محمد الأصفر مـلـح رواية رمى بقنابله الباخرة الراسية في ميناء بنغازي وما بقربها من ضوء أو ومض.. وأثناء انعطافه مرتفعاً أصابت الدفاعات الجوية ذيل طائرته.. بحركة غريزية ضغط على الزر فارتفع الكرسي به عالياً وهوت الطائرة متفتتة إلى البحر. يفكر الحكام الآن أن يزوّدوا كراسيهم بزر الإنقاذ الذي يرفع إلى السماء قبل الهلاك بلحظة.. لكن مازالوا مترددين فلا أمان في السماء.. وهناك أبحاث تـُجرَى لصناعة أزرار عند ضغطها في لحظة الخطر ترفعهم وترفع معهم مائدة كبيرة عبارة عن قصر صغير بحُرّاسه وإعلامه وبنكه وسلاحه ووقوده وزاده ونخبة مختارة من شعبه الصغير أو الكبير الخانع.. يعيش بها الحاكم هناك فوق السحاب.. وكل واحد من هذا الشعب تكون معه مظلة لحماية القصر وحاشيته وصاحبه من مطر الله.. لكن عندما نكون فوق السحاب هل هناك ثمة سحاب أعلى ومطر أعلى؟! أجبْ أيها الخانع الجميل.. حسناً.. اسمعني.. الأمطار دائما تمتزج في بعضها ولن تجد ماء أعلى من ماء.. أعتقد أنه لا ماء فوق السحاب.. والسحاب هو بَول الماء غير المرئي.. الماء يشرب كثيراً لذلك هو ماء.. والهاربون الآن بقصورهم وقلاعهم وثكناتهم إلى أعلى.. عليهم أن يطمئنوا و يظلوا هناك بجفافهم وهيبتهم وقوتهم ولا خوف من الماء غاسل الناس ومغرقهم وراويهم وملهّبهم وجالدهم وهو في السماء.. الماء في الأرض يفعل كل شيء بينما النار لا تفعل إلا شيئاً واحداً وهو حرق نفسها ومن يلامسها حتى سهواً.. والماء في السماء لا يفعل شيئاً سوى الهطول إلى أسفل.. والأسفل تركه القادرون من لصوص ومرابين وساسة وغيرهم وتسلقوا زحفاً. الطيار يتعالى على براق نجاته.. الرياح دفعته بعيداً عن مرمى الدفاعات.. من هول الصدمة كان شبه مغمى عليه.. جسد يتأرجح من مظلة نفخ روحها الهواء.. مظلة حيّة فضفاضة.. سرّتها نسيم عتيق.. المظلة تتهادى في الأفق زارعةً قصائد انزياحها بعيداً عن الاحتراق.. قماشها آسيوي عَطِر مبخر.. حاكه راهب بوذي.. بعد عودته من رحلة حجة الفجر.. خيوطها متينة صديقة للرياح والعواصف.. مظلة قماش تمقت النار والدم.. تطير بالإنسان عالياً نحو السلام.. لكن كيف سمحت له برمي القنابل إلى الأسفل؟! تلك قصة أخرى.. لقد كانت المظلة سجينة تحت كرسي الطيار.. والانفجار أتى لها بالحرية.. فلم تلتهم وجبة الهواء النقية وحدها ورفعت معها في أنامل خيوطها الناعمة كل ما تعلق بها من حياة.. الحياة شيء قابل للتعليق في أي وقت.. الحياة معلوقة حب في عنق نبض يضحك.. التعليق من التلابيب أو من الأطراف.. حسب الظروف والرغبة.. هما الآن بين السماء والأرض.. لا مجال ها هنا للمحاسبة والعتاب.. عليهما أن يهبطا إلى واحة سلام وحب.. إلى سفح اطمئنان وسكون ونجاة من النار والسجن.. إلى ملح شافٍ للوجف والرجف والارتعاش.. لماذا الهبوط جنة والأسفل راحة والتراب نعمة نسفها كما نسف الكزبرة المطحونة المخلوطة بالسكر؟! الهواء رغم الدخان والنار يغني.. كائنات نسيمه ترقص.. أطفال طراوته تلعب مع الفقاعات المرسلة من أزهار التراب.. الدخان المتصاعد من أسفل تتم معالجته سريعاً عبر مصافي الرياح الضخمة.. وتحويل كربونه وسمومه الخانقة إلى رصاص كتابة ورسم.. وفحم وقود.. وشموع إضاءة تنتج الضوء الأكحل.. الشمس تساعد الهواء.. تفني النفايات بنارها ونورها.. المظلة تتأرجح وتسمع ما يتحدث به الهواء وتترك نفسها له.. يحملها إلى الأمان.. الهواء كما الملح أدرى بهذه البلاد.. فهو الداخل إلى أنوفها.. الخارج منها.. المشعل نارها.. المطفئها.. المنظفها من القاذورات.. المطبب رئاتها المعطوبة بترياق الندى. هنا في بنغازي أثناء الحرب.. احتلال المدينة متداول بين الدول الأجنبية المتحاربة.. السكان والمؤسسات الدينية وغيرها تداول الولاء.. تصفق للمنتصر.. تتنكر للمهزوم.. من ينسحب منها تنساه.. من يفتح أبوابها ويدخلها تنقش اسمه على حجر الملح.. من يحترمها ويتواضع ويتبسط أمامها تجعله روحها.. من يتغطرس عليها ويتكبر تتجاوزه وتتجاهله.. تهمس في أذنه: "مارينا غير عظيماتك على الكسكسو". آه من بنغازي مجنونة السباخ.. آه من التاريخ آه آه.. والانحياز للمنتصر في الحرب غير المشتركة فيها هو وبكل موضوعية أمر مفروض عليها.. فالمنتصر دائماً يفرض شروطه ويشكل ظروفه بالحديد والنار وبهذا الموقف سأعتبرها واقفة على الحياد.. الفائز سنقف معه ولنعتبر أنفسنا في هذه الحرب متفرجين ليس إلا.. رغم كل ما نلاقيه من دمار وموت وتفتيت لملح بنيتـنا الأزلية.. النار تحرق ما يصلها.. لا تقرأ جنسه أو لونه أو طائفته أو دينه.. النار تحتاج إلى وقود.. وقود النار هو أي شيء.. حتى الماء تستطيع أن تحرقه وتلتهم حطب بخاره.. حرق المياه من أبشع الجرائم التي ترتكبها النار في حق الحياة.. الدخان يمكننا قتله وكتمه.. البخار يتحول دائماً إلى مطر.. المطر القادم من النار يثقب مظلتنا ويغرقنا.. ولا قارب ولا طوف يبحر في ماء النار.. كل شيء يذوب.. ينصهر.. يسيل كالهُلام.. يكبر الألم المُذاب.. يتحدّب.. يُرَى كقمة من دم.. ينفجر مراراً ولا يتوقف أبداً. الهواء يدفع المظلة إلى حيث الأمان.. يسمع كلام بشر يبتعد عنه.. موسيقى شجية يقترب منها.. لكن عندما يصاحبها غناء من حنجرة بشرية خمّنوا ماذا يفعل هذا الحُر؟! لقد ابتعد.. الجاذبية تجذب.. السماء تقاوم.. الموسيقى ترحب بطالبي اللجوء والنجدة واللذة.. الموسيقى تمنح الأمان للأذن.. توشوش الأذن بسكر الصوت.. ترتخي بقية عضلات هذا المُر.. تسترخي بارتخاء ناعم وتمنح ثقتها فوراً.. فلا تتصلب أو تقاوم نداء الموسيقى البهيج.. الثقة في الموسيقى أشف أنواع الثقة.. شفافية واثقة من نقائها.. الموسيقى كما تقول المقولة الجاهزة المتفق عليها لدى بني البشر وبني الجماد.. هي غذاء الروح. لم تبتعد المظلة عن الميناء.. بحثت عن أقرب نقطة آمنة.. لم تهبط فوق مئذنة مسجد أو قبة مُصلى أو زاوية صوفية.. هذه المعالم الإسلامية معرضة ومغرية للقصف.. المتحاربون نصارى وأكثرهم أجلاف غير نبلاء.. مازالت لديهم عقدة الحروب الصليبية ولذة التعذيب المنغرسة فيهم من خلال محاكم التفتيش.. الآن جرس الكاتدرائية يدق دقاته المعتادة.. ينادى على العباد المسيحيين للصلاة وتكفير الأخطاء والاعتراف لغسل الروح وبدء صفحة جديدة بيضاء.. يرن مرسلاً نغماته النحاسية إلى الهواء ليتحول صداها إلى ذبذبات سلام هوائية.. تبحث عن الخوف والهلع والنار وحينما تجدها تغسلها بتراتيل المسيح الأرضية.. النغمات النحاسية ترتقي سماء بنغازي المدخّـنة باحثة عن المحتاجين.. الراهب يدق الجرس دقاته المعتادة متأملاً السماء.. داعياً مسيح السلام أن يحل الخير على هذه البقعة المالحة اللذيذة.. هذه المدينة الشرمولية التي ولد فيها لأبٍ وأمٍ لا يعرفهما لكن الناس تعرفهما.. لقد ماتا أثناء هذا القصف بالذات.. هذا القصف الذي فر منه من طفولته إلى رجولته إلى كهولته وشيخوخته ليقوم بواجب ما.. واجب يقتل فيه التاريخ ويحرقه ويضع رماده في مستوعبة اسطوانية في حجم عقلة الإصبع.. يشير بها للأغبياء والغافلين والعنجهيين والطغاة والمستبدين غير المؤمنين بصولة التاريخ المزاجية.. الطيار قذف قنابله على المنارة لكن المنارة الرشيقة تفادت الضربة ومالت كنخلة صوب الداخل فمرت الشظايا المشتعلة واللهوب الخبيثة بين سعفها المنير الحلو لتصب حممها على البيوت المجاورة في شارع بوخمسين.. لتقتل أب وأم هذا الطفل.. الزوج الإيطالي الذي مات مباشرة والزوجة المالطية التي فـُجعت في زوجها وجرحت جرحاً بليغاً في رأسها.. حاولت إنقاذ صغيرها فتحاملت على نفسها وركضت به بحرارة الروح إلى أقرب ضوء وهو ضوء المنارة.. لعلها تجد قربه أحداً يساعدها.. لم تجد إلا هذه الأسرة البنغازية الفقيرة.. أسرة بريدان وربيعة.. لفظت أنفاسها قربها بعد أن سلمتها الرضيع.. كان الرضيع يلقم ثديها رغم الجراح وآلام الاحتضار.. رفعته أمه الجديدة ربيعة من ثدي الموت ومنحته ثدي الحياة.. ثديها المرتجف من أصوات التفجر والنيران المتصاعدة من البيوت والعشش والأكواخ القليلة المتناثرة فوق سبخة هذه المدينة مكوّنة شوارعها وزنقها وميادينها.. النيران تحرق البيوت البنغازية.. ترتقي معها مُحْدِثةً هديراً كهدير موج بحر الشابي المواجه للمنارة.. صوت النار وهي تحرق شبيه بصوت الأمواج وهي تلطم صخور الشاطئ أو يرتشفها الرمل.. الصوت واحد والحرارة مختلفة.. الأمواج تلعب.. النار تقتل.. قامت ربيعة بالواجب.. أرسلت زوجها إلى أقاربها في قرية دريانة فـقـدموا سريعاً بالخيرات وأقاموا عزاءاً بسيطاً لهذه العائلة المسيحية الجارة التي قُتلت جرّاء تلك الحرب المجنونة.. تمّ دفن الأب والأم بطريقة لائقة ووفق تقاليد وطقوس المسيحية.. صراخ الرضيع يصخب مع خمود المنارة ويهدأ إذا تضيء.. لا يكترث للأضواء الرهيبة التي تُحدثها القذائف.. لم يهتم سوى بضوء المنارة ونور القمر وأشعة الشمس.. خاصة في فترة الضحى.. عرفت ربيعة أن هذا الطفل لا يرضع إلا مع النور.. وأسعدها هذا الفأل الحسن.. كان الرضيع أبيضَ محمرً منمشاً وشعره أشقر.. أرضعته أياماً مع طفلها حتى اطمأنت عليه ثم حملته إلى قسيس الكاتدرائية الإيطالي فقال لها: ـ هذا الولد منّا.. وعمّده ومنحه اسم ماركو. قال لربيعة: ـ بإمكانك الاعتناء به وإرضاعه. قبل أن تغادر الكاتدرائية أخبرها بحقها في إعانة مالية تستلمها منه شهرياً مع ملابس لها وللطفل ولطفلها الليبي أيضاً.. بعد عامين استلمت الكاتدرائية منها الولد ماركو لتعتني به الراهبات الخلاسيات. لم يعرف هذا الراهب أي بلد غير ليبيا.. لم يعرف أي مدينة غير بنغازي.. لقد تربى في شوارع رباية الذايح: فياتارينو وقصر حمد والعقيب والشويخات والرعيض والشين والعيساوي وسوق احداش وبوخمسين وغيرها.. وسبح في بحر الكبترانية وجليانة والشابي.. لعب ودرس مع أطفال بنغازي.. أكل الشوربة والبراك والعصبان والأرز والكسكسو والقلايا والحرايمي والطاجين والفلفل المحشي والبطاطا المبطنة والفاصوليا بالكرشة والمسيّر الحار والخبزة والتن بالهريسة الوطنية بالثوم وزيت الزيتون وأفطر على السفنز واحتسى السحلب ورشف القهوة العربية بمزاج ولعب كرة القدم مع الأولاد في ملعب السبخة.. فعل كل ما يفعله أولاد بنغازي.. زرد معهم إلى حقفة الجخ وسواني اللثامة وبحيرة عين زيانة وهضبة الباكور وسهل الحمدة حيث جرب معهم نيك الحمير واحتساء خمر القرابة.. زار معهم أيضاً مواخير بنغازي لممارسة القليل من الرذيلة وحضر معهم حفلات المرسكاوي التى أحياها أروع مطربي بنغازي: عليويكة وحميدة درنة وعبدالجليل الهتش وحميد الكيلاني وغيرهم.. ورافقهم أيضاً إلى بر سلوق وبنينة والكويفية وفرزوغة وتاكنس لحضور حفلات الكشك والتمتع بتأمل مؤخرات الحجّالات وهي ترتج مثل ليّة حوليّة مدوشنة ويشتد الارتجاج ويصل قمة ذروته مع اشتداد حمى التصفيق والصراخ.. زار معهم الولي الصالح سيدي مرعي بريف جردينة وبات في رحاب الضريح تبركاً وزار معهم الصحابي رويفع الأنصاري رضي الله عنه في مدينة البيضاء.. وزرد معهم في سوسة ورأس الهلال ومن هناك مروا على شلال درنة الشهير وأدوا زيارة إجلال لمسجد الصحابة حيث بقى في رواق المسجد داعياً بطريقته ومنتظراً أصدقاءه المسلمين حتى يتموا صلاتهم قرب محراب المسجد.. يتكلم ليبي بلهجة بنغازية ويتكلم طلياني وانجليزي وألماني ومالطي ويوناني وإسباني وفرنسي وتركي.. لكن الفن يمارسه بنكهة ليبية.. فلا يستسيغ ويتأثر إلا بالغناء الليبي وخاصة غناء المرسكاوي الذي يغنيه كل سكان المدينة من عرب ويهود وأقليات أخرى.. لقد حفظ الكثير من المرسكاوي عن ظهر قلب خاصة أغنية قديمة للفنان الليبي الكبير على الفلوس أبدع مطرب بنغازي الشهير اعلويكه في غنائها بصوته الرقيق ذي الطبقات الصوتية العالية والصعبة على محترفي الغناء.. ها هو يترنم بها: (قالوا لها راجل عدو ويجيكم .. قالت لهم: بالسيف غصب عليكم قالوا لها يرحل ايشيل قشاشه .. قالت لهم: وتيت صوف فراشه قالوا لها نشكو لطاهر باشا .. قالت لهم: يطبع بقَص إيديكم قالوا لها راجل عدو للفَيّة .. قالت لهم: حبيبي عزيز عليًّ قالوا لها ندقوه بالكميّة .. قالت لهم: بنداق يلعب بيكم قالوا لها راجل عدو براني .. قالت لهم: ريدي حبيبي داني قالوا لها ناعم كما الغزلاني .. قالت لهم: جاسر يخلف فيكم قالوا لها راجل غريب علينا .. قالت لهم: خيره وشره لينا قالوا لها خوذي الخيرة فينا .. قالت لهم: ما فيش راجل فيكم أجاد أيضا الكتابة بالعربي وحفظ ما تيسر من القرآن مؤمناً بمعجزاته مقدسه مثل الإنجيل بالضبط. تعرف على يهود هذه المدينة وصادقهم وعرف عن دينهم الكثير من التفاصيل حتى أنه يقوم بإشعال نيرانهم في أيام تعبدهم الأسبوعية.. تعلم داخل الكاتدرائية وخارجها وتعلم من الحياة عبر مخالطته للبشر أكثر مما تعلمه من الوعاظ والمدرسين والراهبات.. كل ذكور هذه المدينة اعتبرهم أباءه.. وكل إناثها اعتبرهن أمهاته.. أما حبيباته فكل عرائس هذه المدينة من أديانها السماوية الثلاثة. كان جميلاً كالغزال.. جمال كالقديسين الذين قرأنا عنهم في الكتب.. من رأته تعلقت به.. وبترت بصل روحها.. لكن الفرواخة (اللوطيين) المشهورين في هذه المدينة لم يستطيعوا الاقتراب منه لأنه بالمفهوم البنغازي (ذكير).. أي أنه رجل يستطيع أن يدافع عن مؤخرته إلى حد الموت ويقتل كل من ينوي له الخيانة.. حتى الشواذ داخل الكاتدرائية من رهبان وقساوسة لم يمسوه بسوء.. كان نور مؤثر يشع من عينيه.. نور به موسيقى رضعها من ربيعة الأم الليبية الأصيلة.. هذا النور الحليبي يدخل إلى أحاسيس القلب فيغيّرها من النيّة السيئة إلى النيّة الطيبة.. كان هذا الراهب رجلاً صالحاً عطوفاً محباً.. عندما يدق الجرس تصير السماء أغنية شاسعة يسمع سحرها وترانيمها حتى الصم.. السحاب تراه يتراقص.. يرسم لوحات جميلة.. والمطر يغيّر من مسارات سقوطه صانعاً أشكالاً موحية ساحرة كما النوافير ومرشات العطر ونفاثات الحيتان العنبرية وبقبقات الجَرّة والشلالات الجبلية المنبجسة من قسوة الجبال ومعاركها السفلوية. المظلة تهبط.. وموسيقى جرس الكنيسة تجذب الخوف إليها لتمنحه الأمان.. الآن قاربت المظلة أن تصل إلى الأرض.. لكنها فضلت التعلق بموسيقى الجرس على أن تتعفر بالتراب.. تعلقت المظلة بقبعة الجرس واستيقظ الطيار من شبه غيبوبته ليمسك بعصا الجرس ويرفع رجليه معدلاً نفسه ومنقذها من حضيض غير آمن.. صار جالساً على حافة النافذة المعلق بها الجرس.. تعلوه مظلته وخيوطها المتشابكة.. توقف الجرس عن الرنين رغم التحريك العنيف للراهب بواسطة عصاته الطويلة.. نقص الرنـّات سيحدث نقصاً في المصلين وإهمالاً في القيام بواجبه.. بسرعة صعد الراهب عبر السلالم ليرى ما الذي أوقف الجرس عن الرنين؟ وجد الطيار الجريح ومظلته ووجد الطيار أن الذي صعد له ملاك جميل.. شعر بالأمان والنجاة والأُنس.. أعاد مسدسه إلى جرابه.. لملم المظلة ولفها وهبطا معاً عبر السلالم الحلزونية إلى تحت.. إلى قلب الكاتدرائية.. قابل الأسقف.. فمنحه الأمان.. قال له الدين لم ولن يدخل الحرب.. وأنت هنا لن يمسّك أحد.. تخرج إلى الخارج فأنت مسؤول عن نفسك.. ابق هنا حتى تتعافى من جراحك.. وتحط الحرب أوزارها.. هي لن تطول فعمر النار والدخان والدم قصير جداً.. حطب الشجر أكثر من حطب البشر.. بعد انتهاء الحرب بإمكانك البقاء هنا لعبادة الله وترك الجيش أو العودة إلى ثكنتك أو إلى أي مكان تريد.. نحن هنا في خدمة الرب.. والرب يأمرنا أن نمنحك الأمان والغذاء والعلاج لأنك روح إنسانية مقدسة زجّوا بها في أتون قذر لا ينتج الانتصارات وأية انتصارات سيجلبها القتل والتدمير والفظائع التي يستحي من فعلها الشيطان.. أيها الولد الذي استضافه جرسنا.. حنجرة معبدنا.. نداء صلاتنا.. سأتركك الآن ترتاح في هذه الغرفة وليباركك الرب ويحفظك. رأسي ناقوس يبحث عن مسرح يتعلق في ناحية منه.. يهزني الجمهور.. يدقني الجمهور.. رأسي من نحاس.. مدقتي من نحاس.. صوتي من رنين.. رنيني صلاة للصغار.. الرضيع الصغير عندما يسمع رنين الناقوس تتفتح شهيته لرضع الحليب ويبدأ في المص.. مع كل رنة يمتص الحليب الممزوج بالموسيقى.. تنتهي الرنات.. يرتوي ويتجشأ بينما مرضعته الليبية ربيعة تعيد ثديها الباذخ إلى مكانه تحت قبة المشد.. ترفع ياقتي فستانها.. تستر نهر نهديها بجذب السحّاب إلى أعلى ثم تسدل شالها الشولاك الوردي على صدرها وتقول الحمد الله.. الوليد شبع سأهدهد ماركو الغالي الآن حتى ينام.. تغني له صحبة الهدهدة: طيبْ ارطيّبْ طيبْ ارطوبة.. يكبرْ يركبْ ع الميدوبة.. يصيّدْ ويجيبْ جلوبة.. والعبد ايهجّرْ مركوبة.. والخادمْ تغسل له ثوبه.. طيبْ ارطيّبْ طيبْ ارطوبة. كما عَلِمنا الرضيع يتيم.. مات أبوه وأمه في الغارة الجوية التي نفذها الطيار العالق بجرس الكنيسة.. أبوه إيطالي وأمه مالطية.. كيف التقيا وتزوجا لا أدري.. سنقول القدر جعلهما يلتقيان.. إنها الحياة.. يهمنا الرضيع الصغير.. الذي يرضع الآن من الحليب الليبي الأصيل.. هل سيرضع الأخلاق أم سوء الخلق؟ الآن يرضع حليباً إنسانياً راتعاً في التمر والزيتون والملح والعنب والقعمول (الخرشوف) وكمأ الأرض.. المرضعة ربيعة بدوية من دريانة.. المدينة المسماة على الإمبراطور الروماني الشهير آدريان.. عندما بدأ القصف أدخلا الطفل إلى الملجأ وخرجا إلى الأعلى ليجلبا بقية مستلزماته وبعض الماء.. لقد ضرب الطيار الباخرة الراسية في الميناء ثم أخذ انعطافة واسعة رغم إصابة ذيل طائرته ورمى ما تبقى لديه من قذائف على أشياء تومض ظنها دفاعات أرضية منها منارة سيدي خريبيش مرشدة السفن لبر الأمان وسميرة ليل هذه المملوحة.. هذه القذيفة لم تصب هدفها وأصابت جدار المسجد الملاصق للملجأ لتحرق بشظاياها كل موجود خارج الملجأ.. وكانت إصابتا الأب الإيطالي والأم المالطية خطيرتين.. الأب مات في الحال بينما الأم تحاملت على نفسها وحاولت النجاة مع رضيعها بعد أن أصيب الملجأ بالدمار.. لم تجد قرب المنارة الإسعافات الأولية فنزفت بشدة حتى فارقت الحياة.. قبل أن تفارق اللحظة المدهشة المسماة بالحياة تأملت عيني جارتها ربيعة التي تحاول تضميد الجرح بخرقة من ردائها.. و عيني رضيعها.. ثم ابتسمت مطمئنة على أمانتها الحيّة لدى جارتها الليبية ربيعة.. ولم تمر دقائق عاشتها في حالة انتفاض وارتعاش وألم ممض حتى همدت نهائياً. لا ندري من استلم الروح منها وتركها.. لم نصل إلى درجة رؤية الملائكة.. إيماننا مازال ضعيفاً وعبادتنا متعثرة.. الإبداع يغوينا كي نفكر ويستدرجنا إلى أنوار مقدسة.. نظنها قريبة.. لكنها بعيدة.. هي مثل السراب في الصحراء.. غير أنّ السراب ماء مزيف.. بينما الأنوار المستدرجين لها.. ماء مخلوط بقليل من الحبر.. الماء نسكبه للمستسلمين كي ينتعشوا بينما الحبر ننقش به ونواصل طريقنا. أسلمت الروح فأخرجت ربيعة ثديها وألقمته للطفل اليتيم.. سريعاً ما أَلِف ثدي ربيعة.. لم يفرق بين ثدي ربيعة القمحي اللون وبين ثدي أمه المالطية الأبيض المحمر.. الحليب أبيض في كلا الثديين وفي كل الأثداء البشرية والحيوانية.. لا أدري لماذا الدم أحمر والحليب أبيض.. سأبحث عن هذه الإجابة وإن وجدتها فسوف أهديها لحبيبتي.. أين حبيبتي الآن؟ لقد وجدت الهدية ولم أجد حبيبتي.. سأرمى بالهدية في الهواء.. وعندما أجد الحبيبة التقطها. لم أتمكن في يوم من الأيام من الجمع بين هدية وحبيبة.. إن وجدت الأولى ضاعت الثانية.. وإن وجدت الثانية ضاعت الأولى.. وإن وجدتهما معاً ضعت أنا.. والجحيم في الوجود أن تضيع الأنا.. الهدية ليست عملة معدنية.. وحبيبتي ليست عملة معدنية.. والحب ليس عملةً أو ذهباً.. أنا ضائع الآن.. ضائع ومعلق في مظلة.. سأرمي نفسي في الهواء.. وليربح من يراهن على وجه من وجوهي.. وجهاي ليست نعم أو لا.. اهههههههههه.. سقوطي وشيك.. طائرتي انفجرت.. فجرتها صواريخ الملل.. الكلمات ترفعني الآن إلى أعلى.. تلعب بي كما يلعب اللاعب بالكرة.. الكلمات تركلني.. تقذف بي في شباك مظلمة.. لا أشعر أنى انتصرت.. لا أشعر أنني هُزمت.. ألعب مباراة وهمية.. أنا فيها الكرة.. الكرة في ملعبي وأنا كسيح.. الكرة في ملعبك وأرجلك أخطبوط.. في الصغر كانت لدي كرة صغيرة.. بحجم القبضة.. أرميها إلى الجدار فتعود إلي.. أرميها في حفرة وأخرجها.. لم تـَضِعْ كرة طفولتي أبداً.. أثناء القصف كانت بجانب مهدي الدافئ.. عندما انتشلتني أمي من النيران كنت قابضاً عليها.. كانت أمي تنزف بشدة فأخذتها من يدي ودفنتها في جرح جبينها.. امتصت كرتي من الدم كفايتها.. لكن الدم غلبها.. أغرقها.. البارود العالق في الجرح سممها.. خنق نعومتها.. بعثر مرح نطها.. جفف زيت زحفها.. شلّ نسيجهههههههههها.. هرّأها كما لحم أبي المتفتت المحترق.. أبي لم يقتله الليبيون.. قتله أبناء جلدته.. ترك لهم أوروبا وعاش سعيداً في رَبّاية الذايح فلحقوا به إلى هنا.. وقصفوه بالنار من أعلى.. حيث كان يتطلع إلى السماء ممسكاً قميصه الأبيض المرسوم عليه صليب عيسي.. يلوّح به إليهم ليثقوا به وليعرفوا أن هذه الجهة سكنية وليست عسكرية.. يسكنها جيرانه الطيبون الذين أكل معهم عيشاً وملحاً.. وشاركهم الحلوة والمرّة.. لكن الطيار رأى المنارة.. رأى الومض الحزين.. المتناغم.. الغامس نوره في بلورات الملح المبللة.. فقصف الباخرة الراسية في الميناء ومعها المنارة وما حولها من ومض.. قال الطيّار ظننت ومض المنارة طلقات نار تطاردني.. ظننتها عدوّاً.. قالوا لنا في قيادة العمليات اضربوا الضوء.. اقصفوا الضوء.. دمّروا الضوء ولا تعودوا إلى قواعدكم سالمين إلا بعد أن تصنعوا الظلام في عز الظهيرة. قال الطيار بعد مدة من مكوثه في الكاتدرائية: الآن أنا لاجئ داخل كاتدرائية.. إن خرجت قبضوا علي وإن بقيت داخلها فسأعيش كما تريد الكاتدرائية.. سألتزم بضوابطها ونظمها وناموسها.. ينبغي علي أن أصلي الصلوات كلها.. أن استمع إلى رنين الجرس.. أن أتناول طعاماً معيناً كالذي يتناوله الرهبان والقساوسة.. أشعر أنني في معسكر مسيحي.. لباس موحد.. طعام موحد.. تراتيل موحدة.. صلاة موحدة.. رنين جرس موحد.. ساعات نوم موحدة.. صليب موحد.. يا للتعاسة.. إنها الرتابة.. إنه الملل.. سأخرج من الكاتدرائية على مسؤوليتي.. لن أطيق نمط العيش فيها.. سأتخفى ولن يعرفني أحد.. سأرتدي زي هذا البلد.. بدلة عربية وفرملة وشنة حمراء تحتها معرقة بيضاء وجرد أبيض سأتعلم حتما كيفية التنقب به.. لن أثير الاستغراب لأنى أبيض كأوروبي.. سيظن البنغازيون أني من سوسة.. حيث يقطن الليبيون الكريت.. سأضع في جيبي بعض ليرات ذهب.. وبعض العملة الورقية.. وبنغازي رخيصة.. وكريمة.. ومربية للذائح والغريب.. ستربيني بملحها حتى أستريح وأجد طريقة أعود بها إلى أهلي وإلى خطيبتي التي نمت معها ليلة كاملة قبل يوم من التحاقي بالمعسكر للقيام بهذه المهام الانتحارية.. قالت لي خطيبتي ستعود.. الذي تركته في رحمي سيعيدك لي سالماً.. سيحفظك ثغاؤه في عالم الظلمات من كل سوء.. قاتل الأعداء ببأس وشجاعة.. لتجلب لنا الشرف والأوسمة والاحترام.. و فعلاً قاتلت الأعداء ودمرت سفينتهم لكن قصفت أيضاً يا للعار أهدافاً بريئة: مدنيين مسالمين.. يتمت أسراً.. رملت عرائس في عز الشباب.. أحرقت أشجاراً ووروداً وهدمت المباني البسيطة المكللة بالحب.. لقد أنتجتُ في هذه الغارة أنهاراً من الدموع ومحيطات من الوجع والحسرة والأنين.. إنه خطأ.. إنها المنارة التي أغوتني.. غمزت لي بقنديلها فأجبتها بعين النار.. هي تدعوني للزيارة.. للهبوط.. للمكوث قربها.. لإرسال بريدي إليك يا حبيبتي عبر ومضها المتمهل النقي. المنارة شمس الليل.. عمامة البحر.. رمز المدينة ومؤنستها.. في الظلام الدامس لا شيء يُرى في بنغازي سوى المنارة.. تراها من بعيد ومن قريب ومن كل أركان المدينة.. تراها وهي بالمقابل تراك وترعاك وتحبك وتهواك إن عانقتها في الخيال. حبيبتي منارة والبحر لا أركبه إلا بإذنها والطائرة لا أركبها إلا بإذنها.. لا أركب شيئاً حتى أنتِ يا حبيبتي إلا بإذنها.. حبيبتي منارة بنغازي.. ملح روحي المضيء.. الآن سعادتي لا توصف لأن حبيبتي تنتج الضوء.. تبتسم به على دفعات تفصلها برهه زمنية ثابتة.. للمنارة جذور في الأرض.. ضوء في السماء.. مطر معلق في سحاب حزين.. المنارة متواضعة.. تؤدي لعبتها منذ أن تغرب الشمس.. تلعب بلا ملل حتى يطل الفجر ويغسلها بقطراته وجحيمه الأحمر المنعش اللذيذ طالباً منها أن تذهب لترتاح.. فالنهار على وشك وها هي الشمس تشرق وترسل الدفء والنور والعرفان للمضيئين والمضيئات. لا أطيق البقاء في الكاتدرائية.. أنا طيار.. البقاء من دون تحليق ولو على قدمي في الشوارع يقتلني.. يسبب لي الكآبة.. أحب السماء والسحاب والفضاء الشاسع الذي أمارس فيه ألعابي الانطلاقية. فلأخطط للخروج من الكاتدرائية من دون أن ألفت أنظار العسس والعيون.. أخرج وأذوب في زحام بنغازي.. سأعتبر نفسي بلورة ملح هطلت على شرمولة المدينة فنكّهتها وجعلتها شهية.. سأشتغل في حِرَف متعبة ويدوية.. حتى أتمكن من تدبير أموري ومغادرة البلاد في أمان لجلب حبيبتي إلى هنا.. إلى ليبيا.. هذه البلاد التي أحببتها.. وجبتي الوطنية اليومية.. أردد اسمها.. أسمع ألمها.. أسمع من عين سرّتها حكايات الكحل والدم و الملح و الحليب.. وحكايات الأسطورة والواقع والشمس المشرقة.. السرّة هي حكّاءة المدن.. فمن سرّة القرية تأسست المدينة.. وازدهرت وعاشت حياة لا يمكنني الحكم عليها إلا بكلمة طيبة. سماء بنغازي لم ترسلني إلى الجحيم ومنحتني فرصة فعلقت حياتي في جرس أثناء رنينه.. أوقفتُ رنين الجرس فوقف مشروع موتي.. الأذن تبكي.. الموسيقى قالت لها لا تبكِ.. لقد أنقذنا حياة إنسان.. الروح أقدس من النداء إلى الصلاة.. أقدس من الوقوف إلى العَلَم وترديد نشيد البلاد.. الجرس يحرس الساقطين من السماء.. يلاقيهم ويحتضنهم ويوفر لهم الغذاء والمأوى والأمن.. الموسيقى تتجول عبر الرياح في فضاء بنغازي باحثة عن محتاجين.. تتصدق إليهم بذهب النسيم وتواسيهم بملح الصبر وتعدهم أن تعود كلما شعرت أرواحهم بصهد الحياة الملوث. جرس يرن أنقذ حياتي.. وحياتي لم تنقذ أحداً في بنغازي.. أنا قاتل.. قاتل جبان.. قصفت المنارة.. وقتلت المدنيين.. اعترف أن هذا خطأ وطمع مني في الحصول على ترقيات وأوسمة.. أبيع دم الليبيين لتجار المجد.. ظننت ومض المنارة دفاعات جوية.. لكن كان ذيلي يحترق.. ومن يحترق ذيله يتحالف حتى مع الشيطان.. لكن عزرائيل ملائكة وليس شيطاناً.. آه أتألم الآن وجودياً وفكرياً وقلبياً ونفسياً وجسدياً.. ذيلي يحترق.. مقودي الطائر يحترق.. أنا معذور.. لكن في قرارة نفسي عندما ارتفع عن الأرض أتحول إلى قاتل.. أرى نفسي ملكاً.. أرى كل شيء تحتي صغيراً.. أشتهي سحقه ودكه بالقنابل.. قالوا لنا دمروا أي هدف يتحرك تحتكم أو يضيء.. نحن ننفذ أوامر يا سيادة القسيس.. أنا أعترف بالفظائع.. كل يوم أعترف.. لكن قلبي مازال يؤنبني ويحتقرني ويصرخ في: أنت لست نبيلاً.. لن نرضى عنك.. لكن قلبي قطعة مني.. أعرفه جيداً.. لن أعير تداعياته أي اهتمام.. الذي يتبع القلب يتعب.. يضيع.. يجد نفسه يقلي في طاجين قلاية.. هذه حرب.. القتل فيها شيء طبيعي مشروع.. وما فعلته شيء طبيعي مشروع.. سأظل اعترف بخطايا قصفي للمساكن المجاورة للمنارة كل يوم.. قال له القسيس قبلنا اعترافك وأنت الآن نقي فعش حياتك وتمتع بها وضميرك الآن صار شفافا لا دم فيه.. لقد مات أناس كثر.. لا تقتل نفسك بالهم و اخرج من هنا في خيالك إلى حانة الريفيرا.. احتسي بعض الكؤوس وحلق في سماء الدنيا من جديد من دون أن تقذف الناس وتقتلهم وإن فكرت أو أحببت أن تقذفهم فافعل ذلك بالماء والورود. وقرعا كأسي النبيذ في بعضهما وسكباها على دفعات في الجوفين.. جوف المعترف وجوف القسيس.. أي المعترف إليه. قال له القسيس: ـ أنت روح طاهرة الآن. ذات ليلة وعند أذان الفجر خرج من الكاتدرائية شاقا طريقه عبر الشوارع إلى الفندق البلدي.. ربع ساعة راجلا بخطوة نشطة كان هناك.. يحتسي قهوته في مقهى العاشق ويستمع إلى الأخبار من الراديو الكبير ذي الأزرار البيضاء العاجية المثبت على الرف.. الحرب وضعت أوزارها.. والاتفاقيات وقعت.. والبلاد الآن خالية من الجيوش المتحاربة.. المنتصرة والمهزومة على السواء.. فيما عدا بعض القواعد العسكرية المنتشرة في عدة مدن ليبية هامة.. ليس هناك خطورة الآن في خروجه من الكاتدرائية.. حكام البلاد الجدد ليبيون.. علاقتهم جيدة مع المنتصرين الحلفاء ومع الكنيسة.. وهو بملابسه الكهنوتية لاقى التبجيل والاحترام التي فضل الخروج بها.. قُدِمت له القهوة مجانا.. ومرّ سنفاز على رأسه طست مملوء بالسفنز الساخن جثا أمامه على ركبتيه وأعطاه سفنزتين إحداهما بالدحي (البيض).. ورفض بإلحاح تقاضي الثمن.. لقد كانت البلاد سعيدة.. وآمنة والجميع يتسابق على إزالة آثار الدمار وبدء التعمير خاصة بعد أن أثبت الخبراء الأجانب أن النفط في باطن الأرض موجود بالهبل وكلها بضعة شهور وسوف يتدفق ليعم بخيره على جميع أبناء الوطن. طلب قهوة أخرى وأشعل سيجارة ودردش مع النادل سأله عن المواصلات إلى مصراتة وطرابلس والإسكندرية فدلّه على وكالتي المقعم والخشمي لنقل الركاب.. وسرعان ما ازدحم المقهى بالزبائن القادمين من البر والمستيقظين توا من الشوارع القريبة من الفندق البلدي أو القادمين من أحياء بنغازي الأخرى.. سيدي حسين.. رأس عبيدة.. البِرْكة.. السَّبّالة.. الكِيش.. الصابري بأقسامه الثلاثة: سوق احداش.. دكاكين حميد.. الزريرعية.. وحتى القادمين من منطقة اللثامة والكويفية وبنينة و القوارشة وتيكة وقمينس. صار المقهى حياة تنبض.. رائحة القهوة اختلطت برائحة الناس.. برائحة السجائر.. برائحة الكلمات التي نرشف شقاوتها الآن.. بضجيج الأكواب والسفر والفناجين.. بأخبار وأغاني وبرامج المذياع الصباحية.. بنداءات الباعة على سلعهم الرخيصة.. بصهيل الخيول ونهيق الحمير وزقزقة الطيور المختلفة الرابضة على شجيرات النَم والدفلي والهابطة على كل فتاتة خبز أو حبة قصب تلوح على الأديم.. المختلطة بأصوات السيارات والحافلات وزعيق القطار الصاخب القادم الآن من قرية سلوق أو من مدينة المرج مرورا بالأبيار. كل روائح الحياة هذه مختلطة بروائح خضروات وفواكه الفندق البلدي الواقع خلف مقهى العاشق.. روائح الخضروات والفواكه الطازجة تصل إلى المقهى عبر نافذة صغيرة خلف معد الطلبات بالضبط.. نافذة صغيرة ضيقة غير مقضبة تدخل نور الشمس ونكهات عطرية للعديد من النباتات الحيّة. في هذا المقهى شعر أنه قد ولد من جديد.. أوقات طويلة قضاها داخل الكاتدرائية.. تعبد ودرس ونام وسار وفق منهج معين.. تعود عليه وتقبله لأنه لم يختره برغبته.. القدر من اختار له ذلك.. والآن وجوده في هذا المقعد أيضا لا أحد غير القدر اختاره له.. لكن بعد القهوة الثالثة والسيجارة الخامسة قرر أن يحرّك هذا القدر.. أن يزحزحه قليلا من فوق نار الاستسلام.. أن يشق طريق حياته.. أن ينقش شيئا جديدا مستفيدا من معرفته المعتبرة التي تلقاها داخل الكاتدرائية.. لقد رأي في الخارج عالما مختلفا.. عالما حيا واقعيا.. دينه مدينة بأسرها وليس مربع بناء جميل مقفل.. وجد مدينة تفوح بعطر الملح اللاذع الشافي المجفف للألم.. مدينة مفتوحة.. متسامحة.. بحرها طويل.. سماؤها زرقاء.. تمطر الماء والدفء والحب المهدهد كل روح شفافة. قضى نصف نهاره في المقهى.. يتركه قليلا ليتجوّل داخل سوق الفندق البلدي.. أو في الشوارع و الزنق الواقعة أمامه.. اشترى سجائر ووقيد شمعة يشتعل بتمريره على أية صلابة خشنة.. أفطر على صحن فاصوليا بالكرشة مع المسيّر وخبز الشعير في مطعم قريتشا.. تجول في المنطقة المحيطة حيث المواخير التي يتزاحم عليها البدو والبناغزة على السواء.. يصنعون أمامها طوابير مبتسمة صاخبة تردد النكات الفاحشة وتهرش أعضاءها المتوعدة فتح القسطنطينية المفتوحة ألاف المرات وتنتبه للأبواب التي تفتح ليدخل الرجل الذي يليه.. كانت قحبة فرنساوية جديدة قد باشرت عملها.. قدمت في باخرة مبحرة من جربة.. طويلة ذات وركين مستديرتين كدلاع بنينة شعرها أسود عيناها بلون الكستناء وشهوانية إلى أبعد حد حتى أن صوت جضّها أثناء النيك يسمع من شاطئ الكبترانية.. كل من دخل إليها عاد إليها في اليوم التالي أو الذي بعده.. ومنهم من جعلها وجبته اليومية التي يتناولها نهارا ومساء.. لم يندم أحد على مضاجعتها.. تمنح الرجل رجولته كاملة وتفرغ له كل لذائذه التي يتمناها بواسطة ما تقترحه من أوضاع جنسية جديدة لم يألفها زبائن مواخيرنا من قبل.. لا نريد أن نصوّر كيف تفعل ذلك احتراما للرقابة وللذوق وسنختصر ذلك بكلمتين نيك فرنساوي.. رفضت أن يحتكرها واحد لذاته فقط.. رفضت دعوات تجار السوق للسهر معهم في مزارعهم وفيلاتهم في الفويهات والرحبة وسواني تِيكة والمحيشي وتفريغ نفسها لهم فقط.. رفضت دعوات ضباط الجيش والبوليس والمباحث.. رفضت أن تبيع نفسها بالمال ليركبها عنين مستبد ويسرد عليها بطولاته الوهمية.. فضلت أن تمنح نفسها لفحولة وعطش هذا الشعب البسيط المسكين الفقير الذي يزورها بعشوائية ويضاجعها بفطرة وبمال قليل من عرق جبينه.. منهم من كان ركوبه لها أول تجربة جنسية له بعد نيكه للحمير بالطبع.. الفرنساوية لا تطلب مالا كثيرا.. المهم الحب الظرافة اللطف القبول النظافة الكلمة الحلوة وعدم الاستدارة بعد الانتهاء.. ما تكسبه من عملها المرخص هذا تتبرع بمعظمه على الفقراء والفائض منه تضعه في صندوق الولي الصالح سيدي غازي.. صندوقه تحت منارة سيدي خريبيش.. يفتح شقه للضوء ويقفله للظلام.. تزق متبرعاتها في ذاك الشق وتعود إلى العربة التي تنتظرها لتعيدها إلى بيتها.. تغتسل بماء بنغازي المالح.. لا تضيف إليه المنظفات.. فقط ترمي فيه كتلة ملح و بعض الأعشاب الجافة الواقية من المرض والتي تبتاعها من عطار النجار الشهير في سوق الظلام. لقد جرّب هذا الراهب حظه مع هذه العاهرة معشوقة الشعب.. أفسح له الليبيون الطريق بمكر.. رغبة في نزع ثوب توبته.. خلع ثوب الكنيسة.. علقه على مقبض الباب ودخل.. سلمها نفسه فداوت جروحه التي لم يداوها الميكركروم والبوماطة وصبغة اليود.. ذكرته بحبيبته هناك.. تحدث معها فتعلق بها.. مد لها لفافة مال وأراد أن يخرج بها من المستنقع القذر ويبصق على الزبائن المنتظرين.. لكنها رفضت.. سألها عن دينها فقالت له لست مسيحية ولا مسلمة ولا يهودية.. ديني حريتي.. ديني أن يركبني كل العالم وأنت قد ركبتني فشكرا لك على دخولك جنتي.. إن أردت العودة فمرحبا بك.. أعادت له نقوده.. وغسلت له عضوه غير المختون ومسحت له وجهه بمنشفة معطرة وعطّرته ثم ألبسته ملابسه الداخلية وسرواله وقميصه وركعت أمامه تلبسه جوربه وحذاءه ثم ودعته ببسمة.. آه ما أحلى أن تودعك الحياة ببسمة.. لقد ذكّرته بحبيبته هناك.. هي الأخرى تحترمه هكذا وتقدره هكذا.. خرج وترك ثوب الكهنوت معلقا على مقبض الباب.. لم يأخذه أحد وعندما قضى الجميع وطره أخذته العاهرة ووضعته في صندوقها.. قالت لنفسها سأعتبره ذكرى تجلب البركة.. وسأنتظر ثوب فقيه الجامع إن رمت به جنون الحياة إلى بابي.. أمّا ثوب الخاخام فأمره سهل جدا.. أحب أن أخدم رجال الأديان السماوية جميعها.. من العبث أن يمسني أحدهم ولا يمسني الآخرون.. أنا مشاعة للجميع.. أريدهم كلهم.. من خلالي سيفهمون مريديهم.. سيدخلون إلى القلوب من أبواب اللذة.. وأي قلب يقفل بابه ونبضه أمام الملذات؟! لا يفعل ذلك إلا القلب الميت.. والقلب الميت هو الشيطان.. سأقفل بابي أمام الشيطان.. الشيطان سيحتكرني لنفسه ليجزئني ويبيعني ذرة ذرة ثم يزرع ما تبقى مني في سجون مغلقة. واصل طريقه متسكعا في شارع بوغُولة وبقية الزنق والشوارع المتفرعة منه يستكشف المدينة ويشم هواء بحرها العليل.. هو مزاجه رائق الآن.. فاطر مدخن شارب قهوة مضاجع على الصباح.. يتسكع متمتعا بيومه وصحته وحياته الجديدة.. لا يدري أين سيبيت ليلته.. وماذا سيعمل عندما ينفد ماله هذا.. لم يضيع الوقت وبدأ يبحث عن عمل.. فكر ماذا يقول لهم أنه يجيد.. هو لن يعمل خادما أو عتالا.. هو ضابط.. ويقود طائرة.. فلا يمكن أبدا أن يدفع عربة أمامه أو يحمل أكياس الرملة والحصى على ظهره.. زار مصلحة البريد فاعتذروا له.. زار عدة بنوك فاعتذروا له.. البلدية اعتذرت له القنصلية اليونانية والايطالية وغيرهما اعتذرت له.. كاد أن ييأس ولكنه لمح داخل روحه ومض أمل لا يكشر.. أخذته الخطوات إلى بحر الشابي القريب من المنارة.. وجد مصطافين شباب هناك.. رأي شبه مشاجرة في الماء.. ثلاثة على واحد.. مثلث مقفل حاد الزوايا يحيط بريشة ناعمة.. يحاولون السيطرة عليه وهو يصرخ طالبا النجدة.. لا أحد قريب منه كفاية حتى يتدخل.. هو القريب من المشهد.. وعلى الرغم من الخطورة فقد جذبته اللهجة البنغازية المستنجدة "أنا دخيلتك دُونك لي".. وقرر أن يتدخل ويقصف الجناة بوابل من لكماته ورفساته التي درسها عمليا في كلية الطيران.. قفز إلى الماء.. مدّ نحوهم بسرعة رهيبة فدنى منهم.. الولد يصرخ والثلاثة ينهشونه بتضييق مثلثهم المتشكل في تشكيل الاغتصاب.. واحد يطوق رقبته.. الآخر خلع فرعته ولاح عضوه المنتصب.. الثالث اقفل براحته فم الولد وأعاز للثاني أن يلتصق.. الراهب الغاطس انبثق من تحتهم صرخ فيهم اتركوا الولد هذا حرام وردّ عليه المتهيئ للمضاجعة (ابعد يا نصراني من هنا رانا انيكوك معاه).. لم يعبأ لتهديدهم والتحم بهم بقوة وبعثرهم بسرعة.. صافعا هذا.. راكلا ذاك.. خابشا المتهيء لفعل المضاجعة في خصيتيه.. خلص الولد الوسيم وعاد به سالما إلى الشاطئ.. بينما عصابة الثلاثة تصرخ وتتألم وتطلق اللعنات لكنها لا تجرؤ على المضي خلفه.. تبللت ملابسه.. الولد الوسيم الذي كانت ملابسه على الشاطئ قدم له منشفة ليجفف جسده وشكره كثيرا.. قال له لقد استدرجوني.. واحد منهم تظاهر بالغرق فدخلت إليه لأنقذه.. ولا أدري من أين انبثق الآخران لأجد نفسي بينهم في كماشة.. كادت كعكتي تُكْسَر هذا اليوم يا راهب الرب.. لم أسمع كلام