كيد النسا خيرى عبد الجواد كيد النسا يشبه الكي من مكرهم عدت هارب بتحزموا بالحنش حي ويتعصبوا بالعقــارب ابن عروس القسم الأول 1 بديعة **** تحايلت بديعة على ملائكة روحها الخيرة ،واختارت بإرادتها الحرة مصاحبة هاروت وماروت ملاكا السحر. تعلمت فنونه السوداء على ايدى شياطين الأنس وأرادت تجريب ما تعلمته فى بنى ادم فاختارت الشاب الذى سوف يصبح زوجها وأبو ابنتها الوحيدة فتحية. اسمه نور، كان يشبه رشدى أباظة بقامته الفارعة وبنيانه المتين وشعر رأسه الناعم والذى كان يثبته إلى الوراء فاستحال لونه إلى الرمادى بفعل الصابون والفزلين، كان عاطلاً عن العمل فامتهن البلطجة، وكان دائم الهرب من الشرطة فاستحالت سيرته إلى أسطورة بديعة الخاصة والسرية فوقعت فى عشقه، ولم يكن هو يشعر بها، لكنه جاء إليها "على ملا وشه" راكعًا و مدلها ومعترفا بحبه لها لما سحرت له عن طريق عبد القوى بائع الطماطم فى الظاهر والساحر الشرير صاحب الأعمال السفلية والتى دوخت بولاق الدكرور كلها، طلب منها " أتر " نور فأخذت تتحايل علها تعثر على حته من هدومه فيها ريحة عرقه، اتفقت بديعة مع بعض الصيع على التحرش بنور والإمساك بخناقه وهربدة هدومة، قالت من يجيئنى بحته من هدومة له عندى مكافأة. وفى صبيحة احد الأيام، وبينما كان نور يمشى فى حارة على أبو حمد مختالا فخورا يقول يا ارض أنهدى، هاجمه ثلاثة شبان مفتولى العضلات، لكن نور الذى كان يفوقهم قوة، خلع هدومه فأصبح عاريًا إلا من الكلوت وطوح بقدمه فى الهواء كما كان يفعل بروس لى الذى شاهده فى فيلم الرأس الكبير حين عرضته سينما مرمر فجاءت فى محاشم الأول وسقط على الأرض فاقد الوعى، والثاني ضربه بقبضة يده فى وجهه فأنفجر الدم من انفه، والثالت أعطاه مقص رجل أوقعه ووقع فوقه وأخذ يضربه حتى صرخ " حرمتّ والنبى يا عم " ثم ارتدى هدومه ومضى.بديعة التى كانت جالسة فى بيتها الكائن بحارة على أبو حمد تنتظر أن يأتوا لها بأتر نور،عرفت بالواقعة،فازداد هيمانها به، وهمست لنفسها: والله لو كان ضربوه لكرهته.وفكرت انه لن يأتى بأتر نور سواها فكان ان ابتدعت خطة وهى ان تتعرف على أخته فهيمة فتعرفت عليها وصارت صديقتها الوحيدة، وفى احد الأيام، ذهبت معها إلى منزلها، لم يكن نور موجودا، أمه كانت جالسة بالقرب من شباك يطل على الحارة الضيقة، عجوز تعدت الثمانين وفقدت بصرها منذ أربعين سنة، قالت ان المليجى رحل ونور فى بطنها حتة لحمة لم تتشكل بعد، زينب ابنتها البكر، ونور جاء بعد رحيل والده بثمانية شهور.تركتهما زينب وذهبت لشراء باكو شاى من محل بقالة على أول الشارع.قالت بديعة أنها ذاهبة لشرب الماء من المطبخ، وتسللت إلى الحمام فعثرت على هدوم وسخة قرب الغسالة، أخذت تقلب فيها حتى عثرت على لباس نور فخبأته فى صدرها وعادت إلى أم نور التى عرفت ان اسمها تهانى. عادت بديعة إلى بيتها وحين انفردت بنفسها أخرجت اللباس من صدرها وأخذت تقلبه فى يدها، كان ابيض كالحا ومبلولاً، قربته من انفها فشمت رائحة عفنه مع رائحة أخرى نفاذة أدارت رأسها وجننتها حتى أنها وضعته بين فخذيها ونامت عليه. فى الصباح لم تستطع بديعة الذهاب إلى الساحر عبد القوى، كانت تشعر بكسل لذيذ فأخذت تتمطع.تذكرت لباس نور فقامت خبأته فى دولابها، وأحست انه كان معها طوال الليل.وقررت إلا تعطى عبد القوى أتر نور، فقط أعطته اسم أمه حين قابلته فكتب ورقة بدم الغزال وطلب منها أذابتها فى الماء ورشها على عتبة بيتهم وفى الأماكن التى يخطو فيها، فسهرت حتى قرب الفجر وتسللت وهى تحمل علبة صفيح ملآنه بالماء ورشتها كلها على عتبة بيته وفى الطريق التى يمشى فيها. كانت تحلم بنور كل يوم، كان يجيئها فى انصاص الليالى ويظل معها حتى الصباح، وكانت تقوم وكل حته فى جسمها تؤلمها وكأنه كان يعصرها عصرا، وحلمت بديعة حلمًا غريبا لم تستطع تفسيره، دخل عليها ذات يوم أخوها الكبير حفنى يجر كلبا مربوطًا بسلسلة ورائه، وأخذ الكلب يزوم ويهوهو ولمحت دموعه تسيل على وجهه ونظر إليها باستعطاف وجلس تحت قدميها، وهى حالما رأت الكلب شعرت بدقات قلبها تتسارع وتعلوا مثل طبل، وأدارت وجهها خبأته استحياء، وقالت لأخيها حفنى:هل هان عليك أهل بيتك حتى تدخل عليهم شابًا غريبًا. وهتف حفنى مستنكرًا.شاب غريب.انه كلب وجدته فى الشارع فعجبنى شكله وصعب علىّ فأحضرته.قالت بديعة:انه شاب مسحور.وغابت لحظات عادت بعدها بطاسه ملأنه بالماء قرأت عليها بالسريالية ثم قالت أذا كان الله خلقك كلبا فكن كما أنت ، أما أذا كنت مسحورا فأرجع الى صورتك التى خلقك الله عليها . ثم رمتها فى وجه الكلب فعطس وانقلب شابا جميلا كان هو نور بعينه الذى ما ان وقع نظره عليها حتى وقع فى غرامها وتزوجها ودخل عليها فوجدها درة ما ثقبت ، ومطية لغيره ماركبت فأطلق مدفعه على قلعتها عتيقمها.كان هذا الحلم هو نفسه الحلقة التى سمعتها مساء الجمعة الماضية من ألف ليلة وليلة بصوت زوزو نبيل، لكنها لم تتذكر أنها سمعت ذلك من قبل، فقط الحلم وحده شغلها عدة ليال متواصلة، وخافت إن هى أخبرت أحدًا لشك فى قواها العقلية، وخافت أكثر ان يتحقق الحلم فينقلب نور قردًا أو كلبًا ولا تعرف كيف ترجعه إلى صورته الأصلية، لذا فقد قررت ملازمة عبد القوى الساحر علها تتعلم منه شيئًا يعينها على أيامها القادمة، وتعلمت الجلجلوتية "الصغرى والكبرى وكيف تربط محلولاً وتحل مربوطًا والطوالع وعلوم السيمياء والأبواب والعزائم والبروج والطبائع والطلاسم وأبواب المحبة والدخول على الحكام وضرب الرمل وخلخلة الهوا الكبرى وتعلمت شبشبة زعزوع وشبشبة ناصور وشبشبة أبو الرياح ومندل المرآة ومندل طيفور وفتح الكنوز، وفى خلال ستة شهور كانت تفوقت على أستاذها حتى أنها سخرته لخدمتها هى التى لم تدخل مدارس أو تتعلم القرأة والكتابة، لكنها حفظت كل ذلك على السماع، وفى خلال تلك الشهور والأيام، كان نور يتمكن حبه من قلبها حتى ملك كل حياتها فأقسمت ان حضر شيطانها فسوف تأمره أن يأت به مكبلاً وممسوخًا، وسوف يستعطفها فتعطف وتحن وتمن وتطلق صراحه بعد أن ترده بشرًا سويًا، حلمها الذى حلمت به ذات يوم، لكن نور العصى على شياطين الجن والمعوز من سحر بديعة هزمها ودخل السجن متهما بالسرقة. بديعة لم تيأس أو تسلو حب نور، وحين علمت بالخبر من أخته ضربت كفا بكف وقالت كلمة لا يخجل قائلها:لا حول ولا قوة إلا بالله.وأرجعت ما حصل لنور إلى العكوسات، واتهمت شيطانها بالخيانة، وقررت ان تحارب معركتها حتى النهاية فذهبت إليه فى السجن، وهو الذى لا يعرفها ولم يرها قط ، سألته سؤالاً وهى تنظر إلى عينيه مباشرة:هل سرقت فعلاً؟ نور أخذ يتفحصها من قدمها حتى رأسها فوجدها طويلة بلا داع لذلك، وأكثر نحافة مما تتحمل عينه ووجد ان أنفها المدبب يعطى مشروعية لدمامة وجهها.اسمعى يا ست انتى، قال نور مشيرًا بازدراء لحظته بديعة.أنا لا أعرفك، ولكن أقسم بشرف أمى أنى لم أسرق، واننى برئ من هذا الأمر. زاد عجبه حين سمع صوتًا يشبه نقيق ضفدع عطشان يقول له:أنا أصدقك، وسوف أعمل على أظهار براءتك، ولكن بشرط.سكتت وأخذت تنظر فى عينيه، وهو أطرق برأسه إلى الأرض مفكرًا فى شرطها ماذا عساه ان يكون، ومن هى أصلا حتى تتمكن من إخراجه؟ ان تتزوجنى.سمع نور جملتها الأخيرة لحظة انتهاء موعد الزيارة، وبينما كان يغادرها فكر فى جملتها بإمعان وأحس ان هذه المرأة توشك ان تحاصره فغمغم لنفسه:مش لو خرجت من هنا!. لكن نور لم يمكث فى السجن أكثر من أسبوع خرج بعده حرًا طليقًا، أكثر من ذلك ان بديعة استطاععت تقديم الجناة الحقيقيين للمحاكمة، أما كيف حدث ذلك.فهو سرها الذى لم تطلع أحدا عليه، حتى أبنتها الوحيدة فتحية لم تعرف عنها شيئًا، شئ واحد كانت تعرفه فتحية، حكته أمها مئات المرات أمامها، كيف جاء نور صباح يوم أحد ليخطبها من أمها وأخيها الأكبر حفنى، وكيف أستسلم لكل شروطهما، والأغرب من ذلك أنه تزوجها بعد الخطوبة بعدة أيام. 2 نور أنا لا أعرفه، فكيف أكتب عنه، هل أكذب؟أو أتخيل أحداثًا لم أعشها، أؤلف عن شخص عرفته وأنا فى السادسة من عمرى وكانت علاقتنا انه كلما رآنى ضرب يده فى جيبه وأعطانى نوعًا من البونبون يسمى نادلر فأفرح لذلك وأحبه وأتمنى مقابلته دومًا. أسمى خيرى عبد الجواد، مؤلف قصص وروايات، من عرفنى فقد اكتفى، ومن جهلنى أقول له إجابة على سؤاله كيف أزج بأسمى فى هذه الكتابة هكذا عينى عينك وقد جرى العرف ان يكون الكاتب الراوى مخفيًا يحرك أحداثه من وراء مكتبه، لا احد يعرف فيما يفكر، أفكاره يطرحها على ألسنة شخوصه ، آماله وطموحاته وأحلامه يدونها على الورق من وراء حجب.أنا غير هؤلاء يا صديقى، أنا أكتب عن نفسى فى كل ما كتبت، ليس حبًا فيها إنما نفسى هى الوحيدة التى أعرفها وعشت معها وخبرتها فى كل أحوالها.وقديما قال أحد الفلاسفة أعرف نفسك، وها أنذا أحاول معرفتها.وكانت بديعة أقدر منى على معرفة نور وكيف لا وهى التى أحبته وتزوجته وأنجبت منه ابنة وحيدة اسمها فتحية سوف يأتى الحديث عنها فيما بعد، لذا، فسوف أكتفى بما قدمته بديعة عن نور فى الفصل الأول أما ما لم تعرفه بديعة، فهو ما سوف احكيه. تزوج نور من بديعة بعد خروجه من السجن مباشرة، ورفضت أم نور ان يعيشا معها فى حجرتها فأخذته بديعة ليسكنا مع أمها وأخوتها، عاشا فى حجرة صغيرة لها باب منفصل عن الشقة يفتح علىبئر السلم بينما سكنت أم بديعة والتى كانت تسمى أم حفنى على أسمم أبنها البكر هى وحفنى ومحاسن وصديّقة فى الحجرة الأخرى.نور ظل عاطلاً عن العمل، وسجائره ومصروف جيبه كانت بديعة توفرهما له من معاش أبيها، كانت تسرق من بك أمها ما تيسر كلما سنحت لها الظروف، وكانت أمها تعرف لكنها تغاضت فى أول الأمر، ثم رأتها تسرق ذات يوم فواجهتها، وغضبت بديعة وكرهت أمها فى تلك اللحظة وتمنت ان تسخطها قردة، وقالت هى فلوس أبى ، ونور لا يشتغل فما حيلتى، تحبى أولع فى نفسى فيرتاح الجميع.وأم حفنى لم تأخذ بتهديدات بديعة ولا بصوتها العالى وقالت لابد من حل، وعلا صوت بديعة وأمها، وخرج نور على صوتهما ووقف يتفرج، ولم يكن بالمنزل غيرهم، وتجرأت بديعة ومسكت فى خناق أمها وقالت لها خنقتينى يا شيخة، ما تموتى وتريحينا من بخلك وقرفك.وأم بديعة صعبت عليها نفسها فضربت بديعة على وجهها بكف يدها، وخرجت عفاريت بديعة من عينيها فردت على أمها بقلم مثله، وجاء نور فزغدها فى كتفها فصوتت، ودفعتها بنتها فوقعت على الأرض وقدمها اليمين تحتها، صرخت:رجلى انكسرت.ومن شدة الألم أغمى عليها.وحملها نور وجرى وبديعة وراءه إلى مستشفى بولاق الدكرورالعام، وقرر الحكيم علاجًا يزيد عن واحد وعشرين يوماً وجبست رجلها واتهمت نور وبديعة بالاعتداء عليها.ونور الذى له سوابق هتف حسبى الله ونعم الوكيل فيكى يا شيخة، ورمى يمين الطلاق على بديعة التى وقفت مذهولة لا تدرى ماذا تفعل فى المصيبة التى حطت على رأسها.فلا هى تقدر ترجع لبيت أمها بعد ان طردتها هى وأخوتها، ولا هى على ذمة نور، ماذا أفعل يا ربى؟ تساءلت وأخذت تبكى، ومن بين دموعها تذكرت ان لها أقرباء فى نفس الشارع فذهبت إليهم وحكت حكايتها كما تخيلتها هى فبدت مظلومة، وتعاطفوا معها وبعد إلحاح منهم رضيت بالإقامة عندهم. هنا أبدأ الحكاية وأنا على يقين مما حدث فى تلك الفترة، فقد كنت طرفًا فيها، ذلك لأن العائلة التى أقامت عندها بديعة عائلتى، كان أبى عامل البناء قد رضى بإقامة بديعة بين الأسرة كأحد أفرادها الذين تجاوز عددهم أربعة عشر فردًا، كان لديه ست بنات فلم يضره أن يزدن واحدة أخرى، كذلك أمى التى كانت تكبر بديعة بعدة سنوات رأت أن تعطف عليها بعد أن سمعت حكايتها.لم تكن بديعة تمت للعائلة بصلة اللهم إلا صلة الجذور، وذلك أنها من نفس القرية التى تقع فى محافظة المنوفية وتسمى" كوم الضبع"وكانت تنتمى لأحدى العائلات الفقيرة والتى لم تكن لها أرض أو زرع بل كانت تؤجر نفسها للعمل لدى الآخرين بأجر لم يكن يكفى للطعام فاعتمدت على ما يمنحه الأخر ون مما يفيض عن الحاجة. أصبحت أنا أبن السادسة أرى بديعة أمامى فى كل لحظة، بل أننى كنت أصحو من نومى فى بعض الأحيان لأجدها نائمة بجوارى على سريرى بملابسها الداخلية وقد انحسر اللحاف عن جسدها الأبيض البض بينما كنت أشم رائحة عطرها وعرقها وكانت تبدو لى جميلة، وذات مرة، صحوت فوجدتها نائمة بجانبى كعادتها على ظهرها شبه عارية، كانت تضع إحدى ذراعيها تحت رأسها بينما ذراعها الأخرى طوحت بها قريبة منى وصدرها بدا مثل ربوة عالية بيضاء ومدكوكة، وقد باعدت ما بين ساقيها فانحسر الكلوت على احد جانبى فخديها فظهر شعر عانتها كثيفا واسود ناعمًا، مددت يدى فأمسكت أصابعى بعض شعرها وشددته، صرخت وقامت منتورة تتلفت حولها فى زعر، وبعد لحظة تنبهت إلى أن الفاعل لم يكن سواى فنظرت إلى وتبسمت ولفت ساقيها حولى تكاد تعصرنى ونامت مرة أخرى. تعلقت ببديعة وتعلقت أكثر بمداعباتها لى.كنت أنا الوحيد الذى تسمح لى بتقبليها من فمها وكنت أحب ذلك لأستمتع بطعم احمر الشفايف الذى يشبه رائحة القرنفل.وفى كل يوم، كانت تسخن بستلة الماء على الوابور الجاز السكاتى الذى لم يكن سوى دانة مدفع عثر عليها أبى بعد الحرب فقام بمعالجتها لتصلح موقدًا، وقبل الماء تكون قد أتت بكسرونه ووضعت فيها بعض السكر والماء وتتركها حتى تغلى ثم تقوم بصبها على البلاط فتجمد قليلاً حتى تصير حلاوة لينة تفركها بأصباعها ثم تفردها على مواضع من جسدها تنزع الشعر منها، كانت عملية مؤلمة لأنى رأيت بديعة تصرخ فى كل مرة، وحين تنتهى، يكون الماء قد غلى فى البستلة. فتضعها على الأرض وتضع الطشت النحاس الكبير فى منتصف الحجرة، ثم تخلع ملابسها وتجلس فى الطشت وتصب فوق جسدها الماء الحار بعد مزجه بالماء البارد، سمحت لى بديعة بالاستحمام معها مرة، ورأيتها تحك جسدها الأبيض باللوف بشدة حتى كاد الدم يتفجر منه. بديعة أصبحت ركنًا أساسيا من أركان منزلنا، وبدا أن لا احد يستطيع الاستغناء عنها، أنا الذى كنت أنتظر مداعباتها لى والتمسح بها فى كل وقت فقد أدمنت رائحتها.وأمى التي حملت عنها بديعة بعض أعباء المنزل، وحتى أبى الذى كان يصحو مبكرًا للذهاب إلى عمله فيجد بديعة قد صحت قبله وجهزت فطوره. لا أحد يدرى ما الذى كان يدور فى ذهن بديعة فى تلك الفترة، لكن أمى المريضة دومًا والمجهدة طوال الوقت بدأت تشعر بالخطر من بديعة، وأخذت مشاعر الغيرة تعصف بها، لكن ما الذى تفعله؟ أخذتنى ذات مساء وذهبنا سويًا إلى منزل نور، قابلنا أمه وسألتها أمى عنه فقالت أنها لم تره منذ أشهر ولا تعرف عنه شيئًا، ودعت على بديعة التى طفشت ابنها وخربت بيته.لكن أخته كانت تعرف فقد سمعت انه يعمل عرضحالجى على باب أحد أقسام الشرطة، واحد من الجيران شافه مرة هناك.لكن أين ؟لا تدرى. خرجت أمى من بيتهم وهى مصممة على إيجاد نور بأية طريقة، فهذا هو الحل الوحيد. بيتى هيتخرب.كانت تغمغم وهى تسحبنى من يدى وتهتف قائلة:المره داخلة على خراب البيت.مستعفية وفاجره ولا حد حكمها. شعرت بأزمة أمى وكنت أرى دموعها على خدها طوال الوقت فى صمت ولا أحد يدرى ما بها سواى، وفجأة أصبحت لا أطيق بديعة، كرهتها وبت لا أطيق رائحتها. ورأيتها للمرة الأولى إمرأة دميمة وأنها لم تكن جميلة فى يوم من الأيام، وأخذت اعقد المقارنة طوال الوقت بينها وبين أمى فانتصر لأمى. بعد عدة أيام عرفت أمى مكان نور وأخذتنى وذهبنا إليه، كان يجلس أمام قسم شرطة على البحر، أمامه ترابيزة تظلها شمسية وقلم وعدة دفاتر وأختام، كان يرتدى جلابية ناصعة البياض فوقها جاكت بدلة أسود وكان أكثر تأنقًا عن ذى قبل، وعند رؤيته لى أخرج من جيبه أقراص النادلر وناولهالى.شرحت له أمى كل شئ من طقطق للسلام عليكم، وفى النهاية قالت له:تعالى خد مراتك ولمها فى بيتك يا بن الناس.كان نور منفعلاً وظهرت سنته الذهبية متألقة بانعكاسات الشمس وقال:دى عيلة وسخة والمره دى خرابة بيوت ابعدينى عنهم الله لا يسيئك.انشغل نور بعض الوقت بكتابة عرض حال لواحدة ست وانشغلت أنا بمتابعة الداخلين والخارجين من وإلى القسم، وكانت أمى جالسة مطرقة فى صمت.انتهى نور مما فى يده وقال لأمى وهو يرتب بعض الأوراق:شوفى يأم جمال دا موضوع مالوش حل، وأنا زهقت من الحتة كلها وربنا هدانى ولقيت عمل شريف ونسيت شقاوة زمان، وأنا لغاية دلوقت عمال أفكر أنا إيه اللى رمانى على العيلة الوسخة دى.أكيد عاملين لى عمل، وأنا متأكد، دانا حتى كرهت أمى وأختى اللى مالهمش غيرى وما شفتهمش من ساعة ما حصل اللى حصل تفتكرى دا طبيعى ؟ قالت أمى: يا نور يا خويا مصارين البطن بتتخانق وبيحصل اكتر من كده بين الراجل والست بتاعته، والطلاق خراب بيوت يا خويا. هيه اللى بعتاكى.قال نور فحلفت أمى بأيمانات المسلمين أنها جاءت من ورائها وقصدها الخير.سلم علينا نور وهو يقول ربنا يقدم اللى فيه الخير. قالت لى أمى ألا اخبر أحدا بأننا قابلنا نور.وحين رجعنا إلى البيت وجدت أمى بديعة نائمة على سريرها أبو عمدان بقميص النوم ولم يكن أبى موجودًا، فغضبت أمى وشخطت فيها وقالت: استرى نفسك يا مره، البيت فيه رجالة فقامت بديعة واتجهت إلى حجرتى وأغلقت الباب على نفسها. بديعة اشتغلت لنا فى الأزرق فتشاجر أبى مع أمى وكاد أن يطلقها.كانت رائحة البخور تملأ البيت وكانت بديعة تغمغم طوال الوقت بكلام غير مفهوم وكانت ترش عتبة بيتنا بالماء الملون فيطأه أبى، وكاد يموت حين أعطته طعامًا كان معجونًا بدم العادة فتقيأه، ولمت أمى هدومها وسافرت إلى بلدتنا، وقالت أنها لن تعود إلا إذا مشت بديعة. وأبى قال أنا لا اجئ على الولايا وانكسف يكلمها، لكنه سلط عليها بناته يضايقنها، غير أنها لم تتضايق، وكشفت أختى حجابًا مختبئًا فى كيس المخدة التى ينام عليها أبى بعد فوات الأوان، ذلك انه أصيب فى جسده بحساسية جعلته لا ينام باليل أو بالنهار، وجلس فى البيت بلا عمل بينما جسده كان يبدل جلده طوال الوقت.وعلمت أمى بخبر مرض أبى فقالت دا ذنبي.وأسرها أبى فى نفسه التى صعبت عليه، ومع قلة حيلته ومصيبته التى جاءته من حيث لا يدرى كان يصرخ من شدة الوجع، وبناته كن يتناوبن على تغيير جلبابه وغياراته الداخليه كل ساعة، وكان جلده يخرج ملتصقًا بالجلابيه التى كانت تنز صديدًا وماء. بينما كان يلوك المضغ فى فمه قال أبى جرح السلامة كل يوم له علامة، وجرح الندامة التمس له طبيب.وجاء الطبيب وكتب له علاجًا وأوصى بعدم الاقتراب من البيض والفراولة.واتريق أبى بعد ذهاب الدكتور وقال لنا : مش لما نلاقى الغموس نبقى ناكل فراولة ! ومد بوزه وقال : هأو. ونور الذى غطس بعد زيارة أمى له، ظهر فجأة يحمل فى يده كيس فاكهة. قال انه بمجرد سماعه بمرض أبى ترك ما فى يده وجاء فورًا. سلامتك يا عم محمد يا غالى. وانتهزها أبى فرصة وفاتحه فى أمر بديعة. ما تردها يا نور وتريح الجميع. وبديعة التى ما ان علمت بمجئ نور حتى وقفت خلف الباب تتصنت وهى على سنجة عشرة فسمعته يقول: شوف يا عم الحاج هالله هالله على الجد والجد هالله هالله عليه. اللى ينكسف من بنت عمه ما يجبش منها عيال، واللى أوله شرط. ما هو أنا جاى أردها بس بشرط. كانت كل شروط نور عبارة عن شرط واحد، ان تتبرأ من عيلتها الوسخة وان كانت عيزانى تعتبرنى كل عيلتها، ودا اللى عندى|. تنحنح أبى ونادى على بديعة فجاءت وهى عاملة نفسها مكسوفة وقالت: ايوة يا حاج. مش تجيبى حاجة للراجل يشربها. قال أبى وأشار لنور فغابت بديعة دقائق وعادت بصينيه عليها كوب شاى وضعتها أمام نور الذى نظر إليها فرآها زى الفل فأعجبه شكلها. نور جاى يردك يا بنت الناس وانتو ما لكوش غير بعض، بس له شرط. اللى تشوفه يا حاج، وسى نور شروطه كلها على عينى وراسى من فوق. قالت بديعة ونظرت بدلال لنور الذى ما ان سمع كلامها الذى ينحط على الجرح يبرد حتى هتف: شرطى ان أحنا نبقى فى حالنا لا تقوللى اهلك ولا أقولك أهلى، اهلك هما أنا، موافقة يا ستى ؟ أم حفنى بعد ان فكت الجبس عجزت، رجلها عقدت على الكسر وأصبحت لا تستطيع المشى عليها، وحين عرفت أنها لن تمشى أو تتحرك على رجلها مرة أخرى صوتت وبكت ودعت على ابنتها بديعة وزوجها نور أنها تشوف فيها وفيه يومًا اسود من قرن الخروب، وحفنى، ابنها البكر، كان طويلاً نحيلاً وجهه يشبه قساوة قلب بديعة، كان يعمل نقاشَا باليومية ،وعلى معاش والده الذى كان يعمل عطشجى بالسكة الحديد كان يستر أختيه فهيمة وصديّقة وأمه العاجزة ولم يفكر فى الزواج قبل ان يدخل البنات بيت العدل، ورغم ذلك، فإن حفنى وقع فى حب "صفاء" ابنة الناس الذين كان يبيض شقتهم فى شبرا من أول عينه ما وقعت عليها وحكايتهما طويلة ومعروفة ـ ليس هذا أوانها ـ . نور العايق الشاطر ربنا نفخ فى صورته وهداه، استقام فى عمله أمام القسم وحبب فيه خلقه، وبين عشية وضحاها، شوهد يتردد على الجوامع يصلى الوقت بوقته ولم يعد يترك فرضًا ولا سنة، والسبحة استقرت بين أصابعه تعبث بها على الدوام، وخلال ستة اشهر أزداد وجهه بياضًا والقًا بنور الأيمان واسودت جبهته من اثر السجود وتمتع بشفافية جعلته يطرح على بديعة فكرة مصالحة أهلها وطلب السماح من أمها، إلا أنها رفضت بشدة وقالت يا نور أنت أهلى وكل ناسى وربنا يخليك لى. وأذاقته تلك السنة ما لم يذقه طوال حياته من سعادة فاضت على روحه حتى طلعت تقابل ربا اسمه الكريم.أما كيف حدث هذا التحول لنور ؟فهو ما تكشف عنه كراسة كتبها بخط يده ووضعها فى ظرف وكتب عليه بالخط العريض لا يفتح إلا بعد موتى وإنا لله وإنا إليه راجعون . 