######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007528 #META# 000.BookURI :: #0142.IbnMuqaffac.AdabSaghirWaKabir #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الله بن المقفع (المتوفى: 142هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 142 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأدب الصغير والأدب الكبير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007528 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7528 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7528 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار صادر - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # قال عبد الله بن المقفع: # إنا وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساما، وأوفر مع أجسامهم أحلاما1، ~~وأشد قوة، وأحسن بقوتهم للأمور إتقانا, وأطول أعمارا, وأفضل بأعمارهم ~~للأشياء اختبارا. # فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما وعملا من صاحب الدين منا, ~~وكان صاحب الدنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل, ووجدناهم لم يرضوا بما ~~فازوا به من الفضل الذي قسم لأنفسهم حتى أشركونا معهم في ما أدركوا من علم ~~الأولى والآخرة, فكتبوا به الكتب الباقية، وضربوا الأمثال الشافية، وكفونا ~~به مؤونة2 PageV01P063 # التجارب والفطن. # وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم, أو ~~الكلمة من الصواب, وهو في البلد غير المأهول, فيكتبه على الصخور؛ مبادرة ~~للأجل, وكراهية منه أن يسقط ذلك عمن بعده. # فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشفيق على ولده3، الرحيم البر بهم، الذي ~~يجمع لهم الأموال, والعقد4؛ إرادة ألا تكون عليهم مؤونة في الطلب، وخشية ~~عجزهم، إن هم طلبوا. # فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا ~~أن يقتدي بسيرتهم. # وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم, فيكون كأنه إياهم ~~يحاور، ومنهم يستمع، وآثارهم يتبع, غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل6 ~~من آرائهم, والمنتقى من أحاديثهم. PageV01P064 # ولم نجدهم غادروا شيئا يجد واصف بليغ في صفة له مقالا لم يسبقوه إليه: لا ~~في تعظيم لله، عز وجل، وترغيب فيما عنده، ولا في تصغير للدنيا, وتزهيد ~~فيها، ولا في تحرير صنوف العلم, وتقسيم أقسامها, وتجزئة أجزائها, وتوضيح ~~سبلها, وتبين مآخذها، ولا في وجه من وجوه الأدب, وضروب1 الأخلاق. # فلم يبق في جليل الأمر, ولا صغيره لقائل بعدهم مقال. # وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام ~~حكم الأولين وقولهم، فمن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب ~~التي يحتاج إليها الناس. # يا طالب الأدب: # يا طالب الأدب إن كنت نوع العلم ms01 تريد, فاعرف الأصول والفصول2, فإن كثيرا ~~من الناس يطلبون الفصول مع إضاعة الأصول, فلا يكون دركهم3 دركا, ومن أحرز ~~الأصول اكتفى بها عن الفصول, وإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل, فهو أفضل. # فأصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر، وتؤدي ~~الفريضة, فالزم ذلك لزوم من لا غنى له عنه, PageV01P065 # طرفة عين، ومن يعلم أنه إن حرمه هلك, ثم إن قدرت على أن تجاوز ذلك إلى ~~التفقه1 في الدين والعبادة, فهو أفضل, وأكمل. # وأصل الأمر في صلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا ~~خفافا2، ثم إن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد, ومضاره, والانتفاع بذلك ~~كله, فهو أفضل. # وأصل الأمر في البأس والشجاعة ألا تحدث نفسك بالإدبار3، وأصحابك مقبلون ~~على عدوهم, ثم إن قدرت على أن تكون أول حامل وآخر منصرف، من غير تضييع ~~للحذر4، فهو أفضل. # وأصل الأمر في الجود ألا تضن بالحقوق على أهلها, ثم إن قدرات أن تزيد ذا ~~الحق على حقه, وتطول5 على من لا حق له, فافعل, فهو أفضل. # وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السقط6 بالتحفظ, ثم إن قدرت على بارع ~~الصواب, فهو أفضل. # وأصل الأمر في المعيشة ألا تني7 عن طلب الحلال، وأن PageV01P066 # تحسن التقدير لما تفيد1, وما تنفق, ولا يغرنك من ذلك سعة تكون فيها, فإن ~~أعظم الناس في الدنيا خطرا2 أحوجهم إلى التقدير، والملوك أحوج إليه من ~~السوقة3؛ لأن السوقة قد تعيش بغير مال، والملوك لا قوام4 لهم إلا بالمال, ~~ثم إن قدرت على الرفق واللطف في الطلب, والعلم بوجوه المطالب, فهو أفضل. # وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق اللطيفة, والأمور الغامضة التي لو حنكتك5 ~~سن كنت خليقا أن تعلمها، وإن لم تخبر عنها. # ولكنني قد أحببت أن أقدم إليك فيها قولا؛ لتروض6 نفسك على محاسنها, قبل ~~أن تجري على عادة مساوئها, فإن الإنسان قد تبتدر إليه7 في شبيته المساوئ، ~~وقد يغلب عليه ما بدر إليه منها للعادة. وإن لترك العادة مؤونة شديدة, ms02 ~~ورياضة صعبة. PageV01P067 # في السلطان: # إذا ابتليت بالسلطان تعوذ بالعلماء: # إن ابتليت بالسلطان فتعوذ بالعلماء1. # وأعلم أن من العجب أن يبتلى الرجل بالسلطان, فيريد أن ينتقص من ساعات ~~نصبه2, وعمله, فيزيدها في ساعات دعته3, وفراغه, وشهوته, وعبثه, ونومه. # وإنما الرأي له والحق عليه أن يأخذ لعمله من جميع شغله، فيأخذ له من ~~طعامه, وشرابه, ونومه, وحديثه, ولهوه, ونسائه. # وإنما تكون الدعة بعد الفراغ. # فإذا تقلدت شيئا من أمر السلطان, فكن فيه أحد رجلين: إما رجلا مغتبطا ~~به4، محافظا عليه؛ مخافة أن يزول عنه، وإما رجلا كارها له مكرها عليه, ~~فالكاره عامل في سخرة: إما للملوك، إن كانوا هم سلطوه، وإما لله تعالى، إن ~~كان ليس فوقه غيره. PageV01P068 # وقد علمت أنه من فرط في سخرة الملوك أهلكوه, فلا تجعل للهلاك على نفسك ~~سلطانا, ولا سبيلا. # إياك, وحب المدح: # وإياك إذا كنت واليا، أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية1, وأن يعرف ~~الناس ذلك منك، فتكون ثلمة2 من الثلم, يتقحمون عليك منها، وبابا, يفتتحونك ~~منه، وغيبة3, يغتابونك بها, ويضحكون منك لها. # واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه, والمرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذي ~~يحمله على رده, فإن الراد له محمود، والقابل له معيب. # لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاث خصال: رضى ربك, ورضى سلطان، إن كان فوقك، ~~ورضى صالح من تلى عليه. # ولا عليك4 أن تلهو عن المال والذكر، فسيأتيك منها ما يحسن, ويطيب, ويكتفى ~~به. # واجعل الخصال الثلاث منك بمكان ما لا بد لك منه, واجعل المال والذكر ~~بمكان ما أنت واجد منه بدا. PageV01P069 # اعرف الفضل في أهل الدين والمروءة في كل كورة1, وقرية, وقبيلة, فيكونوا ~~هم إخوانك وأعوانك وأخدانك وأصفياءك وبطانتك2 وثقاتك وخلطاءك, ولا تقذفن في ~~روعك3 أنك إن استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فإنك لست ~~تريد الرأي للافتخار به، ولكنما تريده للانتفاع به, ولو أنك مع ذلك أردت ~~الذكر، كان أحسن الذكرين, وأفضلهما عند أهل الفضل, والعقل, أن يقال: لا ~~يتفرد برأيه دون استشارة ms03 ذوي الرأي, إنك إن تلتمس رضى جميع الناس, تلتمس ما ~~لا يدرك. # وكيف يتفق لك رأي المختلفين، وما حاجتك إلى رضى من رضاه الجور، وإلى ~~موافقة من موافقته الضلالة والجهالة؟ , فعليك بالتماس رضى الأخيار منهم ~~وذوي العقل, فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤونة ما سواه. # ما ينبغي للسلطان نحو رعيته: # لا تمكن أهل البلاء الحسن عندك, من التدلل4 عليك، ولا تمكنن من سواهم من ~~الاجتراء عليهم, والعيب لهم. # لتعرف رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من الخير إلا PageV01P070 # بها، والأبواب التي لا يخافك خائف إلا من قبلها. # احرص الحرص كله على أن تكون خابرا أمور عمالك، فإن المسيء يفرق1 من ~~خبرتك, قبل أن تصيبه عقوبتك، وإن المحسن يستبشر بعلمك, قبل أن يأتيه ~~معروفك. # ليعرف الناس، في ما يعرفون من أخلاقك، أنك لا تعاجل بالثواب, ولا ~~بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف, ورجاء الراجي. # عود نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم, ~~وعذلهم، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل العقل والسن والمروءة؛ لئلا ينتشر من ~~ذلك ما يجترئ به سفيه, أو يستخف به شانئ2. # مباشرة الصغير تضيع الكبير: # لا تتركن مباشرة جسيم أمرك, فيعود شأنك صغيرا، ولا تلزمن نفسك مباشرة ~~الصغير، فيصير الكبير ضائعا. # واعلم أن مالك لا يغني الناس كلهم, فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا ~~تطيق العامة كلها, فتوخ3 بها أهل الفضل، وأن قلبك لا يتسع لكل شيء, ففرغه ~~للمهم، وأن ليلك ونهارك PageV01P071 # لا يستوعبان حاجاتك، وإن دأبت1 فيهما، وأن ليس لك إلى إدامة الدأب فيهما ~~سبيل, مع حاجة جسدك إلى نصيبه منهما, فأحسن قسمتهما بين عملك, ودعتك. # وأعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم, أزرى بك في المهم، وما صرفت من ~~مالك في الباطل, فقدته حين تريده للحق، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل ~~النقص, أضر بك في العجز عن أهل الفضل، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير ~~الحاجة, أزرى بك عند الحاجة منك إليه. # إياك والإفراط في ms04 الغضب: # اعلم أن من الناس ناسا كثيرا يبلغ من أحدهم الغضب، إذا غضب، أن يحمله ذلك ~~على الكلوح2 والقطوب3 في وجه غير من أغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، ~~والعقوبة لمن لم يكن يهم بمعاقبته، وشدة المعاقبة باللسان واليد لمن لم يكن ~~يريد به إلا دون ذلك, ثم يبلغ به الرضى، إذا رضي، أن يتبرع بالأمر ذي ~~الخطر4 لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطي من لم يكن يريد إعطاءه، ويكرم من لم ~~يرد إكرامه, ولا حق له, ولا مودة عنده PageV01P072 # فاحذر هذا الباب الحذر كله! , فإنه ليس أحد أسوأ فيه حالا من أهل السلطان ~~الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم، وبتسرعهم في رضاهم, فإنه لو وصف بهذه ~~الصفة من يلتبس بعقله, أو يتخبطه المس1 أن يعاقب عند غضبه غير من أغضبه, ~~ويحبو2 عند رضاه غير من أرضاه, لكان جائزا ذلك في صفته. # الملك ثلاثة: # أعلم أن الملك ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملك هوى. # فأما ملك الدين, فإنه إذا أقام للرعية دينهم، وكان دينهم هو الذي يعطيهم ~~الذي لهم, ويلحق بهم الذي عليهم، أرضاهم ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة ~~الراضي في الإقرار والتسليم. # وأما ملك الحزم, فإنه يقوم به الأمر, ولا يسلم من الطعن والتسخط3, ولن ~~يضر طعن الضعيف مع حزم القوي. # وأما ملك الهوى, فلعب ساعة, ودمار4 دهر. PageV01P073 # الاعتدال في الكلام, والسلام: # إذا كان سلطانك عند جدة1 دولة، فرأيت أمرا استقام بغير رأي، وأعوانا ~~أجزوا2 بغير نيل، وعملا أنجح3 بغير حزم، فلا يغرنك ذلك, ولا تستنيمن إليه, ~~فإن الأمر الجديد ربما يكون له مهابة في أنفس أقوام, وحلاوة في قلوب آخرين، ~~فيعين قوم على أنفسهم, ويعين قوم بما قبلهم, ويستتب4 ذلك الأمر غير طويل, ~~ثم تصير الشؤون إلى حقائقها, وأصولها. # فما كان من الأمور بني على غير أركان وثيقة, ولا دعائم محكمة, أوشك أن ~~يتداعى, ويتصدع. # لا تكونن نزر6 الكلام والسلام، ولا تبلغن بهما إفراط الهشاشة والبشاشة7؛ ~~فإن إحداهما من الكبر, والأخرى من السخف8. PageV01P074 # بأي شيء تكون الثقة؟: # إذا ms05 كنت إنما تضبط أمورك, وتصول على عدوك بقوم لست منهم على ثقة من دين, ~~ولا رأي, ولا حفاظ1 من نية, فلا تنفعنك نافعة حتى تحولهم، إن استطعت، إلى ~~الرأي, والأدب الذي يمثله تكون الثقة، أو تستبدل بهم، إن لم تستطع نقلهم ~~إلى ما تريد. # ولا تغرنك قوتك بهم على غيرهم، فإنما أنت في ذلك كراكب الأسد الذي يهابه ~~من نظر إليه، وهو لمركبه أهيب. # تجنب الغضب, والكذب: # ليس للملك أن يغضب؛ لأن القدرة من وراء حاجته. # وليس له أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد. # وليس له أن يبخل؛ لأنه أقل الناس عذرا في تخوف الفقر, وليس له أن يكون ~~حقودا؛ لأن خطره قد عظم عن مجاراة كل الناس2. # وليس له أن يكون خلافا؛ لأن أحق الناس باتقاء الإيمان الملوك، فإنما يحمل ~~الرجل على الحلف إحدى هذه الخصال: PageV01P075 # إما مهانة1 يجدها في نفسه، وضرع2, وحاجة إلى تصديق الناس إياه. # وإما عي3 بالكلام، فيجعل الأيمان له حشوا ووصلا. # وإما تهمة قد عرفها من الناس لحديثه، فهو ينزل نفسه منزلة من لا يقبل ~~قوله إلا بعد جهد اليمين. # وإما عبث4 بالقول, وإرسال للسان على غير روية, ولا حسن تقدير، ولا تعويد ~~له قول السداد, والتثبت5. # التفويض إلى الكفاة: # لا عيب على الملك في تعيشه, وتنعمه, ولعبه, ولهوه، إذا تعهد6 الجسيم من ~~أمره بنفسه، وأحكم المهم، وفوض ما دون ذلك إلى الكفاة. # ما يزين الجور, ويحمل على الباطل: # كل أحد حقيق، حين ينظر في أمور الناس، أن يتهم نظره PageV01P076 # بعين الريبة1، وقلبه بعين المقت2، فإنهما يزينان الجور3, ويحملان على ~~الباطل, ويقبحان الحسن, ويحسنان القبيح. # وأحق الناس باتهام نظره بعين الريبة, وعين المقت, السلطان الذي ما وقع في ~~قلبه ربا4 مع ما يقيض5 له من تزيين القرناء والوزراء. # وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل في النظر والقول والفعل الوالي الذي ما ~~قال أو فعل كان أمرا نافذا غير مردود. # ليعلم الوالي أن الناس يصفون الولاة بسوء العهد, ونسيان الود، ms06 فليكابد ~~نقض6 قولهم، وليبطل عن نفسه, وعن الولاة صفات السوء التي يصفون بها. # تفقد الوالي لرعيته, وتجنبه الحسد: # حق الوالي أن يتفقد لطيف أمور رعيته، فضلا عن جسيمها، فإن للطيف موضعا ~~ينتفع به، وللجسيم موضعا لا يستغنى عنه, ليتفقد الوالي، في ما يتفقد من ~~أمور رعيته، فاقة7 الأخيار PageV01P077 # الأحرار منهم، فيلعمل في سدها، وطغيان السفلة منهم, فليقمعه1، وليستوحش2 ~~من الكريم الجائع, واللئيم الشبعان، فإنما يصول3 الكريم إذا جاع، واللئيم ~~إذا شبع. # لا ينبغي للوالي أن يحسد الولاة إلا على حسن التدبير. # ولا يحسدن الوالي من دونه, فإنه أقل في ذلك عذرا من السوقة التي إنما ~~تحسد من فوقها، وكل لا عذر له. # لا يلومن الوالي على الزلة من ليس بمتهم عنده في الحرص على رضاه, إلا لوم ~~أدب وتقويم، ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه البصير بما يأتي أحدا. # فإنهما إذا اجتمعا في الوزير والصاحب نام الوالي واستراح، وجلبت إليه ~~حاجاته، وإن هدأ عنها، وعمل له فيما يهمه, وإن غفل. # لا يولعن الوالي بسوء الظن لقول الناس، وليجعل لحسن الظن من نفسه نصيبا ~~موفورا يروح به4 عن قلبه, ويصدر عنه5 في أعماله. # لا يضيعن الوالي التثبت عندما يقول، وعندما يعطي، وعندما يعمل. ~~PageV01P078 # فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن العطية بعد المنع ~~أجمل من المنع بعد الإعطاء، وإن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من ~~الإمساك عنه بعد الإقدام عليه. # وكل الناس محتاج إلى التثبت. # وأحوجهم إليه ملوكهم الذي ليس لقولهم وفعلهم دافع، وليس عليهم مستحث1. # كيف يكسد الفجور والدناءة؟: # ليعلم الوالي أن الناس على رأيه إلا من لا بال له2, فيكن للدين والبر ~~والمروءة عنده نفاق3, فيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض. # ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا: # جماع4 ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا رأيان: رأي يقوي به سلطانه، ~~ورأي يزينه في الناس. PageV01P079 # ورأي القوة أحقهما بالبداءة, وأولاهما بالأثرة1. # ورأي التزيين أحضرهما حلاوة, وأكثرهما أعوانا. # مع أن القوة من الزينة، والزينة من ms07 القوة, ولكن الأمر ينسب إلى معظمه ~~وأصله. # ماذا على المبتلى بصحبة السلطان, وصحبة الوالي؟