أورهـان بامـوق غرابة في عقلي رواية ترجمة: عبد القادر عبد اللي ٢٠٠٩ KAFAMDA BIR TUHAFLIK Copyright © 2014, Yapi Kredi Yayinlan All right reserved غرابة في عقلي أورهان باموق ترجمة: عبد القادر عبد اللي الطبعـة العربيـة الأولـى ٢٠١٥ تصنيف الكتاب: أدب/رواية ٨ شـارع سيبويـه المصـري مدينة نصر ـ القاهرة ـ مصر تليفون: ٩٩٣٣٢٠٤٢ www.shorouk.com رقــم الإيـداع ٢٣٣٠٧/٢٠١٥ ISBN 978-977-09-3368-8 عن أورهان باموق ولد عام ١٩٥٢، وترعرع في حي نيشان طاشِ ضمن عائلة كبيرة كتلك التي وردت في «جودت بيك وأبناؤه» و«الكتاب الأسود». عاش طفولته حتى الثانية والعشرين من عمره وهو يرسم، وفي تفكيره أنه سيكون رسامًا في المستقبل كما شرح في كتابه «إسطنبول» الذي تناول سيرته الذاتية. درس الثانوية في روبرت كلج الأمريكية في إسطنبول. وبعد أن درس ثلاث سنوات في كلية العمارة في الجامعة التقنية في إسطنبول، قرر أنه لن يكون مهندسًا معماريًّا ورسامًا، ودرس الصحافة في جامعة إسطنبول. في الثالثة والعشرين من عمره قرر باموق أن يكون روائيًّا، وترك كل شيء ما عدا هذا المجال، وأغلق على نفسه الباب وبدأ يكتب. كان أحد كاتبين فازا بجائزة الرواية لمنشورات جريدة ملييت عن روايته الأولى «جودت بيك وأبناؤه». نشر الكتاب عام ١٩٨٢، وفي السنة ذاتها حاز جائزة أورهان كمال للرواية. نشر باموق في السنة التالية روايته الموسومة «البيت الصامت»، وحازت هذه الرواية بعد ترجمتها إلى الفرنسية جائزة «Prix de la Découverte Européenne» لعام ١٩٩١. كانت روايته «القلعة البيضاء» التي تروي علاقة صداقة وتوتر بين عبد من البندقية وعالم عثماني، وصدرت عام ١٩٨٥، أولى رواياته التي نقلته إلى العالمية من خلال ترجمتها إلى العديد من اللغات. غادر في العام ذاته إلى الولايات المتحدة مع زوجته، وعمل بين عامي ١٩٨٥- ١٩٨٨ عضو هيئة تدريسية زائرًا في جامعة كولومبيا. نشر روايته «الكتاب الأسود» التي تتناول أزقة إسطنبول وماضيها وكيمياءها ونسيجها بواسطة محامٍ يبحث عن زوجته المفقودة عام ١٩٩٠. حازت هذه الرواية التي تتحدث بالانفعال ذاته عن الماضي والحاضر بعد ترجمتها إلى الفرنسية جائزة الثقافة الفرنسية، ووسعت شهرته في تركيا والعالم. رزق باموق بفتاة أسماها رؤية عام ١٩٩١. نشر عام ١٩٩٢ سيناريو «الوجه الخفي»، وحاز جائزة أفضل سيناريو في مهرجان البرتقالة الذهبية السينمائي في أنطاليا. نشر عام ١٩٩٤ رواية بلغة شاعرية تتناول قصة طالب جامعي تأثر بكتاب مفعم بالأسرار بعنوان «الحياة الجديدة». في عام ١٩٩١ نشر روايته «اسمي أحمر» التي يتناول فيها المنمنمات العثمانية والإيرانية، وأشكال الرؤية والرسم خارج العالم الغربي. حازت هذه الرواية جوائز «Prix du Meilleur livre étranger» (٢٠٠٢) في فرنسا، و«Grinzane Cavour» (٢٠٠٢) في إيطاليا، و«International Impac-Dublin» (٢٠٠٣) في أيرلندة. اتخذ موقفًا نقديًّا من الدولة التركية عبر مقالاته التي كتبها في موضوع حقوق الإنسان والحرية الفكرية اعتبارًا من أواسط التسعينيات. نشر كتابه «الألوان الأخرى» وهو مختارات واسعة من المقالات الأدبية والثقافية التي كتبها في مختلف الجرائد والمجلات في تركيا وخارجها عام ١٩٩٩. نشر ما أسماه «روايتي السياسية الأولى والأخيرة» الموسومة «ثلج» عام ٢٠٠٢. تناول في هذه الرواية العنف والتوتر بين الإسلام السياسي والعسكر والعلمانيين والقوميين الأكراد والأتراك، وصنفتها «New York Times Book Review» واحدة من أفضل عشر روايات لعام ٢٠٠٤. يعتبر كتابه «إسطنبول» الذي نشره عام ٢٠٠٣ تجربة كتابية حول إسطنبول تناول فيها ذكرياته حتى الثانية والعشرين من عمره، وأغناه ببعض أعمال التصوير من مجموعته الخاصة ولمصورين أتراك وغربيين. تُرجمت كتبه إلى ٦٣ لغة وباع من كتبه اثني عشر مليون نسخة في العالم، ومنحته كثير من الجامعات دكتوراه شرف. حاز جائزة السلام التي يمنحها اتحاد الناشرين الألمان مُذ عام ١٩٥٠، وتعتبر أرفع جائزة ثقافية ألمانية. كما أن رواية «ثلج» حازت جائزة «Le Prix Médicis étranger» التي تُمنح في فرنسا كل عام لأفضل رواية أجنبية. في العام نفسه اختارته مجلة «Prospect» من بين مائة مثقف عالمي، وفي عام ٢٠٠٦ اختارته مجلة «Time» أحد أكثر مائة شخصية مؤثرة. باموق عضو شرف في الأكاديمية الأمريكية للفن والثقافة، وأكاديمية العلوم الاجتماعية في الصين، ويحاضر فترة معينة من كل عام في جامعة كولومبيا. وهو أول تركي يحوز جائزة نوبل عام ٢٠٠٦. في عام ٢٠٠٧ جمع كلمة جائزة نوبل بعنوان «حقيبة أبي» مع كلمتين بمناسبة جائزتين أخريين في كتاب حمل عنوان «كلمة نوبل». في عام ٢٠٠٨ نشر روايته الموسومة «متحف البراءة» والتي تناول فيها مواضيع العشق والزواج والصداقة والسعادة ببعديها الفردي والاجتماعي، وفي عام ٢٠١٠ نشر كتابه «أجزاء من المشهد» الذي تناول فيه مقالاته وحواراته التي تتناول حياته اعتبارًا من طفولته وعلاقاته الأدبية. جمع محاضراته التي ألقاها في جامعة هارفارد عام ٢٠٠٩ في كتاب بعنوان «الروائي البسيط والمفكر»، وصدرت عام ٢٠١١. افتتح عام ٢٠١٢ «متحف البراءة» في إسطنبول، وفي دليل المتحف نشر «براءة الأشياء»، وفي العام نفسه مُنح في الدانمرك جائزة «Sonning» تقديرًا لخدماته الجليلة للثقافة الأوربية. وفي عام ٢٠١٣ نشر كتابًا تضمن ما اختاره من كتبه؛ باعتباره أجمل المقاطع بعنوان «أنا شجرة». اختار منتدى المتاحف الأوربية «متحف البراءة» كأفضل متحف في أوربا لعام ٢٠١٤. نشرت روايته «غرابة في عقلي» التي عمل عليها ست سنوات في كانون الأول/ديسمبر من عام ٢٠١٤، وحاز جائزة أوقاف آيدن ضوغان للرواية لعام ٢٠١٥. أورهان باموق غرابة في عقلي قصة حياة بائع شراب البوظة مولود قرة طاش ومغامراته وأحلامه وأصدقائه وصورة حياة إسطنبول بين عامي ١٩٦٩-٢٠١٢ بعيون كثير من الأشخاص. رواية إلى «أصلي»، كان ثمة غرابة في عقلي، وشعور لا يعود إلى ذلك الزمان ولا إلى ذلك المكان. ويليام ووردزوورث، «بريلود» أول مـن يسـيّج قطعـة أرض، ويقول: «هـذه لي»، ويستطيع أن يجد بعض السذّج إلى درجة إقناعهم بهذا الأمر. هو المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني. جان جاك روسو «أفكار حول جذر عدم المساواة بين الناس وأساسها». عمـق الفـرق بين الـرؤى الشـخصية والـرؤى الرسمية لمواطنينا دليل قوة دولتنا. جلال صاليك، «مقالات» الجـزء الأول الخميس ١٧ يونية/ حزيران ١٩٨٢ ليس من العادة تزويج الصغيرة بوجود الكبيرة. شيناسي، زواج الشاعر لا تثبت الكذبة التي ستقال في الفم، ولا الدم الذي سينزف في العرق، ولا الفتاة التي ستهرب في الدار. مقولة شعبية من بيه شهير (منطقة إمرانلر) مولود ورائحة خطف الفتاة عمل صعب هذه قصة حياة بائع شراب البوظة ولبن الزبادي «مولود قرة طاش» وأحلامه. ولد مولود عام ١٩٥٧ في قرية فقيرة من قرى وسط الأناضول، تطل على بحيرة ضبابية في مكان من أقصى آسيا. جاء إلى إسطنبول في الثانية عشرة من عمره، وبقي يعيش هناك في عاصمة العالم. خَطَف فتاة من قريته وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وكان هذا أمرًا غريبًا حدد مسار حياته كلها. عاد إلى إسطنبول، وتزوجها، ورزق بابنتين. عمل دون انقطاع في أعمال مختلفة مثل بيع لبن الزبادي والمثلجات والأرز المطبوخ، ونادلًا. ولكنه لم يترك في أي وقت الأحلام الغريبة وبيع البوظة في أزقة إسطنبول مساء. بطلنا مولود طويل القامة، صحيح البنية ولكنه نحيف، وحسن المظهر. وجهه طفولي يثير شفقة النساء، وشعره خرنوبي ونظراته دقيقة وذكية. من أجل فهم القصة سأذكّر قرائي بين حين وآخر بخصوصيتي مولود الأساسيتين وهما: وجهه الطفولي حتى بعد الأربعين من عمره، واعتبار النساء له وسيمًا. ولن تبقى ضرورة للتذكير باستمرار بأن مولودًا متفائلٌ، وحسن النية ـ بالنسبة إلى البعض، ساذج وسترون هذا. لو تعرّف قرائي على مولود مثلي، سيعطون الحق للنساء اللواتي يرينه وسيمًا وطفوليَّ الوجه، ويسلّمون بأنني لم أبالغ من أجل تلوين قصتي. وبهذه المناسبة أود القول إنني لم أبالغ طوال هذا الكتاب المستند إلى أحداث واقعية، وسأكتفي بترتيبها بحيث أساعد قرائي على متابعة بعض المجريات الغريبة، وفهمها بشكل أفضل. من أجل أن تُفهم حياة بطلنا وأحلامه بشكل أفضل، سأبدأ من مكان في وسط القصة، وأتحدث عن خطف مولود لفتاة من قرية غمشدرة المجاورة لقريته التابعة لقضاء بيه شهير في قونية في حزيران/يونية ١٩٨٢. رأى مولود الفتاة التي وافقت على الهرب معه أول مرة في عرس في إسطنبول قبل أربع سنوات. وكان هذا عرسَ ابن عمه الكبير قورقوط الذي أقيم عام ١٩٧٨ في مجيدية كوي. لم يؤمن مولود في أي وقت بأن الفتاة الجميلة جدًّا والتي تعد طفلة (كانت في الثالثة عشرة من عمرها) قد أعجبت به. الفتاة هي شقيقة زوجة ابن عمه قورقوط، ورأت إسطنبول أول مرة عندما أتت بمناسبة عرس شقيقتها الكبرى. كتب لها مولود رسائل غرام على مدى ثلاثة أعوام. لم يأتِهِ ردٌّ منها، ولكن سليمان شقيق قورقوط الأصغر الذي يوصل لها الرسائل استمر ببث الأمل فيه، وطلب منه الاستمرار. سليمان الآن في أثناء خطف الفتاة يساعد ابن عمه مولودًا: عاد سليمان من إسطنبول إلى القرية التي قضى فيها طفولته مع مولود، وجلس على مقعد السائق في شاحنته الفورد الصغيرة. أعدّ الصديقان خطة الخطف بحيث لا يراهما أحد. ووفق هذه الخطة سينتظر سليمان مولودًا والفتاة التي يخطفها بالشاحنة الصغيرة في مكان على بعد ساعة من قرية غمشدرة، وفيما سيعتقد الجميع بأن العاشقين ذهبا باتجاه بيه شهير، سيتجه بهما نحو الشمال، ويتجاوز الجبال، ويقلّهما إلى محطة آقشهير للقطارات. راجع مولود الخطة أربع أو خمس مرات، وزار المواقع المهمة مثل النبع البارد، والوادي الضيق، والتل المشجر، والحديقة الخلفية لبيت الفتاة مرتين من قبل سرًّا. نزل من الشاحنة التي يقودها سليمان قبل نصف ساعة، ودخل مقبرة القرية الواقعة على الطريق، ونظر إلى شواهد القبور، ودعا الله، وتوسل إليه أن تسير الأمور كلها على ما يرام. لم يكن يستطيع الاعتراف بهذا لنفسه، ولكنه يشعر بعدم الثقة تجاه سليمان. فكر فيما لو لم يأتِ سليمان بالسيارة إلى المكان المتفق عليه عند رأس النبع. ومنع عن نفسه هذه الخشية لأنها تشوش عقله. يرتدي مولود بنطالًا قماشيًّا وقميصًا جديدين اشتراهما من دكان في بيه أوغلو في أثناء دراسته في المدرسة المتوسطة عندما كان يبيع مع والده اللبن، وفي قدميه حذاء اشتراه من شركة سومر بنك قبيل ذهابه إلى الجندية. بعد أن أظلم الجو بقليل، اقترب مولود من الجدران المهلهلة. كانت النافذة الخلفية لبيت والد الفتاة الأبيض «عبد الرحمن الرقبة العوجاء» مظلمة. وصل قبل عشر دقائق من الموعد. سار باتجاه البيت. سمع حفيفًا بين الأشجار، نادت الفتاة باسمه بما يشبه الهمس: «مولود!». كان هذا صوتًا حنونًا لواحدة قرأت رسائله التي أرسلها في أثناء الجندية، ووثقت به. تذكر مولود كتابته كل رسالة من مئات الرسائل بحب ورغبة، وكيف وهب نفسه بكل كيانه من أجل إقناع تلك الفتاة الجميلة، وبأحلام السعادة. وها هو في النهاية نجح بإقناع الفتاة. لم يكن يستطيع رؤية أي شيء، ولكنه سار باتجاه الصوت في الليل الساحر كالمسرنم. وجد أحدهما الآخر في الظلام. تماسكت الأيدي تلقائيًّا، وبدأ الركض. ولكن مولودًا ضيّع طريقه عندما بدأت الكلاب تنبح بعد عشر خطوات. حاول الركض بدافع غريزي، ولكن عقله مشوش. كانت الأشجار تظهر وتختفي وسط الليل كأنها جدران من الأسمنت المسلح، ويمران بجوارها دون أن يصطدما بها كما في الأحلام. عندما انتهى الدرب، أخذا يصعدان الطلعة التي ظهرت أمامها كما خطط مولود من قبل. كان الطريق الصاعد المتعرج بين الصخور حادًّا جدًّا كأنه يؤدي إلى السماء الحالكة الظلمة الملبدة بالغيم. سار كل منهما ممسكًا بيد الآخر قرابة نصف ساعة دون توقف إلى قمة التل. تظهر من هناك أضواء غمشدرة، وخلفها القرية التي ولد وترعرع فيها جَنّتْبِنار. سار مولود في الاتجاه المعاكس بدافع غريزي من أجل ألا يأخذها إلى قريته في حال لاحقهم البعض، وإزاء احتمال وجود خطة سرية لسليمان. ما زالت الكلاب تنبح بجنون. فهم مولود بأنه أصبح غريبًا عن القرية، ولم يعد يعرفه أي كلب من كلابها. بعد قليل سمع صوت طلق ناري من جهة غمشدرة. تماسكا، ولم يغيرا سرعة سيرهما، ولكنهما أخذا يركضان على السفح المنحدر حين عادت الكلاب للنباح بعد صمت قصير. تحتك الأوراق والأغصان بوجهيهما، وتعلق الأشواك بنهايتي كمي سرواليهما. لم يكن مولود يرى في الظلام، ويعتقد بأنه سيصدم بصخرة، ويسقط في أي لحظة، ولكن هذا لم يحدث. كان يخاف الكلاب، ولكنه أدرك بأن الله يحميه ويحمي رائحة، وبأنهما سيعيشان حياة سعيدة جدًّا في إسطنبول. عندما وصلا إلى آقشهير وهما يلهثان، كان مولود واثقًا من أنهما لم يتأخرا. وإذا أتى سليمان بالشاحنة، فلن يستطع أحد أخذ رائحة منه. كلما بدأ مولود بكتابة رسالة فكَّر بوجه الفتاة الجميل، وعينيها اللتين لا يمكن نسيانهما، وكتب في رأس الصفحة اسمها «رائحة» بانفعال وإتقان. لا يستطيع رؤية الفتاة التي خطفها في الظلام الآن. أراد أن يلمسها ويقبلها على الأقل، ولكن رائحة مانعته بشكل خفيف بواسطة الصرة التي تحملها. أعجب مولود بهذا. كان مصممًا على عدم لمس من سيُمضي حياته معها قبل الزواج. سار كل منهما ممسكًا بيد الآخر، وقطعا الجسر الصغير فوق نهر صَرب. كانت يد رائحة خفيفة ورهيفة كالطير. تهب من الوادي الهادر نسمة خفيفة البرودة محملة برائحة الغار والزعتر. أنير الليل بضوء بنفسجي، ثم أرعدت السماء. خاف من التقاط المطر لهما قبل سفر القطار الطويل، ولكنه لم يحث الخطى. بعد عشر دقائق رأيا من جوار نبع السُّعال مصابيح الشاحنة الخلفية البعيدة التي يقودها سليمان. كاد مولود يختنق من السعادة. وأدان نفسه لأنه شكّ بسليمان. وقد بدأ المطر بالهطول. ركضا بفرح، ولكنهما كانا متعبين ومصابيح شاحنة الفورد الصغيرة أبعد مما اعتقدا. وقد تبللا تمامًا بالمطر الغزير حتى وصلا إلى الشاحنة. صعدت رائحة مع صرتها إلى القسم الخلفي المظلم من الشاحنة. خطط مولود وسليمان لهذا من قبل: إزاء احتمال اكتشاف هرب رائحة، وتفتيش الدرك على الطرقات، ولكي لا ترى رائحة سليمان، وتعرفه. في أثناء جلوسهما، قال مولود: «لن أنسى أخوَّتك وصداقتك هاتيْن طوال حياتي!». ولم يستطع ضبط نفسه، وعانق ابن عمه بكل ما أوتي من قوة. ربط عدم إبداء سليمان الانفعال نفسه بجرح قلبه نتيجة عدم ثقته به. قال سليمان: «أقسمْ إنك لن تبوح لأحد بمساعدتي هذه». أقسمَ مولود. قال سليمان: «لم تستطع الفتاة إغلاق الباب الخلفي». نزل مولود، وسار في الظلام نحو مؤخرة الشاحنة الصغيرة. في أثناء إغلاق غطاء صندوق السيارة على الصبية، لمع البرق، وأنيرت الجبال والصخور والأشجار وكل مكان للحظة كذكريات بعيدة. رأى مولود وجه زوجته التي سيُمضي عمره كله معها لأول مرة عن قرب. كثيرًا ما سيتذكر طوال حياته تلك اللحظة، وذلك الشعور بالغرابة. بعد أن أقلعت الشاحنة، مد سليمان قطعة قماش أخرجها من درج قرب لوحة القيادة لمولود، وقال: «خذ هذه، وجفف نفسك». شم مولود قطعة القماش، وعندما قرر أنها ليست قذرة، انحنى نحو فتحة الصندوق الخلفي، وأعطاها للفتاة. بعد وقت طويل، قال سليمان: «لم تجفف نفسك أنت، ولا توجد قطعة قماش أخرى». يُصدر سقوط المطر على سقف الشاحنة صوتًا قويًّا، وتعمل الماسحات مصدرة صوتَ أنين غريب، ولكن مولودًا كان عارفًا أنهم يتقدمون باتجاه صمت عميق. كان ثمة ظلام حالك في الغابة التي تنيرها أضواء السيارة البرتقالية الشاحبة. كثيرًا ما سمع مولود عن لقاء الذئاب وبنات آوى والدببة بأرواح ما تحت الأرض بعد منتصف الليل، وكثيرًا ما قابل ظلال الشياطين والمخلوقات الأسطورية في أزقة إسطنبول ليلًا. كان هذا ظلام عالم ما تحت الأرض الذي تُدلي الجانُ بأذيالها المدببة، والعمالقةُ بأقدامها الضخمة، والعُورُ الدجالون بقرونهم المذنبون التائهون واليائسون. سليمان داعب مولودًا بالقول: «السكين لا تفتح فمك!». أدرك مولود أن الصمت الغريب الذي يدخله، سيستمر سنوات طويلة. في أثناء محاولته فهم كيف وقع بالفخ الذي نصبته له الحياة، كان يبني منطقًا من قبيل: «حدث هذا معي نتيجة نباح الكلاب، وتوهاني بالطريق». وعلى الرغم من معرفته الجيدة بأن هذا المنطق خاطئ، فهو يصدقه دون إرادة لأنه سلوان. قال سليمان: «هل هناك وضع سيئ؟». «لا». مصابيح الشاحنة التي تتباطأ في تعرجات الطريق الضيق والطيني حين تكشف الصخور وأشباح الأشجار والظلال الغامضة والأشياء المفعمة بالأسرار، ينظر إليها مولود بدقة، ويدرك أنه لن ينساها إلى آخر حياته. يصعدون منعطفَ الطريق الضيق تارة، وينزلون تارة، ويعبرون قرية ضاعت وسط الطين بصمت عبور اللص. تنبح الكلاب في القرى، ثم يبدأ صمت عميق ثانية مما يجعل مولودًا لا يجزم ما إذا كانت الغرابة في عقله، أم في الدنيا. رأى في الظلام طيورًا أسطورية. رأى حروفًا تشكلها خطوط عجيبة، وآثارَ جيوش شيطان عبرت من هذه الأماكن النائية قبل قرون. رأى ظلال الذين مُسخوا أحجارًا لارتكابهم المحرمات. قال سليمان: «احذر أن تندم، ليس ثمة ما يخيف، ولا من يلاحقكم. ما عدا الأب الرقبة العوجاء، لابد أنهم يعرفون بأن الفتاة ستهرب. احذر أن تذكرني أمام أحد. حينئذ سيكون إقناع عبد الرحمن الرقبة العوجاء أسهل. وخلال شهر أو شهرين سيسامحكما. وقبل نهاية الصيف تأتي مع زوجتك لتقبلا يده». في أثناء انعطاف الشاحنة من منعطف حاد في طلعة حادة، بدأت العجلات الخلفية تدور في الطين بالفراغ. تخيّل مولود للحظة بأن كل شيء قد انتهى، وأن رائحة عادت إلى قريتها، وهو إلى بيته في إسطنبول. ولكن الشاحنة تابعت طريقها. بعد ساعة أنارت مصابيح السيارة عدة بيوت متناثرة وأزقة آقشهير الضيقة. تقع المحطة خارج المدينة في الطرف الآخر منها. في أثناء إنزالهما في محطة آقشهير للقطارات قال سليمان: «احذرا من انفصال أحدكما عن الآخر!»، وأشار بنظره نحو الفتاة المنتظرة في الظلام حاملة صرة: «عليَّ ألا أنزل من السيارة لكي لا تراني. أصبحتُ مسئولًا عن هذه القضية. ستُسْعِد رائحة بالتأكيد، أليس كذلك يا مولود؟ أصبحت زوجتك، وانفلت السهم من القوس. نزهها قليلًا في إسطنبول». نظر مولود ورائحة إلى مصابيح الشاحنة الحمراء التي يقودها سليمان حتى اختفت بالظلام. دخلا بناء محطة آقشهير القديم دون أن يمسك أحدهما بيد الآخر. كان داخل البناء لامعًا بأضواء النيون. ألقى مولود نظرة إلى وجه الفتاة التي خطفها مرة ثانية، وبكل انتباه هذه المرة، وعن قرب، ووثق مما رآه عندما أغلق غطاء صندوق السيارة، ولم يصدّقه بأي شكل، وهرب بعينيه. لم تكن هذه الفتاة تلك التي رآها في عرس ابن عمه الكبير قورقوط. إنها أختها الكبرى التي كانت معها. أروْا مولودًا الفتاة الجميلة في العرس، وأرسلوا مكانها أختها الكبرى. خجل مولود بعد أن أدرك بأنه خُدع، ولم يستطع النظر إلى وجه الفتاة التي لم يتأكد ما إذا كان اسمها رائحة. من لعب عليه هذه اللعبة، وكيف؟ في أثناء سيره نحو كوة التذاكر في بناء المحطة، سمع صدى وقع قدميه كأنه صدى وقع قدمي شخص آخر بعيد. ستذكّرُ محطاتُ القطارات القديمة مولودًا بعدة الدقائق تلك إلى آخر حياته. اشترى تذكرتين إلى إسطنبول كمن يشتريهما في الحلم. قال الموظف: «سيأتي الآن»، ولكن القطار لم يأتِ. لم يفتحا فاهيْهما، ولم يقل أحدهما للآخر كلمة واحدة في أثناء جلوسهما على طرف مقعد في غرفة انتظار مليئة بالسلال والخُروج وزحام متعب. يتذكر مولود أن لرائحة أو الفتاة الجميلة التي يسميها رائحة أختًا أكبر. لأن اسم هذه الفتاة رائحة. بهذا الاسم ذكرها سليمان قبل قليل. ومولود أيضًا ناداها، وكتب لها رسائل غرام باسم رائحة، ولكن واحدة أخرى، أو على الأقل وجهًا آخر كان في عقله. فكر مولود بأنه لا يعرف اسم أختها الجميلة. لا يستطيع أن يدرك بوضوح كيف خُدع، وحتى إنه لا يستطيع أن يتذكر، وهذا ما يجعل الغرابة التي في عقله جزءًا من الفخ الذي وقع فيه. في أثناء جلوسهما على المقعد، نظر إلى يد رائحة فقط. مسك هذه اليد بعشق قبل قليل؛ وكتب رسائل غرام عبر فيها عن حلمه بإمساك هذه اليد؛ إنها يد متناسقة جميلة. كانت هادئة في حضنها، وأحيانًا ترتب طرف ثوبها أو كيسها بعناية. نهض مولود من مكانه، واشترى معمولتين دون سمسم بائتتين. فيما كان عائدًا إلى مكانه، نظر بانتباه مرة أخرى من بعيد إلى رأس رائحة المغطى ووجهها. إنه ليس ذلك الوجه الجميل الذي رآه في عرس قورقوط الذي ذهب إليه كاسرًا كلمة المرحوم والده. تأكد مولود مرة أخرى من أن هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها رائحة أو ينتبه إليها. ولكن كيف حدث كهذا؟ هل كانت رائحة منتبهة إلى أن مولودًا كتب رسائله لها وهو يفكر بأختها؟ «هل تريدين معمولًا؟». امتدت يد رائحة المتناسقة، وأخذت المعمول. لم يرَ مولود على وجه الفتاة انفعال العشاق الهاربين، بل تعبير الشكر. جلس مولود بجانب رائحة في أثناء تناولها المعمول ببطء وحيطة كأنها ترتكب ذنبًا. راقب حركاتها بطرف عينه. لم تكن لدى مولود شهية، ولكنه أكل المعمولة البائتة التي بيده لمجرد عدم معرفته ما يفعله بالضبط. جلسا دون أن يتحدثا بشيء. شعر مولود شعور التلميذ الذي يفكر بأن وقت دوام المدرسة لا يمر، وأنه لن ينتهي. كان عقله يبحث باستمرار عن خطئه الذي ارتكبه في الماضي، وأدى إلى وقوعه بهذا الوضع السيئ. دائمًا يخطر بباله العرس الذي رأى فيه الشقيقة الجميلة التي كتب لها الرسائل. لم يكن والده المرحوم مصطفى أفندي يريده أن يذهب إلى ذلك العرس، ولكن مولودًا هرب من القرية إلى إسطنبول. هل هذا ما يجب أن يكون نتيجة خطئه؟ نظرات مولود الموجّهة إلى داخله مثل مصابيح شاحنة سليمان الصغيرة تبحث بين ذكرياته شبه المظلمة وظلالها عما يفسر الوضع الحالي. القطار لا يأتي. نهض مولود، وذهب إلى البوفيه ثانية، ولكنها كانت قد أُغلقت. ثمة عربتا خيل تنتظران جانبًا من أجل نقل المسافرين القادمين بالقطار إلى المدينة، وأحد الحوذيّين يدخن سيجارة. ثمة صمت غير محدود في الساحة. رأى شجرة دلب عملاقة بجوار بناء المحطة القديم، فاقترب منها. نُصبت لوحة تحت الشجرة، ويسقط عليها ضوء شاحب من بناء المحطة. تحت شجرة الدلب هذه التي عمرها قرن شرب مؤسس جمهوريتنا مصطفى كمال أتاتورك القهوة عند زيارته آقشهير عام ١٩٢٢. مر اسم آقشهير عدة مرات في درس التاريخ في المدرسة، وفهم أهميتها في التاريخ التركي، ولكنه لا يتذكر الآن هذه الوثائق المكتوبة. أدان نفسه بسبب عدم كفاءته. لم يبذل الجهد الكافي في المدرسة ليكون طالبًا كما أراده معلموه. لعل هذا هو عيبه. كان في الخامسة والعشرين من عمره، وتفاءل بإمكانية سد ثغراته. عندما عاد، وجلس بجانب رائحة، نظر إليها مرة أخرى. لا، لا يذكر أنه رآها في العرس ولو من بعيد. وجدوا قاطرة فارغة في القطار الصدئ الذي يصدر صريرًا بعد أن جاء متأخرًا أربع ساعات. لم يكن ثمة أحد في المقصورة، ولكن مولودًا لم يجلس مقابل رائحة، بل بجانبها. عندما يهتز قطار إسطنبول على التحويلات والأمكنة البالية من السكة، يلامس ذراع مولود ـ وأحيانًا كتفه ـ ذراعها وكتفها. حتى هذا كان يبدو غريبًا لمولود. ذهب مولود إلى دورة مياه القطار، واستمع لطقطقة القطار المنبعثة من ثقب المرحاض المعدني كما كان يفعل في طفولته. عندما عاد، كانت الفتاة قد استغرقت في النوم. كيف تستطيع أن تنام بطمأنينة ليلة هربها من البيت؟ نادى مولود في أذنها: «رائحة، رائحة!». استيقظت الفتاة بشكل طبيعي كما تفعل واحدة اسمها رائحة، وابتسمت بشكل حلو. جلس مولود بجانبها بصمت. نظرا عبر النافذة كزوجين لم يبقَ لديهما بعد سنوات طويلة ما يمكن أن يتكلما فيه. كانا يشاهدان أحيانًا مصباح شارع في بلدة صغيرة، ومصابيح سيارة تسير في مكان ناءٍ، ومصابيح السكك الحديد الخضراء والحمراء، ولكن الجو في الخارج غالبًا حالك الظلمة لا يظهر شيئًا عدا انعكاس وجهيهما على زجاج النافذة. بعد ساعتين، ومع بزوغ الضوء، رأى مولود دموعًا تذرف من عيني رائحة. لم يكن ثمة أحد في المقصورة، والقطار يتقدم في منظر يبدو بنفسجيًّا مغطى بمنحدرات سحيقة. سألها مولود: «هل تريدين العودة إلى بيتك؟ هل أنت نادمة؟». بدأت رائحة تبكي أكثر. وضع مولود ذراعه على كتفها بشكل فاشل. لم يرتح، فسحب ذراعه. بكت رائحة طويلًا بألم. كان مولود يشعر بالذنب والندم. فيما بعد قالت رائحة: «أنت لا تحبني!». «لماذا؟». «كانت رسائلك مليئة بالغرام. لقد خدعتني. هل أنت كتبت تلك الرسائل حقيقة؟». قال مولود: «الرسائل كلها أنا كتبتها». ولكن رائحة استمرت بالبكاء. بعد ساعة نزل مولود في محطة أفيونحصار راكضًا، واشترى من بوفيه رغيف خبز، وعلبتي جبن مثلثات، وبسكويتًا. في أثناء تقدم القطار على طول نهر آقصو، تناولا إفطارهما مع شاي يبيعه ولد في صينية. كان مولود مسرورًا من متابعة رائحة وهي تشاهد عبر نافذة القاطرةِ المدنَ، وأشجار الحور، والجرارات، وعربات الخيل، والأولاد الذين يلعبون كرة القدم، والأنهار المتدفقة من تحت الجسور الحديدية. كل العالم، وكلُّ شيء كان غريبًا. عندما نامت رائحة بين محطتي ألايورت وألوكوي، أسندت رأسها إلى كتف مولود. لم يستطع مولود أن يخفي عن نفسه شعوره بالسعادة والمسئولية في آن واحد. دخل دركيان وشيخ إلى مقصورتهما، وجلسا. كان مولود يرى أعمدة الكهرباء، والشاحنات على الطرق المعبّدة، وجسور الأسمنت المسلح الجديدة إشارات على تطور البلد، ولا يُعجب بالشعارات السياسية التي تكتب على جدران المصانع والأحياء الفقيرة. استغرق مولود بالنوم مندهشًا من الاستغراق بالنوم. عندما توقف القطار في إسكي شهير، استيقظا معًا، وارتبكا للحظة كأن الدرك سيقبض عليهما، ثم ارتاحا، وتبادلا الابتسام. كانت ابتسامة رائحة من قلبها. لا يمكن للإنسان أن يعتقد بأنها تخفي شيئًا، وتمرر أفعى من تحت التبن. كان وجهها واضحًا ومرتاحًا ومنيرًا. يكتوي مولود بمنطق أنها تعاونت مع الذين احتالوا عليه، ولكنه عندما ينظر إلى وجهها، لا يستطيع إقناع نفسه بغير أنها بريئة. في أثناء اقتراب القطار من إسطنبول، تحدثا باستمرار عن المصانع الكبرى المصفوفة، واللهب المنطلق من مداخن مصفاة نفط إزميت، وضخامة سفن الشحن والنقطة من أطراف العالم التي تقصدها. أنهت رائحة المدرسة الابتدائية مثل أختها الكبرى والصغرى. تستطيع تعداد أسماء الدول الواقعة على شاطئ البحر دون صعوبة تذكر. فخر مولود بها. جاءت رائحة إلى إسطنبول مرة قبل أربعة أعوام إلى عرس أختها الكبرى. ولكن على الرغم من هذا سألت بتواضع: «هذه إسطنبول؟». قال مولود بثقة العارف بالموضوع: «أصبحت قرطل تعد من إسطنبول، ولكننا لم نصل بعد». أشار لرائحة نحو الجزر التي في الطرف المقابل. سيذهبان ذات يوم إلى الجزر للنزهة. ولكنهما لم يستطيعا أن يفعلا هذا ولو مرة واحدة خلال حياة رائحة القصيرة. الجزء الثاني الأربعاء ٣٠ مارس/ آذار ١٩٩٤ الآسيويون... يتناولون الطعام بداية، ثم يشربون البوظة... ثم يتشاجرون. ليرمنتوف، «بطل من هذا الزمان». مولود كل مساء شتوي على مدى خمسة وعشرين عامًا دعوا بائع البوظة براحته بعد اثني عشر عامًا من هروبه مع رائحة إلى إسطنبول، وفي ليلة حالكة الظلام في شهر آذار/مارس من عام ١٩٩٤، واجه مولود سلّة دُليت من الأعلى بسرعة وصمت. صوت طفل نادى: «بائع البوظة، بائع البوظة، لشخصين». نزلت السلة أمامه مثل ملاك نزل من السماء. لعل سبب دهشة مولود الشديدة هو نسيان الإسطنبوليين عادة الشراء من الباعة الذين يمرون من الزقاق بواسطة سلال يدلّونها من النوافذ. تذكّر أيام بيعه اللبن والبوظة مع والده في أثناء دراسته في المدرسة المتوسطة قبل خمسة وعشرين عامًا. أفرغ في وعاء المينا أكثر مما طلبه الولد من الأعلى، لم يفرغ كأسين، بل حوالي كيلو غرامٍ تقريبًا. وشعر بأن حالته جيدة كأنه تواصل مع ملاك. أحيانًا ينشغل عقل مولود وأحلامه بمواضيع الدين. في هذه النقطة، لابد من شرح شراب «البُوظَة» لمن لا يعرفه من قراء العالم، وللجيل القادم من القراء الأتراك الذي أتوقع أن ينساه بعد عشرين أو ثلاثين سنة مع الأسف. إنه شراب آسيوي تقليدي يحتوي على الكحول يصنع من تخمير الذرة البيضاء، وقوامه كثيف، ورائحته عطرة، ولونه يميل إلى الصفرة، ويجب ألا يُعتقد بأنه شيء غريب مثل قصتنا المليئة بالأحداث الغريبة. لأن شراب البوظة ساخن وسرعان ما يحمّض، كان يباع في إسطنبول القديمة في المرحلة العثمانية في الدكاكين شتاء. عند تأسيس الجمهورية عام ١٩٢٣، كانت قد أغلقت دكاكين البوظة تحت تأثير مشارب البيرة الألمانية. ولكن هذا المشروب التقليدي لم ينقطع من أزقة إسطنبول بفضل باعة مثل مولود. وبعد عام ١٩٥٠، لم يبع شراب البوظة سوى الباعة الذين يعبرون الأزقة المهملة المرصوفة بالحجارة وهم يصرخون: «بوووووظة»، ويذكرنا هذا الشراب بالقرون الماضية، والأيام الجميلة المفقودة. شعر مولود بتململ الولدين اللذين في الطابق الخامس، دس الورقة النقدية التي في السلة بجيبه، ووضع بقية النقود المعدنية بجانب وعاء المينا. وشد حبل السلة بشكل خفيف نحو الأسفل ليعطي إشارة لمن فوق كما كان يفعل أيام بيعه في الأزقة مع والده. فجأة ارتفعت سلة القصب. تتأرجح السلة إلى اليمين واليسار بتأثير الريح الباردة، وتصطدم بشكل خفيف ببروزات نوافذ الطوابق السفلية ومزاريب الماء مما يصعّب الأمر على الطفلين اللذين يسحبان من الأعلى. عندما وصلت السلة إلى الطابق الخامس، توقفت لحظة مثل نورس سعيد وجد الرياح المناسبة. وتابع مولود طريقه حين اختفت السلة في الظلام فجأة كأنها شيء غامض ومحظور. نادى في الزقاق شبه المظلم الذي أمامه: «بووووظة... بووووظة عال..». الشراء بالسلة عادة الزمن القديم، قبل أن يكون للأبنية مصاعد وآلية فتح أبواب بواسطة أزرار الأجراس، ومن النادر أن تشتري الطوابق الخامسة أو السادسة. لم تكن عادة الشراء بالسلة تقتصر على البوظة فقط عام ١٩٦٩ عندما بدأ مولود البيع مع والده، بل كانت سيدات البيوت اللواتي لا يرغبن بالنزول إلى الزقاق لشراء لبن الزبادي أو الحاجيات من صبي البقال يربطن جرسًا صغيرًا أسفل السلة التي يدلينها إلى الرصيف من أجل أن يسمع البائع الجوال أن هناك زبونة في الأعلى، ولعدم وجود هاتف في البيت لإبلاغ البقال. عندما يضعُ البائعُ اللبنَ أو البوظة بشكل مناسب في السلة، يهز الجرس مع السلة بشكل خفيف ليسمع الزبون في الأعلى. كان مولود يستمتع دائمًا بالفرجة على تلك السلال وهي تُسحب إلى الأعلى: أحيانًا تتأرجح السلال إلى اليمين واليسار فتصطدم بالنوافذ وأغصان الأشجار وأسلاك الكهرباء والهاتف وحبال الغسيل المشدودة بين الأبنية، ويُقرع الجرس أسفلها بتناغم ممتع. يضع بعض الزبائن الدائمين دفترَ الدين في السلة، ويسجل مولود وزن اللبن الذي وضعه على الدفتر قبل شد الحبل. لم يكن والده يعرف القراءة والكتابة، وقبل مجيء ابنه من القرية، كان يسجل على دفتر الدين بالخطوط (خط واحد للكيلو، ونصف خط لنصف الكيلو)، وكان يشعر بالاعتزاز وهو يتابع تسجيل ابنه الأرقام والملاحظات لبعض الزبائن (بالقشدة؛ الاثنين، الجمعة). ولكن هذه ذكريات الزمن القديم جدًّا. لقد تغيّرت إسطنبول في الخمسة والعشرين عامًا إلى درجة أن ذكرياته الأولى تلك تبدو له حكاية. كانت الأزقة كلها مرصوفة بالحجارة عندما أتى، وهي الآن مغطاة بالأسفلت. هُدمت غالبية البيوت ذات الطوابق الثلاثة المبنية وسط حديقة، وكانت تشكّل الجزء الأكبر من المدينة، وأنشئت مكانها أبنية كثيرة الطوابق لا يسمع سكان طوابقها العليا صوت البائع الذي يمر من الزقاق. وحل محل المذاييع تلفازات مفتوحة ليلًا باستمرار يمنع ضجيجها سماع صوت بائع البوظة. غابت أصواتُ المسحوقين الصامتين ذوي الألبسة الرمادية الكالحة، وحل محلها صخب زحام متململ ومتبجح. لم ينتبه مولود إلى هذا التغيير لأنه عاشه يوميًّا بشكل متدرج، ولم يتكدر مثل البعض بقول: «إسطنبول تتغير!»، ولكنه رغب دائمًا بمسايرة هذا التغيير الهائل، وذهب دائمًا إلى الأحياء التي يستقبل فيها بشكل جيد، ويُحب. مثلًا بيه أوغلو أقرب الأحياء إلى بيته وأكثرها ازدحامًا! قبل خمسة عشر عامًا، في نهايات السبعينيات، كان يستطيع البيع حتى منتصف الليل بسبب بقاء مقاصف الموسيقى شبه المعتمة، والملاهي، وبيوت الدعارة شبه السرية تعمل حتى تلك الساعة في أزقة بيه أوغلو الخلفية. سكان الأقبية المدفأة بالمدافئ، ومغنيات الملاهي وجليساتِ زبائنها والمعجبون بهن، ورجال متوسطو العمر متعبون ذوو شوارب قادمون من الأناضول يجلسون في الملاهي ويقدمون المشروبات للجليسات بعد إنهاء عملهم بالتسوق، وآخر مساكين إسطنبول، وسياحٌ عرب وباكستانيون يعتبرون الجلوس بجوار امرأة على طاولة ملهى من أكبر المتع، ونُدُل، وحراس، وبوابون يشترون بوظة من مولود حتى منتصف الليل. ولكن هذا النسيج كله اختفى بلمسة جني كما يحدث في هذه المدينة خلال السنوات العشر الأخيرة، وذهب أولئك الناس، وأغلقت تلك المحلات التي تُغنّى فيها الأغاني العثمانية التقليدية أو الأوربية الخفيفة، وفُتحت مكانها محلات صاخبة يؤكل فيها كباب أضنة ومشاوي، ويُشرب عرق. لم يعد مولود يعرّج على الأزقة المجاورة لشارع الاستقلال في بيه أوغلو؛ لأن الشاب اللاهي بهز البطن لا يهتم بالبوظة. في الساعة الثامنة والنصف من كل مساء شتوي على مدى خمسة وعشرين عامًا، وعند انتهاء أخبار المساء في التلفاز، يبدأ التحضير للخروج من بيته المُستأجر في طرلاباشِ، فيرتدي الكنزة البنية التي حبكتها زوجته، ويضع القبعة الصوفية على رأسه، ويربط المريلة الزرقاء لكي يؤثر على الزبائن، ويتناول الوعاء المليء بشراب البوظة الذي حلّته ونكّهته زوجته أو ابنتاه ببهارات خاصة، ويقدر وزنه بيده (يقول أحيانًا: قللتم الكمية هذا المساء، الجو بارد)، ويلبس المعطف الأسود، ويودّع أهل البيت. كان قديمًا يلتفت إلى ابنتيه، ويقول: «لا تنتظراني، ناما!» أما الآن فيقول لهما في أثناء مشاهدتهما التلفاز: «لن أتأخر!». أول عمل له في الخارج عندما يكون الجو باردًا هو تركيز مزراق السنديان الذي يحمله منذ خمسة وعشرين عامًا على كتفيه خلف رقبته، وربطُ وعائي البلاستيك المليئين بالبوظة بعلاقتيه، وكما يتفقد الجندي الذاهب إلى الحرب رصاصه ما إذا كان في مكانه للمرة الأخيرة، يتفقد أكياس الحُمص المحمص والقرفة الصغيرة (كانت زوجته أو ابنتاه المتململتان يملآن أكياس النايلون تلك التي بقدر إصبع بالحمص المحمص والقرفة، وأحيانًا يملؤها بنفسه) في زناره وجيوب سترته الداخلية، ويبدأ مسيرًا لا ينتهي. «بووووظة عال..». يصل إلى الأحياء العلوية بسرعة، وينعطف من التقسيم، ويحث الخطى نحو المكان الذي سيذهب إليه في ذلك اليوم، ويبيع باستمرار ما عدا نصف ساعة يحتسي فيها القهوة ويدخن سيجارة. حين نزلت سلة الشراء من السماء كأنها ملاك، كانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف، وكان مولود في بنغالطِ. في العاشرة والنصف، وعندما كان في أزقة «غُمش صويو» الخلفية، انتبه إلى وجود عصابة كلاب في الزقاق المؤدي إلى الجامع الصغير منذ عدة أسابيع. لم يكن مولود حتى زمن قريب يخاف من كلاب الأزقة الشاردة لأنها لم تكن تتعرض للباعة الجوالين في الأزقة، ولكنه ارتبك عندما حث الخطى بدافع غريزي غريب. يعرف أن الكلاب الشاردة تلتقط رائحة الخائف، وتهاجمه فورًا. أراد أن يفكر بشيء آخر. حاول أن يفكر بممازحات ابنتيه في أثناء مشاهدتهما التلفاز، وأشجار السرو في المقابر، وحديثه مع زوجته عندما يعود إلى البيت بعد قليل، وقول حضرة الأفندي: «حافظوا على نظافة قلوبكم»، والملاك الذي رآه في الحلم قبل فترة. ولكنه لم يستطع انتزاع خوفه من الكلاب من قلبه، ورميه. هناك كلب وسيم أطلق: «عو عو عو عو». اقترب كلب آخر كان يسير خلفه ببطء. كان من الصعب تمييزها في الظلام، فهي من لون الطين. رأى مولود كلبًا أسود آخر من بعيد. بدأت الكلاب كلها بالنباح، بما في ذلك كلب رابع لم يره. سيطر على مولود خوف من النوع الذي لم يشعر به طوال حياته بائعًا سوى مرتين عندما كان طفلًا. لم يستطع تذكر الآيات والأدعية التي يجب أن تُقرأ في مواجهة الكلاب، كما لم يستطع أن يتحرك من مكانه. ولكن الكلاب مستمرة بالنباح. كان مولود يبحث بعينيه عن باب مفتوح يهرب إليه أو عتبة يمكنه اللجوء إليها. هل يمكنه أن يُنزل المزراق عن كتفيه، ويستخدمه كعصا؟ فُتحت نافذة، وأطلق أحدهم صوت: «وشت! اتركوا بائع البوظة ولاه.. وشت.. وشت..». جفلت الكلاب للحظة، ثم قطعت نباحها، وانسحبت صامتة. شعر مولود بالامتنان للرجل الذي في نافذة الطابق الثالث. قال الذي في النافذة: «عليك ألا تخاف يا بائع البوظة. هذه الكلاب سافلة تعرف من يخاف فورًا، حسنٌ؟». قال مولود: «تسلم!»، وما إن أراد متابعة طريقه. «تعالَ لنشتري منك قليلًا من البوظة!». لم تعجب مولودًا نظرة الرجل المتعالية، ولكنه سار نحو الباب. أصدر الباب أزيز آلية الفتح الكهربائية من الأعلى، وفُتح. تفوح في الداخل رائحة غاز موقد وزيت مقلي وطلاء زيتي. صعد مولود درج ثلاثة طوابق دون استعجال. لم يوقفوه على الباب، وعاملوه معاملة الطيبين في الزمن القديم: «ادخل يا بائع البوظة، لا بد أنك بردت». كانت ثمة صفوف أحذية عند الباب. في أثناء انحنائه ليفك حذاءه، خطر بباله صديقه القديم فرحات. قال له ذات مرة: تقسم أبنية إسطنبول إلى ثلاثة أقسام: ١. بيوت المتدينين التي تخلع الأحذية أمام أبوابها، وتقام فيها الصلاة. ٢. بيوت الأغنياء المتأوربين التي تدخلها بحذائك. ٣. بيوت الأبنية العالية الجديدة التي يسكنها النوعان. كان هذا بيتًا في حي غني، وليس ثمة من يخلع حذاءه، ويضعه أمام الباب هنا، ولكن مولودًا شعر بأنه في أحد الأبنية الكبيرة التي تعيش فيها كل أنواع العائلات المتدينة أو المتأوربة. كان مولود يخلع حذاءه باحترام عند باب الشقة دائمًا سواء كانت لمتوسط الحال أو لغنيّ. لم يكن يردّ على قول أصحاب البيت: «لا ضرورة لخلع حذائك!». تفوح رائحة مشروب عرق كثيفة من الشقة التي دخلها مولود. سمع صداح أناس مستمتعين وصلوا إلى النشوة قبل الوصول إلى نهاية السهرة. جلس ستة أو سبعة رجال ونساء إلى طاولة سفرة تكاد تملأ البهو الصغير، ينظرون إلى تلفاز صوته مرتفع كما في البيوت كلها، وفي الوقت نفسه يتضاحكون ويتحدثون وهم يشربون. حين انتبهوا لدخول مولود إلى المطبخ، خيّم الصمت على الطاولة في الداخل. قال له رجل ثمل تمامًا في المطبخ: «أعطنا قليلًا من البوظة يا بائع البوظة». لم يكن هذا الذي رآه بالنافذة. «هل يوجد حمصٌ محمص وقرفة؟». «يوجد». يعرف مولود أنه لا يُسأل واحد كهذا كم كيلو يريد. «كم شخصًا؟». يسخر الرجل الذي سأله: «كم شخصًا؟» في البهو الذي لا يراه الآن، وقد استغرق عد أنفسهم، ومزاحهم في أثناء العد وقتًا طويلًا. نادت امرأة لم يرها من الداخل: «يا بائع البوظة، إذا كان الشراب حامضًا جدًّا، فأنا لا أريد». رد عليها مولود مناديًا: «شرابي حلو!». قال صوت رجل: «لا تصب لي إذًا. أفضَلُ شراب بوظة هو الحامض». بدأ النقاش فيما بينهم. قال صوت ثمل آخر: «تعالَ إلى هنا يا بائع البوظة!». انتقل مولود من المطبخ إلى البهو، وشعر بأنه مختلف وفقير. خيّم صمت للحظة، وحدث جمود. ابتسم له كل من حول الطاولة، ونظروا بفضول. كان هذا في الوقت نفسه فضولٌ لرؤية ما بقي في الزمن القديم، وانقضى طرازه، وطالما رأى مولود هذه النظرات في الفترة الأخيرة. قال رجل له شوارب: «يا بائع البوظة، أي شراب بوظة مقبول أكثر: الحلو، أم الحامض؟». النساء الثلاث صبغن شعرهن بالأصفر. رأى مولود الرجل الذي أنقذه من الكلاب قبل قليل يجلس على طرف الطاولة مقابل امرأتين شعرهما أصفر. قال: «شراب البوظة الحامض مقبول، وكذلك الحلو». كان هذا جوابًا محفوظًا يجيب به على مدى خمسة وعشرين عامًا. «بائع البوظة، أنت تكسب نقودًا من هذا العمل؟». «نكسب والحمد لله». «هذا يعني أن هذا العمل يُدخل نقودًا... منذ كم سنة تعمل بهذا العمل؟». «أنا أبيع البوظة منذ خمس وعشرين سنة. قديمًا كنت أبيع اللبن صباحًا أيضًا». «تمارس هذا العمل منذ خمس وعشرين سنة، وتكسب نقودًا، يجب أن تكون غنيًّا، أليس كذلك؟». قال مولود: «مع الأسف نحن لم نستطع أن نكون أغنياء». «لماذا؟». «أقرباؤنا الذين أتوا معنا من القرية كلهم أغنياء الآن، ولكن مع الأسف لم يُكتب لنا نصيب نحن». «لماذا لم يكتب لك النصيب؟». قال مولود: «لأنني مستقيم. أنا لا أكذب ولا أبيع بضاعة خربة ولا آكل حرامًا من أجل أن يكون لديَّ بيت، وأقيم عرسًا جيدًا لابنتيَّ». «هل أنت متدين؟». كان مولود مدركًا أن لهذا السؤال معنى سياسيًّا في البيوت الغنية. فاز بالانتخابات التي أجريت قبل ثلاثة أيام الحزب الديني الذي أعطاه غالبية الفقراء أصواتهم. المرشح الذي أصبح رئيس بلدية إسطنبول بشكل غير متوقع، منحه مولود صوته لأنه متدين؛ ولأن بناته تذهبن إلى مدرسة بيالة باشا في قاسم باشا. قال مولود بمكر: «أنا بائع، هل يمكن للبائع أن يكون متدينًا؟». «لماذا لا يمكن؟». «أنا أعمل بشكل دائم. كيف ستؤدي صلواتك الخمس إذا كنت في الشوارع من الصباح إلى المساء؟». «ماذا تفعل صباحًا؟». «أنا عملت كل شيء... بعت أرزًا مطبوخًا بالحمص ومثلجات، وعملت نادلًا ومديرًا... أستطيع عمل كل شيء». «مدير ماذا؟». «بوفيه بينبوم. كانت في بيه أوغلو، ولكنها أغلقت. هل تعرفونها؟». قال الرجل الذي كان في النافذة: «ماذا تعمل الآن صباحًا؟». «حاليًّا لا أعمل شيئًا». قالت امرأة شقراء حلوة الوجه: «أليست لديك زوجة وأولاد؟». «لديَّ. الحمد لله، لديَّ بنتان مثل ملاكين». «سترسلهما إلى المدرسة، أليس كذلك؟.. وهل ستغطي لهما رأسيْهما عندما تكبران؟». قال مولود: «نحن فلاحون قادمون من مكان ريفي، ومرتبطون بعاداتنا». «لهذا تبيع البوظة؟». «أكثر أناسنا القادمين من عندنا إلى إسطنبول، يأتون لبيع لبن الزبادي أو البوظة. ولكن إذا أردتم الحقيقة فإننا هناك لا نعرف اللبن ولا البوظة». «أي أنك رأيت البوظة في المدينة أولًا؟». «نعم». «كيف تعلمت النداء مثل بائعي البوظة؟». «ما شاء الله، لديك صوت جميل جدًّا مثل مؤذن جيد». قال مولود: «صوت بائع البوظة المبحوح هو الذي يساعده على بيع البوظة». «بائع البوظة، ألا تخاف ليلًا في الأزقة المظلمة؟.. ألا تشعر بالضيق؟». «جناب الله يساعد بائع البوظة المسكين. دائمًا تخطر ببالي أمور جميلة». «حتى عندما ترى الكلاب والشياطين والجنيات في الأزقة المظلمة النائية والمقابر؟». صمت مولود. «ما اسمك أنت؟». «مولود قرة طاش». «مولود أفندي، هيَّا أرنا كيف تنادي على البوظة». رأى مولود كثيرًا من طاولات السكارى كهذه. في أولى سنوات عمله بائعًا متجولًا، بعد طرح أسئلة من قبيل: «هل توجد في قريتكم كهرباء؟»، (لم يكن فيها حين أتى إلى إسطنبول، ولكنها وصلت عام ١٩٩٤)، «هل ذهبت إلى المدرسة؟» استمع لأسئلة سكارى مثل: «ماذا شعرت حين ركبت المصعد أول مرة؟ متى ذهبت أول مرة إلى السينما؟». كان مولود يجيب الزبائن الذين يدخلونه إلى غرفة الجلوس عن هذه الأسئلة أجوبة تمتعهم، ولم يكن يخجل من تظاهره بمزيد من السذاجة، وتجربة مدنية أقل، وغباء أشد، أما أمام زبائنه الدائمين والقريبين فقد كان ينادي نداء بائع البوظة دون أن يترك لهم مجالًا للإلحاح. ولكن هذا كان في الزمن القديم. يشعر مولود الآن بغضب لا يستطيع تحديد سببه. لولا امتنانه من الرجل الذي أنقذه من الكلاب، لقطع الحديث، وقدّم لهم البوظة، وغادر. سأل: «كم شخصًا يريد بوظة؟». «آآآ، أنت لم تضع البوظة في المطبخ؟ نحن اعتقدنا أن الشراب سيأتي من المطبخ». «من أين تجلب البوظة أنت؟». «أحضّره بنفسي». «لا تقلها... كل باعة شراب البوظة يجلبونه من محل وفا للبوظة». قال مولود: «هناك مصنع في إسكي شهير أيضًا. ولكنني أشتري الشراب الخام الأقدم والأفضل من محل وفا، وأحضره بإضافة موادي الخاصة، وأجعله جاهزًا للشرب». «أي أنك تضيف إليه السكر في البيت؟». «حموضة شراب البوظة وحلاوته طبيعية». «لا تقلها يا هذا، وهل هذا ممكن؟ شراب البوظة حامض. وما يعطيه حموضته هو تخميره مثل النبيذ وكحوله». قالت إحدى النساء رافعة حاجبيها دهشة: «هل يوجد في البوظة كحول؟». قال أحد الرجال: «يا بنت، أنتِ لا علم لكِ بشيء! البوظة مشروب عثماني في زمن منع الخمر والكحول. لم يغلق مراد الرابع الذي كان يتنكر ويجوب في الليالي الخمارات والمقاهي فقط، بل محلات البوظة أيضًا». «لماذا كان يغلق المقاهي؟». بدأ جدل طالما شهده مولود على طاولات السهارى في الخمارات. وقد نسوه. «يا بائع البوظة، قل أنت: هل يوجد في البوظة كحول؟». قال مولود وهو يعرف أن هذا ليس صحيحًا: «لا يوجد في البوظة كحول». ووالده أيضًا كان يقول هذا وهو يعرف أنه غير صحيح. «وهل هذا ممكن يا بائع البوظة؟.. يوجد في البوظة كحول، ولكنه قليل جدًّا. كان المتدينون الذين يريدون أن يثملوا في الفترة العثمانية، يقولون: «لا يوجد في البوظة كحول يا عزيزي»، ويشربون عشر كئوس براحة، ويثملون. ولكن أتاتورك عندما سمح بالعرق والخمر في عصر الجمهورية قبل سبعين سنة، لم يبقَ للبوظة معنى». قال الثمل المدبب الأنف لمولود وهو ينظر إليه نظرة استفزازية: «لعل البوظة والمحظورات الإسلامية تفرض ثانية... ما رأيك بنتائج الانتخابات؟». قال مولود دون أن يخرب موقفه: «لا، لا يوجد في البوظة كحول، ولو كان فيه لما بعته أصلًا». قال أحد الرجال لآخر: «انظر، أرأيت؟ الرجل ملتزم بدينه، وليس مثلك». قال الرجل الدقيق الأنف: «تكلم عن نفسك أنت. أنا ملتزم بديني، وأشرب عرقي بآن واحد. بائع البوظة، أنت تقول لا يوجد كحول في البوظة لأنك تخاف؟». قال مولود: «أنا لا أخاف من غير الله». «واه! هل وصلك الجواب؟». «ألا تخاف من الكلاب الشاردة واللصوص في الليل؟». قال مولود مبتسمًا: «لا أحد يعترض بائع بوظة فقيرًا». وهذا جواب كثيرًا ما يجيب به. «لا يعترض قطاع الطرق وأهل السلب والنهب واللصوص بائع البوظة. أنا أعمل بهذا العمل منذ خمس وعشرين سنة، لم أسلب ولو مرة واحدة. الجميع يحترمون بائع البوظة». «لماذا؟». «لأن البوظة مشروب آلَ إلينا من أجدادنا القدماء. اليوم لا يوجد في أزقة إسطنبول أربعون بائع بوظة. قليلون جدًّا الذين يشترون البوظة مثلكم. الغالبية تسمع صوت بائع البوظة، وتتخيل الزمن القديم، وتشعر بنفسها قد تحسنت. وهذا ما يحافظ على استمرارية بائع البوظة، ويسعده». «أنت متدين؟». على الرغم من معرفة مولود بأن هذه العبارة تخيفهم، قال: «نعم، أنا أخاف من الله». «هل تحب أتاتورك؟». قدم مولود معلومة قائلًا: «حضرة الماريشال الغازي مصطفى كمال باشا ذهب إلى نواحينا، إلى آقشهير سنة ١٩٢٢. ثم أسس الجمهورية في أنقرة، وفي النهاية أتى إلى إسطنبول، ونزل في فندق بارك في تقسيم... يطل من نافذته ذات يوم، ويشعر بنقص في نشوة إسطنبول وصوتها. يسأل مساعده، فيجيب: «يا حضرة الغازي، منعنا الباعة الجوالين من دخول المدينة لتوقعنا أنكم ستغضبون لأنهم غير موجودين في أوربا». هذا ما أغضب أتاتورك كثيرًا. يقول: «الباعة الجوالون هم بلابل الأزقة، وفرح إسطنبول وحياتها. احذروا من منعهم» ومنذ ذلك اليوم باعة إسطنبول الجوالون أحرار». قالت إحدى النساء: «عاش أتاتورك». كرر بعض الجالسين حول الطاولة: «عاش أتاتورك»، ومولود أيضًا شاركهم. «حسنٌ، إذا وصل المتدينون إلى الحكم، أفلن تصبح تركيا مثل إيران؟». «لا تهتم بهذا، الجيش لا يسمح لهؤلاء المتدينين. ينفذُ انقلابًا، ويحظر حزبهم، ويلقيهم جميعًا في السجن. أليس كذلك يا بائع البوظة؟». قال مولود: «أنا بائع بوظة، لا أتدخل بالسياسة العليا. السياسة عملكم، وعمل الكبار». كانوا سكارى، ولكنهم أدركوا أن مولودًا مَسَّهم بكلامه. «يا بائع البوظة، أنا مثلك بالضبط. لا أخاف سوى من الله ومن حماتي». «يا بائع البوظة، هل لديك حماة؟». قال مولود: «مع الأسف، لم أتمكن من معرفتها». «كيف تزوجت؟». «عشقنا، وهربنا. لا يقدم على هذا أي شخص». «كيف تعارفتما؟». «تبادلنا النظر في عرس أقربائنا، وعشق أحدنا الآخر. وكتبت لها رسائل على مدى ثلاث سنوات». «حبًّا بالله يا بائع البوظة. لست قليلًا». «ماذا تفعل السيدة الآن؟». «تعمل أعمالًا يدوية في البيت. أشغالها أيضًا لا تستطيع أي امرأة عملها». «يا بائع البوظة، إذا شربنا من البوظة، فهل نسكر أكثر؟». قال مولود: «بوظتي لا تسكر، أنتم ثمانية أشخاص، سأعطيكم كيلوين». عاد إلى المطبخ، ولكنه استغرق كثيرًا بتقديم البوظة والحمص والمحمص والقرفة، وقبض النقود. لبس مولود حذاءه بحزم وسرعة استمدهما من زمن انتظار الزبائن بالدور، واضطراره للاستعجال. نادوه من الداخل: «يا بائع البوظة، انتبه، في الخارج مطر وطين، احذر من سلب اللصوص، وتقطيع الكلاب لك!». قالت إحدى النساء: «يا بائع البوظة، عرِّج مرة أخرى». كان مولود يعرف جيدًا أنهم لن يطلبوا بوظة مرة أخرى، وأنهم نادوه من أجل سماع صوته، ولمجرد أن يكون تسلية على طاولة المشروب وليس من أجل شراء البوظة. بردُ الشارع جعل حالته أفضل. «بوووووطة.». على مدى خمسة وعشرين عامًا رأى بيوتًا كثيرة كهذا البيت، وأناسًا كثيرين، عائلات كثيرة. في نهاية السبعينيات رأى هذا النوع من طاولات السكارى كثيرًا بين أصحاب الملاهي، والمقامرين، والفتوات، والقوادين، والعاهرات في أزقة بيه أوغلو ودولاب درة الخلفية المظلمة. كان مولود يعرف جيدًا كيف يتجنب العلقة بين أيدي السكارى، ويسايرهم بحسب مقولة الحاذقين في الجيش: «دون أن يلفت نظر أحد»، ويخرج إلى الزقاق ثانية. منذ سنوات أصبح قليلًا ما يدعى إلى داخل البيوت، ووسط العائلات. قبل خمسة وعشرين عامًا، كان الجميع تقريبًا يُدخلونه إلى بيوتهم، وكثير منهم يسألونه: «هل أنت بردان؟ هل تذهب صباحًا إلى المدرسة؟ هل تريد شايًا؟»، ويدعوه بعضهم للجلوس في البهو، وحتى يُجلسوه على طاولاتهم. لم يكن يستمتع بتلك الضيافات وتلك الشفقة، ويخرج بسرعة لأن عملًا كثيرًا كان لديه في ذلك الزمن، ويجب أن يوصل التوصيات لزبائنه الدائمين. أدرك مولود أنه تصرف بضعف نتيجة اهتمام البعض به أول مرة بعد زمن طويل. فوق هذا كان جمعًا غريبًا. لم تكن جلسات المشروب المختلطة كهذه تعقد قديمًا في بيوت العائلات ذات المطابخ. قال صديقه فرحات ما بين المزاح والجد: «لماذا يشرب الناس شرابك ذا الدرجات الثلاث كحول بينما يمكنهم شراء عرق عيار خمس وأربعين، ويشربونه عائليًّا بكل راحة؟ لم يعد الناس بحاجة إلى البوظة من أجل أن يسكروا». ولج الأزقة الجانبية النازلة إلى فندقلي، ترك نصف كيلو لزبون دائم بسرعة، وفي أثناء خروجه من البناء رأى ظلين مثيرين للشك، لو اهتم بمن يعتقد أنه مثير «للشك» (كما في أحد الأحلام)، فإن مثيري الشك يمكن أن يؤذوا مولودًا فيما لو أدركوا ما يفكر فيه نحوهم. ولكن عقله انشغل بالظلَّين. التفت إلى الخلف بدافع غريزي ليرى ما إن كان خلفه كلب، فتأكد من أن الظلَّين يلاحقانه. ولكنه لم يؤمن بهذا بشكل كامل. هز الجرس الذي بيده هزتين بقوة، وهزتين دون مبالاة. صرخ: «بوووظة». قرر أن يذهب إلى البيت من طريق مختصر دون أن يخرج إلى التقسيم وذلك بنزول الدرج بسرعة إلى الوادي، وصعود درج آخر إلى «جيهان غير». في أثناء نزوله الدرج، ناداه أحد الظلَّين من خلفه: «بائع البوظة، بائع البوظة، انتظر». تظاهر مولود بأنه لم يسمع نهائيًّا. نزل عدة درجات بانتباه والمزراق الطويل على كتفيه بخطوات حثيثة. ولكنه اضطر لتخفيف سرعته في زاوية لا تنيرها مصابيح الشارع. «بائع البوظة، قلنا لك: قف، وهل نحن أعداء؟ سنشتري بوظة». خجل مولود من خوفه، وتوقف. كانت الفسحة التي يؤدي إليها الدرج مظلمة تمامًا؛ لأن شجرة تين تحجب ضوء مصباح الشارع. كان هذا مكانًا يوقف فيه العربة ذات العجلات الثلاث في أثناء بيعه المثلجات صيف العام الذي خطف فيه رائحة. قال الرجل النازل من الدرج بأداء الفتوة: «بكم البوظة؟». الثلاثة الآن في الظلام تحت شجرة التين. من يشتهِ البوظة يسألْ عن سعرها، ولكنه يفعل هذا بصوت خفيض وتهذيب وهو يبتلع ريقه، وليس بشكل عدواني. شك مولود. طلب نصف السعر العادي. قال الضخم من الرجلين: «غالٍ يا هذا، هاتِ كأسين لنرى. أنت تكسب كثيرًا». وضع مولود الأوعية، وأخرج كأسًا بلاستيكية كبيرة من جيب المريلة. ملأها بالبوظة. وقدمها للأصغر والأفتى. «تفضل». «تسلم». في أثناء ملئه الكأس الثانية كان يشعر بالذنب نتيجة الصمت الغريب الذي يخيّم على الجو. الرجل الضخم أيضًا شعر بهذا. «إنك تركض بشكل مستمر يا بائع البوظة، هل هناك عمل كثير؟». قال مولود: «لا، الشغل جامد. انتهت مهنة بيع البوظة، لم يعد العمل كما كان في الماضي. لا أحد يشتري بوظة. في الحقيقة لم أكن أرغب بالخروج اليوم، ولكن لديَّ مريضة في البيت تنتظر ثمن حساء». «كم تكسب في اليوم؟». قال مولود: «يقول المثل: لا تُسأل المرأة عن عمرها، والرجل عن معاشه. وبما أنكم سألتم، لأجيبكم». قدم البوظة للظل الضخم. «عندما يكون هناك بيع، نملأ بطننا. عندما لا يكون، كما هو الحال اليوم، نعود إلى البيت جائعين». «لا تبدو عليك جائعًا. من أين أنت؟». «من بيه شهير». «بيه شهير؟ أين تقع هذه؟». لم يجب مولود. «منذ كم عامًا أنت إسطنبولي؟». «منذ خمس وعشرين سنة». «أنت هنا منذ خمس وعشرين سنة، ومازلت تقول إنك من بيه شهير؟». «لا... ولكن لأنكم سألتم». «لا بد أنك كسبت الكثير خلال هذا الزمن هنا». «من أين؟!.. انظر، صرنا في منتصف الليل ومازلنا نعمل. أنتم من أين؟». عندما لم يجب الرجلان، خاف مولود. سألهم: «هل تريدون قرفة؟». «هاتِ لنرى. بكم القرفة؟». أخرج مولود رشاش القرفة من جيب المريلة. في أثناء رشه على الكأسين، قال: «لا، القرفة والحمص المحمص ضيافة لزبائننا. أخرج كيسي حمص محمص من جيبه، وبدلًا من إعطائهما للزبونين، فتحهما، ورشهما على كأسي الرجلين بعناية مثل نادل دقيق. «أفضل شيء مع البوظة هو الحمص المحمص». شرب الرجلان البوظة إلى نهايتها وهما يتبادلان النظر. قال ذو البنية الضخمة: «اعتبر نفسك عملت في هذا اليوم السيئ من أجلنا». أدرك مولود إلى أين سيؤدي هذا الكلام، فقاطعه: «إذا لم يكن معكم نقود، نقبض بوقت آخر يا أبناء البلد، إذا لم ندعم نحن المساكين بعضنا بعضًا في هذه المدينة الكبيرة والأيام الصعبة، فمن سيدعمنا؟ لتكن ضيافتي، كما تريدون». وتناول المزراق ليضعه على كتفيه من أجل أن يتابع طريقه. قال الرجل الضخم: «قف لنرى يا بائع البوظة. قلنا اعتبر نفسك عملت اليوم من أجلنا يا هذا... هاتِ لنرى ما معك من نقود». قال مولود: «ليس معي نقود يا ابن البلد. إنها ثمن كيلويْ بوظة من زبونين. وهذا ثمن دواء المريضة التي في البيت، وغير هذا..». سحب الضئيل سكينًا آليًّا من جيبه، ضغط على زره، ففتح مصدرًا صوتًا: «تك». أسند رأس السكين الحاد إلى بطن مولود. وفي الوقت نفسه، التف الضخم إلى خلف مولود، وأمسكه من ذراعيه بقوة. صمت مولود. أسند الضئيل رأس السكين إلى بطن مولود، وبيده الأخرى فتش بسرعـة وانتباه جيوب المريلة الصغيرة، وكل طرف من سـترته، وأنزل ما وجده من قطع نقدية ورقية صغيرة وفكة في جيبه. رأى مولود أنه فتيٌّ جدًّا، وبشع. حين نظر إلى وجه الشاب مباشرة، قال الضخم: «انظر إلى أمامك يا بائع البوظة. ما شاء الله، معك نقود كثيرة. لم تهرب منا دون سبب». قال مولود وهو ينفض نفسه: «كفى». قال الذي خلفه: «كفى؟ لا يا هذا! لا يكفي. تعالَ أنت قبل خمس وعشرين سنة، وانهب المدينة، وعندما يأتي دورنا، قل: كفى. هل نحمد ربنا؟ ما ذنبنا إذا تأخرنا بالمجيء؟». قال مولود: «لا ذنب لأحد، أستغفر الله». «لديك بيت، أو بناء، ماذا لديك في إسطنبول؟». قال مولود كاذبًا: «والله ليس لدينا حتى شجرة. ليس لديَّ أي شيء». «لماذا؟ هل أنت مخبول؟». «لم يُكتب لنا النصيب». «ولاه، كل من أتى إلى إسطنبول قبل خمس وعشرين سنة، عمل لنفسه كوخًا. واليوم ترتفع بنايات على أرض تلك الأكواخ». تململ مولود بعصبية، ولكن هذا نتيجة لكز السكين المسنود إلى بطنه بحدة (قال مولود: «أي، أرجوكم»)، ولم يؤدِّ هذا سوى إلى إعادة تفتيشه بدقة. «احكِ، هل أنت مخبول، أم أنك تتظاهر بالسذاجة؟». كان مولود صامتًا. لوى الرجل الذي خلفه يده اليسرى، وثناها إلى ظهره بمهارة وخبرة: «أوه، ما شاء الله، انظر إلى هذا، أنت لا تودع نقودك ببيت أو خان أو حمام، بل بساعة يد يا ابن بيه شهير. الآن فهمت». خلال لحظة خرجت الساعة السويسرية التي لبسها قبل اثنتي عشرة سنة هدية زواج. قال مولود: «هل يُسلب بائع بوظة؟». قال الرجل الذي يمسك ذراعه: «لكل عمل بداية. لا تصدر صوتًا، ولا تنظر إلى الخلف». بينما كان اللصان اللذان أحدهما مسنٌ والآخر شاب يبتعدان، نظر مولود إليهما من الخلف دون أن يصدر أي صوت. في الوقت نفسه أدرك أنهما أب وابنه. يجب أن يكون الذي أمسكه من الخلف هو الأب، والذي أسند السكين إلى بطنه الابن. لم يبنِ مع والده علاقة جريمة من هذا النوع في أي وقت. لم يشاركه والده بأي ذنب في أي وقت، بل أدانه بشكل دائم. نزل الدرج صامتًا. وصل إلى أحد الأزقة الجانبية من طلعة قاظانجي. كان ما حوله صامتًا، ليس ثمة أحد. ماذا سيقول لرائحة في البيت؟ هل يمكنه الصبر دون أن يروي ما جرى معه لأحد؟ خطر بباله أن عملية السلب كانت حلمًا، وأن كل شيء كما هو. لن يحكي لرائحة بأنه سُلب. لأنه لم يُسلب. تصديقه لهذه المخاتلة خفف ألمه لعدة ثوانٍ. هز بجرسه. نادى باعتياد: «بوظـ.....ـة»، وفي الوقت نفسه شعر بأن صوته لم يخرج من بلعومه كما يجري في الأحلام. في الزمن القديم الجميل، عندما كان يحزن لشيء في الشارع، أو يهان، أو يُجرح قلبه، كانت رائحة تسلي مولودًا بشكل جميل جدًّا. إنها المرة الأولى في حياته المهنية على مدى خمسة وعشرين عامًا، يعود مولود إلى البيت، ولا ينادي: «بوظة» على الرغم من أن الوعاءين غير فارغين. فور دخوله بيته المؤلف من غرفة واحدة، فهم من الصمت أن ابنتيه اللتين تذهبان إلى المدرسة الابتدائية قد نامتا. جلست رائحة على حافة السرير، وهي تعمل على الأشغال اليدوية، وتلقي نظرة إلى التلفاز بين حين وآخر كما تفعل دائمًا أثناء انتظارها مولود. قال مولود: «تركت بيع البوظة اعتبارًا من الآن». قالت رائحة: «ما سبب هذا القرار؟ أنت لا تترك بيع البوظة، ولكن الحق معك، لابد لك من عمل آخر. ما أعمله من أغراض جهاز العرائس لا يكفي». «أقول إنني تركت بيع البوظة». قالت رائحة: «فرحات يكسب جيدًا من العمل في إدارة الكهرباء. اتصل به ليدبر لك عملًا معه». قال مولود: «أموت ولا أتصل بفرحات». الجزء الثالث سبتمبر/ أيلول ١٩٦٨ ـ يونية/ حزيران ١٩٨٢ أبي يُكِنُّ لي العداء منذ كنت في اللفة. ستندال، «الأحمر والأسود». ١ عندما كان مولود في القرية لو تكلم هذا العالم، ترى ماذا يقول؟ لنعد الآن إلى طفولة مولود من أجل أن نفهم قراره، وارتباطه برائحة وخوفه من الكلاب. ولد مولود عام ١٩٥٧ في قرية جنّتبنار التابعة لمنطقة بيه شهير في محافظة قونية، ولم يخرج من القرية نهائيًّا حتى الثانية عشرة من عمره. بعد أن نجح بإنهاء المدرسة الابتدائية، كان يعتقد بأنه سيذهب إلى أبيه في إسطنبول من أجل أن يدرس ويعمل مثل بقية الأولاد، ولكن والده عندما لم يرد أن يأتي إليه، بقي في خريف عام ١٩٦٨ في القرية، وعمل راعيًا. سيفكر مولود حتى نهاية عمره بسبب إصرار والده على إبقائه في القرية في ذلك العام، ولن يجد تبريرًا شافيًا لهذا الأمر. كان مولود في ذلك الشتاء وحيدًا وحزينًا لأن صديقيه وابني عمه قورقوط وسليمان ذهبا إلى إسطنبول. كان يعمل راعيًا، ويجوب بثمانية إلى عشرة حيوانات على طول النهر. يمضي يومه وهو ينظر إلى الظلال البعيدة عديمة اللون، والحافلات والشاحنات التي تمر على الطريق، والطيور، وأشجار الحور. يركز انتباهه كله أحيانًا على ارتجاف ورقة حور بالريح، فيشعر بأن الشجرة ترسل له إشارة. بعض الورقات تري مولودًا جانبها الأدكن، وبعضها تريه جانبها المصفرّ، وتُظهر الورقات المصفرّة جانبها الأخضر الأدكن. كانت تسليته الوحيدة جمع الأغصان الجافة، وإزالة الرطوبة عنها، وتكويمها، وإحراقها. عندما تتأجج النار، يدور كلبه كامل حولها بمتعة، وعندما يجلس مولود، ويبدأ بتدفئة يديه، يجلس الكلب على مبعدة، وينظر طويلًا إلى النار مثل مولود. كل كلاب القرية تعرف مولودًا، ولا ينبح أي منها عليه حتى لو خرج في منتصف أحلك الليالي ظلمة وأكثرها صمتًا خارج القرية؛ ولهذا يشعر بأنه جزء من القرية. لم تكن الكلاب تنبح سوى على القادمين من خارج القرية والخطرين والغرباء. عندما ينبح كلب على أحد أبناء القرية، مثلًا على سليمان ابن عم مولود وأعز أصدقائه، كان الآخرون يعلقون عليه قائلين: «ولاه سليمان، أدخلت إليك سوءًا أو شيطانًا؟». سليمان. في الحقيقة أن الكلاب لا تنبح عليَّ نهائيًّا في القرية. نحن هاجرنا إلى إسطنبول، وأنا أحزن على بقاء مولود في القرية، وأشتاق إليه... ولكن موقف الكلاب مني، لا يختلف عن الموقف الذي تتخذه من مولود. أريد أن أقول هذا. كان مولود وكلبه كامل يتركان الحيوانات ترعى في الأسفل، ويصعدان إلى الجبال أحيانًا. وفي أثناء نظر مولود من نقطة مرتفعة إلى المنظر الواسع في الأسفل تتأجج في نفسه رغبات العيش والسعادة وامتلاك موقع مهم في هذا العالم. أحيانًا يحلم بأن والده جاء بحافلة من إسطنبول، وأخذه معه. ويركز نظره على الصخور النابذة عند انعطاف النهر في السهل حيث ترعى الحيوانات التي تركها. وأحيانًا يرى عند الطرف الآخر من السهل دخانَ نار يقترب. كان يعرف أن النار أشعلها أولاد رعاة من قرية غمشدرة مثله لم يستطيعوا الذهاب إلى إسطنبول للدراسة. عندما يكون الجو صحوًا وتهب فيه الريح، تُرى بيوت قرية غمشدرة الصغيرة وجامعها الظريف المطلي بالأبيض ومئذنته الخيطية من القمة التي يصعد إليها مولود وكلبه كامل، وخاصة وقت الصباح. عبد الرحمن أفندي. لأنني مقيم في تلك القرية غمشدرة، أجد في نفسي الجرأة على الدخول بالحديث فورًا. في الخمسينيات كنا نحن الذين نعيش في غمشدرة وجنتبنار والقرى الثلاث الأخرى المجاورة فقراء جدًّا. نستدين من البقال في الشتاء، وبصعوبة نصل إلى الربيع. كنا نحن ـ بعض الرجال ـ نذهب في الربيع إلى إسطنبول للعمل في ورش البناء. ولأن بعضنا ليس لديه ثمن التذكرة إلى إسطنبول، يأخذها من البقال الأعمى، ويسجلها في رأس صفحة دفتر الدين. بداية ذهب يوسف العملاق الطويل القامة والعريض المنكبين من قرية غمشدرة إلى إسطنبول، وعمل في ورش البناء عام ١٩٥٤. ثم أصبح بائع لبن زبادي «بالمصادفة»، وتجوّل في الأزقة وهو يبيع اللبن، وكسب نقودًا كثيرًا. بداية جلب إخوته وأبناء عمه إليه في إسطنبول، وعملوا، وناموا في بيوت العزاب. لم نكن نحن أهل غمشدرة نفهم باللبن حتى ذلك اليوم. ولكن أغلبنا ذهب إلى إسطنبول، وباع اللبن. أول مرة ذهبتُ إلى إسطنبول بعد الخدمة العسكرية عندما كنتُ في الثانية والعشرين من عمري. (بسبب عدم انضباطي أحيانًا، وهروبي المتكرر، وإلقاء القبض عليَّ، وتعرضي للضرب الكثير جدًّا، وإلقائي في السجن استمرت خدمتي العسكرية أربع سنوات، ويجب ألا أفهم بشكل خاطئ، فأنا أحب جيشنا، وقادته الشرفاء أكثر من أي شخص آخر، في ذلك الوقت شنق عسكرنا رئيس الحكومة مندرس؛ وهذا كان يجوب بسيارته الكاديلاك في إسطنبول صباح مساء، ويأمر بهدم كل البيوت والدور القديمة التي تعترض طريقه، وفتح شوارع عريضة. كان هناك عمل كثير للباعة الذين يتجولون بين الخرابات في إسطنبول، ولكنني لم أنجح ببيع اللبن. الناس لدينا هنا أقوياء، عظامهم سليمة، وأكتافهم عريضة. ولكنني محسوبكم ـ كما سترون إذا تقابلنا ذات يوم إن شاء الله ـ نحيل رهيف. كنت أُسحق تحت حمالة اللبن التي تُعلَّق في كل طرف من طرفيها صينية تبلغ من عشرين إلى ثلاثين كيلوغرامًا. فوق هذا كنت أخرج مساء لبيع البوظة كما يفعل أكثر اللبانين من أجل أن أكسب أكثر قليلًا. مهما كان المعلق بالحمالة، فإنها تسبب تقرنًا خلف رقبة اللبان الغر. فرحت لعدم تقرّن رقبتي لأن جلدي مثل المخمل، ولكنني انتبهت إلى أن الحمالة اللعينة فعلت معي الأسوأ، وقد حنت عمودي الفقري، وذهبت إلى المستشفى. بعد أن انتظرت شهرًا بدور المستشفى، طلب مني الطبيب أن أترك حمل الحمالة فورًا. وبالطبع تركت الطبيب وليس الحمالة من أجل أن أكسب نقودًا. وهكذا بدأت رقبتي تنحني. وتبدل اسمي بين أصدقائي من «عبدوش البنت» إلى «عبد الرحمن الرقبة العوجاء»، وهذا ما كان يجرح قلبي. ابتعدت عن أبناء قريتي في إسطنبول، ولكنني كنت أرى مصطفى والد مولود العصبي وعمه حسنًا في الأزقة في أثناء بيعي اللبن. في تلك الأيام اعتدت على شرب العرق على أمل أن ينسيني اعوجاج رقبتي. بعد فترة تخليت عن حلمي بالحصول على بيت أو كوخ أو مال وملك في إسطنبول وادخار النقود، ولهوت قليلًا. اشتريت قطعة أرض في القرية بالنقود التي جلبتها من إسطنبول، وتزوجت أفقر بنات غمشدرة وأكثرهن وحدة. الدرس الذي استنتجته من إسطنبول هو أن يكون لدى المرء ثلاثة أبناء على الأقل يجلبهم معه من القرية كالجنود، ويشغلهم كالعمال من أجل أن يستطيع البقاء هناك. فكرتُ بأن يكون لديَّ ثلاثة أبناء كالأسود، وآخذهم إلى إسطنبول، وأبني بيتي فوق أول تل خارج إسطنبول، وأفتح المدينة هذه المرة. ولكنني لم أرزق بثلاثة أولاد، بل بثلاث بنات في القرية. فعدتُ قبل سنتين عودة نهائية إلى القرية، وأحببت بناتي كثيرًا. لأعرفكم بهن فورًا: وديعة: أردت أن يكون أول أبنائي جادًّا ونشيطًا، واسمه (وديع). ولكن مع الأسف جاءتني بنت. وأنا أسميتها وديعة بدلًا من اسم وديع. رائحة: تحب الجلوس في حضن والدها كثيرًا، ورائحتها زكية جدًّا. سميحة: كالجنيات، تشتكي، وتبكي باستمرار، وكانت تقلب الأشياء وتدحرجها وهي مازالت في الثالثة من عمرها في أثناء سيرها في البيت. كان مولود يجلس أحيانًا في قرية جنتبنار مع أمه عطية وأختيه الكبيرتين اللتين تحبانه كثيرًا، ويكتب رسالة لوالده مصطفى أفندي، ويطلبون منه أن يجلب من إسطنبول أشياء مثل حذاء وبطارية وملاقط غسيل وصابون. ولعدم معرفة والده القراءة والكتابة، نادرًا جدًّا ما يرد على الرسائل التي يكتبها مولود، ولا يجلب الأشياء التي يطلبونها على الأغلب لأنها «أرخص في القرية عند البقال الأعمى». وكانت أم مولود تقول في البيت لنفسها: «نحن لا نطلب هذه الأشياء لأنها ليست موجودة عند بقالنا الأعمى، بل لأنها ليست موجودة في بيتنا». كتابة مولود الرسائل إلى أبيه حفرت في نفسه فكرة طلب شيء من أحدهم كتابة. يُقسم موضوع «طلب الشيء من واحد بعيد برسالة» إلى ثلاثة أقسام: ١. رغبة الإنسان الحقيقية، وهذه لا يعرفها الإنسان نفسه. ٢. ما يقوله الإنسان رسميًّا. عندما يعبر الإنسان، في الحقيقة يفهم ما هي الرغبة إلى حد ما. ٣. الرسالة. وهذه تتغذى بروح الأول والثاني، ولكنها نصٌّ سحري يحمل معنًى مختلفًا تمامًا. مصطفى أفندي. عندما عدت من إسطنبول في نهاية أيار/مايو، جلبت معي قماشَ أثواب مزهرًا بالبنفسجي والأخضر للبنتين، ولأمهما نعلين بيتيين مغلقين وكلونيا ري ري جا طلبتها في رسالة مولود، واللعبة التي طلبها مولود. غضبتُ عندما شكرني مولود على الهدية ببرود. قالت أمه: أراد مسدسًا مائيًّا، ولكن من ذاك الذي لدى ابن المختار؟»، وكانت أختاه تضحكان. في اليوم التالي ذهبتُ مع مولود إلى البقال الأعمى، وراجعنا حساب الدين مادةً مادة، وكنت أغضب أحيانًا، وأقول لنفسي: «ولاه، ما لُبان تشاملجا هذا؟»، ولكن مولودًا كان مطرقًا لأنه هو الذي اشتراه، وطلب تسجيله على الدفتر. قلت للبقال الأعمى: «لن تعطي لهذا الولد علكة بعد الآن!»، قال الأعمى المتبجح: «ليذهب مولود في الشتاء القادم إلى إسطنبول، ويدرس، ما شاء الله عقله يعمل جيدًا بالحساب والرياضيات. ليخرج من قريتنا أحدهم يدرس في الجامعة». انتشر في القرية بسرعة خبر اختلاف والد مولود مع العم حسن في إسطنبول في الشتاء الأخير... خرج العم حسن وابناه قورقوط وسليمان في أبرد أيام كانون الثاني/يناير من الكوخ الذي يعيشون فيه جميعًا في إسطنبول، وتركوه وحده، وانتقلوا إلى بيت آخر شيَّدوه في تل التوت المقابل. وبعد هذا مباشرة جاءت إلى البيت الجديد صفية زوجة العم حسن، وهي في الوقت نفسه خالة مولود من القرية إلى المدينة من أجل رعايتهم. وهذا التطورات تعني أن مصطفى أفندي يمكن أن يجلب مولودًا في الخريف القادم إلى إسطنبول لكي لا يبقى وحيدًا. سليمان. والدي وعمي مصطفى أخوان، ولكن كُنْيتيْنا مختلفتان. في الأيام التي صارت لكل أفراد الشعب كُنيات بأمر أتاتورك، جاء إلى القرية موظف نفوس على ظهر حمار حاملًا دفترًا ضخمًا، وسجل في اليوم الأخير الكُنية التي اختارها كل شخص. جاء الدور على جدنا المتدين والمبارك الذي لم يخرج من بيه شهير في حياته. وبعد أن فكر كثيرًا، قال: «آقطاش» [الحجر الأبيض]. كان الولدان يتشاجران أمام والدهما كما يحدث دائمًا. فقال عمي مصطفى الذي كان يومئذ ولدًا صغيرًا معاندًا: «سجلني قرة طاش [الحجر الأسود]»، ولكن لا جدي، ولا الموظف سمعا منه. بعد سنين، وقبل أن يذهب مولود إلى إسطنبول، ويسجل في المدرسة المتوسطة، نزل عمي العنيد والمشاكس إلى بيه شهير، وغيّر كنيته لدى القاضي، وهكذا بقينا نحن آقطاش، وأسرة مولود قرة طاش. لدى ابن عمي مولود رغبة شديدة بالقدوم في نهاية هذا الخريف إلى إسطنبول للدراسة. ولكن أحدًا من أولاد قريتنا أو القرى المجاورة الذين جاءوا إلى إسطنبول بحجة الدراسة لم يُنْهِ الثانوية. هناك ولد قروي واحد من مئات الأولاد الذين أتوْا من حوالي مائة قرية وناحية في منطقتنا تمكن من دخول الجامعة. فيما بعد ذهب ذلك الجرذ الذي يضع نظارة إلى أمريكا، وانقطعت أخباره. بعد سنين رأوا صورته في الجريدة، ولكنهم لم يتأكدوا تمامًا ما إذا كان جرذنا ذا النظارة أم لا؛ لأنه غيَّر اسمه. أنا رأيي بأن عديم الأصل هذا أصبح مسيحيًّا منذ زمن طويل. ذات مساء في أواخر الصيف، أخرج والد مولود منشارًا صدئًا يخبئه مُذ طفولة مولود. وسحب ابنه إلى تحت شجرة السنديان العجوز. وقطعا غصنًا بقطر الرسغ بصبر وبطء شديد. كان هذا غصنًا طويلًا جدًّا، وله انحناءة خفيفة. قطع الأب فروع الغصن الطويل فرعًا فرعا بواسطة سكين الخبز أولًا، ثم بوساطة موسى، وجرده. قال: «هذا سيكون مزراقك الخاص». أخرج مصطفى ثقابًا، وطلب من مولود أن يشعل نارًا. وفي أثناء حرق الأمكنة المقطوعة ببطء، جُفِّف المزراق، وحُني قليلًا. «لا يستخدم هكذا. يجب تركه في الشمس حتى نهاية الصيف، وتقويسه على النار في أثناء تجفيفه وتقليبه. سيكون كالحجر والمخمل في آن واحد. انظر لنرى، هل يركز على كتفيك؟». وضع مولود الغصن الطويل على كتفيه. اقشعر لشعوره بقسوته وحرارته. في أثناء ذهابهما إلى إسطنبول أخذا معهما شوالًا صغيرًا مليئًا بالطحين المعد للحساء، وأكياسًا مليئة بالفلفل الأحمر المجفف والبرغل ورقائق العجين، وسلالًا مليئة بالجوز. يهدي والده البرغل والجوز لبوابي الأبنية المهمة؛ ليعاملوه معاملة جيدة، ويسمحوا له بالصعود بواسطة المصعد. وكانت معهما أغراض وحاجيات كثيرة مثل مصباح يدوي سيصلح في إسطنبول، وإبريق شاي يحبه والده كثيرًا، ويجلبه معه عند مجيئه إلى القرية، وحصيرة لتمد على أرض البيت الترابية. دسا أكياس النايلون المكوّمة والمحشوة بقوة والسلال هنا وهناك طوال سفرة القطار الممتدة يومًا ونصفًا. في أثناء تفكير مولود بأمه وشقيقتيه اللواتي اشتاق إليهن منذ الآن وهو ينظر شاردًا إلى العالم من نافذة القطار، كان يهرع خلف البيضات المسلوقة التي تتدحرج وسط القاطرة. في العالم الذي يشاهده من نافذة القطار، ثمة أضعاف مضاعفة من الناس، وحقول القمح، وأشجار الحور، والثيران، والجسور، والحمير، والبيوت، والجبال، والجوامع، والجرارات، والكتابات، والأحرف، والنجوم، وأعمدة الهاتف التي رآها مولود في الاثني عشر عامًا من حياته. أعمدة الهاتف التي تسير نحو مولود، تصيبه بالدوار أحيانًا، فيسند رأسه إلى كتف أبيه، ويغط بالنوم، وعندما يستيقظ، ينتبه إلى أن الحقول الصفراء وبيادر القمح المشمسة قد اختفت، وأحيط كل مكان بصخور بنفسجية، ثم يرى في حلمه أن إسطنبول مدينة مبنية بصخور بنفسجية. وفجأة يرى واديًا أخضر وأشجارًا خضراء، فيشعر بأن روحه غيرت لونها. لو تكلم هذا العالم، ترى ماذا يقول؟ يتهيأ لمولود أحيانًا بأن القطار لا يسير، وقد اصطف العالم كله ليعبر من أمام النافذة. يقرأ لوالده أسماء محطات القطارات محطةً محطة صراخًا: «حمام... إحسانية... دوير...»، وعندما تدمع عيناه من دخان السجائر الكثيف في المقصورة، يخرج منها، ويسير نحو المرحاض وهو يتأرجح كالسكارى، ويفتح قفله بصعوبة، ويراقب عوارض السكة والحصى التي تظهر من فتحته المعدنية. تُسمع طقطقة عجلات القطار على السكة بقوة من فتحة المرحاض. وكان مولود يحب الذهاب إلى آخر مقطورة في طريق عودته، ومشاهدة النساء النائمات، والأولاد الباكين، ولاعبي الورق، وآكلي السجق الذي ملأ المقطورة كلها برائحة الثوم، والمصلين، والزحام الكثيف. سأله والده ذات مرة: «أنت تذهب كثيرًا إلى المرحاض، ماذا تفعل؟ هل هناك ماء؟». «لا يوجد». يركب بعض الأولاد الباعة من بعض المدن، وينظر مولود بانتباه إلى الزبيب والحمص المحمص والبسكويت، والخبز، والجبن، واللوز، واللبان التي يبيعونها بين محطة وأخرى، ثم يأكل الخبز المدهون بالسمن الذي أعدته له أمه، ووضعته في الحقيبة بعناية. أحيانًا يرى الرعاة الذين ينظرون إلى القطار العابر والكلاب التي تهرع نزولًا، ويسمع صياح الأولاد الرعاة «جريدة» من أجل لف التبغ تهريبًا، ويُشعر مرور القطار بسرعة قربهم مولودًا بفخر غريب. فجأة يتوقف قطار إسطنبول وسط السهل الرمادي، ويتذكر مولود بأن العالم في الحقيقة مطبق الصمت. في أثناء الانتظار الذي بدا أنه لن ينتهي، رأى مولود من نافذة القطار نساءً يقطفن الطماطم من حديقة بيت قروي صغير، ودجاجًا يسير على طول السكة، وحمارين يتحاككان بجوار مضخة ماء كهربائية، ورجلًا ملتحيًا نائمًا على مبعدة فوق العشب. قال ذات انتظار من انتظارات القطارات تلك التي لا تنتهي: «متى سنذهب؟». «اصبر يا بُنَيَّ، إسطنبول لا تهرب». «آآآ، نحن ذاهبون». ضحك والده، وقال: «لسنا نحن، بل القطار المجاور لنا هو الذي يذهب». طوال الرحلة يحاول مولود تخيّل مكان القطار من الخريطة ذات العلم، وصورة أتاتورك المعلقة على مدى خمسة أعوام من دراسته الابتدائية خلف المعلم مباشرة. غط بالنوم قبل دخولهم إزميت، ولم يفتح عينيه نهائيًّا إلى أن دخلوا حيدر باشا. بسبب ثقل الأحمال التي يحملانها والأكياس والسلال، استغرق نزولهما من درج محطة حيدر باشا للقطارات، وركوبهما سفينة قرة كوي ساعة. كان البحر مظلمًا كالأحلام، وعميقًا كالنوم. ثمة رائحة طحالب زكية في هواء البحر. كان الطرف الأوربي متلألئًا. لم ينسَ مولود رؤيته الأولى لهذه الأضواء، وليست رؤيته للبحر. لأن حافلات البلدية رفضت ركوب الأب والابن بأحمالهما وأكياسهما وصررهما، استغرق وصولهما إلى البيت الواقع خلف زنجيلرلي قويو أربع ساعات. ٢ البيت التلال التي تنتهي عندها المدينة كان البيت كوخًا. يستخدم الأب هذه الكلمة عندما يغضب من بدائية هذا المكان وبؤسه، وإذا لم يكن غاضبًا ـ وهذا نادرًا ما يحدث ـ يستخدم كلمة «بيت» بحنان يشعر به مولود أيضًا. هذا الحنان يشعر مولودًا بإرهاصات البيت الخالد الذي سيمتلكه ذات يوم، ولكن تصديق هذا الأمر كان صعبًا. كان الكوخ غرفة كبيرة نسبيًّا. ثمة مرحاض تتوسطه حفرة بجواره. يُسمع من نافذة المرحاض الصغيرة التي لا زجاج لها نباح كلاب الأحياء البعيدة، وشجارها. عندما دخلا في الليلة الأولى وسط الظلام، اعتقد مولود أن هذا البيت لآخرين لأن رجلًا وامرأة كانا هناك. فيما بعد، فهم أنهما مستأجران وضعهما والده طوال الصيف. تجادل الأب معهما بداية، ثم مد فراشًا آخر في زاوية مظلمة، ونام الأب والولد معًا. عندما استيقظ مولود قريب ظهيرة اليوم التالي، لم يكن ثمة أحد في البيت. عاش أبوه وعمه وابنا عمه اللذين التحقا بهما في السنوات الأخيرة كلهم في هذا البيت. تذكر مولود ما كان قورقوط وسليمان يرويانه، وحاول تصور حياتهما في هذه الغرفة، ولكنها تبدو مثل شبح بيت مهجور. ثمة طاولة قديمة، وأربعة كراسيّ، وفراشان أحدهما بنوابض، وخزانتان، ونافذتان، ومدفأة. هذا كل ما لدى والده في المدينة التي يأتي إليها في الشتاء للعمل. عندما اختلف عمه وأبناء عمه مع والده في السنة الماضية، وانتقلوا إلى بيت آخر، أخذوا معهم فرشهم وأغراضهم وكل ما لهم. لم يجد مولود أي غرض من أغراضهم في البيت. شعر بالسرور من رؤيته بعض الأغراض التي جلبها والده من القرية، والجوارب والسراويل الصوفية الطويلة التي حاكتها والدته لوالده، ومقص رآه في القرية بين أيدي أختيه على الرغم من أنه الآن صدئ في الخزانة. أرض البيت ترابية. رأى مولود أن أباه قد مد الحصير الذي جلبه من القرية قبل أن يخرج صباحًا. يجب أن يكون عمه وابنا عمه قد أخذوا الحصير القديم عندما خرجوا السنة الماضية. الطاولة التي وضع عليها والده رغيف الخبز الطازج صباحًا مصنوعة من الخشب والمُعاكس، وهي قديمة دون طلاء. كان مولود يضع علب كبريت فارغة أو قطعة خشب تحت القائمة القصيرة الوحيدة لكي لا تهتز، ولكن الطاولة تبدأ بالاهتزاز مرة أخرى، ويُسفح الحساء أو الشاي عليهما، ويتوتر الأب. كان والده يتوتر من أشياء كثيرة. كان مولود يشعر بالسعادة من الجلوس مع والده إلى الطاولة، وتناول العشاء حتى وإن كان على عجل، وخاصة في السنوات الأولى لمجيئه إلى إسطنبول. ولكن هذا العشاء لم يكن كذلك المرفق بالضحك واللهو على سفرة الأرض مع أمه وشقيقتيه في القرية؛ لأنهما سيخرجان معًا لبيع البوظة، أو يخرج والده وحده. كان مولود يرى في حركات والده انهماكًا من أجل الخروج إلى البيع في أقرب وقت. فور وضع مصطفى أفندي آخر لقمة في فمه، يشعل سيجارة، وقبل أن يدخن نصفها، يقول: «هيَّا!». كان مولود يحب أن يطهو الحساء على المدفأة، وعلى الموقد إذا لم تكن المدفأة موقدة بعد أن يعود مساء من المدرسة، وقبل أن يخرجا لبيع البوظة. يلقي إلى الماء المغلي ملعقة زبدة نباتية، ويفرم ما بقي في الخزانة من جزر وكرافث وبطاطس، ويضعها فوق الماء، ويرش عليها فلفلًا وبرغلًا جلباها من القرية، ويراقب الحركات الجهنمية في القدر وهو يستمع إلى بقبقته. كانت قطع الجزر والبطاطس تدور بجنون في القدر كمخلوقات تحترق في نار جهنم، وكأن مولودًا يسمع صراخها من القدر ونزاعها الروح، وأحيانًا تفور بشكل غير متوقع مثل فوهة بركان، وترتفع قطع الجزر والبطاطس لتقترب من أنفه. يحب مولود مراقبة اصفرار البطاطس مع نضجها، ومنح الجزر لونه للحساء، وتغيير صوت البقبقة مع الغليان، ويشبّه حركات الغليان بدوران الكواكب التي درسها في درس الجغرافية في ثانوية أتاتورك للبنين التي بدأ يذهب إليها، وبعد ذلك يشبّه نفسه بهذه القطع الصغيرة وهو يدور في الحياة. كان الدفء بالبخار الساخن المحمّل بالرائحة الزكية المنبعث من القدر جميلًا. كان والده في كل مرة يقول له: «ما شاء الله، الحساء لذيذ جدًّا، سلمت يداك! ترى هل نشغلك أجيرًا لطباخ؟». إذا لم يخرج مع والده مساء لبيع البوظة، وبقي في البيت من أجل أن يدرس، يرتب الطاولة فور خروج والده، ويبدأ بحفظ أسماء الدول والمدن كلها بحزم، ويشرد بالأحلام وهو يتناوم في أثناء النظر إلى صور برج أيفل والمعابد البوذية في الصين. وإذا كان قد ذهب مع والده وحمل صواني اللبن الثقيلة بعد الظهر، وباعا، يأكل بعض الأمور بعد دخوله إلى البيت، وينقلب على الفراش، وينام. يوقظه والده عند خروجه من البيت. «البس منامتك، وادخل تحت اللحاف، ونم يا بُنَيَّ. ستتجمد من البرد عندما تُطفأ المدفأة». كان مولود يقول: «سأذهب معك، انتظر، لا تذهب يا بابا!»، ولكنه يقول هذا كأنه في الحلم، ويتسمر بالنوم. عندما يبقى وحده في البيت مساء، فلا يستطيع مهما ضغط على نفسه أن ينسى هدير الريح الباردة المتسربة من النافذة، وطقطقة الفئران أو الجان التي لا تتوقف، ووقع الأقدام ونباح الكلاب المتناهي من الخارج، والتركيز على كتاب الجغرافية. كلاب المدينة أكثر انهماكًا، وتسعى بكل ما أوتيت. كانت الكهرباء كثيرًا ما تنقطع، ولا يستطيع مولود دراسة دروسه، ويكبر اللهب وتقوى الطقطقة في المدفأة، وحينئذ يغدو واثقًا من أن عينًا تراقبه بانتباه من وسط الظلال التي في الزاوية. إذا أبعد عينيه عن كتاب الجغرافية، فسينتبه صاحب العين إلى أن مولودًا قد شعر به، وينقض عليه فورًا؛ لذلك لا ينهض عن الطاولة من أجل أن ينام أحيانًا، ويضع رأسه فوق صفحة الكتاب، وينام. حين يعود والده متوترًا ومتعبًا عند منتصف الليل، يقول له: «لماذا لا تطفئ المدفأة، وتدخل فراشك، وتنام يا بُنَيَّ؟». كان والده يُسرُّ من تدفئة البيت جيدًا لأنه يبرد كثيرًا في الأزقة، ولكنه لا يريد أن يحترق الحطب إلى تلك الساعة. ولأنه لا يستطيع قول هذا، فأقصى ما يقوله: «أطفئ المدفأة إذا أردت أن تنام». الحطب الذي يلقيانه إلى المدفأة يشتريه والده أحيانًا من بقالية العم حسن مقطعًا، وأحيانًا يقطع جذعًا بالبلطة التي يستعيرها من الجيران. والد مولود علّم ابنه قبل دخول الشتاء كيف تُشعل المدفأة بحطام الأغصان الرفيعة وقطع الجرائد، وأين يمكنه إيجاد قطع الأغصان الرفيعة وأوراق الجرائد في التلال المجاورة. في الأشهر الأولى لمجيئه إلى المدينة، وبعد عودة والده من بيع اللبن، كان يصطحب مولودًا إلى المنطقة المرتفعة جوار الكوخ الذي يسكنان فيه. كان البيت يقع حيث تنتهي المدينة في القسم السفلي من تل شبه أجرد فيه أشجار توت وبعض أشجار التين المتناثرة. في الجزء السفلي للتل يتلوى نهر ضيق وضعيف بين تلال أخرى، ويصب من أورطاكوي إلى البوسفور. نساء العائلات الفقيرة المهاجرة الأولى من قرى أوردو وغمشهانة، وقسطامونو وإرزنجان يزرعن الذرة الصفراء على ضفة النهر، ويغسلن الغسيل كما كُنَّ يفعلن في قراهن. كان الأولاد يسبحون في مياه النهر الرقيقة. كان اسم النهر الآيل من المرحلة العثمانية «وادي الثلج» مستخدمًا في تلك الأيام، ولكن قذرَ أكثر من ثمانين ألف نسمة هاجرت من مختلف مناطق الأناضول إلى التلال المجاورة له خلال خمسة عشر عامًا، وتلوث البيئة الناجم عن إنشاء بعض المصانع الكبيرة والصغيرة، حوَّلا هذا الاسم خلال فترة قصيرة إلى وادي الخراء. عندما جاء مولود إلى إسطنبول، لم يكن اسم «وادي الثلج» أو «وادي الخراء» يذكر؛ لأن الجميع نسوا النهر الذي أدخلته المدينة إلى داخلها، وغُطّي بالأسمنت المسلح من منبعه إلى مصبه. النقطة الأعلى في تل الرماد الذي يُصعِد مولودًا إليه والدُه فيه آثار فرن إحراق الزبالة، وهناك رماد استمد التل اسمه منه. تطل هذه التلال (التوت، الطير، النسيم، الورد، البيدر، النزهة، السهم... إلخ) التي تغطيها أكواخ المخالفات بسرعة على أكبر مقابر المدينة (زنجيرلي قويو)، وكثير من المصانع الكبيرة والصغيرة، وظل المدينة البعيد وأبنيتها ومآذنها. المدينة ذاتها، والأحياء التي يبيع فيها والده اللبن صباحًا، والبوظة مساء، ويذهب إلى المدرسة فيها بعيدة، ومثل بقع مفعمة بالأسرار. وفي المدى الأبعد هناك مرتفعات الطرف الأناضولي الزرقاء. البوسفور بين تلك التلال، ولكنه لا يُرى مع الأسف، ولكن مولودًا في الأشهر الأولى لمجيئه، وكلما صعد إلى قمة تل الرماد اعتقد أنه رأى البحر الأزرق من بين تلك الجبال الزرقاء. ثمة أبراج كهربائية عملاقة فوق كل تل من تلك التلال المتجهة نحو البحر تحمل الخطوط الرئيسة التي تغذي المدينة بالكهرباء. تصدر الريح أصواتًا عجيبة عندما تهب على تلك الأبراج المعدنية الضخمة، وفي الأيام الرطبة تصدر الأسلاك أزيزًا يخيف مولودًا وأصدقاءه. كانت ثمة لوحة مثقبة بالرصاص على الأسلاك الشائكة التي تلف تلك الأبراج كتب عليها «خطر الموت» ورسمت جمجمة. في الأيام الأولى لجمعه الأغصان الجافة وقطع الجرائد كان مولود يعتقد أن خطر الموت ليس من الكهرباء، بل من المدينة نفسها. كثيرًا ما يقال بأن الاقتراب من الأبراج الضخمة ممنوع وشؤم، ولكن غالبية أهل الحي يأخذون كهرباء تهريبًا بوصلات ربطت بمهارة على الخط الرئيس. مصطفى أفندي. لكي أُفهم ابني صعوبة حياتنا هنا، شرحت له بأنه لا توجد في أي تل من تلك التلال كهرباء بشكل رسمي سوى في تل التوت والرماد. أخبرته بأنه لم يكن هناك كهرباء وماء ومجرور في أي مكان عندما جئت مع عمه قبل ست سنوات. لكي لا يخدع بحياة إسطنبول البراقة، ويعتقد بأن الحياة سهلة، أشرت بإصبعي إلى التلال الأخرى، وأريته السهل الذي كان يصطاد فيه السلاطين العثمانيون، ويتدرب فيه جنودهم على الرماية؛ والبيوت البلاستيكية التي يزرع فيها الأرناؤوط الفراولة والأزهار؛ ومزرعة الأبقار التي يعمل فيها سكان كاغتهانة؛ والمقبرة البيضاء التي دُفن فيها الجنود الذين ماتوا بالتيفوس في أثناء حرب البلقان عام ١٩١٢ بعد غطهم بالكلس. ولكي لا تتحطم معنوياته، وتخبو حماسته أريته ثانوية أتاتورك للبنين التي سأسجله فيها، والساحة الترابية التي مُهدت من أجل نادي تل التوت الرياضي، وسينما دريا التي بدأت تعمل هذا الصيف ببروجكتوراتها الشاحبة بين أشجار التوت، وجامع تل التوت الذي يبنى منذ أربع سنوات بدعم من صاحب الأفران وورش البناء الريزوي الحاج حميد فورال ورجاله المتشابهة أحناكهم. وأريته البيت الذي أنهته أسرة عمه حسن في السنة الماضية على الأرض التي سيجناها قبل أربع سنوات بأحجار مدهونة بالكلس. قلت له: «عندما أتينا ـ عمك وأنا ـ إلى هنا قبل ست سنوات كانت هذه المناطق كلها فارغة!»، وشرحت له كيف أن المساكين الذين هاجروا إلى المدينة على أمل إيجاد عمل والعيش فيها، بنوا بيوتهم في أقرب مكان إلى الطريق من أجل أن يكونوا أول من يهرع إلى المدينة، أي في السفوح السفلية للتلال، وكيف بدأت تكبر تلك التلال بشكل جلي، وبسرعة من الأسفل إلى الأعلى. ٣ المبادر الذي بنى بيتًا على أرض فارغة آه يا بُنَيَّ، أنت خفت من إسطنبول في أثناء تمدده على الفراش للنوم في الأشهر الأولى لمجيئه إلى إسطنبول، كان مولود ينتبه إلى صخب المدينة المتناهي من بعيد. حين يستيقظ من نومه خائفًا أحيانًا، يسمع في الصمت نباح الكلاب المنبعث من بعيد، ويفهم بأن والده لم يعد إلى البيت، ويدفن رأسه تحت اللحاف، ويحاول أن ينام. عندما سيطر على مولود الخوف من الكلاب كثيرًا في تلك الأيام، اصطحبه والده إلى شيخ مقيم في بيت خشبي في قاسم باشا، قرأ، ونفخ عليه. سيتذكر مولود هذا بعد سنوات. ذات يوم اكتشف مولود في حلمه أن وجه «الهيكل» معاون مدير ثانوية أتاتورك يشبه الجمجمة المرسومة على لوحة «خطر الموت» المعلقة على برج الكهرباء. تعرف مولود على «الهيكل» عندما قدم له والده شهادة المرحلة الابتدائية التي جلبها من القرية من أجل تسجيله. لم يكن مولود يستطيع رفع رأسه عن الرياضيات؛ لأنه لا يريد أن تلتقي عيناه بعيني الجني الذي يعتقد أنه يراقبه من النافذة المظلمة. لهذا السبب لم يكن يتمدد في الفراش أحيانًا. عرف مولود أحياء تل الرماد وتل التوت والتلال الأخرى بمساعدة سليمان الذي عرفها بشكل جيد جدًّا خلال سنة. رأى كثيرًا من أكواخ المخالفات التي وضعت أساسات بعضها حديثًا، والتي رُفعت جدرانها إلى نصف ارتفاعها، وحتى التي على وشك الإنهاء. لا يعيش سوى الرجال في غالبية هذه الأكواخ. القادمون من قونية وقصطامونو وغمشهانة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة إلى تل الرماد وتل التوت إما أنهم مثل والد مولود تركوا زوجاتهم وأولادهم في القرية، وإما أنهم عزَّابٌ عاطلون عن العمل ولا مال ولا ملك لديهم يستطيعون به الزواج في القرية. عندما يرى مولود عبر الأبواب المفتوحة ستة أو سبعة رجال عزَّاب ينامون كالموتى في بيت مؤلف من غرفة واحدة، يشعر بعدائية الكلاب التي في المحيط. لابد أن الكلاب تستشعر رائحة العرق والنوم الكثيفة المنبعثة من هذه البيوت. كان مولود يخشى غالبية الرجال العزَّاب؛ لأنهم مشاكسون وعابسون وقساة. ثمة مقهى مهلهل يتسكع فيه حتى المساء الرجال الذين لم يجدوا عملًا في المدينة صباحًا، وبقالٌ يقول أبو مولود عنه «مُخوزق»، ودكان يبيع أكياس الأسمنت والأبواب المخلّعة، والطوب القديم، وأسطوانات المدافئ، وقطع الصفيح، والأغطية البلاستيكية في سوق تل التوت في الأسفل على شارع آخر موقف للحافلات. فتح عمه حسن أيضًا بقالية في منتصف الطريق الصاعد إلى القمة. يصعد مولود إلى هناك في أوقات فراغه، ويطوي الجرائد القديمة لصنع الأكياس الورقية مع ابني عمه قورقوط ومولود. سليمان. بسبب سوء طباع عمي مصطفى أهدر مولود سنة في القرية سدًى؛ لذلك كان في صف أدنى في ثانوية أتاتورك للبنين. عندما أجد مولودًا وحده في الفرصة، أذهب إليه، وأصاحب ابن العم الإسطنبولي الغر. نحن نحب مولودًا كثيرًا، ونميزه عن أبيه. جاء ذات ليلة إلينا مع العم مصطفى قبل فتح المدارس. عندما رأى مولود والدتي، عانقها بشوقه لأمه وأختيه. قالت له أمي وهي تعانقه: «آه يا بُنَيَّ، أنت خائف من إسطنبول. لا تخف، انظر، نحن هنا دائمًا». وقبّلت مولودًا من شعره كما تفعل أمه. «قل الآن، هل سأكون هنا في إسطنبول زوجة عمك صفية، أم خالتك صفية؟». والدتي هي زوجة عم مولود وشقيقة أمه الكبرى، أي خالته في آن واحد. إذا دخل مولود تحت تأثير الشجار الذي لا ينتهي في الصيف بين والده ووالدي، يقول: «زوجة عمي»، وعندما يكون والده في إسطنبول شتاء يناديها في جو والدته وشقيقتيه الممتع: «خالة». قال مولود لأمي بنبرة نابعة من القلب: «أنتِ دائمًا خالتي». قالت أمي: «يُخشى أن يغضب والدك!». قال العم مصطفى: «أرجوكِ يا صفية، كوني أمًّا له، تيتم هنا، إنه يبكي في الليل». خجل مولود. تابع العم مصطفى: «سنسجله في المدرسة، ولكن ثمن الكتب والدفاتر كبير. وتلزمه سترة أيضًا». سأله أخي الكبير قورقوط: «ما رقمك المدرسي؟». «١٠١٩». ذهب أخي إلى الغرفة المجاورة، وبحث في قعر الصندوق، وأخرج سترتنا المدرسية التي استخدمناها معًا. نفضها من الغبار، وفتح تجعيدها، وألبسها لمولود بعناية كأنه خياط. قال قورقوط: «إنها تليق بك كثيرًا يا ١٠١٩». قال العم مصطفى: «نعم، ما شاء الله، لا ضرورة نهائيًّا لسترة جديدة». قال أخي قورقوط: «واسعة قليلًا، ولكن هذا أفضل. السترة الضيقة تعوق في الشجار». قال العم مصطفى: «لا، مولود لن يذهب إلى المدرسة للشجار». قال قورقوط: «إذا استطاع الصمود دون شجار طبعًا. أحيانًا يعلّق المدرسون المخبولون الشبيهة وجوههم بوجوه الحمير على الإنسان، فلا يستطيع أن يضبط نفسه». قورقوط: غضبت من قول العم مصطفى: «مولود لا يشاجر أحدًا»، وشعرت بأنه أهانني. أنا تركت المدرسة قبل ثلاث سنوات عندما كنا ساكنين في البيت الذي سيّج العم مصطفى ووالدي أرضه في تل الرماد، وبنياه (المكان الذي يقيم فيه مولود اليوم). ولكي لا أفكر نهائيًّا بالعودة إلى المدرسة، صفعت مدرس الكيمياء فوزي المتبجح الشبيه بالحمار كفين، ولكمتُه ثلاث لكمات أمام الصف، ولقنته الدرس الذي يستحق. استحق هذا منذ زمن عندما سأل في السنة التي قبل الماضية عن Pb2 SO4، وأجبته بأنه «بابوج»، سخر مني أمام الصف، ورسّبني. لا يمكن أن يبقى احترام للمدرس الذي يُضرب في المدرسة، حتى لو كان اسمها أتاتورك. سليمان. قلت لمولود التائه: «هناك ثقب في جيب السترة الأيسر، احذر من قطبه. تخبئ وريقات الغش هناك في الامتحان. نحن لم نستفد من هذه السترة في المدرسة فقط، بل في بيع البوظة مساء أيضًا. لا أحد يحتمل ولدًا يبيع في الليل بسترة المدرسة في أنصاف الليالي، فيقولون: «هل تدرس يا بُنَيَّ؟»، ويدسون بجيب سترته شيكولاتة وجوارب صوفية ونقودًا. وعندما تعود إلى البيت، تقلب السترة، وتأخذ ما فيها. احذر من القول إنك تركت المدرسة. قل إنك ستصبح طبيبًا في المستقبل». قال والده: «لن يترك مولود المدرسة، وسيصبح طبيبًا حقيقة، أليس كذلك؟». يدرك مولود أن الحنان الذي يعامل به ممزوج بالشفقة، فلا يفرح. هذا البيت الذي بنته أسرة العم بمساعدة والد مولود في تل التوت المقابل لتل الرماد، وانتقلت إليه في السنة الماضية أنظف من الكوخ الذي يقيم فيه مولود مع والده بكثير، وأنور. عمه وزوجته اللذان كانا يتناولان الطعام في القرية على مائدة الأرض، يجلسان الآن إلى طاولة مفتوح عليها نايلون مزّهر. لم تكن الأرضية ترابية، بل حجرية. رائحة الكولونيا التي تفوح من البيت، والستائر النظيفة المكوية تمنح مولودًا الرغبة بالانتماء إلى هذا المكان. يرى مولود مُذ الآن بأن عائلة عمه آقطاش ستبيع عجولها وبستانها الصغير بما في ذلك البيت وكل شيء، وتنتقل من القرية إلى هذا البيت المؤلف من ثلاث غرف، وتعيش حياة سعيدة، ويشعر بالغضب من والده الذي لم ينجح بهذا، ولا يتصرف بنية النجاح، ويخجل. مصطفى أفندي. كنت أنبّه مولودًا قائلًا: أعرف أنك تخفي عني ذهابك إلى بيت عمك، وطيّك الجرائد في بقالية عمك حسن، وجلوسك إلى مائدتهم، وتناولك الطعام، ولعبك مع سليمان، ولكن عليك ألا تنسى أنهم أكلوا حقنا. ما أشد إيلامًا من أن يكون ابن الإنسان مع المحتالين الذين يريدون خداعه، وأخذ لقمة الطعام من أمامه، وليس معه! لا تنكمش، وتشعر بالانسحاق لأنهم أعطوك تلك السترة. هذه حقك! لا تخرج من عقلك أنك إذا اقتربت كثيرًا وبشكل علني من الذين أخذوا الأرض التي سيّجوها مع والدك، فلن يحترموك، هل فهمت يا مولود؟ قبل ست سنوات، وبعد انقلاب ٢٧ أيار/ مايو ١٩٦٠ العسكري، وفي أثناء تعلّم مولود القراءة والكتابة في القرية، سكن والده وعمه حسن في بيت مستأجر عندما جاءا إلى إسطنبول من أجل إيجاد عمل، وكسب نقود. أقاما في ذلك البيت عامين، وخرجا منه عندما زادت أجرته، وأنشآ البيت الذي يقيم فيه مولود ووالده الآن في تل الرماد المقابل الذي بدأ يمتلئ بالبيوت، ونقلا بأيديهما طوب الفحم والأسمنت والصفيح. كانت العلاقة بين والده وعمه حسن جيدة جدًّا في الأيام الأولى لمجيئهم إلى إسطنبول. تعلما معًا تفاصيل بيع اللبن، وخرجا في البداية كرجلين ضخمين لبيع اللبن معًا في الأزقة كما يرويان فيما بعد ضاحكين. ولاحقًا، خرج كل منهما إلى حي من أجل البيع، ولكنهما تقاسما ربحهما اليومي لكي لا تثار غيرة أحدهما من الآخر إذا باع أكثر. أحد أسباب هذا التقارب الطبيعي هو زواجهما من أختين في القرية. بقي مولود يتذكر باسمًا كيف كانت أمه وخالته تفرحان حين تستلمان ورقة الحوالة من البريد. كان والد مولود وعمه في تلك الفترة يذهبان إلى حدائق إسطنبول وشاطئ البحر، ويجلسان في مشارب الشاي، ويمضيان الوقت معًا أيام الأحد، ويحلقان ذقنهما مرتين في الأسبوع بآلة الحلاقة والشفرة نفسيْهما، وعندما يعودان في أول الصيف يحملان معهما الهدايا نفسها لزوجتيهما وأولادهما. عندما انتقل الأخوان إلى كوخ المخالفات الذي بنياه في تل الرماد عام ١٩٦٥، وبمساعدة ابن العم حسن الكبير قورقوط الذي جاء من القرية، وانضم إليهما، سيّجا قطعتي أرض واحدة في تل الرماد، والأخرى في تل التوت المقابلة. وتحت تأثير جو التسامح الذي ساد قبيل انتخابات عام ١٩٦٥، وإشاعات «إصدار حزب العدالة عفوًا عن مخالفات البناء بعد الانتخابات»، بادرا بإنشاء بيت على أرض تل التوت. لم يكن لدى أحد في تلك الأيام سند تمليك للأرض في تل الرماد كما هو الحال في تل التوت. المبادر الذي يبني بيتًا في أرض فارغة، بعد أن ينصب عدة أشجار حور وصفصاف، ويضع بضعة أحجار تحدد حدوده، يذهب إلى المختار، ويدفع له نقودًا، ويحصل منه على ورقة بأنه هو الذي بنى ذلك البيت ونصب تلك الأشجار في تلك الأرض. ويكون مع تلك الورقة مخطط بدائي يرسمه المختار بيده مستخدمًا المسطرة وكأنه سند تمليك حقيقي صادر عن مديرية المساحة والسجل العقاري. يكتب المختار بخط طفولي على المخطط أسماء أصحاب الأراضي والبيوت المجاورة، ويشير إلى النبع والجدار (في أغلب الأحيان يكون مكانَ الجدار حجران أو ثلاثة) وشجرة الحور، وإذا دسست بيده مزيدًا من النقود يضيف كلمات تبدي الحدود الخيالية أوسع مما هي عليه، ويضرب الخاتم أسفلها. ليس لتلك الأوراق المستحصل عليها من المختار أي ضمانة؛ لأن الأرض تكون ملك الخزينة العامة أو إدارة الغابات. البيت المنشأ على أرض دون سند تمليك يمكن للدولة أن تهدمه في أي وقت. يرى الذين ينشئون بيوتًا بهذه الطريقة في أحلامهم هذه الكارثة حلت بهم في الليلة الأولى. ستظهر أهمية أوراق المختار عندما تعطي الدولة سندات تمليك للأكواخ مرة كل عشرة أعوام في أثناء الانتخابات. لأن سندات التمليك توزَّع بناء على أوراق المختار. غير هذا، فإن مَنْ يحصل على ورقة من المختار بأن هذه الأرض هي أرضه، يمكنه أن يبيعها لغيره. ترتفع أسعار هذه الأراضي في مراحل ازدياد كثافة هجرة العاطلين عن العمل من الأناضول إلى المدينة، وتُقسم الأراضي المرتفع سعرها بسرعة، وبحسب كثافة الهجرة تزداد قوة المخاتير السياسية. على الرغم من كثافة هذه النشاطات فإن رياح قوة الدولة تهب بحسب مزاجها، وإذا ما ناسب الأمر سياسة ذلك اليوم، يأتي الدرك، ويُقدَّم صاحب بيت المخالفات إلى المحكمة، ويَصْدُرُ أمرٌ بهدمه. المهم هو إنهاء البيت بأسرع ما يمكن، والدخول إليه، والعيش فيه. لأن البيت الذي يعيش فيه أحد ما يتطلب هدمه أمرًا من المحكمة، وهذا يستغرق وقتًا طويلًا. إذا كان الشخص الذي يسيج أرضًا في أي تل قائلًا: «هذه لي» ذكيًّا، فإنه يرفع أربعة جدران بليلة واحدة مع عائلته وأصدقائه في أقرب فرصة، ويدخل ليعيش بينها لكي لا يستطيع الذين ينفذون الهدم المساس بها. كان مولود يحب الاستماع إلى قصص الأمهات وأولادهن الذين دخلوا إلى بيوت في إسطنبول لم تُسقف، ولم تُنهَ نوافذها، وناموا فيها ملتحفين النجوم تحت سقف السماء. بحسب الروايات فإن اصطلاح «وُضع في الليل» الذي يعني: كوخ المخالفات دخل التداول أول مرة في التاريخ بفضل معلّم بناء أرزنجاني رفع بليلة واحدة جدران اثني عشر بيتًا بحيث يمكن الدخول إليها، وعندما مات نتيجة الشيخوخة، ذهب آلاف الأشخاص إلى مقبرة تل التوت من أجل أن يدعوا له. إنشاء والد مولود وعمه البيت بإلهام جو التسامح الذي يسبق الانتخابات، لم يكتمل نتيجة الجو نفسه الذي أدى إلى غلاء أسعار مواد البناء والأشياء البالية. بدأ نشاط بناء مخالف كثيف نتيجة شائعة العفو عن مخالفات البناء على أراضي الخزينة العامة وإدارة الغابات بعد الانتخابات. حتى الذين لم يخطر ببالهم في أي وقت بناء بيت مخالف يذهبون إلى التلال المحيطة بالمدينة، ويأخذون من المخاترة قطع أرض بواسطة شركاء يحملون العصي أو الأسلحة أو من المنظمات السياسية، ويبنون بيوتًا في أماكن نائية لا يمكن الوصول إليها. ويُضاف طابق مخالف إلى غالبية أبنية وسط المدينة. أما الأراضي الخالية التي تتوسع عليها إسطنبول، فتحولت إلى ورشة بناء ضخمة. تشتكي الصحف التي تخاطب البورجوازيين أصحاب البيوت من توسع المدينة دون تخطيط، ولكن سعادة البناء المخالف تعاش بجو من الفرح. تعمل المعامل الصغيرة التي تنتج طوب بقايا الفحم المتدني النوعية الذي يستخدم في بناء الأكواخ، وتفتح محلات بيع الأسمنت ومواد البناء حتى حلول الظلام، وتتجول عربات الخيل، والشاحنات والحافلات الصغيرة المحملة بالطوب والأسمنت والرمل والخشب والحديد والزجاج على التلال التي لا طريق لها من حي إلى حي وهي تطلق مزاميرها بفرح على الطرقات المغبَّرة. كان والده يقول له في أثناء ذهابهما من تل الرماد إلى تل التوت في الأعياد للزيارة: «أنا حملت المطرقة، وعملت أيامًا من أجل بيت عمك حسن، وأقول لك هذا لكي تعرف. بالطبع، ليس من الضروري أن تعادي عمك وأبناء عمك». سليمان. ليس صحيحًا: مولود يعرف أن هذا البناء لم يكتمل لأن العم مصطفى لم يترك النقود التي يكسبها في إسطنبول، وكان يرسلها إلى القرية. في أثناء بنائنا هذا البيت، ألححنا كثيرًا على العم مصطفى أنا وأخي لكي يكون معنا، ولكن مشاكسته، وافتعاله المشاكل بين فترة وأخرى، ومقاطعته لنا، وسوء معاملته معنا نحن ابنيْ أخيه جعلت والدي يملّ منه، وهو على حق بهذا. أكثر ما يقلق مولودًا قول والده عن عمه وابني عمه قورقوط وسليمان: «سيبيعونك ذات يوم!»؛ لهذا السبب لم يكن يفرح لذهابه من تل الرماد إلى تل التوت مع والده في الأعياد والمناسبات الخاصة، مثل لعب فريق تل التوت أولى مبارياته بكرة القدم، ودعوة آل فورال الجميع من أجل بناء الجامع. كانت لديه رغبة كبيرة بالذهاب من أجل المعمول الذي تدسه خالته صفية بيده، ورؤيته سليمان، ومن بعيد قورقوط، واستمتاعه براحة البيت النظيف المرتب. ولكن حديث الوخز بين والده وعمه حسن يشعره بالوحدة ووقوع الكارثة، لم يرغب بالذهاب. كان والده في زياراتهما الأولى لآل آقطاش، ومن أجل ألا ينسى مولود حقوقه القديمة، ينظر فترة إلى نوافذ البيت المؤلف من ثلاث غرف أو إلى بابه بانتباه، ويطلق جملة يسمعها الجميع تُفْهِمُ بأن لمصطفى أفندي وابنه مولود حقًّا بهذا البيت، مثل: «يجب أن يطلى هنا بالأخضر، وأن يُمد الجدار الجانبي بالأسمنت!». بعدئذ يسمع مولود والده يقول لعمه حسن: «إذا وقعت بيدك نقود، فاستثمرها بأرض لا خير فيها فورًا!»، ويضيف العم حسن: «هذا لا خير فيه. مُذ الآن يعرضون عليَّ طابقًا ونصفًا، ولكنني لا أبيع». وفي أكثر الأحيان يتأجج الجدل بدلًا من أن ينتهي بممازحة. وقبل أن يشرب مولود الخشاف بعد الطعام، ويأكل البرتقالة، ينهض والده، ويمسكه من يده، ويقول: «قمْ يا بُنَيَّ لنذهب». وعندما يخرجان إلى ظلام الليل، يقول له: «أما قلت لك مُذ البداية: علينا ألا نأتي. لن نأتي مرة أخرى». عندما يخرجان من بيت العم حسن في تل التوت إلى بيتهما في تل الرماد، ينتبه مولود إلى بريق المدينة من بعيد، والليل المخملي، ومصابيح إسطنبول النيون. أحيانًا لا تظهر المدينة نهائيًّا، ولكن مصابيح عشرات آلاف البيوت الصغيرة البرتقالية الشاحبة تجعل هذا العالم الذي يعرفه مولود جيدًا أكثر لمعانًا مما هو عليه في الواقع. أحيانًا تضيع أضواء التل المقابل في الأيام الضبابية، ويسمع مولود نباح الكلاب من وسط ضباب يتكاثف أكثر تدريجيًّا. ٤ مباشرة مولود البيع ليس عملك إظهار العَظَمة قال الأب لمولود عندما استيقظ من النوم ذات صباح: «أنا أحلق يا بُنَيَّ على شرف بدئك العمل. الدرس الأول: عليك أن تكون نظيفًا إذا كنت تبيع لبنًا، وخاصة إذا كنت تبيع بوظة. بعض الزبائن ينظرون إلى يديك وأظافرك. وبعضهم ينظر إلى بنطالك وحذائك. عليك أن تخلع حذاءك إذا دخلت إلى بيت، وألا يكون جوربك مثقوبًا، ولا تفوح منه رائحة. ولكن رائحة ابني السبع؛ ابني ذي الروح الملائكية عطرة، أليس كذلك؟». تعلَّم مولود بسرعة تقليد والده بشكل غير ناجح تمامًا وتعليق صواني اللبن على يمين المزراق ويساره، وموازنتها، ووضع أعواد من الخشب بين الصواني المطبقة واحدة فوق الأخرى، وتغطية الصينية العلوية بغطاء خشبي. لم ينتبه في البداية لحِمْل اللبن الذي خففه له والده، ولكنه في أثناء سيره على الطريق الترابي الذي يربط تل الرماد بالمدينة، أدرك أن بيع اللبن نوع من العتالة. سارا نصف ساعة على الطريق المغبَّر المليء بالشاحنات وعربات الخيل والحافلات. عندما أصبح الطريق معبدًا، بدأ يقرأ بدقة لوحات الإعلانات، والجرائد المعلقة على واجهات البقاليات، وإعلانات الختانين ودورات الدروس الخاصة الملصوقة على أعمدة الكهرباء، ويلهي نفسه. ومع دخوله المدينة رأى الدور الخشبية الكبيرة التي لم تنرْ أضواءها بعدُ، والثكنات العسكرية الآيلة من العهد العثماني، وسيارات الخدمة ذات مربعات رقعة الشطرنج المطعوجة من يمينها ويسارها، وحافلات الخدمة الصغيرة التي تطلق مزاميرها على مقام فرح مضيفة للغبار الذي تؤججه دخانًا، والجنود الذين يعبرون صفوفًا، والأولاد الذين يلعبون كرة القدم في الأزقة المرصوفة بالحجارة، والأمهات اللواتي يدفعن عربات أطفالهن، والواجهات المليئة بالأحذية من كل الألوان، وشرطة المرور الذين يوجهون السير بقفازاتهم البيضاء الضخمة. بعض السيارات تشبه الشيوخ المحملقين بفضل مصابيحها الكبيرة والمدورة (دودج ١٩٥٦)، وبعضها تشبه الرجال ذوي الشفة العلوية الغليظة والشارب الفرشاة بسبب الشبك الذي أمامها (بلايموث ١٩٥٧)، وبعضها تشبه النساء المشاكسات المتحجرات نتيجة ضحكهن بشكل سيئ وظهور أسنانهن العديدة (أوبل ريكورد ١٩٦١). شبّه مولود الشاحنات ذات الأنف الطويل بالكلاب الذئبية، وحافلات البلدية ماركة سكودا التي تتقدم وهي تشخر بالدببة تسير على أربعة قوائم. عند النساء الجميلات الكاشفات الرأس مثل اللواتي في كتب المدرسة المبتسمات لمولود على الإعلانات العملاقة التي تغطي أبنية كبيرة بستة طوابق أو سبعة ينعطف والده من الساحة إلى زقاق ظليل على اليمين، وينادي: «لبـ...ــن». يشعر مولود في الزقاق الضيق بأن الجميع ينظر إليهما. ينادي والده مرة أخرى دون أن يخفف سرعته بالمشي، ويقرع الجرس بهزه (لم يكن يلتفت لينظر إلى ابنه، ولكن مولودًا يدرك من خلال التعبير الحازم على وجه والده بأنه يفكر فيه)، وبعد قليل تُفتح نافذة من الطوابق العلوية. ينادي رجل أو خالة مغطاة الرأس: «لبّان، اصعد إلى الأعلى!» فيدخل الأب والابن إلى البناء، ويصعدان الدرج الذي يعبق برائحة الزيت المقلي، ويتوقفان عند أحد الأبواب. هكذا سيصغي مولود في مطابخ إسطنبول التي سيدخلها عشرات آلاف المرات خلال حياته المهنية بائعًا لسيدات بيوت، وخالات، وأولاد، وجدات، وجدود، ومتقاعدين، وخادمات، وأولاد بالتبني، وأيتام: «أهلًا وسهلًا يا مصطفى أفندي، زن نصف كيلو في هذا الصحن!»، «أوه مصطفى أفندي، تأخرت، عيوننا معلقة على الطريق، أما عدت من القرية هذا الصيف؟»، «ضع قليلًا في هذا الصحن لنرى. ميزانك غير ملعوب به، أليس كذلك؟»، «مصطفى أفندي، من هذا الولد الوسيم؟ هل هو ابنك؟ ما شاء الله»، «آآ يا لبّان، نادوك إلى الأعلى سدى، اشتروا من البقال، يوجد في الثلاجة وعاء كبير»، «لا يوجد أحد في البيت، سجل ديننا على الدفتر»، «مصطفى أفندي، لا تضع من الدِّسِم، الأولاد لا يحبونه»، «أخي الكبير مصطفى، لتكبر ابنتي الصغيرة قليلًا، ونزوجها لابنك هذا»، تأخرت كثيرًا يا لبّان، نصف ساعة بصعود طابقين؟»، «هل تضع بهذا الوعاء يا لبّان، أم أعطيك هذا؟»، «المرة الماضية كان أرخص يا لبّان...»، «مدير العمارة منع المصعد عن الباعة يا لبّان، مفهوم؟»، «من أين لبنك؟»، «مصطفى أفندي، أغلق الباب جيدًا وأنت خارج، بوابنا هرب»، «مصطفى أفندي، انظر، لا تجوّل هذا الولد معك من زقاق إلى زقاق كالحمّال، سجله في المدرسة المتوسطة، وإلا لن أشتري منك اللبن»، «يا لبّان، اجلب لنا بين يوم ويوم نصف كيلو، يكفي أن يأتي الولد إلى الأعلى»، «لا تخف يا بُنَيَّ، لا تخف، الكلب لا يعض. إنه يشم فقط، انظر، إنه أحبك»، «استريحوا قليلًا يا أخي مصطفى، المرأة والأولاد ليسوا هنا، يوجد أرز بالطماطم، هل أسخن لك لتأكل؟»، «المذياع مفتوح، بالكاد سمعناك، ارفع صوتك أكثر في المرة القادمة، ممكن؟»، «أصبح هذا الحذاء ضيقًا على ابني. ألبسه لنرى يا بُنَيَّ!»، «يا مصطفى أفندي، لا تحرم الولد من أمه، لتأتِ من القرية، وترعاكم». مصطفى أفندي. لكي يرى مولود أباه ينكسر من أجل تحصيل لقمة الطعام من فم الأسد، ويتعلم أنه يجب أن يطأطئ برأسه من أجل أن يصبح غنيًّا، أقول في أثناء خروجي من البيت وأنا أنحني: «الله يرضى عنك يا سيدتي المحترمة. جعل الله التراب بيدك ذهبًا». أقول: «تسلم يا سيدي!» وأبالغ بالانحناء، «سيلبس مولود هذين القفازين طوال الشتاء، الله يرضى عنكم. قبّل يد حضرة السيد...»، ولكن مولودًا يطرق برأسه، ولا يقبِّلها. وعندما نخرج إلى الزقاق، أقول له: «ابني، عليك ألا تكون متكبرًا، وألا تقلب شفتك لطاس حساء، وزوجي جوارب. هذه مقابل الخدمة التي نقدمها لهم. نحن نجلب إلى وراء أقدامهم أفضل لبن في العالم. وهم يعطوننا مقابل الخدمة. هذا كل شيء». يمر شهر، يعبس بوجه سيدة تعطيه قبعة صوفية، ثم يخاف مني، ويهم بتقبيل يدها، ولكنه لا يفعلها. أقول له: «اسمع، لا يناسبك التكبر. عندما أقول لك: قبِّل يد الزبونة، ستقبلها. ثم إنها ليست زبونة، هي خالة طيبة القلب. الجميع مثلها. كم هناك سفلة يسجلون ثمن اللبن على الدفتر، وهم يعرفون بأنهم سينتقلون. إذا تكبرت مع من يعاملك بحنان، لن تكون غنيًّا نهائيًّا. انظر إلى عمك الحاج حميد فورال كم يداهن. إذا كنت تخجل لأنهم أغنياء، فلا تفكر على هذا النحو. الغني هو الذي أتى قبلنا إلى إسطنبول، وكسب قبلنا. هذا هو الفرق». كان مولود في ثانوية أتاتورك للبنين كل صباح من الساعة الثامنة إلا خمس دقائق إلى الواحدة والنصف من أيام وسط الأسبوع. عند قرع الجرس الأخير، يهرع راكضًا من بين الباعة المتجمعين على باب المدرسة، والطلاب الذين لم ينهوا حساباتهم في الصف، فيخلعون ستراتهم ويتصارعون، ليلتقي بوالده الذي يبيع اللبن. كان مكان اللقاء مطعمًا. بعد أن يترك حقيبة المدرسة المليئة بالكتب والدفاتر في مطعم فِدان، يبيع لبنًا مع والده حتى يظلم الجو. هناك عدة مطاعم مثل مطعم فِدان ينقل إليها والده صينيات اللبن ثلاث مرات في الأسبوع بشكل منتظم. كثيرًا ما يتجادل والده مع أصحاب هذه المطاعم لأنهم يساومونه بشدة، وأحيانًا يتركهم، ويتفق مع غيرهم. لم يكن والده يستطيع التخلي عن هؤلاء الزبائن على الرغم من دفعهم القليل من الربح مقابل الكثير من الجهد؛ لأنه كان يستخدم مطابخهم، وثلاجاتهم الكبيرة، وشرفاتهم أو حدائقهم الخلفية مستودعًا يؤمّن فيه صينيات اللبن وأوعية البوظة. أصحاب هذه المطاعم التي تقدم مأكولات بيتية وشاورمة وخُشافًا لأصحاب المحلات، أو كبار نُدُلِها أصدقاء والده. أحيانًا يجلس الأب وابنه إلى طاولة خلف المطعم، ويصبون لهما في صحن مشكّلة الخضار أو أرزًا بالحمص مع ربع رغيف ولبن، ويتبادلون الحديث. كان مولود يحب الحديث على تلك الموائد: يجلس إلى المائدة ملّعب يانصيب يبيع مارلبورو، أو شرطي متقاعد يعرف جيدًا ما يدور في أزقة بيه أوغلو، أو أجير المصور المجاور، ويتحدثون عن ارتفاع الأسعار بشكل مستمر، واللوتو، والمداهمات على باعة السجائر والمشروبات الأجنبية المهربة، وآخر التطورات السياسية في أنقرة، ورقابة الشرطة والبلدية في أزقة إسطنبول. في أثناء استماع مولود لقصص هؤلاء الرجال ذوي الشوارب والمدخنين جميعًا، يشعر أنه ينفذ إلى أسرار حياة الشارع الإسطنبولي: يسكن فخذ قبيلة كردية من أغري في حي النجارين الواقع في المنطقة الخلفية من طرلاباشِ. تريد البلدية مطاردة باعة الكتب الجوالين في محيط ساحة تقسيم؛ لأنهم على علاقة بالمنظمات اليسارية. عصابة موقف السيارات التي في الأزقة السفلية دخلت بمعركة ميدان بالعصي والجنازير مع عصابة أبناء البحر الأسود لموقف سيارات طرلاباشِ من أجل السيطرة على المكان. سرعان ما يبتعد والده عند نشوب شجار أزقة، أو وقوع حوادث سير، أو إطلاق النساء صراخًا عندما يتعرضن للنشل أو التحرش، وعند إطلاق التهديد والشتائم وسحب السكاكين. مصطفى أفندي. أقول لمولود: انتبه رحماك، يسجلونك شاهدًا فورًا. إذا دخلت سجلات الدولة مرة، تنتهي. وإذا أعطيتهم عنوانك يغدو الوضع أسوأ. يأتيك الاستدعاء من المحكمة فورًا. إذا لم تذهب، تأتي الشرطة إلى بابك. لا يسألك الشرطي القادم إلى بابك عن سبب عدم ذهابك إلى المحكمة فقط، بل يسألك عما تفعله في حياتك، وعن ضريبتك وسجلك المدني، وما تكسبه، وما إذا كنت يمينيًّا أو يساريًّا. لم يكن مولود يفهم سبب انعطاف والده فجأة إلى أحد الأزقة الجانبية؛ وصمته المفاجئ والطويل بعد أن كان يصرخ بأعلى صوته: «لبّااااان!»؛ وتظاهره بعدم سماع زبون فتح النافذة، وصرخ: «لبان، أنا أناديك يا لبان!»؛ وقوله: «جماعة سيئون» بعد أن يعانق الأرظروميين، ويغادروا؛ وإعطائه زبونًا كيلوين من اللبن بنصف السعر. أحيانًا يكون هناك كثير من الزبائن والبيوت يجب التعريج عليهم، فينزل الحمالة واللبن عن كتفه على باب أحد المقاهي، ويدخل، ويجلس إلى إحدى الطاولات كالميت، ويطلب شايًا، وينتظر دون حركة. كان مولود يفهم هذا. مصطفى أفندي. يمضي يوم بائع اللبن بالمشي. لا حافلات البلدية ولا الحافلات الخاصة تُركّب اللبان مع صواني اللبن، أما سيارة الأجرة فنقود اللبان لا تكفيها. كل يوم تمشي ثلاثين كيلومترًا بحملٍ يتراوح بين أربعين إلى خمسين كيلوغرامًا. معظم شغلنا هو عتالة. كان والد مولود يمشي مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع من تل الرماد إلى أمينونو. وهذا يستغرق ساعتين. تأتي شاحنة صغيرة مملوءة باللبن من مزرعة أبقار في تراكيا إلى فسحة خاوية قرب محطة سيركجي للقطارات. يُنزل الحمل من الشاحنة؛ ويتدافع باعة اللبن وأصحاب المطاعم، ويدفعون النقود؛ ويعيدون الصواني الفارغة من بين صفائح الزيتون والجبن (كان مولود يحب رائحتها كثيرًا) في المستودع القريب؛ ويتحاسبون بانهماك وفوضى شبيهة بفوضى جسر غلاطة التي تبدو أنها لا تنتهي. طلب الوالد من مولود إمساك دفتر التسوق. وهذا العمل بسيط جدًّا إلى درجة أن مولودًا اعتقد بأن والده الذي لا يعرف القراءة والكتابة أدخله بهذا العمل، واصطحبه إلى هناك من أجل أن يريه للناس فقط. فور إنهاء عملية التسوق، يحمل والده اللبن الذي يقارب وزنه ستين كيلوغرامًا بتصميم خاص، ويسير مدة أربعين دقيقة دون توقف وهو يصبب العرق، ويُودع جزءًا من الحمل في مطعم خلف بيه أوغلو، وقسمًا في مطعم آخر في بنغالطِ، ثم يعود إلى سيركجي، ويحمل الكمية نفسها أيضًا، ويفرغها في مكان ثالث، ثم يسحب اللبن من هذه النقط، و«يوزعه» على البيوت في أزقة يعرف مداخلها ومخارجها جيدًا. وعندما يبرد الجو في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، يبدأ بعمل الأمر نفسه مرتين في الأسبوع من أجل البوظة. يحمل شراب البوظة الخام الذي يشتريه من محل وفا، ويودعه عند أصحاب المطاعم أصدقائه في وقت مناسب، ثم ينقله إلى البيت، ويحلِّيه بالسكر، ويُنكّهه ببهارات مختلفة، ويخرج كل يوم في السابعة مساء لبيع البوظة. أحيانًا يضيف السكر والبهارات في مطبخ مطعم أحد أصدقائه أو حديقته بمساعدة مولود، وبهذا يوفر الوقت. يُدهش مولود من والده الذي يوزع صواني اللبن وأوعية البوظة الممتلئة ونصف الممتلئة والفارغة بحسب خط السير، والتوزيع بمنطق «مشي أقل، وتوزيع أكثر». كان مصطفى أفندي ينادي زبائنه بالاسم، ويتذكر رغبة كل منهم باللبن (بالقشدة، دون قشدة) والبوظة (حامضة، طازجة). دهش مولود لمعرفة والده صاحب مشرب شاب تفوح منه رائحة العفن وابنه عندما دخلاه مع هطول المطر؛ ولعناقه متسوق الأشياء القديمة الذي مر في الشارع على عربة الخيل شاردًا، ثم لعنصر ضابطة البلدية الذي تعامل معه برفع الكلفة، وبعد أن ذهب قال عنه: «واحد سافل». كيف يستطيع والده أن يحفظ في عقله تفاصيل أجراس أبواب البيوت والبنايات في الأزقة التي يدخلها، وأبواب حدائقها، وأدراجها التي تدور بشكل غريب، واستخدام مصاعدها، وفتحها وإغلاقها، والضغط على أزرارها، وسحب مزاليجها؟ كان مصطفى أفندي يقدم لابنه المعلومات بشكل مستمر. «هذه مقبرة اليهود، تمر دون أن تصدر صوتًا»، «في هذا البنك يعمل آذنٌ من غمشدرة، وهو طيب، ليكن بعلمك»، «لا تعبر إلى الطرف المقابل من هنا، بل من نقطة انقطاع الحاجز الحديدي، فهناك زحمة المواصلات أقل، وتنتظر أقل!». كان والده يقول له في فسحة درج بناء مظلم وتفوح منه رائحة العفن، ويستدلان على طريقهما بالتلمس: «انظر الآن ماذا يوجد هنا. هه. افتح هذا الباب الآن». يفتح مولود في الظلمة الخفيفة باب نملية بجوار باب إحدى الشقق بدقة كأنه يفتح غطاء مصباح علاء الدين، فيرى وعاءً وورقة في إحدى زواياها المظلمة. «اقرأ ما كتب فيها لنرى!» فيوجه مولود الورقة المقطوعة من دفتر مدرسي نحو ضوء الدرج الشاحب بانتباه كأنها مخطط يشير إلى موقع كنز سري، ويقرأ هامسًا: «نصف كيلو بالقشدة!». عندما يرى والده ينظر إليه نظرة عالم يتحدث لغة خاصة بالمدينة، ويتململ من أجل معرفة أسرار المدينة، يشعر بالفخر، ويحث الخطى. «بالتدريج أنت أيضًا تتعلم كل شيء... ستتعلم كل شيء، وتغدو رجلًا غير مرئي. ستسمع كل شيء، وتتظاهر بأنك لم تسمع شيئًا... ستمشي عشر ساعات في اليوم، وتشعر بأنك لم تمشِ نهائيًّا. هل تعبتَ يا بُنَيَّ، أتريد أن نجلس؟». «لنجلس». حلول البرد وخروجهما لبيع البوظة قبل مرور شهرين على مجيئهما بدأ يُتعب مولودًا. بعد أن يذهب مولود إلى المدرسة صباحًا، ويبيع اللبن مع والده بعد الظهر أربع ساعات، ويسير خمسة عشر كيلومترًا، ينام فور عودته إلى البيت. أحيانًا يضع رأسه على الطاولة في أثناء استراحاتهما في المطاعم ومشارب الشاي، ويغفو قليلًا، ولكن الأب يوقظ مولودًا خشية امتعاض صاحب القهوة من المنظر غير اللائق بمقاهي السهر حتى الصباح. كان الأب يوقظ مولودًا مساء قبل خروجه لبيع البوظة. (يقول مولود أحيانًا: «بابا، غدًا لديَّ امتحان تاريخ، يجب أن أدرس»). في بعض الأيام التي لا يستطيع مولود النهوض من نوم الصباح بأي شكل، يقول: «بابا، ليس لدينا مدرسة اليوم». ويسعد والده في ذلك اليوم لأنهما سيبيعان معًا لبنًا أكثر، ويكسبان أكثر. أحيانًا لا يسخو الأب بإيقاظ ابنه، ويحمل أوعية البوظة، ويخرج من الباب بهدوء. بعدئذ عندما ينام مولود وحده في البيت، يسمع من جديد الطقطقة نفسها تأتي من النافذة المظلمة، ويشعر بالندم لأنه يشتاق لصداقة والده، ولما يشعر به عندما يضع يده براحة يد والده. حينئذ يدين نفسه لأنه نام، ولا يستطيع الدراسة بشكل جيد في أثناء انشغال باله بهذه الأمور كلها، ولهذا يشعر بالذنب أكثر. ٥ ثانوية أتاتورك للبنين التعليم الجيد يزيل الفرق بين الغني والفقير أنشئت ثانوية تل التوت للبنين على منبسط خفيض في أول الطريق الذي يربط التل والتلال الأخرى التي تغطيها أبنية المخالفات بسرعة بإسطنبول مما يجعل رؤية الأمهات اللواتي ينشرن الغسيل، والخالات اللواتي يرققن العجين بالشوابق في الأحياء التالية المصطفة على طول نهر الخراء، والعاطلين عن العمل الذين يلعبون الورق والدومينو في مشارب الشاي، وبناء المدرسة البرتقالي، وتمثال أتاتورك النصفي، والطلاب الذين يمارسون ألعاب القوى بإشراف كريم الأعمى أستاذ الرياضة والدين (كان ثمة حذاء مطاطي في قدميه، ويرتدي بنطالًا وقميصًا) كنقط صغيرة ملونة ومتحركة. كان ثمة جرس لا يُسمع من التلال البعيدة يقرع كل خمس وأربعين دقيقة، ويندفع مئات الطلاب فجأة إلى الباحة، ثم يُقرع جرس آخر غير مسموع، فيختفون كلهم فجأة. ولكن نشيد الاستقلال الذي يردده ألف ومائتا طالب معًا وهم مصطفون حول تمثال أتاتورك النصفي صباح كل يوم اثنين، تتردد أصداؤه بين التلال، ويُسمع من آلاف البيوت المجاورة. قبل ترديد نشيد الاستقلال، يخرج مدير الثانوية الأستاذ فاضل إلى أعلى درج مدخل البناء، ويلقي كلمة حول حب الوطن والأمة، والانتصارات القديمة التي لا تُنسى (كان يحب معارك الفتوحات الدموية مثل موهاج)، ويطلب من الطلاب أن يكونوا مثل أتاتورك. كان معاون المدير المنتصب بجانب المدير يراقب الطلاب كشرطي بانتباه فردًا فردًا؛ لأن الكبار منهم وسط الزحام والمخربين يقولون كلماتٍ ساخرةً لم يفهمها مولود في السنوات الأولى، وبعض عديمي التربية يطلقون أصواتًا غريبة، وأحيانًا بشعة. وبسبب هذه الرقابة المبالغ بها لم يستطع التعرف على الطالب ذي الروح المعارضة الذي يستطيع أن يضرط وسط الزحام عندما يريد، ويحظى باحترام اليمينيين المتدينين، واليساريين القوميين (كان الطلاب اليمينيون كلهم متدينين، واليساريون كلهم قوميين) إلا بعد سنة ونصف عندما بلغ الرابعة عشرة من عمره، ووقع موقع الشك بنظر لجنة انضباط المدرسة. أكثر ما يجرح قلب المدير في موضوع مستقبل المدرسة وتركيا، عدم تمكن ألف ومائتي طالب من ترديد نشيد الاستقلال معًا. ترديد كل شخص نشيد الاستقلال كما يحلو له، وحتى عدم ترديد «المنحلين قوميًّا» نهائيًّا كان يُخرج المدير عن طوره. أحيانًا عندما تنهي مجموعة من الطلاب النشيد في طرف من أطراف الباحة، تكون مجموعة أخرى غير واصلة إلى منتصفه. والمدير الذي يريد أن يُردد النشيد معًا «مثل قبضة واحدة» لا يهتم لثلج أو مطر، ويأمر الألف ومائتي طالب بالإعادة مرات ومرات، وبعض الطلاب يخربون الانسجام نكاية وعنادًا، وهذا ما يؤدي إلى الضحك، والشجار بين الطلاب البردانين الوطنيين من جهة والساخرين المخربين الميئوس منهم من جهة أخرى. يراقب مولود هذه الشجارات من بعيد، ويعض على خديه من الداخل من أجل ألا يلتقطه الهيكل متلبسًا بالضحك من ممازحات الوقحين. ولكن العلم ذا الهلال والنجمة عندما يرتفع بعد قليل ببطء، تغرورق عيناه شاعرًا بالذنب، ويردد النشيد من قلبه. استمرت عينا مولود تغرورقان أينما رأى العلم التركي يرتفع ـ حتى في الأفلام ـ إلى نهاية عمره. كان مولود يرغب كثيرًا بأن يكون مثل «أتاتورك الذي فعل كل شيء من أجل الوطن» كما يريد المدير. ولهذا كان عليه أن ينهي ثلاث سنوات المدرسة المتوسطة، وثلاث سنوات المدرسة الثانوية. ولأن أحدًا لم ينجح بهذا حتى الآن من العائلة أو القرية، بقي هذا الهدف في عقل مولود مُذ الأيام الأولى للمدرسة أمرًا مقدسًا مثل العلم والوطن وأتاتورك، تخيُّله جميل، وتحقيقه صعب. غالبية طلاب مناطق المخالفات إما يعملون مع آبائهم باعة جوالين، وإما عند مهني. ويعرف هؤلاء أنهم عندما يكبرون قليلًا سيتركون المدرسة. غالبيتهم ينتظرون دورهم للعمل أجراء عند الفران والسمكري أو معلم اللحام. أكبر مشاكل المدير الأستاذ فاضل هو تحقيق الانسجام بين الطلاب أبناء العائلات الجيدة الذين يجلسون في المقاعد الأمامية وزحام الطلاب الفقراء، وفرض الانضباط. لهذا السبب طوّر فلسفة يعبر عنها بشكل موجز: «التعليم الجيد يزيل الفرق بين الغني والفقير!». لم يفهم مولود ما إذا كان الأستاذ فاضل يريد أن يقول للطلاب الفقراء بهذه العبارة: «إذا درستم جيدًا وأنهيتم تعليمكم، يمكنكم أيضًا أن تصبحوا أغنياء»، أم أنه يريد أن يقول لهم: «إذا درستم جيدًا فلن يظهر مدى فقركم». من أجل أن يثبت المدير لتركيا كلها بأن التعليم في ثانوية أتاتورك للبنين جيد، يريد أن يحصل فريق الثانوية على درجة في المسابقة التي تجريها إذاعة إسطنبول، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يمضي معظم وقته مع الفريق (يُعرف فريق المدرسة بين الطلاب الغيورين والكسالى باسم «الحفّاظ») الذي شكّله من أبناء العائلات الجيدة في الحي العلوي ليحفظه تواريخ ميلاد السلاطين العثمانيين وموتهم. يتحدث في مراسم تحية العلم عن الطلاب القدامى الذين تركوا المدرسة من أجل أن يصبحوا أجراء عند المصلحين واللحامين بإدانة؛ لأنهم أصحاب شخصيات ضعيفة خانوا التنوير العلم، ويؤنب الطلاب الذين يداومون على المدرسة، ويبيعون اللبن بعد الظهر مثل مولود؛ ومن أجل جلب الطلاب الساعين إلى كسب النقود إلى جادة الصواب، يصرخ قائلًا: «العلم ينقذ تركيا، وليس بيع الأرز والشاورمة!» أينشتاين أيضًا كان فقيرًا، حتى إنه رسب في درس الفيزياء، ولكنه لم يترك المدرسة نهائيًّا من أجل كسب بضعة قروش، وفي النهاية كسب هو وأمته. الهيكل. في الحقيقة أن ثانوية أتاتورك للبنين في تل التوت تأسست من أجل أن يحظى أبناء الموظفين والمحامين والأطباء القاطنين في الجمعيات السكنية الحديثة على الطراز الأوربي في أحياء منطقة مجيدية كوي العليا وجوارها بتعليم جيد. ولكن مع الأسف أن إدارة الثانوية أصبحت شبه مستحيلة عندما تعرضت لاحتلال أولاد الأناضول الفقراء القادمين من أحياء المخالفات المنتشرة على التلال الخلفية بشكل غير قانوني في العقد الأخير. على الرغم من كثرة غياب الطلاب العاملين باعة جوالين، والذين شطبوا قيدهم من المدرسة بعد دخولهم بعمل، والمطرودين بسبب ارتكابهم جرائم سرقة وضرب وتهديد لمعلميهم والتحرش بهم، فإن صفوفنا مكتظة بشكل كبير. مع الأسف أن خمسة وخمسين طالبًا يتلقون دروسهم في صفوف حديثة معدّة لثلاثين طالبًا، ويجلس ثلاثة طلاب متراصين في المقعد المعد لطالبين، ويتصادم الراكضون والماشون واللاعبون في الفرص باستمرار مثل لعبة السيارات المتصادمة. الطلاب الضعفاء الذين يفقدون وعيهم نتيجة وقوعهم وسط التدافع عند قرع الجرس أو نشوب شجار أو أي انهماك في الدهاليز وعلى الدرج، ندخلهم إلى غرفة المدرسين، ونعطيهم كولونيا. في وسط مزدحم إلى هذه الدرجة، من الطبيعي أن يكون تحفيظ الطلاب الدرس أكثر فاعلية من شرحه لهم. لأن الحفظ يطوّر ذاكرة الولد، ويعلمه احترام الكبار بآن واحد. تردد مولود كثيرًا حول موضوع المكان الذي سيجلس فيه على مدى سنة ونصف من الأول متوسطة إلى الفصل الثاني من الثاني متوسطة. عندما يبذل جهدًا من أجل حل هذه المشكلة، يسيطر عليه الهلع مثل الفلاسفة القدماء حين يبحثون عن جواب لسؤال: «ما الذي يجب عمله في الحياة؟». في الشهر الأول من بدء المدرسة، فهم بأن دفاتره وربطة عنقه ووظائفه المدرسية يجب أن تكون كاملة ومنتظمة، وأن يصاحب أبناء الحي العلوي إذا أراد أن يكون «رجل علم يفخر فيه أتاتورك» كما يقول المدير. لم يقابل مولود بعد طالبًا يسكن في حي المخالفات مثله (ثلثي طلاب المدرسة)، وناجحًا جدًّا بدروسه. قابل في الباحة عدة طلاب تائهين من سكان المخالفات مثله ممن يقال عنهم: «أرجوك، هذا الولد ذكي، ليدرس»، ويأخذون الدراسة مأخذ جد، ولكنه لم يستطع أن يقيم تواصـلًا مع هؤلاء الطلاب الانطوائيين، ويدرسون في صفوف أخرى، ويُستخفُّ بهم بإطلاق لقب «بقرة» عليهم. أحد أسباب هذا الأمر هو أن «البقر» ينظرون إلى مولود نظرة شك؛ لأنه يعيش في حي المخالفات مثلهم. مصاحبة الطلاب الجالسين في المقاعد الأمامية ويجلبون وظائفهم بانتظام من أبناء العائلات الجيدة، والجلوس بجانبهم، يمنح مولودًا شعورًا أفضل. لكي ينتقل إلى المقاعد الأمامية يجب عليه أن ينتبه بشكل مستمر إلى المدرسين، ويكمل الجمل التي يقولونها ولم يكملوها مفسحين المجال للطلاب لقولها بصوت مرتفع. كان مولود يرفع إصبعه مظهرًا التفاؤل عندما يسأل المدرس سؤالًا حتى وإن لم يكن يعرف الجواب. ولكن أبناء عمارات الحي العلوي الذين يحاول الدخول بينهم لديهم غرابة، ويجرحون قلب الإنسان دائمًا. ذات مرة كاد «العريس» الذي حظي مولود بالجلوس بجانبه على مقعد أمامي في الأول متوسطة أن يُسحق بين لاعبي كرة القدم (كرة مصنوعة من أوراق الجرائد الملفوف عليها خيوط؛ لأن إدخال كرة قدم إلى المدرسة كان ممنوعًا) في الفرصة وسط الزحام، والراكضين بطيش، والصائحين، والمتشاجرين، والمتدافعين وهم يقامرون (صور لاعبي كرة القدم، أقلام صغيرة، وقطع سجائر مقسومة إلى ثلاثة أقسام). سيطر الغضب على العريس للحظة، والتفت إلى مولود، وقال: «ملأ القرويون هذه المدرسة، سيسحب والدي أوراقي من هنا، وأذهب إلى مدرسة أخرى». العريس. لأنني أعتني كثيرًا بربطة عنقي وسترتي، وآتي إلى الصف صباح بعض الأيام مدهونًا بالعطر الذي يستخدمه والدي طبيب النسائية بعد الحلاقة بشكل مفرط، أطلقوا عليَّ لقب العريس مُذ الفصل الأول لمجيئي إلى المدرسة. العطر يفتح نفس الجميع في صفٍّ يعبق برائحة الوسخ والأنفاس والعرق، فيسألونني في الأيام التي لا أدهن بالعطر: «عريس، أليس هناك عرس اليوم؟». لستُ من النوع الذي «لا تمسه فيكسر» كما يعتقد البعض. نزلتُ بلكمة قاسية ذات مرة على حنك واحدٍ سخيف دس أنفه برقبتي بذريعة أنه سيشم العطر بشكل أفضل وكأنني منيك، فطرحته أرضًا، وكسبت احترام الفتوات الجالسين في المقاعد الخلفية. أنا هنا لأن والدي البخيل لم يدفع نقود المدرسة الخاصة. كنا نتحدث في هذه المواضيع في الدرس ذات يوم، قالت مدرسة الأحياء ملاحات الضخمة: «١٠١٩، مولود قرة طاش، أنت تتكلم كثيرًا، هيَّا إلى الخلف!». قلت: «لم نكن نتكلم يا أستاذة!» لا لأنني صاحب روح فارس كما اعتقد مولود؛ بل لمعرفتي بأن ملاحات لن تنفي واحدًا مثلي ابن عائلة جيدة إلى الخلف مهما كلف الأمر. ولكن مولودًا لم يشتكِ كثيرًا؛ لأنه أُلقيَ إلى الخلف. فقد أُلقيَ إلى الخلف من قبل أيضًا، ولكنه بفضل تأدبه، وسذاجته، ووجهه الطفولي، ورفع إصبعه باستمرار، تمكن من إيجاد طريقة للتسلل إلى الأمام. أحيانًا يغيّر المدرس أمكنة الطلاب جميعهم كإجراء لوقف الصخب في الصف. في أوقات كهذه، ينجح مولود بوجهه الحلو وانتباهه الدائم إلى المدرسين بانضباط ورغبة شديدة بالجلوس في المقاعد الأمامية، ولكن سوء طالعه يعيده من جديد إلى المقاعد الخلفية. في مرة أخرى، اعترض العريس بجرأة على قرار مدرسة علم الأحياء ملاحات ذات الثديين الضخمين بإرسال مولود إلى المقاعد الخلفية: «أستاذة، ليجلس في المقعد الأمامي، ماذا هنالك؟ إنه يحب درسك كثيرًا». قالت ملاحات الظالمة: «ألا ترى؟ طوله كالمزراق، بسببه لا يرى الجالسون في الخلف السبورة». بسبب إبقاء والده عليه في القرية دون سبب، فقد كان عمر مولود أكبر من متوسط الأعمار في الصف. يخجل في أثناء عودته من المقعد الأمامي إلى المقاعد الخلفية، ويجد عقله علاقة غريبة بين استمنائه الذي بدأ يعتاد عليه حديثًا وضخامة جسمه. كان الجالسون في المقاعد الخلفية يستقبلون عودة مولود بالتصفيق وهتاف: «إلى العش يا مولود!». المقاعد الخلفية هي مقاعد اللصوص، والكسالى، والأغبياء، واليائسين لكثرة ما تباهوا، والفتوات الضخام، والكبار سنًّا، والذين سيفصلون من المدرسة قريبًا. أكثر الذين يجدون عملًا ويتركون المدرسة هم من الذين يُدفعون إلى المقاعد الخلفية، ولكن بعض الطلاب يتقدمون بالسن وهم جالسون على المقاعد الخلفية دون أن يجدوا عملًا في الخارج. بعضهم يعرفون أنهم مذنبون وأغبياء وكبار بالسن وضخام، فيذهبون للجلوس في المقاعد الخلفية من تلقاء أنفسهم. البعض الآخر مثل مولود، يعتبرون المقاعد الخلفية قدرًا سيئًا، ولا يتقبلونها بأي شكل، ولكن بعض الفقراء يتقبلون الواقع المؤلم في النهاية بأنهم لن يصبحوا أغنياء قط، ولا يحدث هذا إلا بعد جهود حثيثة، ومزيد من الخيبات. كثير من المدرسين، وعلى رأسهم مدرس التاريخ رمسيس (حقيقة هو يشبه المومياء) يعرفون من خلال التجربة بأنه لا جدوى من العمل على تعليم شيء ما للجالسين في المقاعد الخلفية. أما الآخرون (مثل الآنسة ناظلي مدرسة الإنكليزية الشابة والمتوجسة التي يسعد مولود كثيرًا لالتقاء نظره بنظرها، وعَشِقَها دون أن تدري) فقد كانوا يتجنبون النظر نهائيًّا إلى تلك الجهة خشية الصدام مع الجالسين في المقاعد الخلفية أو الدخول بجدل معهم. لا أحد من المدرسين بمن فيهم المدير الذي يستطيع النجاح بإخافة ألف ومائتي طالب، في اللحظة ذاتها يريد أن يصطدم بشكل مباشر مع طلاب المقاعد الخلفية. لأن هذا التوتر يمكن أن يتحول بسرعة إلى قضية ثأر، ولا يهاجم ذلك المدرس طلاب المقاعد الخلفية فقط، بل الصف كله. الموضوع الحساس الذي يُغضب الصف كله، ولا يمكن أن يكون موضوع سخرية من الطلاب هو لهجة القادمين من أحياء المخالفات، وشخصياتهم، وجهلهم، والحَب الأحمر المتفتح في وجوههم كل يوم مثل انتفاخات متوسطة الحجم. بعض المدرسين يريدون إسكات الطلاب الذين يروون قصصًا في الدرس أكثر جاذبية مما يشرحونه، ويمزحون بشكل دائم، فيضربونهم بالمسطرة، ويهينونهم، ويفقدونهم احترامهم، ويريدون إسكاتهم. ذات مرة، كلما استدار إلى السبورة مدرس الكيمياء الشاب فوزي المتباهي لكتابة صيغة أكسيد الرصاص، أصبح هدفًا لحبات الأرز التي تقذف من قلوب أقلام الحبر الجاف بعد أن تفرغ من حبرها، وتتحول إلى بوري نفخ. لأنه سخر من لهجة طالب من منطقة الشرق (لم يكن أحد يقول: كردي في ذلك الوقت) وهندامه. يقاطع فتوات المقاعد الخلفية أحيانًا المدرس الذي يجده الصف ضعيفًا ومتوجسًا من أجل المتعة، وأحيانًا دون سبب: «كفى أستاذ، نحتَّ كثيرًا بهذا الدرس، مللنا، حدثنا عن رحلاتك إلى أوربا!». «آنسة، هل ذهبتِ حقيقة بالقطار وحدك إلى إسبانيا؟». يتحدث طلاب المقاعد الخلفية حول ما يجري في الدروس بصوت مرتفع مثل الذين يتحدثون في السينما الصيفية حول ما يحدث على الشاشة، ويروون القصص، ويقهقهون، ويحدثون صخبًا إلى درجة أن المدرس الذي يسأل سؤالًا على السبورة، والطالب الذي يجيب من المقاعد الأمامية لا يسمع أحدهما الآخر. كان مولود يجد صعوبة بمتابعة ما يشرحه المدرس عندما يكون منفيًّا إلى المقاعد الخلفية. ولكن يجب ألا يُفهم الأمر بشكل خاطئ، فإن أسعد أوقات مولود في المدرسة هي ضحكه على ممازحات الجالسين في المقاعد الخلفية، واستماعه للمدرسة ناظلي. ٦ المدرسة المتوسطة والسياسة غدًا لا توجد مدرسة مصطفى أفندي. في الخريف التالي، مازال مولود يخجل من النداء في الأزقة: «لبّان!»، ولكنه اعتاد على حمل صواني اللبن وأوعية البوظة على طرفي الحمالة. أصبح يستطيع أن يذهب من مكان إلى آخر وحده كما أطلب منه، مثلًا يحمل الصواني الفارغة من مطعم في أحد أزقة بيه أوغلو الخلفية إلى المستودع في سيركجي، ثم يجلب صواني اللبن المليئة التي يأخذها من المستودع، أو أوعية شراب البوظة الخام إلى بيه أوغلو، ويودعها في محل راسم الذي يعبق برائحة الزيت والبصل، ويعود إلى تل الرماد. إذا عدت مساء، ووجدت مولودًا يدرس وراء الطاولة وحده، أقول: «ما شاء الله، على هذه الحال ستكون أول بروفيسور يخرج من قريتنا». وإذا كان قد درس جيدًا، يقول: «بابا، هل تسمعني الآن؟» ويوجه عينيه إلى السقف، ويقرأ الدرس من ذاكرته. وعندما يتعثر، ينقل نظره من السقف نحوي. كنت أقول له: «لا تنتظر عونًا من أب لا يعرف القراءة والكتابة، ودرسك ليس مكتوبًا على وجهي». في السنة الثانية متوسطة، لم يبرد من المدرسة ولا من العمل. كان يقول لي في بعض الأمسية: «غدًا لا توجد مدرسة، سأذهب معك لبيع البوظة!». لم أكن أستطيع أن أنبس. في بعض الأيام يقول: «غدًا لديَّ دراسة، سأذهب من المدرسة إلى البيت مباشرة». مولود، مثله مثل غالبية طلاب ثانوية أتاتورك يخفي حياته ما بعد المدرسة كسرّ، ولا يبوح بما يفعله بعد المدرسة حتى أمام الطلاب الذين يعملون باعة جوالين مثله. أحيانًا يرى طالبًا يبيع لبنًا مع والده في الشارع، فيتظاهر بعدم رؤيته، وعندما يتقابلان في اليوم التالي في المدرسة، يتصرفان وكأن شيئًا لم يكن. ولكنه يراقب الولد في الدرس ليعرف مستوى دراسته، وينتبه ما إذا كان يظهر عليه أنه بائع متجول أم لا، ويسأل نفسه عما سيكونه في المستقبل، وما سيفعله في الحياة. انتبه مولود إلى تعابير وجه ابن قرية هويكلو الحالمة ونظره الدائم من النافذة في الدروس وكان قد رآه في طرلاباشِ في نهاية العام الدراسي ممسكًا رسن حصان العربة مع والده الذي يجمع الجرائد القديمة والزجاجات الفارغة والصفائح، وإلى اختفائه بعد أربعة أشهر من بدء عامه في الثاني المتوسط، وعدم سؤال أحد عن هذا الاختفاء، أو الحديث حوله. أدرك أن ذاكرته ستنساه إلى ما لا نهاية خلال فترة قصيرة مثله مثل كل الطلاب الذين وجدوا عملًا، أو بدءوا أجراء في مهنة ما، وتركوا المدرسة المتوسطة. كانت مدرّسة اللغة الإنكليزية ناظلي ذات بشرة بيضاء، وعينين واسعتين وخضراوين، وترتدي صدرية ذات أوراق خضراء. يُدرك مولود أنها قادمة من عالم آخر، ويريد أن يكون عريف الصف لكي يقترب منها. يمكن لعرفاء الصفوف أن يخمدوا الطلاب الذين لا يستطيع المدرسون فرض كلمتهم عليهم، ويخشون من ردهم إذا حاولوا ضربهم باليد أو المسطرة. هناك كثير من المرشحين الجاهزين لتقديم هذه الخدمة لمدرسة عاجزة إزاء عدم الانضباط والصخب، وهي بحاجة ماسة لها، في المقاعد الخلفية، وبعضهم ينهضون في الدرس تلقائيًّا من أمكنتهم لمساعدة المدرسات، ويضربون التلميذ الناعم الذي يعيق سير الدرس، ويصفعونه على خديه أو رقبته، أو يشدونه من أذنيه. ولكي يلفت هؤلاء المتطوعون نظر المدرسة ناظلي، يصرخون قبل أن ينزلوا باللكمة على ظهر المشاغب: «استمع للدرس ولاه!» أو «احترم مدرستك ولاه!». إذا لاحظ مولود أن المدرسة ناظلي مسرورة من هذه الخدمات على الرغم من عدم نظرها إلى المقاعد الخلفية نهائيًّا، يغضب، وتسيطر عليه الغيرة. إذا اختارته المدرسة ناظلي عريفًا للصف، فلن يستخدم القوة القهرية لإسكات المسعورين؛ لأن الكسالى والأشقياء سيسمعون كلمة مولود لمجرد أنه فقير قادم من أحياء المخالفات. مع الأسف أن التطورات السياسية خارج المدرسة، أحبطت أحلام مولود السياسية داخل المدرسة. حدث انقلاب عسكري في آذار/مارس من عام ١٩٧١، وانسحب دميريل الذي بقي رئيس حكومة سنوات طويلة خائفًا على روحه. المنظمات الثورية تنهب البنوك، وتخطف الدبلوماسيين رهائن، والدولة تعلن حالة الطوارئ، وتمنع التجول بين فترة وأخرى، ويفتش الجيش والشرطة البيوت بشكل مستمر. غطت صور المطلوبين والمتهمين جدران المدينة، ومُنعت بسطات الكتب على الأرصفة. وهذه ليست أخبارًا جيدة بالنسبة إلى الباعة الجوالين. والده يلعن الذين «تسببوا بهذا التخريب». ولكن بعد إلقاء عشرات الآلاف في السجون، وتعرضهم للتعذيب لم يتحسن الوضع بالنسبة إلى الباعة الجوالين والذين يعملون دون إذن أو رخصة. طلى العسكر أرصفة إسطنبول كلها، وكلَّ مكان اعتبروه قذرًا وغير منتظم (في الحقيقة أن المدينة كلها على هذا النحو)، وجذوع أشجار الدلب الضخمة، والجدران الآيلة من العهد العثماني بالكلس الأبيض، وحولوا المدينة إلى ثكنة. منعت سيارات الخدمة من التوقف حيث تشاء لتنزيل راكب أو أخذ راكب، كما مُنع دخول الباعة المتجولين إلى الساحات والشوارع الرئيسة، والحدائق الأنيقة التي في بركها ماء، وإلى السفن والقطارات. ونظمت الشرطة برفقة الصحفيين مداهمات على صالات القمار، وبيوت الدعارة، ومستودعات السجائر والمشروبات الأجنبية شبه الرسمية التي يديرها الفتوات المشاهير. عندما أبعد الهيكلُ المدرسين اليساريين عن المهمات الإدارية بعد الانقلاب، فَقَدَ مولود احتمال اختيار المدرسة ناظلي له عريفًا للصف. لا تأتي إلى الدروس أحيانًا، ويقال بأن زوجها مطلوب. تأثر الجميع بكلمات النظام والانضباط التي تبث من الإذاعة والتلفاز. طليت الشعارات السياسية والعبارات الجنسية، والقصص غير المؤدبة المكتوبة بحق المدرسين، والرسوم التمثيلية (في أحد الرسوم يمارس الهيكل الجنس مع ملاحات الضخمة) على جدران الحدائق وأبواب دورات المياه، وفي الزوايا المعتمة. أُخمد المتمردون على المدرسين، والمخربون، والذين يطلقون بين حين وحين شعارات سياسية، والمسعورون الذين يجرّون النقاش في كل درس إلى السياسة. وضع المدير والهيكل مكبرات صوت من تلك التي تُثبّت على مآذن المساجد بجانب تمثال أتاتورك النصفي لكي يردد الجميع نشيد الاستقلال معًا، ولكن هذا لم يفد سوى بزيادة صوت معدني على جوقة النشاز. فوق هذا خفّ عدد مرددي نشيد الاستقلال؛ لأن صوت المكبر يطغى على الأصوات كلها. أصبح مدرس التاريخ يتحدث أكثر في الدروس عن الانتصارات الدموية، وأخذ العلم لونه من لون الدم، واختلاف دم الأتراك عن دم بقية الأمم. موهيني. اسمي الأساسي علي يلضظ. موهيني هو اسم الفيل الجميل الذي أهداه رئيس حكومة الهند البانديت نهرو عام ١٩٥٠ للأطفال الأتراك. لا تكفي الطالب الضخامة كالفيل، وتقدمه في العمر خلقة وتمايله بالسير إلى اليمين وإلى اليسار مثلي لكي يحظى بشرف لقب موهيني في ثانويات إسطنبول. إضافة إلى هذا، يجب أن يكون فقيرًا وحساسًا. الفيلة حيوانات حساسة جدًّا كما تَفَضَّل سيدنا إبراهيم. من أهم نتائج انقلاب ١٩٧١ العسكري الكارثية على مدرستنا هو القرار بحلاقة شعرنا الطويل الذي نخوض نضالًا بطوليًّا ضد الهيكل والمدرسين الآخرين لنحافظ عليه. لم تحلّ هذه الكارثة على أبناء الأطباء والموظفين المحبين لموسيقى البوب فقط، بل كانت سببًا لصب دموع كثير من طلاب الثانوية ذوي الشعر الطويل الجميل القادمين من أحياء المخالفات. كثيرًا ما هدد المدير والهيكل في أثناء تحية العلم يوم الاثنين بأن الشعر الطويل والتشبه بالنساء تحت تأثير المغنين الأوربيين المنحلين لا يليقان بالرجال، ولكن حلاقة الشعر لم تُنفذ إلا عندما جاء العسكر إلى المدرسة بعد الانقلاب. بحسب البعض فإن النقيب الذي نزل من الجيب جاء من أجل تنسيق جمع المساعدات لمصابي الزلزال في الشرق، ولكن الهيكل مستغل الفرص سرعان ما جلب أسرع حلاقي تل التوت إلى المدرسة. مع الأسف أنني خفت أيضًا عندما رأيت العسكر؛ فحلقت شعري. عندما حلقت شعري بدوت أقبح، وكرهت نفسي لأنني طأطأت للسلطة خوفًا من العسكر، وذهبت بقدمي، وجلست على كرسي الحلاق. شعر الهيكل بطموح مولود ليكون عريف الصف، وبعد الانقلاب العسكري كلفه بمساعدة الطالب المتأدب موهيني في الفرص الطويلة. كانت هذه فرصة للخروج من الدرس إلى الدهليز، والاختلاف عن الجميع، وفرح مولود بها. يخرج مولود وموهيني من الصف كل يوم قبل فرصة الحادية عشرة وعشر دقائق الطويلة، ويعبران الدهاليز المظلمة والرطبة، وينزلان إلى القبو عبر الدرج. ويعرّج موهيني بداية على دورة مياه الثانوية التي يخشى مولود حتى من النظر إلى بابها، وفي المكان المغطى بطبقة من الدخان الأزرق الكثيف من دخان السجائر، يبحث عمن يُسوّله ربع سيجارة، وإذا وجد من يشفق عليه، وأعطاه، فيدخنها، ثم يقول لمولود الذي ينتظره وهو يتغمى: «أخذت دواء العصب». بعد الانتظار في دور طويل، يحمل موهيني قدرًا كبيرًا بحجمه تقريبًا، ويصعد الدرج، ويضعه على المدفأة بعناية. يكون في القدر الضخم حليب مغلي رائحته قذرة أعدّ في المطبخ من بودرة حليب تقدمها اليونيسيف لمدارس الدول الفقيرة. في الفرصة في أثناء توزيع موهيني الحليب على الطلاب بكئوس بلاستيكية ملونة جلبوها من بيوتهم بدقة ربة منزل، يوزع المدرس المناوب على الجميع المصطفين بالدور حبوب زيت السمك التي تقدمها اليونيسيف أيضًا مجانًا في علب زرقاء، ويكرهها الطلاب جميعًا، وكأنه يوزع مجوهرات، ويتجول بين الطلاب كالشرطي من أجل التأكد من أن الطلاب قد ابتلعوا هذه الأشياء القذرة. غالبية الطلاب إما أن يقذفوا تلك الحبوب من النافذة نحو الأسفل حيث زاوية الزبالة التي يلعب فيها الطلاب القمار، وإما يرمونها على الأرض، ويدوسون فوقها بمتعة إخراج رائحة كريهة في الصف. البعض يُفرغ الزيت من داخل الحبة في قلب القلم الجاف الفارغ، وينفخها على السبورة السوداء. ثمة بقع زلقة لا تحصى على سبورات ثانوية أتاتورك للبنين في تل التوت، ورائحة كريهة تزعج الغرباء. حين تلقت صورة أتاتورك في «التاسع ج» الواقع في الطابق العلوي إصابة بالزيت، أصيب الهيكل بالهلع، وطلب من مديرية التربية القومية إرسال مفتش، ومن مديرية أمن إسطنبول فتح تحقيق، ولكن مدير التربية القومية الخبير والحنون شرح لقيادات حالة الطوارئ عدم وجود نية لدى أحد بإهانة مؤسس الجمهورية أو أي رجل دولة عظيم، وأغلقت القضية. باءت محاولات تسييس بودرة الحليب وزيت السمك بالفشل في تلك السنوات، ولكن فيما بعد اشتكى الإسلاميون والقوميون واليساريون من قيام القوى الغربية بإعطاء حبوب سامة ذات رائحة كريهة لهم في طفولتهم تحت ضغط الدولة، وحتى كتبت كتبٌ ومذكرات حول هذا الموضوع. كان مولود يشعر بالسعادة عندما يقرأ أبيات يحيى كمال التي تتحدث عن شعور طلائع الجيش العثماني بالفرح وهي تحمل السيوف وتفتح البلقان. في أثناء ترديد الأغنيات في درس فراغ من أجل قتل الوقت إذ يتقمص أكثر الطلاب تخريبًا وجهًا بريئًا ملائكيًّا، ينظر مولود إلى الخارج عبر النافذة في أثناء هطول المطر (يفكر لحظة بوالده الذي يبيع اللبن)، ويفكر بأنه يمكن أن يبقى إلى ما لا نهاية في الصف وهو يردد الأغاني، وأن حياة المدينة أجمل من حياة القرية على الرغم من بعد أمه وشقيقتيه. بعد عدة أسابيع من الانقلاب العسكري أُلقيَ عشرات الآلاف في السجون نتيجة إعلان حالة الطوارئ ومنع التجول وتفتيش البيوت، وبعد فترة حدث تراخٍ بتطبيق المنع كما يحدث دائمًا، وأخذ يخرج الباعة الجوالون إلى أزقة إسطنبول براحة، وبدأ باعة الحمص المحمص والبذر والكعك والمعاجين والحلوى الهشة يصطفون على جدار ثانوية أتاتورك للبنين. فجأة أحب مولود الذي يحترم قوانين الحظر ولدًا من عمره بين الذين يخرقون حظر البيع في يوم ربيعي دافئ. كان الولد المألوف الوجه يحمل قطعة مقوى كتب عليها بأحرف كبيرة: «نصيب». ورأى مولود كرة بلاستيكية كبيرة بين هدايا جذابة في صندوق (جنود بلاستيك، لِبان، أمشاط، صور لاعبي كرة قدم، مرايا صغيرة، كرات زجاجية ملونة). فقال وهو يحاول إبداء الحزم: «ألا تعرف بأن الشراء من الباعة الجوالين ممنوع؟ ما هذا الذي تبيعه؟». «يحب الله بعض الناس أكثر من بعضهم الآخر. بالنهاية يصبح هؤلاء أغنياء. يحب بعضهم أقل. وهؤلاء يبقون فقراء. تحك إحدى الثقوب الملونة بالدبوس، تخرج من تحتها هديتك، وتعرف ما إن كنت محظوظًا أم لا». سأل مولود: «أنت صنعت هذه اللعبة؟ من أين تجلب هذه الهدايا؟». «إنهم يبيعون اللعبة كلها بهداياها كمجموعة. أحسبها لك باثنتين وثلاثين ليرة. إذا جلت في الشوارع، وحُفر مائة ثقب، وكل ثقب بستين قرشًا، تحصل على ستين ليرة. هل تريد أن تجرب لترى ما إذا كنت ستصبح غنيًّا أو فقيرًا وحقيرًا؟ احفر واحدًا، واقرأ الجواب. مجانًا لك». مد مولود يده دون تردد، وتناول الدبوس الذي قدمه الولد البائع بمهارة وهو يقول: «أنا لن أكون فقيرًا، سترى». كانت ثمة دوائر كثيرة لم تكشط. اختار ثقبًا بعناية، وكشطه. قال الولد البائع: «شؤم! فارغ». قال مولود متوترًا: «هاتِ هذه لكي أرى». لم تكنْ هناك كلمة ولا هدية تحت الأَلُمِنْيُم الملون المكشوط. «ما العمل الآن؟». قال الولد البائع: «من لا يخرج له شيئًا، نعطِهِ هذه». وأعطى لمولود قطعة بسكويت بحجم علبة الكبريت. نعم، لستُ محظوظًا، ولكن من يخسر بالقمار، يكسب بالعشق. القضية أن تكسب حتى وأنت تخسر، هل فهمت؟». قال مولود: «فهمت. ما اسمك أنت؟ ما رقمك؟». «٣٧٥ فرحات يلماظ. هل ستبلغ عني الهيكل؟». حرك مولود يده بمعنى: «وهل هذا معقول؟»، وقد رد فرحات أيضًا بتعبير بمعنى «وهل هذا معقول»، وفهما بأنهما سيصبحان صديقين قريبين جدًّا. تأثر مولود بفرحات لمعرفته لغة الشارع، وأمكنة الدكاكين في المدينة، وأسرار الناس على الرغم من كونهما قرينيْن. قال له فرحات بأن مقصف المدرسة مأوى المحتالين، وأن مدرّس التاريخ رمسيس مخبول، وأكثر المدرسين تافهون لا يهمهم سوى الخروج من الدرس دون مشكلة أو بلية، وقبض رواتبهم في نهاية الشهر. شن الهيكل ذات يوم بارد هجومًا على الباعة المصطفين أمام الجدار بجيش شكّله بعناية فائقة من الأذّان والعاملين بغلي بودرة الحليب بالمطبخ، وحراس مستودع الفحم. شاهد مولود مع بقية الطلاب المعركة الدائرة قرب سور المدرسة. كان الجميع مع الباعة، ولكن الدولة والمدرسة أقوى. تبادل اللكمات مشرف مستودع الفحم عبد الوهاب وبائع حمص محمص وبذر. أطلق الهيكل تهديدات باستدعاء الشرطة والاتصال بإدارة الطوارئ. انحفر هذا كله في أعماق ذاكرة مولود كصور لا تنسى حول موقف الدولة وإدارة المدرسة من جماعة الباعة. أصيب مولود بالانهيار نتيجة معرفته بأن الأستاذة ناظلي قد تركت المدرسة. شعر بأنه في الفراغ، وفي الحقيقة أدرك كم هو يفكر فيها. لم يذهب إلى المدرسة على مدى ثلاثة أيام، ويقول لمن يسأله بأن والده مريض. كان مولود يستمتع بمزاح فرحات وأجوبته الجاهزة، وتفاؤله. خرج معه إلى الشوارع لبيع «النصيب»، وهربا معًا من المدرسة، وذهبا إلى بشكطاش وحديقة ماتشكا. تعلم مولود من فرحات كثيرًا من الأجوبة الجاهزة التي تحوي كلمتي «نيّة» و«نصيب» سيستخدمها على أبواب زبائنه مشتري اللبن والبوظة الذين يحبونه. وبدأ يقول لزبائن البوظة مساء عبارات مثل: «لا يمكنك أن تعرف نصيبك؛ إذا لم تظهر نيتك». نجاح فرحات الآخر الذي أعجب به هو تبادله الرسائل مع الفتيات الأوربيات. حتى إن صورهن كانت في جيب فرحات. كان فرحات يحصل على عناوينهن من صفحة «هواة المراسلة» في مجلة «هيه ملييت» التي يجلبها العريس إلى الصف. كانت مجلة «هيه» التي تفخر بأنها أول مجلة للشباب في تركيا لا تنشر عناوين الفتيات التركيات، بل عناوين الفتيات الأوربيات من أجل ألا تغضب العائلات المحافظة. كان فرحات يطلب من شخص آخر أن يكتب له الرسائل، ولا يقول: من هو هذا الشخص؟ ويخفي عن الفتيات أنه بائع جوال. فكر مولود كثيرًا بما يمكن أن يكتبه لو راسل فتيات أوربيات، ولكنه لم يستنتج شيئًا. بعض الذين شاهدوا الصور المرسلة من الفتيات الأوربيات، عشقوهن؛ وبعضهم حاولوا إثبات أنهن غير واقعيات؛ وبعض الغيورين خربوها ببعض الإضافات ودهنها بالحبر. قرأ مولود في تلك الأيام مجلة في مكتبة المدرسة أثّرت على حياته المهنية بوصفه بائعًا بشكل عميق. يؤخذ طلاب ثانوية أتاتورك للبنين إلى مكتبة المدرسة في حصص الفراغ التي يغيب فيها المدرس من أجل ألا يشاغبوا. توزع مديرة المكتبة آيسل على الطلاب المجلوبين إلى المكتبة في دروس الفراغ المجلات القديمة التي تبرع بها أطباء الحي العلوي ومحاموه المتقاعدون. في زيارة مولود الأخيرة للمكتبة، وزعت آيسل على الطلاب بعناية مجلات قديمة أوراقها مصفرة عمرها من عشرين إلى ثلاثين عامًا مثل «أتاتورك الجميل»، الفن والتنقيب الأثري»، «الروح والمادة»، «تركيانا الجميلة»، «عالم الطب»، «كنز المعلومات» بحيث يحصل كل طالبين على مجلة. عندما تأكدتْ من حصول كل طالبين على مجلة، قدمت خطبتها الشهيرة المفيدة حول القراءة، واستمع إليها مولود بجد. كثيرًا ما يقلد الساخرون الجملة الأولى من هذه الخطبة: «لا يجوز نهائيًّا الكلام في أثناء القراءة». «عليكم أن تقرءوا بأعينكم دون إصدار صوت. وإلا فلن تستفيدوا من المعلومات. عندما تصلون إلى نهاية الصفحة، لا تقلبوها فورًا، وانتظروا حتى تتأكدوا من أن زميلكم قد أنهى قراءة الصفحة تمامًا. لا تكتبوا على الصفحات. لا تضيفوا على الصور شيئًا كاللحى والشوارب والنظارات. يجب قراءة نصوص المجلة، وعدم الاقتصار على مشاهدة الصور. اقرءوا ما كتب في الصفحة بداية، ثم شاهدوا الصور. عندما تنهون قراءة المجلة من أولها إلى آخرها، ارفعوا أيديكم بهدوء، فأراكم، وآتي، وأبدل لكم المجلة. ولكن ليس لديكم وقت أساسًا لقراءة المجلة كلها». صمتت المديرة آيسل لحظة، وحاولت قراءة أثر كلماتها على وجوه زملاء مولود في الصف. وضعت يديها في جيبي الصدرية التي خاطتها بنفسها، وقالت كلمتها الأخيرة مثل باشا عثماني يصدر أمرًا لجنوده المتململين بالهجوم والنهب: «الآن يمكنكم القراءة». تأجج هديرٌ وصخبٌ، وسُمع حفيف الصفحات الصفراء المُقلبة بانهماك وفضول. وقع من نصيب مولود وموهيني أول مجلة نفسية تركية «الروح والمادة» عمرها عشرون عامًا (حزيران/ يونية ١٩٥٢). في أثناء لعق أصابعهما، وتقليب الصفحات، ظهرت لهما صورة كلب، فتوقفا. كان عنوان المقالة: «هل يستطيع الكلب قراءة أفكار الإنسان؟». لم يفهم مولود شيئًا كثيرًا من قراءة المقالة أول مرة، ولكن قلبه خفق بغرابة وهو يقرؤها. استأذن موهيني ليعيد القراءة مرة أخرى دون قلب الصفحة. سيتذكر مولود بعد سنوات مشاعره في أثناء قراءة هذه المقالة أكثر من تذكره الأفكار والاصطلاحات الواردة فيها. شعر بأن كل ما في العالم مترابط. فهم من المقالة بأن الكلاب تراقبه أكثر مما يتوقع في المقابر والمقاسم الخاوية. لعله تأثر بالمقالة كثيرًا؛ لأن الكلب المصور في المجلة لم يكن كلبًا أوربيًّا أكابر مثل فينو، بل كلب شارد بلون الطين من التي في شوارع إسطنبول. عند توزيع سجلات الدرجات في الأسبوع الأول من حزيران، رأى مولود أن لديه إكمالًا في مادة اللغة الإنكليزية. قال فرحات: «لا تخبر والدك؛ لكي لا يقتلك». مولود أيضًا كان يفكر على هذا النحو، ولكنه يعرف أن والده يريد رؤية شهادة الدراسة المتوسطة بعينه. سمع باحتمال مجيء المُدَرِّسة ناظلي التي تُدرس في مدرسة أخرى من مدارس إسطنبول إلى امتحان الإكمال بصفة «مشرفة». درس مولود في القرية طوال الصيف لغة إنكليزية من أجل أن ينهي المدرسة المتوسطة. لم يكن هناك قاموس إنكليزي ـ تركي في مدرسة جنتبنار الابتدائية، ولا أحد يمكن أن يساعده. في شهر تموز/ يولية بدأ يأخذ دروسًا من ابن مهاجر إلى ألمانيا في قرية غُمشدرة المجاورة لديه سيارة فورد تاونس وتلفاز. كان على مولود أن يسير ثلاث ساعات ذهابًا وإيابًا كل يوم من أجل أن يجلس تحت شجرة مع هذا الولد الذي يدرس في مدرسة متوسطة ألمانية، ويتحدث التركية والإنكليزية بلكنة ألمانية. عبد الرحمن أفندي. إذا سمحتم فسنحكي لكم نحن الذين حل علينا الشؤم حكاية ابننا المحظوظ مولود الذي أخذ دروسًا من ابن المغترب الألماني؛ لأنه عرّج على قريتنا غمشدرة. يا إلهي، كم كنا سعداء عندما تشرفنا؛ بكم أول مرة عام ١٩٦٨ مع بناتنا الجميلات الثلاث وأمهن الصامتة وروحها روح ملاك! لعب الشيطان بعقلي بعد مولد ابنتي الثالثة سميحة الجميلة. سيطر عليَّ حلم الصبي، ولم نستطع رفض فكرة الولد الرابع. وقد أتاني ولد أسميته (مراد) فور مولده. ولكن الله تعالى عندما ناداه هو وأمه التي مازال دمها ينزف بعد ساعة من ولادته، صعد مرادي ورفيقتي إلى الملائكة، ترملتُ، وتيتمتْ بناتي الثلاث. في المرحلة الأولى كانت البنات الثلاث تأتين إلى فراش المرحومة أمهن، وتتمددن بجانبي، وتشمُمْنَّ رائحتها، وتبكين حتى الصباح. وهكذا عاملتُ بناتي معاملة جيدة كأنهن بنات سلطان سلاطين صيني. اشتريت لهن ألبسة من بيه شهير ومن إسطنبول. أريد أن أقول للبخيلين الذين يقولون إنني بذرت النقود بأن واحدًا مثلي اعوجت رقبته من بيعه اللبن في أزقة إسطنبول، ليس له ضمانة لمستقبله في الدنيا غير هذه البنات الجميلات. ملائكتي الصغار أصبحن يستطعن التعبير عن أنفسهن أكثر مني. أكبرهن وديعة في العاشرة، وأصغرهن سميحة في السادسة من عمرها. وديعة. لماذا تنظر المعلمة إليَّ في أثناء شرح الدرس أكثر من الجميع؟ لماذا لا أستطيع أن أقول لأحد إنني أريد الذهاب إلى إسطنبول، والفرجة على السفن؟ لماذا يجب عليَّ أن أبدأ أنا بجمع السفرة، ولمّ الفرش، وخدمة والدي؟ لماذا أتوتر عندما أرى أختيَّ تتحدثان فيما بينهما، وتتضاحكان؟ رائحة. لم أرَ البحر في حياتي. بعض الغيوم تشبه أمورًا أخرى. أريد أن أصل إلى عمر أمي، وأتزوج بأسرع ما يمكن. لا أحب تفاح الأرض. أتخيل أن أخي الصغير مرادًا وأمي يراقباننا. أحب أن أنام وأنا أبكي. لماذا يحب الجميع مناداتي بـ«ابنتي الذكية»؟ نراقب –أختي سميحة وأنا- أخوين كبيرين وهما يقلبان صفحات كتاب تحت شجرة الدلب من بعيد. سميحة. هناك رجلان تحت شجرة الدلب. يدي بيد رائحة. لم أتركها نهائيًّا. بعدئذ عدنا إلى البيت. عاد مولود ووالده إلى إسطنبول قبل المعتاد من أجل موعد امتحان التكميلي في نهاية آب/أغسطس. تفوح من بيت تل الرماد في نهاية الصيف رائحة عفن ورطوبة كما كان عندما عتّبه مولود أول مرة قبل ثلاثة أعوام. لم تأتِ المدرسة ناظلي مشرفة إلى الامتحان الذي دخله في أكبر صفوف ثانوية أتاتورك للبنين بعد ثلاثة أيام. جرح قلب مولود. ولكنه بذل جهده، وأجاب عن الأسئلة بنجاح. بعد أسبوعين، وفي الأيام التي بدأ فيها بدراسة الثانوية، عرّج على غرفة الهيكل لأخذ شهادة الدراسة المتوسطة. قال الهيكل: «أحسنت يا ١٠١٩! ها هي شهادتك المتوسطة». عند المساء قدم مولود الشهادة لوالده، وقد بقي طوال اليوم يخرجها من حقيبته، وينظر إليها. قال له والده: «يمكنك أن تصبح شرطيًّا أو حارسًا الآن». بقي مولود يتذكر سنوات المدرسة المتوسطة بشوق إلى آخر حياته. تعلم في المدرسة المتوسطة أن أفضل شيء بالعالم أن يكون الإنسان تركيًّا، وأن حياة المدينة أجمل بكثير من حياة القرية. يتذكر غناء الصف كله معًا بعد تهديدٍ ووعيدٍ كثيريْن، وظهور ملامح ملائكية على وجوه أكثر الطلاب عصيانًا، فيبتسم. ٧ سينما إليظار قضية حياة أو موت ذات صباح يوم أحد من تشرين الثاني/أكتوبر ١٩٧٢ عندما كان مولود يراجع خط سير توزيع اللبن خلال أيام الأسبوع مع والده، فهم أنه لن يبيع اللبن بعد الآن مع والده. مع تنامي شركات إنتاج اللبن، أصبحت توصّل صواني اللبن بشاحنات صغيرة إلى تقسيم وشيشلي وحيثما وجد البائعون. لم تعد شطارة اللبان بحمل خمسين أو ستين كيلوغرامًا من أمينيونو إلى بيه أوغلو وشيشلي على كتفيه كالحمالين، بل بأخذها من الشاحنة الصغيرة وتوزيعها على الأزقة فورًا. رأى الأب وابنه أنهما إذا اختارا مسارين مختلفين فإن ربحهما سيزيد. يحليان شراب البوظة الذي يجلبه أحدهما مرتين بالأسبوع إلى البيت بالسكر، ولكنهما يبيعانه ليلًا في أزقة مختلفة. منح هذا الوضع الجديد مولودًا شعورًا بالحرية، ولكنه فهم خلال فترة قصيرة أنه مخطئ. إقامة علاقة طيبة مع أصحاب المطاعم، وربات البيوت اللواتي يصبحن أكثر تطلبًا تدريجيًّا، والبوابين، وأصحاب الأماكن التي يؤمِّن فيها صواني اللبن وأوعية البوظة تستغرق وقتًا أطول مما توقع، وهذا ما يجعله يذهب أقل إلى المدرسة. مولود مسرور من المساومة على كيلو اللبن مع العم طاهر طوروللو الذي عرفه عندما كان يسجل على الدفتر ويضع الأوزان في الميزان مع والده ـ مازال يناديه: العم، ويشعر بنفسه أنه يعمل شيئًا أهم بكثير من النظر إلى اللوح في درس الكيمياء دون فهم أي شيء. بدأ يحصل على بوفيات الأخوين بيتون الإمرني القويين الواقعة في تقسيم وبيه أوغلو كلها. يخفض مولود السعر للزبائن القدماء الذين انتقلوا إليه من والده في أزقة فريكوي وحربية من أجل ألا يفقدهم، ويؤسس صداقات جديدة. هناك ولد من أرزنجان يعرفه من تل التوت والمدرسة المتوسطة بدأ العمل عند بائع كفتة في بنغالطِ يستهلك لبنًا رائبًا كثيرًا؛ وفرحات يعرف أصحاب البقالية المجاورة الأكراد العلويين من مرعش. بدأ يشعر مولود في المدينة أنه كَبِر. ترّقى إلى دورة مياه القبو التي يقصدها مدخنو السجائر، وبدأ يحمل علبة بافرا ليدخل من أقصر طرق القبول هناك. كان يُتوقع منه أن يضيّف السجائر للذين يدخنون على حساب الآخرين لمعرفة الآخرين أنه بدأ يكسب نقودًا، وهو جديد بالتدخين. اكتشف مولود في الفصل الأول من الأول ثانوي أنه أعطى لجمع دورة المياه المحتال الذي يرسب في صفه على الرغم من عدم وجود عمل لديه سوى الذهاب إلى المدرسة، ولا يكسب نقودًا، ولا يتوقف عن ترديد القيل والقال –أعطاه- حجمًا أكبر من حجمه الحقيقي. عالم الشارع أكبر من عالم المدرسة، وأكثر حقيقة منه. ما زال يخرج النقود التي يكسبها من البيع من جيبه «كما هي»، ويعطيها لوالده. ولكنه كان ينفق على السجائر والسينما واللوتو واليانصيب القومي وما شابه. يخجل لأنه يخفي عن والده هذه النفقات، ولكنه يشعر بالذنب لأنه ذهب إلى سينما إليظار. أنشئ بناء سينما إليظار عام ١٩٠٩ في فترة الحرية التي سادت بعد إسقاط عبد الحميد عن العرش في أحد الأزقة الرئيسة بين غلاطة سراي والنفق من أجل فرقة مسرحية أرمنية (أول اسم له كان أوديون)، واستمر بالعمل بعد إعلان الجمهورية بحسبانه سينما يقصدها الروم والطبقة الراقية التركية (ماجستيك)، وبعد أن أخذت اسم إليظار في السنتين الأخيرتين، بدأت تعرض أفلامًا إباحية. يجلس مولود في المقعد مختبئًا عن العاطلين عن العمل القادمين من الأحياء السفلية، والمسنين المهمومين، والوحيدين اليائسين، وحتى عن نفسه (تكون في الصالة رائحة نفس وكينا غريبة)، وينكمش بمكانه وهو يحاول فهم موضوع الفيلم الذي لا أهمية له نهائيًّا. لم تكن إليظار تعرض أوائل أفلام الجنس التي يمثل فيها الممثلون الأتراك الذين يحظون بقليل من الشهرة (بعضهم يعرفهم الجميع) بالسراويل الداخلية، ويُدخلون إليها «مقطعًا»، وتُحرج كثيرًا من المشاهير الذين يعيشون في المحيط. غالبية أفلامها مستوردة. لم يكن مولود يحب شخصية المرأة الشغوفة بالجنس والساذجة الغبية في الأفلام الإيطالية المدبلجة إلى التركية. كان يشعر بالقلق، وحتى يتوتر من ممازحة الممثلين وكأنهم يعملون أشياء طريفة في «مشاهد الجنس» في الأفلام الألمانية التي يأخذها مأخذ جد. ويدهش من الأفلام الفرنسية التي تدخل فيها المرأة إلى السرير دون أي ذريعة. يتهيأ لمولود بأنه يشاهد الأفلام نفسها؛ لأن الممثلين أنفسهم يدبلجون الأصوات كلها بالتركية. كانت تلك المشاهد التي تجلب المشاهدين تُؤخر دائمًا. وهكذا فهم مولود أن الجنس يتحقق من خلال الانتظار، ومزيد من الانتظار مُذ كان في الخامسة عشرة من عمره. كان الجمع الذي يدخن في مدخل السينما منتظرًا مشاهد الجنس، يدخل إلى الصالة صاخبًا. عند اقتراب المشاهد المهمة، يخرج أدلَّاء المقاعد، وينبهون المنتظرين بتململ في الخارج قائلين: «سيبدأ!». كان مولود يُدهش من عدم خجل هؤلاء الرجال من التقاء أنظارهم. بعد قطعه التذكرة، كان مولود ينظر إلى حذائه باستمرار (هل الحذاء مربوط؟)، ولا يرفع رأسه نهائيًّا. عندما تظهر المشاهد غير المؤدبة، يلف الصمت السينما كلها. ينتبه مولود إلى أن رأسه قد دار بشكل خفيف، وأنه يتصبب عرقًا، ويحاول ضبط نفسه. لأن المشاهد غير المؤدبة مقصوصة من أفلام أخرى، وموصولة بالفلم بشكل عشوائي، كان يعرف أنه ليست هناك علاقة بين ما يشاهده من أمور تهزه والفيلم الذي كان يحاول فهم موضوعه قبل قليل. ولكنه على الرغم من هذا يقيم عقله علاقة بين مشاهد الجنس والفيلم ذي الموضوع. تفكير مولود للحظة بأن النساء المكشوفات الصدور والمؤخرات اللواتي يقدمن على أشياء غير مؤدبة، هن النساء أنفسهن اللواتي في الفيلم ذي الموضوع الذي شاهده قبل قليل يثيره أكثر، ويبرز حدبته أكثر خجلًا من الانتفاخ الذي يحدث لبنطاله من الأمام. لم يدس مولود يده إلى جيبه، ويمسك عضوه ولو مرة واحدة كما يفعل الآخرون في سينما إليظار التي ذهب إليها عشرات المرات وحده. يقال إن اللوطيين المسنين يأتون إلى هذا النوع من السينمات من أجل الهجوم على أعضاء الذين يفكون أزرار بناطيلهم. سمع بعض الرجال الكبار الذي قالوا له عبارات من قبيل: «ابني، كم عمرك؟»، «أنت مازلت ولدًا!»، ولكن مولودًا تصرف كأنه أصم، ولم يسمعهم نهائيًّا. لم يكن مولود يستطيع الخروج من السينما بسهولة؛ لأن التذكرة تمكنه من الجلوس فيها طوال اليوم، ومشاهدة الفيلمين المعروضين مرات عديدة. فرحات. بدأ مولود يرافقني في عطلة نهاية الأسبوع من الربيع لبيع «النصيب» في مدن الملاهي، ومشارب الشاي، ومقاصف الحدائق، وحدائق الأطفال، والجسور، وعلى الأرصفة حيث يزداد الزحام. مارسنا هذا العمل بجدية كبيرة طوال سنتين، وكسبنا كثيرًا من النقود. نذهب معًا إلى محمود باشا لشراء الصناديق الجاهزة، وما إن ننزل النزلة من هناك حتى نبدأ البيع للأولاد الخارجين مع آبائهم وأمهاتهم للتسوق عند نزولنا، وبعد عبورنا من سوق مصر وساحة الأمينونو والجسر، ووصولنا إلى قرة كوي، نرى بفرح أن نصف الدوائر قد كشطت. مولود يعرف الزبون الفضولي من بعيد وهو يجلس على طاولة مشرب الشاي، ويقترب من الجميع بتفاؤل دون تمييز بين كبير أو صغير، وفي كل مرة يبدأ بجملة افتتاحية مدهشة. يقول للولد التائه الذي لا يعرف لون جوربه: «هل تعرف لماذا عليك أن تجرب حظك؟ لأن لون جوربك ولون المشط هديتيْنا من اللون نفسه». يقول لولد ماكر يضع نظارة يعرف اللعبة، ولكنه يعيش حالة تردد: «انظر، خرجت من صندوق فرحات سبع وعشرون «مرآة»، ولكن أي واحدة من السبع والعشرين التي لديَّ لم تكشط». كنا ننجز عملًا كثيرًا في المراسي والمراكب والحدائق في بعض أيام الربيع، نضطر للعودة إلى تل الرماد لأن صناديقنا فرغت. بعد افتتاح جسر البوسفور، وعندما كان مفتوحًا للمشاة قبل إغلاقه بسبب كثرة المنتحرين بإلقاء أنفسهم عنه بعنا عليه جيدًا طيلة ثلاث شموس، ولكننا لم نُدخل إلى هناك بعد ذلك بحجة «ممنوع دخول الباعة». طَرَدَنا رجال ملتحون من باحات المساجد قائلين: «هذه ليست لعبة حظ، بل قمار!»، وبذريعة صغر عمرنا من أمام سينمات قلة الأدب التي ندخلها براحة من أجل مشاهدة الأفلام، ومرات عديدة من الخمارات والمقاصف بذريعة «ممنوع دخول الباعة». عندما وزعت سجلات الدرجات في الأسبوع الأول من حزيران، رأى مولود أنه رسب في الأول ثانوي. كتب بخط يد في خانة التقييم على الورق المقوى الأصفر المصنوع منه سجل الدرجات: «رسب في صفه». قرأ مولود هذه العبارة عشر مرات. لم يداوم كفاية، ولم يدخل كثيرًا من الامتحانات، وحتى إنه أهمل استرضاء المدرسين الذين من الممكن أن يعطوه درجة نجاح مشفقين عليه قائلين: «لبان مسكين فقير». لرسوبه في ثلاثة دروس، لم تعد هناك ضرورة للدراسة في الصيف. حزن مولود لأن فرحات نجح حتى دون حمل أي درس للتكميلية، ولكنه يتخيل بقاءه في إسطنبول، وعمله أشياء كثيرة مما جعل حزنه لا يستمر طويلًا. عندما علم والده بالخبر مساء، قال له: «وتشرب سجائر أيضًا، أليس كذلك؟». قال مولود وهو يحمل في جيبه علبة البافرا: «لا يا أبي، لا أدخن السجائر». «ولاه، تدخن السجائر باستمرار، وتستمني باستمرار مثل العساكر، وتكذب على أبيك أيضًا». «لا أكذب». قال والده: «يبعث لك البلاء»، وصفعه على وجهه. ثم صفع الباب، وذهب. رمى مولود نفسه على السرير. لم ينهض من السرير لمدة طويلة نتيجة الهم. ولكنه لم يبكِ. لم يكن رسوبه في الصف أو تلقيه صفعة من والده هو ما استصعبه... ما جرح قلبه هو حديث والده بسهولة كبيرة عما يعتبره سرًّا كبيرًا وهو استمناؤه، وعدم تصديقه لمولود، واعتباره كاذبًا. كان مولود يعتقد أن أحدًا لا يعرف أنه يفعل ذلك الشيء. ولّد جرح القلب غضبًا كبيرًا، فأدرك فورًا أنه يمكن ألا يذهب إلى القرية هذا الصيف. وفهم أيضًا أنه وحده يستطيع أن يشكل حياته. ذات يوم سينجز أعمالًا كبيرة مهمة، وسيفهم والده والجميع بأن مولودًا شخص خاص جدًّا. عند عودة والده إلى القرية في مطلع تموز/يولية، شرح لمولود مرة أخرى أنه لا يريد خسارة زبائنه الذين في بنغالطِ وفريكوي. كان مستمرًّا بإعطاء ما يكسبه لوالده. كان مصطفى أفندي يقول إنه يوفر هذه النقود من أجل البيت الذي سيبنيه في القرية. كان مولود يبين لوالده عند تسليمه النقود باختصار في أي أيام كسبها. لم يعد يقدم لوالده حسابًا كهذا. أصبح يعطيه النقود في كل فترة كما لو أنه يدفع له ضريبة. والده أيضًا لم يعد يقول له إن النقود يوفرها من أجل البيت الذي سيبنيه في القرية. يرى مولود أن والده تقبل عدم عودته إلى القرية، وقضاء بقية حياته في إسطنبول مثل قورقوط وسليمان. أوقات شعوره بالوحدة الشديدة، كان مولود يغضب من والده الذي لم يصبح غنيًّا بأي شكل، ولم يستطع نزع فكرة العودة إلى القرية من باله. ترى هل كان والده يستشعر هذه المشاعر؟ كان صيف عام ١٩٧٣ من أمتع أصياف حياة مولود التي عاشها إلى ذلك اليوم. تجول مع فرحات في أزقة إسطنبول بعد ظهر ومساء كل يوم، وباع «النصيب»، وكسب نقودًا جيدة. اشترى مولود بجزء من النقود ماركاتٍ ألمانية من فئة العشرين من صائغ في الحربية أخذه إليه فرحات، وخبأها عند قائم السرير الذي ينام عليه. كانت هذه الخطوة الأولى التي يخفي فيها كسبه النقود عن والده. في كثير من الأحيان لا يغادر تل الرماد صباحًا، ولا يخرج من البيت الذي لم يعد يشارك أحدًا فيه، وفي كثير من المرات استمنى وهو يقول: هذه المرة الأخيرة. كان يشعر بالذنب لبقائه وحده في البيت، ولعبه فيه، ولعدم وجود صديقة وزوجة يمكن أن يحبها كما سيحدث في السنوات اللاحقة، فلا يتحول هذا الشعور إلى ألم أو عدم كفاية. ولا يستخف بنفسه لأن أحدًا في السادسة عشرة من عمره ليست له حبيبة يمكن أن يمارس معها الحب. فوق هذا، فإن مولودًا لا يعرف ما يفعله تمامًا مع الفتاة فيما لو تزوج. سليمان. قلت لنفسي: لأعرج على مولود في أحد أيام تموز/يولية الحارّة. طرقتُ الباب كثيرًا فلم يفتح. لا يمكن أن يكون قد ذهب لبيع اللبن في العاشرة صباحًا! التففت حول البيت، وطرقتُ النوافذ. رميت حصاة تناولتها من الأرض على النافذة. كانت الحديقة المغبرة دون عناية، وحال البيت خرابًا. عندما فُتح الباب: «ماذا حدث؟ أين أنت؟». قال مولود: «غططت بالنوم!»، ولكن لا يبدو عليه الخمول كما لو أنه مستيقظ من النوم. فجأة شعرت بغيرة غريبة، واعتقدتُ أن أحدًا ما في البيت. دخلت. كانت الغرفة الوحيدة خانقة وتفوح برائحة العرق. ما أصغر هذا المكان. الطاولة نفسها، والسرير نفسه، وبعض الأغراض. قلت: «مولود، يريدنا أبي أن نذهب إلى الدكان. يوجد عمل. قال لي اجلب مولودًا، وتعالَ». «ما العمل؟». «أمر سهل، لا تشغل بالك. هيَّا لنذهب». ولكن مولودًا لم يتحرك من مكانه. لعل رسوبه في الصف جعله ينطوي على نفسه. انزعجت منه عندما فهمت أنه لن يذهب. قلت: «لا تستمنِ كثيرًا، تخرب عيناك، وتضعف ذاكرتك، مفهوم؟». استدار مولود، وصفع الباب، ولم يعرّج على تل التوت لمدة طويلة. كان عليَّ أن أبحث عنه، وأجلبه نتيجة إلحاح أمي. طلاب المقاعد الخلفية في ثانوية أتاتورك للبنين في تل التوت، يهينون الصغار قائلين: «انظر، تحت عينيك مزرق، انظر يديك ترتجفان، نفر حب وجهك ما شاء الله، هل تستمني ولاه؟» ويخيفونهم، وحتى إنهم يصفعونهم صفعة أو صفعتين. ترى هل يعرف مولود أن بعض عمال الحاج حميد فورال ورجاله المقيمين في أكواخ العزَّاب لم يستطيعوا الاستمرار بالعمل، ولم تعد أيديهم تمسك عملًا؛ بسبب الاستمناء مما اضطره لإعادتهم إلى قراهم، وأن هذه القضية قضية حياة أو موت؟ ألا يخبره صديقه فرحات بأن الاستمناء حرام عند العلويين؟ الاستمناء محظور في كل الظروف على المذهب المالكي. ولدينا في المذهب الحنفي لا يجوز الاستمناء إلا في حال خطورة ارتكاب ذنب أكبر، أي حين تكون هناك خطورة الزنى. الإسلام ليس دين عقوبات، بل دين تسامح ومنطق. في ديننا يجوز أكل لحم الخنزير في حال الإنسان سيموت من الجوع. الاستمناء مكروه في حال نُفذ للمتعة فقط، ولكنني لم أقل هذا لمولود قط؛ لأنني متأكد أنه سيسخر مني بالقول: «كيف يعمل هذا الأمر دون متعة يا سليمان؟» ويرتكب ذنبًا أكبر. برأيكم، هل يمكن لواحد مثل مولود من السهل أن يخرج عن جادة الصواب، أن ينجح في إسطنبول؟ ٨ ارتفاع مسجد تل التوت هل يعيش أناس هناك؟ في أثناء بيع مولود «النصيب» في أزقة إسطنبول، شعر بأنه أفضل بكثير مما كان عليه عند آل آقطاش مع سليمان. يمكنه أن يقول لفرحات كل شيء، وكل ما يخطر بباله فورًا، ويقول فرحات ما يشبه هذا، ويتضاحكان. ولكنه عندما يذهب إلى آل آقطاش نتيجة الوحدة، وفي أثناء تناوله العشاء، فإنه لا يريد أن يفتح فمه لمعرفته أن سليمان وقورقوط يعلقان على كل كلمة يقولها، ويستخفان به. كثيرًا ما كانت تقول الخالة صفية: «لا تضايقوا مولودي العزيز يا ذئاب، اتركوه براحته». لم يكن مولود يُخرج من إحدى زوايا عقله ضرورة أن يحافظ على علاقة جيدة مع عمه حسن وابني عمه سليمان وقورقوط من أجل أن يستطيع التشبث في إسطنبول. وبعد قضائه أربعة أعوام في إسطنبول، أصبح مولود يستطيع تأسيس عمله دون الاتكاء على أحد. سينجز هذا مع فرحات. قال لفرحات في أثناء عده النقود التي أخرجها من جيبه بعد ظهر أحد الأيام: «لولاك لما خطر ببالي مجرد خاطر أن آتي إلى هذه الأمكنة». ذهبا بالقطار (وهما يبيعان بعد أن هربا من المفتش) من سيركجي إلى مضمار سباق الخيل في «ولي أفندي»، ونفد الصندوقان اللذان يحملانهما بساعتين نتيجة اهتمام المقامرين محبي سباق الخيل. وهكذا خطر ببالهما الذهاب إلى ملاعب كرة القدم، ومراسم احتفالات افتتاح دوري فرق كرة القدم، والمسابقات الرياضية الصيفية، ومباريات كرة السلة في الصالات الرياضية. عندما يكسبان نقودًا من فكرة جديدة، يحلمان بالعمل المستقبلي الذي سيؤسسانه معًا. أكثر حلم أحباه هو افتتاحهما في المستقبل مطعمًا في بيه أوغلو، أو على الأقل يكون عندهما بوفيه. عندما يطرح مولود فكرة جديدة من أجل كسب المال، يقول له فرحات: «لديك عقل رأسمالي قوي!»، لا يرى مولود هذه العبارة إيجابية، ولكنه يشعر بالاعتزاز. في صيف عام ١٩٧٣ افتتحت سينما صيفية ثانية في تل التوت. كان الفيلم يعرض على جدار كوخ قديم مؤلف من طابقين. عندما يذهب مولود بصندوق «النصيب» في بعض الأمسيات يرى هناك سليمان أو فرحات. كلهم يبحثون عن طريقة للتسلل إلى الداخل دون شراء تذكرة. في البداية اشترى مولود بطاقة، ودخل مع صندوق «النصيب»، وشاهد فيلم تُركان شوراي، وأنجز عملًا جيدًا في آن واحد. ولكنه أخذ يشعر ببرود ناحية المكان هناك. كان الجميع في الحي يعرفونه. لا أحد يبدو مهتمًّا عند الحديث عن مولود وعن «النصيب». بعد فتح باب جامع تل التوت في تشرين الثاني/نوفمبر، ومد السجاد المصنوع آليًّا، لم يعد مولود يعرج إلى هناك؛ لأن المسنين أسمعوه كلامًا بقولهم: «ميسر». خرج المتقاعدون والمسنون في تل الرماد من الشغوفين بالصلاة خمسة أوقات في بيوتهم ومساجد مناطق المخالفات المؤلفة من غرفة واحدة، وأصبحوا يقيمون صلواتهم في الجامع الجديد. ويقيم صلاة الجمعة جمع غفير ومندفع. في مطلع عام ١٩٧٤ وصباح عيد الأضحى أقيم نوع من مراسم افتتاح رسمي لجامع تل التوت. نهض مولود باكرًا، وارتدى قميص المدرسة الأبيض المغسول من المساء والمكوي مع الألبسة النظيفة. وجد صعوبة بالدخول لأن آلاف الرجال القادمين من التلال المجاورة ملئوا الجامع ومكان الجماعة قبل الموعد بنصف ساعة. ولكن والده الذي يريد أن يشهد على هذا اليوم التاريخي، لكز ودافع، وهو يقول: «عدم المؤاخذة يا ابن البلد، هناك ما يجب أن أبلّغ به». وفتح الطريق إلى أن نجح بالحصول على مكان في الصفوف الأمامية. مصطفى أفندي. في أثناء أدائنا الصلاة في الصفوف الأمامية كان مؤسس الجامع الحاج حميد فورال أمامنا بصفين. في ذلك الصباح شكرت هذا الرجل الذي جلب من القرية رجاله، وأقدم على كل أنواع النهب، وقلت: الله يرضى عليك. أسعدني هدير الحشد الذي ملأ الجامع، وحماسة الحديث الهامس. كأننا صلينا جميعًا بالحماسة نفسها، وقد أراحني جيش المؤمنين الوقور الذي خرج والجو مظلم، فشعرت كأنني أقرأ القرآن على مدى أسابيع. قلت: «الله أكبر» بخشوع، وبمقام مختلف، ثم: «الله أكبر». تأججت مشاعري عندما قال الأفندي الخطيب: «اللهم احفظ هذه الأمة وهذه الجماعة، ومن يعمل صباح مساء تحت الثلج والبرد». وقال: «اللهم احفظ الباعة الذين جاءوا من قرى الأناضول البعيدة من أجل لقمة العيش». وقال: «اللهم وفقهم بأعمالهم، واغفر لهم ذنوبهم». اغرورقت عيناي. وهكذا مع قول الخطيب: «اللهم امنح دولتنا قوة، وجيشنا شوكة، وشرطتنا صبرًا» انفعلتُ، وقلت مع الجميع: «آمين!». بعد انتهاء الخطبة، بدأ الناس يتضاحكون، ويتمازحون، ويتبادلون القبل وتهاني العيد. ألقيت في صندوق جمعية إنشاء الجامع عشر ليرات. أمسكت مولودًا من ذراعه، وسحبته نحو تلك الجهة ليقبّل يد الحاج حميد فورال. قام عمه حسن وقورقوط وسليمان بدور بتقبيل اليد أيضًا. بداية تبادل مولود القبل مع ابني عمه، ثم قبل يد عمه حسن، وأخذ خمسين ليرة عيدية. تحلق حول الحاج حميد فورال عدد غفير من رجاله ومقبِّلي يده، فلم يأتِ دورنا إلا بعد نصف ساعة. وهكذا تأخرنا على زوجة أخي صفية التي أعدت رقائق العجين في بيت تل التوت. كان طعام عيد جيدًا. لم أمسك نفسي، وقلت: «لست أنا وحدي صاحب حق بهذا البيت، بل مولود أيضًا». تظاهر حسن بعدم السماع. اعتقد الأولاد الذين أنهوا تناول رقائقهم بأن والدهم وعمهم سيتجادلان على المال والملك من جديد، فهربوا إلى الحديقة، ولكننا لم نتجادل في ذلك العيد. الحاج حميد فورال. الجامع أسعد الجميع في النهاية. وقف كل مساكين تل التوت والرماد ومقطعيهما (لو جاء العلويون أيضًا لكان أفضل) بالدور في هذا اليوم الفضيل، وقبلوا يدي. أعطيت كلًّا منهم واحدة من قطع النقود ذات مائة الليرة الجديدة التي تطقطق وقد سحبتها رزمًا من البنك بمناسبة العيد. شكرت الله جل جلاله لأنه أراني هذا اليوم. كان المرحوم والدي في الثلاثينيات يتجول من قرية إلى أخرى على ظهر حمار في جبال ريزة، ويبدّل ما يجلبه من المدينة. وعندما كنت سأتسلم عمل أبي، اندلعت الحرب العالمية الثانية، فأخذوني إلى الجندية. ساقوني إلى تشنق قلعة. لم نخض الحرب، ولكننا حرسنا المضيق والمواقع العسكرية هناك. قال لي ضابط المهمات الصمصوني: «أنت ذكي جدًّا يا حميد، لا تعد إلى قريتك، ستضيع هناك. تعالَ إلى إسطنبول لأجد لك عملًا. نور الله قبر المرحوم. بعد الحرب، اشتغلت أجيرًا عند بقال في فريكوي بفضله. في تلك الأيام لم يكن هناك أجراء بقالون، وخدمة للبيوت؛ كنت أجلب الخبز من الفرن وأوزعه بالسلال على البيوت وأنا أركب حمارًا. نظرت، نحن أيضًا يمكننا أن نعمل هذا العمل. فتحت بقالية في قاسم باشا قرب مدرسة بيالة باشا الابتدائية، ثم دخلنا عمل إنشاء البيوت على أرض رخيصة وبيعها. فتحت فرنًا صغيرًا في كاغتهانة. كان هناك عمال كثيرون في المدينة حينئذ، ولكنهم جميعًا خام. الإنسان لا يثق بغير أبناء قريته. بداية بدأت بجلب الأقرباء من القرية. في ذلك الوقت كانت هناك أكشاك في تل التوت، كنت أسكّن فيها الشباب القادمين ـ وكلهم يقبلون يدي ـ ونسيّج مقاسم جديدة، والحمد لله الشغل يسير جيدًا. كيف سيصلي كل هؤلاء الشباب العزَّاب، وكيف سيشكرون ربهم ليشعروا أنهم بحال أحسن، ويعملوا بشكل أفضل؟ في حجتي الأولى دعوت الله وحضرة النبي، وفكرت بهذا. قلت: أنا أبنيه. وضعت جانبًا جزءًا من النقود التي تدخل من الفرن والبناء، واشتريت بها أسمنتًا وحديدًا. صعدت إلى المحافظ، وطلبت مقسمًا، وذهبت إلى أغنيائنا وطلبت نقودًا. بعضهم دفعوا الله يرضى عنهم، وبعضهم قالوا: تل التوت؟ وهل يعيش أناس هناك؟ حينئذ قلت لنفسي: سأبني جامعًا فوق تل التوت بحيث إذا نظر أحد من قصر المحافظ في نيشان طاش أو سطوح الأبنية العالية في تقسيم، فسيفهم أن هناك أناسًا يعيشون في تلال التوت والرماد والورد والبيدر. حفرت أساس الجامع، وبعد أن غطيته، وضعت صندوقًا على بابه، ووقفت هناك أجمع النقود. قال المساكين: «ليدفع الأغنياء!»، والغني يقول: «يشتري الأسمنت من دكانه!» ولا يعطي. فدفعت من جيبي. إذا فرغ ثلاثة عمال من إحدى ورشاتنا أرسلهم إلى الجامع، وإذا زاد لدينا بعض الحديد في مكان ما أحوله إليه. قال الذين غاروا مني: «إيه يا حاج حميد، قبتك كبيرة جدًّا، ومباهية جدًّا، عندما ستفك القالب الخشبي، سيسقطها الله فوق رأسك، وتفهم كم أنك مغرور». عند فك قالب القبة، أنا أيضًا وقفت تحتها. لم تسقط. شكرت ربي. صعدت إلى قمة القبة، وبكيت. ثم دار رأسي. صرت مثل نملة على كرة قدم. ترى دائرة في قمة القبة، ثم تنتبه إلى العالم الذي في الأسفل. عندما تنظر من ذروتها، ولا ترى جزء العالم الذي في الأسفل، تشعر بأن الخط المرسوم بين الموت والحياة قد مُحِيَ، فتخاف. قال المنافقون الذين يمرون من المدينة: «لا نرى قبتك، أين هي؟»؛ حينئذ منحت المئذنة قوة. مرت ثلاث سنوات، قالوا: «هل أنت سلطان سلاطين لتبني مئذنة بثلاث شرفات؟». كنت أصعد مع معلم البناء في كل مرة من درج المئذنة الضيق إلى نقطة أعلى، ويدور رأسي هناك، وتظلم عيناي. قالوا: «تل التوت قرية، وهل يجوز عمل مئذنتين؛ الواحدة بثلاث شرفات في جامع قرية؟». قلت: «إذا كان تل التوت قرية، فليكن جامع الحاج حميد فورال أكبر جامع قرية في تركيا». لم يجيبوا. مرت سنة، قالوا هذه المرة: «تل التوت هو إسطنبول، وليس قرية، وجعلناكم بلدية، والآن أعطنا صوتك لنرى!». الجميع يأتون إليَّ قبل الانتخابات، ويشربون قهوتي، ويقولون: «ما شاء الله، أصبح الجامع جميلًا جدًّا». ويتسولون أصواتًا. ثم بدءوا يقولون: «يا حاج حميد، قل لرجالك أن يعطونا أصواتهم». وأنا قلت لهم: «نعم، هؤلاء رجالي، هذا صحيح. إنهم لا يثقون بكم نهائيًّا؛ لهذا السبب إنهم يعطون أصواتهم لمن أريد أنا». ٩ ناريمان ما يجعل من المدينة مدينة ذات مساء من آذار/ مارس ١٩٧٤، وبعد أن أَوْدَع مولود عدّة بيع اللبن تحت درج صديق، وسار من بنغالطِ إلى شيشلي، قابل وجه امرأة لذيذ شبه مألوف، ودون أن يفكر فيما سيفعله، تراجع، ثم بدأ يلاحقها. كان مولود يعرف بأن بعض زملائه في الصف أو أقرانه في تل التوت عندما يقابلون امرأة في الشارع، يلاحقونها من بعيد على الرغم من عدم معرفتهم بها نهائيًّا كنوع من لهو الشباب. كان يرفض بعض ما يرويه الملاحقون لأنه يجده بشعًا، ولا يأخذ بعضه مأخذ جد لأنه يجده سخيفًا وملفقًا (تنظر المرأة إليَّ خلفها، وتقول لي: «الحقني!») ولكنه أخذ ملاحقته للمرأة مأخذ جِدٍّ؛ لأنه كان يستمتع بما يقوم به، ويشعر بخوف أنه يمكن أن يعمله مرة أخرى. دخلت المرأة بناء في أحد الأزقة الخلفية لعثمان بيه. يتذكر مولود أنه دخل إلى هذا البناء عدة مرات، وباع لبنًا، ويبدو أنه رأى وجهها في تلك المرات، ولكن ليس لديه زبون مداوم هناك. لم يحاول معرفة الطابق والشقة اللذيْن تقيم فيهما المرأة. ولكنه كلما وجد الفرصة، ذهب إلى حيث صادفها أول مرة. وفي مرة أخرى رآها من بعيد بعد ظهر أحد الأيام وكان قد حمل اللبن معه خفيفًا، فتعقبها وهو يحمل المزراق على كتفيه، ورآها تدخل إلى مكتب الخطوط الجوية الإنكليزية في إلماضاغ. كانت المرأة تعمل هناك. أطلق عليها مولود اسم ناريمان. ناريمان امرأةٌ شجاعةٌ ضحّت بحياتها في سبيل شرفها، رآها في فيلم عُرِض في التلفاز. لم تكن ناريمان إنكليزية بالطبع. ولكنها كانت تؤمّن زبائن من تركيا لشركة الخطوط الجوية الإنكليزية. أحيانًا تجلس خلف طاولة في الطابق السفلي من المكتب، وتقطع تذاكر للداخلين. أحبّ مولود جديتها بعملها. أحيانًا لا تظهر هناك نهائيًّا. عندما لا يجدها مولود في المكتب، يحزن، ولكنه لا يحب الانتظار. يشعر أحيانًا أن هناك ذنبًا خاصًّا أو سرًّا بينه وبين ناريمان. اكتشف بسرعة أن الشعور بالذنب ربطه بها بسرعة. كانت ناريمان طويلة نسبيًّا. وكان مولود قادرًا على تمييز لون شعرها الكستنائي من بعيد جدًّا، وحتى عندما يكون بقعة بين العديد جدًّا من الرءوس. لم تكن ناريمان تمشي بسرعة كبيرة، ولكنها حازمة وحيوية مثل طالبة ثانوية. يتوقع مولود أنها أكبر منه بعشرة أعوام، ويخمن ما تفكر فيه حتى وهي تمشي بعيدًا جدًّا عنه. يقول لنفسه إنها ستنعطف نحو اليمين الآن، وحقيقة تنعطف ناريمان نحو اليمين، وتذهب إلى بيتها الواقع في أحد الأزقة الخلفية من عثمان بيه. معرفة مولود مكان بيتها، وعملها، وشراؤها قداحة من كشك (هذا يعني أنها تدخن)، وعدم لبسها الحذاء الأسود كل يوم، وتباطؤ خطواتها عندما تمر من أمام سينما آص لتنظر إلى ملصقات الفيلم وصوره، يمنحانه قوة غريبة. بدأ يريد أن تعرف ناريمان أنه يلاحقها، وأنه يعرف عنها أمورًا كثيرة بعد لقائهما الأول بثلاثة أشهر. مولود لم يلاحق ناريمان في ثلاثة الأشهر هذه سوى سبع مرات. لم يكن عدد المرات كثيرًا، ولكن ناريمان لن تقابل الأمر بسرور فيما لو عرفت، وحتى يمكن أن تعتقد بأنه منحرف. يتقبّل مولود بأن ردة الفعل محقة. أولًا، لو عرف مولود أن أحدًا يلاحق أختيه في القرية كما يلاحق ناريمان، لضرب ذلك الكلب. ولكن إسطنبول ليست قرية. يمكن أن يكون الشخص الذي تعتقد المرأة أنه يلاحقها حاملًا في رأسه أفكارًا هامة، وأن ينجح بأعمال كبرى في المستقبل. يمكن للإنسان في المدينة أن يشعر بالوحدة في وسط الزحام، وما يجعل المدينة مدينة هي إمكانية الإنسان إخفاء الغرابة التي في عقله. في أثناء مسير ناريمان وسط الزحام، يبطئ مولود بالسير أحيانًا، ويُسرُّ من فتح المسافة بينهما لسببين: ١ ـ تمييز مولود البقعة الكستنائية الصغيرة هي ناريمان مهما ابتعدت، ومعرفته حركتها، تمنحه انطباعًا بوجود رابط روحي خاص بينهما. ٢ ـ تبدو لمولود الأبنية والدكاكين والواجهات والناس والدعايات وملصقات السينما التي تدخل بينهما أجزاء من الحياة التي يشارك فيها ناريمان. مع ازدياد عدد الخطوات، تبدو الذكريات المشتركة كأنها تزداد. أحيانًا يتخيل أن أحدًا يتعرض لها، أو نشالًا حاول اختطاف الحقيبة الكحلية التي بيدها، أو أنها أسقطت المنديل الذي بيدها: سيهرع إلى مكان الحادث، وينقذ ناريمان، أو يعيد المنديل الذي أسقطته بعناية. في أثناء شكر ناريمان له، سيقول الذين في المحيط: ما ألطف سلوك هذا الشاب، وتنتبه للاهتمام الذي يوليه لها. ذات مرة ألح أحد باعة السجائر الأمريكية (أغلب هؤلاء أضنويون) على ناريمان كثيرًا. التفتت ناريمان وقالت له شيئًا ما (تخيل مولود أنها قالت له: «ابعد عني!»)، ولكن الشاب اللزج استمر بملاحقتها. في اللحظة ذاتها حَثَّ مولود الخطى. فجأة عادت ناريمان، وأعطت الشاب ورقة نقدية كانت بيدها بلحظة، وبالسرعة نفسها أخذت المارلبورو الحمراء، وألقتها بجيبها. تخيل مولود أنه عندما وصل إلى جوار الشاب، وقال له عبارة تُظْهر أنه حامي ناريمان مثل: «انتبه في المرة القادمة، مفهوم؟»، ولكن الأمر لا يستحق مع وقحين كهؤلاء. فوق هذا، فإن ناريمان لم تُسر من شراء سجائر تهريب من الشارع. لم ينسَ مولود لشهور تجربة أخرى عاشها في أثناء ملاحقته لناريمان في بداية الصيف عندما أنهى أخيرًا الأول ثانوي. رجلان أسمعا كلامًا لناريمان على الرصيف في عثمان بيه. عندما تجاهلتهما ناريمان، وتابعت طريقها، ذهبا خلفها. ما إن اقترب مولود راكضًا... توقفت ناريمان، والتفتت نحو الرجلين، وعرفتهما وابتسمت، ودخلت بحديث وهي تحرك ذراعها لأحدهما كأنها تعرفه منذ فترة طويلة. بعد أن تركا ناريمان، وعبرا بجانبه وهما يتحادثان ويتضاحكان، أصغى إليهما مولود، ولكنه لم يسمع أنهما قالا شيئًا سيئًا بحق ناريمان. سمع مولود عبارة: «ستكون المرحلة الثانية أصعب!» فقط، ولكنه لم يستطع التأكد مما إذا كان قد سمع بشكل صحيح، أو أنهما يتحدثان حول ناريمان. مَنْ هذان الرجلان؟ خطر بباله أن يقول لهما في أثناء مروره بجانبهما: «أيها السيدان، أنا أعرف تلك السيدة أكثر منكما». أحيانًا يقاطع ناريمان لأنهما لم يلتقيا لمدة طويلة، ويبحث عن ناريمان أخرى بين العابرات في الشارع. عندما لم يكن على كتفيه مزراق اللبان، وجد مرشحات من هذا النوع عدة مرات، وسار خلفهن إلى بيوتهن. ذات مرة ركب من موقف عمر الخيام للحافلات، وذهب حتى «لالة لي». كان مسرورًا من جر هذه النساء الجديدات له إلى أحياء أخرى، ومعرفة بعض الأمور حولهن، وأحلامه حولهن، ولكنه لم يستطع الارتباط بهن. الأحلام التي يحلم بها هي في الحقيقة من النوع الذي يرويه زملاؤه في المدرسة والمتسكعون. لم يفكر مولود ولو مرة واحدة بناريمان ويستمني. براءة مشاعره نحو ناريمان هي أساس ارتباطه بها واحترامه لها. قليلًا ما ذهب إلى المدرسة في ذلك العام. لا يريد أي مدرس أن يكسر طالبًا يعيد الصف إذا لم يكن عدوانيًّا إلى درجة التصرف بعنجهية مع المدرسين، ويكسب عداءهم. لأن الطالب في هذه الحالة يُفصل من المدرسة. بناء على ثقة مولود بهذا الأمر، يتدبر عدم تسجيل اسمه على دفتر التفقد، ولا يهتم بالمدرسة نهائيًّا. عندما نجح في نهاية العام، قرر مع فرحات أن يبيع «النصيب» في الصيف. شعر مولود بالسعادة أكثر لبقائه وحده في البيت بعد ذهاب والده إلى القرية. طرق الباب سليمان ذات صباح، وفتح مولود الباب هذه المرة بسرعة. قال له ابن عمه: «نشبت الحرب يا بُنَيَّ، إننا نفتح قبرص». ذهب معه مولود إلى بيت عمه في تل التوت. كان الجميع أمام التلفاز. تُبث الموسيقى العسكرية، ومشاهد الدبابات والطائرات، وينط قورقوط، ويذكر نوعية الطائرات والدبابات قائلًا: «سي ١٦٠، إم ٤٧» وكانت تكرر عبارة أجاويد: «جعلها الله خيرًا لأمتنا والقبارصة جميعًا، والإنسانية». عفا قورقوط عن أجاويد الذي كان يعتبره شيوعيًّا. وعندما يظهر على الشاشة مكاريوس أو الجنرالات اليونانيون يُطلق الشتائم، ويضحك الجميع. نزلا إلى موقف تل التوت، وعرّجا على المقاهي. الأمكنة كلها مكتظة بجموع سعيدة ومتحمسة، وتنظر إلى المشاهد نفسها وهي إقلاع الطائرات والأعلام مع الدبابات، وأتاتورك والباشاوات. يعلن التلفاز ضرورة مراجعة المتخلفين عن الجندية شعب تجنيدهم، وفي كل مرة يقول قورقوط: «كنت ذاهبًا أصلًا». ثمة حالة طوارئ، وكانت هذه الحالة العادية. وأعلن الآن ضرورة التعتيم في إسطنبول. ساعد مولودٌ سليمانَ بتعتيم مصباح دكان عمه حسن خوفًا من الحارس والعقوبة. قصوا من ورق أزرق رخيص وخشن ما يشبه الكأس، وركبوه بما يشبه القبعة فوق المصباح العاري. يقولون: «هل يُرى من الخارج؟»، «أسدلِ الستارة!»، «هذا لا تراه الطائرات اليونانية، ولكن الحارس يراه» ويتضاحكون. في تلك الليلة شعر مولود أنه من أولئك الأتراك القادمين من أواسط آسيا الذين قرأ عنهم في كتب التاريخ. ولكنه عندما عاد إلى بيته في تل الرماد، دخل بحالة نفسية مختلفة تمامًا. فكر بمنطق: «لا يمكن أن تهاجمنا اليونان الصغيرة، وحتى لو هاجمت، فلن تهاجم تل الرماد». وفكر بموقعه من العالم. لم يشعل المصابيح في البيت. ولا يستطيع رؤية زحام الناس الذين يعيشون على التلال الأخرى تمامًا كما حدث معه يوم مجيئه إلى إسطنبول، ولكنه يشعر بهم في الظلام. التلال التي كان نصفها خاويًا قبل خمس سنوات، هي مليئة بالبيوت الآن، وقد ارتفعت في التلال الأبعد منها أعمدة الكهرباء والمآذن. ولأن هذه الأماكن كلها مع إسطنبول قد أظلمت، يستطيع مولود رؤية النجوم في سماء تموز/يولية. تمدد على التراب، وراقب النجوم فترة طويلة جدًّا، وفكر بناريمان. هل أظلمت ناريمان بيتها كما فعل مولود؟ كان مولود يشعر بأن قدميه ستقودانه أكثر إلى الزقاق الذي تسير فيه ناريمان. ١٠ نتائج تعليق ملصق شيوعي على جدار الجامع اللهم احمِ الترك يرى مولود ازدياد التوتر بين تل التوت وتل الرماد، ويشهد على المشاجرات التي تتحول إلى قضية ثأر، ولكنه لم يشعر بأن حربًا دموية من تلك التي في الأفلام ستنشب بينهما. لأنه ليس ثمة فروق عميقة يمكن أن تؤدي إلى صراع دموي بين الذين يعيشون في ذينك التلين المتقابلين: • بنيت أولى الأكواخ في التلين بطوب بقايا الفحم والطين والصفيح في أواسط الخمسينيات. وسكنها مهاجرون من قرى الأناضول الفقراء. • نصف الرجال في التلين يرتدون منامات مقلمة بالأزرق (على الرغم من وجود فروق بعرض الأقلام الزرقاء) عندما ينامون، ورجال النصف الآخر لا يرتدون منامات نهائيًّا، ويتدبرون أمورهم بقميص داخلي بأكمام أو دون بحسب الموسم، وفوقه قمص أو صدرية أو كنزة. • سبع وتسعون بالمائة من نساء التلين يغطين رءوسهن عندما يخرجن إلى الزقاق كما تفعل أمه. وكلهن ولدن في القرية، ولكنهن اليوم في المدينة يكتشفن أن ما يسمى زقاقًا هو شيء مختلف تمامًا، ويخرجن حتى في الصيف مرتديات معاطف كحلية أو بنية كالحة واسعة عليهن. • غالبية سكان التلين لا تعتبر بيوتها أمكنة تعيش فيها إلى نهاية حياتها، بل تنتظر الفرصة لتصبح غنية، وتبني بيتًا تضع رأسها تحت سقفه قبل عودتها إلى القرية، أو الانتقال إلى إحدى شقق البنايات التي في المدينة. • يرى الذين يعيشون في تل الرماد وتل التوت على حدٍّ سواء أحلامًا متشابهة إلى درجة مدهشة، والأشخاص أنفسهم تقريبًا: الصبيان: معلمة المدرسة الابتدائية. البنات: أتاتورك. البالغين: سيدنا محمد. البالغات: نجم سينما غربي طويل اسمه غير محدد. الشيوخ: ملاك يشرب حليبًا. العجائز: ساعي بريد يجلب خبرًا طيبًا. • يشعرون بالفخر بعد رؤيتهم هذه الأحلام، ويؤمنون أنهم أناس لهم خصوصيتهم، ولكنهم نادرًا ما يروون أحلامهم لآخرين. • جاءت الكهرباء إلى تل الرماد والتوت عام ١٩٦٦، ومياه الصنابير عام ١٩٧٠، ووصل أول طريق معبد عام ١٩٧٣ بالأيام نفسها، ولهذا السبب لم تنشأ غيرة نتيجة فرق الزمن. • دخل تلفاز أسود وأبيض مشاهده غير صافية (يعمل الآباء والأبناء كل يومين على ضبط الهوائي الذي يصنعوه بأنفسهم) إلى نصف بيوت تل الرماد والتوت في أواسط السبعينيات، وعند البث المهم مثل مباريات كرة القدم، ومسابقة اتحاد الإذاعات والتلفزات الأوربية، والأفلام التركية يستضيف أصحاب التلفازات الذين ليس لديهم تلفازات، وفي التلين تقدم النساء الشاي للجمع الذي في البيت. • يؤمّن التلَّان حاجتهما من الخبز من فرن الحاج حميد فورال. • أكثر خمس مواد غذائية تُستهلك في التلين على حد سواء هي بالترتيب: ١. خبز بوزن قليل، ٢. طماطم (في الصيف والخريف)، ٣. بطاطس، ٤. بصل، ٥. برتقال. ولكن البعض يرى أن هذه الإحصائيات خادعة مثل وزن خبز الحاج حميد. لأن الجوانب المهمة التي تبلور حياة المجتمعات هي الجوانب غير المتشابهة بين الناس، وليست المتشابهة. على مدى عشرين عامًا، ظهرت بعض الفروق الأساسية بين تل الرماد والتوت: • طغيان الجامع الذي بناه الحاج حميد فورال في أكثر مناطق تل التوت أبهة. ينساب الضوء من النوافذ الظريفة العلوية إلى داخله الذي يكون منعشًا في أيام الصيف الحارة، ويريد الإنسان أن يشكر الله على خلقه هذا العالم، وهكذا يسيطر على مشاعر التمرد التي في داخله. أما أفضل إطلالة من تل الرماد فهي من البرج الكهربائي الصدئ الضخم، وعليه شارة الجمجمة الذي رآه مولوه عند مجيئه إلى إسطنبول. • تسع وتسعون بالمائة من سكان تل التوت والرماد يصومون رسميًّا في رمضان، ولكن الصائمين حقيقة في تل الرماد لا يتجاوزون السبعين بالمائة على الأكثر. لأن العلويين القادمين من نواحي بينغول ودرسيم وسيواس وأرض روم في أواخر الستينيات يعيشون في تل الرماد، وعلويي تل الرماد لا يذهبون للصلاة في جامع تل التوت. • هناك أكراد في تل الرماد أكثر مما في تل التوت بكثير، ولأن أحدًا لا يُسَرُّ من قول هذه الكلمة بمن في ذلك الأكراد أنفسهم، فإن هذه المعلومة تبقى في زاوية من زوايا عقولهم باعتبارها رأيًا شخصيًّا يهذون به مثل اللغة التي يتحدثون بها في البيت. • بدأ يجلس شباب يسمون أنفسهم قوميين ـ مثاليين إلى إحدى الطاولات الخلفية من مقهى البلد الواقع في مدخل تل التوت. المثُل التي يريدون تحقيقها هي تحرير أتراك آسيا الوسطى (سمرقند، طشقند، بخارى، سنجان) من أسر روسيا والصين الشيوعيتين. وهم جاهزون لعمل أي شيء في هذا السبيل بما في ذلك القتل. • على إحدى الطاولات الخلفية من مقهى الوطن الواقعة في مدخل تل الرماد، بدأ يجلس شباب يسمون أنفسهم يساريين ـ اشتراكيين. طموحهم إيجاد مجتمع حر كما في روسيا أو الصين. وهم جاهزون لعمل أي شيء في هذا السبيل بما في ذلك القتل. عندما أنهى مولود الثاني ثانوي بصعوبة بعد أن رسب فيه أيضًا، ترك متابعة الدروس نهائيًّا. لم يعد يذهب إلى المدرسة حتى أيام الامتحان. والده منتبه إلى وضعه. لم يعد مولود يتظاهر بأنه يدرس قائلًا: «غدًا يوجد امتحان!». ذات مساء اشتهى تدخين سيجارة. خرج من البيت، وذهب إلى فرحات. كان مع شاب آخر في حديقة البيت يصبان أشياء ما في دلو، ويخلطانها. قال فرحات: «صودا كاوية. عندما تضع عليها قليلًا من الطحين، تصبح مادة لاصقة. سنخرج لإلصاق الملصقات. تعالَ معنا إذا أردت». والتفت إلى الشاب الآخر: «مولود شاب جيد، إنه منا. عليّ، مولود». مولود صافح عليًّا الطويل القامة. قدم عليّ له سيجارة. كانت بافرا. انضم مولود إليهما. كان مؤمنًا أنه يقوم بهذا العمل الخطير لأنه شجاع. تقدموا ببطء من الأزقة الفرعية المظلمة دون أن يراهم أحد. عندما يرى فرحات مكانًا مناسبًا يتوقف فورًا، ويضع الدلو الذي يحمله بيده، ويدهن بواسطة فرشاة لاصق الصودا على الجدار بشكل منتظم، وفي الوقت نفسه يسحب عليّ أحد الملصقات من تحت إبطه، ويفتحه فوق المكان المدهون، ويلصقه بمهارة وسرعة. في أثناء فتح عليّ الملصق على الجدار، ولصقه، يمر فرحات بالفرشاة على وجه الملصق، وخاصة عند الأطراف. كان مولود مراقبًا. حبسوا أنفاسهم عند مرور أب وأم عائدين من سهرة التلفاز في أزقة تل التوت السفلية وهما يتحادثان ويتضاحكان، ومعهما طفل يقول: «لن أنام!» (تكاد الملصقات تصدمهم، ولكنهم لم يروها). الخروج للصق الملصقات ليلًا يشبه البيع الليلي. تخلطُ في البيت بعض السوائل والمساحيق مثل الساحر، وتخرج إلى الأزقة المظلمة. ولكن البائع يحدث ضجيجًا، وينادي، ويقرع الجرس، أما لاصق الملصقات فيجب أن يكون صامتًا كالليل. أطالوا الطريق من أجل ألا يمروا من أمام المقاهي السفلية، والسوق، وفرن الحاج حميد. عندما وصلوا إلى تل التوت، بدأ مولود يتحدث همسًا، وشعر بنفسه كأنه فدائي تسلل إلى أرض الأعداء. تسلّم مهمة المراقبة فرحات. كان مولود يحمل الدلو، ويمسك الفرشاة، ويدهن الجدار باللاصق. بدأ المطر يهطل، وأصبحت الأزقة أكثر قفرًا، واستشعر مولود رائحةَ موتٍ غريبة. ترددت أصداء أصوات إطلاق نار بين التلال. توقف الثلاثة، وتبادلوا النظر. أول مرة يقرأ مولود كتابة الملصقات التي يلصقونها على الجدار وهو يفكر بالموضوع جديًّا: «سيحاسب قتلة حسين ألقان ـ الحزب الماركسي اللينيني الشيوعي الشعبي في تركيا ـ الجبهة الماركسية اللينينية» وتحتها مطرقة ومنجل، وهناك نوع من زخرفة الأطراف بعلم أحمر. لم يكن مولود يعرف من هو حسين ألقان، ولكنه يدرك أنه علوي مثل فرحات وعليّ. يريدون أن يقال عنهم يساريون، ولأنه ليس علويًّا يشعر بالذنب والتفوق في آن واحد. عندما اشتدت غزارة المطر، خيّم الصمت أكثر على الأزقة، وقطعت الكلاب النباح. عندما لجئوا تحت سقيفة، شرح فرحات هامسًا: حسين ألقان أطلق عليه مثاليو تل التوت النار قبل أسبوعين وهو عائد من المقهى. وصلوا إلى زقاق عمه. عندما نظر مولود إلى البيت الذي دخله مئات المرات منذ قدومه إلى إسطنبول، وأمضى فيه ساعات سعيدة مع قورقوط وسليمان وخالته بعين اليساري الغاضب الذي يلصق الملصقات أعطى لوالده الحق بالغضب. لقد أخذ عمه وابناه هذا البيت الذي بنوه معًا عينك عينك، ويسكنون فيه. لم يكن ثمة أحد في الوسط. دهن مولود على الجدار الخلفي، وفي المنطقة الأبرز كثيرًا من اللاصق. ألصق عليّ ملصقين. لأن الكلب الذي في الحديقة يعرف مولودًا، فقد هز بذيله ولم يصدر أي صوت. ألصقوا على الجدران الخلفية والجانبية ملصقات أيضًا. همس فرحات: «يكفي، سيروننا». لقد خاف من غضب مولود. سَكِر مولود بشعور الحرية الذي منحه إياه إقدامه على عمل ممنوع. كان الحمض يحرق رءوس أصابع مولود ويده، والمطر يبلله، ولكنه لا يبالي. استمروا بإلصاق الملصقات إلى أن وصلوا إلى ذروة التل. كُتب بأحرف كبيرة على جدار جامع الحاج حميد فورال المطل على الساحة: «ممنوع لصق الإعلانات». أُلصقت فوق الكتابة دعايات صابون ومساحيق غسيل، وملصقات جمعيات المثاليين القومية التي تحمل عبارة: «اللهم احمِ الترك»، وإعلانات دورات القرآن الكريم. دهن مولود باللاصق فوق هذه الأوراق بمتعة، وخلال فترة قصيرة ملأ الجدار كله بملصقاتهم. ولم يكن هناك أحد في الباحة، فألصقوا ملصقات على الجدار الداخلي للباحة أيضًا. سمعوا ضجيجًا. أُغلق باب بفعل الريح، ولكنهم ركضوا اعتقادًا منهم أنه صوت إطلاق نار. ابتعدوا عن تل التوت، ولكنهم عملوا في التلال الأخرى حتى انتهت الملصقات التي بين أيديهم نتيجة خجلهم من خوفهم. في نهاية الليل كانت الأيدي تشتعل كالنار وتدمى من أمكنة عدة بتأثير حمض السائل. سليمان. بحسب قول أخي الكبير: العلوي الذي يحين أجله، يلصق ملصقًا شيوعيًّا على جدار الجامع. في الحقيقة أن العلويين أناس هادئون نشيطون لا يؤذون أحدًا، ولكن بعض المغامرين في تل الرماد يريدون إشعال فتنة بيننا بنقود الشيوعيين. وضع الماركسيون اللينينيون ببالهم كسب العمال العزَّاب الذين جلبهم فورال من بلده ريزة بداية في قضية الشيوعية والنقابة. بالطبع فإن العمال العزَّاب الريزويين لم يأتوا إلى إسطنبول ليخففوا عقولهم مثل هؤلاء، بل ليكسبوا نقودًا، ولا ينوون أن يكونوا أسرى معسكرات العمل في سيبريا ومنشوريا. وهكذا فإن الريزويين الحاذقين أحبطوا العلويين الشيوعيين. وأبلغ آل فورال الشرطة عن العلويين الشيوعيين الذين في تل الرماد. بدأ رجال الشرطة المدنية وعناصر المخابرات القومية بالجلوس في المقاهي، وتدخين السجائر (يدخنون «يني هرمان» مثل كل الموظفين الآخرين)، ومشاهدة التلفاز. ما يكمن خلف القضية أن آل فورال وضعوا يدهم على المقاسم التي سيّجها العلويون الأكراد في تل التوت قبل سنوات، وبنوا عليها. تلك المقاسم القديمة التي في تل التوت، والمقاسم التي بنوا عليها في تل الرماد هي لهم! هكذا إذًا؟ يا أخي، إذا لم يكن لديك سند تمليك، فما يقوله المختار هو ما يمشي، مفهوم؟ المختار رضا الريزوي معنا. لو كنت على حق، لبقيَ قلبك مرتاحًا، ولو كان قلبك مرتاحًا، لما أتيت إلى أزقتنا في منتصف الليل، وألصقت ملصقات الدعاية الشيوعية، وإعلانات الإلحاد على جدار الجامع. قورقوط. عندما أتيت من القرية مع والدي قبل اثنتي عشرة سنة، كان نصف تل الرماد، وبقية التلال كلها تقريبًا خاوييْن. لم يتناهب تلك المقاسم الذين ليس لديهم بيت ولا سكن في إسطنبول فقط، بل نهبها الذين لديهم عمل في مركز المدينة أيضًا. كانت ثمة حاجة لمقاسم مجانية من أجل العمال الذين يعملون بأجر زهيد في معامل الدواء والمصابيح التي على الطريق الرسمي والورش التي كل يوم يفتح المزيد منها، ولم ينبس أحد على ادعاء كل من أتى أن هذه الأرض من أملاك الدولة له. وهكذا انتشر خبر أنك صاحب المقسم الذي سيّجته بسرعة، فجاء كثير من الحاذقين الموظفين والمعلمين وحتى أصحاب محلات من مركز المدينة، وسيّجوا مقاسم في تلالنا على أمل أن تكون لها قيمة كبيرة في المستقبل. إذا لم يكن لديك ورقة رسمية وسند تمليك، فكيف ستدَّعي أنك صاحب المقسم؟ إما تنشئ فيها بيتًا ذات ليل تغض فيه الدولة الطرف، وتدخله، وتعيش فيه، وإما تحمل السلاح، وتجلس لحراسته، وإما أن تعطي لبعض الرجال الذين يحملون السلاح نقودًا ليحرسوا لك أرضك. وهذا لا يكفي، عليك أن تكون صديقًا لحملة السلاح، وتشاركهم ما تأكله وتشربه، وتصاحبهم ليحموا أرضك كأرواحهم، ولا يخرج لك أحدهم عند توزيع الدولة سندات التمليك، ليقول: «يا حضرة المأمور، في الحقيقة أن هذا المقسم لي، ولديَّ شهود!»، أفضل من عمل هذا الأمر كبيرنا الحاج حميد فورال. فقد شغّل العزَّاب الذين جلبهم من القرية في أفرانه، وأعطاهم خبزًا (في الحقيقة أنهم كانوا يخبزون خبزهم)، واستخدمهم كالجنود بحماية مقاسمه وورش بنائه. في الحقيقة ليس سهلًا استخدام الريزويين القادمين من القرى إلى المدينة كجنود فورًا. بداية سجلنا الأصدقاء القادمين من القرية في الجمعية ومنحناهم عضوية مجانية في «صالة آلطاي للكاراتيه والجودو» لكي يتعلموا ماذا يعني ترك، وأين تقع آسيا الوسطى، ومن هو بروس لي، وما معنى الحزام الأزرق. ولكي لا يضيع هؤلاء الشباب الذين يُنهكون بعمل الأفران والبناء لدى العاهرات في ملاهي بيه أوغلو، ولأتباع موسكو في الروابط اليسارية، نجلب أفلام العائلات المناسبة إلى جمعيتنا في مجيدية كوي، ونعرضها لهم. من يؤمن بالقضية، وينظر إلى خريطة الأتراك الأسرى في وسط آسيا، فتغرورق عيناه، ويكون خامة جيدة، فأنا أسجله عضوًا في الجمعية. ونتيجة جهودنا هذه فقد كبرت بنيتنا المثالية في مجيدية كوي وجيشنا القومي على الصعيدين العسكري والثقافي، وهذا ما أدى بطبيعة الحال إلى انتشاره في التلال الأخرى. أدرك الشيوعيون متأخرين جدًّا بأنهم فقدوا سيطرتهم على تلنا. أول من أدرك هذا هو والد فرحات الماكر الذي يسر من مصاحبة مولود. من أجل أن يضع هذا الرجل الطماع والطموح يده على الأراضي التي سيّجها، بنى لنفسه هنا بيتًا، ونقل أسرته من قرة كوي. بعد ذلك استدعى رفاقه العلويين الأكراد من بينغول لكي يتمكنوا من المحافظة على المقاسم في تل الرماد. المقتول حسين ألقان ابن قريتهم، ولكنني لا أعرف من قتله. عندما يُقتل شيوعي تسبب بمشكلة، ينظم رفاقه مظاهرة بداية، ويرددون الشعارات، ثم يخرجون لإلصاق الملصقات، وبعد الجنازة يهاجمون هنا وهناك، ويكسرون زجاج بعض النوافذ (في الحقيقة أن هؤلاء يحبون الجنازات كثيرًا؛ لأن التكسير والتحطيم يلبيان حاجة دفينة لديهم). ولكنهم عندما يدركون أن الدور قد اقترب منهم، وتأتي عقولهم إلى رءوسهم، إما أن يهربوا، وإما أن يستقيلوا من الشيوعية. وهكذا تنشر أفكارك بحرية. فرحات. كان شهيدنا الأخ حسين إنسانًا غاية بالطيب. والدي جلبه من القرية، وأسكنه في أحد البيوت التي بنيناها نحن. بالطبع إن الذي أطلق النار على رقبته من الخلف أحد الرجال الذين يغذونهم آل فورال. فوق هذا فإن الشرطة أدانتنا نتيجة تحقيقها. أعرف أن الفاشيين الذين يدعمهم آل فورال سيهاجمون تل الرماد قريبًا، ويقضون علينا واحدًا تلو الآخر، ولكنني لا أستطيع أن أشرح هذا لمولود (خشية أن يذهب بسذاجة، ويبلغ آل فورال)، ولا لجماعتنا. نصف الشباب العلوي اليساري مؤيد لروسيا، ونصفهم الآخر ماويون، ولأنهم كثيرًا ما يشتبكون بالأيدي والركل واللكم، فلا فائدة من القول لهم بأنهم قريبًا سيخسرون تل الرماد. في الحقيقة أنني مع الأسف لا أومن بالقضية التي يجب أن أومن بها. أفكر بدخول عالم التجارة، وتأسيس عملي الخاص. غير هذا أرغب كثيرًا بدخول الجامعة. ولكنني يساري مثل غالبية العلويين، ولا أحب المثاليين والكونترا الذين يريدون قتلنا. عندما يُقتل أحدنا، أنا أيضًا أشارك بالجنازة، وأردد الهتافات، وألوح بقبضتي على الرغم من معرفتي أننا في النهاية سنخسر. لأن أبي منتبه لهذه المخاطر، يقول: «ترى هل نبيع البيت في تل الرماد، ونذهب؟»، ولكنه لا يستطيع فعل هذا لأنه هو الذي جلب الجميع. قورقوط. من كثرة عدد الملصقات التي ألصقت على جدران بيتنا عرفت بأن الذي قام بهذا العمل يعرفنا، وليس من المنظمة. عند مجيء العم مصطفى بعد يومين، وشكواه من عدم بقاء مولود بالبيت، وعدم ذهابه إلى المدرسة مثل بقية الطلاب، شككت كثيرًا. كان العم مصطفى يستدرج سليمان بالكلام ليعرف ما إذا كانا يتسكعان معًا. ولكنني كنت أشعر بأن الكلب المدعو فرحات يجر مولودًا إلى طريق السوء. طلبت من سليمان أن يقنع مولودًا بعد يومين، ويدعوه لتناول الدجاج على العشاء لدينا. الخالة صفية. ابناي، وخاصة سليمان، يريدان أن يصاحبا مولودًا، ولكنهما لا يستطيعان إلا أن يؤذياه. لم يستطع أبو مولود أن يجمع نقودًا معقولة، ويحسّن أحوال بيته في القرية، أو يوسع بيته المؤلف من غرفة واحدة في تل الرماد. أحيانًا أقول لنفسي: لأذهب إلى ذلك البيت الشبيه بالإسطبل، ويعيش فيه الأب وابنه حياة عزوبية على مدى سنوات، ولتلمسه يد امرأة، ولكنني أخشى أن ينفطر قلبي، فلا أذهب. عندما عاند الأب، وترك عائلته في القرية، عاش مولودي حياته بعد الابتدائية في إسطنبول كأنه يتيم الأم. كان يأتي إليَّ عندما يشتاق لحنان الأم في المرحلة الأولى من مجيئه إلى إسطنبول. كنت أحتضنه، وأمسح على رأسه، وأقبله، وأقول له إنه عاقل جدًّا. كان قورقوط وسليمان يغيران، ولكنني لا أبالي. والآن على وجهه تعبير البراءة نفسه، وأريد أن أحتضنه، وأقبله، وأعرف أنه يريد هذا أيضًا، ولكنه أصبح بحجم البغل، ووجهه مليء بالحب، ويخجل من قورقوط وسليمان. لم أعد أسأله عن دروسه، لأنني أرى من حاله أن كل شيء مشوش في عقله. سحبته إلى المطبخ فور دخوله إلى البيت، وقبلته من خده دون أن يرانا قورقوط وسليمان. قلت: «ما شاء الله، صرت مثل المزراق، ولكن لا تخجل من طولك، انتصب لأرى». قال: «خالتي، الحدبة لم تبرز نتيجة الطول، بل نتيجة حمل مزراق اللبن. سأترك هذا العمل!»... كان يأكل أفراخ الدجاج على العشاء بطريقة فطرت قلبي. كان مولود صامتًا في أثناء شرح قورقوط بأسلوب جميل أن الشيوعيين سيعملون على جذب الطيبين والسذج إلى جانبهم. قلت لقورقوت وسليمان في المطبخ: «انظروا إليَّ يا ذئاب، لماذا تخيفون اليتيم المسكين؟ قال قورقوط: «نحن نشك به يا أمي، لا تتدخلي أنتِ!». «هيَّا اخرج من هذا الأمر، وجدتم بريئًا... بماذا يمكن أن يشك الإنسان بمولودي؟ هو لا علاقة له بأولئك الأعداء السيئين». حين عاد قورقوط إلى الطاولة، قال: «سيخرج مولود معنا لكتابة الشعارات على الجدران هذا المساء؛ لكي يثبت أنه لا يتعاون مع الماويين. أليس كذلك يا مولود؟». كانوا ثلاثة شباب، وبيد أحدهم أيضًا دلو كبير، ولكنه لم يكن مليئًا باللاصق، بل بالطلاء الأسود. وفي مكان يقرره قورقوط، يبدأ بكتابة شعار. في أثناء إمساك مولود دلو الطلاء لهم، يحاول توقع الشعار الذي سيكتبه على الجدار. أمنية «اللهم احمِ الترك» أكثر ما أعجب مولودًا، وتعلمه. وقد رأى هذا الشعار في كثير من الأمكنة في المدينة. أعجبته لأنه يذكّر مولودًا بأنه عضو في عائلة الترك في العالم التي درسها في درس التاريخ، وهي أمنية طيبة. ولكن بعض الشعارات الأخرى تحمل جوًّا من التهديد. في أثناء كتابة قورقوط «سيكون تل التوت قبرًا للشيوعيين»، شعر مولود بأن المقصود هنا فرحات وأصدقاؤه، وأمل ألا يتجاوز هذا الشعار مقولات الفتوة. فهم مولود من عبارة سليمان («الآلة أخي») بأن معهم سلاحًا. إذا كان المكان كبيرًا، يكتب قورقوط كلمة «الملحدين» بعد كلمة «الشيوعيين». ولأنه لا يقدّر طول الكلمات والأحرف جيدًا، فيكتب بعض الحروف معوجة وصغيرة، وينشغل بال مولود بعدم الانتظام هذا أكثر من كل شيء (كان مولود يؤمن بأن البائع الذي يكتب اسم بضاعته بشكل متعرج على واجهة العربة أو بسطة الكعك لا مستقبل له). لم يستطع ضبط نفسه في إحدى المرات، فنبه قورقوط إلى أنه كتب حرفًا صغرًا جدًّا. فدس قورقوط الفرشاة بيد مولود، وقال: «خذ اكتب أنت لنرى!». مع تقدم الوقت في الليل كتب مولود على إعلانات الختان، والجدران المكتوب عليها: «من يرم الزبالة هنا حمار!»، وعلى الملصقات الماوية التي ألصقها قبل أربعة أيام: «اللهم احمِ الترك». دخلوا بين الأكواخ والجدران والحدائق والدكاكين والكلاب الشكاكة، كأنهم يدخلون إلى غابة مظلمة وكثيفة. كلما كتب مولود «اللهم احمِ الترك»، شعر بعمق الليل من جهة، وبأن الكتابة في الحقيقة إشارة أو توقيع داخل الليل غير المحدد، وأن هذا التوقيع سيغيّر الحي كله. انتبه في تلك الليلة إلى كثير من الأشياء التي غابت عن عينه ليس في تل التوت فقط، بل في تل الرماد والتلال الأخرى حيث تسكع مع فرحات وسليمان: كل جانب من جوانب سبيل الماء مغطى بالشعارات والملصقات؛ الأشخاص الذين يدخنون أمام المقاهي هم في الحقيقة حراس مسلحون؛ يهرب الناس والعائلات من الأزقة في الليل، وكأنهم يلجئون إلى عالمهم الداخلي؛ شعر في هذه الليلة الصافية وغير المحدودة بأن الانتماء إلى الترك أفضل من الانتماء إلى الفقر. ١١ حرب تل التوت وتل الرماد نحن على الحياد ذات ليلة من أواخر نيسان/إبريل أُطلق رشاش آلي من سيارة أجرة اقتربت من مقهى الوطن نحو الذين يلعبون الورق ويشاهدون التلفاز في الداخل. على مبعدة خمسمائة متر، كان مولود وأبوه في بيتهما على الطرف الآخر من التل، يضربان ملعقتيهما بحساء العدس في جو من الصداقة نادرًا ما يعيشانه. التقت عيناهما، وانتظرا توقف ضجيج الرشاش الآلي الصارم. عندما اقترب مولود من النافذة، ناداه أبوه: «ابتعد!». بعد قليل سمعا صوت الرشاش الآلي المعدني من مكان أبعد، وتابعا تناول الحساء. قال الأب بنبرة العارف، وكأنه يثبت كلامًا قاله: «أرأيت؟». أطلق رشاش على مقهيين يرتادهما اليساريون والعلويون في تل الرماد والسهم. سقط قتيلان في تل الرماد، وقتيل في مقهى تل السهم، وحوالي عشرين جريحًا. انتفض من يسمون أنفسهم فرق الطليعة المسلحة الماركسية وأقرباء العلويين في اليوم التالي. كان مولود وسط الزحام بصحبة فرحات، فقد شارك بالمظاهرات ضمن الحي وإن لم يكن في الصفوف الأولى. لم يكن يلوح بقبضته بحماسة مثل الآخرين، ولم يردد الأناشيد لعدم معرفته كلماتها بالضبط، ولكنه كان غاضبًا... لم تكن في المحيط شرطة مدنيّة ولا رجال الحاج حميد فورال. لهذا السبب لم تُغَطَّ جدران تل الرماد فقط بالشعارات الماركسية الماوية، بل جدران تل التوت أيضًا. وبحماسة التمرد، خرجت ملصقات جديدة طُبعت فورًا في المدينة، وطرحت شعارات جديدة مناسبة للمقاومة. في اليوم الثالث نزل من حافلات زرقاء جيش شرطة ذو شوارب حاملًا هراوات سوداء. يزداد تدريجيًّا زحام المصورين الصحفيين الذين ينادونهم الأولاد متخذين حركات غريبة وهم يقولون: «صورني لي أيضًا!»، بعد أن ذهبت الجنازة إلى تل التوت، انتقل قسم من الجمع مع الشباب والغاضبين إلى التظاهر كما كان متوقعًا. لم يشاركهم مولود هذه المرة. كان عمه حسن وقورقوط وسليمان ورجال فورال الشباب يدخنون السجائر، ويراقبون الزحام الذي في الأسفل من نافذة بيت تطل على ساحة الجامع. لم يكن مولود يخشاهم، أو يخاف من عقوبتهم ونبذهم له، ولكنه كان يجد ترديده الهتافات وهو يلوح بقبضته وهم ينظرون إليه أمرًا غريبًا ومفتعلًا. هناك جانب مفتعل في التطرف السياسي. عندما أعاقت الشرطة جمعَ الجنازة المتحول إلى مظاهرة أمام الجامع، حدث تدافعٌ وتلاكز. بعض الشباب داخل الزحام ألقوا حجارة على دكان يعلّق ملصقات «المثاليين»، وحطموا واجهته. خلال فترة قصيرة خُرّب مكتب فاتح العقاري ومكتب التعهدات المجاور له واللذان تديرهما عائلة فورال. في هذين المحلين اللذين يتسكع فيهما شباب «المثاليين»، ويدخنون السجائر، ويتابعون التلفاز، لم يكن ثمة ما له قيمة سوى طاولات وآلة كاتبة وتلفاز. ولكن صراعًا بين المثاليين والماركسيين، أو اليمينيين واليساريين، أو القونيويين والبنغوليين اندلع بسبب هذه الهجمات أمام الأعين كلها. كان مولود يراقب مع الفضوليين من بعيد أول اشتباك حاد ودموي استمر لأكثر من ثلاثة أيام. سحبت الشرطة ذات الخوذات هراواتها، وأُطلقت صيحات: «الله، الله» مثل الإنكشاريين، وهجمت. وتابع ضخ المياه من مدرعات تشبه الدبابات دون أن يتبلل. كان يذهب أحيانًا لتوصيل اللبن لزبائنه الجيدين في شيشلي وفريكوي، ويخرج مساء لبيع البوظة. رأى الشرطة ذات مساء قد شكلت جدارًا أمنيًّا بين تل التوت والرماد، ولكنه أخفى هوية طالب الثانوية. ونتيجة هندامه لم تسأله الشرطة شيئًا لاعتبارها أنه بائع مسكين. دخل إلى الدروس بشعور الغضب والتضامن. تسيّس جو المدرسة على مدى ثلاثة أيام بشكل كبير. يرفع الطلاب اليساريون أصابعهم، ويقطعون الدرس بمظاهر الفتوة، ويلقون الخطب السياسية. أحب مولد شعور الحرية هذا، ولكنه لم ينبس. أمر الهيكلُ المدرسين بإسكات الطلاب الذين يبدءون بعبارة: «البارحة قتل زميلنا»، ثم يخطبون ضد الرأسمالية والإمبريالية الأمريكية بدلًا من الحديث عن الفتوحات العثمانية وأتاتورك وثوراته، وأخذِ أرقامهم، ولكن المدرسين لا يريدون أن يجلبوا لأنفسهم البلاء، فلا يتدخلون كثيرًا. حتى إن المدرِّسة الأكثر تشددًا ملاحات الضخمة مدرسة علم الأحياء كانت تتساهل مع الطلاب الذين يقاطعونها، ويشتكون من «نظام الاستغلال»، ويتهمونها بخدمة هذا النظام بتسترها على الحقائق الطبقية عبر شرحها عن أفراخ الضفادع. استمع مولود حزينًا لحديث المدرِّسة ملاحات حول صعوبات الحياة، وعملها على مدى اثنتين وثلاثين سنة، وأنها في الحقيقة تنتظر تقاعدها، وتمنّى من قلبه أن يتركها المتمردون براحتها. رأى بعض طلاب المقاعد الخلفية الضخام أن هذه فرصة لممارسة الفتوة، وقمع الطلاب المدعين والمجتهدين في المقاعد الأمامية، وإسكات الطلاب اليمينيين والقوميين، حتى إن بعضهم باتوا يأتون أيامًا أقل إلى المدرسة. أحيانًا تأتي أخبار صدامات ومداهمات شرطة وتعذيب جديدة من أحياء بعض الطلاب، فيبدأ المنظمون بالهتاف: «تسقط الفاشية»، «تركيا مستقلة»، «تعليم حر»، ويجوبون دهاليز ثانوية أتاتورك للبنين وطوابقها، ثم يأخذون ورقة التفقد من عريف الصف، ويحرقونها بسجائرهم، ويشاركون بالصراع الدائر في تل التوت والرماد، أو يذهبون إلى السينما إذا كانوا يعرفون الواقف على بابها أو في جيوبهم نقود. ولكن جو الحرية والتمرد هذا كله لم يستمر سوى أسبوعٍ واحدٍ فقط. قبل شهرين انتقد مدرس الفيزياء فهمي تركية طالب من ديار بكر، وقلده ساخرًا أمام نظرات مولود الحزينة والغاضبة. وإثر مداهمة الطلاب قاعة الصف مطالبين المدرس بالاعتذار، وإعلان بعضهم الإضراب عن الدوام كما يحدث في الجامعات، استدعى الهيكل والمدير الشرطة. بدأت الشرطة ذات البزز الزرقاء والمدنية تقف عند البابين الخارجي والداخلي، وتفتش على البطاقات كما يحدث في الجامعات. كان مولود يشعر بجو فترة ما بعد كارثة حريق أو زلزال، ولا يستطيع أن يخفي استمتاعه بهذا. يدخل إلى اجتماعات الصفوف، ولكنه ينسحب جانبًا لحظات التدافع والتلاكز، وعندما يُعلَن إضراب، يغيب عن المدرسة، ويذهب لبيع اللبن. بعد أسبوع من دخول الشرطة إلى المدرسة، قطع طالب من الثالث ثانوي يسكن في زقاق بيت آقطاش طريقه، وأخبره بأن قورقوط ينتظره هذا المساء. في بيت عمه الذي وصله مولود بعد تفتيش مجموعات المراقبة اليسارية واليمينية، وعدد من دوريات الشرطة على الهوية، رأى أحد طلاب مدرسته «المدنيين» يتناول فاصولياء يابسة باللحم على الطاولة التي تناول عليها أفراخ دجاج بالفرن قبل شهرين. اسمه طارق. فهم مولود مباشرة أن خالته صفية لم تحبه، ولكن قوقوط يوليه ثقته، ويهتم به. طلب قورقوط من مولود الابتعاد عن فرحات و«الشيوعيين الآخرين»؛ لأن الروس يسعون للنزول إلى المياه الدافئة، ويريدون بث الفرقة بين السنة والعلويين، والأتراك والأكراد، والأغنياء والفقراء لإضعاف تركيا التي تحول دون تحقيق أهدافهم الإمبريالية، ولهذا يحرضون مواطنينا العلويين الأكراد الذين لا يمتلكون حتى مجرد بيت. لهذا السبب يعتبر إبعاد أكراد بينغول وتونجلي والعلويين وهذه التلال كلها هدفًا إستراتيجيًّا. قال قورقوط بآخر هجوم: «سلم على العم مصطفى، ولا تخرج من البيت يوم الخميس. مع الأسف أن الأخضر سيحترق مع اليابس». رأى سليمان نظرة مولود المتسائلة، فقال مباهيًا بمعرفة عمق الأحداث قبل أن تقع: «ستنفذ عملية عسكرية». بصعوبة نام مولود تلك الليلة وسط أصوات إطلاق النار. في اليوم التالي فهم أن الشائعة منتشرة، وأن طلاب المتوسطة وحتى موهيني يعرفون أن أمورًا سيئة ستحدث يوم الخميس. في الليلة الماضية شُنت هجمات على مقاهي تل الرماد والتلال الأخرى التي فيها كثافة علوية، ومات اثنان بطلقات نارية. أكثر المقاهي والدكاكين أغلقت أبوابها، وبعضها لم تفتح نهائيًّا. سمع مولود بأن إشارة «×» ستوضع على بيوت العلويين التي ستداهم منذ الليل. يريد أن يبتعد، ويذهب إلى السينما أو يبقى وحده ويستمني من جهة، وأن يرى الأحداث من جهة أخرى. عند تشييع المنظمات الثورية الجنازات يوم الأربعاء، هاجمت الجموع فرن آل فورال. لعدم تدخل الشرطة نهائيًّا، دافع العمال الريزويون عن أنفسهم قليلًا بالحطب ومجارف الخبز، ثم تركوا الخبز الذي تفوح منه رائحة شهية، وهربوا من الباب الخلفي. سمع مولود شائعات بأن العلويين هاجموا مساء الجوامع، وألقوا قنبلة على «مأوى المثاليين»، وشربوا الخمر في الجوامع، ولكنه اعتبرها مبالغات، ولم يصدق. قال والده: «لنخرج، ونذهب اليوم لبيع بوظتنا في المدينة. لا أحد يتعرّض لبائع بوظة مسكين وابنه. نحن محايدون»، وحملا مزراقيهما وأوعيتهما. خرجا من البيت، ولكن الشرطة طوقت الحي، ولم تسمح لأحد بالخروج. عندما رأى مولود أضواء سيارات الشرطة والإسعاف والإطفاء الزرقاء، تسرّع خفقان قلبه. وشعر بالأهمية كما يشعر كل من في الحي، وتباهى. لو قامت القيامة في الحي قبل خمس سنوات؛ لما أتى صحفي أو شرطي أو رجل إطفاء. عند عودتهما إلى البيت نظرا إلى التلفاز الأسود والأبيض دون جدوى. بالتأكيد ليس هناك خبر يتعلق بهم. كان يبث التلفاز الذي ضحيا بالنقود واشترياه، ندوة حول فتح إسطنبول. شتم والده «المخربين الذين يأخذون لقمة خبز الفقير من يده» دون تمييز بين يسار أو يمين كما يفعل دائمًا. استيقظ الأب وابنه في منتصف الليل على أصوات صياح المتراكضين في الزقاق، وإطلاقهم الهتافات. لا يعرفان من يركض. تفقد الأب مزلاج الباب، ودفع إلى خلفه الطاولة العرجاء التي يدرس عليها مولود. رأيا لهب حريق في السفح الآخر من تل الرماد. عندما انعكس ضوء اللهب على الغيوم الخفيضة والدكْن تشكّل نورًا غريبًا في السماء، وارتجف الضوء المنعكس من هناك على الأزقة كاللهب المرتجف بتأثير الريح، ومع حركة الظلال في الوقت نفسه، بدا العالم يرتجف. سمعا أصوات إطلاق نار. انتبه مولود إلى اندلاع حريق ثانٍ. قال والده: «لا تندس هكذا بالنافذة!». قال مولود: «يقولون إن إشارة ستوضع على البيوت التي ستنظف يا أبي، هل ننظر؟». «نحن لسنا علويين!». قال مولود انطلاقًا من فكرة ظهور فرحات واليساريين الآخرين كثيرًا في المكان: «يمكن أن يضعوها بالخطأ!»، ولكنه أخفى قلقه هذا عن والده. عندما هدأ الجو، وخف الصراخ، فتحا الباب، ونظرا، لم تكن ثمة إشارة. أراد مولود أن ينظر إلى جدران البيت من أجل أن يتأكد. صرخ والده: «ادخل!»، بدا البيت الأبيض الذي أمضيا فيه حياتهما شبحًا برتقالي اللون. دخل الأب وابنه، ولم يستطيعا النوم حتى الصباح عندما انقطعت أصوات إطلاق النار. قورقوط. بصراحة، أنا أيضًا لم أصدق أنهم وضعوا قنبلة في الجامع، ولكن الكذبة تنتشر بسرعة. الحقيقة أن غضب جموع المتدينين الصابرين والصامتين كان قويًّا؛ لأنهم رأوا الملصقات الشيوعية «بأعينهم» على جدران الجامع وفي الأحياء الأبعد. ستسكن في قرة كوي، وحتى في بينغول وسيواس وليس في إسطنبول، وتضع يدك على أرض الذين يعيشون في تل التوت! مساء البارحة تبين من هو صاحب البيت الحقيقي، ومن يعيش فيه حقيقة. من الصعب جدًّا إيقاف الشباب الذين شُتِمَ دينهم. خُرّبت كثير من البيوت. هناك بيت أحرقه أصحابه في الحي العلوي لكي تكبر القضية، وتكتب الجرائد: «القوميون يذبحون العلويين»، وتتدخل شرطة «رابطة الشرطة» اليسارية. لقد قسّموا الشرطة التركية كما فعلوا بالمعلمين الأتراك. هؤلاء يحرقون بيوتهم، وحتى إنهم يحرقون أنفسهم كما جرى منذ مدة في السجن لكي يخترعوا ذريعة لإدانة دولتنا. فرحات. لم تتدخل الشرطة بأي شيء، وإن تدخلت، فلصالح المهاجمين. أخفوا وجوههم بمناديل الرقبة، وجاءوا على شكل مجموعات، وبدءوا بمداهمة البيوت، وتكسيرها، ونهب دكاكين العلويين. احترقت بالكامل ثلاثة بيوت وأربعة دكاكين وبقالية للدرسيميين. وعندما صعدت جماعتنا إلى الأسطح، وبدءوا بإطلاق النار، انسحبوا بالليل. ولكننا نعتقد أنهم سيعودون عندما يظهر الضوء. قال الأب لمولود صباحًا: «هيَّا، لنذهب نحن إلى المدينة!». قال مولود: «أنا سأبقى». «يا بُنَيَّ، صراع هؤلاء وقتلهم بعضهم بعضًا لا ينتهي، السياسة ذريعة، وهم لا يشبعون من الدم... علينا أن نبيع نحن بوظتنا ولبننا. أنت لا تتدخل نهائيًّا. ابتعد عن العلويين واليساريين وفرحات أيضًا؛ لكي لا نخسر بيتنا عندما يقتلعونهم من هنا، ويرمونهم». أعطى مولود وعد شرف بألا يعتّب خارج البيت. سيبقى ليحرس البيت، ولكنه لم يتوقف في البيت نهائيًّا بعد خروج والده. ملأ جيوبه ببذر القرع، وحمل سكينَ المطبخ الصغيرة، وهرع راكضًا نحو الحي العلوي مثل طفل يهرع إلى السينما. كانت الأزقة مزدحمة. رأى أناسًا يحملون هراوات، ويسيرون. ورأى فتيات يمضغن اللبان وهن عائدات من البقال حاملات الخبز في حضنهن، ونساء يفركن الغسيل في حدائق بيوتهن وكأن شيئًا لم يكن. المتدينون القادمون من قونية وغيراصون وطوقاط لا يقفون مع العلويين، ولكنهم لا يصطدمون بهم. قال ولدٌ لمولود الشارد: «أخي، لا تمر من هناك». وقال صديق الولد: «يمكن أن يطلقوا النار إلى هنا من تل التوت». حَسَبَ مولود الزاوية التي من الممكن أن يرخ منها الرصاص، وتجاوز الزقاق إلى الطرف الآخر بحركة سريعة كأنه يحتمي من مطر. تابع الولدان حركاته بجد، وضحكا بآن واحد. قال مولود: «ألم تذهبا إلى المدرسة؟». صرخ الولدان بسعادة: «المدرسة معطلة!». رأى امرأة تبكي أمام بيت محروق. أخرجت سلة من القصب وفراشًا رطبًا كما يوجد في بيته. في أثناء صعود مولود الطريق الشديد الانحدار، أوقفه شابان أحدهما طويل رفيع، والآخر مكور، ولكنه تمكن من العبور عندما قال شاب آخر إنه من تل الرماد. تحول الجزء العلوي من واجهة تل الرماد المطلة على تل التوت إلى جبهة. المتاريس المصنوعة من قطع الأسمنت المسلح، والأبواب الحديدية، وصفائح الزرع المليئة بالتراب، والحجارة، والطوب، والجدران ذات فتحات المراقبة تصطدم ببيت أحيانًا، وتكمل خطها من الطرف الآخر متشعبة. كانت جدران أولى البيوت المبنية في تل الرماد تُمرر الرصاص. ولكن مولودًا رأى أن الرصاص يُطلق من هذه البيوت إلى الطرف الآخر. كان الرصاص غالي الثمن؛ فلا يُطلق كثيرًا. تحدث فترات صمت طويلة، وفي فترات الهدنة المتبادلة هذه ينتقل مولود مثل الآخرين من منطقة في التل إلى أخرى. مولود وجد فرحات قريب الظهر في الأعلى، على سطح بناء من الأسمنت المسلح أنشئ حديثًا بجوار البرج الذي يحمل خط تغذية المدينة بالكهرباء. قال فرحات: «قريبًا تأتي الشرطة. ليست هناك إمكانية لانتصارنا. الفاشيون والشرطة مسلحون أكثر منا، وعددهم أكبر. والصحافة أيضًا إلى جانبهم». كان هذا رأي فرحات «الشخصي». عندما يكون هناك آخرون، يقول: «لن نسمح لأولاد العاهرات أن يدخلوا إلى هنا!»، وعلى الرغم من عدم وجود سلاح معه يتصرف كأنه سيطلق النار فورًا. قال فرحات: «غدًا لن تكتب الجرائد عن المجزرة التي ارتكبت في تل الرماد، بل ستكتب بأن تمرد المنظمة قد أخمد، وأحرق الشيوعيون أنفسهم، وانتحروا من أجل الإساءة فقط». قال مولود: «بما أن النهاية سيئة، لماذا نحارب؟». «هل نطأطئ، ونستسلم دون أن نفعل شيئًا؟». تشوش عقل مولود. رأى مولود أن سفوح تل التوت والرماد قد اكتظت بالبيوت والأزقة والجدران، وخلال الأعوام الثمانية التي قضاها في إسطنبول بُنَيَّ فوق كثير من الأكواخ طابق ثانٍ، وهُدِّم بعضها المبنيُّ بالطين، وأعيد بناؤه بالطوب، وحتى بالأسمنت المسلح، وطُليت البيوت والدكاكين، وغطت السفحين دعايات السجائر والكوكاكولا والصابون. وبعض تلك الدعايات تنير الليل. قال مولود ما بين الجد والمزاح: «لينزل رئيس اليساريين ورئيس اليمينيين إلى الساحة السفلية عند فرن فورال، ويتبارزا بشرف، ومن يغلب، يعتبر المنتصر بالحرب». ثمة جانب يبدو كأنه خارج من الحكايات القديمة في جدران الدفاع المتقابلة التي تشبه أبراج القلاع، وحراسة المقاتلين. «إذا حدث صراع كهذا، فمن تريد أنت أن ينتصر؟». قال مولود: «أؤيد الاشتراكيين، أنا ضد الرأسمالية». قال فرحات مبتسمًا: «ولكننا ألن نفتح دكانًا في المستقبل، ونصبح رأسماليين؟». قال مولود: «في الحقيقة أنني أحب حماية الشيوعيين للفقراء، ولكنهم لماذا لا يؤمنون بالله؟». عندما عادت المروحية الصفراء التي تجوب سماء تلّي التوت والرماد منذ العاشرة صباحًا، خيَّم الصمت على الجموع المتقابلة في التلين. العسكري الذي يضع سماعات في قمرة الطائرة الشفافة يرى الجميع من الأعلى، ويراقبهم. إرسال مروحية أثار الفخر بمولود وفرحات ككل من في التلين. مشهد تل الرماد من بعيد بجموع شبابه الذين يغطون وجوههم بمناديل الرقبة ويهتفون باتجاه المروحية، وأعلامه الحمراء ذات المطرقة والمنجل، ولافتاته البيضاء المشدودة بين البيوت، يشبه صور التمردات والإرهاب التي تنشرها الصحف. استمر إطلاق النار المتبادل طوال اليوم. لم يمت أحد، وأصيب عدة أشخاص فقط. قبل أن يظلم الجو بقليل، أعلنت الشرطة عبر مكبرات الصوت حظر التجول في التلين. فيما بعد، أعلنت أنها ستفتش عن السلاح في بيوت تل الرماد. بقي بعض الأبطال الذين يحملون السلاح في مواقعهم من أجل الاصطدام مع الشرطة، ولكن مولودًا وفرحات غير المسلحين عادا إلى بيتيهما. بعد أن باع الأب اللبن طوال اليوم دون مشكلة أو عثرة، وعاد مساء إلى البيت، فتح الباب له مولود. جلس الأب والابن، وتحادثا في أثناء تناول حساء العدس. قُطعت الكهرباء عن تل الرماد في ساعة متأخرة من الليل، ودخلت المصفحات بأضوائها الكاشفة القوية ببطء إلى الحي المظلم مثل عقارب كسولة. خلفها يركض شرطة مسلحون ويحملون الهراوات مثل الإنكشاريين الذين يتبعون عربات الحرب، وانخرطوا في الحي. تناهت إلى الأسماع أصوات إطلاق نار كثيفة لفترة، ثم غطى الصمت الموتر للأعصاب على كل شيء. في ساعة متأخرة من الظلام الدامس نظر مولود من النافذة، فرأى المخبرين المقنعين يشيرون إلى البيوت التي ستداهم. طرق البابَ صباحًا جنديان أنف كل منهما كالبطاطس، يبحثان عن السلاح. قال لهما والده بأن هذا بيت بائع لبن، ولا يهتم بالسياسة، ورحب بهما وهو ينحني باحترام، وأجلسهما إلى الطاولة، وقدم لهما الشاي. العسكريان أنفهما مثل البطاطس، ولكنهما غير قريبين: أحدهما من قيصري والآخر من طوقاط. جلسا نصف ساعة، وتحدثا حول إحراق هذه الأحداث الأخضر مع اليابس، وإمكانية صعود فريق كرة القدم لنادي قيصري إلى دوري الدرجة الأولى. وسألهما مصطفى أفندي كم شهرًا بقي لتسريحهما، وما إذا كان قائدهما طيبًا، أم يضرب بمناسبة أو دون مناسبة. في أثناء شربهما الشاي، جُمعت الأسلحة والكتب اليسارية والملصقات، واللافتات كلها من تل الرماد. وأوقف كثير من طلاب الجامعات والغاضبين الذين شاركوا بالأحداث. تعرض غالبية هذا الزحام الأرق للضرب في الحافلات، ثم للصعق بالكهرباء وفلقة طبقت بانتباه. عندما التأمت جروحهم، حُلق شعرهم، والتقطت صورهم مع الأسلحة والكتب والملصقات، ووُزعت على الصحف. واستمرت الدَعَاوَى القضائية المرفوعة ضدهم بطلب الإعدام والمؤبد سنوات. نام بعضهم عشرة أعوام، وبعضهم خمسة، وهرب واحد أو اثنان منهم، وحصل بعضهم على البراءة. فقد بعضهم بصرهم أو أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة التمردات والفوضى في السجن. أغلقت ثانوية أتاتورك للبنين أيضًا. وتأخر فتحها نتيجة قتل خمسة وثلاثين يساريًّا في الأول من أيار/مايو في ساحة تقسيم، وتوتُر الجو السياسي، وارتكاب جرائم سياسية في كل مكان من إسطنبول. ابتعد مولود عن الدروس أكثر. يبيع لبنًا إلى ساعات متأخرة في الأزقة المغطاة بالشعارات السياسية، ويسلّم غالبية ما يكسبه مساء لوالده. عندما فتحت المدرسة، لم يجد في نفسه رغبة للذهاب. لم يعد أكبر طلاب الصف فقط، بل أكبر الجالسين في الخلف أيضًا. عند توزيع النتائج المدرسية في حزيران من عام ١٩٧٧، وجد مولود أنه لم يُنْهِ الثانوية. أمضى الصيف مترددًا وخائفًا من الوحدة؛ لأن فرحات وعائلته مع بقية العائلات العلوية تغادر تل الرماد. خطط مع فرحات أن يعملا معًا بالبيع قبل الأحداث السياسية المندلعة في الشتاء، ولكن فرحات عاد إلى وسط أقربائه العلويين وهو يحضر للانتقال، ولم يعد متحمسًا. عاد مولود إلى القرية في أواسط تموز. قضى زمنًا طويلًا مع أمه، ولم يُصغِ لكلامها: «تعالَ لأزوجك!» لم يكن قد أنهى جنديته، وليس لديه نقود، والزواج يعني العودة إلى القرية. ذهب إلى الثانوية في نهاية الصيف قبل افتتاح المدارس. كان بناء المدرسة القديم خفيف الظلمة والبرودة صباح أحد أيام أيلول/ سبتمبر. قال للهيكل بأنه يريد أن يجمد قيده في المدرسة. أصبح الهيكل يحترم طالبه الذي أمضى معه ثمانية أعوام، فقال بحنان مستغرب: «لماذا تجمده؟ اضغط على نفسك سنة، وانهِ المدرسة. الجميع يساعدك، أنت أكبر طلاب ثانويتنا..». قال مولود: «سأذهب إلى دورات التحضير لدخول الجامعة في السنة القادمة. سأعمل هذه السنة لتدبر نقود مدرسة الدورات. وأُنهي الثانوية في السنة القادمة». فكر بهذا السيناريو وكلماته كلها في أثناء عودته بالقطار إلى إسطنبول. «هذا ممكن». قال الهيكل البيروقراطي المتحجر القلب: «ممكن، ولكنك ستبلغ الثانية والعشرين من عمرك. ولا يوجد في تاريخ الثانوية من تخرج فيها في الثانية والعشرين من عمره». رأى التعبير على وجه مولود. «خير إن شاء الله... سأجمد قيدك لسنة، ولكنك يجب أن تُحْضِر ورقة من مديرية صحة المحافظة». لم يسأل مولود عن طبيعة الورقة. مُذ كان في باحة المدرسة، شعر بقلبه أن هذه آخر مرة يأتي فيها إلى المدرسة التي دخلها أول مرة قبل ثمانية أعوام. كان عقله ينصحه بعدم التعلق برائحة حليب اليونسكو ومستودع الفحم الذي لم يعد يستخدم، ودورة مياه القبو التي كان يخشى في الإعدادية من النظر نحوها، وانضم إلى زحامها في الثانوية وهو يدخن السجائر. نزل الدرج دون أن ينظر إلى غرفة المدرسين والمكتبة. كان يقول لنفسه كلما أتى في المرات الأخيرة: «لن أنهيها أساسًا، فلماذا آتي؟». في أثناء مروره للمرة الأخيرة من جوار تمثال أتاتورك، قال لنفسه: «لو أردت بجد، لتخرجت». أخفى عن والده أنه لا يذهب إلى المدرسة. كان يخفي هذا عن نفسه أيضًا. حوّل رأيه الشخصي بموضوع الدراسة إلى رأي رسمي بينه وبين نفسه بعدم ذهابه إلى مديرية صحة إسطنبول؛ للحصول على التقرير اللازم للإبقاء على احتمال عودته إلى المدرسة. أحيانًا يؤمن بكل قلبه أنه وفَّر نقود مدرسة دورات امتحان الدخول إلى الجامعة. بعد أن يوصل اللبن لزبائنه الدائمين الذين يقلون باستمرار، يُودع الحمالة والميزان وصواني اللبن عند أحد معارفه أحيانًا، ويتجول في أزقة المدينة إلى حيث تقوده قدماه. كان يحب المدينة باعتبارها مكانًا يتحرك فيه العديد من الأشياء في آن واحد، ويتفرج عليها بمتعة. وأكثر الأشياء تكون في نواحي شيشلي وحربية وتقسيم وبيه أوغلو. يحب القفز إلى حافلة صباحًا، والذهاب إلى هذه الأحياء بقدر ما يستطيع دون قطع تذكرة ودون قبض التفتيش عليه، ثم الدخول بحرية إلى الأزقة التي لا يستطيع دخولها بحِمل اللبن، والضياع وسط ضجيج فوضى المدينة، والفرجة على الواجهات. يستمتع بالنظر إلى دمى العرض، والتنسيقات التي تعرض الأمهات بتنوراتهم الطويلة وأولادهن السعداء بالبزز الرسمية، وينظر إلى سيقان الدمى المقطوعة في واجهة محلات بيع الجوارب بدقة. يُسيطر عليه فجأة خيالٌ خطر له في تلك اللحظة، فيلاحق امرأة حنطية تسير على الرصيف المقابل مدة عشر دقائق، ثم يدخل إلى مطعم ظهر أمامه بقرار مفاجئ، ويعطي اسم أحد زملائه من الثانوية بشكل عشوائي، ويسأل عما إذا كان هناك. أحيانًا ما إن يدخل مولود حتى يوقفه صوت مشاكس: «لا نريد غسّال أطباق!»، عندما يعود إلى الشارع تخطر بباله للحظة ناريمان، ولكنه يتبع خيالًا آخر يخطر بباله في تلك اللحظة، فيذهب بالاتجاه العكسي تمامًا، ويسير إلى النواحي الخلفية من منطقة النفق، أو يمضي الوقت بدهليز سينما رؤيا وهو يشاهد ملصقات الأفلام وصورها على أمل إيجاد قريب فرحات البعيد الذي يعمل قاطع تذاكر هناك. كانت الطمأنينة والجمل التي تمنحه الحياة تظهر وهو يفكر بعوالم بعيدة عن حياته. في أثناء قطعه تذكرة، ومشاهدته فيلمًا، وحلمه، يتألّم بشكل خفيف في مكان ما من روحه بشعور الذنب. يشعر بالذنب لأنه ضيّع الوقت دون جدوى، وقد فوت كتابة حوارات الفيلم، وتعلقه بنساء جذابات وبعض التفاصيل الغريبة غير المهمة في الفيلم. عندما ينتصب عضوه في أثناء مشاهدته الفيلم لأسباب مفهومة أحيانًا، ودون سبب أحيانًا، ويبرز حدبته في مقعد السينما، وينطوي على نفسه، ويحسب بأنه سيستمني براحة إذا ما عاد إلى البيت قبل والده بساعتين. أحيانًا لا يدخل إلى السينما، ويذهب لرؤية موهيني الذي يعمل أجير حلاق في طرلاباشِ، أو يعرِّج على مقهى يرتاده العلويون والسائقون اليساريون، ويتبادل الحديث مع شاب هناك عرّفه عليه فرحات، ويجد نفسه يتابع لاعبي دومينو على طاولة، وفي أثناء ذلك ينظر بطرف عينه إلى التلفاز. يدرك أن حياته ليست على جادة الصواب بسبب قتله الوقت، وعدم عمله شيئًا، أو عدم دوامه على المدرسة، ولكن هذه الحقيقة تؤلمه بشدة بحيث يجد سلوانه بخيالات أخرى: يمكنه الدخول بعمل جديد شراكة مع فرحات، ويتخيل بداية بائعًا جوالًا بطراز مختلف (عربة توضع فيها صواني اللبن، وتسير بالدفع، ويقرع جرسها مع حركتها)، أو محل بيع سجائر في دكان كالدكان الفارغ الذي رآه قبل قليل، أو يمكن أن يفتح بقالية في دكان بائع القمصان وتنشية الياقات الذي لا يعمل نهائيًّا... سيكسب في المستقبل نقودًا بشكل يدهش الجميع. وهو يرى بعينه أن النقود التي يكسبها من بيع اللبن تقلُّ تدريجيًّا، وبدأت العائلات تعتاد على شراء اللبن بأوعية زجاجية، ووضعه على موائدها. قالت له عجوز طيبة القلب: «والله نحن نشتري لبن القرية من أجل أن نراك يا بُنَيَّ». لم يعد أحد يسأل مولودًا متى يُنهي الثانوية. مصطفى أفندي. لو بقي الأمر في حدود ظهور اللبن بالزبادي الزجاجية في مطلع الستينيات لكان سهلًا. كانت زبادي اللبن الأولى فخارية سميكة ثقيلة، وتأمينها كبيرًا، وإذا ما تشققت أو كسر جزء من أحد أطرافها، فلا يعيد البقال نقودها. يمكن لسيدة المنزل أن تستخدم زبدية اللبن الزجاجية لكثير من الأغراض: لطعام القط، منفضة سجائر، لحفظ زيت القلي المستعمل، طاس حمام، أو حمالة صابون. يستخدمونها بكل أعمال البيت والمطبخ القذرة، وعندما يخطر ببالهم، يعيدونها للبقال، ويسترجعون نقودها. وهكذا تذهب أوعية زبالة الناس، ورِيالِ الكلاب إلى ورشة في كاغتهانة، ويمرر عليها ماء بالخرطوم، ثم توضع على مائدة عائلة إسطنبولية جميلة وسعيدة أخرى باعتبار لبنها الأنظف والأسلم. إذا أعطاني زبون واحدة من تلك الزبادي لأضعها في الميزان، وأملؤها باللبن، بدلًا من الصحن النظيف، فلا أضبط نفسي، وأبدأ الحديث: «بشرفي لا أقول هذا من أجلي، ولكن هناك من يستخدم هذه الزبادي كمبولة في مستشفى تشبا، وأوعية بلغم للمسلولين في مصحة جزيرة هيبلي..». فيما بعد، أنزلوا إلى السوق زبادي زجاجية خفيفة ورخيصة. لا يقبض البقال رهن إعادتها، تغسل الزبدية، فتصبح كأسًا، وهي هدية لربة المنزل. هذا ما قالوه. بالطبع، أدخلوا سعرها بسعر اللبن. بفضل أكتافنا، كنا ننافس هذه بلبن سيلفري الجيد، ولكن الشركات هذه المرة ألصقت لصيقة ملونة عليها رسم بقرة، وكتبت بأحرف كبيرة ماركة اللبن، وبدأت تبث إعلاناتها بالتلفاز. ثم بدأت شاحنات فورد للبن تدخل الأزقة المتعرجة، وتجوب على البقاليات، وتأخذ لقمتنا. الحمد لله أننا نبيع بوظة ليلًا، ومازلنا نؤمِّن حياتنا. لو خفف مولود من تسكعه، واشتغل قليلًا، وأعطى النقود التي يكسبها كلها لأبيه، فسنأخذ قليلًا من النقود إلى القرية من أجل الشتاء. ١٢ زواج فتاة من القرية ابنتي ليست للبيع قورقوط. بعد معركة السَّنَة الماضية وحرائقها، غادر أكثر العلويين الحي خلال ستة أشهر. ذهب بعضهم إلى تلال أخرى مثل تل السهم، وخرج بعضهم الآخر خارج المدينة، إلى حي غازي. اللهم سهّل لهم. إن شاء الله لا يُتعبون شرطة دولتنا ودركها. إذا كان ثمة طريق دولي حديث بستة مضامير يتوجه نحو خم دجاجك وكوخك الذي لا سند تمليك له، وتواجهه بقول: «الطريق الوحيد هو الثورة» فأنت تخدع نفسك. عندما انسحب العلويون، وخرجوا من هنا، ارتفعت فجأة أسعار أوراق المخاتير. وبرز حاذقون وأعضاء عصابات مسلحة يريدون تسييج مقاسم جديدة. الذين لا يمدون أيديهم إلى جيوبهم عندما يقول حميد فورال المسن: «لنشترِ سجادًا جديدًا للجامع»، والذين يروجون من ورائه شائعات: «طفّش علويي بينغول وإلاظغ، ووضع يده على مقاسمهم، فليدفع هو!». جمعوا مقاسمهم وأوراقها فورًا بحسب مخطط الإعمار الجديد. وهكذا دخل السيد حميد بأعمال بناء جديدة في تل الرماد. فتح مخبزًا جديدًا في تل البيدر، ولم يتردد أبدًا بفتح مهجع بتلفاز ومسجد وصالة كاراتيه للعمال العزَّاب الجدد الذين جلبهم من القرية. بعد عودتي من الجندية، أصبحت مشرفًا على هذا المهجع، ومديرَ دكان مواد البناء. أيام السبت كان الحاج حميد بيك يتناول الأرز باللحم واللبن الرائب والسلطة في مطعم المهجع مع الشباب القوميين العزَّاب هؤلاء. وبهذه المناسبة أريد أن أشكره لأنه ساعدني بسخاء بزواجي. عبد الرحمن أفندي. بذلت جهدًا كبيرًا من أجل إيجاد شاب مناسب لابنتي الكبرى وديعة. بالطبع، الأنسب أن تقوم بهذا العمل النساء في الغسيل والحمام والسوق والاستقبال، ولكن الأمر وقع على عاتق محسوبكم لعدم وجود أم وخالة وعمة لبناتي اليتيمات. الذين عرفوا أنني ركبت الحافلات، وذهبت إلى إسطنبول من أجل هذا العمل فقط، بدءوا يقولون إنني أدور على عريس غني لوديعتي الجميلة، وإنني سأضع مئكالها(*) بجيبي، وأصرفه على المشروب. سبب غيرتهم من معاق مثلي وتشييع الشائعات، هو كوني رجلًا تمكن من إسعاد بناته على الرغم من اعوجاج رقبته، واستمتع بحياته، وعرف كيف يثمل. الذين يقولون إنني كنت أشرب كثيرًا، ثم أضرب زوجتي، وأذهب إلى إسطنبول لأنفق نقودي على النساء في بيه أوغلو هم كذابون. ذهبت في إسطنبول إلى المقاهي التي يرتادها اللبانون، والتقيت بأصدقائي القدامى الذين مازالوا يبيعون اللبن صباحًا، والبوظة مساء. لا يمكن للإنسان أن يقول: «أبحثُ عن عريس لابنتي!»، يسأل عن الأحوال بداية، وإذا ترتب لقاء في خمارة مساء بعد قليل من الصحبة، فإن الكلام يجر الكلام، والزجاجة تجر الزجاجة، ويفتح حديث المشروب. ويمكن أن أكون قد أخرجت صورة ابنتي وديعة التي التقطها لها «محل بلوّر للتصوير» في آقشهير في أثناء امتداحها تحت تأثير السكر في أثناء الحديث. العم حسن. أُخرجُ صورة الفتاة الغمشدروية من جيبي أحيانًا، وأنظر إليها. إنها فتاة جميلة. أريتها لصفية في المطبخ ذات يوم، قلت: «ما رأيك يا صفية؟ هل تناسب هذه الفتاة قورقوط؟ إنها ابنة عبد الرحمن الرقبة العوجاء. جاء والدها إلى إسطنبول، وزارني في بقاليتي. جلسنا قليلًا. كان رجلًا نشيطًا في القديم، ولكنه ليس قويًّا؛ فقد سُحق تحت مزراق اللبن، وعاد إلى القرية. من الواضح أنه أفلس الآن. عبد الرحمن أفندي واحد ماكر جدًّا». الخالة صفية. يكدح ابني قورقوط في ورش البناء والمهجع والسيارة وقيادتها، والكاراتيه، ونرغب كثيرًا بتزويجه، ولكنه ما شاء الله حادٌّ جدًّا، ومغرور. عندما أقول له: «لأذهب إلى القرية، وأبحث لك عن فتاة»، يرد عليَّ: «لا، أنا أجد واحدة في المدينة». أقول له: «جدْ لنفسك فتاة لتتزوجها»، فيقول لي: «أريد فتاة نظيفة، ومطيعة، وهذه غير موجودة في المدينة». وهكذا، دسست صورة ابنة عبد الرحمن الرقبة العوجاء في زاوية المذياع. عندما يعود قورقوط إلى البيت، لا يرفع عينه عن التلفاز من التعب، ولا يسمع من المذياع سوى سباق الخيل. قورقوط. لا أحد يعرف أنني أراهن على سباق الخيل بمن في ذلك أمي. أنا لا أراهن من أجل المقامرة، بل من أجل المتعة. ذات ليلة أضفنا غرفة إلى البيت قبل أربع سنوات. أجلسُ هناك وحدي، وأستمع لبث سباق الخيل المباشر من المذياع. في أثناء النظر إلى السقف هذه المرة، كأن ضوءًا نزل إلى طرف المذياع، وشعرت بأن تلك الفتاة تنظر إليَّ، وأن تلك النظرة ستكون دائمًا سلواني في الحياة. امتلأ قلبي بمشاعر الطيب. فيما بعد، سألت أمي في أثناء الحديث: «أمي، من هي صاحبة الصورة التي بطرف المذياع؟»، قالت: «من عندنا، من قرية غُمشدرة. أليست مثل الملاك؟ هل آخذها لك؟»، قلت: «أنا لا أريد فتاة قروية. ثم إن الفتاة التي تُوزع صورها هنا وهناك لا تصلح لي نهائيًّا». قالت أمي: «الأمر ليس على هذا النحو نهائيًّا. والدها «الرقبة العوجاء» لا يُرِي صورتها لأحد. إنه يغير على البنت؛ لهذا يطرد خُطابها. بصعوبة أخذ والدك منه صورة هذه الفتاة الخجولة لأنه يعرفها». صدّقت هذه الكذبة. لعلكم تضحكون لسهولة خداعي إلى هذا الدرجة؛ لمعرفتكم أنها كذبة بالتأكيد. لأخبركم بهذا إذًا: الساخرون من كل شيء لا يمكن أن يعشقوا حقيقة، ولا أنْ يؤمنوا بالله حقيقة؛ لأنهم مغرورون. مع أن العشق وحب الله هما شعور إلهي لا يُبقي شغفًا للإنسان إلا بفتاة. عرفت أن اسمها وديعة. قلت لأمي بعد أسبوع: «أنا لا أستطيع نسيان هذه الفتاة، لأذهب إلى القرية، وأكلم والدها قبل أن أراها بالسر. عبد الرحمن أفندي. مرشح الصهر ولد عصبي. أخذني إلى الخمارة. لم أقل هذه ابنتي وحرمتي؛ لأن هؤلاء لا يفهمون، وصلت أيديهم بعض النقود في إسطنبول؛ فأصيبوا بالشطط. جَرَحَ كرامتي باعتقاده أنه يستطيع الحصول على ابنتي بنقوده؛ لأنه من المحرومين الذين صار معهم وهو مداهن عند الحاج حميد بيك الريزوي، ويقود سيارة فورد، وصلت يده بعض النقود. قلت له عدة مرات: «ابنتي ليست للبيع!». سمعونا من الطاولة المجاورة؛ فقطبوا حواجبهم، ونظروا، ثم ابتسموا كأن الموضوع مزاح. وديعة. عمري ست عشرة سنة. لم أعد طفلة، وأعرف مثل الجميع أن والدي يريد أن يزوجني، ولكنني أتظاهر بعدم المعرفة. أحيانًا أرى في أحلامي رجلًا سيئًا يلاحقني بنيّة سيئة... أنهيت ابتدائية غُمشدرة قبل ثلاث سنوات. لو ذهبت إلى إسطنبول، لأنهيت المتوسطة، ولكن لا توجد في قريتنا بعد فتاة أنهت المتوسطة أو الثانوية. سميحة. أنا في الصف الأخير من الابتدائية، وعمري اثنتا عشرة سنة. أحيانًا تأتي أختي وديعة إلى المدرسة، وتصطحبني. عند عودتنا إلى البيت ذات يوم، تبعنا رجل. في أثناء مسيرنا دون أن نتكلم، التفتُّ إلى الخلف، ونظرت مثل أختي. بدلًا من الذهاب إلى البيت، اتجهنا باتجاه البقال، ولكننا لم ندخل. وصلنا إلى البيت متأخرتين من ذلك الزقاق المظلم، وأمام بيت الأعور، وتحت شجرة البلوط البردانة في الحي الخلفي. والرجل بقي خلفنا. لم تضحك أختي نهائيًّا. قلت في أثناء دخولي إلى البيت بغضب: «واحد مخبول! الرجال مخبولون!». رائحة. أنا في الثالثة عشرة من عمري، وأنهيت المدرسة الابتدائية في السنة الماضية. هناك كثيرون يخطبون وديعة. وطالبها هذه المرة من إسطنبول. هذا ما يقولونه، ولكنه في الحقيقة ابن لبّان من جنتبنار. وديعة يطير عقلها بالذهاب إلى إسطنبول، ولكنني لم أكن أريدها أن تُعجب بالرجل، وتتزوج، وتذهب إلى إسطنبول. عندما تتزوج وديعة، سيأتي دوري. أمامي ثلاث سنوات، ولكنهم لن يركضوا خلفي هكذا عندما أصبح بعمر وديعة، وماذا سيحدث إن ركضوا؟ فأنا لا أريد أحدًا منهم. يقولون لي: «ما أذكاكِ يا رائحة». رأيت مع والدي الرقبة العوجاء من النافذة مجيء وديعة وسميحة. قورقوط. راقبت عودة حبيبة روحي من المدرسة مع أختها بمتعة. امتلأ قلبي بعشق أعمق بكثير من لقائنا الأول بالصورة. كان طولها وقوامها وذراعاها متناسقة، وشكرت الله تعالى. فهمت أنني سأكون تعيسًا إذا لم أتزوجها. أفكر بأن الرقبة العوجاء سيساومني مساء، ويخرج روحي من أنفي، فأتوتر. عبد الرحمن أفندي. التقيت بمرشح الصهر مرة أخرى في بيه شهير. لم أقل له: من يعشق، فلا يساوم. ذهبتُ إلى المطعم وأنا أرتجف لأن نصيب وديعة وابنتيَّ الأخريين بيدي، وجلست، وقبل أن أشرب الكأس الأولى، كررت مرة أخرى: عدم المؤاخذة يا شاب، أفهمك تمامًا، ولكن «ابنتي ليست للبيع نهائيًّا». قورقوط. قبل أن ينهي عبد الرحمن أفندي كأسه الأولى، عَدَّدَ طلباته. ولو بذلنا جهدنا جميعًا؛ أنا وأبي وسليمان، واستدنا، وبعنا بيتنا في تل التوت، والمقسم الذي في تل الرماد، لما استطعنا تلبيتها. سليمان. في إسطنبول، قرر أخي أن نقود الحاج حميد بيك وقوّته يمكن أن تكون حلًّا لعشقه، ونظمنا له عرض كاراتيه في أول زيارة له إلى المهجع. وقاتل العمال الحليقيون الذين يرتدون ألبسة موحدة بشكل جيد. أجلسنا حميد بيك ـ أخي وأنا ـ على جانبيه في الطعام كما يفعل دائمًا. عندما أنظر إلى لحية هذا الرجل المنورة وقد حج مرتين، وعنده كل هذه الأراضي والأملاك، ومؤسس جامعنا، أشعر بأنني محظوظ بقربي منه إلى هذه الدرجة. أما هو فقد كان يعاملنا كأولاده. سأل عن والدنا (سأل مستخدمًا اسمه مجردًا: «لماذا حسن غير موجود؟»). وسأل عن وضع البيت، والغرفة التي بنيناها مؤخرًا، ونصف الطابق الذي أضفناه مع درجه الذي بنيناه من الخارج، وحتى عن مكان المقسم الذي سيّجه والدي والعم مصطفى، وحصلا على ورقته من المختار معًا. في الحقيقة أنه يتابع أمكنة تلك المقاسم، ويعرف جار كل واحد منها، وأصحاب المقاسم التي على زواياه، والبيوت المنجزة، وغير المنجزة هناك، وأيًّا منها هناك خلاف بين شركائه، ومن بنى هذا العام دكانًا أو بناءً حتى جدرانه ومداخنه، ويعرف إلى أين يصل خط الكهرباء، ومن أين يأتي خط الماء، ومن أي تل إلى أي زقاق يصل، ومن أين سيمر الطريق المحلق. الحاج حميد فورال. عندما سألته: «يا شاب، سمعت أنك وقعت بالعشق المستحيل، وتتألم كثيرًا، هل هذا صحيح؟» هرب بعينيه خجلًا: لم يكن خجلًا بسبب عشقه المتعلق به كثيرًا، بل لأن أصدقاءه عرفوا بشغفه، ولم يستطع حل المشكلة وحده. التفتُّ إلى أخيه البدين. قلت: «سنجد حلًّا لمشكلة قلب أخيك إن شاء الله. ولكنه أخطأ، فلا تخطئ أنت. ما اسمك أنت؟ يا بني سليمان، إذا أردت أن تحب فتاة بكل روحك مثل أخيك... فعليك أن تحبها بعد الزواج. إذا كنت مستعجلًا، فبعد الخطبة، لم يكن هذا، بعد قراءة فاتحتها... على الأقل بعد تحديد مبلغ المئكال. ولكنك إذا عشقت، ثم جلست مع والدها لتساومه، فسيطلب منك الأب الماكر الدنيا وما فيها. هناك نوعان من العشق في عالمنا. الأول، عشق واحدة دون أن تعرفها نهائيًّا. وأكثرهم لو عرف أحدهما الآخر قليلًا قبل الزواج لما أحبا بعضهما بعضًا قط. لهذا السبب لم يجد سيدنا الرسول التقارب قبل الزواج مناسبًا. وهناك من يعشق بعد الزواج وتأسيس حياة مشتركة، وهذا نتيجة الزواج دون معرفة». سليمان. قلت: «أنا لا أستطيع أن أعشق فتاة لا أعرفها يا سيدي». سأل الحاج المنور الوجه: «هل قلت فتاة تعرفها، أم لا تعرفها؟»، وأضاف: «في الحقيقة أن أفضل عشق، هو عشق من لا تراها أبدًا، وليس من لا تعرفها فقط. العميان عشاق جيدون على سبيل المثال». وأطلق حميد بيك قهقهة. شارك العمال بالقهقهة دون أن يفهموا. عند مغادرة الحاج حميد بيك، قبّلنا ـ أخي وأنا ـ يده المباركة. عندما بقينا على انفراد، نزل أخي بلكمة قوية على كتفي، وقال: «ولاه، سنرى كيف تتعرف على فتاة في المدينة، وتتزوجها». (*) ليس للكلمة التركية المستخدمة هنا «başlık parası» مقابل عربي فصيح، وقد استخدمتُ كلمة «مئكال» العامية من البادية السورية، وهي مشتقة من مصدر «أكل» وتعني ما يؤكل، ودرجت المعاجم على ترجمة هذه الكلمة إلى «مهر»، وفي الحقيقة أن الأمر لا يمت إلى المهر بصلة، وهو المبلغ الذي يدفعه العريس لأهل العروس «ليأكلوه»، ولا تقبض منه العروس شيئاً كالمهر.... م. ١٣ شارب مولود صاحب مقسم دون سند تمليك عرف مولود بأن قورقوط على وشك أن يتزوج فتاة من قرية غمشدرة المجاورة بوقت متأخر في أثناء قراءته رسالة وصلت من أخته الكبرى إلى والده في إسطنبول في شهر أيار/مايو ١٩٧٨. أخته الكبرى تكتب رسائل لوالدها على مدى خمس عشرة سنة بشكل منتظم، وأحيانًا عندما يخطر ببالها. قرأ مولود رسالتها لوالده بدقة وبصوت جدي كما لو أنه يقرأ جريدة. عندما عرفا بأن سبب زيارة قورقوط هي فتاة من غمشدرة، شعرا بغيرة شديدة، وحتى غضبا. لماذا لم يخبرهما قورقوط نهائيًّا؟ عندما ذهب الأب وابنه بعد يومين إلى تل التوت، وعرفا من آل آقطاش الجوانب الأخرى للقصة، فكر مولود بأنه لو كان له رب عمل أو راعٍ قوي مثل الحاج حميد فورال، لكانت حياته في إسطنبول أسهل بكثير. مصطفى أفندي. ما إن مر أسبوعان على ذهابنا إلى آل آقطاش، ومعرفتنا بأن قورقوط سيتزوج بدعم من الحاج حميد فورال، وبينما كنت أتحدث مع أخي في دكانه من هنا وهناك، اتخذ موقف الجد، وشرح لي بأن المحلق سيمر من تل الرماد، وأن المسّاحين لن يمروا على تلك الجهة من التل، ولو مروا بعد الآن، فإنه ليس بيدهم سوى تأشير تلك المقاسم للطريق مهما دفعت لهم من رشوة، وأن الدولة ستمرر من هناك طريقًا بثلاث حارات للذهاب، وثلاث حارات للإياب، وأصحاب تلك البيوت التي سيمر منها الطريق لن يحصلوا على سندات تمليك، ولن تدفع لهم الدولة قرشًا واحدًا بدل استملاك. قال: «وجدت أن مقسمنا الذي في تل الرماد سيذهب مجانًا، فبعته للحاج حميد فورال الذي يجمع أوراق المختار لذلك السفح. الله يرضى عليه، إنه رجل كريم دفع مبلغًا جيدًا». «ماذا؟ تبيع مقسمي دون أن تسـألني؟». «إنه ليس مقسمك وحدك يا مصطفى. إنه مقسمنا كليْنا. أنا كنتُ أسيجه، وأنت ساعدتني. والمختار فعل الصواب، وفي أثناء تأريخه وتوقيعه، كتب اسمينا كما فعل في بقية الأوراق، وأعطاني الورقة لي. وأنت لم تعترض على إعطائها لي. ولكن تلك الورقة لن يبقى لها أي قيمة خلال سنة. دعك من بناء كوخ جديد، لن يستطيع أحد وضع حجر في ذلك السفح؛ لأن التي فيه ستهدم. ولا أحد يدق فيه مسمارًا». «بكم بعته؟». حين قال: «اهدأ قليلًا. لا تكلم أخاك الكبير صراخًا...»، دخلت امرأة إلى الدكان، وطلبت أرزًا. وبينما كان حسن يضرب المغرفة البلاستيكية بشوال الرز، ويملأ الكيس الورقي، رميت نفسي إلى الخارج. عدت إلى البيت. يمكن للإنسان أن يكون قاتلًا. ليس لديَّ في هذه الدنيا سوى نصف ذلك المقسم، وهذا الكوخ! لم أقل لأحد، حتى لمولود. في اليوم التالي ذهبتُ إلى البقالية ثانية. كان حسن يطوي الجرائد القديمة، ويصنع منها أكياسًا. «بكم بعته؟»، لم يقل. لم أكن أستطيع النوم في الليل. ذات صباح بعد أسبوع كانت البقالية فارغة. فجأة قال: بكم باع المقسم؟ ماذا؟ قال إنه سيعطيني النصف. كان المبلغ قليلًا إلى درجة أنني لم أستطع سوى قول: «أنا لا أقبل بهذا المبلغ». قال أخي حسن: «أصلًا ليس معي هذا المبلغ، ألن نزوّج قورقوط إن شاء الله؟»، «كيف؟ أي أنك تزوج ابنك بثمن مقسمي؟»، قال: «قورقوط المسكين وقع بالعشق، حكينا لك! لا تغضب، سيأتي الدور على ابنك. لدى ابنة الرقبة العوجاء أختان. لنزوج مولودًا واحدة منهما. ماذا سيحل بمولود؟»، قلت: «أنت لا تتدخل بمولود نهائيًّا. إنه سينهي الثانوية، ويذهب إلى الجندية. ثم لو كانت الفتاة مناسبة لأخذتها لسليمان فورًا». عرف مولود من سليمان بأن المقسم الذي لا سند له، وقد سيّجه والده وعمه قد بيع. بالنسبة إلى سليمان، لا يمكن عمل شيء لأنه «صاحب مقسم دون سند تمليك». من غير الممكن إيقاف طريق الدولة المؤلف من ست حارات بورقة أخذت من المختار قبل سنوات طويلة لعدم وجود بيت أو شجرة مزروعة فيه. عندما عرف مولود بالأمر من والده، تظاهر بأنه لأول مرة يسمع به. يشارك والده بالغضب، ويغضب لبيع آل آقطاش ورقة المقسم دون أن يسألوه. وعندما يُضاف إلى هذا أنهم أغنى وأنجح في إسطنبول، يشعر بأنه تعرض شخصيًّا للظلم، ويغضب. ولكنه يدرك بأنه لا يستطيع أن يمحو عمه وابنيْه، ويرميهم، وأنه سيبقى وحيدًا تمامًا في المدينة من دونهم. قال والده: «اسمع، إذا ذهبت إلى بيت عملك مرة أخرى دون إذني، وقابلت قورقوط وسليمان، فاعتبرني مت. مفهوم؟». قال مولود: «مفهوم، أقسم على هذا». بعد فترة قصيرة ندم على اليمين الذي أقسمه لأنه بقي وحيدًا دون بيت عمه وصداقة سليمان. لم يعد هناك أيضًا فرحات الذي أنهى الثانوية في السنة الماضية، وانتقل مع عائلته من تل الرماد. بعد عودة والده إلى القرية، جاب فترة على مشارب الشاي والحدائق التي تقصدها العائلات مع أولادها حاملًا صندوق «النصيب»، ولكن النقود التي يكسبها بالكاد تكفيه، ولا يجمع ربع المبلغ الذي كان يكسبه مع فرحات بالعمل نفسه. في مطلع تموز/يولية ١٩٧٨، عاد مولود إلى القرية بالحافلة. كان سعيدًا في الأيام الأولى مع أمه وأختيه ووالده. ولكن القرية كلها تتحضر لعرس قورقوط؛ وهذا ما كان يوتره. سار مع صديقه القديم الكلب العجوز كامل نحو التلال. تذكر رائحة العشب الجاف تحت أشعة الشمس، وأشجار البلوط، والمياه الجارية من وسط أشجار السنديان. ولكنه لم يستطع بأي شكل أن ينزع من داخله شعور تفويته أحداثًا ما في إسطنبول، وفرصة كسبه نقودًا تجعله غنيًّا. بعد ظهر أحد الأيام، أخذ قطعتين نقديتين ورقيتين كان قد خبأهما في زاوية شجرة الدلب التي في الحديقة. قال لأمه إنه ذاهب إلى إسطنبول. لم يبالِ بقول أمه: «لئلا تُغضب والدك!»، قال: «لديَّ عمل كثير!». نجح بركوب الحافلة الصغيرة القادمة من بيه شهير دون أن يراه والده. في أثناء انتظاره حافلة إسطنبول في البلدة، تناول باذنجانًا باللحم المفروم من دكان الطبخ المقابل لجامع أشرف أوغلو. في حافلة إسطنبول شعر ليلًا بأنه مالك حياته وقدره الوحيد، وأنه رجل وحيد، وفكر بالإمكانات غير المحدودة للحياة التي أمامه، وانفعل. عندما عاد إلى إسطنبول، وجد أنه فقد عددًا من الزبائن خلال هذا الشهر. قديمًا لم يكن هذا يحدث. نعم، بعض العائلات تسدل ستائرها، وتختفي، وبعضها تذهب إلى المصايف (كان هناك لبّانون يلحقون زبائنهم إلى أحياء المصايف والجزر وإران كوي وسعادية)، ولكن البيع لم يكن ينخفض إلى هذه الدرجة؛ لأن الأكشاك تشتري اللبن من أجل بيعه رائبًا في الصيف. صيف عام ١٩٧٨، أدرك مولود أن بيع اللبن في الأزقة ليس أمامه أكثر من عدة سنوات. أصبح قليلًا ما يرى لبانين مجتهدين بمريلات من جيل والده، ولبانين شبابًا طموحين يبحثون عن أعمال أخرى مثله. ولكن صعوبة بيع اللبن لم تجعل مولودًا غضوبًا ومشاكسًا كوالده. لم يفقد تعبير وجهه الباسم الذي يجعل زبونه يفتح له قلبه حتى في الأيام التي يكون فيها وحيدًا ومتشائمًا. فور رؤية العجائز وزوجات البوابين، وجه مولود الباسم في مداخل الأبنية التي يكتب عليها «ممنوع دخول الباعة»، والعجائز الشمطاوات اللواتي يستمتعن بالقول: «ممنوع صعود الباعة بالمصعد»، يسعدن بالشرح له كيف يفتح باب المصعد، وعلى أي زر يجب أن يضغط. كان يرى كثيرًا من الخادمات وبنات البوابين عند أبواب المطابخ أو فسحات الدرج أو مداخل البناء، ينظرن إليه بإعجاب، ولكنه لم يكن يعرف كيف يكلمهن. كان يخفي جهله هذا حتى عن نفسه برغبته «أن يكون مؤدبًا». رأى في الأفلام الأجنبية أقرانه يحدثون الفتيات براحة شديدة، وأراد أن يكون مثلهم. ولكنه لم يكن يحب كثيرًا الأفلام الأجنبية التي لا يعرف أيها جيد وأيها عاطل. في أثناء استمنائه كان يتخيل على الأغلب الفتيات اللواتي يراهن في الأفلام الأجنبية والمجلات المحلية. في أثناء تدفئة شمس الصباح فراشه وجسمه شبه العاري، كان يحب أن يمرر من ذاكرته تلك الأحلام، ويستمني بشغف شديد. كان يستمتع بالبقاء وحده. وهو سيد نفسه وإن كان حتى موعد مجيء والده. غيّر مكان الطاولة العرجاء من إحدى قوائمها، وصعد إلى الكرسي، وعدّل الستارة المتدلية زاويتها، ورتّب أدوات المطبخ التي لا يستخدمها في خزانة المواعين. وكنس ومسح أكثر بكثير مما يفعل عندما يكون مع والده. ولكنه لم يستطع أن ينزع من داخله الشعور بأن هذا البيت أقذر وأبشع رائحة من أي وقت مضى. إنه يحب وحدته، ورائحته ـ الرائحة البشعة ـ ويشعر بأن ما يدفع والده إلى الوحدة والمشاكسة موجود في دمه. أصبح في الحادية والعشرين من عمره. عرّج على مقاهي تل الرماد والتوت. ذهب صباحًا على مدى عدة أيام إلى سوق العمال برغبة أن يلتقي بعض الوجوه المألوفة من أقرانه في الحي، والشباب الذين يتسكعون في المقاهي وهم ينظرون إلى التلفاز. كان يُعقد سوق للعمال صباح كل يوم في أحد المقاسم الفارغة عند مدخل مجيدية كوي. يأتي إلى هنا عادة عمال غير مختصين أتوا من القرية، واشتغلوا فترة في ورشة، ثم طُردوا لكي لا يسجلهم رب العمل في التأمين، ويعملون أي عمل متاح، ويلجئون إلى أحد بيوت أقربائهم في إحدى التلال. الشباب الذين يخجلون لأنهم عاطلون عن العمل، والمشاكسون والفاشلون الذين لم يتمكنوا من التعلق بعمل منتظم، يأتون صباحًا إلى هذا المقسم، وفيما يدخنون السجائر، ينتظرون أرباب العمل الذين يأتون من كل مكان من المدينة بشاحنات صغيرة. هناك بين الشباب المتسكعين في المقاهي من يذهب إلى أمكنة بعيدة من المدينة بعمل ليوم واحد، ويكسب من هذا العمل نقودًا، ويباهي بكسبه هذا، ولكن مولودًا كان يجمع بنصف يوم من بيع اللبن ما يكسبه أولئك في يوم كامل. في نهاية أحد أيام شعوره بالوحدة واليأس، ترك مزراقه وصوانيه وأدواته في مطعم، وذهب ليبحث عن فرحات. وصل إلى حي غازي عثمان باشا على حدود المدينة بعد رحلة مدتها ساعتان بحافلة بلدية حمراء يتكدس الناس فيها كالسمك. نظر إلى البرادات التي يستخدمها البقالون كواجهات لمحلاتهم من باب الفضول، فرأى أن شركات اللبن قد سيطرت على هذه الأمكنة أيضًا. أما في الأزقة الخلفية، فقد كان في أحد البرادات الواجهات لبنًا بالصواني يباع بالميزان. عندما وصل إلى حي غازي خارج المدينة، كان الجو قد بدأ يظلم. سار في الحي الذي هو عبارة عن سفح شديد الانحدار إلى الطرف الآخر حيث الجامع. الغابة التي خلف التل هي نوع من حدود إسطنبول الخضراء والطبيعية، ولكن الواضح أن المهاجرين إلى المدينة ينهشون أرض الغابة من هنا وهناك، ويقرضونها على الرغم من تسييجها بالأسلاك الشائكة. وجد مولود الحي المغطاة جدرانه بالشعارات الثورية والرسوم ذات المطارق والمناجل أفقر من تل الرماد والتوت. جاب الأزقة كسكران ولكنه خائف من مجهول، وعرج على المقاهي الأكثر ازدحامًا على أمل أن يقابل أحد الوجوه المألوفة من العلويين المطرودين من تل الرماد. ولكنه على الرغم من السؤال عنه باسمه، لم يستطع أخذ خبر عن فرحات، ولا صادف أحدًا من معارفه. بعد أن أظلم الجو تمامًا، ملأ حي غازي الذي لا توجد فيه حتى مصابيح شارع أشد أسًى من أسى قرى الأناضول النائية. استمنى حتى الصباح في البيت. يفعلها مرة، وبعد أن يُفرغ، ويرتاح، يخجل، ويقول لنفسه بخجل إنه لن يفعلها ثانية. ويقسم على هذا بينه وبين نفسه. بعد فترة يخشى من عدم الالتزام بقسمه، وارتكاب المحرم. أفضل طريق لفعل هذا هو الاستمناء بسرعة، ونسيان هذه العادة السيئة إلى آخر حياته. وهكذا يستمني للمرة الأخيرة في الساعتين الأخيرتين. أحيانًا يدفعه عقله للتفكير بأشياء لا يريد أن يفكر فيها نهائيًّا. يناقش وجود الله، أو يتذكر أقل الكلمات أدبًا، أو يرى أنه يتفتت إلى أجزاء أمام عينيه كما يجري في أفلام السينما كلها. هل يفكر هو بهذا؟ كان يحلق ذقنه مرة بالأسبوع؛ لأنه لا يذهب إلى المدرسة. يشعر بأن الظلام الذي في داخله يتحين كل فرصة من أجل الخروج إلى الخارج. لم يحلق ذقنه مُذ أسبوعين. عندما وجد عدم حلاقته تخيف الزبائن المحبين للبن الدسم والنظافة، قرر أن يحلق. لم يعد البيت مظلمًا كما كان قديمًا (لا يذكر لماذا كان البيت مظلمًا). على الرغم من هذا أخرج مرآة الحلاقة إلى الخارج كما كان يفعل والده. بعد حلاقة ذقنه، تقبل ما في زاوية عقله مُذ البداية. مسح رغوة الصابون عن وجهه ورقبته. نظر إلى المرآة: له الآن شارب. لم يعجب مولود بحالته مع الشارب. لم يجد نفسه «وسيمًا». ذهب ذلك الولد ذا الوجه الطفولي والمحبب للجميع، وحل محله رجل يَرى مثله الملايين في الشوارع. هل يعجب بحالته هذه زبائنه الذين يعتبرونه قريبًا من القلب، والسيدات الكبار اللواتي يسألنه ما إذا كان يدرس، والخادمات المغطيات الرأس اللواتي ينظرن إليه نظرات ذات معنى؟ أصبح شاربه كشوارب الجميع على الرغم من عدم لمسه بالشفرة نهائيًّا. لم يعد ذلك الذي تُجلسه خالته في حضنها، وتقبّله، وهذا ما يجرح قلبه، وهو يفهم أنه على باب أمر لا عودة عنه، ولكنه يشعر بأن حاله هذه تمنحه قوة. ما يفكر فيه بشكل غير مباشر، وفي الحقيقة ما يمنع نفسه دائمًا من التفكير فيه في أثناء استمنائه، أصبح يفكر فيه بشكل واضح وجلي مع الأسف: إنه في الحادية والعشرين من العمر، ولم يضاجع أي امرأة. الفتاة الجميلة المغطاة الرأس وذات الأخلاق الرفيعة التي سيتزوجها لا يمكن أن تضاجعه قبل الزواج. أصلًا هو لا يريد أن يتزوج فتاة تضاجعه قبل الزواج. ولكن الموضوع الأول ليس الزواج، بل هو مصادفته امرأة جيدة، وعناقها، وتقبيلها، وممارسة الحب معها. يرى مولود هذه الرغبة والزواج أمرين مختلفين، ولكنه لا يستطيع الحصول على الجنس قبل الزواج. يمكن أن يقيم علاقة صداقة جدية مع إحدى الفتيات اللواتي ينظرن إليه باهتمام (يمكن أن يذهبا معًا إلى الحديقة والسينما، وأن يشربا المياه الغازية)، ويشعرها بأنه يريد الزواج بها (يجب أن تكون هذه أصعب المراحل)، وبعدئذ يضاجعها. ولكن عدم تحمل مسئولية من هذا النوع لا يقدم عليها إلا أناني ذو روح شريرة، وليس مولود. فوق هذا يمكن لإخوة الفتاة الباكية ووالدها أن يقتلوا مولودًا. لا يمكن أن تضاجع الرجال امرأة لا تجعل من الأمر قضية ودون أن تظهر هذا لعائلتها سوى التي لا تغطي رأسها، ومولود يعرف أن أي فتاة ولدت وترعرعت في المدينة لا يمكن أن تهتم به (مهما كان شاربه لائقًا). الحل الأخير هو الذهاب إلى بيت الدعارة في قرة كوي. لم يذهب مولود إلى هناك قط. في أواخر الصيف، وفي منتصف الليل الذي تلا مروره من أمام دكان العم حسن، طرق بابه. حين رأى سليمانَ، غمرت قلب مولود السعادة، وفي أثناء عناق ابن عمه من كل قلبه، رأى أن سليمان أيضًا قد أطلق شاربًا. سليمان. قال لي مولود: «أنت أخي» وعانقني بطريقة جعلت عينيَّ تغرورقان. أضحكنا إطلاق شاربينا دون علم أحدنا بالآخر. قلت له: «ولكنك أطلقته بطريقة اليساريين!». «كيف؟». «دعك من التمثيل، اليساريون يقصون شواربهم بحيث تكون أطرافه على شكل مثلث. هل اتخذت من فرحات نموذجًا؟». «لم أتخذ من أحد نموذجًا. أنا قصصته كما أحببت دون أن أفكر بالشكل... هذا يعني أنك قصصته كالمثاليين إذًا». «تناولنا المرآة عن الرف، ونظرنا إلى شواربنا». قلت له: «لا تذهب إلى عرس القرية، ولكنك ستأتي إلى عرس قورقوط في صالة شاهقة للأفراح في مجيدية كوي بعد أسبوعين. لا تساير العم مصطفى، وتشاكس، وتقاطعنا، وتقسم العائلة. انظر إلى الأكراد والعلويين كيف يتضامنون فيما بينهم. بداية يتعاون الجميع من أجل إنشاء بيت لأحدهم، ثم للآخر، وبعده للآخر. إذا وجد أحدهم في مكان ما عملًا، يجلب ما تبقى من أهل القرية والعشيرة فورًا». قال مولود: «ونحن جئنا بهذه الطريقة من القرية، ما المشكلة؟ أنتم آل آقطاش ما شاء الله رابحون، وعلى الرغم من عملنا الطويل ـ والدي وأنا ـ لم نستفد من نِعَم إسطنبول. ومقسمنا طار». «لم ننسَ أن لك حقًّا بالمقسم يا مولود. الحاج حميد فورال رجل عادل جدًّا، ومحب للخير كثيرًا. لولاه لما تمكن أخي قورقوط من الزواج. لدى عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء فتاتان جميلتان أيضًا. لنزوجك الكبيرة، فهي جميلة جدًّا. من سيزوجك، ومن سيؤويك، ومن سيحميك؟ الإنسان لا يحتمل الوحدة في المدينة». قال مولود معاندًا: «أنا سأجد فتاة بنفسي، وأتزوجها، ولست بحاجة إلى مساعدة أحد». ١٤ مولود يعشق لا تحدث مصادفة كهذه إلا إذا أرادها الله ذهب مولود إلى عرس قورقوط ووديعة في آخر شهر آب/ أغسطس. هو نفسه يجد صعوبة بتفسير تغيير رأيه. صباح العرس، لبس سترة اشتراها والده من خياط بسعر مخفض. وعقد ربطة عنق كحلية كالحة كان والده يربطها في الأعياد وعند مراجعة دوائر الدولة. وأخذ عشرين ماركًا اشتراها من صائغ في شيشلي بنقود ادخرها. كانت صالة شاهقة للأفراح على الطريق الصاعد من تل التوت إلى مجيدية كوي. تسلل مولود إلى هذه الصالة مرتين أو ثلاثًا مع صديقة فرحات عندما كانا يبيعان معًا في الصيف في آخر أفراح الختان التي تنظمها نقابات البلدية والعمال، وأعراس العمال ومشرفي العمل التي تُنظم بدعم من أرباب عملهم، وشربا ليمونادة وتناولا بسكويتًا مجانًا، ولكن هذا المكان الذي كثيرًا ما مر من أمامه لم يترك في عقله أثرًا. عندما نزل الدرج، ودخل إلى القاعة، ضاق نَفَسُهُ من الزحام الكثيف وضجيج الفرقة الموسيقية الصغيرة، وحرارة الصالة وقلة هوائها لأنها تحت الأرض. سليمان. أنا وأخي والجميع فرحنا عندما رأينا مولودًا في الصالة. كان أخي قد ارتدى طقمًا بلون الكريم، وتحته لبس قميصًا بنفسجيًّا. عامل مولودًا بشكل جيد جدًّا، وعرّفه على الجميع، وجلبه إلى طاولتنا التي يجلس إليها الرجال. قال: «لا تنظروا إلى وجهه الطفولي؛ فهو أسلم رجال عائلتنا». قلت: «يا عزيزي مولود، بما أنك أطلقت الشارب، لا يليق بك شرب الليمونادة فقط». وأريته الزجاجة من تحت الطاولة، وتناولت الكأس، وصببت له فودكا. «هل شربت فودكا روسية شيوعية أصلية؟»، قال مولود: «أنا لم أشرب بعد في حياتي فودكا تركية. أخشى أن تضرب رأسي إذا كانت أقوى من العرق». «لا تضرب، على العكس، تريح. يمكن أن تعطيك جرأة لترفع رأسك، وتنظر فيما حولك». قال مولود: «أنا أنظر حولي!»، ولكنه لم يكن ينظر. فور ملامسة الليمونادة بالفودكا لسانه، جفل كأنه أكل فلفلًا، ولكنه استجمع نفسه. «سليمان، سأعلق عشرين ماركًا لقورقوط، ولكنني متردد خشية أن يجدها قليلة!». أخفت مولودًا بالقول: «من أين تأتي بهذه الماركات ولاه، احذر أن تقبض عليك الشرطة، وتودعك السجن!»، قال: «لا، الجميع يشتري. إذا أبقيت على نقودك التركية فأنت مخبول، كل يوم يتبخر نصفها بالتضخم». التفتُّ إلى الذين على الطاولة، وقلت: «لا تنظروا إلى وجه مولود الذي تبدو عليه البراءة، فهذا الرجل أحذق بائع في العالم، وأبخلهم. تعليق واحد بخيل مثلك عشرين ماركًا... عمل كبير... دعك من بيع اللبن يا مولود. آباؤنا جميعًا كانوا لبانين، ولكن كلًّا منا اليوم له عمله!»، «لا تشغلوا بالكم، وأنا سأؤسس عملي ذات يوم. وستدهشون لأنه لم يخطر ببالكم». «ما العمل الذي ستعمل به؟ احكِ يا مولود». قال الملاكم هداية: «مولود، تعالَ لنتشارك!» (أخذ هذا اللقب؛ لأنه عندما كان على وشك الفصل من المدرسة، طرح مدرس الكيمياء فوزي المباهي بلكمة كما فعل أخي)، وأضاف هداية: «أنا لا أفتح بقالية أو دكان شاورمة مثل هؤلاء. أنا لديَّ محل بيع مواد بناء جدي». قلت: «ليس لك يا هذا، إنه لصهرك». «لنا فيه مثل ما له». «يا شباب، البنات يتطلعن». «أين؟». الجالسات إلى طاولة العروس». قلت: «هوب، هوب، لا تنظروا كلكم معًا. أصبحن عائلتي». قال الملاكم هداية: «نحن أصلًا لا ننظر!»... ولكنه تابع النظر. «يا جماعة، هؤلاء الفتيات صغيرات جدًّا، نحن لسنا مهووسين بالأطفال». «انتبهوا، جاء الحاج حميد يا شباب». «إيه، ماذا نفعل؟». «هل ننهض، ونردد نشيد الاستقلال؟». «خبئوا الزجاجة، ولا تشربوا حتى بكأس الليمونادة؛ فهو حاذق جدًّا، يكشفنا فورًا. يغضب من هذه أمور، ويقطع لنا المخالفة فورًا». عندما دخل الحاج حميد فورال ورجاله، كان مولود ينظر إلى الفتيات الجالسات بعيدًا إلى طاولة العروس. كانت رءوس الجميع متجهة نحو الحاج حميد المحاط برجاله، وبدأ الجميع يقبلون يده فور دخوله من الباب. يريد مولود أن يتزوج فتاة جميلة كوديعة عندما يبلغ الخامسة والعشرين مثل قورقوط. وهذا بالطبع لا يمكن أن يتحقق إلا بكسب النقود، والدخول برعاية أمثال الحاج حميد. لهذا السبب يدرك أنه من أجل أن يحقق هذا، لابد له من الذهاب إلى الجندية، والعود، والعمل دون توقف، وترك بيع اللبن، وامتلاك عمل أو دكان. أخيرًا بدأ ينظر إلى الطاولة التي تجلس إليها العروس. لعب الضجيج، وازدياد الحركة في الصالة إضافة إلى المشروب، دورًا بجرأته هذه. ولكنه يشعر بأن الله يحميه، وأن حظه جيد. سيتذكر مولود تلك الدقائق وحركة الفتيات الجميلات على الطاولة التي يراها أحيانًا بصعوبة؛ بسبب الذين يتدخلون كأنه يشاهد فيلمًا حتى بعد سنوات طويلة. ولكن الكلمات والمشاهد بقيت دائمًا فيلمًا غير واضح: قال صوت من الجالسين إلى الطاولة: «في الحقيقة أن الفتيات لسن صغيرات إلى هذه الدرجة، كلهن وصلن إلى سن الزواج». «وذات الإيشارب الأزرق؟». قال سليمان: «يا شباب، رجاء لا تنظروا مباشرة، نصف هذه الفتيات سيعود إلى القرية، ونصفهن سيبقى في المدينة». «أين يَسكنَّ في المدينة يا أخي؟». «هناك من تسكن في تل الورد، وهناك من تسكن في تل الطير». «أنت تصطحبنا إلى هناك بعد الآن...». «إلى أي واحدة تريد أن تكتب رسالة؟». قال شاب صادق لا يعرفه مولود نهائيًّا: «ولا لأي واحدة. لأنهن بعيدات إلى درجة أنني لا أستطيع تمييز أي منهن». «إذا كنّ بعيدات، فهذا يدفعك لكتابة رسالة لهن». قال سليمان: «مكتوب في قيد نفوس عروسنا وديعة أنها في السادسة عشرة، وفي الحقيقة أنها في السابعة عشرة. وأختاها في الحقيقة في الخامسة عشرة والرابعة عشرة. سجّل عبد الرحمن أفندي بناته أصغر مما هن عليه من أجل أن يجلسن مع والدهن في البيت، ويلبين احتياجات مزاجه». «ما اسم أصغرهن تلك؟». «نعم، إنها الأجمل». قال سليمان: «إحداهن سميحة، والأخرى رائحة». دهش مولود لخفقان قلبه بسرعة، وانفعل. «الفتيات الثلاث الأخريات من قريتهن أيضًا...». «وذات غطاء الرأس الأزرق أيضًا جيدة...». «ولا واحدة من هذه الفتيات تحت الرابعة عشرة». قال الملاكم: «إنهن طفلات. لو كنت والدهن لما غطيت رءوسهن». قال مولود غير قادر على ضبط انفعاله: «في قريتنا، تغطي الواحدة رأسها عندما تنهي الابتدائية». «الأصغر أنهت الابتدائية هذه السنة». سأل مولود: «أيها، هل هي ذات غطاء الرأس الأبيض؟». «الجميلة، الصغيرة». قال الملاكم هداية: «بصراحة، أنا لا أتزوج فتاة من القرية». «الفتاة المدنية لا تتزوجك أيضًا». قال هداية بحزن: «لماذا؟ هل تعرف أنت كثيرًا من بنات المدينة؟». «كثيـ....ــر». «ابني، الزبونة التي تأتي إلى المحل لا تعتبر بنتًا تعرفها، لا تخدع نفسك سدى». شرب مولود كأس ليمونادة بالفودكا تفوح منه رائحة تشبه رائحة النفتالين مع بسكويت محلي. عندما حان وقت تقديم الهدايا وتعليقها للعروسين، تمكن من النظر طويلًا إلى جمال وديعة التي سيتزوجها ابن عمه قورقوط. كانت أختها رائحة الجالسة إلى طاولة الفتيات أيضًا جميلة، ومع تطلع مولود إلى طاولة الصبايا، يكتشف رغبة قوية لديه لا تقل قوتها عن رغبته بالحياة، وفي الوقت نفسه يخجل، ويخشى من الفشل في حياته. في أثناء تعليق العشرين ماركًا على ياقة سترة قورقوط بدبوس شنكل أعطاه إياه سليمان، لم يستطع مولود النظر إلى وجه زوجة ابن عمه الجميل، وخجل من خجله. أقدم على شيء لم يخطط له نهائيًّا عند عودته إلى طاولته: اقترب من عبد الرحمن أفندي الجالس مع أبناء قرية غمشدرة، وهنأه. اقترب كثيرًا من طاولة الفتيات، ولكنه لم ينظر نحوها نهائيًّا. كان عبد الرحمن أفندي أنيقًا جدًّا يرتدي قميصًا أبيض ياقته عالية تخفي اعوجاج رقبته، وسترة ظريفة. البائع واللبَّان الشاب المصاب بالدوران بسبب الفتيات معتادان على غرابة سلوك الرجال. مد يده كآغا، وقبَّلها مولود. هل رأت الفتاة الجميلة هذا؟ لم يستطع مولود ضبط نفسه للحظة، ألقى نظرة نحو طاولة الفتيات. تسرّع قلبه بجنون، وشعر بخوف وفرح بآن واحد. ولكنه في الوقت نفسه شعر بخيبة أمل. فرغ كرسيان أو ثلاثة حول الطاولة. في الحقيقة أن مولودًا لم يرَ جيدًا أي فتاة من الفتيات من بعيد. لهذا السبب كان يسير وهو ينظر إلى الطاولة من أجل معرفة النقص. كادا يتصادمان. كانت هذه أجمل الفتيات. إنها الأصغر على الأغلب؛ لأن الطفولة بادية عليها. للحظة نظر كل منهما إلى عيني الآخر. كانت نظرات صادقة جدًّا، ونابعة من القلب، وعيناها سوداويْن طفوليتيْن. سارت نحو طاولة والدها، وذهبت. تشوش عقل مولود، ولكنه أدرك فورًا أن هذه نصيبه في الحياة. قال لنفسه: «لا تحدث مصادفة كهذه إلا إذا أراد الله». يجد صعوبة باستعادة عقله، وينظر باتجاه طاولة الأب الرقبة العوجاء لكي يرى الفتاة من جديد، ولكنه لا يستطيع رؤيتها بسبب الزحام. إنها الآن بعيدة جدًّا. من جهة أخرى، كانت روحه تشعر بحركة الفتاة، وبغطاء رأسها الأزرق كبقعة من بعيد على الرغم من عدم رؤيته لها. يجد في نفسه دافعًا ليكلم الجميع عن تلك الفتاة، وعن ذلك اللقاء الخارق، والتقاء النظر مع تينك العينين السوداوين. قبل أن ينتهي العرس، قال سليمان ذات لحظة: «سيبقى عبد الرحمن أفندي وابنتاه رائحة وسميحة عندنا أسبوعًا قبل عودتهم إلى القرية». في الأيام التالية، فكر مولود دائمًا بالفتاة ذات العينين السوداوين والوجه الطفولي. لماذا قال له سليمان هذا؟ ماذا يحدث لو ذهب هكذا فجأة إلى آل آقطاش كما كان يفعل كثيرًا؟ هل يمكنه أن يرى تلك الفتاة مرة أخرى؟ هل انتبهت هي لمولود؟ ولكنه يجب أن يجد ذريعة جيدة من أجل أن يذهب الآن؛ لأن سليمان سيدرك فورًا أنه قادم لرؤية الفتاة الجميلة، ويمكن أن يبعدها عن مولود. لعله يسخر منه، وحتى يخرب الأمر بالقول: «هذه مازالت طفلة!»، لو قال مولود لسليمان بأنه تعلّق بالفتاة، فهناك احتمال كبير أن يقول سليمان بأنه يعشقها، وحتى إنه هو الذي عشقها بداية، ولا يدع مولودًا يقترب منها. بقي مولود يبحث عن ذريعة مقنعة للذهاب إلى آل آقطاش وهو يبيع اللبن على مدى أسبوع، ولكنه لم يجد. عادت اللقالق، وانتهى آب/أغسطس، ومضى الأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر، ولم يعرج مولود على الثانوية، كما أنه لم يُخْرِج الماركات المخبأة في الفراش، ويصرفها، ويسجل في إحدى مدارس دورات امتحان الدخول إلى الجامعة كما تصور قبل سنة. ولم يكن قد حصل على التقرير الذي طلبه الهيكل من مديرية صحة المحافظة. وهذا يعني أن السنتين قد انتهتا، ولم يعد يستطيع حتى تخيل الاستمرار بالتعليم. يمكن أن يذهب الدرك من شعبة التجنيد إلى القرية قريبًا. فكر مولود بأن والده لن يلفق كذبة على الدرك من أجل تأجيل الجندية، وسيقول: «ليذهب إلى الجندية، وبعدها نزوجه!»، فوق هذا، فإن والده الذي سيقول هذا الكلام ليس لديه نقود يزوجه. ولكن مولودًا يريد أن يتزوج تلك الفتاة في أقرب فرصة ممكنة. أسماء أختَيْ وديعة على قافية اسمها. أخطأ، وتصرف بضعف، ولم يستطع حتى تلفيق ذريعة للذهاب إلى آل آقطاش. عندما يسيطر عليه الندم في هذا الموضوع، كان يجد منطقًا من أجل تهدئة نفسه: لو ذهب إلى بيت آقطاش، ورأى الفتاة، فلعل رائحة لا تعطي مولودًا وجهًا، ويتعرض لخيبة أمل كبيرة. مع أن تفكيره برائحة في أثناء مسيره في الأزقة حاملًا مزراق اللبن، يكفي لتخفيف حمله. سليمان. قبل ثلاثة أشهر وظفني أخي في شركة الحاج حميد فورال للبناء. أصبحتُ أقود شاحنة الشركة الصغيرة الفورد. حوالي الساعة العاشرة صباحًا في ذلك اليوم، اشتريت سجائر من بقالٍ ملاطيلي في مجيدية كوي (لا آخذها من دكاننا؛ لأن والدي لا يريدني أن أدخن)، وما إن هممت الذهاب، وإذ بالزجاج اليميني يُنقر: مولود! المسكين يحمل المزراق واللبن، ويذهب إلى المدينة للبيع. قلت: «اركب!». وَضَع مزراقه وصوانيه في الخلف، وركب فورًا. قدمت له سيجارة، وأشعلتها بقداحة آلية. إنها المرة الأولى التي يراني فيها مولود خلف المقود، لم يكن مصدقًا عينيه. سرنا بسرعة ستين كيلومترًا ـ كان مولود يراقب المؤشرات ـ بانسيابية في الطريق الكثير الحُفر الذي يسير فيه مولود بسرعة أربعة كيلومترات في الساعة. تحدثنا من هنا وهناك، ولكنه مربط، هناك أمر آخر في عقله، ثم سأل عن عبد الرحمن أفندي وابنتيه. قلت: «إنهم عادوا بالطبع». «ما اسما أختي وديعة؟». «لماذا تسأل؟». «لا شيء، هكذا..». «لا تغضب مني يا مولود، أصبحت وديعة زوجة أخي. والفتاتان ابنتا حمي أخي... أصبحن عائلتي..». «ألستُ من العائلة؟». «طبعًا... لهذا السبب عليك أن تخبرني بكل شيء». «طبعًا سأخبرك... ولكن اقسم لي بأنك لن تخبر أحدًا». «أقسم بالله وبأمتي ورايتي بأن أحفظ السر». قال مولود: «أنا عشقت رائحة. أليست الأصغر ذات العينين السوداوين رائحة؟ قابلتها وأنا ذاهب إلى طاولة والدها. ألم ترنا أنت؟ كدنا نتصادم. نظرت إلى عينيها عن قرب. بداية اعتقدت أنني سأنسى. لم أنسَ بعد ذلك». «ما الذي لم تنسه؟». «عيناها... نظرتها إليَّ... هل رأيت تقاطع طريقيْنا في العرس؟». «رأيت». «برأيك، هل هذه مصادفة، أم لا؟». «أنت عشقت رائحة يا بُنَيَّ. اعتبرني لم أعرف هذا». «إنها فتاة جميلة جدًّا، أليس كذلك؟.. إذا كتبتُ لها رسالة، فهل توصلها لها؟». «لم يبقوا في تل التوت. قلت لك إنهم عادوا إلى القرية...». تكدر مولود كثيرًا، فقلت: «سأفعل شيئًا من أجلك. ولكن ماذا سيحدث فيما لو انكشف أمرنا؟». حفرت نظراته المتوسلة قلبي، فقلت: «حسن يا بُنَيَّ، سنرى». أخذ مزراقه وصوانيه في الحربية مقابل الثكنة، ونزل من الشاحنة سعيدًا. صدقوني أنني أتألم لبقاء أحد أفراد عائلتنا يبيع اللبن حتى الآن. ١٥ مولود يغادر البيت هل تستطيع أن تعرفها إذا رأيتها غدًا في الشارع؟ مصطفى أفندي. لم أصدق عندما عرفت أن مولودًا ذهب إلى عرس قورقوط. كأن ماء مغليًّا صُبَّ على رأسي. الآن أنا على طريق إسطنبول، مع اهتزاز الحافلة، يصدم رأسي بالزجاج بين حين وآخر. أقول لنفسي: يا ليتني لم أذهب إلى إسطنبول نهائيًّا، ولو أنني لم أخطُ خطوة خارج القرية. ذات مساء في مطلع تشرين الأول/ نوفمبر عام ١٩٧٨، قبل أن يبرد الجو، ويبدأ موسم البوظة، دخل مولود إلى البيت، فوجد والده جالسًا في الظلام. اعتقد أن البيت فارغ؛ لأن المصابيح منارة في كثير من البيوت. لهذا السبب اعتقد أنه خاف لوجود لص في البيت. ولكن سرعة خفقان قلبه ذكّرته بأن سبب خوفه هو معرفة والده بذهابه إلى العرس. من غير الممكن أن يبقى ذهابه إلى العرس سرًّا؛ لأن كل الذين حضروا العرس ـ الحقيقة أنهم القرية كلها ـ هم أقرباء. هناك احتمال كبير أن والده الآن غاضب أكثر؛ لأن مولودًا يعرف ما يعرفه والده، أي أنه ذهب إلى العرس وهو يعلم بأن والده سيعرف بذهابه. لم يلتقيا منذ شهرين. لم يعيشا فراقًا طويلًا إلى هذه الدرجة منذ جاء مولود إلى إسطنبول قبل تسعة أعوام. يعرف مولود بأنهما صديقان ورفيقان على الرغم من مشاكسة والده كلها، والتناحر الذي لا ينتهي بينهما، ولعل التناحر هو السبب الأساسي. ولكنه يرى والده قد سئم من عقوبة الصمت، وفوران الغضب. «تعالَ إلى هنا!». ذهب مولود. ولكن والده لم يصفعه على وجهه كما توقع. أشار نحو الطاولة، فرأى مولود بصعوبة رزم الماركات من فئة العشرين ماركًا في الظلام. كيف وجدها والده في الفراش؟ «من أعطاك هذه؟». «أنا كسبتها». «كيف كسبت كل هذه النقود؟». كان والده يودع النقود الموفرة في البنك، والنقود تذوب لأن التضخم ثمانون بالمائة، والفائدة ثلاث وثلاثون بالمائة، ولكنه لا يقبل بأنها تذوب عنادًا. قال مولود: «إنها ليست مبلغًا كبيرًا. ألف وستمائة وثمانون ماركًا. وهناك بعضها من السنة الماضية. وفرتها من بيع اللبن». «وأخفيت النقود عني. أنت تكذب عليَّ؟ هل أكلت حرامًا؟». «أموت ولا أفعلها..». «قلت إنك تموت ولا تذهب إلى العرس». أطرق مولود برأسه، وشعر بأن صفعة آتية من والده. «لا تضربني، أصبحتُ في الحادية والعشرين من عمري». قال والده: «وما السبب؟»، وصفع مولودًا. نزلت الضربة على ذراعه ومرفقه؛ لأنه رفع مرفقه من أجل حماية وجهه. غضب والده لأنه تألم، فنزل بلكمتين قويتين متتاليتين على كتف مولود، وصرخ: «هيَّا انقلع من بيتي يا حرامي!». خطا مولود خطوتين إلى الخلف تحت تأثير شدة اللكمة الثانية واستغرابه. انقلب على ظهره فوق الفراش. انثنى طاقين كما كان يفعل في طفولته. أدار ظهره نحو والده، وكان يرتجف بشكل خفيف. اعتقد والده أن هذا بكاء، ولم يخرب مولود هذا الاعتقاد. كان مولود يريد أن يجمع أغراضه، ويذهب بأسرع ما يمكن من جهة (في أثناء تخيله هذا، يتصور والده قد ندم، وأمسك به)، ويخاف أن يكون هذا طريقًا لا عودة عنه من جهة أخرى. إذا أراد أن يذهب من هذا البيت، يجب أن يذهب صباحًا ببرودة أعصاب، وليس الآن بغضب. الآن رائحة هي مصدر أمله الوحيد. يجب أن يجلس وحده في مكان ما، ويتصور الرسالة التي سيرسلها. لم يتحرك مولود من حيث يتمدد. كان يحسب بأنه سيصطدم بوالده ثانية إذا نهض. إذا حدث اصطدام كهذا، وأكل صفعة ولكمة جديدتين، يصبح بقاؤه في البيت مستحيلًا. كان يسمع من حيث يتمدد أن والده يذرع الغرفة الوحيدة في البيت، وقد وضع لنفسه كأس عرق وكأس ماء، وأشعل سيجارة. على مدى السنوات التسع التي أمضاها في هذا البيت ـ خاصة عندما كان في المدرسة المتوسطة ـ كان استماع مولود للخربشة التي يصدرها والده في البيت، وحديثه مع نفسه، وتنفسه، وسعاله الذي لا ينتهي في ليالي بيع البوظة في الشتاء، وحتى شخيره وهو بين النوم والصحو يمنحه ثقة وطمأنينة. ولكنه الآن لا يشعر بالشعور نفسه إزاء والده. غَطَّ في النوم بثيابه. كان يحب النوم بثيابه عندما يضربه والده، ويبكيه، أو عندما يبيع في الأزقة، ويتعب كثيرًا، ويدرس فوق ذلك. عندما استيقظ صباحًا لم يكن والده هناك. وضع في الحقيبة الصغيرة التي يحملها إلى القرية جواربه وقمصانه ومجموعة حلاقته، ومنامته، وصدارته، ونعليه البيتيين. دهش عندما رأى أن الحقيبة نصفها فارغ على الرغم من وضعه فيها كل ما سيأخذه. لف رزم الماركات التي على الطاولة بجريدة قديمة، ووضعها في كيس نايلون مكتوب عليه «حياة»، ورتبها في الحقيبة. حين خرج من البيت، كان يشعر بالحرية وليس بالخوف والذنب. ذهب إلى فرحات في حي غازي مباشرة. وجد فرحات بعد سؤال شخصين فقط على عكس ما حدث معه عندما أتى ذات مساء قبل سنة. بعد المجزرة المرتكبة بحق العلويين بأشهر، نجح فرحات ووالده وأمه ببيع بيتهم لرجال الحاج حميد فورال دون أن يأكلوا خازوقًا كبيرًا، وسكنوا في حي غازي الذي قصده العلويون والأكراد من مختلف مناطق البلد والمدينة. فرحات. لم يُنْهِ مولود الثانوية، ولكنني أنهيتها والحمد لله. لم أتمكن من الحصول على درجات جيدة بامتحان الدخول إلى الجامعة. بعد مجيئنا إلى هنا، عملت فترة في موقف سيارات مصنع الشكولاته والسكاكر الذي يعمل والدنا في محاسبته، ولكن سافلًا من أوردو عاملني معاملة سيئة هناك. تعلقت فترة مع أصدقاء الحي بالمنظمة. لماذا أقول منظمة مثل الصحفيين الذين لا يكتبون اسم الحزب لكي لا يعملوا له دعاية: حزب الشعب الشيوعي الماركسي اللينيني في تركيا ـ الجبهة الماركسية اللينينية؟ لم يكن هذا يناسبني. أشعر بالذنب لأنني مازلت معهم حتى الآن نتيجة احترامي لهم وخوفي منهم على الرغم من إدراكي أنهم لا يناسبونني. مجيء مولود برأسمال كان جيدًا. كلانا نفهم بأن حي غازي مثل تل الرماد لن يفيدنا. المجازر المرتكبة بحق العلويين في شهر كانون الثاني/يناير ١٩٧٨ بإحراق الأحياء العلوية في قهرمان مرعش، ونهبها حرّك حي غازي، وجلب معه قوى جديدة، وتسييسًا جديدًا. اعتقدنا بأننا إذا سكنا في مركز المدينة، في نواحي قرة كوي أو تقسيم قبل الذهاب إلى الجندية، فسنعمل أكثر، ونكسب نقودًا أكثر، ونمضي وقتنا على الأرصفة وسط الزحام ونحن نكسب النقود، وليس في الحافلات. كان مطعم كارلِأوفا خمارةً رومية صغيرة قديمة خلف زقاق «نفي زادة» في نواحي طرلاباشِ في بيه أوغلو. أخذ المطعم نادل بينغولي من صاحبه الرومي الذي اضطر لمغادرة إسطنبول مع بقية الروم بأمر من عصمت باشا ذات ليلة من عام ١٩٦٤، ويدعى النادل قدري كارلِأوفا، وهو يدير المطعم منذ خمسة عشر عامًا، ويقدم للخياطين والصاغة والدكاكين الصغيرة في بيه أوغلو طبخًا عند الظهر، وللسهارى والذاهبين إلى السينمات من الطبقة الوسطى عرقًا ومقبلات عند المساء، وقد وصل إلى حافة الإفلاس الآن. لم يكن ما أوصله إلى عتبة الإفلاس ابتعاد الطبقة الوسطى عن بيه أوغلو بسبب أفلام الجنس في السينمات، والإرهاب السياسي في الأزقة فقط. أراد المعلم الشحيح والمشاكس أن يطرد ولدًا يعمل بجلي الصحون لاقتناعه بأنه يسرقه، ونادلًا متوسط العمر رفع صوته بوجهه دفاعًا عن الولد؛ فتضامن معهما أربعة عمال غير ممنونين من عملهم، وحاسبوه، وتركوا عملهم. كان صاحب المطعم العلوي الكردي يشتري اللبن من والد مولود، ويعرف عائلة فرحات، فقررا أن يقوما بأعمال مطعم المعلم المسن والمتعب حتى موعد ذهابهما إلى الجندية. انتقلا إلى الشقة القديمة التي يُسكِّن فيها صاحب المطعم عمال الجلي ومسـاعدي النُّـدُل الأولاد والنُّدُل الشباب، وقد فرغت تقريبًا لتركهم العمل. صمم هذا البناء الرومي في طرلاباشِ قبل ثمانين سنة من أجل عائلة واحدة. ومع حرق الكنائس الأرثوذكسية المجاورة، ونهب دكاكين اليهود والروم والأرمن، نزلت العائلة مع الحي طبقة، وقُسمت الشقة بجدران من الجص إلى شقق صغيرة. أصبح يقبض أجرة الشقة واحد من سُرمن لم يره مولود ولو مرة واحدة بدل صاحبها الأصلي الذي لديه سند تمليكها. يسكن في غرفة ذات سريرين ولدان ماردينيان خريجا المدرسة الابتدائية؛ أحدهما في الرابعة عشرة والثاني في السادسة عشرة يعملان بالجلي. أخرج مولود وفرحات الأسرّة من الغرف، وفرشا غرفتين على اليمين واليسار كما يريدان. هذه هي الغرفة الأولى التي سيعيش فيها مولود بمعزل عن عائلته، ووحده: اشترى طاولة مهلهلة من بائع أدوات مستعملة في «تشُقور جمعة»، ونقل كرسيًّا من المطعم بإذن من معلمه. بعد أن يغلق المطعم في حوالي الثانية عشرة ليلًا، يشربون ويتضاحكون حول طاولة مشروب مع عمال الجلي في الداخل (جبن، كوكاكولا، حمص محمص، ثلج، كثير من السجائر). عرفوا من النُّدُل الذين في الشقة أن المشكلة لم تكن بسبب سرقة عامل الجلي السابق، بل في الحقيقة ناجمة عن انكشاف العلاقة بين صاحب المطعم وعامل الجلي، وغضب العمال الذين ينامون على الأسرة ذات الطابقين، ووقوفهم في وجهه. طلبا منهما أن يعيدا تلك القصة عدة مرات. كانت هذه بداية جيدة ليشعرا بالحقد على صاحب المطعم البينغولي. حُلُم الولدين المارينيين هو بيعهما المحار المحشو بالرز. باعة محشو المحار في إسطنبول وتركيا كلهم ماردينيون. طالما يكررون بأن الماردينيين التقطوا مهنة محشو المحار على الرغم من عدم وجود بحر في بلدهم، ويفسرون هذا بكونهم أذكياء وحاذقين. عندما يسأم فرحات من تعصب أولاد ماردين المتلألئين يقول: «ما الغريب في هذا يا بُنَيَّ، كل باعة الكعك في إسطنبول طوقاطيون، ولكنني لم أرَ أحدًا يفاخر باعتبار هذه الخصوصية حذقًا لدى أهل طوقاط». كان الأولاد يردون: «محشو المحار ليس مثل الكعك»، ويضرب مولود مثلًا آخر: «كل الخبازين ريزويون، وهم يفاخرون بهذ الشيء». أثَّر هذان الولدان اللذان أنهيا الابتدائية وجاءا إلى إسطنبول للعمل بمولود بصخبهما وحركاتهما وقصصهما الضعيفة وشائعتهما حول المعلم والنُّدُل الآخرين وهما أصغر منه بسبع أو ثماني سنوات، وبدأ يستمع منهما لقصص الأزقة وإسطنبول وتركيا، ويصدّق ما يرويانه بكل جوارحه: ينقد جلال صاليك الدولة بهذه الحدة بسبب الحرب الروسية الأمريكية؛ ولأن صاحب جريدة ملييت يهودي. الرجل البدين الذي يبيع للأولاد ماء فقاعات الصابون عند زاوية جامع الآغا، واشتهرت عبارته «البالون الطائر» في إسطنبول كلها، هو شرطي مدني بالطبع، ولكن مهمته الأساسية هي التغطية على الشرطيين المدنيين على زاوية الطرف المقابل، وأحدهما ماسح أحذية، والثاني بائع أكباد أرناؤوطية. بقايا أفراخ الدجاج من الأرز بالدجاج وحساء الدجاج في محل «مهلبية هنكار» لا ترمى إلى الزبالة عند إعادتها إلى المطبخ، بل تغسل بالماء الساخن في طسوت ألمنيوم، وتُنظف، وتحضر من جديد حساء أو توضع فوق الأرز أو تحضر طعامًا آخر، وتقدم للزبون. سر تأجير عصابة السرمنيين بيوت الروم الهاربين إلى أثينا كبيوت دعارة هي العلاقة بين أصحاب بيوت الدعارة ومخفر بيه أوغلو. سيُرسَل آية الله خميني بطائرة خاصة للمخابرات الأمريكية؛ من أجل أن يخمد التمرد الشعبي المندلع هذه الأيام في إيران. سينفذ انقلاب عسكري قريبًا، ويعلن قائد الجيش الأول طيار باشا رئيسًا للجمهورية. قال فرحات ذات مرة: «الرحمة، إنكم تطلقون الكلام جزافًا». «لا يا أخي، عندما جاء قائد الجيش الأول إلى بيت الدعارة رقم ٦٦ في سراسلفيلر كان هناك مارديني من بلدنا؛ ولهذا أعرف بالأمر». «لماذا يذهب طيار باشا العظيم إلى بيت دعارة بعد أن صار قائد الجيش في إسطنبول؟ القوادون يرسلون له أفضل النساء من النوع الذي يريد إلى وراء بابه». «أخي، يجب أن يكون الباشا يخاف من زوجته، صديقنا المارديني رآه بعينه في الرقم ٦٦... أنت لا تصدق الماردينيين، وتستخف بهم، ولكنك إذا ذهبت إلى ماردين مرة، وأكلت من أكلها، وشربت من مائها ونزلت ضيفًا على أهلها، فلا تريد أن تغادرها أبدًا». أحيانًا يضرب مخ فرحات، فيسأل: «بما أن ماردين مكان رائع إلى هذه الدرجة، لماذا تركتماها، وأتيتما إلى إسطنبول؟»؛ فيضحك الولدان عاملا الجلي وكأن هذا مزاح. قال أحدهما في ذلك المساء بجد: «في الحقيقة أننا قرويان. جئنا إلى إسطنبول دون أن نمر على ماردين. ولم يساعدنا أحد في إسطنبول غير الماردينيين... ونحن نشكرهم بهذه الطريقة». يعارض فرحات الولدين عاملي الجلي أحيانًا، فيقول مؤنبًا: «كرديان، ووعيكما الاجتماعي صفر. هيَّا اذهبا إلى غرفتكما، وناما». فرحات. إن كنتم تتابعون هذه القصة بانتباه، فلابد أنكم أدركتم بأنه لا يمكن الغضب من مولود، ولكنني غضبت. جاء والده ذات يوم، ولم يكن مولود هناك. وعندما سألت العم مصطفى أفندي، شرح لي أن مولودًا ذهب إلى عرس قورقوط. عندما سمعت بأن مولودًا اندس بجماعة فورال الملطخة أيديهم بدماء عدد كبير من الشباب، اعتقدت بأنني لن أتقبل مولودًا بسهولة. ولأنني لا أريد أن يتشاجر النُّدُل أمام الزبائن، هرعت إلى البيت قبل أن يأتي. عندما رأيت تعبير البراءة على وجه مولود، راح نصف غضبي. قلت: «علّقت نقودًا لقورقوط في عرسه!». قال مولود رافعًا رأسه عن شراب البوظة الذي يحضّره للمساء: «جاء أبي إلى المطعم. فهمت. هل كان الوالد مهمومًا؟ برأيك لماذا وشى لك بذهابي إلى العرس؟». «بقي وحيدًا. يريدك أن تعود إلى البيت». «يريدني أن أتشاجر معك، وأبقى وحيدًا دون صديق في إسطنبول مثله. هل أذهب؟». «لا تذهب». قال مولود: «عندما يكون الأمر متعلقًا بالسياسة، فأنا دائمًا مدان. لا تدخل هذه الأمور بعقلي الآن. أنا تعلقت بواحدة، وأفكر بها دائمًا». «من؟». صمت مولود بداية، ثم قال: «مساء أحكي لك». كان على مولود أن يعمل طوال اليوم قبل أن يجتمع بفرحات بمكان مبيت النُّدُل وعمال الجلي على طاولة العرق في ساعة متأخرة. في يوم عادي من أيام شتاء ١٩٧٩ يذهب مولود بداية إلى تبة باشِ، ويشتري بوظة خامًا من شاحنة بوظة وفا التي توزع على أحياء باعة البوظة منذ سنتين، ويذهب ليعمل نادلًا في مطعم كارلِأوفا من الساعة الثانية عشرة إلى الثالثة. بين الساعة الثالثة والسادسة يوصل لبنًا دسمًا لثلاثة مطاعم مثل مطعم كارلِأوفا، ثم يعود إلى البيت، وينام قليلًا وهو يفكر بالرسالة التي سيرسلها إلى رائحة، ويعود ثانية إلى مطعم كارلِأوفا في السابعة. بعد أن يعمل لثلاث ساعات مساء في مطعم كارلِأوفا، أي عندما يبدأ السكارى والغاضبون والمتململون والمشاكسون بالشجار، يخلع مولود المريلة، ويخرج لبيع البوظة في الأزقة الباردة. ولأن محبي البوظة ينتظرونه، ويحب السير وحيدًا في الليل، ويكسب من بيع البوظة أكثر مما يكسب من عمله نادلًا ولبَّانًا، فلم يكن يشكو من عمله هذا في نهاية اليوم. فوق هذا فإن شراء البوظة من الباعة الجوالين ليلًا ينتشر مقابل تراجع بيع اللبن. وللصراع القومي ـ الشيوعي المسلح في الليل تأثير بهذا الأمر. أصبحت العائلات التي تخشى من الخروج إلى الشارع حتى في يوم السبت تستمتع بانتظار بائع البوظة الذي يسير على الرصيف من نوافذها، والاستماع إلى صوته المبحوح، وتخيُّل الزمن القديم وهي تشرب البوظة. على الرغم من تراجع بيع اللبن، فإن باعة اللبن القدماء من بيه شهير مازالوا يكسبون جيدًا بفضل البوظة. سمع مولود من باعة بوظة وفا أنفسهم بأن كثيرين من باعة البوظة أصبحوا يعرّجون على أحياء بالاط وقاسم باشا وغازي عثمان باشا التي كانوا نادرًا ما يعرجون عليها. يبقى الليل لعصابات الملصقات المسلحة، والكلاب، وممتهني نبش صفائح الزبالة، وباعة البوظة، وبعد خروج مولود من صخب المطعم، وزحام بيه أوغلو، ونزوله الطريق المظلم والصامت في النواحي الخلفية لفريكوي، يشعر بأنه في بيته وعالمه. أحيانًا تتحرك أغصان شجرة عارية دون وجود أي ريح، ويبدو الشعار السياسي المكتوب على سبيل ماء محطم رخامه وصنبوره وكل شيء فيه مألوفًا من جهة، ومخيفًا كغراب يناديه من مقبرة المسجد الخلفية الصغيرة من جهة أخرى. ينادي مولود حينئذ نحو الزمن الماضي غير المتناهي: «بوووووظة!». أحيانًا ينظر إلى نافذة بيت صغير ويتخيل أنه سيعيش مع رائحة في بيت كهذا مستقبلًا، ويحلم بالأيام الجميلة القادمة. فرحات. قلت: «إذا كانت البنت ـ اسمها رائحة، أفليس كذلك؟ ـ في الرابعة عشرة حقيقة كما تقول، فهي مازالت صغيرة جدًّا». قال مولود: «ولكننا لن نتزوج فورًا. سأذهب إلى الجندية أولًا... وعندما أعود من الجندية، تكون قد وصلت إلى سن الزواج». «لِمَ تنتظرك فتاة لا تعرفها نهائيًّا، وفوق هذا جميلة جدًّا؛ حتى تعود من الجندية؟». قال مولود: «فكرت في هذا الموضوع، ولديَّ جوابان. الأول: لا أعتقد أن التقاء أعيننا في العرس هو نصيب فقط. يجب أن تكون لها نية أيضًا. لماذا سارت من طاولتها نحو طاولة والدها عندما كنت أنا هناك بالضبط؟ حتى وإن كانت هذه مصادفة، فبرأيي أن رائحة أيضًا اعتبرت أن للقائنا، وتقابل أعيننا معنًى خاصًّا». «كيف التقت أعينكما؟». «تلتقي عيناك بعيني واحدة، وتشعر بأن حياتك كلها ستمضيها معها..». قلت: «اكتب هذا الشعور. كيف نظرت إليك؟». «لم تنظر أمامها بشعور الذنب كالفتيات كلهن عندما يراهن رجل... نظرت إلى عيني مباشرة، وبكبرياء». «كيف نظرت إليها أنت؟ مثّل كيف نظرت». نظر مولود بإحساس كأن رائحة أمامه ولست أنا، وقد نظر إليَّ نظرة قلبية أثرت بقلبي. «فرحات، أنت تكتب رسالة أفضل مني. كانت حتى الفتيات الأوربيات يتأثرن برسائلك». «حسنٌ، ولكنك يجب أن تخبرني بما وجدته في هذه الفتاة. ما الذي تحبه فيها؟». «لا تقل عن رائحة: هذه الفتاة. أحب كل شيء فيها». «حسنٌ، قل واحدًا من هذه الأشياء..». «عيناها السوداوان... تبادلنا النظر بقرب شديد». «أكتب هذا... وغيره... هل تعرف شيئًا آخر؟». قال مولود باسمًا: «لا أعرف شيئًا آخر عنها؛ لأننا لم نتزوج بعد..». «هل تستطيع أن تعرفها إذا رأيتها غدًا في الشارع؟». «لا أعرفها من بعيد، ولكنني أعرفها من عينيها فورًا. أصلًا الجميع يعرفون كم هي جميلة». قلت: «إذا كان الجميع يعرفون بأن هذه الفتاة جميلة، (كنت سأقول له إنهم لا يتركونها لك، ولكنني اكتفيت بقول: قضيتك صعبة)». «افعل أي شيء من أجلها». «ولكنني أنا أكتب الرسالة». «هل ستكتب الرسالة دون أن تجرحني؟». «سأكتبها. ولكن الأمر لا يتم برسالة، أنت تعرف هذا». «هل أجلب لك ورقة وقلمًا؟». انقطع كلامنا بعد قليل لأن الولدين الماردينيين عاملي الجلي دخلا من الباب. ١٦ كيف تكتب رسالة الغرام؟ السهام الأسطورية المنطلقة من عينيك أخذت كتابة الرسالة الأولى لرائحة كثيرًا من وقتهما. عندما بدآ بكتابة الرسالة، كانت قد أطلقت النار على كاتب الزاوية الشهير في جريدة ملييت جلال صاليك في شباط ١٩٧٩ وسط الشارع في نيشان طاشِ، وغادر شاه إيران بلده، ونزل آية الله خميني بطائرة في طهران. وبالجرأة التي استمدها الولدان عاملا الجلي من توقعهما هذه الأحداث قبل وقوعها، بدآ ينضمان إلى حديث مولود وفرحات، ويطرحان فكرهما في موضوع رسالة الغرام. ما جعل الجميع يشاركون بإبداء أفكارهم، هو تفاؤل مولود غير المحدود. لا يبالي عندما يسخرون من عشقه، ويبتسم. لم يكن مولود يتردد عندما يدسون عبارات من قبيل: «اشترِ لها مصاص التفاح هدية!»، أو «لا تقل لها إنك نادل، وقل إنك تعمل في قطاع صناعة الأطعمة!»، أو «اكتب بأن عمك وضع يده على مقسمكم». وبعد أن يبتسم من كل قلبه، يتابع النقاش. بعد الحوارات الطويلة المستمرة أشهرًا، قرروا بأن الرسالة يجب أن تعتمد على خيال مولود حول رائحة، وليس على خياله حول النساء. ولأن ما يعرفه مولود عن رائحة هو عيناها، فالأكثر منطقية هو كتابته حول هذا الموضوع. قال مولود ذات ليلة: «في أثناء مسيري ليلًا في الأزقة، أرى تينك العينين أمامي فجأة». أعجب فرحات بهذه الجملة كثيرًا، فكتب في مسودة الرسالة «عينيك». في الحقيقة أن فرحات قال بأنه لا ضرورة لكتابة المسير ليلًا في الأزقة لأنها تُذكّر ببيع البوظة، ولكن مولودًا لم يرد عليه. لأن رائحة ستعرف ذات يوم بالتأكيد أنه بائع بوظة. وبعد تردد طويل لا ينتهي، كتب فرحات الجملة الثانية على النحو الآتي: «السهام الأسطورية المنطلقة من عينيك تُغرز في قلبي». وجدوا أن كلمة «الأسطورية» كلمة نادرة الاستخدام، فقال الولد المارديني: «تستخدم هذه الكلمة لدينا كثيرًا». فاكتسبت مشروعية. إعطاؤهم قرارًا بهاتين الجملتين أخذ أسبوعين من وقتهم. في أثناء بيع البوظة ليلًا، كان مولود يكرر هاتين الجملتين من ذاكرته، ويفكر بتململ كيف يجب أن تكون الجملة الثالثة. «أصبحتُ أسيرك، وبعد أن حفرت نظراتك قلبي، لم أعد أستطيع رؤية غيرك». كانت هذه هي الجملة التي وافق عليها كل من مولود وفرحات. لأن رائحة يجب أن تفهم بأن التقاء نظرهما جعله أسيرها. في واحدة من الليالي التي كتبا فيها هذه الجملة الثالثة، سأل المتفائل والمرتاح من العاملين الماردينيين: «أخي، هل تفكر بهذه الفتاة طول اليوم حقيقة؟»، وعندما رأى مولودًا قد صمت فترة، وضح سؤاله كأنه يعتذر: «ما الذي تفكر فيه بواحدة لم ترها سوى لحظة؟». قال فرحات بغضب لا لزوم له من أجل أن يحمي مولودًا: «نحن نكتب هذا يا مخبول!.. إنه يفكر بعينيها..». «لا يا أخي، لا تفهم الأمر خطأ، أنا أعطي الحق للأخ مولود بغرامه، وأحترمه. ولكنني أرى ـ وعدم المؤاخذة على طرح هذه الفكرة ـ أن الإنسان إذا عرف الفتاة، يعشقها أكثر». قال فرحات: «كيف يعني؟». «لدينا صديق مارديني، يعمل في الأعلى، في مصنع إجزاجي باشِ للأدوية. يرى كل يوم فتاة بعمره تعمل بالتغليف. الفتاة ترتدي صدرية زرقاء مثل بقية فتيات التغليف. كل يوم يلتقي المارديني والفتاة ثماني ساعات، ويتحدثان لضرورة العمل. شعر صديقنا بداية بمشاعر غريبة، وخربت طبيعته، وذهب إلى المستوصف. أي أنه لم يدرك بداية أنه مغرم بالفتاة، وحتى لم يقبل بهذا. لأن الفتاة ليست جميلة، وليس فيها شيء مميز. ولكنه وقع بغرامها لمجرد أنه يقابلها ويتحدث إليها يوميًّا. هل هذا ممكن؟». سأل مولود: «كيف انتهت الأمور؟». «أعطوا الفتاة لرجل آخر. وعندما عاد صديقنا إلى ماردين، انتحر». للحظة خاف مولود أن يتعرض للنهاية نفسها. كم نوى على رائحة التي تقابلت عيناه بعينيها؟ كان مولود يعترف بواقعية بجانب المصادفة لهذا اللقاء في الليالي التي لا يشرب فيها العرق. ولكنه عندما يشعر بالغرام بعمق، يقول: لا يمكن أن يتأجج شعور كهذا إلا إذا أراد جناب الله. أما فرحات فقد كان يرغب كثيرًا بأن يقول مولود إن لرائحة نية بتلك المواجهة اللحظية. وهكذا يكتب: «فكّرت، بأنك لولا نيتك الظالمة لما قطعت الطريق بنظرتك المفعمة بالمعاني، وسرقت قلبي كاللصوص». من السهل اختيار كلمة الخطاب في وسط الرسالة، ولكنهما لم يقررا نهائيًّا كيف سيخاطبها مولود في بداية الرسالة. ذات ليلة جاء مولود بكتاب «أجمل رسائل الغرام وبعض النماذج». قرأ فرحات بعض نماذج الخطاب التي اختارها من الكتاب بصوت مرتفع لتؤخذ مأخذ الجد، ولكن مولودًا كان يعارض في كل مرة. لا يمكن أن يخاطب رائحة بخطاب: «السيدة»، ولا «السيدة المحترمة»، وكما أن «السيدة الصغيرة» غريبة بالطريقة نفسها. (على الرغم من هذا، فإن كلمة «الصغيرة» مناسبة) وكان مولود يجد شيئًا من الاستخفاف بعبارات: «حبيبتي»، «جميلتي»، «صديقتي»، «ملاكي»، «فريدتي». (كان الكتاب يحمل كثيرًا من التحذيرات؛ لكي لا تحمل الرسائل الأولى استخفافًا). أخذ مولود الكتاب من فرحات في ذلك المساء، وبدأ يقرأ بدقة. وإذا كان مولود قد أعجب بمداخل مثل: «ذات النظرات المغماة»، «ذات النظرة الحيوية»، «ذات النظرة المفعمة بالأسرار»، فإنه خشي أن تؤدي إلى خطأ بالفهم. ولم يقررا على عبارة «يا ذات العينين الذابلتين» إلا بعد أن كتبا تسع عشرة جملة، وأنهيا الرسالة. عندما وجد فرحات أن الكتاب ألهم مولودًا، بحث عن كتب أخرى. بعد أن تجول في مستودعات مكتبات منطقة الباب العالي المغَبَّرة التي ترسل إلى الريف كتب «الشعر الشعبي»، و«قصص المصارع»، و«الإسلام والجنس»، و«ماذا يجب أن نفعل ليلة الدخلة؟»، «قيس وليلى»، «تفسير الأحلام الإسلامية» المحببة هناك، وجد ستة كتب أدلة كتابة رسائل غرام، وجلبها لصديقه. ينظر مولود مطولًا إلى صور أغلفة الكتب الورقية التي تضم نساء بعيون زرقاء وشعرٍ خرنوبي، وبشفاهٍ وأظافرَ مصبوغة بالأحمر، وبشرة شديدة البياض، مع رجال بربطات عنق بمواقف تشبه مواقف الأفلام الأمريكية، ويفصّل أوراقها الصفراء ذات الرائحة الجميلة بسكين المطبخ بعناية، وعندما يكون لديه وقت، أي إما قبل أن يخرج لبيع اللبن صباحًا، وإما عندما يعود ليلًا من بيع البوظة إذا تمكن من البقاء وحده، يقرأ نماذج الرسائل، ونصائح الكتاب للعشاق بانتباه. هناك بنية مشتركة للكتب المتشابهة كثيرًا: تم تصنيف الموضوعات بحسب المصادفات، وتبادل النظر، والمقابلات، واللقاءات الأولى، والسعادة، والشوق، والجدل. في أثناء قراءة مولود الصفحات الأخيرة من هذه الرسائل من أجل البحث عن تعابير وقوالب، عرف بأن كل قصة حب لا بد أن تمر بعدة مراحل. ومازال هو ورائحة في بداية الأمر. في بعض الكتب هناك إلى جانب الرسائل التي يكتبها الرجال، نماذج للرسائل التي ترد بها الفتيات. تدب الحياة بخيال مولود لمختلف أنواع الناس الذين يعيشون ألم الغرام، ومتعة الدلال، وخيبة الأمل، ويقارن وضعه وإنسانية هؤلاء الأشخاص في أثناء اكتشاف حياة الآخرين كأنه يقرأ رواية. الموضوع الآخر الذي جذب اهتمامه هو الغرام المنتهي بالفشل، والانفصال. عرف من هذه الكتب بأن العاشقين اللذين «لا تنتهي مغامرة عشقهما بالزواج» يمكن أن يطلبا استرداد رسائلهما. قال ذات مساء بعد الكأس الثانية من العرق: «إذا ساءت الأمور لا سمح الله، وطلبت مني رائحة الرسائل التي كتبتها لي، فسأردها. ولكنني لن أطلب استعادة ما كتبته لها، ويمكن أن تبقى لدى رائحة حتى يوم الدين». على غلاف أحد كتب الأدلة هناك صورة لامرأة ورجل أوربيين بحالة عاطفية وجدل في آن واحد، وعلى طاولة أمامهما رزمة رسائل غرام مربوطة بشريط زهري. عزم مولود على كتابة رزمة مثل تلك، أي كتابة مائة وخمسين أو مائتي رسالة. وفهم ضرورة إقناع رائحة بنوع ورق الرسالة ورائحته، وظرفها، وبالطبع الهدية التي سيرسلها معها. يناقشان الأمر حتى الصباح. ناقشا طوال فترة الخريف الحزين، وحتى الصباح أي رسائل وأي رائحة يجب أن تدهن، وجربا بعض الروائح الرخيصة. خلال الأيام التي قررا فيها بأن إرسال خرزة حسد على شكل عين أفضل هدية تحمل معنى، أربكت مولودًا رسالة أخرى. انتقلت الرسالة الموضوعة في ظرف حكومي من ورق أصفر غليظ من يد إلى يد، وعرف كثيرٌ من الأشخاص مضمونها قبل أن يعطيها سليمان لمولود ذات مساء. بدأت الدولة تسأل عن مولود في القرية من أجل أن يخدم جنديته؛ بسبب انقطاع علاقته بثانوية أتاتورك. في الأيام التي يذهب فيها مولود وفرحات إلى سلطان حمام والسوق المسقوف لاختيار خرزة الحسد والمنديل من أجل إرسالهما لرائحة، جاء شرطي مدني من مخفر بيه أوغلو إلى المطعم، وسأل عن مولود، وعلى الرغم من المفاجأة وعدم الاستعداد، تصرف عمال المطعم كما يتصرف الجميع في إسطنبول في الحالات المشابهة، وقالوا: «ها، ذاك؟ عاد إلى القرية!». قال قدري الكردي: «إرسالهم الدرك إلى القرية، ومعرفتهم أنك لست هناك يأخذ شهرين. الهاربون من الجندية بعمرك إما أن يكونوا أولاد الأغنياء الأكابر الذين لا يحتملون الضغط، وإما من تدبر حيلة، وبدأ يكسب النقود، ولا يريد أن يغادر الساقية التي يأتيه منها المال. كم عمرك أنت يا مولود؟». «اثنتان وعشرون». «أصبحت كالبغل. اذهب إلى الجندية. هذا المطعم سيفلس. والنقود التي تكسبها ليست نقودًا. هل تخاف من الضرب في العسكرية؟ لا تخف، تأكل قليلًا من الضرب، ولكن الجيش عادل. إذا انضبطت فلن يضربوا ولدًا نظيف الوجه مثلك كثيرًا». قرر مولود أن يذهب إلى الجندية بسرعة. نزل إلى شعبة تجنيد بيه أوغلو في ضولمة بهتشة، وفي أثناء تقديمه الرسالة لضابط هناك، أنّبه ضابط آخر لأنه يقف في المكان الخطأ. خاف مولود، ولكنه لم يهلع. عندما خرج إلى الشارع، شعر بأنه سيعود إلى الحياة الطبيعية بعد الجندية. فكر بأن والده سيتلقى القرار بفرح. ذهب إلى تل الرماد، والتقى به. تبادلا القبل، وتصالحا. بدا البيت بحالته الفارغة تلك أشد أسى وحزنًا. أدرك مولود كم يحب هذه الغرفة التي قضى فيها عشر سنوات من حياته. فتح خزانة المطبخ، أثار مشاعر الحزن لديه القِدر القديم كثير الاعوجاج، والشمعدان الصدئ والشوكة والسكين المثلمة. معجون النافذة المطلة على تل التوت الجاف يفوح برائحة ذكرى ليلة رطبة. ولكنه خاف من قضاء الليل هناك مع والده. قال والده: «هل تذهب إلى بيت عمك؟». قال مولود وهو يعرف بأن والده يعرف أنه كذب: «لا، لا أراهم نهائيًّا». قديمًا لم يكن يطلق كذبة كهذه فورًا ودون أي مواربة، ويجد جوابًا لا يحوي كذبًا، ويُحْزِن والده بشكل أقل. عند الباب فعل ما يفعله من العيد إلى العيد: قبّل يد والده باحترام. قال مصطفى أفندي لابنه وهو يودعه: «ستصبح رجلًا في العسكرية!». لماذا قال له والده في اللحظة الأخيرة هذه الجملة المهينة؟ في أثناء نزوله من تل الرماد نحو موقف الحافلة كانت عينا مولود مغرورقتيْن بسبب هذه الجملة؛ وبسبب دخان الفحم الحجري. عندما ذهب إلى دائرة التجنيد في بشكطاش بعد ثلاثة أسابيع، عرف بأنه سيعمل دورة الأغرار في بورضور. فجأة نسيَ أين تقع بورضور، وارتبك. قال الولد المارديني الأكثر شحوبًا عند المساء: «لا تشغل بالك يا أخي، تنطلق أربع حافلات كل مساء من مركز حافلات الحرم إلى بورضور». وعَدَّدَ أسماء شركاتها. بعد أن قال: «الأفضل هي شركة «غضنفر بيلغة»»، تابع قائلًا: «ما أجمل هذا، إنك تذهب إلى الجندية وفي قلبك اسم حبيبة، وفي ذهنك عيناها. إذا كانت لديك حبيبة تكتب إليها الرسائل، تمضي الجندية بسهولة يا أخي... من أين أعرف؟ لدينا صديق مارديني..». ١٧ أيام جندية مولود وهل هذا بيتك هنا؟ تعلم مولود خلال ما يقارب سنتي الجندية كثيرًا من الأشياء في موضوع الحضور دون لفت النظر في المدن النائية والجيش ووسط الرجال الآخرين والزحام؛ مما جعله يؤمن بمقولة: لا ينضج الإنسان دون أن يخدم الجندية؛ حتى إنه بدأ يستخدم صياغة أخرى لهذه العبارة: «لا يصبح الإنسان رجلًا قبل أن يذهب إلى الجندية». لأن أكبر اكتشافاته في الجندية هو وجوده الجسماني والرجولي ورهافته. لم يكن مولود يستطيع قديمًا ـ أي قبل ذهابه إلى الجندية ـ أن يميز بين جسمه وروحه وفكره، ويعتبرها كلها «أنا». أما في الجندية فقد تعلم منذ المعاينة الأولى بأنه لن يستطيع امتلاك جسده بشكل كامل، وحتى إنه إذا سلّمه للضباط القادة يمكن أن ينقذ روحه، وبفضل إنقاذ روحه يتمكن من امتلاك أفكاره وأحلامه. في المعاينة الشهيرة التي يحضرها المرضى دون معرفتهم أنهم مرضى (باعة مصابون بالسل، عمال ضعاف البصر، منجدون صم)، وأبناء الأغنياء الحاذقون الذين يدفعون رِشًا للأطباء للتهرب من الجندية بإعفائهم منها، قال لمولود طبيب مسنّ عندما رآه خجلًا: «اخلع ثيابك يا بُنَيَّ، هذا مأوى الجنود، كلنا ذكور». وثق مولود بلسان الطبيب الحلو، وخلع ثيابه، واعتقد بأنه سيعاينه فورًا، ولكنه أدخله دورًا لفقراء عاطلين عن العمل ومساكين يرتدون سراويل داخلية فقط مثله. لم يُسمح لأي منهم بوضع قميصه وسرواله جانبًا خشية السرقة. كل من الواقفين بالدور يمسك حذاءه بحيث تنطبق أرضيتا الفردتين كالمؤمنين الداخلين إلى الجامع، ويضع ألبسته فوقه بعد طيها، وفوقها ورقة المعاينة التي ختمها الطبيب المعاين، ووقعها. بعد أن وقف مولود بالدور الذي لا يتحرك نهائيًّا في دهليز بارد مدة ساعتين، عرف أن الغرفة ليس فيها طبيب بعد. وغير معروف معاينة ماذا هذه. يقول البعض: فحص نظر، ومن يستطع تقليد المصاب بقصر النظر جيدًا فسينفد من العسكرية، ويقول البعض بنبرة مهددة: «عندما سيأتي الطبيب، سينظر إلى مؤخراتنا وليس إلى أعيننا، وسيفرز اللوطيين قبل أن يعملوا عسكريتهم». خاف مولود كثيرًا من نظر أحد إلى أكثر مناطق جسمه حرمة أو مد إصبعه إليها، أو فرزه جانبًا على أنه لوطي (سينكس بين حين وآخر شعوره الثاني بالخوف هذا طوال فترة الجندية)؛ مما جعله ينسى خجله من عريه، ويدخل بحديث مع الشباب الآخرين. أغلبهم مثله قادمون من القرى، وعاشوا في أحياء المخالفات، والجميع يفاخر وصولًا إلى أكثرهم مسكنة وخبلًا بأن لديهم «واسطة». تذكر الحاج حميد الذي لا علم له بذهابه إلى الجندية، وقال مباهيًا بأن لديه واسطة قوية جدًّا تمكنه من خدمة عسكرية مريحة جدًّا. وهكذا أدرك مُذ اليوم الأول أنه يحمي نفسه من هجوم الشبان الآخرين وسخريتهم بتكراره وجود واسطة لديه. عندما كان يروي لشاب له شارب مثله يقف خلفه بالدور (كان مولود يفكر بأنه فعل حسنًا بإطلاق شاربه) عن الحاج حميد فورال، وعدله وحبه للمساعدة ومعرفة الجميع له، صرخ أحد الضباط لمن بالدور: «اسكت!». صمت الجميع وهم يرتجفون. «لا تثرثروا كالنساء في الحمام. لا تضحكوا. كونوا وقورين. هذه عسكرية. لا تتضاحكوا مصدرين أصواتًا غريبة كالبنات!». لم تغب تلك اللحظة التي أمضاها في المستشفى عن باله في أثناء تناومه في حافلة بورضور. بعضهم ستروا عريهم بألبستهم وأحذيتهم عندما دخل الضابط، وبعضهم تظاهروا بالخوف الشديد حقيقة من الضابط، وتضاحكوا أكثر مما كانوا يتضاحكون بعد ذهابه. كان مولود يعرف بأنه يستطيع التأقلم مع هذين النوعين من الناس، ولكنه خشيَ من الشعور بالغربة والوحدة خلال الجندية فيما إذا كان الجميع على هذا النحو. ولكنه لم يجد الوقت للشعور بالغربة والوحدة من بدء فترة تدريب الأغرار حتى أدائه القسم. كل يوم يركض مع السرية ساعتين أو ثلاثًا وهم يرددون الأهازيج، ويقفزون الحواجز، ويعمل حركات ألعاب قوى تشبه التي كان كريم الأعمى يجعلهم يعملونها في درس الرياضة في الثانوية، ويحيّون عساكر حقيقيين أو خياليين مئات المرات ليتدربوا على هذا العمل. عملية أكل الضرب من الضابط التي تخيلها مرات عديدة قبل ذهابه إلى الجندية، تحولت بعد دخول مولود إلى الموقع العسكري بثلاثة أيام إلى عمل عادي كثيرًا ما يتكرر أمام الأعين. يمسك أحد المخبولين قبعته بشكل خاطئ على الرغم من تنبيه الرقيب أول كثيرًا، فيأكل صفعة على وجهه؛ أهبل آخر يحني أصابعه في أثناء أداء التحية، فيتلقى لطمة؛ آخر يخلط بين يساره ويمينه للمرة الألف في أثناء التدريب، فيسمع شتائم الضابط المهينة، ويمارس تمرين الضغط على الأرض مئة مرة برفقة ضحك الكتيبة كلها. في أثناء شرب الشاي مساء، قال له «أمره شاشماظ الأنطالي»: «أخي، لو قالوا لي إن هناك هذا العدد من المخبولين والأغبياء في البلد، لما صدقت». يقول إن لديه محلَّ بيع قطع تبديل سيارات، ويحترمه مولود لأنه شخص جاد. «لا أصدق حتى الآن وجود كل هؤلاء الأغبياء. هؤلاء لا يمكن أن يتعقلوا بالضرب». اعترض أحمد الأنقروي قائلًا: «أخي، هل يأكل هؤلاء كل هذا الضرب لأنهم مخبولون، أم أنهم مخبولون لأنهم يأكلون كل هذا الضرب؟ هذا هو الموضوع الأساسي الذي يجب أن نناقشه. وهذا عنده دكان لوازم خياطة. فهم مولود بأنه يجب أن يكون صاحب دكان على الأقل ليصدر أحكامًا حول المخبولين. في الحقيقة أنه لم يكن معجبًا بهذين المتثاقفين اللذين وجد معهما بالمصادفة في السرية نفسها. قائد الكتيبة الرابعة المضروب بعقله آذى الجندي الدياربكري (كان يمنع في الثكنة العسكرية استخدام كلمة كردي أو علوي) كثيرًا إلى درجة أنه شنق نفسه في أثناء تنفيذه عقوبة الحبس المنفرد. لم يحزن صاحبا الدكانين الصغيرين على هذا الانتحار كما حزن هو، حتى إنهما أخذا الضابط مأخذ الجد بقولهما عن الجندي «مصروع» فغضب منهما. ومثله مثل كثير من الجنود يفكر بالانتحار أيضًا، ثم يمازح مثل الجميع، ويتمكن من النسيان. في الفترة نفسها، في أثناء خروج الجنديين صاحبي الدكانين من المطعم ضاحكين، اصطدما برائد في لحظة عصبية. شاهد مولود نيلهما كفين على وجههما الحليق جيدًا؛ بسبب إمساك قبعتيهما بشكل خاطئ من بعيد بمتعة وصمت. قال أحمد الأنقروي مساء في أثناء شرب الشاي: «بعد الجندية، سأبحث عن ذلك الرائد المنيوك، وألاحقه حتى ثقب أمه الذي نزل منه». قال أمره الأنطالي: «أنا لم أهتم يا أخي، وهل هناك منطق في الجندية؟». احترم مولود مداهنة الأنطالي الذي نسيَ الصفعة وتلويه السياسي. ولكن مقولة: «هل هناك منطق في الجندية؟» لم تكن رأيه، بل شعار الضباط. عندما يُسألون عن منطق أمر ما أصدروه، يغضبون، ويصرخون قائلين: «نعاقبكم على مدى عطلتي نهاية الأسبوع دون أي منطق أو سبب، ونزحّفكم جميعًا على الطين، ونسوّد عيشتكم». وينفذون ما يقولون. بعد عدة أيام أكل مولود صفعتين على وجهه، وقرر أن الضرب ليس أمرًا مخيفًا جدًّا كما بالغ فيه بتصوره. لعدم وجود أي عمل تقوم به السرية، أرسلت بمهمة تنظيف منطقة، وجمعت كل ما هناك من أعواد ثقاب وأعقاب سجائر وأوراق أشجار جافة. وما إن تفرق كلٌّ في زاوية لتدخين سيجارة، حتى ظهر أمامهم ضابط كالعملاق صرخ: «ما هذا ولاه؟» (مازال مولود لا يستطيع قراءة الرتبة من الخطوط التي على الياقة). صف السرية، وصفع كل عنصر من عناصرها صفعة بيده الضخمة على وجهه. تألم مولود كثيرًا، ولكنه كان مسرورًا لأنه تجاوز ما خافه كثيرًا ـ الضرب أول مرة ـ دون مشكلة. تدحرج على الأرض نظمي النازللي الطويل الواقف في مقدمة الصف بقوة الصفعة، وكاد أن يرتكب جريمة نتيجة الغضب. أراد مولود أن يسليه، فقال له: «لا تهتم يا أخي، انظر هل أهتم أنا؟ مرت، وانقضت». قال النازللي غاضبًا: «لأنه لم يضربك بقوة كما ضربني. وجهك جميل كوجه النساء، وهذا هو السبب». فكر مولود بأن هذا يمكن أن يكون صحيحًا. قال آخر: «لا يميّز الجيش بين جميل وبشع ووسيم ومن لا شكل له. وهل لكل شخص رمز؟». «صحيح، السمر وأصحاب النظرة المظلمة يأكلون ضربًا أكثر يا شباب، علينا ألا نخدع أنفسنا». لم يشارك مولود بنقاش الضرب. وأقنع نفسه بأنه نيله الضرب لسبب لم يقترفه، لا يجرح كرامته. بعد يومين أوقفه ملازم في أثناء سيره مفتوح الرقبة والصدر «عدم انضباط» شاردًا بأفكاره (ترى كم مضى على إيصال سليمان الرسالة لرائحة؟). صفع مولودًا كفين براحة كفه وقفاه بسرعة. وقال له: «أهبل، وهل هذا بيتك؟ في أي سرية أنت؟»، وتابع طريقة دون أن ينتظر جواب مولود. على الرغم من تلقيه كثيرًا من الضرب طوال عشرين شهر الجندية، فإن هاتين الصفعتين أكثر ما جرح قلب مولود. نعم، لم يفكر حينئذ بقبعته ولا بتحيته ولا بمسيره لأنه كان يفكر برائحة. دخل مولود في ذلك اليوم السرير قبل الجميع، وسحب اللحاف إلى فوق رأسه، وفكّر بحياته الحزينة. يريد أن يكون مع فرحات والولدين الماردينيين في بيت طرلاباشِ بالتأكيد، ولكن ذاك في الحقيقة ليس بيته. كأن هذا ما قصده الملازم من قوله: «وهل هذا بيتك؟». البيت الوحيد الذي يخطر بباله الآن هو كوخ تل الرماد الذي يتخيل والده الآن فيه يتناوم وهو ينظر إلى التلفاز، وهذا مازال دون سند تمليك. صباحًا، يفتح أحد أدلة الرسائل التي يخبئها تحت كنزاته في أسفل الخزانة بشكل عشوائي، ويقرأ خلف باب الخزانة صفحة أو دقيقتين ثلاثة تشغل خياله طوال النهار، وفي أثناء التدريب الممل والركض يؤلف كلمات الرسائل التي سيكتبها لرائحة. ويحفظ الكلمات الجميلة على طريقة الشعراء الذين يكتبون في السجن دون ورقة وقلم، وخلال إذن السُّوق في نهاية الأسبوع، يكتبها بعناية، ويرسلها إلى تل التوت. الجلوس إلى طاولة في زاوية مركز انطلاق الحافلات دون أن يعرّج على المقاهي والسينمات التي يقصدها الجنود جميعًا، وكتابة رسالة إلى رائحة كانت سعادة، وتشعر مولودًا بأنه شاعر. عندما أنهى مولود دورة الأغرار على مدى أربعة أشهر، تعلم استخدام البندقية جي ٣ (أفضل قليلًا من الآخرين)، وتقديم الصف، والتحية، وعدم لفت النظر، وتنفيذ الأوامر (بقدر الجميع)، والمسايرة، والكذب أو الازدواجية عند الضرورة (أقل قليلًا من الآخرين). لم يكن يستطيع التوصل إلى قرار ما إذا كان لا ينجح بتنفيذ بعض الأمور بسبب فشله أم قيمه الأخلاقية. كان الضابط يقول: «انظروا إليَّ، أنا ذاهب الآن، وسأعود بعد نصف ساعة، وستستمر السرية بالتدريب دون أي توقف، مفهوم؟». كانت السرية كلها تصرخ: «حاضر سيدي!». ولكن ما إن ينعطف الضابط عند زاوية بناء القيادة الأصفر، حتى يتمدد نصف أفراد السرية على الأرض، ويبدءون بالتدخين والثرثرة، ونصف الباقين يستمرون بالتدريب حتى يتأكدوا من أن الضابط لن يعود بشكل مفاجئ، ونصفهم الآخر يتظاهر بأنه مستمر بالتدريب (كان مولود من هذه المجموعة الأخيرة). ولأن المستمرين بالتدريب بصدق وإيمان يتعرضون للسخرية، وحتى إنهم يوخزون ويلكزون مع القول: «هل أنت مجنون؟» إلى أن يتوقفوا، فإن أحدًا لا يلتزم بأوامر الضابط. ما لزوم كل هذه الأمور؟ في الشهر الثالث من الجندية، وفي أثناء شرب الشاي ذات مساء، استجمع جرأته، وطرح على صاحبي الدكانين هذا السؤال الأخلاقي الفلسفي. قال الأنطالي: «أنت حقيقة ساذج جدًّا يا مولود». كان مولود يقول لنفسه: «لو لديَّ دكان مثلهما ولو صغيرًا، لأنهيت الثانوية والجامعة بالتأكيد، وخدمت جنديتي ضابطًا. يرى أنه إذا انفصل عن صاحبي الدكانين اللذين لم يعد يحترمهما، ودخل بين الآخرين فسيبقى يؤدي دور «الولد المخبول الازدواجي المرسل لجلب الشاي»، وسيمسك إبريق الشاي المكسور مقبضه بالقبعة مثل الجميع. سحب بالقرعة كتيبة الدبابات في قارص. كان هناك محظوظون سحبوا المنطقة الغربية، وحتى إسطنبول. يقال بأن هذه القرعة ملعوب بها. ولكن مولودًا لم يشعر بالغيرة والغضب، ولم يحزن لأنه سيمضي ستة عشر شهرًا في الشرق على الحدود الروسية في أفقر المدن التركية وأبردها. ودون أن يعرج على إسطنبول، غيّر حافلته في أنقرة، وذهب بيوم واحد إلى قارص. في تموز من عام ١٩٨٠، كانت قارص مدينة فقيرة جدًّا، وعدد سكانها خمسين ألف نسمة. في أثناء سير مولود من مركز انطلاق الحافلات إلى قيادة الموقع العسكري في مركز المدينة تمامًا، رأى أن الشعارات السياسية اليسارية تغطي الأزقة، وتذكر أنه رأى بعضها على جدران تل الرماد. وجد مولود قيادة الموقع العسكري هادئة ومطمئنة. كان الجنود خارج الصراع السياسي في المدينة ما عدا عناصر تشكيلات المخابرات القومية. كان الدرك ينفذون مداهمات على القرى التي تعمل بتربية المواشي، ومرابط الأبقار التي تصنع الجبن من أجل القبض على الناشطين اليساريين، ولكن فصائل الدرك كانت بعيدة. في الشهر الأول من مجيئه إلى المدينة، وردًّا على سؤال الضابط في الاجتماع الصباحي، قال إنه عمل في الحياة المدنية نادلًا. وهكذا بدأ العمل في مطعم نادي الجيش. هذا ما أبعده عن مناوبات الحراسة الليلة الباردة، وأوامر ضباط السرية العشوائية والعبثية. أصبح يجلس إلى طاولة المهجع الصغيرة، أو إلى طاولة في مطبخ مطعم الجيش عندما لا يكون ثمة من ينظر نحوه، ويجد الوقت لكتابة الرسائل لرائحة، والاستماع لأغاني الأناضول الشعبية، ولأغنية «لا تُنسى تلك النظرة الأولى التي ملأت قلبي» على مقام نهاوند من أمل صاين أو إرول صاين، ويملأ صفحات. المفرزون إلى أعمال مثل «الكتابة» و«الدهان» و«الصيانة» في مقر القيادة، ويبقون في المهجع متظاهرين بأنهم يقومون بعمل ما، لدى أغلبهم مذاييع ترانسستور صغيرة في جيب سري. مع تطور ذائقة مولود الموسيقية في ذلك العام، كتب كثيرًا من الرسائل لحبيبته ذات «نظرة الدلال» و«عينين المها»، و«العينين الناعستين»، و«العينين الفحميتين»، و«العينين المخمورتين»، و«النظرة الفاتنة»، و«العينين الخنجريتين»، و«النظرة الأسطورية» مستلهمها من الأغاني الشعبية. مع استمرار الكتابة لها، يشعر بأنه يعرفها منذ الطفولة، وله ماضٍ روحي مشترك معها. كأنه في كل رسالة وجملة وكلمة يحافظ على هذا القرب من رائحة، ويشعر بأنه سيعيش معها الحياة المستقبلية التي يتخيلها. في نهاية الصيف، وفي أثناء جدل بين طباخ ونقيب غاضب بسبب تقديم طبق مسقعة الباذنجان باردة، أمسكه أحدهم من ذراعه، وشده. كان هذا كالعملاق، خاف مولود لحظة. فيما بعد قال: «رحماك، أنت موهيني». تعانق الصديقان، وتبادلا القبل. «الناس ينحفون في العسكرية، ويصبحون مثل خيط الإبرة، أنت سمنت». قال مولود: «أنا نادل في نادي الجيش، عُلفت في المطبخ مثل قط القصاب». «وأنا مصفف شعر في نادي الجيش». جاء موهيني إلى قارص قبل أسبوعين. لم يستطع إنهاء الثانوية، وشغّله والده عند امرأة حلاقة، وهكذا عرف أنه سيصبح حلاقًا. بالطبع فإن صبغ شعر النساء بالأصفر سهل. ولكنه عندما خرج مع مولود بإذن السوق، وفي أثناء متابعتهما مباراة كرة قدم في مشرب شاي مقابل فندق آسيا، بدأ موهيني بالشكوى. موهيني. في الحقيقة أن عملي مصفف شعر في نادي الجيش ليس صعبًا. مشكلتي الوحيدة هي العناية بكل امرأة بحسب رتبة زوجها: أجمل تصفيف وأجمل الكلمات لزوجة قائد الموقع طورغوت باشا المعقدة من قصر قامتها، والأقل منها بقليل لزوجة الباشا الأدنى منه النحيلة القصيرة، وبذل وقت وجهد أقل على زوجات الرواد ـ مع الأخذ بعين الاعتبار قدم الرواد ـ وهذا كله، ينهك أعصابي. شرحت لمولود كيف أنني امتدحت شعر زوجة أحد الضباط الشباب الأسود، فتلقيت مهانة النساء بالترتيب بدءًا من زوجة طورغوت باشا وغضبهن. كانت تقول زوجة الرائد النبيهة: «بأي لون صبغت شعر زوجة طورغوت باشا، لا تجعل شعري أكشف من شعرها». أعرف أين سيلعبن الكونكان، ويوم استقبال كل منهن، وأي مسلسل سيشاهدن معًا، وأين، وأي نوع مع المعمول سيُشترى من أي فرن. غنّيتُ، ولعبت ألعابَ خفة في حفلات أعياد ميلاد أولاد بعضهن، وتسوقت للسيدات اللواتي لا يرغبن بالخروج خارج جدران قيادة الموقع، وساعدت ابنة أخرى بوظيفة الرياضيات. قاطعني مولود بفظاظة قائلًا: «من أين تفهم الرياضيات ولاه موهيني! يخشى أنك تنيك ابنة الباشا؟». «أسفي عليك يا مولود... خرب لسانك في العسكرية، وفسدت روحك. كل الجنود الذين يهانون لخروجهم من موقع القيادة، وإيجادهم عملًا في الخارج كالخدمة في بيت باشا، عندما يعودون إلى الكتيبة مساء، يقولون: «أنا أنيك ابنة الباشا» من أجل إنقاذ كرامتهم. هل تصدق أنت هذه الترهات؟ غير هذا فإن طورغوت باشا عسكري عادل لا يستحق هذا الكلام البشع. وهو دائمًا يحميني من شر زوجته، وشططها. مفهوم؟». هذه أصدق كلمات سمعها من جندي طوال فترة خدمته. خجل مولود، وقال: «في الحقيقة أن الباشا رجل طيب، لا تؤاخذني. تعالَ لأقبلك، ولا تغضب». فور قوله هذه العبارة، فهم ما كان يخفيه حتى عن نفسه: أصبح موهيني أكثر أنوثة منذ آخر مرة رآه فيها في الثانوية، وظهر ما بداخله من مثلية سرية. هل كان موهيني منتبهًا لهذا؟ هل يجب أن يُظهر مولودًا أنه انتبه إلى هذا؟ للحظة نظر كل منهما إلى عيني الآخر دون أن يتحرك. عرف طورغوت باشا بسرعة أن الجندي مصفف شعر زوجته زميل الجندي النادل في المطعم من أيام الثانوية في إسطنبول. وهكذا بدأ مولود أيضًا بالذهاب إلى بيت الباشا من أجل قضاء بعض الأعمال الخاصة. أحيانًا يدهن خزانة المطبخ، وأحيانًا يلعب مع الأولاد لعبة عربة الخيل وحوذيها (كانت هناك عربات خيل بدل سيارات الأجرة في قارص). أبلغ الباشا قائد السرية ومدير نادي الجيش بأن مولودًا سيذهب إلى بيته من أجل التحضير للولائم التي يدعو إليها هناك، وهذا ما رقى مولودًا خلال فترة قصيرة إلى أعلى مرحلة بعين الجميع وهي مرتبة: «واسطته الباشا». أمتع مولود انتشار شائعات موقعه الجديد الكبير هذا بسرعة في السرية بداية، ثم في موقع القيادة كله. الذين كانوا يمازحونه بالقول: «ما أخبارك يا صاحب الوجه الطفولي؟» ويقرصونه أحيانًا بمعاملة المنيوك، أوقفوا تصرفاتهم هذه معه. بدأ الملازم يعامل مولودًا معاملة دقيقة كأنه ابن غني وقع بالخطأ في قارص. رجاه البعض أن يحصل على تاريخ المناورات السري التي ستجري على الحدود الروسية من زوجة الباشا. ولم يلكزوا مولودًا ولو لكزة. ١٨ الانقلاب العسكري مقبرة المنطقة الصناعية لم تنفذ المناورة التي يحافظ على سرية تاريخها بسبب الانقلاب العسكري ليل ١٢ أيلول/سبتمبر. فهم مولود من خواء أزقة المدينة خلف الجدران أن هناك ما هو غير عادي. أعلن الجيش حالة الطوارئ ومنع التجول في تركيا كلها. تابع مولود طوال اليوم بيانات إفرِن باشا عبر التلفاز. بدا له فراغ الشوارع الآن بعد أن كان الفلاحون والمهنيون والعاطلون عن العمل والمواطنون المتوجسون والشرطيون المدنيون يملئونها كأن الأمر ناجم عن غرابة في عقل مولود. جمع طورغوت باشا كل من في موقع القيادة، وقال لهم: إن السياسيين المغفلين اللاحقين مصالحهم وأصوات الناس الانتخابية أوصلوا البلد إلى حافة الانهيار، ولكن الأيام السيئة انتهت، ولن تسمح القوات المسلحة صاحبة البلد الوحيدة والحقيقية بأن تغرق تركيا، وإن الإرهابيين والسياسيين الانفصاليين جميعًا سينالون عقابهم. وتحدّث طويلًا عن العلم ودم الشهداء الذين منحوه لونه، وأتاتورك. وببيان أذيع من التلفاز بعد أسبوع، أُعلن طورغوت باشا رئيسًا لبلدية قارص، وبدأ مولود وموهيني يذهبان إلى بناء البلدية الذي يبعد عشر دقائق عن قيادة الموقع. يبقى الباشا صباحًا في قيادة الموقع يدير العمليات ضد الشيوعيين على ضوء المعلومات التي تأتي من المخبرين ومستشارية المخابرات القومية، وبعد الغداء يتوجه بالسيارة الجيب إلى البلدية في البناء الروسي القديم. أحيانًا يقطع هذا الطريق سيرًا على الأقدام مع حراسه، ويستمع لكلمات شكر أصحاب الدكاكين الذين يعترضون طريقه ومديحهم للانقلاب، ويعطي يده لمن يريد أن يقبّلها، ويقرأ بنفسه الرسائل التي تعطى له فور دخوله موقع القيادة. من أعمال الباشا المهمة باعتباره رئيسًا للبلدية وقائدَ الطوارئ وموقع القيادة العسكري أن يحقق برسائل الإبلاغ عن الرِّشا قليلًا، ثم يحيل المشتبه بهم إلى المدعي العام العسكري. والمدعي العام، مثل الباشا سرعان ما يرفع الدعاوى انطلاقًا من منطق: «إذا لم يفعلوا شيئًا فستبرؤهم المحكمة!»، ويُلْقَى كل من يرفع عليه دعوى في السجن من أجل إخافته. لم يكن العسكر يعذبون الأغنياء الذين يرتكبون أعمال فساد. وكان يُمدد المتهمون السياسيون والشيوعيون الذين يسمون في أغلب الأحيان «إرهابيين» لمعاقبتهم بالفلقة. الصراخ الذي يصدره الشباب الذين جُلبوا بمداهمات أحياء المخالفات وهم تحت التعذيب في أثناء التحقيق يسمع من موقع القيادة إذا كانت الريح تهب من تلك الجهة، ويطرق مولود برأسه شاعرًا بالذنب في أثناء سيره نحو نادي الجيش صامتًا. ذات اجتماع صباحي بعد رأس السنة، نادى ملازم جديد اسم مولود. نهض مولود، وقال: «مولود قرة طاش من قونية، حاضر سيدي». قال الملازم: «تعالَ يا قونيوي إليَّ!». قال مولود لنفسه: يبدو أن هذا لم يسمع بأنني مدعوم من الباشا. على الرغم من أنه لم يذهب في حياته إلى قونية، كانوا ينادونه كل يوم: يا قونيوي لأن بيه شهير تابعة لمحافظة قونية، ومولودًا يكره هذا الأمر، ولكنه لا يبدي أي امتعاض. قال الملازم: «البقية بحياتك يا قونيوي، توفي والدك في إسطنبول. اذهب إلى قطعتك، وخذ إجازة من النقيب». أعطوا مولودًا إجازة لمدة أسبوع. شرب كأسًا من العرق في أثناء انتظاره انطلاق حافلة إسطنبول. ارتخت أجفانه بثقل غريب في أثناء اهتزازه مرتجفًا في الحافلة، وغط بالنوم، وأنّبه والده في الحلم لعدم تمكنه من اللحاق بالجنازة؛ ولذنوبه الأخرى في الحياة. مات والده في أثناء نومه. بعد يومين اكتشف الجيران الأمر. كان الفراش الفارغ خربًا كأن والده خرج من البيت على عجل. بدا البيت بعين مولود العسكري دون ترتيب وبائس. ولكنه التقط تلك الرائحة التي لم يشمها في أي مكان آخر: كانت هذه رائحة والده، ورائحة جسم مولود، وأنفاسهما، والغبار، والموقد، والحساء المطهو على مدى عشرين عامًا، والألبسة الداخلية، والأشياء القديمة، إنها رائحة حياتهما. كان مولود يعتقد بأنه سيبقى ساعات في الداخل، وسيتذكر والده ويبكي، ولكن حزنه ضغط عليه بشدة مما دفعه لإلقاء نفسه إلى الخارج. شيعت جنازة مصطفى أفندي بعد وصول مولود إلى تل الرماد بساعتين من جامع الحاج حميد فورال في تل التوت. أحضر مولود معه ألبسة مدنية، ولكنه لم يلبسها. الناظرون إلى مولود نظرة حزن من أجل عزائه، يبتسمون عندما يرونه بلباس الجندي كأنه خرج إلى إذن السوق. حمل مولود التابوت حتى مكانه في المقبرة. وألقى جواريف ترابًا فوق جثة والده. اعتقد للحظة أنه سيبكي، انزلقت قدمه، وسقط فوق القبر. شارك بالجنازة خمسة وثلاثون أو أربعون شخصًا تقريبًا. سليمان عانق مولودًا، وجلسا فوق قبر آخر. عرف مولود من شواهد القبور أن مقبرة المنطقة الصناعية هي مقبرة غرباء. أدرك مولود من قراءته لشواهد القبور وهو شارد بأن المقبرة التي تتوسع بسرعة لأن موتى التلال المجاورة كلها يُدفنون فيها، هي مقبرة غرباء لأن أحدًا فيها لم يولد في إسطنبول. غالبية المدفونين هنا من مواليد سيواس وإرزنجان وأرض روم وغُمُشخانة. اتفق مع معلم شواهد القبور الذي في المدخل على شاهدة متوسطة دون مساومة. استلهم من الكتابات التي قرأها قبل قليل ما كتبه على ورقة أعطاها لمعلم الرخام: مصطفى قرة طاش (١٩٢٧-١٩٨١). جنتبنار. بيه شهير. لبان بائع بوظة. الفاتحة لروحه. كان منتبهًا إلى أن لباسه العسكري يجعله محببًا ومحترمًا في آن واحد. عند عودتهم إلى الحي، خرجوا إلى ساحة تل التوت، ومقاهيها ودكاكينها. شعر مولود بمدى ارتباطه بهؤلاء الناس الذين يعانقونه، وبتل الرماد والتوت. ولكنه رأى باستغراب أن في داخله كرهًا يقترب من الغضب لهؤلاء الناس بمن فيهم عمه وأبناء عمه. كان يضبط نفسه بصعوبة لكي لا يشتمهم هكذا دون مناسبة كما يحدث في الجندية. على العشاء تحدثت خالته للجالسين على المائدة كم أن اللباس العسكري يليق به. مع الأسف أن أمه لم تستطع المجيء من القرية لرؤية ابنها بهذه الحال. خلال أربع أو خمس الدقائق التي قضاها مولود على انفراد مع سليمان في المطبخ لم يسأله عن رائحة على الرغم من رغبته الشديدة. تناول الدجاج بالبطاطس بصمت، ونظر مع الجميع إلى التلفاز. كان يتخيل أنه يكتب رسالة لرائحة في البيت على الطاولة العرجاء. ولكنه عندما عاد إلى تل الرماد، ودخل البيت شعر بأسى ذلك المكان المهلهل الذي لن يعتبه والده ثانية، فألقى بنفسه على السرير، وبدأ يبكي. بكى طويلًا جدًّا دون أن يعرف ما إذا كان يبكي على والده أم على وحدته في الحياة. غط بالنوم بثيابه العسكرية. خلع صباحًا ألبسة الجندي، وارتدى ألبسته المدنية التي وضعها في الحقيبة قبل سنة تقريبًا. ذهب إلى مطعم كارلِأوفا في بيه أوغلو. ولكن الجو هناك لم يكن ودودًا. فرحات ذهب إلى الجندية بعده، وتغير غالبية النُّدُل، والقدماء مشغولون بزبائن الظهيرة. وهكذا خرج خيال «العودة إلى كارلِأوفا» الذي كان يتصوره في أثناء حراسته وقتله الوقت دون أن يعيشه. ذهب إلى سينما إليظار على مبعدة عشر دقائق. لم يخجل هذه المرة نهائيًّا من الرجال الذين في الصالة في أثناء دخوله. شمخ برأسه، ونظر إلى أعين كثيرين وهو يمر من وسط زحام الرجال. عندما جلس على المقعد، كان مسرورًا لأنه تخلص من نظرات الآخرين، وسيبقى وحيدًا مع النساء غير المؤدبات على الشاشة، وعينًا متلصصة فقط. شعر فورًا بأن نظرته إلى نساء الشاشة قد غيّرتها أحاديث الجنود المصحوبة بالشتائم، وبؤس أرواحهم. يشعر بنفسه الآن أكثر فظاظة، ولكنه طبيعي أكثر. عندما يعلّق أحدهم ممازحًا بشكل غير مؤدب حول الفيلم، ويرد على كلمات إحدى الممثلات بطريقة تحمل معنى مزدوجًا أصبح يضحك مع الجميع. عندما أنيرت الأضواء بين الفيلمين، نظر مولود إلى الرجال الجالسين من حوله، وفهم أن ذوي الشعر القصير وكثيرًا ما كان يراهم قديمًا هم جنود مثله. شاهد الأفلام الثلاثة المعروضة من أولها إلى آخرها. عندما وصل إلى مشهد التي تأكل العنب وهي تمارس الجنس في وسط الفيلم الألماني الذي بدأ بمشاهدته، خرج. عاد إلى البيت، واستمنى حتى المساء. تعب كثيرًا في المساء من الوحدة والشعور بالذنب، فذهب إلى بيت عمه في تل التوت. عندما بقي مع سليمان على انفراد، قال له: «لا تشغل بالك، كل شيء على ما يرام. رائحة تقرأ رسائلك بانفعال. كيف تعلمت كتابة الرسائل الجميلة بهذا الشكل؟ هل تكتب رسالة من أجلي ذات يوم؟». «هل سترد عليَّ رائحة؟». «تريد أن تكتب، ولكنها لا تستطيع... والدها يغضب كثيرًا من شيء كهذا. عندما جاءوا في المرة الأخيرة ـ قبل الانقلاب ـ رأيت مدى حب البنات لوالدهن. نزلوا في غرفتنا الجديدة تلك». فتح سيلمان باب الغرفة التي نزل فيها عبد الرحمن الرقبة العوجاء وابنتاه عند مجيئهم من القرية، وأنار الكهرباء، وأراه الداخل مثل دليل في متحف. رأى مولود سريرين في الغرفة. فهم سليمان ما يريد مولود معرفته. «نام الأب على هذا السرير، والبنتان معًا على ذاك السرير لليلتين، ولكنهما تضايقا، فكنا نفرش على الأرض لرائحة». ألقى مولود نظرة خجولة إلى المكان الذي فُرش فيه لرائحة. أرض بيت أهل سليمان مبلطة بالحجر وعليها سجادة. عرف بأن وديعة على علم بقصة الرسائل، وفرح لهذا. لم تكن وديعة تشير مباشرة إلى أنها تعرف بالرسائل، وتقوم بتسليمها، ولكنها تبتسم ابتسامة حلوة كلما تقابل نظرهما. استنتج مولود من هذا الأمر أن وديعة تؤيده، وهذا ما أفرحه. في الحقيقة أن زوجة ابن العم وديعة جميلة جدًّا. لعب مولود قليلًا مع بوزكورت [الذئب الأغبر] الذي ولد في أثناء عمله في مطعم كارلِأوفا، والولد الثاني طوران الذي ولد وهو في الجندية. صارت وديعة أجمل وأكثر نضجًا وجاذبية بعد ولدها الثاني. تأثرت بحب مولود لابنيها، وشعرت بأنه يبدي حنانًا مشابهًا باهتمامه بها أختًا كبرى على الأقل، وهذا ما سرّها. فوق هذا يفكر بأن رائحة ليست أقل جمالًا من وديعة، وحتى إنها أجمل منها. أمضى غالبية وقته في إسطنبول بكتابة رسائل جديدة إلى رائحة. أصبح غريبًا عن المدينة خلال سنة. تغيرت إسطنبول بعد الانقلاب العسكري. مرة أخرى محيت الشعارات السياسية كلها، ونُظفت الجدران؛ وأبعد الباعة الجوالون عن الشوارع الرئيسة والساحات؛ وأغلقت بيوت الدعارة في بيه أوغلو؛ ونُظفت الأزقة من باعة الويسكي والسجائر الأمريكية المهربة. المواصلات أيضًا أصبحت أفضل. لم يعد أحد يقف حيث يريد. كان مولود يجد بعض هذه التطورات إيجابية، ولكنه يشعر بشكل غريب أن المدينة غريبة عنه. فكر باحتمال أن يكون السبب هو عدم وجود عمل لديه. قال لسليمان مساء اليوم التالي: «سأطلب منك شيئًا، ولكن لا تفهمني خطأ». لم يعد والده موجودًا، ويذهب براحته إلى بيت عمه كل يوم. قال مولود: «أنا لم أخطئ فهمك قط يا مولود، ولكنك دائمًا فهمت أنني أفهمك بشكل خاطئ». «هل يمكن أن تجد لي صورة لها؟». «لرائحة؟ مستحيل». «لماذا؟». «إنها أخت كنتنا». «لو معي صورتها، لكتبت لها رسائل أجمل». «صدقني يا مولود، لا يمكن للإنسان أن يكتب أجمل منها». بمساعدة سليمان، أجّر البيت لأحد المقربين من آل فورال. ولأن سليمان قال: «نعرف الرجل، هل تريد أن تدفع ضريبة؟ لا ضرورة لهذا!»؛ فتراجع عن كتابة العقد. أصلًا لم يكن وحده وريث البيت الذي لا سند تمليك له، فهناك أمه وشقيقتاه. لم يرد أن يقف عند هذا الموضوع كثيرًا. في أثناء جمعه ألبسة والده وقمصانه، ووضعها في حقيبة قبل تأجير البيت، تناهت رائحته إلى أنفه، فانكمش متمددًا على السرير، ولكنه لم يبكِ. كان يشعر بقطيعة مع العالم، وغضبٍ منه. وأدرك أنه لن يعود إلى هذا البيت في تل الرماد بعد إنهاء جنديته. ولكنه تمرد بشعور خوف نابع من الأعماق. لم يكن يريد أن يرتدي الألبسة العسكرية، ولا إتمام الجندية. كما كان يكره بشدة أولئك الضباط والفتوات. أدرك بخوف كيف يفر البعض. لبس بزة الجندي، وانطلق بالطريق. خلال الأشهر الأخيرة في قارص، كتب لرائحة سبعًا وأربعين رسالة. كان وقته كثيرًا: دخل بين مجموعة الجنود الذين يصطحبهم القائد إلى البلدية. كان يشرف على مقصف رئاسة البلدية، وموقد الشاي الصغير، ويعمل حاجبًا خاصًّا لطورغوت باشا في البلدية. كان هذا العمل سهلًا؛ لأن الباشا لا يتناول الطعام في البلدية نتيجة عدم الثقة والدقة: يغلي مولود شاي الباشا بيديه، ويغلي القهوة بقطعة سكر واحدة، ويفورها مرتين، ويقدمها، ويقدم له المياه الغازية بيده. وضع الباشا المعمول المشترى من الفرن، والمجلوب من البلدية مرة أمام مولود، ودله إلى ما يجب أن ينتبه إليه. «تذوّق طعم هذه قليلًا... يُخشى أن يسممونا هؤلاء في البلدية». كان يريد أن يكتب لرائحة عما يعيشه في الجندية، ولكنه في كل مرة يخاف، ويبني جملًا أكثر شاعرية تحمل تعابير النظرة الخنجرية والعين الأسطورية. بقيَ مولود يكتب هذه الرسائل حتى اليوم الأخير من الجندية الذي لا يأتي بأي شكل، وعندما أتى لم ينتهِ بأي شكل. ١٩ مولود ورائحة خطف الفتاة عمل صعب عندما انتهت جندية مولود يوم ١٧ آذار/مارس ١٩٨٢، جاء مباشرة من قارص إلى إسطنبول. استأجر الطابق الثاني من بيت رومي قديم في زقاق أسفل شقة مبيت عمال مطعم كارلِأوفا بزقاقين. بدأ العمل نادلًا في مطعم لا خصوصية له. اشترى طاولة من سوق الأشياء المستعملة في تشقور جمعة (لم تكن تهتز)، وأربع كراسيّ؛ اثنيْن منها متشابهيْن وسريرًا كبيرًا برأسية خشبية من تاجر أشياء مستعملة يدور على الأبواب. السرير قديم ومتهالك، وحُفر على رأسيته الخشبية طيور وأوراق. وبدأ يمد أرض الغرفة بالبلاستيك وهو يتخيل عش السعادة الذي سيعيش فيه مع رائحة. ذات مساء من شهر نيسان/ إبريل، رأى مولود عبد الرحمن أفندي في بيت عمه. علق صدارة برقبته، وجلس على طرف الطاولة، ويشرب العرق، ويلعب بسعادة مع حفيديه بوزكورت وطوران في آن واحد. فهم مولود أنه جاء من القرية وحده دون ابنتيه. لم يكن العم حسن في البيت لأنه في السنوات الأخيرة يخرج كل يوم إلى الدكان بحجة الصلاة، ويجلس وحده ينتظر زبائن وهو ينظر إلى التلفاز. سلّم على حمو المستقبل باحترام، وبادله التحية عبد الرحمن أفندي، ولكنه لم يكن منتبهًا إلى مولود. بدأ قورقوط وعبد الرحمن أفندي يتحدثان بحرارة حول جامعي الأموال. سمع مولود كثيرًا من أسماء جامعي الأموال مثل الحاج وبرهو. إذا لم ترد أن تفقد نقودك قيمتها بالتضخم البالغ مائة بالمائة، فاسحبها من البنوك التي تدفع فائدة قليلة، وأودعها عند جامع أموال يشبه بقالًا قادمًا توًّا من القرية. كلهم يدفعون فوائد عالية، ولكن إلى أي مدى يمكن الثقة بهم؟ أنهى عبد الرحمن أفندي مُذ الآن كأسه الثالثة، وهو يقول إنه درّس بناته الفريدات الجمال دراسة جيدة في القرية. حين اصطحبت وديعة ابنيها لكي تنومهما قالت: «أرجوك يا بابا، يكفي!»، وذهب عبد الرحمن أفندي خلفهم. قال سليمان عندما بقيا على المائدة وحدهما: «أنت اذهب، وانتظرني في المقهى». قالت الخالة صفية: «ماذا تدبران ثانية؟ خبّصا بما تريدان، ولكن لا تتدخلا بالسياسة. لابد من تزويجكما». عرف مولود من تلفاز المقهى أن الحرب اندلعت بين إنكلترا والأرجنتين. وعندما كان ينظر بإعجاب إلى حاملات الطائرات والسفن الحربية الإنكليزية، جاء سليمان. «جاء عبد الرحمن أفندي إلى إسطنبول ليسحب نقوده من جامع أموال سيئ، ليودعها عند جامع أسوأ... لم نفهم ما إذا كان هذا صحيحًا، وأن لديه نقودًا. ويقول أيضًا: «هناك عمل فيه خير!». «عمل فيه خير ماذا؟». قال سليمان: «هناك خاطب لرائحة. إنه أحد جامعي الأموال القرويين. كان الرجل قيّمًا على موقد شاي. الأمر جاد. لأن الرقبة العوجاء المحب للمال يعطي ابنته لجامع الأموال، ولا يسمع من أحد. يجب أن تخطف رائحة يا مولود». «بجد؟ أرجوك يا سليمان، ساعدني لكي أخطف رائحة». قال سليمان: «وهل تعتقد بأن خطف الفتاة عمل سهل؟ إذا ارتكبت خطأ، يقتل أحدهم، وتصبح القضية قضية ثأر، ويقتل الناس بعضهم بعضًا كالمخبولين، ويباهون بأن هذا شرف. فهل تتحمل مسئولية هذا الأمر؟». قال مولود: «أنا مضطر». قال سليمان: «نعم، أنت مضطر، ولكن يجب ألا يفكر أحد بأنك تقوم بهذا بخلًا. ماذا يمكن أن تعطي للفتاة التي يدفع من أجلها ثروات كثير من الأغنياء غير منديل؟». عندما التقيا في المكان نفسه بعد خمسة أيام، أخرج مولود ورقة من جيبه، ووضعها على الطاولة في أثناء مشاهدة سليمان سيطرة الإنكليز على جزر الفوكلاند. قال سليمان: «ما هذه؟.. آه، ورقة المختار ببيتكم. هاتِ لأرى. في الحقيقة أن اسم والدي أيضًا عليها. سيّجا المقسم معًا. لماذا جلبتها؟ لا تلعب بهذه الورقة من أجل التباهي يا بُنَيَّ. إذا أعطوا سندات تمليك للبيوت التي في سفح تل الرماد ذات يوم، فستأخذه بموجب هذه الورقة». قال مولود: «أعطِ هذه لعبد الرحمن الرقبة العوجاء... قل له إن أحدًا لا يستطيع أن يحب ابنته مثلي». قال سليمان: «أقول له هذا، ولكن ضع هذه الورقة بجيبك». قال مولود: «جلبتها حقيقة، وليس للتباهي». عندما استيقظ مولود من السكر صباح اليوم التالي، أول عمل قام به تفقد جيب سترته. لم يقرر ما إذا كان يجب أن يُسر لبقاء ورقة المختار التي أخذها والده وعمه حسن قبل خمسة عشر عامًا في جيبه، أم يحزن. قال بعد عشرة أيام: «اشكرنا واشكر كنتنا وديعة، مفهوم؟ ذهبت إلى القرية من أجلك. لنرَ ما إن كان كل شيء سيكون كما تريد. اطلب لي عرقًا!». أخذت وديعة ابنيها بوزكورت البالغ الثالثة من عمره، وطوران البالغ الثانية من عمره إلى القرية. كان يعتقد مولود أن الولدين سيملان بسرعة من بيت القرية الطينية، ويذهبان إليها أول مرة، وتقطع فيها الكهرباء كثيرًا، ولا يأتيها الماء إلا نادرًا، ولكن ما حدث هو العكس تمامًا. يذهب مولود بنفاد صبر مرتين إلى تل التوت في الأسبوع ليرى ما إن كانت كنة العم وديعة قد عادت من القرية، ولكنه لا يجد هناك سوى بيتٍ شبه مظلم، والخالة صفية. قالت الخالة صفية لمولود الذي عرّج في ساعة متأخرة من المساء: «تبيّن أن الكنة هي نشوة هذا البيت، ونحن لم نكن منتبهين. مُذ ذهاب وديعة أصبح قورقوط لا يأتي إلى البيت في بعض الليالي. وسليمان ليس موجودًا في البيت. لدينا حساء عدس، هل أسخنه لك؟ نشاهد التلفاز. أرأيت، هرب كاستيللي، وأفلس جامعو الأموال جميعًا. هل كان لديك نقود لدى أحد الجامعين؟». «ما عمل النقود لديَّ يا خالة صفية؟». «لا تحزن... لا تهتم بالنقود نهائيًّا، كيف ما كان ستكسب ذات يوم نقودًا بقدر ما تريد. السعادة لا تأتي بالنقود. انظر، كم يكسب قورقوط؟ ولكنه كل يوم هو ووديعة مثل القط والفأر... والله أنا أشفق على بوزكورت وطوران اللذين لم يريا من الحياة سوى الشجار. المهم... إن شاء الله تحل قضيتك على خير». أبعد مولود عينيه عن التلفاز، وقلبه يخفق بسرعة قائلًا: «أي قضية؟»، ولكن الخالة صفية لم تنبس. بعد ثلاثة أيام، قال سليمان: «لديَّ أخبار جيدة. عادت كنتنا وديعة من القرية. رائحة مغرمة بك كثيرًا يا عزيزي مولود. بفضل رسائلك. ولا تريد جامع الأموال الذي يريد والدها أن يزوجها له. جامع الأموال مفلس على الورق، ولكنه اشترى بنقود الزبائن دولارات وذهبًا، ودفنها في مكان ما. عندما تهدأ هذه العاصفة، وتنسى الجرائد الموضوع، سيخرجها من البستان الذي دفنها فيه، وفي أثناء سعي المخبولين الطماعين الذين أودعوا نقودهم لديه في المحاكم، سيعيش كالملوك مع رائحة. عرض على الرقبة العوجاء شوالًا من النقود. إذا وافق والدها، فسيعقدون قرانًا رسميًّا، ويعيش مع رائحة في ألمانيا حتى تهدأ العاصفة. جامع الأموال السافل المفلس وقيّم موقد الشاي السابق يتعلم الألمانية في مخبئه الآن، ويريد أن يتعلم الألمانية بحيث يستطيع ألا يشتري لحم خنزير من القصاب في أثناء تسوقه في ألمانيا. قال مولود: «سافل نتن، سأقتله إذا لم أستطع خطف رائحة». قال سليمان: «لا ضرورة لقتلك أحدًا. سآخذ شاحنتي الصغيرة، ونذهب إلى القرية، ونخطف رائحة. سأتدبر كل شيء من أجلك». عانق مولود ابن عمه، وقبّله. لم ينم ليلًا لشدة انفعاله. عندما التقيا ثانية كان سليمان قد تدبر كل شيء: بعد أذان المغرب من يوم الخميس، ستأتي رائحة بصرتها إلى حديقة بيتهم الخلفية. قال مولود: لننطلق فورًا. «اجلس يا بُنَيَّ على كرسيك. الطريق بشاحنتنا الصغيرة لا يستغرق أكثر من يوم». «يمكن أن يمطر الجو؛ فهذا وقت السيول... غير هذا، يجب أن نعمل بعض الاستعدادات في بيه شهير». «لا ضرورة للاستعدادات. عندما يمسي المساء، ستجد البنت مع صرتها في حديقة الرقبة العوجاء وكأنك وضعتها بيدك. سأقلكما إلى محطة القطار في بيه شهير بالشاحنة الصغيرة. وتذهب أنت ورائحة بالقطار، وأنا سأعود وحدي لكي لا يشك أحد بي». عبارة سليمان: «أنت ورائحة» كَفَتْ مولودًا لكي تسعده. أخذ إذنًا من المحل الذي يعمل فيه، ومدده أسبوعًا «بسبب قضية عائلية». وعندما طلب إذنًا دون أجر في الأسبوع الثالث، نخر رب العمل. فقال مولود: «لنُصَفِّ الحساب إذًا!». يستطيع مولود أن يجد عملًا في مطعم كهذا لا خصوصية له متى شاء. وكان يفكر بالبدء ببيع المثلجات. تعرف إلى بائع يريد تأجير عربته ذات العجلات الثلاث، ومجموعة المثلجات اعتبارًا من رمضان. رتب البيت، وحاول أن يتخيل ما ستراه رائحة عندما تدخله، وما الذي يمكن أن تنتبه إليه. ترى هل يجب أن يشتري غطاء سرير، أم أن رائحة هي التي يجب أن تقرر؟ يخطر بباله أنه سيظهر لرائحة بالقميص والسروال الداخليين عندما يدخل إلى البيت، ويرغب بهذا القرب، ويخجل منه في آن واحد. سليمان. خدعت أخي ووديعة وأمي والجميع، وقلت لهم: إنني سآخذ الشاحنة الصغيرة، وأغيب يومين. مساء اليوم الأخير، سحبت العريس الذي يطير من الفرح جانبًا. «عزيزي مولود، اسمعني جيدًا، فأنا الآن لا أتكلم معك بصفتي ابن عمك وأقرب أصدقائك إليك، بل بصفتي من طرف العروس. لم تبلغ رائحة الثامنة عشرة. إذا غضب والدها كثيرًا، وقال: «أنا لا أعفو عن الذي خطفها»، وأرسل خلفك الدرك، فستضطر للاختباء حتى بلوغها الثامنة عشرة، ولن تستطيع عقد قرانها. عدني الآن بشرفك أنك في النهاية ستعقد على رائحة عقدًا رسميًّا». قال مولود: «وعد شرف. وسأتزوجها بعقد عند رجل دين». كان مولود مستمتعًا جدًّا في أثناء ذهابنا في الشاحنة الصغيرة صباحًا، ويمازح، وينظر إلى كل مصنع وجسر يراه على الطريق، ويقول: «اضغط على البنزين، وأسرع أكثر!»، ويتكلم، ولا يصمت. بعد فترة انقطع صوته. قلت: «ماذا حدث يا بُنَيَّ، هل أنت خائف لأنك ستخطف فتاة؟ أنا أدخل أفيونًا. إذا نمنا في الشاحنة ليلًا تشك بنا الشرطة، وتسحبنا إلى المخفر، الأفضل أن نجد هنا فندقًا رخيصًا، وعلى حسابي، مفهوم؟». هناك مطعم يقدم المشروب تحت فندق نزاهة. جلسنا فيه، وعندما كنا ننهي الكأس الثانية، بدأ مولود يحكي عن التعذيب في الجيش، فلم أستطع ضبط نفسي. قلت: «أنا تركي، ولا أسمح لأحد بأن يطيل لسانه على جيشي، مفهوم؟ نعم، ممكن أن يكون التعذيب والضرب وإلقاء مائة ألف شخص في السجون قد زاد عن الحد، ولكنني مسرور من الانقلاب العسكري. انظر، لم تستقر إسطنبول فقط، بل استقر البلد كله. انظر، الجدران نظيفة، وانتهت قضية اليسار واليمين، والجرائم، وبسبب النظام الذي فرضه الجيش أصبحت المواصلات في إسطنبول انسيابية جدًّا، وأغلقت بيوت الدعارة، ونظفت الأزقة من العاهرات والشيوعيين وباعة المارلبورو، والسوق السوداء، وشخصيات المافيا، والمهربين، والقوادين، والباعة الجوالين. لا تغضب الآن، وعليك أن تقبل أنه لا مستقبل للباعة الجوالين في هذا البلد يا عزيزي مولود. يدفع الرجل أجرة في أجمل أمكنة المدينة وأغلاها، وفتح محل خضار جميل، وأنت افتح على الرصيف أمامه بسطة، وبع البطاطس والطماطم التي تجلبها من القرية... هل هذا عدل؟ العسكر نظموا هذا، وضبطوه أيضًا. لو عاش أتاتورك أكثر، لمنع الباعة الجوالين من تركيا كلها بدءًا من إسطنبول بعد انتهائه من منع الطرابيش والطاقيات. هذا الأمر غير موجود في أوربا». قال مولود: «على العكس تمامًا. جاء أتاتورك من أنقرة إلى إسطنبول، ووجد أن أزقة إسطنبول بصمت مطبق، و...». «غير هذا، إذا أنزل الجيش عصاه من فوق ظهر هذه الأمة، فإما أن تُخدع بالشيوعية وإما أن تهرب إلى رجل الدين. وهناك الأكراد الذين يريدون أن يُقسموا الخريطة. ماذا يفعل صاحبك فرحات؟ هل تراه؟». «لا أعرف». «فرحات واحد سافل». «إنه صديقي». «حسنٌ إذًا، لن آخذك إلى بيه شهير يا عزيزي مولود، لنرَ كيف ستخطف فتاة». تراجع مولود قائلًا: «لا تقلها يا سليمان». «ابني، انظر نحن ندبر لك فتاة مثل لقمة ناضجة نضعها في فمك. صرتها بيدها، تنتظرك في الحديقة كما تريد. لا يكفي هذا، نأخذك بالشاحنة الصغيرة بشكل خاص سبعمائة كيلومترٍ كأننا خدمك لكي تخطف الفتاة. ثمن البنزين أيضًا علينا. وأجرة الفندق التي تنزل فيه مساء، والعرق الذي تشربه علينا. وأنت لم تقل ولو مرة واحدة، ولو من غير قناعة: «معك حق يا سليمان، فرحات واحد سيئ، أنت تقول الصواب». إذا كنت ذكيًّا كل هذا، وتتفوق عليَّ كما كنا في طفولتنا، فلماذا تأتي إليَّ، وتتوسل مساعدتي؟». قال مولود: «سامحني يا سليمان». «قلها مرة أخرى!». «سامحني يا سليمان». «سأسامحك، ولكنني يجب أن أسمع عذرك». «عذري أنني خائف يا سليمان». «ابني، ليس هناك ما يخيف. عندما يعرفون بأن رائحة هربت... سيهرعون نحو قريتنا بالطبع. وأنتما ستصعدان الجبل. يمكن أن تطلق النار لمجرد فعل شيء. لا تخف، سأنتظركما بهذه الشاحنة عند الطرف الآخر من الجبل. ستصعد رائحة إلى الطرف الخلفي لكي لا تراني، وتعرفني. ركبتْ مرة بهذه الشاحنة في إسطنبول، ولكنها فتاة. لا تستطيع الفتيات التمييز بين سيارة وأخرى. ولا تأتِ على ذكري نهائيًّا بالطبع. أنت فكر بما ستفعله بعد أن تصل مع الفتاة إلى إسطنبول، وتبقى معها في الغرفة على انفراد، وخف من هذا. لم تنم بحياتك مع امرأة، أليس كذلك يا مولود؟ ها؟». «لا يا سليمان، أنا لا أخاف من هذا، بل من تراجع الفتاة عن الهرب، والمجيء معي». صباح اليوم التالي، نظرنا إلى محطة آقشهير للقطارات. ومن هناك دخلنا بطرق الجبل الطينية نحو القرية طوال ثلاث ساعات. أراد مولود كثيرًا أن يرى أمه، ولكنه كان خائفًا كثيرًا من أن يلفت النظر، ويخرب الأمر، فلم نمر. اقتربنا نحو غمشدرة من بعيد، واندسسنا بجدار الحديقة الخرب لبيت عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء. وعدنا. قدت السيارة فترة، ثم صففت على اليمين. قلت: «لم يبقَ الكثير لصلاة العشاء، وإظلام الجو. ليس هناك ما يخيف، الله ييسر عليك يا مولود». قال: «الله يرضى عليك يا سليمان. تعانقنا... كادت عيناي تذرفان. في أثناء مسير مولود نحو القرية على الطريق الترابي، نظرت إليه من الخلف بمودة، وتمنيت أن يعيش بسعادة إلى آخر حياته. بعد قليل سيعرف أن نصيبه على واحدة أخرى بالتأكيد. قدت السيارة نحو مكان اللقاء وأنا أفكر بما يمكن أن يفعله. لو كنت أريد الإساءة لمولود، أو أنني أريد أن أخوزقه كما يعتقد البعض، لما أعدت له ورقة البيت التي أعطاني إياها في إسطنبول وهو سكران من أجل أن أتدبر له أمر رائحة، أليس كذلك؟ إن ذلك البيت الذي تدبرت مستأجرًا له هو كل ثروة مولود في الحياة. ولا أحسب أمه وأختيه اللواتي في القرية. في الحقيقة أنهن ورثة المرحوم العم مصطفى، ولكنني لا أتدخل. مُذ كان مولود في المدرسة المتوسطة، يشعر بأن قلبه ينفث نارًا إلى جبهته ووجه قبل أن يدخل إلى امتحان مهم. في أثناء مسيره الآن نحو غمشدرة لف هذا الشعور جسمه كله بشكل أقوى بكثير. بعد نزوله من الجبل مباشرة، صادف المقبرة، دخل بين شواهد القبور، وجلس على حافة قبر، وفي أثناء نظره إلى شاهدة قبر قديمة عليها طحالب، ولكنها مزركشة ومفعمة بالأسرار، فكر بحياته. أعاد عبارة: «يا إلهي، لتأتِ رائحة، أرجوك لتأتِ!». أراد أن يتوسل بالدعاء، ولكن أيًّا من الأدعية لم تخطر بباله بشكل صحيح. قال لنفسه: «إذا جاءت رائحة، فسأحفظ القرآن الكريم، وأغدو حافظًا. وسأحفظ الأدعية كلها بانسيابية الماء». شعر بنفسه عبدًا مسكينًا صغيرًا لله، ودعا بقوة وإصرار. سمع بأن الإلحاح بالدعاء في أثناء التوسل يأتي بفائدة. بعد أن أظلم الجو، اقترب مولود من الجدار المهدم. كانت حديقة بيت عبد الرحمن أفندي الأبيض الخلفية مظلمة. وصل قبل عشر دقائق. في أثناء انتظار إشارة إشعال المصباح، شعر بأنه في بداية حياته في أثناء انتظار والده عندما يأتي من إسطنبول. نبحت الكلاب، ثم أنيرت نافذة البيت، وأظلمت. الجزء الرابع حزيران/يونية ١٩٨٢ ـ آذار/مارس ١٩٩٤ كان يهزه إيجاد آثار ما يعتقد أنه مرض فظّ وفرديّ في عقله حتى ذلك اليوم في العالم الخارجي. جيمس جويس، «صورة الفنان شابًّا». ١ زواج مولود ورائحة لا يمكن إلا للموت أن يفرقنا سليمان. برأيكم، متى أدرك مولود أن الفتاة التي خطفها ليست سميحة الجميلة التي رأى عينيها في عرس أخي، بل أختها الكبرى غير الجميلة رائحة؟ فور لقائه بها وهي تحمل صرتها في القرية، أم عندما رأى وجهها وهما يصعدان الجبل وينزلان الوادي؟ هل كان قد فهم هذا عندما جلس بجانبي في الشاحنة الصغيرة؟ سألته في الشاحنة: «هل هناك وضع سيئ؟ السكين لا تفتح فمك!»؛ لكي أفهم هذا. ولكن مولودًا لم يُبْدِ أي شيء. بعد نزولهما من القطار، وركوبهما السفينة من حيدر باشا مع الزحام، وانتقالهما إلى قرة كوي، لم يكن في عقل مولود الزواج وعقده، بل بقاؤه أخيرًا مع رائحة في غرفة واحدة. يجب أن تكون فرجة رائحة على الحركة فوق جسر غلاطة، وانتباهها إلى دخان السفينة الأبيض أمريْن طفولييْن، ولا يستطيع أن يخرج من عقله أنهما بعد قليل سيدخلان البيت، ويبقيان وحدهما. حين فتح مولود باب شقة البناء الواقع في طرلاباشِ بالمفتاح الذي يخبئه في جيبه كالجوهرة، شعر بأن البيت قد تحول إلى مكان آخر في الأيام الثلاثة التي ذهب فيها إلى القرية: الشقة الباردة صباحًا في مطلع حزيران، حارة جدًّا الآن بحرارة الصيف، ويطلق المشمّع الممدود على الأرض مزيج رائحة البلاستيك وشمع العسل وكبة خيوط القنب. يتناهى من الخارج هدير زحام بيه أوغلو وطرلاباشِ وموصلاتهما الذي طالما أحبه مولود. رائحة. قلت: «لدينا بيت جميل، ولكن يجب أن نهوّيه». وعندما دورت المقبض، ولم أستطع فتح النافذة، هرع مولود، ودلني كيف يفتح مزلاج النافذة. فهمت بأن البيت إذا غُسل بالماء والصابون جيدًا، ونُظف من شباك العنكبوت، سينظف من خيبة الأمل، والمخاوف، والشياطين التي في خيال مولود. فور خروجي مع مولود إلى الشارع لشراء صابون سائل أسمر، ودلو بلاستيكي وخرق مسح، تخلصنا من توتر البقاء وحدنا، وارتحنا. خرجنا بعد الظهر من أزقة طرلاباشِ الخلفية إلى سوق السمك ونحن نتفرج على الواجهات، وندخل إلى الدكاكين، وننظر إلى الرفوف، ونتسوق. اشترينا إسفنجًا وسلك جلي وفُرَشًا وسائلَ جلي من أجل المطبخ، وفور عودتنا إلى البيت، بدأنا عملية تنظيف كبيرة. انهمكنا بالشغل إلى درجة أننا نسينا الخجل الناجم عن بقائنا وحدنا في البيت. عند المساء كنتُ أتصبب عرقًا. دلني مولود كيف أشعل سخان الحمام بالثقاب، وكيف سأفتح أنبوبة الغاز، وأي صنبور سأفتح من أجل أن يأتي الماء الساخن. صعدنا على كرسي لكي يريني كيف يُدخل الثقاب بثقب السخان المظلم. نصحني مولود بأن أوارب النافذة الصغيرة ذات الزجاج المغشى المطلة على منورة البناء المظلمة في أثناء الاغتسال. قال هامسًا: «إذا فتحتها بهذا القدر، يخرج الهواء المسموم من جهة، ولا أحد يراك من جهة أخرى. أنا سأخرج ساعة إلى الشارع». أدرك مولود بأن رائحة لن تستطيع خلع ثيابها التي هربت بها من القرية، ومازالت تلبسها لتغتسل بوجوده في البيت. دخل إلى أحد المقاهي المطلة على شارع الاستقلال. يمتلئ هذا المقهى في أمسية الشتاء بالبوابين وملعبي النصيب والسائقين والباعة المتعبين، ولكنها الآن خاوية. ينظر مولود إلى الشاي الموضوع أمامه، ويتخيل رائحة التي تغتسل في البيت. من أين استنتج بأن لون بشرتها أبيض؟ في أثناء النظر إلى رقبتها! لماذا قال: «ساعة» عند خروجه؟ الوقت يمر ببطء شديد. رأى مولود في قعر كأس الشاي ورقة شاي وحيدة. شرب كأس بيرة لأنه لم يرد أن يعود قبل ساعة إلى البيت، وأطال طريقه عبر الأزقة الخلفية لطرلاباشِ: مولود مسرور لكونه جزءًا من هذه الأزقة التي يلعب فيها الأولاد الكرة وهم يشتمون، وتجلس الأمهات في مداخل البيوت المؤلفة من ثلاثة طوابق، وفي أحضانهن صواني الأرز يسربن حجارته، والجميع يعرف الجميع فيها. ساوم بائع بطيخ يغطي بطيخه بغطاء أسود تحت سقيفة في مقسم فارغ، ونقّر بطيخات كثيرة لمعرفة أيها أكثر حمرة. كانت ثمة نملة تسير على بطيخة. كلما برم مولود البطيخة بين يديه، وأصبحت النملة في الأسفل، فلا تسقط، وتركض بسرعة، وتصعد من جديد إلى فوق البطيخة. وزن البطيخة بصبر دون أن يسقط النملة، ودخل مولود إلى البيت بصمت، ووضع البطيخة في المطبخ. رائحة. خرجتُ من الحمام، وارتديتُ ثوبًا جديدًا نظيفًا، وأدرت ظهري إلى الباب، وتمددت على السرير دون أن أغطي رأسي، وغططت بالنوم. اقترب مولود بصمت. نظر مطولًا إلى تمدد رائحة في السرير وهو مدرك أنه لن ينسى هذه اللحظة في أي وقت. كان جسمها داخل الثوب جميلًا، وكذلك قدماها. يتحرك كتفاها وذراعها بشكل خفيف عندما تتنفس. شعر مولود للحظة بأنها تتظاهر بالنوم. تمدد على الطرف الآخر من السرير المزدوج بثيابه التي خرج فيها إلى الشارع بصمت وانتباه. خفق قلبه بسرعة. إذا بدأ بممارسة الحب ـ وهو غير واثق كيف سيفعل هذا ـ فسيكون قد أساء استخدام ثقة رائحة. وثقت رائحة بمولود، وسلمته حياتها كلها، وعلى الرغم من أنهما لم يتزوجا بعد، وحتى لم يمارسا الحب، فكت غطاء رأسها، وأرته شعرها الطويل. في أثناء نظر مولود إلى شعرها المتموج الطويل، شعر بأنه سيرتبط برائحة، ويحبها كثيرًا بسبب هذه الثقة والاستسلام فقط. لم يكن وحيدًا في العالم. في أثناء مراقبته تنفس رائحة، لم يكن داخله يتسع لقلبه من الفرح. فوق هذا فقد قرأت رائحة رسائل مولود، وأعجبت بها. غطا بالنوم بثيابهما. تعانقا في منتصف الليل وسط الظلام، ولكنهما لم يمارسا الحب. يدرك مولود أن الجنس يتطور بسهولة أكبر في ظلمة الليل، ولكنه يريد أن يمارسه مع رائحة للمرة الأولى في ضوء النهار وهو ينظر إلى عينيها. أما عند الصباح فيخجلان عند التقاء أعينهما عن قرب، ويخترعان أعمالًا أخرى لنفسيْهما. رائحة. أخرجت مولودًا صباحًا إلى الشارع من أجل التسوق. أنا اخترت غطاء الطاولة النايلون الشبيه بالمشمع، وبيت اللحاف المزهّر، وسلة الخبز البلاستيكية تقليد الخيزران، وعصارة الليمون البلاستيكية. تعب مولود من نظري بفضول إلى النعال البيتية والفناجين والمرطبانات والمملحات بمتعة دون أن أشتري شيئًا. عدنا إلى البيت. جلسنا على حافة السرير. قلت: «لا أحد يعرف أننا هنا، أليس كذلك؟». إثر هذه العبارة، نظر مولود بوجهه الطفولي نظرة جعلتني أهرب إلى المطبخ قائلة: «هناك طعام على الموقد». عندما أدفأت الشمس الشقة الصغيرة بعد الظهر، تعبت، وتمددت على السرير. عندما تمدد مولود بجانبها، تعانقا أول مرة، وتبادلا القبل. حين رأى مولود على وجه رائحة الذكية تعبير الطفلة الصغيرة المذنبة، ازدادت رغبته بها. ولكن كلما تأججت رغباتهما، وبرزت، خجلا، وارتبكا. مد مولود يده إلى داخل ألبستها، وأمسك ثدي رائحة للحظة، ودار رأسه. دفعته رائحة. حزن مولود، ونهض من السرير. قال وهو خارج من باب الشقة بحزم: «لا تشغلي بالكِ، لم أغضب! سأعود حالًا». في أحد الأزقة خلف جامع الآغا، ثمة بائع خردة كردي خريج مدرسة الأئمة والخطباء. يزوج المتزوجين بعقد رسمي، ويريدون عقدًا دينيًّا درءًا لأي حرام؛ أو الشباب المحافظين المتزوجين في قراهم، ووقعوا بغرام فتاة أخرى في إسطنبول، ويلتقون مع الحبيبة بغياب الأب والأم والأخوة الكبار، ولا يستطيعون ضبط أنفسهم فيتمادوا بالعلاقة مقابل بضعة قروش بسرعة. وبما أنه لا يمكن أن يزوّج الصبية دون ولي أمرها إلا على المذهب الحنفي، يقولون إنهم من المذهب الحنفي. وجد مولود الرجلَ في القسم الخلفي من الدكان المظلم المليء بشبكات التدفئة المركزية، وأغطية المدافئ، وقطع المحركات الصدئة، وقد دفن رأسه بجريدة «أقشام»، ويغط بالنوم بين تارة وأخرى. «يا حضرة الحاج، أريد أن أتزوج على قواعد ديننا». قال رجل الدين: «مفهوم، ولكن ما سبب هذا الارتباك؟ أنت فقير وشاب على الزواج من امرأة أخرى». قال مولود: «خطفت فتاة!». «بموافقة الفتاة طبعًا؟». «نحن عاشقان». «هناك كثير من قليلي الشرف أعداء العرض يقولون إنهم عشاق، ويخطفون فتاة بالقوة. وهؤلاء السفلة بعد أن يعيشوا مع الفتاة، تقنع الفتاة المسكينة عائلتها، ويزوجونها..». قال مولود: «ما علاقتنا بهذا؟ نحن سنتزوج بموافقتنا، وعن حب إن شاء الله». قال رجل الدين: «العشق مرض. وأنت محق بأن دواءه العاجل هو الزواج. ولأنه دواء سطحي يرسخ الحقد طوال العمر بعد أن يخفض حرارة التيفوئيد، ويندم الإنسان فورًا». قال مولود: «أنا لن أندم». «لماذا أنت مستعجل إذًا؟ ألم تدخل على الفتاة حتى الآن؟». قال مولود: «بعد الزواج حسب الأصول». «إما أن الفتاة ليست جميلة، وإما أنك ساذج جدًّا. ما اسمك أنت؟ أنت ولد وسيم، اشرب شايًا». شرب مولود الشاي الذي جلبه أجيرٌ شاحب الوجه وواسع العينين الخضراوين، وأراد أن يختصر الحديث، ولكن رجل الدين بدأ يشرح كيف يسير كل شيء بشكل سيئ كجزء من المساومة على الأجرة. مع الأسف أن الذين يتزوجون صباحًا لأنهم تبادلوا القبل، وداعبوا بعضهم بعضًا، ويعودون مساءً كلٌّ وحده إلى بيته، ويجلسون على المائدة مع آبائهم وأمهاتهم دون أن يخبروهم بما فعلوه قد قل عددهم كثيرًا. قال مولود: «ليس لديَّ كثير من النقود». «لهذا السبب خطفت الفتاة؟ الذين رضعوا حليبًا فاسدًا ولكنهم وِسامٌ مثلك بعد أن يقضوا وَطَرَهم مع الفتاة، يقولون لها: «أنت حرة»، ويدفعونها عنهم. أعرف كثيرًا من الفتيات كالوردات، ولكنهن مخبولات، انتحرن بسبب أمثالك أو سقطن في بيوت الدعارة». قال مولود شاعرًا بالذنب: «عندما تبلغ الثامنة عشرة، سنتزوج زواجًا رسميًّا أيضًا». «حسنٌ. غدًا سأعقد قرانكما، وأطلب ثوابي من الله. إلى أين أذهب؟». قال مولود وهو يجول بعينيه على دكان الخردة المغبر: «ألا يمكن أن نعقد القران هنا دون جلب الفتاة؟». قال تاجر الخردة: «لا آخذ أجرة العقد، بل آخذ أجرة الصالة إذًا». رائحة. بعد ذهاب مولود، خرجتُ من البيت، واشتريت كيلوي فراولة لينة قليلًا ولكنها رخيصة من بائع جوال رأيته بالمصادفة، ومن البقال سكرًا ناعمًا. قبل أن يعود مولود، نظفت الفراولة، وحضرت معقودًا. عند عودته شم بخار الفراولة المحلاة بسعادة، ولكنه لم يحاول الاقتراب مني. أخذني مولود مساء إلى سينما لالة التي تعرض فيلمين محليين. في الصالة الشديدة الرطوبة، بكيت قليلًا عندما قال لي بين فيلم هوليا قوتش، وفيلم تُركان شوراي بأننا سنتزوج غدًا. ولكنني تابعت مشاهدة الفيلم الثاني بانتباه. كنتُ سعيدة جدًّا. قال مولود عندما انتهى الفيلم: «لنتزوج زواجًا شرعيًّا فورًا لكي لا يحاول أحد فصلنا حتى نأخذ إذن والدك، أو لتدخلي الثامنة عشرة... هناك تاجر خردة أعرفه. سنعقد القران في دكانه. سألته قال: لا ضرورة لمجيئكِ... ستقولين إنك وكلت أحدهم، وهذا كل شيء». قلتُ مقطبة حاجبي: «لا، أريد أن أذهب إلى عقد القران». بعدئذ ابتسمت لكي لا يخاف مولود. عندما عاد مولود ورائحة إلى البيت، خلع كل منهما ثيابه، وارتدى منامته دون أن يُكشف أحدهما على الآخر كأنهما نزيلا فندق ريفي اضطرا للتشارك بالغرفة نفسها. ودون أن تتقابل أعينهما أطفآ المصباح، وتمددا متجاورين، ولكن رائحة أدارت ظهرها بحذر وتاركة فراغًا بينهما. يغمر داخل مولود شعور يمزج بين الفرح والخوف. بعد أن فكر بأن الانفعال لن يجعله ينام حتى الصباح بوقت قليل غط بالنوم. عندما استيقظ في منتصف الليل، دفن نفسه برائحة بخار الفراولة ورائحة البسكويت الطفولية المنبعثة من عنقها. تعرقا في الحر، وأصبحا غذاء للبعوض الذي لا تشبع عينه. تعانق جسداهما تلقائيًّا. رأى مولود السماء الكحلية ومصابيح النيون في الخارج، وما إن اعتقد أنهما يطيران في مكان خارج العالم حيث لا توجد جاذبية أرضية، حتى دفعته رائحة، وقالت: «لم نتزوج بعد». سمع مولود من نادل قديم يعمل في مطعم كارلِأوفا بأن فرحات عاد من الجندية. بمساعدة عامل الجلي المارديني، وجده في مبيت فقير للعزَّاب في طرلاباشِ. يقيم هنا مع نُدُل أصغر منه بعشر سنوات، وعمال جلي يداومون على المدرسة المتوسطة، وغالبيتهم أكراد وعلويون من طونجلي وبينغول. لم يجد مولود هذا المكان القذر لائقًا بفرحات، وحزن من أجله، ولكنه ارتاح عندما عرف أنه يتردد على بيت والده ووالدته. شعر مولود أن فرحات هنا يقوم بدور الأخ الحامي في هذا المبيت، وأن هناك نوعًا من التضامن السياسي والغضب يكمن وراء إقامته هنا بعد أن صار عمل تهريب السجائر وتجارة الحشيش صعبًا إثر الانقلاب العسكري، ولكنه لم يسأل كثيرًا. تأثر فرحات بما رآه في الجندية، وعاشه، وسمعه من قصص معارفه الذين تعرضوا للتعذيب في سجن ديار بكر، فتسيس. قال مولود: «يجب أن تتزوج أنت!». قال فرحات: «يجب أن أتعرف على فتاة في المدينة، وأطبقها، أو أخطف فتاة من القرية. ليس لديَّ نقود للزواج». قال مولود: «أنا خطفت. وأنت اخطف. ثم نعمل معًا، ولنفتحْ دكانًا، ونغتنِ». شرح مولود كيف خطف رائحة محليًّا بالرواية، ومغيرًا فيها. لم يكن سليمان في القصة، ولا الشاحنة الصغيرة. قال له مولود بأنه سار مع حبيبته ممسكين بأيدي بعضهما بعضًا في الطرق الطينية عبر الجبال يومًا كاملًا، وأبوها يطاردهما إلى أن وصلا إلى محطة آقشهير للقطارات. قال فرحات بانفعال: «وهل رائحة جميلة بقدر ما كتبنا في الرسائل؟». قال مولود: «أجمل، وذكية أيضًا. ولكن عائلة الفتاة وآل فورال وقورقوط وسليمان يلاحقونني في إسطنبول». قال فرحات: «فاشيون سفلة». ووافق على أن يكون شاهدًا على قرانه. رائحة. لبستُ ثوبي الطويل المزهّر، وبنطالي الجينز النظيف. وغطّيت رأسي بغطاء بنفسجي اشتريته من أحد أزقة بيه أوغلو الخلفية. والتقينا بفرحات في بوفيه البحر الأسود في شارع الاستقلال. إنه رجل عريض الجبهة، طويل القامة، ومهذب. قدم لكل منا كأس شراب الكرز الحامض، وقال: «مبروك يا زوجة أختي، اخترت الزوج الصحيح. إنه رجل أصيل، وقلبه ذهب». عندما اجتمعنا في دكان تاجر الخردة، وجد شاهدًا آخر هو جاره البقال. أخرج من الدرج دفترًا قديمًا على غلافه كتابة قديمة. فتحه، وسأل كل واحد منا عن اسمه واسم والده، وكتبهما ببطء. كلنا نعرف بأنها لا تحمل أي قيمة رسمية، ولكننا تأثرنا بكتابة الرجل بالأحرف العربية. سأل تاجر الخردة: «كم دفعت مهرًا مقدمًا، وكم ستدفع مؤخرًا في حال الفراق؟». قال فرحات: «مهر ماذا؟ إنه خطف البنت، وانتهى». «كم ستدفع مؤخرًا في حال الطلاق؟». قال مولود: «الموت وحده يفرقنا». قال الشاهد الآخر: «اكتب عشر ذهبيات رشادية مقدمًا، والأخرى سبع ذهبيات جمهورية». قال فرحات: «هذا كثير جدًّا». قال تاجر الخردة: «يبدو أنني لن أستطيع عقد القران وفق الشريعة». وذهب، ووقف عند الميزان في مدخل الدكان. «كل أنواع التقارب دون عقد هو زنى بحسب الشريعة. والبنت صغيرة جدًّا». قلت: «لستُ صغيرة، عمري سبع عشرة سنة!»، وأريته هويتي التي سرقتها من خزانة والدي. سحب فرحات تاجر الخردة جانبًا، ودس بجيبه ورقة نقدية. قال تاجر الخردة: «أعيدوا ورائي لأرى». نظرنا ـ مولود وأنا ـ بعيني بعضنا بعضًا، وكررنا الكلمات العربية الطويلة جدًّا التي لقننا إياها. عند إنهاء المراسم، قال تاجر الخردة: «اللهم بارك هذا الزواج! واكتب من نصيب عبديك هذين المسكينين الألفة والتعايش والحب في زواجهما، واحمِ مولودًا ورائحة من الكره وسوء العيش والفراق يا رب!». ٢ بيع مولود المثلجات أسعد أيام حياته فور ذهابهما إلى البيت، دخلا السرير ومارسا الحب. مارسا ما كانا يرغبان به كثيرًا، ويتوقان له، ولم يستطيعا فعله بأي شكل براحة وكأنها مهمة يتوقعها الآخرون منهما. كانا خجلين من رؤية كل منهما الآخر عاريًا (ليس كل جزء منهما)، ولمس ذراعيه وصدره وأماكنه الملتهبة كالنار، ولكن شعورًا بأن هذا لا بد منه يخفف من خجلهما. كأنهما يقولان لبعضهما بعضًا بنظراتهما: «نعم، أمر مخجل جدًّا، ولكن مع الأسف يجب أن نعمله». رائحة. لو أن الغرفة مظلمة! لم أكن أحب الخجل الذي أشعر به عندما تلتقي أعيننا. لم تكف الستائر الكالحة لكسر حدة أشعة شمس بعد ظهر يوم صيفي. دفعتُ مولودًا مرتين أو ثلاثًا في بعض اللحظات لتصرفه بشهية كبيرة، وتصرفه بشيء من القسوة، وفي الوقت نفسه فأنا أستمتع بحزم مولود، وأُسلِّمه نفسي. رأيت شيءَ مولودٍ مرتين، وخفت قليلًا. لففت رقبة مولود الوسيم والبريء؛ لكي لا أرى ذلك الشيء الضخم في الأسفل. يعرف مولود ورائحة من خلال التعليم الديني الذي تلقياه في القرية بأنه ليس ثمة قلة أدب بين الزوج وزوجته على عكس ما سمعاه من أصدقائهما، ولكنهما يخجلان حين تلتقي أعينهما. وقبل مرور زمن طويل أدركا بأن هذا الخجل سيتناقص، وأن ممارسة الحب أمر يتقبله الإنسان، وحتى سيريانها دليلَ نضج. قال مولود ذات لحظة كأنه يكاد يختنق: «عطشت كثيرًا». كأن البيت كله بجدرانه ونوافذه وسقفه يرتجف. قالت رائحة وهي تختبئ جيدًا تحت ملاءة السرير: «هناك كأس بجانب الإبريق». من نظرة رائحة شعر مولود بأنها لا تنظر إلى العالم من خلال جسدها، بل من خارجه. في أثناء ملئه الكأس التي على الطاولة شعر بأنه روح فقط، وقد خرج خارج جسده. في أثناء تقديمه كأس ماء لزوجته أدرك بأن ممارسة الحب بقدر ما هي عمل غير مؤدب ومخجل، بقدر ما يمكن أن يكون لها جانب ديني وروحي. نظر كل منهما إلى جسد الآخر بذريعة شرب الماء، وحتى بشعور الاستسلام. نظرا بخجل من الحياة ودهشة بها في آن واحد. رأى مولود ضوءًا كأنه ينتشر في الغرفة من جسد رائحة الشديد البياض. خطر بباله أن البقع الزهرية والزرقاء الفاتحة على بشرتها يمكن أن يكون هو سببها. عندما عاد إلى تحت الملاءة من جديد، تعانقا براحة معرفة أن كل شيء يسير على ما يرام. تخرج من فم مولود كلماتٌ حلوة لم يحضِّرْها من قبل بشكل تلقائي. قال لرائحة: «روحي، ما لي غيركِ، أنت لذيذة جدًّا..». لم يقل هذه الكلمات كما كانت تقولها أمه وأختاه في صغره، بل قالها همسًا كأنه يبوح بسر، وبإيمان. ينادي رائحة بارتباك من يخشى أن يضل طريقه في الغابة. مارسا الحب حتى الصباح دون أن ينيرا المصباح وهما ينامان ويستيقظان، وينهضان في الظلام ليشربا الماء. الجانب الأكثر دهشة في الزواج أنه يستطيع ممارسة الحب بقدر ما يريد ومتى ما يريد. عندما رأيا بقعًا بلون الكرز الحامض على ملاءة السرير خجلا، وفرحا لأنها إشارة متوقعة لعذرية رائحة دون أن يظهرا هذا الفرح لبعضهما بعضًا. لم يتحدثا بهذا الموضوع نهائيًّا، ولكنهما تذكرا هذا اللون مساء في أثناء تحضيرهما المثلجات بالكرز الحامض التي سيبيعها مولود طوال الصيف. رائحة. مولود يصوم رمضان منذ سنة بقائه في القرية بعد أن أنهى المدرسة الابتدائية، وأنا أصوم قبل هذا مُذ كنت في العاشرة من عمري. عندما كنا ـ أختي سميحة وأنا ـ نغفو بانتظار الإفطار، زاغت عينا أختي وديعة من الجوع، وانهارت على الأرض بالصينية التي تحملها انهيارَ المئذنة بالزلزال. بعد هذا، تعلمنا أن نجلس على الأرض عندما تزوغ أعيننا من الصيام. أحيانًا نتمايل متظاهرين بأن أعيننا زاغت، ونلقي بأنفسنا على الأرض من أجل اللعب. كل الذين يصومون بمن في ذلك الأطفال يعرفون أن الزوجين يجب ألا يتقاربا طوال النهار. ولكن عندما بدأ رمضان بعد ثلاثة أيام من زواجنا، شككنا ـ مولود وأنا ـ بما نعرفه. هل يفسد الصيام تقبيل يد رجل الدين؟ لا يفسده! تقبيل الكتف؟ لابد أنه لا يفسده. تقبيل رقبة زوجتك العاقد عليها؟ وخدها؟ الدين يتسامح بالقبلة المحترمة التي لا تتمادى بها. قال تاجر الخردة الذي عقد قراننا الشرعي بأن القبلة من الشفة لا تفسد الصيام إذا لم ينتقل اللعاب. مولود يثق به أكثر من الجميع، وكان يقول بما أنه هو الذي زوجنا، فهو صاحب الصلاحية، ولا أحد غيره. لأن لكل شيء في ديننا إمكانية التأويل. شرحت لي وديعة بمنطقها بأن الولد الذي يضيع في الجبال وفي الوديان خلال أيام الصيف الطويلة، ويعمل قلة أدب مع نفسه لا ينطبق عليه قول حضرة الإمام: «لا تقتربوا من أزواجكم...»؛ لأنه لا يقول: لا تقتربوا من أنفسكم. يمكن ألا يكون في الكتاب ما يمنع من ممارسة الحب في رمضان. لا بد أنكم فهمتم: لم نتمكن ـ مولود وأنا ـ من ضبط أنفسنا في أيام رمضان الطويلة والحارة، وبدأنا بممارسة الحب. إذا كان هناك ذنب، فأنا موافقة، ولكنني أحب مولودًا الوسيم كثيرًا. لم نؤذِ أحدًا! أريد أن أسأل هذا لمن يقولون عنا مذنبين: ماذا يفعل عشرات آلاف الشباب المتزوجين على عجل قبيل رمضان مباشرة، ومارسوا الحب لأول مرة بحياتهم في بيوتهم خلال ساعات الصيام التي تفقد الإنسان صوابه برأيكم؟ في رمضان أخذ مولود عربة المثلجات ذات العجلات الثلاث والملاعق ذات المقابض الطويلة والبرميل الخشبي من خضر الذي عاد إلى قريته التابعة لمحافظة لسيواس. كان خضر يدبر بائعًا آخر يترك له عربته وزبائنه في فترة الصيف مثل كثير من الباعة الذين يذهبون إلى قراهم، ويعودون من أجل ألا يخسروا زبائنهم الدائمين. لإيمان خضر باستقامة مولود ودقته طلب منه أجرة قليلة جدًّا. دعا مولودًا إلى بيته الكائن في زقاق معزول في نواحي «دولاب درة»، وعلّمه مع رائحة التي أصبحت صديقة لزوجته الغمشخانية المكورة والضئيلة هناك صنع المثلجات، وتحريك الدلو بشكل متناغم من أجل أن يصبح قوامها كما يجب، وإضافة قليل من حمض الليمون على عصير الليمون، وقليل من الصباغ على شراب الكرز الحامض. يرى خضر بأن المثلجات يحبها الأطفال، والكبار الذين مازالوا يعتقدون أنهم أطفال. بقدر ما لطعم المثلجات أهمية بهذا العمل، فإن لسعادة البائع ومرحه أهمية أيضًا. جلس مع مولود إلى طاولة، وأشار له على خريطة مرسومة بدقة إلى الأزقة التي سيخرج إليها، وفي أي ساعة يكون أي مكان مزدحمًا، وأين ومتى سيقف ويكون البيع جيدًا. في أثناء دفع مولود عربة المثلجات من الجزء العلوي لطرلاباشِ نحو شارع الاستقلال وسراسلفيلر يستحضر تلك الخريطة التي حفظها إلى أمام نظره. كتب على عربة المثلجات الصغيرة المدهونة بالأبيض بأحرف حمراء متشابهة: مثلجات خضر فراولة، كرز حامض، ليمون، شوكولاتة، قشدةأحيانًا ينتهي أحد هذه الأنواع في نهاية المساء في أثناء اشتياق مولود لرائحة كثيرًا، فعندما يقول مولود: «لا يوجد بالكرز الحامض»، يرد عليه الزبون بتهكم: «لماذا تكتب كرزًا حامضًا إذًا؟»، فلا يريد مولود أن يقول له: «انتهت»، بل: «أنا لم أكتبها!»، ولكنه لا يجيب نهائيًّا لأنه سعيد، ويفكر برائحة. يترك الجرس القديم الذي آل إليه من والده في البيت، ويأخذ الجرس الذي أعطاه إياه خضر، ويصدر صوتًا أكثر بهجة، ويهزه كما لو أنه منديل معلق على حبل غسيل، وتلعب به الريح، وينادي على المقام الذي علمه إياه خضر أيضًا: «مثلجات قشدة!»، ولكن الأولاد الذين يلحقون بالعربة فور سماعهم الجرس، يصرخون: «يا مثلجاتي، أنت لست خضرًا». كان يقول للأولاد الذين يظهرون كالجان من نوافذ البيوت، وخلف الأشجار، وباحات المساجد التي يلعبون فيها «الاستغماية»: «أنا أخوه، ذهب خضر إلى العرس في القرية». لا يستطيع مولود الدخول إلى البيوت ومطابخها بسهولة لأنه لا يريد ترك العربة وحدها في الزقاق، لذلك غالبًا ما ترسل العائلات التي تود شراء المثلجات أحدًا إلى الزقاق في الأسفل. رأى مولود صعوبة تحضير القائمة التي ترسل مع الخادمة أو تنزل بالسلة مع ثماني أو عشر كئوس وسطها رفيع على صينية فضية أو مطعّمة بالصدف، ويدوّن فيها أنواع المثلجات المطلوبة للعائلات الكبيرة، وهو يحضرها في ضوء مصباح الشارع كأنه صيدلي يحضر دواء. أحيانًا يتجمع عدد من الزبائن، ويتململ الأولاد الذين يتحلقون حوله، ويلصقون كالذباب على صحن معقود فيما يعد طلبية من هذا النوع، فيتوتر. في أثناء وقت صلاة التراويح لا يبقى أحد ليس حول العربة فقط، بل في الزقاق أيضًا، ويكون أولاد العائلات الكبيرة التي ترسل الصينية إلى الأسفل مع الخادمة يشاهدون مباراة كرة قدم في التلفاز، ويثرثر الضيوف السعداء مع الأعمام والخالات والبنات المدللات، فيصرخ أحد الأولاد الخجولين والعصبيين من الطابق الخامس نحو الأسفل بطريقة فجة تدهش مولودًا معلنًا على العالم كله كمية المثلجات التي يريدها بالكرز الحامض وكميتها بالقشدة، والنوع الذي يجب أن يكون في البرشام من الأسفل، والنوع الذي سيكون في الأعلى. أحيانًا يلحون عليه لكي يصعد إلى الأعلى، ويشهد على سعادة العائلات الكبيرة حول المائدة، وعلى أبواب مطبخ بمنتهى الفوضى، وتقاذف الأولاد النعال البيتية على السجاد. من طريقة قرع الجرس، يقرر الأعمام والخالات في بعض البيوت أن الذي في الأسفل هو خضر، فينظرون إلى عيني مولود، ويبدءون بالحديث: «كيف حالك يا خضر أفندي، ما شاء الله ، تبدو أنك على ما يرام!»، ولكن مولودًا يساير الوضع مجيبًا بأجوبة محببة: «الحمد لله، عدنا من العرس في القرية... في رمضان هذا حركة جيدة»، ثم يشعر بالذنب فورًا. الشعور الأساسي بالذنب هو مسايرته الشيطان، وممارسته الحب في ساعات الصيام طوال شهر رمضان. وهو ذكي مثل رائحة بحيث يدرك أنه يعيش أسعد أيامه، وأن سعادته كبيرة إلى درجة أنها لا يمكن أن تخفي أي شعور بالذنب، وأن هذا الشعور ينبع من مكان أكثر عمقًا: يشعر بنفسه كأنه دخل الجنة بالخطأ على الرغم من أنه لا يستحق الدخول إليها. قبل الساعة العاشرة والنصف، وقبل أن يصل إلى منتصف الطريق الذي أشير إليه في خريطة خضر، يشتاق لرائحة بعمق. ماذا تفعل في البيت الآن يا ترى؟ بعد الظهر من بعد الأسبوع الثاني من رمضان، ذهبا مرتين إلى سينمات الأزقة الخلفية من بيه أوغلو التي تعرض ثلاثة أفلام معًا بثمن برشامة مثلجات كبيرة من أفلام كمال صونال وفاطمة غريك المرحة في الوقت المتبقي لهما من ممارسة الحب وصنع المثلجات. إذا اشترى مولود تلفازًا مستعملًا، يمكن ألا تمل رائحة وهي تنتظره في البيت. في النهاية يأتي إلى فسحة درج تطل على عشرات آلاف النوافذ المضيئة. وفي أثناء نظره إلى ناقلات النفط العابرة من البوسفور في الظلام، والعبارات الدينية المكتوبة بالمصابيح بين المآذن من هذا المكان الذي سيسلب فيه على يد أب وابنه قاطعي طريق بعد اثني عشر عامًا كما ذكرنا في بداية قصتنا، كان مولود يفكر كم هو محظوظ لأن لديه بيتًا في إسطنبول، وفتاة حلوة تنتظره في ذلك البيت. ومن أجل إنهاء المثلجات الباقية في قعر الدلو، ينظر إلى الأولاد الذين يلحقون به كما تلحق النوارس قوارب الصيادين، ويحدد أحذقهم، ويسأله: «أخرج ما في جيبك لأرى، ماذا يوجد؟»، وبعد أن يدس بيد عدة أولاد مثله برشامات كبيرة من المثلجات بما لديهم من نقود، حتى وإن لم تكن كافية، ينطلق في طريق العودة. لم يكن مولود يتنازل لمن ليس معه نقود نهائيًّا، ويقول: «أعطني برشامة فارغة يا عم خضر!»، ويتوسل إليه، أو يقلده ساخرًا منه. يعرف أنه إذا أعطى أحدهم مثلجات مجانًا، فلن يبيع نهائيًّا في اليوم التالي. رائحة. أعرف أن مولودًا قد عاد حين أسمع سحبه العربة إلى الحديقة الخلفية، فأنزل فورًا، وفي أثناء ربطه العجلة الأمامية بشجرة اللوز، أحمل الدلو (في كل مرة أقول: «ما شاء الله، فارغ تمامًا!») والخرق التي ستُغسل، وملاعق المثلجات إلى الأعلى. فور دخول مولود إلى البيت، يخلع مريلته، ويرميها على الأرض. بعض الناس يتعاملون مع النقود التي يكسبونها باحترام كما لو أنها ورقة مكتوب عليها اسم نبينا، أو مثلما يرفعون قطعة خبز وقعت على الأرض إلى مكان مرتفع، فقد كنت أستمتع برمي مولود الشيء المليء جيبه بالنقود على الأرض متململًا من أجل العودة إلى سعادة بيتنا. كنت أقبله. في أثناء خروج مولود إلى الشارع لجلب الفراولة والكرز الحامض والبطيخ من عند البقال الأرناؤوطي أو سوق السمك إن لم يجد عنه، ألبس حذائي، وأربط غطاء رأسي. كان مولود يقول: «تعالي معي!»، ويبدي بأن خروجي معه إلى الشارع هو قراره وحده. بعد رمضان، بدأ مولود يبيع المثلجات بعد الظهر. كنت أبقى إلى الخلف قليلًا إذا رأيت أن مولودًا خجل مني، وشعر بالضيق في الشارع عندما يلتقي بمعارفه على أبواب الحلاقين وورش النجارين وأمام ورش تسوية حديد السيارات، ويثرثر معهم. أحيانًا يقول: «قفي أنت هنا قليلًا!» ويدخل إلى دكان، ويجعلني أنتظر. كنت أنظر إلى العاملين في ورشة صناعة الطسوت البلاستيكية من بابها المفتوح، وأسلي نفسي. مع ابتعادنا عن البيت يرتاح مولود، ويريني السينمات السيئة في الأزقة الخلفية ومطعمًا عمل فيه مع فرحات، ويشرح لي، ولكنه يرتبك عندما نلتقي بوجه يعرفه في تقسيم أو غلاطة. وهل هذا لأنهما شابٌّ سيئ خطف فتاة، وفتاةٌ مخبولة خُدعت به؟ كان مولود يقول بغضب وهو يسير في المقدمة: «لنعد!» وكنت أحاول اللحاق به، ومعرفة سبب توتره الشديد من شيء تافه (مضت حياتي كلها بمحاولة فهم سبب توتر مولود المفاجئ). عندما نبدأ بفرز الفواكه، وغسلها، وعصرها، يلين مولود، ويقبّل رقبتي وخدي، ويقول إن ألذ حبات الكرز والفراولة في مكان آخر، ويخجلني ويضحكني. نتظاهر بأن الغرفة قد أظلمت على الرغم من عدم إظلامها مهما شددنا الستائر، وأن أحدنا لا يرى الآخر، ونمارس الحب. ٣ عرس مولود ورائحة اللبَّان المسكين يصبح بائع بوظة عبد الرحمن أفندي. وضع والد الفتاة الهاربة صعب: عليك أن تصرخ في الليل، وتطلق النار لكي لا يقول النمامون: «في الحقيقة أن والدها يعرف!» قبل أربع سنوات، خطف ثلاثة مجرمين يحملون السلاح فتاة جميلة من الحقل وهي تعمل في وضح النهار. ذهب والدها إلى المدعي العام، واستصدر أمرًا للدرك بالملاحقة والبحث، وبكى دمًا على مدى أيام وهو يفكر ماذا فعلوا بابنته، وعلى الرغم من هذا قال المفترون: «في الحقيقة أن والدها يعرف». سألت سميحة كثيرًا عن الذي خطف رائحة، وهددتها بأنني سأضربها إذا وترتني، بالطبع فأنا لا أستطيع أن ألكز بناتي ولو لكزة، لم تصدق، ولم تجب. ولكي لا تدور الشائعات في القرية، نزلتُ إلى بيه شهير، ووقفت أمام المدعي العام، فقال لي: «يا رجل، لم تستطع المحافظة على هويتها! لعلها هربت بموافقتها. ولكنني أرفع الدعوى لأنها دون الثامنة عشرة. وأطلق خلفها الدرك. ولكن الدعوى ستكون مرفوعة إذا لنت فيما بعد، وأردت أن تعفو عن صهرك، وتقول: ليتزوجا. اذهب الآن إلى المقهى، واجلس، وفكر. إذا كان قرارك نهائيًّا، فأنا موجود هنا». وأنا ذاهب إلى المقهى دخلت إلى مطعم «الأربعين مغرفة» للطبخ، وتناولت طبق حساء عدس، وحين أصغيت لحديث الجالسين على الطاولة المجاورة، فهمت بأن صراعَ الديكة سيبدأ بعد قليل في جمعية محبي الحيوان، فتبعتهم. وهكذا عدت إلى القرية في ذلك اليوم دون أن أقرر. مر شهر، وبعد رمضان مباشرة، جاء خبر من وديعة: رائحة في إسطنبول، وهي بخير، وحامل، وقد هربت إلى مولود ابن عم قورقوط. ليس مع مولود المخبول هذا قرش واحد. رأتها وديعة. قلت: «لن أعفو عنه أبدًا!»، ولكن وديعة أدركت فورًا أنني سأعفو عنه. وديعة. بعد عيد الفطر جاءت رائحة إلينا في تل التوت دون أن تخبر مولودًا. قالت إنها سعيدة جدًّا مع مولود، وهي حامل. عانقتني، وبكت. وقالت إنها تشعر بوحدة شديدة، وتخاف من كل شيء، وتريد أن تعيش في بيت كبير كبيت القرية مع أختيها، وبزحمة العائلة ووسط الأشجار والدجاج، أي مثل بيتنا الذي في تل التوت، وليس في شقة بقدر الكف في بناء مهلهل. ما أرادته رائحة أساسًا هو ألا يقول والدها: «لا عرس للبنت الهاربة!»، وأن يسمح لهما بعقد قران رسمي، وإقامة عرس. هل أستطيع أن أبلغ قورقوط وعمي حسن قبل أن يكبر الجنين، وأقنع والدي بلسان حلو دون أن أجرحه؟ قلت: «لنرَ. ولكن أقسمي لي مرة أخرى إنك لن تخبري أحدًا بأنني أنا وسليمان أوصلنا لك رسائل مولود». أقسمت فورًا رائحة المتفائلة. وقالت: «في الحقيقة أن الجميع مسرورون من هربي وزواجي. لأن الدور الآن على سميحة». قورقوط. ذهبت إلى غمشدرة، وبعد مساومة قصيرة، أقنعت حماي الرقبة العوجاء الذي بدأ بالبكاء «بالعفو» عن رائحة. وإذا كان قد أغضبني سلوكه معي كأن لي إصبعًا بخطف رائحة، (فيما بعد استنتجت بأن سبب سلوك الرقبة العوجاء هذا هو وجود إصبع لزوجتي وديعة وأخي سليمان بالخطف) فقد كان في الحقيقة مسرورًا من زواج رائحة، وقد توتر قليلًا لأنه روّج الفتاة لمولود مجانًا. ومن أجل أن ننهي الموضوع بشكل جميل، وعدته بأن أدعمه بإصلاح جدران الحديقة الخربة، وبالطبع إرسال مولود ورائحة إلى القرية ليقبلا يده، ويطلبا عفوه، وفيما بعد أرسلت له ألفي ليرة مع وديعة. سيطر القلق على مولود عندما عرف بأن عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء اشترط على مولود ورائحة الذهاب إلى القرية وتقبيل يده من أجل أن يعفو عنهما. لابد أن عينيه ستلتقيان بعيني سميحة التي كتب الرسائل لها، وسيمتقع وجهه بالحمرة، ولن يستطيع إخفاء خجله. فكر مولود كثيرًا بهذا الخجل المقترب وهو على الطريق بين إسطنبول وبيه شهير إلى درجة أنه لم يغمض له جفن طوال السفرة الممتدة أربع عشرة ساعة في أثناء استغراق رائحة بالنوم العميق مثل طفلة. الأصعب من هذا هو إخفاؤه قلقه عن رائحة التي تكاد تطير من الفرح لأن كل شيء انتهى بود، وستقابل والدها وأختها. إنه يخاف من اكتشاف رائحة هذه الحقيقة إذا فكر فيها. لهذا السبب يكبرُ الأمر في عقله مثل عقدة خوفه من الكلاب. انتبهت رائحة لقلق زوجها. في منتصف الليل، وعندما أعطت الحافلة استراحة في منشأة ضاغ باشِ للاستراحة والوقود، وبينما كانا يشربان الشاي، تمكنتْ من سؤال زوجها: «ماذا هناك؟ قل كرمى لله!» قال مولود: «هناك غرابة في عقلي، مهما فعلت أشعر بأنني وحيد في هذا العالم». قالت رائحة بحنان أم: «لن تشعر بهذا الشعور نهائيًّا طالما أنا معك». رأى مولود صورة رائحة المنعكسة على زجاج مشرب الشاي تندس به بحنان، فأدرك أنه لن ينسى هذه اللحظة أبدًا. ذهبا بداية إلى قرية مولود جنتبنار، وبقيا يومين. فتحت أمه أجمل الفرش لرائحة، وأخرجت الملبن بالجوز الأحب لمولود. تُقبّل كنتها بين حين وآخر، وتمسكها من يدها وذراعها وحتى من أذنها مرة، وتريها لمولود، وتقول: «ما أجملها، أليس كذلك؟». يشعر مولود بمتعة حنان الأم هذا الذي لم يعد يستطعم به منذ ذهابه إلى إسطنبول وهو في الثانية عشرة من عمره من جهة، وبغضب، وحتى مهانة لا يعرف سببها من جهة أخرى. رائحة. اشتقت كثيرًا لقريتنا وبيتنا وحديقتنا، وحتى لمدرسة القرية القديمة وأشجارها ودجاجنا، فاختفيت بلحظة. قبّل مولود يد والدي كطفل محبب، وطلب عفوه في الغرفة التي أنرت مصباحها وأطفأته له ليلة هربي معه من أجل إعطائه إشارة. أسعدني تقبيله يد والدي إلى درجة أنني لن أنساه أبدًا. بعد ذلك دخلتُ إلى الغرفة كفتاة عانس تحمل صينية، وتقدم القهوة للضيوف الخطابين القادمين لرؤيتها وهي تبتسم. تدفقت الدموع من عيني مولود عندما شرب القهوة حارة دون أن ينفخ عليها ليبردها كما يشرب الليمونادة. في أثناء حديثهما من هنا وهناك، تكدر مولود عندما فهم أنني سأبقى في القرية مع والدي وسميحة حتى العرس، وسأذهب معهما إلى العرس في إسطنبول فيما بعد مثل عروس حقيقية. غضب مولود لإخفاء رائحة عنه حتى تلك اللحظة، وأنها ستبقى في القرية. في الحقيقة كان مسرورًا جدًّا؛ لأنه لم يرَ سميحة في البيت في أثناء مسيره إلى قريته بغضب شديد بعد زيارة اختصرها بدافع غريزي. إنه الآن مسرور لتخلصه من هذا الخجل مؤقتًا، ولكنه حزين لأنه لم يُحل تمامًا، وتأجل إلى موعد العرس في إسطنبول فقط. هل عدم رؤيتها يعني هرب سميحة من الخجل، ورغبتها بنسيان هذا الموضوع؟ ذكرت رائحة اسم أختها، ولكنها لسبب ما لم تظهر نهائيًّا. في اليوم التالي، كان مولود يغط بنوم عميق في طريق العودة إلى إسطنبول في حافلة تهتز وهي تتقدم في الظلام كأنها سفينة فضائية قديمة. استيقظ عندما توقفت الحافلة في استراحة «ضاغ باشِ» نفسها، وعندما دخل إلى المطعم الذي دخله مع رائحة في طريق الذهاب نفسه، وجلس إلى الطاولة ذاتها وشرب شايًا، فهم كم هو يحب رائحة. بقاؤه يومًا بعيدًا عن رائحة كفاه ليدرك أنه عشقها خلال خمسين يومًا بشكل لم يره في أي فيلم، ولم يسمع عنه في أي حكاية. سميحة. فرحنا جميعًا لإيجاد أختي رائحة زوجًا مستقيمًا ووسيمًا كالأطفال يعشقها. جئنا ـ أبي ورائحة وأنا ـ إلى إسطنبول من أجل العرس. في زيارتنا الثانية هذه لإسطنبول، نزلنا عند أختي وديعة أيضًا. مرحنا نحن الأخوات الثلاث ليلة الحناء إلى درجة أن الدمع بدأ يتدفق من أعيننا: قلّدتْ رائحة تأنيب والدنا لنا، ووديعة تعصيب قورقوط في أثناء قيادته السيارة، وشتمه الآخرين جميعًا. وأنا قلدت عدم معرفة الخطابين أين يضعون علبة السكاكر وزجاجة الكولونيا التي أخذوها من عند بائع نصف الجملة عفان مقابل جامع أشرف أوغلو في بيه شهير. وصول دور الزواج إليَّ بعد زواج رائحة صعّب حياتي: أتذمر من وقوف والدي كالحارس فوق رأسي، ومن نظر عشرين عينًا فضولية إلينا كلما وُورب الباب. أستمتع بنظر مرشحي العرسان إليَّ من بعيد كأنهم يعشقونني حتى الموت (يعبر بعضهم عن هذا بإمساك طرف شواربهم برءوس أصابعهم)، ثم تظاهرهم بعدم النظر نهائيًّا، ولكنني أغضب من الذين يعتقدون بأن الطريق المختصر يمر من التأثير على أبي، وليس التأثير عليَّ. رائحة. أجلسُ على كرسي وسط جمع نساء صاخب. أرتدي ثوبًا زهري اللون اشتريته مع مولود من آقسراي، وطرزت عليه أختاه الأزهار والدانتيل، وعلى رأسي طرحة ثبتتها وديعة. وأمام عيني ينزل غطاء الطرحة الشفاف، ولكنني أستطيع رؤية الفتيات اللواتي يغنين ويرقصن من فتحات الغطاء. في أثناء عمل الحناء، وتجوال الطبق بفكة النقود المعدنية والشمع من فوق رأسي، حاولت النساء بث الحزن في نفسي بالقول: «واه يا رائحة المسكينة، ستذهبين من بيت أمك إلى بيت غريب، واه يا مسكينة» ولكنني لم أستطع أن أبكي. عندما تأتي وديعة وسميحة بين حين وحين، وتفتحان طرحتي، وتنظران إلى عينيَّ لرؤية ما إذا ذرفت دموعي، أعتقد بأنني سأفلت بالضحك. وكلما أعلنتا أنني لا أبكي، تسمعني النساء من حولي عبارات: «ما شاء الله، عينها ليست على ما وراءها، وهي تواقة جدًّا». وأقلق من فتح النساء الغيورات سيرة بطني المنفوخة، وأبذل جهدًا كبيرًا من أجل أن أبكي، وتذكرت وفاة والدتي، وذهابي إلى المقبرة، ولكنني لم أبكِ. فرحات. عندما دعاني مولود إلى العرس، قلت دون تفكير: «دعك من هذا!» حزن مولود. ولكنني رغبت بيني وبين نفسي بأن أرى صالة شاهقة للأعراس مرة أخرى. كثيرًا ما شاركت باجتماعات اليسار في هذه الصالة الواسعة في الطابق الأرضي. لم يكن القوميون حاملو العصي يفتعلون الشجار بالقبضات والكراسي الذي كانت تنتهي فيه اجتماعات الأحزاب والروابط الاشتراكية ومؤتمراتها التي تبدأ بالأهازيج والأناشيد الأممية، بل الفرق المختلفة التي تأخذ طرف السوفييت والصين، ولا تشبع نهائيًّا من الصراع فيما بينها. وبعد تعرض يساريي تل الرماد للهزيمة في معركة عام ١٩٧٧، وانتقلت هذه الأمكنة كلها إلى اليمين الذي تدعمه الدولة، قطعت أرجلنا عن هذه الأماكن. أخفى مولود عن فرحات أن صالة شاهقة للأفراح يديرها أحد المقربين من آل فورال، وأن السهرة تنظم هناك بفضلهم. ولكن فرحات وخزه بعبارة: «إنك تساير اليمينين واليساريين بشكل جيد. ستكون تاجرًا جيدًا بمهارتك هذه». قال مولود: «أريد أن أكون صاحب دكان جيد». وجلس بجانب فرحات فترة. وقدم له من تحت الطاولة فودكا بالليمونادة بداية، ثم من دون ليمونادة. في أثناء عناق صديقه، وتبادلهما القبل، قال: «سأفتح معك ذات يوم أجمل دكان في تركيا». عندما قال مولود لموظف البلدية الذي يعقد القران الرسمي: «نعم!»، شعر بأنه يمكن أن يودع حياته بين يدي رائحة، ويستسلم لذكائها بثقة. طوال فترة العرس لم يشغل باله بأي شيء، ويدرك أن لحاقه بزوجته ـ كما يحدث في كل حالات الزواج ـ سيسهل حياته، ويسعد طفله (ليس الطفل الذي في بطن رائحة، بل الذي في روح مولود) في آن واحد. ولكنه بعد أن تبادل القبل مع الجميع، قبّل يد الحاج حميد فورال الجالس وسط حرّاسه مثل السياسيين وكل الرجال الجالسين معه على الطاولة (كانوا ثمانية بالضبط). في أثناء جلوسه مع رائحة على الأريكة المذهبة والمغطاة بالمخمل الأحمر المخصصة للعروسين وسط الصالة، رأى كثيرًا من الوجوه المألوفة في قسم الرجال الذي يغطي أكثر من نصف الصالة: أغلبهم لبّانون من جيل والده ساحلي الأكتاف وبارزي الحدبات نتيجة حمل المزراق. وبسبب انتهاء عمل اللبانين يعمل أفقرهم وأفشلهم صباحًا بأعمال أخرى، ويبيع البوظة مثل مولود مساء. بعضهم بنوا أكواخًا في مناطق المخالفات البعيدة (أحيانًا تُهدم، وتبنى من جديد)، وارتاحوا لأن هذه المناطق أصبحت لها قيمة كبيرة، فأحالوا أنفسهم إلى التقاعد، أو عادوا إلى قراهم. لدى بعضهم بيوت في القرية تطل من بعيد جدًّا على بحيرة بيه شهير، وبيوت أخرى في أحياء المخالفات. هؤلاء يدخنون مارلبورو. وخلال التضخم الأخير طارت نقود الذين خدعوا بإعلانات الجرائد، وحصالات بنك العمل، وما يُدرَّس في المدرسة الابتدائية، فأودعوا كل قرش كسبوه في البنوك. وقد تبخرت أيضًا نقود الذين أودعوا نقودهم عند جامعي الأموال لكي لا يحدث ما حدث في البنوك. مازال أبناء بعضهم يعملون باعة جوالين مثل مولود، ولكنه منتبه لوجود البعض (مثل والده) ممن لم يوفروا شيئًا، ولم يحصلوا حتى على بيت أو بستان في القرية على الرغم من عملهم باعة جوالين لربع قرن. تجلس أمه على الطاولة نفسها التي تجلس عليها نساء الباعة المسنين والمتعبين، ومولود لا ينظر نحو تلك الجهة. عندما بدأ الطبل والزمر بالعزف، انضم مولود إلى مجموعة الشباب الذين يرقصون في الوسط. في أثناء قفزه، وحركاته كان ينظر بطرف عينه إلى حركة غطاء رأس رائحة بين البنات والخالات وزوجات الأعمام والأخوال والإخوة وهي تقبلهن. فيما كان يبحث عن رائحة، انتبه إلى موهيني العائد من الجندية ولحق العرس في اللحظة الأخيرة. قبل مراسم تعليق الهدايا بقليل، دبت حركة في القاعة الرطبة التي ارتفعت حرارتها كثيرًا، وفقد الجمْع نظامه نتيجة تأثير شرب الليمونادة والصخب والجو الخانق. شرب مولود أيضًا كأسًا من الليمونادة بالفودكا ناوله إياه من تحت الطاولة فرحات الذي ينظر بين حين وآخر إلى طاولة آل فورال، ويقول لنفسه: «إذا لم أشرب فكيف أحتمل كل هؤلاء الفاشيين؟». اعتقد للحظة أنه فقد رائحة، ثم رآها، وهرع إلى جانبها. كانت خارجة من الباب المؤدي إلى دورة المياه مع فتاتين تغطيان رأسيهما مثلها. قالت إحدى الفتاتين: «أخي مولود، عندما أرى رائحة سعيدة جدًّا، أفرح من أجلكما... عدم المؤاخذة، لم أستطع أن أبارك لك في القرية». عندما عادا للجلوس على الأريكة الحمراء، قالت له رائحة: «ألم تعرف أختي سميحة؟ الجميل فيها عيناها. وهي سعيدة جدًّا الآن في إسطنبول. خطابها كثيرون جدًّا، والرسائل من كل حدب وصوب، وارتبك والدي ووديعة بما يجب أن يفعلاه». سليمان. بداية اعتقدت أن مولودًا ينجح بمهارة كبرى بالمحافظة على هدوئه. لا، لم يستطع مولود معرفة سميحة التي كتب إليها كل تلك الرسائل. موهيني. طلبوا مني أن أكون كاتبًا وعريف حفل في مراسم تقديم الهدايا لمولود ورائحة. تناولت الميكروفون، وحين أعلنت: «رجل الأعمال والمتعهد فاعل الخير الكبير وباني جامع تل التوت الريزوي حضرة السيد المحترم الحاج حميد فورال يقدم للعريس ساعة سويسرية (في الحقيقة أنها صناعة صينية)!»، تماوج زحام العرس الذي يكاد ينفجر من الضيق وهو يدخن السجائر ويشرب الليمونادة بالتصفيق، ويلهو، وبدأت النميمة والضحك، وأدرك البخلاء الذين يفكرون بتعليق مبلغ صغير، والهرب أن سمعتهم ستسوء كثيرًا، فيحضّرون ورقة نقدية أكبر. سليمان. عندما رأيت فرحات وسط الزحام، لم أصدق عيني. لو نعرف أن مولودًا سيجلب هذا السافل الذي خطط لقتل أخي مع عصابة من أصدقائه في إحدى الزوايا بأموال موسكو بحجة أنه «أصبح معتدلًا»، فهل كنا نقلنا رسائل مولود، وتدبرنا هذا الزواج، وأعددنا له هذا العرس؟ يبدو أن شوكة الرفيق فرحات قد كسرت. إنه لم يعد يستطيع النظر بأعين الناس مثل فتوات الشيوعيين الخارجين توًّا من السجن، ويحملون بيدهم سبحة يدورونها مثل حمّالة المفاتيح، ويتكلم طالعًا نازلًا على أنه أفهم من الجميع. بعد الانقلاب العسكري بسنتين غالبية الرفاق الشيوعيين إما بقوا في السجن، وإما أصيبوا بعاهات تحت التعذيب. الحاذقون الذين لم يريدوا أن يتعذبوا، هربوا إلى أوربا. اعتدل رفيقنا فرحات الذي لا يعرف لغة غير الكردية بمواقفه السياسية لأنه لا يستطيع المداهنة لجماعة حقوق الإنسان، والتشبث في أوربا، وبقيَ هنا. على رأي أخي الكبير: الذكي بين الشيوعيين هو الذي ينسى أفكاره فور زواجه، ويكسب نقودًا؛ الغبي يجد المفلسين أمثال مولود لأنه لم يكسب أي نقود بسبب أفكاره، ويمتهن تقدم النصح لهم مثل فرحات. أفكر أيضًا بأننا نحن الرجال، نعيب على رجل من هذا النوع: نقول عن الغني الذي يذهب لطلب فتاة جميلة وقع بغرامها، ورأى فور دخوله من باب الدار أن للبنت أختًا أجمل وأصغر، فيطلب تلك التي تلعب النط مع الحجر عند الباب، ولا يطلب الفتاة الأولى تلك من أبيها، إنه سافل. حسنٌ، كيف سنفهم أمثال مولود الذي كتب رسائل غرام بالدمع على مدى سنوات لفتاة، وعندما خطفها في ظلمة الليل، وجد أنها أختها، وليست الفتاة الجميلة، فلم ينبس؟ الأمر الآخر الذي أسعد مولود هو فرح رائحة الصافي والطفولي. فهي لا تستغرب من النقود التي تعلق لها، وتصدر تعبيرات مفتعلة كالعرائس الأخريات اللواتي رآهن مولود، بل تفرح من كل قلبها. يعلن موهيني كل نقود أو ذهبية أو حلي تعلق للعروسين محاولًا أن يكون مرحًا («من أفتى الجدود اللبانين خمسون دولارًا أمريكيًّا!»)، وقسم من الزحام يصفق بمزيج من السخرية والمجاملة كما يحدث في الأعراس كلها. بينما كان الجميع ينظرون نحو إحدى الجهات، كان مولود يرمق بطرف عينه رائحة. لم يجد يديها وذراعيها وأذنيها فقط جميلة، بل وجد أنفها وفمها ووجهها جميلة أيضًا. العذر الوحيد برائحة الآن هو أنها متعبة جدًّا، ولكن حالتها الطيبة تليق بها كثيرًا. لم تستطع أن تؤمن على الكيس البلاستيكي المليء بالظروف والهدايا والصرر لأحد، ووضعته بجانبها. يدها الصغيرة والظريفة ترتاح في حضنها الآن. تذكّر مولود إمساكه هذه اليد في أثناء هروبهما معًا في الجبل، ونظره إليها بانتباه أول مرة في محطة قطارات آقشهير. يبدو لمولود أن سنين طويلة مرت على اليوم الذي خطف فيه رائحة. لقد مارسا الحب وتقاربا وتحدثا وتضاحكا خلال هذه الأشهر الثلاثة إلى درجة أن مولودًا يفهم رائحة بشكل لا أحد يفهمها مثله، ويرى الشباب الذين ينظرون نحو الصبايا بنظرات التكبر باعتبارهم أولادًا لم يتعرفوا على الحياة بعد. غير إحساس مولود بأنه يعرف رائحة منذ سنوات طويلة، بدأ يخطر بباله أحيانًا وبصدق أنه كان يكتب تلك الرسائل لها. ٤ أزر بالحمّص الطعام الأقذر هو الألذ في البيت، رأى مولود ورائحة أن كثيرًا من الظروف التي ألقيت بكيس الهدايا بتكبّر هي فارغة، ولكنهما لم يُدهشا من هذا. لا يثق مولود في البنوك ولا بجامعي الأموال، فاشترى بأغلبية النقود سوارًا ذهبيًّا لرائحة، واشترى تلفازًا أبيض وأسود مستعملًا من دولاب درة لكي لا تمل رائحة في أثناء انتظارها له. كانا عندما ينظران إلى التلفاز معًا زوجًا وزوجة، يمسك أحدهما بيد الآخر. بدأ مولود يعود إلى البيت باكرًا مساء يوم السبب على موعد مسلسل «البيت الصغير»، والأحد على موعد «دلاس» لأنه لا يكون هناك في الشارع من يشتري المثلجات. بقيَ مولود فترة دون عمل بعد عودة خضر من قريته في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر، واسترداده عربته. بعد العرس، انسحب فرحات من الوسط. عندما يلتقيان مصادفة في أحد مقاهي بيه أوغلو، لم يعد فرحات يعطي مولودًا بشارة «عمل جيد جدًّا، يدخل نقودًا جيدة». طرق مولود باب المطعم الذي عمل فيه سابقًا، ورؤساء النُّدُل الذين يمسكون ورقة وقلمًا ويجرون حسابات، ويقرءون جريدة، ويلعبون اللوتو في إحدى الزوايا، وأصحاب المطاعم، ولكنه لم يحصل على عرض عمل جديد دخله جيد. تُفتح في المدينة مطاعم جديدة وغالية، ولكن هذه المطاعم لا تشغِّل واحدًا مثل مولود دَرَّبَ نفسه بنفسه، والقادمين من القرية القائلين: «اعملْ أي عمل»، بل النُّدُل المتخرجين من المعاهد السياحة، ولديهم لغة إنكليزية تمكنهم من التمييز بين «yes» و«no». بعد أن عمل مولود في أحد مطاعم منطقة قاسم باشا، ترك العمل بناء على رغبته. رد بجواب سيئ على زبون بربطة عنق متظاهرًا بالفهم قال إن مسحوق الفلفل الأحمر ليس حارًّا كفاية، ثم خلع مريلته، ورماها بندم. ولكن هذه لم تكن ردة فعل شخص تعيس وسائم: كان يعيش أسعد أيام حياته، وسيصبح أبًا لولد قريبًا، وهناك استثمار جديد بالأرز والحمص بالرأسمال الذي جمعه من هدايا العرس. هناك نادلٌ عرَّف مولودًا على بائع من موش أصيب بالشلل، ولم يعد قادرًا على الوقوف بعد أن عمل سنين طويلة ببيع الأرز بالحمّص. يريد الموشي أن يبيع عربته وحق المكان الذي يقف فيه خلف مرسى قباطاش الذي يعتبره «حقه». يعرف مولود بأن ادعاءات الباعة جميعًا بحق الوقوف أمر مبالغ به. كل بائع يتمكن من إيقاف عربته في مكان ما نتيجة توسله لدورية ضابطة البلدية، أو بإعطائها شيئًا ما، يبدأ بالاعتقاد بأن تلك الزاوية ملكه الشخصي بسند تمليك، وليست ملك الأمة والدولة. على الرغم من هذا، فقد سيطر على مولود حلم امتلاك مكان معين في المدينة مثل أصحاب الدكاكين بعد أن عمل سنوات بائعًا جوالًا يحمل على كتفه مزراقًا، وآمن بمستقبل هذا العمل. عرف أنه أكل خازوقًا، ولكنه لم يساوم البائع الموشي كثيرًا. ذهب مولود مع رائحة مرتين إلى كوخ الإيجار الذي يسكنه المسن مع الصراصير والفئران وقدر الضغط وابنه الذي يتأتئ في أحد الأزقة الخلفية من حي أورطاكوي، وتعلما العمل. وذات يوم جلب مولود العربة وهو يدفعها إلى البيت. جلب شوالَ أرز كبيرًا وآخر حمصًا من عند بائع جملة في سيركجي، وكوّمها بين المطبخ والتلفاز. رائحة. ينقع الحمص ليلًا بشكل جيد، ويستيقظ في الثالثة صباحًا على منبه الساعة الذي يضبطه. يرى أن الحمص قد لان، فيضعه في قدر على نار هادئة. بعد ذلك يطفئ النار تحته، ثم نعود إلى النوم متعانقين بطمأنينة ونحن نستمع إلى هسيس القدر الذي يبرد. صباحًا أطبخ الأرز كما علمني الموشي بأن أقلّبه بالزيت قليلًا، ثم أصب الماء عليه، وأتركه على نار هادئة. عندما يخرج مولود إلى التسوق صباحًا، أسلق أفراخ الدجاج، ثم أقليها بالزيت. بعد ذلك أفصل عظام الأفراخ وجلدها بأظافري ورءوس أصابعي بدقة، وأقليها مع ما يلهمني به قلبي من زعتر أو فلفل، وأحيانًا مع سنيّ ثوم، وأحمّرها، وأقسم بعضها إلى أربعة أقسام، وأوزعها على أطراف الأرز. عندما يعود مولود صباحًا من التسوق بشباك الفواكه والطماطم، يسحب إلى رئتيه هواء البيت الذي تجعله رائحة بغاية اللذة، ويداعب ذراع زوجته وظهرها وبطنها الذي يكبر تدريجيًّا. زبائن مولود الموظفون في البنوك أو المكاتب المجاورة ذوو ربطات العنق وذوات التنانير، وطلاب الجامعة والمدارس القريبة الصاخبون، وعمال البناء في تلك النواحي، والمسافرون والسائقون الذين ينتظرون دور ركوبهم في المركب أو العبَّارة لم يشتكوا من الأفراخ التي تعدها رائحة. حصل مولود خلال فترة قصيرة على زبائن مداومين مثل الأخ الكبير الحارس على باب بنك آق ذي النظارة السوداء والجسم الشبيه بالكأس ؛ والسيد نديم ذي البزة البيضاء قاطع تذاكر المراكب في المرسى، أو موظف التأمين الذي ينظر إليه دائمًا وكأنه يبتسم ساخرًا منه، وموظفاته، ويحاول أن يفتح معهم أحاديث حول ضربة الجزاء التي لم تُعْطَ لفريق فنار بهتشة في مباراته الأخيرة، والفتاة الكفيفة التي أجابت عن الأسئلة كلها في مسابقة المعلومات التي بثها التلفاز، وآخر التطورات. وفرض نفسه على ضابطة البلدية من خلال الأطباق ذات لحم الأفراخ الكثير المجانية، ولسانه الحلو. يعرف مولود من خلال تجربته بائعًا بأن الحديث مع الزبون جزء من العمل، ولكنه لم يكن يدخل بأي موضوع سياسي في أي وقت. ما يسعده حتى من أيام بيعه اللبن والبوظة ليس حصوله على النقود، بل عودة زبون أكل أرزًا بالأفراخ قبل عدة أيام من أجل أن يأكل ثانية (هذا نادرًا ما يحصل)، وقوله هذا الأمر بطيب نية (وهذا ما يحصل بشكل أندر). غالبية زبائنه يشعرونه بأنهم أتوا إليه لأنه رخيص وقريب، وحتى إن بعضهم يقول هذا بصراحة. عندما يقول له زبون بطيب قلب فقط: «ما شاء الله طعمه بقي تحت أضراسي!» يفرح كثيرًا، وينسى الحقيقة التي يخفيها عن نفسه وعن رائحة وهي أنه لا يكسب من بيع الأرز شيئًا، ومناقشة هذا الأمر بينه وبين نفسه لعدة أيام. شعر بأنه لا يكسب، وأن موت الموشي مفلسًا ومريضًا بعد أن وقف ثمانية أعوام في المكان نفسه لم يكن لفشله. رائحة. في أغلب الأيام كان مولود يعيد مساء نصف الحمّص وأفخاذ الدجاج والأرز التي أطبخها صباحًا. أعيد طبخ الأجنحة وأنصاف الأفراخ الصغيرة المتغير لون زيتها مع الطعام الذي أحضره في اليوم التالي. وأسخن الأرز أيضًا. يغدو الأرز الذي أسخنه على نار هادئة ألذ. لم يكن مولود يسمي العمل الذي أقوم به «إعادة الطبخ»، بل «التتبيل» وهو الاسم الذي يطلقه السجناء الأغنياء وآغاوات مهاجع السجن على الطعام السيئ الذي يأتي من المطبخ، فيعيدون تحضيره بزيت زيتون جيد وبهارات وفلفل يخرجونها من مخبئهم الخاص. عرف هذا من جزروي كردي غني دخل إلى السجن، وخرج، وهو الآن يدير موقف سيارات. في أثناء إعدادي الطعام في المطبخ، كان مولود يحب أن يقول لي عبارة «الطعام الأقذر هو الألذ» وهي الحقيقة المعروفة بين الإسطنبوليين الذين يملئون بطونهم من الباعة الجوالين. وكنت أرد عليه: «الطعام الذي يسخن لعدم أكله لا يعد قذرًا». الزبائن يحبون جلد الأفراخ العائدة، والمقلية عدة مرات، والحمص اللين تمامًا لكثرة تسخينه، وحتى تقليب أحشاء الأفراخ عدة مرات على النار، وتحميرها، ويعصرون فوقها الكتشب والخردل، ويمسحونها مسحًا. بدأ ببيع البوظة أيضًا اعتبارًا من تشرين الثاني/ نوفمبر. لأنه يسير بشكل دائم في أثناء بيع البوظة، تتجلى أمام عينيه صور جميلة وأفكار غريبة: في تلك الأيام اكتشف أن ظلال الأشجار في بعض الأحياء تتململ على الرغم من عدم وجود أي ورقة تتحرك فيها، وأن عصابات الكلاب تكون أكثر جرأة وتظاهرًا بالقوة في الأحياء التي تكون فيها مصابيح الشارع مكسورة أو مطفأة، وأن عبارات إعلانات مدارس الدورات الخاصة والمُطهرين الملصوقة على أعمدة الكهرباء وأبواب البنايات مقفّاة. استماع مولود لبوح المدينة له في الليل، وقراءته لغة الأزقة يجعلانه فخورًا. ولكن قوة خياله تضعف عندما يكون خلف عربة الأرز صباحًا، ويداه بجيبيه في البرد دون حركة؛ ويدرك أن العالم فارغ، ولا معنى له، ويخاف من الوحدة العميقة المتنامية داخله، ويريد أن يعود فورًا إلى رائحة. لعل رائحة الآن في البيت تعاني من مخاض الولادة المبكرة. ولكن مولودًا يقول لنفسه: «لأصبر قليلًا أيضًا». ولا يستطيع ضبط نفسه، ويسير راسمًا بخطواته دوائر حول عربة الأرز ذات العجلات الكبيرة والمحاطة بالزجاج، وفي أثناء انتظاره وهو ينقل ثقله من قدمه اليمنى إلى قدمه اليسرى، ينظر إلى الساعة السويسرية التي في معصمه. رائحة. عندما أرى مولودًا يشغل عقله بهدية الحاج حميد، أقول له: «لبّسك تلك الساعة من أجل أن يسيّر مركبه. وبالطبع لا لكي يشعرك وحدك بأنك مدان له، بل عمك وابنا عمك أيضًا». عندما عاد مولود إلى البيت بعد الظهر، غليت له زيزفونًا جمعته من شجرة باحة الكنيسة الأرمنية. يرى أنني أنهيت تحضير البوظة، فيفتح التلفاز، ويتابع برنامج درس الهندسة للمرحلة الثانوية الوحيد وهو يشرب مغلي الزيزفون الحلو، وينام حتى المساء وهو يكح. أنا طبخت الأرز والحمص الذي باعه طوال سبع سنين، واشتريت أفراخ الدجاج، وسلقتها، وشفّيت عظامها، وقليتها، وأنا جليت الأدوات والملاعق والحلة والأطباق طوال اليوم. أصغي إلى الطفل الذي في بطني، وأنتبه لكي لا أتقيأ على الأرز بتأثير الرائحة البشعة عند قلي أفراخ الدجاج، وأشتاق لزاوية السرير والمخدة التي أعددتها للطفلة. وجد مولود عند بائع أشياء مستعملة كتابًا قديمًا بعنوان: «أسماء إسلامية لأولادكم». يفتحه مساء قبل العشاء في أثناء دعايات التلفاز، ويقلب الصفحات وهو يقرأ، وينظر إليَّ ليأخذ موافقتي: نور الله، عبد الله، سعد الله، فضل الله؛ وأنا لا أستطيع أن أقول له بأي شكل سنرزق ببنت. عرفت هذا عندما ذهبنا ـ وديعة وسميحة وأنا ـ إلى مستشفى شيشلي للأطفال. رأت سميحة أنني حزنت عند خروجي إلى الشارع، فقالت لي: «لا تهتمي كرمى لله. هناك رجال كفاية في أزقة هذه المدينة». ٥ مولود يصبح أبًا احذري أن تنزلي من الشاحنة الصغيرة سميحة. جئت من القرية إلى إسطنبول مع والدي من أجل عرس رائحة، ولكننا لم نرجع. ننزل في الغرفة نفسها –أبي وأنا- في بيت أختي وديعة. أستيقظ كل صباح، وأنظر إلى ظل إبريق الماء وزجاجة الكولونيا على الطاولة، وأغط بالأفكار: لي خاطبون كثيرون في القرية، ولكن أبي يعتقد بأن نصيبًا أفضل سيأتيني إذا بقينا في المدينة... أما أنا فلم أرَ في إسطنبول حتى الآن غير سليمان... لا أعرف ما الذي أخذه أبي من سليمان وقورقوط، وبماذا وعدهما. ولكنهما دفعا ثمن طقم أسنانه. يضع والدي طقم أسنانه في كأس قبل النوم، وفي أثناء انتظار نومه، أريد أن أفتح النافذة، وأرمي أسنانه. صباحًا أساعد وديعة بأعمال البيت، وأحيك صوفًا من أجل الشتاء، وأشاهد التلفاز عندما يبدأ البث بعد الظهر. يلعب والدي صباحًا مع بوزكورت وطوران، ولكنه يتشاجر مع حفيديه لأنهما يشدان شعره. ذهبنا ـ وديعة وأبي وسليمان وأنا ـ مرة إلى البوسفور، ومرة إلى السينما في بيه أوغلو، وأكلنا مهلبية. وقف سليمان هذا الصباح أمامي وهو يلعب بمفتاح شاحنة الفورد الصغيرة كأنه مسبحة، وقال إنه سيذهب إلى أسكودار لجلب ستة أكياس أسمنت وحديد، ويمكنني أن أذهب معه إن أردت، وإننا سنعبر من فوق جسر البوسفور. سألت أختي وديعة، فقالت لي: «كما تريدين، ولكن انتبهي!» ماذا قصدت؟ لم ينبس أبي ووديعة لجلوس سليمان بجانبي مباشرة في سينما سراي، وانتبهت إلى يد سليمان التي امتدت إلى طرف فخذي كعقرب حذر، ولم أستطع معرفة ما إن كان هذا بقصد، أو من غير قصد. ولكن سليمان الآن يتصرف معي بتهذيب كبير في أثناء عبورنا جسر البوسفور تحت شمس ظهر يوم شتوي براق وبارد كالثلج، ويقول: «سميحة، لأقترب إلى الشريط الأيمن أكثر، وشاهدي الأسفل بشكل أفضل إذا أردتِ». واقترب بشاحنة الفورد الصغيرة من الحافة اليمنى إلى درجة اعتقادي بأننا سنسقط فوق السفينة الروسية ذات المداخن الحمراء التي تعبر من تحتنا. بعد عبورنا جسر البوسفور، ودخولنا أزقة أسكودار الخلفية الكثيرة الحفر لم يبقَ جمال، ولا مشاهد سياحية: رأيتُ مصانع أسمنت محاطة بأسلاك شائكة؛ معامل نوافذها محطمة؛ وبيوت مهلهلة أسوأ من تلك التي في القرية، وعشرات آلاف البيدونات تجعل الإنسان يقول: هل أمطرت السماء بيدونات صدئة؟ وقفنا في سهل غير متناهٍ مغطى ببيوت المخالفات. الأمكنة كلها تشبه تل التوت (أي فقيرة)، وجديدة وبشعة في الوقت نفسه. قال سليمان: «هنا شعبة شركة آق طاش للإنشاءات التي أسسناها مع آل فورال». ونزل من السيارة، ولحظة دخوله إلى بناء بشع، التفت نحوي، ونادى بصوت مهدد: «احذري أن تنزلي من الشاحنة الصغيرة!»، وهذا بالطبع ما أثار رغبتي في النزول من السيارة. ولكن لم تكن هناك امرأة في المحيط، وانتظرت في مكاني أمام الشاحنة دون أن أتحرك. لعدم بقاء وقت لتناول طعام الغداء في طريق العودة بسبب زحمة المواصلات، لم يقلني سليمان إلى البيت. عندما وصلنا إلى بداية تل التوت، رأى صديقه، وفجأة أوقف الشاحنة، وقال: «وصلنا إلى الحي، تستطيعين الصعود إلى طلعتنا براحة. وخذي بهذه لأمي خبزًا من الفرن!». في أثناء صعودي إلى كوخ آل آق طاش الذي أصبح يشبه بيتًا أسمنتيًّا مسلحًا، فكرت على النحو الآتي: يقولون إن الصعب بالزواج عن طريق خاطبة ليس زواج الفتاة من شخص لا تعرفه نهائيًّا، بل اضطرارها لحب شخص لا تعرفه نهائيًّا... ولكن الحقيقة يجب أن يكون زواج الفتاة من شخص لا تعرفه نهائيًّا أسهل؛ لأن حب الرجل بعد المعرفة أصعب، صدقوني. رائحة. كبرت البنت التي لا اسم لها في بطني، وحتى تُصعّب عليَّ الجلوس. في أثناء قراءة مولود صفحات الكتاب الذي بين يديه ذات مساء: «حمد الله، عبيد الله، سيف الله» قاطعته، وقلت له: «عزيزي مولود، روحي، ألا يوجد في هذا الكتاب جزء لأسماء البنات؟». قال مولود وكأنه ينتبه أول مرة إلى وجود «جناح للعائلات» من أجل جلوس النساء في الطابق العلوي من مطعم يتردد عليه منذ سنين: «آآ، حقًّا، يوجد». ومثلما يفتح ذلك الرجل باب الجناح، ويلقي نظرة خجولة ومستعجلة إلى قسم النساء، ألقى نظرة إلى الصفحات الأخيرة من الكتاب، وعاد إلى أسماء الذكور دون أن يهتم. إثر هذا اشترت لي أختي وديعة ـ تسلم لنا ـ كتابين من محل ألعابٍ وكتب في شيشلي: في كتاب الأسماء القومية القادمة من آسيا الوسطى مثل كورتجبة، ألبصلان، أتابيك، فُصِلت أسماء البنات عن أسماء الصبيان مثل الحرملك والسلاملك. أما في كتاب «دليل الأسماء المعاصرة» فقد جمعت البنات والصبيان معًا مثل أعراس الأغنياء المتأوربين والثانويات الخاصة، ولكن مولودًا كان يقرأ أسماء سيمغة، سوزان، مينة، إرَم وهو يضحك، ويأخذ أسماء الذكور مثل خاقان، قلتش مأخذ جد. لا تعتقدوا نهائيًّا بأن ما جعل مولودًا يضع الحزن بالجرن عندما ولدت ابنتنا التي أسميناها فاطمة، ويعاملني معاملة سيئة هو أنني لم أولد صبيًّا. على العكس تمامًا. فرح مولود كثيرًا لأن بنتًا صارت له، حتى إنه بدأ يشرح للجميع ومن قلبه وبكل ما أوتي بأنه أراد منذ البداية أن يرزق ببنت. جلب شاكر الذي يصور السكارى بالعرق والنبيذ في خمارات بيه أوغلو، ويهرع إلى مختبره في زقاقنا الذي يعمل بالأساليب القديمة، ويظهّر الصور، ويطبعها، وطلب منه أن يلتقط له صورة ممسكًا بالطفلة كأنه عملاق مبرزًا أسنانه كلها. ألصق الصورة على زجاج عربة الأرز، وقال لكثير من الزبائن بأنه رزق بابنة، وقدم لهم الأرز مجانًا. فور مجيئه إلى البيت كل مساء، يحتضن فاطمة، ويقرّب يدها اليسرى من عينيه مثل مصلح ساعات، وينظر طويلًا جدًّا كم أن أصابعها بمنتهى الكمال، ويقول: «لديها أظافر أيضًا، وفي أثناء مقارنة أصابعها بأصابعي وأصابعه كأنه يرى معجزة الله، ويقبلنا بعينين دامعتين. كان مولود سعيدًا جدًّا، ولكنه يشعر بغرابة غير منتبهة إليها رائحة. كان يخفي عن بعض الزبائن الذين يرون صورة فاطمة التي تلين بتأثير البخار، ويقولون: «ما شاء الله، ما أجمل هذا الطفل!» بأنها فتاة. ولكنه احتاج إلى زمن طويل ليعترف بأن سبب قلقه الأساسي هو الغيرة على الطفلة. بداية اعتقد بأنه يغضب دون وجه حق لاستيقاظه مع رائحة في منتصف الليل من أجل إرضاع فاطمة. وقد تجادل كثيرًا مع رائحة لأنهما لم يستطيعا منع البعوض الذي يتسلل إلى الناموسية، ويمص دم فاطمة طوال الصيف. فيما بعد، أدرك مولود أن شعورًا غريبًا يسيطر عليه عندما تضع رائحة ثديها في فم فاطمة، وتتحدث معها بشكل جميل. نظرة رائحة للطفلة بشفقة، وحتى بإعجاب، هو ما كان يقلق مولودًا؛ لأنه يريد أن تنظر رائحة إليه فقط بهذا الشكل. اتفقت رائحة والطفلة، وما عادتا تهتمان بمولود. مع أن مولودًا بحاجة أن يسمع دائمًا من زوجته في البيت إطراءً حول أهميته. ولكن رائحة منذ ولادة فاطمة، لم تعد تقول له: «ما شاء الله يا مولود، اليوم بعت جيدًا!»، «ما أجمل فكرة استخدامك بقايا الدبس في البوظة بدلًا من السكر!»، «تدبرتَ موظفي البلدية بشكل جيد يا مولود، أحسنت!». بقيَ مولود في رمضان طوال اليوم في البيت. أراد أن ينسى غيرته بممارسة الحب مع رائحة طوال الليل، ولكن رائحة كانت قلقة من عمل «كل شيء» أمام الطفلة. ذات مرة صرخ مولود: «في الصيف الماضي كنتِ تخافين لأن الله يراكِ، وهذا الصيف تخافين لأن الطفلة تراكِ! انهضي، وحرِّكي المثلجات!». كان مولود يستمتع كثيرًا برؤية زوجته تنهض من السرير ثملة بسعادة الطفلة والغرام، وتحريكها المثلجات بالملعقة الكبيرة بيديها الاثنتين، وبروز الوريد برقبة زوجته الحلوة في أثناء ضغطها، ويهز السرير الموجود بجانب السرير أحيانًا. سميحة. مضى وقت طويل على مجيئي إلى إسطنبول. مازلنا مقيمين في تل التوت عند أختي. يشخر أبي كثيرًا في الليل، ولا أستطيع النوم. أختي تقول: ستنتشر الشائعات إذا لم نعمل الخطبة. اشترى لي سليمان سوارًا مبرومًا. وقبلت الهدية. رائحة. كان مولود يغير كثيرًا من إرضاعي لفاطمة؛ مما أقلقني، ثم قطع حليبي. لأنني أوقفت إرضاع فاطمة، حملت في أول تشرين الثاني/ أكتوبر. ماذا سأفعل الآن؟ لا أستطيع أن أخبر مولودًا بالجنين الذي في بطني قبل أن أعرف أنه صبي. ولكن ماذا لو لم يكن صبيًّا؟ لم أعد أستطيع البقاء وحدي في البيت. أقول لنفسي: أذهب إلى أختي وديعة، ونتحدث مع أختي سميحة. عندما اتصلت من بريد تقسيم، وعرفت بالخبر، خفت، وعدت إلى البيت. ٦ هروب سميحة لماذا يعيش الإنسان في الحياة؟ وديعة. بعد الظهر ظهرت سميحة في باب غرفتنا وهي مغطية رأسها، وتحمل حقيبتها. كانت ترتجف بقوة. قلت لها: «خير إن شاء الله؟». «أختي، أنا مغرمة بواحد آخر، وسأهرب معه، وأتت سيارة الأجرة». «ماذا؟ هل أنتِ مجنونة؟ احذري!». بدأت تبكي، ولكنها كانت مصممة جدًّا. قلت: «من هو؟ من أين خرج هذا الرجل؟ انظري، سليمان مغرم بك كثيرًا، احذري أن تضعينا ـ والدك وأنا ـ بموقف صعب، ثم ما هذا الهرب بسيارة أجرة؟». لم تكن أختي التي لف الغرام عينيها تستطيع أن تتكلم نتيجة الانفعال. أمسكتني من يدي، وأخذتني إلى الغرفة التي تقيم فيها مع والدها. وضعت السوار والإيشارب البنفسجي المزهّر وعليه رسوم الغزال هدية سليمان بعناية على الطاولة، وأشارت بيدها إليها كأنها بكماء. قلت: «سميحة، عندما يعود والدي سيصاب بسكتة قلبية. أخذ من سليمان نقودًا من أجل طقم أسنانه، وهدايا من أجل أمور عديدة أخرى، أنت تعرفين هذا. هل ستفعلين هذا مع والدنا الذي نحبه؟ لم تُجب، وكانت مطرقة. قلت لها: «سنعيش ـ والدك وأنا ـ إلى آخر حياتنا خجلين». «رائحة أيضًا هربت، ولكن الأمور في النهاية انتهت بشكل حلو». قلت: «ولكن لم يكن هناك خاطب لرائحة، ولم يعطِ أحد كلمة بها. وأنت جميلة جدًّا، ولست كرائحة. لم يعد والدي أحدًا برائحة، ويقبض منه نقودًا. بحالتك يسيل دم». قالت: «أنا لا علم لي بإعطاء الكلمة. لماذا يعطي والدي كلمة دون أن يسألني، ولماذا يقبض نقودًا؟». سُمع صوت مزمار سيارة الأجرة من الأسفل. سارت نحو الباب. قلت: «سميحة، أنت تعرفين أليس كذلك؟ سيضربني قورقوط طوال أسابيع لأنك هربت. سيجعل ذراعيَّ وساقيَّ زرقاء، تعرفين هذا يا سميحة أليس كذلك؟». سميحة. تعانقنا، وبدأنا نبكي... أشفقت كثيرًا على أختي، وخفت كثيرًا... وديعة. قلت: «عودي مع أبي إلى القرية! تهربين فيما بعد! هنا سيحملونني المسئولية كلها، سيعتقدون أنني أنا تدبرت الأمر. يقتلني هؤلاء، أنت تعرفين هذا يا سميحة. من هذا الرجل؟». سميحة. وافقت على كلام أختي، معها حق. قلت: «انتظري، سأصرف السيارة». ولكنني عند خروجي من باب الدار، حملت حقيبتي التي كانت بجانبه. في أثناء مسيري نحو باب الحديقة، رأتني وديعة من النافذة حاملة الحقيبة، توسلت إليَّ وهي تبكي، وتقول: «لا تذهبي يا سميحة، لا تذهبي يا أختي ويا روحي!». عندما خرجت من باب الحديقة، ودخلت سيارة الأجرة، لم أكن أعرف ما أقول وما أفعل، ففتح باب سيارة الأجرة، وسحباني إلى الداخل. لم أستطع حتى الالتفات والنظر إلى أختي. وديعة. ركّبا سميحة بالسيارة بالقوة. رأيتها بعيني. صرخت: «النجدة! الحقوني، سيتهمونني بالقضية! المجرمون يخطفون أختي، النجدة!». سليمان. عندما استيقظت من القيلولة، رأيت سيارة تنتظر عند الباب الخلفي... كان بوزكورت وطوران يلعبان في الحديقة... سمعت وديعة تصرخ، وتركض نحو الحديقة. وديعة. كم أستطيع الركض بنعل بيتي؟.. صرخت: «أوقفوا السيارة! انزلي يا سميحة، انزلي يا روحي من السيارة!». سليمان. ركضت خلفهم. لم أستطع اللحاق بهم! سأموت من الغضب. عدت، وركبت الشاحنة الصغيرة، ودوّرت المحرك، وضغطتُ على الوقود. عندما وصلت إلى دكاننا في أسفل النزلة، كانت السيارة السوداء قد انعطفت، وذهبت باتجاه مجيدية كوي. ولكن هذا الأمر لم ينتهِ. سميحة فتاة شريفة، بعد قليل ستقفز من السيارة. لم تهرب بعد، ولم تخطف. ستعود. احذروا أن تفهموها خطأ. قلت: رجاء لا تكتبوا، ولا تكبروا القضية بكتابتكم. لا توسخوا سمعة فتاة شريفة. رأيت سيارة سوداء تذهب بعيدًا، ولكنني لم أستطع اللحاق بها. مددت يدي نحو درج مقدم السيارة، وأخرجت مسدس ماركة «قرق قلعة»، وأطلقت طلقتين في الهواء. لا تكتبوا؛ لأن هروبها ليس حقيقة. سيُفهم الأمر خطأ. سميحة. لا، إنهم يفهمون الأمر بشكل صحيح. هربت. وبإرادتي. صحيح ما سمعتموه. أنا أيضًا لا أستطيع أن أصدق. عشقت! العشق جعلني أفعل هذا، وعندما أُطلقت النار شعرت بأنني أفضل. ألأن السهم انفلت من القوس؟ جماعتنا أيضًا أطلقوا طلقتين في الهواء بمعنى نحن أيضًا لدينا مسدس، ولكن الأسلحة أخفيت عندما وصلنا إلى مجيدية كوي. كان سليمان في البيت في أثناء ذلك، ولحق بنا بالشاحنة الصغيرة. أخاف، ولكنني أعرف أنه لن يستطيع إيجادنا وسط زحمة المواصلات. أنا سعيدة جدًّا الآن: لا أحد يستطيع شرائي... غضبت من الجميع. سليمان. حين فتح الطريق، ضغطت على الوقود بقوة. عندما خرجت شاحنة فجأة، دورت المقود إلى اليمين، ولا مفر: صدمنا الجدار! صرعت قليلًا. أين نحن؟ أحاول فهم ما حولي دون أن أستطيع الحركة. صُدم رأسي. نحن هنا! هربت سميحة. الأولاد الفضوليون يأتون إلى الشاحنة وهم يلهون... صدم رأسي بالمرآة، وينزف الدم من جبيني، ولكنني نقلت ذراع السرعة إلى القيادة الخلفية، وضغطت على الوقود، ولحقت بهم. وديعة. عندما سمع الولدان صوت إطلاق النار، قفزا إلى الحديقة كأن مفرقعات العيد تطلق. صرخت خلفهما بوزكورت، طوران، ادخلا إلى البيت، وأغلقا الباب. لم يردا عليَّ، صفعت أحدهما كفًّا، وسحبت الآخر من ذراعه، وشددته إلى الداخل. قلت لنفسي: «لأتصل بالشرطة»، ولكن سليمان الذي أطلق النار، فهل من الصواب استدعاء الشرطة؟ قلت: «ضربكما العمى، لماذا تنظران هكذا؟! اتصلا بأبيكما!». في الحقيقة أنني منعتهما من لمس السماعة كي لا يلعبا بالهاتف بين حين وحين. دوّر بوزكورت قرص الهاتف، وأعطى قورقوط الخبر قائلًا: «بابا، الخالة سميحة هربت لواحد آخر!». أنا أيضًا بكيت، ولكن خطر ببالي أن سميحة فعلت جيدًا (ليبقَ هذا بيننا). نعم، سليمان المسكين مغرم بشدة بها، ولكنه لم يكن أذكى شباب الدنيا وأوسمهم. إنه منذ الآن سمين قليلًا. كانت سميحة تجد رموشه الطويلة والمقوسة التي تعجب بها بعض الفتيات كثيرًا عبثية وأنثوية. المشكلة الأساسية أنه يقدم على كل ما يفقدها صوابها بعناد على الرغم من غرامه الشديد بها. لِمَ يتصرف الرجال بسوء مع الفتيات اللواتي يعشقونهن؟ لم تستطع سميحة تحمّل تكبر سليمان وغروره، ونصحه لهذا وذات لأن في جيبه نقودًا. لم تستطع تسليم نفسها لرجل لا تحبه، أحسنت يا أختي، ولكن لنرَ ما إذا كان الرجل الذي هربت إليه عاقلًا! أنا أشك: خطف فتاة في المدينة، وفي وضح النهار ليس عمل عاقل. ما لزوم الوقوف بسيارة أمام الباب كما يحدث في القرى؟ سميحة. في أثناء تقدم السيارة في إسطنبول، بدا لي كل شيء جميلًا: أحب زحام المدينة، وأناسها الذين يعبرون الشوارع بين الحافلات، وفتياتها اللواتي يرتدين التنانير بحرية، وعربات خيلها، وحدائقها، وأبنيتها القديمة الكبيرة، وكل ما فيها. على الرغم من معرفة سليمان أنني أحب التنزه في إسطنبول بالشاحنة الصغيرة (لأنني طلبت هذا منه كثيرًا) فقليل جدًّا ما كان ينزهني، هل تعرفون لماذا؟ (فكرت بهذا كثيرًا أيضًا) لأنه يريد أن يكون قريبًا مني، وفي الوقت نفسه يقل احترامه لفتاة تقترب من الرجل قبل الزواج. أنا أتزوج الرجل الذي أعشقه، أو سأعشقه، مفهوم؟ لم أهتم بالنقود، واستمعت لصوت قلبي، وسأتحمل نتيجة ما فعلته حتى النهاية. سليمان. لا بد أنهم قطعوا شيشلي قبل وصولي إلى مجيدية كوي. عدت إلى البيت، وركنت الشاحنة. لم أصدق حتى تلك اللحظة ما رأيته بعيني؛ لأنني لا أضع احتمال جرأة أحد على خطف من تعد خطيبتي من وسط إسطنبول في وضح النهار. في الحقيقة أن أحدًا لا يستطيع أن يُقدم على هذا؛ لأن في نهاية هذا الأمر موتًا. سميحة. لا تل التوت يعتبر «وسط إسطنبول»، ولا أنا أعطيت وعدًا لسليمان كما تعرفون. ولكن الصحيح، احتمال أن يكون هناك موت في النهاية، ولكن هذه نهاية كل إنسان، ولأننا نعرف هذا، انظروا إلى أين هربنا. ليست لإسطنبول نهاية. عندما ضيّعنا أثرنا، وقفنا عند بوفيه، وشربنا لبنًا رائبًا بعبوات ورقية. ابيضَّ شاربي حبيبي باللبن. لا تحاولوا دون جدوى، فلن أعطيكم اسمه، ولن تستطيعوا إيجادنا. سليمان. عندما عدت إلى البيت، وضعت وديعة على جبيني قطنًا. ثم خرجت إلى الحديقة الخلفية، وأطلقتُ على جذع شجرة التوت رصاصتين. خيم صمت غريب. أفكر دائمًا بأن سميحة ستعود حاملة حقيبتها وكأن شيئًا لم يكن. مساء، كان الجميع في البيت. أحدهم أغلق التلفاز كأن هناك مأتمًا، وفهمت أن ما يؤلمني أصلًا هو الصمت. أخي يدخن باستمرار. عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء سكران، ووديعة تبكي. خرجت إلى الحديقة في منتصف الليل، وفي أثناء نظري من تل التوت نحو الأسفل حيث أنوار إسطنبول، أقسمت بالله إنني سأنتقم. سميحة هناك وراء إحدى النوافذ وبين ملايين الأنوار. آلمني كثيرًا إدراكي أنها لم تحبني، فأفكر بأنها خُطفت بالقوة، وحينئذ أريد أن أقتل أولئك السافلين فورًا. يقال إن أجدادنا كانوا يعذبون المذنبين قبل قتلهم (في لحظات كهذه يفهم الإنسان أهمية التقاليد بشكل أفضل). عبد الرحمن أفندي. كيف يكون الأب الذي تهرب بناته؟ أخجل قليلًا، ولكنني أفخر بهذا أيضًا؛ لأن بناتي يذهبن بجرأة إلى أزواج اخترنهن، وليس إلى أزواج اختارهم الآخرون لهن. لو أمهن موجودة، لفتحن قلوبهن لها، واخترن المناسب لهن دون حاجة للهرب... وكما يعرف الجميع، فإن الشعور الأهم للزواج هو الثقة، وليس الغرام. أنا خائف مما سيفعلونه بوديعة المسكينة بعد عودتي إلى القرية. ابنتي الكبيرة ذكية، ولكنها لا تظهر ذكاءها، ولعلها تتجاوز العقوبة. سليمان. عشقت سميحة أكثر بعد هروبها. عشقتها قبل هروبها لأنها جميلة، وذكية، والجميع معجبون بها. هذا طبيعي. الآن أعشقها لأنها تركتني، وهربت. وبالطبع هذا أكثر طبيعية. ولكنني لا أحتمل الألم. أذهب صباحًا إلى الدكان، وأتخيل أن سميحة عادت إلى البيت، وإذا ركضت الآن، فسأجدها هناك، وسأتزوجها بعرس كبير. قورقوط. قلت مرتين أو ثلاثًا: «صعب خطف فتاة إذا لم يساعدها أحد من البيت». ولكن وديعة لا تبالي، وتبكي فقط وهي تقول: «من أين سأعلم؟ هذه مدينة ضخمة». بقيت على انفراد مع عبد الرحمن أفندي برهة. سألته: «بعض الآباء يقبضون من أحدهم، ويحققون بعض المصالح، وعندما يظهر أمامهم نصيب عند شخص أغنى، يبيعون الفتاة للغني، ويتظاهرون بأن الفتاة هربت. لا تفهمني خطأ يا عبد الرحمن أفندي، أنت رجل محترم، ولكن أما فكرت سميحة بهذا نهائيًّا في أثناء هربها؟». قال: «أنا أول من يحاسبها على هذا»، ثم قاطعني، ولم يعد يأتي إلى العشاء. قلت لوديعة حينئذ: «لا أعرف من ساعد سميحة، ولكنني أمنعك من الخروج من البيت حتى أعرف مع من هربت، وإلى أين». قالت: «أصلًا أنت لا تسمح لي بالخروج خارج الحي، والآن لا أخرج من البيت، ولكن هل تسمح لي بالخروج إلى الحديقة؟». سليمان. ركّبت عبد الرحمن أفندي ذات مساء بالشاحنة الصغيرة، وقلت له: لديَّ حديث معك، ودوّرت المقود نحو البوسفور. ذهبنا إلى «مطعم الطراطور والسمك»، وجلسنا في زاوية بعيدة عن حوض السمك. قلت له ونحن نشرب كأسين على لحم بطنينا قبل أن يأتي حتى المحار: «عبد الرحمن أفندي، أنت كبيري، وتعرف هذا. لماذا يعيش الإنسان في الدنيا؟». بحث عبد الرحمن أفندي عن الجواب الأقل ضررًا مدة طويلة؛ لأنه أدرك ونحن في الطريق أن الحديث يمكن أن يؤدي إلى أمكنة سيئة. قال: «من أجل الحب يا بنيَّ!». «غير هذا؟». فكر قليلًا، وقال: «من أجل الصداقة، ومن أجل السعادة يا بنيَّ، ومن أجل الله والوطن والأمة...». قاطعته، وقالت له: «الإنسان يعيش من أجل شرفه يا عمي!». عبد الرحمن أفندي. لم أستطع القول: «إنني في الحقيقة أعيش من أجل بناتي». انكسرت لهذا الشاب الغاضب؛ لأنني أعتبره محقًّا، وعلى الأكثر أشفق عليه. شربنا كثيرًا إلى درجة أن ذكرياتي التي نسيتها بدأت تتجول كالغواصات في حوض السمك البعيد عنا. وجدت الجرأة في نهاية السهرة، وقلت: «يا بنيَّ سليمان، أعرف أنك غاضب وحزين. ونحن أيضًا غاضبون وحزانى؛ لأن سميحة أوقعتنا في موقف صعب. ولكن ليس هناك موضوع شرف يجب أن ينظف، وكرامة يجب أن تستعاد! لم يُمس شرفك بأي شكل. لم تكن سميحة زوجتك ولا خطيبتك. نعم، ليتكما تزوجتما دون أن تتعارفا. في تلك الحالة أنا واثق تمامًا من أنكما ستكونان سعيدين. ولكن ليس من الصواب أيضًا طرح قضية كرامة. وكما نعرف جميعًا أن العبارات الشبيهة بعبارة «قضية الشرف» هي ذريعة من أجل قتل بعضنا بعضًا براحة تمامًا. هل تريد أن تقتل ابنتي؟». عارض سليمان: «عدم المؤاخذة يا عمي، أليس لي حق بأن أقبض على الذي خطف سميحة، وأعاقبه؟ ألم يهنّي ذلك الشخص؟». «لا تفهمني خطأ يا بنيَّ». «هل لديَّ حق، أم لا؟». «اهدأ يا بنيَّ!». «الهدوء إزاء الذين يلعبون علينا ويستغلون هذا النظام الذي أسسناه بعرقنا ودمنا بعد أن أتينا من قرانا حقيقة صعب». «يا بنيَّ، لو الأمر بيدي، لسحبت سميحة من أذنها، وجلبتها إلى البيت بنفسي. هي أيضًا تعرف أنها ارتكبت خطأ. ولعلها الآن قد حملت حقيبتها، وجاءت إلى البيت برجليها ونحن نشرب هنا». «وهل نقبل أنا وأخي؟». «ألن تقبل ابنتي إذا عادت؟». «أنا لديَّ شرفي». «وإذا لم يلمسها أحد..». شربنا حتى منتصف الليل وإغلاق الخمارة. لا أدري كيف حدث هذا، نهض سليمان ذات برهة، واعتذر مني، وقبّل يدي باحترام، وأنا وعدته أن يبقى هذا الحديث بيننا. قلت: «حتى لا أخبر سميحة». وذات برهة بكى سليمان قليلًا. قال بأن تقطيب حاجبي وحركات يدي تشبه تقطيب حاجبي سميحة وحركات يديها. قلت بفخر: «الآباء يشبهون بناتهم». قال سليمان: «تكبرت عليها كثيرًا، ولم أستطع أن أكون صديقًا لها. ولكنها هي أيضًا حادة اللسان. لم يعلمنا أحدًا كيف نكلم البنات، وما سر هذا الأمر. أتحدث معها كما أتحدث مع رجل من دون شتائم، ولكن لم ينفع». قبل الانطلاق في الطريق ذهب سليمان ليغسل وجهه، وعندما عاد كان قد صحا حقيقة. في طريق العودة أوقفتنا شرطة المرور في إستنية، وانتزعت إكرامية جيدة. ٧ الفتاة الثانية كأن حياته حدثٌ يقع لشخص آخر بقي مولود فترة طويلة خارج هذه الحياة والأخبار. لم يفقد حماسته للعمل بعد: كان متفائلًا بوصفه رجل أعمال مثل «المستثمرين المؤمنين بالأفكار» من أبطال الكتب ذوي الحظوة: يؤمن أنه سيكسب أكثر إذا وضع مصباحًا أقوى في عربته ذات العجلات الثلاث، وإذا اتفق مع باعة اللبن الرائب والكولا والشاي الذين يجتمعون حوله تارة، ويختفون تارة، وإذا فتح حديثًا أكثر حيوية وصدقًا. بذل مولود جهدًا حثيثًا من أجل إيجاد زبائن دائمين في محيط قباطاش وفندقلي. لم يتوتر كثيرًا عندما صدته مواقع العمل الكبرى التي يأتي كثير من موظفيها ليتناولوا الطعام وقوفًا لأنه يتعرض للظلم، ولكنه غضب كثيرًا عندما طلبت منه مواقع العمل الصغرى فاتورة. حاول أن يؤسس صداقة مع المحاسبين والإداريين بواسطة البوابين والفراشين والحراس ومحضري الشاي. قالت رائحة لمولود ذات يوم بأنها حامل ثانية، ومعها بنت. «كيف عرفت أن بنتًا معك؟ هل ذهبتن أنتن الثلاثة إلى المستشفى ثانية؟». «ليس ثلاثًا، لم تكن سميحة معنا. لأنها هربت إلى واحد آخر كي لا تتزوج سليمان». «ماذا؟». حكت رائحة ما تعرفه. سار مولود في تلك الليلة في فريكوي وهو ينادي «بوظة» كأنه يسير في نومه، فقادته قدماه بشكل لاشعوري إلى المقبرة. كان القمر بدرًا، وشواهد القبور وأشجار السرو تبدو لامعة مثل الفضة أحيانًا، وحالكة الظلمة أحيانًا. دخل طريقًا مفروشًا بالأسمنت وسط المقبرة شاعرًا بأنه يدخل الطريق في حلمه. ولكن كأن الذي يسير في المقبرة ليس هو، بل واحد آخر، وكأن حياته حدث يقع لشخص آخر. مع مسيره تلتف المقبرة منحدرة، ومع مسير مولود ينزل بنزلة حادة. من الرجل الذي هربت إليه سميحة يا ترى؟ هل ستقول سميحة لهذا الرجل ذات يوم: «بعد أن كتب مولود رسائل الغرام سنين وهو يفكر بعيني، تزوج أختي»؟ هل تعرف سميحة هذا؟ رائحة. قلت لمولود وأنا أعطيه كتاب الأسماء الدينية: «في المرة الماضية استعرضت أسماء الذكور، وفي النهاية جاءت بنت. استعرض أسماء البنات كلها هذه المرة لعل صبيًّا يأتي. انظر ما إذا كان هناك اسم بنت فيه كلمة الله!». قال مولود: «ليس هناك اسم بنت فيه كلمة الله!». بحسب الكتاب فإن البنات يأخذن على الأغلب أسماء زوجات الرسول. وأنا وخزت مولودًا بعبارة: «لعلنا نصبح صينيين؛ لأننا نأكل الأرز كل يوم!». ضحك معي، والتقط البنت، ووضعها في حضنه، وقبلها من خدها ووجهها. ولم ينتبه إلى أن فاطمة تبكي بسبب وخز شواربه لها حتى نبهته أنا. عبد الرحمن أفندي. اسم المرحومة والدة بناتي فوزية. أنا اقترحت اسم رائحة لابنتنا الثانية. احذروا من اعتبار وجود بناتي كلهن في إسطنبول الآن، وتمرد اثنتين منهما، وهربهما من البيت، والاعتقاد بأن المرحومة فوزية ـ نوّر الله قبرها ـ عاشت مغامرات الله أعلم ما هي: كنت أول خاطبيها، وتزوجتني وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وعاشت بطمأنينة حتى الثالثة والعشرين دون أن تخطو خطوة خارج غمشدرة. والآن أرى ـ وعيناي تذرفان الدمع ـ أنني لم أستطع اللجوء إلى إسطنبول في أثناء عودتي إلى القرية، وأنظر مهمومًا من نافذة الحافلة، وأقول لنفسي: ليتني فعلت مثل فوزية، ولم أخطُ خطوة خارج القرية. وديعة. قليلًا ما يتكلم معي قورقوط، وقليلًا ما يأتي إلى البيت، ويقلب وجهه لكل ما أقوله. وقد يأَّس قورقوط وسليمان أبي بصمتهما وإيماءاتهما، فرتب المسكين حقيبته، وعاد إلى القرية. بكيت بالسر. وهكذا فرغت الغرفة التي كان والدي وسميحة يقيمان فيها خلال شهر. أحيانًا أدخل إليها، وأنظر إلى سرير والدي في طرف وسرير سميحة في الطرف الآخر، وأخجل وأصبب الدمع بآن واحد. كلما نظرت من النافذة إلى المدينة، تخيلت المكان الذي هربت إليه سميحة، ومع من. أحسنتِ، فعلت حسنًا بهربك يا سميحة. سليمان. مضى واحد وخمسون يومًا على هرب سميحة. ليس هناك خبر حتى الآن. أشرب العرق باستمرار في هذه الفترة التي مضت. ولكنني لا أشربه على العشاء لكي لا يغضب أخي، وأشربه إما في غرفتي بصمت كما لو أنني أشرب دواءً، وإما في بيه أوغلو. أحيانًا أركب الشاحنة الصغيرة، وأضغط على الوقود، وأحاول نسيان كل شيء. أذهب إلى سوق الخميس لأشتري مساميرَ ودهانًا وجصًّا للدكان، وعندما أدخل بسيل المواصلات والناس هناك يستغرق خروجي ساعات. أحيانًا أدوّر المقود من إحدى التلال خلف أسكودار نحو الشارع الرئيس: بيوت مبنية بطوب بقايا الفحم؛ جدران من الأسمنت المسلح؛ جامع؛ مصنع؛ ساحة؛ أتابع الطريق؛ بنك، مطعم؛ موقف حافلات؛ وسميحة ليست موجودة. ولكن إحساسي الداخلي بأنها في مكان ما هنا يكبر، وفيما أقود الشاحنة الصغيرة أشعر بأنني أدور المقود بسرعة وكأنني في حلم. ولدت بنت مولود ورائحة الثانية فوزية في آب/أغسطس ١٩٨٤ بسهولة دون نفقات مستشفى إضافية. كان مولود سعيدًا جدًّا إلى درجة أنه كتب على العربة: «أرز البنات». لم يكن يشكو سوى من صخب البنتيْن عندما تبكيان معًا ليلًا، والأرق، وتدخّل وديعة التي تأتي كثيرًا إلى البيت بحجة البنت بكل شيء. قالت وديعة ذات مرة: «دعك من بيع الأرز هذا، واعمل مع جماعتنا، ولتعش رائحة حياة جيدة يا صهري». قال مولود: «عملنا جيد جدًّا والحمد الله». وغضب من رائحة التي نظرت إلى أختها نظرة تشير إلى أن هذا الكلام غير صحيح. وقال بعد ذهابها: «لماذا تتدخل بشئوننا الخاصة؟». وأراد أن يمنع رائحة من الذهاب إلى تل التوت ورؤية أختها وسليمان وقورقوط، ولكنه لم يلح كثيرًا على هذا الأمر لمعرفته بأنه غير محق به. ٨ الرأسمالية والتقاليد بيت مولود العائلي السعيد في نهاية يوم كساد طويل وبارد من أواخر شباط/ فبراير ١٩٨٥، جمع مولود الأطباق والكئوس، وما إن همّ بالعودة من قباطاش إلى البيت، اقترب سليمان بشاحنته الصغيرة. قال سليمان: «قدم الجميع هداياهم للبنت الجديدة، وعلقوا لها خرزة الحسد، ولم يبقَ مُهْمِلٌ غيري. تعالَ اجلس في السيارة، ولنتحدث قليلًا. كيف العمل؟ ألا تبرد في الخارج؟». فور جلوس مولود في الجزء الأمامي من الشاحنة الصغيرة، تذكر أن سميحة جلست في هذا المقعد كثيرًا في السنة الماضية قبل أن تهرب، وأن سميحة الجميلة العينين تنزهت كثيرًا في إسطنبول مع سليمان فيها. قال: «أنا بائع أرز منذ سنتين، ولم أركب بسيارة زبون قط. هذا المكان مرتفع جدًّا، أصبت بالدوار، سأنزل». قال سليمان: «اجلس، لديَّ حديث سأكلمك فيه!». وأمسك بيد مولود الممتدة إلى مقبض الباب. ونظر إلى عيني رفيق طفولته نظرة العاشق التعيس والمهزوم. فهم مولود أن ابن عمه يقول له بنظراته: «في النهاية تساوينا!». أشفق عليه، وأدرك الحقيقة التي أخفاها عنه على مدى سنتين ونصف: بالتأكيد كانت ثمة لعبة من سليمان بجعل مولود يعتقد أن اسم صاحبة العينين الجميلتين رائحة وليس سميحة. لو تزوج سليمان من سميحة كما خطط، لتصرف سليمان ومولود وكأن تلك الخديعة لم تحدث لكي لا يُقلقَ أحدهما الآخر... «ما شاء الله يا عزيزي سليمان، عملكما أنت وأخيك يسير جيدًا جدًّا، ونحن لا نستطيع أن نقفز إلى بر الأمان بأي شكل. قبل الانتهاء من أساسات أبنية آل فورال بيعت نصفها». قال سليمان: «نحن نكسب نقودًا والحمد لله. ولكننا نريدك أن تكسب، وأخي يفكر على هذا النحو أيضًا». «ما العمل؟ هل سأفتح مشرب شاي في مكتب آل فورال؟». «هل تريد أن تفتح مشرب شاي؟». نزل مولود من السيارة وهو يقول: «أتى زبون». ولم يكن هناك أي زبون. أدار مولود ظهره لشاحنة سليمان وتظاهر بأنه يعد طبقًا لزبون. وضع الأرز في طبق بالملعقة، وسوّاه بقفا الملعقة. وفي أثناء إطفاء موقد الغاز، سُرّ عندما شعر بأن سليمان أتى خلفه. قال سليمان: «لا نتكلم إذا أردت، ولكنني أردت أن أقدم هذه الهدية بيدي للطفلة. وهكذا أكون قد رأيتها». قال مولود: «إذا كنت لا تعرف طريق بيتي، فاتبعني!»، ودفع العربة أمامه. قال سليمان: «لنحمل العربة في الشاحنة من الخلف». «لا تستخف بهذا المطعم ذي العجلات الثلاث. مطبخه وموقده حساسان جدًّا، وثقيلان بآن واحد». في أثناء دفعه العربة بطلعة قزانجي نحو تقسيم كما يفعل كل يوم بين الرابعة والخامسة وهو يطح وينح (يستغرق طريقه هذا عشرين دقيقة كل يوم) اقترب منه سليمان بالشاحنة من الخلف: «مولود، لنربطْها من الخلف، واسحبْها ببطء». قال هذا بصدق نابع من القلب، ولكن مولودًا تظاهر بعدم السماع، واستمر بالدفع. بعد عدة خطوات رَكَنَ مطعمه ذا العجلات الثلاث، وشدّ مكبحه. «اصعد إلى تقسيم، وانتظرني عند موقف حافلات طرلاباشِ». ضغط سليمان على الوقود، وصعد الطلعة، واختفى خلال لحظة. كان مولود يفكر برؤية سليمان فقر بيته، ويتكدر. في الحقيقة أنه أعجب بانكسار سليمان. وخطر بباله أنه يمكن أن يقترب من آل فورال بفضله، ولعل رائحة والبنتيْن يعشن حياة أفضل. ربط العربة إلى الشجرة بالجنزير في الحديقة الخلفية. ونادى رائحة التي تأخرت بالمجيء للمساعدة وهو يصعد الدرج: «أين أنت؟». التقيا في الأعلى في المطبخ وهو يحمل أدوات الأرز. قال مولود: «سليمان اشترى هدية للطفلة، وهو قادم! رتبي البيت ليبدو جميلًا». قالت رائحة: «ماذا هناك؟ دعه يرَ حالنا كما هي». قال مولود: «حالنا جيدة». وكان يبتسم بفرح لأنه رأى البنتين. «لكي لا يحكي بحقنا. جددي هواء المكان، رائحته كريهة». قالت رائحة: «لا تفتح النافذة، ستبرد البنتان. هل سأخجل من رائحتنا؟ ألا يفوح بيتهم في تل التوت بالرائحة نفسها؟». «لا يفوح. إنهم يسكنون في بيت كبير ذي حديقة في تل التوت، وفيه كهرباء وماء، وكل شيء فيه على ما يرام. ولكننا هنا أسعد بكثير. هل حضّرت البوظة؟ ارفعي هذه الخرق على الأقل». «لا أستطيع إنجاز عمل البوظة والأرز وأفراخ الدجاج والجلي والغسيل وكل شيء مع الطفلتين، عدم المؤاخذة». «يريد قورقوط وسليمان أن يعرضا عليَّ عملًا». «ما العمل؟». «سنكون شركاء. سأدير بوفيه الشاي لدى آل فورال». «برأيي ليس هناك عرض كهذا، وكل ما يريده سليمان هو استدراجنا بالكلام لمعرفة الرجل الذي هربت إليه سميحة. إذا كانوا معجبين بك كل هذا القدر، فلماذا لم يعرضوا عليك هذا العمل من قبل؟». سليمان. في الحقيقة أنني لم أكن أريد أن أرى مولودًا وهو ينتظر الزبائن بحال الوحدة الشديدة، وأُحْزِنه. دخلت بالسيارة إلى أحد الأزقة الفرعية لأنني لا أستطيع أن أركنها في التقسيم، وراقبتُ دفع مولود العربة، وعدم تمكنه من دفعها بالطلعة من بعيد، وحزنت. تجولت قليلًا في حي طرلاباشِ. خطرت برأس الباشا رئيس البلدية بعد انقلاب ١٩٨٠ العسكري، فأخرج النجارين وورش صيانة السيارات خارج إسطنبول. وأغلق البيوت التي ينام فيها عمال الجلي الذين يعملون في مطاعم بيه أوغلو معتبرًا أنها مأوى ميكروبات. وهكذا خوت هذه الأزقة. أراد آل فورال أخذها بأسعار رخيصة، ولكنهم عندما عرفوا أن سندات بيوتها باسم الروم المرسلين إلى اليونان بليلة من ليالي ١٩٦٤، تراجعوا عن الأمر. مافيا هذه المنطقة أقوى من مجرمي تل التوت، وأشد ظلمًا. خلال خمس سنوات ملأ هذه الأمكنة مساكينُ ليس لديهم مأوى، وجموع الفقراء القادمين من الأناضول إلى إسطنبول، وأكراد، ونور، ومهاجرون بشكل جعلها أسوأ من تل التوت لدينا قبل خمس عشرة سنة. يلزمنا انقلاب عسكري جديد من أجل تنظيف هذه الأمكنة. في البيت قدمتُ الهدية (دمية) لرائحة. الغرفة الوحيدة في حال من الفوضى جعلتني أشعر بدوار: خرق الأطفال، صحون، مقعدات، غسيل، شوالات حمّص، علب سكر، موقد غاز، علب طعام الأطفال، زجاجات كلور الغسيل، ومواعين، وزجاجات حليب، ورضاعات بلاستيكية، وأسرّة، ولُحُف تداخلت بطريقة بدت كأنها تدور في غسالة، وأصبحت بلون واحد. «عزيزي مولود، عندما كانت زوجة أخي وديعة تحكي لنا، لم أصدق، ولكنني الآن رأيتُ بعيني، أتعرف أن سعادتكم العائلية هذه أنت وزوجتك وابنتاك... هذا أكثر ما أسعدني اليوم». سأل مولود: «لماذا لم تصدق عندما حكت وديعة؟». «عندما رأيتُ هذه السعادة العائلية، قلت لنفسي: لأتزوج في أقرب فرصة». «لماذا لم تكن تصدق يا سليمان؟». قدمت رائحة الشاي، وعلّقت قائلة: «أخي سليمان، ما أصعب إيجاد فتاة تعجبك. اجلس هنا». قلت: «البنات لا يُعجبن بي بأي شكل أساسًا!»، ولم أستطع أن أجلس. تقول أختي وديعة: «البنات كلهن يعشقن سليمان، ولكنه لا يعجب بأي واحدة منهن!». «وديعة تساعدني ما شاء الله، ثم تحكي هكذا؟ أي فتاة جميلة عشقتني، ولم أُعجب بها؟». «أختي وديعة طيبة القلب». قلت فجأة: «أعرف، هذه الفتاة لا تناسبنا، إنها تشجع نادي فنار بهتشة». ودهشت بجوابي الجاهز، وضحكنا معًا. «حسنٌ، هناك واحدة طويلة». «وأنت ما شاء الله تعرفين كل شيء.. هذه عصرية جدًّا يا رائحة، لا تناسبنا». «أخي سليمان، ألا تتزوج أنت فتاة تُعجبك، وجميلة إذا كانت كاشفة رأسها؟». قال مولود من الزاوية الأخرى للغرفة وهو ينظر إلى قوام البوظة: «رائحة، من أين تخترعين أنت هذه المواضيع؟.. من التلفاز؟». «رائحة، لا تضعيني موضع المتكبر الذي لا يُعجب بأي فتاة. كدت أوافق على ابنة قاسم القصطاموني التي تخدم باليومية». قطبت رائحة حاجبيها، وقالت بتكبر: «ما للفتاة التي تعمل مياومة؟ هل عمل الإنسان بشرفه حرام؟». قال مولود: «لنرَ ما إذا كنت أسمح أنا بهذا؟». قالت رائحة باسمة: «في الحقيقة أنا أعمل مياومة وخدامة، وطباخة مطعم بثلاث عجلات، ومطبخ بوظة». والتفتت نحو مولود: «أعطني ورقة بحضور الكاتب بالعدل، وإلا سأعلن الإضراب. هذا وارد بالقانون». قال مولود مندهشًا: «ورد هذا بالقانون أم لم يرد، لا يهم. لا يمكن للدولة أن تتدخل ببيتنا!». قلت بانتباه: «ما شاء الله يا رائحة، إذا كنت تعرفين كل هذا، فلا بد أنك تعرفين ما أتوق لمعرفته». «أخي سليمان، نحن لا علم لنا بالمكان الذي هربت إليه سميحة، ولا الشخص الذي هربت معه. لا تحاول معي دون جدوى. غير هذا، فقد تصرف قورقوط مع والدي المسكين بشكل سيئ معتقدًا بأنه يعرف..». قال سليمان: «هيَّا يا مولود، لنجلس معًا في خمارة السقيفة التي في الزاوية، ونتحدث قليلًا». قالت رائحة: «ولكن احذر أن يفرط مولود بالشرب، مفهوم؟ إنه بعد الكأس الأولى يبوح بكل شيء. إنه ليس مثلي». قال مولود: «أنا أعرف جيدًا كم أشرب!»، وقد قلق من تحدث زوجته مع سليمان برفع الكلفة، وعدم تغطية رأسها بشكل جيد أمامه. واضح أن رائحة تذهب إلى تل التوت أكثر مما تخبره، وتنخرط بالحياة السعيدة هناك كثيرًا. قال فيما كان خارجًا من الباب بنبرة سلطوية: «لا تنقعي حمصًا هذا المساء!». قالت رائحة بعناد: «الأرز الذي أعطيتك إياه صباحًا عاد كما هو أصلًا». لم يجد سليمان المكان الذي ركن فيه الشاحنة الصغيرة بداية، ثم أشرق وجهه حين رآها بعد خطوتين. قال مولود: «لا تركن هنا، الأولاد يسرقون مرآتها، ويفكون شارة فورد... يبيعونها لتجار قطع التبديل في الأعلى، أو يعلقونها في رقابهم زينة. لو كانت مرسيدس، فلا يفوتونها نهائيًّا، يفكون شارتها». «يبدو أن المرسيدس لم تدخل إلى هذا الحي في تاريخه». «لا تستخف بهذا الحي كثيرًا. قديمًا عاش في هذا الحي أذكى المهنيين الروم والسريان وأمهرهم. إنهم الحرفيون الذين أحيوا إسطنبول». كانت خمارة السقيفة مطعمًا روميًّا قديمًا، وتقع على بعد ثلاثة أزقة إلى الأعلى، ولكن مولودًا ورائحة لم يجلسا فيه، ويتناولا الطعام ولو مرة واحدة. كان المطعم فارغًا لأن الوقت مبكر. جلسا إلى طاولة. طلب سليمان كأسي عرق مزدوجتيْن (لم يسأل مولودًا)، ومقبلات (جبنًا أبيض، ومحارًا بالتوابل)، ودخل الموضوع مباشرة. «علينا أن ننسى شجار والدينا حول المال والملك. يسلم عليك أخي قورقوط... نريد أن نتكلم معك بموضوع شغل جدي». «ما الشغل؟». رفع سليمان الكأس قائلًا: «بصحتك» بدلًا من الجواب. وفعل مولود الأمر نفسه، ولكنه أخذ رشفة، وأعاد الكأس إلى الطاولة. «ما هذا؟.. ألا تشرب؟». «لا يجوز أن أقف أمام الزبون وأنا سكران. بعد قليل سينتظرني زبائن البوظة». قال سليمان: «أنت لا تثق بي، وتعتقد أنك إذا شربت فسأستدرجك بالكلام، أليس كذلك؟ انظر، هل أعطيت سرك الكبير لأحد؟». خفق قلب مولود بقوة: «ما سري الكبير؟». «مولود، أنت تثق بي إلى درجة أنك نسيت هذا الموضوع. صدقني، أنا أيضًا نسيته، ولم أبح به لأحد. ولكنني سأذكرك ببعض الأمور لتثق بي: عندما عشقت في عرس قورقوط، هل نصحتك وساعدتك، أم لا؟». «ساعدتني بالطبع». «ذهبت من إسطنبول إلى آقشهير بالشاحنة الصغيرة من أجل خطف الفتاة، أليس كذلك؟». «الله يرضى عليك يا سليمان. أنا سعيد جدًّا الآن بفضلك. «هل أنت سعيد حقيقة؟ أحيانًا ينوي الإنسان على شيء، ولكنه لا يحصل، ويحصل أمرٌ آخر، ولكنه على الرغم من هذا يقول إنه سعيد». «ما الداعي لقول التعيس إنه سعيد؟». «لأنه يخجل؛ لأنه إذا تقبل هذا يصبح أكثر تعاسة. ولكن هذه الأمور لا تنطبق عليك. أنت مسرور جدًّا بحياتك مع رائحة. ولكنك الآن ستساعدني من أجل أن أكون سعيدًا». «سأساعدك بالطريقة نفسها». «أين سميحة؟ برأيك هل تعود إليَّ؟ قل الحقيقة يا مولود». بعد فترة صمت، قال مولود: «أخرج تلك الفتاة من عقلك». «عندما يقول الإنسان سأخرج هذا من عقلي، فهل يخرج؟ بالعكس تمامًا، إنه يلتصق أكثر. أنت وأخي تزوجتما الأختين، ليست لديكما مشكلة. أنا لم أستطع إقناع الأخت الثالثة. والآن كلما قلت سأنسى سميحة، فكرت فيها أكثر. لا تخرج من بالي عيناها وتصرفاتها وجمالها بأي شكل. ماذا أفعل؟ وليس هناك أي شيء في عقلي سوى ذلك الإنسان الذي أهانني». «أي إنسان؟». «ابن القحبة الذي خطف مني سميحتي. من هو؟ قل لي الحقيقة يا مولود. أريد أن أنتقم من هذا الرجل». لأن سليمان رفع كأسه بحركة بمعنى المصالحة، لم يكن أمام مولود سوى أن يرفع كأسه، ويقلبه إلى النهاية. قال سليمان: «أوه ياه. إننا نعيش، أليس كذلك؟». قال مولود: «والله سأشرب لو أنني لن أخرج إلى العمل هذا المساء». «مولود، أنت قلت عني طوال هذه السنين: قومي وفاشي وما شابه ذلك، ولكنك أنت الذي تخاف من المشروب خشية الحرام. ماذا حدث لصديقك الذي عوّدك على النبيذ؟ ما اسم ذلك الكردي؟». «سليمان، دعك من تلك القصص القديمة، احكِ لي عن الشغل الجديد». «ما العمل الذي تريد أن تعمله؟». «في الحقيقة ليس هناك شغل، أليس كذلك؟ جئت كي تستدرجنا بالكلام لمعرفة خاطف سميحة». قال سليمان بشكل خالٍ من المشاعر: «هناك الدرجات الآلية ذات ثلاث العجلات إنتاج آرتشليك، عليك أن تبيع أرزك عليها. إنها تباع بالتقسيط الشهري. مولود، لو كان معك رأسمال، فأين تفتح دكانك؟». يعرف مولود أنه يجب ألا يأخذ هذا السؤال مأخذ الجد، ولكنه لم يستطع ضبط نفسه، وقال: «أفتحُ دكان بوظة في بيه أوغلو». «هل هناك طلب على البوظة كل هذا؟». قال مولود باندفاع: «أعرف أن شراب البوظة إذا أعدّ، وقُدِّم بشكل جيد، فإن من يشربه، يأتي لشربه مرة أخرى. لأقل لك بصفتي رأسماليًّا. هناك مستقبل جيد للبوظة». «هل يقدم لك الرفيق فرحات هذه النصائح الرأسمالية؟». «عدم شرب البوظة اليوم لا يعني أن هذا سيستمر إلى الغد. هل سمعت قصة الرأسمالييْن صانعي الأحذية اللذيْن ذهبا إلى الهند؟ أحدهما قال: «الناس هنا حفاة، هؤلاء لا يشترون حذاء نهائيًّا، وعاد». «ألا يوجد هناك رأسمالي؟». «قال الرجل الآخر: «يوجد هنا نصف مليار حافٍ، أي سوق كبير»، وثبت، وباع أحذية للهند، وأصبح غنيًّا. وأنا ما أخسره صباحًا بالأرز والحمص، أستعيد أكثر منه ببيع البوظة مساء». قال سليمان: «صرت رأسماليًّا جيدًا. ولكنني سأذكرك بأن البوظة كانت تباع كثيرًا في العهد العثماني لأنها تحل محل المشروب، وهذا الشراب لا يشبه الهنود الذين ليست لديهم أحذية؛ وليست هناك ضرورة لخداع أنفسنا بأن البوظة لا تحوي كحولًا. لم تعد هناك قيود على بيع الكحول». قال مولود بانفعال: «لا، بيع البوظة ليس خداعًا للنفس بالتأكيد. إذا بعته في دكان عصري نظيف. ما العمل الذي يعرضه أخوك؟». قال سليمان: «لا يستطيع قورقوط أن يقرر ما إذا كان سيعمل مع أصدقائه المثاليين القدماء، أم يرشح نفسه على قوائم حزب الوطن الأم... أخبرني، لماذا قلت لي قبل قليل: «أخرج سميحة من عقلك؟»». تمتم مولود: «لأنها هربت مع أحدهم!»، وأضاف من قلبه: «ألم العشق شديد». «أنت لا تساعدني، ولكن هناك من يساعدني. أنت انظر إلى هذه!». أخرج سليمان من جيب سترته صورة قديمة بالأسود والأبيض مرتخية بتأثير الرطوبة، وقدمها لمولود. في الصورة امرأة حول عينيها مظلم ومبالغة بزينتها ومتعبة من الحياة تغني خلف ميكروفون. ألبستها تستر جسمها. ليست جميلة. «سليمان، هذه المرأة أكبر منا بعشر سنوات على الأقل!». «لا، إنها لا تكبرنا سوى بثلاث أو أربع سنوات. لو رأيتها لما قلت إنها تجاوزت الخامسة والعشرين. إنسانة جيدة جدًّا، ومهتمة. أراها مرتين أو ثلاثًا بالأسبوع. عليك ألا تخبر رائحة أو وديعة، ويجب ألا يصل الأمر نهائيًّا إلى قورقوط طبعًا. نحن كاتما أسرار بعضنا بعضًا، أليس كذلك؟». «ألا تريد أن تتزوج فتاة مناسبة؟ ألا تبحث عن فتاة مناسبة مع وديعة من أجل أن تتزوجها؟ ما قصة هذه المغنية الآن؟». «مازلت عازبًا، لم أتزوج. وأنت لا تغرمني». قال مولود: «من ماذا سأغير؟.. حان وقت البوظة». أدرك أنه لن يؤسس عملًا مع قورقوط، وأن سليمان أتى ليستدرجه بالكلام ليعرف مكان سميحة كما توقعت رائحة. «هيَّا اجلس دقيقتين على الأقل... كم كأسًا تتوقع أن تبيع الليلة؟». «سأخرج هذا المساء بوعاءين كل منهما نصفه. وأنا واثق أنني سأبيعها كلها». «أنا أدفع لك ثمن وعاء بوظة مليء، وأشتريه. كم كأسًا يساوي؟ طبعًا ستخفض لي الثمن قليلًا». «لماذا تشتريه؟». «أدفع لك ثمنه لكي تجلس معي، ونتحادث، ولا تبرد». «أنا لست بحاجة إلى صداقتك». «ولكنني بحاجة إلى ماسة لصداقتك». قال مولود: «في هذه الحال تدفع لي ثلث ثمن وعاء». وجلس. «أنا لا آخذ منك ربحًا. وهذا مقدار الكلفة. ولا تخبر رائحة بأنني شربت. ماذا ستفعل بالبوظة؟». قال سليمان وهو يفكر: «ماذا أفعل؟ لا أدري... أعطيه لأحدهم.. أو أنني أسفحه». «أين؟». «تسأل أين؟ أليس لي يا أخي؟ في ثقب رأسي». «أسفي عليك يا سليمان..». «ماذا هناك؟ ألستَ رأسماليًّا؟ وأنا أدفع لك نقودك». «لتحرم عليك النقود التي كسبتها في إسطنبول يا سليمان». «كأن البوظة شيء مقدس». «نعم، البوظة شيء مقدس». «دعك من هذا ولاه، البوظة مشروب اخترعه المسلمون من أجل شرب الكحول، وتدبر الغطاء اللازم له. إنه مشروب كحولي، كما يعرف الجميع». قال مولود وقد طفح قلبه بالحزن: «لا، لا يوجد في البوظة كحول». وشعر بأن تعبيرَ برودة أعصاب خاص جدًّا تجلى على وجهه، فارتاح. «هل تسخر أنت؟». كذب مولود هذه الكذبة التي يكذبها لستة عشر عامًا على نوعين من الناس: (١) على المحافظين الذين يريدون أن يشربوا البوظة؛ لكي يؤمنوا بأنهم لا يرتكبون ذنبًا. والأذكياء من هؤلاء يعرفون أن البوظة في الحقيقة شراب يحتوي على الكحول، ولكنهم يتصرفون بأن ما يبيعه مولود اختراع خاص مثل الكوكاكولا التي لا تحتوي على السكر، وإذا كان فيه كحول، فذنبه برقبة مولود. (٢) على العلمانيين والمغرَّبين الذين يشربون البوظة، ويريدون تنوير القروي المخبول. الأذكياء من هؤلاء يعرفون بأن مولودًا يعرف بأن البوظة مشروب يحتوي على الكحول، ولكنهم يريدون أن يُخجلوا القروي المتدين والماكر الذي يكذب من أجل أن يكسب النقود. قال مولود: «لا، لا أسخر. البوظة شراب مقدس». قال سليمان: «أنا مسلم، ويجب أن يكون المقدس منسجمًا مع ديني». قال مولود: «ليس الإسلامي فقط مقدسًا، بل القديم الذي آل إلينا من أجدادنا مقدس أيضًا. أحيانًا أرى جدارًا قديمًا نبتت عليه الطحالب في زقاق قفر مظلم، فيغمر قلبي الخير والسعادة. أدخل إلى مقبرة، ولا أستطيع قراءة الأحرف العربية القديمة، ولكنني أشعر براحة كأنني دعوت دعاء». «دعك من هذا يا مولود، أنت تخاف من الكلاب في المقبرة». «أنا أخاف من عصابات الكلاب. فهي تعرف من أنا. ماذا كان يقول المرحوم والدي عن الذين يقولون: إن البوظة شراب كحولي؟». «ماذا كان يقول؟». قلَّد مولود والده بدقة: «كان والدي يقول: «لو كان مشروبًا كحوليًّا لما بعته يا سيدي!». قال سليمان: «هم لم يكونوا يعرفون بأنه كحولي. من ناحية أخرى، لو كان شراب البوظة مباركًا مثل ماء زمزم، لشرب الناس منه كثيرًا، واغتنيت». «كونه مقدسًا لا يعني شرب الناس له. في الحقيقة أن قليلًا جدًّا من الناس يقرءون القرآن الكريم. ولكن في إسطنبول وكبرها هذا لا بد من وجود قارئ، ويتخيل ملايين الناس قراءته، فيشعرون بالراحة. يكفي أن يفهم الناس أن البوظة شراب الأجداد. صوت بائع البوظة يذكرهم بهذا، فيشعرون بأنهم أفضل». «لماذا يشعرون بأنهم أفضل؟». قال مولود: «لا أعرف. ولكن هذا ما يجعلهم يشربون البوظة والحمد لله». «ما شاء الله، هذا يعني أنك مثل العَلَم يا مولود». قال مولود مباهيًا: «نعم، هكذا». «ولكنك في النهاية قبلت أن تبيعني البوظة بسعر الكلفة. تعترض على سفحه في التواليت فقط. معك حق، فالإسراف محرم في ديننا. نوزعه على الفقراء، ولكن لا أدري إن كان الناس يقبلون شربه لأن الكحول حرام». «إذا كنت ستهين البوظة بعد أن نصحتني بالقومية، واعتبرت نفسك فاشيًّا على مدى سنوات، فأنت على الطريق الخاطئ يا سليمان». «نعم، عندما تصبح غنيًّا، يقولون لك فورًا: أنت على الطريق الخطأ بسبب الغيرة». «لا، أنا لا أغير منك. أنت مع المرأة الخطأ بشكل واضح يا سليمان». «أنت تعرف جيدًا المرأة الصالحة وغير الصالحة، والتي تتحول مع الأحوال». قال مولود وهو ينهض: «أنا تزوجت. وأنا سعيد جدًّا والحمد لله. وأنتِ جد فتاة مناسبة، وتزوجها بأسرع ما يمكن. هيَّا، أمسية سعيدة». نادى سليمان من خلفه: «أنا لن أتزوج قبل أن أقتل خاطف سميحة. أبلغ هذا لذلك الكردي». سار مولود كأنه يسير في نومه. كانت رائحة قد أنزلت أوعية البوظة إلى الأسفل. يمكنه أن يتناول المزراق، ويربط عليه الأوعية، ويخرج إلى الأزقة. ولكنه صعد إلى البيت. كانت رائحة تُرضع فوزية، قالت هامسة لكي لا يخيف الطفلة: «هل شرّبكِ؟». كان مولود يشعر بقوة العرق برأسه. «لم أشرب نهائيًّا. بقي يسألني عن خاطف سميحة، والمكان الذي ذهبت إليه. من هو الكردي الذي ذكره؟». «ماذا قلت أنت؟». «ماذا أقول؟ لا أعرف أي شيء». قالت رائحة: «سميحة هربت مع فرحات!». «ماذا؟.. لماذا أخفيت هذا عني؟». قالت رائحة: «سليمان فقد صوابه. لو سمعت ما يقوله في بيت تل التوت... سيقتل خاطف سميحة لو عرف من هو». قال مولود: «لا يا هذه... هو يحكي فقط. لا يستطيع سليمان المحتال أن يقتل أحدًا». «ما سبب ارتباكك وغضبك أنت؟». صرخ مولود: «لست مرتبكًا ولا غاضبًا». خرج، وصفع الباب خلفه. سمع الطفلة قد بكت من خلفه. كان مولود منتبهًا جيدًا إلى أنه مضطر للمسير في الأزقة المظلمة من أجل أن ينسى ما عرفه قبل قليل. سار في تلك الليلة من أزقة فريكوي الخلفية حتى قاسم باشا على الرغم من عدم وجود زبون لديه هناك. تاه بطريقه ذات حين، ونزل طرقًا نازلة، وظهرت أمامه مقبرة صغيرة بين بيتين خشبيين، وجلس بين الشواهد، وشرب سيجارة. شاهدة قبر ذات لفّة كبيرة من العهد العثماني ملأت قلبه خشوعًا. يجب أن ينسى فرحات وسميحة. أقنع نفسه ليلتئذٍ فيما كان يسير طويلًا بضرورة عدم اهتمامه بالخبر. أصلًا لو عاد إلى البيت، وعانق رائحة، فسينسى كل هموم الدنيا. ما حمل همه في الدنيا هو مجرد الغرابة التي في عقله. وقد تعاملت الكلاب التي في المقبرة مع مولود بود. ٩ حي غازي سنختبئ هنا سميحة. نعم، هربي مع فرحات صحيح. وأنا صامتة منذ سنتين لكي لا يُعرف مكاننا. في الحقيقة لديَّ الكثير مما يجب أن أشرحه. كان سليمان مغرمًا بي بشدة. صحيح أن العشق بالنسبة إلى كثير من الرجال هو الخبل. في الأيام التي سبقت هربي، أصبح سليمان غريبًا جدًّا، ويجف فمه في أثناء حديثه معي. ولكنه لم يكن يستطيع أن يقول لي بأي شكل كلمات حلوة تسعدني على الرغم من رغبته الشديدة بهذا. كان يمازحني بفظاظة كما يمازح مجرم أخاه الأصغر، وعلى الرغم من حبه التنزه معي، كثيرًا ما يقول: «الرحمة، يُخشى أن يرونا!»، «صرفنا كثيرًا من البنزين!». تركت هداياه في البيت. ولكن والدي بالطبع لن يعيد الأسنان التي صنّعها له. كما أنه أخذ منه بعض الهدايا الأخرى والمساعدات... لهذا السبب لا بد من أن أبي غاضب مني؛ لأنني هربت. ولكنني بصراحة غاضبة من اعتبار الجميع سليمان مناسبًا لي دون سؤالي ولو مرة واحدة. رآني فرحات أول مرة في عرس رائحة ومولود من بعيد، وأنا لم أنتبه إليه نهائيًّا. لم ينسَ. هذا ما قاله ذات يوم. جاء إلى تل التوت، واعترض طريقي، وقال لي بصراحة إنه مغرم بي، ويريد أن يتزوجني. أعجبني تصرفه بجرأة على هذا النحو بوجود عشرات الرجال الذين يريدونني، ولكنهم لا يتجرءون على الاقتراب مني: قال إنه طالب جامعي، ولكنه يعمل في مطعم، ولم يقل إنه نادل. لا أدري كيف وجد رقم الهاتف، وأصبح يتصل بي في تل التوت. لو قبض عليه قورقوط وسليمان لأدميا أنفه وفمه، وكسرا عظامه، ولكن فرحات لم يكن يبالي، ويعيد الاتصال، ويطلب أن يلتقي بي. لم أكن أفتح الهاتف إذا كانت وديعة في البيت. كانت أختي وديعة تقول وإحدى عينيها عليَّ: «ألو... ألو؟.. ألو، ألو!. إنه لا يجيب... يجب أن يكون الشخص نفسه. انتبهي يا سميحة، المدينة مليئة بالأوغاد المغامرين. وتعرف وديعة أنني أفضّل الوغد المغامر على الخامل السمين الغني، وتفهمني. لأن وديعة منعت بوزكورت وطوران من لمس الهاتف، كنت أرد عندما لا تكون وديعة وأبي في البيت. كان فرحات يتكلم قليلًا بالهاتف. هناك مكان خلف ملعب علي سامي ين فيه شجرة توت ينتظرني تحتها. وهناك إسطبلات خيل قديمة يقيم فيها المقطوعون الذين ليس لديهم مأوى، وبقال يشتري لي منه فرحات مياهًا غازية ماركة فروكو بطعم البرتقال، وننظر ما إن كانت هناك هدية تحت غطائها. لم أكن أسأله: كم يكسب من المطعم، وهل معه نقود موفرة، وأين سنسكن؟ أنا هكذا أعشق. عندما ركبت مع فرحات في سيارة صديقه، لم نذهب إلى حي غازي مباشرة. انعطفنا إلى ساحة تقسيم التي تغلي من أجل تتويه شاحنة سليمان إذا كانت تلاحقنا. نزلنا إلى قباطاش، وأحببت زرقة البحر. فيما كنا نعبر جسر قرة كوي، نظرت بانفعال إلى السفن العابرة، والمسافرين والسيارات. كنت خائفة لأنني أبتعد عن أبي وأختي، وأذهب إلى المجهول، وأريد أن أبكي من جهة، ويشعرني قلبي بشكل جلي بأن المدينة كلها لي، وأنني سأعيش حياة سعيدة جدًّا من جهة أخرى. سألته: «هل ستخرجني إلى الشارع يا فرحات، وهل سنتنزه معًا؟». قال فرحات: «بقدر ما تريدين يا جميلتي. ولكننا ذاهبان الآن إلى بيتنا». قال صديقه الذي يقود سيارة الأجرة: «أختي، صدقيني أنكِ فعلت أمرًا جيدًا جدًّا. لم تَخَفي عندما أطلقت النار، أليس كذلك؟». قال فرحات: «إنها لا تخاف!». بداية عبرنا حي غازي عثمان باشا الذي كان يسمى «الحقل ذا الحجارة». في أثناء صعودنا بطريق مغبّر وكثير الحجارة، كنتُ أشعر بأن العالم يعتق بيتًا بيتا، ومدخنةً مدخنة، وشجرة شجرة. رأيت بيوتًا مؤلفة من طابق واحد تبدو قديمة حتى في أثناء إنشائها، ومقاسمَ فارغة وحزينة، وجدرانًا من طوب بقايا الفحم والصفيح وقطع الخشب، وكلابًا. الطرق ترابية، والحدائق واسعة، والبيوت قليلة. المكان هنا مثل القرية من جهة، وجلب إليه ما فُكَّ من إسطنبول ورمي من أبواب وشبابيك وغيرها من جهة أخرى. الناس هنا منهمكون كأنهم جاءوا إلى هنا في مرحلة انتقالية قبل انتقالهم إلى بيوتهم الأساسية في إسطنبول. رأيت نساء يلبسن بناطيل كحلية كالحة وفوقها تنانير مثلي، ورأيت عجائز يلبسن سراويل، ويغطين رءوسهن بقوة، ورأيت بناطيل واسعة كالأنابيب، وتنانير طويلة، ومعاطف. الجدران الأربعة والنافذتان التي استأجرها فرحات تقع في وسط الطلعة. يظهر المقسم الذي سيّجه فرحات بالحجارة من النافذة الخلفية بعيدًا. لأن فرحات كلّس حجارة المقسم، تبرق في ليالي الصيف عندما يكون القمر بدرًا كبيرًا، وننتبه إلى أنها تبدو كالشبح الفوسفوري من حيث نضطجع. يهمس فرحات: «المقسم ينادينا»، ويحكي لي عن البيت الذي سنبنيه هناك عندما ندخر النقود. كان يسألني كم غرفة سيكون البيت، وما إذا كان المطبخ يجب أن يطل إلى الأسفل أم إلى الأعلى حيث الطلعة، وأنا أفكر، وأجيبه. مساء يوم هربي إليه نمنا ـ فرحات وأنا ـ بألبستنا، ولم نمارس الحب. أنا أحدثكم عن هذه الأمور الخاصة بصدق؛ لأنني أتمنى أن تستنتجوا أنتم قراء الرواية عبرة من قصتي. في أثناء بكائي مساء، داعب فرحات شعري، وهذا ما أمتعني. بقينا ننام دون أن نخلع ألبستنا ونتبادل الحب أسبوعًا. ذات ليلة ظهر نورس في النافذة، ولأن البحر بعيد جدًّا، استنتجنا من هذا الأمر أن الله سيغفر لنا. شعرت بأن فرحات أدرك من نظراتي أنني سأسلمه نفسي. ازداد احترامي وحبي له؛ لأنه لم يضغط عليَّ نهائيًّا. ولكنني على الرغم من هذا، قلت له: «إذا لم تتزوجني بعقد بلدية عندما أبلغ الثامنة عشرة من عمري، فسأقتلك». «بمسدس، أم بالسم؟». قلت: «هذا ما أقرره أنا». قبلني كما في الأفلام. تشوش عقلي؛ لأنني أول مرة أبادل رجلًا قبلة من الشفاه، ولم أستطع متابعة الحديث. «كم بقي للثامنة عشرة؟». أخرجت بطاقة هويتي من حقيبتي بفخر، وقلت له: «سبعة أشهر واثني عشر يومًا». قال فرحات: «إذا لم تتزوجي وقد بلغت السابعة عشرة، فهذا يعني أنكِ عانس. إذا تبادلنا الحب، فسيشفق الله عليك، ولا يسجل لك ذنبًا». «لا أعرف إذا كان يسجل، أم لا... ولكن الله إذا غفر لنا، فسيغفر لأننا اختبأنا هنا، وليس لنا أحد سوانا». قال فرحات: «لا. لديَّ كثير من الأقرباء والمعارف في هذا التل. لسنا وحدنا». فور لفظه كلمة «وحدنا»، بدأتُ بالبكاء. داعب فرحات شعري ليسليني كما كان والدي يفعل في طفولتي. لا أدري لماذا أبكاني هذا أكثر. لم أكن أريد أن يحدث الأمر على هذا النحو، ولكننا تبادلنا الحب خجلين. صُرِعت قليلًا، ولكنني سرعان ما اعتدت على حياتي الجديدة. كنت أتوق لمعرفة ما يقوله أبي وأختاي. كان فرحات يخرج من البيت قريب الظهر، ويذهب بالحافلات الصغيرة المغبرة الشبيهة بتلك التي في قريتنا إلى غازي عثمان باشا، ويعمل نادلًا في «مطعم مروة الحديث». كان يتابع دروس الجامعة من التلفاز في الصباح، وفيما كان فرحات يتابع درس التلفاز، كنت أشاهد الأستاذ الذي على الشاشة أيضًا. كان فرحات يقول: «لا تجلسي بجانبي في أثناء استماعي للدرس، فلا أستطيع التركيز». ولكنه عندما يطلب مني عدم الجلوس بجانبه، سيفكِّر فيما إذا كنت جالسة في الزاوية اليسرى أم اليمنى من الغرفة، أم أخرج إلى الخم الذي في الخارج، وأطعم قلب الخبز للدجاج، فيتشتت عقله. لن أشرح لكم كيف كنا نمارس الحب، وما الذي نعمله كي لا أحمل قبل الزواج، ولكنني أحكي لرائحة عندما أنزل إلى المدينة، وأذهب إلى بيت رائحة ومولود في طرلاباشِ دون أن أخبر فرحات. لا يكون مولود في البيت لأنه يبيع الأرز بعربته في تلك الأثناء. جاءت أختي وديعة إلى هناك عدة مرات. في أثناء تحضير رائحة البوظة وأفراخ الدجاج، نلّعب مع البنتين، وننظر إلى التلفاز، ونستمع لنصائح الأخت الكبيرة وديعة. تبدأ أختي وديعة الحديث دائمًا بعبارة: «لا تثقوا بالرجال أبدًا». أصبحت تدخن السجائر. «احذري يا سميحة أن تحملي من فرحات قبل أن تتزوجي زواج بلدية. إذا لم يتزوجك زواج بلدية عندما تبلغين الثامنة عشرة، فلا تبقي دقيقة واحدة عند هذا الكلب فرحات. غرفتك جاهزة في تل التوت. وأنت يا رائحة، احذري أن تخبري مولودًا أو سليمان بأننا نجتمع نحن الأخوات الثلاث هنا، ونتضاحك. هل تريدين سيجارة؛ فهي تخفف عصبيتك وغضبك؟ مازالت روح سليمان في أنفه. لم نستطع إيجاد فتاة مناسبة له، لا يُعجب بأي واحدة، ولم يستطع نسيانك حتى الآن، ويستشيط غضبًا، ويقول: سأقتل فرحات، لا قدر الله». كانت رائحة تقول: «وديعة، سميحة، انتبها إلى الفتاتين، سأخرج لنصف ساعة. منذ ثلاثة أيام لم أخرج من البيت». في الفترة الأولى، كلما عدت إلى حينا ـ حي غازي ـ بدا لي أنه مكان مختلف. عرفت فتاة تلبس بنطالَ جينز مثلي، وهربت إلى واحد آخر لأنها ستُزوج لواحد لا تريده مثلي، وترخي غطاء رأسها قليلًا مثلًا. كانت هناك امرأة كردية تستمتع بقول إن الشرطة والدرك يلاحقانها، وإنها من ملاطية، وفي أثناء عودتنا من السبيل حاملين بيدونات الماء تحدثنا عن ألم كليتيها، وعقارب مستودع الحطب، والطلعة التي تطلعها في حلمها. كان حي غازي سفحًا شديد الانحدار فيه أناس من كل المدن، ومن كل الديار، ومن كل المهن (غالبيتهم عاطلون عن العمل)، ومن كل الأقوام والعشائر، ويتكلمون كل اللغات. كانت هناك غابة خلف التل، وأسفل الغابة سد وبحيرة تغذي المدينة بالماء. ولانتشار شائعة بأن من يُقِمْ علاقة جيدة مع الأكراد والعلويين وجماعة الطريقة النقشية المتعصبة التي أتت فيما بعد، فلن يُهدم بيته بسهولة، فإن نساء ورجالًا من كل الأنواع يعيشون في ذلك السفح. ولكن أحدًا لا يبوح بسهولة بالمكان الذي أتى منه. وأنا أسمع نصيحة فرحات، وأرد على الأسئلة بأنني من هنا حينًا، ومن هناك أحيانًا. يذهب فرحات إلى غازي عثمان باشا، ولخوفه من سليمان لا ينزل إلى المدينة نهائيًّا (لا يعرف أنني أنزل، وليبقَ هذا بيننا)، ويقول إنه يوفر النقود التي يكسبها، ولكن ليس لديه حساب مصرفي. عندما يذهب، أكنس الأرض الترابية (اكتشفت في الشهر الأول أنني كلما كنست، ارتفع سقف البيت)، وغيَّرت أمكنة قرميد السقف وصفيحه الذي يدلف حتى في الأوقات التي لا يهطل فيها المطر، وحاولت إيقاف الريح التي تتسرب من طوب الفحم والحجارة المكسرة وثقوب الحرابي في الجدار حتى في الأيام التي لا تتحرك فيها أي ورقة شجر إلى أن يحل المساء. في بعض الليالي يأتي من الثقوب عواء الذئاب، ويدلف من السقف ماء طيني مليء بالمسامير الصدئة بدلًا من الماء. وعندما يطغى صياح النوارس التي تحط على أسطوانة المدفأة الخارجة من النافذة لتدفئ قوائمها البرتقالية ومؤخراتها في ليالي الشتاء على أصوات المجرمين والشرطة في الأفلام الأمريكية التي تنبعث من التلفاز الأبيض والأسود، أخاف وحدي، وأفكر بوالدي العائد إلى القرية، وأتكدر. عبد الرحمن أفندي. يا بنتي وروحي؛ سميحتي الجميلة. شعرت بأنك تذكرينني من طنين أذني وأنا أغفو وأستيقظ على الطاولة أمام التلفاز في مقهى القرية، وأدركت أنكِ بخير وصحة جيدة، وليس لديك شكوى من الكلب الذي خطفك، فسعدتُ يا بنتي. لتَعْمَ عيون النقود. تزوجي من تريدين يا صغيرتي وليكن علويًّا، يكفي أن تأتي إلى القرية مع زوجك، وتقبّلا يدي. الله أعلم أين أنت... لا أعلم، هل تصلك كلماتي ومشاعري؟ فرحات. عندما رأيت أن المخاوف تسيطر على سميحة وهي وحدها في أثناء عملي نادلًا في مطعم مروة الحديث حتى ساعة متأخرة من الليل، سمحت لها بالذهاب إلى جيراننا حيدر وزليخة السيواسيين لتشاهد عندهما التلفاز. حيدر علوي يعمل بوابًا في أحد أبنية غازي عثمان باشا الحديثة، وزوجته تمسح درجها خمسة أيام في الأسبوع، وتساعد زوجة خباز يسكن في أحد الطوابق العلوية بالمطبخ والجلي. خروج حيدر وزليخة معًا إلى العمل صباحًا، وعودتهما معًا بالحافلة نفسها، وحديثهما فيما بينهما طوال اليوم أثَّر على سميحة. في أثناء صعودنا طلعة بيتنا ذات مساء تهب فيه الريح الباردة كالرصاص من البحر الأسود، وتُرجف عظامنا، أخبرتني سميحة أن زوجة حيدر قالت لها إن سكان البناء الذي تعمل فيه يبحثون فيه عن خادمات يعملن باليومية. قطعت الحديث في البيت، وقلت: «نبقى جائعين خير من أن تعملي خدّامة!». كانت بيدي قطعة حديد عجلة قديمة وصدئة. تركت ما بيدي في الزاوية التي أراكم فيها لوازم البيت الذي سأبنيه مستقبلًا في المقسم الذي سيّجته بالأحجار الفسفورية حيث قطع الأبواب القديمة، والحديد، والأسلاك، والصفائح، والطوب، والحجارة المستوية. بدأ كل شخص يجمع باب البيت الذي سيبنيه بمساعدة أهل الحي ومدخنته وطوبه في حي غازي قبل ست سنوات، عندما سيطر على المكان اليساريون والعلويون والأكراد. قبل هذا كان المكان تحت سيطرة نظمي اللاظي. فتح نظمي اللاظي مع رجلين من رجاله دكانًا في هذا التل الخاوي المغطى بالأشواك ونبات الخلنج عام ١٩٧٢. كان يبيع القرميد وطوب بقايا الفحم والأسمنت ومواد البناء الأخرى بأسعار باهظة للقادمين من الأناضول وليس لديهم مأوى، ويريدون بناء بيت على أرض أملاك الدولة. أصبح دكانه ملتقى المهاجرين من كل مكان في الأناضول، وخاصة من سيواس وقارص وطوقاط إلى إسطنبول، ويريدون بناء كوخ يتكون من أربعة جدران وسقف يأوون تحته لأنه في البدايات كان يقدم الشاي والنصح لضيوفه (فيما بعد فتح مشرب شاي في الجوار). كان نظمي اللاظي يعرض في محيط دكانه ومشرب شايه ما يجمعه بعربة الخيل ذات العجلات المطاطية المشهورة من البيوت المهدمة من أبواب خشبية، وأعمدة حاميات شرفات حديدية، ونوافذ، ورخام مكسور، وقطع بلاط. ويطلب نظمي اللاظي ثمنًا باهظًا للأشياء التالفة والقديمة التي يتراوح عمرها بين المائة والمائة والخمسين عامًا، مثلما يطلب ثمنًا باهظًا للأسمنت والطوب الذي يعرضه في دكانه. ولكن نظمي اللاظي ورجاله كانوا يحرسون الأكواخ التي يدفع أصحابها هذا الثمن، وينقلون المواد على عربة الخيل العائدة له إلى المقاسم التي يسيجونها. من لا يدفع النقود لتسييج المقسم الذي يريده من الحريصين والحاذقين الذين يقولون: «أنا أجد مواد البناء اللازمة بسعر أرخص»، إما أن يخرّب الكوخ الذي يبنونه ذات ليلة ولا يكون هناك أحد بجواره، وإما أن يُهدم بدعم الشرطة القادمين من مخفر غازي عثمان باشا. بعد أن يذهب رجال الشرطة وعمال الهدم بعدة أيام، يزور نظمي اللاظي المخبولَ الذي يبكي وسط بقايا بيته، ويعبر له عن مدى حزنه لما حلَّ به: إنه صديق رئيسِ مخفر غازي عثمان باشا، ويلعبان الورق في المقهى مساء، لو عرف بالأمر مسبقًا لما ترك بيته يُهدم. علاقات نظمي اللاظي المهمة الممتدة إلى الشرطة والأحزاب القومية الحاكمة زادت عدد رواد مشرب شايه. نتيجة ازدياد الخلافات بين الذين يشترون مواد البناء منه، ويبنون بيوتًا على أرض أملاك الدولة حول تخوم المقاسم، فتح اعتبارًا من عام ١٩٧٨ ما أطلق عليه اسم «مكتب»، وبدأ يمسك دفترًا كما يجري في مديرية السجل العقاري تمامًا. ولكي يزيد تأثير الأوراق التي يمنحها، يضع على الورقة صور أصحاب المقاسم كما تفعل مديرية السجل العقاري (وفتح دكانَ تصوير سريع في الجوار)، ويكتب اسم صاحبها السابق (يكتب اسمه هنا مباهيًا)، ومساحة المقسم بالأمتار ومكانه بدقة، ويضغط بختم صنعه عند مكتبة في غازي عثمان باشا على حبر أحمر، ويختم الورقة. ويقول نظمي أحيانًا بغرور: «عندما ستوزع الدولة سندات تمليك هنا ذات يوم، ستراجع سجلاتي وسنداتي». كان يشرح للعاطلين عن العمل الجالسين في مشرب الشاي بطريقة الخطاب عن مدى سعادته؛ لأنه يقدم الخدمة للقادمين من أفقر قرى سيواس، وليس لديهم مجرد شجرة مزروعة، وجعلهم أصحاب مقاسم وسندات تمليك. من يسأله: «متى ستصل الكهرباء يا أخ نظمي؟»، يرد بأن الأعمال على قدم وساق، ويلمح إلى أنه سيكون مرشح الحزب الحاكم لرئاسة البلدية فيما لو استحدثت بلدية في حي غازي. ظهر ذات يوم في التلال الخاوية التي لم يقسّمها نظمي بَعْد رجلٌ طويل القامة، شاحب الوجه، حالم النظرات. اسمه عليٌّ. لا يعرج على دكان نظمي ومشرب شايه، ولا يتدخل بما لا يعنيه وشائعات الحي، ولكنه فتح طوب بقايا الفحم، والقدور، ومصابيح الكيروسين والفرش رويدًا رويدًا، وعاش وحده في تلك المنطقة النائية. أراد رجلان عصبيان لهما شوارب أن يذكراه بأن لهذا المكان صاحبًا. قال لهما عليٌّ: «صاحب الأرض ليس نظمي اللاظي ولا حمدي التركي، ولا قادر الكردي، ولا الدولة، صاحب العالم وكل شيء وهذه الدولة هو الله. ونحن مجرد فانين عابرين في هذا العالم. ذكّر رجال نظمي اللاظي عليًّا المخبول بصحة جملته الأخيرة بإطلاق النار على رأسه ذات ليلة. دفنوا جثته بدقة على مبعدة من بحيرة السد لكي لا يصبح وسيلة للصحفيين الذين يحبون طرح موضوع توسيخ سكان أكواخ المخالفات مياه البحيرة الجميلة الخضراء التي تسد حاجة إسطنبول للماء. ولكن الذئاب التي تندس بالحي نتيجة الجوع في أيام الشتاء وكلاب الحي الشرسة التي تحاربها وجدت الجثة. وهكذا وضعت الشرطة يدها على القضية، ولم توقف رجال نظمي ذوي الشوارب، بل السيواسيين الساكنين في البيوت الأقرب من البحيرة، وأخضعوهم للتعذيب. لم تعر الشرطة اهتمامًا للبلاغات المغفلة الاسم حول إمكانية أن يكون رجال نظمي اللاظي وراء هذه القضية، واستمرت بسحب سكان البيوت القريبة من البحيرة الخضراء إلى المخفر باعتياد وخبرة، وضربهم فلقة بداية، ثم تعريضهم لتعذيب بسيط بالأجهزة الكهربائية. عندما مات كردي من بينغول بنوبة قلبية تحت التعذيب، تمرد الحي، وداهم مشرب نظمي للشاي. كان نظمي يلهو بعرس في قريته التابعة لريزة. ارتبك رجاله المسلحون وترددوا فيما يفعلون، ولم يستطيعوا سوى إطلاق بعض الأعيرة النارية في الهواء، والهرب. سمع الشباب اليساريون الماركسيون الماويون في مختلف أحياء إسطنبول وجامعاتها بأحداث حي غازي، وبدءوا يقودون «حركة الشعب العفوية». فرحات. خلال يومين احتل مكتب نظمي اللاظي، ووضع طلاب الجامعة يدهم على سجلات سندات التمليك، وانتشر بسرعة في تركيا كلها، وخاصة بين الأكراد والعلويين خبر إمكانية أن يصبح صاحب مقسم كل من يأتي إلى حي غازي، ويقول إنه «فقير ويساري» (كتبت الجرائد القومية: «كل من يقول: لا أومن بالله»). في ذلك الوقت، قبل ست سنوات سيّجت أرضي بالأحجار الفسفورية، ولكنني لم أسكن هناك لأنني مؤمن بأن نظمي اللاظي سيأتي ذات يوم بدعم من الدولة، وينتقم، ويسترد مقاسمه. أساسًا كان المطعم الذي نعمل فيه ـ مولود وأنا ـ في بيه أوغلو بعيدًا جدًّا يستغرق ذهابي إلى حي غازي، وعودتي منه بالحافلة نصف يوم. ما زلنا خائفين من غضب سليمان. لا أحد يساعد على الصلح مع آل آقطاش (كنت أغضب من مولود ورائحة ووديعة بسبب هذا الموضوع). وهكذا تزوجنا ـ سميحة وأنا ـ بعرس فقير صامت في حي غازي. وبالطبع لم تُعلق لنا مئات الدولارات والذهبيات كما جرى في عرس مولود ورائحة. لم أستطع دعوة مولود، وأنا حزين لعدم حضور أعز أصدقائي عرسي، ولاقترابه كثيرًا من آل آقطاش، وأغضب منه لأنه ينام ويقعد مع الفاشيين من أجل مصالحه. ١٠ نفض غبار المدينة يا ربي، من أين يأتي هذا القذر؟ سميحة. يغمغم فرحات في أجمل نقط قصتنا انطلاقًا من «ماذا سيقول الآخرون؟»، وعدم كشف خصوصياتنا. كان عرسنا فقيرًا، ولكنه جميل. استأجرنا ثوب عرس أبيض من «بيت سلطان لألبسة العرائس البيضاء»، الواقع في الطابق الثاني من البناء الأزرق في غازي عثمان باشا. لم أرتكب أي غلطة طوال العرس، ولم أردّ على اللواتي يخزنني بالقول: «واه يا صغيرتي، ما أجملك، أسفي عليك!»، كما أنني لم أطأطئ رأسي لتحرش النساء المتعبات الحسودات البشعات بنظرهن كأنهن يقلن: «لماذا تتزوجين نادلًا فقيرًا وأنت بهذا الجمال؟ لم نفهم هذا!». انظروا إليَّ: أنا لست أَمَة أحد وحرمه وأسيرته... انظروا إليَّ: افهموا ماذا يعني أن نكون أحرارًا؟ أنا لملمت فرحات الذي سكر تمامًا لكثرة ما شرب العرق من تحت الطاولة. شمخت برأسي، وألقيت نظرة على النساء الحسودات والشباب المعجبين (كان بينهم أوغاد وعاطلون عن العمل جاءوا من أجل تناول الكعك والليمونادة). عندما جاء جارنا حيدر وزوجته زليخة بعد شهرين إلينا، وألحا، بدأت أعمل خادمة في العمارة التي في غازي عثمان باشا. كان فرحات يشرب أحيانًا مع حيدر، وقد جاءا معًا إلى عرسنا. أي أنهما أراداني أن أعمل من أجل مصلحتنا. قاوم فرحات كثيرًا لخجله من وقوعه بصفة من شغّل زوجته التي خطفها خادمة بعد شهرين من زواجه. ولكننا نزلنا ذات صباح ماطر كلنا معًا بالحافلة الصغيرة إلى غازي عثمان باشا. جاء فرحات معنا إلى شقة بواب عمارة جيوان التي تعمل فيها زليخة وعائلتها وأقرباؤها. شربنا ـ ثلاثة رجال وثلاث نساء ـ الشاي والسجائر في شقة البواب الأصغر من كوخنا وليس لها حتى نافذة صغيرة في قبو البناء. ثم اصطحبتني زليخة إلى الشقة رقم خمسة من أجل العمل. في أثناء صعودي الدرج، كنت خجلة لأنني سأدخل إلى بيت غريب، وخائفة لأنني سأنفصل عن فرحات. كأن أحدنا ملتصق بالآخر منذ هروبي. في الأيام الأولى لعملي كان فرحات يرافقني كل صباح، وينتظرني مساء في شقة البواب في الأسفل وهو يدخن، وأنا أخرج من الشقة رقم خمسة في الساعة الرابعة، وأنزل إلى شقة القبو، ويصطحبني إلى الحافلة الصغيرة أو يؤمنني لدى زليخة، ثم يركض إلى مطعم مروة. ولكنني بدأت أذهب صباحًا وحدي بعد ثلاثة أسابيع، ثم بدأت أذهب وأعود وحدي مع دخولنا الشتاء. فرحات. سأتدخل دقيقة من أجل ألا تفهموني خطأ: أنا رجل مجتهد وشريف يعرف مسئولياته، ولا أسمح لزوجتي بالعمل خارج البيت مهما كلف الأمر. ولكن سميحة ألحت كثيرًا على العمل؛ لأنها تتضايق في البيت. وتخفي عنكم أنها بكت كثيرًا. غير هذا، فقد أصبحنا كالعائلة الواحدة مع حيدر وزليخة، وكانا قريبين من الذين في بناية جيوان، وحتى كأنهما أخوان لهم. قالت سميحة: «أنا ذاهبة، أنت تابع دروسك من التلفاز!». لم أسمح بذهابها وحدها. طبعًا هذا زاد من شعوري بالذنب؛ لأن درس المحاسبة في التلفاز لم يدخل عقلي بأي شكل، ولم أستطع إرسال وظائفي البيتية إلى أنقرة. والآن أنا قلق خشية إيجادي صعوبة بحفظ أرقام درس الرياضيات التي يكتبها على السبورة في التلفاز البروفيسور الذي يتدفق الشعر الأبيض من أنفه الضخم وأذنيه. أتحمل كل هذا لكي أحصل على شهادة ذات يوم، وأعمل موظفًا في إحدى دوائر الدولة، ويغدو كل شيء مختلفًا، وتؤمن سميحة بهذا أكثر مني. سميحة. أول «ربة عمل» لي عرفتني عليها سميحة في الطابق الخامس، كانت مهمومة وعصبية. نظرت إليَّ وإلى زليخة، وقالت بشك: «لا يوجد بينكما شبه أبدًا!»، وكما اتفقت مع زليخة من قبل، قلت إننا قريبان من طرف الأب لكي تثق بي. صدّقت السيدة نالان حسن نيتي فورًا، ولكنها لم تصدق بأي شكل في البداية أنني أستطيع أن أنظف الغبار من المحيط. كانت تمسح غبارها بنفسها حتى قبل أربع سنوات، ولم تكن لديهم نقود كثيرة. شنت حربًا لا هوادة فيها على الغبار والميكروبات حين مات ابنها الأكبر تلميذ الابتدائية بالسرطان قبل أربع سنوات. كانت تسألني: «هل مسحت الغبار من تحت الثلاجة، وداخل المصباح الأبيض؟»، على الرغم من رؤيتها قبل قليل أنني نظفتهما. لخوفنا من أن يُصاب ابنها الثاني بالسرطان بتأثير الغبار، يسيطر عليَّ الهلع قبيل موعد مجيئه من المدرسة، وأعمل بحيوية أكبر، وأهرع أحيانًا نحو النافذة، وأنفض مماسح الغبار نحو الخارج بلؤم الذين يرجمون الشيطان. كانت السيدة نالان تقول لي مشجعة: «أحسنت، أحسنت يا سميحة!». تتكلم في الهاتف، وفي الوقت نفسه تشير برأس إصبعها إلى ذرة غبار فوتتها عيني. وكانت تقول بهدوء ويأس: «من أين يأتي هذا الغبار وهذا القذر يا ربي!». في تلك الأثناء كانت تهز إصبعها نحوي، فأشعر بالذنب لأنني سبب الغبار أو أنه يأتي من حي المخالفات، ولكنني على الرغم من هذا كنتُ أحبها. اعتبارًا من الشهر الثاني، بدأت تطلبني السيدة نالان ثلاثة أيام في الأسبوع؛ لأنها وثقت بي. أصبحت تتركني وتترك الصابون الأسمر السائل والدلاء والخرق، وتخرج من البيت للتسوق، أو للعب الكونكان مع صديقاتها اللواتي تكلمهن بالهاتف. أحيانًا تعود بصمت إلى البيت بذريعة أنها نسيت شيئًا، وتفرح عندما تراني أنظف الغبار بحيوية كبيرة، وتقول: «أحسنت، الله يرضى عليك!». أحيانًا تبكي وأنا أفرك طويلًا بخرقة المسح إطار صورة ابنها المتوفى الفضي الموضوع بجانب دمية الكلب مباشرة فوق التلفاز؛ فأترك خرقة المسح من يدي، وأحاول سلوانها. بعد خروج السيدة نالان إلى الشارع بقليل، جاءت زليخة لزيارتي. وعندما رأتني أعمل دون انقطاع، قالت لي: «هل أنت مخبولة؟»، وفتحت التلفاز، وجلست مقابله، ولكنني تابعت العمل. بعد ذلك، بدأت زليخة تأتي إليَّ كلما خرجت سيدتها (كانت سيدتها تذهب مع سيدتي نالان أحيانًا). تروي لي ما تراه في التلفاز في أثناء مسحي الغبار، وتعبث بالثلاجة، وتأكل بعض الأمور، وتقول إن السبانخ بزيت الزيتون مطبوخ جيدًا، ولكن اللبن حامض قليلًا (كان يجلب بوعاء زجاجي من عند البقال). عندما تبدأ زليخة بالعبث في خزانتها، وتحكي لي عن سراويلها الداخلية وحمالات صدرها ومناديلها، وأشيائها التي لا نعرف ما هي بالضبط، لا أستطيع ضبط نفسي، فأذهب إليها، وأسمعها، ونلهو. كان هناك حرز بدعاء النمل قرئ عليه ونفخ بين الإيشاربات وأغطية الرأس الحريرية في قعر أحد أدراج السيدة نالان. وفي زاوية سرية أخرى وجدنا صندوقًا خشبيًّا محفورًا تفوح منه رائحة عطرة بين أوراق نفوس قديمة، وبيانات ضريبية وصورًا، ولم نفهم صندوقَ ماذا. وجدت زليخة بين أدوية زوج السيدة نالان وشراب السعال في الخزانة الصغيرة بجوار السرير سائلًا غريبًا بلون التبغ. كنا نحب الرائحة التي تفوح من تلك الزجاجة الزهرية اللون المرسوم عليها شفتا امرأة زنجية كبيرتان (لعله دواء، ولعله سم كما قالت زليخة)، ولكننا نخاف، فلا نلمسه. في أثناء عبثي بالزاوية نفسها بعد شهر (كنت أحب رؤية رسوم ابن السيدة نالان المتوفى ووظائفه المدرسية)، رأيت أن الزجاجة ليست موجودة مكانها. بعد أسبوعين، سحبتني السيدة نالان جانبًا. أبلغتني أن زليخة أنهت عملها بناء على طلب زوجها (في الحقيقة أنني لم أعرف زوج من)؛ لذلك فهي مضطرة لإنهاء عملي مع الأسف على الرغم من تأكدها أنني بريئة. لم أدرك الوضع تمامًا، ولكنها عندما بدأت تبكي، بدأت أبكي أيضًا. قالت بأداء متفائل جدًّا: «لا تبكي يا صغيرتي، فكرنا بأمر جميل جدًّا من أجلك!»، وكأنها غجرية تفتح الفأل تقول: «أرى مستقبلًا باهرًا جدًّا لك!». هناك أكابر أغنياء جدًّا في شيشلي، يبحثون عن واحدة مجتهدة وصادقة وموضع ثقة مثلي. سترسلني السيدة نالان إليهم، وأنا عليَّ أن أذهب دون أن أنبس. لست من اعترض على العمل الجديد، بل فرحات لأنه بعيد جدًّا. أصبحت أخرج صباحًا في وقت أبكر لألحق أولى الحافلات الصغيرة المنطلقة إلى غازي عثمان باشا قبل أن تضيء الشمس الدنيا. وبعد انتظار نصف ساعة هناك، أركب حافلة تقسيم. في الغالب كنا نتدافع ونتلاكز عند باب الحافلة من أجل أن نجد مكانًا للجلوس خلال الرحلة التي تستمر ساعة. كنت أحب النظر إلى الناس الذاهبين إلى عملهم، والباعة الذين يدفعون عرباتهم باتجاه الأحياء، والزوارق في الخليج، والأولاد الذاهبين إلى المدرسة من نافذة الحافلة. كنت أقرأ الأحرف الكبيرة على الجرائد المعلقة في واجهات البقاليات، والإعلانات الجدارية، ولوحات الإعلان الضخمة بدقة. أكرر الكلمات المكتوبة على السيارات والشاحنات والتي تحمل دلالات وأنا شاردة، وأشعر بأن المدينة تكلمني. أستمتع بالتفكير بأن طفولة فرحات مضت في قرة كوي وسط المدينة، وأطلب منه أن يحكي لي عن ذلك الزمن في البيت. أصبحت لقاءاتنا أقل؛ لأنه يأتي في وقت متأخر إلى البيت. أشتري كعكة من الباعة أمام مكتب بريد تقسيم قبل أن أركب الحافلة الأخرى، إما أن آكلها في الحافلة وأنا أنظر عبر النافذة، وإما أن أخبئها في حقيبتي البلاستيكية لكي آكلها في البيت الذي أذهب إليه مع الشاي. كانت السيدة صاحبة البيت تقول لي: «تناولي الإفطار إذا لم تتناوليه!». وأُخرج قليلًا من الجبن والزيتون من الثلاجة. وأحيانًا لا تقول شيئًا نهائيًّا. عند الظهر، في أثناء شواء الكفتة، تقول لي السيدة: «ضعي لنفسك ثلاث قطع يا سميحة!»، وتفرز لنفسها خمس قطع، وتأكل أربعًا منها، وعندما آكل القطعة الباقية في المطبخ، يكون كل منا قد أكل أربعًا. ولكن السيدة (هكذا كنت أناديها، ولا أذكر اسمها) لا تجلسني على الطاولة نفسها، وأنا لا آكل في أثناء تناولها الطعام؛ لأنها تريدني أن أكون في مكان أسمعها منه عندما تقول: «أين الملح أو الفلفل؟ خذي هذا!». أتفرج عليها وهي تتناول الطعام من باب المطبخ، ولكنها لا تتكلم معي. أحيانًا تسأل السؤال نفسه، وتنسى الجواب: «من أين أنت؟»، وعندما أردّ عليها: «من بيه شهير!»، تقول: «أين تقع هذه؟ لم أذهب إليها قط». بدأت أقول لها: «أنا من قونية»، فتقول: «آآآ، نعم، سأذهب ذات يوم إلى قونية، وأزور مولانا». في بيتين آخرين في شيشلي ونيشان طاش سألاني عن مولانا عندما قلت إنني من قونية، ولكنهم لا يريدونني أن أصلي نهائيًّا. نصحتني زليخة بأن أرد بـ «لا» على سؤالهم: «هل تصلين؟». في ذينك البيتين اللذين ذهبت إليهما بناء على توصية من السيدة، لم يسمحا لي باستخدام دورة المياه التي يستعملونها. تكون في هذا النوع من البيوت القديمة كلها دورة مياه صغيرة للخدم أشارك القط أو الكلب فيها، وأترك فيها حقيبتي البلاستيكية وبنطالي. عندما أبقى وحدي، أضرب القط التي لا ينزل من حضن السيدة، ويسرق طعامًا من المطبخ، وأحكي هذا مساء لفرحات. مرضت السيدة ذات مرة، فاضطررت للبقاء عندها في شيشلي مساء؛ لأنها ستجلب غيري إذا لم أستطع أن أكون بجانبها دائمًا. كانت لديَّ غرفة نظيفة وصغيرة تطل على الفراغ بين البناءيْن، ولا ترى الشمس، وملاءاتها تفوح برائحة عطرة، وأحبها. اعتدت عليها فيما بعد. لأن الذهاب إلى شيشلي والإياب منها يستغرقان أربع أو خمس ساعات، أستأذن السيدة في بعض الأمسيّة، وأبقى، وأقدم لها فطورها صباحًا، ثم أذهب إلى بيت آخر. ولكنني في الحقيقة أشتاق إلى حي غازي، وأريد أن أعود إلى فرحات وبيتنا وأغراضنا. كنت أحب إنهاء العمل بعد الظهر باكرًا، والتجول في المدينة قبل أن أركب الحافلة من التقسيم، ولكنني أخاف أن يراني أحد من تل التوت، ويعطي خبرًا لسليمان. كانت تقول لي أحيانًا: «انهي عملك، واذهبي إلى البيت يا سميحة، ولا تقتلي وقتك بالصلاة ومشاهدة التلفاز». أحيانًا أعمل كأنني أريد أن أمسح غبار المدينة كله، ولكن عقلي يتعلق بشيء ما؛ فتُكبح سرعتي. رأيت في الدرج السفلي لخزانة ألبسة السيد الداخلية وقمصانه، مجلة بلغة أجنبية فيها صور لرجال ونساء غير مؤدبة إلى درجة أنني خجلت من نفسي لرؤيتي لها. كانت هناك نقود أجنبية تحت المشط في الصندوق الغريب الذي تفوح منه رائحة اللوز في زاوية خزانة دواء السيدة. كنت أحب النظر إلى ألبومات الصور العائلية وصور الأعراس والمدرسة والعطل الصيفية التي دُست في أحد الأدراج، واكتشاف أحوال أصحاب البيت في سن الشباب. في كل البيوت ثمة جرائد قديمة وزجاجات فارغة وعلب لم تُفتح نهائيًّا رميت في إحدى الزوايا، ونسيت وسط الغبار، يقولون لي: «لا تلمسيها!»، وكأنها شيء ديني مقدس. ثمة زاوية يجب ألا تُلمس في كل بيت، وأنظر إليها عندما لا يكون هناك أحد بدافع الفضول، ولكنني لا ألمس قطع النقود الجديدة والذهبيات الجمهورية التي يضعونها من أجل أن يجربوني، والصابون الذي تفوح منه رائحة غريبة والعلب ذات رسوم الحشرات. ابن السيدة يجمع دُمَى الجنود البلاستيكية الصغيرة، ويصفّها على السرير والسجادة، ويشعل الحرب فيما بينها. أحب اندماج الولد باللعبة، ونسيانه كل شيء، واللعب بالجنود عندما أبقى وحدي. كثير من العائلات تشتري الجرائد من أجل قسائمها، وتطلب مني قصها في أحد أيام الأسبوع. بعضهم يرسلونني بالقسائم مرة بالشهر إلى بائع الجرائد الذي في الزاوية، وأنتظر بالدور نصف يوم من أجل استلام الهدية: إبريق شاي، كتاب طعام مصور، غطاء سرير مزهر، عصارة ليمون، قلم جاف يبث الأغاني. كانت ثمة أداة مطبخ كهربائية في الخزانة التي تخبئ فيها السيدة الصوفيات الموضوع بينها النفتالين، ولكنها لا تخرجها للاستخدام من أجل أي ضيف، وتحفظها بعناية لأنها بضاعة أوربية، كما أنها لا تستخدم تلك الهدايا المجانية. أحيانًا أنظر إلى الرسائل التي تخرج من ظروف في قعر الخزائن، والأخبار المقصوصة من الجرائد، والإعلانات، وألبسة البنات، والألبسة الداخلية، والكتابات المكتوبة على الدفاتر كأنني أبحث عن شيء أريد إيجاده. يتهيأ لي أحيانًا بأن تلك الرسائل مرسلة لي، وأنني موجودة في تلك الصور. أشعر بأنني مسئولة عن إخراج ابن السيدة أحمر شفاه والدته، ووضعه في درجه، فأشعر بالارتباط بهؤلاء الناس الذين فتحوا لي خصوصياتهم، وبالغضب في آن واحد. كنت أشتاق أحيانًا لفرحات وبيتنا ومشهد المقسم الفسفوري من حيث ننام في وسط النهار. بعد سنتين من عملي في الخدمة بالمياومة، وفي الأيام التي أبيت فيها خارج البيت، بدأت أغضب من حياة العائلات التي دخلت كثيرًا فيها، والصبيان الظالمين والبنات المدللات، وأجراء البقال وأبناء البوابين الذين يتحرشون بي فورًا بالقول: «يا جميلتي!»، وغرف الخدم التي أستيقظ فيها وأنا أتصبب عرقًا عند إشعال التدفئة المركزية، ومن فرحات الذي لم يستطع بأي شكل أن ينتشلني من هذا الوضع. فرحات. بدأت أجلس على طاولة الكاتب في مطعم مروة الكائن في غازي عثمان باشا بعد سنة من بدئي العمل. دراستي في الجامعة ولو عن طريق المراسلة التي تعطيها سميحة أهمية كبيرة، لعبت دورًا بهذا الأمر. ولكن عندما تكون رائحة العرق والحساء الممتعة والضجيج والزحام يغطي على المطعم مساء، يجلس شقيق رب العمل خلف الطاولة، ويدير كل شيء بمساعدة جهاز الحساب وجيبه... يجمع رب العمل الذي لديه مطعم في آقسراي (كنا فرعًا) الطباخين وعمال الجلي في المطبخ، والنُّدُل ومساعديهم في الصالة مرة كل شهر، ويكرر عليهم الأمر بضرورة تسجيل كل طبق بطاطس مقلية وسلطة وكفتة مشوية، وأفراخ دجاج على الأرز، وكأس عرق، وزجاجة بيرة، وحساء عدس، وفاصولياء جافة، وبراصيا باللحم لدى المحاسب قبل أن تذهب إلى طاولة الزبون. ليس من السهل الالتزام بهذه القاعدة الدستورية التي وضعها رب العمل لمطعم مروة باعتباره مؤسسة بنوافذه الأربع المطلة على شارع أتاتورك (ستارة كل منها الغربولية تكون مرفوعة من الطرفين)، وزحام زبائنه الشغوفين (أصحاب المحلات الذين يأكلون طبخًا دون مشروب عند الظهر، والزحام الذي يشرب العرق مساء بشكل متوازن)... عندما أجلس على طاولة الكاتب، أي عند الظهر، يكون هناك زحام، وأعجز عن تسجيل أطباق الخضار بلحم أفراخ الدجاج، والكراث بزيت الزيتون، والفول الأخضر بالزيت، والبلميدا بالفرن التي يحملها النُّدُل، وإلى أي طاولة تذهب. في هذه الحالة إما أن يتشكل دور للنُّدُل أمام طاولتي لتسجيل الأطباق بحسب أمر رب العمل (كان الزبائن المتململون يصرخون: «سيبرد الطعام»)، أو نؤجل أمره لدقيقة، فيضع النادل الأطباق على الطاولة، وعندما يرى الزحام انتهى من أمامي، يذكرني: «أخي فرحات، محشو الفلفل ورقائق عجين ملفوفة للسابعة عشرة، ومهلبية سميكة للسادسة عشرة». بهذه الطريقة لا تُحل مشكلة الدور، بل تؤجل فقط، أي أن النُّدُل يقفون بالدور، وينادون جميعًا في آن واحد: «سلطة للسادسة، اثنان لبن بالخيار للثامنة» من أجل تسجيلها. ولأن بعضهم يقولون هذا وهم راكضون والأطباق بأيديهم، لا يلحق الكاتب تسجيل كل شيء، وأحيانًا يتذكر بشكل خاطئ، وأحيانًا يلفّق كما أفعل أنا، وأحيانًا لا يبالي كما أفعل مع الدروس التي لا أفهمها من التلفاز. ولم يكن النُّدُل يشتكون من نسيان بعض الأطباق لمعرفتهم أن البقشيش سيكون أكبر عندما يكون الحساب أقل. أما رب العمل، فيريد تطبيق القاعدة ليس من أجل ألا يكون هناك فاقد في الربح، بل لكي لا يجادل الزبائن السكارى الذين يقولون: «نحن أخذنا طبقًا واحدًا من المحار، وليس طبقين!». ولأنني لا أعمل محاسبًا بل نادلًا عند المساء، أعرف كل طرق احتيال النُّدُل سيئي النية، وأنتبه إليها ظهرًا عندما أكون محاسبًا. أسهل طريقة للحذق أطرقها مساء هو تقديم وجبة ونصف للزبون، أي ست قطع كفتة، وتسجيلها وجبة واحدة، وأبلغ الزبون الموثوق بجو من الود، وأنتزع بقشيشًا أكبر. في مطعم مروة، يُجمع البقشيش كله في صندوق ويُدّعى أنه يُقسّم بالتساوي (يقتطع المعلم حصة في البداية)، ولكن أيًّا من النُّدُل لا يضع البقشيش كاملًا في ذلك الصندوق، ويخبئون جزءًا منه في جيوب بناطيلهم ومرايلهم. ولكن هذا لا يؤدي إلى اتهامات وشجار: لا أحد من النُّدُل يدس أنفه بجيب الآخر لأن الجميع يفعلونها، ولو قُبض على أحدهم يطرد من العمل. أنا أخدم الطاولات التي في المدخل مساء، إضافة إلى مساعدة المعلم الذي يجلس على طاولة الكاتب. لا يشبه هذا الأمر دورَ كبيرِ النُّدُل، بل يشبه نوعًا من دور كبير المفتشين. كان المعلم يقول: «لنرَ ما إن كان الطبق المطبوخ بالفخار لدى الطاولة الرابعة قد نضج، فهم يشتكون كثيرًا!»، فأدخل إلى المطبخ على الرغم من أن نادل الطاولة الرابعة هو هادي الغمشخانوي، وحين أرى أن الطباخ متباطئ بالعمل، أعود إلى الطاولة الرابعة، وأبلغهم بتعبيرات محببة ووجه ضاحك بأن اللحم بالفخار على وشك النضج، وإن تمكنت من سؤالهم ما إذا كانوا يريدونه ناضجًا زيادة أم لا، أو بالثوم أم لا، أسألهم، وإلا أعرف أي فريق يشجعون، وأشارك بحديث كرة القدم الدائر على الطاولة، وأقول بأن هناك تآمرًا على فريقنا، وقد بيع الحكام، ولم تُعطَ لنا ضربة الجزاء يوم الأحد. عندما يتسبب هادي المخبول بتمرد بسبب الطعام المتأخر أو القادم بالخطأ، أهرع، وألتقط طبق بطاطس مقلية أو قريدس مطهو بالفخار يبقبق ويئز بالزيت من المطبخ غير مبالٍ بطالبه الأساسي، وأقدمه على أنه ضيافة المؤسسة. أحيانًا أحمل طبق مشاوٍ مشكّلة ليس له صاحب، وأضعه على إحدى طاولات السكارى بمراسم وانتباه (أقول بشكل خاص: «وأخيرًا جاء طبق المشاوي المشكّلة!»)، وأدونه على الحساب. لم يكن السكارى الغاطسون بحديث السياسة وكرة القدم والغلاء يعترضون على هذا. أفصل بين المتشاجرين في ساعة متأخرة، وأهدئ الذين يغنون معًا متسببين بصخب في المطعم، وأؤنب مساعدي النُّدُل لعدم تفريغ منفضات السجائر المليئة على الطاولة («ابني، انظر إلى الثانية عشرة، هيَّا، هيَّا...»)