3 منامات نور * * * جاءت بديعة بعد موت نور إلى بيتنا، كانت ترتدى جلابية قطيفة سوداء وطرحة سوداء أيضًا،وكانت تبدو على وجهها سمات الحزن على زوجها، أمى قابلتها بالأحضان وقبلتها من هنا ومن هنا،وأبى عزاها فى زوجها وأخذ بخاطرها،وبديعة جلست مسهمة ونظراتها زائغة، وكانت تحمل فى يدها كيس نايلون ملفوف كذا لفة أخذت تفكه ببطء وأخرجت منه كراسة بجلدة خضراء ، وفرت الدمعة من عينها وقالت انها كانت تقلب فى حاجات نور بعد ما مات – الله يرحمة – فوجدت هذه الكراسة وأشياء أخرى ، وانها حين رأت خطه عليها انخطف قلبها فهى تعرفه رغم أنها لا تقرأ ولا تكتب ، وأحست انه ترك هذه الكراسة لها وحدها ، فربما أراد أن يقول لها شيئًا انكسف يقوله فى حياته . مدت بديعة يدها بالكراسة لى كى أقراها لها ، وتنحنح أبى واستأذن من بديعة فى الانصراف ، كذلك فعلت أمى بذكاء وطيبة ، فربما كانت هناك بعض الأسرار لا يجب أن يعرفاها ، قالت بديعة وأشارت بيدها : تعالى هنا جنبى عشان أسمعك كويس . فجلست بجانبها ورائحتها القديمة لم أعد أشمها . على الغلاف الأخضر الخارجى كان هناك مربعًا كتب فيه : الأسم ، الفصل الدراسى ، العام ، تحت بعضه ، وفى الخلف كان جدول الضرب من واحد لمائة ، وفى أول صفحة كتب بالخط الجميل : منامات نور ابن عبد الرحمن لما تاب الله عليه ، وأخذت أقرأ بصوت عال وبديعة تسمع : أنا – وأعوذب بالله من كلمة أنا – نور ابن عبد الرحمن العرضحالجى بمحل عمله الكائن أمام قسم شرطة الجيزة على البحر ، أقول قولى هذا وأنا فى دار الحق ، وانتم فى دار الفناء ، عشت الحياة طولاً وعرضًا ، بحلوها ومرها ، سرقت وكذبت وعصيت فما الذى سوف آخذه فى النهاية سوى حفرة متر فى متر وقطعة قماش تستر عورتى أمام خالقى ، أقول لكم ما قاله شيخى ابن عروس لما تاب الله عليه : حرامى وعاصى وكذاب عاجز هزيل العطايا وتبت ورجعت للباب حيا جزيل العطايا باب الحرام واسع لا أخر له ، وأنا مشيت فيه وتوغلت وما عدت اعرف كيف أرجع ، حتى أننى نسيت الأبواب الأخرى ، لكن لما ربك يريد يقول للشئ كن فيكون ، ورحمته واسعة ، فلما أراد لى الهداية ، أرسل لى علامات على هيئة منامات ، وأنا الذى كنت أفهمها وهى طائرة ، فهمت ووعيت الرسالة ، ومن يقرأ كتابى هذا فليتعظ ، وليأت بورقة وقلم ويكتب : سبحان الله وبحمده عشرة آلاف مرة ويوزعها على أمة المسلمين ، فإنه ناجح بإذن الله . • منام 1 فرأيت اننى داخل قاعة مظلمة ، فلا لها ضبة ، ولا مفتاح وكأنى فى بركة ماء لونها أسود ، من وقع فيها أكله تمساح ورأيت جمل المنايا نخ قدام بابنا وأخذنى على ظهره المشوم وراح *** • منام 2 رأيت نفسى جالسًا فى مكان واسع رحيب ،و إذا بكراسى صفت وجلس عليها أصحابها ، وقال كبيرهم : إهدموا هذا البيت . وأشار إلى بيتى . فرفع أحدهم النبوت وأراد وضعه تحت أساس البيت ، فتعلقت بنبوته وصرخت : لأى شئ تريد هدم بيتى . فلما رآنى تعلقت بنبوته هتف : يا دايم . ودفعنى بنبوته فغبت عن الوجود مدة ساعة . وحين افقت ، وجدت نفسى فى واد ليس به صريخ ابن يومين ، فمشيت فيه حتى انتهيت إلى شجرة عالية خضراء مورقة ، فصعدت فوقها وجلست مستخبى بين الفروع ، وإذا بى اجد رجلاً لا أدرى من أين جاء ، وأخذ يكنس تحت الشجرة ويرش الماء ، ثم اخذ بعد ذلك أحجارًا من الأرض وصار يصفهم على هيئة كراسى فصارت مثل الديوان ، ثم نادى قائلاً : بسم الله تفضلوا ، فالمكان خال . وما ان انتهى من كلامه حتى أقبلت رجال كثيرون ، وجلس كل واحد منهم على حجر من تلك الأحجار ، ثم بعد ذلك جاء رجل جليل القدر والمقام وعليه مهابة ، فنهضوا جميعًا وسلموا عليه بأدب ، وعرفت أن هؤلاء الرجال جميعًا من أولياء الله ، وذلك من أسمائهم التى ناداهم بها الشيخ الجليل والذى لم يكن سوى القطب الكبير سيدى أحمد البدوى رضوان الله عليه ، كان بينه وبينى عمار فى الله ، وكنت كلما ضاقت بى الحال وانغمست فى الشقاوة والحرام أذهب إليه فى مقامة المعروف بطنطا ، فكنت فى اليوم الذى أريد الذهاب إليه ، أصحو مبكرًا على غير عادتى ، وأخذ حمامًا حتى أصبح فى حضرته طاهرًا ، وحين أصل المدينة ، أتجه مباشرة إلى ساحة مسجده فأجلس على قهوة فى مواجهة المسجد ، أشق ريقى وأشرب الشاى مع شيشة تفاحة ، حتى إذا ما انتهيت من كل ذلك أخش المسجد وأتوجه مباشرة إلى ضريح مولانا حيث أجلس بالقرب منه وأبدأ بقراءة الفاتحة لأمواتنا وأموات المسلمين ثم آخذ فى مناجا ة القطب الغوث ، فلا أشعر إلا ونفسى المكروش هدأ ونفسى تنزاح عنها الهموم والغموم وكأنى اغتسلت فى بحر حنانه وعطفه ، تلك كانت علاقتى به ، فلما رأيته فرحت واستبشرت خيرًا ، وجلس على أكبر الحجارة والتفت إلى أحد الواقفين وقال له : يا جوهرى سمعنا الفاتحة فى صحايفنا وصحايف أولادنا واخواننا واعمامنا وتوابعنا والآخذين عنهم وعنا بسم الله الرحمن الرحيم .ثم قرأ الفاتحة وقرأها جميع الحاضرين بصحبته . وبعد ذلك قال : يا جوهرى مد قدامنا بساط الطريق . فقال له سمعًا وطاعة . ثم ان النقيب قام على قدميه وقرأ الفاتحة وقال الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ، اعلموا أيها الحاضرين الناظرين السامعين أن هذا القطب الذى قربه الله واصطفاه هو سيدى أحمد البدوى أمرنى بفتح بساط الطريق بين أيدكم ، وها هو مفتوح وعليه الأنوار تلوح لمن يأت ولمن يروح ، لمن له حق ولا يصل إليه ، أو له جار وجار عليه ، فاسمعوا ما أقوله من الخطاب ، من كان له خطاب فليحضر إلى هذا الباب أمام سيدى أحمد وبحضرة جميع الأقطاب ليأخذ له حقه من خصمه بالعدل والأنصاف ، لا ظلم اليوم ، فلا أفلح من ظلم ا ن الله سريع الحساب . فما ان اتم النقيب كلامه ، وإذا بيد أمتدت فكأنها رقبة جمل وأمسكتنى من وسطى ورفعتنى من على الشجرة ، وقدام سيدى أحمد البدوى وضعتنى ، وكانت هذه اليد للنقيب المسمى بالجوهرى الذى قرأ الفاتحة وقال : أنا مدحت النبى والأصحاب وفتحت بساط الطريق ، وناديت على من كان صاحب دعوة أو له حق فظهر لى هذا الرجل فوق الشجرة فما تقول فيه . فقال شيخ العرب : هاته عندى . فلما وقفت بين يديه كنت أرتعد خوفًا ومهابة لهؤلاء الرجال . فتبسم لى سيدى أحمد البدوى وطبطب على ظهرى فسكنت الرعدة وثبت فؤادى فى التو واللحظة ثم قال لى : كفاك شقاوة يا نور ، أنت من الآن محسوبنا بأذن الله . والتفت إلى رجاله وهتف : إقرأوا الفاتحة لأخيكم بالهداية . ثم قال : يا جوهرى خذ بيده وادخله البستان المعلوم . فأخذنى من يدى وسار بى قليلا فإذا بنا على باب بستان فدخلنا فوالله ما ان ولجنا من الباب حتى شممت رائحة من أجمل ما يكون ورأيت منظرًا كأنه الجنة فوقف بى عند شجرة نبق وقال لى : مد يدك خذ ما هو مقسوم لك . فمددت يدى وقطفت سبع حبات فكان طعمهم أمر من الصبر ، وقطفت سبع حبات أخرى فكان طعمهم أشد مرارة من الحبات الأولى ، وصرت أقطف وآكل والمرارة تزداد ونفسى اشمأذت والنقيب يرقبنى ويحثنى على قطف المزيد حتى قطفت سبعة وعشرين حبة دون أن أجد حبة واحدة حلوة ، فنظرت إليه وقلت كفى فقد عافت نفسى هذا النبق ، فتبسم فى وجهى وقال : خذ ما قسم لك ، فمددت يدى وقطفت واحدة كانت الأقرب إلى أصابعى فكانت رائحتها كالعنبر ولم أزق فى حياتى أحلى ولا أشهى منها . عند ذلك أخذنى من يدى ورجع إلى سيدى أحمد البدوى الذى قال لى : هل أكلت من الشجرة ؟ قلت : نعم قال صف لى ما أكلته فوصفت له طعم السبعة والعشرين حبه ، والحبة الأخيرة التى كانت حلاوتها زائدة . فقال سوف أنبئك بتأويل ما أكلت : فأما الحبات السبعة والعشرين التى أمر من الصبر فهى سنين حياتك الماضية ، وأما الحبة التى حلاوتها زائدة فهى أيامك القادمة ، ثم انه ضمنى إلى صدره وتركنى فصحوت من النوم . يقول الراجى عفو ربه نور ابن عبد الرحمن : هذا ما رأيته فى مناماتى وأنا أعلم تأويله ، فهو ليس كما قال شيخى ومولاى سيدى أحمد البدوى ، إنما الحبة زائدة الحلاوة هى ما تبقى لى من الدنيا ، والموت قادم لا محالة ، هو أقرب إلى من لحظة نفس خارجة أو داخلة ، لذا فقد اخذت سكة السلامة بعد سكة الحسرة والندامة لعلى أفوز برضا المولى عز وجل ، أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم ، وعزائى أن كل حى إلى زوال وموت ، إلاّ الحى الذى لا يموت ، صاحب الملك والملكوت . *** 4 حفنى *** جمع حفنى القرش فوق القرش ليبنى شقة لنفسه فى البيت الذى تركه الأب والمكون من دور واحد، وحين انتهى انتقلت أمه والبنتان إلى الدور الثانى وتركا له الدور الأول حيث كانت الشقة عبارة عن حجرتين وصالة وعفشة مياة، كان حبه لصفاء قد زاده نحولا من كثرة السهر والتفكير فيها حتى ملأت عليه أحلامه وخيالاته، لم يكن يدرى ان حبه كان من طرف واحد فقط ـ طرفه هو ـ ولم يكن مؤهلاً بطبيعته السمحة الطيبة بلا شخصية حقيقية أو إرادة، لقيادة هذا الفرس الجامح المسمى صفاء، كانت اصغر منه بعشر سنوات، وبينما كان هو طويلاً مفرطا فى الطول كانت هى متوسطة القامة تكاد تصبح قصيرة، ومع نحوله الشديد كانت تملك جسدًا رائعًا كل ما فيه مدورًا: الوجه، العينان، الصدر، الخصر النحيل الملفوف، الأرداف الممتلئة المستديرة بنعومة وليونة. ولم يكن فارسها على أية حال. وما تملكه فى تلك الأيام لم يكن حبًا، كان شيئًا يتجاوز الحب، لقد أراد امتلاك هذا الجسد الجميل بأى ثمن، ولم يكن يفكر فى إحساسها نحوه، وهل تبادله حبا بحب، واشتهاء ورغبة، لم يكن يعنيه ذلك، فقط أن يمتلكها، أن تصبح ملكًا له وحده، ووحده تقع عينه عليها، على هذا الجسد الرائع بتكوينه المثير وتلك البشرة التى فى لون القشدة شديدة البياض والنعومة. كانت مشكلته ان له أختان لم يتقدم أحدًا لخطبتهما بعد، كانت أخته الكبرىفهيمة والتى تكبره بخمس سنوات هى المشكلة الحقيقية ولم تكن تتمتع بأى قدر من الجمال، قامة قصيرة وجسد ضامر هزيل، علاوة على وجه له تقاطيع منفرة، كانت فهيمة تشعر أنها لن تتزوج أبدا، فها هى تعدت الثلاثين دون أن تتاح لها فرصة للمس رجل، ولم تكن فى حياتها السابقة ، أى حين بلغت وأصبحت الدورة الشهرية تأتيها بانتظام، لم تكن لها تجارب من أى نوع مع أقرانها من شباب الحى، على العكس من أختها الصغرى صديّقة التى مشت مع طوب الأرض وكانت تحكى لها عن مغامراتها البريئة مع الشباب، كانت تشعر بالغيرة من حكايات أختها، لكنها فى نهاية الأمر كانت تقول لنفسها أنها لو أرادت ان تكون مثل صديّقة لفعلت لكنها لا تشعر بالحنين إلى الرجال فإنهم مقرفون ، كانت فهيمة ترى فى تجربة أختها الكبرى بديعة مع نور ما يجعلها تزداد كرها لتلك الفئة من البشر الذين ينحصر كل تفكيرهم فى تلك القطعة من الجلد بين أفخاذهم وكيف يشبعونها.وحين جاء محمد عبدون، الشاب الذى يعمل سواقًا على عربة نقل لخطبة صديّقة أعلنت فهيمة أنها موافقة على زواج أختها الصغرى قبلها، وقالت أنها حتى لا تفكر فى الزواج أصلا. وانحلت إحدى العقبات التى كانت تقف فى طريق حفنى، فها هى إحدى أختيه سينزاح همها، وبناء على ذلك فقد فاتح أهل صفاء فى الاكتفاء حتى بخطبة فى الوقت الراهن، ولدهشته، فقد تمت الموافقة ومن ثم الخطبة التى رفضتها صفاء أول الأمر. كانت تشعر ان لديها فرصة فى الزواج أفضل من الارتباط بهذا النقاش الهزيل، كانت تدرك ما يتمتع به جسدها من جمال، وحين كانت تمشى فى الشارع كانت تحس بوخزات العيون فى جسدها لكنها كانت تدرك ايضًا و من خلال عيون الرجال ما لهذا الجسد من سطوة على العقول والقلوب. تزوجت صديّقة من محمد عبدون، وانتقل للإقامة معهم فى شقة الدور الثانى، كانت الأم العاجزة قد استقرت هى وابنتهافهيمة فى حجرة، الحجرة الأخرى أقام فيها محمد عبدون وزوجته صديّقة التى لم تكن تعرف ان القدر يعمل لصالحها مثلما يفعل الآن، فقد اختارلها زوجًا شابًا ووسيمًا له جسد رائع متناسق كان يحلو له طوال الوقت استعراضه أمامها، لم يكن يتجول فى حجرتهما الضيقة إلا بالكلوت فقط مستعرضًا عضلات ذراعيه المفتولة وخصره النحيل، فإن مهنته الشاقة فى السواقة والعتالة أكسبته بنية قوية، كانت نظراتها تلاحقه أينما ذهب وهى تشعر بسعادة غامرة ان رضى عنها زمانها أخيرا، وهى التى لم تكن أبدًا جميلة، كادت أن تصبح جميلة يوم عرسها فى عين زوجها الوسيم المستعرض دائمًا، ولم تكن تمل من التحرش به وملامسة جسده طوال الوقت حتى يستجيب لمداعبتها، على انه لم تمر بضعة أشهر حتى انتفخت بطنها وسمنت وترهل جسدها، كما ان ملامح وجهها غير المتناسقة إذدادت تنافرًا مع مرور الوقت، وكان محمد عبدون يتأمل زوجته وقد أصبحت حركتها بطيئة من اثر الحمل ويتساءل: كيف تزوج هذه المرأة ؟ هل هو الحب بمراياه العمياء ؟ أم أنه شئ أخر لا دخل له فيه انه القدر الغاشم الذى أوقعه فى هذه الورطة. بعد زواج صديّقة، عمل حفنى بكل طاقته حتى يستطيع تجهيز شقته، وعمل على إصلاح العلاقة بين بديعة وأمه وأختيه، فحين مات نور فجأة، لم تخبره أخته، بل عرف من بره وذهب هو وحده للعزاء، ذلك ان أمه والبنتين رفضن الذهاب معه، بل ان أمه اعتبرت موت نور جزاء عادلاً لما فعله معها هو وأبنتها، فبسببهما أصبحت عاجزة مدى الحياة. ذهب هو وحده، واخذ بخاطر أخته التى أصبحت وحيدة، وعرف ان نور ترك فى بطنها طفلاً عمره ستة شهور، عرض عليها العيش معهم فى بيت الاسرة، لكنها رفضت بشدة وقالت ان أمها طردتها ولم تكن تطيقها لا هى ولا زوجها الله يرحمه. أحس حفنى انه عمل ما عليه، وقال ان الأيام قادرة على محو العداوة وان مصارين البطن بتتعارك وان الضفر ما يطلع من اللحم وتركها ومضى، وحين تزوجت صديّقة، لم تحضر بديعة عرس أختها ولم يدعها احد أصلاً فقالت بركة اللى جت منك يا جامع، لكنها أخذت على خاطرها وصعبت عليها نفسها، ولما اقترب موعد زواج حفنى ذهب إليها مرة أخرى وقال لها: المرّة دى مالكيش حجة، أنا جيت يا اختى اعمل اللى عليا ولابد من حضورك وهى فرصة يتلم الشمل مرة تانية. وقررت بديعة حضور فرح أخوها وقالت له: سمعت ان عروستك حلوة. تساءل حفنى بدهشة وعرفتى منين، هى فعلا جميلة وها تحبيها لما تشوفيها. وفى حارة على أبو حمد الضيقة عمل حفنى فرحه على الضيق، لم يعزم إلا قرايبه الذين يحبهم، كذلك بعض أصحابه، وجاءت العروسة بكل أهلها وهى زى الفل حتى انه ظهر بجانبها مثل الغراب النوحى. كانت صفاء رافضة الزواج منه، ولم تستطيع ان تحبه، لكن الأم والأب أصرا على إتمامه وقالت أمها ان الحب يأتى بعد الزواج وان حفنى شاب طيب وعلى نياته، وأنها تستطيع اخذ حباب عينيه وطيه تحت جناحها، وليلة الدخلة دخلت معهما أمها وأخذوا شرفها بلدى وعملوا زفة بالمحارم المنعاصة بالدم لفت بولاق الدكرور كلها، وحفنى الذى لم يكن يصدق نفسه اخذ يتحسس جسد صفاء وملمس بشرتها الناعمة يسرى بين أناملة فيشعر بالعجز عن عمل أى شئ، وكانت هى أكثر جرأة منه فخلعت له كل ملابسها ووضعت مخدة تحت ردفيها وساعدته على الانعاظ وهى ترهز من تحته حتى هدم قلعتها وخربها ، وانتهت الليلة على خير. وفى يوم الصباحية جاءت أخته فهيمة بصينية عليها فطير مشلتت عملته منذ الفجر عند سيد الفطاطرى وعسل نحل. وشعر حفنى ان الدنيا تضحك له فصار يلقم عروسته الفطير المغموس بالعسل وهو لا يشبع من النظر إليها وهى بقميص نومها الأسود المحبك الذى كاد يأكل من جسدها الأبيض حته. وظل مقيمًا فى البيت أسبوعا كاملاً لا يفعل شيئاً سوى ان يأكل وينام مع عروسته حتى خلصت فلوسه فنزل الشغل بالعافية، وهى ما صدقت ان خلصت منه حتى تنهدت راحة، فهذا المخلوق الذى يشبه الصرم لا يشبع أبدًا حتى أنهكها، وطلعت لأول مرة أمام البيت وجلست على العتب تتفرج على المارة من جيرانها سكان حارة على أبو حمد وتتكلم مع النسوان الرائحة والغادية، وجاءت صديّقة لتجلس بجانبها ويدور بينهن الحديث الذى لا ينقطع فى الأسرار الخاصة والعامة، حدثتها صديّقة عن زوجها محمد عبدون، وكيف يعصر جسدها ويجعل عظامها تطقطق على نار جسده، وأنها لم تعد تحتمل ثقل جسده وعضلاته المفتولة التى لا تترك جسدها إلا وهو كالعجينة الطرية. وصفاء لمعت عينها شهوة، ولم تحدثها عن أخيها حفنى العامل مثل خيال المآته، ولا عن المجهود الكبير الذى يبذله كلما اقترب منها، ولا النهجان وانقطاع نفسه وكأنه جرى من بولاق الدكرور للعتبة، ولم تحدثها صديّقة عن العلقة الساخنة التى تأخذها كل يوم من محمد عبدون الذى لم يعد يطيق سماع صوتها، ففى خلال ستة شهور زواج طلقها أكثر من إتنين وعشرين مرة، كان يرمى عليها يمين الطلاق صباحًا وهو ذاهب إلى عمله، و حين يعود، يكون قد نسى كل شئ فيرمى عليها اليمين مرة أخرى حين يذهب للنوم، وإذا لسانها طال عليه، فإنه ما كان يضربها إلا بقبضته فى اى عين يرى أنها مناسبة لتحمل غضبه الجنونى، لكن صفاء كانت تلمح آثار تلك المعارك على وجه صديّقة والتى ما كانت أبدا تبدى السبب الحقيقى وراء تلك الكدمة، وذلك الورم، أو الخدوش بأسفل الرقبة، ولم تكن تمل من اختلاق أسباب وجيهة لذلك، فهذه من أثر وقعة، وتلك خبطة فى بوز الترابيزة، وأخرى خربشة قطة وهكذا. كانت صفاء تلتهب مشاعرها من رؤيا تلك الكدمات وكانت تحسد صديّقة على ذلك، فعلى الأقل لها زوجًا رجلاً وليس كزوجها الذى لا يهش ولا ينش، فقط مخه فى بتاعه المرخى دائمًا، وياليته بقوة محمدعبدون الذى أصبحت تفكر فيه ليل نهار وهى التى لم تره سوى مرات قليلة. وقررت ان تتحرش به، ففتحت الباب ذات صباح مبكر، وبينما كان ينزل السلالم مستعجلاً ذاهبًا إلى عمله الذى تأخر عليه وجدها أمامه، كانت ترتدى جلبابًا نظيفا ومحبوكًا أظهر تفاصيل جسدها، وكان عند صدرها مكشوفًا فأظهر تقاطيع ثدييها النافران بنهر عميق كان يتوسطهما. وقف وقال صباح الخير فمدت يدها تصافحه، وشعر بليونة كفها ودفئها وهى تنظر إلى عينيه باغراء جعل جسده ينمل. وسحب يده وخرج وعيناها لم تفارقا خياله طوال اليوم. وفى المساء أيضًا قابلته مصادفة مثل الأولى، كانت عند زوجته فى الطابق الثانى حين دخل ورآها بنفس الجلابية التى تكشف صدرها والذى يبدو وكأنه مدلوقًا إلى خارج الجلباب: أبيضان وبضان بنهر عميق يشقهما، وجلس بالقرب منها بينما ذهبت زوجته لأعداد العشاء وكان جسدها يكاد ينفجر من ثنايا الجلباب الضيق ويشع حرارة كادت تحرقه، واستقرت عيناها على صدره العريض البارز بشعره الكثيف. وحين أتت زوجته بالطعام كان كل منهما ومن خلال الصمت مغرقًا فى خيالاته، وتجردا من ملابسهما والتحما والتطما مثل جبلين ، وفى تلك الليلة ضرب محمد زوجته صديّقة علقة موت، وأعطت صفاء ظهرها لزوجها ولم تعد تطيق رائحته أو رؤية وجهه. وأحست صديّقة بأن هناك شيئًا يدور من وراء ظهرها بين زوجها وزوجة أخيها، بينما أخيها حفنى لم يحس شيئًا، كان يخرج صباحًا ولا يعود إلا متأخرا منهكًا ليس له دخل بما يحدث، فقط، كان يطلب رضاء زوجته عنه، وكان يتلمس هذا الرضاء بكل الطرق. وأخذت صديّقة تنتبه بكل حواسها لما يحدث خلف ظهرها، ولمحت نظرات زوجها لزوجة أخيها، وكذلك نظراتها إليه، وأرادت تقطع الشك باليقين، وفى أحد الصباحات المبكرة تنبهت من نومها على صوت زوجها يرتدى ملابسه ويهم بالخروج، عملت نفسها نائمة حتى انتهى وخرج وأغلق الباب وراء، تسللت وفتحت الباب وراقبته وهو ينزل على السلالم، وسمعت باب شقة أخيها يفتح ثم يغلق، ولم تعد تسمع شيئًا، نزلت السلالم حافيه على أطراف أصابعها ووقفت على باب شقة أخيها البرانى ، فالشقة كان لها بابان، أحدهما يفضى إلى داخل الشقة، أما الأخر فكان بالقرب من مدخل البيت ويفضى إلى أحدى الحجرتين بالشقة، تلك الحجرة التى كانت تسمى حجرة "الجلوس " والتى جعلتها صفاء للنوم بدلاً من الأخرى فى الداخل، إنحنت ونظرت من خرم المفتاح فوقعت عينها على السرير فى المواجهة، ورأت زوجها عاريًا يتمرغ فى أحضان صفاء التى كانت عارية أيضًا، وسمعتها تصرخ من اللذة ، فى خفوت تسحبت صديّقة حتى طلعت شقتها ودخلت حجرتها ولطمت على وجهها وصرخت: يا مصبتى. وشهقت بالبكاء، لكنها تعمدت ان تفعل ذلك فى هدوء حتى لا يسمعها احد، ومن بين دموعها همست: وحياة مقصوصى لأفرج عليك امة ما خلق يا محمد ياعبدون أنت وصفاء وأخلى فضيحتكم بجلاجل. على إنها لم تجد ما تفعله سوى ان تجلس وتنتظر الفرصة التى طالت وقد بدا لها إنها لن تأت أبدًا، كانت تعرف الآن أنهما يلتقيان يوميًا ليدنسا سرير أخيها المغفل والذى من المؤكد انه لم يعرف شيئًا، ومن ناحيتها فأنها وبتلقائية، تجنبت المشاجرة مع زوجها كما كانت تفعل، بل إنها كانت تتحاشى النظر إلى عينيه، وعاملته بود تعمدت ان يبدو طبيعيا، وحتى زوجة أخيها صفاء، فأنها عاملتها بنفس الود وكأنها لا تعرف ما يدور وراء ظهرها، كانتا تجلسان سويًا كل يوم ساعة العصارى أمام باب المنزل تتفرجان على الناس فى الحارة وتدور بينهما أحاديث النميمة. وكانت صفاء دائما نظيفة معطرة بعد استحمامها اليومى. ويكاد الدم يبك من وجهها. كانت صديّقة تعرف السبب طبعًا، لكنها أبدا ما بدا عليها شئ مما تعرفه. وقد جاءتها الفرصة أخيرًا بعد طول صبر وعلى غير انتظار، جاءت على طبق من فضة، بعد خروج زوجها، وفى أحد الصباحات، لم تجد ما تفعله سوى ان تنكت حجرتها وتقلبها رأسًا على عقب فى محاولة لتنظيفها، وبالزعافة أخذت تمر على الأشياء لتزيح التراب العالق بها، وجاءت بكرسى أمام الدولاب ووضعته وصعدت فوقه، ومرت بالزعافة على ظهر الدولاب الغاطس، واصطدمت الزعافة بشئ اخذ يخروش، شبت على أطرف أصابع قدميها ومدت يدها تبحث عن هذا الشئ حتى وجدته، شريط تسجيل وضع فى كيس نايلون مطويًا عدة طيات. نزلت صديّقة وأخذت تقلب الشريط بين يديها ثم فتحته ووضعته فى جهاز تسجيل قديم كان زوجها اشتراه من سوق الجمعة. أدارت الجهاز فأصدر أزيزًا وخروشة واصواتًا مبهمة استاطعت بالكاد تمييز صوت زوجها. أغلقت المسجل ووقفت حائرة بعض الوقت ثم خرجت إلى البلكونة ونادت على جارتها فى البيت المقابل ورجتها ان تعطيها المسجل لمدة عشر دقائق، جايلنا يا ختى شريط من واحد قريبنا مسافر برة ومش عارفين نسمعه على الجهاز بتاعنا. كانت تعرف ان مسجل جارتها جديد، جاء به زوجها من ليبيا حين كان مسافرًا وكان يحلو له دائمًا وضعه فى البلكونة ويعلى صوته على الأخر بأغانى سعدون جابر ومحمد عبده. وضعت الشريط فى الجهاز وأدارته . فميزت الأصوات بوضوح، كان زوجها فى أحضان صفاء، سمعتها تقول له أحبك يا محمد.وسمعته يقول لها أحبك يا صفاء. وكانا هما الاثنان يقولان كلامًا فاحشًا اقشعر منه بدنها، كلامًا لم تسمعه من قبل حتى وهى بين زراعى زوجها. لكنها رغم غمها فرحت للمفاجأة فإنها لم تكن تحلم بأكثر من ذلك، وخبأت الشريط فى صدرها، وانتظرت حتى جاء يوم الجمعة يوم عطلة أخيها وزوجها وجاءت بمسجل جارتها الكبير ووضعته فى بئر السلم على البسطة وأدارته وفتحت الصوت على آخره. كان زوجها نائمًا فانتبه وخرج على الصوت وفتحت شقة أخيها وخرج هو وزوجته، وتجمع بعض الجيران فى مدخل البيت على صوت الآهات والتنهدات. كانت صديّقة تريد للجميع فضيحة بجلاجل، وها هى ترى زوجها يعض على شفتيه غيظًا وقد احمر وجهه خجلا ورعبًا مما سوف يحدث، ولام نفسه على تسجيل الشريط سرًا لصفاء وهو معها، كانت غلطة منه ان يفعل ذلك، كان غرضه التسلية، وكتذكار لأيامهما معًا. انتظر حتى انفض المولد وتسحب خارجًا من المنزل فى صمت بشنطة هدومه، هى أيضًا لم تقل شيئًا اكتفت بما فعلت وراقبته وهو يتسلل خارجًا. أما أخيها حفنى، ففى اليوم التالى، وعند أذان الفجر، جاء بعربة حملت العفش، وخرج هو وزوجته تحت غبشة الفجر، ولم يعودا إلى الحارة مرة أخرى إلا بعد ست سنوات كاملة قضياها فى التيه. 