: # إن ابتليت بصحبة السلطان فعليك بطول المواظبة في غير معاتبة، ولا يحدثن ~~لك الاستئناس به غفلة, ولا تهاونا. # إذا رأيت السلطان يجعلك أخا فاجعله أبا، ثم إن زادك فزده. # إذا نزلت من ذي منزلة أو سلطان, فلا ترين أن سلطانه زادك له توقيرا ~~وإجلالا، من غير أن يزيدك ودا ولا نصحا, وأنك ترى حقا له التوقير والإجلال, ~~وكن في مداراته, والرفق به كالمؤتنف2 ما قبله، ولا تقدر الأمر بينك وبينه ~~على ما كنت تعرف من أخلاقه، فإن الأخلاق مستحيلة3 مع الملك، وربما رأينا ~~الرجل المدل4 على ذي السلطان بقدمه, قد أضر به قدمه. # إن استطعت ألا تصحب من صحبت من الولاة إلا على PageV01P080 # شعبة من قرابة1 أو مودة، فافعل, فإن أخطأك ذلك, فاعلم أنك إنما تعمل على ~~السخرة2. # إن استطعت أن تجعل صحبتك لمن قد عرفك بصالح مروءتك, وصحة دينك, وسلامة ~~أمورك, قبل ولايته, فافعل. # فإن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته, أما إذا ولي, فكل ~~الناس يلقاه بالتزين والتصنع3, وكلهم يحتال لأن يثني عليه عنده بما ليس ~~فيه, غير أن الأنذال والأرذال هم أشد لذلك تصنعا, وأشد عليه مثابرة, وفيه ~~تمحلا4. # فلا يمتنع الوالي، وإن كان بليغ الرأي والنظر، من أن ينزل عنده كثير من ~~الأشرار بمنزلة الأخيار، وكثير من الخانة5 بمنزلة الأمناء، وكثير من ~~الغدرة6 بمنزلة الأوفياء، ويغطي عليه أمر كثير من أهل الفضل الذين يصونون ~~أنفسهم عن التمحل والتصنع. # إذا عرفت نفسك من الوالي بمنزلة الثقة، فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثرن ~~من الدعاء له في كل كلمة، فإن ذلك شبيه PageV01P081 # بالوحشة والغربة، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس، فلا تأل1 عما عظمه, ~~ووقره. # لا يعرفنك الولاة بالهوى في بلد من البلدان, ولا قبيلة من القبائل، فيوشك ~~أن تحتاج فيهما إلى حكاية أو شهادة، فتتهم في ذلك. # فإذا أردت أن يقبل قولك, فصحح رأيك, ولا تشوبنه2 بشيء من ms08 الهوى، فإن ~~الرأي الصحيح يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الولد والصديق. # وأحق من احترست من أن يظن بك خلط الرأي بالهوى الولاة، فإنها خديعة ~~وخيانة وكفر عندهم. # إن ابتليت بصحبة وال لا يريد صلاح رعيته, فاعلم أنك قد خيرت بين خلتين3, ~~ليس منهما خيار: # إما الميل مع الوالي على الرعية، وهذا هلاك الدين. # وإما الميل مع الرعية على الوالي، وهذا هلاك الدنيا، ولا حيلة لك إلا ~~الموت, أو الهرب. # واعلم أنه لا ينبغي لك، وإن كان الوالي غير مرضي السيرة إذا علقت حبالك ~~بحباله، إلا المحافظة عليه، إلا أن تجد إلى الفراق الجميل سبيلا. ~~PageV01P082 # تبصر ما في الوالي من الأخلاق التي تحب له, والتي تكره، وما هو عليه من ~~الرأي الذي ترضي له, والذي لا ترضي, ثم لا تكابرنه1 بالتحويل له عما يحب ~~ويكره, إلى ما تحب وتكره, فإن هذه رياضة صعبة تحمل على التنائي والقلى2. # فإنك قلما تقدر على رد رجل عن طريقة هو عليها بالمكابرة, والمناقضة، وإن ~~لم يكن ممن يجمح به3 عز السلطان, ولكنك تقدر على أن تعينه على أحسن رأيه، ~~وتسدده فيه, وتزينه، وتقويه عليه, فإذا قويت منه المحاسن كانت هي التي ~~تكفيك المساوئ, وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب, كان ذلك الصواب هو الذي ~~يبصره مواقع الخطأ بألطف من تبصيرك, وأعدل من حكمك في نفسك, فإن الصواب ~~يؤيد بعضه بعضا, ويدعو بعضه إلى بعض, حتى تستحكم لصاحبه الأشياء، ويظهر ~~عليها4 بتحكيم الرأي، فإذا كانت له مكانة من الأصالة اقتلع ذلك الخطأ كله. # فاحفظ هذا الباب, وأحكمه. # لا تسأل السلطان, ولا تتدلل عليه: # لا يكونن طلبك ما عند الوالي بالمسألة، ولا تستبطئه، PageV01P083 # وإن أبطأ عليك, ولكن أطلب ما قبله بالاستحقاق له، واستأن1 به وإن طالت ~~الأناة منه2, فإنك إذا استحققته أتاك عن غير طلب، وإن لم تستبطئه كان أعجل ~~له. # لا تخبرن الوالي أن لك عليه حقا، وأنك تعتد عليه ببلاء3, وإن استطعت ألا ~~ينسى حقك وبلاءك, فافعل, وليكن ما يذكره به من ذلك تجديدك ms09 له النصيحة ~~والاجتهاد، وألا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره أول بلائك. # واعلم أن السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول، وأن الكثير من أولئك ~~أرحامهم4 مقطوعة, وحبالهم مصرومة، إلا عمن رضوا عنه, وأغنى عنهم في يومهم ~~وساعتهم. # إياك أن يقع في قلبك تعتب على الوالي, أو استزراء له. # فإنه إن وقع في قلبك بدا في وجهك، إن كنت حليما، وبدا على لسانك، إن كنت ~~سفيها. # فإن لم يزد ذلك على أن يظهر في وجهك لآمن الناس عندك, فلا تأمنن أن يظهر ~~ذلك للوالي, فإن الناس إلى السلطان بعورات6 الإخوان سراع، فإذا ظهر ~~PageV01P084 # ذلك للوالي, كان قلبه هو أسرع إلى النفور والتغير من قلبك, فمحق ذلك ~~حسناتك الماضية، وأشرف بك على الهلاك، وصرت تعرف أمرك مستدبرا1, وتلتمس ~~مرضاة سلطانك مستصعبا. # ولو شئت كنت تركته راضيا, وازددت من رضاه دنوا. # احذر سخط السلطان, واخضع له: # اعلم أن أكثر الناس عدوا جاهدا حاضرا جريئا واشيا وزير السلطان ذو ~~المكانة عنده, لأنه منفوس عليه2 مكانه بما ينفس على صاحب السلطان، ومحسود ~~كما يحسد, غير أنه يجترأ عليه، ولا يجترأ على السلطان, لأن من حاسديه أحباء ~~السلطان, وأقاربه الذين يشاركونه في المداخل والمنازل3, وهم وغيرهم من عدوه ~~الذين هم حضاره ليسوا كعدو السلطان النائي عنه والمكتتم منه, وهم لا ينقطع ~~طعمهم من الظفر به، فلا يغفلون عن نصب الحبائل4 له. # فاعرف هذه الحال، والبس لهؤلاء القوم الذين هم أعداؤك سلاح الصحة ~~والاستقامة ولزوم المحجة5 فيما تسر وتعلن. PageV01P085 # ثم روح عن قلبك1, حتى كأنك لا عدو لك, ولا حاسد. # وإن ذكرك ذاكر عند السلطان بسوء في وجهك, أو في غيبتك, فلا يرين السلطان, ~~ولا غيره منك اختلاطا لذلك, ولا اغتياظا, ولا ضجرا. # ولا يقعن ذلك في نفسك موقع ما يكرثك2، فإنه إن وقع منك ذلك الموقع، أدخل ~~عليك أمورا مشتبهة بالريبة, مذكرة لما قال فيك العائب, وإن اضطرك الأمر في ~~ذلك إلى الجواب, فإياك وجواب الغضب والانتقام، وعليك بجواب الحجة في حلم ~~ووقار, ولا تشكن ms10 في أن الغلبة والقوة للحليم أبدا. # لا تتكلمن عند الوالي كلاما أبدا إلا لعناية، أو يكون جوابا لشيء سئلت ~~عنه, ولا تحضرن عند الوالي كلاما أبدا لا تعنى به أو تؤمر بحضوره. # ولا تعدن شتم الوالي شتما، ولا إغلاظة إغلاظا، فإن ريح العزة قد تبسط ~~اللسان بالغلظة في غير سخط, ولا بأس. # جانب المسخوط عليه, والظنين3 به عند السلطان, ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا ~~منزل، ولاتظهرن له عذرا، ولا تثنين عليه خيرا عند أحد من الناس. ~~PageV01P086 # فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب1 مما سخط عليه فيه ما ترجو أن تلين له به ~~قلب الوالي، واستيقنت أن الوالي قد استيقن بمباعدتك إياه, وشدتك عليه عند ~~الناس, فضع عذره عند الوالي, واعمل في إرضائه عنه في رفق ولطف. # ليعلم الوالي أنك لا تستنكف عن شيء من خدمته, ولا تدع مع ذلك أن تقدم ~~إليه القول، عند بعض حالات رضاه, وطيب نفسه، في الاستعفاء من الأعمال التي ~~هي أهل أن يكرهها ذو الدين وذو العقل وذو العرض وذو المروءة، من ولاية ~~القتل, والعذاب, وأشباه ذلك. # إذا أصبت الجاه والخاصة عند السلطان، فلا يحدثن لك ذلك تغيرا على أحد من ~~أهله وأعوانه، ولا استغناء عنهم، فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوة, أو تغير, ~~فتذل لهم فيها, وفي تلون الحال عند ذلك من العار ما فيه. # ليكن مما تحكم من أمرك ألا تسار أحدا من الناس, ولا تهمس2 إليه بشيء ~~تخفيه على السلطان, أو تعلنه, فإن السرار مما يخيل إلى كل من رآه من ذي ~~سلطان أو غيره, أنه المراد به, فيكون ذلك في نفسه حسيكة, ووغرا, وثقلا3. ~~PageV01P087 # الكذب يبطل الحق ويرد الصدق: # لا تتهاونن بإرسال الكذبة عند الوالي أو غيره في الهزل، فإنها تسرع في ~~إبطال الحق, ورد الصدق مما تأتي به. # تنكب1، في ما بينك وبين السلطان, وفي ما بينك وبين الإخوان، خلقا قد ~~عرفناه في بعض الوزراء والأعوان في ادعاء الرجل، عندما يظهر من صاحبه حسن ~~أثر, أو صواب رأي، أنه ms11 عمل في ذلك, وأشار به، وإقراره بذلك إذا مدحه به ~~مادح, بل إن استطعت أن تعرف صاحبك أنك تنحله2 صواب رأيك، فضلا عن أن تدعي ~~صوابه، وتسند ذلك إليه, وتزينه به، فافعل. # فإن الذي أنت آخذ بذلك أكثر مما أنت معط بأضعاف. # لا تجب إلا إذا سئلت، وأحسن الإصغاء: # إذا سأل الوالي غيرك فلا تكونن أنت المجيب عنه, فإن استلابك الكلام خفة ~~بك, واستخفاف منك بالمسؤول وبالسائل. # وما أنت قائل إن قال لك السائل: ما إياك سألت؟ أو قال لك المسؤول عند ~~المسألة يعاد له بها: دونك, فأجب. # وإذا لم يقصد السائل في المسألة لرجل واحد, وعم بها جماعة PageV01P088 # من عنده فلا تبادرن بالجواب، ولا تسابق الجلساء، ولا تواثب بالكلام ~~مواثبة, فإن ذلك يجمع مع شين1 التكلف, والخفة, أنك إذا سبقت القوم إلى ~~الكلام صاروا لكلامك خصماء, فتعقبوه بالعيب والطعن, وإذا أنت لم تعجل ~~بالجواب, وخليته للقوم، اعترضت2 أقاويلهم على عينك، ثم تدبرتها, وفكرت في ~~ما عندك، ثم هيأت من تفكيرك, ومحاسن ما سمعت جوابا رضيا، ثم استدبرت به ~~أقاويلهم حين تصيخ3 إليك الأسماع, ويهدأ عنك الخصوم. # وإن لم يبلغك الكلام حتى يكتفى بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك، فلا يكون ~~من العيب عندك, ولا من الغبن4 في نفسك فوت ما فاتك من الجواب. # فإن صيانة القول خير من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها ~~خير من مئة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها. مع أن كلام العجلة والبدار ~~موكل به الزلل, وسوء التقدير، وإن ظن صاحبه أنه قد أتقن وأحكم. # وأعلم أن هذه الأمور لا تدرك, ولا تملك إلا برحب الذرع5 PageV01P089 # عندما قيل, وما لم يقل، وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة, وما لم يظهر، ~~وسخاوة النفس عن كثير من الصواب؛ مخافة الخلاف والعجلة والحسد والمراء. # إذا كلمك الوالي فأصغ إلى كلامه, ولا تشغل طرفك1 عنه بنظر إلى غيره، ولا ~~أطرافك2 بعمل، ولا قلبك بحديث نفس, واحذر هذه الخصلة من نفسك، وتعاهدها ~~بجهدك. # رفق الوزير بنظرائه: ms12 # ارفق بنظرائك من وزراء السلطان, وإخلائه, ودخلائه, واتخذهم إخوانا، ولا ~~تتخذهم أعداء, ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها، أو العمل يؤمرون به ~~دونك. # فإنما أنت في ذلك أحد رجلين: # إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك, فسوف يبدو ذلك, ويحتاج إليه, ~~ويلتمس منه، وأنت مجمل3. # وإما ألا يكون ذلك عندك، فما أنت مصيب من حاجتك عند وزراء السلطان ~~بمقاربتك إياهم وملاينتك، وما أنت واجد في موافقتك إياهم, ولينك لهم من ~~موافقتهم إياك, ولينهم لك أفضل مما أنت مدرك بالمنافسة, والمنافرة لهم. ~~PageV01P090 # لا تجترئن على خلاف أصحابك عند الوالي؛ ثقة باعترافهم لك, ومعرفتهم بفضل ~~رأيك، فإنا قد رأينا الناس يعترفون بفضل الرجل, وينقادون له, وتعلمون منه، ~~وهم أخلياء1. فإذا حضروا السلطان، لم يرض أحد منهم أن يقر له، ولا أن يكون ~~له عليه في الرأي والعلم فضل، فاجترأوا عليه بالخلاف والنقض. # فإن ناقضهم صار كأحدهم, وليس بواجد في كل حين سامعا فهما أو قاضيا عدلا. # وإن ترك مناقضهم، كان مغلوب الرأي, مردود القول. # لكل أليف وجليس: # إذا أصبت عند السلطان لطف منزلة؛ لغناء2 يجده عندك, أو هوى يكون له فيك, ~~فلا تطمحن كل الطماح, ولا تزينن لك نفسك المزايلة له عن أليفه, وموضع ثقته, ~~وسره قبلك: تريد أن تقلعه وتدخل دونه, فإن هذه خلة من خلال السفه قد يبتلى ~~بها الحلماء عند الدنو من السلطان, حتى يحدث الرجل منهم نفسه أن يكون دون ~~الأهل والولد؛ لفضل يظنه بنفسه, أو نقص يظنه بغيره. PageV01P091 # ولكل رجل من الملوك، أو ذي هيئة من السوقة، أليف وأنيس، قد عرف روحه، ~~واطلع على قلبه, فليست عليه مؤونة في تبذل يتبذله1 عنده، أو رأي يستبين ~~منه، أو سر يفشيه إليه، غير أن تلك الأنسة2، وذلك الإلف، يستخرج من كل واحد ~~منهما ما لم يكن ليظهر منه عند الانقباض والتشدد، ولو التمس ملتمس مثل ذلك ~~عند من يستأنف ملاطفته، ومؤانسته، ومناسمته3، وإن كان ذا فضل في الرأي ~~وبسطة في العلم، لم يجد عنده مثل ما هو ms13 منتفع به، ممن هو دون ذلك في الرأي، ~~ممن قد كفي مؤانسته، ووقع على طباعه. # لأن الأنسة روح4 للقلوب، وأن الوحشة روع عليها، ولا يلتاط6 بالقلوب إلا ~~ما لان عليها، ومن استقبل الأنس بالوحشة استقبل أمرا ذا مؤونة. # فإذا كلفتك نفسك السمو إلى منزلة من وصفت لك، فاقدعها7 عن ذلك بمعرفة فضل ~~الأليف والأنيس، وإذا حدثتك نفسك أو غيرك، ممن لعله أن يكون عنده فضل في ~~مروءة، PageV01P092 # أنك أولى بالمنزلة عند السلطان من بعض دخلائه وثقاته, فاذكر الذي على ~~السلطان من حق أليفه, وثقته, وأنيسه في التكرمة, والمكانة والرأي، والذي ~~يعينه على ذلك من الرأي أنه يجد عنده من الإلف والأنس ما ليس واجدا عند ~~غيره. # فليكن هذا مما تتحفظ فيه على نفسك، وتعرف فيه عذر السلطان ورأيه. # والرأي لنفسك مثل ذلك، إن أرادك مريد على الدخول، دون أليفك وأنيسك، ~~وموضع ثقتك، وسرك، وجدك، وهزلك. # واعلم أنه يكاد يكون لكل رجل غالبة حديث لا يزال يحدث به: إما عن بلد من ~~البلدان، أو ضرب من ضروب العلم، أو صنف من صنوف الناس، أو وجه من وجوه ~~الرأي، وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه السخف1، ويعرف منه الهوى، ~~فاجتنب ذلك في كل موطن، ثم عند السلطان خاصة. # احتمل ما خالفك من رأي السلطان: # لا تشكون إلى وزراء السلطان، ودخلائه ما اطلعت عليه من رأي تكرهه له؛ ~~فإنك لا تزيد على أن تفطنهم لهواه، أو تقربهم منه، وتغريهم2 بتزيين ذلك، ~~والميل عليك معه. PageV01P093 # واعلم أن الرجل ذا الجاه عند السلطان والخاصة، لا محالة أن يرى من الوالي ~~ما يخالفه من الرأي في الناس والأمور، فإذا آثر1 أن يكره كل ما خالفه، أوشك ~~أن يمتعض من الجفوة2، يراها في المجلس، أو النبوة3 في الحاجة، أو الرد ~~للرأي، أو الإدناء لمن لا يهوى إدناءه، أو الإقصاء لمن يكره إقصاءه. # فإذا وقعت في قلبه الكراهية؛ تغير لذلك وجهه، ورأيه وكلامه، حتى يبدو ذلك ~~للسلطان وغيره، فيكون ذلك لفساد منزلته، ومروءته سببا وداعيا. # فذلل ms14 نفسك باحتمال ما خالفك من رأي السلطان، وقررها على أن السلطان إنما ~~كان سلطانا؛ لتتبعه في رأيه، وهواه، وأمره، ولا تكلفه اتباعك، وتغضب من ~~خلافه إياك. # تصحيح النصيحة للسلطان: # اعلم أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل4، ويعده منهم شفقة ونظرا له، ~~ويحمدهم عليه، فإن كان جوادا وكنت مبخلا، شنت صاحبك بفساد مروءته، وإن كنت ~~مسخيا، 5، PageV01P094 # لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك عنده. # فالرأي لك تصحيح النصيحة على وجهها، والتماس المخلص من العيب واللائمة في ~~ما تترك من تبخيل صاحبك، بألا يعرف منك في ما تدعوه إليه ميلا إلى شيء من ~~هوك، ولا طلبا لغير ما ترجو أن يزينه وينفعه. # الطاعة للملوك: # لاتكونن صحبتك للملوك إلا بعد رياضة1 منك لنفسك على طاعتهم في المكروه ~~عندك، وموافقتهم في ما خالفك، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك، وعلى ~~ألاتكتمهم سرك، ولا تستطلع ما كتموك، وتخفي ما أطلعوك عليه على الناس كلهم، ~~حتى تحمي نفسك الحديث به، وعلى الاجتهاد في رضاهم، والتلطف لحاجتهم، ~~والتثبيت لحجتهم، والتصديق لمقالتهم، والتزيين لرأيهم، وعلى قلة الاستقباح ~~لما فعلوا إذا أساؤوا، وترك الانتحال لما فعلوا إذا أحسنوا، وكثرة النشر ~~لمحاسنهم، وحسن الستر لمساوئهم، والمقاربة لمن قاربوا وإن كانوا بعداء، ~~والمباعدة لمن باعدوا وإن كانوا أقرباء، والاهتمام بأمرهم وإن لم يهتموا ~~به، والحفظ لهم وإن ضيعوه، والذكر لهم وإن نسوه، والتخفيف عنهم من مؤونتك، ~~والاحتمال لهم كل مؤونة، والرضى PageV01P095 # منهم بالعفو، وقلة الرضى من نفسك لهم إلا بالاجتهاد. # وإن وجدت عنهم, وعن صحبتهم غنى، فأغن عن ذلك نفسك, واعتزله جهدك, فإنه من ~~يأخذ عملهم بحقه، يحل بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة, ومن لا يأخذ بحقه، ~~يحتمل الفضيحة في الدنيا, والوزر في الآخرة. # إنك لا تأمن أنفة الملوك إن أعلمتهم، ولا تأمن عقوبتهم إن كتمتهم، ولا ~~تأمن غضبتهم إن صدقتهم، ولا تأمن سلوتهم إن حدثتهم, وإنك إن لزمتهم لم تأمن ~~تبرمهم1 بك، وإن زايلتهم لم تأمن عقابهم، وإن تستأمرهم حملت المؤونة عليهم، ~~وإن قطعت الأمر دونهم لم تأمن فيه مخالفتهم, إنهم ms15 إن سخطوا عليك أهلكوك, ~~وإن رضوا عنك تكلفت من رضاهم ما لا تطيق. # فإن كنت حافظا إن بلوك، جلدا2 إن قربوك، أمينا إن ائتمنوك: تعلمهم, وأنت ~~تريهم أنك تتعلم منهم، وتؤدبهم, وكأنهم يؤدبونك, تشكرهم, ولا تكلفهم الشكر، ~~بصيرا بأهوائهم, مؤثرا لمنافعهم، ذليلا إن ظلموك، راضيا إن أسخطوك، وإلا ~~فالبعد منهم كل البعد، والحذر منهم كل الحذر. # تحزر من سكر السلطان, وسكر المال, وسكر العلم, وسكر PageV01P096 # المنزلة, وسكر الشباب، فإنه ليس من هذا شيء إلا وهو ريح جنة1 تسلب العقل, ~~وتذهب بالوقار, وتصرف القلب, والسمع, والبصر, واللسان إلى غير المنافع. ~~PageV01P097 # في الأصدقاء # ابذل لصديقك دمك ومالك: # ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك1 ومحضرك2، وللعامة بشرك وتحننك، ~~ولعدوك عدلك وإنصافك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد. # لا تنتحل رأي غيرك: # إن سمعت من صاحبك كلاما, أو رأيت منه رأيا يعجبك, فلا تنتحله تزينا به ~~عند الناس, واكتف من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته، وتنسبه إلى صاحبه. # واعلم أن انتحالك ذلك مسخطة لصاحبه، وأن فيه مع ذلك عارا, وسخفا. # فإن بلغ بك ذلك أن تشير برأي الرجل, وتتكلم بكلامه, وهو