أمي وعصيتها في الخروج للسباحة منفردا في هذا الطقس وفي هذا الوقت الذي ترتاح فيه الناس في بيوتها.. لكن ربي أتي بك إلي لتنقذني أكيد أنت رجل مبارك ورجل سلام وحب كالقديسين والصالحين و الأولياء. تعال معي الآن.. لابد أن أضع ما معي من مال في صندوق سيدي غازي شكرانة على نجاتي.. تسلقا التبّة وقطعا الطريق الترابي إلى منارة سيدي خريبيش.. دخلا روضة المرابط وأخرج الولد ما في جيبه من قروش زقها في الصندوق مبتسما.. وهما خارجان تقابلا مع العاهرة الفرنسية قادمة إلى المرابط.. تبادلا النظرات والابتسامات وكل مضى في حال سبيله.. وافق على مرافقة الولد إلى بيته.. وهما خارجان من ساحة المنارة وجدا عربة واقفة.. العرابادجي يدخن والحصان يأكل من علوقه قمحا لذيذا مبللا وهو في حالة سعادة كما يفصح عن ذلك ذيله هاش الذباب والشعران (ذباب الخيل) بلطف وأيضا قضيبه نصف المنتصب.. أراد الولد أن يستأجرها لتنقلهم إلى البيت لكن العرابادجي ابتسم له وأشار إلى روضة سيدي غازي يعني بالإشارة أنه مشغول وينتظر زبونا يزور الآن المرابط. سارا معا راجلين يتحدثان وسأله الراهب هل ستبلغ الشرطة عن ما حدث لك فأجاب الولد لا.. هذه المشاكل في مدينتنا نصفيها مع بعضنا البعض بعيدا عن الشرطة.. لقد قلت لهم (طاقتكم والجَرّة).. وهم يعرفون جيدا معنى هذه الجملة.. أنا ذكير وسوف أنتقم لمحاولة مس شرفي من هؤلاء الجبناء الذين هربوا منك ولم يقاوموا رغم أنهم ثلاثة. تعارفا أكثر وأكثر.. الولد أبوه صاحب كسّارة (مَحْجَر).. يملك سيارات ضخمة يقودها الرقريق (اليونانيون) دعاه إلى البيت الكائن في ميدان سوق الحشيش ليس بعيدا عن البحر وهناك رحبت به الأم كثيرا وأعطته ملابس ليبية: سورية وسروال وفرملة وشنة وجرد من ملابس زوجها ناسبت مقاسه تماما.. وفرحت أم الولد القريتلية الجميلة بولدها الذي نجا بأعجوبة لأن نيتها طيبة وتعمل الخير وتضع البخور والنقود في زاوية علي الوحيشي القريبة.. فرحت بالضيف وأعدّت له وجبة كسكسي بالحوت مع الفلفل الأخضر والسلاطة وبعض البراك والبطاطا المبطنة والفلفل المحشي وأصرت أن يبقى في البيت حتى عودة زوجها من الكسّارة عند المساء. كلما أكتب شيئا به ملح أشعر بالراحة.. قد أكون صامتا (ناقص ملح).. أو أكون مرتويا من الحلاوة.. أو أكون مريضا وقذرا ومبللا وأحتاج إلى فصد و تطهير ودبغ.. لا أنكر أنني تفتحت على سبخة.. سبخة غير نتنة.. البحر يجددها يوميا.. لم أر قناة تصل السبخة بالبحر.. بين رأس عبيدة والبحر مناطق الفندق البلدي والسلماني والصابري وجليانة وسيدي حسين والكيش وقاريونس.. لكن في الأسفل أكيد أن البحر يمدها بالكثير من الخير.. سبخة بها ملح وسمك.. ليست غريقة عميقة.. علوها نصف متر تقريبا.. نمشي فيها.. نسبح فيها.. حِلاّقنا يطل على السبخة.. السبخة موجاتها صغيرة.. تلطم زينقو حِلاّقنا.. أرى من خلال الثقب موجاتها ذوات الجمة البيضاء وهي تقترب.. واستمتع بهديرها وهي تمتزج بخشخشة زينقو الحديد.. وسعادتي لا توصف عندما تتسرب أثناء لطم الموج إلى الداخل بعض القطيرات التي تشكل داخل حمامنا ومطبخنا غديرا صغيرا.. أرمي فيه سريعا فلوكة ورقية.. تصرخ فيَّ أمي أوراق الكراسة كلها مزقتها وصنعت منها فلايك.. لا أهتم لصراخها.. ماذا أدري.. أعشق الفلايك حتى هذا الحين.. لكن السبخة ردمت والغدير الجميل ما عاد يزورنا رغم أن البلاد غارقة والماء وفير.. أشعر أنني دخلت في السياسة قليلا.. سأعود إلى الفلايك.. أعشق فلايك اللحم.. لكن اللحم الجيد غالٍ جدا.. والعاهرة الفرنسية التي تحبنا تابت وتزوجت وماتت.. أفكر أن أبحث عن مثيلة لها.. أنا الولد أنا الراهب أنا بريدان أنا ربيعة أنا الطيار أنا كل الشخصيات القادمة.. أنا المنارة المكسوة بالغبار والوامضة بالمطر. الفرنتاية (آلة تكسير الحجر) تبتلع الحجر.. تكسره حسب المقاس المطلوب.. تجعله كاولينا أو مرش أو مشتق حجروي ينفع في صناعة الأسمنت.. الحجر يُجلب من الجبل.. الجبل يتألم لكنه كالملح يذوب ولا يموت.. يتألم بمضض.. لم يكسره حجر مثله.. كسره حديد كان يأويه.. بارود كان يحتمله بالرغم من أنه يكويه.. صهد معدني فجره من الداخل.. حرق أشجاره.. جفف شلالاته.. طمس نقوشه الدفينة.. بصق على ذكرياته ودفنها داخل لهب قذر متلاشٍ.. الشواكيش الآلية والقواديم والفؤوس والماصات في أيدي عبيد وسجناء.. تضرب الجبل فلقة مؤلمة.. تجلده بسياطها الصاعقة.. لم ترحم زهرة على بساطه ولا فراشة ترضع من نهده.. صمغ شجره بكى.. ساح برؤياه على ذاكرة الجبل.. على قاعه الذي لن يزول.. سجل كل شيء.. تاريخ الجبل مدفون في الميناء.. ردموا به الميناء من أجل تطويره.. من أجل صنع رصيف يحتمل ثقل سفنهم الدامية.. تاريخ الجبل نراه في المباني القائمة في المدينة.. في عرصاتها وقواعدها وجدرانها وبلاطها.. نراه في الإسفلت الذي تسير عليه أرجلنا والسيارات وعربات الخيل والحمير.. الإسفلت الذي تسير عليه عقولنا نقي غير مشتعل أو قميء.. تاريخ الجبل مازال قائما فينا.. نبكيه ويبكينا.. هو جبل من حياة فرقعته الآلات الحامية.. ونحن جبل من لذة عظيمة فرقعتنا ليال بائسة لتنتج منا بشرا حائرين.. بشر تمشي على بشر.. بشر تركب على بشر.. بشر تسحق بشرا.. لا أشجار علينا ولا ينابيع فينا سوى ينابيع الدم والعرق والبول والتي نجيد تفجيرها بمناسبة ومن غير مناسبة.. سأنفجر غاضبا.. سأنفجر ثائرا.. سأنفجر مضوضئا.. سأنفجر باكيا.. أبي يكسر الأحجار والأحجار البشرية حاولت أن تكسرني وتزرعني فضيحة على أديم هذا الملح الطيب.. لكن المسيح غير الدجال ظهر ووصل في الوقت المناسب وأبعدهم عني وها أنذا أسعى للانتقام أو ما رأيكم لو أسامحهم.. فالمسامح كريم وبنغازي أكرم وبنغازي مالحة ومليحة وملحها يذوب ويتوب ويؤوب والشيء الذي يذوب شيء نبيل ورائع وطازج وحي وملائكته خفيفة. غدا أول يوم في شهر رمضان المبارك.. وسأصوم مثل كل صبيان حي سوق الحشيش.. حتى إن شعرت بالجوع لن أفطر وحتى إن شعرت بالعطش لن أبلل ريقي.. ربما تتسلل قطرة إلى جوفي.. ســأصمد حتى أذان المغرب.. ثم أفطر على التمر والحليب وأصلي المغرب في زاوية سيدي على الوحيشي.. بعدها أعود إلى البيت لأجد أمي قد أعدت مائدة الإفطار.. سفرة كبيرة متنوعة التباسي (الصحون).. شربة.. براك.. بطاطا مبطنة.. فلفل محشي.. أرز بالخلطة.. عصبان.. سلطات مشكلة.. مسير حار.. خبزة تنور.. وكانون الفحم فوقه براد الشاي يركرك.. البخار يرفع الغطاء.. خرطوم البراد يسرّب فقاقيع لطيفة من ماء الشاي.. والأسرة الصغيرة كلها مجتمعة حول السفرة.. تتناول إفطارها وفي الوقت ذاته تستمع لبرامج المذياع أدعية وابتهالات وبرامج اجتماعية ظريفة مثل برنامج (البسباسي آه يا راسي).. تقتبس الابتسامات من الأفواه ومن حشوة البراك ومفروم البطاطا المبطنة ومن الشحم الذهبي الطافح على بحر الشوربة مغطى بخيوط من عشيبات المعدنوس والكزبرة.. الفلفل المحشي يضحك ويتذكر كيف تمّ رفع قبعته ذات العِرْق النافر وتفريغه من زريعته القليلة وتعبئته والعصبان المكوّر يبتسم للسلك الذي يطوق كل مسامات كرته بعشوائية.. أخي الصغير يعاتب أمي.. السلك الذي لففتي به العصبان من كبّتي (بكرتي).. كبتي ستنقص.. لن أستطيع أن أطلق لطائرتي المزيد من السلك.. سيفوز عليَّ أطفال الشارع عندما نطلق طائراتنا الورقية.. سيبتعدون أكثر بطائراتهم.. أبعد من طائرتي.. أمي ما دخلنيش تعطيني بكرة نشري مكارة جديدة. صحبة اللمة تنساب من المذياع موسيقا شعبية شجية تنفذ إلى الروح وتغذيها سابقة الطعام المحتاج إلى عصارات هاضمة وبعض الوقت.. الموسيقا طعام طازج صحي نتناوله عبر الأذن والعين والإحساس الآخر الذي نجهله.. الموسيقا أسرع من الصوت ومن الضوء ومن طوارئ الحكومة.. الموسيقا سأقول عنها الكثير لكن مش عارف.. روحي لا تود إخباري عن كنوز الموسيقا.. سأحاول أن أسكر روحي كي تترنح وتخبرني.. لكنها هي التي أسكرتني.. أعادت لي جزء صغيرا من الموسيقا التي تم هضمها في أتونها.. إنه عالم غريب مرعب لذيذ مظلم منعش مقمر.. جمر مجنون.. مرآة خلفها مرآة فوقها تحتها مرآة ونور عظيم مبهر.. صرت أرقص من دون توقف وأخلع ما يسترني من ملابس لأرتدي وترا حزينا يمس روحه على خشونة روحي وينعمها حتى يجعلها شفافة.. تحتاج لنفخة بسيطة فقط.. لكي تشتعل وتنير.. رأسي يشتعل الآن.. يومض كل عشر ثوان مثل منارة سيدي خريبيش بالضبط.. السفن تراني وتهتدي والموج يصعد إلى ظلامه ولا يغرق شيئا.. فطريق النجاة صار واضحا.. وكل الربابنة والقراصنة والأولياء والمغامرين والتجار والمصلحين والثوار والسحرة قصدوا مدينة الملح.. سيتعيّن علي الآن أن استغرب وأتساءل كيف لم يخرج من هذه المدينة نبي.. وسأجيب ولماذا يخرج من مدينة كل أهلها طيبون عاشقون خيّرون متشبعون بالملح أكثر حتى من البحر.. إنه يخجل أن يفعل ذلك.. لذلك يهاجر إلى أمكنة ضالة تحتاج إلى أنبياء تدعوها إلى الخير.. فمن هذه المدينة هاجر الكثير من الأنبياء وإلى هذه المدينة جاء الكثير من الغرباء الذين صاروا أبناءها عن جدارة.. وبعد أن اغتسلوا بملحها وتشبعوا به شدوا الرحال من جديد.. لقد تغربوا عنها فعلا.. لكنهم قالوا الحقيقة.. الحقيقة الحلوة التي ربتهم وعلمتهم وأرسلتهم أشعة شمس غير ذائحة. سيزداد سعر الأرض في بنغازي لأنها مدينة أسطورية.. لها نصيب لا بأس به في الميثولوجيا والتاريخ.. العالم الآن ذائح ويحتاج إلى تربية ونقاء وطهارة وقليل من الملح الفاخر الخفيف المبارك غير المغشوش أو المخلوط بالرمل والراضي أن يذوب.. لقد ربتني بنغازي.. جئتها قاتلا مدمرا حارقا سفاحا فداوتني سريعا وسامحتني في التعويضات ولم تأخذ ثأرها مني عندما وقفت على قديماتها المحنّاة فخورة بنفسها وقوتها.. لقد باركتني هذه المدينة و أنتجتني من بوتقة إلهامها إنسانا جديدا.. قلبه شمس وعقله قمر ولسانه هدير بحر شفيف.. لم تجبرني على اعتناق دين معين.. لم تختن ذكورتي أو تحلق شعري أو تدفعني عنوة على ممارسة طقوس معينة.. في الكنيسة اعترفت بذنوبي.. وبعد أن خرجت منها علقت ثوب كهانتي ورهبنتي على باب مومس وضاجعت الحياة واغتسلت من جنابتي ورذيلتي في البحر منقذا في نفس الآن روحا مفزوعة متضرعة متطلعة إلى السماء وواثقة من النجاة.. لقد نكت لكني في الوقت نفسه أنقذت إنسانا من النيك.. إني أراوح الآن لا خير ولا شر.. لقد رأيت زرقة البحر تنادي زرقة السماء.. لقد سمعت كلمات الصبي الجميل وصرخاته و بقبقاته.. لقد رأيت الجريمة أمامي فمنعتها.. لا أدري لو رأيت هذا المشهد بالذات أثناء قصفي للمدينة.. هل سأترك باب العرش يهتز بشدة وتحل اللعنة على المدينة.. أم أنجد الصبي و أؤجل رمي قنابلي وأخون واجبي العسكري.. صدقوني أنني سأفعل سأنجد اليناعة والهشاشة والجمال والنعومة والضعف.. سأنجد الصبي فعلا.. صدقوني.. وإن لم تصدقوني فسيصدقني الذي أنجاني من الموت وعلقني في جرس يرن للصلاة ومنحني حريتي الآن كي أمارس حياتي كما أريد وأروي وأرتوي كما أريد.. البحر أزرق.. السماء زرقاء.. أنا أصدق هاتين المِرآتين النهاريتين الساطعتين في نفسيهما.. لكن أثناء الليل تختفي الزرقة ويحل السواد.. أين تذهب الزرقة؟ أو أنها لا تذهب؟ لأنها تعود مع الفجر.. أنا لا أصدّق الآن أحدا.. أنا لا أثق في هذه الزرقة ولا أثق في السواد.. ولا أثق في الألوان جميعها.. أثق في قصيدة الفجر المضيئة. الفجر هو باب اليوم.. اليوم زمن ومكان مغلقان.. أغلقهما الله علينا.. وتبعه في الإغلاق كل من يزعم أنه يقوم بأعمال الله في هذه الدنيا.. يفتح عليك الباب.. يضيء مصباحه رويدا رويدا.. مع النور قد تأتي الحرارة وأحيانا يأتي نور بارد مثقل بالثلج.. تتحرك في علبة اليوم.. تنام في علبة اليوم.. كل شيء تقوم به في علبة اليوم المطعوجة المثقوبة.. أنت تذهب ذات يوم.. اليوم يظل يفتح بابه ويقفله.. مثلما تفتح فمك لتتكلم أو لتأكل أو لتشرب.. الفجر هو باب اليوم.. فمتى يكون نافذته؟ أحب الطيران من النوافذ لأنها أعلى من الأبواب.. أحب أيام النوافذ.. وسنين النوافذ.. وقرون النوافذ.. أحب زمن النوافذ.. الزمن البهي.. الذي أدخله قافزا وأخرج منه قافزا.. مللت المشي.. مللت الدخول من الأبواب.. مللت الدق والطرق والتخبيط.. مللت البوابات.. ولم أمل أن أتسلق شجرة أو عمود نور. النخلة طويلة.. جذعها رشيق.. رأسها فاكهة وظل وموسيقا.. أستند عليها بظهري.. وأكتب أو أقرأ.. وعندما أشعر بالنعاس أنام.. وعندما استيقظ أجدها تحرسني وتمنحني قبلة الرطب فترطب ريقي وتشبعني.. سأقتل هذه النخلة لأسكر.. سأقتل هذه المدينة لأسكر.. سأقتل العنب والسكر والتين والماء لأسكر.. سأقتل الضوء والظل لأسكر.. وعندما أسكر أصنع عالمي الراقص.. أصنع يومي الراقص.. الذي فجره ليس بنافذة ولا باب إنما أفق واسع أو شاسع.. أفق عظيم.. عظمة طفل رضيع يبتسم لأمه وللعالم. في شهر رمضان أقفلت الحانات والمواخير أبوابها.. كل العاهرات وجدن أنفسهن في إجازة إجبارية.. وإن حدث عهر فغالبا ما يتم في الظلام وفي سرّية تامة.. وفي أماكن بعيدة عن العيون أو ذات حصانة كالسفارات والقنصليات التابعة لدول غير إسلامية.. أحيانا أتردد على بيت الصبي في سوق الحشيش.. ومعظم الأحايين أقبع في فندقي.. عندما أشعر بالملل خاصة في العشية أخرج لمشاهدة مباريات كرة القدم في ملعب السبخة الملاصق لمبنى الفندق البلدي.. فرق غير رسمية تتبارى كل عشية.. فريق سوق الحشيش الذي يلعب له الصبي صديقي.. فريق البركة.. فريق سيدي حسين.. فريق الكيش.. فريق الصابري المطعّم بلاعبين ليبيين زنوج يسكنون عششا على شاطئ البحر.. أحيانا أتجوّل في سوق الجريد وتحت أقواس الفندق البلدي حيث الباعة يفترشون التوازير التاورغية ويطرحون بسطهم منادين على سلعهم الرمضانية.. هريسة وطنية.. خبزة تنور.. مسيّر حار.. زبدة وطنية.. لبن حامض ممخوض من قبل حرفيين ماهرين من عشيرة العريبات.. فواكه مجففة.. تمر بمختلف أنواعه.. حليب.. غريّبة.. مقروض.. زلابية.. مخاريق.. سفنز.. قطايف.. كنافة.. بقالاوة.. كعك.. مكسرات.. حمص منقوع.. فول منقوع.. زبيب.. شريح.. قمر دين.. نعناع أخضر ويابس.. مردقوش.. حبق.. لاونطا.. مشاريب باردة مختلفة الأنواع.. فواكه طازجة.. خضروات طريّة.. موز درناوي.. بلح صعيدي واسكندراني.. مخللات مشكلة.. صياح الباعة على سلعهم يختلط بروائح المشهيات المتنوعة.. زحام شديد.. ومشاجرات تنتهي بسرعة بفضل تدخل أولاد الحلال.. بنغازي خليط من الناس.. ملامح أممية.. ترى الملامح اليونانية.. والإفريقية.. والبربرية.. والفرعونية.. والعربية.. والإيطالية.. والتركية.. والمالطية.. والإسبانية.. والفرنسية.. واليهودية.. والبلقانية.. والإنجليزية.. وكل هذه الملامح تصب في قالب واحد وهو قالب ليبي.. وجه ليبي.. يحمل سمات هذه الأرض.. هذه المملوحة البنغازية.. اللهجة ليبية شرقاوية.. الملابس ليبية شرقاوية.. الشنة حمراء اهلاوية.. الغناء بنغازي.. الضحك بنغازي.. المشي بنغازي.. العادات بنغازي.. وحتى البكاء بنغازي. الكل يذوح في هذه المدينة.. يتسكع في الشوارع والسوق والفندق البلدي والملعب.. يذوح يعني يتسكع أو يتمتع بالمشي المصاحب لرؤية الحياة وهي تسير وفق قانونها الأزلي مانحة أنفاسها لأنوف البشر بالتساوي من دون أن ترتبك أو تمنح هذا أكثر من الآخر.. ومن يتمرد أو يحاول سرقة هواء الناس فإنها تمتنع عنه وتجعله يختنق بالخوف والكراهية والعطن والتقطيب واللعنات التي تنصب عليه من كل ذرة ملح راسخة. أتجوّل في مدينة بنغازي في شهر رمضان الكريم.. وفعلا شهر رمضان كريم ففيه شعرت بالراحة والسكينة.. صرت أصوم على الرغم من كوني غير مسلم.. وأتلهف لوجبة الإفطار اللذيذة التي تعدها لنا خالتي مناني.. ونجتمع عليها كلنا.. نأكل ونحكي ونبتسم ونتبادل اللقمات ونفضل بعضنا على بعض في حصص اللحم وفي قطع البراك وفي المصارين المحشية الشهية.. القطعة الجيدة إن صادفت وجاءت أمامي أمدها للصبي فيرفضها بإلحاح ويطالبني بأكلها فأمدها لخالتي مناني فتحلف بعويلتها أن ما تسقطلها حرجومة ويحسم الأمر الحاج ونيس بأن يقطعها نصفين.. نصف يعطيه لي ونصف يأكله هو ثم يبرم شنبه ويضحك.. هامسا لي في أذني أجد فائدته بعد رمضان. ليل رمضان في بنغازي رائع.. بعد الإفطار وصلاة التراويح يخرج الناس إلى المقاهي.. يخرجون أيضا صحبة عائلاتهم للزيارات الاجتماعية وللتنزه على الكورنيش وفي ميدان البلدية وفي ميدان الشجرة وشوارع البركة وزناقي سيدي حسين.. وتستمر المدينة في ذروة نشاطها حتى قبيل الفجر حيث يتناول الصائمون وجبة السحور الخفيفة ثم يؤدون صلاة الفجر وينامون. كل شيء بالنسبة لي يسير على ما يرام.. أنام في الفندق جيدا وأتناول طعام إفطاري لدى عائلة الحاج ونيس اشنابو.. وكنت سعيدا للغاية.. المال معي بوفرة.. والحاج ونيس وخالتي مناني استحلفاني إن نقصني شيئ عليّ أن أطلبه.. قالت لي خالتي مناني أنت كيف وليدي بالضبط.. مااديرش غِيبة (كلفة).. الحوش حوشك.. ملابسي أحضرها لهم فتغسلها ابنتها الجميلة سليمة.. تغسلها بحب وبصابون إيطالي فاخر عَطِر ثم تكويها وتقدمها لي ورأسها إلى الأسفل من الخجل.. كثيرا جدا ما لمحت خديها المشماشيتين وشفتيها اللتين بلون الكرز وأشحت بوجهي سريعا لصفاء جمالها المؤثر.. أجمل ما فيها هي مشيتها خاصة عندما تغادر من أمامك وتتأمل قفاها المتناسق.. الضفيرتان المنسدلتان على الظهر.. والملامستان بنهايتهما قوسي الوركين من أسفل.. المشية المتأنية التي تجعل الجسد يقدم رقصة رائعة.. أقدام تمس الأرض برهافة قصيدة.. برهافة مها.. الانثناء الذي يحدثه الجذع مع كل خطوة.. بندولا القدمين ينهبان من ساعة الأرض زمن المسافة والبعد والفراق.. يبعدانه عني لتختفي خلف الأبواب.. الصبية جميلة.. جميلة في مشيتها التي حفظت موسيقاها الحركية.. نشيدها الضفائري.. و أوبريتها الوركوي.. ونوبة مالوفها الظهرية.. وأغنياتها الشهية الكامنة في الربلتين الحلقوميتي الحلاوة والنعومة وفي العرقوبين المختفيين في ضوء اللحم الأبيض النشط.. لا أريد أن أتحدث عن وقع قدميها على زليز الممر والسقيفة وعتبة البيت.. ذلك وقع لم يحدثه أي بندير أو دربوكة أو دف.. البنت جميلة.. وأخوها اسلومة الذي كاد أن يتم اغتصابه جميل.. ومعلوم أن جمال الأنثى ضعف جمال الذكر وأكثر.. لقد تعلمت شيئا جميلا في ليبيا منذ أن نجوت بواسطة جرس كنيسة.. تعلمت شيئا اسمه العيش والملح.. والعيش والملح هذا تعلمته قبل ذلك من الكلاب.. فما أطعمت في حياتي كلبا وعضني.. تعلمت في ليبيا أن لا أخون.. البنت جميلة كما وصفتها لكنني لم أشتهِها.. لم أرغبها بطريقة الخيانة.. أحس أن نعومتها سامية.. وغنجها برئ نقي لا عهر فيه.. الشيء الذي يعذبني قليلا وأقاوم شيطانه هو صوتها.. صوتها شيء آخر.. صوتها خمر.. فودكا.. ويسكي.. باستيس.. نبيذ عتيق.. لاقبي ليبي.. خليط من صوت نور القمر وندى الفجر وآهة اللذة قبيل لحظة القذف وقهقهة الرضيع عندما يتم ترقيصه ومناغاته.. صوتها حتى في الكلام العادي شجي.. به حزن وفرح وماء ونور وارتواء وجوع.. صوتها كما الحياة به كل شيء.. به حرارة الفلفل وسكون زيت الزيتون.. صوتها أكسجين نقي من الغبار.. صوتها سكر تمر عسل تين تفاح عنب فراولة جوافة يوسفي صلاة.. صوتها طعام وشراب ورقص وجنس وتراتيل وأناشيد وسكينة.. صوتها جنة بابها الفم نافذتها اللسان روحها قصبة تهتز بجانب قلب يعشقها ويراها قصبة ناي.. صوتها ممتع غير خشن.. لو تكون هذه الفتاة من نصيبي سأطلب منها بعد أن توافق طبعا أن تكون ثرثارة ة ة ة ة ة. لقد وصفت قفاها وهي تغادرني بعد أن تضع أمامي ملابسي المغسولة المكويّة.. لكن وهي قادمة إلي وفي مواجهتي فلا استطيع أن أصفها.. لأنني أرتبك وأحتار وعلى الرغم من أنني أوروبي ورأيت جميلات كثيرات وضاجعتهن أيضا حتى الملل والقرف فإنني أخجل وأرتبك.. عيناها.. ذقنها.. رقبتها.. كتفاها.. نهداها.. بطنها.. كهفها السري.. يداها.. جبينها المغطى حتى الحاجبين بمشط شعر يسمونه القــُـصّة.. لو أصف فسوف أدخل في حالة إغماء سببها لذاذة جحيم الجمال.. انسيابيتها الشبيهة بالحرير المصهور مع العسل.. سألجم الذي يستفزني كي أصفها - ولا أستطيع أن أحدده هل هو شيطان أم لا - سألجمه وأحكي عن العيش والملح.. سأكون وفيا لهذه الأسرة الكريمة التي أدخلتني بيتها حتى الدار الجوانية.. واقتسمت معي زادها وقدمت لي ملابسها وأغطيتها وغسلت أوساخي ومنحتني المال والأمان.. صرت أعرف بنصراني عَيت ونيس.. والحقيقة أنه على عيون الحاج ونيس شنابو كل الجيران رحبوا بي وحتى الدكاكين تبيعني وتستحلفني إن كان ليس معي مال أن نسدد فيما بعد أو نأخذ الشيء مجانا.. بل إن الجزّار سي مخلوف حلف بطلاق بالثلاثة أن آخذ الموخر والدوّارة والرأس وحتى الجلد مجانا.. وأنه لن تُكتب عليه أبدا أنه نال من نصراني عيت ونيس فلوس ثمنا للحم.. قال له أنت ولدنا الآن والخير واجد (كثير) الحمد الله.. والضيف نحن نكرمه ليس ثلاثة أيام إنما ثلاث سنوات ثلاثين سنة العمر كله.. يا رجل يا شهم أنت مفروض نعطيك قلبي مجانا مش قلب خروف.. عَدِّي (إذهب) يا راجل عيب تخرج نقود من جيبك قدامي.. هذه الحركة فيها حق.. نحن خُوت وجيران و أصدقاء يا رجل. *** في الأيام الأخيرة من رمضان بدأ أهل بنغازي يزورون المقابر ليتصدّقوا على أقاربهم ويزورون الأولياء الصالحين.. ورافقتُ مبتهجا أسرة الحاج ونيس الصغيرة إلى زيارة ضريح سيدي غازي المجانب لمنارة سيدي خريبيش.. تكدسنا في عربة يجرها مهر جميل.. تلامست أجسادنا في عفوية.. جزء من ورك خالتي مناني العتيق لمسني وجزء من كتف ونهد الصبية سليمة الناعم لمسني.. حدث ذلك وهي تناولني القفة المملوءة بطعام الصدقة حيث المهر تحرك فجأة قبل أن نستقر على مقاعدنا فأحدث فقدان التوازن على الرغم من حرصنا على التماسك ذاك التلامس اللذيذ.. خدا الصبية سليمة صارتا بلون الطماطم بينما خالتي مناني احتوت الموقف وصرخت في العرابادجي أن يمسك بشكيمة المهر جيدا.. فأمسكها بقوة وجذبها فشبا المهر غير الخبير بجر العربات محدثا هزهزة أقوى.. جميل جدا صهلته الطرية وحمحمته المحتجة التي ابتسمت لها الصبية والأجمل هي موسيقا أجراسه المعلقة في رقبته خاصة عندما تختلط بإيقاع وقع حوافره على الإسفلت.. الحاج ونيس يهدئ الموقف قائلا لزوجته مناني اهدئي هذا ذنب المهر وحركة لا إرادية.. أكيد قرصته شعرانة لعينة في....... ومن ابتسامته فهمنا أنه يقصد خصيته أو زبه.. رائحة المهر ترفع من درجة الشبق.. عرقه وآثار لسع السوط على جلده مثيرة لمن يتأملها.. ملامسة ورك خالتي ونيسة تلاشت سريعا بينما ملامستي لكتف ونهد الصبية سليمة بقيت.. اشتعلت في داخلي.. انزرعت شجرة لذة في قلبي.. رغبتي الكامنة في الجنس اضطرمت نارها الآن.. العيش والملح الآن يقاتلني بصعوبة.. يركب قيمي وأمثالي وحكمي ويقيني وأدبي وأخلاقي ورجولتي ونبلي فأقذف بكل الموانع بعيدا.. العيش إلى الشرق والملح إلى الغرب.. أقذفهما بعيدا جدا أو الذي يقذف بها حقيقة هو ما انتصب سريعا تحت سرتي.. العيش والملح يحترقان و ينزرعان من جديد ويعودان متقرفصين في قلبي لتذكيره فأطردهما خارجا وما يتبقى منهما سوي ظل رغيف وذرة ملح التحما في دقة القلب وصارا ينبضان معها.. الملح تذوبه رغبتي و إفرازاتي لا الإرادية.. فيعود من جديد أكثر عنادا ومقاومة للذوبان.. حرصت أن لا يظهر عضوي المنتصب.. أسدلت عليه طرفي سترتي السفلويين وكتمت أحاسيسي أكثر.. اهتزاز العربة اللعين يثيرني أكثر.. ورائحة العطر الخفيفة المنبعثة من الأم وابنتها تجنني.. ورائحة المهر أيضا رائحة شاعلة لجذوات الجنس لم تفعل في خيرا.. وصلنا المرابط.. ازدحام شديد على زيارته.. وأناس زارت وراحت تتسكع على شاطئ بحر الشابي القريب جدا منه.. دخلنا إلى روضة المرابط.. وانضمت خالتي مناني وابنتها للنساء الجالسات بينما أنا والصبي اسلومة والحاج ونيس وقفنا في الجهة التي بها الرجال.. أمامنا ضريح المرابط.. صندوق مغطى بقماش ستان أخضر منقوشة عليه كلمات دينية بخط عربي متداخل لا أجيد قراءته.. دعوت بالخير في سرّي لجميع البشر ونقلت نظري إلى الجهة الأخرى أبحث عن الصبية الغائبة في الزحام.. معظم جميلات بنغازي هناك لكن جمال سليمة بنت الحاج ونيس هو المؤثر وهو المستحوذ علي.. نظراتي شمتها حيث تكون.. هناك في الزاوية تتطلع إلى جهتنا.. التقت عيوننا.. شع الفرح بينها.. تضاجعنا بصريا.. لذة عظيمة اكتنفتني.. شبيهة بالنيرفانا البوذية ولحظة التوحد الصوفية.. وصلت ذروتها عندما ابتسمت لي وبانت أسنانها البيضاء المنتظمة ولسانها الوردي وترديدها خلف إحدى العجائز ربي صلي عليه وسلم. تعلمت أن أحترم الطقوس والشعائر.. لن أبقى داخل الروضة وأنا في هيجاني هذا.. استأذنت الحاج ونيس.. قلت له سأقوم بجولة.. عندما تريدون المغادرة ستجدوني على شاطئ البحر.. قريب جدا من مكان وقوف العربة.. خلصت نفسي من الزحام بصعوبة وخرجت إلى الهواء النقي خارج روضة المرابط المشبعة بالعرق والأنفاس والبخور.. جلست تحت برج المنارة أستريح وأشم نفَسين نقيين.. الزوار يمرون من أمامي ويختفون في الروضة والخارجون من الروضة أيضا يمرون من أمامي ويطلقون علي السلام فأرد.. ملابسي ليبية والأغلبية تظنني مسلما.. نساء يلتحفن بالفراشيات البيضاء.. عجائز يلتحفن بالجرود الملونة.. نساء يلبسن إفرنجي ويسدلن على وجوههن البيشا.. النساء غالبا ما يرافقهن رجال: أزواجهن.. إخوتهن.. أبناؤهن.. وأنا أهمُّ بالمغادرة إلى البحر وفي اللحظة التي وقفت فيها أوضب ملابسي وأسدل من طرفي الجاكيت السفلويين لأستر انتصاب ذكري الذي مازال متواصلا وقفت بجانبي امرأة ترتدي الملابس الإفرنجية وتسدل على وجهها بيشا سوداء حيتني قائلة: السلام على من اتبع الهدى.. رفعت رأسي مستغربا فمن المستهجن أن تكلمني امرأة شابة لا أعرفها في هذا المجتمع المحافظ.. وكيف عرفتني مسيحيا لتحييني بتحية أهل الكتاب؟ صوتها ليس غريبا لكن ذاكرتي الآن غير حادة ونائمة بسبب اشتعال شهوتي المجنونة.. قلت لها وعليك السلام وشعرت في الوقت نفسه أن شهوتي قد بدأت في الانطفاء فأزحت نفسي جانبا قليلا لتتمكن من الجلوس بجانبي.. جلستْ ووضعت قفتها الفارغة في حجرها وواصلت حديثها: كيف حالك أيها المبارك.. تعرف أن ثوبك الكهنوتي غيّر مجرى حياتي إلى النعيم.. منذ أن علقته على مشجب باب غرفتي أقلعت عن الخطيئة.. فاحت الرائحة التي كان يخفيها عني الشيطان فتقيأت الخطايا.. و زرت سيدي غازي هذا ولم أعد إلى الماخور أبدا.. ثوبك مازلت أحتفظ به في خزانتي.. عندما أتذكر خطيئتي أتغطى به فيواسيني.. تخرج من ثنايا نسيجه قطعان من الماشية كان يرعاها الأنبياء.. ويمدني دفئه بنفحات من نور وأطعمة ومشارب وكنوز وأمان.. أتغطى به فأعرف تفسير أحلامي وأشعر أن بابي الخشبي موصد لا يمرر الثعابين وألسنة لهب التنانين وأشعر أنَّ الضَّر لن يمسني أبدا.. لم يطردني صاحب البيت الذي أستأجره على الرغم من أنني لا أسدد الإيجار وكل يوم تذوّقني الجارات من طبخهن.. ويُهدينني الأردية والجرود و والصبابيط والفساتين والأوشحة والجوارب والبخور واللبان والحنَّاء الخضراء ويصررن على دعوتي إلى مناسباتهن فأساعدهن ونظرا لخبرتي في شق الجحيم الأحمر فقد تبرعت أن أكون قابلة.. أساعد من يفاجئها المخاض.. والتي ولادتها تتعسر أوصي بنقلها إلى المستشفى الكبير.. أشعر بالسعادة وأنا أقطع الحبل السرّي.. أشعر أنني أقطع الموت لأمنح الحياة طريقها الخصيب.. سمعت صرخات الأطفال الأولى.. صرخة المولود الأولى هي أفضل موسيقا في الوجود.. هي شروق شمس صوتي.. هي نغمة روح وترنيمة نفس تصدح في القلوب.. لو يستمع الشعراء والموسيقيون والمطربون للعديد من هذه الصرخات فسوف يبدعون أكثر ويعيشون أكثر ويسعدون أكثر.. لقد جرّبت هذا كثيرا ودائما متعطشة له.. مقصي فاخر ونظيف ومن الذهب الخالص ومن مال حلال وصلني عبر السفارة لأن أسرتي باعت بستانها الريفي لشركة السكك الحديدية لأنه جاء في طريق قطار الشرق السريع وأرسلت لي حصتي ففكرت ماذا أفعل بهذا المال.. وضعت نصفه في صندوق صدقات سيدي غازي والنصف الآخر أبقيت بعضه لأعيش به وسددت معظم ديوني و دفعت بالباقي إلى معمل الزواوي ليصهر لي سبيكة ذهب نقي ويصنع لي منها مقصا رحيما.. أقطع به حبال سرّر اعويلة بنغازي الرائعين المهذبين الطيبين.. كان في معمل الزواوي حرفي أفغاني فنان اسمه مراد الدين.. يجيد الصب والنقش والرسم كما الفنان ابزاد.. وكان قد ركبني أكثر من مرة وأسعدته.. فتكفل بتصميم وصب هذا المقص.. وزخرف حلقتي ممسكه بخدوش رائعة وجعل شفرتيه تصنعان عندما تلتقيان شكلا يشبه القلب.. أما مسمار الارتكاز الذي يجمع جزئي المقص أمام الممسكين فقد جعل صامولته من الماس. آسف لم أتركك تتكلم.. أنا سعيدة الآن.. أحب أن أحكي لك عن كل شيء وبالتفصيل.. ثوبك هو السبب.. قماشة دفئك هي السبب.. كسوتك التي تعبدت فيها ووقفت مرتديها أمام الله وكتابه كثيرا هي السبب.. وأنت أيضا هو السبب.. والسبب كله من الله. لم تدخل هذه العاهرة الفرنسية سابقا الإسلام رغم تحيتها له الموحية بإسلامها.. فما زالت على دينها التي عُمّدت عليه.. لكن لها ولع بالطقوس التعبدية الإسلامية.. تحب الأذان كثيرا وعندما يرتفع من المساجد القريبة من بيتها وتتداخل الكلمات في بعضها تحس بالسعادة الروحية وترحل إلى عوالم بعيدة شفافة ممتعة.. عوالم بيضاء ناصعة نقية من دنس السحب الزائفة.. تحب شهر رمضان وما به من أجواء.. تحب العيدين وعيد المولد النبوي الشريف حيث يسير الأطفال بالقناديل في الشوارع مهللين ومنشدين: "هاضا قنديلك يا حَوّا يشعل من امبارح لتوّا".. حتى أنها أعجبها اسم حواء فتسمّت به.. بل في عيد الأضحى تشتري خروفا لأسرة فقيرة وتطلب منهم أن يذيقوها منه عندما يشوون من لحمه أو يطهون بعض وجباتهم الليبية الشعبية. قال لها حديثك ممتع يا حواء.. لكن تعبت من الجلوس.. ما رأيك لو نأخذ جولة.. سارا معا على الكورنيش.. يقفان إلى جنب بعضهما البعض يراقبان الأمواج والسفن الراسية في الميناء وطيور النوارس الزاعقة والصامتة والغاطسة في لجة الماء لقنص زادها من المخلوقات البحرية الغافلة الصاعدة إلى أعلى طلبا لدفء الشمس. حكى لها هو أيضا حكايته.. حكى لها عن أسرة الحاج ونيس اشنابو التي عرفته فورا.. فقد كان هذا الشنابو قد زارها ذات ليلة متنكرا وضاجعها مرتين على عجل بطريقة الشورت تايم.. وبعد أن وجد حلاوتها خارقة للعادة.. طلب منها أن تكون له وحده وأن يمنحها ما تريد وأن يتزوجها بشرط أن يكون الزواج سرّيا وأن لا تطلب منه حلق شنبه أو إنجاب طفل.. طبعا رفضتُ.. بعدها سمعتُ أنه ذهب إلى الحج وتاب عن نيك العاهرات ومعاقرة الخمر والتعامل مع اليهود بالربا. أسرة الحاج ونيس خرجت من المرابط وركبت العربة والصبي اسلومة مازال لم يلتحق بالعربة ويبحث عن النصراني وأخيرا لمحه من بعيد واقفا مع امرأة فناداه فأعطاه النصراني إشارة من يده تعني أنه باق ولديه شغل وأن يغادروا ولا ينتظروه.. غادرت العربة والعرابادجي يرخي اللجام ويصيح في المهر اييييل يعنى انطلق ويفرقع السوط السوداني خلف أذنيه فيركض المهر منهيا البطء و التلكؤ ولوك الشعير المغسول بكسل. المهر يركض بالعربة والصبية سليمة تسترق النظر صوب البحر متطلعة لزومة النصراني والمرأة التي معه واللتان بدأتا تتضببا من البعد وتختفيا رويدا رويدا من المشهدية.. كانت الصبية سليمة حزينة لغياب النصراني عن العربة.. مسّـته العفوية أشعلتها هي أيضا.. خلقت في داخلها هوة عظيمة مثل جحيم دانتي.. رمت فيها كل أوساخ حرمانها وتطلعاتها للجنس الذي تسمع عنه من زميلاتها الأكبر أو المتزوجات حديثا.. حكايات لذيذة أحيانا تصل بها إلى الرعشة وهي جالسة تستمع. كانت تتأوه لا إراديا عندما تصف عروس حديثة ليلة دخلتها أو صبحيتها.. عندما تقول أحضرت له الإفطار في السرير لكنه لم يفطر وقفز فوقي قفزة فهد على حوليّة (أنثى الضأن الصغيرة) وافترسني الشرير المجنون.. وغبت يا بنات عن الوعي.. شعرت أني في جنة.. كل شيء فيّ يتذوق العسل ويصرخ.. وهو ممسك فيّ وأنا ممسكة فيه.. نتقلب فوق بعضنا البعض.. أخبش ظهره.. يمتص في رقبتي.. وتُرِي الفتيات رقبتها والبقعة الحمراء التي على هيئة موجتين حمراوين وآثار تخبيشة صاعدة من الظهر إلى أعلى الرقبة الخلفية.. وبصراحة لا نشبع من بعضنا البعض.. و لا أحس بألم الفتح الذي مازال أخضر.. الحلاوة يا حبيبتي تنسيك الألم لأن ذاك الشيء ألم عظيم لكنه ألم حلو ليت منه عشرين.. فيتضاحكن جميعا وكل واحدة تقرص التي بجانبها في فخذها فتتعالى الصرخات في دار الجلوس حتى تأتي خالتي مناني وتقول لهن وصول الحاج على وشك.. انقصن الدوّة اشوي وتطلق بينهن زغرودة تعقبها ضحكة ماجنة مستجلبة من زمن شقاوتها القديم.. واحدة من الفتيات تقول عمتي مناني هابا عليها وأخرى تقول مش هوينة اللي ما يعرفها إيقول عليها مش للضي (قحبة). خالتي مناني تقترب من الخمسين.. لكن من يراها حتما سيمنحها ثلاثين سنة.. جسم ناضج متماسك نقي من الترهلات والتجاعيد.. نفس أوصاف ابنتها سليمة لكن في حالة النضوج العتيق.. أضف إلى ذلك خصلة من الشيب تتسلل من وسط رأسها لتنضفر بعشوائية داخل ضفيرتها اليمنى.. فمها على الدوام مسوّك وقدماها وراحتاها دائما محنتان ووسط جبينها منقور بوشمة خضراء من لون الزنزارة. *** بدأت زيارة المرابط تخف ومعظم الشباب غادروا إلى ملعب السبخة لمشاهدة المباراة المهمة في الدوري الرباعي بين فريق الصابري وفريق البِرْكة.. لا أحد الآن على الشاطئ سوى النصراني والفرنسية حواء و حوّات طاقته باردة لا يريد أن يغادر الشاطئ ويُمَنِّى النفس بصيد طرف فروج أو تريلا أو بوري ثقيل الوزن. سارا بعيدا عن هذا الصياد وعن السجن الواقع على شاطئ البحر.. استدارا خلف السجن وهبطا إلى أسفل مبناه.. هناك توقفا.. وزحفا بجانب سوره المنيع حتى وجدا نفسيهما قرب فتحة حجرية ضيقة.. هو يقودها إلى كهف صغير يعرف أنه يستخدم للسهرات وشرب الخمر بعيدا عن الطفيليين.. من يأتي من دون دعوة قد يتم اغتصابه.. وليس له مفر من قدره فالصخور من خلفه والبحر أمامه.. ترددت حواء في الدخول لكنه جذبها نحوه بشدة فاصطدمت بصدره فعانقها فساحت كملحة بنغازية ظامئة للماء المتأوه.. منذ مدة طويلة لم تمارس الجنس.. منذ قبل توبتها بأسبوع.. كانت ظامئة وجائعة جدا.. ابتعد عنها لأنه افرغ سريعا بسبب الصبية سليمة بنت الحاج ونيس التي كان انطفاء شهوتها مؤقتا و خادعا جدا.. وقف يتأمل جمال قامة الفرنسية حواء قليلا ويمسح بلسانه على شفتيه الهائجتين وقادها على الفور من يدها متوغلين إلى عمق الكهف وهناك جلسا على تازير قديم وشرع مباشرة يرفع بيشتها عن وجهها ليرى أمامه جمالا متوحشا مشتعلا أسطوريا.. ثم أنطرح لها على ظهره وتركها تمارس على جسده ألعابها الجنسية المجنونة.. اغتسلا في البحر وعادا كل إلى بيته.. لم تمض خمس دقائق على وصول كل واحد منهما إلى بيته حتى ارتفع صوت الحق مناديا الله أكبر. لم يفطر ذاك المغرب جيدا.. ضميره يؤنبه.. هو غير مسلم لكنه شعر أنه انتهك حرمة الشهر.. خان عيش وملح بنغازي.. لوث جزءاً من عبادتها لربها.. لم يره أحد.. لكنه واثق من أن الله سيعاقبه.. الفرنسية حواء هي أيضا أنبها ضميرها المرهف.. لم تفطر مع جارتها.. وانخرطت تبكي.. ظنتها الجارة أنها تذكرت أهلها في أوروبا فواستها قائلة ماتبكيش يا هبلة نحن أهلك وأنت بنت من بناتنا.. لكن الحزن والبكاء تواصلا حتى السحور.. تواصلا بأعنف وأحرق حتى أعياها السهد والتعب والتعاسة فتناولت قرصا ابتلعته لتنام قبل أن يؤنبها ويسحقها ويبكيها نور الفجر الذي عاهدته وأشهدته على التوبة.. لكن على ما يبدو الماء ما يروب والقحبة ما تتوب. إنها اللعنة.. انتهاك الشهر في مكانه المسلم لا يمحى إلا بثمن.. قد لا يشعر المذنب باقتراب العقاب لأنه لا يجيد قراءة ناموس الألم والتسامح.. لكن هذا الأمر ناموس فطري.. لا يفر مجرم من جريمة ارتكبها.. طال الزمن أو قصر أو ارتفع أو هبط.. لو اختلت معادلة الحق هذه لضاع العالم وما وجد الوجود نفسه في حالة شفافة أبدا.. وإن افتقد الوجود شفافيته فقل على الدنيا السلام أي الخراء.. لا أريد أن أقول أن السلام هو الخراء.. لكنه فعلا.. فبعد الخراء يشعر الإنسان بالراحة والسلام راحة سياسية يقتات منها سماسرة كَرّ الحبل (التملق). منذ تلك المضاجعة التي في عرف المكان المظلل بسحاب الفضيلة آثمة وهما في قلق.. هما يعرفان قيمة وقداسة صُلّاح هذه المدينة وعجائزها الطيبات.. هذه المدينة تمنحك أمعاءها وكبدها ورئة جوها وثقتها لكن إن خنتها أو انتهكت مقدساتها لن تربح أبدا.. ستتركك ذائحا كما جئت إليها أول مرّة.. لا ملح في دمك ولا شرف ونبل في روحك.. إنها مدينة مرابطة لا شك في ذلك. هما على يقين أن الله سيعاقبهما.. فحتى في دينهما المسيحي توجد توصية باحترام وتقديس بقية الأديان.. وفي دينهما أيضا أنّ الزنا حرام فما بالك زنى في أثناء الصيام وفي وضح النهار وعلى شاطئ البحر بالقرب من المنارة والأولياء الصالحين.. سنعتبر أن النفس ضعيفة.. سنعتبر الإثارة مجنونة خارجة عن وتيرة التحكم.. سنعتبر أن حواء أغوته بتفاحة الانتصاب.. لكن سننظر إلى أشياء أخرى ونصنع منها بعض الأعذار.. أنهما ظامئان جدا لفعل تعودا عليه منذ بلوغهما.. سنبحث عن أعذار أخرى مقبولة عرفيا ونفسيا وبيئيا.. لعل هذه الأمور تساهم في تخفيف العقاب لكن بالطبع لن تلغيه.. فالإنسان دائما فوق الشهوة وقوة إرادته سامية ومحصّنة ومعصومة ضد شياطين العُجالة. هَلَّ عيد الفطر.. الناس عيّدت على بعضها البعض وتسامحت وقبلت رؤوس بعضها وصارت بنغازي ملحة تسامح هائلة تذوب رحمة وحنانا.. أضرحة الأولياء امتلأت بالزوار.. المقابر امتلأت بالزوار.. حديقة الحيوان امتلأت بالمتنزهين والزرّادة.. الحانات امتلأت بعشاق الخمر والعربدة.. المواخير استأنفت نشاطها وفتحت أبوابها مشتاقة لطالبي اللذة وشراة البغاء.. المطربون والشعراء رددوا أغاني تحتفي بالعيد ومفارقاته.. شاب مصدوم عاطفيا و ثمل يغني في عرض الشارع: العيد عيد الناس ما هو عيدي .. الناس عَيّدت وانا مفارق ريدي. وشاعر محبط تكسرت أماله على الشط يرشف قهوته في مقهى العاشق ويردد بيت شعري للمتنبي يقول: عيد بأي شيء جئت يا عيدُ .. بما مضى أم لأمر فيك تجديدُ. *** عجاج كثيف يملأ جو بنغازي.. السماء طوبية.. البحر بنفسجي.. الشمس ترسل أشعتها إلى الأرض عاجزة عن طرد سماجة الغبار.. الشمس لا تطرد سوى الأوساخ.. والغبار في النهاية سأعتبره نظافة طائرة.. الماء يُبـَخ من السماء ومن الخراطيم.. ومن الراحات التي تحفنه من الأوعية وتنثره حولها.. كلما أطفأ الماء قطيعا من الذرات.. أتى قطيع جديد ليسد فراغه.. قطيع شديد أشد ضراوة وخنقا.. أوراق الشجر أحمرّت بلون لا يشبه الحنـّاء.. زجاج النوافذ سال على شفافيتها طحين ترابي ناعم فحمّرها.. الناس تغلق عيونها بأيديها أو تغطيها بالنظارات.. الأنف والأذنان يحملان النظارة.. الهواء يحمل البصر.. الصوت يحمل البصر.. الغبار كائنات قديمة جدا تطير في الهواء.. تطير ثم تهدأ وتهبط على العش.. الناس تكمم أنوفها بالمناديل وبأطراف العمامات.. المركبات تسير ببطء مضيئة مصابيحها الخلفية والأمامية وكل الوامضات الجانبية الملونة.. الناس لا تستطيع البقاء في البيوت.. لابد أن تخرج لكسب رزقها.. تتفاعل في بعضها ومع بعضها البعض.. تبيع.. تشتري.. تحصد.. تزرع من جديد.. تكتب.. تقاتل.. تصطاد.. تصنع.. تتعبد.. تتعلم.. الغبار لا يوقفها ولا يجعلها حبيسة في البيوت.. برامج الأغبرة تعاملت معها منذ القدم وعرفت كيف تتكيف و تتعاطى معها.. الغبار إن رششت عليه الماء ينبت.. والشيء الذي تجعله ينبت يحبك ولا يخنقك أو يؤذيك.. ليس مهماً أن يكون الماء مالحا أو عذبا.. ساخنا أو باردا.. المهم فقط أن يكون نظيفا نقيا حنونا.. لأن الغبار إن رشتته بالقذارة سيرد عليك بالمستنقعات والروائح النتنة وآسف على هذه الثرثرة الغباروية.. لكنها مهمة. كل الأنوار البنغازية أحمرت بسبب الغبار.. حتى المنارة تحوّل لونها العسلي الوامض إلى لون الدلاّع الطايب المطبطب عليه والمرشوم والمأخوذ منه نتشة.. المنارة عالية.. ترى كل شيء حولها.. ترى السفن وهي تتردد في الاتجاه نحوها.. فالضوء الأحمر الذي تومضه بسبب الغبار نذير خطر.. تفضل السفن البقاء في البحر على الاقتراب من الشاطئ.. ستنتظر حتى يعود إلى المنارة لونها العسلي الحلو. الغبار تغلّب على معظم الأشياء في بنغازي.. الشيء الوحيد الذي لم يتغلب عليه هو الملح.. لا أدري هل الملح ذكي أم لونه أبيض.. لماذا الملح والثلج والقطن لونها أبيض.. سأسأل آلهة البياض التي لم أجدها حتى الآن؟؟؟ هل الملح ثعبان أو حرباء.. كلما تكسوه طبقة من الغبار ذاب وذوّبها معه.. ملح ذكي عجيب شرس.. اههههههههههههههه.. الملح يمارس سياسة الاحتواء.. من يركب على ظهره يمهله قليلا ثم ينفضه بعيدا.. هو وحظه.. قد تكون سقطته على حجر أو رمل أو ماء.. أو تكون على صخور مرجانية حادة الحواف.. وفي الحالات جميعها هو ساقط.. الملح تحرر من عبء أراد أن يغيّر ملامحه وروحه.. سأقول إن الملح كائن ثوري يحب الحرية والاستقلال وتنظيف الأنفس والأسنان والمطابخ السوريالية من أمراضها العطنة.. الملح مسحوق مقدس نظيف مضيء.. الغبار يلتصق بالملح.. الملح يذوب ويذوّبه معه.. وكلما ذاب الملح سطعت خلف الكم المذاب طبقة جديدة بيضاء كالثلج كالقطن كالقمر في ليالي اكتماله.. طبقة أصيلة غير طفيلية.. الطعام من دونها يكون سيئا وباهتا وغير مستساغ. مهما تعاظم الغبار فإنه ينتهي في لحظة.. سنرى هذا المشهد الآن.. ريح نسائمية تهب مشبعة بالمطر.. المطر يطرح ذرات الغبار كلها أرضا.. يغسلها من اختناقاتها الذاتية ومرضها وترهلها المرتخي لتتحوّل إلى طمي ناعم خصب تبتهج الأزهار للنوم في جوفه.. لتستيقظ عطوراتها وتفوح.. الطين يتشقق.. ومن بين الشقوق تطل الرؤوس المتطلعة إلى السماء.. الجفاف لم يشقق الطمي.. الخصوبة هي المشققة العظيمة.. هو يشقها الآن.. يشقها بمنتصفه.. بالمنارة الباسقة الوامضة بالماء.. يصرخ عاليا من اللذة والذنب وتأنيب الضمير الذي تمنى لو أنه لم ينزرع فيه.. ليتني أستطيع أن أعطي ضميري إجازة لتعيشني الحرية من دون أن أسبب لها القلق.. لقد ناكني ضميري كثيرا ولم يتركني أنيكه حتى مرة واحدة.. سأشعر بالسعادة عندما اغتصب ضميري.. لن اعترض لو أعدمتني الإنسانية أو ذبحتني دولة الضمائر.. ولن استأنف الحكم أبدا.. لكن كيف سنستطعم الحرية من دون ضمير؟ كيف سيذوق ذاك الصارخ لذتها وبهجتها وفرحتها وحزنها؟ كيف سيعيش معناها؟ كيف ستعشقه النساء؟ كيف ستحبه الصبية سليمة بنت الحاج ونيس شنابو وتخصه بكل شيء جميل؟ لقد تطورت العلاقة بينهما في العيد.. لقد تجرأ وعيّد عليها بقبلة على الخد.. تذاوقت بشرته وبشرتها.. شم رائحتها.. شمت رائحته.. تآلفت الأخلاط في ساعة فرح.. في يوم عيد.. وسط الحلويات والبخور والتبريكات والعصيدة بالعسل والزبدة الوطنية.. الملامسة سيّلت الصبية سليمة.. ارتفعت بها إلى دفيئات لذيذة لم تبلغها من قبل قط حتى في أحلامها.. لقد تماست كثيرا مع صبيان من العائلة نفسها ومن الجيران وتماست مع فتيات في عمرها تحت البطاطين وبتواطئ مشترك أفرزته الرغبة في استكشاف الجسد وإمكانياته ومناجمه المخبوءة النائمة.. وتحصلت من ذاك التلامس على ملذات جميلة.. لكن ليست كاللذة التي اكتنفتها عندما لامست خدها شفة النصراني وأطلقت قرب أذنها فراشات أنفاسها.. رائحته زاخرة بالفحولة والحب والأحلام والسكر.. تمنت أن تعانقه مباشرة وليس في خيالها كما تفعل كل ليلة.. في كل ليلة كانت تغمض عينيها وتضع إصبعها على حلمة نهدها وتجلد عمَّيرة (العادة السرية) بمرح وجنون أيضا.. صار هذا النصراني هاجسها.. ينام معها.. يأكل معها.. يحلم معها.. ينط على الحبل معها.. يغسل الأواني ويكنس الفناء معها.. يغني معها.. يكتب ويقرأ ويدرس معها.. يستحم معها.. يتخيل معها.. لقد فاتحها بحبه بطريقته الخاصة المهذبة.. يصافحها ويترك راحته تضغط على راحتها لهنيهة تصاحب الضغطة التقاء عيون.. تخفضهما بسرعة وسط تضرج خدين وتعرّق جبين وصدغين.. يترك يدها ببطء وكأنه يخلع قفازا ضيّقا.. يشيعها بابتسامة حالما تلتفت ذاهبة إلى شأن من شؤونها.. ويستغرق في تتبع خطواتها.. مشيتها تصنع في قلبه ملحمة جمال وتناسق.. أفروديت ليبية تسير أمامه.. لا يرى فستانها ويرى ما تحته من لحم ساخن ناعم مرتعش يهتز ويرقص للحياة.. آه من مشيتها.. أنسته مشية حبيبته في بر الروم.. ما عاد الآن يدري عنها شيئا.. الحرب دمّرت كل شيء في أوروبا والعالم.. أزالت دولا وأنتجت دولا جديدة.. هجرات كبيرة غادرت إلى أمريكا.. حبيبته انقطعت أخبارها.. منذ أن ودعته قبيل التحاقه بالحرب لم يسمع عنها.. الرسائل التي أرسلها لها كانت تعود إليه لعدم العثور على العنوان.. لا يدري هل ماتت أم هاجرت؟ لا يدري هل نسته أم مازالت تتذكره؟ هو وفي لكن وفاءه للحياة أكبر.. الصبية الليبية سليمة ناعمة وساخنة ونكهتها كما التوت البرّي كما البردقوش الدرناوي في الحساء.. الحياة مملوءة بالحَبيبات والحبيبة المفقودة ليس بها إلا حياة واحدة.. يجهل مصيرها الآن.. قال له صاحب عقله: الحي في اللي يالاه. فاستمع إليه وبدأ يعيش حياته ولا يقتل نفسه بسبب ذكرى.. لقد ضاجع الفرنساوية حواء في الماخور.. وضاجعها في الحقفة (الكهف) على شاطئ الشابي في شهر رمضان المبارك.. وها هو الآن بعد العيد بأيام يركبها مجددا في الكهف في يوم الجمعة وفي منتصف النهار.. الشاطئ خال.. الجميع في المساجد يستمعون إلى خطبة الجمعة ويؤدون الصلاة خلف مبعوث الملك المحتفل بالاستقلال وتوحيد أجزاء البلاد المنفصلة.. وعلى الرغم من أن الجميع في الصلاة ولا أحد ظاهر للعيان إلا أن هناك في الركن عيون تبصكل (تتلصص).. تختبئ وراء شجيرة وتمسح الشاطئ بمنظار مُكبّر ومُقرّب.. لقد رأته العين يغيب في الكهف صحبة الفرنساوية حواء ورأته يخرج منه صحبتها وحالتهما بها دهشرة وارتباك.. هو يزرر أزرار البنطلون وهي تهندم وشاحها و بيشتها.. يعرفان أن ما قاما به حرام وغير شرعي في الأديان جميعها.. لكن الشهوة قوية.. الحب أقوى.. رعشة الحياة متغلبة على الشرائع والممنوعات.. الصبية سليمة التي تشغله في البيت تدمر مقاوماته.. تشعله بنظراتها ومشيتها المهتزة من فوق إلى أسفل.. تشعله بأنوثتها الطازجة البريّة المبهرة بالملح.. حسنا ماذا يفعل؟ عليه بتدبير أمره جنسيا.. العاهرات المحليات في المواخير لا يروقنه.. قذرات وغير جميلات وكبيرات في السن وبدويات لا يُجدن الزينة جيدا ولا المداعبة.. لا أحد في هذه المدينة يمكنه أن يركبه ويستلذ به سوى الصبية سليمة وأمرها شبه مستحيل أو الفرنساوية حواء.. الفرنساوية حواء ظامئة.. هي تابت لكن على ما يبدو ليس منه.. فما إن تشم رائحته ستتلاشى التوبة.. قالت له عليك أن ترافقني إلى شارع فياتارينو.. سأعترف للقسيس بما حدث بيننا اليوم.. وستعترف بدورك أنت أيضا كي نخلص روحينا من الذنوب.. سأطلب منه أن يدعو لنا بالخير والسعادة والمغفرة.. القسيس صديقي.. أحيانا يضاجعني ويعترف لقسيس آخر أكبر منه سنا.. وذات مرّة كان ثملا جدا فأعترف لحاخام الكنيس.. آه من منتصفي.. لماذا يحكمني منتصفي كلما شممت رائحة رجل جميل كأنت؟ أشعر أن الله سيعاقبني.. لا أدري ما هو العقاب وكيف؟ لكن صدقني سيعاقبني.. وهذا العجاج المالئ الجو علامة غضب.. لاحظ كيف يدخل أنوفنا ويدخلنا في نوبة سعال وعطس حتى نكاد نختنق.. هذا الغبار جعل السماء مصابة بالبرص.. ما عادت صافية.. تبقعت بالبثور المقلقة.. سيعاقبني الرب يا حبيبي.. لا أدري بالبرص أو الطاعون أو الجذام.. قال لها: كلنا في الهواء سواء.. ستكون عاقبتنا مشتركة.. وما دمنا نحب بعضنا البعض ونشتهي بعضنا البعض ولا نستطيع أن نستغني عن بعضنا البعض.. لماذا لا نفعلها؟ لماذا لا نتزوج؟؟ ابتسمت له وفنصت فيه بحدّة وانكسار ثم همست له في خجل: وتاريخي أيها الرجل الطيب؟ قال لها: لا أحد في هذا الوجود من دون تاريخ.. الجميع مسّه نصيب من الدنس.. من منا لم يرتكب خطيئة فليرمني بحجر. قالت له: الآن تتكلم في الاتساع.. تتكلم وأنت غارق في لحظة عشق وحب تغفر كل شيء.. تتكلم وأنت تمتطيني وشهوتك تتصاعد إلى الرعشة.. لكن بعد أن نتزوج ستتلاشى أو تخف تلك اللحظة المثيرة العمياء وقد تغضب وترى الماضي وتهينني بقسوة. قال لها: سأهين نفسي قبلك إن حلا لي فعل ذاك الأمر. دخلا الكنيسة وطلبا من القسيس الاعتراف.. كلاهما على حده.. وبعد الاعتراف طلبا منه أن يزوجهما معا. *** عاد إلى بيت الحاج ونيس اشنابو وأخبر العائلة بعقد قرانه في الكنيسة.. فزغردت فورا خالته مناني وعانقته بحرارة وفرح الحاج ونيس شنابو وبارك له وتمنى له السعادة والهناء وعانقه الصبي اسلومة وأحمر وجهه أمام أبيه وأمه عندما قال له النصراني إن شاء الله نفرح بيك حتى أنت قريبا.. العائلة كلها فرحت فيما عدا الصبية سليمة التي تفاجأت بالخبر وانزوت في غرفتها بعد أن جاملته فهنأته بمصافحة باردة وابتسامة مكسورة الخاطر لم تمر على أمها الخبيرة في قلوب البنات وألاعيب النساء ونبرهن الماكر. ساعدوه في مصاريف الزفاف وأقاموا له عرسا ليبياً على الرغم من أنه مسيحي وعروسه مسيحية.. علقت المصابيح والبالونات والأشرطة الملونة وسعف النخيل الأخضر المجلوب من سواني اللثامة.. تحول ميدان سوق الحشيش إلى مكان به كرنفال.. تم دعوة الجيران والمعارف والشخصيات البنغازية من مختلف الأجناس.. عرب.. يهود.. مالطيين.. يونان.. ايطاليين.. ألمان.. وجلبت فرقة شعبية مختلطة رجال ونساء.. غنت المطربة بطة اليهودية أغاني مرسكاوي.. يصاحبها عزف لعازف إيطالي على الكمان.. وعازف عربي على العود.. وزنوج على الطبل والدف والدربوكة.. ويهودي على الناي فرقص على إيقاع وموسيقا الأغنية الجميع.. الخيمتان متلاصقتان.. الرجال في ركن والنساء في ركن وبينهما الفرقة تبدع.. الجميع فرحان.. الجميع سعيد.. الحزينة الوحيدة في هذه الرَّغّاطة المفرحة هي الصبية سليمة.. أنفاس النصراني وفحولته وفمه الذي عيّد على خدها مازالت تؤثر فيها.. طوله الفارع عيناه الخضر شعره الأشقر بشرته البيضاء جسده المتناسق الذي لا هو بالسمين أو النحيف أناقته وعطره وذقنه الحليق دائما.. لقد كان جذابا.. أنساها كل الصور التي اختارتها من شباب بنغازي لفارس أحلامها.. النصراني وسيم وخلوق ويحبه بابا وماما وأنقذ أخي.. لقد وضعته في قلبها وبنيت عليه أحلامي لكن الفرنساوية حواء اللعينة خطفته مني.. لا أدري كيف لكن هما نصرانيان ويتفاهمان فيما بينهما أكثر مني.. يا لحظي التعيس.. وتدفن رأسها في المخدة وتبكي وتفطن لها أمها فتأتيها وتضمها إليها وتهمس لها.. الزواج قسمة ونصيب والنصراني ليس من ديننا وعمرك وعمره ليسا متكافئين.. الصبية سليمة كئيبة.. لم تأكل العصبان ولم تتناول حبّة واحدة من الأرز بالخلطة ولا حتى رشفة مسيّر حار أو عصير.. لقد فقدت السيطرة على نفسها واتخذت من العرس موقفا عدائيا.. مقاطعة تامة.. شعرت بأن صرحا عظيما في قلبها قد تصدع وانهار.. بكت وبكت لكن رفعت رأسها ونظرت إلى وجهها المحمر ورأت مسارب الدمع المختلطة بالكحل قد رسمت على خديها خطوطا رفيعة سوداء ملهمة كالتي تتبقى في قاع فنجان القهوة.. قالت لنفسها سأكون كأمي عنيدة وسأستعيد حبيبي النصراني من كل نساء العالم.. سأفعل مثلما فعلت أمي مع أبي الحاج ونيس التي جعلت شنبه يتواضع وينحني ويقدم فروض السمع والطاعة.. صممت على أن تتحصل على هذا النصراني وتناله وتجعله نصيبها.. لغة الحب لن يتحكم فيها الدين.. غسلت حزنها ومسحت خيبة أملها وصدمتها بمنديل من تفاؤل وعناد.. وقفت في العرس وقفة معتبرة.. اعتبرته وكأنه عرس أخيها.. طبخت وغسلت ونظفت وزغردت وغنت ورقصت وأطلقت البخور ونثرت بتلات الفل والياسمين وماء الورد من المرشّة الفضية على الحضور وارتدت أجمل ما لديها من ملابس ووضعت ألطف زينة وأرقها.. كانت جميلة جدا في البدلة العربية.. كل أجزاء البدلة وحليّها خائل عليها.. مناسب لها.. متألق على جسدها وروحها.. المحرمة القمجّة الكردية الرداء السروال الهفهاف الصباط الموشى بالخيوط اللامعة والحلي الذهبية الخالصة من أسفل إلى أعلى الخلخال في قدميها واليد الجريحة تلتف على أصابعها ومعصمها والكردان يهفو على صدرها والتاج يتوج جبينها والأخراص تتدلى من أذنيها والدملج يطوق ذراعيها.. والعطر الذي تعطرت به يذهب عقول الأنوف ويهيجها.. وعقد الفل والياسمين الطبيعي يطوق عنقها وينفث سعادة وبهاء.. كنز بشري جميل يتهادى في المكان ويحضر بتألق خفيف ماكر غير صاخب.. لقد كانت هي العروس الحقيقية.. لقد ضربت ضربتها في هذا العرس ومضت.. صفعت العريس والعروس وفتيات الميدان والشوارع القريبة وفاتنات الفرقة الموسيقية.. أكلت الجو من الجميع.. سرقت الضوء بجدارة.. بنات الجيران.. فاتنات اليهود.. الشاميات.. الأرمنيات.. الكريتيات..الطليانيات.. التونسيات وحتى المصريات وبالطبع الهدف المهم العروس نفسها التي زينتها أخصائية التزيين والمكياج في ملهى الأولمب.. جمالها سرق الأبهة والفخامة والفتنة من كل الأنوثة المتنوعة المسكوبة والمترعة في المكان.. حتى النصراني العريس لم يقاوم جمالها وغرق في النظر إليها وتأملها قطعة قطعة على الرغم من نحنحات العروس وقرصها الخفيف المتسامح لإصبعه.. لقد نظر وبادلته النظر.. لقد اشتهاها وبادلته الاشتهاء.. لقد خرج الحب الآن من قمقمه.. خرج في لحظة حرجة.. شعر أنه تورط في الفرنساوية حواء وتورط في حب الصبية سليمة وتورط في هذه الحرب العاطفية المدمرة التي لو سقط من عليائها فلن يجد جرس كنيسة ينقذه.. لن يجد إلا النار التي تعتمل في قلبه وتفتك بمشاعره كسرطان شرس لا يعبأ بدواء الصبر وحيل الكيمياء. لقد فهم لعبتها وقرر أن يقاومها بشتى الطرق.. هو الذي تزوج هذه المرأة لوضع حدٍّ لمحرماته معها.. فروحه من قبل ومن الأساس خيّرة لا تحب المعصية.. لكن هو مؤمن بأنه سيترك نفسه للحياة تعيشه وتمارسه حسب ما ترغب.. الرضوخ لرغبات الحياة بر بالإنسانية والفطرة.. فالحياة منحتنا نفسها لكي نعيشها فلماذا لا نمنحها أنفسنا لكي تعيشنا؟! *** اكترى بيتا صغيرا في شارع الشويخات.. اكتراه من صديق تعرف عليه في مقهى العَرُّودي.. له ابن وحيد.. و لا يملك إلا هذا البيت يعيش من إيجاره.. ويقيم في شقة صغيرة مع زوجته وابنه في دوره العلوي.. كثيراً ما جالس هذا الصديق الذي يعمل بحارا على قاطرة في الميناء وشربا معا القهوة بالكزبرة وأحيانا بعض كؤوس البوخا التي يشتريانها من اليهودية دودا بنت حواتو الكائنة خمارتها قرب البحر.. في هذا البيت الصغير الظريف الجميل المكسوة واجهته بأوراق دالية العنب دخل على حواء الفرنساوية.. ذات الجمال الأخاذ.. ذات العنق الطويل والنهدين المنفلتين من كل ستيانات الدنيا والقوام الرشيق الذي من الممكن جدا أن تمسك خصره بقبضتك.. سر الجمال في هذه الفرنساوية يتموضع في عينيها الذابلتين الناعستين المعبرتين جدا أثناء ممارسة الحب والشبيهتين بعيني الممثلة مارلين مونرو.. لا تغمض عينيها تماما.. لكن تتركهما كشرفة يعبث بدفء رموشها النسيم.. من عينيها تصنع كل شيء.. تضع الرجل في جيبها.. تستعبده.. تسيّره كما تريد.. من عينيها يسيل السر لينفخ ثدييها ويدوّر مؤخرتها.. ويدقق أنفها.. ويرطب ويورد شفتيها.. وينعم شعرها.. ويبرم ساقيها.. ويبث في مساماتها النار.. ويريّن جسدها بالكامل صاقلا قوامه وفق مقاييس الجمال الإغريقية.. من عينيها تبدع جمالها وتنثره على الذائقات فتتهافت عليه مهما كانت متكابرة أو ضاربة روحها بعَصْبة.. تسل منهم العَصْبة مهما كان نوعها أو حجمها وتجعلهم يلحسون التواضع ويتعبدون في محراب الجمال هذا. عاش أيامه الأولى معها في سعادة.. ثوب كهنوته القديم مازالت تحتفظ به.. علقته في صوان في غرفة النوم.. كل يوم تنفضه من الغبار وتبخره وتقبله وتعيده إلى مشجبه المصنوع من خشب الزان.. ملأت جيوبه زجاجات عطر صغيرة وكتل مسك وعيدان بخور.. كانت الفرنساوية زوجة مطيعة حنون.. حافظة لبيتها.. تحترم جيرانها.. لم تنقطع عن عمل الخير قط.. لا يمر يوم حتى في شهر عسلها إلا وتأتيها عربة أو سيارة لتحملها إلى امرأة في حالة وضع.. تلتقط حقيبتها ومقصها الذهبي وتستأذن زوجها وتغادر معهم.. أحيانا يطرقون عليها وهو فوقها فيبتسم وينهض مستغنيا عن الزمن واللذة ومفضلا منح زوجته لحياة جديدة مشتاقة لصرخة البدء.. ينهض إلى الحمّام وهو يمازحها: مسكين من يتزوج قابلة.. لكن عندما تعود وتخبره عن الطفل أو الطفلة التي ساعدت في إخراجها إلى الحياة يشعر بالسعادة وتتأجج فيه الرغبة في الأبوة فيواصل مضاجعتها.. ذات مرّة ساعدت في إنجاب توأم فضاجعها ثلاث مرات متتالية من دون أن ينهض من فوقها.. عندما استغربت في الأمر أشار إلي برطمان صغير جلبه من عطار النجار فضحكت ومازحته لقد كبر زوجي و لا يستطيع التمتع بي إلا بمساعدة طب العرب.. ظننت أن التوأم هيّجك.. دائما تعود من عملها الإنساني هذا محملة بالحب والرضا والهناء والهدايا البسيطة التي يصر الناس على منحها لها على الرغم من رفضها المُلِحّ. تحصل على عمل في فرنتاية الحاج ونيس شنابو.. سائق رقريقي (يوناني) سافر إلى اليونان فأخذ النصراني مكانه.. صار يجلب الرمل والمرش والأحجار من الكسارة ويقلبها بواسطة صندوق شاحنته القلاب على رصيف الميناء.. يفرغ عبوته ويعود مباشرة إلى الكسارة.. كل يوم عليه أن يقوم بثلاث رحلات.. بعدها يركن الشاحنة أمام بيته ويستريح حتى فجر اليوم التالي.. ما أعجبه في الشاحنة هو رافعها الأبيض الكروم الصلب الخالي من الصدأ يراقبه وهو ينتصب تدريجيا ويرفع الصندوق ليهيل ما يحمل من الرمل أو الحصى على الأرض.. يقول في نفسه هذه هي الحياة.. أنا أرفع صندوق زوجتي.. وزوجتي تهيل الأطفال على رصيف الميناء.. يحفن حفنة رمل من التي أفرغها توا و يتأملها.. ثم يتمتم آه يا أبناء الرمل تموتون ونردم بكم الميناء.. ونرصف بكم الطرق.. ونبني من أحلام رفاتكم بيوتنا.. متى رحلتم عن هذا العالم؟ وهل متم بصورة طبيعية أم أنكم متم كما تموت البشر الآن وهم أحياء؟ سنردم حتى نحن فراغ القبر ذات يوم وفراغ القبر سيردم الامتلاء الذي يختاره.. إنها متاهة رملية.. وزمن رملي لا قيامة له تلوح في الأفق.. أنظر إلى هناك.. ها هو الغبار.. ذاهب قادم لا ندري.. إنه يصنع دوّامة.. دوّامة تقلب عاليها إلى أسفلها. مرت الشهور الأولى من الزواج سريعا.. سعادة تركض على مضمار ممهد منحدر هادر بابتسامات الماء كشلال.. وكان للحبَل لابد أن يحدث.. فالتنور نار والمدق ثاقب والظروف المصاحبة ملائمة جدا.. و بالونة البطن متحفزة للانتفاخ.. وحدث الحمل.. وانبثقت الخصوبة.. هو الحمل الأول بالنسبة للفرنساوية.. فمن قبل فشلت تجربة زواجها الأولى.. لم تكلل بمولود.. فزوجها توفي في الحرب بعد أسبوعين من الزواج.. وأخوته فاسدون قساة.. بعد موته هربت معهم من أتون الحرب إلى الدواخل وهناك حاولوا استغلالها جنسيا والتقويد عليها من أجل المال بعد تأكدهم أن رحمها خال من دمهم.. هربت منهم لينتهي بها المطاف في ميناء مرسيليا.. تحصلت على عمل ممرضة في إحدى السفن.. لكن جمالها أطمع فيها المرضى وأفراد الطاقم والقبطان.. في عرض البحر استسلمت للجميع.. حسبتها جيدا.. الاستسلام ثم التوبة أفضل من الرفض واغتصابها ورميها لأسماك القرش.. اختارت الحياة رغم قذارتها وبؤسها.. كانت تقفل عينيها وتترك جسدها يستلذ حريصة في كل مضاجعة على تناول موانع الحمل.. عندما وصلت السفينة إلى ميناء سوسة في تونس كانت قد اكتسبت مهنة جديدة.. تسمى أقدم مهنة في التاريخ.. وجدتها جميلة.. وذات رسالة إن تم تفهمها وقبولها بعيدا عن طعن ولعن الذات.. قررت أن تواصل لعبتها حتى النهاية.. صار الجنس لذيذا بالنسبة لها.. أدمنته يوميا.. وتفننت فيه.. كل رجل مشروع تجربة تكتسب منها لونا جديدا.. ومن الألوان جميعها استطاعت أن تخص نفسها بلون خاص لذيذ.. من خلال هذه الممارسات الجنسية اكتشفت العالم.. قرأته من طق لطق إلى السلام عليكم.. عرفت كيف يسير وكيف يفكر؟ كل مضاجع يحكي لها عبر آهاته عن وجع حقيقي وألمٍ ألمَّ به وحزن اكتنفه وفرح نبت فيه وفاض عن حده.. اقتنعت أنها ممرضة متميزة وممتازة تداوي جراح القلوب عبر فتحة المنتصف.. اقتنعت أنها طبيبة نفسانية.. تعالج النفوس مبتدئة من أسفل إلى أعلى.. الجبل يصنع الوادي.. والوادي يجعل الجبل يرى أشياء جميلة.. ماء.. خضرة.. سمك.. مراكب.. بحر كبير.. له أمواج تغسل أقدام الجبل وتصعد مع الأقدام لتغسل عورته وتطهره بملح الأعماق من قذارة الأعالي. الجبل دائما يبكي.. وكلما بكى حبلت هضابه وولدت واديا جارفا حيا يصنع مساربه بانطلاقة الماء الحرة. عقدة الإنسان الأساسية هي الجنس.. الخلود.. البقاء.. البطولة.. العيش والغرق في اللذة غير المؤلمة التي تجعله يرتوي ويشبع ويتفسأ بسهولة.. ومن ثمَّ يصل إلى نيرفانته الاستهلاكية الاسترخاء.. المشاكل تحدث بسبب الظمأ.. التفكير عقب حالة الارتواء يؤدي دائما إلى قرارات سليمة وناضجة.. اكتشفت أن معظم ثروة العالم يصرفها الإنسان من أجل مصلحة عضوه.. يختنه ليرضي الله و ليجعله كرمح أو قلم يخط جيدا.. وإن لم يختنه فيؤخر له بسبابته وإلهامه قبعته قليلا قبل كل إيلاج.. كل الصناعات.. كل البُنْيات التحتية والفوقية.. كل الحروب.. كل العمل.. كل الفن.. كل الدين.. كل الطرق الحياتية التي يركض فيها الإنسان هدفها واحد.. هو أن يرتاح.. أن يحب.. أن يمارس هذا الحب عاطفيا وجسديا.. يمارسه كما يحب وليس كما يفرض عليه.. وكلمة كما يحب تؤدي إلى شيء مغروس في جينات الإنسان اسمه الأنانية.. النجاح والفشل في أمور الحب يتوقف على تلك المفردة: الأنانية. وكيف يتم التعامل معها؟ وكيف يمكننا اقتسام منافع الحب بعدالة؟ الحروب تقوم لأنه هناك إنسان يضاجع في ظروف ملائمة وراقية أكثر من الآخر.. أمريكا تسرق البترول وثروات العالم لتجعل العالم يخدمها ويحرسها وهي تضاجع.. إن فشلنا في توزيع ثروة الجنس حتما سيكون الشقاق والحرب والكراهية وكل الأمراض الدنيئة الغارقة في الفساد والقذارة.. المثل الشهير الذي يقول هات منديلك أمسح به أخاف على منديلي من التلوث مثل عميق وصحيح.. لن أمنح منديلي إلا لأنفي وسأبحث عن من يؤمن بهذه المعادلة.. آه وجدته.. وجدته سريعا لأنني أتناول الآن الشاي مع البسكويت المملح.. الوحيد الذي فهم معادلة الحب الصحيحة هو الملح.. خاصة عندما يكون في النور.. سنرى الملح دائما يبتسم للجرح ويكويه فيشفيه ويجعله يلتئم فورا ليصير حديقة زاهرة تنتج الفائحة الزكية التي تجعل الأنوف تلامس بعضها البعض وتشم بعضها البعض والأنوف عندما تنحني لتحية بعضها البعض تتحول الانحناءة إلى قبلة.. الأنف جميل.. تعلوه عيون.. تحته ابتسامة.. على جانبيه أذن تعشق سماع الموسيقا.. أروع موسيقا في العالم هي أنفاس الأنف.. الهادئة.. المتسارعة.. موسيقا دافئة.. بإمكاننا أن نتغطى بحرارتها وننام في الإسكيمو.. الجليد لن يوقف دمي لأنني أضاجع الآن فتاة الكلمات التي فورتني وجعلتني بركانا ينفث الورد الأصفر.. سأهديك باقة أنت أيتها الجميلة لكن بشرط أن تسقيها كل صباح بدموعك.. لا أحب المرأة التي تبكي.. لا أحب النضال والصمود والبطولة.. أحب المرأة التي تخاف من الفأر والصرصار والتي عندما تتسلل وراءها وتفجعها بلمسة أو وخزة تطلق العياط ومن العياط تبدأ أفلام النساء التراجيدية سأقول ياناعليْ وأخرج من غرفة الكتابة لأبحث عن شيء أركبه.. وجدت حصانا أحمر ورأسه أخضر.. اقتربت منه أكثر لتتضح لي معالمه جيدا.. إنه قرن فجل أو جزر ليس إلا.. غسلته بماء نافورة ميدان الشجرة وأكلت رأسه.. أما أوراقه الخضراء الكثيفة فرميتها لحمار يجر كارو قادما من شارع العقيب.. التهم العشب رغم مضايقة الشكيمة له (اللجام) و شكرني جدا بهزهزة ذيل رشيقة. *** حبلت الفرنساوية حواء وتقدم حملها.. صارت تتوحم وحما متعبا.. كل يومين يأخذها النصراني إلى خالته مناني.. تهتم بها وتطبخ لها طعاما وتغسل لها ملابسها وملابسه.. وعندما تعود الصبية سليمة من المدرسة ترتاح خالته مناني لتواصل الصبية الاعتناء بمودة وأمل وحب وشهامة بنغازية تتجاوز الجراح المتقرحة في أغوار قلبها. سليمة نشيطة جدا.. ما شاء الله عليها.. ما إن تعود من المدرسة حتى تستلم شغل البيت.. وتحمست جدا للعناية بالفرنساوية حواء الحامل.. تقبلتها على الرغم من أنها خطفت حبيبها المفترض.. الفرنساوية طيبة.. قلبها واسع.. صائنة للسر.. غير نمامة.. صادقة.. مبتسمة.. كريمة.. دمها خفيف.. لا تشعر معها أنك تخدمها.. تشعر أنك تقوم بواجب نحو أختك أو أمك.. الصبية والفرنساوية صديقتان.. بدأت الصبية سليمة تثق فيها.. صارت تحكي لها عن مغامراتها وعلاقاتها العاطفية.. لقد لاحظ النصراني أن الصبية نضجت أفضل من ذي قبل.. وإن بستانها صار يُعتنى به في السر من المحظوظين.. لقد نضجت أكثر واستدارة وركيها تكاملت ونهداها برزا ككرتي تنس أرضي والحلمة صنعت تحت القميص أو الفستان دائرة كالبطمة.. من خلال التقاء العيون عرف أنها قد بدأت تتدبر أمر جسدها.. علامات الارتواء وهدوء الأعصاب واضحة على محياها.. شعر ببعض الغيرة.. من ذا الذي يتمتع بكل هذه الأنوثة والجمال.. على الرغم من زواجه وحمل زوجته إلا أنه مازال متعلقا بها.. يرغبها بجنون.. يستدعيها في الظلام عندما تغفل الفرنساوية حواء قليلا عن مواصلة مداعباتها.. تطورت الأمور بانتصابية وتلذذ.. صارت الصبية تطلب من أمها زيارة الفرنساوية في البيت.. تمكث معها ساعات طويلة.. أحيانا نصف نهار بأكمله.. وعندما يعود النصراني من عمله تستأذن وتعود إلى بيتها.. صحبة أخيها أو بمفردها.. حيث لا خوف ولا قلق فكل السكّان يعرفون بعضهما البعض. بدأت حالة الفرنساوية حواء تسوء.. ما عادت تخرج لمساعدة النساء في ولاداتهن.. تقضي كل يومها في السرير.. تتقيأ.. ترتفع حرارتها.. يضطرب قلبها وتنتابها دوخة.. يهاجمها الجفاف من حين لآخر.. عندما تتعقد حالتها ويغلبها الإعياء يأخذها النصراني إلى المستشفى يحقنها الطبيب بالجولوكوز وبالسوائل المغذية الأخرى وبحقنة لإيقاف القيء.. في فجر أول يوم من الشهر السابع فاجأها المخاض.. أكترى لها عربية وحملها إلى المستشفى الكبير.. قبل أن يغادر أوصته أن يقطع الحبل السرّي لمولودهما بمقصّها الذهبي ليكون أخاً لكل أطفال بنغازي.. أخ ليس بالرضاعة.. إنما بالملح.. بالجرح الذهبي.. بألم الدم المشترك.. كذلك حملت معها ثوب رهبنته.. أوصته أن يكفنوها به إن ماتت.. بكيا وتعانقا وغادرا بواسطة العربيّة إلى المستشفى. في المستشفى صرخ الجنين المطل من رحمها.. صرخت حواء متألمة كثيرا.. لم تحتمل الألم الذي تمسك في أوتار الموت وجذبها إليه فتقطعت فصمتت إلى الأبد بينما الألم استمر في صراخه في عالم جديد ليس عالمنا.. فكأنه هو أيضا ولد وتلقفته بقية الآلام الميتة وأرضعته ووضعته في برزخ الانتظار لينتظر مع المنتظرين نفخة البعث الكبرى.. فعلوا كما أوصت بالضبط.. قطعوا الحبل السرّي بمقصها الذهبي وفيما بعد كفنت بردائه الكهنوتي.. لم يخرج من جيوب ثوبه أي شيء.. احترم خياراتها.. ترك في جيوبه كل العطر والمسك والبخور وقصاصات ورق لم يسمح لفضوله أن يفتحها ويقرأها ليكشف سرها وذكرياتها وخصوصياتها.. دفنها في مقبرة المسيحيين واحتفظ فقط بالمقص الذهبي.. لفه في قماشة قطنية نظيفة ودسّه في زير صغير مملوء بملح كركورة. حزن كل سكان بنغازي لموتها.. الرضيعة احتفظ بها المستشفى في قسم حديثي الولادة.. بعد شهرين سُلمت إلى والدها الذي استلمها حزينا جدا.. لم يعرف إلى أين يذهب بها.. عاد بها إلى البيت.. وضعها على سرير الزوجية.. حيث كانت أمها تنام وتمارس الجنس.. حيث حملت بها ذات قيلولة بنغازية رطبة.. مازال يتذكر يوم حملها.. الشهر في منتصفه.. شمس المحبة في منتصفها.. قمر الهدوء في منتصفه.. كانت الفرنساوية حواء تعد له الحرايمي.. وكان هو في الحمام يستحم.. وعندما خرج من الحمام أفعمت أنفه رائحة السمك وكمون الحوت الذي ليس ثمة حرايمي بدونه كما يقول الكاتب محمد عقيلة العمامي في إحدى نصوصه البحرية كذلك رائحة الحرارات والفلفل الأكحل الممزوجة برائحتها الشبقية.. كانت ترتدي روب بيت من دون أكمام.. قصير بالكاد يصل إلى الركبتين.. قال لها أوقفي الطبخ الآن.. أطفأت الموقد فجذبها نحوه.. وهمس في أذنها.. خلاص.. أوكي.. برونتو.. كل شيء تمام.. قلبي ارتاح.. تأكدتُ أنني أحبك.. الآن نريد طفلا يربطنا إلى الأبد ويكون خليفتنا على أديم المالحة.... اتسعت ابتسامتها ورمت بعلبة العازل بعيدا وعانقته عناقا مصحوبا بالبكاء والفرح والقشعريرة التي اكتست جلدها من دفء أنفاسه قرب رقبتها.. شعرت بقيمتها وإنسانيتها وأمومتها القادمة.. شعرت أن التحفظات زالت وأن الماضي رُدم إلى الأبد وأنه ابن حلال وأن الدنيا بخير وأنه يحبها بصدق وليس من أجل أي مصلحة وقتية.. مارسا الحب حتى الغروب.. لم يتمكنا من إحصاء عدد المرات.. لقد كانت قيلولة رائعة.. قيلولة مشتعلة في برميل سكر.. بعد الغروب استحما وسخنا طبيخ الحرايمي فأكلاه.. ثم خرجا يتفسحان على شاطئ الكورنيش وفي الليل أكملا السهرة في بيت الحاج ونيس اشنابو.. وفرحت الحاجة مناني لقرارهما الصائب في الإنجاب وقالت لهما ربي ينجيكم لي.. أخيرا ستجعلونني جدّة أيها الأعزاء. الطفلة الصغيرة تبتسم وعيناها مغمضتان.. فكر أين يذهب بها.. وقطع تفكيره عصافير رابضة على أغصان الدالية تداعب بمناقيرها حبيبات العنب الخضراء النيئة.. فكر أين يذهب بها وقطع تفكيره نسيم بحري منعش مشبع بالملح ورائحة الطحالب يدخل من بين قضبان النافذة مرقصا ثنايا الستارة على مهل.. فكر أين يذهب بها.. هل يسلمها للملجأ في الفويهات ليعتنوا بها ويربوها؟ لكن عدل عن فكرة الملجأ ولفّها في شاله وتوجه بها فورا إلى خالته مناني التي رحبت بها وحممتها وقمطتها وعطرتها ونادت على الجارات فحضرن مسرعات كل واحدة معها هدية وزلوف (نقود) وامتلأت غرفة الصبية سليمة التي أصرّت أن توضع الرضيعة في غرفتها بالهدايا والعطايا.. خصصت لها الصبية مهدا صغيرا وضعته بجانب سريرها.. أبعدتها عن النافذة خوفا عليها من هبة النسيم واعتنت بها ففرشت لها بطانية جديدة وخصصت لها أغطية بيضاء نظيفة ومكوية.. لقد كانت الفرنساوية صديقتها وأختها وأبوها النصراني أكثر من صديق وأخ. ابتسم النصراني وارتاح باله فابنته وجدت أهلا ولم تتشرد في الملاجئ.. سبحان الله.. هذه المدينة التي لا تترك كبيرا أو صغيرا ذائحا أو محتاجا.. قال له الحاج ونيس ماذا تفعلون للمواليد في ديانتكم من طقوس وتعاويذ.. هل تذبحون لهم يوم الأسبوع ذبيحة أو توزعون حلويات.. فقال النصراني: لا أدري.. لكن سأعتبر هذا الصبية ليبيا فافعلوا لها ما تفعلون لأبنائكم.. ابتسم الحاج ونيس وابتسم النصراني وابتسمت الصبية سليمة وأمها الحاجة مناني والطفلة وخيال الفرنساوية السابح في المكان.. وتمرأى للوجود شعاع حب نابض ربط بين الاثنين والثلاثة والعشرة والخمسة مليون والملياروالترتتيتتتيييون. في يومين فقط توطدت العلاقة أكثر واتسعت مساحة الملامسة بين النصراني والصبية سليمة التي صارت تبتسم وتغازل النصراني بطريقتها.. تتناول الرضيعة وتقبّلها في فمها وعلى خدّيها.. تمدّها له لكن تلمسه هو أيضا.. هو يرحب بلمستها باستبقاء اللمسة ومنع مغادرتها لهنيهة.. ذات صباح ولم يمض أسبوع على إحضار الرضيعة لهم كان جو البيت هادئا.. سكون تام.. تعطس نملة تسمعها.. الحاج ونيس في العمل.. الصبي ذهب يصطاد على شاطئ الكبترانية ومعه سكين بوخوصة للدفاع عن نفسه إن هوجم.. خالتي مناني في لمّة لدى إحدى الجارات.. دق النصراني الباب ففتحت له الصبية.. ابتسمت فدخل وتنحنح وأطلق السلام.. فلم ترد خالتي مناني كعادتها وتدعوه للجلوس.. ليس في البيت غيرها والرضيعة.. قالت له لا أحد في البيت غيرنا.. تفضل.. تعال شوف ابنيتك أقصد بنيتنا وابتسمت في مكر.. سارت أمامه تهتز بمؤخرتها السخية.. كانت ترتدي روب نوم وردي يصنع أمواجا مجنونة مع كل خطوة غنج تتقدمها.. مشيتها ألهبته واقتحمته وأجبرته على الاستسلام.. مشى وراءها وقلبه يخفق بشدة وقضيبه يستيقظ من نوم التقدير والاحترام والتحفظ راكلا الموانع والتحفظات وغاضا الطرف عن العيوش والأملاح.. ناولته الرضيع فقبله سريعا وأعاده إليها فأعادته إلى مهده.. وعندما وقفت من انحناءتها على المهد وجدته خلفها يبتسم فابتسمت هي أيضا وقالت له: ـ شنو تحب تشرب؟ قال لها: لا شيء.. أريد أن أجلس فقط. أدنت منه كرسيا فجلس عليه وأحنى رأسه يفكر قليلا ثم وقف ليجدها واقفة أمامه تتأمله.. قال لها وهو ينظر إلى المهد: ـ بنيتنا تبيك. وابتسم فاحمر وجهها بمجاميعه فاقترب منها وامسكها من ذراعيها العاريتين وجذبها إلى صدره فأطلقت آهة لذة ولم تقاوم.. كانت على حافة الاستسلام.. كانت تريده.. لقد صبرت وتحصلت عليه.. تحصلت على جسد أوروبي رياضي جميل غير مشوه كأجساد الليبيين شبه المشوهين من المرض ومن زواج الأقارب وسوء التغذية وعادات المعيشة السيئة ومن الهموم أيضا.. شعر أشقر.. عيون خضراء.. قامة ممشوقة.. خفة دم.. نقاء روح.. بطولة.. صدق.. شجاعة.. قبلها وطرحها على البسطة العجمية ينقشان معا تاريخ بنغازي الملحي الفلفلي ويكتبان تواريخ جديدة تؤسس لعصور النهضة الجنسية.. ينسجان اللحم ويخيطان الريق ويُركبان الآهات المسترخية على براقات الطائرات الورقية.. كانت تطوقه بكل حبها.. ليس بقوة.. لكن بحب.. وحنان.. وتعلق متشبث في أمل نجاة.. رعشات عظيمة توالت على جسدها.. روحها سمت وشفت وتطهرت وتـنقت.. هذه هي المرة الوحيدة والأولى التي أحست فيها بحلاوة الجنس.. الذين مسّوها من رفاق الشارع والمدرسة كان شغلهم بدائي.. حافظ على بكارتها بكل جهده لكنه غاص فيها إلى أبعد مكان ومدى ممكن ومحتمل. هي تصرخ والطفلة تصرخ والحب الذي بينهما لا يفعل شيئا سوى أن يستمر و يبارك باقة الصراخ اللذيذة. عندما عادت خالته مناني وجدته جالسا هادئا في المربوعة.. يدخن سيجارته بمزاج.. أمامه قهوته وكوب ماء بارد وطبق به غريبة ومقروظ.. شعرت أنه ركب.. ولكن ماذا ستفعل له ولها.. رحبت به كالعادة ودخلت سريعا للاطمئنان على ابنتها.. وجدتها رائقة المزاج هي الأخرى وهادئة تمضغ اللبان وتمشط شعرها وتغني فعرفت أنها قد ذاقته حتى ارتوت وعليه لابد من تدبر أمرها قبل أن يستفحل الأمر وتتخصّب شجيرتها. حصرتها في زاوية الغرفة وسألتها بمكر: ـ آه يادادا إن شاء الله الأمور مشت كويس ومانضريتيش.. فأجابت الصبية: ـ ماذا تقصدين يا ماما؟ فقالت أمها مناني: ـ هههههههه ها لا شيء لا شيء.. إنَّ بعض الظن إثم. لكن بينها وبين نفسها الخبيرة كانت تقول تربي أفعى في جيبك لا تلدغك.. لكن بنتك و تربيها في حوشك تلدغك وتسوّد وجهك في آخر أيامك اللهم استرنا يا رب. في الليل بعد أنْ ضاجعها سي الحاج ونيس واسترخى يدخن سيجارته البرستل.. قالت له: ـ البنت كبرت يا حويج.. ياريت ايجيها عريس انحطوها في رقبته وانتريحو.. أجابها الحاج: لقد طلبها مني الكثيرون لأبنائهم وإخوتهم وكنت أرفض.. ابنتي الوحيدة جميلة مثل أمها غير مستعجل على زواجها.. أريدها أن تنهي تعليمها أولاً وتتحصل على شهادة.. الدنيا فيها موت وحياة يا وليّة.. والشهادة ضمان للبنت في هذا العصر.. وفي النهاية الزواج قسمة ونصيب. *** في اليوم الثاني التقاها النصراني أيضا.. هذه المرّة في العشيّة.. حيث تكون سقاية النوّار ألذ من الصباح.. قضيا وقتا جميلا على الرغم من قصره.. وفي اليوم الثالث ذهبت إلى المستوصف لتطعيم الرضيعة ثم مرّت عليه في البيت حيث وجدته يكرع كؤوس النبيذ فرحب بها ومارسا الجنس على سرير المرحومة الفرنساوية حواء بحرية أكبر.. لكن بعد الارتواء انتابت النصراني حالة بكاء وتذكر العيش والملح والأخلاق البنغازية والخيانة وزوجته المرحومة وخطيبته المفقودة في بر الروم والحاج ونيس شنابو الذي وثق فيه وفتح له بيته وخالته مناني التي تعامله مثل ابنها وأخيها... هل هذا المعروف يجازيه بالخيانة.. وبتدنيس شرف ابنتهم التي تربي له ابنه.. غاب في بكاء عنيف ودخل إلى حالة هستيرية قوية وصرخ في الصبية سليمة.. لا يمكن أن يستمر هذا العبث.. لابد أن ننتهي من هذه القصة.. عيب أبوك وأمك طيبين وأخوك طيب وانتم تربون ابنتي.. فزادت رغم صراخه وبكاءه وهستيريته تعلقا به.. عانقته.. صارت تقبله وأعادته مرغما إلى جنون الجنس اللذيذ فتحولت صرخاته إلى آهات ونشيجه إلى غناء وغزل وارتفاع وانخفاض وتقلب.. بعد أن استحما قال لها ماذا نفعل الآن؟ لن نستطيع الاستغناء عن بعضنا البعض بعد أن تذوقنا بعضنا وعثرنا على قفير عسلنا التائه.. قالت له في خجل وهي تحك سبابتيها إلى بعضهما علامة الاقتران: إذن نتزوج.. قال لها: ـ كيف؟!.. أنا مسيحي.. وأنت مسلمة. الطفلة بدأت تصرخ من أثر إبرة التطعيم في ساقها واوواوواوواوواو.. والنصراني يفكر في كلماتها واقتنع بالفكرة مسلمة ومسيحي.. مسلم ومسلمة.. الدين واحد وليس عائقا.. قال لها: خذي الرضيعة لأمك.. الليلة سأفاتح أباك في الموضوع. فرحت جدا وكادت تزغرد وأخذت تقبل الرضيعة وترقصها وتضمها إليها وانتابتها هي الأخرى حالة هستيرية صحبها بكاء وصراخ وحاول أن يأخذ منها الطفلة فلربما تسقط من يدها وهي تتهستر فتمسكت بها جيدا وضمتها أكثر وأخذت تهمس له في أذنه ببطء.. أنت الآن بنيتي بصح وصحيح بحق وحقيق وفتحت بطم فستانها وجذبت ستيانها إلى أسفل فانبثقت قبّة ثديها اللطيفة فوضعت فم الرضيعة على حلمتها الصغيرة الظريفة التي مازالت منتصبة ومضيئة من وقود الجنس.. صارت الرضيعة تمتص وبصورة متواصلة على الرغم من أنها لا يأتي منها حليب وعندما رفعتها عنها بكت بكاء شديدا وحزينا يمزق نياط القلب فضحكا وقالت لها: طالعة لأبيك يا حلوة تحبين المص. دخل النصراني إلى مقهى العرّودي فوجد الشاعر احمد رفيق المهدوي.. شربا القهوة معا وتبادلا الأحاديث.. وفي لحظة تجلٍ أفصح النصراني لرفيق عن رغبته في الزواج من بنت الحاج ونيس شنابو.. فشجعه الشاعر رفيق ووافق على مرافقته الليلة إلى بيت الحاج شنابو لطلب يدها. في الليل بعد العشاء الدسم اللذيذ وبعد شرب الشاي وحضور الحلويات والفاكهة ووسط إشعال سجائرهم واعتدال مزاجهم تكلم الشاعر رفيق حول الموضوع فأجابه الحاج ونيس اشنابو هذا شرف لنا ولا يمكننا أن نرد شاعرا مبدعا ولو طلب حياتنا.. البنت بنتك يا شاعر الوطن.. وبالنسبة لي أنا موافق لكن تبقى مسألة الدين فالرجل نصراني أيها الشاعر الجميل كما تعلم ويعلم الجميع.. فقال النصراني مباشرة: ـ اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدا رسول الله. فتعالت صيحات الحب والاستحسان والبشائر ووقف الحاج ونيس متمتما بكلمات من صنف.. يهدي من يشاء ويضل من يشاء.. وعانق النصراني قائلا له مبروك مبروك.. وشاركهما العناق الصبي اسلومة والشاعر رفيق ولعلعت زغرودة من الحاجة مناني فانطلقت الزغاريد مباشرة من كل بيوت ميدان سوق الحشيش فالخبر كما النور انتقل سريعا.. نصراني عيت الحاج ونيس اشنابو اسلم وسيتزوج سليمة بنت الحاج ونيس.. كانت ليلة مباركة وممتعة.. في الجمعة التالية تمت قراءة الفاتحة وتم ختان النصراني بمقص الفرنساوية الذهبي.. ثم منح اسما إسلاميا ليعرف به هو "رمضان المسلماني". بعد إسلام النصراني هل يمكننا الآن أن نقول إن الإسلام قد انتشر بالفتح والطرق الصوفية والتجارة فقط.. سنضيف وبالحب أيضا. *** الأيام تأخذني هنا وهناك، سأسمح للأيام أن تـُركِبُني على ظهرها.. و تمرح بي.. إن سقطت تلتقطني وتعيدني قبل أن تشج جبهتي الأرض.. أو يندبر مرفقي، وإن لم تتمكن و كانت الأرض سباقة في جذبي إليها فسأحتوي السقطة بإسفنج الصبر وأقفز مجددا على ظهر تلك الأيام التي تنطلق بي من بنغازي إلى طرابلس إلى غات إلى طبرق إلى درنة وتعيدني إلى بنغازي لأنزل من على ظهرها بهدوء في محطة الفندق البلدي. أحب الأيام لقصرها.. لا يمكنني امتطاء عام أو قرن أو دهر.. ذاك الركوب طويل و مورم لمؤخرة زمني.. لكن الركوب على ظهر يوم قصير شيء لطيف ظريف خفيف الظل.. قصير الزمن.. سرعان ما تنتهي الرحلة لتبدأ غيرها.. منفذا وصية الحياة السائرة بلا توقف و متماهيا ومتساوقا معها.. فالحياة رحلة ليس إلا.. الكل لديه تذكرة لركوب هذه الحياة والمحصل قاطع التذاكر ليس ملك الموت لكنه اليأس.. لماذا نرحل دائما؟ هل لأننا نستيقظ.. ولا أحد يستيقظ من دون أن ينام.. فهيا إلى النوم يا أقلامي وأوراقي وخيالاتي.. فراش الحب ينتظر.. وِسادة الحب تمنح أحلام ريشها وصوفها وقطنها وليفها لكم.. تمنحكم أحلام حشوتها التي جعلت نفسها نهدا مملوءا بالحليب ترتاح في خمائل دفئه الرؤوس.. ناجية من أمطار المرارة ونكد الكوابيس. هذا اليوم أحببت فتاة جديدة.. كان يوما صيفيا من شهر ناصر يوليو.. هذا الشهر من شهوري المفضلة ففيه دائما تحدث لي أحداث مؤثرة.. أول نص نشر لي كان في هذا الشهر.. استيقظت وركبت يومي.. وربت على وركه لينطلق.. مشى بطيئا بطريقة كسلى.. لم يخرج بي من بنغازي.. أخذني إلى وسط المدينة.. حيث الكتب والملح وزحام الناس على مصادر الرزق. نزلت من على ظهره وجلست على كرسي لتأتي إليّ فتاة جميلة لم أرها من قبل.. لا يفوح منها عطر ولا تبالغ في أناقتها، تمارس الحياة بهدوء في كل شيء.. تميزها ابتسامة شفافة، قبل أن تصل العين تكون قد فعلت في القلب فعلتها.. ابتسامة حرّاثة.. بذّارة.. ممطرة.. مضيئة.. تجعل القلب جنة خضراء فائحة.. عيناها حالمتان ناعستان قليلا مفتوحتان لكنهما في الوقت نفسه مقفلتان ربع إقفال.. عينان ساحرتان هكذا وجدتهما.. تحت إحدى عينيها قرب الجفن السفلي بالضبط بقعة سوداء بلون الكحل.. سألتها عنها فقالت إحدى الدلالات رفضت أن تبيع لأمي وهي حامل بي رداء أسود كانت قد حجزته امرأة قبل أن تراه أمي فحكّت أمي عينها فظهر هذا السواد.. ابتسمت كما تبتسمون أنتم وقلت لها هذا جميل وهذه البقعة أعجبتني وأضافت لك جمالا لا يمنحه القدر إلا نادرا.. وضحكت كثيرا عندما قلت لها سأشتري لأمك مصنع أردية سوداء حتى لا تزعل.. تكلمنا كثيرا وتبادلنا الابتسامات. قالت لي: أنت تشبهني.. قلت لها: أنتِ تشبهينني.. جاء الشاي والقهوة وكنت قد أحضرت معي قنينة ماء مثلجة شربنا منها معا من فمها مباشرة.. آه من عينيها وهي تخفض القنينة والبقعة التي تحت جفنها الشبيهة بجزيرة من الزنبق.. لمحت حاجبيها الرقيقين المنمصين جيدا خطان تائهان في دنيا روحي.. رهيفان وطويلان ويبدعان نصف قوس واسع.. فمها أثناء الكلام ساحر.. كنت لا استمع إلى الكلمات منه.. كنت أتمتع بحركاته وتعابيره المصاحبة للكلمات وانقباضاته واسترخاءته الهادئة. فمها أثناء الكلام جنة فن وأثناء الصمت جحيم لذيذ. فم لن أنساه.. ليتني معجون أسنان أدخل إليه كل صباح.. فم جميل.. بداخله لسان وردي يلعب كرة الشعر.. يجيد التحرك والمراوغة والتسديد وتسجيل الأهداف في مرمى قلبي.. لم أسمع منها أي كلام وما سمعته كان عبارة عن زغاريد عصفورة. ولم أشم منها أي عطر.. فهي فوق سائر العطور والبخور والورود.. عطرها طبيعي من عرق الحب الذي شممته.. أجمل عطر بالنسبة لي هو عطر العرق الذي يفرزه الإنسان.. هذا المخلوق الذي ننتمي إليه ونتمتع بحياتنا عبره.. العرق أفوح عطر وأنقى عطر.. عطر لا يباع ولا يشترى ولا يسحق ورود ليعصرها ويمتلكه الجميع فقراء أغنياء.. بيض سود.. عندما صافحتها لمست هذا العطر ووضعت يدي على فمي وأنفي.. لقد كان عطرا دافئا مالحا بنكهة بنغازي العظيمة.. رأيت على جبينها بنغازي نقية.. أحببتها من دون أن أنتظر.. في هذه الأشياء لا أنتظر.. لأن قلبي وعقلي وكل شيء فيّ هو الذي يتصرف.. تلعثمت وشربت ثانية من القنينة.. شربت من نكهة فمها العالقة بحواشي القنينة ورشفت من قهوتي وواصلت الحديث معها.. جبهتي عرق وجبهتها عرق.. والرياح تحرك ستائر النافذة التي تلامس وجهينا وكأنها تريد أن تمسحهما.. لكننا نزيح الستائر جانبا فعطر العرق نحبه لأننا ورود صادقة. لا أريد أن أصف بقية هذا الكائن الرقيق الجميل.. فأنا غيور بعض الشيء.. وأغار من قرائي كثيرا لأنهم يزيحونني من النص ويضعون أنفسهم مكاني بحيث تكون الفتاة فتاتهم والحبيبة حبيبتهم، سأحتفظ ببقية الوصف.. بالوجه والرقبة والصدر والخصر والظهر والساقين واليدين والكفين والأصابع التي بأحدها خاتم فضة بفص فيروز. سأحتفظ بالمشية الرشيقة التي تهبّل أو تقتل وتجنن بتعبيرنا الشعبي.. المشية الكعبازي بتعبير البنغازيين.. سأحتفظ بالجو الأنثوي العام.. أنا أناني كطفل.. والأنانية من صفات الطفولة.. سأطلب من هذه الفتاة أي شيء وستمنحني إياه راضية.. أشعر أنها أحبتني كما أحببتها.. والحب من أكبر بيوت المال المانحة من دون حساب ولا فوائد ولا كفيل.. ستمنحني ما أريد.. لأنها لو رفضت سأبكي.. وحبيبتي هذه رقيقة لا تحتمل بكاء الأطفال وغضبهم فما بالك ببكاء طفل تشتهيه أن يركب عليها.. قلت لها لا أريد أن نستمر في هذا التمشي جنبا إلى جنب.. أريدك أن تتقدميني خمسة أمتار لأتمتع بمشيتك.. قالت لا مانع.. لكنها بعد عدة خطوات أمامي جريت نحوها واستمررت في المشي إلى جانبها.. خفت عليها من أولاد الحرام.. قد يظنون أنها تتمشى لوحدها وتتم مغازلتها أمامي وهذا شيء لا أحتمله يجعلني أموت وأعيش. لم أتردد في أن أقول لها أحبك وأن أقبل ظهر يدها.. لأنني وأنا بجانبها أصابتني قشعريرة، أصابني ذلك الشيء الذي نشعر به عندما تخنقنا العبرة أو يزداد معدل الفرح عن حدّه أو الذي نشعر به ونحن نرتقي سلالم اللذة لنصل إلى القمة وننفجر ونتطاير آهات وسكاكر. لقد أحببت فتاة جديدة، وليس هذه أول مرّة أحب فيها فتاة - لكن قد تكون آخر مرّة هكذا أشعر الآن - دائما أفعل هذا الأمر.. تستطيع أن تسمي ذلك إدمان أو هواية.. ماذا أفعل؟ هذا قدري.. أحب هذا الأمر.. أجده لذيذا حلوا.. به تجديد.. وديمقراطية.. وإصلاح عاطفي.. وتعدد أصوات ووجوه ووجهات نظر.. وحرق مراحل.. وحرق مشاعر جافة وزرع مشاعر مبللة.. بللها يسقي الجاف فينبت مجددا ويشارك أو ينسحب. هذه الفتاة لم ألتق بها أنا، التقاها رسلي أولا.. فأنا أكتب القصص والمقالات والروايات والقصائد وأنشرها في الصحف والمجلات ومواقع النت، وهذه الفتاة قرأت كلماتي من دون أي معرفة شخصية مسبقة، وأحبّتها وأحبتني معها، وبحثت عني ووجدتني ووجدت نفسي فيها، عندما امتطيت راحلة اليوم لم تغادر بي وسط المدينة، صارت تتهدهد بحنان وتأمرني أن أهبط، فهبطت ودخلت إلى المكان وجلست على الكرسي انتظر فتاتي وسرعان ما جاءت عروس كلماتي وعانقتني والتحمت بي.. صرنا نصا واحدا كتباه ذكر وأنثى.. كانت تتكلم كثيرا.. قالت لي الأسطوانة التي نسمعها دائما: ليتني عرفتك من زمان. قلت لها الأسطوانة التي نقولها دائما: أيامي لا تسافر إلى الماضي. قالت لي: منذ زمن أبحث عنك ومتحسرة على الزمن الذي رحل قبل لقائي بك. قلت لها: سوف أسافر الآن إلى المستقبل وأقبض على كل اللحظات التي سنلتقي فيها وأرمي بقية فراقنا في سلة المهملات. قالت لي: أنت سافرت الآن ماذا وجدت؟ هل زمننا القادم طويل أم قصير. قلت لها: هو زمن جميل لا يقاس بالطول أو القصر.. هو حب عظيم.. والحب العظيم غير خاضع للقياس.. لقد وجدته.. إنه هناك.. في عينيك وابتسامتك.. في صوتك الموسيقي.. في روحك التي أرى شفافيتها الأشفّ من الماء. وجهي أحمر ووجهها أحمر وهطلت قطرات عرق من جباهنا وصدوغنا معا.. التزمت الصمت وكما فعلت هي أغمضت عيني ودفنت رأسي في صدري قليلا مداريا بعض الدموع. في هذا اليوم وجدت عروسي.. وجدت ما أبحث عنه.. لا أرغب الآن في الرحيل.. لن أمتطي عربة الأيام مجددا.. وإن أصرّت عربة الأيام اللعينة على أن أمتطيها فسوف أردفك يا حبيبتي خلفي ولتنطلق بنا معا.. آه ما أحلى أن تكوني راكبة خلفي.. ذراعاك تطوقان خصري والراحلة تمرح أو تطير أو تزحف أو تتزلج أو تتمرغ.. لا أدري ماذا ستفعل راحتاك وهما تطوقان خصري، هل سيتشابكان أم أنهما سيداعبان بأصابعهما سرتي وشواطئ بطني.. أنا لست سمينا.. وذراعاك ما شاء الله طولهما يعجبني. الحب مشكلة.. أمر محير.. لغز.. يدخلك إنسان هكذا ويكون جزءاً منك.. ألمه يؤثر فيك وأحاسيسه تحس بمثلها.. إنه لغز وأحترم هذا اللغز.. هذه الفتاة أحببتها.. هي ليست عشيقة أو ملهمة أو عاهرة أو أي محفز صناعي أو بهارات من أجل الكتابة.. إنها حب.. إنها إنسان.. إنها صدق.. إنها شمس.. قمر.. صحة.. مال.. بساطة.. غناء.. رقص.. موسيقا.. صلوات.. ماء.. ندى.. نسيم.. ملائكة.. دعوات.. تاريخ.. إنها عروس الكلمات التي زفها القدر لي.. أنها عروس الملح.. بل الملح البنغازي نفسه.. قلت لها أريدك.. قالت لي ستنالني إن عثرت على الملح.. ها أنا ذاهب للبحث عن الملح.. عن ماس الملح وجواهره.. عن سر الملح وفلسفته.. سأذهب إلى حديقة الملح الكائنة على جبين بنغازي.. قرب الميناء.. قلمي هناك الآن.. بل أنا نفسي هناك الآن.. حيث لا أرى سوى الأشجار.. أشجار كثيفة لا تثمر سوى الظل.. نسميها شعبيا أشجار النَّمّ.. والنم تعني اللا شيء.. دائما البلدية تقطع هذه الأشجار وأحيانا تقتلعها.. لكن سرعان ما تتجاوز محاولة إفنائها والولادة من جديد.. أكثر خضرة وقوة وظل وروعة. أشجار النم العتيقة النابتة في حديقة الملح مازالت جميلة.. عجز الزمن أن يمسح عليها بعض قبحه.. التربة المحيطة بجذوعها التحق أكثرها بجيوش الرياح التي خاضت بها معارك عديدة لا أحد يدري إن كانت رابحة أم خاسرة.. فعل الخوض وحده يعرف لأنه هو الذي فعل وعاش جنون الوطيس.. الآن.. بإمكانك مشاهدة الجذور الفرعية الضئيلة المتفرعة من الجذر الأم وهي عارية.. عارية لكنها طريّة.. يمكن لظفرك أن يخدشها لو جررته عليها.. جذور صغيرة لا يغطيها الطين.. النجيل الأخضر النابت حول الأشجار هو من يتطاول ويحيط بها بقماشه الأخضر ساترا ما استطاع منها.. الجذور الصغيرة تحيط بجذع الشجرة الغليظ.. وكأنها ضفيرة منبثقة من صلابة الحياة. بقدر ما هي عارية من أعلى.. بقدر ما هي متوغلة في الكساء من الأسفل.. متوغلة في العمق.. تستر نفسها بتراب خصب مبلل.. فتته دقّها المتواصل الغائص وراء الجوهر والتائق للأنوار التي لم ترها الشمس. ساعدها على تفتيت العمق ولبسه الماء والملح الزاخرة بهما أعماق هذا المكان.. ساعدتها أيضا الاتكاءة على الجذر الأم الذي غرسه ذات يوم جدُّ هذه المدينة المجهول الآن.. كل يابس مآله التفتت.. الماء والملح والاتكاء كفلاء به.. كفلاء بجعله ليناً.. قابلا للوخز.. ولو من ريشة.. كل غارس للأشجار هو جدّ مبارك كريم شريف عاشق للضياء والهواء والمنظر الحسن السار للعين والمسعد للخاطر. حديقة الملح هي حديقة بنغازي العامة المعروفة في التاريخ والقريبة من الميناء والتي تطل عليها دار خيالة (سينما) قديمة احترقت ذات مساء وأطفأها المطر صحبة رجال المطافئ.. كانت الحديقة ساحة يجمّع فيها الملح من ضواحي المدينة وسواحلها الغربية والشرقية من توكرة ودريانة واللثامة ومن قمينس وقاريونس وكركورة والسلماني ورأس عبيدة.. ليتم لاحقا فرزه وتنقيته ووزنه وتصديره.. كان في الساحة ميزان ضخم (بسكولة).. يزِنِون عليه كميات الملح قبل تحميلها إلى السفن الراسية في الميناء القريب.. بين ساحة الملح والميناء مسافة قصيرة.. حوالى 200 متر.. الميناء يعج بسفن تصدير الملح القادمة من موانئ البحر الأبيض المتوسط.. وبحر إيجا.. والبحر الادرياتيكي وحتى من بحر الشمال.. بحارة من مختلف مدن البحار تجدهم يتجولون في الحديقة وفي شوارع وأزقة المدينة.. يقتنون ما ينقصهم من خمور وخضروات وفواكه وملابس ويبيعون ما جلبوا معهم من سلع للتجارالعرب واليهود والمالطيين واليونانيين والإسبان والأتراك والطليان والزنوج الأحرار في أسواق هذه المدينة العتيقة الرائجة آنذاك.. ويمرون بالطبع على المواخير والخمارات ليمرحوا قليلا ويغيروا زيوتهم قبل ركوب البحر مجددا ومصارعة أمواجه ورياحه صحبة شحنات الملح الثقيلة.. بحارة من برشلونة ومن كريت ومن أزمير ومن صقلية ومن مرسيليا ومن جربة ومن مالطا ومن غيرها من المرافئ.. كثيرا ما تحدث المشاجرات بين هؤلاء البحارة لكن صرخة من ربان أي سفينة تنهي المشاجرة ويتسمّر كل بحار في مكانه.. لقد كان الربابنة آنذاك أشباه قراصنة.. يعاقبون البحار المخطئ أو المخل بقانون البحار عقابا صارما رادعا قد يصل إلى حد الشنق في الصاري أو الرمي في البحر وجبة شهية لأسماك القرش. في الساحة يصنف الملح حسب جودته ونقائه ومكان جمعه.. فملح السباخ القريبة من البحر يختلف عن ملح السباخ البعيدة عن البحر.. وملح الساحل الشرقي يختلف عن ملح الساحل الغربي للمدينة.. وملح سباخ المدينة له نكهة خاصة وملح الصحراء أيضا له نكهة مختلفة.. وكل نوع بسعره وله زبونه الذي يفضله.. الملاحون خبراء في الملح.. يعرفونه بشكله و بلمسه وتذوقه.. مثلما يعرف التمارون أنواع التمور العديدة.. وأجود أنواع الملح هو ملح البلدة الصغيرة الواقعة على شاطئ البحر شرق المدينة المسماة كركورة.. هذا الملح مذاقه لذيذ.. ودرجة نقائه عالية.. ولونه أبيض كالحليب.. وتكاد الشوائب تنعدم فيه.. فلا طين عالق ولا رمل ولا صلصال ولا كيماويات أخرى وذلك لنظافة الشاطئ والمنقع الذي يُجفف فيه و يُجمع منه.. والطلب عليه دائما متزايد.. سواء للتصدير أو الاستهلاك المحلي.. حيث تشتريه أهم مطاعم المدينة.. ولا تستخدم في إعداد وجباتها ملحا غيره.. ولقد اشتهر هذا النوع من الملح حتى لدى الأطباء والقابلات القانونيات والسريّات والختانون والفقهاء وقراء الكف والتقّازون ورجال الديانات السماوية والوثنية لاعتقاد الجميع ببركته.. وبفضل هذا الاهتمام الشعبي بالملح تحولت بلوراته البيضاء إلى أغنية انتشرت في أرجاء البلاد كلها وتغنى بها أهل بنغازي في أفراحهم وحفلاتهم وزرداتهم وفي خلواتهم عندما يجلسون أمام الشاطئ ويتأملون أمواجه المزاجية غريبة الأطوار التي قد تكون عاتية أو هادئة كما ترغب غير عابئة بتوقعات الراصدين.. أغنية لم يعترض عليها أحد من الناس لأنها نابعة من أحاسيس الملح ومن عرق الجباه الباذل نفسه لكل مروءة.. حتى مرابطو المدينة ودراويشها وفقهاؤها باركوها حيث تعتبر هذه الأغنية فألاً حسناً لما للملح من كرامات وبركات لدى أصحاب السر من شيوخ وأتباع الطرق الصوفية ومحترفي السحر والشعوذة والأعمال الروحية.. فكلماتها من بركة وملح وتمجيد للخالق وحفظ للإنسان من عين الحسود.. أغنية كتبها الملح على ورقة هذه المدينة وأول من نطق بها.. فنان صادف وجوده في ساحة الملح نفسها.. حيث تباع في هذه الساحة أشياء كثيرة متعددة.. لكن كل شيء يباع ليس مهما في هذه الساحة.. فالمهم والثمين والكنز هو الملح.. هو ذائبة الحياة اللاذعة الذي يصهر الشقاء من دون نار ويقاتل القذارة التي تلتصق بها مجانا ومن غير منّ.. أي من غير ضفاف كما يُقال في لغة هذا العصر. ملح كركورة الذي يتغنون به يُجمّع في الساحة في رحبة خاصة به.. يضعونه في المنتصف.. قرب الشجرة الكبيرة الأم.. التي تعتبر أول شجرة نبتت في هذه الحديقة.. ويقال أن عابر سبيل زرعها في يوم قائظ من صيف إحدى السنوات.. وصل إلى المكان مجهدا فبحث عن ظل يرتاح تحته فلم يجد فركز عكازه في التراب الهش السبخي ووضع فوق رأس العكاز عمامته الخضراء بعد أن فردها وغطى طرفها السفلي بالتراب ليحظى ببعض الظل ثم نام ليستيقظ وقت الأصيل فلا يجد عمامته ويعجز أيضا على جذب عكازه من التراب.. هذا العكاز تحوّل إلى شجرة نَمّ باسقة للظل.. ملح كركورة عندما تم جلب أول عربة منه أنزل بقرب هذه الشجرة فتعالت الشجرة أكثر وفي أقل من شهر كانت أُمّاً كبيرة.. أمّتها الطيور والحشرات المسالمة ونبت تحتها النجيل ذي الوريقات الخضراء الزيتونية الشبيه لونها بعمامة عابر السبيل.. واستغرب الناس من هذا الأمر ومن العكاز الذي تحول إلى شجرة والعمامة التي تعشبت تحت هذه الشجرة.. واجتمع أهل النبات والفلاحة في زاوية الوحيشي فور أن وصلوا فرادى وزرافات من نجوع وأحياء وأرياف وقرى بنغازي وسهلها الخصيب.. جاءوا من سواني عصمان والرحبة والفويهات والفعكات والقوارشة وتيكة واللثامة وبنينة ودريانة والكويفية.. وبعد الغداء توجهوا إلى حيث الشجرة وعاينوها وتذوقوا من أوراقها ومن التراب الذي تحتها ومن فراش نجيلها المحيط بها ومنهم فلاح من بنينة صنع من ورقة يابسة وجدها تحت الشجرة سيجارة ودخنها وأخذ يبتسم وأطلق غناوة عَلَم صرخ لمعناها الحضور.. والنتيجة التي توصلوا إليها وأخبروا بها الناس الحائرة والسلطان وزبانيته آنذاك أن سبب النمو السريع هو ملح كركورة.. فهذه الشجرة تقتات على الملح.. ووجدته بجانبها والتهمته وتعالت سريعا لتصنع ظلا أبديا لعابر السبيل الذي كان سبب وجودها. وعندما أعلن السبب صاح الناس كل بما يعتقده من طقوس دين.. ومن بين الحضور كان مطرب شعبي يتميز صوته بالجمال والعذوبة ما إن صاح الناس إعجابا واقتناعا بتحليل الفلاحين حتى نظر إلى أعلى الشجرة فرأى طائر خليش جميل ينظف ريشه بمنقاره المعقوف فغنى المطرب لا شعوريا وهو ما زال يتأمل في جمال الطائر بلحن مرسكاوي: يا محنـّـي ذيل العصفورة ..... عليك ملايح كركورة. فتلقفها الناس الحضور وخاصة العشاق منهم وهواة الطرب وأتباع الزوايا الصوفية وصارت الأغنية تميمة مشروعة ومهمة للحفظ من العين والحسد ولتمجيد الله وشكره وقدرته على خلق الجمال وعلى تحنية ريش العصافير وخاصة ذيلها الذي لا يقل أهمية عن أجنحتها والذي يعتبر الموجِّه لها في رحلة طيرانها اليومية التي تخرج فيها وبطونها فارغة فتعود وبقدرة الله مرتوية وشبعى.. ونُسج سريعا على منوال هذه الأغنية الكثير من الأغاني الأخرى الزاخرة بالحناء وبالريش وبالزغب وجلب الشعراء الكثير من الطيور لتحنية ذيولها.. فالقافية تلعب دورها.. وكل من يشكو أو يتعرض لظلم يحضر طائرا ويحني ذيله ثم يركب عليه هذه الأغنية وخاصة الكلمتين الأولين "يامحني ذيل".. وسافرت هذه الأغنية عبر الزمن لأصالتها ولميلادها في لحظة جماهير ولحظة ملح فوصلت إلى الكثير من البلدان ووظفها الشعراء والمتظاهرون في الشوارع من أجل المطالبة بالعدالة والحرية ودرأ الظلم فتسمعها والجماهير تصيح بها بطريقة أخرى مثل: يا مـحـنـّي ذيل الكتكوت .. والظالم يهلك ويموت. ويتفنن الشعراء أيضا خاصة العشاق منهم في التركيز على نوع الحنّة وبلد إنتاجها فيلحقون بالأغنية مقاطع أخرى فنسمع: والحنة مصري وسوداني.. أو قدسي وشامي.. لكن المد القومي لا يترك الحنة تغرق في الإقليمية الضيقة فيتدخل شاعره المؤدلج بمقطع يتمشى مع الجو القومي فنسمع: والحنة عربية أصيلة. وفي الأعياد الوطنية أو في مباريات كرة القدم تتدخل هذه الأغنية وتظهر تصدح بها الحناجر بصخب كهتاف وليس كأغنية فنسمع: يا محني ذيل العصفورة.. وبلدنا ديمة منصورة. أو يا محني ذيل العصفورة.. كورتنا ديمة منصورة. وجوهر الأغنية ترتكز على شيء اسمه التوكل على الله وتمجيده عبرة لمحة جمالية قام بها هذا الإله ولم يستغلها الشيخ لكن استغلها الشاعر الحساس الذي رأى طيرا جميلا بريش ذيل ملون بتناسق وبفن فأحس بقدرة الله في هذا الفن وتحرك قلبا لسانه وروحه وقال يا محني ذيل العصفورة.. ولم يتعب في إكمال البيت الذي انبثق من الروح جاهزا فملح كركورة مغذي الأشجار ومانح الحياة طعمها اللذيذ بجانبه والجماهير التي تجعل البيت الشعري يولد ولادة طبيعية أبدية كانت تتأوه معجبة بتحليل الفلاحين البسطاء لسبب نمو الشجرة الشبيه بالمعجزة كانت بجانبه وتقبلت أغنيته ومنحتها حبها الهادر فورا وإلى الأبد. بنغازي كلها سبخة.. بإمكانك تذوق ترابها لتستطعم لذعة الملوحة على لسانك.. تلك اللذعة اللذيذة المحببة الفاتحة للشهية.. والجالبة للعطش من كل شيء.. بنغازي مضغة صغيرة تسبح فوق رحم من الماء.. الماء يغرق المضغة.. يغمرها حتى شوشتها.. الشمس تجفف الماء.. تبخره لتمكنه من الصعود إليها.. والاندماج في أنوارها العاشقة لملح بنغازي.. الشمس تبخر كل الماء الغامر للمضغة.. ليبقى ذاك الراسب الأبيض الكثيف الصلب الثمين الناصع كالثلج والقطن وحليب الماعز وأسنان الزنوج.. يلم هذا الراسب بالمجارف ويعبأ في أكياس متينة من الخيش.. ويسلم رسميا لسلطان الملح.. ليصدره في الغالب لحسابه الخاص مقابل أجرة يتفضل بها على أجراء الجمع والتكديس والتكييس والوزن والتحميل. بالطبع لا يمنح سلطان الملح الماء والأرض والشمس شيئا من الإيراد.. يمنح تلك الأشياء التي ليست ببشر مخلفاته الجسدية في الحياة والموت فقط.. ليتألم الماء والملح والأرض والسماء من تلك الأخلاط والقذارة والأنانية.. وعندما يشتد الألم ترتفع حرارة تلك الأشياء وتتحول إلى نار.. إلى جحيم بليد قادر على احتمال كل الاشمئزاز الذي تأتي به القاذورات من حياتها الدنيوية.. فالنار هي الشيء الوحيد الذي لا يشمئز من أي وسخ فهي حارقة ولا وقت لديها للمهادنة أو الصبر.. لمسها حرق.. وقربها صهد وإذابة.. وبعدها دخان خانق لأنفاس الأحلام.. كل شيء تلمسه تجعله رمادا هشا تتكفل به الرياح سريعا.. ترمي به في أمكنة مجهولة لا نور فيها ولا تاريخ يحسها فيقطع ورقة يومه من أجلها.. النار لا تشبع أبدا.. تلتهم وتمارس الرياضة بالركض في كل الاتجاهات من دون توقف وتنط إلى أعلى حتى من دون حبل وتصارع كل شيء يابس وتذيبه.. عندما مات السلطان في إحدى مراحل التاريخ حدث الصراع حول هذا الملح.. توقفت حركة جمعه وجلبه مكيّسا إلى الساحة.. لم يستأنف الناس جمعه إلا بعد أن اتفق أرباب السلطة فيما بينهم على سلطان جديد.. فأعطى من أول ليلة حكم.. الإذن للناس لجمع الملح من جديد.. وكان الفصل أواخر الخريف.. فشرعت الناس في تنظيف مناقع الملح استعدادا لموسم الملح القادم.. فحركة جمع الملح تتم في نهاية الصيف.. وعملية تنظيف المناقع تمكن الناس من الحصول على ملح نظيف لا قذى فيه.. له ثمن جيد في السوق.. بعد أن يبيعه السلطان ويقبض ثمنه قد يفكر في إقامة حفلة كبيرة أو زردة باذخة لكل الناس من جُمّاع الملح وغيرهم.. مناقع الملح دائما عليها حراسة.. حراسة غير مرئية.. من يرمي فيها جيفة أو مخلفات بناء أو قمامة يعاقب عقابا عسيرا.. فتلويث الملح هو تلويث للمجتمع.. فالملح كالأفكار الجديدة ليس عليه لعب..أي أنه خط أحمر.. يجب أن يُصان في الأحداق.. فإن ضاع الملح أو تلوث فقل على الدولة السلام.. أي ضاعت الدولة وصارت باسلة صامتة لا طعم لاذع لها.. فدولة بلا ملح لا قيمة لها أمام العالم وأمام رعيتها أيضا.. فبالملح تسيطر الدولة على الناس.. وبالملح تقايض ما تحتاجه.. وبالملح تصنع علاقات متينة مع دول العالم مبنية على الاحترام المتبادل.. الملح نظيف.. يستطيع تنظيف كل القذارة والقضاء على التعفن.. وحفظ القضايا في براد التأجيل إلى حين يأتي وقت حلها الملائم والمفيد لسلاطين الملح.. الملح يستطيع دبغ الجلود وتحنيط الجثث من أجل الخلود.. وفوائد الملح كثيرة كنعمة الله التي لا تحصى.. الملح يدخل في كل الصناعات وفي كل الوظائف الحيوية للإنسان.. يدخل حتى في الأشياء المعنوية وفي الجمل اللغوية المؤثرة في القلوب.. وفي الأغاني الشعبية التي هي عنوان الهوية لكل مدينة ودولة.. والآن اسمع حفلة عرس قريبة غيطتها تتعالى بـ: يا محني.. ذيل العصفورة.. يا محني ذيل العصفورة.. عليك.. ملايح كركورة.. عليك.. ملايح كركورة.. وصراخ وتصفيق وصخب وفرقعات ألعاب نارية وألعاب إليكترونية وليزرية تسجل وتصور العرس وتبثه حالا على شاشة السماء و زغاريد تغنجية ورائحة بخور وماء زهر تبل جبهتي بعض قطراته وذريرات ملح طائشة في الهواء يتذوقها شميم أنفي فيعطس بفرح. .. موكب الغِيطة يقترب من حديقة الملح حيث أنا جالس الآن أحتسي قهوة العلقم على كرسي خشب و أرسل قبلات هوائية لفتاة تطل من إحدى مكاتب وزارة الإسكان كانت قد وعدتني بتدبير شقة بمعرفتها إن طلقت زوجتي و صار بيننا نصيب.. موكب العرس يقترب والوقت ظهرا.. ولم أستغرب أن يكون هناك عرس في القيلولة.. ربما ليس عرسا.. ربما احتفالا بنصر كروي أو انتخابي أو إصلاحي أو موكب طفل طُهِّر للتو في مستشفى الهلال الأحمر بالصابري.. لكن ربما يكون عرسا.. ربما اليوم ليلة الدخلة والعريس من عشاق نيك القوايل فحلى له أن يدخل في عز الهجير.. أو ربما اليوم هو يوم الحنّة..أو يوم الرمي.. لا أدري ما هو اليوم من أيام الأسبوع.. فالعام إن دخل حياتي أخنقه من عنقه بسبابتي وإبهامي وكأنني خانق فم قربة وأركض به سريعا داخلا به إلى بيت مال الملح فأصرّف شهوره وأسابيعه إلى أيام.. أفرح إن وجدته عاما مكبوسا من عند الرب بـ 366 يوما وأرضى وأحمده إن كان عاما بسيطا ينقصه عن المكبوس يوم واحد.. أضع الأيام بعناية في كيس متين وكل فجر أدخل يدي إلى الكيس وألتقط منه يوما جميلا أعيشه في أي مكان من دنيا ربي.. ربما يكون جمعة أو ثلاثاء أو أحد أو سبت..لا أنظر لسميته البتة.. المهم أن يكون أربعاً وعشرين ساعة.. ولا يهم أن يكون يوما صيفيا أو ربيعيا أو خريفيا أو شتويا.. لا فرق لدي البتة.. أعيشه وفق قاعدة أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب.. وفي الغيب نقود كثيرة.. وحكايات كثيرة.. و لذائذ كثيرة.. وآلام كثيرة.. ودماء كثيرة أيضا.. أغمض عينيك فقط وأحلم.. وانتبه قليلا إلى هاتفك النقال وقلمك السيّال وكيس أوراقك وحاسوبك المحمول وكوب قهوتك المرّة وأنتبه لنفسك بحذافيرها أيضا إن كان لها حذافير.. أما كيس أيامك فلا تخف عليه ولا تشغل بالك به ولا تنتبه له فحارسه هو محـنـّي ذيل العصفورة.. هل يعني هذا أننا نحيل كل مشاكلنا إلى القدر.. إلى الله.. إلى عالم الغيب؟ سنسأل العصفورة أو العصفور.. سنسأل الملح.. سنذيب بلوراته في الماء ونترجمها.. إننا نسعى للحصول على إجابة.. مقنعة أو غير مقنعة ليس مهما ذلك الآن.. المهم الآن أن نقاتل فلول الأسئلة ونحاصرها ونلبسها إجابات على مقاساتها.. الأسئلة العارية تشعر بالبرد وبالحر وقماش الإجابات برخص التراب لكن آه قد يصادفنا سؤال كبير.. لا تستطيع أقمشة العالم المجيبة أن تستره.. فماذا سنفعل له؟ دعونا نفكر قليلاً.. الآن الوقت غروب.. والقمر ليس في زمن المنتصف.. ما رأيكم لو نطفئ المصباح كي نستر هذا السؤال الكبير بأقمشة الظلام.. لكن مع الفجر سيشرق من جديد.. فلندعه يشرق وحتى نحن مع الفجر قد نجد حلا.. الآن ننام ونحلم ونقاتل الكوابيس والجثّامات.. الدنيا صراع.. في النوم واليقظة.. وبعد الموت ستكون حفلة المصارعة أقوى وأشرس.. لأنها حفلة موت في الموت أو حياة في الحياة.. لا تنتهي نتيجتها بالتعادل أبدا.. فالآلهة لها لونان.. أبيض أو أسود فقط.. نور أو ظلام.. هل يمكننا التفكير في آلهة وسطية؟ تتقبل الحلول الوسط.. مجرد سؤال ليس إلا.. سؤال الغد.. كبير جدا.. أجبنا عنه كثيرا بالكلام.. وكل إجابة جعلته يكبر أكثر.. أحتاج إلى إجابات محدبة.. تصغر الأشياء حتى تلاشيها في فهمي.. أراهن إننا سنجدها.. لأنها قريبة منا ولا نراها.. نحاول الآن أن نبعدها عن أذهاننا كي تتضح أكثر.. كي نحس به أكثر.. لكن إبعادها عن أذهاننا مشكلة.. قد تؤلِّب علينا ماسكي الأعنة والزمامات من رجال دين وسياسة واقتصاد وغيرهم.. ويتم اتهامنا بالزندقة والكفر والإرهاب والإلحاد وغيرها من التهم الجاهزة التي يسيطر بواسطتها لصوص السلطة على الحياة البشرية. وبالمناسبة لماذا نقول رجال الدين والسياسة ولا نقول نساء الدين والسياسة.. لقد شهد العالم الآن أول رئيس أسود لأكبر دولة في العالم.. فهل سيشهد العالم أول انقلاب عسكري أو سياسي لامرأة في الألفية الثالثة تستخلص فيه السلطة لنفسها.. إن حدث ذلك سيكون الأمر جيدا.. وسيكون للملح طعمٌ بديع.. سيكون لذعه أخف.. وبياضه أسطع.. ومنافعه أوسع.. وسرّه أغمض.. وأكوامه متناسقة مرتبة جميلة.. وذوبانه في الطعام أو الماء أبطأ وأكثر شاعرية.. وألمه على الجرح لذيذ.. حتى إن الجرح يرفض أن يلتئم ليتم شفاؤه.. لم نسأل عن سبب الجرح وتلك حكاية أخرى سيأتي وقتها وإن لم يأت سنذهب إلى زيارته وأرجو أن لا نجد ذلك الوقت ميتا. *** لم تبق الحديقة خاصة بالملح.. شجر نمّها الشهير فرّخ وانتشر بعيدا عنها.. ترك التكدس في المنتصف حيث كانت وفرة أجود أنواع الملح "ملح كركورة" واندلق بعيدا عن الشجرة الأم راضيا بأي ملح رديء يجده يقتات عليه.. ملح كركورة كما السلفيوم الليبي "زوّى عليه الفيل" أنقرض بسبب فساد المناقع وتجفيفها من قبل العقاريين الجدد وتحويلها إلى شواطئ اصطياف ومزارع عنب توفر لمعامل النبيذ حاجتها من الخام وأيضا الكثير منها تم تحويلها إلى معسكرات وثكنات لا تعرف لمن تتبع.. زد على ذلك فقدان الملح لقيمته التجارية ولم يعد سلعة تتقاضى ثمنها مقدما وأنت تضع رِجلا على رجل بعد أن تمكن الكيميائيون في مصنع بوكماش وغيره من مصانع العالم من إنتاجه في المعامل وبعد أن وصل أطباء الأدوية إلى خلطات جديدة تطهر الجروح وتمنع التجرثم والتعفن ولم تعد الحديقة الآن اسمها حديقة الملح فقد تغير اسمها مرارا تبعا لتغير الدولة سياسيا فالحديقة دائما تتبع الدولة.. أليس تقام على براحها الاحتفالات وتعلق على جوانبها الأعلام وتنصب في وسطها المشانق.. فمثلما الدول تتغير سياسيا فالحدائق أيضا تتغير.. ومن يصل إلى السلطة يقتحم الحدائق بآلياته ويسيطر على كل شجرة نَمّ أو صنوبر أو غيرهما وعلى كل وردة وكل عشبة خضراء وكل نبع ماء ثم يسيّر الحديقة على هواه.. ساسة لا يحبون الملح ويحبون التمر.. إذن في لمح البصر تتحول الحديقة إلى حديقة تمر.. فيجمّع فيها تمر البلاد من مشرقها إلى مغربها ومن شمالها إلى جنوبها.. يزنه كما يزن "باطوس" السلفيوم ثم يصدره وبالطبع لحسابه فليس هناك سلطان يقف إلى جانب ميزان إلا إن كان وقوفه من أجل مصلحته ومن أجل أن يتحصل على ثمن المنتج غير منقوص.. فالتمر كالسلاح لا يمكن للسلطان أن يتهاون في مراقبته وإلا سرق أو خرب نخيله.. وما أكثر لصوص الملح والتمر ولصوص السلطة.. ساسة لا يحبون المحاصيل التي تنتجها الأرض ويحبون المحاصيل التي تنتجها الرؤوس فتتحول الحديقة إلى حديقة فكر.. تجمّع فيها أفكار الناس كافة.. ويضعها السلطان في غربال ليتحصل على أهمها وأعمقها وبالطبع أشطنها.. ثم يقوم بوزنها وبيعها و تصدير الفائض منها لجوعى الفكر.. هنا.. وهناك.. وإن لم يجد مشترِياً فيخزنها ويحرس الزمن حراسة مشددة أو يمسك له عقرب ساعة يرهبه به كي لا يمضي ويتجاوزها فتتحول الأفكار المتجاوزة من قبل الزمن إلى ما يسمى بالفالصو أو الفيشنك أو الخُلَّب أو الدوّة الفارغة. ومن هنا قد يتم عقد صفقة مع الزمن.. فيمنح السلطان الزمن فسحة من حرية يجعله يجري ويتوقف وينط ويبرطع ويظلم ويشرق ويزلزل ويمطر.. مقابل أن يعلمه الزمن بزمن تجاوزه للأفكار ليتسنى للسلطان أن يطورها أو يجففها ويبذرها من جديد في بستان آخر أو حديقة أخرى لتولد مجددا وتتماشى مع العصر الذي تعيش ظروفه.. ميزان الفكر ليس كميزان اللوز أو الملح أو الموز.. إنه ميزان مغاير.. غير مرئي.. وغير ملموس.. يقع ميزان الفكر دائما في العين ومن هنا ظهرت مقولة (عينك ميزانك) والتي تقابل عند فقدان الميزان اليدوي للمحاصيل الصلبة (البسكولة) بمقولة (كول وقيّس) فعند غياب ميزان الملح لوجود شغل في مكان آخر يستعيض السلطان بعامل ويمنحه إذناً بوزن المحاصيل بطريقة (كول وقيّس) وهي طريقة ليس لها علاقة بالخبرة.. ودائما هذا العامل يفشل في الوزن بهذه الطريقة ويلاقي العقاب الصارم لأنه يسهى على نفسه ويرص في جيبه ويأكل أولا قبل أن يضع في كفة السلطان ذرة واحدة مطبقا للمقولة البدوية "الحرّة أول ما تزرب بيتها".. بعد الامتلاء يزن للسلطان ما تبقى من نزر قليل تالف.. والسلطان ما صار سلطان إلا بأن هذه الألاعيب لا تفوت عليه.. فيتفطن للغش والسرقة بسرعة وبفراسته الفطرية السلطانية يلاحظ بطن هذا العامل المنتفخ أكثر من اللازم ومؤخرته الناتئة برطرطة وشدقيه المحمرتين كبكيوة (قرع أحمر) مرشومة و أيضا عينيه الفارغتين من المروءة والأمانة والمعنى.. فيعرف أنه لص وقح وغير ظريف.. آنذاك يأمر حالا بعقابه عقابا فوريا لا نعرف فحواه على أن يطلق سراحه بعده مباشرة ليعيد بأي طريقة كل ما لصَا عليه من مال السلطان في ظرف ثلاثة أيام وإلا أمر الزمن المتواطئ معه بقتله في أي ظروف غامضة أو متفتحة.. فيقضي هذا العامل ثلاثية حياته في بيع الذي أمامه والذي خلفه وفي إرهاب الناس بما تبقى لديه من الرهبة التي منحها له تكليف السلطان بالوزن فيجمع منهم بالسوط أو بالتي هي أحسن ليتمكن من العودة إلى السلطان بالكيل الناقص وبمؤخرة مفشوشة وبطن ضامرة وعظام خدين ناتئتين إلى الأمام وبعينين مليئتين بمعنى التوبة والاستعطاف وعهود الإخلاص الأبدية. الناس بالطبع يرضخون لظلمه ويمنحونه ما لديهم رغما عن أنفهم الذي لم يحتاجوا إليه كاحتياجهم له في هذا الوقت.. فقد سرت إشاعة في البلاد شغلتهم كثيرا وأجبرتهم على تأجيل كل شيء إلى حين إشعار آخر والاهتمام فقط باتخاذ الحيطة والحذر تجنبا لمضاعفات ومخاطر هذه الإشاعة.. فلا أحد قرر أن يقاوم أو يرفع قضية في عامل السلطان اللص المتجبر الذي انتزع من جيوبهم وبيوتهم ما يملكون بالقوة.. فجل الاهتمام كان منصبا على هذه الإشاعة التي تقول إن الحديقة ستتحول إلى حديقة أنفاس في أي لحظة وهنا خافت الناس والكل أخذ يجمع الأنفاس بكل الطرق ويدخرها بكل الطرق.. فترى الناس في الشوارع يستنشقون الهواء بعمق ويزفرون قليله ويدخرون الباقي في خلاياهم وقِرَبهم الداخلية ومنهم من يدخره في أسطوانات وفي أطر سيارات ودراجات وبالونات.. الكل خائف من الاختناق والكل يعرف أن الحديقة لمّامة لقافة جامعة مستحوذة على كل شيء.. فعندما صارت حديقة ملح لمت كل ملح البلاد وعندما صارت حديقة تمر لمت كل تمر البلاد وعندما صارت حديقة زيت شفطت زيت كل الزيتونات ونباتات عباد الشمس وعرانيص الذرة وكل نبتة تعصرها تمنحك زيتا.. الحديقة تلم كل شيء مطلوب في السوق العالمي والمحلي.. تجمعه وتزنه وتبيع منه و تصدره لصالح