5 أم حفنى *** دعمت أم حفنى أسطورة حياتها الخاصة بان ماتت ست مرات خلال عمرها الذى تجاوز التسعين، عاشت منه أربعين سنة عاجزة عن الحركة بعد ان أصابتها ابنتها بديعة وزوجها نور. أم حفنى تخلى عنها زوجها بحبح ومات تاركًا لها ثلاث بنات وولد، وهى التى لم تكن قد تجاوزت الثلاثين حين رحل ، لم تفكر فى رجل آخر غير زوجها وقررت تربية أولادها بمعاش صغير حيث كان يعمل فى السكة الحديد عطاشجى . لم يكن قريبًا لها أو حتى من قريتها كوم الضبع إنما جاء فى زيارة للبلدة مع احد أقربائها ووقع نظره عليها فأعجبته وتزوجها وجاء بها إلى بولاق الدكرور وأقاما فى السكن الخاص للعاملين فى السكة الحديد. فىهذا الزمن كانت بولاق الدكرور مستنقعات مائية تنمو فيها نباتات الحلفاء وبعض البيوت المتناثرة هنا وهناك، أستطاع بحبح ان يكون مما تبقى من راتبه مبلغا اشترى به قطعة ارض صغيرة بنى عليها هذا البيت وعاش معها عشر سنين أنجبا خلالها حفنى وبديعة ومحاسن وصديّقة ثم تركهم فجاءة وأكبرهم حفنى لم يتعدى الثمانى سنوات. معاشه سترها هى وأولادها إلى ان كبر حفنى وعمل نقاشًا فتحمل معها حمل تربية البنات كان حفنى هو راجلهم بعد موت الأب، ديك البرابر، ولم يكن أبدا مثل أبيه ، ربما هى ساهمت فى هذا، ان تجعل منه رجلاً بلا شخصية أو أرادة حقيقية حين كانت تنتصر لبناتها على حسابه، كانت بديعة هى الأقوى دائمًا وقنع حفنى بأن ينطوى تحت جناحها، تماما مثلما فعلت زوجته صفاء، أصبح تحت رجلها، مرمطته وحطت رأسه فى الطين، وبدلاً من ان يطلقها أو يقتلها كما يفعل الرجال، أخذها ورحل فهو لا يستطيع الابتعاد عن المره النجسة ومستعد يبوس طيزها حتى ترضى عنه . أحست أم حفنى بالانكسار بعد ضرب بديعة و نور لها. وحين مات نور رأت ان الله انتقم لها منه ومن ابنتها وان هذا جزاء عادلاً، فسوف تبقى عاجزة برجلها طوال حياتها، وأحست بالانكسار يوم سمع كل الخلق الفضيحة التى صورتها صديّقة لزوجها وزوجة أخيها والكلام الفاحش الذى سجله محمد عبدون لنفسه ولعشيقته – شوفوا الخيبة – كانت صديّقة مصممة على الطلاق وخراب بيتها، ولاد الحلال توسطوا بينهما ورجعت المية لمجاريها وهو على ما يبدو أنصلح حاله، فلم تعد صديّقة تشكو منه، ويطلع لها صوت حتى إنها فى ظرف خمس سنوات أنجبت منه ولدان وثلاث بنات، حفنى اختفى هو و الفاجرة ولا احد يعرف عنهما شيئًا، أمافهيمة فهى التى بقيت لها، لم تتزوج رغم إنها اكبر من صديّقة لكنها قسم ونصيب ان تقعدفهيمة معها حتى تخدمها وتقوم على طلباتها، ورغم ان فهيمة كانت يديها ورجليها، إلا إنها كانت تتمنى زواجها مثل أخوتها، كانت ترقبها وماء الشباب يجف من جسدها ببطء حتى ضمر وباتت عجوزًا، رأتها ذات مرة تتلصص من خرم الباب على أختها وزوجها، كان ذلك بعد زواجهما مباشرة. لم تقل لها شيئًا، لكنها أحست بحسرة ابنتها على نفسها. أنقذتها من ميتتها الأولى حين توقف قلبها ذات مساء عن الدق بينما كانتا تجلسان أمام التلفزيون، رأت فهيمة أمها تضع يدها على صدرها وتميل برأسها وجسدها على الكنبة بلا نفس فقط آهة عميقة أعقبها سكون الموت. فزعت فهيمة وزعقت على أختها التى جاءت ورأت أمها مرمية على الكنبة فصوتت جاء حفنى مهرولا هو وزوجته وحين رآها أخذ يبكى وجلس على قرافيصه والتمت الناس وأخذ الجميع يصوتون ويلطمون. ومحاسن التى كانت قريبة من أمها وضعت يدها على صدرها بحركة لا إرادية ودلكته، ولدهشتها فقد وجدت قلب الأم ينبض تحت كفها، وان هى إلا دقائق حتى كانت أم حفنى جالسة على الكنبة تنظر إلى الجمع الملتف حولها بذهول وهى تقول : هو فيه أيه. إحترفت أم حفنى الموت كما احترفت ابنتها صديّقة السرقة بالضبط ، توقف قلبها عن الدق عدة مرات حين كان يحلو لها ان تفعل ذلك ،وفى إحدى المرات طالت غيبتها عن الدنيا فذهب ابنها حفنى واشترى لها كفنًا شرعيًا سبع طبقات قدّر لها ألاّ تكفن فيه أبدًا ، ذلك انه ظل ملفوفا فى دولاب ملابسها مدة أربعين سنة ومنسيًا ،وحين ماتت موتتها الأخيرة وأرادوا إخراجه ، كانت العتة قد أتت عليه وما عاد صالحًا مما أضطرهم لشراء كفن جديد للأم الميتة . قبل عشر سنوات من رحيلها النهائى أصيبت بمرض السكر والضغط معًا،فهيمة التى راقبت أمها عدة ليال متتالية اكتشفت ان شيئًا غير عادى يحدث، كانت أمها تطلب منها الذهاب للحمام كل نصف ساعة تقريبًا، فإن مثانتى تكاد تنفجر. تقول لها فتحملهافهيمة على ظهرها حتى أنهد حيلها، مما اضطرها لإحضار مبولة بلاستك فى الحجرة، وضعتها بجانب أمها وتقوم بإفراغها طوال الوقت.كما لاحظت شرب أمها للماء بكثرة فتعاونت هى وحفنى وأخذاها إلى مستوصف الحاج بكرى القريب من المنزل وطلبت عمل تحاليل لها فظهر السكر فى دمها وبولها، لكن المرأة ما كنت لتصدق مرضها، وكانت تأخذ حبوب السكر والضغط على مضض وبعد نشفان ريق فهيمة. وقبل يوم من رحيلها الأبدى فاجأتها غيبوبة سكر، كان ذلك فى صباح أحد الأيام، وظلت مستلقية على سريرها لا تعى شيئًا مما حولها حتى منتصف الليل حين قامت فجأة جلست على السرير فى كامل وعيها ونظرت حولها، كان حفنى وزوجته يجلسان على الأرض وبديعة وابنتها الصغيرة فتحية، ومحمدعبدون وصديّقة وأولادها، ومحاسن كانت جالسة بجانبها على حافة السرير، ابتسمت للجميع وقالت: مالكو.. هو فيه إيه ؟ ردد الجميع فى نفس واحد: حمد لله على السلامة يامه. قالت بدهشة: هو أنا كنت مسافرة وما اعرفش. قال حفنى: لأ يامة.. كنتى فى غيبوبة من صباحية ربنا. غيبوبة ايه وكلام فارغ ايه. ما انا قدامكم اهو زى الفل.ونظرت لمحاسن وأكملت: طب دا انا حاسة انى جعانة أوى، أومى يا بت هاتيلى شوية محشى فى طبق. اصل انا شامة ريحته. والتهمت أم حفنى فى تلك الليلة حلة محشى كاملة، وطلبت بعدها كوب شاى تقيل، وظلت ساهرة حتى صلت الفجر ونامت، لكنها لم تصح طوال يوم كامل ولا اليوم الذى تلاه، وظن الجميع إنها إحدى موتاتها، وأنها لن تلبث حتى تعود مرة أخرى، لكن رائحة كريهة انبعثت من جسدها الذى بدأ يتحلل. فى تلك اللحظة فقط، أيقن الجميع بموت الأم الكبيرة. *** القسم الثانى 1 فتحية *** إقلب القدرة على فمها تطلع البنت لأمها. فتحية طلعت مثل بديعة، وما حدث مع أمها سوف يحدث معها، يفصل زمنهما عشرون عامًا بالضبط. فتحية ولدت بعد موت أبيها نور بستة شهور، وبديعة التى هدها موت نور أقسمت إلا تفرد شرها على ظهر رجل آخر، وان تعيش من اجل ابنتها اليتيمة فعملت خادمة فى البيوت من اجل عيون فتحية التى كلما كبرت شبرا زغردت حتى جاوز طولها فى الإعدادية طول أمها فى الخمسين، نجحت فى الإعدادية بمجموع أهلها لدخول مدرسة التمريض فقد أرادت ان تكون إحدى ملكات الرحمة، تعلمت ضرب الحقن جنبا إلى جنب فنون السحر التى دأبت بديعة على تعليمها لابنتها الوحيدة، فى البداية وحين كانت فتحية طفلة لم تتجاوز العاشرة بعد، أرادت تسليتها، فكانت تجهز قالبان من الطوب وتضعهما فى مواجهة بعضهما البعض وفى وضع الواقف ثم تتلو بعض عزائمها فيتناطح القالبان فى صراع دامى حتى ينكسرا، كانت تحب رؤية الدهشة فى عينى ابنتها التى ما ان وعت ما يدور حولها وما تفعله أمها حتى قالت لها: علمينى ما تعلمتيه. فتحية تعلمت كل شئ، وتبحرت فى العلوم الروحية والسيماء والأبواب والعزائم والطوالع والبروج والطبائع والطلاسم وأبواب المحبين والدخول على الحكام وحل المربوط وربط المحلول وضرب الرمل وخلخلة الهوى الكبرى وشبشبة زعزوع وشبشبة ناصور وشبشبة أبو رياح ومندل المرآة ومندل طيفور والجلجلوتية الصغرى والكبرى وفتح الكنوز وكلها فوائد على الصحة والتجربة. هكذا أخبرتها أمها بديعة وقالت أيضًا: حين احببت نور – أبيك- المرحوم شبشبت له الثلاث شبشبات وخلخلة الهوى الكبرى فلم يأخذ فى يدى غلوة، ولكن الحذر الحذر من عدم معرفة كيفية صرف الخدام، فإنهم ينقلبون ضدك ويحرقونك فكونى على بينة من أمرك. وحين تخرجت فتحية من مدرسة التمريض أرادت ان تصبح ملاك رحمة، لكنها تحولت بقدرة قادر إلى ملاك جحيم لما رأت " رمضان" فأحبته من أول نظرة، وتمكن عشقه من قلبها فما عادت تعرف طعم الراحة ولا الليل من النهار. ورمضان الذى تخرج من مدرسة الزراعة المتوسطة عمل فى وزارة الزراعة موظفًا وجاء من بلدته كوم الضبع ليسكن فى بولاق الدكرور، كوم الضبع قرية أمها والتى لم ترها أبداً قذفت برمضان ليسكن بجانبها وكى تره وتحبه هو الذى لا يُحب أبدًا، كان مثل الصرم، طويلا جدًا ونحيفًا جدًا ونظره الضعيف جدًا جعله يرتدى نظارة كعب كباية مع شعره الأحمر المفلفل المجعد وانفه الطويل المعقوف فأن منظره لا يجعل أحدًا يحبه، ولكن مرايا الحب عمياء، وكما قرأت فتحية فى كتبها الصفراء: فإن كل فرج كتب عليه اسم ناكحه. فقد آمنت بتلك المقولة إيمانا مطلقًا جعلها تخلع ملابسها طوال الوقت وتتحسس جسدها بأناملها فتجد اسمه محفورًا هناك بحروف بارزة وحادة تكاد تنطق فتشعر بالنشوة وتصبح على يقين من انه هو وحده سوف يمتلك جسدها ووحده فقط من سيصل إلى مكامنها، أليس اسمه مكتوبًا هناك على باب مغارتها. *** 2 فتحية *** فتحية أخذت تترصد حركات رمضان، وعرفت انه يحب واحدة أخرى تسكن بعد شارعها بثلاث شوارع، وانها تنتمى لهم بصلة قرابة من بعيد، من البلد يعنى، وفتحية قالت قطيعة كوم الضبع ومن يأت منها، وكانت فى حاجة شديدة إلى حتة من أتر رمضان. وحين علمت أمها بديعة ضحكت، ولم تكن فتحية تعلم ان أمها تذكرت نفس ما حصل مع نور، وكيف أنها داخت السبع دوخات حتى جاءت بأتر نور، لباسه الداخلى والذى ما زالت تحتفظ به حتى تلك اللحظة – كأيقونة خاصة بها وحدها - فى كيس نايلون مخبأ فى دولابها، حتى نور ـ الف رحمة ونور عليه ـ لم يعلم أبدًا بهذا الأمر. وقالت بديعة لنفسها: أنا كنت واسعة الحيلة فى زمنى، أما ابنتي فلها ربًا اسمه الكريم، ما الذى سوف تفعله فى هذا الموضوع !. باب فى تسخير وجلب محبة رمضان فى مخمس خالى الوسط كتبت: فتحية ـ رمضان بماء ورد وزعفران وبخرت بالجاوى والمسك والعنبر وقرأت حسبنا الله ونعم الوكيل سبعة آلاف مّرة ثم دعت: اللهم إنى أسألك باسمك الذى لا إله إلا هو الحنان المنان ان تجعل لى رأفة وحنانًا ومحبة فى قلب رمضان ابن حواء ومكنى من ناصيته وعقله ومجامع قلبه، وإسقى بمحبتى جميع عروقه وإجعله طوع يدى ومنتهى أمرى حتى لا يهنأ له أكل ولا شرب و يرانى فى جميع أحوالى أجيبوا يا خدام هذه الأسماء اقذفوا بقلب رمضان ابن حواء ائتوا طوعًا أو كرهًا بحق أسماء الله تعالى وبحق هذه الأسماء الشريفة ومالها عليكم من القوة والطاعة الوحا الوحا العجل العجل الساعة الساعة. **** فتحية التى رضعت السحر من بز أمها كفرت به بعد أن ظلت طيلة ثلاثة شهور وستة أيام تحلم ان يأت رمضان على صورته كما خلقه الخالق راكعًا متوسلاً ان تحن عليه وتمن بنظرة ولمسة ورشفة ولثمة، وقديمًا قالوا ثلاثة أشياء هم خير ما فى الدنيا: أكل اللحم، وركوب اللحم، ودخول اللحم فى اللحم، وفتحية كانت تحلم بلحم رمضان يصل إلى أعمق أعماق مغارتها فيطفئ نارها المستعرة دوما والتى كثيرًا ما كانت تؤججها وتخمدها بمداعباتها الذاتية متخيلة رمضان فى كل أوضاعه المستحيلة: واقفًا وجالسًا وراكبًا وراجلاً ثم مستلقيًا. ولم تعد تطيق نفسها حتى انها اعلنت الحرب على أمها ، واتهمتها بأنها دجالة ومشعوزة وانها علمتها ما لا فائدة منه . وبديعة التى لم تفهم ما قالته ابنتها الا بالحدس وحده قالت ان السحر موجود منذ ان خلق الله الأرض ومن عليها حتى انه انزل فيه قرأنًا ، فهل تكفرين بما أنزل الله ، ثم انه لولاه لما جاءت هى اصلاً من صلب نورـ الف رحمة ونور عليه ـ وأنما علمتك كل شئ ، وانت زاد علامك منى بعلامك لنفسك ، شئ واحد لم تتعلميه ، الصبر ، بالصبر وحده تنالى ما ترغبين فتحية صبرت شهرًا وراء آخر حتى أنها سمعت ان كتب كتاب رمضان على عروسته بعد اسبوع ، قادت النار فى جسمها وقلبها وما عادت تعرف الليل من النهار ولا للنوم طعمًا وذبل عودها . رأت بديعة كل ذلك فصرخت : البنت ها تروح منى . واستعادت كل ما تعلمته من سحر واقفلت على نفسها باب حجرتها مدة ثلاثة أيام وهى صائمة عن الزاد ، وما ان خرجت فى اليوم الرابع حتى تهلل وجهها فرحًا فى وش ابنتها الوحيدة وقالت لها ابشرى . المطلوب حصل ونلنا المراد . لم تفهم فتحية من كلام أمها شيئًا ، واليوم يوم فرح رمضان فانكسر فؤادها وأرادت تمضية اليوم خارج بولاق كلها فذهبت إلى المستشفى تبات هناك ، وجلست فتحية فى حجرة الممرضات وحيدة ، يدها على خدها ، وذهبت بأفكارها هناك ، حيث يجلس رمضان الآن بجانب عروسته بينما الطبل والزمر يصمان الآذان . لكن جلبة شديدة أخرجتها من توهماتها ، وسمعت صوتًا آمرًا يصرخ : جهزوا أودة العمليات بسرعة ، ورأت فتحية شخصًا ممددًا على التروللى بطول وعرض وملامح رمضان ، لكنه ليس هو بالتأكيد ، هكذا قالت لنفسها فرمضان فى الكوشة الآن بينما هذا الرجل يتلوى من الزائدة الدودية التى قد تنفجر فى اية لحظة . وبعد يوم من التأمل الهادئ فى المريض الذى يرقد الآن ممددًا فوق سريره بعد عملية استمرت طوال الليل اخذت تقنع نفسها بأنه رمضان المدد امامها ، وإن هى إلا دقائق معدودات حتى تأكدت انه هو حين رأت خطيبته وأهلها جاءوا للأطمئنان عليه ، وان ما حدث قد حدث قبل كتب الكتاب بدقائق فابتسمت فتحية وقد أيقنت ان حظها فى صعود منذ الآن . *** 3 بديعة *** سمعت بديعة رواية ابنتها عن احداث تلك الليلة فلم تتعجب ، وقالت لها : اذكرك بأنى قلت المطلوب حصل ونلنا المراد ، وقديما قالوا : كيد النسا غلب كيد الرجال وفى هذا المعنى فإنى أروى لك حكاية اعجب من العجب ، وقد رواها لى الاسطى حمامة النجار أبو محمود ، فإنه قال *حكاية فى كيد النسا الذى غلب كيد الرجال * كنا نسكن فى درب طياب القريب من شارع كلوت بيه فى قلب العتبة الخضراء ، وكانت الورشة التى اعمل بها تقع أمام المنزل الذى اسكن فيه أنا وزوجتى ، كنت أسكن فى الطابق الثانى أما الطابق الأول فكان يسكن فيه رجلا وزوجته ، الرجل كان ساحرًا شريرًا يعمل فى الخفاء على السحر الأسود ، وكان يفرض إتاوات على اصحاب البيوت والمحلات المجاورة مهددًا كل واحد إذا لم يدفع فسوف يسلط شياطينه عليه فتخسف به الارض ، كان عجوزًا ومكروهًا بينما زوجته فتاة صغيرة ذات وجه صبوح مليح وكانت على عكس زوجها يحبها الجميع لجمال خلقها و خلقتها ، وكان الجميع يتعجب من رضاها بالعيش مع هذا العجوز الشرير دميم الخلقة والخلق وهم لا يعرفون السر الذى تخفيه الفتاة بين صدرها . وفى يوم من ذات الأيام طلعت الفتاة إلى زوجتى وجلستا تتسامران ، كانت هذه عادتها كلما خرج زوجها لأزية خلق الله فكانت تأنس لزوجتى وتصاحبها ، زوجتى أيضًا كذلك ، وكنت نائمًا فى الحجرة الخلفية ممددًا على الكنبة ومستيقظًا فسمعت زوجتى تقول لها : إلا قولى لى يا اختى كيف ترضين بالعيش مع عجوز النحس هذا ، وقديمًا قال الشاعر : إذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له فى ودهن نصيب . وحكى والله اعلم ، ان عبد الملك ابن مروان سأل ليلى الأخيلية ما الذى تشتهى النساء من الرجال فقالت من خده كخدنا وشعره كشعرنا والشيخ إذا لم يكن سلطانا أو ذى نعمة فليس له فى ودهن نصيب . قال الأسطى حمامة : كنت انصت لحديث زوجتى مندهشًا من سعة معرفتها بأمور الدنيا ، وبعد ان كنت مستلقيًا اتكأت شغوفًا باتمام حديثها للبنية فأكملت :أقول لك هذا لانى اعلم ان زوجك ليس به ما يحبب النساء ، فكيف وقعت تلك الوقعة السودا معه اعانك الله على ما بلاك ، فما زوجك بالشاب حتى تحبينه ، كما اننى أعلم ان البخل والتقتير من طباعة فما حكايتك الله يفتح عليك . قالت زوجة الاسطى حمامة : ما انتهيت من قولى حتى رأيت دموعها سحت على وجهها . ثم أنها أجهشت بالبكاء فأخذت أطبطب على ظهرها حتى هدأت وقالت: أعلمى اننى من عائلة فقيرة مكونة من أبى وأمى وأنا وحيدتهما انجبانى على كبر ، وكنا نسكن فى درب القطة بحى باب الشعرية ، ودخلت المدرسة حتى وصلت إلى الثانوية العامة ،وكان لى جار نشأنا سويًا وتربينا معا وكنا لا نفترق ونحن صغار حتى كبرنا معًا وكان فى مثل سنى فتعلقنا بعضنا ببعض وعشقنى وعشقته حتى ابى وامى احبا هذا الفتى وكانا يظنان أننا بمجرد انتهائنا من الجامعة سوف نتزوج ، ولكن شاءت الاقدار ألا يحدث ذلك . كيف ؟ صلى على الحبيب ، كان أبى يعمل عتالاً فى السوق ، فكان يذهب مبكرًا إلى عمله ولا يعود إلا مساء مهدودًا مكدودًا من شدة التعب ،وفى أحد الأيام ، وبينما هو يحمل جوالاً ثقيلاً مليئًا بالبضائع فوق ظهره جاءت قدمه على قشرة موز كانت مرمية على الأرض فتزحلق ووقع ووقع الجوال فوق ظهره فقسمه ، ورقد أبى طوال الوقت فى المنزل لا يستطيع الحركة وقد أصبح مشلولاً . وكان عجوز السوء هذا يعرف أبى منذ زمن فجاء للسؤال عنه ومواساته ، ووقع نظره علىّ فوجدنى جميلة وحسد ابى على امتلاك ابنه بهذا الجمال ، وهكذا صار يتردد علينا كل يوم ، وكان يمد أبى ببعض المال يعينه على مصاعب الحياة كما كان يأتى إلينا بالطعام والفاكهة وكل ما نحتاجه ، لكن المقدر وقع ، فقد مات أبى بعد عدة أشهر من مرضه وتركنا أنا وأمى ولا ملجأ لنا سوى الله . وعلى جرى عاداته صار العجوز يجئ إلينا انا وأمى ويلبى حاجتنا من طعام وشراب وغيره مما تلزمه الحياة ، وخطر فى بالى ان الرجل عينه على أمى وانه يريدها للزواج فقد كانت جميلة هى أيضًا وتصغره بعشرين سنه ، إلا انه فى أحد الأيام فاتح أمى فى أمر الزواج منى وهى بدورها فاتحتنى فأخبرتها بحكايتى مع الشاب جارى وكانت تعرفها وقلت لها اننى احبه كما يحبنى وأننا تعاهدنا على الزواج متى تخرجنا من الجامعة ، فوافقتنى على رأي وأخبرت العجوز بما دار بيننا وارتباطى بذلك الشاب . فما كان منه إلا أن أضمر الشر فى نفسه وأقسم ان يعمل على هلاكنا انا وأمى وجارنا الشاب الذى أحبه ويحبنى ، وبالفعل لم تمض إلا بضعة أيام إلا وأصاب أمى داء عجز الأطباء عن معالجته فعافت الطعام والشراب حتى ذبل عودها وماتت رحمها الله رحمة واسعة . قال الأسطى حمامة: فلما بلغت الصبية فى حكايتها ذكر أمها أخذت فى البكاء وصارت زوجتى تواسيها وتطبطب عليها حتى هدأت وسكتت مدة ساعة ثم استأنفت قائلة: وفى ليلة من ذات الليالى ، وبينما كنت نائمة ودمعتى على خدى من كثرة تفكيرى فى أبى وأمى وبيتنا الذى خرب وإذا بى كأن سهمًا أطلق فأصاب صدرى ، وشعرت إن روحى راحت ، وهاج عقلى وجسدى فلم أعد أعرف رأسى من قدمى مدة ساعة زمانية ثم هدأ كل شئ وبعد ساعة أخرى حدث نفس الهيجان ، بل زاد حتى أننى خرجت إلى الشارع هائمة على وجهى لا أدرى إلى اين أذهب ولما أفقت من هذا الهيجان وجدت نفسى هنا فى هذا البيت مع هذا الرجل ، وكلما حاولت معرفة حالى معه هل هو تزوجنى على سنة الله ورسوله ، أم انه يعيش معى فى الحرام فأجده ينظر إلى وتنقلب عيناه إلى جمرتين من نار فيهيج عقلى وجسدى مرة أخرى ولا أعرف رأسى من قدمى وهكذا . حكاية العجوز والقرد قال الأسطى حمامة ابو محمود : قالت زوجتى أم محمود للصبية ان حكايتك عجيبة قالت الصبية: ليست حكايتى بأعجب من حكاية العجوز مع القرد . قالت : وكيف كان ذلك ؟ قالت الصبية : بينما أنا جالسة ذات يوم فى البيت بمفردى أنعى حظى و بختى وأتذكر كيف غدر الزمان بأبى وامى وبى فأخذت دموعى تسح على خدودى وتذكرت أبياتًا من العديد كانت أمى ترددها : آه لو كانت قولة آه تبرى علتى وأطيب لأبات أقول أه يا ريح الحبايب طيب. وأخذت أبكى ولا أجد من يمسح دمعتى ، وبينما أنا كذلك وإذا بالرجل الذى يزعم انه زوجى وقد دخل علىّ جارًا خلفه قردًا مربوطًا بسلسلة وسحبه حتى جاء به أمامى وقال لى : جئت لك بهذا القرد ليسليك . ثم نظر إلىّ وقال بسخرية : انظرى إليه ؟ أليس جميلاً مثلك ، أنتما لا تصلحان إلا لبعضكما البعض . وأخذ يضحك وتركنا أنا والقرد ومضى من أمامنا ، كنت خائفة من القرد أول الأمر فابتعدت عنه ، لكنى حينما نظرت إليه وجدت وجهه وكأنه يبتسم لى ، ثم أشار إلىّ بأصبعه وجعل يضرب على صدره بقبضة يده وأخذت دموعه تبظ من حبابى عينيه وكأنه كان يريد أن يقول لى شيئًا ، ولكن لم أفهم . ولا بد أنه فهم أننى لا أفهم إشارته ولا لغته فقد استسلم وجلس بالقرب منى ودفن رأسه بين زراعيه ولم يعد يتحرك ، وفى صباح كل يوم كان زوجى يجئ بالقرد أمامى ويظل يضربه بكرباج مدة ساعة حتى يدمى جسده والقرد يصرخ ويبكى حتى إذا ما تعب من ضربه تركه ومضى ،والقرد يلوذ بى فيرتمى فى حجرى ويضع رأسه على صدرى وينام بعد أن يمشى من يضربه ويسقيه العذاب كل يوم، وها أنذا حكيت لك حكايتى من طقطق للسلام عليكم . قالت بديعة لأبنتها فتحية : قال راوى هذه الحكاية الأسطى حمامة النجار ، أبو محمود : ما ان انتهت الصبية من حكايتها وأم محمود زوجتى جالسة أمامها تسمع وتغمغم بكلام المواساة ، وانا جالس فى الحجرة الخلفية أسمع فى غيظ ما قالته وأنا أعرف الفولة ولبتها، وأخذت أدور كلامها فى عقلى وألخص حديثها فى نقاط سهل علىّ فهمها ، فالساحر دخل على العائلة بالخراب فمات الأب ، ثم بعد ذلك ماتت الأم ، والبنت تنتابها حالة هيجان فلا تعرف ساعتها رأسها من قدمها ، وهى لا تعرف كيف جاءت إلى هذا المكان وهل هى زوجته أم إنه يعاشرها فى الحرام ، ثم ما حكاية القرد هذه أيضًا ، ولماذا يتعمد ضربه أمامها كل يوم ، فما الحكمة من ذلك ؟ . أثارتنى كل تلك الأسئلة ، وكنت أريد معرفة جواب كل سؤال ، وخطر لى أن كل تلك الألغاز ما فعلها سوى ذلك الساحر العجوز ، وإنها لن تحل إلا بالحكمة وبعلوم الأقلام . وكنت أعرف صاحبًا لى منذ أكثر من ثلاثين سنة كان يشتغل بعلوم السحر فكان أشر خلق الله فى زمنه ، ولم يسلم أحد من أذيته ، ولكن الله تاب عليه فنذر نفسه لعمل الخير ووجه كل علمه لمحاربة السحر والفجار ، فقلت أذهب إليه وأعرض عليه قضية المرأة ، فلما حكيت له حكايتهاقال لى : هل بامكانك إحضارها هنا هى والقرد لأنظرها بنفسى ، فقلت أحاول ، واتفقنا على ان أحضرها له هى والقرد فى ظرف هذا الاسبوع ، ولما كان زوج الصبية لا يتركها إلا بمقدار تخليص اشغاله ويرجع يلزق لها فهى صبية صغيرة وجميلة ولا يأمن عليها من مكر الماكرين، وانقطعت عن زيارة زوجتى عدة ايام ، وبالأمر المقدر فقد سافر زوجها ذات يوم لقضاء أشغاله فى قرية بمحافظة كفر الشيخ على ان يعود فى نفس الليلة وبمجرد خروجه طلعت إلى زوجتى كعادتها لتتسلى معها ، فدخلت على المرأتين وعلمت ان زوجها على سفر فقلت انتهزها فرصة وأعرض عليها الأمر ، فقالت لى أخاف ان يطب علينا زوجى فى أية لحظة فأخذت أطمئنها حتى وافقت ، واتجهنا جميعًا إلى حيث صاحبى وكان يسكن بالقرب منا ولم أنس أن آخذ القرد معنا ، وكان المسكين ينتفض فزعًا وقد أدمى المفترى جسده من الضرب . لما وصلنا، دخلنا على الرجل وكان يدعى الشيخ عبد السلام فسلمنا وجلسنا، ثم انه أخذ ينظر إلى الفتاة طويلاً ثم قال:اتروكونا وحدنا . فخرجت انا وزوجتى وجلسنا ننتظر فى الخارج مدة ساعة ، ثم رأينا الفتاة تخرج وبصحبتها القرد وكانت تضع يدها فى يده والفرح والسرور جعلا وجهها مثل البدر المنور،فأقبلنا عليها نريد أن نعرف ماذا حدث بينها وبين الشيخ عبد السلام فتبسمت وقالت كل خير إن شاء الله، فهذا الشيخ مباركًا وشفائى قد تم على يديه. فهنأناهاَ أنا وزوجتى بالسلامة وانصرفنا جميعًا إلى البيت . قال ابو محمود راوى هذه القصة العجيبة وما فيها من حوادث وامور مدهشة غريبة : شغلتنا الدنيا بحلوها ومرها ، وانشغلت بعملى فى الورشة وقد نسيت قصة الصبية ولم اعد أرها أنا وزوجتى فقد انقطعت تمامًا عن زيارتنا رغم أننا فى منزل واحد ، حتى عجوز النحس لم أعد أره فكأنهما تركا المنزل وغادراه إلى حيث لا يعلم أحد ، وفى يوم من ذات الأيام ، وبينما أنا أعمل فى ورشتى بين عمالى ، إذ سمعنا صرخة عظيمة آتية من ناحية بيتنا المواجه للورشة ثم عاد السكون كما كان ، فاندفعت أنا وصبيانى إلى الناحية التى جاءت منها الصرخة فتبينا أنها أتية من الدور الأرضى حيث تسكن الصبية وزوجها الساحر ، وكان باب شقتها مفتوحًا ومواربًا فدخلنا ورأينا ما وقف له شعر رؤوسنا ، كانت المرأة مستلقية على ظهرها ونصفها الأسفل عاريًا وقد باعدت ما بين ساقيها ، وبينهما ، كان يقبع كائنًا صغيرًا ومشعرًا يشبه القرد الواقف أمام السرير ينظر إليها وقد وضع يده على بطنها ، وكان حبله السرى ما زال عالقا بها ، وفى الجهة المقابلة للسرير الذى تنام عليه المرأة كان الرجل العجوز يفترش الأرض وقد فارق الحياة . جاءت زوجتى وأخرجتنا جميعًا ،ثم أخذت فى قطع الحبل السرى لذلك الكائن العجيب وساعدتها على إتمام ولادتها ، ثم قامت بعمل اللازم من تنظيفها وعمل طعام للنفساء وخلافه . وقمنا نحن بتغسيل الرجل الميت وتكفينه ودفنه فى قرافة الامام وأقمنا العزاء ، فلم يكن له اقرباء ودعونا أن يتغمده الله برحمته الواسعة فقد كانت سيرته وحشة وأعماله كلها تغضب المولى عز وجل . وظلت زوجتى تعاودها وتلبى جميع طلباتها حتى أتمت أربعين ليلة ، وكان خبر المرأة يتردد على كل لسان فى درب طياب ولم يكن للناس سيرة سوى كيف أنجبت من زوجها قردًا وكيف علم فطق مات ، وقيل بل انجبت قردًا لأنها كانت تعاشر القرد الكبير الذى جلبه زوجها ، وكنت دائمًا أردد كلما سألنى أحد صحة خبر المرأة ان علم ذلك عند ربى ، وعند المرأة ، فهى الوحيدة التى تعرف كل شئ ، وفى الليلة الواحدة والاربعين كانت زوجتى قد ذهبت إلى تلك المرأة لتطمئن عليها ، فغابت عندها كثيرًا ، ولما طلعت وقابلتنى كان وجهها متغيرًا ولونها مخطوف وانفاسها مضطربة فبادرتها قائلاً : ما الذى حدث حتى تغير وشك هكذا ؟ فقالت لى وهى تشيح بيدها : أسكت يا بو محمود ، ربنا أمر بالستر. قلت على ماذا ؟ قالت : ربنا عاوز كده ، لعنة وصابت الجميع . ثم بعد أن أستردت أنفاسها جلست تحكى لى ما سمعته من المرأة . *حكاية المرأة التى أنجبت قرد* قالت أم محمود: بعد أن وضعت جارتنا مولودًا يشبه القرد بل كان قردًا حقيقيًا وهو ما تأكدت منه فى الأيام التى تلت ، حيث كنت فى كل يوم أدخل عليها لألبى كل طلباتها فلم يكن أحد بجانبها يناولها حتى شوية ميه ، لكن الغريب اننى كنت أجد القرد الكبير لازقًا بجانبها طوال الوقت ، فكان يجلس معها على السرير ويبتسم فى وشها ويلاعبها ويعمل مثل البنى آدم بالضبط ؟ وكان يأخذ ولدها من بين ذراعيها وهى تأمن عليه منه - أمر عجيب - ويظل يحادثه بلغة لم أكن أفهم منها شيئًا فلابد وان تكون لغة قرود ، المهم ، ظللت مواظبة على هذا الأمر حتى اتمت المرأة أربعين ليلة كنت أرى خلالها الطفل القرد يكبر ولونه يتغير حتى أصبحت ملامحه تشبه تمامًا القرد الكبير وكأنها فوله وانقسمت نصفين فتعجبت ، وزاد عجبى حين كنت أشوفها هى والقرد الكبير يعاملان بعضهما معاملة غريبة من ذلك مثلاً أننى كنت أجده بجانبها دائما على السرير ، ورأيتها تعطيه وجهها فيقوم بلحسه وهى كانت بتبوسه وتلعب بأصابعها فى شعره وهكذا ، فلما كانت الليلة الواحدة والأربعين تعافت المرأة تمامًا وأصبحت تستطيع الاستغناء عنى، قلت لها حمد لله على سلامتك قومى خديلك حمّام وانترى المرض عن بدنك وها انا قاعدة جنب المولود حتى تفرغى من اشغالك ، فلم تكذب خبرًا وقامت أخذت حمامًا وارتدت جلبابا اسود مقصب محبوكًا على جسدها فكانت زى الفل وجاءت جلست بجانبى وراق بالها وأخذت ولدها فى حضنها ثم جعلت تنظر إليه وساحت دموعها على وجهها وتمتمت تقول : حكمتك يارب . وأنا كدت أموت شوقًا لمعرفة حكايتها فانتهزتها فرصة وقلت لها : أحلفك بضناك لتحكى لى على سرك وهو فى بير ما لوش قرار .فنظرت إلى فى صمت مدةّ ثم قالت : وما الذى تريدين معرفته ؟ قلت : حكايتك ، وهذا الطفل كيف جاء هكذا قردًا يشبه القرد الكبير؟ فنظرت إلى فى حسره ، وقالت بعد أن تنهدت وبظت دموعها : أعلمى ان حكايتى عجيبة ، وهى لو كتبت بالابر على آماق البصر ، لصارت عبرة لمن اعتبر كما كانت تقول زوزو نبيل فى الراديو ، وما سوف أحكيه لك لا يصدقه عاقل لكنها الحقيقة التى لو سمعتها انا ما صدقتها ، وهناك شهود على ذلك ، هلى تذكرين الشيخ الذى ذهبنا أليه أنا وانت وزوجك أبو محمود . قلت نعم ، الشيخ عبد السلام . قالت وهل تذكرين انه عندما رأنى أنا والقرد أمركما بالخروج . قلت نعم . قالت : لما طلب منكم الشيخ عبد السلام الخروج ، بقيت انا والقرد والشيخ وحدنا فقال لى اقتربى يا بنتى منى فاقتربت فوضع يده على رأسى وأخذ يتمتم بكلمات ، وإذا بشئ ينزل من سقف الحجرة ويقع على الأرض وهو يتلوى فلما حققت النظر فيه رأيته قرموط سمك ، تناوله الشيخ بيده وأخرج سكينا فصل بها رأس القرموط فهمدت حركته ، وأرانى كتابه كانت على جلد القرموط ، قال: عمل لك زوجك عملاً بالهياج على جلد هذا القرموط وأطلقه فى الماء ، وكلما تحرك القرموط جاءك الهيجان ، والآن قد بطل عمله ورجعت كما كنت . ثم قال : أما هذا القرد فحاله حال ولابد انك تعرفينه حق المعرفة ، ثم انه أحضر طاسة ملآنه بالماء وقرأ عليها ثم رماها فى وجه القرد وهو يقول : إذا كنت انسيا فارجع إلى صورتك التى خلقك الله عليها وإذا بالقرد ينتفض شابًا جميلاً ، وكان هو الشاب جارى الذى احببته وأحبنى فعانقنى وعانقته فى شوق ولهفة وهنأته على السلامة وجلسنا نتحادث مدة ساعة ، ثم اننى انتحيت بالشيخ ركنا وقلت له : ها أنت ذا ترى كيف فعل زوجى الشرير بسحره فسحرنى وسحر من أحب ، وكما انه قتل ابى وأمى فلابد انه قاتلى فى يوم ما ، وأنا أريد أن أعمل عملاً يخلصنا من شره فهل توافق يا سيدنا . قال الشيخ مرينى يا بنتى فقلت لا تخبر أحدًا بما رأيت وسمعت ولتجعل هذا سرًا بيننا ، كما اننى أريد منك أن ترجع هذا الشاب إلى صورة القرد مرة أخرى حتى لا يعرف زوجى أننا كشفنا سره ، وأريد منك أيضًا أن تعلمنى كلمات إذا قلتها عاد الشاب إلى صورته الأولى كما فعلت أنت ، ففعل الشيخ كما أمرت وخرجنا أنا والقرد كما رأيتمونا وذهبنا إلى بيتنا ، وأنا أقسمت ان أفضح عجوز السوء هذا فضيحة بجلاجل ، فكنت فى كل يوم وحين يخرج أقوم انا وأستوثق من خروجه وأغلق الباب جيدًا ، ثم أحضر طاسه ملآنه بالماء واتلو عليها الكلمات التى علمها لى الشيخ عبد السلام ثم أرميها على القرد فيعود إلى صورته الأصلية ونظل فى مهارشة ومداعبة وبوس وعناق حتى نشبع من بعضنا ونقضى غرضنا وقبل ان يأتى زوجى أكون قد رددت الشاب إلى حالة القرد ، وقد بقينا على هذه الحالة مدة من الزمن وطابت لنا الحياة إلى ان كان يومًا من أحد الأيام كنت نائمة ، وزوجى فى الخارج لبعض الأشغال ، وصاحبى الذى على صورة قرد جلس بجانبى على السرير وأخذ يتأمل جسدى وأنا نائمة شبه عارية فاشتدت عليه غلمته فلم ينتظر حتى أصحو وأرده بشرًا سويا ، بل قام على حيله وأولجه فىّ فلما أحسست به لم أدر أأنا فى يقظة أم فى منام وصار يرهز حتى أفرغنا بلذة عجيبة ، وبالأمر المقدر فقد انطبعت صورته على ما هو عليه فى رحمى وعلقت منه فى تلك اللحظة ، ومرت تسعة شهور من تلك الليلة حتى جاءنى الطلق كما يشاء خالق الخلق فولدت هذا القرد الذى يشبه أباه تمام الشبه وقديما قالوا من شابه أباه فما ظلم ، وحين دخل على زوجى ووجد الطفل القرد بين ساقى ووجد أباه بجانبى على السرير عرف ان حيلته انكشفت وانه افتضح فلم يتحمل وطق مات ، وهذه هى حكايتى دون زيادة أو نقصان . قالت بديعة لفتحية : حكيت لك هذه الحكاية لتعرفى ان كيد النسا غلب كيد الرجال ، ورمضان الآن بين يديك فافعلى به ما شئت ، وعقلك فى راسك تعرفى خلاصك . فتحية فكرت فيما قالته أمها وقالت كنت احتاج أتر رمضان ، رمضان جاء كله واصبح فى يدى أفعل به ما أشاء ، فتحية أخذت شنطة ملأتها من هدومها وخرجت من بيتها إلى المستشفى وأقامت هناك فى حجرة الممرضات ، وبدأت تأخذ نوباتشيات زميلاتها وجعلت عينها على رمضان أربعة وعشرين ساعة لا تغفل ولا تنام وكانت تتسحب فى الليل وتمشى بشويش لحد ما توصل لسرير رمضان وتقترب منه وهو نائم وتشم رائحة جسده الملفوف فى البيجامة وحين تغفل عينها غصبًا عنها وهى جالسة على الكرسى قرب سريره ، فرائحته تملأ منامها فتكاد تسورق على نفسها من حب رمضان وحب رائحته وعند الصباح الباكر فتحية زغدت رمضان فى جنبه بالراحة ففتح عيناه نصف فتحه فقالت له وابتسامتها تبلع وجهها صباح الفل قم بسرعة خذلك حمام والجو رايق قبل ميعاد الزيارة ، وفتحت الكومودينو الذى على يمينه وأخرجت غياراته الداخليه فانكسف وضحكت وناولتها له ثم أعطته بيجامه نظيفة وأسندته حتى باب الحمام وقالت له اوعى نقطة ميه تيجى على الجرح . استحم رمضان براحته ، وكان خائفًا أن يلط الجرح ، وبعد انتهائه ارتدى هدومه الداخليه ثم جاكت البيجامة والبنطلون وهو لا يدرى انه ارتدى حجابان واحد للمحبة والتانى للكره والفرقة سهرت عليهما فتحية طوال الليل وأخذت بنطلون بيجامته فكت التكة وبرمت الورقتان وادخلتهما داخل الكمر وخاطت عليها مرة أخرى . وحين خرج من الحمام ووقعت عينه عليها نظر إليها بعين محب وأحب سماع صوتها وهى تتكلم ورؤية جسدها يترجرج أمامه فى غدوها ورواحها ، ولما حان موعد الزيارة جاءت خطيبته أحس بنفرة فى قلبه وتساءل بينه وبين نفسه هل عميت عيناه حتى يقع على جدور رقبته هكذا ، وحمد الله أن زائدته الدودية أنقذته فى الوقت المناسب ، وفتحية ، آه يا فتحية شعشع حبها داخله فملأ كل كيانه ، وكم يتمنى الآن ألا يشفى من جرحه حتى يظل بجانبها فى المستشفى الذى لم تعد تغادره لتكون بقربه ، وتشم رائحته ، رائحة رمضان . 4 *** حرب السحرة *** عشت تلك الأيام العصيبة من عام الف وتسعمائة وثلاثة وسبعين ، كانت بدايتها ، بالتحديد فى شهر يناير ، وبالتحديد أكثر ، فى الثالث عشر منه حين أعلنت الحرب الكبرى بين نجية وأم وجدى من ناحية وبديعة وفتحية ومن بعد حليفتهما أم جمال - أمى - فكيف دخلت امى تلك الحرب ؟ وهل كان ذلك بارادتها وحدها ؟ أم ذج بها فى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل ؟ هذا ما ستعرفونه إذا ما تبعتمونى فى الصفحات التالية - فكونوا معى - خرج رمضان من المستشفى سليمًا معافى وفى يده فتحية التى اقسم الا يخرج إلا وهى فى يده وعلى مشهد من الجميع ، وبعد عدة أيام كتب كتابه عليها دون شوشرة ، فقد كان يعرف ان خطيبته السابقة لن تسكت ولا هى ولا أهلها وهو ما حدث بالفعل حين أعلنت جدتها نجية أن هناك ملعوبًا وراء ما حدث وأن البنت معمول لها عمل أكيد وفى صباح يوم جمعة أكتشفت أم وجدى حجابًا محطوطًا فى خرم فى الجدار ولما فتحته وجدته مكتوبًا بالسريالية وبالمداد الاحمر ، وبالحدس وحده عرفت انه عمل بالكره لبنتها منال ، وباستعراض للموقف تم حصر قائمة المشبوه فيهن فى اثنتين لا ثالث لهن ، بديعة ، وأم جمال - أمى - ولما كانت بديعة لا يعرفونها إلا من بعيد لبعيد ، ولم تكن هناك خصومة بينهن من قبل فقد تم استبعادها لتتركز شكوكهن فى أم جمال ، فما علاقة أمى بالأمر ؟ أمى التى جاءت من كوم الضبع بالليل سكنت فى حارة على ابو حمد ببولاق الدكرور التى كانت وقتها عدة بيوت متناثرة والباقى غيطان قمح وذرة ، كانت ابنة ستة عشر بينما أبى تعدى الأربعين وانجب ثمانية من عمة أمى قبل أن تموت وتتركهم أطفالاً يحتاجون من يربيهم ، وفى زمن الجهل والفقر ، فإن العادة والعرف والتقاليد ، تأخذ صفة القانون الملزم لكل الأطراف ، وهم أى الأهل ، لم يجدوا أفضل من أمى كى تربى أبناء عمتها الثمانية والذين كان بعضهم فى مثل سنها تقريبًا ، انظر على سبيل المثال لا الحصر : نجدى والذى كان أكبر الأبناء سناً وكان أحسنهم خلقًا وسوف يتوفى فى عز شبابه فى العام السابع والستين تاركًا ابنًا يتكون فى بطن أمه . أيضًا توحيدة ، كذلك نصحى ، الآخرون كانوا أطفالاً ، المهم ، أنجبت أمى أربعة هم على التوالى : أختى الكبرى نجيبة ، ثم انا جمال الملقب بخيرى عبد الجواد ، وبعدى أخى سيف الأسلام ، ثم أختى الصغرى نجوى ، كان أبى يسمينا الترقيدة التانية ، وكانت نجيبة متفوقة فى المدرسة إلى درجة أزعجت عمى وأولاد عمى ، وجاءت الضربة القاضية حين نجحت نجيبة فى الثانوية العامة ، لحظتها لم تتمالك أمى نفسها فحزمت وسطها ووقفت ترقص وتغنى على الملأ : من الثانوية للكلية ، والمجموع قرّب على المية ، اغنية كانت تغنيها ليلى نظمى وقتها ، لم تكتف أمى بذلك ، بل تمادت حتى أنها أشترت ساعة"جوفيال" يابانى أصلى وأعطتها هدية لابنتها نجيبة ولم تنجح الوساطة بين أبناء العائلة الواحدة فى جعل نار الغيرة تخمد ، بل زادتها اشتعالاً حتى اندلعت الحرب الخفية بين النسوان ذات يوم ، فقد استعان الفريقان بكل من لديه خبرة بفنون السحر سواء فى بولاق الدكرور أو فى كوم الضبع ، وكان من نتائج تلك الحرب ان انتهت بكارثة نكسة الخامس من يونية ووفاة أخى الأكبر ، وان يعيش وجدى ابن عمى عاجزًا إلى الأبد بعد أن طارت رجله بفعل أحد السحرة الأشرار وليس بفعل "الترام" كما قيل وقتها . وحين أعلنت الحرب للمرة الثانية ، كان كل من الفريقين لديه أسبابه التاريخية لشن حرب وبينما الفريقان وقد استعانًا بكل شياطين الجان يتطاحنان ، تزوجت فتحية ورمضان فى هدوء دون الالتفات لحرب لا تعنيهما فى شئ . وعندما اندلعت حرب السادس من اكتوبر كانت فتحية حاملاً فى شهرين ، والفريقان أصابهما الأعياء من حرب لا طائل من وراءها استنزفت كل مواردهما ، لذا فقد اتخذا قرارًا بأعلان الهدنة وتوجيه كل شياطينهما إلى المجهود الحربى . 5 *** أولاد صديّقة *** صديّقة انجبت أربعة صبيان وبنت واحدة ، وابنها البكر نصر طلع فرع وعضلاته قسمّت جسمه وكان يحب المصاريف ولم ينفع فى مدارس فعاش حياة صياعة مع أولاد الحوارى وبدأ يشرب البانجو سواء فى سجائر أو فى حجرالجوزه ، ولما لم يجد ما يشرب به ويشبرق على أصحابه اندار على امه صديّقة وأخذ يسرق من وراءها مصروف البيت حتى صرفه كله ثم بدأ يسرق من أبيه فعرف وبدأ يراقبه حتى أمسكه ذات يوم ومحفظته فى يده، ضربه بالقلم على وجهه وطرده من بيته فأقام عند خالته بديعة وابنة خالته فتحية وزوجها رمضان الذى تحمله عشرة أيام فاتح بعدها حماته فى اليوم الحادى عشر : الولد كبير مثل الفلق نايم طول النهار ولا شغله ولا مشغله وبنتك مش عارفة تتحرك براحتها فى بيتها ، ودا راجل برضة ويجوزلها ، يعنى كدا عيب . بديعة ردت على رمضان بعد ان صعبت عليها نفسها وقالت اولا دا مش غريب يا رمضان يا بنى ، ابن اختى هو ابنى ، يعنى عاوزنى اطرد لحمى . وبينها وبينه قالت له يا بنى ما يرضيش ربنا قاعدتك كدا لا شغلة ولا مشغلة أنا اشيلك فوق راسى بس قوم اجرى على أكل عيشك وربنا يفتحها فى وشك يا نصر يا بن صديّقة . نصر لم يتعلم أى صنعه تنفعه وانسدت الدنيا فى وشه فبدأ يتاجر فى البانجو على الضيق أول الأمر ، عمل لحساب زعبولا تاجر الحشيش الشهير فى بولاق الدكرور والذى قبض عليه وحكم عليه بالمؤبد قضى نصفهم فى السجن وخرج فى عفو اكتوبر فوجد الحشيش تجارته راحت عليها ولم يعد موجودًا بسهولة وإذا وجد فسعره ارتفع جدًا وكان البديل أمامه هو البانجو فكان يأخذ العيال الصغيرة يسرحهم لحسابه ومن بينهم نصر ابن صديّقة الذى ضرب عصفورين بحجر واحد : يبيع ويكسب ، ويعمر مزاجه بشرب البانجو ، ولم تسأل صديّقة ولا زوجها محمد من أين يأتى نصر بالفلوس ، كان همها أن يرجع إلى البيت طالما الجنيه جرى فى يده ، ورجع نصر إلى بيته فى حارة على ابو حمد واصبح رجلاً يقول الكلمة بكلمتها والجميع يتمنون رضاه . منصور اخو نصر طلع عكسه تمامًا ، خرج من سنة رابعة وهو لا يعرف القراءة والكتابة وكان يختفى باليوم واليومين ولا يعرف عنه احد شيئًا ثم يظهر فجأة فى البيت كأنه ما غاب عنه وإذا سأله أبوه أو أمه أين كان ، يشوح بيده ويسب لهما الدين ويترك البيت مرة أخرى . وحده كان يعرف طريقه جيدًا فيلتم على أولاد الشوارع المجاورة، أصحابه الصيع ، من سنه تقريبًا ويذهبون يتسولون بهدومهم المهربدة فى حتت بعيدة لا يعرفهم فيها أحد وإذا لم يجدوا من يشحتوا منه كانوا يلبدون فى أنصاص الليالى ويسرقون أى شئ يجدونه أمامهم : تسجيل عربة ، فردة كاوتش ، شوال فول حراتى أو مانجة يبيعونها ويشترون الكلة والبنزين ليقوموا بشمها ، وأخر مرة سرق فيها أمسكته داورية شرطة متلبسًا وفى يده تسجيل عربة بعد متصف الليل بساعة وحولته على شرطة الأحداث وطلع بعد ثلاثة شهور وعلم ابوه فضربه علقة موت وقال لصديّقة زوجته عاجبك كده ، أدى تربيتك ونظرت إليه صديّقة من تحت لتحت وضربت كفوف الأيادى بعضها فى بعض وطوحتها فى وشه وقالت اسم الله على تربيتك يا خويا ، وان كنتوا نسيتوا اللى جرى هاتوا الدفاتر تنقرا . سكت محمدعبدون وهو يعلم انه لن يسلم من لسانها ، كما انها ما سكة عليه زلة من أيام الشريط المسجل عليه صوته فى حضن صفاء ، لذا فقد أخذها من قصيرها وطلع على قهوة فى شارع همفرس وطلب واحد شاى سكر زيادة وحجر معسل وضيق بين عينيه وعقد جبهته وفكر فى حاله وحسبها بالورقة والقلم : عنده ستين سنه إلا شهرين وعلى وشك المعاش لكن صحته بمب ومن يره لا يعطيه أكثر من أربعين سنة ، وليس فى شعره الاسود كله شعرة واحدة بيضاء ، وصديّقة عجزت قبل منه ووشها كرمش وفضحته فى كل حتة، أكثر من واحد قال له مراتك بتسرق من الخضارية فى شارع السوق ، داء وتحكم فيها هى وبنتها ، ونصر ابنه البكر تاجر بانجو والواد منصور احترف الصياعة ويشم كله وبنزين وحرامى ، الولدين الباقيين مازالوا صغارا ، يعنى هيطلعوا ايه ، هأو. وفكر فى صفاء ، عمرى ما هاشوف زى أيامك يا صفاء ، لو كان حفنى طلقها كنت اتجوزتها وطلقت العكرة صديّقة ، ، وحفنى عجز وشكله بقى زى اللى عنده ميت سنه . ياه ، الزمن ما سبش حد فى حاله ، الا صفاء ، السنين تزيدها جمالا. محمد شرب ست حجارة معسل وطلب قهوة على الريحة وهفت عليه سيرة الأموات فأخذ يترحم على نور وحماتة أم حفنى وعلى ابيه وامه ودمعت عيناه فمسحها بكم قميصه وقال اللهم اجعله خيرًا ، أنا هاموت ولا ايه ، وأحس فى تلك اللحظة بأنه أكثر شفافية من أى وقت مضى فأحب كل الناس ، حتى الذين أساءوا إليه فى يوم ما ، وصعبت عليه نفسه لأنه ما عرف يربى ، وفكر انه حين يخرج على المعاش سيأخذ قرشين كويسين ممكن يفتح بهم محلات ويتاجر هو وأولاده فى أى شئ، المهم يلمهم من حياة الصياعة والضياع . عند هذا الحد هب واقفًا ودفع الحساب واتجه إلى البيت ، كان حفنى جالسًا على الباب واضعًا رجلاً على أخرى ويدخن سيجارة , وصفاء كانت جالسة تحت أقدام الكرسى الجالس عليه حفنى , وحفنى بنظارته الطبية وشعر رأسه الأبيض ظهر كأن عنده مائة سنة ، وصفاء بدا جسمها المدملك الملفوف فى جلبابها الاسود المحبك يشع بياضا وسحرا فكأنها أبنته . واحس محمد عبدون بالألم يعتصر قلبه عليه وعليها، وتأسف انه أغضب حفنى ذات يوم وخانه مع امرأته ، وغمغم لنفسه: أنا مالى النهاردة ، باينى هاموت . ودخلت صفاء وأحضرت له كرسيًا فجلس جنب حفنى الذى عزم عليه بسيجارة فأخذها وولعها ، وطلب حفنى من صفاء عمل شاى له ومحمد ، وفى تلك اللحظة سمع الجميع صوت هيصة آتيه من بعيد ، أصوات صوات وزعيق أخذت تقترب شيئًا فشيئًا حتى أصبحت على ناصية حارة على أبو حمد ، وكان الجميع يتبين ما يحدث الأن أمام أعينهم ، زفة جامدة،رجال ونساء وأطفال تتقدمهم واحدة تبينوا أنها صديّقة التى كانت تتلفت خلفها وتشوح بيدها تبعد الناس عنها ، لكن الناس كانوا يمشون وراءها وهم يهتفون ويشيرون إليها : الحرامية أهى . *** القسم الثالث 1 ،محمد عبدون مات قبل ان يطلع على المعاش بشهر واحد وتحقق لصديقة حلم حياتها فى ان تصبح ارملة – تصدقوا – كانت فعلا تحلم بحياة ما بعد محمد عبدون ،من اين اتاها هذا اليقين ؟ هى لا تدرى فقد كان من الممكن ان تموت قبله لكن هذا ما لم يتحقق وجاءت اللحظة التى تعيش فيها حياتها كأرملة متحققة . قبل موته تخيلت اللحظة وعاشت احاسيس ارملة توفى زوجها فجأة وترك لها اولاده, تخيلت انها سوف تحس بالحزن وفى جنازته تشيل النيلةوتشلشل بمنديل اسود ويمكن تشق جلابيتها ايضا , وربما يبح صوتها من العويل والصوات , والغريب انها استعدت لهذه اللحظة بأكثر مما كانت تظن ، فقد تعلمت العديد على ايدى امرأة محترفة كانت تؤجر فى مثل هذه المناسبات ، وكان كل تركيزها على عديد من مات زوجها وترك لها اطفالا ، مع التركيز ان تستقبل لحظة موته بطريقتين ، الطريقة الاولى : اذا كانت نائمة ويجىء من يخبرها بنبأ موته ، فانها سوف تهب فزعةمن نومها وتكون فى حالة زهول حين تسمع الخبر، لكنها ما كانت تعرف كيف تنهى هذه الحالة ، لذا فقد كانت الطريقة الثانية هى الاقرب للحظة الاستعراض الكبرى : اذا مات خارج المنزل وجاء محمولا على الايدى فسوف تستقبل الخبر مبلمة لا تنطق ، وتبدو ملامح وجهها جامدة بينما عيناها محملقتان فى الجثة الممددة امامها والناس يلتفون حولها وكأن الامر لا يعنيها بتاتا ، وسوف ينتبه من حولها لحالتها ويرجعونها لتأثير الصدمة فيحثونها على البكاء خوفا عليها من هذا الصمت المميت ، وربما ضربها احدهم بكف يده على صدغها كى يساعدها على البكاء0 وهذه الحالة ايضا لا تعرف كيف تنهيها الا بتعديل بسيط وهو انها حين تهم بايقاظه فى الصباح تجده ميتا ، عندئذ تجأر بالصوت العالى فيلتم الاهل والجيران وتظل هى تلطم الخدين حتى تقع مسورقة على نفسها ، وهو ما حدث بالفعل . كان قبل موته بيوم يجلس على مقهى فى شارع همفرس ، ثم رأته جالسا مع اخيهاحفنى ومراته العاهرة أم عين باكسة يشربون الشاى حين كانت راجعة من شارع همفرس والعيال ملمومين حواليها يجرسونها ، هو الذى طردهم وطيب خاطرها وطلع وراءها ، كان وجهه مزرد ولونه مخطوف. جلس على الكنبة واخذها من يدها اجلسها بجانبه، لم يتكلم معها فى الفضيحة امام الخلق وجرسة العيال لها ، لا ، ولم يقل لها أى شيىء ، فقط نظر اليها وعيناه مندتان بالدموع. تطلعت اليه وتساءلت : فيه ايه ياراجل ، مالك ؟ هز كتفيه، مش عارف ، النهارده أنا مش عارف مالى ، زى اللى بيودع من الدنيا ، ثم تهدج صوته: فريده ، عاوزك تسامحينى على أى حاجة غلط عملتها معاكى. همت بالوقوف فأمسك زراعها يشدها ناحيته ، وتصورته يغازلها فنترت يدها وقالت بدلال: فيه ايه ياراجل ،انت جرالك ايه النهارده ، العيال بره صاحيين . تركته ودخلت المطبخ جهزت له العشاء، تعشى وحده وطلع على السرير ومدد بدنه واتكأ بكوعه على المخده، انتظر عياله ان يأتوا من الخارج ، لكنه نام حتى ظهر اليوم التالى على غير عادته ، وظنت هى أنه اخذ اجازة من شغله، واقتربت منه تنغزه فى جنبه ليصحو ، ولم تكن ادركت بعد أنه خانها للمرة الثانية ومات . 2 بعد الجنازة، كان عليها عبء ترتيب البيت من الداخل ، لكن الشىء الذى وقفت عنده كثيرا وحيرها فى نفس الوقت ، هو كيف كانت جنازة زوجها مهيبة ذات جلال ورهبة تليق بواحد تقى ميت، حتى انها ، وهى التى لم تتأثر بموته كثيرا ، تأثرت بجنازته الى حد البكاء ، كانت تعلم انه – رحمة الله عليه – زيله نجس . هى على يقين من ذلك وعن تجربة ،فحين تعرف عليها ، كان يتحين الفرص للاختلأ بها فيظل يقبلها ، وبأصابعه يفرك حلمتيها المنتصبتان ويمتصهما حتى يشبع ، وما كا ن ليشبع أبدا ، ففى احدى المرات تمادى وخلع لباسها لما رأى انها ساحت بين يديه وما عادت تعرف رأسها من رجلها ، فصرخت متوسلة أن يريحها ،لكنه أبدا ما سمح لنفسه ان يفض بكارتها وكانت له اسبابه الوجيهة ، اننا سوف نتزوج – كان يقول – فلنترك شيئا لليلة الدخلة ، شيئا جديدا نتشوق لان نفعله ويكون تذكارا لتلك الليلة . كانت تعرف انه يلعب بزيله برا البيت وجواه ، وحين ضبطته مع زوجة أخيها ، كانت على يقين من أنها لم تكن المرة الاولى ، كان عزاءها الآن أنه لن يفعل هذا الشىء بعد ذلك أبدا ، فالاموات لا يخونون . أربكها هذا الحشد من المشيعين ، كل زملائه أتوا، زملاء العمل ، وزملاءالمقهى الذى كان يجلس عليه ،ومن الحتة والحارة ، كذلك أقرباء له لم ترهم من قبل ، ناس جاءت تسد عين الشمس، حزانى على موته ، وسبحان الله ، كانت خرجته سهلة ميسرة، تصريح الدفن جاء فى التاسعة صباحا ، أول ما فتحت الوحدة الصحية فى شارع السوق ، من جاء به؟ هى لا تدرى ، أصل حبايبه كانوا أكثر من ان الواحد يعدهم ، كان الكل يجرى ويتسابق فى تجهيز الميت ،التصريح طلع ، والكفن الشرعى جاء ، المغسل أحضرمعه النعش وخشبة الغسل والحنوط، الكراسى رصت فى الشارع وأمام البيت ، كانت تجلس مع النسوان فى الداخل حين سمعت من يسأل عنها فخرجت ، تقدم منها رجل لم تره من قبل ، دس فى يدها مظروفا وقال لها شدى حيلك ، دى خرجة المرحوم ، الشغل صرفها له وكمان فيه اتوبيس للى عاوز يمشى ورا المرحوم . طلع المرحوم محمولا على أعناق الرجال من بيته، وصار النعش ومن خلفه الرجال ثم النساءفى صمت مهيب بعد أن نهيت النساء عن الصوات أو العديد، ولم يعد يسمع سوى صوت : وحدوه بين لحظة واخرى ، وتحدد مسار الجنازة تلقائيا بالمرور على أقرب مسجد فى الطريق فخرجوا من الحارة الى شارع الفرن مرورا بشارع همفرس ، صلوا عليه صلاة الجنازة بعد أداء صلاة الظهر وخرج الجميع فى طريقهم الى قرافة الامام حيث مدافن العائلة . 3 خيم مساء كئيب على منزل محمد عبدون الميت ، ووقف ابنه الكبيرنصر فى الشارع يشرف على عمال الفراشة وهم ينصبون الصيوان ويعلقون عناقيد الاضاءة، وجاء بثلاثة مقرئين تناوبوا قراءة القرآن حتى ساعة متأخرة من الليل ، وطلت صديقة من البلكونة فرأت الناس تدخل الصيوان ضفف ضفف ، معلمين كبار بشنبات أصحاب نصر ، وشباب صيّع أصحاب أولادها ، ونصر لبس جلابية ابيه الصوف وعباءته وكبر فجأة ووقف فى أول الصف يأخذ العزاء، وكل ربع ساعة يترك مكانه ويدخل الصيوان يلف على الناس رافعا يده بالتحية ومناديا فى صوت تعمد ان يكون قويا غليظا : شكر الله سعيكم، وعازما عليهم بكل أنواع السجائر المستورد والمحلى ، ولولا كسوفه لعزم عليهم ايضا بالبانجو ، وفى آخر الليل ، وبينما عمال الفراشة يلمون حاجاتهم ، جلس هو وأصحابه على جنب يدخنون البانجو فى السجائر بأطمئنان . كانت الحجرة الضيقة مكتظة بالنساء يجلسن متشحات بلون الحزن حول صديقة ، ولم يكن بينهن سوى رجل واحد ،حفنى ،وقد التصقت به زوجته صفاء ، وانزوت بديعة فى ركن الحجرة هى وابنتهافتحية، بينما كانت محاسن تحملق فى الجميع ،الارض مازالت مبلولة والجدران بطرطشات ماء الغسل ،ورائحة حنوط المتوفى لم تغادر المكان بعد ،نظرت محاسن الى صفاء التى بدا على وجهها الحزن وتساءلت : فيم تفكر الآن ياترى؟ وتبسمت وهمست : تلاقى القحبة تفكر فيما كان يفعله معها الله يجحمه مطرح ماراح . ثم نظرت الى اخيها الذى بدا حزينا ايضا وسألت نفسها: هل كان حفنى يتمنى موت محمد عبدون بعد ان داس على عرضه ومرمغ اسمه فى الوحل ؟ فى الصباح الباكر ، صحا جميع من فى البيت ، وأخذت صديقة تعطى تعليمات للجميع بخصوص عزاء النسوان فى الشارع فيجب أن يتم كنسه ورشه ، ثم يأتى بعد ذلك فرش الملاءات والاكلمة والحصر ،ووضع كنبة ملاصقة لحائط البيت لتجلس عليها المقرئة الشيخة رشيدة التى يجب أن يذهب أحدهم لاحضارها من بيتها لانها كفيفة، والى محل الفراشة يذهب نصر لاحضار ماكينة الصوت والميكروفون ، وفورفرش الملاءات بدأت النساء فى الحضور وحدانا وجماعات وهن يرتدين السواد ويعلن عن حضورهن بأطلاق أصواتهن فور دخولهن من الحارة ، وتولت الرد عليهن محاسن بأطلاق اصوات مماثلة ، وحين اطمأنت صفاء أن عدد النساء يكفى لبدء الاحتفال ، أخذها الوجد فأخذت تولول وتغنى عديدا حزينا بين دهشة جميع من كانوا يعرفون حكايتها :سرّى وسّرك ياخويا فى طبق صينى ….. والطبق انكسر ياأعز من عينى . سّرى وسّرك ياخويا فى طبق فخار ….. والطبق انكسر واتفرقت لاسرار . كان العويل والصوات يعلوان بين مقطع وآخر مما شجع صفاء على الاستمرار : باب اللحود مش زى باب البيت .. كتفك عريض وازاى خشيت . هم يضحك وهم يبكى . قالت صديقة لنفسها وهى توشك على الضحك وتحوش نفسها بالعافية وهمست لنفسها : يامرة يالبوة المفروض تقولى رحت القرافة ياختى لقيت حجر مبروم ، فكر عليا ياختى بتاع المرحوم . وانفلتت ضحكة أحست ان الجميع سمعها فتلفتت حولها لكن أحدا لم يأخذ باله . 4 بديعة طلع لها نور فى المنام ، وعلى مدى ثلاثة ليال متصلة ، كان يظهر لابسا أبيض فى أبيض ووشه يكاد يبك منه الدم والنور يسطع منه وحواليه ، لم يقل سوى كلمة واحدة :انقلينى من تربتى يابديعة .لكن كيف واين ولماذا ؟ لا تدرى ، وهى التى دفنته بيديها فى قرافة أهله فى الامام الشافعى حارت فى أمرها ، هل تخبرهم برغبة ابنهم فى نقل رفاته؟ سوف يتهمونها بالخرف ،فما الداعى لنقله وقد مر على رحيله كل تلك السنوات ، ثم اصلا هل بقى منه شيئا لم يأكله الدود . بديعة أخبرت ابنتها بزيارة ابيها لها فى المنام ،فتحية تعجبت وقالت : طب ماقالش على سبب نقله ؟ هزت بديعة رأسها فأكملت فتحية طب وننقله فين ؟ ماسألتهوش يامة، يابنتى نور أبوكى ها يتحكم فينا فى حياته ومماته ، يعنى الاموات مش سايبينا فى حالنا ، وبينها وبين نفسها غمغمت : رحمة ونور ، باينك فى الجنة ونعيمها، ولا على بالك غلب الدنيا وقرفها، محمد عبدون جالك ، شفته ؟ طب وهاتشوفه فين ، انت فى الجنة ونعيمها ، وهوّا فى النار وبئس القرار بعد عاملته السودا مع صفاء المنيوكة اللى خلّت رقابينا زى السمسمة فى الحتة .ثم انها خطر لها خاطر فجرت الى الدولاب فتحته واخرجت علبة من الخشب المطعم بالصدف مقفولة بقفل صغير فتحته وأخرجت منها قطعة قماش مطوية ومعطرة ومربوطة بشريط أسود وقد حال لونها ، لم تكن سوى لباس نور الذى سرقته من بيته لما أرادت أن تسحر له ، فردته أمامها ومالت برأسها عليه وأخذت تتشممه ،وتذكرت الايام الخوالى ، وحنت الى التراب الذى كان يمشى عليه نور ورائحة جسمه ، وشمخته حين كان يهل عليها .ولأنها كانت تعرف كيف تستدعيه ، حتى ولو كان ميتا ،فقد استحمت وتوضأت وفرشت قطعته الاخيرة تحتها ونامت وهى على يقين من أنه سوف يحضر لتعرف منه بالضبط الحكاية . 5 عشرون عاما مرت على موت نور ، وأنا كبرت وبدات أكتب قصصا قصيرة نشرت معظمها فى الصحف والمجلات ، حتى تشكلت مجموعتى الاولى ، وظللت أنا وأستاذى الكاتب الكبير ادوار الخراط فى حيرة من اختيار الاسم ، كنت قد عرضتها عليه على أمل أن تعجبه فيكتب لها مقدمة ، وبعد أقل من اسبوعين فوجئت به يتصل بى ويزف الىّ خبر انتهائه من دراسة مطولة عن قصص المجموعة التى بلا عنوان حتى الآن ، ولأن المجموعة يغلب عليها الحس الشعبى ، فقد وضعنا عدة عناوين مستوحاة من هذا الجو منها على سبيل المثال ، حكايات من زماننا . وأيضا حكاية الجمل والغزالة ،لكنى اخترت احد عناوين القصص وأضفت اليه كلمة حكايات ليصبح عنوان المجموعة هكذا : حكايات الديب رماح . كان علّى التفكير فى كتابة روايتى الاولى ولم أجد أفضل من كتابة حكاية نور وبديعة ومحمدعبدون وصديقة و محاسن وفتحيةورمضان واولادهما ، القصة الحقيقية التى عشتها بكل حزافيرها وشكلت طفولتى وصباى ، كانت بديعة قد انقطعت عن زيارتنا ، لكنى كنت أتسمع أخبارها واتابعها من بعيد لبعيد ، وعلمت أن نور يأتى يوميا لبديعة فى نومها ليخبرها أنه يريد أن يصبح وليا، وبديعة انهوست بمنامات نور فبدأت تقص رؤاها على كل عابر سبيل ، تقول بديعة أنه يزورها فى المنام كل يوم ، فى البداية ، كانت هناك مواعيد محددة لهذه الزيارات ، على سبيل المثال ،فى اليوم الذى يزورها فيه يقول لها أنه سوف يأتى غدا فى الساعة الفلانية ، فكانت هى تعمل حسابها وتتهيأ للنوم استعدادا للزيارة ، أما فيما بعد ، وقد تكررت زياراته ، أصبح يأتى فى أى وقت وعلى غير ميعاد ، زيارات مباغتة لاتنتظر ان كانت نائمة أم مستيقظة .فتحية ابنتها الوحيدة من ريحة المرحوم ، كانت تقول لكل من تقابله أن أمها عقلها فوّت ، مسكينة ، نور أبى كان يأخذ بحسها ، أما بعد رحيله ،وزواجى ، أصبحت وحيدة ، تغلق بابها على نفسها طوال الوقت وتحدث نفسها بصوت عالى . كانت تدير حوارا طوال الوقت مع نور ، واحيانا كانت تغضب وتتعارك معه وتخاصمه ثم تتصالح معه.بررت بديعة تعلق نور بها حتى بعد موته بأنه كان يحبها بجنون ، وأنه خير فى الجنة بين الحور العين وبينها ، اختارها هى دون خلق الله ، كانت تقول نور الف رحمة ونور عليه اختاره الله وليا من أوليائه ، وسوف يظهر أمره على العالمين ، لم تترك مسئولا فى البلد ، ذهبت اليهم جميعا ، أسمعتهم حكايتها ، وفى النهاية ترجوهم تخصيص قطعة أرض لأقامة ضريح الولى ، ولما كانت تعرف أن أحدا لايصدقها ، فقد جاءت الى بيتنا ذات صباح بعد فترة انقطاع كبيرة ، وأمام الجميع سحبتنى من يدى بعيدا وهمست فى أذنى : أقول لك على سر وتصدقنى ؟ أومأت لها بهزة من رأسى فأطمأنت وجلست فجلست بجانبها ، كنت أنظر اليها فى دهشة من لا يعرفها ، لم تكن بديعة التى فتنت بها وأنا صغير ، بديعة التى أمامى ترك الزمن أثاره على وجهها وجسدها ، انكمش عودها الفارع فبانت أقصر من الاول ،وتغضن وجهها وامتلأ بالتجاعيد، كما أن أسنانها الامامية وقعت فتركت تجويفا معتما ، عمك نور زارنى امبارح وعوزك تيجى معايا نزورة أنا وانت وحدنا ، وقال هايورينا معجزة .كنت أتفرس فى ملامح وجهها ، كان حديثا جاداومفعما بالايمان ، رأيت ذلك فى عينيها . قلت أننى لن أخسر شيئا اذا ما جاريتها ، ثم ان زيارة الميت واجبة وعم نور كان كلما رآنى ملأ جيبى بالحلوى الله يرحمه . فى تمام الساعة السابعة الا ربعا كانت بديعة تنتظرنى أمام البيت بفستانها الاسود القطيفة وطرحتها الحرير السوداء ، ما أن رأتنى حتى قالت : صباح الخير ياأستاذ ، باين على وشك قلة النوم زى خالتك بديعة ، أصل نور وحشنى قوى ، وهوّا منتظرنا دلوقت همّ فى المشى لحسن نعوأ عليه . انطلقنا الى حيث يرقد نور رقدته الاخيرة ، كانت مدينة الموتى تقع فى أقصى المدينة ،واستغرقت الرحلة بالاتوبيس الذى أضطررنا لتغييره عدة مرات ساعتان ونصف ، كان الوقت صيفا وبدأت الشمس ترسل نارها الموقدة فوق ادمغتنا بلا رحمة، بديعة كانت تعرف الطريق جيدا فوفرت علينا السؤال واللف والدوران ، لما وصلنا الحوش ، كان مغلقا بباب ضخم من الحديد المشغول والمطلى بالاسود ، خبطت بديعة على الباب ضربات سريعة ومتتالية فتردد صدى الصوت فى فضاء المدينة الصامتة ، انفتح الباب بعد عدة محاولات من الدق ، وظهر على عتبته رجل عجوز تخطى السبعين ويرتدى جلابية خضراء بخطوط طولية زرقاء ، عيناه شبه مغلقتان من أثر النوم ، فتحهما بصعوبة نصف فتحة : مين ؟ ست بديعة . أيوه ياعم عبده ، انت لسه نايم لحد دلوقت . ردت بديعة وتزحزح الرجل عن فتحة الباب فدخلنا ، كان الحوش كبيرا وواسعا ،واجهتنا ثلاثة صفوف من المقابر تفصل بينها مماشى وطرقات على جانبى الحوش وفى المنتصف ، قالت بديعة انها ملك ثلاث عائلات من نفس البلد ويربط بينهم النسب والقرابة، قادتنى وسط الطرقات وشواهد القبور حتى توقفت امام مقبرة بلا شاهد وأشارت :عمك نور نايم هنا . للموت رهبوته ولى معه وقفة ،فى التوهمات ، توغلت الى أبعد حدود التوهم ، ودخلت فى سكة اللى يروح ما يرجعش ، وصعّبت الحياة على نفسى ، وعشت فى نكد ما بعده نكد ،وكدت أفارق من شدة توغلى فى تصور لحظات المغادرة ، هل أطلعكم على نتف مما كتبته فى تلك الفترة المحنة ؟ وهل يسمح المجال بذلك ؟ ولم لا ،واذا كانت هناك قواعد للكتابة فالتمرد عليها أولى ، أنظروا لهذا التوهم : توهمت أن روحى راحت ، وأنا الآن داخل قاعة مظلمة ليس لها ضبة ولا مفتاح ، فعلمت أن هذا قبرى ، ورأيت نفسى داخل كفنى بين أربعة جدران ومن حولى ظلمة ووحشة ، فبكيت على حالى ، وقلت أين منى أمسى وغدى ، وتأسفت على مسعاى وحلّى وترحالى فى أرض الله الواسعة ساعيا سواحا فى بلاد تشيلنى وأخرى تحطنى بحثا عن يقين عله يدركنى بنفحة ،وبينما أنا كذلك أتفكر فى الملك والملكوت ، وان لله فى خلقه شؤونا ، وقد ردت روحى ، اذ هبط الىّ وانحدر من طاقة مدورة فى سقف قبرى لم أرها قبل ذلك الحين وفى دائرها صفة نور ، هبط ملكان طولهما لا يحده بصر ، وعرضهما مثل ذلك ، فى يد كل منهما مرزّبة لو نزلت على جبل لدكته دكا وجعلته هباء منثورا ، فعرفتهما ، وعلمت أن الساعة ساعة امتحان ، فقلت ياساتر أستر من الفضائح ، وألقى فى قلبى أن بصرك اليوم حديد ، ونظرت فى جهة ثعبانا كأنه الفيل العظيم لو نظر الىّ لمت ألف مرّة من عظيم خلقته ، ونظرت فى جهة بعض من جهنم – اللهم احفظنا واياكم – وفى جهة بعض من جنة ، فرق خاطرى ، وبين يدى وضع سجلى ، وتصبب العرق منى ، وسمعت فرقعة عظامى ووجيف قلبى من شدة الوقفة والمسألة . أو هذا التوهم الذى أسميته " توهم نوحى" : توهمت نفسى كما الغراب النوحى ، وقلت الحال من بعضه ، فكما ينوح الغراب ، هكذا أنا نياح على موتاى ، وكأن الدنيا عدمت ناسها ، وكأن همى وغمى لا ينتهيان ، سلواى فى التذكرة ، وسياحتى وتفريج كربى عند أهل الآخرة ، زمنى غريب ، وخطبى عظيم ، ودوما دوما فى توهم دائم ، كأنى لا أعيش دونه ،وكأنه يتنفس دمى ، حتى صرت أنا والتوهم اثنين فى واحد ، وحتى صرت أتوهمنى فى كل أحوالى ، فى غدوى ورواحى ، فى صحوى ونومى ، سرائى وضرائى ، محياى ومماتى ، فيانكدى على دنياى، كر وفر ، اقبال وادبار ، هكذا فى كل الاحوال ، ما نقص شىء الا ليكتمل ، وما اكتمل الا لينقص – فسبحان مغير الاحوال – المهم أننى أمسكت ربابتى فى يدى ، وعلى جسدى ارتديت كفنى ، ثم أننى رميت نفسى فى توهم صعب أعرف حدوثه مهما بعدت المسافة وطال النأى ، فهذا أمر مكتوب وليس منه مهروب ، وما خشيت الا شيئين : موت الفجأة ، وموتى وأنا لا أباشر صنعتى ، وكنت أظن أنه لا يوجد فى زمنى أصبر منى على مواجهة الموت ،لما أعرفه وخبرته ، ولى فى هذا الباب مباحث كثيرة ، ولما وطنت النفس عليه منذ النشأة الاولى ، وصرفها عن اللهو ومتع الدنيا لعلمى بوقوعه لا محالة ، ولأدمانى النظر فى الكتب القديمة ، فقد اطلعت على نصيب وافر من كتب الامم السابقة ،فكدت أحفر لنفسى قبرا فى محل سكنى ، فأمكث فيه الى ما شاء الله ، وقد رأيت فى هذا الباب مالاعين رأت ، وسمعت مالاأذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشرقط ، وقد انقسمت على نفسى الى قسمين : قسم يعيش عيشة أهل الدنيا ، وآخر يعيش حياة أهل الآخرة ، فكنت كالمعلق بين السماء والارض ، فصرفت النفس عن الخوض فى ذلك التوهم ، وعلى ألاّ أعود الى هذه المسألة بعد اليوم ، وليقض الله أمرا كان مفعولا ، فلا أدرى ماذا أكسب غدا ، ولا أدرى بأى أرض تكون قيامتى ، فقد شاب شعرى من التفكر فيها ، وانهد حيلى وعدمت عافيتى فى انتظارها وترقبها ، المهم ، بينما أنا هكذا أتفكر ، واذا بربابتى تأخذ وضعها الصحيح فى يدى ، واذا بها تعزف لحنا دار فى خاطرى وكنت أظننى تركته واسترحت ، وبدأ صوتى ينوح ولسانى ينطق غصبا بهذين البيتين : خلقت من التراب فصرت شخصا ، فصيحا فى السؤال وفى الجواب ، وعدت الى التراب فصرت فيه ، كأنى ما برحت من التراب . كنت أقف أمام قبر نور فاردا كفىّ أمامى أقرأ الفاتحة على روحه وارواح المسلمين ، ثم تلفت حولى ، كانت بديعة واقفة مع عم عبدة التربى تحت ظل شجرة بعيدة ،وكنت أرقبها تتحدث اليه حديثا لابد أنه أغضبه ، فقد ارتفع صوته قائلا : كلام ايه دا ياست بديعة ، صاحب العقل يميز . ثم أشار لى بالاقتراب فاتجهت ناحيتهما ، احضرنا ياأستاذ ، الست عاوزه تودينى فى داهية ، وأنا راجل كبير وصاحب عيال ياست . فيه ايه بس ياعم عبده ، مزعل الست بديعة ليه ، قلت وانا أحاول تلطيف الموقف وعلى وشى وضعت ابتسامة . فيه ان الست طلبت منى أفتح التربةوأخرّج جثة جوزها اللى ميت من عشرين سنة ، بقى ده كلام يعقل ياعالم، ثم أن التربة ما تتفتحش الا بتصريح من الامن ، آه دى مسئولية وفيها سين وجيم وخراب بيوت . بديعة كانت واقفة فى ثبات وفى عينيها نظرات تحدى ، هو أنا بأطلب منك تصحيه ؟ أنا طالبة أشوف جوزى ودا حقى .لأ مش من حقك ، قال عم عبده بحدّة ، ماعدش جوز حضرتك من ساعة ما مات ، القرآن والسنة بيقولوا كدة ، هو دلوقت بين ايدين ربنا ، وجوّزه أحسن منّك ، حور عين لم يمسسهن انس ولا جان ، اعترضى بقى على كلام ربنا .لم تيأس بديعة ، وبدت لها محاولة اقناعه مسألة حياه أو موت ، وبدأت أشك فى أنها سوف تقنع الرجل العجوز ، لكن بديعة حسمت الموضوع حسما نهائيا ، فقد أخذت عم عبده من يده ، وجرته بعيدا عنى ، ولمحتها تدس يدها فى صدرها وتخرج شيئا تضعه فى جيب جلابيته العلوى ، تركها الرجل وغاب لحظات ثم عاد يحمل فى يده سلسلة مفاتيح كبيرة ، فى صمت تقدمنا ونحن سرنا خلفه حتى وقف أمام مقبرة نور ، تخير مفتاحا وضعه فى قفل الباب الصغير وأداره فأنفتح ، تعجبت من موقف الرجل العجوز وقلت هو المال سيد هذا العالم والعصا السحرية التى تفتح كل مغلق ،راقبته وهو ينزل السلالم الحجرية الصغيرة حتى غاب عن أنظارنا ، عاد بعد دقائق ووقف على السلم فى المنتصف وزعق : الرمم كتير وانا ماأعرفش رمة جوزك من غيره ، قالت بديعة بلهفة أنا أعرفها ، واتجهت مهرولة نحو فتحة المقبرة فأوقفها الرجل بأشارة من يده : حرام ياست تنزلى عين الرجالة .أسرعت بديعة وأزاحته عن طريقها بزراعها فتنحى وسمح لها بالمرور ونزل خلفها وجلست أمام التربة وفوهتها المفتوحة على الظلام جعلتنى أسرح قليلا متأملا المصير الانسانى ، يقول شيخى محى الدين ابن عربى : الموت سهم صوّب اليك لحظة مولدك ، وحياتك بقدر وصول السهم اليك .قضى الامر وطويت الصحف ولا راد لقضائه ، فالسهم انطلق ، وهو آت لامحالة ، مسألة وقت ليس الا فصلت ذلك فى توهماتى لمن أراد المزيد من النكد أما أنا فأرد نفسى عن شرودها وأعود الى روايتى ، خرجت بديعة وقد تهلل وجهها بالفرح ، وخرج وراءها عم عبده يحمل فوق كتفه جثة ملفوفة فى كفنها ، وضعها أمامنا على الارض ، نظرت الىّ بديعة وهى تشير بأصبعها : عمك نور قدامك أهو .كانت أولى معجزات نور وكراماته أن الكفن ظل على حاله متماسكا وصلبا كما كان منذ عشرين سنة هى عمره ميتا ، وبدا لى أن بديعة تنظر الينا بزهو وخيلاء وكأنها فخورة بما أرتنا اياه ، تقدمت بديعة وركعت على ركبتيها أمام الجسد العصى على التحلل وانحنت تفك أربطة الكفن ، ثم انها أزاحت طيات القماش عن الجسد دفعة واحدة ، وبدا وجهه فى ضوء الشمس التى انعكست فوقه نابضا بالحياة ، بل أكثر من ذلك كانت تظلله شبه ابتسامة مطمئنة ، وخيل لى أنه فى غفوة قد يصحو منها فى أية لحظة ، حملقنا غير مصدقين ما نراه أمام أعيننا ، والرجل العجوز رفع اصبع السبابة امام الجسدمتمتما بآيات من القرآن وناطقا بالشهادتين . وأنا أردت التأكد فأقتربت من الجسد ولمسته بأصابعى لمسا خفيفا فسرت رعدة فى جسدى ، كان غضا ودافئا ، والماء الذى غسّل به مازالت نداوته يحملها اللحم الطرى الذى تفوح منه رائحة ماء الورد ، تذكرت قصة عزير ، أحد أنبياء بنى اسرائيل الذى مر على قرية خربة فقال أنّى يحىّ الله هدة الارض بعد موتها ، فرّد عليه صوت من السماء : يحييها الذى أنشأها أول مرّة . ثم ان الله اماته مائة عام ثم بعثه من جديدليكون شاهدا على معجزة الله ، كنت مهيئا الآن لتقبل معجزة الاحياء مرة أخرى فهل تحدث ؟ 