يسمع, جمعت مع ~~الظلم قلة الحياء, وهذا من سوء الأدب الفاشي في الناس. PageV01P098 # ومن تمام حسن الخلق والأدب في هذا الباب أن تسخو نفسك لأخيك بما انتحل من ~~كلامك ورأيك، وتنسب إليه رأيه وكلامه، وتزينه مع ذلك ما استطعت. # تمام إصابة الرأي والقول: # لا يكونن من خلقك أن تبتدئ حديثا, ثم تقطعه, وتقول: سوف. كأنك روأت1 فيه ~~بعد ابتدائك إياه, وليكن ترويك فيه قبل التفوه به. فإن احتجان2 الحديث بعد ~~افتتاحه سخف وغم. # اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع, فإنه ليس في كل حين يحسن كل ~~صواب, وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع, فإن أخطأك ذلك أدخلت ~~المحنة3 على عقلك وقولك, حتى تأتي به, إن أتيت به, في غير موضعه, وهو لا ~~بهاء ولا طلاوة له, وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك ~~على أن تقول. PageV01P099 # لا ms16 تخلط الجد بالهزل: # إن آثرت أن تفاخر أحدا ممن تستأنس إليه في لهو الحديث, فاجعل غاية ذلك ~~الجد، ولا تعتد أن تتكلم فيه بما كان هزلا، فإن بلغه أو قاربه, فدعه. # ولا تخلطن بالجد هزلا، ولا بالهزل جدا, فإنك إن خلطت بالجد هزلا هجنته1، ~~وإن خلطت بالهزل جدا كدرته. # غير أني قد علمت موطنا واحدا إن قدرت أن تستقبل فيه الجد بالهزل أصبت ~~الرأي, وظهرت على الأقران2: وذلك أن يتوردك3 متورد بالسفه, والغضب, وسوء ~~اللفظ، فتجبيه إجابة الهازل المداعب، برحب من الذرع، وطلاقة من الوجه، ~~وثبات من المنطق. # لا تتطاول على الأصحاب: # إن رأيت صاحبك من عدوك, فلا يغضبنك ذلك، فإنما هو أحد رجلين: # إن كان رجلا من إخوان الثقة, فأنفع مواطنه لك أقربها من PageV01P100 # عدوك؛ لشر يكفه عنك، أو لعورة1 يسترها منك، أو غائبة يطلع عليها لك، فأما ~~صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك. # وإن كان رجلا من غير خاصة إخوانك, فبأي حق تقطعه عن الناس, وتكلفه ألا ~~يصاحب, ولا يجالس إلا من تهوى؟. # تحفظ في مجلسك, وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطب نفسا عن كثير مما ~~يعرض لك فيه صواب القول والرأي، مداراة؛ لئلا يظن أصحابك أن دأبك3 التطاول ~~عليهم. # إذا أقبل إليك مقبل بوده فسرك ألا يدبر عنك, فلا تنعم الإقبال عليه 3, ~~والتفتح له، فإن الإنسان طبع على ضرائب4 لؤم, فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به, ~~ويلصق بمن رحل عنه, إلا من حفظ بالأدب نفسه, وكابر طبعه. # فتحفظ من هذا فيك, وفي غيرك. # ادعاء العلم فضيحة: # لا تكثرن ادعاء العلم في كل ما يعرض بينك وبين أصحابك؛ فإنك من ذلك بين ~~فضيحتين. # إما أن ينازعوك فما ادعيت, فيهجم منك على الجهالة PageV01P101 # والصلف1، وإما ألا ينازعوك, ويخلوا في يديك ما ادعيت من الأمور، فينكشف ~~منك التصنع والمعجزة. # واستح الحياء كله من أن تخبر صاحبك أنك عالم, وأنه جاهل: مصرحا أو معرضا. # وإن استطلت على الأكفاء, فلا تثقن منهم بالصفاء. # وإن آنست من نفسك فضلا فتحرج2 أن ms17 تذكره, أو تبديه, واعلم أن ظهوره منك ~~بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل. # واعلم أنك إن صبرت, ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند ~~الناس. # ولا يخفين عليك أن حرص الرجل على إظهار ما عنده, وقلة وقاره في ذلك, باب ~~من أبواب البخل واللؤم. # وأن من خير الأعوان على ذلك السخاء والتكرم. # وإن أردت أن تلبس ثوب الوقار, والجمال, وتتحلى بحلية المودة عند العامة, ~~وتسلك الجدد3 الذي لا خبار4 فيه, ولا عثار, فكن عالما كجاهل, وناطقا كعيي. # فأما العلم, فيزنك, ويرشدك. وأما قلة ادعائه, فتنفي عنك PageV01P102 # الحسد, وأما المنطق إذا احتجت إليه, فيبلغك حاجتك, وأما الصمت, فيكسبك ~~المحبة والوقار. # وإذا رأيت رجلا يحدث حديثا, قد علمته, أو يخبر خبرا قد سمعته, فلا تشاركه ~~فيه, ولا تتعقبه عليه؛ حرصا على أن يعلم الناس أنك قد علمته, فإن في ذلك ~~خفة1 وشحا وسوء أدب, وسخفا. # وليعرف إخوانك والعامة أنك، إن استطعت، إلى أن تفعل ما لا تقول أقرب منك ~~إلى أن تقول ما لا تفعل. # فإن فضل القول على الفعل عار وهجنة2، وفضل الفعل على القول زينة. # وأنت حقيق فيما وعدت من نفسك, أو أخبرت به صاحبك, أن تحتجن3 بعض ما في ~~نفسك؛ إعدادا لفضل الفعل على القول، وتحرزا بذلك عن تقصير فعل إن قصر, ~~وقلما يكون إلا مقصرا. # العدل نحو العدو, والرضى نحو الصديق: # احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما ~~بينك وبين صديقك الرضاء. PageV01P103 # وذلك أن العدو خصم تصرعه بالحجة, وتغلبه بالحكام، وأن الصديق ليس بينك ~~وبينه قاض، فإنما حكمه رضاه. # كيف تختار صديقك؟: # اجعل غاية تشبشك في مؤاخاة من تؤاخي, ومواصلة من تواصل, توطين نفسك على ~~أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، وإن ظهر لك منه ما تكره، فإنه ليس كالمملوك ~~تعتقه متى شئت, أو كالمرأة التي تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك, فإنما ~~مروءة الرجل إخوانه وأخدانه1, فإن عثر الناس ms18 على أنك قطعت رجلا من إخوانك، ~~وإن كنت معذرا2، نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال فيه, ~~وإن أنت مع ذلك تصبرت على مقارته3 على غير الرضا, عاد ذلك إلى العيب ~~والنقيصة. # فالاتئاد الاتئاد4! والتثبت التثبت5. # وإذا نظرت في حال من ترتئيه لإخائك، فإن كان من إخوان الدين فليكن فقيها, ~~غير مراء, ولا حريص، وإن كان من إخوان PageV01P104 # الدنيا فليكن حرا, ليس بجاهل, ولا كذاب, ولا شرير, ولا مشنوع1. # فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخا صادقا؛ لأن ~~الكذب الذي يجري على لسانه, إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سمي الصديق من ~~الصدق, وقد يهتم صدق القلب, وإن صدق اللسان, فكيف إذا ظهر الكذب على ~~اللسان؟ , وإن الشرير يكسبك العدو, ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة, وإن ~~المشنوع شانع2 صاحبه. # واعلم أن انقباضك عن الناس يكسبك العداوة, وأن انبساطك إليهم يكسبك صديق ~~السوء, وسوء الأصدقاء أضر من بغض الأعداء. فإنك إن واصلت صديق السوء أعيتك ~~جرائره3، وإن قطعته شانك اسم القطيعة، وألزمك ذلك من يرفع عيبك, ولا ينشر ~~عذرك, فإن المعايب تنمي, والمعاذير لا تنمي. # لباس انقباض, ولباس انبساط: # البس للناس لباسين ليس للعاقل بد منهما، ولا عيش, ولا مروءة, إلا بهما: # لباس انقباض, واحتجاز من الناس، تلبسه للعامة, فلا يلقونك PageV01P105 # إلا متحفظا متشددا متحرزا مستعدا. # ولباس انبساط واستئناس، تلبسه للخاصة الثقات من أصدقائك، فتلقاهم بذات ~~صدرك، وتفضي إليهم بمصون حديثك، وتضع عنك مؤونة الحذر والتحفظ في ما بينك ~~وبينهم. # وأهل هذه الطبقة، الذين هم أهلها، قليل من قليل حقا؛ لأن ذا الرأي لا ~~يدخل أحدا من نفسه هذا المدخل إلا بعد الاختبار والتكشف1 والثقة بصدق ~~النصيحة ووفاء العهد. # صن لسانك: # اعلم أن لسانك أداة مصلتة2، يتغالب عليه عقلك، وعضبك، وهواك، وجهلك، فكل ~~غالب عليه مستمتع به، وصارفه في محبته، فإذا غلب عليه عقلك، فهو لك، وإن ~~غلب عليه شيء من أشباه ما سميت لك، فهو لعدوك. # فإن استطعت أن تحتفظ به ms19 وتصونه، فلا يكون إلا لك، ولا يستولي عليه، أو ~~يشاركك فيه عدوك، فافعل. # مؤاساة الصديق: # إذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمة أو نزول PageV01P106 # بلية، فاعلم أنك قد ابتليت معه، إما بالمؤاساة1، فتشاركه في البلية، وإما ~~بالخذلان2، فتحتمل العار. # فالتمس المخرج عند أشباه ذلك، وآثر مروءتك على ما سواها. # فإن نزلت الجائحة3 التي تأبى نفسك مشاركة أخيك فيها، فأجمل4، فلعل ~~الإجمال يسعك، لقلة الإجمال في الناس. # وإذا أصاب أخاك فضل، فإنه ليس في دنوك منه، وابتغائك مودته، وتواضعك له ~~مذلة، فاغتنم ذلك، واعمل به. # إلى من تعتذر؟