السلطان.. فإن صدقت الإشاعة وصارت الحديقة حديقة أنفاس فسوف تلم كل الهواء وكل الريح وكل نسمة سابحة وكل نفخة من فم إنسان وكل آهة لذة ولا يهم إن عاش من عاش أو مات من مات.. المهم هو شفط كل الهواء وجمعه في الحديقة ووزنه وتصديره وعلى الإنسان أن يتدبر أموره.. ومن هنا ترى الناس تستنشق وتجمع الهواء لأن كل الإشاعات صادقة لأن كلمة إشاعة قريبة من شعاع والشعاع نور وليس ظلاما.. لا ترى في الحديقة أو في الشوارع إلا أناساً تقوم بأعمالها اليومية وهي فاغرة الأفواه لدخول الهواء.. حتى هواء مداخن المخابز والذي تنفثه عادمات السيارات وسباسي السجائر لم يطرده أحد.. وتم بلعه.. فهواء ممزوج بالدخان أفضل من لا شيء.. الكل تراه فاتحا فمه ومن في أنفه شعر نتفه سريعا كي لا يعيق دخول الهواء والجميع اشترى ما استطاع من إطارات السيارات والدراجات والأسطوانات وقام بملئها بواسطة (الكمبراسوري) المنفاخ الكهربائي أو الكير اليدوي.. حتى القِرَب وشكاوي اللبن تم ملؤها بالهواء.. الكل كما قلنا يقضي أشغاله بفم مفتوح.. وفي هذا الظرف ليس مهما أن يدخل إلى فم الإنسان الذباب نتيجة غفلته وفتح فمه.. فالذبابة سيئة الحظ التي ستدخل الفم ستجد أمامها هذه المرة إنسانا ذكيا فلن تخرج أبدا وسيعصر ما فيها من هواء ثم تطرد بقايا جثتها مع أول ضرطة قوية. الإشاعة رائجة والناس كلها تتنفس بكثرة وأكثرهم جالسون أمام شاطئ البحر.. لأن هواء البحر صحي ومنعش وليس هناك غرابة في ذلك.. فالأنفاس سوف تجمع وتصدر من ميناء بنغازي.. وأنفاس بنغازي أنفاس مميزة فاخرة رائعة لذيذة مباركة بها نكهة ملح كركوري عتيق بها أغاني مرسكاوي وريح قبلي تدفئ جليد روحك ولا يخنقك غبارها إنما يعطسك طاردا من رئتيك جراثيم الأنفلونزا بأنواعها.. أنفاس بنغازي بها نكهة كرم وقوة وغضب وخفة دم ومروءة وفن وفتنة وحلم وحكمة وثورة حتى إن كل الثائرين في التاريخ يختارونها للانطلاق نحو مشاريعهم الكبيرة.. وخذ مثلا تفجر ثورة الفاتح من سبتمبر الليبية عام 1969 م منها. أيضا أنفاس بنغازي خصبة صحية نشطة تساعد على ممارسة الجنس ويعتبر خبراء الهواء أن مفعولها أقوى من عقاقير الفياغرا لوجود روح التفاح الذهبي الأسطوري فيها.. ذاك التفاح الذي منح هرقل القوة ليباعد ليس بين شخصين أو جدارين إنما بين قارتين ثقيلتين باردتين وساخنتين ويمر إلى أمريكا ليبصق على ترابها سر قوته. الناس تتنفس بسرعة وتعود إلى البيت لتملأ كل ما تملك من فوارغ بالهواء.. الآن راجت في السوق تجارة آلات النفخ والإطارات أو الاسطوانات وحتى أنابيب المعدن والبلاستيك التي صارت الأسر والقبائل والمعارف يمدونها من شارع إلى شارع ومن بيت إلى بيت لنجدة وإسعاف المختنقين في لحظة سحب الهواء كله للحديقة. ماذا لو استيقظت متحشرجا تكاد تموت اختناقا لفراغ السماء والأرض من الهواء.. من هنا ما عليك إلا أن تخرج من مدخراتك الهوائية فتجذب الخرطوم وتفتحه في فمك أو أمام أنفك وتستنشق بضعة أنفاس ترد لك الروح بعدها ساهل.. يفرجها الرب.. فهذه الاستنشاقات تمكنك من البقاء والغوص لمدة طويلة.. تمكنك من البحث عن مكان به خضرة وهواء تهاجر إليه.. مكان به ملح وتمر وزيت وهواء لا يلم ويباع كل يوم وكل موسم.. عندما تهاجر بإمكانك بعد الاستقرار بقليل أن تعود إلى هنا كأحد الشراة المناضلين.. تأتي بسفينتك إلى بحرك القديم وبلدك القديم وتشتري منتجات الحديقة بسعر بخس كونك ابن بلد سابق تعرف السعر الحقيقي ولا يمكن استغفالك أو بيع المدينة الرياضية لك في سوق الفندق البلدي.. لكن في الوقت نفسه يا حبيبي لابد أن تشتري من التاجر الوحيد أو المصدر الوحيد الذي هو السلطان.. وإن حاولت أن تلعب بذيلك وتشتري من آخر بالباطن أو الظاهر فطبعا (حَيْه على أمَّك) فسرعان ما يكشف أمرك من الذي يبيعك نفسه ومن كثرة البصاصين أيضا المنتشرين في كل متر من أمتار البلاد الشاسعة حيث أن كل متر من الأرض أو الجو أو السماء خصص له بصاصا خاصا له صلاحيات مؤثرة و لا يتدخل في شؤونه أحد. وآنذاك سيتم مصادرة السفينة وشنقك على صاريها باعتبارك قرصاناً متآمراً على ثروة الشعب ومهدداً لأمنه الوطني الذي لولاه ما كان هناك حديقة ولا بيوت ولا أسواق ولا ملاعب ولا مراكز شرطة ولا معتقلات في الهواء الطلق كما أيام المستعمر البغيض.. ولكان هناك فقط معسكرات يملؤها الجراد والعناكب وتلعب فيها الفئران لعبة (وابِيْص) الاختباء والاستغماءة أما لعبة (لِيبرا) الجري والملاحقة فهي ممنوعة منذ أزمان سحيقة أو عهود خلت.. منذ أيام السلطان الأول آدم.. فكل من يجري تطلق عليه النيران.. لا يهم لونه أو جنسه أو دينه أو عمره.. الكل في البلاد يجب أن يكون ماشيا فقط.. ماشيا ببطء وبتعثر وكسل إن أراد كسب الرضا. فالمشي والمرد والتمرغ والزحف ليس منه مشكلة.. فالسلطان قطع للجميع قيدهم وغنى لهم: دودش حب الرمان.. دودش خبزة ودهان. أمرهم بالمشي فقط لأنه مفيد للقلب الفرح والتعاسة ومزيل للضغط والسكر والصداع ومنشط للأقدام التي تتلقى دائما الفلقة منذ الكُتّاب والصف الأول الابتدائي.. لكن الجري لم يأذن به بعد.. فكل السلاطين مؤمنون بالمثل القائل: "لا تطلق الطير وتجري تحته".. وكل سلطان أطلق طيره وجرى تحته أو فوقه لم يتمكن من الإمساك به ثانية وفقد سلطانه.. لكن هناك سلاطين إصلاحيين وأذكياء يسمحون بالجري لكن الجري في المكان نفسه.. المراوحة في المكان نفسه.. وعندما يشعرون أن الناس جرت وهرولت كثيرا وعرقها نز كسيل ولم يعد لها قدرة على الجري نفخوا صافرة التوقف فتوقف الراكضون في المكان وزحف ومشى وحجل كل واحد منهم إلى مثواه سالما.. مرة واحدة لاح لي إنسان ينتقل بسرعة من مكان إلى آخر فقلت ربما هذا الإنسان يجري وهذه معجزة فاقتربت منه أكثر لأجده يجري بضع خطوات ويمشي بضع خطوات مستعينا بعكاز.. كان النهار قيظ.. قلت له هات عكازك نغرزه في التراب ونصنع مظلة بعمامتي نستريح تحتها قليلا.. أراك قد ركضت كثيرا وأنا مشيت كثيرا.. نظر إلى وقال: ماذا تعني بكلمة ركضت.. أنا مشيت فقط.. وآسف على صنع ظل بعكازي.. أنا مستعجل ومشغول.. تبقى على خير..وأنظر إلي.. أنا لا أمشي حتى.. أنا أزحف زحفا كدودة.. وجهي إلى الأرض.. وظهري إلى السماء التي لم تسندني يوما على الرغم من أنني أنظر إليها أكثر من النظر في عيني حبيبتي الكحيلتين التي فقدتها بسبب "أن حصاني مش جرّايْ".. فمتى يجري حصاني لأركبه أو أجري خلفه.. الحقيقة أنني لم أجد في السوق حصانا لأركبه أو أجري خلفه.. فالحديقة صارت ذات مرة حديقة خيل فجمع كل خيل البلاد في الحديقة وعندما ذهبت إلى الحديقة لشراء حصان منها وجدتها خالية من الخيل وتطلعت إلى الميناء فرأيت السفينة تغادر بها ورؤوس الخيل تطل من فوقها وتصهل بجنون ليبي شرس.. ماذا أفعل كي لا أفقد حبيبتي الجديدة وأصل إليها في الوقت المناسب سأشتري مُهريا سريعا وأركبه إليها وأقدمه لها مهرا.. ذهبت إلى السوق فلم أجد إبلا للبيع..الإبل كلها محجوزة.. شعرت بالغضب فرميت نقودي في البحر..وعندما رأيت الأمواج تحملها إلى الداخل ركضت خلفها بكل قوتي حتى استعدتها جميعها.. لم يرمني أحد بالنار لجريي هذا.. فالجري وسط الماء مسموح به.. لأن كل من توغل بجريه في البحر سيغرق.. وسيوفر على الخزينة ثمن نار موته.. لكن سألوني أحبابنا يا عين عن سبب رمي النقود في الماء.. ألا تخاف أن يغرق السلطان المرسوم عليها أو يصيب طربوشه البلل.. قلت لهم هذه النقود طبعة قديمة.. ليس بها صورة سلطان هذا الوقت.. المحكمة قريبة من البحر.. حوكمت سريعا ونلت براءة.. وعدت إلى الحديقة لأجلس فيها.. لا أدري ما يجمع فيها من خيرات الآن.. لقد كنت منهكا وحزينا.. استندت على شجرة النَّمّ الأم ونمت عندما استيقظت وجدت حولى العديد من طيور الخليش الميتة.. لم أعرف سبب موتها.. لم أسمع طلقات بندقية صيد..أو ارتطام حجارة مقاليع.. ولم أشم أي رائحة قد تكون سما. حديقة الملح مليئة بالطيور النافقة.. متناثرة فوق العشب وإلى جانب الجذوع وحول محيط النافورة الرخامي وخلف الكافتيريا وأمام كشك الهاتف.. حديقة الملح وقت الأصيل مملوءة بالطيور الحية المصدرة زقزقات مختلفة حادة تصم الأذان.. طيور من جميع الأنواع.. شجرة النَّمّ تتقبل الجميع.. لم تطرد أي طائر من قبل.. أوراقها تداخلت مع ريش الطيور في أخوية حياة أبدية.. شجرة مفتوحة للجميع.. أوراقها غزيرة جدا.. تتجاوز عدد ما يوجد في العالم من طيور.. كلما فقصت بيضة وخرج طائر ولدت في الشجرة أوراق جديدة أكثر.. الخريف يأكل كفايته.. لكن الربيع منتج دائم للخضرة.. شجرة مفتوحة للجميع.. لم تمكن طائرا ما من احتكارها.. الطائر الذي لا يفسح متسعا لأخيه الطائر تهزهز من تحته أغصانها فيسقط عشه ويتحطم بيضه ويعوج منقاره ويتنتف ريشه وتتكسر مخابشه و يهوي إلى الحضيض.. وعندما يصعد مجددا يصعد بهوية جديدة تقبل الجديد والوافد ولا تزرّب العش لتغلقه وتمنعه عن المحتاجين.. حديقة الملح مليئة بالطيور النافقة.. طيور سوداء.. سؤال يطرح نفسه الآن.. لماذا الطيور النافقة كلها سوداء.. لماذا لم تنفق الطيور الخضراء والصفراء والبنية والحمراء والبيضاء والرمادية.. لماذا لا تنفق إلا طيور الخليش السوداء؟ لم المس واحدا منها.. اكتفيت بتأملها عن بعد خطوة.. وشاهدت في تلك اللحظة لحظة موت على الهواء مباشرة.. طائر خليش يسقط من الشجرة المقابلة.. يفرفط أويرفرف قليلا على النجيل ثم يسكن إلى الأبد.. أنا ليس أنا الآن.. أنا لست نفسي ولا روحي.. أنا عاشقان جالسان على الكرسي المقابل لمنظر الموت.. أوجعهما المنظر.. أوجعهما الفن الميت.. الذي كان حيا منذ لحظة فقط.. العاشقة أخرجت منديل ورقي من حقيبتها ومسحت دموعها.. والعاشق ترك الوردة الحمراء فوق حقيبة العشيقة وهرع يجري نحو الطائر.. رفعه سريعا وفتح منقاره بطرف ظفره ليرى لسانه الصغير الذي مازال يرتعش وينبض بالغناء.. قربه إلى فمه ونفخ فيه محاولا أن يعيد إليه الحياة.. ولكن ارتعاش اللسان توقف ونبض الغناء توقف ومنذ متى يعيد بنو البشر الحياة للطيور.. الأمر يريد معجزة وعصر المعجزات ولّى.. أجل ولّى.. الآن كما نعرف عصر الجرائم الغامضة التي طالت حتى طيور الخليش السوداء المهاجرة المسالمة. أمر محير.. كيف أنه لا يموت إلا هذا النوع من الطيور.. طائر الخليش الأسود.. ما السبب؟هل هناك سم أم مؤامرة تحاك وتنفذ ضد طيور بلادي وحريتها؟ أم أنها رسالة مشفرة تحذيرية للرئيس الأكحل أوباما.. الذي صار أول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية.. وكأن الموت يقول له سنقتل الحرية والرفرفة في بلاد تنبأت بفوزك عبر مقولة في كتابها الأخضر تقول: السود سيسودون في العالم. الطيور الميتة كثيرة.. عمال النظافة يجمعونها في اليوم أكثر من مرة.. وعندما يعتقدون أن الحديقة نظيفة من الطيور الميتة ويعودون بعد ساعة يجدونها قد امتلأت مجددا بعدد وافر يملأ ما معهم من أكياس وبراويط.. كما أسلفنا أمر محير جدا أن تموت الطيور السوداء فقط.. الطيور البيضاء والحمراء والزرقاء والخضراء والبنية لا تموت.. حتى الطيور ذات الألوان المتعددة كالطاووس صاحب الصوت المزعج والذيل الجذاب لا تموت.. أمر محير لكنني لن أبحث الأمر من جهة الموت.. فموت الطيور أو العقارب أو غيرها من المخلوقات لا يهمني.. الذي يهمني هو لماذا تموت الطيور؟ ولماذا السوداء بالذات.. لأن هذا الأمر لم يحدث من قبل.. أو أنه حدث ولم أره.. سأترك السؤال محلقا.. سأطليه بالأبيض أولا أو الأخضر أو أي لون متوفر فيما عدا الأسود.. لن أترك سؤالي يحلق وهو بلون الفحم أو القطران أو الإثمد (الكحل).. سأتركه محلقا في الأفق.. ومن يجد الإجابة فليتكرم وليخبرني بها.. قد اقتنع بها وقد لا.. فليست كل إجابة صالحة لكل الناس.. وأنا بالطبع من الناس.. ماذا أفعل الآن؟ والسواد يموت في عز الظهيرة.. سواد طائر يسقط هكذا.. مازال الأمر يحيرني.. على أن أغادر الحديقة كي أجدد التفكير.. سأذهب إلى البحر.. البحر قريب من الحديقة.. مشيت مئة متر فوجدته.. الماء الأزرق رائع والماء الأبيض رائع والحصى الغارق في المياه رائع.. الطحالب ملتصقة بالصخور وتفل البحر مخلوط بالرمل ومخلفات المتنزهين من أكواب وقناني وأغلفة بسكويت وتشيبس تمنح المشهد بعض القذارة التي يقاتلها الموج ببطء.. قذارة هائلة منتجة من قبل أناس هذه المدينة تراها على شاطئ البحر.. في البعيد سفن تنتظر دورها لدخول الميناء.. في القريب سفن خارجة من الميناء عائدة إلى بلدانها.. مشهد بحري نمطي ممل.. كي أغيره لأتأمل وأفكر عليَّ أن أتخيّل.. علي أن أغمض عيني لأغادر هذا الملل الذي منعني من التفكير والكتابة.. أغمضت عيني.. أنا في الصحراء الآن.. في خمارة عتيقة قريبة من جبال أكاكوس.. خمارة تقدم مالقيات البوزة للرواد.. بوزة قوية تقلب ثلاث جمال وتجعلهم يعتقدون أنهم ملوك بعير العالم.. بوزة تارقية لذيذة منعشة مصنوعة من السكر والتمر والماء والخميرة والرمل والشمس.. السكر من كوبا.. التمر من ليبيا.. والخميرة من العالم كله.. لأن العالم خامر.. خامر جدا الآن والأمس وربما الغد أيضا.. خامر لأنه عالم ولو كان غير معلوم لسكرنا جيدا على الأمل. السكر من كوبا.. التمر من ليبيا.. الخميرة من العالم.. الماء من المطر.. لكن المطر لا يسقط الآن.. الكائنات تصلي والمطر لا يسقط.. أنا في الصحراء والمطر لا يسقط في الصحاري.. سنجعله يسقط كي نصنع البوزة.. وما المشكلة.. في الحكايات كل شيء جائز.. يمكنني أن أسقط المطر حتى في الجحيم. شربت البرداق ومسحت فمي بكمي كما يفعل السكارى المحترفون وأكلت شيئا من طبق الميزة المكون من كبد النوق المشوي.. شعرت بدوار.. دوار في رأسي.. رأسي سخنت الآن كما التنور.. خبزت في مخبز رأسي مجموعة أرغفة.. رميتها في فرن رأسي وملستها بأصابع حبيبتي لتلتصق على جدار التنور ولا تسقط إلى القاع.. ألصقت الأرغفة على جدار التنور ومع كل إلصاق لرغيف أسحب أصابعي بسرعها أبردها بنفخات سريعة من مدخراتي الهوائية.. لم أضع وسما على خدود أرغفتي.. وراقبتها وهي تنضج.. عندما نضجت تماما لبست قفازين وجذبتها إلى خارج التنور وصففتها في طبق سعف نخيل.. وقبل أن تبرد قدمتها للضيوف الذين للأسف الشديد لم أجدهم.. ووجدت نفسي وحيدا على الشاطئ.. بلا خبز.. بلا ماء.. الماء الذي يدفعه الموج يلامس قدمي بعد أن تسلل من فتحات حذائي وصعد إلى أعلى.. غمر كعبي وكاحلي وعظمتي ساقي وركبتي وبلل سروالي الداخلي الذي نسميه الموتانتي.. شعرت بالبرد وانتبهت والحقيقة أن البرد هو الذي أيقظني من سكري المتخيّل.. لكن أشعر الآن أنني سكران حقيقة من بوزة السكر الكوبي والتمر الليبي وماء المطر وخميرة العالم وشمس الدنيا التي أنضجت هذه الخمرة البدائية القوية القادرة على طرح أي شرّيب مدمن ومحترف على الأرض. شكرا أيتها الشمس.. أيتها الحرارة المضيئة.. لولا الشمس ما كان يحدث تخمر جيد.. ما كان يولد الكحول.. عاشق الدم ومرنحه ومنشيه.. النار وحدها لا تكفي.. في الصحراء الحطب المفضل هو حطب الشمس والرمل.. أو حطب الشمس والحجر.. أو حطب الحب و الأغاني.. الآن أنا سكران من هذه البوزة.. وعلي أن استيقظ من خيالي السكران حتى أتمكن من ممارسة حياتي في النهار.. أستطيع أن أفكر الآن.. أن أكتب.. أحوم في الصحراء الآن.. الشركات أكثر من حبيبات الرمل.. كل كيلو متر تلوح لك شافطة معدنية تمتص روح الأرض.. سواد يفيض إلى جوانب الحفارات.. ألسنة لهب تتعالى تفجع السماء.. الصحراء تتألم.. يتم تجريدها الآن من سلاحها الباطني.. النقوش والأحفورات الصخرية تلوث وتشوه وتسرق.. الماء يمتص.. النفط يمتص.. شركات في شركات.. الحياة صارت شركة.. الدول صارت شركات.. حتما ستختفي المعالم السياسية في العالم.. فلن نجد بعد أمد قريب مملكة أو جمهورية أو جماهيرية أو سلطنة أو إمارة أو ولايات متحدة أو اتحادا كونفدراليا أو غيرها من مسميات الدول والكيانات.. وستقام بدلا من تلك التعريفات للرقع الأرضية أو السماوية أو الخيالية دول الشركات.. فنجد مثلا شركة ليبيا الوطنية أو العربية أو الإفريقية أو غيرها من الصفات المعبرة عن هوية الشركة وسياستها في تسيير أمورها في ذاك الآن.. أو نجد شركة مصر العربية أو الفرعونية أو القبطية.. أو شركة أمريكا للبترول الأحمر.. أو شركة الشام للفستق والزيتون أو شركة العراق الموحدة.. أو شركة موريطانيا للسمك والفوسفات.. أو الشركة العبرية للشمعدانات والأساطير.. أو شركة اليانكي للديمقراطية ولوازمها.. وسيكون لهذه الشركات رئيس مجلس إدارة.. وأعضاء مجلس إدارة.. ومساهمون ومستثمرون من الدولة نفسها أو من خارجها.. وسيكون لهذه الشركات وسائل إعلام ودعاية وخزينة وفرق رياضية وشعار مُعبّر وخفراء وبوابون وأشياء أخرى ضرورية تحتاجها الشركات كي تستمر في عطائها وفق سياسة الربح والخسارة. سيتم تداول هذه الشركات في البورصة.. فأحيانا مستثمر مغامر يشتري شركة شيلة بيلة (سكر في أميّة).. أي بالجملة.. بكامل شعبها ومجلس إدارتها وبكل ما تمتلك من أصول ثابتة ومتحركة حيّة وجامدة وبكل ما لها وما عليها من ديون.. يشتريها بتركتها كلها السيئة والحسنة.. يشتريها بصفائها ومشاكلها.. بحربها وسلامها.. ينتفع الشاري بها حسب خطته ومزاجه ما أراد من زمن.. وعندما يمل منها يُطلَّقها و يبيعها مجددا في سوق نخاسة الدول.. يبيعها بالجملة أو القطاعي.. بالحاضر أو بالآجل.. يفرّش بها على الرصيف.. أو يعرضها على مصطبة أو طاولة.. وربما لا يحالفه الحظ في البيع فتزطل (تبور).. فلكي يتخلص من عبئها يتبرع بها لضحايا الإعصارات والمصائب المزمنة في شركة أمريكا أو العراق أو اندونيسيا أو رومانيا أو الصومال أو أفغانستان وباكستان. ستدور عجلة الزمن فتأكل تروس المكان لتـُذهِبَ معالمه.. و ليصير المكان من دون أسنان ومن دون أصابع تبيّن له فكوك العض.. ستدور عجلة الزمان ببطء وبسرعة و ستفلس شركات.. وستثرى شركات أخرى.. ستزول شركات من زمنها ومكانها وتقوم شركات أخرى بدلا منها مستفيدة من سماد احتراقها.. قد يتغير رئيس شركتك التي تعيش فيها بين يوم وليلة.. قد يذهب ليضارب في مكان آخر بعد أن يشتري أسهماً جديدة من شركة أخرى.. يضارب بالأسهم الجديدة حتى يستنزفه الزمن.. آنذاك قد يكمل أيامه مع تلك الأسهم.. وقد يعتقها أو يبيعها ويعود إليك مجددا إن وجد في عودته مكسبا يستحق. العالم سيتحول إلى سوق.. والدول إلى شركات.. وستختفي كليات العلوم السياسية والاجتماعية والتاريخية لتحل بدلا منها كليات الاقتصاد والتجارة والمحاسبة.. بإمكان الإنسان في هذا العالم الشركواتي الجديد أن يبيع أسهمه في شركته ويبدل عملته الوطنية بعملة هولندية يشتري بها أسهماً في شركة هولندا تمكنه من العيش هناك والمضاربة في دقات قلبه القابلة للتحول والتحويل والتبدّل وفق قانون العرض والطلب.. ففي هولندا كل شيء قابل للتحويل.. وبإمكان هذا الإنسان في العام نفسه أنْ يتحول إلى مواطن في شركة فرنسا للعطور فيرشرش نفسه على الآباط وخلف الأذان وبين النهود أو يتحول إلى شركة إيطاليا للمكرونة السباقيتي فيصير أعوادا نشوية متخبلة ملتفة في بعضها ممرغة في صلصة الطماطم والجبن المبشور ترفعه الشوكات والملاعق إلى الأفواه التي تمضغه وتخرجه برازا إيطاليا برائحة النبيذ وشحم الحلوف والثوم.. وفي الوقت نفسه يمكنه في نهاية العام أن يعود إلى شركته يسلم أسهمه للسجل المدني ويتوطن آليا. في عالم الشركات ليست هناك مشكلة.. فلن يطلب منك أحد جواز سفر ولن تـُسأل متى خرجت من الشركة ومتى تمّ بيعك أو بيع نفسك ولمن؟ سيُسمح لك بالدخول ولن يطلب منك أحد أي ولاء أو إيمان.. ستعامل (شركواتيا) أي كم تساوي وبقيمتك تمنح المكان الذي يساوي هذه القيمة. ما على العائد إلا أن يمد أسهمه السياسية أو الزراعية أو الاقتصادية أو غيرها إلى محاسب الشركة فيمنحه الإيصال.. وينخرط في حياته التجارية المنظمة والمنضبطة لكن وهو داخل الشركة عليه أن يتحمل ما يحدث له.. قد تفلس شركتك وتباع في المزاد.. قد يشتريها تاجر تشادي فتجد نفسك في (انجامينا) أو (فايالارجو) تعمل في رعي الماعز والجاموس أو جني الجوّافة.. وقد يشتريها تاجر بنجلاديشي فتجد نفسك هناك في مدينة دكّا مندكاً في فلوكة تصارع الفيضان.. ويتلاعب القدر والحظ والظروف وقانون السوق بحياة الإنسان التي تحولت من أحاسيس ودقات مقدسة إلى حزمة أسهم قابلة للعد والتعيير والتدجين والقولبة.. تباع وتشترى و تتقايض.. تذوب وتتكثف وتطول وتقصر وتنحف وتسمن.. ترتفع قيمتها أحيانا فتصير ذهبا وتنخفض أحيانا لتصير جردل قمامة متعدد الثقوب.. في دولة الشركات قد يبتسم الحظ لهذا أو ذاك.. فرئيس مجلس الإدارة هو مالك الشركة.. هو من يملك أكثر من 51 % من أسهمها.. وقد تجبره الضرورة التجارية المحضة أن يرضى على هذا أو ذاك فيقربه منه.. فيحوله من مجرد بوق دعاية و(بروباقاندا) إلى رئيس قسم مالية الشركة أو رئيس تحرير جريدة الشركة أو مجلة الشركة أو إذاعة الشركة أو فرقة رقص وتطبيل الشركة.. وقد ينصبه شاعرا خاصا للشركة ويمنحه الضوء الأخضر والوردي والبرتقالي واللازوردي والبيج والكاكي والكحلي والمبقع بألوان الطيف ليصدح مثلما يريد ويقبض مثلما يريد.. فرئيس مجلس الإدارة أو أمير مجلس الإدارة أو سلطان مجلس الإدارة أو إمبراطور مجلس الإدارة.. هو أبوها وكيّالها.. وبالمناسبة يحق لرئيس مجلس الإدارة أنْ يتلقب ويتصف بما يستهويه من ألقاب ويجوز له أيضا تغيير اللقب كل شهر وحتى كل يوم.. حسب ظروف الشركة وحسب ظروف إبرام الصفقات.. فهذه الصفقة تحتاج إلى أمير.. فلأكن أمير مجلس الإدارة.. هذه الصفقة تحتاج إلى ملك فلأكن ملك مجلس الإدارة.. وهكذا.. المهم أن تتم الصفقة.. والمهم أن أحافظ على نفسي من الخسارة.. إن كانت هناك خسارة فلا يجب أن تكون في 51% وتكون في بقية المساهمين.. الواحد والخمسون في المئة خط نار على رئيس مجلس الإدارة أن يحافظ عليه وأن يجعله 55%.. 60%.. 90 %.. ولو أحبه مساهمو الشركة ورفعوه على الأعناق وطافوا به في الآفاق فيجعله 99% وتسيعة من عشرة.. قد يستغني رئيس مجلس الإدارة عن بعض المساهمين فيبيعهم من أجل مصلحة الشركة وعليهم أن ينفذوا أمر بيعهم بالتي هي أحسن وإن رفض الذي يتم بيعه سيراه رئيس مجلس الإدارة على هيئة مجموعة أسهم صغيرة على شكل ثور أو حمار أو كلب أو بوبريص مبتور الذيل.. يأمر سايس الحيوانات أن يقبض عليه ويسلمه عنوة للمشتري وهناك المشتري له الحرية في تحويل أسهمه المشتراة من ثيران إلى براغيث أو من حمير إلى أبناء آدم.. طبعا حسب رغبته.. إن كان الحمار يُكسِّبه فسوف يتركه حمارا وإن كان الكلب سيُكسِّبه فسوف يقلب هذه الأسهم إلى كلاب يبيعها إلى عجائز أوروبا أو مسالخ كوريا والصين.. الجميل في هذه التجارة أن الأسهم طيعة سهلة التشكيل والتدوير والتعويج والترقيص.. بإمكانك أن تحوّل أي سهم إلى أي شيء تريده.. الأسهم في الشركة لن ترفض.. ستخرج من الخزينة إلى المحفظة أو الصندوق أو الجيب.. أو تنتقل عبر تقنية الشبكة العنكبوتية إلى مكان المالك الجديد في لمح البصر.. ستنتقل بسرعة أسرع من عفريت سليمان عليه السلام الذي جلب بلقيس. قال القارئ لنفسه.. هذا الأمر جميل.. إنسان يتحول إلى سهم في شركة.. سأتقدم إلى السلطات لتأسيس شركة من هذا النوع.. ولحسن الحظ بلادنا في هذا الوقت ديمقراطية تعشق الإصلاح وتبشر به وتناصره وتموت في حبه.. ستوافق على طلبي فورا.. سأشتري المستلزمات من السوق.. سأشتري الأبواق والمزامير.. سأشتري الأسهم النائمة على بطونها وعلى ظهورها والمتقرفصة.. سأشتري أسهما تبَيدل (تدولب) في الهواء.. سأشتري أسهما سمينة ونحيفة.. كسيحة وعرجاء.. سريعة وبطيئة.. سأشتري مطربين.. سأشتري أسهما شيوعية وأصولية وقومية ووطنية وملكية وعولمية وما بعد العولمية.. سأشتري أسهما ثورية ورجعية.. لابد أن تكون الأسهم متنوعة.. لا شيء سأرميه.. كل سهم له وظيفة ووقت وسعر ووقرة بيع.. سهم سأوخز به.. سهم سأطعن به.. سهم سأحرث عليه.. سهم سأحرك به فارة الحاسوب والنت.. سهم سيرقص ويغني لي.. سهم سيجلب لي النشرة السهموية.. سأشتري تشكيلة رائعة.. باقة رائعة.. سأشتري عمالا وفلاحين وحرفيين وأطباء وممرضين ومهندسين وطلبة ومدرسين وموظفين وجنود وبوليس وشيوخ للأديان ومفتيين وقضاة ومحامين وجلادين ومبرمجين وكتّاب ورسامين وفنانين من الجنسين ومن الجنس الثالث أيضا.. سأشتري مكانا أسوّره وأضع فيه هذه الأسهم.. سأقدم لها العلف الذي ترغب وتحب.. العلف الممتاز الدسم الذي يجعلها تسمن سريعا وتنتج لي بغزارة وتهرول بإخلاص وإيمان وتفانٍ وفق الأجندة التي أريد. الحقيقة كما توقع.. السلطات لم تمانع في هذا الأمر.. ومنحت القارئ الرخصة معفاة من الضرائب لأنه أبرز لهم شهادة لا تصنفه في قطيع القطط السمان.. هو قطيطيس صغير.. يا دوب إيخبّش دفاعا عن النفس.. منحت له الرخصة وذهب ليشتري مستلزمات هذه الشركة من السوق.. اشترى ما يريد في دقائق ودفع الثمن نقدا للبائعين.. ساق قطيعه أمامه في الشوارع إلى حيث المكان الذي سيحشرهم فيه.. أدخلهم عنبر النوم وقال لهم الآن ناموا.. والصباح رباح. في الصباح استيقظ القارئ من النوم.. فوجد الأسهم مستعدة للانطلاق في فيافي وصحاري وبحار البورصة.. أطلقها جميعها ولم يترك معه إلا القليل.. وعند الإقفال عادت الأسهم سمينة ومتضخمة وذوات شدوق حمراء ومؤخرات باذخة بذخ ليّة الخرفان الشامية الثلاثية.. عادت أثقل وزنا وأرفع قيمة مما كانت عليه.. لقد رتعت جيدا في ظل غياب الأسهم الأخرى المتأثرة بالأزمة المالية العالمية.. وشعر بالسعادة القصوى لهذه الضربة الكاسبة.. حتى أنه رقص وغـنى وعيّط على طول رقبته.. وفي اليوم الثاني أطلقها لترتع وتسرح في البورصة وعاد بعضها غانما فائزا.. وعاد بعضها مكسورا مثخنا بالجراح.. وفُقِد بعضها فلم يعد وعادت أسماؤه متناثرة من دون كيان.. وحاسب هذا المالك نفسه وحسب حسبته ضاربا أسداسه في أخماسه.. ووجد أن رأس ماله ما زال سليما فما ربحه بالأمس خسره اليوم.. في اليوم الثالث قرر أن يخرج مع أسهمه إلى البورصة ليقودها بنفسه.. قال في نفسه قبل أن ينطلق على رأس الأسهم.."اضرب النقص اتجي أنت والحق سواء.. والعب بروحك وما تشكش".. قرر أن يمارس هذين المثلين الشعبيين في تجارته في البورصة فلم يترك الأسهم لفطرتها لتتدبر نفسها.. ووجَّهها وفق مزاجه وأفكاره وذائقته وريبه وشكه فخسر ثلاثة أرباعها في تغميضة عين وأنقذه من خسارة الربع الأخير رنين جرس الإقفال حيث تتوقف المعاملات إلكترونيا.. عاد بالربع المتبقي حزينا وغاضبا ونادما على المغامرة معاتبا نفسه بمقولة ليتني أعطيت العيش لخبازه.. في اليوم الرابع ترك الربع المتبقي يخرج بنفسه إلى البورصة وساعة الإقفال عاد الربع ومعه عدة أسهم من المفقودة بالأمس.. استحسن ذلك وابتسم وشرب احتفالا بهذا النصر طاسة شاي باللوز الدرناوي المزلط.. وداوم على ترك الأسهم ترتع بنفسها فعادت تدريجيا جميعها إليه.. آنذاك حسب حسبته من جديد فلم يجد نفسه رابحا ولا خاسرا.. فكر بينه وبين نفسه لماذا عندما قدت الأسهم في السوق كدت أن أخسرها جميعا؟ لم يجد في رأسه إجابة.. لكن وجد فيه مغامرة أو فكرة جديدة.. قال سأترك الأسهم جميعها هنا في مأواها وأخرج بنفسي إلى البورصة.. أجرب حظي.. ربما أربح وربما أخسر وربما أتعادل.. إن خسرت وصرت مبيوعا.. ستستردني أسهمي التي تركتها في المأوى وستفديني برؤوسها وذيولها وانطلاقاتها اللولبية من قوس الحياة. خرج صاحب الأسهم إلى البورصة فلم يسمح له بالدخول للمضاربة.. قالوا له: "لابد من إحضار أسهمك إلى هنا.. أنت بالنسبة لنا سهم واحد.. والبيع داخل البورصة بالجملة فقط.. إن أردت المضاربة بالقطاعي (المفرق) فاذهب إلى هناك".. أشاروا له إلى سوق ليس به مبانٍ ولا أنوار ولا ظلال.. سوق خالٍ من الباعة والمشترين.. ذهب إلى حيث أشاروا من أجل الفضول فقط.. فوجد في المكان مجموعة من الأسهم تحيط بسهم مكسور من المنتصف ورأسه مغروزة في التراب.. وضع سبابته على صدغه وراح يفكر.. قال في نفسه هذا النوع لم اشتر منه لذلك خسرت في البورصة.. وتعبت كثيرا في تعويض تلك الخسارة.. قال لجماعة الأسهم المحيطة بالسهم المكسور: سأشتري هذا السهم.. ورمى عليه كيسا من الذهب.. لم ينهض السهم ليرافقه.. فرفعه بنفسه.. دقق ببصره في رأسه.. فوجده أسود.. شم السواد فلم يتبينه.. هل هو حبر أم قطران؟ أم أنهما الاثنان معا؟ انتهى تأثير البوزة.. استيقظ خيالي من رحيله في صحراء الوجع.. ها أنا في المدينة الآن.. تركت الصحراء.. تركت شاطئ البحر.. أتجه إلى منتصف الحديقة.. إلى أمي التي زرعها جدي المجهول.. جدّي ليس مجهول النسب إنما المصير.. أقترب الآن من منتصف الحديقة حيث شجرة النَّمّ العملاقة المقتاتة على فاكهة الملح.. الجو ملغم.. شركات الأمن منتشرة في كل مكان.. ماذا حدث يا ترى.. أمام البريد الرئيسي شرطة.. أمام بيوت المال شرطة.. أمام مكتبة قورينا شرطة.. أمام مقهى تيكة شرطة خفيّة بلباس مدني وبأجناب منتفخة من المسدسات.. واصلت شق طريقي صوب شجرة النَّمّ.. لم أكن مترنحا أو عربيدا.. كنت مواطنا صالحا يمشي من الظل إلى الظل ومن الساس إلى الساس.. ليبي أسمر البشرة.. مسالم إلى أبعد حد.. أشق طريقي بهدوء وأشاهد ما حولي.. كأنني أمثل فيلم وأشاهده في الآن نفسه.. أرى دوريات شركات الشرطة راجلة من الخريجين الجدد ومن العائدين القدامى يمتشقون هراوات مطاطية سوداء ومن أحزمتهم تتأرجح الكليبشات البورنزية.. منتشرون في كل ناصية ومفرق طرق.. كلهم يحملقون في المارة ويسألون كل أسود يمر قربهم عن أوراقه الثبوتية.. يسألونه بصوت يتصنع الحدة والغلظة والحزم.. لكن الذي يخرج من حراجيمهم صوت ناعم رقيق مزدان بكلمة عفوا وأشكرك وتفضل اذهب إلى حال سبيلك.. عندما يجدون الشخص الأسمر ليبياً يتركونه يذهب إلى حاله حتى وإن كان سكرانا أو مسطولا أو متناولا أقراص هلوسة.. فهذه الأشياء ليس منها خطر.. أما إن كان الموقوف للسؤال إفريقياً فسيعرفون من خلال أوراقه هل دخل البلاد بطريقة شرعية وإقامته صالحة أو أنه كان متسللا خلسة.. أنا أسود وليس معي أوراق.. لكن معي لساني البنغازي الأصيل.. ومعي أغنياتي المرسكاوية.. وفي جيبي قرطاس رياضي (سجائر) وطني. سألني الشرطي الصغير الوسيم: ـ من أين أنت يا أخ؟ فأجبته: من حي المحيشي. قال الشرطي وهو يفحصني بعينيه: أمتأكد؟! فغنيت له أغنية حميدة درنة: سيدي الفقي لو ريت بوتكليلة .. يحرم عليك الدرس ما تمشيله. سألني: ما معنى بوتكليلة؟ فشرحت له أن التكليلة حلية ذهب أو فضة على هيئة دائرة منقوشة تعلق قرب الأذنين وتثبت في الشَعر أو الشال أو المحرمة ونقوشها المرسومة عليها تحكي حكايات أسطورية قديمة تتصدرها علامة المؤلهة الليبية تانيت.. وممكن تسأل أمك عنها أكيد لديها منها في صندوق حليها القديم. ابتسم الشرطي الصغير في شبه خجل قائلا: ـ لا اعتقد ذلك.. أنا أمي الله يرحمها والتي أرضعتني رحلت إلى الدار الآخرة العام الماضي. واسيته مترحما داعيا للأم الوالدة والأم المرضعة بالرحمة والمغفرة ثم طلبت منه ولعة فولع لي سيجارة الرياضي التي كانت متموضعة خلف أذني.. لم أشرح له معنى بوتكليلة تقديرا لموقف تذكره لأمه ومرضعته.. صافحته مجددا وغادرته وأنا أدندن بصوت هامس: سيدي الفقي لو ريت بوتكليلة.. يحرم عليك الدرس ما تمشيله. وقلت في نفسي أنا غائب اليوم عن الدرس.. أنظر إلى تلك المذبحة السوداء.. مذبحة السم.. طيور تموت من دون ذبح.. بلا دم.. الخليشات تموت.. السوداء منها فقط.. لماذا يا ربي؟ سأذهب وأبحث عن من قتلها.. عن سبب موتها.. الآن أكلم نفسي..أهذي.. موت الطيور الفجائي مؤثر.. مطر أسود ميت على هيئة قبضة حياة مغلفة بالريش. عاد إلي الشرطي قادما من جهة أخرى تفضي إلى الحديقة وسألني مجددا أوراقك يا أخ؟ فقلت له: ـ ألم أجبك منذ قليل والشارة والمارة أنك سألتني عن معنى بوتكليلة؟. ابتسم الشرطي وقال: ـ آسف.. صح.. كلامك صحيح و أنت من حي المحيشي.. معلش العقل يدوي أحياناً. فقلت له: لو ريت بوتكليلة مثلي ربما عقلك لن يدوي فقط إنما سيغني ويرقص.. وربما ستتغيب عن عملك في الشرطة وتهمل واجبك حتى يتم طردك. وأثناء كلامي له رن جرس الموبايل الرابض في حزامه.. ليس رنينا إنما صوت موسيقي لموشح أندلسي ذي إيقاع سريع.. فغادرني سريعا إلى ركن منزوٍ تحت أقواس بيت مال الأمة وبدت عليه أمارات السعادة وهو يتكلم في الخليوي فلوحت له ولوح لي مشيرا براحته إلى قلبه علامة الشكر والامتنان أو أن من يتصل به الآن شخص عزيز ربما حبيبته. لم يكن ماركو راغبا في الالتحاق بالشرطة لكن الشركة الايطالية التي تعاقدت مع سلطات البلاد لتسيير الأمن أقنعته بالالتحاق بها وأغرته براتب مجزٍ، كون جده الشيشلياني من مؤسسي هذه الشركة القدامي، والذي جعله يقبل هو تنسيبه إلى قسم الموسيقا بالشرطة ولمهارته في العزف على جميع الآلات النحاسية والإيقاعية والوترية فقد تم تسليم عصا القيادة له.. وما وجوده اليوم في وسط المدينة للقيام بأعمال الدورية إلا لحالة طارئة ولأيام معدودات.. فبعد فوز باراك أوباما في الانتخابات.. كل الشركات الدولية أخذت الحيطة والحذر من تسلل السود لرئاسة مجالس إدارة هذه الشركات فعملت على حصرهم وتضييق الخناق عليهم وتحجيمهم وتفريغ الشحنة المعنوية التي نفثها أوباما في قلوبهم.. الأسود الوطني يطلب منه أوراقه وهو في بلده.. بينما الأسود الوافد يتم التدقيق في أوراقه فإن كان متسللا لأراضي الشركة دون المرور على شرطة الجوازات يتم ترحيله فورا إلى بلده وإن لم تعرف بلده ويرفض السفر إلى أي بلد يرمى في السجن.. وإن كانت أوراقه سليمة يترك على حاله لكن يتكرر سؤاله مجددا عن أوراقه ولو من الشرطي نفسه الذي رأى الأوراق منذ قليل.. وذلك إذلالاً له و تحطيما لنفسيته ومعنوياته وتذكيرا له بلونه وبعبوديته القديمة.. وهذه التصرفات حياله تجعله غير طموح وغير متطلع للأفضل وغير طامح في الصعود لأعلى من أجل السيطرة على منصب يجعله قريبا من رأس هرم الشركة.. وهذا ما حدث من ماركو تطبيقا للتعليمات بسؤاله لرجل حي المحيشي مرتين.. لكن رجل حي المحيشي معنوياته لم تتأثر.. فهو ابن بلاد.. حتى أنه لا يحمل أوراق هوية في جيبه.. وهويته هي أغنية مرسكاوي يغنيها لكل من يطلب منه تعريفا. حتى الكتاب الأخضر الركن الاجتماعي الذي ألفه الزعيم الليبي معمر القذافي الذي به مقولة "السود سيسودون في العالم" بعد فوز اوباما برئاسة شركة أمريكا قد تم التحفظ عليه وحظر تداوله في المكتبات حتى في الدولة نفسها التي أنتجته.. ففور فوز أوباما ارتفعت مبيعاته بكل اللغات المترجم لها.. الكل يبحث فيه عن نبوءات جديدة.. ماذا بعد السود؟ في الدولة التي أنتجته أيضا تم التحفظ عليه والتقليل من التركيز على مقولاته في نشرات الأخبار ووسائل الإعلام.. لأن نسبة السود في البلاد عالية.. قد ترشق لهم (يحلو لهم) فيجعلونه دستورا ونبراسا ويتحركون من أجل الحصول على مناصب رفيعة خاصة في ظل الاهتمام الرسمي الحالي بإفريقيا وحضارتها.. كثير من الدراسات تجرى حاليا عن سبب فوز أوباما وهو رجل عادي ليس غنيا.. هل هو الذكاء.. أم الجدية.. أم الطموح.. أم الكاريزما.. أم اللون الأسود الذي أقنع البيض والشقر بجماله وبجدارته في رئاسة الشركة الأمريكية الكبرى أم هناك أسباب أخرى. بماذا يتميز الإنسان الأسود.. حسب مخالطتنا للكثير منهم بحكم الجيرة والمعاملة اليومية.. أعتقد أنه يتميز بالمرح وخفة الدم والنظافة وحب الموسيقا والرياضة والصبر والقوة والفن والتواضع والاعتداد بالنفس.. وعندما نرى باراك أوباما نجد أن هذه الأشياء جميعها يمتلكها.. ومن هنا فكرت سلطات الأمن كي تسيطر على القمقم الأسود عليها محاربة نمو هذه الأشياء في نفس هذا الإنسان. بعد نصف ساعة مر ماركو على رجل المحيشي فقبل أن يتكلم قال له أيها الشرطي إن سألتني عن أوراقي للمرة الثالثة فسوف أرفع فيك قضية.. فأنا ابن هذه السبخة.. ولا أسمح مجددا بأن تستجوبني شركات الشرطة الوافدة.. مرة يأتي إلى شرطي هندي.. ومرة باكستاني.. ومرة فرنسي.. ما هذا؟ رانا في بلادنا الزب.. وأنت منين بالمناسبة.. شكلك أحمر وأشقر.. أجابه ماركو قائلا.. اهدأ.. أنا معروف هنا.. وليبيا وطني.. كل عيال البلاد يعرفوني.. أنا ماركو الايطالي.. ولدت وعشت في هذه المدينة.. أمي المالطية وأبي الإيطالي استشهدا أثناء قصف منارة سيدي خريبيش.. وربتني الحاجة ربيعة من دريانة.. أرضعتني لعامين ثم أعادتني لترعاني الكاتدرائية القريبة من شاطئ الكبترانية.. لكن لم انس أمي ربيعة فقد كنت أزورها كل شهر خاصة عندما كبرت ولم أنس أخي الليبي شرح البال الذي رضعت معه اللبن سويا.. دائما يزورني وأزوره إلى آخر يوم رأيته فيه عندما اختفى فجأة ولم نجد له أثرا.. دائما ينتظرني أمام الكاتدرائية حتى أخرج له ونتجول معا في شوارع مدينة بنغازي العتيقة وأحيانا أذهب معه إلى النجع في دريانة خاصة في الأعياد لأعيد مع أسرتي الليبية وأمي المرضعة هناك.. وأحضر معهم أيام تجليم السعي وأيام دراسة الزرع وكبس التبن والخرطان.. عندما تحين وقت الصلاة كنت انتظره دائما أمام المسجد.. اليوم الذي اختفى فيه كان معي.. قال لي انتظرني أمام المسجد.. سأصلي العشاء وأعود لنكمل جولتنا.. لكن خرج المصلون ولم يخرج.. خرج إمام المسجد ولم يخرج.. وعندما رأيت قيّم المسجد يخرج ويقفل الباب بالسلسلة الفولاذية اقتربت منه وسألته.. أخي شرح البال دخل للصلاة ولم يخرج.. ابتسم لي بأسى وقال: يعوضك الله.. لا تسأل عنه وإلا قبض عليك معه.. هناك جماعة من المصلين قبض عليها من شركة الأمن الداخلي بعد انتهاء الصلاة بعد تسليمة الصلاة الأولى مباشرة وأخرجت من الباب الخلفي.. ارجع يا وليدي لبيتك الآن ولا تخبر أني أخبرتك بشيء راه عندي عويلة. سأل رجل المحيشي ماركو عن اسمه فقال له: ماركو. وأجاب رجل المحيشي: وأنا جاب الله.. وآسف عن التعامل معك بحدة.. لكن الله غالب.. ماعنديش الريح وين تدور.. وما نتحملش المنيكة واجد. ابتسم ماركو: أنا الآخر ما نحبش المنيكة.. لقد عشت هنا وأقدر الظروف.. ولأني مسيحي فقد تجاوزتني الكثير من المصائب التي لحقت بشباب هذه البلاد.. لقد تم سجن قيم المسجد الذي أخبرني عن القبض على أخي.. فحسب ما علمت أنه في اليوم الثاني جاءت سيارة بعد العصر وأخذته.. أحد البصاصين الذي لمحنا نتحدث مع بعضنا عن أخي اسلومه قد قوّد فيه وزج باسمه في تقرير عاجل.. ولأنه أمي ولديه أقارب في البوليس فقد تم إطلاق سراحه بعد عامين.. ليقرر بعدها ترك العمل في المساجد نهائيا وذهب للفندق البلدي يفرش بكسبر ومعدنوس ونعناع وشبت وغيرها من الأعشاب الخضراء. أيام عصيبة عشتها.. كنت أجلس في غرفتي بالكاتدرائية وأبكي كثيرا عن أصدقائي.. أب الكنيسة يواسيني ويصلي من أجلي.. أحاول أن أساعد الأصدقاء ولكنى أعجز.. لا توجد محاكم ولا قانون.. ولا أحد تسأله ويمكنه أن يجيبك.. وعندما فقدت أخي بالقبض عليه ازدادت أوجاعي.. حاولت أن أسأل عنه عبر سفارتنا لكن السفير قال أخوك ليس إيطاليا.. لا يمكننا فعل شيء من أجله.. قلت له أخي.. قال لو أخذ الجنسية الإيطالية لاستطعنا مساعدته.. لكن أخي يرفض أن ينال الجنسية الإيطالية.. زرنا معا إيطاليا مرتين وعرضت عليه الموضوع وأن الأمر سهل كونه أخي في الرضاعة لكنه رفض وقال أنا ليبي أعتز بليبيتي ولا يمكن أن أغير جنسيتي.. ماذا تقول عني الناس.. أخي تعليمه بسيط.. تعلم في الجامع ثم المدرسة حتى الشهادة الإعدادية ثم اشتغل موظفا في البلدية يصدر شهادات الميلاد والوفاة ويحرر عقود الزواج والطلاق نظرا لخطه الجميل وإجادته للنحو والإملاء.. لم يشرب معى النبيذ في إيطاليا ولا البيرة ولم يمنعني من الشراب لكنه يطلب مني أن لا أكثر.. لم يتناول لحوما غير مذبوحة على الطريقة الإسلامية.. أعجبته البيتزا الإيطالية كثيرا.. كان يسميها مثرودة إيطالية أو فطّاحة إيطالية.. كان يتكلم القليل من الطلياني والقليل من الانجليزي وكانت أموره في إيطاليا جيدة.. حتى وإن خرج وحيدا يستطيع تدبير أموره وتخليص نفسه.. آه أخي.. حتى الآن لم يظهر.. رغم الانفراج وشحنة التسامح وحل مشاكل الماضي التي تعيشها البلاد الآن.. أنا أحب أخي..أريده.. ذكرياتي معه حيّة في قلبي.. تشتعل في كل وقت.. تصيبني بالعطش إلى ماء الحنين.. وعندما أخذت دموع ماركو تتهاطل أخذه جاب الله من يده وتوارى به خلف شجرة النَّمّ العملاقة.. لا يليق بشرطي أثناء عمله أن يبكي.. يراك الضابط فيعاقبك.. أخرج من جيبه علبة محارم ورقية صغيرة في حجم علبة السجائر سحب منها منديلا وجفف له دموعه وواساه بتربيتات على الظهر ونظرات حنون وقال له كلنا مضروبين بعصا واحدة.. بالله لا تذكرني حتى أنا لدي الكثير من أفراد عائلتي اختفوا عقب عودتهم من المساجد أو أخذوا من أمام بيوتهم.. لا أريد أن أخبرك الآن بمن.. لأن حالتك لا تحتمل قبول مأساة جديدة.. هناك أيضا من فقدوا في الحرب وهناك من اختفوا ولا نعلم بمصيرهم حتى الآن.. خليها على الله.. وسيأتي يوم تتضح فيه الحقائق.. وإن تم القبض على هذا اليوم ومنعوه من القدوم.. فسنعرف الحقائق في الآخرة.. فالله عادل.. ومثلما هو عفو كريم فهو أيضا شديد العقاب.. لا تبكِ أيها الصديق الجديد.. واغسل وجهك وعد للقيام بواجبك.. في هذه الأثناء رن جرس الهاتف المحمول في جيب حزام ماركو.. فأخرجه سريعا ونظر إلى الرقم الران فذهب الحزن فجأة وكست وجهه اشراقة عذبة واستأذن من جاب الله وأخذ يتكلم ويتجه إلى موقعه الظليل تحت أقواس بيت مال الأمة.. وهناك غرق في حديث هامس.. وقف جاب الله من تحت شجرة النَّمّ وغادر المكان إلى شارع جمال عبد الناصر.. هو يلوح لماركو وماركو يلوح له ويضع راحته على قلبه.. مرت حافلة ركاب صغيرة فقفز إليها عائدا إلى محطة الفندق البلدي بعد أن اشترى حارة سلق وعدة ربطات معدنوس وكسبر ونعناع وشبت وحبق وربطتين بصل أخضر ونصف كيلو ليمون وربع كيلو فلفل أخضر حار وأربع أرغفة خبز شعير وربع كيلو لحم ضأن وطني وكيس حلوى لصغيريه ركب حافلة حي المحيشي عائدا إلى بيته في منطقة حرف سين. بعد أسبوعين كان جاب الله يقود طفله بلال لعيادة حي المحيشي من أجل تطعيمه فصادفه ماركو بلباس مدني أمام العيادة.. تصافحا بحرارة.. ورفع ماركو بلال الأسمراني إلى أعلى وقبله في جبينه ودس في جيبه خمسة دنانير وسط اعتراض شديد من جاب الله.. لكن ماركو حلف بالطلاق أن لا تعود إلى جيبه وعندما قال بلال وأختي خديجة زاده علبة مستكة كانت في جيبه.. ومعها طلاق جديد أن لا تعود إلى جيبه والحلف بالطلاق حتى لغير المتزوجين هو قسم نهائي فمن الممكن أن يقسم لك أحد البنغازيين بالله ثم يحنث في قسمه بعد إلحاح منك.. لكن عندما يحلف بالطلاق فمعنى ذلك لا نقاش في الموضوع ولا حنث.. سأله جاب الله ما الرياح الطيبة التي رمت به إلى حي المحيشي فأجابه ماركو إنه جاء لزيارة خطيبته الدكتورة حنان لأجل أخذ ورقة رسمية يحتاجها في معاملة الزواج.. قال جاب الله مبتهجا ومبتسما.. إنشاء الله الدكتورة حنان خطيبتك.. يا مشاء الله.. دكتورة محبوبة من الجميع.. يعني نقدرو انجو انعالجو حتى في البيت.. قال ماركو تفضلوا البيت بيتكم.. بس خلينا نتزوجو أولا هذا الصيف.. قال جاب الله.. مبروك مقدما.. وقاد ماركو إلى مصطبة في ظل مدخل العيادة جلسا عليها وبلال وضعه ماركو في حجره.. وواصل جاب الله حديثه.. اسمع يا راجل الفرقة الموسيقية لا تشغل بالك بها.. سأتكفل بها أنا.. أفضل مطربي حي المحيشي من مختلف الأجيال سيغنون في عرسك لأن الدكتورة حنان قبل ما تكون زوجة صديقنا الرائع ماركو هي ابنتنا.. تربت في حينا ودرست في مدارسنا وعملت في عيادتنا.. نحن نعرفها منذ أن استشهد أبوها الحاج رمضان المسلماني في سيناء أثناء حرب العبور.. لقد تطوع في سلاح الجو لأنه كان طيار سابق.. وفي النهاية هم جيراننا يقيمون في بيت مقابل لنادي السواعد الرياضي.. عندما جاء خبر استشهاده ووصل جثمانه خرج كل سكان حي المحيشي في جنازته وحملوا النعش على أكتافهم من حي المحيشي حتى جبانة سيدي عبيد.. من رأى جثته في التابوت.. قال إنه يبدو مبتسما راضيا.. انزاح ذاك الألم الدائم البادئ على جبينه.. لم تحترق جثته أو تتشوه.. مجرد ثقب صغير في صدغه نتيجة شظية لقنبلة أسقطت قرب طائرته قبل أن تقلع في رحلتها التالية.. لقد كانت جنازة مهيبة.. لُف التابوت بعلم ليبيا وزُين بباقات كثيرة من الورود وكتب على مقدمته.. قال تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزَقون". لقد كان ماركو على علم بأن الطيار الذي رمى القنبلة على بيتهم بسيدي خريبيش وتسبب في قتل والديه حي يرزق وبليبيا وأنه قد فعل ذلك بطريق الخطأ وأنه لم يقصد قصف المدنيين من السكان واعترف للقسيس بذلك في غرفة تكفير الذنوب.. وأنه أيضا دخل الإسلام وختن وتسمى باسم عربي ويعيش في هذه البلاد وسمعته جيدة.. ونظرا لحساسية الموضوع فلم يضف إليه القسيس الذي أخبره أكثر وقبل أن يخبره كان قد اشترط عليه أن يغفر له وأن لا يسأل عن اسمه وعنوانه ووافق ماركو على ذلك وتفهم الأمر وقال إنها الحرب وخسائرها ونسى الأمر ولم يبحث عن هذا المسلماني خاصة وأن من دخل الإسلام من المسيحيين كثر ومنتشرون في كل مدن ليبيا.. ومرت الأيام وتعامل مع الكثير من هؤلاء المسلمانيين ولم يشعر بحقد تجاه أي منهم وأيضا لم يسأل أو يطرح الأمر مجددا على أحد وحتى على نفسه.. تنفيذا للعهد الذي منحه لراعيه في الكنيسة. قال ماركو: لقد أخبرتني حنان بخبر استشهاده لكن بقليل من التفاصيل.. تعرفت عليها مؤخرا أثناء حفل أقامته الكاتدرائية احتفالا برأس السنة الجديدة دعت له بعض الشخصيات السياسية والسفراء والأطباء والمهندسين والفنانين والأدباء وغيرهم.. ولقاءاتنا تعد على أصابع اليد.. أكثر حواراتنا تتم بالهاتف.. نحن نقترب كثيرا من التفاهم ومن الوصول إلى خطوات متقدمة.. لقد خطبتها عبر الهاتف من دون حفلة.. أي بيني وبينها.. هي سألتني من ولي أمرك فقلت لها نفسي وأنا سألتها السؤال نفسه فأجابتني نفسي وستتم الخطبة الرسمية قريبا إن شاء الرب.. تنتظر فقط أن تتحصل على إجازة طويلة قليلا.. فهي منذ أن التحقت بالعيادة وهي مشغولة بالمرضى دائما. قال جاب الله نعم فهي حتى في أوقات العمل غير الرسمية نذهب إليها في البيت أو نحضرها إلى بيوتنا خاصة في حالات الولادة فلديها خبرة كبيرة في إتمام الولادة بنجاح ولديها مقص ذهبي تقطع به الحبال السُّرية للمواليد فلا يتألمون ويتحول صراخ الولادة إلى ابتسامات سرعان ما تنتقل من المولود إلى الأم التي تسر كثيرا وتدعو للدكتورة حنان بالسعادة. لقد درست حنان الطب في ليبيا ثم سافرت إلى إسبانيا لإتمام دراستها هناك وعادت لنا بالشهادة وفضلت أن تعالج أبناء منطقتها فتم تعيينها في هذه العيادة الصغيرة.. هي تعيش الآن مع أمها الحاجة سليمة.. في ذلك البيت الصغير القريب من النادي.. وتشاركنا أفراحنا وأحزاننا.. وعندما تغني في حفلة عرس تأسر المستمعين فهي تجيد العزف على العود وغناء الموشحات الأندلسية التي زاد إلمامها بها وإتقان غنائها عقب عودتها من الدراسة بمدينة غرناطة بإسبانيا وأخذ جاب الله يدندن وهم يتركون المصطبة ويتمشون في حديقة العيادة اليانعة بموشح: يا من لعبت به شمول.. ما ألطف هذه الشمائل. نشوان يهزه دلال.. كالغصن مع النسيم مايل. لا يمكنه الكلام لكن.. قد حَمّل طرفه رسايل. ما أطيب عيشنا وأهنا.. والعازل غائب وغافل. يا من رحلوا ما ودعوني...\ أبكي أسفاً على المنازل. ويعيد هذا البيت مرارا: ما أطيب عيشنا وأهنا.. والعازل غائب وغافل. ومع الإيقاع السريع الذي تحدثه جملة والعازل غائب وغافل وما يعقبها من ترنيمات يالا ويا لا ويالا ويالا ويللي... تحرك جاب مع الإيقاع بمرح وسط الحديقة حتى وجد مكانا نظيفا ظليلا رمي نفسه مع آخر كلمة في الأغنية وهي ما ألطف هذه الشمائئئئئئئل.. وجلس إلى جانبه ماركو واضعا بلال الصغير بينهما. تحدثا وقتا لا بأس به حول الشرطة والموسيقا وأمور الحياة ثم نظر ماركو إلى ساعته فعرف جاب الله أنه مشغول وقفا معا وسارا نحو سيارة ماركو الريجاتا التي اكتراها من وكالة التأجير لأسبوع.. أقفل جاب الله عليه الباب وعندما انطلق لوح ماركو لجاب الله بيده مع ابتسامة عريضة.. وهو يبتعد عن شارع العيادة كان ماركو يتأمل مرآة السيارة التي على يمين رأسه ويرى جاب الله وابنه بلال وهما يصغران ويصغران كلما ابتعدت السيارة أكثر وعندما انعطفت إلى الشمال ودخلت الطريق الرئيسي غابا تماما عن المرآة و هنا أوقف ماركو تأمله الخلفي. الحقيقة أن ماركو تعرف عليها في الحفلة.. ودائما في مثل هذه الحفلات يتعرف على فتيات من الجاليات الأجنبية وأحيانا يقيم معهن علاقات عاطفية ويضاجعهن بالكوندوم مجانا.. لكن الدكتورة حنان تعرف عليها في الكاتدرائية أثناء الحفل بسبب صوتها الجميل وعزفها الرائع على العود وغنائها العذب للموشحات حتى أنه صاحبها بالعزف من دون إذن منها بجيتار غربي.. فما إن سمع أنغام عودها حتى تأثر وجذب الجيتار المعلق في مشجب بالجدار وجاء إلى جانبها وصار يشاركها العزف.. لقد امتزج الإيقاع الشرقي بالغربي بسهولة.. واستطاعت هذه الفتاة الموهوبة بواسطة صوتها أن تمزج أوتار العود بأوتار الجيتار.. مزجت الشرق بالغرب.. جعلتهما جليدا دافئا وشمسا باردة.. ريشتها تتبع صوتها وأصابعه تتبع صوتها وتتابع حركات شفتيها ولسانها.. عند انتهاء الموشح وضعت عودها على الأرض وأسند جيتاره إلى الجدار وتصافحا.. أحس بأصابعها تعزف على أوتار دمه وأحست هي بأنها وقعت في الشيء المسمى بالحب.. لقد كانت راحته دافئة وأصابعه رقيقة وعيناه بهما عمق لا يرى إلا في مآقي فنان حقيقي.. التصفيق الصادر من الحضور منحهما وقتا مناسبا لتأمل بعضهما البعض.. هي رأت فيه نفسها وهو رأى فيها نفسه.. لكن وسط الرؤية كان هناك ضباب كثيف.. يحتاج إلى مزيد من الضوء لينجلي.. د. حنان جميلة.. جمعت الجمال العربي بالأوروبي.. ومع جمالها غير الجسدي.. نرى جمال شخصيتها الواثقة من نفسها والفارضة احترامها وتقديرها على الجميع.. كبارا وصغارا.. لم تتعرض في حي المحيشي لأي مشكلة.. فقد كانت محل احترام هي وأسرتها من الجميع.. لا يمكن لأحد أن يتطاول عليها أو يحاول أن يمسها أو حتى يغازلها.. الجميع يراها أخته الكبيرة.. ابتسامتها دائما تسبقها.. وخدماتها تقدمها للجميع دون تفرقة.. مدراء العيادة ومسؤولو الصحة حاولوا أن ينالوا منها وأن يغازلوها لكن شخصيتها كانت قوية وكلمتها دائما على لسانها.. حتى أن أحد المدراء من ذوي النفوذ الرسمي والقبلي أراد أن يتخذها سكرتيرة ومحضية له ويغريها بالمرتب والسيارة وبدل الإقامة والمزين والعلاوات العديدة.. عندما عرض عليها الأمر بلسان معسول حدجته بنظرة وقحة (فنّصت فيه) وصرخت في وجهه: "شهادتي لعلاج المرضى وليست لعلاج الزوامل والتيوس". وغادرت المبنى غاضبة وسط قلق الزميلات والزملاء عليها والذين رأوها تخرج من مكتب المدير بعد سماعهم لصرختها.. لم تعد إلى العمل رغم الاعتذارات التي أرسلها هذا المدير مع بعض الممرضات المقربات منه.. وعندما طال إضرابها كان لسكان الحي طريقة أخرى في معالجة المسألة فذات ضحى اقتحموا مكتب هذا المسؤول الذي قفز من النافذة هاربا إلى نقطة الشرطة التي فرت به بواسطة سيارتها الجيب إلى خارج حدود المحيشي ومنذ تلك الهربة لم يُرى في منطقة المحيشي ثانية.. لم تخبر د. حنان أحدا عن سبب تغيبها عن العمل وكل من يسألها تقول له ظروف خاصة.. لكن أهل المحيشي عرفوا السبب وأرسلوا إلى هذا المسؤول مهددين لو أنه يعود إلى المحيشي سينيكوه في طاقته.. قالوا له مالقيت إلا الدكتورة بنت الشهيد رمضان المسلماني يا مبعر تقصر فيها.. ورغم توسلاته واعتذاراته وإرسال أكثر من صديق للتوسط إلا أن الجميع رفضوا عودته فانتقل إلى منطقة أخرى.. قالوا أنه الآن في مستشفى طابلينو. لا ندري من سحب يده من يد الآخر أولا.. فالقلبان يدقان بعنف.. والقشعريرة اللذيذة استشرت في الجسدين.. ابتسما لبعضهما وفتحا معا حديثا عاما عن الفن والأدب وهموم الحياة.. كانا واقفين عند الشرفة.. القمر ليس بدرا.. إنه هلال نحيف جميل.. قال لها عندما تكونين نائمة على جنبك في السماء سأرى حاجبك الجميل مثل ذلك الهلال.. شكرته على المغازلة وسألته هل أنت شاعر؟ قال لها نعم منذ أن تعرفت عليك وسمعت صوتك وعزفك.. وأضاف كل موسيقي شاعر.. أليست الموسيقى شعر والشعر موسيقى؟! في تلك الحفلة أحبته وعرفت أنه إيطالي ولد وعاش في ليبيا ويعمل في فرقة موسيقا الشرطة. عائلة الحاج ونيس اشنابو في سوق الحشيش تفرقت لم يبق منها إلا سليمة أم د. حنان.. الحاج ونيس انتقل إلى رحمة الله بعد أن صادرت السلطات عبر قوانينها الاشتراكية كسارته وتمليك شاحناته للسائقين العاملين عليها.. بعد هذه الإجراءات وموقف السائقين منه بخصوص الاستيلاء على سياراته حيث طردوه من محجره وصرخوا في وجهه بمقولة السيارة لمن يقودها.. وقالوا له وكأنهم يمنّون عليه: لقد تركنا لك إحدى السيارات لتعمل عليها مثلنا. بعد هذه الزيارة لمحجره مرض مباشرة وحدثت له حالة شلل نصفي.. الوحيد الذي رفض قبول السيارة وتمليكها لنفسه هو الحاج رمضان المسلماني صهره.. لكن حماته الحاجة مناني أصرت عليه أن يقبلها.. قالت له نحن مش قاسمين.. رزقنا واحد.. وفعلا قبلها لكنه باعها وادخر المبلغ لعازة الزمان وتنقل بين عدة أعمال أخيرا استقر في شغل تفكيك السيارات القديمة بمنطقة الرابش الذي وفر له دخلا جيدا مكنه من الصرف على تعليم ابنته الوحيدة حنان. عندما علم باشتداد المرض بصهره الحاج ونيس اشنابو سلمه ثمن الشاحنة الذي ادخره لظروف الحياة وذلك من أجل الصرف على تكاليف علاجه.. تأثر الحاج ونيس اشنابو من الموقف.. ودعا لصهره رمضان بالخير.. وقال وهو يلفظ أنفاسه بعد شهور من المعاناة والعلاج في مصر وتونس وإيطاليا.. الله يسامحك يا سي رمضان.. يمكنني أن أغادر الآن بسلام وأنا هانئ على بنتي وكل أسرتي ثم نطق بالشهادتين وأسلم الروح. الحاج رمضان المسلماني رغم حداثته في دخول الإسلام إلا أنه يطبق تعاليمه بصورة جيدة فلا يأكل رزق أحد أو يغتصب حق أحد.. حتى البيت الذي اكتراه في شارع الشويخات قال له الكثير من الناس هو لك بحكم القانون الجديد.. لا تكن غبيا و تخرج منه.. ولا تسدد الإيجار بعد اليوم.. الآن البيت لساكنه.. وأنت ساكنه.. إلا أنه رفض.. وأخلاه ذات ليلة وسلم المفتاح لصاحبه الذي منحه لولده الذي سيتزوج قريبا.. وانتقل إلى منطقة بيوتها رخيصة.. هي حي المحيشي.. حيث اشترى قطعة صغيرة.. سكنها مع زوجته وابنته.. اللتان عارضتاه أول مرة في السكن في المحيشي.. لسمعة الحي السيئة التي يروجها مرضى النفوس عنه.. الحاج رمضان قال لأسرته حي المحيشي حي بسيط وطيب وبه الكثير من الرجال أصحاب المروءة والكلام الذي يحكونه عنه لا أساس له من الصحة.. لقد ذهبت إلى هناك أكثر من مرة ولم أر إلا الكرم والنظافة والمحبة.. وافقت الأسرة على الانتقال وبعد أيام من السكن في حي المحيشي اعترفت الحاجة سليمة وابنتها د. حنان للحاج رمضان بأنه أحسن صنعا في تسكينهم بهذا الحي.. فالمنطقة شعبية.. والجيران طيبون.. الكل يصبّح بالخير ويمسّي بالخير.. ولا يتناول وجبة إلا بعد أن يذوق منها جيرانه.. وانهالت دعوات الأفراح ولمّات أسابيع الولادة على الحاجة سليمة وابنتها حنان.. ووجدت سليمة أن الأعراس في المحيشي لها نكهة خاصة لا تجدها في كل أحياء بنغازي.. فالأغاني مرسكاوية أصيلة.. والموسيقا شعبية لا نشاز فيها.. والزغاريد من القلب والتصفيق ساخن.. ودق الدربوكة له رنين شجي.. وفي العرس تنتهي الخلافات والجميع يقف مع صاحب العرس ويمد يد المساعدة ماديا ومعنويا.. وجدت حنان أن المطربات لا يقلن إبداعا عن المطربين المشهورين في حي المحيشي أمثال حميدة درنة وعبد الجليل عبد القادر والفيتوري أحمد وسعد الوس وإبراهيم الصافي وغيرهم. سرعان ما نجح الحاج رمضان في عمله بالرابش.. كان يفكك الآلات الثقيلة.. ويلف المحركات.. ويصلح أعطال السيارات التي لا يجدون لها قطع غيار بتأليف قطعة لها من اختراعه بطريقة (الموديفكا).. صار دخله جيدا لمهارته ومصداقيته في التعامل مع الزبائن.. ومن هذا الدخل استطاع كما قلنا سابقا أن يعيش جيدا ويحرص على تعليم ابنته حتى التحقت بكلية الطب وبعد تخرجها طبيبة نساء وولادة مباشرة تحصلت على منحة للدراسة العليا في إسبانيا.. في جامعة غرناطة.. قبل أن تذهب إلى هناك أوصاها كثيرا.. وفتح صندوقا قديما أخرج منه لفافة ناعمة بها المقص الذهبي الذي كانت تستخدمه أمها الفرنساوية حواء التي ولدتها.. قال لها هذا مقص أمك التي ولدتك.. مقص ثمين مبارك.. استخدميه في دراستك هناك.. لا يصيب الجنين بالألم أو التلوث وسيساهم في نجاحك في الامتحان العملي.. هذا المقص التاريخي قطع حبال سرر الكثير من أبناء بنغازي.. وأضاف مبتسما وبواسطته تم تطهير (ختن) والدك العبد لله وإدخاله للإسلام والحمد لله. كان يحكي لها وأمها الحاجة سليمة التي ربتها تنظر وتذرف الدمع.. لقد أعادها هذا المقص إلى ذكريات جميلة.. إلى لذائد مازالت تستطعمها حتى الآن.. إلى ملامسات عاطفية جنسية مؤثرة مازالت تعيش على استذكارها كلما جعلها جفاف الزمن الرديء باردة في الفراش.. هذا المقص من الذهب الليبي الأصيل وسعره في السوق غال جدا.. وفي كل الأزمات التي تعرضت لها أسرة المرحوم الحاج شنابو كان الحاج رمضان المسلماني يخرجه ليبيعه لكن الأسرة كلها ترفض ذلك بل الحاج ونيس شنابو صرخ في الجميع قائلا التاريخ لا يباع ثم حلف بالطلاق أن لا يباع هذا المقص حتى لو اضطررنا للتسول.. إلا مقص المرحومة الله يسامحها. كان الحاج ونيس شنابو من عشاق المرحومة عندما كانت عاهرة.. كان يستلذها كثيرا واقترح عليها أن تترك عالم الدعارة وتتزوجه في السر نظرا للظروف الاجتماعية ونظرة الناس التي لا ترحم.. على أن يخصص لها بيتا منفصلا ونفقة تكفيها.. لكن الفرنساوية حواء رفضت الأمر كما رفضت الكثير من مقترحات الزواج السري التي تلقتها من عدد كبير من أعيان بنغازي.. كانت لا تذهب للمزارع أو البيوت.. وتمارس عملها تحت إشراف البلدية والسلطات الصحية.. وتجري الفحص الطبي بصورة دورية لدى الدكتور همنكة.. تقول إنها امرأة لكل الناس ولا يمكن أن أسمح باحتكاري من أحد ولو دفع لي مح كبده. رحل الحاج ونيس اشنابو الله يرحمه ويسامحه إلى الرفيق الأعلى وزوجته الحاجة مناني لحقته بعد عامين متأثرة بالهموم التي لحقت بأسرتها فجأة وابنه اسلومة لاعب الكرة والذي أنقذه ذات يوم صهره رمضان المسلماني من الاغتصاب في بحر الشابي اختفى في إحدى الحملات البوليسية حتى اليوم.. ولم يعرف عنه شيئا.. هو ليس متدينا.. لكن نشاطه السياسي في اتحاد الطلبة قد يكون السبب.. أما الأخ الأصغر نوري فقد غرق في بحر جليانة ذات صيف بسبب رياح القبلي المخادعة التي جرفه تيارها إلى الداخل ولم يكن آنذاك بابا سليم موجودا في براكته حتى ينقذه أو يرسل له كلبه وفي فمه (الكامراداليا منفوخة) طوق النجاة. كان زواج ماركو من د. حنان صعبا.. واجهته عراقيل كثيرة.. خاصة العراقيل المتعلقة بالدين.. فماركو مسيحي وحنان مسلمة.. ولا ندري من أين خرج أبناء عمومة لحنان عارضين أنفسهم كأزواج مفترضين ومتوعدين على إيقاف هذا الزواج ولو على جثثهم.. فأبوها ليس له إخوة في بادية ليبيا ولا في حاضرتها .. عندما رحل الحاج ونيس شنابو لم يظهر هؤلاء البدو إلا في أيام العزاء الثلاثة.. شبعوا من الأرز واللحم الوطني وفطورات القلايا وخبز الشعير.. بعد ذلك اختفوا.. عادوا إلى نجوعهم في البادية.. أحدهم يلبس بدلة عربية ويضع على رأسه عمامة قال لحنان أنا أمحجّرك (حاجزك حسب العرف القبَلي).. وحتى وان كنتي بنت الفرنساوية فابوك يعتبر ابن أخينا وبن عمنا الحاج ونيس الله يرحمه هو اللى أدخله الإسلام وزوجه بنته يعني فرشه دم ولحم وأنت الآن كيف بنت عمنا ومن حقنا انحجروك .. لم تعبأ حنان به ولم ترد على البدوي التيس . تواعدت مع ماركو على اللقاء في روما.. وهناك لا بدو يهددون ولا هم يحزنون.. سكنا في الفندق نفسه.. بل في الغرفة نفسها.. وكلاهما فتح قلبه وروحه للآخر.. عرف أن والدها هو الطيار الذي قصف بيتهم وتسبب في مقتل والديه.. فعانقها مسامحا محيلا ذلك الأمر للقدر ولظروف الحرب.. لقد بدأ معها صفحة جديدة.. لا خلفيات أو عقد نفسية فيها.. بل أشاد بأبيها كونه بطلا شهيدا قاتل في سبيل الحق في معركة عبور خط بارليف.. ارتاحت حنان له وتناقشا بروية حول مسألة الدين.. على أحدهما أن ينتقل إلى دين الآخر.. واقترح عليها ماذا لو بقى كلانا في دينه وتزوجنا.. لكن قاضي المسلمين في روما رفض تدوين العقد ومباركة الزواج وأب الكنيسة في روما أيضا رفض تدوين الزواج وهنا قررا معا أن يتزوجا بعقد مدني.. لا علاقة له بالدين.. وعندما عادا إلى ليبيا قبض عليهما في المطار.. الشرطة لا تعترف بهذا العقد.. وتعتبره صوريا وغير شرعي وورقة تافهة لتسويغ الزنا.. ووضعا في سجن شرطة الآداب.. سرعان ما خرج ماركو من التوقيف لأنه إيطالي وسفارته تدخلت في الأمر.. بينما العروسة حنونة مكثت في سجن النساء بالكويفية.. إلى حين تحرك أهالي حي المحيشي وفي مقدمتهم سي جاب الله وسخّروا لها محاميا قديرا دفعوا له بسخاء ومع السخاء جالون بوخمسة قرابّا فلاش مقطرة مرتين فأخرجها في اليوم نفسه بكفالة.. وكان يوم خروجها حفلة كبيرة في الحي.. سهر الحي يغني حتى الصباح.. في اليوم الثاني ونكاية في الشرطة التي سجنتها ذهبت إلى الكاتدرائية وطلبت من الأسقف الدخول في الدين المسيحي كي تتزوج بسلام وبطريقة مسيحية.. وهنا قامت القيامة.. خطب الجمعة اشتعلت.. الإذاعة والتلفزيون تناولا الخبر وحذر من قيام العوانس بترك الإسلام والدخول إلى المسيحية.. تريث الأسقف قليلا في تعميدها.. لكن عندما أحس بصدقها وجديتها وعرف أن زوجها الموسيقار الكبير ماركو وأن أمها فرنسية وأخوالها فرنسيس وافق سريعا وقام بتعميدها ومنحها الحماية القانونية من وزارة الشؤون الدينية بالفاتيكان وأعلم السفارة الفرنسية التي تنتمي لها أمها حواء بالأمر كي تدعم الموضوع إن احتاج إلى دعم على أي صعيد كان.. أرادت أن تخرج من الكاتدرائية فمنعها الأسقف من ذلك.. قال لها ستقتلين يا بنيتي من قبل الجماعات المتطرفة أو من الدولة.. لأن حكم المرتد عن الإسلام هو الموت.. ابق سَلَّم بنيتي هنا.. وإن أردتي أمك الحاجة سليمة أحضرناها لك.. أنت في حمايتنا الآن.. حتى نجد لك مكانا آمنا ومحروسا.. نحن سعداء باقتناعك بربنا وديننا ويسوعنا ونرحب بك في رحاب المسيحية التي تقول من منكم لم يرتكب خطيئة فليرمني بحجر.. قال لها الأسقف نحن عندما يترك المسيحي دينه ويدخل الإسلام نتركه لأمره وهو حر فالأديان واحدة لكن إن دخل مسلم المسيحية فتحدث مشاكل كثيرة.. نحن نعرف أنك دخلت المسيحية من أجل الزواج الشرعي ونحن نرحب بهذا الزواج ونباركه.. وأهداها قلادة ذهبية يتدلى منها صليب.. علقتها في رقبتها فورا إلى جانب القلادة الفضية الدائمة المزينة رقبتها والمتدلي منها حويتة وخميسة وقرين. بقيت د. حنان في الكاتدرائية والحالات المستعصية للولادة كانوا يحولونها لها هناك وكانت بمساعدة الراهبات ومقصها الذهبي تقوم بالواجب وتواكب الجنين حتى الخروج من الرحم إلى الحياة إلى بر الأمان.. جاءت أمها أيضا لتقيم معها.. وخصص لهما الأسقف غرفتين.. غرفة للعروسين وغرفة للأم وكان شهر العسل جميلا داخل الكاتدرائية.. رائعا.. لذيذا.. رهز متواصل على دقات النواقيس.. يستيقظون على رنين النواقيس وينامون على رنينها.. وبعد أن هدأت الأمور.. وانخفضت الزوبعة.. وبردت حرارة الحدث.. ونسيت الناس الموضوع كما تنسى كل شيء بمرور الزمن كالعادة.. وتفهمت السلطات الأمر.. وأنه ليس ظاهرة إنما حالة شاذة.. لا تؤثر في سلام البلد الاجتماعي.. تسبب فيها سوء الفهم والتقدير وتضخيم الأمر من قبل مُعدِّي التقارير من بصاصين محترفين وهواة.. ونظرا للعلاقات الجديدة بين الدولة وبين إيطاليا ودول الإتحاد الأوروبي فقد سمح ببلع الإشكال وغض الطرف عن هذا التصرف من قبل المسلمة السابقة سليمة.. لكن أوصت السلطات بتوخي الحذر.. والحيطة.. فمن الممكن جدا أن يحدث اعتداء على العروس من قبل الجماعات الإسلامية الراغبة في تطبيق حدود الله.. خاصة حد الردة وهو القتل.... وهنا خرجا ليسكنا شقة في جليانة داخل عمارة محروسة طوال اليوم من قبل شركة أمنية خاصة.. كان ماركو قد أجَّرها من شركة إيطالية تمتلكها. الذي جعلها تتخذ هذا الموقف بالأساس هو حبها المجنون لماركو.. لقد جربته في إيطاليا ووجدته حلوا.. ولا يمكن أن تستغنى عليه أو تتذوق ألذ منه.. وهو لا يشعر بالراحة وإن لم يعارض في دخوله الإسلام.. قالت لنفسها سأضحي في سبيل الحب بديني.. لقد قتل أبي والديه بقصفهم من طائرته ولم أحس أنه يحمل اتجاهي أو اتجاه أبي أي حقد.. لقد كان متسامحا كما المسيح.. فلأكن له أم وأب وزوجة وأخت وصديقة.. إني أحبه يا عالم.. وعيسى ومحمد وموسى وكل الأنبياء إخوة.. لا أشعر أني اقترفت ذنبا.. فأنا أريد الحلال ليس إلا.. ثانيا الذي جعلها تتخذ قرارها وتدخل المسيحية هو السجن.. هناك لم تعامل جيدا.. ولم ينظر لها كدكتورة متفوقة محترمة ساهمت في علاج أمراض المجتمع أو أنها بنت كريمة لشهيد مات في سبيل الوطن العربي الكبير وكرامته.. لقد تمت معاملتها كعاهرة.. وتمت مصادرة مقصها الذهبي.. وتلقت من الشتائم من قبل السجانات وأفراد الشرطة ما يخجل حتى الشيطان من سماعها.. بل إحدى السجانات حاولت أن تقود عليها لتقدمها كقحبة ليل لضابط الخفر مقابل استعادة مقصها.. لم يعاملوها كما يعامل الإسلام المرأة.. لقد كانوا وحوشا حاولوا التحرش بها أكثر من مرة وكادوا أن يغتصبوها لولا أنهم خشوا إحدى مساجين المؤبد من قاطني حي المحيشي والذي تأتيه أخبار السجن أول بأول.. فأول ما عرف أن الدكتورة حنان التي أنقذت زوجته من الموت واستخرجت من بطنها ابنيه التوأم الحسن والحسين حيين وبصحة جيدة دخلت السجن بسبب حبها ورغبتها في الزواج من صديقه الإيطالي الموسيقار ماركو حتى تعاطف معهما فورا و أرسل لكل ورديات سجن النساء تحذيرا سريعا هو أن كل من يمس الدكتورة حنان بسوء فطاقته والجَرة وسيندم كثيرا وسيطال الانتقام أسرته أيضا وهم يعرفون أن تهديدات هذا السجين تؤخذ بمحمل الجد.. فلديه شبكة كما شبكة المافيا يستطيع أن يقوم بأي شيء وهو لا يبرح مكانه.. ومن هنا اكتفوا بالشتائم.. فرغم جمال حنان الأوربي العربي فإن أي تيس لم يستطع أن ينظر حتى في عينيها أو يمس شعرة منها وعن المقص الذهبي ذهبوا إليه في عنبر المؤبد وقالوا له المقص يا صديقنا العزيز يعتبر من الأسلحة البيضاء لذلك نحن نحتجزه من أجل مصلحة السجينة والسجينات وصدقنا أننا نحرص عليه ولن نضيعه أو نبيعه وهو محفوظ في الحفظ والصون في خزانة الآمر وملفوف في قماشته الحريرية الناعمة. مفارقات كثيرة تحدث في هذه الحياة.. أب مسيحي يدخل الإسلام.. بنت مسلمة تدخل المسيحية.. الانتقال من دين لآخر يحدث في عائلة واحدة.. لا ندري ما موقف الأب المسلم والذي كان مسيحيا من دخول ابنته للمسيحية.. هل سيمنعها من فعل ذلك؟ أم سيترك لها حرية اختيار الدين.. لقد مات قبلها مسلما.. ولا يمكن أن تلتقي به إلا في الأحلام.. وهو أيضا لا ندري هل عرف بأمر ابنته أم لا؟ سرعان ما تأقلمت د. حنان مع طقوس وشعائر الدين الجديد.. صارت تؤدي الصلوات.. وتعترف للقسيس أسبوعيا بخطاياها.. ووجدت هذا الأمر جيدا ويزيح عن النفس هموما كثيرة.. ولا يترك الخطايا تتراكم بعضها فوق بعض.. ففي كل أسبوع عملية جديدة لغسل الذنوب وتطهير النفس من الدنس.. وسألت القسيس هل ذنوبي وأنا مسلمة اعترف بها الآن لقداستكم وهنا توقف القسيس وقال لها لا يمكنني أن أجيبك.. أحتاج إلى فتوى من الكاردينال أو البابا.. سأرسل السؤال للفاتيكان.. الآن اعترفي لي فقط عن ذنوبك الجديدة فقط.. ذنوبك وأنت مسيحية فقط.. واعترفت له بعدد من الذنوب ومعظمها ذنوب غير عملية.. أي وسوسة شيطان.. كأن يمر إنسان من أمامها وتظن به السوء أو تسخر منه في السر.. مرة واحدة اعترفت له بذنب به فعل عملي.. وهو أنها استدرجت راهب صغير جميل كالملاك إلى إحدى الغرف بالكاتدرائية وأغوته حتى عانقها و قبّلها ونالت منه وطرها اللذيذ.. لأنها لم تعد تصبر عن الجنس وماركو سافر لروما لإنجاز عمل في الأوبرا لأسبوعين وإن منحت نفسها لليبي فسوف لن يهنأ له بال حتى يشهدر (يخبر عنها) بها ويتفاخر بهذا الأمر الذي يعتبره بطولة.. كان الراهب في طور المراهقة.. حلمتا ثدييه منتفختان تراهما بارزتان خلف فانيلة القطن التي يرتديها تحت ثوب الكنيسة وعلى خديه وجبهته بعض الحبوب الوردية المسماة حَب شباب والتي أخذت مواقع ذات جمالية عالية على وجهه.. قالت له حنان تعال يا صديقي.. أعتقد أن الحبوب التي على وجهك تحتاج إلى دهان.. معي مرهم جيد لمكافحة حب الشباب.. كذلك اعتقد أن ثدييك ملتهبان.. اقترب الراهب منها في خجل فأخرجت سريعا مرهما من حقيبتها.. وضغطت أنبوب المرهم الشبيه بعضو ذكري ليفرز قطرات على راحتها غمست فيها سبابتها وأخذت تداوي بثور وجهه حبة حبة.. تمرر أصبعها على الحبة الوردية بتمهل وشهوانية تخلق إثارة فورية تلاحظها في وجه المراهق الذي أخذ يحمر وفي سرعة خفقان قلبه كذلك.. الراهب استسلم لها وأخذ يتلذذ بأنفاسها عندما تقترب منه لتداوي حبة قرب أذنه أو على صدغه.. بعدها قالت له هنا لا يجدي أمر مداواة ثدييك.. تعال إلى تلك الغرفة أفضل.. وفي الغرفة مددته على ظهره فوق المنضدة المستطيلة وباعدت بين طرفي جلبابه الكنسي ثم رفعت قميصه الداخلي وداوت حلمتيه النافرتين بإصبعها ببطء وبقرص خفيف على قبة الحلمة.. وهنا تعالت أنفاسه واشتعل بالإثارة وهي أيضا انقطع عليها خط الرجعة فقفلت باب الغرفة وخلعت فستانها ليطلا ثدياها الرهيبان الطريان وانحنت عليه تلحس حلمتيه وشفتيه وأذنيه فطوقها وجذبها فوقه. قبل القسيس الاعتراف.. لكن بعد نهاية الاعتراف اختلى بها في غرفة وحذرها من هذا الأمر.. خاصة أن يحدث هذا الأمر في مكان مقدس بالكنيسة ومع مراهق غر صغير لا يملك من أمر غرائزه شيئا.. وهذا الأمر قد يعرضها للحرمان من دخول الكنيسة.. تعهدت حنان للقسيس أن لا يتكرر مثل هذا الأمر مجددا.. وعندما تخيلت ماركو قادما حزينا وكأنه عرف بالخيانة.. بكت كثيرا وشعرت بمرارة الذنب ونار الإثم.. وقالت في نفسها كيف أن الحب لا يمنع الإثم؟ هل لأنه نفسه إثم؟! عاد ماركو من روما ومعه عقد لتأليف وتلحين أوبرا ضخمة تجمع ما بين الموسيقا الشرقية والغربية.. شركة إنتاج إيطالية كلفته بذلك.. وهذه الأوبرا الضخمة ستعرض في ليبيا وفي دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط بعد عام من الآن وذلك بمناسبة الأيام العالمية للشعر والمسرح والفن والطفل والورد وكل الأيام الثقافية العالمية التي تشرف عليها منظمة اليونسكو التي تدعم هذه الأوبرا ماليا ومعنويا.. نظرا لموهبته وشهرته وتزكيته من كبار فناني الأوبرا في أوروبا فقد دفعت الشركة لماركو بسخاء عربونا مقدما وخولته باستقدام ما يحتاج إليه من مطربين وعازفين ومهندسي ديكور وإضاءة وغيرها.. وكان ماركو قد اشترط في العقد أن تساعده في الأوبرا زوجته د. حنان كعازفة عود وكمطربة.. ووافقت الشركة على ذلك واثقة في أن ماركو في الفن لا يخضع للمجاملات فلو لم تكن زوجته فنانة كبيرة ما كان يسمح لها بالمشاركة في هذا العمل الفني الضخم. عندما أخبرها وعرض عليها العقد بكت كثيرا.. بكت من الفرحة ومن ألم الخيانة الذي مازال يتأجج في قلبها.. فهي المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك.. لقد مارست من قبل الجنس أثناء دراستها في غرناطة مع مورسكيين وإسبان رشيقين من رياضي مصارعة الثيران وكان ذلك بمحض إرادتها ودون أن ترتبط عاطفيا مع أي منهم سوى بعاطفة اللحظة وكان ذلك بالطبع قبل زواجها من ماركو.. أما الآن فهي متزوجة من ماركو وتحبه بجنون. بعد أن ضاجعها مرتين متتاليتين مد لها العود وقال غني لي موشحات أندلسية لتهدأ نفسي وتسمو روحي أتهيأ لملمة أجزاء هذا العمل المتبعثرة في أعماقي الدفينة.. فأخذت تحرك الريشة على الأوتار وتغني بصوت دافئ ساحر بطئ: جادك الغيث إذا الغيث همى.. يا زمان الوصل بالأندلس. لم يكن وصلك إلا حلما... في الكرى أو جلسة المختلس. إذ يقود الدهر أشتات المنى.. ينقل الخطو على ما يرسم. زمرا بين فرادى وثنا.. مثلما يدعو الوفود الموسم. و الحيا قد جلل الروض سنا.. فثغور الزهر منه تبسم. نظرت إلى عينيه فنظر إلى عينيها وأشار لها أن تواصل الغناء بهزة استحسان من رأسه فواصلت العزف وغنت موشحاً آخر هو: قمر له ليالي... يطلع لم يبالي ع البستان ينوّر... في أمنية ليلة قمر والقمارة... في نوره طهارة من يؤتي عجائب... زينة لكواكب يا محلى طلوعه... ليالي جميلة دافئ و هو طالع... ع الأحباب ساطع بيه تصفى قلوبهم... ويحلى كلامهم برؤية دلالهم... بأحسن وسيلة إن غاب عني حِبي.... أشكي النار لربي و أصبّر فؤادي... و أحفظ له ودادي.. وهنا خنقتها العبرة وأجهشت بالبكاء لتسيل الدموع وهي منحنية تواصل العزف مبللة أوتار العود وتساقطت إلى داخل صحنه عبر فتحات وجهه المزخرفة.. كانت تغني مكملة بقية مقطع الموشح.. "وان شفته مخاصمني.. أعمل كل حيلة".. وتناجي نفسها قائلة: أنها لم تشكُ النار لربها.. لكنها أطفأتها في مياه الراهب المراهق الوسيم. وجد أن غناءها به لمسة حزن وحنين وألم.. وجده أكثر إبداعا من ذي قبل.. ربما لأنها تزوجت.. وربما لأنها خانته وألم الخيانة ساهم في تأجيج أحاسيسها الفنية.. فالإبداع دائما سيظل شحنة ألم. لم يكن لدى ماركو وقتٌ يضيعه.. قال لها منذ الغد نبدأ العمل والتجارب سنجريها مبدئيا على مسرح شحات (قورينا) الأثري.. لأن العرض سيكون على مسرح أثري أيضا ربما لبدة أو صبراتة.. ولكن المهم في الأوبرا هو الموضوع.. لابد أن يكون الموضوع عالميا.. أنا فنان ولا يمكنني أن أقدم عملا أوبراليا يمجد شخص أو دولة أو يقدم ميثولوجيا أو يستحضر التاريخ الماضي.. لابد أن نؤلف شيئا طازجا تعيشه الناس كل يوم ويتحدث عن الحاضر وجراحه ومسراته.. لابد أن نكون مع الإنسان الذي لولاه ما كنا فنانين.. ووافقته د. حنان الرأي. البحث عن موضوع الأوبرا أخذ وقتا.. كل يوم يجلسان في شرفة الغرفة المطلة على بحر جليانة يشربان البيرة والنبيذ ويقرآن الكتب الأدبية والفلسفية والموسيقية والفنية.. وعندما ينتشيان أكثر يدخلان إلى الغرفة فيتضاجعان ويستحمان ويخرجان للشرفة مجددا.. اقترحا عدة مواضيع لكن في الصباح يعيدان النظر فيها ويتم إلغاؤها ومعاودة البحث من جديد.. لقد انتهت مشكلة مضاجعتها للراهب وما سببته لها من ألم ففي إحدى لحظات التجلي في الفراش بعد تجرع عدة زجاجات من النبيذ الأبيض وجدت أنه من السليم أن تعترف لماركو بالأمر.. فهو حبيبها الأول والأخير.. وهو قسيسها الحقيقي الذي يجب أن يتلقى اعترافاتها وفعلا اعترفت له وهو راكب فوقها ووصفت له المضاجعة بالتفصيل فتحولت لذتهما إلى لذتين ولم يغضب أو يحقد أو يشعر بالغيرة.. خاصة أنها قالت له إنها نزوة ليس إلا وبالمقابل اعترف لها هو في اليوم الثاني وهما في الفراش بأنه ضاجع في روما عازفة كمان وعازفة تشيلو وأيضا مديرة الأوبرا التي بعد المضاجعة مباشرة رفعت له أجر العقد بنسبة 25 %.. وأصبحت هذه الأمور غير مؤثرة في حياتهما ولا تعتبر خيانة أو تذبب عرى الحب.. مازال الموضوع لم يتحصلا عليه.. رغم البحث الذهني المضني.. وفي النهاية اقترحت عليه أن يخرجا إلى شوارع المدينة ويتجولان فلربما وجدا موضوعا مقنعا في طريقهما.. لكن قال لها ربما نتعرض للخطر بسبب دخولك المسيحية ويتم الاعتداء علينا.. قالت له لا تخف.. لن نذهب إلى المدينة.. دعنا نذهب إلى حي المحيشي.. وهناك الكل يعرفني ويرحب بي ولا يعارض حريتي في اختيار ما أحب أو اشتهي. العاشرة صباحا انطلقا في سيارة أجرة من جليانة إلى حي المحيشي وعندما عبرت السيارة جسر العرائس وهو الذي يربط بين منطقة جليانة ووسط المدينة وانعطفت شمالا متجهة صوب البحر ووصلت إلى مفرق الطرق القريب من الميناء لاح لهما ازدحام كثيف لأناس وأفراد عديدين وآليات شركات الأمن تطوقهم ولافتات مرفوعة.. قال السائق دون أن يسأله أحد مركزا نظره على المرآة لرؤية رد فعل ماركو وحنان: "إنها مظاهرة لأسر عائلات ضحايا سجن بوسليم لمعرفة مصير رفاتهم ولرفع قيمة التعويضات التي تقدمها الدولة الآن في نطاق برنامج المصالحة ولم الشمل وبناء ليبيا الغد". نظرت د. حنان في عيني ماركو فرأت دمعة بها صورة أخيه في الرضاعة شرح البال الذي قبض عليه ولم يعرف مصيره حتى الآن.. نظر في عينيها فرأى في عينيها دمعة بها صورة خالها اسلومة الذي فُقِد هو أيضا ولم يعرف مصيره حتى الآن. قال لها أعتقد أننا وجدنا موضوع الأوبرا فابتسمت وطلبت من السائق التوقف.. خرجا من السيارة وهرعا إلى المظاهرة مشاركين فيها بحماس هاتفين بالهتافات التي تهتف بها أسر الضحايا.. والمعلوم عن أحداث سجن بوسليم الليبي أنه قد تمت تصفية أكثر من 1200 سجين أعزل بالرصاص نتيجة تمرد قصير احتجزوا فيه بعض حرّاسهم من أجل تحسين أوضاعهم الإنسانية داخل السجن ومحاكمتهم محاكمة عادلة وبعد قتلهم لم تسلم جثامينهم لعائلاتهم ولم تبلغ العائلات بموت ابنائها إلا بعد سنوات طويلة. طفق د. حنان وماركو يهتفان بحماس مع المتظاهرين.. الهتافات متنوعة وتتغير تلقائيا من حين لآخر فهذا هتاف يهتف بـ: نحن مانبوش افلوس.. نبو الغائب والمحبوس. نحن ما نبوش افلوس.. نبو قطّاعين الروس. يا حكومة وين ضنانا... لا في حبس ولا جَبّانة. يا ليبيا نبو الحقيقة.. في يدك مليون طريقة. حيه على عويلة بنغازي.. كل نهار مغير تعازي. حيه على رجالك يا برقة... كل نهار تجينا ورقة. نبكي نين عميت عيوني.. ع اللى رشّوهم دكنوني. ما نبو حَقّ العمارة.. نبو اللي يتمتوا صغاره. والهتافات تعكس مطالب أسر الضحايا بشان هذه القضية.. يريدون معرفة مصير المختفين والمقتولين ورفاتهم ولا يقبلون بالدية والنقود ويرغبون في معاقبة المسؤولين عن هذه المذبحة الشنيعة ويطلبون من ليبيا - ويعنون بكلمة ليبيا أعلى سلطة في البلاد - إظهار الحقيقة لأن في يديها الحل والربط وبإمكانها إظهار الحقيقة بأي شكل من الأشكال. ولمن يرغب في قراءة متابعة شاملة لجانب من معاناة هذه الأسر الجريحة يمكنه الدخول إلى موقع صحيفة الوطن الليبية لقراءة متابعة بعنوان "بوسليم وحقيقة التأخير" للأخت الكاتبة شريفة السنوسي الفسي نشرت بتاريخ 3-9-2009م وقد استفدت من تلك المتابعة الجميلة حيث نقلت عنها معظم الهتافات وبعض المشهدية لأم تبكي ابنها الشاب.. فشكرا جزيلا للكاتبة المبدعة. المسيرة ليست كثيفة.. الناس مازالت خائفة.. لا تستطيع أن تشارك في مسيرات كهذه.. وهذه المسيرة لم تكن عشوائية.. وتنظم بعلم السلطات وتكون دائما تحت المراقبة وتحت عدسات التصوير ليمكنهم معاقبة أي تجاوز قد يحدث.. مراسلو الصحف والمجلات والفضائيات المتابعون لمثل هذه المسيرات المبرمجة كلهم موالين للدولة ومسجلين في مكاتب الإعلام الداخلي والخارجي ويعرفون المدى الذي بإمكانهم مسه ومراسلاتهم لابد وأن تمر على الرقابة وعلى أعتى بصاصي البلاد.. المشاركون في المسيرة بضعة نسوة وعجائز وبعض الأطفال والشباب من أسر الضحايا.. معظم ضحايا بنغازي من الشباب الذين قطع المقص الذهبي سررهم.. حيث يجعل شكل السرة على هيئة قلب صغير.. وجد ماركو في المظاهرة صديقه جاب الله فعانقه بحرارة.. كان جاب الله يهتف بحماس وبتأثر.. بعد أن هدأت الهتافات سأله من لديك في مذبحة بوسليم.. قال جاب الله بحزن نسيت أن أخبرك ذلك اليوم في الحديقة لأنك تبكي أخاك ولا تنقصك هموم لكن الآن الكل حزانى.. دعني أقول لك أنه لدي أخي علَيوة.. لقد خرطوه (اختطفوه) ذات صباح من أمام البيت.. عندما كان منهمكا في تنقية الخضر التي يبيعها أبونا من الثمار الفاسدة.. قالوا أنه زنديق.. وما هو بزنديق.. هو إنسان بسيط حبّوب دائم الابتسام.. يلاعب الأطفال ويتاجر في العشية في بعض قطع الغيار القديمة في سوق النملة ومستواه الدراسي رابعة ابتدائي وجميل وصادق ونبيل وكريم وقوي وفنان ورسام وعازف زمّارة ومطرب وصياد ودمه خفيف وصاحب فكاهة ومروءة وذكاء وسعة صدر ومحبوب من كل النساء ومن كل فتيات حي المحيشي السمراوات والقمحيات والشوكلاطيات.. بصراحة أخي لا يوجد له شبه.. ولن أعوضه أبدا.. لا ندري ما التهمة.. لم نجد أحدا لنسأله.. ذهبنا أكثر من مرة إلى سجن بوسليم ولم نتمكن من زيارته.. كل مرة نترك له بعض الملابس والمؤن ونعود في الحافلة إلى بنغازي حي المحيشي.. منذ سنوات سمعنا أن هناك مجموعة كبيرة قتلت في بوسليم.. لا ندري هل أخي منهم أم لا.. عرفنا أنه قتل أخيرا.. وصلتنا ورقة رسمية من الدولة بها خبر وتاريخ قتله.. وأخذ يبكي وماركو يصبّره وتعالى الهتاف الذي شارك فيه جاب الله بهستيرية: حيه على رجالك يا برقة.. كل نهار تجينا ورقة. وبعد أن هدأت حدّة الهتاف سأل جاب الله ماركو: وأنت ما الذي أتى بك إلى هنا؟ وهنا تدخلت الدكتورة حنان قائلة: إنها الصدفة.. كنا في الطريق إلى زيارتكم في حي المحيشي فوجدنا هذا الزحام الذي علمنا أنه مسيرة لأهالي ضحايا مذبحة بوسليم فأحببنا المشاركة دعما للحق ومناصرة للمظلومين المغدورين.. لكن يا أستاذ جاب الله حتى نحن لم ننج من هذه المذبحة فماركو كما أخبرك سابقا لديه شرح البال أخوه بالرضاعة من ضمن الشهداء وأنا لدي خالي اسلومة ابن الحاج ونيس اشنابو الله يرحمهما. أخذ أحد المشاركين يقرأ بيان المظاهرة الذي يحتوي على مطالب أهالي الضحايا المتمثلة في استعادة جثت الشهداء والاعتذار من قبل المسؤولين عن هذه الجريمة ومعرفة هؤلاء المسؤولين وتقديمهم للمحاكمة وغيرها من المطالب وأثناء تلاوة البيان الجميع صمت ليستمع بينما أخذت آلات التصوير والتسجيل تسجل وتصور كل شيء.. قرب المنصة التي يقرأ منسق عائلات الضحايا البيان عليها.. لمحت سليمة مدير مستشفى المحيشي السابق الذي حاول أن يتحرش بها فحولت نظرها نحو جاب الله الذي هزهز لها رأسه أمارة الفهم المشترك.. يبدو المدير السابق في هذا المشهد كرجل أمن بالعربي بَصّاص.. حيث ليس لديه أحد من أسرته في مذبحة بوسليم ومن خلال حرصه على تثبيت آلة تصويره الرقمية في صدارة المشهد على الرغم من أنه ليس من الصحفيين يفهم المرء أن هذا الشخص من المكلفين بتسجيل و تصوير كل شيء وما إن التقت عيناه بعيني د. حنان حتى اكتنفته قشعريرة وارتباك لكن سرعان ما تدارك الموقف وتمالك نفسه ووجه آلة التصوير نحو د. حنان وزوجها ماركو.. ثم ابتسم ابتسامة ماكرة معبرة عن الانتصار من طرفه وواصل عمله في رصد كل الوجوه التي شاركت أو تابعت المسيرة حتى من بعيد.. كانت يده دائما على خرطوم العدسة الأمامي يلفه ليقرب الأشياء أكثر ويزيد من وضوحها.. بعد أن أتم منسق أهالي الضحايا قراءة البيان لفت اللافتات والأوراق وأنزلت صور الشهداء من على الحوامل.. كل اللافتات تسأل أين أبي.. أين أخي.. أخذتم أبي حيا فردوه لي على الأقل ميتا.. غوانتانامو تعذيب.. أبوغريب تعذيب.. أبو سليم قتل وترهيب.. ركض المصور البَصّاص ومدير المستشفى السابق بآلة تصويره نحو عجوز تجلس في ظل شجرة النَّمّ الكبيرة التي تتوسط حديقة الملح ليعرف سبب الزحام حولها ويصوره ويسجله.. اقترب من الحضور وحشر نفسه بين اثنين وأطل برأسه ليجد العجوز تبكي وتقول ما نبيش فلوس.. أعطوني بس حيطة نبكي عليها.. وتعني شاهدة قبر لابنها الشهيد المغدور والذي يبلغ من العمر حوالي 18 سنة.. كان بجانبها صورته المؤطرة الجميلة.. شاب سمين قليلا تظهر على وجهه آثار الصحة والنعمة.. هادئ الملامح.. نظرته مطمئنة.. وبجانب الصورة عرضت رسالة منه كتبها بخط عفوي.. ليس جميلا لكنه مقروء.. كتبها بقلم جاف.. يبعث فيها سلامات لكل فرد من أفراد أسرته ويصر على أنه برئ ويسأل والده كيف لم يطلق سراحه الأمن الداخلي حتى الآن ويصف قضيته بلغة ساخرة أنها كقضية الشرق الأوسط.. كما يوصي في رسالته بأن لا يضرب أحد أخته الصغيرة وأن يتم معاملتها بواسطة النصيحة.. ولعل طلبه عدم ضرب أخته ونصيحتها بالتي هي أحسن يوضح لنا حب هذا الطفل القاصر للسلام ونبذه للعنف من نعومة أظافره.. هذه الرسالة التي دونت في ورقة من أوراق كراسة إملاء لم تكن رسالة في الأساس بل هي وصية من طفل شعر في أعماقه أنه لن يعود إلى كنف أسرته إلا في الأحلام.. التقط البصاص لقطة قريبة للعجوز مع صورة ابنها وصورة الرسالة التي تعرضها في حضنها على الملأ.. ثم لم يبق هناك زحام وحاول النظر في كل الاتجاهات عله يرى د. حنان وزوجها وصديقهما جاب الله لكنهم اختفوا في ميدان سوق الحوت ومنه صعدوا إلى البحر ليستقلوا تاكسي إلى حي المحيشي حيث دعاهم جاب الله إلى الغذاء. نظر المصور البصاص هنا وهناك ثم فوق حيث أشجار النَّمّ متشابكة الأغصان وسمع صوت ارتطام خفيف لشيء على النجيلة فهرع يجري نحوه ليلتقط له صورة حيّة إن كان مهما.. فوجده طائر خليش أسود قد أسلم الروح. لم يكلف جاب الله نفسه بشأن إعداد وليمة للعروسين.. فالجود من الموجود.. وكان البارحة قد رمى جردل البرنقالي في بحر المنقار القريب من حي المحيشي وسحبه عند الفجر ليجده مملوءا بالخير والبركة.. وزع من السمك المصطاد على الجيران والباقي أمر زوجته أن تعد له منه وجبة حرايمي.. قبل أن يخرج صباحا من أجل المشاركة في المسيرة سألها هل ينقصك شيئ بخصوص الحرايمي.. فيه زيت.. فيه فلفل.. فيه بصل.. فيه ثوم.. كمون حوت.. أجابته أنه يوجد كل شيء وإن نقص شيء سأرسل وليدي بلال أو أخته مبروكة لجارتنا حليمة فيحضره منها. تجمعت الجارات في بيت جاب الله وهنأن العروس د. حنان وقدمن بعض الهدايا والزغاريد ثم غادرن ليتركن الضيفة ترتاح كذلك هنأ العديد من الرجال جيران جاب الله ماركو بزواجه وتمنوا له حياة هانئة. حان وقت الغداء ووضع صحن من الحرايمي أمام جاب الله وماركو والطفل بلال.. بينما الصحن الآخر جلست حوله د. حنان وزوجة جاب الله خديجة.. لم يتناولوا ثلاث تغميسات حتى طرق الباب بعنف.. بل دفع واقتحم البيت عدة رجال مسلحين معهما المصور البصاص الذي يبدو أن رتبته ضابط حيث صار يصرخ في مرافقيه فتشوا البيت ودخلت أيضا مع المسلحين المدنيين سجّانتان قبضتا على د. حنان واقتيد الجميع إلى سيارة ضخمة شكلها مرعب.. أُركِب فيها ماركو ود. حنان بينما جاب الله صرخوا فيه ابعد يا اعبيد مااندوّروش فيك.. بعد ايجي دورك ورينا هالعياط والزيطة والزنبليطة.. تركوه في حال سبيله وسط صراخه واحتجاجاته على اقتحام البيت وعلى القبض على ضيفيه.. لم يهتموا بصراخه وبلعناته المتتالية وغادرت السيارة بالمطلوبين مثيرة خلفها غبارا ودخانا كثيفا. الكثير من الجيران خرجوا من بيوتهم رغم القيظ بسبب الضجة والكل صار يقول لا حول ولا قوة إلا بالله و يهدئ من روع وغضب جاب الله ويطلب منه الصبر وقادوه برفق حتى أدخلوه إلى بيته حيث وجد ابنه بلال وابنته مبروكة يبكيان ويحومان حول أمهما التي أغمى عليها وفي يد بلال كوب ماء يرشرش منه على جبينها الأسمر. خرج ماركو من السجن في اليوم التالي بسبب تدخل سفارته وأفهمه مندوب السفارة أن أخوة الرضاعة أخوة غير معترف بها رسميا وأن هذا الموضوع شأن داخلي نحن كرعايا أجانب في هذا البلد لا يخصنا من قريب ولا من بعيد ووقعوه على تعهد بأن لا يتكرر مثل هذا الأمر وإلا سُفِّر من البلاد خروج نهائي. بينما د. حنان خرجت من السجن بعد يومين بسبب تدخل راعي الكنيسة في البلاد وأيضا السفارة الفرنسية في طرابلس لكونهم أخوالها.. أفرج عنها ولكن وقعت على تعهد بعدم الزج بنفسها في مثل هذه المواضيع الليبية الخالصة ولأنها مسيحية وكانت مسلمة فأعلمت أنه لو يتم إثارة موضوع تغيير الدين من جديد فليس من صالحها وستتعرض لمتاعب كثيرة قد تصل إلى حد الاعتداء والتصفية. بعد أسبوع غادر ماركو ود. حنان إلى إيطاليا من أجل تجهيز الأوبرا التي تعاقد على إنجازها ماركو وبالطبع أخذا معهما الحاجة سليمة أم د. حنان التي ربتها لتعيش بعض الأيام المريحة في بر الطليان.. لم يقتنعا بالقيام بالتجارب في شحات.. قد يتعرضون لمتاعب.. وقد يقتحم رجال الأمن المكان خاصة وأن البدو لديهم قيسطو (عشق وحب) بالسلطة والتهديد والبوليس وجلب المطلوبين بطريقة عنيفة.. أيضا لن يسلموا من تطفل الأمن الثقافي بواسطة الزيارات المفاجئة لموقع التدريبات وطلب الموافقات من أجل استخدام مسرح الآثار بقورينا وغيرها من المضايقات والإزعاجات التي قد يتسبب فيها مثل هذا البوليس القذر.. وهو بالمناسبة أقذر أنواع الشرطة لأن زاده الأساسي هو النفاق والتطبيل والتزمير والرقص والردح وغيرها من أشكال التزلف والزمزكة والقوادة.. لن يتركك أحد تبدع بحرية بدون مراقبة.. أما في إيطاليا فسنقيم التدريبات على الأوبرا بصورة أفضل وعلى راحتنا ولن يضايقنا أحد.. سلما الشقة للشركة التي تملكها ومن مطار بنينا طاروا إلى روما.. وفي روما كان الجو ملائما لإجراء التجارب متخذين من شخصية جاب الله ومعاناته بسبب فقده لأخيه الوحيد علَيوة موضوعا للأوبرا. كان من المفترض أن يضطلع بتأليف الأوبرا وإخراجها موسيقار ليبي كون القضية تهمه وتمسه ومكتوٍ بنارها من قريب أو من بعيد.. لكن لعدة أسباب لا داعي لذكرها الآن فضلنا أن يقوم بتأليفها شخصية إيطالية اسمها على اسم القديس الليبي مرقس الانجيلي وهي شخصية ماركو.. وذلك كون الفن الأوبرالي أولا أقرب للطليان من كل دول العالم وثانيا لأن المؤلف إيطالي يستطيع أن يتحرك بحرية وأن يكتب بحرية أكثر دون خوف أو ضغوطات نتيجة الحماية المتوفرة له من دولته ومن العالم.. بينما الموسيقار الليبي لا أحد يحميه لا دولته التي ذبحت أكثر من 1200 روح إنسانية في لحظة واحدة ولا العالم الذي ما إن يعرف أن الضحية ليبية أو السجين ليبي حتى يغض الطرف ولا يتحرك وكأن هذا الليبي إنسان من الدرجة العاشرة وإن فعلها لمصلحة ما وتحرك فبضع ربطات من الدولارات أو اليورو تجعله يصمت ويبتسم. ولكن الذي جعل الأمر جيدا هو أن الموسيقار ماركو إيطالي الجنسية لكنه ليبي المعاش.. فهو ولد في ليبيا ورضع من حليب ليبي وكل حياته قضاها في ليبيا وعظام وتربة والديه في ليبيا وفي مدينة محورية ومفصلية في تاريخ ليبيا والعالم وهي بنغازي ويجيد التحدث والتعبير باللهجة الليبية ويعرف كل شيء عن العادات والتقاليد الليبية.. بل يفهم جيدا ويكاد يكون شبه متخصص في كل أنواع الفن الليبي.. خاصة غناء المرسكاوي.. والدراما الليبية.. أضف إلى ذلك أنه عاصر كل الأحداث التي مست الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والرياضي في ليبيا وشارك ليبيا في حلوها ومرها حتى أنه أثناء الغارة الأمريكية على ليبيا في منتصف شهر الطير ابريل 1986م.. شعر أن بلاده هي التي تُقْصَف.. وهذه القنابل لا فرق بينها وبين القنابل التي اختطفت منه والديه في زنقة سيدي خريبيش.. نما وجرى في دمه حب الانتماء لهذا الوطن العظيم فلم يهرب إلى الغابات وإلى المشاريع الزراعية ولم يحرق ملفات حبّه لهذا الوطن كالكثير من مدعي الشجاعة والتضحية المنخرطين في حركات اللجان الثورية إنما وقف في وسط المدينة مرتديا لباسه الليبي (كاط المَلْف) الذي أهدته له أمه الليبية في العيد.. وقف في وسط المدينة متكئا على شجرة النَّمّ بحديقة الملح معلنا التحدي والصمود شاهرا سلاحه البسيط وهو عصا زيتون متينة مادا يده الأخرى لطالبة الطب حنان التي نقرتها بسلاحها المقص الذهبي وسحبت من دمه كيسين وضعتهما في الحافظة مع أكياس بقية المقاتلين بالدم من عشاق ليبيا الحقيقيين وهرعت بها في سيارة إحدى المواطنين البنغازيين الشجعان إلى المستشفى لإسعاف الجرحى والحرقى. لم يكن الموسيقار الإيطالي الليبي ماركو غريبا عن أحداث مذبحة بوسليم فأخوه بالرضاعة شرح البال كان من ضمنهم وهو لم يقتنع بعدم شرعية الأخوة بالرضاعة وعدم الاعتراف بها.. وسأل نفسه لماذا يعترفون بها بالنسبة لقضايا الزواج ويمنعون الزواج للأخوة بالرضاعة بينما في بقية شؤون الحياة كقضية بوسليم أو في الميراث أو غيرها لا يعترفون بها.. ما دام الإسلام وشرائعه تعاملت مع القضية واعترفت بها وطبقتها في شأن رفيع وجليل ومهم وهو الزواج على سنة الله ورسوله فإذن علينا أن نعترف بأن الأخوة بالرضاعة كالأخوة بالدم وهو يعتبر أخاه شرح البال كأنه ولدته أمه ماريا المالطية من بطنها. غادر ماركو وحنان إلى جزر الجنوب الإيطالي: "تراميتي واوستيكا وفافينيانا وغاييطا وبونزا" حيث الوجوه والأجواء والمناخ والعادات والتقاليد قريبة من ليبيا.. بل الكثير من أهالي هذه الجزر و جنوب إيطاليا برمته يعودون بأصلهم إلى ليبيا وينحدرون من سلالة المنفيين الليبيين للجزر الإيطالية إبان الاحتلال الإيطالي لليبيا الذي بدأ عام 1911 م.. فأولئك المنفيين منهم من لم يعودوا إلى ليبيا وعاشوا في إيطاليا مكونين أسراً جديدة والذين عادوا لا يمكننا الجزم بأنهم لم يمارسوا الجنس على الأراضي الإيطالية ويتركوا هناك جيلا ليبياً وضع بصمته الجينية على خارطة ملامح الإنسان الإيطالي الحالي. وهناك صحبة الفريق الفني من مطربين وراقصين وعازفين وغيرهم من تقنيين بدأوا العمل.. بعد أسبوع أرسلوا إلى جاب الله ومعه بعض عازفي الموسيقا الشعبية والذين أنهوا إجراءاتهم وحضروا في الموعد وانهمكوا مع فريق العمل في التجارب.. حيث كُلف جاب الله وعازفيه بتأدية وصلة من غناء المرسكاوي تم توظيفها داخل الأوبرا.. مع القيام بأداء بعض المشاهد والحوارات التي تخدم العرض. تم جلب عدة فنانين في مجال الغناء والرقص والموسيقا والملابس والصوت والإضاءة والتنكر وألعاب السيرك والديكور والسيناريو وكل ما يحتاج إليه هذا العمل الأوبرالي الضخم. أدخل رئيس العمل ماركو الجميع إلى معسكر فني مغلق أمتد ستة أشهر.. وبعد ستة أشهر من التجارب الشاقة كان العرض التجريبي الذي عرضته الفرقة في العاصمة روما وحضره الكثير من الضيوف من أعضاء الحكومة ورؤساء الأحزاب الإيطالية ورجال دين وأعضاء السلك الدبلوماسي ومشاهير في مجال السياسة والاقتصاد والرياضة والفن والأزياء وغيرهم.. وبعد مشهدين أو ثلاثة حدثت ضجة في الصفوف الخلفية بالمسرح وصراخ إنسان بعبارات من هذا النوع: هذا لا يمكن عرضه.. هذا غير مسموح به.. هذا كذب.. هذا تلفيق.. هذه إشاعات.. هذه عملية تشويه تدعمها الامبريالية والصهيونية. واقتاد رئيس لجنة النظام المشوش على العرض وسط استهجان الحضور الذين يعيشون متعة الأوبرا إلى الخارج.. لقد كان هذا الصارخ هو الملحق الثقافي الذي أرسله سفير ليبيا ليمثله في هذا الحفل. في الردهة ظن رئيس لجنة النظام أن الرجل قد كرع الكثير من كؤوس النبيذ الطلياني العتيق من البوفيه الحر الذي قُدم للضيوف قبل بدء العرض.. لكن احمرار خديه ومشيته المعتدلة وعصبيته وإخراجه للهاتف النقال من جيب بذلته السموكن ومهاتفته طرابلس مباشرة ونقل صورة حية للمشاهد التي تعرض الآن من قبل أوبرا المدعو ماركو.. بل طالب إن كان هناك صاروخ يصل إلى مكان الأوبرا فمن الممكن إطلاقه عليهم الآن بلا تردد فقط أعطوني خمسة دقائق لأركب سيارتي الألفا روميه وأبتعد.. يدل أنه متماسك وغير ثمل. هذه الأثناء خرج من باب جانبي الفنان جاب الله الذي أدى المشهد الأول حول القبض على أخيه ثم تصوير مشهد قتله وكيف هي لحظة الرعب التي استقبل بها رصاصات مخزن الكلاشن كوف في كل أجزاء جسمه النحيل وهو جائع مريض ملابسه متسخة مهترئة ممزقة وأعزل حتى من دبوس صغير وكيف صرخ في الجندي وهو يتلوى متألما متلقيا رصاصاته أنت جبان وأشهد أن لا إله إلا الله والجندي يطلق النار وهو في حالة هستيرية صارخا: خوذوها يا زنادقة يا أعداء الشعب. لقد أبدع ماركو في تلحين صوت إطلاق النار عبر آلة أورغ قديمة نغماتها مثل الضراط النتن.. وأبدع في تلحين صرخات الضحية أو الشهيد عبر آلة بيانو.. تنغم كل صرخة وتجعلها كصوت نورس ينوح وقت الأصيل.. اتجه جاب الله نحو الرجل الذي صرخ.. الواقف مع رئيس لجنة النظام وقال له الأفضل أن تكون متأدبا وأن تصمت أثناء العرض مثل بقية الحاضرين لكن يبدو أنك لا تفهم في الفن والثقافة وأخذه من يده قائلا لرئيس لجنة النظام لا عليك نحن ليبيون سنتفاهم مع بعض إن أدخلته القاعة سيكون أخرس وإن كان يريد التشويش فسوف أطلب منه مغادرة المبنى.. انزوى جاب الله بالملحق الثقافي إلى غرفة البوفيه وسكب من قنينة القرابّا الإيطالية ملأ كبايتي شاي.. ناوله كأسه فشربه دفعة واحدة وأيضا جاب الله ومع قطع الجبنة وحبيبات الزيتون تناولا حوالي 5 كؤوس.. بعدها قال له شن دوتك كَنّك داير دوشة.. قال الملحق الثقافي بصراحة أنا ارتحت لك وأنا أيضا لدي صهري من ضحايا أبو سليم وبصراحة أبدعت في تصوير الجريمة.. لكن عملي يحتم علي أن أتصرف كذلك.. الآن أنا في السليم.. قمت بالواجب.. اعترضت وغدا سأكتب تقريرا وسنطلب تفسيرات من وزارة الثقافة الايطالية حول هذا العرض العدواني الذي يسئ للعلاقات الأخوية بين البلدين.. أنا لست مثقفا.. أنا عسكري.. أتعامل بمنطق هذا معنا هذا ضدنا.. أنا هنا ملحق ثقافي لكن عليّ الطلاق عمري ما قريت فيها كتاب.. كلما أمسك كتابا لأقرأه أنعس وأنام.. إن لم أفعل ما فعلت يا وخيي أعاقب.. أنت تظن أنه ليس هناك بصاصون طليان داخل الحفلة يكتبون للأمن الليبي أن مندوبكم الرائع سعيد بالعرض ولم يحتج ولم ينسحب.. ورضى أن تهاجم ليبيا أمامه.. أنا ما عنديش ثقة في حد.. حتى في هذا الجدار.. هكذا علمتني الحياة.. تصرفي سليم مليون في المليون.. وخطّرها على المليون الثاني أشوي ونقفل عليه.. إن لم أفعل سينقلونني من جو إيطاليا المليح إلى دولة إفريقية معفنة أُصاب فيها بالملاريا أو يعيدونني للبلاد لأدفن في أحد المعسكرات أو المكاتب المغبرة.. أنا هنا في روما إمبراطور.. مبحبح.. نبزنس على حالي.. كل شيء عندي فيه نسبة.. كوميشن.. نصدر سيارات للبلاد.. نصدر مصانع.. شاحنات.. كنادر.. أي شيء فيه مكسب.. وبير تشرب منا المي ما اتلوحش فيه رشادة وما اتشخش أو تشل فيه.. ومع الدور السادس من القرابّا قال له جاب الله خلاص فهمتك ولا يهمك طقطق على حالك.. استأذن الآن دوري القادم مازال عليه خمس دقائق.. قال الملحق الثقافي خذني معك أتابع العرض من وراء الكواليس ولن أحدث لك أي مشكلة.. قال جاب الله تعال وأنا أثق فيك لأنه ممنوع يدخل للكواليس أي شخص ليس من فريق العرض.. كان غرض الملحق الثقافي من دخول الكواليس هو أن يكتب تقريرا سمينا بعنوان متابعة مهمة من أمام الكواليس ومِنْ خلفها ومَـنْ كان خلفها من دوائر مشبوهة؟! متابعة من قلب الحدث.. ووراء الكواليس سيشاهد وجوها أخرى ربما يضمنها التقرير ومن يدري ربما هذا التصرف قد يدفع به إلى سفارات أفضل في لندن أو باريس أو حتى قطر قناة الجزيرة حيث البزنس حالته ممتازة جدا. استفسر ماركو بنظرة إلى جاب الله حول جلب هذا الشخص قرب فريق العمل الفني لكن جاب الله غمزه علامة الاطمئنان فذهب القلق عن وجه ماركو وواصل قيادة الأوبرا محركا يديه ومميلا جذعه.. لم تكن في يده عصا قيادة الاوكسترا.. كان في يده المقص الذهبي الجميل الذي اتفق مع زوجته د. حنان أن يستخدمه كعصا قيادة.. تم تجريبه أثناء التدريبات وكان لمعانه جيدا وأحيانا يشارك به ماركو الموسيقيين كإيقاع مكمل عبر تحريك خفيف لطرفي المقص قرب أذنه مصدرا صوتا ذهبيا يضفى على أنغام النحاس والجلود والأوتار المشدودة بعدا جماليا شجيا ورائعا.. إضافة لأن له مع هذا المقص ذكريات لا تنسى امتدت لأكثر من جيل.. فوجوده معه يبعث في نفسه اطمئنانا وثقة ويشعر أنه ليس هو قائد هذا العمل الفني الكبير.. إنما معه زوجته د. حنان وأمها الفرنسية المرحومة وأمها الحاجة سليمة وصهره المرحوم الحاج رمضان المسلماني وكل أهل بنغازي وكل المواليد الملائكيين الذين قطع هذا المقص حبالهم السُّرية لينقلهم من حياة الظلمات الدافئة إلى عالم الضياء الدنيوي الزاخر بالألم والسعادة وكل شيء.. بالإضافة إلى أن هذا المقص عايش صراخ المواليد وعايش صراخ عمليات الختن.. الأوبرا صراخ.. والمقص رائي للصراخ وسامع ومسبب فيه ضروريا.. وضحايا بوسليم نقشوا أقوى وأطول صرخة جماعية في التاريخ.. لقد استغرب في بادئ الأمر أمهر فناني الأوبرا والروك الإيطاليين أمثال: "بافروتي وفورنسياري والكفيف بوتشيللي وغيرهم".. الذين حضروا قسما من التجارب النهائية دعما وتشجيعا للفنان الإيطالي الليبي ماركو من وجود هذا النغم الجديد في أذانهم وتفحصوا بنظرهم وسمعهم كل الآلات الموسيقية ليكتشفوا في النهاية أن هذا النغم يصدره المقص الذي يقود به ماركو فرقته الموسيقية واستحسنوا الأمر وفي فترة الراحة تناول فنان الأوبرا الكبير بافروتي المقص وعزف به عدة إيقاعات سريعة راقصا بمرح وسعادة.. قبل أن يغادر الضيوف طلبت حنان بجرأة أن تأخذ تذكارا من الفنان الإيطالي العالمي بافروتي تختاره بنفسها ووافق بافروتي وتقدمت حنان بالمقص من بافروتي وقصت خصلة صغيرة من شعر لحيته الأنيقة فصرخ الجميع إعجابا وصفقوا للمشهد كثيرا وقام بافروتي بمعانقتها وتقبيلها في الجبين.. لم يتمكن بافروتي من العودة مجددا لمتابعة التجارب وإعطاء بعض ملاحظاته الفنية بسبب المرض الذي اشتد به حتى فارق الحياة.. حضر ماركو ود. حنان مراسم التشييع وإلقاء النظرة الأخيرة.. لقد كان جثمانا مهيبا.. وجهه الملتحي يبدو كقديس أدى رسالته وأسلم الروح في سعادة.. كانت د. حنان قد شكلت من شعيرات بافروتي التي قطعتها تحفة فنية.. عند النظر إلى تشكيل الشعيرات فيها تظهر لك عبارة نحن نحب بافروتي باللغتين العربية والإيطالية وبلغة أخرى غير معروفة تقول عنها د. حنان إنها لغة الفن والحب التي لا يفهمها ويستعملها في هذه الحياة إلا نفر قليل من ضمنهم الفنان الكبير بافروتي.. عندما جاء دورها لإلقاء النظرة عرضت تحفتها على الجسد المسجى في التابوت وخيل لها أن بافروتي ازداد نورا وابتسامة جبينه قد أخذت في الاتساع.. لقد هطلت دموع كثيرة بصورة فجائية من عيني د. حنان حتى اضطر ماركو إلى حملها بين ذراعيه إلى غرفة جانبية لترتاح من ألم الحزن. أُجلِس الملحق الثقافي الليبي على مقعد جلدي وثير وقدمت له مضيفة الفرقة الجميلة قنينة قرابة صغيرة وصحن صغير به جبن وزيتون ومكسرات وسحبت له من درج بالبوفيه كتاب الكوميديا الإلهية لدانتي باللغة العربية قدمته له مع ابتسامة.. أخذ يرشف من فم القنينة ويتصفح الكتاب ويحاول بين الحين والآخر أن ينصت ويرى.. لم تمض ربع ساعة من الأوبرا حتى غط في نوم عميق وصارت كرشته تعلو وتهبط بانتظام وشخيره عال وحتى لا يؤثر على وصلة الموشح وعزف العود للفنانة د. حنان التي تغني الآن قصيدة المنفرجة فقد تم حمله من قبل جاب الله وعامل النظافة إلى غرفة جانبية في مؤخرة الركح. كانت د. حنان تقرأ حينا وتتغني حينا بقصيدة المنفرجة ويصاحبها مستشرق شيشلياني يقترف هواية الطرب بترجمة لها.. هي تغنيها كما لحنها الليبي.. وهو في الفسحات الزمنية يقرأ المعنى وكأنه يقرأ قصيدة شعر تصاحبه ترنيمات عود حنان التي استطاعت أن تحافظ على أجواء المألوف عندما تتحول كلماته إلى سرد شعري.. الحضور الأممي لهذا العرض التجريبي تفاعل وأنصت ووجد أن الموشح العربي هو أوبرا عظيمة من نوع آخر لم يمل من طول القصيدة مما جعل الفنانة حنان تعيدها مجددا يبدو أن كل مستمع له أزمة خاصة ووجد لنفسه شرفة راحة في النص.. حنان تغني: اشتدي أزمة تنفرجي... قد آذنَ ليلك بالبَلجِ وظلام الليل له سُرُج... حتى يغشاه أبو السُرُجِ وسحاب الخير له مطر... فإذا جاء الإبان تجي وفوائد مولانا جُمَل... لسروح الأنفس والمُهَجِ ولها أرَج محيٍ أبدا... فاقصد محيا ذاك الأرَجِ فلربما فاض المَحيا... ببحور الموج من اللُّجَجِ والخلق جميعا في يد... فذوو سعة وذوو حَرَجِ ونزولهمُ وطلوعهمُ... فإلي دَرَكٍ وعلى دَرَجِ ومعايشهم وعواقبهم... ليست في المشي على عِوَجِ حكم نسجت بيدي حكمت... ثم انتسجت بالمنتسجِ إلى آخر أبيات القصيدة: ومعاصي الله سماجتُها... تزدان لذي الخُلُقِ السَّمِجِ. كان المستشرق لويجي يصاحبها بترجمة إيطالية باهرة ساعده ذلك تخصصه في الآداب الشرقية ورسالته الأكاديمية الأخرى في كتاب الكوميديا الإلهية لدانتي.. كان قد تدرب مع حنان على مصاحبتها في الأداء أكثر من ثلاثة شهور.. واستعان في ترجمة القصيدة بقواميس إيطالية ولاتينية قديمة استعارها من مكتبة صديقه الروائي امبرتو إيكو واكبت زمن القصيدة في العصر الأندلسي أي في أزمان القرون الوسطى التي عاشتها أوروبا في ظلام دامس. عندما تستمع إلى مغنى الأوبرا تحس أنه يغني بعواطفه.. فالصوت الخارج من فمه ليس به حروف تنطق إنما آهات وصرخات تعبر عن انفعالاته التي أنتجها الألم والرضا والفرح والحزن ومجموعة المشاعر الأخرى التي يجد الإنسان نفسه في خضمها مجبورا على التعبير عنها إراديا أو لا إراديا. هذا الصوت الأوبرالي تواكبه موسيقا ورقصات وحركات تجعلك تعيش داخل ملحمة فنية يتعذر عليك الخروج منها أو النأي بنفسك عن المشاركة الوجدانية فيها.. الفن يتحول إلى مطر يهطل على رأسك ويبللك.. وأنت حتما سترفض أن تجف وستظل داخل هذه الانتعاشة كل العمر. العمل الأوبرالي يعيش في النفوس ويمس اللاوعي ويساهم كثيرا في تشكيل ذائقة الإنسان ويستقر دائما في وسط الذاكرة بكل أجزائه من كلمات وموسيقا وأداء ومشهدية بصرية وروحية. في سجن بوسليم كانت صرخة أكثر من 1200 إنسان أثناء ذبحهم بصورة جماعية هي الأوبرا الحقيقية التي يتغني بها كل الفنانين الموهوبين داخل حديقة الملح العالمية.. فالفنان يستطيع أن يجمع أكثر من 1200 صرخة متنوعة في حنجرته ويطلقها دفعة واحدة.. صرخة حب وسلام في وجه الرصاص القادم نحو الأرواح الإنسانية. أخي صرخ.. أخوك صرخ ابني صرخ.. ابنك صرخ زوجي صرخ.. زوجك صرخ أبي صرخ.. أبوك صرخ عمي صرخ.. عمك صرخ خالي صرخ.. خالك صرخ جدّي صرخ.. جدّك صرخ جاري صرخ.. جارك صرخ صديقي صرخ.. صديقك صرخ حبيبي صرخ.. حبيبك صرخ خطيبي صرخ.. خطيبك صرخ معلمي صرخ.. معلمك صرخ شيخي صرخ.. شيخك صرخ وطني صرخ.. وطنك صرخ والبنادق تفرغ الرصاص لإسكات تلك الصرخات.. لكن مطرب الأوبرا يبعثها من جديد.. تخرج من أعماق روحه عبر قلبه إلى نور العالم الممتلك لأزمان الحياة جميعها. الموسيقا هي الأبجدية الحقيقية للصراخ.. حروفها لا تحصى.. كل صرخة تأتي بنغم جديد.. النوتة الموسيقية التي تكتب لا تعبر عن إحساس النغم كما ينبغي.. للصرخة مقامات.. درجات.. بحور وأوزان.. طعم ومذاق ولون ودرجة حرارة.. و ملمس.. الصرخة حزمة أحاسيس متألمة ومستريحة.. في سجن بوسليم كانت أحاسيس الصرخة متألمة.. متألمة إلى أبعد حد.. ليس بسبب الجرح أو النار أو الحرق الذي تحدثه الذخيرة الحيّة في جسد الإنسان إنما متألمة من جبن الإنسان وضعفه وهشاشته وقذارته أيضا. الأوبرا التي ألفها وقادها ماركو الإيطالي الليبي زوج د. حنان بنت المسلماني عندما حان وقت عرضها رفضت دول المغرب العربي والشرق الأوسط أن تعرض على أراضيها لأسباب تتعلق بالمحافظة على العلاقات الجيدة المتينة التي تربطها بليبيا.. ولأسباب أخرى تتعلق بالوضع الداخلي لتلك البلدان التي تعج بالسجون العلنية والسرية أيضا وما يرتكب فيها من جرائم من قبل السلطات المسؤولة عن السجن وبتوجيه من قياداتها الأمنية والسياسية. لقد بدأ جاب الله الأوبرا بعد مقدمة موسيقية رائعة أدخلت الحضور إلى عالم غير أرضي ولا سماوي.. بدأ الغناء صحبة موسيقا المقص فقط لتبدأ مشاركة بقية الآلات بالتدريج فبعد كل فاصل غنائي أو سردي أو تمثيلي تدخل آلة جديدة.. ليصل المشهد لذروته بمشاركة كل العازفين والراقصين والممثلين وليهدأ المشهد فيما بعد متخليا عن الذروة تدريجيا ليعم الصمت إلا من صوت المقص الذهبي الخفيف الذي يمضغ بين حديه لا شيء يريد أن يقطع سًّرته فلا يجده فيقفل ماركو المقص بعد أن يجعل انفراجته على اتساعها ويداه إلى أعلى لتبزغ أنوار جديدة ويبدأ المشهد الثاني ويعود ماركو مجددا لقيادة الفرقة بمقصه.. المشهد الثاني تبدأه حنان بعودها الدمشقي يصاحبها عازف ناي حزين. ينتقل جاب الله في حكايته الدرامية بين كل أنواع الفن.. ينتقل برشاقة وبسرعة غير مستعجلة.... يغني ويمثل ويسرد ويعزف ويرقص ويبكي ويضحك ويقوم بحركات رياضية.. يقوم بكل ما يحتاج له المشهد من مكملات تجعل نسبة الفن به رفيعة وبسيطة وصادقة.. يقول لا أعتقد أن مسألة قبض بعض المال من خزينة الدولة تعني مصالحة وتخلٍ عن القضية الإنسانية الخاصة بضحايا مذبحة بوسليم.. فمعظم أسر الضحايا فقيرة وتحتاج إلى المال من أجل السكن والعلاج وتحسين ظروف الحياة.. لقد فقدت هذه الأسر أبناءها أو من يتكفلون بمعيشتها والصرف عليها وهم في عز شبابهم وعطائهم.. ولو كان أولئك الفتية الشهداء أحياء يرزقون ما احتاجت هذه الأسر لهذه المنحة الزهيدة التي لا تغني ولا تشبع من جوع بطني فما بالك بجوع روحي وظمأ نفسي.. لقد فقدت هذه الأسر أحلامها الطازجة وربيعها الشاب وسعادتها المتمثلة في موت أبنائها وهذه الأشياء المعنوية والوجدانية يعجز مال العالم على صنع مثلها.. أضف على ذلك أن هذا المال من خزينة الدولة ومن ثروة المجتمع التي يحق لكل مواطن ليبي أن يتمتع بها.. فالدولة دفعت المال لأسر الضحايا ليس من جيبها الخاص وليس من عرقها.. و لكي نحس بهذا التعويض يجب أن يكون هذا المال قد جاء نتيجة تعب وبذل جهد و(عرَق أسود) كما نقول في تعبيرنا الشعبي.. أريد أن تتعب الدولة وتحمل أكياس الإسمنت على ظهرها.. أن تتصبب عرقا قرب الفرن الذي يخلط خامات الإسمنت.. أن تحرث وتحصد أو تقف في مطعم لخدمة الزبائن منذ الصباح وحتى المساء.. أن تعمل سائق لحافلة طوال اليوم مقابل ربع دينار للراكب.. أن تعمل في كنس الشوارع وتنظيف الأرصفة ومسح الزجاج أن تعمل في الجندية أو الشرطة أو الحرس البلدي براتب زهيد.. أن تقف للتدريس أربع وعشرين حصة في الأسبوع.. أن تحصد الزرع.. أن ترعى الإبل في الهجير.. أن تعمل أي عمل به تعب يمكنها من جمع هذا التعويض ودفعه لأسر الضحايا.. لكن مال لا تعب فيه.. خزينة الدولة مليئة به.. أي غير وقّع وأرفع.. لا يعتبر تعويضا إنما هبة من الدولة.. هبة لا منة فيها.. فأسر الضحايا من الليبيين المحتاجين والمستحقين للثروة.. لقد قبل جاب الله المال لأنه محتاج وفقير ولا يملك بيتا أو سيارة ويسكن بالإيجار متنقلا من مكان إلى مكان والمكان الذي يسكنه الآن شقة صغيرة سقفها آيل للسقوط كل يوم تتهاوى منه قطعة إسمنت بحجم المصطبة الصغيرة بسبب صدأ أعمدة الحديد التي جمعها والده رحمة الله عليه من مكبات مخلفات البناء ومن على قارعات الطرق المهملة.. كل صباح يخرج ويعود عند الظهر جارّا خلفه بضعة أعواد حديدية معوجة ومطعجة يقضي بقية يومه في تقويمها وإصلاحها وسط عرقه وسعاله المتواصل.. هو فقير.. يتقاضى مساعدة من التأمين الاجتماعي لا تتجاوز المائة دينار وليس باستطاعته بناء شقة لولديه إلا بهذه الطريقة.. فسعر طن الحديد غال في مصنع الحديد والصلب ولا يمكن الحصول عليه أيضا إلا بإجراءات معقدة أو بالطرق الملتوية عبر المرور بالسماسرة والوسطاء.. لقد تعب أبوه كثيرا في بناء هذه الشقة الصغيرة منذ عام 1979 م عام تخرجه من المعهد.. للأسف الشديد إن لم يتعب جاب الله من أجل أبيه بصورة مرضية.. ولكن شعر بالراحة عندما حضر وفاته وأشرف على جنازته وسجل رقم قبره في هاتفه المحمول حتى عندما يزوره لا يتوه عن قبره.. ولكن حتى الآن لم يزره ولو مرة واحدة.. لكن حتما سيفعل ولو كانت زيارته له ميتا.. لقد حاول أبوه أن يختصر التكاليف وأن يستفيد من المواد التي يرميها الميسورون في الخلاء بإصلاحها واستخدامها.. لم يفعل هذا الأمر في بقية المواد التي بنيت منها الشقة.. فعله في الحديد فقط من أجل إعداد الخرسانة المسلحة التي ستُنهض عبر أعمدتها وقناطرها البيت وتسقفه. حسنا أعطوا جاب الله أو أي شخص مفتاح المصرف المركزي ويكون مملوءا بالنقود وسوف يعوض لكم كل العالم.. لأنه لن يخسر شيئا من خلال إنفاقه لهذه النقود.. لم يجمعها بتعبه.. لقد خرجت له بنفسها من باطن الأرض.. لقد أوجدها القدر أمامه هكذا.. ما معنى التعويض إذن.. التعويض بالمال لن يؤدي الغرض.. ولن يغسل النفوس.. ولن يطفئ الرغبة في الانتقام والقصاص.. المال يعطى هكذا ليس كتعويض.. إنما هبة أو حصة من الثروة.. أو مساعدة اجتماعية.. جاب الله وكل أسر الضحايا لا تحتاج للتعويض بالمال.. تحتاج إلى تعويض نفسي.. تعويض أخلاقي.. يجلب الاحترام والتقدير والفخر للجميع.. قتلة ومقتولين. الذي مات مات ولن يعود.. لن يعيده المال ولا الاعتذار ولا أحكام المحاكم ولا أي شيء في هذه الدنيا.. لكن الجراح والألم من الممكن الحد منها.. من الممكن الحد من شدة الألم بمواساته.. وهذا لا يعني أن يتم نسيان هذا الألم.. لأن الجريمة فعلا ارتكبت في حق أناس عُزّل ضعفاء لا حول لهم ولا قوة.. لقد خرجت صرخة الحياة من حناجرهم لتموت في قبور الصدى المجهولة.. سيعتبر التاريخ هذه الجريمة من الجرائم الجبانة الحاقدة العنجهية اللامسؤولة.. ومهما حاولنا أن نغطي العين الشمسية بكل غرابيل العالم فحرارة هذه الجريمة ستطل وتشرق.. إنها مأساة إنسانية.. ماتت فيها المروءة.. انعدم فيها النبل.. وبصراحة لا يمكنني وصف هذه المأساة وتسجيل تلك الصرخات البريئة المنطلقة من حناجر الضحايا والتي كانت معظمها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهتافات تتحدى الظلم والطغيان والتجبر والقمع على هيأة عبارات قصيرة مثل:.. الله أكبر.