6 فى طريق العودة ، كنت أجلس أنا وبديعة متلاصقين فى الميكروباص المزدحم باليشر ، كان الجو حارا خانقا مع لزوجة بفعل رطوبة الجو وروائح بدائية تنبعث من الاجساد جعلتنى أشعر بالاختناق ، بديعة دخلت فى الصمت دون مقدمات وتوحدت مع نفسها ،وقطعا للوقت أخذت أفكر فى تلك الاشياء الخارقة للمألوف والتى لا دخل للعقل أو المنطق فى تعليلها ، وما علينا سوى أن نأخذها هكذا دون اعمال العقل كأمر مسلم به ، وتبلورت فى ذهنى فكرة مقال عن تلك الاشياء التى هى دون معجزات الرسل ، لكنها خارقة لناموس الطبيعة المعروف ، كأمتلاك بعض الأشخاص لقدرات غير طبيعية ، كنت قرأت وسمعت كثيرا عن رجال يأكلون الزجاج ، أو يجرون عربة نقل بشعر الرؤوس واللحى ،أو يقفزون من أعالى البنايات ،وهناك من يملكون قدرات سحرية ، أو أولئك الذين يتخاطرون عن بعد ، وفى تراثنا الصوفى حدث ولا حرج ، رجال يطوون الارض طيا ،، وآخرون يطيرون فى الفضاء ، ومن يعبر الزمان والمكان ، أو من يمشى على الماء ، وهناك حكاية مشهورة فى التراث العربى الصوفى هى من عيون هذا التراث ، ولكن مع الاسف وجد من نقلها بحزافيرها مع تعديل بسيط هو نسبتها للتراث التبشيرى المسيحى ، ومن لم يصدق فليقرأ رواية باولو كويلهو "بالقرب من نهر بيدرا" ، الحكاية تحكى عن رجل فلاح يعيش على فطرته الاولى ، وايمانه بالله لا تشوبه شائبة ، يعمل فى حقله بالقرب من نهر ، وكان يصلى صلاته حين مر عليه جماعة من كبار المشايخ ، فوجدوا الرجل يصلى خطأ فأنتظروه حتى أنتهى من صلاته وبدأوا يعلمونه الطريقة الصحيحة للصلاة، ثم أنهم تركوه وواصلوا رحلتهم بالمركب فى مياه النهر ، وحدث أن الرجل نسى بعض ماقاله المشايخ له فجرى على الماء ليلحق بهم فنظروا من المركب وجدوا الرجل يجرى فوق الماء حتى وصل اليهم ليسألهم عن الطريقة المثلى للصلاة ، فأذ بهم يقولون له فى نفس واحد : أبق على صلاتك وعباداتك كما تعرفها ، فقد أوصلتك الى ما لا نستطيع الوصول اليه بعلمنا . حين وصلنا ، ودعتنى بديعة بأشارة من يدها ومضت دون أن تتكلم ،أخذت أرقبها حتى غابت عن ناظرىّ ، ثم صعدت من فورى الى غرفتى وبدأت فى كتابة المقال الذى استغرق الوقت ، ولم أدر الأ والمساء قد حل ، أرتديت ملابسى وركبت الاتوبيس المتجه الى بين السرايات حيث مكاتب الكمبيوتر الكثيرة والمنتشرة هناك ، صورت من المقال عدة نسخ وزعتها على عدة جرائد واحتفظت بنسخة ، بعد مرور أكثر من شهر ، كنت أتصفح الجرائد مصادفة فى صالة الانتظار بمطار القاهرة الدولى ، كنت أنا وأخوتى فى أنتظار أبى العائد من الحج ، وكنت أشعر بالملل فأخذت أقرأ العناوين الرئيسية : الرئيس جاء ، الرئيس ذهب ، الرئيس استقبل ، صورة لعاطف عبيد رئيس الوزراء وقد بدا للوهلة الاولى أنه لم ينم منذ سنة ، هالات سوداء وأنتفاخات الاكياس الدهنية حول عينية تجعل صورته بشعة ، وعلى لسانه تصريحات حول السلع الاساسية التى سوف تنخفض حفاظا على محدودى الدخل ، مقتل اثنى عشر جنديا أمريكيا فى الفلوجة والقوات الاسرائيلية تجتاح مدينة غزة وتهدم عشرات البيوت ،الى آخر العناوين المكررة والمعادة ، وفى احدى الجرائد وقعت عينى على عنوان بدا لى للوهلة الاولى أنى أعرفه : الولى الذى تم اكتشافه فى بولاق الدكرور . وتحت هذا العنوان وببنط أصغر :دفن حيا وبعد خمسة وعشرين عاما يخرج من قبره ليظهر كراماته . كان المقال يحتل النصف الاعلى من الجريدة، بينما النصف الاسفل امتلأ بصور فاضحة لأحد القساوسة وهو يمارس الجنس مع بعض النساء ، وقد قدر لهذا العدد من الجريدة أن يتخطفه القراء ، وأصبح لا حديث للناس فى بولاق الدكرور الاّ عن ولى الله الشيخ نور الدين وكراماته ، بل صار الناس ينسبون اليه بعض الحكايات والكرامات ، من ذلك مثلا ما رواه رفيق طفولته الحاج سيد دعبس الذى يقسم بأيمانات المسلمين أن ما سوف يرويه شاهده بعينيه اللتان سوف يأكلهما الدود ، حدّث فقال : كنا نلعب ذات مرّة فى الحارة ،كنت وقتها ابن عشر سنين ، ونور فى مثل سنى تقريبا ، وكانت بولاق الدكرور عبارة عن غيطان ترمح فيها الخيالة ما تجيبش آخرها ، والضفا دع أكتر من البنى آدمين ، نور جاب ضفدعة كبيرة ، وجاب حتة أبلكاش وصلب الضفدعة من رجولها الاربعة على الخشبة بمسامير سنارة تلاتة سنتى ، ما كناش واخدين بالنا فى الاول من اللى بيعمله ، ولما انتبهنا ، اتلمينا حواليه وبدأنا نراقبه ، بعد كدة جاب نملة كبيرة من النوع الفارسى وصلبها جنب الضفدعة، وحاول صلب النملة زى ما عمل مع الضفدعة ففشل ، فما كان منه الاأن جاب كلة اللى بنلزق بيها الكورة الشراب ولزق النملة فى الخشبة جنب أختها ، بعد كده جاب موس حلاقة وشق صدر الضفدعة ، وعمل نفس الشىء مع النملة ، وحط قلب النملة مكان قلب الضفدعة وقلب الضفدعة مكان قلب النملة، وشاور بصباعه مكان الجرحين فرجع كما كان ،بعد كدة فك الاتنين من الصلب فنطوا يجرو كما الرهوان وكل واحد عاش بقلب التانى سبحان الله . واقعة أخرى رواها أحد رفقاء شبابه ،ويدعى زعبولا ، كان أحد تجار البانجو المعروفين فى المنطقة فقال :صاحبت الشيخ نور فترة من فترات الشقاوة، كنا نتقاسم فيها كل شىء ، الحشيش ، الافيون ، السجائر ، البانجو ، وحتى النسوان والنومة ، وكنت لما الدنيا تضيق بى ، أروح عندة فيأوينى فى بيت أمه ، آكل وأدخن وأشرب ولا أحمل أى هم ، يعنى بأختصار كان صاحب صاحبه ،فلما قبض علينا أنا وهو ذات مرّة ، قعدنا فى قسم الشرطة عشرة أيام دون طعام أو شراب ، ولم يسأل فينا أحدا ، ورأيته متضايقا يجلس وحيدا بعيدا عن الجميع متكوما على نفسه فى ركن الزنزانة الضيقة ، وكان يدفس رأسه بين ركبتيه بالساعات دون أن يتكلم مع أحد ،تركته أول الامر وقلت لابد أنه تضايق لأن لا أمه ولا أخته عبروه بالزيارة ، بعد فترة قلت مابدهاش وياواد روح شوف صاحبك ماله ،فأقتربت منه وطبطبت على ظهره وقلت لاتزعل ياصاحبى ، فرجه قريب .فرفع رأسه ونظر الىّ فى حسرة ، وشفت عينه مرغرغة بالدموع وتنهد وقال : تعرف يابولا ـ كان ينادينى هكذا ـ حاسس أن حياتنا عايشينها غلط فى غلط، وماشيين فى طريق آخره حيطة سد، ثم غمغم لنفسه : انك لاتهدى من أحببت ، ولكن الله يهدى من يشاء . ثم أننى تركته ونمت ، لكنى قلقت قرب الفجر فصحوت على صوت خروشة ، ونظرت ناحية نور فرأيت ما تعجبت له ، كانت طاقة من النور على هيئة دائرة تقف فوق رأس نور وتضىء المكان حوله ، ورأيته يخط على جدار الزنزانة بأصبعه ، فلما اقتربت منه شاهدته يرسم مركبا كبيرا بصارى وقلع ومجاديف وناس تطل من داخل المركب ، فلما اكتمل الرسم كاد ت المركب أن تكون حقيقية ، ووجدنى أقف خلف ظهره أتأمل ما فعل وعلى وشى علامات دهشة ابتسم واشار الى المركب :هل تريد ركوب هذه والخروج من سجنك الصغير ؟ فضحكت وقلت : ياريت ياخويا ، بس فين البحر الى تمشى فيه المركب ! فنظر لى وابتسم قائلا: لو أراد شيئا يقول للشىء كن فيكون. وبينما أنا وهو كذلك ، صحا جميع من فى السجن ووقفوا يتفرجون علينا وعلى المركب ، فالتفت اليهم وقال : ياجماعة الخير ، انما الاعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ، من أراد منكم التوبة فليتب بنية صادقة فأنه يركب هاهنا ، وأشار الى الحائط ، فباسم الله مجريها ومرساها . وما نشعر الا ونحن جميعا محشورون فى المركب ، وهى تتحرك بنا وتعبر المسافات حتى انحدفت بنا فى عرض البحر الا هو ، فقد آثر المكوث فى سجنه حتى يقضى الله فى أمره، فسبحان الذى هدانا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله ، وهاأنا ذا أحكى عما رأيته وسمعته بالتمام والكمال والحمد لله على كل حال .                   القسم الرابع     1 حفنى رأى حفنى نفسه فيما يرى النائم وكأن حجرا ثقيلا وضع على صدره فلا يستطيع التنفس ، ورأى نفسه يصعد جبلا يجد فى نهايته أسدا ضخما يأخذ فى التهامه حتى لا يتبق منه شيئا ، ورأى محمد عبدون يرتدى رداء سجين بوجه أسود كظيم ويبكى بدل الدموع دما ، ورأى نفسه فى حضن زوجنه وهى تئن من اللذة وينزل ماءه صديدا له رائحة كريهةفيغرقها ، ورأى بطنها لا تتوقف عن الانتفاخ حتى تنفجر بدوىّ رهيب . قص حفنى رؤياه على صفاء فعوجت بوزها يمينا وشمالا وعلقّت قائلة بنبرة استهزاء : يمكن يس ما تغطيتش كويس وطيزك اتعرت واتملت هوا .لكن قلبها اتعصر شفقة عليه ،له ثلاثة شهور وجسمه فى النازل ويشتكى من وجع فى كل جتته، وآخر مرّة نام معها كان مثل الصبى الملبوخ الذى يفعلها لأول مرّة،تذكرت كيف كانت تصرخ وتتلوى من تحته وهو لا حياة لمن تنادى ، كانت زلومته مكموشة فى بعضها ومتهدلة كما الخرقة القديمة ، فرجته أن يعبث بأصابعه حتى تستريح وتهدأ، تذكّرت فى تلك اللحظة محمد عبدون - يبشبش الطوبه اللى تحت دماغه - كان يعصر جسدها عصرا ، ودائما ما كان منتصبا مثل وتد ناشف ، قالت : القوالب نامت والانصاص قامت ، ربما كانت تعرف السبب الحقيقى لأرتخائه، ففى احدى المرات وبينما كانت بين زراعيه ، لم تره متهيجا مثل هذة المرّة ، وكانت فحولته تؤلمها فكادت يغمى عليها من شدة النشوة ، فى تلك اللحظة فلتت من لسانها كلمة : بحبك يامحمد. فكأنها رمت عليه جردل ماء بارد ، همد فجأة وانكمش فى بعضه ونظر الى عريها الكامل ممددا على السرير ولم ينطق بحرف ، فقط اكتفى بأدارة ظهره لها متصنعا النوم ،من يومها ، أقسم ألأ يقترب منها أبدا ،ولكن كلما طال الوقت ، كان جوعه لجسدها ينهشه ، كانت لها عاداتها فى النوم ، ترتدى قميص نوم على اللحم ، وحين تنام ينحصر الى ما فوق بطنهافيظهر عريها كاملا أمام عينيه، كان يجلس بالساعات فى العتمة الخفيفة أمام الجسد الابيض المشع ، يتأملها من كعبى رجليها حتى أعلى نقطة فى رأسها ، استدارة ربلتى ساقيها والتفاف فخذيها وبضاضتهما ، كبرحجم هنها والشعر الاسود الناعم فوق عانتها ومن حوله فكأنه الاسد فى عرينه،طيات بطنها و السرة الغائرة ، الصدرالبض المدملج الصلب يكاد يفر من مخابئه،الوجه بملاحته التى دوخته حين رآها أول مرة ،فى بعض الاحيان كان يشتاق للمس جسدها فيتأكد من نومها ، ثم يمرر كف يده على كل مغاورها بخفة لص ورعشة عاشق ، ربما كانت تحس بلمساته ، فقد أنت ذات مرة تحت وقع تلك اللمسات ،واستدارت لتنام على ظهرها لتمكنه من نفسها ، لكنه انسحب بعيدا عنها متأرجحا بين لواعج الشوق للجسد المشتهى ، وكرامة أريقت دون أدنى شفقة. أحس حفنى بوادر تعب كانت أهم تجلياتها شعوره بالوهن طوال الوقت ، وشكشكة كانت خفيفة أول الامر مصدرها خصيتيه كان يستطيع احتمالها مرجعا ذلك الالم الذى أصبح عميقا بعد ذلك للفحات الهواء التى كان معرضا لها بأستمراربعد يوم عمل شاق ، ومع مرور الوقت بدأ الالم يصبح أكثر عمقا وضراوة ، كان المرض يمتصه ببطء يوما بعد يوم ، حتى أصبح مثل عود حطب جاف ،أرجعت صديقة حالة ضعفه الى كثرة نشاطه الجنسى ، أصل اللبوة مراتة رافعة رجليها طول الوقت ، ولو ما عملش كدا هاترفعهم لأى واحد ماشى فى الحارة ، لكن بديعة كان لها رأيا آخر حين رأته ونظرت الى عينيه ، فقد غمغمت لنفسها :حنفى بيعيش محنة موته ، وبدأ يمشى فى سكة اللى يروح ما يرجعش .كانت على يقين من موت أخيها ، من أين أتاها ؟ لاتعرف ،لكنها فى الآونة الاخيرة أصبحت تنبؤاتها أكثر صدقا وشفافية من تنبؤات نوستراداموس نفسه ، فهى التى تنبأت بزلزال شق أرض مصر عام 92 ، كما تنبأت قبل ذلك بمقتل السادات فى حادث المنصة الشهير وأدلت بأوصاف من سيخلفه على عرش البلاد، حدث ذلك بعد أن أعيتها الحيل فى تنصيب زوجها نور وليا على بولاق الدكرور وضواحيها ،كم كانت تحلم بمثل هذا اليوم ،ضريح بقبة خضراء ، وسياج من الحديد الاسود الناعم يلف المقام ، والنور الاخضر يسطع حوله وفوقه وتحته ، والناس تجىء من كل الجهات لزيارته والتبرك به ، يقيمون له مولدا كل سنة فى يوم وساعة يعرفهما الجميع، وتذكرت فى تلك اللحظة أنها لاتعرف متى ولد نور وفى أى ساعة قدم الى الدنيا، قالت : ليكن تاريخ وفاته هو الذى يحتفل به، فأنا أعرفه جيدا . كان الوقت ليلا ، وبولاق الدكرور التى لاتهدأ ولا تنام ، كانت نائمة وهادئة ، وسمعت صفاء صوته يجأر جااااااااااى الحقينى يابت ياصفاء ، هبت فزعة : فيه ايه مالك . قال من بين أسنانه : محاشمى هاتموتنى .كان يقبض عليهما بكلتا يديه مائلا ناحيتهما بجزعه ، ورينى كدة .قالت وأخذت فى خلع سرواله ولباسه، وأمسكت بخصيتيه بين أصابعها وأخذت تمرسهما بالراحة ، وهالها ما أصبح عليه جهازه ، كان ضئيلا ومنكمشا مثل قطعة من الجلد الميت بلا نبض ولا حياة ، لكن الالم از داد ، ولم تفلح محاولتها فى هدهدة خصيتيه ، وأضطرت لأخذه الى مستشفى القصر العينى عند الفجر ، وفى الاستقبال كشفوا عليه ، وتم حجزه خمسة عشر يوما لعمل تحاليل وأشعة على خصيتيه اللتين تضاعف حجمهمابين فخذيه حتى أنه لم يعد يستطيع المشى ، لازمته صفاء طوال المدة ، كانت تذهب اليه صباحا حاملة معها ما أستطاعت تدبيره من طعام أو فاكهة ، وتظل معه حتى المساء ، حطت نفسها تحت رجليه ربما لأحساسها بالذنب تجاهه ، اكتشفت صفاء أن زوجها رجل طيب ما كان يستحق مافعلته معه فأحست بالندم ، ونوت بينها وبين نفسها اذا ربنا كرمه واخذ بيده، فستجعل خدها مداسا له ، لكن حظها عاندها ، فقد جاءت كل التقارير والاشعة لتؤكد حقيقة واحدة لاشك فيها : أن سرطانه قد تمكن وانتصر . 2  بديعة بعد موت أخيهاحفنى المأساوى ، أقفلت بديعة بابها على نفسها ولم تعد تر أحدا أو يراها أحد ، كرهت الدنيا وكرهت نفسها بعد ما رأته من عذابات موت حفنى ، فقد ظل يحتضر ستة شهور كاملة ،وأصبح من يحبه يتمنى له الموت ، رأته يتلاشى شيئا فشيئا حتى أصبح مثل خيال المآتة ، جلد على عظم ،وكانت عظامه تشوى على نار هادئة ،صرخ مرّة فيها : انتى مش اختى وبتقولى ان جوزك ولى ، قولى له يرحمنى ، النار بتاكل فى جتتى ياناس . لحظتها تغرغرت عيناها بالدموع ومالت على أذنه حتى لايسمعها غيره وهمست : ماتكفرش وانت هاتقابل ربك بعد ساعات ، أطلب الرحمة منه .بعد ساعات تقابل ربا أسمه الكريم ، وتدفن فى ظلام القبور ويجىء اليك ملكان يسألانك عن ربك ودينك وملتك فقل معى : الله ربى حقا ،والاسلام دينى ، والكعبة قبلتى ، والقرآن امامى ومحمد ابن عبد الله نبىّ ، قل آمنت بالله تعالى وما أنزل على الانبياء ، قل ورائى خلق الانسان فى كبد وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور .اذا سألاك فقل لهما بلسان عربى فصيح :الجنة حق ، والنار حق ، والحياة الآخرة حق وهى خير وأبقى . كانت تلقنه آخر تعليمات سفره الاخير ،وكان مختنقا بسرطانه فأشاح بيده كى تبتعد عنه ، تركته ومشت وهى على يقين من أن هذا هو يومه الاخير على الدنيا ، لكنه عاند ملائكة روحه وصرخ بت ياصفاء ، شيلينى طلعينى بره فى الشارع، عاوز أشوف الناس .وضعوا له كرسيا جنب حائط البيت جلس عليه ملموما فى بعضه ، كانت الناس فى غدوها ورواحها ترمى عليه السلام وتسأل عن صحته ، وكان يقول الحمد لله على كل حال ، كان الوقت صباحا ، وشمس الشتاء ترسل أشعة دافئة ، واليوم هو أول رمضان ، أصر على صومه ،ونظرحفنى الى السماء وهى تتلون أمام عينيه بألوان الطيف ، وكرات بلورية تتراقص فى الهواء لها لون الزيت ،وشعر فى تلك اللحظة أن الحياة جميلة ، وتمنى لو كان فى العمر بقية ، لكنه سقط من فوق الكرسى ومات . 3 بديعة  رأت بديعة فيما يرى النائم ،وكأن أبواب السماء قد فتحت بقدرة الله وقدره ، وظهرت أمام عينيها طاقة قدر القبة وهى صافية البياض وفى دايرهااختضار كهيئة الفجر عند لياحه ، ورأت كل شىء على الارض ساجد ،الناس ، والوحش ، والطير ،فلا ديك يصّبح ، ولا كلب ينبح ، حتى الاشجار كانت راقدة ، واذاهى فى مكان واسع رحيب ، واذا بنور عظيم يأخذ البصر السليم يضىء المكان وفى عقب ذلك النور رجل عابد زاهد ، فلما أقبل صاح بسم الله المكان خالى ياعباد الله . فعند ذلك النداء أقبل بعض الرجال وأخذوا يصفون الكراسى فى الجهتين ، ثم أتوا بكرسى كبير وضعوه فى صدر المجلس ، وصاح أحد الرجال وهو نقيبهم ياسادة الارض ذات الطول والعرض أحضروا ذلك المحضر كما أمر قطب الاقطاب الاكبر سيدى احمد البدوى والشريف العلوى صاحب الامداد النبوى. فعند ذلك أقبلت الرجال كأنهم الأقمار ، وجلسوا ذات اليمين وذات اليسار ووقف النقيب بين أيديهم وقال : أبدأ مديحى فى جمال محمد ، نبىعربى أجار الغزالة وأطلقها من أسر صاحبها اليهودى اللئيم ،وبعد ، هذه يااخوان قصة سيدى أحمد البدوى البحر العجاج المتلاطم بالامواج القطب النبوى الشريف العلوى باب النبى ودليل الحج أبا الفتيان سيدى أحمد البدوى رضى الله عنه وأرضاه، وهى تشتمل على قصة الاميرة خضرة الشريفة وما جرى لها فى بلاد النصارى ، وكرامة السيد البدوى حين اتى بها وكرامات الاقطاب المذكورين رضى الله عنهم بالتمام والكمال والحمد لله على كل حال .قال الرجال : وكيف كان ذلك يانقيب السادة الامجاد ؟ قال :الحمد لله الحنان ورازق الانس والجان كذا الطيور مع الحيتان والدود فى قلب الصخرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وبعدها صلى على الزين نبينا مكحول العين اللى القمر له انشق اتنين وجت اليه ساجدة الشجرة نظرة يابدوى ياجايب اليسره كذا صلاتى ع الاصحاب والتابعين ثم الانجاب والاولياء ثم الاقطاب والصالحين أعلى العشرة نظرة يابدوى ياجايب اليسره وبعد هذا ياشاطر اسمع كلام كله جواهر صنعته وكان عقلى حاضر وفكرى كان مثل الدرة نظرة يابدوى وجايب اليسرة لو كان كذا عندى مليون من الهموم ولاّ محزون وتقرا فيه مرة بالنون تزول همومك بالمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة أقول كلامى وتفنينى قبل الزمان ما يفنينى فى نظم قصة متقونة تنبيك عن سيرة خضرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة كان يوم من أيام الجمعة نزلت ببابها دى الشمعة لمعها نصرانى لمعة عقله انخطف كله مرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وقال مين حايجيبها لى دا كنت أغنيه بالمال فقالت امه اصفالى نادى العجايز من بره نظرة يابدوى ياجايب اليسرة حضروا العجايز دول تسعين من مكرهم غلبت شياطين فقالوا ايش انتم طالبين فقال لهم عايز خضرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة قالت عجوز ملعونة البوز وأنفها يشبه الكوز دا ايه دنا عندى مربوز حالا يجيبهالك بكرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة راحت لدارها وهى تجرى وشبشبت يعنى بسحرى وجت لخضرة من بدرى منزيرة ولابسة حبرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وجت اليها المشوبة والسبحة فى أيدها مقلوبة بقيت ولية ومجذوبه تذكر كأولاد الفقرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة طلعت لها القصر العالى توحد المولى العالى لقت جبينها بيلالى فاتحة الكتاب كله وتقرا نظرة يابدوى ياجايب اليسرة قالت لها صباح الخير ياطاهرة ياوجه الخير ياحلوة السيرة والسير ياحسن يوسف ياقمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة قالت لها الفين صباح عليك ياست الصلاح والاكل جاها والافراح كلت وشربت دى العرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ولما طفحت دى البومة قالت لها ياميمونة تنك لأمته محزونة ما بتخرجيش دوما برّة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة يلا بينا هناك نتفسح ونشوف كدا البحر بيمرح والموج دا فيه عمال يرمح ولاّكده الاسماك رخرة نظره يابدوى ياجايب اليسرة ولّت وراها كالنجفة وياها أولادها الشرفه مشت أمامهم دى العكفة طيطة وتجرى كالبقرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة خضرا كدا بصت بالعين وشافت الغليون يارزين يجرى كدا بين البرين قالت عليه بتاع كفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فحلفت لها الف يمين بأنه بتاع ناس مسلمين يوحدوا رب العالمين وكلهم أبطال أمرا نظرة يابدوى ياجايب اليسرة يعنى كدا شوفى الريس واقف محندق كويس شاطر لبيب عقله كويس واقفين وراه كل الغفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة والصارى عمال بيلالى ذهب ولكن م الغالى والدفة فضة كهلالى منورة مثل القمرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة ولما وصلم الغليون ونادت الريس أنطون ساعت ما شافها الملعون قال للعجوز الفين شاطرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ثم زعق على النواتية حطوا السقالة الذهبية والقصة رخره المجلية لزينة الدنيا خضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة مافيش أحد يطلع عندى الاّ الشريفة دى ووحدى أما العجوزة دى بعدى تفرح الست الحرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وبعد ما دخل جوه عان السقالة بمروة وجرى غليونه بقوة على بلاده ابن الكفرة نظره ياسيد ياجايب اليسرة أما كدا الاشراف يااسياد بكوا بكا يقطع الاكباد والوجه صار منهم كرماد وروحوا وحالهم عبرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة رجع كلامنا ياصناديد لما جرى الغليون بعيد قيد رجولها بقيد حديد وايديها واكتافها رخرة نظره يابدوى ياجايب اليسرة وخضرة تزعق ياشيطان ما تخفش من رب الديان اللى يعذب بالنيران يوم القيامة فى الآخرة نظره ياسيد ياجايب اليسرة يارب ياعالم بالحال انجدنى من هذى الاحوال ياسيدى ياعبد العال أنظر لمحبوبتك نظرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة قام قال الملعون يازين ياقرة الحاجب والعين حا تبقى سلطانة البرين جوزك ملك الكفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة أما العجوز تقول سيرى مين يمكنه يجيبك غيرى دا لما ينظرنى أميرى يهدينى أنواع البشرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وتنهم يعنى مسافرين تسعين ليلة بالتمكين لا نوم يناموا بل صاحيين يدادوا ويرضوا خضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ولما رسيم بالغليون والعجوز نادت أنطون خليك هنا وركبت فيتون علشان تبشر دى العاهرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة طلعت على قصر السلطان وقالت أفرح ياسمعان واعطنى محرمة الامان جبتلك خضرة القمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فقال لها الفين دينار يرضوك ياست الشطار والابعدية والدوار وخمسين نعجة وميت بقرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ردت قالت له الله يعطيك زدنى كمان أردب فريك قال لها والف وماية ديك أعطوها حالا يا وزرا نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وبعدها نادى الخدام وقال لهم تسعولى قوام وتحضروا المركب بتمام وتقابلوا خضرة الفخرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة راحوا قوام جابوا المزمار كذا الطبول مع الاوتار وجابوا خضرة بالمشوار وكل دا وهى صايرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة دا بعد ما حلّوا اكتافها ولبسوها ثياب خفة ودخلوها بالدفة بقيت منيرة كالدرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة طلعت على ملك الكفار فقال ايا ست الشطار القصر كله زاد أنوار لما هليتى ياقمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وقام بنالها فى الحال قصر كبير عالى وغالى طوبه دهب كله يلالى وأرضه فضة معتبرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة وسكنوها فى أوضة من جوه أوضة مرصودة لحسن كدا واحدة حسودة تشوفها تحسدها بنظرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وجاب لها الصيارف فى الحال وشغلهم تنه عمال تسعين صياغ فى دى الاشغال وكل ده علشان خضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة دقوا لها الحلقان المظ أما الشعير كله مألوظ شغل الخواجة بك المظ اللى انشهر فى بلاد برة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة أما الحرام من كلام مفيش كدا أبدا ياسلام شغل الخواجه أبو عرام اللى نقش فيه الشجرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة أما الذى دق الكردان اللى ما شاف زيه انسان شغل الخواجه أبو قردان اللى ملا صيته الكفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة أما الذى دق الخلاخيل من الذهب خالص ياجميل أسمه الخواجه مسيو خليل اللى بقت له بره الشهرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة أما الأداسى ياأسياسى من فضه شوشة أساسى شغل المعلم ملاسى شيخ الخواجات الكبرى نظرة يابدوى ياجايب اليسرة والمشط راخر من لولى اسمع كلامى ومنقولى حسك تقول غير معقول لأنه عن ناس معتبرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة طفت الصعيد الجوانى وتنى أبحث بالتانى لما التقيتها يااخوانى مع ناس كدا كلك امرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة يرجع كلامنا للسلطان اللى عوج عقله الشيطان وبده يرميه دا الغفلان حالويفتح له حفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة أما الحاجات الابطال تمموله كل الاشغال راحوا عليه كالملك فى الحال شاف شغلهم صار فى جمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ونادى خدامه يارجال الخياطين تموا الاشغال قالوا له الخدام امال خلصم وطالبين الاجرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة اداهم الاجرة الملعون وقال لخدامه سيحون انده لفراشنا الميمون يعمل لى زينة معتبرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وقتها الفراش ياناس جاب الحرير كله أجناس فضل يفصل بالمقاس رايات كده حمرة وخضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة جاب المزارع ما تنعد أصناف كتيرة مالهاش حد خصوصا الياسمين والورد والآس دا جاب منه بكترة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة بعدين فرش كل البساطات على الدكك جوه السرايات أما النجف جنب الرايات خلا كدا الدنيا قمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وكل دا وخضرة تنادى خدوا بيدى يااسيادى بحق طه دا الهادى اللى خفض دين الكفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ياسيد ياسيد وقتك انظر لمحسوبتك وقتك لحسن تسبوا خدامتك تبقى فضيحة ومعرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فى وقتها السيد يارجال نادى وقال ياعبد العال طير كالحمامة ورح فى الحال حالا وطمن لى الخضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وقل لها ما تخافيشى من دى الهموم ما تخافيشى بكره أنا أنده دراويشى يجولك فى بلاد الكفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ساعت ما شافت عبد العال فوق راسها ضحكت فى الحال من شدة الافراح يارجال فتعجبوا من فى الحضرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة وقالوا ياست النسوان ياعود قرنفل فى البستان بتضحكى علشان ايه بان لأن دى أول مرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة قالت لهم فرحى علشان زينة قصر السلطان سمعان أقعد كدا فى وسط الديوان ويسمونى الملكة خضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة سمعوا كلامها يااخوانى فرحوا وقالوا سعدنا بان ما يعلموا اللى فى الغيب كان واللى ح يجرى لهم بكرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة يرجع كلامنا لعبد العال ونادى درويش الابطال راح دوغرى للسيد فى الحال وقال له طمنت الحرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فقال له روح ياعبد العال نادى المشايخ والابطال وقل لهم هيا يارجال أنتم ودراويشكم رخرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وانت المجاهد فى الحال نادى المشايخ والابطال ومن لهم فى الحرب مجال ليحرقوا بلاد الكفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة نادى الجميع حالا جاوبوه عدد ما يمكنكوا تعدوه وجم على طنطا وقادوه جبنا لكم كل العترة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وبعدها السيد يارجال نادى وقال ياعبد العال أعمل لى قهوة للأيطال واسقى جميع من فى الحضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فقال له ياسيدى انه نهور تقضى الجميع أو انه بحور دول كالمطر فوق الجسور اسقيهم انت بالمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فقام عمل من توفيقه قهوة ملاها فى ابريقه سقى الجميع من ابريقه كل المشايخ والفقرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وبعدها نادى الاقوام هيا بنا نروح للأقوام ونجيب اسيرتنا بقوام احسن ما تجرى لها مجرى نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وكل شيخ لم جيوشه واخوانه مع دراويشه وكل واحد شال شيله قاصدين كده حرق الكفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ويرجع كلامنا بالتانى لخضرة من دا السلطانى وما جرى لها يااخوانى وما فعل ابن العاهرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فلما جهز دى الافراح سمعان وقومه الكفرة اللى ح يخزيهم الفتاح ويخلى وقعتهم غابرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة بعت نده للجزارين وقال لهم ياابن العارفين عايز لحوم من كل سمين من جنس خنزير أو بقرة نظرة يابدوى ياجايب الاسرة وركبوا حالا يا فضال جابوا بهائم عال العال من كل ما يشجى الأكال لحوم عظيمة معتبرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وذبحوا منهم فى آن وبعدها نادى السلطان بالطباخين تسعوا فى الآن وتطبخوا لنا ميت بقرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة أما الخنازير دول تمانين عشان كدا أكل السلاطين والوز ياحافظ ياأمين خلوا طبيخه للفقرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة عزم كذا كل السلاطين وبعدها البشوات بأمين كذا الخواجات الرزلين من كل برنيطة كبرى نظرة ياسيد ياجايب اليسرة نادى المشاط يارجال ومشطوا خضرة فى الحال وزينوها زينة عال حتى بقت مثل القمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وبعد ما تم قوله غير هدومه ومنديله وبدو يفعل مفعوله وينصب الافعال رخرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فى وقتها السيد ياأمير كان حط فى بلاد الخنازير وقال لعبد العال قم سير شوف جرى ايه فى الخضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فى وقتها راح عبد العال رأى الجميع تموا الاشغال وخضرة بتنادى يارجال هيا انجدونى من العثرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ساعت ما شافها جه ياكرام زعق بحق قوام هيا اسرعوا اللوم بقوام أحسن ح يسبولنا خضرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة فى وقتها السيد ياناس رصص جيوشه كالبرجاس وزعق وقال ولله حاس لابد من حرق الكفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة هجم بجيشه على الاعداء بالليل وكان دا الوقت عشاء ملا أراضيهم دماء وخلاّوقعتهم غبرة نظرة يابدوى يا جايب اليسرة ياما رؤوس خلاّها تطير وجتت بقت تأكلها الطير يقتل ما شافوا له نظير حتى هلكهم بالمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة أما كذا المشاط ياناس فى الحرب ماجرى لهم منى ياناس وأما سلطانهم منجاس يشخر فى دمه كالبقرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة والاوليا ركبوا الازيات وهدموا كل السحليات وكسروا كل النجفات خلوا البلاد حفره جفرة نظرة يابدوى ياجايب الاسرى وأما السيد دا المفضال دخل على خضرة فى الحال وقال لها زيلى البلبال أدينى نجيتك من العثرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ونادى للقوم الصلاح هياأركبوا يااهل الاصلاح أحنا تمينا الافراح على الكافرين بمتين حصرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وبعدها أسرع بنشاط وطار بخضرة والمشاط وكانوا قاعدين فوق البساط وخضرة فيهم كالأمرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وحطم على المقصورة ودار هلاله دى الدورة ولما جت ناس بتزوره شافوا الجميع قالوا أسرى نظرة يابدوى ياجايب اليسرة ونادوا حالا للمؤذن فوق مدنته يطلع يدن وكان كده صوته أرعن فسمعت الناس جت من بره نظرة ياسيد ياجايب اليسرة جم المشايخ والخلفة وجميعهم كل الشرفه من البلاد يابن الطرفة وكل شيخ قام حضرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة حطوا البساط فى الدار واسلموا المشاط العبرة وامسكوا طبلتهم والطار وغنوا بأصوات معتبرة ٍنظرة ياسيد ياجايب اليسرة فجت لخضرة كل الناس وعندها فى دى الحضرة وتعجبوا من صاحب الكرامات صاحب الكرامات الكبرى نظرة ياسيد ياجايب اليسرة وبعدها يانور العين عملت وليمة الست الزين وسيرها شاع بين الكونين حتى ملا مصر وبصرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة شافوا كرامات السيد الطاهر القطب الجيد كام جاب أسير حتى مقيد وكم نجد ناس من الكفرة نظرة يابدوى ياجايب اليسرة وكم كرامات ما تتعد وكم مرات ما تتحد وكم له نجدات ملهاش حد اقرا الكتب تنبيك خبره نظرة ياسيد ياجايب اليسرة أما اللى يعفى ويقول ياسلام يخرج من الدنيا بسلام دا العفو من طبع الكرام لا يأت الا من الامره نظرة ياسيد ياجايب اليسرة وأختم كلامى ياخلى فى مدح طه المتجلى سيد النبيين والرسل والانس والجن رخرة نظرة ياسيد ياجايب اليسرة والآل مع الاصحاب بتمام يارب وأغفر للأنام وأحسن ختامى على الايمان فلما فرغ النقيب من كلامه تعجب السادة الرجال من كلامه ، وتأملوا فى معنى نظامه ، وقالوا سبحان مسبب الاسباب ، ثم أقبل من بعيد الاقطاب الاربعة الكبار وهم سيدى أحمد الرفاعى ، وسيدى ابراهيم الدسوقى ، وسيدى عبد الرحيم القنائى وسيدى عبد القادر الجيلانى فسلموا على الرجال ، ووضعت لهم الكراسى العوال ، فلما استقر بهم الجلوس ، أقبل فحل الرجال الاجواد صاحب العطايا والامداد خادم سيد العباد وبيده قضيب خيزران مافيه اعوجاج وبين يديه المادى ينادى ياأبا فراج . فلما سمعت الرجال النداء وقفوا جميعا تأدبا واحتراما حتى جلس على الكرسى أمامهم فأخذوا يقبلون يديه حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا ولا أحد منهم نطق أمامه بحرف ، ثم أن الاستاذ الاكبر قرأ الفاتحة الى سيد البشر وأمر النقيب بقراءتها جهراعلى مسمع من الجميع ،ثم قال : كل من كان له كلاما آذنت له فيه بشرط أن يظهر معانيه ومبانيه، فتقدم أحد الاقطاب الثلاثة وقال ياسلطان الرجال هذا ابنك وخليلك نور تركته بما فيه الكفاية فأدع له بالولاية . وقام الثانى وقال ألست أنت من دعوت له بالهداية فأهتدى بأذن الله ؟ وتقدم الثالث فقال : سبق فى علم الله أن كل شىء بقضاء الله فأطلبوا له من الله أن يكشف ضره وبلاه وأسألوا صاحب العطايا أن يزيل عنه جميع المضرات فما منكم الا وهو مجاب الدعوات . فقال السيد أحمد البدوى : اعلموا أن هذا ولدى وقد أخذ عهدى فى حياته وحفظ ودى ، وأنا سألت الله العظيم رب موسى وابراهيم وزمزم والحطيم أن ينصره ويكون وليا لله بأذنه ويكون صاحب مقام عال بين الاولياء ويقام له مولدا يحضره جميع الانام . فقال الدسوقى : أسأل الله العظيم رب موسى الكليم أن يلهم زوجته الصابره أن الله أظلها بليلة القدر التى هى خير من الف شهر تكريما لها من دون العباد لأجل أن تدعو لزوجها بالولاية فيستجاب لها . ثم ان السلطان نفض المنديل فأنفض المجلس وذهب كل منهم الى حال سبيله . 4 صفاء بعد ستة شهور من رحيل حفنى ، صفاء حالها انقلب ،أحست بذلك صديقة و محاسن وصارتا ترقبانها ، فجأة خلعت الاسود ولبست الملون المحزق، وحطت فى وشها الاحمر والازرق والاخضر ونزلت الشارع ، كانت تغيب بالساعات وأذا سألاها أين كانت كان مردها وحش ،أنتوا مالكوا خليكو فى حالكم .سلطت صديقة أبنهانصر يراقب زوجة خاله ويعرف قرارها ،لم يكذب نصر خبرا وأول ما طلعت من البيت تسحب ومشى وراءها، كانت صفاء ترتدى فستانا قصيرا ومحبوكا على وسطها وردفيها،وراقب نصر جسد زوجة خاله وهى تمشى أمامه ،كان ملفوفا ومدملكا ولدنا، ليس به عضلة واحدة ،وكان ردفاها يترجرجان كلما خطت خطوة بحذائها ذى الكعب العالى، وغمغم نصر :حد يموت ويسيب الفرس ده .تركت صفاء بولاق الدكرور وطلعت كوبرى همفرس ونزلت الناحية الاخرى ، ومشت فى شارع السود ان بأتجاه شارع جامعة الدول العربية، وفى أحد السوارع الجانبية صعدت احدى العمارات ،وكما يحدث فى الافلام المصرية ، فقد أخرج نصر علبة سجائره وتقدم من البواب وناوله سيجارة وجلس بجانبه على الدكة الخشبية ، وسأله عن التى دخلت توا ، قال البواب أنها تعمل فى الشقة المفروشة بالدور السابع ، وأنهاست غلبانة و تجرى على أيتام .نصر قدم لأمه تقريرا كاملا عن زوجة خاله مشفوعا بقوله : يامه الولية حلوة وبتشتغل فى الشقق المفروشة، وما أدراك باللى بيحصل فيها .نصر راقب الباب طول الليل حتى ظهرت زوجة خاله ودخلت حجرتها ، ومن فتحة المفتاح تفرج عليها وهى تخلع هدومها ، وأحس أنها تتطوح وهى واقفة فعرف أنها سكرانة ،خلعت كل هدومها ووقفت عارية تماما ثم ارتدت قميص نومها على اللحم ورمت نفسها على السرير ،نصر أنجن من منظرها فدفع الباب برجله ، ولدهشته أنفتح فرده وراءه وطوح بجسده فوقها ، كانت راقدة على بطنها وأحست بجسده يضغط على مؤخرتها ولم تكن تعرف أنه نصر فأعتدلت وقاومت قليلا ، ولما كانت متعبه وشبه نائمة وغائبة عن الوعى، فقد استسلمت لهجومه الملح وتركته يفعل بها ما يشاء . 5   صفاء دبت خناقة مع صديقة دون سبب ، ولمت هدومها وتركت البيت ، وصديقة كسرت وراءها قله وقالت خالتى وخالتك واتفرقوا الخالات، واللى كان لينا عندك أفتكره الله وخد ه من وشك ، جبتى له العار فى حياته ومماته .ونصر قال لأمه لو مشت مرات خالى ها أسيبلك البيت أنا راخر . قالت فريده ليه ياواد هى كانت من بقية عيلتك ولا تكونوش رفق ، ماهى لبوه وتعملها .نصر لم يكذب خبرا وترك البيت ، وأمه قالت له الداهية اللى تودى .وغاب شهرا ولا حس ولا خبر ، وقلبها أكلها عليه فسألت أصحابه عنه وواحد منهم قال لها على الفولة وقشرتها ،أبنك عايش مع مرات خاله فى شقة واحدة .صديقة عقلها طار فذهبت الى عمتها بديعة :المرة خطفت الوادوبينام معاها كل يوم الهايجة ، أعمل ايه ياختى شورى عليا.بديعة قالت : كل فرج مكتوب عليه أسم ناكحه ،داوعد ومكتوب ياختى وابنك راجل مش ها يخسر حاجة .مصمصت صديقة شفتيها : من ناحية هايخسر هايخسر صحته وعافيته وشبابه ، داجوزها الله يرحمه ماخدش فى ايدها غلوة .صديقة سلمت أمرها لله وقالت عليه العوض فيك يانصر، وانتى ياصفاء يابنت حوا وآ دم الهى ماتكسبى ولا تربحى ويورينى فيكى يوم قادر ياكريم . ونصر قال لصفاء بلاش الشقق المفروشة دى بقى وأنا مش هااخليكى تحتاجى حاجة خالص . قالت صفاء أسمع ياروح أمك أنت مش جوزى تتحكم فيا ،ثم انت قاعد نايم واكل شارب منين ماهو من شغلى ، ولما بتعوز تركب بتركب ، بقولك لأ ؟ يعنى مش حرماك من حاجة ، يبقى عاوز أيه تانى .نصر اطرق برأسه الى الارض وسرح قليلا ثم نظر اليها وقال : يعنى لو أتجوزتك تقعدى من شغلك ؟طب وناكل منين ، قالت وأخذت فى أرتداء هدوم الخروج. سيبينى أدبرها بمعرفتى .وصفاء فى طريقها لمحل عملها أخذت تفكرفى عرض الزواج بجدية وتأخذ وتعطى مع نفسها ،خاصة بعد ما حدث معها بالامس ، الشقة التى تعمل بها تؤجر مفروشة للعرب ، خاصة السعوديون وهم يؤجرونها بخادمتها ، شرط أساسى ،وهى خادمة بالاسم فقط ، أما مهنتها الحقيقية فهى الدعارة ، عرفت ذلك من أول ليلة قضتها فى الشقة ، وأكتشفت أن قضاء ليلة فى حضن أحدهم يؤمن لها قدرا من النقود لا بأس به ،ثم أنه أسهل من أى عمل آخر علاوة على مابه من متعة ، مؤجر الشقة سعودى يدعى عتيق ،أمس جاء معه بشابين سعوديين وأرادوا تمضية السهرة فى الشقة ،أتصل عتيق بفتاتين يعرفهما أحداهما تعمل راقصة فى ملهى ليلى بوسط البلد والاخرى ممرضة فى مستشفى فجاءتا وأصبحن ثلاثة ، أحضر عتيق كباب وكفتة وصندوق بيرة وبعض زجاجات الويسكى الفاخر لزوم السهرة ، وكان مع احدى الفتاتين قطعة حشيش أخرجتها وصارت تلفها فى السجائر وتعطينا، وأختار كل واحد واحدة منهن وبدأت السهرة ، وكانوا فى عز المعمعة حين سمعوا خبطا ورزعا على الباب شديدين ، أرتعبت البنات وانكمشت كل واحدة منهن فى بعضها وقد أيقن بالهلاك ، فهذه الايدى الثقيلة من المؤكد انها أيدى رجال الشرطة ، والنتيجة معروفة لهن ، قضية آداب لهن ،بينما الرجال يصبحون شهودا عليهن ،المهم بعد أن أفقن من صدمة المفاجأة الاولى جرين عرايا وأختبأن بجوار السلم الخلفى للعمارة والمسمى بسلم الخدم وأغلقن بابه وأنتظرن ما سوف يحدث ،كان الظلام شديدا ،والخوف جعل أجسادهن العارية ترتعد، وسمعن أصواتا عالية واقدام تهرول وتوقعن قدومهم ناحيتهن وأخراجهن وهن على هذه الحال بلا ملابس عرايا كما ولدتهن أمهاتهن ،بعد لحظات هدأ كل شىء وما عدن يسمعن أى صوت ، ولا يدرين ما الذى حصل بالخارج ،وأخذن يضربن أخماسا فى أسداس ، فواحدة همست : لعلهم لم يكتشفوا شيئا فمضوا . وأخرى قالت أو لعلهم أخذوا الشبان معهم وأكتفوا بذلك .أما هى فقالت كيف يحدث ذلك وهدومنا مرمية فى كل ركن فى الشقة وحتى ملابسنا الداخلية ، وزجاجات البيرة والويسكى وسجائر الحشيش ،كل هذا يدل علينا ويفضح وجودنا .وصارت كل واحدة تستحضر فى زهنها ما سوف تقوله اذا ما تم القبض عليها وهو أمر لا بد منه، ولكن حدث ما لم يكن فى الحسبان ،فقد أنفتح باب سلم الخدم وظهر على عتبته عتيق يمسك فى يده هدومهن فرماها لهن وأشار بأن يرتدينها دون خوف ، ثم أنه أشار لهن بالدخول فدخلن ، ورأين ضابطا برتبة نقيب يقف فى وسط الصالة مع الشبان وعلى ما يبدوا كان يتكلم كلاما وديا ويضحك ، تعالوا يابنات مفيش حد غريب . قال عتيق وأخذ يقدمهن اليه ،صفاء ، تحية ، سماح ، النقيب عواد ، جاء للقبض علينا طلعنا أصحاب. النقيب عواد قرر أن يسهر معنا ، وأختار صفاء لتكون بصحبته طوال السهرةوعدت الليلة على خير .كانت المرة الأولى التى تواجه فيها بهذا الموقف ، وما رأته على وجهى الفتاتين من خوف ورعب ، أصابها هى نفسها بنفس الخوف والرعب ، قالت لها احداهن :لوكان قبض علينا كنا شفنا الذل ، أنا قبض علىّ ذات مرة ، وكانت مرتى الاولى ،ضبطت فى شقة فى بين السرايات ،وهذه المنطقة تابعة لقسم بولاق الدكرور ، وما أدراك ما هو قسم بولاق الدكرور، يعنى تتحجزى أسبوع على الاقل فى القسم ، ويزفوكى وانتى داخلة الحجز ،ولو كرمك ربنا ومدخلتيش الحجز هاتقعدى فى النوباتشية ،ودى أسخم وأدل ، طول الليل يفعص فى جسمك أى مخبر ولا أمين شرطة ولاّحتى ظابط، كله بيفعص ، وكله عاوز ينام معاكى قبل ما يتم ترحيلك ،واذا نطقت بكلمة ياويلك وياسواد ليلك ،من ضرب لشتيمة ياقلبى لا تحزن ، يعنى بهدلة وقلة قيمة وقضية دعارة تحمليها طول عمرك.فكرت صفاء فى كل ذلك ، وقالت لنفسها مش كل مرّة تسلم الجرّة ، ويابنت ضل راجل ولا ضل حيط .وحين عادت الى البيت ، قالت لنصر يالله بينا دلوقت على المأزون لو لسه عاوز تتجوزنى .نصر نظر اليها بحرج وكسوف : دا يوم المنى ، بس ياريت نأجلها لبكرة، أصل معاييش فلوس المأزون .صفاء أخرجت لفة نقود من حقيبة يدها وضعتها فى يده و قالت الفلوس أهى، هو أنا وأنت أيه ، بس سايقة عليك النبى ما تجيب سيرة لأمك دلوقت، أنا مش ناقصة جرس وفضايح ، مؤقتا يعنى ومسيرها تعرف . 6 لاقت روايتى الاولى (كتاب التوهمات ) نجاحا ملحوظا ، واستقبلها الوسط الادبى بترحاب وحفاوة كبيرين ، حتى أن البعض كتب عنها بأعتبارها كتاب الموتى الحديث ، مقارنا بينها وكتاب الموتى الفرعونى ،ولهذه الرواية حكاية ، كانت أمى قد توفيت فى خريف العام الثانى والثمانين بعد رحلة مضنية مع المرض حيث اصيبت بفشل كلوى ، وكان عليها أن تقوم بعمل غسيل بريتونى مرتان فى الاسبوع ، لم تغسل سوى مّرة واحدة فقط ولم تتحمل الثانية ،عشت معاناتها مع المرض بكل آلامه وعذاباته ، كما عشت لحظات احتضارها وموتها ، كانت المرة الاولى التى اتعرف على الموت عن قرب ، بل واواجهه وجها لوجه وهو ينتزع من بين يدى وبشراسة أجمل كائن انسانى أحبه قلبى ، أمينة مرشد ، أسم لن أنساه ما دام قلبى ينبض بالحياة ، وأذا مد الله فى أجلى ، فسوف أكتب عنها رواية أسميها هكذا : سيرة أمينة مرشد ،كنت أفكر بعد رحيلها طوال الوقت ، أن أكتب عنها ، وأحكى قصة موتها كما لم تحكى القصص من قبل ، كنت أعيش اللحظة أينما كنت أو وليت وجهى ، وكان التحدى الذى يواجهنى ليس أن أكتب هذه القصة ، ولكن كيف ؟ كنت أريدها أجمل وأعظم ما كتب أو سوف يكتب عن الام ، فى أحد الايام كنت أتجول فى أحد الحقول المزروعة فى بولاق الدكرورقبل أن تداهمها العشوائيات ، فقد كانت قطعة من الريف داخل القاهرة ،وبينما أنا سارح فى البرية فوجئت بنفسى أردد مفتتح القصة التى لم أكتبها بعد حتى حفظته ، كان يقول : الى أمى الراقدة فى حضن أمها الارض ،مبتسمة كما يبتسم طفل ليس به ألم ، مستغرقة فى سنة من النوم ، يداها على صدرها الهادىء تنامان فى دعة وسكون . كان هذا المفتتح هوبداية ثلاثية موت أمى التى ظهرت ضمن مجموعة حكايات الديب رماح ، وفى كتاب التوهمات كانت هى البداية المناسبة للكتاب ، أدركت أن حقبة كاملة كانت قد ولت والى الابد ،وأن هذا الجيل كله يوشك أن يستسلم لموته مع من مات : نورالذى يريد أن يصبح وليا دون جدوى ، أم حفنى التى أضحت أسطورة موتها المتكرر تروى جيلا بعد جيل ، حفنى الذى ناضل نضالا معجزا مع مرضه ، محمد عبدون الذى ترك بصماته على جسد صفاء ومضى ،وحتى أمى التى كانت فى وقت من الاوقات جزءا من هذه الاحداث ،أما من بقى منهم ، فقد دخل القرن الجديد بلا هوية ،محاسن توحدت بعنوستها وبدأ ماء الحياة يجف فى بدنها فتزوى بلا أمل فى النجاة من مصيرها المحتوم ، صفاء التى رفضت حياة الشرمطة فتزوجت نصر ابن صديقة ، وصديقة التى أحست أن زواج أبنها الكبير من لبوة كما كانت تحب أن تطلق عليها مصيبة وحطت على رأسها ، أما بديعة ، فقد دخلت فى شرنقتها الخاصة وتوحدت مع نفسها ، لم أعد أراها ، لكنى كنت أسمع عن أحلامها وهلاوسها المتعلقة بنوروأصراره على اقامة ضريح له بأية طريقة ، وفى تلك المرحلة ، كان اهتمامى بالموروث الشعبى قد وصل لحد الهوس المبالغ فيه بعض الشىء ، كنت أحاول فهم كيف يفكر الناس البسطاء ودراسة معتقداتهم الشعبية ، وهو ماقادنى لدراسة ظاهرة الاولياء فى مصر ، أو كما أسماهم محمد فهمى عبد اللطيف دولة الدراويش فى مصر، وهى ظاهرة استغرقتنى طوال الصيف كله ، فمصر هى أكبر بلد فى العالم بها هذا الحشد الهائل من الاولياء ،ساعدنى كثيرا كتاب الدكتور محمد الجوهرى المسمى علم الفولكلوروخاصة جزئه الثانى الخاص بدراسة المعتقدات ، أما الكتب التى تعرض تجليات الظاهرة كتراجم لحياة هؤ لاء الأولياء فهى كثيرة أذكرمنها : حلية الاولياء لأبى نعيم ،جامع كرامات الاولياء للنبهانى ، نزهة العيون النواظر وتحفة القلوب الحواضر لعفيف الدين أبى السعادات ،عمدة التحقيق فى بشائر آل الصدّيق للشيخ ابراهيم العبيدى ، الابريز فى مناقب سيدى عبد العزيز، اللمع للطوسى .