: # لا تعتذرن إلا إلى من يحب أن يجد لك عذرا، ولا تستعينن إلا بمن يحب أن ~~يظفرك بحاجتك، ولا تحدثن إلا من يرى حديثك مغنما، ما لم يغلبك اضطرار. # وإذا اعتذر إليك معتذر، فتلقه بوجه مشرق، وبشر، ولسان طلق إلا أن يكون ~~ممن قطيعته غنيمة. # إذا غرست من المعروف غرسا، وأنفقت عليه نفقة، فلا تضنن في تربية ما غرست، ~~واستنمائه، فتذهب النفقة الأولى ضياعا. PageV01P107 # إخوان الصدق: # اعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدة1 في ~~الشدة، ومعونة على خير المعاش والمعاد2، فلا تفرطن في اكتسابهم، وابتغاء ~~الوصلات، والأسباب3 إليهم. # واعلم أنك واجد رغبتك من الإخاء عن أقوام قد حالت بينك وبينهم بعض الأبهة ~~التي قد تعتري بعض أهل المروءات، فتحجز عنهم كثيرا ممن يرغب في أمثالهم، ~~فإذا رأيت أحدا من أولئك قد عثر به الدهر، فأقله4. # الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف: # إذا كانت لك عند أحد صنيعة، أو كان لك عليه طول6، فالتمس إحياء ذلك ~~بإماتته، وتعظيمه بالتصغير له، ولا تقتصرن في قلة المن7 به على أن تقول: لا ~~أذكره، ولا أصغي بسمعي إلى PageV01P108 # من يذكره، فإن هذا قد يستحيي منه بعض من لا يوصف بعقل، ولا كرم، ولكن ~~احذر أن يكون في مجالستك إياه، وما تكلمه به، أو تستعينه عليه، أو تجاريه ~~فيه، شيء من الاستطالة1، فإن الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف. # احترس من سورة الغضب: ms20 # احترس من سورة2 الغضب، وسورة الحمية، وسورة الحقد، وسورة الجهل، وأعدد ~~لكل شيء من ذلك عدة تجاهده بها من الحلم، والتفكر، والروية، وذكر العاقبة، ~~وطلب الفضيلة. # واعلم أنك لا تصيب الغلبة إلا بالاجتهاد والفضل، وأن قلة الإعداد لمدافعة ~~الطبائع المتطلعة، هو الاستسلام لها. فإنه ليس أحد من الناس إلا وفيه من كل ~~طبيعة سوء غريزة، وإنما التفاضل بين الناس في مغالبة طبائع السوء، # فأما أن يسلم أحد من أن تكون فيه تلك الغرائز، فليس في ذلك مطمع، إلا أن ~~الرجل القوي إذا كابرها بالقمع لها كلما تطلعت، لم يلبث أن يميتها، حتى ~~كأنها ليست فيه، وهي في ذلك كامنة كمون النار في العود، فإذا وجدت قادحا3 ~~من علة، أو PageV01P109 # غفلة استورت1، كما تستوري النار عند القدح، ثم لا يبدأ ضرها إلا بصاحبها، ~~كما لا تبدأ النار إلا بعودها الذي كانت فيه. # ذلل نفسه على الصبر: # ذلل نفسك بالصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء؛ فإن ذلك مما ~~لا يكاد يخطئك. # واعلم أن الصبر صبران: صبر المرء على ما يكره، وصبره عما يحب. # والصبر على المكروه أكبرهما، وأشبههما2 أن يكون صاحبه مضطرا. # واعلم أن اللئام أصبر أجسادا، وأن الكرام هم أصبر نفوسا، وليس الصبر ~~الممدوح بأن يكون جلد الرجل وقاحا3 على الضرب، أو رجله قوية على المشي، أو ~~يده قوية على العمل، فإنما هذا من صفات الحمير. # ولكن الصبر الممدوح أن يكون للنفس غلوبا، وللأمور محتملا، وفي الضراء ~~متجملا4، ولنفسه عند الرأي والحفاظ5 PageV01P110 # مرتبطا1، وللحزم مؤثرا، وللهوى تاركا، وللمشقة التي يرجو حسن عاقبتها ~~مستخفا، وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظبا، ولبصيرته بعزمه منفذا. # حبب العلم إلى نفسك: # حبب إلى نفسك العلم حتى تلزمه وتألفه، ويكون هو لهواك، ولذتك، وسلوتك، ~~وبلغتك2. # واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع، وعلم لتذكية العقول3. # وأفشى العلمين، وأحراهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحض عليه علم ~~المنافع، وللعلم الذي هو ذكاء العقول، وصقالها، وجلاؤها، فضيلة منزلة عند ~~أهل الفضيلة والألباب. # في السخاء كمال الجود والكرم: ms21 # عود نفسك السخاء. # واعلم أنه سخاءان: سخاوة نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عما في أيدي ~~الناس. PageV01P111 # وسخاوة نفس الرجل بما في يديه أكثرهما, وأقربهما من أن تدخل فيه ~~المفاخرة، وتركه ما في أيدي الناس أمحض في التكرم، وأبرأ من الدنس، وأنزه. # فإن هو جمعهما، فبذل، وعف، فقد استكمل الجود والكرم. # لا تكن حسودا: # ليكن مما تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك، ألا تكون حسودا. # فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل1 بالأدنى، فالأدنى من الأقارب، ~~والأكفاء، والمعارف، والخلطاء، والإخوان. # فليكن ما تعامل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون، مع من هو خير ~~منك، وأن غنما حسنا لك أن يكون عشيرك، وخليطك، أفضل منك في العلم، فتقتبس ~~من علمه، وأفضل منك في القوة، فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال، فتفيد ~~من ماله، وأفضل منك في الجاه، فتصيب من حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين، ~~فتزداد صلاحا بصلاحه. # كيف تعامل عدوك؟: # ليكن مما تنظر فيه من أمر عدوك وحاسدك، أن تعلم أنه PageV01P112 # لا ينفعك أن تخبر عدوك وحاسدك أنك له عدو، فتنذره بنفسك، وتؤذنه بحربك ~~قبل الإعداد والفرصة، فتحمله على التسلح لك، وتوقد ناره عليك. # واعلم أنه أعظم لخطرك1 أن يرى عدوك أنك لا تتخذه عدوا، فإن ذلك غرة2 له، ~~وسبيل لك إلى القدرة عليه، فإن أنت قدرت واستطعت اغتفار العداوة عن أن ~~تكافئ بها، فهنالك استكملت عظيم الخطر. # إن كنت مكافئا بالعداوة والضرر، فإياك أن تكافئ عداوة السر بعداوة ~~العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة، فإن ذلك هو الظلم. # واعلم مع ذلك أنه ليس كل العداوة والضرر، يكافأ بمثله: كالخيانة لا تكافأ ~~بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة. # ومن الحيلة في أمرك مع عدوك أن تصادق أصدقاءه، وتؤاخي أخوانه، فتدخل بينه ~~وبينهم في سبيل الشقاق، والتلاحي3، والتجافي، حتى ينتهي ذلك بهم إلى ~~القطيعة والعداوة له، فإنه ليس رجل ذو طرق4 يمتنع من مؤاخاتك إذا التمست ~~ذلك منه، وإن كان إخوان عدوك غير ذوي طرق، فلا عدو ms22 لك. PageV01P113 # لا تدع، مع السكوت عن شتم عدوك، إحصاء مثالبه1 ومعايبه, واتباع عوارته، ~~حتى لا يشذ عنك من ذلك صغير ولا كبير، من غير أن تشيع ذلك عليه, فيتقيك به، ~~ويستعد له، أو تذكره في غير موضعه, فتكون كمستعرض الهواء بنبله قبل إمكان ~~الرمي. # ولا تتخذن اللعن والشتم على عدوك سلاحا، فإنه لا يجرح في نفس, ولا منزلة, ~~ولا مال, ولا دين. # إن أردت أن تكون داهيا 2 فلا تحبن أن تسمي داهيا. فإنه من عرف بالدهاء ~~خاتل3 علانية، وحذره الناس، حتى يمتنع منه الضعيف، ويتعرض له القوي. # وإن من إرب4 الأريب دفن إربه ما استطاع, حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة, ~~والاستقامة في الطريقة. # ومن إربه ألا يؤارب العاقل المستقيم الطريقة, والذي يطلع على غامض إربه, ~~فيمقته عليه. # وإن أردت السلامة, فأشعر قلبك الهيبة للأمور، من غير أن تظهر منك الهيبة, ~~فتفطن الناس بنفسك, وتجرئهم عليك, PageV01P114 # وتدعو إليك منهم كل الذي تهاب. # فاشعب1 لمدارة ذلك من كتمان الهيبة, وإظهار الجرأة, والتهاون طائفة من ~~رأيك. # وإن ابتليت بمحاربة عدوك, فحالف هذه الطريقة التي وصفت لك من استشعار ~~الهيبة, وإظهار الجرأة, والتهاون، وعليك بالحذر, والجد في أمرك، والجرأة في ~~قلبك، حتى تملأ قلبك جراءة, ويستفرغ عملك الحذر. # اعلم أن من عدوك من يعمل في هلاكك، ومنهم من يعمل في مصالحتك، وممنهم من ~~يعمل في البعد منك. # فاعرفهم على منازلهم. # ومن أقوى القوة لك على عدوك، وأعز أنصارك في الغلبة له، أن تحصي على نفسك ~~العيوب والعورات, كما تحصيها على عدوك، وتنظر عند كل عيب تراه, أو تسمعه ~~لأحد من الناس: هل قارفت ذلك العيب؟ , أو ما شاكله, أو سلمت منه؟. # فإن كنت قارفت شيئا منه, جعلته مما تحصي على نفسك, حتى إذا أحصيت ذلك ~~كله, فكاثر2 عدوك بإصلاح نفسك, وعثراتك, وتحصين عوراتك, وإحراز مقاتلك3, # وخذ نفسك بذلك ممسيا ومصبحا. PageV01P115 # فإذا آنست منها دفعا, وتهاونا به, فاعدد نفسك عاجزا ضائعا خائبا، معورا1 ~~لعدوك, ممكنا له من رميك. # وإن حاصل من عيوبك, وعوراتك ما ms23 لا تقدر على إصلاحه من ذنب مضى لك، أو أمر ~~يعيبك عند الناس ولا تراه أنت عيبا، فاحفظ ذلك وما عسى أن يقول فيه قائل من ~~حسبك2 أو مثالب آبائك, أو عيب إخوانك, ثم اجعل ذلك كله نصب عينك, واعلم أن ~~عدوك مريدك بذلك, فلا تغفل عن التهيؤ له, والإعداد لقوتك وحجتك وحيلتك ~~وحيلتك فيه سرا وعلانية. # فأما الباطل, فلا تروعن به قلبك, ولا تستعدن له, ولا تشتغلن بشيء من ~~أمره، فإنه لا يهولك ما لم يقع، وما إن وقع اضمحل. # الشهود العدل: # واعلم أنه قلما بده3 أحد بشيء يعرفه من نفسه، وقد كان يطمع في إخفائه عن ~~الناس، فيعيره به معير عند السلطان, أو غيره، إلا كاد يشهد به عليه وجهه ~~وعيناه ولسانه، للذي يبدو منه عند ذلك، والذي يكون من انكساره وفتوره عند ~~تلك البديهة. PageV01P116 # فاحذر هذه, وتصنع لها، وخذ أهبتك لبغتاتها, وتقدم في أخذ العتاد لنفيها. # حاذر الغرام بالنساء: # اعلم أن من أوقع الأمور في الدين, وأنهكها للجسد, وأتلفها للمال, وأقتلها ~~للعقل, وأزراها للمروءة, وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار, الغرام