، وأرى النُّدُل وعمال الجلي المختبئين في المطبخ، والدهاليز، وعند الباب، وخلف المستودع، ويدخنون، وأغمز لهم بعيني لكي يعودوا إلى أماكنهم. أحيانًا يأتي أصحاب مكاتب المحاماة والهندسة المعمارية مع موظفيهم وبينهم نساء، أو تأتي أم مغطاة الرأس تريد أن تطعم أولادها المشاكسين كفتة مع اللبن الرائب، فنجلسهم على طاولات القسم المجاور للباب الذي نخصصه للعائلات. طموح رب العمل من تعليق ثلاث صور لأتاتورك إحداها باسم، والأخريان حاد النظرات ومدني اللباس هو مجيء زبونات إلى مطعم مروة. كان مجيء رجل وامرأة لتناول العشاء مع العرق بطمأنينة، وعدم تسميعهما كلامًا سيئًا، وانقضاء الوقت دون شجار، وسرورهما، وعودتهما مرة أخرى، قضية كبرى بنظر رب العمل، ولكن مع الأسف، لم يحدث الحدث الثاني هذا قط في تاريخ مطعم مروة. في اليوم التالي لمجيء زبونة إلى المطعم يقلد رب العمل بحزن وغضب نظرة الرجال الذين في المطعم «مثل ثور ينظر إلى قطار»، ويطلب منا نحن النُّدُلَ ألا نتطاير من حول الزبونة عندما تأتي ثانية، وأن نتصرف بشكل طبيعي جدًّا، وأن ننبه الرجال الذين يتكلمون بصوت مرتفع ويشتمون بشكل لبق، وأن نحمي المرأة من نظرات الثيران المزعجة. وتطبيق الأمر الأخير هذا هو الأصعب. عندما لا ينهض آخر الزبائن السكارى إلى ساعة متأخرة، يقول لي رب العمل: «هيَّا اذهب، أنت طريقك طويل!». وفي طريق العودة أفكر بسميحة بشوق وشعور بالذنب، وأقرر بأن عملها خادمة هو خطأ. عندما أستيقظ صباحًا في بعض الأحيان، وأجد أنها قد ذهبت منذ فترة طويلة إلى العمل، أندم لأنني سمحت لها بالعمل، وأتألم، وأشتم فقري. عندما يكون عمال الجلي ومساعدو النُّدُل الثلاثة المشتركون معًا بالسكن يَسْرِبون الفاصولياء أو يقشرون البطاطس بعد الظهر، ويتضاحكون، ويثرثرون، أجلس إلى طاولة في الزاوية، وأفتح التلفاز أمامي، وأستمع لبرنامج «المحاسبة عن بعد لهيئة الإذاعة والتلفاز التركية» بانتباه شديد محاولًا أن أفهم. أحيانًا أفهم الدرس، ولكنني لا أستطيع أن أقرر كيف سأملأ فراغات الوظيفة القادمة بالرسالة، وأنهض عن الطاولة، وأخرج من مطعم مروة كأنني أسير في نومي، وفي أثناء سيري في أزقة حقل الحجارة يائسًا وغاضبًا، أتخيّل أنني أغصب سيارة أجرة بقوة السلاح كما يحدث في الأفلام، وأجد سميحة في البيت الذي تعمل فيه في مكان ما من شيشلي، وأخطفها إلى بيتنا الواقع في منطقة نائية أخرى. أحيانًا يختلط هذا الخيال بخيال البيت الذي سأبنيه بالنقود التي أدخرها على المقسم الفسفوري الذي يظهر من نافذة حديقتنا الخلفية بأربعة أبواب واثنتي عشرة غرفة. أو قبل أن أرتدي بزة النادل الأنيقة في الساعة الخامسة مساء، وأبدأ بتقديم الخدمة، وعند اجتماع العاملين في مطعم مروة جميعًا من عامل الجلي إلى كبير النُّدُل على طاولة طويلة في الخلف حول قدر، ونتناول البطاطس باللحم وحساء الخضار والخبز الطازج، أشعر بألم ذوباني هنا بينما هناك إمكانية تأسيس عملي الخاص في مركز المدينة. حين يراني رب العمل أتململ للانصراف باكرًا في الأمسيّة التي تعود فيها سميحة إلى البيت، يقول لي: «هيَّا اخلع مريلتك، واذهب إلى البيت يا عريس أفندي». وأشعر بالامتنان منه مقابل هذا الجود. رأى بقية النُّدُل وعمال الجلي جمال سميحة التي أتت إلى المطعم عدة مرات، وأفهم أنهم عندما ينادونني بكلمة عريس يغيرون من حظي، وفي أثناء انتظاري حافلة حي غازي التي لا تأتي بأي شكل (بدأت بالعمل أولى الحافلات)، أشعر بالقهر لأنني لم أعطِ حظي هذا حقه، فأتململ أكثر، ويسيطر عليَّ الخوف نتيجة التفكير بأنني مخطئ. كانت حافلة حي غازي تسير ببطء شديد، وتتوقف طويلًا في المواقف، فأهز ساقي وأنا جالس على المقعد. عندما يصرخ أحدهم من وسط الظلام في أحد المواقف الأخيرة: «أيها السائق، انتظر أيها السائق!» لكي لا يفوت الحافلة الأخيرة، فيوقفها السائق، ويشعل سيجارة، فأنهض أنا. أنسى تعبي في أثناء ذهابي من الموقف الأخير إلى البيت، وأصعد الطلعة بخطوات حثيثة. تتحول مصابيح الأكواخ البعيدة الشاحبة وسط صمت الليل المظلم، ورائحة دخان الفحم الحجري القذرة، وكل شيء إلى إشارات تذكرني بأن سميحة تنتظرني في البيت. بما أن اليوم أربعاء، فهي في البيت بالتأكيد. لعلها تمددت، ونامت من التعب كما يحدث في أغلب الأوقات. كنت أفكر بحالتها الجميلة وهي نائمة. لعلها غلت الزيزفون، وفتحت التلفاز، وتنتظرني كما تفعل أحيانًا. أتصور أمام عيني حالتها الذكية والصديقة، وأبدأ الركض. أومن بأنني إذا ركضت، فسأجد سميحة تنتظرني في البيت. إن لم تكن في البيت، أشرب العرق فورًا لكي أهدئ غضبي وألمي، وأتهم نفسي. وفي أثناء عودتي إلى البيت عندما أخرج من المطعم باكرًا مرة أخرى في المساء التالي، أشعر بالتململ نفسه. عندما أرى سميحة، تقول: «عدم المؤاخذة، كان لدى السيدة ضيوف البارحة... ألحت كثيرًا لكي أنام مساء، وأعطتني هذه!»، تضع الورقة النقدية التي تخرجها جانبًا. فأقول بانفعال: «لن تذهبي إلى العمل بعد الآن، ولن تخرجي نهائيًّا من هذا البيت. تعالي لا نخرج من هذا البيت حتى يوم القيامة». كانت سميحة في الأشهر الأولى تقول: «ماذا سنأكل في ذلك الوقت؟» فيما بعد، بدأت تقول وهي ضاحكة: «حسنٌ، لن أذهب بعد الآن!». وبالطبع استمرت بالذهاب إلى العمل. ١١ البنات اللواتي لا يخرجن للخاطبات عرّجنا في أثناء مرورنا سليمان. مساء البارحة كنت عند بيت العم عاصم في عمرانية. العم عاصم لبَّان قديم صديق والدي. إنه ذكي. عرف كيف يترك العمل في الوقت المناسب، ويفتح بقالية. والآن متقاعد. أراني في الليل أشجار الحور في حديقة بيته في عمرانية، وشجرة الجوز الضخمة التي كانت فسيلة صغيرة قبل عشرين سنة عندما سيّج هذا المقسم. تسقط أنوار مصنع الأنابيب على الحديقة حيث يُسمع صخبه فيتحول كل ما هنالك إلى أشياء غريبة وممتعة. كنا قد سكرنا تمامًا في منتصف الليل. لا بد أن زوجته بدأت تكبو بالنوم في الداخل. أراني العم عاصم الحديقة، وقال: «يدفعون مبلغًا كبيرًا ثمنًا للأرض، ولكنهم سيدفعون أكثر». قبل خمس عشرة سنة كان دكانه في طوبخانة، والبيت الذي استأجره في طلعة قظانجي. شرح ثلاث مرات أنه عمل جيدًا بمجيئه من المدينة، وتسييجه هذا المقسم؛ لأنهم سيعطون سندات تمليك ذات يوم، وترتفع قيمته. وقال ثلاث مرات إن بناته تزوجن «والحمد لله»، وإن أصهاره جيدون ولا يخيرهم عليَّ. وهذا يعني: «ليست لديَّ فتاة أزوجك إياها. لماذا طرقت الباب فجأة، وأتيت من تل التوت هذا المساء يا بنيَّ؟». وهذا مثله مثل كل شيء يذكرني بسميحة طبعًا. مضت سنتان على هربها مني. في النهاية سأجد عديم الشرف الذي خطفها فرحات، وأحاسبه على إهانتي بين الناس بالتأكيد، فهذا الأمر مختلف. حتى الآن أتخيل أحيانًا بأن سميحة عادت إليَّ حاملة حقيبتها، ولكن صوتًا آخر يقول لي إن هذا ليس صحيحًا، وأضبط نفسي. أنقذتني وديعة وملاحات من هذا الأمر. تسلم لي وديعة، فقد تحركت من أجل تزويجي. وديعة. قررت العائلة كلها أن تزويج سليمان أفضل طريقة لجعله ينسى سميحة. كان في البيت ذات مساء، وسكرانَ. قلت: «سليمان، انظر، تجولتَ مع سميحة قبل الزواج، وترافقتما قليلًا، ولكن الأمر لم يتم في النهاية. لعل زواجك من واحدة لا تعرفها نهائيًّا، وتراها مرة واحدة أفضل... العشق، يأتي بعد الزواج». قال بفرح: «صحيح والله، هل هناك فتاة جديدة، من؟»، ثم اعترض فورًا: «أنا لا أستطيع أن أتزوج ابنة لبَّان من قريتنا بعد الآن يا زوجة أخي». «أخوك قورقوط، وابن عمك مولود تزوجا ابنتي لبَّان. ماذا ينقصنا نحن بنات اللبانين؟». «لا يا زوجة أخي، أنا لا أراكن أنتن الأخوات الثلاث هكذا». «كيف ترانا؟». «لا تفهميني خطأ...»، فأقول بصوت مؤنب: «لا أفهمك يا سليمان. كيف استنتجت أننا سنزوجك فتاة من القرية؟». يحب سليمان أن تؤنبه امرأة قوية قليلًا، ويريد هذا. «لم تعد تصلح لي فتاة بلغت الثامنة عشرة، وأنهت الثانوية في إسطنبول أيضًا. واحدة من هذا النوع لا تعجبها أي كلمة أقولها، وترد على كل شيء قائلة: ليس هكذا، بل هكذا... ثم إن الفتاة نفسها تتصرف كأننا تعارفنا في الجامعة، ولم تعرّفنا وسيطة، فتطلب أن نخرج، ونذهب إلى السينما معًا، وفي الوقت نفسه تقول هكذا لا يجوز، أرجوك، لا ترانا أمي، ولا يرانا أبي... أمري صعب». طلبتُ من سليمان ألا يشغل باله نهائيًّا، وشرحت له أن إسطنبول تعج بالبنات اللواتي يردن الزواج من شاب عازب وسيم وناجح وذكي مثله. سأل بصدق: «أين؟». «إنهن في بيوتهن يا سليمان، بجانب أمهاتهن، ولا يخرجن إلا نادرًا إلى الشارع. إذا سمعت مني، أذهب، وأجد لك أحلاهن وأجملهن، وأريها لك، واختر الأجمل والتي تعجب قلبك الباشا أكثر، لنزوجك إياها». «وديعة، أنت طيبة جدًّا، ولكنك إذا أردت الحقيقة، فإن دمي لا يغلي بأي شكل للبنات اللواتي يجلسن بجانب أمهاتهن كالنعاج، ويسمعن الكلمة». «بما أنك تريد واحدة كهذه، لماذا لم تقل لسميحة كلمتين حلوتين؟ لماذا لم تُـرْضِ قلبها؟». قال بصدق: «لم أستطع! كلما حاولت أن أفعل هذا، سخرت مني سميحة بلسانها الحاد». «سليمان، سأكون مغرفة، وأدور في قدر إسطنبول، وأجد لك الفتاة التي تريدها. وإذا أعجبتك، فستتصرف معها بشكل جيد جدًّا هذه المرة، مفهوم؟». «حسنٌ، ولكن ماذا لو تدللت الفتاة؟». سليمان. كنا ـ وديعة وأنا ـ نذهب للبحث عن فتاة تعجبني بالشاحنة الصغيرة التي أقودها. قال الذين يفهمون بهذا الأمر بأن ذهاب أمي معنا يعطي لجنتنا ثقلًا أكبر، ولكنني لم أرد هذا لأن وضع أمي العام ولباسها يذكِّران بالقرية أكثر. تلبس وديعة بنطال الجينز الأزرق الذي تلبسه دائمًا تحت ثوبها، ومعطفًا طويلًا كحليًّا لم أرها ترتديه من قبل، وعندما تربط غطاء رأسها باللون نفسه، يعتقد الإنسان للحظة أنها طبيبة أو قاضية غطت رأسها. وديعة تحب الخروج من البيت والنزهة كثيرًا إلى درجة أنني بعد أن أضغط على الوقود، وندخل في إسطنبول، تنسى لماذا جئنا، وإلى أين نذهب، وتنظر إلى كل زاوية من زوايا المدينة بشهية، وتتكلم دون توقف، وتضحكني. أقول وأنا أحاول تجاوز الحافلة التي يقفز إليها الركاب أمامنا: «هذه حافلة خاصة، وليست حافلة بلدية؛ لهذا السبب يبقى بابها مفتوحًا دائمًا». فتقول وهي تضحك: «الرحمة، احذر أن نصدم أحدها، فهؤلاء مجانين». وعندما نقترب من الحي الذي نذهب إليه، وتلاحظ أنني صامت، تقول: «لا تشغل بالك يا سليمان. إنها فتاة جميلة، أنا أعجبت بها. وإذا لم تُعجبك، نخرج فورًا، مفهوم؟ وتُنزه أختك الكبرى في طريق العودة قليلًا». بداية تجد وديعة الفتيات بواسطة الصداقة التي تؤسسها بحرارة دمها وطيب قلبها، ثم نذهب معًا إلى الحي. غالبية الفتيات درسن الابتدائية في القرية وجئن إلى إسطنبول مثلي، أو أنهن درسن الابتدائية في مدرسة حي مخالفات أسوأ من مدرسة القرية. وهناك من اجتهدت ووصلت إلى الثانوية، وهناك من تفك الخط، ولكن غالبيتهن لسن بعمر من تنهي الثانوية، وعندما تصل إلى ذلك العمر فإن أي واحدة منهن لا تريد أن تبقى ساكنة في ذلك البيت الفقير الصغير البارد المدفأ بالمدفأة الذي يعيش فيه والدها ووالدتها. يعجبني شرح وديعة حولهن بأنهن لسن مسرورات من العيش مع آبائهن وأمهات، ويردن الهرب من البيت، ولكنني أشعر بأن هذا لا ينطبق على الفتيات كلهن. وديعة. لم أكن أقول لسليمان: إن الفتاة المناسبة لا تكون عنيدة، والعنيدة لا تكون مناسبة. ولا أقول له: إذا كنت تريد فتاة مثل سميحة لها شخصيتها، فلا يمكنك أن تجدها في البيت بجانب أمها تنتظر عريسًا. ولم أقل لسليمان: لا يمكن أن يكون للفتاة عالمها وشخصيتها الخاصة، وتطيعك بكل كلمة تقولها. ولم أكن أقول له أيضًا: لا يمكن أن تكون عينها لم تفتح بعد ومؤدبة جدًّا، وتطأطئ لرغباتك (لا تنسوا أنني تزوجت شقيق سليمان هذا الأكبر). لم أقل له إنك بحاجة إلى فتاة مكشوفة الرأس ولكنك غير منتبه لهذا، وبالطبع أنت لا تريد واحدة كهذه، ولا أفتح هذا الموضوع الحساس نهائيًّا. أسهل إذن بخروجي من البيت يعطيه قورقوط هو من أجل البحث عن فتاة لسليمان. بعد فترة اعتاد سليمان على البعد بين مطالبه والحقيقة. عندما تريد العائلات تزويج بناتها وأبنائها، تنظر بداية في قريتها ثم بين أقربائها وفي شارعها وحيّها. ولكن الفتاة التي يعرف عيبها كل من في الحي ولا تجد فيه زوجًا، تقول: لأتزوج واحدًا لا أعرفه نهائيًّا من المدينة. بعضهن يخفين هذا الأمر بكلمات مزركشة ويربطنه بالحرية. وأحيانًا أبحث عن العيب الذي يجعل تلك الفتيات يتحدثن عن الحرية. وبالطبع فإن عائلة الفتاة أيضًا تنظر إلينا بالشك نفسه للأسباب نفسها (لأننا نحن أيضًا نذهب إلى أزقة أخرى)، وتحاول معرفة ما نخفيه من عيب لدينا. كنت أنبّه سليمان بأن الفتاة التي لا تجد زوجًا بين معارف عائلتها، وليس لديها عيب، فهي طموحة جدًّا. سليمان. هناك فتاة تذهب إلى الثانوية تسكن في الطابق الثاني من بناية مبنية حديثًا في أحد الأزقة الخلفية من آقسراي. لم تستقبلنا بلباس المدرسة فحسب (ورأسها مغطى)، بل جلست على كتاب الرياضيات والدفاتر المفتوحة على طاولة السفرة، وأخذت تحل التمارين. في هذه الحال اتخذنا موقف من عَرَّجَ في طريقه على أقرباء لنا من بعيد، وهي اتخذت موقف الفتاة اللبقة التي تهتم بالضيوف على الرغم من كثرة دروسها. في أثناء زيارتنا القصيرة لبهيجة الساكنة في الأزقة الخلفية لبكر كوي، نهضت عن كرسيها خمس مرات، وأفرجت الستارة الغربولية، ونظرت إلى الأولاد الذين يلعبون الكرة في الخارج طويلًا. قالت أمها: «بهيجة تحب النظر من النافذة، وقالت هذا بنبرة موضحة من جهة، وكما تفعل كثير من الأمهات، فقد اعتبرت هذه العادة دليلًا قاطعًا على أنها ستكون عروسًا رائعة من جهة أخرى. في أثناء زيارتنا القصيرة إلى بيت يطل على جامع بيالة باشا لم تكن أي واحدة من البنتين اللتين تضحكان باستمرار، وتعضان على شفتيهما لكي لا تضحكا، وتتهامسان مرشحة عروسًا. الفتاة التي جئنا لنراها هي أخت البنتين التي تقطب حواجبهما كما قالت لي وديعة عند خروجنا من البيت. دخلت من باب، وعبرت أمامنا كشبح في أثناء شربنا الشاي وتناولنا المعمول باللوز، ولم أرَ الفتاة التي سأتزوجها ما إن كانت جميلة أو قبيحة، بل لم أشعر بمرورها على بعد خطوة مني. في أثناء عودتنا إلى البيت ونحن نتجول بالسيارة، قالت لي وديعة: «يجب ألا يتزوج الإنسان فتاة لم ينتبه إليها. أصلًا أنا كنت مخطئة؛ فهذه لا تناسبك». وديعة. التوفيق بين العرسان، وإسعاد الآخرين هبتان من الله تعالى لبعض النساء بالولادة. أنا لست من هذا النوع نهائيًّا. ولكنني تعلمت هذا العمل؛ لأنني خشيت من عقوبة قورقوط وسليمان بعد أن أعطيا نقودًا لوالدي، وهربت سميحة، وأشفقت على سليمان. فوق هذا فأنا أحب الخروج من البيت، والنزهة بشاحنة سليمان الصغيرة. كنت أفتح الموضوع بأن لدى زوجي أخًا أنهى الجندية حديثًا. وأتحدث بأكثر مواقفي جدية عن ذكاء سليمان ووسامته ولباقته واجتهاده مبالغة بالموضوع. كنت أقول إنه «متديّن» لأن سليمان طلب مني أن أقول هذا. هذا كان يُعجب الآباء، ولكنني لست واثقة مما إذا كان يلعب دور الدعاية لدى الفتيات. كنت أوضّح أنهم أصبحوا أغنياء في المدينة، ولا يريدون الزواج من فتاة من القرية. أحيانًا أقول إن لديهم أعداء في القرية، ولكن هذا كان يخيف بعض العائلات. وكنت أسأل كل من أقابله: «أبحث عن عروس، هل تعرفون واحدة؟». ولأن قورقوط نادرًا ما يخرجني من البيت، فأقابل قليلًا من الناس. بالنتيجة، الجميع يجدون زوجاتهم بهذه الطريقة، ولكنهم يتظاهرون بأن الزواج عن طريق الخاطبة أمر معيب جدًّا. أكثر عبارة سمعتها هي أن هناك فتاة على طلبي تمامًا، ولكنها لا تقبل نهائيًّا الزواج عن طريق الخاطبة والوسيطة. خلال فترة قصيرة فهمنا أن أفضل أسلوب هو الذهاب لرؤية الفتاة دون إعلان هذا صراحة، وقول: عرجنا في أثناء مرورنا من هذه النواحي. لدى سليمان عمل يتعلق بشركة البناء التي يديرها... أو يجب أن ندس عبارة: في أثناء ذهابنا إلى صديقنا وشريكنا فلان إلى آقسراي، قلنا لا يجوز ألا نمر... يمكن أن يكون تصرفنا كضيوف شخص ثالث، أو أننا عرجنا في أثناء مرورنا حلًّا سهلًا. هذا الأسلوب الأخير يشبه مساعدة خاطبة لخاطبة أخرى جديدة، ومساعدة وسيط عقاري لآخر باستئجار بيت. وقبل أن نلفق ذريعة لتعريجنا على تلك الخاطبة، تشرح الخاطبة الثانية المنفعلة والمتحمسة لأهل البيت من نكون نحن بمبالغة. وفي هذه البيوت الصغيرة القديمة دائمًا يكون هناك زحام يتألف من أمهات وخالات وأقرباء وأخوات وصديقات. وتقول الخاطبة بأننا من آل آقطاش إحدى عائلات قونية المعروفة، ونحن ناجحون جدًّا بعمل البناء، وسليمان يدير كثيرًا من الأعمال. أما سليمان الجالس خلف مقود الشاحنة الصغيرة فقط، فيصدق أحيانًا هذا الكذب. الجميع يعرف أن الكذبة كذبة، ولكن أحدًا منهم لا يسألنا: «بما أنكم عرجتم في أثناء مروركم، لماذا سليمان حليق، ورش عطرًا رجاليًّا ثقيلًا، وارتدى سترة العيد؟»، ونحن أيضًا لا نسألهم: «بما أنكم لا تعرفون أننا سنأتي، فلماذا رتبتم البيت، وأخرجتم أفضل أطقم الضيوف، ورفعتم أغطية الأرائك؟». هذا كذب يقال لضرورة المراسم: كذبُنا لا يعني أننا لسنا صادقين. نحن متفهمون لما هو شخصي، ونحترم ما هو رسمي. أصلًا كل هذا الكلام الفارغ هو مقدمة للمراسم الحقيقية التي ستبدأ بعد قليل. بعد قليل سيتقابل الشاب والفتاة. لنرَ ما إذا كنا سنعجب بعضنا بعضًا؟ الأهم من هذا، هل سيقرر هذا الزحام ما إن كانا مناسبين لبعضهما بعضًا؟ بالطبع فإن كلًّا منهم يتذكر أنه عاش وضعًا مشابهًا لهذا. قبل مرور زمن طويل تأتي الفتاة لابسة أفضل ألبستها، وأحيانًا رابطة أجمل غطاء رأس عندها، وتجلس على طرف الزحام خجلة ومنكمشة محاولة ألا تلفت النظر. أحيانًا يكون هناك عدد كبير من البنات الفضوليات بالعمر نفسه، ولكي لا تبحث أعيننا عن الفتاة الخطأ تقوم الأمهات والخالات صاحبات التجربة فتعلنَّ دخول البنت بشكل ما. «هل كنت تدرسين يا روحي، لماذا تأخرتِ؟ انظري، لدينا ضيوف». في أثناء زياراتنا البيتية هذه التي استمرت أربع أو خمس سنوات نتيجة التردد وخيبة الأمل، رفضتنا اثنتان من خمس طالبات ثانوية أَعجبن سليمان بذريعة الدراسة («مع الأسف، ابنتنا تريد أن تنهي الثانوية»)؛ لذلك لم يكن سليمان تعجبه عبارة «البنت التي تدرس». أحيانًا تظهر فتيات يخجّلن أمهاتهن عندما يقلن: «انظري، جاءنا ضيوف!»، بالقول: «نعرف يا أمي، أنت تحضرين منذ الصباح!». كانت هذه النوعية بحالتهن الغاضبة والصادقة يعجبن سليمان، ويعجبنني أيضًا، ولكنني أفهم من نسيانه لهن بعد فترة قصيرة أنه يخاف من حدة لسانهن. كنا نخفي سبب زيارتنا أحيانًا؛ لأن هناك فتاة ترفض رفضًا قاطعًا الظهور أمام الخاطبين. ذات مرة قابلتنا إحداهن بفظاظة شديدة، واعتقدت أننا جلبنا هدية لوالدها (كان نادلًا) حقيقة، ولم تهتم. وصرنا أصدقاء طبيبة أم إحداهن. ذهبنا ذات يوم إلى بيت خشبي قديم قريب من السور في باب أدرنة. كانت الفتاة تلعب الكرة مع أقرانها في الحي، ولا تعلم بأن أمها تستضيف خاطبة ومرشح صهر. نادتها خالتها من النافذة، وقالت لها: «جلبت لك معمولًا بالسمسم!» وأتت بسرعة، وكان جمالها ساحرًا. ولكنها لم تهتم بنا نهائيًّا. وبعد أن أنزلت إلى معدتها قطعتين من المعمول وهي تنظر إلى التلفاز، ونهضت لتتابع لعبتها التي قطعتها في الزقاق، قالت لها أمها: «انتظري، لدينا ضيوف، اجلسي قليلًا!». جلست البنت دون أن تفكر نهائيًّا. ثم ألقت نظرة إليَّ وإلى سليمان ذي ربطة العنق، وصرخت بعصبية: «هؤلاء خطّابون ثانية. أما قلت لك لا أريد خطَّابين؟». «لا تتكلمي مع أمك بهذه الطريقة». «أليس هؤلاء خطابين؟ من هذا الرجل؟». «كوني محترمة. رأوكِ وأعجبوا بكِ، وقد أتوا من الطرف الآخر للمدينة. تعرفين زحمة المواصلات. انتظري، واجلسي». «ماذا سأتكلم مع هؤلاء؟ هل سأتزوج هذا السمين؟». صفعت الباب، وخرجت. كانت هذه آخر زياراتنا التي قلّت تدريجيًّا، وحدثت في ربيع عام ١٩٨٩. في الحقيقة أن سليمان استمر بالمجيء إليَّ أحيانًا، وقول: «زوجيني يا زوجة أخي!» ولكننا جميعًا أصبحنا على علم بماهينور مريم، فلم أصدقه. كما كنت أغضب منه لأنه مازال يتحدث عن انتقامه من سميحة وفرحات. ماهينور مريم. إذا لم يتذكر اسمي رواد المقاصف والملاهي نهائيًّا، فلابد أنهم سمعوا به ولو مرة على الأقل. أنا ابنة موظف متواضع ولكنه مستقيم ومجتهد. كنت طالبة جيدة في ثانوية تقسيم للبنات، ووصل فريقنا إلى النهائي في مسابقة الأغنية الخفيفة التي نظمتها جريدة ملييت، ذُكر اسمي في الجرائد. كتب بحقي جلال صاليك: «لديها صوتُ نجمة مخملي». كانت هذه أكبر عبارة قيلت عني في حياتي الموسيقية. أشكر السيد جلال، والذين كانوا سبب ورود اسمي مغنية في هذا الكتاب. اسمي الحقيقي ملاحات. مع الأسف أن حياتي الموسيقية لم تستمر كما أردت بعد الثانوية على الرغم من محاولاتي الحثيثة. لأن أبي لم يتفهم توقي هذا، ولم أستطع الدخول إلى الجامعة، فأراد أن يزوجني، وصار يضربني كثيرًا؛ لذلك هربت من البيت في التاسعة عشرة من عمري، وتزوجت برغبتي. كان زوجي الأول مثلي: مستخدمًا في بلدية شيشلي، ولكنه يهوى الموسيقى. مع الأسف أن زواجي هذا، وزواجي الثاني، وعلاقاتي اللاحقة كانت فاشلة بسبب هواية الموسيقى، وعدم وجود النقود، والوعود المتكررة دون إيفاء شيء منها. لو أردت أن أحكي عن الرجال الذين عرفتهم جميعًا لكانت هناك رواية، وحوكمت فورًا بتهمة إهانة القومية التركية. شرحت القليل جدًّا لسليمان. ولن آخذ وقتكم أيضًا. قبل سنتين كنت مصرة على أداء الأغاني التركية الخفيفة في مكان سيئ من أمكنة الأزقة الخلفية لبيه أوغلو، ولكن أحدًا لا يأتي، وكنت في نهاية القائمة. خدعت بكلام صاحب مقصف صغير بأنني سأكون ناجحة أكثر إذا انتقلت إلى الموسيقى الشرقية أو الشعبية، وغيّرت المكان، ولكنني بصراحة بقيت في النهاية. عرفت سليمان في ملهى باريس بين وصلتين باعتباره أحد الشباب المصرّين على التعرف إليَّ. يأتي إلى ملهى باريس رجال خائبون بالغرام، ولم يتقبلوا التعاسة التي حلت بهم، ويحبون الموسيقى التركية على الرغم من اسم الملهى. بالطبع لم أعطه أهمية في البداية. ولكن جلوسه وحده، ومجيئه كل مساء، وإرساله باقات الأزهار، وإلحاحه، وحالته البريئة أثرت فيَّ. أجرة الشقة في الطابق الرابع من بناء في زقاق صورماغير من حي جيهان غير يدفعها اليوم سليمان. بعد أن يشرب كأسين مساء، يقول لي: «هيَّا لأنزهك بالشاحنة الصغيرة». لا يفهم أن الشاحنة الصغيرة ليست رومانسية، وأنا لا أهتم. قبل سنة تركت أداء الموسيقى الشرقية، والغناء في الملاهي الصغيرة. أريد أن أعود إلى الموسيقى الخفيفة إذا دعمني سليمان. والأمر ليس مهمًّا جدًّا. أحب النزهة في المدينة بشاحنة سليمان الصغيرة كثيرًا. أنا أيضًا أقلب كأسين مثله، وعندما تصل متعتي إلى الذروة، نتحدث بكل ما يخطر ببالنا. عندما يبتعد سليمان عن خوفه من أخيه الكبير وعائلته يصبح محببًا ومرحًا. يصعد بي الطلعات الحادة من البوسفور، ويمررني من الأزقة الضيقة، ويتلوى بالشاحنة يمينًا ويسارًا. أقول: «لا تفعل هذا يا سليمان، ستوقفك الشرطة ذات يوم». يقول: «لا تشغلي بالك، فهم جميعًا رجالنا». أحيانًا أقول له ما يريد أن يسمعه تمامًا: «أي يا سليمان، سنسقط، ونموت». بقينا نكرر هذا الحديث كل مساء لفترة. «لماذا تخافين يا ملاحات، هل تعتقدين أننا سنسقط من الطريق إلى الأسفل حقيقة؟». «سليمان، إنهم يعملون جسرًا جديدًا للبوسفور. هل تصدق هذا؟». ينفعل سليمان، ويقول: «لماذا لا أصدق؟ عندما جئنا من القرية، كانوا يقولون عنا: مساكين، لا يستطيعون عمل شيء. الآن يتوسل الرجال أنفسهم قائلين: أخي بعنا هذا المقسم، ويُدخلون وسطاء محترمين من أجل إيجاد عمل لهم. هل أقول لك لماذا أنا متأكد تمامًا أن الجسر الثاني سيعمل، ويفتتح كما عمل الأول، وافتتح؟». «قل يا سليمان». «بعد أن اشترى آل فورال المقاسم كلها في تل الرماد والتوت، إنهم يشترون الآن مقاسم حول الطريق المحلق المؤدي إلى موقع الجسر الثاني... لم يبدأ الاستملاك بعد للطريق المحلق. ولكن مقاسم آل فورال في حيي سراي وتشقمق خلف عمرانية وصلت إلى عشرة أضعاف ثمنها منذ الآن. الآن سأطيرك من قمة الطلعة. لا تخافي يا ملاحات، مفهوم؟». أنا ساعدت سليمان بنسيان ابنة اللبان. عندما تعارفنا، لم يكن يفكر بشيء غيرها. يحكي لي كيف يدور مع زوجة أخيه وديعة على البيوت في أحياء إسطنبول للبحث عن فتاة يتزوجها دون خجل، وأستمع إليه وأنا أضحك؛ لأن أصدقائي كانوا يسخرون منه، وأقول لنفسي: ليتزوج وأخلص منه. أما الآن، فبصراحة سأحزن إذا تزوج سليمان. على الرغم من هذا لا أهتم نهائيًّا لذهابه، ورؤيته البنات للزواج. ذات ليلة سكر فيها سليمان كثيرًا، اعترف لي بأنه ليس متمسكًا بفتاة تغطي رأسها. حاولت أن أسليه بالقول: «لا تحزن، هذا أمر شائع بكثرة بين الرجال المتزوجين. هذا مرض يسري بسرعة بتأثير صور النساء الأجنبيات في التلفاز والجرائد والمجلات يا سليمان، لا تبالغ به على أنه عقدة شخصية». أما عقدتي فلم يكن يفهمها هو، فأقول أحيانًا: «أنا لا أحب أن تخاطبني كأنك تصدر إليَّ الأوامر». وكان سليمان يقول: «كنت أعتقد أنك تحبين هذا..». «لا أحب لعبك بمسدسك، ولا أحب أيضًا حديثك معي بفظاظة ودون مشاعر». «هل أنا فظ؟ هل أنا بلا مشاعر يا ملاحات؟». «لديك مشاعر، ولكنك مثل الرجال الأتراك لا تستطيع أن تعبر عنها يا سليمان. مثلًا لا تستطيع أن تسمعني أكثر عبارة أريد أن أسمعها. «الزواج؟ هل توافقين على غطاء الرأس؟». «لا، ليس هذا موضوعنا الآن. قل الأمر الآخر الذي لا تستطيع قوله». «ها، فهمت!». «إذا كنت قد فهمت، فقلها يا سليمان... وهذا ليس سرًّا لا يعرفه أحد... انظر، لقد عرف الجميع... سليمان، أنا أعرف أنك تحبني كثيرًا». «إذا كنت تعرفين، فلماذا تسألين؟». «أنا لا أسألك عن شيء. أريدك أن تقولها مرة أخرى، وهذا كل شيء... لماذا لا تستطيع أن تقول: ملاحات، أنا أحبك كثيرًا؟.. هل يوجد نقص بلسانك؟.. هل ستدخل تحت دين؟». «ملاحات، عندما تقولين هذا، فأنا لا أستطيع أن أقولها». ١٢ في طرلاباشِ أسعد رجل في الدنيا ينام مولود ورائحة وابنتاهما فاطمة وفوزية في السرير نفسه ليلًا. كان البيت باردًا، وتحت اللحاف دافئًا. أحيانًا تنام البنتان الصغيرتان قبل خروج مولود لبيع البوظة مساء. عندما يعود مولود إلى البيت في ساعة متأخرة، يجد البنتين نائمتين بالوضعية نفسها حتى ذلك الوقت. ولأن رائحة خففت المدفأة، تشاهد التلفاز ونصفها تحت اللحاف، ونصفها خارجه. ثمة سريران صغيران منفصلان للبنتين قرب النافذة، ولكنهما تبدآن بالبكاء فور وضعهما هناك خوفًا من الوحدة. ويحترم مولود اعتراضهما، ويقول لرائحة: «إنهما تخافان من الوحدة في هذا العمر، هل تلاحظين هذا؟». اعتادت الطفلتان على نوم السرير الكبير بحيث لا يوقظهما إطلاق مدفع. ولكن أدنى خربشة توقظهما بقلق، وتبدآن بالبكاء، وتوقظان مولودًا ورائحة، ولا تسكتان إذا لم توضعا في السرير الكبير. رأى مولود ورائحة أيضًا بعد فترة أن نومهم جميعًا أفضل لهم. اشترى مولود مدفأة قديمة ماركة آرتشلك. في الحقيقة أنها يمكن أن تدفئ الغرفة كالحمام، ولكنها تصرف غازًا كثيرًا إذا أشعلت طويلًا (تضع رائحة على المدفأة قدر الطعام الذي ستسخنه). كانت رائحة تشتري أنبوبة الغاز من دكان كردي في دولاب درة على بعد ثلاثة أزقة إلى الأسفل. عندما اشتدت المعارك في الشرق، رأى مولود كيف ملأت عائلات المهاجرين الأكراد أزقة طرلاباشِ زقاقًا تلو آخر. إنهم حادون، وليسوا ليّنين كفرحات. أُفرغت قرى، وأحرقت في الحرب. أصبح مولود قليلًا ما يذهب إلى تلك الأزقة؛ لأن هؤلاء الفقراء الجدد لا يشترون البوظة. وفيما بعد ابتعد عن تلك الأزقة بسبب تسرب باعة الحشيش والمخدرات وشمامي التَنَر والمتشردين إليها. منذ خطف فرحات سميحة بسيارة الأجرة في مطلع عام ١٩٨٤ لم يلتقِ به مولود، وقد مضت على الأمر سنوات. كان هذا أمرًا غريبًا بعد صداقتهما في الطفولة والشباب: كان مولود يلوك بعض الأمور التي تشرح هذا الوضع لرائحة. كان يقول: «ذهبا إلى مكان بعيد جدًّا». نادرًا ما كان مولود يفكر بوضوح أن الرسائل التي كتبها وهو يفكر بعيني سميحة هي السبب الأساسي للبعد. من جهة أخرى، توسُّع إسطنبول الذي لا يعرف التوقف قد دخل بينهما حقًّا. ركوب الحافلة لرؤيته، والعودة تستغرق نصف يوم. مولود يشتاق لفرحات من جهة، ويغيّر دائمًا سبب قطيعته معه. يسأل مولود نفسه: «لماذا لا يسأل عني فرحات؟»، وهذا دليل على أنه مذنب. شعر مولود بالغيرة حين عرف أن الزوجين الجديدين سعيدان في حي غازي، وأن فرحات يعمل نادلًا في أحد مطاعم غازي مصطفى باشا. بعد أن يبيع مولود البوظة لساعتين، يتخيل السعادة التي تنتظره في البيت وهو في الأزقة الفارغة. عندما تخطر بباله رائحةُ السرير والغرفة، وأصوات ابنتيه فاطمة وفوزية اللتيْن تصدراها من السرير، وتلامسهما مع رائحة في أثناء النوم، وتلامس بشرتيْهما الحارتين كالنار، يشعر بأن عينيه على وشك أن تذرفا من السعادة. عندما يعود إلى البيت، يريد أن يرتدي منامته، ويدخل السرير بأسرع ما يمكن. ويتحدث عن عمله، وجو الأزقة، وما قابله في البيوت التي أخذ البوظة إليها في أثناء فرجتهما معًا على التلفاز، ولا يستطيع أن يقضي الليل إلى آخره قبل أن يقدّم الحساب لرائحة، ويسلم نفسه لنظراتها الحنونة والدقيقة. يقول مولود بصوت خفيض في أثناء متابعتهما التلفاز: «يقولون إن سكّره كثير». ويقصد شراب البوظة لذلك اليوم. وكانت رائحة تقول مدافعة عن شراب البوظة الذي حضرته: «إيه، ماذا أفعل؟ ما تبقى من البارحة كان حامضًا جدًّا». أو أن مولودًا يخبرها بالأمر الغريب الذي سئل عنه في مطبخ نودي إليه. قالت له عجوز ذات ليلة مشيرة إلى مريلته: «أنت اشتريت هذه؟». ما الذي قصدته؟ هل قصدت لون المريلة، أم أن النساء يربطنها؟ يرى مولود أن العالم تحوّل إلى مكان مفعم بالأسرار مشكَّلٍ من الظلال بعد ساعة معينة مثل ظلال المدينة في الأزقة ليلًا، والأزقة النائية الشبيهة بالأماكن الصخرية الوحشية: السيارات التي تطارد بعضها بعضًا في التلفاز غريبة غرابة الأزقة الخلفية؛ ترى أين تلك الجبال البعيدة والسوداء التي تظهر في زاوية التلفاز من العالم؟ لماذا يركض هذا الكلب، ولماذا يظهر الكلب الراكض في التلفاز، ولماذا تبكي المرأة الوحيدة هناك؟ رائحة. ينهض مولود من السرير في منتصف الليل أحيانًا، ويتناول سيجارة من الطاولة التي في طرف الغرفة، ويشعلها، ويفرج الستارة، ويدخنها وهو ينظر إلى الشارع. أراه تحت ضوء مصباح الشارع المنار من حيث أضطجع، وأتوق لمعرفة ما يفكر فيه. إذا شرد مولود بأفكاره، ولم يعد إلى السرير، أنهض من مكاني، وأشرب كأس ماء، وأغطي بناتي. حينئذ يعود مولود إلى السرير وهو خجل من أفكاره. يقول أحيانًا: «ليس هناك شيء، أنا أفكر فقط». كان مولود مسرورًا من حياته عندما يكون معنا في أمسيّة الصيف. ولكنه لا يقول هذا، أنا أقوله: كان دخلنا في الصيف أقل من الشتاء. يُبقي مولود على النوافذ مفتوحة طوال اليوم غير مبالٍ بالبعوض، والضجيج (كان يقول: «الخارج أكثر هدوءًا!»)، وبالغبار المنبعث من هدم شق الشارع في الأعلى، وينظر إلى التلفاز، وفي الوقت نفسه يصغي إلى صداح البنات وهن يلعبن في الحديقة الخلفية وفي الزقاق وعلى الشجرة، ويتدخل بينهما من الأعلى حين تتشاجران. إذا غضب فجأة أو توتر في بعض الأمسية، يصفع الباب، ويخرج (اعتادت البنتان على هذا، ولكنهما في كل مرة تخافان قليلًا)، وإما أن يذهب إلى المقهى ليلعب الورق، أو يجلس على الدرجات الثلاث النازلة من مدخل البناء إلى الرصيف، ويدخن سيجارة. أحيانًا أنزل خلفه، وأجلس بجانبه. أحيانًا ننزل إلى الزقاق كلنا بمن في ذلك البنتان. وفي أثناء لعبهما مع أصدقائهما الذين يظهرون في كل لحظة من كل مكان من الزقاق والحديقة، أجلس على الدرجة، وأسرب الأرز من أجل طبخه وبيعه في قباطاش. طورتُ صداقتي مع الأخت ريحان التي تسكن مقابل البيت على بعد بناءيْن إلى الأسفل بهذه الطريقة، أي الجلوس على الدرج. ذات يوم مطت رأسها الأخت ريحان من نافذة المشربية، وقالت: «مصباح الشارع عندك أقوى من مصباح شارع بيتنا!» وأخذت أشغالها اليدوية، ونزلت، وجلست على الدرجات بجانبي. كانت الأخت ريحان تقول: «أنا من الشرق، ولكنني لست كردية». ولكنها تخفي من أين بالضبط، كما تخفي عمرها. تكبرني بعشر أو خمس عشرة سنة على الأقل. أحيانًا تنظر بإعجاب إلى أصابعي التي تسرب الأرز، وتقول: «رائحة، يداكِ مثل أيدي الأطفال، ليس فيها أي تجعيد ما شاء الله. ثم ما أسرع حركتهما، مثل جناحي الحمام... إذا اشتغلت أشغالًا يدوية، فصدقيني أنك تكسبين أكثر مني ومن زوج ملك. رجلنا يغضب مني كل هذا الغضب لأنني أكسب من الأشغال اليدوية أكثر مما يدخله من راتب الشرطة..». أعطاها والدها ذات يوم لتاجر لباد وهي في الخامسة عشرة من عمرها دون أن يستشير أحدًا، وحملت صرتها، وسكنت معه في ملاطيا، ولم تر والدها ووالدتها وعائلتها ثانية. كانت تغضب من بيعها بهذه الطريقة، ولا تقبل عذر عائلتها أنها فقيرة ولها سبعة أولاد، وهي تجادلها حتى الآن كما لو أنها أمامها. تقول وهي تهز برأسها: «دعك من عدم إعطاء الفتاة لمن تريد، هناك آباء وأمهات لا يدعون الفتاة ترى الرجل الذي سيعطونها إياه حتى من بعيد!»، وتقول هذا دون أن ترفع عينها عن الشغل الدقيق الذي بيدها. كانت غاضبة من والدها لأنه لم يشرط على زوجها الأول زواجًا رسميًّا. هي فرضت شرط الزواج الرسمي على الرجل الذي هربت إليه، ونجحت. كانت تقول أحيانًا وهي تضحك: «يا ليتني فطنت لشرط الضرب أيضًا. اعرفي قيمة مولود». أحيانًا يبدو على الأخت الكبيرة ريحان أنها لا تصدق وجود رجال لا يضربون زوجاتهم نهائيًّا مثل مولود، وتقول: يجب أن يكون لي دور في هذا الأمر. كانت تطلب مني أن أعيد لها كيف وجدت «زوجي الملاك» (كيف رأى أحدنا الآخر من بعيد في العرس، وأعجب به، وكيف أرسل لي رسائل من الجندية عن طريق وسيط). لأن زوجها الثاني يضربها بعد شربه العرق؛ لذلك في الأمسيّة التي تعدّ لزوجها مائدة المشروب، تنتظر شربه الكأس الأولى. ذكريات التحقيق في الشرطة، والاتهامات الناجمة عن عدم التفهم، والكلمات البذيئة هي الإشارات الأولى لبدئه الضرب، وحين يبدأ بها، تحمل شغلها اليدوي، وتأتي إليَّ. أحيانًا أكون في الأعلى، وأعرف أن ريحان جالسة على الدرج في الأسفل من كلمات زوجها (الأخ نجدت) المهذبة: «يا وردتي ريحان، أرجوكِ تعالي إلى البيت، أعدك أنني لن أشرب». أحيانًا آخذ البنتين، وأنزل إلى جانبها في الأسفل. كانت الأخت ريحان تقول: «الرحمة، حسنٌ أنك أتيت، لنجلس معًا. بعد قليل يخمد، وينام رجلي». في الأمسيّة الشتوية التي يبيع فيها مولود البوظة تأتي إلى الأعلى، وتجلس مقابل التلفاز، وتأكل البذر، وتحكي الحكايات التي تلهي البنتين، وتضحكهما حتى ساعة متأخرة. عندما يأتي مولود في ساعة متأخرة، تبتسم له في كل مرة، وتقول: «ما شاء الله، حمى الله سعادتكما من الحسد!». يشعر مولود أحيانًا أنه يعيش أسعد أيام حياته، ولكنه يحافظ على هذه المعلومة في زاوية من عقله فقط. إذا فكر بسعادته، فسيفقدها. هناك كثير مما يُغضب، ويُنسي السعادة في تلك اللحظة: كان يغضب من جلوس الأخت ريحان حتى ساعة متأخرة، ودس أنفها في كل شيء، ويتوتر من شجار فاطمة وفوزية فجأة في أثناء فرجتهما على التلفاز، ثم صراخهما، وأخيرًا بكائهما. كان يغضب من السفلة الذين يقولون: لدينا غدًا ضيوف، نريد ثماني أو عشر كئوس بوظة، وعندما يذهب في اليوم الثاني، ويقرع الجرس في البرد، يجد البيت ملتفًّا بالصمت. كان يغضب عندما يرى والدة المجند الكوتاهيوي الذي قتل بهجوم الميليشيات الكردية على الشاحنات العسكرية في حقاري تنشج بالبكاء. كان يغضب من الذين يترددون ويخافون من شراء الأرز وشرب البوظة في أزقة إسطنبول نتيجة انفجار تشرنوبيل، وحمل الهواء الغمامة المسرطنة إلى سماء المدينة. كان يغضب من قطع البنتين ذراع الدمية البلاستيكية بعد أن يكون قد لحمها بإخراج شريط النحاس من قلب السلك الكهربائي، وثقب البلاستيك، وتمريره من الثقوب. يصبر عندما يحرك الريح هوائي التلفاز، وتظهر الصورة على الشاشة نقطًا، ولكنه يغضب عندما تتحول المشاهد كلها إلى ظلال. كان يغضب عندما تنقطع الكهرباء عن الحي لحظة أدائه أغنية. كان يغضب عندما تقطع دعاية لبن «حياة» خبرَ محاولة اغتيال رئيس الحكومة أوزال، وإمطار رجال الشرطة الرجل الذي حاول الاغتيال بالرصاص، وتخبطه وارتجافه على الأرض (رأى مولود هذا المشهد في التلفاز عشرين مرة على الأقل)، ويقول لرائحة الجالسة بجانبه: «هؤلاء السفلة أنهوا الباعة الجوالين بلبنهن المعالج». ينسى مولود كل المساوئ عندما تقول له رائحة: «خذ البنات صباحًا، وأخرج إلى الزقاق لكي أنظف البيت براحتي!»؛ لأنه يشعر بنفسه أسعد رجل في العالم عندما يحمل فوزية بحضنه، ويمسك بيده المتقرن جلدها يد فاطمة الصغيرة، ويسير في الشارع. أكثر ما يُسعد مولودًا في أثناء تفكيره بهذه السعادة هو نومه قليلًا بعد عودته من بيع الأرز على أصوات البنتين، ولعبه معهما قليلًا بعد استيقاظه (لعبة: هذه اليد، يد من؟ يدي معك)، أو إيقافه من قبل زبون جديد بقوله: «يا بائع البوظة، هاتِ كأسًا لنرى!». على مدى تلك السنوات التي يشكر الله فيها على النِعم التي وهبته إياها الحياة تلقائيًّا لا ينبته مولود تمامًا إلى مرور الزمن ببطء، وجفاف بعض الأشجار، وزوال بعض الأبنية الخشبية فجأة، وانتصاب بناء بستة أو سبعة طوابق في مقسم كان يلعب فيه الأولاد، ويغفو فيه العاطلون عن العمل بعد الظهر، وتعليق ملصقات ولوحات إعلانية أكبر في الشوارع مثل اصفرار أوراق الأشجار، وتساقطها، ومرور الفصول. كما لم ينتبه إلى انتهاء موسم البوظة ودوري كرة القدم إلا في اللحظة الأخيرة، وعدم إدراكه أن نادي أنطاليا سيسقط إلى الدوري الأدنى عام ١٩٨٧ حتى مساء يوم الأحد من الأسبوع الأخير للدوري. مثل عدم انتباهه إلى انتشار جسور المشاة بعد انقلاب ١٩٨٠ العسكري، ووضع الحواجز الحديدية على الأرصفة من أجل توجيه الناس للعبور منها إلا عندما أراد أن يعبر بين طرفي شارع الغازي هالاسكار، ولم يستطع بأي شكل. سمع مولود من أحاديث المقهى ونقاشات التلفاز بأن رئيس بلدية إسطنبول سيفتح شارعًا عريضًا على طول طرلاباشِ، وسيمر هذا الشارع على مبعدة خمسة أزقة فوق زقاقه، ولكنه لم يفكر فيه باعتباره شيئًا حقيقيًّا. غالبية المعلومات التي جلبتها رائحة من قدماء الحي والنساء الثرثارات كان مولود يعرفها من العجائز الروميات اللواتي يعشن في أبنية مظلمة عفنة عمرها قرن في الأزقة بين القنصلية الإنكليزية وسوق الزهر وسوق السمك. لا أحد يريد أن يتذكر هذا، ولكن طرلاباشِ كانت حيًّا روميًّا أرمنيًّا يهوديًّا سريانيًّا قديمًا. على الطرف الآخر من النهر الذي ينبع من خلف تقسيم، وينزل إلى الخليج، ويأخذ في كل حي اسمًا مختلفًا (دولاب، بيلجيك، بباظ كوبرو، قاسم باشا)، ثم بعد إغلاقه بالأسمنت المسلح نُسي مع أسمائه، وكان الروم والأرمن فقط يعيشون في سفوح قورطولوش وفريكوي قبل ستين عامًا، أي قبل عام ١٩٢٠. أنزلت أولى الضربات على غير المسلمين بعد العهد الجمهوري بضريبة الممتلكات لعام ١٩٤٢، وأقدمت الحكومة المتأثرة كثيرًا بالألمان في أثناء الحرب العالمية الثانية على فرض ضرائب باهظة، ومَنْ لم يستطع دفعها من الرجال الأرمن والروم والسريان واليهود يساقوا إلى معسكرات العمل في آش قلعة. كثيرًا ما استمع مولود لقصص الروم الذين تنازلوا عن دكاكينهم لأجرائهم الأتراك لعدم استطاعتهم دفع ضرائبهم، وسيقوا إلى معسكر العمل، أو الصيادلة ونجاري المفروشات الذين اختبئوا في بيوتهم سنوات لكي لا يقعوا بيد دوريات التفتيش في الشوارع بعد أن عاشت عائلاتهم هنا قرونًا. هاجر معظم الروم إلى اليونان بعد هجوم جموع الناس وهم يحملون الهراوات والأعلام، ونهبهم الكنائس والدكاكين، ومطاردة الخوارنة، والاعتداء على أعراض النساء في السادس والسابع من أيلول/ سبتمبر عام ١٩٥٥ إثر الخلاف مع قبرص واليونان، ومن لم يذهب اضطر لترك البلد خلال أربع وعشرين ساعة بقرار الحكومة عام ١٩٦٤. كان سكان الحي القدماء، أو الذين يفرطون بالشراب حتى وقت متأخر من الليل في الخمارات، أو المتذمرون من الذين احتلوا البيوت الفارغة يروون هذه القصص همسًا. سمع مولود عبارة: «الروم القدماء أفضل من الأكراد!»، ولأن الحكومة تبقى متفرجة فإن الإفريقيين والفقراء يأتون إلى طرلاباشِ الآن، دعونا نرَ ما سيحدث. ولكن بعض الروم الذين أرسلوا إلى اليونان عندما يأتون إلى إسطنبول وأزقة طرلاباشِ لرؤية بيوتهم التي مازالت سندات تمليكها بأسمائهم لا يستقبلون بشكل جيد. لا أحد يريد أن يقول لهم: «سكن في بيتكم البتلسيون والأضنويون الفقراء المهاجرون من الأناضول!»، وهكذا يهرب أصحاب أطيب النيات من معارفهم القدامى بخجل. يحدث أن البعض يغضبون، ويتخذون موقفًا عدائيًّا خشية مطالبتهم بالأجور، والبعض يتعانقونهم في المقاهي، ويستذكرون أيامهم الجميلة القديمة برفقة الدموع. ولكن هذه اللحظات العاطفية تستمر لوقت قصير. لقد رأى مولود الأولاد الذين دبرتهم عصابات الإجرام التي اتفقت مع الشرطة والدولة من أجل تأجير البيوت الخاوية التي تسلل إليها الفقراء من الأناضول كيف يرجمون الروم القادمين لرؤية بيوتهم بالحجارة ويطلقون الصيحات المهينة لهم. في أوقات كهذه يخطر ببال مولود ـ كما يخطر ببال أي شخص- أن يقول: «توقفوا يا أولاد، لا تفعلوا هذا، حرام!»، ولكن عقله يتشوش عندما يتذكر أنه لن يستطيع فرض كلمته على الأولاد، وأن صاحب بيته من بين الذين يحرضونهم ويقفون وراءهم، ويبتعد عن موقع الحدث بخجل ممزوج بالغضب وهو يفكر بمظلومية لا يعرف ما هي بالضبط تقول: «أصلًا وضع الروم يدهم على قبرص!». أعلن الهدم بكلمات حول النظافة والحداثة تبدو للجميع جميلة. ستنظف البيوت التي ليس لها أصحاب من المجرمين والأكراد والنَّور واللصوص، وستهدم مآوي الحشاشين ومتعاطي المخدرات، ومستودعات المهربين، وبيوت الدعارة، وغرف العزَّاب، والخرابات التي تؤوي الخارجين عن القانون، ويُشق مكانها طريق بستة مضامير يوصلك من تبة باشِ إلى تقسيم بخمس دقائق. لم يُسمع كثيرًا صوت محامي الروم المقاومين لقرار الاستملاك بالدعاوى، وعدد من طلاب الجامعات ومنظمات المهندسين المعماريين الذين يناضلون من أجل حماية أبنية عمرها قرن. ركب رئيس البلدية الذي تمكن من كسب تأييد الصحافة وراء مقود البلدوزر المعلق عليه العلم التركي، وبدأ بهدم أحد البيوت المتأخر قرار البت بها في المحكمة بواسطة مغرفته وسط تصفيق المتجمهرين هناك. في أثناء الهدم كان الغبار يتسرب حتى من نافذة بيت مولود المغلقة على بعد خمسة أزقة إلى الأسفل. لم ينقطع الزحام المتشكل من متسكعين، وأصحاب بسطات، ومتفرجين في أثناء مرورهم، وأولاد، إضافة إلى الباعة الذين يعرضون عليهم اللبن الرائب والكعك والذرة. كان مولود يريد أن يحافظ على عربة الأرز بعيدًا عن الغبار. لم يكن يعرج على الأماكن الصاخبة والمزدحمة في سنوات الهدم. أكثر ما أثر فيه هو هدم الأبنية المطلة على تقسيم، والممتد عمرها إلى ستين أو سبعين سنة. أول مجيء مولود إلى إسطنبول كانت اللوحات الإعلانية العملاقة المعلقة على واجهات تلك الأبنية المطلة على تقسيم، وفيها صورة امرأة بيضاء خرنوبية الشعر طيبة القلب على ارتفاع ستة أو سبعة طوابق تقدم له كتشب تاميك وصابون لوكس. كان مولود يحب ابتسامة المرأة العملاقة الصامتة، والحنونة بإصرار، ويُسر من تقابل عينيه بعينيها كلما خرج إلى ساحة تقسيم. شعر مولود بالحزن لهدم بوفيه سندوتش كريستال الشهير مع البناء الذي يحمل المرأة السمراء. كان بوفيه كريستال أكثر مكان يباع فيه اللبن الرائب. أكل مولود مرتين (إحداهما ضيافة) الهمبورغر الذي تعده من اختراعها بالكفتة ورب الطماطم، وشرب معهما اللبن الرائب. كان أخوان ضخمان لقبهما «بيتون» من قرية إمرِنلر المجاورة لجنتبنار يجلبان اللبن من أجل الرائب لهذا البوفيه. لم يربط الأخوان عبد الله ونور الله بيتون بوفيه كريستال فقط ببيع اللبن، بل ربطا كثيرًا من المطاعم الكبيرة والبوفيهات التي تشتري كميات كبيرة من اللبن في تقسيم وعثمان بيه وبيه أوغلو، وكسبا كثيرًا من النقود حتى أواسط السبعينيات قبل أن توزع الشاحنات عبوات اللبن الزجاجية بالصناديق الخشبية، وسيّجا كثيرًا من المقاسم في تل التوت والرماد، وفي الطرف الأناضولي من إسطنبول، ثم مُحيا من السوق مع محو باعة اللبن الجوالين من الأزقة خلال سنتين. فهم مولود من خلال اعتباره هدم بوفيه كريستال عقوبة للأخوين بيتون الغنيين الناجحين اللذين ليسا بحاجة إلى بيع البوظة مساء أنه يغير منهما. مولود في إسطنبول منذ عشرين عامًا. يحزن حين يرى زوال وجه المدينة بطرقه الجديدة وهدمه وأبنيته وإعلاناته الكبيرة ودكاكينه وجسور مشاته وأنفاقهم الذي ألفه على مدى عشرين عامًا، ولكنه في الوقت نفسه يفرح لشعوره بأن أشياء ما تعمل في المدينة من أجله. لم يكن يرى المدينة مكانًا قد أنجز من قبل، وجاء هو من الخارج، ودخلها. كان يُسر من تخيّل أن إسطنبول أنجزت من أجله، وستكون في المستقبل أجمل وأنظف وأحدث. كان يحب الذين يسكنون في أبنية عالية السقوف بمصاعد وتدفئة مركزية بنيت قبل ولادته في القرية بنصف قرن، ولا ينسى أبدًا أن أولئك الناس يتصرفون معه بشكل أفضل. ولكنه في أبنية إسطنبول القديمة تلك يشعر دائمًا أنه غريب عن المدينة. كان يخاف من عمل شيء خاطئ هناك أكثر من أي مكان آخر؛ لأن بوابي تلك الأبنية يعاملونه باستخفاف وإن لم يكن عن قصد. من جهة أخرى فقد كان يحب الأشياء القديمة، كان يحب جو المقابر التي يكتشفها في الأحياء المتطرفة في أثناء بيعه البوظة، وجدران الجوامع ذات الطحالب، والكتابات العثمانية غير المفهومة على السبل التي سدت صنابيرها البرونزية وجفت. أحيانًا يخطر بباله أن كل الذين يأتون إلى المدينة يغتنون ويحصلون على أموال وأملاك وبيوت ومقاسم، أما هو فعلى الرغم من عمله الحثيث لا يستطيع سوى أن يسد رمقه. وفي الحقيقة أنه لا يكسب من بيع الأرز، فيفكر بأن عدم اكتفائه بالسعادة التي منحه إياها الله يعتبر نكرانًا للمعروف. أحيانًا ـ وهذا نادرًا ما يحدث ـ يدرك من تغير الفصول، وانتهاء الشتاء، وعبور اللقالق أنه يتقدم بالسن تدريجيًّا. ١٣ سليمان يلخبط الجو هل حدث هذا، أم لم يحدث؟ رائحة. لم أعد أستطيع أن أركّب ابنتي (الاثنتين ببطاقة واحدة) فاطمة وفوزية بالحافلة لكي يريا خالتهما وديعة، ويركضا في الحديقة، ويأكلا التوت. آخر مرة ذهبت فيها قبل شهرين، حاصرني سليمان في زاوية، وسألني عن مولود بداية، وقلت إنه جيد. ثم انتقل بالحديث إلى سميحة وفرحات كما يفعل دائمًا. وكذبت عليه كما أفعل دائمًا بقولي: «لا نراهما منذ هروبهما يا أخي سليمان». قال سليمان: «إنك لا تراهما حقيقة. مولود أيضًا لم يعد يريد رؤية فرحات وسميحة. هل تعرفين لماذا؟». «لماذا؟». «أنت أيضًا تعرفين هذا يا رائحة. في الحقيقة أن مولودًا كان يكتب تلك الرسائل من الجندية إلى سميحة». «كيف؟». «وقعت عيني على بعضها، وقرأتها عندما كنت أعطيها لوديعة لكي توصلها لك. العينان اللتان يحكي عنهما في تلك الرسائل، ليستا عينيكِ يا رائحة». كنت أعتقد أنه يمزح كما يفعل عادة بمواقفه الساخرة التي يقدم عليها. وأنا ضحكت كأن الأمر مزاح. حتى إن الله أعانني، ومكنني من الرد عليه، فقلت: «بما أن مولودًا كتب تلك الرسائل إلى سميحة، لماذا جلبتها لي؟». سليمان. في الحقيقة أنني لم أكن أريد إتعاس المسكينة رائحة. ولكن أليست معرفة الحقيقة في النهاية أهم من كل شيء؟ لم تعد رائحة تكلمني منذ ذلك اليوم. ودّعت وديعة، وأخذت ابنتيها، وذهبت. عندما يأتون لزيارتنا، كنت أركبهم في الشاحنة الصغيرة على عجل، وأُقِلُّهم إلى موقف حافلات مجيدية كوي لكي لا يتأخروا، ولا يفتعل مولود شجارًا عندما يأتي إلى البيت ولا يجد أحدًا. تدوخ ابنتا مولود إعجابًا بنزهة الشاحنة. ولكن رائحة في ذلك اليوم لم تقل لي حتى: «أستودعك الله». لا أعتقد أنها ستسأل مولودًا عندما تذهب إلى البيت: «هل كتبت تلك الرسائل أصلًا لسميحة؟»، ستبكي قليلًا في البداية. ولكنها إذا فكرت قليلًا فيما بعد، فستصل إلى النتيجة أن ما عرفته مني هو في الحقيقة صحيح. رائحة. في أثناء عودتي بحافلة مجيدية كوي-تقسيم، وضعت فوزية بحضني، وجلست فاطمة بجانبي. البنتان تدركان أن أمهما قلقة وتعيسة حتى لو لم تقل شيئًا نهائيًّا. قطبتُ حاجبي، وقلت لهما في أثناء مسيرنا نحو البيت: «لا تقولا لوالدكما إننا ذهبنا إلى الخالة وديعة، مفهوم؟». اعتقدتُ بأن مولودًا لم يكن يريدني أن أذهب إلى تل التوت لكي يبعدني عن كذب سليمان. ولكنني فور رؤيتي وجه مولود الطفولي الطيب، فهمت أن سليمان يكذب. عندما خرجت البنتان صباح اليوم التالي للعب في الحديقة، خطرت ببالي نظرة مولود إليَّ في محطة آقشهير للقطارات ليلة خطفي، وقلقت. كان سليمان هو الذي يقود الشاحنة في ذلك اليوم أيضًا. ولكنني عندما أخرجت الرسائل من الزاوية التي خبأتها فيها، وبدأت أقرؤها، ارتاح قلبي: لأن مولودًا عندما نبقى وحدنا في البيت، يتكلم معي كما هو مكتوب في هذه الرسائل بالضبط. وهكذا شعرت بالذنب لأنني صدقت كذبة سليمان. ولكنني عندما فكرتُ بأن سليمان هو الذي جلب لي الرسائل، وأنه هو الذي أقنعني بالهرب عن طريق وديعة، يتلخبط عقلي من جديد. قلت لنفسي: «لن أذهب ثانية إلى تل التوت». وديعة. ظهر ذات يوم، وبعد موعد خروج مولود لبيع الأرز بقليل، خرجت من البيت دون أن أخبر أحدًا، وركبت الحافلة، وذهبت إلى رائحة في طرلاباشِ ركضًا. فرحت أختي حين رأتني إلى درجة أن الدمع نفر من عينيها. رأسها ملفوف مثل الطباخين، وبيدها ملعقة كبيرة، وتسلق أفراخ الدجاج وسط البخار والروائح، وفي الوقت نفسه تصرخ على ابنتيها اللتين تقلبان الغرفة رأسًا على عقب. بعد أن قبّلت البنتين، وداعبتهما، أرسلتهما إلى الحديقة. قالت: «مرضت البنتان واحدة تلو الأخرى؛ لهذا لم نستطع الذهاب إليك. مولود لا علم له بزياراتي». «إي يا رائحة، قورقوط أيضًا لا يسمح لي بالخروج إلى الزقاق، ويمنعني منعًا باتـًّا من المجيء إلى بيه أوغلو بشكل خاص. كيف سنلتقي؟». قالت رائحة: «في الزيارة السابقة عذّب ابناك بوزكورت وطوران ابنتي كثيرًا، وربطا فاطمة إلى الشجرة، وأطلقا عليها السهام، وجرحا حاجبها. أصحبت البنتان تخافان من ابنيك». «لا تخافي بعد الآن يا رائحة، أنا ضربتهما كثيرًا، وأقسما إنهما لن يمسَّا ابنتيك. أصلًا يبقى بوزكورت وطوران في المدرسة حتى الرابعة مساء. قولي الحقيقة يا رائحة، هل هذا سبب عدم ذهابك إلينا، أم أن مولودًا لا يسمح لك؟». «لا ذنب لمولود. أنت انظري إلى فتن وفساد سليمان بداية. يدّعي أن الرسائل التي أرسلها مولود من الجندية هي لسميحة وليست لي». «يا روحي يا رائحة، دعك من خبل سليمان». أخرجت رائحة الرسائل من قعر سلة الخيزران بحركة واحدة، وفتحت إحداها لا على التعيين، وبدأت تقرأ: «يا روحي وكبدي، يا وحيدتي، ويا ذات العينين الجميلتين الآنسة رائحة». وبكت. سليمان. أكثر ما يغيظني بماهينور كلامها عن عائلتي، وقولها إننا كنا نعيش في القرية حتى الأمس. كأنها ليست خليلة ابنة موظف، بل ابنة باشا زوجة دكتور. بعد كأسين، تسمعني كلامًا: «هل كنت راعيًا في القرية؟»، وترفع حاجبيها بجدية شديدة كأنها تتوق لمعرفة الجواب. أقول لها: «أفرطتِ بالشرب ثانية!». «أنا؟ أنت تشرب أكثر مني، وعندما تشرب لا تستطيع التحكم بيديك وذراعيك. إذا ضربتني مرة أخرى، فسأضربك بالملقط». عدت إلى البيت، كانت أمي ووديعة تشاهدان تبادل القبل بين غورباتشوف وبوش. لم يكن قورقوط هناك، وما إن قلت لنفسي: سأشرب آخر قدح، حتى حاصرتني وديعة في المطبخ. قالت: «انظر إليَّ يا سليمان، إذا قطعت رجل رائحة من هذا البيت فلن أغفر لك. رائحة المسكينة تصدق كذبك ومزاحك العبثي، وتبكي». «حسنٌ يا وديعة، لن أكلم رائحة بعد الآن. ولكن علينا أن نتذكر حقيقة كل شيء أولًا، ثم لنكذب كي لا يُجرح قلب أحد». «سليمان، بفرض أن مولودًا رأى سميحة حقيقة، وعشقها، وكتب اسمها في بداية الرسائل رائحة بالخطأ». «نعم، هذا ما حصل بالضبط». «لا، هناك احتمال كبير أنك ساهمت عن قصد بوقوعه بهذا الخطأ..». «أنا ساعدت مولودًا بالزواج فقط». «بماذا يفيد تذكر هذه الأمور الآن؟.. غير إحزان رائحة المسكينة؟». «تعبتِ كثيرًا من أجل إيجاد فتاة مناسبة لي يا وديعة. والآن اقبلي الحقيقة». قالت وديعة بحدة: «لم يحدث شيء مما قلته. سأخبر أخاك الكبير أيضًا. هذا الموضوع يغلق هنا. مفهوم؟». كما تلاحظون، أن وديعة عندما تريد إخافتي، لا تقول عن زوجها: «قورقوط»، بل «أخاك الكبير». رائحة. في وقت ما من منتصف اليوم، مثلًا في أثناء تحضير خرقة ساخنة لأنها تفيد أذن فاطمة التي تؤلمها، فجأة أنسى ما أعمله، وأركض نحو قعر علبة الخياطة، وأسحب رسالة من كدس الرسائل، وأقرأ ما كتبه مولود عن عينيَّ: «الحزينتين حزن جبال قارص الثلجية». وفيما أنتظر عودة مولود إلى البيت في بعض الليالي، وأذني على حديث الأخت ريحان، وأذني الأخرى على شخير البنتين المتمددتين في السرير وسعالهما وتنفسهما، فأنهض كأنني في نومي، وأقرأ ما قاله مولود في رسالته عني: «لم أعد أريد عينًا أخرى، وشمسًا أخرى». في أثناء مراقبة حمدي بائع أفراخ الدجاج في سوق السمك أنا وفاطمة وفوزية وهو يذبحها، وينتفها، ويدخّن جلدها وسط الروائح القذرة، أتذكر قول مولود: «ذات رائحة الورد، ورائحة المسك، والرائحة العطرة كاسمها» فأرتاح. أما إذا شعرتُ باليأس في الأيام التي تحمل فيها الريح الشمالية رائحة المجرور والطحالب، وتلتف السماء بلون البيض الفاسد، أقرأ ما قاله مولود عن عيني: «مظلمة مثل الليالي المفعمة بالأسرار، وبراقة مثل الينابيع». عبد الرحمن أفندي. لأن الحياة لم يبقَ لها طعم في القرية بعد أن زوّجت بناتي، أذهب إلى إسطنبول في أوقات مناسبة. في حافلة تقرقع وهي ترتجف كأنها صفيحة، وبين النوم والصحو أفكر ما إذا كنت ذاهبًا إلى مكان لستُ مرغوبًا فيه. أنزل عند وديعة في إسطنبول، وأحاول ما استطعت أن أبقى بعيدًا عن قورقوط العابس الوجه، ووالده البقال حسن الذي يغدو كالشبح مع تقدمه بالسن. أنا هرم متعب مفلس، ولم أنزل في فندق طوال حياتي. لا أجد من المناسب أن يدفع الإنسان نقودًا لقاء تكوره في مكان، ونومه. ليس صحيحًا أن سليمان وقورقوط قد أعطياني نقودًا وهدايا مقابل تزويج سميحة لسليمان، وأنني احتلت عليهما بهرب سميحة. نعم، قورقوط دفع ثمن طقم أسناني، ولكنني اعتبرتها هدية وكرمًا من زوج ابنتي وديعة، وليس «مئكالَ» زواج ابنتي الصغيرة سميحة. ومن الوقاحة الاعتقاد أن «مئكال» فتاة جميلة مثل سميحة هو طقم أسنان. أنتبه كثيرًا في أثناء دخولي إلى بيت آل آقطاش، وخروجي منه لكي لا يراني المسكين سليمان الذي لم يشبع حتى الآن من هذه المواضيع، ولكنه التقطني وأنا أتناول بعض الأمور في المطبخ. تعانقنا، وتبادلنا القبل كأب وابنه. ولأن والده قد نام منذ زمن طويل، فقد أخرجنا نصف زجاجة العرق من حيث يخبئها في الزاوية خلف صفيحة البطاطس بفرح. قبل أذان الفجر بقليل انتبهت إلى أن سيلمان يكرر النغمة نفسها باستمرار. كان يقول: «يا والدي المحترم، أنت رجل مستقيم، قل الحقيقة، هل حدث هذا، أم لم يحدث؟ في الحقيقة أن مولودًا كتب رسائل الغرام لسميحة». «ابني العزيز سليمان، ليس المهم من يعشق من؟ المهم هو أن يكونا سعيدين بعد الزواج. لهذا السبب منع نبينا تعارف الفتاة على الشاب قبل الزواج، وممارستهما الحب، واستهلاك نفسيهما، كما منع القرآن الكريم خروج البنات البالغات مكشوفات الرأس..». قال سليمان: «صحيح». ولم يوافقني لأنه يعطيني الحق؛ بل لأنه لا يستطيع معارضة كلام منسوب لسيدنا الرسول والقرآن الكريم. تابعت قائلًا: «لذلك في عالمنا ليس مهمًّا من كتب رسائل الغرام قبل الزواج؛ لأن الشاب والفتاة لا يعرف أحدهما الآخر. الرسالة في الحقيقة شكل، والمهم هو القلب». «أي أنه ليس هناك خلاف بأن يكتب مولود الرسائل على نية سميحة، وتكون رائحة من نصيبه!». «لا خلاف!». قال سليمان مقطبًا حاجبيه: «نية العبد عند الله مهمة جدًّا. جناب الله يقبل صيام الصائم لأنه ينويه، ولا لأنه لم يجد طعامًا يأكله. لأن الأول نوى، والثاني لم ينوِ». قلت: «مولود ورائحة عبدان جيدان عند الله. أنت لا تشغل بالك بهذا. هو يرضى عنهما. الله يحب عبده السعيد، والقانع بالقليل. وهما سعيدان لأن الله يحبهما، أليس كذلك؟ وإذا كانا سعيدين، فلا يجوز لنا أن نقول شيئًا، أليس كذلك يا بنيَّ سليمان؟». سليمان. إذا كانت رائحة مؤمنة بأن تلك الرسائل قد كُتبت لها، فلماذا لم تطلب من مولود أن يخطبها من والدها؟ كان بإمكانهما أن يتزوجا فورًا. لأنه لم يكن هناك طالب آخر لها. بالمقابل، يقال إن عبد الرحمن الرقبة العوجاء سيطلب كثيرًا من النقود... في هذه الحال ستعنس رائحة الجميلة الصغيرة، ولا يستطيع عبد الرحمن أفندي بيعها. الأمر بسيط إلى هذه الدرجة (تبين فيما بعد أن البنت الصغيرة تلك لا تساوي شيئًا، وهذا موضوع آخر). عبد الرحمن أفندي. بعد فترة ذهبتُ إلى ابنتي الصغيرة في الطرف الآخر من المدينة، في حي غازي. لأن سليمان مازال يجعل من الموضوع عقدته، فأخفيت عنه أنني ذهبت إلى سميحة وفرحات، وتظاهرت بأنني عدت إلى القرية. تعانقنا ـ وديعة وأنا ـ، وبكينا كأنني سأموت في القرية، وأرحل إلى الدنيا الآخرة. ركبت حافلة تقسيم من مجيدية كوي حاملًا حقيبتي. يشعر كثير من الركاب بالدوار لعدم تحرك الحافلة في زحمة المواصلات؛ ولكثرة توقف الحافلة في الطريق، يصرخ بعض الركاب: «افتح الباب يا حضرة السائق!» من أجل أن ينزلوا، ويرد السائق: «لسنا في الموقف!». راقبت هذا الجدل الذي يندلع كثيرًا دون أن أتدخل. وقد كبسنا في الحافلة كأننا سمك في علبة كونسروة، فشعرت أنني أصبحت كالورقة عندما نزلت في غازي عثمان باشا. ووصلت بحافلة صغيرة زرقاء إلى حي غازي عندما أظلم الجو قليلًا. كأن هذا الطرف من المدينة أكثر برودة وظلامًا، وغيومه أخفض وأكثر إثارة للخوف. صعدتُ الطلعة راكضًا، والحي كله عبارة عن طلعة أساسًا. لم يكن هناك أحد في النواحي، وتتناهى رائحة الغابة والبحيرة من المكان الذي تنتهي فيه المدينة. كان صمت الجبل الأجرد يحل وسط البيوت الشبيهة بالأشباح. تعانقنا أنا وابنتي الجميلة التي فتحت الباب، ولا أدري لماذا بكينا. فهمت فورًا أن ابنتي سميحة بكت لأنها تعيسة ووحيدة. لم يستطع زوجها فرحات أن يأتي إلى البيت حتى في ذلك المساء إلا في منتصف الليل، وانهار كالميت، ونام. يعملان كثيرًا إلى درجة أنهما عندما يركبان الحافلات للقاء في هذا البيت النائي، لا يكون قد بقيَ لديهما قلب ولا حيل. استطاع فرحات أخيرًا أن يتخرج في الجامعة بالمراسلة، وأخرج شهادة جامعة الأناضول، وأراني إياها. إن شاء الله يسعدان بعد الآن. ولكن النوم هرب من عيني منذ الليلة الأولى. لا يمكن لفرحات هذا أن يُسعد سموحتي الجميلة. لا تفهموني خطأ، لا أقول هذا لأنه خطفها، بل لأنه شغّلها خدامة. ولكن سميحة لا تقبل بأن سبب تعاستها هو عملها خدامة. تتظاهر سميحة بأنها سعيدة بحياتها بعد أن يذهب زوجها إلى العمل صباحًا (مهما كان العمل). أخذتْ إذنًا من أجلي. كسرت لي بيضًا، وقلته. أرتني المقسم الفسفوري الذي سيّجه زوجها من الحديقة الخلفية. خرجنا إلى حديقة كوخ المخالفات الخلفية الصغيرة، وكنا محاطين بتل مغطى بأكواخ المخالفات الشبيهة بالصناديق البيضاء. تبدو خطوط المدينة وسط الضباب والدخان بعيدة كأنها مخلوق غير محدد المعالم نائم في الطين، ويظهر بصعوبة. قالت سميحة وهي تشير إلى المحيط المكتظ بأكواخ المخالفات: «أترى تلك التلال المقابلة يا أبي؟ كانت هذه التلال كلها خاوية تمامًا عندما جئنا إلى هنا قبل خمس سنوات». وبدأت سميحة بالبكاء. رائحة. قلت لابنتي: «قولا لوالدكما عندما يأتي مساء إن جدكما عبد الرحمن وخالتكما وديعة جاءا لرؤيتكما، ولا تقولا له إن خالتكما سميحة قد أتت، مفهوم؟». سألت فاطمة بأداء الحكيمة كما تبدو دائمًا: «لماذا؟». صمتت فاطمة وفوزية عندما قطبت حاجبي، وهززت برأسي إلى اليمين وإلى اليسار كما أفعل عندما ينفد صبري، وأصفعهما على وجهيهما. عندما جاء والدي وسميحة، تسلقت إحداهما على صدر والدي، وجلست الأخرى في حضن سميحة. جلس والدي فورًا، ولعب مع فاطمة ألعاب الأيدي والأصابع مثل لعبتي: «هربت البنت»، «مَن الخنزير، ومَن الخوري؟»، وأخرج مرآته وساعته الجيب ذات السلسال وقداحته التي لا تشعل نهائيًّا، وبدأ يسألها أسئلة ألغاز. أما سميحة فقد احتضنت فوزية بقوة، وقبلتها كثيرًا؛ وهذا ما جعلني أفهم فورًا بأن ألم الوحدة الذي تشعر به لا يمكن أن يهدأ إلا إذا ولدت ثلاثة أولاد أو أربعة. تقبّل ابنتي، وتقول في الوقت نفسه: «الرحمة ما هذه الأيدي، وما هذه الشامة؟!»، وأنا أنظر إلى الشامة التي بيد فوزية، والتي في رقبة فاطمة بفضول كما أفعل دائمًا. وديعة. قلت: «هيَّا لتأخذكما خالتكما سميحة إلى الشجرة الناطقة، وباحة الكنيسة السريانية ذات الجنيات!» وذهبن. كنت سأقول لرائحة بأن عليها ألا تخاف بعد الآن من سليمان، وبأن بوزكورت وطوران قد تعقلا، وأن تأتي إلى بيتنا مع البنتين، ولكن والدي فتح موضوعًا مختلفًا تمامًا، وغضبنا منه. عبد الرحمن أفندي. لا أفهم لماذا يغضبون مني. ما هو أكثر طبيعية من أن يفكر الأب بسعادة بناته فقط؟ عندما خرجت سميحة مع البنتين إلى الحديقة، حدثت رائحة ووديعة عن تعاسة أختهما ووحدتها في الطرف الآخر من المدينة، وعن عدم دخول شيء إلى كوخهما المؤلف من غرفة واحدة سوى البرد والحزن والأشباح، وعدم تمكني من البقاء هناك بعد أن قضيت خمسة أيام؛ ولذلك قررت العودة إلى القرية. «لا تقولا إنكما سمعتما هذا مني، ولكن أختكما بحاجة إلى زوج حقيقي يسعدها». رائحة. لا أدري كيف حدث هذا، وغضبت من أبي إلى درجة خروج كلمات من لساني تجرح قلبه، حتى إنني دُهشت. قلت: «بابا، لا تخرب زواج البنت». وقلت: «ليس بيننا واحدة للبيع!». من جهة أخرى أرى أن أبي على حق، وفي الحقيقة أن سميحة لم يبقَ لديها حيل تخفي تعاستها. وبدأ عقلي يفكر بشيء آخر دون إرادتي: طوال فترتي طفولتنا وشبابنا كان يقال عن سميحة التعيسة والمفلسة التي لا ولد لديها الآن: «أجملكن، أكثر واحدة تكوي القلوب، أجمل فتاة في العالم!»، فهل سعادتنا ـ مولود وأنا ـ على عكسها الآن هو امتحان جناب الله لإيماننا، أم هي عدالته في هذه الدنيا؟ عبد الرحمن أفندي. وصل الأمر بوديعة إلى القول: «ما نوعك أنت من الآباء؟»، وكانت عبارتها: «وهل هناك أب يخرب بيت ابنته من أجل أن يقبض مئكالًا؟» ثقيلة جدًّا عليَّ إلى درجة أن الأفضل هو التظاهر بعدم سماعها، ولكنني لم أستطع أن أفعل هذا. قلت: «أسفي عليك، لم أحتمل كل هذا العذاب وأقابل بكل هذه الإهانات لسنين طويلة من أجل أن أبيعكم، وأكسب نقودًا، بل من أجل إيجاد أزواج جيدين لكم، تعشن معهم بشكل جيد. طلبُ الأب النقود من الرجل الذي يطلب الزواج من ابنته هو مجرد استرداده نفقات تربية تلك البنت، وإرسالها إلى المدرسة، وكسوتها، وتهيئتها لتكون أمًّا صالحة. وبقدر ما هذا المبلغ مؤشر على القيمة التي يقدرها مرشح الصهر للبنت، وهو في الحقيقة لا يقابل سوى نفقات تعليم البنت. هل فهمتم هذا الآن؟ كل الآباء في هذا البلد ـ وحتى أكثرهم عصرية ـ ينذرون النذور من أجل أن يكون لديهم صبيان وليس بنات، ويذهبون إلى الشيوخ لعمل السحر، ويدورون على الجوامع جامعًا جامعًا وهم يتوسلون إلى الله من أجل هذا. أما عزفتُ، ورقصت عند ولادة كل بنت من بناتي على عكس أولئك الرجال ذوي النفوس السيئة؟ هل لكزت أيًّا منكم لكزة طوال عمري؟ وحتى هل صرخت بكم، أو قلت لكم كلمة تجرح قلوبكم، ورفعت صوتي ولو مرة بحيث تمتقع بشرتكم الوردية ولو مرة واحدة؟ ألا تحبون والدكم الآن؟ عليَّ أن أموت إذًا!». رائحة. كانت ابنتاي تُريان خالتهما سميحة صفيحة الزبالة السحرية، والأصيص الذي يمر منه قطار الدود، والصفيحة الأميرة الباكية التي إذا ضربتها مرة ترتجف مرتين وهي تبكي، وقصرها الصفيح. قال أبي: «لو كنت أبًا سيئًا يغلق على بناته في القفص، فكيف يستطعن مراسلة كلب وهن تحت أنفي دون أن أشعر؟». عبد الرحمن أفندي. من المؤكد أن هذه الكلمات القبيحة كلها ثقيلة على أب لديه كرامة مثلي. طلبت عرقًا قبل رفع أذان العصر. عندما نهضتُ، وفتحت باب الثلاجة، قالت لي رائحة: «مولود لا يشرب عرقًا يا أبي». وأمسكت باب الثلاجة، ثم أغلقتها، وقالت: «لأذهبْ، وأشترِ لك زجاجة عرق إن أردت». «ليس هناك ما يخجل في ثلاجتك يا بنتي... ثلاجة سميحة خاوية أكثر». قالت رائحة: «غالبية ما في ثلاجتنا هو الأرز بالحمص وأفراخ الدجاج التي لم يستطع بيعها مولود. ولأن شراب البوظة يخرب بسرعة، لا نستطيع وضعه في الثلاجة إلا في الليل». كأن عينيَّ قد عميتا بسبب تعلق عقلي بذكرى غريبة، فألقيت بنفسي على الأريكة التي في الزاوية. غططت بالنوم فترة. رأيت في حلمي أنني أعبر على ظهر حصاني الأبيض وسط قطيع من الأغنام، وأدرك أن تلك الأغنام هي في الحقيقة غيم. وفجأة بدأ منخري يكبر مثل منخر الحصان وأنا أشعر بالألم. استيقظتُ. كانت فاطمة قد أمسكت بأنفي، وتشده. صرخت رائحة: «ماذا تفعلان؟». قالت ابنتي وروحي وديعة: «تعالَ يا أبي العزيز لأشتري لك زجاجة عرق من البقال». «لتأتِ فاطمة وفوزية معنا، ويدلا جدهما على طريق البقال». سميحة. في أثناء إمساك والدي البارزة حدبته والمتضائل جدًّا البنتين من يديهما، وذهابهم إلى البقال، نظرنا ـ رائحة وأنا ـ إليهم من الخلف. ولحظة انعطافهم نحو الطلعة عند الزاوية، شعروا بنا على النافذة، فالتفتوا، ولوحوا لنا بأيديهم، بعد ذلك جلسنا ونحن نتفاهم بشعورنا دون أن نتكلم كما كنا نفعل في طفولتنا. كنا نسخر من وديعة ونغضبها أحيانًا في طفولتنا، وعندما نسمع منها التأنيب، نصمت، ونتفاهم بإشارات العيون والحواجب، ولكنني أدركت بأننا لن نستطيع أن نفعل هذا، وأنه بقيَ في الماضي. رائحة. أشعلت سميحة سيجارة أمامي لأول مرة في حياتها. قالت إنها لم تعتد على هذه العادة من فرحات، بل من بيوت الأغنياء التي تعمل فيها. قالت: «لا تشغلوا بالكم بفرحات. لديه شهادة جامعية، وأقرباء في جباية الكهرباء في البلدية، بدأ العمل، وسنرتاح قريبًا. لا تشغلوا بالكم بنا. ولا تدعوا أبي يعود إلى سليمان. أنا جيدة، وهذا كل شيء». قلت: «هل تعرفين ما قاله لي المجنون سليمان قبل فترة؟»، وأخرجت كدس الرسائل الملفوفة بشريطة من قعر صندوق الخياطة. «أترين هذه الرسائل التي أرسلها لي مولود من الجندية؟ يقول إن مولودًا كتب هذه الرسائل لكِ، وليس لي». وقبل أن تستطيع قول شيء، بدأت أفتح الأوراق التي أُخرجها من الظروف بشكل عشوائي، وأقرؤها. عندما كنا في القرية، ولا يكون أبي في البيت، أقرأ لسميحة جملة أو جملتين من هذه الرسائل. وكنا نتبادل الابتسام. ولكنني بعد أن قرأت قليلًا، رأيت أنني وسميحة لن نستطيع أن نبتسم. على العكس تمامًا، عندما قرأت بأن كل عين من عينيَّ السوداوين شمس حزن». اعتقدت أنني سأبكي، ولم أستطع أن أبتلع ريقي، وأدركت فورًا أنني ارتكبت خطأ بقولي الكذبة التي نشرها سليمان لسميحة. تقول سميحة: «ما هذا العبث يا رائحة، وهل هذا ممكن؟» وفي الوقت نفسه تنظر إليَّ كأن ما قلته يمكن أن يكون صحيحًا. في أثناء قراءتي الرسائل، كانت سميحة تشعر بالفخر وكأن مولودًا يتحدث عنها. أنا شعرت بهذا. وأنا قطعت القراءة. اشتقت لمولودي. فهمت أن سميحة غضبت منا جميعًا، وحتى مني وهي في ذلك الحي البعيد. فتحت موضوعًا مختلفًا تمامًا لأن مولودًا سيعود بعد قليل. سميحة. التفاف رائحة بالموضوع نحو زوجها، وقولها إنه سيأتي بعد قليل... ونظر وديعة إليَّ، وقولها: «سنذهب مع أبي بعد قليل»... جرح قلبي بداية، ثم أتعسني... أنا جالسة الآن بجانب النافذة في حافلة غازي عثمان باشا، وحزينة. مسحت عيني الذارفتين بطرف غطاء رأسي. شعرت أنها طلبت مني بصراحة أن أذهب قبل أن يأتي مولود. لأن تلك الرسائل كتبها مولود لي أصلًا! لماذا أكون أنا المذنبة؟ لو قلت هذا كله، فسيقولون جميعًا معًا: «حبًّا بالله! كيف تفكرين بشيء كهذا يا سميحة؟ نحن نحبك كثيرًا!»، وبالطبع سيربطون حزني هذا بعدم استطاعة فرحات كسب النقود بأي شكل، وعملي خدامة، وعدم وجود أطفال لديَّ. في الحقيقة أنني لا أهتم، فأنا أحبهم جميعًا. على الرغم من هذا فقد فكّرت عدة مرات بأن مولودًا يمكن أن يكون قد كتب لي أنا تلك الرسائل حقيقة. حتى إنني قلت لنفسي: «لا تقولي هذا يا سميحة، لا تفكري، عيب!»، ولكنني في مرات عديدة فكرت كثيرًا أيضًا. أفكار المرأة مثل أحلامها لا تستطيع أن تسيطر عليها، وهكذا فإن أفكاري تتلفت يمينًا ويسارًا مثل لص مرتبك دخل إلى بيت في الظلام. في غرفة الخادمة الصغيرة من البيت الغني في شيشلي ليلًا، وفي أثناء تنهد الحمام الجالس في ظلمة فتحة التهوية، فكرت بما يمكن أن يقوله فرحات لو عرف بهذا. خطرت ببالي إمكانية أن تكون رائحة قد قالت لي هذا لكي أشعر بنفسي جيدة. عندما عدت إلى البيت متعبة في وقت متأخر من ذات ليلة بحافلات متعبة، ووجدت فرحات جالسًا كجثة أمام التلفاز، أردت أن ألفه، وأنومه قبل أن يغفو. قلت: «هل تعرف ما قالته رائحة في ذلك اليوم؟ هناك الرسائل التي أرسلها مولود إلى رائحة... في الحقيقة أن مولودًا كتب تلك الرسائل وهي يفكر بي». التفت فرحات عن التلفاز، وقال: «منذ البداية؟». «نعم، منذ البداية». «أولى الرسائل التي أرسلها مولود لرائحة أنا كتبتها، وليس مولودًا». «ماذا؟». «من أين يعرف مولود كتابة رسائل الغرام؟... جاء إليَّ قبل أن يذهب إلى الجندية، وقال لي إنه وقع في الغرام، وأنا كتبت له تلك الرسائل». «هل كتبتها لي؟». قال فرحات: «لا، مولود طلب مني كتابة تلك الرسائل إلى رائحة بالطبع. حكى لي كثيرًا أنه وقع بالغرام». ١٤ مولود في زاوية أخرى أستعيدها غدًا في الصباح الباكر في شتاء ١٩٨٩، وفي السنة السابعة من بيعه الأرز، رأى مولود أن الجيل الشاب بدأ يستغربه أكثر. كان مولود يقول لهؤلاء الناس أحيانًا: «إذا لم يعجبكم أرزي، فلأعدْ لكم نقودكم!»، ولكن أحدًا من جيل الشباب العامل هذا لم يطلب استعادة نقوده. الأشخاص الأفقر والأكثر فتوة، والزبائن الغاضبون، والوحيدون الذين لا يخجلون من أحد، يتركون نصف الطبق، ويطلبون استعادة نصف ثمنه، ويرضخ مولود لهذا. بحركة واحدة، ودون أن ينتبه أحد بمن في ذلك هو نفسه، يعيد الجانب الذي لم يُلمس من الأرز المتروك دون أكل، وقطعَ فرخ الدجاج النظيفة إلى مكانها خلف الزجاج؛ ويجمع القطع المأكول منها، والوسخة في صندوق لكي يطعمها للقطط، أو يرميها في حاوية الزبالة قبل أن يعود إلى البيت. لم يكن يُخبر زوجته مساء بأن بعض الأطباق قد أعيدت دون أن تؤكل. يعتقد مولود أن رائحة لا ذنب لها بهذا الأمر لأنها تطبخ الأرز والأفراخ منذ ستة أعوام بالعناية نفسها. يحاول مولود أن يفهم سبب عدم تناول هؤلاء الناس الجدد الأرز بحماسة كما كان يفعل القدماء، وتخطر بباله كثير من الأسباب: مع الأسف أن قناعة خاطئة حول «قذارة» الباعة الجوالين تنتشر بين أفراد الجيل الجديد بسرعة من التلفاز والجرائد. تعيد شركات الحليب واللبن ورب الطماطم والسجق والمعلبات كثيرًا عبر دعايتها في التلفاز بأن بضاعتها «نظيفة جدًّا»، وتُعدّ بواسطة الآلات «دون أن تمسها الأيدي»، ويردّ مولود في بعض الأمسيّة على التلفاز صراخًا: «هيَّا ولاه!». وهذا ما يخيف فاطمة وفوزية لأنه يعطي انطباعًا بأن التلفاز كائن حي. بعض الزبائن يتفقدون الطبق والملعقة والشوكة والسكين ما إن كانت نظيفة قبل أن يأخذوا الأرز. يعرف مولود أن الزبائن أصحاب عقدة النظافة الشكاكين والمتكبرين يأكلون بمنتهى الراحة من الطبق الكبير في الوسط عندما يكونون بين أصدقائهم وأقربائهم. في الحقيقة أنهم لا يفتشون عن النظافة عندما يكونون بين أصدقائهم والمقربين منهم. وهذا يعني أنهم لا يرون مولودًا واحدًا منهم، ولا يثقون به. أدرك مولود في العامين الأخيرين أن هناك جانبًا حرجًا بإظهار من يأكل الأرز مكان الغداء «فقراء». وإذا لم يكن الأرز بالحمص سندًا للبطن كالكعك والمعمول، بل وجبة رئيسة، فهو غير مشبع. وليس للأرز بالحمّص مثلًا طعم غريب قادم من مكان بعيد جدًّا مثل محشو المحار بالزبيب والقرفة. بعد أن كان محشو المحار حتى قبل عامين أو ثلاثة طعامًا غاليًا لا يباع سوى في بعض المحلات الخاصة ودكاكين المقبلات، ولم يدفع مولودًا الفضول ولو مرة واحدة لتذوقه، أصبح بفضل الماردينيين طعامَ شوارع. اندثر باعة الكبد الأرناؤوطي رءوس الغنم والكفتة المشوية الباقية من العهد العثماني بعد هوس الموظفين الجدد بالشوكات والسكاكين البلاستيكية التي تستخدم مرة واحدة، وترمى. قديمًا كان البائع الجوال عند باب أحد أمكنة العمل يستطيع في النهاية أن يغدو صاحب دكان كفتة في الزاوية نفسها يتردد عليه زبائنه القدامى. قبل بدء موسم البوظة، وعندما يبرد الجو، كان مولود يشتري من بائع الجملة شوالَ حمّص كبيرًا يكفيه طوال العام. لم يكفه رأسماله لشراء شوال هذا العام. لعل دخله من بيع الأرز لا يقل، ولكن نفقات ابنتيه على الطعام والشراب واللباس يزداد. بدأت تزداد النفقات التي يدفعها مولود طوعًا وبحماسة حينًا، وبشعور بالذنب أحيانًا على لبان «تيبتيب»، وشكولاتة «غولدن» التي يتوتر فور سماعه أسماءها الأوربية الغريبة في التلفاز، ومثلجات «سوبر» في العلب، والسكاكر بشكل الأزهار، والدببة الألعاب التي تتحرك بالبطاريات وتعطى مقابل قسائم الجرائد المجمّعة، وملاقط الشعر المختلفة الألوان، وساعات اللعب، والمرايا. لولا أجرة بيت تل الرماد وما تُدخله رائحة من الأشغال اليدوية لدكان جهاز العرائس الذي دبرته ريحان لرائحة لوجد صعوبة بدفع أجرة البيت الذي يسكن فيه، وشراء الكيروسين الذي يُفرغه في خزان المدفأة بواسطة القمع من أجل التدفئة في أيام الشتاء الباردة مما يكسبه في موسم البوظة. كان زحام قباطاش يخف بعد الغداء. بدأ مولود يبحث عن مكان يبيع فيه بين الثانية والخامسة. بدل أن يقترب بيتهم من بيه أوغلو وشارع الاستقلال بفتح الشارع العريض، بدا أنه ابتعد أكثر، وسقط طبقة إضافية. فجأة امتلأت أزقة طرلاباشِ العُلوية عند الطريق الجديد بالنوادي الليلية والبارات ومحلات الغناء والشرب، وابتعد الفقراء والعائلات من هناك، وأصبحت هذه الأماكن التي ارتفع ثمنها كثيرًا أكبر مركز للهو في إسطنبول. أما الأزقة السفلية، فلم تستطع أن تأخذ نصيبًا من الغنى. على العكس تمامًا، فإن الحديد المنصوب على جانبي الرصيف وفي منصفه وجدران الأسمنت المسلح من أجل منع المشاة من العبور دفعت الأمكنة التي تعيش فيها عائلة مولود إلى الأسفل أكثر، نحو قاسم باشا حيث أحياء العمال الفقراء وسط بقايا حوض بناء السفن القديم. لم يعد مولود يستطيع الذهاب من طريق مختصر عبر زحام شارع الاستقلال لعدم إمكانية تمرير عربته من فوق جدران الأسمنت المسلح والحاميات الحديدية، ولا صعود جسور المشاة بها، ونزوله، وبدأ يطيل طريقه بالذهاب من طرف «تعليم خانة». إغلاق شارع الاستقلال على السيارات (لم تكن التحضيرات تنتهي بأي شكل، والشارع امتلأ بالحفر)، إضافة إلى إعادة الترامواي التي يسميها الصحفيون «نوستالجيا» (لم يكن مولود يحب هذه الكلمة)، وافتتاح فروع لكبريات المخازن العالمية يصعّب خروج الباعة الجوالين إلى هذه الأماكن. لم تكن عناصر ضابطة بلدية بيه أوغلو ذات البزز الزرقاء والنظارات السوداء يسمحون لباعة الكعك والقبعات والمحار والكفتة واللوز، ومصلحي القداحات، ومحضري سندوتش السجق وغيره يتنفسون ليس في الشارع الرئيس فقط، بل حتى في الأزقة الفرعية. ذات مرة قال بائع كبد أرناؤوطي لا يخفي علاقته مع مخفر بيه أوغلو لمولود بأن كل الباعة الجوالين الذين استطاعوا البقاء في نواحي شارع الاستقلال إما أنهم شرطة مدنية ضمن الملاك، وإما أنهم مخبرون يقدمون يوميًّا تقارير منتظمة للشرطة. زحام بيه أوغلو المتدفق بحزم في الأزقة يُغيّر اتجاهه وطرقه وسرعته كما يحدث بشكل متكرر مثل روافد نهر لا ينضب، ويتجمّع في زوايا ومفارق جديدة. يأتي إلى أماكن التجمع بداية الباعة الجوالون، ومع ملاحقة الضابطة لهم، تفتح بداية دكاكين السندوتش والكفتة، وبعدها دكاكين الشاورمة، ثم يبدأ بقالو الأزقة الفرعية ببيع المثلجات والشاورمة أمام دكاكينهم، ويستمر الفاكهانيون ببيع بضاعتهم إلى الليل، وتعزف الموسيقى الخفيفة أمام بعض المحلات. كان مولود منتبهًا إلى أن هذا التغيير الكبير والصغير يبرز زوايا مناسبة جدًّا للبيع. وجد دخلةً يمكنه أن يضع فيها عربته في أحد أزقة تعليم خانة بين الزاوية التي تُكدس فيها مواد بناء وبناء رومي قديم مهجور. بدأ بوضع عربة الأرز في هذه الدخلة في فترة بعد الظهر، والانتظار. خلال فترة قصيرة اكتشف الذين يقفون بالدور على باب إدارة الكهرباء من أجل دفع الفواتير أو إعادة وصل الكهرباء المقطوعة، أو تركيب عدادات الكهرباء بائع الأرز. ما إن فكر مولود بأنه إذا وقف هنا ظهرًا فسيبيع أكثر، حتى قال له حارس ورشة البناء الذي يطعمه مجانًا من أجل أن يسكته: «المعلمون لا يريدون»، وأبعد مولودًا. انتقل إلى دخلة لصيقة بمسرح شن الذي احترق قبل سنتين. عندما احترق بناء مسرح سينما شن الخشبي الذي يبلغ عمره قرنًا وهو ملك أوقاف أرمنية عام ١٩٨٧، رأى مولود اللهب وهو يبيع البوظة من تقسيم، وجاء للفرجة عليه مثلما جاءت إسطنبول كلها. قيل بأن مسرحية تسخر من الدينيين قدمت في هذا البناء الباذخ الذي كان يقدم حفلات الموسيقى الغربية قديمًا، فأحرقوه، ولكن هذا لم يثبت. حينئذ سمع مولود كلمة «ديني» لأول مرة. يعتبر مولود بأنه لا يجوز التسامح بإهانة الإسلام، ولكن إحراق بناء قديم ضخم أمر مبالغ فيه. في أثناء انتظاره زبائن في البرد، تخطر ببال مولود أحيانًا قصص الشؤم المتعلقة بروح الحارس الذي احترق تمامًا في الداخل، وأن كل من استمتع في هذا البناء سيموت باكرًا، وكون ساحة تقسيم وهذه المناطق كلها مقبرة أرمنية، ويتفهم عدم مجيء أحد لتناول الأرز بأفراخ الدجاج في هذه الزاوية السرية التي لا تلفت النظر. صبر خمسة أيام. ثم قرر أن يبحث عن مكان آخر لعربته البيضاء. بحث طويلًا عن دخلة يضع فيها مطعمه ذا العجلات الثلاث في تعليم خانة، وخلف إلماضاغ، والأزقة النازلة نحو دولاب درة، ونواحي نيشان طاش. كانت هذه أزقة له فيها زبائن بوظة مداومون في الليل، ولكنها بدت لمولود أمكنة مختلفة تمامًا في النهار. أحيانًا كان يؤمِّن عربته لدى الحلاق المجاور للمسرح المحروق من أجل أن يسير براحة بين دكاكين باعة قطع تبديل السيارات، والبقاليات، ومطاعم الطبخ الصغيرة، والوساطة العقارية، والكهربائيين. كان يؤمِّن العربة عند صديقه بائع المحار عندما يريد أن يذهب بضع خطوات، أو إلى دورة المياه في قباطاش، ويعود بسرعة لكي لا يفقد زبونًا. ولكن مولودًا هنا يذهب كأنه يهرب من عربته. وكأن هذا الشعور يخرج من أحلامه. يشعر كأنه يريد أن ينسى العربة، ويشعر بالذنب. رأى ذات يوم ناريمان في الحربية على الرصيف، فتسرع خفقان قلبه ثانية، واستغرب من هذا الأمر. كان شعورًا مدهشًا كأنه صادف شبابه في الشارع. فوق هذا أن المرأة عندما التفتت إلى واجهة أحد المحلات للحظة، أدرك مولود أنها ليست ناريمان. في اللحظة ذاتها أدرك بأن ناريمان في زاوية من زوايا عقله عندما كان مارًّا من أمام وكالة سياحية، وتجلت صور أحلامه بالحصول على الشهادة الثانوية قبل خمسة عشر عامًا كأنها وسط الضباب: أزقة إسطنبول التي كانت فارغة أكثر؛ والسعادة التي يشعر بها عندما يستمني وهو وحده في البيت؛ الشعور بالعمق بفضل الوحدة وامتلاء قلبه بهذا الشعور؛ الشوارع التي تمتلئ بأوراق الكستناء والدلب في الخريف؛ أولئك الزبائن القدامى الذين ينظرون بحنان إلى الولد اللبَّان مولود... ولأنه لا يتذكر الآن الكدر والوحدة اللذيْن شعر بهما في قلبه ومعدته في أثناء عيشه هذه الأمور، فكر كم كان سعيدًا قبل خمسة عشر عامًا ومن كل قلبه. شعر بندم غريب، وكأنه عاش حياته دون جدوى. مع أنه كان سعيدًا جدًّا مع رائحة. عندما عاد إلى حيث المسرح، لم تكن عربة الأرز هناك. لم يصدق مولود عينيه. يحل الظلام في اليوم الشتوي الغائم أبكر من الأيام العادية. دخل إلى دكان الحلاق الذي مازالت أضواؤه منارة. قال الحلاق: «الضابطة أخذت عربتك. قلت لهم: سيأتي حالًا، ولكنهم لم يردوا». هذه المرة الأولى التي يقع فيها شيء كهذا لمولود. فرحات. في الأيام التي أوقع مولود عربته بيد جماعة البلدية كنتُ جابيًا أداوم على بناء إدارة الكهرباء الشبيه بفندق هيلتون. ولكننا لم نلتقِ ـ مولود وأنا ـ نهائيًّا. لو عرفت أنه يضع عربته في زقاقنا هنا، فهل كنت أتواصل معه؟ لا أعرف. حتى لو كانت قضية كتابة مولود رسائل الغرام أصلًا لزوجتي وليس لزوجته مجرد ادعاء، أشعرتني أفكاري الشخصية والرسمية بأنني يجب أن أبلور هذا الموضوع. لأنني أعرف أن مولودًا رأى ابنتيْ عبد الرحمن أفندي في عرس قورقوط من بعيد، فلا يعني لي شيئًا لمن كانت نية مولود بكتابة رسائله. في الحقيقة، لا أعرف أن مولودًا عندما خطف رائحة كان يتخيل سميحة. لأن مولودًا خجل، وأخفى عني هذا. أي أن رأيي الشخصي، ليس لديَّ ما أتكدر من أجله. ولكن رأيينا الرسميين أننا من الصعب أن نكون صديقين: لأن مولودًا كتب رسائل غرام للفتاة التي ستصبح زوجتي فيما بعد... وأنا أوقعت بالفتاة التي عشقها مولود، ولم يستطع الحصول عليها، وخطفتها. مهما كانت الآراء الشخصية، فإن هذا الوضع «الرسمي» يجعلنا من الصعب أن نكون صديقين، وحتى من الصعب ضبط نفسينا لكي لا نتشاجر عندما نلتقي على الرصيف في بلدنا. عاد مولود إلى البيت في موعده مساء اليوم الذي أخذت ضابطة البلدية عربته. بداية انتبهت رائحة إلى أنه لم يجلب العربة، ويربطها بشجرة اللوز في الحديقة الخلفية. ولكنها عندما رأت وجه زوجها، أدركت أن مصيبة حلت بهما. قال مولود: «ليس هناك ما هو مهم. غدًا في الصباح الباكر أستردها». قال لابنتيه اللتين لا تفهمان أي شيء، ولكنهما مدركتان كل شيء دون أن يقال، بأن برغي العربة قد فلت، وبأنه تركها عند مصلح صديقه في الأسفل. وأعطاهما قطعتي لبان لهما رسوم. وهكذا وضعت رائحة أفراخ الدجاج التي حمرتها والأرز الطازج الذي طبخته على السفرة، وأكلوا بقدر ما يستطيعون. قالت رائحة: «لنترك هذه لزبائن بعد الغد». ووضعت الأفراخ بعناية في القدر، وأعادتها إلى الثلاجة. قال له زبون قديم مداوم وهو يعطيه البوظة في باب المطبخ: «والله شربنا عرقًا هذا المساء، ولم نكن ننوي شراء البوظة، ولكن صوتك هذا المساء محروق وحزين إلى درجة أننا لم نحتمل». قال مولود مكررًا جملته هذه آلاف المرات لزبائنه: «صوت البائع هو الذي يجعل البوظة تباع». «هل أنت بخير؟ بأي مدرسة ستبدأ ابنتاك؟». «بخير والحمد لله. البنت الكبيرة ستبدأ الابتدائية هذا الخريف إن شاء الله». قالت الزبونة العجوز وهي تغلق الباب بشكل خفيف: «أحسنت. لن تزوجهما قبل أن تحصلا على الثانوية، أليس كذلك؟». قال مولود موجهًا كلامه نحو الباب الذي يغلق بشكل خفيف: «سأرسل البنتين إلى الجامعة». ولكن هذه الأحاديث الحلوة، والمعاملة الحسنة التي قابله بها زبائنه القدامى مصادفة في ذلك المساء لم تنسِ مولودًا ألم مصادرة عربته ولو لحظة في ذلك المساء. يتوق لمعرفة أين هي عربته، ويفكر بأنها إذا وقعت بأيدٍ فظة فستنهك، وبإمكانية أن يُسرق موقد الغاز. لا يستطيع تخيل أنها ليست بجانبه. في اليوم التالي ذهب إلى مديرية الضابطة في بلدية بيه أوغلو. في البناء الخشبي الفخم والمهلهل والآيل من العهد العثماني، كان هناك عدة باعة صودرت عرباتهم أو طاولاتهم: دهش تاجر الأدوات المستعملة الذي صادفه مولود عدة مرات في طرلاباشِ من احتجاز عربة مولود. لأنه ليس من السهل مصادرة عربات باعة الأرز والكفتة والذرة الصفراء والكستناء ذات مواقد الغاز أو الفحم المتطورة وذات القفص الزجاجي؛ لأن هؤلاء يقدمون للضابطة هدايا وأطعمة مجانية باستمرار حيث يقفون كما يفعل مولود. لم يستطع مولود ولا الباعة الآخرون استرداد عرباتهم وطاولاتهم في ذلك اليوم. قال بائع لحم بالعجين عتيق: «لا بد أنها حُطمت». معبرًا عن الاحتمال الذي لا يريد مولود أن يفكر فيه مجرد تفكير. لأن عقوبات البلدية لم تعد تردع الباعة الجوالين بسبب الإجراءات والتضخم، تحطّم طاولات العرض التي تصادرها لتكون عبرة للآخرين، وتُتلف البضاعة التي يبيعونها على أنها ليست صحيّة. لهذا السبب تنشب مشاجرات بالقبضات والسكاكين، وهناك من حاول إحراق نفسه أمام البلدية، وأضرب عن الطعام، ولكن هذه الأمور نادرًا ما تحدث. لا يستطيع الباعة الحصول على طاولات بضاعتهم إلا قبيل الانتخابات خشية فقدان الأصوات، وبفضل العلاقات الشخصية. بائع اللحم بالعجين صاحب التجربة الذي غادر البلدية في اليوم الأول، قال في اليوم التالي إنه سيشتري صندوقًا جديدًا. غضب مولود من البائع الذي لم يبحث عن أحد المعارف، ويسترد صندوقه وبضاعته، وتقبل الأمر بواقعية فورًا. لم يكن لديه نقود تمكنه من شراء عربة بثلاث عجلات، ووضعِ موقدٍ بداخلها. وحتى لو تدبر النقود، فهو لا يؤمن بأن هذا العمل مربح. ولكنه يفكر بأنه يستطيع الاستمرار بحياته السابقة لو استرد عربته، ومثل النساء المنحوسات اللواتي لا يتقبلن بأن أزواجهن غير العائدين من الحرب قد ماتوا، لا يتقبل بأي شكل أن عربته البيضاء قد حُطِّمت. على العكس تمامًا فهو يجلب إلى أمام عينيه صورة خيالية بأن العربة على قاعدة أسمنتية محاطة بالأسلاك الشائكة في مستودع البلدية. في اليوم التالي ذهب إلى بلدية بيه أوغلو أيضًا. سأله الموظف: «من أين أخذوا عربتك؟»، وعندما قال له بأن المسرح المحروق تابع لبلدية شيشلي، وليس لبلدية بيه أوغلو، امتلأ قلب مولود بالأمل. يمكنه أن يجد أحد المعارف عن طريق آل فورال أو قورقوط في بلدية شيشلي. رأى العربة في حلمه ليلًا. ١٥ حضرة الأفندي تعرضت لظلم كبير رائحة. مر أسبوعان دون أن نأخذ خبرًا عن عربة الأرز. مولود يبيع البوظة حتى ما بعد منتصف الليل. يستيقظ صباحًا في وقت متأخر، ويبقى متمددًا في السرير، كما يبقى بالبيجاما حتى الظهر يلعب مع فاطمة وفوزية «استغماية» و«يدي معك». نعم، فاطمة التي في السادسة من عمرها، وفوزية التي في الخامسة من عمرها منتبهتان إلى أن هناك شيئًا سيئًا قد حدث من حولهما لأن الأرز بالحمص لم يعد يُطبخ في البيت، والعربة البيضاء التي تُربط بالجنزير إلى شجرة اللوز، ويحبها الأطفال، ويتحلقون حولها لم تعد موجودة. وكانتا تندمجان باللعب جيدًا من أجل مساعدة والدهما على تغطية فقدانه عمله، وعندما يرتفع الصراخ والصداح في البيت، أصرخ بمولود: «خذهما إلى الحديقة في قاسم باشا؛ كي يشمَّا قليلًا من الهواء». يهمس مولود: «اتصلي بوديعة. لعل هناك خبرًا جديدًا». قال قورقوط ذات مساء: «ليذهب إلى بلدية شيشلي. هناك ريزوي في الطابق الثاني من رجال فورال، سيساعده». لم ينم مولود في تلك الليلة من الفرح. ونهض في الصباح الباكر، وارتدى ألبسة العيد النظيفة، وذهب إلى شيشلي سيرًا على الأقدام. عندما سيحظى بعربته البيضاء، سيدهنها، ويزينها، ولن يتركها هكذا دون صاحب. كان الريزوي الذي في الطابق الثاني من البلدية رجلًا مهمًّا ومشغولًا يؤنب المواطنين الواقفين بالدور. بعد انتظار نصف ساعة في الزاوية، نادى مولودًا بحركة من إصبعه. نزلا الدرج، الريزوي في المقدمة ومولود خلفه. خرجا إلى فسحة بعد عبورهما دهاليزَ تفوح برائحة صابون سائل أسمر، وقاعات خانقة مليئة بموظفين يقرءون جرائد، وقاعة طعام تملأ القبو كله برائحة زيت كريهة وجلي. رأى مولود عربات الباعة في زاوية من فسحة مظلمة بين أبنية مظلمة فانفعل. في أثناء سيره إلى هناك، رأى موظفيْ بلدية يحطمان عربة بالبلطات، والآخر يرتب زجاجها وقطع أخشابها وموقدها في الزاوية. عاد الريزوي إلى جانبه، وقال له: «ماذا حدث؟ هل وجدتها؟». قال مولود: «عربتي ليست هنا». «أما أخذوا عربتك قبل شهر؟ نحن نحطم العربات في اليوم التالي. وعربتك حُطمت، عدم المؤاخذة. هذه العربات التي جمعتها عناصر الضابطة البارحة بالشاحنة. إذا جمعتها كل يوم، ينشب تمرد في المدينة. وإذا لم تجمعها، تأتي الأناضول كلها، وتبيع البطاطس في تقسيم. ولا يبقى بيه أوغلو أو شارع نظيف. لو أعدنا العربة لكل من نأخذها منه، فسيخرج في اليوم التالي إلى وسط تقسيم... خذ عربة من هنا تعجبك قبل أن تُحطّم..». نظر مولود إلى العربات بعين المختار. كانت هناك واحدة لها صندوق زجاجي، وخشبها جيد، وعجلاتها غليظة وسليمة. ليس لها موقد غاز، ويبدو أنه قد سُرق. ولكن هذه العربة معتنى بها أكثر من عربته، وهي أحدث. شعر بالذنب. «أنا أريد عربتي». «يا ابن البلد، أنت بعت في مكان ممنوع البيع فيه. وصودرت عربتك، وقد حُطمت مع الأسف. ولأن معك واسطة نعطيك عربة أخرى الآن. خذها واجعل منها مصدر رزق لكي لا يجوع أولادك..». قال مولود: «لا أريد». وضع صاحب العربة المعتنى بها على زاوية قفصها الزجاجي بطاقة بريدية عليها العلم التركي وصورة أتاتورك، إضافة إلى صورة للراقصة المشهورة سهر شنيز. لم تعجبه هذه الأخيرة. قال الريزوي: «هل أنت متأكد من أنك لا تريدها؟». قال مولود: «متأكد»، وبدأ يسير نحو الخلف. «أنت رجل غريب... من أين تعرف أنت الحاج حميد فورال؟». قال مولود محاولًا أن يدخل بجو مفعم بالأسرار: «نحن نعرفه!». «بما أنك قريب من الحاج حميد، ويتوسط لك، اترك شغل البائع الجوال، واطلب عملًا منه. لو صرت مشرفَ إحدى الورش، يدخلك بشهر أكثر مما يدخلك من البيع في الأزقة بسنة». في الخارج، كانت الحياة في الساحة تسير بكل رتابتها. رأى مولود حافلاتٍ تقرقع، ونساءً تتسوق، وأشخاصًا يملئون قداحاتهم بالغاز، وباعة اليانصيب القومي، وطلابًا يلبسون سترات موحدة يتدافعون ويتضاحكون، وبائعًا يبيع في عربته شايًا وسندوتشًا، وشرطة، ورجالًا بربطات عنق. غضب من هؤلاء الناس مثل شخص لم يحتمل استمرار الحياة برتابتها مع الآخرين بعد موت حبيبته. ولم يحترمه الموظف الريزوي، وتحدث معه بترفع كبير. تجوّل في الشوارع مقاطعًا الدنيا ودون هدف كما كان في سنوات الثانوية، وعندما شعر بالبرد في حي من قورطولوش لا يعرفه نهائيًّا، دخل إلى مقهى، وجلس ثلاث ساعات وهو ينظر إلى التلفاز. كان قد اشترى علبة سجائر مالتبة، ويدخن باستمرار، ويجري حساب النقود. يجب أن تمنح رائحة لأشغالها اليدوية قوة. نعم، ذهب إلى البيت بوقت متأخر أكثر من المعتاد. وفهمت رائحة والبنتان من وجه مولود بأنه لم يسترجع العربة، وحتى إنها اختفت ـ ماتت. لم يقل مولود لهم شيئًا. خيّم جو الحداد على البيت. أعدت رائحة أرزًا وأفراخ دجاج على أمل أن يخرج مولود إلى البيع في اليوم التالي، أكلوه بصمت. قال مولود لنفسه: «ليتني أخذت تلك العربة المعتنى بها، وأعطيت لي مجانًا». يجب أن يكون صاحب تلك العربة في مكان ما من المدينة يفكر حزينًا. ضاق نَفَسُهُ. كان يشعر باقتراب موجة مظلمة كبيرة لا مناص منها ستبتلعه. تناول مزراقه وأوعية البوظة قبل أن يُظلم الجو تمامًا، وقبل أن تلتقطه تلك الموجة المظلمة، خرج إلى الأزقة؛ لأن المشي يفرّج عنه؛ ولأن الصراخ عندما ينادي «بووووظة» في الظلام وهو يسير بسرعة يشعره بأنه أفضل. منذ مصادرة عربته، يخرج إلى الأزقة باكرًا قبل بدء بث التلفاز الأخبار بوقت طويل. ينزل من الشارع المفتوح حديثًا إلى جسر أتاتورك، ويبحث عن أمكنة جديدة في الطرف الآخر من الخليج من أجل زيادة دخله، ويسير بسرعة نتيجة الانهماك حينًا، وبإلهام أحيانًا، وبغضب في أحايين. هذه الأزقة هي تلك التي كان يقطعها مع والده عندما كانا يشتريان البوظة من محل وفا في الفترة الأولى لمجيئهما إلى إسطنبول. لم يكونا في تلك الفترة يدخلان إلى الشوارع الفرعية، أو يُعَرِّجان على تلك الأحياء في الليل نهائيًّا: تسدل الستائر بقوة في تلك البيوت الخشبية غير المطلية ذات المشربيات المؤلفة من طابقين، وتطفأ المصابيح باكرًا، ولا أحد هناك يشرب بوظة، وتسيطر عصابات الكلاب على هذه الأحياء منذ القديم، وحتى مُذ العهد العثماني. بعد عبوره جسر أتاتورك، خرج إلى زيرك، وسار بسرعة نحو نواحي أحياء فاتح، وتشرشمبة، وقرة جمرك. مع ندائه: «بوووظة» يشعر أنه أفضل. زالت غالبية البيوت الخشبية التي كانت قبل خمسة وعشرين عامًا، وأنشئت مكانها أبنية أسمنت مسلح مؤلفة من أربعة أو خمسة طوابق كما في فريكوي، وقاسم باشا ودولاب درة. تُفرج الستائر وتُفتح النوافذ في تلك الأبنية وإن لم يكن على نطاق واسع، وينظر إلى مولود باهتمام كأنه مراسل قادم من الماضي. «محل وفا للبوظة قريب منا إلى هذه الدرجة، ولم يخطر ببالنا أن نشتري. ولكننا لم نستطع ضبط أنفسنا عندما سمعنا صوتك يا بائع البوظة. بكم تبيع الكأس؟ من أين أنت؟». رأى مولود أنه على الرغم من ملء المقاسم بأبنية الأسمنت المسلح، وزوال المقابر بطريقة عجيبة، وحلول براميل الزبالة الكبيرة محل أكوام الزبالة المرتفعة حتى في أبعد النقط، فإن عصابات الكلاب مازالت تسيطر على هذه الأزقة. ولكنه لم يفهم خصومة عصابات الكلاب في بعض الأزقة المظلمة وعدائها له. تكون الكلاب تتسكع في إحدى الزوايا أو تنبش في الزبالة، وتسمع نداء مولود أو وقع قدميه، تنهض، ويندس بعضها ببعض مثل جنود جيش يتخذ موقف الحرب، وتراقب مولودًا، وأحيانًا تُكشِّر عن أنيابها وهي تنخر. ربط مولود موقفها العصبي هذا بعدم مرور بائع بوظة من هذه الأزقة نهائيًّا. تذكر ذات مساء بأن البيت الذي جلبه إليه أبوه عندما سيطر عليه الخوف من الكلاب في أثناء بيع البوظة وهو صغير، والمغطاة أرضيته بالمشمّع، وقرأه فيه رجل الدين، يقع في مكان ما من هذا الحي. أخذه أبوه إلى رجل الدين كأنه يعرضه على الطبيب. استمع مولود لنصائح رجل الدين الطاعن بالسن ولا بد أن يكون قد توفيَ، وشعر بقشعريرة عندما قرأه، ونفخ عليه، وتخلص من عقدة الخوف من الكلاب بفضل هذا الرجل ذي اللحية الضخمة الذي لا يتذكر الآن بيته وحيه. كان مولود مدركًا أنه يجب أن يذهب مرة أو مرتين إلى هذا الطرف من الخليج من أجل إقناع هذه العائلات القاطنة في هذه الأحياء القديمة، وتساوم لأنها تجد شراب البوظة غاليًا، وتسأل أسئلة لا ضرورة لها ما إن كان يحوي كحولًا، وتنظر إلى مولود كأنه مخلوق مثير للشك، بشراء البوظة. كثير ما كان خيال عربته البيضاء يتجلى أمام عينيه. كانت عربته أجمل من عربات الباعة الآخرين التي يراها في الأزقة، وذات خصوصية. لا يؤمن بأنهم حطموها دون رأفة بالبلطات. لعلهم أشفقوا على عربته كما يشفقون عليه، وأعطوها لبائع أرز آخر لديه واسطة. يجب أن يكون الذي أخذها مجانًا هو ريزوي؛ لأن الريزويين يدعمون بعضهم بعضًا. لم يشترِ أحد بوظة، ولم يناده أحد في ذلك المساء. المدينة في تلك المناطق تشبه الذكريات: بيوت خشبية، وأزقة ضبابية بدخان المدافئ، وجدران مهدمة. لم يكن مولود يعرف من أين أتى، وأين هو بالضبط. فُتحت نافذة في بناء مؤلف من ثلاثة طوابق، وناداه شاب: «بائع البوظة، بائع البوظة... اصعد إلى الأعلى». أدخلوه إلى الشقة في الأعلى. في أثناء خلعه حذاءه، شعر بوجود عدد كبير من الناس في الداخل. كان هناك ضوء أصفر. هذا جميل. ولكن المكان يشبه دائرة رسمية: رأى مولود ستة أو سبعة أشخاص يجلسون حول طاولتين. كانوا مشغولين بأوراق بين أيديهم، ولكن يبدو عليهم الطيب. التفتوا، ونظروا إلى مولود، وابتسموا مثلهم مثل الذين لم يروا بائع بوظة منذ فترة طويلة. ابتسم رجل مسن فضي الشعر وطيب الوجه لمولود، وقال له: «عندما رأينا أخانا بائع البوظة، فرحنا كثيرًا». كأن الآخرين طلابه. إنهم محترمون وجادون، ولكنهم مرحون. يجلس الرجل الفضي الشعر وطلابه على الطاولة ذاتها. قال: «نحن سبعة، لكل منا كأس». أحدهم اصطحب مولودًا إلى مطبخ صغير. ملأ مولود سبع كئوس بعناية. سأل نحو الداخل: هل هناك من لا يريد قرفة وحمصًا محمصًا؟ لم تكن هناك مشروبات كحولية في الثلاجة التي فتحها الطالب وأغلقها. وفهم مولود أنه لا توجد امرأة ولا عائلة في البيت. جاء ذو الشعر الفضي إلى المطبخ. قال: «كم علينا أن ندفع؟»، ونظر إلي عيني مولود عن قرب دون أن ينتظر جوابه. «كان صوتك مهمومًا جدًّا يا بائع البوظة، حفر في قلبنا». قال مولود برغبة صادقة بالكلام: «تعرضت لظلم كبير. أخذوا عربتي التي أبيع عليها الأرز، ويمكن أن يكونوا قد حطموها أو أعطوها لشخص آخر. استخف بي موظف ريزوي في بلدية شيشلي، ولكن عليَّ ألا أخرب متعتكم بهمومي في هذا المساء». قال ذو الشعر الفضي: «احكِ، احكِ!» وكانت نظراته الصادقة تقول له: «أنا حزين من أجلك، وأستمع إليك». قال مولود إن عربته المسكينة حزينة بين أيدي الآخرين. وعلى الرغم من أنه لم يحدثه عن مشكلة عدم وجود نقود معه، ولكن مولودًا أدرك أن الرجل فهم هذا. مع أن همه الأكبر هو استخفاف موظف البلدية الريزوي، والرجال المهمين (قال ذو الشعر الفضي ساخرًا: «الرجال المقبولين»)، وعدم تعاملهم معه بوصفه إنسانًا. جلسا متقابلين على كرسيين صغيرين في المطبخ. قال ذو الشعر الفضي الهرم وهو يستمع لمولود بانتباه: «الإنسان هو أسمى ثمرة في شجرة الكائنات». كان يتكلم وكأنه يكلم نفسه مثل المسنين المتدينين الذين يدعون. أعجب مولود كثيرًا بحديثه المعرفي مثل عالم، ونظره إلى عينيه كأنه صديق قديم. «الإنسان أشرف المخلوقات. لا أحد يستطيع إزالة الجوهر الذي في قلبك. ستجد عربتك بإذن الله تعالى... ستجدها إن شاء الله». تباهى مولود لأن رجلًا ذكيًّا ومهمًّا كهذا أعطاه من وقته، وترك طلابه في الداخل ينتظرون، وفي الوقت نفسه شعر بقلق من أن هذا الاهتمام ناجم عن الشفقة. قال: «طلابكم ينتظرونكم يا أستاذي. عليَّ ألا آخذ من وقتكم أكثر من هذا». قال ذو الشعر الفضي الهرم: «لينتظروا»، وقال عدة عبارات أخرى حُفرت في نفس مولود: العقد العصية تفك بإرادة الله تعالى. كل مشكلة تُحل بقدرته... لعله أراد أن يقول كلمات أخرى، ولكنه عندما رأى مولودًا يغلي من القلق (ندم مولود فورًا لإقدامه على هذه الحركات العصبية)، نهض، ومد يده إلى جيبه. «أستاذي، لا يمكن أن آخذ منكم نقودًا». «لا. الله لا يقبل بهذا، وأنا لا أقبل بهذا أبدًا». عند الباب، ومثل السادة المحترمين ألح أحدهما على الآخر بالقول: «تفضل أنت أولًا، لا أنت أولًا»، ثم قال الرجل: «عندما تأتي في المرة القادمة، أعدك بألَّا أعرض عليك النقود نهائيًّا. نحن نتبادل الحديث كل خميس». قال مولود: «الله يرضى عنك!»، وشعر بأنه ليس الجواب الصحيح. وبإلهام قبّل مولود يد الرجل المنور الوجه الكبيرة والمجعدة والمغطاة بشامات كبيرة. أدرك أنه لن يستطيع أن يحكي عن هذا اللقاء لرائحة عندما يعود إلى البيت في ساعة متأخرة. في الأيام التالية أراد مولود أن يقول لرائحة بأن كلمات الرجل المنور الوجه لم تخرج من عقله نهائيًّا، وبأنه احتمل ألم فقدانه العربة بفضلها، ولكنه ضبط نفسه. يمكن أن تسخر منه رائحة، وتجرح قلبه. تعلق الضوء الأصفر الذي رآه مولود في بيت الرجل الواقع في منطقة تشارشمبة بعقله. ماذا رأى غيره؟ كانت هناك لوحات خط قديم جميلة على الجدران. وقد أحب مولود جو الاحترام والجد الذي كان الطلاب يجلسون فيه حول الطاولة. في الأسبوع التالي رأى مولود شبح عربته البيضاء في أزقة إسطنبول في أثناء بيعه البوظة أكثر. عندما رأى ذات مرة في تبة باشِ ريزوي يدفع عربة بيضاء في طريق صاعد متلوٍ، ركض خلفه، ولكنه أدرك أنه مخطئ قبل أن يقترب منه: لم تكن عربته البيضاء فظة وخشنة كهذه، وهي أظرف بكثير. في أثناء مروره من أمام البيت الذي في تشارشمبة خلف منطقة الفاتح، ومناداته: «بووووظة»، نودي، وصعد إلى الأعلى مباشرة. خلال زيارته القصيرة، عرف هذه الأمور: كان الطلاب يخاطبون ذا الشعر الفضي الهرم: «أستاذي»، والآخرون الذين يترددون على البيت يخاطبونه: «حضرة الأفندي»؛ يكتب الطلاب بالقصب والمحابر أحرفًا كبيرة على الطاولة كأنهم يرسمون؛ كانت هذه الحروف العربية التي كتب بها القرآن الكريم. كانت ثمة أمور أخرى قديمة ومقدسة حظيت بإعجاب مولود: غلاية قهوة طراز قديم؛ لوحات خط تشبه الحروف والكلمات التي ترسم على الطاولة، مشجب قبعات مطعم بالصدف؛ ساعة حمام ضخمة في خزانة تغطي تكتكتها على الهمس كله؛ صور مؤطرة لأتاتورك وبعض الشخصيات المهمة الجادة الملتحية المقطبة الحواجب. في حديثهما القصير على جانبي الطاولة نفسها في المطبخ، وإثر سؤال حضرة الأفندي، أخبره مولود بأنه لم يجد العربة بعد، ومازال يبحث عنها، وليس لديه عمل صباحًا في هذه الفترة (اختصر هنا لكي لا يعتقد بأنه يبحث عن عمل هناك، ويطلب مساعدة). لم يجد الوقت ليستطيع أن يفتح سوى موضوعٍ واحدٍ من المواضيع العديدة التي يريد أن يفتحها، أو يسأله عنها خلال خمسة عشر يومًا: أصبح سيره كل ليلة مسافة طويلة حاجة أكثر منها عادة مهنية. إذا لم يخرج ليلًا، ويمشي لوقت طويل، يضعف عقله، وتضعف قوة خياله وأفكاره. ذكّره حضرة الأفندي بأن العمل عبادة. رغبة مولود بالمشي حتى القيامة هي إشارة إلى أن الله سيعينه، ولا يمكن أن يطلب العون سوى منه، ونتيجة لهذا الأمر. يعتبر مولود أنه «هو» الذي يجعل الأفكار الغريبة تتوارد إلى ذهنه في أثناء المشي، ويشعر بالقلق. عندما حاول حضرة الأفندي أن يمد يده إلى جيبه ليدفع ثمة البوظة (كان هناك تسعة طلاب هذا الخميس)، ذكّره مولود بأنهما اتفقا على أن بوظة هذا الأسبوع ضيافته. سأله حضرة الأفندي بنبرة احترام وتقدير: «ما اسمك؟». «مولود». «ما أبرك هذا الاسم!»، وكانا يسيران من المطبخ نحو باب الشقة. سأله حضرة الأفندي بشكل يسمع فيه طلابه: «هل أنت مولد خان؟». عبر مولود عن عدم استطاعته الإجابة لعدم معرفته معنى الكلمة. ابتسم الجالسون حول الطاولة لصدق مولود وتواضعه. قال حضرة الأفندي: الجميع يعرفون أن من معاني كلمة «مولد» الأشعار التي تبارك مولد حضرة الرسول. أما مولد خان فهو الاسم الذي يُطلق على ملحِّن تلك المثنويات، وهو اسم جميل جدًّا يُعرف على نطاق ضيق. إذا رزق مولود بصبي، وأسماه مولد خان، فسيكون حظ ذلك الولد جيدًا بالتأكيد. غير هذا، فهم سينتظرون مولودًا كل يوم خميس، وليست هناك ضرورة لينادي في الزقاق. سليمان. شرحت لي وديعة أن مولودًا بعد أن فقد عربته، ولم يستطع الاستفادة من واسطة آل فورال يريد زيادة الأجرة من مستأجر بيت الغرفة الواحدة في تل الرماد الذي جلبت له أنا المستأجر، أو على الأقل يريد أن يحصل منه على سلفة. بعد ذلك، اتصل مولود. قلت له: «ابني، المستأجر مسكين ريزوي من رجال آل فورال، ويعدّ رجلنا، وعندما نقول له: «اخرج!» يخرج دون أن ينبس، وأنت تعرف هذا. يخاف من السيد حميد كثيرًا. والأجرة وليست قليلة. ويدفع كل شهر بوقته باليد، ونرسل لك الأجرة مع وديعة. وليست هناك ضريبة، والرجل لا ينكث بوعده. هل تعتقد أنك ستجد أفضل منه؟». «أنا لا أثق بالريزويين يا سليمان. عدم المؤاخذة، ليخرج». «ولاه، ما أظلمك من صاحب ملك. الرجل تزوج، وصار عنده ولد، هل نرميه في الشارع الآن؟». قال مولود: «وهل أَشْفَقَ عليَّ أحد في إسطنبول؟ لا تفهمني خطأ. حسنٌ، لا ترمِ أحدًا إلى الشارع الآن». قلت بانتباه: «طبعًا. نحن أشفقنا عليك باستمرار، وأحببناك». لم تكن أجرة البيت التي تجلبها وديعة كل شهر تسد نفقات عائلة مولود لأكثر من أسبوع. عندما جلبت وديعة أجرة شهر آذار/ مارس، وشهري نيسان/ إبريل، وأيار/مايو مقدمًا بعد حديث مولود مع سليمان على الهاتف، كان المبلغ أكثر مما هو عادة. لم يتوقف مولود كثيرًا عند زيادة المستأجر أجرة البيت بسهولة (أي بمساعدة قوروقوط وسليمان آقطاش). اشترى بالنقود عربة مثلجات وبرميل ثلج خشبيًّا، ودلوًا حديديًّا، وآلة تدوير مثلجات مستعملة، وقرر أن يقضي صيف عام ١٩٨٩ ببيع المثلجات. ذهبت فاطمة وفوزية مع مولود إلى الحي السفلي لاستلام عربة المثلجات، أي أنهم جلبوا عربة المثلجات برفقة الضحك واللعب. خُدعت جارتهم الأخت ريحان بضحكهم ومرحهم، وأبدت فرحًا شديدًا لاعتقادها بأن عربة الأرز قد وُجدت، ولم يخرب تظاهرها أحد. يوم طلاء مولود العربة وتصليحها مع ابنتيه، بث التلفاز في المساء المتظاهرين المتمردين الذين ملئوا ساحة «تيان آن من» في بكين. أعجب مولود بجرأة البائع الذي قطع طريق الدبابة وحده في الساحة في مطلع حزيران/يونية. ماذا كان ذلك البائع الذي يمسك كيسًا في كل يد من يديه يبيع يا ترى؟ قال لنفسه مولود: هناك احتمال كبير أنه كان يبيع الأرز مثله. ولكن الصينيين لا يطبخون الأرز مثل ما تطبخه رائحة، ولا يضعون فيه حمّصًا وأفراخ دجاج كما رآهم بالتلفاز، بل بأسلوب مختلف، ويسلقونه فترة طويلة. قال مولود للمتمردين: «حلال عليكم!»، ولكنه أضاف: «يجب ألا تُعارض الدولة كثيرًا، وخاصة في الدول الفقيرة، فلولا الدولة لما وجد من يحمي الفقير والبائع الجوال». كانت حياة الفقراء والباعة في الصين جيدة، ومشكلتهم الوحيدة هي الشيوعية التي لا تعترف بوجود الله. خلال الأعوام السبعة التي مرت منذ خطف مولود لرائحة، وزواجه بها، وزعت شركات الحليب والشوكولاتة والسكاكر الكبرى على بقاليات إسطنبول ومحلات المعجنات وبوفيهات السندوتش والسجائر جمادات مجانية من أجل التنافس. واعتبارًا من شهر أيار/مايو يُخرج أصحاب الدكاكين هذه الجمادات إلى أمام أبوب دكاكينهم، ولا أحد يشتري من بائع مثلجات جوال. إذا وقف مولود خمس دقائق في المكان نفسه لا ينبس موظفو البلدية الذين يصادرون العربات لأنها تشغل الرصيف، وأصحابُ جمادات الشركات الكبرى التي تصعِّب السير على الرصيف. تعلن هذه الشركات دون توقف عن أسماء المثلجات الغريبة في التلفاز. في أثناء مرور مولود من الأزقة الخلفية وهو يدفع عربته، يسأل الأولاد: «هل يوجد عندك فلينتا يا بائع المثلجات؟ هل عند صاروخ؟». عندما يكون مولود مستمتعًا، يرد: «هذه المثلجات تطير أفضل من صواريخكم كلها». وكان يتمكن من البيع قليلًا بفضل هذا الجواب. ولكنه في أغلب الأمسيّة يعود إلى البيت باكرًا، ومنزعجًا، ويشاكس رائحة عندما تنزل لمساعدته كما تفعل دائمًا منذ سبع سنوات قائلًا: «لماذا تلعب البنتان حتى هذه الساعة على هواهما في الشارع؟». وفي أثناء بحث رائحة عنهما، يترك عربة المثلجات، ويصعد إلى الأعلى، ويتابع التلفاز مكدرًا قبل أن ينام. في واحدة من لحظات التعاسة تلك، رأى مولود موجة عملاقة مشكلة من خيالاته المظلمة تتحرك ببطء. وفكر بأنه إذا لم يجد عملًا جيدًا في الخريف، فإنه لن يستطيع إيجاد النقود التي تمكنه من شراء الكتب والدفاتر والثياب للبنتين، وجلب الطعام إلى البيت، والكيروسين للمدفأة. ١٦ بوفيه بينبوم احذر أن تتنازل عن حقك في نهاية آب/ أغسطس، قالت رائحة لزوجها بأن صاحب مطعم طرابظوني قريب من آل فورال يبحث عن شخص مثل مولود من أجل أن يشغّله. فهم مولود بأن موضوع أزمته بإيجاد النقود عادت مرة أخرى موضوعًا على مائدة آل آقطاش، وخجل. رائحة. قلت لمولود: «إنهم يبحثون عن شخص مستقيم مثلك يفهم بعمل المطعم والطعام، وليس من السهل إيجاد واحد من هذا النوع في إسطنبول في هذه الأيام». ولأن مولودًا عندما بدأ عمله مديرًا للمطعم، بدأت فاطمة المدرسة الابتدائية، أضافت: «احذر من أن يأكلوا حقك وأنت تساومهم على الراتب. انظر، هذا حق البنتين أيضًا». ذهبنا مع مولود إلى حفل الافتتاح. صفّونا عند جدار باحة مدرسة بيالة باشا الابتدائية في قاسم باشا. شرح لنا المدير أن بناء هذه المدرسة هو دار باشا فتح جزرًا في البحر المتوسط من الفرنسيين والطليان قبل أربعمائة وخمسين سنة، وكيف هاجم الباشا وحده سفينة للعدو، واختفى عن الأعين، وعندما اعتقد الجميع أنه وقع بالأسر، تبين أنه قد سيطر على السفينة وحده. ولكن التلاميذ لم يستمعوا إليه، وكانوا يتكلمون فيما بينهم، أو يندسون بآبائهم وأمهاتهم خائفين مما سيحل بهم في المستقبل. في أثناء دخول فاطمة إلى المدرسة مع بقية الأولاد ممسكين بأيدي بعضهم بعضًا، خافت، وبدأت تبكي. بقينا نلوح لها بأيدينا حتى غابت داخل البناء. كان يومًا غائمًا وقليل البرودة. في أثناء عودتنا في الطلعة، رأيت دموعًا وغيمًا رصاصيًّا في عيني مولود. ذهب مباشرة إلى البوفيه ليعمل «مديرًا» دون أن يعرّج على البيت. في ذلك اليوم فقط عدت إلى قاسم باشا بعد الظهر، وأخذتُ فاطمة من أمام باب المدرسة، وجلبتها إلى البيت. تعلق شارب المعلم ونافذة الصف بعقلها. في الأيام التالية صارت تذهب إلى المدرسة، وتعود مع بنات الحي الأخريات. لم يكن مولود أول من استخدم كلمة «مدير» التي قالتها رائحة بمزيج من الحنان والسخرية، بل قالها صاحب العمل الطرابظوني المعلم تحسين. في الحقيقة أنه طلب من العمال الثلاثة الذين يعملون في البوفيه ويسميهم «عناصر» (لأن كلمة عمال ليست جميلة) أن ينادوه «قبطانًا»؛ لأنها تليق بسكان البحر الأسود أكثر من كلمة «معلم». ولكن العاملين في البوفيه لم ينادوه بالنتيجة إلا بكلمة «معلم». خلال فترة قصيرة فهم مولود بأن سبب عرض العمل عليه هو عدم ثقة صاحب العمل بعناصره. بعد أن يتناول المعلم تحسين عشاءه مع عائلته في البيت كل مساء، يأتي إلى المحل، ويطلب ممن يناديه «مديري» تسليمه الخزنة. يشرف بنفسه على الخزنة في الساعتين الأخيرتين، ويغلق المحل بنفسه. يقع بوفيه بينبوم في زقاق جانبي، ولا يمر من هناك عند المساء سوى الضالين طريقهم، والسكارى، والذين يبحثون عن مشروب كحولي وسجائر فقط، على عكس البوفيهات التي تبقى مفتوحة وفيها زبائن وحركة على مدار الأربع والعشرين ساعة في أعلى شارع الاستقلال. عمل مولود هو المجيء كل يوم في الساعة العاشرة صباحًا، والجلوس خلف الخزنة، والقيام بعمل المحاسبة، وقبض النقود حتى الساعة السابعة والنصف أو الثامنة، ومراقبة سير العمل بشكل صحيح في المحل. لم يكن عمل بوفيه بينبوم سيئًا على الرغم من كونه دكانًا صغيرًا ضيقًا بعيدًا عن الشارع الرئيس. زبائن البوفيه هم العاملون في مكاتب الأزقة الجانبية، ومختبرات التصوير، وشركات الإعلان، وملاهي الغناء، والمطاعم الرخيصة، والعابرين مصادفة. ولكن المعلم المتوهم يشك بأن عناصره يحتالون عليه. شعر مولود خلال فترة صغيرة بأن قلق المعلم ناجم من جانب واقعي يتجاوز اعتقاد الأغنياء بأن الفقراء الذين يخدمونهم يحتالون عليهم. أكثر أشكال الاحتيال شيوعًا التي نبه المعلم إليها مولودًا هي إعداد العناصر عدد سندوتش أكبر من الذي تسمح به البلدية ويقبل به هو من كمية الخبز وجبن القشقوان واللحم المفروم والمخلل والسجق ورب الطماطم نفسها، ووضع الفرق في جيوبهم. طوّر القبطان تحسين إجراء احترازيًّا ضد هذه الحيلة شرحه لمولود بفخر: يتصل صاحب الفرن الريزوي الذي يورد خبز الهمبورغر والسندوتش إلى بوفيه بينبوم بالقبطان كل يوم، ويبلغه بعددها. وهكذا يحول دون إمكانية العناصر السرقة من جبن القشقوان وعمل توست أكثر، وسرقة اللحم المفروم وعمل همبورغر أكثر. ويمكن للعناصر أن يعملوا الأمر نفسه بأشياء أخرى مثل عصير البرتقال والرمان والتفاح، ولعدم وجود صديق يثبت له عدد الكئوس كالفرّان، يطلب من المدير مولود أن يفتح عينيه عشرة على عشرة. ما يجب أن ينتبه إليه مولود أساسًا هي آلة تسجيل النقد التي بدأت المدينة كلها تستخدمها باعتبارها تجديدًا كبيرًا، وعدم إجراء أي بيع دون قطع فاتورة. كان يعتقد بأنهم مهما سرقوا من جبن القشقوان، ومهما أضافوا ماء محلى إلى عصير البرتقال من تحت طاولة البيع، فلن يُسرق المعلم طالما أن البيع لا يتم إلا بقطع الفاتورة. كان القبطان يرسل أحيانًا صديقًا له لا أحد يعرفه لشراء شيء ما ليعرف ما إن كان يتم البيع دون قطع الفاتورة. بعد أن يتناول المفتش السري شيئًا ما، يقول: «لا حاجة للفاتورة» كما يجري في إسطنبول عادة، ويطلب تخفيضًا في السعر. إذا لم يقطع مدير الخزنة فاتورة، فهذا يعني أن النقود تذهب إلى جيبه، ويطرده من العمل فورًا كما فعل مع المدير السابق. لم ينظر مولود إلى «عناصره» نظرة المستغلين الذين يتحينون الفرصة لخداع معلمهم: اعتبرهم عمالًا طيبين يريدون أن يبقى مركب لقمة عيشهم طافيًا على سطح الماء. كان مولود يستمتع بتقدير نجاح زملائه، فيقول باسمًا من أعماق قلبه: «حمّرت التوست مثل النار، أحسنت!»، أو «ما شاء الله أصحبت الشاورمة تذوب ذوبانًا في الفم!» عندما يكون العمل جيدًا، والغلة وفيرة، يقدم مولود الحساب للمعلم مساء بفخر كأنه نقيب يتقدم الصف. يهرع إلى البيت راكضًا بعد أن يسلم المحل للمعلم كل مساء، ويضرب الملعقة بصحن حساء العدس أو الطحين الذي تضعه رائحة أمامه وهو ينظر بطرف عينه إلى التلفاز كما يفعل طوال اليوم في البوفيه. لم يكن مولود يعود إلى البيت جائعًا، ولا يبالغ بالطعام في البيت لأن الجميع يمكنهم أن يأكلوا توسْتًا أو شاورمة كما يرغبون في البوفيه، ويستمتع كثيرًا بالنظر إلى كتب فاطمة المدرسية، وقراءة الحروف والأرقام والجمل التي تكتبها على أوراق الدفتر البيضاء (عندما كان مولود يذهب إلى المدرسة كانت أوراق الدفاتر صفراء) بحروف صغيرة ولكنها جميلة في أثناء تناوله الحساء. وهو مستمر أيضًا بالخروج بعد الأخبار، وبيع البوظة حتى الساعة الحادية عشرة أو الحادية عشرة والنصف. بسبب دخله من عمل الإدارة لم يكن يضغط على نفسه من أجل بيع بوظة أكثر، أو يذهب إلى تلك الأحياء القديمة في الطرف الثاني من الخليج والأزقة النائية التي تكشر له فيها الكلاب عن أنيابها من أجل إيجاد زبائن جدد. زار ذات مساء في الصيف حضرة الأفندي وطلابه بعربة المثلجات، وفي صينية عليها كئوس رفيعة الوسط أخذها من عندهم، وضع لهم مثلجات من العربة في الأسفل، وكلما شعر بالحاجة إلى الحديث طرق بابه، واستمر بالزيارة في ليالي الشتاء الباردة بذريعة البوظة. ولكي يبرز أن زيارته من أجل الحديث وليس من أجل التجارة، جعلهم يقبلون بعدم دفع ثمن المثلجات أو البوظة مرة كل ثلاث مرات، وقد وصف أحد زوارهم ذات مرة هذا بأنه «ضيافة للتكية». ويطلق على كلام حضرة الأفندي «الحديث». بعد زيارة مولود الأولى بسنة تقريبًا فهم أن بيت حضرة الأفندي الذي يعطي فيه دروسًا خاصة بالكتابة القديمة وفن الخط، هو في الوقت نفسه زاوية يجتمع فيها عدد من المؤمنين. لم يكن حفظ المترددين إلى شقة البناء ـ الزاوية ـ السرّ وصمتهم فقط سببيْ تأخره الطويل بهذه المعرفة، بل عدم رغبته بالمعرفة أيضًا. كان سعيدًا جدًّا بوجوده هناك، ومنح حضرة الأفندي له بضع دقائق يستمع فيها لهمومه إلى درجة أنه يخفيها عن كل ما يمكن أن يخرّب تلك السعادة: تلقى دعوة من مجموعة حديث يوم الثلاثاء المؤلفة من خمسة وعشرين أو ثلاثين شخصًا، ويتحدث حضرة الأفندي مع كل من يطرق بابه منهم، ولكن مولودًا لم يذهب. عندما يسيطر عليه الخوف من شبهة مخالفة للقانون، يهدئ نفسه بالقول: «لو كان هؤلاء الناس سيئين يُقْدِمون على أمور سيئة، فهل يعلِّقون صورة ضخمة لأتاتورك!»، ولكنه بعد فترة قصيرة فهم بأن صورة أتاتورك مثلها مثل صورته بالقلبق التي كانت معلقة في مدخل الرابطة الشيوعية التي دخلها أيام الثانوية مع فرحات في تل الرماد؛ لكي يقولوا للشرطة عندما يداهمون المكان: «هناك خطأ، فنحن نحب أتاتورك كثيرًا!»، الفرق الوحيد أن الشيوعيين يتحدثون بالسوء عن أتاتورك على الرغم من إيمانهم به حتى النهاية (كان مولود لا يحب تلك الكلمات القبيحة)، أما المتدينون فلا يتحدثون ضده بأي كلمة على الرغم من عدم إيمانهم به. كان مولود يرجح الطرف الثاني، ولا يقتنع بكلام طلاب الجامعة الفظين الحادين: «أتاتورك أنهى فن الخط الجميل الذي قدمناه على مدى خمسة قرون بعقدة تقليد الغرب». لم يكن مولود يأخذ طلاب الجامعة الذين يُقْدِمون على كل أنواع المراءاة من أجل الدخول بعين أحد، وبعد خروجهم من عنده يستخفون به، ويتبادلون القيل والقال، ويتحدثون عن برامج التلفاز. عدم رؤية تلفاز في أي غرفة من غرف الزاوية التي دخلها، يعتبره مولود دليلًا على ممارسة أمور خطيرة لا تعجب الدولة، ويخاف أحيانًا. إذا نُفذ انقلاب عسكري ذات يوم، وشحطوا الشيوعيين والأكراد والدينيين، يمكن أن يقع سوء للمترددين على الزاوية. من جهة أخرى فإن حضرة الأفندي لم يقل له شيئًا يمكن أن يعتبر دعاية سياسية أو توجيهًا سياسيًّا ولو مرة واحدة. رائحة. بَدءُ مولود العمل مديرًا، وذهاب فاطمة إلى المدرسة أطال الوقت الذي أخصصه للأشغال اليدوية. لم أعد أعمل الأشغال اليدوية وأنا منهمكة بحسابات كيف سنصل إلى نهاية الشهر، بل أعملها لأنني أستمتع بعملها، وأكسب في الوقت نفسه بضعة قروش. أحيانًا كانوا يعطوننا مجلة أو صورة لما يريدون أن نطرزه، ولأي زاوية من الستارة نطرزه... أحيانًا لا يقولون سوى: «كما تريدون!»، أحيانًا أفكر بما أفعله، وأطرزه، ولا يخطر ببالي أي شيء، وأنظر بشرود إلى زاوية الستارة. وأحيانًا تخطر ببالي فورًا زخارف وإشارات وأزهار وغيوم بست زوايا وغزلان تركض في البراري: أشتغل ستارة، وجهَ مخدة، بيتَ لحاف، غطاءَ طاولة، منديلَ طعام، وكلَّ ما أجده. كانت الأخت ريحان تقول أحيانًا: «انتظري يا رائحة، التقطي أنفاسكِ، انهمكت بالشغل ثانية». كانت رائحة تسحب فاطمة وفوزية من يديهما، وتجلبهما إلى المحل الذي يديره والدهما مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع بين الساعة الواحدة والثانية بعد الظهر. لم تكن البنتان تريان مولودًا سوى ساعة عند المساء حين يأتي ليتناول الحساء على العشاء. عندما تذهب فاطمة إلى المدرسة صباحًا، لم يكن مولود قد استيقظ بعد، وعندما يعود في الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلًا تكونان قد نامتا. في الحقيقة أن فاطمة وفوزية تريدان أن تذهبا أكثر إلى البوفيه، ولكن والدهما منعهما منعًا باتًّا من الذهاب وحدهما، ووضع شرطًا ألا تتركا يدي أمهما في أثناء مجيئهما. كان الخروج إلى بيه أوغلو، وخاصة شارع الاستقلال، ممنوعًا على رائحة أيضًا: في أثناء عبورها بين طرفي شارع الاستقلال، كانت رائحة والبنتان يشعرن بأنهن يهربن من رجال بيه أوغلو كما يهربن من السيارات في الشارع. رائحة. بما أنها جاءت مناسبتها، لأخبركم: لم أقدم الحساء فقط لمولود مساء خلال السنوات الخمس التي عمل فيها مديرًا للبوفيه. كنت كثيرًا ما أعد له بيضًا بالطماطم وكثيرًا من البقدونس والفلفل، وبطاطس مقلية، ورقائق بالعجين ملفوفة، وفاصولياء جافة فيها كثير من الفلفل والجزر. أنتم أيضًا تعرفون أن مولودًا يحب الأفراخ مع البطاطس بالفرن. كنت أشتري فرخًا من عند بائع الأفراخ حميد كل شهر بسعر مخفّض من أجل البنتين ومولود بعد أن توقف عن بيع الأرز. السبب الرئيس لمجيء رائحة والبنتين إلى بوفيه بينبوم مرتين أو ثلاثًا بالأسبوع، ونادرًا ما يُحْكى فيه ضمن العائلة، هو تناول التوست بالقشقوان أو السجق، وسندوتش الشاورمة، وشرب اللبن الرائب وعصير البرتقال. في الأشهر الأولى لإدارة مولود كانت رائحة تشعر بضرورة القول: «كنا قريبين فعرَّجنا»، ويقول أحد العاملين في البوفيه: «فعلتم حسنًا». وبعد الزيارات الأولى، أصبح ما تحبه الفتاتان يُسخّن، ويُحضّر، ويوضع أمامهما دون سؤالهما. لم تكن رائحة تأكل في أي وقت، وعندما يحضّر لها العاملون سندوتش الشاورمة أو التوست بالقشقوان ويقدموها بابتسامة، تردها دائمًا، وتقول: «أكلتُ قبل قليل في البيت». ويشعر مولود بالفخر من موقف زوجته المبدئي هذا، ولا يقول كما تتوقع العناصر: «كلي واحدة يا عزيزتي!». في الأشهر اللاحقة، عندما اكتشف مولود أن عناصر بوفيه بينبوم يخدعون القبطان تحسين الطرابظوني، ويحتالون عليه، بدأ مولود يشعر بعذاب الضمير من سندوتش الشاورمة الذي أكلته البنتان مجانًا. ١٧ مؤامرة العناصر أنت لا تتدخل بأي شيء على الرغم من احتياطات المعلم الطرابظوني كلها، فقد بدأ يكتشف بعد رأس سنة ١٩٩٠ أن العاملين في بينبوم قد طوروا حيلة مفصلة تعتمد على منطق بسيط جدًّا: يشتري العمال من فرن آخر خبزًا، ويملئونه بلوازم يشترونها من دكاكين أخرى برأسمال يجمعونه منهم ـ أي بنقودهم الخاصة ـ ويعدّون بضاعتهم، ويبيعونها دون أن يُشعروا المعلم. كان سندوتش الهمبورغر والشاورمة يرسل بصرر إلى المحلات المجاورة كل يوم ظهرًا بالسر كأنهم يُرسلون حشيشًا. لم تكن النقود تدخل إلى الخزنة التي يشرف عليها مولود، ويجمعها فيما بعد وحيد عندما يجوب على تلك المحلات حاملًا الدفتر ليأخذ مقترحاتهم حول الطعام. احتاج مولود لانتباه شديد من أجل ملاحظته هذا النظام السري، واحتاج العمال شتاء طويلًا حتى يعرفوا بأن مولودًا قد انتبه إلى حيلتهم هذه بكل تفاصيلها، ولكنه تابع الجلوس وراء الخزنة دون أن يخبر المعلم. في الأشهر الأولى لعمل مولود، اعتقد بأن هذه الحيلة إذا مشت، فإن عنصر القبطان الأصغر ميكروب (هذا لقبه، ولا أحد يستخدم اسمه الأساسي) هو الذي يمكنه أن يقوم بهذا بأسهل ما يمكن. فهو عائد حديثًا من الجندية، ويدير مستودع المطبخ تحت البوفيه. في هذه المغارة المخيفة بطول مترين ونصف وعرض مترين يحضّر لحم الهمبورغر ورب الطماطم واللبن الرائب، ويقلي البطاطس، ويغسل أطباق الألمنيوم والكئوس الزجاجية وإن لم يكن بدقة ـ الأصح أن نقول يشطفها بالماء ـ وعندما يزدحم المكان في الأعلى يهرع لدعم الجبهة، ويقوم بكل عمل من وضع التوست بالسخان إلى تقديم اللبن الرائب للزبائن اللجوجين. انتبه مولود أول مرة للخبز المشترى من فرن آخر في مطبخ الميكروب ذي الفئران والصراصير. مولود لا يحب وحيدًا، ويكره نظره طويلًا لكل امرأة متناسقة. ولكن رابطًا ربط بينهما أقلق مولودًا بتعمقه مع الزمن. مشاهدتهما التلفاز معًا من أجل قتل الوقت عندما لا تكون هناك زبائن، والتقاء عيني كل منهما بعيني الآخر في المشاهد الشاعرية (يحدث هذا خمس أو ست مرات في اليوم) قرّب بينهما. خلال فترة قصيرة بدأ مولود يشعر بأنه يعرف وحيدًا منذ سنين طويلة. ولأن وحيدًا محاسب نظام الغش القائم، كان مولود يشعر بالقلق من تقاربهما الناجم عن اشتراكهما بالمشاعر التي يؤججها التلفاز. كان يفكر باعتباره مديرًا أحيانًا، ويخطر بباله أن العنصر يحابيه مستفيدًا من المشاعر التي يثيرها التلفاز. في الأيام الأولى التي انتبه فيها لرءوس خيوط الحيلة، بدأ يشعر وكأن عينه (بشكل غريب ليست عينيه الاثنتين) التي تراقب وحيدًا والعنصرين الآخرين تنفصل عنه بشكل مستقل، وتراقبه (لمولود) بإرادتها الذاتية. كان يشعر أحيانًا أنه زائد دُس بين الأشخاص الذين في البوفيه. في ذلك الوقت تراقب العين مولودًا. أحيانًا يجد نفسه متصنعًا. بعض زبائن بينبوم يأكلون سندوتش الشاورمة وهم ينظرون إلى المرآة. لعله كان يشكو من البرد والوقوف طوال اليوم على قدميه، ومن عدم تحقيق الرواج عند بيع المثلجات، ولكنه كان حرًّا. يستطيع أن يتخيل ما يريد، وأن يقاطع العالم عندما يريد، وكأن مشاعره تحكم جسمه. أما الآن فكأنه قيّد بالجنزير بالدكان. في لحظات التعاسة التي يزيح فيها عينيه عن التلفاز ويحاول أن يحلم، يسلي نفسه بتخيله أنه سيرى ابنتيه مساء، ويبيع البوظة. وهناك أيضًا الزبائن من أهل المدينة كلها الذين يُسر لرؤيتهم مساء في أثناء بيعه البوظة. أصبح مولود مدركًا أن الصور التي تتجلى في عقله في أثناء مسيره، وندائه «بووووظة»، تتجلى أيضًا في عقول أهل المدينة أيضًا؛ ولهذا ينادونه إلى الأعلى، ويشترون بوظة. تحوّل مولود خلال سنوات إدارته إلى بائع بوظة أكثر رغبة وشغفًا. في أثناء ندائه نحو الأزقة شبه المظلمة «بوووظة»، لا يشعر أنه ينادي النوافذ المفرجة الستائر، والجدران غير المطلية بالأسمنت والدهان، والكلاب الشيطانية التي يشعر أنها مختبئة في الزوايا، والعائلات خلف النوافذ فقط، بل ينادي العالم الذي في عقله. لأنه عندما ينادي «بوووظة»، يشعر بأنها تخرج من فمه مثل بالونات الحوار في الصور الملونة والروايات المرسومة، وتدخل الزقاق المتعب مثل غيمة. لأن الكلمات أشياء، وكل شيء هو صورة. بات يشعر بأن هناك تكاملًا بين الزقاق الذي يسير فيه في أثناء بيع البوظة، والعالم الذي في داخله. يبدو لمولود أنه هو الذي اكتشف هذه المعلومة المزلزلة، أو أنها ضوء أو نور خاص وهبه الله له فقط. في أثناء سير مولود في الأزقة وهو يبيع البوظة في الأمسيّة التي يخرج فيها من البوفيه مشوش العقل، كان يكتشف عالمَ داخِلِهِ وسط ظلال المدينة. ذات ليلة من ليالي الأيام العادية التي لم يقرر فيها ما يجب أن يفعله بالاحتيال الدائر في بينبوم، ما إن صرخ: بووووظة» حتى فتحت نافذة وسط الظلام، وانبعث نحو الخارج ضوء برتقالي ممتع. طلب منه ظلٌّ أسودُ ضخمٌ أن يصعد إلى الأعلى. كان هذا بناء روميًّا قديمًا خلف فريكوي. تذكر مولود أنه بعد ظهر أحد الأيام الأولى لمجيئه إلى إسطنبول دخل هذا البناء (رسخت الأبنية ولوحاتها التي تحمل أسماءها في ذاكرته مثل كثير من الباعة) مع والده في أثناء بيع اللبن، وأوصل لبنًا إلى الطابق العلوي. كان اسم البناء «صاوانورا». وكانت رائحة الغبار والرطوبة والزيت المقلي ذاتها في البناء أيضًا. دخل من باب في الطابق الثاني إلى غرفة واسعة شديدة الإنارة: تحول البيت القديم إلى ورشة خياطة الآن. رأى عشر فتياتٍ أو اثنتي عشرة فتاة جالسات خلف آلات خياطة. هناك بينهن فتيات بعمر الطفولة، ولكن غالبيتهن بعمر رائحة. من ارتخاء أغطية رءوسهن إلى تعابير الشرود والجدية على وجوههن في أثناء العمل بَدَوْنَ مألوفات بشكل مخيف لمولود. الرجل الذي ظهر في النافذة ويبدو على وجهه الطيب هو معلمهن. قال: «يا بائع البوظة، هذه الفتيات المجدات بناتي، سيعملن ببطولة حتى الصباح موعد مجيء الحافلة الصغيرة لتقلهن إلى بيوتهن من أجل إنجاز طلبية لإنكلترا. ستُقَدِّمُ لهن أفضل البوظة، وحمصًا محمصًا طازجًا جدًّا، أليس كذلك؟ من أين أنت؟». على الرغم من نظر مولود إلى الزخرفة الجصية البارزة، والمرآة الكبيرة ذات الإطار المذهب، والثريا تقليد الكريستال الآيلة من العائلات الرومية التي كانت تعيش هنا في زمن ما بدقة، اعتقد فيما بعد ـ سنوات ـ عندما يتذكر هذه الغرفة أنه في الحقيقة لم يرَ الثريا والمرآة، وأن ذاكرته خدعته. لأنه فيما بعد ـ في السنوات اللاحقة ـ سيتذكر الفتيات الجالسات خلف آلات الخياطة من خلال وجهي ابنتيه فاطمة وفوزية. أصبحت فاطمة وفوزية ترتديان كل صباح صدريتيهما المدرسيتين السوداوين معًا أخت وأختها، وتتبادلان الوقوف إحداهما خلف الأخرى لتزر الياقة البيضاء المصنوعة من مزيج خيوط صناعية وقطنية مناصفة، وتبدو أنها منشّاة دائمًا، وتحملان حقيبتيهما المدرسيتين اللتين اشتراهما بسعر مخفض من محل في سلطان حمام (عرفه من أيام الثانوية عندما كان يعمل مع فرحات «بالنصيب»)، وتربطان شعرهما بملقطي الشعر، وتخرجان من البيت في السابعة وخمس وأربعين دقيقة عندما ينهض مولود من السرير بالمنامة. بعد ذهاب البنتين إلى المدرسة، يمارس مولود ورائحة الحب طويلًا، وحتى الشبع. بعد أن كبرت قليلًا ابنتهما الثانية فوزية، لم يمارسا الحب تقريبًا كما كانا يفعلان أول زواجهما عندما كانت لهما غرفة يبقيان فيها وحدهما. من أجل أن يبقيا على انفراد في البيت، يجب أن تذهبا إلى جارة ما مثل ريحان، أو تأتي وديعة أو سميحة ذات صباح، وتصطحبهما باكرًا إلى الحديقة. ويمكن أن يحدث هذا عندما تغيبان ساعات في إحدى باحات بيوت الجيران خلال فترة الصيف. عندما تسنح لهما فرصة كهذه في أيام الصيف أو الربيع، ويبقيان على انفراد في البيت، يتبادلان النظر، ويسأل مولود: «أين هما؟». تقول رائحة: «شردتا باللعب في باحة الجيران». فيقول مولود: «يمكن أن تعود إحداهما فجأة»، ولا يستطيعا العودة إلى أيام زواجهما الأولى السعيدة. الزمن المناسب الوحيد الذي يستطيع مولود ورائحة ممارسة الحب فيه بشكل منتظم في البيت المؤلف من غرفة واحدة، هو منتصف الليل عندما تكون ابنتاهما في أعمق نومهما في الطرف الآخر من الغرفة. عندما يعود من بيع البوظة في ساعة متأخرة، ويجد رائحة تنتظره حتى ذلك الوقت، وتقول له كلمات حلوة بدلًا من استمرارها بالنظر إلى التلفاز، يعتبر مولود هذا دعوة لممارسة الحب، وبعد تأكده من أن البنتين قد نامتا حقيقة، يطفئ الضوء بانتباه. ويتبادلان الحب تحت اللحاف بصمت وانتباه، ودون أن يطيلا الأمر؛ لأن مولودًا حقيقة يكون متعبًا. أحيانًا يتعانق جسداهما بثوب النوم والمنامة تلقائيًّا بعد أن يناما عدة ساعات، ويمارسا الحب بصمت وعلى عجل، ولكن من القلب. تقلّ ممارستهما للحب بسبب هذه المصاعب، ويريان بأن هذه نتيجة طبيعية للزواج. يمارسان الآن الحب بانفعال كما في أيام زواجهما الأولى؛ لأن لديهما وقتًا، ومولودًا لا يتعب كثيرًا بفضل عمله مديرًا. وهما مرتاحان أكثر؛ لأن أحدهما عرف الآخر ووثق به أكثر، وبات أقل خجلًا. بقاؤهما على انفراد في البيت قرّب أحدهما من الآخر، وبدأ يشعرهما من جديد بتلك الثقة التي لا مثيل لها، وأن إيجاد أحدهما الآخر حظ كبير. إذا لم تكن هذه السعادة قد أزالت الشائعة التي نشرها سليمان تمامًا، فقد صغّرتها بنظرها كثيرًا جدًّا. مازالت تشك بين حين وآخر، وحينئذ تخرج كدس الرسائل، وتقرأ واحدة أو اثنتين، وترتاح بإيمانها بقوة كلمات مولود. لم تكن فترة السعادة هذه التي يعيشها الزوجان بعد ذهاب ابنتيهما إلى المدرسة، وجلوسهما إلى الطاولة الوحيدة في الغرفة وشربهما الشاي أو القهوة (كان مولود يتناول توست بالقشقوان والطماطم في بينبوم على الإفطار) تتجاوز الساعة والنصف؛ لأن مولودًا يجب أن يكون في بينبوم في العاشرة صباحًا. بدأ مولود يشرح لرائحة ما يدور من حيل في البوفيه في ساعة السعادة والصداقة تلك. رائحة. بداية قلت له: «لا تتدخل بأي شيء! شاهد كل شيء، وتظاهر بأنك لا ترى شيئًا، ماذا سنستفيد؟». أما مولود فيرد، وهو على حق: «ولكن المعلم وضعني هناك لأرى، وأبلغه بما أراه. والمعلم هو رجل آل فورال... يخشى أن يقولوا فيما بعد: لم يرَ السرقة التي تجري أمام عينيه!». «أنت ترى أنهم شركاء يا مولود. إذا أبلغت عن أحدهم للمعلم، فسيقولون جميعًا بأن مولودًا هو اللص، والمعلم يصدق فورًا. وهكذا يطردك أنت من العمل. وتتبهدل أمام آل فورال». وكلما قلت لمولود هذا، أراه قد خاف، وأحزن. ١٨ الأيام الأخيرة في بينبوم عشرون ألف رأس غنم مساء ١٤ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٩١، وفي أضيق مكان من البوسفور أمام أسوار الأناضول، تصادمت سفينة لبنانية نازلة نحو الجنوب وسفينة فلبينية محملة بالذرة الصفراء صاعدة إلى البحر الأسود، وغرقتا، ومات خمسة بحارة. عرف مولود من الخبر الذي أذاعه التلفاز صباح اليوم التالي المصادف الجمعة، وشاهد مع عناصر بوفيه بينبوم أن السفينة اللبنانية الغريقة كانت محملة بعشرين ألف رأس غنم. عرف الإسطنبوليون بالحادث من وصول الأغنام إلى مراسي البوسفور، وشواطئ سور روملي، وقنديللي، وثانوية قولة لي العسكرية، وببك، وواني كوي، وأرناؤوط كوي. وصلت بعض الأغنام الصغيرة إلى الشاطئ حية، ودخلت إلى عنابر الشاليهات التي لم تحترق بعد، ومراسي المطاعم الحديثة التي أنشئت مكان مقاهي صيادي السمك، وحدائق الشاليهات التي تُسحب إليها الزوارق في الشتاء، ومنها نزلت إلى شوارع المدينة. كانت متعبة وغاضبة. على فراء بعضها الكريم المائل إلى الطيني اللون بقع بترول نفطية اللون، وعلى قوائم بعضها المتعبة والمرتجفة سائل بقوام البوظة ولون الصدأ، وفي عيونها ندمٌ عميق. نظر مولود للحظة إلى عين إحداها التي تكاد تغطي شاشة تلفاز بوفيه بينبوم كلها مسحورًا، وشعر بالندم في نفسه. أنقذت بعض الأغنام بواسطة الزوارق التي هُرع الإسطنبوليون بها للمساعدة إثر سماعهم الخبر بعد منتصف الليل، ووجدت بعضها أصحابًا جددًا في بيوت جديدة، وغالبيتها ماتت قبل أن يصبح الصباح عليها. طرق شاطئ البوسفور، ومراسي الشاليهات، والحدائق، ومشارب الشاي مليئة بالأغنام الفاطسة والإسطنبوليين الذين هرعوا بدافع المساعدة. سمع مولود أخبارًا وشائعات حول وصول بعض الأغنام إلى شوارع المدينة ومهاجمتها الناس بشكل عبثي، وموتها واقفة، ودخولها باحات الجوامع وقبور الأولياء والمقابر، وتحقق توقّع المرحوم كاتب الزاوية جلال صاليك الذي قتل بسبب مقالاته بأن القيامة ستقوم في عام ألفين، وبقيَ يتذكر بين حين وآخر قدر الأغنام وهو ينظر إلى التلفاز في أثناء عمله في بوفيه بينبوم لسنوات. ومثلما اكتشف صيادو السمك إشارات شؤم بفطائس الغنم التي تعلق بشباكهم، أو تنتفخ كالبالونات، وتطفو على سطح الماء، رأى مولود أن هذه الأغنام إشارة إلى ما هو أعمق. الأمر الذي كبّر الموضوع، وأدخله أحلام المدينة كلها، هو الادعاء بأن غالبية العشرين ألف رأس غنم بقيت في عنابر السفينة الغارقة مغلقًا عليها، ومازالت حية تنتظر إنقاذها. تابع مولود الحوارات التي أجريت مع الغطاسين الذين نزلوا إلى السفينة بانتباه، ولكنه لم يستطع بأي شكل أن يتخيل الأغنام في ظلمات السفينة، ووضعها في ذلك المكان المظلم. هل كان المكان هناك مظلمًا، أم رائحته كريهة، أم أنه عالم يشبه عالم النوم؟ وضع الأغنام ذكّره بالنبي يونس في بطن الحوت. هل كانت تلك الأغنام الذاهبة إلى ذلك المكان مذنبة؟ هل ذلك المكان أقرب إلى الجنة، أم إلى جهنم؟ أرسل جناب الله لحضرة إبراهيم خروفًا لكي لا يذبح ابنه. حسنٌ، لماذا أرسل عشرين ألف رأس غنم إلى إسطنبول؟ من النادر أن يدخل بيت مولود لحم عجل أو غنم. بقيَ مولود فترة لا يأكل سندوتش شاورمة. ولكن عداءه للحم هذا بقي سرًّا في داخله قبل أن يتحول إلى مستوى أخلاقي، ونسيَ ذات يوم لم تنفد فيه شاورمة بينبوم التي تذوب في الفم، وقُسّمت بين عناصر المحل. شعر بأن الزمن يتدفق بسرعة، وأنه يهرم مع مراقبته الحيل التي تُحاك في بوفيه بينبوم، ويتحول ببطء شديد إلى إنسان آخر. في السنة الثالثة لعمله مديرًا، أي في شتاء ١٩٩٣ كان مولود قد أدرك أنه لن يستطيع إبلاغ المعلم بحيلة العاملين. جرب مرة أو اثنتين بأن يسأل حضرة الأفندي عن المسئولية الأخلاقية لهذا الأمر، ولكنه لم يستطع الحصول على جواب يهدئ من قلقه. تركُ العاملين بسبب الذهاب إلى الجندية أو الانتقال إلى بوفيه آخر أجره أفضل، أو عدم التأقلم، شوش عقل مولود. استمرار الاحتيال بالحزم والصفاقة نفسيْهما على الرغم من هذه التغييرات، فتح في ضمير مولود جروحًا. الشخص الذي يجب أن يبلغ مولود عنه المعلم هو محرّم منظم الاحتيال، ومنفذه، ويعرف بين العناصر باسم «السمين». في الحقيقة أن السمين هو الحالة المسكينة للبطل الذي أبدعته بوفيهات السندوتش والشاورمة في ساحة تقسيم وشارع الاستقلال بشكل مشترك، والمرمية إلى زقاق جانبي، وكان واجهة بوفيه بينبوم ووجهها وعلامتها الفارقة. يدير سيخ الشاورمة الصغير خلف الواجهة الزجاجية (أي يدوّره عندما ينضج جانب، وينتبه لكي لا يحترق، ويقطعه)، ويعمل حركات مبالغًا بها مثل بائعي المثلجات المرعشيين من أجل لفت نظر المارة وخاصة السياح. لم يكن مولود يحب هذه الحركات. غير هذا فإن أي سائح لا يمر من هذا الزقاق الجانبي. ربط مولود بذل محرم السمين كل هذا الجهد من أجل غلة صغيرة جدًّا، بمحاولته إخفاء رئاسته للعصابة عنه وعن الجميع. ولأنه لم يقابل سوى قليل جدًّا من الذين يعيشون قلقًا أخلاقيًّا لإقدامهم على الاحتيال في حياتهم المهنية، يمكن أن يعتبر الأمر على عكس ما ربطه تمامًا. أي أن محرمًا السمين يحتال على المعلم بمهارة دون أن يشعر أحدًا، ولم يكن يعتبر هذا ذنبًا أخلاقيًّا أو حتى عيبًا. في أيام الجدل السياسي الكثيف حول مقتل الصحفي أوغور مومجو بواسطة قنبلة، عندما عرف السمين بأن مولودًا منتبهًا للأمر، قال له بأنه أوجد هذا العمل لأنه من حق عمال البوفيه الذين لا يقبضون راتبًا كافيًا، ويُشغَّلون بشكل ظالم دون تأمين، وهو لا يؤثر على المعلم نهائيًّا. تأثر مولود بهذا البيان اليساري القوي، واحترم السمين. لا يستطيع مولود أن يبلغ عنه المعلم أو الشرطة أو الدولة حتى لو كان محتالًا. عندما هاجم الدينيون العلويين في سيواس، وأحرقوا خمسة وثلاثين شخصًا بينهم كتاب وشعراء في فندق مادماق، اشتاق مولود ثانية لصديق شبابه، وأراد أن يحدثه بالسياسة كما كان يفعل أيام الثانوية، ويشتم السيئين، ولكنه لم يستطع أن يفعل هذا. سمع من رائحة بأن فرحات دخل قسم جباية الكهرباء، وعندما خصخصت الكهرباء نجح بالخروج من ملاك البلدية، والتوظف في شركة الكهرباء الخاصة، وفجأة بدأ يكسب نقودًا كثيرة. لا يريد أن يؤمن بأن فرحات كسب نقودًا كثيرة من جهة، وحين يؤمن بغيرة، يستخف به لمعرفته أن الساقطين الذين يحتالون (مثل الذين في بينبوم) فقط يكسبون النقود فجأة من جهة أخرى. رأى مولود كثيرًا من الذين قدموا أنفسهم يساريين في شبابهم، وعندما تزوجوا صاروا رأسماليين. وغالبية هؤلاء متحذلقون أكثر من الشيوعيين. في الخريف بدأ وحيد يقترب من مولود، ويشرح له كثيرًا من الأشياء بمزيج من الشكوى والتهديد: هو بريء. على مولود ألا يبلغ المعلم عنه. وإذا أخبر عنه، فسيخبر وحيدًا عنه أيضًا. وبعد أن عبّر عن هذا الأمر الأخير، وفي أكثر اللحظات عاطفية من عرض التلفاز لمشاهد تدمير جسر موستار في البوسنة بشكل متكرر، نظر وحيد إلى مولود نظرة تقول: «هكذا هي الحياة!». كان وحيد يريد أن يتزوج؛ لذلك فهو بحاجة إلى نقود. وفوق هذا، لم يكن المعلم الطرابظوني وحده يستغله، بل يستغله أيضًا السمين والآخرون أيضًا. لأنه كان يحصل على حصة قليلة من نظام الاحتيال. وحتى إن معلمهم الأساسي السمين أسوأ من القبطان الطرابظوني. إذا لم يعطوا وحيدًا حقه، فسيشكوهم للمعلم، ويشرح له لعبة الاحتيال التي يلعبها السمين. دهش مولود بهذه المعلومات الجديدة. في الحقيقة أن وحيدًا يهدد مولودًا من أضعف نقطة عنده، وهي آل فورال. المبالغة التي قدمها المعلم بأن مديره الجديد لا يمكن شراؤه، وأراد أن يخوفهم به، ارتدت عكسيًّا الآن، وبدأت تستخدم ضد مولود. كان المعلم يمتدح مولودًا أمام العناصر الآخرين في أثناء تسلمه الغلة في بعض الأمسيّة: مولود القونيوي إنسان مستقيم شريف ذو أخلاق رفيعة. فيه صفاء الإنسان الأناضولي وأصالته. ويتحدث المعلم عنه وكأنه أول من اكتشف الإنسان الأناضولي. إذا أحبك الإنسان الأناضولي، وصدقك، يضحي بحياته من أجلك. آل فورال أيضًا أناس شرفاء جدًّا. وهكذا يشرح لعناصره بأن مولودًا لا يقدم على عمل عاطل لأنه رجل آل فورال، ويعاقب من يقدم على هذا الأمر بحدة مع آل فورال. يبدو أن وحيدًا فهم بأن أصحاب بوفيه بينبوم الحقيقيين هم آل فورال، وأن المعلم الطرابظوني ومولود مجرد ستارة. لم يستغرب مولود هذه الرؤية لأنه في أثناء عمله بائعًا في إسطنبول، وجد أن أشخاصًا آخرين يمثلون غالبية الناس البالغين عشرات الآلاف من الذين قابلهم عندما يتدخلون في أي صراع أو عمل. بعد ذهاب البنتين إلى المدرسة في أحد أيام شباط الباردة، وبعد أن نام مولود طويلًا، ذهب متأخرًا عشرين دقيقة عن الموعد الذي يذهب فيه عادة. رأى باب بوفيه بينبوم مغلقًا. ولم يستطع الدخول لأن قفل الباب قد تغير أيضًا. أخبره بائع الموالح الذي يبعد محلين عن البوفيه بأن شجارًا نشب في المحل البارحة، وجاءت الشرطة من مخفر بيه أوغلو. وجلب المعلم الطرابظوني رجالًا ضربوا العاملين في الدكان، وسحبوهم إلى المخفر. وقد تصالح المتشاجرون في المخفر تحت ضغط الشرطة، وأطلق سراحهم في ساعة متأخرة، وجاء الطرابظوني بمعلم أقفال لا أدري أين وجده في تلك الساعة، وغيّر القفل، وعلّق على الباب ورقة كتب عليها: «مغلق بسبب الإصلاحات». قال مولود لنفسه: «هذا الرأي الرسمي». كان هناك جانب من عقله يقول إنه طرد من العمل بسبب تأخره في ذلك الصباح. هناك احتمال كبير بأن المعلم كشف لعبة العاملين، ولكن هذه يمكن أن تكون فكرة خاطئة. أراد أن يذهب إلى البيت، ويتحدث مع رائحة بكل شيء، ويبلغها بأنه عاد عاطلًا عن العمل، ولكنه لم يستطع أن يفعل هذا. تجول شاردًا عند الصباح، ودخل مقاهيَ لا يعرفها نهائيًّا، وجلس، وأجرى حسابات النقود. ثمة شعور بالكارثة والذنب في داخله، وفي الوقت ذاته شعور بالفرح لم يستطع إخفاءه عن نفسه بعد فترة. إنه يشعر بالحرية والغضب كما كان يشعر عند هروبه من المدرسة أيام الثانوية. لم يتسكع في الشوارع وقت الظهيرة منذ زمن طويل: نزل إلى قباطاش شاعرًا بالراحة نتيجة الحركة. هناك عربة أرز بالحمّص لآخر في المكان الذي باع فيه سنوات طويلة، ولكنه لم يرغب بالاقتراب منه أكثر. شعر للحظة أنه يشاهد حياته من بعيد. ترى هل كان الرجل يكسب نقودًا؟ كان رجلًا نحيفًا مثله. انتهت أخيرًا الحديقة التي في الخلف، وافتتحت. جلس مولود على مقعد، وشعر بثقل وضعه. كان ظل قصر طوب قاب، والخيال الرصاصي الضخم للجوامع البعيدة في الجو الضبابي، والسفن الضخمة بلون الصفيح والحديد التي تذهب بصمت، والنوارس التي تصرخ كأنها تتجادل بشكل مستمر تشغل عينيه. كان يشعر بأن موجة الحزن العملاقة التي لا يمكن كبحها ورآها في التلفاز تقترب ببطء شديد. لا أحد يمكن أن يسليه سوى رائحة. لا يمكن لمولود أن يعيش دون رائحة. بعد عشرين دقيقة وصل إلى البيت في طرلاباشِ. لم تسأله رائحة: «لماذا جئت إلى البيت في هذه الساعة؟». تصرف مولود كأنه هرب من البوفيه بذريعة ما، وجاء إلى البيت لكي يمارس معها الحب (فعل هذا عدة مرات). نسيا العالم والبنتين لأربعين دقيقة. رأى مولود أن رائحة علمت بالخبر من وديعة التي عرَّجت عليها في الصباح الباكر: بعد أن وخزتها وديعة بعبارة: «ليس لديكم هاتف حتى الآن». شرحت لها أن أحد العمال أبلغ المعلم عن قلة شرف كبرى تدور في المحل. وجلب القبطان تحسين أصدقاءه الطرابظونيين ورجاله، وداهموا المحل، ووضع يده على ماله. وبدأ الشجار نتيجة جدل دار بين السمين والمعلم؛ ولهذا السبب سيقوا إلى المخفر، ولكنهم تصالحوا في النهاية. وأبلغ المخبرُ المعلمَ الطرابظوني بأن مولودًا أيضًا يحتال على المعلم، وهو منتبه لاحتيال عديمي الشرف هؤلاء، ويقبض منهم إتاوة صمته، وصدّقه تحسين، وشكا مولود للحاج حميد فورال. بالطبع شرح قورقوط وسليمان لأبناء الحاج حميد بأن مولودًا مستقيم، ولا يمكن أن ينزل مستواه إلى هذه الأمور، ورفضا هذا الادعاء الذي يوسخ سمعة العائلة. ولكن آل آقطاش غضبوا من مولود بسبب هذا الأمر؛ لأنه يمكن أن يخرب العلاقة بينهم وبين الحاج حميد. الآن يغضب مولود من رائحة التي روت هذا دون أن تلطفه، وبنبرة كأنها تعطيهم الحق بموقفهم. انتبهت رائحة لهذا فورًا. قالت: «لا تشغل بالك، نتدبر أمرنا، هناك كثير من محلات الستائر وجهاز العرائس يطلبون تطريزًا». أكثر ما أحزن مولودًا أن فاطمة وفوزية لن تستطيعا أكل سندوتش الشاورمة وتوست القشقوان بعد الظهر. كان العمال هناك يحبونهما كثيرًا، ويقولون لهما كلمات حلوة. كان السمين في كل مرة يؤدي بعض الأدوار التي تضحكهما بسيف الشاورمة. في الأسبوع التالي سمع مولود من النمامين بأن السمين ووحيدًا غاضبان جدًّا منه، وأنه كان استغلاليًّا يقبض منهما إتاوة، ثم شكاهما للمعلم، ولكنه صمت إزاء هذه الافتراءات. قبض على نفسه متلبسًا بأحلام الصداقة مع فرحات عدة مرات. يسأل مولود عن شيء، ويقدم له فرحات المعلومات التي توضح الأمر حتى لو أزعجه. فرحات أفضل من يمكن أن ينصحه بما يجب أن يفعله لكي يحمي نفسه من محتالي البوفيه. ولكن تلك الصداقة كانت نوعًا من الحسرة الشديدة التفاؤل. تعلم مولود من الأزقة أن الرجل يكون وحيدًا كذئب بعد الثلاثين من عمره. إذا كان محظوظًا تكون هناك ذئبة اسمها رائحة. العلاج الأساسي للوحدة التي تسببها الشوارع، طبعًا هي الشوارع. أصبح مولود حزينًا لأنه ابتعد عن شوارع إسطنبول خلال الأعوام الخمسة التي قضاها في بوفيه بينبوم. يمارس الحب مع رائحة بعد أن يُرسل ابنتيه إلى المدرسة، ويعرّج على مشارب الشاي للبحث عن العمل، ومساء يخرج باكرًا لبيع البوظة. عرَّج مرتين على زاوية تشارشمبة. هرم حضرة السيد خلال الأعوام الخمسة هذه، وبدأ يجلس مدة أقل على كرسيه خلف الطاولة، وأطول على الأريكة المجاورة للنافذة. هناك زر يفتح الباب آليًّا عند طرف الأريكة. ثبّت حضرة الأفندي مرآة شاحنة كبيرة بالبراغي على جدار البناء المؤلف من ثلاثة طوابق ليرى من يطرق الباب. في الزيارتين فتح له حضرة الأفندي الباب قبل أن ينادي: «بوووظة». هناك طلاب وزوار جدد. لم يتحدثا كثيرًا. في المرتين لم يأخذ مولود ثمن البوظة. لم ينتبه أحد بعد بمن في ذلك حضرة الأفندي، أنه انفصل عن عمل الإدارة. لماذا كان يدخل في بعض الليالي إلى المقابر النائية في الأحياء المتطرفة، ويريد أن يجلس بين أشجار السرو تحت ضوء القمر؟ لماذا تطارده الموجة السوداء العملاقة التي رأى مثلها في التلفاز، ويغرق بقدره الشبيه بالموجة وهو يهرب منها؟ لم تعد عصابات الكلاب على الشاطئ الآخر من الخليج فقط تكشر له عن أنيابها، بل العصابات الصغيرة في قورطولوش وشيشلي وجيهان غير أيضًا تكشر له عن أنيابها. لماذا بدأ مولود يخاف من الكلاب، ولماذا تشعر هي بهذا، وتبدأ بالنخير، وينتبه مولود إلى أن حدة النخر ترتفع؛ فيخاف؟ كانت هناك انتخابات أخرى، وزُينت المدينة من أولها إلى آخرها برايات الأحزاب السياسية، وتعرقل السير السيارات التي تزعج الجميع بجعجعتها عبر مكبرات الصوت التي تبث الأغاني والأناشيد. كان الجميع في تل الرماد يعطون أصواتهم للحزب الذي يقول إنه سيجلب الطريق والكهرباء والماء والحافلات إلى الحي. وكان الحاج حميد فورال هو الذي يساوم باسم أهل الحي؛ ليقرر أي حزب سيقوم بهذه الأعمال. كان مولود يبتعد عن الانتخابات بتأثير الشائعة التي تقول: «من يسجل اسمه في قيود الدولة من أجل الانتخاب، تأتِ المالية إلى بيته». أساسًا هو مثلما لا يكره أي حزب، ليس له أي طلب من أي حزب سياسي سوى: «يجب أن يُعَامل الباعة الجوالون معاملة جيدة!». ولكنه اصطحب رائحة، وأخذا هويتهما، وسجلا نفسيهما؛ لأن الحكم العسكري قبل انتخابين منَعَ التجول، وسجّل البلد كله بيتًا بيتا، وغرفةً غرفةً، وهدد أنه سيزج في السجن من لا ينتخب. في انتخابات البلدية لعام ١٩٩٤ كانت صناديق الحي في مدرسة بيالة باشا الابتدائية التي تذهب إليها ابنتاهما، فاصطحب رائحة وفاطمة وفوزية، وذهبوا إلى التصويت وهم يضحكون ويتمايلون. كان هناك صندوق انتخاب وجمع جاد من الناس في صف فاطمة. أما صف فوزية فقد كان فارغًا. دخل الأربعة، وجلسوا على المقاعد. وضحكوا لتقليد فوزية معلمتها، ونظروا بإعجاب إلى رسم «بيتنا» الذي رسمته فوزية في الصف، وأعجب المعلمة، وعلقته في الزاوية: وضعت فوزية على سطح البيت الذي رسمته مدخنتين وعلم تركيا، وفي حديقته شجرة لوز، وعربة الأرز المفقودة. لم يكن في الرسم جنزير يربط العربة بالشجرة. عندما كتبت الجرائد في اليوم التالي أن الدينيين كسبوا الانتخابات، قال مولود لنفسه مرة أو اثنتين: «يزيلون طاولات السكارى المفتوحة في بيه أوغلو، ويمر الباعة بسهولة أكبر، ويشرب الناس بوظة أكثر». بعد يومين، قرر مولود ترك بيع البوظة؛ لأن الكلاب هاجمته في أثناء البيع ليلًا، وسُلبت نقوده وساعاته السويسرية. الجزء الخامس آذار/ مارس ١٩٩٤ ـ أيلول/ سبتمبر ٢٠٠٢ في الجنة تتساوى نية القلب مع نية اللسان. ابن زرهاني، «حكم السر المفقود». ١ بوظة العديلين عمل شريف وقومي لأن القصة وصلت إلى النقطة ذاتها، أقترح على قرائي إعادة قراءة الفصل الثاني. اهتز مولود مساء الأربعاء ٣٠ آذار/ مارس ١٩٩٤ نتيجة اعتداء الكلاب، والسلب، وخسارة الساعة هدية الحاج حميد فورال في عرسه قبل اثني عشر عامًا. صباح اليوم التالي، وبعد ذهاب فاطمة وفوزية إلى المدرسة، وفي أثناء حديثه مع رائحة، فكر مولود مرة أخرى بأن قرار تركه بيع البوظة قرارٌ صائب. لا يستطيع المشي في الأزقة وهو خائف من الكلاب. من جهة أخرى يسأل نفسه ما إن كان سلبه وتعرضه لهجوم الكلاب في الليلة نفسها مصادفة. لو سلب أولًا ثم هاجمته الكلاب، لكان من الممكن أن يفسر الأمر بمنطق: «خفت في حادثة السلب، وشمت الكلاب خوفي؛ فهاجمتني!»، ولكن الكلاب هاجمته أولًا، وسلب بعدها بساعتين. مع محاولة مولود إيجاد علاقة بين الحادثتين، يتذكر المقالة التي قرأها في مكتبة المدرسة الابتدائية. مقالة العدد القديم من مجلة «الروح والمادة» تتعلق بقراءة الكلاب لأفكار الناس. ولكن مولودًا أدرك بسرعة أنه من الصعب تذكر المقالة للخروج من الموضوع. رائحة. عندما ترك مولود بيع البوظة بسبب خوفه من الكلاب، ذهبتُ لزيارة وديعة في أول فرصة. قالت وديعة: «جماعتنا غاضبون من مولود بعد عمل البوفيه، لن يجدوا له عملًا، ولن يعاملوه جيدًا». قلت: «مولود أيضًا غاضب منهما. أصلًا أنا أفكر بفرحات، وليس بهما. سمعت بأن فرحات يكسب نقودًا كثيرة في إدارة الكهرباء. ليجد لمولود عملًا. ولكن إذا لم يتنازل هو، ويتصل، فإن مولودًا لا يذهب إليه نهائيًّا». «ما السبب؟». «تعرفين السبب..». نظرت وديعة نظرةً بمعنى أنها فهمت. قلت: «أرجوكِ يا وديعة، أنتِ أفضل من يقنع سميحة وفرحات. كان فرحات ومولود صديقين قريبين جدًّا. بما أن فرحات يريد أن يظهر للآخرين أنه يكسب، فليساعد صديقه القديم». قالت وديعة: قديمًا كنت تتفقين مع سميحة ضدي. والآن يقع على عاتقي إصلاح العلاقة بينكما». قلت: «لا يوجد بيني وبين سميحة شيء. القضية هي غرور الرجال». قالت وديعة: «هما لا يسميانه غرورًا، يقولان كرامة. وتسوء بينهما بسرعة». بعد أسبوع قالت رائحة لزوجها إنهما مدعوان، وسيأخذان البنتين، ويذهبان إلى سميحة وفرحات يوم الأحد، وستعد لهم سميحة كباب بيه شهير. قال مولود: «كباب بيه شهير هو لحم على خبز عادي يضاف إليه الجوز. آخر مرة أكلته قبل عشرين سنة. من أين خرج لنا هذا؟». قالت رائحة: «وآخر مرة رأيت فيها فرحات كانت قبل عشر سنوات!» مولود شاردًا: قاطع كل شيء بعد سلبه، وصار حساسًا أكثر. لم يكن يخرج مساء لبيع البوظة. صباحًا كان يدور على المطاعم والبوفيهات في طرلاباشِ وبيه أوغلو باحثًا عن عمل مناسب له، ولكنه كان يقوم بهذا الأمر بغضب ودون مبالاة. صباح ذات يوم أحد مشمس، ركبوا حافلة بلدية خاوية إلا من أربعة أو خمسة أشخاص ذاهبين مثلهم لزيارة أبناء بلدهم في الطرف الآخر من المدينة. ارتاحت رائحة عندما سمعت مولودًا يشرح لفاطمة وفوزية عن مرح صديق طفولته عمهما فرحات. بفضل فاطمة وفوزية تم تجاوز لحظة اللقاء بسميحة، وفرحات الذي يهرب منه مولود منذ عشرة أعوام دون أي خجل. بعد عناق الصديقين، حمل فرحات فوزية بحضنه، وخرجوا جميعًا من البيت، وذهبوا لرؤية المقسم الذي سيّجه فرحات بالأحجار البيض قبل خمسة عشر عامًا وكأنه يقول هذا هو المقسم الذي سأبني فيه البيت. الغابة التي تنتهي عندها المدينة، وشبح إسطنبول وسط الضباب، والحدائق التي ينبش فيها الدجاج، وتتجول فيها الصيصان والكلاب أسعدت الطفلتين، وكانتا تهرعان يمينًا ويسارًا باستمرار. قال مولود لنفسه: ولدت فاطمة وفوزية، وترعرعتا في طرلاباشِ، ولم تريا في حياتهما حقلًا تفوح منه رائحة روث، ولا بيتَ قرية، ولا حتى بستان فواكه. كان سعيدًا برؤية ابنتيه الأشجار، وبكرات الآبار، وخراطيم الري، وحتى الحمير المسنة المتعبة، والصفيح المنتزع من بيوت إسطنبول القديمة، والمستخدم في سياج الحدائق، وقضبان الحديد المزخرفة، وإعجابهما بها. السبب الأساسي لسعادته هو متابعة صداقته مع فرحات دون جرح كرامته، وتمكنه من المجيء إلى هنا دون إحزان رائحة. وغضب من نفسه لمبالغته بقصة لمن يكتب الرسائل، وحزنه دون سبب. وفي الوقت نفسه، كان يحرص على عدم انفراده بسميحة. في أثناء جلب سميحة كباب بيه شهير إلى المائدة، جلس مولود في أبعد نقطة عنها على الطاولة. كان يشعر بفرح يخفف عنه إفلاسه وعدم وجود عمل لديه. كان مرتاحًا من ضحك فرحات، وممازحاته، وشرب العرق الذي يصبه في كأسه، ولكنه محتاط: قليلًا ما يتكلم خوفًا من قوله شيئًا خاطئًا. عندما دار رأسه بتأثير العرق، انهمك، وقرر ألا يتكلم نهائيًّا. كان يستمع لمن على المائدة فقط، ويسد حاجته للثرثرة بالحديث مع نفسه. ذات مرة قال لنفسه: «نعم، رسائلي كتبتها كلها لسميحة، وبالطبع إنني تأثرت بعينيها!». لم يكن ينظر نحو تلك الجهة، ولكن نعم، سميحة جميلة جدًّا، وعيناها جميلتان بحيث تثبتان صحة كل ما كتبه مولود بحقهما. حسنٌ أن سليمان خدعه، وهكذا على الرغم من تفكيره بسميحة، كتب في رأس الرسائل رائحة. لأن مولودًا لا يمكن أن يسعد سوى مع رائحة. خلق الله كلًّا منهما للآخر. إنه يحبها كثيرًا، لولا رائحة لمات مولود. الفتيات الجميلات مثل سميحة يَكُنَّ صعبات ومتطلبات، ويتعسن الإنسان لأسباب غير مفهومة. لا ترتاح الفتيات الجميلات إلا عندما يتزوجن رجلًا غنيًّا. ولكن الفتاة الجيدة مثل رائحة، تحب زوجها حتى وإن لم يكن غنيًّا. بعد أن عملت سميحة خدامة لسنوات، ارتاحت الآن بدخول زوجها جباية الكهرباء، وأصبح بيده بضعة قروش. قال مولود لنفسه: «ما الذي يحدث يا ترى لو أنني كتبت في رأس الرسائل سميحة وليس رائحة؟». هل كانت سميحة تهرب إليه؟ اعترف مولود لنفسه بواقعية وغيرة وسكر بأن سميحة لن تهرب إليه. همست رائحة بأذن مولود: «يكفي، لا تشرب أكثر!». همس مولود بعصبية: «لا أشرب». يمكن أن يفهم فرحات وسميحة رائحة خطأ عندما تقول ما لا ضرورة له. قال فرحات: «دعيه يا رائحة، ليشرب على مزاجه. أخيرًا ترك بيع البوظة، وهو الآن يحتفي بهذا..». قال مولود: «أصبح هناك في الشوارع من يسلب باعة البوظة. في الحقيقة أنني لست مسرورًا من الترك». يتوقع أن رائحة قد حكت لهم عن وضعه، وأنهم جاءوا إلى هنا من أجل أن يجد عملًا، ويخجل. «كنت أريد أن أبيع البوظة حتى آخر يوم في حياتي». قال فرحات: «حسنٌ يا مولود، لنبعْ بوظة إلى آخر يوم في حياتنا! هناك دكان صغير في زقاق الإمام عدنان. كنت أفكر بفتحه محل شاورمة. فتح دكان بوظة فكرة أفضل. عندما لم يستطع صاحبه دفع دينه، بقي الدكان معلقًا». قالت رائحة: «مولود يدير البوفيه بشكل جيد جدًّا، وأصبحت لديه تجربة». لم يحب مولود حالة زوجته المتوترة الباحثة عن عمل لزوجها. ولكن لم تكن لديه قوة تمكنه من المشاكسة بإيجاد خطأ لدى الآخرين. لم ينبس. كان يشعر بأن فرحات وسميحة قد قررا فيما بينهما شيئًا ما. في الحقيقة أنه مسرور من هذا الوضع. سيصبح مديرًا من جديد. ويدرك أنه يجب ألا يسأل فرحات برأسه السكران كيف تمكّن من كسب نقود تجعله يفتح دكانًا في بيه أوغلو. فرحات. فور حصولي على الشهادة، دخلت ملاك إدارة الكهرباء إلى جانب قريب علوي من بينغول. عندما خصخصت شركات الكهرباء وتوزيعها بموجب قانون صدر عام ١٩٩١، ابتسم الحظ للمجتهدين والمبادرين. البعض وافق على شروط التقاعد فورًا. قبضوا نقودهم، وتركوا. البعض الآخر بقوا مثل موظفي الجيل القديم، وطردوا من العمل بسرعة. أما الطموحون مثلي، فقد تصرفوا بحذر. أوصلت الدولة خطوط الكهرباء عبر السنين إلى كل مكان في إسطنبول، وإلى أبعد أحياء المخالفات الأكثر فقرًا، وحتى إلى أقذر المواخير التي يديرها أسفل المجرمين. والمواطن أوجد أنواع الحيل كافة من أجل أن يستهلك الكهرباء دون أن يدفع النقود على مدى سنوات. خصخصت الدولة توزيع الكهرباء؛ لأنها لم تستطع تحصيل ثمنها من المواطن المحتال، وحوّلت الديون التي لم تستطع تحصيلها إلى الشركة. وصدر قانون يفرض فائدة مرتفعة كل شهر على المتخلفين عن الدفع؛ لكي يرتدع الذين لا يخافون من الجباة أمثالي ويسخرون منهم، ويدفعون ديونهم. كان الصمصوني الذي يبيع الجرائد والسجائر والسندوتش في دكان زقاق الإمام عدنان حاذقًا، ولكنه ليس كذلك بالاحتيال. الدكان في الأصل لرومي من المطرودين إلى أثينا. دخل الصمصوني إلى المحل المهجور، دون سند تمليك أو عقد إيجار، ولكنه تدبر أحدهم من البلدية، وركّب عدادَ كهرباء. ثم سحب خطَّ تهريبٍ، وربطه بآلة تسخين توست ومدفأتين كهربائيتين تجعلان المحل كالحمام. عندما ضبطته، لو أراد أن يسدد عقوبة استهلاكه الكهرباء غير القانونية، ويدفع ديونه وفوائدها بحسب نسبة التضخم، فعليه أن يبيع شقته في قاسم باشا. لذلك ترك صاحب البوفيه الصمصوني كل شيء، وذهب. الدكان الفارغ أصغر من نصف بينبوم، ولا يوجد داخله سوى مكانٍ لطاولة يجلس عليها زبونان ليشربا البوظة. وبعد أن ترسل رائحة البنتين إلى المدرسة، تحلي شراب البوظة في البيت، وتغسل أوعيته كما كانت تفعل سابقًا، وتتسوق من أجل الدكان الذي توليه عناية كبيرة. يذهب مولود كل يوم في الحادية عشرة، ويفتح الدكان. ولأن أحدًا لا يشرب البوظة في ذلك الوقت، يرتبه من الداخل بعناية فائقة، ويصفّ الكئوس التي اشتراها، وأباريق الزجاج، والقرفة فوق الطاولة المطلة على الزقاق مقلدًا بوظة وفا. عندما قررا أن يحولا الدكان إلى بيع البوظة، كان موسم هذا الشراب على وشك الانتهاء، ولكن برودة الجو استمرت فترة طويلة، وعندما فتح الدكان على عجل بعد خمسة أيام، حظيَ باهتمام كبير. ونتيجة هذا النجاح التجاري الأول استثمر فرحات في الدكان، وجدد الثلاجة التي تقوم مقام الواجهة الزجاجية، وطلى الواجهة الخارجية والباب (بصفرة البوظة نتيجة إلحاح مولود)، وعلق فوق الباب مصباحًا ليجذب الزبائن في الليل، وجلب مرآة من البيت. تذكرا بأنه يجب أن يكون للدكان اسم. لو أن الأمر بيد مولود لاكتفى بلوحة مكتوب عليها بأحرف كبيرة «بائع البوظة». ولكن صانعَ لوحاتٍ ذكي وخبير يقدم خدماته للدكاكين الحديثة في بيه أوغلو شرح لهما بأن اسمًا كهذا يفشل تجاريًّا. سأل الصديقين عن ماضيهما، وفتح حديثًا، وعندما عرف أنهما متزوجان من أختين، وضع اسم الدكان فورًا: بوظة العديلين ومع الزمن تحول هذا الاسم إلى «العديلين». وكما اتفقا على جلسة غداء ومشروب عرق طويلة في حي غازي، فإن فرحات سيضع الرأسمال (دكانًا فارغًا ليس له نفقات كهرباء وإيجار)، ويضع مولودٌ رأسمالَ التشغيل (شراب البوظة الذي يشتريه مرتين في الأسبوع، والسكر، والحمّص المحمص، والقرفة)، وجهده مع جهد رائحة. ويقسم الربح مناصفة بين الصديقين القديمين. سميحة. بعد سنوات الخدمة تلك كلها، لا يريدني فرحات الآن أن أعمل في دكان مولود. كان يقول أحيانًا: «دعك يا هذه، لا يجوز في دكان بوظة». وهذا ما كان يجرح قلبي. ولكنه في كثير من الأمسيّة ينشغل باله على الدكان، ويعرِّج، ويساعد مولودًا، ويعود إلى البيت متأخرًا. وأنا أيضًا كان الدكان يثير فضولي، وأذهب خفية عن فرحات. ولكن أحدًا لا يريد أن يشتري من امرأتين تغطيان رأسيهما. وهكذا صرنا خلال فترة قصيرة مثل آلاف البوفيهات التي في إسطنبول حيث يكون الرجال على طاولة في المقدمة يلبون طلبات الزبائن، ويقبضون النقود، والنساء اللواتي يغطين رءوسهن في الخلف منشغلات بالموقد والجلي. ولكننا نحن نبيع البوظة. بعد عشرة أيام من افتتاح «العديلين»، تركنا حي غازي، وانتقلنا إلى شقة ذات تدفئة مركزية استأجرها فرحات في «تشوقور جمعة». هناك تجار أشياء مستعملة، ومصلحو أرائك، ومستشفيات وصيدليات في المحيط. عندما أنظر من النافذة أرى جزءًا من شارع «سراسلفيلر»، والزحام الذاهب إلى تقسيم، والقادم من هناك. أشعر بالملل بعد الظهر، فأذهب إلى «العديلين». عندما تشير الساعة إلى الخامسة، تذهب رائحة إلى البيت لكي لا تبقى البنتان وحدهما في العتمة، ولتحضير العشاء، وأنا أخرج لكي لا أبقى وحدي مع مولود. بقيت عدة مرات بعد ذهاب رائحة، قد أدار مولود لي ظهره. ولكنه كان ينظر من المرآة أحيانًا. وأنا أنظر إلى مرآتنا، ولا أتكلم نهائيًّا معه. فيما بعد يأتي فرحات الذي يعرف أنني هناك، وبعد فترة اعتاد على ذهابي إلى الدكان. كان فرحات يُسَرُّ كثيرًا من بقائنا معًا في الدكان، وتقديمنا الخدمة للزبائن معًا. إنها المرة الأولى التي يعمل فيها الزوجان معًا. كان فرحات يأتي، ويتحدث حول كل زبون يشرب كأسًا من البوظة: هذا المخبول يشرب البوظة بعد أن ينفخ عليها معتقدًا أنها سحلب. الآخر كبير باعة مخزن الأحذية الواقع على الشارع الآخر؛ فرحات وصَّل لهم الكهرباء. بعد أن أعطى الثالث كأسًا مجانية لأنه شرب البوظة بشهية، يحكي بحقه، ويروي له ذكرياته في الجندية. بعد فتح «العديلين» بشهرين، أدرك الجميع بأن العمل ليس مربحًا، ولكنهم لم يتحدثوا بهذا فيما بينهم. تباع في محل «العديلين» يوميًّا ثلاثة أضعاف ما كان مولود يبيعه في أفضل أيام الشتاء الباردة القديمة. ربح هذه الكمية يمكن أن يغطي نصف نفقات عائلة ليس لديها أطفال. غير هذا، فهم لا يدفعون إيجارًا، وقد أغلق فرحات أبواب الرشوة للمالية والبلدية عبر شبكة علاقاته. كل ما يضعه الإنسان على طاولة في هذا الزقاق المزدحم الواقع على بعد زقاق أسفل شارع الاستقلال يمكن أن يبيعه. لم يفقد مولود أمله نهائيًّا. كثير من العابرين يرون اللوحة، فيتوقفون، ويشربون كأسًا، ويقولون لمولود مباشرة بأنه فعل حسنًا بفتح دكان كهذا. كان مولود يستمتع كثيرًا بالحديث لكل أنواع الزبائن بدأ من الأمهات اللواتي يذقن أولادهن البوظة، وصولًا إلى السكارى، ومن المتحذلقين النصّاحين، إلى الشكاكين بكل شيء: «البوظة شراب مسائي، ماذا تفعلون هنا صباحًا؟». «هل تحضرون الشراب في البيت؟». «أسعاركم مرتفعة، وكئوسكم صغيرة، ويجب أن تقدموا حمصًا محمصًا أكثر». (فهم مولود بسرعة أن الانتقادات التي يتحرج الناس من قولها لبائع بوظة جوال مسكين، لا يتحرجون من قولها لصاحب دكان). «حلال عليك، إنك تقوم بعمل شريف، وحتى قومي». «أنا الآن قلبت ربع زجاجة عرق «كلوب» إلى معدتي، ماذا يحدث إن شربت، أم لم أشرب؟». «عدم المؤاخذة، هل يشرب شراب البوظة قبل الطعام، أم بعده مثل الحلوى؟». «أخي بائع البوظة، هل تعرف بأن كلمة بوظة جاءت من كلمة «booze» الإنكليزية؟». «هل لديك توصيل إلى البيوت؟». «ألست ابن اللبان مصطفى أفندي؟ كنت تساعد والدك، أحسنت!». «إذا بِيع شراب البوظة في الدكان، فماذا يفعل بائعه الجوال؟». «بائع البوظة، نادى: «بوظة» لكي يسمع الأولاد، ويتعلموا». إذا كان مزاج مولود جيدًا، فلا يكسر بخاطر الزبائن الفضوليين، وخاصة العائلات ذات الأولاد، وينادي بصوت مرتفع: «بووووظة». غالبية الزبائن الذين يقولون: «إنك تقوم بعمل عظيم»، ويلقون الخطب حول التقاليد والعثمانيون لا يعودون. أدهشه عدد الشكاكين العدوانيين الذين يريدون رؤية ما إذا كانت الكئوس مغسولة جيدًا، ونظيفة بأعينهم، ويسألون ما إن كانت المواد المستخدمة في الشراب صحية. لم يكن مولود يُدهش ممن يقول إنه يشرب البوظة أول مرة في حياته، وبعد أول رشفة يطلق: «إع»، وكذلك الأمر ممن يترك نصف كأسه قائلًا: «حامض جدًّا» أو «حلو جدًّا». هناك من يقلب شفته، ويقول: «شراب البوظة الذي أخذته مساء من البائع الجوال أجود وأصلي أكثر!»، ومن يقول: «كنت أعتقد أن هذا يباع ساخنًا!»، ويترك الكأس قبل أن تنتهي. بعد الافتتاح بشهر، بدأ فرحات يعرِّج مرة كل يومين، ويتابع بعض الأمور. أفرغت قرية والده في الشرق في أثناء حرب الجيش والفدائيين الأكراد، وجاءت جدته لأبيه التي لا تعرف التركية إلى إسطنبول. كان فرحات يحدّث مولودًا كيف يكلِّم جدته بلغته الكردية المكسرة. يتجمع الأكراد المهاجرون إلى إسطنبول بعد إحراق قراهم في بعض الأحياء تدريجيًّا، ويشكلون عصابات. يقول رئيس البلدية الديني الجديد بأنه سيغلق الخمارات ومحلات المشروب التي تضع طاولات على الأرصفة. مع اقتراب الصيف، بدأنا نبيع المثلجات أيضًا. رائحة. نحن أيضًا جلبنا مرآةً إلى الدكان مثل فرحات وسميحة. بعد ظهر بعض الأيام، لاحظتُ أن مولودًا لا ينظر إلى الزقاق، بل إلى مرآتنا المعلقة بجوار النافذة. دب الشك بقلبي. ذهبت، وجلستُ مكانه عندما كان في الزقاق، ونظرت مثله إلى المرآة، فرأيت وجه سميحة الواقفة خلفي، وعينيها. وتخيلت تبادلهما النظر بمساعدة المرآة دون أن أنتبه، وسيطرت عليَّ الغيرة. لعلني مخطئة، ولكن الأمر تعلق برأسي. غير هذا لم تكن هناك ضرورة لمجيء سميحة إلى الدكان في أثناء شغلنا مولود وأنا. وهل هما بحاجة إلى نقود بعد أن أصبح فرحات يتجول حاملًا في جيبه النقود التي يقبضها من مهربي الكهرباء رزمًا لتهتم سميحة بالدكان كل هذا؟ عندما أذهب إلى البيت من أجل البنتين، تخرج سميحة بعدي مباشرة، ولكنها أحيانًا تشرد بالعمل: بقيت مع مولود على انفراد في الدكان أربع مرات. في الحقيقة أن عقل سميحة معلق بالبيت الجديد الذي استأجروه في جيهان غير، وليس بالدكان. أخذتُ البنتين ذات مساء، وقلت لأعرِّج قليلًا. لم تكن سميحة في البيت، فلم أستطيع ضبط نفسي، وذهبت مع البنتين إلى الدكان. قال مولود: «لماذا جئت في هذا الوقت؟ ألَم أقل لك: لا تجلبي البنتين إلى هنا؟». لم يقل هذا كما يقوله مولودي الملاك القديم، بل قالها بنبرة رجل سيئ. وأحسست بجرح، ولم أعرِّج على الدكان لثلاثة أيام. بالطبع أن سميحة أيضًا لم تذهب إلى الدكان لأنني لست هناك، وجاءت لزيارتي في البيت بسرعة. قالت: «ماذا حدث يا أختي، شغلت بالي». خجلت من غيرتي، فقلت: «أنا مريضة!» قالت: «ليس فيك شيء، أعرف هذا. وفرحات أيضًا يعاملني معاملة سيئة». ولم تقل هذا لكي تستدرجني بالكلام؛ بل لأن أختي الذكية أدركت منذ زمن بأن البلاء يأتي دائمًا لأمثالنا من الأزواج. يا ليت هذا الدكان لم يكن، وبقيت مع مولود وحدنا كما كنا في الماضي. بدأنا ببيع البوظة من جديد اعتبارًا من أواسط تشرين الأول/ أكتوبر. طلب مولود رفع المأكولات المتنوعة مثل السندوتش والمعمول والشيكولاته، وقال: من الأفضل تقديم البوظة والحمّص المحمص والقرفة فقط، ولكنهم كما في كل مرة لم يردوا عليه باعتباره الأكثر تفاؤلًا. كان مولود يترك الدكان لفرحات يومًا أو يومين بالأسبوع، ويوصل البوظة لزبائنه القدامى المواظبين. نتيجة الحرب الدائرة في الشرق، تحدث تفجيرات هنا وهناك في إسطنبول، وتُنظّم مظاهرات، وتُرمى قنابل على الجرائد ليلًا، ولكن على الرغم من هذا فإن بيه أوغلو مزدحم. في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر نشرت جريدة «الإرشاد» مقالًا حول الدكان، وأول من أبلغهم بالمقال هو صانع المفاتيح الديني المقابل لهم. هرع مولود إلى موزع الصحف في شارع الاستقلال. في الدكان دقق مع رائحة الجريدة من أولها إلى آخرها. في إحدى زوايا الرأي بعنوان «ثلاثة دكاكين» يمتدح بداية «بوظة العديلين»، ثم يعرّف بمحل بيع سندوتش عرائس في نيشان طاشِ، ومحل لا يبيع سوى العاشوراء والمحلاية في قرة كوي. التذكير بعاداتنا المنسية بتأثير التقليد الغربي، واستذكار أجدادنا مهمة مقدسة. إذا أردنا المحافظة على شخصيتنا القومية ومُثُلنا وإيماننا باعتبارنا حضارة، فعلينا قبل كل شيء أن نبقى مخلصين لمأكولاتنا ومشروباتنا. فور دخول فرحات إلى الدكان مساء، وضع مولود الجريدة أمامه بفرح. وادعى أن كثيرًا من الزبائن جاءوا بعد نشر المقال. قال فرحات: «دعك من هذا. لا أحد يقرأ «الإرشاد» ويأتي إلى الدكان. عنواننا ليس مكتوبًا. استُخدمنا أداة لدعاية جريدة دينية». لم ينتبه مولود إلى أن «الإرشاد» جريدة دينية، ولا إلى الدعاية الموجودة في المقال. انتبه فرحات إلى أن صديقه لم يفهمه؛ فتوتر. تناول الجريدة. «انظر إلى هذه العناوين يا بني: حضرة حمزة ومعركة أحد... النية والقسمة والإرادة في الإسلام... لماذا الحج فريضة؟». هل هذه مواضيع مضرّة؟ كان حضرة الأفندي يتحدث بشكل جميل جدًّا حول هذه المواضيع، ومولود يحب كلماته. حسن أن مولودًا أخفى عن فرحات أنه يقابل حضرة الأفندي. لعل فرحات يقول عن مولود: «ديني سيئ!». تابع فرحات قراءة صفحات جريدة «الإرشاد» بغضب: «ماذا فعل فخر الدين باشا بالجاسوس الشاذ جنسيًّا لورانس؟ الماسونيون ووكالة الاستخبارات الأمريكية والحُمر. تبين أن المدافعَ عن حقوق الإنسان الإنكليزي يهوديٌّ!». حسنٌ أن مولودًا لم يقل لحضرة الأفندي أن شريكه بالعمل علوي. يعتقد حضرة الأفندي أن شريك مولود تركي سني. عندما يتطرق بحديثه إلى موضوع العلويين والشيعة في إيران وحضرة علي، كان مولود يغير الحديث خوفًا من أن يقول شيئًا سيئًا بحقهم. قرأ فرحات: «تفسير القرآن الكريم بغلاف صقيل بخمسة ألوان مقابل ثلاثين قسيمة مع جريدة الإرشاد. يا بنيَّ، إذا وصل هؤلاء إلى السلطة، فإن أول شيء سيفعلونه هو منع الباعة الجوالين كما في إيران. ويشنقون واحدًا أو اثنين من أمثالك». قال مولود معاندًا: «لا! يحوي شراب البوظة الكحول، ولكن انظر، إنهم لا يعترضون عليه». قال فرحات: «لأنه لا أهمية لكحول البوظة، وهذا هو السبب». قال مولود: «طبعًا لا قيمة للبوظة مقارنة بعرق كلوب الذي تشربه أنت». «ما هذا؟ هل أصبح العرق يخدش ذائقتك؟ إذا كان الكحول محرمًا، فلا أهمية للدرجة. نحن أيضًا يجب أن نغلق هذا الدكان». شعر مولود أن هناك تهديدًا. فتح هذا الدكان بفضل نقود فرحات. «لعلك صوّت لهؤلاء الدينيين أيضًا؟». قال مولود كاذبًا: «لا، لم أصوِّت لهم». قال فرحات بنبرة المعلم المهينة: «صوِّت لمن تريد يا بنيَّ!». تعكر مزاجهما معًا. لم يعرِّج فرحات فترة على الدكان. ولهذا السبب لم يستطع مولود أن يعرِّج على زبائنه المداومين القدامى، ويوصل لهم البوظة. كان مولود يملّ في الدكان عندما لا يعرِّج أحد، ولكنه لا يشعر بالضيق في الأزقة القفرة في الليالي التي يبيع فيها البوظة حتى عندما لا تفتح أي نافذة، ولا يشتري أحد بوظة. تنشط قوة خيال مولود في أثناء المشي، وتذكره جدران الجوامع، والبيوت الخشبية الآيلة إلى السقوط، والمقابر بوجود عالم سري آخر داخل هذا العالم. نشر في جريدة الإرشاد رسمًا لهذا العالم الذي في عقل مولود. بالطبع فإن ذلك الرسم نشر لهدف آخر هو تزيين سلسلة مقالات بعنوان «العالم الآخر». عندما يبقى مولود وحده ليلًا، يفتح الجريدة التي نشرت خبر «العديلين»، وينظر إلى الرسم المنشور في صفحة أخرى. لماذا شواهد القبور مائلة؟ ماذا عن اختلاف كل شاهدة قبر عن الأخرى، وانحناء بعضها بحزن؟ ما ذلك النازل من الأعلى كالنور؟ لماذا تثير أشجار السرو والأشياء القديمة مشاعر جميلة في نفس مولود؟ ٢ مع امرأتين في الدكان الصغير عدادات أخرى وعائلات أخرى رائحة. مازلت سميحة جميلة جدًّا. بعض الأوغاد يريدون أن يلمسوا أصابعها عندما يقبضون بقية نقودهم. لهذا السبب لا تعطيهم النقود بأيديهم، بل تضعها على الزجاج المفلطح. في كثير من الأوقات أنا أحضِّر اللبن الرائب كما أحضِّر البوظة، وأبيعه. لم يكونوا يتعرضون لي. بعض الأصباح لا أحد يأتي للجلوس. أحيانًا تأتي عجوز، وتندس بالمدفأة الكهربائية، وتطلب شايًا. وهكذا بدأنا بتقديم الشاي. صارت تتردد امرأة لطيفة تخرج إلى بيه أوغلو للتسوق يوميًّا، وتقول وهي تبتسم: «أنتما أختان، أليس كذلك؟ تشبه إحداكما الأخرى. أي منكما زوجها جيد، وأيها سيئ؟». جاء مرة شخص عليه ملامح الإجرام، وبيده سيجارة، وطلب بوظة من الصباح، وبعد أن شرب ثلاث كئوس، نظر إلى سميحة، وبدأ يقول: «هل يوجد في البوظة كحول، أم أن رأسي بدأ يدور بتأثير سبب آخر؟». نعم، من الصعب إدارة دكان دون رجل. ولكن لا سميحة أخبرت فرحات بهذا، ولا أنا أخبرت مولودًا. كانت سميحة تقول لي في وسط النهار: «أنا ذاهبة يا رائحة. انظري ما تريده المرأة الجالسة، ثم ارفعي الكئوس الفارغة». كأنها صاحبة العمل، وأنا نادلة... هل كانت منتبهة إلى أنها تقلد السيدات الغنيات التي كانت تخدمهن قديمًا؟ كنت أذهب إلى بيتهما في فيرز آغا، وأجد فرحات قد خرج باكرًا بشكل دائم. كانت سميحة تقول لي: «هيَّا لنذهب إلى السينما يا رائحة!». أحيانًا نشاهد التلفاز. أحيانًا تجلس سميحة إلى طاولة الزينة ذات المرايا التي اشترتها حديثًا، وتزيّن نفسها، وأنا أراقبها. تقول لي وهي تنظر عبر المرآة، وتضحك: «تعالي، وادهني أنت أيضًا رائحة. لا تشغلي بالك، لا أخبر مولودًا». ماذا تقصد بهذه العبارة؟ هل تتحادث مع مولود في الدكان في أثناء غيابي، وحتى يتحدثا حولي؟ ألتقط الرطوبة من كل شيء، وأشعر بالغيرة، وأبكي. سليمان. كنت ماشيًا نحو أسفل زقاق الإمام عدنان، فوقع نظري على دكان إلى اليسار، ولم أصدق عيني. يشرب فرحات في بعض الأمسيّة، ويعرِّج على الدكان، ويقول لمولود: «كيف كنا قديمًا يا أخي، أليس كذلك؟ يا ما علّقنا ملصقات، وناضلنا!». كان مولود يجد هذه الكلمات مبالغًا بها، ويحب استذكار بيع «النصيب» وليس الصراع السياسي. ولم يكن يصحح لفرحات لأن إشغاله مكانة مهمة في ذكريات شبابه التي جعلها أسطورة منذ الآن، يثير الفخر أكثر من اتهامه: «هل صوّتَ للدينيين؟». وكثيرًا ما ثرثرا لساعات حول الإسلاميين الذين ذهبوا إلى الحرب في البوسنة، ورئيسة الحكومة طانصو، والقنبلة التي انفجرت بجوار محل معجنات فندق مرمرة (كانت الشرطة تتهدم الإسلاميين تارة، والأكراد تارة أخرى). أحيانًا في أكثر الساعات ازدحامًا لا يمر أي زبون لنصف ساعة أو أربعين دقيقة، يناقشان موضوعًا تافهًا لا يفهمان به (هل يحرك المذيعون شفاههم خادعين المشاهدين كما يفعل المطربون بتحريك شفاههم في أثناء عزف أسطوانة في الخلفية؟)، أو ادعاء آخر (هل كانت مسدسات الشرطة التي هاجمت المتظاهرين في ساحة تقسيم محشوة بالرصاص، أم كانت مجرد زينة؟). أطّر مولود المقال المنشور في الجريدة حول الدكان (ورسم «العالم الآخر» المنشور في الجريدة نفسها) كما تفعل بقية بوفيهات بيه أوغلو، وعلقه (كان يحلم بتأطير النقود الورقية الأجنبية التي يقبضها من السياح كما تفعل بوفيهات الشاورمة على الشارع الرئيس، ولكن سائحًا واحدًا لم يطرق باب دكانه بعد). رأى فرحات أن مقالة جريدة الإرشاد قد عُلقت على الجدار. ترى هل كان فرحات لا يعرِّج كثيرًا على الدكان بسبب رؤيته مقالة جريدة الإرشاد معلقة؟ يدرك أنه يرى فرحات معلمًا، ويغضب من نفسه ومن ضعفه. أحيانًا يخطر بباله أن فرحات فتح هذا الدكان ليسره فقط. في لحظات ضعفه، يقول لنفسه: «فتح فرحات هذا الدكان بشعور الذنب لأنه خطف الفتاة التي أردتُ أن أتزوجها». ولكنه عندما يغضب من فرحات، يقول: «ما هذا المعروف؟! أصبح رأسماليًّا، ولديه رأسمال. وعرف مني أن البوظة استثمار غريب». في نهاية كانون الثاني/ يناير ١٩٩٥ لم يأتِ فرحات إلى الدكان طوال أسبوعين عاصفين مثلجين. عَرَّج بطريقه ذات مساء. لم يستمع لقول مولود: «البيع في هذه الأثناء جيد»، وقال: «عزيزي مولود، أنا لا أعرِّج في بعض الأمسية نهائيًّا كما تعرف. لا تخبر ابنة حميك أنني قليلًا ما أعرِّج. أنت تفهمني». «كيف؟ اجلس قليلًا يا هذا». «ليس لديَّ وقت. الأفضل ألا تخبر رائحة أيضًا بأي شيء. لا تخفي الأخوات سرًّا عن بعضهن بعضًا». وأخذ فرحات الحقيبة التي يستخدمها في جباية الكهرباء، وخرج من الدكان. صرخ مولود من خلفه: «أمركم!» لم يكن لدى فرحات وقت حتى للجلوس مع صديقه القديم، والفضفضة له. حتى إنه لم ينتبه للسخرية بقول فرحات: «أمركم!». لم يكن والده يقول هذه الكلمة إلا لأهم الزبائن وأغناهم. ولكن مولودًا لم يقل في حياته لأي زبون: «أمركم!». لم يكن مولود يعتقد بأن لدى فرحات وقتًا للتفكير بهذه التفاصيل لانشغاله الشديد مع المحتالين والمافيا. عندما عاد إلى البيت، ورأى رائحة التي تشاهد التلفاز الخفيض الصوت، والبنتين النائمتين في أعمق نومهما، أدرك ما يغضب فرحات: لأنه الله أعلم إلى أين يذهب ليلًا بوجود زوجة مؤدبة وجميلة في البيت. وكما قال حضرة الأفندي: لا بد أن للعرق والنبيذ تأثيرًا بهذا. لفّت إسطنبول تاجرات الحقيبة الأوكرانيات، والمهاجرون الأفارقة، والذين لديهم غرابة ويمصون دماء الناس، والانحطاط الأخلاقي والرشوة، والحكومة تراقب فقط. فرحات. لعل مولودًا قارئ جريدة الإرشاد يعتقد أنني عديم أخلاق وعقل، ألهو مع النساء تاركًا زوجتي الجميلة والذكية كالجان في البيت. ولكن هذا ليس صحيحًا؛ لأنني لا ألهو. إنني مغرم فقط. أما المرأة التي أغرمت بها فقد اختفت. من المؤكد أنني سأجدها ذات يوم في إسطنبول. ولكنني يجب أن أشرح لكم بداية الأعمال والفرص التي استجدت لجباة الكهرباء بعد الخصخصة؛ لكي تفهموا خياري وقصة غرامي بشكل أفضل. سليمان. مازلت أتردد كثيرًا على بيه أوغلو، ولكن ليس من أجل الشرب واللهو، بل من أجل العمل. انتهيت من همّ العشق منذ زمن طويل. أنا بخير، ونسيت الخدامة منذ زمن طويل، وأعيش سعادة غرام فنانة مغنية ناضجة. فرحات. أنا لم ألاحق المساكين الذين يستهلكون الكهرباء المهربة بعد أن أحيل تحصيل الكهرباء إلى جباة شركات خاصة. على العكس تمامًا، استهدفت الأغنياء الوقحين. ابتعدت بقدر ما أستطيع عن أحياء المخالفات. تهربت بقدر ما أستطيع من الأزقة المتطرفة، والأمكنة المتصدعة التي يتجمد أهلها الفقراء في ليالي الشتاء الباردة لولا الكهرباء المهرّبة. وتعلمت كيف ألتفت إلى الطرف الآخر عندما أرى مسكينًا عاطلًا عن العمل يعيش مع زوجته وأولاده الثلاثة على الخبز والماء، والشيء الوحيد الذي يدفئ حياته وبيته هو مدفأة كهربائية تعمل على الكهرباء المهربة. ولكنني قطعت كهرباء صاحب بيت مؤلف من ثماني غرف يطل على البوسفور، وفيه خدم وطباخون وسائقون. ولم أتسامح مع الذي يشغِّل ستين فتاة بخياطة السحابات حتى الصباح وهن مكدسات كالسمك في الصناديق في شقة بناء قديم عمره ثمانون سنة سكنه أغنياء ذات يوم. ولم ترتجف يدي حين أرى كهرباء فرن المطعم الفخم المطل على إسطنبول كلها، وآلة حياكة القماش لصناعي الستائر الذي سجل رقمًا قياسيًّا بالتصدير، ورافعة المتعهد اللاظي الذي يفاخر بأنه جاء من القرية، والآن يبني بناء يتألف من أربعة عشر طابقًا تُستهلك تهريبًا. قطعت كهرباءهم، وقبضت نقودهم. كان هناك في شركة «يدي تبة لتحصيل الكهرباء م. م». كثير من الشباب المثاليين المستعدين للقبض من الغني، والتغاضي عن الفقير. وتعلمت منهم الكثير. سليمان. أزور النوادي الليلية التي تأخذ الموسيقى مأخذ جد من أجل إبراز موهبة ماهينور. كان ملهى غونش هو الأفضل. أحيانًا لا أضبط نفسي، فأمرّ من أمام دكان المنسجمين عقليًّا. لا تفهموني خطأ، ليس من أجل أن أبكي بألم العشق، بل من أجل الضحك طبعًا. فرحات. يهمل الغني المدلل دفع الفاتورة نتيجة عدم الاهتمام حينًا، وعدم وصول الفاتورة بالبريد أو ضياعها بشكل مباشر أحيانًا. ويكبر الدين كثيرًا مع زيادته بالتوازي مع التضخم. أقصر طريقة تجعل هؤلاء يضعون عقولهم برءوسهم هي طرق أبوابهم، وقطع الكهرباء دون إنذار. عندما كانت الكهرباء وجباية ثمنها بيد الدولة، لم يكن الأغنياء يبالون للتهديد بقطع كهربائهم، ويقولون: «آآ، نسيت!». وعندما ينجح الجابي المستقيم بقطع الكهرباء بعد ألف محاولة، فإن أول عمل يقوم به هؤلاء ليس الذهاب إلى البناء الذي في تقسيم من أجل دفع ما ترتب عليهم، بل الاتصال بمعارفهم من السياسيين لطرد الجابي. بعد الخصخصة أدركت النساء أن الديون لا تحصلها الدولة، بل رأسماليون لا يرحمون مثل أزواجهن، فبدأن يخفن منا. لأن أرباب عملنا القيصريين لا يردون على تهذيب أغنياء إسطنبول المدللين ودموعهم. قبل قانون الخصخصة، لم يكن لدى الجابي حتى صلاحية قطع الكهرباء. الآن لديَّ هذه الصلاحية. أفضل طريقة لإيقاف من لا يدفع فاتورته عند حده هي قطع الكهرباء عنه مساء يوم الجمعة قبل العطلة. عندما يبقى يومين دون كهرباء، يعرف القانون والنظام، ويتعلم الالتزام. في السنة الماضية، وعندما اتصلت عطلتا عيد الأضحى ورأس السنة الميلادية وأصبحت عشرة أيام، قررت أن أحاسب أحد هؤلاء. ذهبت إلى قبو البناء الغني في غوموش صويو في الساعة الرابعة. كانت عدادات كهرباء الشقق الاثنتي عشرة في نهاية الممر الضيق والمغبر الأكثر ظلمة تهدر وهي تدور مثل الغسالات القديمة. سألت البواب: «هل أصحاب الحادية عشرة بالبيت؟». قال البواب: «حضرة السيدة في البيت... ماذا تفعل يا أخي؟ لا تقطع كهرباءهم!». لم أرد. سحبُ مفك البراغي والكماشة والمفتاح الخاص من كيس العدة، وقطعي الكهرباء يستغرق أقل من مائة ثانية. توقف عداد الشقة الحادية عشرة. قلت للبواب: «اصعد بعد ربع ساعة، وقل لها إنني مازلت في الحي، وبإمكانك أن تجدني، وتجلبني إن أرادت. أنا في المقهى الذي في رأس الطلعة». جاء البواب بعد ربع ساعة. أبلغني بأن حضرة السيدة حزنت جدًّا، وهي بانتظاري في البيت. قلت له: «قل لها إنني مشغول بعدادات وعائلات أخرى، وسأحاول الذهاب إن وجدت وقتًا». سـألت نفسي: «هل أنتظر حتى يهبط الظلام؟». عندما يهبط الظلام باكرًا في اليوم الشتوي، يستطيعون تصور ما يعنيه البقاء عشرة أيام دون كهرباء. بعضهم يذهبون إلى الفندق. إذا حكيت لكم قصة البخيل المضحكة الذي أقام شهورًا في فندق هيلتون مع أولاده الأربعة وزوجته ذات القبعة وهو يبحث عن واسطة، فهل تسمعونها؟ «أخي، ارتبكت حضرة السيدة كثيرًا، لديها دعوة مساء». كل من تنقطع الكهرباء عنده يرتبك، وتتصل النساء بأزواجهن، البعض يصبحون عدوانيين، وبعضهم يتواضعون، وبعضهم يعرضون الرشوة دون إطالة الأمر، وبعضهم لا يعرفون كيف يعرضون الرشوة. أكثرهم يقولون: «يا حضرة الموظف!» دون أن يعرفوا بأن غالبيتنا أجبروا على الاستقالة من الوظيفة، «ترى إذا دفعت لكم ديني الآن نقدًا باليد، وأنتم تصلونها؟»، وفي النهاية يتعلم أغبى المواطنين كيف يدفع رشوة. إذا لم تقبل الرشوة، يزيدها البعض، والبعض الآخر يبدأ بالتهديد: «أنت لا تعرف من أنا!»، والغالبية تتشوش عقولهم، ولا يعرفون ماذا يفعلون. كانت مخالفة سيدة الشقة الحادية عشرة مرتفعة عشرين ضعفًا بسبب التضخم. لم يكن مبلغ كبير كهذا جاهزًا في البيت. إذا لم تقنعني خلال ساعة، فستبقى أبرد عشرة أيام من الشتاء مع زوجها وأولادها دون كهرباء. إذا صدقت القصص التي يتم تناقلها، فإن بعض النساء في الأحياء المتطرفة الموحشة، يضاجعن الجابي الذي وقف على بابهن يريد قطع الكهرباء. ولكن هذا لم يحدث معي قط، ولا تصدقوا هذه الخزعبلات. إنهم يعرفون الجابي في أزقة الأحياء الفقيرة المغبرة من حقيبته ومشيته. بداية يرسلون خلفه الأولاد الذين يلاحقون الأجانب واللصوص، ويخيف هؤلاء الأولاد الجابي بالقول: «اذهب ولاه!»، ويرجمونه بالحجارة. ثم يهدده مجنون الحي. وآخر يهدده سكير بالقول: «ماذا تعمل هنا ولاه؟»، ويقهقره. وإذا سار الجابي نحو الأسلاك التي تهرب الكهرباء من التوتر العالي، يقطع فتوات الحي وكلابه طريقه، ويجرونه إلى الطريق القويم. أما العصابات السياسية فتخطب به، لتدوخه، ويلاحقه أهل الحي خطوةً خطوة حتى يدجّنوه. وإذا تمكن الجابي في النهاية من الوصول إلى المرأة التي لم تدفع دينها، فلا باب حديقتها ولا باب بيتها يكون مغلقًا بأي شكل. أصلًا الأولاد الذين يوصلون كل شيء في اللحظة نفسها إلى مقهى الحي يكونون في الحديقة. ستكون معجزة إذا خرج الجابي من الحي سليمًا بعد أن يجلس مع المرأة على انفراد خلف باب مغلق. أشرح لكم هذا لكي لا تنتظروا شيئًا خاطئًا أنتم القراء المستعدين لسماع قصة غرام. الغرام لدينا هناك عمومًا يكون من طرف واحد. حضرة السيدة التي تعيش في شقة تطل على البوسفور في غمش صويو لم تكن تستطيع تمييز الجابي قديمًا. والآن تنتبه إليه فيما إذا كان سيقطع كهرباءها. خرجتُ من المقهى، وذهبت. ركبت المصعد ذي الباب الخشبي. كنت منفعلًا في أثناء صعود المصعد الشبيه بالقفص الذهبي إلى الشقة الحادية عشرة وهو يصدر أنينًا. سليمان. بعد ظهر يوم بارد كالجليد في نهاية شباط/ فبراير عرّجت على العديلين مثل أي زبون. «يا بائع البوظة، هل شرابك حامض، أم حلو؟». عرفني مولود فورًا، وصرخ: «واي سليمان! ادخل». قلت براحة صديق قديم عرَّج في طريقه: «يعطيكم العافية يا بنات!». كانت سميحة تضع إيشاربًا زهريًّا عليه رسم أوراق. قالت رائحة مرتبكة من احتمال افتعالي مشكلة: «أهلًا وسهلًا يا سليمان!». «مبروك يا سميحة، تزوجت، الله يجعله خيرًا». «شكرًا أخي سليمان». قال مولود مدافعًا عن سميحة: «مضت عشر سنوات يا بنيَّ، الآن خطر ببالك أن تبارك لها؟». كان مولود أفندي سعيدًا مع المرأتين في الدكان الصغير. كدت أقول: «انتبه، وحافظ على الدكان هذه المرة، واحذر أن يفلس مثل بينبوم». ولكنني ضبطت نفسي، وسايرت. قلت: «كلنا كنا شبابًا يافعين قبل عشر سنوات. يضع الإنسان شيئًا في رأسه عندما يكون في أول عمره، وبعد عشر سنوات لا يتذكر كيف علق به، ولماذا. في الحقيقة أنني أردت أن أبارك وآخذ هدية، ولكن وديعة لم تعطني عنوانكم، وقالت إنهما يسكنان بعيدًا جدًّا في حي غازي». قال مولود المخبول: «انتقلوا إلى جيهان غير». لم أقل له: «هذه ليست جيهان غير يا بنيَّ، بل حي تشوقور جمعة الفقير»؛ لأن هذا يكشف أنني أرسل من يراقب فرحات. تذوقت البوظة من الكأس التي وضعوها أمامي، وقلت: «سلمت أيديكم، شرابكم حقيقة لذيذ جدًّا. لآخذ منه للأصدقاء». وطلبت أن يضعوا كيلو في زجاجة. بزيارتي هذه أظهرت لهؤلاء، ولحبّي الشاحب بشكل خاص أن عقدتي الغرامية قد بقيت في الماضي. أما هدفي الأساسي فهو تحذير مولود. عندما خرج لوداعي، عانقته، وقبلته، وأرسلت معه خبرًا لصديقه المحبب: «قل له أن ينتبه إلى نفسه». قال مولود: «مثل ماذا؟». «هو يعرف». ٣ عشق فرحات الكهربائي لنهرب، ونذهب من هنا قورقوط. لم يستطع المرحوم عمي مصطفى أن يبني سوى غرفة واحدة في المقسم الذي سيّجه مع والدي في تل الرماد عام ١٩٦٥. وإذا كان مولود قد جاء من القرية لمساعدة والده، فإنهما لم يستطيعا التقدم أكثر، وانقطعت أنفاسهما. أما نحن فقد بنينا غرفتين بداية في مقسم تل التوت. زرع أبي في حديقته حورًا كما في القرية، والآن تكاد تراها من شيشلي تقريبًا. عندما انتقلنا إلى تل التوت، بنينا غرفة جميلة ذات ليلة من عام ١٩٦٩، ثم أضفنا غرفة أخرى كنت أستمع فيها لسباق الخيل. عندما تزوجت وديعة، أضفنا عام ١٩٧٨ غرفة كبيرة ذات حمام، وغرفة للضيوف، وتوسع البيت وتوسع حتى أصبح كالقصر. نبتت في حديقتنا شجرتا توت وشجرة تين تلقائيًّا. ورفعنا سور الحديقة. وعملنا بابًا حديديًّا. قبل ست سنوات، وجدنا أن عملنا يسير جيدًا والحمد لله، والجميع يفعلها في التل، ونحن أيضًا اعتمدنا على سند تمليكنا (أصبح لدينا سند تمليك)، وبنينا طابقًا ثانيًا على مساحة البيت كله. بنينا درج الطابق الثاني من الخارج؛ لكي لا ينشغل بال أمي بذهاب وديعة، وما إذا كان الأولاد قد عادوا. بداية تحمس والدي ووالدتي وسليمان لأن الطابق جديد وله إطلالة، فانتقلوا إلى الطابق العلوي. ولكن الدرجَ كان صعبًا على والديَّ، وقالا إن المكان كبير جدًّا، وخاوٍ، وبارد، ونشعر بالوحدة، فانتقلا إلى الأسفل. وضعتُ في الأعلى أحدث وأغلى حوض حمام كما طلبت وديعة، ولبّست جدرانها بسيراميك أزرق، ولكنني لم أتخلص من نقّها: «لننتقل إلى المدينة». ومهما قلت إن المكان هنا أصبح جزءًا من المدينة، وهو إسطنبول، فإن وديعة لم تُصْغِ إليَّ. بعض أولاد الحرام الأغنياء في الثانوية الواقعة في شيشلي يسخرون من بوزكورت وطوران؛ لأنهما يسكنان في حي مخالفات. قلت: «أمي وأبي لا يذهبان إلى شيشلي، ويتركان حديقتهما التي تلعب فيها الريح لعبًا، والبقالية، والدجاج والأشجار. هل نتركهما وحدهما هنا؟». تقول وديعة إنني أتأخر بالمجيء إلى البيت دائمًا، ولا آتي نهائيًّا أحيانًا، وغبت عشرة أيام بعمل مرة، وبدأت تكبّر النّق كالمرأة التي في مكتب شيشلي ذات الشعر الأصفر. نعم، غبتُ عن البيت عشرة أيام أو أسبوعين مرة، ولكن ليس لمتابعة أعمال البناء: كنا في أذربيجان. قال طارق والأصدقاء القوميون الأتراك الآخرون من الحركة القديمة: «كلفتنا الدولة بهذه المهمة المقدسة، ولكن ليس لدينا نقود». قالت لهم: أنقرة، احصلوا على تمويل من القطاع الخاص. وحين طلب مني القوميون الأتراك دعمًا، فهل أرفض؟ انتهت الشيوعية في روسيا، ولكن رئيس الدولة علييف من الكي جي بي، وهو عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي. هو يدعي أنه تركي، ولكنه مازال يعمل على ربط الأتراك بذيل الروس. عقدنا اجتماعًا سريًّا مع أغوات الحرب في باكو. أُسقط ألتشي بيه أول رئيس دولة منتخب ديمقراطيًّا في أذربيجان بغالبية أصوات الشعب الأذري الأصيل (في الحقيقة أنه كله تركي، ولكن الروس والعجم دخلوا بينهم) بانقلاب جرى بأسلوب الكي جي بي، وحزن، وانزوى في قريته. لقد سئم من الخونة الذين باعوا أنفسهم لأرمينيا في الحرب، ومن الفاشلين، وعملاء الروس الذين انقلبوا عليه. رفض لقاءنا لاعتقاده أننا عملاء للروس، وكنا نقتل الوقت في فنادق باكو وباراتها. قبل أن نتمكن من الذهاب إلى قرية إلتشي بيه، ونقبل يده المباركة، ونقول له: «أمريكا أيضًا تدعمنا، ومستقبل أذربيجان في الغرب»، جاءنا خبر إنهاء انقلابنا على الطريقة التركية. خاف البعض في أنقرة، وأخبروا علييف بأننا جئنا لتنفيذ انقلاب ضده. عرفنا بأن ألتشي بيه لا يستطيع حتى الخروج إلى حديقة بيته، فكيف مقابلتنا؟ هرعنا إلى المطار مباشرة، وعدنا إلى إسطنبول. علمتني هذه المغامرة التالي: نعم، العالم كله عدو للترك، ولكن أكبر عدو للترك هو التركي نفسه. في الحقيقة أن بنات باكو تعلمن من عدوهن الروسي التصرف براحة تامة، ولكنهن في النهاية يفضلن الرجل الأذري. ولهذا يا حضرة السيدة، لا معنى لرمي نفسي إلى الخطر من أجلك. دخولي طوعًا بهذا العمل بمجرد كلمة، سهل أعمالي في الحكومة والحزب. ويتدلل سليمان مستغلًا هذه الفرصة. الخالة صفية. عندما لم نجد لا أنا ولا وديعة فتاة مناسبة لسليمان، وجد واحدة لنفسه. لم يعد يعرِّج على البيت. نخجل كثيرًا من جهة، ونخاف من ارتكابه خطأ من جهة أخرى. رائحة. عندما يعمل الدكان جيدًا في ليالي الشتاء الباردة، كان فرحات أيضًا يأتي. كنت أصطحب البنتين، ونذهب مع سميحة إلى بيتها. كانت البنتان تدوخان إعجابًا بحديث خالتهما الانفعالي جدًّا، وقصصها حول نجوم التلفاز كلهم، ومن هرب مع من، وما تقوله حول الألبسة والأفلام، ونصحها لإحداهن: «اعملي شعرك هكذا!»، وللأخرى: «ضعي ملقط الشعر هكذا!»، وقولها أحيانًا: «آآ، أنا عملت في بيت هذا الرجل، كانت زوجته تبكي دائمًا». تتخذانها مثلًا، وتقلدان حديثها في البيت، وهذا ما يوترني، وكدت أقول لهما ذات مرة: «لا تكونا مثل خالتكما»، ولكنني ضبطت نفسي لكي لا تجرفني الغيرة. أريد أن أسأل: «هل ينظر كل من مولود وسميحة إلى عيني الآخر، أم يتصرفان كأن عينيْهما التقتا مصادفة بالخطأ؟»؛ ولكنني لم أستطع السؤال بأي شكل. لذلك، كلما بدأت الغيرة تسمم روحي، فتحتُ الرسائل التي أرسلها لي مولود من الجندية، وأبدأ بقراءتها. عندما يبدأ شك ماكر بنهش روحي حول: «هل ابتسم مولود تلك الابتسامة الحلوة لي عند خروجي من الدكان البارحة، أم لأختي؟»، أفتح إحدى رسائله في البيت فورًا، وأقرأ. كتب: «ليست هناك عين أنظر إليها غير عينك، ووجه أبتسم له غير وجهك، وباب أتوسل إليه غير بابك!»، وكتب لي مولود: «شدتني نظراتك إليك مثل المغناطيس، أصبحت أسيرك يا رائحة، وعيني لا ترى غيرك». وكتب أيضًا: «بنظرة منك صرت عبدك الذي لا يقبل أن يتحرر». أحيانًا يقول مولود لإحدانا كمعلم ينادي أجراءه: «خذي هذه الكئوس الوسخة». إذا قالها لي، أغضب؛ لأنه يكلفني بالعمل الشاق، ولا يطلبه من سميحة، وإذا قال هذا لسميحة، أغضب لأنها هي التي خطرت بباله أولًا. كان مولود منتبهًا لغيرتي. لهذا السبب يحرص على ألا يبقى مع سميحة وحدهما بالدكان، وألا يبدي لها أي اهتمام. وهذا ما يجعلني أقول: «هذا يعني أن هناك شيئًا ما يجعله منتبهًا»، ويثير غيرتي أيضًا! دخلت سميحة ذات يوم إلى بائع ألعاب، واشترت للبنتين مسدسَ ماء مثل الصبيان. وعندما جاء مولود مساء، بدأ يلعب معهما. عندما ذهبت البنتان إلى المدرسة، ومولود إلى الدكان صباح اليوم التالي، كنت سأرمي المسدس المائي (أطلقوه عليَّ كثيرًا) إلى الزبالة، فلم أجده، لعل فاطمة وضعته في حقيبتها، وأخذته إلى المدرسة. أخذته في أثناء نومها ليلًا، وخبأته في مكان ما. في المرة الأخرى جلبت سميحة دمية تغمض عينيها، وتغني. قلت: «أصبحت فاطمة في الثالثة عشرة من عمرها، فهل تلعب بالدمى؟». لم تهتم بها البنتان، وضاعت الدمية تلقائيًّا. ولكن أكثر ما يؤلمني، على الرغم من معرفتي أنه ليس صحيحًا، تفكيري: «ترى هل سميحة الآن مع مولود على انفراد؟». لم أكن أستطيع إخراج هذه الفكرة الخاطئة من عقلي حتى الآن؛ لأن فرحات يأتي متأخرًا إلى البيت، ويشرب كثيرًا مثل الرجال الذين يعانون ألم العشق في الأفلام، ويريدون الترويح عن أنفسهم، وحكى سليمان العارف لشائعات بيه أوغلو لوديعة. فرحات. توقف المصعد القديم ذو المرآة الشبيه بالقفص الذهبي. كأن هذا يحدث في زمن قديم جدًّا قِدَم الأحلام، ولكن العشق دائمًا يبدو للإنسان كأنه حدث البارحة. طرقُ باب البيوت التي قطعتُ عنها الكهرباء «طق، طق، طق» مثل أبطال الأفلام القادمين لقبض الروح، بدلًا من قرع الجرس يجعل حالتي جيدة. فتحت الباب الخادمة. أبلغتني بأن ابنة حضرة السيدة مريضة بارتفاع الحرارة (هذه أكثر الكذبات انتشارًا)، وحضرة السيدة ستأتي بعد قليل. جلست على الكرسي الذي أشارت إليه الخادمة، ونظرت إلى إطلالة البوسفور. ما إن اعتقدت أن سبب العمق والسعادة التي شعرت فيها فجأة هو المنظر الحيوي والحزين، حتى دخل السبب الأساسي إلى الغرفة كالضوء: كانت ترتدي بنطالَ جنيز أسود وقميصًا أبيض. قالت: «تفضل يا حضرة الموظف. قال لي البواب أرجان إنكم تريدون مقابلتي». قلت: «لم نعد موظفين». «ألا تأتون من شركة الكهرباء؟». «خصخصت الكهرباء يا حضرة السيدة». «مفهوم». قلت بصعوبة: «نحن لا نريد أن يحدث هذا. ولكنني قطعت كهرباءكم. لديكم فاتورة لم تدفع». «سلمت يديكم. رجاء لا تحزنوا. هذا ليس ذنبكم. إن كان رب العمل الدولة أو القطاع الخاص، فأنتم منفذون للأوامر فقط». لم أرد على هذه العبارة المسمومة والصحيحة. لأنني وقعت بالغرام بشكل سيئ، وفي الوقت نفسه أفكر بأني مغرم بشكل سيئ. استجمعت قوتي كلها، وقلت كاذبًا: «مع الأسف أنني ختمت العداد في الأسفل. لو عرفت بأن ابنتكم مريضة، لما قطعت كهرباءكم نهائيًّا». قالت متخذة تعبير القاضية الجدية التي لا تقدم تنازلًا في الأفلام التركية: «ماذا سنفعل؟ صار ما صار يا حضرة الموظف. لا تحملوا همي، قوموا أنتم بعملكم». صمتنا لحظة. لم يخطر ببالي أي جواب مما حفظته؛ لأنها لم تقل أي عبارة مما توقعت أن تقولها وأنا صاعد في المصعد. نظرت إلى ساعتي. «العطلة الطويلة لعشرة أيام تبدأ بعد عشرين دقيقة». قالت بعناد: «حضرة الموظف، مع الأسف أنني لم أدفع بحياتي رشوة، ولا تسامحت مع من يدفع. أعيش لأكون مثالًا لابنتي». قلت: «على الرغم من هذا يا حضرة السيدة، من المهم أن تدركوا أن الموظفين الذين تترفعون بالنظر إليهم أناس لديهم كرامة». في أثناء توجهي نحو الباب كنت غاضبًا؛ لأنني أعرف أن المرأة التي وقعتُ بغرامها لن تقول لي: «انتظروا!». اقتربت مني خطوتين. شعرت بأن كل شيء ممكن أن يحدث بيننا. ولكنني منذ تلك اللحظة عرفت بأن هذا عشق مستحيل. ولكن ما يحافظ على حيوية العشق هو كونه مستحيلًا. قالت: «يا حضرة الموظف، انظروا إلى هؤلاء الناس!»، وأشارت بيدها نحو المدينة عبر النافذة. «ما يجمع عشرة ملايين إنسان في إسطنبول هو ثمن لقمة العيش، والمصالح، والفواتير، والفوائد، وتعرفون هذا أكثر مني. ولكن الشيء الوحيد الذي يحافظ على الإنسان واقفًا على قدميه هو الحب». وقبل أن تعطيني فرصة للإجابة، أدارت ظهرها، وذهبت. النزول بالمصعد في الأبنية القديمة ممنوع على الباعة والجباة. فكرت في أثناء نزولي من الدرج. نزلت حتى القبو الخانق، ومشيت إلى نهاية الممر. امتدت يدي من أجل ختم العداد الذي قطعت عنه الكهرباء. ولكن أصابعي الماهرة فعلت العكس، وربطت الأسلاك المقطوعة بقوة، وبدأ عداد الشقة الحادية عشرة بالدوران. قال البواب أرجان: «أخي، فعلت حسنًا بوصل الكهرباء». «لماذا؟». «رجل حضرة السيدة سامي السُّرمني صاحب نفوذ كبير في بيه أوغلو. له معارف في كل مكان... يضايقونك. جماعة البحر الأسود، هؤلاء مافيا». «طبعًا لا توجد هناك بنت مريضة، أليس كذلك؟». «أي بنت يا أخي؟ لم يتزوجا بعد. لدى السُّرمني زوجة في القرية، وله منها أبناء راشدون. أبناؤه يعرفون بحضرة السيدة، ولكنهم لا ينبسون». رائحة. ذات مساء كنا البنتان وخالتهما سميحة وأنا نشاهد التلفاز بعد العشاء، فدخل فرحات، وفرح عندما رآنا معًا. قال: «ما شاء الله، ابنتاك كل شهر تكبران بسرعة ملحوظة. فاطمة، أنت صرت صبية». عندما قلت: «الله، تأخرنا، هيَّا يا بنات لنذهب إلى البيت». فقال: «انتظري يا رائحة، اجلسي قليلًا. مولود يبقى في الدكان إلى ساعة متأخرة جدًّا عسى أن يمر سكيران ويشتريا بوظة». لم أُسر لسخريته من مولود أمام البنتين. قلت: «معك حق يا فرحات. لقمة عيشنا صارت مسخرة الآخرين والله. هيَّا يا بنات، لنذهب إلى بيتنا». عندما تأخرنا بالذهاب إلى البيت، غضب مولود، وقال: «لن تخرجوا إلى شارع الاستقلال، هذا ممنوع على البنتين. وعندما يظلم الجو مساء، أنتِ أيضًا لن تخرجي». قلت له فجأة: «البنتان تأكلان عند خالتهما كفتة، وأضلاع خروف، وفروجًا بالفرن، هل تعرف هذا؟». في الحقيقة أنني لم أكن أقول لمولود شيئًا كهذا لخوفي من غضبه، ولكن الله جعلني أقوله. قاطعني مولود، ولم يكلمني لثلاثة أيام. وأنا لم أذهب مع البنتين إلى خالتها سميحة، وجلسنا في البيت. في زمن الغيرة لا أطرز على قماش جهاز العرائس الطيور المقصوصة من صفحات المجلات، بل نظراتي التي حفظتها من رسائل مولود لكثرة ما قرأتها، والتي تأسر من نظرة واحدة، وتقطع الطريق مثل اللصوص. تتدلى العيون كالثمر الضخم من الشجرة، وتطير بينها طيور الغيرة. ثبّتُ على الأغصان عيونًا سوداء منكفئة على نفسها مثل أزهار النرجس. طَرَّزت على وجه لحاف كبير شجرة أسطورية، خلف كل ورقة من ورقاتها تتفتح مئات العيون كخرز الحسد. فتحتُ طرقًا بين أوراق قلبي. رسمتُ عيونًا كالشمس: طرَّزت بيدي ضوءًا أسود منطلقًا كالسهم من كل رمش يذهب بين طيات لفة القماش، متلويًا بين أغصان شجرة التين المتمايلة. ولكنها لم تهدئ غضبي نهائيًّا. قلت لها ذات مساء: «مولود لا يسمح لنا بالذهاب إلى بيتكم يا سميحة. تعالي إلينا عندما يكون مولود في الدكان». وهكذا صارت أختي تأتي إلينا مساء حاملة صرر الكفتة واللحم بالعجين. وبعد فترة، صرت أفكر بأن سميحة لا تأتي لرؤية البنتين فقط، بل لرؤية مولود أيضًا. فرحات. عندما خرجت إلى الشارع، اهتزت ثقتي بنفسي. خلال عشرين دقيقة وقعت بالغرام، وخُدعت. كنت نادمًا لأنني لم أقطع كهرباء حضرة السيدة. كان البواب يقول له: إنهم يستخدمون اسم سلويهان. كثيرًا ما كنت أتخيل سلويهان بين يدي فتوة مجرم بطراز المافيا. كنت سأحميها. لكي يعشق واحد مثل سليمان، عليه أن يرى صورة المرأة في زاوية الجائعين جنسيًّا من «مجلة الأحد»، ثم ينام معها عدة مرات بقوة نقوده ليرتبط بها. أما مولود، فيجب ألا يعرفها أبدًا، ويراها لمحة تمكنه من تخيلها. أما أمثالي، فمن أجل أن يعشق امرأة، يجب أن تجلس معه على رقعة شطرنج الحياة. أقدمتُ على حركات افتتاح لاعب غرّ. ولكنني كنت سألعب على سلويهان، وأصطادها. بمساعدة أخ كبير خبير ومحب للعرق والحديث في قسم المحاسبة والسجلات، بدأت أنظر إلى الفواتير والمدفوعات المصرفية وسجلات الأرشيف. أذكر أنني في كثير من الأمسية، كنت أنظر إلى جميلة الجميلات الوردة سميحة، وأقول لنفسي: «واحد لديه زوجة كهذه، هل يعلق عقله بخليلة في بيت ذي إطلالة؟». أذكر سميحة في أثناء شربي العرق وأنا معها في بعض الليالي بأننا عانينا كثيرًا، ولكننا في النهاية عدنا إلى مركز المدينة. كنت أقول لها: «لدينا الآن نقود. ونستطيع أن نفعل ما نريد. ماذا نفعل؟». كانت سميحة تقول: «لنهرب، ونذهب من هنا. لنذهب إلى مكان لا أحد يجدنا أو يعرفنا فيه». من هذه العبارة، أدركت بأن سميحة كانت سعيدة في أشهرنا الأولى التي قضيناها في حي غازي. كان هناك في المدينة أصدقاء يساريون منهم ماويون، ومنهم يتبعون موسكو سقطوا متعبين. هم أيضًا بعد عذاب طويل وجدوا طريقة كسبوا من خلالها بضعة قروش. كانوا يقولون: «سندخر قليلًا، وننتقل من إسطنبول إلى الجنوب». كانوا يتخيلون حياة في مزرعة أو كرم زيتون أو بستان في إحدى محافظات البحر المتوسط التي لم يذهبوا إليها في حياتهم مثلي. ونحن كنا نتخيل لو أن لدينا مزرعة في الجنوب، وتحمل سميحة في النهاية، ويكون لدينا ولد. كنت أقول في الأصباح: «صبرنا كثيرًا، ونحن نكسب نقودًا، لنضغط على أنفسنا قليلًا أيضًا، ونملأ الدلاء. ونشتري مزرعة واسعة في الجنوب». كانت سميحة تقول: «أشعر بالملل في البيت. خذني إلى السينما ذات مساء». شعرت بالملل من الحديث مع مولود ذات مساء، وملأت رأسي بشرب العرق، وذهبت إلى البناء الذي في غُمش صويو. وكالشرطة التي تقوم بمداهمة، ضغط على جرس البواب بداية. قال البواب أرجان عندما رآني أنظر إلى العدادات: «ماذا حدث يا أخي؟ اعتقدت أنك بائع البوظة، هل هناك مشكلة؟ آآ، خرج الذين في الشقة الحادية عشرة، وذهبوا». لم يكن عداد الشقة الحادية عشرة يتحرك. شعرت للحظة بأن الدنيا توقفت. ذهبت إلى المحاسب الخبير محب العرق الذي في بناء تقسيم: عرفني على كاتبين مسنين يشرفان على سجلات توزيع الكهرباء في إسطنبول التي عمرها ثمانون عامًا، وكُتبت باليد. حصل هذان الموظفان الحكيمان على مكافأة نهاية الخدمة، وأحيلا إلى التقاعد ـ أحدهما في الثانية والسبعين، والآخر في الخامسة والستين ـ ثم عادا إلى غرفتهما القديمة على مدى أربعين عامًا بموجب عقد، وأحبا فكرة شرح الحيل التي أبدعها الإسطنبوليون على مدى ثمانين سنة لخداع الشركة والجباة لجيل الجباة الجديد. عرفا أنني جابٍ شاب مجتهد، وشرحا لي طويلًا جدًّا. يذكران أن وراء كل احتيال قصصًا متنوعة، وأحياء، ونساء، وحتى شائعات غرام. بالطبع، عليَّ أن أعمل على آخر القيود أيضًا، وليس الأرشيف فقط. أعرف أنني ذات يوم سأجد سلويهان خلف أحد أبواب البيوت في إسطنبول. لأن كل شخص في هذه المدينة لديه قلب وعداد. رائحة. حملت مرة أخرى، ولا أعرف ماذا أفعل. أخجل كثيرًا أمام البنتين في هذا العمر. ٤ الولد مقدس لأموت، وتتزوج أنت سميحة قص فرحات على مولود قصة ذات ليلة من أيام عملهما في بوظة العديلين، لم ينسها مولود قط: «في أسوأ أيام الانقلاب العسكري، وبعد إخماد أهل ديار بكر بصيحات التعذيب المنبعثة من السجن، جاء إلى المدينة شخص بهيئة مفتش من أنقرة. سأل الزائر المفعم بالأسرار سائق سيارة الأجرة الكردي الذي أقله من المطار إلى الفندق: «كيف الحياة في ديار بكر؟». عبر له السائق الكردي عن امتنان الأكراد كلهم من الإدارة العسكرية الجديدة، وعن عدم إيمانهم بعلم غير العلم التركي، وعن سرور أهل المدينة كلهم بعد رمي الإرهابيين الانفصاليين في السجون. قال الزائر القادم من أنقرة: «أنا محامٍ، جئت للدفاع عن الأكراد المتعرضين للتعذيب وجعلهم طعامًا للكلاب؛ لأنهم يتكلمون الكردية». إثر هذا دخل السائق بحديث معاكس تمامًا لما قاله بداية. فعدّد أنواع التعذيب الذي تعرض له الأكراد في السجون، وحدّثه عن إلقائهم في المجرور أحياء، وموتهم تحت الضرب. لم يحتمل المحامي القادم من أنقرة، فقاطع السائق قائلًا: «ولكنك قبل قليل قلت عكس هذا!». قال له السائق: «يا حضرة المحامي، معك حق، ما قلته أولًا هو رأيي الرسمي. وما قلته بعد ذلك هو رأيي الشخصي». ذات مساء عندما كانا يخدمان الزبائن، أراد مولود أن يناقش فرحات بهذه القصة التي كلما تذكرها ضحك كأنه يستمع إليها أول مرة، ولكن فرحات مشغول دائمًا، وعقله في مكان آخر. لعل سبب عدم تعريج فرحات على الدكان إلا نادرًا، هو انزعاجه من كلمات مولود الأخلاقية. كانت بعض الأمور حول العرق والنبيذ، واللهو مع النساء، ومسئوليات الرجل المتزوج تنزلق من لسان مولود دون إرادته أحيانًا، وفرحات يخزه قائلًا: «ما هذا؟ هل الإرشاد تكتب هذه الأمور؟». وإذا كان مولود قد قال له عدة مرات إنه لا يقرأ تلك الجريدة، ولم يشترها إلا لأنها نشرت مقالًا جيدًا حول الدكان، فإن فرحات لم يُصْغِ إليه، واستخف به فقط. ذات مرة أيضًا سخر فرحات من رسم «العالم الآخر» الذي علّقه مولود على الجدار، ويحوي السرو وشواهد القبور وحزمة النور. لماذا كان مولود يحب المواضيع التي يحبها المسنون، والمقابر، والأشياء القديمة إلى هذه الدرجة؟ كان مولود يرى أن فرحات يقلق مثله مثل كثير من اليساريين والعلويين، وحتى إنه يخاف عندما تزداد أصوات الأحزاب التي تنهج سياسة دينية، ويزداد عدد أنصارها، فيخلط الجد بالمزاح، ويقدم تفسيرًا: «بداية يمنعون الكحول؛ وحينئذ تظهر أهمية البوظة». لم يكن يناقش هذا مع الذين يفتحون هذا الموضوع في مشارب الشاي، وإذا ضُغط كثيرًا، فيقول هذه العبارة من أجل استفزاز الأتاتوركيين الهلعين. بدأ مولود يفكر بأن سبب عدم تعريج فرحات على الدكان هو الرسائل التي كتبها في أثناء الجندية. بدأ يقول لنفسه: «أنا أيضًا لا أريد أن ألتقي كل يوم بواحد كتب لزوجتي رسائل غرام من الجندية على مدى ثلاث سنوات». في الأمسيّة التي أدرك فيها مولود أن فرحات لن يأتي إلى الدكان، ذكّر نفسه أنه لا يعرِّج على بيته أيضًا. لهذا كانت سميحة تأتي إلى بيت مولود من أجل أن تصاحب رائحة والبنتين لأنها تبقى وحدها في البيت. توتر مولد ذات مساء عندما أدرك أن فرحات لن يأتي إلى الدكان ولو متأخرًا، وسيطر عليه الهلع، وأغلق الدكان باكرًا، وذهب إلى البيت. كانت سميحة قد عادت إلى بيتها قبل مجيء مولود بقليل. يبدو أن سميحة صارت تندهن بالعطر، أو أن الرائحة التي تناهت إلى أنف مولود هي رائحة الهدية التي جلبتها سميحة للبنتين. حين رأت رائحة مولودًا أمامها في وقت مبكر من المساء، لم تفرح كما تخيل مولود. على العكس تمامًا فقد سيطرت عليها الغيرة. سألت زوجها مرتين عن سبب مجيئه إلى البيت باكرًا. ومولود نفسه لا يعرف لماذا جاء إلى البيت باكرًا فجأة، ويعتقد بأن غيرة رائحة غير منطقية. انتبه مولود كثيرًا لكي لا يعكر مزاجهم هم الثلاثة (أي مع سميحة): حرص على ألا يبقى على انفراد مع سميحة، وكان يتكلم دائمًا مع رائحة بما يتعلق بالعمل برقة وقرب، بينما يتكلم مع سميحة تاركًا مسافة بينهما كما كان يكلم عناصر بينبوم. ولكن على ما يبدو أن هذه الإجراءات الاحترازية لم تكن كافية. أصبح مولود يرى أنهما يدوران في حلقة مفرغة: إذا تصرف وكأنه ليس ثمة ما يدعو إلى الغيرة، فتفكر بأنه يخبئ شيئًا، ويقع بموقع الأفعى التي تسير تحت التبن، وهذا يثير غيرة زوجته أكثر. وإذا تصرف وكأنه يعطي الحق لرائحة بالغيرة، يقع مولود بموقع قبوله ذنبًا لم يرتكبه. ضبطت رائحة نفسها لأن البنتين لم تناما بعدُ، وتمكنت من مسايرة الوضع لكي لا تكبّر المشكلة ليلة عودة مولود إلى البيت باكرًا. رائحة. ظهيرة ذات يوم، لمّحت لموضوع غيرتي لجارتي الأخت ريحان في أثناء عملنا أغراض جهاز العروس. أعطتني الحق. قالت لي بأن أي امرأة تشعر بالغيرة من امرأة مثل سميحة بجوار زوجها، وأن لا ذنب لي في هذا الأمر. بالطبع فقد أثارت هذه الكلمات غيرتي أكثر. قالت لي الأخت ريحان: إن ما يجب عليَّ فعله هو ألا أضع في قلبي وأتلوى، بل أفتح موضوع غيرتي لمولود، وأطلب منه أن ينتبه أكثر. وأنا قلت لنفسي سأفتح الموضوع لمولود بعد ذهاب البنتين إلى المدرسة. ولكننا تشاجرنا. قال مولود: «ماذا هنالك؟ ألا أستطيع أن آتي إلى بيتي في الوقت الذي أريد؟». في الحقيقة أنني لا أصدق كل ما تقوله الأخت ريحان. بالطبع لا يمكن أن أفكر بأن أختي وروحي سميحة مثل كل امرأة جميلة ليس لها ولد، هي خطرة على الناس جميعًا. كانت الأخت ريحان قد قالت لي بأن سميحة عندما تلعب مع فاطمة وفوزية، وتحكي لهم الحكايات، تخفف ألمها الناجم عن عدم وجود ولد لديها من جهة، وتستمتع وتُشعر بألم الغيرة من جهة أخرى. قالت: «عليكِ أن تخافي من العاقر يا رائحة؛ لأن هناك غضبًا شديدًا وراء صمتهن. إنها لا تشتري الكفتة لبناتك من البائع بسذاجة». قلت لمولود أمرين مما علمتني إياه ريحان صراخًا. وقال لي مولود: «ليس من الصواب أن تتكلمي بحق أختكِ بهذه الطريقة». أي أن سميحة طبقت مولودي الساذج، وهو يقف إلى جانبها، أليس كذلك؟ وأنا صرخت بصوت أعلى، وقلت: «إنها عاقر! إذا كنت تقف إلى جانبها، فخذْ هذه العبارة السيئة بحقها إذًا». أشار مولود بيده بما يعني: «كم أنتِ سيئة، تفوه!» وقطب وجهه، وأنا خُبلت. مخبول كتب الرسائل لها، ثم تزوجني! لا، لم أقل هذا له. لا أدري كيف حدث هذا، في أثناء صراخي، حملت صرة «شاي فلز» التي كانت في الزاوية، ورميته بها على رأسه كالحجر. وصرخت: «لأموت إذًا، وتزوج أنت سميحة!»، ولكنني لا أترك ابنتي لخالة زوجة أب. فأنا أرى مثلكم أن سميحة تجذب ابنتي إليها بهداياها وقصصها وجمالها، ولكنني إذا قلت هذا، فستقولون كلكم بصوت واحد: «آآ، من أين تخترعين هذا يا رائحة؟ ألن تضحك البنتان وتلعبان قليلًا مع خالتهما؟». فجأة رفع مولود صوته: «كفى يا هذه، اعرفي حدودك قليلًا!». قلت: «لأنني أعرف حدودي لن أذهب إلى الدكان بعد الآن. تفوح منه رائحة قذرة». «أين؟». «بوظة العديلين. رائحته قذرة. تتقلب معدتي هناك». «هل البوظة تقلب معدتك؟». «سئمت من بوظتك». ظهر تعبير على وجه مولود أخافني، وفجأة قلت: «أنا حامل!». في الحقيقة لم أكن أنوي أن أقول له هذا، وأنزل ما في داخلي بنفسي كما فعلت وديعة، ولكن الكلام انزلق عن لساني، وتابعت: «ابنك في بطني يا مولود، أنا خجلة من فاطمة وفوزية بهذا العمر. وما إن قلت له متهمة: «وأنت لا تنتبه نهائيًّا». حتى ندمت، ولكن رؤيتي مولودًا قد لانت أمتعتني. نعم يا مولود أفندي، تحلم بابنة حميك في الدكان، وتباهي وأنت تبتسم فاتحًا فمك مثل رأس خروف مسلوق، ولكن انظر، سيظهر ما تفعله مع زوجتك بعد ذهاب ابنتيك إلى المدرسة. سيقول الجميع: «مولود لا يتوقف نهائيًّا ما شاء الله!»، وستغير سميحة من الولد الثالث لأنها لم تستطع أن تحمل بأي شكل. جلس مولود على حافة السرير بجانبي. وضع يده على كتفي، وسحبني إلى جانبه. قال بنبرة لطيفة وحنونة: «هل معك صبي، أم بنت؟ لا تأتِ في أثناء الحمل إلى الدكان نهائيًّا. وأنا لن أذهب إلى ذلك الدكان. انظري نحن نتشاجر بسبب ذلك الدكان. بيع البوظة في الأزقة مساء أجمل وأكثر ربحًا يا رائحة». قال مولود: «في الحقيقة أن تصرف سميحة خاطئ. يجب ألا تأتي إلى الدكان بعد الآن. هي وفرحات لم يعودا مثلنا. انظري إلى الرائحة التي تندهن بها سميحة..». «أي رائحة؟». قال: «كان البيت كله يفوح بها عندما أتيت البارحة مساء، لا أدري ما الذي دهنت نفسها به»، وضحك. قلت: «هذا يعني أنك جئت البارحة إلى البيت من أجل أن تشم رائحتها!» وبكيت ثانية. وديعة. حملت المسكينة رائحة. جاءت ذات صباح إلى تل التوت، وقالت: «أرجوكِ يا أختي، أنا أخجل من البنتين، ساعديني فورًا، وخذيني إلى المستشفى». «ابنتاكِ في سن الزواج يا رائحة. أنتِ اقتربتِ من الثلاثين، ومولود اقترب من الأربعين. ماذا يحدث لكما يا قطتي؟ أما تعلمتما ما عليكما أن تفعلاه، وما يجب ألا تفعلاه حتى الآن؟». حكت لي كثيرًا من الأشياء الخاصة التي لم تجد أهمية لقولها، وأوصلت الحديث إلى سميحة، وأوجدت ذريعة للشكوى منها. استنتجت من هذا الوضع أنها لم تحمل نتيجة عدم انتباه مولود، بل نتيجة احتيالها، ولكنني لم أقل لها هذا. قلت: «يا روحي رائحة، الولد مصدر سعادة العائلة، وسلوان الأم، وأكبر سعادة في الحياة. ماذا سيحدث؟ أولدي حملك هذا أيضًا. أحيانًا أغضب كثيرًا من قلة أدب بوزكورت وطوران. انظري ما فعلاه بابنتيكِ. صدقيني تعبت من صفعهما بالكفوف طوال هذه السنين من أجل أن أؤدبهما، ولكنهما سبب عيشتي الوحيد، وماء حياتي. أموت لو حدث لهما شيء لا سمح الله. الآن يحلقان لحيتيهما، ويلعبان بحبوب الشباب في وجهيهما، ولا يسمحان لي بلمسهما، وحتى بتقبيلهما... لو ولدت اثنين آخرين، لاحتضنتهما اليوم، وداعبتهما، وسعدت أكثر بهما، ولَما أوليت اهتمامًا لمساوئ قورقوط. أنا الآن نادمة لأنني أقدمت على الكرتاج في تلك السنوات... هناك كثير من النساء فقدن عقولهن لأنهن أقدمن على الكرتاج، ولكن لا توجد امرأة ندمت لأنها أنجبت في تاريخ العالم. هل أنت نادمة لأنك وُلدت فاطمة يا رائحة؟ هل أنت نادمة لأنك وُلدت فوزية؟ بدأت رائحة تبكي. قالت إن مولودًا لا يكسب نقودًا، وهو فاشل بالإدارة، وإنهما خائفان جدًّا من فشل دكان البوظة الآن، وما كانا يستطيعان إنقاذ مصروفهما الشهري لولا عملها لدكاكين جهاز العرائس في بيه أوغلو، ولن تلد على أمل «يأتي ويأتي رزقه معه»، وهي مصممة على هذا. أصلًا ليس هناك مكان نهائيًّا لشخص جديد في غرفة تتسع لهم الأربعة بصعوبة. قلت: «يا عزيزتي وروحي رائحة. أختك الكبرى وديعة تساعدكِ بما تريدين عندما تكونين بوضع صعب. ولكن الولد مقدس، وله مسئولية. اذهبي إلى البيت، وفكري ثانية. وفي الأسبوع القادم، أدعو سميحة، ونتحدث». «لا تدعي سميحة يا أختي، أنا أتوتر منها أساسًا. يجب ألا تعرف بأن هناك طفلًا في بطني. هي عاقر، وتشعر بالغيرة. وأنا قررت. ليس هناك ما أفكر فيه ثانية». شرحت لرائحة بأن قائدنا كنان أفرِن قام بعمل خيري، وأعطى النساء غير المتزوجات حق إجراء الكرتاج في المستشفيات على ألا يكون الحمل أكثر من عشرة أسابيع بعد الانقلاب العسكري لعام ١٩٨٠ بثلاث سنوات. أكثر المستفيدات من هذا الحق هن نساء المدن الجريئات اللواتي يمارسن الحب قبل الزواج. أما المتزوجات، فعليهن أن يقنعن أزواجهن بإنزال هذا الجنين، ويحصلن منهم على وثيقة موقعة حول هذا الأمر من أجل أن يستفدن من هذا الحق. كثير من نساء تل التوت، لم يوقع لهن أزواجهن قائلين: «ما ضرورة هذا؟ حرام، يرعانا في المستقبل!». وهكذا ولدن رابع وخامس أولادهن. وبعض النساء يُسْقِطن أجنتهن بأساليب بدائية تعلمنها من بعضهن بعضًا. وقلت لأختي: «احذري أن تُخدعي بنساء الحي، وتقدمي على شيء كهذا إذا لم تحصلي على ورقة موقعة من مولود. مفهوم يا رائحة؟ ستندمين لاحقًا». وهناك رجال يوقعون هذه الورقة دون أن يهتموا نهائيًّا مثل قورقوط، شرحت هذا لرائحة أيضًا. كثير من الرجال يرون أن التوقيع أسهل من الحذر، ويجعلون زوجاتهم يحملن قائلين: «كيفما كان هناك كرتاج». جعلني قورقوط أحمل ثلاث مرات هكذا. وأجريت عملية كرتاج في مستشفى الأطفال ثلاث مرات، وبالطبع ندمت بعد أن أصبحت لدينا نقود. وهكذا تعلمت ما يجب أن أقول للدكتورة في المستشفى، وبعدها أي ورقة يجب أن أستخرج، وممن يجب أن أوقعها. «رائحة، نذهب إلى المختار أولًا، ونأخذ منه ورقة تفيد بأنكِ متزوجة من مولود، ثم تذهبين إلى المستشفى، وتثبتين أنكِ حامل، ونأخذ ورقة موقعة من طبيبين واستمارة فارغة، وتذهبين لتوقِّعيها من مولود، مفهوم؟». وهكذا استمر الشجار بالغضب والمشاعر نفسها بين مولود ورائحة حول ما إن كانت رائحة ستلد الجنين أم لا، ولكنه رسم خطًّا أكثر غموضًا من الغيرة. ولأنهما لا يستطيعان أن يفتحا هذا الموضوع أمام البنتين أو في الدكان، فإن الجدل حوله يثار بعد أن تذهب البنتان إلى المدرسة. يمكن تسمية هذا عدم تفاهم بالإشارات أكثر من كونه جدلًا: يركزان على تقطيب الوجه، والعبوس، وقلب الشفة، ونظرات الكره، وتقطيب الحاجبين أكثر من الكلمات؛ لهذا السبب ينتبه أحدهما لوجه الآخر أكثر من كلماته. بعد فترة قصيرة أدرك مولود مكدرًا بأن رائحة التي ينفد صبرها تدريجيًّا تفسر تردده بين الحالتين «مماطلة». من جهة أخرى ينفعل مولود باحتمال أن يكون الحمل صبيًّا، ويبني أحلامًا. سيكون اسمه مولد خان. تذكر أن بابور خان فتح الهند لأن لديه ثلاثة أبناء أرواحهم أرواح أسود، وأن جنكيز خان أصبح أكثر السلاطين رهبة بفضل أربعة أبناء مخلصين. أعاد على رائحة مئات المرات أن أباه فشل في سنواته الأولى في إسطنبول لأن ليس له صبي، وعندما جاء مولود من القرية لمساعدته كان الوقت قد تأخر كثيرًا. ولكن عبارة «تأخر كثيرًا» لم تكن تذكر رائحة سوى بمدة الأسابيع العشرة القانونية. كانا يمارسان الحب في ساعات الصباح بعد ذهاب البنتين إلى المدرسة، ويشعران بسعادة شديدة. أما الآن فيتجادلان ويتشاجران باستمرار. ولا يشعر مولود بالذنب، ويعانق زوجته عندما تبكي، ويقول: «لكل مشكلة حل»، وتقول رائحة: لعل الأفضل أن أولد هذا الطفل، ثم سرعان ما تندم لقولها هذا. يعتقد مولود ردة فعل رائحة على إفلاسه وفشله في الحياة يكمن وراء إصرارها على إسقاط الجنين، وحتى إنها تعاقبه، وهذا ما يحزنه. كأنه إذا أقنع رائحة بالولادة فسيظهر أنه ليس ثمة نقص أو عدم كفاية في حياتهما. لأن قورقوط ووديعة ليس لهما سوى ولدين. والمسكينة سميحة لا تنجب. السعيد يكون له أولاد أكثر. الأغنياء التعساء يغيرون من الفقراء الذين لهم أولاد كثيرون مثل الأوربيين الذين يطالبون تركيا بتحديد النسل. ولكن مولودًا لم يحتمل إصرار رائحة ودموعها، وذهب إلى مختار الحي لاستخراج الورقة التي تثبت أنهما متزوجان. لم يكن المختار الذي عمله الأساسي سمسار عقارات في مكتبه. ولكي لا يعود مولود إلى البيت ورائحة خاوي اليدين تجول في أزقة طرلاباشِ: وبعادة اكتسبها من أيام عدم وجود عمل لديه بحثت عيناه عن عربة بائع للبيع، وصديق صاحب دكان يقف بجواره، أو غرض يمكن أن يحصل عليه بسعر رخيص. نصف أزقة طرلاباشِ امتلأت بالعربات الواقفة خالية والمربوطة بالجنازير خلال السنوات العشر الأخيرة. يشعر مولود بضيق في روحه لأنه لا يخرج لبيع البوظة ليلًا، وفقد قليلًا شعوره بكيمياء الأزقة. في أثناء شربه الشاي الذي قَدَّمه له بائع الخردة الذي زوجه من رائحة قبل ثلاثة عشر عامًا، وقدم له النصائح حول ممارسة الحب في رمضان، تحدث معه حول موضوعات دينية، ورئيس البلدية الديني الجديد. ازداد عدد خمارات بيه أوغلو التي تضع الطاولات أمام أبوابها. فتح بائع الخردة موضوع الكرتاج أيضًا. وشرح له بالتفصيل حرمة الكرتاج قائلًا بأن «هذا ورد في القرآن»، ولكن مولودًا لم يأخذه مأخذ الجد كثيرًا. لو كان محرّمًا إلى هذه الدرجة، فهل يقدم كل هذا العدد من الناس على الكرتاج؟ تعلق بعقله أمر شرحه له بائع الخردة: تقافز أرواح الأطفال الذين يُنزلون من أرحام أمهاتهن من غصن إلى غصن مثل أفراخ العصافير اليتيمة على أشجار الجنة، وتغييرهم أماكنهم باستمرار، وتململهم أمر مقلق. ولكنه لم يفتح هذا الأمر لرائحة نهائيًّا؛ لأن زوجته يمكن ألا تؤمن بأنه ذهب إلى المختار. أما المختار فقد شرح له عند زيارته الثانية بعد أربعة أيام بأن هوية زوجته أصبحت باطلة، وإذا كانت رائحة تريد خدمة من الدولة (لم يخبره مولود بأن هذه الخدمة هي عملية كرتاج) يجب عليها أن تحصل على هوية جديدة مثل كل الناس. كانت هذه المواضيع تخيف مولودًا. كانت أكبر نصيحة أخذها من والده هي الابتعاد عن سجلات الدولة. لم يدفع مولود للدولة ضريبة قط. وهي صادرت عربته البيضاء، وحطمتها. بدأت رائحة بالتردد على «العديلين» اعتبارًا من شهر نيسان/إبريل نتيجة شكواه من الوحدة، وبعد أن اقتنعت بأنه وافق على إعطائها التوقيع اللازم. تقيأت بعد ظهر أحد الأيام، وحاولت أن تخفي هذا عن مولود، ولكنها لم تنجح. مسح مولود قيء زوجته دون أن ينتبه أحد من الزبائن. ولم تعد رائحة تأتي إلى الدكان في تلك الأيام الأخيرة من حياتها. قرر الزوجان أنه من الأفضل مجيء البنتين إلى «العديلين» بعد عودتهما من المدرسة ظهرًا من أجل جلي الكئوس وترتيب المكان قليلًا. كانت مشكلة رائحة كيف تشرح لابنتيها عدم ذهابها إلى الدكان، ومساعدة والدهما. كانت رائحة تشعر بأنها تستطيع التخلص من الحمل بسهولة أكثر إذا لم يعرف بالأمر إلا قلة وعلى رأسهم ابنتاها. كلف مولود ابنتيه بالدعم من الخلف مثل الطباخات والممرضات. كانت تأتي فاطمة يومًا، وفوزية يومًا. يجعلهما مولود تجليان الكئوس، وترتبان المكان، ولكنه يبعدهما عن تقديم الخدمة للزبائن وقبض النقود، وحتى الحديث معهم بدافع غيرة الأب. ويصاحبهما، ويتحدث معهما طويلًا من خلال سؤالهما عما فعلتاه في المدرسة، وما تحبانه من الكوميديين والمهرجين الذين تريانهم في التلفاز، والأفلام والمسلسلات التي يتابعانها، والمشاهد التي يحبانها. كانت فاطمة أذكى وهي رصينة وصامتة. تستطيع التفكير بالطعام واللباس، وأسعار الأشياء، وما يباع في الدكاكين، والمترددين على «العديلين»، وحال الشارع، والبواب الذي يبيع بعض الأشياء المهربة والمتسول الذي عند الزاوية، وحتى مستقبل الدكان، وأمها التي في البيت، وتشعر بحنان حماية الأب الذي يشعر فيه مولود بعمق. إذا أصبح لديه ذات يوم دكان ناجح، فإنه يمكن أن يتركه بكل ثقة لابنته التي في الثانية عشرة (طبعًا لو كانت فاطمة صبيًّا)، ويحكي مولود هذا لرائحة في البيت بفخر. أما فوزية البالغة الحادية عشرة فمازالت طفلة: لا تحب أي عمل يتطلب جهدًا مثل التنظيف والمسح والتجفيف، وتحب التهرب من العمل، ودائمًا تجد طريقة للاستسهال وعمل الأمور من خلف ظهرها. يريد مولود أن يؤنبها دائمًا، ولكنه يعرف أنها لن تسمع كلامه لأنها تضحك بدلًا من أن تغضب. يستمتع مولود بالحديث مع فوزية حول الزبائن الذين يأتون إلى الدكان. أحيانًا يأتي زبون، ولا يحب البوظة، وبعد أن يرتشف رشفتين، يترك الكأس، ويقول كلمات فظة، ويحاول أن يدفع أقل من الثمن، ويتكلم مولود مع ابنته حول هذا الأمر التافه يومين أو ثلاثة. أحيانًا تستمع بانتباه لرجلين يتحدثان حول ما سيفعلانه بالسافل الذي أرسل شيكًا دون رصيد، وأحيانًا حول صديقين لهما يلعبان القمار لدى وكيل مراهنات الخيول على بعد زقاقين، وأحيانًا لثلاثة أصدقاء دخلوا إلى الدكان بسبب المطر الذي في الخارج، ويتحدثون عن الفيلم الذي شاهدوه. أكثر ما يحبه مولود إعطاء جريدة نسيها أو تركها أحد الزبائن للبنت التي تكون في ذلك اليوم في الدكان، وجعلها تقرأ من مكان لا على التعيين من الخبر كأنه لا يعرف القراءة والكتابة (مثل جدهما مصطفى الذي لم ترياه)، والاستماع وهو ينظر إلى الخارج من النافذة. يقاطع مولود قراءة ابنته أحيانًا، ويقول لها: «انظري، أرأيتِ؟» لافتًا نظرها إلى نقطة ما، ويعطي لابنته درسًا حول الحياة والمسئولية. أحيانًا تفتح إحدى البنتين لوالدها مشكلة بخجل وضيق (تعليق معلمة الجغرافيا عليها، وطلبها شراء حذاء بدل الذي فتح من أحد أمكنته، وعدم رغبتها بلبس المعطف القديم الذي يسخر منه زملاؤها)، وعندما يدرك مولود أنه لن يستطيع حل المشكلة، يقول: «لا تشغلي بالك نهائيًّا، تُحلّ ذات يوم!»، وينهي كلامه بحكمة «إذا حافظتِ على نظافة قلبكِ، تنالين في النهاية ما تريدين». رأى ابنتيه ذات مساء تسخران من هذه الحكمة، ولكنه ابتسم بسعادة شهادته على أن ابنتيه ذكيتان ومرحتان، بدلًا من الغضب لوقوعه بوضع الأب الذي سخر منه. يغامر مولود كل مساء قبل أن يُظلم الجو بترك الدكان دون أن يكون فيه أحد، ويمسك بيد ابنته التي أتت في ذلك اليوم، ويساعدها على العبور ركضًا من هذا الجانب لشارع الاستقلال إلى طرف طرلاباشِ، وبعد أن يقول لها: «يمكنكِ أن تذهبي الآن»، يراقب ابنته حتى تختفي عن عينه، ثم يعود راكضًا إلى «العديلين». بعد أن وصَّل فاطمة ذات مساء، وعاد، وجد فرحات في الدكان يدخن سيجارة. قال فرحات: «انتقل الذين أعطونا دكان الروم هذا إلى الطرف الآخر. ارتفعت أسعار المحلات هنا وإيجاراتها يا عزيزي مولود. إذا بِيع في هذا الدكان جوارب أو شاورمة أو سراويل داخلية أو تفاح أو أحذية أو أي شيء، يكسب عشرة أضعاف ما يكسبه». «نحن أصلًا لا نكسب شيئًا...». «نعم. أنا سأترك الدكان». «كيف يعني؟». «يجب أن نُغلق الدكان». سأل مولود بخجل: «ماذا يحدث إذا بقيت أنا؟». «تأتي عصابة تأجير أملاك الروم ذات يوم. وتسجل لك أجرة بحسب مزاجها... وإذا لم تدفع، تثقبك...». «لماذا لا يسجلون لك؟». «لأنني أتابع شؤون الكهرباء الخاصة بهم، وأوصل الكهرباء إلى البيوت المهجورة، وهم يستغلون هذه البيوت والمحلات. إذا أفرغتم الدكان بسرعة، تنقذون بضاعتكم. أخرجوا كل شيء من هناك قبل كل شيء، وبيعوها، وافعلوا ما تفعلون بها». أغلق مولود الدكان فورًا، واشترى زجاجة عرق صغيرة من البقالية، وتناول العشاء مع رائحة والبنتين. لم يجلس الأربعة معًا حول الطاولة، ويتناولوا العشاء معًا منذ سنوات: تابع مولود التلفاز، ومازحهم، وضحك، وأبلغهم بأنه قرر العودة إلى بيع البوظة في الأزقة، وأغلق الدكان مع فرحات، وعطّل هذا المساء؛ ولذلك شرب العرق. لو لم تقل رائحة: «الله يحسن خاتمتنا»، لما شعر أحد بأنه سمع خبرًا سيئًا. لهذا غضب مولود من زوجته. قال: «لا تدخلي الله بالموضوع وأنا أشرب العرق... ها نحن على ما يُرام». صباح اليوم التالي نُقلت أغراض المطبخ التي في الدكان إلى البيت بمساعدة فاطمة وفوزية. عرض تاجر أشياء مستعملة في تشوقور جمعة سعرًا بخسًا جدًّا بنضد البيع والطاولات والكراسي، فغضب مولود، ووجد نجارًا يعرفه، ولكن سعر خشب هذه الأشياء المهلهلة في الدكان كان أقل. نقل المرآة الصغيرة إلى البيت. أما المرآة الثقيلة ذات الإطار الفضي التي اشتراها فرحات، فقد حملتها ابنتاه كلٌّ من طرف، وأرسلهما إلى خالتهما. وعلَّق مقالة جريدة الإرشاد التي قصها وأطّرها، والمنظر الذي يحوي شواهد القبور والسرو وحزمة النور على جدار البيت خلف التلفاز إحداهما بجانب الأخرى. كان مولود يسعد بالنظر إلى رسم «العالم الآخر». ٥ مولود حارس موقف سيارات شبه مذنب وشبه مندهش كان مولود يعرف بأنه لن يستطيع طلب عمل من آل آقطاش بعد فشله في بينبوم. وكان منزعجًا من فرحات. في الحقيقة أنه يمكن أن ينسى هذا الشعور بسرعة، ويستفيد من شعور فرحات بالذنب، ويطلب منه عملًا، ولكنه لا يستطيع عمل هذا بسبب رائحة. تلقي رائحة باللوم على فرحات لأنه أغلق الدكان، وتكرر في البيت كثيرًا أنه إنسان سيئ. كان مولود يبيع البوظة مساء، ويدور صباحًا على الأزقة، ويعرّج على معارفه باحثًا عن عمل. يتظاهر بأنه يقيّم عروض مشرفي النُّدُل وأصحاب المطاعم الذين يعرفهم منذ سنوات طويلة بالعمل مشرف نُدُل أو كاتبًا، ولكنه يريد عملًا يطلب منه كدحًا أقل (مثل فرحات)، ويدر عليها ربحًا أكبر، ويترك له زمنًا وقوة تمكناه من بيع البوظة مساء. بعد إغلاق «العديلين»، وفي أواسط نيسان/إبريل أبلغه موهيني الذي بحث له بكل صدق عن عمل بأن صديقهما المشترك في المدرسة المتوسطة «العريس» ينتظره في مكتب شركة الإعلان التي يمتلكها في بنغالطِ. لم يستطع مولود الذي لبس سترة العيد، وذهب إلى المكتب أن يعانق صديقه القديم، ويبادله القبل؛ لأن «العريس» كان رسميًّا، وترك مسافة بينهما في أثناء مصافحته. ولكنه قال للسكرتيرة الجميلة التي نظرت إليه باسمة (قال مولود لنفسه: «لا بد أنها حبيبته») بأن هذا الرجل من أعزّ أصدقائه، إضافة إلى أنه: «ذكي جدًّا، وإنسان فريد». وضحكت السكرتيرة كأن «صداقة هذين» اللذين يبدوان بكل ما فيهما فقيريْن وفاشليْن مع رب عملها البرجوازي نوعًا المزاح. أراد الابتعاد عن العريس بدافع داخلي، ورفض فورًا عمل موقد الشاي تحت درج الطابق الرابع لأنه لا يريد أن يخدم ذوي ربطات العنق العاملين في المكتب. وبالسرعة نفسها وافق مولود على إدارة موقف السيارات الذي أشار إليه العريس من نافذة المكتب، ويقع في الباحة الخلفية. عمله حماية الموقف الواقع في الباحة العائدة للبناء والمؤدية إلى الزقاق الخلفي من الذين يريدون ركن سياراتهم دون إذن، وأصحاب السيارات الخاصة، و«مافيا مواقف السيارات». تتشكل عصابات مواقف السيارات التي لفت المدينة خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة مثل شوك العليق من خمسة أو ستة أصدقاء وأبناء بلد شبه فتوات، وشبه مافيا على علاقة بالشرطة. يعتبر الفريق شارعًا، أو زاوية، أو مقسمًا خاويًا في مركز المدينة لا يمنع فيه ركن السيارات ملكه الخاص المسجل في السجل العقاري بقوة السلاح والسكاكين، ويطلبون نقودًا ممن يريد أن يركن سيارته هناك، ومن لا يدفع، إما أن يكسروا له زجاج نافذة اليمين أو اليسار الصغيرة، وإما يمزقون عجلة السيارة، وأما يخدشون الباب الجانبي لسيارة حديثة مستوردة من أوربا. بعض أصحاب السيارات الخاصة يقولون: «لماذا أدفع لك أجرة ركن سيارتي أمام بيتي الذي أعيش فيه منذ أربعين سنة، ومن أنت، ومن أين أتيت؟»، وآخرون يرفضون الدفع متذرعين بالقول: «أين الفاتورة، وأين الإيصال؟»؛ ولهذا شهد مولود خلال الأسابيع الستة التي عمل فيها حارس موقف كثيرًا من الجدل والشتائم والشجار باللكمات. ولكنه لم يتدخل بأي شجار نتيجة نجاحه بدبلوماسيته الناضجة، ومسايرته، ورسم خط بين الشارع الذي تفرض فيه عصابة ركن السيارات إتاواتها والباحة الخلفية. على الرغم من استخدام هذه العصابات العنف، والفتوة والوقاحة، وتخريب السيارات على مرأى من العيون تقدم خدمات مهمة لأغنياء المدينة الذين لا يعترفون بقاعدة. حيث تختنق الطرقات بزحام المواصلات، ولا يوجد مكان تُركن فيه السيارة، يتبنى عنصر العصابة الذي يسمى «وكيل» السيارة وإن ركنت على الرصيف وحتى وسط الشارع، ويحميها، وإذا دُفع له بضعة قروش زيادة، يمسح زجاجها في أثناء ركنها، وحتى يغسلها، ويجعلها تلمع. بعض عناصر العصابة الشباب الوقحين يركنون بعض السيارات التي يقبضون أجرة ركنها في الباحة التي يشرف عليها مولود بإصرار، ولكن مولودًا لا يدخل معهم بجدل لأن العريس قال له: «لا أريد شجارًا». لهذا لم يكن عمله صعبًا. في أثناء مجيء سيارات العريس أو جماعة الإعلان الآخرين إلى الشركة صباحًا، وخروجهم مساء، يوقف مولود السير في الشارع الخلفي بثقة شرطي مرور، ويرشد السيارة الخارجة أو الداخلة بعناية وهو يقول: «تعالَ، تعالَ، إلى اليسار، إلى اليسار»، ويفتح باب السيارة للمهمين منهم (يحدث هذا مع العريس دائمًا بجو ودي)، ويجيب أحيانًا عن أسئلة حول مجيء السيد الفلاني. وضع كرسيًّا بين الرصيف وباحة الموقف ـ يسمي البعض هذه النقطة باب الموقف، ولكن لم يكن هناك باب ـ بدعم من العريس. يجلس مولود أغلب الوقت على هذا الكرسي الخشبي، ويراقب حركة السيارات الخفيفة المارة من الزقاق الخلفي، ويخرج أحيانًا إلى الشارع الرئيس، ويقضي وقته بالنظر إلى المتسول الذي يعرض رجله المعوقة، وأجير البقال الصمصوني الذاهب والآيب، والعابرين من الرصيف، ونوافذ الأبنية، والقطط، والكلاب، والحديث مع أفتى عناصر عصابة الموقف (كانوا يسمونه «المؤشر» بنوع من المهانة). ما يسحر في «المؤشر» كمال الزنغلداقي، أن مولودًا يجد كل ما يحكيه على الرغم من ذكائه وثرثرته الدائمة مدهشًا: سره هو حديثه براحة لكل من يأتي أمامه حول كل شيء من العادات الجنسية إلى البيض بالسجق الذي أكله البارحة، ومن غسيل أمه الغسيل في القرية، وضرب أبيه له إلى ما شعر به في أثناء مشاهدته مشهد الغرام في التلفاز مساء الأمس، وأكثر أمور حياته خصوصية. كان يرافق هذه القصص الشخصية والعاطفية خيال بالغ حول الشرطة والدولة والسياسة: نصف رجال شركة الدعاية لوطيون، ونصف نسائها مثليات؛ كانت بنغالطِ كلها ملكًا للأرمن قديمًا، وسيطلبون استعادتها ذات يوم عن طريق أمريكا؛ رئيس بلدية إسطنبول شريك سري لشركة الحافلات الهنغارية التي اشترى منها الحافلات الجديدة ذات المقطورات (كان الناس يسمونها «دودة»). كان مولود يشعر بنبرة التهديد عندما يري الشاب مهارات عصابة ركن السيارات مستخدمًا عبارة «نحن»: لو أرادوا لأخفوا سيارة الغني المرسيدس المركونة على الرصيف الذي يحمونه هم، وترك عندها المسكين الذي لا يقدم له حتى صحن حساء، ولا يستطيع أحد أن ينبس بكلمة. هل يعرف البخلاء الذين لا يدفعون أجرة الركن التي لا تساوي أكثر من ثمن علبة مارلبورو، ويقولون: «هل هذا ملكك الخاص، سأستدعي الشرطة!»، أن نصف ما نقبضه يذهب للشرطة؟ بعض الممتعضين يعرفون كيف يخزون عامل الركن بالكلام، ولكنهم لا يشعرون بأن بعض زينة «BMW» الجديدة جدًّا، وعلبة السرعة الباهظة الثمن والمكيّف يتم تغييرها خلال ثلاث ساعات دون أن يشعروا بأي شيء. عصابة ركن سيارات من أونية تعمل مع ورشة تصليح شبه سرية في دولاب درة، بعد تسلمها مفتاح سيارة مرسيدس تم تبديل محركها موديل ١٩٩٥ بمحرك مرسيدس قديم مهترئ خلال نصف يوم، وأعطى صاحبها بقشيشًا لعامل الركن قائلًا: «غسلتم سيارتي بشكل جيد جدًّا». ولكن على مولود ألا يقلق أبدًا؛ لأن العصابة لن تسيء له، وللسيارات المركونة هنا. وإذا كان هناك مكان فارغ يسمح مولود لكمال الشاب بجلب عدة سيارات من الخارج، وركنها هناك دون أن ينبس، ولكنه كان يبلغ الذين فوق، والعريس بهذا. عندما تغط الباحة والموقف والأرصفة والأزقة الخاوية بصمت وجمود عميقين أحيانًا (بقدر ما هذا ممكن في إسطنبول)، فإن أكثر ما يحبه مولود بعد تقربه من رائحة وابنته هي لحظات مجيئه إلى الزقاق، ورؤية الشبان (كما ينظر إلى التلفاز تمامًا)، وحلمه بالدكان، والحديث مع أحدهم حول هؤلاء. لم يكن يعطيه العريس نقودًا كثيرة، ولكنه لم يشتكِ لأن عمله قريب من الزقاق. فوق هذا يمكنه العودة إلى البيت في الساعة السادسة بعد أن يغلق المكتب، وتذهب السيارات (يبقى مكان الركن مساء للعصابة)، ويجد الوقت لبيع البوظة مساء. بعد شهر من بدئه العمل حارسًا لموقف السيارات، وفي أثناء فرجة مولود على ماسح أحذية يتجول على الأبواب بابًا بابًا، ويمسح الأحذية المرسلة من الأعلى، تذكر بأن مدة الأسابيع العشرة الرسمية التي تسمح بإجراء الكرتاج لرائحة قد انقضت. كان مولود مؤمنًا من كل قلبه بأن عدم تقدمها في هذا الموضوع مرتبط بعدم رغبته، بقدر ما هو مرتبط بتردد زوجته. ثم إن عملية الكرتاج خطيرة حتى لو أجريت في مستشفى الدولة. ولكن الولد الذي سيولد يغدو مصدر فرح البيت، ويربط بين أفراد العائلة أكثر. لم تبلغ رائحة بعد فاطمة وفوزية بأنها حامل. لو أبلغتهما، فسترى بأنهما سيحبان الطفل، وتفرحان. وهكذا فكر مولود طويلًا بزوجته التي في البيت. ذكرته دموعه مدى تعلقه برائحة، وحبها. مازالت الساعة الثانية، ولم تعد البنتان إلى البيت بعد. شعر مولود بأنه حر كما كان أيام الثانوية؛ وترك الموقف للشاب كمال الزنغلداقي، وعاد إلى البيت في طرلاباشِ بما يشبه الركض. كان مولود يريد أن يبقى على انفراد مع زوجته، والعودة إلى ذلك الزمن الجميل الذي لم يتشاجرا فيه نهائيًّا في بداية زواجهما. كان يشعر بذنب في قلبه كأنه نسي شيئًا مهمًّا جدًّا. لعل هذا ما جعله يستعجل. عندما دخل من الباب، أدرك أن الله ألهمه بأن يركض إلى البيت. حاولت رائحة أن تُسقط الجنين بنفسها بطريقة بدائية، وحدثت أمور سيئة، وكانت شبه فاقدة الوعي من النزيف والألم. رفع مولود زوجته، واحتضنها، وهرع، ووضعها في سيارة أجرة. كان مدركًا في أثناء عمله هذا بأنه لن ينسى أي لحظة من هذه اللحظات حتى آخر حياته. طالما كان يدعو الله ألا تزول حياته السعيدة، وألا تتألم رائحة. داعب شعر زوجته المتعرق، وخاف من شحوب وجهها الشديد. في أثناء دخوله إلى مستشفى الإسعاف على مسافة خمس دقائق، كانت على وجه رائحة تلك النظرة شبه المذنبة وشبه المستغربة التي رآها ليلة خطفها. في أثناء دخولهما من باب المستشفى، كانت رائحة قد توفيت بالنزيف. كانت في الثلاثين من عمرها. ٦ بعد رائحة لا أحد يغضب منك إذا بكيت عبد الرحمن أفندي. بات هناك هاتف في بيت ضيافة قريتنا. قالوا: «اركض، ابنتك تتصل من إسطنبول!»، ما إن وصلت: كانت وديعة. روحي رائحة أسقطت جنينها، ودخلت المستشفى. عندما شربت كأسين على معدة خاوية قبل ركوبي الحافلة من بيه شهير، أشعرني قلبي بالشؤم، واعتقدت أنني سأختنق بالحزن: هذا ما حدث لبناتي يتيمات الأم. عندما يبكي الإنسان يهدأ ألمه. وديعة. روحي الملاك أختي رائحة كذبت عليَّ وعلى مولود كذبتين، والآن فهمت. قالت لي إن مولودًا وافق على إسقاط الجنين، ولم يكن هذا صحيحًا. وقالت لمولود بأن معها بنتًا، وهذا لم يكن معروفًا بعد بالطبع. ولكن ألمنا كان كبيرًا إلى درجة أن أحدًا لا يستطيع أن يتكلم، ويشرح شيئًا. سليمان. كنت خائفًا من اعتقاد مولود بأنني لست حزينًا كفاية. حدث العكس تمامًا، عندما رأيت حالة مولود التائهة والمنهكة، بدأت أبكي. عندما بدأت بالبكاء، بكى مولود، وبكت أمي. ثم شعرت كأنني أبكي لأن الجميع يبكون، وليس لأن رائحة ماتت. لم يكن قورقوط يقول شيئًا هذه المرة بعد أن كان يقول في صغرنا: «لا تبكِ مثل النساء!». كنت أشاهد التلفاز في الغرفة وحدي، فدخل قورقوط، وقال: «أنت تبكي كل هذا يا بنيَّ، ولكن سترى أن مولودًا سيجد طريقة يسعد فيها». قورقوط. أخذنا جنازة رائحة ـ سليمان وأنا ـ من مستشفى الإسعاف. قالوا لي: «أفضل الإسفنج وماء الصابون وقماش الأكفان والمناشف وماء الورد، وأفضل مغسِّلة موتى في مغسل جامع بربروس في بشكطاش. من الأفضل أن تدفع البقشيش سلفًا». وهذا ما فعلناه، وفي أثناء غسل رائحة، دخنّا سيجارتين في الباحة. جاء معنا مولود إلى إدارة مقبرة الصناعة. نسي هويته، وعدنا نحن الثلاثة إلى طرلاباشِ. لم يجد مولود هويته في البيت، فانقلب على السرير، وبدأ يبكي، ثم نهض، وبحث عنها، ووجدها. عدنا، كانت الطرق مزدحمة جدًّا. الخالة صفية. نزلت دموعي إلى القدر وأنا أعدّ الحلاوة. كنت أنظر إلى تبدد كل دمعة وسط الحلاوة: كأنني سأنسى شيئًا عندما تتبدد قطرة الدمع. هل تنتهي أنبوبة الغاز يا ترى؟ هل أضع مزيدًا من اللحم للخضار الذي أطبخه يا ترى؟ لأن من تتعب من البكاء، تأتي إلى المطبخ، وترفع أغطية القدور، وتنظر بصمت. كأن التي تبكي طويلًا تحصل على إذن بالمجيء إلى المطبخ، والنظر إلى ما في القدور. سميحة. بقيت المسكينتان فاطمة وفوزية عندي ليلًا. وجاءت وديعة أيضًا، وقالت: «خذيهما إلينا». وهكذا عدت أول مرة إلى بيت آل آقطاش الذي هربت منه قبل إحدى عشرة سنة لكي لا أتزوج سليمان. قال لي فرحات: «انتبهي من سليمان»، ولكنه لم يكن هناك. قبل إحدى عشرة سنة كان الجميع، بمن فيهم أنا، يعتقدون أنني سأتزوج سليمان! نظرت بدافع الفضول: كأن الغرفة التي نزلنا فيها مع والدي في زمن ما قد صغرت، ولكن رائحة شمع العسل نفسها مازالت. بنوا طابقًا ثانيًا في البيت: وضعي صعب، ولكننا جميعًا نفكر برائحة. بدأت أبكي ثانية. إذا بكيت فلا أحد يغضب منك، أو يسألك سؤالًا. الخالة صفية. بداية جاءت ابنتا مولود فاطمة وفوزية، ثم وديعة إلى المطبخ بعد أن تعبن من البكاء، ونظرن إلى القدور والثلاجة طويلًا كما لو أنهن ينظرن إلى التلفاز. بعدئذ جاءت سميحة أيضًا. دمي دائمًا يغلي لها. أنا لست غاضبة من هذه البنت التي أججت سليمان، وجذبته بجمالها، ثم تركته، وذهبت. وديعة. الحمد لله أن ذهاب النساء إلى الجنازة ممنوع. عندما ذهب الرجال إلى الجامع بكينا جميعًا مع ابنتيْ مولود. أحيانًا تبكي هذه الزاوية من الغرفة، وفجأة تصمت، ويبدأ الطرف الآخر بالبكاء. لم ننتظر العائدين من الجنازة، أو حلول المساء، وذهبت إلى المطبخ، وقدمت الحلاوة للجميع. عندما جاءت الحلاوة، توقف البكاء. في أثناء تناولنا الحلاوة مع فاطمة وفوزية، نظرنا إلى الحديقة الخلفية، فرأينا كرة بوزكورت وطوران البيضاء والسوداء. بدأ البكاء من جديد مع انتهاء الحلاوة، ولكن الإنسان يتعب في النهاية من البكاء. الحاج حميد فورال. جاء يوم زوجة ابن أخ آقطاش الموعود. كانت باحة الجامع مليئة تمامًا باللبّانين القونيويين المسنين. غالبية هؤلاء باعوني المقاسم التي سيجوها في الستينيات والسبعينيات. فيما بعد ندموا كلهم قائلين: يا ليتني تأخرت بالبيع، وحصلت على نقود أكثر. لا أحد منهم يقول: يسلم لنا الحاج حميد، فقد دفع لنا شوالًا من النقود مقابل مقسم سيجناه في تل الله وهو ملك للأمة، وليس فيه سند. لو دفعوا واحدًا بالمائة من تلك النقود لجمعية حماية الجامع لما اضطررت لدفع النقود من أجل تغيير رصاص المزراب لكي لا يهرب الماء، وباب دورة القرآن، ولكنني اعتدت على هؤلاء الناس، وأبتسم لهم جميعًا بحنان، وأمد يدي لمن يريد أن يقبلها. كان زوج المتوفاة منهكًا، سألت عما فعله مولود هذا بعد حياته لبانًا، حكوا لي، وحزنت. أصابعك الخمس ليست متساوية. البعض أغنياء والبعض فقراء، والبعض حكماء، البعض يذهب إلى جهنم، والبعض إلى الجنة. ذكروني بأنني حضرت عرس هذين قبل سنين، ولبّست العريس ساعة، وتذكّرت. كوّموا صناديق فارغة في المكان الخالي المجاور للدرج المؤدي إلى باحة الجامع. قلت: «وهل الجامع مستودعك؟» سيرفعونها. قالوا: «الوقوف في الصف الأخير في صلاة الجنازة أفضل». في الحقيقة أنني أحب الفرجة على الجماعة وهم يسلمون إلى اليمين وإلى اليسار، لهذا لا أفوت صلاة جنازة. توسلت إلى الله أن يدخل هذه المرأة إلى الجنة إذا كانت محسنة، وأن يغفر لها إن كانت مسيئة، ماذا كان اسمها؟ الآن ذكره الإمام. المرحومة السيدة رائحة صغيرة جدًّا، وخفيفة جدًّا، حملت التابوت ذات لحظة، كان خفيفًا كالريشة. سليمان. كنت إلى جوار المسكين مولود بشكل دائم؛ لأن قورقوط أوصاني بأن أنتبه إليه. كاد يقع في أثناء إلقائه التراب على القبر بالجاروف، وأنا أمسكته. ثم فقد قوته، ولم يعد يستطيع الوقوف على رجليه. أجلسته على حافة قبر آخر. لم ينهض مولود من مكانه حتى دُفنت رائحة، وتفرق الناس. في الحقيقة أن مولودًا أراد أن يبقى حيث أجلسه سليمان في المقبرة. كان يشعر بأنه رائحة تنتظر منه عونًا. عندما يبقى وحيدًا سيتذكر الأدعية التي لم يستطع تذكرها بسبب تجمع الناس، ويرددها كرج الماء، ويستطيع مساعدة رائحة. كان مولود يعرف بأن قراءة الدعاء تريح المتوفى بعد أن يُرد عليه التراب، وترتفع روحه إلى السماء. فوق هذا فإن مشهد السرو خلف شواهد القبور، والأشجار الأخرى، والأعشاب، والضوء، مطابق للرسم الذي رآه في جريدة الإرشاد، وقصه مع رائحة، وعلقاه على جدار «العديلين». وهذا ما يُشْعِر مولودًا بأنه قد عاش اللحظة التي يعيشها من قبل. أحيانًا يقع مولود بمخاتلة شبيهة لهذه في أثناء بيعه البوظة ليلًا، ويتقبل الأمر على أنه لعبة يلعبها عليه عقله، ويسر من هذا. كان عقل مولود يبدي ثلاثة ردود أفعال أساسية عاشها من خلال شعوره بأن موت رائحة مخاتلة أحيانًا، وأن موتها حقيقة أحيانًا: أول ردود الفعل وأطولها، عدم قبوله بأن رائحة ماتت. على الرغم من موت زوجته بين ذراعيه، فإن عقله كثيرًا ما يتخيل بأنها لم تمت: رائحة في الغرفة الداخلية، والآن قالت شيئًا، ولم يسمعه مولود، ستدخل بعد قليل، وتستمر الحياة كما كانت. الثانية، أن مولودًا غاضب من الجميع ومن كل شيء. كان غاضبًا من سائق سيارة الأجرة التي أقلت رائحة إلى المستشفى، والموظفين الذين لم يستخرجوا بطاقة الهوية الجديدة بأي شكل، والمختار، والأطباء، والذين تركوه وحده، ومن الذين تسببوا بالغلاء، والإرهابيين، والسياسيين. وكان غضبه الأكبر من رائحة: لأنها تركته وحيدًا. ولأنها لم تلد الصبي مولد خان، وهربت من الأمومة. ردة فعل عقله الثالثة هي مساعدة رائحة في سفر موتها. يريد أن يفيدها على الأقل في العالم الآخر. الآن رائحة تشعر بوحدة شديدة في القبر. لو جلب ابنتيه، وقرءوا الفاتحة، فستخف آلام رائحة. بعد أن بدأ مولود بقراءة الفاتحة فوق القبر بزمن طويل، بدأ يخلط بين الكلمات التي لا يعرف معناها أصلًا، ويقفز عن بعضها، ويهدئ نفسه بالقول: إن الأساس بالأمر هو النية. في الأشهر الأولى، وبعد زيارة رائحة في مقبرة الصناعة مع البنتين، كانوا يذهبون إلى آل آقطاش في تل التوت. تقدم وديعة والخالة صفية الطعام للبنتين اليتيمتين، وتقدمان شيكولاتة وبسكويتًا لم يكن البيت يخلو منها في تلك الأثناء، وتفتحان التلفاز. ويُشاهد الأربعة فيلمًا. قابلوا سميحة مرتين في أثناء زيارات البيت هذه بعد العودة من المقبرة. كان مولود يدرك معنى زيارات سميحة هذه إلى البيت الذي هربت منه قبل سنوات طويلة من أجل ألا تتزوج سليمان: تتحمل سميحة هذه المشقة من أجل رؤية ابنتيْ أختها، وسلوانهما، وسلوان نفسها بهما. قالت وديعة في إحدى زيارات تل التوت بأن مولودًا إذا سافر في الصيف إلى القرية في بيه شهير، فستذهب معهم هي أيضًا. حكت له بأن المدرسة القديمة تم تحويلها إلى بيت ضيافة، وأن قورقوط ساعد جمعية القرية. هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها مولود بموضوع الجمعية الذي سيكبر فيما بعد. وفكر بأنه لن يستطيع إنفاق مزيد من النقود في القرية. في أثناء ركوب مولود وفاطمة وفوزية بحافلة بيه شهير، خطرت بباله إمكانية عدم عودتهم إلى إسطنبول نهائيًّا. ولكنه بعد ثلاثة الأيام الأولى، أدرك بأن نسيانه ألم رائحة ببقائه في القرية هو حلم لا جدوى منه. لا يوجد خبز هنا، ومهما بلغ الأمر به يمكن أن يكون ضيفًا فقط. يريد أن يعود إلى إسطنبول. كان مركز حياته وغضبه وسعادته ورائحة وكل شيء في إسطنبول. خف ألم البنتين بداية باهتمام جدتهما وعمتيهما، ولكنهما سرعان ما استهلكتا حياة القرية ولهوها. مازالت القرية فقيرة. ولم تُسر فاطمة وفوزية من اهتمام صبيان القرية بهما، ومزاحهم معهما. تنامان مساء مع جدتهما في الغرفة نفسها، ويتحدثان، وتستمعان منها أساطير القرية، والشجارات القديمة، ومن له مشكلة مع من، ومن عدو من، وتمرحان قليلًا، وتخافان قليلًا فتتذكران افتقادهما الأم. أدرك مولود في القرية بوضوح أنه غاضب من أمه في أعماق نفسه لأنها لم تذهب إلى إسطنبول، وهكذا تركته هو ووالده وحيدين هناك. لو هاجرت أمه وأختاه إلى إسطنبول، فلعل رائحة لا تسقط بوضع يائس يجعلها تُنزل الولد بنفسها. كان مولود يستمتع قليلًا، بقول أمه: «آه يا مولود!»، ومداعبته، وتقبيله. كان يرغب بأن يختبئ في زاوية ما، أو يهرب بعيدًا بعد تلك اللحظات العاطفية، ولكنه يعود إلى أمه بذريعة أخرى. كأن هناك حزنًا في حنان أمه ليس ناجمًا عن وفاة رائحة فقط، بل عن فشله في إسطنبول، واحتياجه لدعم ابنيْ عمه حتى الآن. كان مولود على عكس أبيه، لم يرسل إلى أمه في القرية نقودًا طوال فترة الخمس والعشرين سنة، وهو يخجل من هذا. استمتع مولود بالحديث مع حميه الرقبة العوجاء الذي كان يذهب إليه سيرًا على الأقدام مع البنتين أكثر من استمتاعه مع أمه وأختيه في أيامه التي قضاها في القرية. كان عبد الرحمن أفندي يقدم لمولود كلما أتى على طعام الغداء عرقًا بكأس زجاجية مقاوِمة للكسر دون أن يُري هذا لفاطمة وفوزية، ويروي له قصصًا مزوجة المعنى وتلمح إلى دلالات أخرى في أثناء لعب البنتين في بساتين القرية: كلاهما توفيت زوجته في سن الشباب، وماتت قبل أن تولد ولدًا جديدًا (صبيًّا). وكلاهما سيوقف ما تبقى من حياته لبناتهما. وكلاهما كلما نظرا إلى أي بنت من بناتهما فسيتذكران أمها بحزن. في أيام مولود الأخيرة اصطحب ابنتيه أكثر إلى قرية أمهما. وفي أثناء سير الثلاثة في الطريق المشجر بين الجبال الجرداء، كانوا يحبون التوقف والفرجة على المنظر الذي في الأسفل حيث ظلال القرى الصغيرة البعيدة، ومآذن الجوامع الرفيعة. كان صمتًا طويلًا يخيم عليهم في أثناء فرجتهم على المساحات الخضراء الصغيرة وسط الجبال الصخرية، والحقول الشديدة الصفرة التي تنيرها حزم أشعة الشمس المتسللة من بين الغيوم، والظل الذي يبدو خطًّا من بعيد، ومناظر السرو. كانت الكلاب تنبح من بعيد. في أثناء عودتهم بالحافلة، أدرك مولود بأن مناظر القرية ستذكره دائمًا برائحة. ٧ ذاكرة استهلاك الكهرباء لدى سليمان مشكلة فرحات. قضيت أشهر صيف عام ١٩٩٥ بالبحث في أرشيف كهرباء يدي تبة، وأمسيته عن أثر سلويهان. شربت عددًا لا يحصى من كئوس الشاي والسجائر مع كاتبي الأرشيف المتقاعدين بين ملفات أغلفتها من ورق مقوى مصفوف على الرفوف ومربوط بأسلاك معدنية، وذات أقفال حديدية، وكدس أوراق مغبرّة عمرها سبعون سنة خرجت منها، وظروف صفراء ودفاتر. إنها ذاكرة كهرباء يدي تبة التي تغيّر اسمها عدة مرات، وقد بدأت بمصنع سلاحتار لإنتاج الكهرباء وتوزيعها في إسطنبول عام ١٩١٤. يرى الكاتبان المسنان أنه لا أمل بإمكانية جباية ثمن الكهرباء المستهلكة في المدينة دون فهم استهلاك المواطن للكهرباء، وجوهر عملية الدفع في تلك الذاكرة هي الحيل التي طورها الإسطنبوليون خلال الثمانين سنة الأخيرة من أجل خداع الدولة. في أواسط الصيف عرفنا بأن أصحاب شركة يدي تبة للكهرباء الجدد لا يوافقون على هذا الرأي. كانوا يريدون بيع الأرشيف بسعر الورق التالف بالكيلو، وحتى إحراقه. أبدى المسنّ بين الكاتبين ردة فعل حادة بقوله: «ليحرقونا نحن أيضًا إذًا!»، أما الآخر فقد قال في لحظة غضب: إن أخطر ما في الأمر أن يأتي من قطع رسنه من الأناضول، وشم رائحة إبطه إلى إسطنبول. بعد ذلك، غيرا أسلوبهما: لعلني أشرح لأرباب العمل الجدد القيصريين مدى أهمية الأرشيف بجباية الكهرباء، وبالتالي يُنقذ هذا الكنز التقني والإنساني. وهكذا بدأنا بالدفاتر السميكة القديمة ذات الأوراق البيضاء والرائحة الزكية العائدة إلى ما قبل الجمهورية والمكتوبة بالعثمانية تارة والفرنسية تارة. ثم تابعا العمل بالشرح لي بوصفهما مؤرخيْن عن الأحياء التي وصلتها الكهرباء في الثلاثينيات، والأمكنة الأكثر استهلاكًا، وهي الأحياء التي كان أغلب سكانها غير مسلمين حتى ذلك الوقت، ثم عرضا عليَّ دفاتر قسائم بمائة صفحة وخمسمائة صفحة، وتسعمائة صفحة دوّنت عليها طرق الاحتيال من أجل التهرب من دفع قيمة الكهرباء، وشرحا لي كيف استقر نظام جباية يشبه نظام المتسلّم العثماني في الخمسينيات إذ يُرسل الجباة إلى مناطق معينة، وبات المواطنون هناك يعرفون الجابي مثل الشرطي. كانت القسائم المهترئة والمبقعة البيضاء للبيوت، والبنفسجية للدكاكين، والحمراء للمؤسسات الصناعية. الحيل الأساسية يحبكها أصحاب القسائم البنفسجية والحمراء، ولكن «الجابي الشاب السيد فرحات» إذا قرأ قسم «الملاحظات» بدقة، وتابع جهود الموظفين البطولية فسيرى أن أحياء المخالفات في زيتين بورنو، وطاشلي طرلا، وتل التوت وما جواره مرتع تهريب الكهرباء. حلت كلمة «تفسير» محل «ملاحظات» في القسائم المطبوعة لاحقًا، وبقلم بنفسجي يَكتب عندما تبلله باللعاب أو بقلم حبر جاف دوّن الجابي رأيه حول العدادات وعمليات الاحتيال التي يُقدم عليها المشتركون. أشعرتني هذه المعلومات بأنها تقربني من سلويهان. ملاحظات مثل: «اشتروا ثلاجة»، «لديهم مدفأة كهربائية ثانية»، كتبت من أجل تذكير قارئ العداد بكمية الاستهلاك المتوقعة، وحسابها. يرى الكاتبان أن الأرشيف يرينا بوضوح متى دخلت الثلاجة أو المكواة أو الغسالة أو المدفأة الكهربائية وغيرها من الآلات الكهربائية إلى أي بيت من إسطنبول بوضوح. ملاحظات مثل: «عادوا إلى القرية...»، «غائبون منذ شهرين بسبب عرس...»، «ذهبوا إلى المصيف...»