويفهم جوهرها. لن يقدّر عرفان أبدا أن قيسا قريب إلى قلب محدثه، وأنه يكسب من يتصل بهم وهذا هو المهمّ. نعم، لم يفهمه عرفان لكن أصحابه السوريين سيفهمونه. هذا شاعر يباح له مالايباح لغيره! بعد الاجتماع الذي دعي إليه قيس وعرض فيه النقابي آخر رحلاته إلى البلاد الاشتراكية، انصرف المستمعون وبقي قيس والنقابي وحدهما. قال النقابي لقيس: والآن سنعطي للنفس حقها! وخرجا معا إلى البيت العمومي في المزة. يقرّب الرجل من الآخر أن يذهبا معا إلى النساء! يصوغ لهما ذلك العالم المباح للرجل جوا حميما يستمتعان بسرّيته! وقفا أمام بناء من ثلاثة طوابق. قال النقابي: هنا! لعل هذا البناء كان ثكنة عسكرية. ياقيس، ماذا يفعل الرجل في مجتمع مغلق متخلف؟ لو كنا في بلد اوروبي لاختلف الأمر. أما هنا فنحن الآن كمن يدخل إلى المرحاض. أغلق عينيك، ثم اخرج منه! اختار قيس شابة شقراء. واستسلم لمقدمات طويلة فيها أحاديث وطعام وشراب. مستمتعا بأن ذلك غير مألوف هناك. لذلك ستخصه الشقراء بيوم عطلتها. وسيلتقي بها في المدينة. وستضع صورته في خزانتها فيصل الخبر إلى عرفان: أوقع قيس حتى العاهرات في هواه! طبعا ستحبه تلك الشابة! وسيضيف إلى صياغاته: إذا أحبت المومس كان حبها نقيا وجارفا وعميقا. لأنها بعد من عرفت من الرجال اختارت رجلا هوته! رجع قيس متأخرا في تلك الليلة، عابقا بالساعة التي أمضاها مع شقراء المزة. سعيدا بأنه رسم في حياتها نقطة ضوء. فهاهو رجل يلاطفها ويستمع إليها وينتبه إلى جسمها ووجهها ولن يخجل بالمشي معها في الطريق. يراها! يأتيها متأنيا ولايمضي عنها مسرعا! بحث النقابي عن قيس في اليوم التالي. ليطلب منه ألا يبوح بأنهما ذهبا إلى بيت المزة! كان قد قال لنفسه بعد خروجه من هناك: إلى متى؟ وقرر أن يخطب مديحة. وكان لديه موعد معها. بعد نهاية الاجتماع رجاها أن تبقى، وباح لها بعد صمت ثقيل: المشكلة أن العلاقة بيننا تتطور بالنسبة لي! أتمنى طبعا الزواج منك. دهشت مديحة. يالهذه الطريقة في البوح! يكاد يستعمل كلمات التحليل النظري والسياسي !أنساه العمل الدنيا الموجودة خارج اجتماعاته! ماأبعده عن فوزي! قالت له: المشكلة أني لاأريد علاقة أخرى خارج الاجتماعات! سيلتقي بها النقابي فيما بعد، يوم سيتهمها رضا بأنها تحمي الشابة التي "جمّدها". سيبدو النقابي من القضاة في تلك المحاكمة. وسيستمع إلى ردّها. وسينهي فرج الله المحاكمة بشهادة مديحة التي تثير الشكّ في رضا. وسيسندها فوزي فيما بعد فيقول: يراقب البيت الوحيد الذي حدثت رضا عنه كبيت يمكن أن يكون مفيدا إذا جدّ الجد! صار قيس يتردد وحده على البيت العمومي في المزة. في كل طابق ممر على جانبه غرف مرقّمة. والطوابق مصنفة. في الأول المومسات الرخيصات. وفي الطابق الأخير الجميلات والشابات. أمام الغرف يجلس الرجال منتظرين دورهم في الدخول إليها. بعضهم لايبالي إلا بدوره. وبعضهم ينتظر خروج النساء من الغرف بعد كل "زبون" كي يفحصهن فيختار من تعجبه. على باب البناء رجل تناول من قيس رسم الدخول. صعد قيس إلى الطابق الأخير. في الطابق امرأة خلف طاولة، تدخن أرجيلة. أمامها الكراسي التي يجلس عليها الرجال. جلس قيس على كرسي بين المنتظرين. فُتح باب خرج منه رجل. ناوله خادم منشفة ليمسح نفسه. أكمل الرجل تثبيت أزرار بنطاله وحاسب المرأة ذات الأرجيلة وانصرف. وخرجت بعده شابة إلى حمام في الممر لتطهّر نفسها بالبرمنغنات، وعادت إلى غرفتها. فنهض إليها رجل ممن ينتظرونها وأغلق الباب خلفه. لكل امرأة سعر يناسب فتوتها وجمالها والراغبين بها. لها راتب ونسبة مما يجنى منها يوميا. أتى شاب يحمل القهوة والشاي وبعض الفطائر التي طلبها المنتظرون. لن يطلب قيس منه شيئا الآن! لن يكتفي قيس بالربع الساعة المقررة! وسيحمل الشاب الطعام والشراب للمرأة التي يختارها قيس ويتحدث معها، يستطلع حياتها، يمازحها. وبعد ذلك يقبل عليها. يصرف ساعة على الأقل عندها. تشتغل النساء من السابعة مساء تقريبا حتى الساعة الرابعة صباحا. بعد الرابعة يمكن أن يبقى رجل عندها. لهذه "الأنغاجيه" سعر خاص. لكن قيسا لايريد ذلك! منذ رأى قيس الشابة الشقراء تعبر الممر إلى الحمام صار لايقصد سواها، وينتظر دوره إليها أحيانا. عبّر لها مرة عن ضيقه بالانتظار. فقالت له: نسيت أين أنت؟ لكنها احتضنت تلك الإشارة. وطلبت منه صورته ووضعتها في صدر خزانتها. فهاهي كالنساء الحرائر، محبوبة ومحبة! حكت لقيس قصتها: هربت من زوج مسن وظالم أرغمها أهلها على الزواج منه. سمع قيس مايشبه تلك القصة من أخريات. لايهمه إن كانت صادقة أم لا. تعجبه الشابة. ويشعر بأنها تميل إليه. لذلك صار يلتقي بها أحيانا في المدينة في يوم عطلتها الأسبوعية. جلس قيس، بعد أن ودعها، في مقهى الكرنك، في بوابة الصالحية. استرخى على مقعده في تلك الفسحة المكشوفة قرب سوقساروجا، كمن يحاول أن يقطف غفوة قبل أن يجتمع حوله أصحابه، وترك قهوته تبرد. هل يخفي اعتداده بسحره الذي يبهر سوزان في بيت الشعلان والشقراء الشابة في البيت العمومي في المزة؟ لن يخفي ابتسامته وقت يقول له أحد أصحابه: أوقعت في غرامك ياقيس حتى المومسات؟ رأيت صورتك في البيت العمومي في المزة! ستكون لدى قيس فوق ذلك فتيات لايستطيع أن يتجاوز معهن حدا معينا من العلاقة، ومتزوجات يعطينه أنفسهن! لكنه يتمنى ليلى التي تبعده كلما اقترب منها، فيسجل أنه لم يقصد فتاة أو امرأة إلا لأن ليلى مشغولة عنه، منساقة في سذاجتها. ويقول لنفسه: أقصدهن لأجد الريّ عندهن من الظمأ عندها! استعرض زيارته بيت المزة منذ جلس منتظرا دوره، حتى خرج من هناك. لاتملك الفتاة المقصودة أن ترفض رجلا! تقدّر له ربع ساعة تقريبا، وتفتح الباب لمن يليه. في بيت الشعلان هذا البيع والشراء مموه بالاختيار. تحدد النساء ساعات وسنوات عملهن، ويعدن يوميا إلى أزواجهن وأسرهن. يروين رغبة مجنونة أو حاجة إلى المال، ويبقى ذلك سرا تعرفه فئة قليلة من المحتمين بالكتمان. لكن بيت المزة المراقب صحيا أكثر أمانا. ألا يبالي قيس بذلك، أم يعتمد على نظافة دمشق؟ جلس قيس في المقهى كمن يغفو. سمع تحية الممثل تيسير السعدي نجم المسرحيات الإذاعية. وطلب له القهوة. كان قيس مبهورا بدمشق التي يفوح منها الياسمين ويحلو فيها المشي بعد منتصف الليل، وتتناثر فيها المقاهي المكشوفة قرب الصالحية وفي شارع بغداد، والمشارب الصغيرة في ساحة المرجة وعلى شاطئ بردى. لكنه عندما استمع إلى السعدي شعر بأنه لم يلحق سحر دمشق. حكى له السعدي عن المدينة التي لم يعرفها قيس. كانت فيها المقاهي الأخرى! تعرف الآن مقهى السلوى وجناين الورد، والروضة، ومقهى الكمال، والحجاز! أنا أعرف اللونابارك الذي احتفل فيه أنصار السلم بسقوط ديان بيان فو، وغنت فيه ماري جبران. ومقهى الفاروق. والمقهى المكشوف في الصالحية الذي كنا نأكل فيه البوظة ونتفرج في حديقته على أفلام شارل بواييه. ومسرح زهرة دمشق الذي تحيط به في الطابق الأول شرفة واسعة نجلس فيها لندخن أرجيلة. والمقهى الذي كان على كتف بردى قبل فندق فيكتوريا. ومقاهي سوق التبن. في فندق داماسكوس بالاس في أول البحصة تجلس وتأكل وتشرب. وأي فندق كان ذاك! في مكان سينما العباسية كان هناك مقهى مكشوف يطل على بردى. وكانت في دمشق مسارح كثيرة! في مكان سينما أمير في بوابة الصالحية كان يوجد مسرح ذو ألواج، مثّلتُ فيه. حكى تيسير لقيس كيف جمع المال لمسرحيته. نظّمنا حفلة صباحية للنساء! قصدت السنانية التي علمني أخي الطريق إليها يوم قال لي: لاحظت أنك بدأت تزوغ، لذلك سآخذك إلى مكان مأمون! واصطحبني إلى نساء السنانية. كانت المقاهي والبيوت العمومية والمراقص تمتد من باب الجابية إلى مقبرة الباب الصغير. انغمرت في جو مسرحي تفور فيه الأضواء. لكل امرأة هناك قصة. يحدث أحيانا شجار، فتخرج امرأة إلى الرجل الذي ضايقها وتقول له: نبيع أعراضنا، ولاأغلى من العرض، فهل تهيننا وتظلمنا؟ جعل الله أختك وأمك مثلنا! تحكي كل منهن قصة وصولها إلى السنانية.. برجل أحبها وغشها، فخافت من أهلها خوفا دفعها إلى الهرب من بيتها، بفقرها وحاجتها. دنيا مسرحية أحلم بأن أكتب مرة عنها! هناك كنت تستطيع أن تطلب امرأة إلى الرقص في مقهى من المقاهي، تصحح ربطة عنقك وتنحني لها، ترقص معها ثم تعيدها إلى مكانها وتطلب لها كأسا. كانت في السنانية نساء من بلاد العرب ومن أنحاء الأرض. في النهار زرت أحد البيوت التي ألفتها فأحببت النهار فيها أيضا. رأيت النساء مجتمعات في أرض الدار، واحدة تدق الكبة والثانية تقرّصها، والثالثة تقليها أو تشويها. وفي مكان آخر يشوى اللحم. عالم فوار بليله وبنهاره. إلى هناك اتجهت كي أبيع بطاقات الحفلة النسائية لمسرحيتي! طرقت باب المرأة التي دلّوني إليها. كانت تحكم عدة بيوت في المنطقة. شرحت لها الأمر وقلت لها أريد أن أبيعك بطاقات الشرف. قالت لي: تكرم! لاتخف، سنأتي مثل الحرائر! نادت رجلا وأمرته: وزع البطاقات على فلانة وفلانة وفلانة، صاحبات البيوت، وقل لهن أن تدفع كل واحدة منهن ليرة ذهبية. عاد الرجل وقدم لها المال في صرّة ناولتني إياها. رأيت نساء السنانية في يوم الحفلة الصباحية دون ماكياج، بأكمام طويلة وملاءات. وأذهلني يومذاك أن نساء دمشق، "الحرائر الحقيقيات"، أتين بالماكياج والديكولتيه تحت الملاءات! آه، ضاع كل ذلك على قيس لأنه ولد متأخرا بضع سنوات! قارن البيوت التي يزورها بالعالم الملون الصاخب الذي وصفه له تيسير، فشعر بالخيبة. قال له تيسير: أغلقت الحكومة الوطنية تلك البيوت بعد الاستقلال. كنت يومئذ عند أنور البابا في السراي حيث يعمل موظفا، وهناك صادفت نساء بملاءات يلطمن خدودهن صائحات: ماذا نعمل؟ كيف نعيش؟ خربتم بيوتنا! كن نساء السنانية! خبا البيت العمومي في المزة وبدا لقيس كالمخزن الذي تشترى فيه المتع في سرعة دون بهرج. وتضاءلت مقدمات قيس التي يخترعها بشراب وطعام من البوفيه! وضاع بيت الشعلان في العتمة. ومع ذلك سيذهب قيس إلى تلك النساء. هناك يستطيع الرجل أن يطلق أهواءه دون حساب ودون التزام! كان يسعد قيسا أن ليلى بعيدة عن ذلك العالم الملون. وأنه سيقطعه كالخيّال بالطول والعرض، وسينقطع عنه يوم يتزوجها. حلم بأنه سيروي لها عندئذ مافيه وسيرسم لها ألوانه لتعرف العالم الذي تجهله. لم يخطر له أنها بفضل عمر تسللت مع غادة ومديحة إلى البيوت التي ارتادها وراقبت معهما مهانة النساء ومصائرهن الحزينة التي لونت للرجال عالما مبهجا. من جرّ عمرا إلى ذلك الحديث؟ مديحة بمبادئها التي ترفض بيع المرأة وتدين المجتمع الذي يجعلها سلعة؟ أم غادة التي قالت إن المجتمع الذي يسلب المرأة حقها في جسمها، أكان ذلك بزواج تقهر عليه أم ببيع جسدها، مجتمع ظالم تغيب منه العدالة الاجتماعية، ولابد من إصلاحه باشتراكية عربية؟ بدا للفتيات أن حبس النساء وقهرهن على بيع أنفسهن في البيت العمومي في المزة ظلم مرفوض ومن الواجب إغلاق ذلك البيت! ففسر لهن عمر أن إغلاقه لايحل مشكلة، فالبيوت السرّية موجودة مع أنها لاتعتمد القهر. والنساء يقصدنها بأنفسهن. قال: هذه مؤسسة اقتصادية فيها مدراء وعمال! لم يخطر له أن ليلى ستسأله: أنتم الذين تعون هذا، لماذا تذهبون إلى البيوت التي تستثمر فيها النساء؟ أليس من يرتادها شريك في أكل لحم امرأة مقهورة؟ بماذا يردّ على ليلى؟ قال: ربما يريد بعضنا البرهان على أنه نضج. ولعل بعضنا يلبي حاجته إلى القرب من المرأة! لكن عمرا الحريص على رأي ليلى فيه، يعرف أنه لن يستطيع أن يقنعها بجمل طيّارة. روى لها وحدها، فيما بعد، تجربته بصراحة. بعد خروجه من سجن تدمر دعاه صديقه إلى بيت في الشعلان. هل يقول لليلى إن المرأة مكافأة على صبره في السجن، وأنها جنة وحديقة وظلال أراد له صديقه أن يستمتع بها؟ بدأ من الدقات على الباب التي اصطلح عليها في بيت الشعلان. البيت صالة تجلس فيها امرأة في الخمسين من العمر على مقعد قرب الباب، وتجلس فيها ثلاث أو أربع نساء بملابس لايمكن الخروج بمثلها إلى الشارع. يختار أحدنا واحدة ويدخل معها إلى غرفة. يدفع للحجة عشر ليرات، وذلك مبلغ كبير طبعا. لكن عمرا لايستطيع أن يتذكر الفتاة التي اختارها هناك. تركها وأسرع خارجا من البيت. وباح لصديقه بأنه ارتبك وفشل! تأملت ليلى عمرا واحترمت صراحته. هل تقول له إن تلك العلاقات تهين مجموعة من جنسها؟ تمسكت ليلى بمدينتها الفاضلة التي لادعارة فيها، ولكل امرأة فيها عمل اختصت به. وأكدت مديحة أن الاشتراكية حل لمشاكل المجتمع ومشاكل الإنسان كلها. لم تبين مديحة تفاصيل الطريق إليها. لكنها تؤمن بأنها ستكون عادلة وجميلة. المهم فيها أن النساء لن يكن مضطرات إلى الدعارة. بدأت غادة من حق الإنسان في الحرية، كفرد وكمجموعة. قالت: أتصور أن العلاقة بين الرجل والمرأة أكثر العلاقات الإنسانية شفافية، لذلك يبدو لي أن القرب الإجباري بأي رجل أكثر العقوبات قسوة! لن يبوح عمر لقيس أبدا بالحديث الممتع والمتوتر الذي شغل الفتيات. كان قيس يسميهن عندما يسأل عمرا عنهن: "ليلى وأخواتها". كم بدت الفتيات لعمر بريئات ونقيات! وكم كن بعيدات عن الحقائق الجارحة! كان يجب أن تمضي سنوات كثيرة.. كان يجب أن تكمل غادة تجربة زواجها، وأن تغترب ليلى ومديحة وعمر، وأن يجتمعوا بقيس بعد عقود كي يتحدثوا عن العلاقات الإنسانية المعقدة، والدعارة المجانية التي يوصل إليها غياب القضية الكبرى والاطمئنان إلى الأمان في المسائل الاجتماعية الأساسية، وبُعد الشباب عن مكان رحب يستوعب فورانهم، وغياب المبادئ والآلهة، والمبالغة في حق النساء في العلاقات الجنسية. لكن ليلى ستلمس ذلك العالم بأطراف أصابعها وتسحبها مسرعة. ستراقب في الجامعة جارتها فاليا التي كانت في أيام الحرب طفلة يتيمة، وأصبحت طالبة تختص في الجراحة العصبية، وتستلم عشية تخرجها عشرات العروض من الجامعات والمؤسسات التي تقترح عليها العمل فيها وتعرض لها شروطها. وستزهو بذلك وتستقبل في كل ليلة سبت شابا جديدا. وستتساءل ليلى: هل تبحث فاليا هكذا عمن ستستبقيه ذات يوم زوجا! بعد عقود، عندما ستزور ليلى وغادة ومديحة وعمر قيسا، ستلمح ليلى أطياف أفلام البورنو في حديث قيس. وسيدهشها أن يزهو بأنه أنفق مئات الدولارات على تلك الأفلام وعرضها لزوجته. فتتساءل هل نضبت العاطفة بينهما فالتمساها بالأفلام، أم ساق قيس علاقته إلى هناك ليطمر جفوة بينها وبينه؟ ستقف ليلى على العتبة غير مبهورة، وقيس يحكي عن تشوتشولينا. وستسأله: من هي؟ فينظر إليها دهشا من جهلها: لم تسمعي بها؟! فينجدها عمر: وأنا أيضا لاأعرف تلك المحروسة! فيفسر لهما قيس: امرأة جميلة من بطلات أفلام البورنو المشهورات تدخل أفعى الكوبرا في رحمها! رشحت نفسها للانتخابات الايطالية وانتخبت نائبة في البارلمان. زارت بودابست واستقبلت فيها استقبالا حافلا. وقامت صديقتها المجرية بعد تلك الزيارة بحملة كي ترخص بيوت الدعارة في المجر. ونشرت الصحف تصريحها: العاهرات موجودات، ويجب أن يصنفن وتصنف البيوت التي يعملن فيها! قالت غادة: واكب هذا السقوط الأخلاقي، سقوط المعسكر الاشتراكي! نهبت حتى مراكز الرقيق العالمية النساء من البلاد الاشتراكية. تستطيع، ياقيس، أن تصادفهن في ملاهي دمشق! رأيتهن في أول الليل في طريقهن إلى الطاحونة الحمراء. قال قيس: في شوارع بودابست الآن أجهزة للراغب بمشاهدة فيلم بورنو. ومجلات بورنو محلية تباع علنا. ابتعدت ليلى قليلا، فاحصة قيسا. هل يدين سقوط الاشتراكية أم السقوط الأخلاقي الذي كان قيس واحدا ممن استمتع بأفلامه ونسائه؟ أبعدت نظرتها عنه. لاتريد أن تشعر بأن ذلك العالم موجود حقا! لاتريد أن تلمح تلك السلع التي تدمر الروح! في الخطوة الاولى ربما يغريك ذلك العالم بالتعرف إليه، ثم يشد قدمك لتغرق فيه! في منظومتها الروحية لايقبل الجنس دون حب. قالت: ليس الجنس حاجة إلا في المستويات الدنيا من التطور البشري! لذلك لايغريني التفنن في عرض الجنس. ذلك خطر لأنه ينتزع الشباب من إغراء القيم الكبرى إلى إغراء المتع الصغرى. نظر قيس إليها. تجهل ليلى عالما كاملا يستخدم فنون الطباعة والتصوير والسينما، فكيف تدينه ببساطة! لكنه شعر في أعماق روحه بالرضا. بقيت ليلى كما تركها! لم تته في الأدغال التي غمرته بضوئها وظلمتها! صفق جانب في قلبه لأنها محصنة بروحها، ووعد نفسه بكنوزها: ستكون لي، ولن أخرج من غاباتها ومروجها! نظرت إليه ليلى مشفقة لأنه عبَر تلك المغريات وضيّع فيها وقته، فأكلت جزءا من عمره. لن تبالي بأنه كان باحثا فيه عنها، وقت سيؤكد لها ذلك. وسترى أنه هدر هناك ماكان يجب أن يسدده في مشروع رفيع! وستسأله: أحقا لم تشعر ياقيس بأن العمر خاطف لايكفي لما نتمناه؟ وسيجيبها بالدموع: أكان يجب أن تضعي إصبعك ياليلى في الجرح وتحركيه؟ ولن يعيش غير سنتين بعد لقائهما. بعد التدريب على السلاح في المزة، تفرقت المجموعات التي أعدت للثورة المسلحة في بيوت "سرّية". وكان يفترض ألا تعرف إحداها مكان إقامة المجموعات الأخرى. كان قيس وحده محظوظا بالغرفة التي اختارها له طارق العراقي. لم يخطر لقيس أن ذلك البيت من البيوت التي يأوي إليها فرج الله أحيانا. كان يمكن ألا يصادفه قيس أبدا. لكن الأرملة قالت لقيس ذات مساء: عندي ضيف يحب أن يراك! فخرج من غرفته، عبر الممر إلى أرض الدار، ورأى رجلا مربوعا أبيض يجلس قرب البركة. بدا له أنيسا وديعا. تحدث معه الرجل وسأله عن بلده وعمله. وقال له إنه يستمع أحيانا إلى التعليقات التي يذيعها بصوته في الإذاعة السرية الموجهة إلى الأردن. وسأله: ولكن هل يسمعها الناس هناك؟ لم يستطع قيس أن يجيبه. وروى له أن الاعتقالات شاملة. اعتقل قوميون عرب وقوميون سوريون وفلسطينيون والضباط الأحرار وضباط مستقلون، واعتقل جماعة النابلسي ومستقلون وطنيون. اكتظ حتى الجفر بالمعتقلين. وحدّثه قيس عن قانون الطوارئ البريطاني الذي أبدعته حكومة الانتداب. يطبق في الأردن وفي الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل. بهذا القانون يمكن أن يسجن إداريا أي شخص دون محاكمة، وأن يجدّد اعتقاله إلى ماشاء الله. هدف الاعتقالات تدمير المنظمات، ومحو أيام الانتفاضة العظيمة من الذاكرة، واقتلاع الحلم بمثلها. وصف قيس أيام الفوران التي امتلأت فيها الشوارع بالمتظاهرين ضد حلف بغداد وتمبلر، وقال في ثقة: اشترك في المظاهرات ضباط الجيش والشرطة والشعب والموظفون. وذكر له أن المتظاهرين كسروا لوحات الحدود بين سورية والأردن معلنين أن الأردن جزء من سورية، وأن توهج حركة التحرر الوطني يبيح وحدته معها. ابتسم فرج الله: لن يسمح للأردن بأن يتجاوز حدوده! ولن تتغير الخرائط الراهنة إلا بمشروع استعماري جديد أو بمشروع عربي قوي! صار قيس ينتظر المصادفة التي يلتقي فيها بفرج الله. وسيتذكر قيس فيما بعد المرات التي خرج فيها إلى "بريمو" في الصالحية ليشتري بعض البيرة ويشرباها معا. هل قرّبه من فرج الله اتفاقهما في الرأي؟ ولطف هذا الرجل ودماثته وصدقه! لم يعرف قيس من هو ذلك الرجل، لكنه خمّن أنه قائد سياسي مهمّ. ذات ليلة نسي قيس باب غرفته مفتوحا، وغفا. فشعر بيد تعيد الغطاء فوقه، ولمح فرج الله، فكاد يبكي. هذا الرجل الذي يعود متأخرا، متعبا، ينتبه إلى الغطاء الذي سقط عني أنا الشاب؟ شعر بأنه وجد أبا ومعلّما. استقوى به، واستمتع بسعادة أنه عرف أحد القياديين الذين يهبون السند لمن يثقون به. لكنه يوم عرف في مقهى الكرنك أن صديقه فائز اعتقل، لم يكن يتوقع أن يلتقي بفرج الله. عاد إلى غرفته حزينا، وكان مستسلما لغضبه على نفسه لأنه اقترح اسم صديقه العزيز بين أسماء من يثق فيهم! ولأنه لم يبح له عندما أتى إلى دمشق وتدرب على السلاح معه بأنه لايؤمن بمغامرة الثورة المسلحة! بل بدا كمن يستر ذلك بالتدريب معه. قال لنفسه: ساهمتُ في الغش! وسترتُ الخطأ بالسّرية التي تمنع أن نبحث ماقررته القيادة وتمنعنا من مناقشته! وتساءل كيف يُطلب من أشخاص أن يغامروا بحياتهم ليحرروا بلدهم، وهم غير أحرار في مناقشة القرار الذي يرميهم في السجن أو الموت؟ كيف نقبل جميعا ذلك؟ عاد ومعه الجريدة التي وصلته إلى مقهى الكرنك. نشر فيها اعتراف الشهود بمسوؤلية قيس عن تحضير الثورة المسلحة، وعن نقل السلاح إلى المغاور والحواكير. والحكم عليه غيابيا بالسجن المؤبد. لايبالي بذلك فهو في أمان في دمشق. لكن أخبار مافي المعتقلات من التعذيب والإذلال وكسر الروح والجسد، هزّته. فتفاصيلها تتصل بأشخاص يعرفهم، أكل وشرب معهم وسهر معهم وأوى أحيانا إلى بيوتهم. جرفت الاعتقالات الضفة الغربية وملأت المسكوبية وسجن القلعة في القدس وسجن اللّد بالبعثيين والشيوعيين والقوميين والمستقلين، كما امتلأ بهم سجن المحطة وسجن العبدلي في عمان، والسجن العسكري في الزرقاء، وسجن إربد. وأضيفت خيام جديدة إلى معتقل الجفر الصحراوي ليستوعب المعتقلين الجدد. وضع في الزنزانة التي تتسع لأربعة أشخاص عشرون شخصا. صاد الأمن حتى الطلاب الذين اشتركوا في مظاهرات التضامن مع مصر أيام حرب السويس، وفي المظاهرات الوطنية أيام حكومة النابلسي. لكن الجديد هو حملة التعذيب الشاملة. كاد قيس يبكي عندما نقل له أن جسم أحد الطلاب أحرق قطعة قطعة خلال التحقيق. وأن ذلك الطالب نقل وهو يحتضر إلى منطقة جبلية ورمي من مرتفع فيها! خَبِر قيس الضرب في السجن وعرف معتقل الجفر الصحراوي. لكن التعذيب الذي يحدث الآن غير ذلك. ليس هدفه عزل بعض الأشخاص وتخويف الآخرين منهم. بل تدمير بنية المعتقلين الجسدية والروحية. تفكيك البنية التنظيمية. قنص الضعف واستثماره في نذالة، وتخريب صحة المعتقلين المتماسكين. لم تنج النساء من الاعتقالات والإهانة والتعذيب، وخاصة الفلسطينيات. وعذبن في معتقلات الرجال. فهل هذا تخطيط محلي نقي؟ يحدث ذلك على بعد أمتار من إسرائيل! جلس قيس مع عفاريته. أغلق الباب على نفسه ولم يشعل الضوء. عدّ على أصابعه همومه: الفتنة المسلحة، اعتقال فائز، حمقي أمام الضابط، الإذاعة! لكنه رمى ذلك وقال: لو كانت ليلى معي لتفاديت الخطأ وواجهت القدر! نعم، حياتك ياقيس تافهة، ومهدورة! أهواؤك جامحة وانتصاراتك صغيرة! تغمس نفسك في المغامرات لأنك فاشل في حبك، عاجز عن جذب فتاتك المحبوبة! لاتقل لا، بل اعترف بأخطائك! واجه قيس عفاريته: لم ألمس امرأة بالرغم عنها. ولم أقل لامرأة إنها الوحيدة لدي ولم أطلب الزواج منها لأصل إليها! لم أطلب غير ليلى! هي التي ترفضك ياقيس، لكنك لن تقرّبها بجولاتك بين النساء! هل تنتقم منها ياقيس، أم من نفسك؟ لكنها ليست سبب ظلمتك الليلة! شعر بحرقة في عينيه. تمنى في تلك اللحظة أن يكون كالرجال المستقرين في بيت، تقابله امرأة تزين شعرها كالشاميات بوردة من ورد أرض الدار، ويهرع إليه أولاد يتخاطفون مايحمله لهم. تذكر المرأة التي استقبلت أباه في طفولته حول بركة ماء في بيت دمشقي، خلية البال، مزينة، سعيدة، تعرف كيف تدلّل الرجل فتجعله كالطفل وهو يظن نفسه سيدا عظيما، ففهم الفرق بينها وبين أمه. تمنى أن يغمض عينيه ويجد لنفسه مثل تلك الأسرة! لا، لماذا تخفي ياقيس لوعتك؟ لاتستطيع أن تتخيل زوجة غير ليلى! لتلك المرأة التي توهمت أنها تستقبلك، ملامحها وقدها. لاأطفال لاإنس ولاجان فهي وحدها التي تملأ إطار الباب الذي فتحته بحلمك! وسترى! ستفسد صورتها حياتك، فلن تستسلم لفرح لايقتحمه طيفها، وستتوهمها دائما مقابلك! انتفض قيس: لا! لن تستعبدني امرأة ولو كانت الست بدور! فتح نافذته. هاهي عادلة مقابله تنتظر إشارة منه لتنزل إلى الطريق وتلتقي به في آخر الحارة! يراقبها بزجاج نافذته الموارب وتراقبه به. لها الطريق في العتمة إلى بساتين المزرعة. يجلسان هناك تحت الشجر. ولها "غرفة الشاي" في الصالحية حيث يدعوها إلى بوظة. ولأخرى مقاهي الربوة وبساتينها. وللثالثة بساتين المالكي. وقد يدعوها إلى فيلم في سينما دنيا في وقت لايمكن أن يصادفا فيه ليلى في الطريق. يمشيان أيضا في سوق الحميدية ليشتري لها ماتستحليه. لايمكن أن تتقاطع واحدة من فتياته مع أخرى! ليلى؟ بعيدة في مدارها! يالبؤسه! بل يالغضبه! كل ما يمكن أن يملأ نهاره بالعمل السياسي صار وقتا فائضا تبعثره النساء! يغرق ويطفو في ألوانهن ليسلو ليلى التي تبقيه معلقا على شجرة، تتفرج عليه وتتحدث إليه من بعد لكنها لاتنزله إلى الأرض! ذات يوم قالت له عادلة في ضغينه: رأيتك تمشي مع مجموعة من الشباب ووجهك إلى فتاة منهم حتى أنك لم تلاحظني! في ذلك اليوم اقترحت أن تذهب معه إلى بساتين المزرعة وقبّلته. أسقطتها الغيرة، ولو كان أبا لقال لابنته انتبهي، إياك أن تندفعي بالغيرة وإلا لبّيت حتى مالم يطلب منك! هاهي واقفة في انتظارك ياقيس، فابتعد كيلا ترى طيفك في زجاج النافذة! آه، في قلبه عطش قاهر. يخيل إليه أحيانا أن المرأة تطفئه ويتبين بعد خروجه من بيوت النساء أن مابه شجن لايعزيه شيء عنه. خرج من البيت. مشى إلى مطعم "بريمو" في البارلمان، جلس وشرب كأس بيرة. ثم عاد مقهورا. فليعترف لنفسه بأن أحداث اليوم كانت ثقيلة عليه وأن ليلى ليست السبب في حزنه! في مقهى الكرنك اكتشف اليوم أن الضابط الذي كان يخفّ إلى طاولته طوال الأسابيع الماضية كلاجئ سياسي من الضباط الأحرار، اختفى. رجع إلى عمان، وحمل الأخبار كلها معه! وسيعرف قيس فيما بعد أنه كان ذا رتبة رفيعة في المخابرات، وأنه سيُرسل إلى مصر في مهمة، وسيعود ليكون نائبا لرئيس المؤسسة نفسها. استعاد قيس أحاديثه معه وبدأ يفسرها تفسيرا جديدا. تجول بنظرته في المقهى. وقال: ليس هو الذكي بل نحن الأغبياء! كل من يهرب من البلد يأتي إلى هنا! هذا المقهى هو العنوان المعتمد! وهنا تتحدثون في صراحة كأنكم لن تعودوا إلى مدنكم إلا وقت التحرير العظيم! وأنا مثلكم، وقعت في الثقة بأن الصديق فقط يصل إلينا! خرج من المقهى غاضبا على نفسه. وقصد البيت العمومي في المزة. انتظر صاحبته الشقراء حتى فرغت من زوارها، لكنه لم يبق زمنا طويلا معها على عادته. تناول من الرجل الواقف على بابها منشفة ومسح نفسه. ومشى إلى "الحجة" الجالسة في الممر تدخن الأرجيلة وقال لها: أريد فلانة! دفع الثمن ودخل إليها. خرج من غرفتها ومشت هي لتغتسل، وعاد هو إلى "الحجة" ذات الأرجيلة: أريد فلانة! زار ثلاث صبايا وخرج من البيت العمومي وهو يشعر بالقرف من نفسه. مشى طريق الربوة كله كما كان يمشيه مع صديقه يحيى يوم لجأ مع أهله إلى دمشق بعد النكبة. تنفس في عمق الهواء المنعش النظيف. تنفس الهدوء وأشجار الجوز الكثيفة. وخيل إليه أن ليلى تمشي أمامه براقة ومبهرة، متميزة بالمشية والقدّ والعنفوان. هي التي لاتظهر له الحب، لاتبالي به، ولايسحرها عشقه، وتجهل العالم الذي ينغمس فيه، متعالية عليه؟ يجب أن يقهر كبرياءها وهو يتمنى أن يستبقيه! يجذبه إليها ماينقصه، ماتكمله فيه، مايناقضه. لذلك لم يسمح لعدالة بأن تمسها بكلمة فقال لها: إياك! يحتاج ليلى الآن، لكنه لن يمرّ ببابها وهو يحمل هذا القلق والوسخ! لم يقصدها في الجامعة أبدا وهو يحمل أثر امرأة! بل كان يستحم ويفرك جلده بقوة كأنه يزيل أثر اليوم السابق عنه كلما فكر بأنه قد يراها. قد يتركها إليهن ليبرد ماتشعله في روحه. لكنه لن يرتكب أبدا إثم أن تفوح منه امرأة أخرى أمامها! لا، لن يبحث عن ظلها في هذا الليل الذي يخنقه! بل يحتاج أن يرى ليلى كما يحتاج المخنوق الهواء! مابك ياقيس؟ ليست ليلى وجعك الليلة! يؤلمك أن يختفي فجأة الضابط الذي جلستَ معه إلى طاولة واحدة وأنستَ إليه؟ ماأعجب أن يكون مواطنك، وماأعجب أن تستهويك دماثته وثقافته وتكون خصمه! اغتسل. سكب كثيرا من الماء على نفسه. وخرج هائما في المدينة! كان يقول لنفسه كلما مشى في الصالحية أو شارع بغداد أو طريق الربوة: كم دمشق صغيرة وجميلة! كم هي نظيفة وأنيسة! كم ليلها حلو ومقاهيها المكشوفة رائقة! فلماذا لايشعر الآن بالراحة؟! وجد نفسه يعبر نافذة ليلى. تأمل ظلام غرفتها! وعاد إلى البيت. جلس قرب البركة. ليت فرج الله يأتي الليلة! ليته! كم مر من الليل؟ في الساعة الثانية بعد منتصف الليل فتح فرج الله الباب. سمع قيس المفتاح يدور في هدوء في القفل. يالرقته! يخشى أن يوقظ النائمين! يمشي على رؤوس أصابعه في الممر. رأى فرج الله قيسا جالسا في الباحة حول البركة. من ظهره لاحظ توتره. كان فرج الله يتمنى أن يخلع ملابسه ويغفو. لكنه توقف قرب قيس كأن الليل في أوله. هذا شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين يحمل هموما أكبر منه، والشاب يشعر عادة بهمومه في حدة. لكن مقتل القادة ألا يصغوا إلى الشباب وألا يفتتنوا بصدقهم. فرج الله يستطيع أن يحب في صفاء الشباب الذين يستحقون حبه، ويستمتع ببوحهم الفوار كأنه نسيم عذب في يوم متعب. سأله: لم تنم بعد ياقيس؟! خير؟ لم يلاحظ قيس تعب فرج الله! وقف وبه رغبة في أن يعانقه كما يعانق طفل أمه. فهم فرج الله أن قيسا يحتاجه. قال: دقيقة! ثم عاد وجلس حول البركة. كشف له قيس همومه من أطرافها. الضابط؟ ذلك يحدث أحيانا! لذلك نحتاج أن نتعود ضبط الكلام! باح قيس بهم آخر: روى له أن الشاب الذي يشتغل معه في الإذاعة السرية الموجهة إلى الأردن قال له: يريد البيطار أن يراك، فلاتناقشه مهما قال لك! لماذا يُطلب من صاحب الحق الرضا بما لايقبله ضميره! قال له البيطار: هل تظن أن الإذاعة ملك شخصي لك؟! فردّ قيس: ومتى كنت أظنها ملكا شخصيا؟ هل الغضب على التدخل الأمريكي عواطف شخصية؟ قامت الدنيا بينهما، وخرج قيس دون أن يحييه. استمع فرج الله إلى قيس في هدوء. قال: هذه خسارة مادية لك. لكن موقفك صحيح! لماذا تفادى قيس أن يبدأ الحديث لفرج الله عما يؤلمه؟ لماذا حام طول النهار حول وجعه العميق ولم يواجهه؟ ألأنه يتصل بموقف يجب أن يحاسب عليه عرفان وسيفتتح صراعا معه؟ شعر فرج الله بأن قيسا لم يبح له بعد بهمّه الحقيقي. خير ياقيس؟ ماذا بعد؟ مسح قيس دمعتين. وحكى له عن اعتقال رفيقه المحبوب فائز. ليس مابينه وبين فائز رفقة الفكر فقط. بينهما العشرة، السهر معا، ذلك المقهى الذي كانا فيه معا في عمان عندما بكى قيس فجأة وقت سمع أذان المغرب في رمضان. فائز ابن مدينته، جاره. بينهما هند زوجته الجميلة، ابنة عمه التي تحتفي بقيس كلما زار صاحبه، وابنهما الطفل الذي يمد ذراعيه لقيس ويرمي نفسه عليه. رشح قيس فائزا وقت طلبت أسماء من يثق بهم ويمكن أن يؤتمنوا على مهمة. فهل كان قيس يخمّن أن الذين رشحهم سيستدعون إلى دمشق ويدربون على السلاح، ليعودوا ويشعلوا ثورة مسلحة؟ نُقل قيس مع بعضهم إلى بيت من البيوت التي استؤجرت لهم، وقف مثلهم كل يوم في طريق الربوة في انتظار السيارات إلى المزة، تدرب على التسديد ورمي القنابل والزحف. بعد ثلاثة أسابيع تقريبا صاروا يعادون إلى البلد. فتنشر الجرائد أخبارا عن مفرقعات كألعاب الأطفال وقنابل بعضها ينفجر وبعضها لاينفجر، وأسماء المعتقلين الذين التقطوا على الحدود، والأسلحة التي صودرت منهم. لايوافق قيس على الثورة المسلحة. قال: للثورات شروط غير موجودة! ليس هذا زمانها ولامكانها! ردّت عليه القيادة: سمعنا رأيك، شكرا. وكأنه لم يقل شيئا! وهاهو اسم فائز بين المعتقلين. هل خمّن قيس مصير فائز المرّ، أنه سيقتل حبيبته، وأنه سيلتقي به بعد عقود من الزمن وكل منهما قد شاب وسيعقدان اتفاقا هادئا وحزينا: أن يؤبّن أحدهما الآخر الذي سيعيش بعده؟ حدّث قيس فرج الله عن هواجسه. روى له أن أحد أبناء عمه ابراهيم الذي بقي في دمشق منذ 1948 زاره. أغلق الباب وقال له: ياابن عمي، يوجد خائن من ربعكم. انتبه! ولاتبح لأحد بأني زرتك ونبهتك! نعم، دود الخلّ منه وفيه! في هذا الصراع لاتوجد فروسية! وهاهو قيس يكتشف أيضا أن أحد الضباط الذين كانوا يجلسون في مقهى الكرنك قد اختفى وظهر برتبة كبيرة في عمان! وصلت الأخبار عن الثورة المسلحة من مصادر متنوعة، إذن! لاتبدو في ملامح فرج الله عادة إلا الوداعة الأنيسة والرصانة. لكن قيسا لمح دهشته. سأله في هدوء: وهل جماعتكم مشاركة في العمل المسلح؟ نعم مشاركة! مشاركة؟! تؤكد المعلومات لدينا غير ذلك! معلوماتكم غير صحيحة! أنا أحد من طُلب منهم أن يرشحوا الأشخاص الذين استدعاهم عرفان. وصل اولئك الأشخاص، عشنا مجموعات في بيوت مغلقة لانخرج منها إلا للتدريب. تدربنا على السلاح في جبال المزة، ثم أعيدت وجبات منهم إلى البلد لينفذوا الثورة المسلحة. اعتقل بعضهم على الحدود مباشرة، واعتقل بعضهم من بيته. كأنما كانوا ينتظرونهم هناك! أنت متأكد مما تقول، ياقيس؟ نعم! إذن اذهب إلى عرفان وقل له إن فرج الله يريد أن يراه. كاد قيس يهبّ واقفا عندما سمع الاسم. هذا هو فرج الله؟! قيس محظوظ بمعرفته، دون أن يدري! في اليوم التالي ذهب قيس إلى بيت عرفان في الجسر الأبيض، وبلّغه الرسالة. سأله عرفان: من فرج الله؟ ذلك الذي في الشونة؟ لا! فرج الله القائد! وكيف عرفته؟ ياللسؤال! كبح قيس غيظه. كأنه لايستحق أن يعرف فرج الله! سأله: ألم يقل لك ماذا يريد؟ لا! بلّغه إذن: غدا في العاشرة مساء. في الحادية عشرة كان قيس ينتظر فرج الله أمام مقبرة الدحداح في شارع بغداد. مشيا معا خطوات. لايستطيع قيس أن يقرأ تعبيرا على وجه فرج الله. قال فقط: معلوماتك صحيحة، ياقيس. والآن، عليك أن تضبط أعصابك! وجد قيس رجلين من مرافقي عرفان ينتظرانه في أرض الدار: يريدك عرفان! في الصالون باب من الزجاج يفصل صالتين. فتحه عرفان. كان بالبيجاما. لم يرد تحية قيس. قال: هل تعرف مخلص عمرو؟ يعرفه! قائد من قادة عصبة التحرر الوطني في فلسطين، مثقف، انفصل عن العصبة لأنه عارض تقسيم فلسطين. وسيقتل بالتعذيب في الستينيات في سجن المحطة في عمان. ردّ قيس: لم أره، لكني سمعت عنه. قال عرفان: "سأسخطك" كما "سخطت" مخلص عمرو! كبح قيس غضبه لكنه لم ينفذ نصيحة فرج الله. سأل: قل لي، أنت الأمين العام لحزب أم رئيس مخفر؟ زاد غضب عرفان: أنا أسألك، هل أنت عضو في منظمة أم جاسوس عليها؟ ردّ قيس: أنا عضو في منظمة خدمتها أكثر منك. يوم اعتقلتَ أنت كان فيها مئات فقط. ويوم تركتُها أنا كانت تعد بالآلاف. لم يتذكر عرفان ماسيرويه آخرون بعد عقود من السنين لأولادهم: كنا نركض إلى المظاهرة لنسمع قيسا! هتفت مرة أخت رئيس الوزراء في إحدى المظاهرات: تسقط الحكومة، وليعش قيس! فرفض أخوها أن يتدخل ليطلقها من السجن، وقال لأهله: فليحررها قيس! ألم يسمع عرفان أن قيسا جذب أبناء بلده ومنهم قوميون سوريون وبهائيون وإخوان مسلمون؟ قال: أنت نقلتَ أسرار المنظمة إلى الآخرين! ردّ قيس: أسرار مكشوفة للسراج، مكتومة عن قائد عربي محترم؟ أنت قدمتَ لأشقائنا معلومات كاذبة، وأنا قدمتُ الحقيقة! كاد عرفان يصرخ: انتهت المقابلة! خرج قيس من بيت عرفان وهو يشعر بأنه هدم الجسور خلفه وأمامه. وأن حكم عرفان عليه قد وقع. لن يرحمه أبدا! أوجز بينه وبين نفسه ماكان يخشى أن يوجزه: عرفان يتعاون مع السراج، وينغمس في مغامرة الثورة المسلحة! لكن الحقائق لاتأتي بالسعادة. سيكون قيس وحيدا. يحشد الصراع مع العدو الخارجي الأصحاب والإعجاب. لكن الصراع مع قائد مكلّل بالأساطير يخيف الأصحاب ويبعد الأصدقاء. قد يصبح كل من يصادق قيس مشبوها! ولن يجسر من يعرف الحقيقة على الدفاع عنها كيلا يكون وحيدا في الغربة! لاأهل هنا ولاعشيرة، والقائد هو الذي يهبك حتى حقك في البقاء في المنفى. لكن قيسا لن يهادن القائد المنتصر! وليس خائفا. يستند إلى فرج الله والسوريين! لم يخمّن أن انقلابا سيجرف حصونه! شعر قيس بأنه خفيف. استعاد القوة التي كان يشعر بها وهو مسدد إلى اجتماع أو مظاهرة، يوم كان يتوهم أنه يقرر القدر أو يتحداه. هل يوقظ فرج الله خير مافيه؟ قال منتعشا: يجب أن تشرب بيره! سأغيب برهة فقط! كان فرج الله راغبا في النوم. لكن هل يخيّب قيسا الذي يريد أن يداويه من الرمل! سأله قيس: لماذا طردتم الياس مرقص؟ هذا مثقف! قال فرج الله: هل تظن أن من السهل أن نفقد مثقفا؟ ذلك مؤلم! ذلك مثل هدر ثروة تعبتَ في جمعها! صمت فرج الله زمنا. ثم قال لقيس مفكرا: العامل خليل الحرّ مسؤول مجموعة من المثقفين أحد أعضائها الياس مرقص! هل تتصور هذا الوضع؟! ضرب قيس جبينه بكفه وفهم فرج الله الإشارة لكنه لم يقل شيئا. اعتقل فائز، صديق قيس العزيز، عندما رجع من سورية لينفذ "الثورة المسلحة" مع مجموعات المخلصين المؤتمنين على الأسرار الذين سجل قيس أسماءهم لعرفان. لم يكن لديه الوقت لاستخدام السلاح الذي سرّبته مجموعات أخرى وخبأته في المغاور والبساتين. وجدت مجموعته من "الثوار" من ينتظرهم عند الحدود. غضب فائز. لاحرمة لابن عشيرة كبيرة، لابن رجل من كبار رجال بلاد الشام سند ثورة فلسطين سنة 36 والثورة السورية واستقبل أحمد مريود في بيته؟ لاتسألنا، بل تساءل هل من اختارك للثورة المسلحة احترم ذلك؟ بقيت زوجته الجميلة هند وحدها مع طفلها. وأصبحت صلة المنظمة بقيادتها في سورية. هل فكر من انتقاها بظروفها الصعبة، أم استوقفته فقط شهامتها؟ تفرش دمها على كفها وهي تحمل الأخبار والأسئلة في طريق السفر، وتعود بالأوامر والتوجيهات! فهي في خطر عندما تتلقى الأخبار ممن جمعها، وفي خطر لأنها تحفظها، وفي خطر عندما تعبر بها الحدود، وفي خطر عندما تحمل ماتعود به، وفي خطر عندما تلتقي بالأشخاص الذين يجب أن تلتقي بهم! ومع ذلك لاتبالي بتلك الأخطار كلها. لاتمشي محملة بذاكرتها كما يمشي قطار بحمولته، بل تمشي كإنسان حيّ يعرف ضرورة مهمته. وتمشي كامرأة خليّة البال لاتثير الانتباه إلى مهمتها. تقدّر أنها استمرار زوجها المحبوب، لكنها تشعر بأنها ضرورة أخرى. وتتفتح كإنسان يكتشف نفسه في الخطر. في المرة الأولى فعلت ذلك لأجل زوجها. لكنها تذوقت الخطر وعرفت أن مافعلته أوسع من زوجها. تعلمت دقة الملاحظة والتوجس وهي تعبر الحدود في الذهاب وفي الإياب. وتعودت أن تتوقع الاعتقال، بالرغم من اعتمادها على حصانة المرأة وحصانة العشيرة. لذلك بقيت حذرة حتى في دمشق، فلم تلتق بالأشخاص الذين يجب أن تلتقي بهم مباشرة بل سلكت أطول الطرقات وأبعدها عن الهدف. أصبح عملها يفترض أن تترك ابنها الصغير أحيانا، وأن تنقله معها أحيانا. فتتحمل ضيقه بالطريق، أو ضيقه ببعده عنها، وتتحمل قلق الأم ولهفتها. "قدّر ذلك علينا! لم نختره ياحبيبي، لكننا لانرفضه"! كانت تستقبل أصدقاء زوجها في بيتها في أيام الحرية. لكنها لم تعد، وهم في السجن أو المنفى، المرأة التي قدمت لهم القهوة وسمعت نتفا من أحاديثهم وابتعدت عن الغرفة التي يجلسون فيها كي يكونوا أحرارا. أصبحت من الأشخاص الذين يعدّون لهم الخلاص. "لنتحمل ياصغيري"! تعلمت أن تكون جاهزة عندما تُطلب كعسكري يضع ثيابه قرب سريره. لايستلزم خروجها من البيت إلا دقائق! الطعام لديها دائما جاهز لأيام. والثياب دائما جاهزة نظيفة ومكوية، ثيابها وثياب الولد. الشراشف والمناشف للبيت جاهزة، والبيت دائما نظيف! جاهزة فقط للسفر؟ وجاهزة للاعتقال! لاتؤمن برحابة الشرق! للنساء وضع خاص، حقا. ولكن هل يمنع ذلك غيابها بعض أيام كي يستجوبوها ويستخرجوا ماتعرفه، وماتفعله؟! هل منعت حرمة المرأة من اعتقال صفيّة التي هتفت في المظاهرة "عاش قيس ولتسقط الحكومة"، فأغضبت أخاها وزير الداخلية فقال: فلتبق في السجن حتى يخرجها قيس منه! تخمّن أنهم لن يقصدوها في البيت. بل سيلتقطونها من الطريق، فتبدو غائبة كأنها مستمرة في السفر. وعندما ينتشر الخبر يكونوا قد حاولوا أن يعرفوا مايريدونه، ويكون عليها أن تقاومهم ولو وصل الموت. المهم ألا يكون معها طفلها! المهم ألا يرى الطفل مايجب ألا يراه! ينظرون إليها في إعجاب وتقدير في دمشق. لم تعد ناقلة أخبار وأوامر وتوجيهات، فقط! يتبدل الإنسان في المهمات. في سفرة واحدة كسبت من الخبرة أكثر مما يكسبه الإنسان في سنوات رائقة. بالرغم من حركتها في السر، أصبحت تعرف كثيرا من الناس. تزن من تراه بميزان الصائغ الدقيق، وتصدر حكمها عليه في سرعة. لاوقت! يجب أن يكون حكمها صحيحا وإلا خرجت من ذلك المسار كله، وأصبحت على الأقل معتقلة في البيت. إذا أخطأت في خطوة واحدة فقط فقدت حريتها الفاتنة، اللازمة لمجموعة، وفقدت سحر أن تجري في المجرى الذي اكتشفته. بيقظتها، وانتباهها، وحكمها السليم تحمي مجموعة، وتحمي نفسها وتبقى حيث اختارت أن تكون. كانت تصنع حتى البراءة في نظرتها. وكانت تصنع الغباء أو مايظهر أنها امرأة عادية، عادية! لكنها لم تستطع أن تخفي جمالها. قامتها الممشوقة، ظهرها المستقيم، وطلعتها. تضيق بذلك؟ ربما تضيق بجمالها وهي تزهو به. "لاتقلقي ياهند، فالرجال الذين يرونك لا يخطر لهم أنك محملة بالشوك. لمثلك يسجد المحب، مثلك للدلال، للهدايا، للملابس الجميلة، مثلك يتصدر السهرات، ويتأمله رجل يتحسر من بُعد. بمثلك يحلم رجل يحملك معه إذا حضر أو ابتعد! هل التقت هند بذلك المقاول في السيارة التي نقلتها في طريق العودة؟ تعطلت سيارته، وعندئذ مرت السيارة التي تركبها. في السيارة مكان فارغ! في الخلف إلى جانبها. ذهل عندما رآها. قرر أن سيارته تعطلت كي يصادفها. صعقته عندما نظر إليها وبصعوبة تمالك نفسه ولم يظهر أن تنفسه اضطرب. لم يملك نفسه فظل يلتفت نحوها. تصنّع أنه ينظر عبر النافذة التي تنظر منها. لكنها فهمت أنه يتفرج عليها. وفهم أنها فهمته. ورأى أن وجهها احمر. ودهشت هي لذلك. لم يكن غريبا أن يتفرج عليها رجل. كان العكس هو الغريب. لكن هذا الرجل كان غير اولئك الذين تعبرهم. كان لابد من أن تنتبه إليه لأنهم التقطوه من الطريق، لأنه كان واقفا مادا ذراعه يطلب النجدة. ثم التقطت خصلة بيضاء وسط شعره. وفي الطريق لاحظت خاتمه السميك الذهبي الذي نقش عليه حرف. لم يكن خاتما من هذه الأيام. لذلك سألته عنه فيما بعد أول ماسألت، فروى لها أنه خاتم أبيه، نقله إلى يده عندما مات الأب. رأى الرجل في إصبعها خاتم الزواج. وتعمدت أن تمدّ يدها ليلاحظه، كما تمدّها كلما شعرت بأن رجلا يطيل إليها النظر أكثر من المقبول، المعتاد، الذي لاتستطيع أن تمنعه لأنه صلاة للجمال. كانت قد أدّت مهمتها وعادت خفيفة نشيطة. ولم تكن تحمل مهمات في طريق العودة. لاشيء. ربما لو كانت محمّلة بأوامر لما نجح ذلك الرجل في شد انتباهها إليه. ولما لاحظت حتى خاتمه السميك وخصلة شعره البيضاء. لكنها كانت خفيفة منصرفة إلى نفسها في طريق العودة. وكانت مستريحة لأنها أدّت مايجب أن تؤدّيه في كمال. كان من حظ فائز أن يتزوج تلك الجميلة. ابنة عمه تفضّل على الغريبة. ولم يخطئ. لأنها حملت واجبها كزوجة وتبنّته. بعد سنة خرج فائز من السجن. طارت هند من الفرح عندما رأت زوجها يملأ الباب. أرادت أن ترتمي عليه لكنها لاحظت أنه جفل. فليسترح. ولكن كيف خرج من السجن؟ ستسأله فيما بعد! لاتعرف أن العدو يحاسب الرجل على الولاء السياسي لكنه ينحني له احتراما إذا دافع عن شرفه فيفتح له حتى البوابات للقتل. لم يكن فائز راغبا في الكلام فقالت لنفسها يغيّر السجن الإنسان ويشعره بالغربة حتى عن أهله. لاحظت أنه تفادى الانتباه إلى حفاوتها به، وإلى سرعتها في تحضير العشاء له، لكنها التقطت نظرة طويلة إليها أنهاها بأن أغلق جفنيه كمن يرغب في غفوة. تركته ينام وحده في تلك الليلة. وعندما قال لها في اليوم التالي سنخرج إلى الصيد ظنت أنه يريد الفلاة والهواء النظيف والسعة والبعد عن الناس. لم يرغب في أن تتعب نفسها بتحضير الطعام، فستجد هناك عند الفلاحين خبز التنور واللبن والجبن والكشك! امتحنها، وهي تمشي أمامه في أراضي أبيه، بخطوتها ورائحتها، بفرحها، ببريق عينيها، وقرر أنها ليست كما تركها. قال لنفسه: لماذا لاتسألها؟ لماذا تحكم عليها دون أن تسمح لها بالدفاع عن نفسها؟ وردّ في حزم: لا! لن يترك مجالا للدموع والكذب! لايريد مساحة للشفقة! ماقيل عنها صار حقيقة لاتمحى إلا بقتلها! لن يستطيع أن يستعيد مكانه بين الناس مرفوع الرأس إلا بغسل "العار"! توغلا بين أشجار الزيتون التي مشى فيها مرة سعيد وقدري مع سليمان باشا. وعبرها أحمد مريود وثوار بلاد الشام، ثم المتطوعون السوريون في ثورة فلسطين. هل ظنت أنه يمازحها عندما ناداها فالتفتت إليه ورأته يصوب البندقية إلى صدرها؟ أم فهمت في ومضة سبب خروجه من السجن، وتجهمه، ونظرته القاسية، وخروجهما إلى أراضي أبيه للصيد؟ سمع الطلقات القاتلة، واقترب منها. ركع قربها ولمس وجهها الدافئ. هل كانت تنظر إليه في عتب؟ بقي راكعا بجانبها زمنا لم يستطع أبدا أن يحسبه. ثم استلقى على الأرض إلى جانبها وأغمض عينيه وأبقى كفها في كفه حتى بردت. وفي تلك اللحظة فهم أنه أطلق الرصاص على قلبه. لم يتحدث أحد أبدا معه عن موت هند. ولم يعزّه أحد بها. ولم يسأله أحد كيف خرجتَ من السجن. لكن قيسا قال له عندما التقى به بعد عقود: مشيت في حياتك مسافات واسعة، وكدت تحمل سلاح الثورة المسلحة، فهل عجزت عن قطع خطوة تبعدك عن الحلول القديمة؟ فردّ فائز: هند ابنة عمي فهل كان يمكن أن أطلقها؟ كان مايزال يتهمها بهواها. لكنه لم يسأل قيسا: ألم تفهم أني متّ بذلك الرصاص؟ هل الميت من يرمى عليه التراب، أم الحيّ الذي فقد مذاق الطعام والنوم وفقد القدرة على الغضب والرضا والفرح والحزن؟ انتهت الليالي التي كان يستطيع فيها النوم الهنيء. وسيظل إلى آخر أيامه يهبّ من نومه لاهثا والعرق يسيل من طرفي وجهه! كان يعود دائما إلى تلك اللحظة. ويتساءل لماذا لم يصرخ عصفور، ولم تهتز شجرة، ولم ينزلق حجر. لماذا امتد الصمت الثقيل حتى الليل، ولم يسأله أحد بعده لماذا وكيف؟ هزّ قيس رأسه: يبدو أننا معا أمام أزمنة تمتد آلاف السنوات قبلنا. هل تصورنا ذات يوم أننا سنشيد مجتمعا جديدا لاشيء قبله، كأنه مرسوم على الورق؟! لم يذكرها أحد أمامه غير قيس. لكنه عرف أن أصحابه كانوا يشعرون بأنها حاضرة، كأنها ستفتح الباب وستقدم لهم القهوة، وستجلس على ذاك الكرسي الذي يتفادون الجلوس عليه لأنه كان مكانها. من يستطيع أن ينساها؟ كانت باسلة وشجاعة، جميلة، حلوة المبسم، دمثة، ترحب بالضيوف كأنهم أهل. ولعلها تمنت في لحظة الموت أن يسألها أحد: هل ماقيل عنك حقيقة أم وهم! لو بقي محمد، صديق قيس وفائز في عمان لاعتقل معه. لكنه في أمان. أتى من الكويت في العطلة، وبحث عن قيس في مقهى الكرنك. وجده قيس مقابله: أنتَ هنا؟ وصلتُ اليوم من الكويت! تعانقا. كان محمد يعبر الأرض المحتلة بين غزة والضفة الغربية متسللا في وطنه! ثم عاش في عمان. ثم رحل ليعمل في الكويت. وهاهو ميسور قادر على دعوة أصحابه إلى المطاعم! لم يفسد روحه المال، ومايزال يقلقه مصير أصحابه ويتساءل كيف يمكن أن يساعدهم. أما هؤلاء الذين يعيشون آمنين في دمشق فسيدلّلهم بالدعوات إلى الغداء والعشاء. ولننس الأيام التي كان محمد يقنن فيها مصروفه! اختار قيس مقهى السلوى، في آخر شارع بغداد، حيث تلامس المدينة الغوطة الشرقية! هناك يبدأ شارع حلب من شارع بغداد ويتابع طريقه بين أشجار الحور إلى حمص وتدمر وبغداد، وتعبره سيارات شركة نيرن المغلقة المجهزة لعبور الصحراء بين سوريا والعراق. يتوقف المارون للفرجة على المسافرين الذين تبدو أطيافهم من نوافذها العالية. ويتابع شارع القصاع طريقه بين آخر البيوت إلى الغوطة. يمرّ فيه الترامواي إلى دوما عابرا جوبر وزملكا وحرستا وعربين، مخلفا بيوت القصاع إلى البساتين. يمدّ الشباب أيديهم من نوافذه فتمسّ أشجار المشمش. ويدقّ السائق بقدمه جرس الترامواي في نغمة تعلن الأفراح بالغوطة. ويتوقف الترامواي في المحطات المسيجة بشجيرات الورد الجوري. كان قيس مفتونا بمقاهي البساتين في القصاع، التي مهدت أرضها ورشّت بالرمل الأحمر وزرع فيها الورد وتباعدت الطاولات تحت أشجارها. كان يزور أحيانا مقهى جناين الورد الذي يلتقي فيه طلاب الجامعة ليدرسوا أيام الامتحانات، ويجلس فيه فوزي وزملاؤه، وتمرّ به مديحة أحيانا مع زميلاتها. كان مقهى جناين الورد وسط شجيرات الورد، مستظلا بالشجر. يتداخل في هدوئه أحيانا رنين جرس الترامواي. ويغشاه هواء منعش مرشوش بعبق البيلسان. كان قيس يعبر في طريق القصاع فتيات دون أكمام. ومجموعات من الشابات والشباب يمشون إلى النادي الغساني أو نادي أبولون. فيبدو له أن دمشق تتفتح بين البساتين. تمشي في الصالحية أيضا فتيات مزهوات بشعورهن الطويلة والقصيرة وبرشاقتهن إلى جانب أمهات يغطين رؤوسهن بإشاربات أو مناديل سوداء لايسدلنها على الوجوه. ويجد نفسه بين تلميذات وطالبات جامعيات، وموظفات في الشركات ودوائر الدولة، ومعلمات. يستمتع بالمشي في طريق الصالحية ويقول لنفسه: وجه دمشق إلى الأيام الآتية! اختار قيس للسهرة مقهى السلوى. كان يفضله على مقهى جناين الورد. كم الجلسة فيه رخيّة تحت سماء الصيف وظلال الأشجار! تهبّ الرطوبة من البساتين القريبة ومن الأشجار على الجالسين. وكان مقهى السلوى ساحرا في تلك الليلة! تتناول الأيدي من الصحون الصغيرة الفستق والمكدوس والنخاعات واللسانات والتبولة والمتبلات وأنواع الزيتون، وترفع باليد الأخرى كأس البيرة. صفّت صحون المازة في ذوق، ومرّ النادل خفيفا يسأل: يلزمكم شيء؟ الطعام طيب ورخيص. والأغنية التي تنطلق من الراديو ليست صاخبة، يسمعها الحاضرون إذا أنصتوا إليها، وينصرفون إلى أحاديثهم. يرمون نظرة في فضول إلى الجالسين حول الطاولات الأخرى، ثم ينشغلون بمن معهم، متناثرين في مكان رحب. ماذا يبتكر قيس لنفسه في ليل رائق، في بلد آمن يحكم مصيره! رفضت مجموعة الضباط التي تمسك بالجيش، ورفض السياسيون الأحلاف الأجنبية! وكشفوا المؤامرات! فليستمتع هؤلاء الجالسون في المقهى بالأمان! هل يوجد بعض اولئك الضباط أو السياسيين بين الساهرين في مقهى السلوى؟ تلفّت قيس. نعم! بعضهم هناك! بقيت لقيس من مساراته الطويلة كتابة مقالة يومية واحدة للإذاعة بعد أن خسر المقالة الأخرى التي كان يكتبها لإذاعة سرّية موجهة إلى الأردن يشرف عليها البيطار. وكان ينجزها بسرعة. في الصباح جلس في مقهى الكرنك حيث يتلاقى اللاجئون السياسيون العراقيون والأردنيون، تألق في الكلام، وبهر مستمعيه بأفكاره وتحليله. حركته بين أشخاص محدودين. لاوطن ولامهمات! الثورة المسلحة التي أوهمت بقلب نظام ونصب آخر مكانه فشلت وانتهت! والله يعلم متى يستطيع قيس العودة إلى الوطن! تابع في الصباح بقية المحاكمات في عمان. وتساءل هل كانت التعليمات لمن يعتقل أن يرمي المسؤولية على قيس لينجو من التعذيب والتحقيق ومن البوح بالأسماء الحقيقية! "من نظمك في النضال المسلح؟ قيس! من سلمك السلاح؟ قيس! من استدعاك؟ قيس! من كلفك بالمهمة؟ قيس! أين خبأت السلاح؟ حيث أشار قيس". وكانت الكهوف التي خبئ فيها السلاح في أرض تحمل اسمه صدفة! فهل كثير أن يحكم عليه بالإعدام؟! من الرحمة استبدل الحكم بالسجن المؤبد وبالتجريد من الجنسية! في دمشق لاعمل يستنفد طاقته التي غطت في الأمس منطقة واسعة! وهو فوق ذلك مستبعد من الدائرة الأولى! ولكن ماهي مهمات القيادة نفسها في المنفى؟! يوم كان فتيا التهب حبا بفتاة جميلة. وكان يلتقي بها عند حاجز بيته. سبق أميرا إليها ولكن هل كان يستطيع أن يحتفظ بها؟ لاأمل في اللقاء بين طبقتين! امتصت جموحه فيما بعد القراءة بحثا عن مغزى الحياة. ثم احتواه العمل السياسي. فأين يصرف اندفاع الشباب الآن؟ أمامه النهار والليل، وشبابه الفوار! فليتسرب في حياة مدينة ممتدة منفتحة، تعيش أياما جميلة، وتسهر الليل مطمئنة. ماأجمل ليل دمشق! امش فيه بعد أن ينتصف، في شوارع نظيفة لاسيارات فيها. سترتعش من البرد في الصيف وأنت تمر بالبساتين في شارع بغداد وفي المزرعة وعلى تخوم أبي رمانة والروضة. يمتد شارع بيروت بين بساتين النيربين ومرجة الحشيش وعلى ضفتيه أشجار الجوز الكثيفة. امش في الليل حتى القصاع واشرب الليمون المثلّج أو اجلس في مقهى البللور. امش إلى آخر المهاجرين، آخر الخط، وتفرج مع جموع الناس من هناك على دمشق المستلقية تحت القمر! وفي النهار امش في شوارع يعبرها قليل من الباصات وتندر فيها السيارات. لم الركوب؟ المشي نزهة، الأرصفة عريضة ذات شجر وارف، وأنت تقطع الشارع في أمان. من يركب الباص؟ ماأيسر الوصول إلى أي مكان! كانت نهى بين المدعوين إلى سهرة محمد. يعرفها قيس منذ كان في إربد. كان يلتقي بأصحابه في بيت أخيها. لاحظ أنها تصغي إليه معجبة. وعند الوداع تضغط بأصابعها يده. تنتظر أن يخطو إليها الخطوة الحاسمة. لم يستعجل ذلك. تركه للمصادفة والقدر. استمتع بإعجابها به. لجأت نهى مع أخيها إلى دمشق مثل قيس. تزوجت بسرعة وسكنت في بيت قريب من البيت الذي يسكنه. لكنه حتى هذه البرهة لم يقصدها في بيتها. اكتفى باللقاء بأخيها في مقهى الكرنك. نهض إلى المغاسل. أراد أن يستمتع بالمشي خطوات على الأرض المعبدة بالرمل الأصفر. أن يمر تحت الأشجار ويلقي نظرة إلى الطاولات الأخرى ويشعر بسعة المكان. عندما عاد إلى مكانه حول الطاولة مس قدما فرفع طرف غطاء الطاولة ليعرف صاحبها ويعتذر له، فلقيته ابتسامة نهى. فهم أنها قدمها فانحنى وجلس. واستمرت السهرة. لمَ الوقت إذا لم يكن للتألق في الحديث، للوجد والفرح بالشباب الذي يعيش هنا على سجيته واهما بأنه يصنع القدر، وأن الهزيمة موقتة! كان قيس شابا ساحرا برشاقته، بغربته، بأسنانه الناصعة، بنظرة عينيه. يزيد في سحره أنه عبر المعتقل والسجن! حول نهى أشخاص حفظوا قصائده. فكيف لاتهواه؟ وهو؟ وراءه الشعراء العرب، أبو نواس والخيّام والشرق الذي يرتعش من الوجد في نسيم الليل الرطب وتحت القمر. وراءه الشوق الشرقي العريق إلى الحب العاصف، والغزل بالمرأة! وماذا يناسب مثل هذا الليل الساجي في أول العمر غير الحب؟ ليت في جيبه صورة حبيبته لتدفئه كالجمرة في المنقل! مرّ ببيتها قبل أن يأتي إلى مقهى السلوى، وعبر إليه سياج الزيزفون والبساتين. وسيمرّ به في العودة. ستكون قد غفت في هذا الليل. ويستطيع إذا تسلق الحاجز أن يطل على نافذتها. هل درست دروسها واستقبلت صاحباتها ثم غفت في فراشها قرب النافذة؟ لتنم وهو ساهر يرفل في المساء مع نساءٍ عيونهن عليه! بعد منتصف الليل تحركت المجموعة وسبقته خارجة من المقهى، ونزلت الدرجات إلى الشارع. تأخرت نهى حتى صارت قربه. همست: غدا في العاشرة في حديقة السبكي! حديقة السبكي على بعد خطوات من بيتها وعلى بعد خطوات من بيته. بستان واسع لم يأخذ بعد شكل الحديقة. يعبره نهر يسبح فيه البط. فيه بقايا مرج وعلى تخومه البساتين. وجدها تنتظره. ياللهفة اللقاء الأول! يالزهو الرجل المرغوب الذي تسعى إليه امرأة حلوة! إلى أين؟ استخفتهما الرغبة المتوهجة. وصلا إلى الربوة، عبرا جسرا صغيرا فوق بردى ومشيا على الضفة الأخرى بين شجر الحور، اختارا مكانا كثيف الشجر بين فروع بردى التي تتسلق الجبل. وهناك اكتشف بياضها. نعم هناك! تحت السماء بين الأنهار والأشجار، وبردى وفروعه بينهما وبين الطريق العام! تساءل، هل يخطر لليلى مثل هذا اللقاء؟ سترتعش حتى من خيال يصور لها ذلك! هناك بكت نهى، بكت من قلبها، فارتعش. سألها: مابك؟ قالت: لأني أذوق الحب لأول مرة في عمري. كانت رحلة طلاب الجامعة إلى عين الخضراء بعد ذلك. أغرى بها ورق الشجر النضر، والتبولة التي ستكون جاهزة هناك، وبردى الذي يتدفق على بعد أمتار من الفيجة قويا وصافيا، والشباب. جمعت الرحلة ليلى ومديحة وفوزي وغادة وعمرا. تفرجوا على الصخور المذهلة على جانب، وعلى الوادي الذي يجري فيه بردى من الجانب الآخر. في مثل هذه اللحظات لايسعف غير الرسم. ليت ليلى تستطيع أن ترسم روح تلك الصخور التي لاتزال تحفظ كهوفا مقصوصة بدقة! وروح ذلك الوادي المزيّن بشجر الحور على ضفاف بردى! والتكية التي تتوقف قربها الرحلات المدرسية والجامعية دائما، ذاهلة من اللقاء بين الصخور والماء! وقف الباص في الطريق الضيق أمام المغارة التي ألفتها ليلى منذ رافقت أمها إلى هناك أول مرة ذات ربيع. للرحلة مسؤول يُتعب رأسه بتنظيم السفر والعودة وحركة الباص، ولمن بقي المتعة! قطع الطلاب الطريق إلى المقهى الذي ينساب فيه النبع شفافا رائقا على الحصى. قال فوزي: ياللمصادفة! رأى قيسا جالسا مع محمد وبعض الرجال إلى طاولة في المقهى. وقف قيس دهشا. ومشى إلى أصحابه الذين تناثروا في المقهى نفسه، وانصرفت مجموعة، منها ليلى، إلى النبع. همس محمد متابعا نظرة قيس: أتلك هي ليلى؟ ولم يكن في حاجة إلى ذلك التساؤل فقد رأى كيف نهض قيس وهو يقول لمرافقيه: يوجد هنا توت سياج! يتذكر بلده؟ قال له محمد: قم تفرج عليه! ولم يقصد قيس توت السياج بل قصد ليلى. وقف يتأملها وهي تمدّ يدها إلى الماء البارد الصافي وتحرّكها فيه. بقيت هائمة في الماء زمنا. ثم نهضت فرأت قيسا أمامها. تقيمُ هنا، أم كنتَ معنا في الباص؟! ياللؤم! أقيمُ هنا؟! أتيتُ قبلكم، واولئك أصحابي معي! وضعت غادة ذراعها في ذراع ليلى وجرّتها إلى النهر. كان يتدفق سريعا وقويا. لابد أنه بارد تنشق البطيخة إذا وضعت فيه! ألا ترين تلك السلة التي صفّت فيها القناني وربطت إلى الشجرة وسط الماء؟ انصرفت ليلى إلى أصحابها، ووجد قيس نفسه ضائعا فرجع إلى أصحابه. لكنه غيّر مكانه فجعل وجهه إلى الطاولة التي جلست ليلى إليها. كيف مرّ الوقت وهو موزع بين جماعته وجماعة ليلى؟ فاح اللحم المشوي، وارتفعت رقائق الدخان، وأخرجت طناجر التبولة التي حضّرها الطلاب. حمل فوزي صحنا منها إلى قيس: ذق! تركت ليلى مكانها مع غادة ومشتا وحدهما خارج المقهى ولم يجسر قيس على اللحاق بهما. مشتا على سكة القطار بين أشجار باسقة لاترى منها الشمس. ثم حادتا عنها إلى الضفة ووقفتا على جذع شجرة ثخين ينحني نحو النهر. قالت غادة: ليلى لاتتحركي! سآخذ لك صورة! فأمالت ليلى رأسها على الشجرة وابتسمت. نعم، هكذا! ستكون الصورة حلوة! هاتي الكاميرا ياغادة لألتقط لك صورة! خذي! وضعت غادة يدها على خصرها، وأعطت وجهها كله إلى الكاميرا مستندة إلى جذع الشجرة. الضوء قليل جدا، الضوء أخضر ياغادة فهل ستنجح الصور؟! تركتا النهر وصعدتا إلى الجبل خلف المقهى وتسلقتا الصخور. كان صوت الطلاب فقط يشوش الهدوء الممتد على الجبال والوادي. ماأحلى الدنيا ياليلى! وماأعجب ألا ننتبه إليها إلا في رحلة أو نزهة، مع أنها حولنا دائما، وهي هناك كلما أطللنا من النافذة! فلنعِد أنفسنا بأن نبتعد كل أسبوع عن البيوت كي نتحرر من ضيقها! لعلنا نستعيد ماشعر به الإنسان القديم الذي عاش وسط الطبيعة ونضارتها وألوانها! عندما رجعتا كانت أسياخ اللحم المشوي توزع ويفرغها الطلاب برغيف الخبز كل في صحنه. رأى قيس ليلى تكتفي بسيخ واحد، وتشرب اللبن. وقال لنفسه: تعبّر الطريقة التي يتناول فيها الإنسان طعامه عن روحه! تتذوق ليلى لقمتها، وتتذوق ماترشفه. أما ذاك الشاب فيبتلع طعامه كأنه يريد أن يملأ معدته! عندما تركت ليلى الطلاب وخرجت مع عمر وفوزي ومديحة وغادة لحقهم. دعا فوزي قيسا عندما رآه قربه: تعال، امش معنا! مشوا أولا على هامش الخط الحديدي مستمتعين بخطوات واسعة على عوارض السكة الحديدية. ثم رأى ليلى تصعد إلى السكة وتنشر ذراعيها وتمشي متوازنة.. ثم تنزلهما ولايختل توازنها. دعت غادة لتسير موازية لها على السكة وأمسكت كل منهما بيد الأخرى، فأسرع وصعد إلى السكة ومدّ ذراعه. يالقيس! ضحكوا. لكنه مشى مع ليلى وهما يمدان ذراعيهما فوق السكة وليلى سعيدة تحت الأشجار الباسقة. ضحكت على مسمع النهر وظلت تمشي. قالت سعيدة: سأصل إلى بيروت! ليتني أصل الآن إلى بيروت! لن ينسى قيس أبدا تلك النزهة المغسولة بنور أشجار الجوز الباسقة الخضراء، وبصخب مياه بردى على جذوع الأشجار! هل بدا له أن لكل مقطع من الزمن نكهته وعبقه، وأن لاتشابه بين الأيام؟ بقيت ليلى تسير على السكة وتخلّف عنها فسقط. ضحكت وظلت تسير حتى شعرت بأنها صارت وحدها فتركت السكة، ورأته يتقدم الجميع وراءها. صفقت: ربحتُ! هل يقول لها إنها كسبت مالم يخطر ببالها؟ كأنها مزقت نجاحه بالأمس مع نهى! وأظهرت له أن الروح قد تمتلئ وترتوي دون القرب بين جسمين! ونهى ياقيس؟ يوم عاد مع نهى من ضفة بردى في ذلك اليوم كان مزهوا. وتسلل إلى العلاقات السرية بين زوجين، اكتشف أنانية الرجل الذي يتناول المرأة كأنها صحن طعام جاهز ليأكله. وتعلم إبهار المرأة بتعبدها في هدوء. استمتع بتفتحها كالوردة ورقة، ورقة. ورأى كيف يصبح الرجل معبودا بحب المرأة. اكتشف ذلك الفن وهو يمارسه فكانت كل خطوة فيه توصله إلى خطوة بعدها. استمتع بمعرفة المرأة، باستنشاق عبيرها، بملمس بشرتها، بتأمل عنقها وصدرها وخصرها. وعلّمها كيف تكتشفه وتعنى به. هل كان مابينه وبين نهى حبا؟ لابد أنه كان نوعا من الحب! ماذا يسمي العودة إليها مرات؟ بينهما معرفته وجهله! بالرغم من علاقاته بالنساء كان يظن أن الطفل لايولد إلا من الحب بين رجل وامرأة. فسألها عندما اكتشف غياب الحب بينها وبين زوجها: كيف ولدت طفلتك إذن؟ آه ياللجاهل، بالرغم من تلك الفنون في الحب! عرفت نهى أنه يحب ليلى! من لايعرف ذلك! لكن مافائدة حب لايُخمد لوعته؟ تسقط فنونه المبهرة عند عتبة بابها فيقف أعزل مجردا من زهوه! هل سيكفيه طوال أربعين سنة عبق الصابون الذي هبّ منها يوم عانقها أمام مخزن في بيروت! سيظل ملمس بشرتها الحارة عالقا على جلده طوال ذلك الزمن. وسيتضور وهو يتحرك مع نهى حرا طليقا، وكل حركة منه منتظرة. وسيتساءل بعد سياحته في العالم الواسع، بعد أن فهم أن الرجل لايستطيع أن يصوغ حتى امرأته، بعد أن فهم أن الأرض التي زها فيها وصرف فيها عمره ليست بلاده، ألم يكن ذلك كله هوى ضائعا؟ ولكن أكان يمكن أن تصغي ليلى إليه يومذاك وتفهم رغبته فيها؟ أكان يجب أن يمضي ذلك الزمن كله كي تفهمه؟ يقول مالك حداد: أكان يجب أن نجرب تلك الآلام كلها كي نفهم مافهمناه فيما بعد؟ وهو؟ أكان يجب أن ينجز أخطاءه ومغامراته كلها، كي يفهم أنه مع ليلى فقط يمكن أن يكون كما يتمنى؟ ستلاحظ صاحبة البيت العلاقة بينه وبين نهى، فتخزها بكلماتها: نساء اليوم يتركن بيوتهن ويلحقن الرجال! ولن يعلّق قيس على ذلك. لكنه سيقول لها يوم يعرف أن مديحة وفوزي وعمرا وليلى سيزورونه: سأستقبل زوارا أعزاء علي. إذا آذيت أحدهم بكلمة واحدة لن أبقى في بيتك دقيقة واحدة! ستدخل ليلى مع أصدقائها إلى أرض الدار فيرون صاحبة البيت ونهى وقيسا حول البركة. يالحظ قيس السيء! بعد انتظار طويل جاءت زيارة ليلى هكذا! جلست ليلى مع زملائها وتفرجت على شجرة المشمش الهندي. بدت له كمن يزور أرضا عامة، مركزا ثقافيا! ولم يخطر لها أن تتسلل إلى العلاقات المعقدة بين الأشخاص الذين جلست إليهم! ماالذي كان يشغلها؟ آه، كأنها تملك المدينة والدنيا! ستلتقي نهى بقيس بعد أربعة عقود. ستخابره وسيدعوها إلى المطعم. سمنت، لكنها تعنى بوجهها وملابسها. ستحدثه عن أولادها وزوجها المتوفى. ثم ستبوح له: مارأيك في أن نضع خبزتك على جبنتي ونعيش بقية حياتنا معا! لدي مايكفينا من المال! انسابت في المطعم أغنية فيروز التي حملها له أحد زواره العرب وسمعها فأثارت فيه الشجن، وأعادته إلى يوم بعيد، يوم سمعت المرأة التي كانت معه في ذلك اليوم لغة لاتفهمها، ومع ذلك شعرت بأساه وفهمت بالحسّ مالم تفهمه باللغة. وخمّنت أن الأغنية تذكره بزمن بعيد وأمكنة عزيزة. نهض قيس يومذاك ورقص وحده على ايقاع الأغنية. وهاهي الأغنية نفسها هنا بعد عقود! وهما اثنان فقط من الثلاثة: هو ونهى، لكن الغائب الحقيقي هو الزمن! يندر الهوى الذي تحتضنه الروح، ويعمّر خارج زمانه ومكانه فيصبح جزءا من القلب ومن نسيج الروح! لو عانق قيس مئات النساء فلن يعرّف إلا بليلى المحجوبة عنه، ليلى التي أنشدها في فلاة البادية. وسيعتبر كل مامرّ به عارضا طارئا كأنه من البحث عن الهوى المفقود، عن السلوى، أو من حقوق الرجال في معرفة الحياة. كأن المرأة البعيدة عن الحب هي الطريق إلى معرفة الحب! هاهو مع نهى في مطعم يستعيدان الزمن القديم. فليكن! ماأجمل الذكرى! من المطعم اتصل بابن صديقه العزيز، وطلب منه مفتاح شقته. هل أنتظرك في الشقة ياعمي، أم أترك لك المفتاح تحت سجادة الباب؟ دخل مع نهى إلى غرفة النوم. نقلت الفراش إلى الأرض. خلعت ثيابها ونشرت نفسها لتتلقاه. أقبل نحوها كأنه يستعيد الفتى الذي تركه على ضفة بردى في الربوة. في تلك اللحظة، وهي تراه قادما إليها بقامته انتبهت إلى مايجب ألا تنتبه وقتذاك إليه. قالت له في حنان: أنت غير محظوظ ياقيس! مسّه حنانها فسألها: لماذا؟ قالت: لو كنت محظوظا لتزوجت ليلى! أتعرف أنك تناسبها؟! يالخطئها! ربما لم يبال بما قالته لو سمعه قبل أربعين سنة! لكنها الآن تعلن له مافقده. ابتعد عنها. طار السحر. حاول أن يستعيد نفسه. وحاولت أن تساعده. لافائدة! لبس ثيابه! فليعترف بأن ليلى حبيبته وأنه لم يعد قادرا على بذل نفسه إلا في ذلك الحب! لايعرف متى يمكن أن يلتقي بها أو كيف. لكنه مؤمن بأنهما سيلتقيان ذات يوم. هل فهم في تلك اللحظة أن الجنس دون حب، دون ثقافة، دون حياة روحية غنية وتفاهم رائع، فساد ولو كان شرعيا بالزواج؟ لم يستطع في تلك اللحظة أن يصوغ ذلك في تعبير موجز لأنه يكون رمى سنين من عمره. رضي بما أقنع به نفسه بأن المرأة عنصر مهم في حياته. تبيّن في يوم متأخر أن كل لهفة لغير حبيبته كانت مهدورة من روحه. وسيجد الصياغة المقبولة: معها كل شيء مختلف، ودونها لايوجد حب. ماكان قبلها كان كرصف الدرب إليها. لكنه لن يفكر بأن ماضاع منه هو أيامه الجميلة، أيام انتصاراته ونجاحه، أيام نزهاته وقوته وأسفاره، غاباته ولياليه، صداقاته وجولاته. ومابقي هو مساحة صغيرة فقط في عالم لم تعد سماؤه واسعة. عرض عليه صديقه صورا! احزر أين كان هذا؟ ياللشباب! في الصورة قيس وحوله نساء يعانقنه! وصل صديقه يومذاك من عمان، فذهبا إلى ملهى الطاحونة الحمراء. كان الملهى في بوابة الصالحية، قبوا دون نوافذ، تنزل بدرجات إليه. يستقدم فرقا راقصة، ويسلط عليهن أضواء ملونة، وتبدأ السهرة فيه بعد منتصف الليل. كانت الفرقة يومذاك مجموعة من نساء يونانيات. وكان مكاريوس قضية يحملها العرب. هل كتب ريتسوس يومذاك قصيدته القرنفلة الحمراء عن البطل الذي قاوم الاحتلال الإنكليزي! لم يصل الشعر والشاعر يومذاك كما وصل كزانتزاكي فيما بعد! وصل مكاريوس! دعا قيس مع صاحبه الفتيات إلى طاولتهما، وشربن معه، وأحطن به. وكان هناك مصور يسجل للرجال تلك الانتصارات. نساء في حضن رجال. نساء يعانقن رجالا. نساء ينهمرن على رجل! انظروا، أنا المرغوب المحبوب! أكان يومذاك قادما من عند نهى أم من عند عدالة؟ حدث ذلك في تلك الأيام نفسها. لماذا كان يظل بعد كل امرأة يستزيد بأخرى؟ لايرتوي إنسان إلا بذروة إنسانية تصغر بعدها جميع الذرى. بحب لايترك فسحة لحب آخر. هل فهم منذ البداية أن حبه الحقيقي فريد، لكنه بعيد. ولذلك كان يهرب منه. حبي الذي ضيعته زمنا... قال لصديقه: لكن هذه "مستمسكات"! كيف لم ينتبه في جموحه إلى تلك الصور؟ كان مشغولا برفع الكؤوس: "فيفا مكاريوس" هناك في "علبة الليل"! ياللجنون! لو نُشرت تلك الصور لما كانت هناك حاجة للحكم عليه بالسجن المؤبد وبالتجريد من الجنسية! كان يكفي أن تنشر في جريدة: "تفضلوا، هذا هو المناضل الذي يعترف أصحابه "الثوار" بأنه مسؤول عن نقل الأسلحة وتخطيط الثورة المسلحة وقلب نظام الحكم في البلاد"! "فيفا مكاريوس"! أكان ذلك معقولا؟! ولكن أليس ذلك لأن للرجل مساحات مباحة لايدان فيها مهما فعل، هي تلك المساحات التي يجتمع فيها المتعادون والمتناقضون والمتقاتلون، ويتماثلون فيها؟! لاتجلد نفسك! ألم ترافق النقابي الصلب، إلى البيت العمومي في المزة؟ يُعترف للرجال بحاجات يجب أن يلبّوها! لا أسخر! لكني لاأعترف بذلك! لاتجلد نفسك! أنت بالرغم من فرادتك ابن هؤلاء. وابن زمنك. لو لم يظلموك لتدفقتَ في مسارك نهرا هادرا عريضا. لكنهم سلبوك المكان والزمان. طاردك طرفان متعاديان، معا! وطاردك زمنك. في هذه البلاد يمكن أن تهدر نفسك في دهاليز الحب السرّية. ولكن ممنوع أن تسكب نفسك في هوى يدفع بلادك إلى الحضارة. أنت شخص وضع على الدريئة لأنه متميز وجذاب وذكي. لم تحبك النساء فقط. أحبك الرجال. وضع مارد الخير في القمقم في هذه البلاد، وترك مارد الشر حرا. وبعدك وضعت منظمات وحركات وتجمعات على الدريئة نفسها. قتال شوارع، صراع إخوة وحلفاء، صراع بلاد شقيقة، قتال متنافسين.. وليفنوا هناك! من فني، من قتل، من استشهد، من طرد من الأحزاب، من قتل في السجون، من فتت في الزنزانات؟ الأشرار وغير الموهوبين، التافهون واللصوص؟ أبدا، أبدا! لاتجلد نفسك! جلدوك، فهل ساعدتهم فبددت نفسك؟! ستسجل الوثائق التي سيفرج عنها بعد عقود أن السفير الأمريكي في دمشق، جيمس مووز، من السفراء الذين اهتموا بقلب النظام السياسي في سورية في السنوات الخمسين. كان ايزنهاور قد عبّر عن مصالح شركات النفط التي ترى النفط العربي مصالح ستراتيجية أمريكية. سورية طريق النفط إلى البحر الأبيض المتوسط، ولا يقبل أن تكون متميزة عن الأنظمة المجاورة فتهدد تلك المصالح. أسقط نظام مصدق، ويمكن إذن إسقاط النظام السوري! كان نشاط مووز والملحق العسكري في السفارة الأمريكية وأفراد المخابرات المركزية، الزوار والمقيمين، في ذلك السياق. بيّن مووز في مذكراته إلى الخارجية الأمريكية أن سورية تتجه إلى اليسار، ويعني ذلك أنها ستدور في "الفلك السوفييتي". افتتاح جناح الصين الشعبية في معرض دمشق الدولي من الإشارات إلى ذلك. وكان شارل مالك، وزير الخارجية اللبناني، يؤكد في لقاءاته بالمسؤولين الأمريكيين "خطر الشيوعية" على سورية ويتمنى انقلابا أمريكيا يغير الحكومة السورية. ونوري السعيد يعرض تدخل الجيش العراقي في سورية. في ذلك المجرى حدث العدوان الإسرائيلي على المخافر السورية، وقتل المالكي، وحدثت الاتصالات بقيادة القوميين السوريين، وبميخائيل اليان، وبالشيشكلي. عدّلت بعض تلك الخطط، وفشل بعضها، لكن احتمال الانقلاب المناسب بقي ممكنا. مع ذلك سيسجل السوريون السنوات الخمسين كمقطع من الزمن عرفوا فيه المنافسة الحرة في الانتخابات، والمؤسسات الدستورية، وحريات الأحزاب، وتنوع الصحف. وسيقول عمر ساخرا بعد سنوات، عندما يتذكر الحفلات الفنية التي حضرها في معرض دمشق الدولي: يبدو أن مديحة كانت خطرا على سورية لأنها أمّنت لنا بطاقات لحفلات المعرض! ويبدو أن مووز لم يكن راغبا في أن نتفرج على جناح الصين الشعبية وأن نرى أفلاما سوفيتية! فهل رأيتِ ياليلى أكثر استبدادا من الأمريكيين؟! كان معرض دمشق الدولي فرصة لمديحة تزهو فيها بما أنجزته البلاد الاشتراكية. حتى قال لها عمر: يامديحة، لاتستعيري قوتك من معسكر عالمي كبير ذي وزن اقتصادي وسياسي وعسكري! فهمت أنه قصد أن يثير غضبها وردّت عليه: بل أضيف قوته إلى قوتي، لأنه يسند بلدي! وفي الثقافة أراه مركز رؤية وفنون أخرى! لم نعد محجوزين للغرب، ياعمر! ردّ عمر في جد: صحيح يامديحة! يوسّع هذا مساحة الحرية لنا. لكني أخشى الذين لاينظرون إلى البلاد الاشتراكية كأحرار بل كعبيد! تمنى عمر أن يلمس رأس مديحة ويحدثها كأب رحيم. بدت له نقية الروح، صادقة. يجب ألا تجرحها خيبة. فهل يستطيع أن يقسو عليها بتأملاته؟ بل سيقدّمها لها كهدية تستدعيها وقت تريد. لذلك امتد بينهما حوار طويل. يامديحة هذه دول عظمى ذات مؤسسات عبرت الخطأ لتصل إلى الصواب. صارت الأفكار الإنسانية الكبرى فيها واقعا مجسدا في علوم وفنون وسياسة ذات هوية محلية. المسألة لنا، ونحن في بلاد فيها أهواء واتجاهات ومرحلة أخرى من التطور، كيف نجعل الأفكار الإنسانية أصيلة، متصلة بهويتنا الوطنية. يزيد صعوبة ذلك أنكم دون مؤسسات قوية، وأنكم بدأتم كحماليّ أفكار غربية، وكأنكم تريدون أن تفصّلوا مجتمعا لها لاأن أن تفصّلوها لمجتمع عربي حيّ. أعتقد أن الموافقة على قرار تقسيم فلسطين كان أكثر من كارثة لكم. لأنها سمحت للناس بأن يتصوروا أنكم ممثلو الاتحاد السوفييتي هنا بينما يفترض أن تكونوا ممثلي وطنكم هناك. لاأتهمكم. بل أقدر أن تلك المسائل صعبة. فالأفكار لايملكها بلد معين ولا يملكها من استنتجها أو صاغها. لم يولد طموح الإنسان إلى العدالة بماركس، بل وصل إلينا بمسار طويل من العلوم والفلسفة التي ساهم فيها العرب وعبّرت عن معاناة البشر. الأصالة إذن هي المسألة! هي فهم الحياة في مكان وزمان، وفهمها في سياق التاريخ! ولايستطيع ذلك إلا الموهوب بجذوره العميقة في وطنه، وبفهم حاجاته والإخلاص له في تصوف. مع ثقته بأنه يملك الأرض كلها، ومع ايمانه بحقه في كل تقدم إنساني فكري أو علمي. وبأنه حرّ لاتستعبده حتى المنظومة الفكرية التي اختارها. لأنه يفهم أنها ليست ثابتة جامدة. وأنها مسددة لخدمة الناس لالكي يعبدوها. يامديحة، ماأيسر أن نصبح وجوديين يرددون صيغ سارتر، أو أن ننشد "اللامنتمي"، أو أن نكون بوهيميين! فذلك يعني أن نتناول ملابس خاطها آخرون لقاماتهم لالقاماتنا. ألم تلاحظي أن المسيح في إفريقية أسود؟ لبست المسيحية لون البلاد التي انتشرت فيها. ألم تلاحظي، بالرغم من صعوبة ترجمة الشعر، أن بابلو نيرودا قدّم للأفكار الإنسانية روحا أمريكية لاتينية؟ المسألة إذن أننا مسؤولون عن إغناء رصيد الأفكار، بأصالتنا وإبداعنا. المسألة أن نفهم أنها رؤية وليست صيغا مغلقة، بل بوابات للاجتهاد وإمكانية للحرية. استمعت إليه مديحة. كم يشعر بعمق بقيمة الحرية! هل هذا ثمرة تأملاته خلال سجنه في تدمر؟ انتبهت مديحة إلى الحنان في صوته. كم يجب أن تقرأ كي تعرف مايعرفه! ومع ذلك يجري شعورها بعيدا عن وصاياه. لن تحجب عن روحها ماتستمتع به في المعرض. لكنها ستفكر فيما بعد بما قاله! هكذا أمّنت مديحة لعمر وغادة، وأحيانا لليلى وفوزي بطاقات للحفلات الفنية في معرض دمشق الدولي. هذه فرقة فنية سوفياتية، وتلك فرقة بلغارية للرقص والغناء! ولاتنسوا فيروز! تفرجوا على راقصة الباليه ايرينا تيخوميرنوفا! سمعوا أغنيات بلغارية شعبية. رأوا ملابس الفلاحين الزاهية ورقصات صانع الفخار، وعيد القرية. قالت مديحة في اعتزاز: فرح وحب وعمل. والإنسان هو المحور! الفن الذي نراه ثمرة مؤسسات فنية وطراز في الحياة. ينفق المجتمع على المجموعات الفنية، لتربي روح الإنسان وذوقه! هذه هي الاشتراكية! في هذه الأيام يزور وفد من المجمع العلمي العربي في دمشق الاتحاد السوفييتي ويطّلع على المؤسسات العلمية ويرى المخطوطات العربية. نقيم صلات جديدة بعالم كان محرّما علينا! لم يخترق ذلك العالم الستار الحديدي، بل نحن الذين اخترقنا الحاجز المرفوع حولنا! صفقت مديحة للمغنية البلغارية التي غنت: آه يازين! وخرجت في الليل الساحر عابرة مدينة المعرض. سورية مطوقة.. لكن المجلس النيابي السوري وطلاب الجامعة السورية والناس رفضوا الأحلاف العسكرية. ولبنان أيضا يقاومها. قتل الطالب حسان أبو اسماعيل في المظاهرات هناك. ترتب في لبنان انتخابات لمجلس يقبل حلف بغداد. لكن ذلك لن يحدث! أين سيستقر الأردن؟ هل سيساهم في تطويق سورية؟ لا، سيقاوم الشعب الأردني ذلك! تحتفل سوريا بمقاومتها. هذه الحفلات الفنية التي تفرجت عليها مديحة أكثر من حفلات فنية عادية. هي احتفال بعالم يتفتح ويتحدى المشروع الاستعماري. نعم، المعرض احتفال! في الجناح الصيني فيلم صيني. وفي الجناح الهنغاري فيلم هنغاري. الصوت سيء، والترجمة موجزة. لكن مديحة تأملت الفن المختلف عما ألفته. أمس تفرجت على معرض الفن السوفييتي في المتحف الوطني قرب الجامعة. كم مرة زارته بين 26 أيلول و16 تشرين الأول؟ تغمض عينيها وتستحضر لوحة "مرسوم السلام" للرسام اوسينيف.. امرأة تحمل طفلا، بحار، وجندي، وناس يقفون قرب لوحة الإعلان عن المرسوم. طفل لايبالي بشيء. وجوه حية، وعواطف. في لوحة أخرى طفل أمام كتبه، وأصحابه ينادونه من النافذة ويغرونه باللعب! في المعرض رسوم الفنانين لقصص الكتاب الروس غوركي وتشيخوف وتولستوي. افتتح المعرض وزير المعارف مأمون الكزبري. حضر الافتتاح رئيس الوزراء والوزراء ومئات الناس. لذلك قال الوزير المفوض السوفييتي: حدث كبير.. لأول مرة في تاريخ سورية تعرض لوحات أساتذة الفن السوفييتي، وتقدم صورة عن تطور الفنون السوفيتية التي تستند إلى تقاليد الفن الوطني وتعبر عن حياة الشعب! استوقفت مديحة كلمة تقاليد. هل تصورت أن الجديد يجب أن يبدأ من صفحة بيضاء؟ يصححون لها خطأها! التقاليد عمق الشعب! ولكن في كل زمن يتغير إنتاج الإنسان. المهم أن يجمع المعاصرون ضوء العصور! نعم، تنقب مديحة عن الأفكار، تصححها، تتعلم، وترسخ ماتؤمن به! قالت لنفسها: غدا سأزور معرض الفن السوفييتي مرة أخرى مع ليلى قبل أن ينتقل إلى بيروت! يرافق المعرض فنانان سوفيتيان، سألهما أحد الصحفيين: هل أنتم أحرار في التعبير؟ ردا: لاإبداع دون حرية! غرقت مديحة سعيدة في زمنها. تكتشف الكتاب الكلاسيكيين الروس. تبحث عن مقالات ماركس عن الفن. تقرأ آراء محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس في الواقعية الجديدة. تقرأ أبحاث حسين مروة عن التراث. تتابع المعركة بين أنصار نزار قباني وخصومه "التقدميين" بعد قصيدته "خبز وحشيش وقمر". وتفكر عند كل فقرة: صحيح؟ خطأ؟ ولكن هل لديها أساس ثقافي يبيح لها الحكم؟ ماهذا؟ يزور أحد الأجنحة نواب ووزراء! يمشون إلى مسرح المعرض. في الفرقة السوفيتية عازفة كمان، وراقصة باليه ستؤدي مقطعا من بحيرة البجع. سيحضرون ذلك العرض، إذن! لابد أنهم قرأوا مقالة الصحفي الذي كتب أن حليمة ناصروفا غنت "حوّل ياغنام"، وأن ألاّ سولينكوفا غنت "ياغزيل يابو العبا"! استوقفت مديحة دهشة الصحفي: كلمة فنان محترمة في الاتحاد السوفييتي وليست في معناها هنا: أرتيست! ضحك عمر وقال لمديحة: لابد أنه يرتاد ملهى الطاحونة الحمراء وملهى شهرزاد حيث ترقص "الأرتيستات" ويسألهن: أنغاجيه؟ عبرت مديحة دروب المعرض المضاءة المغمورة بأغنيات فيروز. مرت قرب النوافير التي سكبت عليها الأنوار. كم مرة فحصت الكتب والأسطوانات السوفيتية واللبنانية حتى صار صاحب الكشك يعرفها ويحييها؟ مشت كالمنتصرة. يسهر الناس مثلها. يستمتعون بليل دمشق الرطب وبالمشي في شوارع نظيفة هادئة يمنع رمي القمامة فيها ويجمعها زبال يقرع لهم جرسه. في مقهى الهافانا يجلس أحمد الصافي النجفي ويلقي شعره على الشباب من زملاء مديحة. ويدخن وصفي القرنفلي الأرجيلة ويحضّر قصيدته التي سيرد بها على قصيدة نزار قباني "خبز وحشيش وقمر". يمر هناك ميشيل عفلق والحوراني والسياسيون الموجودون في الوزارة الآن وغير الموجودين فيها. لكل منهم طاولته في الهافانا أو في مطعم سقراط أو الصفا أو بردى أو مشرب فريدي. يتوقف ميشيل كرشة وجاك وردة في المكتبة العمومية مقابل الهافانا ويختاران فراشي الرسم والألوان وكتب الفن. هذا كتاب عن بيسّارو في واجهتها! في الجمعية السورية للفنون حاضر نظيم الموصلي عن شاعر بولوني، وفي منتدى سكينة ألقى شكيب الجابري مقطعا من روايته الجديدة أفاميا، وقرأت إلفت الإدلبي قصة من قصصها الشامية. وفي الندوة الثقافية النسائية احتفي بوداد سكاكيني العائدة من مصر! مشت مديحة كالمنتصرة. لم تجلس هي في برلين إلى طاولة بابلو نيرودا، وأمادو، وناظم حكمت، وآنا سيغرز، وأراغون وشولوخوف، لكن هذه النخبة في العالم تكتب الأدب الذي تهواه مديحة! مشت كالمنتصرة. نشر سارتر مسرحية نكراسوف التي يكشف فيها من يعادي اليساريين. وأعطيت جائزة نوبل للروائي لاكسينيس، من ريكيافيك. انتقد رئيس الأكاديمية السويدية اتجاهه الماركسي لكنه قدّر أسلوبه ومنحه الجائزة! يهبّ على الدنيا نسيم تشعر به مديحة على بشرتها! وصل إلى سورية ميثاق كتّاب مصر الذين كان بعضهم في السجون المصرية. كتبوا إلى عبد الناصر: باسم الكتاب من مختلف الاتجاهات والآراء والمذاهب الأدبية نعلن إجماعنا على تأييد بيان الرئيس جمال عبد الناصر الذي أكد فيه رفض مصر للتدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية، وحرصها على سياستها الاستقلالية وحريتها في التبادل التجاري وعلى المشاركة في حماية السلام. وقع الميثاق طه حسين، عبد الرحمن الشرقاوي، عبد القدوس، السباعي.. أغلقت في مصر مجلة الغد. وانطفأت مجلة الرسالة. وكتب يوسف السباعي: "حملة الأدب في سبيل الحياة إرهاب ويجب أن نحاربها بحملة إرهاب أخرى. أيها الزملاء هلموا وابدأوا الحملة الجديدة لإنقاذ الأدب"! لكن كتاب مصر وفنانيها يستنكرون حلف بغداد: طه حسين، سلامه موسى، نجيب محفوظ، ألفريد فرج، الشرقاوي، بهاء الدين، عبد القدوس، السباعي، عودة، عوض. تنهض آسيا وإفريقية. يدعو الكتاب السوفييت إلى مؤتمر لكتاب آسيا وافريقية. وتتألق الهند واندونيسيا وسيلان، وسورية ومصر. سورية الصغيرة ذات اسم في العالم. هل تمشي مديحة سعيدة بذلك أم بليل دمشق والمعرض؟ عبرت مديحة مقهى الهافانا و"كبانية" الترامواي، ثم عبرت مقهى الكرنك. على بابه وقف رجلان يبحثان عن قيس. هاهو قيس! تعال، سترافقنا إلى بيت الشيخ محمد الأشمر، زعيم حي الميدان، أحد رجال الثورة السورية الذي يدعوه الرجعيون الشيخ الأحمر! لكن هل يجسرون على أكثر من ذلك؟ رياح العالم ليست مواتية لهم، بل لنا! كانت مديحة قد ابتعدت عندما خرج الثلاثة من المقهى. مشوا إلى ساحة المرجة. منها سيركبون الترام إلى الميدان ليبلّغوا الشيخ الأشمر أنه منح جائزة ستالين للسلام. سورية هي التي مُنحت الجائزة! وصلت مديحة إلى البيت متأخرة. كانت أمها تستمع إلى الراديو. سألتها: أعجبتك الفرقة الفنية البلغارية؟ أعجبتني ياأمي، أعجبتني! تفرجي عليها غدا! سألتها: تعشيت؟ نعم، أكلت مع زملائي في مطعم المعرض. دخلت مديحة إلى غرفتها. كانت تتمنى أن يكون فوزي بين زملائها الذين زاروا أجنحة المعرض وحضروا الأمسية الفنية! لكنه دائما مشغول. يعجبها أنه يقرأ كثيرا. وهي أيضا يجب أن تثقف نفسها! على طرف طاولتها كتب: الحرس الفتي لفادييف، شارع السردين المعلب لشتاينبك، فارس الأمل لجورج أمادو، الشيخ والبحر لهيمنغواي، الفولاذ سقيناه، مصير إنسان،المعطف، قصة رجل حقيقي، بطل من هذا الزمان، ترجمات تولستوي ودستويفسكي وتورغينف وتشيخوف، تحت أعواد المشنقة ليوليوس فوتشيك، هنري أليغ والجزائر، كارل ماركس لهنري لوفافر، عرس الدم للوركا، في الثقافة المصرية لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، كم يجب أن تقرأ لتعرف الدنيا، وكم هذه الكتب ممتعة! فوق ذلك ستحضر الأفلام السوفيتية، مدرسة جديدة مذهلة بإتقانها ومهارتها وصدقها. قرأت اليوم قصيدة البياتي وأنشدتها كأنها من انتصاراتها: عيني في عينيك ياوطن العقيدة والكفاح والنار في قلبي وفي يدي السلاح أحمي حدودك من صغار النحل ياوطن الأقاح. لماذا تساءلت: صغار النحل؟ النحل رمز الخير والدأب! لكن من ينقد البياتي في هذه الأيام؟ في كل عدد من الثقافة الوطنية له قصيدة! بعد سنوات ستتساءل مديحة دون أن تشعر بأنها ترتكب إثما: كيف يكتب شاعر عشرين قصيدة من برلين في أسبوع؟ وستضحك في موسكو مع زملائها من قصيدته عن "المرأة التي هجرتني مع أول رجل ابتسم لها"! جلست إلى الطاولة، وقرأت مرة أخرى قصة عبد الله عبد الشريطة الخضراء التي نشرتها الثقافة الوطنية. أغلقت المجلة واستعادت القصة. نعم، يمكن أن تهب حياتها كيلا يكون البؤس قدر صبيّة! أليس مدهشا أن يهب الإنسان في بساطة حياته والعمر ممتد، وأن يتردد وذبالة العمر فقط أمامه؟ لم تستطع مديحة أن تغلق قلبها على أفراحها. فخابرت ليلى وتحدثت معها نصف ساعة عما رأته في المعرض وماخطر لها. سمعت أمها ضحكتها وهمسها. وفي بيت ليلى التفتت منور إلى ليلى وأدهشها أن ابنتها تستطيع أن تضيع نصف ساعة في الكلام مع رفيقتها مع أنهما لابد أن تلتقيا غدا صباحا. وقالت لنفسها: ماأحلى الشباب الذي يتصور أن العمر لاينفد! في تلك الليلة كانت منور ساهرة تشتغل بالخيطان والإبرة غطاء لطاولة لم يطلبه أحد منها. وتتساءل هل ستعجب ليلى ذات يوم بشغلها وتضعه على طاولة في بيتها؟ لديها من القطع الصغيرة عشرات، خبأتها لليلى. اقترحت عليها واحدة منها فقالت لها ليلى: أين أضعها؟ لامكان لها في غرفتي! فبلعت منور خيبتها. ذات يوم قد تبدّل الدنيا ذوق ليلى. قد يصبح شغل الإبرة موضة كما كان في شباب منور! ولكن هل كانت منور تصنع فقط أشكالا جميلة قد تستعمل ذات يوم؟ كانت تقتل قلقها على ليلى! حول هذه البنت زملاء شباب، لكنها لاتفهم أنها يجب أن تختار واحدا! لاتفهم أن الزمن يمضي كالومض وهي مشغولة عنه. لو أنها تحب شابا من هؤلاء وتتزوجه وتنجب ولدا! فكرت منور بالأبناء الذين يتزوجون ليرضوا آباءهم. بالأبناء الذين يضحون ليفرحوا أمهاتهم. لا، لاتقبل منور ذلك! لكنها تتمنى أن تكون كجاراتها اللواتي يحملن أحفادهن ويستقبلن أزواج بناتهن! ماالذي دفعها إلى تلك الأفكار؟ أن ليلى تأخرت عند رفيقتها غادة وستعود في الليل وحدها، بينما كان يمكن أن تعود مع الرجل الذي يحبها؟ يامنور، هل تؤمنين بأن الرجل حامي المرأة وحارسها، أنتِ التي رفضت حراسة بهاء؟ عندما دخلت ليلى إلى البيت في ذلك المساء امتلأ بروح صاخبة. فتحت ليلى أبوابا وأغلقت أخرى. تدفق الماء في الحنفيات. فتحت البراد في المطبخ وأطلت: ماذا لدينا؟ ضحكت دون أن تضحك وسرى في الغرف وهجها. طارت هواجس منور! لكن هاهي ليلى تدخل إلى غرفتها وتغلق بابها ولاتخرج إلا لتردّ على تلفون مديحة. سمعتها تعلن لها: اسمعي، غدا لدي وقت. سأزور المعرض مع غادة! إذا أردتِ الحقينا! كان معرض دمشق الدولي كحديقة ينساب فيها صوت فيروز عن خريف دمشق الذهبي وقت يقطف العنب والتين. كتب صحفي لبناني يومذاك عن المعرض: المعرض مهرجان. بنات دمشق يلبسن أزهى ملابسهن ويأتين إلى المعرض. يقصد الشباب المعرض ليتفرجوا على النساء الجميلات. الطاولات مشغولة في مقهى عازار، وقد لاتجد حتى طاولة في الخلف. على ضفة بردى أجنحة المعرض، أعلام تخفق، أنوار، نوافير، وصوت فيروز. نشر نداء الكتاب العرب إلى كتاب العالم: "تتعرض بلادنا سورية لخطر عدوان مبيت"! مشروع ايزنهاور وحلف بغداد. لكن المعرض عيد، بالرغم من الخطر! مشت ليلى مع غادة في المعرض. في الجو رطوبة نيربين دمشق، وأشجاره المكتظة حتى الربوة ودمر. المعرض مساحات من العشب بينها أجنحة دول ومقاه ومسرح. ناس يتجولون بين الأجنحة، أنس دون زحمة. صوت فيروز يسري رائقا عذبا. فيروز رفيقة السنوات الخمسين، ونشيدها. يأتي الزوار من لبنان ومن المدن السورية. من له في دمشق قريب ينزل عنده. يتبين الزائر أن الطبقة الوسطى هي السائدة. لها المقاهي والمعرض. قامات مرتبة، نظيفة، مستريحة، بسيطة الملابس. يتوجس الناس من عدوان، لكن يبدو أنهم هم الذين يقررون قدَرهم. مشت ليلى مع غادة. استوقفهما مصور فوقفتا له في مرح أمام نافورة ماء وابتسمتا. هل شعرت ليلى بأن المكان الذي تمشي فيه هو مرجة الحشيش التي تفرجت فيها على أول عيد للجلاء، واستقبل فيها أهل الشام أول طائرة نزلت في دمشق في بدايات القرن العشرين؟ على بعد أمتار كان نور الدين الشهيد يلعب البولو، وكانت الخيول المريضة تكلأ في هذا الوقف حتى تموت. هل تشم ليلى نفسا من التاريخ يهبها الشعور بأنها قوية وخالدة؟ هنا حضرنا ياغادة تأبين عدنان المالكي واستمعنا مع كثير من طلاب الجامعة إلى قصيدة الجواهري: خلفت غاشية الخنوع ورائي وأتيت أقبس جمرة الشهداء وهنا بدأت ليلى مع زميلاتها في الجامعة التدريب على السلاح في المقاومة الشعبية أيام العدوان على السويس. تفرجت ليلى مع غادة على معرض للفن السوفييتي في المتحف الوطني على بعد خطوة من الجامعة. وحضرتا خلال الأسبوع أفلام "غرام بعد الظهر" و "إجازة في روما". كم أعجبتهما اودري هيبورن النحيلة ذات القميص الأبيض، وبريجيت باردو الفاتنة! مشت الشابتان، قامتان أقرب إلى النحول كقامة اودري، بساطة في الملابس ورشاقة، تعبير بريء وصريح، أحلام بالحب ورومانسية، وثورة على الغنى. الالتزام بالوطن لهما اختيار لاأمر! المَثَل: جميلة بو حيرد ورجاء أبو عماشة! ياللشباب! عبرتا مقهى المعرض وتوقفتا أمام كشك يبيع الكتب والأسطوانات. انتقت ليلى كتاب تشريح، وأسطوانات. واختارت غادة بعض الكتب. انظري ياغادة! هذه كتب تهمّ مديحة! فارس الأمل لجورج أمادو، دور الأفكار التقدمية في تطور المجتمع لكوستانتينوف! البؤساء لفيكتور هوغو، الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي، أرخص ليالي ليوسف إدريس، أفول القمر لجون شتاينبك. ماأرخص الكتب! من خمسين قرشا إلى ليرتين! في ذلك اليوم كانت الأرملة التي يسكن قيس في بيتها قد دعت فتاة مع أسرتها إلى المعرض. صبية لم تنه المدرسة بعد، حلوة العينين، ممتلئة القامة، بطيئة الخطوة. لابد أن تعجب الفتاة وأهلها بقيس ولابد أن يعجب قيس بالفتاة! من لايحب عنفوانه وروحه القلقة! تنظرالأرملة إليه, هي نفسها، ولاتدري هل تحب فيه رجلا تمنته ولم تجده، أم ابنا لم ترزق به. تُعنى به، تقدم له الفطور وتغسل ثيابه. حقها إذن أن تخطب له فتاة مناسبة! وقت مرت ليلى بالمقهى كان قيس قد سحر الفتاة وأسرتها بكرمه وحديثه، وكانت الفتاة قد انتبهت إلى رشاقته وسمرته وكبريائه. بهرتها أسطورته. لايسحر الفتيات في هذه الأيام الغنيّ، بل المنفيّ! ولم يكن حولها أي رجل آخر. فعادت مع أهلها وهي تتمنى أن يسألوها هل تقبلينه. هل كان قيس يستمتع بإعجاب الفتاة به وبرضا أهلها عندما مرّت ليلى بالمقهى؟ دار رأسه من نضارة الفتاة ومن رضا أهلها به. لكن بقي في قلبه فراغ واسع! كأنه واقف على جرف! مرت ليلى أمامه مع صديقتها. ياللمصادفة! كأن ليلى لاتريده أن يهنأ بالوهم! راقبها وهي تعبر المقهى مشغولة بالدنيا، ابتسامتها على عرض وجهها، كأنها تملك الحياة القادمة والماضية! انزلقت مع صديقتها إلى النوافير وأغنيات فيروز وضفة بردى في الليل الرائق. لو يستطيع أن يمسك بها! شعر بشوق جارف إليها، لن تطفئه أية واحدة من الفتيات اللواتي يقصدهن. لكنه لن يعترف بذلك إلا بعد أن يستنفد عمره. في المقهى نفسه جلس زياد مع أصحابه على بعد خطوات من قيس. نهض عندما عبرته ليلى وتبعها خطوات من بعيد. رآها مشغولة بالأسطوانات والكتب فرجع إلى أصحابه. لو يستطيع أن يحمل عنها الأسطوانات التي اشترتها! هل ستنتبه ليلى إليه ذات يوم كما تنتبه إلى زملائها؟ كان زياد يقصد الجامعة أحيانا ليرى ليلى وهي تدورمرات في الحديقة مع أصحابها بين الدروس. يبحث عنها في النادي ويجلس إلى طاولة يتأملها منها. يميز النظرة العاشقة إليها. يعرف محبيها الذين لاتعرفهم هي نفسها. قال له أحد الإخوان المسلمين من أصحابه: ليتها تتزوجني! فكاد يرد عليه مداعبا: صرنا اثنين! نهضت ليلى إليه مرة عندما رأته في النادي وهمست له: لماذا لايلمع شعرك يابريانتين، مع أنك تعجب زميلتي غادة؟ ردّ هامسا: لأنها ليست الشابة التي أريد أن أعجبها! هزّت ليلى رأسها ساخرة: لن يفيدك الخبث! فرأى ذلك مداعبة بين أقرباء، وقال لنفسه: سأنتظرها! لاحظ زياد أن قيسا عبس كأن ليلى سلبته أفراحه بعبورها المقهى. فابتسم وأمتعه أن يحادثه بينه وبين نفسه: أنت أيضا تريدها؟ ياقيس، فلنترك ليلى سعيدة بصديقاتها ومدينتها وزمنها! لايمكن أن يملأ رجل فقط حياتها! الدراسة والعمل، والأصدقاء هم الذين يملأونها! صحيح، لاحياة دون حب، ياقيس! لكن الحياة ليست الحب! هناك سيكون فرحها وشقاؤها. لكن انتبهي ياليلى، يسهل أن تحكمي حياة محدودة ترتبينها. لكن الحياة الكبرى يحكمها الزمان! فهل تسلّمين مصيرك لرياحها؟ مشت ليلى وغادة في شوارع الليل. أمان. قد يرمي شاب لهما كلمة غزل لكنه لايجرؤ على أكثر من ذلك. لو فعل لردّه المارون. يعرف الناس بعضهم بعضا في مدينة صغيرة. ودّعت ليلى صديقتها ومشت وحدها. وصلت إلى شارع محفوف بالأشجار. ستعبره طوال دراستها في الجامعة كما عبرته طوال دراستها في المدرسة الثانوية. أطربها الهدوء وفوانيس الطريق. وهاهي على باب بيتها! كأن ليلى نفضت عن قيس لحظة الوهم التي استمتع بالاستسلام لها. لن يخطب الفتاة التي قدمتها الأرملة، ولن يخطو خطوة أخرى نحو أهلها. لكنه استعذب تلك الساعات في المقهى، وبدا كالطاووس الجميل الذي نشر ألوانه الزاهية الفاتنة. فلماذا مرّت ليلى في تلك اللحظة؟ كأنها سكبت عليه سطل ماء بارد! نهض من المقهى، واندفع إلى بيتها. رآه مظلما. دار حوله: لاضوء! تقدم إلى مدخل البناء حذرا، وجد غرفة صغيرة في طرفها عدادات الماء. ماأصغرها! ومع ذلك قرر أن يختبئ في انتظار ليلى. خاف أن يهدأ غضبه قبل أن تصل. كوّم نفسه وانتظرها. أين تتجولين ياليلى حتى الآن؟ كان يعدّل وضعه عندما سمع ضجة الجيران. دخلوا إلى البناء. سمع الرجل حركته فقال لزوجته: ماهذا؟ ردت: لابد أنها قطة! مع ذلك اقترب من الغرفة الصغيرة فتكوّر قيس، وانطوى، وانثنى. ابتعد الجار لكن قيسا ظل يسمع دقات قلبه. وبدا له أنه سمع حفيف أحد أضلاعه. وبقي ينتظر ليلى محتضنا ألما في ضلعه سيلازمه العمر. وصلت ليلى أخيرا! هذه خطواتها. قفزت على الدرجات فخرج قيس من مخبئه. جفلت. كيف؟ لماذا؟ أغلق الطريق عليها. بدأت تغضب: كان يمكن أن تزورنا كالناس المهذبين! ماذا جرى؟ تسأله هذه الظالمة ماذا جرى؟ أخرج من جيبه زجاجة ويسكي مبسطة وشربها دفعة واحدة أمامها. أذهلها؟ هل تنتحر؟ هل تظن أن هذا يحبب بك؟ ابتعد، ابتعد قبل أن أكرهك! كيف تركها تدخل بيتها في خفة؟ أضاءت النور. بهذه البساطة تفلت منه ولايقول لها إنها دمرت أفراحه في هذا المساء؟ ياللمتكبرة! اقترب من بابها ونظر من ثقب المفتاح. خيل إليه أنها تدور سعيدة. تطير ولايستطيع أبدا أن يمسك بها! طرق الباب. لم تفتحه. طرقه مرة أخرى، ثم طرقه بعنف. فتحت غاضبة. لن أقول لك مرحبا إذا لم تنصرف حالا، حالا! كانت مستسلمة لما تركه المساء عليها من عبق ورطوبة، فلماذا يفسد سحر هذا المساء؟ كانت تريد أن تغفو على ذلك. لامكان لعواطف أخرى هذه الليلة! لم تأت بعد ليالي الأرق الطويلة! ابتعد قيس غاضبا. ولام نفسه لأنه اختبأ في غرفة الدرج الصغيرة وجعل نفسه في حجم قطة، هو الذي سيبدو دائما لمحبوباته في قامة شاهقة. شعر بعطش. لأنه شرب الويسكي دفعة واحدة؟ لا، لا! سيظل العطش يلازمه كأنه يريد في الدنيا شيئا لايطاله! فبالرغم من علاقاته بالنساء اللواتي لن يستطيع أن يحصيهن سيشعر دائما بأنه لم يأخذ الحب الذي تمناه! ملأت أذنيه كلمات ليلى: ابتعد عني! ابتعد! لكنه استعاد ملمسها المخملي وهي تدفعه عنها، واستنشق رائحة طفل عابق بالصابون والحليب، وهفّت عليه رائحة بشرتها التي تفوح بالياسمين. وسيستعيد في السنوات الطويلة التي سيفقدها فيها ذلك العبق، وسيبدو له أن رائحتها لاتشبه رائحة أية امرأة أخرى. سيشم كلما تذكرها رائحة الياسمين. هل يتصل بذلك اليوم الالتباس بين صورة بقيت في ذاكرة قيس، صورة طفل نصف عار رفعه جندي راجع من الحرب العالمية الثانية فوق رأسه في فيلم، وبين ليلى التي حلم قيس بأن يرفعها على يديه كذلك الطفل؟ رجعت منور في ذلك اليوم متأخرة بعد اجتماع طويل في الهلال الأحمر. وكانت قبل الاجتماع قد ساعدت المرضى، ونظّمت استقبالهم عند الأطباء، وأعطتهم أدوية مجانية. وبحثت مع الطبيب: كيف نؤمن لهم الأدوية التي ليست لدينا؟ لابد من التفكير في قائمة طويلة من الأطباء المحسنين ومن الأصحاب والأصدقاء. إذا لم تحمل الدولة همّ هؤلاء الفقراء فلابد أن يحمله مواطنوهم! وهل ننتظر مساعدة الدولة حتى يموت هؤلاء المساكين؟ يوم أمر جميل مردم بإطلاق الرصاص على المتظاهرين وكان منهم معتصم، ابنها، حملت نساء الهلال الأحمر الجرحى إلى المستشفى. قالت منور لنفسها فيما بعد: لابد أنهن هن اللواتي نقلنه إلى المستشفى الوطني حيث رأته آخر مرة! ألم يكن ذلك أيضا مادفعها إلى هذه المنظمة الإنسانية؟ وجدت منور في الهلال الأحمر نساء العائلات الدمشقية. قالت لها ابنة الحسيبي: مهمة هذه المنظمة في بلاد الدنيا أن تستقبل أحزان الناس، ومهمتها في بلادنا أن تستقبل فوق ذلك أحزان الوطن، وإلا فما ضرورتها؟ هكذا استقبلت اللاجئين الذين سرق الصهيونيون بيوتهم وأراضيهم ومدنهم وثرواتهم وهجّروهم من فلسطين! وزعت عليهم الحليب والحلاوة والزيتون. وجمعت لهم تبرعات من أصحاب المعامل. منذ بدأت منور عملها معهم، كانت المساعدة العينية هي المفضلة لها. فقابلت أصحاب معامل الحلاوة وطلبت منهم التبرع للاجئين، وقدمت لهم وصولات ذات أرقام متسلسلة وقّعت عليها باسم الهلال الأحمر. لم يتردد أصحاب المعامل في التبرع. صادفت تاجرا واحدا قال لها: كان يجب أن يبقوا في بلادهم ويدافعوا عنها! طار عقلها: فلسطين ليست لسكانها فقط. فلسطين بلد عربي! ولنا فلسطين جنوب سورية! فهل تطوعتَ للدفاع عنها؟! انتبه الرجل عندئذ إلى أنها في ملابس سوداء. وحاول أن يعتذر فنهضت من مكتبه: لن أشرّفك بالتبرع لفلسطين! انشغلت بغيره فنقلت أكواما من الشراشف القطنية المحجّرة البيضاء، سجلتها النساء ووزعنها. استقر اللاجئون فيما بعد. لكن منور عادت إلى العمل في الهلال الأحمر بعد مرضها ووجدت دنيا واسعة تحتاج عملها وتتضاءل فيها مصيبتها الشخصية. في بعض الأحيان خيل إليها أنها تصل المحسنين بالمحتاجين الذين لايعلنون عن أنفسهم. ويوم ستتذكر عملها في الهلال الأحمر ستجد أنه تغير بما يناسب الأحداث، وأنه أبقاها في وسطها موصولة بضحايا المأساة. كان الصمت من سمات ذلك العمل الإنساني، بالرغم من أنه يخفّ في الأحداث إلى الضحايا. فلا يعلن إلا عندما تكون المساعدة لبلد عربي يعاني من زلزال أو وباء. لكن منور لن تكون حية يوم تواجه المؤسسات الإنسانية مصيبة واسعة تتجاوز طاقتها على المساعدة: آلاف البيوت التي هدمها الإسرائيليون في رفح ودير البلح وجنين وغزة، وسيارات الإسعاف التي طحنوها بدبابتهم أو أصابوها برصاصهم، والمدارس التي هدموها بصواريخهم، والمستشفيات التي تحتاج أدوات طبية وأدوية. ولن تكون منور حية يوم يقصف المحتلون الأمريكيون الفلوجة بالطائرات الحربية، ويحتلون المستشفيات في النجف، ويحاصرون بعقوبة، فتحزم مؤسسات الهلال الأحمر المساعدات الطبية لهم في انتظار الإذن الأمريكي الذي لم يأتِ أبدا.. ولم تكن في اليوم التالي أقل تعبا. وشغلها أنها لم تطبخ طعاما متنوعا يغري ليلى بالأكل مع أن ليلى كانت تحضّر امتحانات المادة التي أجّلتها إلى أيلول. كانت عائدة من زيارة الفقراء الذين طلبوا مساعدة طبية وأدوية. وخيل إليها وهي تمشي في شمس الخريف أنها تكرر الجزء الأخير من حياة جنة خاتون التي رعت الفقراء في مطلع القرن العشرين. فتساءلت: كيف بقي هذا البؤس أكثر من نصف قرن بعد موت تلك الجدة التي كانت تصلي الفجر في الأموي، فتبعت حفيداتها خطاها؟! أيعقل أن يتقدم البؤس وينحسر الرفاه؟ من يأخذ إذن اليسر الذي نسمع الحديث عنه والتبجح به؟ كانت منور متعبة، وليلى تؤدي في الجامعة امتحانا، ويفترض أن تجد غداءها وقت تعود. جلست منور لتستريح قبل أن تطبخ الفول الذي الذي أعدته ليلة الأمس. كانت تلتزم بأن يكون الغداء دائما جاهزا والصحون على الطاولة والسلطة حاضرة، قبل أن تعود ليلى من الجامعة. ولم تكن تدري هل تلتزم بذلك لأجل ليلى أم لتحفظ عادة قديمة تذكرها ببهاء وتوهمها بأن الحياة تستمر كما تركها. حلمت خلال تلك اللحظات بأن ليلى ستكون الطبيبة التي ستلجأ إليها منور لتنجد فقراء ليس لديهم أجر الطبيب. وبأن ليلى ستؤمن لهم بنفوذها الدواء. في تلك اللحظة وصلت ليلى مع رفيقتها مديحة. وكان يفرح منور أي ضيف تأتي به ليلى. ألايقدم ذلك سعادة لها ويضيف صوتا إلى البيت. لكنها تقول لنفسها: كان يمكن أن تخبرني ليلى فأضيف طبقا آخر! هذه عادتها! تفاجئني دائما بأصدقائها! اعتذرت منور: ياصبايا، لم أحضّر غير فول مقلّى وفتوشا وعجّة. كنت مناوبة في الهلال الأحمر! وروت شيئا عن الفقراء الذين وزعتهم على الأطباء، ورجت أطباء آخرين لايعملون في الهلال الأحمر أن يساعدوهم. لماذا تحدثت عن عملها وعادتها الصمت والتكتم عليه؟ كي تعتذر عن غداء سريع؟ قالت لها مديحة: خسارة ياخالتي، هذا جهد ضائع! كأنك ترمين تعبك في الشارع، لأنه لايثمر. رفعت منور حاجبيها دهشة: لايثمر؟ خسارة لمن ياابنتي؟ لي، ليس خسارة! لم أشكُ منه أبدا! ولماذا هو جهد ضائع إذا كان مفيدا لمن يتلقاه؟ ياخالتي، قصدتُ أنه لايغير الأوضاع الاجتماعية. لايغير حياة الفقراء. بل يساهم في تخديرهم بالمساعدات التي تقدمونها لهم. أنت ياخالتي تنفذين، دون قصد، مشروع الطبقة الغنية المستغلة التي تحتاج تخدير الفقراء وتخفي بوجهكم الإنساني وجهها القبيح. لذلك تتصدق عليهم بمساعدات لاتغير وضعهم. وهكذا تضحك عليكم وعليهم! فوجئت منور بلغة غريبة عنها. بقيت لحظة صامتة تتأمل مديحة. سألتها: من أين أتيت بهذه الأفكار، ياحبيبتي؟ في بلادنا تخفف الزكاة من ألم الفقير وتعينه. وتشعر القادرين بالتزامهم بغير القادرين. كان الأغنياء يضعون أكياس الرز والبرغل والقمح أمام أبواب الفقراء ويختفون قبل أن يفتح صاحب البيت بابه فيعرفهم. هذه حضارة ياابنتي، وهذه عواطف إنسانية يجب أن نفهمها! يبدو لي أني أحد الوسطاء الذين يوصلون تلك المعونات للناس. ياخالتي، المهم تبديل الوضع الاجتماعي، نسف النظام الاجتماعي. هذا فقط سيقلب حياة الناس التي لا تقلبها أبدا معونات طيّارة! يامديحة، ومن سيبدل الوضع الاجتماعي، من غير شر؟ نحن ياخالتي! نحن! الطليعة! أنتم من، يامديحة؟ ومادور الأجيال التي كانت قبلكم؟ تلك بورجوازية، ياخالتي! بورجوازية تعاونت مع الاستعمار أو هادنته. لولا الفلاحون والعمال والمثقفون لما كان الاستقلال. اسمعي يامديحة، لاتكتبي التاريخ على هواك! لم تكوني ولدتِ عندما تصدّرت البورجوازية معركة الاستقلال، وسجن فخري البارودي، ونفي رجال الاستقلال إلى أرواد والحسكة. من انتصر لثورة العقداء الأربعة في العراق؟ أنتم؟ من تطوع وقاتل الصهيونيين في فلسطين؟ ومن رأى أن الحرب في فلسطين حرب أهلية، ولم يفهم أنها حرب بين شعب عربي واستعمار صهيوني؟! جلست منور إلى الطاولة مع ليلى ومديحة، لكنها لم تكمل طعامها. مع أنها كتمت غضبها كما يكتم غضبه إنسان عاقل أمام طفل جاهل. قالت لليلى: كنت جائعة وقت عدت فأكلت قليلا قبل أن تأتي! سأحضّر قهوتي وأسجل بعض الملاحظات على العمل الذي أنجزناه اليوم. لم يخف على ليلى غضب منور. ومع ذلك لم تتدخل في حوار أمها مع مديحة. لكنها لامت مديحة بعد انصراف منور: كيف تقولين تلك الكلمات السخيفة لإنسان يهب وقته وقوّته لعمل إنساني؟ شعرت مديحة بأنها آلمت منور لكنها لم تشعر بأنها أخطأت. قالت: هذه ليست كلماتي بل كلام ثوار معروفين وفلاسفة مشهورين. كيف ترددينها يامديحة دون أن تفكري فيها وتفحصيها؟ فسرت لك منور ببساطة شيئا عن الزكاة ومسؤولية الناس عن الناس وأعجبني كلامها. قالت مديحة: هذه أساليب قديمة في البحث عن دواء لايشفي من الظلم الاجتماعي. مايجب هو أن نبحث عن دواء جذري للتناقض الطبقي بين الأغنياء والفقراء. وهذا لايمكن إلا بالثورة على الاستغلال الذي تمارسه البروجوازية. اف، يامديحة! الأفكار عندك دون روح! كأنك ببغاء زميلتنا قمر! ياليلى، هذه معايير عامة للمجتمعات البشرية، ولاعيب في تكرارها! أتعرفين ماذا يعبئ الأفكار بالروح يامديحة؟ هواء بلدها، عبق ترابه، شعراؤه وتاريخه. أنت ترين الأمور في مستوى اللغة المجردة فقط. عواطفك حلوة لكني أشعر بأنها غريبة عني. لابد من طريقة ما تقربها من الناس! ولماذا تظهرين كأنك تفكرين عن الناس وتقررين لهم مايجب أن يعملوه؟ ملأت منور حياتها بالعمل في الهلال الأحمر. وهاأنت تقولين لها ببساطة: خسارة! كأنك تقولين لها خسرتِ عمرك! حدثتني منور طوال سنوات عن الناس الذين ساعدتهم. كانوا بدلا من أبي وأخي، وكانت لهم بدلا منهما. وأرضاها ذلك. فكري بما فعلتِ! قلتِ لامرأة ساعدت الجياع في لبنان أيام الحرب العالمية، وقدمت لهم خبزها وقت كانت النساء يبعن بناتهن برغيف، ثم فقدت زوجها في الجليل، وفقدت ابنها دفاعا عن فلسطين، قلتِ لها خسارة! ومن أنت يامديحة؟ طالبة لم تقدم بعد لبلادها شيئا! خجلت مديحة. لكن بدا لها أن ليلى أيضا لا تفهمها. كيف يمكن أن تفسر لهما أن ماتريده لمجتمعها هو العدالة التي يتساوى فيها الناس؟ لايعيش الناس خارج بيت ليلى كما تعيش هي وأمها! لاتستطيع مديحة، شخصيا، أن تقتل الغني لأنه غني، ولكن ألا يجب أن يعاقب التجار الذين يستغلون الأزمات ويحتكرون قوت الناس؟ ألم يتملق التجار حسني الزعيم والشيشكلي لحماية تجارتهم؟ المهم عندهم المال، أما المهم عند مديحة فهم البشر! لكن من هم الأغنياء؟ التجار أم الصناعيون؟ أصحاب الشركة الخماسية، الذين ينتجون القمصان القطنية الطرية، والشراشف القطنية البيضاء المريحة، وقماش المقاعد والستائر الأنيق، والدامسكو السوري المشهور؟ ماذا تفعل بصناع الأغباني الفاخر الذي يشتريه السياح والغرباء والزوار العرب ولابد أن يكون لدى المرأة الدمشقية شيء منه؟ ستؤممهم؟ ستوزع على العمال أموالهم؟ من سيدير تلك المعامل بمهارة كمهارتهم ويستطيع أن يسوّق بضائعها مثلهم؟ هل سترمي مديحة خبرتهم في الصناعة والتسويق؟ لعلها لمست بخفة ماسيلعب بالجزء الأخير من القرن العشرين فيرفع شرائح اجتماعية ويمزق أخرى، ويحشد مجموعات المنتجين ويشعرها بأنها مالكة وطنها وقدرها، ويؤسس فئات طفيلية وفئات جلفة عالقة بها. لكن مديحة رجعت يومذاك إلى بيتها بأمرين تفكر فيهما. أحقا لم تقدم بعد لبلادها شيئا، لأنها ماتزال شابة؟ ألم تُفشل بالمظاهرات التي مشت فيها والعرائض التي جمعت التوقيعات عليها والاجتماعات التي حضرتها وبالتدريب في المقاومة الشعبية، حلف بغداد ومشروع الهلال الخصيب والمؤامرات على سورية، وتحرض الروح الشعبية على المقاومة؟ والأمر الثاني هو فلسطين. تعرف أن أي سوري لايقبل تقسيم فلسطين. وأن أي عربي يعرف أن المستوطنين احتلوا فلسطين تحت جناح الانتداب البريطاني. تعرف أن أي عربي يفهم أن وعد بلفور وهب أرضا عربية لايملكها لغرباء اوروبيين لاعلاقة لهم بها. ألم تمش في المظاهرات مع التلاميذ في ذكرى وعد بلفور كل سنة؟ لاتقبل أبدا موافقة الاتحاد السوفييتي على تقسيم فلسطين وموافقة الشيوعيين على تلك الجريمة! لكنها لن تجسر أن تسأل: لماذا؟ ولن تقول يجب الاعتراف بذلك الخطأ علنا! وسيبقى في ذاكرتها أن النقابي الذي دعت عمرا إلى اجتماع به اتهم أهل فلسطين بأنهم خونة فثار عليه عمر. ستمر سنوات طويلة قبل أن تكتشف ماسببته الموافقة على التقسيم من خلافات خسر فيها من لم يوافق على القرار السوفييتي، وعرف قوة النفوذ الصهيوني هناك، واستشف أن الصهيونية ستفتت المعسكر الاشتراكي ثم تلغيه. لكن غادة هي التي ستحمل لمديحة بعد عقود كلمة كتبها فرج الله وثبّتها أكرم الحوراني في مذكراته: "الديمقراطية الحقيقية تبرأ من الصهيونية.. الفلاح العربي والإقطاعي العربي حين يكافح الصهيونية ويدافع عن أرضه ووطنه هو أقرب إلى الديمقراطية والاشتراكية من أي صهيوني أو أي نصير للصهيونية ولو انتسب إلى أكبر الأحزاب الديمقراطية والاشتراكية في اوروبا وأمريكا". لكن غادة ومديحة لن تقدّرا أن ذلك المقطع الذي نشر في بيروت سيدفع قيسا إلى تأمل طويل. سيعيده إلى خلافه مع عرفان، وسيرى أن فرج الله كان يرد عليه وعلى من يماثله، ويسند رئيف خوري الذي أبعد لأنه رفض التقسيم. وسيبدو له أن فرج الله ينتقد النفوذ الصهيوني الذي تبيّنه قيس في البلاد الاشتراكية. وسيتساءل لماذا كتم الآخرون ذلك وباح به فرج الله؟ وسيقول كالحكيم العجوز: تجد الحقائق من يكشفها ومن يدافع عنها ولو بعد أزمنة طويلة. وسينتبه إلى أن الصهيونية كانت موضع خلاف بين اليساريين العرب يوم توهم بعضهم أن المستوطنين القادمين من روسيا اشتراكيين ولذلك هم أقرب إليهم من الإقطاعي العربي. أكدت ذلك الاتجاه بيانات اولئك الاشتراكيين الروس الذين وزعوها في مظاهرة في أول أيار في يافا فأشعلوا الصدام في المدينة العربية. وسيصنف ذلك، مع اكتشافات أخرى بينت له أن جابوتنسكي الصهيوني تدرب في الجيش الأحمر وتصور أنه يمكن أن يجعله حصانه. سيرى قيس أن "التاريخ يعيد نفسه" بشخصيات عربية تدافع عن إسرائيل باسم الديمقراطية فترى العرب ضحايا أنظمتهم وضحايا إسرائيل معا. وأن الديمقراطي الإسرائيلي كالديمقراطي العربي يواجه النظام الإسرائيلي والأنظمة العربية معا! مهملين مايسمى استعمارا واستيطانا! عرفت غادة يومذاك الحوار الذي جرى بين مديحة ومنور. ويوم تغدت عند ليلى قصدت أن تكرر لمنور أمام مديحة كلام أكرم الحوراني: "أدّت البورجوازية السورية بنشاطها الاقتصادي والتجاري والصناعي والاجتماعي والوطني والعربي خدمة للقضية السورية والعربية لاتقدّر بثمن. فهي التي قادت النضال الوطني في مواجهة الانتداب الفرنسي، وكان لها الفضل في تحقيق الاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبية عن سورية". ومع ذلك تصورت مديحة وغادة يومذاك أن هدف المؤامرات على سورية استبعاد اليسار. ولم تقدّرا أن تدمير البنية السياسية والاقتصادية السورية التي تكنز الخبرة والتجارب هو الهدف. وأن البورجوازية تقع وسط تلك الأخطار. وسيتذكر أحمد عبد الكريم فيما بعد أنه سمع غولدا مائير، خلال تأميم المعامل السورية، تحمل على البورجوازية السورية لأنها معادية لإسرائيل. وستكون من الأخطاء التي سيتبينها السياسيون متأخرين تصفية البورجوازية الوطنية وتأميم المعامل الصغيرة وتهشيم البنية التي كان يمكن أن تسند الاقتصاد الوطني والقطاع العام. وسيتبينون أن دمارها فتح المجال لطفيلية جشعة استغلت مراكزها السياسية وسحقت الطبقة المتوسطة، ولم تؤسس مشاريع اقتصادية مستقلة بل كانت شريكة مشاريع خارجية وهرّبت أموالها خارج بلادها. استمعت مديحة إلى غادة وقالت لها: أعترف لك بأن الجبهة القومية الآن حاجة وطنية. ضحكت غادة: رضيتِ عن البورجوازية أخيرا؟ نسيتِ أنكم سميتم فخري البارودي بورجوازيا عميل استعمار! علّتك يامديحة أنك لاتشعرين بقوة الروح التي تجمع العرب من الخليج إلى المحيط. تطبقين قوانين الاقتصاد بجلافة على الحياة، كأن البشر آلات تحتاج الزيت والمدير فقط. تهملين الروح التي جعلتنا ننشد "بلاد العرب أوطاني" في بلاد الشام. وننشد في المظاهرات "ياظلام السجن"، النشيد الذي أنشده المقاومون الفلسطينيون في سجون الاحتلال البريطاني في فلسطين! تجهلين هذا الإرث الطويل الذي تكنزه الروح العربية! ألم يجمعنا المتنبي والمعري وشوقي؟ نظرت مديحة إلى غادة كما ينظر الكبير إلى الصغير: اسمعي ياغادة! أنت مخلصة وطيبة. لكنك بورجوازية صغيرة لاتستطيع أن تحيط بحركة المجتمعات العظيمة. ستكونين مضطرة كشخص من الطبقة الوسطى إلى الاختيار، فيما بعد. فإما أن تصبحي من القلة التي ستصعد إلى الطبقة العليا، أو أن تصبحي من الأكثرية التي ستهبط إلى أسفل! لكن الفرز بدأ في السياسيين لديكم. صلاح البيطار غاب في أمريكا وكاد ينسى العودة! وهاهو بعد عودته ينظّر لتغيير الموقف من الولايات المتحدة ويرمي على العرب سبب جهل الغرب بقضايانا! كأن المسألة عواطف لامصالح! وكأنه يريد أن يبعد سورية عن الاتفاق والتنسيق مع الاتحاد السوفييتي! اسمعي يامديحة! لاتتنبئي بمستقبلي كأنك بصّارة برّاجة! أما صلاح البيطار فلست مسؤولة عنه وقد لاأوافق على تلوّنه. لكن أرجوك لاتتحدثي عن الاتحاد السوفييتي كأنك تملكين العلاقة به! ليس في مصلحتك أو مصلحته أن تظهري كجزء منه. نحن كبلد نريد العلاقة به. ألم تلاحظي أن اليمين كله رحب بالاتفاقية مع السوفيت، فصوّت في المجلس النيابي على الاتفاقية الشاملة معه؟ بل تحدّث اليمين عن خيبته في ألمانيا التي انحنت للضغط الأمريكي فمنعت قرض البنوك الألمانية لسورية، وعن تراجع الغرب عن بناء سد الفرات. تابعت منور حوار غادة ومديحة. وقالت ماستتذكره غادة ومديحة فيما بعد: ستصحح الحياة الأفكار التي ينثرها الإنسان في بساطة. قد يوفق المحظوظ فيستشف الحقائق دون خسارة. لكن ثمن الحقائق التي تكتشفها المجتمعات باهظ. أتمنى لكن يابناتي ألا تدفعن ثمنها الغالي! لكن تذكرن أن الإنسان قد لايجد في سهولة صديقا وفيا! لاتفرّطن بما تربيه أجمل أيام العمر، أيام صباكن! لاتتركن خلافكن على فكرة يدمر الصداقة! متى بدأت مديحة تشعر بأنها قريبة من فوزي؟ يوم عانت من جمع التواقيع على عريضة تطلب منع التجارب الذرية والقنابل النووية؟ قالت لفوزي يومذاك: تفرج! شطبت بعض النساء توقيعاتهن! وسألني بعض من اقترحت عليهم العريضة: ماعلاقتنا بالقنبلة الذرية؟ عندما يتضامن الغربيون معنا ضد المحتلين الإسرائيليين سنتضامن معهم ضد التجارب الذرية. وقال لي آخرون: لو قدمتِ لنا عريضة ضد احتلال فلسطين لوقعنا لك عليها! باح لها فوزي يومذاك: المهم عند أصحابنا أولا أن تمشي العريضة في الشارع ويألف الناس طرح هذه القضية العالمية. وثانيا أن نبين لمجلس السلم العالمي أننا جمعنا آلاف التواقيع وسجلنا مكانة عالمية! خشيت مديحة أن تميز السخرية من الجد في كلامه. ولم تستطع أن تقول له اعفني في المرة القادمة من مثل هذه المهمة! موّهت علاقتها به كزميل أنه ممثل هيئات عليا يغلفها الغموض بالقداسة. ولاحظت أن فوزي متحرر من الصيغ اليابسة. فعندما اقترح دراسة كتاب "تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي"، بدا كمن يبلّغ بأمر لايقنعه. سألته مديحة بعد أن خرجا من ذلك الاجتماع: لماذا لاندرس مثلا شيئا من تاريخ سورية؟ ردّ: ولماذا لانناقش مثلا الوحدة العربية والمواقف منها؟ أو مانتصوره لحل مشكلة فلسطين؟ فهمت أنها لمست تساؤلا يلوب في روحه. وستتبين فيما بعد أن فوزي كان أقدر منها على التساؤل لأنه حلقة تنقل تعليماتٍ مؤسسةً على ثوابت مستقرة مهما تباينت الظروف المحلية، وعلى أسلوب عمل معتمد عالميا. وكان يصعب أن تحرّك في مرونة. من التعليمات دراسة كتاب ستالين عن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، وكتابه عن اللغة. ودراسة كتاب أسس الماركسية اللينينية. ولماذا يامديحة؟ كي نبدأ من منظومة كاملة. فنعتمد أن الماركسية اللينية هي القادرة وحدها على تفسير العالم وفهمه. وأن الحزب الذي يتبناها هو حزب الطبقة العاملة والفلاحين الوحيد ولاحزب آخر معه. وكل مجموعة تعارضه هي تحريفية يجب أن تقمع وأن يشهّر بها. والتشهير دون رحمة من وسائل الدفاع الشرعي الذي تفترضه المسؤولية. من المسلّمات التي لاتناقش، إذن، أن أحزاب الاشتراكية الديمقراطية أحزاب خائنة. وفي هذا السياق تفسر التصفيات التي اعتمدها ستالين والقيادة السوفيتية، وتعتبر حكما عادلا على المنشقين ولو كان ذلك بتصفيتهم الجسدية. وبما أن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي قائد بلد الاشتراكية الأول فهو قائد عالمي تعتمد آراؤه وقراراته في المستوى المحلي. وتلتزم الأحزاب المحلية بالدفاع عنه بشكل مطلق لأنه سند حركات العمال والفلاحين والاشتراكية في العالم كله. لو سألتني رأيي لقلت لك إن كل مسألة من هذه المسائل تستحق أن تناقش في ظروف العالم الجديدة. فهل يحق للاتحاد السوفييتي أن يغير رأيه في البورجوازيات الوطنية ولايحق لنا التفكير في مايتجاوز ذلك؟ وكيف نتبنى القمع كأسلوب في تصفية الخصم هناك ونحن في بلاد تطلب الحرية ويجب أن تؤسّس عليها مستقبلها؟! وكيف ندرس تاريخ حزب بعيد عنا جغرافيا، ونهمل ثنايا تاريخنا المجهولة؟ ستعرف مديحة فيما بعد أنها بقيت على شاطئ النشاط العام الذي وضعها مع فئات متنوعة في مجرى حركة التحرر الوطني. وستعرف أن فوزي لم ينظر إلى تلك التعليمات ببساطة، بل فحصها مبكرا، ورأى ضرورة أن يستنبط أي حزب محلي سياسته من واقعه وحاجاته. وأمسك كدليل على ذلك اعتراف الأحزاب الشيوعية بتقسيم فلسطين. "موافقة الاتحاد السوفييتي على التقسيم، مشكلته! نحن كعرب لايمكن أن نتبنى ذلك الخطأ! لاتقولوا لي إن التقسيم حلّ استدعاه الواقع! ففي الواقع لم يكن اليهود أكثرية في فلسطين، ومع ذلك أعطاهم التقسيم مدنا عربية صافية ومناطق زراعية خصبة! خريطة التقسيم عنصرية استعمارية أول من اقترحها في أيام الانتداب لجنة بريطانية. يجب أن نعلن ذلك! ولو أكد سياق الأحداث أن الهدف لم يكن تثبيت دولة فلسطينية على أساس التقسيم. وتذكروا أن التقسيم وهب الاحتلال والاستيطان غطاء دوليا"! ظل فوزي خصما غاضبا يدين الموافقة على التقسيم ويرى ضرورة الاعلان عن خطأ الاتحاد السوفييتي يومذاك، وكل عربي وافق على القرار السوفييتي مخطئ! لذلك يجب ألا يدان من هاجم مكتب الحزب، ويجب ألا يعتبر شهيدا من قتل في المكتب! سيقال إن فوزي تبحّر في تقرير خروشوف السري إلى المؤتمر العشرين، الذي نشرته جريدة البعث. وسيروى أنه قال "ماتزال عبادة الفرد مرضا يهب القداسة والعصمة لأفراد ويمنع نقدهم. هذه التربية أفسدت القياديين وعلمتهم أن القاعدة خادمة لهم". سيقول فوزي، بعد عقود، إن قوة المنظمة سددت أحيانا لتقتص من أشخاص تميزوا بكبرياء منعهم من العبودية. ولم يوافقوا على تنزيه القائد كأنه قديس، وفكروا بضوابط تمنعه من أن يرعى أسرته في مروج القاعدة، ويفيد من موقعه السياسي ليجني المكاسب ويوزع الوظائف، ويضيع الحدود بين مال الحزب وماله الشخصي. لذلك سيتهم فوزي بأنه صاغ أفكاره المنحرفة من علاقاته ببعض العراقيين الذين حكوا له عن حادثة واقعية: رفض فهد وهو في السجن اعتراف الاتحاد السوفييتي بتقسيم فلسطين. وأرسل رسالة إلى حزبه يحذره فيها من الاعتراف بالتقسيم. وذكر بأن اليهود ليسوا قومية، وأن ميثاق الحزب سجل أنه ضد الصهيونية. لكن قيادة الحزب خارج السجن لم تصغِ إليه! سينتهي فوزي بعد عقود إلى اقتراح يطلب استقلال الحزب عن أية قرارات خارجية. وسيكون من المجموعات الاولى المتهمة بالانشقاق. لكنه سيكون أول من يوضح أن إلغاء المعسكر الاشتراكي خيانة عظمى، كسرت التوازن العالمي ورجحت العدوان الإسرائيلي في الصراع العربي الصهيوني. استمعت مديحة في الاجتماع الأسبوعي إلى فوزي. كان جدول أعمال الاجتماع الاستعداد لمهرجان موسكو. تحدث فوزي عن تلك المناسبة التي ستخرج فيها موسكو من أسوارها، وستنطلق فيها سورية خارج حدودها. ترى اللجنة التحضيرية أن يمثل وفد سورية اتجاهاتها الفكرية والسياسية والشعبية. سيكون وفدا قويا في مستوى الأخطار والمسائل الموضوعة أمامنا كبلد عربي مهدد بعدوان إسرائيلي أمريكي، وكمركز مقاومة وطنية يتقدم حركة التحرر العربية. سيكون في الوفد أعضاء في البارلمان، وفريق فني يقدم رقصات وأغاني شعبية، وفريق رياضي، وشخصيات سياسية وأدبية منهم فخري البارودي، وطلاب مستقلون، وممثلو أحزاب. مهمتنا أن ننتقي الطلاب المناسبين للمهرجان. يامديحة، أنت المسؤولة عن انتقاء الطالبات المناسبات! احمر وجه مديحة وقتذاك. هل تستطيع أن تتحمل هذه المسؤولية؟ هل هذا اختبار في ترجيح الحكمة على الهوى؟ جربت مديحة حتى ذلك اليوم دعوة الطلاب إلى اجتماعات عامة، كالاجتماع الذي تحدث فيه النقابي. أو الدعوة إلى احتفالات بمناسبات وطنية كعيد الجلاء. فهل يؤهّلها هذا لمهمة معقدة مثل هذه؟ لم ينتظر فوزي يومذاك رأيها في أن تقبل أو ترفض المهمة. لكنه لم يُظهر لها أنها أمر. قال لها وهما يخرجان من الاجتماع: انتقاء طلاب وفد سورية إلى مهرجان الشباب يتصل بالدفاع عن الوطن في هذه اللحظة. وأعتقد أنه يقع في هواك يامديحة! سألته مديحة: متى تريد أسماء المقترحين للوفد؟ ردّ: خلال أسبوع! يالهذه المهمة التي سيحاسبها عليها ضميرها! فالسفر امتياز يقدم شخصا على آخر! المسؤولية إذن سلطة. فهل انتبهت مديحة إلى مافي المسؤولية من قوة تقرر قدرا؟ وإلى حدّها الخطر الذي لايلجمه إلا الضمير؟ لم تفكر مديحة في السلطة التي تكسر حامليها وضحاياها أو تنقذهم. فأسطورة الحسن والحسين تبهرها، ورجاء حسن مَثَل قريب، كجميلة بو حيرد، وكالقسام الذي سعى إلى فلسطين وكان أول شهداء الثورة، ويوسف العظمة قبلهم. وكان الثوار الذين رأتهم في "التراجيديا المتفائلة" وفي "الطلقة الواحدة والأربعين" يسحرونها. المسؤولية لمديحة كما هي لاولئك! ليست البحث عن الوجاهة والمنفعة، بل أن تسبق الآخرين بالتضحية! مشت مديحة مع فوزي خطوات. وانتبهت إلى ربطة عنقه الطائشة. يحب ربطات العنق الأنيقة! ومنها يبدو أنه ميسور وكان يمكن أن يستسلم للدعة والغنى، فأبوه المحامي يؤمن له أكثر مما يحتاجه كطالب في الجامعة، حتى قيل: لم يبق غير أن يشتري له منذ الآن مكتبا وسيارة! قالت لنفسها: ليس جميلا، لكنه وسيم، وأنيق. ودّعته ومشت إلى نادي الجامعة. رأت ليلى تجلس مع غادة. فتساءلت هل خطر لها أنهما مناسبتان للوفد لأنهما صديقتاها أم لأنهما تستحقان ذلك؟ وأجابت: بل ذلك حقهما! ومشت إليهما. قالت لها غادة: سأستشير رفاقي! وقالت لها ليلى: سأفكر في ذلك! نهضت ليلى. لاتطيق الجلوس الطويل! كان قيس يجلس مع عمر إلى طاولة قريبة، فاقترح عليه أن يمشيا في الحديقة. تأمل ليلى من بعد. كانت تلبس بلوزا أبيض ترفع قبته. قال لنفسه كأنها اودري هيبورن في فيلم غرام بعد الظهر. مشى خلفها مع عمر، وتأمل كعبيها، وكاحلها، ورشاقتها، وشعرها الذي يتأرجح مع خطوتها. راقبه عمر، ثم جره إلى حديقة كلية الطب. كان قيس قد استدعي كي يرسل إلى مهرجان موسكو. ثم بدا مفيدا في أمر أكثر أهمية: الثورة المسلحة. فاستبقي. لكنه لن يشترك في ذاك ولافي هذه! لن يسافر مع العرب الذين سيسافرون من دمشق إلى اللاذقية! سيركبون الباخرة "جيورجيا" إلى اوديسا دونه، ويأخذون منها القطار إلى موسكو. تعلمت مديحة وزميلاتها الدبكة في بيت الفرقة الفنية السورية في جادة البارلمان، وقاست الثياب الوطنية التي ستظهر بها وقت الحاجة. رتبت في محفظتها الطقم الذي ستلبسه في افتتاح المهرجان. الوداع! لم تقبّل مديحة أمها. لايحتاج غياب أسبوعين إلى وداع. حبست أمها دموعها وهي تتأمل ظهر مديحة: الأسبوعان للشباب برهة. لنا ماأطولهما! لكن من يستطيع أن يحبس أولاده! الطريق حتى حمص أرض قاحلة. لكن الجبال فاتنة. بعد حمص اخضرت الأرض. فتفرجت مديحة على الأشجار والجبال البعيدة. هناك لبنان! وعندما بدا البحر قالت للسائق: لنقف قليلا! قفزت من السيارة ونشرت ذراعيها، وتنفست هواء البحر وسعته الزرقاء، وملأ البحر عينيها. تذكرت الرحلة المدرسية التي سهرت فيها في اللاذقية مع زميلاتها حول أستاذ الموسيقى وهو يعزف لهن على الكمان سيريناد شوبرت. في أواخر تموز سنة 1957 أبحرت الباخرة بالوفد السوري إلى مهرجان الشباب السادس في موسكو. كان في الوفد أكثر من أربعمئة وخمسين شخصا. من رصيف الميناء المزدحم صعدت مديحة إلى السفينة. كيف تعبّر عن هذا الشعور الذي يتداخل فيه الفرح بالاضطراب بهواء البحر الرطب بتأرجح السفينة؟ رأت فوزي أمامها: - مديحة أحتاجك قليلا! - هواء البحر مذهل! تأمل فرحها النضر. ماأحلاها في هذا الثوب الأبيض! تكاد تطير كحمامة! أية أفراح ستصخب إذن عندما تنطلق الباخرة؟ قال لها: - انتظري! لم نبحر بعد! سنبقى الليلة في الباخرة! تجمع الوفد أخيرا! وصل الفنانون، والرسامون، والسياسيون، والطلاب، ومجموعة من الإذاعة السورية! جلست مديحة في صالون السفينة مع لجنة التنظيم، إلى جانب فوزي. وزع الأمكنة على الوفد. هذه أخت أحد الضباط..! هذه بورجوازية..! هذه قريبة الوزير..! اقترحت ليلى تعديلات تجمع الأصدقاء وتباعد بين المتنافرين. وأنتِ يامديحة؟ بقي لمديحة سرير في الدرجة الثالثة. نزلت السلم الضيق إلى قمرتها. آه، سرداب فيه نافذة مستديرة يتأرجح البحر فيها! لن أنام هنا! صعدت إلى سطح السفينة وتمددت على كرسي. داعب هواء البحر وجهها. النجوم والبحر القاتم، وهدير السفينة، دنيا مدهشة! لو تستطيع أن تفتح لها كل ثنية في روحها! لم يهدأ فوزي. ومنذ أشهر لم يهدأ. تخرج سوريا إلى لقاء عالمي، وهي محاصرة ومهددة. النجاح الأول: الوفد! لايرى فوزي الحشو فيه، بل ينتبه إلى تنوعه، وشخصياته الثقافية والسياسية والفنية. تنظيم هذه المجموعة هو المهمة الثانية. تحريكها هو المهمة الثالثة! ولذلك تلزم الوفد لجنة تنظيم دقيقة وصبورة. يحلّ فوزي المشكلات الصغيرة دون أن يهمل المركزية. ويحاول ألا يُصدم من اكتشاف الطبائع. يشعر بأنه المضيف، فهل مديحة مثله؟ لاتهدأ مديحة في النهار. كأن مهمتها أن يكون كل من تعرفه راضيا! من وضع لك يامديحة تلك المهمة المستحيلة؟ لاتدرك بعد أن من الناس من يفسده الدلال! يامديحة، لاأحب هذا الأكل! وماهذا الكافيار الأحمر؟ هذا طعام فاخر! لاأحبه، يجب أن يجهزوا لي طعاما غيره! ماأكثر المشاكل الصغيرة! يدهشها أن يطلق بعض الناس أنفسهم على سجيتها كأنهم في بيت أهلهم! لاضوابط ولاحكمة! يستوقفها فوزي: مديحة، لاتبعثري نفسك! تشكو له: لايحبون الكافيار! فيرد: استمتعي به أنت وانتبهي إلى البحر! تنتبه إلى أبوّته وتلتقط نظرته إليها. تغمض عينيها وتقول لنفسها: مع أنه أكبر مني بسنوات قليلة! وقفت قرب حاجز الباخرة وانصرفت إلى البحر. يالعمقه! صرخت: حوت! ماأجمله! نظر إليها فوزي. وقال لنفسه لأول مرة: أنت الجميلة يامديحة! تأمل عينيها، وتابع نظرتها. وملأه هوى حزين. أسند ظهره إلى جدار الممر وهو ينظر إليها، ورسمها على الورق. هل هي هذه الخطوط؟ من يستطيع أن يرسم روحها المتوهجة، وبراءتها! من بُعد رآها تنزل لتتفرج على آلات الباخرة، تضع يديها على أذنيها من الضجة، تتحدث مع البحارة بالإشارة. في الليل مرّ ليطمئن عليها. فاكتشف أن بعض الفنانين يدخنون في مقدمة السفينة. لم تعجبه الرائحة. تحدث معهم وحلّ المشكلة! لكنه بقي قريبا من مديحة حتى الفجر. بأي فرح فتحت عينيها ونطّت إلى طرف السفينة: البوسفور! لمحت أشخاصا يمشون في طريق كالشريط الضيق. لوحت لهم مع أنهم لايرونها! هذه تركيا التي تهددنا؟ تركيا أخرى، ماأحلاها! لابد أن أجدادنا مروا من هذا المضيق، ولعلهم مشوا في تلك الطرقات! قال فوزي: نعم، أية خسارة في أن يقطّع ذلك التجمع الشرقي الذي كان اسمه الدولة العثمانية، فتبقى منابع الفرات في مكان ومجراه في مكان! أتيح لفوزي أن يعنى بمديحة عندما طرحها دوار البحر على الكرسي الذي لزمته في مقدمة السفينة. لاحظ دوارها منذ بدأ، وقال لها أسندي رأسك! حمل لها كأسا من عصير الليمون وحبوبا ضد دوار البحر. لاتقلقي، كل من في السفينة تقريبا مثلك! البحر الأسود! وأنتَ؟ أنا؟ لاحق لي في المرض! يجب أن أسند السفينة! ضحكت: تسند السفينة في البحر؟! أي استقبال في اوديسا! لايعرفنا هؤلاء الناس ومع ذلك تفرج على الحب! بكت فتيات عانقن مديحة، غرست فتاة بروشا من الكهرمان على قميصها. وقف شباب لتلتقط لهم صور معها. وضعوا بين ذراعيها باقات من الزهر. تعلمت كلمات: مير، دروجبا، وتفاهمت بهاتين الكلمتين مع الناس. مكانها في القطار السرير العلوي. ربطت خصرها بالشرشف كيلا تقع! لكن هل تنام والمحطات تمتلئ بالناس طول الطريق! يقف القطار فتنزل لتتناول الزهور والدموع والعناق والأغنيات. في القطار تعرفت إلى شاب روسي يدرس اللغة العربية ويرافق الوفد. اسمه ايغور سيمانتوفسكي. رأته يبكي في إحدى المحطات. يبكي؟ شدت يديه، وقررت أنه صديقها لأنه يحب العرب! هل تنبأت بأنه سيصبح سكرتيرا أول في السفارة السوفيتية في دمشق، ثم سيصفّى فيرمى من نافذة بيته في موسكو ويقال إنه انتحر! لاأحد يعرف بعدُ الغيب! المشروع الحي الآن، أفق واسع لمديحة ولهذا الروسي الذي يدرس اللغة العربية. وكل ماتراه مديحة الآن يؤكد ماتؤمن به: تربي الإشتراكية الإنسان بحب الشعوب الأخرى! لكن مديحة لاتلاحظ الخطر في براءة شعب تعوّد أن يصدّق ماتقوله له قيادته! في موسكو قال لها فوزي: لاتغيبي عني! فجلست قربه ولجنة التنظيم توزع الغرف. اقترحت مديحة تعديلات. وتكررت المشكلة: لاأريد هذه الغرفة! تبرعت مديحة بمكانها. شدها فوزي من يدها: أنتِ مثلهم، عضوة في الوفد! وتذكري، عندكِ غدا مقابلة في اللجنة المركزية للكومسمول! المهرجان ليل ونهار متصلان. فليكن! لدينا الوقت للنوم في بلدنا! لقاءات ثقافية. حفلات فنية. دبكت مديحة في الشوارع والحدائق، تفرجت على الباليه، زارت حديقة غوركي والمتحف الزراعي والكريمل ومتحف بوشكين ومتحف تريتياكوف. لبست خفا من اللبّاد فوق حذائها كيلا تتلف أرض القصور! "في مسرح هذا القصر كان يغني الأقنان". تسربت إلى بيوت الكتاب القدماء. رأت الطاولات التي كتبوا عليها، والأسرة التي ناموا فيها، والصحون التي أكلوا منها! انحنت لحرمة التاريخ. قال من كان معها في حدائق المدينة، وفي باخرة في نهر موسكو، وفي قاعات القصور: سنعود ثانية! هيهات، لايعود الزمان إلى الوراء! وكان سليمان العيسى يهزج كالشباب: "أرضي مع الزنبق، مع السوسن، تُنبت الثوار... بين الرايات المنتصرة، تخفق رايتنا"! وعلى مسرح في حديقة تغني مجموعة من السوريين أغنية فيروز: البنت الشلبية. وقف فوزي قرب الشاعر أبي سلمى ونقل كلماته: "البنت العربية، خلقت ثورية، وبعيونها بيلمع ياماما لحن الحرية. بنعيش أحرار، بنموت ثوار، آمالنا كبار، ورفاقنا كتار. هلشدوا ايدنا، في بور سعيدنا، كيف ماتلفتنا ياماما إلهم تحية. تحيا الجزائر والشعب الثائر، مابننسى يافا ياماما، يافا عربية. تحت التفاحة قلنا بصراحة، مبدأ أميركا ياماما مبدأ وقاحة. تحت القناطر بولغانين ناطر وحامل بايدو ياماما مشعل حرية". أراد فوزي أن يتناول من أبي سلمى الأغنية ليعطيها للمجموعة؟ سبقته! بدأ الشباب يغنونها! ضحكت مديحة: لم أنشد في حياتي كما أنشدت هنا! عندما يصعب التفاهم بالكلمات يغني الشباب بلغات متنوعة: "ينشد السلم شباب كالأسود، ودنا البغضاء تطوى، لن تعود". تزاحم السوريون حول ناظم حكمت، وألبسوه كوفية. دمعت عيناه فهرعت طبيبته خائفة على قلبه من هيجان الحب. ترجع مديحة من الاحتفالات في الساعة الثانية بعد منتصف الليل. فتصحو الطالبة الجالسة عند باب المطعم وتتناول منها بطاقتها. الطلاب الذين تبرعوا بالخدمة موجودون دائما، والطعام دائما يملأ الرفوف. تتناول الصحون وتحملها على صينية وتجلس إلى طاولة ما على أرض مبتلة بالمطر. لاتلتقي ببعض زملائها إلا في المطعم. في المهرجان اكتشفت مديحة الفرق بينها وبين زملائها الشباب. هي مشغولة بالاحتفالات وهم مشغولون بالفتيات! فوزي ليس مثلهم. يعرف برنامج مديحة وينتظرها ليطمئن عليها. يافوزي، أنت تشتغل فقط! يرخي نظرته. لو يستطيع أن يقول لها لست غبيا، لكني لاأريد أخرى! نعم، هاهو يتبين في صخب المهرجان أنه يحب مديحة! كانت مديحة تعجبه ببساطتها وصدقها وعينيها السوداوين وشعرها الفاحم. لكنه لم يرها من قبل كما رآها في المهرجان! لحقتها نظرته عندما مشت في ستاد لينين مع الوفد. إلى أين تنظر؟ إلى المدرّج المليء بالناس، إلى السماء التي أطلقت فيها مئات من طيور الحمام، إلى الوفود التي تدخل من الطرف الآخر؟ من المدرّج تفرجت بعد ذلك على العرض الرياضي الفني. وراقب فوزي موجات الفرح على وجهها ورأسها مرفوع إلى الحمام الذي يرفّ فوق الملعب. شعر بوجع يضغط قلبه. هل فاجأه هذا الحب لأنه شعر بالحرية في بلد غريب؟ هل يستطيع أن يحب مديحة أكثر مما يحبها الآن؟ في الليل نزل المطر، ولبست مديحة جاكيتا أبيض من القطن انسدل عليه شعرها الأسود، وبدت فيه حلوة ورائقة. اقترح شاب على فوزي: تعالوا نتصور مع الفتيات الروسيات! فرح فوزي بالاقتراح ووقف خلف مديحة، إلى جانب صديقه الذي يلبس العباءة. سيحتفظ بهذه الصورة كأنه يمسك بسنوات عمره الجميلة! وستذكّره الصورة بذلك اليوم الذي لم يتكرر. ضاعت المجموعة بعد التصوير. ووجد نفسه مع مديحة وحدهما. كانا في حديقة، وأمامهما نهر موسكو. وصلت إليهما أغنية "ليالي موسكو" التي ستتردد سنوات كأنها نشيد أفراح تلك الأيام. كانت مديحة أمامه على مرتفع بسيط. كأن عاصفة هزّته وعجز عن الثبات مقابلها. مدّ ذراعيه حول مديحة وضمها بينهما. شعر بأن تنفسها توقف. لم تتحرك لحظة طويلة. ثم التفتت إليه وملء عينيها سؤال ودهشة. كبح روحه وهزّ رأسه. أمسك كفها ورفعها إلى صدره وضمها في حنان. ابتسمت مطمئنة إليه. يجب أن يثبت صفاء نيته بوعد! لكنه كمن ضيّع صوته. رفع كف مديحة إلى رقبته كأنه أراد أن تلمس الكلمات التي يكتمها. نظرت إليه في حنان. تعرف أنه صادق ومستقيم وأنه لايمكن أن يغشها. هزّ رأسه وشبك ذراعيه حولها. نظرت هي إلى النهر وانصرفت إلى الأغنية. وعندما التفتت ليعودا وضعت ذراعها في ذراعه. وجد الجرأة عندما ابتعدت نظرتها عنه فقال: سأكتب لك مالم أستطع أقوله. أنا جبان! مشيا صامتين. وكانت تلتفت إليه بين خطوة وأخرى سعيدة ودهشة، فتشعر بأن وجهه احمر. قرر أن يتحدث حديثا آخر. قال: في موسكو الآن خالد العظم ووفد سوري رسمي سيعقد اتفاقية كبرى. زار خالد العظم ألمانيا الغربية. ولم توافق على توظيف رؤوس أموالها في مشاريع سورية، ولم توافق على زيادة ماتستورده من القمح السوري. تشترك في الحصار! انتقل العظم إلى براغ فاستقبل استقبالا رسميا مع الوفد العسكري السوري. هنا في موسكو طلب مساعدة عسكرية واقتصادية، واقترح مشاريع إنمائية. تباحث مع كوسيغين. حضر الجلسات بولغانين مع أن ذلك يخرق البروتوكول. وقّعت اتفاقية كبرى، استيراد وتصدير، مدّ خطوط حديدية، بناء سدود ومصانع. في الاحتفال الأخير عزفت الفرقة الفنية السورية التي تصحبنا إلى المهرجان، ورفع خالد العظم نخب الجيش السوفييتي. قال العظم: يهم السوفييت أن نكون أقوياء لنقاوم الاستعمار. لم يعرضوا علينا أي حلف معهم، ولم يتدخلوا في شؤوننا الداخلية. نحن متفقون معهم في هذا. ستغير الاتفاقية سوريا، يامديحة. بعد تنفيذها لن نبالي بالحصار! مصانع، سدود، طرقات، سكك حديدية.. نظرت مديحة إليه. كم يبدو جريئا وهو يتحدث عن أمر عام. وكم هو جبان وقت يحتاج التعبير عن قلبه! فهل سيمضي العمر معه بالرسائل أم سيتعلم النطق؟ قررت أن تهديه بعض الروايات وبعض كتب الشعر. لعله يتعلم منها البوح بالحب! قال لها في اعتداد: ستكون سوريا في خير! في تلك الليلة أعطاها ورقة طويت طيات كثيرة، كأنها رسالة حزبية سرية، وانصرف متفاديا أن يرى أثرها على ملامحها. فتحت الورقة طيّة إثر طيّة، وقرأت كلمة واحدة مكتوبة مرات كثيرة: أحبك! لاقته بابتسامة في الصباح، وأبقت كفه في كفها وهي تقول له: هل كان المعلمون يعاقبونك بتكرار كلمة في صفحة؟ تريد الجواب على رسالتك؟ هزّت رأسها موافقة، وفهم أنها أجابته دون كلام. بعد الغداء سألها: هل أستطيع أن أزور أهلك بعد عودتنا؟ فهزّت رأسها. تكلمه بالإشارة؟ كانت متكئة على حاجز الحديقة وكم تمنى أن يضع ذراعه حول كتفها! قالت نرجئ زيارتك إلى أهلي حتى نثق بما نشعر به ولانخجل من الكلام عنه! من كان يخمّن أنها ستضيع الوقت الذي يمكن أن يجمعهما معا! خرجت مديحة من الدموع، ملأت جيبها بالعناوين، ضمت الزهور، وصعدت إلى الباخرة وصدرها مزين بالشعارات. في الممر كان فوزي واقفا مع كاتب ينظر إلى البحر. قال الكاتب لفوزي: أتمنى أن تقلب عاصفة هذه الباخرة لأرى كيف يغير الرعب وجوه هؤلاء الناس! استمع فوزي إليه صامتا. كان فوزي معتزا بما أنجزه الوفد، وسعيدا بقربه من مديحة. اكتشف عالما لايعرفه. ويعود بروح غنية. فكيف يتمنى هذا الكاتب لهؤلاء الناس العاصفة؟! رماه فوزي من قلبه! لاتقولوا لي إنه "تقدمي"، ولاتكلفوني بالاتصال به! قال لي صديقه: سأكتب في مقالتي إن كاتبنا الكبير سافر إلى المهرجان مع شخصيات روايته! شعرتُ بالقرف منهما معا! يامديحة تفادي الأدباء! أشارت مديحة بيدها إلى امرأة تكتب على دفتر في حضنها: وداد سكاكيني! تكتب عن الرياضيين السوفييت الذين "حاكوا الزهور والنوافير في يوم الافتتاح في ستاد لينين"! قالت لي، أعجبتها المرأة السوفيتية لأنها مثقفة، ذكية، محصنة أخلاقيا! لماذا يجب أن أخاف الكتّاب جميعا يافوزي! مشت مديحة مع فوزي إلى مقدمة السفينة. عبرتهما الفتاة الشقراء المنتصرة التي أخذت الرجل المتزن من فتاته السمراء! في أول الرحلة كان مع السمراء وفي نهايتها أصبح للشقراء! راقبت مديحة الكمد والحزن. وقالت لنفسها: لن أسمح للحب بأن يذلّني! قال فوزي وهو ينظر إلى البحر: أنت رائعة يامديحة، لكن لاتكوني سريعة في الحكم على الناس! هل خمّن ماتفكر فيه؟ قالت: يافوزي، قد يتناثر الحب أو يخبو. لكن هل سنبقى أصدقاء حتى نهاية العمر؟ ردّ في ثقة: حتى نهاية العمر! وقال أيضا مالم تسمعه مديحة: سأحبك حتى نهاية العمر! ولم يكن يقدّم ذلك لها بل كان يكرّم به نفسه. هل كان يدرك أن الحب خاطف كالومض ولن تكون له فرص أخرى في حياته؟ مدّت مديحة لأمها هديتها: صينية صغيرة من الفضة. ولم تنتبه إلى أنها لم تجد شيئا في مخزن موسكو الكبير يمكن أن يهدى. قالت لها أمها: سمعت صوتك من راديو موسكو. حكيت مع طلاب آخرين عن المهرجان. وجدتِ ياأمي المحطة؟ كم تبدل الزمان! احكي لي يامديحة، موسكو حلوة؟ نظيفة جدا، خضراء، متاحف وثقافة، محطات المترو كالمتحف، جامعة موسكو كبرج من الرخام والحجر وسط حدائق واسعة. لكن موسكو واسعة وجديدة. دمشق أجمل. في موسكو فهمتُ كم دمشق جميلة وثمينة. فهمت أني لاأحبها لأنها مدينتي فقط، بل لأنها حلوة! لكن اسأليني ياأمي عن الناس! قدّمت مديحة لمنور هدية من موسكو: غطاء طاولة أبيض مطرزا بألوان مبهجة. عانقتها منور: ياحبيبتي كان عندك وقت لتشتري هدايا؟! وبدا لها ذلك اعتذارا عن جلافتها. أجلستها منور مقابلها وطلبت أن تحدثها عن ذلك العالم البعيد الذي رأته مديحة. بدت مديحة سعيدة. فكادت منور تقول لها: ستتسع الدنيا يامديحة كلما تجولتِ فيها، وستكونين أكثر عدلا وثقافة! أغلقت ليلى بعد ذلك باب غرفتها وتحدثت مع مديحة حديثا آخر. كانت أفراح مديحة تتجاوز أفراح الرحلة التي امتدت أسبوعين. "يبدو ياليلى أني أحب فوزي وأنه يحبني"! تأمل فوزي صور المهرجان. مديحة قرب حاجز الباخرة. مديحة مع رفيقاتها على سطح الباخرة. مديحة في ستاد لينين رافعة ذراعها تحيي الطيور والمتفرجين.. مديحة! وضع الصور في ظرف. لها! يجتمع اليوم في سهرة في نادي الشرق، الطلاب الذين حضروا المهرجان. جلس فوزي مقابل مديحة. يملأ بها عينيه! لكِ هذه الصور، ولكم نسخ منها فيما بعد! تكلموا كلهم في وقت واحد. الذكريات! لايسمع الواحد إلا من إلى جانبه! اصمتوا كي تسمعوا قصيدة ابراهيم: وداعا ياموسكو! بلع ابراهيم ريقه فقرّبت مديحة له كأس ماء. أنشد حييا: نشر الملاح في اليمّ الشراعا، قبل أن أملأ عيني شعاعا، إنني أكره أن أهتف ياموسكو وداعا، فاعذريني إن أنا لم أرفع المنديل يوم السفر، هكذا عمر تلاقينا كعمر الزهر، لست أدري كيف مرت فرحتي النشوى كلمح البصر.. في إحدى الصور التقط فوزي الفتاة التي تودع ابراهيم. كانت تبكي. فتح المهرجان لابراهيم دنيا لن يغلقها. سيسعى إلى منحة من المنح التي ستقدم لسوريا، سيختص وسيتزوج من فتاة ألمانية تشبه تلك التي ودعته! سألته مديحة: هل تنكسر القصيدة لو حذفتَ "إنني" فقلتَ في بساطة أكره ياموسكو..؟ وقالت لنفسها شيئا آخر: البلاد الغريبة تعني لرجالنا الحب! تعني البياض والشقرة، واليسر في العلاقة بالمرأة! فيها لايجف ريق الرجل كي يلمس يد المحبوبة! هل لمحت المسارات التي سيتوه فيها قيس لاجئا من حب ليلى؟ اسمعوا ياشباب! زميل قيس، اسماعيل عبد الرحمن، حضر المهرجان! اسمعوا! وكان في غابات مقلتيك دمع، ذكرني حبيبتي بيومنا الأخير، في الساحة الحمراء، في لجة المحيط.. والسماء، كالقبة البيضاء، قرميدها أجنحة تدف في حبور، أنجمها زهور، جوقتها هدير، صداقة.. سلام، صداقة .. سلام....قصيدتي كتبتها بدمعي المرقرق السخين، فلتغفري صديقتي لحبك الأنين، فقلبه ملوّع حزين! فتحت مديحة مجلة وأشارت لفوزي: أضف إلى ماسمعناه الليلة قصيدة نصوح فاخوري "موسكوفية". كتبها في موسكو خلال المهرجان: في دمي ألف سؤال، أين ضاعت في الزحام، عبر موسيقى الزحام، عينها الخضراء في كل رواح، عين ساشا الموسكوفية، عينها البكر الصبية.. أعاد فوزي المجلة لمديحة. ماذا تقصد؟ قالت له: يوجد إذن غزل صرف، نقبله إذا قاله أصحابنا ونرفضه إذا قاله نزار قباني! التفت إليها: عم تبحثين يامديحة؟ نظرت إليه: عن الحقيقة! قال لها: يبدو أننا، أنت وأنا، يامديحة نختار الطرق الطويلة! وقال لنفسه: لو أستطيع أن أردكِ عن الطرق التي لاعودة منها! لن تنهي مديحة هذه الأمسية الحلوة التي جمعتها بفوزي، في حوار كئيب! روت له مداعبة: حكى لي صاحبنا النقابي أن شاعرا سوفيتيا كتب ديوان غزل بحبيبته. فقال ستالين عندما رأى الديوان، كان يجب أن تطبع منه نسختان فقط، واحدة للشاعر وأخرى لحبيبته! التقط فوزي دعابتها وهمس: كان أخونا النقابي يثقفك، لكنك لم تقدري جهده! كان فوزي، هو أيضا، راغبا في أن ينهي الأمسية بالمرح. فأنشد لمديحة همسا قصيدة غزل متداولة في السخرية، لم تسمعها مديحة بعد: عيناك مطرقةٌ، وأنفك منجـلٌ والبعـدُ عنك موقفٌ تكتيكـي والخصرُ فيك منظمٌ ومؤدلـجٌ لـم يرتبط بموقفٍ أمريكـي أعطت أم غادة ابنتها القسيمة التي طبعت عليها صورة جميلة بو حيرد: خذي! عليها توقيعي. وهذه هي القسائم التي وقعتها نساء الجيران. وهذا ثمن الطوابع. رافقت ليلى ومديحة غادة إلى مركز البريد المركزي الجديد، وأرسلن القسائم إلى الأمم المتحدة. جميلة بو حيرد مسألة إنسانية وعربية، وتعبير عن المقاومة المسلحة الجزائرية، عن روح السنوات الخمسين من القرن العشرين! جميلة بو حيرد أسطورة ومَثَل للشابات. يزيد في سحرها مايروى عنها من التفاصيل. في الصورة تحمل جميلة علبة، وتمشي مرسلة الشعر. لم تتجاوز العشرين من عمرها. في عمر الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان، التي اشتهرت بروايتها "صباح الخير أيها الحزن" وسحرت بها الشباب. كتبت ساغان: كيف أقبل أن تعدم جميلة وحقها في الحياة أكثر من حقي! سيطلق العالم جميلة من سجنها، وستسجل غادة ومديحة بذلك انتصارهما! لكنهما لن تقابلا تلك الشابة الهشة الجسم التي ستزور دمشق بعد تحرير الجزائر. بل سيستقبلها خالد العظم! وستروي إحداهما للأخرى فيما بعد أن جميلة تزوجت من محاميها الفرنسي فيرجيس الذي سيعرف بالدفاع عن الوطنيين في العالم. بدأت الثورة المسلحة الجزائرية في تشرين الثاني سنة 1954 وستستمر حتى الاستقلال في 5 تموز سنة 1962 وتملأ بأساطير المقاومة حياة جيل غادة وليلى. وسيسمعن فيها صوت زمن جديد لم يعد يقبل الاستعمار واستعباد الشعوب، وسيفخرن بأن ذلك زمنهن! بدا أن التراجع إلى مرحلة متخلفة من التاريخ الإنساني مستحيلا. لذلك لم يخمّن أبدا أنهن سيعشن زمن الانهيار والهزائم الكبرى في نهاية القرن! وانصرفن إلى ماأنضجته الأحداث من القصائد والكتب، وإلى ماجلته من قدرة الإنسان العادي على الصبر والبطولة. وتناولت الشابات في شغف القصائد التي تسربت من سجون الجزائر. كتب الشاعر مفيد زكريا في سنة 1955 في سجن بربروس في الزنزانة رقم 69 نشيد الجزائر، فأنشدته غادة ومديحة وليلى. فأصبح مثل "بلاد العرب أوطاني" الذي كتبه ذات يوم فخري البارودي، نشيد العرب من المحيط إلى الخليج. دمعت عينا الشابات عندما عزفته فرقة موسيقية جامعية وأنشدن: قسما بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيات الدافقات والبنود اللامعات الخافقات في الجبال الشامخات الشاهقات نحن ثرنا فحياة أو ممات وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا.. وسيطربهن أن تبثه الإذاعات العربية فيسمعنه وهن ماشيات في الطريق. كان الشاعر مفيد زكريا قد رأى في سجن بربروس تنفيذ الأحكام بالإعدام في المقاومين الجزائريين. خرجت قصاصة ورق من ذلك السجن وتنقلت حتى وصلت إلى دمشق وقرأتها الشابات. كتب مفيد زكريا فيها عن الشهيد أحمد زبانه الذي نفذ فيه الحكم بالإعدام في سجن بربروس في تموز سنة 1955: قام يختال كالمسيح وئيدا يتهادى نشوان يتلو النشيدا شامخا أنفه جلالا وتيها رافعا رأسه يناجي الخلودا وامتطى مذبح البطولة معرا جا ووافى السماء يرجو المزيدا .......صرخة ترتجف العوالم منها ونداء مضى يهز الوجودا اشنقوني فلست أخشى حبالا واصلبوني فلست أخشى حديدا واقض ياموت في ماأنت قاض أنا راض إن عاش شعبي سعيدا أنا إن مت فالجزائر تحيا حرة مستقلة لن تبيدا وكتبت جريدة عربية أن جميلة بو عزة أنشدت في زنزانتها في السجن شعر مالك حداد الذي كتبه بالفرنسية: "أيحتاج الانسان أن يدفع كل هذا الثمن ليفهم؟ أيحتاج لكل هؤلاء المعلمين ليتلقى هذا الدرس"؟ طوت مديحة الجريدة وقالت: لكن المقاومة المسلحة الجزائرية ليست فقط للعرب بل للعالم! اسمعوا قصيدة رثاء الجزائر! ثبتها الشاعر الاسكتلندي توماس كامبل الذي زار الجزائر وبقي فيها ثلاث سنوات، لشاعر مجهول: ابكِ معي على مجدنا الذي ضاع وأسلحتِنا وأعلامِنا التي ذهبت فهؤلاء الأعداء نشروا أعلامهم على القلاع حيث خلعوا أقفال خزائننا وعيوننا تشاهد ذلك وتسبح في الدموع بينما عيونهم تلمع وهم يحصون ذهبنا ......... رمونا من حدائقنا ومنازلنا سائلين بلا رحمة، قطعة من خبز أبطالنا أصبحوا معزولين أواه: هل أجد ثرى أدفن فيه رأسي الوحيد حيث ينام أجدادي فأنا لاأستطيع بعد اليوم أن أرفع عيني إلى الشمس! قالت غادة: لاتؤدي هذه القصيدة تمرد الجزائر. فالحزن لايمكن أن يغلب الغضب والقهر! ياغادة، أردت أن أقول فقط إن البطولة والمآسي على أرض الجزائر تهزّ العالم اليوم. يوقظ العرب هناك ضمير العالم! تنهدت غادة: كم مرة يجب علينا أن نهزه ليفيق؟ احتل الإسرائيليون فلسطين والعالم يتفرج على ذلك حتى دون دموع! هل زادت الاتفاقيات التي وقعها خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي من التوهج؟ بدا أن الطلاب الذين اشتركوا في مهرجان موسكو حملوا معهم أكياسا من الأحلام. وكأنهم عادوا إلى بحار السندباد. الحق مع العرب الذين اتسعوا بالرحلات في الدنيا منذ صنعوا سفن الفينيقيين حتى ركبوا سفن ابن ماجد إلى الهند! هدف حصار سورية أن يمنع عنا القمح والسلاح؟ بل هدفه أن يقطع صلتنا بالدنيا! لذلك ستتفق ليلى ومديحة وغادة، بالرغم مما سيختلفن فيه، على جملة صغيرة: لافرح شخصي دون فرح عام! كان الأسبوع مدهشا! تفرجت ليلى على فيلم "الطلقة 41" وعلى فيلم عطيل. وعلى فيلم الرز المرّ. وأعجبتها كيم نوفاك في فيلم بيكنيك. ملأت بالأفلام بعد الظهر طوال أسبوع. في طريقها إلى بيت غادة التي سترافقها إلى السينما صادفت أستاذ الجامعة أمجد الطرابلسي جالسا في مدخل بيته. مرّت في البرهة التي حملت فيها زوجته كأسين من شراب التوت الشامي ووضعتهما على الطاولة أمامه. ابتسمت ليلى للأستاذ. زوجته فرنسية ومع ذلك تعرف مذاق التوت الشامي بعد الظهر! كان ذلك تفصيلا من تفاصيل الحياة التي تسعدها. كأنما يقدم لها كأس التوت الشامي بلونه الرائع! لم يخطر لها أن المهرجان الأدبي الجامعي الذي جرتها إليه مديحة وغادة سيفسد مزاجها في ذلك المساء! امتلأت قاعة واسعة في كلية الحقوق بالمستمعين. نظمت المهرجان المجموعة الثقافية في الجامعة. غرقت القاعة في الصمت وقت القراءة، وفي الضجة وقت التعليقات عليها. ارتفعت أيدي الطلاب الذين يطلبون المناقشة، ونطّ أصحابها في رشاقة إلى المنبر ليعرضوا آراءهم! ياللشباب الفوار! لايحسب أحد أن آراءه ستسّجل في ملفه! سمعت ليلى اسمها في قصيدة. تقصدها؟ أنشدها طالب عيناه عليها. تلفتت. نعم، لها! اضطربت لكنها جمّدت ملامحها. وتساءلت هل وفقت في ألا تحمرّ؟ ولاحظت أن مديحة وغادة قلقتان أيضا. هل تنسحب من القاعة؟ ردّت على نفسها: إياك! تجاهليه! وثبّتتها كف غادة التي ضغطت كفها. وقف عمر قرب باب القاعة. كان راجعا من لقاء جمع الطلاب الذين ينظمون المظاهرات الجامعية عادة. تحدثوا عن الوحدة وكانت المناقشة طويلة وقاسية. ستفرق أكثرهم الأحداث، وسيندمون على حماستهم، وسيقول بعضهم فيما بعد: أتينا بالدبّ إلى كرمنا! وسيتذكرون في أسى ذلك الاجتماع الذي جرفتهم فيه الحماسة وأغضب فيه بعضهم بعضا. سيقول أحدهم لعمر فيما بعد: كنتَ أعقل منا، وأبعد نظرا! وسيردّ عمر: لو تقدم لي بدلا من هذا الاعتراف هدية صغيرة! وسيسأله زميله القديم: على عيني، اختر ماتريد! فيقول عمر: اجمع لي من أصحابك ثلاث سنوات من الشباب! فليتبرع كل منكم بأشهر مثلا! بعد ذلك الاجتماع اجتاز عمر الممرات الطويلة إلى قاعة الحقوق ليطلّ على المهرجان الثقافي. سمع ذلك المقطع من القصيدة ورأى وجه ليلى يحمرّ. ولاحظ أن غادة أمسكت بيدها. كيف يخفّ إلى نجدتها؟ ماذا يستطيع أمام شاب يبوح علنا بحبه؟ رآها في نهاية المهرجان تنفلت من القاعة كأنها تتحرر من قفص. عند باب الجامعة أمسكت بها غادة التي ركضت خلفها، وجرّتها إلى معرض اللوحات في النادي. افتتح اليوم، تعالي! لنبتعد عن صخب المهرجان! تنقلت ليلى مع غادة بين اللوحات التي رسمها الطلاب. ماهذا؟ أنتِ، رأسك، شعرك، كتفاك، أنتِ على مقعد المكتبة.. رسمك مواربة! توهج وجه ليلى. تركت غادة وخرجت مسرعة. لقيها عمر على باب النادي: ليلى، انتظري! مشى معها: طلبوا مني أن أوصل لك رسالة! ماهي؟ قال: طلب مني زميلك في الصف أن أبلغك أنه يحبك ويريد.. التفتت ليلى إلى عمر غاضبة: أنت أيضا ياعمر؟ ألا يكفي هذا في يوم واحد؟! أدهشتها خيبة عمر. فهدأت غضبها، وصمت عمر فسمعا صوت خطواتهما. سألته: ذاك الذي يجلس دائما مواربا في المدرّج؟! أم ذاك الذي يجلس مواربا في المكتبة؟! قل له كيلا تجرحه، إن مايحس به سحابة صيف! ياعمر أكاد أختنق اليوم من الحب! اعتراف بالحب من منبر يشهد عليه ألف شخص! وفوق ذلك لوحة معروضة في النادي! ماهذا الحب الذي يسلك دروبا معقدة؟! يخجل من البوح مباشرة، ولايخجل من الإعلان أمام حشد! أتمنى أن أعيش زمنا في مجتمع آخر ليست فيه عواطف معقدة! لابد أن أكمل دراستي في بلد اوروبي لهذا السبب أيضا! تأملها عمر. ليته يستطيع أن يقول لها ياليلى، لو كان ذلك البوح لفتاة أخرى لما طربتُ له! هل أربك عمرا أن يطلب مساعدته في الوصول إلى ليلى محبّ؟ بل استمع إلى زميلها مستمتعا بلهفته. لأنه تحدث عن ليلى في وجد. ولأنه يخمّن جوابها. ولأن ذلك أبعده عن المناقشة التي بقيت جروحها عليه بعد اجتماع الطلاب. قال عمر في هدوء: شبابنا مساكين ياليلى! لايستطيعون أن يسلكوا طريقا قصيرة إلى الفتاة التي يحبونها! نظر إليها كمن يكتشف عاطفة جديدة من عواطفها. ليلى شابة، تظن الزمن لها، ولاتستعجل حتى الحب! قال في هدوء: لاتطردي من قلبك الرحمة ياليلى، أبدا! لاتضيقي بالناس ولو كانوا محبين لاترغبين فيهم! أكان يمكن أن تخمّن أنها بالرغم من كثرة المحبين لن تجد حبيبا تعيش معه؟! كان عمر بعد المناقشة التي غرق فيها قبل المهرجان الأدبي يحتاج الوحدة. لكنه لن يترك ليلى مضطربة. ماذا حدث ياليلى؟ ارفعي عينيك وانظري إلى ماحولك! لأول مرة يراها عمر بين الغضب والكآبة. سألها: يزعجك أن أوصلك إلى بيتك؟ مشيا صامتين. سبب الشجن أنها محبوبة؟ نستمع ياليلى إلى الكلام، ونرى ماحولنا، نجيب ونحاور، لكن بيننا وبين أنفسنا حوار آخر سري. فماذا كان حديثك مع نفسك؟ أين توقف، وإلى ماذا انتبهتِ؟ هل أسرعتِ إلى المستقبل فخفتِ؟ أم عدتِ إلى الماضي فالتقطتِ فيه خيبة ما؟ قبل المهرجان الأدبي كان عمر يناقش زملاءه. الوحدة حديث الناس! لكن ماموقفنا نحن الطلاب؟! نحن قادرون على التفكير في هدوء، وعلى قياس الفرق بين الوحدة والاتحاد. لماذا يجب أن تكون اتحادا لاوحدة؟ لأن لكل من مصر وسورية ظروف خاصة. في سورية حريات وأحزاب، تجمع قومي في المجلس النيابي، جيش يقوده تجمع الضباط، يدعم الاتجاه الوطني. سوريا مرتبطة باتفاقية اقتصادية كبيرة مع الاتحاد السوفييتي. سوريا تمنع إسرائيل من تحويل المياه العربية. موازنة الجيش في سوريا 55% وفي مصر 17% الحريات مقننة في مصر، والنظام رئاسي يلغي دور المؤسسات الدستورية. الاستفتاء ليس انتخابات! لكن عمرا واجه عواطف وحماسة تسوق إلى الوحدة. يفهم أن تأميم قنال السويس، وبناء السد العالي، وتسليح الجيش من البلاد الاشتراكية، وخطابات عبد الناصر الملتهبة، مقدمات تسهّل اختيار الوحدة. يقول في سره: ياللجهل! لكنه يتبين أيضا أن كلا من القوى السياسية التي كانت متآلفة في جبهة تتصور أن الوحدة ستخلّصها من منافسيها وتقدم لها ساحة خالية منهم. وجد عمر نفسه يختلف مع أصحابه الذين سجنوا معه في تدمر. قال لهم: سينفذ باسم الوحدة مالم تنجح فيه المؤامرات على سورية! عبد الناصر ليس رجلا وطنيا فقط، بل رئيس ذو صلاحيات لايقيدها الدستور كما يقيد الدستور في سورية الرئيس! كأن عمرا كفر! من يجسر على المسّ بعبد الناصر؟ كادوا يضربونه! قال: ياإخوتي، يازملائي، ياعيوني، لم أشتم الرجل، ولم أقل إنه غير وطني بل قلت إن سلطاته غير مقيدة! فهل نعود إلى أزمنة الحاكم الذي يستمد سلطته من الإله لامن الشعب لذلك لاتجوز مناقشته؟ كانت الصورة الخفية على ليلى مكشوفة لعمر. تتصل السفارة المصرية بالسياسيين السوريين، وتؤكد لكل منهم أنها تعتمد عليه فقط فتثيره على حلفائه وزملائه. وتحرّض السياسيين على الضباط وتعدهم بأنها ستبعد الجيش عن السياسة. لاتؤسّس الوحدة على احترام التمايز بين البلدين، وعلى مؤسسات دستورية، بل على الثقة بعبد الناصر. لم تحدد مسؤوليات نواب الرئيس والمجالس. واضح أن السلطة العليا ستكون للمصريين. عبد المحسن أبو النور يثير السياسيين السوريين واحدا على الآخر ويخرّب الضباط. من الضباط الذين يفرقهم عبد الناصر؟ الضباط الذين تماسكوا أمام حلف بغداد والحشود التركية والأسطول السادس، وسندوا الديمقراطية، وسندوا بور سعيد، وسعوا إلى صفقات الأسلحة السوفيتية في صمت وأخذوها في صمت، وأفشلوا مؤامرة ستون الأمريكية. بدا كأن هدف الانقلاب: الخلاص من الشيوعية! والحقيقة: الخلاص من الجيش الوطني والسياسيين الوطنيين الذين اتفقوا مع عبد الناصر على الوحدة! هذا مايفعله ناصر! ينفذ مافشل فيه ستون! لايقدّر أن العواطف الوطنية هي التي أوصلت سوريا إلى الوحدة. سيقول عبد الناصر: أنقذت الوحدة سورية من الإفلاس. وسيقول زكريا محي الدين: في سورية تشكل الشيوعية خطرا، أما في مصر فهي مشكلة فقط فنحن نعرف جميع الشيوعيين. وسيقول عبد الناصر فيما بعد: عملنا الوحدة كي نخلص سورية من الشيوعية. فأين كلمة خالد العظم في الرد على المذكرة الأمريكية: ليس الخطر علينا من الشيوعية والاتحاد السوفييتي بل من إسرائيل! كان يجب أن يقول عمر لزملائه الذين حاوروه: هذه حجج أمريكية، لتصفية اتجاه سورية الوطني! لتصفية الجيش والصحافة في سوريا، ولجم سوريا بعد فشل الأحلاف! لمنع تنفيذ الاتفاقية الكبيرة مع الاتحاد السوفييتي! في ظروف المدّ الوطني لاتؤخذ سوريا من اليمين. تؤخذ فقط من اليسار، باسم الوطن. يستطيع عبد الناصر برصيده الوطني أن يغيّر البنية السياسية والعسكرية السورية. ويطبق مافعل في مصر حيث صفى الضباط ذوي الرأي المستقل واليساريين وفرق بعضهم في الوظائف المدنية وسجن بعضهم وطارد الأحزاب. لكن هل يستطيع عمر أن يعلن ذلك كله؟ قال: تذكّروا أن ايزنهاور قال إن النفط العربي مصلحة استراتيجية أمريكية. وإن سورية معبر النفط إلى البحر الأبيض المتوسط وتخومه. لذلك يجب ألا تكون منطقة نفوذ سوفيتية، أي يجب ألا تقيم علاقات متكافئة بالاتحاد السوفييتي! تذكّروا أن مووز، السفير الأمريكي، كان قلقا من اتجاه سورية الوطني! كان قلبه ثقيلا. قدَر السياسي الصراع بين الحقيقة التي يعرفها، وبين مايستوعبه الزمن من التعبير عنها! يحكي السياسي الكلمات المناسبة للزمن! الكلمات الضرورية فقط! لأن الزمن قاضيه ومحكمته. لايجوز أن ينشر تفاصيل الحقائق، أو أن يعرض هواجسه. مع أن الأزمنة التي تتقدم بعده وتستطيع أن تستوعبها تحاسبه لأنه لم يقل الحقيقة كاملة. لكن عمرا ليس رجل سياسة، بل مواطن يتابع الحقائق ويشعر بحقه في أن يكون ذا موقف مما يمس مصير وطنه. لايستمتع بأمجاد السياسيين، ولايلتزم بما يصمتون عليه من الحقائق، ولايضيع في التنافس الذي يشغلهم. لكنه يتحمل أخطاءهم! لايقاسمهم غنائمهم، لكنه يشاركهم في خسائرهم! لذلك لايستطيع أن يقول الآن: حاول الإخوان المسلمون اغتيال عبد الناصر لأنهم لم يوافقوا على اتفاقية الجلاء. لايستطيع أن يقول إن اتفاقية الجلاء اعترفت بحق الانكليز في العودة إلى القنال في حالة حرب. لايستطيع أن يقول إن نتيجة العدوان على بور سعيد هزيمة عسكرية بينت أن الجيش المصري لم يحارب إلا كبطولات فردية ومبادرات فردية، وأنه فقد طيرانه على الأرض. مجموعات المقاومة الشعبية في بورسعيد التي قادها الوطنيون وبعض الضباط كأفراد هي التي حاربت المحتلين. لايستطيع أن يقول إن إسرائيل كسبت الحق في الملاحة بعد العدوان! لايستطيع أن يبوح بالحقائق التي يعرفها حتى تنضج ثمارها المرّة. لايستطيع أن يقول إن اعتماد عبد الناصر على المؤامرات لتفريق الوطنيين والسياسيين في سوريا ليس سياسة وطنية. يركز حديثه على الفرق في الظروف الموضوعية بين سوريا ومصر، وعلى ضرورة المؤسسات الديمقراطية والمساواة في الحقوق كي تكون الوحدة سليمة وجذابة. ينبّه إلى ضرورة الديمقراطية. ويذهله أن الأطراف التي يطمئنها عبد الناصر إلى دورها ضد الأخرى، تؤمن بأنها ستملك البلد إذا ضربت حلفاءها! ترك عمر تلك المناقشة في قاعة من قاعات الجامعة مؤمنا بأن الأيام القادمة صعبة. وقال لنفسه عندما وقف عند باب قاعة كلية الحقوق، واستمع إلى قصيدة الغزل بليلى: قد يكون هذا الاجتماع آخر اجتماعات المجموعة الثقافية! سيلغى هذا النوع من التجمعات الحرة! على الباب أمسك به زميل ليلى كمن يمسك بمنقذ. فابتسم في مرارة: أنا منقذ، الآن؟! قال له زميلها: أرجوك ياعمر. أنت صديقها. وطلب منه أن يوصل لها اعترافه بالحب ورغبته بالزواج منها. قال عمر في نفسه: أغبطه على راحة البال! يفكر بالزواج، والبلد كلها على كف عفريت! قال عمر لليلى مبتعدا عن المحبين والحب: ياليلى، أفيدي إذن من المنحة، وانصرفي إلى الاختصاص الذي تختارينه! ماذا خطر له كي يتذكر المنح والاختصاص؟ التفتت إليه متسائلة فهز رأسه. وفهمت أنه قال ذلك بعد حديث طويل مع نفسه. هل كان يخمن أن الكلمات التي قالها في الاجتماع بأصحابه في قاعة من قاعات الجامعة ستسجل كدليل على أنه ضد الوحدة العربية والقومية العربية؟ كانت ليلى تفكر في المنح التي عرضها الاتحاد السوفييتي للدراسة. وأرضاها أن تلتقي أمنيتها باقتراح عمر. سألته: تشجعني إذن على الاشتراك في مسابقة انتقاء المبعوثين؟ رد: نعم ياليلى، هذه فرصة علمية جيدة! وسيحتفي عمر بنجاح ليلى في امتحانات البعثة إلى الاتحاد السوفييتي. وسيقول لنفسه: لعلها آخر بعثة يختار أعضاؤها بمسابقة عامة! وستبتعد ليلى عن العواصف التي ستجرف سورية في تلك السنوات! سألها: اخترت الموضوع الذي ستختصين فيه؟ نعم، ياعمر: كسور العظام! جسم الإنسان وحدة متناسقة، لكني ماأزال أتذكر وصايا المعلمات لنا: اجلسن جيدا كي يستقيم عمودكن الفقري! فأكاد أراه يقوم بهيكله العظمي! مشيا زمنا صامتين. ثم قال: في هذه البلاد المتقلبة يلزمك عمل يطعمك الخبز، عمل لايستطيع أحد أن يسلبه منك! أنا سعيد لأنك اخترتِ الطب! وسعيد لأني اخترتُ الطب! هل استطاعت غادة ومديحة وليلى أن يحجبن عن عمر تفاصيل حياتهن، فبقين في حرملك جديد؟ قال لنفسه: ذلك يشبه "غرفة الطالبات" في نادي الجامعة. لهن غرفة لاأدري ماذا يفعلن فيها، وللطلاب المدى خارجها. هكذا هي الأمور في الحقيقة! لكنه راقبهن وخيل إليه أن كلا من غادة ومديحة تحاول أن تكسب ليلى. قال لها: نصيحتي، إياك! أترين هؤلاء الذين يطلبون الحريات والديمقراطية؟ هؤلاء أول من يكسرها في أحزابهم! سليمان مثل من الضحايا! ابتسمت ليلى: كأنك أمي! قال: الأفكار عظيمة، لكنها تحتاج إلى حمّالين في مستواها! ابقي في المدار، لاتتجاوزيه! سألته: سجنتَ في تدمر، فهل كنتَ في المدار؟ ياليلى، لست مسؤولا عن ظنون جماعة الشيشكلي! لازلتُ في المدار! أنا مع الجميع في المشروع الوطني. وأختلف معهم جميعا في التفاصيل. أقدّر مثلا تضحيات كل منهم وبطولاته التي يتجاهلها الآخر! كانوا معا في السجن أيام الشيشكلي، ومع ذلك لايتحدث أحد منهم إلا عن بطولته كأنه الوحيد الذي كان هناك! وتذكري أننا في كلية الطب، ولاوقت! لي هذه النصيحة، ياعمر؟ وأنتَ؟! هل قال ذلك لأنه ضيع مساء الأمس في اجتماع بنقابي آخر عائد من بلد اشتراكي؟ استمع إلى الرجل في انتباه. لكنه لم يستطع أن يتذكر من كلامه إلا "ستراتيجية، تكتيك". وبعض جمل أخرى تتهم المثقفين بأنهم مترددون ثرثارون لايعتمد عليهم. والطبقة الوسطى بأنها مذبذبة. لذلك لايقوم المجتمع إلا على العمال والفلاحين! لم يكن جذابا. سأله عمر جادا وساخرا عن الحياة في البلد الاشتراكي الذي زاره. فردّ: أتمنى لبلادنا مثل تلك الجنة! حلّ المجتمع الاشتراكي مشاكل الناس! تناول النقابي من جيبه ورقة قرأ منها عدد المختصين في الهندسة والعلوم. فتذكر عمر تقرير خروشوف السري إلى المؤتمر العشرين الذي نشرته جريدة البعث. يبدو أن التقرير لم يصل بعد إلى هذا النقابي! بعد اللقاء سألت مديحة عمرا: أعجبك الاجتماع؟ لمسه صدقها وقال: عظيم! لكني تصورت أن مجتمعنا يكاد يسقط لأنه دون أعمدة! يعني دون طبقة عمال قوية! وحيرني أن تكون الولايات المتحدة، وهي قائمة على العمال، بلدا استعماريا! يبدو أن صاحبكم لايعرف أن الطبقة الوسطى صمام أمان في المجتمع. ومنها في سورية أعضاء الأحزاب الوطنية! هل من ترسلونهم إلى المؤتمرات أذكياء مثل هذا النقابي؟! استمعت ليلى إلى نصيحة عمر. وفهمت غيرته عليها. لاتجهل أنه يضيّع أحيانا وقته في لقاء بجماعة وفي اجتماع بأخرى كأنه يتقصى التفاصيل! يجذب عمر ليلى بهدوئه وحكمته. يرى الحدث بماضيه ومستقبله. لذلك ميّزته من غادة ومديحة. الاثنتان ساحرتان بعواطفهما. كل منهما مستعدة للموت في سبيل مشروعها. تحلم مديحة بأن تصبح سورية اشتراكية كالاتحاد السوفييتي. لاأغنياء فيها ولافقراء. صناعية، ذات معاهد علمية. فيها العلم والصحة والعمل والسكن حق كل إنسان. فيسألها عمر مداعبا: لو تفسرين لي معضلة من كل حسب عمله ولكل حسب حاجته. ثم يقول لها: الاتفاقية التي وقعها خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي تحقق إذن الاشتراكية! وكان يداعب غادة بأسئلة مثلها عن الاشتراكية العربية. لكن عندما "ستسلق" الوحدة، كما قال عمر، سيثير الحوار بينهم الحذر وأحيانا الغضب سواء كتموه أم أعلنوه. وسيقترح عمر: لنتفق على ألا نضحي بصداقتنا. فقد تبدو أفكارنا ومواقفنا الآن ثابتة إلى الأبد، لكنها لن تبقى هكذا! هل أقنع المستمعين إليه يومذاك؟ سيدهشه أن يلاحظ نظرات تحمل الحقد، ونظرات تتوعد بالانتقام. وسيتساءل أحقا لم يبدأ بعد الصراع بين حلفاء الأمس وأصدقاء الأمس؟ وستقف ليلى وقتذاك إلى جانبه. هل لاحظتْ يومذاك الحقد عليه؟ ألذلك قالت له: فلنكن ياعمر متفرجين! كان وفد مجلس الأمة المصري قد زار المجلس النيابي السوري في تشرين الثاني سنة 1957، وترأس السادات الجلسة. وكان وفد من المجلس النيابي السوري قد زار مصر في 31 كانون الأول سنة 1957 وقرر المجلس اتحادا فيدراليا بين مصر وسوريا. لماذا تغير ذلك فجأة؟! قرر الضباط وحدة فورية، كاملة. اجتمعوا في مكتب البزرة وأرسلوا وفدا إلى عبد الناصر. ولم يخبروا بسفرهم حتى وزير الدفاع خالد العظم ورئيس الجمهورية شكري القوتلي! بدا كل من يبحث الوحدة خائنا! لو قال عمر: حزب الشعب أراد الوحدة ليتخلص من الضباط، وأراد البعثيون الوحدة ليتخلصوا من حزب الشعب، وأراد الضباط الوحدة ليتخلصوا من المؤامرات الأمريكية ومن السياسيين.. لقيل له تخون قضية العرب الكبرى، وتتحدى عواطف الناس! صحيح! لكن من أطلق تلك العواطف؟ اسكت! في جميع الأزمنة قد يجد الصادقون أنفسهم وحيدين! - ينظم السفير محمود رياض، وكمال رفعت والمخابرات، وعبد المحسن أبو النور، مراكز لهم في سورية. لايفهمون أن الوطنية هي التي دفعت السوريين إلى مصر! اشترط عبد الناصر حل الأحزاب وإبعاد الجيش عن السياسة. لأنه لايفهم أن سورية مسيّسة دائما. وأن الأحزاب تعبر عن اتجاهات لايلغيها قرار. - لايستنتج الضباط الذين ركضوا إلى عبد الناصر في منتصف الليل أنهم سيطيرون؟ - قال عفيف البزرة: نحن ضمانة! - ضمانة؟ هل سيبقون في أمكنتهم؟ قالت مديحة: هدف الوحدة التخلص من الشيوعيين. لأن مشروعهم التحرر والعدالة، والجبهة الوطنية الواسعة. لايفهم عبد الناصر المستنقع الذي يندفع إليه. ردت عليها غادة: لستم أقوياء كي تكونوا خطرا يجب التخلص منه. لم تستطيعوا أن تُنجحوا نائبا واحدا في الانتخابات التكميلية! الوحدة يامديحة حلم عربي لم يخترعه جيلنا، بل ورثه! تظاهرنا ضد عبد الناصر عندما خنق الحريات في مصر. وكنا ضد الوحدة مع عراق نوري السعيد! لكن تأميم قنال السويس وتسليح الجيش وسياسة عدم الانحياز أسست الشروط للوحدة مع مصر! لاتحتكري الوحدة ياغادة! لم يخترع شعار الوحدة حزب معين، بل ولد من الواقع الموضوعي. لكن الغيور على الوحدة، والراغب في استمرارها يفكر في تأسيسها على قاعدة متينة. ظروف سورية مختلفة عن ظروف مصر. مستوى دخل الفرد في سورية أفضل من مستوى الدخل في مصر. في سورية مجلس نيابي وانتخابات وأحزاب وصحف. وفي مصر حكم فردي وقمع. كان يجب أن يُحترم هذا التمايز. يامديحة، لاتتصوري أننا لانعرف هذه الحقائق. لكن ثقتنا عميقة بناصر، والوحدة أثمن من أن تقف أمامها عراقيل ولو كانت منظمتنا الحزبية! هذا كلام عاطفي، ياغادة. أما أن هدف الوحدة تخليص سورية من الشيوعية فقد أذاعه أمس راديو دمشق. وقال ذلك أيضا عبد اللطيف البغدادي. شعر عمر بالشفقة على غادة ومديحة. لن تقنع إحداهما الأخرى. لو يقول لهما إن المشروع هو صرف السنوات القادمة بعيدا عن مواجهة خطر إسرائيل! لو يذكرهما بالمذكرة الأمريكية التي طلبت من سورية أن تنضم إلى حلف فيه إسرائيل للدفاع عن الشرق الأوسط ضد خطر الشيوعية والاتحاد السوفييتي! وبردّ صلاح الدين البيطار يومذاك: الخطر علينا إسرائيل، أما الخطر من الشيوعية والاتحاد السوفييتي فغير موجود! سيتساءل عمر في السجن، فيما بعد، ألا تنفّذ هذه الحملة التي يندفع فيها عبد الناصر، المذكرة الأمريكية التي رفضتها سورية قبل الوحدة؟! ولن تكون مديحة وغادة أمامه وقتذاك ليتابع معهما الحوار! كان الضباط قد رجعوا وبلّغوا السياسيين باتفاقهم، وسافر القوتلي وبعض الوزراء وعقدوا ميثاق الوحدة: دولة واحدة، مجلس واحد، علم واحد.. واجتمع المجلس النيابي وأقر الوحدة دون مناقشة. وحضر رشدي الكيخيا، الذي كان قد استقال من المجلس، جلسة 5 شباط التي وافق فيها المجلس على الوحدة محتفيا بأن الوحدة ستخلصه من الجيش! انتهى التجمع النيابي السوري، وأيام الديمقراطية! انتهت مرحلة وبدأت أخرى! الأمس هو اتفاقيات خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي على تصنيع سوريا بأربعين مشروع كبير. والتسلح من البلاد الاشتراكية. والحريات. والمقاومة الشعبية وحفر الخنادق. لليوم أهزوجة أخرى: "بدنا الوحدة باكر باكر، مع الأسمر عبد الناصر"! ماأغرب أن تطوي الأحداث العامة صفحات من الحياة الشخصية! في 21 شباط جرى الاستفتاء على الوحدة وعلى رئيس الجمهورية. نتيجة الاستفتاء 98%. استعملت الهويات مرات. لم يدقق أحد إحصاء الأصوات. لكن حماسة الشارع إرهاب يمنع أن تقول الحقيقة. في 24 شباط وصل عبد الناصر إلى سورية. احتشد الناس أمام قصر الضيافة. وكانت منهم غادة. على الشرفة وقف السراج قرب عبد الناصر. من بعيد عرض على الناس شيكا قيل إن الملك سعود حاول به رشوة السراج. فهتف الناس وصخبوا. وقف عمر في طرف الساحة. تساءل: أيمكن أن يستمر هذا الفرح الذي يغلي الآن؟ من يستشف المستقبل لايستطيع أن يبوح بما يعرفه! خطب عبد الناصر واستمع إليه عمر. هل مهارة ناصر في الحديث إلى الناس هي التي تسحرهم؟ بل مايستند إليه! تأميم القنال، والمقاومة في السويس، وصفقات الأسلحة من السوفييت، ومؤتمر باندونغ! قال لنفسه: سأقرأ خطابه في هدوء! وصل لبنانيون ليسمعوا عبد الناصر ويباركوا بالوحدة. وشعر عمر بأن في الجماهير مالايجسر على البوح به الآن حتى لنفسه. يعتد السياسيون الوطنيون بالجماهير ويستندون إلى الشارع؟ الجماهير ليست الشعب المقدس فقط! قد تكون الجماهير قطيعا من الغوغاء! وقد تعطل الحماسة فكرها! تنهد عمر: انتهى زمن وبدأ آخر، فلماذا لاتتبدل الجماهير أيضا من حال إلى أخرى؟ بعد عقود سيكتب أحد الشهود: في الاجتماع في مكتب البزرة قال ضابط: لو طلب مني ناصر أن أقصف حلب لقصفتها. فقاطعه أحمد عبد الكريم: أنا لن أقصفها! أهكذا تغيّب الحماسة العقل وتلغي الوجدان؟ أليست هذه هي الغوغائية التي قصدها عمر؟ لن يكتشف السياسيون أن الدراسة والعقل والحكمة يجب أن تحكم القرارات، إلا بعد خراب البصرة! لايمكن أن تُحرَق المراحل التاريخية والظروف الموضوعية دون أن يحترق الناس! سرّح أربعة وتسعون ضابطا. ووضعت تنقلات ضباط آخرين على أساس تقرير عبد المحسن أبو النور لعبد الحكيم عامر. فرفض البزرة التنقلات واصطدم بعبد الحكيم عامر. اتهمه عامر بأنه يضع عشرين ضابطا شيوعيا في مراكز قيادية. عشرين؟! في اليوم التالي قرأ البزرة في الصحف استقالته! انتهى دور الضباط الذين فرضوا الوحدة! بعد جلسة المجلس النيابي التي وقع فيها النواب على الوحدة جلس قيس في مقهى الكرنك. قال رأيه: الاتحاد الفيديرالي هو الطريق السليم، لاالوحدة الفورية! ردّ عليه المحامي نجيب: يكفيكم خزيا أنكم ضد الوحدة! ردّ قيس: يكفي هذه الوحدة خزيا أن رشدي الكيخيا حضر جلسة المجلس النيابي التي وافقت عليها! هل يفهم قيس أن ماقاله في مستوى الكفر؟! استدعى عرفان قيسا: وصلت إلينا ثرثرتك. انتبه! إذا استمر كلامك الطائش فستبقى في سجن المزة حتى تحرير الأردن! أجاب قيس: سيسعدني أن أكون في سجن المزة إذا تمكنتَ أنتَ من تحرير الأردن! إلى من يستند قيس؟! في تلك الليلة تحدث قيس مع فرج الله زمنا. شبه سوريا بولاية كيرالا الهندية. سورية الآن رمز! يجب أن يبقى في الأرض العربية مكان للحلم! قال له فرج الله: قم، اكتب ماقلته! بعد سنوات طويلة سيجد العرب وبعض الغربيين جنوب لبنان مكانا للحلم! وخلال الانتفاضة ستصبح فلسطين مكان الحلم! وفي لحظة غزو العراق ستبدو المقاومة العراقية مكان الحلم! قطعت الأفراح بثورة العراق في 14 تموز تلك العتمة! سمعت ليلى صوت عمر في التلفون: ياليلى، في العراق ثورة قلبت الملكية! تركت ليلى السماعة ونادت أمها: منور! سقط نوري السعيد وعبد الإله والملك! نعم، سقط الذين عانت سورية من مشروعهم للوحدة! أية هزة زلزلت الغرب! استدعى كميل شمعون السفير الأمريكي. يبدو أنه وافق على التدخل الأمريكي أو أنه طلبه. خائف من ثورة العراق! في لبنان الآن إنزال أمريكي! وفي الأردن إنزال بريطاني! في المساء استقبلت ليلى وأمها عمرا. كم تبدو هذه الأشهر سريعة وعاصفة! قال عمر: مع ذلك لاتزال الأحلام تملأ الجو! سألته ليلى: البيضاء أم السوداء؟ قال: يراقبون جميعا الأحداث في العراق، وينتظرون مصير الإنزال في لبنان! نظر إلى صورة أبي ليلى وإلى صورة أخيها. ولمح صورة ليلى وهي صغيرة، وإناء زهر فيه كثير من الزنبق الأبيض الذي عبق في الصالة. لماذا يتأمل مايراه من بيت ليلى كالمسافر؟ - هذا فقط ماتريد أن تقوله لي ياعمر؟ في فمك كلام آخر! - ياليلى، كنت أفكر بأن العلم السوري لم يعد موجودا! لم يقل لها إنه يتوقع كارثة لم تحلم بمثلها الأحلاف! لماذا يقلقها بنبوءة شخصية! قال: احتج الاتحاد السوفييتي على نزول القوات الأمريكية في لبنان. وهذا مهم لأنه قوة عالمية. وأعلن فؤاد شهاب أنه إذا انتخب رئيسا سيطلب خروجها. وستبقى القوات الأمريكية في لبنان أربعة أشهر. قالت ليلى لمنور: يصعب السفر إلى العراق. فلماذا لانسافر يومين إلى لبنان؟ سألها عمر: والإنزال؟ تدخلت منور: تفكر ليلى في لبنان ولاتنتبه إلى أننا لم نقدم لك ماتشربه! عندي شراب الرمان. طيب، حضّرته بنفسي. وحضّرت لك ياعمر كنافة بالجبن أعرف أنك تحبها، مع أن الطقس حار! قال عمر لنفسه: ستؤخّر ثورة تموز في العراق دمج سورية في مصر! وقد تغيّر مجرى الوحدة نفسها! لكن هل يمحو ذلك الخيبة التي شعر بها وهو يستمع إلى خطاب عبد الناصر في ساحة قصر الضيافة في دمشق؟! جرحته دموع غادة التي سالت على خديها وهي تصغي إلى عبد الناصر. وأغاظه هيجان الناس. بدا كحجر وحيد بارد وسط تلك الجموع. ولم يستطع الانسحاب في سهولة. هل كان وحده على صواب وذلك الخلق كله مخطئ؟! لذلك سيعود إلى ذلك الخطاب ويقرأه في هدوء مرات. وسيثبت لنفسه أنه على حق! ولكن من كان يستطيع يومذاك أن يناقش الأسس التي يفترض أن تبنى عليها وحدة بين بلدين لكل منهما مساره الخاص؟ من كان يمكن أن يقبل ملاحظات خالد العظم الهادئة ومشروعه لوحدة واسعة وجذابة؟ سيقلّب عمر خطابات عبد الناصر فيما بعد. وسيتساءل لماذا سحرت العرب. وسيرى أنها كلمات عادية استخدمت الحماسة واعتمدت التكرار. وسيلوم نفسه لأنه صفق لها ذلت يوم. لكنه بعد ذلك بسنوات سيتصفحها مرة أخرى. وسيقول لنفسه: سمع العرب لأول مرة من رئيس عربي دعوة علنية إلى مقاومة دول كبرى استعمارية، وإعلانه أنها لاتخيف الشعوب! خاطبهم كأمة من الخليج إلى المحيط، تملك أرضا واحدة لهم ثرواتها! لم يكونوا مخطئين إذن في حماستهم له! لأنه أنعش ماتعلموه في الكتب: أنهم أمة ذات أمجاد، سطا عليها الانتداب والاحتلال وهدّدها بأشكال جديدة من العبودية! ستبدو له جمل عبد الناصر بسيطة وصيغه ساذجة وهو يقلّبها. لكنه سيتساءل هل يتصور الزعماء في ذروة قوتهم أن كلماتهم تذوب في الفضاء، ولن يفحصها جيل آخر بعدهم؟ وهل يجوز أن يعتمد الزعماء استثارة الناس بالعواطف وتنويم العقول؟ سيكره عمر "إن" وسيحاول ألا يستخدمها في رسائله. وسيحاول ألا يستخدم المترادفات في كلامه. وسيوجز جمله. وستقول له ليلى: لايفهم من يستمع إليك مافي قلبك! وعندئذ سيذكر لها أنه يحتفظ ببعض خطابات عبد الناصر التي تتصل بأحداث حياته، كأنها أوراق شخصية. وسيذكر لها أنه لم يعد يطيق التكرار والتفصيل والمترادفات. وسيتساءل دهشا كيف صفقت تلك الحشود العربية لخطابات بسيطة يمكن أن تختصر ببعض الجمل. وستقول له ليلى: تذكّر أن تراها متصلة بأهواء زمنها! كانت الأوراق التي نشرها أمام ليلى صفراء. فقالت له: كم هي قديمة! فردّ: مرت عليها عقود، هي عمرنا! تصفحتها ليلى ولم تكن راغبة في قراءة كل جملة منها، ثم وجدت أنها تقرأها. ورآها تهزّ رأسها. هل يريد عمر أن يصور أن تلك السنوات كانت سطحية وباهتة؟ رفعت رأسها إليه: ياعمر، كانت تلك السنوات متوهجة وغنية. لكن التعبير عنها يحتاج صفاء الروح والكفاءة. وربما يحتاج أيضا الجرأة والعدالة. أسّست تلك السنوات ما عاشته المنطقة فيما بعد، وكانت حاسمة! ولعلها كانت التمهيد لهزيمة حزيران القاسية وللصحو الحادّ بعدها! عندما قرأتُ مقاطع من تاريخ روسيا في أيام القيصرية شعرت بالغيرة. رأيت تحليلا ودراسات طويلة عريضة تتناول سنوات محدودة. نعبر أغنى منها في بلادنا لكننا لانجد لها صورة دقيقة تحيط بها! ياليلى، ربما يحتاج الناس الأمان والتأمل. فلننتظرهم! قلّبت ليلى الخطابات. وسمعت الهدير الذي كانت الإذاعة تردده مرات كل يوم! "سنحطم أساطيل العدوان التي تحاصر بيروت، وسنحطم طائرات أمريكا وبريطانيا التي تحلق فوق أراضينا. إنهم يريدون تغيير سير الزمن ولكن الزمن لن ترتد عقاربه الى الوراء! إن التاريخ يسير الى الأمام وسيدوس الشعب العربي بأقدامه على الاستعمار وأعوان الاستعمار. سينتصر الشعب العربي في المعركة وسيتحرر لبنان والأردن كما تحرر العراق". لكن عمرا سيخصّ بانتباهه خطاب عبد الناصر في دمشق مساء يوم 18 تموز سنة 1958 الذي أبكى غادة، وسيقدّمه لليلى. لأنه نقّب فيه، ولم يره إلا متصلا بترتيب العلاقة بعبد السلام عارف وحقن غروره وسذاجته ليقفز إلى قيادة العراق. كان ذلك الخطاب من الأوراق التي يحتفظ بها عمر ليثبّت أحداث حياته ويفسرها. وليؤكد لنفسه أنه لم يخطئ في موقفه من الأحداث التي سرقت سنوات من عمره. كان يكتشف نتائج متنوعة في كل مرة يستعيد فيها ذلك المقطع من حياته. من تلك النتائج أن الارتجال علّة. وأن التصفيق قد يكون مصيدة. وأن المترادفات والتكرار تستخف بالعقل. كم بدت كلمات عبد الناصر بعيدة عن الواقع بعد عدوان حزيران! أين الزحف المقدس وأين الانتصارات؟ وأين اولئك الذين قامر بهم ناصر فعلقوا على المشانق وخسرهم العرب؟ هل يجوز التدخل بالقوة في بلد عربي لأننا أمة واحدة؟ وماهي نتيجة ذلك؟ "الحمد لله، الحمد لله فإن الزحف المقدس الذي صممت عليه الأمة العربية يسير قدما الى الأمام من نصر الى نصر.. أيها الإخوة لقد كافح العرب طويلا من أجل أن يحققوا لبلادهم الحرية والاستقلال، كافحوا ضد الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، كافحوا كفاحا مريرا ورغم الظلم ورغم الاستبداد ورغم الاستشهاد لم يهنوا ولم يضعفوا ولكنهم آلوا على أنفسهم أن يستمروا في زحفهم المقدس يحملون مشعل الحرية حتى يحرروا بلادهم في كل بلد من بلاد الوطن العربي، في دمشق وفي بغداد في بيروت وفي عمان في القاهرة وفي الجزائر وفي كل مكان صمم العرب، رغم الظلم ورغم الاستبداد ورغم الاستشهاد ورغم القتل والتعذيب على أن يستمروا في زحفهم المقدس. وأنا بينكم اليوم أيها الإخوة وأشعر بفرحكم وأشعر بأنكم تشكرون الله ونشكر الله معكم لأننا نرى اليوم الى جانبنا إخوانا لنا يحملون مشعل الحرية في طريق زحفنا المقدس. لقد قاوم شعب العراق دائما ولم يهن ولم يضعف ولم ييأس كما قاوم كل شعب عربي. قاوم شعب العراق واستشهد من استشهد وقتل من قتل ولكنه لم ييأس وقاوم حتى انتصر في زحفه المقدس ورفع معكم ومع الأمة العربية كلها شعلة الحرية. إننا اليوم أيها الإخوة أقوى مما كنا. إننا اليوم أيها الإخوة أثبت مما كنا. إننا اليوم نشعر أن راية الحرية تعلو وتعلو وترتفع. راية الحرية التي هزمت الظلم والتي هزمت الاستعمار والتي هزمت الدول الكبرى تعلو وترتفع. راية الحرية التي حطمت العدوان وبقيت وانتهى العدوان. إننا اليوم هنا في هذا المكان كافح الآباء وكافحتم فنشعر اليوم بالحرية، وصبرتم واستشهدتم ولكم إخوة في القاهرة قاتلوا وكافحوا واستشهدوا ولكن راية الحرية ترفرف على القاهرة. ولكم إخوة في بغداد قاتلوا وكافحوا واستشهدوا وعذبوا ولكن راية الحرية ترتفع اليوم في بغداد. وهناك إخوة لكم يكافحون في الجزائر يكافحون ويموتون في سبيل العزة وفي سبيل الاستقلال. وبعون الله ستنتصر الجزائر وسترتفع راية الحرية وسترتفع راية الاستقلال. ولكم إخوة أيها الإخوة في عمان وفي بيروت يكافحون من أجل حريتهم ويكافحون من أجل استقلالهم وسترتفع راية الحرية في عمان وسترتفع راية الحرية في بيروت كما ارتفعت في كل بلد من أرجاء العالم العربي. أيها الاخوة إن القومية العربية قد انطلقت من عقالها إن الشعب العربي يثق بنفسه ويثق بوطنه. إن الشعب العربي يثق بحقه في الحرية والحياة وأنا اليوم أيها الإخوة المواطنون أتجه إلى إخوانكم في العراق وأقول لهم إننا معكم أيها الإخوة وإن معركتنا واحدة لأننا شعب واحد وإننا أمة واحدة. إننا معكم أيها الإخوة وكنا ننظر إليكم في الماضي وأنتم تقاتلون وأنتم تكافحون وكنا معكم بالقلوب إننا معكم أيها الإخوة لأننا شعب واحد ولأننا أمة واحدة إننا معكم في الكفاح إننا معكم في الجهاد ... أيها الإخوة إن القومية العربية التي انطلقت لايمثلها رجل واحد ولاتمثلها حفنة من الناس لايمثلها جمال عبد الناصر ولايمثلها أي شخص آخر ولكنها أنتم كل فرد منكم، من منكم كان يسمع منذ أيام عن عبد الكريم قاسم من منكم أيها الإخوة كان يسمع منذ أيام عن عبد الكريم قاسم أو عن عبد السلام عارف إن عبد الكريم قاسم يمثل هذا الشعب يمثلكم أنتم يمثل المواطن العربي يمثل القومية العربية، إن عبد السلام عارف يمثل هذا الشعب المكافح يمثل هذا الشعب الذي قاتل يمثل هذا الشعب الذي صمم على الحرية وصمم على أن ينتصر، إن كل فرد من هؤلاء الضباط ومن هؤلاء الجنود، إن كل فرد منهم يمثل القومية العربية ويمثل العزة العربية، إن كل فرد منكم يمثل القومية العربية ويمثل العزة العربية، إن شعلة القومية ستبقى أبد الدهر مرتفعة لأنها لاتنحصر في شخص واحد هو جمال عبد الناصر...أيها الإخوة إنني أعلن باسمكم من هذا المكان أننا جميعا سنحمل السلاح لندافع عن شعلة الحرية التي انتصرت في العراق، إننا جميعا سنحمل السلاح لندافع عن استقلالنا وسندافع عن النصر الذي حققناه، إننا جميعا أيها الإخوة سنحمل السلاح لندافع عن القومية العربية.. اليوم يقولون إن هناك تدخلا من الجمهورية العربية المتحدة في لبنان وإنهم لهذا يحتلون لبنان ليدافعوا عن لبنان ويقولون أيضا بأن هناك تدخلا من الجمهورية العربية المتحدة في عمان وإنهم لهذا يحتلون عمان. إن هذا أيها الإخوة هو الاستهتار بكل القيم الأخلاقية وبكل المبادئ، إن هذا هو الاحتلال إن هذا هو الاستعمار إن أمريكا التي قاومت بريطانيا منذ عشرات السنين لتحصل على استقلالها ولتقضي على الاستعمار وتشيد الولايات المتحدة المستقلة كيف تنسى تاريخها كيف تنسى نفسها وتقوم اليوم بهذا الدور الاستعماري وتحتل لبنان وتهدد الجمهورية العربية المتحدة. إن أمريكا أبلغتنا بالأمس أننا، أن الجمهورية العربية المتحدة تعتبر مسؤولة عن أمن الجنود الأمريكيين في لبنان وأنا لاأعرف كيف يذكرون لبنان ويحتلوه ونحن نعتبر مسؤولين عن حماية الاحتلال. لقد قاوم الشعب دائما الاحتلال وانتصر الشعب إن الشعب العربي سيقاوم الاحتلال في كل بلد وفي كل مكان ... أيها الإخوة المواطنون لنتجه إلى المستقبل بعزيمة وايمان.. إننا اليوم نشعر أن إخوتنا في العراق قد تحرروا.. نستطيع أن نكون قوة كبرى ونستطيع أن نهدم الطغاة ونستطيع أن نهدم العدوان، وأنا أقول لإخوتكم في بغداد إننا معكم أيها الإخوة جميعا إننا نحمل السلاح مثلكم أيها الإخوة وإن دماءنا معكم كل قطرة من دمائنا والله يوفق الأمة العربية جمعاء والسلام عليكم ورحمة الله". كان سقوط الملكية في العراق فرحة كبرى، رآها عمر في المقاهي والجامعة وفي حفاوة الناس بالثورة. وشعر بأن الوحدة المصرية السورية وضعت أمام ظروف جديدة تتحدى أسسها. كانت ثورة العراق ثورة حقيقية ألغت قوى سياسية وأتت بأخرى. تذكّر عمر حكاية ساخرة. قيل لملك العراق لماذا لاتنشئ جامعة في بغداد؟ فقال: لأن بريطانيا لم توافق. قيل له: أنت الملك! رد :أنا موظف في حكومة بريطانيا بدرجة ملك! وروي أن زملاء الملك كانوا يشكون له مايعاني منه العراق فكان يشاركهم حزنهم ويبكي معهم. لذلك شعر عمر بالشفقة على ملك العراق، لكنه كان يكره الوصي ونوري السعيد. ويرى أنهما مسؤولان عن قتل صلاح الدين الصباغ وزملائه الضباط! وهاهو عبد الإله قد قتل مع الملك في القصر. واكتشف نوري السعيد متخفيا بملاءة نسائية هاربا حتى من بيت صاحبه الاستربادي، محاولا أن يصل إلى السفارة الأمريكية. قتل وسحل ودفن في أبي غريب، ثم أخرج الناس مابقي من جثته وسحلوها. هل كان عمر يتصور أنه سيرى في حياته عراقيين يجلسون علنا حول حاكم أمريكي في العراق كمجلس يحكم العراق، والجنود الأمريكيون يقصفون المدن العراقية ويعذبون العراقيين في المعتقلات، والموساد يشارك في التحقيق مع المعتقلين، والشركات الإسرائيلية توهب الحقوق في العراق؟ سيتذكّر عمر بعد عقود الحكاية الساخرة عن ملك العراق، وسيقول: كم كان الملك المسكين يتقدم على هؤلاء الذين لايعترفون بأن الطائرات الحربية التي تقصف البيوت العراقية في بغداد والفلوجة والنجف والقائم والرمادي طائرات احتلال، بل يرونها دون خجل طائرات حلفاء! يوم قالت لها أمها: يامديحة، السياسة غدارة! لاتغرقي فيها! ردت دهشة: سياسة؟ هذا دفاع عن الوطن! وكرر فوزي الجواب نفسه لأبيه فطمأنه: لاأتخيل نفسي في منصب سياسي أكسب منه راتبا! الدفاع عن الوطن ليس سياسة بل فروسية، وواجب. فهل كانا واهمين؟ لم يكن ضباط الجيش الذين قرروا وحدة بين سوريا ومصر دون شروط، أقل منهما بساطة! لذلك كانت خيبتهما كخيبة المحب! انثنت مديحة على نفسها في البيت متألمة عندما هاجم عبد الناصر الشيوعيين في خطاب رنان. ليس ذلك بيانا على ورقة، أو قرارا رسميا، بل تحريض في اجتماع حاشد! فهل حدث مثل ذلك في العالم بعد الاجتماعات الكبرى التي سيقت فيها المجموعات إلى حرق الكتب والحرب؟! في تلك الأيام لاحظ فوزي مكاتب المخابرات التي أنشئت بعد التوقيع على الوحدة. وقال لنفسه: لم تنفّذ الاتفاقية مع الاتحاد السوفييتي لتصنيع سوريا، لكن أنشئت هذه المؤسسات التي لم تكن موجودة في بلدنا! ثم شغلت ثورة العراق الجميع. حاول عبد السلام عارف أن يتقدم على عبد الكريم قاسم كأنه صانع ثورة تموز ومرجعها، واسترسل في خطابات تعلن أن الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة قريبة. فانتقل إلى الشارع الصراع بين الوحدة والاتحاد الفيديرالي، وبدأ في العراق الصدام الدامي بين القوميين وبين الشيوعيين. أوجز فوزي لمديحة: ماذا يغري العراق بالوحدة مع سورية ومصر؟ التآمر حتى على صناع الوحدة، إبعاد عفيف البزرة ونثر الضباط البعثيين في وظائف مدنية؟ حلّ الأحزاب وتأسيس أجهزة المخابرات؟ قالت له مديحة وهي تخجل من الهبوط إلى تفصيل شخصي: صادفت أمس أحد الطلاب وأنا مع زميلاتي في "غرفة الشاي". أخرج ورقة وقلما، نظر إلي وبدأ يكتب.. قصد أن يظهر أنه يكتب تقريرا إلى جهة ما. قال فوزي: يامديحة، لاتدهشي إذا صار الأخ يتجسس على أخيه! مايحزنني يافوزي أن غادة تتفاداني! وأن ليلى تبدو باردة، تسلّم علي لكنها لاتتوقف لتتحدث إلي. ردّ: توحي لي المقدمات بأن البعثيين سيعتقلون ويطاردون! وظيفة نائب رئيس الجمهورية التي أعطيت للحوراني تبعده عن جماهيره التي يستقوي بها، وستضعفه. ذات يوم، ستعود غادة وليلى إليك! في ذلك اليوم قال عمر لفوزي: لستم المقصودين, فلستم قوة. مع أنكم لم تقدّروا الظروف فأردتم انتخابات بلدية تصورتم أنكم ستسجلون فيها تفوقكم، فأغضبتم حلفاءكم. المقصود هو إلغاء الاندفاع الوطني، إلغاء شعور الفرد بأنه يفكر تفكيرا مستقلا وأن رأيه مهم ومطلوب! المقصود أن يفكر شخص واحد، وربما مجموعة أفراد، عن الناس! سيصبح الناس متفرجين مصفقين! وستشتاق حتى إلى جريدة بردى أو الفيحاء! هذه هي الكارثة! لكن أصحابنا لاينتبهون إليها. يتصور كل منهم أنه سيتخلص من الحزب المنافس، وسيبقى بعده! وستتحقق نبوءة عمر. سيهاجم عبد الناصر بعد سنة في خطاب رنان حزب البعث! ألقى عبد الناصر خطابا في 23 كانون الأول في بور سعيد. وأذيع خطابه مرات في اليوم طوال الأسبوع الأخير من السنة. استمعت مديحة إليه جالسة في غرفتها قرب راديو زيتي صغير. "..وحينما طغت القومية العربية وحينما ارتفعت إرادة الشعب العربي وقامت الجمهورية العربية المتحدة وكان الحماس الجارف والشعور الفياض، انزوى أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية، انزوى الاستغلاليون وانزوى الانتهازيون لأنهم يعلمون أن هذا الشعب سيحطم رؤوسهم. ولكنهم الآن خرجوا من جحورهم.. وتحالفت الرجعية مع الصهيونية، التقوا جميعا ضد القومية العربية والتقوا جميعا ضد الوحدة العربية. وآسف أن أقول إن هذه العناصر التي ظهرت إنما لم تكن قد استطاعت أن تواجه الشعب قبل الآن ولكنها تريد أن تخدع الشعب وتنشر بينه البلبلة وتنشر بينه الإشاعات حتى يكون مطية للاستعمار أو لأعوان الاستعمار أو للصهيونية. ولن نستطيع أن نحارب الصهيونية وأن نحارب الاستعمار إذا كنا نحارب أنفسنا. ولكن الحزب الشيوعي في سوريا رفض هذا وأعلن أنه لايقبل أن يتحد مع الأمة في وحدة قومية وفي اتحاد قومي ورفض أن تكون الأمة أمة واحدة تحارب أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية. بل رفض أيضا القومية العربية والوحدة العربية وأعلن بعض أفراده في الأسبوع الماضي أنهم ينادون بالانفصال وينادون بألا تكون هناك وحدة عربية أو قومية عربية. إن هذه هي الدعوة للصهيونية. لكي تنفذ بين أرجاء القومية العربية وتعود تستغل بلادنا.." بدا لفوزي أن مرحلة تطوى وتبدأ أخرى بديلة. كانت مصر من قادة دول عدم الانحياز. جمعت العرب بتأميم قنال السويس ومقاومة الغزو الثلاثي. بهرت العرب بالتأميم والقطاع العام والإصلاح الزراعي. فكيف تنحرف من توحيد العرب لمواجهة تدخل خارجي إلى تقسيمهم في نزاع عربي؟ كيف يكذب رئيس دولة ليحرض على مواطنين! بدا نص الخطاب لفوزي ضعيفا هشا، لكنه شعر بأن الحماسة الوطنية تمنع رؤية تلك الحقيقة! ينفّذ إذن المشروع الأمريكي الذي ردّه خالد العظم قبل سنوات يوم قال يريدنا الغرب أن نحارب الشيوعية، ليست تلك قضيتنا، فعدونا إسرائيل! بدأ فوزي يمزق رسائل أهله وأصدقائه. مزق الصور التي تجمعه بآخرين من زملائه. أمسك برهة بصورته مع مديحة وأصدقائهما في مهرجان موسكو. وخيل إليه أنه يشعر بحريق في عينيه. إذا مزق الصورة هل ستنجو النسخة الثانية في بيت مديحة؟ أشعلها. وكان الراديو خلال ذلك يكرر الخطاب! قال لنفسه: يحضّرون إذن حملة كبيرة. ألذلك طلب منه أصحابه أن يستأجر بيوتا تستخدم وقت الضرورة؟ لن يكون ممن يستخدمها! استمعت مديحة إلى خطاب عبد الناصر مرات. نظرت إليها أمها: قلت لك السياسة غدارة! خفضت مديحة صوت الراديو وانحنت عليه. هذا هو رجل القنال؟! يبدع همجية في سحق الخصم الفكري ويطلق الغوغاء! يشوش الرموز ويدمر الروح! سيكون خطابه التالي خطأ سياسيا أيضا! سيهاجم عبد الكريم قاسم وسيقول إن إنذار الاتحاد السوفييتي وقت العدوان على بور سعيد جاء متأخرا، جاء بعد قرار الأمم المتحدة وقف العدوان وبعد تضامن دول العالم مع مصر! فيعرّي بلاده من سند عالمي، ويشوّه الحقيقة التاريخية! سيتحدث عن المؤامرات الشيوعية على الوحدة ويتهم الشيوعيين بأنهم عملاء، ويستغني عن قوى سياسية سندته! لكن مديحة لن تكون يومذاك في بلدها. فوزي هو الذي سيعذب في ذلك اليوم! خابر فوزي مديحة وقال لها: لاتأتي إلى الجامعة! التقى بها في عتمة المساء. واختار لسيرهما الشوارع البعيدة في أبي رمانة. قال: ليتك تسافرين، يامديحة، إلى بيروت غدا إذا استطعت! سألته: صرنا مطاردين؟ هز رأسه. سألته: وأنت؟ هز كتفيه. وبدا لها أنه يتخذ قرارا صعبا، لكنها لم تتصور أن قراره يتصل بها. بدت الشوارع التي كانت تمشي فيها خلية البال، خطرة. وضعت يدها على صدرها. كأن روحها انشقت! كأنما فصلت سكين الأمس عن تلك اللحظة! قال فوزي: إذا جمع عبد الناصر ذات يوم خطاباته في كتاب لترسم صورة له، هل سيكون منها هذا الخطاب؟! للسياسي المتزن خط ينظم مشروعه كله! الآن يظهر عبد الناصر الذي استبعد زملاءه الضباط الأحرار. كانوا مجموعة من شباب يساريين وإخوان مسلمين ومن مصر الفتاة ومستقلين، تمردوا على الفساد ونكبة فلسطين. فاستصفى منهم من يدين له. أبعد من نفذ انقلاب يوليو. وقبل في سنة 1953 مشروع جونستون لمياه الأردن بينما رفض السوريون التحويل ومنعوه بالقوة. حتى لبنان رفض مشروع جونستون لمياه الحاصباني لأنه يبدأ من شراكة إسرائيل في المياه العربية! قالت مديحة: لماذا رأينا الوجه المضيء للقمر فقط وتجاهلنا الوجه الآخر، والآن يحدث العكس؟! نظرت إليه. كان مجروحا وعاجزا كأنه أمام كارثة لايستطيع ردّها. قال: عبد الناصر سياسي دون قلب. كان الشيوعيون المصريون في السجون يوم سافر إلى باندونغ في نيسان 1955 فأرسلوا له من السجن برقية يحيّون فيها موقفه من الاستعمار! قالت: لكنهم شيع وفيهم يهود، قدّم المشبوه منهم مايدان به المخلص. وهل تظن أن الجمهور العربي يقبل كورييل ولو كان في قمة الإخلاص لمصر؟ على كل حال، لو كنتُ مكانهم لما أرسلتُ له برقية! لايقاوم الفكر بالسجون! قال فوزي: تلك تفاصيل. لكن لاأحد مؤهل اليوم للاستماع إلى الحقيقة، ولالإعلانها. كأنما ينتظر السياسي الثمار المرّة ليبوح بالحقيقة كلها! يجب أن تقع الكارثة كي يصحو الواهمون! لكن الدمار حدث ولاشيء يعيد زمنا ضاع. يستمر عمر الأوطان أيضا من السنة التي وصل إليها! هل كان فوزي يقدّر أن بعض الذين قاوموا الإنزال في بور سعيد سيقتلون في السجن. وسيعذب في مصر الطالب الذي نظم التضامن مع الأردن سنة 1957، سيعذب يوم أطلق الإتحاد السوفييتي مركبة فضائية؟ وفي غزة ستعتقل صهباء البربري، وهي في الثامنة عشرة، وسينقل الذين اعتقلوا في غزة إلى سجن الواحات ومنهم الشاعر معين بسيسو، وسيبقون فيه سنة ونصفا مع الكلاب المتوحشة. وستبقى إنجي أفلاطون، أكبر رسامة عربية، طوال تلك السنوات في السجن. رجع الضباط الذين أرسلوا إلى الولايات المتحدة سنة 1956 خلال مقاومة العدوان الثلاثي، ليختصوا في مكافحة الشيوعية! ومنهم مصيلحي مستشار الرئيس لمكافحة الشيوعية! فمن سيحاسب على مايحدث في سجون مصر وسورية؟ انتهى زمن المقاومة الوطنية! انتهى زمن وحدة الشارع العربي! كان فوزي غاضبا: بدأت مرحلة تاريخية! مرحلة تفكك القوى الوطنية، والمطاردة والاعتقال والتقارير! لن يسفح الدم في المظاهرات برصاص أجنبي، بل في سجون عربية. هذا هو الزمن الذي افتتحه عبد الناصر الذي أطلق مخابراته على الأردن ولبنان والعراق فألغى التحالف السياسي ووضع مكانه الارتباط بالأجهزة وأموالها! تساءلت مديحة: من سيدفع ثمن الزمن الضائع؟ ردّ: الشعوب، دائما! لكن الأشخاص قد يدفعون الثمن أيضا! يامديحة، ليتك تسافرين إلى بيروت! سألته وهي تنصرف: سنلتقي؟ قال: سأتصل بك وقت يمكن ذلك. التلفونات مراقبة، والشوارع مراقبة! احذري السيارات ذات الأرقام الديبلوماسية والأرقام العربية! هل تذكّر فوزي في ذلك الأسبوع الأخير قبل الاعتقالات، أن زكريا محي الدين أمر ضباطا باقتحام السجن الذي يعتقل فيه الإخوان المسلمون فقتلوا 27 رجلا منهم، لكن فوزي لم يبال بذلك ولم يقل يومذاك الفكر يواجه بالفكر؟! لم يقدّر أن اولئك الضباط سيهاجمون آخرين بالخبرة التي كسبوها من تعذيب من سبقهم! هل سيتذكّر أنه نسي خلال حماسته وهو يستمع إلى خطابات عبد الناصر أيام تأميم القنال، أن خميس والبقري شنقا لأنهما قادا إضراب عمال النسيج في كفر الدوار سنة 1952؟ يافوزي، لو رفضتَ ورفض الناس التعذيب مهما كان نوع ضحاياه، لما أصبح أسلوبا شرعيا تمرّ تحته جميع الاتجاهات الفكرية! قال لنفسه: نعم! كم تأخر الصحو! لكن فوزي لم يتأخر في الاتصال بمديحة ليعلن لها أنه يعفيها من الارتباط به، ومن انتظاره! وأثنى على نفسه لأنه فعل ذلك في الوقت المناسب. في آخر ليلة في السنة فتح عينيه على ضجة. رأى حوله عشرين رجلا أو أكثر. اعتقلوه ونقلوه إلى سجن المزة. وصادف هناك كثيرا من المعتقلين. وفي اليوم نفسه وصل رئيس البنك الدولي إلى مصر يعرض قرضا. وأعلن دالاس مساعدة لمصر: 12 مليون دولار والإذن ببيع القمح لها بالنقد المصري. ثمن دماء الشباب في سجون مصر وسوريا، ثمن الضباط الذين أصبحوا متقاعدين في عز الشباب، والمؤسسات السياسية والصحفية والاقتصادية التي فككتها الوحدة! أما السنوات التي ستضيع قبل حرب حزيران فسيكون هدية لم يحلم الأمريكيون بأن تقدم لهم وشوارع البلاد تحتفل بذلك! لكن الزمن محاسب عات، لايميز بين ضحايا الأخطاء وبين صناعها. سيدفع العرب كلهم الثمن في سنة 1967 فهل كان حيا يومذاك الضابط الذي قال لأحمد عبد الكريم في اجتماع قيادة الجيش: لم يخلق بعد من يضع الشروط لعبد الناصر؟ وإذا ندم، هل سيعيد ندمه الزمن والأجيال الممزقة التي خسرتها البلاد وهي في عزّ التفتح؟ كانت مديحة منصرفة إلى فجيعتها بما كانت متحمسة له ومنساقة فيه، العواطف والاندفاع إلى التضامن مع مصر، أيام المقاومة الشعبية والرمي في المزة، والحلم بالوحدة العربية الموزونة! وكان فوزي وقتئذ يستعيد ومضات من الأمس.. قرر مجلس النواب السوري في 6 تشرين الأول سنة 1955 تأييد مصر في صفقة السلاح من تشيكوسلوفاكيا و"استنكر الضجة التي أثارتها بعض الحكومات حول هذه القضية الداخلية" واعتبرها تدخلا في الشؤون الداخلية! تجاوزت الحكومة السورية والمجلس مناورات حزب الشعب، ووقع مشروع الدفاع المشترك بين مصر وسوريا! وظل نشيد السوريين الذي ألفه فخري البارودي: بلادي العرب أوطاني! لكن عبد الناصر قال للصحفي كرانجيا إن "سبب الوحدة وجود مؤامرة شيوعية للسيطرة على سوريا لذلك عجّلنا بالوحدة. استفادت المؤامرة الشيوعية من الأزمة التركية السورية"! أزمة؟ تسللت دوريات تركية إلى سوريا، قطع نهر جعجع، وصل الأسطول السادس إلى المياه قرب سوريا. وزعت الأسلحة يومذاك على الناس دون تمييز، وحفرت الخنادق، وحرست المقاومة الشعبية الجسور والطرقات. ماعلاقة الشيوعية بتلك الأيام المتوهجة؟ لم يخطر للمسؤولين الأتراك يومذاك أن عبد الناصر سينفّذ التحذير التركي! لم يخطر لدالاس أن صيغه في تسمية الخطر ستستعمل نفسها، وتستر مؤامراته على سوريا! هزجت المظاهرات أيام المقاومة الشعبية: "دالاس يادالاس، يابو الدسائس، مابيخوفنا الأسطول السادس". فهل كان الخطر وهما والمقاومة هواجس؟ صحيح إذن أن الوحدة ليست مفاجأة لأمريكا. بل برضاها لتتخلص من اتجاه سوريا الوطني وتحذفها. قال عفيف البزرة: نحن ضمانة! وياللسذاجة! طار البزرة وأصحابه الضباط! وسيكتب أحد شهود تلك الفترة: دمّر ناصر القوى الوطنية السورية التي ردّت المؤامرات، وفرّق رفاق السلاح ومجموعة الضباط. أخذهم من وطنيتهم ومن ايمانهم بالوحدة! من سيحاسب فوزي بثلاث سنوات من عمره سيتركها في السجن؟ من ستحاسب مديحة بالمرارة وليالي الأرق؟ تتصل القوة والضعف بايمان الإنسان بالمشروع الذي قرره لحياته. لكن من سيلاحظ ندوب الجروح! برق رضا في الأزمة. من كان يعرف اسمه غير جماعته؟ فهل أشار ذلك إلى نمط من السياسيين الذين يمضون حياتهم في عمل مغلق في أحزابهم، ويصعدون فيها إلى القمة دون أن يسجل لهم مكان في الحياة العامة؟ كان رضا مسؤول القيادة الذي تصبّ على يديه المعلومات عن المنظمات في دمشق كلها. ويستطيع أن يحضر أي اجتماع في دمشق ويعرف أسماء الحاضرين فيه. لم يخطر لفوزي أنه قد يلتقي به في السجن! لكنه سيعرف يومذاك فقط أن رضا أبعد في سنة 1942 ثم أعيدت إليه مسؤولياته. التقى به فوزي أول مرة في سنة 1954 وقيل له: رضا مسؤول دمشق، عد إليه في كل ماتحتاجه! رأت مديحة رضا أول مرة في اجتماع. جلس في صدر القاعة وتحدث. خيل إليها أن كلامه دون قلب. ولم يعجبها صوته. همست لنفسها: "لاأحب عينيه! زائغتان"! لكنها أخمدت نفورها منه: "لابد أن تكون فيه مؤهلات يعرفها من رفعه إلى مقام مسؤول عن عاصمة"! لاحظت مديحة فيما بعد أن عينه على مهى. رجل في الستين تلعب عينه على شابة في السابعة عشرة؟! راقبته وقررت أن مهى في حمايتها! بعد اجتماع من تلك الاجتماعات قالت لها مهى: خطبني! لاأريده! ردت مديحة: لست ملزمة بقبوله! يوم قرر رضا فصل مهى، قابلته مديحة بملء عينيها: ماالسبب؟! كانت مهى تقف في الممر منتظرة أن تُرمى لها أية مهمة. لمحت مديحة دموعها. ورأت كيف ينفذ قرار ظالم ويتحمس له منفذوه. وضعت صاحبة البيت ساقا على أخرى، في الغرفة التي التقت بها برضا. دخنت سيجارة وشربت معه القهوة. ومهى تنتظر في الصالة تلك "الصدقة". راقبت مديحة ذلك غاضبة. وزاد غضبها أن الظلم باسم المجموعة! وبدا لها في تلك اللحظة أن التدخين وشرب القهوة في غرف مغلقة طقوس سياسية. قالت لرضا: هذا قرار فردي ظالم! فانحازت صاحبة البيت إليه: أنا معه! كادت مديحة تصرخ: ومن أنتِ؟ سيدة صالون! ثم تأملتها وفهمت أمرا آخر: هذه المرأة مركز الثقل! تستقبل مسؤولا وتودع آخر، تقدم القهوة والسيجارات وتظهر هدوء الداهية الحكيمة! فينظر إليها السياسي ويوصي الحاضرين: تعلّموا منها! فتتساءل مديحة: ماذا نتعلم؟ أن ندفن قلوبنا ونظهر عواطف أخرى؟! أن نتملق الأعلى وننفّذ التنكيل بالأدنى؟ ياللسياسة التافهة! كم مرة سيقدّر لمديحة أن تصادف النساء اللواتي يقفزن إلى صدر المجالس بمكرهن وقربهن من صاحب النفوذ، وستسميهن "المتسلقات"؟! اتفقت السيدة مع رضا: ستخطب له شابة صغيرة شقراء رصدها وعرف بيتها. قدمت له القهوة مرة أخرى ومعها سيجارة. قالت مديحة: هذا ظلم! تتحداه مديحة؟ سيطاردها! كلّفها بعمل ليست مؤهلة له: أن تستأجر بيتا! رأى فوزي ارتباكها فساعدها في السر. طلب منها رضا خمس مرات أن تغيّر الاتفاق مع صاحبه. وغيّره فوزي. كتمت غضبها! الصبر! واليوم ماذا يريد؟ أعطاها ورقة مطوية ملصقة: رسالة يجب أن تصل إلى بيروت الآن! في بيروت إنزال أمريكي وصدامات بعد ثورة العراق. مع ذلك يجب أن تذهبي! خاطت الرسالة في ملابسها وركبت من السنجقدار سيارة إلى بيروت. بحثت عن العنوان. هنا! ماهذا العنوان الذي اقترحه رضا؟ ملتصق بموقع مسلح! استعدت للهرب. ناداها المسلح. اختفت خافقة القلب في زقاق. وصلت إلى فندق في ساحة البرج. بدا لها الفندق آمنا. ومع ذلك جرّت السرير وأسندت به الباب. لعلع الرصاص فأرقت حتى الفجر. أف، مرت الليلة! في الصباح مشت إلى العنوان الاحتياطي. قالوا لها هناك: يعرف رضا أننا سنكون اليوم في دمشق فلماذا خاطر بك؟ وضعت مديحة هذا التفصيل في سجلّها السري. لكنها لن تذكر لأحد ما جرى. كم من الأخطاء والجرائم ستستر باسم حماية الأسرار؟! في الاجتماع لامها رضا دون سبب: يجب أن تتخلصي من تربيتك وعاداتك وأفكارك لتصبحي ثورية! هل تسأله: تريد صفحات بيضاء لتكتب عليها ماتشاء؟ ومن أنتَ وماهي كفاءتك؟ قدّم فتاة ذات مكياج كثيف: سترافقك إلى المنظمات لتستلمها منك! آه، فهمت! يقدّم فتاة لاتؤتمن، ويخطب صبية في السادسة عشرة أو السابعة عشرة يزوجها أهلها من عجوز، ويريد أن يعرف المنظمات التي لايعرفها! لاأثق فيه! تقلبت في الليل. ماأصعب ألا يكون الإنسان مستريحا بين أصحابه! فلتعتمد على حدسها! قررت: هو المخطئ! وسأشكوه! أتى فرج الله لبقا، رقيقا. ماالمشكلة؟ سألها عن التفاصيل فروتها له. هل قطّب؟ قال: معك الحق! في تلك الليلة نامت بملء عينيها. لكن رضا بقي مكانه. وهمست شابة لمديحة: استدعاني رضا ومشينا ذهابا وإيابا أمام المكتب الخاص الذي أسسته المخابرات في شارع بغداد، حتى أكمل حديثه. لاأعرف لماذا جرّني إلى آخر الدنيا. كان يمكن أن يقول هنا ماقاله هناك! وضعت ليلى كفها على رأسها: عرضك لهم! من أي همّ تهرب مديحة؟ الخارج والداخل معا! شعرت بأنها محاصرة ووحيدة. تتحاشاها غادة، زميلتها في المدرسة والجامعة! وهنا، هذا الرجل الذي تشك فيه! رفعت عينيها وغالبت الدموع. بقي فوزي، فهل تحدثه عما يتجاوز صلاحياته وتخرق قاعدة ذهبية؟ بدا هو نفسه قلقا وحزينا. حدثها عن زيارته إلى محمد الأشمر. قال له الأشمر: ياابني، الدهر دولاب، يوم معك ويوم عليك! رفع عينيه ولمحت ليلى دموعا يغالبها. قال: يبدو يامديحة أن سورية تقاد إلى المذبح! أتساءل الآن عمن اغتال عدنان المالكي! رجل من رجال غسان جديد وجورج عبد المسيح، أم نظمت اغتياله سفارة عربية وسفارة أجنبية وشخصيات سورية ومخابرات كبرى؟! ألم يكن ذلك لترتيب الجيش؟ نُقل إلي أن السراج قال في لقاء خاص: لدينا بعض أفراد منكم! فردّوا: ليس لديكم أحد من المراتب العليا! هتفت مديحة: بل لديه! أدهشته فحدق فيها. قالت: أظن أن السراج صادق يافوزي! أعتقد أن رضا يتعاون مع مؤسسة أمنية! ويبدو أن الإنزال في لبنان شغل الجميع ووجّههم إلى التعاون لنقل الأسلحة إلى المقاومة اللبنانية، فضاعت الطاسة وقتذاك! بعد خطاب ناصر الذي أعلن فيه أنه يترك الشيوعيين للشوارع كي تؤدبهم، قال فرج الله أمام مديحة: تفادوا الشوارع المطروقة! صارت شوارع المدينة التي تحبها ممنوعة؟ كانت تحب شارع الصالحية الذي تتمخطر فيه الصبايا بعد الظهر، ويبحث فيه الرجال عن خطيبة! تساءلت بينها وبين نفسها: هل ينفع الحذر ودمشق كلها مكشوفة لرضا؟ صارت تعبر طريق الصالحية، إذا اضطرت، مسرعة! لكن ياللمصادفة! أمامها رضا مع شابة صغيرة شقراء، جاكيته على كتفه، يمشي مطمئنا مسترخيا. تلكأت مديحة. رأته يدخل إلى غرفة الشاي! يقصد مكانا عاما وسط المدينة، والإذاعة تردد خطاب عبد الناصر سنتركهم للشوارع؟! سمعت دقات قلبها: هذا الرجل يخون أهله! ولكن من تخبر؟ جفلت فجأة: لماذا جمع رضا أوراقا يسجل فيها كل شاب اسمه وموجزا عن حياته؟ أيمكن أن يطلب أحد مثل تلك الأوراق الآن؟! كان الراديو مايزال يكرر خطاب عبد الناصر عندما وصلت إلى البيت. هل القصد أن يشلّ التكرار العقل؟ واضح أنه يستعدي الشارع. ألايفترض أن يوفق القائد بين المتخاصمين لاأن يشعل النار وسطهم؟ سمعت صوت عمر في التلفون. ياللشهم! يطمئن عليها. تحتاجين مساعدة؟ لايستطيع أحد لأحد مساعدة في هذه الأيام! اتصل بها قبل أن يسافر إلى خالته في بيروت ليمضي عطلة رأس السنة! في ليلة رأس سنة 1959 اعتقل رجال المباحث مئات الرجال، ومنهم فوزي، ونقلوهم إلى سجن المزة. كان التحقيق مع المدنيين في النهار، ومع العسكريين في الليل. لمعت يومذاك أسماء عبد الحميد السراج، عبد الوهاب الخطيب، نعسان زكار، شتيوي سيفو، مفرزة سامي جمعة في الطلياني، المكتب الخاص. كان بعض اولئك من الضباط الوطنيين الذين برقوا في السنوات السابقة وقت كشفوا المؤامرات العراقية والأمريكية على سورية. فأصبحت لهم مهمات أخرى: صاروا محققين يطلبون الأسماء والأمكنة! يريدون أن يساعدهم فوزي في تفكيك البنية التنظيمية ولو بكلمة؟ بدا ذلك لفوزي عدوانا عليه. من أية أعماق نبش "المنيّة ولاالدنيّة"! والدنيّة هي الانهيار الروحي الذي يبيح انتصار الخصم. نعم، ليس هدف الحوار الذي يبدأ به التحقيق في السجن إقناع الخصم، بل كسره وإعلان الانتصار عليه! لذلك استعد فوزي للضرب، والكهرباء، وقلع الأظافر، والتعليق من اليدين! لكنه تساءل مجروحا: متى أجادوا ذلك؟ ونحن ننظم المظاهرات ونتدرب في المقاومة الشعبية على الدفاع عن الوطن! آه، نسيت أن القوميين السوريين سجنوا وعذبوا ووضعوا في أكياس مغلقة مع قطط وضربوا معها! ولكن من هذا؟ استدعي فوزي إلى التحقيق بعد الظهر. ليس هذا أوان التحقيق مع المدنيين! أدخل إلى المحققين العسكريين. رأى أمامه الضابط الذي رافق مجموعته في المقاومة الشعبية. تعرف هذا الرجل؟ طبعا أعرفه! ضابط مجموعتنا في المقاومة الشعبية! اعترف بأنك نظّمته في جماعتكم! لم أنظّم أحدا من العسكريين! بل نظّمته، وأدى قسم الانتساب على القرآن أمامك! شر البلية مايضحك! قسم على القرآن للانتساب إلى حزب ليس الدين من مرجعياته؟ ذات مساء وهو جريح على الأرض، قال لنفسه: أكثر من القرد مامسخ الله! المنفردة ذقناها، والكهرباء عرفناها.. المنيّة ولاالدنيّة! أراد أن يبتسم لكن جسمه كان داميا. من أضاف إلى وجعه هذا النقيق؟! أضيف إلى زنزانته مرافق قائد. كان هذا الرجل يجيز الدخول إلى بيت قائد أو يمنعه. ماهذا؟ سمعه يقول كأنه يتحدث في نومه: انتهى كل شيء، فلماذا العناد؟ هرب الكبار وانهار بعضهم فلماذا نتحمل نحن العذاب؟ لافائدة! تمنى فوزي أن يلتفت لكن جسمه لم يطعه. قال لنفسه: هذا الرجل مكلف بتفكيك الروح! نعم، يجرح القرف الروح، فيتمنى الإنسان الهرب من كل شيء! ولكن ياللأحمق الذي لايفهم أني الآن أدافع عن كرامتي الشخصية! ولن أقدّم لمن ضربني جائزة! قال له في الصباح: تستعجل الخروج من السجن؟ أنا نقيضك. لاأنوي الخروج منه! في هذه الظروف، الحياة في السجن أكثر راحة من الحياة خارجه! ولكن ليت فوزي يستطيع أن يكسر ضيق المكان وسجن الزمان، بعمل ما ولو كان شك الخرز! سيتذكر الكتب التي قرأها وسيرويها. وسيحرر مع أصحابه مجلة غير مكتوبة ويمرّنهم على يقظة الذاكرة. أصغر الأعمال مقاومة عظيمة! سيقلق الاحتجاج على الاعتقالات عبد الناصر. فيصبح القرار الخلاص من المعتقلين! لن تكون المعلومات مهمة. بل سيكون هدف التحقيق: التوبة! سينقل فوزي إلى طابق في المدينة تركت للمعتقلين فيه قصدا بعض الحرية. وسيوضع مع أصحابه في غرفة. سيقول لهم المحقق: اكتبوا "بيانات استنكار"! انقلوها من بيانات أدبائكم المعروفين! وسيخرج المحقق من الغرفة. سيعبر الممر أمامهم الكاتب سعيد ويتوقف أمام الباب: مرحبا ياشباب! وسيسأله فوزي ساخرا: ياأستاذ، كيف نكتب بيان استنكار كالذي صغتَه أنت؟ وسيردّ سعيد غاضبا: لست مستشارا في كتابة مثل تلك البيانات القذرة! لكن أحد الشعراء سيغرد قصيدة في المدح والندم! سيُستقدم أهل المعتقلين. زوجاتكم وآباؤكم وأولادكم. هل تتذكرونهم؟ هل فكرتم فيهم؟! رميتموهم لأجل جماعتكم! ياللنذالة! يعتمدون على دموع الأهل وحنان الأمهات! على قهر القوة الروحية التي تضم الدموع بالأجفان! الآن تسمحون لهم بزيارتنا؟! لاتضعفونا أيها الأهل المحبوبون! احمونا! لاتظهروا حزنكم على السجين! في ذلك اليوم ستعصب عيون بعض المعتقلين وينقلون إلى سجن اللاذقية. سيعرفونها من صوت البحر. إذا متنا أو قتلنا هل سيخمّن أصحابنا وأهلنا مصيرنا؟ هل سنرمى في البحر؟ سيصل عندئذ خبر صغير إلى فوزي: استقال الوزراء البعثيون، واستقال الوزراء المستقلون. يطلب السجانون منكم التوبة لأن الحملة العالمية لتحريركم تتسع. كان يجب أن يخمّن فوزي منذ البداية علاقة التعذيب بما يحدث خارج السجن. ألم يضربوا في تشف يوم فشلت فتنة الشواف في العراق؟! تساءل مرات: هل سيبقى عبد الناصر حيا ليستنتج أن حركة التحرر العربية ستدفع ثمن الصدام الذي أشعله بعيدا عن الصراع المركزي بين العرب وإسرائيل؟ كان شعار البعثيين في المظاهرات يبدو لفوزي ساذجا: "شعب واحد، ألم واحد، أمل واحد". يشعر فوزي الآن بأن تلك البساطة معبرة! لاخلاف سوى أنه يرى الشعب فئتين، والبلد بلدين. في كل أمة أمتان! فقراء وأغنياء! سيجمع تعسف الضباط المصريين، الأغنياء والفقراء معا. وسيفهم السوريون المندفعون بعاطفتهم الوطنية إلى الوحدة أنه غُرر بهم. لن يكرر أحد بعد اليوم غلطة القوتلي الذي قال: "هذا يوم عظيم من أيام أمتنا".. كم سنة ستمر حتى تعرف مديحة كيف عاش فوزي في السجن؟ بعد اعتقاله طرق بابها صاحب البيت الذي قرأ فيه قيس مرة شعره عن حلف بغداد. همس: ارحلي فورا إلى بيروت! وانصرف. فخرجت من البيت دون أن تقول كلمة. إلى بيروت! لاتزال الحدود دون قوائم بأسماء المطلوبين. يطل الدركي من نافذة السيارة وينظر إلى الأشخاص والهويات وتمرّ السيارة في أمان. يوم استدعي رضا ليقنع فوزي، كان الخبر قد نقل إلى فوزي: انتبه! انهار رضا وصار يستخدم في التحقيق! قال له رضا: لافائدة من المقاومة! لاتدمر مستقبلك فناصر مستقر هنا إلى الأبد! صاحب الجريدة نفسه أعلن توبته، فلماذا تتحمل أنت التعذيب؟ هل توقع رضا أن تكسره المفاجأة، فيبرر لنفسه انهياره بانهيار مسؤولين أهم منه؟ أو أن يدمره التنقل بين الحوار الأملس والضرب الوحشي؟ تسخّر ثمار علم النفس! قال فوزي لنفسه: المقاومة اختيار! سأله رضا: أين قائمة الأسماء التي أخفيتَها؟ ردّ: مزقتها وأحرقتها! قال رضا: يوم سألتك عنها قلت لي حفرتُ الحائط، وضعتُها فيه وطيّنته! رتّب فوزي جوابه: صحيح! لكني بعد خطاب عبد الناصر رأيت أن وجودها مؤذ لذلك أخرجتها وأحرقتها! يطلب القائمة بأسماء المتطوعين في المقاومة الشعبية. وُضعت خطوط تحت أسماء الحزبيين فيها. ووضعت إشارات إلى أصدقائهم. ألحّ رضا: لم تحرقها! رد فوزي في بلادة: أمامك البيوت، انبش حيطانها كلها! يوم اعتقل فوزي مع مئات من الرجال كان عمر يحتفل برأس السنة مع خالته في بيروت! قرأ أخبار الاعتقالات في الجرائد، وتساءل هل يبقى في بيروت أم سيكون غيابه دليلا إلى "جريمة"؟ عاد إلى الجامعة وروّعه غياب زملائه. التقى بغادة فسألها: مارأيك؟ تلفتت. هل هي خائفة، مع أن أكرم الحوراني نائب رئيس الجمهورية؟ قالت له: في قلبي لست موافقة على الاعتقالات. ولست موافقة على حلّ حزبي. لكن يبدو أن ذلك تضحية في سبيل قضية كبرى هي الوحدة. تقولين ياغادة ذلك مقتنعة به، أم تلتزمين بقرار؟! لست موافقة على اعتقال زملائي، أبدا! ليس السجن مكانا للحوار، بل مكان لكسر الإنسان! عرف عمر أن ليلى التي نجحت في امتحانات البعثة إلى روسيا، سافرت في غيابه. وعرف أن مديحة سافرت إلى بيروت. وأن قيسا رحل أيضا. انقلبت الدنيا في أيام وكانت الشهور تمر دون أن تغير خطاً في وجه أحد! مرّ بمقهى الهافانا وبدا له أن الهواء نفسه تغير في المقهى. ماهذه النظرات المتوجسة أو الحاقدة؟ ماهذه الوجوه الحذرة؟ هل النادل بقي نادلا أم صار مكلفا بمراقبة الرواد والتقاط كلمة من هنا وكلمة من هناك؟ ومن هؤلاء الندّل الجدد الذين يفحصونه؟ شرب فنجان القهوة وخرج. يبدو ياعمر أن السجن صار أكثر رحمة من المدينة! مشى في تلك الليلة في حارات الشعلان، اشترى من بائع الجرائد في الصالحية مقابل القنطرة بعض الفستق، وأكله وهو يمشي في شارع بغداد. التفت فجأة كمن شعر بأن شخصا يراقبه. وخيل إليه أن شابا توقف عندما لاحظ أن عمرا التفت. أيعقل أن تنقلب مدينة بمثل هذه السرعة؟ يبدو أن كل شيء كان يحضّر وأنا مشغول عنه! استعاد هرولة القادة العسكريين إلى القاهرة في الليل، دون أن يستأذنوا رئيس وزرائهم ووزير دفاعهم، ليبلّغوا عبد الناصر بأنهم اعتمدوا وحدة اندماجية. وشروط عبد الناصر: حلّ الأحزاب، وقطع اتصال اولئك العسكريين أنفسهم بالجيش، ورئيس واحد ومجلس واحد وجيش واحد، واستفتاء على الرئيس يجعله أقوى من الأحزاب ومن ضباط الجيش الذين طلبوه! ماالحاجة إلى تلك السرعة التي جعلتهم يرحلون في الليل ويكلفون النفوري بأن يبلّغ مذكرتهم إلى العسلي والعظم؟ لم يكلّف البيطار بالموافقة على الوحدة بل بالاستطلاع، فإذا به يلتقي بالضباط وبناصر ويعود وقد وافق على الوحدة. خلال أيام سُلقت الوحدة سلقا، فهرع القوتلي والوزراء في 31 كانون الأول إلى مصر، وصادق البارلمان السوري في 5 شباط على الوحدة، وجرى الاستفتاء في 21 شباط، وكان السؤال في ورقة الاستفتاء هل توافق على عبد الناصر رئيسا! فهل الاستفتاء انتخاب؟ تذكر عمر تلك المهزلة التي تنقل فيها أشخاص من صندوق إلى آخر ونثروا فيها موافقتهم! استعاد ملاحظات خالد العظم على مشروع الدستور الموقت، وعلى سلطات رئيس الجمهورية المطلقة في قانون الطوارئ. وانهيار النظام البرلماني وتعدد الأحزاب في سورية. وهاهي البداية! لم يوافق البزرة على التنقلات التي قررها عامر في الجيش فأعلنت استقالته في الصحف قبل أن يعرفها. ورمي في مجلس التخطيط الأعلى الوهمي. ستصبح سورية سوقا لمصر وسيكون ذلك مثلا سيئا على الوحدة بين بلدين! ستطوى اتفاقية العظم مع الاتحاد السوفييتي التي كانت ستؤسس اقتصادا سوريا قويا وخطوطا حديدية ومصانع. قال لنفسه: أحسنت ليلى بالسفر! وأحسنت مديحة بالانسحاب من دمشق! وأحسن قيس بالرحيل! سيعرف عمر فيما بعد أن مديحة لمحته جالسا في سيارة عائدة إلى دمشق. كانت في جانب من الطريق، وكان هو في الجانب الآخر. لكنها تفادت أن يراها. محظوظة يامديحة! في بيروت قصدت أولا العنوان الاحتياطي القديم. وباحت لمن قابلته بشكوكها في رضا. يريد أن يعرف المنظمات التي قيل لنا حافظوا عليها! سأل فوزي عن البيوت التي استأجرها لتكون سرية. من إلحاحه باح له ببيت واحد. ففتشت المباحث ذلك البيت. والآن يتجول مطمئنا وسعيدا. بعد ذلك، قصدت مديحة بيت صديقتها جورية في الغبيري. بعد ملاحظات مديحة، استدعي رضا إلى لبنان. فسلّم نفسه، وقُدم للمعتقلين كأنه انهار في السجن. وسيسجل المشرف على مفرزة الطلياني في مذكراته فيما بعد، أن رضا صار يُستحضر وقت الحاجة ليحقق مع أعضاء المنظمات التي كان مسؤولا عنها. وسيبدو في تلك المذكرات أنه انهار خوفا على زوجته الصغيرة من الوحدة! وسيستر ذلك الحقائق التي عرفها من عرف رضا في ذلك المقطع من الزمن. وسيهمس معتقل لفوزي: خسارة! غامرنا كي نوصل له سيجارة! اعتقل عمر ونقل إلى سجن المزة. لماذا سجنتَ في أيام الشيشكلي؟ لستَ حزبيا فلماذا بقيت في تدمر كالحزبيين؟ لماذا رفضتَ أن تكتب تعهدا أو اعتذارا؟ ياأخي، لاحق للمستقل أن يكون ذا رأي ويرفض أن يُقهر على غيره؟ من يفهم هنا الشهامة والرجولة والاعتداد بالنفس! من يفهم الطبع العربي الأصيل الذي ورثه عمر من أجداده! رأى عمر شخصيات ذلك المقطع من الزمن: عبد الوهاب الخطيب، زكار، وغيرهما. هل تصور أنهم رحبوا به ترحيبا خاصا؟! كرر لهم: لست عضوا في حزب ولا صاحب منظمة! أنا مستقل، مستقل! هل يُمنع أن يكون المواطن مستقلا؟ تتشاطر علينا! من بقي حتى اليوم الأخير في سجن تدمر لايمكن أن يكون مستقلا! بل هو سياسي سري خطر! قال عمر لنفسه: الموت! ورتب نفسه لذلك. واستقبل الضرب، والكهرباء، وقلع الأظافر، والتعليق من اليدين! تنبأ عمر بأنه سيبقى في سجن المزة حتى اليوم الأخير من حياته أو من حياة الوحدة. لم يلتق برضا، لكنه التقى بمن باح رضا بأسمائهم ومهماتهم. وضع أمام عمر رجل خيل لعمر أنه التقى به من قبل. قال له: لماذا تتحمل أنت التعذيب مع أنك لست حزبيا ولاناقة لك ولاجمل؟! تذكر عمر الكتاب الذي استعاره من مديحة. وقال شكرا يايوليوس فوتشيك! هاأنا مثلك "تحت أعواد المشنقة"! توقع أن يحملوه إلى خارج السجن ليرى كيف تسير الحياة كأنها لاتبالي بعذابه وغيابه. وقرر: باق هنا كيوسف العظمة في ميسلون! وفي ذلك المساء وهو على بطانية على الأرض، قال لنفسه: ليلى نجت! سأله المحقق: من أصدقاؤك الذين تسترهم؟ ردّ: وهل يستطيع أحد أن يحمي أحدا بعد أن خان المعلم تلاميذه؟ ابتسم المحقق: تقصد الذين خانوا أحزابهم؟ اسمع! دلني أحد هؤلاء الأبطال حتى إلى الحفرة التي وضعوا فيها سجلاتهم السرية! ياللهول، يستمتعون بأن يعرضوا أمامه أنهم كسروا روح إنسان ورموه عظاما! والآن يجربون الانتصار على عمر ليفقد زملاؤه ثقتهم في شرفه وشجاعته! لمن سيهدون هذه الانتصارات العظيمة؟! من سيفيد منها ذات يوم، ومن ينتظرها؟ يدمّر مواطن عربي بأيد عربية! فهل يجهل السياسيون هول ذلك؟! سينقب عمر بعد سنوات عن السبب الذي جعل عبد الناصر يسقط في العداوة للشيوعية والاتحاد السوفييتي ويعتقل الوطنيين المستقلين باسم تلك العداوة! سيتساءل هل خيل إليه أنه يقرّب الأمريكيين من مشروع آخر إذا اتفق معهم في هذا المشروع! وسيتساءل كيف لم يكتشف أنه انساق في الصراع بين قوى سياسية عربية وبلاد عربية فضيع سنوات كانت تحضّر إسرائيل فيها سلاحها النووي! وكيف لم يتبين أن اللقاء مستحيل بمشروع أمريكي دموي! لم يكن في الجيش شيوعي واحد مهم. وعجز الشيوعيون عن رفع مرشح إلى البرلمان لا تسنده قوى أخرى. لم يأخذوا للغفري غير ثمانية آلاف صوت. فلماذا أُظهروا كأنهم خطر وأزيح الخطر الإسرائيلي الحقيقي؟! كيف لم ينتبه عبد الناصر إلى خطر الخصام العربي العربي، وخسارته هو نفسه من تصفية ثورة العراق؟! لن يكون عبد الناصر حيا عندما سيبدو العراق مرة أخرى كأنه مركز الخطر، ليُسوغ احتلاله ونهبه! لكن عمرا سيعيش أيام احتلال العراق الدامية الثقيلة. وسيرى كيف ستبدو المقاومة الفلسطينية إرهابا ليُسوغ قتل الأطفال ونسف آلاف البيوت ونهب مياه فلسطين وأراضيها! مرت شهور في الزنازين الضيقة. لم يخرج أحد إلى الشمس! تمنى المعتقلون الأشغال الشاقة ليروا الشمس! قال عمر: فلنتعلم! تذكر الكتب التي قرأها ودرسها. حدث المعتقلين عن أعراض الأمراض وعلاجها، وتبين جهلهم بالمعلومات البسيطة التي يفترض أن يعرفها الإنسان ليعنى بصحته. عندما نُقل المعتقلون إلى القواويش احتفى عمر بها: ماأوسعها! لكن إقامته فيها انقطعت. أقلق الاحتجاج على الاعتقالات عبد الناصر ويبدو أنه قرر الخلاص من المعتقلين! المهم: أن يعلنوا توبتهم عن العمل السياسي! نقل عمر مع بعض المعتقلين إلى اللاذقية ليعذبوا تعذيبا يصعب تحمله. لم يطلب منهم شيء، ولم يسألوا عن شيء. ضربوا في تشف. فخمّنوا: حدث أمر ما في الخارج! ماذا حدث؟ بالرغم من العزل وصلتهم مجموعة من الرسائل: فشلت فتنة الشواف في العراق، ثم استقال الوزراء البعثيون والوزراء المستقلون! تساءل عمر، كما تساءل فوزي، هل سيبقى عبد الناصر حيا ليستنتج أن حركة التحرر العربية ستدفع ثمن الصدام الذي أشعله بين الوطنيين؟ تحمل التعذيب، وأعيد معصوب العينين على الطريق الطويل مع الصفوة التي تحملته. رجع الوزراء السوريون المستقيلون إلى دمشق. وسيروي الوزراء والحوراني نائب الرئيس، أنهم كانوا دون عمل. وأن عبد الناصر لم يبال بآرائهم. وأنه عاملهم كتلاميذ. حدث الانفجار عندما اعترضوا على مشروع جونستون لتحويل نهر الأردن. المياه وأرض الجولان مسألة لامساومة فيها. طلب وايزمن مياه جبل الشيخ في مؤتمر سان ريمو، قبل أن توجد إسرائيل. ولعب المفاوضون البريطانيون بالحدود، وجرت التنازلات الفرنسية عن أجزاء من فلسطين. هناك حيث الماء تلتقي الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية. سلبت إسرائيل سبع قرى لبنانية لأجل المياه، وجرت المعارك بين السوريين واليهود في حرب فلسطين في ذلك الشريط الغني بالمياه. هناك دخل السوريون مستعمرة مشمار هايردن وجرت معارك دجانيا وسمخ. عند الجيش السوري تعليمات واضحة: يمنع تحويل مجرى الأردن! عندما بدأت إسرائيل في سنة 1953 بتحويل مجرى الأردن في المنطقة المجردة من السلاح قصفها السوريون. وفي سنة 1955 جرت معارك طبرية. وظل السوريون يقصفون الجرارات الإسرائيلية في الأرض المنزوعة السلاح بعد الهدنة. دمرت إسرائيل خلال ذلك قرى عربية وهجّرت سكانها. واعتدت أربع عشرة مرة في الشهر على الأقل على الأرض المنزوعة السلاح. فهل يسمح السوريون بالتحويل في سنة 1959؟ عين إسرائيل على بحيرة طبرية، ونهر بانياس، والحاصباني، واليرموك! وقد ردّ السوريون مشروعات متنوعة اقترحت شراكة إسرائيل في مياه جبل الشيخ. لذلك قال الحوراني: رفضت سوريا مشروع جونستون. فردّ عليه عبد الناصر: منع إسرائيل من تحويل الروافد يعني الحرب، وقد تقصف دمشق! فتدخل النفوري: لاتخاف دمشق القصف! ماذا بقي إذن غير أن يستقيل الوزراء البعثيون ويلحقهم غير البعثيين. سيقول السادات: "يقيمون الدنيا مشان شوية ميه"! شوية ميه؟! ماأجهله! ألم يسمع بطمع الصهيونية بمياه جبل الشيخ قبل اختلاق دولة إسرائيل؟ ألا يفهم أن السوريين ثبّتوا دائما أن إسرائيل ليست وريثة دولة الانتداب في فلسطين؟! تلك المياه حقوق وطنية سورية لبنانية فلسطينية! بتلك المياه تنوي إسرائيل أن تستقدم مهاجرين جددا، يعني مسلحين جددا! أكمل مشروع الاتحاد القومي ذلك الانهيار. فالمشروع ظهر جاهزا دون ملاحظات السوريين عليه. فبدا الاتحاد القومي مثل سوق يجمع الأبيض والأسود. وفوق ذلك أسقط البعثيون في انتخابات المرشحين له. في 23 كانون الأول سنة 959 هاجم عبد الناصر في بور سعيد الحزبية والحزبيين وكان يقصد البعثيين. وأعلن أن العمل السياسي خارج الاتحاد القومي تخريب، من يقترفه عميل وخائن! فاجتمع بعد الخطاب الوزراء السوريون لصياغة مذكرة لعبد الناصر. ثم قرر الوزراء البعثيون وحدهم الاستقالة. فاستقال في 31 كانون الأول 1959 أربع وزراء سوريين. وقبل عبد الناصر استقالتهم. نشرت الاستقالات في الصحف، وفقد عبد الناصر حماسة البعثيين وسندهم العاطفي والتنظيمي. ومع ذلك أعلن ناصر للوزراء الباقين أن للوزراء حدودا لن يسمح بتجاوزها ومن لم يعجبه ذلك فليستقل! فأعلنت في أيار سنة 1960 استقالة بقية الوزراء السوريين. وقفز ناصر في 14 شباط سنة 960 إلى اللاذقية وهاجم في خطاباته الرجعية والحزبية ووصل إلى الحدود العراقية. في السجن عرف عمر أن عبد الحكيم عامر يحكم سوريا. ورويت له القصص عن سلوك الضباط المصريين والسفارة المصرية، والتهريب من لبنان، والاعتداء على بنات المدارس، وعلى الحريات. وسمع أسماء الذين قتلوا في السجن. وعرف أن فرج الله نفخ وقتل بالتعذيب وأذيب بالأسيد. وفوق ذلك كله تدخل عبد الناصر في العراق، وأثار القوميين على عبد الكريم قاسم! فأي زمن ضاع! وأية قوى بددت! سيقرأ عمر فيما بعد ماكتبه خروشوف لعبد الناصر في نيسان سنة 1959: التدخل في شؤون البلاد العربية خطر جدا، ولن يؤدي إلى الوحدة، بل العكس. تجذب الجمهورية العربية الآخرين إذا أصبحت مثلا ببنائها الاقتصادي ونظامها الحكومي! لكن الوزراء السوريين سيكتبون عن تلك الأيام فيما بعد كشهود عاشوا الأحلام والخيبة. سيضيف عمر إلى ذلك، يوم يخرج من السجن ويتبين أن الأشخاص اذين تركهم عندما اعتقل قد تناثروا، أكانوا أصدقاء أم شخصيات سياسية: هذا هو المشروع الذي نفّذ! ويوم ستصل إلى السوريين أخبار سفك الدم في العراق سيقول: وهذا هو بقيته! انتهى الآن ماكنتُ أحلم بأنه قد يكون جبهة شرقية تواجه إسرائيل! وقت كانت مديحة تمشي بين شجر الرمان والمشمش الهندي مع جورية، كان زملاؤها في السجن. ألذلك بكت في حرارة فجأة؟ "أنا هنا حرة، وهم هناك معتقلون"! سألتها جورية: هل تستطيعين أن تقدّمي لهم شيئا ترددت في تقديمه؟! لن يطول هذا الليل! بل سيطول ياجورية! تسنده سمعة عبد الناصر! وكانت على حق. تبيّن عمر قبيل اعتقاله الفرق بين ماسيسميه سجون عبد الناصر وسجون الشيشكلي. فالاعتقال كان يهب الرجل سمعة الوطني الجريء ويحيطه بعناية أصحابه وجيرانه، وزهوهم بمعرفته. خصص عمر أياما للتهنئة بعد عودته من تدمر، وتبين أن الأخبار عما جرى له في السجن منتشرة بين أهله وجيرانه، لذلك استقبل كبطل شجاع. إلى ذلك لم يكن الاعتقال في سجون الشيشكلي أو غيره يطول. بينما حشد الناسَ صخبُ الإعلام قبل الاعتقالات في زمن عبد الناصر، وهيأتهم خطاباته نفسها لاعتقال المغضوب عليهم ومراقبتهم. فبدا المعتقل كخائن يجوز حتى قتله. واتصل ذلك، أيضا، بأحداث العراق. ولم يعرف الداخل إلى السجن لايعرف متى يمكن أن يخرج منه. ولم يجسر أحد على الوساطة له أو السؤال عنه، كأن البلاد كلها كانت ضده. فحص عمر تلك المقدمات قبل اعتقاله وقال لنفسه: هذه المرة ليست مثل تلك. ومع ذلك لم يخطر له الهرب. وأين المفر؟ ثم وجد نفسه في السجن بين المعتقلين ولاقى معهم االمعاملة التي عرفها في أيام الشيشكلي: الأصوات التي تصرخ وسط الليل طالبة الرحمة، وتعد بالاعتراف بكل شيء. وضجة الصحون المعدنية، وفتح الأبواب وإغلاقها في الصباح. والحرمان من النزهة في باحة السجن. والشتائم والرعب من جواسيس السجانين بين المعتقلين. ورهبة الانتظار، والتساؤل: ماهي أنواع التعذيب، وهل سأصبر على الضرب والكهرباء والحرق والوحدة في الزنزانة؟ لكن عمرا شعر بالخيبة والقرف وهو يتأمل السجانين الذين صادفهم في سجن المزة. أينشغل هؤلاء بتعذيب مواطنيهم وإسرائيل على الحدود تنتظر اللحظة المناسبة لتضرب الجلادين والضحايا معا؟ وإلى متى يهان الإنسان ويعذب كي يستسلم لخصمه ويعترف بانتصاره عليه؟ لايبدل إنسان ايمانه بالقهر. لكنه يمكن أن يسقط في حضن خصمه ويموّه هزيمته واندفاعه في خدمة الخصم والتجسس له، بنبش أخطاء رفاقه القدماء، وبالوهم بأنه لولا الاعتقال لكان انفصل عنهم، لكن وياللحظ، حدث الاعتقال الملعون قبل تلك اللحظة! نعم، قد يحدث ذلك، لكن لاأحد يبدل ايمانه بالضرب. بل يفترض أن تثير الإهانة غضب المعتقل وتعمق موقفه من خصمه. كان عمر وسط تلك التأملات عندما فتح باب الزنزانة في صخب ونودي باسمه. مشى بين العسكر، وفوجئ في الممر بصفعة قوية على نقرته تبعتها رفسة على ظهره. كأن النار اشتعلت في مكان تلك الرفسة، ولم يعد قادرا على المشي. آه، ياغبي ادرس جسم الإنسان قبل أن ترفسه! جرّه الجنود حتى وجد نفسه مقابل ضابط وسيم. أشار للعسكر بكفه فابتعدوا. فهم عمر أنهم تعودوا إشاراته. تمنى أن يسأل الضابط: ألم تملّوا هذه المسرحيات؟ وجمع قواه. قصد الضابط أن يتصفح أوراقا على الطاولة. وتساءل عمر بينه وبين نفسه: ولماذا الطاولة؟ لتضفي شرعية على وضع غير شرعي؟! قال الضابط في هدوء: أرى أنك قديم في العمل السياسي! اعتقلتَ في أيام الشيشكلي، ووصلتَ إلى تدمر! لماذا خيل لعمر أنه يمكن أن يحاوره؟ يُستحسن ألا يكثر المعتقل من الكلام. لكن عمر يخزن تجربة ولايبالي بتلك القاعدة. ردّ: لاأخفي أبدا أني ضد الأحلاف العسكرية، وأني مشيت في المظاهرات الوطنية. لم أرشح نفسي للاعتقال في أيام الشيشكلي. بل وجدت نفسي، كما أجدها الآن، في السجن دون سبب منطقي! قال الضابط في جفاف: نحن الذين نقرر السبب لاأنت! لكن بما أنك طالب في كلية الطب وأنا أحترم الثقافة، قلت لنفسي فلأضحّ بمعالجة قضيته! اعتبر هذا رحمة أو احتراما للثقافة! أطلب منك فقط أن تسجل أسماء من تعرفهم! تأمله عمر. ألا يملّون من هذا الأسلوب؟! قال: سئلت في أيام الشيشكلي هذا السؤال نفسه. ولابد أنهم سجلوا جوابي فيمكن الاستئناس به! أنا غير حزبي، ويفترض أن يكون ذلك مسجلا في الأوراق! وقف الضابط فجأة في غضب، فهبّ من طرفي الغرفة شخصان لم ينتبه إليهما عمر لكنه خمّن أنهما لابد أن يكونا موجودين مع آخرين. عادا إلى مكانيهما في الظلمة بإشارة من يد الضابط. قال: لانشعر بالخطر، ولانحتاج إلى اعتراف إضافي، فلدينا أكوام منها. لكن افرض أن هذه المقابلة مناسبة لإنقاذ طالب ذكي يتفادى أن يدمر مستقبله. ولماذا نمنعه من تصحيح سلوكه! لايحتاج عبد الناصر لمن يشهد له بالوطنية! أمم قنال السويس وسيبني لمصر السد العالي. جذوره في بلاده. لكن فكر أنت بأعداء الوطن.. بالشيوعية الدولية التي خلقت منظمات تنفذ أوامرها. منظمات غريبة عن بلادنا، تضخ روح النقمة والتمرد في شعوب طيبة. وتريد أن ترسم للعرب نمط مجتمع لايتصل ببيئتنا وعاداتنا. تفرج على هذه البيانات! حتى لغتكم غريبة. ألم تلاحظ أن حزبكم كردي، أما القلة من أبناء العائلات التي لعبتم بعقلها فتبتزون أموالها وتستفيدون منها الوجاهة! من أين أوامركم؟ أليست من خارج الوطن؟ موافقتكم على تقسيم فلسطين عار لايمحى. والآن أنتم ضد الوحدة التي حلم بها العرب. تبثون في الشارع نداء التخريب والهدم. نعم، عقيدتكم هدامة، عقيدة إلحاد وإفساد، تخرج جيلا لايؤمن بدين أو قومية، ولايؤمن بتاريخ أو تراث. تربي جيلا كافرا بأمته وحكامه وأنظمته، بماضيه وحاضره، كافرا بتقاليد المجتمع. مثلكم الأعلى الاتحاد السوفييتي والبلاد الاشتراكية. فقل لي أين الاجتهاد في هذه الاشتراكية المستوردة؟ ليتكم تناولتم نظرية غربية وأبدعتم فيها! شغلكم أن تصرعونا بأقوال لينين وستالين! ويالبؤسكم! بيّن خروشوف في تقريره السري إلى المؤتمر العشرين حقيقة الجنّة التي تنشرون الحلم بها! كان عمر يحدق في الضابط ويتساءل: ألم يشترط عبد الناصر ألا يتدخل الضباط في السياسة؟ كل ماقاله هذا الضابط سياسة! سأله الضابط: لماذا لاتجيب؟ ردّ عمر في هدوء: لأن ماقلته لايمكن أن يكون موجها إلي. فأنا كما بينت لك لاأنتمي إلى حزب من الأحزاب. طبعا، ماقلتَه يمكن أن يناقش فهو يلمس علاقة الجمهوريات الحديثة بالحريات، والفرق بين حق البشر في استلهام التجارب الإنسانية وبين النقل الغبي. كما أنك لمستَ مسألة مهمة هي كيف ستكون الاشتراكية العربية، وهل نؤسسها على الأحقاد أم على فهم العالم. وأنا معك في الموقف من تقسيم فلسطين فلست أعترف بأي حق للمستوطنين الغرباء في أرض فلسطين العربية، ولو وافقت على ذلك أمم الأرض! كان الضابط قد ضيّق عينيه وهو يتفرج على عمر. ماهذا الخطاب؟ هل يحوّل عمر هذه الغرفة إلى مكان للحوار ويجعلني مساويا له، مع أني ضابط معروف وهو معتقل متهم ؟! وقف الضابط فهبّ الرجلان من الظلمة. بقي واقفا: لم نستدعك لنحاورك. بل لنطلب منك أولا أن تسجل أسماء أصحابك ومسؤولياتهم. وثانيا أن تستنكر أعمالهم الهدامة وموقفهم من الوحدة. ماأسرع ماأنهى الضابط التمثيلية! ردّ عمر: لاأستطيع أن أفيدكم بالجواب على السؤالين. لأني كما بيّنت لست منتميا لحزب. وبما أنك ذكرت تقرير خروشوف هل لي أن أسالك لماذا نكرر القهر الذي ننتقده في بلد بعيد في سنوات بعيدة؟! ضرب الضابط الطاولة ضربة قوية: إذن ترفض المساعدة التي عرضتها عليك! خرج من الغرفة وترك عمرا للرجلين، وأتى آخرون. حاول عمر أن يحمي رأسه ثم تذكر أنهم يقصدون العضو الذي يحاول المعتقل أن يحميه. فاستسلم محاولا ألا يصرخ من الألم. أغمي عليه وسكبوا الماء عليه ليفيق، وضربوه مرة أخرى.. كرروا مايعرفه: الحرق بالسيجارات، التعليق من الذراعين، الفلقة حتى تتورم القدمان. ثم جرّوه على الأرض في الممرات حتى الزنزانة، وغطّوه بالشتائم. استعاد تجربته الماضية. لايستطيع المعتقل أن يمنع نفسه من العتب لأن هؤلاء الفقراء الذين لامصلحة لهم في تعذيبه، أدوات غبية تنفذ الضرب والقتل. وبما أنه يقيس الناس بنفسه فلم يستطع أبدا أن يفهم كيف يموت الضمير إلى هذا الحدّ الوحشي. تساءل حتى يوم اعتقل في أيام الشيشكلي عن الرحمة التي يربي بها القرآن الإنسان ويجعلها بوابة واسعة تحمي الضحايا من الانتقام، وتستبعد الحقد عن الحكم عليهم. وكان على أساس تجربته في أيام الشيشكلي، يحذَر دعاة الأفكار والمشروعات الكبرى الذين يسوّغون بها مذابح خصومهم. ألم يموّه القتل في التاريخ بأهداف عظيمة وطنية أو إنسانية، في سبيل أمجاد، أو آمال عامة؟! ألم يحتل اليهود فلسطين باسم الأرض الموعودة ووطن الشعب المختار، وينفذوا المذابح والجرائم التي غطت مشروع الاستيطان والاتفاقات الاستعمارية؟ شعر بيد تمسح الدم عنه، وبصوت يواسيه. وحاول رجل أن يضحكه بنكتة. أراد أن يقول خلال ضباب الإغماء : المهم ألا تستخدم جروحي لترويعكم. هل أصيبت عينه حتى أنه لايستطيع فتحها؟ تذكّر مارواه له قيس ومارواه لاجئون سياسيون عراقيون عن تعذيبهم. ماأغرب أن تتفق أنظمة متخاصمة في معاملة المعتقلين! في "المقابلة" الثانية اعتذر منه الضابط: يبدو أنهم قسوا كثيرا عليك. تذكّر أني فضلت أن أكون أنا الذي يتعامل معك! كانت آثار الضرب ماتزال ظاهرة على جسم عمر ووجهه، ولم يكن يستطيع أن يفتح عينه اليسرى كلها. فهزّ الضابط رأسه أسفا: أما كنتَ في غنى عن ذلك؟! تأمله عمر وقال في نفسه: أعرف هذه المسرحية أيضا! فمن أين سيبدأ الضابط الآن؟ فاجأه: يبدو أن صديقتك ليلى ذات علاقة خاصة بقيس! أترى كيف يغدر هؤلاء بأصدقائهم! ومع ذلك تدافع عنهم بصمتك! التهب عمر، واندفع القرف حتى حلقه. قال: خلال اعتقالي في أيام الشيشكلي لم يبحث معي أحد خلال التحقيق، أي أمر شخصي، بالرغم من الصلب والضرب. فهل نتقدم على زمن مضى أم نتخلف عن زمن سميناه زمن الديكتاتوريات العسكرية؟ توقع عمر أن يغضب الضابط. وغضب حقا، لكنه لم يشأ أن ينهي دوره بسرعة. قال: أردت أن أنبهك إلى خيانة صديقك، وأكشف لك مالاتعرفه وأعرفه بحكم وظيفتي! هاأنت ترى كم نتعاون معك! أقدم لك معلومات لم تطلبها حرصا على مصلحتك، مع أنك تحجب عني المعلومات التي أطلبها. قال عمر: لكني لاأبالي بالإشارات التي سمعتها. ولا أطلب مثلها. تمنى أن يقول للضابط وقت رآه في المرة الثالثة مع ضابطين آخرين عن يمينه ويساره: هل هذا الوضع طبيعي؟ معتقل خلفه رجلان ينتظران الإشارة لضربه وكسر عظامه، ومقابله ثلاثة محققين؟ هل نحن متكافئون كي تقنعوني بنظرياتكم في المجتمع وبسياستكم الداخلية والخارجية؟ وكي أقبل أنكم تركتم مكانكم في التجمع الوطني وصرتم محققين في سجن، لتدافعوا عن الوطن؟ توقع مايعرف أنه أشد من التعذيب. فعندما يتحمل المعتقل الحدّ الأعلى من القسوة لايبقى غير قتله، أو أسلوب آخر: الزنزانة المنفردة. نقل إليها عمر وبقي فيها أربعين يوما. لم يكلمه حتى العسكري الذي يرمي له الطعام. ولم تصله ورقة تدس تحت الباب. ولم يسمع همسة إنسان يمر بزنزانته. كأنه في قبر! قاوم تلك الوحدة باستعادة الحياة. تذكّر السماء الفسيحة، والغيوم التي وشّتها في يوم الجمعة الحزينة. فاجأته تلك الغيوم بلونها الرمادي المزرقّ وبأطرافها البرتقالية المتوهجة. وشعر بنسمة باردة كان يلاحظها عشية سبت النور. ونزل رذاذ قليل منعش. وخيل إليه أن البرق ومض فوق الكنائس. عندما أتى إلى دمشق سكن في ملحق على السطح في بناء نظيف في وسط دمشق، يطل على حديقة مزروعة بشجر النارنج والليمون. كان المرور بها متعة له. كانت السماء تمتد حوله حتى الأفق وتتيح له أن يستمتع بغيومها في الربيع والخريف. أذهله اللقاء بدمشق يوم أتى من مدينته في شمال سورية ليدرس في الجامعة. خيل إليه أنها مدينة الجنّة. مدينة صغيرة نظيفة مقاهيها في البساتين، ذات مطاعم كثيرة نظيفة ورخيصة، محاطة بغوطة خضراء، يدقّ الكناسون أجراسهم فيها فيسلّمهم أهلها القمامة. تشطف شوارعها وتكنس ثلاث مرات في اليوم. أزقة حاراتها أكثر نظافة من شوارعها. في نيسان تزهر فيها البنفشا وتكلل البيوت وتنفر من الحدائق، ويزهر الياسمين الأصفر والهرجاية الملونة والأقحوان البرتقالي والمارغريت الأبيض ويفوح زهر الليمون فيتوقف عمر قرب الحديقة ويملأ صدره بالعبق. وينتظر فيها مطر نيسان والعطر الذي ينشره في جو المدينة. تجول عمر في تلك المدينة مسحورا بليلها وفجرها وحتى بوهن ظهيرتها الفاترة ولسعة شمسها. وساح أيضا في بلدته. فتذكّر أنه كان يستلقي على السطح في بيته فتغمره سماء عميقة ملأى بالنجوم. ويسمع غناء الصبايا والشباب الذين يتنزهون في ليالي القمر في أطراف البلدة. ويتأمل المشتري الذي صار يسمى الكوكب الأحمر. كم كان يحذبه ببريقه! كان كالعلامة إلى طرقات سماوية! مثل "لمبة" الكهرباء المعلّقة على باب بيت عمر، التي بدت له مرة كمنارة في ميناء. لم يجد يومذاك سيارة أو دابة توصله إلى أهله فقطع أرضا مظلمة يضيّع الغريب فيها اتجاهه، وعندما لمح "اللمبة" شعر بأنه وصل، وصارت خطواته أكثر خفة كأنه محمل بشوق العائد من غربة طويلة. تذكّر عمر الأعياد التي احتفل بها في بلده، عيد الغطاس وعيد الصليب وعيد الفصح الشرقي والفصح الغربي، والشعانين. وعيد الأضحى وعيد الفطر وعيد الجلاء التي احتفل بها في دمشق. كأنه رسم على جدران زنزانته الدنيا التي عرفها في مختلف الأزمنة. وقال لنفسه: كم الإنسان محظوظ بالذاكرة! ومع ذلك كانت الذاكرة تستعيد في سرعة الأيام التي مرت في بطء. وبدت أيام الزنزانة طويلة. فوضع عمر أسئلة لنفسه وأجاب عليها. وعبر امتحانات الألوان في الذاكرة. فتذكّر لون الثوب الذي كانت تلبسه ليلى أول مرة رآها فيها. ومن تلك الألوان انساق في دروب فرعية فاستمتع بحب غريب خيل إليه أنه اكتشفه. جمع الأحاديث وفحص الكلمات، واستعاد النظرات والضحكات، وبدا له أنه يفهم مالم ينتبه إليه. شعر بهدير بردى قرب عين الفيجة، ولمس الماء في عين الخضراء كما لمسته ليلى، وخيل إليه أنه تبيّن برودته. استعاد ذلك المقطع من الطريق الذي يبدو فيه وادي بردى في الأسفل، فيتوقف في المطل عليه من يقصد عين الخضراء. مارس النزهات فركب الباص إلى التكية، ونزل قرب الصخور الآسرة، واستعاد دهشته وهو يستمتع بها وبمغاورها وباللقاء الفاتن بين الجبل الأجرد الصخري وبين الوادي الذي تتكاتف فيه أشجار الحور حول بردى. لدى سجانيه أسلحة وجدران دون نوافذ وزنزانات صغيرة تعيد المسجون إلى وضع وحشي. لديهم محققون وعسكر. مقابل ذلك لدي الروح! لكن ألا تطلب هي أيضا أن أحميها؟ سأحميها بالحياة النضرة البعيدة، وبالحب! غفا على جنبه. وتفادى أن يتساءل لماذا لم يعد يستمتع بالنوم على ظهره منذ رفسه الجندي، ولماذا يشعر بألم كالغصّة. هل اعترف لنفسه بأن التفكير في ليلى واستعادة ملامحها وحركتها وصوتها ساعده في مقاومة الوحدة؟ هل اعترف لنفسه في تلك الأربعين يوما الطويلة بأنه يحب ليلى؟ استمتع باعترافه. لكنه أكد لنفسه: ذلك الحب لايتعلق برضاها ورفضها، ذلك الحب لي بيني وبين نفسي. خطر له أن تكون أحبت شابا ما خلال دراستها، أو ستحبه. وكان ذلك من مجموعة الأسئلة التي وضعها لنفسه، وأجاب عليها: لن يغير ذلك علاقتي بها! لن يؤثر زواجها على صداقتنا! لكنه عندما تساءل هل يكون ذلك المحبوب أجنبيا، استبعد ذلك. لايمكن أن تهجر ليلى بلدها، ولن يلتحق رجل بزوجته! أعطته الثقة بأنه سيلتقي بليلى قوة في الزنزانة. وبدت كسرّ من أسراره. كاد يبتسم عندما عاد إلى القاووش ويعلن لمستقبليه: اكتشفت أني عاشق! لكنه سيبقي الأربعين يوما سرا مكتوما لن يبوح به حتى لليلى. لن يحدثها أبدا عن التعذيب. وسينظر إلى زواره المحتفين ببطولته متعجبا من طلبهم أن يحكي لهم كيف عذب وكيف قاوم السجانين. يهتمون بالبطولة، وربما يطلبون أن يدلّهم إلى درس يفيدون منه، لأنهم لايستبعدون أن يمروا بتجربة السجن في بلاد تتقلب بين سنة وأخرى. لكنه لايتوقف عند البطولة. بل يفكر في مهانة الإنسان الذي يعذبه أبناء بلده، والمحتلون على بعد كيلومترات من عاصمة الوطن. ويتساءل لماذا يشعر الجلادون بأنهم محصنون. سيتصفح عمر فيما بعد أوراق محاكمة قتلة فرج الله. وسيذهله أن يسجل فيها أن القتلة "قاموا بواجبهم المهني". وبما أنهم لم يقتلوه بدافع شخصي، تمتنع إدانتهم بجريمة القتل. هكذا إذن يُحمى التعذيب في السجون كأسلوب في معاملة الخصم الفكري والسياسي! لا! بل يجب أن يحاكم القتلة والجلادون علنا كي يفهم الآمرون والمأمورون أنهم مسؤولون عن سلوكهم، وأن القانون يحدد صلاحياتهم، وليس لأحد مهما سمت منزلته أن يطلب منهم خرق القانون. سيتابع عمر بعد خروجه من السجن في أيام الانفصال، أفراح المعتقلين بصمودهم. كأنه شهادة لهم على ثلاث سنوات من السجن تبيّنوا بعدها أمراضهم. سينشغل عمر بدروس الطب، ويؤدي الامتحانات، وسيكتب رسالة إلى ليلى يذكر لها فيها أنه قد يسافر ليختص في أمراض القلب. كانت سيارات المباحث قد حملت مئات المعتقلين إلى السجون في ليلة رأس سنة 1959. في شهر شباط من تلك السنة فتح قيس عينيه فرأى رجال المخابرات في غرفته، حول سريره فهبّ واقفا. فهم أنهم نزلوا من السطح! فكر بفرج الله. لا، ليس هنا! ولايبدو أنهم يعرفون أنه يمرّ بهذا البيت! فحصوا الغرفة. تناول أحدهم الأوراق التي كتبها قيس قبل أن ينام. قرأها وقال ساخرا: قصيدة عن بغداد؟ ردّ قيس: وهل تتوقع أن أكتب عن تل أبيب؟! أمره الرجل: البس ملابسك! كان الرجال الباقون يجمعون الكتب التي وجدوها. وأخذوها مع قيس. كانت الحارة غارقة وقتذاك في الليل. أركبوا قيسا سيارة أحاطوا به فيها، وتبعتها سيارة أخرى. مجانين! يخشون أن يهرب؟! إلى أين؟! وقفوا في شارع بغداد مقابل مقبرة الدحداح. تركوه في ممر ليشعر بأنه في انتظار مصير مجهول. فهمس لنفسه: أنا مواطن عربي لاحق لهم في اعتقالي. هل يجسرون على تسليمي للأردن؟ وقرر: قد يطلبون مني فقط أن أغادر سورية. وعندئذ سأرحل إلى لبنان ومنها إلى العراق. أغلقت أبواب وفتحت أبواب، ثم أدخلوه إلى الضابط زكي. أمامه قصيدة قيس عن بغداد والكتب التي صادروها من غرفته. قال له الضابط في خشونة: تناضل الأمة العربية من أجل وحدتها، وستحققها! أنت وجماعتك تقفون ضد هذا الطموح الوطني! ماذا يسمى ذلك؟ من في هذه الصورة معك؟ رأى قيس صورة التقطت له من بعد في المعرض. يتجسسون عليه؟ قال: اسألوا من التقط الصورة! أنتَ هنا لتجيب على الأسئلة! يبدو أنك لم تفهم بعد أين أنتَ! أعرفُ تماما! وهذا الكتاب؟ الخيام أم الحلاج أم أبو فراس! يهتم مثلكم إذن بهم! تقرأون التراث العربي؟! فتح الصفحة الاولى من الكتاب. هدية من ليلى؟ من هي؟! ارتعش قلب قيس. لو سمع كلمة أخرى عن ليلى هل يستطيع أن يضبط نفسه! وهذا الكتاب؟ ديوان المتنبي. هدية من غادة! من هي غادة؟ هل يقول له قيس: غادة رفيقتكم؟! سجلوا الأصدقاء والأقرباء إذن! قرر قيس ألا يجيب إلا بأقل الكلمات. قال له الضابط: أنت لاجئ سياسي تتدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية العربية المتحدة! فماذا تستنتج في الأوضاع الراهنة؟! يالهذا السؤال الذي نبّهه إلى خيارين: أن يرحل أو أن يعتقل! تنهد: أين فخري البارودي و"بلاد العرب أوطاني"؟! تركوه في الصباح. مشى إلى مسكنه. عرف أن الاعتقالات في رأس السنة تناولت سورية كلها وأن مئات الأشخاص نقلوا إلى سجن المزة. وسمع من الراديو أخبارا عن اعتقالات مماثلة في مصر. بلّغته الأرملة التي يسكن في بيتها: يقول لك أخونا، اترك دمشق إلى بيروت اليوم قبل الغد! ياللرجل الرحيم! فكّر بي كما يفكر أب بابنه! بعد الظهر زاره شاب من بلده بلّغه: ارحل إلى بيروت. عرفان في بغداد منذ أسابيع! أوصته الأرملة: خذ ثيابك الضرورية فقط، سأنقل لك بقيتها فيما بعد. احفظ عنوان أقربائي في بيروت وانزل في بيتهم! خرج دون حقيبة. وجد سيارة في السنجقدار يصيح سائقها: راكب واحد إلى بيروت! دفع خمس ليرات وركب فيها. بعد نصف ساعة عبر الحدود بجواز سفره. وقفت السيارة في شتورا، اشترى كالركاب عروسة اللبنة المشهورة من مقصف بديعة مصابني، أكلها وهو يمشي خطوات هنا وخطوات هناك. شعر ببرودة الهواء. تنفس بعمق وقال لنفسه: الحرية! ولابد أن ألتقي بليلى! أوصلته السيارة إلى ساحة البرج في بيروت. وانتقل بتاكسي إلى ضاحية الحدث. استقبله أخو الأرملة فاتحا ذراعيه. ستنزل عندنا، وسنصلك بمن تحتاج أن تتصل به. أم العبد، مدّي لنا السفرة! انشغلت أم العبد بفرك الكبّة النيئة وهو يتحدث مع قيس ويطلان على بيروت والبحر والصنوبر. ومدت له سفرة لبنانية بصحونها الكثيرة. مع ذلك ماعندكم أسطوانات فيروز! لدى قيس مجموعة كاملة سيتركها لهم عندما توصلها له الأرملة! يستطيع أن يتحرك في أمان في الحدث، وأن يمشي في غابات الصنوبر. لاتزال الحدث مجموعة من البيوت تمتد بينها وبين بيروت بساتين الموز والمشمش الهندي والبرتقال، وحولها أشجار الصنوبر. قال لنفسه وهو يستمع إلى صوت فيروز من الراديو وينشر نظره على الصنوبر: ليت ليلى هنا! ليلى؟ تناول صورتها من جيبه، نظر إليها ثم خبأها. ماتزال ابتسامتها تظهر في عينيها أكثر مما تظهر حول فمها. وماتزال شفتها السفلى شفة طفلة. كانت ليلى قد نزلت إلى بيروت قبله مع أمها. ستشتري بعض الملابس الدافئة قبل سفرها، وستزوران زوجة عارف ابراهيم، صديق أبيها. وستتذكر منور حياتها في لبنان وتستعيدها مع أصدقائها. وصلتا في ساعة من دمشق إلى بيروت. وحطتا في بيت عارف. شربت منور القهوة مع زوجته وهي تطل على البحر. وانشغلت ليلى بابنتها. ثم نزلن إلى أسواق بيروت. مشين بين الأبنية الحجرية الوردية والواجهات المزخرفة، تفرجن على الأقمشة والملابس الجاهزة. كأننا ياليلى في اوروبا! من هذه الأسواق تشتري عرائس بلاد الشام ثيابهن. ومنها اشترت خالتك سعاد ثوب عرسها ورافقناها من بيروت إلى الناصرة! كانت "الموضة" يومذاك زهر البرتقال المحبوك قلائد أو المنثور على أطراف الأكمام والثوب. ماذا يميز بيروت من دمشق؟ لماذا تتحرك منور وليلى في خفة؟ يبدو حتى الهواء رقيقا ورخيا. كأن بيروت المفتوحة على البحر فسحة الهواء لدمشق المغلقة بقاسيون! عدن يحملن أكياسا كبيرة أنيقة من الورق. وفحصن تلك الملابس مرة أخرى. هذا معطف دافئ لكنه خفيف الوزن، عالي القبة! وهذه كنزات من الصوف، أحلاها كنزة بلون زهر الرمان! وتلك قفازات من الفرو، معها قبعة من الفرو الأبيض! تفرجي على نفسك في المرآة، ياليلى! ماأجملك! "نصفي خلقة ونصفي خرقة"؟ بل "الحاجة بلبّاسها"! لكن أرجوك ياابنتي، لاتتزوجي من أجنبي! ابقي فوق تراب بلدك! ماأبعد الزواج! لاتفكّري يامنور بما لن يحدث قبل عشر سنوات! آه، هذا الجيل لايفهم أن للزواج أوان وللحمل والولادة وقت! تركت ليلى أكياسها وخرجت مع ابنة عارف. مشتا بين بساتين البرتقال والموز، عبرتا حرش الصنوبر. وصلتا إلى الزيتونة، مرّتا بفندق سان جورج وصارتا على الكورنيش والبحر إلى يمينهما! لحقت ليلى الموج وسحرها لون قلب الموجة، وتذكّرت قيسا وعمرا! لم تكن قد عرفت أن الأول رحل من دمشق وأن الثاني اعتقل. كأنما تقطعت العلاقات بين الزملاء في الأشهر الأخيرة، وشغلها هي أيضا سفرها. وانصرفت إلى أفراحها بالنسيم والموج والمشي على كورنيش بيروت. كانت منور تروي لزوجة عارف أن ليلى عادت من رحلة المدرسة إلى لبنان حاملة سلّة صغيرة من المشمش الهندي، يوم كانت تلميذة في الصف الأول. فتناول بهاء السلّة منها يومذاك ورفعها كما كان يرفعها وهي صغيرة حتى تكاد تلامس الثريا. "حملت لنا هدية من لبنان"؟! كأنها أتت له بمجوهرات الست بدور! ويوم نظّمت معلمة ليلى رحلة أخرى لتلميذاتها إلى لبنان حملت لي ليلى باقة من الزهور البرية. ولم يكن بهاء وقتذاك حيا فوضعنا الباقة على طاولة الأكل مقابل الكرسي الذي كان يجلس فيه! مشت ليلى مع رفيقتها على شاطئ بيروت ووجههما إلى البحر. تأملتا الموج وهو يتقدم ويتداخل ويسفح الزبد. غاصتا في ألوان البحر. ماأكثر درجات اللون النيلي والأخضر! استسلمت ليلى لسحر اللون الذي سمّته "لون قلب الموجة". بعد فندق سان جورج والزيتونة والجامعة الأمريكية وصلتا إلى رأس بيروت. خيل إليها أن الماء عند الروشة يشدها، فقالت لرفيقتها كفى، واستدارتا راجعتين. ماأجمل بيروت! وماأحلى الاستعداد للسفر إلى بلاد غريبة! لكن ليلى ابنة وحيدة لأم قتل زوجها وابنها. كيف ستعيش منور دونها يوم تسافر؟ لمن ستعصر البرتقال؟ ولمن ستحضّر الغداء؟ من ستنتظر عند الظهر وفي المساء، ومن ستودع في الصباح؟ كانت كل منهما لاتظهر تعلّقها بالأخرى، لكن كلا منهما تعوّض عن ذلك بوجودهما في بيت واحد. خطر لليلى أن ابن خالتها زيادا سيكون بديلا عنها. وعلّقت أملها عليه. وابتسمت وهي تتذكر كم أضحكها "البريانتين" الذي لمّع به شعره يوم كان فتى. بعد عودة ليلى إلى دمشق قال قيس لمضيفيه في الحدث أشتهي أن أنزل إلى شاطئ بيروت! نبهوه: إياك أن تتجول! تمتلئ بيروت بالسوريين والعرب الهاربين من سورية، وترصدهم المباحث! مع ذلك نزل قيس إلى شاطئ بيروت. مشى على الكورنيش حيث رافق ليلى في تلك الرحلة الجامعية الفريدة. تفرج على الموج. ومشى حتى هبطت العتمة. وقف قرب المخزن حيث عانقها. أغمض عينيه وودعها هناك. كانت الأشجار قاتمة، والبحر قاتما، والطرقات التي عبرها قاتمة. هنا دفعت ليلى ذراعيه عنها، وهزّت رأسها يمينا ويسارا. شعر بجسمها الرشيق الأهيف وببشرتها الناعمة كالمخمل، وأحبها كالمجنون وقتذاك. فاح عليه منها العبق الذي سيظل يذكره عقودا من الزمن. أغمض عينيه ليمسك بذلك العطر. سيعانق فتيات ونساء كثيرات، لكنه لن ينسى أبدا ذلك العناق الخاطف المجنون قرب المخزن، ولن ينسى أنه استعاده وسط عتمة الشاطئ، في مساء بارد، وهو وحيد لايدري في أي اتجاه ستحمله الريح. سيتعود أن يغمض عينيه ليستعيد عبق ليلى في مدنه المتنوعة. وسيردد: هي الثابتة وكل ماعداها عابر وموقت. وصل ابراهيم إلى قيس في الحدث وبلّغه: بيروت ليست آمنة، ارحل إلى بغداد! سيؤمن لك اللبنانيون بطاقة الطائرة! تقاسم الأغنياء اللبنانيون مشردي بلاد الشام! أنزلوا السوريين في بيوتهم، واشتروا بطاقات السفر لمن يرحلون إلى البلاد الاشتراكية. أنفق قيس ما بقي لديه من مال على الدخان. وأكل من سفرة اللبنانيين. فكّر بالمال العربي الذي يجري بعيدا عن الشعوب كأنه أموال شخصية. تذكّر المجوهرات التي يُثقل وصفها كتب السيرة التاريخية، تزين بها العروش أحيانا، وتزين بها الجياد المدللة أحيانا، ويحملها الأمراء معهم إلى المعارك من خوفهم عليها كالخوف على الروح. أين تلك الكنوز، وأين الأموال التي تتخم البنوك الغربية، وهؤلاء المثقفون الهاربون ينتظرون أن تطعمهم الأسر اللبنانية؟ هل فرض القدر أن يحمل الأمراء كنوزهم، ويحمل الناس بعضهم بعضا؟ قدمه الياس إلى شابة: هذه جورية! جاءت لك ببطاقة الطائرة إلى بغداد. وسيرافقك زوجها إلى المطار! من يعرف بعد أن مديحة ستنزل في بيت جورية في بيروت وأنها سترافقها أيضا إلى المطار! سألته جورية: متى تسافر؟ ردّ: على أول طائرة! ماأسهل السفر على شاب دون حقيبة! رافقه زوج جورية صاحب دار النشر، إلى الطائرة. نزل ضيفا في فندق في شارع الرشيد في بغداد. وقصد شركة خانقين للنفط حيث يعمل صديقه عوني. تريد أن أؤمن لك عملا في الشركة؟ لا، شكرا ياعوني! التقيت بسمارة، أستاذي في صفورية، ودعاني إلى العشاء. أوصلت لي ابنته مسؤولة قسم اللغة الإنكليزية في إذاعة بغداد، رغبة سليم الفخري مدير الإذاعة بأن يراني لأعمل معه. تعرفه؟ طبعا، ضابط من الضباط الذين ساهموا في ثورة تموز! ينتظرني غدا! قال سليم الفخري لقيس: أقترح عليك خمسة برامج: عن الجزائر وفلسطين واليمن... ونريد برنامجا سياسيا ساخرا. لمعت فكرة في بال قيس: برنامج "اضحك مع الأخبار". هل قدّر قيس أن ذلك البرنامج سيكون ذا شعبية في جهة، وسيثير العداوة في جهة، وسيسبب هربه من العراق؟! سينغمس قيس بذلك البرنامج في الصراع الذي سماه صراعا بين أجنحة حركة التحرر الوطني، بديلا عن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. سيكشف به الجانب المأساوي المضحك في التطرف الذي سيوصل حركة التحرر إلى الكارثة ويمهد لاحتلال أراضي ثلاثة بلاد عربية دُمرت قواها وعلاقاتها قبل الحرب. عاش قيس في بغداد بين عمله في الإذاعة ومسكنه في بيت غنية، وبعض بيوت أصدقائه ومكاتبهم، والمقاهي والبارات التي اختارها. لم يكن من هواة الفرجة على المدن. وكانت المرتفعات تسبب له الدوار. فلم يعرف من بغداد إلا مساراته المختارة فيها. ولم يخرج منها إلى مدينة أخرى. انكب على إعداد برامجه، وهل خمسة برامج في الأسبوع عمل قليل؟! كان دخل قيس جيدا جدا من تلك البرامج. فساعد أبناء بلده الذين لم يجدوا عملا. نُقل ذلك إلى عرفان فقال: لو كنا راغبين بمساعدتهم لرشحناهم للعمل! يبدو أن قيسا صار يحتل مكان القيادة، ويجهز تنظيما خاصا به! وهبت برامج قيس الإذاعية فوق المال قوة معنوية. كان يشعر بها عندما يطلب أشخاص وضباط اللقاء به. واختبرها يوم استنجد به سمارة، أستاذه في صفورية. اعتقل ابنه الدكتور حلمي المختص في شؤون النفط، في كركوك بتهمة التجسس لبريطانيا. وماأيسر التهمة بالتجسس وقتل الرجل بسكين أو حبل أو رصاصة! اتصل قيس بعبد القادر اسماعيل، أحد العراقيين الذين عرفهم في دمشق وسكن أياما معه في بيت الأرملة. أرسل عبد القادر، الذي سيُقتل فيما بعد في قصر النهاية، أبا الدكتور حلمي إلى المقدم عمر الفاروق رئيس مكتب عبد الكريم قاسم، الذي سيُقتل هو أيضا فيما بعد في شباط. كانت الساعة الواحدة صباحا. لكن الأمر لايؤجل فقد يُعدم الرجل في محكمة شعبية! استقبله المقدم عمر الفاروق ووعده بأن يعطيه غدا صباحا جوابا قاطعا عن مصير الدكتور حلمي. وفي اليوم التالي اتصل بقيس وقال له: الدكتور حي، موجود في سجن أبو غريب وتستطيع أخته وأبوه زيارته حتى يتم التحقيق معه. بعد أقل من أسبوع أطلق سراحه. ووصل الخبر إلى عرفان فقال: يتدخل قيس في الشؤون العراقية كأنه قائد! وصل نفوذه إلى فك حبل المشنقة عن عنق جاسوس! لن أسكت على ذلك! لجأ نمط جديد من السوريين إلى لبنان، بعد الاعتقالات في سورية. وفتح اللبنانيون لهم بيوتهم، واقتسموهم. وصل أيضا الأردنيون الذين كانوا لاجئين في دمشق. نصحهم مضيفوهم: كونوا حذرين! مخابرات عبد الناصر تبحث في بيروت عنكم. وتذكروا كميل شمعون وأنواع من النفوذ الأخرى. ولاتنسوا الناصريين في لبنان، الذين يتحمسون للوحدة السورية المصرية مع أنهم يرفضون أن ينضم لبنان إليها. أمس سلّم الأمن اللبناني بعض الأردنيين إلى بلدهم. ولانستبعد الخطف. لذلك قنّنوا حركتكم. لايغرّنكم أن الصحف حرة، تكتب عن الاعتقالات في سوريا وتنتقد أسلوب الوحدة! نزلت مديحة في بيت صديقتها جورية. وخصتها جورية بغرفة تطل على بستان ليمون، فيها مكتبة وضعت خلف زجاجها صور طفولتها وزواجها وصورة تجمعها بمديحة وبعض الروسيات في مهرجان موسكو. كان البيت أحد بيوت متناثرة وسط البساتين في الغبيري. الطريق إليه معبد بين الأشجار كأنه للمشاة، يعبره إلى جورة الشياح وبرج البراجنة والمريجة، ومن الجهة الأخرى إلى الحدث وسط أشجار الليمون والنخل والرمان والمشمش الهندي. ويوصل جورية إلى بيت زينب الذي يطل في برج البراجنة على بساتين وبيوت من طابقين سيقتل بعض أصحابها في القصف الإسرائيلي أيام الاجتياح. وسيتغير المكان نفسه أكثر مما تغير أصحابه في سنوات الحرب الأهلية. في مكتبة جورية مسرحيات شكسبير باللغة الإنكليزية، ومؤلفات توفيق الحكيم وروايات نجيب محفوظ، والكتب لتي ترجمها زوجها أو نشرها، وغيرها. انصرفت مديحة إلى قراءتها. محظوظة يامديحة بغرفة المكتبة التي خصتك بها جورية! تنزلين في بيت مثقف ميسور! فتذكري فوزي واشكريه لأنه يسّر لك ذات يوم معرفة جورية خلال المهرجان. هاأنت هنا حرة في بيروت وهو سجين في دمشق! قالت مديحة لجورية: فلنخرج من البيت! وخرجتا معا. عبرتا الطريق بين البساتين. ولمع شعر جورية الذهبي في الشمس وهما تمشيان بين البيوت الصغيرة والأشجار. اجتازتا الحرش لتصلا إلى جورة الشياح. لكن تلك المساحات محدودة. قالت جورية سنذهب إلى أمكنة أخرى، يامديحة. تعالي معي! كانت جورية تتعلم قيادة السيارة، فركبت معها مديحة. وسمعت صراخ زوجها كلما عصت جورية دروسه، وراقبت العلاقة الطريفة بينهما، فالصراخ لايعني الغضب والخصام بل حب رجل يكبر زوجته بعشرين سنة ويعنى بها. نقلا مديحة خلال تلك الدروس إلى أنحاء لبنان وقدما لها أصحابهما. وصلوا إلى النبطية وصور وصيدا. في النبطية أكلوا كبّة نيئة في فسحة أمام بيت أهل جورية. كان البرد شديدا "يقص المسمار" كما يقال. مدّت جورية ذراعها: هناك إسرائيل! ولم تكن إسرائيل قد تقدمت لتقطف ثمرة الخلافات العربية فتجتاح ثلاثة بلاد عربية، ثم لتجتاح جنوب لبنان بعد أول اتفاقية عربية إسرائيلية أخرجت مصر من الصراع! لاتدفئ جورية بيتها. فما أقصر الشتاء في بيروت! ظلت مديحة مرتدية جاكيتها الصوفي، تسمع المطر الغزيز وهي تقرأ شكسبير. ثم ترى السماء صاحية والشمس تتوهج وتشم عبق البساتين بعد المطر الغزير. كيف تتحمل الجلوس، والشباب للحياة تحت السماء! تعالي نمشي! تعالي، سأعرفك بأسرة من أصدقائي! تمشيان في الطريق المعبد بين البساتين صاعدتين إلى الحدث. ويفوح عليهما زهر أشجار المشمش الهندي وورق الليمون ويعطّر زهر الليمون الهواء. وهناك مقابلهما الجبل المغطى بالأحراش. ماأجمل لبنان! بحر وجبل وصنوبر. شاطئ دافئ وثلج جبلي. تفاح وليمون وبرتقال وموز. وماأجمل الناس! يطلون من نوافذهم وأبوابهم، يتكلمون في يسر، يتحدثون ويختلفون غير هيابين الإعلان عن آرائهم. وفيروز تغني عن القرية والجبل وحلاوة اللقاء في المساء، وعن الضوء الذي يتسلل من الأشجار، وعن الغيوم التي تلمس الذرى و"غطيطة" الجبال. كم يتميز لبنان من سورية وهو على بعد خطوة، وكم يتصل بها! هاهو الحدث! ضاحية مسيحية، فيها الجيران مهما تباينوا في الولاءات جيران. طرقت جورية بيت ميشيل. واستقبلهما رجل وامرأة شابة. جلسوا في المطل على الحرش الذي يمتد حتى مطار خلدة. سألت المرأة الشابة ضيفتيها: تقطفان الزعتر البري معي من الحرش؟ كان ذلك تكريما لهما بعادة لبنانية. جمعن الزعتر ذا الوريقات الدقيقة من تحت أشجار الصنوبر. ووصل إليهن صوت فيروز من شرفة البيت ينساب كأنه نشيد وطني في بلاد جميلة. أعلن ميشيل لمديحة: لست مثل أخي الياس! لاأحب السياسة! تركتها له، فلنر مايمكن أن يكسب منها غير وجع الرأس! يشغل ميشيل جمال النساء وجني المال. فهل كان يقدر أنه سيستضيف فرج الله كرجل دمث؟ وسيجلس مع صاحبه رئيس الأمن في الغرفة الأخرى يلعبان الطاولة، وفرج الله في البيت نفسه؟! وأن رضا سيمر به، وسيتحادث الثلاثة معا؟ لايعني حذره من السياسة أنه يجهل الحقائق أو أنه دون علاقات بالسياسيين. يقرأ الجرائد ويعرف تفاصيل الأخبار غير المنشورة من أصحابه في الأمن وفي التجارة. لذلك سيقول لفرج الله وهما وحدهما: أعرف الخفايا أكثر منك. لذلك أنصحك: لاتذهب إلى سورية! لن يسمع فرج الله نصيحته وسيقتل في سجن في دمشق! وسيأتي رضا بعد ذلك إلى ميشيل ويقول له: هل تقبلني ضيفا؟ فيردّ: لاأقبل من خان رفاقه! ستحمي ميشيل في أيام الحرب الأهلية سمعته. وبها سيستطيع أن يساعد سليما، جاره المسلم. سيعرف أن الشباب قرروا اعتقاله. فيسرع إليه: اترك كل شيء وتعال لعندي! سينقله مع أسرته إلى بيته: اسمع! قد تراهم من نافذتي ينهبون بيتك ويحرقونه فإياك أن تتحرك! بعد خمسة أيام سيهربه بسيارته مع أسرته إلى البترون، ويعطيه مالا يدبر به نفسه. وسيصل سليم إلى طرابلس. وعندما سيبدو له أن "الأحوال هدأت" سيركب سيارة مع ركاب آخرين ليعود إلى بيته. وسيقتل عند حاجز قرب بيروت. لكن ميشيل لن يستطيع حماية بيت أخيه. سيسمع في الليل أصواتا وسيخرج إلى الشرفة. وسيرى شبابا حول بيت أخيه. سيصرخون عندما يرونه: ميشيل، ادخل إلى بيتك! وسيأمرون الجيران بمكبر الصوت بأن يغلقوا عليهم نوافذهم وأبوابهم. سيراقبهم ميشيل من خص النافذة المظلمة وسيراهم ينهبون البيت ثم يحرقونه. وعندما سيأتي الناس ليطفئوا الحريق سيكونون بين من يطفئون الحريق! امتد أمام مديحة وجورية حرش من أشجار الصنوبر حتى خلدة. لكن ميشيل، محب النساء والمال والطرب، سيرى خلال الحرب الأهلية قص تلك الأشجار وبناء أبنية مرتفعة متلاصقة دون رخصة. وستحمي ذلك المليشيات وتأخذ الأتاوة. وسيختفي الحرش. عبرت مديحة وجورية أشجار الزيتون. كم يحب اللبنانيون زيت الزيتون! في أطباق المازة اللبنانية زيت الزيتون، في المكدوس، فوق الكبّة النيئة، في اللبنة، وفي أنواع الزيتون العابقة بنكهة الزعتر والليمون. اجتازتا أشجار المشمش الهندي. وقدّمت جورية ليلى لزينب! جمعهن الشباب والطباع التي تجعلنا نهتف إذا رأينا شخصا: هذا مثلنا! يوم عرفتهما مديحة كانتا قد عبرتا في أول فتوتهما احتلال المارينز الذين نزلوا في بيروت بعد ثورة تموز في العراق. فحكتا لها عن تلك الأيام. كلفتهما المقاومة في بيروت بتوزيع المنشورات في الضاحية الجنوبية، وبمقدار من التموين تأتيان به منها. فنظمت الشابتان البيوت التي تجمعان منها طناجر الأكل يوميا! طبخت النساء أطيب الطعام، كأنهن يحضّرنه لوليمة. وحملت الشابتان تلك الطناجر طازجة دافئة إلى المقاومين المسلحين في بيروت. اكتشفتا الطرقات الآمنة والطرقات الخطرة. لكن من يجسر أن يوقفهما! لو سئلنا لمن كل هذا الطعام بم نرد؟ نقول: عندنا عرس! وإذا غضبنا سنقول: ماشأنكم؟ نحن في بلدنا! سألهما مسؤول في المقاومة: ممن الطعام اليوم؟ سردتا الأسماء. بينها عائلة قومي سوري. جفل: كيف تقبلان منها طعاما؟ كان بين القوميين السوريين وبين الفصائل الوطنية خصام يومذاك. لم تستشهد بعد سناء محيدلي ولم يجتمع القوميون السوريون بعد مع المقاومة الوطنية. ألا يجوز إذن أن تكلف تلك العائلة بتسميم المقاومين؟ تثق جورية وزينب بالعائلة التي تبرعت بالطعام. "رجتنا عدة مرات أن نعين لها دورا". ومع ذلك لم تأخذا منها الطعام إلا بعد أن رجتهما: فلتسمحا لنا بهذه المساهمة في مقاومة المارينز! قالتا له: سنذوق نحن الطعام. فإذا كان فيه سم حميناكم منه. رد الرجل: وهل نفرط بكما؟! لكنهما ذاقتاه في السر. راقبت كل منهما الأخرى. هل تبدو عليهما إشارات الموت؟! ماكان يمكن أن تقبل إحداهما أن تجرب الأخرى وحدها الطعام! عادتا بأكياس من المنشورات، وسلكتا في الليل دروب الضاحية بين البساتين. فوجئتا بمجموعة من المارينز في أيديها كشافات. انسلتا إلى بستان واختفتا فيه. هل تسمع إحداهما تنفس الأخرى؟ طال الوقت! هل يتنزه المارينز في الليل؟ خطر لزينب أنها تريد أن تسعل. مصيبة! كم يجب أن يكون الإنسان معافى سليما كي يستطيع الهدوء! ابتعد المارينز. انتظرت الفتاتان الهدوء والظلام. نهضتا. خبأتا المنشورات وسط أغصان جافة. حفظتا المكان وخرجتا. في الصباح ستعودان لتخرجا الكنز، وستوزعانه على البيوت! لكن جورية فوجئت بالمارينز أمامها على الطريق إلى بيتها. هنا رأيتهم أمامي، يامديحة. فبدأت أصرخ: خرجت ابنتي من البيت ولم تعد حتى الآن! صرخت وبدا كأني سألطم وجهي. هل فهم المارينز إشاراتي، أم خشيوا من صراخي؟ تركوني أمر! لايعرف المارينز "ملف" جورية. يوم عادت من مهرجان موسكو تجولت في لبنان لتحكي عما رأته. وجدت مناسبة تجمع النساء لتحدثهن عن بلاد أخرى وتحلم بالاشتراكية. كان الاجتماع في راشيا الوادي. رافقتها ماري المستعدة لأية مساعدة شرط أن تبقى بعيدة عن الشرطة والدرك. نزلتا في بيت مضياف واجتمعتا بالنساء. تحدثت جورية عن بلاد كل مافيها جميل وسليم! كأنها جنة على الأرض! استقبلونا في اوديسا كأننا نحمل لهم المنّ والسلوى! وحضرنا احتفالا في قاعة فخمة. ثم ركبنا القطار إلى موسكو. وأي قطار! نظيف، شراشف أسرته بيضاء نظيفة. مررنا بالمحطات ونحن نيام في أسرتنا. فإذا بالناس ينتظرونا في المحطات في عزّ الليل. فهمنا أنهم يهتفون صداقة، سلام، دروجبا مير. كانوا ينزعون مناديلهم وحليهم ويقدمونها لنا علامة الصداقة. بكوا وهم يقبلوننا. طيبون حتى السذاجة. زيّنوا صدرونا بإشارات فصرنا كمارشالات في الحروب العظمى. موسكو نظيفة مثل الفلّ. لاتجسر أن ترمي فيها ورقة. لم أرهم أنيقين مثل أهل بيروت. لكن لهم الحق في السكن والتعليم والعمل والدواء! رسمت جورية الحدائق والحفلات، الباليه واللقاءات. الطعام والنظافة والتهذيب. كان الاجتماع حماسيا عاطفيا. نامت متأخرة. لكن ماري أصغت لحدسها فنهضت مبكرة: اسمعي ياجورية، لن أبقى في هذا البيت! لابد أن الخبر شاع بعد ذلك الاجتماع! هل تستطيع جورية أن تُسكت حدس ماري؟ الله معك! خرجت ماري إلى موقف الباص. وعادت جورية إلى النوم في تلك الغرفة الزجاجية المحاطة بالحديقة من جوانبها. أفاقت هي أيضا بالحدس. شعرت بعيون تراقبها. ورأت الزجاج محاطا برجال فصرخت متظاهرة بأنها تحتج لأنها بقميص النوم. وركضت إلى الحمام لتلبس ثيابها. تخلصت من أوراقها. فليدخلوا الآن! كيف يحق لكم أن تراقبوا امرأة نائمة؟! ألا توجد حرمات؟! كانت ماري قد اعتقلت من الطريق! لكن المحامين أبدعوا في الدفاع عن النساء. لبنان! حكم شمعون من جهة، وتقاليد الحرية من جهة. كرّ وفرّ! يوم قدمت جورية مديحة إلى زينب كانت زينب تتصل بقرية الحولة في جنوب لبنان. تمشي في طريق على طرفيه أراض مزروعة. من جانب فلاحون لبنانيون، ومن جانب إسرائيليون يزرعون أرضا لبنانية. اجتمعت بأهل القرية. ورجعت بانتسابات النساء إلى جمعيتها النسائية. وضعت الأوراق في كيس وركبت سيارة عائدة إلى بيروت. في الطريق أوقفت السيارة دورية إسرائيلية. قرصنة! لن تنزل زينب من السيارة! توقفها في بلدها دورية عدوة؟ تجاوزت إسرائيل حتى حدود الأرض التي احتلتها من لبنان! فتح عسكري إسرائيلي باب السيارة. فضغطت الكيس بين قدميها. عندما سارت السيارة فهمت غلطتها. ماكان يجب أن تسجل الأسماء! فلتحفظها. ليست المصيبة أن تنسى اسما بل أن تكشف اسما! لكن ماأفدح أن ترى بنفسها عدوانا على أرض بلادها! كان عليهما وهج تلك التجارب عندما رأتهما مديحة. كم انحط الزمان، يامديحة! صارت مهمتنا أن نوزع السوريين على بيوت اللبنانيين بدلا من أن ننتبه إلى عدوان إسرائيل! صار القتال عربيا عربيا! ومع ذلك هبّت نسمة جديدة. يتقدم عالم فتي ويخترق الخطر والظلم! شابات يحلمن بأرض عادلة وجميلة! يخيل إليهن أن الشجر فيها سيكون نضرا. ويخيل إليهن أن الدنيا بلدهن الصغير. وكأن هويتهن الوطنية، التي يشعرن بها بحرارة، هوية كونية. يتصورن أن الدنيا تشعر بهن كما يشعرن بها! كأن الحلم لايمكن أن يكون إلا حقيقة. كان ذلك الايمان يقويهن. هل كن يخمّن أنهن سيكن شهود انقلاب عالمي يسقط فيه المعسكر الاشتراكي كله، وتعلن من مركزه الخيانة العظمى كمذهب سياسي؟ وأن الحروب ستشتعل في العالم، وستطلب فيه قوميات صغيرة لاتستطيع أن تؤمن خبزها الاستقلال عن الأوطان التي عاشت فيها، وستتصور حتى الطوائف أنها جمهوريات مستقلة؟ هل كن يتصورن أن لبنان سيغرق في حرب أهلية واجتياح واحتلال ثم ينهض من الخراب؟ وأن تحرير جنوب لبنان سيكون انتصارا عظيما في عالم متآكل؟ تتوهج بعده الانتفاضة، ثم يمتد الغسق باحتلال العراق! بعد سفر مديحة بأشهر ستعرف جورية وزينب أن فرج الله قتل في السجن. وستلتقيان بالنساء أمام سفارة الجمهورية العربية المتحدة. سيعتقلن وينقلن إلى سجن النساء. وسيوضعن مع المومسات. طريقة تقليدية! سيجدن هناك عفاف المشهورة التي مازالت الصحف تكتب عن بيوتها السرية وشبكتها من الفتيات. ستحتفي بهن وتشكو لهن: هذه البلاد لاتتحمل عملا متألقا! لو كانت تستثمر بيتا عاديا من البيوت السرية يرتاده رجال عاديون أكانت تثير تلك الضجة؟ على كل حال، أي تكريم لها بأن تكون مع نمط آخر من النساء! لكن المحامين سيحتجون، وستنقل النساء إلى جناح خاص. ويقدمن إلى محكمة عسكرية. وسيسجل ذلك في زمن شمعون. بقيت زينب وجورية معا حتى قدر على زينب أن تخرج من لبنان. التقطت من الحدود شابة توصل منشورات إلى عنوان في سورية لتوزع هناك. لبنان هواء سورية! من أعطاك المنشورات؟ بعد التعذيب باحت باسم زينب. فاعتقلت زينب، وخرجت بكفالة. ثم قدمت إلى محكمة عسكرية حكمت عليها بالسجن عشر سنوات. أين هي؟ هربت! اعتقل أخوها بدلا منها. ضرب وأصابت الضربات عينه! أية تناقضات في لبنان الديمقراطي! أخفيت زينب زمنا. ثم بدلت هيأتها، حملت جوازا باسم امرأة متزوجة، وعبرت المطار يرافقها شابان. لم تستطع الطائرة الهبوط في صوفيا. ثلج وعواصف. فهبطت في براغ. وأعلن أنها ستعود إلى بغداد ثم بيروت. تعود؟ ارتبك الشابان. قررت زينب مايجب أن تعمله. طلبت الاتصال بلجنة النساء، فوصلوها بامرأة. قالت لها: أنا فلانة، محكوم علي في لبنان. خرجت من بيروت بجواز امرأة أخرى. يجب ألا أعاد إلى بيروت! ردّت المرأة: ابقي مكانك حتى آتي! مرّت نصف ساعة فقط؟ رأت زينب امرأة تبحث عنها. لابد أنها هي! عانقتها دون كلمة. دمعت عينا المرأة. تقرأ يوميا عن مآسي نساء هذا الكوكب. ولاتستطيع أن تتعود ذلك. ربما لأنها عاشت أيام مقاومة النازية! أية عواطف اضطربت في قلبها! كأنها مدّت يدها وتناولت إنسانا يغرق في البحر! ماأكثر الظلم في العالم! ماأكثره! أوصلتها المرأة إلى غرفة في الفندق. أمان, ومع ذلك أوصت بها: ضيفتنا. لايقال حتى هنا من هي ومن أين! من يستطيع أن يخمّن أن الأسرار كلها ستقدم على طبق يوم سقوط المعسكر الاشتراكي، ولعل منها سجلات الزوار السريين! سيعيش أهل زينب حرب لبنان الطويلة كما ستعيشها جورية. كان خليل في بحمدون عندما اشتعل القتال فانتقلت أسرته إلى سورية. ولكن إلى متى تبقى في بلودان؟ رجعت إلى لبنان. وضعت البنتان في مدرسة داخلية كي تنجوا من طريق المدرسة. لكن إحدى البنتين مرضت، فعبرت مع أمها ليل بيروت إلى الميناء الذي تحكمه القوات اللبنانية، كي تنتقلا إلى قبرص! مغامرة! قدمتا جوازيهما. سألهما الضابط: من أية بيروت؟ أجابت الأم: من الحازمية. قال: لماذا جدد الجواز في الغربية؟ حدث ذلك! مرتا إلى السفينة المحملة بالركاب. وعندما عادتا بالفيزا الأمريكية طلبت الأم من الضابط أن يبقيهما في مكتبه حتى الصباح كي تنجوا من القصف. لم يرفض. هل تعيش العواطف الإنسانية في الحرب؟ اطمأن خليل إلى نجاة ابنته. لكنه فقد مخازنه خلال حرب الفصائل مع أمل. نجا مرة أخرى من الموت خلال القصف الإسرائيلي. كان جالسا في الشرفة مع أربعة شباب من جيرانه. قال له أحدهم: لندخل لنشرب القهوة في الداخل. دخلا إلى البيت. بقي الإخوة الثلاثة في الشرفة فقتلتهم شظايا طائرة إسرائيلية قصفت الضاحية الجنوبية. قال خليل: الحياة صدفة، والموت هو القاعدة الآن! هل يخفف عن أخيه عصام الذي تابع جنون القتال بين الفلسطينيين وحزب الله وأمل، وحرب المخيمات، والحرب بين عين الرمانة والشياح، والقصف في محاور التماس؟ رسم عصام لوحات جميلة. قيل إنه يرسم الحياة، خفقانها وتوهجها. يرسم حركتها ويكتشف ألوانا جديدة لم تلاحظها العيون. ليست الأشجار التي يرسمها موجودة، لكنك تهتف عندما تراها: يجب أن تكون الأشجار هكذا! هذه هي الأشجار التي يجب أن تكون موجودة! أحاطه أصحابه بحنان كما تحاط موهبة يأملون منها الخوارق. كان رقيقا، مهذبا، سموه يوم عاد من فرنسا: الفرنسي! لم يتحمل الحرب. ماذا يرسم؟ الحياة المقتولة؟ القنابل؟ الموت والدمار؟ انصرف إلى الخمر. صار يشرب منذ الصباح. ففهم خليل أن ذلك مؤشر إلى الإدمان. رجاه: قرر أن تترك الشراب، ستتعذب أياما لكنك ستكسب مستقبلك وصحتك! من يكلم؟ أمامه رجل ماعاد يملك إرادته. حمله الشراب إلى الشراب. وفي كل خطوة كان يبتعد عن إرادته. يسند نفسه بالخيام وديك الجن وأبي نواس؟ يبرر إدمانه بالخمريات؟ يقول له خليل: يصح ذلك لمن يتذوقها، لالمن يشربها لأن دمه يحتاج كمية من الكحول! في أقسى أيام الحرب الأهلية هاجرت جورية إلى فرنسا، واشتغلت بالتجارة. وخيل لزوجها أنها من أهل البلد. قادت به السيارة مرة من باريز إلى هامبورغ دون أن تستريح. لكن الحقيقة أنها لم تستطع الحياة دون لبنان. عادت. اكتشفت مشروعا لبناء فيلات في الدامور على الجبل. بنت بيتا جميلا أحاطته بشجيرات الكاردينيا والصنوبر وزرعت أرزة. تطل منه على البحر من جانب وعلى الجبل من جانب! زرعت شجرة جوافة، وزرعت مقابل المطبخ مردقوش ونعناع للكبّة النيئة. عسكر فصيل فلسطيني قربها في الدامور، أتى أفراد منه إليها وقالوا: بيتك كبير سنأخذ نصفه ونترك لك نصفه! ردّت: وهل بنيتموه أنتم؟ ستفاجأ وهي تدخن الأرجيلة وقت الاجتياح بالمصفحات الإسرائيلية تقف في الأسفل عند باب حديقتها حيث وقف الفلسطينيون آخر مرة. استمرت بالتدخين كأنها لاتراهم. تأملوها في صمت. فيما بعد سألوها: أين زوجك؟ قالت: لم يكن هنا عندما أتيتم ولايستطيع العودة وأنتم هنا! بعد زمن أتى أحدهم إليها وقال إنه شيوعي، ودعاها: زورينا، أنا وأمي في طبرية! فردّت: عندما تعود طبرية إلى فلسطين! كان أولادها وقتذاك خارج منطقة الاحتلال وبقوا حيث هم. في الحرب الأهلية نهب بيتها. اقتلع حتى بورسلان المطبخ! وفي الحرب عبرت خطوط التماس. استوقفها مرة حاجز الكتائب. سألوها: من أية بيروت أنت؟ ردت في تعال: وهل يوجد غير بيروت واحدة؟! وقع كلامها في مزاج الميليشيا فأطلقتها في طريقها. لو حدث العكس لقتلت عند الحاجز ولماعرف أحد مكان جثتها. كادت تسقط مرة أخرى. قصدت سيارة أن تمسها. ونزل صاحب السيارة: يجب أن تدفعي لي ثمن الضرر! قالت: يقدّر الخبراء فقط مقداره! سألها: من أين أنت؟ كذبت: من عين الرمانة! قال: هيا إلى هناك لنجد خبيرا! تذهب إلى عين الرمانة؟! تظاهرت بأنها ستسير إلى هناك. في الطريق فرض الرجل أن تملأ سيارته بالبنزين! فملأت بعض خزانه فقط: يكفيك كي نصل إلى عين الرمانة! قصدت حاجزا سوريا في الطريق. وتوقفت عنده: هذا الرجل يبتزني! ردّ الجندي: لاشأن لنا بالفصل بين اللبنانيين في هذه الأمور! قالت: ناد الضابط المسؤول. فسرت له ماحدث وهمست له: إذا جرني إلى عين الرمانة فُقدت! قال اللبناني: تشكوني للسوريين! سأريك! همس الضابط: سأستبقيه ربع ساعة! قالت: بل نصف ساعة على الأقل كي أقطع الحواجز! في الطريق "علقت" بين عين الرمانة والشياح، لكنها عبرت القصف سالمة. سالمة؟ أصيب زوجها بشظايا دقيقة من القنابل الانشطارية الإسرائيلية. قال الأطباء الفرنسيون: لايمكن أن تستخرج! وقال أطباء موسكو: يمكن أن تستخرج بعملية! وتبينوا أن جورية مصابة بعدة أمراض. بعد المستشفى بقيت لتدرس في مدرسة الحزب. نصحها حسين: اختاري غرفتي لأني زرعت أمامها بقدونسا وكزبرة. اختارتها. فأصبحت الغرفة ملجأ لمن فاته العشاء في المطعم وسميت: النادي العربي. ستقول لمديحة ساخرة يوم ستلتقي بها بعد عقود: كنت هناك باسم سري. والأساتذة كانوا أيضا بأسماء سرية! أقصد أنهم يهود تخفوا بأسماء روسية! كانوا يامديحة منظّري السقوط! كتبت لزوجي: يهود. منحرفون! لاأتعلم منهم إلا مايعترضون عليه! بعد أربعة عقود، على حافة الألف الثالثة، ستلتقي جورية وزينب ومديحة. كأنهن لم يفترقن! قطعت كل منهن أكثر حياتها. درسن، قرأن كتبا كثيرة، عبرن مدنا متنوعة، عرفن كثيرا من الناس. أنزلن الأحلام إلى أرضها. وفهمن الهزائم. وتبيّن أنهن تنبأن بها. مايزال العالم قرية صغيرة. وربما صغر أكثر مما كان قبل أربعين سنة يوم تعارفن. ومايزال يتدخل في تفاصيل حياتنا! ستفرك جورية الكبّة النيئة مع الأعشاب. وستفهم مديحة لماذا تذكرت دائما الكبّة النيئة التي أكلتها في النبطية. أضافت إليها جورية مردقوش ونعناع! لكن كان في تلك الكبّة في النبطية نكهة لامثيل لها. كان الطقس باردا جدا، ونحن نطل على مدى من لبنان، وفي البعيد كانت إسرائيل على حدود "الهدنة"! لم تكن قد وصلت إلى العراق! سيحاولن أن يتبيّن طرقات الأمس. مررنا من هنا. كنا نبدأ طريقنا من الغبيري ونمشي إلى جورة الشياح. كنا نعبر الحرش الذي يمتد حتى خلدة. كنا نعبر حرش بيروت بدروب عبدتها أقام الناس فنمشي تحت الصنوبر. نمشي حتى الكورنيش. تهتف مديحة: هذه شجرة أكيدنيا! هذه شجرة زيتون! من البساتين على طرفي طريق الحدث لم تبق إلا فسح قليلة فيها بعض أشجار الأكيدنيا والزيتون والليمون! الحرش على الجبل أمام بيت ميشيل معبأ بالأبنية المرتفعة. قبل الحرب كان يعاقب من يقص شجرة ليزينها في رأس السنة. في الحرب قطعت أشجار الصنوبر في بساطة. احترق حرش بيروت. اقتطع الطريق بعضه، واقتطعت بعضه أبنية عامة! طوال الحرب اعتدي على بيئة لبنان. وقطعت في الوقت نفسه ملايين الأشجار المثمرة من غوطة دمشق كي تصبح الغوطة مساكن لاهوية لها. كم ذلك ثقيل على القلب! أشارت زينب إلى لوحة في الطريق: الغدير! بقي الاسم فقط وراح الغدير! راحت البساتين التي كانت حوله مزروعة بالرمان والأكيدنيا والزيتون والحمضيات. ياجورية لو نزل المارينز لما وجدنا بستانا نختبئ فيه! كن يتحدثن عندما خرقت الطائرات الإسرائيلية جدار الصوت فوق الضاحية الجنوبية. وستقول جورية: قد لاتبقى إسرائيل في القرن القادم. يبقيها توازن معين في العالم. يعني ذلك أنها موقتة. لكن لبنان كان وسيبقى. نحن هنا، وقبلنا أجدادنا. أرجوان صور ومعابد بعلبك. تقدمت جورية في جولتها في مسارات حقيقية لكنها لم تعد موجودة: تتذكرين كيف عرفتك يامديحة؟ لم نلتق في الطريق إلى مهرجان موسكو مع أن الوفد اللبناني سافر من اللاذقية. التقينا أيام المهرجان. ثم دعينا معا من هناك إلى ألبانيا. نزلنا في بودابست. استقبلنا السفير البلغاري ودعانا إلى العشاء. مديحة، ألاتذكرين ذلك المساء؟ خيل إلي أننا سجناء في الفندق. وتساءلت لماذا يستقبلنا السفير البلغاري ولايستقبلنا أهل البلد؟ لكن من يجرؤ على قول ذلك في تلك الأيام؟ ومن يمس يومذاك أحداث بودابست. لايجوز الكلام عن البلاد الاشتراكية إلا بالخير! في الغرفة الخاصة المفصولة عن صالة الطعام في الفندق، قدم لنا سمك ولبن. قلت: عندنا لايؤكل السمك واللبن معا! قالوا: هنا يؤكل! جرّبيه. في تلك الليلة أصبت بالتحسس وكدت أختنق. أتى لي السفير بطبيب. سألتها مديحة: نزلنا إذن في بودابست؟ ردّت: لم يكن مرّ زمن طويل على أحداث بودابست. لذلك شعرنا بأننا وفد سري، حولنا حراسة سرية. مع ذلك رافقنا السفير البلغاري في جولة بالسيارة في المدينة. سألتها مديحة: تجولنا في المدينة؟ وبدأ نهر الدانوب يظهر من الضباب في ذاكرتها. قالت: غريب ذلك! هل يحذف الإنسان بإرادته بعض المدن من ذاكرته أم تختفي دون إرادته؟! قالت جورية: نزلنا بعد ذلك في صوفيا. بقينا يوما. ثم سافرنا إلى تيرانا. تذكرين ليري بوليشوفا التي ضيّعت عينها في حرب التحرير؟ عرفت أنها قتلت لأنها عارضت الخلاف مع الاتحاد السوفييتي! مايزال عندي العقد الذي قدموا لكل منا واحدا منه. عقد جميل من الفضة! وأنتِ؟ ردّت مديحة: كان يعجبني. كرات من الزخرفة. لكنه ضاع! بدت لي ألبانيا تشبه لبنان. جبال مزروعة بالزيتون وشواطئ. والنساء يشبهن نساءنا. زرنا أرامل الحرب، وأمهات الأبطال. استقبلنا أنور خوجة وأحمد شيخو. في الحفلة رقصتُ مع أنور خوجا! اسمعي. في بلد اشتراكي آخر قُدم لي رجل قال إن اسمه أحمد فصرخت: ياويلي، ماذنبي! هربت من أحمد في بيروت فأتيتم لي بأحمد آخر؟! ضحكوا. وتخلصت أنا من ألم رأسي في تلك الليلة! سيبدو لزينب فجأة أن الحياة والأحداث التي قطعنها لم تكن زمنا وأحداثا فقط بل كانت مسافات. وستقول: ابنة خليل لاتعرف بيروت! حبست الحرب الشباب في مناطق الدفاع عن النفس، طوال سبع عشرة سنة. خلال ذلك كانت أجزاء المدينة الأخرى خطرا لامتعة ولابقية وطن! مرة أخرى خرق الطيران الإسرائيلي جدار الصوت فوق رؤوس النساء الثلاث. لكنهن لم يلتفتن إلى ذلك إلا لحظة. وستقول زينب: في رام الله قتل شابان. أخذ هذا الصراع عمرنا، وسيستمر بعدنا. وستقول جورية: إسرائيل لايمكن أن تبقى! وستسألها زينب: متى؟ بعد نصف قرن، أو قرن؟ وستردّ: المهم أنها غير موجودة في ضمائرنا! بعد ثلاثة أشهر في لبنان ركبت مديحة الطائرة من قارة إلى قارة. التفتت في مطار خلدة نحو جورية ورفعت يدها. من يعلم متى سيقدّر لها أن تجتمع بها مرة أخرى؟ من يعلم متى يمكن أن تلتقي بزملائها الذين تركتهم في سجون سورية؟ كانت في الثالثة والعشرين من العمر وحيدة أمام دنيا واسعة! في الطائرة تبيّنت مديحة أن جورية وزينب لم تنسياها حزنها. هل قصد فوزي في حوارهما الأخير المقتضب أن يحرّرها لذلك قال لها: أنتِ غير ملتزمة بي. احسبي أن خطبتنا انتهت! كانت تحلم بأن يسهرا معا في ليلة رأس السنة فقدّم لها تلك الهدية! بعد اعتقاله فهمت ماقصده. ولو صادفته الآن لسألته: هل الخاتم الصغير في إصبعي هو فقط مابيننا؟ هاهي تحمل حقيبة صغيرة فيها ثيابها، وحقيبة كبيرة فيها قلقها عليه وعلى بلدها وزملائها. كم كان يمكن أن يفرحها السفر لو كان في ظروف أخرى! استعادت زيارة فوزي لأهلها أول مرة. توقعت أن يفهماه في زيارة واحدة، ويالسذاجتها! قالت يومذاك لأمها: أعرفه منذ سنوات! فردّت أمها: لن تعرفي رجلا حتى تعيشي معه! الزواج كورقة اليانصيب! قالت مديحة: ليس ذلك مع مثلنا! على كل حال، أنا مسؤولة عن اختياري! ردّت أمها: هذا كلام! فالمصائب تقع على الأهل دائما. فهل يمكن ألا يشاركوا أولادهم الهمّ؟ أريد لك زواجا يدوم العمر، مع أنه لايوجد في الدنيا رجل وامرأة مثل السمن والعسل! بالرغم من ذلك التحذير أعجب فوزي أمها. ولم تغير رأيها في الزيارات التالية. اكتفت مديحة بموافقة أبويها. وأجّلت الزواج إلى مابعد التخرج من الجامعة. يومذاك وجدت مديحة أكواما من الزهور على باب بيتها، دون أي اسم يشير إلى من وضعها. لكن من يمكن أن يكون أصحاب الزهور غير غادة وليلى وعمر؟ قابلوها في الجامعة بابتسامة. أنكروا أنهم كوّموا زهورهم على بابها: وهل دعوتِنا إلى حفلة كي نهديك زهرا؟ لم تكن هناك أية حفلة! وهل يجوز هذا؟ يمرّ حدث سعيد في هذه المجموعة دون احتفال؟ قرروا أن يلتقوا في غرفة الشاي في الصالحية، وفوجئوا هناك بقيس جالسا مع شابة سمراء. اعتذر منها عندما رآهم، وطلب الإذن في أن يشاركهم الاحتفال. هل تجاهلته ليلى لأنه فرض نفسه دون دعوة؟ أم لأنه كوّم أخطاء منها أنه رمى الشابة التي يجلس معها كما ترمى ورقة؟ من لايخطر له أن يسأله: إذا كنت ياقيس مستعدا لإهمالها هكذا فلماذا دعوتها إلى غرفة الشاي؟ هي التي قسرتك على ذلك؟! لم يفت أحدا أن ليلى تجاهلته وأن ذلك أربكه. التفت إلى ليلى: ألا نتمنى للجميع مثل هذا الحدث السعيد؟ لم تنظر ليلى إليه كأنها لم تسمعه. قالت لمديحة: اختلفنا في نوع الزهر الذي تحبينه، لذلك رأيتِ ذلك الخليط الذي جمعناه! وذكّرتها بالحفلة التي اشتركتا فيها في المدرسة ذات يوم. انتشر جو مرح شعر قيس بأنه غريب عنه. "كانت مديحة زنبقا، وكنت أنا الورد، وكانت غادة منثورا"! تذكرت الشابات مقاطع من ذلك الاحتفال: "أنا الزنبق زهري مطبّق، قلبي أبيض صافي وريان".. هل تذكرين كيف كنا نتمايل ونحرك أزهارنا بأيدينا؟ تمنيتُ أن أكون في القاعة بين أهلنا كي أضحك كما ضحكوا! ياغادة، بقيت أمي زمنا تقول لي "تعالي يازنبق، روحي يازنبق"! هل كانت مديحة تستطيع أن تعبّر عن فرحها بالمشي مع فوزي وكل منهما يمسك بيد الآخر؟ أي محب في الجامعة كان يستطيع أن يمسك بيد محبوبه غيرهما؟ لو تستطيع مديحة أن تبوح بما تملأ به روحها لمسة اليد المحبة! لكنها حرمت من تلك السعادة بسرعة. كان الأسبوع الذي حشد فيه خطاب عبد الناصر الهيجان قاسيا عليها. لم يفتها أن غادة كانت في ذلك الوقت باردة في علاقتها بها. وأن ليلى كانت حائرة بينهما. وأن كثيرين من أصحابها تفادوا تحيتها. وغاب فوزي عن الجامعة. كانت تحلم بأن يسهرا معا ليلة رأس السنة، فقال لها: أنتِ منذ اليوم حرة من العلاقة بي! سألته: ماذا تعني؟! رد: أعني أني لاأستطيع يامديحة أن أربطك بي! طارت مديحة من بيروت إلى زوريخ، إلى براغ. على الخط نفسه الذي سيطير عليه قيس. جلس رجل سويسري إلى جانبها. إلى أين؟! باحت بمقطع من مسارها وأخفت بقيته. طلب شرابا. تريدين؟ لا! شكرا! كيف تبقي الحديث بعيدا عن الأسئلة، وتظهر كفتاة متحضرة تمثل بلدا أمام رجل غريب؟! سرحت في قلقها. ثم انشغلت بالمستطيلات والمربعات الخضراء التي ظهرت لها من الطائرة، وبالبيوت ذات السطوح القرميد. ثم رأت زوريخ من الطائرة. ماأحلاها! مرتبة وواضحة! نزل الرجل معها في المطار. أدعوكِ إلى جولة في زوريخ! بأية طريقة تستطيع أن تهرب منه؟ رأى محفظتها الصغيرة، وملابس الطالبة البسيطة، ففهم أنها عابرة في زوريخ. قالت: لدي عمل أنجزه وأصدقاء يجب أن أراهم! ردّ: سيظل لديك وقت تسهرين فيه وترين المدينة! شكرا، لاأستطيع! ركبت السيارة إلى الفندق. وصعدت بالمصعد مع شاب حمل لها الحقيبة إلى الطابق الثالث. فتح لها باب الغرفة، ووضع المحفظة على رفّ في مدخلها. هاهي الغربة! موكيت مفروش على الأرض، موسيقى رائقة، نافذة تطل على حدائق ممتدة، شوارع نظيفة، وبرد. كم من السنوات ستمضي هكذا؟ من زجاج نافذتها في الفندق رأت دراجات ورجلا وامرأة يمشيان، وفتاة على "باتيناج". سمعت موسيقى أخرى. بدأت الغربة! بدأ طراز آخر من الحياة، وطراز آخر من المدن! طوت مديحة مدينة صغيرة تتخللها البساتين، تطل على طرقاتها مقاه مكشوفة، سياج بيوتها من الياسمين.. طوت دمشق، كما يطوى "الحجاب" ويعلق على الصدر تحت الثياب. نزلت إلى المطعم. مشت في الصمت. تعشت جالسة وحدها إلى طاولة في مطعم الفندق. ماأوسع الهدوء! كأن الناس لايتكلمون. لاأحد يجر كرسيا، لاأحد يرفع صوته، والنداء للنادل بالإشارة والنظرة. بدا لها أنها أصبحت طيفا. هل تغبط هؤلاء الناس الذين تجاوزوا الخيار بين الحرية والسجن؟ هل تتبين الآن أن التخلف هو أن تبقى مسائل الإنسان في ذلك المستوى، فلاتنتقل إلى مستويات أخرى! كم يستهان بالإنسان عندما تكون البداية قسرا على الاختيار بين الحرية والولاء! نظرت إلى العتمة من زجاج نافذة المطعم. وفكرت بالأيام المجهولة. لو كانت في غير هذه الظروف لركضت لتكتشف المدينة وتذوق المساء في بلد غريب. لتدخل إلى المطاعم والمقاهي كما يدخلها إنسان حرّ. لكن هاهي تتبين أن البلاد التي تضطهد مواطنيها تدفعهم إلى موضع الضعيف ولو نجوا بأنفسهم من الظلم فيها! تكتشف أن الأوطان تسند مواطنيها بمقدار ماتتبناهم وتهبهم الحرية! وكأنها تلمس وجع المبعدين والمنفيين، وهزال الحرية بعيدا عن الأوطان! الحرية؟ حملت مديحة من بيروت توجيهات يبدأ أكثرها بالتحذير: "إياك"! خيل إليها أنها ستنفذّها بدقة. وأولها أنها لن تكتب لأي إنسان كيلا يُعرف عنوانها! أهلها؟ فليصبروا حتى يأتي الفرج! من كان يخمّن أن الأسرار ستسلم في نهاية القرن في صناديق للراغبين بها؟ وستعلن حتى أسماء الضباط العرب الذين درسوا أو تدربوا في البلاد الاشتراكية وملاحظات مدربيهم ومراقبيهم! كان غطاء السرير من الريش، والوسادة من الريش، واللوحات التي ترسم مناظر من زوريخ وبحيرات سويسرا معلقة على الجدران، والموسيقى الناعمة لاتزال تنساب من الراديو. وبدأت مديحة تغفو. في الصباح عادت إلى المطار وركبت طائرة أخرى إلى براغ. استقبلتها شابة أنيقة في مطار براغ، دعتها إلى مقصف المطار وسقتها عصير برتقال معلّب. ثم أوصلتها إلى فندق انترناسيونال. يوم وليلة في براغ، وعشاء صامت في مطعم الفندق. لم تميز فيه الفرق بين زوريخ وبراغ. فالصمت متشابه، والبرد نفسه، والتقنين يضبط الحركة والصوت والعواطف. هذه آخر محطة قبل برلين. ودعتها الشابة التي استقبلتها. وطارت بطائرة صغيرة نقلتها إلى برلين فوق غابات كثيفة. في أي سجن أنت يافوزي؟ كان يمكن أن نكون معا! كان يمكن أن يكون سفرنا خروجا وعودة، دون مرارة، لكن قدَرنا من قدَر بلادنا. ترى، هل يشعر المحبون والأصدقاء الذين يسافرون معا بأنهم يستمتعون بما حرمنا منه؟ نزلت في مطار واسع هادئ. هل طائرتها هي الطائرة الوحيدة التي حطّت في مطار برلين هذا اليوم؟ فحصت المرأة التي استقبلتها وفهمت أن المرأة فحصتها أيضا. لاحظت أن السيارة التي تنتظرها قديمة جدا، لم تر مثلها في دمشق. هل يغيب عنها أن ألمانيا الشرقية محاصرة، في قلبها برلين الغربية المحتلة بقوات أوروبية؟ جلست المرأة البدينة الشقراء التي استقبلتها في المقعد الأمامي، وعرفتها بالسائق: هذا رودي! سينقلك كل صباح إلى المكتب! لايعرف الإنكليزية، لكنك ستتعلمين اللغة الألمانية على كل حال! انصرفت مديحة إلى الفرجة على مايبدو لها من السيارة. عبرت أراض واسعة مزروعة، وغابات بعيدة وقريبة. ملأ عينيها اللون الأخضر، فتذكرت الألوان الأخرى في بلدها. كانت السماء منخفضة ورمادية. وعندما دخلت المدينة عبرت الضواحي ذات الأبنية الصغيرة المحاطة بالحدائق، وأبنية جديدة متشابهة كالمكعبات تمتد بينها الحدائق. بدت لها المدينة واسعة ومستوية. فقالت لنفسها: مسكينة، دون جبل! أدهشتها مربعات واسعة خضراء بين الأبنية الرمادية. ولم تكن تحتاج إلى من يوضح لها أن الحرب دمرت تلك الأبنية كلها لذلك مدّ في مكانها العشب. وستتبيّن أن الألمانيات اللواتي ستعمل معهن لن يذكرن تلك الحرب إلا كي يقلن إن هتلر اضطهد اليهود. وسيحتفظن بالكبرياء الذي يتفادى أن يتذكر مادفعته الشعوب الاوروبية فيها. تركت السيارة الشوارع العريضة الواسعة التي يعبرها الترامواي والترولي والباصات ذات الطابقين، وانعطفت في شارع مرصوف بالحجر الأسود، على جانبيه حدائق البيوت وأشجار الأرصفة. وتوقفت أمام بيت قديم من طابقين سقفه من القرميد. هذا شارع "اورانكه"! نزلتا من السيارة. حول البيت حديقة فيها أشجار الكرز، يهبط منها درج إلى القبو الذي يخزن فيه الفحم الحجري. في المدخل صندوق البريد وسط دعامة من الآجر، تصعد درجات بعده إلى الطابق الأول. فتحت المرأة البدينة الشقراء الباب على غرفة فيها سرير ومكتبة وطاولة عليها إصيص مزهر، ونافذة تندفع إليها من الحديقة شجرة صنوبر. هذه غرفتك، وهناك الحمّام في الممر. جارتك في الغرفة الأخرى هندية، وفي الثانية يابانية، وفي الطابق العلوي فرنسيات. على طرفي هذا الشارع الهادئ بيوت صغيرة مثل هذا البيت، هرب سكانها إلى ألمانيا الغربية لأنهم تعاونوا مع النازيين. لكنك لاتحتاجين أن تعرفي سكانها الجدد! لاتوجد مخازن إلا في الشارع الآخر، هناك تستطيعين أن تشتري اللحم والحليب والخبز والزبدة. لديك اليوم هذا الطعام الذي حضّرناه لك. زبدة وشرائح من اللحم وخبز وعسل. إذا مشيتِ دقائق خلف بيتكِ وصلت إلى غابة في وسطها بحيرة "اورانكه". تذكّري: اورانكه شتراسيه، اورانكه زيه! في الصباح نقلت سيارة رودي مديحة وجاراتها إلى العمل في منظمة النساء، في بناء واسع قديم رمادي على بعد خطوات من بوابة براندنبورغ التي تفصل برلين الشرقية عن برلين الغربية. هنا في شارع "اونتر دِن لِندِن" سترى مديحة الأبنية الفخمة القديمة، وجامعة هومبولت المشهورة، والرايخستاغ، وأنقاض مكتب هتلر. يامديحة، سنمرّ بها في فرصة الغداء، وسنشرب القهوة في مقهى قريب. أما الآن فتحملي غرف البناء القاتمة. نعم! بقي الضوء في الشرق! تعرفت مديحة بالرئيسة الايطالية التي اعتقلت في أيام النازية وكسبت من المعتقل مرض القلب، وتزوجت من قسّ ترك سلك الكهنة. وقدّمت إلى نساء من قوميات متنوعة منهن سلوى العربية. كأنما تعبئ النازية والمقاومة هذا البناء القديم! لكن مديحة ستقول فيما بعد لسلوى: لماذا يبدو أن اليهود هم الذين كانوا الضحايا وكانوا المقاومين؟ كأنما فهمنا غير ذلك في بلادنا! وستحذّرها سلوى: انتبهي! إياك أن تقولي ذلك! كلهن هنا يهوديات! من كوة سكبت لها شابة طويلة صحنا من الطعام حملته إلى طاولة جلست إليها في المطعم. الطعام بطاطا ولحم سيتكرر في أشكال وسيبقى هو نفسه. قالت لها سلوى: في ساحة ألكسندر مطعم روماني فيه طعام يشبه طعامنا! وقرب الساحة مقهى "موكا"، يقدم قهوة ايطالية تشبه قهوتنا! وهناك مخزن خضار لكن يجب أن تقفي في الصف ساعات كي تشتري موزا! مشت مديحة بعد الغداء مع سلوى. هذا مخزن "زيبيل". صالة من الزجاج في أرض نظفت من آثار البناء المقصوف الذي كان يقوم هناك. فيه ملابس أنيقة لكنها غالية جدا. وهذا هو الرايخستاغ الذي سجل رفع العلم السوفييتي عليه الانتصار في الحرب العالمية الثانية. ياللهول! بناء محروق، مقابله مساحات واسعة كانت فيها أبنية هدمت. هل تتصور مديحة أنها سترى ذات يوم في بيروت مثل ذلك الدمار، وأن الحرب ستنتقل إلى الأرض العربية؟ في المقهى الذي جلستا فيه اكتشفت كريما خفيفة توضع في القهوة. لن تشرب القهوة بل ستأكل الكريما! تذكّري اسمها، يامديحة، زانه! قامت سلوى بواجب الدليل لمديحة إلى مخازن الطعام والملابس. وستكتشف مديحة المسارح والاوبرا والمتاحف والمترو والحدائق والسفر بالبواخر النهرية في القنوات التي تحيط المدينة بالرطوبة، والحديقة المرتفعة التي صنعت من أكوام أنقاض الحرب، ومنحوتات نصب الجندي السوفييتي في حدائق تربتو. وسيدهشها أن راتبها كبير لاتعرف كيف تنفقه. لن تذهب إلى القسم الغربي من المدينة كيلا تغضب المسؤولين في المنظمة. ألم يحذروها من ذلك في بيروت؟ مع أنها ستكتشف أن البلغارية والبولونية تذهبان كل اسبوع إلى برلين الغربية! ستعوض عن ذلك بالسفر إلى مدن ألمانية شرقية. وستقول لهما: تفرجا على درسدن! مدينة متحف، مع أن الطائرات الأمريكية قصفت أكثر أبنيتها في نهاية الحرب! ركبتُ منها الباخرة في نهر إلبِه إلى بادشانداو وصعدت إلى المرتفعات الخضراء وأطللت منها على النهر! تسمى تلك المنطقة سويسرا السكسونية! اشتغلت مديحة في المجلة التي تصدر باللغة العربية. وهاهي تقرأ لأول مرة مقالة عن أنجي أفلاطون، الأرستقراطية المصرية، الرسامة المشهورة! اعتقلت أنجي وكتب عنها أصدقاؤها الايطاليون مقالة جميلة. طبعا يجب أن تترجم إلى اللغات الأخرى وأن تنشر في المجلة! رئيسة التحرير إليزا الايطالية متحمسة لنشرها. فمن يمنعها؟ اجتماع! اسمعوا! وصل من مصر طلب من مكتب يقترح شراء ألف نسخة من المجلة! خمّنت إليزا أن ذلك الطلب فخ يقصد ضبط موضوعات المجلة من بُعد. في هذه الظروف في مصر لن توزع مثل هذه المجلة! رفضت إليزا اقتراح ايرينا الألمانية: لن أحذف المقالة عن أنجي أفلاطون! لكن المقالة لايمكن أن تحذف دون موافقة مديحة، ممثلة ذلك البلد! - يامديحة ارفضي حذف المقالة! - طبعا، أرفض حذفها! أولا، المقالة جيدة، فيها صور لوحات أنجي. ثانيا، يفترض أن تكون هذه المنظمة أول من يدافع عن حق فنانة في الحرية، وعن حق امرأة في ألا تعتقل دون مسوغات قانونية. أنجي معتقلة دون محاكمة! معتقلة لأن أفكارها لاتعجب حكومة بلدها! تعرف ايرينا الألمانية أن مارينا السوفيتية هي الطريق إلى مديحة. حقا، أوصوا مديحة في بيروت قبيل سفرها: نسّقي العمل دائما مع السوفيتية! استمعت مديحة إلى مارينا وشعرت بالغصّة. سألتها: نضحّي بالمبادئ في سبيل التجارة؟! تتعلم مديحة في هذه اللحظة النزول من المبادئ إلى الدنيا! - يطلبون ألف عدد من المجلة، يامديحة، فكيف نضيّع الدخول إلى بلد كبير مهمّ كمصر؟ - لكن أنجي في السجن، ياماريا، وسيفيد المعتقلين أن ينشر مقال عنها! فوق ذلك إنجي فنانة كبيرة! تفرجي على لوحاتها! ستخبر إليزا الايطالية مديحة فيما بعد: لم يشتر المصريون أي عدد من المجلة! لكن المقالة لم تنشر، بالرغم من رأي مديحة. للسوفيتية القرار المرجّح. بدأت مديحة تجمع المعلومات في هدوء. وباحت لها سلوى بكثير من الحقائق. واكتشفت مابقي. عدّت على أصابعها: الهنغارية يهودية، التشيكية يهودية، الألمانيات يهوديات، الأمريكية يهودية.. هذا كله مصادفة؟! روت مديحة بعد أيام لإيرينا الألمانية مغامرتها: فاتتني السيارة في الصباح فأخذت الترام، وصلت متأخرة، لكني اكتشفت شوارع جديدة! فسألتها إيرينا: وهل في بلدك سيارات؟ فتحت مديحة عينيها. ماذا تسمع؟! ياللوقاحة! ياللؤم! ياللعنصرية! آه، كم تضعف الطيبة الإنسان! تصورت أني وصلت إلى بلد اشتراكي كل من فيه يسند وطني ويفهمه! كم كنت ساذجة! ردّت: تظنين أن عندنا جمالا فقط؟! تلزم هذه المؤسسة مبادئ الثقافة العامة. كيف تعرفون أوضاع الدنيا إذا كنتم تجهلون أبسط الحقائق عن بلاد عضوة في منظمتكم؟! ستسألها مديحة فيما بعد: أين كنتِ أيام الحرب؟ وستجيب:في لندن! وعندئذ ستقول لها مديحة: بعيدا جدا، إذن، عن الحرب والمقاومة! ولن تغفر لها إيرينا أبدا ملاحظتها! وجدت مديحة نفسها لأول مرة وحيدة، دون أهلها، ودون مدينتها، ودون أصدقائها. لذلك كانت تحمل حزنا أكثر سعة من خيبة الحب التي تؤرق فتيات في عمرها. لو استطاعت أن تسمع صوت ليلى أو صوت غادة بهذا التلفون الأسود الذي يجثم على طاولة في الممر أكانت تشعر بمرارة الغربة؟ يدعو التلفون برنينه زميلاتها، وينقل لهن الأشواق ودفء القرابة والحب. ويستطلعن من شق علبة البريد المثبّتة في المدخل ألوان الطوابع والأغلفة قبل أن يفتحن الصندوق. لو وصلتها مثلهن أوراق الرسائل الهفهافة، أما كانت تستمتع بالمطاعم والحدائق والبحيرات وتتذوق طعمها الاوروبي المنعش وتستبعد مذاق الغربة؟ كانت إليزا تغيب أحيانا أسبوعا في ايطاليا وتعود منتعشة. وكانت ايكو اليابانية تفتح في فرح الطرود البريدية التي تحمل لها السمك المجفف. وكانت سولامي الإندونيسية تطبخ الرز المقلي لزوارها وتدعو مديحة إلى لقاء بهم دون خوف من البوح بعنوانها! أما مديحة فيجب أن تغلق على نفسها الصَدَفة! جلست أمام نافذة واسعة تندفع إليها أغصان الصنوبر، تذكرت زملاءها وقالت لنفسها ماأجمل هذا المكان، لو لم أكن وحيدة. وبدا لها أن أيامها السعيدة مع زملائها كانت أيام الوطن السعيدة! أيام توهج حركة التحرر العربية! وخطر لها أن غادة وليلى أكثر حظا منها! فالاولى تعيش في مدينتها، والثانية تختص وتؤسس مهنة! ليلى معها في القارة نفسها، وكان يمكن أن تخابرها كل يوم فتسند إحداهما الأخرى، ولكن ماأبعد ليلى! ستقول ليلى فيما بعد لمديحة: طبعا شعرتُ بالغربة! بدا لي أن الثلج سيطمرني لكني انشغلت بالدراسة والمتاحف والموسيقى والمسارح، وكنت محظوظة بمارغريت. وكان الأساتذة عطوفين علي. أوجع الروس قلبي بطيبتهم. لم أسال مرة عن عنوان إلا وقادوني إليه. لكن مديحة لن تبوح أبدا بمكان غربتها قبل اللقاء بليلى، وستبدو كأنها بقيت في لبنان في انتظار منحة الدراسة. وستتحدث ليلى في تفصيل لغادة عن السنوات التي اختصت فيها. وجدت ليلى في موسكو طلاب بعثة سبقتها. كانوا من أنحاء سورية، ولو أحصت أبناء الريف منهم لبدوا لها أكثرية. قدم الاتحاد السوفييتي في تلك السنة ثلاثين منحة فنجح في امتحانات تلك البعثة سبع وعشرون طالبا فقط هم الذين أرسلوا للدراسة. كم بدا لها طريقهم إلى موسكو مختلفا عن طريقها، مع أن المسافة بين بعثتها وبعثتهم قليلة. التقت في حفلة يوم السبت في الجامعة ببعضهم. قيل لنا وصلت طالبة سورية. أنتِ؟ - أنا! من أية مدينة؟ - من دمشق. - هذا من بلّوران في محافظة اللاذقية، وهذا من يبرود، وهذا من قطنا، وذاك المشغول بالحديث مع فتاة روسية من جدَيدة عرطوز. زهوا أمامها بمعرفتهم اللغة الروسية وترجموا لها ماقاله الساحر قبل أن يبدأ بعرض ألعابه على المسرح. بعد الحفلة توقفوا قليلا في البهو الواسع وتحدثوا معها. هذه تضحية يجب أن تقدرها! فطريق الواحد منهم إلى بيت الطلبة في كليته سيأخذ منهم أكثر من ساعة بعد منتصف الليل. هذه تضحية؟! بل تسلية! شباب يتلقون في فرح نمط الحياة الجديد، يحتفون بسهرهم في يوم العطلة، وينتبهون في فضول حتى إلى ما يصادفونه في الترام والمترو والباص. - هل لاحظت ياأختي ليلى أن الناس يقرأون الكتب في المترو؟ - ولاحظت أنها كتب جدية! لاتستطيع ليلى أن تدعو أحدا منهم إلى غرفتها في القسم المخصص للفتيات في الجامعة. فبعد الساعة العاشرة تمنع الزيارات ويؤنب الزائر الذي يخرج متأخرا. برع أحدهم في وصف الطريق الذي أوصله إلى موسكو. اجتمعنا أربعة من الناجحين في البعثة. لم نجد طائرة من دمشق في ذلك اليوم. قيل لنا اذهبوا إلى بيروت. ذهبنا إلى بيروت وركبنا طائرة إلى روما. تصوري، بقينا في الطريق ثماني ساعات. من روما أخذنا طائرة إلى جنيف. وضعت معطفي على مقعد في المطار. وكنت محملا بالبامياء والملوخية والزيتون والجبن التي رتبتها أمي في حقيبتي. وبملابس شتوية منها، أنت أكبر قدرا، ملابس داخلية طويلة من الصوف. وهكذا نسيت معطفي على المقعد في المطار عندما ركبنا الطائرة إلى زوريخ. لكن الجماعة أرسلوه لي إلى الفندق في زوريخ. أحد زملائي من ضيعة السودا، كان يخرج من بلدته لأول مرة في حياته. فأذهله السرير المريح والفندق الفخم، وقال: إذا كانت المحطة هكذا فلابد أن تكون الجامعة التي سندرس فيها قصرا! في بيت الطلبة دلّلوه خلال دراسة اللغة فوضعوه في غرفة مستقلة، لكنه في السنة الثانية صار في غرفة فيها ثلاثة طلاب. وأنا مثله. على كل ماذا أفادني المعطف الذي خيطه الخياط في سورية ووضع فيه بطانة سميكة؟! قال لي مسؤولو قسم الأجانب الذين استقبلوني: عندنا يسمى هذا المعطف معطفا صيفيا. غدا ستأخذ منحة خاصة للملابس وستنزل إلى المخزن لتشتري معطفا شتويا يناسب طقس موسكو. في الحقيقة، ياأختي ليلى، أرعبني الثلج عندما وصلت إلى موسكو. رأيت الدنيا بيضاء من الطائرة. صحراء بيضاء! وعلى جوانب الطرقات ارتفاع الثلج أمتار! فاجأني أن الثلج كالرمل، لاتستطيعين أن ترصّيه في كرة تداعبين بها فتاة كما تعودنا في بلادنا! تحدث طالب آخر عن طريق مختلف إلى موسكو: ركبت داكوتا إلى روما، وتجولت ثلاثة أيام بين جنيف وبودابست ووارصو وبراغ قبل أن أصل إلى موسكو! ركبت طائرة بمحركين هزّت بدني، حتى ظننت أنني لن أصل. على كل حال، تشرفنا بمعرفتك ياأخت ليلى. نتمنى أن نلتقي بك كلما دعانا أصحابنا في جامعة موسكو إلى احتفالات مثل احتفال اليوم! وسنهرع إليهم إذا طلبوا أن نشاركهم كبّة أو مكدوسا وصلت إليهم من الأهل! أكمل شاب آخر: أو إذا طبختم طعاما طيبا ودعوتمونا لنتقاسمه معكم. بل نحن مستعدون لمساعدتكم في الطبخ! لدى كل منا وصفات أرسلها لنا الأهل من البلد. صرنا نجيد تحضير البامياء والملوخية، وحشو الباذنجان الحمصي المجفف! ولاتظني أننا نحتاج دعوة أصحابنا، فنحن في يسر! وسنروي لك قبل أن ننصرف قصة الشنكليش. وصل إلى زميلنا الحمصي من أهله شنكليش. حمله له زائر كريم رحّب بتلك المهمة. تفرجنا على زميلنا وهو يفركه وينظفه من العفن، ثم يضعه في قطرميز زيت الزيتون. لكن رائحة الشنكليش ضايقت صاحبنا الذي يسكن معه في الغرفة، وهو من حماة. وتعرفين مابين حمص وحماة! عندما غاب صاحبنا الحمصي أسبوعا في الجنوب صار الحموي يدعونا في كرم اشتهر به أهل حماة إلى بعض أقراص الشنكليش نكمل بها عشاءنا في غرفته. وكنا نقبل دعوته مقدّرين ذلك الكرم التقليدي. ظل صاحبنا يلاحقنا كلما تلكأنا: يجب أن نفرغ هذا القطرميز خلال أسبوع! نقول له: اتركه كي يكفيك السنة كلها. فيردّ: سيرسل الأهل غيره! وهكذا أنجزنا أكله في أسبوع. وتبينا عندما عاد صاحبه الحمصي أننا ساهمنا في تلك القصص التي تجري بين أهل حمص وأهل حماة! ألا تعرفين أن أهل حمص اخترعوا مدفعا ارتد عليهم فأحرق نصف المدينة لكنهم قالوا: إذا فعل بنا هذا فماذا سيكون خرب من حماة؟! استمتعت ليلى بمجموعة من القصص التي رواها اولئك الطلاب عن أهل حمص وحماة. وبدا لها أنهم سيستمرون في الحديث حتى بعد أن ودعوها، لو لم ينبههم أحدهم إلى الساعة: لن نصل إلى البيت الجامعي إلا بعد منتصف الليل! مشت ليلى على أرض من الرخام، ثم على أرض من الخشب الملمع ثم ركبت المصعد المغلف بخشب لماع إلى غرفتها. تبددت الغربة، ومع ذلك انسل أسى إليها. ستبقى سنوات في بلد غريب بعيدة عن مدينتها. كان ذلك مفرحا ومحزنا. فأمامها آفاق جديدة من الدراسة والمسارح والمتاحف، ثمار حضارة يجب أن تقطف ماتستطيعه منها. وأمامها مدى من الثلج سيحيط بها وقد يغرقها. وأمامها وحدة لم تألفها بعد صخب الجامعة في دمشق ودفء العلاقة بأصدقائها. وأمامها لغة جديدة يجب أن تجيدها بسرعة لتفهم ماحولها. كانت مازالت تحتاج من يدلّها إلى البريد لتتصل بالتلفون بأمها عندما صادفت مارغريت تتحدث بلهجتها العراقية بالتلفون من الطابق نفسه الذي تسكن فيه. هذه الشابة تسكن معها، إذن، في الطابق نفسه. انتظرتها على بعد خطوات حتى أنهت مكالمتها. سألتها: الأخت عراقية؟ هزّت مارغريت رأسها وقالت مع ابتسامة: عراقية. اسمي مارغريت. أنتِ سورية؟! سورية. اسمي ليلى. لكن كيف عرفتِ؟ ياليلى، قلبي قال لي ذلك! يبدو لي أن كل عربي فاتح اللون شامي! تبينت ليلى أن غرفتها على بعد خطوات من غرفة مارغريت. بدت كل منهما سعيدة بذلك القرب. وضّحت ليلى لها: لست من طلاب كلية الآداب الذين يعيشون في هذا الطابق. أدرس الطب، لكن قسم الطلاب الأجانب دلّلني بالإقامة معكم في جامعة موسكو! قالت مارغريت: إذن لن أراك إلا في المساء! نعم، يامارغريت، الطريق طويل إلى الكلية. أتغدى في المطعم هناك. اكتشفت أن مطعم مكتبة لينين جيد وآكل هناك أحيانا إذا كنت في المكتبة. ياليلى، أتغدى هنا في مطعم الأساتذة، في الطابق الثاني. مطعم جيد لكنه أغلى من مطعم الطلاب. يوم يكون لديك الوقت نستطيع أن نتغدى أو نتعشى هناك. هل شعرت مارغريت بأنها مسؤولة عن ليلى لأنها أقدم منها بسنة فقط؟ قصدتها يوم السبت ودعتها إلى دجاج مع "التمّن" في غرفتها. رافقتها مارغريت لتشتري زجاجات الحليب والبيض والزبدة من مخزن الجامعة في القبو. ونصحتها بأن تختار قالب كاتو اسمه براغ من مخزن في الجهة الثانية من القبو. وروت لها وهما تتغديان أن زميلتها طبخت في الطابق نفسه دجاجا وتركت الطنجرة على طرف نافذة المطبخ لتبرد قليلا قبل أن تنقلها إلى غرفتها. فوجدتها فارغة وقربها بطاقة: شكرا، طعام طيب جدا! نتمنى أن نستمتع به مرة أخرى! قالت مارغريت: هكذا أفاد اولئك الطلاب الظرفاء مجانا من ماء الجامعة وغازها وكهربائها، ومن طعام زميلتي! لذلك حرستُ هذه الطنجرة! تأملتها ليلى. كم هي رائقة وهادئة وأنيقة! وكم هي شهمة! تريد أن أشعر بدفء إنسان قريب مني، وتبيّن لي أني يمكن أن أطلبها متى احتجتها! لو فكر كل منا، مثلها، بمن يجاوره أو يصادفه، لو شعر كل منا بمسؤوليته عمن حوله لكانت الدنيا مدهشة بجمالها، ولأخذ كل من فيها من شخص آخر العناية التي يخص بها نفسه! لم تكن ليلى قد عرفت بعد أن إحدى زميلاتها في الجامعة في دمشق خطفت منذ سنوات زوج مارغريت وأتعستها! كان قيس في تلك الأيام يستمتع بوهج ثورة تموز في بغداد، ويستعيد أصحابه الذين عرفهم لاجئين سياسيين في دمشق. كانوا يجتمعون في جانب من مقهى الكرنك، ويأوي هو إلى جانبه الآخر الذي سمي مقهى الأردنيين. انقلب الزمان! وهاهم في صدر المظاهرات الكبرى والمؤسسات، حكام! وقيس يمشي في المدينة التي كانت إحدى عواصم حلف بغداد، وهاهي تعود إلى الحلاج! رأى قيس لأول مرة في حياته نهرا عظيما متباعد الضفاف، تعبره الزوارق والجسور، ويذكّره بالشعر الذي حفظه في فتوته: عيون المهى بين الرصافة والجسر، جلبن الهوى من حيث أدري ولاأدري. بغداد مدينة الحضارة العربية، مدينة المأمون والرشيد والغناء والشعر وبيت الحكمة العظيم. فليت يصح ماأنشده قيس القديم: يقولون ليلى في العراق مريضة.. وأكون أنا الطبيب المداوي! كان قيس القديم يستطيع أن يصل إلى بغداد متى أراد، لكني لم أستطع الوصول إليها إلا بثورة تموز! جلس قيس مع صاحبه سالم في بار حداد. سأله: أين أجد امرأة؟ البحث عن امرأة حق للرجل. تبرره حاجة تلح عليه ولاتلح على المرأة. لاتفقده سمعته بل تزيد من لمعانها. ردّ سالم: أغلق قاسم دور البغاء، فانتقلت إلى الفنادق. دلّه سالم إلى فندق في شارع الرشيد. فقصده: أريد غرفة! أياما؟ لا، ساعات! فهمه الرجل فسأله: سمراء أم شقراء، سمينة أم نحيفة، طويلة أم قصيرة، صغيرة أم ناضجة؟ اختار قيس يومذاك امرأة سمراء ممتلئة. في هذا المكان لايمكن أن يطلب شبيهة ليلى! دفع الثمن وصعد إلى الغرفة. أتت إليه امرأة فاتنة السمرة، كحيلة العينين. نزعت ملاءتها وجلست. ليس ملزما بأن يطلب لها طعاما وشرابا. لكنه يفضل أن يدلّلها، وأن يتحدث معها. أكلا وشربا. سألها كيف أصبحت مومسا ولماذا. وروت له قصة من القصص التي روتها له النساء في تلك البيوت. أحبت وخافت من أهلها فهربت.. تزوجت رجلا ظالما فهربت.. غشها رجل وسلمها لتلك البيوت.. لم يسألها قيس أن تحكي له قصتها كي يصدّقها، بل كي يشعرها بأنها شريكة في حوار، وأن صوتها وكلامها وروحها مهمة أيضا. فيجعل العلاقة بينهما إنسانية مهما كانت خاطفة. مدّ الحديث والطعام حتى قدّر أن اللحظة حانت فقال لها: هيا! وكانت له طقوس لايخرقها. فلم يكن هو الذي يخلع ملابس المرأة بل هي التي تخلعها. وكان يعرف أن الوسيط لايوصل إلا القليل من المال للمرأة، فكان يعطيها مقدار ماأعطاه. هل أعجبها حتى سألته: تريد أن أبقى الليلة معك؟ في المرة التالية طلب شقراء هيفاء شابة. فأتت إليه كردية. أطعمها وسقاها وحادثها ثم قال: هيا! وأعجبته. تكسب النساء هناك مهارات يسحرن الرجل بها. وربما يزيد من سحرهن أن المرأة تعرضها لتستهويه بها. يفضّل قيس أن يتصور أن تلك المهارات له فقط. لكنه بعد أن يستمتع بها ينتفض مبتعدا. بدا له أنه لم يشعر في بيت الشعلان أو في البيت العمومي في المزة بالقرف الذي شعر به في ذلك الفندق. خرج منه وقصد البار الصغير على الجسر قرب ساحة الوثبة. أحب ذلك المكان. هنا شارع الرشيد وهناك ساحة الوثبة. من هذا الجسر يصل مباشرة إلى الإذاعة. سأله سالم: تمام؟ ردّ: تمام! إذن لنحتفل! كانت تلك أيام انتصارات وتوهج! تذاع كل يوم جلسات محكمة المهداوي، فتكشف السياسيين العرب والتدخل الأجنبي، ويستمع إليها الناس في العواصم العربية ويرتوون حتى بشتائمها. قال سالم: لو يتبادل هاشم أمين والمهداوي المناصب! وقال قيس: صارت المحاكمات ندوات شعرية! شربا احتفالا بالانتصارات الموجودة والمرجوة. قال قيس: لكن لاتبالغوا ياسالم بالظهور كأنكم تحكمون الجيش والبلاد! في العراق آخرون غيركم ولو كنتم أكثرية! أنتم في محيط يعلن عليكم الحرب من الجهات كلها! اشرب ياقيس، ولاتخف علينا! أمس مشى مليون رجل في شارع الرشيد! هل تقدّر ماذا يعني مليون إنسان؟! ياله من شراب قوي ياسالم؟ طبعا، قلبي! العرق العراقي مقطر من التمر! يعتد قيس بأنه لايضيّع وعيه مهما شرب. وهاهو يشعر بأنه يترنح. في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ترك صاحبه ونهض. تماسك مراقبا خطوته ووقفته. وجهد ألا يميل حتى خرج من البار. توقف ثم مشى. يبدو أنه بمشقة يحفظ توازنه! ولكن أين بيته؟ دار عدة دورات في المنطقة التي خمّن أن فيها بيته. تفرج عليه شرطي. أتى إليه. - تسألني عم أبحث؟ إحزر! أبحث عن بيتي! سمع ضحكته. - أين بيتك؟ - يجب أن يكون هنا! لكني لاأجده! - مرّت المظاهرات من شارع الرشيد لكني لاأعتقد أنها حملت بيتا! - حمله إذن عرقكم العراقي! للسكران وعيه الخاص! وقد يمتعه أن يؤكد أنه ليس سكران وأنك لاتصدقه. تحادثا حديثا مرحا. لكن لن يبدأ قيس سهرة أخرى! وصف عنوانه. قرب الكلية الجعفرية! قال له الشرطي: تعال! هل أسندك! لا! سيمشي متوازنا! كان الشرطي مزهوا بالعرق العراقي الذي لايتحمله إلا أهل بلده. مزهوا ببغداد التي تؤوي هذا العربي اللاجئ إليها. وبدا له أن بغداد مركز الدنيا اليوم. وكان قيس سعيدا بحديثه مع الشرطي، ببحثه عن بيته، بسكره، بالمرأة التي عرضت عليه أن تبقى معه ليلة، بغربته التي تشعره بأنه حرّ كالطير، بأنه يكسب مالا وينفقه في سعة، ويكتب برامج يسمعها الناس ويحبونها، فيرقص اسمه على ألسنة الرجال والنساء. يسعده نجاحه وشبابه! لم يأت بعد القلق على العراق وحدسه بأن انفجارا سيقتلع كل شيء، كل شيء. بعد الغرفة التي ضيعها قرب الكلية الجعفرية استأجر غرفة في بيت غنية. يعبر باحة البيت إليها. في طرف الباحة مقعد تجلس عليه غنية، ودرج تصعد عليه إلى الطابق العلوي حيث تعيش مع زوجها وطفلتها. فرش الغرفة التي استأجرها بسيط. سرير وطاولة وخزانة ذات مرآة طويلة. علق ملابسه في الخزانة، ووضع صورة ليلى على الطاولة قرب سريره. عاد ذات يوم بعد أن اخترق شوارع تعصف فيها احتفالات حاشدة. كان العراقيون يملأون الشوارع محتفلين أو مؤيدين أو معلنين غضبهم أو ولاءهم أو دعمهم أو مشروعهم. كان اليوم حارا. وجد غنية، في قميص نوم شفاف جالسة في الباحة. هل كانت تنتظره؟ دعته هي أو تلكأ هو ليشرب معها القهوة؟ لماذا لم تنسحب وهي في ذلك الثوب الهفهاف؟ مشت معه إلى غرفته. منذ ذلك اليوم لم يقصد الفنادق بحثا عن امرأة. وكانت غنية جميلة، ممتلئة، سمراء، ذات عينين حلوتين. سألها ألا تخافين أن يجدك زوجك في غرفتي؟ قالت: يلعب القمار عند أصحابه ولايعود قبل منتصف الليل. لو كان في الطابق العلوي لرأته في المرآة قبل أن ينزل الدرج! لو غيّر عاداته وفاجأها وهي تخرج من غرفة قيس لقالت إنها تطلب بعض ثياب ابنتها من الخزانة التي استبقتها في غرفته! على طاولة قيس كانت ليلى تبتسم بملء وجهها لمن ينظر إلى صورتها. بدت كأنها تنظر إلى غنية. ستطلب منه غنية: أدرها إلى الجهة الأخرى! لاأريد أن "تباوع" في! وسيبهج قيسا ذلك التعبير. لكنه لن يبعد الصورة. كانت في البيت معهما طفلتها. هل كان ذلك يرعشه؟ هل كان يوقد رغبته؟ أم كان كالآباء الذين يعيشون في بيت مع أولادهم وأهلهم؟ ألم يغرس ذلك رعبا من النساء في روحه؟ صحت في بغداد حكايا ألف ليلة وليلة عن غدر النساء ومكرهن. ونُسي قتل النساء في قصور شهريار! رضي قيس بعلاقة بالمرأة في عرض مترين، ورمى العالم خارجها. ولم تكن المشاركة التي قصدها غير هوى مسجون في ساعة وغرفة. لذلك ظل يحمل صورة ليلى في جيبه كمن يعزي نفسه بالحلم بفضاء نقي. بعد سنوات سيقابله ابن كونستانس بلوم يملأ عينيه. لن يغفر الولد لقيس أنه يقتطع منه حب أمه. ولن يلوم قيس نفسه، ولن يتذكر سميّه القديم ابن الصحراء. بل سيخمش قلبه الشك في النساء. ولن يتساءل أبدا: وأنتَ؟ ألم تكن الآخرَ الخائن؟! سينظف قيس نفسه بحقوق الرجل في النساء المستباحات. لكنه من ضيقه بالعتمة التي تمتد بعد وهج العلاقات الخاطفة، سيحتمي بصورة ليلى كما يحتمي عاجز بحجاب، مؤمنا بأنها ستبقى محصنة من الخطأ. أحبته غنية حتى عرضت عليه أن يتزوج أختها التي تشبهها. ضحك وسألها: وصاحبة هذه الصورة؟ لمن أتركها، وكيف؟ أحب ليلى ولن أتزوج غيرها! لكنه همس لنفسه: متى ألتقي بها، وأين؟ وتأوه. أعادنا السياسيون العرب بدوا، خيامنا على أكتافنا! بالرغم من المظاهرات التي تملأ شوارع بغداد وتعرض قوة الثورة، يخمّن قيس أنه لن يبقى في بغداد طويلا، ولن تبقى بغداد كما هي الآن. سيصدق حدس قيس. سيرحل من بغداد. سيحمل بعض ثيابه فقط وستضع غنية بينها صورتها. كأنها تريد أن تأخذ مكانا بين النساء اللواتي عبرهن. ليتذكرها قيس يوم يغلق بواباته ويجلس قرب موقده ليتصفح أحداث حياته وأشخاصها. في بغداد تذكر قيس ذلك اليوم السعيد، يوم ركب الباص في رحلة مع طلاب الجامعة كانت منهم ليلى. ماذا أضحكهم يومذاك؟ انتظر من الصباح إلى الظهر حتى انفرد بليلى ومشى معها على شاطئ بيروت. راقبه عمر وابتسم. تذكر قيس في رسالته إلى ليلى أنه مشى معها في ذلك اليوم السعيد من الزيتونة إلى الروشة، وكانت تتابع الموج. كم كانت مستسلمة لفرحها بالرحلة والبحر وربما به أيضا! كانت تتوقف كلما انقلبت موجة قرب الكورنيش: ماأحلى لون قلب الموجة! هل هو لون رقبة الحمام أم من ألوان ريش الطاووس؟ ياربي، ماأحلاه! أخّرها الموج عن المجموعة فمشت خلفها. وبقي قيس معها. لكن عمرا لم يتخلف عن حراستها فظل يحوم قريبا منها. طار شعر ليلى في هواء الربيع وخفق ثوبها. كانت آخر من دخل إلى المطعم في رأس بيروت فبقي لها طرف الطاولة وكان قيس سعيدا بذلك فاختار المقعد الفارغ مقابلها، وجلس عمر على بعد أمتار منهما. فاضت سعادة ليلى على الطاولة والمطعم والشاطئ ولمح عمر فقط بريق الدموع في عينيها. أطلت على الروشة وبدت لها تلك الصخرة مذهلة، ترتفع في مكانها لتسمح بألوان غريبة من الخضرة والزرقة تدور تحتها وحولها. كتب قيس لها عن ذلك اليوم السعيد. وباح لها بأنه سرق الورقة التي مسحت بها فمها بعد الغداء." ماتزال تلك الورقة معي، ياليلى، وعليها آثار شفتيك! وماأزال أسمع هدير الموج ونحن نمشي على الكورنيش وأنت تلحقين لون قلب الموجة! بحثتُ في بغداد عن قماش، عن ثوب، عن منديل أو قميص بلون قلب الموجة لأرسله إليك! لكن يبدو أن لاأحد غيرك يعرف ذلك اللون. وأضيف: البحر"! قرأت ليلى الرسالة وهي تطل على حديقة واسعة. لمسها حبه. بدا من بعد حلوا كسكّر النبات، يفتن بطعمه وبانعكاس الضوء عليه. ستستدعيه وقت تريد، كمظلة تنشرها وقت ترغب بالظل، وتغلقها في الطقس الحلو! قالت لنفسها: كم تستطيع المرأة أن تكون سعيدة مع مثله! ثم هزت رأسها: لا! يأسِر.. لايترك وقتا لغير الحب! هل قررتْ في ذلك اليوم الذي سماه يوما سعيدا، أن حبه خانق وأنها لاتستطيع أن تتزوجه؟ عيّن منظمو الرحلة يومذاك مكان اللقاء في الساعة السابعة مساء وتركوا فسحة للمجموعات كي تنصرف إلى المخازن. بقيت ليلى مع مجموعة صغيرة، لكنها لم ترغب بشراء شيء. بل كانت تعود إلى البحر لتتابع الموج. تساءلت وهي تقرأ رسالة قيس: لماذا تجاهل أنه شدّها عندما تبين أن المجموعة في المخزن، وعانقها في الشارع فدفعته غاضبة: مجنون! بقيت آثار ذراعيه حول كتفيها وهي تندفع إلى المخزن. ولازمت عمرا بعد ذلك فخمّن أنها تحتمي به. مع ذلك استطاع قيس أن يدسّ نفسه إلى جانبها في الباص العائد إلى دمشق، فجلس عمر خلفها كأنه يطمئنها. تعمدت الصمت في الطريق، وشغلت نفسها بالفرجة على الأنوار التي ومضت في العتمة. لكن قيسا استطاع أن يهمس لها: تزوجيني ياليلى، أرجوك! لن تعرف ليلى إلا بعد عقود أنه احتفظ بصورتها في جيبه. وكان يخرجها كلما رجع إلى غرفته فينصبها على الطاولة أمامه. كان يرمي نفسه بين النساء، ويندفع بين الرجال لكنه يحتمي بصورتها كأنها "حجاب" يحميه وينظفه. وبالصورة كان يبين لمن سماهن العابرات، أنهن لا يمنعنه عن حب ليلى ولن يرتفعن إليه. يوم كتب تلك الرسالة إلى ليلى كان يسكن في بيت غنية. وينصب صورة ليلى على الطاولة قرب سريره. فتقول له غنية كلما استلقت قربه: أدر وجهها، لاأريد أن "تباوع" في! ويهمس هو للصورة: لاأخونك، بل أخون هذه! لم يجد قماشا بلون قلب الموجة. وأدهشه أن يهمل الصناع اللون الذي اكتشفته ليلى! هل كان لون عينيها في ضوء مساء دمشقي، أم لون سقف مزخرف أطل على طفولتها؟ أيمكن أن يكون فقط لون قلب الموجة على شاطئ بيروت؟ تذكر أنه رأى ليلى أول مرة في ثوب فيروزي. ورآها فيما بعد في تنورة بلون اللازورد وقميص من القطن ناصع كزبد الموج. فهل كانت تحوم دائما حول ألوان البحر! كانت ليلى إحدى الناجحين في امتحانات البعثة إلى الاتحاد السوفييتي! وخمّن أن راتب المنحة يجعلها في سعة. لكنه يعرف أن العملة الصعبة وسيلة في تلك البلاد لشراء مالايوجد في المخازن. كان قد قرر أنه سيتزوجها ذات يوم، مهما طال زمن فراقهما! وأن حقه أن يكون الأقرب منها، وأن يشعرها بأنها تستطيع أن تطلب منه مايخطر لها! لم يجد ثوبا بلون قلب الموجة، لكنه يستطيع أن يرسل شيئا آخر لليلى! وضع في الرسالة دنانير عراقية، طواها وأغلق الظرف! ماأسرع ماقيل لقيس: مخابرة لك! "أنا الكيلاني. أكلمك من وزارة الدفاع. هل تستطيع أن تشرفني إلى مكتبي في الوزارة"؟ عرف قيس الكيلاني مراقبا في الإذاعة، مسؤولا عن التشويش على محطة صوت العرب. فلماذا "يشرفه" في مكتبه في وزارة الدفاع؟ ياللزمن! هذه فرصة لقيس كي يزور وزارة الدفاع. فهل كان قبل سنوات يحلم بأن يقترب من وزارة الدفاع في بغداد؟ سيعبر الباب الذي علّق قربه صلاح الدين الصباغ، أحد عقداء الانتفاضة سنة 1941 الشهداء. سيرفع رأسه اعتدادا بجلال الذكرى، ويعبرها في ظل سادة الثورة في العراق! رحب به الكيلاني. مازلت أحفظ قصيدتك عن بغداد، التي بثها صوت العرب قبل أن يتحرر العراق من نوري السعيد وعبد الإله. من منا يمكن أن ينساها! يندر أن يلتقي قيس بسياسي أو مفكر لايحفظ تلك القصيدة! لكنك لم تطلبني إلى وزارة الدفاع لتقول لي ذلك! وضع الكيلاني رسالة قيس إلى ليلى أمامه! سأله قيس: هل أنا مراقب؟ قال الكيلاني: افتحها! تناول قيس الرسالة وفتحها. فيها دنانيرعراقية! ماالخطأ؟ قال الكيلاني: لم تسمع أن العراق خرج من منطقة الاسترليني ومنع تسرب الدينار منه؟ استعد نقودك وارسل الرسالة دونها! من ليلى وصلا إلى الحب؟ قرأ الكيلاني الرسالة دون شك! قرأ فيها حب قيس لليلى البعيدة. وهاهو يحدث قيسا عن حبه. فهو أيضا هائم بفتاة اسمها ليلى تدرس في جامعة بغداد، قادمة من بلد قيس! ياللمصادفة، ياعزيزي! كنت ذات يوم معجبا بتلك الفتاة، لكني ابتعدت عنها لأن أقرباءها كانوا قوميين سوريين. قال الكيلاني: نتقاسم الوضع نفسه، عشتَه أنت في الأمس وأعيشُه اليوم! ردّ قيس: أفهمك! الفتاة رائعة! قرّبت بين قيس وبين الكيلاني ليلى الموجودة في بغداد وليلى البعيدة عنها. وصارا يلتقيان أحيانا. وقف أحدهما قرب الآخر في اجتماع من اجتماعات بغداد التي أرعبت قيسا بسعتها! في الشوارع مئات الآلاف من الناس الصاخبين المتحمسين. ملأ سمعه الهدير. دوت خطابات قطعتها هتافات. وهتافات قطعتها خطابات. وهتافات خارج سياق الاحتفال. لاحظ قيس والكيلاني أن اصطداما حدث في جانب من الحشد، كان محدودا برقعة صغيرة. شمّ قيس النار التي تشعل في أطراف المظاهرات والتجمعات، وقال في نفسه :ستقتلع الثورة العراقية! لكنه لن يقول إلا بعد عقود، يفترض في الحكيم أن يهدئ الأطراف! في ذلك اليوم كان منساقا في عواطف المجموعة. يثيره أن يحرض صوت العرب القوميين على قاسم والشيوعيين. ولايخمّن أن الجانبين سيصفّيان واحدا بعد الآخر! في ذلك المساء أذاع صوت العرب بصوت أحمد سعيد الناري أن "اصطداما هائلا جرى في بغداد، علّق بعده القوميون العرب على أعمدة الكهرباء والأشجار وماتزال جثثهم معلقة حتى هذه الساعة"! خبر كاذب يؤدي مهمة! يدفع إلى الهيجان ويغرس الخلاف بين مجموعات يفترض أن تتفق. هل يجهل من صاغ الخبر أنه يحرض قوى وطنية على أخرى، وأنه ينشر الذعر والحقد؟ لايلزم العراق الذي تتراكم فيه الثارات والأخطاء من يرمي في النار حطبة! استمع الكيلاني وقيس إلى صوت العرب. قال قيس للكيلاني: مارأيك في أن نصوغ خبرا يضحك الشعب العراقي على صوت العرب، ويكشف له أكاذيبه؟! سأكتب أنا الخبر، وعليك أنت أن توصله إلى محطة صوت العرب! صاغ قيس برقية "عن المناضلة حسنة ملص ورفيقاتها المناضلات، اللواتي اتجهن في مظاهرة وطنية كبرى إلى وزارة الدفاع احتجاجا على الخط الخياني الذي ينساق فيه عبد الكريم قاسم وأعداء القومية العربية. وقد تصدى أعداء القومية العربية للمناضلات الوطنيات، وجرت معركة غير متكافئة بين عسكر الحاكم الفرد المدججين وبين القائدة الوطنية الكبيرة حسنة ملص ورفيقاتها. وقد استشهدت حسنة ملص كما استشهدت بعض رفيقاتها دفاعا عن القومية العربية، وهن يهتفن للبطل جمال عبد الناصر"! سرّب الكيلاني الخبر إلى سوريا، ونقل منها إلى القاهرة! واستمع قيس والكيلاني إلى البرقية التي بثّها صوت العرب مفخّمة بصوت أحمد سعيد تنعي حسنة ملص. حسنة ملص ورفيقاتها مناضلات وطنيات؟! شهيدات؟! ضحك الناس من الخبر. حسنة قوادة معروفة تحكم دور الدعارة السرية. ليست الأخبار الأخرى التي يبثها صوت العرب، إذن، أكثر صدقا! احتفالا بذلك النجاح التقى الكيلاني بقيس في المساء في نادي الضباط الذي كان قبل الثورة للضباط الإنكليز. بناء أنيق، تحيط به الأشجار. صادفا هناك مدير سجن بغداد. جلسوا إلى الطاولة نفسها. وذكر مدير السجن لقيس أن زوجته هي الشاعرة لميعة التي كانت ممن يلقون قصائدهم في محكمة المهداوي! وأنشد قصيدة قيس القديمة عن بغداد التي يتنبأ فيها بأن البركان سينفجر ويدوس الشعب في وثبته الحلف العسكري! استمع قيس إلى قصيدته القديمة ينشدها مدير سجن بغداد. وأطربه أن يحفظ رجل بعيد عنه كلماته القديمة. استمع إلى قصيدته كأنه ليس كاتبها. لو صاغها الآن لبدّل فيها بعض المفردات ولغيّر مقاطعها. هل تنهد؟ في هذه الأيام قلما يكتب الشعر. ينساق في التعليقات اليومية السياسية ويجري في أحداث العراق وحياته الهائجة، في الصداقات والتعارف برجال الثورة، في سحر جلسات الليل والأحاديث التي تحلّل وتخمّن. يمتعه أن تكون برامجه ناجحة وجذابة. ولايفكر بعد بأنها تبتلع الجزء الآخر الشعري منه الذي يحتاج التنسك والتصوف! هبّ نسيم عذب على قيس من القصيدة التي أنشدها مدير سجن بغداد، ويمكن أن يصححها قيس ويغيّرها لو كتبها اليوم! كان قد وصل يومذاك إلى دمشق واستأجر غرفة في الحبوبي. ونزل مع رفيقه إلى الجامعة. وهناك رأى ليلى فنطّ قلبه! ثم رآها أمامه في الاجتماع الذي ألقى فيه تلك القصيدة! رآها من بُعد بثوب أزرق. ابتعد كثيرا عن الطاولة التي يجلس إليها مع الكيلاني ومدير سجن بغداد! هل تمنى ليلى قربه هنا، في النادي الأنيق؟ تمناها لو كانت بغداد فقط هذا النادي وهذا المساء! لكن بغداد نار تتنقل من مكان إلى آخر. تحتاج القيادة السياسية إلى جهد جبار كي تضبط بلدا في أيام ثورة، يحكم شعبه الشوارع ولاتتفق فيه القوى السياسية، ويتآمر عليه العرب كما يتآمر عليه الغرب. إذا أحسن قيس الظن قال إن عبد الكريم قاسم يحاول أن يسترضي المجموعات كلها. وإذا أساء الظن قال إن عبد الكريم قاسم يلعب بالخلاف بين القوميين واليساريين، ويستقوي بطرف على آخر ويهدّد اولئك بهؤلاء. الشيوعيون في ذرى المواقع ومع ذلك هم في السجون. شعارهم في الشوارع "ماكو زعيم إلا كريم"، كأنهم يستبعدون به زعامة عبد الناصر. تحمي الجماهير في الشوارع الجمهورية، لكن بنية الحكم لاتسندها. ولاتساعد الجمهورية العربية المتحدة على استقرار العراق بل تشعل الصراع فيه. قال مدير سجن بغداد لقيس والكيلاني: سأرتب لكما زيارة إلى السجن لتتفرجا على الخونة المتآمرين! قبل قيس الدعوة! وهاهما بعد العصر في السجن. باب الزنزانات من القضبان. هنا رشيد عالي الكيلاني، قائد الثورة ضد الانكليز سنة 1941. نعم هو نفسه! شيخ يصلي صلاة العصر. وجهه إلى القبلة ومكان القبلة هو الاتجاه الذي يمر منه قيس والكيلاني. رفع الشيخ رأسه وعندئذ مرّ مدير السجن أمامه وبصق عليه. وقع البصاق على وجه رشيد عالي الكيلاني. جفل قيس! رشيد عالي الكيلاني متهم! فليترك للمحاكمة! رشيد عالي الكيلاني قائد ثورة وطنية ضد المحتل، فإذا لم يحترم هو ماضيه فليحترم الآخرون ذلك الماضي! نعم، يجب ألا يعامل هكذا رجل مسن خلفه ثورة وطنية! في الزنزانة المجاورة فاضل الجمالي. بصق مدير السجن على وجهه. هذا رجل تآمر على سورية والتقى بالسياسيين السوريين في لبنان، ونظّم لهم كيف يمكن قلب نظامها الوطني! كان قيس قد تابع جلسات محكمة المهداوي التي كشفت وثائق المؤامرة على سورية خلال العدوان الثلاثي على مصر. وسمع ماعرضه المهداوي، اجتماع فاضل الجمالي في فندق الجبل الأخضر في برمانا بالسياسيين السوريين، الذي استكمل اتصالات كاسن، أحد مسؤولي المخابرات المركزية الأمريكية، بميخائيل اليان والكزبري وغيرهما. قدّمت محكمة المهداوي وثائق جديدة لم تستطع المحكمة السورية التي حاكمت عبد الكريم الدندشي أن تصل إليها. بعد زيارة السجن خرج قيس والكيلاني إلى الطريق. مشيا زمنا وقصدا شاطئ دجلة. كان قيس صامتا. سأله الكيلاني: لم تمتعك الزيارة؟! أنتَ، أمتعتك؟ أفهم أن الصراع بين الوطنيين وغير الوطنيين قدَر. لم نفرضه نحن بل فرضوه هم. لكن في الصراع، وفي العداوة، يجب أن نلتزم بالشهامة. لايمتعني أن يهان الإنسان وهو سجين. أقبل أن يحاكم في حزم! لكني فهمت نفسي في هذه الزيارة. فأنا عدو هؤلاء، لكني عاجز عن أن أكون وزير داخلية أو أن أكون قاضيا! قال له الكيلاني: صعب عليك ياقيس أن تفهم العراق! هنا تجمح الأمور إلى نهاياتها القصوى. أذل الشعب العراقي في أيام نوري السعيد والوصي. قتل الوطنيون في هذا السجن الذي زرته، وأطلق الرصاص على الطلاب. شنقت نخبة من أحسن أبناء الشعب العراقي. هل قرأتَ عن الوثبة؟ حصد الرصاص المتظاهرين العزل، حاصرت الشرطة المتظاهرين بين الجسر وبين الساحة وأطلقت عليهم الرصاص من الجهتين. سالت دماؤنا غزيرة عقودا من الزمان! أطلق الرصاص على المعتقلين في الزنزانات! فما أقل البصاق على وجه متآمر! لم يبصقوا على سجنائنا بل حطموهم وقتلوهم وعذبوهم في السجن! قال قيس: يفترض ألا ننساق نحن العقلاء في طريق الثارات والدماء. أخشى أن يلبي الدم الذي يراق مجانا رغبة أخرى. قدم الفخري لقيس رجلا كهلا: ياقيس، هذا أخونا محمد! مثقف كبير يجتمع في بيته الكتاب والشعراء. رجل حرّ الفكر! خرج قيس من مكتب الفخري مع محمد، وزاره فيما بعد فعرف أسرته وضيوفه. والتقى هناك بابنته أميرة. هل ذكّرته أميرة بليلى لذلك تنهد وهو ينظر إليها وقال: لي حبيبة تشبهك! تابعت أميرة حديث قيس مع أبيها، منتبهة صامتة. ولمس ذلك قلب قيس: ياللرؤى والأحلام التي تحتشد في الشباب! كانت أميرة تعلّق في غرفتها صورة فهد، وصورة زهور برّية. لم يكن فهد لها سياسيا بل كان فارسا شهيدا. وقرّبها منه أساتذتها القوميون. سمعت أميرة منذ طفولتها أسطورته. فهو الرجل الذي أوصى من سجنه: إياكم أن تعترفوا بتقسيم فلسطين، ولم يسمع حزبه نصيحته! أعدم مع رفيقيه وأعلن الحكم عليهم بعد تنفيذه. استمعت إلى وصف بطولة فهد وتعلّمت أن الموقف من احتلال فلسطين يقرّب السياسي أو يبعده عن شعبه. وأي خطأ في هذه المسألة في مستوى الجريمة. لذلك ستقول فيما بعد: قتل فهد عقابا على موقفه من فلسطين والصهيونية! كان أبوها معلما. لاتستطيع أميرة أن تتذكره دون كتاب أو جريدة في يده. حتى خيل إليها أنه يوم اعتقل رمى على مكتبته آخر نظرة وهو يخرج من البيت، والنظرة التالية كانت إلى أميرة. لحقته حتى الباب، وبقيت واقفة حتى غابت السيارة التي نقلته في آخر الطريق. أغلقت باب الحديقة وعادت راكضة إلى البيت. وانشغلت مع أمها بترتيب الكتب المبعثرة. أخذوا صورنا ورسائل أختي ورسائل أخيك! سألتها أميرة بعينيها: لماذا؟ ردّت: ليضعوها في إضبارة أبيك أو أخيك! هل كانت تعرف أن ذلك الأرشيف سيظل سليما كأرشيف وثائقي، وسيستخدم في الدراسات عن الأحزاب والأشخاص فيما بعد، حتى يستبيح الغزو الأمريكي العراق فيخرب الوثائق الأمنية والمعرفية والعلمية ويحرق المكتبات! غاب أبوها في ذلك الاعتقال سنة كاملة. لكن أخباره كانت تصل إلى البيت. وكانت أميرة تشعر بزهو أهلها لأن الحزب اخترق السجون! وسيسجل المؤتمر القومي الثامن لحزب البعث، فيما بعد: "الحزب الشيوعي العراقي أكبر حزب شيوعي عربي، وله تشعبات في كافة المناطق العربية والكردية". قال أخوها: ليس هذا منّة. هذا بتضحياتنا. الشعب يعجب بمن يصمد في الدفاع عن المُثُل. حتى العدو يقدرك إذا كنت قوية، ياأميرة! هل كان يعلّمها المعايير التي ستتذكرها فيما بعد؟ في الأمسيات كان أبوها يجلسها قربه ويحدثها عن الكبرياء في شعر المتنبي وعن النقد في فكر المعري، أو يحدثها عن بدر شاكر السياب والجواهري اللذين يزورانه. حفظت، بالرغم من صغر سنها، قصيدة الجواهري في أخيه الذي قتل في الوثبة. ثم حكى لها أبوها عن الكتاب السوفييت "العظام": هؤلاء أبناء الكتاب الديمقراطيين الروس الذين لمسوا روح الإنسان! وقال لها إن الاتحاد السوفييتي سيخلّص العالم من ظلم الإقطاع والرأسمالية "العفنة". وسمعته في طفولتها يحكي عن حلمه باتحاد جمهوريات عربية على نمط اتحاد الجمهوريات السوفيتية. قال لأصحابه: لاتستطيعون اليوم أن تتصوروا السعة التي سيستمتع بها أهل العراق العظيم يوم تصبح ثروته لأبنائه، وينتهي زمن النفوذ البريطاني والملَكية! هل عبَرت في بيتها البحث عن الطرقات السياسية التي تميز بها العراق، والعواصف الجامحة التي تهبّ خلال ذلك؟ لمحت تقطيب جبين أبيها، وسمعته يتحدث مع أخويها غاضبا. بقيت في ذاكرتها المرارة في كلماته: رمى الحزب في معارك انتحارية فعزله عن الناس، ثم هجره إلى الأكراد! من كان ذلك الرجل الذي لامه أبوها؟ لم يخطر لأميرة وهي طفلة منحازة إليه أنها ستنغمس في معارك انتحارية وستكون إحدى ضحاياها. كانت في تلك الأمسيات تجلس وراء باب موارب وتستمع إلى حديث أبيها وأصحابه. وفهمت أنه يخالفهم أحيانا. قال مرة: نظف الإنكليز الجيش في سنة 1941. أعدموا العقداء الوطنيين وسرحوا الضباط. الجيش العراقي وطني. لذلك لاتعتمده الحكومة لقمع الشعب، بل تعتمد الشرطة! ولابد أن ينضم الجيش إلى الثورة المسلحة يوم يعلنها العمال والفلاحون! هل يدرك الكبار عندما يتحدثون على مسمع من الصغار أنهم يصوغون أحلامهم وأخلاقهم؟ لم تستهوها الخلافات ولم تفهمها أحيانا، لكن الصمود في السجن بدا لأميرة من الفضائل، كالإخلاص في الصداقة والحب والأخلاق الحسنة. وأصبح فهد لديها مثل الحسن والحسين في التاريخ العربي. وبدت الثورة المسلحة التي يتدفق فيها العمال والفلاحون ويزيحون الحكومة طريقا إلى الحرية. ستقول أميرة لنفسها فيما بعد: كم ضاع من الوقت في تلك الاجتماعات، وكم استهلك فيها من التبغ والشاي! وستتذكر الموضوعات التي اختلف فيها المجتمعون. لكنها يومذاك سبحت في الأحلام بعراق أحلى من العراق الذي تراه. مع أنها كانت تستسلم في سعادة لبساتين النخيل عندما تخرج مع أهلها إلى مزرعة خالتها على ضفة دجلة. عندما زارت سامراء مع تلاميذ مدرستها أفرحها أن تصعد على الحافة المنحدرة في المئذنة الملوية وتتفرج على المدينة من المرتفع، وتظاهرت بأنها لم تسمع تحذير معلمتها: لاتصعدوا إلى قمة المئذنة! ويوم زارت مع أمها النجف وكربلاء تركت أمها تغرق في بحر العباءات السوداء، وتأملت القيشاني المرسوم بأناقة، وأسماء شهداء كربلاء المنقوشة في المعدن، والأبواب الذهبية. وقالت لأبيها فيما بعد: لم أر عند الصياغ مثل هذا المقدار من الذهب! لم تر الفقر الذي تحدث عنه أبوها والإقطاعيين الذين سرقوا الأراضي من الفلاحين ولم يتركوا لهم حتى مكانا لمقبرة. لم تشته شيئا عجز أهلها عن شرائه لها. وكانت منذ طفولتها تزين يديها بأساور ذهبية، وتُهدى كلما نجحت في المدرسة أقراطا أو أطواقا ذهبية. عندما اشتهت الفضة التي يحفرها الصابئة ويزينونها بالميناء بصور دجلة والزوارق والنخيل رافقتها أمها لتختار ماتحبه. ردّدت أمها وهي تكدس التمر الذي قطف من نخيل حديقة البيت: العراق ياأميرة غني. لعله أغنى البلاد العربية! تساءلت أميرة بينها وبين نفسها: أين العراق الفقير الذي يتحدث عنه أبوها إذن؟ ثم نسيت سؤالها في الخضرة القاتمة التي تمتد على مدى النظر، وفي ميل الفتوة إلى الأفراح. وانشغلت زمنا بهوى لاتبوح به لرجل وسيم كان يزور أباها وكانت تراقبه من الباب الموارب بعد أن تناول أباها صينية الشاي. عرفت به وجعا عجيبا ينسلُ خيوط القلب، وسعادة مرتجفة وهفهافة. كانت تحتال كي تبقي الباب مواربا لترى المحبوب. ثم جرفت الجامعة ذلك الهوى. وقالت لنفسها: كم كنت طفلة! سمعت فيما بعد كلاما آخر شوشها. فكادت تسأل أباها: غيّرتم رأيكم؟ ثم بدا لها أنها تستنتج الجواب! قرر المؤتمر العشرون في الاتحاد السوفييتي في شباط سنة 1956 أن البورجوازيات الوطنية ليست رجعية وعميلة، بل تلعب دورا وطنيا في حركة التحرر، لذلك يجب أن نتعاون معها. يجب إذن تأسيس جبهات وطنية! كان بعض أساتذة أميرة المحبوبون في آخر سنوات المدرسة بعثيين وقوميين أحدهم من لواء اسكندرون. ولم يكونوا يحتاجون إلى كثير من الكلام كي ينجرف التلاميذ بالحماسة لعبد الناصر الذي أمم قنال السويس، وقاوم الغزو الإسرائيلي الفرنسي البريطاني في تشرين الأول سنة 1956. من أبيها عرفت أميرة أن لجنة من الشيوعيين والبعثيين وحزب الاستقلال والقوميين اجتمعت لتنظم التضامن مع مصر. أضربت مدن العراق وسورية والأردن وفلسطين والمغرب! ومشت أميرة مع الطلاب المتظاهرين، وقرأت على جدران بغداد "يسقط نوري السعيد والملك وعبد الإله. عاش ناصر"! سمعت الرصاص لكنها لم تر المتظاهرين المقتولين. وجرّها الطلاب الناجون من القتل إلى بيت اختبأت فيه معهم حتى الليل. غاب أبوها وانتظرته أمها دون أن تُظهر أنها قلقة عليه. رجع متعبا وحزينا. حكى عن انتفاضة "الحي" بعد المظاهرات التي أطلقت الشرطة فيها الرصاص، وعن اعتقال علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس في سجن الكوت وتعذيبهما ثم إعدامهما. قال: انتشر كتاب يوليوس فوتشيك "تحت أعواد المشنقة" في العالم، فمن ينشر بطولة هذين الرجلين اللذين أنشدا تحت أعواد المشنقة: السجن ليس لنا نحن الأباة، السجن للمجرمين الطغاة؟ كان حزينا على الرجلين اللذين يعرفهما. شرب "استكان" الشاي وتمتم النشيد الذي تعلمته أميرة منذ طفولتها، وهاهو موت الرجلين يحمّله معنى جديدا. قال: يتجه الحزب الآن إلى انتفاضة مسلحة. شكلنا لجانا ثورية وحرسا شعبيا. بعد اعتقال سكرتير اللجنة الشعبية ومساعده وشنقهما علنا، يجب أن نرتقي إلى مرحلة أخرى، وليدفع النظام الملكي ونوري السعيد ثمن الضحايا! استمعت أميرة إلى همس أبيها مع أمها. وقالت: عدنا إذن إلى الانتفاضة المسلحة! يصعب عليها أن تفهم أن الصيغ ليست ثابتة وأبدية، وأن البشر يبدلونها. وسيقدّر لأميرة أن تعيش عقودا من مناقشة موضوعات الطريق اللارأسمالي، والطريق البارلماني إلى الاشتراكية، التي ستكون مساحات للخلاف بين الصين والاتحاد السوفييتي، وستستولد انقسامات في الأحزاب في العالم، وستزيدها مسألة الصلة بالاتحاد السوفييتي والتحرر من ضرورات السياسة السوفيتية. ردّ أبوها في لقائه بضيوفه على تساؤل أميرة: لم يخترع قرار المؤتمر العشرين نظرية بل استنتجها من أوضاع بلادنا وبلاد العالم الثالث التي تتوهج فيها حركات التحرر الوطني. ألغت الظروف الموضوعية إمكانية تطبيق التجربة السوفيتية في بلادنا. لكن التعاون مع الاتحاد السوفييتي في مصر وفي سوريا فتح آفاقا جديدة للتحرر. لذلك شكلنا لجنة وطنية عليا ذات أهداف واضحة. أولها الخروج من حلف بغداد! هل يعقل أن نبقى في حلف مع من غزا، مع عدوتنا إسرائيل، بلدا عربيا؟ تحدث أبوها حديثا طويلا عن انتصارات الديمقراطيين في انتخابات الأردن. يجب أن نبتعد عن الرغبة في السيادة على العناصر الوطنية الأخرى، ويجب ألا نتهمها بالخيانة إذا اختلفنا معها. يجب أن نعترف بأننا لسنا الوطنيين الوحيدين في العراق! بأي أسلوب سنحرر العراق؟ يفرض علينا عدونا الانتفاضة المسلحة! لكننا لن نقوم بها وحدنا، بل مع حلفائنا في التجمع الوطني! ستتذكر أميرة كلمات أبيها بعد عقود، وستقول لزوجها: كم تبدلت الأفكار! لكن المعيار الذي سأقيس به السياسة والأشخاص هو هل يفيد هذا إسرائيل أم يفيد العرب! وسترفض أن تشترك في مؤتمرات المعارضة العراقية في لندن. وسيبدو لزوجها يومذاك أنها تفتح ملفات تاريخية. ستقول له: هذه مؤامرات لامؤتمرات! يحضرها ممثلون عن المخابرات المركزية الأمريكية، وسيستردون ثمنها من نفط العراق ودم شعبه! كان يفترض أن توصلكم الأخطاء إلى الحكمة. لتفهموا أن الشعب العراقي لن يقبلكم إذا عدتم إلى الوطن بحماية دبابة أمريكية! ولتفهموا أن الولايات المتحدة التي تسند قتلة الفلسطينيين لن تقدم الحرية للشعب العراقي. يحكم الصهيونيون الإدارة الأمريكية الآن، وستغزو إسرائيل العراق بجنود أمريكيين! ستدمر المعارضة العراقية نفسها، وسيفقد الشعب منظمات سياسية سقطت في كبرى الكبائر: التعاون مع قوة استعمارية وصهيونية! وهكذا لن تمحوا أخطاء الماضي بل ستضيفون أخطاء إليها! ألم يكن اتهامكم ضباط ثورة 41 بالانحياز إلى النازية خطأ؟ كأنكم كنتم يومذاك ضد السوريين والفلسطينيين الذين تطوعوا في ثورتهم! ثم كان الخطأ أن تؤمنوا بأن الانحياز إلى "ميثاق التحالف العظيم بين الاتحاد السوفييتي وبريطانيا العظمى فوز ديبلوماسي مبين لكل الشعوب، وحافز جديد للشعوب العربية المناضلة". رحّبتم يومذاك بإعلان الحرب على المحور، كأنكم طرف فيها! وفيما بعد ألم يكن الخطأ أن تعترفوا بتقسيم فلسطين بالرغم من وصية فهد لكم من سجنه في الكوت: إياكم! اليهود ليسوا قومية والمستوطنون ليسوا شعبا! قبلتم رأي زكي خيري الذي كان يرى القيادة السوفيتية معصومة، وكل قرار من قراراتها مبدئي، ولذلك يجب فهم موافقتها على التقسيم! وكأنكم سعيتم إلى إعدام فهد! واليوم تكررون الخطأ نفسه: تعارضون الشعوب العربية التي ترفض الحرب على العراق، وتفهم أن هدف الاحتلال الأمريكي نهب نفط العراق. وكسر بلد عربي يمكن أن يواجه إسرائيل، ونقل إسرائيل إلى الفرات وإنهاء المقاومة الفلسطينية، والسيادة على العالم بالنفط العربي! سيسألها زوجها وقتذاك: هل تقصدين أني أمثل اليمين؟ وستردّ: لا! في الخيانة لايمين ولايسار! لن تواجه أميرة يومذاك غرباء. بل ستواجه زوجها. وكان أحد القادة الذين استولدهم المنفى. فعمل وسط مجموعات مبتورة بعيدة عن وطنها. شاهد السقوط في المغامرات، واليأس الذي أسقط سياسيين ومثقفين. فقال لأميرة وهو يستعيد حال العراقيين الذين وقع بعضهم في سجون باكستان، وانساق بعضهم في هوى النساء، وسكت بعضهم على ظلم الزعماء: البعد عن الوطن موت. سأعود! فسألته: ولو على دبابة أمريكية؟ وسيردّ: لايوجد طريق آخر! ستنتفض عندئذ: لكنك سياسي، مسؤول عن موقف سيصبح تاريخا لك ولآخرين! وسيسألها: نحن فصيل واحد من مجموعة "المؤتمر الوطني"، فلماذا تلوميننا؟ وستردّ: لأنكم تغطون الخيانة بالسياسة! وفي تلك اللحظة ستفهم أنها فقدته، وستخرج من الغرفة ثم من البيت. وسيكون ذلك آخر حوار بينهما، فعندما سترجع بعد ساعات ستجد ورقة مطوية عليها اسمها. ستتناولها وتمزقها دون أن تفتحها! ثم ستنحني على نفسها وتبكي. هل كانت مراقبة الخضم الذي يندفع فيه الحوار ليصبح صداما دمويا، لازمة لقيس؟ ابتسم: أزور البلاد العربية لأطلع على مشاكلها. وسأصبح بعد تلك الدورات الدراسية مواطنا عربيا حقيقيا! لكني خائف على الموصل! كادت الموصل في مشروع التقسيم الاستعماري الاوروبي تضم إلى سورية. بل قيل إنها تشبه دمشق التي تتكئ إلى بردى. الموصل متحمسة للوحدة بين مصر وسورية. تنتشر فيها نداءات صوت العرب لقلب حكومة عبد الكريم قاسم. هل يؤثر فيها أنها محاطة بمناطق فيها أقليات غير عربية! هل اجتمع فيها ملاكو الأراضي الذين فقدوا بعض أملاكهم بالقوانين الجديدة، ورؤساء العشائر الذين فقدوا بعض نفوذهم، وضباط الجيش القوميون؟! لكن ألا يوجد فيها، أيضا، ضباط لم يأخذوا مكانهم الذي يستحقونه مع أنهم حملوا ثورة تموز؟ تطوع شيوخ شمّر لنقل محطة إذاعة وأسلحة من سوريا. قائد اللواء الخامس عبد الوهاب الشواف، مندفع ومتحمس للمغامرة. فهل هو الرجل المناسب لقيادة التمرد؟ كان سريع الغضب، سريع الانفعال، أبعد عن تنظيم الضباط الأحرار لأنه كان يستعجل الثورة ويهدد بأنه سيبدأ بها فكاد يحرقها. آمر الفرقة الثانية في كركوك ناظم الطبقجلي، قومي تقلقه استعراضات الشيوعيين في شوارع بغداد. يقرأ جريدتهم "اتحاد الشعب" التي تنبه إلى "شراذم القوميين في الموصل التي تمارس بعض الفعاليات المناوئة للثورة" وتطلب من قائد الثورة المقدام الحزم ضد الخونة والمتآمرين. وتنشر مذكرة شيوعيي الموصل "إننا على ثقة بأن شعبنا سيسير قدما نحو حياة أفضل ساحقا تحت قدميه جميع رؤوس الخيانة والتآمر". يقال إن السراج أرسل السوري حسين حلاق لينسق الصلات بين المتمردين في الموصل! وسيذكر مصطفى رام حمداني في مذكراته بعد عقود أنه اتصل برفعت الحاج سرّي فأكد له رفعت رغبته في الثورة، وأن حمداني نقل ذلك إلى عبد الناصر. ستصفى إذن جماعات قاسم جسديا في الشوارع! يمتد المشروع إلى مكتب العقيد القومي رفعت الحاج سرّي، رئيس الاستخبارات العسكرية في بغداد، وإلى مكتب الملحق المصري. لكنه يبدأ من الموصل المواتية بقومييها وباتصالها بسوريا. وصلت تفاصيل التحضير للتمرد إلى العقيد طه الشيخ أحمد ونقلها لعبد الكريم قاسم. يبدأ التمرد من الموصل، ويرفده رفعت الحاج سرّي كمن يلبّي مظاهرات الشوارع في بغداد. وستتدخل كتيبة مغاوير وطائرات ميغ من الجمهورية العربية المتحدة. وتكون الإذاعة التي نقلت من سورية قد باشرت بث بيانات الانقلاب على قاسم. هل يمكن أن يفشل هذا الترتيب الذي تلتقي فيه الخطة الدقيقة بالقوى المدنية والعسكرية التي تنفذها بالدعم الخارجي؟ لم يكن الشيوعيون وأنصار قاسم في الموصل قوة تستطيع الردّ. فنظموا مهرجان أنصار السلم في الموصل، ليتدفق عليها الآلاف من أنصارهم ويغطوا المدينة. فشل الشواف وسرّي في إقناع قاسم بمنع ذلك المهرجان. ويسّر قاسم المهرجان، ففتحت له الطرقات والسكة الحديدية. الكل إلى هناك! وصل الناس إلى الموصل بكل وسيلة نقل تخطر على بال، من السيارة إلى الطنابر ومشيا على الأقدام! وبقوا فيها من السادس من آذار حتى السابع منه. وستسجل الأيام التالية من آذار سنة 1959 كأيام محنة. عندما غرقت الموصل بأنصار السلم في يوم المهرجان، عرض حماة الجمهورية قوتهم، واعتكف القوميون في بيوتهم. في السابع من آذار رجع الناس إلى بلدانهم. وبقي بعض الشيوعيين وكامل القازنجي زعيم أنصار السلم. وعندئذ بدأ المدّ المضاد. نزل البعثيون والقوميون إلى الشوارع، وأحرقوا مقهى ومكتبة للشيوعيين. وفي الاصطدام سقط قتلى وجرحى. في الثامن من آذار اعتقل جماعة الشواف الشيوعيين وجماعة قاسم، وأعلنت إذاعة الموصل التمرد على قاسم واتهمته بالخيانة وبأنه "هاجم الجمهورية العربية المتحدة التي خاطرت بوجودها في سبيل نجاح ثورتنا". وهددت "بتمزيق من حرّض قاسما على الإثم". وقصف طيران الموصل إذاعة بغداد. طالب بيان الشواف قاسما بأن يتنحى. لم يتحرك الطبقجلي. ولم يتحرك رفعت سرّي، فشرط حركته نجاح تمرد الموصل ومظاهرات الشارع في بغداد. ولم تظهر كتيبة المغاوير السورية وطائرات ميغ. وفي الصباح قصف الطيران العراقي الذي يرأسه جلال الأوقاتي قيادة اللواء الخامس فجرح الشواف الذي قتل في المستشفى. أطلق فوج الهندسة المعتقلين، وتدفق الأكراد على المدينة. في ذلك اليوم زار الكيلاني قيسا الذي كان ينزف، وأخبره: أعلن بيان التمرد على قاسم باسم الشواف. مسخرة! فالشواف رجل متقلب، حلمه أن يعيش في سويسرا! وهو آخر من التحق بتنظيم الثورة! عرف قيس فيما بعد هول ماحدث في الموصل. الأحقاد التي انفجرت. الثأر والانتقام والفوضى. تدفق الفلاحون من الريف على الموصل ملبّين نداءات بغداد لقمع بقية التمرد. تقاسموا الأسلحة وبدأوا بتصفية القوميين. ثأروا للقازنجي الذي وضع القوميون رأسه في المرحاض وأطلقوا عليه الرصاص! تطاولت المجموعات على سلطة القضاة. فعقدت المحاكم الشعبية، منها محكمة عبد الرحمن القصاب، أجرت المحاكمات ونفذت الأحكام بالإعدام. سُحل المقتولون في شوارع الموصل. أو علقوا على أعمدة الكهرباء. قتل الضباط الذين أشار إليهم رجل صائحا هؤلاء من جماعة الشواف. قرعت الطبول أمام بيوت الأغنياء ونهبت بيوتهم. وكان الجيش يشارك الناس في النهب. أعدم في دملماجة بعثيون وناصريون وقوميون. وانطلق الجنون وحكم الشوارع. هوجمت البيوت التي تحصن فيها القوميون والملاكون وأطلق منها الرصاص. من قصر شيخ شمر أطلقت الرشاشات ولم تسكتها غير الدبابات. لم يعد الجنود ينفذون أوامر الضباط أو القادة. التهبت الموصل ثلاثة أيام! روي فيما بعد لقيس أن "تلكيف" الآرامية الصغيرة في ريف الموصل هتفت في مظاهراتها: "الإسلام بطّالو، تلكيف بدو استقلالو"! ولم تعد الموصل آمنة من الأحقاد حتى بعد أن فرض الهدوء فيها فيما بعد! واغتيل الشيوعيون فيها يوميا. ستنشر بعد عقود مقاطع من رسائل خروشوف وعبد الناصر في تلك السنة. رأى خروشوف أن مهمة مقاومة الشيوعية التي يحملها عبد الناصر لم تأت لأحد قبله بإكليل الغار. وبيّن رأيه في أن الوحدة بين مصر وسورية كانت متسرعة. ورأى عبد الناصر أن نقد الاعتقالات والقتل في سجون مصر وسورية في جرائد سوفيتية تدخل في الشؤون الداخلية. وأعلن في 11 آذار، بعد فشل التمرد في الموصل، خلافه مع الاتحاد السوفييتي من شرفة قصر الضيافة في دمشق. وتحدث عن الإرهاب ضد القوميين، وقال إن الشيوعيين عملاء. وقال في الجامع الأموي لن نبيع بلادنا بالدولارات ولا بالروبلات. وجرت اتصالات بين مصر والولايات المتحدة لنقل مئتي طالب يدرسون في الاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة بالرغم من أن جزءا من السنة الدراسية مر. وسيكشف بعد عقود أن ايزنهاور حدد الهدف القومي الأمريكي يومذاك: إبعاد السوفييت عن المنطقة العربية، وضمان تدفق النفط، وصياغة قادة المستقبل الملائمين للسياسة الأمريكية من الجامعيين من أبناء المنطقة. بعد فشل تمرد الموصل عانى عمر من وجبة جديدة من التعذيب في السجن. ضُرب في تشف وانتقام عندما كانت خطابات عبد الناصر تذاع من الراديو. غاب مرات عن الوعي، وخيل إليه وهو يصحو أن تلك صحوة الموت. لكن كأن نورا غمره فجأة فبدا له أن الهدف هو الانتقام، كسر الروح والإذلال، وأن تفرغ السجون من المعتقلين المهزومين. وسيتساءل فيما بعد، كي يرمم الفجوات التي غابت فيها الذاكرة، هل نقل يومذاك إلى اللاذقية مع مئة معتقل لم يعد منهم غير اثنين؟ وصلت إلى قيس أخبار الموصل وهو مريض في الفراش. كم كان محظوظا لأنه لم يشترك في مهرجان أنصار السلم! تساءل هل هذا هو "التطهير الذي لارحمة فيه" الذي دعا إليه الشيوعيون؟ وهل أتى عبد الناصر إلى دمشق وأطال فيها البقاء منتظرا الاحتفال بانتصار التمرد؟ تبنّت الجمهورية العربية المتحدة تمرد الموصل، وهاجم إعلامها عبد الكريم قاسم. أشعلت إذاعة الجمهورية العربية المتحدة الأحقاد بدلا من أن تطفئها! لم يذكر عبد الناصر في خطاباته إسرائيل أو الصهيونية أو الولايات المتحدة! فتساءل قيس: نُسيت إسرائيل! كيف يخطئ قائد عربي مثل هذا الخطأ الكبير؟! اندفع الوطنيون جميعا بعيدا عن الصراع المركزي مع إسرائيل! وبدا لقيس أن الجنون يستثير جنونا مقابله، وأن الدم الذي جرى سيثير الرغبة بالانتقام. وبدأ يفكر في الرحيل عن العراق. وتمنى أن يبتعد عن المنطقة كلها! لكنه لاحظ توهجا في بغداد بعد تمرد الموصل. ترك قاسم الشيوعيين يسرحون في شوارع بغداد. وسمح بلجان الدفاع عن الجمهورية. وبدأ تطهير المؤسسات والجيش من القوميين. أعلن الانسحاب رسميا من حلف بغداد. واندفع الشيوعيون إلى المراكز الجديدة. وأخذوا مكان القوميين المطرودين. أسسوا لجان المقاومة الشعبية، وتدفقوا في المنظمات الجماهيرية. ووزعوا نداءات تطلب من الجماهير أن تحمي الثورة باحتلال الشوارع. فتكرر مشهد يرى لأول مرة في الشرق العربي: مليون إنسان يغرقون الشوارع! قدروا دورهم في حماية قاسم، فهل دفعهم الغرور إلى طلب الاشتراك في الوزارة؟ حقهم؟ هل كان ذلك يلائم اللحظة التي غرقت فيها الشيوعية في المشرق في الدم وكان الصراع في ذروته مع القوميين؟ وهل كانت أمريكا التي أنزلت أسطولها في لبنان وانكلترا التي أنزلت مظلييها في الأردن وقت ثورة العراق، بعيدة عما يحدث في العراق؟ وماهو دور شركات النفط؟ في أول أيار هتفت الجماهير في شارع الرشيد: "عاش الزعيم عبد الكريم ، الحزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيم". فقال قيس: ياإخوان يتهم العراق بأنه شيوعي. وأنتم تؤكدون ذلك فتخيفون القوى الأخرى! لاتغتروا بالجماهير! فهي مع الواقف! هي معكم لأن عبد الكريم قاسم معكم! اهتموا بالعنب لابقتال الناطور! الأصح ألا تضعوا قدركم في يد زعيم واحد بل في حلف قوى! ومع ذلك لم يعجب قيس التراجع الذي اضطر إليه الشيوعيون عن اشتراكهم في الوزارة! ولاحظ إهمالهم شعبية قاسم بين الجنود والضباط، والغرور الذي صور لهم أنهم يملكون الجيش! وكاد عقله يطير عندما عرف أن المهداوي وماجد أمين سهرا في معسكر الرشيد مع الضباط، وأن الجنود أنشدوا "سنمضي، سنمضي إلى مانريد، وطن حر وشعب سعيد". في معسكر الرشيد معتقل، وقوة عسكرية، ومكان احتفال؟! حدث ماتوقعه قيس. وصلت صور المذابح في الموصل. وبدأ قاسم يبعد الشيوعيين عن الجيش والإذاعة. وحرر من السجن بعض القوميين. ومنع دوريات المقاومة الشعبية. وسرح بعض الضباط الشيوعيين، وأعلن: يجب أن يبقى الجيش خارج الأحزاب! كان على حق. لكن الحزب الشيوعي ردّ ببيان: "عدم السماح باغتصاب السلطات أو العصابات الإجرامية لأي من مكاسب الحزب، والرد بصلابة وخصوصا في المناطق والمدن التي يتمتع فيها الحزب بنفوذ واسع، على كل إجراء موجه ضد الحزب أو أي من التنظيمات الشعبية، حتى وإن أدى ذلك إلى صدامات أو إلى قتال متبادل". قال قيس: ياإخوان، تظنون أنكم وحدكم في البلاد والمنطقة والعالم؟ انتبهوا! وتساءل هل ذلك البيان متأثر بالاتجاه الصيني؟ أكد لنفسه: نعم، ذلك البيان بلغة الصين لابلغة موسكو! قال له أحد أصحابه العراقيين: لاتخف علينا! انتسب إلى الحزب في شهر واحد مئة ألف عضو! فاطمئن! الشعب معنا! سأله قيس: مئة ألف، كلهم مخلصون، أم حملهم إليكم الانتصار والهيجان؟ هل يمكن أن يستوعب حزب ذلك العدد؟ ولم الإعلان عن ذلك؟ يعرف من أصدقائه أن سلام عادل يجتمع في قطعات الجيش بالضباط. ويردد: الشيوعيون هم القوة الحاسمة! ويقول في المعسكرات وفي الاجتماعات العسكرية: نحن الحزب الأقوى! الجماهير معنا! ألا يُنقل ذلك لعبد الكريم قاسم؟ ولماذا يجتمع قائد شيوعي بضباط الجيش؟ تجري أفكار قيس في سياق الحكمة السورية التي لاحظها خلال إقامته في دمشق! سيدفع الشعب والوطن ثمن أخطاء القوميين والشيوعيين والناصريين. سيعون فيما بعد أنهم اندفعوا إلى الخطأ أمام متفرجين ينتظرونه. وأن مايجب هو تقدير مسؤولية السياسي أمام التاريخ في النصر وفي الهزيمة، سواء. تحاكم محكمة المهداوي سياسيين رجعيين ومتآمرين وتطرب الناس. ولكن لماذا تنساق إلى مسرح يلقي فيه الشعراء قصائدهم والمنشدون أناشيدهم؟ لماذا تنساق في هوى الجمهور؟ من يقود الآخر؟ يتابع الناس في أنحاء البلاد العربية، المحاكمات التي بدأت بداية جذابة. لكن الصراع اليوم تجاوز مستوى الأمس، ولن تبقى المحكمة في مستوى وطني! روى المهداوي في المحكمة بعد زيارته إلى الصين: قال لي الرفيق ماو تسي تونغ إننا نتعلم منكم! أبدعتم طريقة جديدة في قتل الخونة. السحل! هل ماقاله صحيح؟ وهل كان يجب أن يعلنه ويعتد به؟ وهل ماحدث من غليان في اليوم الأول لثورة تموز يجب أن يستمر؟ أمس كان قيس يمشي في شارع الرشيد فسمع رجلا يصيح فجأة: رجعي حقير! أمسكوا به! فانقض الناس على الرجل الذي أشير إليه. كان ذلك الرجل توفيق منير عضو مجلس السلم. وضع الناس الحبل في عنقه وبدأوا يجرونه. صاح: أنا توفيق منير.. عرفه بعض المارين، وذلك فقط ماخلصه من الموت. وانطلق الناس بحبالهم يطاردون من اتهمه. إلى ماذا يشير ذلك؟ إلى أن الشارع يجري على غاربه. يحكم ويقرر وينفذ. ألا يفترض أن يوجد نظام وأمن ولو كان البلد في "مرحلة ثورية"؟ لايتمنى قيس أن تكون ليلى معه. يتمنى أن يلحق بها! يشعر بأن العراق سينقلب! ويتمنى ألا يكون الانقلاب كارثة! فيقول له أصدقاؤه: لاتبالغ ياقيس! للعراق وضع خاص. هو تاريخيا بركان ونار. تندفع الأحداث فيه دائما إلى حدودها المتطرفة. يردّ: كيلا تستقيم فيه الأحوال! العراق ثروة وقوة بشرية وأرض خصبة وكفاءات، يجب أن تكون للعرب لالأعدائهم! لذلك يلزمه الأمان! لو كانت سياسة عبد الناصر العربية حكيمة في هذا المقطع من الزمن! ستدفع حركة التحرر العربية ثمن الخطأ، وستكسبه اسرائيل! والأيام بيننا! يوم نظم اجتماع أنصار السلم في الموصل كان قيس قد جهز نفسه ليشترك فيه. لو سافر إلى هناك لاستقدم نسيم سورية. لكن النزف الرئوي اضطره إلى البقاء في بغداد. نعم، عاد النزف الرئوي الذي شفته الشام بعد أيام معتقل الجفر. فتابع وهو مريض أخبار التمرد والمذبحة. وسط تلك الأحداث قيل لعرفان يجب أن يسافر قيس إلى مستشفى في بلد اشتراكي. ردّ: لا! فرصة عرفان أن يقتص منه الآن! رجع إليه النزف الرئوي؟ فليذهب إلى الموصل، فهواؤها يشفي العليل! سيسأله قيس: هل تجسر أنت على السفر إلى الموصل؟ وسيغضب من جواب قيس: تريد اوروبا لتلحق بليلى؟ لن تصل إلى أية مدينة هي فيها طالما كنت حيا! وسيفاجأ قيس بحقد عرفان، ويشعر بأن الدنيا ضيقة، وأنه دون حماية! صفّ عمر الأخبار التي تصل إلى السجن قطعة إلى جانب قطعة، وتأملها. قال لأصحابه قبيل تمرد الموصل: الخطر الآن على ثورة تموز في العراق! لأنها ثورة حقيقية قلبت نظاما ملكيا وفتحت البوابة لنظام وطني في بلد فيه ثروة كبرى: النفط! نسيتم كيف قتل الضباط بوحشية في ايران وقلبت حكومة مصدق وأعيد الشاه؟ تذكروا الصراع على كركوك والموصل خلال رسم حدود سايكس بيكو، ثم اقتسام النفط بين الشركات! العراق، فوق ذلك، هو البلد القوي الذي يستطيع أن يقيم التوازن العربي مقابل إسرائيل، بطاقته البشرية وثروته المادية وسعته الجغرافية وعمقه الحضاري! ربما أنسانا حلف بغداد ونوري السعيد ارتباط الشعب العراقي والجيش العراقي بالمشروع العربي وقضية فلسطين! لذلك نسينا أن ضباط العراق رافقوا يوسف العظمة إلى ميسلون، وأن العراق احتضن الحاج أمين الحسيني وثوار فلسطين، وأن مشروع ضباط سنة 1941 كان تحرير بلاد الشام من الانتداب وردّ الخطر الصهيوني عن فلسطين! نسينا انتفاضات الشعب العراقي في التضامن مع مصر وفلسطين! ونسينا الوعي: أن العراق يستهلك أكبر عدد من الكتب في البلاد العربية! يحلل هذا الشاب المستقل وضعا معقدا يعرفه أكثر منه الحزبيون! سأله أحدهم: وبعد؟ ماذا تتوقع؟! قال عمر: ستتجمع القوى التي تعادي ثورة تموز. سيجمعها عملاء شركات النفط. لكنها لن تعمل بسماتها الحقيقية كمجموعات ضد الثورة. بل ستعمل من خلال الفوضى والقتل والإشاعات وتفريق الوطنيين. ستفيد من تدفق الجماهير إلى الشوارع تدفقا لامثيل له إلا في الثورات الكبرى! لايمكن ضبط الجماهير إلا بقوى منظمة في مستوى رفيع! فهل الوضع هكذا في العراق؟ أية قوة تستطيع أن تنظّم الملايين التي تسرح في الشوارع فرحة بقوتها.. الملايين التي لم يتح لها أن تتعود الانضباط والتنظيم؟ تجاوزت اوروبا الزمن الذي كان يندس فيه المشبوهون ليرموا شعارا أو يطلقوا رصاصا فتدان به نقابة أو قوة سياسية! في العراق ماتزال الجماهير تحتفي باستعراضاتها في الشوارع، وقد تدفع السياسيين إلى شعارات لم يقرروها لكنهم قد يقعون في غوايتها! يزيد ذلك معرفتهم أنهم قوة في الجيش أيضا. وهل يسامحهم عبد الكريم قاسم الذي يكره الأحزاب كما يكرهها عبد الناصر؟ لو كان مشروع عبد الناصر جمع الوطنيين لكان ردّ الخطر على ثورة تموز ممكنا. لكن سياسته في هذه المرحلة منع الأحزاب، وتفريق الوطنيين لفرض الولاء له، والحرب على عبد الكريم قاسم. وهذا يسهل عمل المتآمرين! يدهشني ألا ينتبه عبد الناصر إلى الخطر على ثورة العراق وألا يفهم أن مصيره متصل بمصيرها! يرى المسألة في مستوى شخصي فينحدر إلى جمع الموالين وتفريق المعارضين! مع أني كنت أتوقع منه أن يكون أوسع أفقا من قاسم لأنه أكثر تجربة! صفق لعمر أحد المستمعين ساخرا من تحليله: وقع عبد الناصر في المشروع الأمريكي! والدليل اعتقالنا وتعذيبنا، واندفاعه في الهجوم على العراق، ومنع الأحزاب! هزّ عمر رأسه: ماأيسر أن نستخدم لونين فقط، الأبيض أو الأسود! مع أن الأزمنة لاتُرسم إلا بأدق تدرجات الألوان! سيعرف عمر بعد خروجه من السجن حقائق أخرى زادت صعوبة الوضع في العراق: لم تكن قيادة الحزب الشيوعي، الذي يقود تلك المظاهرات الكبرى، موحدة. سلام عادل وجمال الحيدري في جهة، وزكي خيري وعامر عبد الله والنوري في جهة أخرى. منهم من أعلن استسلامه قبل سنوات من اعتقاله في شباط. لكن الحقد الذي جرف العراق سيعدم حتى المعتقلين المتعاونين! أما القوى السياسية الأخرى فلن تكون موحدة إلا في لحظة الهجوم على الخصم. بعد تلك البلاغة التي عرضها عمر لأصحابه في السجن، وصل ناصر إلى سوريا متوقعا تمرد الشواف. كان يفترض أن يبدأ التمرد من بغداد فيحتل سرّي، مسؤول المخابرات العسكرية، وزارة الدفاع ويعتقل عبد الكريم قاسم والوزراء. لكن ذلك بدا صعبا فنقلت بداية التمرد إلى الموصل، وقصف وزارة الدفاع بالطيران من هناك، وإكمال التمرد من بغداد. كان ناصر يومذاك يقود بنفسه حربا سياسية وإعلامية على مجموعات من خصومه جمعهم باسم واحد: الشيوعيين، منهم خالد العظم، وعبد الكريم قاسم، وضم إليهم بشير العظمة ورياض المالكي وأحمد عبد الكريم والبعثيين، وكل من انتقد شكل الوحدة بين مصر وسورية، أو حذر من التدخل في الدول العربية. سدد ناصر في ذلك الهدف العواطف القومية. وحوّل، بقوة زعامته، الحماسة للاتحاد السوفييتي بعد إنذار بولغانين وتمويل السد العالي ولجم العدوان على سورية، إلى حذر منه كقوة تتدخل في الشؤون العربية الداخلية. وأعلن خلافه مع الاتحاد السوفييتي. هل أفاد ناصر من حشد التجمعات التي يطل عليها من شرفة ويلقي عليها خطاباته؟ كان الناس يهرعون إلى تلك الاجتماعات منتظرين مفاجأة، أو كشف مؤامرة، هم الذين لم يبال بهم السياسيون قبله ولم يخاطبوهم في الساحات. وكان يصفقون لمواقفه الجريئة من الاستعمار الذي لوّعهم. لكن لقاءات ناصر بالجماهير صارت بعد الوحدة تطلب مشاركتهم في الهجوم على خصوم آخرين غير الخصوم الذين ألفوهم، خصوم عرب. وصار حضورهم واجبا مفروضا عليهم يحذّر من يتغيب عنه! انتظر ناصر في دمشق الانقلاب الذي سيغير النظام في العراق! وتلقى فشله! خطب في جموع الناس من شرفة قصر الضيافة في دمشق. كشف الخلاف بينه وبين الاتحاد السوفييتي. وقال نرفض أن تفرض علينا العقائد، وإننا متمسكون بمبادئنا. وإن شعب الجمهورية العربية المتحدة معه في موقفه. تنقل ناصر في المدن السورية وقال في خطاباته إنه لايقبل التبعية للغرب أو الشرق. وإن الشيوعيين طابور خامس. استنهض القوميين، وأبعدهم عن البعثيين. ونشر الحذر. فذاكرة السوريين تحفظ بحثهم المضني عن السلاح في الغرب، وصفقة السلاح التشيكية المبكرة ثم السوفيتية التي قوتهم أمام إسرائيل. كانت فلسطين في الذاكرة السورية تسمى جنوب سورية، وسورية سند الفدائيين الفلسطينيين، ومنها التبرعات للثورة الفلسطينية. وكانت ثورة 36 في فلسطين امتداد إضراب دمشق في تلك السنة. وفلسطين قد أبّنت هنانو مع القسام. كان مايزال في المدن التي خطب فيها ناصر سوريون حاربوا في جيش الإنقاذ أو مع الفلسطينيين في ثورة سنة 36. بقي الخطر للسوريين إسرائيل لاالاتحاد السوفييتي. ذكر ذلك في المجلس النيابي السوري حتى ممثلو الأحزاب "اليمينية". وجدت غادة نفسها وحيدة وهي تستمع إلى عبد الناصر الذي خطب في الناس من شرفة قصر الضيافة. أين عمر وليلى ومديحة وفوزي؟! في الماضي كانوا معها. في هذه المرة شعرت بالحرج من اضطرارها إلى التصفيق لكلام بعيد عن قلبها. وضايقها أنها خشيت الانسحاب. وندمت لأن الفضول ساقها لتفحص الحقائق بنفسها. بعد تمرد الشواف في الموصل في الثامن من آذار، استنتجت غادة أن ناصرا أطال جولته في سورية في انتظار ذلك التمرد، وأنه كان يرتب الإعلان عن انتصار كبير في العراق يقوي به موقعه ويطفئ به الانتقادات على اعتقال من خالفوه في الرأي، ويكسب بلدا غنيا. لكن تمرد الشواف في الموصل فشل وأغرق بالدم منفذيه وضحاياه. وسيعمق العداوات بذكرياته المؤلمة. أوجع فشل التمرد ناصرا. فكان حادا في خطابه الثاني من شرفة قصر الضيافة. فتحدث عن الإرهاب الشيوعي ضد القوميين العرب. وقال في خطابه في الجامع الأموي بعد أيام إن دفاع خروشوف عن الشيوعيين يتحدى الشعب العربي. وإن الأحزاب الشيوعية عميلة. استمعت غادة إلى تلك الخطابات من الراديو وشعرت بالقلق مع أنها تعتبر نفسها قومية عربية اشتراكية. ورأت أن ناصرا يضحي بالقوميين. أمر ناصر بنقل مئتي طالب يدرسون في الاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة، قبلتهم الجامعات الأمريكية بالرغم من انتصاف السنة الدراسية. وبدا لغادة أن ذلك القرار زاد من بعدها عن ناصر. كأنها انتقلت إلى جانب من يهاجمهم ناصر. وصارت تتحاشى زملاءها القوميين الذين وهبوا ناصرا ولاء لايناقش. واضطرت إلى الحذر من أية كلمة تنزلق منها عن الوطن أو السياسة. كانت تكتب أحيانا إلى صديقتها ليلى رسائل تتذكر فيها الأفلام التي تفرجتا عليها، والحفلات الفنية التي قدمتها الفرق السوفيتية على مسرح معرض دمشق الدولي، وعودتهما في ليل دمشق الحلو في أيلول. كانت تلك أيام زيارة القوتلي والعظم إلى موسكو والاتفاقيات التي نشرت الحلم بتصنيع سورية وبدا أنها ستغير الحياة! كانت يومذاك في أول سنواتها في الجامعة. هل تستطيع أن تنسى معرض الفن السوفييتي في المتحف الوطني حيث اجتمعت بعمر وليلى وفوزي ومديحة، وتفرجوا على اللوحات ذات الألوان المشرقة؟ بدا لها ناصر بتلك الخطابات بعيدا جدا عن السنوات الماضية التي قربتها منه وأطلقت أحلامها ببلاد تفيد من المعسكر الاشتراكي لكنها لاتنحاز إليه أو إلى المعسكر الغربي، بل تؤسس اشتراكية عربية تستقوي بصناعتها وتستند إلى تراثها الوطني. ماذا تكتب إذن إلى ليلى، صديقتها المحظوظة التي تدرس في الاتحاد السوفييتي؟ أغلقت القلم. لاتستطيع أن تقول لها كلمة في رسالة سيقرأها المراقبون ويؤولونها! كانت ليلى تردّ على رسائل غادة على أوراق طبعت في أعلاها صور أبنية تاريخية وتوجز لها ملاحظاتها. لكن غادة لاحظت أن ليلى دقيقة في كلامها. وخمّنت أن التقارير تكتب للسفارة في موسكو وتصنف الطلاب السوريين خونة أو وطنيين. في ذلك اليوم كانت ليلى شاهدة على حادثة أغضبتها. أمامها قصد أحمد، الطالب المصري في جامعة موسكو، أن يمسح حذاءه بالمنشفة وهو يقف في الصف لتغيير الشراشف والمناشف. يعرض غضبه على الاتحاد السوفييتي وانحيازه لعبد الناصر! قالت له ليلى: نأخذ المناشف والشراشف النظيفة من مسؤولة الطابق ونسلمها الوسخة. تقدم لنا الجامعة هذه الخدمات كل أسبوع ولاندفع أجرها. ستغسل هذه المنشفة، ولكن كيف يسمح لك ضميرك بأن يمسح طالب وجهه بمنشفة مسحت بها حذاءك، وقد يكون جارك؟ تسيء بهذا السلوك إلى العرب. لو رآك زميلك الفرنسي لقال إنك لاتميز منشفة الوجه من خرقة الحذاء! تساءلت ليلى هل تروي لغادة تلك الحادثة؟ هل تقول لها إن ذلك الطالب دعاها إلى احتفالات الطلاب المصريين بنقلهم إلى الولايات المتحدة؟ كتبت إليها: كانوا سعداء! تلك بلاد فيها سعة! معترف بشهادتها في العالم. لايقفون فيها صفا لشراء الفواكه واللحم. وقد يؤمنون العمل فيها بعد التخرج أو يهاجرون منها إلى كندا. كم تختلف عنهم مع أنها مواطنة في جمهورية واحدة! لاتستطيع أن تنسى موقف الاتحاد السوفييتي في أيام العدوان على السويس والحشود على الحدود. تحفظ أنه أعلن أن كل خطوة في اتجاه سورية ستقابلها خطوة في اتجاه تركيا! وتقدّر أنه سند ثورة تموز. لكنها لن تذكر ذلك في رسالتها. بل ستكتب: "أقف في الصف في بهو الجامعة لأشتري البرتقال والموز، وأجد أحيانا ثمار الأناناس. كل ذلك مستورد، ومع ذلك سعره ثابت منذ أتيت إلى موسكو. كالزبدة والحليب واللحم"! وروت لغادة أنها أفاقت في عز الشتاء والسماء معتمة بعد، على صوت سيارة تجرف الثلج من الشارع وتكومه على الجانبين. رأت لأول مرة في حياتها الثلج على ارتفاع أمتار على جانبي الطريق! وانتبهت إلى النخالة التي ترش على الأرصفة، وإلى نظافة المترو ولمعان خشبه. وكتبت لغادة أنها رأت أحد زملائها يرمي ورق الشوكولا على الأرض. وماأطيب الشوكولا التي تباع في الجامعة، وماأحلى الورق الملون الذي تغلف به! رمى الورقة الملونة على الأرض واستمر في طريقه. فلحقته امرأة قدمت له الورقة التي رماها: أيها الشاب، وقعت منك هذه! خجل وفهم الإشارة. وصار يضع بطاقة المترو في جيبه إذا نسي أن يرميها في السلة قرب باب المحطة. "هل كل شيء تمام، ياغادة، ونحن في الجنة؟ لا"! رأت ليلى الناس يقفون في الصف قبل أن يعرفوا ماذا يباع. معنى هذا أن لديهم فائضا من المال. نعم، ماأبعد هذا المجتمع عن الكمال! وماأعجب أن يحل الأمور الكبرى ويعجز عن الصغرى! نقلت ليلى لغادة نكتة عن خروشوف من النكات التي تنسب إلى طلاب جامعة موسكو أو إلى راديو يرفان. "طلب خروشوف اللقاء بأحد طلاب جامعة موسكو ليعرف لماذا يخترعون عنه القصص. قبلوا شرط أن يكون الحديث جديا دون مزاح، وأرسلوا إليه أحدهم. عرض خروشوف للطالب مايعمله: في زمن الاشتراكية وصلنا إلى إنجازات كبيرة. صار من حق كل فرد في بلادنا الواسعة طقمان. أما في زمن الشيوعية فسيكون لكل شخص أربعة. وستكون له مثل شقتي هذه. وسيركب سيارة "تشايكا"! قال له الطالب: ألم نتفق على الحديث في جد دون مزاح؟! روى الطالب لزملائه ماحدث وأضاف نكتة جديدة: في زمن الشيوعية قيل للأطفال إن خروشوف كان في زمن الاشتراكية يستورد الموز، فسألوا: وماهو الموز"؟ هذه نكات تبين أن الناس لايأكلون سياسة صحيحة فقط! نعم، ترى ليلى أن الحياة في موسكو بعيدة عن الكمال. تقف ليلى في الصف قرب باب القسم الذي تعيش فيه في جامعة موسكو، لتشتري "الفواكه التي توجد أكوام منها في بلادنا، عدا الأناناس". "لكن الأسعار ثابتة من موسكو إلى البحر الأسود حيث أمضيت إجازتي الصيفية. واعرفي ياغادة أن لكل طالب "بوتيوفكا"، يعني الحق في عطلة يمضيها في منتجع صيفي وآخر شتوي، آكلا شاربا، مع أمسيات فنية. واعرفي أن أجر غرفتي في الجامعة رمزي. مع الماء الساخن الذي لاينقطع والتدفئة والمطابخ التي أطهو فيها طعامي أيام الأحد. في أمسيات السبت تقدّم لنا في الجامعة أمسيات فنية وترفيهية ثقافية"! كتبت لغادة أيضا أن النساء يحملن أكياسا تطوى في محافظهن كي يشترين ماقد يعرض في الطريق، فالعادة أن تباع الفواكه مثلا في الطرقات ولو في أيام البرد، وخاصة في الأعياد. ويعني ذلك النقص في السلع الكمالية. ومع ذلك تستورد أحيانا أحذية إنكليزية ونمساوية وغيرها. ظهرت في الفترة الأخيرة علب من الخضار البلغارية المجمدة فيها بامياء وباذنجان وبندورة فصار أحدنا يتصل بالآخر ليخبره عنها فنتخاطفها من مخزن الجامعة. أما ملابس الناس فجيدة لكنها بسيطة. وفي الشتاء يلبسون قبعات الفراء، والمعاطف الفرو. لم أصادف شحاذا أو متسولا أو حافيا. ويدهشني كم يدلل الأطفال. وقلما تصادفينهم إلا في الحدائق، فهم في المدارس أو رياض الأطفال. لو كنتِ محظوظة بالدراسة معنا في هذا البلد لوجدتِ الزهور تباع قرب محطات المترو كحاجة ضرورية. ولأدهشتك نظافة محطات المترو وعرباته التي يستخدمها الملايين من الأشخاص يوميا، ولصادفت نساء يلمّعن خشبه. إذا أتيت وأنا ماأزال هنا فسأرافقك في محطاته المتنوعة التي صاغها فنانون"! لم تنس ليلى أن تذكر لغادة خشيتها في الأيام الاولى من الثلج. تصورت أنها ستبقى محبوسة في الجامعة. فإذا بها تتعلم التزلج على الثلج، ثم التزلج على الجليد. "في حدائق الجامعة ملعب للتزلج على الجليد. "تقدمين هويتك وحذاءك فيضعونها في علبة ذات رقم، تختارين حذاء التزلج المناسب لك، وتنطلقين في الساحة الجليدية التي تغمرها الموسيقى والأضواء. تكتشفين رشاقة جسم الإنسان عندما تملكين المهارة في الحركة والدوران والوقوف على حد السيف! أما في الأيام التي يتجمد فيها الثلج على الأشجار فأفضّل التزلج على الثلج في حدائق الجامعة. أعبر غابات سحرية وأتصور أني في أسطورة. لن تفهمي، ياغادة، أن ديكور مسرح بولشوي يستلهم الطبيعة إلا إذا تزلجت في الغابة في درجة عشرين تحت الصفر عندما تصبح الأشجار كالمنحوتات البيضاء. وتفرجي على الأطفال! يبدون كاللّعب ولايستطيعون الحركة بمعاطف الفراء السميكة"! تكاد غادة تعرف تفاصيل حياة ليلى من رسائلها. وتكمل ماينقصها من رسائل ليلى إلى منور، كما تكمل لمنور مالم تكتب ليلى لها عنه. تركب ليلى المترو إلى مخزن في شارع غوركي كي تشتري الجبن القشقوان البلغاري، وتخزنه بين زجاجي النافذة المزدوجة في غرفتها في الجامعة. فتتساءل غادة ومنور، هل تأمين المدارس والجامعات والكليات والعمل والسكن والعناية الصحية لكل فرد أمر أسهل من تأمين الخضار والفواكه والكماليات؟ وكيف يعجز عن ذلك بلد عظيم متنوع الجمهوريات يقدم المساعدات لغيره؟ إلى هذا الحد يكلفه السلاح ومساعدات دول العالم الصغيرة؟ أم هناك خطأ في الإدارة؟ رفعت ليلى نخبا لم تذقه وانسحبت من الاحتفال: سترحلون أنتم إلى الولايات المتحدة، لكنني باقية، وعلي أن أنهض مبكرة إلى دروسي في الكلية! لن تقول للمحتفلين لماذا نقل مئتا طالب مصري إلى الولايات المتحدة، ولم ينقل طالب سوري؟ هل نحن جمهورية واحدة أم بلدان؟ عندما سيخرج عمر من السجن سيخابر غادة. وسيعرف حتى من صوتها فرحها به. ستقول له: تمنيت لو أستطيع زيارتك! كان ذلك مستحيلا! لكن طمئني أولا هل صحتك جيدة؟ وسيرد: مثل الحديد! وستقول له: لاتبالغ وإلا فلن أصدقك! وستلتقي به في نادي الجامعة، وتروي له ماتعرفه عن حياة ليلى. مديحة؟ لاتكتب لها، لكن أخبارها تصل إلى غادة من ليلى. ستتحدث غادة عن الأيام الصعبة التي عاشها محمود. ثم ستسأله: ياعمر، هل غرر بنا يوم هتفنا للوحدة ولعبد الناصر؟ وستدهشها حكمته بالرغم من آثار السجن عليه. ياغادة، لم يغرر بنا بل غرر بعبد الناصر! استند ذلك التغرير به إلى أهوائه ومزاجه! قدّر ايزنهاور أثر حملة عبد الناصر على الشيوعية والعراق. ورأى أنها تضعف تماسك الجبهة العربية وتريح دول حلف السنتو من المؤامرات التي تستنهض الشعور الوطني كلما اكتشفت. وقدّر أن تلك الحملة تشغل عبد الناصر عن اتصالات ايران بإسرائيل. وعن بداية النشاط النووي الإسرائيلي! والمهم أنها تمنع التفكير في زيادة حصة العرب من أموال النفط! لكني مع ذلك أتمنى ألا تكون النتائج أكثر مرارة من هذا! بعد سنوات سيتأمل عمر حياته الماضية، وسيفاجئه أن الزعماء، كرهناهم أم أحببناهم، لايبقون في جرائد زمنهم، بل يحتلون مكانا من حياتنا. ويقررون ذلك المقطع من مسارها. سيستعيد عمر الحشد أمام قصر الضيافة الذي جمعه بليلى وغادة وفوزي ومديحة. وسيتساءل من الشخص الذي فحص تعبير وجهه واكتشف أنه تمنى الانسحاب، وحاسبه على ذلك في سجن المزة! وسيهرب من التفكير في ذلك فيقول لغادة مداعبا: كتبت لك ليلى عن الثلج، وذقت أنا برده! قبل السجن لم أشعر في حياتي بمثل ذلك البرد! فكر عمر بناصر في هدوء فيما بعد. وتساءل لماذا استطاع هذا الفرد أن يغير مسار بلاد؟! وبدا له أن المجموعة العاقلة القوية يجب أن تمنع القائد السياسي من الخطأ، لأن فترة تاريخية تسدد ثمن أخطائه. وتدفع ثمنها أجيال أحيانا. ولكن متى ستصبح القوانين راسخة في الضمير والطباع فتلزم حتى الأبطال الخارقين بمعايير وتضع لهم حدودا؟ في السجن فهم عمر تداخل الألوان، وحاول أن يفك خيوطها. ثم بدا له أن الرجال كناصر يظلون يضيفون إلى ملامحهم خطوطا جديدة حتى لحظة الغياب، ويكتملون بمواقفهم الأخيرة. سيعتمد ناصر حتى يومه الأخير على تعبئة الجماهير العربية. وسيلهب حماستها ويقربها منه بلغته وبرجوعه إليها. فهل كانت الجماهير أكثر وعيا منه لأنها تغاضت عن أخطائه الأساسية؟ أم تغيرت الجماهير بين البداية والذروة والنهاية؟ فلم تتساءل هل يستر تدخله في البلاد العربية بموقفه من عبور السفن الإسرائيلية في قنال السويس؟ وهل يخدم تنظيم التمرد في العراق موقفه من علاقة ايران بإسرائيل؟ في ظلمات الاعتقال وحياكة الضغائن بين الوطنيين في سورية والعراق والأردن، اكتشف ناصر سنة 1960 المؤامرة على لومومبا في الكونغو، وانفصال تشومبي بإقليم كاتانغا الغني بالألماس والاورانيوم والنحاس. اشتركت قوات مصرية مع قوات الأمم المتحدة في حفظ السلام في الكونغو. لكن قوات الأمم المتحدة التي أغلقت المطار واحتلت الإذاعة حاصرت حكومة لومومبا. وختمت خيانة موبوتو، قائد الجيش، المأساة فسلم لومومبا إلى تشومبي وقتل. كان رجال المخابرات المركزية وممثلو روتشيلد وشركات النحاس قد وصلوا إلى الكونغو. فسحب ناصر القوات المصرية محتجا وأعلن لأسرة لومومبا الحماية. سيبتعد ناصر بعد هزيمة حزيران كثيرا عن ناصر الذي تحدث في ساحة قصر الضيافة في دمشق في آذار سنة 1959. يوم تساءلت غادة وهي تستمع إليه: هل يحتاج هذا العالم المضطرب إلى صراع جديد؟ وسيروي لها عمر أنه تابع كقومي عربي أخطاء الشيوعيين في العراق: وهمهم بأنهم يقبضون على ولاء الشعب إلى الأبد، ونسيانهم من يحيط بالعراق، وخطأ منظماتهم في كركوك التي استسلمت للأحقاد القومية وتصفية الحسابات، كمنظمات كردية! أغضبته كقومي التضحية بضابطين وطنيين هما سرّي والطبقجلي. وستشاركه غادة شعوره. لكنها ستختلف معه لأنه كان يومذاك يقدم مسؤولية عبد الحميد السراج على مسؤولية ناصر. السراج هو الذي أمّن للشواف محطة الإذاعة التي وصلت متأخرة مع أنها من مقومات التمرد! وهو الذي أرسل السلاح مع شيوخ شمر! وهو الذي نظم لقاء رجال العشائر بالقوميين المتمردين! وستسأله: هل يجسر السراج على ذلك دون استشارة ناصر؟! وسيهزّ عمر رأسه كالحكماء: على كل حال، سيجني ناصر ثمار الأخطاء المرّة! سيجنيها السياسيون الذين ساهموا فيها! وسيذوق مرارتها حتى من لم يساهم فيها! سيكتب عمر إلى ليلى بعد الانفصال: نعم، ياليلى، تسدد الشعوب ثمن أخطاء زعمائها وسياسييها! ولذلك لها عليهم حق المراقبة الدقيقة! بعد هجوم عبد الناصر على الاتحاد السوفييتي وعبد الكريم قاسم دعا كمال الدين حسين طلاب البعثات في البلاد الاشتراكية إلى اللقاء في القاهرة، كأنما ذلك لاحتفالات ثورة يوليو. فتساءلت ليلى: هل لدي وقت للسفر إلى القاهرة؟ كانت قد أمضت في دمشق أسبوعا فقط تخاطفتها فيه منور وسعاد ونفيسة، وعادت لتكسب أسبوعا في منتجع على شاطئ البحر الأسود. وهرعت إلى المستشفى لتكسب بعض التدريب في المستشفى قبل بداية السنة الدراسية. ستقول عندما ستتأمل حياتها فيما بعد: يالتلك السنة العاصفة! وقت خيل إليها أنها نظمت عطلتها بدقة، تبينت أن سلطة قاهرة تنظم حياة الناس، وأن حرية الفرد مقنّنة بمقدار ماتخرق إرادته وظروفه الإرادة العليا التي تحكمه أو تواكبها. في دمشق أغرقتها الدعوات إلى الغداء والعشاء. فأعلنت لأمها: كأني خروف العيد الذي تسمّنونه! ورجت خالتها: لاتسكبي السمن العربي على الرز! وقالت لنفيسة: ياعمتي أحب شراب الورد الذي تحضّرينه لكن اعفني من الكبّة المشوية التي يسيل منها الدهن! تحدثت في ذلك الأسبوع عن كليتها وأساتذتها وعن المدينة والغرفة التي تعيش فيها والمخازن التي تشتري منها الطعام وعن مطعم الأساتذة في الجامعة وعن الناس والمسارح. كان أهلها يريدون أن يعرفوا التفاصيل. وفهمت أنها من أوائل من سيصفون تلك البلاد المجهولة التي تعجز بعض الكتب المترجمة عن التعريف بها. والتي ستعرف فيما بعد بدقة من المبعوثين والوفود. نعم، ياعمتي، الناس طيبون ولم أصادف إلا من يرحبون بالغرباء. لكنهم يظنون أن كل من وصل إلى بلادهم مناضل في سبيل الحرية والسلام! دعي الطلاب في رأس السنة إلى احتفال في مدرسة تعلم اللغة الإنكليزية فتهنا عن الطريق. كان الثلج ينزل ولاتستطيعين أن تميزي دربك في الظلمة. خيوط بيضاء تتطاير حولك فلاترين ماخلفها. تطوع رجل سألناه عن المدرسة فمشى معنا أكثر من ربع ساعة. نعم، ياخالتي سعاد، حجزت مكانا في منتجع على البحر الأسود، ولن أدفع غير ثمن بطاقة الطائرة، وماأرخصها. تسألينني هل البلاد جنة؟ الثقافة مجانية تقريبا، الكتب وبطاقات المسرح والمتاحف رخيصة. الحليب والزبدة رخيصة وأسعارها ثابتة. لكن لاتبحثي عن الملابس والأحذية! وماأسخف ذلك! بعد سفر ليلى تساءلت منور: هل قصدت ليلى بكلامها أن تطمئننا، أم أنها نقلت الحقيقة؟ ردت عليها سعاد: لو لم يكن ذلك حقيقة لقطعت البعثة ورجعت! وهل تغامر ليلى بأن نقول لها ذات يوم، كذبت علينا؟ ومع ذلك لن تطمئن منور إلا يوم يجلس زياد أمامها ويروي لها كل شيء من البداية! خلال الأسبوع في المنتجع على البحر الأسود سكنت ليلى مع طالبة روسية في غرفة تطل على الغابات والجبل. ركبت الباص مع مجموعة من الطلاب الإفريقيين والعراقيين والأردنيين وزارت منتجع أطفال يديره الأطفال. وسهرت في منتجع لطلاب العلوم الروس مثلوا فيه مسرحية يونانية رموا في نهايتها طالبة لإله البحر. ومشت في غابات من أشجار البندق. وحضرت حفلات نظمها المنتجع. وسبحت في المسبح الجبلي بين أشجار الصنوبر، وأمتعها أن المستجمين هجروه إلى البحر فبدا كأنه مسبح خاص بها. سبحت على ظهرها وغمرتها السماء والأشجار وذرى الجبال. وتمنت أن تبقى دهرا مفتوحة العينين على صفاء تلك الألوان. خيل إليها أنها تلمح على الجبال زرقة الأرطاسيا وبياضها العاجي. وأكملت لها الغيمة التي تغطي جبال القفقاس تلك اللوحة. هل يحاول الرسامون أن يستلهموا التناسق في ألوان الطبيعة، وأن يثبّتوا لحظات التبدل الآسرة في اللون والضوء ولحظات كمالها؟ سحرت ليلى جبال القفقاس التي تمدّ سفوحها نحو البحر الأسود وتدثّر أكتافها بالثلوج. رحلت ساعات بالباص مع مجموعة الطلاب الأجانب لتتفرج على البحيرة الزرقاء اللازوردية، على الطريق إلى بحيرة ريتزا. وظلت تحبس أنفاسها طوال الطريق الذي تجري قربه مياه الجبال على حصى نقي. لم يتوقف الباص إلا حيث سمحت المحمية البيئية بذلك. شربت ليلى ماء فقط كأنها تبلع غصة الدهشة. وسمعت لأول مرة السكون الذي لايشوشه الإنسان. وبدا لها أن العصافير نفسها تصغي لذلك السكون العميق فتشدو شدوا رقيقا. لكن ليلى سمعت أنواعا من شدو العصافير لم تسمع مثلها من قبل. وعندما توقف الباص قرب مطعم وحيد يطل على بحيرة ريتزا انصرفت إلى البحيرة، وانساق معها بعض الطلاب فقالت المرافقة: سأدخل إلى المطعم وأطلب لكم الغداء ليقدم بعد ساعة. وسألحقكم. اسبقوني في هذا الاتجاه! مشى الطلاب، رفعوا رؤوسهم إلى الجبال التي تحيط بالبحيرة، تفرجوا على صفحة المياه الساكنة التي تنعكس فيها الجبال والأشجار. هسّت تحت أقدامهم أوراق الأشجار وإبر الصنوبر المتراكمة كفراش رخو. ماأحلى القفقاس! بسطت الجبال والبحيرة هيبتها فلم يتكلم أحد من تلك المجموعة. أنصتوا للسكون الذي يوشيه صوت خطواتهم على الأوراق المفروشة طبقة فوق طبقة سنوات إثر سنوات. همس أحدهم: يجب أن نعود مرة أخرى! فابتسمت ليلى. يعد المسافر نفسه دائما ذلك الوعد لأنه يرفض أن تمضي اللحظة المدهشة بسرعة. فهل يمكن أن تستعاد اللحظة الروحية التي تتداخل في الضوء والظلال والخطوط؟ ألا تهرب روح المشهد إذا اقتحمه ضوء الظهيرة الصيفية الجائر وألغى ظلاله؟ للطبيعة روح تجف في الضوء المتعسف وتفتّح ألوانها في الضوء الرخي! فهل تجتمع تلك اللحظة، الفريدة في كمالها وتناسقها، فتتفتح روح كلينا في وقت واحد؟ نبهتها طبيبة المنتجع: لاتعرفين ضرورة الشمس والراحة، مع أنك طبيبة، لأنك من بلاد لاتفتقدها. أنصحك بألا تقطعي عطلتك، فالشتاء طويل في موسكو. ابقي لتموّني نفسك بالدفء من هنا! لكن ليلى لم تسمع نصيحة الطبيبة، لتنفذ البرنامج الذي أعدته لنفسها. ستفيد قدر ماتستطيع من المنحة الدراسية! كان عبد الناصر وقتذاك يهاجم الاتحاد السوفييتي والعراق فنصحتها مارغريت: استدعاكم الوزير كي يحجزكم في القاهرة ولاأستبعد أن ينقلكم للدراسة فيها. إياك أن تسافري! أستبعد أن يلغوا بعثتك فهي منحة سوفيتية. صحيح يامارغريت، لكني سأحاسب يوم أنهي دراستي وأعود. فهل أستطيع أن أقرر البقاء خارج بلادي؟ هل أقبل أن أحمّل من كفلني ماليا عبء تخلفي؟ هل قراري منفصل عن المجموعة التي أرتبط بها ومنها أمي؟ لايجيب على هذه الأسئلة غيرك، ياليلى. قد تكون استعادة المبعوثين منعطفا يغير مستقبلهم! لاأفهم كيف يمكن أن يضيّع قائد وطني صوابه هكذا! الولايات المتحدة غاضبة على العراق منذ ثورة تموز وسقوط حلف بغداد. فلماذا يحمل ناصر مشروعها؟ لم تسافر ليلى إلى القاهرة ولم تقدم اعتذارا. ردّت على هاتف من السفارة: لدي تدريب في المستشفى لايمكن التخلف عنه. وشعرت بأنها لم تخطئ لأن العائدين من اللقاء بكمال الدين حسين تحدثوا عن مغامرات كان يمكن أن تحجبهم في القاهرة. مصادفة، التقت ليلى في احتفال يوم السبت في الجامعة بعماد الذي يدرس الأدب الروسي. يالهذا الشاب الذي يجوب موسكو مكتشفا خفايا المدينة الكبيرة، ويالتلك البساطة التي تقربه من الناس، وتلك الصراحة الدمثة! روى لها عماد أن أمه كانت تربطه بحبل إلى الشجرة وتترك له من الحبل مسافة يمكن أن يتحرك فيها دون أن يؤخرها عن عملها أو يؤذي نفسه. وروى لها أن أمه تعلمت منه القراءة عندما كانت تراقبه وهو يدرس، فتسأله كمن يفحصه: ماهذا الحرف، وماهو ذاك! كان عماد قد نصح ليلى: لاتسافري إلى القاهرة! ولكن من كان يتوقع أن يسبب اللقاء في القاهرة تلك الكارثة! خلال اللقاء في القاهرة شكا بعض الطلاب من الدراسة في موسكو كي يحوّلوا إلى الولايات المتحدة. وأراد فؤاد أن يقطف تلك الفرصة هو أيضا فقدم شكوى مماثلة. لكنه لم يقدّر أن اختصاصه لايبيح له ذلك فكان قرار الوزارة: ادرسوا الأدب الروسي إذن في مصر! هاج زملاؤه وكتبوا رسالة إلى كمال الدين حسين بينوا فيها أنهم قطعوا شوطا في الدراسة في موسكو وأن الانتقال سيعيقهم لذلك يطلبون البقاء في كلّيتهم. وفرضوا على فؤاد ألا يفتح فمه بعد ذلك اليوم! انتقل بعض الطلاب إلى جامعات في الولايات المتحدة، وعاد آخرون. لكن أحد الطلاب السوريين استبقي زمنا وعاد متعبا وحزينا. تساءلت ليلى: هل هو ذلك المرح الذي روى قصة الشنكليش؟ قال عماد لليلى خلال حفلة السبت: يبدو أنه عانى من التحقيق معه في القاهرة! لم يبح بما أخّره لكن الأمر واضح, أعتقد أنه اعتقل. قد يكون ملزما بألا يتحدث عما جرى له. يبدو لي أن تقريرا رفع عنه من هنا، وأنه كان في القاهرة في موضع المتهم. وأن المباحث حققت معه وهددته. قلبه ثقيل ياليلى. هل سبب ذلك أنه اكتشف أهوالا لم يتصور أن توجد؟ هل اضطر إلى اعتراف لايقبله ضميره؟ هل ألزم بمهمة ثقيلة؟ قال لي إنه قلق وحزين. فشجعته بالكلمات التي نعرف أنها لاتجدي لمن يحمل هماً لايكشفه ولايستطيع أن يبحثه مع أحد. أنا قلق عليه. نقل عماد القلق إلى ليلى وانصرف إلى الطابق الثاني الذي وصلت منه موسيقى راقصة. ومشت ليلى في الممرات مع مارغريت. كيف نستطيع يامارغريت أن نساعد شابا يغرق؟ فكرت ليلى في اختصاصها: نبحث جسم الإنسان، عظامه وأوعيته وعضلاته. لكننا قلما نبحث روحه. تبدو لنا الأمراض النفسية حالات ذات صفات وقد نهتم بمرضى اهتزت عقولهم. لكن عالم الروح مدى شاسع، بحر. ومع ذلك من منا فكر بتلك الأطياف من وجع الروح التي لاتصنف كأمراض عقلية أو ككآبة؟ من تسلل إلى تلك الدرجات التي يطفو فيها ويغرق إنسان يترنح بين العتمة والضوء، قبل أن تصل إلى مرض نفسي؟ لاالأطباء ولاالناس أنفسهم ينتبهون إلى تلك الأوجاع التي قد يخفيها الإنسان بابتسامة أو اتزان أو هدوء. لانقدّر ألمها حتى لو ظهرت في ملامح الوجه. سألتها مارغريت: بينك وبين ذلك الطالب صداقة تسوّغ لك أن تسأليه مابه؟ هزّت ليلى رأسها: أبدا! صادفته مرة واحدة فقط. ولاأميزه من آخرين كانوا معه يومذاك. ياليلى يجب أن يرعاه إذن من يعرفه أكثر منك، وإلا جفل. بعد أيام عرفت ليلى أن ذلك الطالب السوري انتحر. قيل إنه زار أحد زملائه قبل انتحاره، وشكا له من حزنه وقلقه. لم يتحدث عن الأسباب. ولم يكن زميله يجهلها: السبب ماحدث في القاهرة خلال اللقاء الذي دعا إليه كمال الدين حسين. ولكن ماهي التفاصيل؟ وكيف يتطفل زميله فيطلب منه البوح بها؟ متى يكون البوح اعترافا، ومتى يكون حديثا روحيا حرا؟ وهل البوح أمر شخصي في هذه الحال أم هو اعتراف بما يتصل بآخرين، وقد يمنع عنه الخوف والعقاب؟ قفز الطالب من الطابق الخامس، وانتهت حياته في تلك الليلة! نقل عماد الخبر إلى ليلى، ونقله لها طلاب عرب وروس. ماأسرع ماينتقل الخبر السيء! تساءلت ليلى ألم يكن بزيارته زميله كمن يطلب النجاة؟ ولكن من يستطيع أن يلتقط برهافة ذلك النداء الصامت، نداء إنسان لايستطيع أن يقول أنقذوني من الغرق؟ من المؤهل لفهم كبرياء المنتحر ويأسه؟ وكم منتحر سيزور زميله أو صديقه لاجئا من العتمة التي تقفل عليه وتطوقه فلايبقى له غير اللحظة الضيقة التي لاتتسع لقدميه؟ كان يفترض أن يثير انتحاره غضب الطلاب! كان يفترض أن ننظم وفدا إلى السفارة ونطلب محاسبة المسؤول عن قتله! لكني لاحظت، يامارغريت، الصمت الحزين. وخيل إلي أني ألمح أثر التأديب الذي بدأ يحفر مسارا في الروح مكان العنفوان. قد تسمينه خوفا! لكن ذلك يعني يامارغريت، أن انقلابا حدث في روح السوريين. هل تتصورين ياليلى، أن تغيير المشروع العام الذي يقوده رجل ذو سمعة وطنية كعبد الناصر، لايحفر مجرى في السلوك والأفكار؟ حدث عندكم انقلاب! ألغي نمط الانتخابات، ألغيت الأحزاب، ووضع نمط آخر من الحياة السياسية يفرضه فرد وتنفذه مؤسسة بوليسية. كثيرون منكم لايحبون أن يتأملوا الانقلاب الذي جرّته عليكم الوحدة، كيلا يواجهوا الخسائر الروحية والسياسية التي تنضج الآن. تريدين رأيي؟ يستطيع الأفراد الأذكياء أن يلتقطوا جوانب من تلك الخسائر، كانتحار الطالب المسكين. لكن القوى السياسية هي التي تستطيع، بما يفترض أن تعرفه من المعلومات الخفيّة، أن تصوغ النتائج والمشروع لمواجهتها. وذلك مستحيل الآن. لأن القوى السياسية التي نزلت بها ضربة عبد الناصر لاتزال مشغولة بأوجاعها، ولاتزال تعاني من القصف التنظيمي والإعلامي الذي اخترق عظامها. وماتزال متفرقة بعد انزلاقها إلى الخديعة، وبعد سقوطها في وهم الركوب في سفينة عبد الناصر لتنفذ مشروعها الخاص. يبدو لي أن القوى السياسية السورية انكسرت وتبعثرت ولم تجد بعد الوقت كي تنهض من هزيمتها. وبما أنها هي التي تستطيع أن تصوغ مشروعا للناس، وهذا المشروع غائب الآن، يمتدّ ماسميتِه صمتا حزينا. استمعت ليلى إليها. مارغريت العراقية على حق. وماأذكاها! وضعت ليلى كفّها فوق كفّ مارغريت. كم خسرنا يامارغريت بفراقنا عن العراق طوال هذه الأزمنة! ياليلى، يبدو أنه مقدّر على العراق أن يبقى في خلاف مع سورية كي يخسر العرب اجتماع الحكمة السورية بالعنفوان العراقي والثقافة العراقية! وكي تخسرهما فلسطين! حجب نوري السعيد العراق عنكم، وسدّد المؤامرات التي صاغها فاضل الجمالي بمكره الرفيع. ويحجب العراق الآن عنكم عبد الناصر. فتأمّلي الهدف الواحد الذي ينفّذ من جهتين متناقضتين! هل قدر الشعوب، يامارغريت، أن تنحني دائما لحكامها الظالمين أو للمتآمرين عليها؟ لا، قدر الشعوب الصراع ياليلى. وهذا مايحدث الآن! فهل نحن أكثر خبرة منكم بالصراع لذلك ألفنا أن الموت عادي بينما هو عندكم حدث هائل؟ تطوع كثير من الطلاب الذين عرفوا المنتحر لجمع التفاصيل. ورصفوا أحدها إلى جانب الآخر. حققت معه المباحث في مصر. وهدد بإلغاء بعثته إذا لم يتعاون معها. كانت لديهم معلومات واسعة عن أهله الفقراء الذين ينتظرون تخرجه ليحمل لهم الفرج. بعد عودته من القاهرة تحدث إلى أحد زملائه عن الفقر الموجع، وعن الآمال التي تعلّق على الابن البكر الذي يحمل واجب دراسة إخوته، وواجب البحث عن بيت مناسب، وزيادة وجبة الطعام على المائدة، وعن ملابس لائقة لأخواته الصبايا. بكى في تلك الليلة أمام زميله وهرب ليخفي دموعه، فخجل زميله من الفرجة على وجعه. وروى زميل آخر أنه لجأ إليه مثقلا بهموم أخرى. وكأنه أجاب على التساؤل لماذا تأخر شهرا بعد رفاقه في العودة من القاهرة إلى موسكو. قرر زملاؤه: كان مثقل الضمير. تحدث في اليوم الأخير عن الشروط التي فرضت عليه كي يسمحوا له بالعودة. ومنها ألا يبوح بما ألزم به. بدا لزميله، الذي كان آخر من رآه، كمن يختنق. قال له: هل تتصور أن العار هو أن تتصرف شابة بجسمها خارج معايير الشرف المعتمدة؟ بل العار أن يهان إنسان وتذلّ إرادته، وتسحق رغبته، فيقبل أوامر سجانيه. ويؤكد لاولئك الذين عذبوه أنه لن يكون إنسانا مفكرا عاقلا، بل خادما لارأي له، ولاعقل له. تساءلت ليلى: هل يسمى هذا انتحارا، أم يجب أن يسمى جريمة، وأن يعاقب من ارتكبها! ياليلى، أين ستبحثين عن المجرمين؟ وهل ستجدينهم؟ مثل هذه الجرائم جماعية. وتلك هي فظاعتها. فكل فرد من تلك المؤسسة المنظّمة يقوم بدور فيها. فإذا بحثتِ عن مسؤول عنها قيل لك: كلها! وقيل لك نؤدي الواجب الوظيفي! هكذا راح مئات القتلى في السجون! لكن ماأذهل ليلى أن إنسانا ذا ضمير قُتل، ومع ذلك استمرت الحياة في جريانها العادي. ياللهول يامارغريت! موت إنسان أمر جلل، أمر فظيع! هذا إنسان! هذا شاب مثلنا في أول العمر! ياليلى، لو كانت النواقيس تدق في الدنيا كلها كلما قتل إنسان ظلما، لما تكرر القتل. ولاختنق الظلم في سردابه! هل تظنين أن السيئين هم الذين يعذبون ويذبحون؟ بل يقتل ذوو الضمير. يقتل الذين يقلقهم مصير البلاد والناس. يقتل ذوو الحلم الإنساني الرحيم. سألتها ليلى فجأة: يامارغريت أنت من حزب سياسي؟ ابتسمت مارغريت: لو كنتُ لما بحتُ لك بذلك! لكن لاتسألي شخصا في بلد يعيش حالة الثورة هل أنت سياسي! تجرّ الاضطرابات الكبرى الناس جميعا إليها. وتصبح المباراة: من المسؤول عن البلاد أكثر من الآخر. هذا فضيلة، وقد يكون أيضا مصيبة! أتعرفين ياليلى أن الشهامة تدفعنا أحيانا إلى الجري في مشاريع سياسية؟ أتعرفين أن الموقف الأخلاقي الذي يرفض العدوان على الإنسان يجرّنا إلى موقف سياسي؟ لو رأيتِ كما رأيتُ أنا الرصاص الذي أطلق على طلاب هل كنتِ تستطيعين الفرجة كأنك محايدة؟ رفض محمود أن يجلس في الشرفة التي زينتها غادة بأصص القرنفل البلدي، وغطت الطاولة الصغيرة فيها بغطاء رسمت عليه زهور بيضاء. اختار أن يجلس في غرفة النوم بعيدا عن الطريق والهاتف. فخمّنت أنه أسير هواجسه! قال كأنها تتابع الحديث الذي بدأه مع نفسه: ياغادة، لو بقيت سورية كما كانت قبل الوحدة، لسندت ثورة تموز وقرّبت المتخاصمين أحدهم من الآخر. ولربما تفادى العراق الصدام الدموي بين العراقيين! ولسلمت ثورة تموز من التفكك! ولكن، آه..! سيتذكر أحمد عبد الكريم، بعد عقود، دعوة إلى العشاء في بيت عبد المحسن أبو النور في دمشق، التقى فيها خالد محي الدين عديل عبد المحسن بضباط القيادة العسكرية السورية. نصحهم خالد محي الدين: إياكم والوحدة! في سورية نظام نيابي وأحزاب وانتخابات، وفي مصر نظام رئاسي وحكم فردي! فهل كان صوته أضعف من هدير العواطف؟ اجتمعت القيادة العسكرية في الليل يومذاك وقررت السفر إلى مصر وطلبت من عبد الناصر وحدة "اندماجية". وهاهم اولئك الضباط قد تناثروا، فمنهم من سرح، ومنهم من رمي في مؤسسات مدنية، ومنهم من ينتظر! صدم ذلك محمودا. ولاحظت غادة خيبته من صمته الطويل. كان أحيانا يبوح ببعض جمل فتقدّر غادة أنها أجزاء من حديث طويل بينه وبين نفسه. قال: كان يجب أن نلتزم بقرار المجلس النيابي الذي صوت على الاتحاد لاعلى وحدة اندماجية! وفي مرة ثانية قال: قرار ضباط القيادة وسفرهم فجأة إلى مصر، انقلاب! لم يستشيروا الحكومة! خرجوا على قرار المجلس النيابي. وقال في مرة أخرى: لاأفهم كيف قبلوا التعهد لعبد الناصر بألا يتدخل الضباط في السياسة، وأن تحل الأحزاب. ألم يفكروا بأن معنى هذا أن ناصرا لايفهم السياسة التي كنا نهتم بها؟ وماهي؟ مقاومة مشروع الدفاع المشترك والنقطة الرابعة وحلف بغداد وفراغ أيزنهاور، واعتداءات إسرائيل. فهل نلام على هذا المسار؟ نظرت إليه غادة نظرة طويلة. رأته يغرق في حوار ثقيل أكثره بينه وبين نفسه وبعضه معها. قالت: لكن ذلك كله مضى، فلماذا تعود إليه منقبا في الصحف التي أصبحت ذكرى قديمة؟ تنهدت. لعله يستعيد الأحداث ليسند هواجسه بالحقائق! كان يتذكر الديمقراطية التي أثمرت المجلس النيابي، وتصور أنه حارسها. والمنافسة الحرة بين السباعي مرشح الإخوان المسلمين، ورياض المالكي. ويزهو بوعي الشعب السوري. قال: ممارسة العمل الوطني، تغني الفرد والمجموعات، وتظهر المؤهلين للمناصب والأعمال. وهاهي الوحدة تفقدنا هذه الإمكانيات! تخلفنا عن بداية القرن العشرين أيام دعت الدولة العربية المواطنين إلى ممارسة العمل السياسي كواجب وطني! فوق ذلك، خرق البيطار، بموافقته على وحدة اندماجية في القاهرة، المهمة التي كلف بها. فالمجلس النيابي قرر، خلال لقاء مجلس الأمة المصري بالمجلس النيابي السوري في تشرين سنة 1957، الاتحاد الفيديرالي. خذي اقرئي! "إن نواب المجلسين المجتمعين إذ يعلنون رغبة الشعب العربي في مصر وسورية بإقامة اتحاد فيديرالي بين القطرين، يباركون الخطوات العملية التي اتخذتها الحكومتان السورية والمصرية في سبيل تحقيق هذا الاتحاد. ويدعو حكومتيّ مصر وسورية للدخول في مباحثات مشتركة بغية استكمال تنفيذ هذا الاتحاد". ياغادة، أرسل ممثلو الجبهة والجيش الذين اجتمعوا في بيت خالد العظم، وزير الخارجية البيطار إلى عبد الناصر ليعرف رأيه في الوحدة. فلماذا اجتمع مجلس قيادة الجيش في تلك الليلة من منتصف كانون الثاني سنة 1958 واتخذ قرارا بوحدة اندماجية، وخفّ في تلك الليلة نفسها إلى مصر؟! كيف يتخذ بمثل تلك الخفة والسرعة قرار يتعلق به مصير الوطن ويمس مصير مجموعات من البشر ومؤسسات وأحزاب؟! اعتمد أصحابنا العواطف يومذاك لاالدراسة والتفكير في النتائج! ستستعيد غادة كلمات محمود فيما بعد وتسأل طيفه: وأنتَ، هل كان قرارك عاقلا وهادئا أم دفعتك إليه العواطف، مع أنه يتصل بحياتك وحياة طفل وبي؟ ألم تهب نفسك الحق في اختيار مصير قررتَه مع مجموعتك لوطن ومؤسسات وبشر؟ تذكر محمود وهو يتصفح الماضي أمام غادة، أنه كان من الضباط الذين نفذوا الاعتصام في معسكرات قطنا احتجاجا على تنقلات الضباط، لأنها تشتتهم وتهدد الاتجاه الوطني. ياغادة، كان ذلك عصيانا ينبّه إلى الخطر. لكنه لم يكن انقلابا عسكريا. وساهم أكرم الحوراني في حل الأزمة باحترام قرار الحكومة وتوضيح رغبة ضباط الجيش. لكن تأملي مايحدث الآن! لاسؤال ولاجواب! لاحوار! فرضت تجربة مصر على سورية، مع أن التجربة السورية أكثر تقدما. في سورية جمع الميثاق الوطني الأحزاب وسندها بالجيش. اقرئي، هذا هو الميثاق الوطني الذي اتفقت عليه الأحزاب في سنة 1956. ماالخطأ فيه؟ رفض الأحلاف العسكرية العدوانية، الالتزام بالحياد الايجابي، مقاومة العدوان الإسرائيلي، التعاون مع مصر، اتفاقيات اقتصادية وسياسية وثقافية يمكنها أن تصبح أساسا للوحدة العربية الشاملة، علاقات تجارية مع الدول الصديقة لتعزيز استقلال سورية. في المجال الداخلي وافقت الأحزاب والمنظمات السورية على التصنيع، والضمان الاجتماعي، وقوانين لحماية حقوق العمال والفلاحين، وتوزيع أراضي الدولة على الفلاحين المعدمين.. سحر غادة عقل محمود واتزانه. يحلل محمود الأحداث في هدوء، ويصل إلى نتائج معقولة. ويبدو دائما مطلعا على مايجري في البلد. لذلك آلمها أن يشعر بالخيبة. وأن يبدو عاجزا كأرنب في شبكة صياد. قال لها: ماعدت أعرف من حولي! يأمرني ضباط مصريون أقل مني رتبة. يجرحني أن السوري لديهم ليس مؤهلا للثقة والقرار، وتحجب عنه المعلومات. ياغادة، آمنا بالثوابت القومية فرمينا أنفسنا على الوحدة! "بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان"! ماأشق علي أن أقول إن الأمر ليس هكذا للحكام المصريين! خرجت غادة إلى الشرفة التي رتبتها لذلك المساء. بدا لها الكرسيان المفروشان بلون أزرق حزينين، والطاولة التي يتوسطها إناء فيه ياسمين، مهجورة! وضعت كفيها على أذنيها. ياربي! قبِل حزبنا أن يلغي نفسه لأجل هدف كبير هو الوحدة! قلنا إن الهدف العظيم يبرر ذلك! فماذا جرى؟! خُدعنا؟ لكن ذلك ليس خارج بيتي بل في قلبه! أين الأيام التي كنا فيها مؤمنين بالنصر على قوى عظمى؟ هذا جزاؤنا على التضامن مع مصر أيام العدوان على السويس؟! هذا هو ردّ الجميل لجول جمّال؟ ستتمنى غادة فيما بعد: ليتني استطعت أن أبعد الوجع عن محمود وأن أبدد خيبته! وليت من سبب تلك الخيبة فهم أن استبعاد الضباط الوطنيين فتح الساحة للضباط الحرفيين الذين سيعلنون الانفصال! ستجلس غادة بعد سنوات أمام صورة محمود وتفكر بالضباط الايرانيين الذين أعدموا بعد إسقاط حكومة مصدق، وبالضباط العراقيين الذين أعدموا أو قتلوا في الخلافات والتمرد، وفي الضباط الذين سرحوا من الجيش السوري. وستقول لصورة محمود: يبدو أن الهدف ألا تبقى جيوش وطنية قوية مقابل إسرائيل، ليحكم الجيش الإسرائيلي وحده المنطقة كلها! غسلت غادة وجهها، حضّرت فنجانين من القهوة ورجعت إلى محمود. تذكرين ياغادة، أن عبد الناصر كافأ ضباط القيادة العسكرية الذين هرعوا إلى الوحدة بوسام لكل منهم وبثمن شقة سكنية. فردّوا الوسام الشخصي وطلبوا أن يكون وساما للجيش كله، ورفضوا ثمن الشقة! هذه هي كرامة الجيش السوري وكرامة السوريين! ألذلك أتت المكافأة الأخرى؟! في اليوم الذي وصل فيه ناصر إلى سورية في 5 آذار سنة 1958 بلّغ عامر الضباط حلّ مجلس القيادة في الجيش السوري، وعين قيادة جديدة. وندب إلى مصر 300 ضابطا. ونثر ضباطنا في مؤسسات مدنية. ألم تكن هذه تصفية، ياغادة؟! أجابت: ذلك في السياق يامحمود! تذكّر أن النقابات ألغيت وسيكون الإضراب جريمة. كأن محمودا لم يسمعها! شرد! وانتبهت إلى أنه لايبوح بما في قلبه إلا في غرفة النوم بعيدا عن النوافذ والأبواب والهاتف. إلى هذا الحدّ صرنا نخاف البوح ونخشى الوشاية؟! ستؤرخ غادة بداية اضطراب أسرتها بتلك الأيام! وستقول: لم تعد علاقتي بمحمود كما كانت أبدا! وداعا أيتها الأحلام بالحب الذي يبقى مشتعلا حتى الموت! هل حلمت بأن تكون مدلّلة في الحب؟ بأن ينشغل بها رجل ويتساءل في الليل ماذا يقدم لها في الصباح، ويتساءل في الصباح عما يحمل لها وقت عودته بعد الظهر؟ فيخرج من البيت كأنه مشغول بأمر، كي يبحث لها عن قرطين أو سوار أو باقة زهر، ويفاجئها بعلبة مخبأة في جيبه! وترى قرب سريرها أو على طاولة الزينة إناء شفافا فيه باقة من المارغريت الذي تهواه! أو وردة على ثوبها أو وسادتها! نفخت ذلك كله الريح! فهل أخطأت في الحلم بحب واسع يحتضنه زوج تقضي عمرها معه؟ كان أحد مراكز المخابرات التي افتتحت في أنحاء متنوعة من دمشق قرب بيتها. قالت كأنها سجينة: وضعونا في القفص! وبالرغم من اعتدادها بمدينتها، تمنّت أن تسافر مع محمود إلى بلاد بعيدة لاعلاقة لها بها، ليكونا امرأة ورجلا فقط. ذلك مستحيل! مستحيل أن تعيشي ياغادة دون طريق الجامعة وطريق الصالحية وشارع بغداد وأشجار الزنزلخت التي كانت تعطر طريق المدرسة، ونافذة تطل منها صديقتك، ونافذة تنقرينها وتتركين فيها رسالة! لن تستطيعي أن تهجري تلك الشجرة في الحديقة، التي تركت بين شِعبيها منشورا في كيس في آخر أيام الشيشكلي، لتتناوله من هناك رفيقتك! بقيت الشجرة، لكن تلك الرفيقة، قريبة البيطار، تدافع الآن حتى عن مراكز المخابرات: لحماية الوحدة من المخربين! الثمن؟ وظيفة في وزارة الخارجية! لاحظت غادة فيما بعد أن محمودا ينظر إليها أحيانا نظرات قاسية. لي؟ ماذنبي؟ افهمي ياغادة أن الرجل السعيد هو القادر على الأشواق! وأن المهان الذي لارأي له لايجرؤ على الشوق؟ يتحمل محمود رئيسه المصري الذي لايتميز بالكفاءة. فكيف يستطيع أن يقلب روحه على باب البيت كما يقلب المعطف ليلاطف حبيبته؟ واسته: هل تظن يامحمود أن السياسيين الذين طرزوا شرفة قصر الضيافة خلف عبد الناصر كانوا في وضع أحسن من وضعك؟ كانوا ديكورا بقي أياما ثم رمي! تواسيه؟ يعرف محمود أن الوزراء السوريين والضباط الموفدين إلى مصر وغير الموفدين، عاجزين مثله. ولكن ذلك يزيد من همّه ولايخفّف عنه. ماالعمل؟ اسمع يامحمود، الوحدة أكثر سعة من نظامين! جسّد الناس الذين تدفقوا في الشوارع احتفالا بالوحدة حلم رجال النهضة وشهداء أيار ورجال الثورات العربية، والدولة العربية التي قتلت مع يوسف العظمة. نحن حملنا أحلامهم وخيل إلينا أننا حققناها بالوحدة! ارم الصغائر وتذكر ذلك فقط! كم مرة يجب أن ترمي غادة ماتشعر به كي تبدد هواجس محمود؟ ستكون الوحدة طويلة، طويلة، فهل سنفقد تماسك الروح والقدرة على النظر، وندمر حياتنا الشخصية؟ تأملت غادة تلك الأيام فيما بعد، واستعادت أحوال محمود طوال سنوات الوحدة والانفصال، والشهور السابقة على الثامن عشر من تموز، وقالت لنفسها: لايستطيع الإنسان أن يعيش دون مشروع يهبه روحه. كان محمود يحتاج قضية كبرى. فوجد نفسه، مثل كثيرين، محروما منها. تناول بعض القادة والسياسيين هذا الشعور السليم وعجنوه على هواهم وساعدوا في تشرده! وكانت غادة وقتذاك حاقدة على البيطار وعلى عبد الناصر وعلى جاسم علوان وغيرهم. وماكان أحد يستطيع أن يعيدها إلى هدوئها. بدا لغادة يومذاك أن حياتها مع محمود لم تعد، منذ بداية الوحدة، مستقلة عما يجري خارج بيتها. فاندفعت تظهر أن أسرتها أقوى من العالم القاسي. فوجد محمود أحيانا احتفالات صغيرة تذكره بالماضي، أو تحاول أن تبعده عن الدنيا التي لايستطيع أن يحكمها أو يغيّرها. صادف مائدة عليها الحلويات والفواكه التي يحبها، وضيوفا من أصدقائه استقدمتهم إلى عيد ميلاده الذي نسيه، وصادف صور نزهة قديمة في مقهى في عين الفيجة أو الربوة، وصور احتفال بيوم زواجهما. وجد بطاقات للسينما لمجموعة من أصحابهما، وقمصانا بألوان يحبها. اشترت الزهر الذي تمنت أن يفاجئها به، ووجد وردة على وسادته، وحفنات من زهر الياسمين تحت اللحاف في الجهة التي ينام فيها. وكان وجهه وقتذاك يتألق بصفاء ألفته في السنة الاولى من الزواج. لكن الدنيا كانت تعتم بعد ذلك، فيجلس أحيانا في الشرفة مطلا على شارع يبدو له حزينا. ويهمس: صارت محلات الحلاقة النسائية كثيرة، ودخل شيء استهلاكي لم نعرفه من قبل. فتنبهه غادة: اسمع، كم تصخب عصافير الدوري قبل أن تنام في شجرة الكينا قربنا! فيهزّ رأسه ويهمس بصوت لاتكاد تسمعه: يخيل إلي أن ذلك العصفور الصغير، ابن جيراننا، يتجسس على أبيه! رأيته يضع نظارات سوداء على عينيه ويدخل إلى مركز المخابرات القريب من بيتنا. وماأبعد أبوه عن ذلك! لابد أن الشاب يتصور أن وشايته عمل وطني. هكذا صارت الوطنية ناصرية، صارت ولاء لفرد! وسيمهد هذا لعبودية الولاء لغيره! عندما جرت أحداث الموصل، كان محمود يحضّر حقيبته للسفر إلى القاهرة. وخطر لغادة أن بعده عن سورية سيريحه. سيكون في القاهرة أحد السوريين الذين لايكلفون بمهمة. فليتفرج على الأهرام والنيل والمتاحف، وليستمتع بالريف المصري! قالت له: هذه فرصة للفرجة على "مصر أم الدنيا". لكن رسائله المقتضبة أقلقتها. بدا لها أنه لم يزر حتى الأهرام، بل أغلق على نفسه الباب وانغمس في هواجسه. فانتظرت العطلة لتلتقي به وتخرجه من عزلته. أين راحت الأيام التي كان فيها الشوق، لاالقلق، يحملها إليه؟! لم تجسر رسائله حتى على التعبير عن الحب! تلومه؟ وهل كانت رسائلها إليه غير تفاصيل سخيفة تتفادى الحديث عن القلب! استقبلها حذرا كأن العيون تراقبه. ضنّ حتى بالابتسامة. وأين اللهفة؟ تلفّت وهما في السيارة كمن يبحث عمن يلحقه. فاجأها وجهه القاتم. ولم تر حتى طيف فرح بوصولها إليه. أين راح مرحه القديم ونضارة روحه؟ هل توهّم، كضابط، أن الوحدة كانت ستفتح بوابات النصر على الغرب وإسرائيل؟ لاحظت وهي تخابره من دمشق أنه صار ضيق الصدر، حاضر الغضب. وهاهو كأنه مايزال في دمشق يتنقل بين هواجسه، وليس وسط طبيعة أخرى وبلد آخر! لم ينظر إلى مايعبرانه بالسيارة! وعندما تلفتت وهي تقف مستطلعة البيت الذي ينزل فيه، استعجلها في نزق. فتح الباب وأغلقه وراءها بسرعة. فرأت نوافذ مغلقة، وفرشا قليلا حزينا. وتبيّنت أنه حريص على ألا تكون في البيت ثنية غامضة يمكن أن تُدس مسجلة فيها. لم تجد زهرة على طاولة، ولم تر الفواكه المصرية التي تمنت أن يفاجئها بها! لامانغا ولاجوافة! وتفادى أن يعانقها. فشعرت بغضب وتمنت أن تصرخ. ثم هدأت نفسها بالشفقة عليه: مسكين! لم تكن استراحت بعدُ عندما أجلسها مقابله ليتكلم عن وجعه. فشدت أصابعها على راحتها وضغطت أسنانها. هل يُلزمها بأن تبقى ثابتة في الحوار الذي ملّته في دمشق! مافائدة الكلام على مالايستطيع فرد أن يغيّره؟ ياحبيبي محمود، يبدو لي أن الإنسان يجب أن يحمي روحه كلما عجز عن ردّ مصيبة لايمكن أن يردّها فرد! حتى النجاة من المصائب تحتاج النضج في الزمن! احم روحك كيلا تتهشم كالزجاج! نحن شباب، والدنيا أمامنا ولن تبقى الحال على حالها! ذكّرته ساخرة بالأهازيج: "بدنا الوحدة باكر، باكر، مع الأسمر عبد الناصر"! ردّد الناس هذا النشيد الغبي من الصباح إلى المساء في أيام هيجان الشوارع. وتدفقت الدموع، ومنها دموعي، من التأثر. كان ذلك حساب السرايا الذي لم ينطبق على حساب البيدر! فهل نقتل أنفسنا من الندم؟! قلب سخريتها إلى جدّ فردّ: كنا صادقين. لكن السياسيين لم يكونوا كذلك! أراد حزب الشعب الخلاص من سطوة الجيش، ومن التجمع القومي في البرلمان، وأراد المحكومون منهم النجاة من القصاص الذي حكمت عليهم به المحاكم في سورية ثم محكمة الشعب في بغداد. وحقق البعثيون ايمانهم بالوحدة ورأوا أن بلدين يصبحان أقوى. وسعى الحزب الوطني إلى المكاسب والمناصب. نحن الضباط، أردنا دولة قوية. قالت له مصحّحة: انتقد حزب البعث غياب الديمقراطية من نظام ناصر. وأدان قتل عمال كفر الدوّار المضربين. لكن العدوان على السويس والمؤامرات على سورية فرضت تقارب البلدين! فضّل محمود ألا ينتبه إلى ماقالته، كيلا ينصرف عن الغطس في خيبته. وبدأ يروي لها قصة الوحدة من أولها. فبدت وهي جالسة أمامه كمن فُرض عليه الاستماع إلى مايعرفه دون أن يتأوه. ياغادة، صار الضباط الذين طلبوا من ناصر وحدة فورية وزراء أو مدراء مدنيين دون عمل، لهم سائقون ومرافقون وحجاب وسيارات، ولاسلطة لهم على شيء! تذكرين أن البزرة اعترض على التنقلات التي فرضها عامر في الجيش السوري، فهدد بالاستقاله وذهب إلى مصر ليشكو للرئيس "المحبوب"، فسمع استقالته من الإعلام. ورمي في مجلس التخطيط الوهمي. أنا مثله الآن، دون عمل! فهل هذا تعبير عن الحقد؟ ماذنب السوريين؟ هل قدموا مثل هذا الحب لزعيم عربي أو سوري قبل ناصر؟ كادوا يرمون أنفسهم في الحرب خلال العدوان على بور سعيد. وفجّروا أنابيب النفط. صاغ العظم بعقله المتزن مشروع الوحدة الثلاثية لتكون وحدة جذابة وحقيقية فمسخها المصريون حتى صارت ورقة حلف عسكري عاجز! تذكر محمود المؤامرات التي كشفتها سورية واحدة إثر أخرى: كان الناس مطلعين عليها فلاسراديب ولادهاليز! هذه المشاركة العامة غير مريحة لصياغ الأحلاف! فحصنا نحن الضباط اتصالات فاضل الجمالي في لبنان بالسياسيين السوريين. اقترح الجمالي استمالة بعض عناصر من الجيش يسندهم سياسيو حزب الشعب، عدنان الأتاسي، ميخائيل اليان .. من سمع الناس أسماءهم في المحاكمات. كشف الجيش مؤامرة ستون بالجرم المشهود، كما، يقال فتفوقنا على المتآمرين بالكفاءة والذكاء! فهل هذه هي السياسة التي اشترط ناصر أن نبتعد عنها؟! بعد فشل المؤامرات بدأ التهويل بأن سورية صارت شيوعية. لماذا هدأ كل ذلك بعد الوحدة؟ كان الهدف كبح سورية الشموس! إلغاء الحريات، وتفكيك الجيش الوطني الذي يرد على العدوان الإسرائيلي! تساءلت غادة في صبر ألا يُمرض الإنسان أن يُحدق في مشكلة واحدة طول النهار والليل؟ وتبينت المسافة التي يجب أن يبقيها بينه وبين مايفكر فيه، كي يبقيه في زمنه ومكانه. قسرت نفسها على ابتسامة وذكّرته مداعبة، بالفقرة التي سجلتها مذكرة زملائه العسكريين السوريين الذين طاروا إلى مصر وطلبوا وحدة كاملة: "ونظرا لاحتمال تغير الظروف.. ندعو إلى ضرورة تخطي جميع العقبات"! سألته هل كان الدستور واحترام حقوق الناس في العمل السياسي وخبرة الأحزاب، عقبات يجب تخطيها؟! ولماذا مرّ أمر مهم بمثل هذه السرعة؟ في منتصف كانون الثاني هرول العسكريون في الليل إلى ناصر، وفي آخره وصل القوتلي والعسلي والبرزة إلى القاهرة، وفي أول شباط صادق البارلمان السوري على الوحدة، وفي منتصفه جرى الاستفتاء! تابعنا ذلك كله راضين، يامحمود! وهاهي تتذكر أنها بكت من التأثر على باب قصر الضيافة وهي تحاول أن ترى البطل الأسمر! وأن الاستفتاء كان بعيدا عن حرمة الانتخابات فرأت من يضع عدة ورقات في الصندوق، باسم الحب! وياللسؤال! هل توافق على وحدة مصر وسورية لإقامة الجمهورية العربية المتحدة؟ هل توافق على انتخاب الرئيس جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية؟ ألغي مبدأ الانتخاب: الاختيار! قال لها محمود: لذلك حذر النفوري العراقيين من وحدة بالشروط التي قبلها السوريون! فنقل عارف ذلك لناصر ونزل الغضب على الرجل! كان محمود مفتونا بالدولة العربية الاولى. فروى لها أن تلك الدولة في مطلع القرن تقدمت على هذه الدولة! فالعراقيون في أيامها كانوا حكاما وضباطا في سورية، والفلسطينيون كانوا مستشارين. كادت غادة تقول له: أعرف ذلك كله. حفظته! فماالفائدة في أن نظل نحفره على قلوبنا؟ تؤلمه البطالة؟ فليدرس أو يقرأ أو يثقف نفسه بآثار مصر! ماأوسع الدنيا! ردّ دهشا: ياغادة، أنا فرد من مجموعة تدمّر البطالة كفاءتها التي ربيناها بعرق الجبين ومال الشعب! ابتعد عنها. فاقتربت منه ولمست ذراعه كمن يعتذر له. وفهمت أنه أمضى لياليه يفكر في الجيش الذي عاش فيه شبابه، ولابد أنه تذكر الجبهة والقرى والفلاة ورفقة الجنود وحتى أيام الاستطلاع. ياغادة، من سيفيد من تنظيف الجيش من الكفاءة والخبرة؟ ولماذا ترسل هذه الأعداد الكثيرة من الضباط في دورات إلى الاتحاد السوفييتي ويستغنى عنها عندما تعود؟ تبددت أحلام غادة بلحظة حب هاربة من هواجس محمود. كأنما كان يريدها أن تأتي كي يضع على كفيها مايثقل قلبه. هل كان وحيدا إلى هذا الحد، وحذرا إلى هذا الحد؟ بدا لها هول ألا يثق الإنسان بصديق، وأن ينام ويفيق مع الهموم نفسها. قالت له: الصباح رباح! جزئ الهم! وغفت عندما ظنت أنه غفا. ولكن أين النوم؟ ألم يلاحظ أنه لم يستقبل غادة بالحب؟ وأنها لم تجد عشاء مفروشا على الطاولة. وأنه تحاشى أن يدعوها إلى المطعم "كيلا نجلس بين الجواسيس"! ألم يجرحه أنه عاجز عن عناقها؟ هرب من ذلك كمن يريدها أن تنام لتستريح من السفر. سقط محمود في النوم كمن وقع في جبّ مظلم، ثم صحا فجأة ليفكر في الأمور التي كان يفكر فيها نفسها. صعد من الجبّ وهو يتقلب. وخشي أن يوقظ غادة. لكنها شعرت بأنه يحاول ألا تنتبه إلى أرقه. ورأته ينهض ويمشي في العتمة إلى المطبخ. هل تتركه مستمرا في السباحة في بحر الظلمات، أم تسحبه منه؟ ألا تؤلمها كتفاها من كثرة ماجرّته في هذا المساء؟ لا، فلتلحقه! وجدته يشرب القهوة في المطبخ. ياللسجين المسكين! أمسكت بيديه: ماالمشكلة؟ لنقتسمها معا! لو كانت صغيرة لاقتسمناها، ياغادة! لكنها سلاسل تمتد من القاهرة إلى حلب. أين صباح التي غنت "من الموسكي لسوق الحميدية أنا عارفة السكة لوحديا"؟ ذبلت الأفراح، وغابت الليالي الملاح! أخذ بيدها ونهض إلى الشرفة. أتعرفين أني أخشى حتى في بيتي من التنصت علي؟ يشعل الغيظ في قلبي أننا كنا حالمين! كان النظام الدستوري البارلماني في سورية متقدما على النظام الفردي الرئاسي في مصر. ومع ذلك.. آه! هل أبالغ في الهواجس؟ في هذا العمر يرمى مثلنا هكذا؟ أتوقع أن أكون في القائمة القادمة من المحالين إلى التقاعد! لكني أخشى ماهو أكثر من ذلك. أخشى أن تكون الوحدة امتطت عواطفنا الصادقة وتقاليدنا في الحلم بالوحدة العربية، لتفكك الجيش السوري والبنية السياسية السورية! أخشى أن يكون الأمريكيون أتونا من هذه الطريق بعد فشل المؤامرات! تفرجي! ضربت المؤامرات اليمين التقليدي وأسقطته. وضربت الوحدة الأحزاب. وقيد الشعب السوري بالمباحث. واستحدث نمط من الجلادين كانوا ضباطا وطنيين. كانت سورية أول بلد يعقد اتفاقيات اقتصادية واسعة مع الاتحاد السوفييتي ويكسر حصار السلاح. لذلك ألغيت سورية! أمسكت غادة رأسها بيديها. تكاد تقع من التعب. قبل السفر رتبت بيتها، غسلت ملابس طفلها وكوتها، اشترت حلويات دمشقية لمحمود وبعض هدايا ظنت أنه قد يحتاجها. عانت من وجع فراق طفلها. ووصلت إلى المطار منهكة! ولاقاها محمود بظلمة تزيد من قلقها عليه. فكادت تؤمن بأن روحه مريضة! انتبه محمود فجأة إلى شحوبها. وفي تلك اللحظة شعرت بأنه يحبها. احتضنها في حنان وأعادها إلى سريرها: ياحبيبتي، أتعبتك. اغفري لي! أعادها إلى السرير، ونامت على ذراعه مطمئنة. يستطيع الحب أن ينظف الروح من العتمة! قالت له: يامحمود، لنفكر بأن أحدنا محظوظ بالآخر! وغفت في لحظة. لكنه في اليوم التالي نبش قلقه الحقيقي: تحويل مياه نهر الأردن! اعتمد الجيش السوري موقفا من تحويل مجرى نهر الأردن، فكنا نضرب الجرافات الإسرائيلية ونمنعها من العمل. وكنا نواجه العدوان الإسرائيلي. في كانون الأول سنة 1958 اعتدى الإسرائيليون على الدرباشية في القطاع الأوسط، فأمر قائد الجبهة بالردّ. مدفعية الميدان مقابل مدفعية الميدان! بل ضربنا يومذاك خطوط العدو الخلفية ودمرنا بطارياته ودباباته. أغضب ذلك العميد عبد المحسن أبو النور. فلام قائد الجبهة، هاج وغضب على الضباط وعاقب بعضهم. وحصر صلاحية استخدام الأسلحة الثقيلة بقائد الجيش أو رئيس الأركان. فماذا حدث بعد ذلك؟ هاجم الإسرائيليون قرية التوافيق ولم يستطع قائد الجبهة الردّ! فدمرت قرية التوافيق والتحصينات السورية والبطاريات السورية. أنجز الإسرائيليون مراحل مهمة في تحويل مجرى نهر الأردن، منها تعميق النهر ورفع الضفة على الجانب الإسرائيلي. ولم يبال "المندوب السامي" المصري بتقارير الاستطلاع السوري. ومنع السوريين من إطلاق النار في جسر بنات يعقوب، فبدأ الإسرائيليون أعمالهم فورا، وهاج السوريون فتدخل مراقبو الهدنة. هكذا حدث أمر جلل، ياغادة! قرية التوافيق قرب بحيرة طبرية أرض حرام، منطقة مجردة من السلاح في اتفاقية الهدنة. الهدف من احتلالها تحويل مياه نهر الأردن، ربط شبكة الأنابيب بنهر الأردن. أدانت لجنة الهدنة ذلك. لكن الولايات المتحدة "دعت العرب وإسرائيل إلى هدوء الأعصاب" ساترة العدوان بالحياد! فهل يتحمل أي وزير سوري مسؤولية احتلال قرية التوافيق دون الردّ على ذلك؟ عبد الناصر مشغول بالخلاف مع العراق والأردن وتونس. وعبد الكريم قاسم يدعو لتأسيس دولة فلسطينية في الضفة الغربية. هذه الخلافات أجلت اجتماع الجامعة العربية لبحث تحويل نهر مجرى الأردن. يزيد ألم محمود أنه تابع دقائق تقسيم بلاد الشام، ودرس الخرائط يوم كان في الجبهة. فشعر بوحشية التطاول على بلاد تنساب سهولها وجبالها في تضاريس متناغمة مع تاريخها وسكانها وحضارتها وعمارتها. كان يحتفظ بصور الشلالات والسهول وينابيع المياه، وأدغال القصب التي تموه الشواطئ، والمنحدرات الصخرية المشروخة التي تعشش فيها آلاف الطيور والزنابق البرية وينبت في شقوقها الشجر. ويسمع هدير المياه التي تسقط إلى أعماق وديانها، ويتفرج على الرذاذ المتطاير على ضوء المساء. كان يراها وطنا متنوعا جميلا في مكان، ورائعا يثير الرهبة في مكان. لكنه قُسم كأملاك استعمارية تُنقل من جهة إلى جهة، ومن عَلَم إلى آخر وفق أهواء الدول المنتصرة في الحرب العالمية الاولى. فحص تفاصيل معاهدة سايكس بيكو في الخرائط وتعديلها مرات وفق المساومات بين دولتين كانتا أقوى الدول الاستعمارية في العالم. وخيل إليه أنه يرى رجالا غرباء واقفين أمام الوديان التي تسحره ليقصوا نصفها أحيانا، ويرموا خطوط الحدود خارجها أحيانا. صرخ المؤتمر السوري، والمؤتمر الفلسطيني، والوفود التي قطعت مئات الكيلومترات لتصل إلى لجنة كينغ كرين لتعلن أن بلاد الشام وحدة، بتاريخها وسكانها وقرابة الأسر فيها وعلاقاتهم الاقتصادية والإنسانية، وحياتهم المشتركة. وثبّت تقرير كينغ كرين صدى ذلك، وحذّر من فرض وطن صهيوني. لكن التقرير أخفي ونفذت توصيات الصهيوني برانديس. لحق محمود انحراف خطوط الحدود المرسومة بين فلسطين وسورية ولبنان. ورأى كيف كان الخط يتغير ليواكب الضغط البريطاني الصهيوني. اقتطعت سبع قرى لبنانية، ومال الخط مستهدفا البطيحة والنقيب والحولة وطبرية ومجرى نهر الأردن. تراجع عن منتصف بحيرة طبرية ليأخذها كلها لخريطة الانتداب البريطاني ويترك موطئ قدم ثم يسحبه من السوريين، ويبلع مساحات من محيط الحولة واليرموك وبانياس. لماذا تراجع نيوكومبوليه عن أرض عليها انتداب فرنسي ووهبها لانتداب بريطاني؟ ألأنه نفذ الخطوط التي طلبها وايزمن في مؤتمر السلم سنة 1919 يوم قال إن جبل الشيخ أبو المياه ولابد للدولة اليهودية من السيطرة عليه؟ يميل خط الحدود ليبعد سوريا ولبنان عن المياه ويسمح للدولة اليهودية التي تعهّد الانتداب البريطاني بإنشائها في فلسطين باحتكار مجرى الماء ومجمعاته وينابيعه! وبعد ذلك كان القتال في حرب فلسطين على تلك الخطوط، وكان الصراع على خط الهدنة والمناطق المنزوعة السلاح هناك. تذكرت غادة، وهي تستمع إلى محمود، خوفها عليه يوم غاب في الجبهة، وكانت بعدُ جارته التي لاتبوح حتى لنفسها بأنها تحبه. وخشيتها من أن يكون بين القتلى في ذلك العدوان الإسرائيلي. ولابد أن طالبة أخرى، مثلها، خافت على ضابط في هذا العدوان على التوافيق! قال محمود لغادة: تحاول إسرائيل منذ الهدنة اغتصاب الأرض المنزوعة السلاح، ونحاول أن نمنعها من ذلك. التقصير في منع إسرائيل من تحويل روافد الأردن الآن خطر على الأمن القومي العربي لأنه يستقدم مستوطنين جددا! لكن يبدو أن عبد الناصر يرى الأمور رؤية أخرى! يالثقل الهم الذي يحمله هذا الرجل! تلفتت خائفة عليه كأنها هي أيضا تخشى التنصت. أعرف ياغادة الضابط الذي عوقب لأنه رد على العدوان في الدرباشية! كان يجب أن يكافأ فأمر عبد النور بسجنه! فأي مثل أراد أن يقدمه لضباط الجبهة وجنودها؟! فهمت غادة أن محمودا يرتب السنين الماضية ترتيبا جديدا. وستستعيد فيما بعد حديثه يوم تقرأ ماسيكتبه الوزراء السوريون في مذكراتهم: استهانة ناصر بالوزراء السوريين. والاتفاق الأسود مع شركات أدوية أمريكية راشية قبلها الوزير المصري ورفضها السوري. أستنتج ياغادة أن الموقف من الأمريكيين ليس كما نريد. وكذلك الموقف من الإسرائيليين. وأتحسر على خالد العظم! انتهت تلك الأيام بصخب. هاجم عبد الناصر البعثيين في خطاب رنان. وأعلنت استقالة الوزراء البعثيين الذين طلبوا الردّ على تحويل مياه نهر الأردن بالقوة. وصيغ "الاتحاد القومي" بدلا من الأحزاب. استمعت غادة إلى عبد الناصر من الراديو ذاهلة. قال: "أي شخص يعمل في الحزبية خارج هذا الاتحاد إنما هو خارج عن بلده أو يعمل من أجل دولة أجنبية"! مسموح بالعمل السياسي داخل الاتحاد القومي فقط! وكل عمل خارجه فهو لتفتيت وحدة الشعب، هو خيانة ضد هذا الشعب! وستعرف أن السوريين نبهوا في مذكرتهم إلى الخطأ واقترحوا حلولا للمساواة بين القطرين وتمتين الوحدة. لكن الاستقالات نشرت في الصحف مستهينة بدورهم وبنتائج انسحابهم. لم يتأمل ناصر ذلك بل أفهم الوزراء السوريين الباقين أن لكل منهم حدودا ومن لايعجبه ذلك فليستقل. وسيتوغل في الخطأ فينتقل إلى سورية ليهاجم في اللاذقية الرجعية والحزبية. وتساءلت: هل نفهم أنه قصد أن يقول لنا: سورية لم تعد لكم بل لي؟ بعد استقالة الوزراء البعثيين بدا كأن حجرا كان على صدرها فسقط! وكان محمود قربها فتأملها: أرضتك الاستقالة؟ ردّت: أرضاني الوضوح! يبدو لي أن مايؤسس على القهر يسقط، ومايبدأ بالاعتقالات ينتهي بها! كأن السجون إذا فتحت أطلق وحش يطلب ضحايا! من يشيد إعلامه على الأعداء يطلب المزيد منهم! لكن ذلك يرسم نهاية زمن اكتمل. وكأن غادة حررت روحها. فباحت لنفسها بما تفادت البوح به. فبدا لها منع الأحزاب، والاستفتاء على الوحدة وعلى الرئيس مهزلة. واعترفت لنفسها بتزوير الدستور. عرضت نسخة منه على السوريين كي تسكت نقدهم، واعتمدت نسخة أخرى علنا فأحرجتهم معارضتها! كان لابد أن يتبع الهجوم على خالد العظم، الذي رأى ضبط الوحدة بالقوانين والمؤسسات، الهجوم على آخرين! قالت: منذ البداية وزعت التهم، وأفسدت الضمائر، وهيجت الشعوب على حكامها. لم يطلب أحد من العرب أن يتضامنوا مع مصر أيام العدوان على السويس. اندفعوا إلى ذلك، وكان يجب أن تحترم هذه العواطف الصادقة. لكن المباحث والحكم الفردي واستعلاء من يملك السلطة امتطت هذه العواطف! اعترف لها محمود: بكى قلبي على سرّي والطبقجلي! لماذا ضحى بهما ناصر بسهولة، وهو يعرف أن الوحدة مع العراق مسألة لاتسمح بها الظروف العراقية ولاظروف المنطقة ولاالظروف الدولية؟ وهل ماحدث في الأردن ولبنان مقبول؟ لعبت المغامرات بمصير الناس! هل سننفض عنا هذه التجربة؟ أتمنى ألا يكون الناس قد ألفوا الاستهانة بهم. أتمنى ألا يكون السوريون قد ألفوا الاستبعاد عن الحياة العامة! ترى هل يقدر الزعماء أن حياتهم ستفحص ذات يوم، وأن الباحثين والمتفرجين سيتساءلون عن السياق الذي جرت فيه؟ وستدان المؤامرات والفتن التي يضحى فيها بالناس مهما كان الهدف نبيلا! ولكن هل سيطوى حكم الفرد والقتل في السجون والتعذيب حتى الموت؟ قال محمود: لايدفع الزعماء فقط ثمن الأخطاء، بل تدفعها المنظمات والأحزاب والأوطان والشعوب! وستتذكر غادة كلماته خلال حرب حزيران. وستناديه: يامحمود وصلت التفاصيل إلى أهدافها! هاهي ثمار الصراع الذي انشغلت به المنطقة بين العرب والعرب، بين حزب وآخر، بين مجموعة ومجموعة! هاهي ثمرة كسر كرامة المواطنين بالمباحث والسجون! وماذا دفعنا نحن، شباب تلك الأيام؟ سعادتنا، عمرنا! سرقوا منا ذلك، وهاهم يقولون لاتؤاخذونا، ويطلبون النجدة منا! أصبحت قرية التوافيق وسط الأراضي المحتلة التي احتفظتَ بصور شلالاتها وطيورها! عندما استعاد قيس دخوله إلى بغداد وخروجه منها، تساءل: أحقا استطاع الزمن أن يتحمل تلك الأعاصير، ويفتح له بلدا على مصراعيه ثم يغلقه كله؟ لم يوهن فشل تمرد الشواف في الموصل المتمردين. بل أخذوا ماجرى في الموصل كأنه حجة. وتبعت ذلك أحداث كركوك التي نُظمت في منطقة مايزال فيها نفوذ شركات النفط قويا، فانفلتت فيها أحقاد قديمة وشخصية، وضاعت الحدود بين الالتزام بمجموعة سياسية والالتزام بقومية. وكان ضحاياها التركمان. سجلت الفظائع باسم مجموعة سياسية. وبدأ انحسار الشيوعيين. لجم عبد الكريم قاسم لجان الدفاع عن الجمهورية ومنظمات المقاومة الشعبية ومنظمات الطلاب والشباب والعمال والفلاحين. ولم يكن ينقص تلك العقد غير مظاهرة أول أيار التي جمعت مليون شخص، وتصدرها قادة الحزب الشيوعي، وهتفت "الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم". كان حتى عبد الكريم قاسم يعرف الانقسام في تلك القيادة، ويرجّح الجناح المهادن. فهل ساعده هؤلاء بالتغاضي عن ذلك الهتاف؟ ستستر هذه المجموعة موقف عبد الكريم قاسم من الحزبية والأحزاب، ومن لعبة التوازن بينها، ومن الفردية، وسترمي الأخطاء كلها على القسم الآخر من القيادة. وستقود تكتلا داخل اللجنة المركزية، وستصل بالاتفاق مع قاسم سرا إلى "ترحيل" سلام عادل إلى موسكو في سنوات فاصلة. وستقدم بمبالغتها في نقد الذات والاعتراف بالأخطاء، الحجة لأعدائها على حقهم في الملاحقة. وستمنع الاحتجاج على اعتقال الطلاب والعمال وإغلاق المنظمات والأحكام بالإعدام. وستشل القيود الذاتية، وانقسام القيادة، والاضطهاد، قوتها العددية. ولن يكفي الوقت بعد عودة سلام عادل واستبعاد الكتلة المهادنة لاستعادة ماضاع، وسيمهد ذلك للانهيار الكبير في انقلاب شباط. في صباح 17 تموز خرج قيس من بيته قرب ساحة التحرير، خلف بناية مرجان. كان سليم الفخري قد أبعد عن الإذاعة، كمئات من الضباط والموظفين الذين أبعدوا عن مؤسسات الدولة بعد أحداث الموصل وكركوك وجموح لجان الدفاع عن الجمهورية. كان قيس خلال ذلك يعاني من النزف الرئوي. أحزنه إبعاد سليم الفخري. واستعاد لقاءه الأول بالفخري، يوم أوصلت له ابنة سمارة، أستاذه وصديق والده، مديرة قسم اللغة الإنكليزية في إذاعة بغداد، رسالة الفخري التي يقترح فيها الاجتماع به. اقترح سليم الفخري يومذاك على قيس خمس برامج أدبية وسياسية، عن فلسطين، والجزائر، واليمن الجنوبي، واضحك مع الأخبار. كان دخل قيس الشهري منها أكثر من دخل وزير. فهل تنتهي إقامة قيس في العراق بنهاية ذلك الضابط الوطني؟ سأل عرفان قيسا يومذاك: كيف عرفت سليم الفخري؟ أجابه: عرفتني به ابنة سمارة. فقال عرفان: سمارة جاسوس! فتذكر قيس "الثورة المسلحة" وكاد يقول لعرفان: ماذا يسمى من ضحى بمنظمات في مغامرة رتبها السراج؟ حدق فيه عرفان وخمّن ماأراد قيس أن يقوله. لايقرأ المحب فقط ضمير حبيبه، بل يقرأه الخصم أيضا! قرر قيس أن ينفض عنه ضعفه بعد النزف وأن يذهب إلى الإذاعة. في الطريق خطر له أن يتصل بمديرها الجديد الشاعر كاظم السماوي ليعرف، قبل أن يكمل طريقه، هل يستطيع أن يلتقي به. كان يعرف كاظم السماوي منذ كان في دمشق لاجئا سياسيا مثله. مرحبا! سآتي لإعداد برنامجي، فهل ستكون في مكتبك لأمرّ بك؟ سأله كاظم: من أي مكان تتكلم؟ من الطريق! إذن لاتحضر إلى الإذاعة ولاترجع إلى البيت. فهمت؟ طبعا فهم! اشترى جريدة الثورة وجريدة الجمهورية من أول كشك صادفه.. قرأ في جريدة الثورة التي يرأس تحريرها ياسين الطائي، الذي سيقتل فيما بعد في سجن بغداد، عنوانا كبيرا باللون الأحمر: السفاح قيس ساهم في مذابح كركوك. قيس؟ لم يعرف كركوك ولم يدخلها! إلى أين يذهب؟ كان قد التقى مرات في مكتب سليم الفخري بفاضل عباس المهداوي والعقيد وصفي طاهر والعقيد ناجي الأمين، الذين سيقتلون جميعا في انقلاب شباط. كانوا من المعجبين ببرنامجه "اضحك مع الأخبار". ذهب قيس إلى بيت المهداوي. ليس هنا، لكن ادخل! اتصلت زوجة المهداوي به وأخبرته عن قيس. فأرسل إليه قريبه محمد حسن، قائد حامية بغداد. قال له محمد حسن: يجب أن تخرج من العراق الآن! تعال! ركب قيس في سيارته إلى مطار بغداد، وحجز له المهداوي مقعدا في طائرة متجهة إلى بيروت. التفت إليه. رفع محمد حسن يده مودعا. هربت دمعة من عيني قيس. هل خمّن أن المهداوي والأوقاتي وأمين ومئات من أصحابهم سيقتلون؟ بدا له أن بغداد ستغرق بدم أبنائها. سيقتص مهزومو الأمس من منتصري الأمس! ستغير معتقلات معسكر الرشيد وأبي غريب مسجونيها وسجانيها! ولن يتوقف النزف والتعذيب والقتل. ألذلك ينصح الحكماء بالرحمة، وبالعفو عند المقدرة، ليردّوا شرور الانتقام والأحقاد ويسهلوا المصالحة؟ وأنت ياقيس، ألم تكن مندفعا لإقصاء خصمك؟ ألم ترفض حضور ممثل القوميين السوريين في اجتماع كان هدفه تنظيم الدفاع المدني خلال حرب السويس؟ ألم يكن ممثلهم يملك قوة كالتي تملكها، ويسنده أنها قاومت احتلال فلسطين؟ نظر قيس من نافذة الطائرة إلى غابات النخل التي تحيط ببغداد. وشعر بالأسى لأنه لم يتوغل فيها، ولم يلمس قاماتها الممشوقة. تفرج على دجلة كأنه يريد أن يملأ عينيه ببريقه وظلاله والقصب على ضفافه. كم سهر على ضفة دجلة مع أصحابه وأكل المسكوف وأطربته المقامات البغدادية! هاهي تلك القطعة من عمره تسقط كورقة من شجرة! هل قدرنا أن ندخل المدن لاجئين إليها من مدن أخرى، وأن نطرد منها باحثين عن مدن تقبلنا؟ ألا يمكن أن نختلف ونتفرج على أفكارنا، وندور حولها مع خصومنا، ثم نتفق أو يقول أحدنا للآخر وداعا دون أن يتهمه بالخيانة ودون أن يسدد إليه رصاصة؟ ولكن هل يعاملنا الخصم هكذا إذا كنا لانعامل رفاقنا وأصدقاءنا وأولادنا هكذا؟ هل علّمتك العراق ياقيس درسا لن تنساه، أم ستغرق في خصام مع عرفان وتنتقم حتى من نفسك لأنك لاتستطيع أن تردّ له ظلمه؟ تذكر قيس أن الحاج أمين الحسيني خرج من بغداد متسترا مثله، وأن القاوقجي خرج من فلسطين بالطريقة نفسها. يبدو أن الغزاة فقط هم الذين يعبرون الحدود علنا! وصل قيس إلى بيروت مساء. قال له الضابط اللبناني: كم معك من المال؟ أخرج له قيس أنواعا من العملة. فقال له: يمكنك أن تقيم شهرا فقط في لبنان. إذا بقيتَ بعده سنسلمك لسلطات بلدك! كان قيس قد جُرد من جنسيته. لكن الضابط رأى جوازا رسميا! فماأكثر الشهر وماأقلّه! عاد قيس إلى حماية اللبنانيين. "طارت بغداد أيضا، وهاأنا أعود إليكم"! أقام في الغرفة المحاطة بشجر الزيتون في الحَدَث قرب أم ميشيل. لكنه تساءل منذ اليوم الأول إلى متى يبقى في لبنان؟ سيودع العائدين من مهرجان فيينا، وسيعرف سميرة التي أوصته بها رسالة من ليلى، سيزور أصحابه الذين يتقاسمون الخبز مع اللبنانيين، وسيكون آخر من رأى من سُلموا إلى الأردن. سيمدد له أحمد زوج جورية الإقامة بوساطة. لكن إلى متى؟ يوم يُستنفد جواز سفر قيس ستكون إقامته غير شرعية، ولن يجسر على المشي في شارع، فأين النجاة؟! أمّن عرفان المنح والوظائف لمريديه! ووزع على الباقين توصياته: كل واحد يدبّر رأسه! فادفع ياقيس ثمن التمرد على زعيمك! لن يعترف قيس بأن الولاء لزعيم لاللمبدأ والوطن! فإلى جهنم ياعرفان! كتب رسائل إلى أصحابه وطلب منهم أن يؤمنوا له عملا أو منحة دراسية. وصله الجواب الاول من صديقه الذي يعمل في برلين: لدينا مكان مناسب لك. ولكن يجب أن تتصل بعرفان كي يوافق على عملك معنا! ووصله الجواب الثاني من ابن عمه في بوخارست: أستطيع أن أؤمن لك منحة دراسية، ولكن يجب أن يوافق عرفان! وكان الجواب الثالث من صديقه الطبيب: عرضت قضيتك على عرفان وبيّنت له أن المطلوب منه أن يقول فقط نعم. ثق ياقيس بأني سعيت لتبديل قراره، لكني لم أوفق! لاأستطيع أن أدبرك دون إذنه، ولاأظن أن أحدا يستطيع ذلك! تمتد مملكة عرفان من بكين إلى تيرانا! عندما كان قيس في بيروت يشعر بأنه أسير ويكتب الرسائل إلى أصحابه باحثا عن منحة دراسية أو عمل يطلقه من بيروت، كانت مديحة تعاني من الرحلات التي هدفت إلى تثقيفها بعذاب اليهود في المعتقلات. وهبط الفرج عليها فجأة: كلّفت بأن تكون من الوفد إلى مهرجان فيينا! "حضور المهرجان مهمة"! تنهدت: فرصة للراحة من تلك المصيبة! وجدت في برلين وفدا سوريا جُمع ليشترك في المهرجان، قدمت له ألمانيا باصا مريحا وقليلا من العملة الصعبة. رحلت مديحة مع مجموعة من المختصين المتخرجين ومن طلاب الجامعات الاوروبية. شباب مرحون، جديون، مهذبون، رماهم الغباء السياسي في بلادهم كخارجين على نظامها! لكن يبدو أن الشباب عصيّ على القهر! ضحكوا، تناولوا الفواكه وتقاسموها، تبادلوا الأمكنة في الباص، عبروا أراضي خضراء وطرقات على جوانبها أشجار التفاح والكرز. ووصلوا إلى فيينا. وقف الباص أمام بوابة محروسة تقيم خلفها الوفود. ماهذا؟ حماية من العصابات الفاشية! - من أنتم؟ - وفد سوري! - في القوائم لايوجد بلد اسمه سورية! اتصلوا بإدارة المهرجان! دخلت مديحة وزميلان من زملائها. لاتستطيع إدارة المهرجان أن تقبل وفدا سوريا! في القوائم توجد "الجمهورية العربية المتحدة" فقط. الحل؟ ابحثوا عن وفد تستعيرون منه الشرعية! قصدت مديحة وزميلاها مقر الوفد العراقي. أوصلتهم إليه الأهازيج. كانوا يغنون: "هلا بيها، هلا بيها جمهورية ديمقراطية شعبية، آه، ديمقراطية شعبية"! ذهلت مديحة! في وضع العراق اليوم، "ديمقراطية شعبية"؟ مع ذلك كان عبد الكريم قاسم قد قدم للوفد أربع طائرات نقلته إلى بيروت، ومنها رحل إلى فيينا. وضّحت مديحة وزميلاها المشكلة. خيل إليها أنها لم تسمع الردّ! رفضت إدارة الوفد العراقي أن تعطي السوريين غطاء الشرعية. قالت مديحة: سنكون مستقلين عنكم، نحتاج الشكل، الغطاء فقط أمام إدارة المهرجان! صدمت مديحة؟ أين عبد القادر اسماعيل البستاني الذي ألجأته دمشق؟ أين مريم الرفيعي التي سمعت مديحة منها أول مرة الأناشيد الثورية؟ فلنذهب إلى الوفد اللبناني! ضم السوريين إلى وفده! وكأنما عادت بلاد الشام! بدأ الوفد لقاءاته بالوفود في مقاه ومساحات وخيام في مدينة المهرجان. الهدف: تضامنهم مع المعتقلين السوريين! ماأكثر التجمعات واللقاءات، والهتافات والأغاني والبيانات! أترون؟ نكتشف أنفسنا ونحن نكتشف الآخرين. نملأ عيوننا من ألوان البشرة المتنوعة ومن الملابس الوطنية المبهجة، من الأغنيات والرقص. هناك أيضا مجال لعلاقات خاطفة من الحب. في المساء تكون الجيوب امتلأت بالعناوين التي نسينا وجوه أصحابها. لكن زيارات المتاحف والقصور رغبة شخصية. اخترقت البيانات التي تطلب الحرية للمعتقلين سمعةَ عبد الناصر! أيتها الحرية، ذات الإزار الممزق، أيتها الحرية المشردة المهاجرة، كأنك نقيض تأميم قنال السويس وبسالة الدفاع عن الأرض الوطنية ومقاومة المعاهدات العسكرية! مسحت مديحة دموعها وهزّت علم الجزائر مع شابة في عمرها، وبكتا لأن الجزائرية لاتجيد اللغة العربية. أنشدت، وتفرجت على الباليه، زارت المتاحف، وخيل إليها أنها حسبت حركتها وخطوتها كأحسن الراقصين، كأحسن السياسيين، كأحسن المفكرين. كان يجب أن تصيب الهدف في ذلك الوقت المقتضب. وأن تتذكر أنها الفتاة الوحيدة بين مجموعتها فتحفظ اعتراف زملائها بلياقتها! كم كان عمرها؟ ثلاثة وعشرين سنة؟مع ذلك كان يجب أن تلاحظ فتنة فيينا وسحر التجمع في احتفال، وتبتعد عن ذلك فتضبط منذ الصباح برنامجها وواجباتها. وكم يختلف مهرجان فينا عن مهرجان موسكو! لكنها جمعت ملاحظات أخرى. فالمهرجان يتسع لحرية خاصة بعيدا عن مراقبة المجموعة. ألم تكن من اولئك أم ميشيل التي تزوجت صغيرة رجلا جلفا مات وهي شابة بعد؟ لن تعرف أم ميشيل، الباحثة عن المرح والفرح، مايدثر مديحة بالوحدة والوحشة! لن تفهم أن الغربة تفسد طعم البلاد الجميلة والحدائق المنسقة والقصور المبهرة! لن تفهم اللوعة والخوف على المحب المسجون! هل المعتقلون الذين سعت مديحة لإرسال الاحتجاج على اعتقالهم أرقام أو أسماء مجردة؟ بل بشر أحياء في مثل عمر مديحة، لهم أحلام وعواطف وكرامة ومنهم فوزي! كانت مهمة مديحة وزملائها صعبة. أمام الوفود الغريبة طلب مزدوج! أحدهما أن يسندوا عبد الناصر الذي يواجه القوى الغربية. والثاني أن يطلبوا الحرية للمعتقلين الذين يسجنهم! كيف يرمي سياسي وطني عاقل مواطنيه في السجن دون تهمة، ويجيز التعذيب! في المعتقلات في مصر الفنانة أنجي أفلاطون! نعم، توجد نساء في السجون! نعم، عبد الناصر أمم القنال ويشيد السد، ويحالف السوفييت. لكن في السجون معتقلون. التهمة؟ الفكر! يوم رأت مديحة في معسكر بوخنفالد الألماني العلم الإسرائيلي بين أعلام الدول التي قدمت الضحايا للتحرر من النازية، غلب غضبها القشعريرة التي اجتاحتها أمام علمٍ عدو. وقالت للمسؤول عن إدارة المتحف - المعتقل: لم تكن إسرائيل موجودة خلال الحرب العالمية الثانية! وهي لاتمثل يهود العالم! لو قبلتم ذلك لوقعتم في الرؤية الصهيونية! لكن مديحة لم تستطع أن تمنع رعشتها عندما رأت العلم الإسرائيلي في المهرجان. شعرت بالقهر والعجز. كان يفترض أن يكون العرب حزمة في هذا المهرجان. ترى هل نسي السجانون أن الصراع الرئيسي يجب أن يكون مقابل هذا العلم الذي يعلن سرقة فلسطين؟ وكيف حدث أن مديحة وزملاءها تحدثوا عن الاعتقالات ولم يذكروا احتلال فلسطين؟ انجرفت الخلافات السياسية بعيدا عن الصراع العربي الإسرائيلي. وجرفت حتى مديحة وهي تردّ على ذلك الخطأ! كان وفد إسرائيل إلى المهرجان يجمع اليمين واليسار ومنظمات الشباب فيظهر إسرائيل المحتلة العنصرية، دولة ديمقراطية! من يُفهم الاوروبيين المأخوذين بالسطح الظاهر، أن اليمين واليسار في وفد إسرائيل مسددان بدقة إلى جمع الاعتراف لها بأنها اوروبية متحضرة، وأن العرب متخلفون كدول وشعوب وهم الخطر على تلك الواحة من الحرية؟! لاحظت مديحة أم ميشيل واستمعت إليها. سيدة في الأربعين، مرتبة، مزوقة الوجه، فتحت بيتها للسوريين وألجأت من طُلب منها أن تلجئه، فاستحقت أن تكون عضوة في الوفد. مكافأة يُعتمد مثلها، ولاتفرض على الذين ينالونها واجبات، فقد أتوا للراحة. كان قيس ممن استقبلتهم أم ميشيل قبيل سفره إلى بغداد واستأجرت له غرفة بين شجر الزيتون. دعته إلى الغداء وأجلسته في غرفة صغيرة من غرف بيتها المحاط ببستان. وصار يزورها ليحدثها عن هواه. عرض لها صورة ليلى. كان يمكن أن تكون ليلى جالسة على ذلك المقعد! التفتت أم ميشيل وتوهمت أن تلك الفتاة تجلس هناك حقا. فخرجت من الغرفة لتتيح له الحديث الحرّ مع نفسه. حضّرت القهوة وهي تلتفت إليه من المطبخ. فوجدته سارحا في خياله. مدّ ذراعه كأنه يمسك بليلى! كأن ليلى تسند ظهرها إلى أكوام فرشات مصفوفة إحداها فوق الأخرى! بدت من النافذة ذؤابات الشجر. لاالزمان ولاالمكان يناسبان غير الحب العابر. اختفت ليلى ولم ينتبه قيس إلى أم ميشيل عندما دخلت الغرفة. بدا كأنه لايراها وهي تضع فنجان القهوة أمامه على الطاولة. ثم اعتذر منها وتأوه. وتفرجت أم ميشيل على عشق غريب يتداخل فيه الخيال. ولكن أليست التصورات والأطياف نسيج الحب الحقيقي؟ "قولي لطيفك أن ينجلي"! ترك قيس بيت أم ميشيل ليمشي في أحلامه. خيل إليه أنه يخرج مع ليلى من عشّ في الجبل. وكانت بساتين البرتقال على طرفي الطريق تفوح، والمساء وصل خفيفا رقيقا. حاول أن يمسك بذلك المقطع الشفاف من الحياة الذي جمعه بليلى أمام جبل أزرق موشى بزهر الليمون. كأنهما في شرفة يطلان منها على العالم! مشى معها حتى وصلت عتمة الليل، فطارا في أولها على شجر البرتقال. استمتع بشوقه الموجع وهو يتمنى أن يضمها بين ذراعيه. وعندما تذكر أن الحقيقة ليست أشجار البرتقال والليمون بل فراق ومستقبل مجهول، بدت الظلمة كشتاء عاصف على طريق لاأنوار فيه. انحرف فجأة وعانق الهواء كالراقص الوحيد. وكانت تلك اللحظة مبللة بالغربة وسط غسق في مكان مجهول لايعرف كيف ينجو منه. وعندما صحا كان متوهجا ومبتورا كالبرق. وكاد يصرخ موجوعا لماذا تقصفه ملامسة ليلى حتى في الخيال وترميه كالمحروق. ينتقل مع نسائه من الدوار إلى النشوة، ويرتقي مزهوا قمم الأفراح. إلا معها! معها تتقطع الدروب به فتبقى اللوعة والأشواق ذابلة في ذراها الحزينة. بعد رحيل قيس إلى بغداد فكرت أم ميشيل في قوة الحب الذي يجعل المحب قادرا على نسج المحبوب من الهواء. بهرها هوى شاب غريب نحيل لشابة تبتسم لمن ينظر إلى صورتها التي يحملها قيس في جيبه. يوم اختلست النظر ورأته يمدّ ذراعيه ويلمس أكداس الفرشات المكومة وهو يهزّ رأسه، بدا لها فيه شيء من الجنون. لكن فيروز كانت تغنّي لما يشبه ذلك الجنون، وأشجار الصنوبر تفوح عليه. ذكّرها ذلك بأنها تزوجت قبل أن تنتبه إلى الحب. وعندما مات زوجها ثبّتت شبابها في إطار المرحوم، في بيت صغير في الحَدَث تحيط به البساتين. كانت ماتزال جميلة القد، فلماذا تظل في ملابس البيت أو المطبخ طول اليوم؟ في فيينا رأت حولها دنيا من البهجة، ولمحت عجائز يلبسن الثياب الموردة والحمراء. فلم تضيّع الوقت. رتّبت وجهها واشترت ملابس جميلة اختالت بها. اكتشفت أم ميشيل شبابها في مهرجان فيينا. ظهرت مزوقة الوجه، مرسومة الشفتين، كامرأة تذكرت شبابها وسط احتفال كل مافيه نضر. بدت هيفاء خلية البال تحت علم بلدها المزين بالأرزة. فرمت نفسها في الأفراح. لامهمات ولا قلق. صادفتها مديحة على تلك العتبة. مديحة مغمورة بالعمل، وأم ميشيل مشغولة بملابسها وأفراحها. في زمن خاطف قطعت كل منهما مسافة واسعة مبتعدة عن الأخرى! أمسكت أم ميشيل بأطراف الشباب مع رجل ما في مهرجان صاخب! لمحتها مديحة بين الراقصين وتجاهلتها. ألا تستمتع أم ميشيل بحق شخصي لايجوز تدخل الغرباء فيه؟! حق شخصي؟ "ليست السمعة شخصية! بل سمعة بلد ونمط من الأخلاق". فوق ذلك كان قلب مديحة بعيدا عن تلك المغامرة. ووقتها محسوب بالدقيقة! أحصت ماأنجزته مقابل ماتستمتع به أم ميشيل: تفرجت على قصر شانبرن، وصعدت إلى مطل على المدينة، وحضرت باليه سوفييتي. حتى الحفلات جزء من برنامج تؤديه. وتجولت في مدينة صاغها الفنانون بأناقة، ولاحظت في السوق كم ارتقى الذوق بما يحيط بالإنسان من الملابس إلى فرش البيت! في قصر شانبرن صادفت مديحة شابة عراقية تجلس على حافة إفريز. استوقفها لون شعرها الحالك. سألتها: عربية! نعم، أنا عراقية! اسمي سميرة. تفرجتا على القصر معا. ورأت فيها أسى بعيدا عن الأهازيج المنتصرة التي سمعتها مديحة "هلا بيها، ديمقراطية شعبية". أهذا معقول ياسميرة؟ الواقع بعيد عن ذلك! الواقع مصيبة يامديحة! لاأدري مذا ينتظرني في بغداد! نُقتل في الطريق. يصعب تمييز رصاص رجال الأمن من رصاص الخصوم ورصاص المشبوهين. هذه هي الحقيقة التي تسترها الأهازيج! سافر الوفد العراقي إلى بيروت. وعرف فيها أن عبد الكريم قاسم غاضب لأن الوفد لم يرفع صوره في المهرجان. لا يعرف أن التلويح بصور الزعماء ممنوع. فعاد من بيروت إلى بغداد مجموعات، اعتقل بعضها ونجا البعض الآخر. لم تعد سميرة مع الوفد إلى بيروت بل سافرت إلى موسكو في دعوة خاصة توزع مثلها الدول الاشتراكية على وفود المهرجان. زارت سميرة لينينغراد وتيبيليسي وطشقند. وقبيل عودتها من موسكو زارت الطلاب العراقيين. صادفتها ليلى في غرفة مارغريت، وتعشين معا "تمّن" مع الدجاج بالكاري. كانت سميرة حزينة. انتهت رحلتها وهاهي على عتبة العودة إلى بلاد تتحاور بالرصاص والسجون! يمكن أن تعتقل من المطار، ويمكن أن تقتل دون أن تعرف قاتلها! ستنزل في بيروت. أين ستنزل؟ في فندق ما! فكرت ليلى: كيف أستطيع أن أساعدها؟ ليس مناسبا أن ترسلها إلى بيت عارف ابراهيم. لديها عنوان السيدة التي ساعدت قيسا. قالت: انتظري لحظة! خرجت إلى غرفتها ونقلت العنوان من بطاقة أرسلها لها قيس من بيروت. وكتبت مع عنوان أم ميشيل كلمة إلى قيس: إذا كنت ماتزال في بيروت أرجو أن تساعد سميرة! كان قيس مايزال يسكن بعد عودته من بغداد في غرفة بين شجر الزيتون، قريبة من أم ميشيل. وسيظل يتناول غداءه في بيتها حتى رحيله من لبنان. وتستمتع بفتنة حضوره، وسحر حديثه، وترافقه إلى البحر بحجة ما. نادته أم ميشيل بين شجر الزيتون: تعال بسرعة، لك رسالة من ليلى! وماأحلى حاملة الرسالة! تناول الرسالة وابتعد ليتذوق مافيها دون متفرجين. يالخيبته! نسيت ليلى حتى أن ترمي تحية يرسلها الناس عادة في بداية الرسائل وفي نهايتها! تأمره بأن يعنى بسميرة! ماالهدف من ذلك؟ هدية تعلن له أن قلب ليلى في مكان آخر؟ شعر بالقهر. ترك بيت أم ميشيل كيلا ترى وجهه تلك التي أنشد حب ليلى أمامها. وكانت أم ميشيل تعرف أنه سيعود بعد أن يهدئ أشواقه. استسلم قيس إلى سؤال سميرة عن ليلى. ماذا كانت تلبس، عم تحدثت، كيف تعيش، ماذا يشغلها. كانت ليلى تلبس بنطالا أسود وكنزة سوداء وشالا أحمر! لماذا اختارت اللون الأسود؟ لايكفي لكسره شال أحمر! لاتستطيع سميرة أن تعطيه معلومات كثيرة عن ليلى. لم ترها إلا خلال ذلك العشاء! انتبه قيس إلى قلق سميرة. لم يُحسم بعد مصير بغداد! لكن الصراع بين القوميين واليساريين وعبد الكريم قاسم مشتعل، ينغمسون فيه متحمسين. سينتصر أحدهم على الآخر، لكن المنتصر والمهزوم سيدمران العراق. ألا يعبر الوفد العراقي إلى مهرجان فيينا عن هذا الواقع؟ وفد كبير يناسب اسم العراق الصاخب، لكنه يعود من بيروت إلى بغداد متخفيا! جرّت أم ميشيل الحديث إلى فيينا، "أجمل بلد في الدنيا". كانت سميرة ذات عينين حلوتين تتسعان لأنوار المهرجان. أية كلمات تؤدي فرح شباب اجتمعوا في مدينة موشاة بالحدائق والقصور، حاملين أغانيهم وملابسهم الملونة وهواجسهم القاتمة؟! كأنما التقى حزن العالم بفرحه! رقصت أمريكا اللاتينية بالرغم مما فيها من ديكتاتوريات. وزهت اوربا بما فيها من حريات وأحزاب. وأتى العرب محملين بمجرداتهم وخطاباتهم، وبشعورهم بأن منطقتهم مركز العالم وأرضه المظلومة. بأنهم أصحاب الحضارات المنسية، والثروات الكبيرة، والجراح المفتوحة. دون لغة تفاهمت مديحة مع جزائرية في مثل عمرها، وأمسكت كل منهما بطرف يافطة. ثم بكت الجزائرية لأنها لاتعرف إلا الفرنسية. تعانقت الفتاتان، فمن منهما كانت تعزي الأخرى وتحزم شجاعتها؟! وكان ذلك وسط أناشيد يغنيها شباب بيض وصفر وسود وهنود حمر، وأمريكيون وألمان وفرنسيون! لذلك بدا الظلم محدود القوة، وبدا قدَر الشعوب كلّي القدرة! الشعوب؟ كلمة تملأ الفم والحنجرة. فالحقيقة أن فشل الأحلاف في البلاد العربية صاغه هذا الشباب الغض! ذلك، لاتوهج العمر فقط، سبب الاعتداد الذي يبدو كالوهم. تحدثت سميرة عن اللقاءات الكبرى التي ينطلق فيها الغناء وتتشابك الأيدي وتميل القدود وينعقد الرقص وتختلط الملابس الملونة. وبدت من وفد قوي ومنتصر كان في المهرجان يجمع الأكاليل للثورة التي قلبت الملكية في بلد الحضارة والنفط. مَن غير المطّلع يفهم أن المحتفين بتلك الثورة يمزقونها وينثرون شظاياها! أقامت سميرة عدة أيام في بيت أم ميشيل، على بعد خطوات من قيس. والتقت به وقت الغداء وأحيانا وقت العشاء. يحب ليلى لذلك يجب أن تشعر ببعدها عنه؟ بل سحرتها قدرته على مثل ذلك الحب. كانت فوق ذلك من المعجبين ببرنامجه المشهور "اضحك مع الأخبار"، ولم يخطر لها أنها ستقابله وأن يخصّها وحدها بحديثه! اقترحت سميرة رحلة إلى بعلبك كمن يريد أن يقطف آخر الأفراح قبل الرحيل. نعم، لم لانزور بعلبك المشهورة بأعمدتها ومعبدها؟ من يرفض رغبة فتاة جميلة، قادمة من فينا، راحلة إلى بغداد التي تألق فيها قيس ونجا منها! في اليوم التالي ركب قيس مع أم ميشيل وسميرة سيارة إلى بعلبك. وبعلبك ليست المعبد فقط، بل نهار طويل، جلسة تحت الأشجار في المقهى، غداء، أحاديث، شراب، عيون تمتلئ بالآخر، دوار، رغبة تولد وتنمو، ترجو وتغري، تقترح ثم تنتفض وتطلب. يرفّ القلب من الشراب في طبيعة مفتوحة بعيدة عن مدن المعاصرين. ويبدو كأن المدينة الحجرية تجيز الرغبات وتوهم بأن القيود لم تكن موجودة وإنما اختلقها الإنسان فيما بعد في المدينة الحديثة. سميرة وقيس غريبان يملكان هذه اللحظة البراقة على عتبة عتمة مجهولة. فهل يفرّطان فيها؟! أليس الغرباء أحرارا خارج حياتهم المعروفة، وهم على قمة صغيرة بين ماض منسي ومستقبل غارق في العتمة؟ لهذا الوجود الحرّ خارج الزمان سحر، تسرح فيه سمرة ناضجة وعينان حلوتان، ورشاقة شاب نحيل مغرم بفتاة بعيدة. يرتجف القلب، فتتبع الخطوات طريقا تعرف أنها ستسير فيه حتى ينقطع. توقف قيس خارج المعبد عند صائغ سياحي. واشترى لسميرة طوقا ذهبيا علقت فيه أعمدة بعلبك. ذكرى هذا اليوم الذي غمره حب خاطف سيندم عليه قيس، وستحتفظ به سميرة كذكرى سعادة سيتبرآن منها لكنها ستبقى غافية حتى يلجأ كل منهما إلى صناديقه العتيقة ويقلّب مافيها مفتشا في صفحات العمر عن حياته المفقودة. آه، من لايستسلم للسحر! من لايقطف زهرة اليوم التي تذبل في المساء! من؟ حبيبته، ونمط آخر من الفتيات الجديات كمديحة وغادة! شذوذ لايقاس عليه! أما الآخرون، المسافرون، فيحلمون بمغامرة يخبئونها كالكنز، مغامرة يتصورون أنها لاتحمّلهم ولو ذرة من الثقل ولايبقى منها غير رفيف الفرح السري! التقى مسافران، قيس الذي ينتظر رحلة مجهولة، وسميرة التي ماتزال تحمل حقائبها! طلبت سميرة: أريد أن أرى غرفتك! مشت بين شجر الزيتون إلى غرفته. فيها سرير، وكرسي واحد، وطاولة تحط عليها كل مساء صورة حبيبته! لو كان في الغرفة مقعد آخر أكانا يحتاجان إليه؟ سميرة جميلة، والرحلة إلى بعلبك أبقتهما طول النهار معا، وهما في نهاية النهار متعبان من الأفراح والمشاهد والأحاديث والرغبة. سيعانق قيس أخريات لأنهن يشبهن ليلى. لكنه الآن سينتقم منها لأنها لبست ثوبا أحمر مكشوف الظهر! ثوبا أحمر؟ بل أسود، ياقيس! بل أحمر! ولم ترسل له حتى تحية! أردتِ ياليلى أن أعنى بسميرة؟! هاأنا أعنى بها! صورة ليلى على الطاولة تنظر إليهما، وهما على السرير. سيردد قيس دائما: لم أساوم أبدا على الصورة! وكان صادقا. يقهر سميرة الآن ماجذبها إليه: حبه! تطلب منه أن يبعد الصورة فيهز رأسه في عناد: لا! ويثير ذلك رغبتها في الانتصار عليه وعلى الصورة. فتستدير عنها إليه. ياللواهمة! لم تستطع حتى عندما تخيلت أنها ملكته أن تزيح الصورة. انتفض في حزم: إياك! لماذا يحب ليلى؟ كان يمكن أن تكرر التساؤل نفسه أخريات لو فهمن أن اسمها الذي ناداهن به لم يكن تعبيرا عن الحب بلغة لايعرفنها، بل كان اسمها! وسيكرر هو نفسه التساؤل نفسه بعد أربعين سنة بلهجة أخرى: لماذا وقد عرف أجمل منها! وسيتوه حتى بعد تجاربه كلها مبتعدا عن جواب بسيط! فهل أحب قيس ليلى لأنه قارن مقاييسها بمقاييس أخرى؟ هل أحب روميو جولييت لأنها كانت أجمل النساء؟ كيف يتبين المحبون إذن مقاييسهم التي لاتوجد إلا في المرأة التي يهوونها؟ باقة الروح، الحركة والطبع، ألق العينين وخفقة الجفن وخط الحاجب، النسيج الشفاف الذي لايتكرر في آخرين! بعد سنوات سيذكر له أحد أصحابه أن شابة عراقية اسمها سميرة وصلت مع زوجها! وسيروي له أنها اغتصبت في انقلاب شباط، وقتل أخوها أمامها. لابد أن الذي تزوجها رجل نبيل يعلو على ما يعلق بصورة المغتصبات. لابد أنه فارس حقيقي. سيتساءل قيس لماذا يتفادى أن يراها. أيخاف من شرخ يمكن أن يشق روحه؟ أم يخشى السقوط في السحر القديم؟ لو تكرر ذلك هل تصدقه ليلى إذا ادعى براءته؟ بل لأنه يحترم الرجل النبيل الذي لايستطيع قيس أن يكون مثله! اغمض عينيك ياقيس، ولاتفكر في السبب! ماأغنى الانسان، وماأعقده! ستحمل سميرة من العراق قليلا من الصور. تَظهر في إحداها أفراحها في مهرجان فيينا. تقف تحت يافطة المهرجان، في ثوب فلاحة. وتظهر في صورة أخرى في جامعة موسكو بين شابتين إحداهما مارغريت والثانية ليلى. لو رآها قيس لتفرج على زمن يبدو بعيدا جدا! وللاحظ أطياف الفرح المستمتع بالدنيا. ولقال: ياللمصادفة! ثم لهزّ رأسه: أين المصادفة؟! جمعتنا أرض مضطربة واحدة وجيل حزين. مرت شهور طويلة كثيرة الألوان، تمنى فيها قيس أن يبقى في لبنان وأن يرحل عنه. تلقى فيها تلك البطاقة الموجزة من ليلى التي حملتها له سميرة العراقية، وشاهد من بيروت استكمال حرق ثورة تموز. وذات صباح قال لنفسه: كفى! عرض على أحمد زوج جورية الرسائل التي وصلته من أنحاء مملكة عرفان. فنصحه: سنؤمن خروجك من بيروت، وهناك دبّر نفسك! اشترى له أحمد بطاقة طائرة إلى براغ واشترى له ملابس. في مطار خلدة قال له: نسينا ياقيس المعطف، مع أن براغ باردة في هذه الأيام. وخلع معطفه وقدمه لقيس: خذ! ستتوقف في زوريخ وستنزل في براغ، ولاأعتقد أن التشيك سيطردونك! وأعطاه رقم تلفون في براغ ليتصل به وقت الضيق. التفت قيس إلى بيروت. فبدت لـه ألوان البحر الزرقاء والخضراء والرمادية. ودّع أشجار الصنوبر وتمنى لو استطاع أن يعبر الغابات ويلمس الصخور ذات الطحالب المخملية، وأن يقطف الزعتر البري. كم ضيّع على نفسه من طرق لم يمش فيها! وهاهي بيروت وراءه فهل يعود إليها مرة أخرى! نزل قيس في مطار زوريخ. قلّب الضابط السويسري جواز سفره: - إلى أين ذاهب؟ - إلى براغ. - ليست لديك فيزا تشيكوسلوفاكية! - لاتوجد سفارة تشيكوسلوفاكية في بيروت. - لكن السفر إلى هناك دون فيزا لايجوز. - يجوز! - اجلس! أتى لقيس بفنجان قهوة. سأله: - احك لي، ماالقصة؟ أنت هارب من البلاد العربية؟ - نعم! - وستطلب اللجوء إلى تشيكوسلوفاكيا؟ - نعم! - إذا سمحنا لك بالسفر هل تضمن ألا تعاد؟ - أضمن ذلك! - تسافر على مسؤوليتك. إذا أرجعوك اضطررنا إلى إعادتك إلى بلدك. مع السلامة! أتمنى لك التوفيق! شعر قيس بأن الضابط يعطف عليه! وأرسل من مطار زوريخ برقية إلى أصحابه الذين يدرسون في براغ. وجلس على الحدّ الفاصل بين عالمين، عالمه الذي توضع فيه الأسماء على الحدود وتفتش البيوت في كل خلاف سياسي وفكري، وهذا العالم الذي يتنقل الناس فيه في حرية ويعبرون الحدود في أمان. وتلقّى حتى برد زوريخ كهدية حضارية. وصل قيس إلى مطار براغ في العاشرة والنصف ليلا. وشعر وقت فتح باب الطائرة وغمره الضباب والبرد بأنه على عتبة حياة جديدة، في أمان بين ذراعي بلد اشتراكي! قلّب الضابط التشيكي جواز قيس وقال: - دون فيزا! - صحيح! - كيف تأتي دون فيزا؟ - مضطرا! - من لك في براغ؟ - رفاقي، ينتظرونني هنا! - الأسماء؟ ناوله قيس الأسماء. - انتظر! نودي بالمايكروفون على المنتظرين المفترضين. نودي مرات. لاأحد! أتى الضابط لقيس بقهوة وقال: - لاأحد! من لك أيضا؟ تذكر قيس رقم التلفون الذي أعطاه له أحمد. خابر الضابط الرقم فقيل له: خرجوا! فنجان قهوة آخر. اتصال آخر. اتصال ثالث ورابع. قال الضابط لقيس: - كان ذلك رقم فندق الحزب! تحادث مع زملائه وقال لقيس: - تفضل! سننزل إلى فندق تقيم فيه الليلة. إذا حُلت قضيتك حتى الغد فأنت ضيف على البلاد. وإذا لم تحل سنضطر إلى إعادتك! رافق ضابط قيسا إلى الفندق، وتحدث مع مكتب الاستقبال. تعليماته أن يقيم قيس في الفندق ويقدم له الطعام ويستقبل من يريد، وألا يخرج من الفندق حتى الغد. ينام؟ كيف ينام؟! وضع حقيبته في الغرفة التي خصّوه بها. نزل بالمصعد وجلس في صالة الفندق مقابل مكتب الاستقبال. أين من أرسلتُ لهم البرقية؟ أين أصحابي؟ خلال ذلك كانت فتاة الاستقبال ترفع سماعة التلفون وتجيب: بروسيم .. ثم تتحدث! مرت ساعتان. نهض قيس إليها وقال لها باللغة الإنكليزية: آنسة بروسيم، أريد .. ضحكت الفتاة: ليس اسمي بروسيم! قال لها: ترددين كلما أجبتِ على التلفون بروسيم. قالت: يعني ذلك بلغتنا تفضل! كانت تلك أول كلمة تعلمها قيس من اللغة الجديدة. أعطاها رقم كلية ياروف ورجاها أن تتصل بها وتطلب أصحابه. وكتب لها الأسماء. اتصلت الفتاة مرات. ثم انتبهت: اليوم السبت ولابد أنهم ساهرون خارج الكلية! لن تجد أحدا! سأترك لهم رسالة! سمعها تمليها بلغتها: قيس وصل. ينتظركم في فندق انترناسيونال. لكم أيضا برقية من زوريخ انتبهوا إليها! كم ساعدته ابراهيموفا في تلك الليلة! في الساعة الرابعة والنصف تقريبا وصل أصحاب قيس إلى فندق انترناسيونال. كانوا في سهرة، عادوا إلى الكلية فوجدوا الرسالة المهتوفة "انترناسيونال يخابركم" ووجدوا البرقية من زوريخ على لوحة الإعلانات، فأخذوا تاكسي واتجهوا جميعا إلى الفندق. شربوا القهوة مع قيس! بعد انصرافهم صعد إلى غرفته ونام مطمئنا. في الساعة الحادية عشرة من نهار اليوم التالي اتصل مكتب الاستقبال بقيس. صوت آخر غير صوت ابراهيموفا التي انتهت نوبتها: هنا شخص يريد أن يقابلك! نزل قيس فوجد رجلا ينتظره: أرحب بك في الجمهورية الاشتراكية. يمكنك أن تبقى في الفندق، تقيم فيه وتأكل فيه وتتجول في براغ حتى يعود عرفان من الصين. كان عرفان يحضر في الصين الاحتفالات بذكرى الثورة، وسيبدأ بعدها جولة أعدت للضيوف. في الساعة الثانية عشرة أتى أصحاب قيس وقالوا له إنهم اتصلوا بمصطفى في مجلة قضايا السلم وسيؤمنه حتى عودة عرفان. فتذكر قيس أن مصطفى كان آخر من رآه من السوريين قبل سفره إلى بلده يوم أبعد كلوب. بقي قيس في الفندق حتى عاد عرفان. فزارت لجنة الطلاب قيسا وبلّغته: سيقابلك عرفان! استقبله عرفان في فندق الحزب. كانت معه شخصيات عربية. ولم يبال عرفان بأن يسمع الحاضرون حديثه مع قيس. قال لقيس: جئت؟ هناك قرار بأن تبقى في بيروت. فكيف جئت؟ ردّ قيس: ساعدني اللبنانيون! قال عرفان: فليساعدوك هنا! لو رأيتك مشنوقا لما أنزلتك من المشنقة! غضب قيس: أنا هنا، وستكون أنت المسؤول إذا أبعدت! في اليوم الثالث أرسل عرفان لقيس مالا مع لجنة الطلاب: فليدبر نفسه موقتا. بعد خمسة أيام أتى أعضاء اللجنة وقالوا له: يريد أن يراك! ذهب قيس إليه. سأله عرفان: ماذا تنوي أن تفعل؟ أجاب: أريد أن أدرس. ردّ: ادرس اللغة الآن! كانت السنة الدراسية قد بدأت. سيلحقها قيس! سيدرس اللغة ويتفوق فيها وسيقول: اللغة تحت ثياب النساء. خلال ذلك التقى قيس بعرفان ولم يظهر له عرفان عداوة. في نهاية سنة اللغة سيطلبه ليبلّغه: قررنا أن تشتغل في الراديو، ورشحناك للعمل فيه. يريد التشيك صحفيا نشيطا! سيقول له قيس: لكني أريد الدراسة في الجامعة. وسيردّ عرفان: هذا قرار! سينقل قيس ماجرى لأحد أصحابه فينبهه: لاتُقطع المنحة الدراسية عنك إلا إذا فشلتَ في الدراسة. أما الشغل في الراديو فيمكن أن يلغى بأمر! لكن عرفان سيكرر لقيس: هذا أمر! نفذه! لماذا لم يفهم قيس أنه الجانب الضعيف؟! سيأتيه طالب يريد أن يتزوج من زميلته وقد عين موعد زفافهما. لكن عرفان أعلن للطلاب: من تزوج أجنبية يجب أن يطلقها وإلا فصل! ومن لم يتزوج بعد يجب أن يحذر من الزواج من أجنبية! سيسأل الطالب قيسا: ماالعمل؟ وسيكشف له قيس مالايعرفه بعدُ غيره: عرفان متزوج من مطلقة زميله الأجنبية. فقل لمن بلّغك الأمر "الناس على دين ملوكهم"، وتزوج! ولتطبق القيادة أوامرها أولا على نفسها. انفرط قرار عرفان، وتزوج الطلاب الراغبون بالزواج. ولكن ماذا فعلت ياقيس؟ قدت التمرد! أيمكن ألا تحاسب على ذلك؟ يوم سينساق قيس في جنونه كمن ينتقم من نفسه ومن ليلى، ويبدل النساء كشهريار، حريصا على ألا يبقي على علاقة مستقرة تقوده إلى الزواج، مؤكدا لنفسه في ثقة أحيانا وفي غضب أحيانا: سألتقي بليلى، سيكون قد قدم لعرفان مايحاسبه عليه. سيحمل قيس بيده لعرفان اللحظة المناسبة لينفّذ ماهدده به في دمشق: "سأسخطك كم سخطت مخلص عمرو"! وسيكون قراره مستندا إلى الأسباب التالية: أولا يتهم القيادة بالميول الصهيونية. ثانيا لتفسخه الأخلاقي انشغل السياسيون بتفاصيل تمرد الموصل ومذابح كركوك، وبمحكمة الشعب، وبالأحكام بالإعدام. وانشغل القوميون بالتوازن الجديد الذي كبح لجان المقاومة الشعبية وما يشبه التوازن الجديد! وانشغل آخرون بعودة الوفد العراقي إلى مهرجان فيينا وحكوا عن الحفاوة به هناك، واعتقال بعض أفراده في بغداد. وتابع العرب ذلك المجرى القلق في العراق، وهجوم عبد الناصر على عبد الكريم قاسم الذي سماه الإعلام في الجمهورية العربية المتحدة: قاسم العراق.. وكان عبد الكريم خلال ذلك مع مجموعة من المختصين والوزراء يفاوض شركات النفط. هل قدّر قاسم أكثر منهم علاقة النفط بالأحداث؟ لم يعلق أحد الأحداث بالمؤسسات النفطية العالمية التي تملك المؤسسات السياسية والأمنية، ويخطط فيها الأذكياء للحمقى والأبرياء، ويفيدون من هيجان الشعوب وحماستها. لم يمس حتى الباحثون الذين سيتناولون تلك الأحداث أثر النفط فيها. كانت شركة نفط العراق قد حصلت على امتياز نفط كركوك سنة 1925 ونفط الموصل سنة 1932 والبصرة سنة 1938. وقدّرت تلك الاتفاقات حصة العراق بأربعة شلنات عن الطن. عدّل العراق في سنة 1952 تلك الاتفاقيات فجعل حصة العراق نصف أرباح الشركة. لكن تنفيذ الاتفاقية فتح مساحات للتلاعب والاختلاف. وكان الخطأ أن الحكومة العراقية وهبت شركات النفط الأراضي العراقية كلها. حتى أن الأحزاب السياسية طلبت تأميم النفط. بعد ثورة تموز بدأت المفاوضات مع مجموعة شركات النفط. كان الضباط الأحرار قد بحثوا السياسة النفطية القادمة بعد الثورة، ورأوا أن تأميم النفط غير مناسب، لكن المفاوضات مع شركات النفط لانتزاع حقوق العراق ضرورة. ولذلك أعلنت الثورة منذ بدايتها أنها ستلتزم بالاتفاقيات الدولية وبوصول النفط إلى الأسواق العالمية. بدأت المفاوضات في سنة 1958 وهدفت إلى تقليص سلطة الشركات على الأراضي غير المستثمرة، وزيادة حصة العراق من ربحها، واشتراك العراق في إدارتها. ماطلت الشركات وراوغ ممثلوها في المفاوضات. فدعا قاسم ممثلي الشركات في نيسان سنة 1961 إلى المفاوضات. واشترك فيها وزير النفط ووزير التخطيط ووزير المالية السابق ومحافظ البنك المركزي العراقي. استعرض قاسم مامضى وبحث أسبابه ووضّح طلبات العراق. هل عرف قاسم أن عدوه نوري السعيد الذي احتاج نفقات لوزارته وقف موقفا مشابها وهو يقابل إصرار الشركات على الكسب الأقصى؟ هل تساءل لماذا تصر الشركات على زيادة الإنتاج من الكويت والسعودية ولاترفع إنتاج العراق؟ هل يتصل ذلك بسياسات عالمية كبرى، تترك احتياط النفط العراقي لحقب قادمة؟ كيف لـه أن يعرف، مهما بلغت مهارته في الاستشفاف، أن النفط سيلعب بمصير العالم في القرن التالي، في الألفية الإنسانية الثالثة؟ مع ذلك تصور قاسم أن الشعب العراقي كله معه خلال المفاوضات. وبدا متصوفا في الدفاع عن حقوق العراق. كتم الغضب من عرض الشركات التنازل عن الأراضي التي لاتستثمر، وعلى المهارة في المراوغة والمماطلة، والوقاحة أحيانا. كانت مقابله، هو العسكري المستقيم، كفاءة عالمية في التنقل من اللطف إلى الوقاحة، ومن الاستعداد للمفاوضة إلى انتظار اليوم المناسب الموعود. وكان مقابله، هو الشرقي الذي يبدأ من فضيلة الكرم وتراث حاتم الطائي وهبات الخلفاء للشعراء، الدقة الغربية في الحساب، والوعي بأن القرش يصبح إذا تراكم مليارات، والغطرسة التي تحسب ماتعطيه لاقتصاد العراق، والايمان بأنها تأتي بالتقدم لبلاد متخلفة. وكان أمامه جشع الشركات الكبرى التي تنفق الحد الأدنى لتحصد الحد الأعلى من الفائدة. قال له فيشر: الرأي الذي ينطوي على أن تقوم الحكومة باختيار الأراضي التي تتنازل عنها الشركة غير عملي. لأن الحكومة ستختار الأراضي التي تحتوي على النفط! بيّن قاسم، الشرقي المتهم بالعاطفية، للغربي ابن المنطق، أن مسألة النفط يجب أن تبحث كاملة، فلماذا تنتخب الشركات عناصر منها وتهمل عناصر أخرى كأنها غير مترابطة! قال قاسم لمفاوضيه: يبدو أن الشركات حسبت أن الأمور ستنتهي بسهولة. أي أن تنتهي المفاوضات وفق رغباتها فقط، في حين أن المفاوضات يجب أن تنتهي على أساس عادل يحقق مصالح الشركات ومصالح شعبنا. أؤكد لكم أننا لن نتنازل عن شيء من مطالبنا. ردّ فيشر: يبدو أن الشيء الذي تطلبونه هو الذي تعتبرونه عادلا. فقال قاسم: نعم، صحيح! فأجاب فيشر: نحن لانعتقد ذلك! كم تفيد حرية الرأي الاوروبية في التطاول على ممثل بلد! يفاجئ حوار قاسم في مفاوضات النفط، من غشته صورة قاسم كرجل تراكمت عليه تهم منافسيه، وآراء أعدائه السياسيين، وهتافات محبيه. يفاجأ باستقامته، وإخلاصه، وحكمته. ويفهم أنه ضابط عراقي وطني جرفته عداوة قائد وطني آخر، وعداوة زعماء عرب رجعيين، ودفعته رغبات السياسيين المتعارضين إلى انحياز لايرغب فيه، فصورته كحليف لاتجاه وعدو لآخر، مع أنه بيّن أنه منحاز فقط إلى الشعب. ونفذ انحيازه إلى الفقراء بسلوكه فلم يعش أفضل مما عاش أي فقير. استسلم قاسم أحيانا لذهوله من الظلم الذي أنزلته شركات النفط بالعراق: ليس هناك قطر في العالم ظلم في المعاملة مع الشركات كما ظلم العراق. فهل رأيتم شركة في العالم تأخذ كل أراضي البلد والبحر والسماء بامتياز واحد؟ أخذتم هذا الحق من ناس خانوا بلدهم! ردّ فيشر بصيغة رسمية تضمن حقوق الشركات: لم نأخذ الحق من أحد، وإنما أخذناه من الحكومة. قال قاسم: كانت الحكومة خائنة. ردّ فيشر: كانت هي الحكومة العراقية المعترف بها. وضّح قاسم فيما بعد: لم تكن هناك حكومة بل كان هناك إنكليز، وكانت هناك شركة إنكليزية. ولو كان اولئك الرجال موجودين الآن لحاكمناهم لأنه ليس في العالم حكومة تعطي بلدها كله في امتياز! هل كان العراق يومذاك يكتفي بدخله دون النفط؟ ماأعجب أن يبدو كأن بلاد النفط تعيش بفضل شركات النفط! لتملك تلك الشركات رسن البلاد. لذلك قال قاسم: تعتقدون أننا مرتبطون بعوائد النفط التي نأخذها منكم وإذا انقطعت مات العراق جوعا! وحاسبهم على الغاز الذي أحرقوه ولم يصدّروه ولاتركوا البلد يستفيد منه. أوجز قاسم مراوغة الشركات: هل ترون كم عقّدتم الأمور؟ في مايخص المساهمة قلتم إن الشركة شركة خاصة. وبالنسبة لزيادة الحصة قلتم نحن شركة قديمة. وفي مايخص الغاز الذي أحرقتموه قلتم إن فيه مصلحة عامة ولانتمكن من إعطاء تعويض. قلنا لكم اعطونا الغاز لنتصرف به، فقلتم لدينا مقترحات أخرى! وبيّن: لاتصدرون أكثر من الحد الأدنى لأنكم تحاولون الضغط علينا! هل أتكلم في صراحة؟ اعتقادي أنكم تأتون في كل مرة وتعقّدون المفاوضات لتضيّعوا حق العراق. وأضيف شيئا آخر هو أنكم تعتقدون أن الوضع سيتبدل في العراق لتبقى أموركم ماشية مدة أخرى ويبقى حق العراق في تدهور. أؤكد لكم بأن هذه سلسلة لاتنتهي، خاصة بعد الانتفاضة الوطنية في تموز. إننا بشر. يجوز أن أكون موجودا معكم في هذه اللحظة، وربما أكون غير موجود غدا. لأننا نؤمن بالقضاء والقدر ويجوز أن نبقى مدة أخرى. ولكن كل واحد من أبناء البلد أقوى من الآخر، لأننا نفخنا الروح الوطنية فيهم وهذا هو الشيء الذي حصلناه من الثورة... لقد سببتم لنا أضرارا كبيرة من عدم تصدير النفط. وهذا الضرر متعمد! حق تصدير الغاز لمن يستطيع أن يصدره. لكن الشركات هي التي تربط الناقلات والأسواق. فهل يستطيع العراق المتهم بالثورة أن ينافس الشركات ذات الامتداد السياسي والعسكري والتجاري والأمني في العالم! في بداية القرن التالي سيبدأ أحمد الجلبي، باسم المعارضة العراقية، من اللقاء بممثلي شركات النفط الأمريكية، وسيهبهم باسم الحكام القادمين النفط العراقي. سيكون احتياطي النفط العراقي الهائل سبب حصار العراق أكثر من عقد، وسبب قصف العراق وتدمير بنيته واحتلاله. فهل كان قاسم يستطيع أن يدرك أنه أمام قوة عظمى سيحكم ممثلوها الولايات المتحدة في بداية القرن الحادي والعشرين! وسيفرضون التدخل بالقوة العسكرية على مسار النفط من بحر قزوين إلى العراق! وسيصوغون خرائط جديدة للعالم بما يناسب شركات النفط! لذلك سيدهش قيس في آخر أيامه من غفلة السياسيين العرب عن تلك الحقائق. وسيقول: مع أن ايران التي أممت النفط سنة 1951 وقتل سياسيوها وضباطها عقابا على ذلك، كانت تجربة سابقة قربهم وتحت عيونهم! فهل قرر لهم أن ينساقوا في أحداث تدمرهم جميعا وتفتح المنطقة للتدخل؟ كيف لم يعوا أنهم بحماستهم للتفاصيل وانسياقهم فيها نسوا الجوهر؟ أعلن فيشر: هذا الوقت لايسمح لنا مطلقا ببحث زيادة الكميات المصدّرة. فقال قاسم: يمكنكم طبعا السير حسب مصلحة الشركة، ونحن أيضا سنعمل بموجب حقوقنا، لأننا لم نجد فائدة من المفاوضات خلال السنوات الثلاثة الماضية. وأؤكد للشركات أننا لن نموت جوعا. فتمنى فيشر ألا يجوع الشعب العراقي! نشرت وزارة النفط في تشرين الأول سنة 1961 بيانا عن المفاوضات. أعلنت منع الحفر والتنقيب خارج مناطق الاستثمارات الحالية. "إن الحكومة العراقية تعلن أنها تتمسك بحق العراق المشروع ولايمكنها التنازل عن هذا الحق مطلقا.. وستتخذ الخطوات الشرعية الكفيلة بضمان مصلحة العراق وفقا للقوانين، دون الإضرار بمصلحة الشركات المقبولة". لم يتجاوز قاسم مااتفق عليه الضباط الأحرار قبل الثورة. لكن ألا يسجل الأفراد المفاوضون مسارا تعمقه أو تمحوه السنوات القادمة؟ ألا يضع المتفاوضون دائما حجرا في بناء ذي سياق، هنا أو هناك؟ يقوّيهم أن يكونوا مسنودين بشعب وأحزاب ومنظمات ومحيط أوسع من بلادهم. ولم يكن قاسم كذلك. فاستند إلى مجموعة حوله، وإلى ضمير الشعب، وإلى الايمان بأنه على حق أمام أجيال قادمة لن يحجب عنها الحقائق صخب المعارك الراهنة، وسترى الحقائق والأشخاص في وضوح الهدوء ولو أتى بعد هزيمة أو مجزرة. ولكن المهم أن يستند القادمون إلى موقف وطني يؤسسون عليه موقفا يتقدمه، وقد آمن قاسم بأنه وضعه مخلصا لمثل الثورة التي اتفق عليها مع زملائه. لكن الرؤية أعتمت وسط ضجة الصدام في تلك الأيام. فنشر حزب البعث في سنة 1961 بيانا عن فشل المفاوضات. لم يُظهر موقف قاسم الوطني، بل قدّم عليه قرار استبعاد الخصم. "هذه هي النتيجة المنطقية المتوقعة لمفاوضات تدور بين شركات استغلالية وبين حكم فردي تشل قدرته الجرائم البشعة التي ارتكبها. وتكبله أطواق الانعزال المتزايدة يوما بعد يوم عن جماهير الشعب". "وشركات النفط تدرك جيدا وضع المفاوض العراقي وتعرف أنه أضعف من أن يقاوم نفوذها ويقف أمام جنون مصالحها. وذلك بسبب ايغال الحكم في سياسته اللاديمقراطية وانفضاض جماهير الشعب من حوله". قال قيس: لو استطاعوا أن يحكموا برؤية المستقبل لسندوا عبد الكريم قاسم في المفاوضات ولو تحفظوا على سياسته! لكنهم بمنطق ذلك الزمن رأوا موقفه الصلب في المفاوضات مناورة "لإضفاء صفة الوطنية" عليه. وقلّلوا من قيمة القانون رقم 80 الذي حدد مناطق الاستثمار للشركات النفطية، مع أنه أهم قرار بعد تأميم قنال السويس. فرأوا أن ذلك "لايشكل أي تهديد جدي لمصالح الشركات غير المشروعة. فإصدار قانون الاستيلاء على الأراضي غير المستثمرة.. لايعدو كونه خداعا للشعب وضحكا على ذقنه". فلم يزنوا القانون كسياسيين وطنيين بل كخصوم سياسيين. وقّع القانون يومذاك عشرة وزراء. وهو الذي سيسبب قتل قاسم. فهم قاسم ذلك فرفض الرسالة التي نصحته بطي القانون. وطلب نسخة القانون خلال قصف وزارة الدفاع فوقه. وسيقدّر الباحثون العراقيون فيما بعد أن القانون وجه "لأول مرة في تاريخ العراق ضربة إلى الاحتكارات النفطية العالمية أولا، ومنح العراق حق ممارسة سيادته الوطنية على جميع أراضيه ثانيا. وأنه خطوة جريئة نحو التأميم الكامل للثروة العراقية وتصفية آثار التبعية الاقتصادية ثالثا". جُردت الشركات من الأراضي التي لم تستخدم بعدُ في إنتاج النفط، أي سُحبت حقوق التنقيب عن 99،5% من أرض العراق. تحسب السنوات من العمر، ولاتعود أبدا! مع ذلك كانت غادة فرحة بنهاية سنوات الوحدة! بدأ زمن جديد! فهل أفرحها الانفصال؟ يبدو أنه لم يفاجئ محمودا. عندما استعادت غادة تلك الأيام انتبهت إلى أنه كان قبيل الانفصال هادئا ساخرا ومتماسكا، مشغولا بالصراع بين السراج وعبد الحكيم عامر. وكان حاضرا في الحفلة التي طلب فيها الحاضرون من صباح أن تغني أغنية ياكركدن، فغنت: "ياكركدنّ، لو تعرفنّ، يمكن في الجو في مقلبنّ"! وسمع التصفيق والمرح الذي ساد القاعة. من لم يشعر يومذاك بهواء انقلاب؟ بدت المدينة متمردة، دون قيادة. ذهب السراج إلى مصر وعاد منها. ألم يخيل لعبد الناصر أن السراج هو صاحب الانقلاب؟ لم يعد محمود في ليلة الانفصال إلى البيت. وانشغلت غادة عنه بطفلها. كانت تلك الأيام الاولى هي الوحيدة التي استرخى فيها، بالرغم من توترها. في الثامن والعشرين من سنة 1961 في السابعة والربع صباحا استمعت غادة إلى البلاغ رقم واحد الذي أعلن باسم الجيش "أن هذه الانتفاضة لاصلة لها بشخص أو فئة معينة، إنما هي حركة هدفها تصحيح الأوضاع غير الشرعية.. إننا قد طرقنا كل باب للإصلاح فلم نجد إلا القوة سبيلا للتحرر من المستغلين، ولم نجد إلا القوة سبيلا كي نعيد إلى الشعب حريته وللجيش كرامته". فهمت غادة عندئذ ماتوقعه محمود. ولماذا لم يفاجأ به. بل بدا كمن يستعد له. وتابعت طوال النهار الأخبار، وانتظرت أن يخابرها محمود. لكنه لم يعد إلا في المساء. كم ستتكرر الأيام التي ستتسمر فيها غادة مع العرب أمام المذياع أو التلفزيون ليعرفوا ماقررته لهم فئات أو شخصيات أو قوى عالمية! ستتفرج غادة بعد عقود على مشاهد الانتفاضة الفلسطينية العظيمة، واقتحام المسجد الأقصى، والمذابح، ثم على غزو العراق وقصفه واحتلاله! وستصرخ: أين الشعوب التي تهزّ الفضاء بغضبها فتسقط الظالمين؟ وستردّ على نفسها: قُتل الشارع منذ اشترط عبد الناصر إلغاء الأحزاب وشرّد الضباط الوطنيين، وحمل الوكالة عنهم جميعا في التفكير والقرار! فتعوّد الشارع أن مهمته هي التصفيق والاستقبال والوداع وأن يصوت في الاستفتاء بنسبة 99% وأنسي أنه في أيام مجده واجه الأسطول السادس! ذكر البيان الثاني أن سورية تنتفض على اولئك المستغلين والمنحرفين الذين سلمهم الشعب العربي في سورية مقدراته مندفعا وراء الوحدة العربية المقدسة.. "لكن الطغمة المتحكمة خانت الأمانة ونفّرت الشباب في الأقطار العربية من كل مايتصل بالوحدة".. تابع عبد الناصر أحداث الانفصال من إذاعة القاهرة، وبيّن أنه ذهب إلى الإذاعة لأول مرة. هل أوحت له اتصالاته بعامر ومن حوله من السوريين بأن الانقلاب محدود، وبنى على ذلك قراره؟ قال: دمشق كانت دائما قلب العروبة النابض.. دمشق كانت دائما القلعة الحصينة في وجه الاستعمار وفي وجه أعداء الوطن العربي، وقد استطاعت بتصميمها وبإرادتها في سنة 1958 أن تفرض هذه الوحدة وأن تقيمها وأن تضعها موضع التنفيذ وأن تعلن عن قيام الجمهورية العربية المتحدة. وأنا غير قادر أن أعلن نتيجة هذا العمل الطائش الذي قام به بعض الأفراد الذين غُرر بهم، أن أعلن النبأ أبدا بأي حال من الأحوال. إننا نريد أن نتجنب سفك الدماء. إن وحدات الجيش الأول في كل مكان تتحرك الآن إلى دمشق لتقاوم هذه القوة التي تمردت على إرادة الشعب والتي قامت لتهدد سلامة الجمهورية، بعد أن صدرت الأوامر لوقف هذه الحركة. فاوض عبد الكريم النحلاوي المشير باسم ضباط الانقلاب. لم تكن الطلبات التي قدّمت للمشير للانفصال عن مصر، بل لتصحيح الأوضاع والتكافؤ في الجيش بين المصريين والسوريين. فإذا وافق المشير على المطالب أذاعت الحركة أنه قبِل التصحيح وأن الأمور صارت طبيعية. وافق المشير على ذلك فأصدر رجال الانقلاب البلاغ رقم 9. انتشر القلق في بيت غادة، وفي الجيش، وبين ضباط الانقلاب. فاحتج عليه حيدر الكزبري قائد قوات البادية والسياسيين الذين يخشون من عودة الوحدة. وقوّى القلق أن إذاعة حلب رفضت الانقلاب وأن اللاذقية لم تسنده. رفض ناصر المساومة: "لايمكن أن أقبل بتدخل الجيش في السياسة، وكان هذا شرطا من شروطي الرئيسة لقبول الوحدة.. إن عناصر التمرد تصرفت في هذا اليوم كما كانت تتصرف مع شكري القوتلي، ولايمكن من أجل هيبة الدولة أن أقبل بهذا الحل الوسط". تراجع المشير عن وعده معتذرا بأن الرئيس ناصر فقط هو المخول بالبيان. فقصفت قيادة الانقلاب إذاعة حلب، وأنهي تردد اللاذقية. سرّحت القيادة العليا في مصر الضباط القائمين بالانقلاب فزادت من اندفاعهم. وفي المساء تحدث ناصر من الإذاعة.. رفض مفاوضة من سماهم رجعيين: "لقد مضى بعض الضباط المتمردين وسيطروا على القيادة في دمشق، وحاصروا المشير وضباط القيادة.. ومضوا في تزييف البرقيات.. إنني كنت طوال الوقت على اتصال مستمر بالمشير عبد الحكيم عامر بعد إذاعة هذا البيان، البلاغ رقم 9، وإن المشير عامر لم يوافق على هذا البيان وإنهم كانوا يطلبون من المشير عبد الحكيم عامر أن يعلن ببيان أن الأمور انتهت، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يضعون المشير عامر تحت الحراسة المسلحة، بل إنهم طلبوا من قائد الجيش الأول الفريق جمال الفيصل أن يعلن ببيان انتهاء هذا العصيان وهذه الحركة ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يسيطرون على القيادة في دمشق". أغلقت الحدود. وعندما وصلت قوات المظليين المصريين إلى مطار حميميم كمقدمة للقوات التي أرسلها ناصر لتنهي الانقلاب، حوصرت في المطار فسلمت سلاحها. وصلت صورة الواقع إلى عبد الناصر، فأمر قبيل عودته من الإذاعة في منتصف الليل برجوع القوات البحرية التي أرسلها لقمع الانقلاب. وبعد فترة سيعترف بسورية. وسيقول في الخامس من تشرين الأول: "ليس من المهم أن تبقى سورية جزءا من الجمهورية العربية المتحدة، بل المهم أن تبقى سورية". غاب محمود عن البيت طوال تلك الأيام. وتنقلت غادة بين إذاعة القاهرة وإذاعة دمشق. وكان طفلها يبكي من الضيق بالبيانات والخطابات، فتحمله وتدور به في الغرفة وهي تستمع إليها. تاهت هي أيضا بعد البيان التاسع. ماهذا الكلام؟! "إن القيادة العربية الثورية العليا للقوات المسلحة التي دفعها الشعور بالخوف على وحدة الصف العربي، وحماستها للقومية العربية، وتأييدها لها دفاعا عن مقوماتها، تعلن للشعب العربي الكريم أنها لاتنوي المسّ بما أحرزته القومية العربية من انتصارات، وتعلن أنها لمست عناصر مخربة انتهازية تريد الإساءة لقوميتنا، فقامت بحركتها المباركة تلبية لرغبة الشعب العربي وآماله وأهدافه، وأنها عرضت قضايا الجيش وأهدافه على سيادة المشير نائب الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة في الجمهورية العربية المتحدة. وقد عادت الأمور العسكرية إلى مجراها الطبيعي، اعتمادا على ثقتها بحكمة القائد العام للقوات المسلحة وقائد الجيش الأول اللذين يحققان أهداف القوات المسلحة والجمهورية العربية المتحدة". بعد البيان رقم 9 انطفأت المظاهرات التي ترحب بالانفصال، وخرجت أخرى تناقضها. وبيّنت الأسابيع التالية لغادة انقسام الشارع. لكنها وهي تراقب المتظاهرين افتقدت الفرح القديم النضر. قالت لنفسها: مع ذلك لاتضع البيانات أرضا مستقرة لأي حكم! لذلك قرأت في انتباه البيان الذي أعلنته مجموعة من السياسيين بعد أيام من الانقلاب.. خالد العظم، وأكرم الحوراني وصلاح البيطار وصبري العسلي وهاني السباعي وغيرهم. "أجمع الرأي على تأييد القوات المسلحة السورية.. كما أجمع الرأي على أن حكم الطغيان والانحراف، الذي أقامه الرئيس عبد الناصر في كل من سورية ومصر هو الذي أفقد الوحدة بينهما معانيها السامية، فأبعدها عن أن تكون نواة للوحدة العربية الشاملة الصحيحة التي آمن بها ويتوق إليها كل عربي، والتي لاتقوم إلا على المساواة والتكافؤ بين البلاد العربية.. كما اتفق الرأي على أن هذا الحكم الذي استهدف تشويه فكرة القومية العربية والوحدة العربية، وخنق الحياة السياسية الديمقراطية ووأد الحريات العامة، بالرغم مما بُذل من نصح وتنبيه وتحذير، هو الذي دفع إلى ثورة الجيش العربي السوري". جيد أن يرى المجتمعون ضرورة الانتخابات النيابية، والحكم الدستوري الصحيح الذي يحقق الديمقراطية السياسية والاجتماعية والاشتراكية. قالت لمحمود: يبدو أن السياسيين هرعوا ليستعيدوا القيادة المدنية. وبدا له أن وجهها أشرق وقت قالت: ستعود الأحزاب! وبدا لها أن وجهه أعتم وهو يقول: لكنك لن تتركي الطفل لتشتركي في الاجتماعات! فداعبته: لا، لأني سأحمله معي! لكن غادة ردّدت تساؤل أصحابها: هل أنزلت قوات مظليين في اللاذقية، حقا؟ عيب! لا! بدا أن السوريين الذين لم يطلقوا النار على المظليين، وأن عبد الناصر الذي تراجع عن إرسال قوات تقمع الانفصال، عبّروا عن العواطف التي لاتجيز سفك الدم العربي. وتفادوا كبيرة من الكبائر ذات نتائج مؤلمة. مع ذلك كانت تلك الأيام قاسية. مظاهرات تعلن الفرح، وأخرى تعلن الغضب. حتى قيل في سخرية إن المظاهرة نفسها تحمل صور عبد الناصر ويافطات تؤيد الانفصال، وترفع منهما مايناسب الحال... لم يمنع ذلك الصراع السياسي حتى نقّاد الوحدة من الألم لأن المصريين جُمعوا في الملعب البلدي لتسفيرهم! قالت غادة: في ذلك الملعب اجتمع الطلاب للتضامن مع مصر خلال العدوان عليها! رأيت نجاة حسن يمشي إلى الملعب البلدي ليسأل المصريين عما يحتاجونه! بدا لها أن وجه محمود أعتم. قال: في القاهرة جمعوا السوريين بالطريقة نفسها! انصرفت غادة عنه. هل يستطيع بعض رجال سياسيين أن يقلبوا عواطف عمرها مئات السنوات إلى حقد؟! أرفض ذلك! صارت إذاعة القاهرة كجيش سياسي في وسط البيوت السورية. استمع المتحمسون للوحدة والمتحمسون للانفصال إلى هجومها على الحكم السوري والانفصاليين والبعثيين والسياسيين السوريين الذين وقعّوا البيان. سخرت غادة من تلك الحماسة الموجوعة: كلام غير موزون! يعرف ناصر دور الإعلام! ليته إذن يخدم العرب في الغرب فيعرّف بقضاياهم المجهولة! أصم هيجان إذاعة القاهرة تلك السنوات. وستقول غادة فيما بعد: كم هدر من كلمات وورق وأصوات وعواطف! كانت تطفئ الراديو نهارا كاملا فتشعر براحة واسترخاء. لكنها تشعله مرة أخرى لتعرف المهاجَمين في ذلك اليوم. لم يتعب المتكلمون! وبدا الكلام جيشا يسند الناصريين. ألا يشعر المندفعون أنهم يقسّمون الشعوب العربية والصحف والأحزاب؟ صار الصراع بعيدا جدا عن إسرائيل! أحقا لم ينتبه ناصر إلى خطر هذا الصراع في البيت، وكأنه يقدم كرامته المجروحة في سورية على المصلحة العامة؟ كيف جمع شعوره المرهف بالخطر الإسرائيلي وامتداد إسرائيل في العالم، مع هذا الهدر في قوى الأمة العربية؟ جرت الانتخابات النيابية في أول كانون الثاني سنة 1962. وتذكرت غادة أيام ماقبل الوحدة. وزعت أوراق الدعاية الانتخابية، وتابعت التصويت واقفة كوكيلة، وحرست الصندوق طول النهار، لكنها لم تتابع فرز الأصوات لأن الفرز استمر يومين. بدت الانتخابات لها ردا مناسبا يعيد لسورية نظامها النيابي. لكن النتائج لم ترضها. نقص عدد النواب الاشتراكيين، وتقدم حزب الشعب والحزب الوطني، وزاد عدد الإخوان المسلمين وعدد الرجعيين وظهر الناصريون. أخذ خالد العظم ومأمون الكزبري نصف أصوات الناخبين في دمشق. وسقط صلاح البيطار في الانتخابات. لكن ذلك لم يغضب غادة. لماذا؟ منذ زمن طويل لاتستريح إليه، لكنها لاتصارح نفسها بذلك. هل تأخذ عليه أنه خرق قرار المجلس النيابي؟ انتخب المجلس النيابي الكزبري رئيسا له. وانتخب ناظم القدسي رئيسا للجمهورية. فجعلت غادة ذلك مناسبة للمرح. ذكّرت محمودا بالنكتة المعروفة: ذهبت أم ناظم القدسي لتخطب له. قالت تمدح أخلاق ابنها: مستقيم، من القصر إلى السجن ومن السجن إلى القصر. سايرها محمود، فبدا لها أن الأيام القديمة عادت إليهما. لكن معروف الدواليبي ذكر أن من برنامج حكومته تعديل قانون الإصلاح الزراعي، ومعالجة المعامل المؤممة. فهاجم الحوراني أصحاب رؤوس الأموال والملاكين. فقدمت لجنة مشروع التعديلات. لكن الهيجان أبعد دراسة الواقع ونتائجه دون التأثر بمصلحة الأحزاب واتجاهات بعض ضباط الجيش. استقالت حكومة الدواليبي فعبّرت عن أزمة الانفصال. بدت في المجلس النيابي الاتجاهات القديمة المتنوعة، لكن الاتجاهات التي ترى خطأ تأميم معامل وطنية، وأخطاء الإصلاح الزراعي، استقوت بمناخ الجيش. وشغل ذلك حوار غادة ورفيقاتها: ربما لم يتغير المجلس النيابي كقوى سياسية، لكن النواب تغيروا! حضرت غادة في شرفة الضيوف إحدى جلساته وتنهدت: أين هذا المجلس من ذاك! أين التهذيب والتآلف وحساب الكلمات! نعم، أثّر فيه نوع جديد من القيادة العسكرية، وهجوم عبد الناصر الإعلامي، ونشاط مخابراته، وتغيّر الشارع! ومع ذلك أشمّ الخطر على المجلس! لمحت غادة في شرفة الضيوف نزيهة حمصي، زوجة الحوراني. يسند نزيهة تاريخ ممتع قبل أن تتزوج من أكرم الحوراني. بدأ من بيتها العربي القديم الجميل، وأهلها، والمظاهرات التي اشتركت فيها. وكم هي جميلة! نضرة البشرة، متزنة، يقظة، يتوهج الذكاء والانتباه في حركتها، ويجتمع فيها التصميم مع الرقة. كم تبدو عيناها الخضروان فاتنتين! كانت مشهورة بحلاوة عينيها! أين اختفت فلم تجدها غادة عندما التفتت باحثة عنها؟ خلال متابعة الجلسة لم تستطع غادة أن تستبعد عواطفها. تنحاز إلى الحق بقلبها وتعلن حماستها! ماالضرر؟ كادت تقف في القاعة وتهتف للإصلاح الزراعي بالرغم من أخطائه. لن أكون قائدة سياسية! لدينا هاجر صادق ونزيهة حمصي اللتان تقيسان كلامهما! سوّغت لنفسها هيجانها: لاتجري الأحداث بعيدا عنا. هي مصيرنا! وأضافت لنفسها فيما بعد هما آخر! نعم، كيف لاأبالي بأن الناصرية سلبتنا بعثيين جيدين؟ كيف لاأبالي بأنها أضعفت الجيش وقسّمته؟ لم نستطع حتى الاحتفال بتصحيح الوحدة. سرق منا الحكم الفردي الوحدة، ثم سرق منا الرجعيون تصحيحها! ستعرف غادة بعد عقود أن الناصريين كادوا يسرقون أيضا ضباط الانفصال خلال ذلك التداخل الذي ماجت به سنوات الوحدة والانفصال، فنقلت الأحداث الشخص من جانب إلى آخر كأن عاصفة تدفعه، ومنهم زوجها. ستعرف أن زهر الدين، رئيس الأركان، أرسل وفدا من الضباط ليفاوضوا عبد الناصر، فيوقف الحرب الإعلامية ويعيد علاقات طبيعية بسورية. وستتأمل تلك الحقائق وتتساءل هل يدرك السياسيون أن مايكتمونه سينشر ويعرف ذات يوم؟ وأن العواطف الرقيقة والجامحة، والاقتراحات التي تتناول مصائر بلاد وبشر، والضعف الذي يُسقط أسماء من سجلات الشرف المعلّقة في الذاكرة، ستُعرف ويعيد الناس تصنيفها، فيدفنون من خلّدوهم، وينتشلون من القبور من دفنوهم؟ لن يبالي اولئك الذين أصبحوا موتى بأحكام الأحياء عليهم. ومع ذلك أليست السمعة هي الحياة الثانية بعد الموت، أليس ذلك هو الخلود أو الفناء؟ كأن العواطف القومية ضعف، ولذلك استغفر اولئك الضباط عبد الناصر عن الانفصال الذي ساهموا فيه! بدوا ضد الأخطاء لاضد الوحدة! من ضدها؟! سترى غادة مثل ذلك الضعف في محاضر مباحثات الوحدة أيضا.. وسيرعشها هزال السوريين الذين بدوا في تلك المباحثات كأنهم يعانون من جريمة الانفصال، ناسين جرائم المخابرات الناصرية والأخطاء السياسية. كانوا جميعا ضعفاء أمام هيبة القائد الذي دُقت له النواقيس، وصدحت له الأناشيد، فعلّمتهم ولاء يسحق الفكر ويعمي العيون. فغابت الحدود بين الايمان والحب، والتأليه الذي يجعل المؤمن مريدا مسلوب الحرية. لكن ماغفر لديها للضباط الذين اتصلوا بناصر في السر أنهم أتوا إليه متوجسين من هجوم إسرائيلي ينتهز فرصة الخلاف بين مصر وسورية. وغفر لناصر أنه قال لهم: في مواجهة إسرائيل قفوا دون تردد ولاتتصوروا لثانية واحدة أنكم بمفردكم أمامها. وكان صريحا وحكيما فقال للضباط: لو حكّمت عواطفي لربما نازعتني العواطف إلى عودة الوحدة الفورية. ذلك قد يمسح آثار طعنة أحسست بها في الظهر. وقد يرضي الكبرياء. لكن ليس من حقي أن أفكر على هذا النحو... ربما لأن الأمة العربية والشعب السوري بالذات قد أعطوني من الحب أكثر مما حلمت به في أي وقت من الأوقات. أعطوني مايشفي أي جرح. ومايزيل أية عقدة من عقد الكبرياء... إن أول واجباتي أن أنظر إلى المستقبل وإلى الأسس الثابتة التي يجب أن يقوم عليها. وليس من حقي أن أترك انفعالات اللحظة واحتمالاتها العاطفية المثيرة تأخذني. بعد ثلاثة أيام من استقالة حكومة الدواليبي، في 28 آذار، قاد النحلاوي والقيادة العسكرية انقلابا. فحل المجلس النيابي، واعتقل رئيس الجمهورية والوزراء وبعض أعضاء المجلس النيابي ونقلوا إلى سجن المزة. وكأنما بدت بشائر ذلك في آخر جلسة من جلسات المجلس، فتلاسنت القلة من الناصريين مع الأكثرية من أحزاب اليمين، وجُرح نائب حمص الناصري راتب الحسامي، وقال عبد الكريم الدندشي لعبد الناصر: حاربنا الشيوعية بدون أجر وحاربتَها أنت مأجورا. في يوم حل المجلس واعتقال الوزراء ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية بدأ تمرد حلب. هجم بعض الضباط الناصريين، ومنهم لؤي أتاسي وجاسم علوان، ومحمد عمران وابراهيم العلي على الموقع. قتل بعض مسؤولي المنطقة الشمالية من الضباط. وأذاع المتمردون من إذاعة حلب بيانا انتقد الانفصال الذي "اغتال أول تجربة وحدوية في تاريخ العرب الحديث، فألغى قانون الإصلاح الزراعي وقانون العلاقات الزراعية كما ألغى قوانين التأميم". وأعلن أن هدف الضباط الأحرار إعادة الوحدة بين الإقليمين واستعادة مكاسب العمال والفلاحين. دعت القيادة العامة للجيش إلى مؤتمر عسكري في حمص في نادي ضباط الحامية، قرر إبعاد بعض ضباط الانفصال خارج البلاد، وتغيير القيادة العسكرية، وإعادة النظر في الضباط المحالين إلى التقاعد. وبيّن أن الوحدة العربية المرتجاة وحدة مشروطة، تتفادى أخطاء الماضي. اتفق على ضباط حياديين للقيادة. وأتت حكومة بشير العظمة التي التزمت بقرار الجيش عن الوحدة الاتحادية. وألغت قرارات حكومة الدواليبي. وتلتها حكومة خالد العظم. وقتئذ حدثت ثورة شباط في العراق، وعقد ميشيل عفلق المؤتمر القومي الخامس في منتصف شباط، وسافر وفد إلى العراق برئاسته. وانفصل حزب البعث عن حزب الاشتراكي العربي. قلبت ليلى رسالة غادة وحاولت أن تفهم إشاراتها. خمنت الاضطراب الذي هزّ أسرة غادة. ماذا حدث في سورية خلال غيابها كي يتخبط الأشخاص الذين كانوا أسوياء متزنين؟ لاتكاد تصدق أن الحب الذي حدثتها غادة عنه ذات يوم يمكن أن يرتجف في الأحداث هكذا! كان يخيل إليها أن الحب صلب ومقاوم. أيعقل أن يبدد إنسان روحه هكذا؟ بدت هموم غادة بعيدة عما يحيط بليلى. لم تكن تدري أنها هربت بسنوات دراستها من القَدَر الذي يجرف بلادها. طوت رسالة غادة لتلتقي بمارغريت ونينا. اختارت نينا العلاقات الاقتصادية العربية - العربية موضوعا لأطروحتها. هل أحبت عزيزا الذي كان يدرس في الكلية معها، قبل ذلك أم بعده؟ لم تتساءل ليلى. فماأكثر الموضوعات الدراسية اليوم عن العرب! وماأكثر من يدرس اللغة العربية! لكن من ينتبه بعد إلى أن اليهود هم أكثرية من يدرسون التاريخ الإسلامي واللغة العربية؟! يختارون عملا مربحا له امتيازات العلاقات الخارجية، أم يحتكرون المطل على تلك العلاقات؟ نينا التي تحب العرب تلاحظ ذلك لكنها لاتبوح به حتى لحبيبها. هل تنسى أن خالها الضابط اختفى في السنوات الثلاثين ولم تجسر أمها على السؤال عنه! بعد المؤتمر العشرين وصلتها ورقة تعلن مصيره: قتل في معسكر اعتقال، ولم يكن مذنبا، وقد "أعيد له الاعتبار" كمواطن شريف! التقت نينا بليلى ومارغريت في أمسية عرضت فيها أفلام شارلي شابلن. كانت تسكن في الطابق العاشر في الجامعة. صادفتهما "تتنزهان" بين ممرات الجامعة بعد الأمسية. وقدمها عزيز لهما. أضحك نينا أن الشابتين تتفاديان النزهة في الثلج. فدعتهما إلى التزلج. خرجتا معها إلى الملعب. استعرن الأحذية الخاصة من غرفة مقابله، ودخلتا إلى تلك المساحة المضاءة بالأنوار والجليد البراق، وتزلجن معا. وكم بدت نينا رشيقة كراقصة بينما كانتا حذرتين، تحاولان أن تسيرا في خطوط مستقيمة، وتتفاديان الاصطدام بالمتزلجين. كانت الموسيقى تصدح وسط الحدائق المحيطة بالجامعة في ليل بدا كأنما لم يكن فيه أحد غيرهن. خيل لليلى أن أنوار المدينة هاجرت لتضيء الثلج، وكان الثلج قد صاغ أشجارا أسطورية. هل قرّب ذلك المساء إحداهن من الأخرى؟ بدت نينا لهما متزنة وجدية، تتميز من الفتيات الباحثات ليلة السبت عن أصدقاء. وقالتا لعزيز أنت محظوظ بها. تزلجت ليلى ومارغريت مع نينا مرات ثم أتى موسم المطر. وتلاه موسم الزهور. فزينت أزهار البيغونيا حديقة الجامعة. مشت الفتيات الثلاث في الحديقة، عبرن أزهار البيغونيا، ووصلن إلى المطل على نهر موسكو. وقفن هناك زمنا، ثم مشين إلى الأشجار وجلسن تحتها. توجد مقاعد، ولكن لايوجد مقهى صيفي. توجد عربة تبيع البوظة. تلمظت ليلى: "ماروجنيه"! اشترت بكوبيكات ثلاث علب ولحقت بصاحبتيها. كيف وصلن إلى الحديث عن الحب؟ لعل نينا قالت لليلى: يبدو لي أن سيرغيي يستلطفك! لماذا رفضتِ أن تسهري معه يوم السبت؟ احمر وجه ليلى. سيرغيي الذي عزف في الباحة تحت نافذتها سيريناد على الغيتار كأنه في مسرحية في "مالي تياتر"؟! ردّت مارغريت عنها: نسهر عادة مجموعات! آه، كيف تجمعن المعاصرة التي تدعينها إلى خوفكن من السهر يوم السبت مع شاب؟ تمتلئ "بولشوي زال" في الجامعة بزملائكن الشباب، يرقصون مع البنات وفي آخر السهرة يكون الواحد منهم قد اختار فتاة ليقضي معها الليل! قالت ليلى: نشترك نحن أيضا في سهرات يوم السبت في القاعات وفي المسرح. وكم التقينا بكِ هناك! قالت نينا: لكنكن تعدن إلى غرفكن وتنمن وحيدات! التفتت ليلى إلى مارغريت: يالصراحتها! كأني لم أعرفها قبل اليوم! قالت نينا: أخمّن ماقلته ياليلى، مع أني لاأعرف بعد اللغة العربية. انظري إلى عيني! في قلبك تدينين علاقتي بعزيز. لكن هل هذه العلاقة بيننا هي الطبيعية أم الطبيعي ألا يكون لفتاة في عمرك صديق؟ هل أنت في دير؟ لو كنتِ متزمتة أو ريفية لفهمتك. لكني لاأفهم الجمع بين الخوف على العذرية وبين التحرر. اسمعي يانينا! لاتتحدثي عني. لاأدين علاقتك بعزيز، لكني أفهم العلاقات الإنسانية بشكل آخر. قاطعتها نينا: تخافين حتى أن تقولي، العلاقة بالرجل! أكملت ليلى: لاأفهم الوصول إلى الفراش من ليلة تعارف في قاعة الرقص. لاتقبل روحي ذلك، ولأاستطيع أن أمارسه. تستطيع أية فتاة عربية أن تعيش مع رجل بعيدا عن الجامعة، ويبقى ذلك مستورا عن مجتمعها هنا. تعرفين وأعرف فتيات شرقيات يمارسن ذلك. أنا لاأستطيعه. هذا اختياري. ربما، لأن الحب لدي قيمة كبرى. سألتها نينا: وكيف سيأتي الحب إذا أغلقتِ في وجهه بابك؟ من قال إني أغلقه؟ تقصدين الحب العذري الذي لم يعد يوجد في زمننا؟ كيف تكتشفين المحبوب إذا لم تمارسي معه علاقة؟ أمارسها عندما أحبه! مجنونة ياليلى. في العلاقة بين جسمين تميزين الحبيب من غير الحبيب. تستبقين مايوافقك. لكنك تصرّين على الفصل بين الروح وبين الجسد. في العلاقة بين جسدين روح أيضا، تفاهم، انسجام أو خلاف. لايمكن أن أتزوج رجلا إذا لم أنسجم معه في الفراش. اسمعي يانينا! تجرينني إلى الحديث عن الحميم الذي يجب أن يبقى بين الإنسان وبين نفسه. لكن فليكن! أسألك كم رجلا ستجربين حتى تختاري واحدا تتفقين معه في الفراش؟ قالت نينا في بساطة: سأجرب حتى أجد المحبوب. وهكذا أضمن أني سأبقى معه العمر كله. ولن تكون عيني على غيره. من لا تعرف غير الرجل الذي ستتزوجه تظل عيناها خارج البيت. سيوهمها خيالها بما يتجاوز الحقيقة! كلامك يانينا مقنع ومرتّب لو كان على الورق فقط، ولو كان فقط حديثا على مقعد الحديقة. لكن العلاقات الإنسانية تترك في الروح قروحا أو جروحا ولاتترك فقط سعادة. قد تبدأين من المرح في ليلة سبت وتنتهين بالخيبة. بعد التجارب الكثيرة ستجدين روحك مهشمة. تخافين ياليلى أن تجربي؟ تخافين أن تعرفي الحياة؟ الرجل هو القطب الآخر، ولامهرب منه. لاأخجل من العلاقة به. لاأخجل من السعي إليه كما يسعى إلي. أنت ياليلى تنتظرينه حتى يأتي إليك! ألا تؤمنين بأنك ندّ؟ اسمعي يانينا، لاأخجل أبدا لأني أرفض بعض التجارب. ولاأؤمن أبدا بأن مساواة الإنسان بالإنسان تعني حرمان المرأة من الكرامة والاتزان. وأنها يمكن أن تسعى إلى الرجل كما يجب أن يسعى إليها. ذلك ليس مزاج روحي! ليس مزاج روحكِ لأنك نشأت في بيئة تختلف عن البيئة التي نشأت أنا فيها. بيئتك مثقلة بالعلاقات التي ورثتِها ولارأي لك فيها. أنا لم أعرف إلا أني كالشاب تماما. مع ذلك لاتظني أن ليست عندنا فتيات خجولات ريفيات. لكني في المدينة، في الجامعة، وأفترض أنك مثلي، في الظروف نفسها. لستِ من ريفيات بلادك. نينا، لايمكن أن تفهمي أني لاأقسر نفسي بل أفعل مايريحها. لاتراوغي ياليلى! أنت رقيقة. ألا تحتاجين شابا يضمك إليه في الأيام الجميلة، ويقول لك أحبك؟ ألا تحتاجين شابا يلمس جسمك ويشعرك بأنك حلوة؟ المرأة دون حب أرض عطشى، وفي بلادك تعرفين قيمة الماء. ألا تقولون إن من الماء كل شيء حي؟ اشربي وارتوي! لستِ في دير! ماتقوله نينا صحيح. تحتاج ليلى أن تكون محبوبة. لكن نينا لاتفهم أن القوانين الصارمة مستحيلة في العلاقات بين رجل وامرأة. لذلك لاتدين نينا، لكنها لاتستطيع أن تكون مثلها. ولاتريد أن تكون مثلها. نظرت نينا إلى ليلى حزينة عليها. تحبها. تحب عينيها الصافيتين وروحها الشفافة. تحب ذوقها في ملابسها. يوم قالت لها: قميصك جميل! غسلته ليلى وكوته وقدمته لها: لاأستطيع أن آتي لك بجديد مثله! طرزت أمي قبته! رأت نينا خجل ليلى لأن ثيابها أفضل من ثياب نينا. وفهمت أنها تعتذر عن ذلك: بلدك يبني السد العالي في مصر. بلدك يقدم للعرب السلاح، ويقدم آلاف المنح الدراسية للطلاب! نظرت نينا إليها مشفقة عليها. كم هي بريئة وجاهلة ومحرومة من الحب! في ليلة السبت أمس، خرجت نينا مع عزيز بعد الرقص في القاعة الكبرى في الجامعة. تجولا في الغابة حول الجامعة. ماأعذب العناق في حديقة في الليل! للشفاه مذاق خاص وقت يختلط دفء الحب ببرد الليل. ركبا المترو إلى بيت أهلها. أشعلت الأنوار كلها وعانقته. قبّلته ودلّلته. من رجفته اكتشفت مايمتعه. لعقت بشرته، لمستها مرة في شوق مشتعل ومرة في رقة، قبّلتها وعندما ارتعش فهمت أنهما معا عرفا مايحبه، فاندفعت إلى ذلك واكتشفت فيه متعتها. وقفزا من لذة إلى أخرى حتى قالت متعبة وسعيدة، كفى! وعند الفجر تبيّنا أنه لاتوجد "كفى". ثم غرقا في النوم حتى الظهر. وعندما التقيا أمام البراد وكل منهما يبحث عن طعام، ضحك كل منهما من ملابس الآخر. كان يلف خصره بشرشف. وكانت هي بنصف قميص. جلسا يشربان الشاي من السماور الكهربائي. وصبت له ملعقة من مربى "مالينا" فوق "ألادي" باردة. أطرب كل منهما أن يعلن له الآخر سعادته. واستعادا ليلة الأمس ضاحكين. سمعا بعد ذلك شريط الموسيقى الذي أهداه لها. وقفت وحاولت أن تقلد الرقص العربي. سألته: هكذا؟ فقفز من مكانه وعانقها. خلّصت نفسها منه في صعوبة: لا! يجب أن أزور ليلى ومارغريت. وعدتهما! لكني لن أبقى في غرفتي في الجامعة الليلة. فتعال إلى هنا إذا أردت! لن يعود أهلي من لينينغراد قبل أسبوع. وكانت واثقة أنه لن يتخلف. أصبح أسيرها! لذلك قالت نينا: ياليلى، في الفراش فقط تعرف المرأة إن كانت ستحتفظ بالرجل أم ستفقده! مسكينة ليلى! تجهل هذا العالم كله! ردّت ليلى: تصغّرين مابين الرجل والمرأة حتى يصبح بمقدار فراش! وأنا أرى فيه السماء والأرض والفصول! لن تجرّيني إلى مالايعجبني، فلنتأمل أشجار البتولا! أحبها! فكرت ليلى في تلك الليلة بدمشق، وبأمها، وبأصدقائها. وتلامح لها قيس التائه في اوروبا. ماأعقد ماتحدثت عنه نينا! كانت ليلى صادقة في حوارها معها. لكن الصدام بين رؤيتين يرعشها. أيمكن أن تُلغى عادات ورؤى شُيدت عليها أحلام أجيال ببساطة، لتطابق علاقات أخرى؟ ولكن أيمكن ألا تبيّن المقارنة مافي هذه وتلك من الإنسانية أو البعد عنها؟ فكرت بالأحلام التي ملأتها وهي تركب الدراجة في طريق بين البساتين في أول فتوتها ومنور تحرسها من النافذة. بحلاوة تجمع الزميلات في المدرسة وسعادتهن التي لاتدري الآن سببها. بعواطف غادة وحبها الذي نسجته سنة بين نافذة ونافذة. بحب مديحة وفوزي الذي تخفّى بالجد ورضي بلقاء بين المجموعة منتظرا يوما سعيدا يعلن فيه عن نفسه. تذكرت الليلة التي شعرت فيها بشيء يرمى عليها، فأشعلت الضوء ورأت الغطاء مزخرفا بالسكاكر ذات الورق الملون. وتبيّنت أن السكاكر ترمى عليها من النافذة، فنهضت ورأت قيسا. أغلقت النافذة بقوة، وأدهشها أنها غفت في سرعة كما يعفو السعداء بالحب. في مرة أخرى شعرت بالضوء على وجهها فصحت. ورأت قيسا يوجه "البيل" إلى غرفتها. وأغلقت النافذة في وجهه دون كلمة. ولم تنتبه إلى أنه رآها بقميص النوم حتى رمى لها ورقة من النافذة كتب فيها: "ماأحلاك! كم يناسبك اللون الأبيض وتطريز الأكمام"! أرعشتها استعادة ذلك الحب. لكن هل تستطيع أن تعيش مع قيس؟ أوقفت عمرا مقابله باتزانه وحكمته، بهدوئه وعقله. هل يكفي ذلك لحياة تمتد حتى الشيخوخة؟ ماأفقر الروح دون حب، ولكن هل يستعاض عن حب يملأ الروح بعلاقة عابرة؟ ارتعشت. لعلها شعرت بأنها بخيلة بجسمها وبروحها! وعزّت نفسها: ماأوسع الدنيا ولو دون الرجل المحبوب! غابت نينا عن ليلى أسابيع ثم أتت محمرة العينين. خطأ نينا أنها حملت مرة رابعة! أغلقت الباب وجلست على المقعد باكية. ارتبكت ليلى، عانقتها ومسحت دموعها. قالت نينا: غضبت علي الطبيبة في مستوصف الجامعة. أعلنت، لن أجهضك مرة رابعة! إذا أردت الانتحار اطلبيه بنفسك! رويت ذلك لعزيز بالتلفون فغضب. قال إذا لم تجهضي افترقنا. ثم خابرني رجل سوري اسمه قمر الزمان. ذهبت إليه فقال لي أمام زوجته، يجب أن تجهضي بسرعة! ماعلاقة هذا الرجل بحياتي الخاصة؟ توهج وجه ليلى. ونهضت من المقعد: قمر الزمان؟ بقيت زوجته في المستشفى شهرا تعالج لعلها تنجب ولدا! بدا أن نينا يجب أن تهدئ ليلى! مابك؟ لماذا تدورين في الغرفة كأنك في قفص؟ اسمعي ياليلى! سأحتفظ بالطفل. وسأسميه إذا كان بنتا ليلى! وإذا أتاني عزيز سأطرده. قالت ليلى في نفسها: لن يأتي! كانت حزينة على نينا. لكنها قررت أن نينا مخطئة: حدثتني عن المتعة بالجسم الإنساني؟ بين المتعة به وبين امتهانه خط رقيق. لم تحترم نينا جسمها وقت أجهضت ثلاث مرات! لكنها تستند إلى أسرة تساعدها. لولا ذلك أكانت تستطيع أن تعيش مع طفل بمنحة من ثلاثين روبلا؟ في ذلك المساء صادفت ليلى عزيزا في الممر فعبرته كأنها لم تره. استدار وناداها: ليلى! لم تلتفت. هل فشلت نينا لأن عزيزا شعر بأنه ملك حتى روحها؟ ألذلك تجمح ليلى بفطرتها فلاتستطيع أن تكون مملوكة ولاتحب أن تكون مالكة؟ قالت ليلى لنفسها: ماأعقد العلاقة بين الرجل والمرأة وماأبسطها! بعد دقائق خابرها عزيز: غاضبة علي؟ لم تردي التحية! قالت: مات عزيز وقت غشّ نينا! وأغلقت الخط. بعد أيام سافرت ليلى إلى لينينغراد. ورجت مارغريت قبل سفرها: عينك على نينا! حرام! قد تحتاجنا في هذه الأيام! في لينينغراد حضرت ليلى أول مؤتمر طبي في حياتها. سجلت اسمها في اليوم الأول، وتناولت أوراق المؤتمر ومفتاح غرفتها، وضعت على صدرها اسمها واسم جامعتها، وطوال ثلاثة أيام استمعت إلى الأبحاث. شجعها أستاذها على المساهمة في المناقشة، وسمعت دقات قلبها المضطربة وهي تتحدث أمام تلك المجموعة من المختصين. تغدت وتعشت مع رجال يتقدمون عليها في العمر والمعرفة بينهم بعض الشباب. وملأت جيبها بعناوين أساتذة اهتموا بها. ثم عرفت لأول مرة في حياتها لحظة الأسى التي يتفرق فيها المؤتمرون فتفرغ القاعة التي تتصدرها لوحة تعلن عن المؤتمر، وتتناثر على الطاولات الأوراق التي لم تجد من يجمعها. ثم يأتي الندل لينزعوا غطاء الطاولات فيكشفون أنها كانت طاولات عادية دون سحر، وأن المؤسسة ستستقبل زوارها الآخرين والعاملين فيها كما كانت قبل المؤتمر. قال لها أستاذها إنه سيتخلف عنها يومين في لينينغراد. تحدثا عن المؤتمر ورأى أن أسئلتها أظهرت أن أفكارها مرتبة في بنية منطقية. ولمس مرة أخرى عملها ودراستها. قال مسرورا إنها وصلت إلى الافتتان بالعمل الذي ينسي الباحث أن هدفه كان تحضير أطروحة! نعم، هاهي تشعر بأن إلفة العمل والمكان ترجّح بقاءها سنوات أخرى. ولكن هل تستطيع ذلك؟ ركبت القطار وحدها إلى موسكو. تستطيع الآن أن تستسلم للراحة. وأن تمتحن خلال السفر قلبها. وضعت كفها عليه. هل يرتعش؟ على الطريق بين المدن فلاة فارغة من البشر وطبيعة فاتنة باردة غريبة. تنصرف ليلى إليها. لالباقة تحجب بها ملامحها، ولاعلاقات تفرض عليها أن تقيّد عواطفها بالحكمة. لن تحاسب القدَر. الزمن ملك قلبها فقط ولها أن تتركه يصرخ كما يشاء! فلماذا تجلس في القطار صامتة شاردة فوق الغابات التي تعبرها؟ تشعر بالوحدة بعد المؤتمر! لكن كم يبدو الأسى صغيرا أمام سعة المدى! لاتستطيع أن تُظهر عاطفة صغيرة أمام هيبة الغابات! تذكرت أنها قبيل سفرها من دمشق تفادت وداع أصدقائها. فوضعت زهرات من الأقحوان أمام باب كل منهم دون أن تدق الباب. ووضعت علبة من الحلوى أمام باب قيس عندما رأت نافذته معتمة. كان الخيط قد انفك عن العلبة فتساءلت من أين لها بصمغ أو شريط والمخازن مغلقة! كانت قد عبرت وقتذاك مخزن الزهور في المنعطف، فعادت إليه. لاأحد فيه. أين البائع؟ انتظرته لحظة ثم لمحت على الطاولة شريطا مصمغا فتناولت منه ماتحتاجه وألصقت الورق فوق الشريط. وخرجت بهدوء. ابتسمت وهي تتذكر ذلك أمام الغابات الشاسعة، كما يتذكر طفل لعبة أطربته. يصعب أن تلتقي بقيس ذات يوم! أين هي من ذلك! كأنها تنتقل من أهواء الشباب والمتعة بالأحلام إلى كهولة الباحثين المتصوفين. كانت مشغولة ببحثها. عرضته على أستاذها وسمعت نقده وثناءه. كيف بدا لها أنه اكتمل ولايمكن أن تضيف إليه كلمة أو فكرة، فإذا بها تتبيّن أنه ناقص بعيد عما تستطيعه؟! "فصفصه" أستاذها. تحب هذه الصراحة الغيورة على الحقيقة التي تقدر الاجتهاد وتراقبه كيلا يخطئ، وتشجعه كي يقتحم. ياليلى، للأبحاث التي تسبقنا أسْر يجب أن نفكّه. لكننا يجب أن نبدأ منها. يجب أن نحترمها. في الشرق علّة تصور للفرد منكم أنه يستطيع أن يبدأ من الصفر، دون من قبله. هل هذا موقف سياسي يلغي فيه اللاحقون من سبقهم، أم ورثتم ذلك من شعرائكم العظام وتوهمتم أنهم بدأوا من القمة؟ أم لأنكم صورتم الإسلام وكأنه أتى على أرض فارغة من الحضارات كي تظهروا عظمته، فأهنتم شعوبكم، وأهملتم إرثكم، ووهبتم الماضي لعدوكم؟ أقول لك ذلك لأني زرت بلادكم من سوريا إلى العراق ومصر. وأعرف أن الإسلام ظهر في بلاد ذات حضارات قديمة عريقة، وأن شعراءكم درسوا على غيرهم وطلبوا معلميهم من بغداد إلى مصر كي ينبغوا. لكننا يجب أن نفك أسْر من قبلنا، ياليلى، باسم المستقبل. هذه علاقة دقيقة جدا، يجب ألا تتجاوز ضرورات العلم ولو بمقدار خيط! خيل لأستاذها أنه لمح بعض الخيبة على وجهها فنهض وحمل لها الشاي. منعها من مساعدته: عملك جهد كبير ياليلى. لكني أرى مايمكنك أن تضيفيه! تأملت وجهه الهادئ الوسيم، وشعره الأبيض، وخيل إليها أنها فهمت في تلك اللحظة لماذا تعشق التلميذات أساتذتهن بالرغم مما بينهم من عمر، وينطلقن على صوفية الرغبة بالعناية برجل سيشيخ قبلهن. للمعرفة سحر تصعب مقاومته. هنا جوهر نتوهّم أننا لانستطيع أن نصل إليه وحدنا ونريد أن نلامسه. وضع كفها بين كفيه: نستطيع أن نقرر أنك أنجزت بحثك قبل الوقت المحدد لإنجازه! لكني أريد أن أطيل سعادتك بالبحث. في البداية يحبو الطالب، يتردد، يتوه، ثم ينطلق وينسى أنه يريد أن ينجز عمله بسرعة. يصبح البحث نفسه سعادة. أنت في هذه المرحلة الآن! ربما أخشى عليك من العبور بين البحث وبين عمل المهنة. لن تجدي في بلدك المصادر التي تتوفر لك هنا، ولاالمكتبات، ولاالمجلات والكتب العلمية التي تعودين إليها كلما واجهتك حالة خاصة في المستشفى. نمط الحياة نفسه سيكون مختلفا. وإذا لم تمارسي اختصاصك سقطت في فراغ تفقدين فيه المهارة التي كسبتها هنا. نعدّك كي تكوني وسط الحياة. فكيف أستبقيك؟ بأي حق؟ رأى دمعتين ترتعشان في عيني ليلى. وفهم أنه قرأ روحها، خشيتها ورغبتها. كم مرة أفاقت في الليل خائفة من العودة ومشتاقة إليها. مكتفية من الغربة ومتمسكة بها. مشفقة على أمها من الوحدة وواعية أنها ابتعدت عنها. في الجامعة تسبح ليلى في جوها، بين أساتذة تتوقف أمام من يعجبها منهم، وتتحاشى من تلمح فيه شيئا ينفّرها لكنها لاتستطيع بعد أن تحدده. تعرف أن هذا المكان موقت يجب أن ترتقي إلى مابعده! ومابعده بلدها! اعملي هنا، ابقي هنا! ارتعشت عندما عرض عليها أستاذها أن تدرّس في الجامعة. يريد أن يستبقيها وتكاد تستسلم لسحر البحث العلمي والدراسة. نعم، ماأكثر أنواع الهوى التي لايستطيع قيس أن يفهمها أو أن يعرفها! فالحبيبة فقط هي التي تستولد له أنواع الحب في امرأة. لكنه لايقبل أبدا أن تكون صديقة فقط! همست لنفسها والقطار يعبر الغابات: وهذا مايفرق بيننا! وتأملت الحرمان من صداقته. وسألت نفسها: لماذا كنتِ تريدينها؟ كي تستمتعي بشوقه الذي لايستطيع أن يكبحه، وتشمّي حريق قلبه؟ بل ذلك يربكني! قلبه يحترق دائما كلما رأى امرأة جميلة أو خفيفة! قيس لايؤتمن! لكنه لطيف وأنيس عندما تحيط به ملائكته دون جنون الحب! هل دارت ليلى في القطار حول نفسها، لتمسك بشخص يغريها بالعودة إلى بلدها؟ أم تحاول ألا تفقد إنسانا أحبها؟ أم تشعل نارا في برد الغربة؟ كأنها ترتق الفقد الذي يمدّ وحشة تكاد تذكّرها بغيبوبتها يوم كانت تتأمل السماء الواسعة وتتبين الفراغ! أو كأنها تجمع بين قرار لاتستطيع أن تعود عنه، وبين وعي رفيع يلزمها بأن تتسع للعواصف التي تجرف أعزاءها! لعلها ترفض أن تفقد جزءا من عمرها يبدو لها الآن عمرا عاما أكثر مما كان عمرا شخصيا؟ لاعلاقة لذلك كله بخشيتها مما يشجعها على البقاء فترة أخرى في الجامعة! بل تفكر في ذلك لتتذكر أنها من بلاد أخرى! مشت مترنحة بحركة القطار إلى قاعة الطعام. جلست قرب النافذة إلى طاولة فارغة. كم يمتعها أن تجلس في مقطورة الطعام قرب النافذة ذات الستارة البيضاء، المملوءة بالمدى! كم يسعدها أن تشرب الشاي من كأس تحمله بزخرفة معدنية! لم تنتبه إلى الطعام، لأنها لا تحبه على كل حال! لكن مذاق الشاي يبقى، مع مذاق الغابات، في النهار الذي يخبو مندفعا إلى الليل! في الطريق يوجد دائما من يتأمل شابة وحيدة، ويحاول أن يعرف من هي حالماً بمغامرة سريعة مع غريبة! لكن ليلى أصبحت، منذ ركبت الطائرة وحدها إلى موسكو، تحتمي بالتهذيب وترسم مخافر شفافة تردّ الغرباء! من أين استمدت تلك الحصانة؟ من تراث يمتد إلى نفيسة وفاطمة ثم منور وسعاد؟ من مهابة القتلى في أسرتها؟ من عراقة مدينتها وبلادها؟ اختار الجلوس إلى مائدتها شاب وسيم، بعد أن حياها وسألها الإذن له. ثم سألها ماذا تشرب عندما أتت النادلة لتسجل مايطلبه. فأشارت ليلى إلى كأس الشاي! وأكدت ذلك بهزّة من رأسها. مع ذلك تحدثت معه كي تطرد الأوهام. في هذه البلاد، أيضا، تنطّ إلى البال العلاقة بالمرأة ببساطة! كانت تنتظر القرى والمحطات التي تومض في ليل الغابات المتسع، عندما نقر باب مقصورتها الشاب الذي جلس إلى المائدة معها. يفرحنا أن يرافقنا في صمت السفر إنسان؟ يريحنا أن نجد من يحمل لنا حقيبة السفر، أو يقدم لنا العون في كتابة أوراق الحدود؟ في برهة نعم، وفي برهة لا. كانت ليلى تستمتع بوحدتها، وتتذوقها في هدوء مقرّبة وجهها من النافذة، محاولة أن ترى الغابات في الليل. وكان الليل منخفضا، دون نجوم. وفي لحظة شعرت بأنها تتمنى لو كان معها محبوب تستمتع بالسفر معه! ماأعمق وحدة الإنسان بعد عمل متعب! سألها الشاب: هل تلعبين الشطرنج؟ نعم، تحب الشطرنج. تعلمته وهي صغيرة ولعبت مع أبيها! وجدته لعبة روسية! لكنها لاتريد اللعب الآن! سألها: بعد العشاء؟ لم لا! جلست ليلى إلى الطاولة نفسها في مقطورة الطعام. لماذا نعود إلى أمكنتنا نفسها؟! ركض القطار في الليل. وبدأت ليلى تضيق بايقاعه. شربت حساء "شي زيليوني" واستمتعت بحموضته. واختارت الخبز الأسود. زبدة وكافيار أسود. كأنها في المسرح! راقبها الشاب من بعد. وأراحها أنه بعيد. لاتريد أن تقيّد نفسها بأحد. هل فهم ذلك؟ تساءل هل هذا بداية هوى؟ ماالذي يجذبه إليها؟ وحدتها أم كبرياؤها؟ كان يشعر بالوحدة بعد وداع أبيه الذي يعمل في السفارة في القاهرة. التقى بأبيه وأمه في بيت جدته في لينيغراد، ومرت الأيام الثلاثة سريعة! وهاهو يعود إلى عمله في أكاديمية العلوم، قبل أن تصل أخته التي تعمل في مينسك، ويفكر في الوحشة التي ستمتد حتى لقاء الأسرة القادم في عيد رأس السنة. هل قصد أن يختار مكانا يستطيع منه أن يتأمل ليلى، كمن يعرف أنها ستعود إلى مكانها نفسه، وظل راجيا أن تبقى تلك الطاولة فارغة؟ تابعها وهي تبحث عن الغابات في ظلمة النافذة، وهي تشرب حساءها في أناقة، وابتسم وهو يراها تختار الخبز الأسود والكافيار. انتظر اللحظة التي تكون انتهت فيها من عشائها قبل أن تنصرف. في أية مسافات تجولت وهي تلتفت إلى النافذة؟ وقف قرب طاولتها وبيده علبة صغيرة للشطرنج، سألها بالإشارة: يمكن؟ ابتسمت: تفضل! رأت أول مرة حجارة شطرنج تلتصق بالمربعات. قلبتها لتتفرج عليها. هل تضيء الوجوه؟ نعم، وتعتم! من أين تعلّم ذلك؟ من قراءته كتّاب بلاده القدماء؟ عرفت ليلى أنه متحمس لدستويفسكي حماسة الذين عرفوا ذلك الكاتب في حياته وحملوا سلاسله في جنازته. أصغت إليه وهو ينشد لها قصيدة يسينين عن القمر الذي يبدو كبيرا، لشابة شرقية مثلها. هل فتح لها دنيا تتجول قرب بواباتها وفي محيطها لكنها لاتعرفها؟ أنا مختص في الفيزياء، لكن من لايعرف هؤلاء ياليلى ناقص الثقافة! نعم، في بيتي مكتبة غنية! بيت دون مكتبة؟! غلبته في الشطرنج ورأت أن ذلك أطربه. وغلبها في معرفته أدب بلاده. هل تستطيع أن تقول إنها تعرف أدب بلادها القديم كما يعرف أدب بلاده؟ وقف عندما عرف أن أباها قتل في الجليل. "لكني لاأعرف جدي الذي قتل في ميسلون. وخالي الذي قتل في الثورة السورية. وخالي الآخر الذي قتل في العراق". انحنى ويده على صدره. "عمي وخالي قتلا في معركة الدفاع عن لينينغراد. خالتي من الأنصار، اعتقلها النازيون ولم يعرف أحد مصيرها". لعبا الشطرنج دون أن يباليا بالوقت. في السفر فقط تملك الوقت! هل طمأن ليلى إليه أنه في مستوى الأحزان والأفراح التي ورثتها من أسرتها؟ خلال اللعب لكل منهما حديث مع نفسه. يتابع فيه الآخر ويتنبأ بنقلة الحجر. وهاهو يتابع ليلى التي تدرس حجارتها. هل خفي عليها أنه اختار لنفسه الحجارة السوداء ليترك لها البيضاء؟ في مساحة القطار الصغيرة لايمكن أن يعرف ليلى. سأل نفسه: ولماذا تريد أن تعرفها؟ وفي برهة السؤال ارتعش قلبه. أيأتي الحب بهذه السرعة، أم تخاف أن تضيع لقية يخيل إليك أنك وجدتها؟ انتبه، هل يغريك بها أنك ستفقدها؟ أبطأ القطار. وسمعت ليلى اسم المحطة. أخيرا وصلت! لاأحد ينتظرها فأية حرية تستمتع بها في هذه الغربة! حملت محفظتها ووقفت قرب الباب. وعندئذ شعرت بأن ساشا يقف خلفها: يمكن أن تعطيني محفظتك؟ لا، خفيفة! لاحظت أنه أطول منها قليلا. ولاحظ هو أيضا ذلك. عبرا الأدراج والأرصفة والمقهى، وموظفات المحطة، وزحمة الناس المنظّمة. مشى قربها دون أن يتكلما. في انتظاره سيارة فهل يدعوها؟ وقفت مقابله ومدّت كفها. سألها: هل يمكن أن نلعب الشطرنج؟ ابتسمت: أين الوقت؟ يجب ألا يظن أنها تخشاه لأنها لاتفهم إلا علاقة واحدة بين شاب وشابة! قال: الوقت، سنجده! وفهم أنها تريد أن تكون حرة. إلى اللقاء ليلى! إلى اللقاء ساشا! انتبهت إلى أن كلمة الوداع في هذه البلاد تعني إلى اللقاء. عندما رفعت ليلى رأسها عن الكتب في مكتبة لينين، تذكرت طريق القطار والغابات وساشا. كانت تجلس إلى طاولة عليها ضوء قبعته من الزجاج الأخضر. وحولها في المكتبة أشخاص مثلها كوّموا الكتب على طاولاتهم. هدوء، وصمت، ودفء. من يفكر في ثمن الدفء في المكتبات العامة والمترو والبيوت والجامعات! لاتتذكر ليلى أنها تستمتع بالنظافة والماء الساخن وتركب المترو بخمسة كوبيكات. تنصرف لحظة إلى استعادة القطار ومقطورة الطعام ولعب الشطرنج. ياللذاكرة التي وهبها الإنسان! تبيح له أن يعيش مرة أخرى مامضى ليفحصه ويتذوقه! منذ شهر تحتمي ليلى ببحثها. تستمتع بالكتابة والقراءة، وتكتشف خلال الصياغة رؤيتها. من الأوراق التي صفّتها في نظام تصوغ بنية ذات سياق ومقدمات ونتائج. لو قيل لها قبل أن تسافر إلى المؤتمر في لينينغراد إنها يجب أن تغير ماكتبته لأغمي عليها. كان يخيل إليها أن ماأنجزته هو قمة ماتستطيعه. وهاهي تتبيّن أنها تملك قدرات تتيح لها أن تنجز أكثر مما أنجزته. ويفرحها اكتشافها بمقدار مايتعبها. يبدو أنها لم تفهم البحث الذي كان بين يديها وجمعته من حالات الكسور ومن اجتهادها! فهاهي ترى فيها عناصر كانت غائبة عنها! فهل تلك مهارة أستاذها الذي اجتاز بها الخيبة إلى حماسة جديدة وغلّف ذلك برغبته في أن يترك لها سعادة البحث؟ في الساعة الثالثة، وهي تخرج من المكتبة، رأت ساشا أمامها. يبدو أن وجهها احمر لأنها شعرت بوهج يلفحها. ورأت ذلك في بريق عينيه. رفع يدها وقبلها وانحنى قليلا: - نسيت أن قول لك لاتقرئي غوركي فقط! فالنبلاء احترموا المرأة! أتى ليقول لها مافاته أن يقوله في القطار؟! هل تنساب في لعبته مستمتعة بالمرح؟ سألته: - النبلاء؟ - يوم تريدين أن تستريحي من الطب اقرئي تورغينيف، ياليلى! - ألا تخاف أن يطردوك من أكاديمية العلوم؟ - لا، ذلك زمن انتهى! - لاتنتهي الأزمنة في بساطة! تتداخل! يبدو لي أن الناس لايتغيرون بقرار! هل سحر ساشا حدس ليلى الذي لم ينضجه العمر بعد، لكنه يشير إلى فطرة سليمة؟ تغديتِ هنا؟ لا! هل أستطيع أن أدعوك إلى مطعم فندق موسكو؟ قريب! يبدو أنه يفيد من مال أبيه! فالطلاب الأجانب أغنى من المختصين في العلوم في هذا البلد. وهذا مايشعر ليلى بالخجل! تحدثا عن ذلك وهما جالسان في المطعم! قالت له: اسمح لي بأن تكون ضيفي! ضايقته؟ تحدثا مباشرة عن منحة الطالب الروسي وعن منحة الطالب السوري التي تتجاوزها بكثير. قال لها: يفسر ذلك بأنكم غرباء ليس لكم أهل يساعدونكم هنا. في أي بلد في العالم للطالب ماله هنا من المساعدات؟ وجبة الطعام الرخيصة، وأجر السكن الذي لايذكر، وتبديل الشراشف والمناشف، والحق في استراحة مجانية شهرا في منتجعات الصيف ونصف شهر في منتجعات الشتاء؟ روت ليلى له النكات التي ظنت أنه لايعرفها عن طلاب جامعة موسكو ولقاءهم بخروشوف، والمزارع التي سمن فيها المدراء ونحلت الخنازير والأبقار. والنكات التي تروى باسم راديو يريفان. ذكر ساشا التضحيات التي يقدمها بلده للأشقاء والجيران وبلاد العالم الثالث. ذكر برلين وبراغ. قال: يتحمل الاتحاد السوفييتي حماية المعسكر الاشتراكي. تقع عليه نفقات السلاح. وتستنفده الولايات المتحدة بسباق التسلح. للولايات المتحدة مستعمرات وأسواق تستثمرها بوحشية. لديها شركات الموز والنحاس التي ترتب انقلابات في أمريكا اللاتينية لتنهبها. لديها نفط البلاد العربية. نحن نقيم علاقات أخرى بالعالم الثالث وغيره. ياساشا، لايكفي هذا ليسوّغ أحذية لاتلبس، وملابس غبية. يمكن أن تصنع السلع نفسها بذوق ومهارة وإتقان. ذلك ليس صعبا! أفيدوا من علاقاتكم بنا وبغيرنا في هذا المجال! ألا يبدو أن مسؤوليكم يؤمنون أنفسهم من مخزن الحزب! رافقتُ إحدى زميلاتي إلى هناك! أبوها مسؤول في الحزب! وجدتُ بضائع مستوردة من اوروبا! احمر ساشا. فهو أيضا يستطيع أن يرافق أباه إلى تلك المخازن! قال: توجد بضائع مستوردة في المخازن العامة أيضا. أعرف ذلك ياساشا من صفوف الناس التي تنتظر دورها! لكني أعرف أيضا أن للمخازن أبوابا خلفية. روى لي سوري أن مسؤول الجامعة رافقه يوم وصل إلى "غوم" وأدخله من باب خاص، فاختار حذاء مبطنا بالفرو صنع في إنكلترا! ولماذا يبقى الجينز شهوة في بلاد صعد منها غاغارين إلى الفضاء ودار حول الأرض، وسبقت الولايات المتحدة في تلك المأثرة؟ خشي أن يصبح لقاؤهما لقاء بين فصيلين. وكان يعرف أنه يأخذ دورها في المناقشة مع أبيه. وخيل إليه أنها تتقمص دوره في المناقشة مع زملائها. لانتحدث عما أنجز، الكتب الرخيصة، الجامعة المجانية تقريبا، الملاعب والسهرات والمعارض والباليه والموسيقى والماء الساخن الذي يتركه الطلاب يسيل دون حساب في مطابخ الجامعة! بل عما لم ينجز بعد! عن السلع الصغيرة التي لامسوغ لغيابها! قال: ليلى في القطار ذكرتُ لك دستويفسكي. هل قرأتِ بعض رواياته؟ هزت ليلى رأسها: لاوقت! رجاها: اقرئيه! أنا ميشكين الأحمق الساذج! وبدأ يرسم شخصية ميشكين. هل أدهشها عندئذ؟ ضحكت. ماهو الطبق الذي طلبه؟ هذا طعام من الزمن القديم لايقدمونه في المطاعم العادية! طلبتَه وأنتَ تعرف أنهم لايقدمونه؟ لأذكّرهم به! أتمنى أن تزوري عمتي في البيت الريفي ذات أحد لتأكلي طعاما روسيا أصيلا! اسمع، لن تدهشني بطعامكم لأن في بلادي تراث حضارات شرقية من فنونها الطعام! لاأنافسكم ياليلى، لكن أتمنى أن تعرفي طعام البلد الذي تدرسين فيه! طعامه الحقيقي لاماتقدمه المطاعم! أستضيفكِ مع من تشائين من زملائك! فحصته بنظرتها: يريد أن تأتي مع مرافقين كي تكون آمنة من أطياف علاقة قد يفكر فيها؟ لاتحتاج إلى حراسة! ولن تلبي الدعوة إلا بعد زمن طويل! تريث برهة فقط عندما سأله النادل ماذا يشرب. نظر إليها وقال: شراب البندورة لي، فماذا تشرب ليلى؟ ابتسمت. أحب شراب البندورة جدا! كيف اكتشف ذلك؟ يقرأ النجوم؟ أين نلعب الشطرنج؟ في حديقة غوركي! تشعر بالعيد، بالعطلة في الحديقة الواسعة. لكن هذه المساحات غريبة على قلب ليلى. هل قدّرت أن المدينة العربية قريبة من قامة الإنسان، وأنها تخاطب ذوقه وروحه وهي تتفادى أن تعلو عليه أو تصغّره؟ يمتزج دفء العمارة بدفء الطقس في ذاكرتها ويزيد ذلك من شعورها بأنها غريبة كسائحة. فهل كسر ساشا ذلك باقتراحه أن يلعبا بألعاب الأطفال؟ ركبا الدولاب ثم دخلا إلى متاهات المرايا. هكذا، فلنرم ياليلى الملامح التي يبّستها أيام العمل اليومي، والجلوس في المكتبة طوال النهار! ارتعشت ليلى وهي تركب الدولاب، وتبيّنت أنها كادت تدوخ. في دهاليز المرايا توقفت أمام صورتها نحيفة وطويلة، وصورتها وهي سمينة مستديرة. ورأت ساشا مثلها مشوها! أذلك كي نستنتج أن شكلنا سوي؟ استكملت تلك الطفولة بأكل البوظة. "مروجنيه"! نعم أحبها! هذه ليست بوظة، بل قشدة مبرّدة! هل نجح ساشا في نفض الوقار والحكمة عنها؟ هؤلاء الشرقيون لايعرفون ضرورة يوم العطلة! لايعرفون الاستجمام باللعب والركض والرياضة والسباحة! لايعرفون أيضا شهر العطلة السنوية! لم نناقش ذلك، ياليلى، يوم وقفنا في طرفين في المطعم: الحق في العطلة المجانية! في ذلك اليوم حلم ساشا بأن يمضي العطلة في المكان الذي ستمضي فيه ليلى عطلتها. سيقربها منه بذلك! وسيعرفها طوال شهر! فهل يستأذنها أم يفاجئها؟ سيكون حذرا كيلا تجفل وترفضه. لايخفى عليه أنها بالرغم من دماثتها صارمة وربما قاسية. عادا بالمترو، ثم أوصلها إلى موقف الباص فقط كيلا يخطو خطوة تثير حذرها. وفكر عندما أصبح وحده لماذا هذا الحذر في معاملة شابة وقد تعوّد أن يسأل من يراقصهن في يوم السبت: هل نمضي الليلة معا؟ أو أن يطلب من شابة أعجبته في حفلة هل تريدين أن نلتقي غدا؟ وكل منهما يعرف أن اللقاء يعني علاقة قد تمتد إذا أعجبتهما وقد تُبتر في الليلة نفسها. لماذا تغيب الشابات اللواتي عرفهن كأنهن دمى وتملأ نظره هذه الشابة؟ ألأنها تبدأ من رفض النقطة التي تبدأ بها العلاقات التي ألفها؟ ألأنها ترفض دون ادعاء علاقات تعرف أنها موجودة حولها، كأنها مصممة على أخرى أعلى منها؟ لماذا تجعله يشعر بأنه هو أيضا مثلها، وأنه إنما كان يلهو أو يحطّ من قدر نفسه ليساويها بزملائه العاديين؟ عاد متأبطا علبة الشطرنج. لم يفتحاها! عزى نفسه بأنه يعرف الطابق الذي تعيش فيه ليلى في الجامعة. لكنه لايعرف رقما آخر يمكن أن يقصدها به. سأل نفسه: أين أجدها إذا أنهت بحثها في المكتبة؟! وهاله أن يضيّعها. مع أنه ألف أن الفقد والفراق في هذه البلاد ليس كالفراق في الأزمنة التي ثبتها الأدب الروسي الذي يسحره! ربما أعجبني ذلك الأدب لأن الزمن فيه اتسع لحب يرافق العمر، ولفراق قاطع لاينسى، ولأن الحب فيه يخلع القلب! نعم، الزمن! منذ حفظ رسالة تاتيانا إلى أنيغين في المدرسة انفتحت له روحٌ روسية رحبة، أوصلته إلى قراءة الأدب. حفظ بوشكين. قال لليلى لايمكن أن أكون روسيا إذا لم أحفظه! ولايمكن أن أكون روسيا إذا لم أتذوقه وأحبه! هل يستطيع أن يجد تعبيرا أبلغ من قصيدة بوشكين عن الطبيعة الروسية.. عندما تسطع الشمس والثلج متجمد على الأغصان يجد نفسه ينشد قصيدة بوشكين "الصقيع والشمس". تساءلت ليلى أين تتصل الشعوب في تلك القمم من حضارة اللغة والثقافة؟ هل يستدعي بوشكين المتنبي؟ كيف؟ كل منهما يلمس روح معاصريه! وكل منهما لايمكن أن يترجم إلا إذا فقد وهجه! يلتقيان لأن كلا منهما يخاطب أزمنة ممتدة، بشرا يتوق إليهم قد لايوجدون في عصره لكنهم لابد أن يوجدوا في عصر آخر! هل فكرت يومذاك، وهي تستمع إلى ساشا ينشد شعر بوشكين، بجوهر البلاغة؟ أنها البساطة الصعبة، والايجاز الصارم، والأفق الممتد، والجوهر الوهاج؟ المعنى الواسع في كلمات مركزة، والنغمة المطربة، والكلمة المنحوتة بالجمال؟ استعادت القصيدة التي تعلمتها في سنة اللغة: انتظريني وسأعود، لكن انتظريني طويلا! كلمات بسيطة، ولكن كيف اخترقت غربةَ الروسي عن المطر الموحل المصفرّ، والفرح بالمطر المنتظر لدى أهل بلدها؟ ترنمت بها بعد عودتها. لكن غرفتها كانت صغيرة لاتسمح بمدى تسوح فيه الكلمات. فخرجت إلى الممر المفروش بالسجاد، وجلست قرب التلفون. سألتها الطالبة المناوبة: ستبقين هنا؟ ردّت: يمكن! قالت الطالبة في فرح: خذي مكاني نصف ساعة فقط! أرجوك! جلست ليلى في مكانها ووزعت المكالمات على الغرف. محظوظات يابنات! لكُن أحباء وأقرباء! لم تتوقع أن يخابرها ساشا بعد أسبوع: متى تقبلين دعوة عمتي إلى بيتها الريفي؟ اخترتِ من سيرافقونك؟ لاوقت! لديك وقت إذن للمسرح؟ باليه "سبارتاك" في البولشوي! أي إغراء! مع ذلك أعرف المرأة التي تبيع البطاقات في الجامعة، وهي تترك لي أحيانا أمكنة في الصف الأول! لم آتكِ بجديد إذن! مع ذلك هل تتفضلين إلى المسرح؟ سأتفضل! التقت به أمام مسرح بولشوي بين الأعمدة. تناولا البرنامج. ثم وقفا في الصف ليستعيرا منظارين. لاتفقد هيبة المسرح رونقها مهما تكررت! الزخارف المذهبة، الرسوم، المقاصير، والستائر المخملية. فليبق ذلك حتى نهاية الزمان. تعرف ليلى الصفوف والأمكنة، ويلاحظ ذلك ساشا. يسألها: أتيتِ كثيرا إلى هنا؟ كثيرا! كاد يسألها: وحدك؟ قالت: لدي دائما بطاقة زائدة أقترح على زملائي أن يفيدوا منها كما أفدتُ من بطاقتك اليوم! ثم صمتت منذ بدأت الموسيقى تدوزن الأوتار. تحفظ ليلى أسماء الراقصين والراقصات وتفضّل بعضهم. تتابع رشاقة الحركة وتكاد تخمّن مزاج الراقصة في هذه الحفلة. كان يجب أن تختصي في الأدب ياليلى! لي الطب ضرورة ورسالة! ربما لبّيتُ رغبة أبي السرية! ربما شعرتُ بأنه كان يحتاج طبيبا يوم جرح فنفّذت رغبته التي لم تصلني! رأيتُ الدم على دفتره الصغير الذي نقله صديقه إلى أمي. وربما استنتجت في طفولتي أن الطبيب هو الذي يستطيع أن يوقف النزف! لاحظ ساشا مثل من رافقوا ليلى إلى المسرح أنها تحب الاستراحة لتأكل الخبز المدثر بالزبدة والكافيار. تذكّر القطار. سألها: إلى هذه الدرجة تحبين الكافيار الأسود؟ طبعا! قرر أنه سيقدّم لها في المرة القادمة علبة كافيار أسود. قالت: أحبه في المسرح، وفي مطعم القطار. هناك يبدو لي فيه طعم احتفال! وقفت وصفقت زمنا. صرخت: برافو. فاضطرتهما أن يتخلفا ويقفا زمنا في الصف ليتناولا معطفها الخفيف. ورأت النساء يستبدلن أيضا أحذيتهن. مشيا معا إلى محطة المترو. تمنى أن يحتضنها وهما ماشيان. بدأتَ تحبها ياساشا؟ تمنى أن يرافقها في المترو لكنها مدت كفها وودعته. واستسلمت لمتعة ممزوجة بتعب الانتباه والإصغاء. كان في العربة قليل من الناس. بعضهم يهتز مع حركة المترو الرتيبة. وامرأة تقرأ في كتاب. أمام ليلى بعض محطات بالباص بعد المترو! لم تسأل نفسها في تلك الليلة لماذا تقبل صداقة هذا الغريب. لكنها في ذلك الاسبوع روت لصديقتها مارغريت أنها ذهبت معه إلى المسرح. سألتها مارغريت: وسيم؟ ضحكت: نعم! سألتها: يعجبك؟ ردت: طبعا! مهذب! ليلى، هل تفكرين في علاقة به؟ ارتعشت ليلى: أبدا! هذا صديق! لكنها سألت نفسها في ذلك اليوم: وهو؟ لماذا استبعدت التساؤل حتى اليوم؟ من انشغالها بالعمل؟ أم لأنها ترجئ مواجهة يمكن أن تلزمها بالانسحاب؟ نعم، ياليلى نبحث عن العلاقات الإنسانية. تحتاج أرواحنا الدفء، ولكن ألا ندفع ثمن ذلك حزنا وألما من الفراق؟ أنشدت لها مارغريت قصيدة ليرمنتوف التي درستاها معا في سنة اللغة: ابيض الشراع الوحيد.. عم يبحث في البلاد البعيدة، وماذا هجر في موطنه الأمّ.. تأملتها مارغريت: ياليلى مشكلتنا أننا لانستطيع أن نكون كزملائنا العرب! نرافق شابا ونهجره بعد تجربة نزهو بها! لانستطيع أن نقيم علاقة إلا إذا كانت جدية ودائمة. ونتفادى ذلك لأننا لانريد لأنفسنا غربة طويلة! نعم، أوجزتِ يامارغريت وضعنا! لكننا لانخشى الصداقة! بل نخشاها، ياليلى، يوم نصل إلى الحدود المؤلمة! لم أصل إلى تلك الحدود، يامارغريت. أتمنى لك ألا تصلي إليها ياليلى! اطمئني، أزن خطوتي بميزان دقيق! اسمعي، لماذا لانذهب معا نحن الثلاثة إلى المسرح لأرد واجبي في دعوته؟ وإذا اضطررتُ أن أزور عمته في بيتها خارج موسكو هل ترافقينني؟ لست مضطرة إلى ذلك ياليلى. لايجوز أن يدفعك التهذيب إلى التنازل. لكن قولي بصراحة أرغب في ذلك! قولي إننا نريد أن نعرف بيتا روسيا في الريف! سأكون معك كي أطمئن إلى أنك لاتقتربين من أحزان الوداع! يمكن أن نلوي الحب ونجعله صداقة! كانت أيام مديحة الأخيرة في برلين قاسية. بدت متهمة بعداوة السامية! ولم تفدها سخريتها: أنا السامية الوحيدة بين الاوروبيات العاملات في هذه المنظمة! لكنهن يرين إسرائيل التي تحتل فلسطين واحة ديمقراطية، ويبدأن من حق مستوطنين غرباء في انتزاع أرض عربية من أهلها. يبحن تلك الجرائم لليهود، لأنهم يهود، ومن يشر إليها يتهم بأنه عدو السامية! وياللعجب لأنهن يقبلن، هن العلميات الاشتراكيات، أن إسرائيل بلد اليهود في العالم! لاأفهم كيف يجمعن هذا الانحياز إلى الاستعمار وإلى الصهيونية، مع الاشتراكية! لم تعد مديحة تتحمل البقاء معهن، والتقى ذلك برغبتهن في رحيلها. رافقتها سكرتيرة مارينا إلى السفارة السوفيتية في شارع "اونتر دن لندن" قرب بوابة براندنبورغ. قابلهما في السفارة الواسعة صمت وهدوء فيه شيء من الرهبة. كأن البناء خال من الناس. دخلتا إلى غرفة تعرفها مارينا فقابلهما رجل يجلس إلى مكتبه أمام نافذة ستائرها بيضاء "مزمومة" كالمراوح. رحب بهما في أدب ودمغ ورقة منفصلة عن جواز مديحة سجل فيها اسمها. كتبت مديحة تفاصيل مافي حقيبتها وسلمتها للمسؤولة الألمانية في المنظمة. ولم يبق غير الرحيل! في الصباح الباكر، والدنيا رمادية، ركبت السيارة إلى محطة "اوستبانهوف"، محطة الشرق. لم يودعها أحد. انصرف حتى السائق الذي أوصلها. بحثت عن رقم مقطورتها، صعدت إليها، واهتدت إلى رقم مقصورتها. كان على رصيف المحطة قليل من المسافرين. بدأ القطار يتحرك ببطء. عبر أبنية كئيبة كأن دخان المعامل لوثها. واستقر ايقاعه عندما خرج من برلين. وامتدت حوله حقول وغابات ومروج شاسعة. كانت مديحة وحدها في مقصورة فيها سريران أحدهما فوق الآخر. قدمت لها مضيفة متينة البنية شقراء تلبس بذلة كحلية كأس شاي في حامل معدني منقوش. وبعد ساعات أتت لتأخذه فارغا وتقترح آخر. فحصت مديحة فراش المقصورة. نظيف. زجاج النافذة نظيف. والستارة النصفية على النافذة مكوية. خرجت إلى الممر وتفرجت من نافذته على الجانب الآخر من الحقول. الممر مقفر. هدوء، لاصوت غير ايقاع عجلات القطار. الحمام في آخر الممر، ضيق لاتتحمله أكثر من دقيقة، لكنه نظيف! عندما رجعت المضيفة سألتها مديحة عن مقطورة الطعام. لايقدم فيها طعام! تداول الدولار ممنوع، وتداول الروبل ممنوع خارج الأراضي السوفيتية! ولن يتوقف القطار إلا في موسكو غدا! فوجئت مديحة. هذا صيام إلزامي! شكرا إذن على الشاي! فتحت مديحة زوادتها الأخرى: مجلة الثقافة الوطنية ومجلة الآداب، ورواية "بطل من هذا الزمان". في الليل أقفلت باب المقصورة، وتأرجحت في سرير القطار. خيل إليها أنها لن تغفو، لكنها غفت. ستتذكر فيما بعد رحلتها إلى موسكو بقطار لايتوقف ولايقدم فيه الطعام! وستتساءل أحقا لم يرهبها أن تكون وحيدة فيه، على باب مرحلة من حياتها؟ أكانت تملك ذلك المقدار من التماسك كي تتحمل الصهيونيات اللواتي قصدن أن تفهم أن من يقاومهن معاقب ومهزوم؟ استعادت الرحلة إلى معتقل بوخنفالد واعتراضها على علم إسرائيل الذي فوجئت به في المعتقل بين أعلام البلاد "التي قدمت ضحايا للتحرير من النازية". هل عوقبت لأنها سألت يومذاك: لماذا يوجد علم إسرائيل هنا؟ وردت: لم تقدم إسرائيل ضحايا في الحرب العالمية الثانية لأنها لم تكن موجودة! يبدو أننا نحن الذين فقدنا الشهداء وجزءا من فلسطين لنعوض على ضحايا النازية! أفسدت مديحة بملاحظاتها الهدف من الرحلة إلى معتقل بوخنفالد لعرض عذاب اليهود. سألت عن تفاصيل قتل الضباط السوفييت من خلف ستار بالتصويب على رؤوسهم، وعن مجموعات المقاومين، كأنها تذكّر بتضحيات الشعوب الاوروبية وتقصد أن تقول: لم يكن الضحايا يهودا فقط كما تدّعون! فما أكثر ذنوبها! لكن أقسى ملاحظاتها كانت اعتراضها على علم إسرائيل! تساءلت في القطار: هل اتخذ قرار بإبعادها في ذلك اليوم؟ قدّمت مارينا السوفيتية اقتراحا يؤمن لمديحة منحة للدراسة في جامعة الصداقة. وهل مديحة أقوى من سافرة جميل، رئيسة رابطة النساء العراقيات الكبيرة؟ مع ذلك هاجمتها الصهيونيات يوم تحدثت عن فلسطين واليهود فرأت مديحة ذهولها. كانت كمن سقط في أرض غريبة، لأنها تعلّمت أن الرابطة العراقية "جزء من الحركة النسائية العالمية التي تمثلها منظمة النساء الديمقراطية العالمية". ففوجئت فيها بالصهيونية! وصلت مديحة إلى محطة موسكو جائعة لكنها نشيطة. كانت تنظر من نافذة المقصورة إلى رصيف المحطة عندما فتح الباب رجل في الخمسين تقريبا قال لها باللغة الإنكليزية: اسمي نيقولاي، أستقبلك باسم جامعة الصداقة. بدا لطيفا مهذبا، حمل محفظتها وقادها إلى سيارة تنتظرهما. قال لها إنه خصص لها غرفة في الجامعة، مع أن الطلاب يعيشون في بناء منفصل في منطقة "كابلنايا". مسكنهم قريب جدا، يذهبون إليه مشيا بين صفين من الأشجار والحدائق. والبناء جديد يعيش فيه كل اثنين من الطلاب في غرفة واسعة. لكن نيقولاي يريد أن تكون مديحة في غرفة وحدها هذه السنة حتى تختار رفيقتها في الغرفة للسنة القادمة. عرفت أنه المسؤول عن الطلاب، ومع ذلك استقبلها في المحطة. ياللتكريم بعد ذلك الوداع الرمادي في برلين! نزلا من السيارة أمام بناء من عدة طوابق. صعدا إليه سلما عريضا، وعبرا طلابا إفريقيين وهنودا وأمريكيين لاتينيين. في مكتبه قدم لها نيقولاي منحة شهر، تسعين روبلا، وقال لها: غدا أرافقك إلى مخزن "غوم" لتشتري بثلاثمئة روبل ملابس دافئة تناسب برد موسكو. معطفك الشتوي يسمى عندنا معطفا صيفيا! رافقها إلى مطعم الجامعة، عرفها بالطاهيات اللواتي يسكبن الطعام للطلاب وراء رفوف عرضت عليها أطباق متنوعة من طعام إندونيسيا وإفريقية وأمريكا اللاتينية والهند. تعالي جربي الغداء! تناولي هذه الصينية! انظري، تقف امرأة بملابس الطهاة البيضاء وقمطة الشعر، خلف كل نوع من أنواع الطعام، وعلى الرف ثمنه. أشارت مديحة أمام كل رف إلى مااختارته فسُكب لها، وضعته على صينيتها وجرّتها إلى الرف المجاور، وهكذا حتى وصلت إلى المحاسبة. من السلة تناولت الخبز. الخبز دون ثمن. حملت صينيتها وجلست إلى طاولة لم تبدّلها فيما بعد. عرفها نيقولاي بأردنيين وغواتيماليين وكوبيين وقبرصيين وبشابة عراقية. وجدت نفسها محاطة بهم وقت العشاء. قالت لها هدى العراقية: انتبهي، سمنتُ هنا خمسة كيلوات في شهر! في صباح اليوم التالي قادها نيقولاي إلى الصف الذي ستتعلم فيه اللغة. في كل صف خمسة طلاب فقط. هذه معلمة اللغة مرغريتا ديمتريفنا، وستأتي فيما بعد معلمة اللفظ! كان النوم صعبا على مديحة في الليلة الاولى. لاستائر على النافذة، وكم السماء مضاءة! أين سماء الشرق المعتمة، المعتمة ونجومها؟ نزلت في الصباح إلى المطعم، واختارت الحليب والعسل والبيض، وحنّت إلى المكدوس والزيتون. وأدهشها أن بعض الطلاب يأكلون اللحم في الصباح. جلست معها إلى الطاولة هدى: أنا الطالبة العراقية الوحيدة في جامعة الصداقة. ماأحلى هدى! عينان سوداوان وشعر حالك، وجه ممتلئ، خدان عريضان كخدود السومريين، وبشرة حنطية. أتى كوستانتين القبرصي. يوناني ممشوق، أبيض البشرة، أسود الشعر. تحدثوا باللغة الإنكليزية. لاحظت مديحة أن كوستانتين معجب بهدى وأن هدى كمن لاينتبه إلى ذلك. وانسابت مديحة منذ ذلك الصباح في العلاقات بالطلاب. رافقها نيقولاي إلى مخزن "غوم". أروقة طويلة على جوانبها مخازن. صعد إلى الطابق الثاني ودخل من باب جانبي إلى مايشبه المستودع الواسع. اختارت مديحة من البضائع المكومة كنزات من الأنغورا حيكت في الصين، ومعطفا. ذلك يكفيني! لكنك يامديحة لم تستنفدي ثلاثمئة روبل مخصصة لك! لن أشتري مالاأحتاجه! في المساء نفسه رافقها كوستانتين إلى بيت الطلاب في "كابلنايا" وعرفها باللبنانيين. وفي نهاية الأسبوع أتى أستاذ الرقص ليعلم مجموعة من الطلاب، منها هدى ومديحة، رقصة الفالس التي يهواها الروس. هذا استعداد لاحتفال في الجامعة! أرسلها نيقولاي مع أستاذ الرقص إلى مسرح بولشوي كي تختار للمجموعة ملابس مناسبة. فوجدت نفسها في بناء حلمت بأن تحضر فيه عرض الباليه. كانت تعرف مسرح بلشوي من الصور والأفلام. تفرجت في دمشق على فيلم "بحيرة البجع" وبقيت زمنا مسحورة برشاقة الراقصين. هل فتنت إستر وليامز الدمشقيين بفيلم "السابحات الفاتنات"؟ ماأقل ذلك أمام باليه بلشوي! وهاهي مديحة تدخل إلى كواليس ذلك المسرح العظيم! اختارت ملابس تشبه ملابس البجعات، ذات أطياف زرقاء. وجرّبتها في الجامعة مع مجموعة الطالبات. تغيّر شكلهن عندما ارتدينها، وراقبن أنفسهن في مرح في مرايا صالة المسرح! مشت مديحة بعد التدريب إلى قاعة مسرح الجامعة لتستمع إلى المغني الزنجي الأمريكي بول روبسون. يتجول في العالم بعد أن أفرجت عنه حملة عالمية فسمحت له الولايات المتحدة بالسفر. استمعت مديحة في صالة الجامعة إلى صوته القوي الحلو. لكنها لم تجد مكانا قربه كي تبدو في الصور التي التقطت له مع الطلاب. بعد أسبوع أخذت مديحة مكان بول روبسون على المسرح! اشتركت في اجتماع يحيي ذكرى لومومبا. وألقت فيه كلمة. جلس إلى جانبها على المنصة من جهة كوبي تحدث باسم طلاب أمريكا اللاتينية، ومن جهة أردني. تأملت مديحة لأول مرة في حياتها جمال الخلاسيين الذين قرأت عنهم في ألف ليلة وليلة. ماأجمل تلك الفتاة الكولومبية، وتلك البرازيلية! أما تلك المكسيكية ففيها جمال الهنود الحمر المخلوط بجمال أبيض متناسق الملامح والقد. رأت مديحة معاطف أمريكا اللاتينية المغزولة من الصوف والمنسوجة على النول بألوانها الفاقعة المتوهجة. وتمنت مثلها بدلا من المعطف الذي اشتراه لها نيقولاي من مخزن "غوم"! أبهجها عالم أمريكا اللاتينية المرح، وبدا لها صخبه الراقص حتى في لغته. أهؤلاء هم الذين سفكت شركات الموز دمهم في غواتيمالا وبوليفيا؟ ماأقربهم بحرارة العواطف والبساطة إلى الشرق! يمتحن الطالب عندما يصل إلى جامعة الصداقة، فتقدر له سنوات التحضير قبل الانتساب إلى الفرع الذي سيختص به، أو يعفى منها. ولكن للجامعة برامج أخرى: معرفة الاتحاد السوفييتي، مزارعه التعاونية، مؤسساته السياحية الطلابية، مراكزه الثقافية، نصبه التذكارية، حدائقه ومتاحفه وقصوره، ونُصب أبطال الحرب الوطنية العظمى. زارت مديحة مع الطلاب قصر الكرِمْل، وتفرجت على عربات القياصرة المذهبة، ودخلت مع مجموعة صغيرة جدا إلى قاعة الألماس المبهجة في الكرِمْل. مشت في الساحة الحمراء، وزارت المتحف التاريخي. تجاوزت صف الزوار الطويل ودخلت إلى ضريح لينين ودارت حوله. رأته مستلقيا تحت الزجاج شاحبا جدا. وكان ستالين قد سحب من الضريح بعد المؤتمر العشرين. وجدت مديحة بيدرو الكوبي إلى جانبها. قالت له: تذكرتُ مومياءات مصر القديمة! وتساءلتْ وهما يجلسان إلى طاولة الغداء في مطعم الجامعة: هل يحقق الضريح أمنية الأشخاص المحنطين الذين لايؤمنون بخلود الأجسام البشرية، أم رغبة الناس في أن يستبقوا مُثلهم كأجساد ذات لحم وعظم وشكل، مع أنهم لايؤمنون بخلود أجسامها؟ هل هذا رفض الاستسلام للموت؟ ماأعجب أن يشبه بلد اشتراكي مصر القديمة! يبدو يامديحة أن الاشتراكية لاتلغي قلق الإنسان من الموت ورغبته في الخلود! اجتهدت مديحة كي تفهم نصوص الكتاب المقرر للأجانب، وملأت حواشيه بالمفردات العربية والإنكليزية. هذه قصة فريق دينامو الروسي المشهور. قيل لهم خلال الاحتلال النازي: يجب أن تخسروا المباراة ليربحها الفريق النازي، وإلا قتلتم. فقرروا ألا يُهزموا. لعبوا أفضل مما لعبوا في حياتهم كلها. ربحوا المباراة، وأعدموا! روت مرغريتا ديمتريفنا قصة أخرى عن المليونير الأمريكي الذي زار الاتحاد السوفييتي مع ابنته المدللة. أعجبتها إحدى الجزر فطلبت من أبيها أن يشتريها لها. ودهشت لأن ذلك مستحيل حيث يملك الشعب الأرض والمعامل والبحيرات والشواطئ! تنهدت مديحة. هل تقول للمعلمة هذه قصة للبسطاء؟ لن تجرحها! تثير مرغريتا ديمتريفنا الإعجاب بتفانيها في التعليم. تبقى بعد الدرس لتفسر للطلاب ماصعب عليهم فهمه. وتصحح الوظائف في انتباه، وتجلس بعد الدرس لتساعد المقصر. وترحب بواحات الراحة التي يقنصها الطلاب. ضحكت أكثر منهم يوم تأخر طالب إفريقي ساعة كاملة عن الدروس. سألته: لماذا؟ ردّ: ضباب! فهم الطلاب أنه يطبق الكلمة التي تعلمها أمس: "تومان"! ضباب يؤخره ساعة كاملة في مسافة تقطع في عشر دقائق فقط؟! أحبت مديحة قصيدة سيمونوف: انتظريني وسأعود! انتظريني عندما يهطل المطر الأصفر.. عندما يكف عن الانتظار اولئك الذين نسوا الأمس! أنشدتها كأنها لها. لكن فوزي طلب منها النقيض: لاتنتظريني! فهل الحرية دون ارتباط ممتعة؟ ألم تكن تفضل عليها أن تمتلئ بانتظار المحبوب؟ ماج الطلاب عندما أعلنت لهم مرغريتا ديمتريفنا أنها ستعلمهم أغنية "أحبك أيتها الحياة". نغني؟ أصواتنا بشعة! لا، سترون أن أصواتكم حلوة عندما تغنون معا. بدت لهم صياغة جمل الأغنية صعبة. لكنهم حفظوها بالغناء. وتذوقوها كأصداء ثورة بعيدة. "أحبك أيتها الحياة، أحبك من جديد ومن جديد.. آه كم تطير السنوات بسرعة، فنحزن عندما نلاحظ شيبنا..". بدأت مرغريتا ديمتريفنا تكشف لمديحة الأدب الذي كتب عن تضحيات الشعب الروسي خلال الحرب العالمية الثانية: نسميها الحرب الوطنية العظمى! هذا أدب وليس دعاية بسيطة كقصة المليونير! كي تفهمي كتّابه تفرجي على اللوحات التي رسمها فنانون كبار عن الحرب والسلام! وتذكري سيمفونية لينينغراد التي عُزفت تحت القصف الجوي لتقوي روح المقاومة في مدينة محاصرة وجائعة! لم تسمعيها يامديحة؟ كان الكتّاب مراسلين حربيين. كتب سيمونوف عن دخوله إلى قرى محروقة مايزال يتصاعد منها الدخان وليس لديه غير مسدس المراسل الحربي. أنصحك يامديحة بدراسة الأدب الروسي. لأنه متميز بين الآداب العالمية. وأطلي بعد ذلك على الأدب السوفييتي. ذكرت مديحة لمرغريتا ديمتريفنا أن العرب ترجموا الكتاب الديمقراطيين الروس، تولستوي ودستويفسكي وليرمنتوف وتورغينيف وبوشكين وتشيخوف. وأنهم يعرفون مقاومة ستالينغراد وملحمة الوصول إلى برلين أكثر مما يعرف الروس عن الثورة السورية. وقالت لها إنها تفرجت في برلين على الريخستاغ. هل قرّب ذلك مرغريتا ديمتريفنا من مديحة فدعتها إلى بيتها؟ كان يجب أن تقهر مديحة جهلها باللغة كي تدرس الأدب الذي تحدثت عنه مع مرغريتا. أدهشت مرغريتا عندما ذكرت لها ماترجم منه إلى اللغة العربية. فقالت مرغريتا: لكنك يجب أن تعرفي تلك الأعمال بلغتها، وأن تريها في سياق المسائل التي شغلت الكتاب، وسياق الحركة الاجتماعية والفكرية التي عاشوا في وسطها. أظن أن الإنتلجنسيا الروسية قدمت للعالم وقتذاك مالم يقدم للبشرية في عصور. كانت روسيا منطقة الأزمة، على العتبة بين الإقطاع والرأسمالية ومافي ذلك العبور من ألم إنساني وكوارث اجتماعية. أثمر ذلك فنا رفيعا، روايات لامثيل لها في الأدب العالمي، المسائل القاسية التي أقلقت دستويفسكي، والخلاص الذي اجتهد الكتاب في البحث عنه في الدين أو الثورة. لكنك عندما تتعمقين في الدراسة ستستنتجين أن روسيا لم تكن معزولة كما نتوهم. فالإنتلجنسيا الروسية رددت صدى انقلابات اوروبا وأحلامها وثوراتها الفاشلة. لم يكن الديسمبريون بعيدين عن اضطراب اوروبا، وكانت ثورة اكتوبر نفسها متصلة بالأفكار والتجارب الاوروبية. إذا درستِ ذلك أتمنى لك أستاذا من أساتذتنا الذين يطيلون أمد بحث طلابهم ليحمّلوا الطالب زوادة تغنيه طول حياته، ويصبح البحث لديه عادة وهوى. حضّرت أطروحتي طوال عشر سنوات! في البداية مللت وغضبت، ثم فهمت هذه المدرسة العلمية.. واكتشفت متعة البحث! بعد إنجاز أطروحتي بدأت أنقب عن موضوع آخر أنشغل به! تعلّمي اللغة جيدا، يامديحة! مرغريتا ديميتريفنا، ماأسهل أن يتعلم الشاب اللغة! يصادق الفتيات! نحن الطالبات نلجأ إلى القاموس والحفظ، وإلى غرفة "فونيتيكا" فنضع السماعات على آذاننا، نكرر مانسمعه ونسجله ونفحصه! يامديحة! لن أقول لك اعملي مثلهم. فأنا من أسرة محافظة ولاأحب سلوك بعض بناتنا المعاصرات. لكني أقول لك لاتنبهري بسهولة اللغة التي تأتي من الأحاديث اليومية. دراسة اللغة بعمق لاتكتفي بصداقة الفتيات! التقت مديحة بليلى في نهاية السنة الدراسية. كانت مديحة قد تعلمت التزلج على الجليد في ملعب الجامعة، مع كولومبيين. ولم تكتف بدروس الأستاذ بل كانت تفيق مبكرة وتدخل الملعب مع شابة من غواتيمالا، تمسك كل منهما بدراجة وتتزلج، حتى صارتا تضبطان خطواتهما. ومع ذلك وقعت عدة مرات واستمتعت بضحك زملائها. كانت قبل أن تلتقي بليلى قد وصلت في رحلة مع الطلاب إلى جيورجيا، واستضافهم طلاب روس في منتجع كليتهم على شاطئ البحر الأسود، ومثلوا أمامهم مسرحية. وكانوا يلبسون ملابس ملوك الطبيعة. وانتهت الأمسية حول نار التف حولها الشباب. وفي سوتشي تبعت المسار الذي يعبره الطلاب في العطلة الصيفية. فتفرجت على اختتام عرس بصورة أمام نصب الشهداء المحاط بشجر المانوليا، وجمعت البندق من الشجر، وزارت المتحف الذي يجسم تهجير شعوب القفقاس، ومتحف اوستروفسكي، والمتحف النباتي الكبير، ومزارع الشاي في الجبال، وبحيرة ريتزا الجبلية والبحيرة الزرقاء، ولمحت من بعد الفيلا التي سكنها بيريا. وكانت قد مشت في احتفالات الأول من أيار مع الطلاب تحت ثلج مخلوط بالمطر وسط الاستعراض الكبير وهي تهز حزمة من القرنفل الأحمر بيدها. وعرفت موسم المطر الرطب الثقيل الذي لايحبه الروس فيرددون: "موكرا". وزارت مع الطلاب معمل الشوكولا، ومدرسة تعلّم اللغة الإنكليزية التلاميذ منذ الطفولة. وكانت قد أصبحت كمستشارة سرّية لنيقولاي يعرض عليها رسائل السوريين الذين يطلبون الانتساب إلى الجامعة ويسمع رأيها. وفوجئت بزوجة قائد سياسي تخابرها وتطلب منها أن تؤمن منحة الدراسة لأحد أقربائها: أوراقه غير مناسبة، لكن توسطي له دون أن تخبري أحدا من السوريين! بعد أسابيع من وصول مديحة إلى موسكو بحث عنها شاب اسمه عَلَم الدين، ووجدها في المطعم. بلّغها: ينتظرك الرفيق المسؤول اليوم في الساعة الثالثة في جامعة موسكو. اليوم؟! ستقول لنفسها يوم تتبيّن ركود المنظمة: طلبوني فورا كأن الثورة ستقوم غدا! أوصلها عَلَم الدين إلى شقة رضوان في جامعة موسكو. لكل من رضوان وزوجته غرفة، لهما إذن شقة. ولكن كم الغرف صغيرة! تتسع لديوان للنوم إلى جانبه مكتبة، ولطاولة وكرسيين مقابله، ولخزانة الملابس في الحائط. ملأت زوجة رضوان غيابه: كانت لدي شقة واسعة يلعب فيها الخيّال، وكانت لدي خادمة. استبدلتها بأخرى لأني ضبطت شابا معها في البيت. كانت خزانتي على عرض الحائط. هنا أحار أين أضع ملابسي وأحذيتي. طبعا، لم أستطع أن آتي بصيغتي فتركتها عند أهلي. تركت جهازي كله عند أهلي! وهنا ماأثقل الواجبات! لايكفيني كيلو من البن للقهوة في أسبوع! صدم كلامها مديحة. كانت تتصور أن مثل هؤلاء الأشخاص تخطوا الفخر بالجهاز والمصاغ والبيوت ذات الخدم. وكان يبدو لها أن التضحية اختيار لايُمن به على أحد. وأين هؤلاء المستريحون في الجامعة، وراتب طالب الدكتوراه مئة وخمسون روبلا تفلح وتزرع، من رفاقهم المعذبين في السجون! تبينت مديحة جوا مختلفا عما ألفته بين زملائها في دمشق. هل بدأت تكتشف أن حمّالي الأفكار ليسوا في قامتها؟ أتى رضوان بعد نصف ساعة من الموعد. سلم عليها دون ودّ ودخل إلى الغرفة الأخرى وبقي فيها عشر دقائق، عدّتها مديحة بساعة يدها متسائلة عن هدف تلك الطقوس. قرأت مرة أن موظفي الأمن يتركون من يستدعونهم في غرفة الانتظار مدة طويلة ليشعلوا هواجسهم ويكسروا أعصابهم. فهل يطبق رضوان مثل ذلك ليرسّخ هيبته؟ جلس مقابلها وسألها: لماذا تركتِ مكانك في مؤسسة ديمقراطية عالمية؟ خطر لها أن تدعوه ليجرب حظه هناك. قالت في جدّ: تقصد منظمة اخترقتها الصهيونية؟! هبّ واقفا: لليهود نفوذ في العالم كله، لكن هذه منظمة ديمقراطية ذات دور في الدفاع عن السلام العالمي وعن حقوق النساء! قالت: ذلك صحيح وغير صحيح! نعم، تدافع عن السلام. لكن المسؤولات فيها يدافعن عن إسرائيل! قلن لي إسرائيل واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط، عليكم أن تتعاونوا مع الديمقراطيين فيها. فقلت لهم: لايمكن أن يكون المستوطن "ديمقراطيا" لأنه يعيش على أرض مسروقة من الشعب الفلسطيني! تمنى رضوان أن تكون غرفته أكثر سعة كي يمشي معبرا عن قلقه. يامديحة، يبدو أنك تجهلين أن السياسة تفترض المرونة! كان يجب أن تكسبي العاملات هناك لاأن تفقديهم! كادت تقول له: أتعرف أنهم انتقدوا زوجتك لأنكم أرسلتموها مرات إلى المؤتمرات؟ قالوا: ماعندكم غيرها؟ تهزّ أقراطها الكبيرة وتقرأ كلمة مكتوبة بلغة رجل، وتختفي! والحق معهم في هذا! أعطيتموهم ماينتقدونه! لكنها سألته: هذه محاكمة؟ ردّ: بل محاسبة! قالت: أتمنى إذن أن تجرب البقاء هناك أكثر مما بقيتُ! ياللوقاحة! هذه شابة تحتاج التربية! قال لعَلَم الدين: عينكم عليها! راقبوها! كان عَلَم الدين قد بلّغ مديحة وهو يقودها إلى شقة رضوان أن طالبة متعجرفة مغرورة اسمها ليلى تدرس مع طلاب المنحة الرسمية في جامعة موسكو. لم تشترك ليلى في الاعتصام الذي نظمه الطلاب السوريون، ورفضت أن توقع على عريضة تحتج على الاعتقالات في سورية. وماذا أعدّ لك؟! تأملته مديحة. ماأبعد المسافة بين عَلَم الدين وفوزي! كادت تقول له: بل أنت الفظّ المغرور! لكنها قالت: كيف توقع ليلى على عريضة احتجاج ترسل إلى السفارة، وهي طالبة في بعثة! ليلى وطنية! ألا يكفي ذلك؟ ردّ عَلَم الدين: لايكفي، فالشعب السوري كله وطني. يجب أن تتخذ موقفا واضحا! سألته مديحة عن عنوان ليلى فقال إنه لايعرفه. فشعرت بأنه لايريد أن تلتقي بها. خطر لها أنها لن تراه مرة أخرى. لكنه أتى بعد الحفلة التي أقيمت في الجامعة ورقصت فيها مديحة بثياب مسرح بولشوي مع مجموعة من الطلاب. بلّغها أن رضوان يستدعيها. لاتحتاج أن يرافقها! تعرف الطريق إلى رضوان. يكفي أن يسجل اسمها في باب الجامعة الرئيسي. قال لها رضوان: حكوا لنا أنك رقصت على المسرح. وأنك تستمعين إلى موسيقى برامز وإلى أغنيات فيروز الكنائسية، وتعنين بملابسك. بل أرى أنك صبغت أظافرك بالمانيكور. فهل هذه إشارات صحية أم إشارات إلى بعدك عن الفكر الثوري؟ فتحت مديحة عينيها. لاتصدق أن هذا قائد منظمة! سألته: أين كان ذلك الاحتفال؟ في الجامعة أم على مسرح غربي تباع فيه البطاقات لمن يطلبها؟ وأين صُنعت أسطوانات برامز التي أسمعها؟ هنا في موسكو! أغنيات فيروز الكنائسية تذاع من بلادي! أعنى بملابسي؟ وهل يجب أن يكون الغبار على حذاء الثوري قناطير؟ حقا طليت أظافري بلون شفاف. لكني لاحظت أن زوجتك دهنت أظافرها بلون أحمر! كان رضوان مهذبا فلم يصرخ، بل نهض ومشى خطوات في الغرفة الصغيرة. هذه شابة صعبة لكنه يجب أن يصبر عليها. قال لها: استدعيتك لأمر آخر أيضا. نصوغ دستورا للحزب وهذه مسودته. اقرئيه وبيّني ملاحظاتك عليه! قرأت مديحة المشروع. ثم عدّت صفحاته. وجدت أكثره عقوبات. أين المؤتمر العشرون، والتصحيح إذن؟! لم تجسر على سؤاله هل كلفتك القيادة العليا بوضع المشروع أم هذا اجتهادك؟ قالت له: أكثر فصوله عقوبات لمجموعة لا يربطها غير الاختيار! كيف نطلب الديمقراطية من نظام عبد الناصر إذا كنا، ونحن دون سلطة، نتفوق عليه في العقوبات؟ هل يئس منها رضوان بعد تلك الملاحظات؟ قال لنفسه هذه اندفاعات شابة لم يعقلها الزواج. في عمرها قد يظهر الفوران الجنسي كتمرد سياسي وفكري. يجب أن نبحث لها عن زوج! بحث وضع مديحة مع زوجته واختار لها عَلَم الدين. في المرة الثالثة لم يستدعها عَلَم الدين إلى رضوان بل شخص آخر لاتعرفه. قال رضوان: وجدنا لك رجلا مناسبا هو الرفيق عَلَم الدين. تفرجت مديحة عليه. "كم كان فوزي مهذبا! يكتفي بالإشارة والتلميح"! ردّت وهي تنظر إلى عيني رضوان: لن أتزوج دون حب. وهذا الشخص الذي اخترته ليس الرجل الذي يمكن أن أحبه! أظهر رضوان غضبه: بلا حب بلا خلط. لاتوجد في الحياة غير علاقات جنسية! وأنت... لم تستمع إلى بقية كلامه. خرجت من شقته، ولم تنتظر المصعد خشية أن يلحقها. ركضت على الدرج، عبرت الباحة وهربت من بابها إلى الشارع مع أن الباب الرئيسي أقرب إلى الباص الذي سيوصلها إلى محطة الترام. "لا أتحمل هذا الرجل، ولاأريد منظمته! هل يمكن أن يفيد من الدراسة في موسكو رجل متخلف مثله؟ مكانه مسروق من شاب يستحق الدراسة ويفيد منها"! خيل إليها أنها لن تسمع اسمه ولن يتصل بها. لكنها لمحت عَلَم الدين في مطعم الجامعة. فتجاهلته حتى أصبح أمام طاولتها. جلس دون أن تدعوه. وبلّغها كالمنتصر وهي تأكل أن المنظمة "جمّدتها". ردّت: قل لرضوان إني جمّدته مع منظمته كلها. وإياك أن تأتي إلي! إياك! وجدها كوستانتين تبكي عندما قصدها بعد الظهر في غرفتها: لماذا؟ من القهر! من القرف! لأني أحمد ربي على أن الشيوعيين لايحكمون بلادي! أكانت مديحة تخمّن أن أحد قادتهم سيقول بعد انقساماتهم: من حظنا أننا لسنا في الحكم، وإلا لعلّق أحدنا المشانق للآخر! لكن ذلك لن يمنع قريبته من أن تتمنى نصب المشنقة لخصومها! أجبرها كوستانتين على الخروج من غرفتها: في جامعة موسكو تعرض هذا الأسبوع أفلام ايزنشتاين. ينتظرك أصحابنا في البهو. هدى فقط لن تذهب معنا! إلى جامعة موسكو؟ لن أذهب! خمّن كوستانتين أن ماأبكاها يتصل بجامعة موسكو. قال: هل توهب جامعة كبيرة لشخص واحد أو اثنين؟ تنتظرك المجموعة في البهو، وينتظرنا أصحابنا في جامعة موسكو قرب الباب الرئيسي. دخل نسيم ناعم من نافذة الترام. شعرت مديحة بالربيع. انتهى إذن موسم إغلاق نوافذ الباصات والترام! تنهدت وابتسمت لكوستانتين. نعم، هكذا! لايناسبكِ الحزن، يامديحة! لكن لماذا، هل أستطيع أن أساعدك؟ ابتسمت. وأشارت إلى السماء: وحده فقط يستطيع ذلك! كم مرة سيعود الناس إلى السماء ليطلبوا مساعدتها كلما فشل السياسيون في تسوية أمور الدنيا! في قاعة السينما في جامعة موسكو لمحت ليلى. هبّت واقفة وصرخت: ليلى! كانت علاقة ليلى بها قد فترت بعد الوحدة، بالرغم من الوعد الذي ربطتها به منور: ألا تؤثر اضطرابات السياسة على الصداقة. تجاهلت ليلى الفتور بينهما واخترقت الجالسين على المقاعد وهرعت إلى مديحة. عانقتها في لهفة: أنت هنا؟ أين، معنا في الجامعة؟ لن تذكر مديحة المكان الذي غابت فيه قبل لقائهما. ستتركها تظن أنها كانت في لبنان، ومن هناك أتت لتدرس في موسكو! قدّمتها ليلى إلى زميلتها: مارغو، مارغريت، أختي العراقية. قالت مديحة: ماأغرب ذلك! لدي مثلك صديقة عراقية اسمها هدى. سمعتِ بها؟ هنا آلاف العراقيين، فهل أستطيع أن أعرفهم جميعا! حقا لن تعرف مارغريت حتى المهندس الذي ستتزوجه في بغداد، مع أنه درس في موسكو، وستقول له ضيعنا الأيام التي كان يمكن أن نعيش فيها معا! اتفقتا على لقاء في جامعة الصداقة التي يسهل الدخول إليها: ليست كجامعة موسكو التي لايدخلها حتى العصفور.. إذْن، وهوية تترك عند الحارسة، وحساب ساعات الزيارة.. كأننا في مستشفى! التقتا بعد أيام في مطعم جامعة الصداقة. قالت ليلى: كم أنتم مدلّلون! لم يبق إلا أن يطبخوا لكم كبّة لبنية! شربتا الشاي وأتت هدى وبيدرو وكوستانتين وجلسوا معهما. نصف الكلام باللغة الروسية ونصفه بالإنكليزية! مشوا إلى "كابلنايا"، حيث حضّرت هدى في الغرفة شايا عراقيا قدّمته في "ستكانات" عراقية. ذكرت مديحة الاحتفال الذي رقصوا فيه الفالس على المسرح. تبحث عن أثر ذلك في ليلى؟ قالت ليلى: محظوظة! هزّت مديحة رأسها. هكذا الدنيا إذن، نخسر شخصا ونربح آخر! ستواسي مديحة نفسها تلك الليلة: خسرت رضوان، لكني استعدت ليلى! ماالذي جعلهم يستسلمون للفرح؟ البُعد عن هموم بلادهم؟ الأمان والعلم والمأوى والطعام والراتب التي بدت طبيعية لاتستحق التفكير فيها؟ بقيت سطوة الشباب فقط! وجدت ليلى بين اللبنانيين ليلى أخرى قدمت لها صحن تبولة. وأتى لبناني بأسطوانة وضعها على الحاكي فانساب صوت فيروز "مافي حدا.. لاتندهي مافي حدا". جمدت ليلى. ماهذه الأغنية التي تلمس روحها! انسابت دموعها. شعرت بشوق إلى دمشق، إلى أمها، إلى المشي في الشوارع، إلى ذلك الطريق المرصوف بالحجارة السوداء البازلتية الذي يهبط من جودت الهاشمي إلى شاطئ بردى ويمر بحديقة كازينو دمشق الدولي وأشجار الكينا الباسقة فيها. هل كانت معبأة بالأشواق التي تنتظر أغنية فيروز لتندفع؟ وضعت مارغريت كفها على كتف ليلى: وأنا أيضا أكاد أبكي! عانقتها مديحة وبقيتا ساكنتين لحظة. كأنهما تذكرتا الأيام السعيدة في الجامعة! بدا لليلى أن سورية كانت في تلك الأيام مستسلمة للأحلام. واعترفت لنفسها بأن الوحدة قطعت تلك الأيام عما بعدها في حياتها الشخصية وفي حياة بلدها. قال كوستانتين: ماهذا؟ حظي أن أرى دموع السوريات اليوم؟! عاد كوستانتين مع مديحة إلى الجامعة: أريد أن أطلب منك طلبا! أحب هدى. أرجوك، رتّبي أن نخرج نحن الثلاثة فقط في نزهة واتركينا وحدنا. أريد فرصة للحديث معها. ولماذا لانتزوج هنا؟ سنسكن معا في بيت الطلاب بدلا من أن أسكن مع شاب وتسكن مع جارتها! ياكوستانتين، ليست المشكلة أن تسكنا معا هنا، بل أن توافق هدى على السكن معك في قبرص! يامديحة، قبرص على بعد خطوة من العراق! ستؤسس هدى عيادة وستصبح قبرص بلدها. ياكوستانتين، اسمع هذه الحكاية! سأل رجل هل هذه البطيخة الصفراء حلوة؟ ردّ البائع: حلوة كالعسل. اكتشف الرجل أنها دون طعم. فرجع إلى البائع وعاتبه. ردّ البائع: ضع عليها سكرا! الغربة مثل تلك البطيخة! أخشى أن تكون مثل ذلك البائع! ترش السكر لتهوّن الحياة على هدى في بلد غريب! على كل حال، غدا، سنتنزه معا. ولتسمع قرارها! كان المساء رخيا رائقا كأنه مناسب للبوح بالحب. مشوا إلى "كابلنايا" تحت أشجار وارفة شبعت من المطر. قالت مديحة لهدى: يريد كوستانتين أن يتحدث إليك دون أن أسمعه. أعرف أنه لن يأكلك فالقبارصة مهذبون! ابتعدت قبل أن تسمع ردّ هدى. ياللطفلة! بدأت تصرخ ياماما! ياماما! وسمعت ضحكة كوستانتين السعيدة. رأتهما في الصباح يقصدان معا طاولتها ففهمت قرارهما. عندما تركهما كوستانتين ليأتي بفنجان آخر من الحليب قالت لها مديحة: ياهدى، كدت أظن أنك في السابعة من العمر عندما صرخت ياماما، ياماما! لن أنسى ذلك في عمري. ردت هدى سعيدة: وأنا أيضا لن أنساه! احتفل الطلاب بزواج هدى وكوستانتين في "زاكس" موسكو. اخترعوا لهدى إكليلا واستعاروا تولا أبيض للرأس. ياللاحتفال في قصر قديم علقت على جدرانه صور المشهورين الذين تزوجوا فيه. منهم غاغارين أول رجل فضاء في العالم. اشتروا لهدى من مخزن القصر ورودا وزهورا وهدايا. علمتهم موظفة في القصر كيف يصعدون السلم أزواجا، والموسيقى تعزف. ثم دخلوا إلى قاعة واسعة في صدرها ثلاث قاضيات. وقع كوستانتين وهدى على أوراق، وأخطأ كوستانتين فوضع الخاتم في إصبع ليلى اليمنى فضحكوا. وهلّلوا عندما قبّلها. انتقلوا إلى قاعة الطعام التي رتبت لاستقبالهم. قُدمت الشمبانيا والطعام الخفيف. صاحوا: "مرّ، مرّ" كي يقبّل كوستانتين هدى. ثم ركبوا سيارتي تشايكا وتجولوا في موسكو. وأخيرا نزل كوستانتين وهدى في "كابلنايا" وتفرق الآخرون. بقيت الطاولة تجمعهم وقت الفطور والغداء والعشاء. ويهوى الجلوس إليها بعد الغداء بعض الأردنيين والأمريكيين اللاتينيين. كان بيدرو الكوبي أحدهم. سأل مديحة: لديك وقت لمساعدتي في اختيار هدية لأمي؟ طبعا! ركبا المترو إلى مركز المدينة. انتقلا من مخزن إلى آخر. آه، لايوجد في المخازن مايغري بالشراء. إذا كان هناك صف طويل انضم بعض المارين إلى الصف ثم سألوا: ماذا يباع؟ وجدت مديحة شالا يناسب أمه. أليس الشال أسهل الهدايا للجدة والأم؟ بعد شراء الهدية قادها إلى مخزن أسطوانات. "سجلي كلمة لأمي"! سألته: وماذا أقول لها بلغة لاتفهمها؟! في العودة باح لها بيدرو برغبته في الزواج منها. تصنعت أنها لم ترتبك. وأخفت خجلها بابتسامة: نحن أصدقاء! كم يتشابه البشر! قال إنها تعجبه باتزانها، وإنه سينتظرها حتى تُنضج قرارها. يعرف أنه فاجأها. فلتفكر بطلبه في هدوء. كان خلاسيا وسيما، رافقها في احتفالات أيار، وفي الرقص على المسرح، وفي أمسية في ذكرى قتل لومومبا. لم يفرقهما حوار. لكنها عاشت في بلد وعاش في بلد آخر. ولن يبدو أثر ذلك الآن. فالحياة تحلو في الحب بين شابين. لكنها بعد عشرين سنة ستشعر بأنها غريبة عن البلد الذي انتسبت إليه، وستفهم أنها أصبحت في وطنها الأم غريبة ولن تجد فيه أحدا يتذكرها! لن تكون من هنا ولا من هناك! لاحظت مديحة في ذلك المساء مالم يخطر لها. أنها تبدو ضعيفة لأنها دون خطيب أو زوج. أنها مشروع لمن يريد الحب أو الزواج أو الصداقة. وتمنت لو أبقى فوزي ارتباطه بها! لكن ذلك الاكتشاف لم يرضها. لأنه يناقض ماآمنت به حتى تلك اللحظة: أنها كأي شاب، وحدة مستقلة! سألتها هدى: رفضت بيدرو؟ من يرفض الحياة في كوبا؟! كيف عرفتِ؟ عرفتُ من أساه! لا، لم يطلب وساطتي بعد، لكني منحازة إليه. ألم تلاحظي أنه لايصادق فتاة، وأنه يحوم حولك ليلة السبت ويوم الأحد؟ هل تبوح لها مديحة بأن فوزي حرّرها منه لكنها لم تحرر نفسها من حبها له؟ هل تقول لها إنها لاتأمل في اللقاء به، لكنها لاتستطيع أن تحب آخر طالما كان في السجن؟ بقي بيدرو يجلس إلى طاولة مديحة في قاعة الطعام. وفهمت أنه لايصادفها في الطريق المحفوف بالأشجار والمقاعد ليمشي معها إلى الجامعة، ولايصادفها جالسة على مقعد فيتوقف ليجلس إلى جانبها. بل يقصد أن "يصادفها". وضعها ذلك أمام حقيقة ترفضها. أنها ليست كشاب عربي. لاتستطيع ذلك. فالعلاقة برجل تعني لها ارتباطا طول العمر. وكل مايتقدمها اختبار يرجّح أو يستبعد الزوج. لذلك تبدو وحدة مديحة في أيام السبت والأحد وقت يختفي الأصدقاء في بيوت صديقاتهن أو في الغابات. وتبدو عندما تمشي في حديقة أو تركب في باخرة في النهر. ولابد أن تصادف شابا يقترح عليها أن ترافقه، فالوحيدة يوم السبت فراغ معروض! لكن كم تبدو الدنيا واسعة خلف بوابة مغلقة! نشرت ليلى أمام مارغريت ومديحة مشروعها: نتفرج على محطات مترو موسكو واحدة واحدة. نزور المتاحف مقطعا مقطعا. ونلعب الكرة الطائرة في باحة قسمنا في الجامعة. تزهر الآن فيه شجيرات سيرين. بدت ليلى محصنة بقوتها. لذلك أدهش مديحة أن تقول: تمرّ الأسابيع مسرعة ولن يبقى منها ذات يوم إلا ذكرى. فلنعبئ حياتنا بالذكريات التي سوف نستعيدها! ياليلى، كأنك وصلتِ إلى عمر الحكمة! لا، يامديحة، صرت أفهم مايكافئ به الاوروبيون أنفسهم بعد العمل! أتعب طول الأسبوع ولاأتذكر نفسي. أضيفي الطريق الذي أقطعه يوميا إلى كلية الطب. تبقى لي نهاية الأسبوع فقط. ويجب أن تكون الراحة معرفة وفرجة. وإلا صرتُ طبيبة جافة! لم تنقل مديحة لليلى ماقاله عنها عَلَم الدين. هل خصوم الرأي فقط هم الذين يستمتعون بتلفيق القصص؟ أم هذه تعبير أيضا عن غيرة رجل من شابة مضيئة؟ وأرضاها أن تشعر بقربها من ليلى أكثر من قربها منه! وتذكرت أن المدرسة ربتهما معا! كانت المسارات التي تفادتها ليلى ومديحة ومارغريت مفتوحة لقيس على عرضها. بدا له أن العالم الذي يتدفق حوله عالم نساء ملون وغريب. بعد موافقة عرفان على بقائه في براغ نقل قيس من الفندق إلى بناء وسط غابة قرب بلدة صغيرة ليدرس اللغة. كان الفصل الدراسي قد بدأ. الطلاب من العراق وايران وأمريكا اللاتينية. اختار كل منهم مكانه على مقعد منذ شهرين. من باب الصف وقع نظر قيس على فتاة تشبه ليلى، تجلس على المقعد الأول. كاد يشهق من الدهشة. اندفع وجلس إلى جانبها. رفعت حاجبيها: هذا مكان زميلي العراقي! ردّ: سآخذ مكانه! سألها: مااسمك؟ قالت: كارمن. من أي بلد؟ مكسيكية! أنا قيس، عربي! هل سيقترب بها من ليلى؟ أم سينتقم بها منها! سيقول قيس فيما بعد: "أحلى سنوات غربتي كانت سنة دراسة اللغة! سنة معبأة بالأمل والاكتشاف. أول لقاء بيني وبين أوروبا". تبدأ الدروس كل يوم في الثامنة صباحا. في الصف يرى كل من الطلاب أخطاء الآخر في اللفظ، ويضحكون منها معا. في المطعم يجتمعون في ثلاث وجبات. وفي المساء يأوون إلى بناء واحد في طرف منه الفتيات وفي الطرف الآخر الفتيان. بعد الدروس يعبرون الغابة إلى البلدة الصغيرة ويجلسون في مشربها الصغير. يقرّب اليوم الواحدَ من الآخر أكثر مما تقرّبه سنة. رافقهم قيس وعبر الغابة معهم. أتوا بمنح دراسية، وكانوا متنوعين. كان الغواتيماليون والايرانيون هاربين من بلادهم. ماذا يميز قيسا منهم؟ أنشد لهم شعر الخيام، وسحرهم به. ثم روى لهم بعض القصص عن بلده. عرف أنه ينفش ريشه الملون كالطاووس ليفتن كارمن دون أن ينظر إليها. هل تساءلت من هذا الشاب الذي يبدو وقحا ووسيما؟ تناقل الطلاب في اليوم التالي حكايته. كان في أزمنة تساعد فيها أسطورة "المناضل" على كسب الحب. هكذا بدا له أنه صار أقرب شاب إلى طلاب صفه فتيات وفتيانا. وصارت كارمن تمشي قربه عندما يعبرون الغابة. أعجبه أن يفتن كارمن. وقرر لنفسه مفردات كثيرة يحفظها ليتفوق على من سبقوه في الصف. ولكن ماهذا القلق الذي يطلب شيئا آخر للروح؟ لن يبقى يوم الأحد في المدرسة المختبئة في وسط الغابة! يريد أن يعرف مدينة الناس، مدينة أهل البلد! تكفيه المفردات التي يعرفها ليركب القطار ويصل إلى أصحابه! نظر ركاب القطار إلى سمرته فعلّموه أن يزهو بها. ردّ على جاره في المقعد: نعم، أجنبي! عربي! ثم انصرف إلى المساحات الخضراء التي يعبرها القطار. رأى قرى بسيطة مرتبة، وأشجارا كثيفة، وأرضا مزروعة. هذا هو العالم الذي يحلم بأن تكون بلاده على مثاله! نزل في محطة نظيفة، مشى على أدراج نظيفة، بين ناس جديين. لم يصادف ورقة على الأرض، لم ير شحاذا، لم ير طفلا دون ملابس لائقة، أو طفلا سائبا. نعم، لم يخطئ أبدا في أنه تمنى لبلده هذا المثل! الممارسة الظاهرة له تنطبق على النظرية! قال له صديقه راجح: لاأحد يبقى في بيته يوم الأحد! سنخرج مثل الناس إلى الغابة ونستمتع بالثلج! الزوادة جاهزة، والغابة في انتظارنا! محظوظة هذه البلاد بالغابات! وهاهما غريبان ناجيان من السجن، والحرية ممتدة حولهما في طقس على الحدّ بين الدفء والصقيع. اللحظة ثمينة فقد تنخفض السماء فجأة وينزل الثلج. لن نتساءل إلى متى سنبقى في هذه البلاد! لكني ياراجح لاأستطيع أن أكتب شعرا! كأني فقدت لغتي! ألذلك أنشد لزملائي في مدرسة اللغة رباعيات الخيام؟ أم لأنشط روحي وأستنهضها؟ لعلني لهذا السبب هربت من لقاء ممكن هناك وأتيت إليك! ياقيس الوقت مبكر جدا على هذا الكلام! عش هذه اللحظة فقد ينزل الثلج! بدأ راجح يغني بصوته الحلو الرخيم. غنى أغنيات بلادهما المنسيّة. وأدهشه أنه تذكرها. ثم بدأ يرتّل سورة مريم التي يحبها قيس. دمعت عينا قيس وانساب صوت راجح إلى المتنزهين بين أشجار بعيدة، واقترب العابرون. من سأل منهم: قرآن، قرآن؟ رافق قيس صاحبه في المساء إلى المطعم. ولاحظ أن بعض الفتيات أتين وحيدات. وضّح له راجح: كما تقصد هذا المطعم لترقص، يقصدنه ليرقصن! فلتصحّح أوهامك عن عالم إشتراكي نقي! هذا مجتمع فيه الصالح وفيه المنحط. رفض قيس ذلك: يجب ألا يوجد فيه شيء منحط، وإلا فأين التربية والثقافة الاشتراكية؟ صحيح ياقيس، الكتب رخيصة، وبطاقة المسرح رخيصة، ولن تجد في المسارح مكانا فارغا. ولكن في العلاقات الإنسانية فساد. ربما سأفهم السبب عندما أتبحر في لغة هذه البلاد! أعرف الآن أن الناس غيّروا أغنية "نوّص الضوّ" وجعلوها عن الوزير اليهودي: "نوّص الضوء، باراك ذاهب في الليل ليسرق". ورأيت الحاضرين يتهامسون ويتغامزون عندما عزفت هذه الأغنية في المطعم. وأعرف أن هناك مومسات! مثلا هاتان الشابتان مقابلنا! أعجبتك إحداهما؟ تعال! دهش قيس: كيف؟ في بلد اشتراكي مومسات؟! ضحك راجح. نهض إلى الشابتين وسألهما: يارفيقة بكم؟.. لاحظ قيس أنهما غضبتا فاطمأن. سيقول لراجح: أرأيت؟! لكن صديقه روى له: لم تغضبا لأني عرضت مالا. بل اعترضتا لأني ناديتهما رفيقة! كانت تلك الاكتشافات ثقيلة على قيس. سمع هديرا يشبه تناثر الزجاج. العلاقة بالمرأة معيار من معايير الحكم على الأزمنة والمواقف والمجتمعات. ألم يستخدم الإسرائيليون الاعتداء على النساء في دير ياسين لتهجير بعض القرى الفلسطينية؟ ألا يهاجم السياسيون في بلاده خصومهم باختلاق القصص عن زوجاتهم أو بناتهم؟ ألم يطرد قيادي لأن امرأة اتهمته بأنه حاول أن يقيم علاقة بها وهو لاجئ إلى بيتها؟ علاقات قيس بالمتزوجات والفتيات في دمشق وبغداد خارج ذلك. لأنها هوى واختيار. سببها فتنة قيس وحب النساء الجارف له! الحدود واضحة لقيس بين النساء المحبات والمومسات. فكيف يختلط هنا النوعان؟ تحدث راجح عن الأسباب التي يخمّنها مع أنه لم يتبحر بعد في اللغة. تحدث عن العلاقة بين الرجل والمرأة التي أصبحت حقا علنيا لاخجل فيه ولو استمرت ليلة. عن أثر غياب الله على الضمير الإنساني، وغياب القضية التي يهبها الإنسان حياته فتنقّي روحه. عن جهل الجيل الحاضر تضحيات الجيل السابق الذي قدم له ماينعم به. وعن استرخاء الجيل القديم وتفككه بامتيازاته. وتساءل كيف يعيش الشباب هنا دون قضية ونحن نموت ونشقى في سبيلها؟ لكن قيسا لم يكن يستمع إليه. دوت شظايا الزجاج المكسور حتى أنهى قيس زجاجة النبيذ الأحمر. وفي اللحظة التالية شعر بحرية لاحدود لها، لايستوقفها رادع ولايكبحها عيب أو حرام. هل سيحزم معايير الحرام والعيب التي حملها معه من بلاده بقطعة قماش ويرميها في النهر؟ لن يضطر إلى البحث عن بيوت سرية كبيت الشعلان، أو بيوت علنية كالبيت العمومي في المزة! ومع ذلك سيجري على هواه. وسينغمس في العلاقات بالنساء. لن يكلفه ذلك غير ارتياد مطعم من المطاعم التي يكثر فيها الأجانب والغرباء. وأن يرسل مع النادل زجاجة خمر لفتاة تستهويه، أو أن يشتري وردة حمراء من المرأة التي تبيع الورد في المطعم، ويرسلها لمن اختارها. وسيسند علاقاته بالنساء بمذكرات الفنانين والكتاب الغربيين الذين اعترفوا بأنهم عاشوا في المواخير مع النساء فاكتشفوا قاع المجتمع وذراه، وشاهدوا عواطف الغضب واستمتعوا بالحنان. لكنه كشرقي سيثبّت، إلى ذلك، يقينه بأن العذرية مرتبطة بالشرف. وبأنه لن يتزوج إلا من عذراء. وسيزداد شوقه إلى ليلى العصية عليه كلما أبحر في علاقاته بالنساء. عاد قيس إلى كليته بقوة رجل حرّ. هل لاحظت كارمن ذلك فرفعت حاجبيها؟ خلال الغداء جلس إلى ماروتسيلا البوليفية. وفي المساء عبر الغابة مع الطلاب إلى حانة البلدة الصغيرة. كان نشوان بحريته وبالبيرة التشيكية التي صار فجأة مولعا بها. وغنى في طريق العودة وهم يعبرون الغابة "ع الروزنا"، الأغنية التي حفظها منذ كان طفلا، ثم غنتها فيروز. لم يكن صوته رخيما كصوت راجح، لكنه كان حلوا، شجيا. وكان القمر معلقا في السماء فوق أشجار الغابة. ولاصوت غير صوته في ذلك السكون الثلجي. غنت بعده فتاة تشيكية عن نهر البولتافا الذهبي ومياهه العميقة. أغنية حزينة كان يغنيها المقاومون أيام الاحتلال النازي. أغنية جميلة، أحبها قيس وحفظ بعض مقاطعها وغناها مع الشابة. فهل تصمد كارمن للسحر؟ وماالخطر في الحب هناك؟ رفع رأسه إلى القمر. ماأوسع بريقه في سماء الشتاء وصقيع الأرض! قرر أن يغوي كارمن قبل أن يصبح القمر بدرا. وحشد مهارته في الغناء وفي إنشاد رباعيات الخيام للبوليفية ماروتسيلا بترجمة فيتزجيرالد. فصارت تنشدها مثله، وأحبت الخيام كأنها داعية له. وكان قيس ينتظر أن تصادفه كارمن معها في حانة البلدة الصغيرة. رأتهما هناك. هل تخيلت أنهما سيعبران القمر والغابة وحيدين وأنها ستفقده؟ لم تكن تعرف أنه يريدها هي، شبيهة ليلى! يوم رأته كارمن في مقهى البلدة مع ماروتسيلا البوليفية وسمعتها تنشد شعر الخيام ألغت قرارها الامتناع عنه. ولكن أين؟ تقتسم غرفتها مع شابة هندية، وانفراد كارمن بالغرفة مستحيل الآن. والغرفة على طرف ممر، ملتصقة بالغرف الأخرى، تسمع منها الهمسة! مشيا إلى الغابة. تركا الدرب المعبد. وغرقت أقدامهما في الثلج حتى الركبة. كان القمر بدرا يطل على تلك الفسحة في الغابة ويلمع على الثلج! أسندها إلى شجرة. وسمع صرختها وسط ليل الغابة. شعر بزهو المنتصر؟ بعد أربعة عقود سيقول لأحد أصدقائه: ليس ذلك ممتعا! الممتع فقط أنك الرجل الأول الذي تهبه فتاة نفسها! عاد في تلك الليلة يحمل بقعة من دم كارمن على ثيابه. عاد سعيدا؟ على من انتصرت ياقيس؟ على كارمن المكسيكية التي أحبتك؟ على ليلى البعيدة؟ أم على النساء اللواتي يرفضن العلاقات السهلة؟ فزت بالممنوع على رجال الشرق في بلاد تقدس العذرية؟ ستضيّع ياقيس الأرقام يوم تحاول أن تعد من أخذتهن من النساء. ولن تفكر إلا متأخرا في أنهن هن أيضا أخذنك ، وأنهن أيضا استنفدنك. ستكون لديك حياة غنية إلى حد أنك ستتوه في الذكريات التي تحتشد حولك كما يتوه إنسان في غابة كثيفة. وستلمح متأخرا أنك كسبت أنواعا من النساء لكنك فقدت ماتمنيته: حبيبتك! كان يمكن ياقيس ألا تنثر روحك، وألا تبذر نفسك إلا على من يستحقها؟! لم تتذكر أنك من زهر بلدك! سيواجه قيس تلك الأسئلة يوم يبدأ قلقه على روحه المشروخة بين الليل والنهار، والقسوة والرحمة! اندفع قيس في علاقته بكارمن إلى مايجعلها كأية علاقة بين شاب وشابة يؤهلانها للانقطاع بالخصام والحب والغيرة. صارت كارمن تطلب من زميلتها الهندية أن تغيب عن الغرفة. وهناك كانا يخلطان في الحب الكلمات التشيكية بالإنكليزية، وكان ذلك ممتعا. ثم اتفقا على استعمال التشيكية فقط خلال الحب. في تلك الليلة كرّرت كارمن: "بومالو، بومالو" ببطء، ببطء، مرات كثيرة! في صباح اليوم التالي قرأت على اللوح عندما دخلت غرفة الصف كلمة "بومالو"، فالتفتت إلى قيس دهشة أو عاتبة، فردّ لها الدهشة نفسها. بعد الدرس سألته: هل بحت بذلك لصاحبك العراقي؟ لماذا أبوح له؟ لعل طالبا سمعهما إذن وهو يعبر الممر! في تلك الغرفة أهداها علبة بودرة، وطلب منها أن تمص سبابة قدمه. هي؟! من يظن نفسه؟ أميرا أم ملكا! رفضت. فرمى العلبة عليها وطارت البودرة ومرغتها. أضحكهما ذلك وتصالحا. كيف لم تنتبه إلى رغبته بالانتصار عليها فمصت سبابة قدمه فيما بعد وقالت: لها طعم الكاراميلا! صارت تنفذ مارفضته في تذوق ورغبة. كان يفسدها ويذلها أم كان يعلمها الهوى ويجب أن تشكره؟ تضيع الحدود إذا توهج الحب بين اثنين يمكن أن يكونا كحمامتين جميلتين كل مايفعلانه بريء فاتن، ويمكن أن يكون هو نفسه منكرا إذا غاب منه الوجد والوفاء. فهل كانت علاقته بكارمن من الحب الذي يعمّر ويظل نضرا؟ هل قرر أن يتزوجها؟ نسي أنها ستعود إلى بلدها ولامكان له هناك؟ ولماذا استبقى صورة ليلى في جيبه وعرضها على راجح: هذه حبيبتي! أعلن أن بول روبسون، المغني الأمريكي الذي انتزع له العالم الحق في السفر من حكومة، سيزور الكلية. فأقيم احتفال كبير دعي إليه الطلاب. في انتظار المغني المشهور عزفت الموسيقى. وقبلت كارمن دعوة شاب من بلدها فرقصت معه. بقي قيس واقفا يتفرج عليها، واستقبلها عندما رجعت بصفعة قوية. ذهلت، وانهارت على الأرض. أغلقت وجهها بكفها وبكت. فاحتضنتها المعلمة وابتعدت بها. في تلك الليلة فرضت المعلمة على قيس أن يعتذر لكارمن. ورافقته إليها. وأدهشه أنها قبلت اعتذارة. فتساءل هل تتصور نساء أمريكا اللاتينية أن الضرب جزء من علاقة الحب؟ قالت لـه كارمن بعد تلك الأمسية: أعتقد أني حامل. فرافقها إلى المستوصف لتعرف نتيجة التحليل. سيصبح أبا؟ ترنح قراره ألا يتزوج منها! في الطريق من المستوصف مال عليها أمام الكاميرا. فالتقطت لهما صورة شاب وفتاة أعلن لهما مستوصف أنهما سيكونان أبا وأما! وكم كانا جميلين في الصورة! لكنه ليلة الأحد تركها ليثبت لنفسه أنه مازال ثابتا على قراره. ستنهي دراستها المختصرة في مسرح الدمى وتعود إلى بلدها. ولامكان له هناك! اندفع إليها منذ لمحها في الصف لأنها تشبه ليلى، فهل يترك الأصل ويأخذ النسخة؟ هل نسيت كارمن أنه حدق في عينيها وقال لها مرة: أكرهك لأن عينيك تشبهان عيني حبيبتي! في ليلة الأحد مشى إلى الملهى، وأكد لنفسه أنه حر وسيلتقي بليلى! وصلت أم كارمن في أبهة حفيدة رئيس جمهورية. طلبت قيسا إلى الفندق الذي تنزل فيه. رأى أمامه امرأة جميلة أنيقة ومتكبرة. قالت له: اسمع، لن تهاجر كارمن، لأنها من سلالة رئيس جمهورية عظيم. مكانها في المكسيك. يمكنك أن تأتي معها وسنجد لك عملا. سألها: من سأكون أمام الناس في المكسيك؟ زوج كارمن؟! تتذكر الآن ذلك، أيها السيد؟ يفكر الرجل المتزن بمكانه قبل أن يقرر علاقة بشابة تحمل منه! من قاد كارمن إلى المستوصف لتجهض؟ قيس أم أمها؟ كانت حفيدة رئيس جمهورية عظيم لكنها بكت على ابنتها التي فقدت أول أطفالها. كانت كارمن في العمر الذي يولد لها فيه طفل جميل وصحيح يفرح به أبواه الشابان. حفيدة رئيس الجمهورية مؤهلة لأن تكون جدة، ولكن هل قيس مؤهل لأن يكون أبا؟ لايبدو عليه ذلك! ياللأحمق! في المستوصف بحثت لابنتها بخيالها عن زوج مناسب، ووجدته. سيكون أكبر رسام في بلادها! بعد سنوات سيكتب قيس رسالة إلى ليلى عن أشواقه وأمنيته في أن يراها. وسيعترف لها بأنه صادق فتاة تشبهها: "تركتها هائمة تمشي على الأرض". وستردّ عليه ليلى بجملتين قصيرتين: يعذب الأنذال فقط امرأة تحبهم! ويزهو الأنذال فقط بانتصارهم عليها! كان الفراق بين كارمن وقيس في نهاية السنة الدراسية. انتهت أيام الكلية المدثرة بالغابات بعيدا عن الناس! ترك قيس الغابة ومدرسة اللغة، ركب القطار إلى براغ ونزل في بيت صديقه راجح. واستدعاه عرفان: هاأنت أنهيت دراسة اللغة وتفوقت فيها. وهذا جيد. رشحناك لتشتغل في الإذاعة. رد: لكني سجلت نفسي في الجامعة! قاطعه عرفان: نفذ القرار! قال قيس: اعطني مهلة أفكر فيها! خذ مهلة أسبوع، لكن اعرف أن القرار لن يتغير! شاور قيس صديقه في هدوء. نصحه: ادرس فالاختصاص يؤمن لك مهنة! ثانيا، قطع المنحة صعب، بينما يمكن أن يقطع عملك بأمر! واسى قيس نفسه عندما نقل إلى فندق من فنادق الدرجة الاولى، ثم رأى مكتبه في الإذاعة: عمل قليل بأجر ممتاز. لن يمنعني من الدراسة! لكنه لم ينتسب إلى الجامعة. بل انصرف إلى دراسة اللغة واكتشف أدبا لايعرفه. من تلك الاكتشافات ابتكر برنامجا إذاعيا يعرّف المستمعين بالأدب التشيكي. ولكن هل يستطيع صوت هذه الإذاعة أن يصل إلى من يوجّه إليهم؟ لم يظهر قيس الغيرة على صداقة العاملين العرب معه، لأنهم بدوا له مجموعة معقدة. لكنه كسب صداقة العاملين التشيك والأجانب. وكانت لكل منهم قصة أو أسطورة. فقال قيس هذا البناء ملجأ سياسي رفيع يبين أن العالم في أمان! استمع مفتوح القلب إلى تلك الأساطير. هؤلاء رجال حاربوا في حروب وطنية في بلادهم، ينادون بلغاتهم بلادا آملين أن تسمعهم. يستضيفون شعراء وكتابا ومغنين. هنا سينحني قيس لمغنية جميلة مشهورة وسيقدم لها وردا أحمر وستدعوه إلى بيتها. لكنه عندما سيطلب منها أن تكون له فقط ستجعل ذلك اللقاء آخر لقاء بينهما. وهنا سيتعرف إلى شاعرة سيتصور عندما يعانقها أنه يعانق ليلى في الخمسين من العمر. وهنا سيعرف شابة ذات بشرة عاجية ستنتحر عندما يهجرها! ابتكر قيس برنامجا يقدّم الأدب التشيكي للقارئ العربي. وتراكمت لديه مجموعة من القصص والقصائد التي ترجمها ولم يخطر له أن يرسلها إلى دار نشر تطبعها. في أول أيار أراد أن يصوغ ريبورتاجا عن الاحتفال بعيد العمال، يتداخل فيه الأدب بالشهادات القديمة والحديثة. تجول في الشوارع وشعر بجوّ العيد. قال لنفسه تستطيع أية دولة أن تخترع عيدا فتفرح الناس بالعطلة والزينة. لكن العيد الحقيقي لايأتي إلا بتربيته في الروح والعادات وايمان الناس به! لابد أن يتصل العيد بمفهوم العمل والراحة! وهاهو يرى عيدا حقيقيا يحمل فيه الآباء أولادهم على أكتافهم ويمشون في العرض، ويرى شابات يرفعن الزهور ويحيين بها. ملابس الناس زاهية احتفالا بالعيد. فهل كان اولئك العمال الأمريكيون يتصورون أن مقتلهم سيؤرخ يوما عالميا للشعوب؟! شعر بنشوة: يجتمع أهل الأرض من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب في هذا العيد. جلس في المقهى ليكتب مارآه كمشاهد يتفرج على عيد للعمال في بلد اشتراكي. عندما رفع رأسه عن أوراقه رأى شابة تشبه ليلى تنظر إليه. هل تتراءى له ليلى في كل شابة هيفاء؟ حدق فيها. ياللشبه! وفي عمر ليلى! خدا ليلى أكثر عرضا! العينان؟ عينا ليلى أحلى! مدّ رأسه وتفرج على ساقيها. ساقاها بين القدم وبين الركبة كساقي ليلى! ابتسمت الشابة له. انتبه عندئذ إلى السيدة التي تجلس معها. يبدو أنها أمها. هزت الأم له رأسها: تكتب من اليمين إلى اليسار؟ باللغة العربية؟ ماذا تكتب؟ من أنت؟ ماذا تشتغل؟ مااسمك؟ عرفت ايرينا وأمها كل شيء عن قيس منذ اليوم الأول، وعرف فقط أن ايرينا طالبة في الجامعة. أعجبه أنهما التقيا في مقهى في النهار، في احتفال الأول من أيار، وأنها مع أمها. بدت من أسرة متزنة. دعته أمها إلى زيارتهما وقبل الدعوة. في اللقاء التالي تغدى معهما. رأى صورة رجل على طاولة صغيرة. هذا أبوها. توفي منذ سنوات. كان مهندسا. نعم، ايرينا وحيدة! سيقول قيس فيما بعد: كانت تلك المعلومات النصف الباهت من الحقيقة! لم يشكّ في أن ايرينا أحبته. لم تقبل أن ترافقه إلى النوادي الليلي، لكنها رافقته إلى المقاهي والمطاعم والغابات واحتفالات الطلاب. كان سعيدا بها، وخيل إليه أن ليلى معه، وهبته أخيرا جسمها وروحها. اشترطت ايرينا إذن أمها كي تسافر معه إلى ضاحية تبعد ساعتين بالقطار تمضي فيها ليلة واحدة في احتفال الطلاب العرب. ونزلت معه في الغرفة نفسها. في تلك الأيام كان قيس يتحدث عن ليلى لزملائه، ويخرج من محفظته صورتها لهم، فيثقون مثله بأنه سيلتقي بها وسيتزوجها. ماتزال ليلى هواه، ومايزال ينتظرها! بين النساء يحادث ليلى بينه وبين نفسه، يقدّمهن إليها ويصوغ اعتذاره: "كان ذلك وأنا أبحث عنك.. وأنا غاضب منك.. وأنا أنتقم منك". وكان ذلك جزءا من حوار سيمتد بينه وبين ليلى عقودا من الزمن. وكنّ أحيانا حشوا يملأ فراغات الفراق بينه وبين ليلى، وهو ينوس بين يقينه بأنه سيلتقي بها بعد سنوات، وبين ايمانه بأنه لابد أن يلتقي بها بعد عقود. ويثبّت يقينه بشراء الهدايا لها. فكلما اختار لفتاة هدية انتقى لليلى هدية أغلى منها ورتبها في خزانته، واحدة فوق أخرى. في الظاهر رافق ايرينا كما يرافق أبناء بلده النساء. وزارته في فندقه. فكانت تركب المصعد كأنها ذاهبة إلى المطعم، لكنها تنزل في طابق آخر وتنعطف إلى غرفته. كان يتفادى العلاقة الطويلة كيلا يقع في الزواج من غير ليلى. فلاحظ أنه لم يستبدل ايرينا منذ ثلاثة أشهر. وأقلقه ذلك. رافقته ايرينا إلى احتفال الطلاب العرب في الضاحية. كانت فرحة بملابسها الأنيقة، وبأنها تجيد الرقص. طلبها أحد الطلاب ونهضت معه إلى ساحة الرقص. ظلت تنظر إلى قيس كأنها تريد أن تبهره برشاقتها. وعندما رجعت إلى مقعدها طلب منها قيس أن يصعدا إلى غرفتهما فظنت أنه يريد أن يعبر لها عن فيض من الحب يخشى أن يظهره وسط الجمع. صعدت معه سعيدة. أغلق الباب وصفعها صفعة واحدة قوية أذهلتها. لكنها لم تبك مثل كارمن. نظرت إليه بملء عينيها وسألته: لماذا؟ كان يتمنى أن تبكي ليعانقها طالبا العفو. لكنها بقيت واقفة مقابله: لماذا؟ لايذكر قيس كيف انقلب الغضب والعتب إلى عناق. بعد عودتهما إلى براغ تجاهلت ايرينا ماحدث في الضاحية. وعاش معها أياما سعيدة، حتى تساءل: هل سألتقي بليلى حقا، أم ذلك وهم يبدو كاليقين؟ من يجمعني بها، وأية أرض يمكن أن تجمعنا؟ وفهم أنه يخفي عن نفسه سؤاله: لماذا لاأتزوج من ايرينا؟ سهر معها في مطعم الفندق. فسهل عليها التسلل إلى غرفته. مشيا في الممر كحبيبين. كان قد شرب زجاجة خمر فرنسي، وكان نشوان سعيدا. أعجبه أن ايرينا تشاركه في الشراب لكنها لاتكثر منه فتقف على حدود الصحو. بدت عذبة، وكان التوافق بينهما مدهشا وكأنهما لم يعرفا من قبل مثله. كم بدت سعيدة به، فهل أكثرَ من الحب في تلك الليلة حتى كاد يفقدها الوعي؟ لم تكن صاحية وقت هتفت في نشوة: لو تعرف ياحبيبي ماحدث اليوم! أمسكوا أيخمان! لدغته مئات العقارب، فصحا. نظر إليها من شق لايكاد يلاحظ في جفنيه. كانت نشوى، مغمضة العينين، كالغائبة عن الوعي. سألها: وأنتِ، ماعلاقتك بذلك؟ أنتِ يهودية؟ أفاقت، وفهمت أن لسانها زلّ من النشوة! تركها مستلقية، وسألها كمحقق هادئ: أنتِ يهودية؟ لابد من الاعتراف بما أخفته! نعم، أبوها يهودي من الأغنياء. وأمها يهودية. أخواها: ضابط في سلاح الهندسة في إسرائيل، وضابط في سلاح الجو الإسرائيلي. التبس عليها هدوؤه. سألها: ولماذا لم تقولي ذلك طوال الثلاثة الأشهر؟ خفت أن أفقدك! سألها: وتريدين أن نتزوج؟ لم لا، ياحبيبي؟ أي مستنقع تريد أن تجرّه إليه! يتزوج امرأة أخواها في جيش الاحتلال الإسرائيلي؟! ألن يكون المجال واسعا لابتزازه؟ تذكر خروجه من فلسطين إلى لبنان، وزحفه بين الشوك، وتسلله إلى صفورية مع المهربين، وبيته المنسوف، وكلبه الذي رفض أن يعبر النهر في العودة. تذكر البرد والفقر وخيام اللاجئين. تذكر دير ياسين المذبوحة والقرى المحروقة والآبار التي رميت فيها جثث العرب. وقف وبال على ايرينا من رأسها إلى قدمها. وقال: الآن اخرجي! رجته: دعني أغتسل! أبدا! اخرجي هكذا! هل سمح المستوطنون اليهود لأهل بلاده بأن يحملوا ولو قشة من بيوتهم عندما طردوهم من فلسطين؟! بقي أياما غاضبا على نفسه. ياأحمق كيف لم تشك في اسم ايرينا؟ لماذا لم تنتبه إلى غنى أسرتها؟ لماذا لم تنتبه إلى ثيابها الأنيقة في حفلة الطلاب، وقولها لزميلتها: ليست من هنا! تصورتَ أنها لاتريد أن تبوح بالمخزن الذي اشترتها منه! أحمق! بعد أيام رآها تتوقف مقابل المقهى الذي يجلس فيه. وقفت دقائق ثم انصرفت. يمرّ طريقها إلى البيت بالمقهى. ظلت تتوقف كلما عبرته. ثم خابرته: دعني أكون عشيقتك! مستحيل! مستحيل! بعد أسبوع اكتشف كيف يلفّ الحبل على رقبته. استدعي إلى المحكمة! التهمة؟ اعتداء على قاصر! من هي؟ رأى شابة يهودية، جارة ايرينا، تقدم للمحكمة ملابس ممزقة! ورأى ايرينا في القاعة. قدمت نفسها شاهدة. قال لنفسه عندما رآها: إذا روت مافعلته بها في الليلة الأخيرة انتهيت! لكن ايرينا وقفت في المحكمة وقالت: كنت صديقته! قيس رقيق ومهذب في علاقته، إنساني لايسيء إلى المرأة. تراجعت الفتاة التي اتهمته، وقالت إن ذلك حدث في الغابة في الليل وقد لايكون هو المعتدي! بعد المحاكمة مرت ايرينا بقيس الجالس في المقهى. كانت ملوّحة الوجه من الشمس، بثوب صيفي مكشوف الأكتاف والصدر. كانت عائدة من الجزيرة التي دلّته إليها على بعد ثلث ساعة من براغ، خضراء هادئة، فيها أقرباء ايرينا. كانا يزورانهم ويأكلان في المطعم الصغير هناك، وقد يحضران زوادتهما معهما ويجلسان قرب الماء، ويظلان هناك حتى المساء. قالت له ايرينا: ألا توصلني إلى البيت؟ نهض ومشى معها. في طريقهما غابة صغيرة وسط براغ. توقفت. جلسا على مقعد. ثم وقفت وقالت له: أريدك! خلعت ثوبها ورمته على الأرض واستلقت عليه. أقبل عليها. لم يذق متعة معها مثل المتعة في ذلك اليوم. قال لها: إذا هاجرتِ إلى إسرائيل ستكونين مجندة. وسأكون في الجهة الأخرى أدافع عن بلدي. فهل ستحاربينني؟ ردّت: سأستسلم لك! ورفعت ذراعيها. أعجبه الجواب. لكنه قال: لن يحكمك وقتذاك الحب بل أوامر الجيش! أراد أن يسألها من صاغ تلك التهمة ليدفعك إلي مرة أخرى؟ لكنه كان حذرا. واعترف لنفسه بأنه لقيها كي يتفادى فضيحة قد ترتب له. وسأل نفسه كيف أتخلص منها، قبل أن يذهب معها إلى الجزيرة التي تعودا أن يتنزها فيها. وكان أحمق مرة أخرى. قال لها: مابيننا بقية هوى يناسب أن نكرّمه بوداع لائق! لاأستطيع أن أستمر في علاقتي بك لأن زملائي عرفوا أنك يهودية وقد تصبحين إسرائيلية. وأخشى أن يقتلوك. لكني سأحفظ دائما موقفك النبيل في المحكمة. هل أقنعها بغبائه؟ أم بيّن لها أن الحقائق المكشوفة لم تعد تناسب مشروع الزواج؟ مع ذلك سيدفعه تقصي الحقيقة إلى المرور ببيتها قبل عودته إلى بلده بعد سنوات. سيجد نوافذ البيت مغلقة. وسيخطر له أن يرمي زهرة أمام حب قديم! وسيسأل المرأة التي ظهرت في البيت المقابل عن ايرينا وأمها. وستقول له: هاجرت ايرينا إلى إسرائيل. كتبت لنا أنها في مستوطنة قرب طبرية! عندما سيصل قيس إلى بلده سيقول: ايرينا المستوطِنة التشيكية في طبرية على بعد خطوات مني. وأنا الفلسطيني لاأستطيع أن أقيم في مدينتي المنسوفة في فلسطين! في تلك الأيام كان حاتم زميل ليلى في جامعة موسكو يحب فتاة جميلة أنيقة، لاترمي نفسها في ليالي الأحد على الشباب. أعجبته. لكنه اكتشف ببساطة أنها يهودية يوم سألها: من أين ثيابك الأنيقة؟ ردت: من أهلي في إسرائيل. سألها: لك أهل هناك؟ قالت: هاجروا من روسيا إلى حيفا. سألها: أيمكن أن تذهبي إلى إسرائيل؟ قالت: سأذهب وقت يسمح لي بالهجرة! لكنك عشتِ هنا! صحيح، لكن وطني هناك! وطنكِ؟ لاتعرفينه! رباكِ الاتحاد السوفييتي وعلمك! صحيح، لكني ولدتُ بالصدفة في الاتحاد السوفييتي! وتعلمتُ فيه بالصدفة! إذا ذهبتِ إلى اسرائيل ستصبحين مجندة؟! نعم، سأكون مجندة! وأنا سأكون في أحد حروب إسرائيل علينا من المدافعين عن بلدي، وستكونين مقابلي في الجهة الأخرى، فهل ستحاربينني؟ نعم، سأحاربك! كانت تلك الفتاة أنيقة، رقيقة، مهذبة. سألته ليلى عندما روى لها ذلك: أحبتك ياحاتم؟ ردّ: أحبت إسرائيل! بدأ قيس بعد فراقه عن ايرينا ينقّب عن علاقة إسرائيل بفلسطين. ويبحث عن معلومات عن أيخمن. طلب إذنا من المكتبة كي يصل إلى وثائق المؤتمرات الصهيونية. هاهي الأسس الفكرية التي سندت استيطان فلسطين! هاهي العنصرية التي تصوّر لليهود الحق في سحب الأرض من شعب عربي واحتلالها باسم وعد من الرب! انتقل إلى وثائق أخرى. وفهم أن لمس علاقة الصهيونية بالنازية ممنوع. انتبه إليه في المكتبة كهل تحادث معه في مقصف المكتبة، وحذّره همسا من الحديث عن مشروعه. وبعد أيام وعده بأن يطلعه على وثائق مخبأة لديه، منها بطاقات التموين التي قدمها النازيون خلال الحرب العالمية لقادة صهيونيين. بدا لقيس هول أن توهب لليهود دولة في فلسطين تكفيرا عن اضطهادهم في اوروبا أيام النازية. قال: ياللكذبة التي دفع العرب ثمنها! فالمنظمة الصهيونية كانت على علاقة بالنازيين. كان ليفي أشكول يشارك في مكتب فلسطين في برلين، في الوقت الذي توجد فيه معسكرات اعتقال لليهود. كان أيخمان يحتقر اليهود المندمجين، ويحترم الصهيونيين! كان للهاغاناه وكلاء في اوربا تعاونوا مع فرق إس إس النازية لتهريب اليهود إلى فلسطين. وكان كستنر، عضو الماباي، يشرف على أعمال الوكالة اليهودية في المجر. والتقى بايخمان لترحيل بضعة آلاف من اليهود إلى فلسطين شرط الهدوء والنظام في معسكرات الاعتقال التي نقل منها آلاف إلى اوشفيتز. وعد كستنر اولئك المرحّلين إلى المعسكر بأنهم سيكونون آمنين وسيعملون في معامل ألمانيا في ظروف طبيعية! اهتمت الصهيونية بالشباب والأغنياء فقط. وسلّم كستنر للغستابو اليهودية الانكليزية آنا سنتش التي نزلت بالمظلة في يوغسلافيا ووصلت إلى بودابست. حوكم كستنر فيما بعد في تل أبيب في سنة 1953 ووجه إليه تأنيب ثم برئ. ثم اغتيل في الشارع. في أيار سنة 1944 اجتمع ايخمان ببراند زعيم صهيونيّي المجر. وعقد معه صفقة: لقاء عشرة آلاف سيارة شحن تسلّم للجبهة الشرقية يمكن أن يطلق الألمان دفعة جديدة من اليهود إلى فلسطين. هذا هو أيخمن الذي احتفت ايرينا بخطفه ونقله إلى إسرائيل! لم تفهم ايرينا الحمقاء أن أيخمن خُطف كي تدفن تلك الحقائق! غاب الكهل الذي التقى به قيس في المكتبة. سأل عنه فقيل له: أنهى الدراسة التي يكتبها. لكن النادل في مقصف المكتبة قال له همسا: وجد مشنوقا في غرفته. قيل إنه انتحر! في تلك الأيام وصلت مديحة إلى براغ لتمدد جواز سفرها قبل الرحيل إلى موسكو. وكلّف باستقبالها شاب من منظمة الطلاب. في المساء قصدها في الفندق. واقترح أن يرافقها إلى الساحة التي ينتظر فيها المتفرجون خروج القديسين من الساعة مع دقاتها. ثم جلسا في مقهى. قالت له: أنتم محظوظون بمدينة فيها مرتفعات. برلين مستوية. فرد مازحا: محظوظون أيضا بشاب اسمه قيس ألقى قصائد جميلة في لقاء عربي. استمعت إليه وتمنيت أن أكون مثله، فأعيد حكاية قيس ابن الصحراء القديمة! دهشت: قيس هنا؟ كم الدنيا صغيرة! تعرفينه؟ أعرفه! كانت مديحة قد تحررت من الأسرار التي تفرض التكتم وتستطيع أن تلتقي بقيس. قالت للشاب: بلّغه بأني أستطيع أن أنقل له رسالة أو هدية، وسيعرف لمن! نهضا ليوصلها إلى فندقها. عبرا الغابة التي التقى فيها قيس بايرينا في آخر أيامهما. توقف الشاب في تلك الغابة التي تقع وسط براغ واقترح أن يجلسا قليلا. جلست مديحة مقابل النهر وجلس الشاب قربها. تحادثت ليلى بنصف روحها مع النهر الذي تنعكس فيه الأنوار، وبالنصف الآخر مع الشاب الجالس قربها. التفت الشاب فجأة إلى مديحة وعانقها. جفلت وهبّت واقفة: أعتبر أنك أخطأتَ في الشخص، ولم تقصدني بهذا التكريم! يجب أن أعود إلى الفندق! لم يعترض. انسابا صامتين. هل كان يبحث عن ليلاه في محطة قطار بين مدينة ومدينة؟ أم تمنى أن يحكي مثل قيس عن حبيبة سيلتقي بها ذات يوم؟ في محطة ترامواي رفعت يدها مودعة دون أن تنظر إليه. كانت غاضبة. هل الشابة الوحيدة مستباحة حتى هنا، وحتى لدى هؤلاء! كانت قد سجلت لنفسها أنها مستقلة ذات إرادة وقرار مع أن ذلك لم يمنع عنها الحزن والبكاء. وهاهو هذا الشاب يرى المرأة للحب أو التسلية فقط! لن يعرف قيس أنها جلست في الغابة نفسها وربما على المقعد نفسه الذي جلس عليه آخر مرة مع ايرينا. وأن كلا منهما عبره في زمن يختلف عن زمن الآخر. ستقول لليلى وعمر وغادة يوم سيلتقون في زيارتهم الأخيرة إلى قيس: ركبنا الطائرات نفسها، ونزلنا في المدن نفسها، في أزمنة مختلفة! كأن الزمن قرر لنا متى نفترق ومتى نجتمع! عادت مديحة إلى برلين دون أن ترى قيسا. وأرضاها ذلك. فهل يصدّقها لو ادعت أنها آتية من لبنان في طريقها إلى موسكو؟ وهل لديها الوقت لحمل عبء أشواقه، وهل تقبلها منها ليلى؟ لكن رسالته، التي كتبها قرب الفجر في تلك الليلة، وصلت بالبريد إلى ليلى. وبقيت على طاولة الطابق الذي تسكن فيه في الجامعة أياما حتى أخذتها مارغريت لتحفظها عندها ريثما تعود ليلى من دمشق. هل كان قيس مزهوا بأنه هجر ايرينا وثبّت أنه سينتظر أن يحقق حلمه باللقاء بليلى؟ كان هجر ايرينا فرصة له للعلاقة بنساء أخريات. بعد انفصاله عن ايرينا انتقل إلى فندق جديد. ورسّخ ذلك فراقهما. استسلم قيس للدلال الذي يخصّ به الأجانب في براغ. تقدّم مؤسسة الإذاعة باللغات الأجنبية للمتزوجين شققا خاصة مفروشة، وللعزاب غرفا في فنادق الدرجة الأولى. لكن النظام لايسمح له بأن يبقى في الفندق نفسه أكثر من ستة أشهر متواصلة. فهل يضايقه أن يجوب فنادق الدرجة الأولى في مدينة عريقة جميلة؟! لماذا يدلّل الأجانب؟ لأن مواطني الدول الغربية الذين أتوا للعمل في براغ أشخاص خرقوا نظام بلادهم، ولم يغشهم بريق الرأسمالية! ولأنهم أيضا من عالم متقدم مبهر ومع ذلك قصدوا البلاد الاشتراكية! أما أبناء العالم الثالث فقادمون من بلاد تغصّ بالأحزان. مطاردون في بلادهم. لاجئون سياسيون رشحتهم أحزابهم للعمل أو للدراسة في البلاد الاشتراكية، كي تنقذهم من السجن أو الاعدام أو القتل. أوفدتهم كي يتسع أفقهم في عالم مثقف مختلف عن العالم المغلق الذي أتوا منه، وليكونوا مؤهلين لقيادة أوطانهم. فالمنتظر أن يكون لاجئ اليوم قائدا غدا. فليتعلموا في المعاهد وفي الحياة! وليؤسس "كادر" سياسي وفني وعلمي برؤية جديدة، وليكسب مهارات رفيعة لاتوفرها البلاد الغربية! الثقافة والعلم دون ثمن في البلاد الاشتراكية! وهاهم وسط الحقيقة الجديدة في العالم: تكفي رغبتك فقط كي تتعلم لغة، أو تختص! بمال قليل تصبح لديك مكتبة غنية! أسرع لتسجل اسمك في قائمة من يحجز المنشورات الجديدة! من مخازن الكتب القديمة يمكنك أن تصيد كتبا نادرة يُمنع إخراجها من البلاد، لكنك حتى الوقت الموعود ستدبر الطريقة للهرب بها! إذا أردت أن تطرز بيتك بالحضارة، اقصد مخازن التحف القديمة. فيها لوحات أصلية ونسخ قيّمة عن الأصلية ستهربها لك الوفود السياسية والنقابية. إذا أردت أمّنت لك مؤسستك بطاقات المسرح في الصفوف الاولى لتشاهد الباليه أو المسرحيات المحلية والعالمية والرقص الشعبي، ولتستمع إلى الموسيقى. قرر ماتريد! هل تختار الجولات في مخازن الثياب والأقمشة والتحف، أم تختار الثقافة؟ هل تختار اللؤلؤ والألماس والغروناد والفراء، أم المسارح والموسيقى والكتب؟ الدول الاشتراكية هي "الغرب" لمواطني بلاد العالم الثالث مع أنها الشرق! "غرب" يحترمهم، يدلّلهم، يسندهم، ويقدّم لهم ثقافة وحضارة لايستطيعون أن يشتروا مثلها من "الغرب" الآخر. وكل ذلك دون ثمن! كل ذلك وهم يعيشون في البلاد الاشتراكية أفضل مما يعيش أهلها، ويتناولون رواتب تفوق بمرات رواتب أهلها، مؤمنين بأن ذلك حقهم دون أن يتساءلوا لماذا! لم يخطر لأبناء العالم الثالث الذين استمتعوا بالمال الذي يبقى منه الكثير لديهم بالرغم من ارتيادهم المطاعم والمقاهي، ومن رحلاتهم في الصيف والشتاء إلى بيوت الراحة، لم يخطر لهم أنهم قد يفقدون البلاد الاشتراكية! وأنهم عندئذ سيدركون أنهم لم يفيدوا منها، كمنظمات وأفراد وربما كدول أيضا! أقام قيس بعد انفصاله عن ايرينا في فندق كاسكادا. جلس في بهو الطابق الذي يسكن فيه. وعلى مقاعد أخرى كانت تجلس شابتان. خمّن أنهما أجنبيتان. أعجبته إحداهما. كانت شقراء لطيفة الملامح، رشيقة. وبدت له، أيضا، شبيهة بليلى. فجميع الغربيات الرشيقات يشبهنها، باللون والقامة! تأملها، وزنها، قاسها قبل أن يتخذ قراره. نهضت الفتاة. نسيت منديلها على المقعد، ومشت مع صديقتها إلى غرفتها، فعرف قيس أن غرفتها في آخر الممر. قال لنفسه: فرصة! ستعود لتبحث عن منديلها وعندئذ سأتحدث معها! تناول المنديل وانتظر عودتها. لم تعد! نسيته إذن! لابأس، ماتزال الفرصة في يده. مشى إلى الغرفة الأخيرة في الممر وطرق الباب. فتحته له الشابة. قال لها: هل فقدتِ شيئا؟ قالت بجد: لا! ردّ: بل نسيت شيئا! أجابته: بل لم أنس شيئا! قال: هل أعتبر مانسيته هدية منك لي، مهما كان ثمينا؟ جفلت. عندئذ أظهر المنديل الذي كان يخفيه خلف ظهره. ابتسمت وشكرته، انصرف وأغلقت الباب. خمّن أنها ستسهر في النادي الليلي في الفندق، فنزل إليه. كانت الشابتان تجلسان، كما توقع، إلى طاولة هناك. فجلس إلى طاولة مقابلهما. أتت بائعة الورد. تعرفه، طبعا! حيّته وسألته: وحدك؟ أشار إلى طاولة الفتاتين. ففهمت الإشارة. يريد وردتين لهما. دهشتا؟ ممن؟ أشارت بائعة الورد إليه! ابتسمت الشابة. من لايبتسم لمن يرسل له وردة حمراء! أتى النادل. يعرفه، طبعا! ماذا يريد؟ زجاجة نبيذ فرنسي فاخر للشابتين الجالستين إلى تلك الطاولة! دهشت الشابتان: لم نطلب زجاجة نبيذ! طلبنا قدحين هاهما لدينا! وضع النادل الزجاجة على الطاولة وأشار إلى من أرسلها. شكرتاه بهزة من الرأس. احمرت الشابة المقصودة؟ ربما! أشار قيس إلى الاوركسترا وأرسل مع النادل مالا يوضع عادة في أنبوب المزمار. فعزفت لـه الاوركسترا اللحن الشائع في تلك الأيام: "مصطفى يامصطفى، وأنا بحبك يامصطفى".. نهض وطلب الشابة للرقص. لم يكن ذلك رقصا. كان عناقا. شعرت الفتاة بحرارته وفهمت رغبته. وفهمتها الاوركسترا أيضا فأطالت عزف اللحن. طلب من الفتاة أن تأتي إليه، ودلّها إلى غرفته. وعاد كل منهما إلى طاولته. لم يطلبها للرقصة التالية. بل جلس يستمتع بوجوده معها في ليل النادي الليلي المرقش ببعض الأنوار. وأرسل زجاجة خمر أخرى إلى طاولتها. انتظرها في غرفته بعد السهرة. وأتت في الساعة الثالثة صباحا وبقيت عنده حتى السادسة. وظلت تأتيه في الموعد نفسه تقريبا في الليالي التالية، حتى موعد سفرها. فيما بعد، في المدن الأخرى، ذاق قيس مثل تلك العلاقة التي تعيش أيام إقامة السائحة، وتنتهي بسفرها، وقد تكون من ذيولها بطاقة بريدية أو رسالة. لكنه لن يجيب أبدا على رسائل الغريبات. نزلت ليلى في فندق كاسكادا في طريقها إلى موسكو بعد عطلة في دمشق. قدرت أن غيابها صعب على منور، وتبينت قلقها من آخر اتصال بالتلفون بينهما. فسافرت إلى دمشق، وأقامت فيها أسبوعا فقط أمضته بين نفيسة ومنور وسعاد. التقت فيه بابن خالتها "بريانتين" الذي بدا حريصا على اللقاء بها طوال الأسبوع، فقالت له مداعبة: من يدعي بأن النساء مقهورات في بلادنا؟! انظر إلى نساء عائلتنا! أمسكن بي ولم يتحن لي أن أزور غادة إلا مرة واحدة! أتركهن أمانة لديك، فخذ مكاني! ومثلت أنها تخلع من يديها القيود وتقدمها له. رفضت ليلى أن ترافقها منور إلى المطار: لم يودعني أحد في مطار موسكو فلماذا أجرك معي إلى مطار دمشق؟! اختصرت الوداع؟ فوجئت بزياد في المطار. رفعت حاجبيها وفتحت عينيها فقال لها: لم أقطع الطريق من دمشق إلى المزّة لأودعك، بل مشيت خطوات فقط من المطار العسكري إلى المطار المدني! كنت أتمنى أن أقود طائرتك بنفسي لأوصلك إلى موسكو، لكن لدي تدريب! آه، يا"بريانتين" كم صار دمك خفيفا، وكنتَ جديا لاتبتسم للرغيف الساخن! بل كنتُ، لكن سمائي كانت صغيرة عليك فلم تلاحظني عيناك! استمتعت ليلى بالجلوس في مقهى المطار بينما ركضت محفظتها وجواز سفرها حتى دعاها زياد لتركب الطائرة كالضيوف الكبار. نزلت في براغ لتنام فيها ليلة حتى موعد الطائرة إلى موسكو. ولم تضيع وقتها. اختارت غرفة في فندق كاسكادا، وضعت محفظتها فيها وأسرعت لتتجول في براغ القديمة. تفرجت كالزوار على الساعة المشهورة وانتظرت خروج القديسين منها، واستمتعت بالفرجة على النهر والغابات، ووصلت إلى مطعم علقت على بابه فوانيس قديمة، جلست فيه على مقاعد من الخشب غير مريحة لكنها جميلة وعتيقة، وتغدت فيه. وهكذا مشت وركبت الترام واستمتعت بالمدينة ولم تستخدم التاكسي، مستعينة بخريطة باللغة الإنكليزية. وبدت لها موسكو عندئذ متجهمة إذا قيست ببراغ الاوروبية. في الليل جلست في مطعم فندق كاسكادا لتتعشى، وقت كان قيس يلبس ثيابه لينزل إلى النادي الليلي في الفندق نفسه. أنهت عشاءها ونامت قبل أن يرسل الورود الحمراء والنبيذ للشابة الأجنبية. كانت الطاولة التي قصدت ليلى أن تجلس إليها منعزلة عن المطعم لكنها تطل عليه. كأنها مُعدة للضيوف السريين، يمكن أن تُعزل عن بقية المطعم بستارة حمراء ثقيلة. طلبت ليلى حساء السلاحف واسكالوب مع البطاطا المقلية وعصير البرتقال. وراقبت خلال العشاء شابات كثيفات الزينة. لايخطئ من يراهن في أنهن أتين لصيد الرجال. تقيّد المراقبة تلك العلاقات بالأجانب في فنادق موسكو فهل تباح هنا بتليين المراقب أم بالاحتيال؟ كأن ليلى استكملت فرجة النهار بالشابات اللواتي اخترن طاولة، وتبادلن النظر والابتسام وهزات الرأس مع رجال يجلسون إلى طاولة أخرى. نهضت إحداهن إليهم ثم عادت لتهمس لصديقاتها. ثم انصرف الجميع. تأملت ليلى ألوانهن، وبهجتهن، والبساطة التي تُقبل بها العلاقة بالرجل دون لهفة ودون وجع. ماذا تتأملين ياليلى؟ لاتحتاج العلاقات في الغرب إلى مقدمات طويلة، ولايستلزم الفراق سنوات من الصبر. دقائق الحياة ثمينة. الحياة تعاش، وحقوق الجسد واسعة. الحب العذري ممكن في الصحراء التي لاتتمايز فيها الأيام، ويوهم فيها حساب الزمن بالنجوم بأن عمر الإنسان كعمر الكواكب. هناك يسجل تاريخ الميلاد بأحداث كبرى: بسنة الثلج، وسنة المحل، وسنة الحرب، وسنة الحرية، وسنة الدستور.. فيوهم الإنسان بأنه ممتد كالظواهر التاريخية والطبيعية. أما الغرب فيؤرخ بالسنوات والأيام والدقائق. يقيس ساعات العمل ويفاوض على ساعات الراحة. يزن قطعة اللحم وقطعة الزبدة، يبرمج العمل اليومي وشهر الراحة. الحب راحة واستجمام. فالرجل أو المرأة في العطلة كالقلاع، كالمدن الغريبة المكتشفة، يملأ اللحظة التي يوجد فيها ويبقى في دفاتر الرحلة. يُقبل دون تردد إذا كان وسيما، ميسورا، مرغوبا. فيتسع له عندئذ مكان على رمل الشواطئ التي تسمرّ فيها البشرة، وأمام لوحات المتاحف، وقرب أعمدة المعابد القديمة. كان يقال لليلى: في براغ نوادي ليلية كأنها قطعة من الغرب! فلماذا لم ترغب في أن تنزل إلى نادي الفندق لتتفرج كسائحة؟ لماذا رفضت في حزم تلك النوادي؟ أمامها على طاولة المطعم كرّاس يعرض صور النادي الليلي في الفندق. تفرجت على الصور وابتسمت. لاتحتاج جوقة من رجال الأسرة لمرافقتها، ولاتحتاج إذنا! ومع ذلك ستصعد إلى غرفتها لتنام دون أن تشعر بفضول للفرجة على النادي الليلي! ركبت المصعد إلى غرفتها وهي تبتسم. يوم كانت صبية مراهقة قرأت غادة الكاميليا وبكت عليها. وعندما مرت في شارع التاسع والعشرين من أيار بملهى الطاحونة الحمراء أعلنت لمنور: أريد أن أتفرج على الراقصات في الطاحونة الحمراء. وضعت منور يديها على رأسها: يخطر لابنة بهاء أن تذهب إلى مكان تتفادى المرأة الشريفة المرور على رصيفه؟! رمت منديلها على رأسها ولجأت إلى نفيسة: ساعديني ياعمتي! جنّنتني ليلى! ماذا يقول الناس عنا، ماذا أقول أنا عن نفسي.. لم يبق إلا أن تطلب ليلى زيارة البيت العمومي لتتفرج على من فيه! فاجأ منور أن نفيسة ابتسمت. نادت مرجانة وطلبت منها أن تحضّر كأس ليمون لمنور. وقالت: تريد ليلى أن تعرف الدنيا. وذلك حقها! لكنها لاتميز بعد مايفيد مما يضيّع الوقت. أنا نفسي تمنيت مرات أن أتحدث مع تلك النساء "المشحّرات" البعيدات عنا. تلك دنيا لانعرفها! اسمعي، لاأستطيع أن أرسل معها مرجانة إلى الطاحونة الحمراء! سأستدعي ابن الكحال وهاتي أنت ابنيّ أختك. وسأزور مزين خانم لترسل أبناءها. أحدهم ذو رتبة في الجيش ولاأعرف إن كان يوافق على هذه المهمة! ليرافقوا كلهم ليلى! ذهبت ليلى مع مجموعة من "الحرس" وهي لاتكاد تفتح عينيها من النعاس. لم تقدّر أن ليل الراقصات يبدأ بعد منتصف الليل. نزلت معهم إلى قبو الطاحونة الحمراء، وفاجأتها الأنوار والموسيقى الصاخبة. ماأقبح الألوان، وماأبشع المكان! كادت تبكي. ماهذا الرقص، هدفه أن يظهر السيقان! وماهذه الملابس القبيحة! كان ابن خالتها "بريانتين" يراقبها فرأى الهمّ على وجهها. يستطيع أن يطلب من المجموعة أن تُفرج عن ليلى من هذا السجن! لكنه لاحظ أن ابن الكحال مصرّ على إهمال ماتشعر به ليلى من الضيق. تعليمات نفيسة خانم أن يكتمل الدرس كله! أما ابن مزين خانم الكبير فبدا موزعا بين ليلى وبين الفرجة على الراقصات. تذكرت ليلى في أسى الرقص مع رفيقاتها. كم بدا ذلك الرقص مختلفا عن هذا! كان ذلك متعة كاللعب بكرة السلة! لن تكرر ليلى في براغ تلك الليلة التعيسة التي تجاهلتها منور ونفيسة وزياد وبقية من حضرها، فلم يعلن أحد منهم الشماتة أو اللوم. قالت نفيسة يومذاك لمنور: تبحث ليلى عن دروب خارج الحياة المعتمدة. لكن ماخطر لها ليس دربا عريضا، ولن يرويها. ليس لها. وفحصت نفيسة ماشغل ليلى في تلك الفترة. ماأعجب ألا تفهميها يامنور! بنت في عمرها تريد أن تعرف نفسها وأن تعرف الدنيا! كان الرقص قد استهوى ليلى في ذلك الصيف. صدح الغرامافون في بيت منور وكثرت "الديسكات"، وملأت الصالة بنات الحارة اليونانيات وليلى وقريبتها بوران! الرقصات: باسادوبل، فالس، سامبا، رومبا، تانغو وفوكستروت طبعا، وروك أند رول أيضا! من ألحان التانغو أغنية "جميلة" التركية، موضة ذلك الزمان! دارت ليلى في الفالس، سبع رقصات متتالية. امتحنت توازنها! ذهبت من غرفتها إلى المطبخ وهي تدور بالفالس. الباسادوبل رائعة، فيها حركات كثيرة. تطير الذراعان! تطير القدمان! يمتشق الجسم! هل في آخر الحركة عنف؟ بل وقفة النهاية التي تبدأ بعدها بداية جديدة! بدا لها أن الرقص يظهر تناسق الجسم ومهارة الحركة، والانسياب في الايقاع. في الرقص يطير الإنسان وتنطلق أعضاؤه حرة. يكسب الرقص الإنسان متعة روحية. ماأحلاه! في الرقص مهارة وفرح بالحياة. هل أحب أخو بوران ليلى في ذلك الصيف؟ لابد لمن يقترب من ليلى من سبب مقنع! قرابة، أو صداقة. وفي بوران وأشقائها اجتمعت القرابة والصفاء. سمع أخو بوران خطواتها فانتظرها قرب بوابة بيتها المغمورة بالقمر. كيف تبيّن خطواتها وهي تقفز على الدرج نازلة من السطح الذي تأملت منه القمر؟ دخلا معا إلى منور. ماذا قال لأمها؟ ياللمفاجأة! يريدها! ماأقل عقله! لاتفكر أبدا في الزواج الآن! بقي الرقص هوى ليلى. لكنه ليس الرقص البليد الذي يوضع فيه الخد على الخد، ويلتصق فيه الجسمان ويبقى فيه الزوج الراقص واقفا تقريبا! لا، لا! بل الرقص الذي يوهم بالطيران! هل كان الغرب هو الأفق المفتوح للخروج من ركود حياة تقليدية؟ لكن الأساتذة في المدرسة فسروا سايكس بيكو. وكان يوسف العظمة مثلا عظيما في بيوتهم. واستعادوا ثوار الغوطة والجبل. جلست ليلى مع رفيقتها قرب شعلة الشهيد المجهول في حديقة المنشية لتلتقط لهما صورة. واحتفلت بعيد الجلاء كعيد وطني عظيم. وبقي في ذاكرتها أنها مشت في طفولتها مع أمها إلى الملعب البلدي وشاهدت مع جموع الناس ألعاب الفروسية في عيد الجلاء. كان الشركس ينقلبون على الخيول، يقفون فوقها، يدورون حول أنفسهم والخيول في أقصى سرعتها. وكان الناس على عرض الشوارع. والأولاد كالعناقيد على الأشجار. يبحث الشباب عن أفق، عن مكان يجري فيه نهره الهادر! كلّفت ليلى بعد السهرة المنسية في الطاحونة الحمراء، بتنظيم مكتبة المدرسة، وانشغلت بحفلة مدرسية ألقت فيها كلمة الاحتفال. وفي آخر الحفلة كان الجو قد أصبح ودودا، حميما، فدعت إحدى صديقاتها إلى الغناء. أطفأت الأنوار وأبقت مصباحا واحدا بعيدا فقط! لم تنس أي من التلميذات ذلك الاحتفال. واعتبرته مديرة المدرسة نجاحا لها. في ذلك الاحتفال مثلت مع زميلاتها في مسرحية. واجتمعت أمام المصور فتيات نضرات لبسن أحلى مالديهن. وعرضن شعرهن ونضارتهن. كانت في عيونهن أحلام بالحب، بحياة مختلفة عن الحياة الموجودة حولهن. ليت الذين يرصدون التلميذات على طريق المدرسة يفهمون ذلك! إذن لما غرر رجل بفتاة. ولكانت الدنيا أجمل مما هي الآن. فهل تستطيع ليلى أن تفهم الشابات الاوروبيات اللواتي يشعرن بحقهن في أن يخترن الرجل الذي يقضين معه العطلة أو الليلة وينسينه؟! في تلك الحفلة لم ترقص ليلى. رقصت فتاة لينة ثبتت على خصرها فوق ثوبها ورقا مقصوصا. رقص هاواي؟ كيف عرفت أنه رقص هاواي؟ من الأفلام الأمريكية! أيمكن أن تخمّن ليلى أن هذه الفتاة ستستهوي شابا عراقيا يوم تصبح مع تلك المجموعة كلها في الجامعة، وستسبب طلاقه من زوجته المحبوبة مارغريت؟ وستكون مارغريت صديقة ليلى العزيزة في جامعة موسكو؟! وستقول ليلى لها: ماأصغر الدنيا! صار الرقص رياضة فيما بعد. فروت منور لنفيسة أن ليلى تعلمت الألعاب السويدية من الكتب، وصارت تؤديها في غرفتها كل يوم. كأنها ياعمتي تتخيل الموسيقى المواكبة لها. ومع ذلك لايخطر لها أن تستعمل الفونوغراف. هل تحرس ليلى قامتها، أم تحرس روحها؟! الحق معها يامنور! يجب أن يحترم الإنسان جسمه وروحه! كانت ليلى تؤدي تمارينها في الليل أيضا ليستقيم ظهرها بعد الانحناء على الكتب. وسيراها وقتذاك قيس وهو يمر بنافذتها. رفعت ساقها أعلى من مستوى الخصر وهي تستمع إلى الموسيقى في روحها. دارت، ورفعت ذراعيها. ثبتت على ساق واحدة. هل تستطيع أن تحفظ توازنها هكذا في الحياة؟ نظر قيس يومذاك إليها ذاهلا. وسيسألها بعد عقود: ماذا كنت تفعلين في ذلك الليل وأنت واقفة على ساق واحدة؟! آه، هل يستطيع أن يستوعب قصتها مع الرقص والرياضة وحب الدنيا؟! لكن ذلك رقص ياقيس! رقص! ليس عناقا بعده موعد وغرام! سينهض قيس حزينا في أول لقاء بينهما بعد عقود، يوم تركهما أصدقاؤهما في الحديقة المقمرة: كنتِ في فندق كاسكادا نفسه في ذلك اليوم؟ ياقيس المجنون، استعضتَ بالخرز عن المجوهرات، وبالقصدير عن الفضة! هدأته ليلى: لاتغضب على نفسك! كان طريقي إلى موسكو وكنتَ باقيا في براغ! كنتُ طالبة أختص، وكنتَ أنت موظفا مدلّلا! فكان يمكن أن تجمعنا الصدفة في الليل ونفترق في الفجر. فلماذا الفرح باللقاء ووجع الوداع؟! لم تبحث ليلى عن التمايز بينها وبين قيس في تلك اللحظة بعد عقود كي يختلفا. بحثت عنه كي تتساءل ماالذي يجمعهما بالرغم من البعد في المسافات وفي السلوك. ربما أحبها لأنه لم يرقص معها ذلك الرقص! فالرقص كان طريقه إلى من صادهن أو صدنه. وكانت تلك الطريق مستحيلة إلى ليلى. معها لم يرقص أبدا. لها لم يغن قبل ذلك اليوم. لم يدعها أبدا إلى السينما. مع ذلك لم يحفظ إلا صورتها في جيبه طول العمر! بحث عن شبيهاتها وكان حرا معهن، وابتعد عنه الأصل. لكن قيسا لم يفكر في الخرز واللؤلؤ وقتذاك. بل فتح لنفسه بوابات المعرفة بالنساء. فسمّى قيس ليلة السبت: ليلة الصيد الحرّ. كانت النوادي الليلية في الفنادق الفخمة تسجل لمدينة براغ مرونة سياسية تحترم ضرورات السياحة وتطبق نموذجا غربيا. سيرى قيس فيما بعد أنها مؤسسة من الخدم والموسيقيين والموظفين والعاهرات ورجال الأمن. وسيتحدث عن دورها في منظومة الفساد التي هدمت المعسكر الاشتراكي. لكنه في بداية إقامته في براغ انبهر بها. وكان يقول لنفسه في مساء كل سبت: إلى هناك! اختار طاولة يحيط منها بالصالة قدر مايمكن. طلب من النادل زجاجة خمر فرنسي. لاحظته المرأة التي تبيع وردا من سلة علّقتها بمرفقها، وأتت إليه. اشترى خمس وردات حمر وضعها على الطاولة. هل كانت هنلوريه تراقبه قبل أن تلتقي نظرته بنظرتها؟ رأى شابة ذهبية الشعر بدت له شبيهة بمارلين مونرو تجلس وحدها. لاحظ أنها تشرب كثيرا وذهل. تشرب أكثر منه! أرسل لها مع النادل وردة. قبِلتها وأحنت رأسها علامة الشكر. نهض إليها وسألها: أستطيع أن أنتقل إلى طاولتك؟ تأملته ثم قالت: تفضل! حمل النادل إلى طاولتها بقية الورود الحمراء وزجاجة الخمر. وضع قيس الورود أمامها، وصبّ لها كأسا من نبيذه الفاخر. بدت له هنلوريه من قرب أجمل مما بدت من بُعد. ماذا يمكن أن تكون مقدمات الحديث التي يتبادلها رجل مع امرأة في ملهى؟ مااسمكِ؟ وأنتَ؟ ماذا تشتغلين؟ ماذا تشتغل؟ بلدك؟ مدينتك؟ منذ متى وصلتَ؟ هل تعجبك براغ؟ وكأنهما تباريا في الشراب. اقترب منها في الرقص. وأي رقص في ضوء رقيق لايبدد العتمة! فليقل إنه عناق! لكنها لم تكن فيه سهلة. حول الطاولة تحدث معها بصراحة. أتيتِ وحيدة إلى ملهى ليلي تطلبين مرافقا، وأتيتُ أطلب مرافقة. فهل تمضين الليلة معي؟ قالت له: بشرط! ماهو؟ أن تتحمل حرق سيجارتي! دهش. ياللطلب! ردّ متحديا: اتفقنا! ومدّ يده. وضعت رأس سيجارتها بين إصبعين في كفه. كبح ألمه، ثم كبح حقده. كأنه في سجن، يمتحنه فيه جلاد. خيل إليه أنه شمّ رائحة لحمه. ثم انساب سائل من الجرح أطفأ السيجارة، فقال لها عندئذ في حقد: هيا! لم يعد مايجذبه إليها استهواء، بل رغبة في الانتقام. رافقته إلى فندقه. خلعت ملابسها، وأقبل عليها. ظل يقبّلها حتى الصباح. أحصى نشوتها في تشف: عشر مرات أم ثماني عشرة مرة؟ هل أغمي عليها؟ انصرفت في الصباح وبقي نائما حتى الظهر. بعد الظهر اتصل بالرقم الذي كتبته له. ردّ صوت آخر: هنلوريه في المستشفى! نقلتها سيارة الإسعاف. انطفأ حقده. وحمل باقة كبيرة من الزهور ومشى إلى المستشفى. رآها ممددة. لم يعد مابينهما انتقاما بل حدث فريد. انتهى الصراع بانتصاره فلمَ الحقد! كان ذلك أمس! رأى في عينيها أسى وزاد ذلك في شفقته عليها. وقت خرجت من المستشفى اتصلت به والتقيا في المقهى. شعر نحوها بالودّ لابالرغبة. روّعه إفراطها في الشراب، وإفراطها في التدخين. ماحدث بينهما كان عاصفة سيذكرها ولعلها ستذكرها. لكنه سينسى وقت الوداع أن يطلب منها صورتها. سألها: لماذا؟ قالت: اسمع! كنت في الثامنة من العمر عندما أحرق أبي. أبوها ألماني من السوديت، جُند وقت احتل الألمان تشيكوسلوفاكيا، وعُين مدير مصنع. عندما تحررت براغ أمسك به عمال المصنع وصبّوا عليه البنزين وأحرقوه. قالت: رأيت ذلك بعيني. أردت أن أركض إلى أبي. فأمسكت بي أمي وضمت رأسي إليها كيلا أرى الحريق. لكني رأيت الرجال وهم يوثقون أبي، ورأيتهم وهم يصبّون عليه البنزين، ورأيتهم وهم يحرقونه. صرت أصرخ في نومي وأبوّل في فراشي فزدت هموم أمي. أكملت المدرسة في مدينة صغيرة بعيدة عن براغ. ولكن لم يسمح لي بالانتساب إلى الجامعة لأني ابنة رجل من الطبقة الماضية! أشتغل الآن بائعة في مخزن. كشفت له هنلوريه جانبا من عالم يجهله. ذكّرته بطبقة يدينها ويحتفي بأن الاشتراكية طوتها. هل تشرب هنلوريه كثيرا لتطفئ حريقها وتشفي جرح قلبها؟ فهم قيس لماذا أحرقته، ولم يلمها. لكنه فكر في تلك الليلة بالوجع الذي تسببه الانهيارات الكبرى في القلوب الإنسانية. ووضَع الثورات التي كان يحلم بها كانقلابات نقية وسهلة، في مكانها في مجتمعات ينهار فيها بشر ويصعد آخرون. ولم تعد البنى الاجتماعية التي كان يتحدث عنها جملا مجردة على ورق الكتب، بل بدت كما هي في الحقيقة، بشرا وعلاقات إنسانية، أوجاعا وعواطف. أشفق على هنلوريه وشعر بأنها مريضة الروح. انتهت صداقتهما بسرعة لأن هنلوريه كانت عاجزة عن نسج علاقة بإنسان أكثر من أيام. ولم يكن يرغب في رؤية انتحارها! استعاد كلمة عرفان له: لن تدرس بل ستعمل في الإذاعة! وسيؤمن لك الراتب الكبير ماتنفقه على الشراب والتدخين ومستلزماتهما! ألم يكن عرفان جلادا شريرا حتى في القرار الذي يرمي في ظاهره المال لقيس؟ نجا قيس ممن سماهم جلادي بلاده، ولكن ماذا يمكن أن يكون مصيره لو حكم بلاده عرفان؟ ألن يحرقه مثلما أُحرق أبو هنلوريه؟ تمنى قيس أن ينسى عرفان ونفوذه في اوروبا الشرقية وقدرته على سحق من يعارضه أو يخالفه في الرأي. هذه مملكته ولن يستطيع أحد أن ينقذ قيسا منه. هل يجهل أن كل كلمة يقولها تنقل لعرفان؟ كيف يتوهم إذن أنه نجا من السجن؟! رمى نفسه بعيدا عن سطوة عرفان، في بحر النساء. وكان بحرا واسعا يستطيع أن يسبح فيه حتى يغرق. وانشغل بإعجاب الطلاب العرب بقدرته على غواية النساء، وقابلها بعجزهم في تلك المساحات التي تحتاج اللباقة واللطف والهدايا والمهارة. استلقى على شاطئ النهر قرب فتاتين. لاحظ أنهما انتبهتا إلى المجلة الإنكليزية التي يقرأها. لماذا يسحرهما الأجنبي؟ لأنه يكسب أكثر مما يكسب أهل البلد، أم لأنه يفتح بزواج ممكن بوابة السفر المغلقة؟ أخرجت واحدة منهما سيجارة وبحثت عن ثقاب، فقدم لها قداحته. دعتاه إلى الجلوس. العطلة فسحة للتعارف! زاد من الذكريات للشتاء! أين تسهران؟ في ذلك المطعم! يزعجكما أن أرافقكما؟ أبدا! تسعدنا! التقى بهما في المطعم. رقص معهما. بعد السهرة مشى معهما ليوصلهما. منزل الأولى أقرب من منزل الثانية. بقي مع الثانية. لمح في الطريق بناء قديما كأنه متحف أو قصر. أمسك بيدها واتجه إلى مدخل البناء. عانقها، فتنها بسحره، بعنايته، برقته. عادا إلى الطريق، هي مرتوية وهو مزهوّ بنفسه. في اليوم التالي صادف زميلتها. قالت له: روت لي صديقتي كل شيء. أذلك الحظ لها وحدها؟ اتفقا على اللقاء عند البوابة نفسها. هل كانت أكثر سعادة به من زميلتها لذلك قررت أن تزوره؟ هل شجعها؟ كتبت له رسالة فيما بعد. واتفقت معه على أن يستقبلها في محطة الترام. أتت وانتظرته. نسي الموعد؟ كان مشغولا بامرأة أجمل منها! سيقول فيما بعد، ماعشته في تلك السنوات جنون. كان قد صادف امرأة تجلس على مقعد وتدخن. أعجبته. فعاد من الدرب نفسه. وجلس على طرف مقعدها. أشعل لها سيجارتها. تعارفا. أستونية مهاجرة إلى بولونيا، تمضي العطلة في براغ. سهر معها، رقصا، ورافقته إلى فندقه. قالت له أستطيع أن أبقى معك حتى موعد سفري بعد ثلاثة أيام. أستطيع أن ألغي برنامجي في الرحلة مع مجموعتي وألا نخرج إلا لنبحث عن طعام أو شراب! لكنه قال لها إنه مسافر غدا! وستخابره من وارصو لتقول له تعال! قال لنفسه في ذلك الأسبوع الصاخب: كفى! نام نهارا كاملا ثم ذهب إلى الإذاعة. حاول أن يشغل نفسه بالعمل. لكنه لم يستطع أن يخمد قرفه من نفسه ومن الدنيا. غرق في الأوراق متفاديا أن يتحدث مع إنسان. دخن كثيرا حتى أحس بالدوار. أنهى عمله وهرع إلى غرفته. لم يأكل طوال ذلك اليوم. ونام كالميت هاربا من الصحو. وعندما أفاق في منتصف الليل وجد أن النوم لم يخفف شعوره بالقرف. أخرج صورة ليلى من جيبه ووضعها على الطاولة. حدّق في ابتسامتها، في نظرتها إليه، في رأسها المرفوع نحو أفق ما. ياللبراءة النضرة التي تعِد بدنيا غير موجودة! ياليلى، أرجوك احمني من نفسي! احمني مما أهرب منه ومما أهرب إليه! هل تسمعينني ياليلى؟ أغمض عينيه وبكى. وكان حريصا على ألا تسقط دموعه على صورتها. عندما عبرت ليلى الممر نادتها الطالبة البوليفية التي تناوب قرب التلفون: منذ ساعة اتصل بك شاب. قرعتُ جرس غرفتك مرات. قلت له أيها الشاب ليلى غير موجودة، اتصل بها فيما بعد. وعد بأن يخابرك مرة أخرى! سألتها ليلى: مااسمه؟ ردّت: لاأعرف! بدّلت ليلى شراشفها ومناشفها عند المسؤولة عن الطابق، وعادت إلى غرفتها. أتعبتها الزحمة اليوم في الطريق من كليتها إلى جامعة موسكو! لكن ماالعمل! لن تعيش في بيت الطلاب في كليتها. من حظها هذا الدلال بالسكن في جامعة موسكو! ليس كثيرا أن تضحي يوميا بساعة على الطريق! مشت إلى مطعم الأساتذة في الطابق الثاني، ووقفت في الصف. انشغلت بالقراءة كالواقفين مثلها حتى وصلت إلى المحاسبة. أملت عليها اسم الطعام الذي اختارته من القائمة المعلقة على الزجاج قربها، ودفعت ثمن وجبتها، ووقفت تنتظر مكانا فارغا تدعوها إليه المسؤولة عن المطعم. تحب هذا المكان النظيف الهادئ، الغني بأصص النباتات، تقطعه نادلات يلبسن الملابس البيضاء، كل منهن مسؤولة عن عدد من الطاولات. أنواع الطعام هنا أكثر منها في مطعم الطلاب، وأغلى. ولكن لاتسمع ضجة صواني الطلاب وصخبهم في هذا المطعم، بل يستمتع الجالس فيه بطاولات مرتبة وخدمة ونوافذ كثيرة مرتفعة وبالنباتات التي تزين المطعم! تناولت ليلى الحساء الأخضر الحامض الذي تحبه، ثم كوتليتي مسلوقة. وستنهي وجبتها في غرفتها بالبرتقال أو الموز أو الأناناس. في مكان بيع الكتب في الطابق الأول صادفت بائعة تذاكر المسرح. هل تجرب حظها اليوم؟ ماأكثر المتنافسين على بطاقات المسرح! نادتها البائعة بالإشارة. همست: ليلى، لدي بطاقتان للباليه! البولشوي؟! نعم، في الصف الأول! الصف الأول؟ طبعا آخذهما! قبّلت البائعة وقررت أن تطلب من أمها في دمشق هدية فاخرة لها. ياتانيا، بفضلك حضرت المسرحيات المدهشة وتفرجت على الباليه وسمعت الموسيقى! كان يجب أن تقول إن مديحة ومارغريت مدينتان بالفضل لها أيضا! في المساء رن جرس ليلى فهرعت على سجاد الممر إلى المناوبة وتناولت منها السماعة. ليلى؟ نعم! من؟ احزري! تكلم إذن كي أعرف صوتك! هكذا تنسين أهلك بسرعة؟ صدحت ضحكتها. انتظر كي أنتقل إلى غرفة التلفون! أغلقت على نفسها الباب الزجاجي. طبعا عرفتك! "بريانتين"! سمعت ضحكته. زياد أنتَ هنا، حقا؟ هنا، يبدو أن الرياح تحملني وراءك! بل ستظل الريح تبعدك عني، يازياد! ياليلى، ذلك صعب، فأنا محمّل بالكبّة المقلية والمشوية التي أرسلتها خالتي منور لك! هل هذا معقول يازياد؟ كبّة؟! فوق ذلك معي من خالتك سعاد قطرميز مكدوس! مع الزيت؟! نعم، نعم، مع زيته كله! لذلك حملته بيدي طول الطريق. وأنزلته معي في براغ في أفخم فندق! أنت مدينة لي بتنظيف بقعة زيت تزين سترتي! أول أوسمتي! سأعوضكَ ببطاقة باليه لايفوز بها إلا المحظوظ! وستكون فوق ذلك حرمتَ مارغريت من أمسية مهمة! لكن قل لي كم يوما ستبقى في موسكو؟ سأبقى حتى تنتهي دراستكِ! تمزح؟ لاأمزح! سأبقى حتى تنتهي الدورة! سنتحدث عن ذلك عندما نلتقي. رأته من بُعد واقفا أمام مسرح بولشوي في أعلى الدرج. ورآها قادمة إليه تكبح ضحكتها. فوجئت بأنه عانقها وقبّل خدها وخجلت أن تبعده. قالت: صرت بسرعة تقبّل الفتيات؟ لاحظ أنها احمرت. ردّ: من الشوق أقبّل ابنة خالتي! قد أكون قطعت الطريق الطويل من دمشق إلى موسكو لأجل هذه اللحظة! كفى مزاحا، يابريانتين! قل لي كيف وصلت إلى هنا؟ أتيت لأوصل لك كبّة خالتي ومكدوس أمي! سألته: أين هي إذن؟ هل يليق بي أن أحملها إلى المسرح؟ ألا يوجد مقهى نجلس فيه هنا؟ لا، توجد فقط مطاعم! إذا قصدنا أحدها سنضيّع وقت المسرح في انتظار دورنا للجلوس إلى طاولة! مشيا. لاحظت أنه يطير من الفرح. ابتسمت. لم يحطّ بعد على الأرض! لم يشعر بعد بالغربة وطول المسافات، وبرد الشتاء وانخفاض السماء. قادته إلى الساحة الحمراء. قريبة، وأحب كنيستها الملونة! توقف وتأمل الساحة من بُعد. التفتت إليه: أعجبتك؟ ياليلى، يختلف شعورك بالمكان وأنت تلمسينه وتشمينه! أعرف الساحة من الصور. لكن الحقيقة غير ذلك. أضيفي إلى هذا أنك معي! عدنا إلى المزاح، يابريانتين؟ هل صار قول الحقيقة دعابة، ياليلى؟! وقف مرة أخرى متأملا ألوان الكنيسة. قال: تذكرني بغاودي. سألته: من هذا؟ ردّ: غاودي معماري إسباني صاغ أبنية كأنه يلعب بالعجين والألوان. تمنيت أمام أحد شرفاته أن تطلّي منها! كنتَ في إسبانيا، يابريانتين؟ نعم! وزرتُ الأندلس. أذهلني غاودي. ذكرني بنوافذ مسجد قبة الصخرة وموزاييكه وبنقوش قصر الحمراء. يابريانتين، كيف وصلتَ إلى إسبانيا؟ بالطائرة ياليلى! كنتَ خجولا وصامتا، يابريانتين، فكيف أصبحت مرحا وطلقا؟ تغيرت ياليلى منذ صرت طيارا! مازلتَ تطير؟ من الفرح، نعم! لكني أقود الطائرة أيضا! ياللمفاجآت يابريانتين! لم تبال ليلى وهي تصادفه في بيت خالتها بما يدرس في الكلية العسكرية. ويوم تخرج رأته بملابسه الزاهية يزور أمها. فكادت تضحك ولم تسأله ماذا درست. وكادت تظن أنه أمضى وقته في "إلى الأمام سر، إلى الوراء در"! وهاهو يعرف غاودي الذي لم تسمع به، ويسوح في إسبانيا، ويصل إلى موسكو! سألته: قل في جد، لماذا أتيت إلى هنا؟ دورة في الطيران، ياليلى! سأطير بالميغ وربما بغيرها. لكننا لن نتحدث عن ذلك! أسرار؟ نعم، أسرار! لتحرروا فلسطين؟ أعتم وجهه: لندافع عن سورية! هزّت رأسها: نعم، هكذا صارت المسألة! لماذا استقدمتْ شعورهما بالقهر؟! قال: ماأضيق العمر لولا فسحة الأمل! هرولا إلى المسرح. إذا بدأ العرض لن يُسمح لنا بالدخول إلى الصالة! سنتسلق السلالم إلى طابق ما ونضيّع مقاعدنا الفخمة! أسرع! مقاعدنا في الصف الأول! وأي باليه! بحيرة البجع! تفرجتُ عليها ثلاث مرات وسأتفرج عليها عشر مرات أخرى! بدت لـه ليلى أخرى عندما جلس إلى جانبها في صدر الصف الأمامي. فاجأته بانتباه ذواقة. رأى مايشبه الخشوع عندما فتحت الستارة الكبيرة، ورفّت أيدي الحاضرين مصفقة. من جانب رأى الألواج العليا ورفع نظره إلى السقف. الحق مع ليلى، فهذا المسرح يشبه المعبد. شعرت به ليلى دون أن تنظر إليه. كم أصبح وسيما! كادت تبتسم لأنها ماتزال تسميه "بريانتين" ولايعترض على ذلك. رفّت ليلى مع البجعة. وتابعت العمل الصعب الذي يبدو بالرشاقة سهلا وممتعا! كم ثمن هذه الرشاقة والرقة والانسياب في عذوبة؟! كم من السنوات والتصوف وعمل الروح والجسد؟! تابعت الليل والنهار في الديكور. وبدا لها أن ماتشعر به أو تكتشفه يختلف عما شعرت فيه في آخر عرض. واستسلمت لمتعة أنها في مسرح أنيق وفخم يفرض هو أيضا هيبته. شعرت بلون الستائر وملمسها، بالكراسي المريحة، بزينة المقاصير، بالأنفاس المحبوسة والإصغاء. أطربتها الموسيقى وشعرت بأسى ناعم. إلى متى سيتكرر الحب الذي يهدده الشر؟ وإلى ماذا يرمز هذا الصراع الذي يبدو قدرا في الحياة؟ لكن ماأعظم الفن! ثبّت في ذاكرتها هذا الأداء الجميل الأنيق فلم تعد بحيرة البجع فقط روسيّة. من أخطأ فلم يوقّت التصفيق؟ جفلت ليلى والتفتت باحثة عمن أخطأ ذلك الخطأ الفادح! وقفت وصفقت للراقصين الذين تقدموا إلى مقدمة المسرح. وضعت على عينيها المنظار ثم قالت لزياد: خذ تفرج! يلهثون! ثم أسرعت وهرول وراءها: يجب أن نلحق مكانا في البوفيه! طلبتْ شطائر كافيار أسود مع الزبدة. ذق ماأطيبها! هذا أكلي المفضل في المسرح! يازياد، سأطلب لك شيئا آخر وأطلب لك شرابا إذا أردت! توجد شامبانيا! لا، لهذا لابد من احتفال خاص نؤجله إلى وقت أحلم به، ياليلى. ماذا يقصد بريانتين؟ التفتت إليه ورفع حاجبيه كالبريء. كم تغيرتَ، يابريانتين! لو أستطيع أن أصحبكِ بطيارة، وستتغيرين ياليلى! انتبهت إليه. هل يكشف لها دنيا الفضاء؟ لن يكون معك فوق غير مهارتك! ستمسكين بإرادتك الماضي والمستقبل ، المحبين والأعداء، الأهواء والأمل، العواطف والأفراح والأحزان. سيبدو كل شيء قاطعا وحاسما وسريعا. لامجال للتردد! يقاس الزمن هناك بأجزاء الثانية. سألتْه: لاتخاف؟ هل يستطيع أن يحدثها عن متعة الخوف الخاطفة؟ يخيل إليه أن العواطف فوق تختلف عن العواطف على الأرض لأن الزمن مختلف والمكان مختلف! هناك لاوقت! العواطف هناك ومض كثيف. كأن العمر لحظة خاطفة. نظرت إليه تحت ضوء الثريات ونظر إليها. هل فهمت أنه حملها معه إلى هناك؟ هذا اليوم بعيد جدا عن ذلك اليوم الذي أتى فيه بملابس التخرج الزاهية ليريها أنه صار طيارا فتصورت أنه يزور أمها وتركته معها وخرجت من البيت. ابتعدت الملابس الزاهية وصارت ليلى وسط علاقته بالخطر وسعيه إلى المهارة وشعوره الممتع بالفضاء، ودقة الانتباه. صارت ليلى حقيقة قريبة لابد منها، وكان مؤمنا بأنه سيكون أقرب إنسان إليها. عادا مع رنين الجرس الأخير إلى الصالة. كم قطع كل منهما من المسافات إلى الآخر في استراحة المسرح المقتضبة! وقف مثل ليلى تحية للاوركسترا التي لم تظهر لهم خلال الرقص. صفقا للمايسترو الذي انحنى للمتفرجين وسط الضوء الذي وجّه على العازفين. ووقف الموسيقيون. هاهي ليلى تعلّمه طقوس المسرح! همس: شكرا! وأبدت دهشتها: على ماذا؟ هفّ منها عبق عندما اقترب منها وهو يهمس، فأغمض عينيه وتنفس في عمق. خرجا من المسرح مبطئين. كأنهما يتذوقان ماتفرجا عليه. استدار ووضع كفها بين كفيه فظنت أنه يودعها: شكرا ياليلى على هذه الأمسية، على الباليه، على الكافيار الأسود مع الزبدة! ذات يوم لابد أن نحتفل مع الشمبانيا التي أجّلناها! سأخيبك يابريانتين، لأني ملتزمة كطبيبة بألا أشرب أبدا! وهل هذه هي الخيبة الوحيدة، ياليلى؟ لكني سأذكرك بأن "قليله يحيي قلب الإنسان"، وستستمعين إلي! لاتحلم بذلك، يابريانتين! لكن قل لي هل تعرف الطريق إلى مأواك؟ ردّ: لن أتركك بسرعة! لاأودعك. بل أشكرك فقط! أم تريدين التخلص مني بسرعة؟ مشيا إلى محطة المترو. سألها ألا توجد محطة أخرى قريبة؟ بلى! فلنمش إذن! ومشيا. فاحت رطوبة الأشجار الليلية. فرغت الأرصفة كلما ابتعدا عن المسرح. سألته مرة أخرى: هل تعرف كيف تصل إلى مأواك؟ لاتقلقي علي! سأوصلكِ ثم أذهب إلى فندقي! لا، لا! في موسكو أمان. أعود عادة مع مارغريت في مثل هذا الوقت من المسرح ولايزعجنا أحد! سأركب المترو ثم بعض محطات من الباص رقم 111. ترفضين أن أرافقك؟ نزلت في رشاقة إلى المترو والتفتت إليه لتطمئن هل يتبعها على السلالم المتحركة. كم المحطة نظيفة! هناك امرأة تنظف الخشب البراق، وهناك أخرى تمسح أرصفة المترو. قالت: سأريك فيما بعد محطات المترو الجميلة كالمتحف! بدا سعيدا وهو يجلس إلى جانبها في عربة المترو ويتأرجح على ايقاعه. رآها تقف متوازنة وتوقّت بدقة الخروج من العربة. وبدا سعيدا وهو يركب معها في باص يكاد يكون فارغا. مسحت ليلى زجاج النافذة بكفها لتتفرج على الطريق. وقالت له: نمسح البخار الآن عن الزجاج، لكننا في الشتاء نحفر الصقيع عنه. لاأحب الثلج إلا في الغابة! وكادت تذكر له تزلجها بين الأشجار. قالت: ولاأحب السماء المنخفضة! تذكر زياد سماء الشرق الواسعة الصافية. سيقول لها ذات يوم إن الطيار لايرى خط الأفق ثابتا، وسيحكي لها عن علاقته الحرة والدقيقة بالفضاء. سألها: هل نسيتِ أيضا أننا ركضنا مرة في الطريق، أنت تطيرين طائرة من الورق، وأنا أركض وراءك؟ استدارت إليه: كان لونها أزرق. كم عنيتَ بذيلها، يابريانتين! هل كنتَ تحب الطيران منذ ذلك الوقت؟ استعاد ورشة العمل.. المقصات والورق والصمغ والقصب والخيطان.. قاس القصب وقصه يومذاك. وقص الورق الملون. طلب من ليلى أن تلصق ذيل الطائرة المزركش بزاويتها، وربطت ليلى الخيط ببكرة خيطان من الخشب. سألته وهي تتأمل الطائرة الكبيرة في إعجاب: ستطير؟ ردّ: طبعا ستطير! لكن يجب أن تركضي كثيرا كي تعطيها مسافة التحليق. كانت براعته في شد الخيط وإطلاق الخيط. رجت أمها ورجا أمه أن يبكروا في النزهة في آخر الخط ليلة البدر. كي تطير الطائرة وترتفع إلى مدى يصعب في غير تلك المساحة الواسعة. حميا معا الطائرة من زحمة الترام. ووصلا بها في أمان إلى آخر الخط. لعل ذلك المساء كان أحلى مساء استمتعا به في طفولتهما. ركضت ليلى وراء زياد خائفة على الطائرة: كفى! تكاد تفلت آخر الخيط! لاتخافي، مربوط بالبكرة! تناولت البكرة منه وشعرت بأن الطائرة تشدّ الخيط. خيل إليها أنها سترتفع مع الخيط! فقالت لزياد: امسكني! فضحك. ثم اختلط كل شيء. أخذ الناس منهما تلك المساحة الواسعة في انتظار البدر. فجلسا صامتين يتأملان مرغمين صعود قمر مستدير برتقالي كبير في الأفق فوق غوطة معتمة شاسعة. ثم انشغلا بعرانيس الذرة المسلوقة الدافئة! وكم بدت طرية طيبة! قالت لـه: نعم، أتذكر الطائرة الورق الزرقاء! وشعرتْ بنضارة تلك الطفولة. هل أبعدته عنها المدرسة ورفيقاتها؟ اندفعت من ذلك الزمن نافورة صغيرة أخرى. ورأته يحيطها بذراعيه ليحميها من الزحمة. كان الاحتفال بعيد الجلاء كيوم الحشر هناك! فظنت أنها ستختنق. كان كل من حولها أطول منها. وعندئذ رأته يحيطها بذراعيه ويفتح طريقا بين الحشد وينجو بها. تساءلت لماذا خيل إليها أن زملاء الجامعة يجب أن يمحوا ماقبلهم؟ هل كان ذلك اعتدادا أحمق ينكر سذاجة الطفولة؟ سألته: ألم يكن صوتك حلوا؟ هز رأسه! وخيل إليه أنها تذكرت أنه غنى لها أغنية عبد الوهاب: الصبا والجمال ملك يديك، أي تاج أعز من تاجيك! وأنه غنى لخالته وأمه سجى الليل. سألته: مازلت تغني؟ قال: أبدا! قالت: مثل منور! خسارة! كم كان صوتها حلوا، عذبا، شجيا! نزلا من الباص، عبر معها الشارع ومشى معها حتى باب الجامعة الرئيسي. رفع رأسه وتأمل البناء الحجري الفخم. ماأجمل الأبنية المضاءة في الليل! توهمه بأنها ساهرة على أسرار مضفورة من العواطف. لاحظت أنه أبقى كفها في يده زمنا. ثم أجلسها على حافة المدخل الرخامية. أسدد لك ياليلى دينا قديما! ذكّرها بأنها أوقفته ذات يوم على عتبة البيت وقالت له: إياك أن تجتازها! فبقي واقفا لايتحرك حيث أمرته. كم كان عمرها يومذاك؟ أربع سنوات أم ثلاث؟ وجدتني أمك واقفا أنظر إلى قدمي كيلا تتجاوزا حدود العتبة. أرادتني أن أدخل إلى البيت فرفضت. لماذا؟ رويت لها أوامر ليلى. تأملت عرض العتبة وقالت: من حظك أنها في مقياس قدميك! أمسكت بيدي وأدخلتني إلى البيت. رأيتِني ولم تفتني نظرتك اللائمة. سألته ليلى: هل حدث ذلك حقا، وأين؟ وصف لها باب البيت وشجرة الكينا مقابله والعصافير التي تعشش في الشجرة الباسقة. أحقا نسيتْ ليلى ذلك كله؟ خيل إليه فيما بعد أن حبه لها بدأ منذ تلك الزيارة التي عاقبته فيها على حب أبويها له. كأنه أتى ليخطفهما منها. قال: من حظي أن مدخل الجامعة عريض واسع! تحادثا جالسين على حافة مدخل الجامعة الفخم. نهضت: سيظنني من يمرّ مثل الفتيات اللواتي يجلسن مع أصحابهن الشباب في الليل! ردّ: طمأنتني، ياليلى! التفتت إليه فرفع يده: يجب أن أوصل لك غدا الكبّة والمكدوس! وقد آتي ببذلة عليها بقعة من الزيت. قالت: لن أنظفها، وستعود بها! فليكن، سأحتفظ بهذه الذكرى منك! سألته: هل تتغدى معنا؟ سأدعو مارغريت! نظر إليها على ضوء فوانيس المدخل. هل تكرّمه أم تتفادى البقاء وحدها معه؟ سأتصل بكِ غدا! وسأنتظر مخابرتكَ غدا! قال: سآتي محملا بالكبّة والمكدوس فهل لديكِ براد لها؟ أبدا! في الشتاء نستعمل الفراغ بين نافذتي الغرفة كبراد! لكن لاتخف على الكبّة فلن يبقى منها شيء إذا شم أصحابي رائحتها! رافقته ليلى في الأمسيات طوال أسبوع خاطف. غاب عنها بعده. لكنه ظل يخابرها كل ليلة. وكانت تغلق باب كابين الهاتف عليها وتبدو من الزجاج لمن يراقبها ضاحكة سعيدة. ثم وجدت على طاولة المناوبة حيث تصفّ الرسائل، ورقة كتبت عليها المناوبة: اتصل زياد. يقول لك إنه سافر فجأة إلى دمشق. ولابد أن تلتقيا قريبا. فهمت ليلى سفره المفاجئ عندما خابرها عماد. قال لها: أعلن انفصال سورية عن مصر. أذاع راديو دمشق عدة بيانات لكني لاأعرف تماما مافيها. يبدو أن الوضع غير مستقر حتى هذه اللحظة. حاولت ليلى أن تخابر أمها فلم توفق. قالت لها الموظفة في بريد الجامعة: قد تكون خطوط الهاتف مقطوعة. ماهذه الدنيا! وداع ولقاء، وحدة وانفصال، سجن وحرية! هل كانت ليلى على الضفة آمنة من أحداث ثلاث سنوات سجن فيها أصدقاؤها ومع ذلك استمرت في دراستها لتؤسس مهنتها ومستقبلها! ألن تخجل من عمر إذا التقت به؟ تفادت حتى اليوم أن تسأل مديحة عن مصير فوزي فهل كان ذلك لأنها تحاشت أن تلمس جرحها، أم كان ذلك جبنا، أم كان ذلك استمرار موقف من الصراع بين فئات وأحزاب؟ لم تشترك في اجتماعات السفارة أو في الاجتماعات المعادية لها. بل انصرفت إلى دراستها كأنها في دنيا رخيّة! بدا لها الليل ثقيلا وطويلا. واستعادت قصيدة النابغة التي تعلمتها في المدرسة. ماأجملها وماأبلغها! مع ذلك بقيت ضعيفة أمام الغربة. وتمنّت أن يقول لها إنسان ماتعرفه لكنها تحتاج أن تسمعه في تلك اللحظة: تماسكي! سيمضي هذا الليل! تماسكي وستعودين إلى سكّتك في الصباح! نهضت وطرقت باب مارغريت! فهمتها مارغريت دون أن تشكو لها حزنا قديما أو حيرة أو غدرا. قالت لها: يبدو أن الاضطراب قدر بلادنا. لماذا؟ كيلا ننصرف إلى تأسيس حياة مستقرة ننفق فيها ثرواتنا ونكرّس لها كفاءاتنا. ممنوع ياليلى أن تتراكم لدينا الخبرة السياسية والعلمية كيلا نكون أقوياء. يريدنا الغرب خدما ومستهلكين. يريدنا ضعفاء أمام إسرائيل! ويستصفي لنفسه المتفوقين العرب. هذا يستنهض عنادي. أقول لنفسي: سأقاوم ذلك، مادمت حيّة! لابد أنك تقولين لنفسك الكلمات نفسها! ألا تظنين أن هذا من أسباب حرماننا من حياة طبيعية نحب فيها ونتزوج من نحب! سهرتا حتى بدا لمارغريت أن جفنيّ ليلى صارا ثقيلين. فمشت معها في الممر إلى غرفتها. بعد الانفصال بين سوريا ومصر بشهر، وصلت ليلى بطاقة مكتوبة بخط رقيق كأنه خط نسائي. لاعنوان ولاتوقيع! لكنها هتفت: عمر! كتب: "هل تختصين في العظمية كما أردتِ؟ لم أخرج من السنوات الماضية بأمراض كثيرة. لكني سأكون أول من يقصد عيادتك! تمنيت لك السعادة دائما. ماأوسع قوس الأمنيات! لم تؤدّبنا الحياة فتفقدنا أحلامنا! إذا خطر لك أن تكتبي لي فلتكن رسالتك إلى الجامعة". قلبت ليلى البطاقة: صورة الجامعة، واجهة كلية الحقوق والحديقة. ياللبناء القديم الجميل! أسندتها إلى كتبها على الطاولة. يذكّرها عمر بالحديقة التي مشت فيها وتنفست رطوبتها من نافذة المكتبة في أيام الامتحانات! يذكّرها بسنوات تمتد أكثر من حقيقتها! لمست البطاقة. لتشعر بأن عمرا هناك، وتتقوى به؟ بعد أيام كتبت لعمر. نزلت إلى بريد الجامعة، وقفت بالدّور أمام النافذة الخشبية التي تؤطرها النباتات الخضراء من طرفيها، سلّمت الرسالة للعاملة وراءها وسألتها: كم من الوقت تستلزم للوصول إلى دمشق؟ ماأغبى السؤال! كأنها لاتعرف أن الرسائل تعبر الطريق نفسه مرة في شهر ومرة في أسبوع، وقد لاتصل أبدا! بدأت تنتظر جواب عمر وهي مشغولة بالتحضير للامتحان. تفقدت كل يوم الطاولة التي تتوسط الطابق، وسألت الطالبة المناوبة: لي رسالة؟ ربما ناديتني بالتلفون فلم أكن في غرفتي! وكانت المناوبات يُجبن: لا! لكن افحصي هذه الرسائل! وأخيرا هاهو اسمها ورقم غرفتها! أغلقت الباب وجلست إلى رسالته. قلّبتها. خمّنت أنه اختصرها لأن تحياته حشرت في أسفل الورقة. ماالذي حذفتَه ياعمر؟ بدأت تقرأ الرسالة التي استصفاها من خمس صفحات واجه بها الحب الذي منع نفسه من البوح به. ترك المقاطع التي تعبّر عن قلقه على ليلى. لفّ بالمزاح والسخرية ماكتبه عن الفتاة التي ذكّرته بها في طريق الجامعة. بيّض الرسالة مرات كي يخفي حب المرأة ويعلن حب الصديقة. استبقى تأكيده أنها ستجده معها كلما طلبته. قرأ رسالته المصفّاة مرات ليستأصل دون رحمة خفقات قلبه. وعندما جلست ليلى لتقرأ كلماته الرقيقة المشجعة، كان جالسا حزينا أمام رسالته الحقيقية. نعم، كانت هذه الرسالة ضرورية له! فليخرج مافي روحه أمام نفسه! وكان وهو يقرأها يستعيد حياته في مدار ليلى. "استغربت حقا أن تبحثي في الليل عند صديقتك عن دفء القربى. وخطر لي أن التعبير إلى هذا الدرجة عن الوجع الإنساني لايحدث إلا في القصص الروسية. ماالذي يؤلمك ياليلى، ولاأعرفه بعد؟ لديك شروط السعادة فلماذا تنقبين عن الأسى؟ هل الغربة هي السبب؟ لاتظني أن "الخروج" حمل لي الفرح فقط! وجدت نفسي في عالم غريب. لاحظت أن الجاكيت الذي ألبسه يختلف عما يلبسه الناس، ففهمت أن السنوات الثلاث التي مضت كانت أكثر من عددها! زرت الجامعة ووجدت نفسي غريبا فيها. لكن الحياة تنثر البذور الخيرة في كل اتجاه. وقد نثرتها علي. لدي كثير مما لاأستطيع أن أكتبه لك. فلأقل باختصار إن الصفعة على خد رجل تجرح أعماق روحه. لكنه هو نفسه لايدرك ذلك إلا وقت يتبين أن الحب الصافي يمتنع على من جرحت كرامته في جوهرها. ومع ذلك يستنجد حتى بطيفه، ويستخرج منه سندا ويقاوم الجرح. ابتسمت حين قرأت وصفك صديقتك. إنه لشيء جميل أن تكتشفي فيها أشياء حلوة وحسنة. غير أنك أضفت بعدها: إنها ليست نموذجك. أحقا تبحثين لي عن نموذج ياصديقتي؟ سامحك الله حقا! وأنت ماذا تفعلين.. ألست نموذجي حتى الآن؟ لم أكتب لك عن البنيّة التي صادفتها يوم ذهبت إلى الجامعة. لمحتها على الرصيف مع رفيقة لها. مستقيمة، رشيقة القامة، ترفع كتفيها وهي تتكلم. وتسير مستغرقة في أمورها بلا اهتمام بالناس الذين تعبرهم. كأن الشباب الأول قد عاد إلي! وكأنك أنت نفسك على رصيف الجامعة تسيرين مع زميلة من زميلاتك! يوفر لك انشغالك عن تقصّد أية أناقة ظاهرة ومسرفة، أناقة أخرى، أناقة إنسانية مستسرّة ومكنونة لفحت ذات يوم كل من حولك بأثر مسكر. سرت على الرصيف الآخر وراءها متمهلا، خافق القلب، وقد فرّ اللون من وجهي وكأنني طالب في مدرسة ثانوية، خجول مضطرب العواطف مرتبك الخطى. كم أردت ألا تلتفت البنيّة أبدا وأن تظل سائرة هكذا. تشبهك في كل شيء، وأنا مستسلم للأسى الذي كان يغمرني أيام كنتِ مشغولة دائما ولامبالية. ولم ألبث أن تجاوزتها، وأصبتُ طبعا بالخيبة لأن الوجه مختلف، وهو وإن كان لطيفا وحلوا فحلاوته ولطفه غريبان، ينتميان إلى جيل آخر. وخيل إلي أننا التقينا لحظة وفقدتك من جديد! عندما كنت أرى ظهرها كانت نموذجي، واستسلمتُ أيضا لسنوات مرت وأنت تتألقين في حياتك الهاربة من كل إنسان يريد أن يصل إليها. وإنه ليكفيني ياصديقتي هذا النموذج. حملتنا سنوات عاصفة بعيدا عن تلك الأيام. والآن أيضا يكفيني ياصديقتي أنك قريبة مني بالروح إلى هذا الحد، وأني تعلمت منك كيف يحترم الرجل المرأة وكيف يحبها. أتظنين أن عددا كبيرا من الرجال أتيح له أن يتنفس أنقى لهاث المرأة مثلما تنفستُ من روحك؟ كان نسيج رئتي يتجدد، وقلبي يمتلئ بالأمل والكبرياء حينما أنظر إليك متأملا عينيك بهدوء وصمت دون كلمات. قد لاتعرفين مايوجع الرجال، لكني أعرف ذلك. فكل الرجال قادرون على اشتهاء المرأة بلا عناء ولاتعقيد. وهم فوق ذلك يقتنونها ويأكلونها كالخبز وهي غريبة عنهم وهم غرباء عن روحها. ويندر كذلك أن يحيا إنسان بامرأة يحبها، فهذا حظ نادر واستثنائي في الحياة. وقد أتيح لي ياصديقتي أن أحيا بك. وأن يبتهج قلبي لذلك بفرح يفيض أبدا، وأن أحب نفسي بسببك. أهذا هو النموذج الذي تتحدثين عنه؟ وعلى كل حال فأنت لم تخطئي فأنا أحب الناس الذين تألفينهم وتدخلينهم حياتك الخاصة. قرأت بتمهل جملتك: "إني أتخلى نهائيا عن أحلام خاصة كثيرة". رددت هذه الكلمات مرارا وأنا أزنها وأذوقها بين أسناني متسائلا: أحقا يمكنها أن تتخلى نهائيا.. وطوعا؟ أعرف أنك ذكية جدا وشهمة بكل معنى الكلمة، وجريئة على طريقتك دون تهور. وتقدّرين تماما أهمية ماتقولين. لذلك أعتقد أنك لن تتوقفي طويلا عند تفاصيل قد تكون مؤلمة. ثمة شيء شخصي أقوله لك. إذا حدث أن التقينا واعتزمتِ أن نبقى أصدقاء فأنت تعرفين أني أتخلى عن أي شيء من أجلك. وليس لدي في كل هذه الدنيا أعز من أن تطلبي مني وتثقي بالجواب. لقد احمر وجهي حقا حين تصورت أننا يمكن أن نلتقي قريبا. وأنني يمكن أن أمسك بيدك في راحتي. هل أنت واثقة من أنني أستحق كل ذلك حقا"؟ قرأت ليلى رسالة عمر المختصرة مرات. خمّنت الإشارات التي كبحها. مشت معه في طريق الجامعة. تلامح لها حبه الذي لم تبال به وتفادت أن تسميه حبا! وردّت على نفسها: حب خاص، ليس الحب المعروف! وتمسكت بندائه ياصديقتي لتؤكد ذلك. وفرحت وهي تتصور أنها ستراه عندما تعود. أوقفته بصفائه وصدقه إلى جانبها كأنه ردّ على الاضطراب العام والقلق والحيرة. في المساء قرأت مرة أخرى رسالة عمر. ولم تردّ إلا بعد أيام. شكرته على ثقته بها، على صداقته التي لن تفرط بها. ذكّرته بأنه نصحها بالاختصاص في العظمية كأنه استشف رغبتها، وأنها اندفعت إلى معرفة عالم كان يجب أن تعرفه وثقافة تدرك الآن أنها كانت تحتاجها. تكلمت ليلى عن تقديرها واحترامها له كي تمحو ماخمّنت أنه يخفيه. وقدّرت أنه سيتبين في رسالتها ماهربت منه، وخشيت أن يجرحه ذلك فأضافت إلى الرسالة: لاأتصور الحياة دون صداقتك. عندما أطفأت ضوءها في تلك الليلة واستدارت عن النافذة التي تملأها سماء مضيئة، كانت تطفو على فرح بأنها "نموذج" شاب أحبها طوال سنوات، وتغرق في قلق ثقيل من المسؤولية عن ذلك. لاأستطيع أن أقبله، ولاأريد أن أفقده! وعندما سألت نفسها: لماذا لاتقبلينه؟ ردّت: ربما كيلا أفقده! لكنها لم تكن تعرف إن كانت صادقة في جوابها. من يستطيع أن يفك لونا من آخر من خيوط الروح؟ قسّم الانفصال الطلاب العرب في موسكو. فاحتفل به بعضهم في البيوت والغرف كأنه عيد تحرر. ونظم نجيب سرور للمحتفلين قصيدة تبارك تحرر سورية. وبدا الانفصال لبعضهم كارثة وخيانة. فامتنعوا عن تحية المحتفلين بالانفصال. لكن طلاب البعثات السوريين كانوا حذرين. فلم تنقطع التحية بين أحدهم والآخر. ظلوا مشدودين برابطة المدينة أو القرية، وباللقاء المفروض عليهم في الكليات نفسها. ولم يكن اتجاه الريح واضحا بعد لكن بدا أنه لن يميل إلى الأمس. وسيستمع أكثرهم إلى خطاب عبد الناصر الذي سخر فيه من ميشيل عفلق وأصحابه فدوت كلماته في الراديو: سألناه ماهي الحرية فقال يعني.. يعني.. سألناه ماهي الاشتراكية فقال يعني.. يعني..! وكان الصراع معلنا أيضا بين الاتحاد السوفييتي والصين. فهذا بلد "ثوري" وذاك خان الثورة وفرط بحقوق الشعوب! وضع الانفصال السوريين الذين نثرهم الهرب من الاعتقال في الجامعات، مع أنهم لم يكونوا راغبين في الدراسة، أمام ضرورة العودة إلى الوطن. هاهي "الديكتاتورية" انتهت فمالزوم البقاء هنا؟ لن تكون عودتهم لقيادة الثورة والبلاد! فقد ألغي دورهم السياسي. وعندما خفّ بعضهم إلى الوطن أوقف في مطار دمشق. فوجدوا أن أرشيف الوحدة قائم، وسيبقى وقتا طويلا. وسيستنتجون أنه قد يتراكم، تقدم منه شريحة على أخرى بمايناسب الزمن، لكنه سيكون وثيقة رسمية لايمكن أن تحرق. وتناقلوا أن أحد رجال الأمن في المطار السوري قال لأحد العائدين منهم: تتذمر؟! اشكر ربك لأنك لم تعد قبل الانفصال وإلا لسلخنا جلدك! لكن التنبيه الذي وصل من ذلك العائد لم يوقف الاحتفالات بالانفصال ووداع العائدين في المطار. امتلأت الحقائب بالهدايا لمن غابوا عنهم ثلاث سنوات طويلة. دعيت ليلى إلى إحدى تلك الاحتفالات. فقالت في لباقة: لاأستطيع أن أغيب عن دروسي. لدي دوام في المستشفى! الطب ليس كالحقوق والآداب! اعتذار لبق. ولكن هل تجهل ليلى أن المحتفلين لاموها على برودتها؟ زارها رضوان. ونقل لها أن جماعته تتساءل لماذا لايهزّها الحدث العظيم. عظيم؟ اسمع لنقل إن الوحدة بالشكل الذي تمت فيه خطأ، وإن الانفصال الذي ترتب على ذلك حدث محزن أيضا! لكن لاتكلمني عن الأحداث الكبيرة! ذكّر أصحابك بأن أبي قتل في فلسطين. لدي إذن من يعلمني كيف أحب بلدي. لست في حاجة إلى أساتذة. هل كانت فظة؟ رأته يشرب كأس الشاي في ارتباك. فكادت تعتذر له. لكنه نهض محرجا. لايرضيه جوابها هو المولع بتصنيف الطلاب في لونين: أبيض أو أسود، تقدميين أو رجعيين! لم تقدر أنه أتى إليها بنفسه ليدعوها إلى الاحتفال! كان على حق عندما قال إنها مغرورة ومتكبرة! كان رضوان مضطرا بعد أيام إلى اللقاء بليلى بطريقة أخرى. سأله عمر عن ليلى منذ وصل. استقبله رضوان وأتعبه بالسهر معه حتى الفجر. مدح صموده وبطولته. وحاول أن يعرف كيف عاش في السجن، وسأله هل رأى من قتل فيه وكيف. نظر عمر إليه. هل يستطيع أن يروي له حياة طويلة في سهرة؟! عندما قيل لعمر في السجن: خذ أغراضك واخرج أنت حر، تناول رباط حذائه وحزامه والنقود التي صودرت منه. وقال: ياللأمانة! كدت أنساها! قدّر وهو يشد حزامه كم ضيع من وزنه. وتبين وهو يعقد رباط الحذاء أن حذاءه قديم. عندما خرج فاجأته سماء واسعة. فخطر له أن يمشي وعينه عليها حتى البيت الذي خرج منه آخر مرة. لكنه شعر بأنه يمشي في مدينة غريبة. بدا له أن ملابس الناس تغيرت، ولاحظ أبنية جديدة شيدت في غيابه. صارت الفتيات أكثر عناية بوجوههن وشعورهن. أيمكن أن يتغير بلد هكذا في ثلاث سنوات فقط؟ تردد قبل أن يطرق باب البيت الذي كان يستأجر غرفة فيه. فتحته صاحبة البيت التي كانت تغسل ثيابه وتهيء له الفطور. نعم، عرفته لكنها تلفتت وهي تستقبله. مرّ وقت حتى استبعدت حذرها واعتذرت منه: فتشوا غرفتك عدة مرات. في كل مرة كانت عدة سيارات تحيط بالبناء، ويهرع رجال بملابس مدنية فيغلقون المدخل والأدراج، ثم ينبشون كل شيء. سألوني عن زوارك، وطلبوا أن أصفهم. أمروا وتجبّروا. وماعاد أحد يجرؤ أن يستأجر غرفتك. من يرغب في بيت تزوره المخابرات؟! هكذا انقطع رزقي ياابني. حفظت لك ثيابك أما كتبك فأخذوها كلها. في بلده ذكرت له أمه من وقف معها ومن جفاها. وذكر له أحد أصحابه المخلصين من بقي على العهد ومن صار مع المخابرات. وقال له أبوه إن الأرض أمحلت طوال الوحدة، لكن بيت الأسد لايخلو من العظام ويستطيع عمر أن يختار البلد الذي يكمل فيه دراسته! تنقل عمر بين الأسماء التي ذكرت له دهشا، فمنعه صاحبه من الخيبة: أفسد الناس، بالوهم أو بالمال! صار الأخ يتجسس على أخيه! هذا ماكسبناه من ثلاث سنوات مضت! لكنه تبين أن الناصريين قوة موجودة. وفهم من الابتسامة ومن العبوس ماحدث عندما زار الجامعة. خيل إليه أنه صار غريبا بين مجموعات متخاصمة. وتساءل: متى أصبح هؤلاء الشباب كلهم طلابا ؟! وهل تخرج كل من أعرفهم؟ وأين من لاأراهم اليوم؟ في السنة الاولى من السجن كان الحصار دقيقا على المعتقلين. عوملوا كأنهم أعداء أو كأنهم عملاء إسرائيل. ومع ذلك عرف المعتقلون من قتل بالتعذيب. ووصلت أخبار الناس إلى السجن. تراخت المراقبة في الأشهر الأخيرة وهربت للمعتقلين أقلام وأوراق وكتب. واستقروا في نظام دبروه لأنفسهم كأنهم سيقيمون أبدا. تفادى عمر الحديث عن الضرب والتعذيب لمن استقبله. ليس الحديث عنها ممتعا! هل يروي لهم أنه تأمل في السجن جروح الروح وهو يمنع أنينه من الوجع. هل يقول لهم إنه استدعي ليتفرج على المنسحبين الذين تبرأوا من مبادئهم وماضيهم! كيف استطاع عمر أن يعبر الخيبة والضعف؟ ارتفع على الوهن والحزن باحتقار الأشرار الذين أبدعوا في إهانة طرفين معا، المنسحبين الذين سيحررون من السجن والباقين فيه. عندما ستسأله ليلى فيما بعد كيف عاش ثلاث سنوات سيفهم هدف سؤالها اللبق، وسيقول فقط: استعدت مثل فوزي كتاب "تحت أعواد المشنقة". أخذ النازيون بطله ليتفرج على العشاق في الحدائق، وعلى الناس في الشوارع، كي يرى أن الحياة تجري دون أن تبالي بعذابه فلماذا يحمل نفسه تلك المشقة؟ وستفهم ليلى أن جروح الروح ماتزال طرية وستمسك بكفه وتهزها بين كفيها في صمت. كان عمر يستطيع أن يختار بلدا آخر ليختص فيه. لكنه فضل المدينة التي توجد فيها ليلى. قال: سأتعلم لغة عالمية وأرى البلد الذي أسس الاشتراكية في عصرنا! ابتسم له رفيقه وهمس: أفضّل لك لايبزيغ! لم يلن للإغراء لكنه تأمل النصيحة: لماذا يكون أول بلد أسس الاشتراكية ومازال يسندها أقل رخاء من بلاد اشتراكية أخرى أو غربية؟ أرسلت الجامعة رضوان ليستقبله ويرافقه ويترجم له. استقبلته امرأة طويلة بدينة شقراء في قسم الأجانب، رحبت به وبينت له أنها ستؤمّن له دورة مكثفة في اللغة وستكلف طالبا روسيا بمساعدته. بعد ذلك سيختص في أمراض القلب. سترى أن معلمتك في اللغة مستعدة لتعوض مافاتك منذ بداية السنة الدراسية. يقيم طلاب الطب عادة في معهدهم، لكن لدينا بعض المدللين من الأجانب الذين يتحملون الطريق الطويل إلى المعهد كل يوم كي يسكنوا في جامعة موسكو. بعد اللغة سأقابلك! إذا احتجت شيئا تعال إلى مكتبي! رافقه رضوان بعد ذلك إلى مطعم الطلاب. سحب له صينية ومرّا أمام الطعام مع صف من الطلاب. لايحتاج هذا إلى لغة. تناول ماتريد، وستجد نفسك في نهاية الصف أمام المحاسبة التي ستأخذ منك مايلزم. لن تدفع أكثر من نصف روبل ثمن الوجبة. ضاع عمر وسط ضجة الطلاب والصواني، تناول الخبز مثلهم من سلة كبيرة ورأى الطلاب الذين أنهوا وجبتهم يرمون مابقي منه. قال له رضوان: نعم، هدر! لايدفعون ثمن الخبز! مشى معه بعد المطعم إلى المخازن في القبو: من هنا تشتري الرز والسكر والشاي والقهوة والشوكولا والحليب واللبن، ومن القبو المقابل تشتري اللحم والدجاج. قرب الباب في القسم الذي تقيم فيه هناك بائعة البرتقال والأناناس والموز. لم يتغير ثمن أي شيء منذ وصلنا حتى اليوم. في سوق الخضار وضع آخر، فهناك يعرض الفلاحون خضارهم وعسلهم ولحومهم. ولاتخف، فالسوق مراقب صحيا! بحث عمر عن طريقة يقابل بها ليلى. أراد أن يتفرج على المدينة، ويتعلم أسماء محطات المترو والباص الضرورية له، وأن يتعلم الحروف وبعض الكلمات، وأن يتبين أين يطبخ وأين يستبدل الشراشف والمناشف. كان دؤوبا مثابرا وأنجز كل يوم ماقرره لنفسه. أخيرا وقف أمام النافذة يراقب العتمة البطيئة حول شجرات الصنوبر الرمادية في حديقة الجامعة الممتدة. وقدّر أنه صار يستطيع أن يقابل ليلى. رأى دهشة رضوان عندما طلب منه عنوانها. تساءل: ليلى؟ لم تشاركنا في أفراح الانفصال! وعندما عاتبتها أجابتني بفظاظة! قال عمر في مرح: ليلى فظة؟! ليلى أرق من النسمة. لكن إياك أن تمسها! لاتريد أن تزورها؟ لن أرغمك. دلني فقط إلى مكانها! مع ذلك لم يقصدها عمر في غرفتها. بل حام حول مدخل القسم الذي تسكنه الفتيات. تأمل المرأة السمينة التي تراقب الداخلين وتعيد الهوية لمن أنهوا زيارتهم. بدت له تلك القيود زائدة. فهل سيضع هويته لدى المرأة كلما دخل ويستعيدها كلما خرج؟ في بلده من يسأل شخصا عن هويته؟! وأدهشه ألا يجد مقعدا يجلس عليه في أي ممر. قال له رضوان: ولماذا يجلس الناس في الممرات؟ في وسط كل طابق مقاعد فخمة وطاولات للعب الشطرنج! حتى المقاهي غير ضرورية لأنها تعلم الناس الكسل! آه، يبدو أنه سيختلف مع رضوان! أيمكن ألا يوجد في هذه المساحات الواسعة من حدائق الجامعة مقهى؟ قال له رضوان: لكنك ستجد بائعة بوظة. استسلم عمر لوهن قلبه وهو يفكر في لقائه بليلى. وصار بعد الدروس يقصد بوابتها، يتجول هناك أو يقف مستندا بظهره إلى النوافذ العريضة. وبدا له أنه اختار أفضل الزوايا لانتظارها. رآها من أول الممر الواسع قادمة تحمل بيدها محفظة كتب. تقدم إلى طريقها. كانت تمشي كمن حفظ مساره فلم يعد يفحصه. كانت راجعة بعد ساعة أمضتها في الطريق. فعبر الممر إليها وتوقف. تجاوزته ليلى ثم صحت والتفتت إليه. حدقت فيه دون أن تتقدم نحوه. ابتسم ليؤكد لها أنه عمر. رآها تغمض عينيها وتفتحهما ثم تنزل محفظتها ويمتلئ وجهها بفرح صاف. هزت رأسها مرات كأنها تقول إنها لاتصدق أنه هنا. وبدت غير قادرة على المشي إليه. وبدت كمن يلومه لأنه لم يعلمها بوصوله. أتلعب ياعمر؟ لماذا أردت أن تفاجئني؟ ضحكت دون أن تقول كلمة. تفرجت عليه من مكانها، قاست طوله وعرضه، وزنته، فحصت لون شعره ولون عينيه. بقي لون عينيه الفاتحتين ساحرا، بقيت سمرته الغامقة حولهما غريبة، بقي شعره الملوح بالشمس كما كان! لا، فيك شيء تغير. ماهو؟ لاأستطيع أن أحدده الآن! تأملها عمر من مكانه، بابتسامته الملتبسة، بفرحه الذي يظهره ويخفيه، بإعلانه أنه أراد أن يفاجئها وأنه كان حريصا في اختيار البرهة المناسبة. تأمل قامتها ولون شعرها ولون عينيها. نحلت ليلى قليلا! لكنها فاتنة. يالرشاقتها وهي تمشي في ذلك الممر. لاتكاد تمس الأرض! عندما تنهدت في عمق فهم أنها تقول له كفى! ومشى إليها. يعني هذه صدفة ياعمر؟! أبدا ياليلى! أنتظركِ منذ أيام! لم يقل لكَ أحد أين غرفتي في الجامعة، وماأسهل أن يُعرف فيها مكان أي شخص! لم تتذكر هي نفسها سؤالها بعد برهة ولم تنتظر جوابا عليه. نعم، هكذا أفضل وإلا لالتقيا في حشد من الناس! وفّرت عليه هويته فتركت هويتها لدى الحارسة وقالت لها شيئا لم يفهمه. انتظرت المصعد، ثم بدلت رأيها وسبقته إلى الدرج. صعدت كل درجتين معا. أسرعت في الممر على السجاد وفتحت غرفتها. أجلسته أمامها إلى الطاولة الصغيرة وأمسكت بكفه. أولا قل لي كيف حال جسمك وروحك! هل تتصورين ياليلى أن الجواب ممكن على سؤال في مثل هذا الطول والعرض؟ وقف وأشار إلى نفسه: دون نقص! أشارت له كي يجلس: كيف مضت السنوات الثلاث؟ فهم إشارتها الغيورة عليه وأجاب بايجاز فهمته: تذكرتُ كتاب "تحت أعواد المشنقة! وكم تحدثت مع فوزي عنه هناك! بلعت ريقها كأنه دموع محرقة ورأى عتمة تعبر عينيها. وكمن يبعد ذلك قالت له: لدي شاي مع الياسمين. تريد أن تشرب شايا مع الياسمين، أم تريد الزعتر البري السوري؟ هز رأسه: ماتختارينه! حملت إبريقا وقالت له: تعال! مشى خلفها في الممر إلى المطبخ وسط الطابق. فهم أنها لاتريد أن تضيع لحظة بعيدا عنه. قال رضوان ليلى فظة؟ ماأخشنه! بدا له أنها استطاعت أن تتأمل قامته في المطبخ ورآها تبتسم. قلتُ لك ياليلى: لم ينقص مني شيء! آه، يحتفظ بدعابته اللاذعة. روحكَ في أمان إذن ياعمر! فحص عمر غرفتها وهو يشرب الشاي. بدت له في صدر خزانة الكتب صورة وقف وتأملها. متى جمعتهم هذه الصورة كلهم؟ كيف انتقيتها ياليلى؟ شباب ضاحكون، ينحني الواقفون في الصف الأمامي قليلا كيلا يحجبوا الواقفين في الصف الخلفي. ماالذي أضحكهم قرب تلك الشجرة الباسقة؟ كأنهم يختلطون بأغصانها! أي فرح يتألق، وأي أمل يعدهم! كأنهم سيرسمون مصائرهم كما يريدون! بدت له أولا تلك المجموعة السعيدة من الشباب. ثم فحص وجه ليلى وسط الصورة، ووجهه. يحاول أن يظهر خلفها تماما! وهناك قيس ينظر إلى المصوّر في ثبات، وهذا زياد، ابن خالة ليلى. وتلك غادة ومديحة! نظر إليها زمنا. هل انتقت ليلى الصورة في أناة لتبقي الأعزاء عليها أمامها؟ قال لها: ليست عندي نسخة منها! أعرف أني عشت تلك اللحظة لكني لاأذكر أني رأيت صورتها! سترى ياعمر فيما بعد مالدي من صور. تبقى الصورة ويمرّ العمر! غمرها أسى أبعدته برشف الشاي. بعد الشاي كان عمر قد تجاوز دقة اللقاء وعادا كما كانا في آخر الأيام قبل أن يفرقهما اعتقاله وسفرها. انساب الحديث عن أصحابه، من رحل، من مرض، ومن صار يستدير عن أصحابه القدماء. يبدو أن الغدر لايوجد فقط في الحب بل في الصداقة أيضا. اكتشاف ياعمر؟ ربما كانت السنوات قاسية على الناس فتبددوا! هل توقعت ليلى أن يصبح عمر قاسيا لأنه عبر نفق السجن! وجدت النقيض. بحث عمر عن الأسباب التي تفسر ضعف الناس. تعلم الرحمة لأنه ذاق مقدارا من العذاب لايتوقع أن يتحمله آخرون! بددتَ إذن ياعمر صورة البطل القاسي واستعدت رحمته! لم ينتبه أي منهما إلى أنهما تجاوزا الساعة العاشرة. نهضت ليلى: ستُحجز هويتي! نزلا معا فهويتها رهينة حتى يخرج الضيف. لكن لقاءهما لن يكون صعبا بعد اليوم. عرف أوقات دروسها. ياعمر، لدي من يؤمن لي بطاقات للمسرح في الصف الأول! لاتفوّت ذلك! لم يقل لها مسرح، وأنا أجهل اللغة؟ ومع ذلك سيوافق على مرافقتها. لم يخمن أنه، من العناية به، سينقل إلى كييف. قرع الجرس في غرفة ليلى. جرس مستعجل. دقتان ثم دقتان، ثم دقتان. كانت تجلس إلى الطاولة مواجه النافذة. ومافائدة النافذة هنا أكثر أيام السنة؟ نافذة مزدوجة تضع بين زجاجيها قنينة الحليب وعلبة الزبدة. تغلقها بالقطن واللاصق طوال الشتاء. تستخدمها إذن كبراد! لاتبالغي ياليلى! ألا تتفرجين على الثلج مستمتعة به؟ بلى، في أوله! ألا تستمتعين بالمطر وتتفرجين عليه؟ بلى، لأرى كيف يكون مطر القصيدة التي تعلمناها في صف اللغة! آه، أين السماء الزرقاء المرتفعة! السماء هنا تكاد تلتصق بالرأس! لاتفكري في ذلك، اكتبي بحثك! تتبين ليلى كلما رفعت رأسها عن الطاولة التي ملأتها الكتب والأوراق إلى النافذة، اتصال أهل بلدها بالسماء في النهار وفي الليل. يترقبون المطر، يراقبون غيوم المساء الملونة، ينتظرون الصحو، يرصدون نجوم الليل، يفحصون الهلال ويستسلمون للبدر. تعود إليها أيام طفولتها. تقول لها طفلة: لاتعدّي ياليلى النجوم وإلا ظهرت في يديك الثآليل! فتهمس منور لها: عدّي منها مايلزمك لتحبكي طوقا من النجوم! طوق من النجوم؟ تعوم ليلى على ابتسامة أمها. هل تعلمها منور أن تمد ذراعها ولاتتهيب المستحيل؟ بعد سنوات أشارت منور إلى طوق من الفضة في واجهة في سوق الصاغة: هل أشتريه لك ياليلى؟ هزت ليلى رأسها: لا، أريد طوقا من النجوم! أمسكت منور يدها ورفعتها إلى شفتيها: مازلت تذكرين ذلك؟ ابتعدتا عن الواجهة. هل علمتها منور أن تقيس مايمكن أن تمسك به بالمستحيل لتتجاوز الممكن؟ قالت ليلى بعد عقود لعمر: السبب هو ذلك العقد من النجوم! فنظر إليها مستفهما وهو يتبين كم تزيد من حيرته ويأسه. أكملت له باختصار: شجعتني منور ذات يوم أن أقطف النجوم! فخبا ضوء جميع العقود! وبقيت بين الأرض والسماء! ركضت ليلى في الممر الطويل. من يخابرها في هذا الوقت والسماء موصدة ومنخفضة؟ تناولت السماعة من الطالبة المناوبة. خفق قلبها فجأة وسمعته يقرع كالطبول. لحظة فقط! مشت إلى كابين التلفون وأغلقت على نفسها الباب الزجاجي. تحاول أن تمسك بقلبها خلال هذه البرهة! هل هذا صوت قيس؟ لم يعاتبها لأنه خابرها مرات ولم يجدها! لم يقل لها لماذا لم تكتبي رسالة! لم يلمها لأنها ضاعت منذ بطاقتها إليه في رأس السنة! صوته محمل باللهفة وهو يسألها: كيف حالك؟ ومحمل بالفضول وهو يسألها: ماذا كنت تفعلين الآن؟ ومحمل بالوجد وهو يسألها: ماذا تلبسين؟ نظرت إلى نفسها لتجيبه: بلوزة زرقاء وبنطلونا نيليا! قال: تصورت ذلك! كيف خمنت؟ لاأعرف، لكني تخيلتك تلبسين هذا اللون! هل تصغي إلى كلامه أم تمسك فقط بصوته ولهفته وتتمسك بما فيها من شوق؟ لم يعد قلبها يطرق أذنيها. انساب الحديث بينهما رائقا كأن السنوات لم تقطعه. ماهي النكتة التي رواها لها عن نفسه حتى تضحك هذا الضحك؟ وماذا قالت له كي يضحك هكذا؟ كيف عبر الحدود المتزنة بينهما فنادها وهما يتحادثان ياسنجاب، وعبرت تلك الحدود فقبلت نداءه واستمرت في الحديث. أزاحا طبقات متنوعة ذات ألوان قاتمة وملونة ووصلا إلى الصداقة العميقة بينهما. نعم، هذا حديث بين صديقين. شكى لها أحد أصحابه، ونقل لها خيبته: تتصورين أن هذا الشخص ذكي وعميق فتكتشفين أنه يسبح على السطح! يركب الموج! تنصحه: لو كنت مكانك لما توقفت عند هؤلاء. بل اجتزتهم بسرعة. هل تقطف الحكمة دون حزن؟ يلمح أنها لاتحب الوقوف عند الخيبة بالناس. يالهذه الشابة! تحمي ايمانها بالناس ولاتسمح له حتى بالحديث عنهم! يتمنى أن يتبحر بما لايستطيع الحديث عنه: الانهيار الأخلاقي في النساء اللواتي عرفهن! يريد أن يصرخ: اكتشفت أن التربية الاشتراكية هنا لم تمس غير السطح! أكل اليهود الأخضر واليابس! أفيقي ياليلى! الخراب اجتاح الناس! تجره بعيدا، فتحدثه عن المسرحية التي شاهدتها أمس. يقول لنفسه: لذلك لم أجدها في غرفتها! لكنه لايخبرها بأنه خابرها أمس. الكرامة! تعرف ماذا أعجبني؟ يفاجئك الممثلون على درج محطة المترو بملابس بداية القرن. وفي بهو المسرح تراهم مع رايات الثورة ويافطاتها. تشعر حولك بتلك الأيام قبل أن تبدأ المسرحية بأدائها. ربما فكرت أيضا بأن المسرح كان في أوله احتفالا من احتفالات الناس قبل أن يسلخ عنهم بالمنصة وتبعده الأنوار عن المتفرجين! رفعت الطالبة المناوبة رأسها مرات إلى ليلى المغمورة بالفرح وبالانتباه وراء زجاج كابينة الهاتف. شغلت ليلى التلفون ربع ساعة كاملة. لابأس! توفر عليها متابعة رنين التلفون وضغط أزرار الغرف! رفعت نظرها عن الكتاب الذي وضعته على طاولة المناوبة وتأملت ليلى التي لاتنتبه إلا إلى الصوت الذي تصغي إليه. ماأسعدها! قبل شهر ربما كنت مثلها. لكن الحبيب الذي تصورته سيبقى وسيؤسس معي أسرة استدار إلى شابة جميلة. هل أنا غريبة الأطوار بين شباب يستهويهم التنقل بين حب وآخر، قبل أن يغرقوا في العمل؟ انشغلت بالعروض التي قدمتها لي عشرات المؤسسات كي أعمل فيها بعد تخرجي السنة القادمة. أخذوا اسمي مع أسماء المتخرجين وبسطوا شروطهم. سألت الحبيب وأنا أفحصها أي بلد سيختار ليعمل فيه كي نكون معا. وفهمت وقتئذ أنه لم يقرر أن نبقى معا. لاتزال ليلى تتحدث في كابينة التلفون المعتمة، وتتوهج في تلك العتمة! محظوظة! على سلك التلفون الدقيق انتقل كل منهما إلى جزيرة مأهولة تجمع من عرفاه. يالهذا السحر! قفزت ليلى على سجاد الممر الأحمر كما يقفز الأولاد، مرة على هذه الساق ومرة على تلك وهي تعود إلى غرفتها. وعندما فتحت بابها لم تجد الغرفة صغيرة. فتحت النافذة فاندفع هواء بارد إلى الغرفة تنفسته بعمق. أطلت كأنها تريد أن تصل إلى الحدائق التي تحيط بالجامعة. ثم لبست معطفها بسرعة . لم تنتظر المصعد، فنزلت على الدرج قفزا، عبرت الممرات والمدخل الواسع بين المرايا إلى الباب الرئيسي ومشت. نسيت قبعتها وإشاربها. لابأس. رفعت قبة معطفها ومشت في الليل. ماهذا الليل المضاء بأنوار المدينة البعيدة؟ مشت حول البركة الواسعة وعبرتها حتى المطل على نهر موسكو. ماأطول المسافة التي عبرتها وسط الحدائق بين الجامعة والمطل! ومع ذلك لم تشعر بها. كانت تستعيد حديثهما وتوقف الكلمات لتتأملها، وتوقف الضحكة لتسمع رنينها. لو تستطيع أن تسجل ذلك وتتركه يصدح في غرفتها! علقت معطفها في الخزانة، لبست بيجامتها وغفت بسرعة. ماذا رأت في الحلم؟ صحت وهي تشم عطرا، شما عميقا. ابتسمت لنفسها: لم أشم بهذه الطريقة في حياتي. بصوت! وغفت مرة أخرى كأنها تخشى أن يهرب الحلم. لعلها شعرت بعناق حنون، لعلها استسلمت لقبلة، لعل يدا تفقدتها في شغف، لذلك استسلمت لعذوبة ناعمة وغفت على مخملها. ولم ترغب أن تفيق في الصباح. أسكتت المنبه وحاولت أن تستعيد الحلم. آه، تعجز عن ذلك. لابد أنه كان حلما جميلا لأن عذوبته لاتزال في فمها، تسري إلى جسمها وتصل حتى أناملها. ولاتزال روحها تسبح في تلك المتعة الرائقة الشفافة. تمسكت مغمضة العينين بتلك العذوبة. أيحتاج الإنسان إلى هذه الدرجة إلى الحب؟ أيكون الحب له كالهواء والماء؟ لكن هذا ليس حب عشيقين يضطرم وينطفئ. هذا حب أصدقاء، حب مستمر رغم البعد. هل تجهل أن قيسا لايستطيع أن يعيش دون نساء؟ لكن ذلك لايشغلها. قد لاتلتقي به أبدا مرة أخرى. لكنه موجود في مكان من هذا الكون. وتستطيع أحيانا أن تسمع صوته رائقا وحنونا. وتعرف أنه في مساحة ما لايمكن أن يتفاهم مع سواها ولاتتفاهم مع سواه. يهب كل منهما الآخر صداقة لايهبها له إنسان آخر ولايستطيع أن يهبها لآخر. صاحت ليلى عندما نهضت أخيرا وهي تقف أمام النافذة: ماأحلى الدنيا! ياليلى، ألا تلاحظين أن البرد جمد الثلج على أغصان الأشجار فبدت أسطورية كأنها في مسرح؟ ألا ترين هذا اللون الأزرق الرمادي الشفاف الذي يغلف الدنيا؟ لم تعد السماء منخفضة! بدت ليلى براقة في ثوبها الفيروزي في احتفال المساء. جلست على المقعد الوثير في صالة الجامعة لتتفرج على ساحر أخرج عصفورا من كمه، ونشر مناديل ملونة طويلة عريضة تناولها من كفه الفارغ، ورفع الشابة التي ترافقه في ألعابه فبدت معلقة في الفضاء وأدخل حولها حلقة تؤكد أنها معلقة في الفراغ. صفق الحاضرون لخفته. بدت ليلى سعيدة وهي تجلس قرب مارغريت. راقبها عمر من بعد. هل الألعاب سبب هذا الضوء الذي جعل وجهك يشف، ياليلى؟ ماذا تخفين حتى عن صديقتك الجالسة قربك؟ فهم في الأسابيع القليلة التي بقي فيها في موسكو أن ليلى تحتمي بصداقة عدد كبير من العراقيين والسوريين والأردنيين والروس وتستبعد بها الحب! تشيد حول نفسها حلقات يصعب أن يخترقها المتيّم. شعر عمر بأن له موقعا خاصا وأنها تقول له مالاتقوله لأحد. ومع ذلك بدت له في روحها مساحات موصدة عليه. قامت بواجب الدليلة والمساعدة له. فرحت به يوم التقت به بعد السجن، وعانقت كفيه ولمح بريق الدموع في عينيها. استنطقته عن السجن، كيف هو، ماذا حدث، هل ضرب. سألته كيف رتب اختصاصه ولماذا اختار موسكو وكم سيبقى فيها. لم يبح لها بأنه قصد أن يختار المدينة التي توجد فيها. لكل منهما أغنيته. وهي بعيدة عنه حيث يريد أن تكون قريبة. ولايجسر أن يجتاز إليها خطوة قد تبعدها. ماذا يفرحك ياليلى إلى هذا الحد؟ ليس الساحر أبدا! فهي لم تصفق له. آثر عمر أن يجلس بعيدا عنها ليتأملها في حرية ويتركها تنساب حرة في عواطفها. هل يتأملها من بعد كما يتأمل مرجا من زهور البرية؟ هاهي تنهض مع مارغريت فيهرع إلى مكانها أشخاص واقفون يتمنون مقعدا. أصبحت القاعة باهتة بعد انصراف ليلى. لاالمقاعد الحمراء المخملية مغرية ولا الثريات مضيئة ولا توهج الأنوار على المسرح الواسع مبهج! بقي عمر زمنا ثم خرج من الصالة. أمامه تماما صادف ليلى وزميلتها. أنت أيضا لم تكمل الاحتفال؟ قال: مللت! ردت: مع أن اللغة ليست عائقا في هذا الاحتفال. وأنتما؟ نمشي في الممرات! نتنزه بين المدخل الرئيس وبين مدخل المرايا! وقد ننزل إلى المخازن والمطاعم في القبو! قالت مارغريت: لانريد أن نثقل أنفسنا بمعاطفنا لنتنزه في الحديقة! تعال امش معنا! يمشي معهما؟ بل يتخفى: سأخرج من الجامعة. عندي موعد. ابتسمت له ليلى: موفق. لم يخطر لها أن تتساءل هل موعده مع فتاة أم مع شاب! ابتسمت له ابتسامة صافية من قلبها. فشعر بخيبة عميقة وحمل حزنه وهو يبتعد عنهما. تأملته مارغريت وهو يبتعد. أهي التي خمنت أساه ووحدته؟ ألأنها ذاقت غدر الحبيب صارت أقدر من ليلى على اكتشاف أحزان الحب؟ لم تقل لليلى: هذا الشاب يحبك فلاتضيعيه! بل انساقت في أسئلتها. تكذب على نفسها إذا ادعت أنها نسيت وجعها القديم. يوم وصلتها "ورقة الطلاق" من دمشق صعقت. فالحبيب الذي هام بها سقط فجأة. كان يمشي معها في بغداد سرا عن أهلها وعندما يقدر أنها وصلت إلى البيت عائدة من اللقاء به يكون التلفون رن في انتظارها. كانت تجده أينما تلفتت وكانت في المدرسة بعد. قبلت أن تتزوجه. فقال لها أهلها: الزواج يغلق المستقبل! أمامك الجامعة! الحب يغلق المستقبل؟ بل يفتحه. تزوجته وعاشت سعيدة وأنيقة حتى هبت المظاهرات ضد حلف بغداد فكان في وسطها وهرب إلى دمشق. لو تستطيع أن ترى الشابة التي سحرته في دمشق ونزعت عنه سحر الحب الذي عاشت به مارغريت! مر وقت طويل بعد ذلك وكانت تتألم. فقالت لها أمها ذات يوم: كفى! اخلعي ثوب الحداد! كانت قد اجتازت مسافات لايمكن أن تتابعها امرأة في عمر أمها نسيت أوجاع الشباب وأوهامه. فردت: لست حزينة عليه. حزينة لأني ماعدت أستطيع أن أصدق أحدا! وضعت أمها كفها على رأسها: هو الناس؟! يلزمك وقت يابنتي كي تفهمي أنه لم يرتفع كي يأخذ مكان الناس! بعد أن سمعت مارغريت شعر الجواهري عن الرجل الذي يحمل رزايا جيله ويتمنى الجيل أن يستعير منه صورته، فهمت أمها. لكن كم مضى من الوقت على تلك الأيام! كانت ليلى تشعر بحاجة إلى الزهو بفرحها في صمت بجوار إنسان. فرافقت مارغريت إلى احتفال الساحر. وكانت مارغريت تحتاج أن تمضع أسئلتها بجوار إنسان. لم تعرض رسالته إليها لليلى في ذلك المساء. لكنها ستعرضها فيما بعد. استمتعت مارغريت بالوقوف على الحد بين تحرر الروح الذي وصلت إليه بعد ألم الخيبة، وبين زوبعة الحنين التي أثارتها الرسالة. استسلمت لكلمات الحب ولرجاء المغفرة، وتأملتها من مرتفع: بعد جولاتك بين النساء شرقا وغربا تريد أن تعود كالمركب الجانح إلى مرفأ هادئ؟ قرأتْ مرات كلمات الحب التي ملأ بها رسالته، ورغبته في عودتها إليه. لن أنشغل حتى بالغضب على وهمه بأنه سيجدني في انتظاره دائما! أستعيد الكرامة التي جرحها هجره المفاجئ؟ هل يواسيني ذلك؟ كم تأخرت يامواسم الزيتون! أتاحت لها الحفلة التي حضرتها مع ليلى أن تتحدث مع نفسها. ويتيح لها ذلك المشي في الممرات قرب الأعمدة المرتفعة، قرب أنوار ليلى التي تشع هذا اليوم بالرضا بالرغم من الثلج الذي ينهمر خارج الجامعة! كان الثلج مايزال يهطل على براغ. وقيس يستمتع بذلك البياض النقيّ. لكنه تساءل دهشا: تريدون الآن أن تحتفلوا؟ هل تستطيعون أن تجمعوا الطلاب العرب الذين يخافون من البرد؟ ردّ الطلاب الذين دعوه: سيكون الاحتفال نزهة نودع فيها الشتاء. اخترنا فندقا يطل على الغابات البيضاء. وافق لكنه قال: لاجديد لدي. سألقي قصائد قديمة. فليكن، ياقيس! مازالت قضايانا هي نفسها منذ بداية القرن! التدخل الغربي واحتلال فلسطين. أضيفت إليها مسألة الحرية. لكن لاتذكر الوحدة والانفصال، ياقيس، كيلا نختلف. هدف الاحتفال أن يجمع الطلاب المشغولين بدروسهم طول الاسبوع. سهرة السبت ويوم الأحد للراحة بعد الشغل. كان الطلاب يهرعون إلى كل قادم جديد، ليسمعوا مالاتنقله الأخبار. فيسألونه مستفهمين كأنه نبي موهوب بمعرفة الغيب. لايحيط الإعلام العالمي بعد بالكرة الأرضية ويتخم سكانها بالصور فيصعّب مهمة التحليل على السياسي. ولايزال السياسيون يتمخطرون في الاجتهاد الذي يفتح للمجموعة مساحات مجهولة. لكن الطلاب يحتاجون إلى لقاء يقرّب الواحد من الآخر ويروي الروح. سيأتون من أنحاء المدينة ومن مدن أخرى. لذلك قال منظمو الاحتفال لقيس: سيكون لقاؤنا غنيا بالطعام والكلام، ولابد من الشعر! قصدت اللجنة التنظيمية بالاحتفال التذكير بالانتصارات الماضية التي كانوا شهودا عليها أو سمعوا أخبارها من آبائهم. وأرادت أن تجمع المتحمسين للوحدة والمتهمين بأنهم ضدها. المهم أن يتذكر العرب مايجمعهم! يتسرب الوطن من الأصابع إذا لم تحيه العلاقات بين المجموعة. دونها يصبحون أفرادا متناثرين! فالحبيبة غريبة، والطعام غريب، والأصدقاء غرباء، والمشاهد كلها غريبة. واللغة طول الأسبوع غريبة! دعت اللجنة التنظيمية طلابا مستقلين وطلابا لايعلنون أنهم حزبيين. اشترط بعض المدعوين العرب رضا سفاراتهم ولذلك لم يشتركوا في الاحتفال. وتوجس آخرون من التقارير التي ستكتب لها أو مباشرة إلى أجهزة المخابرات فتنقل أسماء من حضر وماذا قيل، لذلك أعلنوا أنهم سيشاركون في الاحتفال بالروح. لكن اللاجئين السياسيين العرب الذي آمنوا بأنهم لن يعودوا إلى بلادهم إلا بعد أن تصبح "اشتراكية" أو "ديمقراطية شعبية"، تحمسوا لحضور الاجتماع. يدرسون بمنحة تشيكية ويعرفون أنهم لايستطيعون العودة إلا إذا تبدل نظام الحكم! وقبل الجواهري أن يكون ضيف الاحتفال. نعم، "كلنا في الهمّ شرق"! اختارت اللجنة التنظيمية الضاحية واستأجرت فيها فندقا كي يكون الاحتفال راحة تمتد من ظهر يوم السبت إلى نهاية يوم الأحد. بكّرالطلاب المتبرعون بالعمل وحملوا معهم الخضار واللحم إلى الفندق منذ صباح السبت. حضّروا التبولة والكبّة المقلية والكبّة بالصينية، والمناسف. وبان الموهوبون منهم بالطبخ. كان تحضير الطعام مناسبة للمرح، ولتعليم الطباخين التشيك تلك الأنواع من الطعام العربي. ورتبت الطاولات المتصلة في المطعم وتُرك الصدر للضيوف والشعراء. حرصت اللجنة التنظيمية على أن تكون الكلمات وطنية عامة، لاتلمس الجروح. فإذا ذكرت الوحدة فلتذكرها كحلم وأشواق وإرادة، وكضرورة لمقاومة إسرائيل. وليتحدث الخطباء ماشاؤوا عن فلسطين التي يعرف أي طالب عربي أنها عربية الروح والتاريخ، وأنها أخذت من العرب بالقوة! بدأ الاحتفال بأبيات من الشعر جمعها عريف الحفلة من المتنبي والجواهري وشوقي وميشيل طراد وعرار. وأمتع الحاضرين بإشاراته التي ذكرتهم بإلقاء تلاميذ المدارس، وبأخطائهم اللغوية الفادحة. قالوا له عندما نزل من المنبر: كسرت رأس المتنبي. أما الجواهري فسيدافع عن نفسه إذا لم يكن متسامحا! فأجابهم: نسيتم أني طالب في معهد الهندسة لافي قسم اللغة العربية؟ ردّوا: أنت الذي نسيت فوضعت رأسك حيث لاتستطيع رفعه! كان الخطيب يتحدث عن الشعوب العربية البطلة الصابرة، وعن الأحلام العربية التي لن تذبل أبدا. وكان أجمل مافي كلمته قصرها. ثم بدأ الشعر! صفقوا لقيس الذي ألقى قصيدة قديمة عن طموح شاب إلى الزواج من فتاة ليس لديه مايقدمه لها. وسيقول فيما بعد لزائره الذي باح له بأنه نقل تلك القصيدة وأرسلها لمحبوبته كرسالة شخصية فزوّجته منها: لكنها لم تزوّجني ممن أحببتها! عندما ينشد قيس تندفع الأشواق التي لم يكتب بعد عنها، وتحتشد الصور التي لم يمسكها بعد بقبضته، فيمد يده إلى طيفها راجيا منه أن يقترب. تلوح له مشاهد حياته العابقة بطيوب غير مصنّفة. فيشفّ ويبدو وجده على وجهه وفي أصابعه ويضطرب في ملامح وجهه ويترقرق في صوته. اقرأ ياقيس! اقرأ! لوّن قصيدته بشوقه إلى بردى وأزقة الشام، إلى الشباب الذي تركه هناك والأيام التي خبأها في ثنيات الطرقات والبساتين والمقاهي وليل نيسان الدمشقي. لايبالي قيس بابتسامات أصحابه التي تعلن أنها اكتشفت حبيبته. يعرفون أن صورتها في جيبه، يخرجها إذا رقّ الحديث بينه وبينهم ويدير وجهها إليه. تبحث ياقيس عن الحلم؟ ضاعت البلاد فاخترعت امرأة في سعتها؟ عصر قلبه وخاطب حبيبة بعيدة. لمس الأشواق التي تفور في قلب لايرويه حب موجود ويتوق إلى حب غير موجود، حكى عن عذاب لايدري أهو عذاب الحب أم عذاب الحلم الذي يهرب كأنه توق إلى مالايوجد إلا في الغيب الموعود! قال الجواهري لقيس عندما عاد إلى مقعده: هذا شعر! هذا شعر! فطار قيس من الفرح. وصارت لقيس سمعة من شهد في شعره الجواهري. بعد الجزء الاحتفالي الخطابي قُدم للمحتفلين الطعام العربي. استقبلوا صواني الكبة بالفرح. ووضعت زجاجات البيرة التشيكية على الطاولات في كرم. كانت السهرة رشيقة، وغنّى طالب حمويّ دون أن يترك مكانه حول الطاولة "ماحلى أنين الناعورة.. هي أنينها عل المَيّة وأنا أنيني عل الغالي". ثم ردّد الطلاب أغنية "حوّل ياغنام حوّل بات الليلة هين". فعلّق طالب: رعاة وأغنام في وسط اوروبا؟ ردّ طالب وهل تريدون أن نغني أغاني أسمهان وأم كلثوم؟ لم يعرف أحد منهم أن صوت قيس حلو وأنه الوحيد الذي كان يستطيع أن يغني ليت للبرّاق عينا، أو أن يغني سجى الليل! زها الطلاب بالاحتفال أمام صديقاتهن الأجنبيات. وبدا للفتيات أن الحياة مع هؤلاء الشباب ستكون ممتعة إذا كن محظوظات بالزواج منهم والرحيل معهم إلى بلادهم البعيدة. استمعت الشابة التي كانت ترافق قيسا يومذاك إلى شعره وأطربها الايقاع والإلقاء والحفاوة بقصائد قيس. ولم تفهم أن القصائد عبّرت عن أمنية اللقاء بأخرى. أكلت من الطعام العربي اللذيذ مع أنها تفضل أن يكون العشاء خفيفا. جرت السهرة رائقة وسجّل منظموها أنها ناجحة. في نهاية السهرة، والرضا يطفح على الوجوه، أصبحوا حول الطاولة المشتركة مجموعات. في مركز إحداها قيس. وبدا ولعه بالكلام فنسي صاحبته حتى طلبت منه أن تسبقه إلى الغرفة لتنام. وأرضاه أن تتركه يكمل متعته بالحديث. نهض بعض الطلاب إلى غرفهم، ورأى آخرون أن المشي ممتع في الغابات المتكئة على النهر والتلال! مشى قيس مع المجموعة التي تريد أن تودع الليل المضيء على مشارف الغابات البيضاء . اقترب منه عَلَم الدين القادم من موسكو وقصد أن يتأخرا قليلا عن الجماعة. قال له: أعجبتني قصيدتك! ولكن ماذا أقول لك؟! هل المرأة التي تراها أحلى النساء هي ليلى؟ هبّ قلب قيس. يريد أن يتحدث عنها مع شخص يبدو أنه يعرفها. وكم يهوى الحديث عنها الآن في هذا الفجر! يشعر بحبه وهو يصفه وينشره كما تنشر النساء على الحبال غسيلهن الناصع في الهواء والضوء! سأله ملهوفا: تعرفها؟ أعرف أخبارها! لذلك أنصحك، لاتعذّب نفسك.. أنت هنا مولّه وهي هناك، دون شك، مع روسي تعشقه! غاص الجرح في قعر قلبه. ليلى مع روسي غريب تعشقه؟ تلوّى. لماذا لم يتبين ذلك من حديثه مع ليلى بالتلفون؟ لماذا استرسلت في الكلام صافية، سعيدة بحوارهما؟ ومع ذلك يريد أن يسمع المزيد عن ليلى! استزاده. فكرر الرجل ماقاله بأشكال متنوعة. عادت الأغاني عن غدر النساء، وخيانة الحبيبات والزوجات! في قلب قيس شكّ ويقين. يتذكر ليلى وهي تبعده عنها فيقول لا، ليست سهلة! ويتذكر حوارهما الرائق بالتلفون فيقول ذلك مستحيل! ثم يقول في نفسه لم لا وهي مثلي تعيش في الغربة. لاب. ثم بدا أن ماأتاه بالقلق يأتيه أيضا بالخلاص. كم مرة قالت لك: نحن أصدقاء فقط؟ لاأمل ياقيس فاسترح وارم أحلامك! يدمّر الانسان أن يكون دون حلم؟ ويسوط الحلم الإنسان أيضا! لاحظ عَلَم الدين قلق قيس، وشعر بالراحة. كان عَلَم الدين يراقب ليلى كلما صادفها. فيراها حرّة لاتلتزم مثله بمجموعة سياسية، تسلّم عليه بحذر يظهر أنه لايعجبها. رآها آخر مرة في اجتماع عربي في قاعة في الجامعة وتأملها. استمعت إلى الذين يتصدرون الجلسة. وبدا له أنها تفحص الصدق والمراءاة وتصنفها على رفوفها فتنزل شخصا وترفع آخر. لماذا انفجر الخلاف فجأة بين السوريين من أنصار الوحدة بين سورية ومصر ومعارضيهم فغرقوا في بحث الماضي ونسيان المستقبل؟! كان يصعب أن تُفهم الكلمات العاقلة وسط الحماسة الملتهبة كالنار. كانت العواطف سيدة الساحة: "الوحدة بأي شكل لن تكون إلا خيرا"! "لا، بل كانت نظاما إرهابيا! ياأخي، يجب أن تحطّ المثل على الأرض ولابد لها من شروط كي تعيش"! رأى ليلى تنسحب من الاجتماع في هدوء. فلحقها: لم يعجبك اللقاء؟ ردّت: يبدو أن الخلاف سيمتد بينكم هكذا سنوات! ولاوقت لدي! ياللنبوءة! سيشغل حتى عَلَم الدين الخلاف الذي سيشطر مجموعته. وسينتبه بعد سنوات إلى أن موضوعات الخلاف تتغير وتبقي أصحابه كالسجناء فيه، بعيدا عما يجرف العالم. سيرفع عَلَم الدين رأسه قليلا عندما ينهار المعسكر الاشتراكي ويعلن إلغاء الاتحاد السوفييتي، ليجد أن موضوع الخلاف تغيّر.. وسيكون الخلاف على شرعية الحزب الرئيس وشرعية المنشقين عنه. ثم سيصبح على العراق، وعلى ضمّ الكويت، وعلى الانتفاضة المسلحة والانتفاضة دون سلاح، وعلى غزو العراق، وعلى حق الأكراد في الاستقلال بشمال العراق.. في تلك الأيام قدّمت ليلى لمجموعتها في المستشفى استنتاجها. في لحظة شعرت بالخجل من المركز الذي يجب أن تقف فيه أمام العيون، وفي اللحظة نفسها اندفعت قاهرة خجلها. ونسيت إلا مايجب أن تدافع عنه. هل تدفع ثمن بريقها على تلك الذروة بالليالي التي سهرتها وبالكتب التي قرأتها في المكتبة؟ وتدرك أن تلك الذروة ليست للزهو المغرور بالمعرفة، بل لكشف عجز الإنسان عن الإحاطة بالعلوم في حياة قصيرة! شكرت في نهاية محاضرتها الأصدقاء المخلصين الذين ساعدوها، أستاذها، والعاملين في المكتبة، وزملاءها، والمرأة التي طبعت البحث، ومن صحح الأخطاء اللغوية والمطبعية. قال لها أستاذها: التواضع من ضرورات العلم، لكن لم يبق غير أن تشكري المارين في الشارع! رجعت راضية. نعم، راضية بالنتائج التي وصلت إليها. لايعرف تلك اللحظة الخاطفة من السعادة إلا من غطس في بحثه وتاه فيه وعصف به اليأس وفكر فيه في النوم وفي الصحو، ثم صرخ في الليل: وجدتها! وصعد كما يصعد الغواص إلى سطح الماء مع مكتشفاته. لايوصف الفرح بالنجاح في العمل بعد الضنى فيه! هذه هي السعادة الحقيقية! في تلك الدائرة لايجسر الغد الجميل ألا يأتي. تكاد أنفاسه تهب وتلفح من حولها. لكن ماأسرع تلك اللحظة التي يمتد بعدها الشعور بالعجز أمام سعة مالم يُنجز بعد! مشت ليلى إلى القسم الآخر من الجامعة. اشترت بعض البرتقال، وثمرة أناناس. نزلت إلى قبو الجامعة واشترت شوكولا ذات أغلفة ملونة، وزجاجة حليب، وأصابع مملحة. اقترحت مارغريت: فلنمش! برد! فلنمش إذن، كالعادة، في الممرات بين المرايا والأعمدة! يامارغريت، ستصلني بطاقات ممتازة لمسرح الفن. بطاقات للصف الأول! تذهبين معي؟ سآخذها من بائعة البطاقات في فندق رسيّا! أعطيها روبلا إضافيا عن كل بطاقة! هل تظنين أن الشال الصوف الذي أرسلته لي أمي وأعجبك يمكن أن يعجبها؟ سيدة لطيفة ورقيقة! تفسدينها ياليلى! لا، أحبها! كانت مارغريت في تلك اللحظة تحتاج المشي مع ليلى. "خابرني طارق من فيينا، وقال لي تعالي! يريد أن نتزوج مرة أخرى"! انساب الحب القديم. أيام كانت تمشي معه في انتظار الزواج السعيد! كيف كان يمكن أن تقاوم ذلك الحب؟ هل تفهم الآن فقط أنه كان يستبعد قرار العقل بحضوره الدائم حولها، بصوته الذي تسمعه بالتلفون كل لحظة، بمروره تحت نافذتها، بإلحاحه على الزواج منها وتهديده الخفيّ بأنه سيربط قدميه ويديه ويغرق نفسه في دجلة! روت مرة أخرى لليلى فراقهما بعد المظاهرات الكبرى تضامنا مع مصر. رحل سرا إلى الشام، وانتسب إلى الجامعة، وأحب الفتاة التي تعرفها ليلى. كانت تشبه جينا لولو بريجيتا وكانت تقلّدها بملابسها وحركاتها. يومذاك وصلت ورقة الطلاق منه إلى مارغريت. "تصوري! ورقة الطلاق لي! من الرجل الهارب من قمع نوري السعيد ونظامه المتخلف"! "أتذكر ذلك الشاب الوسيم الذي شغلته إحدى زميلاتي في المدرسة! من كان يعرف يومذاك أنه زوجك المحبوب! كم الدنيا صغيرة، يامارغريت"! هاهو يخابرها مرات أخرى راجيا عودتها! أجابته ليلى على التلفون مرة يوم كانت مناوبة، فضغطت رقم غرفة مارغريت. ولمحتها من خلف زجاج الكابين سعيدة وقاتمة. يرجو مارغريت: أنا في فيينا، اغفري لي وتعالي! تغفر له؟ وهل نسيت حبه وأذاه؟ لكن السؤال لايوجه إلى القلب بل الى الكرامة! "مارأيك ياليلى؟ هل أسافر إليه"؟ "لايقرر ذلك أحد غيرك يامارغريت"! تجولت ليلى في نهاية ذلك الأسبوع في متحف ترتياكوف مع أسئلة مارغريت. تريّثي يامارغريت كي تجدي جوابا لاتندمين عليه! وقفت ليلى أمام اللوحات خاشعة. كم أحب الرسم! ليتني أعود طفلة كي أبدأ رسامة! تنقلت ليلى بين قاعات المتحف. كان عَلَم الدين وقتذاك يقول لقيس: مسكينة! أصبحت نحيلة جدا من الإدمان على الفودكا! وكان قيس يعرف أن الشرق يحارِب بالأخلاق ليلوث الخصم حيث لايستطيع الرأي أن يواجه الرأي المخالف. وليس الخصم فقط عدوي، بل الخصم أيضا هذا الذي لايوافقني ولايطيعني ولايرائيني ولايقبل هواي! والخصم من يرفض الولاء لي. لكن الشكّ وقع في هوى قيس وسيستمتع بعذابه! متى تصور محمود أنه سيسوس حياته كما يسوس فرسه؟ وقت استمتع بقوته وهو يطير على الفرس ويجتاز الحواجز ويسجل قفزات جميلة؟ وقت تجاوز الدروس وملك الرشاقة؟ لم تكن مهارته خيالا فالصورة الموضوعة على طاولة في غرفة الجلوس تظهرها. أراد محمود أن يخفي تلك الصورة مرة، لكن غادة أمسكت بها: أحبها! يبدو أن محمودا كان هو الفرس الذي ساسته الأحداث! نعم، نسجت الأحداث حياة محمود، وعندما استعادها تبين أن وهج النصر لايمحو خيبة الهزيمة. وبدا له أن ماظنه نصرا كان خيبة جديدة. في أول سنوات الوحدة ظل يعجب لأن اسمه لم يكن في قوائم المسرحين. ثم نقل إلى القاهرة. قال لغادة فيما بعد: كانت الإقامة فيها كسلا وأرقا، بينما كان يفترض أن ترتقي فيها معارفي العسكرية. فهمت هناك الإغراء بالدعة وبمباهج البطالة والسياحة. اشترى محمود سيارة بعد عودته، لكنه كان تعيسا. وبدا لغادة أن السيارة لم تكن للنزهة بل للتأمل والوحدة فكان يركبها ويغيب في الغوطة أو يتوقف في الصحراء على طريق بيروت. منذ بداية تلك الأيام القلقة لاحظت غادة أنه صار يشرب يوميا كأس ويسكي. قالت له: صرت مثل أمراء الخليج! وتذكرت كأس التوت الشامي الذي كان يهواه مع البوظ المدقوق، كأهل دمشق، وكان يستمتع حتى بلونه فيرفع الكأس ليرى من خلاله الضوء! لكنها راقبت يقظته خلال الأيام الاولى من الانفصال. توقع الانفصال منذ اشتد الخلاف بين السراج والمشير، وحشد كل منهما أنصاره. كانت أيام الترقب أفضل أيامه في تلك السنة، كأن الأزمة فتحت أفقا. خلال مفاوضات النحلاوي مع المشير في انقلاب الانفصال، حلم بأن تصحح الوحدة، وينفذ الاتحاد كما شاءه المجلس النيابي. تبدد الوهم. واستنتج محمود أن استعادة الأوضاع التي سبقت الوحدة مستحيلة. أوجعه أن الذين حكمت عليهم المحكمة السورية بالتآمر خلال العدوان على السويس، عادوا إلى صدر الحياة السياسية. فصار عازفا عن الخروج من البيت بعد عودته من العمل، لايمس سيارته عدة أيام أحيانا. وصار يشرب كأسين بدلا من الكأس الواحدة. قال: انتقدنا الوحدة، لكن الانفصال يتحدى مااعتمدناه قبلها! تساءلت غادة: مرة أخرى سنعيش في الهواجس والأرق؟ هل لامته وقتذاك لأنه هشّ، وبدا لها أنها أكثر منه صلابة؟! قررت أن تنتزعه من خيبته. واستنجدت بطفلها فحملته ووضعته في حضنه وأبعدت الكأس إلى المطبخ. فهم الإشارة وتكدرت عيناه، واحتضن الطفل. لكنها فهمت أن هما كبيرا يثقل على صدره، وأنها عاجزة عن دفعه عنه. وفسّرت بذلك، فيما بعد، اندفاعه في البحث عن حلول ضيّعته. وخشيت وهي تحمي صورته الجميلة في ذاكرتها أن تلومه لأنه لم يفهم أن الانتقام يأكل صاحبه! أفرحها أن ثورة شباط في العراق شغلته فصار يستمع إلى إذاعة بغداد وإلى تعليق القاهرة. كانت لديه أسئلة لايبوح بها. ثم أعادت ثورة آذار يقظته. وتابع زيارة علي صالح السعدي إلى سورية، وسفر الوفد السوري والوفد العراقي إلى القاهرة، ومباحثات الوحدة الثلاثية في مصر مع عبد الناصر. صار يعود متعبا وأفرح غادة ذلك. فقالت: رجع إلى الحياة! مع أنها فهمت أن تلك البداية ذات تتمة يجب أن تنتظرها. ففي الأحداث العاصفة تلتقي قوى ذات مشاريع وأحلام متنوعة ولابد من زمن كي تستقر العلاقات بينها. ألم تبيّن مباحثات الوحدة الثلاثية أن الوجع من الانفصال مازال يؤرق عبد الناصر كجرح شخصي، وأن الناصريين يريدون إعادة الوحدة كما كانت، وأن البعثيين يتذكرون أخطاء التجربة؟ قالت له: يامحمود، يبدو أن تجاوز الأمس صعب علينا جميعا! لكننا يجب أن ننجو بايماننا بالوحدة العربية ونحميه باحثين عن صيغة لانفشل فيها. بحثت غادة بعد سنوات عن المنعطف الذي ابتعد فيه محمود عنها وصار حريصا على إخفاء ما في قلبه. فاجأها مرة: الحلّ أن تعود الوحدة مع مصر لنتخلص من الأحلام القديمة التي نبشها الانفصال، ومن مشروع المشبوهين. تأملته. قالت: هل نسيت أن الوحدة ألغت المؤسسات الدستورية السورية، واعتمدت الاستفتاء بدلا من الانتخابات، والاتحاد القومي بدلا من الأحزاب؟! سياسة ناصر العربية خطأ. تدخّله في العراق طوال زمن قاسم خطأ. ألم نتفق على أن الحكم الفردي يخمد حيوية الناس ومسؤوليتهم؟ ردّ: سنصحح تلك الأخطاء خلال الوحدة! أذهلها فسألته: ولماذا لم تصحح في الماضي؟ هل تؤكد لك مباحثات الوحدة الثلاثية أن ناصرا اعترف بالخطأ أم العكس؟! سكت محمود. ولم يكلمها عن أمور جدية طوال أسابيع. لاحظت أنه يستمع كل يوم إلى إذاعة القاهرة. وكانت تبتعد عنه مقهورة وحريصة ألا تظهر له مافي نفسها. أدركت كم قرّبها منه في الماضي التفاهم الروحي. وكم يبتعد كل منهما عن الآخر الآن. أعتم وجهه يوم ذكرت أمامه المظاهرة الناصرية التي مشت في أول ثورة آذار ملوحة بالحبال إلى بيت خالد العظم فلجأ العظم إلى السفارة التركية. وانتقدت ثريا الحافظ التي كانت في رأس المظاهرة. قال لها بعد ساعة أمضاها جالسا وحده في الشرفة: تحدثنا مرة عن سبب استقالة الحوراني والوزراء السوريين. طلب الحوراني في اجتماع الحكومة المركزية منع تحويل مياه الأردن. واقترح منع إسرائيل من تنفيذ مشروعها بالقوة. مع إثارة القضية في مجلس الأمن كقضية تهدد الأمن والسلام في الشرق الأوسط. ومع توضيح موقفنا في العالم العربي. فماذا قال عبد الناصر له؟ الحقيقة التي لم تصلنا أو التي تجاهلناها هي أنه قال يومذاك: يقع المشروع الذي تنفذه إسرائيل اليوم جنوب المنطقة المجردة من السلاح، داخل إسرائيل. وهذا يحرمنا من المبرر القانوني للحرب. فقد كنا نقول دائما لايحق لهم دخول المنطقة المجردة من السلاح بمقتضى اتفاقية الهدنة. هل فاجأها محمود بأنه يعيد النظر في مسلمات واضحة؟ قالت له: ردّ أكرم الحوراني والوزراء السوريون على ذلك! قال الحوراني: المبرر هو حقنا في هذا النهر. لاحق لإسرائيل في أن تأخذ ماء النهر وتحرم سورية ولبنان والأردن منه. نظر محمود إليها وأدهشه أن تندفع بعاطفتها. قال: فكر عبد الناصر بنتيجة الحرب. رأى أن العمل العسكري جزء من العمل السياسي. وفي تلك اللحظة لابد أن تكون الحرب خسارة للعرب. لذلك اقترح مشروعا عربيا لمياه نهر الأردن. سألته: هل المسار الذي اعتمده ناصر في العلاقة بالأحزاب وبالدول العربية وبالاتحاد السوفييتي يمهد لحرب ننتصر فيها، أم يمهد لهزيمة؟ فنهض محمود مبتعدا عنها. كانت غادة تراقب المظاهرات التي تريد أن تفرض الوحدة بإرهاب الهيجان. قالت: هذا أسلوب غوغائي لايناسب النتائج التي حصدناها من الوحدة والانفصال! يفترض أن يكون في المنعطف بعد الثامن من آذار أفق آخر! ولكن كيف نصل إلى ذلك بهذا المزيج من الاتجاهات؟! كتم محمود ضيقه، وسألها: هل أطعمت الطفل برتقالة؟ ابتعدت عنه. لم تعد تستطيع أن تحاوره. كأنه كلما أتت إليه يغلق في وجهها الباب! صار الصمت حوارهما. وزاد فيه أنه يخفي عينيه عنها. ينظر إليها كأنه لايراها. قالت أمامه كأنها تحدث نفسها: لايستر الحجاب الوجه فقط، بل يستطيع أن يستر نظرة العينين! كانت أمها قد ماتت في بداية الوحدة. وهاهي تفقد حتى القرب من زوجها. بدا لها أنها ستقع على الأرض من التعب. انقطع محمود حتى عن واجباته في البيت فلم يعد يطلب من السمّان أن يرسل لبنة أو جبنا ومن الخضريّ أن يرسل الخضار. فصارت تشتري الخضار واللحم وتطبخ في الليل بعد نوم ابنها وتفيق مبكرة في الصباح لتطعمه وتلبسه وتقوده إلى ابنة عمها وتلحق بعد ذلك عملها. عانقت طفلها كمن يستنجد به. كانت تحتاج إنسانا يعزيها ويهدئها، تضع رأسها على كتفه، تمسك يده، يقول لها: ستعود أيام الحب والتفاهم بينكما! قصدت بيت نزيهة الحمصي. كانت تريد أن تمسك بطيف الأيام السعيدة. وكانت مؤمنة بأن قوة نزيهة، بالرغم مما قاست منذ الوحدة وحتى تلك اللحظة، تستطيع أن تسندها. فوجدت الحرس على بابها والحارس يسأل شخصا: من أنت! عادت متألمة. وقالت غاضبة: لا أحد يتذكر للحوراني أنه حارب في فلسطين! لم تعد فلسطين قضية! رماها محمود بنظرة لائمة: خطأ أكرم أنه لم يتحمل المخالفات، أو لم يصارح عبد الناصر بها. هبّت أمامه: لمن تقول ذلك؟ ماذا جرى كي تقلب الحقائق التي تعرفها؟ لماذا كان يجب أن يبقى في مركز لاعمل فيه ولاصلاحية له؟ كي تعلّق عليه أخطاء يصر نظام فردي على الاستمرار بها؟ وهل أخطأ الوزراء السوريون الذين استقالوا جميعا؟! شعرت بأنها ابتعدت عنه أكثر من قبل. فبكت في الغرفة وحيدة. وفي تلك الليلة نامت على الديوان في غرفة القعود وتركت له غرفة النوم. ولم تبال بأنه كان هو أيضا غاضبا على نفسه وعليها وعلى الدنيا، وأنه صب لنفسه كأسين وشرب وهو يتفرج على التلفزيون، ثم انفرد بنفسه في الشرفة ودخن كثيرا. في الليل تقلبت باكية على الديوان. وتحدثت مع نفسها. نعم، توجد نقطة يجب أن تتجاوزها لتعيش! لتحس بكرامتها. لتفكر بالسعادة. لتغمض عينيها وتنتبه إلى نسمة الهواء. لكنها ممزقة، لاتستطيع أن تتجاوز تلك النقطة الصغيرة التي لاتكفي لقدم إنسان، تكفي فقط لدمعة. معه، بالضبط، أريد أن أكون امرأة مدللة، محبوبة. أريد أن يعجب بي. وأن يشتاق إلي. ومعه لايمكن ذلك! ربما كانت العلاقة بيننا من زمان هكذا. لكني كنت أتكئ عليه ونحن في الشرفة، فيرمي ذراعه حولي. كنت أتكور إلى جانبه، فيقبل ذلك. لكنه منذ سنة وربما سنتين لم يعد ينتبه إلي! هل أطلب الانتصار حيث يستحيل، فلاأستطيع أن أخرج من غرفة مسدودة إلى فسحة مفتوحة! لايشفيني شيء. لاالموسيقى التي أحبها، ولاالرسوم التي أخترعها. بساط الريح مربوط بالأرض، وأنا واقفة حيث كنت! أنطوي على شرفة في الليل. باردة، وحيدة. تحرق دموعي خدي البارد. وأنا بعيدة عن النجوم، وعن لمعان المطر، غير لازمة لأحد. فهذا الطفل سيجد أما أخرى أكثر نضارة مني وأقل همّا! خفت مرة من الوحدة، خيل إلي أني سأقفز من الشرفة، فهربت إليه. سمعت صوت تنفسه. نائم، هادئ، لايبالي بحزني ولايشعر ببعدي عنه. مستقل عن كل من حوله، وكل ماحوله. أتمزق قطعا صغيرة. يستطيع محمود أن ينام وأنا أبكي على بعد خطوات منه! أنا حزينة وضعيفة. أحتاج كفه على كتفي. أحتاج أن يقول لي سنحكي في الغد عن كل شيء، لكن الآن تعالي. ويعانقني ويربت على جبيني حتى أنام. أتسفك الحياة هكذا؟! مستحيل أن تستمر كما نعيشها الآن. يجب أن يتغير شيء. يجب أن يبدأ شيء جديد. يخيل إلي أني لاأعرف ماذا يريد محمود غير الرضا والطاعة الصامتة لأوامر لايتفوه بها! لاأعرف ماذا يتمنى من الدنيا غير صمت البيت! ماذا يحب؟ لم أعد أعرف صورة المرأة التي يريدها. سألته مرة في بداية أزمته عما يتمناه من زوجة، فقال بهدوء ساخر: مطالبي صعبة! نعم، لاقاني في لحظة الحزن بتلك السخرية! ياربي، ماذا يشغله في هذه الأيام؟ ماذا يريد غير الأكل والنوم؟ لاأعرف! حقا، لاأعرف! فهل رميت على الواقع منذ البداية صورة توهمتها، ولم تكن حقيقته؟ لكن ألا يجب رفع الإنسان إذا تكوم على الأرض! أيجوز أن يترك لليأس! يجب أن يتدفق الضوء! أنا مخطئة في هذا؟ لا، ومع ذلك يوحي لي، يصر على الايحاء لي بأني مخطئة! والصفاء يبدأ بأن أصبح لست أنا. عذبني بهواجسه في أيام الوحدة، والآن يجب أن أنقلب على نفسي لأتمنى مثله العودة إليها! ماالعمل؟ هذه أسرتي، فهل أضحي بها كيلا أزوّر روحي وعقلي؟ كي أكون مرآة يرى فيها أفكاره الحمقاء؟ أرتجف، كورقة على شجرة، بردانة، مصفرة. وأسقط، أسقط جافة لاألزم الشجرة. لا، هذا تعب وقت متأخر في آخر الليل! في الشباب يجب ألا يفكر الانسان هكذا. لاشيء يجبره على الانسحاب. وكل هزيمة تنتهي على حدود بداية جديدة. تلزمني خطوة إذن لأجتاز العتبة! فلأخرج ولو مهزومة، ضعيفة! يجب أن أخرج من ليل الغرفة! إلى أين؟ لاأعرف! لاأعرف إلى أين تذهب امرأة يشد ثوبها طفل! هل خمّنت غادة أن التفاهم مع محمود يبدأ بأن تصبح ناصرية؟ لماذا تجاهلت مالاتريد أن تصدقه؟ أنهما صارا خصمين في بيت! ولذلك لم يعد يستمتع حتى بطفله. وكان ذلك يهينها ويؤلمها. صار يطمئن على الطفل من باب الغرفة ويمضي إلى الشرفة أو إلى غرفة النوم. بعيدا، بعيدا عنها! رددت لنفسها: لايمكن أن يستمر هذا العذاب! لكنها لم تكن هي التي أنهته! لاحظت غادة أن بعض طالباتها نقلن ساعاتهن من الرسغ الأيسر إلى الرسغ الأيمن. تساءلت: لماذا؟ فأجابتها إحداهن: إشارة إلى أننا مختلفات! نحن ناصريات! سألتها: كيف يمكن ذلك؟ ألا يتعلم الإنسان من تجربته حتى في المستوى الشخصي؟ فوق ذلك، لاينتسب الإنسان إلى فرد بل إلى مشروع وبرنامج! همست إحداهن: هذا الشخص هو حامل مشروع التحرر والاشتراكية! كان الناصريون أعضاء في الوفد إلى مباحثات الوحدة في شهر نيسان. وكانوا واضحين. يريدون عودة الوحدة في شكلها السابق، برئيس واحد ومجلس واحد ودستور واحد واتحاد قومي. تسربت أخبار تلك المباحثات بين وفدي سورية والعراق وعبد الناصر قبل أن تنشر. فتساءلت غادة هل تضغط المظاهرات في سورية لعقد وحدة ثلاثية بشروط عبد الناصر؟ أليس هذا ماعبر عنه هاني الهندي، أحد أعضاء الوفد: يشعر الإنسان بأن المعركة تدور الآن في سورية بين معسكرين أساسيين، معسكر يطلب الوحدة الفورية ويتجاهل الظروف الإقليمية والاقتصادية والمشاكل المتباينة بين بلد وآخر، وفريق يتأنى ويريد أن يدرسها! التقطت غادة ماقاله لؤي أتاسي، وبدا لها أنه كمن يعتذر عن استقالة الوزراء البعثيين من حكومة الوحدة. رمى ذلك على أكرم الحوراني! تعلّق الذنوب على الغائب! رأى الأتاسي أن دمج حزب عقائدي "بمجموعة إقليمية محلية نبعت من مدينة حماة ذات أهداف محدودة، كان عبارة عن عملية تهديم للحزب". ومدّ الأمل: الطرف بتاع أكرم الحوراني يُقضى عليه الآن كليا! وأكد ميشيل عفلق: صارحناكم بأن أكرم الحوراني إقليمي! تلك مقدمات! لكن العتاب لن ينتهي حتى توقيع ميثاق نيسان. مايزال حلم عبد الناصر دولة قوية: الوحدة الثلاثية اللي إحنا بنتكلم عليها أكبر بكثير من الوحدة بين مصر وسوريا.. من منابع البترول حتى خطوط الأنابيب إلى قناة السويس.. بنجيب الجيش العراقي يبقى على حدود إسرائيل.. في هذه الدولة إمكانيات أكثر مما في فرنسا! لكن هل يمكن أن تتكرر تجربة الأمس في الوحدة الثلاثية دون تصحيح؟! "ماصدقت توقيعك على وثيقة الانفصال ياأخ صلاح. بعد كده الشعارات رفعت ضدنا، أجراء لاشركاء.. العملية الانتهازية في المؤتمر الذي عقده حزب البعث ضد الانفصال". ربما كبح حضور الوفد العراقي سخرية ناصر من البعث. لكن عبد الناصر بالغ في تقدير تجربته. وظل يرفض تمايز الأقاليم والأحزاب، ويقدّم تجربته كمعيار يجب أن يُستلهم. استند إلى شعبيته العربية أمام الوفدين. وتبينت غادة تزلّف بعض المفاوضين وهشاشتهم. لماذا وضع ناصر نفسه حكما ومعيارا، بالرغم مما حدث، وبدت سخريته جارحة أحيانا؟ رد ناصر بسخرية على رؤية صحيحة. قال له شبلي العيسمي: التجربة الجديدة استفادت من المراحل الماضية فطوت فكرة المصالحة بين الطبقات واعتمدت على الطبقات الشعبية الكادحة. وأصبح مفهوم الديمقراطية متجها إلى أن الحرية للطبقات الكادحة وللمنظمات التي هي في خط اشتراكي. الثورة في مصر وحركة البعث وحركة القوميين العرب وغيرها من الحركات القومية العربية هي أقرب ماتكون الآن من بعضها. لكن عبد الناصر بقي ثابتا في مكانه: مانقدرش نقول في الدستور أنه نترك لكل إقليم حرية تنظيم العمل السياسي. اقترح طالب شبيب: تحالف الجبهات، بدلا من تنظيم قيادي واحد. فرفض ناصر الحلول والاقتراحات العراقية والسورية، وأصر على دمج الأقاليم: في رأيي أن استمرار اتحاد الجبهات بهذا الشكل سيسبب مشاكل كثيرة. وسيضعف الدولة الاتحادية. ووضّح توجسه من أغلبية الثلثين للبعث مقابل الثلث. لن يقبل أن يكون بين السندان والمطرقة. تساءلت غادة: كيف يمكن أن تنجح مباحثات تتناول مصير ثلاثة أقطار عربية إذا بدأت من شك كل طرف في الآخر؟ كرر ناصر أنه سيبدأ صفحة جديدة، لكنه ظل يتذكر فجيعة الانفصال ويلوم البعثيين: لما حزب البعث طلع مقالاته في سورية ضد الأهرام أنتم في بغداد كنتم تذيعونها علشان أنتم حزب واحد. "مصر لن تبقى في دولة بهذا الشكل فيها استقلال لكل قطر ومحور يجمع سورية والعراق". تجاهل ناصر أخطاء الوحدة وتجاوزات المصريين. ولن يطمئنه غير تنظيم موحد فيه حزب البعث أقلية محاطة بجبهة قومية ناصرية. تبينت غادة قوة العراقيين، وتوجست أيضا من القسوة. في مناقشة موضوعات الدستور تحدثوا عن مشاركة الناس في الحياة العامة والانتخاب، فقال عبد الرحمن البزاز: تفرض عقوبة على من لايقوم بهذا الواجب. وقال أحمد حسن البكر: يجب أن يكون واجبا وعليه عقوبة. أما طالب شبيب فرأى: أن يكون الإقناع هو الوسيلة لاالإجبار. وقال صلاح البيطار: ليش إنت بتجبر الناس على حق الانتخاب؟ تساءلت غادة: ميثاق قومي بعد هذا الخلاف على الأمور الأساسية؟! كأننا يجب أن ندفع الدماء ثمنا للحكمة! مع ذلك تمنى لؤي الأتاسي أن تثمر المباحثات: "إخواني الأمة العربية عم تحسب علينا الوقت"! فكادت غادة تتلفت ساخرة: حقا؟ بل تتلفت الأمة نحو فلسطين منتظرة تحريرها من الاحتلال! أنهى عبد الناصر المباحثات بنصيحة: ديكتاتورية الحزب الواحد لن تنجح. فلماذا لم يردّوا: وديكتاتورية عبد الحكيم عامر؟! لكنها انشغلت برأي رماه عبد الكريم زهور: المدارس الخاصة يجب أن تمنع! إذا منعت حقا، من ستأتمن غادة على ابنها؟ لم يطمئن ميثاق نيسان الناصريين. واستمرت مظاهراتهم حتى شهر تموز. ولكن هل يتحمل الجيش ذلك الصراع؟ قررت اللجنة العسكرية الموسعة تسريح الضباط الانفصاليين. سرح تسعون ضابطا من الرتب العليا، ثم مئة وثمانون ممن دونهم، ثم مئة وخمسون من مختلف الرتب معظمهم من الناصريين، واتخذ قرار بنقل زياد الحريري إلى الخارجية. طلب الأعضاء الناصريون في مجلس قيادة الثورة وفي الحكومة إعادتهم. ولكن اولئك الضباط لم يسرحوا كي يعادوا. ألذلك قرر الناصريون العمل العسكري؟ في صباح الثامن عشر من تموز هاجم جاسم علوان مع مجموعات من الفلسطينيين والضباط السوريين الإذاعة في شارع النصر. هوجمت الأركان ومدرسة الإشارة وكتيبة الإشارة. دوى الرصاص ونزلت الدبابات وسقط القتلى. كان شاب يمشي كالناس في شارع النصر فانهمر حوله الرصاص. خاف فلجأ إلى أول بيت صادفه في قبو. وألجأته تلك الأسرة ست ساعات. وألجأت البيوت الأخرى غيره من المارين. بعد تلك الساعات أنهي التمرد، وشُكل في اليوم نفسه مجلس عرفي برئاسة المقدم صلاح الضلّي حكم على تسعة عسكريين منهم هشام شبيب بالإعدام ومعهم اثنا عشر مدنيا. تفرجت منور في ذلك اليوم على صور إعدام هشام شبيب وبكت عليه، وكانت سعاد إلى جانبها. أخطأ هشام، لكن الإعدام دم أجارنا الله منه! يجب أن تذهبا إلى القنوات حيث تقيم قريبتهما مزين خانم لتعزياها به. فكرت منور بما أنفق عليه. أحقا لم يقدّر ماكلّفه من دورات في روسيا وتشيكوسلوفكيا، وما لديه من ثقافة ومهارة؟ لعله كان من أوائل من درس اللغة الروسية. من يرمي نفسه هكذا على عتبات وحدة أفشلها قادتها؟ سمعت غادة دوي الرصاص، لكنها لم تقدر أنها معنية به. انتظرت عودة محمود. وبدا لها وسط أصداء الرصاص أنها بالغت في حزنها في الأمس. أكدت لها ذلك نضارة طفلها وابتسامته لها. نعم، بالغت في الغضب من محمود وبالغت في هواجسها. فليعش مع أفكاره ولأعش مع أفكاري كالنساء القديمات! ليكن البيت والطفل والأسرة هي مايجمعنا! وهل هذا قليل؟ لماذا نصر على التطابق في الفكر كأننا قواد جيوش متحاربة؟ فلنتعلم أن يحترم أحدنا الآخر مهما اختلف عنه! غمرها هياج فرح: سأعلن له ذلك عندما يعود! ولنبدأ من جديد! لنسجل تجربة رائعة! ألم تنصح غادة تلميذتها اليوم: يجب أن نتعلم حتى من تجربتنا الشخصية؟ نحن أبناء وطن واحد فكيف نقول لإخوتنا فيه إما أنا وإما أنت؟ عرفت غادة أن الناصريين قادوا تمردا مسلحا. وبدأت تقلق على محمود. وانتظرته ليخبرها عن تفاصيله. عندما فتحت الباب في المساء اندفعت ابنة عمها فعانقتها: ياحبيبتي! تماسكي! سقط قلبها ورفعت يديها إلى صدرها كأنها تمسك به. ماذا؟ من؟ أيمكن أن يكون معهم؟ أسندت رأسها إلى الحائط وتناثرت حياتها كلها في الهواء. ليس ذلك حزنا. بل غياب عن كل ماعاشته وماستعيشه وكل ماحدث وسيحدث! سيأتي الحزن الطويل فيما بعد، عندما تصحو. وستملأ به الخوابي والجرار. وستقول: محظوظ من تكون ذكرياته مرتبة ومصنفة، من تكون ذكرياته نظيفة، من لاتكون لديه أسئلة لايعرف أبدا أجوبتها! لكنها الآن تسقط في غياب طويل! لماذا لم يخطر لغادة وهي تتأمل انتباه محمود إلى حركة شباط أن السياسة التي تقدم مجموعة وتطوي أخرى تتناول حياة بشر وعواطفهم وأحلامهم، وتحفر في الروح جروحا عميقة؟ أكان يجب أن تنتشر أخبار القتل في العراق ويذكره المؤتمر، كي ترعشها تلك القسوة؟ ماأعجب أن ينتشلها حزن أميرة من حدادها على محمود، وأن تشغلها شابة كانت غادة تفترض أنها من خصومها! وصلت أميرة إلى دمشق هاربة من العراق. موقنة بأنها عاشت في أيام بمقدار مايعيش الإنسان في سنوات. كانت قد رميت خارج السجن كالخرقة، مجروحة ومهانة. افرحي ياكلبة لأنك لم تموتي! ضحك ثلاثة رجال: وافرحي لأننا لم نغتصبك! قامت بذلك عنا القنينة! تمنت أميرة أن ترى في تلك المساحات المظلمة من القسوة ومضة رحيمة، أو تسمع همسة تشجعها. أين السجانون الذين روي أنهم ينقلون الرسائل للمعتقلين أو يهمسون لهم: اصبر، مابعد الشدة إلا الفرج! إلى هذا الحد يسحق الخوف روح البشر؟ يجب ألا تتوقع الرحمة بعد أن غرق العراق في الأحقاد! كان أول حنان رأته حزن أمها. لم تجد أخويها وخشيت أن تسألها عنهما. لكن الملابس السوداء باحت لها بما لم تنقله الكلمات. سألت فقط: الإثنان؟ وغرق وجه أمها في لون قاتم فأغمضت أميرة عينيها. ومع ذلك قالت لها: لايوجد في العراق بيت لم تنزل به مصيبة! ولكن كيف حدث ذلك؟ كيف يحتل ثلاثون ضابطا وبعض مئات من الرجال المعسكرات ويقصفون وزارة الدفاع ويأخذون البلد؟ لماذا لم تنفذ خطة الطوارئ؟ لماذا بقي مئات الآلاف من الرجال ومئات الضباط في بيوتهم ينتظرون أن يعتقلوا أو يقتلوا؟ ليست المجزرة وحدها المصيبة، بل غياب الجواب على التساؤل: لماذا نجح الانقلاب؟ وكيف حُيد الجنود الذين يدينون لعبد الكريم قاسم برواتبهم، والضباط الذين لايزالون موجودين في الطيران والدبابات؟ قدّر لأميرة أن تصادف العناد العراقي الذي لاتثنيه كارثة عندما وصلت امرأة قالت لها: البسي ملاءة أمك وتعالي معي! رمت العباءة على رأسها ونهضت. هذا سفر لايحتاج زوادة ولايجسر على الوداع! هذا سفر يجب أن يبدأ دون نظرة إلى الوراء! لم تَعجَب لأن أمها استعجلتها. شربت كأس ماء. لم تنظر إلى غرفتها. لمحت النخيل وشجر النارنج في حديقة البيت وهي تخرج مع المرأة. عبرت الشوارع التي كانت تصخب قبل أشهر بالمظاهرات العظيمة دفاعا عن جمهورية مثّلها في تلك اللحظة عبد الكريم قاسم! كانت أسرتها ممن وصلهم النداء الأخير. فصرخ أخوها: ربطنا أنفسنا بعبد الكريم قاسم، مع أننا كنا نستطيع أن نأخذ السلطة لأنفسنا! وقال أبوها: الدفاع عن قاسم الآن دفاع عن الجمهورية، ودفاع عن النفس. إذا نجح الانقلاب سنكون ضحايا مجزرة. لكن كل ذلك خطأ! خفّت المجموعات التي وصلها النداء في يوم الجمعة إلى وزارة الدفاع. تصور قاسم أنه سيدير من هناك الدفاع عن الجمهورية. لكن الناس لم يكونوا بحرا كما في الأمس. مع ذلك قاوموا المصفحات، أخرجوا من فيها ومزقوهم. والتهب الصدام. كانت لجان الإنذار، التي ستصبح منظمة الحرس القومي، قد قتلت جلال الأوقاتي، قائد السلاح الجوي، وصادت من مواقعها على الجسور والطرقات الضباط الذين هرعوا إلى معسكراتهم. قصف الونداوي بالطائرات وزارة الدفاع، وتقدمت نجدة عصفت بالناس الذين أحاطوا بوزارة الدفاع. تتكرر إذن المطاردة التي جرت في سورية بعد خطاب عبد الناصر يوم هاجم، في ذكرى الاحتفال في بور سعيد، عبد الكريم قاسم والاتحاد السوفييتي! بعد عقود، سيفسر طالب شبيب التنظيم الدقيق الذي التزم به كل فرد من تلك المئات التي نفذت انقلاب شباط: "كانت خطة الثورة قد وضعت بشكلها الكامل عام 1962 ومنذ ذلك الحين أجرينا إنذارات أسبوعية للجهازين المدني والعسكري للتدريب على الخطة ككل وعلى جزئياتها، فضلا عن تعيين مواعيد حقيقية لإعلان الثورة وتأجيلها أكثر من مرة". كان طالب شبيب يومذاك في الثامنة والعشرين من العمر. تساءلت أميرة هل قتل فقط المطلوبون، أم سددت بعض الحسابات الشخصية أيضا؟ وسددت أيضا حسابات الأحكام بالإعدام التي نفذها الشيوعيون وضباط قاسم الأحرار! وستتساءل فيما بعد، هل كان أخواها من اولئك الذين سددت بقتلهم تلك الحسابات؟ ستمر عقود قبل أن يصلها وصف شجاعة الشهداء، ونذالة المنهارين الذين أرشدوا خصومهم إلى بيوت أصدقائهم ومنظماتهم وأصدقائهم. كان الدمار شاملا! لم ينج غير الهامشيين، ومن هرب إلى مناطق الأكراد في الشمال أو إلى سورية! كانت المرأة التي قادتها تعرف الطريق الآمن. تفادت الموصل، قلعة القوميين، ووصلت بها إلى أربيل. هناك قالت لها: أنت الآن في أمان! سينقلونك من أربيل إلى القامشلي. وفي سورية ستجدين من يهتم بك! في ذلك البيت في أربيل قدمت لها امرأة لاتكاد تعرف العربية كأسا من الحليب. لماذا تذكر من كل مارأته الحليب؟ لاتعرف بعد! ربما لأنه أعادها إلى طفولتها! كانت تحتاج إلى انتباهها في طريقها إلى القامشلي. مع أن الطريق بدت لمرافقها آمنة. تتسلل الآن كما تسللت محطة الإذاعة التي سربها عبد الحميد السراج من سورية إلى العراق لتعلن فتنة الشواف! وكما دخل السلاح ليرفد ذلك التمرد على عبد الكريم قاسم! لكن أميرة لم تشغل نفسها بالحدود المفتوحة التي تعبرها مجموعات في اتجاهات متنوعة. توقفت لتداري النزف الذي تعاني منه، موجوعة الروح. أخفت دموعها في قهر. لن تتحمل حتى أن تلمسها يد تربت على ذراعها وتطلب منها أن تنسى مهانتها! لن يرويها غير قتل الجلادين الذين عذبوها! لكنها ستعرف أنها بقيت على شاطئ ذلك البحر القاتم ولم تدفع إلى أعماقه، لأنها لم تكن تملك معلومات مهمة يمكن أن تبوح بها! وعندما ستطّلع على تفاصيل قتل الأشخاص الذين عرفتهم أو صادفتهم أو سمعت أسماءهم، ستتذكر الصراخ الموجوع الذي سمعته في السجن وتقدّر أنه كان إشارة إلى عذاب يصعب أن يتحمله إنسان! وستخمّن أن اولئك المعذبين كتموا ألمهم حتى فاض بالآهات! قدَر أميرة أن يمر مطلع شبابها بين ثورة تموز التي جمعت الناس وبين انقلاب شباط الذي فرقهم! وأن يجرفها الصراع بين القوميين العرب والشيوعيين والبعثيين حتى احتلال حزيران. استعادت وهي تعبر طرقات مجهولة من العراق إلى سورية، ثورة تموز يوم وجدت نفسها مع الناس في الشوارع. كان ذلك الفرح صافيا، يعلن بداية أزمنة جديدة. ومع ذلك اندفع فيه شيء من الانتقام لضباط ثورة 1941 الذين شنقهم عبد الإله، وللضحايا الذين قتلهم نوري السعيد. أعلنت الثورة مجموعة من الضباط الأحرار يرأسها عبد الكريم قاسم. فهل بدأت الضغينة من هناك؟ هل سبقت الضباط القوميين الذين اجتمعوا في منظمات سرية وحضّروا أنفسهم للثورة؟ هل خطف أشخاصٌ الثورة من آخرين؟! لم يبال الناس بذلك. جروا في الشوارع كالنهر العظيم. في لحظة شعرت أميرة بالخوف من الناس. لم يستطع أحد أن يضبط اندفاعهم. ولابد أنهم وقتذاك قتلوا الوصي واكتشفوا نوري السعيد في ثياب امرأة وسحلوه حتى ذاب. بعد عقود، بعد أن قُتل الضباط القوميون والبعثيون والشيوعيون، ستقول أميرة لزوجها: كان يمكن أن يجتمعوا على برنامج في الحياة، بدلا من أن يلتقوا في قبور المحكومين بالإعدام! وسيردّ عليها: ياحبيبتي، لهذا نتجمع الآن في مشروع يعيدنا كجبهة إلى العراق! وسـتسأله: هل جرد كل منكم أخطاءه وأعلن ذلك الجرد؟ هل تتعهدون بألا تقتلوا خصومكم أم تتجمعون على مشروع قتل من نوع جديد؟ كان زوجها يومذاك راجعا من لقاء بالوفد العراقي الذي زار الولايات المتحدة. فبشّرها: صارت عودتنا إلى الوطن قريبة! سألته: بالبوارج الأمريكية التي وصلت إلى الخليج؟ أجابها: لانستطيع إزاحة الديكتاتورية دون مساعدة دولة عظمى! سألته: هل تتخيلون أن الشعب سيرحب بمن يحملهم المحتلون؟ تجهلون غضب العراقيين على أمريكا التي قتلت أطفالهم بالحصار، وغضب العرب عليها لأنها تسند جرائم إسرائيل في فلسطين! فسألها: عندك حل آخر للعودة إلى العراق؟ ردّت: منذ سنوات يردد بعضكم أنه سيعود على دبابة أمريكية! ستكونون معزولين ومنبوذين في العراق! وسيسمي العرب حكومتكم حكومة قرضاي! ستقصّ أميرة وقتذاك بكل كلمة تقولها علاقتها بزوجها، وستكون قد رمت حنانه الذي مسح حزنها، ورقّته أيام حاول أن يشفيها من الغثيان الذي كانت تشعر به كلما لمسها. قالت له يومذاك حزينة: لاأتحمل العلاقة برجل! أشعر بأني سأفقد الوعي! لكنه احتضنها وداعب شعرها وجعلها تغفو في هدوء! فهل كانت تتخيل أنها سترمي العلاقة الناعمة كالحرير التي نسجاها بالحب والصبر والأسى؟! لكنها في الطريق إلى سورية تساءلت في قهر: ماذنب الضحايا؟ لم يخطر لها أنهم كوّموا أيضا أخطاءهم! قدَرهم أنهم كانوا بين أمرين أحلاهما مرّ. وقرارهم أيضا! كان عبد السلام عارف مغامرا، فاوض عبد الناصر على الوحدة دون أن يستشير رفاقه، منذ لقائه به في دمشق في 18 تموز سنة 1958. وبالغ في ذكر عبد الناصر في خطاباته! مع أنه لايجهل أن مصر تطارد اليساريين والوفديين والإخوان المسلمين وتمنع الأحزاب. وستقول أميرة فيما بعد وهي تتفرج على جنازة عبد الناصر حزينة عليه: قتل يوم أفاد من تجاربه ولم تعد قضيته تصفية الأحزاب بل الصراع العربي الصهيوني! لكن ذلك كان بعد خراب البصرة! بعد أن نفخ القوميين العراقيين الذين أرادوا الوحدة الفورية، وحرضهم على رفاقهم. فلم يساعد ثورة تموز بل فككها. لم يفهم أن البنية التي دمر منظماتها لاتستطيع مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في حزيران. لكن الهزائم لاتدفع فقط إلى تطرف المفجوعين، بل إلى عدالة المتأملين. ستتبين أميرة أن أصحاب أبيها، جهلا وقصدا، كوّموا أخطاءهم، فأفاد منها آخرون. منذ تشرين الأول هتف الشيوعيون في المظاهرات "ماكو زعيم إلا كريم"، معلنين الاعتراض على زعامة ناصر. وهتف البعثيون والقوميون: وحدة عربية، لاشرقية ولاغربية. فهتف الشيوعيون: اتحاد فيديرالي، صداقة سوفيتية. جبهة وطنية، جمهورية ديمقراطية. وهتفوا: مو بالحيف ياكريم، جمهوريتك تصير إقليم. وبدا أن "الشارع" يجب أن يبقى مستنفرا كي يمنع المؤامرات على الجمهورية، فانشغل بالصراع بين العراقيين. وكم كانت الأحداث كثيفة! في وسط أيلول أعفي عبد السلام عارف من نيابة مجلس الوزراء ونيابة القائد الأعلى ووزارة الداخلية، وعين سفيرا في بون في 12 تشرين الأول. في 4 تشرين الثاني جرح عبد الكريم قاسم في هجوم مسلح على موكبه. وعاد عارف دون إذن فاعتقل، وأغلقت جريدة الجمهورية البعثية، واعتقل رشيد عالي الكيلاني. حوكم عارف وحكم عليه بالإعدام مع فسحة لتعديل الحكم بطلب الرحمة. واستقال وزراء قاسم القوميين. وفي الثامن من آذار انهار تمرد الموصل. كان مشروع التمرد في الموصل الوحدة العربية مع ناصر. لذلك أغرق الشيوعيون وجماعة قاسم الموصل بأنصارهم. فرأت أميرة مشهدا لايرى إلا في الثورات الكبرى التي قرأت عنها. ركب الناس القطار والسيارات والعربات وذهب بعضهم مشيا. كان هدفهم أن يلجموا "أعداء الثورة". وكانت أميرة مؤمنة بذلك. وهتفت مع الناس "ماكو زعيم إلا كريم، شعب العراق شعب أبيّ". بل هتفت أيضا: "هلا بيها ، هلا بيها جمهورية، ديمقراطية شعبية، ديمقراطية شعبية"! لم يخطر لها في ذلك الدوار أن تتساءل: في أي محيط يمكن أن تعيش هذه الجمهورية الديمقراطية الشعبية، وهل يقبلها العالم الذي ستنتمي إليه وتستعين به. هل سيرحب بها السوفييت والمعسكر الاشتراكي بعد أن اتجهوا إلى ضرورة تحالف الأحزاب الوطنية والبورجوازية الوطنية. كانت أميرة بعيدة عن الصراع بين المجموعات في حزب أبيها، بين من يطلب حق الحزب في السلطة، ومن يحذّر من ذلك. لم يكن سلام عادل فقط من يؤمن بضرورة أن يأخذ الحزب مكانه في السلطة، بل أعلن زكي خيري ضرورة "الكفاح المسلح" وتجنيد الفلاحين للهجوم في مسيرة كبرى على بغداد! لكن أباها قال: هذه مغامرة! يبدو أن إخواننا لايعرفون موقعهم الجغرافي! هل كان يجسر على قول أكثر من ذلك؟ سيتهم بأنه يميني! لم ينس أبو أميرة أبدا أن زكي خيري قال ذات يوم: "إن إسرائيل ليست حكومة فقط، بل شعب وأرض، وقد تكون حكومتها رجعية شأن الحكومات العربية التي تحاربها. والحقيقة أنها أقل رجعية من هذه. لكن هذا لايعني أن دولة إسرائيل دولة رجعية كدولة إسبانيا الفرانكية مثلا. ففي دولة إسرائيل أحزاب ونقابات". وسيردد أبو أميرة: في مثل هذه المسألة لايجوز الخطأ أبدا، ولايقبل الاعتذار! هذا الخطأ كالخيانة! ستقول أميرة: كسر تمرد الموصل ظَهر ثورة تموز. وستنقب في الأحداث عن سبب مأساتها الشخصية. وستتذكر الضباط الأحرار الذين حضّروا ثورة تموز لكنهم تمردوا في الموصل على زملائهم في تلك الثورة. وستتساءل كيف استطاع سرّي أن يخطط قصف رفاقه الذين تجمعه معهم الصور في فلسطين وبغداد؟ وكيف استطاع هؤلاء أن يحاكموه ويعدموه؟ فهل كانوا جميعهم يرسمون ملاحم محزنة، أم غاب عنهم أنهم يحققون أمنيات أخرى؟ ستتساءل أميرة هل كان اولئك المتمردون ورثة الضباط الثوارعلى البريطانيين، ورثة صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد وبقية العقداء الوطنيين الذين شنقوا في بغداد؟ وستقول مخالفة العراقيين الذين كانوا يحضّرون لاحتلال بغداد مع الأمريكيين: فقد الجيش العراقي والشعب العراقي اولئك الضباط! كان التمرد والردّ عليه والأحكام بالإعدام كلها خطأ مهّد لهزيمة حزيران. لن تخالف زوجها وأصحابه وقتذاك لأنها نسيت إعدام أبيها وأخويها ونسيت مهانتها في السجن. أبدا! بل لأنها فهمت في رحلة العمر المضطربة أن الانتقام لايوصل إلى الأمان! ولن يعيد سنوات العمر المحروقة، ولن يعيد المحبوبين المقتولين. أخمد تمرد الموصل بأكوام من القتلى. ووقف في المحكمة العسكرية الضباط الأحرار في جانبين، أحدهما قاد المحاكمة والثاني كان متهما فيها! حكم بالإعدام على اولئك الذين كانوا قد شاركوا في ثورة تموز ومنهم سرّي. وستقول أميرة لزوجها في لندن عشية غزو العراق: حزن أبي على سرّي. قال خسرنا ضابطا وطنيا! وسيفحص زوج أميرة جولاتها في الذكريات، ويسألها: لكن سرّي لم يكن ليتردد في قتل زملائه الضباط! وستتأمله كمتهم مدان بتحضير غزو العراق، وينظر إليها لائما. كان يخزن في قلبه غضبا لايهدأ على انقلاب شباط. وكان قد تابع مسار رجاله وعرف أن بعضهم سجن وعذب ونفي، وقابل من هرب منهم من العراق. لكنه لم يسامح أحدا منهم. مع ذلك كان من القلة الحذرين الذين لم يتورطوا في علاقات بالمخابرات المركزية الأمريكية، وتفادوا السفر إلى الولايات المتحدة. لكنه سافر مرات إلى "كردستان العراق" ولم يجب أميرة عندما سألته: هل هناك إسرائيليون؟ فقالت له: هناك أمريكيون وموساد! فلم يردّ. لم يرشح زوجها رجالا للتدريب العسكري في معسكر المجر يرافقون الغزو الأمريكي أو يسبقونه. لكنها قالت له: رشحهم غيرك! ألا تعرف أن المخابرات الأمريكية نظمت جواسيس وعينت لهم مهمات في العراق؟ كانت تقول الحقيقة. لكنه لم يكن يريد أن يبدل مساره، ولم يكن يستطيع أن ينهي المنفى إلا كفرد من مجموعة. وقد اختارت المجموعة الحلّ. لكنه سيقول لها قبيل فراقهما: لاتستطيعين أن تبقي في لندن. انتهى زمن اللجوء السياسي. يريدنا حلفاؤنا في العراق! وستنتفض: حلفاؤنا؟! من يقصف جنوب العراق منذ سنوات، ويفرض الحصار على شعبنا، حليف؟! ياحزني لأن البريطانيين يهدرون في المظاهرات وأنت تجتمع مع حلفائك في المؤتمرات وتغطي معهم غزو العراق! المصيبة أن حلفاءك أنهوا "المعارضة العراقية" بهذه الخيانة. وسيغضب: يبدو أنك نسيتِ كيف خرجتِ من العراق! نسيتِ أنك كنتِ طوال سنوات تهبّين من نومك باكية في الليل! نسيتُ كيف خرجتُ من العراق؟ أبدا! لم أنس! لكنك أنتَ نسيت العراق، وخنتَ العراق! استسلمت أميرة لحزنها في ذلك اليوم القديم، وهي تقدّر أنها لن تعود إلى الطرقات التي عبرتها قبل سنوات طويلة، وقد لاتعود أبدا. كانت تصرخ من الألم والمهانة: لن أعود إلى بغداد إذا لم يعاقب المجرمون! لن أعود إذا لم أقف لأشير إلى الرجال الذين ضربوني ورموني كالخرقة على الأرض! انحنت على نفسها وبكت في مرارة وهي تستعيد التعذيب. أدخلوا في رحمها قنينة مكسورة وقال أحدهم وهو يتأمل عذابها شامتا: لن نغتصبك كما اغتصبنا صاحباتك! اعرفي أننا مرّغنا شرفهن ودسنا عليه بالأقدام! صرخت في ألمها: مرّغتم أنفسكم في الوحل، فالضحية المقيدة لاتملك قدرها! حركوا القنينة في رحمها فصرخت وغابت عن الدنيا. كانت حولها دماء. نزفت يوما، يومين أم أكثر؟ غرقت في الظلمات وكان الصحو ومضا ضعيفا وسط بئر. ثم رموها في شارع لم تتبينه في الليل. ملأ قلبها حقد لاحدود له. خيل إليها أنها تستطيع أن تقتل الأشخاص الذين عذبوها. وحاولت أن تستعيد ملامحهم من الظلمة لتثبتها في ذاكرتها. استعادت أصواتهم، لكن الصراخ الذي كان يخترق الظلمات ويصل إليها كان أقوى. وقدّرت أن اولئك ضحايا التعذيب الذين ستُكتشف بعض أصابعهم في الكماشات، وبقية أظافرهم وبعض جلدهم في أدوات أبدعت لتنتزع الروح أو الأسرار. وسيتحدث عن ذلك الشهود بعد عقود. سيقول خالد طبرة: "حفرنا أنا وسعدون شاكر وزير الداخلية قبرا لمحمد صالح العبلي وأنزلناه إليه، وبعد مدّه في داخله طالبه سعدون شاكر بالاعتراف أو الموت فردّ العبلي في شجاعة، واتهمنا بخيانة الوطن، فأطلق عليه سعدون شاكر فمات فورا. وحصل الأمر نفسه مع الضابط مهدي حميد". وسيقول الطبيب سعيد تعلة: "بدأتُ من السرداب في قصر النهاية، فرأيت سلام عادل مستلقيا وسط القاعة طاويا نفسه على الأرض مشدود العينين ومدمّى... وآخرين لم أتعرف عليهم، بنفس تلك الحالة المزرية". كسر المحققون ظهر رحيم العاني. قتل جميع أعضاء المكتب العسكري. في الأيام الاولى من ثورة شباط دمرت المنظمات التي لم يدمرها عبد الكريم قاسم. في لحظة وصل إلى بيتها النداء الضعيف الذي طغت عليه بيانات الإذاعة: "دافعوا عن الجمهورية! أغلقوا الطريق أمام الدبابات"! اندفع من وصلهم النداء إلى وزارة الدفاع ليردوا عنها هجوم الدبابات! وذهب إلى هناك المهداوي. بدا أن بغداد تعيش في فيلم من الأفلام عن الثورة السوفيتية أو كومونة باريز! وكان يمكن أن تموت أميرة كما مات كثير من الناس وهي تشعر بأنها قدمت حياتها للوطن. سيقول عارف عبد الرزاق فيما بعد إنه كان آمرا لقاعدة الحبانية "فطيرت 44 طلعة لقصف مقر قاسم في وزارة الدفاع". لم يستدع قاسم قطعات، ولم يوزع السلاح من وزارة الدفاع على الناس الذين هبوا لنجدته، بل قال: "لاأريد حربا أهلية". وُزع بيان سريع: "قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة استعدادا لإعادة بلدنا إلى قبضة الإمبريالية والرجعية. وبعد أن سيطروا على محطة البث الإذاعي وانكبوا على إنجاز غرضهم الخسيس فإنهم يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق أبناء جيشنا الشجاع.. إننا نطالب الحكومة بالسلاح. إلى الأمام! إلى الشوارع. اسحقوا المؤامرة والمتآمرين"! هل كان النداء للدفاع عن الجمهورية خطأ سبب الحقد على ناشريه؟ منذ أشهر لم يكن أبوها يستطيع المرور في المناطق التي يسيطر عليها القوميون والبعثيون. ولم يكن هؤلاء يستطيعون أن يمروا في المناطق التي يسود فيها الشيوعيون. ولكن هل كان قاسم يستحق أن يكون رمزا للجمهورية؟ كان ردّ حتى من دافع عنه في تلك اللحظة: نعم! وخلال تردده في ماسبقها: لا! شعرت أميرة بألم في رأسها. ضغطته بكفيها. فقدم لها مرافقها ماء. كانت تشعر بالدوار كلما اقتربت من الأمان. ألأنها لم تعد تكبح حذرها؟ نظرت إلى مرافقها مواربة: رجل يغامر بحياته! لايزال في الدنيا أشخاص شجعان بالرغم من الإرهاب! استمرت المقاومة في بغداد ثلاثة أيام وليال بعد قتل عبد الكريم قاسم والضباط الذين بقوا معه حتى اللحظة الأخيرة. فشل الحوار مع عارف في غرفة الإذاعة التي نقل إليها قاسم مع مرافقيه المعتقلين. ولم يوقفه أن قاسما أبعده فقط يوم تآمر عليه. رفض قاسم قبيل قتله أن يعترف لعبد السلام عارف بأن عارفا هو الذي قاد ثورة تموز وحضّرها! كان قتل قاسم وسط قتل واسع جرف الضباط والجنود والمدنيين. نحن أو أنتم! ألم يكن هذا ياأميرة نشيد السنوات الماضية؟ نحن القوميون أو أنتم الشيوعيون! نحن الشيوعيون أو أنتم الوحدويون! نحن البعثيون أو أنتم.. أوصلها الرجل إلى بيت في القامشلي. وقال لها: من هنا تسافرين إلى دمشق. ارتعدت في تلك الليلة، وخيل إليها أن رأسها يلتهب. وقالت لنفسها: لاوقت للمرض ياأميرة! لم تنم حتى صاح ديك قرب نافذتها. استرخت عندئذ وغفت. لكنها ارتجفت متوهمة أنها تسمع طرقا على الباب أو النافذة. خلعت الثوب الذي أعارته لها صاحبة البيت، ولبست الثوب النيلي الذي خرجت به من بيتها. مشطت شعرها بأصابعها. كانت صاحبة البيت تنقي العدس في الشمس. فنهضت وأتت إلى أميرة: خذي هذه المنشفة، خذي هذا المشط، خذي هذا الصابون! أغمضت أميرة عينيها لأنها كادت تبكي. وتمنت أن تعانق المرأة وتشكرها. على ماذا؟ على الأمان! وشربت الحليب الذي حلبته المرأة أمامها من ماعز استسلمت لها حتى ملأت السطل! في رقعة المرآة قابلت أميرة وجهها الذي تركته منذ شهور عاصفة وطويلة! تفرجت على نحوله، على لونه الكامد، على عينيها الحزينتين العجوزين، وفاجأتها شعرات بيضاء في مقدمة رأسها. هذا هو الحصاد إذن! لا، في دمشق يجب أن تزور طبيبا لتعرف ماخربته القنينة المكسورة في رحمها! وسيقول لها الطبيب كمن يعزيها: ياابنتي، يبدو أن هذا التراث الوحشي لايعرف الحدود الزمنية! هذا أسلوب معروف، قرأت أن المحتلين مارسوه في الجزائر! سيرفض الطبيب أن يتناول منها قرشا، سيغلق كفها ويعيدها إليها. وعندئذ ستعانقه وتبكي. وسيتركها تبكي على كتفه، ثم سيناولها منديله: تعالي كلما أردتِ أن تبكي! ولعلها ستبتسم أول مرة منذ أشهر! من بُعد، بين الجبال تلامحت لها دمشق. مدينة وسط بحر من البساتين. اخترق الطريق بساتين غوطة دمشق ساعة أم أكثر؟ هذه دمشق إذن التي حدثتها عنها رفيقة أخيها، التي هربت من بغداد في أيام نوري السعيد ودرست في الجامعة. خيل إليها أنها وصلت إلى الجنة. وملأ قلبها هدوء غريب. مع أنها افترضت أن ثورة آذار توازي ثورة رمضان. ألم يحمل هذه الثورة القوميون والبعثيون؟ لا، لا! لم يجر دم في دمشق! كان القرار منذ البداية: لامذابح! نزلت في ساحة المرجة، الساحة التي نزل فيها بهاء يوم كان طفلا هاربا من زوجة أبيه في مرعش. ونزل فيها عبد الرحيم العائد من بغداد التي سقطت في قبضة الإنكليز بعد سحق ثورة العقداء الأربعة. ونزلت فيها سعاد القادمة من فلسطين في أيام ثورة 1936. وخرج منها عز الدين محملا بالأسلحة التي نقلها إلى مزرعته قرب بحيرة طبرية لثوار فلسطين. من ساحة المرجة وصلت إلى البيت الذي حفظت عنوانه: تذكري ياأميرة، لاورقة، ولاقلم! سجلي العنوان في ذاكرتك فقط. إذا نسيته اذهبي إلى مطعم الريس أو إلى الجامعة واسألي عن فواز الدمشقي! هل كان التعذيب انتقاما؟ ألم يعرف منفذوه أنهم يدمرون بنية عسكرية ومدنية، ويفرقون بين مجموعات مرتبطة بعلاقات الجيرة والمدرسة والعشيرة والمدينة والقرية؟ مرّ التعذيب على المتخاصمين جميعهم. وكان يفترض أن تقرّب مرارته الخصوم فيعتمدون معايير يجمعون عليها. لكن "العنف الثوري" بدا فضفاضا يحتمل، وربما يشترط، تعذيب الخصم في السجن. ولم يكن التعذيب مطلوبا لنبش مكان الكنز! بل لتدمير بنية الخصم. ولسحق أرواح المؤمنين بمنظومة فكرية، وتحطيم ايمان القواعد بالقيادة، وكسر ثقة الناس بالسياسيين والسياسة. كان لاستبعاد المعذَّب من مساحات العمل السياسي وتدميره أخلاقيا. وسقط كثيرون من هول الفظائع الوحشية، قتلى أو مهزومين أمام مواطنيهم المحققين. فهل جنى أحد منهم فائدة من تلك الهزائم الإنسانية؟ ربما كسب التاريخ فقط سجل القتلى والمهزومين، وكتب أن منظمات سياسية كبيرة انهارت. ولكن ربما يجب البحث في تلافيف تلك السجلات القديمة عن سبب صمت الشوارع العربية التي كان ينتظر منها أن تنتفض لتردّ على مهزلة الاستسلام الكبير للغزاة والمحتلين! لو بقي الضباط المقتولون، لو لم يسقط القتلة، لو اجتمع المتنافسون ولم يطارد أحدهم الآخر، لو وفروا دماءهم النازفة طوال عقود، لو.. أكانت الأحداث تنساق في مجراها الحزين والمهين في أول سنوات الألف الثالثة من التاريخ البشري؟ كتب رفعت الحاج سرّي، أحد مؤسسي منظمة الضباط الأحرار: "أدخلت غرفة عالية النوافذ من غرف المشاجب كما أعتقد، فيها بطانيتان ووسادة قذرة، وكانت الساعة الثانية. وفي الساعة الثالثة تقريبا فتح الباب ودخل الإخوان طه الشيخ أحمد، وفريد ضياء محمود، وجلال الأوقاتي، فكان مجيئا أخويا صادقا ووفاء كبيرا في مثل هذا الموقف". لكن فيما بعد، طلب منه رئيس هيئة التحقيق هاشم عبد الجبار أن يتكلم عن دوره في فتنة الشواف وإلا فإن طرق المحققين المبتكرة لانتزاع الاعترافات المطلوبة ستضطره إلى كتابة مايطلبون. "بينتُ له عدم وجود أية معلومات لدي عن المؤامرة...أرسلتُ إلى معتقل الدبابات وهناك وضعت في سجن انفرادي وجوبهت من الساعات الاولى من ساعات الصباح باستقبال حافل من الإهانات القذرة جدا.. عانيت من جلاوزة ضباط الدبابات مالايوصف.. كانوا يجلبون بعض المعتقلين ليلا ويباشرون تعذيبهم. وكانوا أحيانا يربطون بعضهم بنافذة غرفتي ويستمر تعذيبهم حتى الصباح.. وإذا رأوني أنام يطلبون مني الجلوس لأستمتع بهذه الحفلة الشيقة، ثم كانوا يضربون شباك غرفتي الحديدي بعصا غليظة حتى الصباح فلم يتركني ذلك أنام مطلقا مدة ثمانية أيام". كان سرّي مطلعا على الاتصالات بالسراج والتحضير للتمرد وكان قد قابل أحد رجال المخابرات السورية في بغداد وأكد له أنه منحاز لعبد الناصر. لكن سرّي الذي يعرف عصبية الشواف ويذكر أن الضباط الأحرار استبعدوه قبيل تموز لأنه ألح على الثورة دون دراسة ظروفها، أبلغ الشواف في أواخر شباط "إن الاتصال في هذه المرحلة وبهذه الصورة أمر لانقرّه لأنه لايحقق المصلحة العليا التي ننشدها. وإني لاأكتمك سرا ياعبد الوهاب أني أرسلت قبل مدة من يخبر السيد عبد الحميد السراج أن هذه الاتصالات أصبحت معروفة لدى عبد الكريم قاسم والشيوعيين، والتقارير من لدن شيوعيي الموصل ترفع باستمرار، وإنه إذا أعوزنا الدعم لنجاح مهمتنا فوسائل الاتصال ميسورة". مع ذلك لم يشترك سرّي في التمرد، وأغضب ذلك عبد الناصر منه. فهل يستحق مثله التعذيب والإعدام؟! كتب الزعيم الركن ناظم الطبقجلي عن إهانته. فسجل الفوضى التي جعلت المعسكرات مقسمة بين الأحزاب، وحولتها إلى مايشبه النوادي. وأذهلت بأن المتهمين يعتقلون في المعسكرات وأنهم دون حصانة. كتب: "استدعي كثير من الزوار أثناء الليل لزيارة معتقل الدبابات والفرجة على المعتقلين بقصد التشفي وتوجيه الإهانات والسباب والكلمات البذيئة.. وكان ضباط الدبابات هم أدلاء الزوار لتعريفهم بالمعتقلين.. وكانت نقاط الحرس في المعتقل تسهم في التنكيل بالمعتقلين بالسب والشتم، وكانوا يضربون الأبواب بأقدامهم.. وكانت تنظم سهرات ليلية متصلة بسهرات التعذيب التي كانت تقام في بهو ضباط كتيبة الدبابات الثانية بعد منتصف الليل لغرض التعذيب والتحقيق. وكان يدعى لهذه الحفلات أعضاء من الحزب الشيوعي.. وقد أخرج الملازم مخلف عبد العزيز إلى إحدى السهرات وبدئ بتعذيبه.. فصرخ من العذاب الذي كان يسلطه عليه الملازم خالد عيسى طه.. اعتقلتُ انفراديا لمدة اسبوعين نقلتُ بعدها إلى غرفة فيها عشرة أشخاص من ضباط ومدنيين عذبوا كلهم عذابا مهينا وكانت آثار الضرب المبرح ظاهرة عليهم وعلى أجسامهم. وكان هؤلاء يستدعون أكثر من مرة وتطبق عليهم ممارسات التعذيب. كانت تنظم مظاهرات من منتسبي المعسكر تطوف حول المعتقل وهي تهتف بحياة الشيوعية وسقوط القومية العربية، ثم كانوا يرددون الأهازيج المختلفة مثل الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم". وكتب عبد الكريم فرحان، القومي، أحد أعضاء اللجنة العليا للضباط الأحرار، قائد الفرقة الاولى: "بعد التحقيق دخل العقيد يونس محمد شيت بادي الإعياء والتعب يسنده أحد جنود الانضباط وتهاوى على فراشه. كانت قدمه متورمة ورقبته زرقاء من شدة الضرب.. كان المحققون يستخدمون عصا مطاطية.. أجبروا اللواء حسين العمري على تناول البقلاوة بعد أن بصقوا عليها.. طلبوا من هشام الشاوي أن يقف على إحدى المناضد في بهو الضباط ويرقص فوقها، ثم أخذوا يهزون المنضدة ليسقط على الأرض.. وكان الضابط المتقاعد علي زين الدين الذي كان مدير سجن قبل ثورة تموز يُستدعى بين حين وآخر فيهان ويعذب ثم يلقى به في حوض ماء آسن بملابسه وكثيرا مايضطر إلى الغوص لاتقاء الطابوق والأحجار التي تلقى عليه. وكان جنود الدبابات ينشدون "وطن حر وشعب سعيد" عند ذهابهم للتدريب.. ولن أنسى ذلك الطالب الذي ربطت يداه في شباك الممر من الصباح إلى المساء ولم يقدم له طعام أو ماء. نودي على العقيد نوري الراوي فخرج وعاد قبيل الفجر محطما مهشما محمولا في بطانية .. نودي علي فخرجت فانهالوا علي ضربا ولكما وصفعا ورفسا فوقعت على الأرض وعرفت من هؤلاء الملازم سالم فارس والملازم قاسم جراد والرئيس لطيف. وعدت إلى غرفتي يملؤني الألم والأسى فكفرت بالثورة وفقدت ايماني بالإنسان.. ولم يتورع ضباط المعتقل عن دخول غرف المعتقلين وضربهم وإهانتهم.. واعتدى أحد الضباط على العقيد الركن عبد الغني الراوي في غرفته أمام المعتقلين. وأخيرا صدرت ثلاث قوائم بإحالة الضباط على التقاعد ضمت أكثر من أربعمائة ضابط معظمهم من ضباط الركن وقادة الجيش. وقصّ علي الملازم مظفر صالح مالقيه من تعذيب وآلام أثناء التحقيق وعن الضرب الشديد على رقبته وتمنيه الانتحار". خارج السجن قتل المقدم موسى آمر سرية الحراسة في الديوانية، والعقيد جلال اسماعيل آمر إحدى كتائب المدفعية في البصرة، وحوصر بعض الضباط في حامية الناصرية وكاد يفتك بهم ضباط الصف والجنود. وسط تلك الآلام أقيمت احتفالات في المعسكر نقلتها مكبرات الصوت فسمعها فرحان: بدأت السيارات تترى على المعسكر ثم تبين أن حفلة ستقام في المعسكر سيحضرها كبار الشيوعيين. وبدأ الاحتفال بهتافات وهوسات وتصفيق وهتاف "الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم". وتكلم المهداوي وماجد أمين. نقل خبر الاحتفال إلى قاسم فأجرى تنقلات بين الضباط وخفف الضغط عن القوميين. طلب عبد الكريم قاسم الطبقجلي من السجن. وقف أمامه ويداه مكبلتان بالحديد.. عرض عليه قاسم أن يطلق سراحه إذا ذكر أمام المحكمة أن عبد الناصر وراء تمرد الموصل فرفض. دافع القوميون والبعثيون عن أنفسهم وهاجموا خصومهم وانتقدوا المحكمة. وأنكروا اعترافاتهم لأنها أخذت منهم بالتعذيب. وكسبوا الناس كضحايا وكرجال ثبتوا على مبادئهم ودافعوا عن مواقفهم. لكن محكمة المهداوي كشفت هدف التمرد. واستمرت كمنصة أدبية سياسية تلبي الجمهور الذي تغويه المبالغات. قال المهداوي في جلسة من محاكمات المتهمين بتمرد الشواف يعلن انحيازا إلى قاسم، أكده باختياره الموت معه فيما بعد: "أنا صرخة من صرخات عبد الكريم قاسم التي دوت في العراق وفي البلاد العربية كافة وفي العالم أجمع. أنا حرف من الحروف التي تشيع أنوارها وتتلألأ بها كلمات عبد الكريم قاسم... ومن هو عبد الناصر؟ كان له رصيد في العراق قبل ثورة العراق العظمى بالرغم من أكاذيب صوته، صوت الغرب.. ليسمع الرائد غير الشريف للقومية العربية، الهتلر الأحمق الصغير، والفرعون الفطير الذي حسب العراق لايختلف عن بعض الشعوب البدائية".. وفي جلسة 15 آب تضمن بيان المدعي العام ماجد أمين هجوما على ناصر: "فعبد الناصر وزمرة بنك مصر كانت تطمح أن يكون العراق إقليما من أقاليم جمهوريته المذكورة، يتحكم بثرواته وبرقاب أهله تحكم الأسياد بالعبيد كما هو الحال في سورية العزيزة الآن. باسم العروبة والقومية التي جعل من نفسه قيّما عليها ولايرتضي أن تقترن باسم شخص آخر سواه.. وجاءت مداولات وتهريجات عبد السلام محمد عارف وزمرة البعثيين بما يزيده اطمئنانا وكأن الثورة من صنع يده وبركات مباحثه وملحقيه العسكريين، ولذا طار صوابهم حين رأوا أن ذلك بعيد المنال.. .. لقد استغل أقطاب التآمر حقد شيوخ الإقطاع ونقمة الرجعية المحلية والعناصر التي هددت مصالحها ثورتنا المباركة فتكتل أعداء الشعب عن طريق الملحق العسكري المصري العقيد عبد المجيد فريد". في 25 آب نفذ قرار المحكمة فأعدم خمسة ضباط ومدني واحد لاشتراكهم في تمرد الموصل. وفي 16 أيلول حكمت المحكمة العسكرية العليا الخاصة ببغداد على "كل من المجرمين الزعيم الركن المتقاعد ناظم الطبقجلي، والعقيد الاحتياط المتقاعد مصطفى رفعت الحاج سرّي، والرئيس الركن داوود سيد خليل، والمقدم الركن المتقاعد عزيز أحمد شهاب بالإعدام رميا بالرصاص حتى الموت". كان المحكومون بالإعدام في القرار أربعة ضباط! كما كان ضباط المربع الذهبي المحكومون بالإعدام سنة 41 أربعة ضباط. كتبوا آخر رسائلهم شبيهة برسائل اولئك إلى أسرهم. كتب رفعت الحاج سرّي: "عملت في سبيل بلدي ماأمكنني ذلك دون أن أطلب جاها أو جزاء، وآخرها تضحيتي في سبيل فكري وبلدي وفي سبيل أمتنا. وقد أرضيت ضميري جهد إمكاني وآمل أن أكون قد أرضيت ربي وأرضيت أبناء وطني وأديت واجبي تجاههم". بهذه الأحكام بالإعدام في فتنة الموصل فقد الجيش العراقي ضباطا آخرين ماهرين ذوي كفاءات! نفذ الحكم فيهم في فجر 20 أيلول في ميدان أم الطبول. وسيشيد في ذلك الميدان فيما بعد مسجد ذو عمارة شامية، سينقل إليه ضباط المربع الذهبي الأربعة الذين تمردوا سنة 1941. بعد تنفيذ الإعدام هبّت مظاهرات في الأعظمية ومشت نحو الباب المعظم، وهتفت "الله أكبر شبابنا قتلوها، يابغداد ثوري ثوري خلي قاسم يلحق نوري". وكان من المتظاهرين ابن فهمي سعيد أحد ضباط المربع الذهبي الشهداء. هل ردّوا على هتافات الشيوعيين: "إعدم، إعدم، لاتكول ماعندي وكت أعدمهم الليلة! إعدم، إعدم، جيش وشعب يحميك"! هل كان قتل الضباط المتمردين ضرورة؟ أم دفع إليه هجوم إذاعة عبد الناصر على عبد الكريم قاسم؟ لم تستطع الحكمة أن تتبين أن الخصم يتمنى أن ينزلق خصمه إلى ردّ عنيف! خنقت الضغائن الحكمة! سيكتب عبد اللطيف البغدادي فيما بعد: "بعد فشل ثورة الشواف اتخذ ناصر العدة لما يلزم من الدعاية لتغطية الانتكاسة التي حدثت في الموصل، وكتب عدة أخبار لتنشر في الصحف كانت كلها تهدف إلى إثارة الشعب العراقي ضد عبد الكريم قاسم وذلك عن طريق تجسيم الخسائر التي حدثت في الموصل.. وقد ادعى أن قاسم قام بإعدام 60 ضابطا، كما أعدم أيضا كل مدني شك في أنه تعاون مع الثوار. تخوّفنا من المبالغة.. ولكن جمال ظل مقتنعا بما يفعله، وكان واضحا غضبه وضيقه من كل من محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة بالعراق، ورفعت الحاج سرّي، لأنهما لم ينفذا ماكانا وعدا به من اشتراكهما في الثورة مع الشواف". بعد حركة شباط سنة 1963 تغير الضحايا. سيقول الدكتور تحسين معلة: "طلب مني حمدي عبد المجيد الحضور إلى قصر النهاية لعيادة بعض المرضى. ذهبت إلى هناك، وبدأت من السرداب. فرأيت سلام عادل نائما وسط القاعة طاويا نفسه على الأرض مشدود العينين ومدمَى. وكذلك حسين عوينة وعبد القادر اسماعيل البستاني وحمدي أيوب العاني وآخرين لم أتعرف عليهم وكانوا بحالة مزرية، ينامون مباشرة على أرضية السرداب الرطبة. حاولت تضميد جراحهم وانتقلت لردهات أخرى.. حتى جيء في أحد الأيام بهاشم جواد وزير خارجية قاسم وأعطوه وجبة عشاء خبز وتمر... لم أكلم حسين عوينة تألما لأنه ابن صفي الدراسي في ثانوية النجف، ولم أكلم عبد الرحيم شريف لأنه عديل أخي". كُسر ظهر رحيم شريف العاني. رفسه أحد السجانين على صدره بقوة عندما كان نائما على الأرض، واستمر مستلقيا على تلك الحال حتى وفاته. قُتل أعضاء المكتب العسكري جميعهم. وقُتلت القيادات جميعها ماعدا من كان في الخارج. هل مازال الانقلاب العسكري كما رآه الشيوعيون "انتفاضة شعبية"؟ وكما رآه البعثيون "وسيلة ثورية"؟ ستشهد ماجدة علي على تلك الأيام في قصر النهاية: "نقلوني بعد تعذيب وحشي إلى السرداب الذي تغطي أرضه المياه القذرة والحشرات وأنين المعتقلين وهذيانهم وحشرجات الموت. كنت معصوبة العينين ومربوطة الرجلين ويداي مشدودتان إلى خلف ظهري وسط المياه القذرة. لكني ميزت أنين سلام عادل وصوته مرددا: هنا التجربة أيها الرفاق. ثم بدأ ينشد أناشيد ثورية. رجوت الحارس إزالة العصابة من على عيني فاستجاب لرجائي فحاولت معرفة سلام عادل من بين الموجودين في السرداب ولم أفلح في ذلك وكل الذي عرفته أن صوته بدأ بالخفوت. وهذه هي المرة الرابعة التي جمعتني في مكان واحد مع سلام عادل في قصر النهاية. وشاهدته للمرة الخامسة والأخيرة ليلة 26 أو 27 شباط وقد شوه جسده ولم يعد من السهل التعرف عليه، فقد فقئت عيناه وكانت الدماء تنزف منهما ومن أذنيه ويتدلى اللحم من يديه المقطوعتين، ورش الملح والفلفل فوق جسده الدامي لزيادة آلامه. وأشرف على تعذيبه بشكل وحشي وشرس محسن الشيخ راضي الذي كان يحقد عليه بشكل فظيع. كان سلام عادل يتمتم بكلمات غير مفهومة، وبدا لي وكأنه ينشد نشيدا ثوريا في لحظاته الأخيرة قبل استشهاده".. وشهد معتقلون آخرون في قصر النهاية أن سلام عادل "عذب طيلة ساعات ذلك اليوم بمختلف وسائل التعذيب فامتلأ جسمه بالجروح وكسرت عظامه وقطع محسن الشيخ راضي بآلة جارحة عضلات ساقه وأصابع يديه. وأعلن استشهاد سلام عادل يوم السابع من آذار عام 1963".. بعد أربعة عقود سيرسل منذر الونداوي، الذي قصف وزارة الدفاع في 8 شباط، رسالة إلى جريدة الحياة تعلن براءته من التعذيب في قصر النهاية. سيذكر أنه اقترح في 17 شباط الفصل بين الحرس القومي والهيئة التحقيقية الخاصة التي صار مقرها قصر النهاية اعتبارا من يوم 21 شباط 1963. وأنه لم يمض شهر على 8 شباط إلا وكانت القيادة القطرية ممزقة وانتقلت العدوى منها إلى مجلس قيادة الثورة. أما ماحدث في قصر النهاية فلاعلاقة له به! بعد أربعة عقود سيعرض حازم جواد، أحد الذين حققوا مع سلام عادل، بعض الحقيقة. لن يرى كزميله طالب شبيب أن التعذيب دمّر طرفين ونفذ مشروعا واسعا يتجاوزهما. لكنه سيذكر ملامح سريعة من المناخ الذي جرى فيه القتل والتعذيب. سيبدو له من الأخطاء البيان 13 الذي اقترحه طالب شبيب ويدعو إلى إطلاق النار فورا على الشيوعيين. وسيذكر أن عبد الناصر بعث ببرقيته الشهيرة إلى الرئيس سلام عارف للتهنئة بأحداث "اليوم المجيد" فأذيعت أكثر من ثلاثين مرة من إذاعة بغداد. وسيذكر أن تسليم صالح مهدي عماش وزارة الدفاع كان "كارثيا للحزب ولمجلس قيادة الثورة وللعراق". وأن عفلق كان في الفندق يبرر حملة الاعتقالات. وكانت أخبار علي صالح السعدي "السارة" لقيادة الثورة اعتقال هاشم القائد الشيوعي الذي خان زملاءه وسلم رفاقه ومنهم سلام عادل. سيعترف حازم جواد بأن الغرق في مطارة الشيوعيين والتحقيق معهم وإعدامهم شغل الحزب عن مهماته المركزية طوال تسعة أشهر، حتى أزاحه عارف. لكنه لم ينتبه إلى ماانتبه إليه طالب شبيب: أن القتال المحلي وقع في مشروع تدمير للعراق. مع أنه التقط إشارات إلى ذلك، منها اتفاق وزير الدفاع صالح مهدي عماش ورئيس الوزراء أحمد حسن البكر على إطلاع موفدين من المخابرات المركزية الأمريكية على الدبابة السوفيتية تي 54، وتي 55 وطائرة ميغ 21 وصاروخ سام. واعتراض جواد وشبيب على ذلك لأنه يعني خيانة تقوم بها الدولة. سيذكر حازم جواد، بعد أربعة عقود، أنه رفض أن يحادث سلام عادل كسياسي يمكن أن يتفق معه على أسس العمل المقبل. وقال له: أنت سجين وأنا سجان! مع ذلك قدم سلام عادل نصائح لحازم جواد كمن يأتمنه على قراءة ضرورية استنتجت حقيقتين لايجوز حجبهما: الوحدة مستحيلة لأن المقرر لهذه المنطقة التقسيم، وتأميم النفط خطر! لكن حازم جواد سيذكر أنه التقى بسلام عادل في نهاية آذار، ولم يلاحظ عليه آثار التعذيب! وأن بيان الحاكم العسكري أعلن بعد يومين من ذلك اللقاء إعدام سلام عادل ورفيقيه! لن يستنتج حازم جواد كسياسي صلة إعدام مئات العسكريين والمدنيين، دون محاكمة ودون تهمة، بثمارها المتوقعة. بل سيكتب أن التعذيب لم يبحث في مجلس قيادة الثورة، وأن مازاد الحقد على الشيوعيين اكتشاف قوتهم. وأن عبد السلام عارف وعماش والبكر والونداوي وغيرهم وكذلك المدنيون كانوا متحمسين للإعدام. مع أنه سيذكر أن الحاكم العسكري رشيد مصلح "وكان يمينيا إلى حد الرجعية، جاء محتجا على لجان التحقيق والإعدامات الكيفية والسرية". بعد أربعة عقود سيشفق حازم جواد على المعتقلين المهزومين، ومنهم عبد القادر اسماعيل، الذين فصلوا عن الصامدين في قصر النهاية. وسيبين أنه فوجئ عندما أراد أن يلبي طلب صحفي فرنسي مقابلتهم، بأن اولئك المتعاونين أعدموا بأمر عماش. وسيقول: "إنها مجزرة خسيسة ودنيئة دبرها صالح مهدي عماش ونفذها بواسطة جهاز وزارة الدفاع". لكنه لن يصل تلك المجزرة بالاتفاق مع المخابرات المركزية الأمريكية للتجسس على الأسلحة السوفيتية! وسيذكر حازم جواد أن عبد الناصر قال له ولعبد السلام عارف "منذ 8 شباط نسمع ونشاهد إعدامات الشيوعيين وإن ذلك ينفّر المصريين من الوحدة مع العراق". وسيدهشه أن يوضح له حازم جواد أن عبد السلام عارف والعسكريين على رأس حملة إعدامات الشيوعيين. وسيقول عبد الناصر إن منع الإعدام في مصلحتكم ومصلحتنا ومصلحة الجمهورية العربية المتحدة. وسيغضب عارف لأن حازم جواد كشفه. نجا قيس من تلك التجربة. تعلم لغة جديدة، وعرف مدينة عريقة، وأدهشته الغابات. في ذلك اليوم أمضى النهار مع راجح. وعندما وصل إلى بيته وجد رسالة من صديقه أمين. مايزال أمين في بيروت سليما، إذن! وكان قيس يظن أن انقطاع رسائله يعني أنه سلم إلى الأردن واستقر في معتقل الجفر في الصحراء! ذكر أمين في رسالته الجديدة أيام دمشق السعيدة، يوم كان يتغدى مع قيس في مطعم الريّس قرب مقهى الكرنك. ماأطيب ذلك الطعام، وماأرخصه! وذكر أمين ذنوب قيس وكلماته البليغة. وهاهو يحمد الصدفة التي أسعفت قيسا فرحل من بغداد ثم من بيروت. لولا ذلك لقطع لسانه عقابا على كلامه في الإذاعة! كان قيس يحتفظ برسائل أمين في علبة من الخشب على طاولته. وكان يجيب عليها بخطه الأنيق، بحبر أزرق على ورق أزرق خفيف. وتصل رسائله إلى عنوان رجل لبناني ينقلها إلى أمين. ماأثقل رسالة أمين، وماأرشق تعبيرها عن الحزن! لم يطلب مساعدة قيس لأنه يعرف أن المغضوب عليه لاينجد! لكنه نبهه إلى الأشياء البسيطة التي يستمتع بها في هذه اللحظة. الطعام والشراب والدفء، الكهرباء وماء الحمام، والأمان، التي حرم منها المشردون والمعتقلون. صبّ قيس لنفسه كأسا من الروم وقال: عني وعنك! أنفذ وصيتك! بعد لقاء قيس براجح فكر بالفرق بين الرجلين. هذا استطاع أن يدبر لنفسه مكانا في الجامعة، وأمين المسكين محبوس في بيروت. وقيس لايستطيع أن يرسل له مساعدة، فالعملة في البلاد الاشتراكية لاتحوّل إلى عملة أخرى! بقي زمنا شاردا يتأمل مصير جيله! يالهذا الوطن الحزين! كأنما قدّر على هؤلاء الشباب أن يذوقوا المحنة بالدور! كأن المطلوب أن ينكّل بهم ويفقدوا القوة في صراع أحدهم مع الآخر، لافي الصراع مع عدو، ولافي عمل منتج مبارك! كأنما يجب أن ينشغلوا بالأحقاد والأحزان لابالحب والأفراح! استعاد قيس بعض حياته مع أمين في بغداد ودمشق، لقاءهما في الطائرة المسافرة من بيروت إلى بغداد، وفي بغداد حيث كان قيس يكوّم ذنوبه، ثم وداعهما المقتضب في بيروت قبيل سفر قيس إلى براغ! هل بدا لأمين أن نزوله في بيروت موقّت، محطة في الطريق إلى بلد اشتراكي؟ ذات يوم كان عبد القادر اسماعيل البستاني، الذي اعتقل في قصر النهاية وقتل فيه، صاحب سلطة في بغداد. وكان في المطار في استقبال عرفان. وكان في المطار أصحاب قيس الأردنيون ومعهم أمين! وصل عرفان قادما من ألمانيا الديمقراطية. عبر مطار برلين كضيف كبير، يودعه رسميون ألمان، ولايعلن عن مساره لأحد. انشغل بالحديث مع مودعيه، لم يمرّ بالأمن وركب الطائرة قبيل أن تقلع تماما. سقوه وأطعموه في الطائرة كزعيم كبير، ونزل في مطار بغداد كضيف كبير يتلقاه المستقبلون من الطائرة ولايستوقفه الأمن، بل تفتح له صالة الشرف. رتب استقباله عبد القادر اسماعيل الذي عاش في دمشق في بيت قرب البارلمان في أيام نوري السعيد. التقى عبد القادر بعرفان مرات في دمشق، ومرات في مؤتمرات في البلاد الاشتراكية. ماأعجب أن تكون مقهورا منفيا فتصبح ذا سلطة واسعة بعد أيام النفي! قدم عبد القادر الحماية للمسافر القادم ولمستقبليه. لكن إلى متى؟! سُجل عبد القادر على قوائم المطلوب قتلهم أو اعتقالهم في اللحظة المناسبة! فسجن في قصر النهاية بعد الثامن من شباط. ثم اختاره عماش مع عشرين معتقلا أمر بإعدامهم دون محاكمة! تفقّد عرفان يومذاك جماعته، وأحصى الغائبين. بين من افتقدهم قيس الذي انشغل بصديق من أصدقائه القدماء صادفه في المطار. حاول أمين أن ينبهه: يجب أن يراك عرفان في استقباله! بل حاول أمين أن يجره ففشل. فأضاف قيس ذنبا آخر إلى سجل ذنوبه! فاقترح عليه عرفان فيما بعد: يشفيك من السل هواء الجبال! فارحل إلى كركوك أو الموصل! أما أمين فلم يمح حضوره إلى المطار ذنب انحيازه إلى قيس وصداقته له! هز عبد القادر رأسه عندما نقل له اقتراح عرفان على قيس: إذا رحل قيس إلى كركوك أو الموصل فسيدفع هناك ثمن برنامجه الإذاعي "اضحك مع الأخبار"، وعلى رده على إذاعة صوت العرب. ويمكن أن يذبح كعدو للوحدة العربية ولعبد الناصر، وإذا كرّم قد يعلق على أي عمود كهرباء! خرج أمين من بغداد عارضا بيده بطاقة الطائرة إلى بيروت والقدس. سأله الشرطي: إلى أين؟ ردّ: في إجازة إلى القدس عبر بيروت! ستعود إذن؟ إذا سمح لي الحظ! سجل رجل الأمن على جواز سفره "لايسمح له بالعودة إلى العراق". ماأقصر طرق النجاة! تلقاه الشرطي في مطار بيروت: قادم من بغداد إذن! إلى أين؟ رد: إلى القدس في إجازة! سأله: معك مال؟ فتح أمين محفظته وعرض مافيها من مال مسجل على جواز سفره. استرخى الشرطي: يمكنك إذن أن تزور بيروت! نجا أمين كسائح غني أو كرجل أعمال، لكنه شاهد أحد أصحابه يعتقل في المطار، وعرف أنه سيرحّل بالطائرة إلى عمان. رجل يحط في مطار بيروت دون مال؟ يعني ذلك أنه سياسي لاجئ إلى لبنان من بغداد! والأوامر تفرض الشك في القادمين من بغداد، وتسليمهم إلى سلطات بلادهم! من قال إن الوطن العربي واسع الأرجاء؟! رحل المحظوظون إلى البلاد الاشتراكية. وبحث الباقون في بيروت عن جحور يسكنون إليها في خفية عن الشرطة. لجؤوا إلى مكتب المهندس أنطون في الملمّات. من يطعمهم ويسقيهم؟ اشتغلوا عمال بناء وحراس أبنية وخدما في المطاعم. كتب أمين إلى قيس رسائل عن وجعه. "نعيش في السر عن الشرطة. ويزيد في حذرنا أن مخابرات عبد الناصر تتجول في بيروت، ولديها أسماء اللاجئين السياسيين الذين كانوا يقبضون رواتب من سورية. نسكن في جحور لأننا فقراء! نعم، صرنا نحن الذين نملك بيوتا وبساتين في الأردن والخليل والقدس فقراء يستحقون الصدقة! لكننا نظّمنا حياتنا كأننا في سجن. من يعمل يقتسم أجره مع الباقين الذين لايعملون. ومن لايعمل يقوم بخدمة العاملين. نقتسم المساعدات التي تصلنا أحيانا من اللبنانيين. وننتظر الفرج. والفرج هو أن يقبلنا بلد اشتراكي! تصور، ياقيس، نحن الذين نملك الثروات النفطية والنسيجية والزراعية ولدينا أسواق ممتدة من المحيط إلى الخليج، ننتظر أن يساعدنا بلد اشتراكي فيقبلنا في هذا العمر طلابا في معاهده أو عمالا في مصانعه! تظلمنا الدنيا! ولكن لماذا ينتقم منا صاحبنا؟! اسمع، وصلتني على لسان عرفان هذه الرسالة التي أنقلها إليك: "كأمميين يجب أن نشعر بمشاكل المعسكر الاشتراكي. فلانحمّله عبئا يصعب عليه حمله. يعاني المعسكر الاشتراكي من أزمة في السكن. ولايستطيع أن يقبل جميع اللاجئين السياسيين"! مع ذلك نحن محظوظون. نجونا من مصير أصحابنا الذين سلمهم العراق إلى الأردن. عرفنا أن الكويت سلمت آخرين. بفضل اللبنانيين نجا الشاعر راجح قبلي وقبلك، وأمنوا له بطاقة طائرة إلى براغ ولابد أنك التقيت به. نتمنى أن يكون مصيرنا كمصيره! ولكن هيهات، هيهات! لذلك نطلب منك أن تأكل عنا وتشبع عنا، وأن تشرب باسمنا، وأن تتنزه في الغابات التي نحلم برؤيتها. ياأخي اغتسل بالماء الدافئ عنا كأنك ممثل المسجونين في هذا الجحر الذي أكتب إليك منه! واعرف أن جرذا قضم أذن أحدنا ليلة أمس! وقد ذكرتنا الحادثة بما رويته لنا في عمان يوم حكيت لنا في مقهى سنترال عن رسام قص أذنه وأرسلها إلى حبيبته! شرب قيس قدح الكونياك. لكنه لم يستطع أن يأكل لقمة. شعر بغصة العاجز عن اقتسام مامعه مع أصدقائه الذين بقوا في بيروت! رآه راجح غارقا في عتمة بين عفاريته. ولم يجسر على الكلام معه. لكن قيسا فتح حنفية الماء على آخرها وهو يغتسل في ذلك المساء، وتذوق دفئه وبلله. وقال: عني وعنك ياأمين! بعد عقود سيعود أمين بعد العفو إلى عمان. وسينتقل منها إلى الخليل مع الفلسطينيين الذين سمح لهم بالعودة مع عرفات إلى الضفة الغربية. سيفحص أرضه وبيت أهله، وسيستمتع بقطف الزيتون بنفسه. وسيزرع غرسات زيتون جديدة. وسيقول وهو يغرق اللبنة بالزيت ويغمس بهما خبز التنور: لايوجد أطيب من زيتنا وزيتوننا! لكنه بعد الاجتياح الإسرائيلي سيعاني من المشي على الطرقات الترابية التي اكتشفها الفلسطينيون ليتفادوا الحواجز. سيمضي مرة تسع ساعات في الطريق التي كان يقطعها في عشر دقائق. ومع ذلك ستدمر الجرافات تلك الطرقات. وعندما ستصيبه أزمة قلبية لن يستطيع أن يصل إلى طبيب أو مستوصف. وسيموت بالجلطة. لكنه سيدفن في تراب مدينته، قريبا من أهله. بعد انقلاب شباط بدأ العراقيون يصلون إلى البلاد الاشتراكية لاجئين. وسيصادف قيس أنواعا منهم طوال أربعة عقود. قدّر أن بعضهم اختفى في مؤسسات بعيدة. لكنه رأى في المقاهي شبابا وكهولا، جعلوا اللغة العربية فيها كلغة رسمية. كان يتبينهم من لون الشعر والبشرة. عرف بعضهم وجمع منهم تفاصيل ماجرى. وخشي عليهم من ضيق حياة المنفيين واللاجئين، وفكر بضرورة العلاقات التي تجمعهم وبخطرها. وتمنى ألا يوصدوا على أنفسهم الدوائر الصغيرة. فيما بعد سيشعر بخطر آخر، يوم تبدأ المخابرات الأمريكية والغربية بالتقاط اولئك المقطوعين عن بلادهم ومجتمعهم وترسم معهم مصير العراق. أمضى قيس أياما وهو يستعيد ماحدث في العراق مع الناجين من القتل. وأسعده أن يلتقي بفؤاد، الشاب الذي كان يعمل معه في إذاعة بغداد. - ياقيس، أما كنا نستطيع أن نشذّب الوقائع كما تشذّب شجيرة الورد فنعيّن اتجاهها ونمنع الكارثة؟ لماذا لم نفد من التجارب التي مرت بها بلادنا، وبلاد أخرى؟ هل درس الضباط الأحرار تجربة مصدّق وتجارب أمريكا اللاتينية التي أسقطت الانقلابات أنظمتها الوطنية؟ - لذلك تلزم الثقافة، يافؤاد! عرف الشعب العراقي بالقراءة وهواية الكتب والمخطوطات. لكني لاأعتقد أن السياسيين الذين حكموا العراق تميزوا بتلك الصفة. هل رأيت سياسيا عربيا يخصص وقتا للقراءة كل يوم؟ اسأل الواحد منهم كم كتابا قرأ في حياته، وماذا قرأ! الثقافة، ياعيني، تضيف إلى حياة الفرد المحدودة حياة أجيال وشعوب وأزمنة تاريخية! بالثقافة ترقّ الروح ويمتدّ النظر! لكن الثقافة ليست قراءة بالعيون بل بالروح. قراءة تهدف إلى التعلم وتهذيب النفس والأخلاق والتعالي على الضغائن والصغائر. هل رأيت مثقفا ينفش ريشه كالديك، ويقدم نفسه على شعبه، ويدعي أنه العالم بالغيب، وأنه وحده على صواب؟ - تريد أن تتساءل هل كان يمكن أن يغير قاسم مسار الأيام الأخيرة؟ لو كان يستطيع أن يفكّ السنوات السابقة كما تفك الخيوط وينسجها مرة أخرى! لكن ذلك يشترط أن تفعل مثله التجمعات التي ساهمت فيها! لعله تحت قصف الطيران كان يتصور أن كلمة منه تصل إلى الإذاعة قادرة على استنهاض الشعب والجنود ليردوا المتمردين! مع ذلك لم تصل كلمة قاسم المسجلة إلى الإذاعة! وسيتكرر ذلك تماما بعد عشر سنوات في تشيلي، لكن كلمة أليندي المسجلة ستنقل إلى العالم! ستصفّي المخابرات المركزية منجزات حركات التحرر واحدة إثر أخرى وستكون في نهاية القرن قد أنجزت أكبر أعمالها: إسقاط المعسكر الاشتراكي من مركزه! كاد قيس يوهم فؤادا بأن المصادفة أو الحظ تحكم أيضا مسار اللحظة الأخيرة في الأحداث الكبرى. في تلك اللحظة تغيب الحكمة وسعة الرؤية عمن تطوى صفحتهم التاريخية. فتصل الظروف الملائمة إلى ذروتها. كان الخلاف بين المعتدلين والمندفعين في الحزب الشيوعي، وتناقضات الوضع العام، قد شلّت التنظيم العسكري الشيوعي. لذلك أدهش الانقلابيين، أن يكتشفوا مئات الطيارين والضباط الشيوعيين في الجيش. وكانوا قساة في تصفيتهم. وكانت تلك القوة قد أصبحت دون تماسك التنظيم، عددا جاهزا ليكون ضحايا. ويوم تصورت حركة حسن سريع الشعبية أنها قد تستعيد الجيش إذا حررت الضباط المعتقلين، أعدمت في ميدان حركتها. لابد أن عبد الكريم قاسم كان يعرف تلك الحقيقة العددية، لذلك لم يقدّر أن دقة الانقلابيين وتنظيمهم تستطيع أن تغلب الكثرة المستعدة للدفاع عنه. كان الأوقاتي قائد السلاح الجوي قد قتل مع ابنه قرب بيته منذ لحظة الانقلاب الاولى. وكانت طائرات ميغ قد ضُربت على الأرض، والمدرجات في المطار قد دمرت، فصار الطيارون المدافعون عن قاسم دون أجنحة. وستكرر إسرائيل ذلك في مصر وسورية والأردن في حرب حزيران! كان خطأ قاسم أنه لم يقبل أن يتجه إلى معسكر الرشيد حيث يملك القوة، وفضل أن يدير بأسلوب رسمي مقاومة التمرد من وزارة الدفاع، حيث سجن نفسه. ورفض توزيع الأسلحة من مخزن وزارة الدفاع على مؤيديه فشلّهم. ربما تعني كلمته "لاأريد حربا أهلية" وعيه أن الرشاشات لاترد طائرات ودبابات. وربما خشي أن تستعمل كما استعملت في الموصل. فأربك المدافعين عنه: "لايعطي السلاح للشعب ويريد أن ندافع عنه"! كانت موضوعة الشيوعيين: أن حكم قاسم فردي لكنه وطني يجب الدفاع عنه. مع ذلك كان سلام عادل، الذي اتهم عامر عبد الله بالميل إلى قاسم، وانحاز إلى رأي عبد القادر اسماعيل "إلى متى نحمل هذا الرجل على أكتافنا"، هو الذي صاغ البيان الذي يطلب النزول إلى الشوارع ومقاومة الانقلاب بالسلاح! كان وضعه، وهو مضطر إلى كتابة البيان بنفسه وإلى توزيعه يناقض دعوته! لكن يبدو أن مثله يخاطب التاريخ! كان نداؤه الغاضب يشبه نداء قاسم الذي لم يصل إلى الإذاعة! وشارك بالمبالغة بلاغات خصومه! كتب سلام عادل: "ياجماهير شعبنا المناضل الفخور، إلى الشوارع! طهّروا بلدنا من الخونة! ..اسحقوا المؤامرة والمتآمرين"! كان البيان أدنى بكثير من الحقائق. فكثيرون من الشيوعيين في السجن، والأحرار منهم غير مسلحين. والمواطنون تظاهروا ثم انحسروا. ومع ذلك ربط الحزب مصيره بالدفاع عن قاسم. وفي تلك الشبكة المغلقة كانت الحماسة للدفاع عن النظام مستحيلة. لكن الشيوعيين دافعوا عن أنفسهم واعين أنهم سيسددون حسابات طويلة. فهاجموا مراكز الشرطة وأخذوا سلاحها. واستمرت المقاومة ثلاثة أيام وليال دامية. وكانوا دون الجمهور الذي يحيط عادة بالمنتصرين. ولم تكن مقاومتهم في مستوى حركة شباط التي حسب كل فرد من العسكريين والمدنيين فيها دوره وتدرب على تنفيذه. فسهلت تلك المقاومة اليائسة لوم أصدقائهم وتهمة خصومهم. وأعلنت انحيازهم إلى قاسم ضد الانقلاب انحيازا سوّغ البلاغ رقم 13 الذي هدر دمهم، وأجاز الانتقام منهم. "نظرا لقيام الشيوعيين العملاء شركاء عبد الكريم قاسم في جرائمه بمحاولات يائسة لإحداث البلبلة بين صفوف الشعب، وعدم الانصياع إلى الأوامر والتعليمات الرسمية، فعليه يخول آمرو القطعات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن. إننا ندعو جميع أبناء الشعب المخلصين للتعاون مع السلطة الوطنية بالإخبار عن هؤلاء المجرمين والقضاء عليهم". منع التجول، وفتشت البيوت، وتوغل المسلحون في الأحياء الشعبية، وجرت محاكمات صورية فورية حكمت بالموت ونفذته، واستمرت الاعتقالات بعدها. وتحول نادي قريش إلى مركز للتحقيق المرعب. جرى تسديد الحسابات في عنف ووحشية. وفتشت أكواخ الطين، وأعدم من يشتبه بمقاومتهم، وامتلأت السجون بالمعتقلين وتحولت النوادي الرياضية ودور السينما إلى سجون. وطال العنف حتى النساء. ضعف عضو لجنة بغداد فخان سكرتير الحزب هادي هاشم الأعظمي الذي اعتقل واعترف بأسرار كثيرة بعد أن كسر ظهره. وفي 20 شباط اعتقل سلام عادل وعذب حتى الموت، لكن مقتله لم يعلن إلا في آذار وكأنه حكم بالإعدام. وقتل معه عضوان في المكتب السياسي. وكانت الإعدامات تتم بعد محاكمة سريعة. ولم ينج غير من هرب إلى مناطق الأكراد في شمال العراق. وفي بغداد ردّ الجنود والفقراء بتحضير ثورة مسلحة، سميت حركة حسن سريع، لم تنجح وأعدم منظموها. هل أمسك قيس بالقلم أمام فؤاد ليصحح تلك الأيام، قائلا كمن سيعيش بعد احتلال العراق في الألف الثالثة: هاهو مجرى الأحداث قد نسج خيطا، خيطا، مصير المنطقة كلها! تصفحها صفحة صفحة، وغيّر مكانه فيها مرات. وتساءل هل كانت حماسة الناس لمحكمة المهداوي خطأ، وهل لمست الغوغائية في النفوس؟ أم كانت موقع قوة ومنبرا للرد على الخصوم؟ ثبت على رأيه عندما تصفح مع فؤاد حتى محكمة المهداوي، وهما ينساقان في ذكريات تلك الأيام. قال له إنه مدين بنجاته لأسرة المهداوي التي لم تستطع أن تنقذ أعزاءها. لكن ذلك ليس السبب في حكمه العادل على تلك المحكمة، فهي أول محكمة شعبية علنية عربية منقولة بالتلفزيون والراديو حاكمت التدخل الغربي وكشفت سياسييه. وتركت مساحات واسعة للجمهور ليعلن رأيه نثرا وشعرا، وتركت للمتهمين مجالا للدفاع عن النفس. وكانت منبرا لتوضيح مسائل سياسية. فاستقبلتها الشعوب العربية بحماسة، واستمعت إلى مانبشته من الأسرار المدفونة في الحلقات الرسمية. لكن مشاركة الجمهور الشعبي في المحاكمة خرقت القواعد القانونية المألوفة، لاأسلوب المحاكمات التاريخية في الثورات. ولعل حب المهداوي الأدب وصداقته الأدباء ساهمت في فتح محكمته للشعراء! وساهم في ذلك ماتصوره عن محكمة الثورة الفرنسية. استند المهداوي إلى سمعته كضابط وطني. اشترك في ثورة رشيد عالي الكيلاني سنة 41 واشترك في حرب فلسطين مع عبد الكريم قاسم، والتحق بحركة الضباط الأحرار التي تأسست في فلسطين مع رفعت الحاج سرّي وطه الشيخ أحمد ووصفي طاهر.. وساهم في ثورة تموز بالسيطرة على اللواء الأول. ودخل حصار وزارة الدفاع صباح انقلاب شباط مختارا، وقتل معه ابنه وأخوه. لكن المحكمة واجهت فيما بعد مشكلة محاكمة رجال ذوي تاريخ وطني، وبعثيين اشتركوا في محاولة اغتيال قاسم، وضباط اشتركوا في ثورة تموز. لم ينكر هؤلاء خلافهم مع قاسم ونقدوا انحدار العمل السياسي واحتكار الشيوعيين المنظمات والحرية. فأفادوا من المحكمة في توضيح آرائهم ومبادئهم. كانت الأدلة التي تدينهم واضحة. وتطوع سائق يعمل في السفارة المصرية في بيروت بمعلومات عن دور مصر في تنظيم تمرد الشواف. وسجل اللقاءات بين المتآمرين. كان في مطار بيروت في طريقه إلى المحكمة في بغداد، فقتله ستة أشخاص في المطار. اعترض المتهمون على طريقة المحاكمة. وأعلن سرّي في المحكمة أنه عذب وأهين خلال التحقيق. لكن الأدلة أدانته. وصل رفعت الحاج سرّي نفسه، وهو مدير الاستخبارات العسكرية العراقية، بجهاز إرسال متصل بالسفارة المصرية المشرفة على تمرد الموصل! وأدانته الاعترافات الواضحة بالتمرد. كان الشواف والطبقجلي وسرّي من رجال ثورة تموز! قال قيس لفؤاد إنه يلوم عبد الناصر، وذكّره بأن آثار تدخل عبد الناصر في العراق بدت واضحة في المحاكمات. كان يفترض أن يسند ناصر العراق بعد ثورة تموز لاأن ينتقي من يوافقه ويستبعد من لايروق له. نعم، يافؤاد، ساهم ناصر بتلك المواقف في تفكيك القوى الوطنية وتحريض أحدها على الآخر، فكان مسؤولا عن تقسيم مجموعة الضباط الأحرار الذين وحدتهم المدرسة والمدينة والقرية وفلسطين والموقف من حلف بغداد وثورة تموز. منذ البداية اختار ناصر عبد السلام عارف خلال زيارته دمشق بعد أيام من ثورة تموز، لأنه الرجل الذي سيمتطيه في العراق. ثم رتب تمرد الشواف وسلّحه. وسدد إذاعته للهجوم على قاسم وسماه "قاسم العراق". ونظم ثورة مسلحة في الأردن وتدخلا في لبنان. كان موقف ناصر واضحا من إسرائيل. لكنه لم يفهم أن معاركه الداخلية والعربية تؤثر على المعركة الرئيسية المفترضة مع إسرائيل. مع أن التوجس من الشيوعيين لموقفهم من تقسيم فلسطين وقبول اليهود أعضاء في بعض أحزابهم ومبادرة اليهود إلى إنشائها تاريخيا، لايمكن أن تمحى بيسر. ومع أن العلاقة بالاتحاد السوفييتي بدت علاقة تبعية عندما تبنّت تلك الأحزاب موقف الاتحاد السوفييتي من التقسيم وطردت أعضاءها المخالفين، ولم تتبن الموقف الشعبي الوطني العام. لكن الأيام غيرت ذلك وكان يفترض أن يساعد ناصر ذلك التغير. فماذا فعل؟ طلب من خروشوف مصافحة عبد السلام عارف عندما جمعته به احتفالات تدشين مرحلة من مراحل السد العالي! وكان عارف قد نفذ بعض أحكام الإعدام قبيل الاحتفال فرفض خروشوف مصافحته. أصر ناصر على ذلك وأمضى أمسية يفسر لخروشوف مواقف الأحزاب الشيوعية العربية. لم يفهم كارثة القتال الداخلي. لذلك قال ايزنهاور إن عبد الناصر ينفذ سياسة أمريكية بمقاومته الشيوعية وهذا ايجابي فيه! هكذا افتتح الصراع بين القوميين واليساريين، ثم هاجم البعثيين في إصرار في مباحثات الوحدة. وثابر في دأب يثير الدهشة على ضرورة حل الأحزاب حتى بينت التجربة خطأه وأوهامه. خيل إلى قيس وهو يقرأ رسائل أصحابه، أو يقابل الناجين من العراق، أو يسمع الأخبار، أنه كمن كان يسكن بيتا من الورق لم يكد يخرج منه حتى تهاوى على من بقي فيه. سأل عن أصحابه، وعرف أن أكثرهم قتل وأن بعضهم اعتقل، وأن أميرة في السجن وأن أباها وأخواها أعدموا. فقال لنفسه: لو عدت إلى بغداد لما وجدت من يقول لي مرحبا! ومع ذلك هل أحاط قيس حقا بأحداث العراق يومذاك؟ قال فيما بعد: يبدو أن الأحداث لاتُفهم إلا عندما تكتمل بنتائجها البعيدة. لذلك يسدد جيل عن جيل آخر ثمنها. فهل كان يجب أن يعيش حتى السبعين من العمر كي يحيط بما حدث في أيامه الأخيرة في العراق؟ وكان يجب أن تصبح الأحداث التي كانت قطعا حارة من حياته، والعلاقات التي جرفتها الحماسة والعواطف، وقائع من التاريخ الحديث؟ كان يجب أن ينضج بالخيبة الشباب الذين كانوا مؤمنين بأنهم على صواب مطلق، وأن منافسيهم على خطأ مطلق! وكان يجب أن يتساووا في الموت، كي يجمعوا قطع الحياة المتناثرة ويتأملوها في هدوء! ويجب أن يشعر الوطنيون الذين كانوا ضحايا وجلادين بأنهم أدّوا أحداثهم أمام متفرجين راقبوهم من بعد، وأن أداءهم كان مقدمات لنتائج قطفها أعداؤهم الحقيقيون! سيذهل بعضهم عندما ستجتاح إسرائيل ثلاثة بلاد عربية في حزيران. وسيتساءل قيس كيف غفل المتنافسون والمتقاتلون عن سياق الأحداث المضمر في هذه الرقعة من الوطن! ماأفدح ثمن الحكمة الذي سيدفعه اولئك الشباب!الذين اندفعوا مجموعات متنافسة كل منها في مشروع كانوا مستعدين للموت في سبيله! ومع ذلك ماأشد هول أن يحترق شبابهم في تلك النار وأن تغرق أحلامهم في تلك الدماء! سيقول قيس وهو يستعيد أحداث حياته في العراق: كانت الأطراف كلها، كمجموعات، صادقة ومتحمسة لمشروعها الوطني! لكنها سبقت بول بوت الذي قتل ثلاثة ملايين إنسان في سبيل "هدف عظيم"! سيتصفح قيس فيما بعد المذكرات التي سيكتبها المتخاصمون، ويعترفون فيها بتفاصيل عذابهم وقسوة انتقامهم. وسيلمح فيها أن القتل والتعذيب والانتقام بدت لأجل الصالح العام! سيتابعهم وهم يتجمعون حول غربتهم، وسيفهم كم يبدو الإنسان ضائعا ومتناثرا دون وطن! سيقلّب الصور، وسيخيل إليه أن لكل زمن أفكاره المعدية كالوباء. وأن المجموعات تندفع إلى رؤى تشبه الأزياء التي يرتديها أفرادها أكانوا أصدقاء أم أعداء. وماأعجب الرؤى! لايُطوى القديم منها فجأة ولاتتوهج سيادة الجديد منها فجأة، بل تنضج ببطء في الروح. ثم تندلع كالعاصفة الهائجة. كان الزمن الذي استعاده قيس وقتذاك، شبابه وشباب القرن العشرين. كان زمن انتصار المعسكر الاشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية، وتفتح القارات الملونة. كانت عناوينه الكبرى حرب التحرير الشعبية، والعنف الثوري، وديكتاتورية البروليتاريا،. شق الاعتراف السوفييتي بالبورجوازيات الوطنية كقوى تحرر، مسارات بطيئة وسطها. لكن ألم يكن "العنف الثوري" الوسيلة إلى الانتصار وأسلوب القصاص من المنافسين؟ ألم يكن ايمان المجموعة بصوابها يعني منع المجموعة الأخرى حتى من حق الحياة؟ بحث قيس عن معيار ليفهم مابقي له تساؤلا كبيرا: كيف يمارس سياسيون الوحشية في معاملة خصم سياسي؟ لايمكن أن يفسر ذلك بأسلوب زعيم في الحكم، يقرّب مجموعة ثم يبعد أخرى! بل برؤية بدأت منها مجموعات وانساقت فيها! بعد ثورة تموز استبعد قاسم بعض زملائه من الضباط الأحرار. وربما لم تتسع المراكز العليا لهم جميعا! ذكر في إحدى كلماته الاولى عبد السلام عارف، الذي سيكون قاتله، "تلميذي في الكلية العسكرية"، مع أن مجموعة الضباط الأحرار رفضت عارفا في اجتماعاتها. ولم يذكر قاسم رفعت الحاج سرّي! لكنه أبقى حوله حتى اللحظة الأخيرة اتجاهات متنوعة. فكان مكشوفا لمن تآمر عليه. في تلك السنوات الصاخبة سجن القاسميون والشيوعيون البعثيين والقوميين، وقتلوهم وحاكموهم. وقتل البعثيون والقوميون الشيوعيين والقاسميين. ثم قتل القوميون البعثيين والشيوعيين. استند قاسم إلى الشيوعيين، وسجن بعضهم. وسجن القوميين الذين تآمروا عليه ثم أبقاهم في مراكز الجيش العليا. وتغاضى عن اضطهاد البعثيين ومطاردتهم لكنه أبقاهم في الجيش. وهكذا جمع السجن رقم واحد في معسكر الرشيد تلك المجموعات في وقت واحد. حقق الشيوعيون في السجون مع البعثيين والقوميين وسجلوا للأمن ملفاتهم. وحقق البعثيون مع الشيوعيين وسجلوا للأمن ملفاتهم. هل تقاس الجماعات بعدد من أعدمتهم؟ أم بأن الهوية الفكرية، لها جميعا، قررت الموت أو الحياة؟! كانت الإبادة طريقة الخلاص من الخصم! فلم يُعتمد معيار مقدس يلتزم به المتخاصمون. لذلك قصف المتمردون القوميون وزارة الدفاع، ثم قصفها البعثيون. ولم يتذكر أحد كلمة بكر صدقي لرشيد عالي الكيلاني في سنة 1935 يوم قَصف الثائرين. قال الكيلاني: أنا الآن أحترم الجيش! فردّ بكر صدقي: أنا على العكس، لاأحترم جيشا يقصف شعبه! كانت الأحكام بالإعدام ظالمة نُفذت فورا كيلا تسمح بضعف الرحمة والغفران. السبب؟ الهدف؟ "سنمضي، سنمضي إلى مانريد، وطن حر وشعب سعيد". عراق حر وشعب سعيد حلم به الشيوعيون! وطن عربي موحد حلم به القوميون! ومجتمع عادل ذو رسالة عربية خالدة، تمناه البعثيون! "بلاد العرب أوطاني، من الشام لبغداد". والنتيجة؟ شعب مقسّم، ومجموعات منهكة، وخيبة أمل أبعدت الناس عن المنظمات السياسية، وجيش دُمرت كفاءاته! ثمار ناضجة للجانحين وللتدخل الخارجي! في بيروت أو في براغ أو في لندن، عرف قيس كيف قتل عبد الكريم قاسم. كان حظ هذا الرجل، الحسن والسيء، أن مقطعا من حياة العراق سمّي باسمه. فكان ممنوعا عليه أن يعيش بعده. وسدد الحساب حتى عن خصومه. في آخر أيامه في العراق، شعر قيس بأن البلد يتفكك. كأنه تعب من المظاهرات والتوتر والتنافس وهجع ينتظر البركان أو الطوفان. بعد فشل محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم رأى البعثيون أن فؤاد الركابي جرّ الحزب إلى مشروع اغتيال له علاقة بعبد الناصر. واعتمدت القيادة منذ المؤتمر القومي الثالث في آب 1960 "إسقاط الحكم الديكتاتوري وإقامة حكم شعبي ديمقراطي تقدمي"، بحركة جماهيرية وإضرابات تجبر قاسما على التنازل وترسله إلى بلد اشتراكي! وكان الشيوعيون الذين غشتهم قوتهم في الجيش قد رأوا أنهم يستطيعون أن يزيحوا قاسما ويرسلوه إلى بلد اشتراكي! اقترح القادة العسكريون الشيوعيون القفز إلى السلطة، ورفض المكتب السياسي، عدا سلام عادل، الاقتراح. في سنة 1960 اقترح عزيز محمد العكس ليطمئن عبد الكريم قاسم: حلّ التنظيم العسكري! عدّلت الأحداث بعض تفاصيل قرار البعثيين، وفي مركزها إعدام الضباط المتهمين في فتنة الشواف. بدأ تنفيذ القرار بدقة. نجح البعثيون في انتخابات المعلمين والمحامين والمهندسين. وقادوا إضراب الطلاب الذي استمر حتى انقلاب شباط. درسوا مراكز الضعف في الجيش فاختاروا كتيبة الدبابات الرابعة فنقلوا إليها أصدقاءهم وأعضاءهم. ورسموا مسار الانقلاب. اغتيال جلال الأوقاتي قائد الطيران، والمهداوي ومطر وآخرين. ودور لجان الإنذار من المدنيين المدربين على السلاح الذين يجب أن يحتلوا مراكز الشوارع والجسور والمآذن ويمنعوا وصول الضباط إلى المعسكرات. والمتقاعدين والمسرحين الذين سيلتحقون بالمعسكرات. والضباط الذين يجب أن يحرروا من السجن ليمسكوا بالمعسكرات، والضباط الذين يجب يعتقلوا أو يقتلوا فيها. وطائرات ميغ التي يقودها طيارون شيوعيون ويجب أن تُمنع من الطيران. وطائرة الونداوي التي ستقصف وزارة الدفاع. والبيان الأول الذي سيذاع من إذاعة ثانوية. غلب البعثيون بالتنظيم وبتوظيف أفرادهم، قلة عددهم وضعفهم بين صف الضباط والجنود. وساعدتهم فوضى المعسكرات التي ساهم فيها الشيوعيون. كان قاسم قد خسر الأحزاب. وكان الشيوعيون قد انحسروا بعد فتنة كركوك. ولم يكن قاسم يستند إلى قوة منظمة حزبية، بل إلى أنه محبوب. فتوهم أن الشعب درعه، ولم يتصور أن عملا منظما دقيقا يمكن أن يزيح مؤسسته. في المحيط العربي كان ناصر عدوه، والرجعيات العربية، صديقة الغرب، ترفضه. وكانت شركات النفط عدوته القوية! امتحن البعثيون مرات خطتهم وحسّنوها. وتدربت لجان الإنذار المبكر، التي ستكون "حرسا قوميا" على تنفيذ مهمتها، طوال سنة. وكان العسكريون قد رتبوا كتيبة الدبابات الرابعة، واتفقوا مع الضباط القوميين، لكنهم لم يبلّغوا بيوم الحركة إلا الموثوق بهم. كان الجو معبأ بالانقلاب. وكأنما كان حتى الهواء مستسلما لبحران الذهول. فأخطاء مجموعات المقاومة الشعبية جرّدتها من السلاح وعلّمت عبد الكريم قاسم أن يكسر سلطتها. لم ينجد الشيوعيين اعترافهم العلني بخطأ محاكم الموصل الفوضوية، وخطأ تعذيب المعتقلين في حركة الشواف. كان مسار الخلاف مع قاسم قد اكتمل منذ سرح قاسم ضباطهم وأبعدهم عن الإذاعة والتلفزيون، ومنع بأمر عسكري حمل الأسلحة، وارتداء ملابس المقاومة الشعبية، وأقفل فروع اتحاد الشبيبة الديمقراطي واتحاد نقابات العمال. كان مدير الأمن العام يبغض الشيوعية. واغتيل الشيوعيون وهوجمت مقراتهم. وقال سلام عادل إن قاسما لايستحق الدفاع عنه. استعاض قاسم بشعبيته؟ بنى للفقراء الوافدين من الريف بيوتا بدلا من الأكواخ! ورفع راتب الجندي إلى مبلغ لايحلم بمثله! ووضع القانون رقم 80 فحرم شركات النفط من 99,50 % من أرض العراق! مدّ قاسم يده إلى عش الدبابير، بتعديل قانون الأحوال الشخصية وبقانون النفط. كأنه لم يتذكر أن تأميم النفط قلب حكومة مصدّق وأعدم مئات الضباط الايرانيين، وطوى صفحة لامثيل لها في تاريخ ايران! كان قاسم يسند نفسه بمسار وطني: حارب في فلسطين، وخطط لفك حصار المصريين في الفلوجة، بالرغم من أوامر القيادة العليا، وأسّس حركة الضباط الأحرار مع رفعت الحاج سرّي، واتصل بعفيف البزرة قبل ثورة تموز وكشف له المؤامرة على سورية. وسلم مصر الوثائق التي وجدت في وزارة الخارجية عن حلف بغداد وقواعده العسكرية. وبادر إلى تأسيس منظمة "اوبك". وغطى العملة العراقية بالذهب وأخرجها من تبعية الاسترليني. وصاغ قانون الإصلاح الزراعي. سيفكر قيس في تأميم النفط فيما بعد، عندما يفهم العرب أن النفط ثروة العرب وكارثتهم. وسيقول: قتل النفط عبد الكريم قاسم. لكنه سيضيف إلى ذلك شكّه الآخر. ففي المكتبة التي كان يحب أن يمر بها كل يوم، قرب مخزن روتشيلد، استوقفه كتاب عن العراق قرأ فيه أن السفارة اليوغوسلافية في بيروت نبهت قيادة حزب البعث هناك إلى اتصال بعض البعثيين بالأمريكيين سرا. وسيتساءل قيس هل منهم عمّاش الذي أرسله نوري السعيد إلى روما لاستلام السلاح الأمريكي الذي كان سيستخدم ضد سورية سنة 1956 بالاتفاق مع الشيشكلي؟ عماش الذي اقترح عرض الدبابة السوفيتية الحديثة على خبراء أمريكيين! عماش الذي انتقى عشرين ضابطا من المعتقلين أعدمهم دون تحقيق، خلال غياب القيادة السياسية البعثية! عماش الذي نظم جهازا من شرطة الآداب لكبح المتبرجات فقال فيه الجواهري: أترى العفافَ مقاس أقمشة، ظلمتَ إذن عفافا. وسيتساءل قيس من هو ذلك الرجل الذي تسلل مثله إلى قيادة الشيوعيين؟ اندفع المساهمون في الأحداث إلى مشروعهم السياسي. لكن ألم يكن بينهم من يدفعه هوى آخر؟ سيُكتشف بعد سنوات طويلة عميل مخابرات بريطانية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي! وستبين الصدامات بين اتجاهات البعثيين أشخاصا تنقلوا من اليسار إلى اليمين وبالعكس، وفق الحاجة، ووصلوا إلى القمة التي صاغوا منها قيادة عراقية طلبت "قواعد" البعث في العراق أن يُستبعدوا عنها. في الثامن من شباط قصفت الطائرات وزارة الدفاع أكثر من أربعين مرة، لكن إحداها قصدت أن تقتص، دون أوامر من قادة الانقلاب، من حي شعبي بناه قاسم للفقراء. وفي ذلك الصباح هتف الجنود في معسكر الرشيد "ماكو زعيم إلا كريم" فنادى الحديثي أحدهم وطلب منه أن يكرر الهتاف فكرره فأطلق عليه الرصاص. فبيّن اندفاع الحقد عواطف لاعلاقة لها بمشروع سياسي وطني. سيتأمل قيس المصائر عندما يقلب صفحات تلك الأيام. وسيبدو له أن المصائر تبلغ ذروتها وتكمل مسارات الحياة بشكل الموت! وكأنما تتفتح الطباع الشخصية على عتبة الموت الرمادية! سيكشف قادة الانقلاب بعد عقود أن قرار تصفية قاسم وكبار الضباط اتخذ قبل تنفيذ الانقلاب. وكان أول الضحايا جلال الدين الأوقاتي قائد الطيران. فهل كان القرار لأن الأشخاص يمثلون زمنا يطوى بهم أو يستمر بهم، أم لأنهم يمثلون مواقع لاتستقر إلا بموتهم؟ حاسب قواد حركة شباط عبد الكريم قاسم على قتل الطبقجلي ورفعت الحاج سرّي. فلماذا قرروا قتل الأوقاتي مع أنهم يعرفون أنه حاول أن يقنع عبد الكريم قاسم بألا يوقع قرار الحكم عليهما بالإعدام، وبقي مع طه الشيخ أحمد يزورهما في السجن حتى مقتلهما؟ وكان يعرف سرّي ويقدّر تاريخه الوطني، ويعي أن إعدامه سيفتح باب النار! سيتأمل قيس لحظات البشر الحاسمة، قتلة ومقتولين. عرف قاسم، كحاكم تصله المعلومات، أن الشواف اتصل بالطبقجلي وأنهما اتفقا على التمرد، وأن الطبقجلي أرسل ضابطا اتصل بالسراج. وعرف أن رفعت سرّي خزن رشاشات في مكتبه في وزارة الدفاع كي ينفذ الهجوم على قاسم. لكنه فهم تردد الطبقجلي واتصل به خلال التمرد وطلب مساعدته، وعندما وصل الطبقجلي إلى بغداد طلبه وعرض عليه منصبا وزاريا أو السفر. فطلب الطبقجلي التقاعد فقط. كانت خطة رفعت الحاج سرّي تطويق مجلس الوزراء أثناء الاجتماع وإزاحة قاسم. وعرف قاسم اتصال سرّي بالملحق المصري والسراج والشواف، ومع ذلك استدعاه وعرض عليه السفر كملحق عسكري. وفي ليلة 10/11 اصطحبه في جولته الليلية في بغداد. رفض سرّي عرض قاسم ورآه تخاذلا لايرضاه ضميره. فاعتقل في 23 آذار في معسكرالرشيد. هل كانت الحكمة السياسية أم الحزم العسكري دافع قاسم إلى طيّ الصدام؟ أم العواطف نحو رجال كانوا معه في تجمع الضباط الأحرار وفي ثورة تموز؟ هل كان قاسم في القمة التي يرى منها الحاكم، المحرض الحقيقي على التمرد ويحيط بالظروف المعقدة التي جعلته بين مجموعات متطرفة؟ فحمّل جمال عبد الناصر كقائد عربي مسؤولية استخدام نفوذه وسمعته الوطنية لدفع ضباط وطنيين إلى التمرد! تأمل قيس لقاء قاسم الأخير بالطبقجلي، وتجول في مأساة إنسانية. قال له قاسم: خنتَ بلدك، وخنتَ الشواف لأنك وعدته وخذلته، وخنتني. اكشف في المحكمة دور مصر في التمرد وستكون حرا! هل يستطيع رجل ذو كرامة أن يعترف بذلك في محكمة كي ينجو بنفسه ويُسقط المتآمرين الآخرين؟ قال لقاسم: حكمتَ علي بالإعدام! وبكى. ولم تسمح الشهامة لسرّي بالهرب من المعتقل لينجو بنفسه ويترك الباقين لمصيرهم! ماأغرب ذلك الموقف! تطلب شهامة قاسم الذي يقدم النجاة لمتآمر عليه، هزيمة كرامة سرّي والطبقجلي! بوابة النجاة الوحيدة الاعتراف العلني! لكنهما ليسا مسؤولين أمام رفاقهما فقط، فمثل هؤلاء الضباط ربّوا أنفسهم على احترام العقداء الأربعة الشهداء الذين سماهم الإنكليز "المربع الذهبي". ورأوا أنفسهم استمرارهم. وأنهم مسؤولون عن أجيال تستلهمهم. الموت إذن هو النجاة، وهو تأكيد الشبه بالعقداء الأربعة! وهو أيضا تثبيت خلافهم مع الشيوعيين الذين هاجمهم سرّي في مرافعته. فهو استمرار ضباط قوميين، وهم استمرار اتجاه عالمي. ولكن ألم يكن قاسم والمهداوي وطه الشيخ أحمد وكنعان خليل حداد في مثل ذلك الموقف أمام قادة انقلاب شباط؟ لذلك بقوا في وزارة الدفاع مع قاسم، وقتلوا معه! هكذا رمى المتخاصمون أنفسهم جميعا في اختبارات الخيانة والشجاعة، وكان الموت هو العقوبة على كل منهما، ولم يتساءلوا عن خسائر بلادهم من ذلك! سيسجل أحد قادة انقلاب شباط بعد عقود: "كان قاسم وطنيا وراعيا لمصالح الفقراء، ولم تكن مشاريعه لمصلحتهم بهدف الدعاية والادعاء، وإنما آمن بها ونفذها بحماس". وكشف أن عبد الكريم قاسم رفض تسليح الشيوعيين الذين هرعوا إلى وزارة الدفاع لمساعدته، كيلا يقتل عراقيون عراقيين: "لاأريد حربا أهلية". وحاول إنقاذ من بقي معه، وشجع آخرين أن يتركوه وينسحبوا من وزارة الدفاع. وسيستعاد أنه كاد في حرب فلسطين يخرق الأوامر ليفك الحصار عن المصريين لو لم ينته الحصار باتفاق. وأنه اتصل بالسوريين خلال وجود كتيبته في الأردن وقت حرب السويس ونبههم من مؤامرة يحبكها نوري السعيد. "كان من الصعب علينا وصف قاسم بأوصاف تدينه غير الفردية والديكتاتورية، لأننا بعد هزيمته وجدنا أن سكنه الخاص في وزارة الدفاع يتكون من غرفة نوم واحدة، وحمام جيد بمستوى اوروبي، وغرفة جلوس صغيرة جدا، وكان عفيف اليد.. وكانت عينه شبعانة فلم يطمع، وهو حاكم العراق الوحيد، ببستان أو قطعة أرض، في حين سعى كل حكام العراق الذين سبقوه والذين خلفوه للكسب والاستيلاء وسرقة المال العام".. استغل عبد الكريم قاسم إنهاء الحماية البريطانية للكويت في حزيران سنة 1961 كي يعلن عودتها إلى العراق فردّه عبد الناصر. وأصدر في كانون الأول سنة 1961 قانون النفط رقم 80 وكان أهم عمل ثوري بعد تأميم قنال السويس. وسيقول طالب شبيب: "اصطدمنا برجل مثل عبد الكريم قاسم الذي كان وطنيا ولايخرج في أفكاره عن نطاق تصوراتنا، فقضينا على بعضنا وخرجنا جميعا خاسرين". كان قدَر العراق في تلك السنوات أن جمال عبد الناصر رفض قاسما منذ التقى بعبد السلام عارف في دمشق بعد خمسة أيام فقط من ثورة تموز. وأن أكثر الأحزاب السياسية والهيئات العسكرية السورية كانت مجمعة على الوحدة العربية الاندماجية الفورية، وأن ناصرا مندفع في حل الأحزاب. وأن مشروعه كان وقتذاك مقاومة الشيوعية. وكان يسدد إذاعة صوت العرب المستندة إلى شعبيتها في أيام حرب السويس، في الهجوم على السعودية والأردن وتونس والعراق. تدخل ناصر في العراق، بالرغم من قرار تأميم النفط. واستعجل العداوة مع قاسم واستمع إلى رغبة عارف في الخلاص منه وفي إعلان وحدة فورية. واستمال فؤاد الركابي قائد حزب البعث العراقي. وأوصل إلى متمردي الموصل إذاعة وأسلحة، وانتظر في دمشق نجاحهم. وأرسل السراج إلى بغداد فيما بعد أيضا ليتصل بالضباط القوميين. جرى انقلاب شباط كما قررته القيادة السياسية والعسكرية البعثية. قصفت وزارة الدفاع ومدرجات مطار الرشيد ومنعت طيران الميغ، واعتقل الطيارون. وسيطرت على المعسكرات. وأذيع البيان الأول: "أيها الشعب العراقي الكريم، لقد تم بعون الله القضاء على حكم عدو الشعب عبد الكريم قاسم وزمرته المستهترة التي سخرت موارد البلاد لتطمين شهواتها وتأمين مصالحها، فصادرت الحريات وداست الكرامات وخانت الأمانة وعطلت واضطهدت المواطنين".. أعلن البيان تأسيس مجلس قيادة الثورة، وطلب الترفع عن الضغائن ووعد بسيادة القانون. بعد عقود سيلغي طالب شبيب، أحد منظمي حركة شباط، الجزء الأول من البيان الذي كتبه وأذاعه! ويشهد بأن المساهمين في الانقلاب لم يترفعوا عن الضغائن، وأن الصراع جرى في غير مجراه. هاجم المدنيون يومذاك الدبابات الاولى أمام وزارة الدفاع، ومزقوا من فيها، وقتل المهاجمون المقاومين المدنيين الذين قاتلوا كالضواري. ثم لم يبق للمحاصرين في وزارة الدفاع غير الاستسلام. اشترطت قيادة حركة شباط المجتمعة في الإذاعة أن يستسلم قاسم نازعا رتبته العسكرية. طلب قاسم من الملازم الذي ينقله في المصفحة: ابني، قف قليلا! وتأمل المدينة لحظة من جسر الجمهورية. ثم سار إلى المنتصرين الذين قرروا مصيره. هجم الضباط والجنود على المهداوي وهو يدخل مبنى الإذاعة وضربوه فدخل داميا. فقال قاسم لقيادة الحركة التي قابلته في غرفة الإذاعة: وعدتمونا بالحفاظ على سلامتنا فلماذا فعلتم هذا بالمهداوي؟ سيقول طالب شبيب إن ضابطا لطم قاسما فوقعت سيدارته وقت دخوله إلى مبنى الإذاعة. لكن سيكتب في الكتب التي سجلت الأحداث فيما بعد أنه دخل بحماية الضباط ولم يمسّ. لتنقّى صورة القتل، أم ليفرض معيار يُفترض أن يُحترم دائما؟ اعتقل قاسم ورفاقه في الساعة الثانية عشرة والنصف من وزارة الدفاع، وأعدم في الساعة الواحدة والنصف. ساعة واحدة فقط للطريق واللقاء الأخير بين قائد عسكري وضباطه، بين قواد وتلاميذهم، بين حلفاء أعداء! ساعة واحدة فقط للأسئلة واللوم والشتائم، ولكبرياء الصمت! لم تضِع منها لحظة لعصب عيون المحكومين بالموت، لأنهم رفضوا أن يغلقوا عيونهم، ونظروا في عيون من قدم لهم الموت! هل تذكروا المشي الذي يحلو في بغداد تحت رذاذ المطر في مساء شتوي دافئ؟ أم ليلة على شاطئ دجلة استمعوا فيها إلى مقام بغدادي؟ أم نهارا أمضوه وسط غابات النخيل؟ عُرضوا في المشرحة ثم دفنوا في مكان مجهول. ثم نبشت حفرتهم وربطت جثة قاسم بأثقال ورميت في دجلة! كان ذلك حكما على التاريخ وتدخلا فظا في المستقبل! جثث من رميت مثله في النهر في قرون مضت؟ ماأكثر مااحتضن دجلة من قتلى ومخطوطات! سيعرف قيس تلك التفاصيل فيما بعد. وسيفحص القامات في مشهد الموت، وسيبدو له أن الشجاعة تغري بغفران الأخطاء. سيشهد أحد قادة الانقلاب أن حوارهم مع قاسم في تلك الغرفة الصغيرة لم يكن أبدا محاكمة. وأن المحكمة وقرارها صيغا بعد قتله. تفرج قيس على صور القتلى التي عرضت في التلفزيون العراقي مرتين. كان قاسم داميا على الأرض، ولم يكن معصوب العينين، ورأى جنديا يشد شعره ويرفع رأسه ويبصق في وجهه. صرخ قيس يومذاك: تحتاج العداوة، أكثر مما تحتاج الصداقة، الحكمة ورقي العاطفة والفكر! هل أهان هذا القزم قتيلا أم أهان تقاليد شعوب تحترم الميت فلاتجيز عليه غير الرحمة؟ تذكر أن عبد الكريم قاسم عفا عمن حاول اغتياله. وستتلامح له صورة قاسم عندما سيرى مشهد نقل لومومبا على شاحنة بين جنود تشومبي الذين ضربوه وقيدوا يديه بحبل وهم يسوقونه إلى الإعدام. قدَر هؤلاء الرجال الذين تغنوا بشعوبهم أن يُقتلوا محاطين بأشخاص يكرهونهم ويهينونهم فتكون الوحشية آخر ما يرونه من الحياة! ولكن من الذين واجهوه في تلك الغرفة الصغيرة في الإذاعة؟ ألم يكن اولئك المنتصرون معتقلين في سجون المعسكرات، معذبين بشتائم الجنود وقسوة الضباط، والضرب؟ ألم يسمعوا الأهازيج تعلن في المعسكرات دولة "ديمقراطية شعبية" لم يسألهم أحد الموافقة عليها؟ ولكن هل أعاد الانتقام، ولو مرة، قتلى إلى الحياة، أو فتح البوابة إلى احترام الكرامة! تُستر تفاصيل الحقائق لتلغي العواطف وهيجان القلب وتهدئ أحداث التاريخ. أذاع رايو بغداد في 9 شباط: "لقد تم إلقاء القبض على عدو الشعب عبد الكريم قاسم ومعه فاضل عباس المهداوي وطه الشيخ أحمد وكنعان خليل حداد من قبل القوات المسلحة، وقد تشكل مجلس عرفي عسكري لمحاكمتهم، وقد أصدر المجلس العرفي العسكري الحكم عليهم بالإعدام رميا بالرصاص، ونفذ فيهم الحكم رميا بالرصاص في الساعة الواحدة والنصف بعد ظهر اليوم. التوقيع رشيد مصلح التكريتي". بعد عشرين سنة سيحكم على صاحب التوقيع بتهمة أنه جاسوس أمريكي! ستكتمل بعض تلك التفاصيل بعد عقود، وسيقرأ قيس مارسمته العدالة المتأخرة: لم ألحظ على قاسم أية حركة أو بادرة تؤكد على تصرف متخاذل أو مهين رغم أن أكثر كلامنا وأنظارنا كانت مركزة وموجهة إليه، ورغم أنه أحس بنيتنا على قتله فورا. رفض الرجال الأربعة أن تعصب أعينهم. هتف المهداوي وهو يقتل: عاش الشعب. أهان علي صالح السعدي قاسما وآخرين. لكن همّ عبد السلام عارف كان أن ينتزع من قاسم اعترافا بأنه هو الذي خطط ثورة تموز ونفذها! ثورة تموز؟ من بقي من روادها؟ قتل أحدهم الآخر وسط أجواء ملتبسة فاختلط اللوم بالحزن عليهم! ومع ذلك لم تنكس أعلام عربية بعد قتل قاسم وأصحابه. بل أرسلت الجمهورية العربية المتحدة لقتلته التحية والتهنئة. من انتبه يومذاك إلى احتفال المخابرات الأمريكية وشركات النفط بانتصارها؟ لبست غادة ملابس الحداد السوداء بعد مقتل محمود. وستقول لها ليلى ذات يوم: بدا لي وقت رأيتك أنك تلبسين السواد حدادا على القتلى العرب أجمعين! هل كانت تشير يومذاك إلى ايمان غادة بالأمة العربية؟ ستضمها ليلى إليها في حنان، وسيبدو لغادة أنها استعادت من يهدئ روحها المجروحة. ولكن من يستطيع ياليلى أن يعيد إلينا ذلك الشباب الجميل! كانت غادة تشعر بأنها وحيدة، وحيدة. وعذبتها تلك الوحدة منذ اضطراب علاقتها بمحمود. أصبحت حذرة تراقب كلامها وتشغل نفسها بأوراق طالباتها إذا جلست في غرفة المدرّسين وتتفادي الحوار مع زميلاتها. وزادت وحدتها بَعد مقتل محمود. لاحظت أن زميلاتها المدرّسات تفادين تعزيتها. فهل كانت تسدد ثمن تمرد محمود؟ انتبهت إلى التزام الحزبيين الصارم بموقف الحزب. وإلى خوف المستقلين من التعبير عن رأي عندما تصطدم قوى ذات اتجاهات سياسية. وإلى غياب الناصريين. وشعرت بالحنين إلى الحياة الجامعية التي كانت تجمعها بزملائها كل يوم. هاهي وحيدة في العمل وفي البيت، بعيدة عن جيرانها بالروح والثقافة، مع طفل أخذ مكان الدنيا وقيّدها. وهاهي مضطرة أن تجد الأمان في العشيرة قتتنازل عن ايمهانها بعلاقات إنسانية جديدة! كان يجب أن تألف سياق الحياة الذي يتفرق فيه الشباب بعد التخرج من الجامعة، وتبدأ فيه علاقات جديدة. لكن ذلك واكب فقد أصدقائها. سافرت ليلى، واختفت مديحة، وضاع قيس، وسجن عمر وفوزي، وفقد محمود! في البداية بدت كأنها مساهِمة بانقلاب الحياة وغياب الأعزاء. ثم شعرت بأنها هي نفسها ضحية. وكان ماعذبها حقا اضطراب الرؤية. كانت الدنيا في السابق واضحة، مصنّفة، كأن الماضي ينفصل عن الحاضر بحدود تراها العين، ويبدأ المستقبل من حدود معلنة. خربت الخلافات في الوحدة ذلك الوضوح. وخربه قلق محمود، ثم فجيعته بعبد الناصر. وماكادت استقالات الوزراء البعثيين من حكومة الوحدة تعيد الأحداث إلى سياقها السابق، حتى غيّبته محاضر جلسات الوحدة. بدا خلاف البيطار والحوراني والآخرين مؤلما لغادة. كأنه دمّر الكون المستقر الذي استندت إليه. وعندما "ارتد" محمود فصار منحازا للناصريين شعرت بأنها في غيبوبة. كاد يضيّعها انتقال محمود، الذي أحبت فيه نقاء نظرته وروحه، من جهة إلى نقيضها. أكذبت على نفسها لحظة في بداية خلافهما لتعطيه بعض الحق وتبقي نفسها معه. ولم تستطع الاستمرار في الوهم، فصار كل منهما خصم الآخر. ثم صفعها بمقتله في التمرد مع جاسم علوان. لكن يبدو أن الغيبوبة كانت غريبة عن طبعها. ولعل طفلها دفعها إلى استعادة نفسها أكثر مما دفعتها نصائح أقربائها. كانت الأفكار مجسدة بأشخاص، وكانت نزيهة من اولئك الأشخاص الذين ألفتهم غادة وأحبتهم. فكان من الصعب أن تقبل أن يوجد الحزب دونها. لكن من يستطيع أن يعيش دون ايمان بمشروع وبرنامج، دون أن يفهم الأحداث ويصنفها ويرى الدنيا مرتبة في سياق؟ يجب أن تجد حتى الفوضى تفسيرها! قدمت لها نشرة المؤتمر القومي السادس الذي عقد في تشرين الأول سنة 63 تفسيرا أرضاها. وبدا لها أنها استعادت المشروع الذي يترفع عن التفاصيل. فالجوهر أن نجاح الحزب في قطرين وضع إمكانية للوحدة وتنفيذ الاشتراكية. أسقط الحكم الفردي في العراق وأسقط الانفصال في سورية. وصار يمكن أن يتحقق حلم كبير في المشروع الذي يربط الثورة القومية بالثورة الاشتراكية. لكن أحداث الفترة الماضية ونجاح الحزب في قطرين فرض تحديد الصيغ. وأرضاها ذلك. تُلزم المسؤولية الكبيرة التي يتحملها الحزب بالدقة واليقظة! لذلك يجب أن تكون "عضوية الحزب مسؤولية لاتضيف حقوقا بل تزيد واجبات". فحقوق العضو هي "نفس الحقوق التي يتمتع بها أي مواطن بلا أدنى زيادة أو امتياز". "وللجماهير الشعبية حق انتقاد الحزب وحق المراقبة على أعضائه". نعم، في ظروف استلام الحزب السلطة لابد من تميزه من الدولة كيلا تبتلعه السلطة! ومن هي القوى التي تصنع الثورة الاشتراكية؟ الفلاحون والعمال والمثقفون الثوريون والبورجوازية الصغيرة. بتحالفهم، وبالإدارة الديمقراطية العمالية لوسائل الانتاج. لذلك لابد من الانتباه إلى التناقض الصارخ بين مظاهر البذخ والتبذير في أجهزة الدولة وبين المستوى المعيشي للجماهير الشعبية. أقر المؤتمر استقلال المنظمات الشعبية وحق العمال في الإضراب. وأقر مبدأ الوحدة مع العراق ولو غابت مصر. فنظام مصر لايصلح لأن يكون قاعدة للوحدة لكنه يمكن أن يكون شريكا فيها. لاتراجع عن المسألة التي سببت استقالة الوزراء البعثيين! فقد درس المؤتمر تحويل مياه الأردن، ورآه خطرا عسكريا يفرض على سورية والعراق ومصر والعرب مواجهته ومنعه بالقوة. ولابد من جبهة لتحرير فلسطين، وتمتين العلاقة بالبلاد الاشتراكية. هذه هي الصورة التي تجمع العناصر في لوحة كاملة! وينسجم ذلك مع المنطلقات النظرية التي أقرها المؤتمر ووقعت في مزاج غادة لأنها مؤسسة على ماآمنت به في أيام الجامعة، وما أكدته في مناقشاتها مع مديحة وعمر: لم ينشأ حزبنا في عزلة عن التراث العالمي وتجارب الإنسانية. لكنه رفض الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية، والتطبيق الستاليني للاشتراكية، وانفعالية الحركات الشيوعية في بلادنا بذلك التطبيق. وجرد الرجعية من سلاح حاد عندما ربط القومية العربية بالاشتراكية. لم ننقل فكرة الصراع الطبقي من الكتب، بل بلورتها مقاومة الاستعمار وأظهرها عجز الطبقات الإقطاعية والبورجوازية عن حماية البلاد من الغزو الاستعماري. وهكذا تميزنا بتحليل واقعنا من الاستسلامية العلمية الشيوعية في بلادنا. فتبنينا العلمية ورفضنا الاستسلامية العلمية. فأكدنا صفتين: العلمية والثورية. لكن أحداث العراق هزت روح غادة. كيف يباح القتل ببساطة؟ ليتها كانت تستطيع أن تجلس إلى محمود وتنبهه إلى ما يجري هناك ومسؤولية عبد الناصر عن رمي الحطب في النار! ستقول فيما بعد لليلى إن أحزانها الشخصية كانت متداخلة في أحزان واسعة خيمت على البلاد كلها! ومنها الجرائم التي حدثت في العراق، ثم مقتل محمود. ولماذا قتل محمود؟ ألم يقتل لأنه اندفع في مشروع يتصل بشكل ما بالصراع في العراق وسورية؟ الصراع الذي أريد له أن يصبح بين الناصريين والبعثيين! ألا يعني ذلك أن خلف الأحداث الظاهرة مشروع آخر أكثر سعة قسّم الوطنيين فاشعل القتال بين اليساريين والقوميين، ثم بين البعثيين والناصريين؟! ضاع حكم الحزب في العراق! قطف الانتهازيون ثمار الخلافات الداخلية. خلال اجتماع المؤتمر القطري في العراق في 11 تشرين الثاني دخلت مجموعة من العسكريين وفرضت نفسها على المؤتمر. كانت هناك الخلافات بين العسكريين والحرس القومي، وبين العسكريين والمدنيين، وغياب الانسجام بين أعضاء قيادة الثورة، وعبد السلام عارف ذو المشروع الخاص. فأتت مؤامرة عارف في 18 تشرين الثاني على أرض مهيأة لها، فأبعدت البعثيين مستفيدة من بعضهم. حاول السوريون أن يداووا تلك الخلافات. لكن الخطر أصبح أن تجرف الحزب في سورية تناقضات اليمين واليسار، والمدنيين والعسكريين العراقيين. أضاف المؤتمر القومي الثامن في أيار سنة 65 الذي درس الأحداث الماضية، حقائق أخرى واستخلص منها النتائج. درس نكسة العراق، وحكم الحزب، واتصال السياسة النفطية بتحرير فلسطين. استراحت غادة إلى إدانته المسؤولين عن الأحداث في العراق. "حكم 14 رمضان حكم الثورة والتقدم زائدا الأخطاء". والأخطاء هي مرض الطفولة اليساري الذي دفع إلى الركض لتلبية الرغبات الشعبية الآنية، وغياب القيادة عن ضبط الجماهير، والبعد عن منظمات القاعدة الحزبية، ومواجهة الجيش بالحرس القومي، وخلاف حازم جواد وعلي صالح السعدي، والطموح الشخصي والفردية. لايوجد خلاف نظري بين الرجلين. وهما اللذان اختارا المجلس الوطني لقيادة الثورة دون رأي القيادة! تُرك عبد السلام عارف يسرح، ودخلت الحزب عناصر انتهازية ساهمت في نكسة 18 تشرين. والخطأ هو "ضرب الشيوعيين والمغالاة في تعذيبهم. وتحول مقر النقابات إلى مركز بوليسي للضرب ومقاومة الشيوعيين". سهّل غياب الإشراف الحزبي على مكتب التحقيق الخاص، للعناصر الرجعية والناصرية والحركية أن تلعب دورا في مااقترف بحق الشيوعيين. وسهّل الاندفاع في "مهمة تحطيم الحزب الشيوعي بعنف وحوادث القتل". "الحزب الشيوعي أكبر حزب شيوعي عربي وله تشعبات في كافة المناطق العربية والكردية.. وتصرفات رفاقنا لايقرها الضمير الحزبي. وصلت إلى حدّ التعذيب والقتل دون محاكمة. ويتحمل الحزب وزر هذه التصرفات.. فقد انغمس في جريمة الاعتداء على الكرامة الإنسانية". "الانسياق العاطفي في العداء الشامل للشيوعية، وايقاف الألوف من الشيوعيين قيد الاعتقال ودون محاكمة بعد تقتيل وتعذيب العشرات".. قطعت العلاقات بالمعسكر الاشتراكي. استسلم قادة النقابات للبذخ. فانجذب الانتهازيون الذين يريدون المكتسبات إلى الحرس القومي الذي أصبح يتدخل في دوائر الدولة وفي التحقيق. ولعب ناصر وبعض العملاء الحقيقيين دورا في النكسة. لكن الخطر أكبر من ذلك. فقد أريد نقل الانحرافات من العراق إلى سورية. وأراد الناصريون الصراع الحادّ مع البعث، وغطت الحرب الإعلامية الرجعية. وخلال ذلك جرى تحويل قسم من مياه الأردن، وانهار الوهم بأن ناصر قادر على ردّ إسرائيل. نعم، أراح ضمير غادة أن تدان الجرائم في العراق باسم المنظمة السياسية التي تتبنى غادة مبادئها. أراحها أن يشار إلى أن أطراف أخرى ساهمت فيها ودفعت إليها. وأرضاها أن يشار إلى الأخطاء السياسية. هكذا تحيط النظرة بأحداث كاملة وتضعها في مجراها وتبين نتائجها الفادحة. تصبح حتى الهزيمة محدودة عندما توضع في موضعها في سياق يمتد قبلها وبعدها! قالت لنفسها: ستعيد هذه القرارات العامة أصدقائي الذين ضيعتهم في الخلافات في أيام الوحدة، وستعتذر لمن عانى من الإرهاب في العراق. لكن غادة ستعرف فيما بعد وظيفة القتل الأخرى: صفّى قيادة نظيفة وترك الساحة مفتوحة للناجين كي يؤولوا الأحداث في هواهم ويندفعوا إلى انحرافات جديدة. وستوصلهم بعد عقود إلى العودة إلى العراق بالدبابات الأمريكية. ابتعدت أيام حلّ الحزب، وعادت ثوابته! "فقضية فلسطين ماتزال أخطر قضية قومية وستبقى تؤثر على مستقبل الأمة كلها". لأن وجود إسرائيل يعني استحالة تحقيق أي هدف من أهداف الأمة العربية تحقيقا كاملا. الالتزام بقضية فلسطين يعني الالتزام بتحريرها. وهذا الموقف مخالف تماما للموقف الرسمي الذي التزمت به الجامعة العربية والدول العربية في هيئة الأمم من التقسيم. هانحن إذن ورثة الأجيال العربية السابقة التي لم تعترف بالوطن القومي الصهيوني الذي فرضه المستعمرون في فلسطين! نعم، نحن غير حياديين في الصراع بين التحرر والاستعمار، وبين الرأسمالية والاشتراكية! لذلك رفضنا سياسة المحاور والتبعية واخترنا عدم الانحياز! يعجب غادة هذا البند لأنه استمرار الثوابت الوطنية السورية. في المعسكر الغربي تناقضات، لكن تغيير موقف الغرب بإقناعهم بالحقوق العربية اعتقاد خاطئ وخطر، فقضية فلسطين تظل إحدى نقاط الالتقاء الرئيسية بالنسبة للغربيين. في المقابل فالدول الاشتراكية آخذة بالتنوع والتميز عن السوفييت ولابد من العلاقات بها. صاغ المؤتمر لغادة الموقف من الوحدة؟! بل جلاه! أكد الحزب دائما أن الوحدة العربية ليست مجرد تجميع أجزاء الوطن العربي. بل هي التحام. الوحدة ثورة بكل أبعادها، وأدواتها هي الحركات الثورية الشعبية الطلائعية. الوحدة العربية اليوم ضمن أفق تاريخي، تعبير عن حاجة الجماهير إلى التحرر. والاشتراكية هي مضمون الوحدة الواقعي والشعبي الذي يوجب تطبيق اللامركزية. أما العوامل العاطفية فلم تعد قادرة على بناء وحدة تجابه الاستعمار. هاأنت ياغادة أرحتِ ضميرك، وصنّفت الأحداث الماضية في دفاترها! فهل ستضعينها في علب خاصة تلصقين عليها "إتيكيت" كما يضع باحث مادة تاريخية سيكتب عنها رسالة جامعية أو محاضرة؟ تفرجت غادة على ابنها الذي كان يلعب بالطابة. تناثر شعره كما كان شعر محمود يتناثر وهو منحن عليها مشغول بها. كان يضحكها أن يرتب محمود شعرها المبعثر من السعادة، وشعره متناثر على جبينه! وهاهي الآن تتبين كم يشبه مفرقه مفرق ابنه، وكم يتناثر شعرهما بالطريقة نفسها! استندت إلى طرف الشرفة كما كان محمود يستند إليها في بيته وهو يتفرج عليها. كأنه كان يريد أن يقترب من الطريق قدر مايستطيع ليقترب منها وهي تمرّ به إلى بيتها! كان ذلك يدفعها إلى الابتسام لكنها كانت تحرص على ألا يلتقي نظرها بنظره. يالتلك الأيام البعيدة! وكم قلبها ثقيل الآن! هاهي رتبت الأحداث في خانات مفهومة، مع أسبابها ونتائجها وتأويلها. لكن هدوء العقل لايأتي بالسعادة! تلك الأحداث نسيج حياتها، أحلى سنوات شبابها. وقد فقدتها. تنهدت. كم هي مرهقة، وكم تحاول دائما أن تخفي ذلك! بعد مقتل محمود رفضت أن تعود إلى بيت أهلها، وحرصت أن تبقى زياراتها لأهل زوجها رتيبة وهادئة لاتجرفها عواطف جامحة. بقيت في بيتها مع أطياف حياتها، ولم تحرك قطعة أثاث من مكانها. أبقت حتى النخلة المحفورة في الحجر فوق التلفزيون مردّدة لنفسها: يحبها محمود هناك. لكن العمل في المدرسة التي تعلّم فيها والعمل في البيت أرهقها. وكانت تتبيّن الإرهاق على وجهها في المساء. وكم مرة التقطت دموعها بطرف كفها وهي مستلقية على المقعد بعد الظهر! تذهب إلى السوق مبكرة لتختار الخضار والفواكه قبل أن يفيق ابنها، وتعود فتحضّر الفطور وتخرج إلى عملها، وتوصل ابنها إلى مدرسته. وقت الظهر تحضّر طاولة الغداء، وفي المساء تشرف على دراسة ابنها، ثم تطبخ طعام الغد. كم مرة قالت لنفسها: أكاد أقع على الأرض من التعب! وكم مرة قالت لها ابنة خالتها: أفيدي من أهلك! أستطيع أن أحضّر لك الطعام، على الأقل! ردّت دائما: لاأفيد منكم؟ أين يبقى ابني في العطلة الصيفية؟ ومن يعنى به أيام مرضه؟ هل كنت أستطيع أن أستمر في عملي دون مساعدتكم؟ تكرر ذلك الحوار مرات، وفهمت ابنة خالتها أن غادة تحدد المساعدة التي تطلبها، ولاتبيح لمن يقدمها أن يتجاوزها! جيل عنيد يحب أن يشعر باستقلاله ولو دفع ثمنه الغالي! لكن ألا تنجد الروح الجسم؟ فرحت غادة بعودة ليلى من موسكو. وبكت وهي تستقبلها. ظلتا متعانقتين دقائق أطول من دهر. وبدا لغادة أنها بذلك العناق روت لليلى أحزانها في غيابها، وحدثتها عما لم تعرفه ليلى بعد من أحداث عصفت بالناس في غيابها. ألذلك طارت غادة من الفرح عندما خابرها عمر قبل عودة ليلى؟ تدفقت عليها عذوبة أيام الجامعة، وصفاء العلاقات القديمة، وانسياب التعبير عن العواطف، وغياب الخشية من أن يساء فهم الكلمات. كم كانت تلك الأيام نضرة! كم كانت تلك المجموعة من الأصدقاء نقية وصادقة! تنهد عمر: ياغادة أثق بأنك تعرفين أنك لست وحيدة. نحن معك! أستطيع أن أبلّغك أن ليلى ومديحة مشتاقتان إليك. أكلمك من مطار دمشق. سأسافر منه إلى مطار حلب ومن هناك إلى بلدي. لذلك لاأستطيع أن أزورك الآن. لكننا سنلتقي وقت أعود إلى دمشق! هل كان عمر يريد أن يخلو بنفسه وينحني على الأشجان التي أغرقته وهو ينتقل من عالم فيه ليلى إلى عالم ليست فيه؟! استعاد عمر فيما بعد المصادفات التي دفعته إلى اللقاء بليلى وإلى فقدها. هل كان يبحث عن سبب يفسّر به انتظاره حتى يستنفد المتزاحمون عليها فرصهم كلها؟ هل كان يأمل بأن يثبت لها مزيد من السنوات أن حبه لها لايقارن بحب آخر؟ لم يقف في الصف إليها أبدا، بل وقف بعيدا يراقب عواطف ليلى الرائقة والمضطربة التي تتقدم بها إلى نضج مبهر. فهل كان يَعد نفسه بأنه سيلتقي بها في أيام تشبه أيام الخريف المحملة بثمارها وهدوئها وألوانها؟ تساءل مرات عن العلاقة بين القدَر والإرادة. وبدا له أن القدَر حكم عليه بالبعد عن ليلى. لايستطيع أن يدعي أنه اعتقل قصدا كي يبتعد عنها ثلاث سنوات. ولكن هل يستطيع ألا يتساءل لماذا قُدر له أن يختص في كييف بينما كانت ليلى تختص في موسكو؟ ولماذا قُرر له أن يدرس اللغة في موسكو ويقيم في الجامعة التي تقيم فيها، ثم نقل فجأة إلى كييف؟ لماذا لم يوفق أبدا في أن ينتقل إلى كليتها حتى وقت كانت تنجز دراستها؟ سيقول لها ذات يوم ساخرا: اختفت البيروقراطية من العالم كي تنقلني بعيدا عن موسكو! بالرغم من البعد بين المدينتين التقى بها مرات، وشعر في كل مرة بأنه لايمكن أن يختار محبوبة أخرى. لم يستطع أبدا أن ينسى لقاءهما وقت وصل إلى موسكو بعد خروجه من السجن. وكان لقاؤهما، كفراقهما، يؤكد له أن قراره ليس ثمرة الإرادة فقط بل هو حكم الطبيعة. لماذا لم تكمل الطبيعة واجبها؟ لن يعرف ذلك أبدا. وسيرمي الذنب على الأسباب الخفية التي تبسط المصادفة لإنسان وتمنعها عن آخر. وهكذا لن يستطيع أن يحاسب من نسج له حبه الوحيد وحرمه منه. اختصر عمر دراسته في كييف. قيل إنه جمع الليل بالنهار فقطع مسافة ثلاث سنوات في سنتين. وقيل إنه لم يتحمل البرد. ولم يقل أحد إنه لم يتحمل الحظ الذي رماه في كييف بعيدا عن المدينة التي تدرس فيها ليلى. فرجع قبلها إلى بلدته. وجد المرضى في انتظاره. وأتت له سمعة الطبيب المختص في الاتحاد السوفييتي بمرضى آخرين! وكانت مدينة الطبقة تبنى قرب الفرات، وتستقدم المهندسين والعمال والفنيين من سورية كلها، وتستقبل الخبراء الروس، وكان سدّ الفرات يشيّد. لم تأت بعدُ الأيام التي تقلب فيها الرياح لوحات الأطباء فتثبت أسماء المدن الأمريكية والغربية التي اختصوا فيها، وتخفي الشرقية! تفادى أن يتساءل لماذا لم يودعها عندما عاد إلى سورية. ويوم عادت ليلى كان عمر مرتبطا بعيادته طول النهار. عرف صوتها في الهاتف منذ قالت له مرحبا. وتمنى لو كانت في بلدته طائرة ومطار. قرر أن يكسر القدَر أو يتفاداه، فسافر إلى دمشق ظهر الخميس ليراها يوم الجمعة. سألها بالتلفون: هل أستطيع أن أزورك؟ وصلتُ الآن. وفحص صوتها وهي تجيبه معلنة فرحها به. سمع خفقات قلبه أمام بابها. وتوقف ليهدأ. لكنه عندما سمع خطواتها راكضة كي تفتح له الباب اضطرب. تساءل خائفا خوفا وحشيا: كيف ستكون؟ وعندما فتحت الباب رآها أمامه، كما تركها آخر مرة. قدها الرشيق نفسه! عيناها صافيتان! تشرق فيها دنيا واسعة! لم يستطع ألا يستبقي كفّها بين كفّيه لحظة طويلة، ولاحظ أن وجهها احمر وأنها أخفت ارتباكها بابتسامتها! وكاد يقول لها: أتمنى أن تغيبي وأغيب مرة أخرى كي أكسب ملمسهما الدافئ! قالت: لم تتغير! مع أنك من الأبطال! قيل لي إنك أنهيت الاختصاص كمن يركب حصانا من البرق! ردّ: بل ركبت الصبر والايمان! لكني سأكشف لك تلك الأسرار في الستين من العمر! سألته مداعبة: سنعيش حتى ذلك الوقت؟ أجاب: لم لا؟ هذه المنطقة هادئة، لاحروب فيها ولامفاجآت! في خيالها كم تحدثت معه في غيابه! شكت له واستشارته. فلماذا ترتبك الآن؟ لكن ذلك لم يدم زمنا طويلا. فهم أنها ستسأله عن عيادته ومدينته، وروى لها الاستقبال الذي خصّته به عشيرته. في الطريق أوقفوا السيارات المارة كأنهم حاجز أمني، وأخافوا الناس. وهناك التقطوني. اعترضت على ذبح الخراف، فقالوا لم تغير طباعك السجون لكن يبدو أن الاتحاد السوفييتي غيّرها! ولن يكون مستغربا أن تأتي معك بروسية. سألتهم: لماذا أحتاج روسية وليس لي أعداء؟ فسخروا مني: لانقصد الرشاش، بل نقصد المرأة! لم أتخلص من دعوات الغداء والعشاء ومافيها من المناسف حتى تلفت! وماأزال أنال بالمناسف المكافآت على شفاء المرضى. سأفكر في البحث عن عيادة في دمشق، في المهاجرين. لماذا في المهاجرين، ياعمر؟ ربما كي أشعر بأني بعيد عن المدينة! ظل عمر يزور ليلى مرتين في الشهر. يغلق عيادته يوم الخميس ويسافر إلى دمشق. وجد نفسه يراقب حماسته في أول الأسبوع الذي سيلتقي في آخره بليلى، ويشعر بثقل الأسبوع الذي لايلتقي بها في آخره. ليته يؤسس عيادة في دمشق! ولكن هل يترك أباه الذي احتفى به كطبيب مختص، وجهز له عيادة وجدها في انتظاره؟ وهل يملك الآن من عمله ثمن عيادة في دمشق، وهل سيجد المرضى؟ لايستطيع أن يهمل أنه منتظر في منطقته التي تحتاج المختصين! واسى نفسه: سأجمع مايكفي من السمعة الطبية ومن المال وسيكون أطباء آخرون تخرجوا وعادوا إلى البلد، وعندئذ سأنتقل إلى دمشق! كان يدّعي أن لديه أعمالا خاصة تفرض زيارته دمشق، وكانت ليلى تظهر أنها تصدقه. وكانت تتلقاه في لهفة، وتدعوه إلى الغداء أو العشاء. عادت علاقته بمنور. وصارت تطبخ الطعام الذي يحبه، وتسأل عنه إذا اقترب يوم الخميس ولم تسمع صوته بالتلفون. جمعه العشاء مرات بقريبها زياد. وفتنته حيوية زياد ومهارته في رواية الحكايا. وكان أكثرها عن الطيران. لاحظ عمر أن ليلى تقصد أن تظهر استقلالها عن زياد، وأنه لايبالي بذلك بل يعلن لها احترامه. غلّف ذلك مرة بالدعابة فأظهر أنها لديه كالقديس الذي يشعل له الشموع. أكد ذلك بجد دفع ليلى إلى الضحك: كلفتُ أحد أصدقائي الرسامين بلوحة صغيرة، نقل لها ملامح ليلى لكنه أخفى شعرها كما تخفي الأيقونات شعر السيدة مريم. وقد وضعتُها، ياخالتي منور، في صدر غرفتي وأوقدت أمامها قنديلا صغيرا أتركه مضاء في الليل والنهار. ضحكت منور: ذكرتني يازياد بطفولتي. كانت لدينا في الصف أيقونة السيدة وأمامها الشموع. وعلّقت الراهبة مرة في رقبتي صورة السيدة العذراء. تأمل عمر منور، وتساءل هل تقصد أن تخفي حرج ليلى أم حرجه، أم تستر بوح زياد؟ وقالت منور لنفسها: كم يناسب عمر ليلى! وكم يناسبها زياد! لكن ليلى تخطئ خطأ كبيرا. فالتردّد بين شابين مثلهما سيفكك قلبها. وستخسرهما معا. وذات يوم ستحاول أن تفهم من زياد هل السبب قيس. وسيطمئنها: ياخالتي استريحي، قيس في قارة أخرى! في تلك الليلة قرر عمر أن يعود إلى بلده بعد ذلك العشاء عند ليلى. هل كان مستسلما للأسى؟ ربما! وجد سيارة نقلته بعد منتصف الليل. وتأمل طول الطريق روحه المعتمة، ونجوم السماء التي تومض في سماء مذهلة بسعتها. وتساءل: إلى متى أبقى على الطريق بين شمال سورية وجنوبها؟ ولم يكن يقصد من تساؤله البحث عن الجواب. فهل قدّر في تلك الليلة أنه سينتظر ليلى حتى تستنفد القرب والبعد عنه وتفقد محبيها كلهم ولايبقى سواه؟ دقت نواقيس كنيسة اللاتين وليلى تعبر الشارع. رفعت رأسها إلى الكنيسة المحاطة بشجر السرو. ماأحلى هذا الاجتماع بين المئذنة وبرج الكنيسة وشجر السرو! استمتعت به وعبرته. وظل صدى الناقوس يتردد مع خطواتها. ومعه انساب أسى ناعم لايملأ العينين بالدمع لكنه يكدرهما. أبهذه الطريقة تحتفلين ياليلى بيوم ميلادك؟ منذ الأمس تتجاهل أن الغد سيهزّ لها الناقوس: في مثل هذا اليوم ولدتِ ياليلى! كان زهر اللوز قد أزهر، والعشب الأخضر المبكّر قد ظهر حيثما بدا التراب بين ثنيات الأرصفة. كانت الشمس حلوة، مثل هذه، مرغوبة، ينتقل الماشي إلى الرصيف الذي تغمره. لابرد ولاحر. ولدتِ بعد الظهر، فتحتِ عينين واسعتين وتجولتِ بين الحاضرين. فهمست مكرم خانم: تقبريني، هل تعرفيننا؟ وقالت نرجس: ماأطول أهدابها! بنت، لاصبي! لكن بهاء صرخ في أرض الدار محتفلا: ولدت ليلى! فسمعته منور من الغرف العليا وابتسمت. نعم، سعيدة! أطلت مكرم خانم من الداور الذي عرش على درابزينه الياسمين وسألته مازحة: يعني سميتَها دون أن تسأل منور خانم؟ سمعت منور الحوار لكنها لم تبال به. كانت مستسلمة لراحة لم تشعر بمثلها في عمرها. قبيل لحظات كانت مريم، القابلة المختصة في بيروت، تقول لها: ساعدي ولدك! ثم أعلنت: خلصنا بالسلامة! تناثر التوتر وغمر الاسترخاء الغرفة. لمعت المرايا الصغيرة في ثنايا السقف العجمي، وشعرت بها منور دون أن تنظر إليها. مدّت ذراعها فوق الشراشف البيضاء المطرزة. وكان شعرها سارحا على دانتيل المخدة. في أرض الدار أنصت بهاء إلى الأصوات كلها محاولا أن يستنتج مايجري في الغرف العليا. وفي برهة كاد يصرخ: لاأريد الطفل! أريد فقط أن تسلم منور! وقتئذ نزلت إليه مكرم خانم: بهاء بك، لماذا لاتجلس في القهوة؟ سنرسل من يخبرك.. اطمئن! فيما بعد، يوم عادت ليلى طبيبة مختصة في العظمية، حكت لأمها كأنها هي المنتصرة: في الدنيا اليوم طريقة للولادة بلا ألم. لا، ليست التخدير، بل الوعي! تخلّص المرأة من تراث طويل أقنعها بأن الألم قدَرها، وأن الولادة مستحيلة دون الألم. ألغى العلم ذلك القدَر! تتعلم المرأة التنفس والاسترخاء والتمارين الرياضية المناسبة. تتدرب عليها منذ الشهر الثالث من الحمل. فتقود ولادة طفلها واعية صاحية فتشعر بأنها خلقته. ابتسمت منور: لكن هل تعرف النساء هذا التمرد على القدَر؟! اعترفت ليلى بأنها تمنت لو اختصت بأمراض النساء. تمنيتِ ذلك ياليلى لتؤسسي أول مركز للولادة بلا ألم؟ تحلمين! فهل تستطيع النساء محو الحكايا والأفلام، وأن يملكن أنفسهن ستة أشهر؟! أليس مركزك الخيالي خارج زمنهن! مشت ليلى مصغية إلى صدى الناقوس. تملك هذه الساعات. تخصّ بها نفسها، هاربة من الاحتفال الممكن في بيتها. لاتريد أحدا قربها. لاتريد أن يطلّ أحد على روحها فتضطر إلى تمويه ملامحها! مابك ياليلى؟ يحزنك أنك على تخوم السنوات الثلاثين من العمر؟ هزّت كفّها كأنها تبعد ذبابة. لم تعترف أبدا بأن علاقة سنوات العمر بالمرأة تختلف عن علاقتها بالرجل. الثلاثون؟ أول النضج! مايزال العمر ممتدا، أكثره أمامها! توحي بذلك القوة، والعمل، واعتداد شابة أنجزت اختصاصها وعلّقت شهادتها على الجدار معلنة مؤهلاتها. ماذا تطمرين في روحك ياليلى، إذن، ماذا تخفين عن نفسك؟! عبرت محطة الحجاز. توقفت ثم استدارت إليها. صعدت الدرجات ودخلتها. تأملت السقف الخشبي المرسوم. قرأت اللوحة القديمة فوق شباك بيع التذاكر، والحاجز الحديدي القديم. هنا إذن كان يشتري خالها سعيد بطاقة السفر؟ من هنا مرت منور ويوسف وفاطمة ونفيسة وبهاء واولئك الذين كانوا يتنقلون بين بلاد الشام! تريدين بطاقة للسفر، "بيليت" إلى حيفا؟ النافذة مغلقة! تنهدت وهي ترى من الباب المقابل رصيف المحطة. عبرته والتفتت إلى الجرس القديم الذي كان يقرع للمسافرين. وسرح نظرها في المدى الذي تتقدم منه القطارات التي تحمل القادمين المنتظرين، وتغيب فيه مع المسافرين. كفى! مشت، وتفرجت على واجهات شارع النصر المحفورة، وبناء الإذاعة التي أعلنت منها بيانات الانقلابات العسكرية، وعبرت سوق الحميدية إلى الأموي. هل سمعت مرة النساء اللواتي نوين زيارة الأسواق يقلن إنهن نازلات إلى "المدينة"؟ استدارت قرب ضريح صلاح الدين الأيوبي إلى باب الأموي الشمالي. مقابلها الفسيفساء المذهّب في شمس الغروب. ياللأشجار الأسطورية! اخترق الفنان القديم الواقع المرئي والتقط هذا الجوهر الفاتن، الروح، أشجاره، أشجارنا! غطت رأسها بمنديل أزرق ودخلت الجامع. جلست على الأرض، معلقة بالفسيفساء. وانساب حزنها على الباحة الواسعة فطار الحمام. مابك ياليلى، مابك؟! فلتعترف بالحنين! حتى الرجل الذي قررنا أننا لانستطيع الحياة معه يترك في روحنا زهرة رماها. لذلك ينهمر علينا الأسى في يوم لم نتوقعه. لانحكم ياليلى أحيانا أمطارنا. فلاتخجلي بالحنين، أيتها الشابة المعتدة بتمرد المرأة على القدَر حتى في الولادة! لاتؤدّبي روحك! قرارك قربك. لاتمسيه! لن تقبلي قيسا ولو نام على عتبتك. قرار العقل الذي لن تردّيه. فقيس لايؤتمن. قيس نزوات وعواصف. تخونين نفسك إذا لم تبالي بنسائه. تخونين نفسك أنتِ التي لاتعترفين للرجل بالحق في النطّ بين النساء. أنتِ في مدارات أخرى فليسبح في مداراته! نعم، لايؤتمن! فليبق بعيدا! لكن لاتقبضي على روحك في صرامة القضاة! فالحنين حق الروح. انطلقي كطائر حرّ في الشوق والحنين، ولاتخجلي بالحزن! بوحي بأنك قصدتِ الأموي كما قصد الناس المعابد منذ الزمن البعيد، راغبة بالسلوى، طالبة القوة التي تساعدك على تحمل الحنين! هاهو قيس، تسلق السور! ماهذا الذي يسقط عليك؟ صحوتِ والسكاكر تتناثر فوقك! يرميك بها! لم يبق إلا أن يرميك بالدنانير الذهبية لتكوني في بغداد العباسيين! لمحتِه لكنك لم تتحركي، وحماك الظلام. غرقتِ في النوم، وذهب. احتاط في اليوم التالي! فصحوتِ والنور يغمر وجهك. هو الذي يراك ولاترينه! في يده "بيل"! أثار غضبك. ياللتطاول، ياللعدوان! مرت على ذلك عصور، فلتتذكري الآن فقط حبه المجنون، ولتسعدي به! اسمعيه يقسم بأنه خصّك بمالم يخصّ به امرأة أخرى! صدّقتِ أذنيك، لكنك لم تبالي بذلك. مالليلى لايتكرر! وهي أيضا في كل لحظة لاتتكرر! وجهك إلى الأمام. يضايقه ذلك فللذكريات عنده مساكن تعيش معه وفيه، وأنتِ تطوين دائما اليوم الذي مرّ وترتبينه في الخزانة! غيّر المساء ألوان الفسيفساء. ومايزال الحمام يطير ويحط. هل تحمل أيها الحمام رسالة، توبة، ذكرى؟ لم ينقل الحمام حتى اليوم غير رسائل الحرب والتحذير من العدو! ولم تُشعل النار في أعالي الجبال إعلانا عن حب، بل إنذارا من هجوم. للحب فقط الهمس والتمتمات! لن ينقل الحمام لليلى رسالة، ولن تُشعل لها نار في أعلى الجبل! لن تغير ليلى قرارها، لكن لو سمعت صوت قيس هذا المساء يقول لها "احتفلي بعيد ميلادك ولتكوني سعيدة" لهدأ هذا الأسى. ولأصبحا شخصين متحضّرين يشيّعان أطياف أشواق قديمة، دون أن يخسرا صداقة نادرة. ردّ قيس يوم أكدت له في آخر حوار بينهما: أنتَ جزء من أيام عزيزة، وسنبقى صديقين.. ردّ: تتحول الصداقة إلى حب، لكن الحب لايمكن أن يتحول إلى صداقة! بدا لها أمّيا وهو يغلق الأبواب حول نفسه في صلف. ورددت ليلى لنفسها: نعم، فيه أمّية، وبدائية بعيدة عن قلبي! لن يتغير قرارها. لكن لو سمعت صوته هذا المساء لربما رشّ الماء على الأرض في يوم حار! ولفهمت أنه يعلن ندمه وتوبته. لماذا يحمّل أحدنا الآخر الخيبة؟ لماذا لانطوي علاقاتنا أو نغيّرها في أدب، فنعلن للآخر تحررنا منه دون أن نفقد الذكرى! لماذا لايحدث الفراق في احترام، فيحمي العواطف الماضية ولايثير الندم عليها ولاالشك فيها؟ عم تبحثين ياليلى؟ حركت يدها. يستطيع أي إنسان أن يلوث نفسه، وتستطيع أية امرآة أن تأوي إلى رجل يجرحها! وقد يكون ذلك اختيارا. ذلك ليس هواي! فلتعترف ليلى بأنها لمحت قيسا يستعذب سقوط النساء في هواه، يدلّلهن ثم يرميهن مستعذبا لوعتهن! لكنها لم تشعر في أية لحظة بأنها مثلهن أو أنها قد تكون منهن! لاتستعذب الوجع ولن تقبل المهانة! فليختلف المحبون كما يختلف الأصدقاء. لكن لو أهانها المحبّ لقطّعت الحب وتركته لطيور السماء! فالمهانة تجرّ المهانة، ولن تكون ليلى ممن يسمّم الحب بالتفاهات اليومية ودعس الكرامة، ويوشيّ مأتمه بالعذاب! هل سكب فسيفساء الأموي الهدوء على ليلى؟ طوال أكثر من ألف سنة ماضية أحب الناس وعمّروا وماتوا وبقيت الحياة والعواطف الإنسانية من حب وأسى. هل سكب الهدوء عليها اعترافها بحقها في الحنين وفي الحزن دون أن يمس ذلك قرارها؟ ياطفلتي! تصورتِ أن قرارك الصارم لايتعايش مع الحنين! اكبري الآن وأنت تفهمين سعة الروح. مدّي في روحك هذا الفسيفساء الرائع كما مدّته نفيسة ذات يوم في هذا المكان! كم يختلف طريق العودة عن طريق الذهاب! اعترفت ليلى لنفسها بأنها تناولت قيسا لترمي عليه قلقها من الغربة التي تشعر بها بعد سنوات الدراسة. وهي تحمل همّ الأوراق التي يجب أن تصدّقها، والاتصال بالنقابة، والبحث عن مكان مناسب للعيادة وتأثيثها. اعترفت لنفسها بأن عليها آثار وداع البلد الذي عاشت فيه سنوات الدراسة، وأنها كأي طالب في السنة الأخيرة ألفت الحياة المستقرة وتنظيم الأيام وصعب عليها أن تقتلع نفسها منها، وإذ وصلت إلى بلدها شعرت بغربتها عن ايقاعه البطيء. وهاهي تبدأ مسار من اغترب، فلا هو يستطيع أن يستمر في البعد عن وطنه ولا هو يهنأ بعد عودته إليه! لكنها في فسحة الأموي الواسعة أمسكت بضوء الفسيفساء وأكثر من ألف سنة مديدة. وخرجت هادئة الخطوة تتأمل الدنيا. استمتعت ليلى بالعتمة، اشترت باقات بنفسج، وحزمة من زهر السيم، ضمّتها بين ذراعيها عابقة بها. فرحت منور وهي ترى ليلى تحتضن زهور الربيع. وصلتك زهور أخرى، وحضّرتُ أنا لك ورق العنب المحشو مع العصاعيص والشرحات! آخر ماكبسته من السنة الماضية في القطرميز! هربت ليلى من قبلة أمها كيلا تلمس منور روح ليلى على خدّيها. رجت أمها: أرجوك يامنور، سأفصل التلفون هذا المساء! لم تسألها منور لماذا. ابتسمت، فكلما نادت ليلى أمها باسمها ذكّرتها بطفولتها، يوم كانت تناديها باسمها فقط فيضحك بهاء! سألتها ليلى وهي بعدٌ صغيرة: يامنور، لماذا لم تتركي لي بهاء لأتزوجه؟! ضحك معتصم من ليلى يومذاك وعانق منور كمن يدفع عنها أهواء أخته الهائمة بأبيها. يالتلك الأيام ماأحلاها! فصلت منور التلفون: لكن ألا تريدين أن تري هديتك؟ والكاتو الذي حضّرته لك؟ يامنور، يفوح الكاتو في البيت، وسأذوقه فيما بعد، فيما بعد.. لكن أيمكن ألا ترى الباقات الملونة التي أرسلها لها زياد! كادت تتعثر بها قرب الباب. وعندما التفتت عن الزهور التي وضعتها منور في الممر قابلتها الزهور في المطبخ. وعندما خرجت من المطبخ رأت الزهور في غرفتها. رأتها في الصالون، وحتى في غرفة منور، وقرب الباب تماما وفوق المكتبة، وعلى مكتب ليلى، وقرب سريرها! وضعت يدها على صدرها: من هذا الذي يريد أن يخنقنا بالزهور؟ فاح الزنبق الأبيض الكبير التويجات، مار يوسف الذي تحبه ليلى فوحا ناعما، وعبق في مكان آخر القرنفل المبكر. لاتستطيع أن تهرب من الزهر! تركت منور في المطبخ وتجولت في البيت في هدوء. ماذا يقصد زياد من الورد الأحمر قرب سريرها، والمارغريت الأبيض على مكتبها، وباقة الزهور الملونة قرب الباب؟ ماذا يقصد بسلة البنفسج على طاولة تحت النافذة، وسلة المضعف على الأرض قرب باب غرفتها؟ الورد الأحمر قرب سريرها بوح سري لها، والزهور الملونة لتستقبلها من الباب؟ ستقول لأمها ساخرة: صار "بريانتين" بائع زهور مستودعه عندنا! وستلومها منور: أهذا مارأيتِه ياليلى في هذا الذوق اللطيف؟ أراد أن يغمر بالزهر يوم مولدك! هل تبوح لها بأنه سجل لمنور في ورقة أين تضع كل باقة من الباقات التي أرسلها، وأن منور صرفت وقتا وهي تضع الزهور في الآنية المناسبة وتوزعها في الأماكن المطلوبة؟! عندما خرج فوزي من السجن عرف أن مديحة تدرس في موسكو. وعندما أنهت دراستها كان قد سافر. لم يقل لها أحد في صراحة أين غاب. وتفادت أن تتحدث عنه أمام غادة وليلى. خمّنتا وجعها، ولكن أيمكن أن يختفي إنسان من حياة زملائه هكذا؟ قدّرت مديحة أنه سيتصل بها ذات يوم. وكان يدهشها عندما كانت تتصفح شعر الحب العذري، أن ايقاع الزمن القديم لايزال مستمرا في الحاضر. انشغلت زمنا بمعادلة شهادتها، والبحث عن عمل، والوساطات لطيّ ملفها "الأمني" الذي استقرت فيه تقارير وصور من أيام الوحدة بين سورية ومصر. وأصبحت أخيرا مدرّسة في الجامعة. وكان فوزي يغرق ويطفو خلال ذلك في ذاكرتها. رفعت سماعة الهاتف. من؟ ياربي، كأني أعرف هذا الصوت! أيمكن أن يكون صوت فوزي؟ بعد هذه السنوات الطويلة؟ سألها مرة أخرى بالهاتف: مديحة؟ نعم، نعم! خشيت أن تسأله: فوزي؟ قال: أنا الآن في بوابة الصالحية. يمكن أن أراك؟ ماهذا السؤال! طبعا، طبعا! انتظرني على بعد خطوات منك.. في "البرج الفضي"! هل تغيّر في هذه السنوات؟ تخشى أن تواجه المسافة بين الحقيقة والحلم. وهو؟ ألن ينفّره أنها صارت نحيلة وأنها قصت شعرها؟ لم تبدل ملابسها. لاوقت لذلك! قرب الباب رمت نظرة إلى المرآة. يُظهر شعرها القصير عنقها الأجرد، ولن تزيّنه! لماذا توهج وجهها هكذا؟ لن ينسى فوزي اللون الوردي الذي تدفق من باب "البرج الفضي" مع تلك الشابة ذات العنق الطويل. أهي حقا مديحة التي تذكرها طوال سنوات وكانت آخر مرة التقيا فيها تلبس معطفا سكّريا وتحيط رقبتها بمنديل أحمر؟ تماسكت وهي تدخل إلى المطعم. ورأته من الباب ينهض ليلقاها. هل كان غامق السمرة إلى هذا الحد؟ وكان جبينه عريضا وعيناه براقتين تناقضان سمرة وجهه؟ وكان كتفاه عريضين؟ تبينت ربطة عنقه الأنيقة وابتسمت: ماتزال تحب ربطات العنق! لاحظتِ ذلك؟ دائما! كيف كان يتصور أنها لاترى التفاصيل، ولاتنتبه إليها؟ انشغل بها. عادته أن ينشغل بمن حوله! لم تتغير إذن! أنتِ صرت أحلى. تلائمكِ النحافة. حدثته عن عملها في الجامعة، وحكت له عن أصدقائهما الذين تلتقي بهم. وحدثها عن رغبته بأن يفتح مكتب المحامي أخيرا. ثم تصفحا الماضي الذي جمعهما معا. لم يبح لها بحبه عندما كانا طالبين إلا في آخر تلك الأيام الحلوة الرخية. فهم ذلك التقشف والاستهانة بمباهج الحياة وهو في السجن. وتساءل هل ذلك قرار "ثوري" قابل به متع الحياة التي اشتهر العرب بتذوقها! بل يبدو أننا نرمي الأحلام على الغد ونعِد أنفسنا بأننا سنحقق ماأجّلناه! رأت أنه تفادى سنوات الغياب الأخرى. تأملته. على من تكتم السرّ يافوزي؟ أعرف أنك أرسلت إلى مدرسة الحزب، وأنك صارعت الأساتذة اليهود فيها واختلفت معهم على الطريق الثالث.. وعلى الموضوعات التي اخترعوها! لمح سخريتها فسألها بحاجبين مرفوعين: ماذا؟ هزّت كتفها دون كلام: لاشيء! خواطر! ملأت الفراغ الذي مدّته أسراره، فحدثته عن المدينة التي أخفى أنه كان فيها. انتبه إلى أنها ترسمها بدقة، كأنها تعيده إلى الشوارع والحدائق التي عبرها. ثم رمت ذلك وانصرفت إلى رسم سماء الغربة الرمادية، بردها وثلجها. هل رسمتها هكذا لتعترف له بمكان الغائب! دون علاقة إنسانية لاتكتمل المتعة برحلة في النهر أو بالسباحة في بحيرة! لايكتمل اكتشاف المدن دون من تعرض له مارأيتَ فيها! هل طمأنته إلى أنها لم تستبدله؟ على أي وعد شيدتِ يامديحة انتظارك ثلاث سنوات ونصف من عمر الشباب ثم ثلاث سنوات أخرى بعدها مع أني حررتكِ من الارتباط بي؟ لم يسألها، لكنه قال ذلك بنظرته. تنهد. هل ندم لأنه أعلن لها عشية رأس السنة يومذاك أنها حررها من الارتباط به؟ سأل عنها بعد خروجه من السجن عندما فتش عن أصحابه، وتبين مصائرهم المتنوعة. سأل عنها وعرف أنها لم تنه بعد دراستها. فوعد نفسه بأن يصادفها هناك كسائح. لكن انتظاره منحة الدراسة طال. وتبين بعد وصوله إلى موسكو بأسبوع أنها عادت إلى دمشق. وهاهو يبحث عنها بعد أسبوع من عودته. منذ أية عصور والأسبوع مقدس؟! في أول يوم فرغتُ فيه لنفسي بحثتُ عنك يامديحة! ربما هذه أول مرة أفكر فيها في نفسي! ربما فجعني أني من القلّة التي انشغلت بالآخرين وأهملت نفسها! كادت تسأله ألذلك حرّمت على نفسك الحب يومذاك؟ لكنها قالت: يروى أن السجن والرحلات تكشف الآخرين. فماذا اكتشفتَ؟ ماأكثر مااكتشفتُ! لكن لندع ذلك الآن! أذكر لك فقط أني استعدتكِ طوال السنوات الماضية. وفهمت أني أحببتكِ دون بوح! جمعتنا معا رحلات جامعية، وفرجة على السينما، وقراءة الشعر، وخطبة قصيرة جدا. تذكرتُ في السجن تفاصيل مهرجان موسكو وحمقي لأني لم أضمك إلى قلبي. تذكرتُ أننا تفرجنا معا على فيلم دماء ورمال، وفيلم غرام بعد الظهر، وفيلم إجازة في روما، وفيلم بيكنيك. وكنتِ دائما تجلسين على بعد مقعد مني. تذكرت الشعر الذي استمعنا إليه أو قرأناه. كنا دائما بين مجموعة. لكني كنت أشعر دائما بأنك معي. لولا السجن أكنت أتأمل تلك التفاصيل كلها؟ هل تقول له: لم أكن في السجن، ومع ذلك استعدتها ودرت حولها وربما عشت بها! صار "البرج الفضي" ضيقا فخرجا إلى الطريق. مشيا في شارع أبي رمانة ووجهاهما إلى قاسيون. مشيا الطريق كله إلى آخر المهاجرين وجلسا في مقهى صغير في سفح الجبل يطل على المدينة. كان المساء قد بدأ، وغمر بلون سماوي فضّي دمشق وحواكير الصبار التي يشرفان عليها. استعادت مديحة قصيدة ديك الجن، وأكملها فوزي معها: "حكمت سيفي في مجال خناقها، ودموعي تجري على خديها.. فوحقّ نعليها وماوطئ الثرى، شيء أعز عليها من نعليها".. كم لمتِ ديك الجن يومذاك، يامديحة، ومع ذلك كنت تترنمين بالقصيدة حتى جعلتني أحفظها! هل حققتِ مشروعك في البحث عن آثار الحلاج المفكر؟ لا، يافوزي. لكني أفهم اليوم ألوان قصائده. وأتذوق سعة العواطف والفكر في الشعر العربي! أتعرف أن الصلة بين قصيدة شوقي عن الحور في مدخل دمشق وقصيدة ديك الجن سحرتني؟ في ذلك المستوى لايسرق شاعر كبير من آخر، لكن النسغ يجري من عصر إلى آخر! اسمع: "والسرو تحسبه العيون غوانيا، قد شمّرت عن سوقها أثوابها". لاأقع في جمود الباحثين المدرسيين الذين ينقبون عن نسبة القصيدة إلى آخرين. بل أستسلم لسحرها! سألها: والخيام؟ هل يذكّرها بالرحلة الجامعية التي سمع فيها لأول مرة شعر الخيام؟ قالت له: جمعت كتبا كثيرة عن الخيام. أنشدتْ في هدوء: أولى بهذا القلب أن يخفقـــا وفي ضرام الحب أن يحرقــا ماأضيع اليوم الذي مـر بـي من غير أن أهوى وأن أعشقا تأملها. هل تقول له ذلك أم لنفسها أم للسنوات المحترقة؟ ألم يلاحظ الأسى في صوتها؟ هزّ رأسه. ننشد الشعر لأننا لانستطيع أن نبوح بكلامنا! أكملت مديحة: وكم توالى الليل بعـد النهار وطال بالأنجم هـذا المـدار فامش الهوينا إن هذا الثرى من أعين ساحرة الاحـورار صمتا زمنا. كأنهما تركا الفضاء لنشيد الخيام. فهم فوزي أن مديحة اجتازت به السنوات التي فرقت بينهما. لكنها أتت إليه ناضجة تختال بثقافتها وأناقتها. وقال لنفسه يالبؤس الرجال الذين يطلبون شابة غِرّة! ولم تعد مديحة القديمة فقط تأسره. بل هذه الجالسة مقابله، التي تملك صفاء الأمس وبهاء العقل. ذكّرها في هدوء بقصيدة الحلاج التي كانت تحب فيها وحدة الإنسان مع الكون: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا". وخيل إليهما أنهما أمسكا بالسنوات التي هربت منهما، وقبضا مرة أخرى على الزمن الذي كانا فيه من براعم عالم يتفتح! وقفا على آخر قمة في الأمس وتفرجا على الانهيار الذي فرق أحدهما عن الآخر، وعادا معا إلى لحظة تجمعهما! كنت أستدعيكِ بخيالي في السرّ لأملأ الأيام الفارغة من جنون الفرح، لنكمل حياتنا معا بالرغم من السجن! استدعيتكِ أيضا في السنوات التي تلتها. وكم أسعفني الشعر الذي كنتِ ترددينه وتبينت أنك جعلتني أحفظه! أقول لها والليل ملق سدوله وغصن الهوى غض الشباب رطيبونحن معا فردان في ثني مئزر بك العيش يازين النساء يطيب عندما أعطته يدها ووضعها بين كفيه، بدا كمن يرتجف. نعود في زمن نضج التين إلى المراهقة التي تقتحم مراحل العمر كلها كعاصفة، فنلصق نصفي القلب؟ هل خطر لكِ أن مذبحة حدثت قبل ست سنوات ستمنعنا إلى الأبد من اللقاء تحت سماء بلدنا؟ ستزيد على سؤاله أسئلة أخرى بعد أن يعلن لها أنه منحاز إلى جماعة مقابل جماعة أخرى من حزبه فينسيها أنه حرّ، ويذكّرها بأنه مقطع من مجموعة. ستسأله في نهاية لقائهما: وهل خطر لك أننا يجب أن نستأذن الآخرين كي نلتقي! ويجب أن تسوى الخلافات بين الفصائل والمنشقين عنها كي نجتمع! لاتقل لي يافوزي إنك منحاز إلى هذا الشطر ضد الآخر! لن أغرق في الصغائر التي يغرقون فيها! في آخر الألف الثانية، نعود إلى قتال الفئات والطوائف والأقليات؟! أحقا لم تلاحظ أن بين الدنيا الواسعة ومسار العواطف المجنونة مضيق ضيق! هل يجب أن يلتزم الحب بالعلاقات بين المتخاصمين، واتفاقاتهم وعداواتهم! لماذا نبكي إذن على روميو وجولييت؟ يافوزي لاأستطيع أن أكون مقاتلة في حروبكم السرية والعلنية! ألا تختنقون في صراعكم في بيوت مغلقة؟ هل أجفلته؟ أم خيّبته؟ لو كانت شابة نظيفة من علاقات الأمس، دون خلافات مع رفاقه، أو لو كانت شابة أمّية لاستطاع أن يتزوجها ويدعو من يعرفهم إلى الاحتفال بعرسه. لكنه لايستطيع أن يهجر ثلاث سنوات في السجن، وثلاث سنوات في المدرسة الحزبية في موسكو، وسنوات قبلها من تاريخه الشخصي، ليتزوج من متمردة على رفاقه! يجب أن تعود مديحة نادمة ومستغفرة لتصلح مافسد بينها وبين جماعته! سحبت كفها من يده. في أعماق قلبكَ، هل تسمع صوت ضميركَ أم يهدر فوقه صوت أصحابك؟ كيف تتحمل يافوزي قادة يسهرون على مستقبل أولادهم لاعلى مستقبل وطنهم؟ ويسترون خلافهم مع من يخالفهم بالكذب، ويمارسون الكذب كمهارة سياسية! كيف تطلبون حساب رجال الدولة ولاتمارسون حساب أصحابكم؟ يبدو لي أن أكثر الناس تخلفا يحملون أرقى النظريات إلى العالم، وتلك مصيبة! اسمع يافوزي! أنت تعرف الحق من الباطل، ومع ذلك تنحاز إلى الباطل! كأنك تؤكد أن الأحزاب السياسية قبائل تجمعها العصبية لاالموقف العاقل والمبادئ. لاتنهض ولاتودعني! لن أدّعي بأني سأرميك كصورة من الصور التي نرميها عندما ننظف درج خزانة. لا! أبدا! ربما سأبقي الحلم بك، بعد تجريدك ممن حولك وتنظيفك من هذا اللقاء. سأغسلك وأكويك لأعيدك كما عرفتك في الأيام الحلوة التي تذكرتَها واستدعيتَها في سجنك وغربتك. لكني لن أكون في الواقع معك. ولاأقبل الزواج منك! عد إلى قبيلتك! ولكن لو تعرف يافوزي كم أنتم بعيدون عن الحياة والناس! كانت العتمة قد بدأت. تركته في المقهى ورجعت ماشية إلى بيتها. لا، لن تعود إلى بيتها! انحرفت إلى بيت غادة في الروضة. بدت لها أنوار البيت مضاءة، طرقت الباب وسبقت غادة إلى الصالة، وأغلقت الباب وبكت. دهشت غادة. ثم تركتها تبكي حتى شبعت من الدموع. أحضرت لها كأس ليمون: والآن كفى! اشربي! قالت مديحة عندما فرغ كأس الليمون: قابلت الآن فوزي! يحلم بغسلي بالصابون والماء الحار! ياغادة، لايطلب السجانون فقط من المعتقلين أن يخلعوا مثُلهم وماضيهم! يطلب ذلك المحب ممن يحبه! لكني أفكر في ماعشناه وآمنا به. اشترطنا ذات يوم حتى في الحب التماثل في الولاء، وهاهي حتى الفِرق الصغيرة تطلب ذلك التماثل الفكري كشرط في الزواج. قولي لي، ألم يكن شرط المؤخّر والمقدّم الذي تمردنا عليه، أكثر فائدة للنساء من شروط اليوم؟ كأن مديحة تعيدها إلى أيامها الصعبة مع زوجها محمود! هل انتبهت مديحة فجأة إلى ذلك فجفلت؟ لا، ذلك مختلف ياغادة! ذاك خلاف هدر الدم! لا، يامديحة! سبقته أيام لم يعد يستطيع فيها محمود أن يقترب مني. ولم أكن أفهم السبب! ياغادة، يبدو أننا طلبنا الحد الأعلى من التفاهم مع المحبوب، لكن ألم تنضجنا المآسي بعد ذلك ونفهم أن التمايز في التيار نفسه حق إنساني؟ ألا نميز الخيانة من الخلاف بين رؤيتين؟ رفع محمود السلاح القاتل عليكِ. ذلك مختلف. لكن فوزي رجع بعد هذه السنوات من الغياب ليطلب مني أن أستغفر المذنبين! حقا، لابد من الاحترام بين المحبين! وفي هذه اللحظة لاأستطيع أن أحترم فوزي لأنه ليس ذلك المتمرد الذي لايقبل غير مايقنعه. بل ذلك البرغي الذي يُرصّ ويفُكّ بيد آخرين. قال إنه سيفتح مكتب محامي. إذا حدث ذلك وصار حرا قد يعود إلى أصوله. وأتمنى له أن يستعيد نفسه! مع ذلك يجب أن أفهم لماذا حدث ذلك! مشت في الغرفة كمن يبحث عن الجواب. يبدو لي ياغادة أن المشروع الفكري والأخلاقي كان، في ذروة صراعنا مع التدخل الأجنبي، يتطابق مع التنظيم. لذلك لم يعذبنا أن نشترط في الحب وحدة الروح والفكر. كانت الكارثة لكِ انفصال أحدهما عن الآخر! في زمن صراع الوطنيين صار لكل منكما منظمته ومشروعه. اليوم، في زمن انقسامات الأحزاب والجماعات، انفصل المشروع عن التنظيم. هذا مايفرق بيني وبين فوزي! ومايفرق بينه وبين الناس! بعد انصراف مديحة فكرت غادة في مصير هذه المجموعة من الشابات، وهي منهن. قدّر عليهن القلق لأنهن وصلن حياتهن بالعلم والدراسة وأحداث الوطن! وبقيت السعادة للأخريات من زميلاتهن اللواتي انشغلن بأسرهن، وتزوجن من رجال بعيدين عن السياسة. "كل من يأخذ أمهم يصبح عمهم"! ولكن هل كانت غادة أو مديحة أو ليلى تستطيع أن تلتمس نمطا آخر من السعادة والشقاء؟ مشت مديحة محتضنة قرارها. تحب فوزي ولن ترميه ببساطة. بعد هذه السنوات باح بأنها بقيت معه خلال السجن وصارت أقرب إليه خلال غربته. وربما قرّبته منها المصادفة مقابل قدَر قاس: أنه سافر للدراسة يوم عادت منها فلم يلتقيا حتى في المطار. ستستبقيه كالطيف. وستتخيل، كالمراهقة، أنه يمشي معها. سيلتقط لها من فرش البنفسج باقة، وستفاجئه بثمرة نارنج. سيساعدها بتجبير شجرة الكباد التي فلقها الثلج نصفين، وسينتظران أن يلتئم جرحها! سيهديها زوجا من طيور الحمام، وستنشغل بهما حتى يهربا عائدين إلى بائعهما الماكر. سيقول لها رأيه في زوايا البيت التي رتّبتها، ويتوقف أمام الصور التي علقتها، وستنظر إلى عينيه: أعجبتك؟ حتى هناك سيجمعان نصفيّ القلب! سيدعوها إلى عين الخضراء، وستكون معهما ليلى وغادة، وسيمشون على سكة القطار كما مشوا مرة في رحلة جامعية. ستتقدمه خطوات كأنها تعرض له رشاقتها، ثم تعود مشتاقة إليه. ويمطر عليهما شجر الجوز خضرة وعبقا، فينفش ريشه وينتفض، وينثر على الضفتين رذاذا من الزمرد. آه! ليت الحلم حقيقة! ستسترسل في الحياة. فيجري النهار في تقويمه من الفجر إلى المساء. وستمشي في خطوط الطول والعرض باحثة عن كنز من كنوز الدنيا. ستكون كالفقير الذي يحلم بورقة يانصيب، متأملا صيّاغ مشاريع الانفتاح، والبلاد التي تعرض هواءها وترابها للبيع. ستنقّب عن كنز! ستمشي كالأغنياء الذين يستطيعون عبور الحدود إلى المستحيل ويجدون في أية مدينة وأي زمان يختارونه مكان اللقاء! لن تسأله هل نستطيع أن نقرر اللقاء بين شطرينا، ونبقى متحابين! بل ستعاتبه وتذكّره بأنهما نشرا أفق الدنيا ذات يوم دون حدود! ولم يركضا إلى فتات الزمن المسروق! هل ستعزي نفسها بأن الحب منع حتى في زمن الأندلس السعيد. وأنه أسر وعذّب على ذرى الحضارة، وسط نوافير الشعر! في يوم الخميس التقت بليلى وغادة وتأملن ذلك الفراق. سألتها ليلى: هل تظنين أنه سيعود؟ ردّت: لايستطيع أن يكون أقوى من مجموعة ولو كان على حق! لن نلتقي إلا وقت ينحاز إلى الحقيقة ويدافع عنها في قبيلته نفسها. سألتها غادة: يامديحة، هل ستنتظرينه حتى ذلك الصحو؟ تخشى عليها من الوهن أمام الحب؟ تنهدت وهزّت رأسها. كانت صادقة عندما قالت له إنها لاتستطيع أن ترميه كصورة قديمة. وصادقة عندما أكدت أنها لن تقبله إلا إذا أصبح إنسانا حرا! هاهو يحيي لها قصائد الحلاج فتردد: قولــي لطيفـك يـنثني عن مضجعي عند المنام عند الرقاد، عند الهجوع عند الهجود، عند الوسن شكرت ليلى الحظ الذي أنقذها من تجربة تشبه تجربة مديحة. ثم قالت ساخرة من نفسها: ياللنجاة! انصرفت إلى عملها في المستشفى قبل الظهر وفي عيادتها بعد الظهر. لكن ألم تستبعد بالعمل فراغ حياتها من الحب؟ كأنها كانت على مسافة واحدة من زياد ومن عمر. وكانا هما أيضا على مسافة منها. لايجسر أحد من الثلاثة أن يجتاز خطوة إلى الآخر! وكانت تشعر بما يسببه ذلك من القلق لمنور ولو لم تشر إحداهما إليه بكلمة. هل يمكن ألا يقلق منور أن ليلى دون رجل يحبها وتحبه وتؤسس معه أسرة وتنجب منه طفلا؟ خشيت منور أن تنظر إلى الساعة. تقلبت في فراشها. هل يعود إليها الأرق الذي عذبها ذات يوم؟ لماذا قدّر لحياتها ألا تكون كحياة النساء اللواتي ينعمن بأسرة كبيرة هادئة في آخر العمر؟ لو عاش معتصم لكانت له الآن زوجة وأولاد! لو تزوجت ليلى لكان لديها بنون وبنات! هل تدرك منور في هذا الليل أن العدوان الذي تناول حياتها وبلادها حرمها من تلك الأسرة الكبيرة التي تجتمع في الأعياد، وتملأ الجو حول الجدّة بالحوار. حرمها أن تختار للحفيد مايشتهيه، وأن ترفع الوليد على ذراعيها كأنها تريده أن يصل إلى السماء، هذه الساحرة الزرقاء التي يتأملها الصبي والفتاة وتذهله بعمقها وتبدل ألوانها في الفصول! استعادت منور كلمة مكرم: ربي لاتثقل بنا أرضا ولاتكرّه بنا عبدا! لو سمعت هذا الكلام في شبابها لقالت ياللأمنية التي تعبر عن الشيخوخة! لكن هاهي تتأمل تلك الكلمات وتسمع فيها الحكمة التي تصح لكل زمان ولكل إنسان! وتعبر عن الخشية من أن نحمّل الآخرين مرضنا أو شيخوختنا! كم فيها من الرغبة في أن يحمل الإنسان نفسه حتى ينتهي العمر! لماذا تلحق منور هذا النفق؟ ألأن نفيسة وقعت أمس في الحمّام وكسرت ساقها؟ هرعت ليلى إليها ونقلتها إلى المستشفى. ركبت ليلى في سيارة الإسعاف إلى جانب نفيسة، وركب زميلها قرب السائق. استمتعي يانفيسة خانم بالعزّ! أرأيتِ كم أنت غالية علينا؟ لكن نفيسة، آه منها، قلبت وجهها كأنها تقود فلاحيها في أيام التوت والحرير! امرأة صعبة. تكتم وجعها الذي لايطاق، وتلتفت إلى الصورة الشعاعية وتطلب من ليلى أن تضع إصبعها على مكان الكسر في الصورة! تسأل لماذا لاينفع فيه التجبير، بل لابد من العملية؟ أنتِ الطبيبة يانفيسة خانم أم نحن؟ ردّت نفيسة: هذا جسمي. أخطاء الأطباء لاتحصى ياحبيبتي ليلى! أكدت لها ليلى: هذا علم ياعمتي نفيسة، ومازلنا كشافين فيه. لكننا نحاول ألا نخطئ! صارت الدنيا صغيرة ياعمتي نفيسة أكثر بكثير مما كانت للمجبّر الذي يرث تقاليد المهنة! اسكتي ياحبيبتي ليلى! لولا حبي لبهاء لما سلّمتك نفسي! ماعندكم دواء يهدئ هذا الألم؟ ياعمتي نفيسة، حقناك بمهدئ في الطريق، لكن لايفيد في الكسر المهدئ، الحركة مؤلمة. ستستريحين حتى الصباح، وسنجري لك تخطيط القلب وفحص الدم.. نامت مرجانة في المستشفى مع نفيسة. وفي الصباح أجريت لنفيسة العملية. هل قاومت التخدير؟ حارت فيها ليلى. لاتشرب ولاتدخن ومع ذلك لم يؤثر فيها المخدر بسرعة! وصلت نرجس إلى المستشفى ملهوفة. سمعت مرجانة صوتها من الممر. ورأتها تضرب صدرها بكفها: وليّ على قامتي! ليتني أنا ولاأنت يانفيسة خانم! كانت نفيسة ماتزال في غيبوبة التخدير في غرفة الإنعاش. هزّت نرجس رأسها كالآسفة لأنها لم تجد في الغرفة غير مرجانة. وتناولت التلفون قرب سرير نفيسة. سعاد خانم، أنا نرجس! اسمعي تقبريني، نفيسة خانم في المستشفى... كسرت ساقها.. تفضلي زوريها! خابريني إلى المستشفى. رقم الغرفة 318. غرفة شرحة! خبري الجيران واعطيهم العنوان ليزوروها! نعم، أنا باقية إلى جانبها! خابريني إلى المستشفى! فتشت نرجس الغرفة، عدّت الكراسي وقالت إنها غير كافية للزوار! أغلقت باب الحمام وجلست على المقعد. كتمت مرجانة غضبها ثم قررت أن تعلن عنه: نرجس خانم، لم تصحُ بعد نفيسة خانم! تحتاج أن تستريح! هذه مستشفى وليست مضافة! لذلك لن نرد على التلفون، ولن نستقبل الزوار إلا إذا رغبت نفيسة خانم بزيارتهم. لاتؤاخذيني لكن يجب ألا يبقى أحد غيري في الغرفة! وقفت مرجانة في الممر قرب غرفة العمليات حتى ساق الممرضون سرير نفيسة إلى المصعد. فهرعت خلفه. كانت نفيسة غافية، ووجهها أصفر كالليمون. فقررت بسرعة: يجب ألا يرى أحد نفيسة وهي تفيق من التخدير! لكن نرجس دخلت إلى الغرفة قبل أن تنفذ مرجانة قرارها. أمرتها مرجانة: اخرجي نرجس خانم! فخرجت دون أن تعترض: تقبريني، يجب أن تجد نفيسة خانم أهلها قربها! بيني وبينها عمر فهل يطيعني قلبي إذا لم أكن إلى جانبها؟ نحن لانترك الغرباء في مرضهم، فهل نترك نفيسة خانم، ست حارتنا وعائلتنا؟ الله يسامحك يامرجانة! لاتدخلي بين العود وقشره! صادفت نرجس منور قرب باب المستشفى فأوقفتها: ارجعي منور خانم، ارجعي! نصبت مرجانة "كولبا" على باب نفيسة خانم كيلا يزورها أحد! "ياأرض اشتدي ماحدا قدي"! ابتسمت منور: نرجس خانم، هذا من غيرتها عليها! ماذا تقولين يامنور خانم؟ تغار عليها أكثر منا؟ نحن أهلها! نرجس خانم، لاتغضبي على مرجانة! هذه مثل الرمان "جوّاتها لولو برّاتها نحاسة". تريثت منور قرب باب نفيسة، ولم تتقدم من الباب الذي فتحته. قالت لها مرجانة: لن نزعج نفيسة خانم! لم تصح بعد! وأشارت لها إلى المضافة في آخر الممر: تفضلي إلى هناك! سأطلب لك قهوة! قهوة، يامرجانة؟! لا! لكني سأتفرج على المضافة! هذه ثمرة تربية نفيسة، فلمَ الغضب؟! والحق معها! لاتريد لنفيسة أن تظهر أمام أحد في غيبوبة! لاتريد أن يسمع أحد آهة نفيسة إلا إذا كانت واعية تطلقها بنفسها! جلست منور في المضافة وطلبت ليلى. وأتت ليلى إليها بقميصها الأبيض. رأتها لأول مرة طبيبة في مستشفى، ولمحت علاقاتها بالممرضين وبزملائها. كأنها تسللت إلى مقطع لاتعرفه من حياة ليلى! طمأنتها ليلى على نفيسة: نجحت العملية، تحتاج نفيسة خانم شهرا ونصف الشهر كي تمس ساقها الأرض، في الشهر الثالث فقط قد تستطيع أن تقف على عكاز! لن تمشي كعادتها قبل سنة! أنصحكم بأن تنتبهوا إلى عظامكم! اشربوا الحليب وكلوا الجبن الأبيض واللبنة في كل وجبة! أقول ذلك لك يامرجانة ولعمتي نفيسة ولأمي! إياكن من هشاشة العظام! وإلا لن يبقى أحد مشدودا كالرمح! راقبت منور في تلك الأيام تحولات امرأة قوية يضغط عليها العمر. فهمت أن سقوطها كان جرسا قرعه لها. كأنه أعلن أن الهمة والنشاط والحركة لاتمنع السنوات من مسارها إلى النهاية. رغبت نفيسة في الخروج من المستشفى في اليوم الثاني. واكتشفت مرجانة وليلى، فقط، غضب نفيسة على الوضع الذي وجدت نفسها فجأة فيه. سخرت من الطعام. ودمعت عيناها بعدما ساعدت الممرضة مرجانة في تبديل ملابسها وحمل "الزحافة" إلى الحمام. استنجدت مرجانة بليلى التي رأت آثار دموع الغضب في عيني نفيسة. ياعمتي نفيسة لولا حركتك، والحركة بركة، لكنت في وضع أسوأ بكثير! فالهشاشة مرض لانحتاط منه. وهو لايظهر إلا فجأة، عندما نسقط فتنكسر الساق أو الحوض. كان كسر الحوض أو الفخذ يقرب الإنسان من نهايته. اليوم يساعدنا العلم. لكن يجب ألا نستسلم. يجعل المريض نفسه مقعدا أو يستعيد حياته السابقة بإرادته. لذلك نقول قد يقف المكسور خلال ثلاثة أشهر وقد لايقف قبل ستة أشهر! تأملت نفيسة ليلى، قاستها بنظرتها الفاحصة، ثم ابتسمت. أنتِ الصغيرة التي كنتِ تحبين المبطّن فأطبخه لك؟ كانت نفيسة قد اجتازت أياما من القرف من نفسها، ومن الغضب على الحياة، ومن الأرق. وكانت قد رفضت طعام المستشفى غير مفكرة بوجع مرجانة غير القادرة أن تتركها لتطبخ لها ماتحبه. ثم قالت لها فجأة: مرجانة هاتي هذا الأكل المقرف! وتناولت الشوربا: نسي من حضّرها أن يضيف إليها جوزة الطيب! حددت ليلى لنفيسة يوم الخروج من المستشفى. ورافقتها بسيارة الإسعاف. واقترحت أن تبقى في التحتاني حتى تصبح قادرة على صعود الدرج! وساعدت مرجانة في ترتيب غرفة في الليوان تسهل حركة نفيسة فيها. وأتت لها بكرسي ذي عجلات، وعلّمتها كيف تقف وتستدير على كعب ساقها السليمة لتجلس عليه. المهم ألا تبقي في الفراش! أنتِ إنسان سليم ساقه مكسورة! سنتعايش مع هذا الوضع ثلاثة أشهر، بعد ذلك نتدرب على العودة إلى الحياة الطبيعية! يوم سمحت مرجانة لمنور بالدخول إلى غرفة نفيسة في المستشفى، رأتها جالسة في السرير كالملكة المريضة. أشارت نفيسة مازحة إلى حبل يتأرجح فوق رأسها: هذا لأنهض به. رياضة، تسلمي لي، رياضة! أنجزتُ اليوم ثلاثين مرة من النهوض! ولمن هذا التمرين؟ لمن كانت تركب الخيل إلى بساتين التوت! قرأت منور في سخرية نفيسة حوارا طويلا بينها وبين نفسها. وقفت نفيسة أمام العمر متسائلة في تلك الليالي هل انحرفت عن مسار امرأة قوية تملك السيادة على نفسها، إلى كائن ضعيف يعتمد على الآخرين في الحاجات اللازمة له كي يعيش؟ كانت تتظاهر بالنوم حتى تغفو مرجانة، فتنطلق في أسئلتها وهواجسها. لماذا أصرت على تجاهل العمر بكبرياء امرأة قوية حتى وقعت في الحمام؟ قالت لمنور: ياحبيبتي يبدو أننا لانفهم ونحن أصحاء أن أجسامنا أعضاء ذات وظائف لها حقوق وواجبات وطلبات ولها أعمار! نظن أن روحنا سيدة هذا الجسم حتى يعلن عضو منه أنه استقال من عمله! ردّت منور: بل قولي ياعمتي، إنه يحتاج فرصة للراحة! لو لم تكسري ساقك أكنت تقعدين لحظة؟ الحركة بركة يامنور! ذكرتني ليلى بذلك! لكن للروح مساراتها المضطربة! للروح جموح وأهواء! لم تبعد نفيسة قلقها بالكلام الذي رمته لمنور. فهمت أن حركتها في النهار قدّمت لها النوم المستقر في الليل. حركتها الممكنة الآن فقط خلف هواجسها في ليالي الأرق. بدا لها الوصول إلى المطبخ والصعود على الدرج إلى الفوقاني والصعود إلى السطح نعمة لم تكن تتذوقها. تمنّت أن تقطف ورق العنب من داليتها على السطح. استعادت تحضير فنجان القهوة في الصباح وهي واقفة قرب الموقد. فكرت في الحركة التي لايعرف الإنسان فضيلتها وجمالها. بدا لها المشي أمنية، والوقوف سعادة. وكررت ماتساءلت عنه منور في أرقها: كيف ستكون نهايتنا؟ خفيفة، فنعبر العتبة دون أن نشعر بأننا انتقلنا من الدنيا الحلوة إلى سكون لانهاية له؟ أم تصخب بعذابنا وعذاب من حولنا؟ كم تبدو الحياة خاطفة مشمشية! كانت نفيسة لمنور قوة لايقهرها الزمن. فهل جرحها أن تتبين أن جسم الإنسان هشّ مهما كان قويا، وأن تلك الهشاشة تفاجئه في لحظة الغفلة؟ وقد يرجّح عضو ضعيف تافه الصراع بينه وبين الروح المتماسكة القوية؟ لكن لماذا نحتاج يامنور مثلا إنسانية نريدها أن تكون أقوى من الصخر، عصيّة على حركة الدنيا وحركة الحياة من الشباب إلى الكهولة؟ تقلبت منور في فراشها. فلتعترف بأنها تجاهلت الغضون حول فم نفيسة. وشغلت نفسها بأن نفيسة في ذروة وعيها وصفاء عقلها، بل غبطتها على نضارة بشرتها! نعم، يامنور، يؤلمنا التناقض بين الجسم وبين القوى الروحية والعقلية! فيتألق العقل وتتوهج الروح ولايسعفهما الجسم بل يشوش حركتهما ويشغلهما بتمرده على رغبتهما! تساءلت منور: كيف تكون نهايتي؟ وتذكرت القول "أحسن نهايتنا"! يالهذا التعبير الأنيق عن خوف الإنسان من اللقاء الأخير بين حالتين، وأمنيته بأن يحدث ذلك برشاقة فنظلّ حتى القمة الأخيرة في لياقتنا، وينقلب اللهب فجأة إلى جمرة، والجمرة فجأة إلى رماد! بين منور ونفيسة سنوات طويلة. مع ذلك فكرتا في ليالي الأرق بالمسألة نفسها، وساقتهما الهواجس نفسها. هل تشعر إحداهما بالأخرى وهي على بعد خطوات منها في حيّ سوقساروجا نفسه؟ هل تشع الخواطر وتنداح الهواجس كالدوائر في مياه النهر فتصل من ضفة إلى ضفة؟ شعرت نفيسة بأنها أسيرة، دون ساق تخرج بها من الغرفة. نعم، أسيرة! دون مرجانة لاتستطيع أن تغيّر مكانها! فكرت لأول مرة في العجز وهمست لنفسها: قد لايكون بعيدا كما توهّمت! قد لايكون مستحيلا كما تخيلت! لكن منور لمحت أطيافا أخرى. اكتشفت من زياراتها إلى نفيسة أن المرض لايتناول الجسم فقط. لم تنكسر ساق نفيسة فقط، بل انكسرت أطراف روحها. تلامحت فيها طباع ليست طباعها. فكأنما تبدد التسامح الذي كان من صفاتها. خيل لمنور أن نفيسة تضيق بألا يجاب طلبها بسرعة. فتكشر ثم يغمرها الحزن لأنها معلقة بمرجانة. ومرجانة أعانها الله، للخارج والداخل! ترجو منور أن تجلس مع نفيسة ريثما تغسل الشراشف وتنشرها. أو ريثما تنتقي الخضار. لم يقصّر رجال السوق، فأرسلوا ماتحتاجه إلى بيت نفيسة. ذلك يساعد مرجانة لكنه لايكفي. كم يحتاج الإنسان إذن من خدمات يؤديها الصحيح بنفسه دون أن يشعر! وكم يتعاون الناس في بيت واحد بما يحمله أحدهم عن الآخر! فالقليل الذي تحمله نفيسة من أعمال البيت بدا كثيرا جدا لمرجانة. فوق ذلك تأخرت الفواتير التي يفترض أن تقرأها نفيسة. لم يخف على نفيسة تعب مرجانة. رجتها: لاتنظفي الفوقاني! ولاتبالغي في تكريم الزوار! يكفي فنجان القهوة! سيعذروننا! لم يبق غير أن تقدمي لهم كراويا! تساءلت مرجانة وهي تغسل جسم نفيسة: هل واجبها يدفعها إلى العناية بنفيسة؟ تبينت أن الإنسان المريض ثقيل الوزن كالميت. وشكرت ربها لأن ظهرها قوي. اخترقت تحفظ نفيسة منذ كانتا في المستشفى فمسحت جسمها، ورأته لأول مرة. أدهشها بياض بطن نفيسة وتماسكه وجمال سرتها. كأن حبل السرة قطع بإتقان، وأراد من قطعه أن تبهر تلك السرة من سيقدّر له أن يراها! فتحت عينيها على ضوء النجوم التي تملأ نافذتها، وقالت لنفسها إن الحب فقط هو الذي يدفعها للعناية بنفيسة وإلى الغيرة عليها. وفسرت بالحب فقط صحوها من نومها فجأة كلما أشعلت نفيسة الضوء قرب فراشها! عاشت منذ طفولتها في حضن نفيسة. تعلمت منها النظافة وحرمة الشراشف والملابس التي تطيّب بالصابون، وأسرار الطبخ الذي ينقل الطعام من حاجة إلى ذوق ومتعة. وتعلمت منها كرامة المرأة القوية. كانت شاهدة على حب نفيسة خالد آغا، وعلى صداقتها العجيبة لمطلقها ابن الكحال. تساءلت عندما اقترحت عليها نفيسة أن تزوّجها أيمكن أن تعيش راضية بعيدا عن بيت نفيسة؟ وبدا لها أن ذلك يشبه الانتقال من بيت فيه مدفأة إلى خيمة فيها منقل. تعودت أن تعيش في فيء نفيسة وزوارها كالمضعف في ظلال بساتين النيربين. لكنها لم تجهل أنها ملأت مكانها كسيدة ثانية في البيت. حقها أن تديره وعليها الوفاء له. لم تحجب نفيسة عنها ذلك الحق. وشكرتها لأنها أخرجت نرجس من غرفتها في المستشفى. قالت أمام نرجس يوم زارتها في البيت: مرجانة تعرف شغلها أحسن مني! لم تخطئ حتى اليوم في التقدير! لكن ماأعجب روح الإنسان! في الأيام الاولى بعد العودة من المستشفى اضطرب نوم نفيسة. كانت تعاني من آلام تعصف بروحها. فتهبّ مرجانة واقفة عندما تسمع آهة نفيسة. وتجفف العرق من جبينها. تطلب منها نفيسة: نامي! وكيف تنام؟ في تلك الأيام أكان الحب فقط يدفعها إلى الصبر؟ كانت تجيب نفسها وهي تكتشف أنها تمشي نائمة: بل الوفاء والواجب! لم تسمح مرجانة لابن الكحال برؤية نفيسة إلا عندما استوت نفيسة على الكرسي كالملكة. كانت تتناول منه هداياه وتجلسه في الليوان، وتقدم له شراب التوت الشامي الممزوج بالثلج أو شراب الرمان، وهو على بعد خطوات من باب مغلق خلفه نفيسة. تقول له: نفيسة خانم نائمة. أعرف أنك لاترغب في أن نوقظها! ثم عينت له اليوم الذي ستستقبله فيه نفيسة. لاحظ ابن الكحال من أول خطواته في أرض الدار أنها نحفت. لكن سبحان الخالق ماأحلى طلعتها! ملكة! رافق ابن الكحال في كل زيارة من زياراته حتى الباب شاب محمل بفواكه الموسم: التين والصبار والعنب والتفاح السكري والدراق والأجاص المسكاوي. وكانت نفيسة تقول: من سيأكل كل هذا ياإبن الكحال؟! عذبت نفسك! وكان يردّ: عذابك راحة! وكانت مرجانة ترضيه فتعلن له أن فواكهه جاءت في وقتها. لكنها تردّد في غيابه: حمل لنا كوسا للمحشي وفي الأمس طبخت كوسا محشي! أتى لنا بسلة عنب، والعنب الزيني والعنب الدوماني والعنب الديراني والعنب الأسود الذي انتقيتُه من العقيبة مايزال في البراد! فتردّ نفيسة: لم يأت أحد غيره بفستق حلبي! ولم يخطر حتى لك أن المقادم ضرورية لترميم العظم المكسور فحمل لي سلة ملأى بالمقادم. اغليها وارم الماء ثم اغليها بماء نظيف على نار هادئة ساعة ونصف، واعملي لي منها فتّة! روى ابن الكحال لنفيسة أن نرجس خانم أرسلت له صبيا من الحارة بلّغه بأن نفيسة كسرت ساقها! فهرع إلى المستشفى. كانت نفيسة وقتذاك في غرفة العمليات. أطل من باب قسم العمليات فأبعدوه. بقي في الممر منتظرا أن تخرج على السرير ليكون أول من يراها. مرّت به ليلى فرجاها: طمئنيني! لكن مرجانة أبعدته إلى المضافة. عادت ليلى إليه بعدما خرجت نفيسة من غرفة العمليات. وأخبرته بأنها في غرفة الإنعاش. روت له أن تخديرها كان صعبا كأنها كانت تقاوم فقد الوعي! فبرقت عيناه. تذكّر أن نفيسة لم تسمح لنفسها بالغياب عن النفس حتى خلال هواها، يوم كانت تحبه حقا وكان يستهويها. يوم كانا رجلا وشابة جميلة دون صداقة تتداخل في ذلك الهوى وتقنّعه. وكان يحاول أن ينبّه نفيسة إلى مايميزها كامرأة مدهشة تستطيع أن تجعل الرجل يركع متيما مجنونا. فترفع رأسها متجاهلة كلامه، ومزهوة في الوقت نفسه بأنها كذلك وبأنها لاتتوقف هناك! عندما اكتشفت مرجانة ابن الكحال في الممر قرب غرفة العمليات راقبته ثم احتالت عليه. ادعت بأنها تحتاج مناشف وكولونيا لنفيسة: لحقتُ بسيارة إسعاف ملهوفة. فوصلنا إلى المستشفى كاللاجئين، دون ماتحتاجه نفيسة خانم! وهكذا منعته من رؤية نفيسة على سرير من أسرة المستشفيات كأي شخص يخرج من غرفة العمليات غائبا عن الوعي. وعندما عاد ابن الكحال بالأشياء التي طلبتها مرجانة قالت له: " نفيسة خانم نائمة". هكذا أوصل ابن الكحال شكواه أو اعتذاره لنفيسة لأنها لم تجده إلى جانبها وقت أفاقت من غيبوبتها. لكنه لاحظ أن نفيسة تفادت في زياراته الاولى أن يطيل بقاءه. كأنها تخشى أن تحتاج مرجانة وتبدو عاجزة دونها! أو تخشى أن يظهر تعبها إذا بقيت جالسة معه! وكانت مرجانة تحرسها جالسة على كرسي منخفض من القش تحت شجرة الليمون، جاهزة لتكون قربها قبل أن تقرع لها الجرس. كان ابن الكحال قد لاحظ أنها اضطرت إلى نداء مرجانة. فودّعها وبحث في السوق عن جرس جميل كأجراس المدارس. هزّ الأجراس التي عرضها عليه الباعة وكان يقول لهم: أريد أن يكون رنينه أقوى! أو يقول: أريد أن يكون رنينه مطربا! وأخيرا وجد جرسا من النحاس رشيقا ذا قبضة مريحة. وقعت نظرته على أرجيلة من الكريستال فقال لنفسه: ستعجب بها نفيسة! غالية؟ فليكن! نجني المال لمثل هذه اللحظة التي نحتاج أن نفرح فيها قلب المحبوب! سيقول لنفيسة مداعبا: دخّني! وهو يعرف أنها لن تدخن. لكنها ستعجب بهذه التحفة الجميلة. حمل الأرجيلة والجرس ومشى في السوق. أرسل الجرس رنينه مع خطوات ابن الكحال فتوقف. خيل إليه أن نفيسة تقول له: لماذا توقفت ياإبن الكحال؟ ألم ترغب في أن يكون رنينه مطربا؟ أدخل يده إلى الكيس الورق وأمسك بكرة الجرس الناعمة وهدأها: اصبري! احتفت نفيسة بالجرس: "يبعت لك الهنا" ياإبن الكحال! سيسمع الجالسون في مقهى سوقساروجا رنينه فيسألون هل فتحت نفيسة مدرسة في بيتها! لكنها صارت تدق الجرس لمرجانة فتسمعها ولو كانت على السطح تنشر الغسيل. أضحك الجرس منور فقالت: كأني سمعت رنينه من بيتي! هكذا أدخل ابن الكحال بجرسه مرحا أبعد عن نفيسة هواجسها. وعندما نقل إلى نفيسة رسالة من ابنتها في مصر تقول فيها إنها ستأتي إذا كانت نفيسة تحتاجها، طلبت نفيسة منه أن يردّ عليها: ابقي مع أولادك وزوجك! لاأسمح لأحد غير مرجانة بأن يساعدني! لكن هل ينسى الإنسان الحادثة التي تقطع حياته وتوقفه ليتأملها؟ في عمر الشباب يقول لن أنساها وسأفيد منها. أما في عمر نفيسة فينتبه إلى أن مرحلة من العمر قد انقطعت وأنه انتقل إلى أخرى! رأت منور نفيسة تقف على قدم واحدة، ثم تقعد. وتكرر القيام والقعود مرات. ماذا تفعلين ياعمتي؟ أتريض ياحبيبتي! العضو الذي لاتستعملينه يضمر ياروحي! أكرر كلمات ليلى! في الشباب لانفكر يامنور بأن الجسم مجموعة من الأعضاء. لكن في عمري، يبدو أنني يجب أن أفكر في ذلك. ويجب أن أفهم واجبي نحو كل منها! سرت طمأنينة في روح منور. همست لنفسها: قهرت عمتي عمرها واجتازت هذا المنعطف الصعب! هل خمّنت نفيسة مافكرت فيه منور؟ حدثتها عن يوم بعيد: فكش ابن الكحال قدمه. ورِمَت، فطلبنا أشهر مجبّر عربي في حي القنوات فداواها. مسّدها ولفّها، قال لنا بسيطة وانصرف. لكن ابن الكحال تلوى من الألم في الليل. أين الوجع ياإبن الكحال؟ جسمي كله يوجعني! آه، آه! لاتصرخ ياإبن الكحال كيلا تخيف ابنتك! تتضايقين مني يانفيسة؟ سأنتقل إلى بيت أختي! من قال إني متضايقة منك، ياإبن الكحال؟ ضيقي عليك! ارخِ أعصابك! كانت تكشيرته معقودة بين حاجبيه. وآهته ترتمي إلى اليمين واليسار. سألته: ماالذي يؤلمك؟ ردّ: قلبي! خطر لي أن أقول له: همّنا قلبك؟ لا، همّنا قدمك! لكني خفت أن يتذكر الحكاية. سهرت عليه كما تسهر علي الآن مرجانة. لم أسمح لأحد غيري بأن يغسله أو يلبي حاجاته. لكني راقبت أخلاقه. خيل إلي أنك لاتعرفين الإنسان إلا في المرض! كانت تلك الأيام أيام اكتشافات ثقيلة علي. لم يضبط ابن الكحال حتى ألمه البسيط. لم يتردد في أن يناديني في الليل لأنه ملّ الاستلقاء. خيل إلي أنه يفترض أن تفيق ابنتاه ومرجانة إذا أفاق في منتصف الليل. كأن ذلك حقه وواجب له! تذكرت أني بعد ولادة ابنتي الاولى مرضت. ارتفعت حرارتي ومع ذلك بقيت أغسلها وأرضعها وأشرف على الطعام والغسيل. لم تكن مرجانة يومذاك تعرف ماتعرفه الآن. كانت هي نفسها تحتاج من يعنى بها. ومع ذلك لم أقل آه! أنجزت مايجب أن ينجز في اليوم. وسهرت في الليل على الفواتير. وهذا ابن الكحال لايتحمل وجع إصبعه! استنتجت أن الرجال ضعفاء. وماأهمية العضلات إذا كانت دون أعصاب تتحمل التعب وتعرف الصبر! وإذا كان الرجل لايستطيع أن يعمل عدة أعمال، مثلنا! هل شعرت يومذاك بأني لاأتحمل الحياة مع إبن الكحال؟ هل فاض الكأس بتلك القطرة؟ قلت لنفسي لاأليق بالحياة مع زوج! إبن الكحال أغلى من الذهب العتيق. لكن من تستمتعين بالحياة على بعد خطوة منه قد لاتستمتعين بالحياة معه في بيت واحد! أرعشني في تلك الأيام أن أجد نفسي مع إبن الكحال في غرفة يغلق بابها علينا! لكن ألم أكن مثله في المستشفى؟ أشقيتُ مرجانة! قلبي عليها! تدربت نفيسة على المشي في أرض الدار. وراقبتها مرجانة من بعد. ثم مشت كأنها لم تكسر ساقها. وبدا لمنور أن نفيسة تقصد أن تزهو بخفة مشيتها. ولاحظت أنها صارت تراقب طعامها كي تحفظ ماضيعته من وزنها. مع ذلك ظلت منور تقول لنفسها: سأقع على الأرض إذا ماتت عمتي نفيسة! حتى غضبت عليها سعاد: الأعمار ليست بيدك ولا بيدي. ماذا كنت تقولين لو كنت في فلسطين أيام الثورة وفي سنة النكبة؟ كانت منور تظن أنها ستعيش بعد نفيسة! فحصت ليلى مريضتها الأخيرة. كانت في عمر منور. شقراء مثلها. ألذلك اهتمت بها ليلى أكثر مما تهتم بمرضاها؟ ظهر، بعد كسر يدها، أنها مصابة بهشاشة العظام. استمعت إليها، نصحتها، وأعطتها ورقة رُسمت فيها خطوط تبين الكلس في كل مرحلة من الحياة، وورقة تقترح مايجب أن يؤكل: الجبن والحليب واللبن والأنكنار. بدا لليلى أن العلاقة بالمريض تقرر حتى موقفه من الدواء. لذلك كانت تضخ الروح في مرضاها. دون الروح لاتستطيع أن تشفي أحدا! ربما كانت في بداية عملها غضة، تنتبه أولا إلى جسم المريض. لذلك تستشير كتبها وموسوعاتها. فصارت بعد سنوات من العمل تعتمد على عينيها وخبرتها، فتقيم للروح مكانة. وتتابع الصراع والاتفاق بين الجسم والروح. وأدهشها أن تكتشف خلال ذلك مجتمعا لم تكن تعرفه. رأت عظام النساء أكثر هشاشة من عظام الرجال. لكن النساء كن أكثر قوة روحية. مع أنهن أكثر إرهاقا. وبدا لها أنهن يقبلن في ترفع بُعد الرجل عنهن، مؤمنات بأنه لايستطيع أن يرقى إلى عواطفهن. ويقبلنه كما يقبل إنسان ناضج طفلا ذا نزوات متقلبة. تبينت ليلى من حوارها معهن أن الشاميات يؤمن بأنهن سيدات بيوتهن وهن يوهمن الرجل بأنه السيد الحاكم. هل ينسجن ذلك بصوت النافورة، وصحن البطيخ البارد على طرف البركة، والوردة المغروسة في الشعر، وزهرة الفلّ قرب جرّة الماء، وعقد الياسمين بين النهدين وحول العنق، وحرارة الاستقبال كأنهن يعشن في انتظار عودة الرجل إلى البيت؟ تعترف ليلى لنفسها الآن بأن عالم النساء ليس "حريما" بسيطا كما تصوره لوحات المستشرقين. بل حضارة، وذكاء، وعلاقات، وأصول. ملابس وألوان وضوء وظلال التقط ظاهرها المستشرقون، وانتبهوا إلى السطح الذي يلاحظه العابر المبهور بمدن لاتكشف له أسرارها. مشت ليلى بخطوات واسعة من نفورها من "الحريم" الذي رأته تخلفا وظلما، كما رآه جيلها، إلى فهمه بحنان وحكمة. معترفة بأنها كسبت تلك المعرفة من مريضاتها! وقفت قرب النافذة وأزاحت طرف الستارة. لماذا فكرت فجأة في أمها؟ لماذا هبّ قلبها فجأة وغمرتها حرارة وشعرت بوخز في كفيها؟ ألأن المريضة الأخيرة كانت في عمر أمها، وقد تصاب منور مثلها بهشاشة العظام؟ لاحظت ليلى أمس أن منور استندت إلى الجدار لحظة وهي تمشي إلى المطبخ، وعندما انتبهت إلى ليلى استقامت وأخفت وهنها. مابك؟ لاشيء! كأن رأسي دار فجأة! سأقيس ضغطك! نسيتِ أني طبيبة؟ ياليلى، لاتوحي لي بأني مريضة! هكذا هربت منها منور في الأمس! التفتت ليلى إلى الباب وقالت لنفسها: لا، ياربي! لاأريد أن يدخل أحد يخبرني بأنها مريضة! لكن الباب انفتح بعد ومضة، ودخل ابن جيران منور وقال لليلى: أمك مريضة! عند باب العيادة رمت ليلى قميصها الأبيض و"طبقت" الباب وركضت. لن تتمنى حتى لأعدائها مثل تلك اللحظة! كيف وصلت إلى أمها؟ كيف استطاعت أن تقود سيارتها وهي غائبة ومنتبهة إلى مايمرّ بها! وماهذه الطائرات الغريبة التي هدرت كالمجنونة في السماء؟ كيف انقطع الزمن فجأة وقطعت ليلى في الفراغ الشوارع وقفزت على الدرجات إلى منور! أهذه هي المدينة التي تعرفها والشوارع والبيوت نفسها! وهناك عاشت مع منور وبهاء وهما شابان قويان وسيمان مستقيما القامة! لماذا نعيش العمر كأننا لاننتبه إليه ولاينتبه إلينا وفجأة نصرخ: مرّ! ويصرخ هو: وداعا! قرب الباب ضبطت ليلى نفسها. رأت منور هادئة في سريرها. وعلى صدر ثوبها بعض الدم. ليلى طبيبة لكنها، ابنة! سألت أمها، مريضتها: كيف ومتى؟ اعترفت منور بأن معدتها تؤلمها منذ زمن. لكنها كيلا تشغل بال ليلى سكّنت ألمها بحبوب الأسبرين طوال هذه الفترة. اعترفت ببعض الحقيقة! كتمت أن أول نوبات الألم بدأت يوم سافرت ليلى لتدرس. كادت ليلى تضرب رأسها بيدها، لكنها ضبطت نفسها. متى نزفتِ؟ تقيأت منور دما في المغسلة. هذه أول مرة! قالت لها ليلى: لاتتحركي! طلبت بالتلفون سيارة إسعاف: الدكتورة ليلى.. فورا!... نزف.. زمرة الدم 0 ايجابي. فورا! وخابرت عمرا: تعال! استوت منور فجأة وتقيأت. ليتها كانت تستطيع أن تمنع نزفها كيلا تخيف ليلى! ركضت ليلى لتحضر طشت الغسيل. تأخرت! كانت منور أسرع منها يوم نزف أبوها يوسف! تناولت ليلى منشفة ومسحت بها وجه منور. قالت منور في هدوء: وسّختُ السجادة التي تحبينها! تحب ليلى هذه السجادة، لذلك اقترحت منور أن تمدها ليلى في غرفتها. فقالت ليلى: أحبها في غرفتك! تخشى منور أن تفسد السجادة العزيزة؟ أم تتحدث عن السجادة كي تستبعد هول الفراق؟ كتمت ليلى ألمها وقالت: فداكِ! تذكرت منور موت أبيها يوسف. ناداها: منور، هاتي الطشت! وملأه أمامها بدمه. فهل قُدر لها أن تموت بالطريقة نفسها؟ أغمضت عينيها كيلا تلمح ليلى فيهما تلك الأطياف. وهمست: ليلى، لاأريد أن أنقل إلى مستشفى! ماما، هنا لانستطيع أن ننقل لك الدم! أنا معك! أقنعتها؟ لا! لكن كلا منهما مثلت دورا يريح الأخرى! قالت ليلى في ثقة أرادت أن تعدي منور بها: سنعوض كل قطرة دم تضيّعينها! هل تؤمن بنجاة منور؟ لماذا إذن يترنح قلبها؟ في سيارة الإسعاف جلست ليلى بجانب منور ممسكة يدها. لم تعد منور تحكم مصيرها! لاتستطيع أن تقرر أن تموت في بيتها! تمنت فقط أن ينتهي ذلك في سرعة! يجب أن تؤمن ليلى بأنها فعلت كل ماتستطيعه كي تستبقيها! على صوت صفارة الإسعاف، وهي مغمضة العينين، تذكرت بهاء، وخيل إليها أنها نادته كما كانت تناديه وهي تدلّله: يابهو! كان هو الذي يمسك يدها بكفه الدافئة، ويقول لها: منور، عيب، ساعدي ليلى! عيب، لاتتنازلي عن الدنيا في سهولة! وهمست منور له ساخرة: أفهم الآن لماذا بحث الإنسان دائما عن الآخرة! يرفض الفناء ويريد لقاء الأحبة! على باب المستشفى وجدت ليلى عمرا. كأنها وجدت كنوز الأرض كلها! انشغل بتحضير الإسعاف، فبقيت ليلى ممسكة بيد منور. تعرف كطبيبة أن المرضى يشعرون بالغربة والخطر في المستشفيات. فهل حاولت أن تحمي أمها من ذلك بحرارة يدها؟ اندفعت فيها فجأة قوة مجنونة: تستطيع منور أن تعيش بقوة روحها! فلتقاومان معا بالروح هذا الجرح المنفجر! تمنت ليلى أن تقدم دمها لأمها: زمرة دمي مثل زمرة دمها! هل يقول لها عمر، لاتستطيعين أن تقدمي لها كل ماستفقده؟ رفعت ليلى عينيها إلى السماء. تطلب قوة عظمى تساعدها! ترجو من الآلهة الذين آمن بهم أهل هذه البلاد طوال عصور أن ينجدوها! شعرت فجأة بأنها عاجزة. ماقيمة الطب الذي درسته ومارسته إذا كانت لاتستطيع أن تسعف أقرب الناس إليها، أعز أحبائها؟ بدا الليل والنهار بهوا تنتظر فيه ليلى الموت والحياة. كان عمر يحيط بكل حركة من حركاتها دون أن تفوته مراقبة منور. لم يضيّع التوتر انتباهه بل وسّعه! ولعله هو الذي قرأ ماتفكر فيه منور فهمس لنفسه: لو ينتهي ذلك بسرعة! بدا كأن منور تغفو. دخلت ممرضة وطبيب، تبادل عمر معهما النظر ومشى نحو ليلى: دعي الطبيب حرا وحده! ألا تمنعين أنت أهل المريض من الدخول معه؟ أدهشه أن ليلى لم تقاومه. لكنها لم تبتعد عن الباب. ظهرها إلى نافذة الممر وعيناها على الباب. ليلى، منذ ساعات لم تشربي كأس ماء! هزّت رأسها في حسم! عندما دخلا كانت منور نائمة. نائمة؟ أم حقنت بمهدئ؟ بحثت ليلى بنظرها عن أثر المخدر في كيس السيروم. لن توقظها! وربما لاتريد أن تعرف الحقيقة! فهم عمر من نظرة الطبيب، بالتواطؤ بينهما، أن منور نزفت دما كثيرا فضيعت ليترات الدم التي أخذتها. هل انتبهت إليهما ليلى؟ أصغت إلى هدير كهدير الانهيارات الثلجية في روحها. منور فقط مستسلمة لما يقرر لها؟ أليست ليلى أيضا كالمسلوبة بالرغم من توترها؟ راقبها عمر وبدا له أنه يسمع مايتكسر في روحها. لكنه عرف أن هذه المستسلمة لجرحها ستنفر إذا تحرك حركة زائدة أو قال كلمة لاتقع في مكانها. بقي صامتا، وبدا له أن الهدير يلوب في الغرفة حول منور وليلى وحوله فرفع يده إلى جبينه كمن يسند رأسه. آمنت ليلى دائما بأن القدر يحكم الضعفاء. لم يكن موت أبيها في الجليل الأعلى قدرا، بل كان احتمالا أسّسه قراره التطوع في جيش الإنقاذ. لذلك لم يكن موته قدرا! وكان موت أخيها معتصم في مظاهرة لأجل فلسطين أطلق عليها الرصاص، احتمالا مؤسّسا على قرار معتصم، ولم يكن قدرا! وستقول ليلى فيما بعد إن استشهاد زوجها في حرب تشرين لم يكن قدرا بل احتمالا مؤسّسا على قرار استعادة أرض محتلة! تعلّق أحباؤها بحياة واسعة كمدى الفلاة، فهل يجسر القدر أن يحمل لمثلهم الموت؟! أما موت منور فسيكون ظلما. منور القوية، الجميلة، المحبوبة لاتستحق مثل هذا الموت! هل تعترف ليلى لنفسها الآن بأنها كانت واهمة، وأنها كانت دائما محكومة بقدر! انحنت على نفسها كأنها تخمد ألما لاتتحمله! منور نائمة، فاصرخي ياليلى معلنة أن روحك ممزقة! اصرخي: لماذا تخصني أنا بذلك الموت كله أيها القدر؟ هل صرخت منور الصرخة نفسها يوم مات أبوها عندما سرق اليهود أرضه في حيفا، وماتت أمها بحمى الحرب، وقتل أخوها نوري في العراق، واستشهد أخوها سعيد في الثورة السورية؟ هل تكرر ليلى صرخة منور يوم قتل زوجها بهاء في الجليل الأعلى، بعد كل من فقدتهم من الأحباء؟ لم تكن منور غافية. كانت تشعر بروح ليلى تلوب حولها. وتفكر: من سيرتب طاولة ليلى وقت تدعو زملاءها وأصحابها؟ كيف ستعيش ليلى وحيدة دون زوج ودون ولد وأم؟ من حظها ألا تعرف أن ليلى ستعيش فيما بعد في بيتها بين أطياف زوجها! حركت رأسها وهي مغمضة العينين. هل تتذكر الآن أمنياتها الممتدة كمرج الربيع في الجولان؟ كأننا كنا ياليلى نهرب بالصمت. فهل كنا نخشى أن نتعانق باكيتين على أحبائنا؟ هل كنا نخشى الاعتراف بأن قوتنا لاتمنع أسانا؟ كنتُ أخفي دموعي وكنتِ أيضا تخفينها، كيلا أزيد حزنك وتزيدينه علي؟ وهل كنا نبكي فقط على أحبائنا أم على بلاد ومدن وأزمنة؟ عجبا ياليلى! لايخجل بالدموع من يبكي على شخص محدود بميلاد ووفاة، ويخجل بدموعه من يبكي على رجال اتسعوا فلم يكونوا لك أو لي! بدا لنا أننا كنا محظوظتين بأنهم مروا بنا! ولم يكونوا أبدا لنا بالرغم من قربهم منا قرب اللحم من العظم! صحت منور رائقة منتعشة. فجرف ليلى فرح مجنون. وجرف عمرا حزن واسع هادئ. جلست ليلى قرب منور، ثم نهضت وأتت لها بزهرة منثور من باقة زهر لاتذكر من أتى بها. صبت لها كأس عصير من زجاجة أتى بها شخص لليلى ليلة أمس. راقب عمر ذلك الهيجان. أحقا لاتفهم ليلى أن هذه صحوة الموت؟ كأن الإنسان يستنهض بقايا قواه كلها ليودع الحياة في لياقة! فليجمع عمر إذن نفوذ صداقته ليردّ عن ليلى طعنة الموت! بدا عمر حاضرا كجندي، كصديق، لاكطبيب. طلب من الطبيب: ابق معنا! لماذا نعبر نحن الأطباء الموت كأنه نهاية طبيعية وقت يموت غرباء ننسى موتهم بعد برهة، ونستنفر روحنا إلى هذا الحدّ وقت موت آخرين؟ وهل منور "آخرون" ياعمر؟! شرب عمر شراب منور العابق بقشر الليمون وتوتها الشامي، أكل مربى الكباد والنارنج الذي حضّرته، تغدى وتعشى على سفرتها وهو مايزال طالبا. غمرته، دون بوح، بالحب الذي غمرت به كل من يحيط بليلى. خصّته بالاهتمام لأنها فهمت علاقته الخاصة بليلى. وكان يخمّن أن عشقه المدثّر بالصداقة مكشوف لها. وأنها تقتسم معه مرارة الحب دون أمل، وتقدّر صبره الدؤوب على مراقبة الحبيب المشغول عنه، وانتظاره نتيجة يعرف أنها غير مؤكدة. ولذلك كانت تُشعره بأنها تحترمه. فهل يمكن أن يكون موت هذه المرأة كأي موت آخر؟! لكنه يعترف لنفسه بأنه يقدّم خوفه على ليلى على حزنه على منور. وبأنه يجثو أمام ليلى كالأسود في معابد سوريا القديمة. لكن اتجاهه ليس إلى الخارج مثلها، بل إلى هذا السرير الذي تحركت حوله ليلى فرحة. فهم عمر أن منور تنساب في لعبة ليلى وهي تشعر بالحقيقة. لذلك تنظر إلى عمر أحيانا كمن يستنجد به كي يبعد ليلى وقت تنتهي الصحوة ويخمد الجسم آخر مرة. دخل الطبيب، وبدا هو أيضا مجروفا بفرح ليلى. قال عمر عندئذ: مارأيك ياليلى في أن تذهبي لتأكلي؟ منذ يومين لم تذوقي كسرة! هزّت ليلى رأسها: للأكل وقت آخر! آه، لو أنها خرجت قبل لحظة! انتفضت منور وتدفق الدم من فمها. آخر دم! ماما، ياروحي، لا! لا! سنعوض هذا الدم! هدأت منور وأغمضت عينيها. انحنت عليها ليلى وعانقت رأسها. ليت الحب يستطيع أن يمنع الموت! أصبح عمر واقفا خلف ليلى. أكانت تغفر له لو أبعدها عن هذه اللحظة؟ اقترب الطبيب من منور. سيلمس رسغها ويلمس رسغ ليلى أيضا كي يخفي أنه يفحص الخط الذي انتهت فيه الحياة وبدأ فيه الموت. بقيت ليلى منحنية على أمها. كأن مابينهما الآن حديث يجب أن تبوح فيه بكل مالم تقله لها من كلمات الحب، وأن تعتذر لها فيه عن كل مالم تعتذر عنه. اعتذرت لها لأنها لم تكتب الرسائل التي كان يجب أن تكتبها لها خلال دراستها، فسّرت لها أن سبب قربها من أبيها أن معتصما كان أقرب منها إلى منور، رجتها أن تنسى الثوب الذي ثقبته وهي تلعب فأحزنت منور التي تعبت في خياطته وتطريزه. اعتذرت لها لأنها رفضت أن تأكل قطعة الكبد التي أرادت منور أن تأكلها ليلى وهي تحضّر الامتحان. لكن التعبير عن الحب والاعتذار لم يكونا حسابا بينهما. بل كان رواية حياة عاشتاها معا. عبرها آخرون ورحلوا فلم يبق غيرهما. كشفت ليلى لمنور أنها فهمت انحيازها إلى زياد، وفهمت أن منور أرادته منذ البداية زوجا لليلى، وأن ليلى نفرت مما رأته وصاية عليها. باحت لها بأنها قدّرت لمنور أنها دلّلت زملاءها واستقبلتهم وطبخت لهم طعامها الطيب! واعترفت لها بأنها ورثت عنها إباء الحب الذي يرفض أن يكشف نفسه ولو ضيّع الحب بذلك. قالت لها: اشتركنا بالبخل في التعبير عن الحب لافي البخل به! يبدو يامنور أن قدرتنا على الحب هائلة لذلك نخاف من كشفه! فمثله قد يودي بالكبرياء، والكبرياء في نظرنا ضرورة للحب وحتى للكره! بقي عمر والطبيب خارج الغرفة. هل بكى؟ نظر إلى الساعة وقال للطبيب: سآخذ ليلى! ربما كانت تستحق منور أن تموت في احتفال. ولو حفاوة بالزمن الذي عبرته وحملته في لياقة! لكن لابأس! ماتت بين أشخاص قدّروا أنها إنسان ثمين! دخل عمر وأنهض ليلى. كان وجهها متوهجا. لكنه كان دون دموع. لذلك كاد يصرخ: ابكي! وضع ذراعه حولها ومشيا في ممرات المستشفى. ماكان من يراها ليتصور أن روحها مشبعة بذلك القدر من الحزن! هل كانت تعي أنها في المستشفى الذي عالجت فيه كسور مرضاها ولذلك يجب أن تبدو فيه متماسكة، طبيبة؟ أم كان سكونها قمة الحزن؟ صدقت منور، وصدقت فاطمة قبلها، فالحزن العميق لاتركض فيه الدموع، بل يعتّق في خوابي الزمن، ويُشرب في أناة طول العمر! في غرفة الأطباء تناولت ليلى التلفون واتصلت بسعاد: ياخالتي، تعالي! لم تستطع أن تكمل جملتها فناولت السماعة لعمر وانحنت على الطاولة. كأنها لم تسمع ماذا قال عمر لسعاد! كأنها غابت عن الدنيا والزمن! ألزمها عمر بأن تشرب كأس ماء. ثم قال لها: ياليلى، رأيتُ من باحة المستشفى طائرات إسرائيلية تعبر سماء دمشق. نظرت إليه. نعم ياليلى، يبدو أن الحرب على الباب! كوني قوية، علينا واجبات! غضبت نفيسة: هل يجوز أن تبقى منور يومين في المستشفى ولاتجدنا إلى جانبها؟ ماعاد الناس يعرفون الأصول! ردت سعاد: من لايعرف الأصول ياعمتي؟ ليلى التي انشغلت بنقل أمها إلى المستشفى وسهرت عليها؟ حقي أن أغضب أكثر منك! أنا أخت منور، ومع ذلك عرفت موتها وقت عرفه غيري! لكن الوقت ليس لذلك! احضري إلى المستشفى لنودعها. غدا سينقلونها إلى البيت! الله يسامح منور، ألم تجد غير هذه الأيام للموت؟ الدنيا قائمة قاعدة، والبلد على أبواب الحرب! كأنما أرادت نفيسة بغضبها أن تدفع عنها الحزن الذي هدّها فجأة فما عادت تستطيع أن تقف على قدميها. تركت سماعة التلفون وجلست على المقعد. لكن مرجانة لاحظت أنها لم تجلس وإنما هبطت عليه. بقيت جامدة زمنا. ولم تقبل أن تشرب كأس الماء الذي أضافت إليه مرجانة بعض ماء الزهر. عندما تماسكت قالت: يامرجانة، اركضي إلى بيت نرجس خانم، وأخبريها أن منور أعطتها عمرها! قولي لها إذا أردت تعالي معنا إلى المستشفى! مشت نفيسة في البيت. ماذا تريد؟ لماذا لم يهدّها موت سعيد كما يهدّها موت منور؟ هل اكتفت من موت أحبائها وماعادت تتحمل المزيد؟ أم تشعر بأن موت منور مقدمة لموتها؟ يعصر الوجع قلبها لكنها لاتستطيع أن تبكي. ياربي، أحسِن آخرتنا! لاتثقل بنا الأرض ولاتكرّه بنا العبد! لماذا فتحت هذه الخزانة؟ آه، ماعادت تستطيع أن تجد ملاءتها! أين رمتها؟ مشت في الداور وتعثرت بصحن الخبز الذي تتركه للستيتية. ماتزال شجرة النارنج التي تلمس الدرابزين محملة بالزهر. آه، لماذا تموت منور قبلها؟ منور أصغر منها، قوية، شعرها الذهبي مختلط بلون فضي زاد من جمالها. سبحان من خلقها، ماأحلاها! خيل إليها أن الخطوات التي مشتها أتعبتها فجلست. ثم نهضت ووقفت قرب النافذة. ليتها تستطيع أن تبكي وتطلق حزنها في عويل النساء اللواتي يعلن موت الأعزاء! على من يصحن "وليّ"؟ على الموت الذي يفرق المحبين ويمدّ وحدة الأرامل و اليتامى؟ ماأكثر مامرّ الموت على هذه البلاد بالرغم من مهارتها في تذوق الحياة! يزهر الآن الورد الجوري ويفوح في أحواض أرض الدار. تفور النافورة في البحرة قرب شجر النارنج والكباد. وهناك أزهر الزنبق الكبير الرائع الذي يسمى "الضراير" وتوهج بلونه الأحمر. فرشت مرجانة منذ أول نيسان الديوان في أرض الدار، وغطت الطاولة بغطاء سكري مطرز بزهور بيضاء. بدأ موسم أرض الدار! في الليل نزل رذاذ خفيف بقيت منه رطوبة منعشة غسلت النهار. بدأ موسم البازلياء الحلوة كالسكر، وهذا موسم الفول الأخضر بالزيت. ماتزال البنفشا مزهرة، وبدأ موسم زهر الياسمين العراتلي الفوّاح. ياربي، كيف تموت منور في هذه الأيام؟! صارت ليلى وحيدة. وماتت منور ملوّعة، لم تر ليلى في بيت زوج يحبها ولم تفرح بحفيد! قلبي على ليلى، شابة مثل التفاحة، ومع ذلك لم تتزوج بعد! هل شبابنا عميان، أم هذا ثمن الدراسة والاختصاص؟ لا، لاشيء يدفع نفيسة إلى الايمان بأن الفتاة يجب أن تتزوج مبكرة وتترك دراستها واختصاصها! لن ترتدّ! وهل تتخلف ليلى عن عمّة أمها؟! ليلى طبيبة لاتخلو عيادتها من المرضى، ماشاء الله. ولابد أن تلتقي برجل يقدّرها. ولماذا ترمي نفسها بسرعة؟! تأخرت مرجانة. آه، بكّرتِ يامنور، بكّرتِ! أمام نفيسة صورة منور وبهاء، هي جالسة وهو واقف خلفها. تلبس ثوبا دون أكمام، طويلا هفهافا ينسدل على ركبتيها. وتزين رقبتها بذلك العقد اللؤلؤ المشهور الذي قدّمه أبوها لأمها فاطمة في عرسها فكانت الزغاريد كأنها مفصّلة لها. "افردي حبل الولو ع طولو". هل هذا طيف ابتسامة السعادة يامنور؟ ماأحلى عنقها الطويل، وصفحة صدرها التي حُفرت قبة الثوب لتظهرها! يبدو بهاء في الصورة معتدا بالمرأة التي أسعده الزواج بها! هل جمعتما السعادة فقط لتظهراها في الصورة؟! أين الفراق والأشواق الموجوعة والهجر سنتين طويلتين في بيروت؟ لكن كل ذلك كان حياة. حتى الهجر بدا لبهاء فيما بعد حياة علّقته على الأشواق وأبقته ينتظر رضا منور. ولم يخجل فقال: ربتني منور بهجرها في أيام بيروت! لماذا غضبتِ يانفيسة يومذاك على ذلك الحب ورأيته وهناً لايليق برجل؟ لكن سمحتِ به، يانفيسة، لمطلقك ابن الكحال! سبحان من لايخطئ! ومع ذلك مرّ ذلك كالحلم! مرت الحياة! ليتنا نفهم أن كل لحظة لاتستعاد، لاالغضب ولاالأسى ولاالفرح يمكن أن يستعاد! وهاأنت يامنور بقيتِ في الصورة واختفيتِ من الحياة! دخلت نرجس باكية، ولطمت وجهها عندما رأت نفيسة. كأن نفيسة امتشقت في تلك اللحظة صلابتها فقالت: اسمعي يانرجس خانم، لاولاويل ولالطم خدود! ذلك ليس من مقام منور! الدنيا قائمة قاعدة ونحن على أبواب حرب! يامرجانة اعطني ملاءتي لنخرج! فكرت نفيسة في أن الموت كالميلاد يطلب من الأحياء أن ينشغلوا به. يجب أن تكون "طلعة" منور في مقامها! يجب أن يكون قبرها بين قبور أهلها! يجب أن تكون السفرة التي ستحضّر عن روحها مناسبة! لاوقت للحزن إذن. له أوقات أخرى ستمتد بعد أن تنتهي الواجبات ويخلو كل من عرف منور إلى نفسه في الأمسيات الطويلة! ليلوم نفسه من لم يقدّرها، ومن أهمل زيارتها، ومن نسي أن يقدّم لها هدية في مناسبة عزيزة عليها، لندرك جميعنا أنها قدّمت لنا طعامها وشرابها وأهدتنا قطرميزات المربى وقطرميزات المخلل ولم نردّ لها تلك القطرميزات ملأى! انتظرنا دائما أن تسأل عنا وقلما سألنا عنها! انتظرنا أن تدعونا إلى أمسيات الصيف في أرض الدار عندها كأنها مسؤولة عن جمعنا! ماأطيب مخلل الباذنجان الذي كانت تلفه بعرق كرفس كأنها تزينه به! ماأطيب مربى النارنج من يديها، كأنه الكهرمان! هل نسيتْ مرة أن تهدينا ذلك المربى؟ لم تستطع نفيسة أن تمنع نرجس من البكاء على منور عندما دخلتا إليها في المستشفى. بدت كالنائمة. قالت نفيسة: سبحان الخالق، بشرتها بيضاء مورّدة! انحنت نرجس عليها وقبلت يديها ووجهها. وبدا لنفيسة مضحكا أن تردّد نرجس: تقبريني يامنور! فكادت تقول لها: مَن قبر مَن يانرجس خانم؟! نحن قبرناها! لكنها تأملتها. هل يدهش نفيسة أن تبكي زوجة بهاء الاولى على زوجته الثانية؟ لن يخطر للغريب أن منور ضرّة نرجس! لكن معروف في بلادنا أن تبكي الضرّة على ضرّتها. تبكي نرجس من قلبها على الفتاة الصغيرة التي كانت تمسك بيدها وتزور معها بيت العابد وتعود بها محملة بالشوكولاتة، مكللة بإعجاب "الست الكبيرة" بتلك الطفلة الجميلة القادمة من حيفا إلى بيت أهلها في دمشق. لماذا لم تتوقف نرجس خانم عند ذنب بهاء الذي طلقها واستسلم لفتنة قريبته منور التي تصغره بعشرين عاما؟ لم تشعر بأن ذلك ذنب أبدا. وفي الأمسيات التي كانت فيها نرجس تجمع النساء لتحدثهن عما قرأته من كتابات خالدة أديب باللغة التركية، لم تسمح بأن يلوم أحد بهاء. وبقيت تسميه بهاء بك وتتحدث عنه باحترام. هل تنسى أنه يوم سافر ليقاتل في حرب الترعة أوصاها بمنور؟ ماأكثر العواطف التي يستطيعها قلب الإنسان إذن، يانفيسة خانم! هاهي نرجس تبكي منور أمامك في وجع. قالت نرجس: يانفيسة خانم، ماهذه الدنيا، قريبا لن يبقى لنا أحد نعرفه فيها! فقدنا محبينا واحدا بعد آخر! يانرجس خانم، هذه حال الدنيا! موت وحياة على أرض واحدة! يجب أن نرجع لننشغل بواجباتنا. سننقل منور لتخرج من بيتها. يبدو أن سعاد سبقتنا. في الطريق تذكرت نفيسة شعر الخيام الذي ترجمه أحمد رامي وغنته أم كلثوم. كيف لايكتب ذلك الشاعر العظيم أساه من الفناء وهو يحيط بدنيا كثرت فيها الاضطرابات والموت وعرف الناس في قممها حلاوة الحياة؟ كأنما قدّمت الحضارة بالشعر والموسيقى والعمارة والمياه والخضرة أحلى المسرات، لكن المسرات كانت تحمل غيابها في لحظة كمالها. هاهي منور، يانرجس خانم، تذكرنا بأغنيات أم كلثوم في مأتمها! كأنها تريدنا أن نتأمل الموت كوجه آخر من الحياة! امسحي دموعك يانرجس خانم، كي نسند ليلى ولانزيد همومها! رأى زياد ليلى جالسة في صدر الصالون بملابس سوداء، وسط نساء بملابس سوداء على رؤوسهن أغطية بيضاء. وسمع صوتا يقرأ سورة مريم بصوت لايكاد يسمع. لم يتبين أن أمه إلى يمين ليلى وأن نفيسة إلى يسارها. نهضت ليلى إلى غرفة مجاورة لتلاقيه. هل تتبين في وجه إنسان لأول مرة قسوة القهر؟ ظل واقفا طوال تلك الربع الساعة التي سمح له بها. قال: في السابع من نيسان سقطت ست طائرات سورية. زملائي..! لم يكمل جملته. هزّت ليلى رأسها. في السابع من نيسان كانت منور تنزف. ولمحت ليلى الطائرات عندما خفّت إليها. تفهم لماذا لايستطيع زياد أن يشاركها المأتم، ولايمكن أن تعتب عليه. شدّ كفها بين كفيه ونظر كل منهما بملء عينيه إلى الآخر. هل خمّن أنها قالت له: إياك أن تقتل! إياك! هل التقط شعورها بوحشية هذا العدوان الذي يمنعها من الانصراف بروحها إلى مأتم أمها؟ بدت كأنها تشكو إلى العالم: لايسمحون لنا حتى بالحزن على موتانا! أين مثل الثورات والعدالة الاوروبية، والمنظمات الإنسانية وحقوق البشر؟ نشيّع موتانا تحت غطرسة "الطيران المعادي"! كانت سعاد جالسة إلى جانب ليلى، لكنها لم تنهض لتسلّم على ابنها أو لتودّعه. لم تنظر ليلى إليها لكنها رأت ملامحها المنحوتة من المرمر النقي. ولم تبح لها نظرة سعاد الشفافة بالخوف على طيار مقهور أحرقت طائرات بلده وقصفت مطاراتها. انتفض قلبها والتفتت إليها لكن سعاد بقيت ساكنة. ولمحت ليلى ابنها الآخر مصطفى مشغولا مع عمر. غاص قلبها في العتمة وتمنت أن تبكي. تنهدت وأغمضت عينيها فوضعت سعاد كفها فوق كف ليلى دون أن تلتفت إليها. هل تدافع سعاد عن تقاليد التماسك التي تحميها نساء الأسرة؟ لكن نفيسة كانت تترك مكانها في صدر الصالة وتخرج لتتكلم مع مصطفى أو مع عمر أو مع ابن الكحال فتلحقها غادة أو مديحة. حاولت نفيسة ألا تُظهر أنها تنهض من مكانها في صعوبة. لكن ليلى لاحظت ذلك وقالت لنفسها: يجب أن أفحصها فيما بعد. لكن مشية نفيسة كانت خفيفة رشيقة كأنها صبية. ونشرت نفيسة هيبتها ووقارها كالعطر على الصالة. لمحت ليلى من الباب الموارب أبناء عمها الذين قلما تلتقي بهم، وتبيّنت أن الدراسة رمتها بعيدا عنهم فلم تعد تذكر غير أن أباهم قتل في حرب الترعة. منور هي التي حفظت تلك العلاقات بالدعوات إلى الغداء، وبالاستقبالات في الأعياد، فحمى طعامها الطيب وحلواها وبشاشتها العلاقة باولئك الساكنين في الضواحي وفي المدينة القديمة. كيف فات ليلى كل ذلك الجهد الذي ثابرت عليه منور حتى نهايتها! بدت ليلى غريبة بين اولئك الأقرباء والأصحاب. أحاط بها مجتمع حقيقي حار متماسك صلب لاتجرفه العواطف التي جرفتها، يتلقى الموت كمرحلة من الحياة ولايقصّر في وداع الميت وواجباته على الأحياء. فبدا لها أنها عاشت في جو آخر بين أشخاص آخرين، وأنها بعيدة عن المجرى الحيّ في مدينتها. أهذه ضريبة الثقافة والتعليم أم خطأ المثقفين والمتعلمين؟ هل تستطيع أن تعود إليهم وكيف؟ لاحظت أن هيبة نفيسة تبعدها قليلا عنهم لكن ذلك البعد مسافة بين القمة والسفح. وليس غربة الانقطاع بينهما. خلال الأيام الثلاثة من "العصرية" تضاءلت غربة ليلى عن أقربائها البعيدين وأصدقاء أمها الذين حضروا "العصرية" و"التمساية". نهضت مثل الحاضرات كلما دخلت ثلاثة من المعزّيات وجلسن بمقدار قراءة قل هو الله أحد ثلاث مرات في سرّهن، ونهضت كلما انصرفن. وتحملت الصمت. وبعد انصراف المعزيات استمعت إلى شكوى قريباتها من أوجاع الظهر والرقبة وتلقّت أسئلتهن واقترحت أن يأتين إلى عيادتها. ولمست طريق الطبيب السهلة إلى البعيدين عنه. راقبت نفيسة وسعاد ذلك الحوار، ولاحظتا أن ليلى لاتسكب في صحنها إلا القليل من الطعام، وأن غادة ومديحة تتهامسان معها. تنصحانها؟ تطلبان منها أن تهدئ حزنها؟ جلستا طوال العصرية قرب باب الصالة مستعدّتين لخدمة ما. نادتها نفيسة بعد انصراف المعزّين: ياليلى، للميت على الحيّ حق! هو أن يعيش صحيحا وسليما ومعافى القلب. تساءلي هل يفرح منور أن تمرضي وتنحفي؟ هل يفرحها أن تذوبي كالشمعة من الحزن؟ واجب الأحياء أن يتحملوا موت المحبوبين وأن يكرّموهم باستمرار الحياة! ليبق مافي القلب مستورا لكن الطعام والنوم الآن واجبان! فرضت سعاد على ليلى أن تستبقي مصطفى لديها في البيت. وحملت لـه ملابسه وكتبه. لماذا لم تستبق عائشة، ابنة خالتها؟ قالت: مصطفى سريع و"فِتِح". هو اللازم لك الآن! لكن الزمن لم يسمح لليلى باضطراب الحزن. كان نيسان ثم أيار منسوجين بالتحضير للحرب. كانت الولايات المتحدة قد سلمت إسرائيل أسلحة. وزادتها ألمانيا الغربية. كان التوتر ينذر بالحرب منذ اعتداء إسرائيل على قرية السموع الأردنية التي يعيش فيها لاجئون فلسطينيون، واعتداءات إسرائيل على المنطقة المجردة من السلاح، ونشاط الفدائيين العرب في الأرض السورية المحتلة. كان رابين رئيس أركان الحرب الإسرائيلي قد أعلن "سنشن على سورية هجوما خاطفا، وسنحتل دمشق ونسقط الحكم فيها ثم نعود إلى قواعدنا". فقدّمت سورية شكوى إلى مجلس الأمن تحذّر من مشروع الاعتداء الإسرائيلي. وكان مجلس الدفاع العربي قد اجتمع في القاهرة وبيّنت سورية فيه حاجتها إلى طائرات مقاتلة وإلى مدفعية مضادة للطيران. وكانت التقارير القادمة من موسكو إلى السوريين والمصريين قد نبّهت إلى الحشود الإسرائيلية العسكرية على الحدود السورية. تساءل عبد الرحيم يومذاك: هل كان من أسباب قتل كندي أنه كان طريا مع عبد الناصر وافتتح مراسلاته معه برسالة من جاكلين كندي؟ لمَ الحرب حيث يمكن جني الثمار في سلام؟ كان تقرير المخابرات المركزية إلى رئيس الولايات المتحدة قد عرض "أن عبد الناصر لايزال عنصرا مهما في مقاومة الشيوعيين ونفوذ الاتحاد السوفييتي في المنطقة. وهناك قدر معقول من الافتراض أنه إذا تلقى مساعدات مناسبة فقد يجد أن من مصلحته الاستمرار في سياسة تكفل بقاءه داخل حدوده وعدم التدخل في شؤون الآخرين، إلى جانب العداء للشيوعية والاتحاد السوفييتي. كما ستدفعه فيما بعد إلى رؤية الضوء الذي يسهل عليه حلّ عقدة استمرار الصراع مع إسرائيل، وإذا أمكن الوصول إلى سلام بين مصر وإسرائيل، فليس هناك قوة عربية أو مجموعة قوى تستطيع أن تعرقل هذا الاتجاه". يبدو أن جونسون يريد جني الثمار بالحرب! طلب من عبد الناصر أن يوقف تجارب صواريخ القاهر والظافر التي يساعده فيها علماء ألمان، وأن يوقف توسع الجيش. وإلا حجبت عنه المساعدات! ردّ ناصر فتحدث في خطابه عن توتر علاقاته بالولايات المتحدة، وأعلن قراره: الصمود! الصمود؟ من يسدد ثمن السنوات الماضية المرّة الآن؟ الجيش المصري منهك من الحرب في اليمن، ومايزال في اليمن خمسون ألف جندي مصري. سيكتب باتريك سيل بعد عقود: لم يكن الجيش السوري مستعدا للحرب. كان تدريبه ناقصا. وكان التسريح والتقاعد قد أفقده ضباطه الأكفاء. كانت لديه خمسمئة دبابة نصفها فقط صالح للاستخدام، ولديه مئة طائرة ميغ 17 دون قذائف ودون طيارين مختصين. ولم يكن الوضع السياسي أفضل من الوضع العسكري. فالصراع بين العرب قسّم الأمة. شروط مثالية لحرب إسرائيلية! ألذلك أرسل الملك حسين رسالة شفوية شخصية لعبد الناصر: يُنصب فخّ لمصر كي تدخل حربا لاتلائم ظروفها العرب! يعرف الملك حسين أن الصهيونيين فسروا "الوطن القومي" بأنه يشمل ضفتي الأردن، وستكون الحرب ضارية عليه! لكن الاستفزاز الإسرائيلي جمع العرب. أبعد الشعور الفطري بالخطر على الأمن القومي العربي خلافات الأمس بين الزعماء. بدا كأن سلاح النفط جاهز للاستخدام! وبدت الحماسة لردّ العدوان الإسرائيلي رسمية وشعبية! لكن هل يكفي ذلك للانتصار في حرب لم تهيأ لها الجيوش ولاحليف عالمي فيها للعرب مقابل الولايات المتحدة؟ رجع عبد الرحيم كئيبا بعد اللقاء بأحد أصحابه: اسمعي ياسعاد! قال لي صاحبي: "وضعنا عبد الناصر على المحكّ! إذا كان وطنيا فليسحب قوات الطوارئ الدولية"! غضبت عليه. سألته أحقا لاتفهم أن إسرائيل تحضّر الحرب علينا جميعا؟ أحقا لم تسمع مايعلنه سياسيوها؟ أحقا لم تفهم بعد أنها لن تبقى في حدود احتلال 948؟ عندما خفّت ليلى إلى منور النازفة، كانت الطائرات الإسرائيلية تخترق زرقة سماء نيسان الناعمة. فخمّنت أن تلك الطائرات إسرائيلية! قال لها عمر فيما بعد: في السابع من نيسان جرت معركة جوية امتدت إلى دمشق. أعلن أن خمس طائرات سورية سقطت في المعركة. وأعلن الأردن أن ثلاثة طيارين سوريين سقطوا في الأردن ويعالجون فيه من جراحهم. وكانوا قد اشتبكوا مع اثنتي عشرة طائرة إسرائيلية. بدا لعبد الرحيم أن الأحداث تحشد الحرب. فقال: ياسعاد يبدو أن موت منور أكثر سعة من موتها! لاتتركي ليلى! وظلّ حتى الأربعين يزور ليلى كل مساء ولو نصف ساعة، ويشغلها بقلقه: يخيل لبعضنا أننا سنزيل إسرائيل، كأننا لانفهم أنها جزء من كيان دولي عدواني فيه أمريكا وبريطانيا! دخلت الأردن في الدفاع المشترك المصري والسوري. لكن أحمد سويداني أعلن: الحديث عن التضامن العربي ضد إسرائيل تزييف ودجل، فسورية الثورة لاتؤمن بالتضامن بين أنظمة تتنازع البقاء ولاتبني موقفها الدفاعي والهجومي على خطط المرحومة القيادة الموحدة! ياليلى، هل هذا التصريح مناسب لهذا الوقت؟! تصريح الشقير أمرّ! قال: سنساعد الإسرائيليين على السفر بالبحر، وقد لايبقى منهم أحد! ياليلى، كأن جماعتنا لايعون أن الإعلام العالمي يصيد الكلمة في مثل هذه الظروف! فيقدّمون لإسرائيل ماتحتاجه لحشده ضد العرب! تصريح ناصر متزن. قال: ليست القضية العقبة وتيران، بل طرد العرب من فلسطين. نبّه إلى جوهر الصراع! لكني قلق ياليلى لأن المعركة الجوية كشفت أننا لسنا مستعدين للحرب. تساءلنا أين الدفاع المشترك، وردّ عبد الناصر لابد من قواعد للطائرات المصرية في سورية كي يساعدها، لكن سورية بيّنت أن لديها مايكفيها. شغل عبد الرحيم ليلى بالحرب المحتملة. وصار يطيل في أيام الخميس زيارته بعد انصراف النساء، يجرّها إلى قلقه ويعرض لها أخباره ويسألها رأيها ونبوءتها. "يحاول ناصر أن يتفادى الحرب واعيا الوضع الدولي. طلب السوفييت والأمريكيين منه ألا يبدأ الحرب. وأعلن ديغول أنه لن يسند من يبدأها. أيقظ السوفييت عبد الناصر في الثالثة والنصف بعد منتصف الليل كي يوصلوا له: إياك أن تبدأ الحرب! كأنهم يؤكدون رسالة جونسون إليه! "حكومة الولايات المتحدة تعارض معارضة صارمة أي عدوان في المنطقة من أي نوع، سواء كان مكشوفا أو في الخفاء، وسواء قامت به القوات النظامية أو قوات غير نظامية". ذكر عبد الناصر في جوابه خرق إسرائيل اتفاقيات الهدنة وهجومها على المناطق المنزوعة السلاح، وحق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه! أكد ناصر أن مصر لن تبدأ الحرب. فهل تبدأ إسرائيل الحرب بموافقة أمريكية؟! هناك لعبة كبرى توثق العرب بوعد وتطلق لإسرائيل حرية العدوان! تنهدت ليلى: ياعمي، داست إسرائيل مأتم أمي! وأكلت نيسان، شهر زهر النارنج والليمون والبنفشا، وأيار شهر الخس والطرخون والمشمش الهندي! لاأنسى أن طائرة إسرائيلية قتلت صديقتي سمر في بيتها وهي صغيرة! ياابنتي، يجب أن نتوقع الحرب! لايبالي أشكول بشهر أيار. قال أمس: لدينا سببان للحرب، منع الملاحة في البحر الأحمر، ومنع تحويل روافد نهر الأردن! لن يكون الشرق الأوسط منطقة عربية بل منطقة قوميات متعددة! لاتقولي ياليلى هذا كلام غريب! فهذا مخطط دقيق! نعم هذا مشروع! كم كانت رؤيته صحيحة! ستتذكر ليلى بعد عقود حديث عبد الرحيم يوم يحتل الأمريكيون العراق، ويسلخ الدستور الذي صاغه صهيونيون أمريكيون العراق من هويته العربية، ويحمون استقلال شمال العراق بحكومة وجيش وعلم ومجالس! وسيقترح للعراق علم يشبه العلم الإسرائيلي فيه الهلال بدلا من النجمة السداسية، وفيه خطان أزرقان بينهما لون الأقلية الكردية. وستقول ليلى: كأنما تتحقق كلمة أشكول عن القوميات المتعددة! في أيار أعلنت إسرائيل أنها ستحتل دمشق. من يتذكر أن وايزمن رجا العرب أن يسمحوا في وطنهم بمأوى لليهود "المساكين" المضطهدين في اوروبا، وأن ذلك المأوى لن يكون دولة؟ هاهم يريدون احتلال عاصمة عربية! ولاينهض العالم ليردّ تلك الوقاحة! هل توجد حقا أمم متحدة وقوانين دولية؟ قال عبدالرحيم: صارت الحرب على الباب! طلبت مصر سحب القوات الدولية لأنها ستحشد قواتها للدفاع عن نفسها بعد أن هددت إسرائيل سورية. أصبحت المسألة حق إسرائيل في عبور خليج العقبة كأن الاتفاقيات الدولية تشملها بالرغم من حالة الحرب بيننا! هكذا تنقلب الأمور ضد العرب! يبدو لي أن أمريكا اتفقت مع إسرائيل على الحرب! لذلك أظن أن طلب سحب القوات الدولية قرار متسرع يقع في مساحة الحماسة أو الجهل لافي مساحة الحكمة ومعرفة الحقائق! لاأثق في عبد الحكيم عامر، ولاأثق أبدا في شمس بدران! هل نحن في وضع يلائم الحرب؟! حتى الأمس كنا غارقين في الخلاف بين سورية والعراق ومصر، وكان الخلاف بين السعودية واليمن يشغل مصر والعرب. دُمر العراق بالقتال الداخلي والخلاف العربي. وفي لبنان نفوذ غربي. فهل هذه ظروف ملائمة لحرب يكسبها العرب؟ ربما قصد عبد الرحيم في البداية أن يجرّ ليلى بعيدا عن موت الأحبة إلى الخوف على البلاد. لكنه خلال استماعه إليها وحواره معها استسلم لإعجابه بها. تأملها وتمنى أن تتزوج ابنه. تدخلت سعاد في حديثه مع ليلى: هذا الكلام لليأس، ياعبد الرحيم! هذا كلام لايقال! ألم نكن نلوم مصر لأنها تضع القوات الدولية على حدودها مع إسرائيل؟ قوات مصر تعجز عن ردّ إسرائيل؟! التفت عبد الرحيم إلى سعاد وتأملها. وتذكر خطاب عبد الناصر سنة 1960. "لن نمكّن إسرائيل من التفوق علينا. سيكون لنا دائما مهما بذلنا من تضحيات، التفوق في الأرض والتفوق في الجو. وإذا تأكدنا أن إسرائيل تصنع القنبلة الذرية فمعنى ذلك بداية الحرب بيننا وبينها لأننا لن نمكّنها من صنع القنبلة الذرية. ولابد لنا من أن نهاجمها ولو جندنا أربعة ملايين حتى نقضي على قاعدة العدوان". كاد يقول لها افهمي ياسعاد أن الأحداث صاغت الواقع في اتجاه آخر! هذا مايشير إليه توجس الناس من الحرب! ردّ عبد الرحيم في هدوء: قال ليفي إشكول: "الأسطول السادس احتياطي إسرائيل الاستراتيجي". وصلت الباخرة ليبرتي إلى شواطئ فلسطين. وهي جزء منه! باخرة للتجسس والتشويش على بعد خطوة من مصر. مهمتها أن تفك الشيفرة وتوجه في الحرب! مهمتها أن تحقق انتصار إسرائيل! صمت. لديه يقين باتفاق جونسون مع إسرائيل. بعد الأربعين دعا عبد الرحيم ليلى إلى بيته. ألحّ عليها: ستتغدين معنا منذ اليوم! لا ترفضي رجائي! أحتاج الكلام معك عما أسمعه من الأخبار. وقال لسعاد: تشعر ليلى بغياب أمها كلما رجعت وقت الظهر إلى البيت، تفتقد الطعام الذي كانت منور خانم تطبخه لها، والمقعد الذي كانت تجلس عليه! قبلت ليلى دعوته. تكفيها الوحدة في المساء بعد عودتها من العيادة. صارت ليلى تجد عبد الرحيم دائما جالسا إلى الطاولة في انتظارها. كان قاضيا، يزور السياسيين القدماء الباقين من أيام بلاد الشام وينقل إليها مايوصلونه إليه: اجتمع جونسون بأبا ايبان في أواخر أيار وأطلقه في الحرب على سورية ومصر. عداوة السياسيين الأمريكيين هي للشعب السوري والشعب المصري، لأن الاتجاه العام في هذين البلدين ضد الأحلاف العسكرية والجلافة الاستعمارية. لم تغيّر مطاردة ناصر اليساريين وخلافه مع العرب موقف الأمريكيين، بل أجّلته فقط وضيّعت الوقت على العرب! حضرت نفيسة آخر تلك الدعوات إلى الغداء التي سبقت الحرب. ونقل لها عبد الرحيم معلوماته: وصلتنا أخبار عن طلب جونسون من السوفييت أن ينصحوا عبد الناصر بألا يهاجم إسرائيل. وطلب جونسون ذلك مباشرة من المصريين. ماذا يستنتج العاقل من هذه المعلومات، يانفيسة خانم؟ أن المسألة ليست التنبيه إلى العدوان الإسرائيلي المنتظر بل منع مصر من أية حركة تعتبر هجوما. تكتّف أكبر قوة عسكرية عربية، ويجب أن ننتظر عدوان إسرائيل علينا! سألته ليلى: وموقف مصر؟ تأمل عبد الرحيم سؤالها وبقي دقائق صامتا. هل يبوح لها بأن العراقيين همسوا له بأن عبد الناصر قال لهم خلال مباحثات الوحدة قبل سنوات إن لديه معلومات عن استعداد إسرائيل للحصول على القنبلة الذرية سنة 67 وإذا استمر النشاط النووي الإسرائيلي في هذا الاتجاه فسيكون مضطرا لجرّهم إلى ضربة استباقية! ويعني هذا أنه لايعرف حجم القوة العسكرية التي سيواجهها! قال: رسالة ناصر إلى جونسون واضحة. لن تبدأ مصر الحرب. لكنها نبّهت إلى حق الشعب الفلسطيني في أرضه التي طرد منها، ونبهت إلى مسؤولية العالم عن عودة الشعب الفلسطيني إلى وطنه! قالت له نفيسة: من يثق في عامر الذي بلوناه هنا في الشام؟ ومن يثق في شمس بدران؟ الجيش في أيديهما! يانفيسة خانم، لذلك أتوجس من الحرب القادمة، وأشعر بأنها ستكون احتلالا واسعا! خبرتُ الصهيونيين طوال حياتي. أعرفهم! لن يبقوا في حدود مااحتلوه سنة 948! يمتد المشروع الصهيوني على الأرض العربية كلها، كلها، وقد يتجاوزها إلى العالم! كانوا يعتمدون نفوذهم في إنكلترا، وصاروا يعتمدون نفوذهم في الولايات المتحدة لأنها الأقوى. لو فهم العرب ذلك لما اختلفوا! ولقدّموا الكفاءة لاالولاء للأشخاص والمجموعات! ولاعتمدوا الهدوء وصياغة برنامج للمستقبل، لاالضجة وإنشاء الخطابات! ولما غشّهم الانتهازيون! مالت ليلى إلى تصديق ماقاله عبد الرحيم عندما قرأت بعض الصحف المصرية. وهزّ عبد الرحيم رأسه: مالاينشر هو المصيبة! ثقة شمس بدران وعامر بالانتصار تخيف المخلصين. وعندنا أيضا مثل ذلك! سمعت أمين الحافظ يقول مرة في الإذاعة إنه يستطيع أن يصل إلى تل أبيب في أربع وعشرين ساعة! هذا دليل إلى الجهل بتسليح إسرائيل. إسرائيل ياليلى تعمل في التسليح النووي طوال الخلافات العربية وقتل الخصوم في السجون واختراع أعداء موهومين! سألته ليلى: ياعمي، هل تدين عبد الناصر، وأنت من المتحمسين له؟ ردّ: لاأعطي ثقتي إلى الأبد لأحد! ولاأتحمس لخطأ! ناصر وطني وسيدفع ثمن وطنيته وحب العرب له، لكنه انساق في معارك بعيدة عن الصراع العربي الصهيوني. من يفعل ذلك مخطئ! ياليلى، أنا ابن بلاد الشام بروحي كلها، لذلك أفهم المشروع الصهيوني! رتبت ليلى فيما بعد أحداث تلك الأيام القاتمة التي جمعت موت منور وهزيمة حزيران. في السابع من نيسان، في اليوم الذي نزفت فيه منور، اخترق تراكتور زراعي إسرائيلي خط الهدنة، شرق مستعمرة هاؤون. فسدد الموقع السوري إليه النار. فضربت الطائرات والمدفعية والدبابات الإسرائيلية المواقع السورية. ردّ الطيران السوري، فوسعت إسرائيل الاشتياكات حتى دمشق وصادفت ليلى طائراته وهي تنقل أمها إلى المستشفى. سقطت خمس طائرات سورية في ذلك اليوم، وقتل شهداء ونقل جرحى. وضرب السوريون المستعمرات في منطقة الحولة وطبرية. في أواخر نيسان أعلم كوسيغين وبودغورني السادات، رئيس مجلس الشعب المصري، خلال زيارته إلى موسكو بحشود إسرائيلية على الحدود السورية، وأكدا أن الاتحاد السوفييتي سيساعد سورية ومصر. ونبها السادات: لاتؤخذوا بمفاجأة! وفي الخامس عشر من أيار تحركت عدة فرق مصرية إلى سيناء. في السادس عشر من أيار أعلنت إسرائيل التعبئة العامة. وطلب عامر من يوثانت سحب قوات الطوارئ من غزة إلى ايلات ولم يطلب سحبها من شرم الشيخ وقطاع غزة. لكن يوثانت بيّن أنها يجب أن تسحب كلها أو لاتسحب. في 22 أيار أعلن جونسون لمصر نياته الحسنة. في 23 أيار اجتمعت الحكومة الإسرائيلية مع المعارضة والجيش وقال رابين: ليست المسألة حق الملاحة فقط بل مصداقية إسرائيل وقدرتها على الدفاع عن نفسها! قررت إسرائيل عملا سياسيا ديبلوماسيا يحضّر الرأي العام للهجوم الإسرائيلي. وساعدتها على ذلك تصريحات العرب الهوجاء. وسمح جونسون بشحنة أسلحة لإسرائيل. وفي 24 أيار بدأ أبا ايبان رحلته الديبلوماسية. قال له ديغول: سنكون ضد البادئ بالحرب. أيقظ السفير السوفييتي عبد الناصر في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل ونبهه إلى ضرورة ألا تبدأ مصر الحرب. فخطب عبد الناصر: "لن نطلق الرصاصة الاولى". في 30 أيار زار رئيس المخابرات الإسرائيلية وزير الدفاع الأمريكي والمسؤولين الآخرين واستنتج أن الولايات المتحدة ستبارك العدوان الإسرائيلي. انضمت الأردن إلى اتفاقية الدفاع المشترك. ثم انضم العراق إليها. في 31 أيار تسلم موشي دايان وزارة الدفاع وشكلت حكومة وحدة وطنية. وفي 3 حزيران ضلل موشي دايان العرب بمؤتمر صحفي فقال إن الوقت الآن للجهود الديبلوماسية. كانت خطة إسرائيل ضرب كل جيش عربي وحده. والاعتماد على السلاح الجوي لمنع تواصل القوات العربية. اختارت التوقيت المناسب: الساعة 8,45 وأتت طائراتها مصر من البحر على ارتفاع منخفض فتفادت الرادارات. ومع ذلك وصلت إلى القاهرة برقية من الأردن ومن مواقع سيناء المتقدمة عن حركة طيران كثيفة. لكن المعلومات أهملت. هوجمت المطارات المصرية كلها. وخلال ساعتين تقريبا دمر الطيران المصري على الأرض فاحترقت 425 طائرة. في الساعة 12,50 قصف الطيران السوري مصفاة حيفا ومطارات شمال الأرض المحتلة وخسر ثلاث طائرات. وفي الساعة 2,50 هاجم الطيران الإسرائيلي المطارات السورية ودمر خمسين طائرة سورية و29 طائرة أردنية و23 طائرة عراقية. قاومت القوات المصرية الغزاة من بعد ظهر اليوم الأول من الحرب حتى صباح اليوم الثاني. وقاومت القوات الأردنية في القدس يومين. حركت القوات الأردنية كتائب من أريحا لدعم القدس فدمرها الطيران. ووصلت قوات أردنية أخرى مشيا إلى القدس فوجدت القوات الإسرائيلية قد دخلتها في السابع من حزيران. احتلت إسرائيل بقية فلسطين، رام الله وأريحا وطوباس ونابلس والخليل... في الثامن من حزيران ركّزت إسرائيل قواتها على الجبهة السورية. وقصفت بطاريات المدفعية والمضادات الأرضية السورية. قبلت سورية، بناء على نصيحة ناصر، "وقف إطلاق النار" في الثامن من حزيران. لكن الهجوم الإسرائيلي على الجبهة السورية استمر. قال دافيد إليعازر قائد العملية: كان في خندق واحد لاأقل من ستين جثة. وقد اشتبكوا معنا بالأيدي والخناجر وأعقاب البنادق وقتل قائد الكتيبة الإسرائيلية. لوحظ تطويق اللواء الثامن ومحاولة الإسرائيليين الاتجاه إلى دمشق. فقدرت قيادة القوات السورية ضرورة أن تتفادى التطويق وتنقذ الألوية المدافعة. وفي غياب الاتصال اللاسلكي رأت تنبيه القوات بالإعلان عن سقوط القنيطرة من إذاعة دمشق لتسرع في الانسحاب. لكن ذلك أربك المنسحبين. خلال ذلك قاوم موقع تل الفخار بالرغم من القصف الجوي والمدفعي. كان موقعا صغيرا يشرف على سهل الحولة. وقال الإسرائيليون: قاتل السوريون في هذا القطاع جيدا ووجهوا نار مدافعهم في دقة وجمّدوا حركة التقدم. حرب حزيران كارثة! أبعد الاحتلال الجديد العمق الإسرائيلي عن مدى المدفعية العربية. ودمر البنية العسكرية العربية. ووفر باحتلال مرتفعات الجولان استطلاعا إسرائيليا يطال مداخل دمشق وحتى لبنان. وأمّن سيطرة إسرائيل على روافد نهر الأردن في الأراضي اللبنانية والأردنية. عندما نقل الراديو في الفرن بصوت مرتفع احتلال القدس، رمى الفران خشبة التنور من يده، أطفأ الراديو وخاطب الله: أهكذا ينتصر المحتلون الأوباش على أصحاب الحق؟! كان الناس ينتظرون الخبز أمام فرن سوقساروجا وفي مقدمتهم مرجانة. شاركوا الفران حزنه وغضبه، شتموا وهدروا. وعادت مرجانة لتروي لنفيسة ماسمعته. وجدتْها تبكي من القهر. دهشت، لم تبك نفيسة حتى يوم ماتت منور خانم وهاهي تبكي الآن! قالت: هذه مصيبة أكبر من المصائب كلها، يامرجانة! احتلت إسرائيل بقية فلسطين! احتلت القدس! هل تعرفين معنى هذا للعرب وللمسلمين والمسيحيين؟ لن يستطيع المسيحيون العرب أن يحجوا إلى كنيسة القيامة. ولن يستطيع العرب أن يصلوا إلى المسجد الأقصى. كنت أتمنى زيارة المسجد الأقصى وقبة الصخرة. كنت أعد نفسي بأن أرافق ليلى إليها لنستمتع بجمالها وهيبتها! لاتشبه القدس حتى مكة. تشعرك القدس بهيبتها المقدسة. وهاهي احتلت، وسأموت دون أن أراها مرة ثانية. لكني أعزّي نفسي بأني أعرفها. أما ليلى فلن تعرفها! قطع الاحتلال الصلات بين الأسر الفلسطينية. هاتي يامرجانة معطفي وغطائي لأزور سعاد. مصيبتها كبيرة. أهل زوجها موزعون بين الخليل ونابلس والقدس ورام الله والبيره! هل تستطيع سعاد أن تحلم بالعودة إلى عكا؟! كانت نفيسة قد حملت راديو الترانزيستور معها طوال الحرب. سمعت من راديو القاهرة أن ستين طائرة إسرائيلية أسقطت، وسمعت من راديو دمشق أن سبعين طائرة إسرائيلية أسقطت. وسمعت مذيعة تصرخ في حماسة: سلمت يداك ياأخي، اضربهم! فأدارت إبرة الراديو إلى محطة لندن وسمعت أن المطارات قصفت والطائرات أحرقت. ثم سمعت من إذاعة إسرائيل أوامر المحتلين إلى أهل الأراضي المحتلة.. ارفعوا الأعلام البيضاء.. تنحّوا عن الطرقات عند مرور آليات الجيش المحتل. وبكت من القهر. في التاسع من حزيران انشغلت بالاستماع إلى خطاب عبد الناصر. حكى عبد الناصر عن حاملات الطائرات الأمريكية والبريطانية في البحر.. عن الطيران العدو الذي أتى من الغرب ولابد أن قوة كبرى مهدت له وساعدته. هل عرف ناصر أن الطيارين والخبراء اليهود والمتطوعين بقوا طول الليل ينتظرون في المطارات الفرنسية وسيلة تنقلهم إلى إسرائيل، مع أن موقف ديغول من الحرب واضح؟ سمعت نفيسة عبد الناصر يقول: كان قلبي ينزف وأنا أتابع معارك الجيش الأردني الباسل في القدس والضفة الغربية.. كانت مقابله أربعمئة طائرة إسرائيلية وأفضل القطعات الإسرائيلية.. سمعته يمدح موقف الملك حسين الممتاز، ويثني على تضامن عبد الرحمن عارف، وعلى هواري بو مدين الذي قدم طائراته لمصر. ذكر ناصر أن قواعد عربية سخّرت لخدمة العدوان، وأن الأسطول السادس الأمريكي المساهم في العدوان تحرك ببترول عربي. لكن عبد الناصر مدّ أفقا للتضامن العربي الذي بدأ عشية الحرب. ثم قال ماستحفظه ذاكرة جيل كامل: "ولقد اتخذت قرارا أريدكم جميعا أن تساعدوني عليه. لقد قررت أن أتنحى تماما ونهائيا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي..". هبّت نفيسة واقفة وصرخت: لا! وصرخ مثل تلك الصرخة عبد الرحيم الذي كان يستمع إلى الراديو في المقهى، وسعاد التي سمعت خطاب عبد الناصر من الراديو في بيتها، ومديحة التي سمعته جالسة في شرفتها، وغادة التي كانت تكوي ملابس ابنها، وعمر الذي كان يمشي في آخر المهاجرين إلى مقهى يرى منه دمشق كلها، وفوزي الذي كان يشتري سطل لبن، وليلى التي كانت في عيادتها. وقالت ذلك الجموع التي مشت بشكل عفوي إلى بيت عبد الناصر. فهم العرب بحسهم الفطري السليم أن الهزيمة تكتمل إذا انسحب ناصر. فصوتت على بقائه، وسندته في اللحظة الصعبة، وغفرت ذنوبه، وشجعته أمام زملائه وخصومه. وبدت في تلك اللحظة أمّة عربية حقيقية حيّة تمتد من الخليج إلى المحيط! سيكون مؤتمر القمة في الخرطوم مناسبة لتأمل الهزيمة والبحث عن الدواء. سيقول ناصر لن يقبل الأمريكان المشروع اليوغوسلافي الذي يعيد لنا الأرض لأنهم يريدون إذلالنا وسيطرة إسرائيل على المنطقة العربية. وسيترك الحرية للملك حسين كي يستعيد الضفة الغربية كيلا يطول احتلالها فتضمها إسرائيل إليها، شرط ألا يفاوض إسرائيل. وسيقول للشقيري إن الهزيمة ستكون وقت نجلس مع الإسرائيليين حول طاولة واحدة. وسيبيّن أن مصر تتحمل الخسائر لكن الأردن لن يتحملها، لذلك يجب أن تقدم له مساعدة عربية. وسيظهر أن الأردن خسر ستة آلاف قتيل. هكذا انتهت حرب حزيران بحزن انتشر في البيوت العربية. بمآتم آلاف القتلى. بتهجير وهجرة مئات الآلاف من سكان الأرض المحتلة، واحتلال بقية فلسطين. أطفأت دمشق أنوار شوارعها، وأسدلت ستائر بيوتها. وقلما كان ينفذ ضوء منها إلى الشوارع المظلمة. وفي النهار بدت دمشق كأنها في أيام حرب سنة 948 فأوى أهل الجولان إلى الجوامع والمدارس. قالت مرجانة: صادفت بعض أهل الجولان لاجئين في جامع يلبغا! ردّت نفيسة: ليس الجولان أعز من القدس ورام الله! غابت ليلى عن البيت طوال أيام الحرب. بقيت في المستشفى تستقبل الجرحى. جرحى؟! هل يسمى جرحى اولئك المحروقون بالنابالم؟ اختصت ليلى بالعظمية، وكان يجب أن تختص بالحروق! كان يجب أن تقدّر أن إسرائيل دون معايير أخلاقية، تبيح لنفسها السلاح الممنوع. قصفت بقنابل النابالم المحرمة المواقع السورية. ومع ذلك لم ترتعش ليلى في المستشفى. وستتساءل بعد الحرب هل استمدت شجاعتها من الغضب أم من الواجب الإنساني. وستستسلم للحزن وقتذاك. وجدها زياد عندما زارها بعد الحرب واجمة، مغطاة بملابسها السوداء. لم تستطع حتى أن تعبّر له عن فرحها بأنه حيّ. ولم تستطع أن تسأله عما جرى. لم تستطع أن تستفهم منه هل كان من الطيارين الذين قصفوا مصفاة حيفا وعادوا سالمين. بيّنت له بإشارة من يدها عندما بدأ الكلام أنها لاتريد أن تسمع أي تفصيل. ورأى ذلك تعبيرا عن غضب تشارك كثيرين فيه. تمنى أن يقول لها: نصحح ذلك.. نرتب مواقعنا ليسترد الذين مارسوا الانسحاب من الجبهة تماسك الروح. فالسوريون ألفوا الدفاع عن مواقعهم في كل عدوان إسرائيلي، وردّوا بقوة على الإسرائيليين. نبحث أيضا الإعلام الذي ردّد "طائراتهم تتهاوى كالذباب" بينما كان طيرانهم يقصف المطارات العربية ويدمرها! وعندما سنردّ ذات يوم لن تسمعي "سلمت يداك ياأخي، اضرب"! بل سنكون صادقين وحكماء، ولن نترك العدو يفيد من صراخ المؤلفين البعيدين عن الصراع الحقيقي! هل سمعتْ وعوده؟ قال لها: ياليلى: فلتكن هذه الضربة مناسبة للصحو. لنفهم عدونا ونعرف ماينقصنا! لنقدم الكفاءة فقط! سألته: أكملتَ خطابك؟! بدا له أن ليلى تسوطه وهي تتحدث في هدوء قاس: سيفكر المحللون، يازياد، بأسباب هذه المصيبة، وسيفهمون مايجب أن يؤسّسوه منذ اليوم ليردّوا نتائجها الروحية والعسكرية والسياسية. لكن الناس ليسوا الآن معنيين بذلك. الناس مجروحون وغاضبون. يتساءلون عن الحلي التي تبرعوا بها لتسليح الجيش، وعن المال الذي اقتطع دائما من رواتبهم وخبزهم باسم تحرير فلسطين. الناس غاضبون على السياسيين وعلى العسكريين، وعلى الدول العظمى التي سمحت بتأسيس إسرائيل في أرض عربية وظلّت تغمض عيونها عن تسليحها وعن عنصريتها ومشروعها. الناس غاضبون لأن السياسيين أوهموهم بأن إسرائيل ستكتفي بالأرض التي احتلتها من فلسطين. لم أسمع أحدا يتحدث عن الصهيونية محذرا ومنبها غير زوج خالتي، أبيك. قل لي من يحاسب السياسيين اليوم على الزمن الذي ضيّعوه في معارك ضارية بعيدا عن الصراع العربي الإسرائيلي؟ ألم ينغمس عبد الناصر، الوطني، مؤمم قنال السويس، في صيد من سماهم يساريين مع أنهم ضعفاء وليسوا أبدا خطرا كإسرائيل؟ ألم يشغلنا عبد الناصر ويشغل نفسه بالحماسة للوحدة ومطاردة من تحفظ في الموقف منها، ثم بالغضب على الانفصال، بينما كانت إسرائيل مشغولة بترتيب السلاح النووي، كما قال أبوك؟ ماذا يقول الآن أحمد سعيد الذي كان يصدح بشتائمه من صوت العرب؟ خذ هذه الجرائد والمجلات التي وصلتني من زملائي الاوروبيين الذين درست معهم! خذ تفرج على الأسرى المصريين الذين يساقون حفاة على رمال درجة حرارتها ستون مئوية! خذ هذه الصورة التي تبيّن أن الإسرائيليين صفّوا الأسرى المصريين على الرمل لتدعسهم الدبابات الإسرائيلية! خذ تفرّج على هؤلاء الضباط الذين أعمتهم القوات الإسرائيلية ببخ مواد كيمياوية على عيونهم! خذ تفرج على هذه الأرتال من الدبابات المحترقة في سيناء لأن الأمر بالانسحاب جمعها تحت الطيران الإسرائيلي! اقرأ شهادة طيار إسرائيلي: كنا نتسلى بالطيران فوق أرتال من الجنود المنسحبين، فنطير على ارتفاع منخفض لنرعبهم، ولانهبهم الموت قبل أن نلوّح به مرات، بعد ذلك كنا ننقض عليهم كصيد سهل. قتلنا الآلاف من اولئك المصريين في يوم واحد! وكانت نشوتنا لاتقاس ونحن نترك آليات المصريين وهي تحترق! حوّلنا سيناء إلى مدفن كبير! لم تقدّم ليلى لزياد كأس ماء. سألها: ليس عندك فنجان قهوة لطيار كان يمكن ألا يتشرف بلقائك أبدا؟ كأن ليلى انتبهت في تلك اللحظة إلى أنه نفّذ رجاءها الصامت: لاتمت! فنهضت إلى المطبخ وتبعها. يعرف مكان الفناجين ومكان السكر والبن. لم تغيره خالته منور منذ عشرين سنة! وضع فنجانين في الصينية وانتظر ليلى واقفا. راقب ظهرها. كان شعرها مرفوعا كأنها تحذفه زاهدة في بريقه، خجلة بجماله. لكن ذلك أظهر نقرتها الرائعة، وصفحة رقبتها المرسومة في أناقة، وأذنيها الأنيقتين. شعر بنعمة الحياة وهو يتأملها، وغمره فرح بسلامته التي لم يفكر فيها طوال تلك الأيام. سكبت ليلى غضبها وحزنها، لكنها لم تفكر بما شعر به طيار رأى طائراته تحترق أمامه! كان أحد الطيارين الذين صاروا دون أجنحة، فعجزوا عن حماية رفاقهم المتمركزين في خنادق الجبهة، وكواهم العجز! هل انتبهت ليلى إلى وجعه فالتفتت إليه فجأة وحدقت فيه حتى فارت القهوة وانسكبت وتركتها تسرح على الغاز؟ فهم نظرتها واقترب منها. ضمّها إليه وظلا ساكنين زمنا. تناول مابقي من القهوة في "الدولة" ومشى معها إلى الشرفة. ولاحظ أن النباتات التي ربّتها خالته فيها ماتزال نضرة مع أن ليلى أهملتها طوال الحرب. لابد أن أخاه مصطفى سقاها! في بيت سعاد بدا لنفيسة أن عبد الرحيم لايستطيع أن يهدأ. يمشي من الباب إلى النافذة. كادت تقول له: هل تنتظر من يخبرك بأن حجارة من سجّيل ستنزل على إسرائيل؟ تملك سعاد نفسها أكثر منه! قالت كأنها قائد عسكري، وكأنها استعادت الأيام العظيمة التي كانت تنقل فيها الرسائل للثوار: لماذا نقيم مأتما ياعبد الرحيم؟ كأن انتصار الجيوش أو هزيمتها تقرر حقوقنا في بلادنا! حاربنا كثوار وسنبقى كذلك. والله، والله، لن نترك الإسرائيليين يهدأون. هل الزمن هو اليوم فقط أم عشرات السنين ومئات السنين؟ نحن لهم، وإذا متنا سيبقى بعدنا أولادنا وأحفادنا! الاحتلال شاهد لنا على أن بلادنا أخذت منا بالقوة، وأن المحتلين دخلاء عليها! لكن قولي معي، يانفيسة خانم، تفو على الزعماء العرب الذين انشغلوا بالتطبيل والتزمير ولعلعت أصواتهم في الإذاعات ولم نعرف أن غضبهم على اليهود كان في حدة غضب بعضهم على البعض الآخر! التفت إليها عبد الرحيم وخمّن أنها تخزه لأنه تجمد قرب الراديو واستمع إلى استقالة عبد الناصر كما يستمع إلى كارثة وقال: تكتمل الآن الهزيمة باستقالته! وجدها غاضبة في ذلك المساء. وقالت له: لن أحزن على أي زعيم ينسحب! تساءل هل ضيّعت سعاد عمق بصيرتها؟ فهمت سؤاله فقالت له: من الغضب ياعبد الرحيم! من الغضب! جلس عبد الرحيم أخيرا وفسّر لنفيسة غضب سعاد: يانفيسة خانم، تعرف سعاد الرسائل التي وصلتني.. أتحدث الآن عن الماضي! اعتقل صاحبي مدير الإذاعة الدكتور حافظ عبد الهادي، ونقل إلى سجن القدس، ثم إلى سجن عمان، ثم إلى الجفر حيث مات. لم يراعوا مرضه بالقلب. اعتقل صاحب آخر من أصحابي في نابلس لأنه قدّم لضيوفه الكنافة النابلسية حفاوة بثورة العراق على الملكية. ونقلوه من سجن القدس إلى سجن عمان. وكيف كان يعامل اولئك الوطنيون؟ لاتعامل هكذا حتى الحيوانات! لم أنم عدة ليال عندما عرفت أن ابن صاحبي عذّب بحرقه. كانوا يصبون الكحول على جسمه ويشعلونه حتى احترق قطعة، قطعة. ثم رمي من مرتفع إلى الوادي وهو يحتضر. وقيل إنه حاول الهرب فسقط في الوادي! يانفيسة خانم، لم نؤسس بنية عربية متماسكة ترد عدوان جيش عنصري مسلح ومدرب، ومجتمع من المستوطنين وهبت له أرضنا الخصبة وأموال كبرى. لم نعتمد على الشعوب! انشغلنا بغير ذلك! قالت له سعاد: كما انشغلنا بانسحاب عبد الناصر من الرئاسة في التاسع من حزيران بينما كانت إسرائيل تركز هجومها على الجبهة السورية! لا ياسعاد! انسحابه كان سيكمل انتصار الإسرائيليين! سيعرف عبد الرحيم فيما بعد أن شباب وادي الجوز الذين عانوا من السجن، قاوموا الاحتلال الإسرائيلي بالبنادق التي وزعت عليهم قبيل الحرب بساعات، فلم يمنعوا سقوط القدس لكنهم جعلوا ثمنه غاليا على المحتلين! فنصب الإسرائيليون لقتلاهم نصبا في بيادر الشيخ جراح، كان يجب أن يكون للمقاومين العرب! دافع عن القدس الشباب الذين سجنوا في إسطبل القشلة وذاقوا العذاب والضرب.. دافعوا عن القدس مع الجيش الأردني واختلطت الدماء التي كان يجب أن تكون مقدسة فلا تباح إلا في الصراع مع المحتلين! رجعت نفيسة إلى بيتها قبيل العتمة. ورجعت ليلى من عيادتها قبيل العتمة. فدمشق دون أنوار في ظلمة الصيف الكثيفة. بدا أن إسرائيل يمكن أن تجتاح دمشق وأن أهلها سيدافعون عنها بالخناجر. كانت دمشق قد أصبحت مدينة الجبهة. كانت قد استقبلت المهجرين من الجولان الذين كانوا أصحاب بيوت جميلة، وأراض خضراء خصبة، فأخرجوا من بيوتهم بالثوب الذي يلبسونه. روت صبية لليلى: دخل العسكر إلى بيتنا وفتشوه، ثم رجع أحدهم وأخذ التلفزيون! بقينا في الضيعة. لكن امرأة شقراء مسلحة صوبت إلينا السلاح وأجبرتنا على الخروج من بيتنا. ساقونا خارج بلدنا! مشينا حتى وجدنا شاحنات نقلتنا إلى دمشق. لم تكن ليلى قد صادفت حفاة في دمشق فصارت تصادف أطفالا حفاة! شعرت بالعتب على العالم الذي سمح باحتلال أراضي ثلاثة بلاد عربية. تنهدت: كم صارت دمشق موحشة في الليل! بعد أسابيع زار عبد الرحيم ليلى ليطمئن عليها. وروى لها كيف سقطت القدس. يجب أن تعرف أن الناس قاوموا العدوان، وأن الأرض لم تسقط في سهولة. يجب أن يوصل إليها خبرته: تنضج المقاومة وسط الهزائم والمآسي وفظائع القتل. نقل إليها رسالة وصلته: بقي الشهداء على أرض الشوارع يومين تحت السماء. كان التجول ممنوعا على العرب بعد الاحتلال. ومع ذلك تجمع الناس ونقلوا الشهداء ودفنوهم. كم مرة سيدفن الشهداء المجهولون في قبور لايعرفها أهلهم ومحبوهم؟! سيتكرر ذلك من القدس إلى لبنان والعراق! هكذا الدنيا ياليلى! صدّقي ماقاله الشعراء العرب العظماء عن التراب الممزوج بدم الشهداء في هذه البلاد! الحرية للبطران كالفواكه والفستق! لنا دونها الحياة! قتل في القدس خمسمئة شهيد على الأقل! وكان منهم شباب اعتقلوا في سجن الزرقاء العسكري وقيل للسجانين إنهم جواسيس لإسرائيل! أمضت ليلى المساء بعد انصراف عبد الرحيم وهي تفكر بالجندي الأردني القتيل، نصفه على الرصيف ونصفه الآخر على الشارع، والدبابات تدوسه، والإسرائيليون الذين يعبرونه يبصقون عليه أو يتفرجون عليه كإشارة إلى انتصارهم. هل كانت ليلى تستطيع أن تفكر في عنصرية المجتمع الإسرائيلي قبل حرب حزيران؟ ألم يخطر لها هي أيضا، أن إسرائيل ستبقى في الحدود التي احتلتها حتى يوفق اللاجئون في العودة إلى وطنهم وينتهي الاحتلال؟ هاهي تتبين أنها تعلمت في مدارس بلدها الرحمة، ولم تتصور، بالرغم من المذابح، أن مذابح أخرى سترتكب في مرمى نظرها! لم تتعلم أن تفهم العدو كبنية عنصرية طامحة إلى الامتداد فوق المدن العربية كلها. وكانت هي أيضا، كالناس، تتوهم أن الاتحاد السوفييتي يستطيع أن يمنع العدوان. عندما كانت ليلى تعالج جرحى العدوان الإسرائيلي في مستشفيات دمشق، تجمع الطلاب اليهود في جامعة موسكو محتفين بنصر إسرائيل. وقصدوا أن يستفزوا الطلاب العرب وأن يسخروا منهم. واشتبكوا معهم بالكلام. ماذا جمع اولئك اليهود الروس غير تنظيم سري يهبهم القوة ويخطط حركتهم، وغير مشروع يؤكد لهم الأمل في أن تأييد الحكومة السوفيتية والشعب الروسي للعرب مرحلة عابرة؟ هل خمّن أحد غير الطلاب العرب أن اليهود منظمون في مؤسسة سرية؟ وأن تلك المنظمة تستند إلى مراكز في الدولة؟ لماذا تلاحظ جورية ماسمته "انحرافا" في هيئة علمية تصوغ رؤية الدولة وبرنامجها، وتلتقط مديحة تفاصيل أخرى، ويكتب قيس ملاحظات عن تسرب الصهيونيين إلى مراكز الدولة العليا، ولاينتبه إلى ذلك المسؤولون في الدول الاشتراكية؟! كانت إذاعة موسكو منحازة إلى العرب المعتدى عليهم. وكان الإعلام الروسي ضد الحرب الإسرائيلية على العرب. لذلك فوجئ الطلاب العرب في جامعة موسكو بتجمع الطلاب اليهود. فرّقتهم إدارة الجامعة، لكنهم كانوا قد ثبّتوا تمردهم وأعلنوا احتفالهم. في اجتماع في باريز استقبل طلاب إسرائيل بالتصفيق. مع أن ديغول كان قد أعلن أن فرنسا لن تكون مع المعتدي، واستدعى سفير إسرائيل بعد الحرب ولامه. ذهل الطلاب العرب من شراسة المحتفين بهزيمة ثلاثة بلاد عربية. لكن نشرات كتبتها مجموعات طلابية كشفت جرائم الجيش الإسرائيلي في سيناء. كان الطيران الإسرائيلي قد أحرق الآليات المصرية فسدت الطرقات. وكان الجنود المصريون ينسحبون مشيا في حرارة حزيران دون ماء. أجبر المحتلون الإسرائيليون الجنود المصريين الأسرى على خلع أحذيتهم. وتركوهم يمشون حفاة على رمال درجة حرارتها تتجاوز ستين درجة وصوروهم ونشروا صورهم مدعين أنهم خلعوا أحذيتهم ليكونوا أكثر سرعة في الهرب.. وتركوهم يهيمون في الصحراء. وفي مكان آخر صف الضباط والجنود الإسرائيلون أسراهم المصريين صفوفا على الرمل كالسجاد وداسوهم بالدبابات. وفي غزة دخلوا إلى المستشفى ورشوا بالرصاص المرضى والأطباء والممرضين. لكن هل تساءل المراقبون الذي تفرجوا على احتفالات اليهود في موسكو وفي فرنسا وغيرهما كيف اجتمع اليهود في شعور واحد وفي التعبير عنه؟ ألا توجد منظمة عالمية ترعى اليهود وتؤسس لهم بنية روحية وتربيهم تربية مختلفة عن التربية التي يفترض أن تجمعهم بأبناء البلد الذي ولدوا وعاشوا فيه؟ وهل تلك المنظمة روحية دينية فقط أم سياسية؟ تناقل الطلاب العرب في جامعة موسكو النكات التي رواها الروس عن يهود روسيا. حكي أن اليهود وافقوا على اقتراح ستالين أن تؤسس لهم دائرة قومية، شرط أن تقدم لهم المساعدات التي يطلبونها. وقبلت الدولة هذا الشرط. طلبوا حصادات فقدمت لهم. ثم طلبوا جرارات فقدمت لهم. طلبوا بذارا وسمادا.. وعندما استنفدوا مايمكن أن يقدّم لهم، طلبوا فلاحين! وحكي أن اليهود تضايقوا من حسد الروس لهم. فقالوا: لماذا تعترضون أيها الروس لأن عند كل يهودي سيارة؟ هل اعترضنا نحن لأن لديكم دبابات؟ بعد احتفالات اليهود بهزيمة العرب في حزيران ابتكر الروس نكتة جديدة: قال اليهود لماذا تعترضون على موقفنا من إسرائيل في حرب حزيران؟ هل اعترضنا على موقفكم من ألمانيا النازية؟ باحت النكات الروسية بانسلاخ اليهود عن روسيا. فعبرت عما لاحظه الكاتب الروسي دستويفسكي في يهود زمنه. أن مشروعهم الهجرة إلى فلسطين، وأنهم يؤكدون ذلك ويعلمونه بأناشيدهم وصلواتهم. وأنهم يستثمرون دون رحمة المجتمع الروسي. أفسدوا الفلاحين بتجارتهم بالفودكا، وامتهنوا الربا فاسستعبدوا فقراء الروس بالفوائد والديون. لكن هل يستطيع الروس أن يبتكروا نكات عن اليهود يوم تنجز المنظمات الصهيونية تفكيك المعسكر الاشتراكي وإلغاء الاتحاد السوفييتي؟ سـيوزع اليهود في أواخر القرن العشرين نشرة داخلية سرية تطلب من اليهود الاستعداد لساعة الصفر التي ستعلنها لهم وسائل الإعلام الرسمية. وقت يجب أن ينزعوا براقعهم وأسماءهم المستعارة ويستعيدوا قيادة مؤسسات الدولة التي قدموا إليها ماسونيين أو أزواج اليهوديات، أو الإمّعات. ليديروا مباشرة الأحداث ويصفّوا المعادين لهم فيرافقوتهم من المستشفى إلى القبر. ستبيّن تلك النشرة أن الصهيونيين المتسربين إلى أجهزة الدولة أنجزوا مهماتهم حتى في تدمير الأبنية التاريخية والذاكرة الوطنية الروسية. وفي استبعاد الكفاءات والقيادات المخلصة. أنجزوا صياغة الفساد وأفادوا من البيروقراطية ومن الغباء ومن الترهل. فأصبحت المؤسسة السياسية السوفيتية ضعيفة، دون صلة بالشعب، مخترقة بالخيانة. بينما كانت المنظمة الصهيونية متماسكة قوية ذات مشروع. فاقتربت ساعة الصفر. لو كانت ليلى موجودة يومذاك لتبينت أن أسماء بعض أساتذتها وزملائها الروسية كانت تقية وقناعا، ولفوجئت بأسمائهم الأخرى. ستبيع الدولة لليهود مؤسساتها ومستودعات بضائعها فيصبحون قوة مالية، ثم قوة سياسية. وسيملكون التلفزيون والجرائد. وفي مرحلة الانتقال الفوضوية من الاشتراكية إلى الرأسمالية سيجوع المتقاعدون وأبطال الحرب الوطنية العظمى، وسيتشرد الأطفال وسيباع بعضهم في الولايات المتحدة وستكتشف تجارة بأعضائهم البشرية، وسينتحر كثير من السياسيين، وسيهجّر العلماء، وسيكتب أحد ضباط الجيش عن بؤسه وحزنه، وستصدر الفتيات كرقيق أبيض إلى أنحاء العالم، وسيهاجر مليون روسي إلى فلسطين المحتلة. وستصادف غادة في الطريق بعض الراقصات الروسيات وهن في طريقهن إلى ملهى الطاحونة الحمراء. وستصادف مديحة بعض المغنيات الروسيات المراهقات في فنادق الخليج. ستصبح إسرائيل أكثر شراسة في قتل الفلسطينيين. وفي غياب القطب الآخر سيحتل الأمريكيون العراق، وستنهب العصابات العالمية آثار الحضارة العراقية ومتاحف العراق، وستصادر في الأردن بعض القطع الأثرية المسروقة في الطريق إلى إسرائيل. وستقتحم العراق الشركات الإسرائيلية، ويشرع لليهود الإسرائيليين شراء الأراضي والبيوت في العراق. وسيُستلهم علم إسرائيل لصياغة علم جديد للعراق. وسيفجر الموساد القنابل في الطرقات والأسواق، وسيلهو الساديون بتعذب المعتقلين العراقيين في السجون. سينتقمون من نبوخذ نصر بعد تلك الآلاف من السنوات! وستحكم مجموعة صهيونية علنا الإدارة الأمريكية. وعندئذ ستنقب مديحة بين كتبها عن رسالة دستويفسكي التي تنبأ فيها بصورة العالم الذي تسود فيه الصهيونية، عالم تأليه المال وغياب العواطف الإنسانية، عالم القسوة والوحشية. وستفهم لماذا رمي دستويفسكي بكثير من التهم وأخفيت من مؤلفاته الرسائل التي تحدث فيها عن الصهيونية. وستفهم لماذا كان مدانا رسميا، ومع ذلك كان محبوبا. بعد حرب حزيران بحثت غادة عن أطياف الأيام التي عاشها محمود عشية لقائها به. ووجدته في معركة كعوش. كعوش العربية التي هوّد المحتلون الإسرائيليون اسمها فصارت مشمار هايردن، حارسة الأردن! كعوش على رابية غرب نهر الأردن، يمر بها طريق دمشق القنيطرة صفد حيفا. الطريق بين سورية وفلسطين. ألذلك حصنوها كمستوطنة عسكرية؟ كاد محمود بقتل هناك كي تستعاد كأرض عربية! في الخامس من حزيران سنة 1948 اندفع إليها السوريون، وتراجعوا عنها. وفي التاسع من حزيران هاجمتها سرية المتطوعين الشركس واستشهد قائدها الرئيس برهان حسن. عبرت المخاضة وهاجمت العدو في بساتين كعوش. حررت كعوش، وعُين المقدم محمود بنيّان آمرا لحاميتها. استعاد السوريون تل "أبو الريش"، والقرى والمرتفعات حول كعوش لحمايتها. واستعادوا تل العزيزيات واستشهد فيها الضابط الشجاع جواد أنزور. كانت المعارك صعبة. وزار الرئيس شكري القوتلي الجبهة في الحادي والعشرين من حزيران. بعد الهدنة لاحظ المقاتلون السوريون في الجبهة أن الإسرائيليين تلقوا أسلحة جديدة منها طائرات ومدافع. وصار تدخل طيرانهم حاسما. فبدا أن الهدنة مفصّلة في الحجم الذي أرادته إسرائيل! وسيقول أمين أبو عساف في مذكراته بعد عقود: "فاجأتنا قوة العدو بعد الهدنة. بعد أن كان طيرانه بدائيا إذ به يزج في المعركة أحدث الطائرات ذات الأربعة محركات ومدفعية ثقيلة وهاونا ثقيلا، لم يكن يملكها من قبل". ستهاجم خمس طائرات صهيونية جسر كعوش الذي شيدته هندسة الجيش السوري على نهر الأردن وستمنعها المدفعية السورية من هدمه. ثم ستبدأ الهدنة الثانية التي فرضتها الولايات المتحدة لتستكمل إسرائيل استقرارها وسلاحها. كان الحق مع منور لأن انسحاب السوريين في اتفاقية الهدنة من كعوش أمرضها! بحثت غادة عن محمود في تلك التفاصيل البعيدة! وبدا لها أنها تفهم بعد سنوات طويلة، حماسته وخيبته وهي تتصفح أحداثا لم تعرفها إلا في خطوطها العامة. تفهم اندفاعه إلى الوحدة ثم خيبته فيها، ثم سعيه القاتل إليها. وبدا لها أيضا أنها تلمس الهشاشة الرومانسية في رؤيته، وهي تكتشف ماسمته رؤية استراتيجية جعلته يعي أن إسرائيل التي زرعت بين المشرق العربي والمغرب العربي كقاعدة استعمارية، فرّقت قوتين هما مصر وسورية، إحداهما ضرورية للأخرى في مواجهة الغرب. وصارت إحداهما ضرورية للأخرى لمواجهة إسرائيل. لكنها تساءلت: لماذا أهمل محمود العراق؟ ألأنه وعى أن القدر فرض وسيفرض الفراق بين سورية والعراق كيلا تكونا عمقا سياسيا وعسكريا معاصرا، وكيلا تكمل الحكمة السياسية الصبورة العنفوان الوطني المندفع والكفاءة؟ ترك محمود صورا أخذت له في الكلية العسكرية أو مع أصحابه أو وحده في متنزهات أو عند المصور. لكنه لم يترك ولو صورة واحدة أخذت له في الجبهة. تفادى أن يظهر شيء من الطبيعة في الصورة في منطقة حدودية! لكن كأنما تصفحت غادة تلك الصور التي لم تلتقط، وهي تتصفح الهجوم الإسرائيلي على المنطقة المجردة من السلاح! تأملت العرق والغبار والدماء، ورأت إصرار الإسرائيليين على احتلالها وإصرار السوريين على الدفاع عنها. وجدت نفسها تتسلل إلى عواطف محمود وتراقب أكثر دقائق حياته حرارة وشفافية، وتدخل إلى أسئلته الموجوعة عن العدل وحقوق البشر. رأته عندما حشد الإسرائيليون عسكرهم في المنطقة المجردة من السلاح. وعندما تسللت سيارتان وقفتا أمام المخفر السوري في الحمة وفرضتا مرورهما بالقوة فضربهما السوريون. وتفرجت على لجنة المراقبة التي أعادت الأسرى للإسرائيليين. كانت هناك مع محمود عندما قصفت ثماني طائرات إسرائيلية الحمّة. وعندما أنصت طوال الليل إلى تفجير بيوت الفلاحين العرب في المنطقة المجردة من السلاح. تابعت معه الطائرات الإسرائيلية فوق القرى العربية، وتفرجت بمنظاره على الإسرائيليين وهم ينهبونها. وكان يستقبل خلال ذلك السياسيين زوار الجبهة: الحوراني، ومصطفى السباعي، ومعروف الدواليبي، والصحفيين ويطلعهم على وضع الفلاحين. رصدت معه الجرارات الإسرائيلية التي تعمل في مشروع تجفيف مياه الحولة. وقرأت شكاوى السوريين من عدوان إسرائيل على سكان المنطقة المجردة وترحيلهم. ورأتها تتراكم شكوى فوق شكوى على طاولات لجنة الهدنة. ورافقت معه المراقبين إلى النقيب وصادفت القتلى الإسرائيليين الذين هاجموا القرية. كان العدوان يوميا على المنطقة المجردة. فسلح الجيش السوري سكان قرية الشمالنة على ضفة مصب نهر الشريعة الغربية، في شمال غرب بحيرة طبرية، كي يدافعوا عن أنفسهم. في نيسان سنة 1951 تجولت الدوريات الإسرائيلية حول تلك القرية، ثم هاجم إسرائيليون يرتدون ملابسهم العسكرية، الرعاة العرب في المنطقة المجردة من السلاح وسرقوا مواشيهم، فطاردهم المقاومون من أهل القرية وقتلوا بعضهم. حلقت ثلاث طائرات إسرائيلية فوق المنطقة شاهدها المراقبون الدوليون الذين فحصوا الاعتداء على القرية. بعد ساعات هاجم الإسرائيليون القرية في الفجر بقصف شديد. وتمركزوا في تلّ المطلة. لذلك احتل المقاتلون السوريون تلّ المطلة، وسندهم الجيش السوري. زأوصل التموين والذخائر لهم المدنيون، وحملت النساء لهم الماء. استطلعت الطائرات الإسرائيلية أمكنتهم وبدأ القصف بالأسلحة الثقيلة. استمر العدوان الإسرائيلي على القطاع الأوسط من الجبهة وردته بسالة الجنود وصبرهم. وعاد السوريون إلى تلّ المطلة. بعد ساعات "قصف العدو مواقعنا بقنابله التي كانت تزداد غزارة حتى أصبحت لاتطاق تقريبا في الساعة 12,35 وقد بلغت في الساعة 13,40 عنفا لايوصف. غير أن ثبات جنودنا أجبر العدو على الإقلاع عن عناده". جرى الاتفاق بين المراقبين على هدنة. لم يحترمها العدو، كالعادة، فاستمر القصف. وشهد مختار قرية الشمالنة أمام المراقبين على ماحدث. مرة أخرى أوقف إطلاق النار! وعندما ابتعد المراقبون الدوليون حاول العدو التقدم فردت قواتنا عليه. وفي اليوم التالي قصفت مدافع العدو مواقعنا، وأمام المراقبين تتابعت الانفجارات على قرية الشمالنة. "كانت معنويات قواتنا ممتازة". في اليوم التالي عاد القصف، وتقدم مشاة العدو. "اقترب الإسرائيليون من مراكزنا فردت رشاشاتنا. وفشل هجومهم. وعاد القصف إلى شدته وعنفه، وكرر العدو هجومه واضطررناه إلى الانسحاب". تأملت غادة الهجوم الصهيوني: في الساعة الثانية، وفي الساعة الثالثة، وفي الساعة الرابعة، وفي الساعة الخامسة، وفي الساعة السادسة. ومع ذلك ظلت القوات السورية تقاومه وترده وتنزل به الخسائر، وهي أقل منه سلاحا. ثم قصفت الطائرات في الساعة التاسعة القوى الأمامية السورية واستمر القصف حتى الساعة العاشرة. "شوهد عدد كبير من قوات العدو يسير فوق المرتفع الذي انسحبت منه قواتنا. واستمرت عملية انسحاب قواتنا ست ساعات تقريبا". بعد الظهر أطلق زورق صهيوني في بحيرة طبرية النار على الرعاة. هاجمت القوات الإسرائيلية قوى المنطقة المنزوعة السلاح وهجرّت أهلها ونهبت أراضيهم ومواشيهم وأثاثهم ونسفت بيوتهم. وبحماية الولايات المتحدة تمردت على قرار مجلس الأمن الذي أمر بعودتهم. وبعد احتلال قرى البقارة وطليل ومزرعة الخوري هاجمت القرى العربية المجاورة في المنطقة المجردة من السلاح في النقيب شرق بحيرة طبرية والسمرة جنوبها. وهاجمت الحمّة. وخرقت شروط الهدنة واتفاقيات جنيف، فغيرت طبيعة الأرض بتجفيف الحولة. عملت الجرارات الإسرائيلية في أراضي القرى العربية! وكان مشروع العرب تعميق مجرى نهر الشريعة كيلا تسرق إسرائيل ماءه لتروي النقب. ومياه نهر الشريعة عربية: بانياس في سورية والحاصباني في لبنان والوديان والينابيع العربية! لكن إسرائيل سرقت بالتجفيف الماء والأرض! تصورت غادة القهر الذي شعر به محمود الذي اشترك في الدفاع عن فلسطين ثم في رد العدوان عن الأرض السورية المنزوعة السلاح. وفهم أن تخطيط الحدود الذي قسّم بلاد الشام بين المنتدبين الغربيين لم يلتزم حتى بالمعايير الدولية المعتمدة في رسمها. وسيسجل باحثون فرنسيون فيما بعد مراحل انزياح الحدود خلال المباحثات بين الفرنسيين والإنكليز كي تبلع الدولة اليهودية التي سيختلقها البريطانيون في فلسطين، القمم والوديان والمياه. وسيوضحون ماأدهش الضابط السوري: أبعدت الحدود عن مجرى النهر لتكون كل سهول الحولة تابعة لفلسطين حتى وصولها إلى بحيرة الحولة، وهناك أبعدت الحدود عن ضفتها، وأبعدت عن ضفة بحيرة طبرية، وضمت كفر حارب على المرتفعات حتى اليرموك وشدّت الحمّة إلى فلسطين. "وكأنما إسرائيل هي التي خططت تلك الحدود"! وقد خططتها حقا منذ طلب وايزمن في مؤتمر السلم سنة 1919 مياه جبل الشيخ مع أن إسرائيل لم تكن بعد مختلقة، وكان المستوطنون قلة في فلسطين العربية. تأملت غادة انحياز الغرب منذ تقسيم بلاد الشام واختلاق إسرائيل، وانحياز المراقبين الدوليين الذين رأوا الجيش الإسرائيلي يشترك علنا في احتلال المناطق المنزوعة السلاح. ورددت: مثل دولهم! وبدا لها أنها تفهم لماذا كانت قصائد الشاعر يوسف الخطيب ماتزال تصدح في الجامعة يوم انتسبت إليها. كان القوميون العرب والبعثيون يومذاك قوة أساسية في الجامعة. وكان الشعور بالعدوان الغربي على العرب يلهب الروح. تساءلت غادة وهي تتصفح تلك الصور الدامية هل ضغط العدوان الإسرائيلي على الجبهة من أسباب هرولة الضباط إلى الوحدة مع عبد الناصر؟ كانت المؤامرات الأمريكية خلال ذلك مستمرة على سورية، تكتشف واحدة فتليها أخرى. مؤامرة ينظمها العراق لتضرب سورية في ظهرها خلال العدوان على السويس. ومؤامرة ينظمها ستون مباشرة من السفارة الأمريكية، فيكشفها الضباط الوطنيون الذين تصور ستون أنه جنّدهم فيها. نقلت في تلك المؤامرة سيارة ديبلوماسية أمريكية الشيشكلي وابراهيم الحسيني من بيروت إلى دمشق وأعادتهما إلى بيروت. أوجع ستون ملايين الايرانيين بالانقلاب على مصدق، وإعدام مئات الضباط الايرانيين. وأوجع غواتيمالا بالانقلاب على الحكومة الوطنية فيها. كان متوجا بانتصارين مبللين بالمذابح، وأفشله السوريون وطردوه! لكن ذلك كله كان مرهقا! تذكرت غادة محمودا وبدا لها أنها تفهم جوانب منه لم تتأملها من قبل. ورأته كضابط سوري معتد بأن زملاءه أفشلوا ستون رجل المخابرات المركزية الناجح! وكأنه ردّ على مذابح ستون في ايران الشرقية، وفي غواتيمالا الأمريكية اللاتينية. وردّ على الانحياز إلى إسرائيل وعلى العدوان على فلسطين. عرفت غادة محمودا في يوم من أيام اعتداءات إسرائيل على القرى السورية في الجبهة. لكنه صار فيما بعد زوجا أو حبيبا فقط. أهكذا نغيّب أبعاد الإنسان المتنوعة ونحرمه من ألوانه؟ أم ترانا نريح الرجل من تعبه خارج البيت ونحن نمدّ كنساء مدى دافئا لوجه واحد منه لايظهر إلا في تلك المساحة الصغيرة الودودة التي يسترخي فيها؟ ياغادة، قد يصح ذلك مع موظف أو تاجر، لكنه لايصح مع الضابط محمود. فهو ممن تجدل حياته الأحداث، وتحكم فرحه وكآبته. لذلك أدهشها أنها لم تسأله أبدا لماذا اختار الجيش ولم ينتسب إلى كلية الحقوق مثلا. وشعرت بالذنب. ثم أجابت نفسها: كان الدفاع عن الوطن جذابا ومغريا يومذاك، وتصور الاشتراكيون أنهم يستطيعون أن يغيّروا الوضع الاجتماعي بالأساتذة والطلاب وبالضباط! يجب أن تلوم نفسها! فالسؤال كان يمكن أن يمد بينهما حديثا فقدته! كان يمكن أن يكون من تلك الأحاديث التي كانا ينسجانها حول فنجان القهوة على الشرفة، أو وهي تسند رأسها على ذراعه والعتمة تتداخل في الضوء. وهي ترفع ذراعها فيجمع عليه الضوء، فيصمت وتصمت سعيدين بالسكون. تحدثت غادة إلى ليلى عن اكتشافها كأنها أرادت أن تقفا على مطل واسع على حرب حزيران. وبدا لليلى أن غادة تقول لها فهمت الآن الجوهر الروحي للقومية العربية التي ليست حزبا بل تيارا يمتد من بداية القرن، ويعبر شهداء أيار في دمشق وبيروت، ويصل إلى شهداء فلسطين في ثورة سنة 36، وإلى شهداء انتفاضة الجيش في العراق سنة 1941. قالت لها غادة: هذا مالم تفهمه مديحة يوم اختلفنا معها. لكن هذا التيار لم يبق ثابتا في المنعطفات الحادة. فاغتنى بعضه وتآكل بعضه. وستعودان إلى الحديث نفسه بعد عقود. وستسألها ليلى: ألم يدفع "المحتوى الاجتماعي" ذلك الشعور إلى الهامش أيام سحر الاشتراكية؟ وسترد غادة: لذلك تنوّع، فانحسر بعضه واغتنى بعضه. ألم يحدث ذلك في الأحزاب نفسها؟ وهل بقي أحد منا ياليلى كما كان؟ تلاحظين أن الذين هجروا أحزابهم أكثر ممن بقوا فيها! لذلك ترين هذا الفراغ الممتد. انحسر الناس عن المنظمات السياسية مع أن الوعي الفردي لم يكن في مثل هذا المستوى من قبل. ومع أن السياسة صارت خبز الناس اليومي! وستتساءل ليلى: هل هذا فراغ حقا ياغادة؟ ألا ترين أن المآتم اجتماعات للوعظ، وأن الأعراس استعراض يستفز بالتبذير؟ نُسيت الاحتفالات الوطنية التي يتفتح فيها الناس! ياغادة، لا تدل الأفراح والأحزان إلى مزاج الشعوب، فقط، بل إلى مدى أبعد من ذلك! تخافين على المستقبل، ياليلى؟ ربما! ربما! فسدت النخب السياسية والفكرية، ياغادة، وعلى مدّ العين شعوب مدهشة بتضحيتها ووعيها! شعر زياد بعد موت منور بأنه لايستطيع أن يترك ليلى وحدها. وأنه بعد حرب حزيران لايتحمل أن يبتعد عنها. أغمض عينيه وقال لنفسه: كفى! مشى زمنا في شوارع الروضة، ثم قصد عيادة ليلى. لم يعرف هو نفسه كيف جمع روحه وقرر أن يتحدث إليها في ذلك اليوم! انتظرها في غرفة المرضى حتى خرج آخرهم وخرجت ليلى لتغلق عيادتها. فوجئت به: لماذا لم تخبرني بأنك هنا؟ كيلا أمنع المرضى من اللقاء بكِ! آه منك يازياد! اترك هذه المناورات! سأتركها ياليلى حالا! أمسك بيدها وأجلسها على مقعد أمامه: اسمعي ياليلى! كفى! فلنتزوج! تعرفين أني أحبك منذ أيام نوح، وأني صبرت صبر أيوب! أرجوك اقبليني، وأعدك بأنك لن تندمي! فلتكن العصمة في يدك كي تتركيني وقت تريدين. مارأيك؟ سأحجز لك طائرة تطوف بك سماء دمشق، وسأزينها بالزنبق الشامي والورد الجوري! رأى زياد أمامه ليلى لطيفة تحمرّ من الخجل وتضطرب. سألته: وستوقف طائرتك أمام عيادتي؟ أنهضها من الكرسي وعانقها، وأدهشه أن تسكن إلى كتفه. اجتاحه فرح، وضمها بقوة إلى صدره. لم يتحركا. ثم رفعت ذراعها إلى ظهره. فيما بعد سيغصّ كلما حاول أن يصف لها سعادته في تلك اللحظة. أمسك بكفها وقبّلها، وخرجا من العيادة. توقفت وسألته: أين الطائرة التي أوقفتها قرب عيادتي؟ وضع ذراعه في ذراعها: تركتها قرب بيتك! كان عمر قد نفذ مشروعه فانتقل إلى دمشق قبيل موت منور. وجد في المهاجرين عيادة واسعة مضيئة. رتّبها وزيّن جدران مكتبه بشهادات بيّنت لليلى أنه كان من المتفوقين. قال لها إنه قرر أن يدعو منور لتتفرج على عيادته. فابتسمت! يعتدّ بأن أمها معجبة به! لكن منور فاجأته بموتها في نيسان. ثم أتت أيام حرب حزيران الثقيلة. كان عمر يزور مدينته يوم الخميس عندما خابرته ليلى. سألته: مارأيك في زياد؟ وفهم لماذا تستشيره. أغلق الباب، وجلس قرب النافذة. خمن أن ليلى ستتزوج زيادا وتساءل لماذا؟ كي تهرب من هذه الأيام الحزينة؟ ربما تمارس حقها في السعادة برجل يحبها ولاتعرف بعد أنها أحبته. أم تراها ترمي نفسها بعيدا عن أحلامها القديمة؟ يدرك الآن أن صمت ليلى عما يمس قلبها يبيح له التخمين الذي يزيد من الشك ولايوصل إلى اليقين. كتب لها رسالة طويلة في كل سطر منها كلمات مشطوبة. وكانت البداية هي الصعبة فحذف الصفحة الاولى كلها. ثم حذف مقاطع كاملة. وأصبحت الرسالة الاولى التي تركها لنفسه مختلفة تماما عن الرسالة الموجزة التي ستجدها ليلى شهادة جيدة بزياد. فزياد وحده هو الذي سيوفر لها الاستثناء مما سماه الزواج العادي. "المسألة التي أتحاشى عادة أن أذكرها هي مسألة الزواج. أقول لك من كل قلبي: الزواج السوري الناجح لايصلح لك ولن تخسري إذا لم تسقطي فيه. لأن زوجك سوف يستبدل حياته معك بحياة أخرى أكثر جدا باعتقاده، حتى حينما يدّعي بأنه يحب أسرته. قد يذهب إلى المقهى وقد يقتني سيارة أو ينهمك في عمله، منفردا في ذلك بحياته النفسية وبمسؤوليته تجاه روح كاملة النضج تحيا بجواره. وسوف يواظب بالمقابل على حضوره إلى مكان وجودك متقبلا بحكم العادة جوارك لحياته المستقلة، مثلما يواظب الإنسان على وظيفة لايحبها ولايحب رئيسه فيها إلا أنه لن يفعل شيئا لتغيير الأمور. تكره المرأة الحساسة نفسها حين تهب جسدها لرجل لاتحبه، تتكرر عواطفها نحوه حتى درجة الحياد الميت. والرجل كذلك. وهو فوق ذلك يكره اشتهاءه امرأة لايحبها. والمؤسف أن الزواج الناجح ينقلب إلى تفسخ مشترك لإنسانية الرجل والمرأة مالم ينقلب إلى تحالف اقتصادي هدفه بناء ثروة مادية تخرج بهما من طبقة إلى طبقة. إن ذلك يلهيهما عن الحياة نفسها ويوفّر لهما إنسانية من النوع الرديء حين يبنيان امبراطورية تحمل اسمهما. وفي حال النجاح، وبعد ثلاثين عاما، يكتشف الإنسان بغتة أنه أمسى بورجوازيا آخر في بلد صغير. ينقذ هذا الزواج، ولكنه ينحرف به عن جوهره ويلغيه. يختلف الأمر بالنسبة لنا. فقد أطللنا على تراث من الثقافة يساعدنا في التحرر نفسيا من الرغبة في الانخلاع من مكاننا والاتجاه إلى طبقة أعلى. وهذا تمثلته أفكارنا تمثلا سليما وقويا. ومنه نستمد نفورنا من الباحثين عن الطبقة الأخرى وفشلنا في إنشاء الروابط بهم. إننا نؤمن بالحنين الإنساني الأصيل إلى العافية واليسر والوداعة. فالمثقف مشبع الأفكار والعواطف بهذه الأمور مجانا. ولكن ألا يختفي في نفوسنا نحن أيضا الوحش الذي نراه طليقا في عيون الآخرين. نحن أيضا رضعنا من الحليب الذي رضعوا منه، ونجد صعوبة في التحرر من إغراء الشبه بهم، ونخشى أن نكون شاذين عن السياق. حين يتحطم ياصديقتي بكثير من الألم أمل آخر في قلبك من آمال الصبا فإنك إنما تسمعين برهبة قرقعة غلّ بورجوازي صغير يتحطم في داخلك. ثقي بأن ماتحتقرينه يستحق الاحتقار. أما الحب الذي تحملينه للأشخاص الذين تقولين إنك تخشينهم فأطلقي له الحرية لأنه سليم الاتجاه. لاتشعري أبدا بأنك مغبونة العواطف في صفقة غير متكافئة. قد يفسّر ماأقوله الآن بخطوط عريضة علاقاتنا شديدة التعقيد مع أنفسنا ومع الناس. ليس من حب لاأحبك إياه. سنلتقي"! وضع عمر الرسالة في درجه وخرج. مشى على شاطئ النهر زمنا طويلا. تأمل بريق أنوار متفرقة في المياه. وهناك فهم أنه لن يرسل تلك الرسالة أبدا. بل سيرسل تلك الموجزة كالتهنئة! الرسالة التي شطب منها الكلمات الثقيلة، وأضاف إليها شيئا عن زياد "الشهم الذكي". وبدت كباقة من إشارات خاطفة لايميز من يقرأها الحب من الصداقة، ولايكتشف فيها الحزن المدثّر بالتهنئة! سيستبقي الرسالة الأصلية لنفسه حتى تصفرّ. لأنها هي فقط التي تؤدي ماأراد أن يبوح به، حتى بكلماتها الثقيلة عن البورجوازية الصغيرة! بعد أيام تزوجت ليلى. كان عمر مايزال في بلدته متوجسا من العودة إلى دمشق. فخابرته ليلى: أيمكن ألا تكون معي في هذا اليوم؟! استمع إلى صوتها فلم يتبيّن فيه فرحا أو حزنا. ولم يجسر أن يقول لها: انتظري! وفي العشاء الذي جمعهما ذلك المساء أدهشه أنه تفرج عليها في حرية، فاحصا خلجات روحها. بدت جميلة إلى حد لايصدق. فتساءل هل يهب الانتحار المنتحرين نوعا خاصا من الجمال؟ هل ذلك الجمال هو هدوء النفس بعد القرار الحاسم الذي عذبهم أن يصلوا إليه؟ كان ألم كالخنجر ينغرس في قلبه كلما ابتسم أو ابتسمت ليلى له. قال لنفسه لائما: ياعمر، يجب أن تقال الكلمات في أوانها! وردّ: تأخرتُ كثيرا! ولو قلتها الآن لكنت كمن يطعن زيادا في ظهره. ولسقطتُ أمام نفسي قبل أن أسقط أمام ليلى! ومع ذلك خيل إليه أنه بعد اليوم لن يفقد ليلى أبدا، وأنها ذات يوم ستعود إليه. وأدهشه ذلك اليقين. سأل نفسه في تلك الليلة هل تأخر حقا؟ يوم رتّب عيادته في دمشق وتمنى أن يعرضها لمنور كمن أصبح مؤهلا للزواج من ليلى، ماتت منور! ثم سقطت حرب حزيران كمصيبة غير متوقعة ولامنتظرة. بالرغم من المقدمات الواضحة التي أسّستها. ومنها الهجرة التي حملت آلاف الرجال والنساء في العراق وسورية والأردن خارج بلادهم هربا من القتل أو السجن. لم يكن حداد ليلى على أمها مناسبا لطلب الزواج. لأن خوفه على ليلى من الوحدة قد يصوّر لها أنها "ضلع قاصر" فيشعل غضبها. ولم تكن الأحزان الكبرى بعد حزيران مناسبة للزواج! كان ذلك واضحا في ملابس الحداد التي تمسكت بها ليلى! مشى عمر في شوارع دمشق في ليل معتم. بدا له حزن المدينة عميقا في ذلك الليل! كأن دمشق تخفي بالظلمة جرحها العميق! أين أنوار المطاعم والمقاهي، وأين نوافذ البيوت التي تنثر النجوم وتغري الخيال؟! ماتزال آثار حرب حزيران جارحة وثقيلة. وجد عمر نفسه يمشي في الشوارع التي مشى فيها إلى بيت ليلى القديم. هل يلتمس فيه ذكريات أقفلت ليلى عليها الباب واستدارت عنها إلى بيتها الجديد الذي اختاره زياد في الروضة قريبا من عيادتها؟! لمح ضوءا في نافذة ليلى. فتح عينيه ذاهلا. رآها وحيدة في غرفتها. وحيدة هناك في ليلة عرسها؟! هل قدمت لضيوفها مسرحية عندما خرجت مع زياد تاركة المدعوين يكملون السهرة؟! بدا زياد وليلى كمن يتفرج على باقات الزهر التي زينت قاعة في مطعم نادي الشرق، ثم تسللا خارجها. لكن عمرا الذي لم تفارق نظرته ليلى التقط تحيتها الخفية له وفهم أنها تودعه. انفتح جرح قلبه فوضع كفه على صدره كأنه يسنده. لكنه قال لليلى بنظرته الطويلة: كوني سعيدة! خذي كل ماأتمناه لك من الفرح! استمتعي بحب زياد! لم يخمّن أنها تنهي الاحتفال لتنصرف إلى بيتها، وأن زيادا سيودعها أمام بابها وينصرف وحده إلى بيتهما! لم يخابرها زياد في الصباح مع أنه تمنى أن يكون أول من يقول لها صباح الخير بعد زواجهما. لكنه سألها وقت الغداء ماذا تأكلين؟ وداعبها فسألها: وماذا تلبسين الآن؟ ملابس العروس أم مريول الطبيب؟ تمنى أن تدعوه إلى الغداء لكنها قالت: على الطاولة كومة من الخضار، خس وجزر وفجل وبقدونس! لذلك لاأدعوك إلى الغداء! ردّ: لن آتي ولو دعوتني، أترك لك مايستهوي الأرانب. لكن لابد من وجبة جيدة على العشاء! انتظرها زياد في المساء في غرفة الانتظار في عيادتها. بعد انصراف آخر مرضاها تعشيا معا في مطعم كازينو دمشق الدولي قرب أشجار الكينا الباسقة. وضع كفها بين كفيه على الطاولة كزوج محب. زها بخاتم الزواج وبدا كمن يعرضه لنفسه وللآخرين. سحرت ليلى سعادته، وفهمت كم يحبها. وشعرت أحيانا بالشفقة عليه. تساءلت هل يزيد الحب من جمال المرأة فقط؟ بل يزيد من جمال الرجل أيضا! أوصلها إلى بيتها بعد العشاء كخطيب صبور يحترم خطيبته ويخشى أهلها! ولاحظت أنه يبقى واقفا حتى تفتح الباب بالمفتاح، وعندئذ يرفع يده بما يشبه التحية العسكرية ويبتعد. لم يطلب منها مرة أن يدخل. ولم يقصدها مرة في البيت الذي ألف الجلوس فيه إلى منور. تفادى ذلك في دقة. لكنه كان يمر ببيتها في آخر الليل متسترا بالظلام كي يطمئن عليها! قالت له مرة أمام الباب عندما أوصلها بعد العشاء: لاتخطئ أبدا في التأويل والتفسير! لم يجبها بل هزّ رأسه مبتسما لها بملء وجهه. وخيل إليها أنه ينتظر أن تطلبه، هي. وكانت مخطئة. استبقاها لحظة في العيادة قبل أن يخرجا إلى العشاء. أجلسها أمامه: ياليلى، أما حان الوقت لتنتقلي إلى بيتنا؟ هوى قلبها. بيتنا؟ أين الأحلام التي تزين بها الفتيات "بيتنا"؟ وقت تستقل الشابة عن ذوق أمها وتنشر ذوقها؟ تنشئ المرأة عالما عندما ترتب بيتها ويغرقها ذلك في أفراحها. كان يمكن أن تفتح ليلى البوابات لهواها وتخترع دنيا تنافس بها الدنيا التي عرفتها! لكنها رفضت أن تنظر إلى المجلات التي عرضها لها زياد كي تنتقي منها فرش بيتها، ورفضت أن تتفرج على الفرش في مخزن كردوس في طريق الصالحية. سألها: ألا تريدين أن تتفرجي على الفرش الذي انتقيته لك؟ غيرّي ماتريدينه فيما بعد بذوقك ياليلى! أغمضت عينيها: فيما بعد، فيما بعد! لم تشتر ثوبا جديدا، لم تشتر قميصا للنوم، لم تشتر منشفة جديدة! سألها: هل نتعشى الليلة هناك؟ وخرجت معه إلى "بيتنا". دخلت من الباب وتجاوزته كيلا يحملها. في البهو مقعد واسع ومقعدان منفردان إلى جانبيه. غرفة الطعام واسعة فيها نباتات خضراء، وخزانة فارغة للكتب. فهمت ليلى أنه اشتراها لها. على الأرض سجادة جميلة كاشانية وبسط شرقية بهية الألوان ووسائد مبهجة. على النوافذ ستائر شفافة. مشت أمامه ولمحت من طرف عينيها غرفة النوم. يجب أن تدخل إليها كأنها أية غرفة أخرى. أطلت عليها من الباب. فراش عريض عليه غطاء فستقي فوقه ثوب نوم من الدانتيل الأبيض، ستائر فستقية، ضوء إلى جانب الفراش، جلد كبير على الأرض، بيرو مصدّف في طرف الغرفة عليه مزهرية قديمة تمتلئ بباقة كبيرة من الورود البيضاء والحمراء، طاولة صغيرة مصدفة عليها مرآة في إطار من الصدف ذات تاج لم تر له ليلى مثيلا، قربها ورود بيضاء وحمراء. على الأرض آنية من النحاس فيها باقة كبيرة من الورود البيضاء والحمراء. في زاوية الغرفة المقابلة آنية مثلها يكتظ فيها الورد. التقط إعجابها بالمرآة: أعجبتك؟ نقبت البلد عنها لأجلك. قالت: شكرا! هل كومت الأنقاض بعد التنقيب؟ طار من الفرح لأنها داعبته. لم يطل وقفته في غرفة النوم، خرج منها إلى البهو. هناك أيضا ورود حمراء وبيضاء. في الممر إلى المطبخ ورود حمراء وبيضاء. أطلت على المطبخ ورأت الورود الحمراء والبيضاء. ولمحت في الحمام مناشف بيضاء على طرف البانيو وورودا بيضاء وحمراء. نصف فرش البيت ورود! دمعت عيناها فأخفت الدموع بالكلام: بيت جميل. شكرا على الورد! سدّ باب المطبخ بذراعه: اجلسي في البهو. سأحضّر لك شايا بالياسمين! وسيكون العشاء حاضرا وقت تريدين! جلست وحمل لها صينية فيها فنجان وإبريق من الخزف الأبيض وكاتو مستطيل عليه اسمها فقط. سألته لتخفي ارتباكها: لماذا اخترت وردا أبيض وأحمر؟ وشعرت بأن سؤالها زاد من ارتباكها فاحمر خداها. قال: لأني بقيت سنوات أنوس بين اللونين! كنت أتمنى ياليلى أن أفرش لك الممر بالورد الأحمر فقط لتمشي عليه. لكن خشيت.. شربت الشاي: رائع! من أين أتيتَ به؟ أشرق وجهه. أمسك يديها ووضعهما على صدره فشعرت بخفقان قلبه. ضمها فجأة إليه. في تلك الليلة أغمضت عينيها وتمنت أن تقول: ياربي ساعدني لأقطع هذه المسافة بين الحزن والفرح! غرفة النوم دون ضوء. لكن في البيت ضوء رائق لعله ضوء الممر، يبقي الظلال ويسمح باليقظة والحلم. يستطيع كل منهما أن يرى شكل الآخر ويستطيع أن يميز ملامحه. فهم اضطرابها وحاول أن يهدئها بلمسات راحته على بشرتها. استمعت إلى هيامه بكل مايلمسه منها. أصغت يده إلى جسمها وحاولت أن تستشف روحها. عانقها وغمر وجهه بشعرها وشمّه. ثم ابتعد عنها ليتنفس. سمعته يلهث كأنه ركض زمنا طويلا. راقبت رجفة يده عليها وخجله من بوحه بحبه الذي لايجد الجواب عليه. كانت ساكنة تحاول أن تكبح حتى تنفسها. ورأته يلمس بيده ساقيها من الكعبين ثم يقبل ركبتيها. وفهمت أنه لايصدق أنه يمسك بها وأنه يلمسها. بقيت شفتاه على ركبتيها زمنا ظنت أنه يكاد يكون سنة وكتمت رعشتها. عندما عاد فعانقها تركت راحتيها تلمسان ظهره وشعرت بأنه جنّ من الفرح. قال: ليلى، هذا أهم يوم في عمري! كنت دائما خائفا من أن أفقدك! أمسك بك ولاأصدق أنك معي! سأكون كما تريدينني أن أكون، أحبيني فقط! تركها وخرج إلى البهو، شغّل المسجلة. أغنية فيروز "زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة". قال لها: أهديتك هذه الأسطوانة ذات سنة.. في رأس السنة! هل سمعتِني فيها؟ سألت نفسها: هل حدث ذلك حقا؟ كم يخجلها أنها لم تسمعه فيها وأنها نسيت تلك الأسطوانة! قالت لنفسها: ماأطول هذه الليلة! وردّت على نفسها: مجنونة! هل كانت منور تتمنى لك الحزن أم تريد لك الفرح؟ لافائدة! كأنها وتر مشدود! لاتستطيع أن تخفي عن زياد ذلك! هل يتركها؟ هل ستستعيد روحها وتصالح الفرح إذا تركها زياد وحدها هذه الليلة؟ كأنه استمع إليها. ربّت على شعرها في حنان. يفهم أن الخطأ في الليلة الأولى وخاصة مع ليلى لايغفر. وأنه قد يفقدها ولو كان زوجها. لكنه قال لنفسه في حزم: الليلة! ليس الطريق إلى ليلى من بشرتها بل من رأسها! تركها واستلقى على جنبه. ذكّرها وهو يلمس شعرها بطفولتهما. لعلك كنتِ في السابعة من العمر يومذاك.. كنتِِ في قميص نوم أبيض له قبة عالية. كنتِ في فراشك وجلستُ قربك فقلت لي: ابتعد، أريد أن أنام! نهضتُ وجلست على الأرض قرب سريرك. فدخلت أمك وقالت لكِ: ضيوفك على الأرض ياليلى؟! قلتُ لها: أنا الذي جلست على الأرض ياخالتي! أنهضَتني وعانقَتني. قالت: تتسترُ عليها، يازياد! في النهار تسلقنا شجرة الكينا معا، وفحصنا عش العصافير. تساءلت كثيرا ياليلى هل أحببتك منذ ذلك اليوم، أم منذ أوقفتني على عتبة الباب؟ ربطتِني كما ربطنا الزيز الأخضر الذي وجدناه على شجرة المشمش! متى تشائين تتركين الخيط لأطير، ومتى تشائين تضعينني في العلبة وترمين لي حبة توت أو حبة مشمش! لازلت أذكر يوم صادفتك في الطريق تضعين إشاربا بنفسجيا شفافا حول رقبتك، وتلبسين بلوزا أبيض وتنورة بنفسجية. كانت تلك أيام هواك اللون البنفسجي! قبل ذلك لم تلبسي إلا اللون الأزرق! هل تعرفين أني كنت أتأمل في متعة جواربك القصيرة المنشورة، عندما لاأجدك في البيت؟ حضرتُ فيلم "غرام بعد الظهر" عشر مرات لأن الممثلة تشبهك. كانت تلبس قمصانا بيضاء مثل قمصانك، وترفع قبّتها من النقرة كما ترفعين قبّتك! ابتسم: هل أذكّرك بأنك أوقفتني على عتبة البيت ومنعتني أن أتجاوزها وتركتني حائرا لاأجسر على الدخول إلى البيت ولاعلى النزول إلى الحارة؟! ربّت على زندها وهو يتحدث. ربّت على شعرها ورقبتها. نشر حنانه وهواه. اعترف لها بأنه مشى مرات في الليل قرب نافذتها، وتوقف قرب سياجها وتفرج عليها وهي تدرس. اعترف بأنه رأى قيسا يتسلق الحاجز ويرمي شيئا لم يتبينه، فابتعد لكنه بقي يلوب في الشارع في تلك الليلة حتى رآه ينصرف. احتضنها في لهفة. وشعر بأن روحها تتفتح. ومع ذلك احتاج إلى القوة التي ترغمها على أن تستسلم له من الحب لامن الضعف. رجاها: لاتتركيني! فقالت لنفسها: كفى! ارتجف زياد حتى خافت عليه من الموت. ولمسته لتطمئن هل هو حيّ. تلقى في شغف يدها التي هزّته. صحا بعد غيبوبته وأمسكها بذراعيه، احتضنها كالمتعبد، كأنها قدمت له الدنيا. وشعرت بأنه يوصد عليها ذراعيه كأنه يخاف أن تفلت منه. ظل يربّت على شعرها حتى شعر بأنها غفت. لكنها وهي تغفو قالت لنفسها: سأنسى هذه الليلة! لن أتذكرها أبدا! ثم سمعت نفسها تهمس: يامجنونة، هل الفرح عيب؟! استسلمي للسعادة! صحت في الصباح وهو يقبل أصابعها واحدا واحدا. كان قد رفع الغطاء حتى رقبتها. فابتسم عندما رآها تمد يديها لتظهر كتفيها. أسرع إلى المطبخ ليسخن الماء للشاي. عندما عبرت البهو رأت الفطور جاهزا على طاولة الطعام. وأمام الكرسي الذي قدّر أنها ستجلس عليه رأت باقة من الورد الأحمر! ابتسمت: عندك ورد أحمر جاهز إذن! أين كان مختبئا في الأمس؟ عانقها قبل أن تجلس: لاتضحكي مني! كان مخبأ في البرّاد! قاست بنظرة ماستغيره في الغرفة. وبعد الفطور مشت في البهو وتصورته كما سيكون، ووقفت أمام المكتبة الفارغة وتساءلت كيف سترتب فيها كتبها. مشت إلى النافذة وفتحتها ونظرت إلى البستان الذي تطل عليه. تفرج زياد عليها وتنهد: تشعر ليلى بأنها في بيتها! ـــــــــــ ــــــــ ــــ - 10 - - 11 -