بالنساء. # ومن البلاء على المغرم بهن، أنه لا ينفك يأجم1 ما عنده, وتطمح عيناه إلى ~~ما ليس عنده منهن. # إنما النساء أشباه, وما يتزين في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على ~~معروفاتهن باطل وخدعة, بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده, أفضل مما ~~تتوق إليه نفسه منهن. # وإنما المرتغب عما في رحله2 منهن إلى ما في رحال الناس, كالمرتغب عن طعام ~~بيته إلى ما في بيوت الناس, بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام، وما ~~في رحال الناس من الأطعمة, أشد تفاضلا وتفاوتا مما في رحالهم من النساء. # ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس بلبه ورأيه يرى المرأة PageV01P117 # من بعيد متلففة في ثيابها، فيصور لها في قلبه الحسن والجمال, حتى تعلق ~~بها نفسه من غير رؤية, ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح, ~~وأدم الدمامة1، فلا يعظه ذلك, ولا يقطعه عن أمثالها, ms24 ولا يزال مشغوفا بما ~~لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن لها شأنا غير شأن ما ~~ذاق, وهذا هو الحمق, والشقاء, والسفه. # ومن لم يحم نفسه, ويظلفها, ويحلئها2 عن الطعام, والشراب, والنساء في بعض ~~ساعات شهوته وقدرته، كان أيسر ما يصيبه من وبال ذلك انقطاع تلك اللذات عنه ~~بخمود نار شهوته, وضعف حوامل3 جسده, وقل من تجده إلا مخادعا لنفسه في أمر ~~جسده عند الطعام والشراب والحمية والدواء، وفي أمر مروءته عند الأهواء ~~والشهوات، وفي أمر دينه عند الريبة والشبهة والطمع. # كن متواضعا, سكوتا, واحذر المراءاة: # إن استطعت أن تضع نفسك دون غايتك في كل مجلس PageV01P118 # ومقام, ومقال, ورأي, وفعل, فافعل، فإن رفع الناس إياك فوق المنزلة التي ~~تحط إليها نفسك، وتقريبهم إياك إلى المجلس الذي تباعت منه، وتعظيمهم من ~~أمرك ما لم تعظم، وتزيينهم من كلامك ورأيك وفعلك مالم تزين, هو الجمال. # لا يعجبنك العالم ما لم يكن عالما بمواضع ما يعلم، ولا العامل إذا جهل ~~موضع ما يعمل, وإن غلبت على الكلام وقتا, فلا تغلبن على السكوت، فإنه لعله ~~يكون أشدهما لك زينة، وأجلبهما إليك للمودة، وأبقاهما للمهابة، وأنفاهما ~~للحسد. # احذر المراء, وأغربه1، ولا يمنعنك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة. # واعلم أن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلم, ولا أن يتعلم منه, فإن زعم ~~زاعم أنه مجادل في الباطل عن الحق، فإن المجادل، وإن كان ثابت الحجة, ظاهر ~~البينة, حاضر الذهن، فإن يخاصم إلى غير قاض، وإنما قاضيه الذي لا يعدل ~~بالخصومة إلا إليه عدل صاحبه وعقله, فإن آنس أو رجا عند صاحبه عدلا يقضي به ~~على نفسه, فقد أصاب وجه أمره, وإن تكلم على غير ذلك كان مماريا. # وإن استطعت ألا تخبر أخاك عن ذات نفسك2 بشيء إلا PageV01P119 # وأنت محتجن عنه بعض ذلك؛ التماسا لفضل الفعل على القول, واستعدادا لتقصير ~~فعل، إن قصر، فافعل. # واعلم أن فضل الفعل على القول زينة، وفضل القول على الفعل هجنة، وأن ~~إحكام هذه الخلة ms25 من غرائب الخلال. # الصبر على الأعمال يخففها: # إذا تراكمت عليك الأعمال, فلا تلتمس الروح1 في مدافعتها2, بالروغان ~~منها3, فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها4، وإن الصبر عليها هو الذي يخففها ~~عنك، والضجر هو الذي يراكمها عليك. # فتعهد من ذلك في نفسك خصلة قد رأيتها تعتري بعض أصحاب الأعمال, وذلك أن ~~الرجل يكون في أمر من أمره، فيرد عليه شغل آخر، أو يأتيه شاغل من الناس ~~يكره إتيانه, فيكدر ذلك بنفسه تكديرا يفسد ما كان فيه, وما ورد عليه، حتى ~~لا يحكم واحدا منهما، فإذا ورد عليك مثل ذلك, فليكن معك رأيك, وعقلك اللذان ~~بهما تختار الأمور، ثم اختر أولى الأمرين بشغلك، فاشتغل به حتى تفرغ منه, ~~ولا يعظمن عليك فوت ما فات, وتأخير ما تأخر إذا أعملت الرأي معمله, وجعلت ~~PageV01P120 # شغلك في حقه، واجعل لنفسك في كل شغل غاية ترجو القوة, والتمام عليها. # لا تجاوز الغاية: # اعلم أنك إن جاوزت الغاية في العبادة, صرت إلى التقصير، وإن جاوزتها في ~~حمل العلم, لحقت بالجهال، وإن جاوزتها في تكلف رضى الناس, والخفة1 معهم في ~~حاجاتهم, كنت المحشود المصنع2. # واعلم أن بعض العطية لؤم، وبعض السلاطة3 غيم، وبعض البيان عي، وبعض العلم ~~جهل, فإن استطعت ألا يكون عطاؤك جورا، ولا بيانك هذرا4، ولا علمك وبالا، ~~فافعل. # احفظ المليح, والرائع من الأحاديث: # اعلم أنه ستمر عليك أحاديث تعجبك: إما مليحة, وإما رائعة. # فإذا أعجتك كنت خليقا أن تحفظها، فإن الحفظ موكل PageV01P121 # بما ملح وراع, وستحرص على أن تعجب منها الأقوام, فإن الحرص على ذلك ~~التعجب من شأن الناس, وليس كل معجب لك معجبا لغيرك. # فإذا نشرت ذلك المرة والمرتين، فلم تره وقع من السامعين موقعه منك, ~~فأزدجر1 عن العودة, فإن العجب من غير عجيب سخف شديد. # وقد رأينا من الناس من يعلق الشيء, ولا يقلع عنه, وعن الحديث به، ولا ~~يمنعه قلة قبول أصحابه له من أن يعود إليه, ثم يعود. # ثم انظر الأخبار الرائعة فتحفظ منها, فإن الإنسان من شأنه الحرص على ms26 ~~الأخبار، ولا سيما ما راع منها، فأكثر الناس من يحدث بما سمع، ولا يبالي ~~ممن سمع, وذلك مفسدة للصدق, ومزراة بالمروءة، فإن استطعت ألا تخبر بشيء إلا ~~وأنت به مصدق، ولا يكون تصديقك إلا ببرهان، فافعل, ولا تقل كما يقول ~~السفهاء: أخبر بما سمعت, فإن الكذب أكثر ما أنت سامع, وإن السفهاء أكثر من ~~هو قائل, وإنك إن صرت للأحاديث واعيا وحاملا, كان ما تعي وتحمل عن العامة ~~أكثر مما يخترع المخترع بأضعاف. PageV01P122 # من تصاحب من الناس؟: # انظر من صاحبت من الناس: من ذي فضل عليك بسلطان أو منزلة، أو من دون ذلك ~~من الأكفاء والخلطاء والإخوان، فوطن نفسك في صحبته على أن تقبل منه العفو, ~~وتسخو نفسك عما اعتاض عليك مما قبله، غير معاتب, ولا مستبطئ, ولا مستزيد, ~~فإن المعاتبة مقطعة للود، وإن الاستزادة من الجشع، وإن الرضا بالعفو, ~~والمسامحة في الخلق مقرب لك كل ما تتوق إليه نفسك, من بقاء العرض والمودة ~~والمروءة. # واعلم أنك ستبلى من أقوام بسفه، وأن سفه السفيه سيطلع له منك حقدا، فإن ~~عارضته, أو كافأته بالسفه, فكأنك قد رضيت ما أتى به، فأحببت أن تحتذي على ~~مثاله, فإن كان ذلك عندك مذموما, فحقق ذمك إياه بترك معارضته, فأما أن ~~تذمه, وتمتثله1 فليس في ذلك لك سداد2. # لا تصاحب أحدا إلا بمروءة: # لا تصاحبن أحدا، وإن استأنست به أخا ذا قرابة, أو أخا ذا مودة، ولا ولدا ~~إلا بمروءة، فإن كثيرا من أهل PageV01P123 # المروءة قد يحملهم الاسترسال1 والتبذل2 على أن يصحبوا كثيرا من الخلطاء ~~بالإدلال3 والتهاون والتبذل, # ومن فقد من صاحبه صحبة المروءة, ووقارها, وجلالها, أحدث ذلك له في قلبه ~~رقة شأن, وسخف منزلة. # ولا تلتمس غلبة صاحبك, والظفر عليه عند كل كلمة ورأي، ولا تجترئن على ~~تقريعه بظفرك, إذا استبان، وحجتك عليه, إذا وضحت. # فإن أقواما قد يحملهم حب الغلبة, وسفه الرأي في ذلك على أن يتعقبوا ~~الكلمة بعدما تنسى، فيلتمسوا فيها الحجة، ثم يستطيلوا4 بها على الأصحاب, ~~وذلك ضعف في العقل, ولؤم ms27 في الأخلاق. # أي إكرام يعجب؟: # لا يعجبنك إكرام من يكرمك؛ لمنزلة أو لسلطان، فإن السلطان أوشك5 أمور ~~الدنيا زوالا, ولا يعجبنك أكرام من يكرمك؛ للمال، فإنه هو الذي يتلو ~~السلطان في سرعة الزوال, ولا يعجبنك إكرامهم إياك؛ للنسب، فإن الأنساب أقل ~~مناقب PageV01P124 # الخير غناء عن أهلها في الدين والدنيا. # ولكن إذا أكرمت على دين أو مروءة, فذلك فليعجبك, فإن المروءة لا تزايلك1 ~~في الدنيا, وإن الدين لا يزايلك في الآخرة. # الجبن والحرص مقتلة ومحرمة: # اعلم أن الجبن مقتلة، وأن الحرص محرمة. # فانظر في ما رأيت أو سمعت: أمن قتل في القتال مقبلا أكثر, أم من قتل ~~مدبرا؟ وانظر أمن يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو نفسك له بطلبته؟ ~~, أم من يطلب إليك بالشره والزيغ؟ # واعلم أنه ليس كل من كان لك فيه هوى، فذكره ذاكر بسوء, وذكرته أن بخير ~~ينفعه ذلك, بل عسى أن يضره, فلا يستخفنك ذكر أحد من صديقك أو عدوك إلا في ~~مواطن دفع أو محاماة, فإن صديقك إذا وثق بك في مواطن المحاماة, لم يحفل بما ~~تركت مما سوى ذلك، ولم يكن له عليك سبيل لائمة. # وإن من أحزم الرأي لك في أمر عدوك, ألا تذكره إلا حيث تضره, وألا تعد ~~يسير الضرر له ضررا. PageV01P125 # احترس مما يقال فيك: # اعلم أن الرجل قد يكون حليما، فيحمله الحرص على أن يقول الناس: جليد1، ~~والمخافة أن يقال: مهين2, على أن يتكلف الجهل, وقد يكون الرجل زميتا3, ~~فيحمله الحرص على أن يقال: لسن، والمخافة من أن يقال: عيي, على أن يقول في ~~غير موضعه, فيكون هذرا4. # فاعرف هذا, وأشباهه، واحترس منه كله. # نزاهة العرض, وبقاء العز: # إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوب, فانظر أيهما أقرب إلى هواك, فخالفه، ~~فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى. # وليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس, والاستغناء عنهم، وليكن افتقارك ~~إليهم في لين كلمتك لهم، وحسن بشرك بهم, وليكن استغناؤك عنهم في نزاهة ~~عرضك, وبقاء عزك. PageV01P126 # كيف تجالس الناس؟: # لا تجالس امرأ بغير ms28 طريقته، فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي ~~بالفقه1، والعيي بالبيان, لم تزد على أن تضيع علمك, وتؤذي جليسك بحملك عليه ~~ثقل ما لا يعرف, وغمك إياه, بمثل ما يغتم به الرجل الفصيح من مخاطبة ~~الأعجمي الذي لا يفقه عنه. # واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عابوه، ونصبوا له2, ونقضوه ~~عليك، وحرصوا على أن يجعلوه جهلا، حتى إن كثيرا من اللهو واللعب الذي هو ~~أخف الأشياء على الناس, ليحضره من لا يعرفه, فيثقل عليه, ويغتم به. # وليعلم صاحبك أنك تشفق عليه, وعلى أصحابه، وإياك إن عاشرك امرؤ, أو رافقك ~~أن لا يرى منك بأحد من أصحابه وإخوانه وأخدانه رأفة، فإن ذلك يأخذ من ~~القلوب مأخذا, وإن لطفك بصاحب صاحبك أحسن عنده موقعا من لطفك به في نفسه. # واتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق3, ويشكر للمكتئب. ~~PageV01P127 # اعلم أنك ستسمع من جلسائك الرأي والحديث, تنكره وتستجفيه, وتستشنعه من ~~المتحدث به عن نفسه أو غيره، فلا يكونن منك التكذيب, ولا التسخيف لشيء مما ~~يأتي به جليسك. # ولا يجرئنك على ذلك أن تقول: إنما حدث عن غيره، فإن كل مردود عليه, ~~سيمتعض من الرد، وإن كان في القوم من تكره أن يستقر في قلبه ذلك القول؛ ~~لخطإ تخاف أن يعقد عليه1، أو مضرة تخشاها على أحد, فإنك قادر على أن تنقض ~~ذلك في ستر، فيكون ذلك أيسر للنقض, وأبعد للبغضة. # ثم اعلم أن البغضة خوف، وأن المودة أمن، فاستكثر من المودة صامتا, فإن ~~الصمت سيدعوها إليك, وإذا ناطقت, فناطق بالحسنى، فإن المنطق الحسن يزيد في ~~ود الصديق, ويستل سخيمة الوغر2. # واعلم ان خفض الصوت, وسكون الريح, ومشي القصد3 من دواعي المودة، إذا لم ~~يخالط ذلك بأو4 ولا عجب, أما العجب فهو من دواعي المقت والشنآن. ~~PageV01P128 # المستشار ليس بضامن وجه الصواب: # اعلم أن المستشار ليس بكفيل، وأن الرأي ليس بمضمون, بل الرأي كله غرر1؛ ~~لأن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة، ولأنه ليس من أمرها شيء يدركه الحازم, ms29 ~~إلا وقد يدركه العاجز, بل ربما أعيا الحزمة ما أمكن العجزة, فإذا أشار عليك ~~صاحبك برأي، ثم لم تجد عاقبته على ما كنت تأمل, فلا تجعل ذلك عليه ذنبا، ~~ولا تلزمه لوما وعذلا, بأن تقول: أنت فعلت هذا بي، وأنت أمرتني، ولولا أنت ~~لم أفعل، ولا جرم لا أطيعك في شيء بعدها, فإن هذا كله ضجر, ولؤم, وخفة. # فإن كنت أنت المشير، فعمل برأيك, أو تركه، فبدا صوابك, فلا تمنن به, ولا ~~تكثرن ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه, إن كان قد استبان في تركه ضرر, ~~بأن تقول: ألم أقل لك: افعل هذا, فإن هذا مجانب لأدب الحكماء. # حسن الاستماع: # تعلم حسن الاستماع, كما تتعلم حسن الكلام, ومن حسن الاستماع إمهال ~~المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة PageV01P129 # التلقت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم، والوعي لما ~~يقول. # واعلم، في ما تكلم به صاحبك، أن مما يهجن صواب ما يأتي به، ويذهب بطعمه ~~وبهجته، ويرزي به في قبوله، عجلتك بذلك، وقطعك حديث الرجل قبل أن يفضي إليك ~~بذات نفسه1. # كيف يكون الزهد؟: # إن رأيت نفسك تصاغرت إليها الدنيا، أو دعتك إلى الزهادة فيها على حال ~~تعذر من الدنيا عليك, فلا يغرنك ذلك في نفسك على تلك الحال، فإنها ليست ~~بزهادة، ولكنها ضجر, واستخذاء2, وتغير نفس, عندما أعجزك من الدنيا, وغضب ~~منك عليها مما التوى3 عليك منها. ولو تممت4 على رفضها, وأمسكت عن طلبها, ~~أوشكت أن ترى من نفسك من الضجر والجزع أشد من ضجرك الأول بأضعاف، ولكن إذا ~~دعتك نفسك إلى رفض الدنيا, وهي مقبلة عليك، فأسرع إلى إجابتها. PageV01P130 # حسن المجالسة, وسوءها: # اعرف عوراتك, وإياك أن تعرض بأحد في ما ضارعها, وإذا ذكرت من أحد خليقة, ~~فلا تناضل عنه مناضلة المدافع عن نفسه, المصغر لما يعيب الناس منه, فتتهم ~~بمثلها, ولا تلح كل الإلحاح, وليكن ما كان منك في غير اختلاط، فإن الاختلاط ~~من محققات الريب. # إذا كنت في جماعة قوم أبدا, فلا تعمن جيلا1 من الناس, أو أمة ms30 من الأمم ~~بشتم, ولا ذم؛ فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك مخطئا، فلا تأمن ~~مكافأتهم, أو متعمدا, فتنسب إلى السفه, ولا تذمن مع ذلك اسما من أسماء ~~الرجال أو النساء, بأن تقول: إن هذا لقبيح من الأسماء, فإنك لا تدري لعل ~~ذلك غير موافق لبعض جلسائك، ولعله يكون بعض أسماء الأهلين والحرم, ولا ~~تستصغرن من هذا شيئا، فكل ذلك يجرح في القلب, وجرح اللسان أشد من جرح اليد. # ومن الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة الرجل على كلامه, والاعتراض فيه، ~~والقطع للحديث. # ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها إذا حدث الرجل حديثا تعرفه، ألا تسابقه ~~إليه, وتفتحه عليه, وتشاركه فيه، حتى كأنك PageV01P131 # تظهر للناس أنك تريد أن يعلموا أنك تعلم مثل الذي يعلم. # وما عليك أن تهنئه بذلك, وتفرده به. # وهذا الباب من أبواب البخل, وأبوابه الغامضة كثيرة. # إذا كنت في قوم ليسوا بلغاء, ولا فصحاء، فدع التطاول عليهم بالبلاغة ~~والفصاحة. # واعلم أن بعض شدة الحذر عون عليك في ما تحذر. # وإن بعض شدة الاتقاء مما يدعو إليك ما تتقي. # واعلم أن الناس يخدعون أنفسهم بالتعريض, والتوقيع1 بالرجال في التماس ~~مثالبهم, ومساويهم, ونقيصتهم. وكل ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصبح, فلا ~~تكونن من ذلك في غرور, ولا تجعلن نفسك من أهله. # اعلم أن من تنكب2 الأمور ما يسمى حذرا, ومنه ما يسمى خورا3, فإن استطعت ~~أن يكون حبنك من الأمر قبل مواقعتك4 إياه, فافعل. فإن هذا الحذر, ولا تنغمس ~~فيه ثم تتهيبه, فإن هذا هو الخور, فإن الحكيم لا يخوض نهرا حتى يعلم مقدار ~~غوره. # قد رأينا من سوء المجالسة أن الرجل تثقل عليه النعمة براها بصاحبه، فيكون ~~ما يشتفي بصاحبه، في تصغير أمره وتكدير PageV01P132 # النعمة عليه، أن يذكر الزوال والفناء والدول، كأنه واعظ وقاص, فلا يخفى ~~ذلك على من يعنى به, ولا غيره, ولا ينزل قوله بمنزلة الموعظة والإبلاغ، ~~ولكن بمنزلة الضجر من النعمة، إذا رآها لغيره، والاغتمام بها, والاستراحة ~~إلى غير روح. # وإني مخبرك عن ms31 صاحب لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه في ~~عيني صغر الدنيا في عينه: كان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهى ما لا يجد، ~~ولا يكثر إذا وجد. # وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه ريبة، ولا يستخف له رأيا, ولا ~~بدنا, وكان خارجا من سلطان لسانه، فلا يقول ما لا يعلم، ولا ينازع في ما ~~يعلم, وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يقدم أبدا إلا على ثقة بمنففة. # كان أكثر دهره صامتا, فإذا نطق بذ1 الناطقين. # كان يرى متضاعفا مستضعفا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا2. # كان لا يدخل في دعوى، ولا يشترك في مراء، ولا يدلي بحجة3 حتى يرى قاضيا ~~عدلا, وشهودا عدولا. # وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله, حتى يعلم ما اعتذاره. ~~PageV01P133 # وكان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء, # وكان لا يستشير صاحبا إلا من يرجو عنده النصيحة, # وكان لا يتبرم1، ولا يتسخط، ولا يتشهى، ولا يشتكى, # وكان لا ينقم على الولي2، ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه ~~بشيء من اهتمامه, وحيلته, وقوته. # فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك ~~الجميع. # واعلم أن خير طبقات أهل الدنيا طبقة أصفها لك: من لم ترتفع عن الوضيع, ~~ولم تتضع عن الرفيع. PageV01P134 ms32