، «لديهم ضيف من البلد...» حددت استهلاك الكهرباء من خلال الحركة في المدينة. أحيانًا تظهر لي قسائم سامي السُّرمني لملهى أو محل كباب، أو بار غناء يديره، فأركّز عليه، وأنسى الملاحظات. في تلك الأثناء يضع الكاتبان المسنان أمامي ملاحظات أكثر متعة وتعليمًا: «ستعلق القسيمة على مسمار في مقبض الباب»، «يمشي على طول الجدار خلف السبيل لإيجاد العداد خلف شجرة التين»، «الرجل الطويل ذو النظارة مجنون. لا تكلمه»، «هناك كلب في الحديقة اسمه كونت. إذا كلمته فلا يهاجمك»، «خطوط الطابق الثاني من النادي الليلي موصلة من الداخل والخارج». يرى الكاتبان المسنان أن الموظف الذي كتب الملاحظة الأخيرة هو بطل مخلص لوظيفته. لأن غالبية الجباة عندما يكتشفون حيلة كبرى أجريت بفنية في صالات القمار السرية (سمعت بأن لدى سامي السُّرمني صالات قمار) لا يكتبونها، وهكذا لا يضطرون لتقاسم الرشوة التي يتقاضونها من أجل التغطية على الأمر مع أحد. عندما أعثر على معلومة كهذه، أتخيل أنني على وشك توجيه ضربة لسامي السُّرمني، وإيجاد خليلته من جديد، وأذهب لمداهمة البوفيهات والمطاعم والملاهي التي أكتب أرقام عداداتها. ماهينور مريم. مع اقترابي من سن الأربعين، حملت من سليمان. المرأة الوحيدة بعمري مضطرة لأن تفكر بحياتها ومستقبلها وحدها. نحن معًا منذ عشر سنوات. على الرغم من انخداعي بحبائل سليمان وألاعيبه، فإن جسدي يعرف أكثر مني ما يجب أن يفعله. لم يكن لديَّ شك بأن سليمان سيتلقى الخبر بشكل سيئ. اعتقد بداية أنني أخدعه وأهدده لكي يتزوجني. بعد ذلك، ومع شربه في بيت جيهان غير، ورفع صوتينا، بدأ يؤمن تدريجيًّا بأن الولد الذي في بطني منه، وخاف. شرب كثيرًا، وأحدث فوضى، وجرح قلبي. ولكنني رأيت أنه فرح أيضًا. وهو أيضًا زاد من الشرب والتهديد. يقول لي إنه سيسحب دعمه لي بغناء الموسيقى الخفيفة التركية. كنت أقول له أحيانًا: «أنا لا أتخلى عن الموسيقى فقط من أجل طفلي، بل عن حياتي أيضًا يا سليمان». كانت مشاعره تتأجج حينئذ، ويلين. ولكننا نمارس الحب بعد كل شجار حتى لو لم يلنْ. كنت أقول له: «وهل من السهل إلى هذه الدرجة أن تمارس الحب مع امرأة بهذا الشكل، ثم تتركها معلقة؟». كان سليمان يُطْرق خجلًا. كان يقول لي عند خروجه من البيت أحيانًا: إذا استمررت بهذا الطريق، فهذه ستكون المرة الأخيرة التي يأتي فيها. كنت أقول له: «الوداع إذًا يا سليمان!»، وأغلق الباب في أثناء ذرف الدموع من عيني. أصبح يأتي كل يوم من أيام الأسبوع، والولد يكبر في بطني تدريجيًّا. حاول عدة مرات أن يضربني. قلت: «اضرب يا سليمان، لعلكم تتخلصون مني بسهولة كما تخلصتم من رائحة». يدخل سليمان بحالة صمت تجعلني أشفق عليه أحيانًا. عندما يجلس، ويشرب عرقه كما لو أنه يشرب ماء بصمت وتهذيب، أشرح له بأننا سنكون سعداء جدًّا معًا، وأنني اكتشفت الجوهر الذي في داخله، وليس سهلًا أن نجد هذا القرب والصداقة في الحياة. «أخوك سحقك يا سليمان، صدقني أنك ستكون مختلفًا تمامًا لو ابتعدت عنه. لا ضرورة لأن نخاف من أحد». وهكذا بدأت مناقشة موضوع تغطية رأسي. كنت أقول له: «أعمل ما أستطيع بهذا الموضوع. ولكن هناك أمورًا أستطيع أن أعملها، وأمورًا لا أستطيع أن أعملها». كان سيلمان يقول بيأس: «وأنا أيضًا. أنتِ قولي ما يمكنه أن تفعليه». «بعض النساء يعقدن قرانًا عند الإمام إلى جانب قران البلدية؛ لكي لا يحرجن الرجل الطيب الذي يتزوجنه... أنا أيضًا يمكنني أن أفعل هذا. ولكن يجب أن يذهب أهلك إلى بيت أبي في أسكودار، ويطلبوني منه». بعد عودة مولود مع ابنتيه إلى إسطنبول، تابع العمل حارسًا في شركة العريس للإعلان. اعتبر العريس ذهاب زميله السابق في الصف إلى القرية بعد وفاة زوجته أمرًا طبيعيًّا، وتسلّم مولود العمل من البواب الذي قام بالعمل مكانه في أثناء غيابه. رأى مولود أن عصابة كمال الزنغلداقي قد وسّعت ساحة ركن السيارات، وغيّرت خط الحدود المرسوم بأصيصيْ زرع وعدة أحجار رصيف، والأسوأ من هذا أنه بدأ يخاطبه بلهجة أكثر فظاظة: («قلنا لك اسحب هذه البي أم دبليو يا هذا!»)، ولكن مولودًا لم يهتم بالقضية. بعد وفاة رائحة، كان غاضبًا من الجميع، ومن كل شيء، ولكنه لا يدري لماذا لا يغضب من الزنغلداقي الذي يرتدي الآن سترة كحلية جديدة. عاد إلى بيع البوظة ليلًا، وكان يعطي ما تبقى من وقته لابنتيه. ولكن اهتمامه لا يدخل موضوعات عميقة تتجاوز: «هل درست دروسك؟»، «هل شبعت؟»، «هل أنت بخير؟». كان منتبهًا تمامًا لذهاب ابنتيه إلى خالتهما سميحة بشكل أكبر، وعدم حديثهما حول هذه الزيارات. لهذا السبب عندما طُرق الباب بعد ذهاب فاطمة وفوزية إلى المدرسة، ووجد فرحات أمامه، اعتقد أنه جاء بسبب البنتين. قال فرحات: «لم يعد الدخول إلى هذا الحي دون سلاح ممكنًا. هناك تجار مخدرات، وعاهرات، ومبدلو جنسهم، وكل أنواع العصابات لنبحث عن مكان آخر لك وللبنتين». «نحن بخير، هذا بيت رائحة». أخبره فرحات بأن الموضوع الذي سيفتحه معه جدي جدًّا، واصطحبه إلى إحدى الكافتيريات الحديثة المطلة على ساحة تقسيم. تحدثا طويلًا وهما ينظران إلى الزحام المتدفق نحو بيه أوغلو. فهم مولود جيدًا بأن صديقه يعرض عليه العمل معه كأجير جاب. «حسنٌ، ما رأيك الشخصي حول هذا العمل كله؟». قال فرحات: «رأيي الشخصي والرسمي بهذا الموضوع هو نفسه. هذا العمل سيسعدك ويسعد البنتين، ويسعد رائحة التي تهتم لكما في الطرف الآخر. ستكسب نقودًا جيدة». في الحقيقة أن النقود التي سيقبضها مولود من كهرباء يدي تبة رسميًّا ليست كثيرة إلى هذه الدرجة. وإذا بدأ يلاحق ديون الكهرباء بصفته مساعدًا لفرحات، فسيدخله أكثر مما يدخله من حراسة موقف سيارات العريس بكثير. ولكن مولودًا يشعر بأن «النقود الكثيرة» التي يتحدث عنها فرحات لن تكون ممكنة إلا بوضعه قسمًا مما يقبضه من ديون المشتركين بجيبه على أنها بقشيش. قال فرحات: «أرباب العمل القيصريون يعرفون أن من يعمل بالعسل فسيلحس إصبعه. بعد أن تجلب شهادة المدرسة المتوسطة، وتذكرة إقامة، وهويتك وست صور شخصية بثلاثة أيام تبدأ العمل. بداية نخرج معًا إلى العمل، وأنا سأعلمك كل شيء. مولود، نحن نريدك في العمل لأنك مستقيم، ولا تأكل حق أحد». قال مولود: «الله يرضى عليك»، وفي أثناء سيره إلى موقف السيارات فكر مولود بأن عبارة فرحات هذه تحمل سخرية لم يدركها حتى هو نفسه. بعد ثلاثة أيام اتصل بالرقم الذي أعطاه إياه فرحات. قال فرحات: «هذه المرة الأولى التي تعطي فيها قرارًا بمنتهى الصواب». بعد يومين التقيا عند موقف حافلات قورطولوش. كان مولود يرتدي سترته الجيدة، وبنطالًا دون بقع. حمل فرحات إحدى الحقائب التي كان الكاتبان المسنان يحملانها في شبابهما. قال له: «دبرت لك حقيبة جاب قديمة. إنها تخيف المشتركين». دخلا في أحد أزقة قورطولوش الخلفية. مازال مولود يأتي إلى هذا الحي عندما يبيع البوظة أحيانًا. بفضل مصابيح النيون وأضواء التلفاز ليلًا يبدو الحي أكثر حداثة، ولكنه يبدو بتواضعه كما كان قبل خمسة عشر عامًا عند ذهاب مولود إلى المدرسة المتوسطة صباحًا. نظرا إلى قرابة مائتي وخمسين عدادًا في الحي مدونة في الدفتر حتى الظهر. يدخلان إلى البناء، وينظران بداية إلى العدادات التي في الأسفل عند شقة البواب. كان فرحات يقول بنبرة المدرّس: «السابعة عليها دين متراكم، في الشهرين الأخيرين انسحب مسنان، ولم يدفعا حتى الآن، ولكن انظر إلى العداد، إنه يدور بسرعة». يخرج دفتر القسائم الأبيض من حقيبته، ويقلب صفحاته، ويقرأ بعض الأرقام وهو يغم عينيه. «سكان السادسة اعترضوا على فاتورتين كبيرتين في السنة الماضية. ونحن لم نقطع كهرباءهم. ولكن انظر إلى العداد، إنه لا يتحرك. دعنا نرَ». يصعدان الدرج الذي يفوح برائحة العفن والبصل والزيت المقلي إلى الشقة السابعة في الطابق الثالث أولًا، ويقرعان جرس الباب. بعد ذلك مباشرة، ينادي فرحات نحو الداخل بصوت واثق، ولكنه متّهم كمدعٍ عام مفسرًا: «كهرباء!». وجود جاب للكهرباء على الباب يدخل الهلع إلى أهل البيت. غير هذا فإن فرحات عندما ينادي: «كهرباء!»، فإنه يتلبس حالة سلطوية ومعاصرة تتجاوز خصوصية العائلة وتنبيهها. عاش مولود هذه التفاصيل كلها أيام تجوله على الأبواب، وبيعه اللبن، وتعلمها. والآن بقدر ما يجب أن يكون صادقًا، يفكر بأن فرحات ينتظر منه المساعدة بفضل تجربته حول البيت وخصوصياته، أي بالحديث المناسب مع النساء دون إزعاج. أحيانًا يُفتح باب الشقة المَدينة، وأحيانًا لا يُفتح. إذا لم يُفتح، فإن مولودًا يفعل ما يفعله فرحات تمامًا، فيصغي إلى القرقعة المنبعثة من البيت. إذا توقف وقع الأقدام فورًا إثر نداء «كهرباء!»؛ فهذا يعني أن أحدًا ما في البيت، ويعرف أنه مَدين لشركة الكهرباء؛ لذلك لا يفتح. ولكن الباب في أغلب الأحيان يُفتح، وتظهر عند عتبته ربة منزل، أو أم أو خالة تغطي رأسها، أو امرأة تحمل بحضنها ولدًا، أو جدٌّ طاعن في السن يبدو كالظل، أو رجل غاضب وسارح، أو امرأة تلبس بكفيها قفازي غسيل زهريين، أو جدة عجوز لا ترى جيدًا. ينادي فرحات مرة أخرى بعد فتح الباب بنبرة موظف دولة: «كهرباء! لديكم فاتورة لم تدفع!». بعضهم يقول عبارة ما مثل: «تعالَ غدًا أيها الجابي، ليس لديَّ نقود فكة!»، أو «لا نحمل اليوم نقودًا!»، وبعضهم يقول: «فاتورة ماذا يا بنيَّ؟ نحن نذهب إلى البنك، ونودع ما يستحق علينا كل شهر!»، وأكثرهم يقول: «إيه، البارحة فقط دفعناها!»، أو «نحن ندفع النقود في أول الشهر عندما ندفع للبواب!». يقول فرحات: «والله، مكتوب في هذا الدفتر أن لديكم فاتورة غير مدفوعة. أصبح كل شيء آليًّا، يصدر عن الحاسوب. وعملنا هو قطع الكهرباء إذا لم تدفعوا ما يترتب عليكم». كان فرحات يلقي نظرة إلى مولود بمتعة تعليم هذا الأمر، وإشعاره بعدم محدودية هذا العمل، وفي الوقت نفسه يباهي باستعراض القوة. وإذا عادا قفلا صامتين بشكل مفعم بالأسرار، يلتفت من يتركونه بالباب نحو مولود الذي بقي في الخلف متسائلًا. ومنذ الساعات الأولى بدأ مولود يعرف النظرات الهلعة التي تقول: «هل سيقطع الكهرباء الآن؟». في أغلب الأحيان يبلّغ فرحات قراره الإيجابي لمستهلك الكهرباء الواقف بالباب، فيقول: «لن أقطعها حتى المرة القادمة، ولكن انظر، الكهرباء خصخصت، ولن تكون هناك مرة ثالثة». وكان يعطي أجوبة من قبيل: «إذا قطعتها فستدفعون أجرة إعادة وصلها، فكروا جيدًا!»، أو «بما أن هناك امرأة حاملًا في البيت، فلن ألمسها، ولكن هذه المرة الأخيرة!»، أو يقول: «بما أنك لا تستطيع الدفع، فاستهلك الكهرباء بحذر!». ويدرك الشخص الواقف بالباب بأن هذا يعني عدم قطع الكهرباء، فيقول: «الله يرضى عليك!». أحيانًا يشير إلى الولد الواقف بالباب ويسيل مخاطه، ويقول: «كرمى خاطر هذا الولد لن أقطعها، ولكنني في المرة القادمة لا أهتم حتى لدموع الولد». في أحيان عدة يفتح البابَ صبيٌّ، ويقول: «لا يوجد أحد في البيت». بعض الأولاد يقولون هذا بانفعال شديد، وبعضهم يتكلم بنبرة الكبار الذين قرروا بأن الكذب نوع من الذكاء. ولأنهما تنصتا إلى الباب قبل فتحه، يعرف فرحات بأن الولد يكذب، ولكنه لا يخرب عليه الجو، ويجرح شعوره. يقول له بحنان عم: «حسنٌ يا بني، قل لوالدك ووالدتك مساء، بأن عليكم دين كهرباء لم يدفع، مفهوم؟ ما اسمك أنت؟». «طلعت!». «أحسنت يا طلعت! أغلق الباب لكي لا يأتي الذئب، ويأكلك». ولكن فرحات اتخذ هذا الموقف في اليوم الأول لكي يُري مولودًا أن العمل سهل ومريح. لم يكن فرحات يردّ بقسوة على السكارى القائلين: «ليس علينا دين سوى لله أيها الجابي!»، وعلى الغاضبين الذين يقولون: «الدولة أصبحت مرابية ولاه، لم نعد نلحّق لكم النقود أيها السفلة!»، وعلى المسنين ذوي أطقم الأسنان الذين يصرخون بوجهه: «ستحترقون بنار جهنم لكثرة ما تأكلون الرشوة!»، أو المتحذلقين العاطلين عن العمل القائلين: «كيف أعرف أنك موظف كهرباء؟»، ولم يكن يخرب كذبة القائلين: «أمي على فراش الموت في الداخل»، والدي في الجندية!»، «نحن مستأجرون جدد، وهذا دين المستأجر السابق». وفي أثناء خروجهما من الباب، يشرح فرحات المعنى الحقيقي لهذه المعلومات. الرجل الذي قال: «لم نعد نلحق لكم النقود!» يكذب مدعيًا بأنه يدفع الرشوة لجباة آخرين. الرجل المسن ذو طقم الأسنان في الحقيقة ليس متدينًا، وكثيرًا ما رآه فرحات في خمارة ساحة قورطولوش، وهكذا. قال فرحات: «نحن لا نريد أن نظلم هؤلاء الناس، بل تحصيل ثمن الكهرباء التي يستهلكونها. وفي أثناء جلوسهما في المقهى بعد ذلك، قال: «ليس من المنطقي أن نعاقب أولاد الفقير؛ لأنه لم يستطع دفع قيمة فاتورته. يقع على عاتقك معرفة أيّهم لا يستطيع الدفع حقيقة، وأيّهم لا يستطيع الدفع أحيانًا، وأيّهم في الحقيقة يستطيع الدفع ولكنه يكذب، وأيهم محتال، وأيّهم صادق. أرباب العمل أعطونا صلاحية عمل هذا التقييم كالقضاة، وتقدير الأمر هو عملي. أي عملك أنت أيضًا. هل تفهمني؟». قال مولود: «أفهمك». «عزيزي مولود هناك محظوران كبيران في هذا العمل: لا تكتب رقم مؤشر العداد من عقلك وكأنك رأيته إذا لم تره. إذا عرفوا هذا، تنتهي. الثاني، لا ضرورة لقوله لك، ولكن ليكن: لا تتعرض للنساء، ولا تنظر إليهن، ولا أريد أدنى شكوى في هذا الأمر. هذا شرف الشركة، لا أحد يرحمك... هل آخذك إلى ملهى «بهار» هذا المساء بمناسبة بدئك العمل؟». «سأخرج لبيع البوظة هذا المساء». «هذا المساء أيضًا؟ ستكسب كثيرًا بعد الآن». قال مولود: «سأخرج لبيع البوظة كل مساء». أحنى فرحات جسمه بمعنى أنه يفهمه، وابتسم. ٨ مولود في الأحياء الأبعد الكلاب تنبح على من ليس منا العم حسن. عندما سمعت بأن مغنية أكبر من سليمان حملت منه، ويريد أن يتزوجها، لم أقل شيئًا نهائيًّا. حزنّا من أجل مولود أيضًا. عندما أرى هذه الكوارث أقول لصفية: «فعلتُ حسنًا بأنني لم أضغط على نفسي لأكثر من دكان بقال. أنا أحب حتى طي ورق الجرائد، وصنع الأكياس. وديعة. قلت لنفسي لعل هذا الأمر جيد بالنسبة إلى سليمان. لأنه إذا بقيَ على هذه الحال فلن يتزوج. ذهبنا قورقوط وأنا فقط مع سليمان إلى بيت السيدة ملاحات في أسكودار لطلبها من أبيها. ارتدى سليمان بزة رسمية، وربط ربطة عنق. لم يعتنِ بنفسه إلى هذه الدرجة من أجل أي فتاة ذهبنا لرؤيتها، وهذا أثّر عليَّ. قبّل يد حميه الموظف المتقاعد باحترام شديد. لعل سليمان يحب ملاحات هذه. لا أعرف السبب، وأتوق لمعرفته. في النهاية هي أيضًا خرجت، وجاءت إلى الغرفة. كانت رصينة وأنيقة معتنية بنفسها كثيرًا. قدمت لنا القهوة وهي في الأربعين من عمرها مثل فتاة عمرها خمس عشرة سنة تقدم القهوة للخطابين القادمين لرؤيتها. أحببت عدم تحويل الأمر إلى مزاح، وتصرفها بحذر واحترام. في النهاية هي أيضًا أخذت قهوة لنفسها. أخرجت علبة سجائر صمصون. قدمت واحدة لوالدها الذي تصالحت معه حديثًا، ثم أشعلت واحدة لنفسها، ونفخت دخانها في الغرفة الصغيرة. حينئذ صمتنا جميعًا. شعرت بأن سليمان يفخر لأنه سيتزوج هذه المرأة، ولم يبدُ عليه أنه اضطر للزواج منها لأنها حملت منه. في أثناء نفخ السيدة ملاحات دخان سيجارتها وسط الغرفة مثل طبقة ضباب زرقاء، شعرتُ بأن سليمان يفخر وكأنه هو الذي تمكن من نفخ الدخان بوجه قورقوط، وتشوشَ عقلي. قورقوط. بالطبع فإن وضعهم لا يمكِّنهم من القول: نريد كذا، وكذا. إنهم أناس متواضعون طيبون فقراء. من الواضح أنهم لم يتلقوا أي تعليم ديني. أهل تل التوت يحبون النميمة. قلنا: لنعمل العرس في مكان بعيد عن الجميع، وليس في مجيدية كوي، وحجزنا صالة عرس صغيرة ولكنها فخمة في آقسراي. ثم قلت لسليمان: «تعالَ لنشرب كأسًا عند الظهيرة أخوين معًا». جلسنا في خمارة في قوم قابِ. بعد الكأس الثانية، قلت: «سأسألك سؤالًا جديًّا جدًّا باعتباري أخاك الأكبر يا سليمان: نحن أحببنا هذه السيدة. ولكن شرف الرجل أهم من أي شيء آخر. هل ستنسجم السيدة ملاحات مع أسلوب حياتنا، وهل أنت واثق من هذا؟». بداية قال: «لا تشغل بالك يا أخي». ثم سأل: «ماذا تقصد بالشرف؟». فرحات. في أثناء تزويجهم سليمان، دخلتُ إلى ملهى «غونش» مثل أي زبون لإجراء استطلاع ميداني. الجانب الممتع في عمل الجباية هو أنك تشرب كأسيْ عرق، وفي الوقت نفسه تلقي نظرة إلى المحيط، وتعرف تهريب الكهرباء عن قرب، والحيل الممكنة، وأصحاب المحل المعجبين بأنفسهم الذين ستكويهم قريبًا. كانت النساء قد اتخذن أمكنتهن في الزاوية، وجلسنا طويلًا في تلك الليلة. كان على طاولتنا الأخ دمير الدرسيمي، ومتعهدان ويساري سابق، وجابي شاب مجتهد مثلي. في أي نادٍ ليلي كهذا ثمة مزيج رائحة لحم مشوي وعرق وعفن وعطر وأنفاس، وتُعتّق الرائحة كالنبيذ لعدم فتح أي نافذة فيه لسنوات، وتتغلغل بالسجاد والستائر. بعد فترة تعتاد على هذه الرائحة، وتعاني من فقدانها، وبعد فترة أطول، تشمها عند إعلان برنامج تلك الليلة، فتتسرع خفقات قلبك كأنك وقعت بالغرام. استمعنا لموسيقى كلاسيكية شرقية من الصوت المخملي محترم ماوي باحترام. وشاهدنا الثنائي الممتع علي وولي بتقليدهما آخر الإعلانات والسياسيين، واستعراض الراقصة الشرقية المشهورة في أوربا مسرورة. كان هناك كثير من الأغاني الكلاسيكية الشرقية والحزن في ملهى غونش، وكانت سلويهان دائمًا خلف الكلمات والألحان. التقيت هذه المرة مع مولود في منطقة خلف بشكطاش. قلت له: «سيكون درسنا الأول اليوم نظريًّا. دخلت إلى هذا المطعم من قبل، تعالَ لنجلس فيه. لا تشغل بالك، لن نشرب عرقًا، نحن على رأس عملنا. وهكذا لن يغضب منك أصدقاؤك في جريدة الإرشاد». عندما جلسنا في المطعم شبه الخالي، قال مولود: «أنا لا أقرأ الإرشاد. قصصت خبر «العديلين» وذلك الرسم فقط». قلت وكدت أغضب من سذاجة صديقي: «اسمعني الآن يا مولود. أول ميزة يجب أن يتمتع فيها المرء هي الفراسة. يجب أن تكون واعيًا، ولا تنطلي عليك الحيَل. هناك من يتوسل عندما يراني بالباب بقول: «دخلك يا جابي». كلهم يتحايلون لتجريبي. عليك أن تفهم هذا. ستضبط نفسك، وتلعب دور الرجل اللطيف عند اللزوم، وستغضب، وتقطع كهرباء الأرملة الفقيرة دون تردد عند اللزوم أيضًا... وستتصرف كموظف الجمهورية التركية الشريف الذي لا يقبل الرشوة عند الضرورة. لا تنظر إليَّ هكذا، فأنا لستُ موظفًا، وأنت لن تكون أيضًا. النقود التي تقبضها ليست رشوة، بل هي حقك وحق كهرباء يدي تبة. أنا سأشرح لك نقط هذا الأمر المفصلية. رجل لديه ملايين يقبض فائدتها من البنك، وتحت مخدته دولارات، ولكنه يبدأ بالبكاء عندما يرى أمامه جابيًا. بعد فترة يصدق أنه مفلس، ويبكي بجد. صدقني أنه يبكي أكثر مما بكيت أنت على رائحة. في النهاية يقنعون الإنسان، ويجعلونه يعاف روحه. في أثناء محاولتك قراءة أعينهم وحواجبهم، وفهم الحقيقة من وجوه أولادهم، هم أيضًا يقرءون حالتك وسلوكك، ويحسبون ما إذا كانوا سيدفعون فورًا، وإذا كانوا سيدفعون، فكم سيدفعون، وما الكذبة التي سيلفقونها إذا كانوا لن يدفعوا؟ لم يعد هناك بوابون في الأبنية الخلفية تلك المؤلفة من طابقين أو ثلاثة، ويسكنها الموظفون، والبائعون الجوالون، والنُّدُل، وعمال البيع، وطلاب الجامعات كما في الأبنية الكبيرة. التدفئة المركزية في هذه الأبنية عمومًا معطلة؛ لأن المستأجرين وأصحاب البيوت على خلاف دائم حول ثمن مازوت التدفئة أو فحمها. كلٌّ يتدبر تدفئته بنفسه، وأغلبهم يبحثون عن طريقة للحصول على كهرباء مهربة لاستخدام مدفأة كهربائية أو ما شابهها. يجب أن تحصل على هذه المعلومات أولًا، وتفهم جوهر القضية. ثم يجب ألا تترك ثغرة لمخاطبك. إذا فُهِمَ من وجهك الطفولي أنك رقيق القلب فلن تُقْطَعَ كهرباؤك، فلن يدفع لك أي شيء. أو يقول لنفسه: «لأودع نقودي بالبنك، وأقبض فائدتها، وبقدر ما أتأخر بالدفع بقد ما يكون أفضل». وليس جيدًا أن يعتقدوا أنك مغرور وغني تدس بيد العجوز خمسة قروش، وليس جيدًا أيضًا أن يعرفوا بأنك طماع ببضعة قروش، وتقبض أي رشوة، وصياد فرص. هل تفهمني؟ قل لأرى، كيف يدفأ هذا المطعم؟». قال مولود: «يدفأ جيدًا». «فهمنا. ولكن بماذا يُدفأ؟ بمدفئة، أم تدفئة مركزية؟». «تدفئة مركزية!». قلت: «لنرَ ما إذا كان هذا صحيحًا». لمس مولود شبكة التدفئة المجاورة له، فأدرك أنها ليست ساخنة كفاية. قال: «هذا يعني أن هناك مدفأة...». «أين المدفأة؟ هل تراها؟ لا تراها. لأن لديهم مدفأة كهربائية. ولا يضعون المدفأة في الوسط؛ لأنهم يستهلكون كهرباء مهربة. ويشعلون التدفئة المركزية بشكل خفيف؛ لكي لا يُلاحَظ الأمر فورًا. ألقيتُ نظرة على عداد الكهرباء في أثناء دخولي، كان يدور ببطء. أنا واثق من أن لديهم غرفًا أخرى في الداخل، ومواقدَ وثلاجات تعمل على هذه الكهرباء المهربة». سأل مولود مرتبكًا كأنه ولد شهد على عملية نهب: «ماذا سنفعل؟». وجدت صفحة رقم العداد البنفسجية، وأريتها لمولود. «اقرأ التفسير لنرى». قرأ مولود: «العداد بجانب الباب.. مربوط بآلة المثلجات...». «هذا يعني أنهم يبيعون مثلجات هنا في الصيف. أكثر من نصف آلات صنع المثلجات في إسطنبول تعمل بالكهرباء المهربة. انظر، شكّ الموظف الشريف، ولكن الفرق الفنية لم تستطع إيجاد التهريب. أو أنهم وجدوه، ووَضع الجالس على الخزنة في جيب كل منهم عشرة آلاف. في بعض الأمكنة يربطون الكهرباء بشكل سري لا يخطر ببال بشر، فيعتقدون أنهم لم يقعوا، ولا يدفعون قرشًا، وحتى إنهم لا يدفعون بقشيش الترحيب. لو سمحت يا بُنَيَّ النادل، فانظر التدفئة لا تعمل جيدًا، إننا نبرد». قال النادل: «لأسأل المعلم». شرحت لمولود بأن النادل يمكن أن يكون على علم بالحيلة أو لا يكون. «ضع نفسك مكان المعلم. لو عرف النادل بالتهريب، لأمكن أن يُبلغ عنه. فلا تستطيع طرده من العمل بسهولة، أو تصفعه بتكاسله أو إلقاء بقشيش زملائه في جيبه. أفضل طريقة أن تأتي بمعلم تمديدات، وتسلمه نظام المطعم أو المصنع كله ليلًا عندما لا يكون هناك أحد. أحيانًا يخفون التمديدات بطريقة فنية، يفرضون عليك احترامهم بفنيتها. شغلنا هو لعب الشطرنج بشكل نديّ معهم. هم يخفون التمديدات، وأنت تكشفها». جاء المعلم السمين من الداخل، وقال: «لا تشغلوا بالكم، طلبت منهم فتح السخانات». قال مولود هامسًا: «أرأيت؟ لم يقل التدفئة المركزية. ماذا سنفعل؟ هل سنقطع كهرباءه؟». «لا يا بنيَّ. الدرس الثاني: تحدد التهريب، وتسجله في إحدى زوايا عقلك، وتنتظر أفضل توقيت من أجل قبض النقود منه. لسنا مستعجلين اليوم». «فرحات، أنت أصبحت ذئبًا». شجعت مولودًا بالقول: «ولكنني بحاجة إلى حمل مثلك، وتوازنك واستقامتك. صدقك، وبراءتك ثروة كبرى للشركة والدنيا». قال مولود: «حسنٌ، ولكنني لا أستطيع مواجهة كبار أرباب العمل والمحتالين هؤلاء. لأذهب أنا إلى مناطق المخالفات والأحياء الفقيرة على الأكثر». خلال شتاء وربيع ١٩٩٦ تلقى مولود دروسًا من فرحات دفترًا دفترًا، وحيًّا حيًّا، وذهب يومين أو ثلاثة إلى مناطق المخالفات القديمة أو الأزقة الفقيرة وسط المدينة وحده، وأخذ الدفتر، ولاحق عمليات تهريب الكهرباء. كان مركز المدينة يتفسخ: تحولت البيوت المهلهلة التي لا صاحب لها، وأقام فيها قبل عشرين عامًا عندما عمل نادلًا إلى مرتع لتهريب الكهرباء. فرحات نصح مولودًا بالابتعاد عن هذه المناطق لأنه لا يستطيع تحصيل نقود من هناك، ولا يستطيع حمايته أيضًا. وهكذا أصبح مولود يذهب إلى قورطولوش فريكوي، بشيكطاش، شيشلي، مجيدية كوي، وأحيانًا إلى الطرف الآخر من الخليج حيث حي حضرة الأفندي وأزقة تشارشمبة، وقرة جمرك، وإدرنة قابِ، وجبا نقودًا من العائلات وربات البيوت والموظفين من الطراز القديم. في أثناء بيعه البوظة لم تكن لديه عادة التكبر أو عذاب الضمير عندما يُعطيه أحد هدية أو زوجًا من الجوارب الصوفية، أو بقشيشًا، وحتى بقية النقود بعبارة: «اترك الباقي». فيرى البقشيش الذي يتقاضاه لقاء عدم قطعه الكهرباء نوعًا من المقابل لخدمته، ولم يكن يجد صعوبة بدسه في جيبه. وهو على معرفة بهذه الأحياء وهؤلاء الناس. (ولكنهم لا يعرفون مولودًا، فهم لا يستطيعون استنتاج أن بائع البوظة الذي يمر مرة في الأسبوع أو الأسبوعين من أزقتهم ليلًا هو نفسه الذي يطرق بابهم لتحصيل دينهم، وإن لم يدفعوا فسيقطع كهرباءهم. (لعل السبب أن الناس الطيبين الذين يشترون البوظة ليلًا هم غير أولئك السيئين الذين يسرقون الكهرباء.) شعر مولود بأن الكلاب في هذه الأحياء القريبة من مركز المدينة تنخر له. صار يبيع البوظة لفترة أقصر. من المؤكد أنه لا يستطيع الذهاب إلى تل الرماد والتوت ليحصّل ديون الكهرباء، ولكنه حمل دفتر العدادات وذهب إلى التلال التي تطورت مثل هذين التلين كتلال الطير والبيدر والورد والسهم. لم تعد تسمى هذه مناطق مخالفات. هدمت بيوت الطوب المؤلفة من طابق واحد والمبنية قبل خمسة وعشرين عامًا، وأصبحت جزءًا من المدينة مثلها مثل زيتين بورنو، وغازي عثمان باشا، عمرانية. وبفضل جامع بني في الجوار، وتمثال لأتاتورك وحديقة طينية أصبح أول موقف للحافلات التي تذهب إلى المدينة قبل خمسة وعشرين عامًا مركزَ الحي. كان هناك الشارع الرئيس الذي يؤدي إلى العالم اللامتناهي. ويُسد يمين الشارع ويساره بعدة أبنية مؤلفة من خمسة أو ستة طوابق من الأسمنت المسلح. وهناك باعة كباب وبقاليات وفروع بنوك في مداخلها. لم يكن سلوك العائلات والأمهات والأولاد والشباب والشيوخ والبقالين الذين يستخدمون كهرباء مهربة (لم يكن مولود يكشفها كثيرًا) يختلف عن سلوك الساكنين في المركز. حِيَلٌ متشابهة، وكذب متشابه، وسذاجة مشابهة... لعلهم هنا يخافون من مولود أكثر، ولكنهم يهتمون به أكثر، وبصدق أكبر. لم تكن في هذه المناطق مقابر مفعمة بالأسرار ومليئة بشواهد القبور الغريبة ذات الرأسيات المختلفة واللفات كما في الأحياء القديمة. كانت مقابر هذه الأحياء خارجها، وهي جديدة ومعاصرة بشعة محاطة بأسوار عالية كأسوار المصانع والثكنات العسكرية والمستشفيات وليس فيها أشجار. الكلاب التي تلاحق الجابي مولود صباحًا بمكر في هذه الأحياء التي تخلو من المقابر، تنام في الحديقة الطينية المقابلة لتمثال أتاتورك. كلاب مناطق المخالفات الجديدة التي يذهب إليها مولود بنية طيبة هي الأكثر عدوانية. أمضى مولود ساعات تعيسة في الأزقة التي رُكب لها عدادات كهرباء، ودخلت ملفاتها الدفتر حديثًا. غالبية هذه المناطق التي يستغرق الوصول إليها من مركز المدينة ساعتين بحافلة تعبر من تحت الطريق المحلِّق، يسمع مولود بأسمائها للمرة الأولى. عندما ينزل مولود من الحافلة، يتجاهل (بحسن نية) خط تهريب الكهرباء المسحوب من خطوط الكهرباء العالية بين المدن، أو الخط المسحوب بغباء إلى دكان بائع الشاورمة المقابل لموقف الحافلات. كان يشعر بأن لهذه الأحياء كبيرًا أو زعيمًا، وأنه مراقب. بحالته الحازمة والمستقيمة والمبدئية، يحاول مولود أن يقول: «أنا مشغول بالعدادات الرسمية فقط. لا يوجد لديَّ ما يخيف». ولكن الكلاب هاجمته، وخاف. هذه البيوت الجديدة ذات الحدائق على أطراف المدينة أفضل من الأكواخ التي كانت في طفولة مولود، ومبنية بمواد أفضل. استُخدم فيها الطوب الجيد بدلًا من طوب بقايا الفحم، والبلاستيك بدلًا من الصفيح، واستخدمت مواد جيدة في المزاريب والتمديدات. ولأن هذه البيوت تُوسّع باستمرار بإضافة غرفة جديدة مثل الأكواخ القديمة، فغالبية عداداتها في إحدى الغرف الداخلية، ولابد من قرع الباب من أجل قراءتها أو قطع الكهرباء عنها. الكلاب الغاضبة تقهقر الجابي في هذه النقطة. تُمدد الكهرباء في بعض الأحياء إلى عمود في ساحة صغيرة، أو إلى صندوق من الأسمنت المسلح، أو إلى جدار، وحتى إلى شجرة دلب ضخمة، وتعلق العدادات في تلك النقط، وليس في البيوت. مراكز الكهرباء هذه تُشبه السبل العثمانية التي توزع الماء على الحي، وتحرسها دائمًا عصابة كلاب مؤلفة من كلبين أو ثلاثة. ذات مرة هاجم كلب أسود مولودًا في فسحة مدخل بيت ذي حديقة. نظر مولود إلى ملاحظة الجابي السابق، وذكر اسم الكلب، ولكن «قرة باش» لم يرد. نبح عليه، وقهقره. بعد شهر نفد من كلب الحديقة لأن جنزيره المربوط به لم يكفِ لوصوله إليه. كانت اعتداءات الكلاب هذه تذكره برائحة. يحدث هذا معه لأنها غير موجودة. في الحي نفسه، وبينما كان مولود يبحث في الحديقة عن مكان يجلس فيه بانتظار الحافلة محتضنًا حقيبته، اقترب منه كلب وهو ينبح: «عو، عو، عو». اقترب منه كلب ثانٍ وثالث بعد الكلب الأول. كانت بلون الطين. رأى مولود كلبًا أسود آخر بعيدًا مثل ظل غير واضح. بدأت كلها تنبح معًا. هل يستطيع دفعها عنه بواسطة حقيبة الجابي التي يحملها؟ لم يخف من عصابة كلاب إلى هذه الدرجة من قبل. ذهب مولود مساء الثلاثاء إلى الزاوية التي في تشارشمبة، ووضع بوظة في المطبخ. كان حضرة الأفندي حيويًّا على عكس ما اعتاد أن يراه، ولم يكن حوله ذلك الزحام الملتصق به. رأى مولود أنه يسمعه، فروى له باختصار كيف بدأ يخاف من الكلاب قبل سبعة وعشرين عامًا. عندما بدأ عمله بائعًا جوالًا في عام ١٩٦٩، اصطحبه والده إلى رجل دين في بيت خشبي في أزقة قاسم باشا الخلفية. كان رجل الدين البدين بلحيته البيضاء نموذجًا أقدم من حضرة الأفندي، وقرويًّا. أعطاه سكرًا معقودًا، وقال له إن الكلاب مخلوقات صم بكم عمي. ثم فتح يديه كما لو أنه يدعو، وطلب من مولود أن يفتح يديه، وأن يعيد في الغرفة الصغيرة المُدفَـأة بواسطة مِدفأة العبارةَ التي يقولها تسع مرات: «صم بكم عمي فهم لا يفقهون» ما يجب أن يفعله مولود عندما يتعرض لهجوم الكلاب، هو نسيان الخوف، وإعادة هذه الآية ثلاث مرات. على من يخاف الكلب أن يخرجه من عقله قبل كل شيء كما يفعل الخائف من الشيطان أو الجان. كان والده عندما يراه خائفًا من ظلال الكلاب في الأزقة في أثناء بيعهما البوظة معًا، يقول له بداية: «لا تخفْ، لا تخفْ، تظاهرْ بأنك لم ترها، ولا تخف!»، ثم يهمس له: «اقرأ الآية بسرعة!». يحاول مولود أن يفعل ما يقوله والده بدقة، ولكنه لم يكن يستطيع تذكر الآية. ولهذا كان يتوتر، ويؤنب مولودًا. بعد أن روى مولود هذه الذكريات لحضرة الأفندي، سأله بانتباه: هل يمكن للإنسان أن يُخرج خوفًا أو فكرة من عقله بإرادته؟ أصبح مولود يعرف من التجربة أن الفكرة بقدر ما يحاول نسيانها، بقدر ما ترسخ في عقله أكثر. (على سبيل المثال، بقدر ما كان يحاول نسيان ناريمان من عقله عندما كان شابًّا، بقدر ما يريد أن يلاحقها؛ طبعًا لم يحدّث حضرة الأفندي عنها) في هذه الحال، فإن «نية نسيان الشيء» ليست الطريق الأفضل لنسيان هذا الشيء. كان سعيدًا لأنه تمكن من سؤال رجل الدين المعاصر حضرة الأفندي في زاوية تشارشمبة بجرأة تلك الأسئلة التي لم يسألها لشيخ قاسم باشا قبل سبعة وعشرين عامًا. قال حضرة الأفندي: «النسيان مرتبط بطهارة قلب المؤمن، وصفاء نيته وإرادته». سُرّ من سؤال مولود، وأعطاه جوابًا يليق «بالحديث». اكتسب مولود جرأة، وروى له كيف دفعت عصابة كلاب قطًّا تحت سيارة ذات ليلة ثلجية مقمرة؛ إذ كانت الأزقة بيضاء بارقة مثل شاشة السينما عندما كان طفلًا. تجاهل مولود والمرحوم والده الأمر، وسارا بصمت، وتظاهرا بأنهما لم يسمعا صراخ القط الأخير وهو يموت. لعل المدينة توسعت عشرة أضعاف خلال هذه الفترة. وعلى الرغم من نسيانه الآيات والأدعية اللازمة، فلم تُخِف الكلاب مولودًا على مدى خمسة وعشرين عامًا. ولكنه عاد للخوف منها في العامين الأخيرين. هي أيضًا تنتبه لهذا الخوف، وتنبح على مولود، وتضايقه. ماذا عليه أن يفعل يا ترى؟ قال حضرة الأفندي: «القضية ليست بالدعاء والآيات، بل بالنوايا. هل فعلت ما يزعج الناس في الفترة الأخيرة يا بائع البوظة؟». قال مولود: «لم أفعل». لم يخبره بأنه دخل بقضية جباية الكهرباء. قال حضرة الأفندي: «لعلك فعلت دون أن تنتبه. الكلاب تشعر بمن ليس منا، وتفهمه. وهبها الله هذه الخصلة. لهذا السبب يخاف الذين يريدون تقليد أوربا من الكلاب. محمود الثاني قتل الإنكشاريين الذين شكّلوا العمود الفقري للدولة العثمانية، وجعل الغرب يسحقنا، وهو الذي قتل كلاب إسطنبول، ونفى ما لم يستطع قتله منها إلى جزيرة «خير سيز». قدّم الإسطنبوليون طلبًا، ووقعوه فيما بينهم من أجل إعادة الكلاب إلى أزقتهم. في أثناء احتلال إسطنبول في فترة الهدنة، قُتلت الكلاب مرة أخرى لكي يرتاح الإنكليز والفرنسيون. وشعب إسطنبول الجميل أراد إعادة الكلاب ثانية. هذه التجارب كلها تُثبتُ أن الكلاب تشعر بعمق بالفرق بين الصديق والعدو». ٩ تقويض الملهى هل هذا صحيح؟ فرحات. بعد ستة أشهر، وفي شتاء ١٩٩٧ اعتاد مولود على الجباية، لا تشغلوا بالكم به. وكان يكسب نقودًا أيضًا. كم؟ هو نفسه لا يعرف. وكان يقدم الحساب لي بشكل منتظم، كما كان في صغره يقدم حساب اللبن الذي يبيعه يوميًّا كل مساء لوالده. ومساء يبيع البوظة، ولا يقدم على أي عمل مخجل. أنا الذي كنتُ على وشك القيام بأمر مخجل. ما سمعته من هنا وهناك يفيد بأن سلويهان ما زالت حقيقة مع سامي سرمني. لم أستطيع تصديق الأمر. عدم إيماني هذا يجعل حلم سلويهان أبعد، ولا يمكن الوصول إليه. أبحث عنها في المدينة والأرشيف، وأعود إلى البيت بوقت متأخر جدًّا، ولكنني أكون في البيت كل ليلة حتى ولو قريب الصباح. ذات مساء، وفيما كنت جالسًا مع الأصدقاء إلى إحدى الطاولات في «نادي مهتاب الليلي»، جاء أحد أصحاب النادي. يسعى أصحاب النوادي الليلية والملاهي لصداقة جباة الكهرباء لأنهم يستهلكون كمية كبيرة من الكهرباء. يخصوننا في الملاهي بتخفيض خاص، ويرسلون أطباق المقبلات والفواكه والقريدس من المطبخ ضيافة. ما يراد من المجانيّين وكبار الموظفين والعصابات الجلوس دون إرسال الزهر إلى هذه وتلك، وعدم لفت أنظار «الضيوف»، وطلب الأغاني، ولكن طاولتنا في ذلك المساء لفتت الأنظار كثيرًا. لأن السيد شارب (له شارب رفيع فوق شفته العلوية العريضة) الذي يقال إنه الذراع اليمنى لصاحب النادي، يدعو المغنين والمغنيات إلى طاولتنا، ويطلب منا أن نطلب الأغاني. التقيت بالسيد شارب في تقسيم ذات صباح: كنت أعتقد أنه سيطلب مني أمورًا عادية مثل التغطية على بعض التوصيلات الكهربائية والأشياء غير المرخصة في نادي مهتاب الليلي. وإذ به يفتح معي موضوعًا أعمق وأكبر بكثير: يريد أن يقوض «ملهى» غونش. «تقويض» ملهى أو نادٍ ليلي وحتى مطعم فاخر هو أسلوب عصابات الجريمة الجديد. يعتمد هذا الأمر على استغلال الوضع الناجم عن خصخصة الكهرباء بعد عادة استخدامها مهربة في إسطنبول طوال ثمانين عامًا، والعقوبات التي تبلغ ضعف قيمة التضخم. على سبيل المثال، يتفق أحد صاحبي ناديين ليليين متنافسين مع جباة شركة الكهرباء الخاصة، ويجعلهم يقطعون كهرباء خصمه، ويفرضون عليه دفع الديون الكبيرة المترتبة والعقوبات. يُفلس النادي الذي يغلق لأسبوعين ولا يستطيع دفع الديون الكبيرة المتراكمة والعقوبات، ويمحى من السوق. سمعت بتقويض بعض البارات والملاهي في بيه أوغلو، وفندقين في آقسراي وتقسيم (الفنادق الصغيرة مرتع لتهريب الكهرباء)، وبوفيه شاورمة كبيرة في شارع الاستقلال خلال الأشهر الستة الأخيرة. كنتُ أعرف بأنه من المستحيل تقويض المحلات الكبيرة بعقوبات الكهرباء بسبب علاقتها القريبة بالشرطة والادعاء العام والمافيا. لو أشار الجابي بشكل فردي إلى حالات التهريب كلها، والديون المتراكمة، وقَطَعَ الكهرباء، وختم العداد بالشمع الأحمر فإن أرباب العمل المدعومين من المافيا، يعيدون وصل الكهرباء بأيديهم، ويتابعون عملهم. بالطبع، يمكنهم أن يقطعوا طريق الجابي الجريء ذات منتصف ليل فيما بعد، ويضربونه. لهذا السبب فإن من يرتب عمليات التقويض يعمل بالتوازي مع الادعاء العام والشرطة (جزء منها على الأقل) والمافيا، لكي لا يستطيع النهوض من جديد بعد المداهمة. بطلب السيد شارب تقويض ملهى غونش، يعلمني بوضوح أن الأكراد الجزراويين المشرفين على نادي مهتاب أعلنوا الحرب على سامي السرمني. سألته عن سبب اعتباره لي الشخص المناسب لهذا الأمر. قال الشارب: «فهمت من حديثك مع الأصدقاء بأنك تكره سامي السرمني. غير هذا رأوك تذهب إلى ملهى غونش، وتحاول تحليل نقط التمديد هناك...». قلت: «لجزمي الجزراوي عين في كل مكان ما شاء الله. ولكن هذا الموضوع خطير. دعني أبحث بالأمر، وأفكر». «في السنوات العشر الأخيرة لم يتحضّر السياسيون فقط، بل تحضرت عصابات بيه أوغلو أيضًا. لم يعد أحد يقتل أحدًا في الشارع لمجرد اختلافهما بوجهات النظر كما كان يحدث في الماضي، لا تقلق». سميحة. قلت لفرحات قبل فترة: «لا يمكن أن تبقى الأمور على هذا النحو! تأتي قريب الصباح كل ليلة، وتنام فورًا. إذا بقيت على هذا النحو، فسأتركك». قال: «احذري! أنا أموت من دونك! أنا أعيش من أجلك فقط. سبحنا مسافة طويلة معًا، ووصلنا إلى بر الأمان. الآن أنا على وشك إنجاز آخر عمل كبير. يجب أن أوليه الاهتمام اللازم. لن نشتري مزرعة واحدة في الجنوب، بل مزرعتين». صدقته قليلًا، وتظاهرت بتصديقه قليلًا. ما أسرع مرور السنتين بعد وفاة رائحة. أنا أكبرها الآن بسنة عن وقت وفاتها، وليس لديَّ ولد ولا زوج مثل الناس. لم أحتمل، فذهبت إلى وديعة، وحكيت لها. قالت: «فرحات زوج جيد يا سميحة، عليَّ أن أقول لك هذا قبل كل شيء! غالبية الرجال مشاكسون ومتقلبو الطباع، ولا يقبلون إلا بما يقولونه. فرحات ليس من هذا النوع. غالبية الرجال أشحاء وخاصة مع زوجاتهم. أنا أرى رزم النقود في كل مكان من شقتك الجميلة. غالبية الرجال يضربون زوجاتهم، ولم تقولي إن فرحات قد فعل شيئًا كهذا. هو يحبك، أنا أعرف هذا. احذري أن تفعلي شيئًا خاطئًا. في الحقيقة أن فرحات إنسان طيب. لا يُترك البيت والزوج هكذا بسهولة. تعالي لنذهب معًا إلى السينما. ثم إذا تركت فرحات، فإلى أين ستذهبين؟». أختي تفهم كل شيء، ولكنها لا تفهم سبب عناد الإنسان. هددت فرحات ذات مساء مرة أخرى. قلب شفته لي، وقال: «نحن ننهي إمبراطورية سامي سرمني، وأنت ماذا تقولين؟». ولكن الأمر الأساسي الذي جعلني سائمة من بيت تشوقر جمعة هو ضغط مولود على فاطمة وفوزية بقوله: «لماذا تذهبان إلى خالتكما كثيرًا هكذا؟». أي بنت منهما أخبرتني بهذا؟ لا أستطيع أن أقول لكم. ولكنني أعرف أن مولودًا يقلق من تزيّن ابنتيه، ودهنهما أحمر الشفاه، وتعلم الأناقة بشكل جيد. قالت أختي وديعة: «تفوه، أسفي على مولود! مازال عقله بأمور تافهة مثل: من كتب الرسائل، ولمن؟ اذهبي واشكيه لفرحات. أليس فرحات الآن رب عمل مولود؟». لم أقل شيئًا لفرحات. أعطيت قراري، ثم فكرت بأدق التفاصيل، وأربعين مرة، وبدأت أنتظر اليوم الأنسب. فرحات. هناك طريقتان لتقويض نادٍ ليلي كبير أو مطعم فخم، أو فندق راقٍ: ١. تقيم علاقة صداقة مع المؤسسة، وتعرف أين عمليات التهريب، وتنصحهم بطرق ربط الخطوط الجديدة بحذق أشد. ثم تتفق مع الطرف الآخر، وتقوم بمداهمتك. ٢. تجد معلمي الكهرباء السابقين الذين تعاونوا مع المؤسسة، وتقنعهم. وهم يشرحون لك كل خط من أي جدار يمر، وأي خط حقيقي، وأيّها سحب لخداع الدولة، وأيها رسمي. طبعًا هذا طريق خطير: لأن الذي علّم المؤسسة طرق التهريب (في الحقيقة أن أغلبهم موظفون عند الدولة)، لا يعطيك سره. على العكس تمامًا، يسرّب لأرباب العمل بأن فأرًا ما لديه فضول لتهريب كهرباء المصنع الفلاني أو الملهى الفلاني. هل تعلمون أن الكهرباء هي المادة الخام للخزف والأسمنت؟ يُراق دم كثير حيث النقود الكثيرة. نبهني الكاتبان المسنان في شركة يدي تبة للكهرباء حول هذه المخاطر. قلت لهما: إن ملهى غونش استمر بعادة استخدام الكهرباء المهربة بعد الخصخصة. نظم دفتر قسائم الملهى والبيوت والبوفيهات والمحلات المجاورة له موظف من الجيل القديم لقِّب «العسكري» بسبب صرامته. لفت العسكري نظر الكاتبين المسنين بأنه أصبح أكثر نشاطًا بعد العقوبات الجديدة. التقيت بالكاتبين في الأرشيف ذات نهاية أسبوع. حصلنا على القسائم التي أعدها العسكري حول ملهى غونش من الجابي الحالي. وحاول الكاتبان المسنان توقع طرق تهريب الكهرباء في ملهى غونش الذي يبلغ عمره أربعين عامًا بالاستفادة من الملفات القديمة. فتحتُ أذني تمامًا لحديثهما حول القسم الذي يمكن أن يكون فيه خط سري، وعدد الخطوط المتفرعة من الخط الرئيس، ومدى كون كاتب الملاحظات السابقة موضع ثقة. قال أحدهما: «يمكن تقويضه بشكل سيئ جدًّا، لا قدر الله». لم يكونا يستدرجاني بالكلام، فقد نسياني. تنافسُ الملاهي من أعنف الأعمال: كان أصحاب المقاصف والعصابات يخطفون المطربين والراقصات، ويعوقونهم، ويفتعلون ذريعة لإطلاق النار على سيقانهم عندما يعلنون الحرب على بعضهم بعضًا قديمًا. أحيانًا تداهم عصابةٌ ملهى منافسًا، وتفتعل شجارًا، ويكسّر الفتوات المكان. كانت الطريقة الرائجة هي الذهاب إلى الملهى مواطنًا عاديًّا، وطلب أغنية، وافتعال مشكلة بذريعة أنها لم تُغَنَّ. ينتقل خبر الشجار والجريمة إلى الصحف عن طريق صديق، فيهرب زبائن ذلك المكان فورًا. بعدئذ يداهم رجال الملهى الأول الملهى الآخر من أجل الانتقام، وتتكلم المسدسات، ويسيل الدم ثانية. كنت أحب الاستماع للكاتبين المسنين. بعد أن عملنا أسبوعًا آخر، التقيت بأصحاب نادي مهتاب الليلي من جديد. أخبرتهم بإمكانيتي أن أقدم لهم الخريطة التقنية اللازمة، والمناطق والوصلات المتوقعة. قال السيد شارب: «لا تكلم أحدًا بهذا كما تكلمنا. نحن أيضًا لدينا خطة. أين تسكن أنت؟ ليذهب شبابنا إليك، ويشرحوا لك. بالنتيجة لن يحدث شيء، ولكن الحديث في البيوت أفضل». كلمة «بيوت» ذكرتني بسميحة وليس بسلويهان. ذهبت إلى البيت ركضًا في تلك الليلة لكي أشرح لها أننا وصلنا إلى نهاية الطريق. سأركض إلى البيت، وأقول لها: «إننا نقوض ملهى غونش». وستفرح سميحة لأننا سنصبح في النهاية أغنياء، ونلقن هذه الرءوس الكبيرة على لا شيء درسًا. وصلت إلى البيت وإن كنت متأخرًا، ولكنني تمددت على الأريكة في الصالون، ونمت فقط. عندما استيقظت صباحًا، رأيت أن سميحة قد تركت البيت. لم يعلّم حضرة الأفندي مولودًا دعاء سحريًّا يجعل الكلاب تهرب كالذباب عندما تُرش بالمبيد... هل كان شرحه بأن من تنبح عليه الكلاب لا ينتمي إلى هذا المكان، وهذا البلد صحيحًا؟ لو كان هذا صحيحًا لما نبحت على مولود؛ لأن مولودًا لم يكن يشعر أنه غريب حتى عن أبعد الأحياء القديمة، وبين الأبنية الأسمنتية، والبقاليات، والغسيل المنشور، وإعلانات مدارس الدورات والبنوك، ومواقف الحافلات، والمسنين الذين يطلبون تأجيل دينهم، والأولاد الذين يسيل مخاطهم. فوق هذا فإن نخير الكلاب بدأ يخف بعد زيارته الأخيرة لحضرة الأفندي في شباط/ فبراير ١٩٩٧. كان مولود يشعر بأن لهذا التطور الجميل سببيْن: الأول: ضعف قوة عصابات الكلاب في تلك الأحياء البعيدة؛ لعدم وجود مقابر قديمة من النوع الذي قصه من جريدة الإرشاد، فليس هناك مكان يمكن للكلاب أن تبقى فيه مطمئنة في النهار منتظرة الليل، ولا تستطيع أن تشكل عصابات. إلى جانب هذا فإن البلدية وضعت في هذه الأحياء حاويات زبالة معدنية كبيرة قوية كالقلاع لها عجلات تشبه مقطورات عمال المناجم. لم تكن الكلاب بمقدورها أن تقلب هذه العربات الضخمة من أجل أن تملأ بطونها. السبب الآخر لعدم خوف مولود من الكلاب كما كان في السابق هو تسامحه مع المساكين الذين لم يستطيعوا دفع دينهم في الأحياء المتطرفة. لم يكن مولود يلاحق حالات تهريب الكهرباء كلها بوصفه جابيًا طموحًا وحادًّا. إذا كان هناك خط تهريب مسحوب مباشرة من خط التوتر العالي خارج المدينة، يشير (وأحيانًا يسأل أسئلة) مولود للشيخ المتقاعد، أو الخالة الكردية الهاربة من الحرب، أو الأب العاطل عن العمل والعصبي، أو الأم الغاضبة إلى هذا التهريب بصراحة. ولكنه يتصرف معتبرًا كلمات الإنكار التي يقولها أهل البيت صحيحة. إثر هذا يعتقد أهل البيت أنهم أذكياء، فينكرون حالات التهريب الأخرى التي يراها مولود. أما إنكار أهل البيت علاقتهم بالخط القصير بين عداد الكهرباء والبيت، ودس شريحة فيلم إلى العداد، ومحاولة اللعب بالعداد من أجل تصفيره أو جعله يشير إلى استهلاك أقل، فقد كان يريهم مولود بصراحة أنه لم يصدق هذا. بهذه الطريقة كان مولود يدخل إلى أبعد الأحياء وأسوئها دون إثارة غضب أهلها أو إثارة الكلاب التي تستشعر الغرباء، ويحدد أبرز سرقات الكهرباء، ويسجلها، وعندما يلتقي بفرحات من أجل أن يحاسبه، أصبح بإمكانه أن يعطيه نقودًا أكثر. قال فرحات ردًّا على إخبار مولود له بأنه أصلح علاقته مع الكلاب: «أنت تجاوزت الفرق بين الرأي الرسمي والرأي الشخصي يا مولود. فككت سر هذه الأمة. ما أرجوه منك الآن يتعلق بحياتي الشخصية وليست الرسمية». قال فرحات إن زوجته تركت البيت، وذهبت إلى بيت آل آقطاش في تل التوت عند وديعة، ولم تعد. كان مولود يعرف أمورًا أخرى: فور معرفة حميهما عبد الرحمن أفندي بأن سميحة تركت زوجها، ركب الحافلة بفرح لم يخفه، وجاء من القرية، وسكن عند ابنته في تل التوت، وأيد موقفها. مولود لم يخبر فرحات بهذا. قال فرحات: «لديَّ أخطائي، ولن أكررها، سأصطحبها إلى السينما، وأعود إلى البيت باكرًا. لا يجوز أن تذهب أنت، وتتكلم مع سميحة بشكل مباشر، اطلب من وديعة أن تكلمها». سيفكر مولود في الأيام التالية بسبب عدم جواز حديثه مع سميحة بشكل مباشر. ولكنه لم يظهر أي شك. قال فرحات: «وديعة امرأة ذكية. وهي أذكى أفراد عائلتيْ قرة طاش وآقطاش. هي التي تستطيع إقناع سميحة. اذهب، وقل لها...». وشرح فرحات مطولًا بأنه يعمل على قضية كبيرة متجنبًا إعطاء أسماء المكان والعصابة والأشخاص بحذر، ولكنه يريد أن يقول مولود هذا لوديعة، وأن تقول وديعة هذا لسميحة، وأنه أهمل سميحة بسبب العمل حقًّا. قال فرحات: «وقد اشتكت سميحة من هذا، هل هذا صحيح؟ إنك لا تريد أن تذهب فاطمة وفوزية إلى بيتنا، وتتحادثا معها حول التلفاز». كذب مولود قائلًا: «هذا كله كذب». قال فرحات: «المهم، قولوا لسميحة إنني لا أستطيع أن أعيش من دونها». لم يجد مولود كلام صديقه هذا مقنعًا، وفكر بحزن أنه لم يتحدث مع صديقه في ذلك اليوم سوى بالرأي الرسمي، بينما بنيت صداقتهما التي بدأت قبل ستة وعشرين عامًا في أثناء بيع «النصيب» على الإيمان المتفائل بإمكانية أن يبوح أحدهما للآخر بآرائه الشخصية. جرى لقاء عمل عادي بين الصديقين، وانفصلا جابييْن. سيكون هذا آخر لقاء بينهما. وديعة. هل صحيح اعتباري المذنبة الوحيدة بكل النواقص والتعاسة التي حدثت على الرغم من كدحي لتهدئة الشجار في هذه العائلة، والتستر على النواقص، وإصلاح التصدعات لعشرين سنة منذ جئت كنة إلى هذا البيت؟ هل صحيح إلقاء اللوم عليَّ بحمل أختي حقيبتها، ومجيئها إلينا في تل التوت بعد أن بذلتُ جهدًا كبيرًا من أجل مصالحة سميحة وفرحات، ونصحتها كثيرًا قائلة: «احذري أن تتركي بيتك وزوجك يا سميحة»؟ هل صحيح تحميلي مسئولية زواج سليمان من مغنية عجوز بعد أن درت إسطنبول كمغرفة في قدر وأنا أبحث له عن فتاة مناسبة؟ هل صحيح قلب قورقوط وحموي وجهيهما بسبب مجيء أبي من القرية لرؤية ابنته، وإقامتهما في الطابق الثالث منذ شهر؟ هل صحيح ألا يأتي سليمان إلى البيت في تل التوت نهائيًّا، ولا يرى والديه بذريعة وجود أختي سميحة؟ هل صحيح أن يسكن سليمان في شيشلي مع الكنة الجديدة، وأنا ألح بشدة على قورقوط بقولي: «لدينا نقود، لنسكن في شيشلي»، وعدم إصغائه لي؟ هل صحيح ألا يدعونا ـ قورقوط وأنا ـ سليمان وزوجته إلى بيتهما ولو مرة واحدة؟ هل صحيح أن تستخف بنا ملاحات بقولها: إن طرق تل التوت ترابية ولا يوجد فيها مصفف شعر؟ هل صحيح أن تخزني ملاحات بقولها بحذلقة: «هؤلاء الرجال أتعبوكِ، وسحقوكِ...»؟ هل صحيح أن تثرثر الأم الجديدة ثلاث ساعات مع ضيوفها، وتَسْكر، وتغني، وتنسى الطفل الذي في الداخل لأن هناك خادمة؟ هل صحيح عدم السماح لنا بالذهاب حتى إلى السينما في شيشلي مع المسكينة سميحة؟ هل صحيح أن يمنعني قورقوط من الخروج إلى الشارع، وإذا خرجت فلا يسمح لي بأي شكل الخروج خارج حدود تل التوت؟ هل صحيح أن أحمل الطعام إلى عمي البقال في الدكان وحدي فقط على مدى عشرين سـنة؟ هل صحيح أن ينظر عمي إلى الفاصولياء باللحم التي يحبها كثيرًا، أو الباميـاء التي أُعِدُّها بعناية شديدة، وأعمل ما بوسعي من أجل أن أوصلها له ساخنة، ويقول: «هذه مرة أخرى» أو «ما هذه»؟ هل صحيح أن يصدر قورقوط أوامر ويضع محظورات على سميحة وكأنها زوجته لمجرد أنها تعيش معنا؟ هل صحيح أن يؤنبني قورقوط أمام والده ووالدته؟ هل صحيح أن يكلمني باستخفاف أمام ابنيَّ؟ هل صحيح أن يسألني عن كل شيء بين دقيقة وأخرى، وفي الوقت نفسه يقول: «ألم تفهمي أيضًا!»؟ هل صحيح ألا يعطيني جهاز تحكم التلفاز عندما نشاهد التلفاز جميعنا؟ هل صحيح أن يهنّي بوزكورت وطوران مقلدين والدهما؟ هل صحيح أن يطلقا أقذع الشتائم أمام أمهما؟ هل صحيح أن يدللهما والدهما إلى هذه الدرجة؟ هل صحيح أن يقولا ونحن نشاهد التلفاز جميعًا، ودون أن ينظرا إليَّ: «أمي، شاي!»؟ هل صحيح أن يردا عليَّ: «خلص أمي!»، أو «هل أنت مخبولة!» مهما قلت؟ هل صحيح جلب مجلات قلة الأدب تلك إلى غرفتهما؟ هل صحيح مجيء والدهما متأخرًا جدًّا إلى البيت مرة كل يومين؟ هل صحيح توظيف والدهما شقراء نحيفة ومعتنية بنفسها لأنها «مهمة بالبيع!»، وإعطاؤها كل هذه الأهمية؟ هل صحيح قلبَ الولدين شفتيهما لأي طعام أعده؟ هل صحيح طلبهما بطاطس مقلية كل يوم على الرغم من امتلاء وجهيهما بالحب؟ هل صحيح مشاهدتهما التلفاز في أثناء دراستهما؟ هل صحيح قولهما: «لحمه قليل!» عن الشيش برك الذي أعده لهما ويحبانه كثيرًا، وبعد أن يأكلاه بنهم؟ هل صحيح صبهما كوكاكولا في أذن جدهما عندما ينام وهو يشاهد التلفاز؟ هل صحيح قولهما عن كل من لا يحبانه: «منيك»، «يهودي» مثل والدهما؟ هل صحيح أن يتشاجرا في كل مرة أقول فيها لهما: «اجلبا من دكان جدكما خبزًا!»، وهذا يقول: «ليذهب طوران»، والآخر يقول: «ليذهب بوزكورت»؟ هل صحيح قولهما لي: «عندي دراسة» دون أن يدرسا عندما أطلب منهما شيئًا؟ هل صحيح قولهما: «ماذا هناك، هذه غرفتي»، كلما نبهتهما لشيء؟ هل صحيح قولهما: «توجد مباراة في الحي!» عندما أقول مرة كل دهر لنخرج كعائلة في نزهة؟ هل صحيح استخفافهما بزوج خالتهما مولود كما ذكرته بقولهما: «بائع البوظة»؟ هل صحيح قولهما بشكل دائم كلامًا سيئًا عن ابنتيْ مولود على الرغم من إعجابهما الشديد بهما؟ هل صحيح مخاطبتهما لي مثل والدهما، وقولهما: «تقولين إنك تطبقين حمية، وتأكلين رقائق العجين طوال اليوم»؟ هل صحيح ذهابهما إلى السينما، وقولهما إنهما ذاهبان إلى دورة امتحان الدخول إلى الجامعة؟ هل صحيح لومهما مدرسهما، وقولهما: «مخبول» عندما رسبا في الصف بدلًا من إيجاد التقصير في نفسيهما؟ هل صحيح أخذهما السيارة على الرغم من عدم وجود رخصة قيادة معهما؟ هل صحيح أن يشيا بسميحة لوالدهما مساء عندما رأياها وحدها في شيشلي؟ هل صحيح قول قورقوط لي أمامهما: «لا تفعليها إذا كنت تجرئين!»؟ هل صحيح أن يعصر قورقوط ذراعي إلى درجة إيلامي، وجعلها زرقاء؟ هل صحيح إطلاقهما البندقية الهوائية على الحمام والنوارس؟ هل صحيح ألا يساعداني ولو مرة واحدة برفع المائدة؟ هل صحيح أن يعيد لهما والدهما كيف ضرب مدرس الكيمياء الذي يشبه وجهه وجه الحمار أمام الصف كله، وأنا ألح عليهما طوال اليوم لكي يدرسا؟ هل صحيح تحضيرهما أوراق الغش للامتحان بدلًا من الدارسة؟ هل صحيح أن تقول لي حماتي صفية: «أنت أيضًا عليك ذنب يا وديعة!» عندما أحاول أن أشتكي من كل هذا؟ هل صحيح ألا يفكروا سوى بكسب النقود بعد كل هذه المقولات عن الله والوطن والأخلاق؟ ١٠ مولود لدى الشرطة مضت حياتي كلها في هذه الأزقة فرحات. لملهى غونش «تهريب رسمي» مثله مثل كثير من المطاعم والبوفيهات والفنادق التي تسرق كهرباء. وهذه بغالبيتها عمليات تهريب قليلة الصرف توضع من أجل أن يضبطها الجابي عندما يأتي بمداهمة (غالبيتها مداهمات متفق عليها). ولكن بفضلها يخفون خط التهريب الأساسي. في أثناء عملي، نبهني «السيد شارب» عندما رآني أتخيل أنني أدخل كواليس المغنين والنساء ودهاليز الطابق السفلي من أجل ضبط التهريب «الحقيقي»: ليس من الصعب توقع أن سامي السرمني سيدخل بحركة مضادة حادة من أجل إنقاذ كرامته حتى لو تم تدبير المدعي العام والشرطة، ونجحت عملية التقويض. يمكن أن تُطلق النار على عدة أشخاص، ويسيل الدم. ليس من الصواب أن أظهر كثيرًا، وأن يُعرف وجهي. وعليَّ أن أنتبه من الجابي الخبير العسكري. كان دفتر ملهى غونش معه، وبالطبع فهو يلعب على الحبلين. وهكذا قطعت رجلي عن ملهى غونش. ولكنني ذهبت إلى الملاهي الأخرى لأنني لن أستطيع التخلص من رائحتها، ولم تعد سميحة تنتظرني في البيت. وهكذا التقيت بالعسكري ذات مساء في ملهى «طان». أعطونا إحدى الطاولات الخاصة. كان المكان حقيقة مخيفًا بديكوراته الظليلة وأصوات دورات مياهه، ونظرات حراسه السيئة، ولكن الجابي العتيق العسكري تصرف معي بشكل جميل بوصفي زميلًا شابًّا، وأبدى لي صداقة. فتح الموضوع بشكل لم أكن أتوقعه من خلال قوله إن سامي السرمني رجل طيب وشهم. قال العسكري: «لو عرفتُ السرمني، وحياته العائلية، وما يفكر فيه من أجل بيه أوغلو والبلد، فلن تُخدع بالشائعات حوله، ولا تفكر بسوء نحوه». قلت: «أنا لا أفكر بسوء نحو السيد سامي أو أي شخص آخر». شعرت بأن ما قلته سيصل بشكل من الأشكال إلى سلويهان. لأنني كنت أشرب كثيرًا، وعبارة «حياة السرمني العائلية» شوشت عقلي. لماذا فقدت سميحة إيمانها بحياتنا العائلية؟ هل تلقت سميحة رسالة «عودي إلى البيت» التي أرسلتها مع مولود؟ قال العسكري: «من الخطأ أن يُشعر المرء بما ينوي عليه في الحياة». أقول لنفسي: «احذر من الدخول في حرب الملاهي والعصابات والتقويض». فكرت بعدم تدخل مولود بشيء نهائيًّا. صديقي العزيز جدًّا مولود، لماذا لا تعود سميحة إلى البيت؟ نظرت، وإذ بالعسكري يعرف نُدُل ملهى طان بشكل جيد جدًّا ما شاء الله. يتحدثون فيما بينهم همسًا. لا تخفوا عني شيئًا رجاء، وحينئذ لا أخفي عنكم شيئًا. «عمق حياة المدينة يأتي من عمق ما نخفيه» ولدتُ في هذه المدينة، ومضت حياتي كلها في هذه الأزقة. نظرت وإذ بالجابي العسكري قد ذهب. هل تشاجرت معه حول موضوع عدم إمكانية نيل نادي فنار بهشة البطولة؟ تحل ساعة يفرغ فيها الملهى، ويُشغّل شريط تسجيل من مكان ما في الخلف. تشعر أنك واحد من بضعة أشخاص لا ينامون، ويفخرون بوحدتهم في هذه المدينة ذات الملايين العشرة. في أثناء خروجك تعلق بشبيهك، وتقول لنفسك: لنتبادل الحديث قليلًا، فلديك الكثير مما تفضي به. هل لديك نار أخي؟ تفضل، أشعل واحدة أنت أيضًا. لماذا لا تدخن صمصون؟ أنا لا أدخن سجائر أمريكية، تجعلني أكح، وهي مسرطنة. الآن تسير مع هذا الرجل، وتفكر بأنك لا تعترف بصباح. يمتلئ أمام هذه الدكاكين في الصباح بالزجاجات التي نكسرها نحن وبالأوساخ والزبالة التي نرميها، ويشتمنا باعة الدكاكين وهم يكنسونها. أخي، كل ما أردناه هو حديث من القلب. حسنٌ؛ صديق يمكنني أن أحدثه بصدق، وأقول له كل شيء: هل يمكنني أن أفهم؟ أنا كدحت كثيرًا في الحياة، وعملت كثيرًا، ولكنني مع الأسف لم أنتبه للبيت. ماذا قلت؟ أقول: «البيت» مهم. لأشرح لك أنا أولًا... معك حق يا أخي، حتى هنا لم يبقَ محل يقدّم المشروب في هذه الساعة. ذاك أغلق، ولكن هل سنكسر بخاطرك؟ حسن، سنرى حلًّا. في الليل تصبح المدينة أجمل، هل تعرف هذا: رجال الليل يقولون الحقيقة. ها؟ لا تخف، الكلاب لا تفعل شيئًا. ألست إسطنبوليًّا؟ هل قلت سلويهان؟ لا، لم أسمع باسم هذا المكان قط، يبدو أنه البار الذي تقدم فيه الأغنيات قبل أذان الفجر: لندخل إن شئت، نغني أغاني البلد. من أين أنت؟ انظر، أرأيت، هذا أيضًا مغلق. أنا استهلكت عمري في هذه الأزقة. في هذه الساعة لم يعد هناك مكان تشتري منه مشروبًا في جيهان غير. سيرمون كل المواخير والمثليين من هذه الأمكنة أيضًا. لا، وهذا أيضًا مغلق؟ أحيانًا ينظر هذا الرجل بشكل سيئ جدًّا: لو رأوه أصدقائي، لقالوا من أين تأتي بهذه النماذج يا فرحات. عدم المؤاخذة، هل أنت متزوج؟ لا تفهمني خطأ يا أخي... كل امرئ حياته الخاصة لنفسه... تقول إنك من منطقة البحر الأسود، فهل لديك سفن؟ بعد وقت ما، يبدآن كل عبارة بعبارة «عدم المؤاخذة»، أو «لا تفهمني خطأ». لماذا تقول شيئًا خاطئًا في هذه الحال؟ وصلنا إلى بيتنا المتواضع، في الطابق الثاني. امرأتي تركتني. وأنام على الأريكة حتى تعود إلى البيت. لنشرب كأسيْ عرق من آخر زجاجة في الثلاجة، وننهي الليلة. أتعرف، سأذهب غدًا من الصباح الباكر، وأجلس مع الكاتبين المسنين، وأعمل على معرفة ماضيكم جميعًا. لا تفهمني خطأ، أنا في النهاية سعيد. قضيت عمري في هذه المدينة، ولم أستطع تركها حتى الآن. أمسى مولود لا يخرج من البيت إلى ما بعد انتهاء الأخبار بكثير لأن دخله يمكّنه من الوصول إلى نهاية الشهر، ويعود إلى البيت قبل الحادية عشرة. تخلّص من هم ضيق العيش لأول مرة منذ خمسة وعشرين عامًا بفضل ما يبقى في جيبه من نقود باعتباره جابيًا. وقَلَّ زبائنه الدائمون الذين يوصل لهم البوظة في يومين أو ثلاثة بالأسبوع أيضًا. ويتناول مولود العشاء الذي تحضره ابنتاه وهو يمازحهما في أثناء مشاهدتهم جميعًا التلفاز، ويهرع إلى البيت في بعض الأمسيّة قبل نوم ابنتيه، ويتابع مشاهدة التلفاز معهما. كان مولود يدفع لفرحات النقود التي يجبيها حتى آخر ليرة بعد إجراء حساب دقيق. كان فرحات يتخذ منه موقفًا ساخرًا في الفترة الأخيرة، وسأله ذات مرة هذا السؤال: «مولود، إذا ربحت الجائزة الكبرى في اليانصيب، فماذا تفعل؟». قال مولود: «أجلس مع ابنتي في البيت، وأشاهد التلفاز، ولا أعمل شيئًا آخر!». نظر إليه فرحات نظرة تمزج بين الاستغراب والاستخفاف بمعنى: «كم أنت ساذج يا مولود!» طوال حياته، نظر الحاذقون والمحتالون والمعتقدون أنهم أذكياء هذه النظرة إلى مولود. ولكن فرحات لم يكن منهم، فقد كان يتفهم مولودًا. كُسر خاطر مولود بنظرة فرحات هذه بعد أن كان يحترم استقامته بصدق على مدى سنين. في أثناء بيعه البوظة في الأزقة النائية في بعض الأمسيّة كان يفكر بفرحات، ويشعر بأنه يعتبره «مختل العقل» مثل كثيرين؛ لأنه مستمر ببيع البوظة حتى الآن. لعل سميحة تفكر على هذا النحو أيضًا، وهي في النهاية تركت فرحات. لم تترك مولودًا أي امرأة. عندما رأى سيارة شرطة في أثناء اقترابه من البيت ذات مساء في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، فكر بفرحات. لم يخطر ببال مولود مجرد خاطر أن سيارة الشرطة جاءت من أجله. عندما دخل إلى البيت، ورأى الشرطة على الدرج، والباب مفتوحًا، ووجهي البنتين المرعوبين، شعر بأن الموضوع يتعلق بألاعيب فرحات في الجباية، ولا علاقة له. كانت فاطمة وفوزية هلعتين. قال الشرطي للبنتين الباكيتين وهما تودعان والدهما من أجل أن يهدئهما: «كل ما هنالك، سنأخذ إفادة والدكما هذا المساء». مهما كان الموضوع؛ مخدرات أو سياسة أو جريمة عادية، فإن مولودًا يعرف أن كلمات الشرطي خادعة. أحيانًا لا يعود الشخص المسحوب لأخذ إفادته إلى بيته إلا بعد أعوام. أصلًا ما كانوا أرسلوا سيارة من مخفر لا يبعد أكثر من خمس دقائق من أجل إفادة. في سيارة الشرطة أعاد مولود على نفسه كثيرًا من المرات بأنه لم يرتكب ذنبًا. ولكن يمكن أن يكون فرحات مذنبًا. وهو تعاون معه. ويمكن أن يوقعه هذا بموقع المذنب. على الأقل بالنيّة. بدأ يشتد شعور بالذنب يشبه ألمًا في بطنه. في مديرية الأمن فهم بأن إفادته لن تؤخذ فورًا. وقد توقع هذا، ولكنه أمِلَ، وقد خاب أمله. أدخلوا مولودًا إلى زنزانة واسعة إلى حد ما. ضوء المصباح الشاحب في الخارج يتسلل إلى الداخل، ولكن عمق الزنزانة مظلم. توقع مولود أن هناك رجليْن. الأول كان نائمًا، والآخر سكرانَ، ويبربر على البعض. تكور مولود في إحدى زوايا الزنزانة على الأرض الباردة مثل الرجل الأول، وأسند أذنه إلى كتفه لكي لا يسمع صوت الرجل الثاني. حزن عندما جلب إلى أمام عينيه نظرات فاطمة وفوزية الخائفة وبكاءهما. أفضل ما يمكن عمله هو أن ينام حزينًا كما كان يفعل في طفولته. ماذا كانت ستقول رائحة لو رأت زوجها في هذه الحال؟ كانت ستقول: «أما قلت لك: ابعد عن فرحات؟». استحضر أمام عينيه ترتيب رائحة شعرها بيدها مثل الفتيات الصغار، وحالات غضبها، وضحكتها الجذابة عندما تُوجد ما يسهّل الأمور في المطبخ بمهارتها. كم كانا يتمازحان ويتضاحكان بشكل جميل. لو أن رائحة حية لكان خوف مولود الآن أقل. لعلهم يسطحونه للفلقة، ويصعقونه بالكهرباء. كثيرًا ما حكى فرحات لمولود عن مساوئ الشرطة. وهو الآن بين أيدي تلك الشرطة. هدأ نفسه بالقول: «لا يوجد شيء!». خاف من الضرب كثيرًا قبل الجندية، ولكنه أمضى الأمور. لم يستطع النوم طوال الليل. عندما سمع أذان الفجر، أدرك عظمة نعمة استطاعة الخروج إلى الشارع، والدخول وسط الناس. عندما أُدخل إلى غرفة التحقيق كان بطنه يؤلمه من الأرق والقلق. ماذا عليه أن يفعل إذا مددوه للفلقة من أجل أن ينتزعوا منه اعترافًا؟ استمع مولود من أصدقائه اليساريين لقصص كثيرة عن رجال شرفاء قاوموا ببطولة تحت التعذيب، وماتوا، كان يريد أن يكون مثلهم، ولكن ما الذي يخفيه؟ كان واثقًا أن فرحات قد دخل بأمور سيئة مستخدمًا اسمه. ارتكب خطأ كبيرًا بدخوله عمل الجباية. قال له رجل يرتدي ثيابًا مدنية: «وهل هذا بيتك ولاه؟ لا تجلس فورًا قبل أن يقال لك: اجلس». «عدم المؤاخذة... لا تفهموني خطأ». «نحن هنا نفهم كل شيء بشكل صحيح؛ لنرَ، هل ستقول لنا الحقيقة؟». قال مولود بجرأة وصدق: «سأقولها». ورأى أنهم تأثروا بكلمته هذه. سألوه عما فعله قبل ليلتين. قال لهم بأنه خرج لبيع البوظة كما يفعل كل مساء، وعدد لهم المناطق والأحياء التي ذهب إليها، والأبنية التي دخلها، والتوقيت تقريبًا. تباطأ التحقيق ذات حين. رأى مولود من الباب المفتوح سليمان يتأبط بذراعه شرطيًّا. ما عمله هنا؟ قبل أن يستجمع مولود عقله، عرف أن فرحات قُتل في بيته قبل يومين. نظر الشرطيون إلى تعابير وجه مولود بدقة. سألوا عن عمل فرحات في الجباية. روى لهم مولود كل ما يعرفه كأنه سكران. لم يقل ما يدين فرحات أو سليمان. لقد مات صديقه. سألوا بإلحاح: «هل هناك خصومة بين فرحات وسليمان؟». أخبرهم مولود بأن هذه قصة قديمة، وأن سليمان تزوج حديثًا، ولديه طفل، وهو سعيد، ولا يمكن أن يفعل شيئًا كهذا. ذكروه بأن زوجة فرحات تركته، ولجأت إلى بيت سليمان. أخبرهم مولود بأن سليمان لا ذنب له في هذا الأمر، وهو أساسًا لا يعرج نهائيًّا على ذلك البيت. وقد سمع هذا من وديعة. ولم يتخلَّ عن الدفاع عن صديقيه. من يمكن أن يقتل فرحات؟ هل هناك من يشك به؟ لا. هل هناك أي خصومة بين مولود وفرحات؟ هل هناك مشكلة نقود أو امرأة بينهما؟ لا. هل كنت تتوقع أن يُقتل؟ لم يكن يتوقع. أحيانًا ينساه الشرطيون، ويتحدثون بأمور أخرى، ويعلقون على أحدهم يفتح الباب، ويتبادلون مزاح كرة القدم. ويستنتج مولود من هذا بأن وضعه ليس سيئًا إلى هذه الدرجة. ذات حين سمع عبارة: «وقع الثلاثة بغرام الفتاة». ثم تضاحكوا فيما بينهم وكأنه ليس المقصود. هل يمكن أن يكون سليمان قد حكى للشرطة قصة الرسائل؟ سيطر اليأس على مولود. عندما أعادوه من التحقيق إلى النظارة، تحول شعوره بالذنب إلى هلع: الآن سيجعلون سليمان يعترف بقصة الرسائل كما حكاها لهم تحت الضرب. وهذا ما أشعر مولودًا بالخجل إلى درجة أنه تمنى الموت. ولكنه بعدئذ وجد هذه المخاوف مبالغًا بها. نعم، عشق الثلاثة سميحة، هذا صحيح. وفهم مولود أن عناصر الشرطة سيضحكون من قوله: «أنا في الحقيقة كتبت الرسائل لرائحة». بينما كان يجري مولود هذه الحسابات، أطلقوا سراحه بعد الظهر. الزقاق حزين على مولود. كأن جزءًا مهمًّا من حياته وذكرياته قد مُحِيَ، ورُمِيَ. ولكن رغبته بالركض، والوصول إلى البيت لعناق ابنتيه كانت قوية إلى درجة أنه ركب حافلة التقسيم بانفعال شديد. لم تكن ابنتاه في البيت، وخواؤه يبعث على الكدر بشدة. خرجت فاطمة وفوزية دون غسل المواعين: أدوات البوظة التي عمرها ثلاثون عامًا، وأصيص الريحان الذي وضعته رائحة أمام النافذة، والصراصير التي وجدت الجرأة خلال يومين للتجول بصفاقة بثت في مولود الحزن، وحتى الخوف الغريب. كأن الغرفة تحولت إلى مكان آخر خلال يوم واحد، وتغيرت الأغراض بشكل خفيف. خرج إلى الزقاق راكضًا: لم يكن لديه شك أن ابنتيه عند خالتيهما في تل التوت. سيتهم الجميع الآن فرحات ومولودًا أيضًا لأنه صديقه المقرب. ما الذي يجب أن يقوله لسميحة عندما يعزيها؟ فكر بهذا في أثناء نظره من نوافذ الحافلة في طريقه إلى مجيدية كوي. كان ثمة زحام يشبه زحام ما بعد صلاة العيد في بيت آل آقطاش: أطلقوا سليمان مع إطلاقه تقريبًا. وجد مولود نفسه جالسًا مقابل زوجته ملاحات. نظرا إلى التلفاز دون أن يقولا شيئًا نهائيًّا. فكر مولود بأن الجميع ظلم هذه المرأة التي بحالها. يريد أن يأخذ ابنتيه، ويعود إلى طرلاباشِ دون أن يُتهم أو يؤنب. اعتبر أن فرح سليمان بإطلاق سلاحه نوع من الاتهام له. الحمد لله أن ثلاثة تلفازات مفتوحة بشكل مستمر في طوابق البيت الأربعة. لم يغادر مولود الطابق الأرضي، وهكذا لم يرَ سميحة الباكية، ويعزيها. والآن أصبحت سميحة أرملة. لعلها رأت أن هذا ما سيحل بفرحات، وهربت بذكاء. لم تخرج سميحة في جنازة فرحات التي حضرها أقرباؤه العلويون، وزملاؤه الجباة، وبعض أصدقائه القدامى من بيه أوغلو. عند الخروج من المقبرة لم يعرف مولود وموهيني ما الذي سيفعلانه. كانت السماء رمادية فوق إسطنبول. في الحقيقة أنهما لا يحبان المشروب. ذهب مولود وموهيني إلى السينما، ثم هرع إلى البيت، وانتظر البنتين. لم يذكر مولود لابنتيه شيئًا عن جنازة زوج خالتهما. تتصرف فاطمة وفوزية بإيمان أن زوج خالتهما فرحات المرح قد فعل شيئًا سيئًا؛ ولهذا السبب قتل، ولم تسألا أي سؤال في هذا الموضوع. ما الذي حكته سميحة لابنتيه، وبمَ نصحتهما يا ترى؟ كلما رأى مولود ابنتيْه، هلعَ على مستقبلهما، ولا يريد أن تفكرا بفرحات مثلما يفكر فيه آل آقطاش. يعرف بأن هذه الرغبة لن تعجب المرحوم، فيخجل. ولكن أفكاره الشخصية في هذا الموضوع ليست مهمة نهائيًّا عندما يفكر بمستقبل البنتين. يدرك مولود بأنه لم يبقَ له سوى قورقوط وسليمان في هذه الدنيا يمكن أن يدعماه في كفاحه من أجل البقاء في هذه المدينة. منذ اليوم الأول قال مولود لقورقوط ما قال للشرطة: حقيقة لم يكن لديه علم بألاعيب فرحات بالكهرباء. فوق هذا فإن هذا العمل لا يناسبه، وسيتركه فورًا. لديه بعض المدخرات. عندما ذهب إلى بناء كهرباء يدي تبة الضخم في تقسيم لإبلاغهم بقراره، وجد أن حسابه قد تمت تصفيته. بسبب الفوضى بعد الخصخصة، كان أصحاب الشركة الجدد يخجلون من الانتقادات وشائعات الفساد. سمع مولود زملاء فرحات الجباة يذكرونه باعتباره بقعة سوداء في المهنة، وهذا ما آلمه. الأشخاص أنفسهم يذكرون جباة آخرين يهرعون من أجل كشف التهريب، ويقتلون لأسباب مشابهة، أو يُضربون على أنهم وجه المهنة الأبيض، وأبطالها. لم يتم التوصل لطريقة مقتل فرحات لأشهر. بداية شكّت الشرطة بجريمة رجل مِثليّ. حتى قورقوط وسليمان غضبا من هذا الادعاء. سبب هذا الشك هو دخول القاتل إلى البيت دون خلع للباب، ومن الواضح أن فرحات يعرفه، وحتى إنه شرب معه في البيت عرقًا. أخذوا إفادة سميحة أيضًا، وقالت إنها على خلاف مع زوجها، وتعيش عند أختها وزوج أختها، ولم يشكّوا بها نهائيًّا، وأخذوها إلى البيت من أجل تحديد ما سُرق منه. وضعت الشرطة اثنين من لصوص جيهان غير وتشوقور جمعة تحت المراقبة الدائمة، ومددوهما تحت الضرب. يأخذ مولود يوميًّا هذه التفاصيل من قورقوط الذي يحصل عليها بفضل علاقاته السياسية. لم تعد جرائد إسطنبول تنشر الجرائم العادية الناجمة عن الغيرة والسكر إذا لم تكن فيها امرأة شبه عارية أو أحد مشهور. لم تصبح قضية مقتل فرحات حتى مجرد خبر في الجرائد. أصحاب الجرائد الكبرى الذين يقبضون من أرباح خصخصة الكهرباء لا يكتبون مقالات سلبية. بعد ستة أشهر كتب أصدقاء فرحات القدامى في جريدة شهرية يسارية معارضة مقالة لا أحد يقرؤها حول الفساد في الكهرباء، وذكروا اسم فرحات يلماظ بين كثير من الأسماء. يرى الكاتب أن فرحات جابيٌ حسن النية راح ضحية حرب المصالح بين المافيا. جلب سليمان الجريدة لمولود الذي لم يسمع بها بعد شهرين، ورآه كيف يقرأ الخبر، ولكنه لم يأتِ على ذكره نهائيًّا. أصبح لدى سليمان صبيٌّ ثانٍ، وأصبح عمله في البناء جيدًا، ومسرورًا من حياته. قال سليمان: «أنت تعرف كم نحبك، أليس كذلك؟ ونعرف من فاطمة وفوزية أنك لم تجد العمل الذي تستحقه». قال مولود: «نحن بخير والحمد لله. لماذا تشتكي ابنتاي؟ لم أفهم». بعد ثمانية أشهر من موت فرحات تم تقاسم الميراث. بمساعد محامٍ وجده آل آقطاش، أصبحت سميحة صاحبة شقتين صغيرتين في تشوقور جمعة وطوبهانة مما اشتراه فرحات من أموال الجباية على عجل، ولكن بسعر رخيص. جددت شركة آل فورال الشقتين المهلهلتين، وطلتهما، وأجرتهما. يعرف مولود من فاطمة وفوزية اللتين تذهبان في نهاية الأسبوع إلى خالتهما في تل التوت، وتبيتان مساء السبت هناك كل التفاصيل من الطعام الذي يأكلونه، والسينما التي يذهبون إليها، والألعاب التي يلعبانها مع خالتيهما إلى الشجار بين قورقوط ووديعة. كانت فاطمة وفوزية تعودان إلى البيت في طرلاباشِ محملتين بكنزات وجينزات وحقائب جديدة، وهدايا أخرى، ويُريان والدهما هذه الهدايا بانفعال. فاطمة تحضر لامتحان الدخول إلى الجامعة، وتدفع خالتها سميحة الأجور. تريد أن تدرس فاطمة في معهد السياحة. وتدمع عينا مولود عندما يرى هذا التصميم في عيني ابنته. قال سليمان: «أنت تعرف حب قورقوط للسياسة. وأنا مؤمن بأن أخي سينال مقابل خدماته التي يقدمها لهذا البلد. انتُزعنا من القرية، ولكننا نؤسس جمعية لأهالي بيه شهير الذين يعيشون في إسطنبول من أجل الحصول على دعم أبناء تلك المنطقة. هناك أغنياء خارج تل التوت والرماد ونهوط ويورن». قال مولود: «أنا لا أفهم بالسياسة أبدًا». قال سليمان: «وصلنا إلى سن الأربعين، صرنا نعرف كل شيء. ليس هناك جانب سياسي للعمل. سننظم أمسيات، وتُنظم أصلًا رحلات وولائم. والآن سيكون هناك مقصف. يدير البوفيه، ويعد الشاي، ونتبادل الحديث مع أبناء بلدنا. جمعنا نقودًا، واستأجرنا شقة في مجيدية كوي. أنت ستفتحه، وتغلقه. ما ستقبضه يعادل ثلاثة أضعاف ما يكسبه البائع الجوال المسكين على الأقل. قورقوط الكفيل. تغلق في السادسة مساء، وتبيع البوظة في الليل. وتدبرنا هذا أيضًا». «أعطني يومين أفكر». قال سليمان: «لا، ستقرر الآن فورًا». ولكنه عندما رأى مولودًا يفكر، لم يلح عليه. في الحقيقة أن مولودًا يريد عملًا أقرب إلى الأزقة والزحام وبيه أوغلو. تبادل المزاح مع الزبائن، وطرق الأبواب، والسير على أرصفة صاعدة ونازلة غير منتهية: هذه أمور يعرفها، ويحبها، وعمل المكاتب لا يناسبه. ولكنه منتبه إلى أن حياته كلها أصبحت مرتبطة بسليمان وقورقوط. وهو يرى أن البقشيش الذي كان يقبضه من الجباية قد انتهى. وهناك زبائن بوظة خسرهم؛ لأنه كان قليلًا ما يخرج لبيع البوظة أيام عمله بالجباية. يبدو له أن أي ستارة لن تفتح، وأي زبون لن يناديه في بعض الليالي. إنه يشعر بأسمنت المدينة المسلح، وقسوته وخوفه. لم تعد الكلاب مهددة. وصلت قاطرات الزبالة المعدنية ذات العجلات التي كانت في الأحياء المتطرفة إلى مركز المدينة، والمكان الذي يحبه مولود، وبيه أوغلو، وشيشلي، وجيهان غير، وكل مكان. وقد أفرزت طبقة جديدة من الفقراء تنبش فيها. الأزقة التي ذرعها مولود طوال تسعة وعشرين عامًا إلى أن أصبحت جزءًا من روحه تتغير الآن بسرعة. هناك كتابات أكثر، وأناس أكثر، وصخب أعلى. يرى مولود أن حب الماضي يزداد، ولكنه يشعر بأن البوظة لن تنال نصيبًا من هذا الحب. ظهر في الأزقة جيل جديد من الباعة أشد حدة وغضبًا. إنه يريد خوزقة الزبون بسرعة، ويصرخ، ويكسر السعر دائمًا... هؤلاء الناس الجدد جارحون ولكنهم رُعن. جيل الباعة القدماء يضيع وسط تعقيد المدينة. هكذا حنّ مولود إلى الحديث مع أبناء بلده. ويستطيع بيع البوظة بقدر ما يريد مساء. وافق على العمل. كانت الشقة الصغيرة في الطابق الأرضي. يقف بائع كستناء أمامها. في الأشهر الأولى راقبه مولود من النافذة، وتعلم تفاصيل بيع الكستناء، واكتشف بنفسه نواقص الرجل. أحيانًا يخرج، ويحدثه مختلقًا ذريعة ما («هل البواب هنا؟»، «أين أقرب زجّاج؟»). وسمح للرجل عدة مرات بأن يضع طاولة البيع داخل البناء (كانوا سيمنعونه)، وذهبا معًا إلى صلاة الجمعة. ١١ نية القلب ونية اللسان فاطمة مازالت تدرس وجد مولود توازنًا بين إدارة الجمعية غير المتعبة وبيع البوظة. في أكثر الأحيان يسلّم الجمعية قبل السادسة مساء للذين سيقيمون نشاطًا في ذلك المساء. مفتاح الجمعية موجود مع ستة أو سبعة أشخاص آخرين. أحيانًا يحجز الجمعية لليلة أهالي قرية غوتشوك أو نهوط مثلًا، فيهرع مولود إلى بيته (يجد الشقة والمطبخ في اليوم التالي رأسًا على عقب). بعد أن يتناول العشاء مع ابنتيه، ويرى ابنته فاطمة التي في الثاني ثانوي تدرس كثيرًا (نعم، لم تكن تمثّل عليه) من أجل الدخول إلى الجامعة، يشعر أنه جيد عندما يخرج إلى الأزقة لبيع البوظة. عرج مولود على حضرة الأفندي كثيرًا في خريف عام ١٩٩٨. كانت ثمة مجموعة راغبة وحازمة في الزاوية. لم يحبها، وهو منتبه إلى أنها تظهر عدم حبها له. لم يكن الدور يصل لمولود لكثرة المتدينين الملتحين وأبناء الأحياء المتطرفة الذين دون ربطات عنق، والمعجبين والمريدين. نتيجة مرض حضرة الأفندي الذي لا يبرأ منه بأي شكل، وحالته المتعبة لم يعد يعطي دروسًا بالخط، كما لم يعد يأتي طلاب نمامون، ولكنهم قريبون من القلب على الأقل. كان حضرة الأفندي يهز رأسه مهمومًا كأنه حزين جدًّا لشيء ما (المرض؟ آخر التطورات السياسية؟ ما لا يعرفه مولود؟)، ويجلس على أريكته المجاورة للنافذة منتظرًا القادمين. يتلبس مولود أيضًا تعبير الحزن نفسه عندما يزور الزاوية، ويتكلم همسًا مثل الجميع. مع أن الجميع كانوا يمازحونه في زياراته الأولى: «أوه، جاء بائع البوظة الطفولي الوجه!»، «المدير مولود!»، ويقول له أحدهم على الأقل: ما أجمل صوتك المبحوح وأنت تمر من الشارع. أما الآن فهناك من يشرب البوظة التي يقدمها هدية دون أن ينتبه إلى أنه بائع بوظة. ولكنه في النهاية تمكن من لفت نظر حضرة الأفندي ذات مساء، وحظيَ بسعادة الحديث معه لمدة عشر دقائق. في الحقيقة أن مولودًا أدرك فور خروجه من الزاوية أن الحديث لم يكن سعيدًا. ولكن شعوره بقوة أن الجميع كانوا يغبطونه ويحسدونه على الحديث معه جعل السرور يخيم عليه. حديث تلك الليلة كان أعمق حديث دار بينه وبين حضرة الأفندي، وأكثر حديث جرح قلبه في آن واحد. ما إن قرر أنه لن يحقق نتيجة من زيارة الزاوية في تلك الليلة، حتى التفت حضرة الأفندي الذي كان يتكلم بصوت خفيض مع الجمع في الغرفة الواسعة، وطرح على الوسط سؤالًا كمعلم يطرح سؤالًا على الصف: «من منكم حزام ساعته جلد، ومن حزام ساعته بلاستيك؟». كان حضرة الأفندي يحب أن يطرح على الجميع أسئلة وقضايا دينية وأحاجي. بينما كان الجميع يجيبون بالدور وبشكل منضبط، انتبه أخيرًا لمولود: «أوه، جاء بائع البوظة ذو الاسم المبارك!». ونادى مولودًا إثر مجاملته هذه، وفي أثناء تقبيله يده التي تتكاثر فيها الشامات وتكبر في كل مرة أكثر من التي قبلها، نهض السيد الجالس بجواره، وأفسح له من أجل أن يجلس. في أثناء نظر حضرة الأفندي إلى عيني مولود عن قرب لم يشهده من قبل، سأل عن أحواله بكلمات قديمة. كانت كلماته جميلة بجمال لوحات الخط المعلقة على الجدران. جاءت سميحة فورًا إلى رأس لسان مولود، وغضب من الشيطان الذي شوّش عقله في أثناء نظر الجميع إليه. في الحقيقة أن مولودًا فكر كثيرًا بفتح موضوع كتابة الرسائل لرائحة وهو يفكر بسميحة. فَهِمَ من المنطق الذي حضر إلى ذهنه بكل تفاصيله في تلك اللحظة أنه فكر بهذا الأمر منذ فترة طويلة جدًّا. فتح مولود بداية مع حضرة الأفندي مفهوم النية في ديننا. وعزم على سؤاله عن تفاصيل الفرق بين النية الرسمية والنية الشخصية. وهكذا سيرى غرابة هذه الحياة في عين هذا الإنسان المنور الوجه -ومن يعلم ـ لعله بفضل ما يسمعه يتخلص من الهم الذي يشعر فيه. ولكن الحديث دخل شكلًا مختلفًا تمامًا. قبل أن يقول مولود شيئًا، طرح حضرة الأفندي عليه السؤال الثاني: «هل تؤدي عباداتك؟». كان حضرة الأفندي يطرح هذا السؤال على الأغرار الفضوليين لإبراز أنفسهم، والذين يتحدثون دون توقف، والجهلاء. لم يسأله لمولود قط. لعل السبب معرفته أنه بائع بوظة فقير. كثيرًا ما شهد مولود إجابة صحيحة عن هذا السؤال: على ضيف الزاوية في ذلك اليوم أن يذكر كم يصلي في تلك الأيام، وكم يدفع زكاة بصدق، ويَقْبَل شاعرًا بالذنب بأنه مقصر في عباداته؟ لم يكن حضرة الأفندي يجعل من التقصير قضية، ويقول لمن أمامه: «لخالص نيتك» من أجل أن يريحه. ولكن مولودًا تأتأ لأن الشيطان يوسوس له؛ أو لأن الجواب الصادق تمامًا سيترك انطباعًا سيئًا. ثم قال إن المهم بالنسبة إلى الله هي النية التي في القلب. كان حضرة الأفندي كثيرًا ما يستخدم هذه العبارة. وانتبه مولود في اللحظة نفسها إلى أن قوله للعبارة يظهره أقرب إلى عدم الخبرة. قال حضرة الأفندي: «ليس المهم هو أن تنوي العبادة بقلبك فقط، بل العبادة نفسها». قالها بصوت رقيق، ولكن الذين يعرفونه فهموا مباشرة أنه إيقاف عند حده. امتقع وجه مولود بالحمرة. تابع حضرة الأفندي قائلًا: «بالطبع فإن الحكم على العمل يكون بحسب القصد من ورائه. «المقصد في العقود هو الاعتبار والمعاني». كان مولود مطرقًا دون أن يتحرك. قال حضرة الأفندي: «ليس القالب هو المهم بل القلب». هل كان يسخر من وقفة مولود دون أن يتحرك؟ ضحك شخص أو شخصان. قال مولود إنه ذهب كل يوم إلى صلاة الظهر في هذا الأسبوع. لم يكن هذا صحيحًا. وشعر أن الجميع شعروا أنه ليس صحيحًا. لعل حضرة الأفندي غيّر الموضوع، وصعد إلى أمكنة أسمى لأنه رأى أن مولودًا قد خجل. قال: «هناك نوعان من النية. سمع مولود هذا بوضوح شديد، وسجله في ذاكرته: «نية القلب، ونية اللسان» الأساس هي نية القلب. وهذا أساس الإسلام كله. طالما كان حضرة الأفندي يقول هذا. (إذا كانت النية الأساس هي نية القلب، فهل الرسائل التي كتبها مولود هي لسميحة؟)، «ولكن نية اللسان هي سنّة. أي أن حضرة سيدنا ونبينا كان ينوي بالقول. يقرُّ المذهب الحنفي بكفاية النية بالقلب، ولكن حضرة ابن زرهاني (يمكن أن يكون مولود قد تذكر هذا الاسم بشكل خاطئ) يقول: «نية القلب ونية اللسان واحدة». أو لعل ابن زرهاني قد قال: «يجب أن تكون واحدة»؟ لم يفهم مولود هذا بشكل دقيق. لأن زمر سيارة بدأ يطلق بإلحاح في الشارع حينئذ. قطع حضرة الأفندي حديثه. ثم ألقى نظرة إلى مولود، ورأى كل شيء داخل روحه: فهم أن مولودًا خجل، وأنه يحترمه كثيرًا، ويريد أن يذهب بأسرع ما يمكن. قال: «من لا تكون عينه على الصلاة، فلا تكون أذنه على الأذان». قال هذا للجميع، ودون أن يقطب حاجبيه، وضحك عدة أشخاص أيضًا. في الأيام التالية سيفكر مولود كثيرًا بهذه العبارة وهو كسير القلب: من المقصود بعبارة «من لا تكون عينه على الصلاة»؟ هل هو مولود الذي لا يصلي بشكل كافٍ، ويكذب، أم الغني الذي يطلق زمره في منتصف الليل، أم الضعفاء الذين يفعلون السوء على عكس ما ينوون؟ ممن ضحك الذين هناك؟ نية القلب ونية اللسان شغلتا عقل مولود. هذا يوازي ما كان فرحات يقوله عن الفرق بين الرأي الرسمي والرأي الشخصي، ولكن كلمة «نية» أكثر إنسانية. كان مولود يجد ثنائية القلب واللسان أكثر معنى من ثنائية الرسمي والشخصي. لعل السبب أنها أكثر جدية. في أثناء نظرهما ذات ظهيرة إلى بائع الكستناء الذي في الخارج، وحديثهما من هنا وهناك، قال المسنّ القادم إلى الجمعية اللبان السابق صاحب الأملاك لمولود: «نصيب». وهكذا تعلقت الكلمة في عقل مولود فترة مثل كلمات الإعلانات المعلقة على الجدار. فيما كان مولود يسير في الليل، رافقته كلمة «نصيب» التي دفعها مع ذكريات فرحات إلى زاوية بعيدة من عقله. تحركت أوراق الأشجار وهي تنطق بالكلمات. الجسر الواصل بين نية القلب ونية اللسان هو «النصيب» بالتأكيد: يمكن للإنسان أن ينوي على شيء، ويقول شيئًا آخر، والنصيب هو الذي يوحّد بين هذين. حتى هذا النورس الذي يحاول أن يحطّ على الزبالة فقد نوى بداية على شيء، وبإطلاقه: «واق، واق»، قال ما نوى، ولكن نية قلبه ونية لسانه لا تتحققان إلا بفضل «نصيب» مثل الريح والمصادفة والزمان. سعادته مع رائحة كانت «نصيب» مولود الكبير في الحياة، ويجب أن يحترم هذا. كان مكسور الخاطر من ناحية حضرة الأفندي، ولكنه فعل حسنًا بذهابه إلى الزاوية. في السنتين اللاحقتيْن كان همّ مولود إنهاء ابنته الكبيرة المدرسة الثانوية، ودخولها الجامعة. لم يكن يستطيع أن يساعدها بدروسها، ولا يشرف عليها ليعرف ما إن كانت تدرس جيدًا أم لا. ولكنه كان يتابع ابنته بقلبه، ويرى في صمتِ فاطمة، وفتح دفاترها بانزعاج، دراستها وهي عابسة، وحالات غضبها، ونظرها إلى الخارج عبر النافذة دون أن تتكلم نهائيًّا شبهًا بحاله وانفعاله أيام الثانوية. ولكن قدميْ ابنته أثبت في المدينة. ويرى مولود ابنته راجحة العقل، وجميلة. أما أختها فتحب أن تشتري لها الدفاتر والكتب عندما لا يكون في البيت، وتناولَ المهلبية في «مهلبية قوناق» الشهير في شيشلي، والحديث وسط الناس. لم تكن فاطمة تقلل احترامها لأبيها أو تشاكسه مثل البنات الأخريات. لا يمكن أن يؤنبها مولود بسهولة، ولا تفعل ما يستدعي تأنيبها. كان يرى حزم فاطمة وثقتها بنفسها نوعيْن من الغضب. كان مولود يمازحها، ويسخر من غم عينيها في أثناء القراءة، وغسيل يديها بمناسبة ودون مناسبة، وإلقاء كل شيء في حقيبتها دون ترتيب، ولكنه لم يكن يتمادى. إنه يشعر تجاهها باحترام قلبي. عندما يلقي نظرة إلى حقيبتها الفوضوية تلك يدرك أنها تقيم علاقة مع المدينة والناس والمؤسسات أنجح بكثير مما نجح فيه وأسلم، ويدرك أنها تتكلم بأشياء كثيرة جدًّا مع كثير من الناس الذين لا يعرف أن يحدثهم سوى على أنهم باعة. كان في حقيبتها كثير من بطاقات التعريف وملاقط الشعر، والجزادين، والكتب، والدفاتر، وتذاكر دخول، وصرر، ولِبَان، وشيكولاتة. أحيانًا تفوح من الحقيبة رائحة لم يشمها مولود من قبل. لم تكن تلك الرائحة تنبعث من الكتب التي يشمها مولود بمزيج بين الجد والمزاح، ولكنها تنبعث من كتبها. هذه الرائحة التي تشبه رائحة البسكويت واللِّبان الذي تمضغه ابنته عندما لا يكون موجودًا، ورائحة الفانيليا الصناعية التي لا يعرف مصدرها، تثير في مولود الشعور بأن ابنته يمكن أن تنتقل إلى حياة أخرى بسهولة. كان مولود يرغب كثيرًا بأن تنهي ابنته الثانوية، وتدخل الجامعة، ولكنه يضبط نفسه أحيانًا وهو يفكر بمن ستتزوج. لم يكن يحب هذا الموضوع، ويشعر بأن ابنته ستطير من البيت، وتذهب، وترغب بنسيان الحياة التي عاشتها هنا. قال لها عدة مرات في مطلع عام ١٩٩٩: «لأصطحبكِ من باب بناء الدورات». كان موعد انصراف فاطمة من دورة التحضير لامتحان دخول الجامعة في شيشلي قريبًا جدًّا من موعد خروجه من الجمعية التي في مجيدية كوي أحيانًا، ولكن فاطمة رفضت هذا. لا، لم تكن تتأخر على البيت؛ فمولود يعرف توزيع دروسها ومواعيدها. كانت فاطمة وفوزية تعدان لوالدهما يوميًّا العشاء في الأطباق والقدور التي استخدمتها أمهما على مدى سنين. في ذلك العام ألحّت فاطمة وفوزية على والدهما من أجل شراء هاتف للبيت. صارت رخيصة، وكل شخص يستطيع أن يمدد هاتفًا إلى بيته، ويوصل الهاتف بعد تقديمه الطلب بثلاثة أشهر. صعّب مولود الأمر لخوفه من اتصال ابنتيه هنا وهناك من الصباح إلى المساء، ونفقاته. كان خوفه الأكبر من اتصال سميحة في الصباح والمساء إلى البيت، وتوجيه ابنتيه. كان مولود يعرف أن فاطمة وفوزية تقولان له في بعض الأيام: «نحن ذاهبتان إلى تل التوت!»، ولكنهما تذهبان إلى شيشلي فقط، وتمضيان الوقت مع خالتهما سميحة في السينمات ومحلات المعجنات ومراكز التسوق. وأحيانًا تنضم إليهن وديعة دون أن تخبر زوجها قورقوط. لم يبع مولود المثلجات في صيف عام ١٩٩٩. دعك من عدم استطاعته بيع المثلجات في مركز المدينة وشيشلي على عربة بثلاث عجلات قديمة الطراز، بل لا يستطيع حتى التجول بها. لم يعد هذا النوع من باعة المثلجات يستطيع البيع سوى في فترة بعد الظهر في الأحياء القديمة للأولاد الذين يلعبون كرة قدم في الشارع، ولكن عمل الجمعية الذي بدأ يزيد تدريجيًّا يتناقض مع هذه الساعات. ذات مساء، وبعد أن أنهت فاطمة الثاني ثانوي بنجاح، جاء سليمان إلى الجمعية وحده. اصطحب مولودًا إلى مكان مفتوح حديثًا في عثمان بيه، وطلب منه أمرًا أقلق بطلنا بشدة. سليمان. أنهى بوزكورت الثانوية بصعوبة وهو في التاسعة عشرة من عمره. وهذا تم في ثانوية خاصة من النوع الذي يدفع فيه قورقوط النقود، ويأخذ الشهادة. عندما فشل بدخول أي فرع جامعي في السنة الماضية والحالية، تحوّل إلى التسكع أكثر. صدم السيارة مرتين، ودخل بشجاري سكارى، ووقع في المخفر. قرر والده أن يرسله إلى الجندية في العشرين من عمره. بدأ الولد بالتمرد، واكتأب، وانقطع طعامه وشرابه. ذهب بوزكورت إلى أمه، وقال لها إنه مغرم بفاطمة. لم يقل لها: اطلبوها لي. عندما ذهبت فاطمة وفوزية إلى تل التوت، نشب شجار جديد بينهما وبين بوزكورت وطوران. قاطعتهما البنتان، ولم تعودا تذهبان إلى تل التوت (لم يكن مولود على علم بهذا). عدم رؤية بوزكورت لفاطمة أوقعه في حب يائس. قال قورقوط: «لنخطب له، ونرسله إلى الجندية، وإلا فإنه سيضيع في إسطنبول». أقنع قورقوط وديعة فقط، وأخفى الأمر عن سميحة. تحدثنا مع بوزكورت والده وأنا. قال هاربًا بعينيه: «أنا أتزوجها». ووقع عليَّ دور الوسيط. قال مولود: «فاطمة مازالت تدرس. ثم لنرَ ما إذا كانت تريده. هل تسمع كلمتي؟». قلت: «أنا أكلت ضربًا في الشرطة مرة واحدة في حياتي يا مولود، وهذه كانت بفضلك». ولم أقل شيئًا آخر. تأثر مولود بعدم ذكر سليمان مساعدة آل آقطاش له على مدى أعوام، وذكره الضرب الذي أكله في التحقيق بعد مقتل فرحات. لسبب ما ضربت الشرطة سليمان في التحقيق، ولم تلمس مولودًا. كلما تذكر مولود هذا، ابتسم. لم تستطع واسطة قورقوط أن تحول دون ضرب سليمان. كم كان مَدينًا لآل آقطاش؟ ذكّره بسند تمليك المقسم القديم أيضًا. لم يفتح الموضوع لفاطمة لفترة طويلة. ولكنه فكر طويلًا: كان مندهشًا من وصول ابنته إلى سن الزواج، وتقديم قورقوط وسليمان هذا العرض له. تزوج والده وعمه من أختين، وفعل الأمر نفسه ابنا العم من الجيل الثاني، وتزوجا أختين. وإذا بدأ الزواج بين الجيل الثالث فإما أن يأتي الأولاد حُولًا، وإما مخبولين، وإما لديهم عسر نطق. الموضوع الأكبر هو الوحدة المقتربة. في أمسيّة الصيف، كان مولود يخرج إلى الشوارع، ويسير طويلًا بعد أن يشاهد التلفاز مع ابنتيه لساعات، وتناما. كانت ظلال أوراق الأشجار تحت ضوء مصابيح الشارع، والجدران غير المتناهية، وواجهات المحلات ذات مصابيح النيون، وكلمات الإعلانات تتكلم مع مولود. ذات يوم، وعند ذهاب فوزية إلى البقال، وفي أثناء مشاهدته التلفاز مع فاطمة، وصل الموضوع بشكل تلقائي إلى بيت تل التوت. سأل مولود: «لماذا لم تعودا تذهبان إلى خالتيكما؟». قالت فاطمة: «نحن نرى خالتينا، ولكننا قليل جدًّا ما نذهب إلى تل التوت. عندما لا يكون بوزكورت وطوران هناك. أنا لا أستطيع تحملهما». «ماذا قالا لك؟». «أمور ولدنة... بوزكورت أحمق». «بوزكورت حزين جدًّا لأنكم تشاجرتم. ولم يعد يأكل ويشرب، ويقول...». قالت فاطمة مقاطعة والدها لكي لا يطيل الكلام: «بابا، إنه مجنون!». رأى مولود الغضب على وجه ابنته. قال مولود لابنته بسعادة تأييدها: «لا تذهبا إذًا إلى تل التوت». لم يفتح الموضوع ثانية. لم يتصل مولود بسليمان؛ لأنه لم يعرف كيف سيبلغهم بالرفض الرسمي دون أن يجرح قلب أحد. ولكن في أواسط آب/أغسطس، وفي أثناء تقديمه مثلجات إنتاج صناعي اشتراها من البقال لثلاثة من قرية إمرن يتجادلون حول تنظيم رحلة، جاء سليمان. عندما بقيا على انفراد، قال مولود: «فاطمة لا رغبة لها، لا تريد». أراد مولود للحظة أن يمرّغ أنف سليمان وقورقوط. «ثم إن البنت تريد أن تدرس، هل أخرجها من المدرسة؟ إنها تدرس أفضل من بوزكورت». قال سليمان: «قلنا لك إن بوزكورت سيذهب إلى الجندية... مهما يكن... لو أنك أعطيت جوابًا. لو لم آتِ وأسألك، لما قلت شيئًا». «صبرت لعل فاطمة تغير رأيها». رأى مولود أن سليمان لم يغضب، وحتى إنه أعطاه الحق. كان سليمان مهمومًا لما سيقوله قورقوط. هو أيضًا عانى من هذا الهم فترة، ولكن فاطمة لا تريد الزواج قبل أن تنهي الجامعة. مازال أمامهما خمسة أو ستة أعوام جميلة يستمران بالمصاحبة في البيت. في أثناء حديث مولود مع فاطمة يشعر بثقة أنه يحادث واحدة ذكية مثل رائحة. بعد خمسة أيام، وفي أثناء نومه بعد منتصف الليل استيقظ مولود على اهتزاز الأرض وكل شيء. كانت تنبعث أصوات فظيعة من تحت الأرض، وتُسمع قرقعة تكسير الكئوس ومنفضات السجائر وزجاج نافذة الجيران مع الصراخ. فجأة جاءت البنتان إلى سريره، واندستا بوالدهما. استمر الزلزال أطول بكثير مما توقع مولود. عندما توقف، كانت فوزية تبكي، والكهرباء قد قطعت. قال مولود: «ضعا عليكما شيئًا، ولنخرج». استيقظ الجميع، وخرجوا إلى الأزقة المظلمة. طرلاباشِ كلها تتكلم معًا في الظلام. يبربر السكارى، ويبكي البعض، ويصرخ الغاضبون. كان مولود وبناته مرتدين ألبستهم، ولكن هناك عائلات كثيرة خرجت في أثناء الزلزال بالسراويل والقمصان الداخلية، والنعال البيتية أو حفاة. عندما يحاول بعض هؤلاء الدخول إلى الأبنية من أجل ارتداء ألبستهم، أو جلب نقودهم، أو إقفال أبوابهم، فتبدأ الاهتزازات الارتدادية، ويلقون بأنفسهم من جديد إلى الخارج وهم يصرخون. أدرك مولود وابنتاه أن بعض بيوت طرلاباشِ المؤلفة من طابقين أو ثلاثة تؤوي أناسًا كثيرين من الزحام الذي تغص به الأرصفة والشارع، والصراخ. تجولا ساعة بين الشيوخ بالمنامات والخالات بالتنانير الطويلة، والأولاد بالتبابين والسراويل الداخلية في الحي، وشعروا بانفعال الزلزال. وقريب الصباح أدرك الناس أن الزلزال قد فقد قوته، والارتدادات المتباعدة لن تهدم البيوت، فدخلوا إليها، وناموا. بعد أسبوع أعلنت قنوات التلفاز كلها وجرائد «الشائعات» بأن زلزالًا آخر سيهدم المدينة كلها، فبات كثير من الناس ليلتهم في تقسيم والشوارع والحدائق. خرج مولود وابنتاه للفرجة على هؤلاء الناس الخائفين والمغامرين، ولكنهم عادوا إلى البيت في ساعة متأخرة، وناموا ملء أجفانهم. سليمان. عندما حدث الزلزال كنا في شقتنا الواقعة في الطابق السابع من بناء جديد. اهتززنا كثيرًا. سقطت خزانة المطبخ كلها من الجدار على الأرض. وأنا أيضًا أخذت ملاحات والولدين، وأشعلت الثقاب، ونزلت الدرج، وسرنا وسط زحام يشبه المحشر حاملين الولدين، ووصلنا إلى بيتنا في تل التوت خلال ساعة. قورقوط. تلوى البيت إلى اليمين واليسار مثل عجل سيارة. بعد الزلزال، دخل بوزكورت، وأخرج فراشًا وغطاء لكل منا. وما إن كان كل منا يفرش الفراش الذي يريد، وينام إن أراد... وإذ بسليمان وزوجته وابنيه قد جاءوا. سألته: «أساس البناء الجديد في شيشلي أسلم بكثير من أساس بيتنا الذي بني كوخًا بالأساس، لماذا جئتم إلى هنا؟». قال سليمان: «لا أعرف!» نظرنا صباحًا وإذا بالبناء قد انحنى، ومال الطابقان الثالث والرابع نحو الشارع مثل البيوت الخشبية القديمة ذات المشربيات. وديعة. بعد يومين من الزلزال، وما إن كنت أضع العشاء، بدأت الطاولة بالاهتزاز، والأولاد بالصراخ: «زلزال!». نزلت الدرج كأنني أتدحرج عنه، ورميت بنفسي إلى الحديقة بصعوبة. نظرت بعد ذلك، وإذ ليس هناك زلزال، وقد مزح معي بوزكورت وطوران، وهزا الطاولة. كانا يضحكان عليَّ من النافذة. وأنا أيضًا ضحكت. صعدت إلى الأعلى، وقلت: «اسمعا، إذا مزحتما معي مزحة كهذه مرة أخرى، فسأضربكما كما يضربكما والدكما، ولا أرد على دموعكما». بعد ثلاثة أيام، أعاد بوزكورت المزاح نفسه مرة أخرى. وخدعت مرة أخرى، ولكنني صفعته على خده. والآن لا يكلم أمه. ابني وقع بالحب اليائس، وسيذهب إلى الجندية، وأنا مهمومة لأجله. سميحة. عندما جاء سليمان وزوجته وابناه ليلة الزلزال، أدركت أنني أكرهه كره الموت. صعدت إلى غرفتي في الطابق الثالث الملتوي، ولم أنزل حتى عاد سليمان وعائلته الصاخبة إلى بيتهم في شيشلي. بقيت أسرة سليمان ليلتين وهي تصدر ضجيجًا قويًّا، ونامت في الحديقة، ثم عادت إلى شيشلي. في الأيام التالية، عندما قالوا: «سيحدث زلزال هذا المساء!» وجاءت العائلة كلها، ونامت في الحديقة في إحدى ليالي أيلول/ سبتمبر، لم أنزل من الطابق الثالث نهائيًّا. غضبتُ عندما علمتُ بأن سليمان ساير أخاه، وطلب فاطمة لبوزكورت. أخفوا عني هذا لكي لا أعيقه. لا عذر للخبل والسوء. فهمت أنهم أقدموا على خبل كهذا من عدم مجيء فاطمة وفوزية إلى تل التوت إلا عندما يكون بوزكورت غائبًا. فيما بعد لم تستطع وديعة أن تخفي ما حدث. بالطبع فإن رفض فاطمة جعلني أفخر بها. كنا نوصّل البنتين إلى معهد الدورات كل سبت، ثم نأخذهما ـ وديعة وأنا ـ إلى السينما مساء. بذلتُ جهدًا كبيرًا في ذلك الشتاء لكي تنجح فاطمة بامتحان الدخول إلى الجامعة. غضبت وديعة من فاطمة لأنها رفضت ابنها الذي ذهب إلى الجندية، وإذا كانت قد حاولت ألا تُشعر أحدًا بهذا، ولكنها أشعرتنا. وأنا التقيت بالبنتين في محلات المهلبية والمعجنات وماكدونالدز. وأخذتهما إلى مراكز التسوق: نتجول على الدكاكين فترة بصمت دون أن نشتري شيئًا، ويسيطر علينا شعور بأن شيئًا ما سيحدث، وعندما نتعب، كنا نقول: «لنتجول على طابق آخر، ثم ننزل، ونتناول شاورمة». ليلة رأس سنة ٢٠٠٠ جلست فاطمة وفوزية في البيت، وشاهدتا التلفاز، وانتظرتا والدهما الذي يبيع البوظة. عاد مولود في الساعة الحادية عشرة، وشاهد التلفاز معهما، وأكلوا فراح دجاج بالبطاطس. لا تحدثاني عن والدهما عادة، ولكن فاطمة حكت لي عن تلك الليلة. في مطلع حزيران دخلت فاطمة امتحان الدخول إلى الجامعة في طاش قشلة. انتظرتها عند الباب. كان الآباء والأمهات والإخوة الكبار ينتظرون على الجدار الخفيض الممتد على الجانبين مقابل مدخل البناء القديم ذي الأعمدة. في أثناء نظري نحو ضولمة بهتشة، أشعلت سيجارة. خرجت فاطمة متعبة مع الخارجين، ولكنها كانت متفائلة أكثر من الجميع. شعر مولود بالفخر لأن ابنته أنهت الثانوية دون أن تبقى إلى أي امتحان تكميلي؛ ولأنها نجحت بدخول معهد السياحة. كان بعض الآباء يعلقون صور تخرج أولادهم في لوحة إعلانات الجمعية. حلم مولود بهذا أيضًا. ولكن أي أب لم يعلق صورة تخرج ابنته من الثانوية في لوحة الإعلانات. على الرغم من هذا فقد عرف بنجاح ابنته بين المترددين على الجمعية من أبناء البلد واللبَّانين. جاء سليمان بشكل خاص، وهنأ مولودًا، وقال له إن أكبر ثروة في المدينة هي ولد متعلم. في نهاية أيلول/سبتمبر أوصل مولود ابنته حتى باب المعهد. كان هذا بناء أول معهد عالٍ للسياحة في إسطنبول: كانت تُدرس فيه الإدارة السياحية والاقتصاد السياحي وصولًا إلى قسم النُّدُل. بناء نُزل قديم في لالة لي، وتم تحويله إلى فرع تابع لجامعة إسطنبول. حلم مولود ببيع البوظة في هذه الأحياء القديمة الممتعة. في أثناء عودته من عند حضرة الأفندي ذات ليلة، سار خلال ساعة من تشارشمبة إلى معهد ابنته. مازالت هذه الأمكنة هادئة. بعد بدء فاطمة بالدوام بأربعة أشهر، وفي كانون الثاني/يناير ٢٠٠١، حكت لوالدها عن شاب تلتقي به. إنه في المعهد نفسه، ويسبق فاطمة بصفين. كان جادًّا جدًّا. وهو إزميري (هنا كاد قلب مولود يتوقف). وكلاهما يحلم بالتخرج في الجامعة، والعمل في مجال السياحة. دُهش مولود من وصول ابنته إلى هذه المرحلة بهذه السرعة. من جهة أخرى، فقد كانت فاطمة آخر من سيتزوج من العائلة. كان مولود يمازح ابنته قائلًا بألم: «عندما كانت أمك وخالتك بعمرك، كان لهما ولدان!». قالت فاطمة: «وأنا لهذا السبب سأتزوج بسرعة». رأى مولود بإجابتها الجاهزة حزمًا بالابتعاد عن هذا البيت في أسرع وقت ممكن. في شباط جاءوا من إزمير لطلب فاطمة. تدبر مولود الجمعية ليلة ليست مشغولة من أجل الخطبة، واستعار الكراسي من المقهى المقابل. جاء إلى الخطبة معارفه من تل التوت ما عدا قورقوط وابنيه. كان مولود يعرف بأن أحدًا منهم بمن في ذلك سميحة لن يذهبوا إلى إزمير من أجل العرس. كان هذا أول لقاء له بسميحة في الجمعية: لم يكن غطاء رأسها ومعطفها كالحين ورماديين كأغطية ومعاطف النساء الأخريات. إيشاربها جديد وكحلي، ومرتخٍ. فكر مولود بأنها لم تعد تريد أن تغطي رأسها. كانت فاطمة تضع الإيشارب أحيانًا، وتنزعه أحيانًا، ولكنها عندما دخلت إلى الجامعة اضطرت لنزعه. لم يكن مولود يعرف ما إذا كانت ابنته قد سُرت من هذا أم لا. كان هذا موضوعًا تناقشه فاطمة مع زملائها في الجامعة أكثر من مولود. لم تكن أي امرأة من العائلة الإزميرية تغطي رأسها. رأى مولود أيام الخطبة كم كانت ابنته مندفعة لدخول هذه العائلة. كانت فاطمة تعانق والدها أحيانًا، وتقبله، وتذرف دموعها لأنها ستخرج من البيت، ولكن مولودًا يضبطها وهي منفعلة بأحلام تفاصيل الحياة التي ستعيشها مع زوجها بعد فترة قريبة. وهكذا عُرف أن ابنته وصهره تقدما بطلب من أجل النقل إلى جامعة إزمير. بعد شهرين وصلهما خبر قبولهما في جامعة إزمير. وهكذا خلال ثلاثة أشهر، تم تأكيد سكن فاطمة وبرهان (هذا هو اسم الصهر غير الجميل الطويل كأنه بالع عكاز، ولا معنى لتعابير وجهه) في إزمير مطلع الصيف بعد العرس في شقة تملكها العائلة، وستصبح ابنته إزميرية. لم يذهب إلى عرس فاطمة من إسطنبول إلى إزمير من العائلة سوى مولود وفوزية. أحب مولود إزمير باعتبارها شبيهة بإسطنبول ولكنها أصغر وحرارتها مرتفعة أكثر، وفيها نخيل. كانت مناطق المخالفات بين طرفي خليج إزمير في الوسط. عندما عانقت فاطمة زوجها في العرس، ورقصت معه كما في الأفلام، خجل مولود، واغرورقت عيناه. في طريق العودة إلى إسطنبول بالحافلة لم يتكلم مولود وفوزية نهائيًّا. شعر مولود بالسعادة نتيجة إسناد ابنته رأسها على كتفه وهي تنام في رحلة الحافلة الليلية، ورائحة الشعر المتناثر الجميلة. خلال ستة أشهر ابتعدت تمامًا عنه ابنته الكبيرة التي بقي يرتجف من الخوف عليها طوال هذه السنين، وتخيل أن يبقى قريبًا منها حتى يموت. ١٢ فوزية تهرب ليقبلا يدي تابع مولود مع فوزية مرات عديدة اصطدام الطائرات بناطحات السحاب في أمريكا في الحادي عشر من أيلول/ سبتمر، واحتراق البرجين وسط الدخان. لم يتحدثا بشيء حول الحادثة باستثناء عبارة قالها مولود دون أن يرفع صوته: «الآن ستنتقم أمريكا لهذا!». بعد زواج فاطمة وذهابها، صارا صديقين. كانت فوزية تحب الحديث، والمزاح، والتقليد، وتلفيق القصص العبثية لإضحاك والدها. آلت إليها من والدتها موهبة اكتشاف جانب غريب ومسلٍ وتافه في كل شيء. كانت فوزية تقلد بشكل جيد جدًّا فحيح جار يصدر من بين أسنانه الأمامية في أثناء الكلام، وصرير باب يفتح، وتمايل والدها وهو يطح وينح في أثناء صعوده الدرج، وتنام مثل أمها على شكل حرف «S». بعد خمسة أيام من هدم برجي التجارة العالمية، عندما عاد مولود من الجمعية إلى البيت، وجد أن التلفاز غير مفتوح، والمائدة غير مُعدة، وفوزية ليس في البيت. غضب مولود لتسكع ابنته البالغ عمرها سبعة عشر عامًا في الشارع إلى ما بعد حلول الظلام؛ لأنه لم يضع أي احتمال لهربها بداية. عند انتقال فوزية إلى الثالث ثانوي بقيت لديها مادتا الرياضيات واللغة الإنكليزية إلى التكميلي، ولكن مولودًا لم يرها ولو مرة واحدة طوال الصيف جالسة إلى الطاولة لتدرس. تحول غضب مولود تدريجيًّا إلى قلق في أثناء نظره إلى الزقاق المظلم وهو ينتظر ابنته. رأى بألم أن حقيبة فوزية وألبستها وكثيرًا من أغراضها ليست في مكانها. ما إن استعد للذهاب إلى آل آقطاش في تل التوت حتى طرق الباب، فسعد لاعتقاده أنها فوزية. كان سليمان. قال له سليمان بسرعة إن فوزية هربت إلى شاب، وإن الشاب «مناسب»، وعائلته جيدة، ولدى والد الشاب ثلاث سيارات أجرة يستثمرها. اتصل والد الشاب بسليمان بعد الظهر، فذهب. لو كان لدى مولود هاتف، لاتصلوا به أولًا. وفوزية بخير. قال مولود: «إذا كانت بخير، فلماذا هربت يا ترى؟ من أجل أن تُخجل والدها، وتبهدل حالها؟». قال سليمان: «لماذا خطفت رائحة أنت؟ لو خطبتها لأعطاك إياها عبد الرحمن الرقبة العوجاء». أشعر هذا الكلام مولودًا بأن هرب فوزية هو تقليد. تصرفت البنت مثل أبيها وأمها. قال مستذكرًا خطفه لرائحة بفخر: «ما كان عبد الرحمن الرقبة العوجاء يعطيني إياها. أنا لست راضيًا من ابن صاحب سيارات الأجرة هذا الذي خطف ابنتي. وعدتني فوزية بأن تنهي الثانوية، وأن تدخل الجامعة». قال سليمان: «لم تنجح بالدرسين الباقيين للتكميلية. رسبت فوزية في صفها. لم تخبرك بهذا لخوفها منك على ما يبدو. ولكن وديعة أيضًا تعرف أنك ألححت عليها، وقلت لها إذا لم تُنْهِ الثانوية، وتدخلي الجامعة مثل أختك فلن أسامحك بحقي عليك». غضب مولود لأنه خصوصياته مع ابنته لم تكن مقبلات مائدة آل آقطاش فقط، بل أحاديث سائق سيارة الأجرة وعائلته التي لا يعرفها نهائيًّا أيضًا، ومن تصويره أبًا عصبيًّا وقاسيًا. قال بشكل مفاجئ: «ليس لديَّ بنت اسمها فوزية أصلًا». وندم فورًا لأنه قال هذا. لأنه بدأ يشعر بيأس كل أب تهرب ابنته، فكر قبل أن يغادر سليمان أنه إذا لم يعفُ عن ابنته فورًا، ويتصرف كأنه يحب صهره (سائق؟ لم يفكر بهذا نهائيًّا!) ويتقبله، سينتشر خبر هروب ابنته، وعيشها مع رجل دون زواج، ويتلوث شرف مولود. أما إذا عفا عن الكلب المستهتر الذي خطف ابنته الجميلة، فسيفكر الجميع هذه المرة أن مولودًا له دور بهذا الأمر أو أنه قبض مبلغًا كبيرًا من أجل أن يقبل بزواجها به. أدرك مولود أنه إذا لم يرد أن يكون رجلًا وحيدًا وسيئ الطباع مثل والده، فعليه أن يختار الطريق الثاني بأسرع وقت ممكن. «سليمان، أنا لا أستطيع العيش دون ابنتي. سأعفو عن فوزية. ولكن لتجلب الذي سيكون زوجها، وتأتِ إليَّ. وليقبّلا يدي. أنا عندما خطفت رائحة، ذهبت إلى بيت عبد الرحمن الرقبة العوجاء في القرية، وقبلت يده باحترام». قال سليمان مبتسمًا: «أنا واثق أن صهرك السائق سيحترمك بقدر ما احترمت الرقبة العوجاء» لم يفهم مولود أن سليمان قال هذا بسخرية. لقد تشوش عقله. كان خائفًا من الوحدة، وهو بحاجة إلى سلوان. خرجت عن لسانه عبارة: «كان هناك احترام قديمًا!»، ضحك سليمان من هذا أيضًا. اسم صهره الثاني إرهان. عندما رأى مولود في اليوم التالي الرجل العادي (قصير القامة، وضيق الجبهة) لم يفهم ما الذي وجدته ابنته فيه وهي التي ارتجف من أجلها لسنين، وحلم بمستقبلها. قال لنفسه: لا بد أنه ماكر ومتحذلق جدًّا، وغضب من ابنته القليلة العقل. ولكنه أُعجب بانحناء إرهان إلى الأرض، واعتذاره، وتقبيل يده . قال مولود: «ولكن لتنهِ فوزية الثانوية، ولتحذر من ترك المدرسة. وإلا فلن أسامحها بحقوقي عليها». قال إرهان: «نحن أيضًا نفكر بهذا». ولكن بعد حديث قصير تبين بأنه من المستحيل إخفاء فوزية زواجها، ودوامها على المدرسة. ولكن مولودًا لم يكن مرتبكًا لأن ابنته لن تنهي الثانوية، ولن تستطيع الذهاب إلى الجامعة؛ بل لأنه سيبقى وحيدًا في الحياة. لم يكن ألم روحه الأساسي هو ألم عدم تربيته ابنته بشكل جيد، بل ألم هجره. حين بقيا على انفراد ذات حين، قال لها بغضب: «لماذا هربت؟ وهل سأرفض إذا جاءوا وطلبوك بشكل حضاري؟». هربت فوزية بعينيها من عيني والدها بشكل أوضح لمولود بأنها تفكر بالقول: «نعم، طبعًا لن تسمح!». قال مولود: «ما أجملنا أبًا وابنته معًا. الآن بقيت وحيدًا في الحياة». عانقته فوزية، وبصعوبة ضبط نفسه مولود لكي لا يبكي. عندما سيعود مساء من بيع البوظة، لن يكون هناك أحد ينتظره في البيت. عندما يستيقظ وهو يتصبب عرقًا من حلم يرى فيه كلابًا تطارده في غابة من السرو، لن يجد سلوانًا بتنفس ابنته النائمة. ساوم مولود جيدًا نتيجة خوفه من الوحدة. في لحظة انفعال أقسم صهر المستقبل بشرفه إن فوزية لن تنهي الثانوية فقط، بل الجامعة أيضًا. بقيت فوزية في تلك الليلة مع مولود. فرح مولود لأن ابنته وضعت عقلها في رأسها، ولم تُكبّر القضية، ولكنه قال لها عدة مرات في ذلك المساء بأنها جرحت قلبه. قالت فوزية: «أنت أيضًا خطفت أمي، وتزوجتها!». قال مولود: «ما كانت أمك تفعل ما فعلتِه أنت اليوم». قالت فوزية: «لا، تفعله». شعر مولود بالفخر بعناد ابنته وشخصيتها بالجواب من جهة، واستنتج من جوابها أنها هربت من أجل أن تقلّد أمها من جهة أخرى. في الأعياد كان يذهب مع فوزية، أو فاطمة وزوجها المختل عندما يأتيان من إزمير إلى المقبرة لزيارة رائحة. وعلى الرغم من مرور هذه الزيارات بالكدر، فإن مولودًا بعد العودة إلى البيت يروي بالتفاصيل وبشكل ممتع كيف خطف رائحة، وخطط لعملية الهرب هذه، وكيف التقت عيناهما للمرة الأولى في العرس، ولم ينسَ نظرة أمهما إليه قط. في اليوم التالي أعاد السائق إرهان مع والده السائق المتقاعد حقيبة فوزية. فور رؤية مولود السيد سعد الله والد صهره، أدرك أنه سيحب هذا الرجل الذي يكبره بخمسة عشر عامًا أكثر من صهره. هو أيضًا أرمل، فقد ماتت زوجته قبل ثلاثة أعوام بأزمة قلبية. (جلس السيد سعد الله إلى الطاولة من أجل شرح تلك اللحظة بشكل جيد، ومثّل لحظة موتها، وسقوط الملعقة من يدها وهي تحتسي الحساء، ووضع رأسها على الطاولة). السيد سعد الله من دوزجة، جاء والده إلى إسطنبول في أثناء الحرب العالمية الثانية، وعمل أجيرًا عند حذّاء أرمني في طلعة غديك باشا، ثم شاركه. وفي أحداث ٦-٧ أيلول/ سبتمبر نُهب الدكان، فتنازل الشريك الأرمني لشريكه عنه، وتابع والده العمل وحده. ولكن ابنه «المُلْعَبَ وصاحب الروح المتسكعة» قاوم إلحاح والده وضربه، ولم يصبح معلم حذاء، بل «أفضل سائق في إسطنبول». في أثناء شرح السيد سعد الله بأن عمل سائق سيارة أجرة أو خدمة في إسطنبول في ذلك الزمان كان ممتعًا جدًّا، ويمنح الغرور لأن السيارات كلها أمريكية، غمز لمولود بعينه بشكل تمثيلي، وفهم مولود بأنه سيعوض فرق متعته من والد صهره القصير القامة الماكر. ذهب مولود إلى البيت الحجري المؤلف من ثلاثة طوابق في قادرغة لبحث تفاصيل الزواج. وأسس مع السيد سعد الله علاقة مودة شديدة خلال فترة قصيرة بعد العرس، وبعد أربعين يومًا، تعلم كيف يستمتع بأحاديث مائدة مشروب العرق وإن لم يشرب هو كثيرًا. كان لدى السيد سعد الله ثلاث سيارات أجرة، ويسلمها لستة سائقين يعمل كل منهم اثنتي عشرة ساعة. وكان السيد سعد الله يحب الحديث دائمًا عن منح عدد محدود من لوحات سيارات الأجرة في إسطنبول، وارتفاع أسعارها بشكل مستمر أكثر مما يحب الحديث عن ماركاتها (اثنتان مراد إحداها طراز ٩٦، والثانية طراز ٩٨، والثالثة يستخدمها لمتعته الخاصة، ويشرف بنفسه على صيانتها وهي دودج ٥٨). ابنه إرهان يشغّل إحدى السيارات، إضافة إلى أنه يضبط عدادات السيارات والنقود من أجل المحاسبة باسم والده. يقول السيد سعد الله وهو يبتسم بأن ابنه لا يستطيع الإشراف كفاية على السيارات، وبعض السائقين لصوص (يخبئون جزءًا من الغلة)، وبعضهم شؤم (يعملون حوادثَ بشكل مستمر)، وبعضهم وقحون (يتأخرون، ويعطون جوابًا سيئًا)، وبعضهم مخبولون تمامًا. ولكنه لا يتشاجر معهم، ويعكر مزاجه من أجل أن يكسب مزيدًا من النقود، ويترك هذه الأمور لابنه. رأى مولود شقة الطابق الملحق الذي سيسكن فيها إرهان وفوزية، والخزن الجديدة وأدوات جهاز العرس وصولًا إلى السرير العريض فيها (طمأن السيد سعد الله مولودًا بقوله: «لم يصعد إرهان إلى هنا في الليلة التي استضفنا فيها البنت»)، وعبر عن امتنانه. أراه السيد سعد الله الزوايا التي قضى فيها حياته كلها، وكان مولود يدوخ إعجابًا بروايته لذكرياته وقصصه بلسانه الذي يصبح أجمل مع استمراره بالحديث إذا لم يُقاطع. تعرّف مولود فورًا على مدرسة تشوقور في جانقورطران التي كان طلاب الداخلي الفتوات يضربون فيها أمثاله النهاريين (بناء عثماني أقدم بكثير من ثانوية أتاتورك التي في تل التوت)، ودكان الحذاء الذي أفلسه والده خلال عشرة أعوام (صار الآن بوفيهًا يشبه بينبوم)، ومشرب الشاي اللطيف المقابل للحديقة. لم يصدق أن مكان الحديقة كان قبل ثلاثة قرون بحرًا تنتظر فيه السفن الحربية العثمانية الانطلاق إلى المعارك (كانت رسوم تلك السفن معلقة على جدران مشرب الشاي). ولكن مولودًا شعر بأنه لو قضى طفولته وشبابه بين السبل القديمة المكسرة حجارتها والحمامات غير المستخدمة وأبنية التكايا المليئة بالغبار والأوساخ والأشباح والعناكب، أي أن والده لو فعل كما فعل كثير من المحظوظين الذين هاجروا من الأناضول إلى مركز المدينة مباشرة حيث إسطنبول القديمة، وليس من جنتبنار إلى تل الرماد، فسيكون هو وبناته مختلفين تمامًا. حتى إنه شعر بالندم وكأن السكن في تل الرماد كان قراره هو. ولكنه لا يعرف شخصًا واحدًا أتى من قرية جنتبنار في الستينيات والسبعينيات، وسكن هنا. حينئذ فكر مولود لأول مرة بأن إسطنبول أصبحت أغنى، ويمكن أن يبيع بوظة أكثر في هذه الأزقة. في الفترة نفسها دعا السيد سعد الله مولودًا على العشاء مرة أخرى. وعرض عليه أن يقله بالدودج من جمعية أبناء البلد ليفسح في المجال أكثر للحديث بين انصرافه وخروجه لبيع البوظة، وأن يضع المزراق وأوعية البوظة في صندوق السيارة، وبعد العشاء يقله إلى الأزقة التي سيبيع فيها. وهكذا أصبح والد العروس ووالد العريس صديقين، وتحدثنا مطولًا حول التحضيرات للعرس. من المؤكد أن نفقات العرس على طرف العريس. لهذا السبب لم يعترض مولود عندما علم أن العرس سيقام في قبو فندق في آقسراي وليس في صالة أفراح. ولكنه قلق عندما عرف بأنه سيقدم مشروبًا كحوليًّا للمدعوين. لم يكن يريد أن يقام عرس يشعر أهالي تل التوت وخاصة آل آقطاش بأنفسهم غرباء فيه. هدّأه السيد سعد الله: ستوضع زجاجات العرق التي يجلبونها من البيت في المطبخ، ومن يطلب العرق ينادِ النُّدُل، وهؤلاء يحضّرون العرق بالثلج في الطابق العلوي، ويجلبونه. لن يتمرد أصدقاء ابني السائقين وأبناء الحي وفريق قدرغة لكرة القدم وإداريوه إذا لم يوجد عرق على الطعام، ولكنهم يشربون إذا وجد، ويسعدون أكثر. وأغلبهم من أنصار حزب الشعب. قال مولود بجو من التضامن: «وأنا أيضًا كذلك»، دون أن يؤمن كثيرًا بما قاله. كان الفندق في آقسراي بناء جديدًا. في أثناء حفر المتعهد الأساسات ظهرت بقايا كنيسة بيزنطية صغيرة، ولأن هذا يوقف كل شيء، دفع المتعهد مبالغ كبيرة للبلدية دون أن ينتبه أحد، وكان الثمن أن أخرج طابقًا إضافيًّا للقبو. عدّ مولود اثنتين وعشرين طاولة في الصالة التي امتلأت حتى آخرها، وغطاها دخان كثيف أزرق لأن الجميع يدخنون. كان الرجال فقط يجلسون على ست طاولات، ويملأ ذلك الطرف السائقون أصدقاء العريس وأبناء الحي. أكثرهم عزَّاب وسائقون شباب. ولكن المتزوجين أيضًا تركوا زوجاتهم وأبناءهم في قسم «العائلات»، وأتوا من بداية العرس إلى قسم الرجال لأنه ممتع أكثر. من خلال كثرة النُّدُل الذين يحملون الصواني المليئة بكئوس العرق والثلج، وسرعتهم بالذهاب والإياب؛ فهم مولود أن كثيرًا من المشروب يشرب على تلك الطاولات. ولكن هناك من يشرب بشكل علني على الطاولات المختلطة، وحتى إن بعض الضيوف المسنين والغاضبين قاموا بأنفسهم لأن النُّدُل لم يجلبوا لهم عرقهم، وجلبوه بأنفسهم من المطبخ في الطابق العلوي. حَسَبَ مولود كيف ستأتي فوزية وآل آقطاش إلى العرس بأدق التفاصيل. كان بوزكورت بالجندية: لهذا السبب ليس هناك من يسكر، ويعمل مشكلة. ولكن قورقوط يمكن ألا يأتي بذريعة ما لأن ابنه رُفض، أو أنه يمكن أن يعكر جو العرس بقوله: «يُشرب كثير من المشروب، انزعجت!» ويخرج. ولكن فوزية تلقت خبرًا من خالتها سميحة بأن جو تل التوت ليس سيئًا. حتى إن الخوف الأساسي هو من سميحة، وليس من بوزكورت أو طوران؛ لأن قورقوط وسليمان غاضبان منها. الحمد لله أن عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء جاء من القرية من أجل العرس، كما جاءت فاطمة وزوجها البالع عكازًا من إزمير. تدبرت فوزية مجيئهم مع سميحة بسيارة أجرة واحدة. قلق مولود كثيرًا في بداية العرس لأن سيارة الأجرة تلك لم تأتِ، ولا آل أقطاش أتوا. جاء معارفه الآخرون جميعًا من تل التوت حاملين هداياهم. الطاولات الكبيرة الخمس المخصصة لطرف العروس (كانت الأخت ريحان وزوجها بمنتهى الأناقة) امتلأت كلها ما عدا واحدة. صعد مولود إلى الأعلى حيث المطبخ، وشرب كأس عرق دون أن يُري نفسه لأحد، وشغل نفسه قليلًا في مدخل الفندق، وانشغل باله كثيرًا لأنهم تأخروا. حين عاد إلى صالة العرس وجد الطاولة الخامسة أيضًا قد امتلأت. متى دخلوا؟ بعد أن جلس مولود على طاولة العريس بجانب السيد سعد الله، نظر طويلًا إلى طاولة آل آقطاش. جلب سليمان ابنيه البالغ أحدهما الخامسة والآخر الثالثة من عمريهما. وملاحات أيضًا كانت أنيقة جدًّا. يبدو عبد الرحمن أفندي من بعيد بربطة عنقه موظفًا متقاعدًا راقيًا وأنيقًا. عندما وقعت عين مولود على البقعة البنفسجية وسط الطاولة، شعر برجفة في داخله، وهرب بعينيه. سميحة. في أثناء جلوس عزيزتي فوزية بثوب عرسها الجميل بجانب زوجها وسط الصالة كان قلبي يشعر بانفعالها وسعادتها، ولا أنظر سوى إلى تلك الجهة. ما أجمل أن يكون الإنسان شابًّا وسعيدًا! أسعدني سماعي بأن عزيزتي فاطمة الجالسة بجانبها سعيدة مع زوجها في إزمير، وعائلة الصهر تدعمهما، ودروسهما في المعهد السياحي جيدة جدًّا، وعملا تدريبهما صيفًا في فندق في الجزيرة الكبيرة من جزر الأميرات، وقد طورا لغتهما الإنكليزية، ورؤيتهما يبتسمان. عندما توفيت أختي عزيزتي رائحة لم أبكِ لأنني فقدت أختًا فقط، بل بكيت أيامًا لأن هاتين البنتين أصبحتا يتيمتي الأم في سن صغيرة. بعد ذلك اهتممت بهما من طعامهما إلى دروسهما، ومن لباسهما إلى أصدقائهما في الحي كأنهما ابنتاي من دمي، وصرت أمًّا من بعيد لهاتين المنحوستين. حزنت لأن مولودًا الجبان لم يرد أن يراني في بيته خشية القيل والقال، وسوء فهم مولود أفقدني حماستي، ولكنني لم أيأس. عندما عدت إلى جانب فوزية فيما بعد، وقالت لي فاطمة: «خالتي الحبيبة، ثوبك البنفسجي جميل جدًّا!» اعتقدت أنني سأبكي. نهضت من مكاني، ولم أتجه نحو طاولة مولود، بل بالاتجاه المعاكس تمامًا، وصعدت إلى الأعلى، وعند باب المطبخ، قلت لأحد النُّدُل: «تأخرتم على والدي بالعرق!»، فدس بيدي كأسَ العرق بالثلج فورًا. انسحبت إلى جانب النافذة، وقلبت الكأس، وأنهيته، ونزلت بسرعة، وجلست في مكاني على الطاولة بجانب والدي. عبد الرحمن أفندي. جاءت وديعة ذات لحظة إلى الطاولة، وقالت لحميها البقال حسن الذي لم ينبس بأي كلمة: «والدي، حضرتك مللت!» وتأبطته من ذراعه، واصطحبته إلى طاولة أبنائه. لا تفهموني خطأ، الأمر الوحيد الذي جرح قلبي هو قول وديعة لهذا الرجل الصامت الذي لا لون له «والدي» كل قليل؛ لمجرد أنها متزوجة من ابنه السيئ الروح. بعدئذ جلست إلى طاولة صاحب العرس. سألت لمن على الطاولة كما لو أنني أسأل أحجية: «ما النقطة المشتركة بين السيد سعد الله، والسيد مولود، ومحسوبكم؟». كانوا يجيبون أجوبة مثل: «بيع اللبن»، «الشباب»، «حب العرق»... قلت: «نحن الثلاثة تركتنا رفيقات حياتنا بالوفاة في سن الشباب». ولم أستطع ضبط نفسي، وبدأت أبكي. سميحة. عندما تأبطت وديعة وسليمان والدي من ذراعيه، وسحباه نحو الخلف إلى طاولتنا، كان مولود ينظر فقط. لماذا لم يتأبط بذراع والد زوجته المرحومة، ولماذا لم يقل كلمتين حلوتين؟ لديه مخاوف مثل: إذا جاء إلى طاولتي يمكن أن ينمّوا عليه، ويتذكروا بأن الرسائل قد كتبها أساسًا لي، ويقولون هذا... آه منك يا مولود الجبان، آه. تنظر إليَّ، وتتظاهر بأنك لا تنظر. حينئذ نظرتُ إليه بعينيَّ الساحرتين نظرة كتلك التي نظرتها قبل ثلاث وعشرين سنة عندما تقابلنا أول مرة في عرس قورقوط «كأنني أريد أن أأسره» كما كتب في رسائله. من أجل أن «أقطع طريقه مثل قطاع الطرق، وأسرق قلبه»، ونظرت إليه «لكي يفيض عن طريق النظر». ثم نظرت إليه لكي يرى نفسه في مرآة قلبي. قال أبي الذي سكر تمامًا: «يا روحي سميحة، أنت تنظرين دون جدوى إلى تلك الجهة. يا بنتي، لا خير في الرجل الذي يكتب رسائل لواحدة، ويتزوج أخرى». قلت: «أنا لا أنظر إلى تلك الجهة». ولكنني تابعت النظر بعناد، ورأيت مولودًا ينظر إليَّ بين حين وآخر حتى نهاية العرس. ١٣ مولود وحيد ليس هناك تناسب بين شخصين أكثر من هذا عندما بقي مولود وحيدًا في البيت الذي عاش فيه لصيقًا بزوجته وابنتيه تعكر مزاجه كالمرضى، وحتى صار يصعب عليه النهوض من السرير صباحًا. كان مولود يفكر أحيانًا بتفاؤله الذي يراه أكبر قوة له في الحياة، ويراه البعض «سذاجة»، وبموهبته بتناولِ كل شيء من الجانب السهل والخفيف. لهذا فهو يرى أن تعكير مزاجه إشارة لشيء أسوأ، فهو يخاف من الموت على الرغم من أنه في الخامسة والأربعين من عمره. لم يكن ينجرف بشعور الوحدة وهو في الجمعية صباحًا أو عندما يتحدث مع شخص أو شخصين من معارفه في مقهى الحي (منذ بقائه وحيدًا يتحدث مع الناس بانكسار أكبر، وبكلمات أجمل). ولكنه كان يخاف وهو يتقدم في الطرقات ليلًا. كأن شوارع إسطنبول صارت أطول بعد موت رائحة وزواج ابنتيه، وتحولت إلى آبار مظلمة لا قرار لها. في أثناء قرعه الجرس وندائه: «بوووووظة» في حي بعيد، وفي ساعة متأخرة، يتصور بأنه لم يأتِ إلى هذا الحي وهذا الزقاق من قبل، ويتحول هذا الشعور إلى ذاكرة غريبة ومخيفة، وأنه سيُقبض عليه بعد قليل كما كان يشعر في طفولته وشبابه عندما يدخل إلى مكان ممنوع (في أثناء نباح الكلاب)، وأنه شخص سيئ. تتحول المدينة في بعض الليالي إلى مكان أكثر غموضًا وتهديدًا، ولم يكن مولود يستطيع أن يفسر هذا الشعور بعدم وجود أحد ينتظره في البيت أم بتدخل إشارات يجهلها تمامًا في هذه الأزقة: تزداد مخاوفه لشعوره بصمت الجدران الجديدة والأسمنتية، وإلحاح الملصقات الغريبة غير المتناهية المتغيرة بشكل مستمر، وانعطاف خفيف لزقاق اعتقد أنه انتهى، ليظهر بعد الانعطاف أنه لن ينتهي وكأنه يسخر منه. في أثناء سيره في زقاق لا تتحرك فيه أي ستارة، ولا تفتح فيه أي نافذة، يشعر بأنه مر منه في زمن بعيد بعد الحكايات على الرغم من معرفته أن هذه المرة الأولى التي يعبر فيها من هذا الزقاق، ويستمتع كأنه يعيش ذكرى، وعندما ينادي: «بوووظة» يتهيأ له بأنه ينادي لذكرياته. يتأجج الخوف من الكلاب في داخله بتحريض قوة الخيال له، أو بنباح كلب حقيقي عند جدار جامع، ويدرك أنه وحيد في هذا العالم (كان يشعر بتحسن حالته باستذكار ثوب سميحة البنفسجي في أوقات كهذه). أحيانًا تبدو له كلماتُ رجلين طويلين ونحيلين يمران من الزقاق الفارغ لا علاقة لهما به (قفل، مفتاح، مسئول) إشارات توحي له بأمور ما، وبعد ليلتين، وفي حي آخر، وفي زقاق ضيق ينتبه بخوف إلى أن رجلين (قصيرين بدينين يرتديان ألبسة سوداء) يقولان الكلمات نفسها. كأن جدران المدينة القديمة المغطاة بالطحالب، والسبل القديمة المغطاة بالأحرف الجميلة، والبيوت الخشبية المتفسخة والمستندة إحداها إلى الأخرى قد هدمت، وانتهت، واستهلكت، وأنشئت مكانها أزقة جديدة وبيوت أسمنتية، ودكاكين منارة بالنيون، وأبنية أقدم، ومخيفة أكثر، لتكون أمكنة غامضة. كأن المدينة تحولت من كونها مكانًا وبيتًا واسعًا يعرفه، إلى مكان لا إله له، ويضيف كل من يريد أزقة وفسحات وجدرانًا وأرصفة ودكاكين. توسُّع المدينة وابتعادها عنه، وعدم وجود أحد ينتظره في نهاية الأزقة المظلمة، أشعر مولودًا بالحاجة أكثر لله. لم يعد يكتفي بأداء صلاة الجمعة، بل أصبح يعرّج على جامع شيشلي قبل ذهابه إلى الجمعية، أو يطيل طريقه فيدخل إلى جامع تل التوت، أو إلى أي جامع آخر، ويصلي الظهر. أصبح يستمتع بسكون الجوامع، وبهدير المدينة المتسلل مثل حزم الضوء التي تتسلل بصعوبة من حواف القبة كالدانتيل، ومشاركة المسنين الذين انسحبوا من الحياة والوحيدين مثله بهذا المكان الهادئ، ويشعر بأنه وجد حلًّا لوحدته. وبالشعور ذاته دخل إلى باحات الجوامع الخاوية التي لم يكن يريد أن يعتّبها في الزمن القديم السعيد، والمقابر التي تقع داخل الأحياء، وجلس على حواف القبور، ودخّن سجائر. قرأ شواهد قبور الناس الذين ماتوا وراحوا، ونظر إلى الشواهد ذات اللفات والقبعات والأحرف العربية، وشعر بالخشوع. كان يتمتم بكلمة الله لوحده أكثر، ويتوسل إليه أن يخلصه من حياة الوحدة التي يعيشها. أحيانًا يخطر بباله أن بعض الأرامل البالغين الخامسة والأربعين مثله، وبقوا وحيدين قد تزوجوا بمساعدة بعض الرجال الآخرين وأصدقائهم وعائلاتهم: وَهاب صاحب دكان التمديدات الصحية في شيشلي من قرية إمرنلر الذي يعرفه من الجمعية، عندما ماتت زوجته وابنه الوحيد في حادث حافلة كانا ذاهبين فيها إلى عرس في القرية، زوّجه أقرباؤه فورًا واحدة من القرية. عندما ماتت زوجة حمدي من غمشدرة في أثناء ولادتها الأولى، فقد حزن إلى درجة الموت، ولكن عمه وأقرباءه زوجوه امرأة متفائلة وثرثارة ربطته في الحياة. ولكن أحدًا لم يقترب من مولود ملمحًا بتقديم مساعدة كهذه، أو ذاكرًا امرأة ترملت شابة بعمره (يجب ألا يكون لديها أولاد) حتى في سياق الكلام. لأن عائلته كلها تعتقد أن الزوجة المناسبة لمولود هي سميحة. قال قورقوط ذات مرة: «هي أيضًا وحيدة مثلك». أو أن الجميع يعتقد بأن مولودًا يفكر على هذا النحو كما ينتبه في بعض الأحيان. هو أيضًا يقبل بأن سميحة هي الخيار الأفضل، وكثيرًا ما ينجرف في الأحلام حين يتذكر نظرتها بثوبها البنفسجي بشكل مقصود، ولكنه منع نفسه من التفكير في موضوع الزواج ثانية في إحدى الفترات: يبدو لمولود أن مجرد محاولته النظر إلى عيني سميحة كما جرى في العرس هي خيانة كبرى لرائحة، فكيف الاقتراب أو الزواج بها؟ أحيانًا يشعر بأن الناس عندما يكلمونه بموضوع سميحة يستصعبون الأمر، ويشعرون بالضيق لأنهم جميعًا يرون هذا الأمر خيانة. اعتقد فترة أن أفضل طريقة هي إخراج سميحة من عقله (كان يقول لنفسه: «أصلًا لا تخطر ببالي كثيرًا!»)، وحلمه بامرأة أخرى. منع مؤسسو الجمعية وإداريوها وقورقوط لعب الدومينو والورق في الجمعية؛ لكي لا تتحول إلى مقهى عادي عندما لا يعرّج الرجال مع زوجاتهم وأولادهم. ومن طرق جذب النساء والعائلات إلى الجمعية هي تنظيم سهرات الشيش برك. تحضِّر مجموعات من النساء الشيش برك في البيت، وتأتين برفقة أزواجهن وإخوتهن وأولادهن إلى السهرات. كان مولود ينشغل بغلي الشاي أكثر من أي وقت آخر في بعض الأعشية تلك: كانت هناك أرملة من قرية إرنلر جاءت إلى سهرة الشيش برك مع أختها وزوج أختها، وهي طويلة القامة، منتصبة وسليمة الجسم. نظر إليها مولود بانتباه عدة مرات من مكان الشاي. وقد لفتت نظر مولود أيضًا ابنة عائلة من إمرنلر انفصلت عن زوجها في ألمانيا وعادت إلى إسطنبول، وهي في الثلاثين من عمرها تقريبًا: كان شعرها الأسود القوي يتدفق من تحت غطاء رأسها. في أثناء أخذها الشاي نظرت بعينيها الفاحمتين مباشرة إلى عيني مولود. هل تعلمت النظر بهذه الطريقة من ألمانيا؟ تنظر النساء إلى وجه مولود الطفولي الجميل مباشرة وبراحة أكبر بكثير من نظرة سميحة قبل سنين في عرس قورقوط أو كما نظرت قبل فترة في عرس فوزية: هناك امرأة مكتنزة مرحة من قرية غمشدرة تكلمت معه باندفاع في أثناء أخذها الشاي منه. أعجب مولود بحالتها المستقلة، وجلوسها جانبًا وهي تبتسم في الرحلات التي تنظمها الجمعية بينما يرقص الجميع. على الرغم من عدم شرب العرق حتى من تحت الطاولة، فإن المشاركين يسكرون بتأثير الجماعة في نهاية سهرة الشيش برك أو الرحلة، ويغني الجميع أغنيات بيه شهير التي يحبونها، ويرقصون رجالًا ونساء. يرى سليمان أن هذا ما يجعل قورقوط لا يريد وديعة أن تأتي إلى دعوات كهذه. ولأن وديعة لا تأتي، فإن سميحة أيضًا التي ترافقها في تل التوت لا تأتي أيضًا. مواضيع مجيء النساء والعائلات أكثر إلى الجمعية، واختيار المطرب الذي سيغني، ولعب العاطلين عن العمل الورق، وتنظيم سهرات قراءة القرآن، ومَنْحُ مِنَحٍ للطلاب المتفوقين الذين نجحوا بالدخول إلى الجامعة من القرى المجاورة قسمت الجمعية بين حزب الشعب والمحافظين. كانت الاحتكاكات السياسية والممازحات تستمر أحيانًا إلى ما بعد الاجتماعات ومباريات كرة القدم والرحلات، ويذهب بعض الرجال المحبين للجدل إلى خمارة قريبة من الجمعية. ذات مساء ظهر سليمان وسط مجموعة منصرفة، ووضع يده على كتف مولود، وقال له: «هيَّا لنذهب نحن أيضًا!». فهم مولود أن الخمارة التي في مجيدية كوي هي التي جلس فيها سليمان قبل سنوات في أثناء معاناته من ألم العشق مع عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء، وشربا. وفي أثناء تناول الجبن الأبيض والبطيخ الأصفر، والكبد المقلي، وشرب العرق، تحدثوا بداية عن الجمعية ومعارفهم من القرية بشكل عام. (تحدثوا عن فلان الذي لا يخرج من بيته نهائيًّا؛ وعلان الذي أدمن القمار؛ وثالث أُنهك في المستشفيات بسبب ابنه العاجز). بعدئذ فتح حديث السياسة. شاربو العرق يمكن أن يتهموا مولودًا بأنه ديني متخفٍ، أو من يعلم، لعل العكس أيضًا يحدث، يمكن أن يخزوه بالقول: «لا أحد يراك في صلاة الجمعة!». لم يدخل مولود بالأحاديث السياسية نهائيًّا. قابل بشارة سليمان «سيأتي إلى الجمعية نواب ومرشحون» بانفعال، ولكنه لم يسأل: من أي حزب، ومن هم مثلما يسأل الآخرون؟ بطريقة ما وصل النقاش إلى الدينيين المتزايدة أصواتهم تدريجيًّا بأنهم سيسيطرون على البلد، أو أنه ليس ثمة ما يقلق. هناك من قال بأن العسكر ينفذون انقلابًا، ويسقطون الحكومة. هذه مواضيع كثيرًا ما تناقش على شاشات التلفزة. مع انتهاء الطعام، كان عقل مولود قد ذهب إلى أمكنة أخرى. انتقل سليمان الذي كان جالسًا مقابل مولود إلى كرسي فرَغَ بجانبه، وبدأ يتحدث عن ابنيه همسًا بحيث لا يسمع الآخرون. بدأ ابنه حسن البالغ السادسة من عمره المدرسة الابتدائية. الآخر كاظم في الرابعة من عمره، وتعلم القراءة في البيت بمساعدة أخيه الأكبر، ويقرأ لاكي لوك. ولكن حديث سليمان متجاهلًا الآخرين كأنه يعطي سرًّا أمرٌ مزعج. نعم، كان سليمان يهمس من أجل حماية خصوصيات عائلته وسعادته، ولكن عقل الكثيرين مشغول بعدم معرفة من يقف أساسًا وراء مقتل فرحات حتى الآن. يعرف مولود من نفسه أن الموضوع لم يُنسَ بعد على الرغم من مرور خمسة أعوام عليه. إذا تحدث القريبان همسًا تحت أنظار الجميع، فسيعتقدون بأن مولودًا شريك سليمان في الجريمة. قال سليمان: «سأفتح لك موضوعًا مهمًّا، ولكنك لن تقاطعني». «حسنٌ». «رأيت كثيرًا من النساء تزوجن بعد أن بقين وحيدات إثر موت أزواجهن في شجار أو حادث سير. إذا لم يكن لدى هذه النسوة أولاد ومازلن صبايا جميلات فيطلبهن كثيرون. أعرف واحدة جميلة وذكية وصبية من هذا النوع، ولا ضرورة لاسمها. فوق هذا، إنها امرأة مستقلة لها شخصيتها، ولا تقابل أحدًا ممن يطلبونها لأن هناك واحدًا في عقلها». سُرَّ مولود من انتظار سميحة له أو على الأقل من قصة سليمان. بقيا وحدهما الآن، وطلب مولود كأسًا أخرى من العرق. تابع سليمان: «الرجل الذي تفكر فيه المرأة أيضًا وحيد نتيجة فقدانه زوجته بحادثٍ شؤم. هذا الرجل مستقيم وموضع ثقة ونظيف الوجه وحسن الطباع (كان مولود يحب أن يُمدح). له ابنتان من زواجه الأول، ولكنهما طارتا من العش، وتزوجتا، وبقيَ وحيدًا». لم يكن مولود يعرف متى يجب أن يقاطعه قائلًا: «فهمت، أنت تتحدث عني وعن سميحة!»، وسليمان يستفيد من هذا الوضع. «فوق هذا فإن الرجل أيضًا مغرم بها. في الحقيقة أنه كتب لها الرسائل لسنوات». سأل مولود: «إيه، لماذا لم يتزوجا في ذلك الوقت؟». «هذا ليس مهمًّا. حدث سوء تفاهم. أما الآن بعد عشرين سنة، يناسب أحدهما الآخر». قال مولود بعناد: «إيه، لماذا لا يتزوجان إذًا؟». «نعم، الجميع يفكر على هذا النحو. بما أن أحدهما يعرف الآخر لسنوات، والرجل كتب لها كثيرًا من الرسائل بغرام». قال مولود: «لأشرح لك حقيقة الأمر، لتفهم سبب عدم زواجهما. لم يكتب الرجل رسائل الغرام تلك للفتاة، بل كتبها لأختها الكبرى. ثم خطف الأخت بشكل جميل، وتزوجها، وعاش معها سعيدًا». «لماذا تفعل هذا يا مولود؟». «ماذا أفعل؟». «أصبح الجميع في تل التوت يعرف أنك كتبت تلك الرسائل لسميحة، وليس لرائحة». قال مولود: «تفوه» وكأنه يطلق بصقة حقيقية. «نشرتَ هذه الكذبة لسنوات لكي تخرب علاقتي بفرحات، وأتعست هذه الكذبة رائحة. صدقت المسكينة رائحة». «ما الحقيقة؟». «الحقيقة». ذهب مولود للحظة إلى عرس قورقوط في عام ١٩٧٨. «الحقيقة هي أنني رأيت هذه الفتاة في العرس. وتعلقتُ بعينيها. وكتبت لها رسائل طوال ثلاث سنوات. وفي رأس كل رسالة كتبت اسمها». قال سليمان بعصبية: «نعم، رأيت الفتاة ذات العينين الجميلتين. ولكنك لم تكن تعرف اسمها. وأنا قلت لك اسم الفتاة خطأ». «أنت ابن عمي، وصديق روحي. لماذا تفعل معي سوءًا كهذا؟». «لم أفكر أنه سوء. أصلًا كنا نمزح مزاحًا غليظًا فيما بيننا». «أي أنك مزحت مزاحًا غليظًا فقط». قال سليمان: «لا. لأكن صادقًا: كنتُ مؤمنًا بأن رائحة زوجة تناسبك أكثر، وستسعدك أكثر». قال مولود: «أصلًا لا يزوِّجون الثالثة لأحد قبل تزويج الثانية. وكانت عينك على سميحة». قال سليمان: «نعم، أنا خدعتك. أنا آسف. ولكن انظر يا عزيزي مولود، مضت عشرون سنة، وأنا أصحح غلطتي». «لماذا أصدقك بعد هذا؟». قال سليمان كأنه تعرض للظلم: «لا، ليس هناك مزاح غليظ ولا كذب ولا مراوغة». «لماذا أثق بك؟». «لماذا؟ لأنك أعطيتني ورقة المختار التي تساوي سند تمليك لبيت تل الرماد من أجل أن أرتب لك أمور البنت، وأنا لم آخذه. هل تذكرت؟». قال مولود: «تذكرت». «لعلك تتهمني بما وقع لفرحات. (لم يستطع قول: «موته»)، ولكنك مخطئ. أنا كنت أغضب من فرحات، وأغضب كثيرًا. ولكن هذا كل شيء. رغبة الإنسان بموت أحدهم، وورود هذا الخاطر أمر، وقتله حقيقة، أو تدبير قتله أمر آخر». سأل مولود: «برأيك أيهما ذنبه أكبر؟ هل سيحاسبنا الله تعالى يوم القيامة على نوايانا، أم على أفعالنا؟». قال سليمان بداية: «على الاثنتين». ولكنه عندما رأى تعبير الجِد على وجه مولود، قال: «يمكن أن أكون قد فكرت بشيء سيئ، ولكنني بالنتيجة لم أفعل أي شيء سيئ في حياتي. كثير من الناس يفعلون السوء لآخرين بحسن نية. وآمل أن تكون منتبهًا إلى حسن نيتي هذا المساء. أنا سعيد مع ملاحات. وأريدك أن تكون سعيدًا مع سميحة. إذا كنت سعيدًا، تريد السعادة للآخرين. ولموضوعنا جانب آخر أيضًا. لا يمكن أن يتناسب شخصان إلى هذه الدرجة. لو رأى أحد وضعكما أنت وسميحة من بعيد، لقال: «يا حرام، ليجمع أحدهما بين هذين!». تصور أنك تعرف شخصين، وسيسعدان إلى ما لانهاية إذا وقفت بينهما. حرام ألا نوفّق بينهما. أنال الثواب على ما أقوم به الآن». قال مولود بحزم: «أنا كتبت تلك الرسائل لرائحة». قال سليمان: «كما تريد». ١٤ أحياء جديدة، ومعارف قدامى هل هذا نفسه ذاك؟ منذ زواج فوزية يقلُّ السيد سعد الله مولودًا بسيارته الأجرة الدودج مرة في الأسبوع إلى أحد الأحياء البعيدة المتطورة والتي تجذب اهتمامهما. هناك يخرج مولود مزراقه وأوعية البوظة، ويبيع في أزقة لم يطأها في حياته، وفي هذه الأثناء يتجول السيد سعد الله في الحي قليلًا، ويدخن سيجارة في المقهى ليمرر الوقت بانتظار مولود. يأخذ مولود من بيته في طرلاباشِ حينًا، ومن الجمعية في مجيدية كوي حينًا، ويتناولون العشاء الذي تعده فوزية مع ابنه وكنته (أصبح مولود يشرب أحيانًا كأسًا من العرق). كان مولود يخرج مع انتهاء الأخبار لبيع البوظة في نواحي قادرغة، السلطان أحمد، قوم قابِ، آقسراي، أي في إسطنبول القديمة. لم يقله السيد سعد الله إلى خارج السور فقط، بل أخذه عدة مرات إلى أدرنة قابِ، بالاط، فاتح، قرة جمرك من أحياء إسطنبول القديمة، وعرّج مولود في ثلاث من تلك الليالي على حضرة الأفندي، وقدم بوظة مجانية، عندما فهم أنه لن يستطيع التقرب منه، خرج بسرعة، ليجد السيد سعد الله في المقهى، ولكنه لم يأتِ له على ذكر الزاوية وحضرة الأفندي. كان السيد سعد الله شارب عرق يطلب فتح سفرة مقبلات مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع على الأقل، وليس له عداوة مع القديم والدين، ولكنه إذا أخبره بذهابه بشكل منتظم إلى زاوية، ولقائه مع شيخها، فسيبتعد عنه على أنه «ديني»، والأصح يمكن أن يخاف منه. غير هذا، على الرغم من أن صداقتهما المتطورة بسرعة تجعلهما يتحدثان بكل شيء، ولكنه يخشى أن يكسر السيد سعد الله خاطره، مثله مثل فرحات عند رؤيته بأن مولودًا بحاجة إلى شخص آخر من أجل أن يفتح عالمه الشخصي، والبوح بهمومه المعنوية. كان مولود يرى أن صداقته مع السيد سعد الله تشبه صداقته مع فرحات أيام الشباب. كان يستمتع بالحديث معه حول ما يحدث طوال النهار في الجمعية، والأخبار، وما يراه في التلفاز. في أمسيّة العشاء عنده، وعندما يقله بالدودج إلى الأحياء القديمة ينتبه إلى أن السيد سعد الله لا هدف له سوى الفضول والمساعدة والصداقة. هذه الأمكنة التي كانت تدعى أول فترة مجيء مولود إلى إسطنبول قبل ثلاثة وثلاثين عامًا «خارج السور» أصبحت متشابهة فيما بينها: أبنية متقاربة بشعة بثمانية أو عشرة طوابق ذات نوافذ ضخمة؛ أزقة متعرجة؛ وُرش بناء؛ لوحات إعلانات أكبر من التي في المدينة؛ مقاهٍ مليئة برجال يتابعون التلفاز؛ حاويات زبالة حديدية تشبه مقطورات القطار لا تصلها الكلاب، وتجعل الأزقة كلها متشابهة؛ جسور مشاة ذات حاميات من قضبان حديدية؛ ساحات ومقابر دون أشجار؛ وشوارع رئيسة متشابهة في كل الأحياء لا أحد فيها يشتري البوظة. هناك تمثال لأتاتورك وجامع يطل على ساحة كل حي، وفروع لبنك آق والعمل على كل شارع رئيس بشكل دائم، ومحل بيع ألبسة جاهزة، ووكالة أدوات منزلية آرتشلك، وبائع موالح، وفرع تسوق ميغروس، ومحل مفروشات، ومحل معجنات، وصيدلية، وموزع جرائد، ومطعم، وعبّارة فيها صائغ، وزجّاج، ومحل قرطاسية، وبائع جوارب وحمالات صدر، وصراف، ومحل نسخ. كان مولود يحب اكتشاف هذه الأحياء الجديدة بعين السيد سعد الله. كان السيد سعد الله يقول في السيارة في طريق العودة: «الطريق المحلق سحق هذا المكان المسكين، وقضى عليه، يجب ألا نأتي ثانية!»، ويقول: «هل رأيت شجرة الدلب الضخمة ومشرب الشاي المقابل لها في الزقاق الخلفي؟»، ويقول: «قطع طريقي الشبان، وسألوني من أكون، علينا ألا نأتي ثانية!»، ويقول: «حولوا بيت المزرعة القديم إلى مطعم كباب!»، ويقول: «لم يبقَ هنا مكان للناس من كثرة السيارات!»، ويقول: «وقع هذا المكان تحت سيطرة جماعة دينية، ولكنني لا أعرف أيها، هل اشتروا منك بوظة؟». لم يكونوا يشترون كثيرًا من البوظة. حتى لو اشتروا فإن سكان هذه الأحياء الواقعة خارج المدينة كانوا ينادونه؛ لأنهم مندهشون من وجود بائع لهذا الشيء الذي لم يسمعوا به، أو سمعوا به من بعيد؛ أو لأنه أثار فضول أولادهم لتذوقه. لا ينادونه عندما يمر بعد أسبوع من الزقاق نفسه. ولكن المدينة تتوسع، وتغنى بسرعة إلى درجة أن ما يبيعه مولود يكفي عائلة مؤلفة من شخص واحد. ذات يوم قاد السيد سعد الله السيارة إلى حي غازي بناء على اقتراح مولود. ذهب مولود إلى البيت الذي سكن فيه فرحات وسميحة خلال السنوات العشر الأولى من زواجهما، وزاره مع رائحة والبنتين قبل ثمانية أعوام. مازال المقسم الذي سيّجه فرحات بأحجار فسفورية خاويًا. أصبحت هذه الأمكنة ملك سميحة بعد وفاة فرحات. كان المحيط ساكنًا. لم ينادِ مولود: «بووووظة!»، لا أحد يشتري بوظة في هذه الأمكنة. ذهبوا إلى حي بعيد آخر ذات مساء، فنادوه من الطوابق الدنيا لبناء شاهق الارتفاع (أربعة عشر طابقًا). زوج وزوجة وابنان لهما نظارتان دققوا كثيرًا بمولود وهو يعطيهم أربع كئوس في المطبخ. وتابعوا وضعه الحمّص المحمص والقرفة على الكئوس. تذوق الولدان البوظة فورًا. ما إن كان مولود خارجًا، حتى فتحت سيدة البيت الثلاجة، وأخرجت قارورة بلاستيكية، وسألته: «هل هذا منه؟». وهكذا رأى مولود أول مرة في حياته أن شركة تملأ شراب البوظة في قوارير بلاستيكية، وتبيعه. أخبره قبل ستة أشهر بائع أحال نفسه إلى التقاعد بأن أصحاب مصنع بسكويت اشتروا معمل بوظة على وشك الإفلاس، وينوون تعليب الشراب في قوارير، وتوزيعه على البقاليات، ولكن مولودًا لم يضع احتمالًا لتحقيق هذا. كما قال أبوه ضاحكًا قبل ثلاثين سنة: «لا أحد يشتري لبنًا من عند البقال!» وفقد عمله، قال: «لا أحد يشتري البوظة من عند البقال». لم يستطع ضبط فضوله: «هل يمكنني أن أتذوقه؟». وضعت الأم مقدار إصبعين من شراب بوظة أبيض في كأس. تذوق مولود بوظة القارورة والعائلة كلها تنظر إلى وجهه، وقطب وجهه. ثم قال باسمًا: «ليس ناجحًا. حمّض منذ الآن، وخرب. احذروا من شربه». قال كبير الولدين ذوي النظارتين: «مصنوع دون أن تلمسه الأيدي، هل تصنع البوظة أنت في بيتك بيديك؟». لم يجب مولود. ولكنه تكدر، ولم يفتح الموضوع للسيد سعد الله في طريق العودة. قال السيد سعد الله: «ماذا حدث يا أستاذ؟». كان يقول: «أستاذ» بشيء من السخرية (ينتهي مولود إلى هذا) حينًا، وبشيء من الاحترام لإصراره على بيع البوظة ومهارته في هذا المجال (يتصرف مولود كأنه لم ينتبه إلى هذا) في حين آخر. غيّر مولود الموضوع قائلًا: «لا تهتم، هؤلاء أناس لا خبرة لديهم، وأصلًا ستمطر غدًا». يعرف السيد سعد الله كيف يتحدث بشكل جميل حتى في موضوع توقعات الطقس. في أثناء جلوس مولود في المقعد الأمامي من الدودج كان يحب الاستماع إليه وهو ينظر ليلًا إلى أضواء مئات السيارات والنوافذ، وإلى عمق ليل إسطنبول المظلم المخملي، وإلى المآذن بلون النيون، ويحلم. إنهم الآن يسيرون بسرعة عبر الأزقة الطينية التي كان يسير فيها تحت المطر. حياة الإنسان أيضًا تتدفق مسرعة على طريق الزمان هكذا. كان مولود يعرف أن الساعات التي يقضيها في بيت السيد سعد الله هي أمتع ساعات يعيشها خلال الأسبوع. لم يكن راغبًا بإدخال نواقص تلك الحياة وعيوبها إلى بيت قادرغة. شهد على نمو الجنين في بطن فوزية، كما شهد نمو البنتين في بطن رائحة كل أسبوع. عندما ولدت صبيًّا دهش مولود كثيرًا، على الرغم من معرفة هذا بالرنين المغناطيسي بشكل مسبق. كان واثقًا من أن ابنته ستلد بنتًا، وفكر بما إذا كان من الممكن أن يسموها رائحة. بعد ولادة الولد، لعب كثيرًا مع إبراهيم (أسموه على اسم الجد معلم الأحذية) في أيار/مايو عام ٢٠٠٢ وصيفه، وساعد فوزية بتغيير حفاضه (كان مولود ينظر إلى عضو حفيده بفخر)، وتحضير رضعته. كان يريد أن يرى ابنته التي يشبِّهها برائحة أحيانًا أكثر سعادة. أقلق مولودًا جعل ابنته التي وضعت صبيًّا حديثًا تحضّر مائدة العرق، وقيامها بالخدمة بكل امتنان، وإصغاؤها إلى الداخل حيث الصبي في أثناء قيامها بهذا العمل. ولكن رائحة أيضًا كانت تعمل في البيت على هذا النحو، وتدير كل شيء. بالنتيجة فإن فوزية تركت بيت مولود، وسكنت في بيت السيد سعد الله، وتعمل الأمور نفسها هناك. ولكن هذا أيضًا كان بيت مولود. والسيد سعد الله يقول هذا لمولود دائمًا. بقيا على انفراد ذات يوم، وبينما كانت فوزية تنظر شاردة إلى شجرة البرقوق التي في الحديقة الخلفية للبيت المجاور، سألها مولود: «هؤلاء أناس طيبون. هل أنت سعيدة يا بنتي؟». كانت الساعة الجدارية القديمة تتكتك. لم يكن هذا سؤالًا، ابتسمت فوزية وكأنها موافقة. في زيارته التالية إلى بيت قادرغة، شعر مولود بالقرب الصادق نفسه. ما إن أراد مولود أن يسأل فوزية عن سعادتها، حتى خرجت كلمات أخرى من فمه. قال مولود: «أنا أشعر بوحدة شديدة». قالت فوزية: «الخالة سميحة أيضًا تشعر بالوحدة أيضًا والله». حكى مولود لابنته عن لقائه بسليمان، والحديث الطويل الذي دار بينهما. لم يتكلم مولود بصراحة تامة مع فوزية حول الرسائل (هل كتبت للأم، أم للخالة؟)، ولكنه لم يكن لديه شك بأن سميحة حكت للبنتين هذه القصة (ترى بماذا شعرت البنتان عندما عرفتا أن والدهما كتب الرسائل بنية إرسالها إلى خالتهما؟). أراح مولود عدم توقف فوزية عند خديعة سليمان لوالدها قبل سنين. استغرق شرح مولود وقتًا كثيرًا؛ لأن فوزية كانت تذهب بين حين وآخر إلى الغرفة الأخرى، وتنظر إلى الطفل. سألته فوزية: «ماذا قلت لسليمان؟». قال مولود: «قلت له إنني كتبت تلك الرسائل لرائحة. ولكنني فكرت بعد ذلك، ترى هل جرحت قلب خالتك سميحة؟». «لا يا بابا، لا يمكن أن تغضب خالتي من قولك الحقيقة. هي تفهمك». قال مولود: «قولي لها هذا عندما ترينها. قولي لها إن أبي يعتذر». قالت فوزية: «أقول لها...»، ونظرت نظرة تفيد بأن الموضوع ليس مجرد اعتذار فقط. كانت سميحة قد سامحت فوزية؛ لأنها هربت إلى شاب دون أن تستشيرها. ويعرف مولود أنها تأتي بين حين وآخر إلى قادرغة لرؤية الطفل. لم يفتح الموضوع ثانية في ذلك اليوم، ولا في أثناء زيارة مولود بعد ثلاثة أيام. أَمِلَ مولود بلين فوزية في عملية الوساطة، ولم يكن يريد أن يلح أكثر لكي لا يُفهم خطأ. كان مسرورًا من حياته في الجمعية أيضًا. ازداد الذين يطلبون تاريخًا وساعة من أجل ليلة حناء، وحفل خطوبة صغير (كانت الشقة صغيرة جدًّا لعرس)، وسهرات الشيش برك، وأمسيّة قراءة القرآن، وحفل إفطار رمضاني. مع بروز أغنياء قرية غوتشوك، صار يتردد على الجمعية أبناء القرى التابعة للناحية كلهم أكثر، ويدفعون الاشتراكات. أصبح أهالي القرى المجاورة لجنتبنار التي تبعد ثمانية إلى عشرة كيلومترات، وسمع بأسمائها أقل (نهوط، يورن، تشفتة قواقلر) أيضًا يترددون، وصنعوا لوحة إعلانات خاصة بقراهم، وعلقوها في مكان مناسب بعد إذن مولود. كان مولود ينظّم إعلانات شركات الحافلات، والختان، والزواج، وصور القرية بشكل مناسب، ويستمتع بلقاء أبناء جيله من اللبانين والباعة وزملاء المدرسة. الأخوان عبد الله ونور الله بيتون الأسطوريان من قرية إمرنلر هما الأغنى: قليلًا ما يأتيان إلى الجمعية، ولكنهما يرسلان نقودًا جيدة. قال قورقوط إن أبناءهم درسوا في أمريكا. ويقال إن لديهم نقودًا بالشوالات نتيجة استثمار ما كسبوه من بيع اللبن لمطاعم بيه أوغلو الكبرى وبوفياتها بشراء مقاسم البناء. عائلتان من «تشفتة قواقلر» استثمرتا ما كسبتاه من بيع اللبن بمقاسم البناء، ولكثرة ما بنتا من بيوت، ورفعتا من طوابق تعلمتا مهنة البناء، وبنتا لمعارفهما بيوتًا في تل الرماد والتوت والتلال المجاورة الأخرى، وأصبحتا غنيتين. هناك كثيرون أتوا من القرى المجاورة إلى إسطنبول وعملوا في ورشات الأبنية تلك عمالًا أو بنائين، أو مساعدي معلمين، أو بوابين، أو حراسًا. بعض الذين اختفوا من المدرسة ليعملوا أجراء لدى مهنيين أصبحوا اليوم معلمي صيانة وتسوية هياكل سيارات وحدادين. لم يكونوا أغنياء، ولكن وضعهم أفضل من وضع مولود. انتقل أكثر من نصف الزحام الذي كان في طفولته من تل التوت إلى أحياء أخرى بعيدة؛ لذلك لا يأتون إلى الجمعية نهائيًّا، ولكنهم يأتون أحيانًا إلى مباريات كرة القدم والرحلات عندما يجدون سيارة صديق تقلهم: قرينه الولد الذي رآه مولود يعمل بتجارة الأدوات المستعملة على عربة خيل في الأزقة من قرية هويوك مازال فقيرًا جدًّا، ولا يعرف اسمه حتى الآن. بعضهم أُنهكوا باكرًا في خمسة وثلاثين عامًا، وتضخموا، وعَرِضوا، وبرزت حدباتهم، وتساقط شعرهم وأخذت وجوههم ملامح مختلفة (صارت كالأجاص، وصغرت عيونهم، وكبرت آذانهم وأنوفهم)، وتغيروا إلى درجة أن مولودًا لم يستطع التعرف عليهم، فكانوا يعرِّفون بأنفسهم بتواضع. كان مولود يرى أن غالبية أولئك الناس ليسوا أغنى منه، ولكنه يشعر أنهم أسعد منه لأن زوجاتهم لم تمت. لو تزوج ثانية، لأمكن أن يصبح مولود أسعد منهم. في زيارة مولود التالية إلى قادرغة، فهم من وجه ابنته أن هناك أخبارًا جديدة. التقت فوزية بخالتها. لم تكن سميحة تعلم بلقاء سليمان بمولود قبل ثلاثة أسابيع. لهذا السبب، عندما قالت لها فوزية بأن والدها يعتذر، لم تفهم الموضوع. عندما فهمت، غضبت من مولود ومن فوزية. لا يمكن لسميحة أن تطلب من سليمان موضوعًا كهذا، كما أن هذا الموضوع لم يخطر ببالها مجرد خاطر. كان مولود يرى نظرات ابنته المهمومة والمنتبهة والتي دخلت بالوساطة، فقال بكدر: «ارتكبنا خطأ». قالت ابنته: «نعم». لم يُفتح الموضوع ثانية بين الأب وابنته لمدة طويلة. في أثناء محاولته معرفة ما يجب فعله بعد ذلك، اعترف لنفسه أن لديه مشكلة «بيت». بقدر ما يشعر بالوحدة في بيت طرلاباشِ، يشعر بأنه غريب عن الحي. يرى أنه لا مفر من تحول هذه الأزقة التي عاش فيها أربعة وعشرين عامًا إلى دولة أخرى، ويعرف أنه ليس له مكان في طرلاباشِ المستقبل. سمع مولود أول مرة أن طرلاباشِ المؤلفة من أزقة ضيقة متعرجة وأبنية طوب عمرها قرن آيلة للسقوط ستصبح مكانًا تاريخيًّا له قيمة في الثمانينيات عندما بُدئ بشق الشارع، ولم يصدق. لم يقل هذا الكلام سوى بعض الطلاب والمهندسين المعماريين اليساريين عند البدء بشق الشارع المؤلف من ستة مضامير. فيما بعد، بدأ يقول هذا السياسيون والمتعهدون: طرلاباشِ جوهرة قيّمة جدًّا، ويجب حمايتها. دارت شائعات كثيرة حول إنشاء فنادق ومراكز تسوق، وأمكنة لهو، وناطحات سحاب. في الحقيقة أن مولودًا لم يشعر في أي وقت أن هذه الأمكنة خاصة به، ولكن الأزقة تغيرت كثيرًا في الفترة الأخيرة، وبدأ يقوى هذا الشعور. ابتعد مولود عن أخبار عالم النساء بعد زواج ابنته. ابتعدت العائلات الأرمنية والرومية التي خرّجت أفضل معلمي النجارة والحدادة والصيانة، وأصحاب الدكاكين، والمجتهدين الذين يعملون أي عمل من أجل التمسك في المدينة، وأخيرًا العائلات السريانية، وحل محلها باعة المخدرات، كما سكن البيوتَ المهجورةَ مهاجرون ومشردون ولصوص وقوادون. كان مولود يقول لمن يسأله من سكان الأحياء الأخرى كيف يستطيع العيش حتى الآن في تلك الأزقة: «إنهم في الأحياء العلوية، من طرف بيه أوغلو». ذات ليلة قطع طريقه شاب حسن الهندام، وسأل مولودًا بإلحاح: «يا عم، هل يوجد سكر؟». يعرف الجميع أن السكر هو الاسم الثاني للمخدرات. كان مولود يعرف من نظرة واحدة «الموزعين» الذين يخبئون صررهم داخل جنطات السيارات المتوقفة هناك في أثناء مداهمات الشرطة في ظلمة الليل، مثلما يعرف المخنثين الذين يضعون على رءوسهم شعرًا مستعارًا، ويعملون في بيوت الدعارة القريبة من بيه أوغلو. كانت هناك دائمًا في طرلاباشِ وبيه أوغلو عصابات تسيّر هذا النوع من الأعمال الظلامية التي تدر أرباحًا كبيرة، ولكن عصابات الماردينيين والديار بكريين بدأت الآن تخوض صراعًا مسلحًا في الأزقة على حصصها من السوق. كان مولود يعتقد بأن فرحات أيضًا راح ضحية صراع العصابات. رأى مولود مرة مرور رجال جزمي الجزروي أشهر الفتوات والمجرمين، والشبان المعجبين فيه الصاخبين مثل موكب فرح. وحتى أولئك الناس الجدد الذين يعلقون سراويلهم الداخلية وقمصانهم بين بيتين محولين الحي إلى محل غسيل يُشعرون مولودًا بأنه لا ينتمي إلى هذا المكان. لم يكن هناك هذا العدد من عربات الباعة قديمًا في طرلاباشِ. لم يكن مولود يحب هؤلاء الباعة الجدد. وكان يشعر بأن شبه المجرمين الذين يسميهم «أصحاب البيت» (يتغير هؤلاء مرة كل خمسة أو ستة أعوام) ينسحبون تمامًا خلال السنتين الأخيرتيْن، ويتركون البيوت لتجار العقارات ومستثمريها والذين يريدون بناء فنادق، والعصابات الأخرى. أو يدرك أنه لن يستطيع دفع الإيجار الذي يرتفع باستمرار. فجأة تحول الحي الذي لم ينتبه إليه أحد لسنوات طويلة إلى مركز للقلق في المدينة، وللرغبة العميقة بالتخريب. ثمة عائلة إيرانية سكنت في الطابق الثاني على بعد بناءيْن، وقد استأجرتها لفترة مؤقتة تقضيها في إسطنبول حتى صدور تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة. عندما هرع الجميع من شققهم إلى الزقاق ليلة الزلزال قبل ثلاثة أعوام، دهش مولود لرؤيته عشرين شخصًا تقريبًا يسكنون في تلك الشقة الصغيرة. أصبح معتادًا على فكرة أن طرلاباشِ نزلٌ مؤقت بين الانتقال من مكان إلى آخر. إلى أين سيذهب بعد الآن؟ يفكر بهذا بوضوح ومنطق حينًا، وبالتصور والخيال حينًا. إذا انتقل إلى بيت مستأجر في قادرغة حي السيد سعد الله، سيكون قريبًا من فوزية، ولا يشعر بالوحدة. ولكن هل تقبل سميحة بالسكن في مكان كهذا؟ غير هذا فإن الإيجارات مرتفعة هناك، وليس ثمة من يدعوه، وسيكون بعيدًا جدًّا عن عمله في الجمعية في مجيدية كوي. يجب أن يجد مكانًا في نواحي مجيدية كوي من أجل أن يكون قريبًا من الجمعية. طبعًا أفضل مكان هو بيت تل الرماد حيث قضى طفولته مع والده. وهكذا فكر لأول مرة بأنه يمكن أن يُخرج المستأجر من البيت بمساعدة سليمان، ويسكن فيه. تخيل نفسه مع سميحة في ذلك البيت عدة مرات. في تلك الأيام عاش مولود أمرًا في أثناء مباراة كرة قدم نظمتها الجمعية بين القرى أسعد مولودًا كثيرًا، وجرأه على الاتصال بسميحة. لم يكن مولود يلعب كرة القدم عندما كان طفلًا في القرية لأنه لا يستمتع بها، ولا موهبة لديه بلعبها. ونادرًا ما كانت الكرة التي يركلها تذهب إلى حيث يريد، ولا يدخلونه الفريق. أما في أثناء فترته الأولى في إسطنبول فلم يكن يلعب في الأزقة والمقاسم الفارغة لعدم وجود حذاء ثانٍ ووقت واندفاع لديه، ويتابع اللعبة عبر التلفاز كالجميع. ذهب مولود إلى المباريات الأخيرة لمسابقة الجمعية التي يوليها قورقوط أهمية كبرى لأنها توحِّد القرى، ويذهب إليها الجميع. انتبه عندما رأى زحام المدرجات على طرفي أرضية الملعب المحاطة بالأسلاك الشائكة. شعر بانفعال وصوله في اللحظة الأخيرة إلى عرس يحضره الجميع، ولكنه جلس في زاوية صامتًا، وتفرّج. كانت غمشدرة وتشفتة قواقلر تلعبان. أخذ شباب تشفتة قواقلر المباراة بشكل جدي، وعلى الرغم من أن بعضهم يرتدي بنطالًا، فهم جميعًا يلبسون قمصانًا بلون واحد. أكثر الغمشدريين رجال كبار جاءوا بألبستهم البيتية. هناك أب لبَّان متقاعد من جيل والد مولود برزت حدبته وبطنه (كلما ركل الكرة تضاحك نصف المتفرجين على المدرج، وصفقوا)، وابنه المحب جدًّا لإبراز نفسه يتذكره مولود من الأزقة التي باعوا فيها اللبن، ومن تل التوت والأعراس (عرس قورقوط وعرسه وعرس سليمان وأعراس آخرين كثيرين وأعراس أحفاده). وهناك القادم إلى إسطنبول مثل مولود ليعمل لبّانًا ويدرس قبل خمس وثلاثين سنة (أنهى الثانوية) ولديه الآن شاحنتان صغيرتان يوزع فيهما زيتونًا وجبنًا على البقاليات، وابناه وابنتاه، وزوجته المغطاة الرأس المصبوغ شعرها بالأصفر، وتقفز من مكانها في وسط المباراة لتعطي زوجها مناديل ورقية ليمسح عرقه (وكما سيرى مولود في الخارج لديهم سيارة مراد آخر طراز تتسع للستة). أدرك مولود سبب ابتلاع الساحات المفروشة ببساط بلاستيكي يشبه العشب والمنارة ليلًا للمقاسم الفارغة ومواقف السيارات، والأراضي التي لا صاحب لها خلال فترة قصيرة: كان الجميع يضغطون على أنفسهم من أجل أن يضحكوا، ولكن لعب الكبار كرة القدم في الأحياء ممتع جدًّا. ويستمتع المتفرجون بتقليد مباريات كرة القدم التي يرونها في التلفاز. كان الجمع يصرخ للحكم: «اطرده، اطرده!» من أجل أن يعاقب لاعبًا، أو يطالبوه بإعطاء ضربة جزاء كما يحدث في التلفاز. يطلق الجميع صيحاتهم عندما يُسجل هدف، ويتبادلون القبل، ويعانقون الذي سجل الهدف كثيرًا، ويهتف المتفرجون بالشعارات، وينادون لاعبًا أحبوه: «إلى هنا، إلى هنا...» من أجل أن يقترب من المدرجات كما يحدث في التلفاز. ما إن شرد مولود بالفرجة على المباراة حتى سمع اسمه، فلم يصدق: انتبه الجميع لقيّم الشاي ومدير الجمعية، ونادوا معًا: «مولود إلى هنا... مولود، مولود...» وصفقوا. نهض مولود، بعد أن قام بحركة أو حركتي تحية فاشلتين، ثم فجأة انحنى محييًا مثل لاعبي كرة القدم الحقيقيين. صرخوا: «عااااااش!»، استمر الهتاف: «مولود» قليلًا أيضًا. صدر تصفيق طويل جدًّا. دهش مولود، وجلس في مكانه. كادت عيناه تدمعان. ١٥ مولود وسميحة كتبت الرسائل لك رؤية مولود في مسابقة الجمعية أن الجميع يحبونه أسعدته وجعلته متفائلًا. في زيارته التالية لفوزية، ضغط على ابنته، وأظهر لها تصميمه. «لأذهب إلى تل التوت، وأكلم خالتك، وأعتذر منها عن عبث سليمان. ولكن لا يجوز في بيت عمي. ألا تخرج خالتك سميحة من البيت نهائيًّا؟». قالت له فوزية إن خالتها سميحة تنزل إلى سوق تل التوت في بعض الأيام. قال مولود: «هل صحيح ما نعمله؟ هل أذهب لأكلم خالتك؟ هل تريدين هذا؟». «اذهب، سيكون هذا جيدًا». «إننا لا نقلل احترامنا للمرحومة والدتك، أليس كذلك؟». قالت فوزية: «بابا، أنت لا تستطيع العيش وحيدًا». بدأ مولود بالذهاب إلى تل التوت، وأداء صلاة الظهر في جامع الحاج حميد فورال. كان هناك قليل من الشباب يأتون إلى الجامع خارج الجمعة. يأتي الباعة ومعلمو البناء والمصلحون المتقاعدون من جيل والده قبل موعد الصلاة بكثير، وعندما ينتهون من الصلاة، يخرجون ببطء وهم يتحدثون فيما بينهم متجهين إلى مقهى العبارة أسفل الجامع. بعضهم ملتحون، وعلى رءوسهم طاقيات خضراء، وبأيديهم عكاكيز. لأن مولودًا لا يخفي عن نفسه أنه جاء إلى الصلاة من أجل أن يقابل سميحة في السوق، فقد كان عقله يتعلق بهمس المسنين وصمت الجامع، وقِدَم السجاد منذ الآن، ولا يبدو صادقًا في أثناء صلاته. ماذا يعني ألا يكون المؤمن صادقًا في أثناء صلاته على الرغم من إيمانه الشديد بقوة الله ورحمته، وحاجته للجوء إليه؟ ما الذي يجب على الإنسان أن يفعله إذا لم يكن هو نفسه بين يدي الله على الرغم من نظافة قلبه وصدق نيته؟ قرر أن يطرح هذه الأسئلة على حضرة الأفندي، وحتى إنه تخيل الجواب الذي سيعطيه إياه. سيقول حضرة الأفندي في أثناء استماع الجميع له: «الله يعرف ما في قلوبكم. وأنتم ترغبون بأن يكون داخلكم كما خارجكم؛ لأنكم تعرفون أنه يعرف هذا». بعد خروجه من الجامع، كان يقتل الوقت في الساحة التي افتتح فيها أول مقهى في تل التوت، وأول دكان أشياء مستعملة وبقال وموقف حافلات. لم يعد هناك فرق بين هذا المكان وبقية مناطق إسطنبول. الأسمنت المسلح والإعلانات والبنوك وباعة الكباب في كل مكان. لم يتقابل مولود وسميحة على الرغم من ذهابه إلى تل التوت ثلاث مرات. وما إن فكر بأنه لن يستطيع قول هذا لسميحة، حتى رآها أمام فرن آل فورال. توقف، وغيَّر اتجاهه، ودخل العبارة تحت الجامع. لا، لقد أخطأ، لم تكن هذه المرأة مناسبة له. دخل مولود إلى المقهى في آخر العبارة، كان الجميع هناك يتابعون التلفاز، وبالسرعة نفسها ألقى بنفسه إلى الخارج. إذا صعد إلى الطابق العلوي، وخرج من الباب الخلفي، وذهب عبر باحة الجامع، يمكن أن يصل إلى الجمعية دون أن يري نفسه لسميحة. فجأة شعر بندم يسري داخله. هل سيمضي كل ما تبقى من حياته وحيدًا؟ ولكنه لم يكن يريد أن يعود. صعد إلى الطابق الثاني من أجل العودة. عندما دخل إلى باحة جامع الحاج حميد، قابل سميحة وجهًا لوجه. تبادلا النظر للحظة كما حدث في عرس قورقوط. من المؤكد أن العينين اللتين رآهما مولود في ذلك الزمن هما هاتان العينان. لقد كتب تلك الرسائل من أجل هاتين العينين، واستفاد من كتب الجيب والقواميس من أجل هاتين العينين. لهذا السبب كان يشعر بالقرب فكريًّا من سميحة، ولكنه يجدها إنسانة غريبة. قالت سميحة بجرأة: «أخ مولود، تأتي إلى هنا ولا تعرِّج علينا في الأعلى، ولا تعطي خبرًا». قال مولود: «حسنٌ، سآتي. ولكن هناك أمرًا آخر. تعالي إلى محل قوناق للمهلبية غدًا في الثانية عشرة ظهرًا». «لماذا؟». «إذا تكلمنا الآن هنا أمام الجميع... فسينمون علينا. هل تفهمينني؟». «أفهمك». تبادلا التحية من بعيد بشكل فاشل، وانفصلا، ولكنهما مسروران لتمكنهما من تدبير هذا اللقاء. إذا لم يقل مولود شيئًا لا يريده، ولم يقدم على أي شيء يخجله، فإن لقاءهما في محل المهلبية سيمضي بسهولة. رأى مولود كثيرًا من الأزواج يثرثرون في محل قوناق وهم يملئون بطونهم. سيعتقدون أنهما زوجان أيضًا. أي أنه ليس ثمة ما يثير الفضول. ولكن مولودًا لم يستطع أن ينام طوال الليل. نعم، مازالت سميحة جميلة جدًّا على الرغم من بلوغها السادسة والثلاثين من عمرها، ولكن مولودًا شعر أنه لا يعرفها. خارج عدة لقاءات كان مولود فيها ضيفًا، والتقاء أعينهما عبر المرآة في محل العديلين (كان مولود دائمًا يدير لها ظهره)، وأعراس، وأيام الأعياد، قليلًا ما رأى سميحةَ، ولكنه كان عارفًا أنه لن يكون قريبًا منها كما كان مع غيرها، أي مع رائحة. عاش لصيقًا برائحة على مدى خمسة عشر عامًا. كانا معًا حتى عندما لا يكونان معًا. لا يمكن أن يتحقق قرب كهذا إلا أيام الشباب وبالعشق. لماذا يذهب إلى لقاء الغد إذًا؟ حلق ذقنه صباحًا بعناية. لبس قميصه الأبيض وسترته الأجَدَّ. دخل إلى محل المهلبية في الثانية عشرة إلا عشر دقائق. كان محل قوناق للمهلبية محلًّا كبيرًا يطل على ساحة شيشلي على مبعدة من موقف الحافلات وسيارات الخدمة، وعلى صف الجامع والبلدية والعدلية. كان يبيع حساء العدس، ورقائق العجين بالجبن، والأرز بالطماطم، والأهم من هذا الشاورمة إلى جانب المهلبية السميكة والحلويات والإفطار والبيض المقلي. كان يحب الفرجة على أهالي تل الرماد والتوت والتلال الأخرى وهم يغيرون المواصلات، وتعريج العائلات مع أولادها إلى هناك بعد أن ينهي الرجال أعمالهم، وحديثهم في أثناء النظر إلى صورة أتاتورك والمرايا. وجد مولود زاوية بعيدة عن الأعين والضجيج؛ لأن زحام الظهيرة لم يأتِ بعد. يتابع من حيث يجلس بمتعة حركة المحل السريعة، وذهاب النُّدُل وعودتهم، وحركات المحاسب السريعة، وهو منفعل بتفكيره بأن سميحة ستدخل بعد قليل من الباب، ويتفرج عليها وهي تقترب. فجأة رأى سميحة أمامه. امتقع بالحمرة، وتصرف برعونة فقلب قارورة الماء البلاستيكية، ولكنه أصلح الوضع بعد أن سفح قليلًا من الماء. تضاحكا. طلبا شاورمة على الأرز. لم يجلسا هكذا متقابلين بجد في أي وقت. نظر مولود لأول مرة إلى عيني سميحة السوداوين عن قرب، ومطولًا. أخرجت سميحة سيجارة من حقيبتها، وأشعلتها بقداحتها، ونفخت الدخان إلى يمين مولود. كان يتوقع أنها تدخن وحتى تشرب مشروبًا كحوليًّا في غرفتها وحدها، ولكن عملها هذا في مطعم مزدحم ومقابل رجل أمر آخر. شعر مولود بدوار، ودخل رأسه ما يمكن أن يسمم العلاقة في آن واحد: ما كانت رائحة لتفعل هذا قط. تحدث مولود عن زيارة سليمان، والكلمات التي نقلتها فوزية، واعتذر نتيجة سوء الفهم. لخبط سليمان الجو بدخوله أمرًا لا يعنيه. قالت سميحة: «لا، الأمر ليس هكذا بالضبط». وتحدثت عن سوء نية سليمان وخبله، وأطالت الموضوع حتى إنها تحدثت عن مقتل فرحات. وقال مولود إنه رأى لدى سميحة كرهًا لسليمان يجب أن يبقى في الماضي. توترت سميحة كثيرًا من فكرة مولود هذه. في أثناء تناولها الأرز مع الشاورمة، كانت تترك شوكتها جانبًا، تشعل سيجارة أخرى. لم يتصور مولود أنها عصبية وقلقة إلى هذه الدرجة. فهم أن سميحة ستكون سعيدة إذا عاشا خطة اجتماعهما وكأنها أمر موجَّه ضد سليمان. سألت سميحة: «أما عرفتني حقيقة في نهاية عرسكما أنت ورائحة، أم تصرفت على هذا النحو؟». قال مولود مستذكرًا عرسه قبل عشرين عامًا: «تظاهرت بعدم معرفتك لكي لا تحزن رائحة». لم يستطع فهم ما إن صدقت سميحة كذبته، أم لا. صمتا فترة، وتناولا طعامهما في أثناء استماعهما لضجيج محل المهلبية. فيما بعد، سألته سميحة: «هل كتبت الرسائل لي، أم لأختي؟». قال مولود: «كتبت الرسائل لكِ». كأنه رأى شعورًا بالامتنان للحظة على وجه سميحة. لم يتكلما لفترة طويلة. مازالت سميحة متوترة، ولكن مولودًا شعر بأن هذا كافٍ لأول لقاء، وقد تحدثا بكل شيء: فتح حديثًا مواربًا حول التقدم بالسن والوحدة، وأهمية رفيقة الحياة. قاطعت سميحة مولودًا في أثناء حديثه فجأة: «كتبت الرسائل لي، ولكنك تقول للجميع إنك كتبتها لرائحة. وتظاهروا بأنهم صدقوا على الرغم من معرفتهم أنها كتبت لي». قال مولود: «صحيح أنني كتبتها لك. التقت عينانا في عرس قورقوط. وكتبت رسائل حول عينيك على مدى ثلاث سنوات. خدعني سليمان، فكتبت اسم رائحة على الرسائل، وليس اسمك. ثم أصبحنا ـ رائحة وأنا ـ سعيديْن كما تعرفين. والآن يمكن أن نسعد معًا». قالت سميحة: «لا يهمني ما يقوله الآخرون. ولكنني أريدك أن تقول للمرة الأخيرة بصدق إنك كتبت الرسائل لي. وإلا فلن أتزوجك». قال مولود: «كتبت لك الرسائل بحب». ومنذ لحظة قوله هذا فهم صعوبة أن يقول الإنسان الحقيقة، وأن يكون مخلصًا بقوله. ١٦ البيت كنا نتصرف بانتباه شديد سميحة. كان البيت كوخًا قديمًا. لم يُضف إلى هذا الكوخ أي شيء جديد منذ كان مولود يسكنه مع والده. شرح هذا مولود بالتفصيل في لقائنا الثاني في قوناق. في أثناء حديثه عن بيت لم أره بعد، كان يلفظ كلمة «بيت» بحنان كوالده. قررنا الزواج، والسكن في بيت تل الرماد في لقائنا الثاني هذا في قوناق. سيكون صعبًا عليَّ إخراج المستأجر من بيتي الذي في تشوقور جمعة، كما أننا سنحتاج إلى أجرته. تبدو القضية كلها كأنها قضية بيت. كان مولود يقول لي بين حين وآخر كلمات حلوة، ولكن لا ضرورة لمعرفتكم بها. نحن أيضًا نحب رائحة كثيرًا. كنا نتصرف بانتباه شديد، وكل شيء يتقدم ببطء. إذا لم ندفع أجرة بيت، فإننا يمكن أن نعيش بشكل جيد جدًّا من إيجار البيتين الآيلين إليَّ من فرحات. هناك دخل لمولود أيضًا. تحدثنا بهذا أيضًا في لقائنا الثاني في أثناء تناولنا الأرز بالدجاج. كان مولود مرتاحًا ومباشرًا، وأحيانًا متخوفًا. لم أستخف به لأنه خائف، بل على العكس أعجب به. علمت فوزية بلقائنا قبل أن يحدث. علم زوجها والسيد سعد الله بلقائنا قبل آل آقطاش. خرجنا مولود وأنا وفوزية وإبراهيم في حضنها بسيارة السيد سعد الله بنزهة على شاطئ البوسفور. كان مولود يضحك لمن يؤشر لنا من الرصيف ومن يهجم علينا معتقدًا أننا سيارة أجرة نسعى وراء زبائن، ويصرخ من المقعد الأمامي حيث يجلس بسعادة: «ألا ترون السيارة مليئة؟». كان مولود يريد أن يتصل بسليمان من أجل إخراج المستأجر من بيت تل الرماد، ولكنني طلبتُ منه الانتظار؛ لأنني أردت أن أكون أول من يعطي الخبر لمن في تل التوت. قابلت وديعة الخبر بشكل جيد جدًّا، وعانقتني أختي روحي، وقبلتني. ولكنها قالت بعد ذلك مباشرة بأن الجميع يريدون هذا، ووترتني. أنا أريد أن أتزوج مولودًا لأن الجميع لا يريدون هذا، وليس لأنهم يريدون هذا. في الحقيقة أن مولودًا كان يريد أن يذهب هو إلى آل آقطاش، ويخبر قورقوط وسليمان. ولكنني حذرته: إذا بالغ بالزيارة، وحَوَّلها إلى مراسم احتفالية، يمكن أن يعتقد قورقوط وسليمان أننا نستأذنهما بالزواج، وهذا يحزنني. عندما سمع مولود مخاوفي هذه، قال: «ماذا سيحدث؛ ليعتقدا بما يريدان؟ لنعمل نحن ما يلزم». أخبر مولودٌ سليمانَ بالهاتف، ولكنه كان قد سمع بشيء ما من وديعة. رفض المستأجر الريزوي العتيق الخروج من البيت فورًا. تحدث سليمان إلى محامٍ، فقال له إن إخراج مستأجر دون عقد، من بيت دون سند تمليك بواسطـة المحكمة يستغرق سنوات. تمكن الفتوة الشهير الذي أرسله ابن فورال الكبير بقسوته وحدته من لقاء المستأجر الريزوي، واستلام ورقة منه يتعهد فيها عند كاتب العدل بالخروج بعد ثلاثة أشهر. تململ مولود وارتاح في آن واحد عندما تأجل الزواج ثلاثة أشهر. كان كل شيء يتطور بسرعة. يشعر مولود بأن ما يثير الخجل سيحدث في النهاية، ويتصور أن كل من يسمع بزواجه من سميحة، سيقول: «واه يا مسكينة رائحة». بالطبع فإن النمامين لن يبقوا في حدود اعتباره أقدم على ما يعيب، بل سيبهرون القصة: «في الحقيقة كتب للصغيرة، ثم تزوج الكبيرة»، بعد أن كادوا ينسونها، ويعيدون طرحها. فهمت سميحة من فتح مولود موضوع الزواج فورًا، ورغبته الحازمة والمنطقية أنهما لن يتمكنا من الذهاب معًا إلى المقاهي والسينمات وحتى تناول الغداء في مطاعم مناسبة قبل الزواج. لهذا عندما أصيبت بخيبة أمل، انتبهت إلى أنها تخيلت أمورًا كهذه. من جهة أخرى كانت مساومات الزواج، ومحاولات اللقاء بعيدًا عن أعين النمامين، والتهذيب الذي يجب إظهاره، ومبلغ النقود التي يجب أن يُصرف، وعدم معرفته بالكذبات المناسبة التي يكذبها متعبة لمولود إلى درجة أنه بدأ يفكر بأن الزواج عن طريق الخاطبة أسهل بكثير. كان مولود يستطيع اللقاء بسميحة عندما يذهب إلى بيت السيد سعد الله مرة كل أسبوعين فقط. لم يكونا يتكلمان كثيرًا. على الرغم من جهود فوزية الكبيرة للتقريب بين والدها وخالتها، كان مولود يرى عدم إمكانية الصداقة قبل الزواج. عندما خرج المستأجر من بيت تل الرماد في أيلول من عام ٢٠٠٢، فرح مولود لأنه وجد وسطًا يمكّنه من تطوير صداقته مع سميحة. جاءت سميحة من تل التوت إلى تل الرماد صاعدة مشيًا في الطرق المتلوية، وزارا معًا بيت طفولة مولود. بيت الطفولة الذي حكى عنه مولود مطولًا بحماسة لسميحة عند لقائهما الأول في محل قوناق للمهلبية، هو كوخ بغرفة واحدة خرب تقريبًا. الأرض ترابية كما كانت قبل خمسة وثلاثين عامًا. كان هناك بيت خلاء لصيق بالغرفة في وسطه حفرة. تتناهى أصوات الشاحنات المارة من الطريق المحلق عبر نافذة بيت الخلاء الصغيرة. وضعت مدفأة كهربائية إلى جانب مدفأة الحطب ذاتها. لم يستطع مولود اكتشاف خط تهريب الكهرباء، ولكنه يعرف بالتجربة أن أحدًا في تل الرماد لا يستخدم مدفأة كهربائية دون وجود خط مهرب. مازالت الطاولة ذات القائمة القصيرة التي يجلس عليها للدراسة في أثناء خوفه من الجان مكانها، والسرير ذو النوابض أيضًا. رأى مولود القدور التي طبخ فيها الحساء والغلاية التي أعد فيها القهوة قبل خمسة وثلاثين عامًا. لم يشترِ المستأجر شيئًا جديدًا للبيت طوال هذه السنين مثله ومثل والده. ولكن المحيط تغير تمامًا. فالتل الطيني شبه الأقرع غطته بيوت أسمنتية من ثلاثة أو أربعة طوابق. بعض الطرق التي شُقَّتْ عام ١٩٦٩ أصبحت الآن معبّدة. تحولت بعض الأكواخ القديمة في المحيط إلى مكاتب محامين ومهندسين معماريين ومحاسبة. رُكبت على الأسطح كلها هوائيات فضائية ولوحات إعلانية غيّرت المنظر الذي كان يراه مولود من النافذة عندما يرفع رأسه، ولكن مآذن جامع الحاج حميد وأشجار الحور فيه مازالت كما هي. بلّط مولود بآخر ما تبقى لديه من مدخرات أرض الكوخ (أصبح يستخدم هذه الكلمة أيضًا)، وأصلح سقفه، وجدد بيت الخلاء، وطلى جدرانه. جاءت شاحنة شركة سليمان للإنشاءات عدة مرات، ولكن مولودًا لم يذكر هذا الدعم لسميحة. يكدح من أجل أن تكون علاقته مع الجميع جيدة، ولا أحد يقلب شفته إزاء زواجه. قلق مولود من صمت ابنته التي في إزمير طوال الصيف، وعدم مجيئها ولو مرة واحدة إلى إسطنبول، وأبعد هذا الموضوع عن عقله. ولكن فوزية لم تستطع إخفاء الحقيقة عن والدها في أثناء الإعداد للعرس: كانت فاطمة معارضة لزواج والدها بخالتها بعد وفاة والدتها. لن تأتي إلى إسطنبول من أجل العرس. وكانت ترفض الرد حتى على هواتف والدها وخالتها سميحة. في أيام الصيف الحارة جاء عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء إلى إسطنبول، وذهب مولود إلى تل التوت، وخطب منه سميحة في الطابق الثالث المحني نحو الشارع بشكل رسمي، وقبّل يده كما فعل قبل عشرين عامًا عندما طلب منه رائحة. ترى هل يمكن لعبد الرحمن أفندي وسميحة أن يذهبا إلى فاطمة في إزمير، ويقنعاها بالمجيء إلى العرس؟ أراد مولود أن يقاطع فاطمة، وينساها؛ لأنها لم تفتح الباب لهذه الزيارة أيضًا. ولكن مولودًا لم يقاطع ابنته؛ لأن جانبًا من عقله يعطي الحق لفاطمة. وكان يرى الشعور بالذنب نفسه لدى سميحة أيضًا. سميحة التي بذلت جهدًا كبيرًا لكي تدخل فاطمة الجامعة، واهتمت بها بشكل خاص بعد وفاة أمها تجد صعوبة لا تقل عن صعوبة مولود بتقبل موقف ابنة أختها. عندما اقترح مولود عمل العرس بعيدًا عن الأعين، اقترحت سميحة العكس تمامًا. قالت سميحة: «لنعمل العرس في مكان قريب من تل التوت، ويأتِ الجميع، ويروْا. ولينموا بما يريدون أيضًا. وهكذا ينتهي الموضوع بسرعة أكبر». أعجب مولود بقرار سميحة، وجرأتها بلبس ثوب العرس الأبيض وهي في السادسة والثلاثين من عمرها. اختاروا الجمعية لقربها من تل التوت، وكونها دون نفقات. يشرب المدعون الليمونادة (والعرق الذي أمنه مولود من تحت الطاولات)، ويقدمون هداياهم، ويذهبون دون أن يتأخروا كثيرًا في شقة الجمعية الحارة والرطبة. استأجرت سميحة ثوب العرس بنقودها الخاصة من دكان في شيشلي ذهبت إليه مع وديعة. طوال فترة العرس وجد مولود أن سميحة جميلة جدًّا: عندما تلتقي عينا رجل بجمال كهذا، من الطبيعي أن يكتب رسائل غرام على مدى ثلاثة أعوام. أصبح سليمان منتبهًا إلى أن وجوده يزعج سميحة: لا هو ولا أحد من آل آقطاش أشعر بنفسه كثيرًا في العرس. كان سليمان سكرانَ عندما خرج من العرس. سحب مولودًا جانبًا. قال: «لا تنسَ يا بني، أنا الذي تدبرت زواجك في المرتين، ولكن لا أدري ما إن كنتُ قد فعلت حسنًا». قال مولود: «فعلت الأحسن». ذهب العريس والعروس وفوزية وزوجها وعبد الرحمن الرقبة العوجاء بسيارة السيد سعد الله الدودج إلى مطعم يقدم المشروب في بيويوك درة. لم يشرب مولود وسميحة المسرورة من لبس ثوب العرس نهائيًّا. عند عودتهما إلى البيت، أطفآ النور، ودخلا السرير، ومارسا الحب. شعر مولود منذ البداية أن ممارسة الحب مع سميحة لن تكون لها مشاكل ولا صعوبات. وشعر الاثنان بالسعادة أكثر مما تصورا. في الأشهر التالية ضغط مولود على نفسه كثيرًا؛ لكي لا يفكر برائحة التي تخطر بباله كثيرًا في أثناء نظره من نافذة الكوخ/البيت إلى تل التوت وجامع الحاج حميد والتلال الأخرى المغطاة بالأبنية في أثناء نوم زوجته. في الأشهر الأولى لزواجه سيطر عليه عدة مرات شعور بأنه عاش هذه اللحظة من قبل. لم يستطع أن يحدد ما إن كان هذا بسبب زواجه ثانية بعد سنين طويلة، أم مخاتلة تأتيه نتيجة عودته إلى بيت طفولته. الجزء السادس الأربعاء ١٥ نيسان/إبريل ٢٠٠٩ المساومة داخل الأسرة لا تعطي نتيجة أكيدة في يوم ماطر. بيرون باشا، «العذر والاستهزاء». بناء من اثني عشر طابقًا ريع المدينة من حقك قالت سميحة وهي تودع زوجها بالباب: «أقسمت ألا تنزل تحت الاثنتين وستين بالمائة. لا تخف منهم، وتطأطئ برأسك». قال مولود: «لِمَ سأخاف؟». «لا تصدق هراء سليمان، ولا تتوتر. هل أخذت السند؟». قال مولود وهو ينزل النزلة: «ورقة المختار معي». كانت ثمة غيوم رصاصية ماطرة في السماء. سيلتقي الجميع في دكان العم حسن في تل التوت. سيدخلون المساومة لآخر مرة. ستستفيد فورال للبناء أكبر شركات فورال للإنشاءات من قوانين «تحويل المدينة»، وتنشئ في تلَّي التوت الرماد ستة عشر بناء طابقيًّا. وبحسب المخطط، فإن أرض البيت المؤلف من غرفة واحدة ويعيش فيه مولود وسميحة منذ سبعة أعوام سيُنشأ عليها بناء باثني عشر طابقًا. ولهذا السبب على مولود أن يتفق مع آل فورال مثل كثيرين. ولكن قورقوط وسليمان غاضبان من مولود لأنه أطال المساومة، وتشدّد. لم يوقع مولود الاتفاق حتى الآن، وهو مستمر بالعيش في بيت طفولته مع سميحة، ولكن بعض شقق بناء الاثني عشر طابقًا، وسينشأ مكانه، قد بيعت منذ الآن. يخرج مولود إلى الحديقة أحيانًا، ويشير نحو السماء، ويُدهش من الأغنياء الذين دفعوا نقودًا منذ الآن لآل فورال ثمن شقق ستُبنى هناك، ويسخر منهم. ولكن سميحة لم تكن تضحك نهائيًّا من هذا المزاح. ويحترم مولود واقعية زوجته الثانية. يعرض مجسم البناء الذي لم يبدأ العمل ببنائه بعد في مكتب التعريف الذي فتحته شركة فورال للبناء في شارع السوق بين تلَّي التوت والرماد. وفي أثناء عرض الموظفة ذات الحذاء العالي الكعب والشعر الأصفر للزوار أنواع الشقق، ونماذج المواد التي ستستخدم في الحمامات والمطابخ، تتوقف لحظة، وتقول بأن الطوابق اعتبارًا من السادس تطل على البوسفور. فكرة الإطلالة على البوسفور فيما لو صُعد ستة طوابق من حديقة بيته تُشعر مولودًا بالدوار. أطال طريقه من أجل رؤية المجسم قبل أن يدخل المساومة الأخيرة مع آل آقطاش. عند سماع خبر إعلان الدولة كثيرًا من أحياء إسطنبول مع تلَّي التوت والرماد منطقة تحول مديني، خاصة أنها تشجِّع إنشاء أبنية طابقية مرتفعة لأول مرة عام ٢٠٠٦ فرح أهل الحي كثيرًا. كان لا يسمح بأكثر من أربعة أو خمسة طوابق في هذه التلال. الآن يُسمح باثني عشر طابقًا في تلَّي التوت والرماد. كان الأمر مثل نقود وضعت في جيوب الجميع. يعرف الجميع أن عائلة الحاج حميد فورال مالكة كثير من المقاسم في تلَّي التوت والرماد والقريبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم تقف وراء إصدار أنقرة هذا القرار. لهذا السبب ازدادت أصوات حزب العدالة والتنمية التي هي كثيرة أصلًا في انتخابات البلدية التي جرت في الشهر الماضي في تلَّي التوت والرماد وجوارهما. ولم يسمع صوت المخربين الذين يشتكون من كل شيء في البداية. فيما بعد، جاءت أولى الشكاوى من المستأجرين. عندما ارتفعت أسعار الأراضي والإيجارات فجأة بعد إذن بناء اثني عشر طابقًا، بدأ المستأجرون الذين كانوا بصعوبة يتمكنون من دفع الإيجار في نهاية الشهر مثل مستأجر مولود الريزوي بمغادرة التلال. كان المستأجرون القدامى هؤلاء يشعرون بما شعر به مولود عند مغادرته طرلاباشِ: شعور عدم وجود مستقبل لهم هنا، وأن هناك أغنياء سيعيشون في الأبنية الفخمة التي سترتفع هنا. بحسب القانون الجديد، يجب جمع مقاسم حوالي ستين كوخًا في «جزيرة» واحدة. قسمت البلدية تلَّي التوت والرماد إلى مناطق، وحددت الجزر، وأعلنتها. وهكذا بدأ يجتمع سكان الأكواخ الذين عرفوا بأنهم سيعيشون في البناء نفسه في بيوت بعضهم بعضًا، ويشربون الشاي، ويدخنون، ويتناقشون، ويختارون ممثلين ماهرين يفاوضون شركة البناء (كان هناك كثير من المتحمسين)، وتنشب بينهم شجارات صغيرة. ذهب مولود إلى هذه الاجتماعات ثلاث مرات تحت ضغط سميحة. وتعلم مع بقية الرجال فورًا كلمة «ريع»، وبدأ يستخدمها. رفع يده مرة، وتحدث عن المتاعب التي تحملها والده والجهد الذي بذله، وعذابه في بناء هذا البيت. ولكن بيع البوظة في الأزقة الخاوية تسعده أكثر من نقاش النسب والحصص التي لا يستطيع متابعتها كثيرًا. بحسب القانون الجديد، على أصحاب المقاسم الصغيرة أن يبيعوا حصصهم للمتعهد الذي سينشئ البناء من أجل الحصول على شقة في الأبنية العالية. أرادت شركات بناء تركية أخرى أن تأخذ هذه الأعمال، ولكن شركة الحاج حميد فورال كانت الأقوى بسبب علاقتها القوية مع أنقرة، ومع أبناء الحي في آن واحد. وهكذا بدأ أصحاب الأكواخ القديمة في تل التوت والرماد ينظرون إلى المجسمات في واجهة مكتب فورال للبناء من أجل فهم نوع الشقة التي سيتملكونها، ويترددون إلى شارع السوق من أجل المساومة مع ابن الحاج فورال الصغير. كانت القسمة بين أصحاب الأكواخ والمتعهدين في مناطق مختلفة من إسطنبول عمومًا بالمناصفة. وإذا وجد أصحاب السندات ممثلًا جيدًا، وتحركوا بشكل جماعي يمكن أن يرفعوا هذه النسبة إلى خمس وخمسين وحتى ستين بالمائة. ولكن هذا لا يتحقق في أغلب الأحيان، وتدب خلافات بين أصحاب الأكواخ الذين سيصبحون جيرانًا في البناء حول مواضيع النسبة المطلوبة، وتاريخ التسليم. سمع مولود من سليمان وهو يبتسم قصص قبض هؤلاء الممثلين رِشًا من المتعهد. كان قورقوط وسليمان وسط هذه الشائعات والمشاجرات والمساومات كلها؛ باعتبارهما أصحاب مقسم في تل التوت وشركاء في شركة الحاج حميد للبناء. لو حصل أصحاب الأكواخ التي حَوَّلوها إلى أبنية من ثلاثة أو أربعة طوابق على سندات تمليك رسمية، يمكنهم أن يخوضوا مساومة أقوى مع الدولة وشركة البناء. أما الذين ليس لديهم سوى ورقة مختار عمرها أربعون سنة لبيت مؤلف من غرفة واحدة (أكثر سكان تل الرماد من هذا النوع) يخافون من تهديد المتعهد: «تجد الدولة طريقة لتصادر لك مقسمك»، فيتراجعون. موضوع النقاش الآخر هو أجرة البيت المؤقت: يدفع المتعهدون الذين يبنون الأبنية العالية بموجب القانون الخاص لأصحاب الأكواخ أجرة بيت يقيمون فيه في أثناء مدة الهدم والبناء. تم تحديد المدة في بعض المناطق بسنتين، ولكن أصحاب البيوت بقوا في الشارع لأن المتعهدين لم ينهوا البناء في الموعد المحدد. لأن هذه الشائعات تنتشر في إسطنبول بسرعة، قرر كثير من أصحاب الأكواخ أن تأخير الاتفاق مع المتعهد إلى ما بعد اتفاقه مع الجميع أكثر ضمانًا. بعض أصحاب الأكواخ يتباطئون لمعرفتهم أن التأخر في المساومة إلى ما بعد اتفاق شركة البناء مع الجميع أربح، ويؤخرون البناء. كان قورقوط يغضب كثيرًا من أصحاب البيوت هؤلاء الذين يسميهم «سدّادات»، ويقول إنهم عديمو شرف يحاولون تخريب عمل الآخرين ويطالبون بالحصول على أكثر من حقهم. سمع مولود أيضًا قصص حصول بعض «السدادات» على ست أو سبع شقق في بناء مؤلَّف من ستة عشر طابقًا، في حين حصل الآخرون على شقتين صغيرتين. المساومون الناجحون هؤلاء عمومًا يبيعون شققهم الجديدة الغالية، وغالبًا ما يكونون من الذين يخططون للانتقال إلى حي آخر أو مدينة أخرى. لا تغضب الدولة والمتعهدون فقط من هؤلاء الذين يؤخرون البناء، بل يغضب جيرانهم القدماء الذين لم يستطيعوا الحصول على شققهم الجديدة بأي شكل أيضًا، ويضغطون عليهم. سمع مولود بأن شجارات بين «السدادات» وجيرانهم من الحي القديم وصلت إلى التلاكم والطعن بالسكاكين في الأبنية العالية من مناطق تلي السهم والفكر وزيتين بورنو، ونشرت في الجرائد. ويقال بأن المتعهدين يحرضون سرًّا على هذه الشجارات. يعرف مولود قصص «السدادات» هذه كلها جيدًا؛ لأن قورقوط قال له في المساومة الأخيرة: «لم يبقَ فرق بينك وبين «السدادات» يا مولود!». كان مكتب فورال للبناء في شارع السوق خاويًا. شارك هنا مولود باجتماعات تعريف كثيرة نظمها أصحاب البيوت والمتعهدون كل على حدة، وتفرج مع سميحة على المجسمات البيضاء ذات الشرفات الغريبة، وحاول أن يتصور شقته الصغيرة المطلة على الجهة الشمالية. كانت هناك في المكتب صور الأبنية العالية التي بناها آل فورال في إسطنبول، وصورة التقطت للبقال الحاج حميد وهو يحمل جاروفًا في أثناء بنائه أول بناء. لم يكن ثمة أحد أيضًا على الأرصفة التي يركن بجانبها الزبائن القادمون من الأحياء الجيدة في وقت الظهيرة من نهاية الأسبوع. بعد أن تسكع مولود قليلًا في السوق، ونظر إلى واجهات الدكاكين تحت جامع الحاج حميد فورال، بدأ يصعد طرقَ تل التوت المتعرجة ليلتحق بالاجتماع في دكان البقال. كانت هناك في طفولته أكشاك خشبية رائحتها كريهة أنشأها رجال الحاج حميد في السهل وراء البيوت الأولى التي بنيت في أول الطلعة. كان مولود يرى العمال الشباب النائمين كالموتى على أسرة خشبية في الغرف المظلمة الرطبة من الباب المفتوح. يزداد عدد البيوت الفارغة بعد أن انسحب المستأجرون، وغادروا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. كان مولود مهمومًا، وثمة سماء مظلمة أمامه. في أثناء صعوده الطلعة، كان يشعر أنه يصعد إلى السماء. لماذا لم يرفض إصرار سميحة على نسبة الاثنتين وستين بالمائة؟ من الصعب التفاهم على هذه النسبة مع آل آقطاش. في آخر مساومة مع قورقوط طلب مولود خمسًا وخمسين بالمائة، ووجدها قورقوط مرتفعة، ولكنهما قررا أن يتحدثا بالأمر مرة أخرى. جاء قورقوط وسليمان إلى الجمعية من أجل تلك المساومة، ثم لم يتصلا به لمدة طويلة. كان مولود قلقًا من جهة، ومسرورًا من رؤية قورقوط له أنه «سدادة»، ويشعر أنه بفضل هذا سيحصل على أكبر حصة. عندما أُعلن تلَّي التوت والرماد منطقة زلازل حساسة قبل شهر، اعتبر مولود مثل ما اعتبر غالبية سكان تل الرماد أن هذه مناورة من آل فورال. أقر القانون بصدور قرار الهدم بتصويت ثلثي أصحاب الأبنية القديمة غير المتحملة للزلازل. ولكن الحكومة والمتعهدين يستخدمون القانون من أجل استبعاد أصحاب البيوت الصغيرة الذين يعيقون بناء الأبنية الكبيرة والمرتفعة. ولأن عمل «السدادة» أصبح صعبًا بعد هذا القرار، يفكر مولود كيف سيطرح نسبة الاثنتين وستين بالمائة التي ألحت عليها سميحة عند خروجه من البيت. مولود موافق منذ زمن على نسبة الخمس والخمسين بالمائة مع آل فورال: بموجب هذه النسبة يستطيع الحصول على ثلاث شقق من الطوابق السفلية التي ليست لها إطلالة في البناء المؤلف من اثني عشر طابقًا. ولأن أم مولود وأختيه في القرية ورثة رسميون لوالده، فإن مولودًا يحصل على أقل من شقة من هذه النسبة. لكي يكونا صاحبي شقة ستدفع سميحة الفرق إيجار الشقتين الباقيتين لها من فرحات في تشوقور جمعة لمدة خمسة أعوام (وتنزل المدة إلى ثلاثة أعوام إذا قبلوا بنسبة اثنتين وستين بالمائة). سيكونان شريكيْن بالشقة. جرت هذه الحسابات عبر نقاش وجدل مع سميحة في البيت دام لأشهر. لأن مولودًا لا يريد أن يفقد أمله بامتلاك شقة في بناء بعد أربعين سنة من مجيئه إلى إسطنبول، دخل خائفًا إلى دكان عمه حسن البقال الذي تضج واجهته بألوان الصناديق والجرائد. كان الدكان شبه مظلم، ولم يستطع مولود للحظة تعويد عينيه. قال سليمان: «يا مولود، تكلَّمْ مع والدي، إنه يجننا، لعله يسمع منك». كان العم حسن جالسًا على طاولة البيع كما يفعل منذ خمسة وثلاثين عامًا. طعن بالسن، ولكنه شامخ. تذكر مولود مدى شبه عمه بوالده، ولم ينتبه إلى هذا في طفولته. عانقه، وقبله من خده ذي اللحية الخفيفة المغطى بالشامات. ما يسخر منه سليمان، ويبتسم له قورقوط هو إصرار والده على بيع البضاعة لزبائن البقالية بأكياس مصنوعة من ورق الجرائد (كان يقول العم حسن: «كيس ورق»). كان العم حسن يصنع أكياس الورق بنفسه في وقت فراغه بطي الجرائد التي يجلبها من البيت أو يجمعها من هنا وهناك كما كانت بقاليات إسطنبول كلها تفعل في الخمسينيات والستينيات، ويدافع عن عادته هذه أمام ابنه بالقول: «أنا لا أؤذي أحدًا!». جلس مولود على كرسي مقابل عمه، وبدأ بطي الجرائد كما يفعل دائمًا. يقول سليمان لوالده بأن الحي يتغير بسرعة، ولا أحد يشتري من ماركت تستخدم أكياسًا من ورق جرائد قذرة. قال العم حسن: «لئلا يأتوا. أصلًا هذه ليست «ماركت» بل بقالية». والتفت إلى مولود، وغمزه. في الحقيقة أن سليمان قال لوالده إنه يعمل عملًا لا فائدة منه، بل مضرًّا: كان كيلو أكياس النايلون الجاهزة أرخص بكثير من كيلو ورق الجرائد القديمة. سُر مولود من طول النقاش. لأنه يخاف من نقاش حصة البناء من جهة؛ ولأن صدعًا ظهر تلقائيًّا على جبهة آل أقطاش من جهة أخرى. لهذا السبب عندما قال العم حسن: «ابني، النقود ليست كل شيء في الحياة!» وافقه مولود، وقال: ليس كل ما يدر النقود مفيدًا. قال سليمان: «بابا، مازال مولود يبيع بوظة حتى الآن. نحن نحترم مولودًا كثيرًا، ولكن لا يمكن العمل بالتجارة بناء على تفكيره». قال العم حسن: «مولود يحترم عمه أكثر منكما. ثم انظرا، لا يجلس دون عمل، إنه يصنع أكياسًا». قال قورقوط: «سنرى احترام مولود لنا عندما يقول قراره الأخير. هل فكرت يا مولود؟». ارتبك مولود، ولكن الجميع صمتوا لأن صبيًّا دخل إلى الدكان، وقال: «عم حسن، واحد خبز!». أخرج العم حسن الذي ناهز الثمانين من عمره قطعة خبز صمون، ووضعها على قاطع البيع. قلب الولد ابن العاشرة شفته؛ لأن قطعة الخبز ليست هشة. قال العم حسن: «اخترْ بعينك وليس بيدك يا بُنَيَّ!» وذهب، وجلب واحدة أكثر نضجًا. خرج مولود إلى الزقاق، وخطر بباله حل. كان في جيبه هاتف نقال أهدته إياه سميحة قبل ستة أشهر. تتصل سميحة بزوجها فقط، ولم يستخدم مولود الهاتف قط. الآن يتصل بزوجته، ليقول لها إن نسبة اثنتين وستين بالمائة عالية جدًّا، ويجب أن ينزلا، وإلا سينشب شجار. ولكن سميحة لم تفتح التلفون. مع بدء المطر رأى مولود الولد يخرج من الدكان بالخبز أخيرًا، فدخل، وجلس بجانب العم حسن، وتابع طي الجرائد بجدية. كان قورقوط وسليمان يشتكيان بلغة مهينة من «السدادات» الذين يصعبون الأمر في اللحظة الأخيرة بعد الاتفاق، والحاذقين الذين يريدون المساومة من جديد، والسفلة الذين يطالبون المتعهد بمبلغ سري لأنه أقنع جاره بتوقيع العقد، ويرويان لوالدهما كل شيء بالتفصيل. كان مولود يفكر أنهما سيتحدثان عنه من وراء ظهره باللغة ذاتها. رأى مولود باستغراب من خلال أسئلة عمه حسن لابنيه أنه متابع لهذه المساومات وأعمال البناء كلها، ومازال يوجه ابنيه من دكان البقال. مع أن مولودًا كان يعتقد بأن عمه حسن لا علم له بشيء نهائيًّا غير دكان البقال الذي يعمل فيه لمجرد التسلية. وقعت عين مولود على صورة مألوفة في جريدة كان يطويها. الكتابة التي بجانبها تقول: «وفاة الأستاذ الخطاط». حزن مولود لمعرفته أن حضرة الأفندي قد توفي. كتبوا تحت صورة له وهو شاب: «بعض أعمال آخر أساطين الخط معروضة في المتاحف الأوربية». عرَّج مولود على الزاوية آخر مرة قبل ستة أشهر. كان وسط المعجبين على مسافة بعيدة جدًّا من حضرة الأفندي لا تمكنه من الوصول إليه، ولا يمكن سماع ما يقوله، وفهمه. وخلال العقد الأخير ملأ أزقة تشارشمبة رجال بمختلف الألبسة ينتمون إلى طرق دينية عديدة. خاف مولود من تدينهم السياسي، ولم يذهب ثانية إلى ذلك الحي. والآن نادم لأنه لم يرَ حضرة الأفندي مرة أخيرة. اختبأ مولود خلف الجريدة من أجل التفكير بهذا. قال قورقوط: «مولود، تطوي الجرائد مع أبي فيما بعد. ولكن لنوقع هذا الاتفاق كما قررنا. لدينا أعمال أخرى. الجميع يقولون: «لماذا لم يوقع ابن عمكم؟». نحن أعطيناك أنت وسميحة كل ما طلبتماه». «لا نريد أن نسكن في مبيت الحاج حميد بعد هدم بيتنا». «حسن. لنكتبْ في الاتفاق ألفًا ومائتين وخمسين ليرة كل رأس شهر لثلاث سنوات، وتسكنا حيث تريدان». كان هذا مبلغًا جيدًا جدًّا. تجرأ مولود، وقال: «غير هذا نريد نسبة اثنتين وستين بالمائة». «من أين أتت نسبة اثنتين وستين بالمائة؟ (كم كان مولود يريد أن يقول: «سميحة أصرت على هذا!»). نحن قلنا آخر مرة عن الخمس والخمسين بالمائة كثيرة!». قال مولود بثقة دهش منها: «هذا ما وجدناه مناسبًا». قال قورقوط: «لا يمكن إذًا. ونحن لدينا كرامتنا. لا يمكنك أن تخوزقنا هكذا عيني عينك! أسفي عليك! أنت تعرف ما فعلته، أليس كذلك؟ بابا، أرأيت أي نوع من الرجال مولود هذا؟». قال العم حسن: «اهدأ يا بني. مولود رجل معقول». «لينزل إلى أقل من خمس وخمسين بالمائة، ولننهِ هذا العمل هنا إذًا. طبعًا سيقولون لم يستطع آل أقطاش إقناع ابن عمهم، ويدور الكلام في الوسط. إنهم يجتمعون كل مساء في البيوت، ويخططون كيف يدخلون المساومات. الآن يستغل السيد مولود الحاذق هذه المخاوف، ويبتزنا. هذه آخر كلمة يا مولود؟». قال مولود: «هذه آخر كلمة!». «حسنٌ، تعالَ لنذهب يا سليمان». قال سليمان: «انتظر أخي. فكر بهذا أيضًا: إذا حصل المتعهد على ثلثي المساحة، فلا يرد على دموع أحد. سيرمونك من البيت. يدفعون لك ما تقترحه الدائرة العقارية ودائرة الضرائب. في الحقيقة أنت ليس لديك سند تمليك، بل ورقة مختار. وهناك اسم والدي إلى جانب اسم عمي مصطفى أسفل ورقة المختار التي أردت أن تعطيني إياها ذات مساء شربت فيه عندما كنت تكتب رسائل الغرام لرائحة، إنك تعرف هذا بكل الأحوال. إذا دخل هذا الأمر المحكمة، فلن يصل يدك نصف هذا المبلغ الذي نقترحه عليك. مازلت مصرًّا؟». قال العم حسن: «لا يجوز الكلام مع أحد بهذه الطريقة يا بني». قال مولود: «مصرّ». قال قورقوط: «امشِ، لنذهب يا سليمان». خرج الأخ الكبير في المقدمة، والأصغر يتبعه غاضبين من الدكان، وابتعدا راكضين تحت المطر. قال العم حسن: «تجاوزا الخمسين من عمريْهما، ولكنهما مازالا طموحين. ولكن شجارًا كهذا لا يليق بنا. بعد قليل يعودان. أنت أيضًا انزل قليلًا...». لم يستطع مولود أن يقول: «انزل!». في الحقيقة أن قورقوط وسليمان لو تعاملا معه بلطف قليلًا، فسيقبل بالخمس والخمسين بالمائة. أصرت سميحة على اثنتين وستين بالمائة لمجرد العناد. الآن مولود مرتبك من احتمال عدم حصوله على أي شيء في المحكمة بعد عشرة أعوام. عاد إلى الجريدة القديمة التي بيده. نُشر خبر موت حضرة الأفندي قبل أربعة أشهر. قرأ مولود الخبر القصير مرة أخرى. لم يكن في الجريدة أي ذكر للزاوية المهمة بأهمية كونه خطاطًا، وكونه شيخ هذه الزاوية. ماذا يجب أن يفعل مولود الآن؟ إذا خرج، وذهب، فسيخرب الأمر، وسيكون من الصعب عليه العودة للتفاهم من جديد. لعل هذا ما أراده قورقوط. يقولون في المحكمة: «اسم والدنا وارد في ورقة المختار، وله حق بالمقسم». (بالطبع سيخفيان أنهما وضعا يدهما على مقسم تل التوت، وباعا ذلك الذي في تل الرماد)، وهكذا سيأخذان كل ما لدى مولود. لم يكن مولود يعرف كيف يذهب إلى البيت، ويشرح هذا لسميحة. كان يطوي الجرائد بصمت. دخلتْ إلى الدكان نساء اشترين أرزًا وصابونًا وبسكويتًا، وأولادٌ اختاروا لبانًا وشيكولاتة، وخرجوا. مازال العم حسن يمسك دفتر دين لبعض الزبائن. كان يطلب من الزبائن أن يكتبوا ما اشتروه بأنفسهم؛ لأنه لا يستطيع الرؤية بعينيه. بعد ذهاب الزبون، التفت نحو مولود، وطلب منه أن ينظر ما إن كان الزبون قد كتب ما أخذه بشكل صحيح. عندما أدرك أن ابنيْه لن يعودا لإنهاء المساومة على خير، تحدث مع مولود بجو من السلوان. قال: «لم نكن ـ المرحوم والدك وأنا ـ أخوين ولا صديقين جيدين. سيَّجنا المقسمين في تل الرماد معًا. وسجلنا اسمينا تحت ورقة المختار من أجل ألا نفترق. في ذلك الوقت كنا ـ أبوك وأنا ـ نبيع اللبن معًا، ونأكل معًا، ونذهب لصلاة الجمعة معًا، ونجلس في الحديقة، وندخن معًا. ورقة المختار معك؟». وضع مولود الورقة الرطبة المجعلكة على قاطع البيع. «ولكننا افترقنا ثانية. لماذا؟ لأنه لم يجلب أمك وأختيك إلى إسطنبول. اشتغلت مع المرحوم والدك بعرقك ودمك. لك الحق أكثر من الجميع بتلك الشقق. لم تأتِ أختاك إلى إسطنبول، ولم تعملا مثلك. الأصح هو أن يعطيك المتعهد تلك الشقق الثلاث لك. لديَّ أوراق فارغة من أوراق المختار القديمة هذه. كان المختار صديقي، ولديَّ خاتمه. وضعتها جانبًا قبل خمسة وثلاثين عامًا. تعالَ لنمزق هذه الورقة القديمة، ونعمل واحدة جديدة على ورقة مشابهة. لنكتب اسمك، ولنضرب الخاتم بشكل جيد. وتتملكا أنت وسميحة شقة دون أن تدفع زيادة لآل فورال». فهم مولود أن هذا يعني تقليل حصة أمه وأختيه، ورفض. «لا ترفض فورًا. أنت من صبب العرق في إسطنبول. وريع المدينة من حقك». عندما رن الهاتف بجيب مولود، خرج لحظة إلى المطر. قالت سميحة: «اتصلت، ماذا حدث؟». قال مولود: «لا تسير الأمور بشكل جيد». قالت سميحة: «احذر أن تطأطئ لهما!». أغلق مولود الهاتف بغضب، ودخل إلى البقالية. قال: «أنا ذاهب يا عم حسن!». قال العم حسن وهو يطوي الجرائد: «كما تريد يا بُنَيَّ. في النهاية سينتهي كل شيء كما يريد الله تعالى». كان مولود يريد أن يقول له عمه: «اجلس قليلًا، سيلين الأولاد الآن». غضب من سميحة لأنها دفعته، وأوصلت نفسها إلى هذه النقطة. إنه غاضب من قورقوط وسليمان وآل فورال أيضًا، ولكن غضبه الأكبر من نفسه. لو وافق عمه حسن قبل قليل، فسيأخذ في النهاية الشقة التي استحقها. الآن لم يعد واثقًا من شيء. في أثناء سيره تحت المطر من الطريق المعبد المتلوي نزولًا (كان ترابيًّا طينيًّا قديمًا) من أمام محل المواد الغذائية (كان بائع أشياء مستعملة قديمًا)، وهابطًا الدرج (لم يكن موجودًا سابقًا)، وصاعدًا إلى تل الرماد كما يفعل يوميًّا، تذكر رائحة. إنه يرى رائحة في حلمه أكثر في هذه الأيام. دائمًا تكون هناك أنهر تفيض، وحرائق، وظلمات بينه وبين رائحة. ثم تتحول تلك الظلمات إلى غابة وحشية مثل هذه الأبنية البشعة السامقة على يمينه. يدرك مولود أن هناك كلابًا بين أشجار الغابة وكذلك قبر رائحة، ويسير نحو رائحة على الرغم من خوفه من الكلاب، وفي أثناء سيره نحو رائحة، تكون حبيبته في الجهة العكسية خلفه تتفرج عليه، وينتبه إلى أنها حية، ويستيقظ بسعادة ولكنها ممزوجة بالألم. لو كانت رائحة في البيت، لفعلت ما بوسعها، وقالت كلامًا حلوًا، وهدَّأت مولودًا المرتبك. أما سميحة فتضع في رأسها شيئًا، ولا ترى من الحياة سوى ذلك الشيء الذي تريده، وهذا ما يزيد من هلع مولود. لم يعد مولود يصبح نفسه سوى عندما يبيع البوظة مساء. وُضعت إعلانات على حدائق بعض البيوت: «هذه الأرض ملك فورال للبناء». كانت هذه السفوح التي يمر منها طريق تل الرماد الرئيس أول مجيء مولود إلى هنا أرضًا خاوية. كان والده يرسله إلى هذه السفوح ليجمع ورقًا وحطبًا وعشبًا يابسًا من أجل حرقه في المدفأة. الآن ترتفع على جانبيه أبنية أكواخ بشعة وسيئة بستة أو سبعة طوابق. بنيت هذه بداية طابقين أو ثلاثة. فيما بعد صعدوا بطوابق كثيرة دون ترخيص على تلك الأساسات الضعيفة إلى درجة أصبح ليس من المربح هدمها وإنشاء بناء جديد مكانها. لهذا السبب فإن أصحاب الشقق في هذه الأبنية لا يريدون الاستفادة من إذن بناء اثني عشر طابقًا، ولا يحاول أصحاب شركات البناء الاتفاق معهم. شرح قورقوط مرة أن هذه الأبنية الفظيعة التي بني كل طابق من طوابقها بأسلوب مختلف عن الآخر لا تُظهر تلَّي التوت والرماد جميلين، وتخفِّض أسعار الأبنية الجديدة، وتخرب مكانة الحي، والحل الوحيد لهذه الأبنية أن تُهدم، وتزول بزلزال جديد. أحيانًا يقبض مولود على نفسه وهو يفكر بالزلزال الكبير الذي قال العلماء بعد زلزال ١٩٩٩ إنه يقترب، وسيهدم المدينة، مثلما يفكر الإسطنبوليون جميعًا. في ذلك الوقت يشعر كم أن المدينة التي عاش فيها أربعين سنة، ودخل آلاف وعشرات آلاف أبواب بيوتها، وذكرياته كلها فيها مؤقتة. يدرك بأن الأبنية العالية التي تنشأ مكان الأكواخ التي أنشأها جيله، ستزول ذات يوم مع الناس الذين يعيشون فيها. أحيانًا يتجلى ذلك اليوم الذي سيزول فيه الناس والأبنية أمام عينيه كالحلم، فلا يريد أن يفعل شيئًا، ولا يبقى لديه أي توقع من الحياة. مع أنه في سنوات السعادة في أثناء زواجه من رائحة كان يعتقد بأن المدينة لن تتغير نهائيًّا، ويتأقلم معها، وسيعمل كثيرًا في الأزقة حتى يتخذ لنفسه مكانًا فيها. في الحقيقة أن هذا قد حدث. ولكن هناك عشرة ملايين إنسان أتوا معه إلى هذه المدينة، وعندما هجموا على أحد أطراف المدينة مثله، غدت مكانًا مختلفًا تمامًا. مدينة إسطنبول التي كان عدد سكانها ثلاثة ملايين، يقال إنها اليوم أصبحت ثلاثة عشر مليونًا. تدخل قطرات المطر من خلف رقبته. بحث مولود البالغ الثانية والخمسين من عمره عن مكان يلجأ إليه من أجل ألا يُسرع ضربات قلبه. ليست لديه مشكلة في قلبه، ولكنه يدخن كثيرًا في هذه الأثناء. كان على اليمين إلى الأمام قليلًا ثمة ساحة خاوية عرضت فيها سينما دريا عدة أفلام صيفية، وأقيمت فيها بعض حفلات الختان والأعراس، أحيطت بالأسلاك، وفرشت ببساط عشب بلاستيكي، وحُوِّلت إلى ساحة كرة قدم. نظم مولود فيها مباريات الجمعية. لجأ تحت سقيفة مدخل الإدارة. أشعل سيجارة وهو ينظر إلى قطرات المطر التي تهطل على الساحة الخضراء. يقضي حياته بانفعال يكبر تدريجيًّا. مع أن مولودًا في هذا العمر يريد أن يمد رجليه قليلًا، ويرتاح، ولكن قلبه ليس مرتاحًا. الشعور بالنقص وعدم الكفاية الذي رافقه أول مجيئه إلى المدينة، ازداد بعد وفاة رائحة، وخاصة في الأعوام الخمسة الأخيرة. ماذا سيقول لسميحة الآن؟ لم يعد يريد بيتًا يقضي فيه بقية حياته، ويثق أنه لن يرمى منه. في الحقيقة أن سميحة يجب أن تسليه لأنه لن يستطيع امتلاكه، ولكن مولودًا يعرف أن سميحة تحتاج أساسًا إلى سلوان. قرر أن يخبر سميحة بالجانب الإيجابي فقط من المساومة. على الأقل يجب أن يدخل من هذا الجانب إلى الموضوع. تمديدات المجرور غير الكافية في تل الرماد لا تستطيع سحب الماء المتدفق من الطريق الشديد الانحدار. فهم مولود من مزامير السيارات المزدحمة بأن الماء تجمّع في شارع السوق في الأسفل. عندما وصل إلى البيت كان مبتلًّا تمامًا. لأن نظرات سميحة كانت قلقة، قال مبالغًا: «كل شيء على ما يرام. عرضوا دفع ألف ومائتين وخمسين ليرة شهريًّا لنقيم حيث نريد». قالت سميحة: «مولود، لماذا تكذب؟ فشل الأمر». اتصلت وديعة على هاتفها النقال، وأبلغتها بأن قورقوط منزعج جدًّا وغاضب، وأن هذا الأمر قد انتهى، وقد محوا مولودًا. «ماذا قلتِ أنت؟ أما قلتِ إنك جعلتني أقسم ألا أنزل تحت الاثنتين والستين بالمائة؟». قالت سميحة رافعة رأسها إلى الأعلى: «وهل أنت نادم؟ هل تعتقد بأن قورقوط وسليمان سيعاملانك بشكل أفضل لو انكسرت لهما؟». قال مولود: «أنا طوال عمري أنكسر لهما». وتجرأ عندما صمتت سميحة: «والآن إذا عاندت يمكن أن تذهب هذه الشقة أيضًا. هل تتحملين مسئولية هذا الأمر؟ اتصلي بأختك، وانهي الأمر على خير. أنا خفت منهما، ونادم». «أنا لا أستطيع فعل هذا». قال مولود: «لأتصل أنا بوديعة إذًا». ولكنه لم يمد يده إلى جيبه، ويتصل. كان يشعر بالوحدة. ويعرف أنه لن يستطيع اتخاذ أي قرار صعب في ذلك اليوم دون دعم سميحة. غيّر ألبسته الداخلية المبللة في أثناء نظره إلى المنظر الذي كان ينظر إليه أيام المدرسة المتوسطة وهو يدرس. بنوا بناء ضخمًا جدًّا في الفسحة الواسعة المجاورة لبناء ثانوية أتاتورك للبنين البرتقالي التي كان مولود يحب الركض ودرس ألعاب القوى فيها؛ مما يجعله يعتقد أن مدرسته القديمة مستشفى كلما نظر إليها. فتحت سميحة التلفون الذي رنّ، وقالت: «نحن هنا» وأغلقت. التفت إلى مولود: «وديعة قادمة، لا تذهب إلى أي مكان، قالت انتظرها». كانت سميحة مؤمنة بأن وديعة قادمة لتقول: «مولود أخطأ، عليه أن ينزل قليلًا». وتنصح مولودًا ألا يطأطئ. قال مولود: «وديعة إنسانة طيبة جدًّا. لا يمكن أن تجلب إلينا عرضًا سيئًا». قالت سميحة: «لا تثق بأختي كثيرًا. فهي تحمي سليمان أكثر منك. أما فعلت هذا دائمًا؟». هل كانت هذه وخزة في موضوع الرسائل؟ إذا كان الأمر على هذا النحو، فهذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها سميحة غاضبة من قصة الرسائل. صمتا وهما يستمعان للمطر. قرع الباب كأنه يلكم. دخلت وديعة وهي تقول: «تبللت كثيرًا!» ولكنها كانت تحمل شمسية كبيرة بنفسجية، ولم تتبلل سوى قدميها. بينما كانت سميحة تخرج لأختها جوربين ونعلًا بيتيًّا، وضعت وديعة ورقة على الطاولة. «مولود، وقّعْ هذه، ولننهِ الأمر. طلبتَ أكثر من حقك بكثير، بذلتُ جهدًا كبيرًا لنُنهي الموضوع دون زعل». رأى مولود قالب العقد مع آخرين، وهو يعرف إلى أين يجب أن ينظر: فرح عندما رأى اثنتين وستين بالمائة، ولكنه ضبط نفسه، وقال: «لن أوقع إذا كان ليس حقي». قالت وديعة باسمة: «ليس في المدينة حق، بل ربح. أما تعلمت حتى الآن يا مولود؟ ما تكسبه يصبح حقك بعد عشر سنوات. وقّعْ هذه. حصلت على كل ما تريده، لا تتدلل». قالت سميحة: «لا يجوز أن توقِّعَ دون أن تقرأ». ولكنها ارتاحت عندما أشار مولود إلى الاثنتين والستين بالمائة. سألت أختها: «ما الذي حدث؟». أمسك مولود القلم، ووقع. أعطت وديعة الخبر لقورقوط بالهاتف. ثم قدمت لسميحة لفة رقائق عجين جلبتها معها، وفي أثناء شربها الشاي منتظرة توقف المطر، حكت وهي مستمتعة: في الحقيقة أن قورقوط وسليمان غاضبان جدًّا من مولود. وعلى الرغم من توسلها الشديد، كانت الأمور متجهة للذهاب إلى المحكمة، وخسارة مولود كل شيء، فاتصل الحاج حميد فورال الذي علم بالوضع بقورقوط. قالت وديعة: «يحلم الحاج حميد فورال ببرج أكبر وأعلى في نواحي بيتنا في تل التوت. لذلك قال: «أعطوا ابن عمكم النسبة التي يريدها». لأنه لن يبدأ بعقود ذلك البرج قبل إنهاء أبنية الاثني عشر طابقًا هذه». قالت سميحة: «يخشى أن تكون في الأمر لعبة!». فيما بعد عرضت سميحة العقد على محامٍ، وعرفت أنه لا يوجد في الأمر مكر. سكنا في شقة في مجيدية كوي قريبة من الجمعية التي يعمل فيها مولود. ولكن عقل مولود بقيَ مشغولًا بتل الرماد، والبيت الذي أفرغه. ذهب عدة مرات ليرى ما إن كان اللصوص أو المشردون قد سكنوه، ولكن ليس فيه ما يمكن سرقته. فقد باع كل ما يمكن بيعه من مقابض الباب إلى الصنبور. عندما بدأت بلدوزرات شركة فورال للبناء وآليات الهدم تهدم في تل الرماد مع نهاية الصيف ذهب مولود كل يوم للفرجة عليها. في اليوم الأول دُعي الصحفيون، وألقى رئيس البلدية كلمة، ونُظم احتفالٌ مؤيد للحكومة. في أيام الصيف الحارة التالية لم يصفق أحد (حتى الذين عقدوا أربح العقود مع فورال للبناء)، كما صفق يوم الاحتفال عندما كان بيته يهدم وسط الغبار. رأى مولود من بكى، ومن ضحك، ومن لم يستطع النظر، ومن افتعل مشاجرة بذريعة ما في أثناء هدم بيته. عندما وصل الدور إلى بيته المؤلف من غرفة واحدة، جرح قلبه. عندما رأى مولود أن بيته المؤلف من غرفة واحدة، وطفولته، والطعام الذي تناوله، والدروس التي درسها، والروائح التي شمها، وصوت والده الذي يشخر وهو نائم، ومئات آلاف الذكريات وكل شيء قد راح بضربة دلو بلدوزر واحدة، وتحطم، وزال، اغرورقت عيناه. الجزء السابع الخميس ٢٥ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠١٢ مع الأسف أن شكل وملامح المدينة يتغيران بسرعة أكبر من تغير قلب الإنسان. بودلير، «البجعة». أنا لا أستطيع التفكير إلا وأنا أمشي. وعندما أتوقف تتوقف أفكاري، يتحرك عقلي مع ساقي. جان جاك روسو، «الاعترافات». شكل وملامح مدينة أنا لا أستطيع التفكير إلا وأنا أمشي الآن يعيش الجميع في بناء باثني عشر طابقًا، وثمانٍ وستين شقة. واجهة شقة مولود وسميحة فقط تتجه نحو الشمال دون إطلالة. إنهما في الطابق الأول. العم حسن والخالة صفية في طابق المدخل، وقورقوط ووديعة في التاسع، وسليمان وملاحات في الأخير. أحيانًا يتقابلون في المدخل حيث يدخّن البواب بشكل دائم ويؤنب الأولاد عندما يلعبون الكرة، وأحيانًا في المصعد، ويتبادلون الابتسامات والممازحات، ويتصرفون كأن العيش في بناء ذي اثني عشر طابقًا أمر طبيعي جدًّا، ولكنهم في الحقيقة يستهجنون وضعهم. أكثر من يستهجن وضعه هو سليمان على الرغم من أنه يجب أن يكون مولود. لأن سليمان أراد أن يحصل على شقة في أحد الطوابق العلوية من البرج الذي بناه الحاج حميد فورال بعناية في آخر سنوات حياته في تل التوت، ويطل على إسطنبول، وليس في هذا البناء «د» المؤلف من اثني عشر طابقًا. وجد الحاج حميد الأمر معقولًا، وقال له: «ليأتِ أخوك ووالدك أيضًا إلى برجي!»، ولكن بعد وفاته عن عمر ناهز التسعين عامًا قبل سنتين (شارك وزير الإسكان الموافق العامة بالجنازة)، غيرت إدارة فورال للبناء موقفها، واستبعدت قورقوط وسليمان من هذا البناء. وبعد نقاش طوال عام ٢٠١٠، تمكنا من إيجاد سببين لهذا الأمر: الأول، شكوى قورقوط من كبر الرِّشا المدفوعة لمنح إذن البناء في اجتماع نهاية العام، وقوله: «هل يقبضون كل هذه المبالغ حقيقة؟». وقد غضب أبناء الحاج حميد من هذا الأمر بشكل شخصي؛ لأنهم شعروا بأن العبارة تلمح إلى: «في الحقيقة أنكم لا تدفعون الرشوة للوزير، بل تضعونها في جيوبكم». مع أن قورقوط لم يلمح إلى هذا الأمر. السبب الثاني ـ وهذا تم تذكره فيما بعد، وأعيد تسخينه ـ إلصاق صفة «المؤيد للانقلاب العسكري» بسبب المداخلة الفاشلة في باكو. طالما حظيت هذه الصفة بتسامح الحكومات القومية المحافظة، ولكنها توتر الحكومة الأخيرة. ولكن السبب الأساسي الذي سيعرفانه فيما بعد هو قول والدهما: «أنا لا أوقِّع إذا لم نسكن كلنا في بناء واحد». وجد قورقوط وسليمان صعوبة كبرى بإقناع العم حسن والخالة صفية بالخروج من بيتهما لأربعين عامًا، والمؤلف من أربعة طوابق، والسكن في شقة بناء، ولعب الدور المؤثر انحناء الطابقين الأخيرين بالزلزال. صباح عيد الأضحى من عام ٢٠١٢، لم يرَ مولود وسط زحام المصلين في جامع الحاج حميد فورال سليمان أو قورقوط أو أولادهما. مع أنهم في الأعياد القديمة عندما كانوا يسكنون في تلَّيْن مختلفيْن وحييْن مختلفيْن يحرصون على اللقاء قبل صلاة العيد، والصلاة معًا، ثم التدافع وسط الزحام للتقدم على السجاد، وتقبيل يد الحج حميد معًا. الآن لدى الجميع هواتف نقالة، ولكن مولودًا لم يتصل بأحد، وشعر في أثناء صلاته وسط الزحام الكبير الذي يفيض من باحة الجامع إلى الساحة بما يشعر به في الأعوام الأخيرة، وهو الوحدة الشديدة. التقت عيناه بعيني بعض الوجوه المألوفة من سكان تلَّي الرماد والتوت من أيام المدرسة المتوسطة والثانوية، وعدد من أصحاب الدكاكين والسيارات من جيرانه في البناء «د»، وبادلهم السلام، ولكن حال الزحام الفظة والمتململة أثارت لديه شعورًا بأنه يصلي في حي لا ينتمي إليه. ترى كم عدد الشباب من الجيل الحالي الذين يعرفون الحاج حميد فورال الذي ذكره الخطيب وهو يعدِّد «الذين قدموا لنا هذا البلد الجميل والحياة الجميلة بخدماتهم» رابع أو خامس اسم بعد أتاتورك، وقد حضر عرس مولود ورائحة، وأهداه ساعة يد قبل سنين؟ عندما عاد مولود من الجامع لم تكن سميحة في البيت. فهم مولود أنها صعدت إلى الطابق التاسع عند وديعة. لقد جاء عبد الرحمن الرقبة العوجاء إلى تل الرماد بمناسبة العيد، وهو مقيم في الرقم تسعة منذ أسبوع. هناك كثير من الغرف دون إطلالة في تلك الشقة، ويمكن تدبر الأمور دون اللقاء بين قورقوط وحميه، وتمضي وديعة وسميحة معظم يومهما أمام التلفاز مع والدهما. أما سليمان، فيجب أن يكون قد وضع عائلته في سيارته من الصباح الباكر، وذهب إلى أسكودار لزيارة حميه بمناسبة العيد. توصل مولود إلى هذه النتيجة من عدم وجود سيارة سليمان الفورد مونيو في موقف السيارات. شقة مولود في الطابق الأول تطل على موقف سيارات البناء ذي الطوابق الاثني عشر. كان مولود ينظر إلى موقف السيارات، ويستنتج نتائج كثيرة حول حياة الأزواج المتقاعدين، والبرجوازيين الشباب الذين يتكلمون صراخًا، والأزواج الذين لا يعرف عملهم، وأحفاد اللبَّانين خريجي الجامعات، والأولاد من كل الأعمار الذين يلعبون كرة القدم باستمرار في موقف السيارات. أكثر هؤلاء اللاعبين ضجيجًا ابن سليمان البالغ السادسة عشرة (حسن)، وابنه البالغ الرابعة عشرة (كاظم). عندما تخرج الكرة من موقف السيارات، وتتدحرج في النزلة، لا يركض هؤلاء اللاعبون الشباب خلفها، ويبدءون النداء: «الكرة، الكرة، الكرة»؛ لكي يجلبها أحد الصاعدين من الأسفل، وهذا ما يوتر مولودًا الذي كسب حياته كلها وهو يسير. ولكن مولودًا لم يفتح النافذة ولو مرة واحدة طوال الأشهر الثمانية التي عاشها في هذه الشقة؛ ليؤنب الأولاد الذين يلعبون كرة القدم. يخرج من البيت ستة أيام في الأسبوع في الساعة العاشرة والنصف ليذهب إلى جمعية أبناء البلد في مجيدية كوي، ويبيع البوظة بشكل منتظم من أواسط تشرين الأول/ أكتوبر إلى أواسط نيسان/إبريل. ويذهب إلى أحياء المدينة الغنية ذات الأبنية المؤلفة من أربعة أو خمسة طوابق في شيشلي ونيشان طاشِ وغمشصويو من أجل هذا البيع. وقد انقطع تمامًا عن حيه القديم طرلاباشِ الذي دخل مجال «التحول المديني» لإنشاء فنادق صغيرة أنيقة ومراكز تسوق كبيرة وأبنية سياحية، وأفرغت غالبية بيوته الرومية التي بلغ عمرها قرنًا. في أثناء تحضير مولود شاي الصباح لنفسه، نظر إلى الذين يذبحون الأضاحي في موقف السيارات (لم يرَ كبشي سليمان أيضًا)، ثم قلّب صفحات كتاب حضرة الأفندي الموسوم «الأحاديث». رأى في جريدة «الإرشاد» المعلقة على واجهة دكان بقال بأن هذا المجلد قد صدر، وجمع عشرين قسيمة بعناية، وحصل على الكتاب المطبوعة على غلافه الخلفي صورة جميلة لحضرة الأفندي وهو شاب. كان مولود يعتقد أن له مساهمة بكتابة الفصل المعنون «نية القلب ونية اللسان». يفتح هذه الصفحات أحيانًا، ويقرؤها بعناية. قديمًا كان يصعد مع والده وعمه وابني عمه إلى تل التوت بعد صلاة العيد، ويتناولون رقائق العجين التي تعدها الخالة صفية لزحام العائلة من أجل الإفطار مع الشاي. لم يعد هناك مكان اعتادوا التعريج عليه؛ لأن كلًّا منهم يعيش حياة مستقلة. دعت الخالة صفية العائلة كلها لكي تحافظ على تلك الروح القديمة، ولكن سليمان غير موجود لذهابه إلى عائلة ملاحات، واختفى الولدان نتيجة مللهما بعد أن أخذا عيدية جدهما وجدتهما. عندما لم يأتِ قورقوط أيضًا هذا الصباح، اعتبرت الخالة صفية المتعهد والسياسيين الذين خدعوا ابنيها أصل هذا البلاء. «كم مرة قلت: اهدما البيت، وابنيا مكانه البناء العالي الذي تريدون بعد أن نموت، لم أستطع إقناعهما. يئست منهما لكثرة ما كررا: أمي، هذا البيت سينهار بالزلزال أساسًا، سترتاحين كثيرًا في شقة البناء. لم أخدع نهائيًّا. ولكن الإنسان لا يريد أن يقف أمام اندفاع أبنائه. حلفوا أيمانًا إنه ستكون هناك حديقة وأشجار أمام البيت، وإذا مددت يدي من النافذة فسأقطف البرقوق والتوت. لا برقوق ولا توت، ولا صيصان ولا دجاج، ولا تراب ولا حديقة. نحن لا نستطيع العيش دون حديقة وعشب يا بني. وهكذا مرض عمك حسن. بعد العمارة لم تعد تمر من هنا حتى القطط والكلاب. لا أحد يأتي إلى الطعام أو يطرق الباب غير الأولاد الذين يأتون لقبض العيدية. هُدم بيتي الذي سكنتُ فيه أربعين سنة في التل المقابل، وبنوا مكانه ذلك البرج الضخم، وأنا كنت أنظر من هنا، وأبكي: يا عزيزي مولود. حضّرت فرخ الدجاج هذا من أجلك، خذ قطعة بطاطس أخرى، فأنت تحبها». لم يفوّت مولود فرصة رواية قصص تعاسة الذين يعيشون في أبنية بشعة عالية أنشئت في الأحياء القديمة وتلال الأكواخ. بالتأكيد أن مولودًا استمتع بذم الخالة صفية لابنيها قورقوط وسليمان اللذين دخلا مع آل فورال بأعمال «إدارة الأبنية الجماعية» ذات الطوابق المرتفعة. حكى لها عن متاعب العائلات التي أجبرت على الانتقال من بيت ذي حديقة عاشت فيه ثلاثين أو أربعين عامًا إلى بناء عالٍ مثل عائلة أقطاش من أجل النقود حينًا؛ ولنقص في سند التمليك أحيانًا؛ ولأنها منطقة زلازل أحايين؛ وربّات البيوت اللواتي يقعن بين أيدي الأطباء لدخولهن حالة من الانهيار العصبي؛ ومن بقوا في الشارع لعدم انتهاء أبنيتهم؛ ولم يستطيعوا دفع ديونهم للمتعهد؛ والنادمين الذين سحبوا بالقرعة شققًا سيئة؛ والذين اشتاقوا لحديقتهم وأشجارهم. واشتكى من هدم معمل العنبرية القديم وملعب كرة القدم وأبنية البلدية التي كانت في زمن ما إسطبلات تقع على الطرف الآخر من التل، وقطع أشجار التوت كلها. (ولكنه لم يروِ لأحد أنه كان يلتقي بفرحات خفية عن الجميع تحت أشجار التوت تلك). ولكن وديعة دافعت عن زوجها وسليمان بقولها: «ولكن يا سموحتي، الفقير أيضًا يريد أن يسكن في بيت نظيف حديث مريح، وليس في كوخ طيني بارد كالثلج يدفأ بمدفأة!». لم يدهش مولود بهذا: تلتقي الأختان في إحدى الشقق مرتين في اليوم على الأقل، وتثرثران، وكثيرًا ما تشرح وديعة لأختها مدى سعادتها بالانتقال إلى البناء «د». بعد انتقال وديعة مع زوجها إلى شقة مستقلة، تخلصت من طبخ الطعام لأفراد العائلة الكثيرين كلهم، وغلي الشاي باستمرار، ومسئوليتها عن فتق الجميع وخياطتهم ونواقصهم ودوائهم، ومن كونها كما تقول بغضب أحيانًا: «خادمة للجميع». (يرى مولود أن هذا هو سبب بدانة وديعة في السنوات الأخيرة). كانت وديعة تعاني الوحدة أحيانًا لأنها زوجت ابنيها، ويعود قورقوط إلى البيت متأخرًا، ولكنها لم تكن تشكو من حياة البناء الطابقي. إذا لم تكن تثرثر مع سميحة، تذهب إلى شيشلي لرؤية أحفادها. بعد جهود حثيثة، وبحث طويل، ومداخلات فاشلة استطاعت تزويج بوزكورت من ابنة معلم تمديدات صحية في إسطنبول جاء من غمشدرة متخرجة في المدرسة المتوسطة. تحب الكنة المصاحبة، والكلام الحلو، وولدت بنتين واحدة بعد الأخرى مباشرة، وعندما تريد الخروج إلى الشارع، تتركهما عند جدتهما. يجتمعون أحيانًا في بيت طوران الذي ولد ابنه الأول قبل سنة في شيشلي أيضًا. وأحيانًا كانت ترافق سميحة أختها وديعة عند ذهابها لرؤية أحفادها في شيشلي. كان مولود يغضب من صحبة حميه الرقبة العوجاء مع ابنتيه. هل يغير من صداقتهم وقربهم، أم لأن سميحة تنقل لزوجها ما يقوله عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء من كلمات واخزة حوله عندما يكون سكرانَ؟ (قال ذات مرة: «لم أستطع فهم سبب عدم إعجاب ابنتيَّ بشخص آخر غير مولود في إسطنبول!»)، أم لأن حميه الأبدي البالغ الثمانين من عمره عوّد وديعة تدريجيًّا على الشرب بعد أن عوّد سميحة؟ أعدت الخالة صفية رقائق العجين لإفطار العيد كما تفعل دائمًا، إضافة إلى البطاطس المقلية من أجل أحفادها، ولكنهم لم يأتوا، وتأكلها كلها وديعة. كان مولود واثقًا من أن عبد الرحمن أفندي قد شرب عرق الظهيرة منذ زمن في الرقم تسعة، وأن سميحة شاركت والدها بقدح أيضًا، ولكن لم يخطر بباله أن تكون وديعة قد شربت الآن. عندما ذهب مولود إلى الجمعية بعد الظهر من أجل تبادل المباركة بالعيد، تخيل أن سميحة مستمرة بشرب العرق مع والدها في الرقم تسعة. في أثناء تبادل المباركة في العيد مع أبناء البلد، وطرد الأولاد الذين يطرقون الباب طالبين عيدية بقوله «هذه جمعية!»، كان مولود يتخيل سميحة تنتظره وهي تشرب العرق. اعتبارًا من السنة الثانية طوّر مولود وسميحة لعبة بينهما. وكانت هذه في الوقت نفسه طريقة للمواجهة بين الزوجين بالسؤال الذي حدد حياتهما كلها: «لمن كتبت الرسائل؟». تحدثا طويلًا في بداية زواجهما، وتوصلا إلى اتفاق سريع: وافق مولود منذ لقائهما الأول في محل قوناق للمهلبية أنه كتب الرسائل لسميحة أصلًا. موقفه الرسمي والشخصي في هذا الموضوع أساسًا بسيط. قابل سميحة في عرس قورقوط، وشغف بعينيها. ولكن هناك من خدعه فيما بعد، فتزوج رائحة. لم يكن مولود نادمًا على هذا نهائيًّا؛ لأنه كان سعيدًا جدًّا مع رائحة. ولم يكن مولود يسيء لسنوات سعادته مع رائحة، وذكراها. وسميحة تقبل بهذا. ما لم يستطيعا التفاهم عليه يظهر عندما تشرب سميحة قدحًا من العرق، وتفتح إحدى الرسائل، وتسأل مولودًا عما قصده من تشبيه عينيها بقاطع الطريق. لم تكن سميحة ترى بسؤالها هذا ما يخالف اتفاقهما؛ لأن مولودًا كتبها لها، ويمكنه أن يشرحها. يوافق مولود على هذا، ولكنه يرفض دخول حالته النفسية القديمة التي كتب فيها الرسائل. كانت سميحة تقول: «لا تدخل تلك الحالة النفسية، ولكن اشرح لي ما شعرت به في أثناء كتابتها». يحاول مولود أن يشرح لزوجته بصدق شعوره في أثناء كتابة الرسالة وهو في الثالثة والعشرين من عمره، ولكنه بعد برهة لا يستطيع الاستمرار. عندما غضبت سميحة بشدة من ارتباط لسان مولود ذات مرة، قالت: «لا تستطيع اليوم تكرار ما شعرت فيه ذات يوم». قال مولود: «لأنني لم أعد الشخص الذي كتب تلك الرسائل». خيم صمت، وظهر بوضوح أن ما جعل مولودًا شخصًا آخر ليست السنين التي مرت، وبياض شعره، بل عشقه لرائحة. وهكذا فهمت سميحة أنها لن تستطيع سماع كلمات شاعرية من مولود بالضغط عليه. يرى مولود أن زوجته تتقبل ما فهمته هذا، ويشعر بالذنب. فيما بدأت تتحول هذه اللعبة إلى نوعٍ من مراسم الصداقة، وتبادل المزاح بينهما. لم تكن سميحة وحدها تخرج إحدى الرسائل المصفرة التي عمرها أكثر من ثلاثين عامًا، بل أحدهما يخرجها في ساعة صفاء، ويقرأ عدة جمل، ثم يشرح مولود سبب كتابته تلك السطور، وكيف كتبها. النقطة المحورية في هذا الأمر هي عدم شاعرية مولود في أثناء شرحه هذا، وحديثه كأنه واحد آخر غير ذلك الشاب الذي كتبها. وهكذا لا يسيء مولود لرائحة من جهة، ويتحدث قليلًا عن عشقه لسميحة في شبابه الذي يداعب كرامتها من جهة أخرى. لم يكن مولود يشعر بالقلق من معرفة أشياء جديدة في ماضيهما، وقراءة بعض الجمل من الرسائل بروح مرحة ومحبة للنقاش؛ لأنها شغلت مكانًا في أيام حياتها الأكثر كثافة وألوانًا. عندما عاد مولود إلى البيت مع بدء حلول الظلام، رأى سميحة جالسة إلى طاولة الطعام، وتشرب الشاي. كانت أمامها إحدى رسائل مولود التي أرسلها من الجندية. فهم مولود أن سميحة عادت إلى الشاي لأنها أفرطت بشرب العرق، وسُرّ من هذا. لماذا شبه مولود عيني سميحة بالنرجس في إحدى رسائله التي أرسلها من قيادة موقع قارص؟ اعترف مولود أنه عندما كان تحت جناح طورغوت باشا، تلقى مساعدة ومعلومات من مدرس أدب في الثانوية كان يخدم الجندية. كانت تشبّه العين بالنرجس في الأدب القديم: لأن النساء في ذلك الوقت كنَّ أكثر تسترًا، ولا يرى الرجال من المرأة سوى العين، فقد تأسس الأدب الكلاسيكي والشعبي على وصف العين من المرأة. تذكر مولود في تلك الأثناء ما تعلمه من مدرس الأدب، وشرحه لزوجته مطولًا. عندما تسيطر على الإنسان جاذبية عين ووجه من هذا النوع، يخرج من نفسه، وحتى لا يعرف ما يفعله. قال مولود: «لم أكن حينئذ أنا». قالت سميحة: «ولكن ما تقوله هذا ليس موجودًا». سيطرت على مولود ذكريات الشباب، وتذكر أهمية تلك الرسائل التي كتبها من الجندية. ومع حديثه لا يتذكر نفسه الآن شابًّا شغوفًا يكتب رسائل، بل تتجلى تلك الفتاة الجميلة التي كتب لها أمام عينيه. كان وجه سميحة يتبدى له بصعوبة في أثناء كتابة تلك الرسائل في الجندية. مع تذكره الماضي الآن، يتجلى أمام عينيه وجه فتاة صبية حلو بعمر الطفولة. ولكن الفتاة التي تسرّع صورتها خفقان قلبه لم تكن سميحة، بل رائحة. ارتبك مولود لاعتقاده أن زوجته ستنتبه إلى أنه تذكر رائحة، فتحدث بشكل عشوائي عن لغة القلب و«النية» و«القسمة». في أثناء قراءة سميحة حول النظرات المفعمة بالأسرار، والعينيْن الآسرتيْن يخطر ببال مولود أحيانًا التطريز الذي طرزته رائحة على الستائر مستلهمة تلك العبارات. كانت سميحة على علم بأحاديث مولود مع المرحوم حضرة الأفندي؛ ولهذا تبادر بمحاولة الشرح بأن لقاءها بمولود لم يكن «نصيبًا» فقط، بل «نية» أيضًا. كانت هذه قصة كثيرًا ما روتها سميحة في لعبة الرسائل تلك. أضافت سميحة نهاية جديدة مقنعة لهذه القصة في أثناء حلول ظلام مساء العيد هذا. ترى سميحة أن لقاءها بمولود في هذه الحياة لم يحدث أول مرة في عرس قورقوط صيف عام ١٩٧٨، بل قبل ذلك بستة أعوام، عندما حمل مادة اللغة الإنكليزية (لم يذكر مولود المعلمة ناظلي قط) إلى التكميلية في الصف الأخير من المتوسطة. في ذلك الصيف كان مولود يتردد بين قريتي جنتبنار وغمشدرة سيرًا على الأقدام ليأخذ دروسًا بالإنكليزية من ابن المغترب الألماني. في أثناء نظر مولود وابن المغترب الألماني إلى كتاب اللغة الإنكليزية تحت شجرة الدلب أيام الصيف، كانت سميحة ورائحة تراقبانهما من بعيد؛ لأن قراءة أحدهم كتابًا في القرية أمر غريب. ومنذ ذلك الوقت اكتشفت سميحة أن أختها رائحة اهتمت بمولود الذي يقرأ كتابًا تحت شجرة الدلب. عندما علمت سميحة بعد سنوات من أختها وديعة أن مولودًا يكتب رسائل غرام لأختها، لم تخبر رائحةَ بأن العينين اللتين يكتب عنهما هما عيناها. سأل مولود بانتباه: «لماذا لم تخبري رائحة بالحقيقة؟». تزعج مولودًا قصة معرفة سميحة منذ البداية أن الرسائل التي يرسلها مولود كتبت لها. كان مولود ينزعج كثيرًا من هذه القصة لاحتمال كونها صحيحة. لأن مولودًا لو كتب تلك الرسائل لها (الأصح لو وضع اسمها في رأس الرسالة)، فلن تكتب له سميحة جوابًا؛ وهذا يعني بأنها لا ترغب به. تتذكر سميحة هذه القصة التي تجرح قلب مولود عندما تشعر بأن زوجها يحبها أقل مما كان يحب أختها. وبهذا التذكير تقول سميحة لمولود ما معناه: «إذا كنت تحبني الآن أقل، فأنا كنت يومئذ أحبك أقل». استمر الصمت بين الزوجين فترة طويلة. قالت سميحة في النهاية: «لماذا لم أخبرها؟ لأنني كنت مثلي مثل الآخرين نريد أن تتزوجك أختي، وتسعد». قال مولود: «فعلت حسنًا إذًا. حقيقة كانت رائحة سعيدة بزواجها مني». صمت الزوجان لأن الموضوع وصل إلى نقطة مزعجة، ولكنهما لم ينهضا عن الطاولة. يستطيعان من حيث يجلسان رؤية السيارات الداخلة إلى الموقف والخارجة منه، والأولاد الذين يلعبون كرة القدم في الزاوية الفارغة بجانب حاوية الزبالة التي على شكل قاطرة. قالت سميحة: «ستكون تشوقور جمعة أفضل». قال مولود: «إن شاء الله». قرر الزوجان الانتقال من البناء «د» في تل الرماد إلى إحدى الشقتين الآيلتين إلى سميحة من فرحات في تشوقور جمعة، ولكنهما لم يبلغا أحدًا بهذا. ذهب الإيجار الذي يقبضانه من تينك الشقتين على أقساط هذه الشقة التي يسكنان فيها. أرادت سميحة أن تخرج من البناء «د» بعد أن يسددا الدين، ويصبحا صاحبي الشقة. يعرف مولود أن رغبة سميحة بالابتعاد عن آل أقطاش هي التي تدفعها لهذا أكثر من جو الشقة ومرحها. كان مولود يحسب بأن السكن في تشقور جمعة لن يكون صعبًا. أصبح الذهاب من تقسيم إلى مجيدية بالمترو الجديد سهلًا جدًّا. فوق هذا يمكنه أن يبيع بوظة بشكل جيد في أزقة جيهان غير هناك. يمكن لسكان العمارات القديمة هناك أن يسمعوا بائع البوظة الذي يمر من الزقاق، فينادوه إلى الأعلى. عندما أظلم الجو عرف مولود سيارة سليمان التي دخلت إلى موقف السيارات من مصابيحها. راقب الزوجان بصمت نزول ملاحات وابنيها وسليمان من السيارة، ودخولهم إلى البناء حاملين بأيديهم الصرر. نظر سليمان إلى الشرفة المظلمة في أثناء دخوله العمارة، وقال: «أسرة مولود ليست موجودة!». قالت ملاحات: «لا تشغل بالك، سيأتيان». دعا سليمان العائلة إلى العشاء في الأعلى. لم ترغب سميحة بالذهاب بداية، ولكن مولودًا قال لها: «سنخرج من هنا أصلًا، علينا ألا نجرح أحدًا». وأقنع زوجته. أصبح مولود ينتبه كل يوم أكثر لكي لا تخرب زوجته العلاقة بينه وبين آل أقطاش، وبينه وبين فوزية والسيد سعد الله. لأنه كلما تقدم في السن أكثر، خاف من الوحدة في المدينة. مولود في إسطنبول منذ ثلاثة وأربعين عامًا. في الخمسة والثلاثين عامًا الأولى كان كل عام يُمضيه في المدينة يشعره أنه مرتبط أكثر بها. هل هذا بسبب ملايين الناس الجدد القادمين إلى المدينة مثل موجة متعاظمة لا يمكن كبحها، وبيوتهم وعماراتهم العالية ومراكز التسوق الجديدة؟ رأى مولود أن الأكواخ والأبنية التي بنيت عام ١٩٦٩ عند مجيئه لم تهدم وحدها فقط، بل هدمت أبنية عمرها أكثر من أربعين سنة في تقسيم وشيشلي أيضًا. كأن مدة الصلاحية الممنوحة للذين يعيشون في الأبنية القديمة قد انتهت. يغيب أولئك الناس مع أبنيتهم التي بنوها عن الأعين، ويحل محلهم أناس جدد مع أبنية أعلى ومخيفة أكثر. عندما ينظر مولود إلى تلك الأبنية المؤلفة من ثلاثين أو أربعين طابقًا، يشعر أنه ليس واحدًا من أولئك الناس الجدد. من جهة أخرى، لم يكن مولود يحب النظر إلى أبنية التلال البعيدة تلك فقط، بل إلى كل الأبنية العالية التي تنبع بسرعة من كل مكان في إسطنبول كالفطر. كان ينظر بإعجاب عندما يرى برجًا جديدًا على عكس الزبائن الأغنياء الذين يشتكون من كل شيء وهم يقلبون شفاههم كأنهم يرون فاكهة عفنة. ترى كيف يُرى العالم من قمة ذلك البناء يا ترى؟ كان مولود يريد أن يذهب بأسرع ما يمكن إلى دعوة سليمان من أجل أن يلقي نظرة على ذلك المنظر الرائع. ولكنهم ذهبوا متأخرين عن الجميع؛ لأن سميحة تباطأت. ولم يكن مكان مولود على الطاولة باتجاه الإطلالة، بل باتجاه الشوفنيرة ذات المرايا التي دخلت بشاحنة صغيرة إلى موقف السيارات قبل ثلاثة أشهر. تناول الولدان طعامهما، وذهبا منذ زمن. إضافة إلى وديعة وقورقوط، وسليمان وملاحات، هناك عبد الرحمن أفندي يجلس صامتًا. تذرع العم حسن والخالة صفية بتعب جسميهما، ولم يتأتيا. يجوب قورقوط وسليمان بوالدهما على الأطباء دون معرفة مرضه بالضبط، ويجريان له تحاليلَ جديدة باستمرار. ملَّ العم حسن من الأطباء، ولم يكن يريد الذهاب إليهم ولا حتى الخروج من سريره. عندما يخرج من البناء ذي الاثني عشر طابقًا الذي لم يحبه، ولم يرد أن يُبنى، فلا يريد أن يخرج إلى المستشفيات، بل إلى البقالية التي يفكر فيها، وباله مشغول عليها بشكل مستمر. حَسَبَ مولود منذ الآن البناية بثمانية طوابق وفي كل طابق خمس شقق التي ستُنشأ على المقسم الكبير الواقع خلف الدكان الذي لم يتغير حاله منذ أربعين سنة (سيّج العم حسن ذلك المقسم وحده قبل خمسة وأربعين عامًا). كانوا يتناولون طعامهم وهم يتابعون الأخبار في التلفاز (أدى رئيس الجمهورية صلاة العيد في السليمانية في إسطنبول) دون أن يتكلموا بشيء. كان العم حسن في الأسفل، وعلى الرغم من هذا لم توضع زجاجة العرق على الطاولة. كان قورقوط وسليمان ينهضان بين حين وحين، ويذهبان إلى المطبخ من أجل تجديد كأسيهما. مولود أيضًا طلب عرقًا. مع تقدم مولود بالسن لم يزدد تردده على الجامع، وشربه العرق، فقد كان قليلًا ما يشرب. ولكن ما قالته سميحة قبل قليل في الظلام في الأسفل جرح قلبه، ويعرف أنه سيرتاح إذا شرب. ذهبت ملاحات التي تبدو مفكرة بشكل دائم خلف مولود إلى المطبخ، وقالت: «العرق في الثلاجة». دخلت سميحة خلفها وهي خجلة قليلًا، وقالت ضاحكة: «صب لي أيضًا...». قالت ملاحات: «لا، ليست هذه الكأس، خذوا هذا، هل تريدون قطعة ثلج أخرى؟». أعجب مولود بلباقتها ورقتها على عادته. رأى مولود قطع لحم شديدة الحمرة في طست غسيل بلاستيكي وسط الثلاجة المفتوحة. قالت ملاحات: «يسلم لنا سليمان، فقد ذبح اليوم كبشين. وزعنا على الفقراء، ولكنهما لم ينتهيا. وثلاجتنا لا تتسع. وضعنا طستًا في ثلاجة وديعة، وآخر في ثلاجة حماتي، ولكن اللحم لم ينتهِ أيضًا. هناك طست كبير مليء على الشرفة، ممكن أن نضعه في ثلاجتكم فترة قصيرة؟». جلب سليمان الكبشين قبل ثلاثة أسابيع، وربطهما في زاوية موقف السيارات القريبة من شقة مولود، اهتم بهما في الأيام الأولى، ووضع لهما التبن، ولكنه نسيهما في اليوم الأخير مثل مولود. أحيانًا تصطدم الكرة التي يلعب بها الأولاد بأحد الكبشين، فيهلع الحيوانان الغبيان، وينطحان الهواء يمينًا ويسارًا، ويتأجج الغبار في المكان، فيضحك الأولاد الذين يلعبون كرة القدم. نزل مولود مرة إلى موقف السيارات، ونظر إلى عيني أحد الكبشين الموزعين على الفقراء وأربع ثلاجات في أربعة طسوت، وتذكر بحزن العشرين ألف رأس غنم التي سقطت في أعماق البوسفور. قالت سميحة: «بالطبع يمكنك أن تضعيها في ثلاجتنا». لانت لأنها أخذت عرقها، ولكن مولودًا يفهم من وجهها أنها لم تعجب بهذه الفكرة نهائيًّا. قالت ملاحات: «اللحم الطازج رائحته قذرة جدًّا. سليمان سيوزعها في الشركة، ولكن... هل هناك فقراء غيرهم تعرفونهم؟». فكر مولود بكل صدق: دخل أناس جدد فيهم غرابة إلى الأكواخ الخاوية في سفوح تل الرماد والتلال الأخرى بسبب الانفعال بقضية البنايات العالية، والدعاوى بين بعضهم بعضًا أو مع الدولة على توزيع الحصص بموجب أوراق المختار. ولكن جموع الفقراء الجدد تعيش الآن في أحياء هي الأبعد عن المدينة خارج المحلق الثاني. الذين يجرون خلفهم عربة قماشية، ويقلبون صفائح الزبالة في المدينة هم من تلك الأحياء التي لم يذهب إليها مولود قط. كبرت المدينة وتوسعت إلى درجة أن الذهاب إلى تلك المناطق، والمجيء منها ليس مستحيلًا سيرًا على الأقدام فقط، بل يحتاج يومًا بالسيارة. ما أدهش مولودًا أكثر وجود أبنية عالية غريبة كأنها أشباح تظهر حتى من الطرف الآخر لإسطنبول في تلك المناطق. مولود يحب النظر إليها أيضًا من بعيد. ولكن مولودًا لم يستطع النظر إلى الإطلالة مطولًا إلى درجة الشبع من غرفة الطعام؛ لأنه كان مضطرًّا لمتابعة القصة التي يرويها سليمان: عندما بيعت الشقق حصة أمه وأختيه، جاء زوجا أختيه الستينيان اللذان نادرًا ما خرجا خارج القرية إلى إسطنبول، وبقيا خمسة أيام عند خالة زوجتيهما وزوجة عمهما في الطابق الأرضي. جال بهما سليمان في المدينة بسيارته الفورد، وحكى عنهما قصصًا ساخرة نتيجة دهشتهما لرؤية ناطحات السحاب والجسور والجوامع القديمة ومراكز التسوق. ذروة هذه القصص هي أن صهريه لم يحوّلا النقود عبر البنك من أجل التهرب من الضريبة، وحولاها إلى دولارات، ووضعاها في حقيبتين لم يتركاهما نهائيًّا. نهض سليمان عن المائدة، وقلد بروز حدبتي الصهرين وهما يحملان الحقيبتين الثقيلتين ويسيران نحو حافلة العودة عندما أقلهما إلى مركز انطلاق الحافلات. حين قال: «آه يا مولود، أي رجل أنت؟!». التفت إليه الجميع، وابتسموا، وتعكر مزاج مولود. لجانب براءة مولود وطفولته دور بابتسامتهم. ولكن سبب هذا لم يكن رؤيتهم له قرويًّا حتى الآن، بل رفضه بإخلاص عملية احتيال بسيطة تجعله صاحب تلك الشقق. كان الصهران دقيقين (جلبا سند تمليك الأرض الصغيرة الباقية من أبيه في القرية)، ولا يتركان حقهما. ولكن مولودًا يفكر الآن بأنه لو غيّر ورقة المختار كما رأى عمه حسن مناسبًا، فسيحصل على حصة أكبر، ولن يضطر للعمل بعد الخمسين من عمره، ويشعر بالقلق. انغلق مولود على نفسه فترة. حاول أن يقنع نفسه بضرورة ألا يبالي بجرح سميحة لقلبه: كانت زوجته جميلة وحيوية وذكية جدًّا مقارنة بزوجتي الآخرين العجوزين البدينتين والسائمتين. فوق هذا سيذهبان معًا إلى قادرغة، ويريان الأحفاد. تصالح مولود مع فاطمة أيضًا. كانت حياته أفضل من حياة الجميع. يجب أن يكون سعيدًا. وهو كذلك أساسًا، أما كان هكذا؟ حين جلبت ملاحات البقلاوة بالفستق، نهض مولود فجأة، وقلب الكرسي وهو يقول: «لأنظر قليلًا إلى هذه الإطلالة». قال قورقوط: «طبعًا، يمكنك أن ترى أمورًا غير البرج». قال سليمان: «الله، أجلسناك في مكان خاطئ». أخذ مولود الكرسي، وخرج إلى الشرفة، وجلس. شعر بدوار للحظة نتيجة الارتفاع ووساعة المشهد. البرج الذي قصده قورقوط هو البناء المؤلف من ثلاثين طابقًا وبناه الحاج حميد فورال في الأعوام الخمسة الأخيرة من حياته، واهتم به ليلًا نهارًا كما فعل عند إنشاء الجامع في تل التوت، وأنفق من أجل أن يكون أعلى. مع الأسف أنه لم يكن أعلى ناطحة سحاب في إسطنبول كما كان يريد. ولكنه كتب بأحرف كبيرة فوقه «تاور»، كما يوجد في أغلب ناطحات السحاب في إسطنبول (على الرغم من عدم وجود إنكليز أو أمريكان فيها). هذه ثالث مرة يصعد فيها مولود إلى شقة سليمان، وينظر إلى الإطلالة. لم ينتبه في المرتين السابقتين إلى أن إطلالة سليمان يقطعها «تاور الحاج حميد فورال» إلى هذه الدرجة. باعت فورال للبناء شقق العمارات ذات الاثني عشر طابقًا في تل الرماد بداية، ثم بنت برج الحاج حميد فورال في تل التوت الذي قطع إطلالتها. تذكر مولود أن الزاوية التي ينظر منها الآن هي زاوية نظره من ذروة التل نفسها يوم صعد مع والده أول مجيئه إلى تل الرماد. كانت تظهر من هنا قبل أربعين سنة التلال التي تغطيها الأكواخ الصاعدة بسرعة من الأسفل نحو الأعلى، والمصانع. لا يرى مولود الآن سوى بحر بنايات بمختلف الارتفاعات. كانت التلال قديمًا تظهر بفضل برج كهرباء فوق كل منها، ولكنها الآن ضاعت لأنها بقيت أخفض من آلاف الأبراج والبنايات كما ضاعت الأنهار، ونُسيت أسماؤها. لا يمكن لمولود الآن سوى أن يقول: «يجب أن يكون ذاك تل السهم، وهذه مآذن جامع تل البيدر». نتيجة التدقيق والتوقع. ثمة نوع من جدار نوافذ أمام مولود الآن. مازلت قوة المدينة وحقيقتها المخيفة ووحشيتها تُحدث لدى مولود انطباعًا بأنها جدار قاسٍ. يشاهد مولود عشرات آلاف النوافذ، بل مئات الآلاف وكأنها عيون. العيون التي تكون مظلمة صباحًا تبدل ألوانها طوال النهار، أما في المساء فهي نوع من الضوء الذي ينير الليل المخيم فوق إسطنبول كما يشهد مولود الآن. كان مولود يحب النظر إلى أضواء المدينة منذ صغره. ثمة جانب سحري في هذا الأمر. ولكنه لم ينظر إلى إسطنبول من نقطة مرتفعة كهذه من قبل. هذا مخيف وجميل في آن واحد. يخاف مولود من المدينة، ويريد أن يلقي بنفسه وسط غابة الأبنية التي تتداخل مع العيون على الرغم من بلوغه الخامسة والخمسين من عمره، ويدخل فيها. ولكن الشخص الذي ينظر إلى مشهد المدينة من بعيد منتبه إلى الحركة تحت الأبنية بعد قليل، والنوع من التململ في التلال. هُدم مصنع المصابيح الذي كان قبل أربعين سنة، وبقية الورش، وأنشئت مكانها أبراج متنوعة مخيفة تحتها مراكز تسوق. يشعر مولود بظل إسطنبول القديمة بعد هذه الستارة الأسمنتية التي تشكلها تلك الأبنية الجديدة والعالية التي كانت عند مجيئه. تسمق أبراج من وسط ذلك الظل وأطرافه أيضًا. ولكن بحرَ ناطحات السحاب والأبراج والأبنية العالية السامقة خلف تلك الأبنية هو أكثر ما يؤثر بمولود. كان بعضها بعيدًا إلى درجة أن مولودًا لا يعرف ما إن كانت في الطرف الآسيوي من المدينة، أم في هذا الطرف. هذه الأبنية العالية التي لا ينار أي منها كما ينار جامع السليمانية تنثر حولها فوق المدينة ضوءًا يشكل هالة عسلية أو عفنية اللون. عندما تتجمع الغيوم الخفيضة فوق المدينة في بعض الليالي، ويسقط ضوء أصفر ليموني عليها من الأسفل، تبدو الغيوم مصابيح عجيبة تنير المدينة. ولا يُنتبه إلى البوسفور وسط كتلة الضوء هذه كلها إلا عندما تظهر للحظة برجكتورات سفينة بعيدة جدًّا (مثل أنوار الطائرات التي كثيرًا ما تمر بعيدًا). شعر مولود أن الضوء والظلام اللذيْن في رأسه يشبهان منظر المدينة في الليل. ولعل هذا ما جعله يحب الخروج ليلًا من أجل بيع شراب البوظة مهما كان دخله. الآن فهم مولود الحقيقة التي يعرفها منذ أربعين سنة، ولكنه لم ينتبه إليها بوضوح: تجولُ مولود في أزقة المدينة ليلًا يعطيه انطباعًا بأنه يتجول داخل عقله. لهذا يبدو له أن الحديث مع الجدران والدعايات والظلال والأشياء الغريبة والعجيبة التي لا يميزها في الظلام حديثًا مع نفسه. سأله سليمان القادم إلى الشرفة: «ماذا حدث؟ إلى أين تنظر هكذا؟ هل تبحث عن شيء؟». «لا، أنظر هكذا». «جميل أليس كذلك؟ ولكنك ستتركنا، وتذهب إلى تشقور جمعة». عندما دخل مولود، رأى سميحة تتأبط ذراع والدها، وتسحبه نحو الباب. لا يتكلم حموه كثيرًا في الأعوام الأخيرة لأنه خرف تمامًا. بعد شربه كأسين من العرق، يجلس بجانب ابنتيه مثل ولد مؤدب. يُدهش مولود كيف يستطيع الركوب بالحافلة من القرية، والمجيء إلى إسطنبول. قالت سميحة: «تعب والدي، نحن ذاهبان». قال مولود: «وأنا أيضًا قادم». كانت زوجته وحموه الرقبة العوجاء قد خرجا من الباب. قال قورقوط: «ما هذا يا مولود؟ إنك تغادرنا». قال مولود: «الجميع يريدون البوظة في مساء العيد البارد هذا». «لا، لا أقصد هذا المساء. ستتركان المكان هنا، وتنتقلان إلى تشقور جمعة». وعندما لم يجب مولود، قال قورقوط: «أنت لا تستطيع تركنا، والذهاب إلى أي مكان». قال مولود: «أذهب». أحزنته حال حميه المنهكة والصامتة في المصعد الذي يعزف الموسيقى بشكل مستمر.. ولكنه زعل من سميحة. أخذ عدة البوظة من شقته، وخرج إلى الأزقة باندفاع وسعادة دون أن يقول شيئًا لزوجته. بعد نصف ساعة كان في نواحي فريكوي الخلفية، ويشعر بتفاؤل بأن الأزقة ستكلمه بشكل جيد جدًّا هذا المساء. قلبه مجروح لأن سميحة تذكّره دائمًا بأنها لم تحبه. في لحظات الزعل هذه، وعندما تتصاعد مشاعر النقص وعدم الكفاية داخله مثل شعور بالذنب، يتذكر مولود رائحة بشكل تلقائي. نادى مولود نحو الأزقة الخاوية: «بووووظة!». عندما يحلم برائحة في الفترة الأخيرة، يواجه دائمًا هذا السؤال: رائحة تنتظر مولودًا في بيت خشبي قديم يشبه القصر، وعلى الرغم من عبور مولود كثيرًا من الأزقة، وولوجه كثيرًا من الأبواب لا يستطيع ولوج باب الدار التي تعيش فيها رائحة، ويدور في الأزقة نفسها. وهكذا يدرك أنه يسير في الأزقة التي سار فيها قبل قليل، ويجب عليه أن يمشي في تلك الأزقة الجديدة من أجل ولوج الباب، ويتابع سيره الممتد إلى ما لانهاية. عندما يسير مولود في بعض الأزقة النائية وهو يبيع البوظة لا يدرك تمامًا ما إن كان جزءًا من حلم، أم أنه يسير حقيقة في ذلك الزقاق. «بوووووظة!». في سنوات طفولته وشبابه، كان مولود يؤمن بأن الأشياء الغامضة التي ينتبه إليها في أثناء مسيره في الأزقة تخرج من عقله. ولكنه في تلك الأيام كان يتعمد تخيل هذه الأمور. في السنوات التالية شعر بأن قوة أخرى تدس هذه الأفكار والأحلام في عقله. في السنوات الأخيرة لم يكن مولود يرى فرقًا بين ما يراه في الأزقة والأحلام التي في رأسه: كأنها من المواد نفسها. كأس العرق التي شربها في بيت سليمان، تساعده الآن بهذا الشعور اللذيذ. أي من الممكن أن يكون انتظار رائحة له في دار خشبية في هذا الزقاق خيالًا أوجده عقله، ويمكن أن يكون حقيقة أيضًا. أو أنه يمكن أن تكون هناك عين تراقبه من الأعلى وهو يسير في الأزقة النائية حقيقة، ويمكن أن تكون حلمًا تصوره، وآمن به على مدى أعوام. ويمكن أن يكون تشبيه ناطحات السحاب البعيدة التي رآها من شرفة سليمان بشواهد القبور التي في رسم جريدة الإرشاد هو خياله الخاص. مثلما يعتقد بأن الزمن بدأ يتدفق بسرعة أكبر بعد أن سلبه الأب وابنه ساعته قبل ثمانية عشر عامًا. يعرف مولود بأنه عندما ينادي: «بووووظة» فإن انتقال مشاعره الداخلية إلى الجالسين في بيوتهم، هي حقيقة وخيال لذيذ في آن واحد. وهناك عالم مختبئ داخل هذا العالم، ولا يمكن أن يصل إلى ذلك العالم المخبوء إلا إذا خرج الشخص الثاني المختبئ داخله، ومشى وفكر في أثناء مشيه. يرفض مولود الآن الخيار بين هذين العالمين. الرأي الرسمي صحيح، والرأي الشخصي أيضًا؛ ونية القلب على حق، ونية اللسان أيضًا. وهذا يعني أن الكلمات التي تخرج من الإعلانات والملصقات والجرائد المعلقة على أبواب البقاليات والكتابات المعلقة على الجدران يمكن أن تكون صحيحة. المدينة ترسل إليه هذه الكلمات والإشارات على مدى أربعين عامًا. ويشعر مولود بدافع ليجيب على ما تقوله له المدينة كما كان يشعر في طفولته. كأنه قد صحا الآن وسط هذا الحديث. ماذا يريد مولود أن يقول للمدينة؟ لم يستطع مولود استنتاج الرأي الذي سيبلّغ به المدينة كما لو أنه يكتب شعارًا سياسيًّا. لعل هذا يجب ألا يكون رأيًا رسميًّا سيكتبه على الجدران كما فعل في شبابه، بل رأيًا شخصيًّا. أو أن هذه العبارة يجب أن تكون الأعمق بحيث تؤكد صواب الرأيين. «بووووظة». «بائع البوظة، توقف يا بائع البوظة». فُتحت نافذة، وابتسم مولود مندهشًا: تنزل أمامه سلة تسوق باقية من الزمن القديم. «بائع البوظة، هل تعرف كيف تضع في السلة؟». «طبعًا». صب مولود البوظة في الوعاء الزجاجي الذي كان في السلة، وأخذ النقود، وتابع طريقه بامتنان، وحاول أن يستنتج العبارة التي يجب أن يقولها للمدينة. كان مولود في السنوات الأخيرة خائفًا من الشيخوخة والموت والنسيان والزوال. لم يسئ لأحد، وحاول دائمًا أن يكون إنسانًا طيبًا، وكان مؤمنًا بأنه لن يذهب إلى جنتبنار إلى آخر حياته إلا إذا أروه نقطة ضعف. ولكن خوفه من النسيان والعيش سدى الذي لم يكن يخطر بباله في شبابه ـ على الرغم من وجود سنوات طويلة أمامه يعيشها مع سميحة ـ بدآ في الفترة الأخيرة ينهشان عقله. لم يستطع مولود استنتاج ما يقوله لهذه المدينة. سار على طول جدار مقبرة فريكوي. كانت غرابة في عقله تدفعه للدخول إلى هذه المقبرة على الرغم من خوفه القديم من الموتى والمقابر. الآن يخاف بدرجة أقل من المقابر والجماجم، ولكنه يتردد بالدخول حتى إلى المقابر القديمة الجميلة هذه المرة؛ لأنها تذكره بموته. بدافع طفولي أيضًا نظر من زاوية الجدار الخفيضة المظلمة إلى داخل المقبرة، ورأى شيئًا يتحرك مصدرًا حفيفًا؛ فخاف. كان كلبًا أسود، وبلحظة تحرك معه الثاني، واختفيا في عمق المقبرة. عاد مولود، وبدأ يحث الخطى بالاتجاه العكسي. لم يكن ثمة ما يخيف. ثمة أناس طيبون نواياهم حسنة بهندام جيد يبتسمون له في الأزقة. ملأ مولود إبريقًا أنزله رجل بعمره فتح نافذته، وناداه، واستمتع، ونسيَ الكلاب. ولكن الكلاب قطعت طريق مولود على مبعدة زقاقين إلى الأمام. عندما انتبه مولود إليها كان وسط اثنين من العصابة، وأدرك أنه لم يعد يستطيع العودة، والهرب. عندما تسرعت خفقات قلبه لم يتذكر الدعاء الذي علمه إياه رجل الدين الذي أخذه أبوه إليه، ولا النصيحة التي نصحه إياها حضرة الأفندي. ولكن الكلاب التي مر من أمامها مولود وهو خائف لم تكشر عن أنيابها، ولا نخرت له، ولا اتخذت موقفًا مهددًا. أي منها لم يشم مولودًا. غالبيتها لم تبالِ به. ارتاح مولود بعمق، وكان يعرف أن هذه إشارة إلى أمر جيد جدًّا. تأججت لديه رغبة بالمصاحبة، والحديث. كانت الكلاب تحبه. بعد ثلاثة أزقة، وحي، وكثير من الزبائن الراغبين المتفائلين طيبي القلوب رأى باستغراب أن شراب البوظة في الوعاءين على وشك أن ينتهي باكرًا، وإذ بنافذة في الطابق الثالث تُفتح، وقال صوت رجل: «بائع البوظة، اصعد إلى الأعلى». بعد دقيقتين كان مولود على باب شقة الطابق الثالث من البناء القديم الذي ليس فيه مصعد. أدخلوه. التقط مولود رائحة عرق قوية وسط رطوبة كثيفة آيلة من زمن تفتح فيه الستائر قليلًا، وتشعل فيه التدفئة المركزية قليلًا. ثمة نشوة عيد بين أفراد عائلة وأصدقاء وليس نقاشًا على طاولة مكتظة بالسكارى. رأى خالات حنونات، وآباء معقولين، وأمهات ثرثارات، وجدودًا وجدات، وعددًا كبيرًا من الأولاد. في أثناء حديث الآباء والأمهات حول الطاولة يتراكض الأولاد حولهم، ويختبئون تحت الطاولة، ويصرخون. فرح مولود لسعادتهم. خُلق الناس ليكونوا سعداء وصادقين وصرحاء. كان مولود يرى ذلك الدفء المنبعث من داخل الضوء البرتقالي في البهو. وتحت نظرات كثير من الأولاد الفضولية، وزع مولود على الكئوس خمسة كيلوغرامات. فجأة جاءت سيدة راقية بعمره إلى المطبخ. شفتاها مصبوغتان ومكشوفة الرأس، وعيناها السوداوان واسعتان. قالت: «حسن أنك صعدت يا بائع البوظة، شعرت بأن حالتي أصبحت جيدة عند سماعي صوتك. حفر في قلبي. حسن أنك تبيع البوظة. حسنٌ أنك لم تقل: «ومن سيشتري؟». كان مولود بالباب. كان خارجًا، ولكنه أبطأ قليلًا. قال: «وهل يقال هذا؟ أنا أبيع البوظة لأنني أحب هذا». «لا تتخلَّ عنه يا بائع البوظة. لا تقل: من يشتري؟ وسط هذه الأبراج والأسمنت المسلح. اعبر الأزقة دائمًا». قال مولود: «سأبقى أبيع البوظة إلى يوم الله». دفعت المرأة أكثر بكثير من ثمن خمسة كيلوغرامات. وأبدت حركة بمعنى أنها لن تأخذ البقية، وهي عيدية. خرج مولود من الباب صامتًا، ونزل الدرج، وركّز المزراق على كتفيه أمام الباب الخارجي، وعلق الأوعية. عندما خرج إلى الزقاق، نادى: «بووووظة». في أثناء نزوله زقاقًا باتجاه الخليج كأنه ينزل إلى ما لانهاية، تجلى المنظر الذي رآه من شرفة سليمان أمام عينيه. الآن خطر بباله ما يريد أن يقوله للمدينة، وأن يكتبه على جدرانها. وهذا رأيه الرسمي والشخصي بآن واحد، وهو نية قلبه ونية لسانه معًا. قال مولود لنفسه: «رائحة هي أعظم حب لي في الحياة». ٢٠٠٨-٢٠١٤ التسلسل الزمني ١٩٥٤أول هجرة مهمة من قرى منطقة بيه شهير إلى إسطنبول؛ من أجل العمل وبيع اللبن.٦-٧/ ٩/ ١٩٥٥الاعتداءات على غير المسلمين في إسطنبول، ونهب محلاتهم، وتخريب كنائسهم.١٩٥٧ولد مولود قرة طاش في قرية جنتبنار التابعة لناحية بيه شهير في محافظة قونية باسم مولود آقطاش.٢٧/ ٥/ ١٩٦٠الانقلاب العسكري.١٧/ ٩/ ١٩٦١أُعدم رئيس الحكومة الأسبق عدنان مندرس.١٩٦٣ذهب الأَخوان حسن ومصطفى آقطاش من قريتهما إلى إسطنبول؛ من أجل العمل. ١٩٦٤طرد آلاف الروم الذين يعيشون في إسطنبول خارج الحدود؛ بسبب أحداث قبرص.١٩٦٥سكن الأَخوان حسن ومصطفى في كوخ مؤلف من غرفة واحدة بنياه في تل الرماد. وجاء قورقوط ابن حسن الكبير إلى عند والده وعمه في إسطنبول. وسيج حسن ومصطفى بمساعدة قورقوط مقمسين في تل التوت والرماد.١٩٦٥ بدء العمل في بناء جامع تل التوت.١٩٦٥شائعات العفو العقاري، وفورة بناء التهريب والأكواخ غير المرخصة. وفاز بالانتخابات العامة حزب العدالة برئاسة سليمان ديمريل.١٩٦٦تركُ عبد الرحمن الرقبة العوجاء بيع اللبن، وعودته النهائية إلى غمشدرة.١٩٦٨ جاء ابن حسن آقطاش الأصغر سليمان إلى عند والده وأخيه الأكبر وعمه في إسطنبول.١٢/ ١٩٦٨خرج حسن وقورقوط وسليمان من البيت الذي يعيشون فيه مع مصطفى، وبدءوا العيش في الكوخ الذي أنهوا بناءه على المقسم الذي سيَّجه في تل التوت عام ١٩٦٥. وجاءت زوجة حسن آقطاش صفية إلى إسطنبول، والتحقت ببقية العائلة.صيف ١٩٦٩غيّر مصطفى آقطاش كنيته وكنية عائلته في بيه شهير إلى قرة طاش.صيف ١٩٦٩افتتحت أول سينما صيفية في تل الرماد باسم دريا.نهاية صيف ١٩٦٩ذهب مولود قرة طاش مع والده إلى إسطنبول ليدرس، ويعمل.١٢/ ٣/ ١٩٧١أجبر الجيش الحكومة على الاستقالة بموجب الإنذار الذي وجهه لرئيس الجمهورية جودت صوناي.٤/ ١٩٧١تعرف مولود إلى فرحات.١٩٧٢شاهد مولود أول فيلم إباحي في سينما إليظار في بيه أوغلو.٣٠/١٠/١٩٧٣افتتح الجسر الأول المسمى جسر البوسفور. ١/١٩٧٤افتتح رسميًّا جامع تل التوت في تل التوت.٣/١٩٧٤لاحق مولود أول مرة المرأة التي أطلق عليها اسم ناريمان.٢٠/ ٧/ ١٩٧٤إنزال الجيش التركي في قبرص، واحتلاله الجزيرة.٣/ ١٩٧٧عَلَّقَ مولود ملصقات سياسية على الجدران.٤/ ١٩٧٧حرب اليسار واليمين بين تلَّي التوت والرماد.١/ ٥/ ١٩٧٧أحداث الأول من أيار/ مايو التي أدت إلى مقتل ٣٤ شخصًا.٥/ ١٩٧٨باع حسن آقطاش المقسم الذي سيَّجه مع أخيه مصطفى في تل الرماد عام ١٩٦٥ للحاج حميد فورال.صيف ١٩٧٨أطلق مولود شاربًا.٨/ ١٩٧٨عرس قورقوط ووديعة.١٠/ ١٩٧٨خرج مولود من البيت الذي يعيش فيه مع والده، وبدأ يعيش مع فرحات في طرلاباشِ في بيت واحد، ويعمل نادلًا في مطعم كارلِأوفا. ١٩-٢٦/١٢/١٩٧٨مجزرة مرعش التي قتل فيها ١٥٠ علويًّا.أواسط السبعينيات انتشار عبوات اللبن الزجاجية والبلاستيكية التي أنتجتها المصانع.١٩٧٩قُتِلَ كاتب جريدة ملييت جلال صاليك. وقامت الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة آية الله خميني.نهاية ١٩٧٩ ولد بوزكورت الابن الأول لقورقوط ووديعة.ربيع ١٩٨٠ذهب مولود إلى الجندية.١٢/ ٩/ ١٩٨٠نفذ الجيش انقلابًا في أثناء خدمة مولود في كتيبة الدبابات في قارص.١٩٨٠ولد طوران الابن الثاني لقورقوط ووديعة. ١/ ١٩٨١مات مصطفى قرة طاش والد مولود. وأجّر مولود بيت والده الذي في تل الرماد عند مجيئه إلى إسطنبول؛ من أجل الجنازة.١٧/ ٣/ ١٩٨٢أنهى مولود جنديته، وعاد إلى إسطنبول، وسكن في بيت استأجره في طرلاباشِ.٢/٤–١٤/٦/ ١٩٨٢حرب فوكلاند بين إنكلترا والأرجنتين. ١٧/ ٦/ ١٩٨٢خطف مولود رائحة ابنة عبد الرحمن أفندي الرقبة العوجاء من قرية غمشدرة.صيف ١٩٨٢عمل مولود بائع مثلجات أول مرة.٩/ ١٩٨٢عرس مولود ورائحة.١٠/ ١٩٨٢بدأ مولود بيع الأرز. ١١/ ١٩٨٢قُبل دستور عام ١٩٨٢ بموجب استفتاء، وانتخب قائد الانقلاب العسكري كنان إفرن رئيسًا للجمهورية.٤/ ١٩٨٣ولدت فاطمة ابنة مولود ورائحة الأولى.٤/ ١٩٨٣السماح بالكرتاج للحوامل حتى الأسبوع العاشر. وفرض الحصول على إذن الزوج؛ من أجل إجراء الكرتاج للمتزوجات. بداية ١٩٨٤هربت سميحة إلى فرحات.٢٦/ ٤/ ١٩٨٤ولدت فوزية ابنة مولود ورائحة الثانية.٢٦/ ٤/ ١٩٨٦وقعت حادثة مفاعل تشرنوبيل النووي.١٩٨٦-١٩٨٨شق شارع طرلاباشِ. ٢/ ١٩٨٧حريق مسرح شن.١٨/ ٦/ ١٩٨٨محاولة اغتيال رئيس الحكومة طورغوت أوزال.٣/ ٧/ ١٩٨٨فتح جسر السلطان محمد الفاتح للخدمة.بداية ١٩٨٩أوقع مولود عربته الأرز خاصته بيد ضابطة البلدية. وتعرف في الأيام ذاتها إلى حضرة الأفندي. وبدأ فرحات يعمل في جباية الكهرباء.٤/ ٦/ ١٩٨٩أحداث ساحة تيان آن من في بكين.٩/ ١٩٨٩بدأ يعمل مولود مديرًا لبوفيه بينبوم في تقسيم.٩/ ١١/ ١٩٨٩هُدم جدار برلين.١٩٩٠-١٩٩٥ مرحلة الحرب الأهلية الناجمة عن تفتت يوغوسلافيا.١٩٩١خصخصت مؤسسات إنتاج الكهرباء وتوزيعها التابعة للدولة.١٧/١-٢٨/٢/١٩٩١حرب الخليج الأولى.١٤/ ١١/ ١٩٩١اصطدام سفينة فلبينية بسفينة لبنانية، وغرق عشرين ألف رأس غنم كانت تحملها. ٢٥/ ١٢/ ١٩٩١تفتت اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية.٢٤/ ١/ ١٩٩٣حرق فندق مادماق في سيواس على يد السياسيين الإسلاميين، ومقتل ٣٥ شخصًا.١٩٩٤-١٩٩٥حرب حزب العمال الكردستاني والجيش التركي. وإحراق القرى، وهجرة الأكراد إلى إسطنبول. بداية ١٩٩٤تعرف فرحات إلى سلويهان.٢/١٩٩٤فقد مولود عمله في بوفيه بينبوم.٢٧/٣/١٩٩٤فاز في الانتخابات المحلية رجب طيب أردوغان برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى.٣٠/ ٣/ ١٩٩٤سلب مولود على يد شخصين أب وابنه في أثناء بيعه البوظة ليلًا.٤/١٩٩٤فتح مولود وفرحات «بوظة العديلين».٢/١٩٩٥حملت رائحة حملها الثالث.٣/١٩٩٥شارك قورقوط بمحاولة الانقلاب على رئيس الدولة الأذربيجاني حيدر علييف. ١٢-١٦/ ٣/ ١٩٩٥قتل ١٢ شخصًا في أحداث حي غازي، و٥ في أحداث عمرانية.مطلع ٤/١٩٩٥إغلاق «بوظة العديلين».وسط ٤/ ١٩٩٥ماتت رائحة في أثناء محاولتها إسقاط جنينها.نهاية ١٩٩٥بدأ مولود يعمل جابيًا للكهرباء؛ بناءً على عرضٍ من فرحات.بدايات ١٩٩٦تزوج سليمان ماهينور مريم. وولد حسن ابنهما الأول.١١/ ١٩٩٧قتل فرحات.١٩٩٨ولد كاظم الابن الثاني لسليمان.٦/ ١٩٩٨بدأ مولود يعمل في جمعية أبناء بيه شهير.٢/ ١٩٩٩القبض على القائد الكردي عبد الله أوجلان الذي قاتل الدولة التركية مدة خمسة عشر عامًا، واختبأ في سورية لسنوات.صيف ١٩٩٩طلب سليمان فاطمة من مولود لبوزكورت.١٧/ ٨/ ١٩٩٩زلزال مرمرة الذي أودى بحياة ١٧ ألفًا و٤٨٠ إنسانًا. نهاية ٩/ ٢٠٠٠بدأت فاطمة ابنة مولود الدراسة الجامعية.٦/ ٢٠٠١تزوجت فاطمة حبيبها برهان الذي تعرفت إليه في الجامعة، وسكنا في إزمير.١١/ ٩/ ٢٠٠١انهيار برجي التجارة العالمية في نيويوك بهجوم القاعدة.٩/ ٢٠٠١هربت فوزية ابنة مولود الصغيرة إلى سائق تاكسي من قادرغة.نهاية ٢٠٠١عمل عرس فوزية وإرهان في فندق في آقسراي.٢٠٠٢رأى مولود بوظة بالقارورة أول مرة.٥/ ٢٠٠٢ولد إبراهيم ابن فوزية وحفيد مولود. خريف ٢٠٠٢تزوج مولود وسميحة.٣/ ١١/ ٢٠٠٢وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم وحده.٣/ ٢٠٠٣أصبح رجب طيب أردوغان رئيسًا للحكومة بعد رفع الحظر السياسي عنه.٢٠/ ٣/ ٢٠٠٣احتلال العراق. ٢٨/ ٧/ ٢٠٠٥فقد ٥٦ شخصًا حياتهم؛ نتيجة هجمات القاعدة على محطات المترو والحافلات في لندن.١٩/ ١/ ٢٠٠٧قتل الصحفي الأرمني هرانت دينك باعتداء مسلح.٢٢/ ٧/ ٢٠٠٧وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم وحده؛ نتيجة الانتخابات العامة.٢٩/ ٣/ ٢٠٠٩ربح حزب العدالة والتنمية الانتخابات المحلية ثانية (وزادت أصواته في تل التوت والرماد).٤/ ٢٠٠٩باع مولود بيت أبيه مقابل شقة في بناية.١٧/ ١٢/ ٢٠١٠إثر حرق بائع جوال نفسه في تونس بدأ التمرد والثورات التي سميت «الربيع العربي». اعتبارًا من ٣/ ٢٠١١لجأ مئات ألوف السوريين إلى تركيا.١٢/ ٦/ ٢٠١١وصل حزب العدالة والتنمية وحده إلى الحكم؛ نتيجة الانتخابات العامة.٣/ ٢٠١٢سكن آل قرة طاش وآقطاش في شققهم الجديدة. Table of Contents عن أورهان باموق أورهان باموق رواية إلى «أصلي»، الجـزء الأول مولود ورائحة خطف الفتاة عمل صعب الجزء الثاني مولود كل مساء شتوي على مدى خمسة وعشرين عامًا الجزء الثالث ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ ١٦ ١٧ ١٨ ١٩ الجزء الرابع ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ ١٦ ١٧ ١٨ الجزء الخامس ١ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ ١٦ الجزء السادس بناء من اثني عشر طابقًا ريع المدينة من حقك الجزء السابع شكل وملامح مدينة أنا لا أستطيع التفكير إلا وأنا أمشي التسلسل الزمني