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. حسبي الله وهو نعم الوكيل.. ويارب يارب يارب.. والآن اتكأ جاب الله متهالكا على جذع شجرة النَّمّ في وسط الركح وأخذ يبكي.. وغناوة عَلَم تلعلع من لسان بدوي متقرفص قرب البئر المرسوم على الجدار الأيمن للركح.. تقول: العمر موش كله عزم.. يجن أوقات نرمو ع البكا. فبقدر البشاعة التي ارتكبت بها الدولة الجريمة وتسجيل التاريخ لهذا الجرم الكبير في أنصع صفحات ذاكرته فبحلها بطريقة نبيلة نزيهة شفافة من الممكن أن يسجل لها التاريخ هذا الأمر كحكمة وبعد نظر وانتصار تاريخي في مجال معالجة قضايا حقوق الإنسان.. حل القضية بطريقة مرضية للجميع سيحفظ للدولة هيبتها وكرامتها ومصداقيتها ويضعها في مصاف الدول التي تحترم وتقدس آدمية الإنسان.. نعرف أن الهيبة والكرامة والسيادة محفوظة وخط أحمر.. هذا شيء لا نختلف عليه وندافع عنه.. لكن أقصد ها هنا بالهيبة المعنوية ذات رائحة الماء والخضرة والعطر والخالية من رائحة الدم والبارود والرماد. لابد أن تلتقي قلوب القتلى والمقتولين.. لابد أن ننسى الأحقاد.. لابد أن يكون الحب هو الحاضر.. لابد أن يكون هناك هَمّ كبير حدث لهذه البلاد كي نلتف جميعا متحدين مع بعض معتبرين مشكلة مذبحة بوسليم ليست من الأولويات.. إنما ليبيا هي الهم الأول.. لا أعرف كيف أفكر في هذا الموضوع.. لكن مثلا لو ليبيا تعرضت لغزو فحتما سنتعامل مع هذا الغزو بطريقة أنا وابن عمي على الغريب ولو كان بيني وبين ابن عمي هذا ثأر قتل.. فعندما أجده أمامي وأجد الغازي أيضا أمامي سأصوب بندقيتي على الغازي.. سأنتصر أولا.. بعدها ربما فرحة الانتصار تجعلنا نتعانق وتغتسل القلوب بأمواه المحبة.. لابد أن تحل هذه المشكلة.. ليعمل الجميع معا.. من أجل نهضة الإنسان في ليبيا وغيرها من الدول.. لابد أن تحل هذه المشكلة لكن ليس بالمال أو القوة أو أي شيء يجعل أي من طرفي النزاع في مرتبة أفضل. ونعود لنقول مرارا ومرارا أن منح المال ليس حلا.. فالمال لا يصنع الأمان الروحي.. امنحونا حباً.. لا شيء غير الحب.. لقد استلم جاب الله هذا المبلغ الهزيل المسمى تعويضا والذي لا يستطيع أن يشتري إصبعا لأحد الضحايا الأمريكان أو اليهود أو الفرنسيس أو الإنجليز.. وذهب سائحا في دنيا الله الواسعة يبحث عن أخ.. يحاول أن يجد شخصا شبيها لأخيه.. يريد شراء أخ ليعوضه غياب أخيه اعليوة.. لن يشتريه بالطبع بالمفهوم التجاري التملكي فحياة الإنسان لا ثمن مادي أو معنوي لها فهي هبة مقدسة من الله لا تباع ولا تشترى.. إن وجد شبيها له ولو بنسبة معقولة فسوف يجلس معه ويحكي له قصته ويقترح عليه أن يعيشا معا كي يعوّض غياب الأخ خاصة وأنه الأخ الوحيد له.. لن يهتم بشكل أخيه أو لونه أو طوله أو عرضه أو رقم حذائه.. أو غيرها من الصفات.. لكن سيهتم بأن يجد لدى من يختاره صفات من نوع آخر.. صدق.. كرم.. مرح.. ابتسامة.. حب.. شعور بالحميمية.. ثقة.. وغيرها. قلت لجاب الله استرح قليلا.. نم في أرجوحة النور.. سأكمل السرد أنا بضمير المتكلم.. التقيت من أجل أن أتحصل على أخ مجموعة من الشباب.. من معظم جنسيات العالم.. كل شاب أجد فيه صفة واحدة أو صفتين فقط من صفات أخي ولا أجد الباقي فأتركه وأبحث عن غيره.. وجدت مصريا أو لبنانيا ما عدت أذكر حكيت له القصة فقال لي. اطمئن.. ولا تزعل أو تحزن.. أنا سأكون مثل أخيك.. بي كل الصفات التي تريد.. لن تنقص منها واحدة.. وإن رغبت في إضافة صفات أخرى لي على مزاجك فليس هناك مشكلة.. احشيني أو برمجني بما ترغب من صفات.. فأنا عبد مأمور.. لكن أخبرني أولا: كم المدة وكم ستدفع لي مقابل ذلك؟ إن اتفقنا نروح للمحامي نوقع العقد. قلت له الأخوّة أيها البني آدم لا تباع ولا تشترى.. ظننتك تفهمت موقفي ومأزقي الإنساني وحاجتي لأخ وحاولت أن تساعدني لوجه الله الكريم بعيدا عن حسابات المال وعن الاتصاف بالصفات مؤقتا وبصورة خادعة أو تمثيلية. لا أنكر أني وجدت أناساً طيبين تفهموا الموقف واعتذروا لي كونهم لا يستطيعون تمثيل هذا الدور والصفات التي طلبتها قماشها لا يناسب أجسادهم وأرواحهم.. عموما لم أجد هذا الأخ الذي أبحث عنه وما منح لي من مال من الدولة كتعويض عن قتل أخي نفد في شهر.. اشتريت منه بيتا صغيرا يقع خارج مخطط المدينة.. قالت لي زوجتي البيت خارج المخطط قد تهدمه البلدية في أي لحظة وتضيع 35 ألف دينار الذي أعرف أنك لن تتمكن من جمعها مجددا بسبب صرفك المجنون على الكتب.. قلت لها بنغازي كلها خارج المخطط.. أنا أيضا خارج المخطط.. ولو كنت داخل المخطط لأسكنتك على سطح القمر. المبلغ المتبقي بعد شراء البيت الصغير هو حوالي 3000 دينار اشتريت بنصفه تذكرة طائرة إلى جنوب شرق آسيا والنصف الآخر اشتريت به ألف ومائتي دولار من المصرف.. ثم سافرت فورا إلى أقصى الشرق حيث شروق الشمس السريع.. باحثا عن أخ لي أعيش معه أو يعيش معي ولو ليوم واحد.. وها أنذا الآن مفلس من جديد.. لا أجد أخي.. ولا أجد شبيها له.. وأخي ليس كعيسى عليه السلام رُفِع كي يعود ليخلص البشرية من الظلم.. أخي عذبوه وأمرضوه وقتلوه وردموه في مكان مجهول. لم استطع هضم الموضوع ولم استطع قلب الصفحة إلى الصفحة التالية كي أنسى ولا أهتم.. الصفحة ثقيلة وأصابعي ضعيفة وجهدي بالهُون.. الصفحة أحاول قلبها أرفعها قليلا ثم ترتد إلى مكانها تحرق وتلوث برمادها ودمها أصابعي.. أزق تحتها دولاراً وأرفعها به تمتنع أزق تحتها يورو تمتنع أضع تحتها كل عملات العالم تمتنع.. أضع تحتها كل ذهب العالم تمتنع.. أضع تحتها كل بنوك سويسرا وكل صناديق النقد الدولي تمتنع.. خزائن قارون.. بل قارون بنفسه.. أتوسل إليها أن ترضخ لرغبتي فأحاول بكل جهدي بل بحرارة الروح رفعها.. ترتفع مجاملة لي قليلا جدا ثم تعود لتلتصق في مكانها.. جلبت لها صبرا أيوبيا فارتفعت معي قليلا.. صدقا محمديا فارتفعت أكثر.. شجاعة حمزة ارتفعت أكثر.. مروءة وصلت حتى المنتصف.. وفاءا وصلت المنتصف.. عدالة بدأت تتجاوز المنتصف.. شفافية قاربت الربع الأخير كي تنقلب نهائيا.. نزاهة.. وقفت مكانها.. لا أدري من أوقفها.. عادت مجددا إلى مكانها رافضة الانقلاب.. تمسكت بكتابها التاريخي ويومها الذي عاشته مأساتها.. كنت أتخيل فقط كي أقلب هذه الصفحة لأبدأ الحياة مجددا في صفحة بيضاء نظيفة غير ملطخة بالدم.. الكتاب كله ملوث.. يحتاج إلى غسل كامل.. بمواد خاصة.. تزيل البقع الدامية وتعيد البياض والاخضرار إلى مكانه. كل عزائي الآن هو أن أنام وأحلم بأخي.. بالذكريات القليلة التي عشتها معه.. كان هو في حاله وأنا في حالي.. فرقتنا ظروف الحياة.. التحق بالجيش والتحقت بمعهد المعلمين.. المعهد قريب من ثكنة الجيش.. في الصباح وأنا خارج من المعهد للذهاب للمدرسة التي أتدرب فيها على التدريس يمر كردوس الرياضة الصباحية للجنود المستجدين عائدين من حصة الهرولة الصباحية.. أرى اعليوة في آخر الصف يجر قدميه من الإرهاق والهزال.. يرتدي (فَرْعة الجيش) سروال قصير أزرق وفانيلة متهدلة لونها زيتي كبيرة على مقاسه.. رجلاه نحيلتان.. جسمه إجمالا نحيف.. نتبادل الابتسامات.. ويحاول أن يلوّح لي في غفلة من رئيس العرفاء الذي يقود حصة الرياضة الصباحية السابقة للإفطار صارخا بين الحين والآخر في المستجدين محمسا لهم ومحذرهم من التهاون في هذا المران الإجباري. مازلت أذكر صباح يوم القبض عليه.. آخر مرة شاهدته فيها.. كان يساعد أبي في الدكان الصغير الكائن في جاراج بيتنا الفاتح بابه في سواني عصمان.. يرتب له البضاعة القليلة.. ينقي الطماطم الفاسدة من الصندوق ويرميها في جردل القمامة وبين الحين والآخر يخرج من الدكان إلى وسط الشارع ينظر إلى آخر الشارع حيث مفرق الطرق المزدحم بالسيارات المنتظرة تغير الإشارة الضوئية لتنطلق بحرية مقننة. لم يكن أخي مذنبا.. لو كان مذنبا أو مرتكبا لجريمة لهرب أو اختفى عن الأنظار.. دائما مسالما.. نابذا للعنف.. حازا للمشاجرات.. كان شابا بسيطا.. ترك الجيش بسبب ضعف بصره وإجرائه لعملية على الانفصال الشبكي للعينين.. كان يحس بقرب القبض عليه.. لم يهرب لأي مكان.. لأنه برئ.. إن كانت هناك جريمة ستلصق به هي أنه يعبد الله بصدق ويحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدق.. أحد أصدقائه قبض عليه يوم أمس.. ولم يعد إلى البيت بعد.. وتوقع أن يُسأل هذا الصديق عن أصدقائه ومن يؤدي معهم الصلاة في المسجد فيذكر اسمه فيقبض عليه فورا.. وهذا ما كان يحدث تلك الأيام.. فيتم القبض على الشخص وأصدقائه ومن يخالطهم ومن يحلم بهم ومن يسأل عنه ومن حتى يذكر اسمه في جلسة أو داخل سيارة أجرة أو أتوبيس أو حتى يجدون رقم هاتفه أو عنوانه أو أي شيء في محفظة أو جيب المقبوض عليه. كان ينقِّي صناديق الخضروات ويواصل النظر بين الفينة والأخرى إلى نهاية الشارع عند مفترق الطرق.. وكنت آنذاك قد عدت إلى البيت حاملا أرغفة الخبز الصباحية لكل الأسرة وخرجت ثانية للذهاب إلى عملي في المدرسة قلت لأخي وأبي وأنا أغادر تبقوا على خير.. أنا رابح.. رد علي أبي في أمان الله.. مربوحة وزَينة ورد علي أخي وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. عندما عدت ظهرا وجدت البيت مكتظا بالجارات وسمعت بكاء مريرا صادرا من أمي وأخواتي وزوجتي.. كان أبي قد أقفل الدكان.. ووجدته جالسا وحيدا في المربوعة ما إن دخلت حتى قال لي جو جماعة في سيارة بيضاء رفعوا الولد.. كان عندك كيف تنشد عليه فانشد عليه وطمأن أمك والبنيّات.. لكن رد بالك راك تحصل عندهم كان هذا بلاش منها النشدة وأمرنا لله. ليس لدي أقارب أو أصدقاء في أجهزة الدولة العسكرية والبوليسية.. أنا من عائلة فقيرة بسيطة نسكن حي المحيشي.. أن تذهب إلى مقر الأمن لوحدك وتسأل عنه قد يتم القبض عليك.. وإلباسك أي تهمة جاهزة.. ذهبت إلى النادي الذي ألعب فيه كرة القدم.. شاركت في المران تائها مفكرا.. تفطن المدرب لحالتي فأخرجني من المران قائلا لي اذهب اغتسل.. غسلت جسمي ودموعي تشارك قطرات الدش في الانهمار.. حكيت لبعض الأصدقاء في النادي الذين أعرف أنه لديهم أقارب في الجيش والمخابرات والذين كان الخبر قد وصلهم فمثل هذه الأخبار تنتشر فوريا كانتشار النار في الهشيم فصبَّروني وقالوا لي انس الموضوع الآن.. هنا في بنغازي ليس في وسعهم عمل شيء.. لقد تم نقل جميع المقبوض عليهم إلى طرابلس. منذ ذلك الصباح لم أره مجددا إلا في الأحلام.. ولم نسمع عنه شيئا.. لا أخي ولا من تم القبض عليهم من شباب حي المحيشي.. إنه ظلم.. ظلم صارخ.. لا يوجد محامٍ.. لا محكمة.. لا أي شيء يحفظ كرامة الإنسان.. لا أي شيء إنساني يمكنه أن يمنح للدولة مصداقية أمام رعيتها.. سمعنا أنه هناك زيارة.. ذهبنا إلى طرابلس أكثر من مرة.. وفي كل مرة نقف طويلا أمام سجن بوسليم حتى يخرج جندي شرطة عسكرية يأخذ منا البطاقات الشخصية ثم يعيدها إلينا قائلا روحوا لحياشكم مافيش زيارة.. عدة مرات حملنا له الزمّيتة التي يحبها والتمر وزيت الزيتون والعسل والملابس الداخلية والصابون والأسبرين ومعجون الأسنان والفرشاة ونظارته الطبية الاحتياطية التي يتلو بها القرآن الكريم ومصحف وبعض كتب الأدعية والأوراد. كنا حسب أوامر الحرس نحرص دائما أن تكون المواد مغلفة بالورق أو في أوعية بلاستيكية حيث يمنع دخول أي شيء مصنوع من المعدن.. كان الجنود يأخذون منا السلع ويقولون سنسلمها للسجين.. ها هي الأسماء الرباعية مكتوبة على الصندوق من جميع الجهات واضحة.. وكنا دائما نوكل أمرنا إلى الله وندعوه أن يوصل هذه الأمانة لابننا علها تخفف من محنته وتمنحه بعض العزاء والمواساة.. كنا نضع من كل شيء نرسله أكثر من قطعة.. ربما هناك سجين قليل والي لا يرسلون له أهله شيئا لأي سبب فيقتسم اعليوة معه ما وصله من خيرات. الآن أبحث عن أخ.. أخرج كل صباح.. أتحدث مع أي شاب في مثل عمره.. أحاول أن أجد فيه بعض صفات أخي.. أقتات عليها قليلا.. أريح بها قسما من عذاباتي.. وعندما لا أجد حتى صفة واحدة في هذا الشاب أشعر بالحزن وأسأل نفسي هل الصفات تموت كما الأجساد؟ وأعود إلى البيت منهكا.. ارتمي على الفراش.. أغمض عيني.. أحلم بأخي.. استحضر ملامحه التي اختفت من أمامي منذ عام 1988 م.. أجدها خلال الحلم طازجة.. شعره الأكرد قليلا.. نظارته الطبية.. طوله.. ابتسامته المريحة الطيبة.. لباسه الأبيض.. زغب لحيته الخفيف.. تناوله لطعامه على مهل.. لعقه لأصابعه عند الانتهاء من تناول الطعام.. صلاته في أواخر الليل لوحده في منور البيت وأنا أطل عليه من الدور الثاني.. رائحة عطره المسكية التي تصاعد فتصل إلى أنوفنا في الدور الثاني.. مساعدته لأبي.. شرائه لمستلزمات زواجه المرتقب من بنت الحلال.. دولاب مواعين صغير.. غسالة.. ثلاجة.. موقد غاز صغير (بريموس).. بطانية نمر جميلة.. فرشة عجمية مزدانة بالورود البنفسجية والصفراء.. تأخذني العَبرة في الحلم فيبكي حلمي ويتحول من بكاء في الحلم إلى بكاء في الحقيقة فتهرع زوجتي إلىَّ تهزني وتقول بسم الله الرحمن الرحيم.. كَنَّك ماذا بك؟ أقول لها تذكرت أخي الوحيد.. تذكرت أخي اعليوة.. تبتسم لي ابتسامة حزينة وتعانقني قائلة اعتبرني أنا أخوك.. إن الله مع الصابرين.. تأتي ابنتي الصغيرة وابني الصغير.. ينضمان للعناق.. نصير رباعية عناق تبث الحب والحنين في الاتجاهات الأصلية والفرعية ونوقف عناقنا في اتجاه القبلة حيث تزداد حرارة العناق من الصغيرين أكثر.. الطفل يحاول أن يتطاول أكثر والبنت أيضا.. نخفض لهما طولينا قليلا فيفرحان.. ويشتد التصاقهما بنا في العناق.. آه كم أشعر بالحزن الشديد لأجلهما.. لأنه ليس لديهما عَمّ.. ابنتي لن تحب ابن عمها عظم رقبتها.. وتتزوجه إن صار بينهما نصيب.. ابني لن يحب بنت عمه عظم رقبته.. ويتزوجها إن صار بينهما نصيب.. فالرقبة ذبحها الوطن في بوسليم. تتغير المشهدية الآن لتطل علينا لوحة خضراء على شكل غابة قربها نجع صغير.. موسيقا مزمار خفيف.. وأصوات مؤثرات طبيعية كخرير ماء.. أصوات حيوانات.. بقر.. ماعز.. دجاج.. خراف.. عواء ذئب بين الحين والآخر.. زقزقة عصافير.. في وسط هذه الغابة أنا حزين جدا.. لا شيء يسليني.. لا رغبة لي في شيء.. سأحاول أن ابتعد عن هذا الموضوع.. استلقي في ظل شجرة صنوبر وأقرأ في كتاب المقام الليبي الذي يحتوي على مجموعة جميلة من أغاني المرسكاوي.. قرأت قليلا.. هدأت نفسي قليلا حيث أعادتني هذه الأغاني إلى أيام جميلة في منطقتي حي المحيشي.. حيث كانت الأعراس تتم بعفوية وحفلاتها لا تقام في المسارح إنما فوق أسطح البيوت أو في حدائق الحي التي الآن يابسة ومغطاة بمياه المجاري.. سأغير الكتاب الذي أقرأ فيه الآن.. معي كتاب (الجِراب) للصديق القاص المبدع (أحمد يوسف عقيلة).. سأقرأ نصا أحببته منذ زمن.. عنوانه " اعْلَيوة " على اسم أخي بالضبط.. لكن في قصة أحمد.. اعْلَيوة ديك وليس بني آدم.. لكن مرة أخرى.. لا بأس سنؤنسن الديَكة.. وسأراه أخي الذي عجزت أن أجد صفاته في البشر.. رغم بحثي المضني الطويل.. يقول أحمد في نصه: لم يُؤذِّن (اعلَيْوَة) إلاّ في وقتٍ مُتأخِّرٍ جداً ذلك الصباح.. وهو أمرٌ غريب.. هل فَقَدَ صوته؟ هل اختلطت عليه الأمور.. حتى إنه لم يُمَيِّز الفجر؟ هل هو الضباب.. ذلك الليل الأبيض.. الذي جعل الأمر يلتبس عليه؟ لا هذا.. ولا ذاك.. لقد أَرِقَ.. لم ينم إلاّ قُبَيل الفجر.. ومع أنه ليس من عادته أن يبقَى مُستيقظاً إلى ساعة مُتأخِّرة من الليل.. إلاّ أنَّ لديه ما يُبَرِّر ذلك.. فقد بات وحيداً.. افتقد الأنيس.. وليس هناك ما هو أكثر إيلاماً ووحشة من افتقاد الأنيس.. ذلك أنَّ رفيقته التي تُؤنِس وحدته.. قد ماتت ضُحَى الأمس.. وبتعبيرٍ أَدَقّ: سُرِقت.. اختفت.. تلاشت.. ومع أنَّ كلَّ أصابع الاتهام تُشير إلى الثعلب.. بسبب سوابقه في كل أنحاء الوادي.. إلاَّ أنَّ خديجة تُصِرُّ على تبرئة ساحته.. وتُوجِّه الاتهام إلى لصوص الأعالي.. وتعني بذلك العُقاب والحَدَأة.. وهي تستند في ذلك إلى أنها لم تعثر على أَيٍّ من القرائن الدالَّة.. لا رأس.. لا رِجل.. ولا حتى ريشة واحدة.. كما أنَّ لصوص الأعالي ـ على حَدِّ قولها ـ أكثر جُرأَة.. يهبطون فجأةً من السماء.. ويأخذون في وضح النهار.. أمّا الثعالب (المسكينة) فتتسلَّل ليلاً.. أو في غبش الفجر. على كل حال.. مهما كان الفاعل.. فقد قُيِّدَت القضية ضد مجهول.. بغَضِّ النظر عمّا إذا كان ذلك المجهول من فوق أو من تحت. ترَمَّل اعلَيْوَة.. بدأ يُحسُّ برعب الوحدة.. صعد فوق الصخرة العالية.. أمام البيت.. اتَّجه ناحية الشرق.. مَدَّ قامته.. صفَّق بجناحيه.. وأخذ يبثُّ الشمسَ شكواه.. وترتَّب على خديجة أن تبحث عن عروسٍ جديدة. الديك بالنسبة للعجوز خديجة.. المتوحِّدة.. التي تفتقد الأنيس.. لا زوج.. ولا ولد.. ليس مُجرَّد ذلك المخلوق المُلَوَّن.. الذي يصيح مع كل إشراقة شمس.. لا.. إنه كالولد.. يُؤنِس الوحدة.. يُذْهِب الوحشة.. يملأ فراغها العاطفي.. تتحدَّث إليه.. تُناجيه.. تهمس في أُذنه.. تُدلِّله.. تغضب منه أحياناً.. تُناكِده.. تُعاتبه.. تغفر له.. تحنو عليه.. تضحك له.. أو تضحك عليه.. ويحلو لها في كثيرٍ من الأحيان أن تُمَسِّد ريشه.. وتغنِّي له. هو أيضاً يُبادلها ذلك الحُبّ.. ففي الفجر يقول لها: ـ صباح الخير.. نهارك سعيد.. تأخَّر الوقت.. أيش أخبار الفطور؟ فيش تفكري؟ تفكري في بيعي.. هَه؟ في المساء يقول لها: ـ تصبحي على خير.. نوَعِّيك قبل الفجر والا بعده؟ في الأعياد يتمنَّى لها طول العمر.. ودوام العافية. نعم.. هكذا تنظر إليه.. وهكذا تفهمه.. حتى إنها أعطتْه اسم اعلَيْوَة.. وهو اسم اشتُهِر به في كل الوادي. عندما ضاعت الدجاجة.. جابت خديجة الوادي طولاً وعرضاً.. سافرت إلى النجوع المجاورة.. وبالكاد عثرت على دجاجة.. فيها من المواصفات أكثر ممّا في بقرة بني إسرائيل.. كانت فعلاً تبحث عن عروس. زفَّتْها إليه.. وقفت تتفرَّج.. مُنتشِية.. كما تفعل الأُمُّ يوم زفاف ولدها.. وكما تفعل الأُمُّ أيضاً.. أحسَّت بشيءٍ من الغيرة.. مَن يدري؟ لعلَّ العروس الجديدة تستحوذ على اهتمامه. دار اعلَيْوَة دورةً كاملة حول عروسه.. باسِطاً جناحه الأيمن إلى الأسفل.. بينما كانت العروس تتمنَّع في دلالٍ وغنج. خديجة تُحبُّ تعليق الأشياء.. الغربال.. القفَّة.. الأواني.. الملابس.. كل شيء.. فأعمدة بيتها.. وحتى الأشجار القريبة.. زاخرة بالأشياء الْمُتدلِّية.. حتى إنَّ لديها معاليق لكل خيبات أملها.. كسوء الطالع.. والحظ العاثر.. والبخت المائل.. والعَيْن.. وغير ذلك من المشاجب التي لا تُحصَى.. لذلك فهي ترى نفسها امرأة سيئة الحظ.. راقدة ريح.. قليلة والِي. هي امرأة في حالها.. ليس لديها فراغ على الرغم من توحُّدها.. ففي بعض الأحيان تقْلِب أثاث البيت رأساً على عَقِب.. تبدأ في ترتيبه من جديد.. لا لشيء إلاّ لتجد لنفسها عملاً.. إنها امرأة لديها دائماً ما تفعله.. كانت تُردِّد: (الوليّة الْحرَّة شغلها ما ينتهيش). ذات ضُحى.. بينما كانت عائدةً من جيرانها.. شاهدت كُتلةً سوداء.. تهوي فجأةً من السماء.. وتختفي بين الأشجار القريبة من البيت. توقَّفت قليلاً.. قلِقة.. حائرة.. وما هي إلاّ لحظات.. حتى برزت الكُتلة السوداء.. وأخذت تصعد ببطء.. حتى اتَّضحت معالمها. فزعت.. أسرعت الخُطَى.. بينما كان العُقاب يبسط جناحيه.. حامِلاً اعلَيْوة بين مخالبه. وقفت مشلولة.. تنظر إلى العُقاب وهو يُحلِّق بعيداً.. مُتَّجهاً صوب التلال البعيدة.. حتى توارَى في غبش الأفق.. وتوارَى معه اعلَيْوَة إلى الأبد.. مُخلِّفاً على الأرض بعض الريشات المُلوَّنة.. هي كل ما بقِي في يد خديجة.. التي أحسَّت بأنها فَقَدَت شيئاً عزيزاً للمرَّة الثانية.. وبرزت أمامها تلك الصورة من جديد.. يوم هبط الموت فجأةً من السماء.. واختطف ابنها (عَلِيّ).. كأنَّ ذلك لم يحدث إلاّ منذ لحظات.. فبعض الجِراح تظلُّ خضراءَ إلى الأبد. أخذت تُقلِّب كفَّيها.. مُعلِّقةً ما حدث على حظِّها العاثر.. وتوحُّدها.. وقِزْنها.. وقِلَّة حيلتها. ... قُبَيل الفجر.. عندما كان القمر يتمسَّح بالصنوبرات.. كانت خديجة تصعد مع السفح.. مُتَّجهةً نحو المقبرة القديمة. في الصباح.. كانت تجثو على رُكبتيها.. مُطأطئة.. تناجي قبر ابنها عَلِيّ.. فيما الحلازين تتسلَّق شواهِد القبور.. باحثة في التجاويف عن ملاذٍ من صهد الشمس". الفرق بين أخي والديك أن الديك اختطفته الطيور الجارحة من أجل البقاء.. والذين قتلوا أخي باقون من دون أن يضطروا لالتهام لحم أخي أو امتصاص دمه.. لقد قتل أخي هكذا عبثا وظلما وعدوانا ودون محاكمة.. قتل وهو ضعيف مريض أعزل مفتقر إلى أدني حقوق الإنسان.. والفرق بين اعليوة ابن العجوز خديجة وبين اعليوة أخي.. أن ابن العجوز خديجة لديه قبر معروف.. وشاهد حجر تبكي عليه وتزوره أمه متى اشتاقت له.. بينما أخي.. لا قبر له.. ولا رفات.. لقد قتل وغيّب.. أيها العالم أخي إنسان.. إنسان.. إنسان وليس حشرة أو حيوان.. وحتى الدولة اعترفت بأنه إنسان فمنحت أسرتنا شهادة وفاة له.. نريد قبره.. لابد أن يكون له قبر نزوره ونضع عليه أكاليل الورود.. ونقرأ بقربه القرآن.. وعندما يحين الشتاء ويسقط المطر.. نكثف من الزيارة لنرى بواكير رسائله لنا عبر الزهور والحشائش البرية المنبجسة من تراب قبره.. والتي تصل ذروة عطرها واخضرارها ويناعتها في فصل الربيع.. وآه من الربيع.. وربيع العمر بالذات الذي ذبح فيه أخي. نريد قبره فلربما تتقدم علوم الحياة ونستطيع أن نستنسخ نسخة جديدة منه.. اعليوة جديد.. يستيقظ في الصباح لينقِّي كرتون الطماطم في دكان أبيه ويجلس ليقرأ القرآن الكريم.. ويبتسم للصغار.. ويتاجر في أشياء بسيطة تمكنه من كسب رزقه بالحلال ويجهز لعرسه بمكسبه البسيط.. ففي كل مساء يعود من السوق بشيء يخص هذا الزواج المرتقب.. مكواة مستعملة.. منضدة صغيرة تحتاج إلى تصليح.. خلاط فواكه.. رحى قديمة.. اسطوانة غاز.. وغيرها. نريد عظامه وتراب لحمه الذي أكله دود البشر قبل أن يأكله دود الحشرات.. أخي عزيز علينا جدا.. لا فرق بينه وبين أبناء القتلة.. لماذا نتألم نحن وأنتم لا تتألمون.. الله في الوجود.. وليس خارجه.. ولا أريد أن أقول إني أكره القتلة.. لكن سأقول إني أحبهم.. لأني خائف ليس إلا.. والخوف لن يذهبه إلا المعاملة باحترام وتقدير وشفافية ونزاهة وعدل وصدق وتحمل مسؤولية هذه الجريمة النكراء.. التي لن يمسحها حتى ماء نار التاريخ. هذه الجريمة لن يقفل ملفها بواسطة القضاء ولا التعويضات المالية ولا بواسطة سياسة العصا والجزرة.. هذه الجريمة لابد أن تُحل بطرق إنسانية.. أن يقوم القتلة بعمل أي شيء يقنعنا بحبهم.. يقنعنا بأن هذا الشيء العظيم أهم من قتل أبنائنا.. هذه الجريمة لا يقفل ملفها إلا الحب.. إن جعلتني أحبك فسأغفر لك مجانا.. فالحب أكبر إله يغفر الخطايا. وإن لم تجعلني أحبك فتستطيع قتلي أو سجني أو تعذيبي أو تدميري أو سحقي لكن من المستحيل كما يعبر عن ذلك أرنست همنجواي في قصته الطويلة الشيخ والبحر أن تهزمني.. فالإنسان مشروع انتصار أبدي.. ونحن ننتمي لهذا الإنسان وإلا لكان أنستنا النقود دماءنا الزكية التي نزفت غيلة وغدرا. لا نريد اعتذارا من قبل رموز الدولة.. لا نريد أي شيء يمس سيادة دولتنا وأمنها.. نريد فقط أن تكون بلادنا جميلة.. أن يمنح العيش لخبازه في كل مجال.. أن تتم الاستعانة بالموهوبين وليس المخلصين لكن على غباء.. أن تكون ليبيا سرّة العالم وجنته.. وفيها يعيش الإنسان بكرامة وأمن وسعادة وآدمية.. نحن نحب ليبيا ولا شيء غيرها ونغضب عندما نراها في الحضيض. وهنا يتدخل ماركو بشكشكة عنيفة من المقص فيطل ممثل من وراء الكواليس ثم يظهر كاملا.. تلازمه دائرة ضوء تجعله شفافا كالماس يغني غناء حزينا لكلمات غير مفهومة ثم يتحول غناؤه تدريجيا إلى سرد غاضب.. يقول: والمظلومون أكثر في هذه القضية والذين يعتبرون قد تم تجاهلهم من قبل وسائل الإعلام ومن الجميع هم رجال الأمن الذين قتلوا في المواجهات والذين احتجزوا داخل سجن بوسليم وقتلوا لتقع هذه المذبحة.. فهم أيضا يعتبرون شهداء واجب.. وكلمة واجب مثل كلمة دين لا فرق.. لا أحد يتحدث عن هؤلاء المساكين ولا عن أسرهم.. لم تنظم لهم أي مسيرة حتى الآن تجبر بخاطر أُسرهم على الأقل.. لا أحد أنصفهم معنويا حتى الآن وأشاد بدورهم.. فهم في النهاية ليبيون ينفذون أوامر صارمة وملفهم لابد أن يضاف إلى هذه القضية ويتم إنصاف أُسرهم بصورة مرضية فهي أيضا ضحايا.. لا يهم إن كانوا مع أو ضد.. المهم أنهم ضحايا سقطوا في هذه المواجهات التي ما كنا نعرفها في ليبيا من قبل.. عبّر الممثل والمطرب المؤدي لهذا الدور عن هذه القضية بكل ما يملك من موهبة.. وقد أبدع في ذلك حتى أن التصفيق قاطعه أكثر من مرة.. كانت تصاحب تمثيله بين حين وآخر.. في البُرَه الزمنية الفاصلة بين مجموعة جمل وأخرى.. آهات وصرخات وتأوهات وعبارات أنت أخي لا تقتلني.. أنت أخي لماذا نتعارك.. أنا مأمور.. إن لم أفعل أُعاقَب.. يقتلوني يا اوخيي.. هذا عملي.. يا رب فَرِّجْ علينا.. ويُسمع صراع قوي تتخلله كلمات بها عبارات أنت أخي.. أنت ابن عمي.. الله يستر بيتك لا تحرجني أدخل الداخل توا.. خلي الضابط يدخل غرفته وسوف احضر لك الشاي وكل ما تحتاج وغيرها من العبارات المتبادلة بين السجان والسجين عندما يكونون من قبيلة واحدة أو من أسرة واحدة أو من بلد واحد لكن القدر جعل أحدهما سجانا والآخر سجينا دون إرادة منهما.. كان المقص في يد ماركو يتحرك بتركيز ليجعل العازفين يمنحون كل ما لديهم من إتقان وكانت د. حنان تصدر من عودها نغمات حزينة تشبه الدمع.. بينما جاب الله يهزهز رأسه موافقا على عدالة قضيتهم متمتما بنغم لا يفسد الأوبرا من كلماته: لا حول ولا قوة إلا بالله.. الألم يحيط بنا من كل اتجاه.. يكون الله في عونك يا ليبيا. اكتملت الأوبرا وسر المسؤول الفني والثقافي بمنظمة اليونسكو بالعمل وقال له ماركو الآن الكرة في ملعبكم.. نحن مستعدون لعرض الأوبرا في أي مكان من العالم.. نحن فنانون لا يهمنا المكان الذي نعرض فيه عملنا.. ليس لدينا أي تحفظات على أي دولة.. يمكننا عرضه حتى في القدس أو في الصحراء الغربية أو تايون أو تورا بورا.. لكن يهمنا أن نعرض العمل في ليبيا والمغرب العربي والشرق الأوسط.. لأن القضية التي تناولتها الأوبرا موجودة في تلك البلدان ولعل عملنا الفني يساهم في مواساة أسر الضحايا وفي تليين موقف هذه الدول من قضايا حقوق الإنسان وفي إيجاد صيغة مُرضية لحل هذه القضية.. قال مسؤول اليونسكو.. أنا معك ومن الغد عليك أن تسافر إلى هذه الدول وتتفق معهم على عرض الأوبرا في بلدانهم وتوافيني بالنتائج لنعد جدول العروض النهائية وما يلزمها من إجراءات مالية وإدارية. العرض التجريبي الذي قدم في روما منذ شهور والذي صرخ فيه الملحق الثقافي الليبي وانسحب منه كان قد حضره مندوبو ثقافة وفنون عن تلك الدول المغاربية والشرق أوسطية وبعض السفراء والقناصل المعتمدين لدى إيطاليا.. حضره أيضا رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب بالإضافة إلى مندوب عن الجامعة العربية وعن الإتحاد الإفريقي وعن كل المنظمات السياسية والأهلية الإقليمية والدولية.. وأكثرهم كان قد أرسل تقاريره إلى دولته حول فحوى العرض الأوبرالي الذي تدعمه اليونسكو والجميع أوصى بعدم السماح بالعرض في بلده لأن هذا الأمر قد يسبب حرجا كبيرا أمام الدولة الليبية مما قد يؤدي إلى إلغاء كل العقود التجارية أو تعليقها.. بالإضافة إلى أن شخصية جاب الله التي تسرد معاناتها بمرارة ليست شخصية ليبية خالصة فمن الممكن جدا أن نجد لها شبيها في كل بلد عربي آخر.. ففي كل الدول العربية توجد سجون بوسليمية أخرى ترتكب فيها جرائم من هذا النوع والاختلاف فقط في العدد والاسم فقط إنما القتل والذبح والموت والألم واحد.. في ليبيا مثلا أكثر من 1200 مقتول.. نجد في دولة عربية أو مغاربية مثلا خمسمائة قتيل.. مثلا ثلاثمائة وعشرين مذبوحاً.. مثلا خمسة وخمسين اختفاءً غامضاً ولو جمعنا أعداد هؤلاء القتلي والمختفين والمغيّبين لتجاوزا بالطبع 1200 ضحية التي ذبحت في سجن بوسليم.. حتى مندوب إسرائيل أوصى بعدم السماح بعرضها لأن العلاقات مع ليبيا بعد أن تصالحت مع الغرب في طريقها إلى التحسن ولا يمكن أن نفسد هذه العلاقات بعرض أوبرالي.. بعد ذلك الليبيون اقترحوا أن تكون في فلسطين دولة واحدة ديمقراطية تضم اليهود والعرب اسمها إسراطين وحيث أنهم وضعوا اسمنا في الدولة هو الأول أذن علينا احترامهم وتقديرهم وعدم تسميم العلاقات بيننا وبينهم والحروب الماضية والمشاكل والقضايا العالقة مثل قضية يهود طرابلس من السهل حلها لاحقا.. وكتاب إسراطين بصفتي مسؤول الثقافة وقد قرأته وهو رسالة سلام عميقة.. لكن هات من يفهم.. ساستنا تجار قبل كل شيء.. أنظر إلى قضايا الفساد التي لحقت بمعظم الساسة اليهود الذين تعج بها المحاكم أسبوعيا. مدير الثقافة المصري رفض رفضا قاطعا أن يتم عرض هذه الأوبرا على أرض الكنانة.. قال لماركو يا صديقي أنت فنان وتفهم.. قدر ظروفنا.. المندوب الليبي هنا أستاذ أحمد قَذّاف الدم صديقنا وحبيبنا.. لا يمكننا أن نزعله بعرض مجنون زي ده.. وبعدين اليونسكو نحن وإياهم علاقاتنا الآن زي الزفت.. كس امهم.. لا نرغب في التعاون معهم بعد أن تآمروا على وزيرنا الفنان فاروق حسني وسرقوا منه الأصوات حتى لا يكسب رئاسة المنظمة الدولية.. طلعوا أولاد كلب وخولات وصوتوا للخواجاية البنت البلغارية.. ومارضوش يدونا رئاسة اليونسكو رغم أن مصر لها تاريخ عريق وثقافة عالية وأهرامات و أبو الهول وتوت غنج أمون ونفرتيتي ومكتبة السكندرية العالمية وعملت سلام شجعان مع اليهود.. لكن أنا عندي حل.. مادام اليونسكو حيدفع مبلغا محترما.. أنا ححل المشكلة بطريقتي.. ما رأيك لو نعرض لك الأوبرا في مسرح الأوبرا بالعتبة لكن من دون جمهور.. انتم تخيلوا جمهور قاعد في القاعة وغنوا وارقصوا له.. مثل ما يوجد مباريات كرة من دون جمهور أيضا هناك عروض اوبرالية من دون جمهور وذلك لأسباب أمنية وسياسية.. وإن كنت مُصر على وجود جمهور بإمكاننا تركيب ميكروفونات كبيرة في قاعة العرض تنطلق منها تصفيقات بعد انتهاء كل فاصل وأيضا صرخات استحسان وسوف نعطى لوحة التحكم بهذه المؤثرات لعضو في فرقتك علشان يضغط متى ما أراد تصفيق أو صفير أو صراخ.. أيضا من الممكن أن نملأ لك الكراسي كلها بالمانيكانات (مجسم بشري لعرض الملابس الجاهزة).. حنجيب كل مانيكينات البلد الموجودة في فترينات الأزياء وأنت تغني تشوف القاعة مليانة لفمها والمانيكانات نلبسها ملابس رجال ونساء من كل الأعمار والألوان وحسب رغبة حضرتك بالطبع.. حتى إن عايزهم لابسين زي ليبي فمعنديش مشكلة.. وحنعمل للمانيكينات بطارية علشان تتحرك وتتفاعل مع فقرات الأوبرا. بعد أن أطفأ السيجارة المحشوة الخامسة قال له.. ليه ساكت يا خواجة ماركو.. معجبكش الاقتراح.. طب خوذ الاقتراح ده: ما رأيك لو تأتي أنت والفرقة في طيارة كبيرة ايرباص أو بوينغ أو حتى يوشن روسية وحنعمل عملية إخلاء للجو علشان خاطرك.. مش حنسيب أي بعوضة أوذبابة تطير.. وتطير ياعم في أجواء مصر من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب وتعود كلما وصلت الحدود كيف مانت عايز.. وعرض الأوبرا في الجو كمان يعتبر حداثة وموضة جديدة و وما تفكرش في الجمهور.. حنملأ لك الطائرة بمتفرجين.. زي ما أنت عاوزهم.. صعايدة وجه قبلي أو فلاحين من وجه بحري وحتى من جماعتكم عرب أولاد علي.. وهنا لن نكون قد اقترفنا ذنبا في حق أي دولة وأي كان.. إن سألنا أي كان نقسم برب العزة أن الأوبرا ما اتعرضت على أراضينا.. أتعرضت في الجو وانتهت مثل هذا الدخان الصاعد إلى أعلى والمتلاشي اه هه ه ه ه هههههههههههههههههههههه.. كان سيضيف ما رأيك لو نعرضها لك في سفينة تجوب المياه الإقليمية إلا أنه صمت لأن ماركو كان قد غادره وتركه يهذي. لبنان.. سوريا.. فلسطين بحماسها وفتحها.. إسرائيل.. مصر.. ليبيا.. تونس.. الجزائر.. المغرب.. موريطانيا.. الصحراء الغربية.. الكل رفض عرض الأوبرا على أرضه ومن هنا عاد ماركو لمقابلة مسؤول اليونسكو وقدم له تقريرا حول الرفض.. حاول هذا المسؤول عبر رئيس منظمة الأمم المتحدة السيد كي مون.. من أجل الضغط على هذه الدول للسماح بالعرض لكن كل جهوده باءت بالفشل.. وهنا جلس ماركو مسندا ظهره على شجرة نَمّ كي يفكر مع زوجته وجاب الله وأعضاء فرقته حول إمكانية عرض الأوبرا بأي طريقة وفي ليبيا بالذات.. وبعد أسابيع وصل إلى حل واقتنع جميع أعضاء الفرقة بهذا الحل وصمموا على تنفيذه وأُخْطِر مسؤول اليونسكو بالاقتراح فوافق عليه وتحمس له ودعمه ووعد بالوقوف إلى جانبهم على أعلى المستويات إن تعرضوا لأي مشكلة أو خطر حيث إن السيد الدكتور سيف الإسلام القذافي رئيس مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية و التنمية قبل كل شيء فنان ومثقف و صديق له وبينهما تقدير واحترام وتفاهم كبير حول مختلف القضايا الدولية خاصة المتعلقة بالآداب والفنون.. إن حدثت مشكلة لأي فنان أو أديب بسبب الإبداع حتما سيتدخل ويعالج الموقف منحازا لحرية التعبير وحرية الإبداع. قرروا أن تعرض الأوبرا من دون ديكور ولا إضاءة ولا مؤثرات صوتية ولا ملابس.. ولا أي شيء يوحى بأن ما يقدم الآن مسرحية.. فالشيء عندما تنفذه في مكانه الأصل لا يحتاج آنذاك إلى أي عمليات فنية مصاحبة.. كل الفرقة سافرت إلى ليبيا بحرا.. ماركو وحنان وجاب الله وضعوا قيد المراقبة ما إن خرجوا من بوابة الميناء وسرعان ما التقى الملحق الثقافي الذي حضر العرض في روما بعد عشرين خطوة من البوابة متعللا بالصدفة الحسنة التي جعلتهما يلتقيان مجددا في بنغازي.. قال لماركو.. عرفت أن كلامي صح وأن الأوبرا تمس الأمن والدليل أنه لم توافق على عرضها أي دولة من دول العالم.. بقية الفرقة من أجانب تفرقوا في الفنادق التي حجزتها لهم الشركات السياحية المنظمة لرحلتهم.. لا يوحى شكلهم أو ما يحملون معهم من مستلزمات بسيطة لا تتجاوز بعض حقائب الملابس والمستلزمات الشخصية بأي سوء أو نية مضمرة للإزعاج.. ليس معهم آلات موسيقية ولا نوتات موسيقية.. ولا ملابس تمثيل.. ولا كتب. بعد أيام من وصول الفرقة إلى ليبيا التقى ماركو مدير الأمن في رواق من أروقة السفارة الإيطالية فسأله عن مصير الأوبرا فقال ماركو مازلنا نبحث عن مكان يوافق على عرضها.. وجئنا إلى ليبيا لنناشد مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية ورئيسها السيد الدكتور سيف الإسلام أن تمنحنا الإذن حتى نعرضها على الناس.. فهذه المؤسسة مهتمة بقضايا الحرية وحقوق الإنسان وتشجع حرية التعبير وتدافع عنها في كل مكان وتساعد في إطلاق سراح السجناء وعلاجهم وتحرير الرهائن وغيرها من الأعمال الإنسانية التي سيسجلها لها التاريخ في أنقى صفحاته.. لكن للأسف مر وقت طويل و الإذن لم يأتِ بعد.. أضاف مدير الأمن مبتسما ولن يأتي أيها الموسيقار النزيك.. لأننا نعارض عرضها في ليبيا ولو على جثثنا.. فالقضية مازالت لم تُقفل.. وأي تحريك فني أو ثقافي لها لن يصب في مصلحة الدولة وسياستها. لم تستطع فلول الأمن اختراق ساعة الصفر التي اتفق فيها أعضاء الفرقة الأوبرالية على عرضها.. لأن ساعة الصفر خالية من الحروف الأبجدية.. وصباح اليوم المعلوم وهو اليوم الذي تنتهي فيه إجازة الفرقة في ليبيا وبينما هم يتجمعون أمام الميناء من أجل إتمام إجراءات السفر والصعود إلى الباخرة للمغادرة أطلق جاب الله المستند على جذع شجرة النَّمّ بحديقة الملح القريبة جدا من الميناء صرخة قوية.. كصرخة إنسان يُعذب ويُقتل.. فهرع إليه أعضاء الفرقة البالغ عددهم أكثر من 1200 فنان صارخين رادِّين على صرخته بصرخات أعنف.. جاء ماركو أيضا وفي يده المقص وتسلق أعلى الشجرة وصار يقود أوبرا الصراخ التي اختصرت كل فقرات أوبراها الفنية وكثفتها في أكثر من 1200 صرخة بليغة.. كل فنان يصرخ صرخته ويبتسم وتوالت الصرخات وانتقلت هذه الصرخات إلى العامة.. كل شخص سمع صرخة صرخ بطريقته.. صرخات متنوعة.. صرخات من الشرفات.. صرخات أمام الأبواب.. صرخات في الشوارع.. صرخات خمس نجوم.. صرخات عادية.. صرخات حمراء.. صرخات خضراء.. صرخات صفراء.. صرخات سوداء.. صرخات زرقاء.. صرخات برتقالية.. صرخات مائية.. صرخات هوائية.. صرخات بنغازية.. صرخات مصراتية.. صرخات سبهاوية.. صرخات سرتاوية.. صرخات درناوية مرخيّة اشوية.. صرخات من كل أرجاء ليبيا.. طيور الحديقة أيضا صارت تصرخ.. كل صارخ يبكي على ما يهمه.. المتألم صرخ متألما والفرحان صرخ فرحا والمرح صرخ مرحا والعاشق صرخ عشقا.. والمفلس صرخ مفلسا.. والمريض صرخ مريضا.. والرياضي صرخ رياضيا.. والفلاح صرخ فلاحيا.. والجزار صرخ جزاريا.. والحوات صرخ حواتيا.. إلخ.. لكن أكثر الصرخات كانت متألمة.. كانت باكية.. كانت حزينة.. كانت كسيرة الخاطر. لم تمض ربع ساعة عن هذا الصراخ حتى طوّق الجيش المجحفل الحديقة.. تساعده الشرطة والمخابرات والحرس البلدي والمليشيات المدنية التابعة للجان الثورية.. ولأن الصارخين في الحديقة معظمهم من الفنانين الأجانب وقائد الفرقة نفسه أجنبي.. فسيكون على رأسهم ريشة.. ولن يتم رشهم بالرصاص مثل الليبيين وتم رشهم بغاز مخدر لا يضر البشرة ولا الرئتين.. كان قد اخترع حديثا لاستخدامه ضد الناس الذين من طبقة مميزة أو النخبة أو أناس خمسة نجوم.. يحول الصرخات إلى همسات أو آهات خرساء ويحول الأجساد إلى مجرد أصنام رخوة ساكنة تقودها إلى أي مكان تريد برفق فتنصاع لك. امتلأت الحديقة بالأصنام البشرية المخدرة وهنا وصلت حافلات الإسعاف الفوري الطائر على جناح السرعة ونقلتهم جميعا إلى مركز بنغازي الطبي الذي افتتح احتفالا بالعيد الأربعين لثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة والذي يسع لـــ 1200 سرير.. والصارخون كانوا أكثر من 1200.. العدد الذي لم يجدوا له أسرّة في المركز الطبي.. وزعوه بين مستشفى الجمهورية للولادة ومستشفى الجلاء للجراحة.. شخص واحد وزعوه على مقبرة الهواري هو سي جاب الله.. الذي عندما صرخ ورأى أعضاء الفرقة والناس تهرع إليه من كل حدب وصوب وتشاركه الصراخ.. مات من الفرحة. تمت... كتب هذا الكتاب في 2008 -2009 في: بنغازي – الجزائر - أصيلة – جزيرة ساميد بتايلند 1