ثم كتب المتصوفة أنفسهم مثل أخبار الحلاج وطواسينه ، مجموعة مصنفات شيخ اشراق للسهروردى المقتول ، وابن عطاء الله السكندرى ، المكنون فى مناقب ذى النون للسيوطى ، منطق الطير لفريد الدين العطار ثم مجموعة القصص الشعبى التى تتغنى بحياة وكرامات هؤلأ الاولياء مثل : قصة سيدى أحمد البدوى ، أيضا قصته مع فاطمة بنت برّى ،قصة الاميرة خضرة الشريفة وما جرى لها فى بلاد النصارى وكرامة السيد البدوى حين أتى بها ، قصة سيدى أبراهيم الدسوقى وما جرى له من العجائب والغرائب والكرامات نظم ولى الله المجذوب الشيخ طاهر بن يعقوب . كما أن له قصة أخلرى بعنوان سيدى ابراهيم الدسوقى وما جرى له مع العلماء .ومن خلال كل هذه الكتب يمكننى أستخلاص قائمة بأشهر الكرامات التى يقوم بها الاولياء : احياء الموتى ، تجفيف البحر والمشى على الماء ، القدرة على تحويل الاشياء الى صورة أخرى ، طى المسافات ، الطيران فى كل الاوقات ، مخاطبة الحيوانات والاشجار والجماد وكل عنصر الطبيعة ، شفاء جميع الامراض ، التواجد فى أكثر من مكان فى وقت واحد ، توقيف الوقت ، التنبؤ بالغيب ، القدرة على تحويل شكله فى الهيئة التى يختارها . سحرتنى وبهرتنى تلك المقدرة غير المحدودة التى يتمتع بها هؤ لاء الرجال المؤيدون بعناية الله ، وما يأتون به من عجائبية وسحرية ، تراث هائل مترع بالغرائبية ، اليست هذه واقعية سحرية؟ 7 فى أحد صباحات بولاق الدكرور المبكرة ، فوجىء الناس بنشاط غير عادى يحدث ، مكان السوق فى شارع ترعة زنين تم تنظيفه وطرد الباعة القائمين به ، وتم رصف الطريق الرئيسى فى زمن قياسى ، كما زرعت الاشجار على جانبى الطريق ووضعت أصص الزهور ونباتات الزينة ، قيل أن الموكب الرئاسى سوف يمر من هذا المكان فى طريقه الى أفتتاح مصنعا للأدوية تابعا للقوات المسلحة ، وقيل أن هذا الطريق سوف يكون معبرا لطريق مصر الاسكندرية الصحراوى أختصارا للمسافة ، لكن الحقيقة التى عرفت بعد ذلك أنه تقرر أقامة ضريح لولى الله الشيخ نور الدين فى هذا المكان . كيف حدث ذلك ؟ لا أحد يعلم ، فقط بديعة كانت تعلم ماحدث وما سوف يحدث ، أبتسمت وأشارت بيدها معلقة : بلطجى فى حياته وفى مماته ويعملها . كان الاهتمام على أعلى المستويات ، من و زير الاوقاف الى مشيخة الازهر الى المحافظ فرئاسة الحى، المشكلة التى واجهت الجميع هى عدم وجود مكان يصلح لاقامة مثل هذا المشروع الذى أراد له الجميع ، ولأسباب سياسية ، أن يكون ضخما ودعائيا ، ولم يكن هناك أصلح من جنينة باسيلى مكانا للمشروع . • جنينة باسيلى * اذا قسمنا بولاق الدكرور كلها الى ثلاثة أقسام رئيسية حسب الخريطة الجوية التى اعتمدها الفرنسيون ، فأن جميع المنطقة وما يقع فى زمامها تندرج تحت ما يسمى بمشيخة بولاق الدكرور، وهى ذات شوا رع رئيسية ثلاث : أول هذه الشوارع وأقدمها هو شارع همفرس ، بناه الخواجا همفرس مهندس الرى فى عهد الملك فاروق ، وبنى فى نهايته جنينة شهيرة والتى سميت بأسمه ، وفى الجنينة بنى قصرا سمى بقصر الملذات كان الملك يزوره متخفيا كى يحظى بأفتراع العذارى اللاتى كان يجلبهن من شتى أنحاء المعمورة معّرسه الاشهر أنطوان بوللى ، ظل القصر والجنينة قائمين مكانهما بعد قيام الثورة الى أن قدمت الى الدنيا فقدر لى رؤيتهما من الداخل ، وتلك حكاية تروى بأختصار ، ذات مرة كان أبى البناء يبنى سورا فى منطقة النزهة والتى تقع فى زمام جنينة همفرس ، وكعادته كان يأخذنى معه فى المسامحة أى الاجازة المدرسية كى أتعلم الصنعة لأنفع نفسى مثل جميع أخوتى ، لكنى كنت أفضل اللعب على أى شىء آخر ، والموضع الذى كان أبى يبنى فيه يقابله أحد أجزاء سور الجنينة ، كان متهدما ووضع بدلا منه سور من السلك الشائك ، كنت أسهّى أبى وأعمل بيدى فى هذا السور حتى نجحت فى فتح ثغرة تكفى لمرور جسدى الضئيل منها ، وتسللت الى داخل الجنينة فى غفلة من الحراس والكلاب وحتى الجن والعفاريت التى أعلم علم اليقين أن الجنينة مسكونة بهم ، ورأيت أمامى فاكهة الحلم ، فكثيرا ما كنت أحلم بثمرة مانجة بطول بيتنا وعرضه ، أجلس فوقها وأدلدل ساقىّ ومعى سكين أقطع بها لحم المانجة وآكل ولا تنتهى ، أو أصابع موز الواحد منها طولى ، رأيت فاكهة من نوع آخر ، ليست كتلك التى تشتريها أمى من المرأة العجوز التى تجلس على ناصية حارتنا ، ولأننى كنت خائفا جدا ومرعوبا ، فقد أمتدت يدى الى أقرب الثمار الىّ وأخذت أقطف من على الشجرة وأعبىء جيوبى وعبى ، كانت ثمار كوكا غير ناضجة ، ومضيت بسرعة مغادرا الجنينة على أمل الرجوع اليها مرة أخرى، لكن هذا ما لم يحدث على الاطلاق . شارع همفرس يقع فى المنتصف تماما من بولاق الدكرور، وهو يمتد طوليا من أول شارع السودان حتى طابق الديابة ليتقاطع مع شارع ترعة زنين الذى يلف بولاق من الناحية الجنوبيةحتى يصل الى شارع التحرير ، أمتداده الطبيعى يفصلهما كوبرى يسمى كوبرى الخشب ، وهوثانى الشوارع الثلاث ، أما الثالث فهو شارع ناهيا والذى يمتد من شارع السودان وجامعة الدول العربية حتى قرية ناهيا وكرداسة ويلف بولاق من الناحية الشمالية ، تقع جنينة باسيلى فى الناحية الجنوبية من أول شارع ترعة زنين ، من هو باسيلى ؟ ومن أين جاء ؟ لا أحد يعلم ،قيل أنه الجندى الوحيد الذى نجا من مذبحة القلعة ، وأنه هرب الى احراش بولاق ليختبىءفى الزراعة ، وبعد موت محمد على أبتنى لنفسه قصرا والحق به جنينة وأحاطهما بسور عال لا يكشف ما خلفه ، وقيل أنه تزوج من بولاق بأربعة فتيات أبكار أفترعهن فى ليلة واحدة ، وأن زوجاته ما كن يحبلن الأ توائم فكن ينجبن فى البطن الواحدة ثمانية أطفال ، قيل أن عدد أبنائه تجاوز المائة ،وقيل أن جائحة الكوليرا حصدتهم جميعا وبقى القصر والجنينة مهجوران يسمع فيهما عزيف الجن والعفاريت حتى تسلمتهما وزارة الاوقاف بعد الثورة . وفى رواية أخرى أن باسيلى باشا الكبير التركى الاصل ، كان متزوجا بأمرأة حلبية لم يخلق الله أجمل منها ، كانت تصغره بعشر سنوات ، كان يعشق التراب تحت قدميها ويغير عليها من الهواء الطائر ، وحدث أن كان لهذه المرأة أخا من الأم ترك بلده وحاله ومحتاله وجاء للأقامة مع أخته ، كان يعشقها ولا يصبر على فراقها ، وكانت هى أيضا كذلك ، فقد نشئا معا وتمكنت المحبة فى قلب كل منهما ، وكان باسيلى باشا لا يجد غضاضة من ان يعيش هذا الشاب مع أخته، على الرغم من أتيانهما أفعالا لا تحدث بين الاخ وأخته كأن يقبلها فى فمها أو يتحسس جسدها أو ينظر اليها نظرة رجل لأمرأة ، ولسلامة نيته كان يستبعد حدوث الفاحشة بينهما ، وفى أحد المرات كان مسافرا الى الشام لعمل يتغيب فيه بضعة أيام ، وفى منتصف الطريق تذكر أنه نسى أوراقا هامة لابد من وجودها معه لأتمام عمله فرجع للأتيان بها ، ودخل قصره وأتجه الى حجرة مكتبه ، وكانت حجرة نومة مجاورة لها فسمع أصواتا وأنينا مكتوما آتيا من حجرة نومه ، فتسحب شاهرا مسدسه ودفع الباب فوجد زوجته فى حضن أخيها على فراشه عاريين ، فما كان منه الا أن أفرغ رصاص مسدسه فى قلبيهما فماتا فى التو واللحظة . وحدث بعد ذلك أن الناس كانوا يسمعون صراخا وهلوسة طوال الليل آتية من ناحية القصر، فقيل أن شبح المرأة وأخيها القتيلين كانا يظهران للرجل كل يوم ويفعلا أمامه ما كانا يفعلانه فى حياتهما ، فكان يصرخ كلما رأى ذلك حتى أنخبل عقله وصار مجنونا الى أن مات ، وبقى القصر مهجوراحتى وضعت وزارة الاوقاف يدها عليه . * المقام * المهندس الذى وقع الاختيار عليه لأقامة البناء أختير على الفرّازة ، كان الاول فى مسابقة حضرها الف ومائتي متسابق ، قدم ماكيت بالبناء كاملا ، شرح فيه التكلفة والادوات والخامات المستخدمة ، قال أنه أطلع على جامع الملك الحسن الثانى بالدار البيضاء ، تحفة معمارية حديثة ، وعلى مقام الامام البخارى بسمرقند ، أيضا قبر الامير تيمور لنك ، ومسجد آياصوفيا بأسطنبول ، وعلى الجامع الاموى بدمشق ، قال أنه سوف يبنى المسجد الجامع وبين عينيه هذه النماذج الرائدة ،قال أنه سيختار من كل نموذج أفضل ما فيه ،ويضيف عليه أفضل ما عنده ، سوف أترك المهندس يتم بنائه على راحته، والى أن يتمه سأحدثكم عن أغرب ما يمكن أن يحدث لأنسان ، تزييف تاريخه ، نعم ، فقد تمت أغرب عملية تزييف لتاريخ أنسان على مرأى ومسمع من الجميع ، بل أن الجميع شاركوا بشكل أو بأخر فى هذه العملية ، أنا وأنتم نعلم تاريخ نور وأصله وفصله من منشأه حتى وفاته حتى أنه أعترف بلسانه فى الورقات التى تركها بأنه ( حرامى وعاصى وكداب ) لكن ا السيد نور الدين أصبح بين يوم وليلة هو قطب الاقطاب وعمدة العمد والأنجاب ، صاحب الارشاد والجود ، وقطب دائرة الشهود أبو الكرامات السيد نور الدين الدكرورى – نسبة الى بولاق الدكرور التى نشأ بها – أبن السيد عبد الرحمن أبن السيد على قريش بن السيد محمد الشهير بأبى النجا ر بن السيد زين العابدين بن السيد عبد الخالق بن السيد محمد الشهير بأبى العينين بن السيد أبى الطيب بن السيد محمد الكاتم بن السيد محمد عبد الجواد بن السيد موسى الكاظم بن السيد جعفر الصادق بن السيد محمد الباقر بن السيد على الزاهر بن السيد على زين العابدين بن الامام السيد الحسين بن الامام على بن أبى طالب كرم الله وجهه بن السيدةفاطمة الزهراء رضى الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهى الورقة التى علقت فيما بعد فوق ضريحه تعريفا بنسبه الشريف ، كذلك فقد أصبح صاحب الالقاب الشهيرة : العارف بالله ، الصامت ، الباكى ، قاضى المظالم ،حامى حمى بولاق ، ولى الله ، كعبة الزوار، دليل الحيران ، وندهة المنضام ، أبو الرايات . الاغرب من كل ذلك ، فأن نتفا وعناصر من القصص الشعبى الذى يدور حول مولده الشريف وكراماته بدأت تتجمع لتكون ما يشبه السيرة الشعبية ، وقد وقع بيدى نصان يتحدثان عن سيرة نور الدين أحدهما شعرى والآخر نثرى ، النص الشعرى بعنوان : نزهة المشتاقين فى قصة سيدى نور الدين ، والآخر النثرى بعنوان :قصة سيدى نور الدين الدكرورى ، البحر العجاج المتلاطم بالامواج دليل الحيران سيدى نور الدين الدكرورى ، وهى تشتمل على ولادته الشريفة وما أظهر فيها من الكرامات الباهرة ، بالتمام والكمال والحمد لله على كل حال . النصان الشعرى والنثرى ليس بينهما اختلافا كبيرا ، بل أنهما يكادا يتطابقان ، والرواية الشعبية لكل منهما تتجاوز الالف صفحة ، لذلك فهى تعد من أكبر سير الاولياء، على أننى سوف الخص الخطوط العريضة للنص النثرى حيث يقول أن أمه وقت مولده كانت فى الستين من عمرها ، وقد أظهر بعض كراماته قبل أن يولد بزمن ، أذ ظهر لامه فى صورة صقر وحماها من الاغتصاب وهى فتاة قبل أن تتزوج ، وكان مولده فى شهر رمضان ، ولم يكن يرضع الا بعد آذان المغرب ، وقد عرف هذه الحكاية أهل المنطقة ، فكانوا أذا شق عليهم معرفة وقت آذان المغرب يلجأون الى أمه وينتظرون حتى يبدأ الطفل الوليد فى الرضاعة ، وبعد أن كبر قليلا كانت الارواح تحرسه فى غدوه ورواحه وأينما توجه ، وحدث له وهو فى السابعة عشرة من عمره أن تحدث مع ثور _ فقد أوتى القدرة على مخاطبة الحيوانات _ وعلم من الثور أنه ليس عاديا كسائر الناس ، فجرى الى البيت وهو شديد الاضطراب والخوف ، وشاهد فى تلك اللحظة جبل عرفات والحجاج يقفون عليه . فى الثامنة عشرة من عمره رحل من مسقط رأسه بولاق الدكرور سواحا فى بلاد الله ، وقبل رحيله وعد أمه أنه لن يكذب أبدا مهما حصل ، وقصد الى بغداد ، وفى الطريق تعرضت العربة التى يستقلها الى بعض قطاع الطرق ، وأخبر نور الدين رئيس العصابة أن معه نقودا كثيرة مخبأة فى ملابسه ، وكان من أثر هذا الصدق أن ندم رئيس العصابة ومن معه وتابوا على يديه، عاش نور الدين حياته متصوفا زاهدا متعبدا ، لم يكن يشرب الماء أبدا – وهى أحدى كراماته – ولم يأكل لحم الطير أو الحيوانات ، وقبل موته بوقت قصير عينه الخضر عليه السلام قطبا ، أما حكايته مع العلماء فمعروفة ، ذلك أن بعض زملائه من العلماء حسدوه على المكانة الرفيعة التى وصل اليها فأرادوا أمتحانه ، لكنهم ما أن ظهروا أمامه حتى شلت السنتهم وعجزوا عن الكلام . لكن نور الدين أظهر كرامة أخرى فى نفس الوقت ، أذ أستطاع أن يقرأ أفكارهم ويعرف الاسئلة التى كانوا ينوون توجيهها اليه ، علاوة على ذلك فقد أجاب عليها جميعا فبهت القوم . ومن كراماته أن الاشياء كانت تتحول فى يده ، ومن ذلك أن أحدهم أهداه ذات مرة تفاحة فنظر اليها فتحولت فى يده الى عفن ودم ، ومرة أخرى تحول الذهب فى يده الى دم عندما ضغط عليه بشدة ، ومما يروى فى السيرة أنه لم ينم الليل أبدا وأنه كى لا ينام كان يقف طوال الليل على رجل واحدة ، وكان يشكل جسمه كيفما شاء فيطول ويقصر ويختفى وهو بين الناس فلا يراه أحد ، كما كان يطير الى الكعبة أثناء الليل ، حيث يصلى ويطوف ثم يعود فى نفس اللحظة ، كما أنه أظهر كرامة التواجد فى أكثر من مكان فى نفس الوقت . تنتهى سيرة ولى الله الشيخ نور الدين عند وفاته فتقول أنه لقى ربه فى ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك ، وأن الملائكة نزلت فى ليلة القدر الى السماء الدنيا لتزفه الى بارئه . * * * قرأت مرة لأحد الباحثين أن أولياء الله الصالحين فى مصر ، ماهم الا آلهة مصر القديمة ، وأن المصريين أحفاد الفراعنة مازالوا يمارسون طقوسهم الفرعونية تجاه الآلهة القديمة المتمثلة فى أضرحة الاولياء ومقاماتهم ، وقال آخر أن الكثرة الهائلة من أضرحة لأولياء ينتشرون فى كل شبر على أرض مصر ، هى أشارة الى جسد أوزوريس الذى تفرق أشلاء فى كل الربوع ، وأيا كان هذا الكلام صحيحا أم خطأ ، فأن للمصريين طريقتهم الخاصة فى الحياة وأستيعابهم للوافد والجديد والتعامل معه ، وهو ما جعلهم يستمرون كأقدم شعوب الارض حضارة وتاريخ ، وقال أبى نقلا عن غيره : لو أستعقدتم – يقصد أعتقدتم – فى حجر لأفاد ،وروى حكاية تدلل على صحة كلامه فقال : أصيب رجلا بمرض لا شفاء منه ، وظل يتألم مدة من الزمن ، وفى أحد الايام ، وبينما كان مسافرا ، مرّ على مكان قفر ، فوجد رجلا جالسا مقرفصا يقضى حاجة ، فوقف بعيدا عنه بحيث لا يراه ، فلما أنتهى الرجل من قضاء حاجته ، أستبرأ بقطعة حجرثم طوح بها بعيدا ، فقال الرجل المريض أن قطعة الحجر هذه فيها شفائى ، وجرى على قطعة الحجر وامسك بها ووضعها على مكان الالم فزال مرضه فى الحال . وهى أشارة واضحة لصحة الاعتقاد ، حتى ولو كان هذا الاعتقاد فى حجر ، فما بالك بالاولياء ؟ لم أجد أشارة واحدة فى سيرة نور الدين عن زوجته بديعة ، وربما كان هذا مثيرا للدهشة ، فقد كانت هى أول من أكتشف ولايته ، وهى أول من صدقه ، كما أنها ظلت طوال سنوات طويلة تلح على المسئولين وكل ذى شأن من أجل أقامة ضريح له ، فكيف حدث ذلك ! لست أدرى ،وفى تصورى أن هذه المرأة بأيمانها بزوجها ، وكل هذا الصبر والتحمل ، ودعوتها لزوجها ، وتجاهل الآخرين لها وأتهامهم أياها بالخرف ، كل هذا أدعى لأن تكون أحق بالولاية من زوجها ، وقد عاشت حتى رأت بعينيها وضع حجر الاساس للجامع والمقام ، وكانت آخر كلماتها : لا تدفنونى بعيدا عن شيخى نور الدين . * * * 8 عاشت بولاق الدكرور أزهى عصورها فى كنف الجامع الكبير بمقامه الفاخر وأضواءه المتلألئة التى أضفت على المكان أنواراوفيوضات ، كان الجامع الذى أكتمل بنائة قد أصبح تحفة معمارية تحققت فيها الاصالة والمعاصرة بأفضل تجلياتها ، فالسور الخارجى المفضى الى الجنينة لفه سياج من الاشجار المتماثلة فى الحجم والطول والكثافةأخذت أشكالا هندسية مختلفة ، والجنينة الامامية بنباتاتها العطرية الكثيفة وأزهارها الملونة وشذى رحيقها المسكركانت جنة للأبصار، والتى تتوسطها نافورة مياه على هيئة سباع تخرج من أفواهها مياه تصب فى فسقية أمامها ،ثلاث سلالم رخامية معشقة بألوان الفسيفساء تفضى الى بهو أعمدة الجامع الشاسع المسافات ، السقف ذى القباب الثلاث شاهقة الارتفاع بزجاجها المعشق بالوانه المبهجة لحظة سطوع الشمس وأنعكاسها بالوان الطيف ، الاعمدة الرخامية السامقة التى تحمل القباب ، ثلاث مآذن سامقة شاهقة الارتفاع لا يرى نهايتها المتماهية فى السحاب ، بنيت على غرار مآذن العصر الفاطمى ، المنبر المعمول من خشب الابنوس المطعم بالصدف والعاج على هيئة أرابيسك دقيق الصنعة ، ثم القبلة ذات النقوش البديعة والخطوط الهندسية وتماهيها مع الفراغ فى صراع مع الكتلة ، وعلى الجانب الايمن من الباب الرئيسى للجامع ، الحجرة التى بها الضريح المحاط بسياج من النحاس الاصفر المنقوش فوقه اسماء الله الحسنى ، وعلى الجدران كتب بالخط الكوفى أسماء آل بيت النبوة والحضرة الزكية ثم نسب صاحب الضريح وشجرته العترة ، أرض حجرة الضريح صنعت من زجاج سميك شفاف ، والماء يجرى من تحته ، والضريح رابض فوق الماء وفوقه قبة وعمامة الشيخ الخضراء وسبحة وعباءة وشعرة من ذقنه وضعوا فى طاقة للتبرك، الحجرة تسبح فى نور سماوى يميل الى الاخضرار لا يعرف من أين يأتى ، المهندس الذى بنى الجامع والضريح أراد أن يشيد ما لم يشيد من قبل ، وحين أقترح على المسئولين ما ينتوى فعله أعتبروه مجنونا ، كان الطلب غريبا ، أن يحول مجرى النيل ليمر من تحت الضريح ، حتى المحافظ هز رأسه وكتفيه فى أسف : هذا الطلب فوق مستوى قدراتى وسلطاتى ، يحتاج موافقة أعلى سلطة سياسية فى البلد . الغريب أن طلب المهندس نفذ وبأسرع مما تخيل الجميع ، كيف حدث ذلك ؟ لا أحد يعرف ، وتم تحويل مجرى نهر النيل للمرة الثانية فى تاريخ البلاد وعدت من كرامات الولى . الشوارع والحوارى والازقة التى تفضى وتلتف حول الجامع والضريح تم تنظيفها ورصفها وتشجيرها والعشوائيات أزيلت وحلت محلها دكاكين لبيع الحلوى والمأكولات السريعة والهدايا التذكارية ، وخيم شعور بالطمأنينة على الناس فى بولاق الدكرور ، ورموا حمولهم وأوجاعهم ومتاعبهم على ولى الله الشيخ نور الدين الدكرورى ، الذى ما أن يذكر أسمه حتى يقرن بشى الله ياسيدى ، وسره الباتع ملأ البيوت والقلوب غبطة . 9 ودائما ما تتحكم العادة فى الناس ، وأصبحت العادة هى أقامة مولدا للشيخ فى العشر الأواخر من شهررمضان ،تتجلى فيه الانوار القدسية على الناس والدور والآزقة والحوارى فيطعم الهاجع والناجع والنائم على الطوى ، ويجىء أصحاب الطرق الصوفية ، كل شيخ وله طريقته وأعلامه وبيارقه وأناشيده وكراماته ، وتمر الأيام ، وما كثرة مرورها ودورانها ، ويصبح للشيخ طريقة تعرف بالطريقة الدكرورية ، وتقام لها زاوية بالقرب من الجامع ، ويدخلها أتباع لا حصر لهم ، وحلت بركته على الجميع بما فيهم أهل بيته ، بديعة تم نقل رفاتها لتدفن بالقرب منه ، وقبل أن يمر وقت كثير يحدث معها مثل ما حدث مع زوجها ويتم تعميدها ولية وشهيدة عشق زوجها الولى الصالح ، وينسب الناس لها الكرامات وشجرة نسب تنتمى للعترة المحمدية ، ومع مرور الزمن ينسى الناس كعادتهم كل ما هو حقيقى وأرضى ليتعلقوا بالاساطير، وفى أوقات الشدة والملمات تترائى بديعة للناس على هيئة قرص من النور المضىء فوق أحدى مآذن الجامع الكبير ، فتنفرج كرباتهم برؤية الكرامة ، هكذا جرى العرف ، فآفة البشر النسيان ، وأبنتها فتحية التى أقتربت من الستين ذهبت الى الحج وعادت لتقيم طوال الوقت بجانب أبيها وأمها مرتدية جلابية بيضاء والمسبحة لا تغادر أصابعها وقد أنحفرت فوق جبينها علامة داكنة من أثر السجود ، أمارمضان زوجها ففوض أمره الى الله معتبرا زوجته ماتت فعكف على تربية عياله بهمة لا تعرف الكلل ،محاسن أصابها الخرف بعد أن تخطت الثمانين فأخذت تهذى فى آخر أيامها وتنادى على كل الميتين حتى لحقت بهم، ولم تمرسنة حتى لحقت صديقة بأختها من أثر أصابتها بداء السل ، أمانصر وصفاء فعاشا عمرا مديدا أنجبا خلاله أربعة أولاد وثلاث بنات ، وكانت له مثال الزوجة الصالحة حتى أتاهم هادم اللذات ، ومفرق الجماعات ، فسبحان الحى الذى لا يموت ، صاحب الملك والملكوت . خيرى عبد الجواد بولاق الدكرور فى 9رمضان 1424 3نوفمبر 2003 17رمضان 1425 3نوفمبر 2004 صدر للكاتب *** • قصص * 1 – حكايات الديب رماح طبعة أولى – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987 طبعة ثانية – مركز الحضارة العربية 1995 2 – حرب أطاليا طبعة أولى - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1988 طبعة ثانية – مركز الحضارة العربية 1998 3 – حرب بلاد نمنم طبعة أولى – مركز الحضارة العربية 1997 4 – قرن غزال طبعة أولى دار سندباد 2002 طبعة ثانية - الهيئة المصرية العامة للكتاب ( مكتبة الأسرة ) 2004 • رويات * 5 – كتاب التوهمات طبعة أولى - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992 6 – العاشق والمعشوق طبعة أولى – دار شرقيات 1995 طبعة ثانية - الهيئة المصرية العامة للكتاب ( مكتبة الأسرة 1996 طبعة ثالثة – مركز الحضارة العربية 1998 ترجمت إلى الفرنسية لدار النشر جاليمار 1998 قررت على طلبة كلية دراسات عربية فرع الفيوم – الفصل الدراسى 96 / 1997 7 مسالك الأحبة طبعة أولى – مركز الحضارة العربية 1997 قررت على طلبة السنة الرابعة – كلية التربية الفنية – الفصل الدراسى 1998/1999 8 – الجنى طبعة أولى - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1999 9 – يومية هروب جزء أول – طبعة أولى مركز الحضارة العربية 1999 طبعة ثانية – دار الانتشار العربى – بيروت 2000 • كتب أخرى * 10 – سيرة على الزيبق – مقدمة ودراسة للنص الأصلى - الهيئة المصرية العامة للكتاب 2003 11 – طقاطيق الست توحيدة – دراسة ونصوص – قيد النشر 12 – القصص الشعبى الدينى فى مصر – دراسة ومختارات – قيد النشر 13 – سيرة أبى على ابن سينا – دراسة مع النص الأصلى – قيد النشر 14 – شق القمر – رواية – قيد النشر 2