######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0026537 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الله بن المقفع (المتوفى: 142 هـ) (ترجمة لكتاب الفيلسوف الهندي بيدبا) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كليلة ودمنة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0026537 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-26537 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/26537 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: السابعة عشرة 1355 هـ - 1936 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة الأميرية ببولاق - القاهرة، 1937 #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب مقدمة الكتاب # قدمها بهنود بن سحوان ويعرف بعلي بن الشاه الفارسي. ذكر فيها السبب الذي ~~من أجله عمل بيدبا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة لدبشليم ملك الهند كتابه ~~الذي سماه كليلة ودمنة؛ وجعله على ألسن البهائم والطير صيانة لغرضه فيه من ~~العوام، وضنا بما ضمنه عن الطغام؛ وتنزيها للحكمة وفنونها، ومحاسنها ~~وعيونها؛ إذ هي للفيلسوف مندوحة، ولخاطره مفتوحة؛ ولمحبيها تثقي، ولطالبيها ~~تشريف. وذكر السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز ملك ~~الفرص بروزيه رأس الأطباء إلى بلاد الهند كتاب كليلة ودمنة؛ وما كان من ~~تلطف بروزيه عند دخوله إلى الهند؛ حتى حضر إليه الرجل الذي استنسخه له سرا ~~من خزانة الملك ليلا، مع ما وجد من كتب علماء الهند. وقد ذكر الذي كان من ~~بعثه بروزيه إلى مملكة الهند لأجل نقل هذا الكتاب؛ وذكر فيها # PageV01P009 # ما يلزم مطالعه من إتقان قراءته والقيام بدراسته والنظر إلى باطن كلامه؛ ~~وأنه إن لم يكن كذلك لك يحصل على الغاية منه. وذكر فيها حضور بروزيه قراءة ~~الكتاب جهرا. وقد ذكر السبب الذي من اجله وضع بزرجمهر بابا مفردا يسمى باب ~~بروزيه التطبب، وذكر فيه شأن بروزيه من أول أمره وآن مولده إلى أن بلغ ~~التأديب، وأحب الحكمة واعتبر في أقسامها. وجعله قبل باب الأسد والثور الذي ~~هو أول الكتاب. # قال علي بن الشاه الفارسي: كان السبب الذي من أجله وضع بيدبا الفيلسوف ~~لدبشليم ملك الهند كتاب كليلة ودمنة، أن الإسكندر ذا القرنين الرومي لما ~~فرغ من أمر الملوك الذين كانوا بناحية المغرب، سار يريد ملوك الشرق من ~~الفرس وغيرهم؛ فلم يزل يحارب من نازعه ويواقع من واقعه، ويسالم من وادعه من ~~ملوك الفرس، وهم الطبقة الأولى، حتى ظهر عليهم وقهر # PageV01P010 # من ناوأه وتغلب على من حاربه؛ فتفرقوا طرائق وتمزقوا حزائق، فتوجه ~~بالجنود نحو بلاد الصين؛ فبدأ في طريقه بملك الهند ليدعوه إلى طاعته ~~والدخول في ملته وولايته. وكان على الهند في ذلك الزمان ملك ذو سطوة ms001 وبأس ~~وقوة ومراس، يقال له فور. فلما بلغه إقبال ذي القرنين نحوه تأهب لمحاربته، ~~واستعد لمجاذبته؛ وشم إليه أطرافه، وجد في التألب عليه؛ وجمع له العدة في ~~أسرع مدة من الفيلة المعدة للحروب، والسباع المضراة بالوثوب؛ مع الخيول ~~المسرجة والسيوف القواطع، والحراب اللوامع. فلما قرب ذو القرنين من فور ~~الهندي وبلغه ما أعد له من الخيل التي كأنها قطع الليل مما لم يلقه بمثله ~~أحد من الملوك الذين كانوا في الأقاليم، تخوف ذو القرنين من تقصير يقع به ~~إن عجل المبارزة. وكان ذو القرنين رجلا ذا حيل ومكايد، مع حسن تدبير ~~وتجربة، فرأى إعمال الحيلة والتمهل، واحتفر خندقا على عسكره؛ وأقام بمكانه ~~لاستنباط # PageV01P011 # الحيلة والتدبير لأمره؛ وكيف ينبغي له أي يقدم على الإيقاع به، فاستدعى ~~بالمنجمين، وأمرهم بالاختيار ليوم موافق تكون له فيه سعادة لمحاربة ملك ~~الهند والنصرة عليه. فاشتغلوا بذلك. وكان ذو القرنين لا يمر بمدينة إلا أخذ ~~الصناع المشهورين من صناعها بالحذق من كل صنف. فأنتجت له همته ودلته فطنته ~~أن يتقدم إلى الصناع الذين معه في أن يصنعوا خيلا من نحاس مجوفة، عليها ~~تماثيل من الرجال، على بكر تجري، إذا دفعت مرت سراعا. وأمر إذا فرغوا منها ~~أن تحشى أجوافها بالنفط والكبريت؛ وتلبس وتقدم أمام الصف في القلب. ووقت ما ~~يلتقي الجمعان تضرم فيها النيران. فإن الفيلة إذا لفت خراطيمها على الفرسان ~~وهي حامية، ولت هاربة، وأوعز إلى الصناع بالتشمير والانكماش والفراغ منها. ~~فجدوا في ذلك وعجلوا. وقرب أيضا وقت اختيار المنجمين. فأعاد ذو القرنين ~~رسله إلى فور يدعوه إليه من طاعته والإذعان لدولته. فأجاب جواب مصر على مصر ~~على مخالفته، مقيم # PageV01P012 # على محاربته. فلما رأى ذو القرنين عزيمته سار إليه بأهبته؛ وقدم فور ~~الفيلة أمامه، ودفعت الرجال تلك الخيل وتماثيل الفرسان؛ فأقبلت الفيلة ~~نحوها، ولفت خراطيمها عليها. فلما أحست بالحرارة ألقت من كان عليها، ~~وداستهم تحت أرجلها، ومضت مهزومة هاربة، لا تلوي على شيء ولا تمر بأحد إلا ~~وطئته. وتقطع فور وجمعه، وتبعهم أصحاب الإسكندر؛ وأثخنوا ms002 فيهم الجراح. # وصاح الإسكندر: يا ملك الهند أبرز إلينا، وأبق على عدتك وعيالك، ولا ~~تحملهم على الفناء. فإنه ليس من المروءة أي يرمي الملك بعدته في المهالك ~~المتلفة والمواضع المجحفة، بل يقيهم بماله ويدافع عنهم بنفسه. فأبرز إلى ~~ودع الجند، فأينا قهر صاحبه فهو الأسعد. فلما سمع فور من ذي القرنين ذلك ~~الكلام دعته نفسه لملاقاته طمعا فيه؛ وظن ذلك فرصة. فبرز إليه الإسكندر ~~فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعات من # PageV01P013 # النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة؛ ولم يزالا يتعاركان. فلما أعيا ~~الإسكندر أمره ولم يجد له فرصة ولا حيلة أوقع ذو القرنين في عسكره صيحة ~~عظيمة ارتجت لها الأرض والعساكر؛ فالتفت فور عندما سمع الزعقة، وظنها مكيدة ~~في عسكره؛ فعاجله ذو القرنين بضربة أمالته عن سرجه، وتبعه بأخرى؛ فوقع على ~~الأرض. فلما رأت الهند ما نزل بهم، وما صار إليه ملكهم؛ حملوا على الإسكندر ~~فقاتلوه قتالا أحبوا معه الموت. فوعدهم من نفسه الإحسان، ومنحه الله ~~أكتافهم؛ فاستولى على بلادهم، وملك عليه رجلا من ثقاته. وأقام بالهند حتى ~~استوثق مما أراد من أمرهم واتفاق كلمتهم؛ ثم انصرف عن الهند وخلف ذلك الرجل ~~عليهم. مضى متوجها نحو ما قصد له. فلما بعد ذو القرنين عن الهند بجيوشه، ~~تغيرت الهند عما كانوا عليه من طاعة الرجل الذي خلفه عليهم؛ وقالوا ليس # PageV01P014 # يصلح للسياسة ولا ترضى الخاصة والعامة أن يملكوا عليهم رجلا ليس هو منهم ~~ولا من أهل بيوتهم. فإنه لا يزال يستذلهم ويستقلهم. واجتمعوا يملكون عليهم ~~رجلا من أولاد ملوكهم؛ فملكوا عليهم ملكا يقال له دبشليم؛ وخلعوا الرجل ~~الذي كان خلفه عليهم الإسكندر. فلما استوسق له الأمر، واستقر له الملك. ~~وكان مع ذلك مؤيدا مظفرا منصورا. فهابته الرعية. فلما رأى ما هو عليه من ~~الملك والسطوة، عبث بالرعية واستصغر أمرهم وأساء السيرة فيهم. وكان لا ~~ترتقي حاله إلا ازداد عتوا. فمكث على ذلك برهة من دهره. وكان في زمانه رحل ~~فيلسوف من البراهمة، فاضل حكيم، يعرف بفضله، ويرجع في الأمور إلى قوله، ms003 ~~يقال له بيدبا. فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية، فكر في وجه ~~الحيلة في صرفه عما هو عليه، ورده إلى العدل والإنصاف؛ فجمع لذلك تلاميذه، ~~وقال: أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ اعلموا إني أطلت الفكرة في دبشليم # PageV01P015 # وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع ~~الرعية؛ ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك، غلا ~~لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل. # ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزم وقوع المكروه بنا، وبلوغ المحذورات إلينا؛ ~~غذ كنا في أنفس الجهال أجهل منهم؛ وفي العيون عندهم أقل منهم. وليس الرأي ~~عندي الجلاء عن الوطن. ولا يسعنا في حكمتنا إبقاؤه على ما هو عليه من سوء ~~السيرة وقبح الطريقة. ولا يمكننا مجاهدته بغير ألسنتنا. ولو ذهبنا إلى أن ~~نستعين بغيرنا لم تتهيأ لنا معاندته. وإن أحس منا بمحالفته وإنكارنا سوء ~~سيرته كان في ذلك بوارنا. وقد تعلمون أن مجاورة السبع والكلب والحية والثور ~~على طيب الوطن ونضارة العيش لغدر بالنفس. وإن الفيلسوف لحقيق أن تكون همته ~~مصروفة إلى ما يحصن به نفسه من نوازل المكروه ولواحق المحذور؛ ويدفع المخوف ~~لاستجلاب المحبوب. ولقد كنت أسمع أن فيلسوفا كتب لتلميذه يقول: إن مجاور ~~رجال السوء ومصاحبهم # PageV01P016 # كراكب البحر: إن سلم من الغرق لم يسلم من المخاوف. فإذا هو أورد نفسه ~~موارد المهلكات ومصادر المخوفات، عد من الحمير التي لا نفس لها. لأن ~~الحيوان البهيمية قد خصت في طبائعها بمعرفة ما تكتسب به النفع وتتوقى ~~المكروه: وذلك أننا لم نرها تورد أنفسها موردا فيه هلكتها. وأنها متى أشرفت ~~على مورد مهلك لها، مالت بطبائعها التي ركبت فيها - شحا بأنفسها وصيانة لها ~~- إلى النفور والتباعد عنه، وقد جمعتكم لهذا الأمر: لأنكم أسرتي ومكان سري ~~وموضع معرفتي؛ وبكم أعتضد، وعليكم أعتمد. فإن الوحيد في نفسه والمنفرد ~~برأيه حيث كان فهو ضائع ولا ناصر له. على أن العاقل قد يبلغ بحيلته ما لا ~~يبلغ بالخيل والجنود. والمثل في ms004 ذلك أن قنبرة اتخذت أدخية وباضت فيها على ~~طريق الفيل؛ وكان للفيل مشرب يتردد إليه. فمر ذات يوم على عادته ليرد مورده ~~فوطئ عش القنبرة؛ وهشم بيضها وقتل فراخها. فلما نظرت ما ساءها، علمت أن ~~الذي نالها من # PageV01P017 # الفيل لا من غيره. فطارت فوقعت على رأسه باكية؛ ثم قالت: أيها الملك لم ~~هشمت بيضي وقتلت فراخي، وأنا في جوارك؟ أفعلت هذا استصغارا منك لأمري ~~واحتقارا لشأني. قال: هو الذي حملني على ذلك. فتركته وانصرفت إلى جماعة ~~الطير؛ فشكت إليها ما نالها من الفيل. فقلن لها وما عسى أن نبلغ منه ونحن ~~الطيور؟ فقالت للعقاعق والغربان: أحب منكن أن تصرن معي إليه فتفقأن عينيه؛ ~~فإني أحتال له بعد ذلك حيلة أخرى. فأجبنها إلى ذلك، وذهبن إلى الفيل، ولم ~~يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن بهما. وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ومشربه إلا ~~ما يلقمه من موضعه. فلما علمت ذلك منه، جاءت إلى غدير فيه ضفادع كثير، فشكت ~~إليها ما نالها من الفيل. # قالت الضفادع: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل؟ وأين نبلغ منه. قالت: احب ~~منكن أن تصرن معي إلى وهدة قريبة منه، فتنققن فيها، وتضججن. فإنه إذا سمع ~~أصواتكن لم يشك في الماء فيهوي # PageV01P018 # فيها. فأجبنها إلى ذلك؛ واجتمعن في الهاوية، فسمع الفيل نقيق الضفادع، ~~وقد اجهده العطش، فأقبل حتى وقع في الوهدة، فارتطم فيها. وجاءت القنبرة ~~ترفرف على رأسه؛ وقالت: أيها الطاغي المغتر بقوته المحتقر لأمري، كيف رأيت ~~عظم حيلتي مع صغر جثتي عند عظم جثتك وصغر همتك؟ فليشر كل واحد منكم بما ~~يسنح له من الرأي. قالوا بأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل، والحكيم العادل، ~~أنت المقدم فينا، والفاضل علينا، وما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك، ~~وفهمنا عند فهمك؟ غير أننا نعلم أن السباحة في الماء مع التماسيح تغرير؛ ~~والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم من ناب الحية فيبتلعه ~~ليجربه جان على نفسه، فليس الذنب للحية. ومن دخل على الأسد في غابته لم ~~يأمن ms005 من وثبته. وهذا الملك لم تفزعه النوائب، ولم تؤدبه # PageV01P019 # التجارب. ولسنا نأمن عليك ولا على أنفسنا سطوته وإنا نخاف عليك من سورته ~~ومبادرته بسوء إذا لقيته بغير ما يحب. فقال الحكيم بيدبا: لعمري لقد قلتم ~~فأحسنتم، لكن ذا الرأي الحازم لا يدع أن يشاور من هو دونه أو فوقه في ~~المنزلة. والرأي الفرد لا يكتفي به في الخاصة ولا ينتفع به في العامة. وقد ~~صحت عزيمتي على لقاء دبشليم. وقد سمعت مقالتكم؛ وتبين لي نصيحتكم والإشفاق ~~علي وعليكم. غير أني قد رأيت رأيا وعزمت عزما؛ وستعرفون حديثي عند الملك ~~ومجاوبتي إياه فإذا اتصل بكم خروجي من عنده فاجتمعوا إلي. وصرفهم يدعون له ~~بالسلامة. # ثم إن بيدبا اختار يوما للدخول على الملك؛ حتى إذا كان ذلك الوقت ألقى ~~عليه مسوحة وهي لباس البراهمة؛ وقصد باب الملك، وسأل عن صاحب إذنه وأرشد ~~إليه وسلم عليه؛ # PageV01P020 # وأعلمه قال لي: إني رجل قصدت الملك في نصيحة. فدخل الآذن على الملك في ~~وقته؛ وقال: بالباب رجل من البراهمة يقال له بيدبا، ذكر أن معه للملك ~~نصيحة. فأذن له؛ فدخل ووقف بين يديه وكفر وسجد له واستوى قائما وسكت. # وفكر دبشليم في سكوته؛ وقال: إن هذا لم يقصدنا إلا لأمرين: إما لالتماس ~~شيء منا يصلح به حاله، وإما لأمر لحقه فلم تكن له به طاقة. ثم قال: إن كان ~~للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضلا في حكمتها أعظم: لأن الحكماء ~~أغنياء عن الملوك بالعلم وليس الملوك أغنياء عن الحكماء بالمال. وقد وجدت ~~العلم والحيا إلفين متآلفين لا يفترقان: متى فقد أحدهما لم يوجد الآخر؛ ~~كالمتصافيين إن عدم منهما أحد لم يطب صاحبه نفسا بالبقاء تأسفا عليه. ومن ~~لم يستحي من الحكماء ويكرمهم، ويعرف فضلهم على غيرهم، ويصنهم عن # PageV01P021 # المواقف الواهنة، وينزههم عن المواطن الرذلة كان ممن حرم عقله، وخسر ~~دنياه، وظلم الحكماء حقوقهم، وعد من الجهال. ثم رفع رأسه إلى بيدبا؛ وقال ~~له: نظرت إليك يا بيدبا ساكتا لا تعرض حاجتك، ولا تذكر بغيتك، فقلت: ms006 إن ~~الذي أسكته هيبة ساورته أو حيرة أدركته؛ وتأملك عند ذلك من طول وقوفك، ~~وقلت: لك يكن لبيدبا أن يطرقنا على غير عادة عن سبب دخوله؛ فإن لم يكن من ~~ضيم ناله، كنت أولى من أخذ بيده وسارع في تشريفه، وتقدم في البلوغ إلى ~~مراده وإعزازه؛ وإن كانت بغيته غرضا من أغراض الدنيا أمرت بإرضائه من ذلك ~~فيما أحب؛ وإن يكن من أمر الملك، ومما لا ينبغي أن يبذلوه من أنفسهم ولا ~~ينقادوا إليه نظرت في قدر عقوبته؛ على أن مثله لم يكن ليجترئ على إدخال ~~نفسه في باب مسألة الملوك؛ وإن كان شيئا من أمور الرعية يقصد فيه أني أصرف ~~عنايتي إليهم، نظرت ما هو؛ # PageV01P022 # فإن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير، والجهال يشيرون بضده. وأنا قد فسحت لك ~~في الكلام. فلما سمع بيدبا ذلك من الملك أفرخ روعه؛ وسرى عنه ما كان وقع في ~~نفسه من خوفه وكفر له وسجد؛ ثم قام بين يديه وقال: أول ما أقول لك أسأل ~~الله تعالى بقاء الملك على الأبد، ودوام ملكه على الأمد: لأن الملك قد ~~منحني في مقامي هذا محلا جعله شرفا لي على جميع من بعدي من العلماء؛ وذكرا ~~باقيا على الدهر عند الحكماء. ثم أقبل على الملك بوجهه، مستبشرا به فرحا ~~بما بدا له منه، وقال: قد عطف الملك علي بكرمه وإحسانه. والأمر الذي دعاني ~~إلى الدخول على الملك، وحملني على المخاطرة لكلامه، والإقدام عليه، نصيحة ~~اختصصته بها دون غيره. وسيعلم من يتصل به ذلك أني لم أقصر عن غاية فيما يجب ~~للمولى على الحكماء. فإن فسح في كلامي ووعاه عني، فهو حقيق بذلك # PageV01P023 # وما يراه؛ وإن هو ألقاه، فقد بلغت ما يلزمني وخرجت من لوم يلحقني. # قال الملك بيدبا تكلم كيف شئت: فإنني مصغ إليك، ومقبل عليك، وسامع منك، ~~حتى أستفرغ ما عندك إلى آخره، وأجازيك على ذلك بما أنت أهله. قال بيدبا: ~~إني وجدت الأمور التي اختص بها الإنسان من بين سائر الحيوانات أربعة أشياء، ~~وهي جماع ms007 ما في العالم، وهي الحكمة والعفة والعقل والعدل. والعلم والأدب ~~والروية داخلة في باب الحكمة. والحلم والصبر والوقار داخلة في باب العقل. ~~والحياء والكرم والصيانة والأنفة داخلة في باب العفة. والصدق والإحسان ~~والمراقبة وحسن الخلق داخلة في باب العدل. وهذه هي المحاسن، وأضدادها هي ~~المساوئ. فمتى كملت هذه في واحد لم تخرجه الزيادة في نعمة إلى سوء الحظ من ~~دنياه ولا إلى نقص في عقباه، ولم يتأسف على ما لم يعن التوفيق ببقائه، ولم ~~يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه، ولك يدهش # PageV01P024 # عند مكروه. فالحكمة كنز لا يفنى على إنفاق، وذخيرة لا يضرب لها بالإملاق، ~~وحلة لا تخلق جدها، ولذة لا تنصرم مدتها. ولئن كنت عند مقامي بين يدي الملك ~~أمسكت عن ابتدائه بالكلام، وإن ذلك لم يكن مني إلا لهيبته والإجلال له. ~~ولعمري إن الملوك لأهل أن يهابوا؛ لا سيما من هو في المنزلة التي جل فيها ~~الملك عن منازل الملوك قبله. وقد قالت العلماء: الزم السكوت؛ فإن فيه ~~سلامة؛ وتجنب الكلام الفارغ؛ فإن عاقبته الندامة. وحكي أن أربعة من العلماء ~~ضمهم مجلس الملك، فقال لهم: ليتكلم كل بكلام يكون أصلا للأدب. فقال أحدهم: ~~أفضل خلة العلم السكوت. وقال الثاني: إن من انفع الأشياء للإنسان أن يعرف ~~قدر منزلته من عقله. وقال الثالث: أنفع الأشياء للإنسان ألا يتكلم بما لا ~~يعنيه. وقال الرابع: أروح الأمور على الإنسان التسليم للمقادير. # PageV01P025 # واجتمع في بعض الزمان ملوك الأقاليم من الصين والهند وفارس والروم؛ ~~وقالوا ينبغي أن يتكلم كل واحد منا بكلمة تدون عنه على غابر الدهر. فقال ~~ملك الصين: أنا على ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال ملك الهند: ~~عجبت لمن يتكلم بالكلمة فإن كانت له لم تنفعه، وإن كانت عليه أوبقته. وقال ~~ملك فارس: أنا إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ~~ملك الروم: ما ندمت على ما لم أتكلم به قط، ولقد ندمت على ما تكلمت به ~~كثيرا. والسكوت عند الملوك أحسن ms008 من الهذر الذي لا يرجع منه إلى نفع. وأفضل ~~ما استظل به الإنسان لسانه. غير أن الملك، أطال الله مدته، لما فسح لي في ~~الكلام وأوسع لي فيه؛ كان أولى ما أبدأ به من الأمور التي هي غرضي أن يكون ~~ثمرة ذلك له دوني؛ وأن اختصه بالفائدة قبلي. على أن العقبى هي ما أقصد في ~~كلامي له؛ وإنما نفعه وشرفه راجع إليه؛ وأكون أنا قد قضيت فرضا وجب علي ~~فأقول: # PageV01P026 # أيها الملك إنك في منازل آبائك وأجدادك من الجبابرة الذين أسسوا الملك ~~قبلك، وشيدوه دونك، وبنوا القلاع والحصون، ومهدوا البلاد، وقادوا الجيوش؛ ~~واستجاشوا العدة، وطالت لم المدة؛ واستكثروا من السلاح والكراع؛ وعاشوا ~~الدهور، في الغبطة والسرور؛ فلم يمنعهم ذلك من اكتساب جميل الذكر، ولا ~~قطعهم عن اغتنام الشكر؛ ولا استعمال الإحسان إلى من خولوه، والإرفاق بمن ~~ولوه، وحسن السيرة فيما تقلدوه؛ مع عظم ما كانوا فيه من غرة الملك، وسكرة ~~الاقتدار. وإنك أيها الملك السعيد جدة، الطالع كوكب سعده، قد ورثت أرضهم ~~وديارهم وأموالهم ومنازلهم التي كانت عدتهم؛ فأقمت فيما خولت من الملك ~~وورثت من الأموال والجنود؛ فلم تقم في ذلك بحق ما يجب عليك؛ بل طغيت وبغيت ~~وعتوت وعلوت على الرعية، وأسأت السيرة، وعظمت منك البلية. وكان الأولى ~~والاشبه # PageV01P027 # بك أن تسلك سبيل أسلافك، وتتبع آثار الملوك قبلك، وتقفو محاسن ما أبقوه ~~لك، وتقلع عما عاره لازم لك، وشينه واقع بك؛ تحسن النظر برعيتك، وتسن لهم ~~سنن الخير الذي يبقى بعدك ضره، ويعقبك الجميل فخره؛ ويكون ذلك أبقى على ~~السلامة وأدوم على الاستقامة. فإن الجاهل المغتر من استعمل في أموره البطر ~~والأمنية، والحازم اللبيب من ساس الملك بالمداراة والرفق؛ فانظر أيها الملك ~~ما ألقيت إليك، ولا يثقلن ذلك عليك: فلم أتكلم بهذا ابتغاء عرض تجازيني به، ~~ولا التماس معروف تكافئني به؛ ولكني أتيتك ناصحا مشفقا عليك. # فلما فرغ منه بيدبا من مقالته، وقضى مناصحته، أوغر صدر الملك فأغلظ له في ~~الجواب استصغارا لأمره؛ وقال: لقد تكلمت بكلام ما كنت ms009 أظن أحدا من أهل ~~مملكتي يستقبلني بمثله، ولا يقدم على ما أقدمت عليه. فكيف أنت # PageV01P028 # مع صغر شأنك، وضعف منتك وعجز قوتك؟ ولقد أكثرت إعجابي من إقدامك علي، ~~وتسلطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدك. وما أجد شيئا في تأديب غيرك أبلغ من ~~التنكيل بك. فذلك عبرة وموعظة لكن عساه أن يبلغ ويروم ما رمت أنت من الملوك ~~إذا أوسعوا لهم في مجالسهم. ثم أمر به أن يقتل ويصلب. فلما مضوا به فيما ~~أمر، فكر فيما أمر به فأحجم عنه، ثم أمر بحبسه وتقييده. فلما حبس أنفذ في ~~طلب تلاميذه ومن كان يجتمع إليه فهربوا في البلاد واعتصموا بجزائر البحار؛ ~~فمكث بيدبا في محبسه أياما لا يسأل الملك عنه، ولا يلتفت إليه؛ ولا يجسر ~~أحد أن يذكره عنده؛ حتى إذا كان ليلة من الليالي سهد الملك سهدا شديدا؛ ~~فطال سهده، ومد إلى الفلك بصره؛ وتفكر في تفلك الفلك وحركات الكواكب، فأغرق ~~الفكر فيه؛ فسلك به إلى استنباط شيء عرض له من أمور الفلك، والمسألة عنه. ~~فذكر عند ذلك بيدبا، وتفكر فيما كلمه به؛ # PageV01P029 # فأرعوى لذلك. وقال في نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف، وضيعت ~~واجب حقه؛ وحملني على ذلك سرعة الغضب. وقد قالت العلماء: أربعة لا ينبغي أن ~~تكون في الملوك: الغضب فإنه أجد الأشياء مقتا؛ والبخل فإن صاحبه ليس بمعذور ~~مع ذات يده؛ والكذب فإنه ليس لأحد أن يجاوره؛ والعنف في المحاورة فإن السفه ~~ليس من شأنها. وإني أتي إلى رجل نصح لي، ولم يكن مبلغا؛ فعاملته بضد ما ~~يستحق، وكافأته بخلاف ما يستوجب. وما كان هذا جزاءه مني؛ بل كان الواجب أن ~~أسمع كلامه، وأنقاد لما يشير به. ثم أنفذ في ساعته من يأتيه به. فلما مثل ~~بين يديه قال له: يا بيدبا ألست الذي قصدت إلى تقصير همتي، وعجزت رأيي في ~~سيرتي بما تكلمت به آنفا؟ قال له بيدبا: أيها الملك الناصح الشفيق، والصادق ~~الرفيق، إنما نبأتك بما فيه صلاح لك ولرعيتك، ودوام ملكك لك، قال له ms010 الملك: ~~يا بيدبا أعد علي # PageV01P030 # كلامك كله، ولا تدع منه حرفا إلا جئت به. فجعل بيدبا ينثر كلامه، والملك ~~مصغ إليه. وجعل دبشليم كلما سمع منه شيئا ينكت على الأرض بشيء كان في يده. ~~ثم رفع طرفه إلى بيدبا، وأمره بالجلوس. وقال له: يا بيدبا، إني قد استعذبت ~~كلامك وحسن موقعه من قلبي. وأنا ناظر في الذي أشرت به، وعامل بما أمرت. ثم ~~أمر بقيوده فحلت. وألقى عليه من لباسه، وتلقاه بالقبول. فقال بيدبا: يا ~~أيها الملك، إن في دون ما كلمتك به نهية لمثلك. قال: صدقت أيها الحكيم ~~الفاضل. وقد وليتك من مجلسي هذا إلى جميع أقاصي مملكتي. فقال له: أيها ~~الملك أعفني من هذا الأمر: فإني غير مضطلع بتقويمه إلا بك. فأعفاه من ذلك. ~~فلما انصرف، علم أن الذي فعله ليس برأي، فبث فرده. وقال: إني فكرت في ~~إعفائك مما عرضته عليك فوجدته لا يقوم إلا بك، ولا ينهض به غيرك، ولا يضطلع ~~به سواك. فلا تخالفني فيه. فأجابه بيدبا إلى ذلك. # PageV01P031 # وكان عادة ملوك ذلك الزمان إذا استوزروا وزيرا أن يعقدوا على رأسه تاجا، ~~ويركب في أهل المملكة، ويطاف به في المدينة. فأمر الملك أن يفعل ببيدبا ~~ذلك. فوضع التاج على رأسه، وركب المدينة ورجع فجلس بمجلس العدل والإنصاف: ~~يأخذ للدني من الشريف، ويساوي بين القوي والضعيف؛ ورد المظالم، ووضع سنن ~~العدل، وأكثر من العطاء والبذل. واتصل الخبر بتلاميذه فجاءوه من كل مكان، ~~فرحين بما جدد الله له من جديد رأي الملك في بيدبا؛ وشكروا الله تعالى على ~~توفيق بيدبا في إزالة دبشليم عما كان عليه من سوء السيرة، واتخذوا ذلك ~~اليوم عيدا يعيدون فيه فهو إلى اليوم عيد عندهم في بلاد الهند. # ثم أن بيدبا لما أخلى فكره من اشتغاله بدبشليم، تفرغ لوضع كتب السياسة ~~ونشط لها، فعمل كتبا كثيرة، فيها دقائق الحيل. ومضى الملك على ما رسم له ~~بيدبا من حسن # PageV01P032 # السيرة والعدل في الرعية. فرغبت إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه، ~~وانقادت له الأمور ms011 على استوائها. وفرحت به رعيته وأهل مملكته. ثم أن بيدبا ~~جمع تلاميذه فأحسن صلتهم، ووعدهم وعدا جميلا. وقال لهم: لست أشك أنه وقع في ~~نفوسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم: إن بيدبا قد ضاعت حكمته، وبطلت فكرته: ~~إذ عزم على الدخول على هذا الجبار الطاغي. فقد علمتم نتيجة رأيي وصحة فكري. ~~وإني لم آته جهلا به: لأني كنت أسمع من الحكماء قبلي تقول: إن الملوك لها ~~سورة كسورة الشراب: فالملوك لا تفيق من السورة إلا بمواعظ العلماء وأدب ~~الحكماء. والواجب على الملوك أن يتعظوا بمواعظ العلماء. والواجب على ~~العلماء تقويم الملوك بألسنتها، وتأديبها بحكمتها، وإظهار الحجة البينة ~~اللازمة لهم: ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج والخروج عن العدل. فوجدت ما ~~قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء لملوكهم ليوقظوهم # PageV01P033 # من رقدتهم؛ كالطبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الأجساد على صحتها أو ~~ردها إلى الصحة. فكرهت أن يموت أو أموت وما يبقى على الأرض غلا من يقول: ~~إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطاغي فلم يرده عما كان عليه. فإن ~~قال قائل: إنه لم يمكنه كلامه خوفا على نفسه، قالوا: كان الهرب منه ومن ~~جواره أولى به؛ والانزعاج عن الوطن شديد؛ فرأيت أن أجود بحياتي؛ فأكون قد ~~أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذرا. فحملتها على التغرير أو الظفر بما ~~أريده. وكان من ذلك ما أنتم معاينوه: فإنه يقال في بعض الأمثال: إن لم يبلغ ~~أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إما بمشقة تناله في نفسه، وإما بوضعية في ماله ~~أو وكس في دينه. ومن لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب. وإن الملك دبشليم قد ~~بسط لساني في أن أضع كتابا فيه ضروب الحكمة. فليضع كل واحد منكم شيئا في أي ~~فن شاء؛ وليعرضه علي لأنظر مقدار # PageV01P034 # عقله، وأين بلغ من الحكمة فهمه. قالوا: أيها الحكيم الفاضل، واللبيب ~~العاقل، والذي وهب لك ما منحك من الحكمة والعقل والأدب والفضيلة، ما خطر ~~هذا بقلوبنا ساعة قط. وأنت رئيسنا وفاضلنا، وبك شرفنا، ms012 وعلى يدك انتعاشنا. ~~ولكن سنجهد أنفسنا فيما أمرت. ومكث الملك على ذلك من حسن السيرة زمانا ~~يتولى ذلك له بيدبا ويقوم به. # ثم إن الملك دبشليم لما استقر له الملك، وسقط عنه النظر في أمور الأعداء ~~بما قد كفاه ذلك بيدبا، صرف همته إلى النظر في الكتب التي وضعتها فلاسفة ~~الهند لآبائه وأجداده؛ فوقع في نفسه أن يكون له أيضا كتاب مشروح ينسب إليه ~~وتذكر فيه أيامه كما ذكر آباؤه وأجداده من قبله. فلما عزم على ذلك، علم أنه ~~لا يقوم ذلك إلا ببيدبا: فدعاه وخلا به؛ وقال له: يا بيدبا، إنك حكيم الهند ~~وفيلسوفها. وإني فكرت ونظرت في خزائن الحكمة التي كانت للملوك قبلي؛ فلم أر ~~فيهم أحدا إلا وضع كتابا يذكر فيه أيامه وسيرته، وينبئ عن # PageV01P035 # أدبه وأهل مملكته؛ فمنه ما وضعته الملوك لأنفسها، وذلك لفضل حكمة فيها؛ ~~ومنها ما وضعته حكماؤها. وأخاف أن يلحقني ما لحق أولئك مما لا حيلة لي فيه، ~~ولا يوجد في خزائني كتاب أذكر به من بعدي، وأنسب إليه كما ذكر من كان قبلي ~~بكتبهم. وقد أحببت أن تضع لي كتابا بليغا تستفرغ فيه عقلك يكون ظاهره سياسة ~~العامة وتأديبها، وباطنه أخلاق الملوك وسياستها للرعية على طاعة الملك ~~وخدمته؛ فيسقط بذلك عني وعنهم كثير مما نحتاج إليه في معاناة الملك. وأريد ~~أن يبقى لي هذا الكتاب من بعدي ذكرا على غابر الدهور. فلما سمع بيدبا كلامه ~~خر له ساجدا، ورفع رأسه وقال: أيها الملك السعيد جده، علا نجمك، وغاب نحسك، ~~ودامت أيامك؛ إن الذي قد طبع عليه الملك من جودة القريحة ووفور العقل حركه ~~لعالي الأمور؛ وسمت به نفسه وهمته إلى أشرف المراتب منزلة، وأبعدها غاية؛ ~~وأدام الله سعادة الملك وأعانه على # PageV01P036 # ما عزم من ذلك، وأعانني على بلوغ مراده. فليأمر الملك بما شاء من ذلك: ~~فإن صائر إلى غرضه، مجتهدا فيه برأيي. قال له الملك: يا بيدبا لم تزل ~~موصوفا بحسن الرأي وطاعة الملوك في أمورهم. وقد اختبرت منك ذلك، واخترت أن ms013 ~~تضع هذا الكتاب، وتعمل فيه فكرك، وتجهد فيه نفسك، بغاية ما تجد إليه ~~السبيل. وليكن مشتملا على الجد والهزل واللهو والحكمة والفلسفة. فكفر له ~~بيدبا وسجد، وقال: قد أجبت الملك أدام الله أيامه إلى ما أمرني به، وجعلت ~~بيني وبينه أجلا. قال: وكم هو الأجل؟ قال: سنة. قال: قد أجلتك؛ وأمر له ~~بجائزة سنية تعينه على عمل الكتاب فبقى بيدبا مفكرا في الأخذ فيه، وفي أي ~~صورة يبتدي بها فيه وفي وضعه. # ثم إن بيدبا جمع تلاميذه وقال لهم: إن الملك قد ندبني لأمر فيه فخري ~~وفخركم وفخر بلادكم، وقد جمعتكم لهذا الأمر. ثم وصف لهم ما سأل الملك من ~~أمر الكتاب، والغرض الذي # PageV01P037 # قصد فيه، فلم يقع لهم الفكر فيه فلما لم يجد عندهم ما يريده فكر بفضل ~~حكمته، وعلم أن ذلك أمر إنما يتم باستفراغ العقل وإعمال الفكر؛ وقال: أرى ~~السفينة لا تجري في البحر إلا بالملاحين: لأنهم يعدلونها؛ وإنما تسلك اللجة ~~بمدبرها الذي تفرد بإمرتها؛ ومتى شحنت بالركاب الكثيرين وكثر ملاحوها لم ~~يؤمن عليه من الغرق. ولم يزل يفكر فيما يعمله في باب الكتاب حتى وضعه على ~~الانفراد بنفسه، مع رجل من تلاميذه كان يثق به؛ فخلا به منفردا معه، بعد أن ~~أعد الورق الذي كانت تكتب فيه الهند شيئا، ومن القوت ما يقوم به وبتلميذه ~~تلك المدة. وجلسا في مقصورة، وردا عليهما الباب ثم بدأ في نظم الكتاب ~~وتصنيفه؛ ولم يزل هو يملي وتلميذه يكتب، ويرجع هو فيه؛ حتى استقر الكتاب ~~على غاية الإتقان والإحكام. ورتب فيه أربعة عشر بابا؛ كل باب منها قائم ~~بنفسه. وفي كل باب مسألة والجواب عنها؛ ليكون لمن نظر # PageV01P038 # فيه حظ من الهداية. وضمن تلك الأبواب كتابا واحدا؛ وسماه كتاب كليلة ~~ودمنة. ثم جعل كلامه على ألسن البهائم والسباع والطير: ليكون ظاهره لهوا ~~للخواص والعوام، وباطنه رياضة لعقول الخاصة. وضمنه أيضا ما يحتاج إليه ~~الإنسان من سياسة نفسه وأهله وخاصته، وجميع ما يحتاج إليه من أمير دينه ~~ودنياه، وأخرته وأولاه؛ ويحضه ms014 على حسن طاعته للملوك ويجنبه ما تكون مجانبته ~~خيرا له. ثم جعله باطنا وظاهرا كرسم سائر الكتب التي برسم الحكمة: فصار ~~الحيوان لهوا، وما ينطق به حكمة وأدبا. فلما ابتدأ بيدبا بذلك جعل أول ~~الكتاب وصف الصديق، وكيف يكون الصديقان، وكيف تقطع المودة الثابتة بينهما ~~بحيلة ذي النميمة. وأمر تلميذه أن يكتب على لسان بيدبا مثل ما كان الملك ~~شرطه في أن جعله لهوا وحكمة. فذكر بيدبا أن الحكمة متى دخلها كلام النقلة ~~أفسدها وجهلت حكمتها. فلم يزل هو وتلميذه يعملان الفكر فيما سأله الملك، ~~حتى فتق لهما العقل أن يكون كلامهما على لسان # PageV01P039 # بهيمتين. فوقع لهما موضع اللهو والهزل بكلام البهائم. وكانت الحكمة ما ~~نطقا به. فأصغت الحكماء إلى حكمه وتركوا البهائم واللهو، وعلموا أنها السبب ~~في الذي وضع لهم. ومالت إليه الجهال عجبا من محاورة بهيمتين، ولم يشكوا في ~~ذلك؛ واتخذوه لهوا، وتركوا معنى الكلام أن يفهموه، ولم يعلموا الغرض الذي ~~وضع له؛ لأن الفيلسوف إنما كان غرضه في الباب الأول أن يخبر عن تواصل ~~الإخوان كيف تتأكد المودة بينهم على التحفظ من أهل السعاية والتحرز ممن ~~يوقع العداوة بين المتحابين: ليجر بذلك نفعا إلى نفسه. فلم يزل بيدبا ~~وتلميذه في المقصورة، حتى استتما عمل الكتاب في مدة سنة. فلما تم الحول ~~أنفذ إليه الملك أن قد جاء الوعد فماذا صنعت؟ فأنفذ إليه بيدبا: إني على ما ~~وعدت الملك. فليأمرني بحمله، بعد أن يجمع أهل المملكة لتكون قراءتي هذا ~~الكتاب بحضرتهم، فلما رجع الرسول إلى الملك سر بذلك، ووعده يوما يجمع فيه # PageV01P040 # أهل المملكة. ثم نادى في أقاصي بلاد الهند ليحضروا قراءة الكتاب. فلما ~~كان ذلك اليوم، أمر الملك أن ينصب لبيدبا سرير مثل سريره، كراسي لأبناء ~~الملوك والعلماء. وأنفذ فأحضره. فلما جاءه الرسول قام فلبس الثياب التي كان ~~يلبسا إذا دخل على الملوك وهي المسوح السود، وحمل الكتاب تلميذه. فلما دخل ~~على الملك وثب الخلائق بأجمعهم، وقام الملك شاكرا. فلما قرب من الملك كفر ~~له وسجد، ولم ms015 يرفع رأسه. فقال له الملك: يا بيدبا ارفع رأسك، فإن هذا يوم ~~هناءة وفرح وسرور، وأمره أن يجلس. فحين جلس لقراءة الكتاب، سأله عن معنى كل ~~باب من أبوابه، وإلى أي شيء قصد فيه. فأخبره بغرضه فيه، وفي كل باب. فازداد ~~الملك منه تعجبا وسرورا. فقال له: يا بيدبا ما عدوت الذي في نفسي؛ وهذا ~~الذي كنت أطلب؛ فالطلب ما شئت وتحكم. فدعا له بيدبا بالسعادة وطول الجد. ~~وقال: أيها الملك أما المال فلا حاجة لي فيه، وأما الكسوة فلا أختار على ~~لباسي # PageV01P041 # هذا شيئا؛ ولست أخلي الملك من حاجة. قال الملك: يا بيدبا ما حاجتك؟ فكل ~~حاجة لك قبلنا مقضية. قال: يأمر الملك أن يدون كتابي هذا كما دون آباؤه ~~وأجداده كتبهم، ويأمر بالمحافظة عليه: فإن # أخاف أن يخرج من بلاد الهند، فيتناوله أهل فارس إذا علموا به؛ فالملك ~~يأمر ألا يخرج من بيت الحكمة. ثم دعا الملك بتلاميذه وأحسن لهم الجوائز. ثم ~~إنه لما ملك كسرى أنوشروان وكان مستأثرا بالكتب والعلم والأدب والنظر في ~~أخبار الأوائل ويقع له خبر الكتاب؛ فلم يقر قراره حتى بعث بروزيه الطبيب ~~وتلطف حتى أخرجه من بلاد الهند فأقره في خزائن فارس. اف أن يخرج من بلاد ~~الهند، فيتناوله أهل فارس إذا علموا به؛ فالملك يأمر ألا يخرج من بيت ~~الحكمة. ثم دعا الملك بتلاميذه وأحسن لهم الجوائز. ثم إنه لما ملك كسرى ~~أنوشروان وكان مستأثرا بالكتب والعلم والأدب والنظر في أخبار الأوائل ويقع ~~له خبر الكتاب؛ فلم يقر قراره حتى بعث بروزيه الطبيب وتلطف حتى أخرجه من ~~بلاد الهند فأقره في خزائن فارس. ### | باب بعثة برزويه إلى بلاد الهند # أما بعد فإن الله تعالى خلق الخلق برحمته، ومن على عباده بفضله وكرمه ~~ورزقهم ما يقدرون به على إصلاح معايشهم في الدنيا، ويدركون به استنقاذ ~~أرواحهم من العذاب في الآخرة، وأفضل ما رزقهم الله تعالى ومن به عليهم ~~بالعقل # PageV01P042 # الذي هو دعامة لجميع الأشياء، والذي لا يقدر أحد في الدنيا على إصلاح ~~معيشته ms016 ولا إحراز نفع ولا دفع ضرر إلا به. # وكذلك طالب الآخرة مجتهد في العمل المنجي به روحه لا يقدر على إتمام عمله ~~وإكماله إلا بالعقل الذي هو سبب كل خير ومفتاح كل سعادة. فليس لأحد غني عن ~~العقل. والعقل مكتسب بالتجارب والأدب. وله غريزة مكنونة في الإنسان كامنة ~~كالنار في الحجر لا تظهر ولا يرى ضوءها حتى يقدحها قادح من الناس؛ فإذا ~~قدحت ظهرت طبيعتها. وكذلك العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب ~~وتقويه التجارب. ومن رزق العقل ومن به عليه وأعين على صدق قريحته بالأدب ~~حرص على طلب سعد جده، وأدرك في الدنيا أمله، وحاز في الآخرة ثواب الصالحين. ~~وقد رزق الله الملك السعيد أنوشروان من العقل أفضله، ومن العلم أجزله؛ ومن ~~المعرفة بالأمور أصوبها، ومن الأفعال أسدها، ومن البحث عن الأصول والفرع ~~أنفعه؛ وبلغه من فنون اختلاف العلم، # PageV01P043 # وبلوغ منزلة الفلسفة، ما لم يبلغه ملك قط من الملوك قبله؛ حتى كان فيما ~~طلب وبحث عنه من العلم أن بلغه عن كتاب بالهند، علم أنه أصل كل أدب ورأس كل ~~علم، والدليل على منفعة، ومفتاح عمل الآخرة وعلمها، ومرعبة النجاة من ~~هولها؛ فأمر الملك وزيره بزرجمهر أن يبحث له عن رجل أديب عاقل من أهل ~~مملكته، بصير بلسان الفارسية، ماهر في كلام الهند؛ ويكون بليغا باللسانين ~~جميعا، حريصا على طلب العلم مجتهدا في استعمال الأدب، مبادرا في طلب العلم، ~~والبحث عن كتب الفلسفة. فأتاه برجل أديب كامل العقل والأدب، معرف بصناعة ~~الطب، ماهر في الفارسية والهندي يقال له بروزيه؛ فلما دخل عليه كفر وسجد ~~بين يديه. فقال له الملك: يا بروزيه: إن قد اخترتك لما بلغني من فضلك وعلمك ~~وعقلك، وحرصك على طلب العلم حيث كان. وقد بلغني عن كتاب بالهند مخزون في ~~خزائنهم، وقص عليه ما بلغه عنه. وقال له: تجهز فإني مرحلك إلى أرض الهند؛ ~~فتلطف بعقلك وحسن # PageV01P044 # أدبك وناقد رأيك، لاستخراج هذا الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهم؛ ~~فتستفيد بذلك وتفيدنا. وما قدرت عليه ms017 من كتب الهند مما ليس في خزائننا منه ~~شيء فأحمله معك؛ وخذ معك من المال ما تحتاج إليه، وعجل ذلك، ولا تقصر في ~~طلب العلوم وإن أكثرت فيه النفقة، فإن جميع ما في خزائني مبذول لك في طلب ~~العلوم. وأمر بإحضار المنجمين؛ فاختاروا له يوما يسير فيه، وساعة صالحة ~~يخرج فيها. وحمل معه من المال عشرين جرابا؛ كل جراب فيه عشرة آلاف دينار. ~~فلما قدم بروزيه بلاد الهند طاف بباب الملك ومجالس السوقة، وسأل عن خواص ~~الملك والأشراف والعلماء والفلاسفة؛ فجعل يغشاهم في منازلهم، ويتلقاهم ~~بالتحية، ويخبرهم بأنه رجل غريب قدم بلادهم لطلب العلوم والأدب، وأنه محتاج ~~إلى معاونتهم في ذلك. فلم يزل كذلك زمانا طويلا يتأدب عن علماء الهند يما ~~هو عالم بجميعه؛ وكأنه لا يعلم منه # PageV01P045 # شيئا؛ وهو فيما بين ذلك يستر بغيته وحاجته. واتخذ في تلك الحالة لطول ~~مقامه أصدقاء كثيرة من الأشراف والعلماء والفلاسفة والسوقة ومن أهل كل طبقة ~~وصناعة؛ وكان قد اتخذ من بين أصدقائه رجلا واحدا قد اتخذه لسره وما يحب ~~مشاورته فيه؛ للذي ظهر له من فضله وأدبه، واستبان له من صحة إخائه؛ وكان ~~يشاوره في الأمور، ويرتاح إليه في جميع ما أهمه. # إلا أنه كان يكتم منه الأمر الذي قدم من أجله لكي يبلوه ويخبره، وينظر هل ~~هو أهل أن يطلعه على سره. فقال له يوما وهما جالسان: يا أخي ما أريد أن ~~أكتمك من أمري فوق الذي كتمتك. فاعلم أنني لأمر قدمت، وهو غير الذي يظهر ~~مني؛ والعاقل يكتفي من الرجل بالعلامات من نظره، حتى يعلم سر نفسه وما ~~يضمره قلبه. قال له الهندي: إني وإن لم أكن بدأتك وأخبرتك بما جئت له، ~~وإياه تريد؛ وأنك تكتم أمرا تطلبه، وتظهر غيره؛ ما خفي على ذلك منك. ولكني ~~لرغبتي في إخائك، كرهت أن أواجهك به. وإنه قد # PageV01P046 # استبان ما تخفيه مني. فأما إذ قد أظهرت ذلك، وأفصحت به وبالكلام فيه، ~~فإني مخبرك عن نفسك، ومظهر لك سريرتك، ومعلمك بحالك التي قدمت لها؛ ms018 فإنك ~~قدمت بلادنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة، فتذهب بها إلى بلادك، وتسربها ملكك. ~~وكان قدومك بالمكر والخديعة. ولكني لما رأيت صبرك، ومواظبتك على طلب حاجتك، ~~والتحفظ من أن يسقط منك الكلام، مع طول مكثك عندنا، بشيء يستدل به على ~~سريرتك وأمورك، ازددت رغبة في إخائك، وثقة بعقلك، فأحببت مودتك. فإني لم أر ~~في الرجال رجلا هو أرصن منك عقلا، ولا أحسن أدبا، ولا أصبر على طلب العلم ~~ولا أكتم لسره منك؛ ولا سيما في بلاد الغربة، ومملكة غير مملكتك، عند قوم ~~لا تعرف سنتهم. وإن عقل الرجل ليبين في ثماني خصال: الأولى الرفق، والثانية ~~أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها، والثالثة طاعة الملوك، والتحري لما يرضيهم. ~~والرابعة معرفة # PageV01P047 # الرجل موضع سره، وكيف ينبغي أن يطلع عليه صديقه، والخامسة أن يكون على ~~أبواب الملوك أديبا ملق اللسان. والسادسة أن يكون لسره وسر غيره حافظا. ~~والسابعة أن يكون على لسانه قادرا، فلا يتكلم إلا بما يأمن تبعته. والثامنة ~~إن كان بالمحفل لا يتكلم إلا بما يسأل عنه. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان ~~هو الداعي الخير إلى نفسه. وهذه الخصال كلها قد اجتمعت فيك، وبانت لي منك. ~~فالله تعالى يحفظك، ويعينك على ما قدمت له؛ فمصادقتك إياي، وإن كانت ~~لتسلبني كنزي وفخري وعلمي، تجعلك أهلا لأن تسعف بحاجتك، وتشفع بطلبتك، ~~وتعطي سؤلك. # فقال له بروزيه: إني كنت هيأت كلاما كثيرا، وشعبت له شعوبا؛ وأنشأت له ~~أصولا وطرقا؛ فلما انتهيت إلى ما بدأتني به من إطلاعك على أمري والذي قدمت ~~له، وألقيته على من ذات نفسك، ورغبتك فيما ألقيت من القول، اكتفيت باليسير ~~من الخطاب # PageV01P048 # معك، وعرفت الكبير من أموري بالصغير من الكلام، واقتصرت به معك على ~~الإيجاز. ورأيت من إسعافك إياي بحاجتي ما دلني على كرمك وحسن وفائك: فإن ~~الكلام إذا ألقي إلى الفيلسوف، والسر إذا استودع إلى اللبيب الحافظ، فقد ~~حصن وبلغ به نهاية أمل صاحبه، كما يحصن الشيء النفيس في القلاع الحصينة. ~~قال له الهندي: لا شيء أفضل من المودة. ومن خلصت ms019 مودته كان أهلا أن يخلطه ~~الرجل بنفسه، ولا يدخر عنه شيئا، ولا يكتمه سرا: فإن حفظ السر رأس الأدب. ~~فإذا كان السر عند الأمين الكتوم فقد احترز من التضييع؛ مع أنه خليق ألا ~~يتكلم به؛ ولا يتم سر ين اثنين قد علماه وتفاوضاه. فإذا تكلم بالسر اثنان ~~فلا بد من ثالث من جهة أحدهما؛ فإذا صار إلى الثلاثة فقد شاع وذاع، حتى لا ~~يستطيع صاحبه أن يجحده ويكابر عنه؛ كالغيم إذا كان متقطعا في السماء فقال ~~قائل: هذا غيم متقطع، لا يقدر أحد على تكذيبه. وأنا قد يداخلني من مودتك ~~وخلطتك سرور # PageV01P049 # لا يدله شيء. وهذا الأمر الذي تطلبه مني أعلم أنه من الأسرار التي لا ~~تكتم؛ فلا بد أن يفشو ويظهر، حتى يتحدث به الناس. فإذا فشا فقد سعيت في ~~هلاكي هلاكا لا أقدر على الفداء منه بالمال وإن كثر: لأن ملكنا فظ غليظ، ~~يعاقب على الذنب الصغير أشد العقاب؛ فكيف مثل هذا الذنب العظيم؟ وإذا ~~حملتني المودة التي بين وبينك فأسعفتك بحاجتك لم يرد عقابه عني شيء. قال ~~بروزيه: إن العلماء قد مدحت الصديق إذا كتم سر صديقه وأعانه على الفوز. ~~وهذا الأمر الذي قدمت له، لمثلك ذخرته، وبك أرجو بلوغه؛ وأنا واثق بكرم ~~طباعك ووفور عقلك، وأعلم أنك لا تخشى مني ولا تخاف أن أبديه؛ بل تخشى أهل ~~بيتك الطائفين بك وبالملك أن يسعوا بك إليه. وأنا أرجو ألا يشيع شيء من هذا ~~الأمر: لأني أنا ظاعن وأنت مقيم، وما أقمت قلا ثالث بيننا. فتعاهدا على هذا ~~جميعا. وكان الهندي خازن الملك، وبيده مفاتيح خزائنه. فأجابه إلى ذلك ~~الكتاب وغلى غيره من الكتب. # PageV01P050 # فأكب على تفسيره ونقله من اللسان الهندي إلى اللسان الفارسي؛ وأتعب نفسه، ~~وانسب بدنه ليلا ونهارا. وهو مع ذلك وجل وفزع من ملك الهند؛ خائف على نفسه ~~من أن يذكر الملك الكتاب في وقت لا يصادفه في خزائنه. # فلما فرغ من انتساخ الكتاب وغيره مما أراد من سائر الكتب. كتب إلى ~~أنوشروان يعلمه بذلك. ms020 فلما وصل إليه الكتاب، سر بذلك سرورا شديدا، ثم تخوف ~~معاجلة المقادير أن تنغص عليه الفرحة؛ فكتب إلى بروزيه يأمره بتعجيل ~~القدوم. فسار بروزيه متوجها نحو كسرى. فلما رأى الملك اقد مسه من الشحوب ~~والتعب والنصب، قال له: أيها العبد الناصح الذي كان يأكل ثمرة ما قد غرس، ~~أبشر وقر عينا: فإني مشرفك وبالغ بك أفضل درجة. وأمره أن يريح بدنه سبعة ~~أيام. فلما كان اليوم الثامن، أمر الملك أن يجتمع إليه الأمراء والعلماء. ~~فلما اجتمعوا، آمر بروزيه بالحضور. فحضر ومعه الكتب؛ ففتحها وقرأها # PageV01P051 # على من حضر من أهل المملكة. فلما سمعوا ما فيها من العلم فرحوا فرحا ~~شديدا؛ وشكروا لله على ما رزقهم، ومدحوا بروزيه وأثنوا عليه؛ وأمر الملك أن ~~تفتح لبروزيه خزائن اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؛ وأمره أن يأخذ ~~من الخزائن ما شاء من مال أو كسوة؛ وقال: يا بروزيه إني قد أمرت أن تجلس ~~على مثل سريري هذا، وتلبس تاجا، وتترأس على جميع الأشراف. فسجد بروزيه ~~للملك ودعا له وطلب من الله وقال: أكرم الله تعالى الملك كرامة الدنيا ~~والآخرة، وأحسن عني ثوابه وجزاءه؛ فإني بحمد الله مستغن عن المال بما رزقني ~~الله على بد الملك السعيد الجد، العظم الملك؛ ولا حاجة لي بالمال؛ لكن لما ~~كلفني الملك ذلك وعلمت أنه يسره، أنا أمضي إلى الخزائن فآخذ منها طلبا ~~لمرضاته وامتثالا لأمره. ثم قصد خزانة الثياب فأخذ منها تختا من طرائف ~~خراسان من ملابس الملوك. فلما قبض روزيه # PageV01P052 # ما اختاره ورضيه من الثياب فال: أكرم الله تعالى الملك ومد في عمره أبدا. ~~لابد أن الإنسان إذا أكرم وجب عليه الشكر؛ وإن كان قد استوجبه تعبا ومشقة ~~فقد كان فيهما رضا الملك. وأما أنا فما لقيته من عناء وتعب ومشقة، لما أعلم ~~أن لكم فيه الشرف يأهل هذا البيت! فإن لم أزل إلى هذا اليوم تابعا رضاكم، ~~أرى العسير فيه يسيرا. والشاق هينا، والنصب والأذى سرورا ولذة: لما أعلم أن ~~لكم فيه رضا وقربة عندكم. ولكني أسألك ms021 أيها الملك حاجة تسعفني بها، وتعطيني ~~فيها سؤلي: فإن حاجتي يسيرة، وفي قضائها فائدة كثيرة. قال أنوشروان: قل فكل ~~حاجة لك من قبلنا مقضية، ولم نرد طلبتك؛ فكيف ما سوى ذلك؟ فقل وتحتشم؛ فإن ~~الأمور كلها مبذولة لك. قال بروزيه: أيها الملك لا تنظر إلى عنائي في رضاك ~~وانكماشي في طاعتك؛ فإنما أنا عبدك يلزمني بذل # PageV01P053 # مهجتي في رضاك؛ ولو لم تجزني لم يكن ذلك عندي عظيما ولا واجبا على الملك؛ ~~ولكن لكرمه وشرف منصبه عمد إلى مجازاتي؛ وخصني وأهي بيتي بعلو المرتبة ورفع ~~الدرجة؛ حتى لو قدر أن يجمع لنا بين شرف الدنيا والآخرة لفعل. فجزاه الله ~~عنا أفضل الجزاء. # قال أنوشروان: اذكر حاجتك، فعلى ما يسرك. فقال بروزيه: حاجتي أن يأمر ~~الملك، أعلاه الله تعالى، وزيره بزرجمهر بن البختكان؛ ويقسم عليه أن يعمل ~~فكره، ويجمع رأيه، ويجهد طاقته، ويفرغ قلبه في نظم تأليف كلام متقن محكم؛ ~~ويجعله بابا يذكر فيه أمري ويصف حالي؛ ولا يدع من المبالغة في ذلك أقصى ما ~~يقدر عليه. ويأمره إذا استتمه أن يجعله أول الأبواب التي تقرأ قبل باب ~~الأسد والثور: فإن الملك إذا فعل ذلك فقد بلغ بي وبأهلي غاية الشرف وأعلى ~~المراتب؛ وأبقى لنا ما لا يزال ذكره باقيا على الأبد حيثما قرئ هذا الكتاب. # PageV01P054 # فلما سمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته وما سمت إليه نفسه من محبة إبقاء ~~الذكر استحسنوا طلبته واختياره، وقال كسرى: حبا وكرامة لك يا بروزيه، إنك ~~لأهل أن تسعف بحاجتك؛ فما أقل ما قنعت به وأيسره عندنا! وإن كان خطره عندك ~~عظيما. ثم أقبل أنوشروان على وزيره بزرجمهر فقال له: قد عرفت مناصحة بروزيه ~~لنا، وتجشمه المخاوف والمهالك فيما يقربه منا، وإتعابه بدنه فيما يسرنا، ~~وما أتى به إلينا من المعروف، وما أفادنا الله على يده من الحكمة والأدب ~~الباقي لنا فخره، وما عرضنا عليه من خزائننا لنجزيه بذلك على ما كان منه، ~~فلم تمل نفسه إلى شيء من ذلك؛ وكان بغيته وطلبته منا أمرا يسيرا رآه ms022 هو ~~الثواب منا له والكرامة الجليلة عنده؛ فإني أحب أن تتكلم في ذلك وتسعفه ~~بحاجته وطلبته. واعلم أن ذلك مما يسرني، ولا تدع شيئا من الاجتهاد ~~والمبالغة إلا بلغته، وإن نالتك فيه مشقة. وهو أن تكتب بابا مضارعا لتلك ~~الأبواب التي في الكتاب؛ وتذكر فيه فضل بروزيه، وكيف كان ابتداء # PageV01P055 # أمره وشأنه، وتنسبه إليه وإلى حسبه وصناعته، وتذكر فيه بعثته إلى بلاد ~~الهند في حاجتنا؛ وما أفدنا على يديه من هنالك؛ وشرفنا به وفضلنا على ~~غيرنا؛ وكيف كان حال بروزيه وقدومه من بلاد الهند؛ فقل ما تقدر عليه من ~~التقريظ والإطناب في مدحه، وبالغ في ذلك أفضل المبالغة واجتهد في ذلك ~~اجتهادا يسر بروزيه وأهل المملكة. # وإن بروزيه أهل لذلك مني ومن جميع أهل المملكة ومنك أيضا: لمحبتك للعلوم. ~~واجهد أن يكون غرض هذا الكتاب الذي ينسب إلى بروزيه أفضل من أغراض تلك ~~الأبواب عند الخاص والعام، وأشد مشاكلة لحال هذا العلم: فإنك أسعد الناس ~~كلهم بذلك: لانفرادك بهذا الكتاب، واجعله أول الأبواب. فإذا أنت عملته ~~ووضعته في موضعه فأعلمني لأجمع أهل المملكة وتقرأه عليهم، فيظهر فضلك ~~واجتهادك في محبتنا؛ فيكون لك بذلك فخر. فلما سمع بزرجمهر مقالة الملك خر ~~له ساجدا، وقال: أدام الله لك أيها الملك البقاء، وبلغك أفضل منازل ~~الصالحين في الآخرة والأولى؛ لقد شرفتني بذلك شرفا باقيا إلى الأبد. ثم خرج ~~بزرجمهر من # PageV01P056 # عند الملك، فوصف بروزيه من أول يوم دفعه أبواه إلى المعلم، ومضيه إلى ~~بلاد الهند في طلب العقاقير والأدوية؛ وكيف تعلم خطوطهم ولغتهم؛ إلى أن ~~بعثه أنوشروان إلى الهند في طلب الكتاب. ولم يدع من فضائل بروزيه وحكمته ~~وخلائقه ومذهبه أمرا إلا نسقه، وأتى به بأجود ما يكون من الشرح. ثم أعلم ~~الملك بفراغه منه. فجمع أنوشروان أشراف قومه وأهل مملكته، وأدخلهم إليه؛ ~~وأمر بزرجمهر بقراءة الكتاب، وبروزيه قائم إلى جانب بزرجمهر، وابتدأ بوصف ~~بروزيه حتى انتهى إلى آخره. ففرح الملك بما أتى به بزرجمهر من الحكمة ~~والعلم. ثم أثنى الملك وجميع من ms023 حضره على بزرجمهر، وشكروه ومدحوه؛ وأمر ~~الملك بمال جزيل وكسوة وحلي وأوان؛ فلم يقبل من ذلك شيئا غير كسوة كانت من ~~ثياب الملوك. ثم شكر له ذلك بروزيه وقبل رأسه ويده؛ وأقبل بروزيه على الملك ~~وقال: أدام الله لك الملك والسعادة فقد بلغت بي وبأهلي غاية الشرف بما أمرت ~~به بزرجمهر من صنعه الكتاب في أمري وإبقاء ذكري. # PageV01P057 ### | باب عرض الكتاب ترجمة عبد الله بن المقفع # هذا كتاب كليلة ودمنة، وهو مما وضعه علماء الهند من الأمثال والأحاديث ~~التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النحو الذي أرادوا. ~~ولم تزل العلماء من أهل كل ملة يلتمسون أن يعقل عنهم، ويحتالون في ذلك ~~بصنوف الحيل؛ ويبتغون إخراج ما عندهم من العلل، حتى كان من تلك العلل وضع ~~هذا الكتاب على أفواه البهائم والطير. فاجتمع لهم بذلك خلال. أما هم فوجدوا ~~متصرفا في القول وشعابا يأخذون منها. وأما الكتاب فجمع حكمة ولهوا: فاختاره ~~الحكماء لحكمته. والسفهاء للهوه، والمتعلم من الأحداث ناشط في حفظ ما صار ~~إليه من أمر يربط في صدره ولا يدري ما هو، بل عرف أنه قد ظفر من ذلك بمكتوي ~~مرقوم. وكان كالرجل الذي لما استكمل الرجولية وجد أبويه قد كنزا له كنوزا ~~وعقدا له عقودا استغنى بها عن الكدح فيما يعمله من أمر معيشته؛ فأغناه ما ~~أشرف عليه من الحكمة عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الأدب. # PageV01P058 # وينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له؛ وإلى أي غاية ~~جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصح؛ وغير ذلك من ~~الأوضاع التي جعلها أمثالا: فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك ~~المعاني، ولا أي ثمرة يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه ~~هذا الكتاب. وإنه وإن كان غيته استتمام قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ ~~منه لم يعد عليه شيء يرجع إليه نفعه. # ومن استكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب؛ ms024 من غير إعمال الروية فيما يقرؤه، ~~كان خليقا ألا يصيبه إلا ما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض ~~المفاوز، فظهر لو موضع آثار كنز؛ فجعل يحفر ويطلب، فوقع على شيء من عين ~~وورق؛ فقال في نفسه: إن أنا أخذت في نقل هذا المال قليلا قليلا طال علي، ~~وقطعني الاشتغال بنقله وإحرازه عن اللذة بما أصبت منه؛ ولكن سأستأجر أقواما ~~يحملونه إلى منزلي، وأكون أنا أخرهم، ولا يكون بقي ورائي شيء يشغل فكري # PageV01P059 # بنقله؛ وأكون قد استظهرت لنفسي في إراحة بدني عن الكد بيسير الأجرة ~~أعطيهم إياها. ثم جاء بالحمالين، فجعل يحمل كل واحد منهم ما يطيق، فينطلق ~~به إلى منزله: فلم يجد فيه من المال شيئا، لا قليلا ولا كثيرا. وإذا كل ~~واحد من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه. ولك يكن له من ذلك إلا العناء ~~والتعب: لأنه لم يفكر في آخر أمره. وكذلك من قرأ هذا الكتاب، ولم يفهم ما ~~فيه، ولم يعلم غرضه ظاهرا وباطنا، لم ينتفع بما بدا له من خطه ونقشه؛ كما ~~لو أن رجلا قدم له جوز صحيح لم ينتفع به إلا أن يكسره؛ وكان أيضا كالرجل ~~الذي طلب علم الفصيح من كلام الناس؛ فأتى صديقا له من العلماء، له علم ~~بالفصاحة، فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح؛ فرسم له صديقه في صحيفة صفراء فصيح ~~الكلام وتصاريفه ووجوهه؛ فانصرف المتعلم إلى منزله؛ فجعل يكثر قراءتها ولا # PageV01P060 # يقف على معانيها. ثم إنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب، فأخذ ~~في محاورتهم؛ فجرت له كلمة أخطأ فيها؛ فقال له بعض الجماعة: إنك قد أخطأت؛ ~~والوجه غير ما تكلمت به، فقال وكيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء؛ وهي في ~~منزلي؟ فكانت مقالته لهم أوجب للحجة عليه وزاده ذلك قربا من الجهل وبعدا من ~~الأدب. # ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وبلغ نهاية علمه فيه، ينبغي له أن يعمل ~~بنا علم منه لينتفع به؛ ويجعله مثالا لا يحيد عنه. فإذا لم يفعل ذلك، ms025 كان ~~مثله كالرجل الذي زعموا أن سارقا تسور عليه وهو نائم في منزله، فعلم به ~~فقال: والله لأسكتن حتى أنظر ماذا يصنع، ولا أذعره؛ ولا أعلمه أني قد علمت ~~به. فإذا بلغ مراده قمت إليه، فنغصت ذلك عليه. ثم إنه أمسك عنه. وجعل ~~السارق يتردد، وطال تردده في جمعه ما يجده؛ فغلب الرجل النعاس فنام، وفرغ ~~اللص مما أراد، وأمكنه الذهاب. واستيقظ الرجل، فوجد # PageV01P061 # اللص قد أخذ المتاع وفاز به. فأقبل على نفسه يلومها، وعرف أن لم ينتفع ~~بعلمه باللص: إذ لم يستعمل في أمره ما يجب. فالعلم لا يتم إلا بالعمل، وهو ~~كالشجرة والعمل به كالثمرة. وإنما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به؛ وإن ~~لم يستعمل ما يعلم لا يسمى عالما. ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف، ثم ~~سلكه على علم به، سمي جاهلا؛ ولعله إن حاسب نفسه وجدها قد ركبت أهواء هجمت ~~بها فيما هو أعرف بضررها فيه وأذاها من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي ~~قد جهله. ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي أن يعمل بما جربه هو أو أعلمه به ~~غيره، كان كالمريض العالم برديء الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله، ثم ~~يحمله الشره على أكل رديئه وترك ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من علته. ~~وأقل الناس عذرا في اجتناب محمود الأفعال وارتكاب مذمومها من أبصر ذلك ~~وميزه وعرف فضل بعضه على بعض كما أنه لو أن رجلين أحدهما بصير والآخر أعمى ~~ساقهما الأجل # PageV01P062 # إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صارا في قاعها بمنزلة واحدة؛ غير أن ~~البصير أقل عذرا عند الناس من الضرير: إذ كانت له عينان يبصر بهما، وذاك ~~بما صار إليه جاهل غير عارف. # وعلى العالم أن يبدأ بنفسه ويؤدبها بعلمه، ولا تكون غايته اقتناؤه العلم ~~لمعاونة غيره، ويكون كالعين التي يشرب منها الناس ماءها وليس لها في ذلك ~~شيء من المنفعة، وكدودة القز التي تحكم صنعته ولا تنتفع به. فينبغي لمن ~~يطلب العلم أن يبدأ بعظة نفسه، ثم عليه بعد ذلك ms026 أن يقبسه؛ فإن خلالا ينبغي ~~لصاحب الدنيا أن يقتنيها ويقبسها: منها العلم والمال. ومنها اتخاذ المعروف. ~~وليس للعالم أن يعيب أمرا بشيء فيه مثله، ويكون كالأعمى الذي يعير الأعمى ~~بعماه. وينبغي لم طلب أمرا أن يكون له فيه غاية ونهاية، ويعمل بها، ويقف ~~عندها؛ ولا يتمادى في الطلب؛ فإنه يقال: من سار إلى غير غاية # PageV01P063 # يوشك أن تنقطع به مطيته؛ وأنه كان حقيقا ألا يعني نفسه في طلب ما لا حد ~~له، وما لم ينله أحد قبله، ولا يتأسف عليه؛ ولا يكون لدنياه مؤثرا على ~~أخرته: فإن من لم يعلق قلبه بالغايات قلت حسرته عند مفارقتها. وقد يقال في ~~أمرين إنهما يجملان بكل أحد: أحدهما النسك والآخر المال الحلال ولا يليق ~~بالعاقل أن يؤنب نفسه على ما فاته وليس في مقدوره؛ فربما أتاح الله ما يهنأ ~~به ولم يكن في حسبانه. ومن أمثال هذا أن رجلا كان به فاقة وجوع وعري، ~~فألجأه ذلك إلى أن سأل أقاربه أصدقاءه، فلم يكن عند أحد منهم فضل يعود به ~~عليه. فبينما هو ذات ليلة في منزله إذ أبصر بسارق فيه؛ فقال: والله ما في ~~منزلي شيء أخاف عليه: فليجهد السارق جهده. فبينما السارق يجول إذ وقعت يده ~~على خابية فيها حنطة، فقال السارق: والله ما أحب أن يكون عنائي الليلة ~~باطلا. ولعلي لا أصل إلى موضع آخر، ولكن سأحمل هذه # PageV01P064 # الحنطة. ثم بسط قميصه ليصب عليه الحنطة. فقال الرجل: أيذهب هذا بالحنطة ~~وليس ورائي سواها؟ فيجتمع علي مع العري ذهاب ما كنت أقتات به. وما تجتمع ~~والله هاتان الخلتان على أحد إلا أهلكاه. ثم صاح بالسارق، وأخذ هراوة كانت ~~عند رأسه؛ فلم يكن للسارق حلية إلا الهرب منه، وترك قميصه ونجا بنفسه؛ وغدا ~~الرجل به كاسيا. وليس ينبغي أن يركن إلى مثل هذا ويدع ما يجب عليه من الحذر ~~والعمل في مثل هذا لصلاح معاشه؛ ولا ينظر إلى من تواتيه المقادير وتساعده ~~على غير التماس منه: لأن أولئك في الناس قليل؛ والجمهور منهم ms027 من أتعب نفسه ~~في الكد والسعي فيما يصلح أمره وينال به ما أراد. وينبغي أن يكون حرصه على ~~ما طاب كسبه وحسن نفعه؛ ولا يتعرض لما يجلب عليه العناء والشقاء؛ فيكون ~~كالحمامة التي تفرخ الفراخ وتذبح، ثم لا يمنعها ذلك أن تعود فتفرخ موضعها، ~~وتقيم بمكانها فتؤخذ # PageV01P065 # الثانية من فراخها فتذبح. وقد يقال: إن الله تعالى قد جعل لكل شيء حدا ~~يوقف عليه. ومن تجاوز في أشياء حدها أوشك أن يلحقه التقصير عن بلوغها. ~~ويقال: من كان سعيه لأخرته ودنياه فحياته له وعليه. ويقال في ثلاثة أشياء ~~يجب على صاحب الدنيا إصلاحها وبذل جهده فيها: منها أمر معيشته؛ ومنها ما ~~بينه وبين الناس؛ ومنها ما يكسبه الذكر الجميل بعد. وقد قيل في أمور من كن ~~فيها لم يستقم له عمل. من التواني؛ ومنها تضييع الفرص؛ ومنها التصديق لكل ~~مخبر. فرب مخبر بشيء عقله ولا يعرف استقامته فيصدقه. # وينبغي للعاقل أن يكون لهواه متهما؛ ولا يقبل من كل أحد حديثا؛ ولا ~~يتمادى في الخطأ إذا ظهر له خطؤه ولا يقدم على أمر حتى يتبين له الصواب، ~~وتتضح له الحقيقة؛ ولا يكون كالرجل الذي يحيد عن الطريق، فيستمر على ~~الضلال، فلا يزداد في السير إلا جهدا، وعن القصد إلا بعدا؛ وكالرجل الذي ~~تقذى عينه فلا يزال يحكها، وربما كان ذلك # PageV01P066 # الحك سببا لذهابها. ويجب على العاقل أن يصدق بالقضاء والقدر، ويأخذ ~~بالحزم، ويحب الناس ما يحب لنفسه، ولا يلتمس صلاح نفسه بفساد غيره، فإنه من ~~فعل ذلك كان خليقا أن يصيبه ما أصاب التاجر من رفيقه. # فإنه يقال إنه كان رجل تاجر، وكان له شريك، فاستأجرا حانوتا، وجعلا ~~متاعهما فيه. وكان أحدهما قريب المنزل من الحانوت؛ فأضمر في نفسه أن يسرق ~~عدلا من أعدال رفيقه؛ ومكر الحيلة في ذلك، وقال: إن أتيت ليلا لم آمن من أن ~~أحمل عدلا من أعدالي أو رزمة من رزمي ولا أعرفها؛ فيذهب عنائي وتعبي باطلا. ~~فأخذ رداءه، وألقاه على العدل الذي أضمر أخذه. ثم انصرف إلى ms028 منزله. وجاء ~~رفيقه بعد ذلك ليصلح أعداله، فوجد رداء شريكه على بعض أعداله، فقال: والله ~~هذا رداء صاحبي؛ ولا أحسبه إلا قد نسيه. وما الرأي أن أدعه هاهنا؛ ولكن ~~اجعله على رزمه؛ فلعله يسبقني إلى # PageV01P067 # الحانوت فيجده حيث يحب. ثم أخذ الرداء فألقاه على عدل من أعدال رفيقه ~~ومعه رجل قد واطأه على ما عزم عليه، وضمن له جعلا على حمله؛ فصار إلى ~~الحانوت؛ فالتمس الإزار في الظلمة فوجده على العدل؛ فاحتمل ذلك العدل؛ ~~وأخرجه هو والرجل، وجعلا يتراوحان على حمله؛ حتى أتى منزله، ورمى نفسه ~~تعبا. فلما أصبح افتقده فإذا هو بعض أعداله؛ فندم أشد الندامة. ثم انطلق ~~نحو الحانوت، فوجد شريكه قد سبقه إليه ففتح الحانوت ووجد العدل مفقودا: ~~فاغتم لذلك غما شديدا؛ وقال: واسوءتاه من رفيق صالح قد ائتمنني على ماله ~~وخلفني فيه! ماذا يكون حالي عنده؟ ولست أشك في تهمته إياي. ولكن قد وطنت ~~نفسي على غرامته. ثم أتى صاحبه فوجده مغتما، فسأله عن حاله؛ فقال إني قد ~~افتقدت الأعدال، وفقدت عدلا من أعدالك، ولا # PageV01P068 # أعلم بسببه؛ وإني لا أشك في تهمتك إياي؛ وإني قد وطنت نفسي على غرامته. ~~فقال له: يا أخي لا تغتم: فإن الخيانة شر ما عمله الإنسان، والمكر والخديعة ~~لا يؤديان إلى خير؛ وصاحبهما مغرور أبدا، وما عاد وبال البغي إلا على ~~صاحبه: وكيف كان ذلك؟ فأخبره بخبره، وقص عليه قصته. فقال له رفيقه: ما مثلك ~~إلا مثل اللص والتاجر. فقال له: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن تاجرا كان له ~~في منزله خابيتان إحداهما مملوءة حنطة، والأخرى مملوءة ذهبا. فترقبه بعض ~~اللصوص زمانا، حتى إذا كان بعض الأيام تشاغل التاجر عن المنزل؛ فتغفله ~~اللص، ودخل المنزل، وكمن في بعض نواحيه. فلما هي بأخذ الخابية التي فيها ~~الدنانير أخذ التي فيها الحنطة، وظنها التي فيها الذهب؛ ولم يزل في كد وتعب ~~حتى أتى بها منزله فلما فتحها وعلم ما فيها ندم. قال له الخائن: ما أبعدت # PageV01P069 # المثل، ولا تجاوزت القياس؛ وقد اعترفت ms029 بذنبي وخطئي عليك، وعزيز علي أن ~~يكون هذا كهذا. غير أن النفس الرديئة تأمر بالفحشاء. فقبل الرجل معذرته، ~~وأضرب عن توبيخه وعن الثقة به؛ وندم هو عندما عاين من سوء فعله وتقديم ~~جهله. # وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزاويقه. بل يشرف ~~على ما يتضمن من الأمثال، حتى ينتهي منه؛ ويقف عند كل مثل وكلمة، ويعمل ~~فيها رؤيته؛ ويكون مثل أصغر الاخوة الثلاثة الذين خلف لهم أبوهم المال ~~الكثير، قتنازعوه بينهم؛ فأما الكبيران فإنهما أسرعا في إتلافه وإنفاقه في ~~غير وجهه؛ وأما الصغير فإنه عندما نظر ما صار إليه أخواه من إسرافهما ~~وتخليهما من المال، اقبل على نفسه يشاورها وقال: يا نفسي إنما المال يطلبه ~~صاحبه، ويجمعه من كل وجه: لبقاء حاله، وصلاح معاشه ودنياه، وشرف # PageV01P070 # منزلته في أعين الناس، واستغنائه عما في أيديهم، وصرفه في وجهه: من صلة ~~الرحم، والإنفاق على الولد، والإفضال على الإخوان. فمن كان له مال ولا ~~ينفقه في حقوقه، كان كالذي يعد فقيرا وإن كان موسرا. وإن هو أحسن إمساكه ~~والقيام عليه، لم يعدم الأمرين جميعا من دنيا تبقى عليه، وحمد يضاف إليه؛ ~~ومتى قصد إنفاقه على غير الوجوه التي علمت، لم يلبث أن يتلفه ويبقى على ~~حسرة وندامة. ولكن الرأي أن أمسك هذا المال، فإني أرجو أن ينفعني الله به: ~~ويغني أخوي على يدي: فإنما هو مال أبي ومال أبيهما. وإن أولى الإنفاق على ~~صلة الرحم وإن بعدت، فكيف بأخوي؟ فأنفذ فأحضرهما وشاطرهما ماله، وكذلك يجب ~~على قارئ هذا الكتاب أن يديم النظر فيه من غير ضجر، ويلتمس جواهر معانية، ~~ولا يظن أن نتيجة الإخبار عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبع لثور: فينصرف بذلك ~~عن الغرض المقصود. ويكون مثله مثل الصياد الذي كان في بعض الخلجان يصيد فيه ~~السمك # PageV01P071 # في زورق فرأى ذات يوم في أرض الماء صدفة تتلألأ حسنا، فتوهمها جوهرا له ~~قيمة وكان قد ألقى شبكته في البحر، فاشتملت على سمكة كانت قوت يومه، فخلاها ~~وقذف نفسه في ms030 الماء ليأخذ الصدفة، فلما أخرجها وجدها فارغة لا شيء فيها مم ~~ظن. فندم على ترك ما في يده للطمع، وتأسف على ما فاته، فلما كان اليوم ~~الثاني تنحى عن ذلك المكان، وألقى شبكته، فأصاب حوتا صغيرا، ورأى أيضا صدفة ~~سنية، فلم يلتفت إليها، وساء ظنه بها، فتركها. فاجتاز بها بعض الصيادين ~~فأخذها، فوجد فيها درة تساوي أموالا. وكذلك الجهال إذا أغفلوا أمر التفكير ~~في هذا الكتاب، وتركوا الوقوف على أسرار معاني، وأخذوا بظاهره. ومن صرف ~~همته إلى النظر في أبواب الهزل، كان كرجل أصاب أرضا طيبة حرة وحبا صحيحا، ~~فزرعها وسقاها، حتى إذا قرب خيرها # PageV01P072 # وأينعت، تشاغل عنها بجمع ما فيها من الزهر وقطع الشوط؛ فأهلك بتشاغله ما ~~كان أحسن فائدة وأجمل عائدة. # وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أغراض: أحدها ~~ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة ليسارع إلى قراءته أهل ~~الهزل من الشبان، فتستمال به قلوبهم: لأنه الغرض بالنوادر من حيل الحيوان. # والثاني إظهار خيالات الحيوان بصنوف الأصباغ والألوان: ليكون أنسا لقلوب ~~الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور. والثالث أن يكون على ~~هذه الصفة: فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه، ولا يبطل فيخلق على ~~مرور الأيام؛ ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا. والغرض الرابع، وهو ~~الأقصى، وذلك مخصوص بالفيلسوف خاصة. # PageV01P073 ### | باب بروزيه ترجمة بزرجمهر بن البختكان # قال بروزيه رأس أطباء فارس، وهو الذي تولى انتساخ هذا الكتاب، وترجمه من ~~كتب الهند - وقد مضى ذكر ذلك من قبل -: أبي كان من المقاتلة، وكانت أمي من ~~عظماء بيوت الزمازمة. وكان منشئي في نعمة كاملة، وكنت أكرم ولد أبوي ~~عليهما؛ وكانا بي أشد احتفاظا من دون إخوتي، حتى إذا بلغت السبع سنين، ~~أسلماني إلى المؤدب؛ فلما حذقت الكتابة، شكرت أبوي؛ ونظرت في العلم، فكان ~~أول ما ابتدأت به وحرصت عليه، علم الطب: لأني كنت عرفت فضله. وكلما ازددت ~~منع علما ازددت فيه حرصا، وله اتباعا. فلما همت نفسي بمداواة المرضى، وعزمت ms031 ~~على ذلك آمرتها ثم خيرتها بين الأمور الأربعة التي يطلبها الناس، وفيها ~~يرغبون، ولها يسعون. فقلت: أي هذه الخلال أبتغي في علمي؟ وأيها أحرى بي ~~فأدرك منه حاجتي؟ المال، أم الذكر، أم اللذات # PageV01P074 # أم الآخرة؟ وكنت وجدت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب على طبه، لا ~~يبتغي إلا الآخرة. فرأيت أن أطلب الاشتغال بالطب ابتغاء الآخرة: لئلا أكون ~~كالتاجر الذي باع ياقوتة ثمينة بخرزة لا تساوي شيئا؛ مع أني قد وجدت في كتب ~~الأولين أن الطبيب الذي يبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك حظه في الدنيا. ~~وإن مثله مثل الزارع الذي يعمر أرضه ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب. ثم هي ~~لا محالة نابت فيها ألوان العشب مع يانع الزرع. فأقبلت على مداواة المرضى ~~ابتغاء أجر الآخرة، فلم أدع مريضا أرجو له البرء، وآخر لا أرجو له ذلك، إلا ~~أني أطمع أن يخف عنه بعض المرض، إلا بالغت في مداواته ما أمكنني القيام ~~عليه بنفسي؛ ومن لم أقدر على القيام عليه وصفت له ما يصلح، وأعطيته من ~~الدواء ما يعالج به. ولم أرد ممن فعلت معه ذلك جزاء ولا مكافأة؛ ولم أغبط ~~أحدا من نظرائي الذين هم دوني في العلم وفوقي في الجاه والمال وغيرهما مما ~~لا يعود بصلاح ولا حسن سيرة قولا ولا عملا. # PageV01P075 # لما تاقت نفسي إلى غشيانهم وتمنت منازلهم أثبت لها الخصومة؛ فقلت لها: يا ~~نفس، أما تعرفين نفعك من ضرك؟ ألا تنتهين عن تمني ما لا يناله أحد إلا قل ~~انتفاعه به، وكثر عناؤه فيه، واشتدت المئونة عليه وعظمت المشقة لديه بعد ~~فراقه؟ يا نفسي، أما تذكرين ما بعد هذه الدار: فينسيك ما تشرهين إليه منها؟ ~~ألا تستحبين من مشاركة الفجار في حب هذه العاجلة الفانية التي من كان في ~~يده شيء منها فليس له، وليس بباق عليه؛ فلا يألفها إلا المغترون الجاهلون؟ ~~يا نفس انظري في أمرك، وانصرفي عن هذا السفه، وأقبلي بقوتك وسعيك على تقديم ~~الخير، وإياك والشر، واذكري أن هذا الجسد ms032 موجود لآفات، وأنه مملوء أخلاطا ~~فاسدة قذرة، تعقدها الحياة، والحياة إلى نفاد؛ كالصنم المفصلة أعضاؤه إذا ~~ركبت ووضعت، يجمعها مسمار واحد، ويضم يعضها إلى بعض، فإذا أخذ ذلك المسمار ~~تساقطت الأوصال. يا نفس، لا تغتري بصحبة أحبائك # PageV01P076 # وأصحابك، ولا تحرصي على ذلك كل الحرص: فإن صحبتهم - على ما فيها من ~~السرور - كثيرة المئونة، وعاقبة ذلك الفراق. ومثلها مثل المغرفة التي ~~تستعمل في جدتها لسخونة المرق، فإذا انكسرت صارت وقودا. يا نفس، لا يحملنك ~~أهلك وأقاربك على جمع ما تهلكين فيه، إرادة صلتهم؛ فإذا أنت كالدخنة الأرجة ~~التي تحترق ويذهب آخرون بريحها. يا نفس، لا يبعد الكثير باليسير؛ كالتاجر ~~الذي كان له ملء بيت من الصندل، فقال: إن بعته وزنا طال علي، فباعه جزافا ~~بأبخس الثمن. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة؛ وكل على كل ~~راد، وله عدو ومغتاب، ولقوله مخالف. فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد ~~منهم سبيلا؛ وعرفت أني إن صدقت أحدا منهم لا علم لي بحاله، كنت في ذلك ~~كالمصدق المخدوع # PageV01P077 # الذي زعموا في شأنه أن سارقا علا ظهر بيت رجل من الأغنياء، وكان معه ~~جماعة من أصحابه، فاستيقظ صاحب المنزل من حركة أقدامهم، فعرف امرأته ذلك؛ ~~فقال لها: رويدا إني لأحسب اللصوص علوا البيت، فأيقظيني بصوت يسمعه اللصوص ~~وقولي ألا تخبرني أيها الرجل عن أموالك هذه الكثيرة وكنوزك العظيمة؟ فإذا ~~نهيتك عن هذا السؤال فألحي علي بالسؤال. ففعلت المرأة ذلك وسألته كما ~~أمرها؛ وأنصتت اللصوص إلى سماع قولهما. فقال لها الرجل: أيتها المرأة، قد ~~ساقك القدر إلى رزق واسع كثير: فكلي واسكتي، ولا تسألي عن أمر إن أخبرتك به ~~لم آمن من أن يسمعه أحد، فيكون في ذلك ما أكره # وتكرهين. فقالت المرأة: أخبرني أيها الرجل، فلعمري ما بقربنا أحد يسمع ~~كلامنا. فقال لها: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال إلا من السرقة. قال: ~~وكيف كان ذلك؟ وما كنت تصنع؟ قال: ذلك لعلم أصبته في السرقة، وكان الأمر ~~علي يسيرا، وأنا آمن من ms033 أن يتهمني أحد أو يرتاب في. ين. فقالت المرأة: ~~أخبرني أيها الرجل، فلعمري ما بقربنا أحد يسمع كلامنا. فقال لها: فإني ~~أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال إلا من السرقة. قال: وكيف كان ذلك؟ وما كنت ~~تصنع؟ قال: ذلك لعلم أصبته في السرقة، وكان الأمر علي يسيرا، وأنا آمن من ~~أن يتهمني أحد أو يرتاب في. # PageV01P078 # قالت: فاذكر لي ذلك، قال: كنت أذهب في الليلة المقمرة، أنا وأصحابي، حتى ~~أعلو داء بعض الأغنياء مثلنا؛ فأنتهي إلى الكوة التي يدخل منها الضوء فأرقي ~~بهذه الرقية وهي شولم شولم سبع مرات، وأعتنق الضوء؛ فلا يحس بوقوعي أحد، ~~فلا أدع مالا ولا متاعا إلا أخذته. ثم أرقي بتلك الرقية سبع مرات. وأعتنق ~~الضوء فيجذبني؛ فأصعد إلى أصحابي، فنمضي سالمين آمنين. فلما سمع اللصوص ذلك ~~قالوا: قد ظفرنا الليلة بما نريد من المال؛ ثم إنهم أطالوا المكث حتى ظنوا ~~أن صاحب الداء وزوجته قد هجعا؛ فقام قائدهم إلى مدخل الضوء؛ وقال: شولم ~~شولم سبع مرات؛ ثم اعتنق الضوء لينزل إلى أرض المنزل، فوقع على أم رأسه ~~منكسا. فوثب إليه الرجل بهراوته، وقال له: من أنت؟ قال: أنا المصدق المخدوع ~~المغتر يما لا يكون أبدا؛ وهذه ثمرة رقيتك. فلما تحرزت من تصديق ما لا ~~يكون، ولم آمن إن صدقته أن يوقعني في مهلكة عدت إلى طلب الأديان والتماس ~~العدل منها؛ فلم أجد عند # PageV01P079 # أحد ممن كلمته جوابا فيما سألته عنه فيها، ولم أر فيما كلموني به شيئا ~~يحق لي في عقلي أن أصدق به ولا أن أتبعه. فقلم لما لم أجد ثقة آخذ منه، ~~الرأي أن ألزم دين آبائي وأجدادي الذي وجدتهم عليه. فلما ذهبت التمس العذر ~~لنفسي في لزوم دين الآباء والأجداد، لم أجد لها على الثبوت على دين الآباء ~~طاقة؛ بل وجدتها تريد أن تتفرغ للبحث عن الأديان والمسألة عنها، وللنظر ~~فيها؛ فهجس في قلبي وخطر على بالي قرب الأجل وسرعة انقطاع الدنيا واعتباط ~~أهلها وتحزم الدهر حياتهم. ففكرت في ذلك. فلما خفت ms034 من التردد والتحول، رأيت ~~ألا أتعرض لما أتخوف منه المكروه؛ وأن أقتصر على عمل تشهد النفس أنه يوافق ~~كل الأديان. فكففت يدي عن القتل والضرب، وطرحت نفسي عن المكروه والغضب ~~والسرقة والخيانة والكذب والبهتان والغيبة، وأضمرت في نفسي ألا أبغي على ~~أحد، ولا أكذب بالبعث ولا القيامة ولا الثواب ولا # PageV01P080 # العقاب؛ وزايلت الأشرار بقلبي، وحاولت الجلوس مع الأخيار بجهدي، ورأيت ~~الصلاح ليس كمثله صاحب ولا قرين، ووجدت مكسبه إذا وفق الله وأعان يسيرا؛ ~~ووجدته لا ينقص على الإنفاق منه؛ بل يزداد جدة وحسنا؛ ووجدته لا خوف عليه ~~من السلطان أن يغصبه، ولا من الماء أن يغرقه، ولا من النار أن تحرقه، ولا ~~من اللصوص أن تسرقه، ولا من السباع وجوارح الطير أن تمزقه؛ ووجدت الرجل ~~الساهي اللاهي المؤثر اليسير يناله في يومه ويعدمه في غده على الكثير ~~الباقي نعيمه، يصيبه ما أصاب التاجر الذي زعموا أنه كان له جوهر نفيس، ~~فاستأجر لثقبه رجلا، اليوم بمائة دينار؛ وانطلق به إلى المنزل ليعمل؛ وإذا ~~في ناحية البين صنج موضوع. فقال التاجر للصانع: هل تحسن أن تلعب بالصنج؟ # PageV01P081 # قال نعم. وكان بلعبه ماهرا. فقال التاجر: دونك الصنج فأسمعنا ضربك به. ~~فأخذ الرجل الصنج، ولم يزل يسمع التاجر الضرب الصحيح، والصوت الرفيع، ~~والتاجر يشير بيده ورأسه طربا، حتى أمسى. فلما حان وقت الغروب قال الرجل ~~للتاجر: مر لي بالأجرة. فقال له التاجر: وهل عملت شيئا تستحق به الأجرة؟ ~~فقال له: عملت ما أمرتني به، وأنا أجيرك، وما استعملتني عملت؛ ولم يزل به ~~حتى استوفى منه مائة دينار. وبقي جوهره غير مثقوب. فم أزدد في الدنيا ~~وشهواتها نظرا، إلا ازددت فيها زهادة ومنها هربا. ووجدت النسك هو الذي يمهد ~~للمعاد كما يمهد الوالد لولده؛ ووجدته هو الباب المفتوح إلى النعيم المقيم؛ ~~ووجدت الناسك قد تدبر فعلته بالسكينة فشكر؛ وتواضع وقنع فاستغنى، ورضي ولم ~~يهتم، وخلع الدنيا فنجا من الشرور، ورفض الشهوات فصار طاهرا، واطرح الحسد ~~فوجبت له المحبة، وسخت نفسه بك شيء؛ واستعمل # PageV01P082 # العقل وأبصر ms035 العاقبة فأمن الندامة، ولم يخف الناس ولم يدب إليهم فسلم ~~منهم. فلم أزدد في أمر النسك نظرا، إلا ازددت فيه رغبة، حتى هممت أن أكون ~~من أهله. ثم تخوفت ألا أصبر على عيش الناسك، ولم آمن إن تركت الدنيا وأخذت ~~في النسك، أن أضعف عن ذلك؛ ورفضت إعمالا كنت أرجو عائدتها؛ وقد كنت أعملها ~~فأنتفع بها في الدنيا، فيكون مثلي في ذلك مثل الكلب الذي مر بنهر وفي فيه ~~ضلع، فرأى ظلها في الماء، فهوى ليأخذها، فأتلف ما كان معه؛ ولم يجد في ~~الماء شيئا. فهبت النسك مهابة شديدة، وخفت من الضجر وقلة الصبر، وأردت ~~الثبوت على حالتي التي كنت عليها. ثم بدا لي # أن أسبر ما أخاف ألا أصبر عليه من الأذى والضيق والخشونة في النسك؛ وما ~~يصيب صاحب الدنيا من البلاء؛ وكان عندي أنه ليس شيء من شهوات الدنيا ~~ولذاتها إلا وهو متحول إلى الأذى ومولد للحزن. فالدنيا كالماء الملح الذي ~~يصيبه الكلب فيجد فيه ريح اللحم؛ فلا يزال يطلب ذلك حتى يدمي فاه. وكالحدأة ~~التي تظفر بقطعة من اللحم، فيجتمع عليها الطير، فلا تزال تدور وتدأب حتى ~~تعيا وتتعب؛ فإذا تعبت ألقت ما معها. وكالكوز من العسل الذي في أسفله السم ~~الذي يذاق منه حلاوة عاجلة وآخره موت ذعاف، وكأحلام النائم التي يفرح بها ~~الإنسان في نومه، فإذا استيقظ ذهب الفرح. فلما فكرت في هذه الأمور، رجعت ~~إلى طلب النسك، وهزني الاشتياق إليه؛ ثم خاصمت نفسي إذ هي في شرورها سارحة، ~~وقد لا تثبت على أمر تعزم عليه: كقاض سمع من خصم واحد فحكم له، فلما خضر ~~الخصم الثاني عاد إلى الأول وقضى عليه. ثم نظرت في الذي أكابده من احتمال ~~النسك وضيقه؛ فقلت: ما أصغر هذه المشقة في جانب روح الأبد وراحته. ثم نظرت ~~فيما تشره إليه النفس من لذة الدنيا، فقلت: ما أمر هذا وأوجعه، وهو يدفع ~~إلى عذاب الأبد وأهواله! وكيف لا يستحلي الرجل مرارة قليلة تعقبها حلاوة ~~طويلة؟ وكيف لا تمر عليه حلاوة ms036 قليلة تعقبها مرارة دائمة؟ وقلت: لو أن رجلا ~~عرض عليه أن يعيش مائة سنة، لا يأتي عليه يوم واحد إلا بضع منه بضعة؛ ثم ~~أعيد عليه من الغد؛ غير أنه يشرط له، أنه إذا استوفى السنين المائة، نجا من ~~كل ألم وأذى، وصار إلى الأمن والسرور، كان حقيقا ألا يرى تلك السنين شيئا. ~~أسبر ما أخاف ألا أصبر عليه من الأذى والضيق والخشونة في النسك؛ وما يصيب ~~صاحب الدنيا من البلاء؛ وكان عندي أنه ليس شيء من شهوات الدنيا ولذاتها # PageV01P083 # إلا وهو متحول إلى الأذى ومولد للحزن. فالدنيا كالماء الملح الذي يصيبه ~~الكلب فيجد فيه ريح اللحم؛ فلا يزال يطلب ذلك حتى يدمي فاه. وكالحدأة التي ~~تظفر بقطعة من اللحم، فيجتمع عليها الطير، فلا تزال تدور وتدأب حتى تعيا ~~وتتعب؛ فإذا تعبت ألقت ما معها. وكالكوز من العسل الذي في أسفله السم الذي ~~يذاق منه حلاوة عاجلة وآخره موت ذعاف، وكأحلام النائم التي يفرح بها ~~الإنسان في نومه، فإذا استيقظ ذهب الفرح. فلما فكرت في هذه الأمور، رجعت ~~إلى طلب النسك، وهزني الاشتياق إليه؛ ثم خاصمت نفسي إذ هي في شرورها سارحة، ~~وقد لا تثبت على أمر تعزم عليه: كقاض سمع من خصم واحد فحكم له، فلما خضر ~~الخصم الثاني عاد إلى الأول وقضى عليه. # PageV01P084 # ثم نظرت في الذي أكابده من احتمال النسك وضيقه؛ فقلت: ما أصغر هذه المشقة ~~في جانب روح الأبد وراحته. ثم نظرت فيما تشره إليه النفس من لذة الدنيا، ~~فقلت: ما أمر هذا وأوجعه، وهو يدفع إلى عذاب الأبد وأهواله! وكيف لا يستحلي ~~الرجل مرارة قليلة تعقبها حلاوة طويلة؟ وكيف لا تمر عليه حلاوة قليلة ~~تعقبها مرارة دائمة؟ وقلت: لو أن رجلا عرض عليه أن يعيش مائة سنة، لا يأتي ~~عليه يوم واحد إلا بضع منه بضعة؛ ثم أعيد عليه من الغد؛ غير أنه يشرط له، ~~أنه إذا استوفى السنين المائة، نجا من كل ألم وأذى، وصار إلى الأمن ~~والسرور، كان حقيقا ألا يرى تلك السنين ms037 شيئا. # وكيف يأبى الصبر على أيام قلائل يعيشها في النسك، وأذى تلك الأيام قليل ~~يعقب خيرا كثيرا؟ فلنعلم أن الدنيا كلها بلاء وعذاب. أوليس الإنسان إنما ~~يتقلب في عذاب الدنيا من # PageV01P085 # حين يكون جنينا إلى أن يستوفي أيام حياته؟ فإذا كان طفلا ذاق من العذاب ~~ألوانا: إن جاع فليس به استطعام، أو عطش فليس به استسقاء، أو وجع فليس به ~~استغاثة؛ مع ما يلقى من الوضع والحمل واللف والدهن والمسح؛ إن أنيم على ~~ظهره لم يستطع تقلبا؛ ثم يلقى أصناف العذاب مادام رضيعا، فإذا أفلت من هذا ~~الرضاع، أخذ في عذاب الأدب، فأذيق من ألوانا: من عنف المعلم، وضجر الدرس، ~~وسآمة الكتابة؛ ثم له من الدواء والحمية والأسقام والأوجاع أوفى حظ. فإذا ~~أدرك كانت همته في جمع المال وتربية الولد ومخاطرة الطلب والسعي والكد ~~والتعب. وهو مع ذلك يتقلب مع أعدائه الباطنية اللازمة له: وهي الصفراء ~~والسوداء والريح والبلغم والدم والسم المميت والحية اللاذعة؛ مع الخوف من ~~السباع والهوام؛ مع صرف الحر والبرد والمطر والرياح؛ ثم أنواع عذاب الهرم ~~لمن يبلغه. فلو لم # PageV01P086 # يخف من هذه الأمور شيئا، وكان قد أمن ووثق بالسلامة منها فلم يفكر فيها، ~~لوجب عليه أن يعتبر بالساعة التي يحضره فيها الموت، فيفارق الدنيا؛ ويتذكر ~~ما هو نازل به في تلك الساعة: من فراق الأحبة والأهل والأقارب وكل منون به ~~من الدنيا، والإشراف على الهول العظيم بعد الموت. فلو لم يفعل ذلك، لكان ~~حقيقا أن يعد عاجزا مفرطا محبا للدناءة مستحقا للوم؛ فمن ذا الذي يعلم ولا ~~يحتال لغد جهده في الحيلة، ويرفض ما يشغله ويلهيه من شهوات الدنيا وغرورها؟ ~~ولاسيما في هذا الزمان الشبيه بالصافي وهو كدر فإنه وإن كان الملك حازما ~~عظيم المقدرة، رفيع الهمة بليغ الفحص، عدلا مرجوا صدوقا شكورا، رحب الذراع ~~مفتقدا مواظبا مستمرا عالما بالناس والأمور، محبا للعلم والخير والأخيار، ~~شديدا على الظلمة، غير جبان وخفيف القياد، رفيقا بالتوسع على الرعية فيما ~~يحبون، والدفع لما يكرهون؛ فإنا قد نرى الزمان مدبرا ms038 بكل مكان، فكأن أمور ~~الصدق قد نزعت من الناس، فأصبح ما كان # PageV01P087 # عزيزا فقده مفقودا، وموجودا ما كان ضائرا وجوده. وكأن الخير أصبح ذابلا ~~والشر أصبح ناضرا. وكأن الفهم أصبح قد زالت سبله. وكأن الحق ولى كسيرا ~~وأقبل الباطل تابعه. وكأن اتباع الهوى وإضاعة الحكم أصبح بالحكام موكلا؛ ~~وأصبح المظلوم بالحيف مقرا والظالم لنفسه مستطيلا. وكأن الحرص أصبح فاغرا ~~فاه من كل وجهة يتلقف ما قرب منه وما بعد. وكأن الرضا أصبح مجهولا. وكأن ~~الأشرار يقصدون السماء صعودا. وكأن الأخيار يريدون بطن الأرض؛ وأصبحت ~~الدناءة مكرمة ممكنة؛ وأصبح السلطان منتقلا عن أهل الفضل إلى أهل النقص. ~~وكأن الدنيا جذلة مسرورة تقول: قد غيبت الخيرات وأظهرت السيئات. فلما فكرت ~~في الدنيا وأمورها؛ وأن الإنسان هو أشرف الخلق فيها وأفضله؛ ثم هو لا يتقلب ~~إلا في الشرور والهموم، عرفت أنه ليس إنسان ذو عقل يعلم # PageV01P088 # ذلك ثم لا يحتال لنفسه في النجاة؛ فعجبت من ذلك كل العجب. ثم نظرت فإذا ~~الإنسان لا يمنعه عن الاحتيال لنفسه إلا لذة صغيرة حقيرة غير كبيرة من الشم ~~والذوق والنظر والسمع واللمس: فعله يصيب منها الطفيف أو يقتني منها اليسير؛ ~~فإذا ذلك يشغله ويذهب به عن الاهتمام لنفسه وطلب النجاة لها. # فالتمست للإنسان مثلا، فإذا مثله مثل رجل نجا من خوف فيل هائج إلى بئر، ~~فتدلى فيها، وتعلق بغصنين كانا على سمائها، فوقعت رجلاه على شيء في طي ~~البئر. فإذا حيات أربع قد أخرجن رءوسهن من أحجارهن، ثم نظر فإذا في قاع ~~البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع فيأخذه؛ فرفع بصره إلى الغصنين فإذا في ~~أصلهما جرذان أسود وأبيض، وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران، فبينما هو ~~في النظر لأمره والاهتمام لنفسه، إذا أبصر قريبا منه كوارة فيها عسل نحل؛ ~~فذاق # PageV01P089 # العسل، فشغلته حلاوته وألهته لذته عن الفكرة في شيء من أمره، وأن يلتمس ~~الخلاص لنفسه؛ ولم يذكر أن رجليه على حيات أربع لا يدري متى يقع عليهن؛ ولم ~~يذكر أن الجرذين دائبان في قطع ms039 الغصنين؛ ومتى انقطعا وقع على التنين. فلم ~~يزل لاهيا غافلا مشغولا بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك. فشبهت ~~بالبئر الدنيا المملوءة آفات وشرورا، ومخافات وعاهات؛ وشبهت بالحيات الأربع ~~الأخلاط الأربعة التي في البدن: فإنها متى هاجت أو أحدها كانت كحمة الأفاعي ~~والسم المميت؛ وشبهت بالجرذين الأسود والأبيض الليل والنهار اللذين هما ~~دائبان في إفناء الأجل؛ وشبهت بالتنين المصير الذي لا بد منه؛ وشبهت بالعسل ~~هذه الحلاوة القليلة التي ينال منها الإنسان فيطعم ويسمع ويشم ويلمس، ~~ويتشاغل عن نفسه، ويلهو عن شأنه، ويصد عن سبيل قصده. فحينئذ # PageV01P090 # صار أمري إلى الرضا بحالي وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي: لعلي أصادف ~~باقي أيامي زمانا أصيب فيه دليلا على هداي، وسلطانا على نفسي، وقواما ~~لأمري، فأقمت على هذه الحال وانتسخت كتبا كثيرة؛ وانصرفت من بلاد الهند، ~~وقد نسخت هذا الكتاب. ### | باب الأسد والثور وهو أول الكتاب # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف، وهو رأس البراهمة: اضرب لنا مثلا ~~لمتحابين يقطع بينهما الكذوب المحتال، حتى يحملهما على العداوة والبغضاء. ~~قال بيدبا: إذا ابتلي المتحابان بأن يدخل بينهما الكذوب المحتال، لم يلبثا ~~أن يتقاطعا ويتدابرا. ومن أمثال ذلك أنه كان بأرض دستاوند رجل شيخ وكان له ~~ثلاثة بنين. فلما بلغوا أشدهم أسرفوا في مال أبيهم؛ ولم يكونوا احترفوا ~~حرفة يكسبون لأنفسهم بها خيرا. # PageV01P091 # فلامهم أبوهم؛ ووعظهم على سوء فعلهم؛ وكان من قوله لهم: يا بني إن صاحب ~~الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن يدركها إلا بأربعة أشياء: أما الثلاثة التي ~~يطلب، فالسعة في الرزق والمنزلة في الناس والزاد للآخرة؛ وأما الأربعة التي ~~يحتاج إليها في درك هذه الثلاثة، فاكتساب المال من أحسن وجه يكون، ثم حسن ~~القيام على ما اكتسب منه، ثم استثماره، ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي ~~الأهل والإخوان، فيعود عليه نفعه في الآخرة. فمن ضيع شيئا من هذه الأحوال ~~لم يدرك ما أراد من حاجته: لأنه إن لم يكتسب، لم يكن مال يعيش به؛ وإن هو ~~كان ذا مال واكتساب ثم لم ms040 يحسن القيام عليه، أوشك المال أن يفنى ويبقى ~~معدما؛ وإن هو وضعه ولم يستثمره، لم تنعه قلة الإنفاق من سرعة الذهاب: ~~كالكحل الذي لا يؤخذ منه إلا غبار الميل ثم هو مع ذلك سريع فناؤه. وإن ~~أنفقه في غير وجهه، ووضعه في غير موضعه، وأخطأ في مواضع استحقاقه، صار ~~بمنزلة الفقير الذي لا مال له؛ # PageV01P092 # ثم لا يمنع ذلك ماله من التلف بالحوادث والعلل التي تجري عليه؛ كمحبس ~~الماء الذي لا تزال المياه تنصب فيه، فإن لم يكن له مخرج ومفيض ومتنفس يخرج ~~الماء منه بقدر ما ينبغي، خرب وسال ونز من نواح كثيرة، وربما انبثق البثق ~~العظيم فذهب الماء ضياعا. ثم أنبني الشيخ اتعظوا بقول أبيهم وأخذوا به ~~وعلموا أن فيه الخير وعولوا عليه؛ فانطلق أكبرهم نحو أرض يقال لها ميون؛ ~~فأتى في طريقه على مكان فيه وحل كثير؛ وكان معه عجلة يجرها ثوران يقال ~~لأحدهما شتربة وللآخر بندبة، فوحل شتربة في ذلك المكان، فعالجه الرجل ~~وأصحابه حتى بلغ منهم الجهد، فلم يقدروا على إخراجه؛ فذهب الرجل وخلف عنده ~~رجلا يشارفه: لعل الوحل ينشف فيتبعه بالثور. فلما بات الرجل بذلك المكان، ~~تبرم به واستوحش؛ فترك الثور والتحق بصاحبه، فأخبره أن الثور قد مات؛ وقال ~~له: إن الإنسان إذا انقضت مدته وحانت منيته # PageV01P093 # فهو وإن اجتهد في التوقي من الأمور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لم ~~يغن ذلك عنه شيئا؛ وربما عاد اجتهاده في توقيه وحذره وبالا عليه. # كالذي قيل: إن رجلا سلك مفازة فيها خوف من السباع؛ وكان الرجل خبيرا بوعث ~~تلك الأرض وخوفها؛ فلما سار غير بعيد اعترض له ذئب من أحد الذئاب وأضراها؛ ~~فلما رأى الرجل أن الذئب قاصد نحوه خاف منه، ونظر يمينا وشمالا ليجد موضعا ~~يتحرز فيه من الذئب فلم ير إلا قرية خلف واد؛ ورأى الذئب قد أدركه، فألقى ~~نفسه في الماء، وهو لا يحسن السباحة، وكاد يغرق، لولا أن بصر به قوم من أهل ~~القرية؛ فتواقعوا لإخراجه فأخرجوه، وقد أشرف على الهلاك؛ ms041 فلما حصل الرجل ~~عندهم وأمن على نفسه من غائلة الذئب رأى على عدوة الوادي بيتا مفردا؛ فقال: # PageV01P094 # أدخل هذا البيت فأستريح فيه. فلما دخله وجد جماعة من اللصوص قد قطعوا ~~الطريق على رجل من التجار. وهم يقتسمون ماله؛ ويريدون قتله؛ فلما رأى الرجل ~~ذلك خاف على نفسه ومضى نحو القرية؛ فأسند ظهره إلى حائط من حيطانها ليستريح ~~مما حل به من الهول والإعياء، إذ سقط الحائط عليه فمات. قال التاجر: صدقت؛ ~~قد بلغني هذا الحديث. وأما الثور فإنه خلص من مكانه وانبعث. فلم يزل في مرج ~~مخصب كثير الماء والكلأ؛ فلما سمن وأمن جعل يخور ويرفع صوته بالخوار. وكان ~~قريبا منه أجمة فيها أسد عظيم؛ وهو ملك تلك الناحية، ومعه سباع كثيرة وذئاب ~~وبنات آوى وثعالب وفود ونمور؛ وكان هذا الأسد منفردا برأيه دون أخذ برأي ~~أحد من أصحابه. فلما سمع خوار الثور، ولم يكن رأى ثورا قط، ولا سمع خواره؛ ~~لأنه كان مقيما مكانه لا يبرح ولا ينشط؛ بل يؤتى برزقه كل يوم على يد جنده. ~~وكان فيمن معه من السباع ابنا آوى يقال # PageV01P095 # لأحدهما كليلة وللآخر دمنة؛ وكانا ذوي دهاء وعلم وأدب. فقال دمنة لأخيه ~~كليلة: يا أخي ما شأن الأسد مقيما مكانه لا يبرح ولا ينشط؟ قال له كليلة: ~~ما شأنك أنت والمسألة عن هذا؟ نحن على باب ملكنا آخذين بما أحب وتاركين لما ~~يكره؛ ولسنا من أهل المرتبة التي يتناول أهلها كلام الملوك والنظر في ~~أمورهم. فأمسك عن هذا، واعلم أنه من تكلف من القول والفعل ما ليس من شأنه ~~أصابه ما أصاب القرد من النجار. قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ قال كليلة: زعموا ~~أن قردا رأى نجارا يشق خشبة بين وتدين، وهو راكب عليها؛ فأعجبه ذلك. ثم إن ~~النجار ذهب لبعض شأنه. فقام القرد؛ وتكلف ما ليس من شغله، فركب الخشبة، ~~وجعل ظهره قبل الوتد، ووجهه قبل الخشبة؛ فتدلى ذنبه في الشق، ونزع الوتد ~~فلزم الشق عليه فخر مغشيا عليه. فكان ما لقي من النجار ms042 من الضرب أشد # PageV01P096 # مما أصابه من الخشبة. قال دمنة: قد سمعت ما ذكرت، ولكن اعلم أن كل من ~~يدنو من الملوك ليس يدنو منهم لبطنه، وإنما يدنو منهم ليسر الصديق ويكبت ~~العدو. وإن من الناس من لا مروءة له؛ وهم الذين يفرحون بالقليل ويرضون ~~بالدون؛ كالكلب الذي يصيب عظما يابسا فيفرح به. وأما أهل الفضل والمروءة ~~فلا يقنعهم القليل، ولا يرضون به، دون أن تسموا به نفوسهم إلى ما هم أهل ~~له، وهو أيضا لهم أهل؛ كالأسد الذي يفترس الأرنب، فإذا رأى البعير تركها ~~وطلب البعير، ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه. حتى ترمى له الكسرة، وأن الفيل ~~المعترف بفضله وقوته إذا قدم إليه علفه لا يعتلفه حتى يمسح ويتملق له. قمن ~~عاش ذا مال وكان ذا فضل وإفضال على أهله وإخوانه فهو وإن قل عمره طويل ~~العمر. ومن كان في عيشه ضيق وقلة وإمساك على نفسه وذويه # PageV01P097 # فالمقبور أحيا منه. ومن عمل لبطنه وقنع وترك ما سوى ذلك عد من البهائم. # قال كليلة: قد فهمت ما قلت؛ فراجع عقلك، واعلم أن لكل إنسان منزلة وقدرا. ~~فإن كان في منزلته التي هو فيها متماسكا، كان حقيقا أن يقنع. وليس لنا من ~~المنزلة ما يحط حالنا التي نحن عليها. قال دمنة: إن المنازل متنازعة مشتركة ~~على قدر المروءة؛ فالمرء ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة إلى المنزلة ~~الرفيعة؛ ومن لا مروءة له يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلة ~~الوضيعة. إن الارتفاع إلى المنزلة الشريفة شديد، والانحطاط منه مهين؛ ~~كالحجر الثقيل: رفعه من الأرض إلى العاتق عسر، ووضعه إلى الأرض هين. فنحن ~~أحق أن نروم ما فوقنا من المنازل، وأن نلتمس ذلك بمروءتنا. ثم كيف نقنع بها ~~ونحن نستطيع التحول عنها؟ قال كليلة: فما الذي اجتمع عليه رأيك؟ قال دمنة: ~~أريد أن أتعرض لأسد عند هذه الفرصة: فإن الأسد ضعيف الرأي. ولعلي على هذه ~~الحال # PageV01P098 # أدنو منه فأصيب عنده منزلة ومكانة. قال كليلة: وما يدريك أن الأسد قد ~~التبس عليه أمره؟ قال ms043 دمنة: بالحس والرأي أعلم ذلك منه: فإن الرجل ذا الرأي ~~يعرف حال صاحبه وباطن أمره بما يظهر له من دله وشكله. قال كليلة: فكيف ترجو ~~المنزلة عند الأسد ولست بصاحب السلطان، ولا لك علم بخدمة السلاطين؟ قال ~~دمنة: الرجل الشديد القوي لا يعجزه الحمل الثقيل، وإن لم تكن عادته الحمل؛ ~~والرجل الضعيف لا يستقل به وإن كان ذلك من صناعته. قال كليلة: فإن السلطان ~~لا يتوخى بكرامته فضلاء من بحضرته؛ ولكنه يؤثر الأدنى ومن قرب منه. ويقال: ~~إن مثل السلطان في ذلك مثل شجر الكرم الذي لا يعلق إلا بأقرب الشجر. وكيف ~~ترجو المنزلة عند الأسد ولست تدنو منه؟ قال دمنة: قد فهمت كلامك جميعه وما ~~ذكرت، وأنت صادق. لكن اعلم أن الذي هو قريب من السلطان ولا ذلك في موضعه ~~ولا تلك منزلته، # PageV01P099 # ليس كمن دنا منه بعد البعد وله حق وحرمة؛ وأنا ملتمس بلوغ مكانتهم بجهدي. ~~وقد قيل: لا يواظب على باب السلطان إلا من يطرح الأنفة ويحمل الأذى ويكظم ~~الغيظ ويرفق بالناس ويكتم السر؛ فإذا وصل إلى ذلك فقد بلغ مراده. قال ~~كليلة: هبك وصلت إلى الأسد، فما توفيقك عنده الذي ترجو أن تنال به المنزلة ~~والحظوة لديه؟ قال دمنة: لو دنوت منه وعرفت أخلاقه، لرفقت في متابعته وقلة ~~الخلاف له. وإذا أراد أمرا هو في نفسه صواب، زينته له وصبرته عليه، وعرفته ~~بما فيه من النفع والخير؛ وشجعته عليه وعلى الوصول إليه، حتى يزداد به ~~سرورا. وإذا أراد أمرا بما فيه الضر والشين، وأوقفته على ما في تركه من ~~النفع والزين، بحسب ما أجد إليه السبيل. وأنا أرجو أن أزداد بذلك عند الأسد ~~مكانة ويرى مني ما لا يراه من غيري: فإن الرجل الأديب الرفيق لو شاء أن ~~يبطل حقا أو يحق باطلا # PageV01P100 # لفعل: كالمصور الماهر الذي يصور في الحيطان صورا كأنها خارجة وليست ~~بخارجة، وأخرى كأنها داخلة وليست بداخلة. قال كليلة: أما إن قلت هذا أو قلت ~~هذا فإن أخاف عليك من السلطان فإن صحبته ms044 خطرة. وقد قالت العلماء: إن أمورا ~~ثلاثة لا يجترئ عليهن إلا أهوج، ولا يسلم منهن إلا قليل، وهي: صحبة ~~السلطان، وائتمان النساء على الأسرار، وشرب السم للتجربة. وإنما شبه ~~العلماء السلطان بالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار الطيبة والجواهر ~~النفيسة والأدوية النافعة. وهو مع ذلك معدن السباع والنمور والذئاب وكل ضار ~~مخوف. فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشد. قال دمنة: صدقت فيما ذكرت؛ ~~غير أنه من لم يركب الأهوال، لم ينل الرغائب؛ ومن ترك الأمر الذي لعله يبلغ ~~فيه حاجته هيبة ومخافة لما لعله أن يتوقاه، فليس ببالغ جسيما. وقد قيل: إن ~~خصالا ثلاثا لن يستطيعها أحد إلا يمعونة من علو همة وعظيم خطر: منها # PageV01P101 # عمل السلطان وتجارة البحر ومناجزة العدو. وقد قالت العلماء في الرجل ~~الفاضل الرشيد: إن لا يرى إلا في مكانين، ولا يليق به غيرهما: إما مع ~~الملوك مكرما، وإما مع النساك متعبدا، كالفيل إنما جماله وبهاؤه في ~~مكانتين: إما أن تراه وحشيا وإما مركبا للملوك. قال كليلة: خار الله لك ~~فيما عزمت عليه. # ثم إن دمنة انطلق حتى دخل الأسد فسلم عيه. فقال الأسد لبعض جلسائه: من ~~هذا؟ فقال فلان بن فلان. قال: قد كنت أعرف أباه. ثم سأله أين تكون؟ قال: لم ~~أزل ملازما باب الملك، رجاء أن يحضر أمر فأعين الملك به بنفسي ورأيي: فإن ~~أبواب الملك تكثر فيها الأمور التي ربما تحتاج فيها إلى الذي لا يؤبه له؛ ~~وليس أحد يصغر أمره إلا وقد يكون عنده بعض الغناء والمنافع على قدره؛ حتى ~~العود الملقى في الأرض ربما نفع، فيأخذه الرجل فيكون عدته عند الحاجة إليه. ~~فلما سمع الأسد قول دمنة أعجبه، # PageV01P102 # وظن أن عنده نصيحة ورأيا. فأقبل على من حضر فقال: إن الرجل ذا العلم ~~والمروءة يكون خامل الذكر خافض المنزلة، فتأبى منزلته إلا أن تشب وترتفع؛ ~~كالشعلة من النار يضربها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا. فلما عرف دمنة أن الأسد ~~قد عجب منه قال: إن رعية الملك تحضر باب الملك، رجاء أن يعرف ms045 ما عندها من ~~علم وافر. وقد يقال: إن الفضل في أمرين: فضل المقاتل على المقاتل والعالم ~~على العالم. وإن كثرة الأعوان إذا لم يكونوا مختبرين ربما تكون مضرة على ~~العمل: فإن العمل ليس رجاؤه بكثرة الأعوان ولكن بصالحي الأعوان. ومثل ذلك ~~مثل الرجل الذي يحمل الحجر الثقيل، فيقل به نفسه، ولا يجد له ثمنا. والرجل ~~الذي يحتاج إلى الجذوع لا يجزئه القصب وإن كثر. فأنت الآن أيها الملك حقيق ~~ألا تحقر مروءة أنت تجدها عند رجل صغير المنزلة: فإن الصغير ربما عظم، ~~كالعصب يؤخذ من الميتة فإذا عمل منه القوس أكرم، فتقبض عليه الملوك وتحتاج ~~إليه في البأس واللهو. # PageV01P103 # وأحب دمنة أن يري القوم أن ما ناله من كرامة الملك غنما هو لرأيه ومروءته ~~وعقله: لأنهم عرفوا قبل ذلك أن ذلك لمعرفته أباه، فقال: إن السلطان لا يقرب ~~الرجال لقرب آبائهم، ولا يبعدهم لبعدهم، ولكن ينبغي أن ينظر إلى كل رجل بما ~~عنده: لأنه لا شيء أقرب إلى الرجل من جسده ومن جسده ما يدوى حتى يؤذيه ولا ~~يدفع ذلك عنه إلا بالدواء الذي يأتيه من بعد. # فلما فرغ دمنة من مقالته هذه أعجب الملك به إعجابا شديدا، وأحسن الرد ~~عليه، وزاد في كرامته. ثم قال لجلسائه: ينبغي للسلطان ألا يلج في تضييع حق ~~ذوي الحقوق. والناس في ذلك رجلان: رجل طبعه الشراسة، فهو كالحية إن وطئها ~~الواطئ فلم تلدغه، لم يكن جديرا أن يغره ذلك منها، فيعود إلى وطئها ثانية ~~فتلدغه؛ ورجل أصل طباعه السهولة، فهو كالصندل البارد الذي إذا أفرط في حكه ~~صار حارا مؤذيا. # PageV01P104 # ثم إن دمنة استأنس بالأسد وخلا به. فقال يوما: أرى الملك قد أقام في مكان ~~واحد لا يبرح منه، فما سبب ذلك؟ فبينما هما في هذا الحديث إذ خار شتربة ~~خوارا شديدا: فهيج الأسد وكره أن يخبر دمنة بما ناله؛ وعلم دمنة أن ذلك ~~الصوت قد أدخل على الأسد ريبة وهيبة. فسأله: هل راب الملك سماع هذا الصوت؟ ~~قال لم يربني شيء سوى ms046 ذلك. قال دمنة: ليس الملك بحقيق أن يدع مكانه لأجل ~~صوت. فقد قالت العلماء: إن ليس من كل الأصوات تجب الهيبة. قال الأسد: وما ~~مثل ذلك؟ # قال دمنة: زعموا أن ثعلبا أتى أجمة فيها طبل معلق على شجرة، وكلما هبت ~~الريح على قضبان تلك الشجرية حركتها، فضربت الطبل فسمع له صوت عظيم؛ فتوجه ~~الثعلب نحوه لأجل ما سمع من عظم صوته؛ فلما أتاه وجده ضخما، فأيقن # PageV01P105 # في نفسه بكثرة الشحم واللحم. فعالجه حتى شقه. فلما رآه أجوف لا شيء فيه، ~~قال: لا أدري لعل أفشل الأشياء أجهرها صوتا وأعظمها جثة. وإنما ضربت لك هذا ~~المثل لتعلم أن هذا الصوت الذي راعنا، لو وصلنا إليه، لوجدناه ايسر مما في ~~أنفسنا. فإن شاء الملك بعثني وأقام بمكانه حتى آتيه ببيان هذا الصوت. فوافق ~~الأسد قوله، فأذن له بالذهاب نحو الصوت. فانطلق دمنة إلى المكان الذي فيه ~~شتربة. فلما فصل دمنة من عند الأسد، فكر الأسد في أمره، وندم على إرسال ~~دمنة حيث أرسله، وقال في نفسه: وأصبت في ائتماني دمنة، وقد كان ببابي ~~مطروحا، فإن الرجل إذا كان يحضر باب الملك، وقد أبطلت حقوقه من غير جرم كان ~~منه، أو كان مبغيا عليه عند سلطانه؛ أو كان عنده معروفا بالشره والحرص، أو ~~كان قد أصابه ضر وضيق فلم ينعشه، أو كان قد اجترم جرما فهو يخاف العقوبة ~~منه، أو كان يرجو شيئا يضر الملك وله منه نفع؛ أو يخاف في شيء # PageV01P106 # مما ينفعه ضرا، أو كان لعدو الملك مسالما، ولمسالمه محاربا، فليس السلطان ~~بحقيق أن يعجل بالاسترسال إليه، والثقة به، والائتمان له: فإن دمنة داهية ~~أريب. وقد كان ببابي مطروحا مجفوا. ولعله قد احتمل علي بذلك ضغنا، ولعل ذلك ~~يحمله على خيانتي وإعانة عدوي ونقيصتي عنده؛ ولعله صادف صاحب الصوت أقوى ~~سلطانا مني فيرغب به عني ويميل مع علي. ثم قام من مكانه فمشى غير بعيد، ~~فبصر بدمنة مقبلا نحوه فطابت نفسه بذلك، ورجع إلى مكانه، ودخل دمنة على ~~الأسد فقال له: ms047 ماذا صنعت؟ وماذا رأيت؟ قال: رأيت ثورا هو صاحب الخوار ~~والصوت الذي سمعته. قال: فما قوته؟ قال: لا شوكة له. وقد دنوت منه وحاورته ~~محاورة الأكفاء ولا يصغرن عندك أمره: فإن الريح الشديدة لا تعبأ بضعيف ~~الحشيش، لكنها تحطم طوال النخل وعظيم الشجر. # PageV01P107 # قال دمنة: لا تهابن أيها الملك منه شيئا؛ ولا يكبرن عليك أمره: فأنا آتيك ~~به ليكون لك عبدا سامعا مطيعا. قال الأسد: دونك وما بدا لك. # فانطلق دمنة إلى الثور، فقال له غير هائب ولا مكترث: إن الأسد أرسلني ~~إليك لآتيه بك. وأمرني، إن أنت عجلت إليه طائعا، أو أؤمنك على ما سلف من ~~ذنبك في التأخر عنه وتركك لقاءه؛ وإن أنت تأخرت عنه وأحجمت، أن أعجل الجرعة ~~إليه فأخبره. قال له شتربة: ومن هو هذا الأسد الذي أرسلك إلي؟ وأين هو؟ وما ~~حاله؟ قال دمنة: هو ملك السباع، وهو بمكان كذا، ومعه جند كثير من جنسه فرعب ~~شتربة من ذكر الأسد والسباع. وقال: إن أنت جعلت لي الأمان على نفسي أقبلت ~~معك إليه. فأعطاه دمنة من الأمان ما وثق به. ثم أقبل والثور معه، حتى دخلا ~~على الأسد فأحسن الأسد إلى الثور وقربه؛ وقال له: متى قدمت هذه البلاد؟ وما ~~أقدمكها؟ فقص شتربة عليه قصته. فقال له الأسد اصحبني والزمني: فإني مكرمك. ~~فدعا الثور وأثنى عليه. # PageV01P108 # ثم إن الأسد قرب شتربة وأكرمه وأنس به وأتمنه على أسراره وشاوره في أمره، ~~ولم تزده الأيام إلا عجبا به ورغبة فيه وتقريبا منه؛ حتى صار أخص أصحابه ~~عنده منزلة. فلما رأى دمنة أن الثور قد اختص بالأسد دونه ودون أصحابه، وأنه ~~قد صاد صاحب رأيه وخلواته ولهوه، حسده حسدا عظيما، وبلغ منه غيظه كل مبلغ: ~~فشكا ذلك إلى أخيه كليلة، وقال له: ألا تعجب يا أخي من عجز رأيي، وصنعي ~~بنفسي؟ ونظري فيما ينفع الأسد، وأغفلت نفع نفسي حتى جلبت إلى الأسد ثورا ~~غلبني على منزلتي. # قال كليلة: أخبرني عن رأيك وما تريد أن تعرم عليه في ذلك. قال ms048 دمنة: أما ~~أنا فلست اليوم أرجو أن تزداد منزلتي عند الأسد فوق ما كانت عليه؛ ولكن ~~ألتمس أن أعود إلى ما كنت عليه: فإن أمورا ثلاثة العاقل جدير بالنظر فيها، ~~والاحتيال لها بجهده: منها النظر فيما مضى من الضر والنفع، # PageV01P109 # فيحترس من الضر الذي أصابه فيما سلف لئلا يعود إلى ذلك الضر، ويلتمس ~~النفع الذي مضى ويحتال لمعاودته؛ ومنها النظر فيما هو مقيم فيه من المنافع ~~والمضاء، والاستيثاق بما ينفع والهرب مما يضر؛ ومنها النظر في مستقبل ما ~~يرجو من قبل النفع، وما يخاف من قبل الضر، فيستتم ما يرجو ويتوقى ما يخاف ~~بجهده. وإني لما نظرت في الأمر الذي به أرجو أن تعود منزلتي، وما غلبت عليه ~~مما كنت فيه، لم أجد حيلة ولا وجها إلا الاحتيال لآكل العشب هذا، حتى أفرق ~~بينه وبين الحياة: فإنه إن فارق الأسد عادت لي منزلتي. ولعل ذلك يكون خيرا ~~للأسد: فإن إفراطه في تقريب الثور خليق أن يشينه ويضره في أمره. قال كليلة: ~~ما أرى على الأسد في رأيه في الثور ومكانه منه ومنزلته عنده شينا ولا شرا. ~~قال دمنة: إنما يؤتى السلطان ويفسد أمره من قبل ستة أشياء: الحرمان والفتنة ~~والهوى والفظاظة والزمان والخرق. # PageV01P110 # فأما الحرمان فأن يحرم صالح الأعوان والنصحاء والساسة من أهل الرأي ~~والنجدة والأمانة، وترك التفقد لمن هو كذلك. وأما الفتنة فهي تحارب الناس ~~ووقوع الحرب بينهم. وأما الهوى فالغرام بالحدث واللهو والشراب والصيد وما ~~أشبه ذلك. وأما الفظاظة فهي إفراط الشدة حتى يجمح اللسان بالشتم واليد ~~بالبطش في غير موضعهما. وأما الزمان فهو ما يصيب الناس من السنين والموت ~~ونقص الثمرات والغزوات وأشباه ذلك. وأما الخرق فإعمال الشدة في موضع اللين، ~~واللين في موضع الشدة. وإن الأسد قد أغرم بالثور إغراما شديدا هو الذي ذكرت ~~لك أنه خليق لأن يشينه ويضره في أمره. قال كليلة: وكيف تطيق الثور وهو أشد ~~منك وأكرم على الأسد وأكثر أعوانا؟ قال دمنة: لا تنظر إلى صغري وضعفي: فإن ~~الأمور ليست بالضعف ms049 ولا القوة ولا الصغر ولا الكبر في الجثة: فرب صغير ضعيف ~~قد بلغ حيلته ودهائه ورأيه ما يعجز عنه كثير من الأقوياء. أولم يبلغك أن ~~غرابا ضعيفا احتال لأسود حتى قتله؟ قال كليلة: وكيف كان ذلك؟ # PageV01P111 # قال دمنة: زعموا أن غرابا كان له وكر في شجرة على جبل؛ وكان قريبا منه ~~حجر ثعبان أسود، فكان الغراب إذا فرخ عمد الأسود إلى فراخه فأكله؛ فبلغ ذاك ~~من الغراب وأحزنه، فشكا ذلك إلى صديق له من بنات آوى؛ وقال له: أريد ~~مشاورتك في أمر قد عزمت عليه؛ قال: وما هو؟ قال الغراب: قد عزمت أن أذهب ~~اليوم إلى الأسود إذا نام، فأنقر عينيه، فأفقأهما، لعلي أستريح منه. قال ~~ابن آوى: بئس الحيلة التي احتلت؛ فالتمس أمرا تصيب فيه بغيتك من الأسود، من ~~غير أن تغرر بنفسك وتخاطر بها. وإياك أن يكون مثلك مثل العلجوم الذي أراد ~~قتل السرطان فقتل نفسه. قال الغراب: وكيف كان ذلك؟ # قال ابن آوى: زعموا أن علجوما عشش في أجمة كبيرة السمك؛ فعاش بها ما عاش؛ ~~ثم هرم فلم يستطع صيدا؛ فأصابه جوع وجهد شديد؛ فجلس حزينا يلتمس الحيلة # PageV01P112 # في أمره؛ فمر به سرطان، فرأى حالته وما هو عليه من الكآبة والحزن؛ فدنا ~~منه وقال: مالي أراك أيها الطائر هكذا حزينا كئيبا؟ قال العلجوم: وكيف لا ~~أحزن وقد كنت أعيش من صيد ما ها هنا من السمك؟ وإني قد رأيت اليوم صيادين ~~قد مرا بهذا المكان؛ فقال أحدهما لصاحبه: إن ها هنا سمكا كثيرا أفلا نصيده ~~أولا؟ فقال الآخر: إني قد رأيت في مكان كذا سمكا أكثر من هذا السمك، فلنبدأ ~~بذلك، فإذا فرغنا منه جئنا إلى هذا فأفنيناه. وقد علمت أنهما إذا فرغا مما ~~هناك، انتهيا إلى هذه الأجمة فاصطادا ما فيها؛ فإذا كان ذلك فهو هلاكي ~~ونفاذ مدتي. فانطلق السرطان من ساعته إلى جماعة السمك فأخبرهن بذلك؛ فأقبلن ~~إلى العلجوم فاستشرنه؛ وقلن له: إنا أتينا لك لتشير علينا: فإن ذا العقل لا ~~يدع مشاورة عدوه. قال ms050 العلجوم: أما مكابرة الصيادين فلا طاقة لي بها؛ ولا ~~أعلم حيلة إلا المصير إلى غدير قريب من ها هنا، فيه سمك ومياه عظيمة وقصب، ~~فإن استطعن الانتقال إليه، كان فيه # PageV01P113 # صلاحكن وخصبكن. فقلن له: ما يمن علينا بذلك غيرك. فجعل العلجوم يحمل في ~~كل يوم سمكتين حتى ينتهي بهما إلى بعض التلال فيأكلهما؛ حتى إذا كان ذات ~~يوم جاء لأخذ السمكتين؛ فجاءه السرطان؛ فقال له: إني أيضا قد أشفقت من ~~مكاني هذا واستوحشت منه فاذهب بي إلى ذلك الغدير؛ فاحتمله وطار به، حتى إذا ~~دنا من التل الذي كان يأكل السمك فيه نظر السرطان فرأى عظام السمك مجموعة ~~هناك؛ فعلم أن العلجوم هو صاحبها؛ وأنه يريد به مثل ذلك. فقال في نفسه: إذا ~~لقي الرجل عدوه في المواطن التي يعلم أنه فيها هالك. سواء قاتل أم لم ~~يقاتل؛ كان حقيقا أن يقاتل عن نفسه كرما وحفاظا، ثم أهوى بكلبتيه على عنق ~~العلجوم، فعصره فمات؛ وتخلص السرطان إلى جماعة السمك فأخبرهن بذلك. وإنما ~~ضربت لك هذا المثل لتعلم أن بعض الحيلة # PageV01P114 # مهلكة للمحتال ولكني أدلك على أمر، إن أنت قدرت عليه، كان فيه هلاك ~~الأسود من غير أن تهلك به نفسك، وتكون فيه سلامتك. قال الغراب وما ذاك؟ قال ~~ابن آوى: تنطلق فتبصر في طيرانك: لعلك أن تظفر بشيء من حلي النساء فتخطفه؛ ~~ولا تزال طائرا واقعا، بحيث لا تفوت العيون، حتى تأتي حجر الأسود فترمي ~~بالحلي عنده. فإذا رأى الناس ذلك أخذوا حليهم وأراحوك من الأسود. فانطلق ~~الغراب محلقا في السماء؛ فوجد امرأة من بنات العظماء فوق سطح تغتسل؛ وقد ~~وضعت ثيابها وحليها ناحية؛ فانقض واختطف من حليها عقدا، وطار به، فتبعه ~~الناس؛ ولم يزل طائرا واقعا، بحيث يراه كل أحد؛ حتى انتهى الأمر إلى جحر ~~الأسود؛ فألقى العقد عليه، والناس ينظرون إليه. فلما أتوه أخذوا العقد ~~وقتلوا الأسود. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الحيلة تجرئ مالا تجزئ ~~القوة. قال كليلة: إن الثور # PageV01P115 # لو لم يجتمع مع شدته ms051 رأيه لكان كما تقول. ولكن له مع شدته وقوته حسن ~~الرأي والعقل. فماذا تستطيع له؟ قال دمنة: إن الثور لكما ذكرت في قوته ~~ورأيه، ولكنه مقر لي بالفضل؛ وأنا خليق أن اصرعه كما صرعت الأرنب الأسد. ~~قال كليلة: وكيف كان ذلك؟ # قال دمنة: زعموا أن أسدا كان في أرض كثيرة المياه والعشب؛ وكان في تلك ~~الأرض من الوحوش في سعة المياه والمرعى شيء كثير؛ إلا أنه لم يكن ينفعها ~~ذلك لخوفها من الأسد؛ فاجتمعت وأتت إلى الأسد، فقالت له: إنك لتصيب منا ~~الدابة بعد الجهد والتعب؛ وقد رأينا لك رأيا فيه صلاح لك وأمن لنا. فإن أنت ~~امنتنا ولم تخفنا، فلك علينا في كل يوم دابة نرسل بها إليك في وقت غدائك: ~~فرضي الأسد بذلك، وصالح الوحوش عليه، ووفين له به. ثم إن أرنبا أصابتها ~~القرعة، وصارت غداء الأسد؛ فقالت للوحوش: إن أنتن رفقتن بي فيما لا يضركن؛ ~~رجوت أن أريحكن من # PageV01P116 # الأسد. فقالت الوحوش: وما الذي تكلفيننا من الأمور؟ قالت: تأمرن الذي ~~ينطلق بي إلى الأسد أن يمهلني ريثما أبطئ عليه بعض الإبطاء. فقلن لها ذلك ~~لك. فانطلقت الأرنب متباطئة؛ حتى جاوزت الوقت الذي كان يتغدى فيه الأسد. ثم ~~تقدمت إليه وحدها رويدا، وقد جاع؛ فغضب وقام من مكانه نحوها؛ فقال لها: من ~~أين أقبلت؟ قالت: أنا رسول الوحوش إليك: بعثني ومعي أرنب لك، فتبعني أسد في ~~بعض تلك الطريق، فأخذها مني، وقال: أنا أولى بهذه الأرض وما فيها من الوحش. ~~فقلت: إن هذا غداء الملك أرسلني به الوحوش إليه. فلا تغصبنه، فسبك وشتمك. ~~فأقبلت مسرعة لأخبرك. فقال الأسد: انطلقي معي فأريني موضع هذا الأسد. ~~فانطلقت الأرنب إلى جب فيه ماء غامر صاف؛ فاطلعت فيه، وقالت: هذا المكان. ~~فاطلع الأسد، فرأى ظله وظل الأرنب في الماء؛ فلم يشك في قولها؛ ووثب إليه ~~ليقاتله، فغرق في الجب. فانقلبت الأرنب إلى الوحوش # PageV01P117 # فأعلمتهن صنيعها بالأسد. قال كليلة: إن قدرت على هلاك الثور بشيء ليس فيه ~~مضرة للأسد فشأنك: فإن الثور قد ms052 أضر بي وبك وبغيرنا من الجند؛ وإن أنت لم ~~تقدر على ذلك إلا بهلاك الأسد، فلا تقدم عليه؛ فإنه غدر مني ومنك. ثم إن ~~دمنة ترك الدخول على الأسد أياما كثيرة؛ ثم أتاه على خلوة منه؛ فقال له ~~الأسد: ما حبسك عني؟ منذ زمان لم أرك. ألا لخير كان انقطاعك؟ قال دمنة: ~~فليكن خيرا أيها الملك. قال الأسد: وهل حدث أمر؟ قال دمنة: حدث ما لم يكن ~~الملك يريده ولا أحد من جنده. قال: وما ذاك؟ قال: كلام فظيع. قال: أخبرني ~~به. قال دمنة إنه كلام يكرهه سامعه، ولا يشجع عليه قائله. وإنك أيها الملك ~~لذو فضيلة، ورأيك يدلك على أن يوجعني أن أقول ما تكره؛ وأثق بك أن تعرف ~~نصحي وإيثاري إياك على نفسي. وإنه ليعرض لي أنك غير مصدقي فيما أخبرك به؛ ~~ولكني إذا تذكرت وتفكرت أن نفوسنا، معاشر الوحوش، متعلقة بك لم أجد بدا من ~~أداء الحق الذي يلزمني # PageV01P118 # وإن أنت لم تسألني وخفت ألا تقبل مني فإنه يقال: من كتم السلطان نصيحته ~~والإخوان رأيه فقد خان نفسه. قال الأسد: فما ذاك؟ قال دمنة: حدثني الأمين ~~الصدوق عندي أن شتربة خلا برءوس جندك، وقال: قد خبرت الأسد وبلوت رأيه ~~ومكيدته وقوته: فاستبان لي أن ذلك يئول منه إلى ضعف وعجز، وسيكون لي وله ~~شأن من الشئون. فلما بلغني ذلك علمت أن شتربة خوان غدار؛ وأنك أكرمته ~~الكرامة كلها، وجعلته نظير نفسك، وهو يظن أنه مثلك. وأنك متى زلت عن مكانك ~~صار له ملكك؛ ولا يدع جهدا إلا بلغه فيك. وقد كان يقال: إذا عرف الملك من ~~الرجل أنه قد ساواه في المنزلة والحال، فليصرعه؛ فإن لم يفعل به ذلك، كان ~~هو المصروع. وشتربة أعلم بالأمور وأبلغ فيها؛ والعاقل هو الذي يحتال للأمر ~~قبل تمامه ووقوعه: فإنك لا تأمن أن يكون ولا تستدركه. فإنه يقال: الرجال ~~ثلاثة: حازم وأحزم منه وعاجز؛ فأحد # PageV01P119 # الحازمين من إذا نزل به الأمر لم يدهش له، ولم يذهب قلبه شعاعا، ولم تعي ~~به ms053 حيلته ومكيدته التي يرجو بها المخرج منه؛ وأحزم من هذا المتقدم ذو العدة ~~الذي يعرف الابتلاء قبل وقوعه، فيعظمه إعظاما، ويحتال له حتى كأنه قد لزمه: ~~فيحسم الداء قبل أن يبتلي به، ويدفع الأمر قبل وقوعه. وأما العاجز فهو في ~~تردد وتمن وتوان حتى يهلك. ومن أمثال ذلك مثل السمكات الثلاث. قال الأسد: ~~وكيف كان ذلك؟ # قال دمنة: زعموا أن غديرا كان فيه ثلاث سمكات: كيسة وأكيس منها وعاجزة؛ ~~وكان ذلك الغدير بنجوة من الأرض لا يكاد يقربه أحد وبقربه نهر جار. فاتفق ~~أنه اجتاز بذلك النهر صيادان؛ فأبصرا الغدير، فتواعدا أن يرجعا إليه ~~بشباكهما فيصيدا ما فيه من السمك. فسمع السمكات قولهما: فأما أكيسهن لما ~~سمعت قولهما، وارتابت بهما، وتخوفت منهما؛ فلم تعرج على شيء حتى خرجت من ~~المكان الذي يدخل فيه # PageV01P120 # الماء من النهر إلى الغدير. وأما الكيسة فإنها مكثت مكانها حتى جاء ~~الصيادان؛ فلما رأتهما، وعرفت ما يريدان، ذهبت لتخرج من حيث يدخل الماء؛ ~~فإذا بهما قد سدا ذلك المكان فحينئذ قالت: فرطت، وهذه عاقبة التفريط؛ فكيف ~~الحيلة على هذه الحال. وقلما تنجع حيلة العجلة والإرهاق، غير أن العاقل لا ~~يقنط من منافع الرأي، ولا ييئس على حال، ولا يدع الرأي والجهد. ثم إنها ~~تماوتت فطفت على وجه الماء منقلبة على ظهرها تارة، وتارة على بطنها؛ فأخذها ~~الصيادان فوضعاها على الأرض بين النهر والغدير؛ فوثبت إلى النهر فنجت. وأما ~~العاجزة فما تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت. # قال الأسد: قد فهمت ذلك؛ ولا أظن الثور يغشني ويرجو لي الغوائل. وكيف ~~يفعل ولم ير مني سوءا قط؟ ولم أدع خيرا إلا فعلته معه؟ ولا أمنية إلا بلغته ~~إياها؟. قال دمنة: إن اللئيم لا يزال نافعا ناصحا حتى يرفع إلى المنزلة ~~التي ليس لها # PageV01P121 # بأهل؛ فإذا بلغها التمس ما فوقها؛ ولا سيما أهل الخيانة والفجور: فإن ~~اللئيم الفاجر لا يخدم السلطان ولا ينصح له إلا من فرق. فإذا استغنى وذهبت ~~الهيبة عاد إلى جوهره؛ كذنب الكلب الذي يربط ليستقيم ms054 فلا يزال مستويا ما ~~دام مربوطا؛ فإذا حل انحنى واعوج كما كان. واعلم أيها الملك أنه من لم يقبل ~~من نصائحه ما يثقل عليه مما ينصحون له به، لم يحمد رأيه؛ كالمريض الذي يدع ~~ما يبعث له الطبيب؛ ويعمد إلى ما يشتهيه. وحق على موازر السلطان أن يبالغ ~~في التحضيض له على ما يزيد من سلطانه قوة ويزينه؛ والكف عما يضره ويشينه؛ ~~وخير الإخوان والأعوان أقلهم مداهنة في النصيحة؛ وخير الثناء ما كان على ~~أفواه الأخيار؛ وأشرف الملوك من لم يخالطه بطر؛ وخير الأخلاق أعونها على ~~الورع. وقد قيل: لو أن أمرا توسد النار وافترش الحيات، كان أحق ألا يهنئه ~~النوم. # PageV01P122 # والرجل إذا أحس من صاحبه بعداوة يريده بها؛ لا يطمئن إليه؛ وأعجز الملوك ~~آخذهم بالهوينى، وأقلهم نظرا في مستقبل الأمور. وأشبههم بالفيل الهائج الذي ~~لا يلتفت إلى شيء: فإن حز به أمر تهاون به، وإن أضاع الأمور حمل ذلك على ~~قرنائه. قال له الأسد: لقد أغلظت في القول؛ وقول الناصح مقبول محمول. وإن ~~كان شتربة معاديا لي، كما تقول، فإنه لا يستطيع لي ضرا؛ وكيف يقدر على ذلك ~~وهو آكل عشب وأنا آكل لحم؟ وإنما هو لي طعام، وليس علي منه مخافة. ثم ليس ~~إلى الغدر به سبيل بعد الأمان الذي جعلته له، وبعد إكرامي له، وثنائي عليه. ~~وإن غيرت ما كان مني وبدلته. سفهت رأيي وجهلت نفسي وغدرت بذمتي. قال دمنة: ~~لا يغرنك قولك: هو لي طعام وليس علي منه مخافة: فإن شتربة إن لم يستطعك ~~بنفسه احتال لك من قبل غيره. ويقال: إن استضافك ضيف ساعة من نهار، وأنت لا ~~تعرف أخلاقه فلا تأمنه على نفسك؛ ولا تأمن أن يصلك منه أو بسببه ما أصاب ~~القملة من البرغوث. قال الأسد: وكيف كان ذلك؟ # PageV01P123 # قال دمنة: زعموا أن قملة لزمت فراش رجل من الأغنياء دهرا فكانت تصيب من ~~دمه وهو نائم لا يشعر، وتدب دبيبا رفيقا؛ فمكث كذلك حينا حتى استضافها ليلة ~~من الليالي برغوث؛ فقالت له: بت ms055 الليلة عندنا في دم طيب وفراش لين؛ فأقام ~~البرغوث عندها حتى إذا أوى الرجل إلى فراشه وثب عليه البرغوث فلدغه لدغة ~~أيقظته؛ وأطارت النوم عنه؛ فقام الرجل وأمر أن يفتش فراشه؛ فنظر فلم ير إلا ~~القملة؛ فأخذت فقصعت وفر البرغوث. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن صاحب ~~الشر بسببه. وإن كنت لا تخاف من شتربة، فخف غيره من جندك الذين قد حملهم ~~عليك وعلى عداوتك. فوقع في نفس الأسد كلام دمنة. فقال: فما الذي ترى إذا؟ ~~وبماذا تشير؟ قال دمنة: إن الضرس لا يزال متآكلا، ولا يزال صاحبه منه في ~~ألم وأذى حتى يفارقه. والطعام الذي # PageV01P124 # قد عفن في البطن، الراحة في قذفه. والعدو المخوف، دواؤه قتله. قال الأسد: ~~لقد تركتني أكره مجاورة شتربة إياي؛ وأنا مرسل إليه، وذاكرا له ما وقع في ~~نفسي منه؛ ثم آمره باللحاق حيث أحب. فكره دمنة ذلك، وعلم أن الأسد متى كلم ~~شتربة في ذلك وسمع منه جوابا عرف باطل ما أتى به، واطلع على غدره وكذبه؛ ~~ولم يخف عليه أمره. فقال للأسد: أما إرسالك إلى شتربة فلا أراه لك رأيا ولا ~~حزما؛ فلينظر الملك في ذلك: فإن شتربة متى شعر بهذا الأمر، خفت أن يعاجل ~~الملك بالمكابرة. وهو إن قاتلك قاتلك مستعدا؛ وإن فارقك، فارقك فراقا يليك ~~منه النقص، ويلزمك منه العار. مع أن ذوي الرأي من الملوك لا يعلنون عقوبة ~~من لم يعلن ذنبه؛ ولكن لكل ذنب عندهم عقوبة: فلذنب العلانية عقوبة ~~العلانية، ولذنب السر عقوبة السر. قال الأسد: إن الملك إذا عاقب أحدا عن ~~ظنة ظنها من غير تيقن بجرمه، فنفسه # PageV01P125 # عاقب وإياها ظلم. قال دمنة: أما إذا كان هذا رأي الملك، فلا يدخلن عليك ~~شتربة إلا وأنت مستعد له؛ وإياك أن تصيبك منه غرة أو غفلة: فإني لا أحسب ~~الملك حين يدخل عليه إلا سيعرف أنه قد هم بعظيمة. ومن علامات ذلك أنك ترى ~~لونه متغيرا؛ وترى أوصاله ترعد؛ وتراه ملتفتا يمينا وشمالا؛ وتراه يهز ~~قرنيه فعل الذي هم ms056 بالنطاح والقتال. قال الأسد: سأكون منه على حذر؛ وإن ~~رأيت منه ما يدل على ما ذكرت علمت أن ما في أمره شك. # فلما فرغ دمنة من حمل الأسد على الثور، وعرف أنه قد وقع في نفسه ما كان ~~يلتمس، وأن الأسد سيتحذر الثور، ويتهيأ له، أراد أن يأتي الثور ليغريه ~~بالأسد؛ وأحب أن يكون إتيانه من قبل الأسد مخافة أن يبلغه ذلك فيتأذى به. ~~فقال: أيها الملك ألا آتي بشتربة فانظر إلى حاله وأمره؛ وأسمع كلامه: لعلي ~~اطلع على سره، فأطلع الملك على ذلك، وعلى ما يظهر لي منه؟ فأذن له الأسد في ~~ذلك. فانطلق فدخل # PageV01P126 # على شتربة كالكئيب الحزين. فلما رآه الثور رحب به، وقال: كان سبب انقطاعك ~~عني؟ فإني لم أرك منذ أيام؛ ولعلك في سلامة! قال دمنة: ومتى كان أهل ~~السلامة من لا يملك نفسه، وأمره بيد غيره ممن لا يوثق به، ولا ينفك على خطر ~~وخوف. حتى ما من ساعة تمر ويأمن فيها على نفسه. قال شتربة: وما الذي حدث؟ ~~قال دمنة: حدث ما قدر وهو كائن. ومن ذا الذي غالب القدر؟ ومن ذا الذي بلغ ~~من الدنيا جسيما من الأمور فلم يبطر؟ ومن ذا الذي بلغ منياه فلم يغتر؟ ومن ~~ذا الذي تبع هواه فلم يخسر؟ ومن ذا الذي طلب من اللئام فلم يحرم؟ ومن ذا ~~الذي خالط الأشرار فسلم؟ ومن ذا الذي صحب السلطان فذام له منه الأمن ~~والإحسان؟ قال شتربة: إني أسمع منك كلاما يدل على أنه قد رابك من الأسد ~~ريب، وهالك منه أمر. قال دمنة: أجل، لقد رابني منه ذلك، وليس هو في أمر ~~نفسي، قال شتربة: ففي نفس من رابك؟ قال دمنة: قد تعلم ما بيني # PageV01P127 # وبينك، وتعلم حقك علي، وما كنت جعلت لك من العهد والميثاق أيام أرسلني ~~الأسد إليك، فلم أجد لك بدا من حفظك وإطلاعك على ما أطلعت عليه مما أخاف ~~عليك منه. قال شتربة: وما الذي بلغك؟ قال دمنة: حدثني الخبير الصدوق الذي ~~لا مرية في ms057 قوله أن الأسد قال لبعض أصحابه وجلسائه: قد أعجبني سمن الثور؛ ~~وليس لي إلى حياته حاجة، فأنا آكله ومطعم أصحابي من لحمه. فلما بلغني هذا ~~القول، وعرفت غدره ونقض عهده؛ أقبلت إليك لأقضي حقك؛ وتحتال أنت لأمرك. ~~فلما سمع شتربة كلام دمنة، وتذكر ما كان من دمنة جعل له من العهد والميثاق، ~~وفكر في أمر الأسد، ظن أن دمنة قد صدقه ونصح له؛ ورأى أن الأمر شبيه بما ~~قال دمنة. فأهمه ذلك؛ وقال: ما كان للأسد أن يغدر بي ولم آت إليه ذنبا، ولا ~~إلى أحد من جنده، منذ صحبته؛ ولا أظن الأسد إلا قد حمل علي بالكذب وشبه ~~عليه أمري: فإن الأسد قد صحبه قوم سوء؛ وجرب منهم الكذب وأمورا هي # PageV01P128 # تصدق عنده ما بلغه من غيرهم: فإن صحبة الأشرار ربما أورثت صاحبها سوء ~~الظن بالأخيار؛ وحملته تجربته على الخطأ كخطأ البطة التي زعموا أنها رأت في ~~الماء ضوء كوكب، فظنته سمكة، فحاولت أن تصيدها، فلما جربت ذلك مرارا، علمت ~~أنه ليس بشيء يصاد فتركته. ثم رأت من غد ذلك اليوم سمكة، فظنت أنها مثل ~~الذي رأته بالأمس، فتركتها ولم تطلب صيدها. فإن كان الأسد بلغه عني كذب ~~فصدقه علي وسمعه في، فما جرى على غيري يجري علي. وإن كان لم يبلغه شيء، ~~وأراد السوء بي من غير علة، فإن ذلك لمن أعجب الأمور. وقد كان يقال: إن من ~~العجب أن يطلب الرجل رضا صاحبه ولا يرضى. وأعجب من ذلك أن يلتمس رضاه ~~فيسخط. فإذا كانت الموجدة عن علة، كان الرضا موجودا والعفو مأمولا. وإذا ~~كانت عن غير علة، انقطع الرجاء: لأن العلة إذا كانت المودة في ورودها، كان ~~الرضا مأمولا في صدورها. # PageV01P129 # قد نظرت: فلا أعلم بيني وبين الأسد جرما، ولا صغير ذنب، ولا كبيره. ~~ولعمري ما يستطيع أحد أطال صحبة صاحب أن يحترس في كل شيء من أمره، ولا أن ~~يتحفظ من أن يكون منه صغيرة أو كبيرة يكرهها صاحبه؛ ولكن الرجل ذا العقل ~~وذا الوفاء إذا ms058 سقط عنده صاحبه سقطة نظر فيها، وعرف قدر مبلغ خطئه عمدا كان ~~أو خطأ. ثم ينظر هل في الصفح عنه أمر يخاف ضره وشينه؟ فلا يؤاخذ صاحبه بشيء ~~يد فيه إلى الصفح عنه سبيلا. فإن كان الأسد قد اعتقد على ذنبا؛ فلست أعلمه؛ ~~إلا أني خالفته في بعض رأيه نصيحة له؛ فعساه أن يكون قد أنزل أمري على ~~الجراءة عليه والمخالفة له؛ ولا أجد لي في هذا المحضر إثما ما: لأني لم ~~أخالفه في شيء إلا ما قد ندر من خالفة الرشد والمنفعة والدين، ولم أجاهر ~~بشيء من ذلك على رءوس جنده وعند أصحابه؛ ولكني كنت أخلو به وأكلمه سرا كلام ~~الهائب الموقر وعلمت أنه من التمس الرخص من الإخوان عند المشاورة، # PageV01P130 # ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، أخطأ منافع الرأي؛ ~~وازداد فيما وقع فيه من ذلك تورطا، وحمل الوزر. وإن لم يكن هذا، فعسى أن ~~يكون ذلك من بعض سكرات السلطان: فإن مصاحبة السلطان خطرة، وإن صوحب ~~بالسلامة والثقة والمودة وحسن الصحبة. وإن لم يكن هذا، فبعض ما أوتيت من ~~الفضل قد جعل لي فيه الهلاك. وإن لم يكن هذا ولا هذا، فهو إذا من مواقع ~~القضاء والقدر الذي لا يدفع عنه؛ وهو الذي يحمل الرجل الضعيف على ظهر الفيل ~~الهائج؛ وهو الذي يسلط على الحية ذات الحمة من ينزع حمتها ويلعب بها؛ وهو ~~الذي يجعل العاجز حازما، ويثبط الشهم، ويوسع على المقتر، ويشجع الجبان، ~~ويجبن الشجاع عندما تعتريه المقادير من العلل التي وضعت عليه الأقدار. # PageV01P131 # قال دمنة: إن إرادة الأسد بك ليست من تحميل الأشرار ولا سكرة السلطان ولا ~~غير ذلك، ولكنها الغدر والفجور منه: فإن فاجر خوان غدار: لطعامه حلاوة ~~وآخره سم مميت. قال شتربة: فأراني قد استلذذت الحلاوة إذ ذقتها: وقد انتهيت ~~إلى آخرها الذي هو الموت؛ ولولا الحين ما كان مقامي عند الأسد، وهو آكل لحم ~~وأنا آكل عشب فأنا في هذه الورطة كالنحلة التي تجلس على نور النيلوفر إذ ~~تستلذ ريحه وطعمه، ms059 فتحبسها تلك اللذة؛ فإذا جاء الليل ينضم عليها، فترتبك ~~فيه وتموت. ومن لم يرض من الدنيا بالكفاف الذي يغنيه وطمحت عينه إلى ما سوى ~~ذلك، ولم يتخوف من عاقبتها، كان كالذباب الذي لا يرضى بالشجرة والرياحين، ~~ولا يقنعه ذلك، حتى يطلب الماء الذي يسيل من أذن الفيل، فيضربه الفيل ~~بآذانه فيهلكه. ومن يبذل وده ونصيحته لمن لا يشكره، فهو كمن يبذر في ~~السباخ. ومن يشر على المعجب، فهو كمن # PageV01P132 # يشاور الميت أو يسار الأصم. قال دمنة: دع عنك هذا الكلام واحتل لنفسك. ~~قال شتربة: بأي شيء أحتال لنفسي، إذا أراد الأسد أكلي، مع ما عرفتني به من ~~رأي الأسد وسوء أخلاقه؟ وأعلم أنه لم يرد بي إلا خيرا، ثم أراد أصحابه ~~بمكرهم وفجورهم هلاكي لقدروا على ذلك فإنه إذا اجتمع المكرة الظلمة على ~~البريء الصحيح، كانوا خلقاء أن يهلكوه، وإن كانوا ضعفاء وهو قوي؛ كما أهلك ~~الذئب والغراب وابن آوى الجمل، حين اجتمعوا عليه بالمكر والخديعة والخيانة. ~~قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ # قال شتربة: زعموا أن أسدا كان في أجمة مجاورة لطريق من طرق الناس؛ وكان ~~له أصحاب ثلاثة: ذئب وغراب وابن آوى؛ وأن رعاة مروا بذلك الطريق، ومعهم ~~جمال، فتخلف منها جمل، فدخل تلك الأجمة حتى انتهى إلى الأسد؛ فقال له ~~الأسد: من أين أقبلت؟ قال: من موضع كذا. قال: فما حاجتك؟ قال: ما يأمرني به ~~الملك. قال: تقيم # PageV01P133 # عندنا في السعة والأمن والخصب. فأقام الأسد والجمل معه زمنا طويلا. ثم إن ~~الأسد مضى في بعض الأيام لطلب الصيد، فلقي فيلا عظيما، فقاتله قتالا شديدا؛ ~~وأفلت منه مثقلا مثخنا بالجراح، يسيل منه الدم، وقد خدشه الفيل بأنيابه. ~~فلما وصل إلى مكانه، وقع لا يستطيع حراكا، ولا يقدر على طلب الصيد؛ فلبث ~~الذئب والغراب وابن آوى أياما لا يجدون طعاما: لأنهم كانوا يأكلون من فضلات ~~الأسد وطعامه؛ فأصابهم جوع شديد وهزال، وعرف الأسد ذلك منهم؛ فقال: لقد ~~جهدتم واحتجتم إلى ما تأكلون. فقالوا لا تهمنا أنفسنا: لكنا نرى الملك على ms060 ~~ما نراه. فليتنا نجد ما يأكله ويصلحه. قال الأسد: ما أشك في نصيحتكم، ولكن ~~انتشروا لعلكم تصيبون صيدا تأتونني به؛ فيصيبني ويصيبكم منه رزق. فخرج ~~الذئب والغراب وابن آوى من عند الأسد؛ فتنحوا ناحية، وتشاوروا فيما # PageV01P134 # بينهم، وقالوا: مالنا ولهذا الأكل العشب الذي ليس شأنه من شأننا، ولا ~~رأيه من رأينا؟ ألا نزين للأسد فيأكله ويطعمنا من لحمه؟ قال ابن آوى: هذا ~~مما لا نستطيع ذكره للأسد: لأنه قد أمن الجمل، وجعل له من ذمته عهدا. قال ~~الغراب: أنا أكفيكم أمر الأسد. ثم انطلق فدخل على الأسد؛ فقال له الأسد: هل ~~أصبت شيئا؟ قال الغراب: إنما يصيب من يسعى ويبصر. وأما نحن فلا سعي لنا ولا ~~بصر: لما بنا من الجوع؛ ولكن قد وفقنا لرأي واجتمعنا عليه؛ إن وافقنا الملك ~~فنحن له مجيبون. قال الأسد: وما ذاك؟ قال الغراب: هذا الجمل آكل العشب ~~المتمرغ بيننا من غير منفعة لنا منه، ولا رد عائدة، ولا عمل يعقب مصلحة. ~~فلما سمع الأسد ذلك غضب وقال: ما أخطأ رأيك، وما اعجز مقالك، وأبعدك من ~~الوفاء والرحمة؟ وما كنت حقيقا أن تجتري علي بهذه المقالة، وتستقبلني بهذا ~~الخطاب؛ مع ما علمت من أني قد أمنت الجمل، وجعلت له # PageV01P135 # من ذمتي. أو لم يبلغك أنه لم يتصدق متصدق بصدقة هي أعظم أجرا ممن أمن ~~نفسا خائفة، وحقن دما مهدرا؟ وقد أمنته ولست بغادر به. قال الغراب: إني ~~لأعرف ما يقول الملك؛ ولكن النفس الواحدة يفتدى بها أهل البيت؛ وأهل البيت ~~تفتدى بهم القبيلة؛ والقبيلة يفتدى بها أهل المصر؛ وأهل المصر فداء الملك. ~~وقد نزلت بالملك الحاجة؛ وأنا أجعل له من ذمته مخرجا، على ألا يتكلف الملك ~~ذلك، ولا يليه بنفسه، ولا يأمر به أحدا؛ ولكنا نحتال بحيلة لنا وله فيها ~~إصلاح وظفر. فسكت الأسد عن جواب الغراب عن هذا الخطاب. فلما عرف الغراب ~~إقرار الأسد أتى أصحابه، فقال لهم: قد كلمت الأسد في أكله الجمل؛ على أن ~~نجتمع نحن والجمل عند الأسد، فنذكر ما أصابه، ms061 ونتوجع له اهتماما منا بأمره، ~~وحرصا على صلاحه؛ ويعرض كل واحد منا نفسه عليه تجملا ليأكله، فيرد الآخران ~~عليه، ويسفها رأيه، ويبينان الضرر في أكله. فإذا فعلنا ذلك، سلمنا كلنا ~~ورضي # PageV01P136 # الأسد عنا. ففعلوا ذلك، وتقدموا إلى الأسد؛ فقال الغراب: قد احتجت أيها ~~الملك إلى ما يقويك؛ ونحن أحق أن نهب أنفسنا لك: فإنا بك نعيش؛ فإذا هلكت ~~فليس لأحد منا بقاء عندك، ولا لنا في الحياة من خيرة؛ فليأكلني الملك: فقد ~~طبت بذلك نفسا. فأجابه الذئب وابن آوى أن اسكت؛ فلا خير للملك في أكلك؛ ~~وليس فيك شبع. قال ابن آوى لكن أنا أشبع الملك، فليأكلني: فقد رضيت بذلك، ~~وطبت عنه نفسا. فرد عليه الذئب والغراب بقولهما: إنك لمنتن قذر. قال الذئب: ~~إني لست كذلك، فليأكلني الملك، فقد سمحت بذلك، وطبن عنه نفسا؛ فاعترضه ~~الغراب وابن آوى وقالا: قد قالت الأطباء: من أراد قتل نفسه فليأكل لحم ذئب. ~~فظن الجمل أنه إذا عرض نفسه على الأكل، التمسوا له عذرا كما التمس بعضهم ~~لبعض الأعذار، فيسلم ويرضى الأسد عنه بذلك، وينجو من المهالك. فقال: لكن ~~أنا في للملك شبع وري؛ ولحمي طيب هني، وبطني # PageV01P137 # نظيف، فليأكلني الملك، ويطعم أصحابه وخدمه: فقد رضيت بذلك، وطابت نفسي ~~عنه، وسمحت به. فقال الذئب والغراب وابن آوى: لقد صدق الجمل وكرم؛ وقال ما ~~عرف. # ثم إنهم وثبوا عليه فمزقوه. م إنهم وثبوا عليه فمزقوه. # وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنه إن كان أصحاب الأسد قد اجتمعوا على ~~هلاكي فإني لست أقدر أن أمتنع منهم، ولا أحترس؛ وإن كان رأي الأسد لي على ~~غير ما هم من الرأي في، فلا ينفعني ذلك، ولا يغني عني شيئا. وقد يقال: خير ~~السلاطين من عدل في الناس. ولو أن الأسد لم يكن في نفسه لي إلا الخير ~~والرحمة، لغيرته كثرة الأقاويل: فإنها إذا كثرت لم تلبث دون أن تذهب الرقة ~~والرأفة. ألا ترى الماء ليس كالقول؛ وأن الحجر لم يلبث حتى يثقبه ويؤثر ~~فيه. وكذلك القول في ms062 الإنسان. قال دمنة: فماذا تريد أن تصنع الآن؟ قال ~~شتربة: ما أرى إلا الاجتهاد والمجاهدة بالقتال: فإنه ليس # PageV01P138 # للمصلي في صلاته، ولا للمتصدق في صدقته، ولا للورع في ورعه من الأجر ما ~~للمجاهد عن نفسه، إذا كانت مجاهدته على الحق. قال دمنة: لا ينبغي لأحد أن ~~يخاطر بنفسه، وهو يستطيع غير ذلك، ولكن ذا الرأي جاعل القتال آخر الحيل؛ ~~وبادئ قبل ذلك بما استطاع من رفق وتمحل. وقد قيل: لا تحقرن العدو الضعيف ~~المهين، ولا سيما إذا كان ذا حيلة ويقدر على الأعوان؛ فكيف بالأسد على ~~جراءته وشدته؟ فإن من حقر عدوه لضعفه أصابه ما أصاب وكيل البحر من الطيطوى ~~قال شتربة: وكيف كان ذلك؟ قال دمنة: زعموا أن طائرا من طيور البحر يقال له ~~الطيطوى كان وطنه على ساحل البحر، ومعه زوجة له، فلما جاء أوان تفريخها ~~قالت الأنثى للذكر: لو التمسنا مكانا حريزا نفرخ فيه: فإني أخشى من وكيل ~~البحر إذا مد الماء أن يذهب بفراخنا. فقال لها: أفرخي مكانك: فإنه موافق ~~لنا؛ # PageV01P139 # والماء والزهر منا قريب. قالت له: يا غافل ليحسن نظرك: فإن أخاف وكيل ~~البحر أن يذهب بفراخنا. فقال لها أفرخي مكانك: فإنه لا يفعل ذلك فقالت له: ~~ما أشد تعنتك! أما تذكر وعيده وتهديده إياك؟ ألا تعرف نفسك وقدرك؟ فأبى أن ~~يطيعها. فلما أكثرت عليه ولم يسمع قولها، قالت له: إن من لم يسمع قول ~~الناصح يصيبه ما أصاب السلحفاة حين لم تسمع قول البطتين. قال الذكر: وكيف ~~كان ذلك؟ قالت الأنثى: زعموا أن غديرا كان عنده عشب، وكان فيه بطتان وكان ~~في الغدير سلحفاة، بينها وبين البطتين مودة وصداقة. فاتفق أن غيض ذلك ~~الماء؛ فجاءت البطتان لوداع السلحفاة، وقالتا: السلام عليك فإننا ذاهبتان ~~عن هذا المكان لأجل نقصان الماء عنه. فقالت: إنما يبين نقصان الماء على ~~مثلي: فإني كالسفينة لا أقدر على العيش إلا بالماء. فأما أنتما فتقدران على ~~العيش حيث كنتما. فاذهبا بي معكما. # PageV01P140 # قالتا لها: نعم. قالت: كيف السبيل إلى حملي؟ قالتا: ms063 نأخذ بطرفي عود، ~~وتتعلقين بوسطه؛ ونطير بك في الجو. وإياك، إذا سمعت الناس يتكلمون، أن ~~تنطقي. ثم أخذتاها فطارتا بها في الجو. فقال الناس: عجب: سلحفاة بين بطتين، ~~قد حملتاها. فلما سمعت ذلك قالت: فقأ الله أعينكم أيها الناس، فلما فتحت ~~فاها بالنطق وقعت على الأرض فماتت. قال الذكر: قد سمعت مقالتك؛ فلا تخافي ~~وكيل البحر. فلما مد الماء ذهب بفراخها. فقالت الأنثى: قد عرفت في بدء ~~الأمر أن هذا كائن. قال الذكر: سوف أنتقم منه. ثم مضى إلى جماعة الطير فقال ~~لهن: إنكن أخواتي وثقاتي: فأعنني. قلن: ما تريد أن نفعل؟ قال: تجتمعن ~~وتذهبن معي إلى سائر الطير، فنشكو إليهن ما لقيت من وكيل البحر؛ ونقول لهن: ~~إنكن طير مثلنا: فأعننا. فقالت له جماعة الطير: إن العنقاء هي سيدتنا ~~وملكتنا: فاذهب بنا إليها حتى نصيح بها، فنظهر لنا؛ فنشكو إليها # PageV01P141 # ما نالك من وكيل البحر؛ ونسألها أن تنتقم لنا بقوة ملكها. ثم إنهن ذهبن ~~إليها من الطيطوى، فستغثنها؛ وصحن بها؛ فتراءت لهن فأخبرنها بقصتهن؛ ~~وسألنها أن تسير معهن إلى محاربة وكيل البحر، فأجابتهن إلى ذلك. فلما علم ~~وكيل البحر أن العنقاء قد قصدته في جماعة الطير خاف من محاربة ملك لا طاقة ~~له به. فرد فراخ الطيطوى؛ وصالحه فرجعت العنقاء عنه. # وإنما حدثتك بهذا الحديث لتعلم أن القتال مع الأسد لا أراه لك رأيا. قال ~~شتربة: فما أنا بمقاتل الأسد، ولا ناصب له العداوة سرا ولا علانية لا متغير ~~له عما كنت عليه، حتى يبدو لي منه ما أتخوف فأغالبه. فكره دمنة قوله، وعلم ~~أن الأسد إن لم ير من الصور العلامات التي ذكرها له اتهمه وأساء به الظن. ~~فقال دمنة لشتربة: اذهب إلى الأسد فستعرف حين ينظر إليك ما يريد منك. قال ~~شتربة: وكيف أعرف ذلك؟ قال دمنة: سترى الأسد حين تدخل عليه # PageV01P142 # مقعيا على ذنبه، رافعا صدره إليك، مادا بصره نحوك، قد صر أذنيه وفغر فاه، ~~واستوى للوثبة. قال شتربة: إن رأيت هذه العلامات من الأسد عرفت ms064 صدقك في ~~قولك. ثم إن دمنة لما فرغ من حمل الأسد على الصور، والثور على الأسد توجه ~~إلى كليلة. فلما التقيا، قال كليلة: إلام انتهى عملك الذي كنت فيه؟ قال ~~دمنة: قريب من الفراغ على ما أحب وتحب. ثم إن كليلة ودمنة انطلقا جميعا ~~ليحضرا قتال الأسد والثور، وينظرا ما يجري بينهما، ويعاينا ما يئول إليه ~~أمرهما. وجاء شتربة، فدخل على الأسد، فرآه مقعيا كما وصفه له دمنة، فقال: ~~ما صاحب السلطان إلا كصاحب الحية التي في مبيته ومقيله، فلا يدري متى تهيج ~~به. ثم إن الأسد نظر إلى الثور فرأى الدلالات التي ذكرها له دمنة: فلم يشك ~~أنه جاء لقتاله. فواثبه، ونشأ بينهما الحرب، واشتد قتال الثور والأسد، ~~وطال، وسالت بينهما الدماء. # PageV01P143 # فلما رأى كليلة أن الأسد قد بلغ منه ما قد بلغ. قال لدمنة: أيها الفسل ما ~~أنكر جهلتك وأسوأ عاقبتك في تدبيرك! قال دمنة: وما ذاك؟ قال كليلة: جرح ~~الأسد وهلك الثور. وإن أخرق الخرق من حمل صاحبه على سوء الخلق والمبارزة ~~والقتال، وهو يجد إلى غير ذلك سبيلا. وإن العاقل يدبر الأشياء ويقيسها قبل ~~مباشرتها: فما رجا أن يتم له منها أقدم عليه، وما خاف أن يتعذر عليه منها ~~انحرف عنه، ولم يلتفت إليه. وإني لأخاف عليك عاقبة بغيك هذا: فإنك قد أحسنت ~~القول ولم تحسن العمل. أين معاهدتك إياي أنك لا تضر بالأسد في تدبيرك؟ وقد ~~قيل: لا خير في القول إلا مع العمل، ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في ~~الصدقة إلا مع النية، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع ~~الوفاء، ولا في الحياة إلا مع الصحة، ولا في الأمن إلا مع السرور. # PageV01P144 # واعلم أن الأدب يذهب عن العاقل الطيش، ويزيد الأحمق طيشا؛ كما أن النهار ~~يزيد كل ذي بصر نظرا، ويزيد الخفاش سوء النظر. # وقد أذكرني أمرك شيئا سمعته، فإن يقال: إن السلطان إذا كان صالحا، ~~ووزراؤه وزراء سوء، منعوا خيره، فلا يقدر أحد أن يدنو منه. ms065 ومثله في ذلك ~~مثل الماء الطيب الذي فيه التماسيح: لا يقدر أحد أن يتناوله، وإن كان إلى ~~الماء محتاجا. وأنت يا دمنة أردت ألا يدنو من الأسد أحد سواك. وهذا أمر لا ~~يصح ولا يتم أبدا. وذلك للمثل المضروب: إن البحر بأمواجه، والسلطان ~~بأصحابه. ومن الحمق الحرص على التماس الإخوان بغير الوفاء لهم، وطلب الآخرة ~~بالرياء، ونفع النفس بغير الضر. وما عظتي وتأديبي إياك إلا كما قال الرجل ~~للطائر: لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم، ولا تعالج تأديب من لا يتأدب. قال ~~دمنة: وكيف كان ذلك؟ # PageV01P145 # قال كليلة: زعموا أن جماعة من القردة كانوا سكانا في جبل، فالتمسوا في ~~ليلة باردة ذات رياح وأمطار نادرا، فلم يجدوا، فرأوا يراعة تطير كأنها ~~شرارة نار، فظنوها نارا، وجمعوا حطبا كثيرا فألقوه عليها، وجعلوا ينفخون ~~طمعا أن يوقدوا نارا يصطلون بها من البرد. وكان قريبا منهم طائر على شجرة، ~~ينظرون إليه وينظر إليهم، وقد رأى ما صنعوا، فجعل يناديهم ويقول: لا تتعبوا ~~فإن الذي رأيتموه ليس بنار. فلما طال ذلك عليه عزم على القرب منهم لنهاهم ~~عما هم فيه، فمر به رجل فعرف ما عزم عليه. فقال له: لا تلتمس تقومي ما لا ~~يستقيم: فإن الحجر المانع الذي لا ينقطع لا تجرب عليه السيوف، والعود الذي ~~لا نحني لا يعمل منه القوس: فلا تتعب. فأبى الطائر أن يطيعه، وتقدم إلى ~~القردة ليعرفهم أن البراعة ليسن بناء. فتناوله بعض القردة فضرب به الأرض ~~فمات. فهذا # PageV01P146 # مثلي معك في ذلك. ثم قد غلب عليك الخب والفجور، وهما خلتا سوء، والخصب ~~شرهما عاقبة. ولهذا مثل. قال دمنة: وما ذلك المثل؟ # قال كليلة: زعموا أن خبا ومغفلا اشتركا في تجارة وسافرا، فبينما هما في ~~الطريق، إذ تخلف المغفل لبعض حاجته، فوجد كيسا فيه ألف دينار، فأخذه؛ فأحس ~~به الخب، فرجعا إلى بلدهما؛ حتى إذا دنوا من المدينة قعدا لاقتسام المال. ~~فقال المغفل: خذ نصفه وأعطني نصفه؛ وكان الخب قد قرر في نفسه أن يذهب ~~بالألف جميعه. فقال ms066 له: لا نقتسم، فإن الشركة والمفاوضة أقرب إلى الصفاء ~~والمخالطة؛ ولكن آخذ نفقة، وتأخذ مثلها؛ وندفن الباقي في أصل هذه الشجرة: ~~فهو مكان حريز. فإذا احتجنا جئنا أنا وأنت فنأخذ حاجتنا منه؛ ولا يعلم ~~بموضعنا أحد. فأخذا منه يسيرا، ودفنا # PageV01P147 # الباقي في أصل دوحة، ودخلا البلد. ثم إن الخب خالف المغفل إلى الدنانير ~~فأخذها، وسوى الأرض كما كانت. وجاء المغفل بعد ذلك بأشهر فقال للخب: قد ~~احتجت إلى نفقة فانطلق بنا نأخذ حاجتنا؛ فقام الخب معه وذهبا إلى المكان ~~فحفرا، فلم يجدا شيئا. فأقبل الخب على وجهه يلطمه يقول: لا تغتر بصحبة ~~صاحب: خالفتني إلى الدنانير فأخذتها. فجعل المغفل يحلف ويلعن آخذها ولا ~~يزداد الحب إلا شدة في اللطم. وقال: ما أخذها غيرك. وهل شعر بها أحد سواك؟ ~~ثم طال ذلك بينهما، فترافعا إلى القاضي، فاقتص القاضي قصتهما، فادعى الخب ~~أن المغفل أخذها، وجحد المغفل. فقال للخب: ألك على دعواك بينة؟ قال: نعم ~~الشجرة التي كانت الدنانير عندها تشهد لي أن المغفل أخذها. وكان الخب قد ~~أمر أباه أن يذهب فيتوارى في الشجرة بحيث إذا سئلت أجاب. فذهب أبو الخب # PageV01P148 # فدخل جوف الشجرة. م إن القاضي لما سمع ذلك من الخب أكبره، وانطلق هو ~~وأصحابه والخصب والمغفل معه؛ حتى وافى الشجرة؛ فسألها عن الخبر. فقال الشيخ ~~من جوفها: نعم المغفل أخذها. فلما سمع القاضي ذلك اشتد تعجبه. فدعا بحطب ~~وأمر أن تحرق الشجرة. فأضرمت حولها النيران فاستغاث أبو الخب عند ذلك. ~~فأخرج وقد أشرف على الهلاك. فسأله القاضي عن القصة فأخبره بالخبر؛ فأوقع ~~بالخب ضربا، وبأبيه صفعا، وأركبه مشهورا، وغرم الخب الدنانير فأخذها ~~وأعطاها المغفل. # وإنما ضربت لك هذا المثل لتعمل أن الحب والخديعة ربما كان صاحبها هو ~~المغبون. وإنك يا دمنة جامع للخب والخديعة والفجور. وإني أخشى عليك ثمرة ~~عملك، مع أنك لست بناج من العقوبة: لأنك ذو لونين ولسانين. وإنما عذوبة ماء ~~الأنهار ما لم تبلغ إلى البحار. وصلاح أهل البيت ما لم يكن فيهم # PageV01P149 # المفسد. وإنه لا ms067 شيء أشبه بك من الحية ذات اللسانين التي فيها السم: فإن ~~قد يجري من لسانك كسمها. وإني لم أزل لذلك السم من لسانك خائفا، ولما يحل ~~بك متوقعا، والمفسد بين الإخوان والأصحاب كالحية يربيها الرجل ويطعمها ~~ويمسحها ويكرمها، ثم لا يكون له منها غير اللدغ. وقد يقال: الزم ذا العقل ~~وذا الكرم، واسترسل إليهما، وإياك ومفارقتهما؛ واصحب الصاحب إذا كان عاقلا ~~كريما أو عاقلا غير كريم: فالعاقل الكريم كامل، والعاقل غير الكريم أصحبه، ~~وإن كان غير محمود الخليقة، وأحذر من سوء أخلاقه وانتفع بعقله، والكريم غير ~~العاقل، الزمه ولا تدع مواصلته، وإن كنت لا تحمد عقله، وانتفع بكرمه، ~~وانفعه بعقلك؛ والقرار كل القرار من اللئيم الأحمق. وإني بالفرار منك ~~لجدير. وكيف يرجو إخوانك عندك كرما وودا وقد صنعت بملكك الذي أكرمك وشرفك ~~ما صنعت؟ وإن مثلك مثل التاجر الذي # PageV01P150 # قال: إن أرضا تأكل جرذانها مائة من حديدا، ليس بمستنكر على بزاتها أن ~~تختطف الأفيال. قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ # قال كليلة: زعموا أنه كان بأرض كذا تاجر، فأراد الخروج إلى بعض الوجوه ~~لابتغاء الرزق؛ وكان عنده مائة من حديدا؛ فأودعها رجلا من إخوانه، وذهب في ~~وجهه. ثم قدم بعد ذلك بمدة؛ فجاء والتمس الحديد، فقال له: إنه قد أكلته ~~الجرذان. فقال: قد سمعت أنه لاشيء أقطع من أنيابها للحديد. ففرح الرجل ~~بتصديقه على ما قال وادعى. ثم إن التاجر خرج، فلقي ابنا للرجل؛ فأخذه وذهب ~~به إلى منزله؛ ثم رجع إليه الرجل من الغد فقال له: هل عندك علم بابني: فقال ~~له التاجر: إني لما خرجت من عندك بالأمس، رأيت بازيا قد اختطف صبيا، ولعله ~~ابنك. فلطم الرجل على رأسه وقال: يا قوم هل سمعتم أو رأيتم أن البزاة تخطف ~~الصبيان؟ فقال: نعم. وإن أرضا تأكل جرذانها مائة من من حديدا ليس # PageV01P151 # بعجب أن تختطف بزاتها الفيلة. قال له الرجل: أنا أكلت حديدك وهذا ثمنه. ~~فاردد على ابني. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك إذا غدرت بصاحبك فلا شك ms068 ~~أنك بمن سواه أغدر؛ وأنه إذا صاحب أحد صاحبا وغدر بمن سواه فقد علم صاحبه ~~أنه ليس عنده للمودة موضع: فلا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له، وحباء ~~يصطنع عند من لا شكر له، وأدب يحمل إلى من لا يتأدب به ولا يسمعه، وسر ~~يستودع من لا يحفظه؛ فإن صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث ~~الشر: كالريح إذا مرت بالطيب حملت طيبا، وإذا مرت بالنتن حملت نتنا، وقد ~~طال وثقل كلامي عليك. # فانتهى كليلة من كلامه إلى هذا المكان وقد فرغ الأسد من الثور، ثم فكر في ~~قتله بعد أن قتله وذهب عنه الغضب. وقال: لقد فجعني شتربة بنفسه؛ وقد كان ذا ~~عقل ورأي وخلق كريم، ولا أدري لعله كان بريئا أو مكذوبا عليه؛ فحزن وندم ~~على ما كان منه، وتبين ذلك في وجهه؛ # PageV01P152 # وبصر به دمنة، فترك محاورة كليلة، وتقدم إلى الأسد فقال له: ليهنئك الظفر ~~إذ أهلك الله أعداءك. فماذا يحزنك أيها الملك؟ قال: أنا حزين على عقل شتربة ~~ورأيه وأدبه؟ قال له دمنة: لا ترحمه أيها الملك: فإن العاقل لا يرحم من ~~يخافه. وإن الرجل الحازم ربما أبغض الرجل وكرهه، ثم قربه وأدناه: لما يعلم ~~عنده من الغناء والكفاية، فعل الرجل المتكاره على الدواء الشنيع رجاء ~~منفعته. وربما أحب الرجل، وعز عليه، فأقصاه وأهلكه، مخافة ضرره؛ كالذي ~~تلدغه الحية في إصبعه فيقطعها، ويتبرأ منها مخافة أن يسر سمها إلى بدنه. ~~فرضي الأسد بقول دمنة. ثم علم بعد ذلك بكذبه وغدره وفجوره فقتله شر قتلة. # PageV01P153 ### | باب الفحص عن أمر دمنة # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد حدثتني عن الواشي الماهر المحتال، ~~كيف يفسد بالنميمة المودة الثابتة بين المتحابين. فحدثني حينئذ بما كان من ~~حالة دمنة وما آل أمره إليه بعد قتل شتربة، وما كان من معاذيره عند الأسد ~~وأصحابه حين راجع الأسد رأيه في الثور، وتحقق النميمة من دمنة، وما كانت ~~حجته التي احتج بها؛ قال الفيلسوف: أنا وجدت في حديث دمنة أن الأسد ms069 حين قتل ~~شتربة ندم على قتله، وذكر قديم صحبته وجسيم خدمته، وأنه كان أكرم أصحابه ~~عليه. وأخصهم منزلة لديه، وأقربهم وأدناهم إليه؛ وكان يواصل له المشورة دون ~~خواصه. وكان من أخص أصحابه عنده بعد الثور النمر. فاتفق أنه أمسى لنمر ذات ~~ليلة عند الأسد؛ فخرج من عنده جوف الليل يردي منزله، فاجتاز على منزل كليلة ~~ودمنة. فلما انتهى إلى الباب سمع كليلة يعاتب دمنة على ما كان منه، # PageV01P154 # ويلومه على النميمة واستعمالها؛ خصوصا مع الكذب والبهتان في حق الخاصة. ~~وعرف النمر عصيان دمنة وترك القبول له. فوقف يستمع ما يجري بينهما فكان ~~فيما قال كليلة لدمنة: لقد ارتكبت مركبا صعبا، ودخلت مدخلا ضيقا، وجنيت على ~~نفسك جناية موبقة، وعاقبتها وخيمة؛ وسوف يكون مصرعك شديدا، إذا انكشف للأسد ~~أمرك، واطلع عليه، وعرف غدرك ومحالك، وبقيت لا ناصر لك؛ فيجتمع عليك الهوان ~~والقتل، مخافة شرك، وحذرا من غوائلك؛ فلست بمتخذك بعد اليوم خليلا، ولا مفش ~~إليك سرا؛ لأن العلماء قد قالوا: تباعد عمن لا رغبة فيه. وأنا جدير ~~بمباعدتك، والتماس الخلاص لي مما وقع في نفس الأسد من هذا الأمر. # فلما سمع النمر هذا من كلامهما قفل راجعا، فدخل على أم الأسد؛ فأخذ عليها ~~العهود ومواثيق أن لا تفشي ما يسر إليها، فعاهدته على ذلك فأخبرها بما سمع ~~من كلام # PageV01P155 # كليلة ودمنة. فلما أصبحت دخلت على الأسد، فوجدته كئيبا حزينا مهموما: لما ~~ورد عليه من قتل شتربة. فقالت له: ما هذا الهم الذي قد أخذ منك، وغلب عليك؟ ~~قال: يحزنني قتل شتربة؛ إذ تذكرت صحبته ومواظبته على خدمتي، وما كنت أسمع ~~من مناصحته. قالت أم الأسد: إن أشد ما شهد امرؤ بلا علم ولا يقين؟ ولولا ما ~~قالت العلماء في إذاعة الأسرار وما فيها من الإثم والشنار، لذكرت لك ~~ولأخبرتك بما علمت. قال الأسد: إن أقوال العلماء لها وجوه كثيرة، ومعان ~~مختلفة. وإني لأعلم صواب ما تقولين: وإن كان عندك رأي فلا تطويه عني؛ وإن ~~كان قد أسر إليك أحد سرا فأخبريني ms070 به، وأطلعيني عليه، وعلى جملة الأمر. ~~فأخبرته بجميع ما ألقاه إليها النمر من غير أن تخبره باسمه. وقال: # PageV01P156 # إني لم أجهل قول العلماء في تعظيم العقوبة وتشديدها، وما يدخل على الرجل ~~من العار في إذاعة الأسرار؛ ولكني أحببت أن أخبرك بما فيه المصلحة لك؛ وإن ~~وصل خطؤه وضرره إلى العامة فإصرارهم على خيانة الملك مما لا يدفع الشر ~~عنهم، وبه يحتج السفهاء، ويستحسنون ما يكون من أعمالهم القبيحة. وأشد ~~معارهم إقدامهم على ذي الحزم. فلما قضت أم الأسد هذا الكلام، استدعى أصحابه ~~وجنده فأدخلوا عليه. ثم أمر أن يؤتى بدمنة. فلما وقف بين يدي الأسد، ورأى ~~ما هو عليه من الحزن والكآبة، التفت إلى بعض الحاضرين فقال: مالذي حدث؟ وما ~~الذي أحزن الملك؟ فالتفتت أم الأسد إليه وقالت: قد أحزن الملك بقاؤك ولو ~~طرفة عين؛ ولن يدعك بعد اليوم حيا! قال دمنة: ما ترك الأول للآخر شيئا: ~~لأنه يقال: أشد الناس في توقي الشر، يصيبه الشر قبل المستسلم له. فلا يكونن ~~الملك وخاصته # PageV01P157 # وجنوده المثل السوء؛ وقد علمت أنه قد قيل: من صحب الأشرار، وهو يعلم ~~حالهم، كان أذاه من نفسه: ولذلك انقطعت النساك بأنفسها عن الخلق، واختارت ~~الوحدة على المخالطة، وحب العمل لله على حب الدنيا وأهلها. ومن يجزي بالخير ~~خيرا وبالإحسان إحسانا إلا الله؟ ومن طلب الجزاء على الخير من الناس. وإن ~~أحق ما رغبت فيه رعية الملك هو محاسن الأخلاق ومواقع الصواب وجميل السير؛ ~~وقد قالت العلماء: من صدق ما ينبغي أن يكذب، وكذب ما ينبغي أن يصدق، خرج من ~~مصاف العقلاء، وكان جديرا بالازدراء. فينبغي ألا يعجل الملك في أمري بشبهة. ~~ولست أقول هذا كراهة للموت: فإنه وإن كان كريها، لا منجى منه. وكل حي هالك. ~~ولو كانت لي مائة نفس وأعلم أن هوى الملك في إتلافهن، لطبت له بذلك نفسا. # فقال بعض الجند: # PageV01P158 # لم ينطق بهذا لحبه بالملك، ولكن لخلاص نفسه، والتماس العذر لها. فقال لها ~~دمنة: ويلك! وهل علي في التماس العذر لنفسي عيب؟ ms071 وهل أحد أقرب إلى الإنسان ~~من نفسه؟ وإذا لم يلتمس لها العذر، فمن يلتمسه؟ لقد ظهر منك ما لم تكن تملك ~~كتمانه من الحسد والبغضاء؛ ولقد عرف من سمع منك ذلك أنك لا تحب لأحد خيرا؛ ~~وأنك عدو نفسك، فمن سواها بالأولى. فمثلك لا يصلح أن يكون مع البهائم، فضلا ~~عن أن يكون مع الملك، وأن يكون ببابه. فلما أجابه دمنة بذلك، خرج مكتئبا ~~حزينا مستحيا. فقالت أم الأسد لدمنة: لقد عجبن منك، أيها المحتال، في قلة ~~حيائك، وكثرة وقاحتك، وسرعة جوابك لمن كلمك. قال دمنة: لأنك تنظرين إلى ~~بعين واحدة، وتسمعين مني بأذن واحدة، مع أن شقاوة جدي قد زوت عني كل شيء، ~~حتى لقد سعوا إلى الملك بالنميمة علي، ولقد صار من بباب # PageV01P159 # الملك لاستخفافهم به، وطول كرامته إياهم، وما هم فيه من العيش والنعمة، ~~لا يدرون في أي وقت ينبغي لهم الكلام، ولا متى يجب عليهم السكوت. قالت: ألا ~~تنظرون إلى هذا الشقي، مع عظم ذنبه، كيف يجعل نفسه بريئا كمن لا ذنب له؟ ~~قال دمنة: إن الذين يعملون غير أعمالهم ليسوا على شيء؛ كالذي يضع الرماد ~~موضعا ينبغي أن يضع فيه الرمل؛ ويستعمل فيه السرجين، والرجل الذي يلبس لباس ~~المرأة، والمرأة التي تلبس لباس الرجل، والضيف الذي يقول: أنا رب البيت، ~~والذي ينطق بين الجماعة بما لا يسأل عنه. وإنما الشقي من لا يعرف الأمور ~~ولا أحوال الناس لا يقدر على دفع الشر عن نفسه، ولا يستطيع ذلك. قالت أم ~~الأسد: أتظن أيها الغادر المحتال بقولك هذا أنك تخدع الملك، ولا يسجنك؟ قال ~~دمنة: الغادر الذي لا يأمن عدوه مكره، وإذا استمكن من عدوه قتله على غير ~~ذنب. # PageV01P160 # قالت أم الأسد: أيها الغادر الكذوب، أتظن أنك ناج من عاقبة كذبك؟ وأن ~~محالك هذا ينفعك مع عظم جرمك؟ قال دمنة: الكذوب إلي يقول ما لم يكن، ويأتي ~~بما لم يقل ولم يفعل، وكلامي واضح مبين. قالت أم الأسد: العلماء منكم هم ~~الذين يوضحون أمره بفضل الخطاب. ثم ms072 نهضت فخرجت. فدفع الأسد دمنة إلى ~~القاضي، فأمر بحبسه، فألقي في عنقه حبل، وانطلق به إلى السجن. فلما انتصف ~~الليل أخبر كليلة أن دمنة في الحبس. فأتاه مستخفيا؛ فلما رآه وما هو عليه ~~من ضيق القيود، وخرج المكان، بكى، وقال له: ما وصلت إلى ما وصلت إليه إلا ~~لاستعمالك الخديعة والمكر، وإضرابك عن العظة؛ ولكن لم يكن لدي بد فيما مضى ~~من إنذارك والنصيحة لك والمسارعة إليك في خلوص الرغبة فيك: فإنه لكل مقام ~~مقال؛ ولكل موضع مجال. # ولو كنت قصرت في عظتك حين كنت في عافية، لكنت اليوم شريكك في ذنبك؛ غير ~~أن العجب دخل منك # PageV01P161 # مدخلا قهر رأيك، وغلب على عقلك؛ وكنت أضرب لك الأمثال كثيرا، وأذكرك قول ~~العلماء. وقد قالت العلماء: إن المحتال يموت قبل أجله. قال دمنة: قد عرفت ~~صدق مقالتك. وقد قالت العلماء: لا تجزع من العذاب إذا وقفت منك على خطيئة؛ ~~ولأن تعذب في الدنيا بجرمك، خير من أن تعذب في الآخرة بجهنم مع الإثم. قال ~~كليلة: قد فهمت كلامك؛ ولكن ذنبك عظيم، وعقاب الأسد شديد أليم. وكان ~~بقربهما في السجن فهد معتقل يسمع كلامهما، ولا يريانه؛ فعرف معاتبة كليلة ~~لدمنة على سوء فعله، وما كان منه؛ وأن دمنة مقر بسوء عمله، وعظيم ذنبه؛ ~~فحفظ المحاورة بينهما، وكتمها ليشهد بها إن سئل عنها. ثم إن كليلة انصرف ~~إلى منزله، ودخلت أم الأسد حين أصبحت على الأسد؛ وقالت له: يا سيد الوحوش، ~~حوشيت أن تنسى ما قلت بالأمس؛ وأنك أمرت به لوقته؛ وأرضيت به رب العباد. # PageV01P162 # وقد قالت العلماء: لا ينبغي للإنسان أن يتوانى في الجد للتقوى؛ بل لا ~~ينبغي أن يدافع عن ذنب الأثيم. فلما سمع الأسد كلام أمه، أمر أن يحضر ~~النمر، وهو صاحب القضاء. فلما حضر قال له وللجواس العادل: اجلسا في موضع ~~الحكم، وناديا في الجند صغيرهم وكبيرهم أن يحضروا وينظروا في حال دمنة، ~~ويبحثوا في شأنه، ويفحصوا عن ذنبه، ويثبتوا قوله وعذره في كتب القضاء؛ ~~وارفعا إلى ذلك يوما فيوما. ms073 فلما سمع ذلك النمر والجواس العادل وكان هذا ~~الجواس عم الأسد، قالا: سمعا وطاعة لما أمر الملك. وخرجا من عنده؛ فعملا ~~بمقتضى ما أمرهما به؛ حتى إذا مضى من اليوم الذي جلسوا فيه ثلاث ساعات، أمر ~~القاضي أن يؤتى بدمنة؛ فأتي به، فأوقف بين يديه، والجماعة حضور. فلما ~~استقربه المكان نادى سيد الجمع بأعلى صوته: أيها الجمع. إنكم قد علمتم أن ~~سيد السباع لم يزل منذ قتل شتربة خائر # PageV01P163 # النفس، كثير الهم والحزن، يرى أنه قد قتل شتربة بغير ذنب؛ وأنه أخذه بكذب ~~دمنة ونميمته. وهذا القاضي قد أمر أن يجلس مجلس القضاء، ويبحث عن شأن دمنة. ~~فمن علم منكم شيئا في أمر دمنة من خير أو شر، فليقل ذلك، وليتكلم به على ~~رءوس الجمع والأشهاد، ليكون القضاء في أمره أولى، والعجلة من الهوى، ~~ومتابعة الأصحاب على الباطل ذل. فعندها قال القاضي: أيها الجمع اسمعوا قول ~~سيدكم، ولا تكتموا ما عرفتم من أمره؛ واحذروا في الستر عليه ثلاث خصال: ~~إحداهن، وهي أفضلهن، ألا تزدروا فعله، ولا تعدوه يسيرا: فمن أعظم الخطايا ~~قتل البريء الذي لا ذنب له بالكذب والنميمة؛ ومن علم من أمر هذا الكتاب ~~الذي اتهم البريء بكذبه ونميمته شيئا، فستر عليه فهو شريكه في الإثم ~~والعقوبة. والثانية إذا اعترف المذنب بذنبه، كان أسلم له، وأحرى بالملك ~~وجنده أن يعفوا عنه ويصفحوا. والثالثة ترك مراعاة أهل الذم # PageV01P164 # والفجور، وقطع أسباب مواصلاتهم ومودتهم عن الخاصة والعامة؛ فمن علم من ~~أمر هذا المحتال شيئا، فليتكلم به على رءوس الأشهاد ممن حضر، ليكون ذلك حجة ~~عليه؛ وقد قيل: إنه من كتم شهادة ميت، ألجم بلجام من نار يوم القيامة؛ ~~فليقل كل واحد منكم ما علم. فلما سمع ذلك الجمع كلامه، أمسكوا عن القول. ~~فقال دمنة: ما يسكتكم؟ تكلموا بما علمتم؛ واعلموا أن لكل كلمة جوابا. وقد ~~قالت العلماء: من يشهد بما لا ي، ويقول ما لا يعلم، أصابه ما أصاب الطبيب ~~الذي قال لما لا يعلمه: إني أعلمه. قالت الجماعة: وكيف كان ms074 ذلك؟ # قال دمنة: زعموا أنه كان في بعض المدن طبيب له رفق وعلم، وكان ذا فطنة ~~فيما يجري على يديه من المعالجات، فكبر ذلك الطبيب وضعف بصره. وكان لملك ~~تلك المدينة ابنة قد زوجها لابن أخ له، فعرض لها ما يعرض للحوامل من # PageV01P165 # الأوجاع. فجيء بهذا الطبيب، فلما حضر، سأل الجارية عن وجعها وما تجد، ~~فأخبرته، فعرف دائها ودواءها، وقال: لو كنت أبصر، لجمعت الأخلاط على معرفتي ~~بأجناسها، ولا أثق في ذلك بأحد غيري. وكان في المدينة رجل سفيه، فبلغه ~~الخبر، فأتاهم وادعى علم الطب، وأعلمهم انه خبير بمعرفة أخلاط الأدوية ~~والعقاقير، عارف بطبائع الأدوية المركبة والمفردة، فأمره الملك أن يدخل ~~خزانة الأدوية فيأخذ من أخلاط الدواء حاجته، فلما دخل السفيه الخزانة، ~~وعرضت عليه الأدوية، ولا يدري ما هي، ولا له بها معرفة، أخذ في جملة ما أخذ ~~منها صرة فيها سم قاتل لوقته، وخلطه في الأدوية، ولا علم له به، ولا معرفة ~~عنده بجنسه. فما تمت أخلاط الأدوية، سقى الجارية منه، فماتت لوقتها. فلما ~~عرف الملك ذلك، دعا بالسفيه، فسقاه من ذلك الدواء، فمات من ساعته. وإنما ~~ضربت لكم هذا المثل لتعلموا # PageV01P166 # ما يدخل على القائل والعامل من الزلة بالشبه في الخروج عن الحد، فمن خرج ~~منكم عن حده أصابه ما أصاب ذلك الجاهل، ونفسه الملومة. # وقد قالت العلماء: ربما جزى المتكلم بقوله. والكلام بين أيديكم: فانظروا ~~لأنفسكم. فتكلم سيد الخنازير، لإدلاله وتيهه بمنزلته عند الأسد، فقال: يا ~~أهل الشرف من العلماء، اسمعوا مقالتي، وعوا بأحلامكم كلامي، فالعلماء قالوا ~~في شأن الصالحين: إنهم يعرفون بسيماههم، وأنتم معاشر ذوي الاقتدار، بحسن ~~صنع الله لكم، وتمام نعمته لديكم، تعرفون الصالحين بسيماهم وصورهم، وتخبرون ~~بالشيء الصغير، وهاهنا أشياء كثيرة تدل على هذا الشقي دمنة، وتخبر عن شره، ~~فاطلبوها على ظاهر جسمه: لتستيقنوا وتسكنوا إلى ذلك. قال القاضي لسيد ~~الخنازير: قد علمت، وعلم الجماعة الحاضرون، أنك عارف بما في الصور من ~~علامات السوء، ففسر لنا ما تقول، وأطلعنا على ما ترى في صورة ms075 هذا الشقي. ~~فأخذ سيد الخنازير # PageV01P167 # يذم دمنة، وقال: إن العلماء قد كتبوا وأخبروا: أنه من كانت عينه اليسرى ~~أصغر من عينه اليمنى وهي لا تزال تختلج، وكان أنفه مائلا إلى جنبه الأيمن، ~~فهو شقي خبيث. قال له دمنة: شأنك عجب، أيها القذر، ذو العلامات الفاضحة ~~القبيحة، ثم العجب من جرائتك على طعام الملك، وقيامك بين يديه، مع ما بجسمك ~~من القذر والقبح، ومع ما تعرفه أنت ويعرفه غيرك من عيوب نفسك، أفتتكلم في ~~النقي الجسم الذي لا عيب فيه؟ ولست أنا وحدي أطلع على عيبك، لكن جميع من ~~حضر قد عرف ذلك. وقد كان يحجزني عن إظهاره ما بيني وبينك من الصداقة. فأما ~~إذا قد كذبت علي وبهتني في وجهي، وقمت بعداوتي، فقلت ما قلت في بغير علم ~~على رؤوس الحاضرين، فأني أقتصر على إظهار ما أعرف من عيوبك، وتعرف الجماعة، ~~وحق على من عرفك حق معرفتك أن يمنع الملك من استعماله إياك على طعامه، فلو # PageV01P168 # كلفت أن تعمل الزراعة لكنت جديرا بالخذلان فيها، فالأحرى بك ألا تدنو إلى ~~عمل من الأعمال، وألا تكون دباغا ولا حجاما لعامي فضلا عن خاص خدمة الملك. ~~قال سيد الخنازير: أتقول لي هذه المقالة، وتلقاني بهذا الملقى؟ قال دمنة، ~~نعم، وحقا قلت فيك، وإياك أعني، أيها الأعرج المكسور الأفدع الرجل، المنفوخ ~~البطن، الأفلح الشفتين، السيء المنظر والمخبر. فلما قال ذلك دمنة، تغير وجه ~~سيد الخنازير واستعبر واستحى، وتلجلج لسانه، واستكان وفتر نشاطه. فقال ~~دمنة، حين رأى انكساره وبكاءه: إنما ينبغي أن يطول بكاؤك، إذا اطلع الملك ~~على قذرك وعيوبك فعزلك عن طعامه، وحال بينك وبين خدمته، وأبعدك عن حضرته. ~~ثم إن شغبرا قد جربه فوجد فيه أمانة وصدقا، فرتبه في خدمته، وأمره أن يحفظ ~~ما يجري بينهم، ويطلعه على ذلك. فقام الشغبر فدخل # PageV01P169 # على الأسد فحدثه بالحديث كله على جليته. فأمر الأسد بعزل سيد الخنازير عن ~~عمله، وأمر ألا يدخل عليه، ولا يرى وجهه، وأمر بدمنة أن يسجن، وقد مضى من ~~النهار أكثره، ورجع ms076 كل واحد منهم إلى منزله. # ثم إن شغبرا يقال له روزبة، كان بينه وبين كليلة إخاء ومودة، وكان عند ~~الأسد وجيها، وعليه كريما، واتفق أن كليلة أخذه الوجد إشفاقا وحذرا على ~~نفسه وأخيه، فمرض ومات، فانطلق هذا الشغبر إلى دمنة، فأخبره بموت كليلة ~~فبكى وحزن، وقال: ما أصنع بالدنيا بعد مفارقة الأخ الصفى؟؟؟؟؟! ولكن أحمد ~~الله تعالى حيث لم يمت كليلة حتى أبقى لي من ذوي قرابتي أخا مثلك: فإني قد ~~وثقت بنعمة الله تعالى وإحسانه إلي فيما رأيت من اهتمامك بي ومراعاتك لي، ~~وقد علمت أنك رجائي وركني فيما أنا فيه، فأريد من إنعامك أن تنطلق إلى مكان ~~كذا، فتنظر إلى ما جمعته أنا وأخي بحيلتنا # PageV01P170 # وسعينا ومشيئة الله تعالى، فتأتيني به، ففعل الشغبر ما أمره به دمنة. ~~فلما وضع المال بين يديه أعطاه شطره، وقال له: إنك على الدخول والخروج على ~~الأسد أقدر من غيرك، فتفرغ لشأني، واصرف اهتمامك إلي، واسمع ما أذكر به عند ~~الأسد، إذا رفع إليه ما يجري بيني وبين الخصوم، وما يبدو من أم الأسد في ~~حقي، وما ترى من متابعة الأسد لها، ومخالفته إياها في أمري، وأحفظ ذلك كله. ~~فأخذ الشغبر ما أعطاه دمنة وانصرف عنه على هذا العهد. فانطلق إلى منزله ~~فوضع المال فيه. ثم إن الأسد بكر من الغد فجلس، حتى إذا مضى من النهار ~~ساعتان، استأذن عليه أصحابه فأذن لهم، فدخلوا عليه، ووضعوا الكتاب بين ~~يديه. فلما عرف قولهم وقول دمنة دعا أمه فقرأ عليها ذلك. فلما سمعت ما في ~~الكتاب نادت بأعلى صوتها: إن أنا أغلظت في القول فلا تلومني: فإنك لست تعرف ~~ضرك من نفعك. أليس هذا مما كنت أنهاك عن سماعه: لأنه كلام هذا المجرم ~~المسيء إلينا، # PageV01P171 # الغادر بذمتنا؟ ثم إنها خرجت مغضبة، وذلك بعين الشغبر الذي أخاه دمنة ~~وبسمعه. فخرج في أثرها مسرعا، حتى أتى دمنة، فحدثه بالحديث. فبينما هو عنده ~~إذ جاء رسول انطلق بدمنة إلى الجمع عند القاضي. فلما مثل بين يدي القاضي ~~استفتح ms077 سيد المجلس فقال: يا دمنة قد أنبأني بخبرك الأمين الصادق وليس ينبغي ~~لنا أن نفحص عن شأنك أكثر من هذا: لأن العلماء قالوا: إن الله تعالى جعل ~~الدنيا سببا ومصداقا للآخرة: لأنها دار الرسل والأنبياء الدالين على الخير ~~الهادين إلى الجنة الداعين إلى معرفة الله تعالى. وقد ثبت شأنك عندنا ~~وأخبرنا عنك من وثقنا بقوله إلا أن سيدنا أمرنا بالعودة في أمرك والفحص عن ~~شأنك وإن كان عندنا ظاهرا بينا. قال دمنة: أراك أيها القاضي لم تتعود العدل ~~في القضاء وليس في عدل الملك دفع المظلومين ومن لا ذنب له إلى قاض غير عادل ~~بل المخاصمة عنهم والذود. فكيف ترى أن أقتل ولم أخاصم؟ وتعجل ذلك # PageV01P172 # موافقة لهواك ولم تمض بعد ذلك ثلاثة أيام. ولكن صدق الذي قال: إن الذي ~~تعود عمل البر هين عليه عمله وإن أضربه. قال القاضي: إن نجد في كتب ~~الأولين: أن القاضي ينبغي له أن يعرف عمل المحسن والمسيء ليجازى المحسن ~~بإحسانه والمسيء بإساءته فإذا ذهب إلى هذا ازداد المحسنون حرصا على الإحسان ~~والمسيؤون إجتنابا للذنوب. والرأي لك يا دمنة أن تنظر الذي وقعت فيه وتعترف ~~بذنبك وتقر به وتتوب. فأجابه دمنة: إن صالحي القضاة لا يقطعون بالظن ولا ~~يعملون به لا في الخاصة ولا في العامة: لعلمهم أن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا. وأنتم إن ظننتم أني مجرم فيما فعلت فإني أعلم بنفسي منكم وعلمي بنفسي ~~يقين لاشك فيه وعلمكم بي غاية الشك وإنما قبح أمري عندكم أني سعيت بغيري ~~فما عذري عندكم إذا سعيت بنفسي كاذبا عليها فأسلمتها للقتل والعطب على ~~معرفة مني # PageV01P173 # ببراءتي وسلامي مما قرفت به؟ ونفسي لأعظم الأنفس على حرمة وأوجبها حقا. ~~فلو فعلت هذا بأقصاكم وأدناكم، لما وسعني في ديني، ولا حسن بي في مروءتي، ~~ولا حق لي أن أفعله فكيف أفعله بنفسي؟ فأكفف أيها القاضي عن هذه المقالة: ~~فإنها إن كانت منك نصيحة فقد أخطأت موضعها وإن كانت خديعة فإن أقبح الخداع ~~ما نظرته وعرفت أنه من ms078 غير أهله مع أن الخداع والمكر ليسا من أعمال صالحي ~~القضاة ولا تقاة الولاة واعلم أن قولك مما يتخذه الجهال والأشرار سنة ~~يقتدون بها: لأن أمور القضاة يأخذ بصوابها أهل الصواب وبخطئها أهل الخطأ ~~والباطل والقليلو الورع وأنا خائف عليك أيها القاضي من مقالتك هذه أعظم ~~الرزايا والبلايا وليس من البلاء والمصيبة أنك لم تزل في نفس الملك والجند ~~والخاصة والعامة فاضلا في رأيك مقنعا في عدلك # مرضيا في حكمك وعفافك وفضلك وإنما البلاء كيف أنسيت ذلك في أمري. فلما ~~سمع القاضي ذلك من لفظ دمنة نهض فرفعه إلى الأسد على وجهه فنظر في الأسد ثم ~~دعا أمه فعرضه عليها. فقالت حين تدبرت كلام دمنة للأسد: لقد صار اهتمامي ~~بما أتخوف من احتيال دمنة لك بمكره ودهائه حتى يقتلك أو يفسد عليك أمرك ~~أعظم من اهتمامي بما سلف من ذنبه إليك في الغش والسعاية حتى قتلت صديقك. ~~بغير ذنب. فوقع قولها في نفسه. فقال لها: أخبريني عن الذي أخبرك عن دمنة ~~بما أخبرك فيكون حجة لي في قتل دمنة. فقالت: إني لأكره أن أفشي سر ~~استكتمنيه، فلا يهنئني سروري بقتل دمنة إذا تذكرت أني استظهرت عليه بركوب ~~ما نهت عنه العلماء من كشف السر ولكني أطالب الذي استودعنيه أن يجعلني في ~~حل من ذكره لك ويقوم هو بعلمه وما سمع منه. ثم انصرفت وأرسلت إلى النمر ~~وذكرت له ما يحق عليه من حسن معاونته الأسد على الحق وإخراج نفسه من ~~الشهادة التي لا يكتمها مثله مع ما يحق عليه من نصر المظلومين وتثبيت حجة ~~الحق في الحياة والممات: فإنه قد قالت العلماء: من كتم حجة ميت أخطأ حجته ~~يوم القيامة. فلم تزل به حتى قام فدخل على الأسد فشهد عنده بما سمع من ~~إقرار دمنة. فلما شهد النمر بذلك أرسل الفهد المحبوس الذي سمع إقرار دمنة ~~وحفظه إلى الأسد فقال: إن عندي شهادة. فأخرجوه. فشهد على دمنة بما سمع من ~~إقراره. فقال لهما الأسد: ما منعكما أن تقوما بشهادتكما وقد ms079 علمتما أمرنا ~~واهتمامنا بالفحص عن أمر دمنة فقال كل واحد منهما: قد علمنا أن شهادة ~~الواحد لا توجب حكما فكرهنا التعرض لغير ما يمضي به الحكم حتى إذا شهد ~~أحدنا قام الآخر بشهادته فقبل الأشد قولهما. وأمر بدمنة أن يقتل في حبسه: ~~فقتل أشنع قتلة. فمن نظر في هذا فليعلم أن من أراد منفعة نفسه بضر غيره ~~بالخلابة والمكر فإنه سيجري على خلابته ومكره. يا في حكمك وعفافك وفضلك ~~وإنما البلاء كيف أنسيت ذلك في أمري. # PageV01P174 # فلما سمع القاضي ذلك من لفظ دمنة نهض فرفعه إلى الأسد على وجهه فنظر في ~~الأسد ثم دعا أمه فعرضه عليها. فقالت حين تدبرت كلام دمنة للأسد: لقد صار ~~اهتمامي بما أتخوف من احتيال دمنة لك بمكره ودهائه حتى يقتلك أو يفسد عليك ~~أمرك أعظم من اهتمامي بما سلف من ذنبه إليك في الغش والسعاية حتى قتلت ~~صديقك. بغير ذنب. فوقع قولها في نفسه. فقال لها: أخبريني عن الذي أخبرك عن ~~دمنة بما أخبرك فيكون حجة لي في قتل دمنة. فقالت: إني لأكره أن أفشي سر ~~استكتمنيه، فلا يهنئني سروري بقتل دمنة إذا تذكرت أني استظهرت عليه بركوب ~~ما نهت عنه العلماء من كشف السر ولكني أطالب الذي استودعنيه أن يجعلني في ~~حل من ذكره لك ويقوم هو بعلمه وما سمع منه. ثم انصرفت وأرسلت إلى النمر ~~وذكرت له ما يحق عليه من حسن معاونته الأسد على الحق وإخراج نفسه من ~~الشهادة التي لا يكتمها مثله مع ما يحق عليه من نصر المظلومين # PageV01P175 # وتثبيت حجة الحق في الحياة والممات: فإنه قد قالت العلماء: من كتم حجة ~~ميت أخطأ حجته يوم القيامة. فلم تزل به حتى قام فدخل على الأسد فشهد عنده ~~بما سمع من إقرار دمنة. فلما شهد النمر بذلك أرسل الفهد المحبوس الذي سمع ~~إقرار دمنة وحفظه إلى الأسد فقال: إن عندي شهادة. فأخرجوه. فشهد على دمنة ~~بما سمع من إقراره. فقال لهما الأسد: ما منعكما أن تقوما بشهادتكما وقد ~~علمتما أمرنا واهتمامنا ms080 بالفحص عن أمر دمنة فقال كل واحد منهما: قد علمنا ~~أن شهادة الواحد لا توجب حكما فكرهنا التعرض لغير ما يمضي به الحكم حتى إذا ~~شهد أحدنا قام الآخر بشهادته فقبل الأشد قولهما. وأمر بدمنة أن يقتل في ~~حبسه: فقتل أشنع قتلة. فمن نظر في هذا فليعلم أن من أراد منفعة نفسه بضر ~~غيره بالخلابة والمكر فإنه سيجري على خلابته ومكره. # PageV01P176 ### | باب الحمامة المطوقة # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت مثل المتحابين كيف قطع بينهما ~~الكذب وإلى ماذا صار عاقبة أمره من بعد ذلك. فحدثني، إن رأيت؛ عن إخوان ~~الصفاء كيف يبتدأ تواصلهم ويستمع بعضهم ببعض؟ قال الفيلسوف: إن العاقل لا ~~يعدل بالإخوان شيئا فالإخوان هم الأعوان على الخير كله، والمؤاسون عند ما ~~ينوب من المكروه. ومن أمثال ذلك مثل الحمامة المطوقة والجرذ والظبي ~~والغراب. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال بيدبا: زعموا أنه كان بأرض ~~سكاوندجين، عند مدينة داهر، مكان كثير الصيد، ينتابه الصيادون؛ وكان في ذلك ~~المكان شجرة كثيرة الأغصان ملتفة الورق فيها وكر غراب فبينما هو ذات يوم ~~ساقط في وكره إذ بصر بصياد قبيح المنظر، # PageV01P177 # سيئ الخلق، على عاتقه شبكة، وفي يده عصا مقبلا نحو الشجرة، فذعر منه ~~الغراب؛ وقال: لقد ساق هذا الرجل إلى هذا المكان: إما حيني وإما حين غيري. ~~فلأثبتن مكاني حتى أنظر ماذا يصنع. ثم إن الصياد نصب شبكته، ونثر عليها ~~الحب، وكمن قريبا منها، فلم يلبث إلا قليلا، حتى مرت به حمامة يقال لها ~~المطوقة، وكانت سيدة الحمام ومعها حمام كثير؛ فعميت هي وصواحبها عن الشرك، ~~فوقعن على الحب يلتقطنه فعلقن في الشبكة كلهن؛ وأقبل الصياد فرحا مسرورا. ~~فجعلت كل حمامة تضطرب في حبائلها وتلتمس الخلاص لنفسها. قالت المطوقة: لا ~~تخاذلنا في المعالجة ولا تكن نفس إحداكن أهم إليها م نفس صاحبتها؛ ولكن ~~نتعاون جميعا فنقلع الشبكة فينجو بعضنا ببعض؛ فقلعن الشبكة جميعهن ~~بتعاونهن، وعلون في الجو؛ ولم يقطع الصياد رجاءه منهن وظن أنهن لا يجاوزن # PageV01P178 # إلا قريبا ويقعن. فقال ms081 الغراب: لأتبعهن وأنظرو ما يكون منهن. فالتفتت ~~المطوقة فرأت الصياد يتبعهن. فقالت للحمام: هذا الصياد مجد في طلبكن، فإن ~~نحن أخذنا في الفضاء لم يخف عليه أمرنا ولم يزل يتبعنا وإن نحن توجهنا إلى ~~العمران خفي عليه أمرنا، وانصرف. وبمكان كذا جرذ هو لي أخ؛ فلو انتهينا ~~إليه قطع عنا هذا الشرك. ففعلن ذلك. وأيس الصياد منهن وانصرف. وتبعهن ~~الغراب. فلما انتهت الحمامة المطوقة إلى الجرذ، أمرت الحمام أن يسقطن، ~~فوقعن؛ وكان للجرذ مائة حجر للمخاوف فنادته المطوقة باسمه، وكان اسمه زيرك، ~~فأجابها الجرذ من حجره: من أنت؟ قالت: أنا خليلتك المطوقة. فأقبل إليها ~~الجرذ يسعى، فقال لها: ما أوقعك في هذه الورطة؟ قالت له: ألم تعلم أنه ليس ~~من الخير والشر شيء إلا هو مقدر على من تصيبه المقادير، وهي التي أوقعتني ~~في هذه الورطة؛ فقد لا يمتنع # PageV01P179 # من القدر من هو أقوى مني وأعظم أمرا؛ وقد تنكسف الشمس والقمر إذا قضي ذلك ~~عليهما. ثم إن الجرذ أخذ في قرض العقد الذي فيه المطوقة. فقالت له المطوقة: ~~ابدأ بقطع عقد سائر الحمام، وبع ذلك أقبل على عقدي؛ وأعادت ذلك عليه مرارا، ~~وهو لا يلتفت إلى قولها، فلما أكثرت عليه القول وكررت، قال لها: لقد كررت ~~القول علي كأنك ليس لك في نفسك حاجة، ولا لك عليها شفقة، ولا ترعين لها ~~حقا. قالت: إني أخاف، إن أنت بدأت بقطع عقدي أن تمل وتكسل عن قطع ما بقي؛ ~~وعرفت أنك إن بدأت بهن قبلي، وكنت أنا الأخيرة لم ترض وإن أدركك الفتور أن ~~أبقى في الشرك قال الجرذ: هذا مما يزيد الرغبة والمودة فيك. ثم إن الجرذ ~~أخذ في قرض الشبكة حتى فرغ منها، فانطلقت المطوقة وحمامها معها. # فلما رأى الغراب صنع الجرذ، رغب في مصادقته، فجاء وناداه باسمه، فأخرج ~~الجرذ رأسه، فقال له: ما حاجتك؟ # PageV01P180 # قال: إني أريد مصادقتك. قال الجرذ: ليس بيني وبينك تواصل، وإنما العاقل ~~ينبغي له أن يلتمس ما يجد إليه سبيلا، ويترك التماس ما ليس إليه ms082 سبيل، ~~فإنما أنت الآكل، وأنا طعام لك. قال الغراب: إن أكلي إياك، وإن كنت لي ~~طعاما، مما لا يغني عني شيئا؛ وإن مودتك آنس لي مما ذكرت ولست بحقيق، إذا ~~جئت أطلب مودتك، أن تردني خائبا. فإنه قد ظهر لي منك من حسن الخلق ما رغبني ~~فيك، وإن لم تكن تلتمس إظهار ذلك: فإن العاقل لا يخفي فضله، وإن هو أخفاه؛ ~~كالمسك الذي يكتم ثم لا يمنعه ذلك من النشر الطيب والأرج الفائح. قال ~~الجرذ. إن أشد العداوة عداوة الجوهر: وهي عداوتان: منها ما هو متكافئ ~~كعداوة الفيل والأسد. فإنه ربما قتل الأسد الفيل أو الفيل الأسد، ومنها ما ~~قوته من أحد الجانبين على الآخر كعداوة ما بيني وبين السنور وبيني وبينك: ~~فإن العداوة التي بيننا ليست تضرك، وإنما ضررها عائد علي: فإن الماء لو ~~أطيل إسخانه لم يمنعه ذلك من # PageV01P181 # إطفائه النار إذا صب عليها، وإنما مصاحب العدو ومصالحه كصاحب الحية ~~يحملها في كمه، والعاقل لا يستأنس إلى العدو الأريب. # قال الغراب: قد فهمت ما تقول، وأنت خليق أن تأخذ بفضل خليقتك، وتعرف صدق ~~مقالتي ولا تصعب علي الأمر بقولك: ليس إلى التواصل بيننا سبيل: فإن العقلاء ~~الكرام لا يبتغون على معروف جزاء، والمودة بين الصالحين سريع اتصالها بطيء ~~انقطاعها. ومثل ذلك مثل الكوز من الذهب: بطيء الانكسار، سريع الإعادة، هين ~~الإصلاح، إن أصابه ثلم أو كسر، والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها، بطيء ~~اتصالها. ومثل ذلك مثل الكوز من الفخار سريع الانكسار ينكسر من أدنى عيب ~~ولا وصل له أبدا. والكريم يود الكريم واللئيم لا يود أحدا إلا عن رغبة أو ~~رهبة. وأنا إلى ودك ومعروفك محتاج: لأنك كريم وأنا ملازم لبابك غير ذائق ~~طعاما حتى تؤاخيني. قال الجرذ: قد قبلت إخاءك: # PageV01P182 # فإني لم أردد أحدا عن حاجة قط، وإنما بدأت بما بدأتك به إرادة التوثق ~~لنفسي فإن أنت غدرت بي لم تقل: إني وجدت الجرذ سريع الانخداع. ثم خرج من ~~حجره، فوقف عند الباب. فقال له الغراب: ما ms083 يمنعك من الخروج إلي، والاستئناس ~~بي؟ فهل في نفسك بعد ذلك مني ريبة؟ قال الجرذ: إن أهل الدنيا يتعاطون فيما ~~بينهم أمرين ويتواصلون عليهما وهما ذات النفس، وذات اليد. فالمتباذلون ذات ~~النفس هم الأصفياء، وأما المتباذلون ذات اليد فهم المتعاونون الذين يلتمس ~~بعضهم الانتفاع ببعض. ومن كان يصنع المعروف لبعض منافع الدنيا فإنما مثله ~~فيما يبذل ويعطى كمثل الصياد وإلقائه الحب للطير، لا يريد بذلك نفع الطير ~~وإنما يريد نفع نفسه. فتعاطى ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد. وإني وثقت ~~منك بذات نفسك، ومنحتك من نفسي مثل ذلك. وليس يمنعني من الخروج إليك سوء ظن ~~بك، ولكن قد عرفت أن لك أصحابا جوهرهم كجوهرك، وليس رأيهم في رأيك. # PageV01P183 # قال الغراب: إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا، ولعدو صديقه ~~عدوا؛ وليس لي بصاحب ولا صديق من لا يكون لك محبا؛ وإنه يهون عن قطيعة من ~~كان كذلك من جوهري. ثم إن الجرذ خرج إلى الغراب فتصافحا وتصافيا، وأنس كل ~~واحد منهما بصاحبه؛ حتى إذا مضت لهما أيام قال الغراب للجرذ: إن جحرك قريب ~~من طريق الناس، وأخاف أن يرميك بعض الصبيان بحجر؛ ولي مكان في عزلة، ولي ~~فيه صديق من السلاحف وهو مخصب من السمك ونحن واجدون هناك ما نأكل فأريد أن ~~أنطلق بك إلى هناك لنعيش آمنين. قال الجرذ: إن لي أخبار وقصصا سأقصها عليك ~~إذا انتهينا حيث تريد فافعل ما تشاء. فأخذ الغراب بذنب الجرذ وطار به حتى ~~بلغ به حيث أراد. فلما دنى من العين التي فيها السلحفاة بصرت السلحفاة ~~بغراب ومعه جرذ فذعرت منه ولم تعلم أنه صاحبها، فناداه فخرجت إليه وسألته ~~من أين أقبلت؟ فأخبرها بقصته حين تبع # PageV01P184 # الحمام وما كان من أمره وأمر الجرذ حتى انتهى إليها. فلما سمعت السلحفاة ~~شأن الجرذ عجبت من عقله ووفاءه ورحبت به وقالت له: ما ساقك إلى هذه الأرض؟ ~~قال الغراب للجرذ: اقصص علي الأخبار التي زعمت أنك تحدثني بها فأخبرني بها ~~مع جواب ما ms084 سألت السلحفاة: فإنها عندك بمنزلتي، فبدأ الجرذ وقال: كان منزلي ~~أول أمري بمدينة ماروت في بيت رجل ناسك وكان خاليا من الأهل والعيال، وكان ~~يؤتى في كل يوم بسلة من الطعام فيأكل منها حاجته ويعلق الباقي، وكنت أرصد ~~الناسك، حتى يخرج وأثب إلى السلة، فلا أدع فيها طعاما إلا أكلته، وأرمي به ~~إلى الجرذان. فجهد الناسك مرارا أن يعلق السلة مكانا لا أناله فلم يقدر على ~~ذلك، حتى نزل به ذات ليلة ضيف فأكلا جميعا، ثم أخذا في الحديث فقال الناسك ~~للضيف: من أي أرض أقبلت؟ وأين تريد الآن؟ وكان الرجل قد جاب الآفاق ورأى ~~عجائب فأنشأ يحدث الناسك عما # PageV01P185 # وطئ من البلاد، ورأى من العجائب، وجعل الناسك خلال ذلك يصفق بيديه ~~لينفرني عن السلة، فغضب الضيف وقال: أنا أحدثك وأنت تهزأ بحديثي! فما حملك ~~على أن سألتني؟ فاعتذر إليه الناسك، وقال: إنما أصفق بيدي لأنفر جرذا قد ~~تحيرت في أمره، ولست أضع في البيت شيئا إلا أكله، فقال الضيف: جرذ واحد ~~يفعل ذلك أم جرذان كثيرة؟ فقال الناسك: فما أستطيع له حيلة. قال الضيف: لقد ~~ذكرتني قول الذي قال: لأمر ما باعت هذه المرأة سمسما مقشورا بغير مقشور! ~~قال الناسك: وكيف كان ذلك؟ # قال الضيف: نزلت مرة على رجل بمكان كذا، فتعشينا، ثم فرش لي. وانقلب ~~الرجل على فراشه، فسمعته يقول في آخر الليل لامرأته: إني أريد أن أدعو غدا ~~رهطا ليأكلوا عندنا، فاصنعي لهم طعاما. فقالت المرأة: كيف تدعو الناس إلى # PageV01P186 # طعامك، وليس في بيتك فضل عن عيالك؟ وأنت رجل لا تبقي شيئا ولا تدخره. قال ~~الرجل: لا تندمي على شيء أطعمناه وأنفقناه: فإن الجمع والادخار ربما كانت ~~عاقبته كعاقبة الذئب. قالت المرأة وكيف كان ذلك؟ قال الرجل: زعموا أنه خرج ~~ذات يوم رجل قانص، ومعه قوصه ونشابه فلم يجاوز غير بعيد، حتى رمى ظبيا، ~~فحمله ورجع طالبا منزله، فاعترضه خنزير بري فرماه بنشابة نفذت فيه، فأدركه ~~الخنزير وضربه بأنيابه ضربة أطارت من يده القوس، ووقعا ميتين، فأتى ms085 عليهم ~~ذئب فقال: هذا الرجل والظبي والخنزير يكفيني أكلهم مدة، ولكن أبدأ بهذا ~~الوتر فآكله، فيكون قوت يومي، فعالج الوتر حتى قطعه فلما انقطع طارت سية ~~القوس فضربت حلقه فمات. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلمي أن الجمع والادخار ~~وخيم العاقبة. فقالت # PageV01P187 # المرأة: نعم ما قلت! وعندنا من الأرز والسمسم ما يكفي ستة نفر أو سبعة، ~~فأنا غادية على اصطناع الطعام، فادع من أحببت. وأخذت المرأة حين أصبحت ~~سمسما فقشرته، وبسطته في الشمس ليجف، وقالت لغلام لهم: اطرد عنه الطير ~~والكلاب وتفرغت المرأة لصنعها؛ وتغافل الغلام عن السمسم؛ فجاء كلب، فعاث ~~فيه؛ فاستقذرته المرأة، وكرهت أن تصنع منه طعاما ما؛ فذهبت به إلى السوق، ~~فأخذت به مقايضة سمسما غير مقشور: مثلا بمثل، وأنا واقف في السوق؛ فقال ~~رجل: لأمر ما باعت هذه المرأة سمسما مقشورا بغير مقشور. وكذلك قولي في هذا ~~الجرذ الذي ذكرت أنه على غير علة ما يقدر على ما شكوت منه. فالتمس لي فأسا ~~لعلي أحتقره جحره فأطلع على بعض شأنه. فاستعار الناسك من بعض جيرانه فأسا، ~~فأتى بها الضيف، وأنا حينئذ في غير جحري أسمع كلامهما، وفي جحري كيس فيه ~~مائة دينار، لا أدري من وضعها، فاحتفر # PageV01P188 # الضيف حتى انتهى إلى الدنانير فأخذها وقال الناسك: ما كان هذا الجرذ يقوى ~~على الوثوب حيث كان يثب إلا بهذه الدنانير: فإن المال جعل له قوة وزيادة في ~~الرأي والتمكن. وسترى بعد هذا أنه لا يقدر على الوثوب حيث كان يثب. فلما ~~كان من الغد اجتمع الجرذان التي كانت معي فقالت: قد أصابنا الجوع، وأنت ~~رجائنا فانطلقت ومعي الجرذان إلى المكان الذي كنت أثب منه إلى السلة فحاولت ~~ذلك مرارا: فلم أقدر عليه فاستبان للجرذان نقص حالي فسمعتهن يقلن: انصرفن ~~عنه، ولا تطمعن فيما عنده: فإنا نرى له حالا لا نحسبه إلا قد احتاج معها ~~إلى من يعوله. فتركني، ولحقن بأعدائي وجفونني، وأخذن في غيبتي عند من ~~يعاديني ويحسدني. فقلت في نفسي: ما الإخوان ولا الأعوان ولا الأصدقاء إلا ms086 ~~بالمال ووجدت من لا مال له، إذا أراد أمرا قعد به العدم عما يريده: كالماء ~~الذي يبقى في الأودية من مطر الشتاء: لا يمر إلى نهر ولا يجري إلى مكان، ~~فتشربه أرضه. ووجدت # PageV01P189 # من لا إخوان له لا أهل له، ومن لا ولد له لا ذكر له: ومن لا مال له لا ~~عقل له، ولا دنيا ولا آخرة له: لأن الرجل إذا افتقر قطعه أقاربه وإخوانه: ~~فإن الشجرة النابتة في السباخ، المأكولة من كل جانب، كحال الفقير المحتاج ~~إلى ما في أيدي الناس. # ووجدت الفقر رأس كل بلاء، وجالبا إلى صاحبه كل مقت، ومعدن النميمة. ووجدت ~~الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنا، وأساء به الظن من كان يظن فيه ~~حسنا: فإن أذنب غيره كان هو للتهمة موضعا. وليس من خلة هي للغني مدح إلا ~~وهي للفقير ذم، فإن كان شجاعا قيل: أهوج، وإن كان جوادا سمي مبذرا، وإن كان ~~حليما سمي ضعيفا، وإن كان وقورا سمي بليدا. فالموت أهون من الحاجة التي ~~تحوج صاحبها إلى المسألة، ولا سيما مسألة الأشحاء واللئام: فإن الكريم لو ~~كلف أن يدخل يده في فم الأفعى، فيخرج منه سما فيبتلعه كان ذلك أهون عليه ~~وأحب إليه من مسألة البخيل اللئم. وقد كنت رأيت الضيف حين أخذ الدنانير ~~فقاسمها الناس، # PageV01P190 # فجعل الناسك نصيبه في خريطة عند رأسه ولما جن الليل، فطمعت أن أصيب منها ~~شيئا فأرده إلى جحري، ورجوت أن يزيد ذلك في قوتي، ويراجعني بسببه بعض ~~أصدقائي. فانطلقت إلى الناسك وهو نائم، حتى انتهيت عند رأسه، ووجدت الضيف ~~يقظان، وبيده قضيب، فضربني على رأسي ضربة موجعة، فسعيت إلى جحري. فلما سكن ~~عني الألم، هيجني الحرص والشره، فخرجت طمعا كطمعي الأول، وإذا الضيف ~~يرصدني، فضربني ضربة أسالت مني الدم، فتقلبت ظهرا لبطن إلى جحري، فخررت ~~مغشيا علي، فأصابني من الوجع ما بغض إلى المال رعدة وهيبة. ثم تذكرت فوجدت ~~البلاء في الدنيا إنما يسوقه الحرص والشره، ولا يزال صاحب الدنيا في بلية ~~وتعب ونصب، ms087 ووجدت تجشم الأسفار البعيدة في طلب الدنيا أهون علي من بسط اليد ~~إلى السخى بالمال، ولم أر كالرضا # PageV01P191 # شيئا، فصار أمري إلى أن رضيت وقنعت، وانتقلت من بيت الناسك إلى البرية، ~~وكان لي صديق من الحمام، فسيقت إلي بصداقته صداقة. ثم ذكر لي الغراب ما ~~بينك وبينه من المودة، وأخبرني أنه يريد إتيانك، فأحببت أن آتيك معه، فكرهت ~~الوحدة، فإنه لا شيء من سرور الدنيا يعدل صحبة الإخوان، ولا غم فيها يعدل ~~البعد عنهم. وجربت: فعلمت أنه لا ينبغي للعاقل أن يلتمس من الدنيا غير ~~الكفاف الذي يدفع به الأذى عن نفسه: وهو اليسير من المطعم والمشرب، إذا ~~اشتمل على صحة البدن ورفاهة البال. # ولو أن رجلا وهبت له الدنيا بما فيهان لم يك ينتفع من ذلك إلا بالقليل ~~الذي يدفع به عن نفسه الحاجة: فأقبلت مع الغراب إليك على هذا الرأي، وأنا ~~لك أخ، فلتكن منزلتي عندك كذلك. فلما فرغ الجرذ من كلامه أجابته السلحفاة ~~بكلام رقيق عذب، وقالت: قد سمعت كلامك، وما أحسن ما تحدثت به! إلا أني ~~رأيتك تذكر بقايا أمور هي في نفسك. واعلم أن # PageV01P192 # حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل، وأن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن ~~يتداو به، لم يغن به شيئا، ولم يجد لدائه راحة ولا خفة. فاستعمل رأيك، ولا ~~تحزن لقلة المال: فإن الرجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال: كالأسد الذي ~~يهاب، وإن كان رابضا، والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كان كثير المال: ~~كالكلب لا يحفل به، وإن طوق وخلخل بالذهب. فلا تكبرن عليك غربتك: فإن ~~العاقل لا غربة له: كالأسد الذي لا ينقلب إلا ومعه قوته. فلتحسن تعاهدك ~~لنفسك: فإنك إذا فعلت ذلك جاءك الخير يطلبك كما يطلب الماء انحداره. وإنما ~~جعل الفضل للحازم البصير بالأمور، وأما الكسلان المتردد فإن الفضل لا ~~يصحبه. وقد قيل في أشياء ليس لها ثبات ولا بقاء: ظل الغمامة في الصيف، وخلة ~~الأشرار، والبناء على غير أساس، والمال الكثير: # PageV01P193 # فالعاقل ms088 لا يحزن لقلته، وإنما مال العاقل عقله، وما قدم من صالح، فهو ~~واثق بأنه لا يسلب ما عمل ولا يوآخذ بشيء لم يعمله، وهو خليق ألا يغفل عن ~~أمر أخرته: فإن الموت لا يأتي إلا بغتة، ليس له وقت معين. وأنت عن موعظتي ~~غني بما عندك من العلم. ولكن رأيت أن أقضي مالك من حق قبلنا: لأنك أخونا ~~وما عندنا من النصح مبذول لك. فلما سمع الغراب كلام السلحفاة للجرذ وردها ~~عليه وملاطفتها إياه فرح بذلك وقال: لقد سررتني وأنعمت علي، وأنت جديرة أن ~~تسري نفسك بمثل ما سررتني به. وإن أولى أهل الدنيا بشدة السرور من لا يزال ~~عنده منهم جماعة يسرهم ويسرونه، ويكون من وراء أمورهم وحاجاتهم بالمرصاد: ~~فإن الكريم إذا عثر لا يأخذ بيده إلا الكرام: كالفيل إذا وحل لا تخرجه إلا ~~الفيلة. # PageV01P194 # فبينما الغراب في كلامه، إذ أقبل نحوهم ظبي يسعى، فذعرت منه السلحفاة، ~~فغاصت في الماء، وخرج الجرذ إلى جحره، وطار الغراب فوقع على شجرة. # ثم إن الغراب حلق في السماء لينظر هل للظبي طالب؟ فنظر فلم ير شيئا؛ ~~فنادى الجرذ والسلحفاة، وخرجا، فقالت السلحفاة للظبي، حين رأته ينظر إلى ~~الماء: اشرب إن كان بك عطش، ولا تخف: فإنه لا خوف عليك. فدنا الظبي فرحبت ~~به السلحفاة وحيته وقالت له: من أين أقبلت؟ قال: كنت أسنح بهذه الصحارى فلم ~~تزل الأساورة تطردني من مكان إلى مكان حتى رأيت اليوم شبحا. فخفت أن يكون ~~قانصا قالت: لا تخف: فإنا لم نرى هاهنا قانصا قط، ونحن نبذل لك ودنا ~~ومكاننا والماء والمرعى كثيران عندنا فارغب في صحبتنا. فأقام الظبي معهم ~~وكان لهم عريش يجتمعون # PageV01P195 # فيه ويتذاكرون الأحاديث والأخبار. فبينما الغراب والجرذ والسلحفاة ذات ~~يوم في العريش غاب الظبي فتوقعوه ساعة فلم يأت. فلما أبطأ أشفقوا أن يكون ~~قد أصابه عنت، فقال الجرذ والسلحفاة للغراب: انظر هل ترى مما يلينا شيئا؟ ~~فحلق الغراب في السماء فنظر: فإذا الظبي في الحبائل مقتنصا فانقض مسرعا ~~فأخبرهما بذلك فقالت السلحفاة والغراب ms089 للجرذ: هذا أمر لا يرجى فيه غيرك، ~~فأغث أخاك، فسعى الجرذ مسرعا، فأتى الظبي، فقال له: كيف وقعت في هذه الورطة ~~وأنت من الأكياس؟ قال الظبي: هل يغني الكيس مع المقادير شيئا، فبينما هما ~~في الحديث إذ وافتهما السلحفاة فقال لها الظبي. ما أصبت بمجيئك إلينا: فإن ~~القانص لو انتهى إلينا وقد قطع الجرذ الحبائل استبقه عدوا، وللجرذ أحجار ~~كثيرة، والغراب يطير وأنت ثقيلة: لا سعى لك ولا حركة وأخاف عليك القانص. ~~فقالت: لا عيش مع # PageV01P196 # فراق الأحبة وإذا فارق الأليف أليفه فقد سلب فؤاده، وحرم سروره، وغشى ~~بصره، فلم ينتهي كلامهما حتى وافى القانص، ووافق ذلك فراغ الجرذ من قطع ~~الشرك، فنجا الظبي بنفسه، وطار الغراب محلقا ودخل الجرذ بعض الأحجار ولم ~~يبق غير السلحفاة، ودنا الصياد فوجد حبالته مقطعة، فنظر يمينا وشمالا فلم ~~يجد غير السلحفاة تدب، فأخذها وربطها، فلم يلبث الغراب والجرذ والظبي أن ~~اجتمعوا فنظروا القانص قد ربط السلحفاة فاشتد حزنهم، وقال الجرذ: ما أرانا ~~نجاوز عقبة من البلاء إلا صرنا في أشد منها. ولقد صدق الذي قال: لا يزال ~~الإنسان مستمرا في إقباله ما لم يعثر، فإذا عثر لج به العثار وإن مشى في ~~جدد الأرض. وحذري على السلحفاة خير الأصدقاء التي خلتها ليست للمجازاة ولا ~~لالتماس مكافأة، ولكنها خلة الكرم والشرف، خلة هي # PageV01P197 # أفضل من خلة الوالد لولده، خلة لا يزيلها إلا الموت. ويح لهذا الجسد ~~الموكل به البلاء الذي لا يزال في تصرف وتقلب، ولا يدوم له شيء، ولا يلبث ~~معه أمر: كما لا يدوم للطالع من النجوم طلوع، ولا للآفل منها أفول، لكن لا ~~يزال للطالع منها آفلا، والآفل طالعا، وكما تكون آلام الكلوم وانتقاض ~~الجراحات، كذلك من قرحت كلومه بفقد إخوانه بعد اجتماعه بهم. # فقال الظبي والغراب للجرذ: إن حذرنا وحذرك وكلامك، وإن كان بليغا، كل ~~منها لا يغني عن السلحفاة شيئا، وإنه كما يقال: إنما يختر الناس عند ~~البلاء، وذو الأمانة عند الأخذ والعطاء، والأهل والولد عند الفاقة، كذلك ~~يختبر ms090 الإخوان عند النوائب. قال الجرذ: أرى من الحيلة أن تذهب أيها الظبي ~~فتقع بمنظر من القانص: كأنك جريح، ويقع الغراب عليك كأنه يأكل منك، وأسعى ~~أنا فأكون قريبا من القانص، مراقبا له، فعله أن يرمي ما معه من الآلة، # PageV01P198 # ويضع السلحفاة، ويقصدك طامعا فيك، راجيا تحصيلك. فإذا دنا منك ففر عنه ~~رويدا: بحيث لا ينقطع طمعه منك، ومكنه من أخذك مرة بعد مرة، حتى يبعد عنا، ~~وانح منه هذا النحو ما استطعت: فإني أرجو ألا ينصرف إلا وقد قطعت الحبائل ~~عن السلحفاة، وأنجو بها. ففعل الغراب والظبي ما أمرهما به الجرذ، وتبعهما ~~القانص، فاستجره الظبي، حتى أبعده عن الجرذ والسلحفاة، والجرذ مقبل على قطع ~~الحبائل، حتى قطعها، ونجا بالسلحفاة، وعاد القانص مجهودا لاغبا فوجد حبالته ~~مقطعة. ففكر في أمره مع الظبي المتظالع، فظن أنه خولط في عقله وفكر في أمر ~~الظبي والغراب الذي كأنه يأكل منه وقرض حبالته فاستوحش من الأرض وقال: هذه ~~أرض جن أو سحرة. فرجع موليا لا يلتكس شيئا ولا يلتفت إليه. واجتمع الغراب ~~والظبي والجرذ والسلحفاة إلى عريشهم سالمين آمنيين كأحسن ما كانوا عليه. # PageV01P199 # فإذا كان هذا الخلق مع صغره وضعفه قد قدر على التخلص م مرابط الهلكة مرة ~~بعد أخرى بمودته وخلوصها وثبات قلبه عليها واستمتاعه مع أصحابه بعضهم ببعض ~~فالإنسان الذي قد أعطي العقل والفهم. وألهم الخير ولا شر ومنح التميز ~~والمعرفة، أولى وأحرى بالتواصل والتعاضد. فهذا مثل إخوان الصفاء وأتلافهم ~~في الصحبة. ### | باب البوم والغربان # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت مثل إخوان الصفاء وتعاونهم، ~~فاضرب لي مثل العدو الذي لا ينبغي أن يغتر به، وإن أظهر تضرعا وملقا، قال ~~الفيلسوف: من اغتر بالعدو الذي لم يزل عدوا، أصابه ما أصاب البوم من ~~الغربان. قال الملك وكيف كان ذلك؟ # قال بيدبا: زعموا أنه كان في جبل في الجبال شجرة من شجر الدوح، فيها وكر ~~ألف غراب، وعليهن وال من أنفسهن، # PageV01P200 # وكان عند هذه الشجرة كهف فيه ألف بوم، وعليهن وال منهن. فخرج ms091 ملك البوم ~~لبعض غدواته وروحاته، وفي نفسه العداوة لملك الغربان، وفي نفس الغربان ~~وملكها مثل ذلك للبوم، فأغار ملك البوم في أصحابه على الغربان في أوكارها، ~~فقتل وسبى منها خلقا كثيرا، وكانت الغارة ليلا، فلما أصبحت الغربان اجتمعت ~~إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما لقينا الليلة من ملك البوم، وما منا لإلا ~~أصبح قتيلا أو جريحا أو مكسور الجناح أو منتوف الريش أو مقطوف الذنب وأشد ~~مما أصابنا ضرا علينا جراءتهن علينا، وعلمهن بمكاننا، وهن عائدات إلينا غير ~~منقطعات عنا: لعلمهن بمكاننا: فإنما نحن لك، ولك الرأي، أيها الملك، فانظر ~~لنا ولنفسك، وكان في الغربان خمسة معترف لهن بحسن الرأي، يسند إليهن في ~~الأمور، ويلقى عليهن أزمة الأحوال. وكان الملك كثيرا ما يشاورهن في الأمور، ~~ويأخذ آراءهن في الحوادث والنوازل. # PageV01P201 # فقال الملك للأول من الخمسة: ما رأيك في هذا الأمر؟ قال: رأي قد سبقتنا ~~إليه العلماء، وذلك أنهم قالوا: ليس للعدو الحنق إلا الهرب منه. قال الملك ~~للثاني: ما رأيك في هذا الأمر؟ قال: رأي ما رأى هذا من الهرب. قال الملك: ~~لا أرى لكما ذلك رأيا، أن نرحل عن أوطاننا ونخليها لعدونا من أول نكبة ~~أصابتنا منه ولا ينبغي لنا ذلك ولكن نجمع أمرنا ونستعد لعدونا ونذكي نار ~~الحرب فيما بيننا وبين عدونا ونحترس من الغرة إذا أقبل إلينا فنلقاه ~~مستعدين ونقاتله قتالا غير مراجعين فيه، ولا مقصرين عنه وتلقى أطرافنا ~~أطراف العدو ونتحرز بحصوننا وندافع عدونا: بالأناة مرة وبالجلاد أخرى حيث ~~نصيب فرصتنا وبغيتنا، وقد ثنينا عدونا عنا. ثم قال الملك للثالث: ما رأيك ~~أنت؟ قال: ما أرى ما قالا رأيا. ولكن نبث العيون ونبعث الجواسيس ونرسل # PageV01P202 # الطلائع بيننا وبين عدونا فنعلم أيريد صلحنا أم يريد حربنا أم يريد ~~الفدية؟ فإن رأينا أمره أمر طامع في مال، لم نكره الصلح على خراج نؤديه ~~إليه كل سنة، ندفع به عن أنفسنا ونطمئن في أوطاننا: فغن من أراء الملوك إذا ~~أشتدت شوكة عدوهم، فخافوه على أنفسهم وبلادهم، أن يجعلوا ms092 الأموال جنة ~~البلاد والملك والرعية. قال الملك للرابع: فما رأيك في هذا الصلح؟ قال لا ~~أراه رأيا بل أن نفارق أوطاننا ونصبر على الغربة وشدة المعيشة خير من أن ~~نضيع أحسابنا ونخضع للعدو الذي نحن أشرف منه مع أن البوم لو عرضنا ذلك ~~عليهن لما رضين منا إلا بالشطط. ويقال في الأمثال: قارب عدوك بعض المقاربة: ~~لتنال حاجتك. # ولا تقاربه كل المقاربة: فيتجرىء عليك ويضعف جندك وتذل نفسك. ومثل ذلك ~~مثل الخشبة المنصوبة في الشمس: إذا # PageV01P203 # أملتها قليلا زاد ظلها، وإذا جاوزت بها الحد في إمالتها نقص الظل. وليس ~~عدونا راضيا منا بالدون في المقاربة، فالرأي لنا ولك المحاربة. قال الملك ~~للخامس: ما تقول أنت؟ وماذا ترى: القتال أم الصلح أم الجلاء عن الوطن؟ قال: ~~أما القتال فلا سبيل للمرء إلى قتال من لا يقوى عليه وقد يقال: إنه من لا ~~يعرف نفسه وعدوه وقاتل من لا يقوى عليه، حمل نفسه على حتفها مع أن العاقل ~~لا يستصغر عدوا: فإن من استصغر عدوه اغتر به ومن اغتر بعدوه لم يسلم منه. ~~وأنا للبوم شديد الهيبة وإن أضربن عن قتالنا وقد كنت أهابها قبل ذلك، فإن ~~الحازم لا يأمن عدوه على كل حال فإن كان بعيدا لم يأمن سطوته، وإن كان ~~مكثبا لم يأمن من وثبته، وإن كان وحيدا لم يأمن من مكره. وأحزم الأقوام ~~وأكسيهم من كره القتال لجل النفقة فيه: فإن ما دون القتال النفقة فيه من ~~الأموال والقول # PageV01P204 # والعمل، والقتال النفقة فيه من الأنفس والأبدان. فلا يكونن القتال للبوم ~~من رأيك، أيها الملك: فإن من قاتل من لا يقوى عليه فقد غرر بنفسه. فإذا كان ~~الملك محصنا للأسرار، متخيرا للوزراء، مهيبا في أعين الناس، بعيدا من أن ~~يقدر عليه، كان خليقا ألا يسلب صحيح ما أوتى من الخير. وأنت، أيها الملك، ~~كذلك. وقد استشرتني في أمر جوابك مني عنه، في بعضه علانية، وفي بعضه سر ~~وللأسرار منازل: منها ما يدخل فيه الرهط، ومنها ما يستعان فيه بالقوم، ~~ومنها ms093 ما يدخل فيه الرجلان. ولست أرى لهذا السر على قدر منزلته أن يشارك ~~فيه إلا أربع آذان ولسانان. فنهض الملك من ساعته، وخلا به، فاستشاره، فكان ~~أول ما سأله عنه الملك أنه قال: هل يعلم ابتداء عداوة ما بيننا وبين البوم؟ ~~قال: نعم: كلمة تكلم بها غراب. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ # PageV01P205 # قال الغراب: زعموا أن جماعة من الكراكي لم يكن لها ملك، فأجمعت أمرها على ~~أن يملكن عليهن ملك البوم فبينما هي في مجمعها إذ وقع لها غراب، فقالت: لو ~~جاءنا هذا الغراب. لاستشرناه؛ فلم يلبثن دون أن جاءهن الغراب. فاستشرنه، ~~فقال: لو أن الطير بادت من الأقاليم، وفقد الطاوس والبط والنعام والحمار من ~~العالم لما اضطررتن إلى أن تملكن عليكن البوم التي هي أقبح الطير منظرا، ~~وأسوؤها خلقا، وأقلها عقلا، وأشدها غضبا وأبعدها من كل رحمة، مع عماها وما ~~بها من العشا بالنهار، وأشد من ذلك وأقبح أمورها سفهها وسوء أخلاقها، إلا ~~أن ترين أن تملكنها وتكن أنتن تدبرن الأمور دونها برأيكن وعقولكن، كما فعلت ~~الأرنب التي زعمت أن القمر ملكها، ثم عملت برأيها، قال الطير: وكيف كان ~~ذلك؟ # PageV01P206 # قال الغراب: زعموا أن أرضا من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون، وأجدبت، ~~وقل ماؤها، وغارت عيونها، وذوى نبتها، ويبس شجرها، فأصاب الفيلة عطش شديد: ~~فشكون ذلك إلى ملكهن، فأرسل الملك رسوله ورواده في طلب الماء، في كل ناحية. ~~فرجع إليه بعض الرسل، فأخبره إني قد وجدت بمكان كذا عينا يقال لها عين ~~القمر، كثيرة الماء. فتوجه ملك الفيلة بأصحابه إلى تلك العين ليشرب منها هو ~~وفيلته. وكانت العين في أرض للأرانب، فوطئن الأرانب في أجحارهن، فأهلكن ~~منهن كثيرا، فاجتمعت الأرانب إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما أصابنا من ~~الفيلة فقال: ليحضرن منكن كل ذي رأي رأيه. فتقدمت أرنب من الأرانب يقال لها ~~فيروز. وكان الملك يعرفها بحسن الرأي والأدب، فقالت: إن رأى الملك أن ~~يبعثني إلى الفيلة ويرسل معي أمينا، ليرى ويسمع ما أقول، ويرفعه إلى الملك، ~~فقال ms094 لها الملك: أنت أمينة، ونرضى بقولك، فانطلقي إلى # PageV01P207 # الفيلة، وبلغي عني ما تريدين. واعلمي أن الرسول برأيه وعقله، ولينه ~~وفضله، يخبر عن عقل المرسل. فعليك باللين والرفق والحلم والتأني: فإن ~~الرسول هو الذي يلين الصدور إذا رفق، ويخشن الصدور إذا خرق. ثم إن الأرنب ~~انطلقت في ليلة قمراء، حتى انتهت إلى الفيلة، وكرهت أن تدنو منهن: مخافة أن ~~يطأنها بأرجلهن، فيقتلنها، وإن كن غير متعمدات. ثم أشرفت على الجبل ونادت ~~ملك الفيلة وقالت له: إن القمر أرسلني إليك، والرسول غير ملوم فيما يبلغ، ~~وإن أغلظ في القول. قال ملك الفيلة: فما الرسالة؟ قالت: يقول لك: إن من عرف ~~فضل قوته على الضعفاء، فاغتر بذلك في شأن الأقوياء، قياسا لهم على الضعفاء، ~~كانت قوته وبالا عليه. وأنت قد عرفت فضل قوتك على الدواب، فغرك ذلك، فعمدت ~~إلى العين التي تسمى باسمي، فشربت منها، وكدرتها. فأرسلني إليك: فأنذرك ألا ~~تعود إلى مثل # PageV01P208 # ذلك. وإنك إن فعلت أغش بصرك، وأتلف نفسك. وإن كنت في شك من رسالتي، فهلم ~~إلى العين من ساعتك: فإني موافيك بها. فعجب ملك الفيلة من قول الأرنب، ~~فانطلق إلى العين مع فيروز الرسول. فلما نظر إليها، رأى ضوء القمر فيها. ~~فقالت له فيروز الرسول: خذ بخرطومك من الماء فاغسل به وجهك، واسجد للقمر. ~~فأدخل الفيل خرطومه في الماء، فتحرك فخيل للفيل أن القمر ارتعد. فقال: ما ~~شأن القمر ارتعد؟ أتراه غضب من إدخالي الخرطوم في الماء؟ قالت فيروز ~~الأرنب: نعم. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى، وتاب إليه مما صنع، وشرط ألا يعود ~~إلى مثل ذلك هو ولا أحد من فيلته. قال الغراب: ومع ما ذكرت من أمر البوم إن ~~فيها الخب والمكر والخديعة، وشر الملوك الخادع، ومن ابتلى بسلان مخادع، ~~وخدمه، أصاب ما أصاب الأرنب والفرد حين احتكما إلى السنور. قالت الكراكي: ~~وكيف كان ذلك؟ # PageV01P209 # قال الغراب: كان لي جارا من االصفاردة في أصل شجرة قريبة من وكرى وكان ~~يكثر مواصلتي ثم فقدته فلم أعلم أين غاب وطالت غيبته ms095 عني. فجاءت أرنب إلى ~~مكان الصفرد فسكنته فكرهت أن أخاصم الأرنب فلبثت فيه زمانا. ثم إن الصفرد ~~غاد بعد زمان فأتى منزله فوجد فيه الأرنب. فقال لها: هذا المكان لي، ~~فانتقلي عنه. قالت الأرنب: المسكن لي، وتحت يدي؛ وأنت مدع له. فإن كان لك ~~حق فاستعد بإثباته علي. قال الصفرد: القاضي منا قريب: فهلمي بنا إليه. قالت ~~الأرنب: ومن القاضي؟ قال الصفرد: إن بساحل البحر سنورا متعبدا، يصوم ~~النهار، ويقوم الليل كله؛ ولا يؤذي دابة، ولا يهرق دما، عيشه من الحشيش ~~ومما يقذفه إليه البحر. فإن أحببت تحاكمنا إليه، ورضينا به. قالت الأرنب: ~~المسكن لي، وتحت يدي، وأنت مدع له. فإن كان لك حق فاستعد بإثباته علي. # قال الصفرد: القاضي؟ منا قريب: إن بساحل البحر سنورامعبدا، يصوم النهار، ~~ويقوم الليل كله، ولايؤذى دابة، ولا يهريق دما، عيشه من الحشيش ومما يقذفه ~~إليه البحر. فإن أحببت تحاكما إليه، ورضينا به. قالت الأرنب: ما أرضاني به ~~إذا كان كما وصفت. فانطلقا إليه فتبعهما لأنظر إلى حكومة الصوام القوام ثم ~~إنهما ذهبا إليه فلما بصر النور بالأرنب والصفرد # PageV01P210 # مقبيلين نحوه، انتصب قائما يصلي، وأظهر الخشوع والتنسك. فعجبا لما رأيا ~~من حاله ودنوا منه هائبين له، وسلما عليه وسألاه أن يقضي بينهما. فأمر هما ~~أن يقصا عليه القصة ففعلا. فقال لهما: قد بلغني الكبر وثقلت أذناي: فادنوا ~~مني فاسمعانى ما تقولان. فدنوا منه، وأعادا عليه القصة وسألاه الحكم فقال ~~قد فهمت ما قلتما، وأنا مبتدئكما بالنصيحة قبل الحكومة بينكما: فأنا آمركما ~~بتقوى الله وألاتطلبا إلا الحق هو الذي يفلح، وأن قضى عليه وطالب الحق هو ~~الذي يفلح وإن قضى عليه وطالب الباطل مخصوم وإن قضى له. وليس لصاحب الدنيا ~~من دنياه شئ لا مال ولا صديق سوى العمل الصالح يقدمه فذو العقل حقيق أن ~~يكون سعيه في طلب ما يبقى وعود نفعه عليه غدا، وأن يمقت بسعيه فيما سوى ذلك ~~من أمور الدنيا: فإن منزلة المال عند العاقل بمنزلة المدر، ومنزلة الناس ~~عنده فيما ms096 يحب أهم من الخير ويكره من الشر بمنزلة نفسه. ثم إن السنور لم ~~يزل يقص # PageV01P211 # عليهما من جنس هذا وأشباهه، حتى أنسا إليه، وأقبلا عليه، ودنوا منه، ثم ~~وثب عليهما فقتلهما. قال الغراب: ثم إن البوم تجمع مع ما وصفت لكن من الشؤم ~~سائر العيوب: فلا يكونن تمليك البوم من رأ يكن. فلما سمع الكراكى ذلك من ~~كلام الغراب أضربن عن تمليك البوم. زكان هناك بوم حاضر قد سمع ما قالوا، ~~فقال الغراب: لقد وترتني أعظم الترة، ولا أعلم أنه سلف مني إليك سوء أوجب ~~هذا. وبعد فاعلم أن الفأس يقطع به الشجر فيعود ينبت السيف يقطع اللحم ثم ~~يعود فيندمل واللسان لا يندمل جرحه ولا تؤسى مقاطعه. والنصل من السهم يغيب ~~في اللحم ثم ينزع فيخرج، وأشباه النصل من الكلام إذا وصلت إلى القلب لم ~~تنزع ولم تستخرج. ولكل حريق مطفئ: فللنار الماء، وللسم الدواء وللحزن الصبر ~~ونلر الحقد لا تخبو أبدا. وقد غرستم معاشر الغربان بيننا وبينكم شجر الحقد ~~والعداوة والبغضاء. # PageV01P212 # فلما قضى البوم مقالته، ولى مغضبا، فأخبر ملك البوم بما جرى وبكل ما كان ~~منقول الغراب، ثم إن الغراب ندم على ما فرط منه، وقال: والله لقد خرقت في ~~قولي الذي جلبت به العداوة والبغضاء على نفسي وقومي! وليتني لم أخبر ~~الكراكي بهذه الحال! ولا أعلمتها بهذا الأمر! ولعل أكثر الطير قد رأى أكثر ~~مما رأيت، وعلم أضعاف ما علمت، فمنعها من الكلام بمثل ما اتقاء ما لم أتق، ~~والنظر فيما لم أنظر فيه من حذار العواقب، لا سيما إذا كان الكلام أفظع ~~كلام، يلقى منه سامعه وقائله المكروه مما يورث الحقد والضغينة، فلا ينبغي ~~لأشباه هذا الكلام، أن تسمى كلاما، ولكن سهاما. والعاقل، وإن كان واثقا ~~بقوته وفضله، لا ينبغي أن يحمل ذلك على أن يجلب العداوة على نفسه اتكالا ~~على ما عنده من الرأي والقوة، كما أنه وإن كان عنده الترياق لا ينبغي له أن ~~يشرب السم اتكالا على ما عنده. وصاحب # PageV01P213 # حسن العمل، وإن ms097 قصر به القول في مستقبل الأمر، كان فضله بينا واضحا في ~~العاقبة والاختار، وصاحب حسن القول، وإن أعجب الناس منه حسن صفته للأمور لم ~~تحمد عاقبة أمره. وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة. أليس من سفهي ~~اجترائي على التكلم في الأمر الجسيم لا أستشير فيه أحدا، ولم أعمل فيه ~~رأيا؟ ومن لم يستشر النصاء الأولياء، وعمل برأيه من غير تكرار النظر ~~والروية، لم يغتبط بمواقع رأيه. فما كان أغناني عما كسبت يومي هذا، وما ~~وقعت فيه من الهم! وعاتب الغراب نفسه بهذا الكلام وأشباهه وذهب. فهذا ما ~~سألتني عنه من ابتداء العداوة بيننا وبين البوم. # وأما القتال فقد علمت رأيي فيه، وكراهتي له، ولكن عندي من الرأي والحيلة ~~غير القتال ما يكون فيه الفرج إن شاء الله تعالى: فإنه رب قوم قد احتالوا ~~بآرائهم حتى ظفروا بما أرادوا. ومن ذلك حديث الجماعة الذين ظفروا بالناسك، ~~وأخذوا عريضه قال الملك: وكيف كان ذلك؟ # PageV01P214 # قال الغراب: زعموا ان ناسكا اشتى عريضا ضخما ليجعله قربانا، فانطلق به ~~يقوده فبصر به قوم من المكرة، فأتمروا بينهم أن يأخذوه من الناسك. فعرض له ~~أحدهم فقال له: أيها الناسك، ما هذا الكلب الذي معك؟ ثم عرض له الآخر فقال ~~لصاحبه: ما هذا الناسك، لأن الناسك لا يقود كلبا. فلم يزالو مع الناسك على ~~هذا ومثله حتى لم يشك أن الذي يقوده كلب، وأن الذي باعه إياه سحر عينه، ~~فأطلقه من يده، فأخذه الجماعة المحتالون ومضوا به. وإنما ضربت لك هذا المثل ~~لما أرجو أن نصيب من حاجتنا بالرفق والحيلة. وإني أريد من الملك أن ينقرني ~~على رؤوس الأشهاد، وينتف ريشي وذنبي، ثم يطرحني في أصل هذه الشجرة، ويرتحل ~~الملك هو وجنوده إلى مكان كذا. فأرجو أني أصبر وأطلع على أحوالهم، ومواضع ~~تحصينهم وأبوابهم، فأخادعهم وآتي إليكم لنهجم عليهم، وننا منهم غرضنا إن ~~شاء الله تعالى. # PageV01P215 # قال الملك: أتطيب نفسك لذلك؟ قال: نعم، وكيف لا تطيب نفسي لذلك وفيه أعظم ~~الراحات للملك وجنوده؟ ففعل الملك ms098 بالغراب ما ذكر، ثم ارتحل عنه فجعل ~~الغراب يئن ويهمس حتى رأته البوم وسمعته يئن، فأخبرن ملكهن بذلك، فقصد نحوه ~~ليسأله عن الغربان فلما دنا منه أمر بوما أن يسأله فقال له: من أنت؟ وأين ~~الغربان؟ فقال: أما اسمي ففلان، وأما ما سألتني عنه فإني أحسبك ترى أن حالي ~~حال من لا يعلم الأسرار فقيل لملك البوم: هذا وزير ملك الغربان وصاحب رأيه، ~~فنسأله بأي ذنب صنع به ما صنع؟ فسئل الغراب عن أمره فقال: إن ملكنا استشار ~~جماعتنا فيكن: وكنت يومئذ بمحضر من الأمر، فقال: أيها الغربان، ما ترون في ~~ذلك؟ فقلت: أيها الملك لا طاقة لنا بقتال البوم: لأنهن أشد بطشا، وأحد قلبا ~~منا ولكن أرى أن نلتمس الصلح، ثم نبذل الفدية في ذلك، فإن قبلت البوم ذلك ~~منا، وإلا # PageV01P216 # هربنا في البلاد وإذا كان القتال بيننا وبين البوم كان خيرا لهن وشرا ~~لنا، فالصلح أفضل من الخصومة وأمرتهن بالرجوع عن الحرب، وضربت لهن الأمثال ~~في ذلك، وقلت لهن: إن العدو الشديد لا يرد بأسه وغضبه مثل الخضوع له: ألا ~~ترين إلى الحشيش كيف يسلم من عاصف الريح للينه وميله معها حيث مالت فعصينني ~~في ذلك وزعمن أنهن يردن القتال وأتهمنني في ما قلت، وقلنا إنك قد مالأت ~~البوم علينا ورددن قولي ونصيحتي وعذبنني بهذا العذاب وتركني الملك وجنوده ~~وأرتحل ولا علم لي بهن بعد ذلك: فلما سمع ملك البوم مقالة الغراب قال لبعض ~~وزرائه: ما تقول في الغراب؟ وما ترى فيه؟ قال: ما أرى إلا المعاجلة له ~~بالقتل: فإن هذا أفضل عدد الغربان، وفي قتله لنا راحة من مكره وفقده على ~~الغربان شديد ويقال: من ظفر بالساعة التي فيها ينجح العمل ثم لا يعاجله ~~بالذي ينبغي له # PageV01P217 # فليس بحكيم ومن طلب الأمر الجسيم فأمكنه ذلك فأغفله فاته الأمر وهو خليق ~~ألا تعود له الفرصة ثانية ومن وجد عدوه ضعيفا ولم ينجز قتله ندم إذا استقوى ~~ولم يقدر عليه قال الملك لوزير آخر: ما ترى أنت في هذا ms099 الغراب؟ قال: أرى ~~ألا تقتله: فإن العدو الذليل الذي لا ناصر له أهل لأن يستبقى ويرحم ويصفح ~~عنه ولا سيما المستجير الخائف: فإنه أهل لأن يؤمن. # قال ملك البوم لوزير آخر من وزائه: ما تقول في الغراب؟ قال: أرى أن ~~تستبقيه وتحسن إليه: فإنه خليق أن ينصحك والعاقل يرى معادات بعض أعدائه ~~بعضا ظفرا حسنا ويرى أشتغال بعض أعدائه ببعض خلاصا لنفسه منهم ونجاة كنجاة ~~الناسك من اللص والشيطان حين اختلفا عليه قال الملك له: وكيف كان ذلك؟ # قال الوزير: زعموا أن ناسكا أصاب من رجل بقرة حلوبا فانطلق بها يقودها ~~إلى منزله، فعرض له لص أراد سرقتها # PageV01P218 # واتبعه شيطان يريد اختطافه. فقال الشيطان للص: من أنت؟ قال أنا اللص، ~~أريد أن أسرق البقرة من الناسك إذا نام. فمن أنت؟ قال: أنا الشيطان أريد ~~أختطافه إذا نام وأذهب به فاتهيا على هذا إلى المنزل فدخل الناسك منزله ~~ودخلا خلفه وأدخل البقرة فربطها في زاوية المنزل وتعشى ونام. فأقبل اللص ~~والشيطان يأتمران فيه واختلفا على من يبدأ بشغله أولا فقال الشيطان للص: إن ~~أنت بدأت بأخذ البقرة فربما استيقظ وصاح، واجتمع الناس: فلا أقدر على أخذه ~~فأنظرني ريثما آخذه، وشأنك وما تريد. فأشفق اللص إن بدأ الشيطان باختطافه ~~فربما استيقظ فلا يقدر على أخذ البقرة، فقال: لا، بل انظرني أنت حتى آخذ ~~البقرة وشأنك زما تريد فلم يزالا في المجادلة هكذا حتى نادى اللص: أيها ~~الناسك انتبه: فهذا الشيطان يريد اختطافك، ونادى الشيطان: أيها الناسك ~~انتبه: فهذا اللص يريد أن يسرق بقرتك فانتبه الناسك وجيرانه بأصواتهما، # PageV01P219 # وهرب الخبيثان. قال الوزير الأول الذي أشار بقتل الغراب: أظن أن الغراب ~~قد خدعكن ووقع كلامه في نفس الغبي منكن موقعه، فتردن أن تضعن الرأي في غير ~~موضعه فمهلا مهلا أيها الملك عن هذا الرأي. فلم يلتفت الملك إلى قوله وأمر ~~الغراب أن يحمل إلى منازل البوم، ويكرم ويستوصى به خيرا. # ثم إن الغراب قال للملك يوما وعنده جماعة من البوم وفيهن الوزير الذي ~~أشار ms100 بقتله: أيها الملك قد علمت ما جرى علي من الغربان وأنه لا يستريح قلبي ~~إلا بأخذي بثأري منهن، وإني قد نظرت في ذلك فإذا بي لا أقدر على ما رمت: ~~لأني غراب وقد روى عن العلماء أنهم قالوا: من طابت نفسه بأن يحرقها فقد قرب ~~لله أعظم القربان لا يدعو عند ذلك بدعوة إلا استجيب له فإن رأى الملك أن ~~يأمرني فأحرق نفسي وأدعو ربي أن يحولني بوما فأكون # PageV01P220 # أشد عداوة وأقوى بأسا عل الغربان لعلي أنتقم منهن! قال الوزير الذي أشار ~~بقتله: ما أشبهك في خير ما تظهر وشر ما تخفي إلا بالخمرة الطيبة الطعم ~~والريح المنقع فيها السم أرأيت لو أحرقنا جسمك بالنار كان جوهرك وطباعك ~~متغيرة! أليست أخلاقك تدور معك حيثما درت، وتصير بعد ذلك إلى أصلك وطويتك؟ ~~كالفأرة التي خيرت في الأزواج بين الشمس والريح والسحاب والجبل فلم يقع ~~اختيارها إلا على الجرذ وقيل له: وكيف كان ذلك؟ # قال: زعموا أنه كان ناسكا مستجاب الدعوة فبينما هو ذات يوم جالسا على ~~ساحل البحر إذ مرت به حدأة في رجلها درص فأرة فوقعت منها عند الناسك، ~~وأدركته لها رحمة، فأخذها ولفها في ورقة، وذهب بها إلى منزله، ثم خاف أن ~~تشق على أهله تربيتها فدعا ربه أن يحولها جارية: فتحولت جارية حسناء فانطلق ~~بها إلى امرأته، فقال لها هذه ابنتي # PageV01P221 # فاصنعي معها صنيعك بولدي. فلما كبرت قال لها الناسك: يا بنية أختاري من ~~أحببت حتى أزوجك به. فقالت، أما إذا خيرتني فإني أختار زوجا يكون أقوى ~~الأشياء. فقال الناسك لعلك تريدين الشمس! ثم انطلق إلى الشمس فقال: أيها ~~الخلق العظيم إن لي جارية وقد طلبت زوجا يكون أقوى الأشياء، فهل أنت ~~متزوجها؟ فقالت الشمس أنا أدلك على من هو أقوى مني: السحاب الذي يغطيني، ~~ويرد حر شعاعي ويكسف أشعة أنواري. فذهب الناسك إلى السحاب فقال له ما قال ~~للشمس، فقال السحاب: وأنا أدلك على من هو أقوى مني: فاذهب إلى الريح التي ~~تقبل بي وتدبر وتذهب بي ms101 شرقا وغربا فجاء الناسك إلى الريح فقال لها كقوله ~~للسحاب فقالت: وأنا أدلك على من هو أقوى مني وهو الجبل الذي لا أقدر على ~~تحريكه فمضى إلى الجبل وقال له القول المذكور فأجابه الجبل وقال له: أنا ~~أدلك على من هو أقوى مني: الجرذ الذي لا أستطيع الامتناع منه إذا ثقبني # PageV01P222 # واتخذني مسكنا. فانطلق الناسك إلى الجرذ فقال له: هل أنت متزوج هذه ~~الجارية؟ فقال وكيف أتزوجها وجحري ضيق؟ إنما يتزوج الجرذ الفأرة فدعا ~~الناسك ربه أن يحولها فأرة كما كانت وذلك برضى الجارية، فأعادها الله إلى ~~عنصرها الأول فانطلقت مع الجرذ فهذا مثلك أيها المخادع فلم يلتفت ملك البوم ~~إلى ذلك القول، ورفق بالغراب ولم يزدد له إلا إكراما حتى إذا طاب عيشه ونبت ~~ريشه واطلع على ما أراد أن يطلع عليه راغ روغة. فأتى أصحابه بما رأى وسمع ~~فقال للملك: إني قد فرغت مما كنت أريد ولم يبقى إلا أن تسمع وتطيع، فقال ~~له: أنا والجند تحت أمرك، فاحتكم كيف شئت. # قال الغراب: إن البوم بمكان كذا في جبل كثير الحطب وفي ذلك الموضع قطيع ~~من الغنم مع رجل راع، ونحن مصيبون هناك نارا، ونلقيها في أنقاب البوم ونقذف ~~عليها # PageV01P223 # من يابس الحطب ونتراوح عليها ضربا بأجنحتنا حتى تضرم النار في الحطب: فمن ~~خرج منهن احترق ومن لم يخرج مات بالدخان موضعه ففعل الغربان ذلك: فأهلكن ~~البوم قاطبة ورجعن إلى منازلهن سالمات آمنات. # ثم إن ملك الغربان قال لذلك الغراب: كيف صبرت على صحبة البوم ولا صبر ~~للأخيار على صحبة الأشرار؟ فقال الغراب: إنما ما قلته أيها الملك لكذلك لكن ~~العاقل إذا أتاه الأمر الفظيع العظيم الذي يخاف من عدم تحمله الجائحة على ~~نفسه وقومه لم يجزع من شدة الصبر عليه، لما يرجو من أن يعقبه صبره حسن ~~العاقبة زكثير الخير فلم يجد لذلك ألما، ولم تكره نفسه الخضوع لمن هو دونه ~~حتى يبلغ حاجته فيغتبط بخاتمة أمره وعاقبة صبره. فقال الملك: أخبرني عن ~~عقول البوم: فقال الغراب: ms102 لم أجد فيهن عاقلا إلا الذي كان يحثهن على قتلي، ~~وكان حرضهن على ذلك مرارا فكن أضعف شيء # PageV01P224 # رأيا! فلم ينظرن في رأيه ويذكرن أني قد كنت ذا منزلة في الغربان، وأني ~~أعد من ذوي الرأي ولم يتخوفن مكري وحيلتي ولا قبلن من الناصح الشفيق ولا ~~أخفين دوني أسرارهن وقد قال العلماء: ينبغي للملك أن يحصن أموره من أهل ~~النميمة ولا يطلع أحدا منهم على مواضع سره فقال الملك: ما أهلك البوم في ~~نفسي إلا الغي، وضعف رأي الملك وموافقته وزراء السوء فقال الغراب: صدقت ~~أيها الملك، إنه قلما ظفر أحد بغنى ولم يطع، وقل من أكثر من الطعام إلا ~~مرض. وقل من وثق بوزراء السوء وسلم من أن يقع في المهالك وكان يقال: لا ~~يطمعن ذو الكبر في حسن الثناء، ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السي الأدب في ~~الشرف، ولا الشحيح في البر، ولا الحريص في قلة الذنوب ولا الملك المحتال، ~~المتهاون بالأمور، الضعيف الوزراء في ثبات ملكه، وصلاح رعيته قال الملك: ~~لقد احتملت مشقة شديدة في تصنعك للبوم، # PageV01P225 # وتضرعك لهن قال الغراب: إنه من احتمل مشقة يرجو نفعها، ونحى عن نفسه ~~الأنفة والحمية، ووطنها على الصبر حمد غب رأيه، كما صبر الأسود على حمل ملك ~~الضفادع على ظهره، وشبع بذلك وعاش قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الغراب: ~~زعموا أن أسود من الحيات كبر، وضعف بصره وذهبت قوته: فلم يستطع صيدا ولم ~~يقدر على طعام وأنه انساب يتلمس شيئا يعيش به، حتى انتهى إلى عين كثيرة ~~الضفادع، قد كان يأتيها قبل ذلك، فيصيب من ضفاضعها رزقه فرمى نفسه قريبا ~~منهن مظهرا للكآبة والحزن فقال له ضفدع: ما لي أراك أيها الأسود كئيبا ~~حزينا؟ قال: ومن أحرى بطول الحزن مني! وإنما كان أكثر معيشتي مما كنت أصيب ~~من الضفادع فابتليت ببلاء وحرمت على الضفادع من أجله، حتى إني إذا التقيت ~~ببعضها لا أقدر على إمساكه. # PageV01P226 # فانطلق الضفدع إلى ملك الضفادع، فبشره بما سمع من الأسود فقال له: كيف ms103 ~~كان أمرك؟ قال سعيت منذ أيام في طلب ضفدع وذلك عند المساء فاضطررته إلى بيت ~~ناسك، ودخلت في أثره في ظلمة وفي البيت ابن الناسك، فأصبت إصبعه، فظننت ~~أنها الضفدع، فلدغته فمات فخرجت هاربا، فتبعني الناسك في أثري، ودعا علي ~~ولعنني وقال: كما قتلت ابني البريء ظلما وتعديا، أدعو عليك أن تذل وتصير ~~مركبا لملك الضفادع، فلا تستطيع أخذها، ولا أكل شيء منها، إلا ما يتصدق به ~~عليك ملكها فأتيت إليك لتركبني مقرا بذلك راضيا به فرغب ملك الضفادع بركوب ~~الأسود، وظن أن ذلك فخرا له وشرف ورفعة فركب واستطاب له ذلك. # فقال له الأسود: قد علمت أيها الملك أني محروم فاجعل لي رزقا أعيش به ~~فقال ملك الضفادع: لعمري لابد من رزق يقوم بك، إذا كنت مركبي فأمر له ~~بضفدعين # PageV01P227 # يؤخذان في كل يوم ويدفعان إليه فعاش بذلك، ولم يضره خضوعه للعدو الذليل، ~~بل انتفع بذلك وصار له رزقا ومعيشة وكذلك كان صبري على ما صبرت عليه، ~~التماسا لهذا النفع العظيم الذي اجتمع لنا فيه الأمن الظفر، وهلاك العدو ~~والراحة منه ووجدت صرعة اللين والرفق أسرع وأشد استئصالا للعدو من صرعة ~~المكابرة: فإن النار لا تزيد بحدتها وحرها إذا أصابت الشجرة على أن تحرق ما ~~فوق الأرض منها والماء ببرده ولينه يستأصل ما تحت الأرض منها ويقال أربعة ~~أشياء لا يستقل قليلها: النار والمرض والعدو والدين. قال الغراب: وكل ذلك ~~من رأى الملك وأدبه وسعادة جده وإنه كان يقال: إذا طلب اثنان أمرا ظفر به ~~منها أفضلهما مروءة فإن اعتدلا في المروءة فأشدهما عزما. فإن استويا في ~~العزم فأسعدهما جدا وكان يقال: من حارب الملك الحازم الأريب المتضرع الذي ~~لا تبطره السراء ولا تدهشه الضراء كان هو داعي الحتف إلى نفسه، ولا سيما # PageV01P228 # إذا كان مثلك أيها الملك العالم بفروض الأعمال، ومواضع الشدة واللين، ~~والغضب والرضا والمعاجلة والأناة الناظر في أمر يومه وغده، وعواقب أعماله ~~قال الملك للغراب: بل برأيك وعقلك ونصيحتك ويمن طالعك كان ذلك، فإن رأى ~~الرجل ms104 الواحد، العاقل الحازم أبلغ في هلاك العدو من الجنود الكثيرة، من ذوي ~~البأس والنجدة، والعدد والعدة. وإن من عجيب أمرك عندي طول لبثك بين ظهراني ~~البوم تسمع الكلام الغليظ، ثم لم تسقط بينهن بكلمة! قال الغراب: لم أزل ~~متمسكا بأدبك أيها الملك: أصحب البعيد والقريب، بالرفق واللين، والمبالغة ~~والمواتاة. قال الملك: أصبحت وقد وجدتك صاحب العمل، ووجدت غيرك من الوزراء ~~أصحاب أقاويل: ليس لها عاقبة حميدة فقد من الله علينا بك منة عظيمة لم نكن ~~قبلها نجد لذة الطعام والشراب، ولا النوم ولا القرار وكان يقال: لا يجد ~~المريض لذة الطعام والنوم حتى يبرأ، ولا الرجل الشره الذي قد أطعمه سلطانه # PageV01P229 # في مال وعمل في يده، حتى ينجزه له، ولا الرجل الذي قد ألح عليه عدوه، وهو ~~يخافه صباحا ومساء حتى يستريح منه قلبه ومن وضع الحمل الثقيل عن يديه أراح ~~نفسه ومن أمن عدوه ثلج صدره. # قال الغراب: أسأل الله الذي أهلك عدوك أن يمتعك بسلطانك، وأن يجعل في ذلك ~~صلاح رعيتك، ويشركهم في قرة العين بملكك! فإن الملك إذا لم يكن في ملكه قرة ~~عيون رعيته، فمثله مثل زنمة العنز التي يمصها، وهو يحسبها حلمة الضرع، فلا ~~يصادف فيها خيرا. قال الملك: أيها الوزير الصالح، كيف كانت سيرة البوم ~~وملكها في حروبها، وفيما كانت فيه من أمورها؟ قال الغراب: كانت سيرته سيرة ~~بطر، وأشر وخيلاء وعجز وفخر مع ما فيه من الصفات الذميمة وكل أصحابه ~~ووزرائه شيبه به، إلا الوزير الذي كان يشير عليه بقتلي: فإنه كان حكيما ~~أريبا، فيلسوفا حازما # PageV01P230 # عالما، قلما يرى مثله في علو الهمة، وكمال العقل، وجودة الرأي قال الملك: ~~وأي خصلة رأيت منه كانت أدل على عقله؟ قال خلتان: إحداهما رأيه في قتلي ~~والأخرى أنه لم يكتم صاحبه نصيحته وإن استقلها ولم يكن كلامه كلام عنف ~~وقسوة ولكنه كلام رفق ولين حتى إنه ربما أخبره ببعض عيوبه ولا يصرح بحقيقة ~~الحال بل يضرب له الأمثال ويدثه بعيب غيره فيعرف عيبه فلا يجد ملكه ms105 إلى ~~الغضب عليه سبيلا وكان مما سمعته يقول لملكه: إنه لا ينبغي للملك أن يغفل ~~عن أمره فإنه أمر جسيم لا يظفر به من الناس إلا قليل ولا يدرك إلا بالحزم ~~فإن الملك عزيز فمن ظفر به فليحسن حفظه وتحصينه، فإنه قد قيل إنه في قلة ~~بقاءه بمنزلة قلة بقاء الظل عن ورق النيلوفر وهو في خفة زواله، وسرعة ~~إقباله وإدباره كالريح وفي قلة ثباته كاللبيب مع اللئام، وفي سرعة اضمحلاله ~~كحباب الماء من وقع المطر. فهذا مثل أهل العداوة الذين لا ينبغي أن يغتر ~~بهم، وإن هم أظهروا توددا وتضرعا. # PageV01P231 ### | باب القرد والغيلم # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل، اضرب لي مثل الرجل ~~الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضعها قال الفيلسوف: إن طلب الحاجة أهون من ~~الاحتفاظ بها ومن ظفر بحاجة ثم لم يحسن القيام بها أصابه ما أصاب الغيلم. ~~قال الملك: وكيف ذلك؟ قال بيدبا: زعموا أن قردا يقال له ماهر كان ملك ~~القردة وكان قد كبر وهرم فوثب عليه قرد شاب من بيت المملكة فتغلب عليه، ~~وأخذ مكانه فخرج هاربا على وجهه حتى انتهى إلى الساحل فوجد شجرة من شجر ~~التين فارتقى إليها وجعلها مقامه فبينما هو ذات يوم يأكل من ذلك التين، إذا ~~سقطت من يده تينة في الماء فسمع لها صوتا وإيقاعا فجعل يأكل ويرمي في ~~الماء، فأطربه ذلك: فأكثر من طرح التين في الماء وثم غيلم كلما وقعت تينة ~~أكلها. فما # PageV01P232 # كثر ذلك ظن أن القرد إنما يفعل ذلك لأجله فرغب في مصادقته، وأنس إليه ~~وكلمه، وألف كل واحد منهما صاحبه. وطالت غيبة الغيلم عن زوجته: فجزعت عليه ~~وشكت ذلك إلى جارة لها وقالت: قد خفت أن يكون قد عرض له عارض سوء فاغتاله. ~~فقالت لها: إن زوجك بالساحل قد ألف قرد وألفه القرد: فهو مؤاكله ومشاربه، ~~وهو الذي قطعه عنك، ولا يقدر أن يقيم عندك حتى تحتالي لهلاك القرد. قالت ~~وكيف أصنع؟ قالت لها جارتها: إذا وصل إليك فتمارضي، ms106 فإذا سألك عن حالك ~~فقولي: إن الحكماء وصفوا لي قلب قرد. # ثم إن الغيلم انطلق بعد مدة إلى منزله فوجد زوجته سيئة الحال مهمومة فقال ~~لها الغيلم: مالي أراك هكذا، فأجبته جارتها، وقالت: إن زوجتك مريضة مسكنة. ~~وقد وصف لها الأطباء قلب قرد، وليس لها دواء سواه قال الغيلم: هذا أمر عسير ~~من أين لنا قلب قرد، ونحن في الماء؟ لكن سأحتال لصديقي # PageV01P233 # ثم انطلق إلى ساحل البحر: فقال له القرد يا أخي، ما حبسك عني؟ قال ~~الغيلم: ما حبسني إلا حيائي: فلم أعرف كيف أجازيك على إحسانك إلي؟ وأريد أن ~~تتم إحسانك إلي بزيارتك أي في منزلي فإن ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة. فركب ~~ظهر الغيلم، فسبح به حتى إذا سبح به عرض له قبح ما أضمر في نفسه من الغدر، ~~فنكس رأسه، فقال له القرد: مالي أراك مهتما؟ قال الغيلم: إنما همي لأني ~~ذكرت أن زوجتي شديدة المرض وذلك بمنعي من كثير مما أريد أن أبلغه من حرصك ~~على كرامتك وملاطفتك. قال القرد: إن الذي أعرف من حرصك على كرامتي يكفيك ~~مؤونة التكليف. قال الغيلم: أجل ومضى بالقرد ساعة، ثم توقف به ثانية: فساء ~~ظن القرد وقال في نفسه: ما احتباس الغيلم وإبطاؤه إلا لأمر ولست آمنا أن ~~يكون قلبه قد تغير لي وحال عن مودتي، فأراد بي سوءا: فإنه لا شيء أخف وأسرع ~~تقلبا # PageV01P234 # من القلب وقد يقال: ينبغي للعاقل ألا يغفل عن التماس ما نفس أهله وولده ~~وإخوانه وصديقه عند كل أمر، وفي كل لحظة وكلمة وعند القيام والقعود، وعلى ~~كل حال فإن ذلك كله يشهد على ما في القلوب وقد قالت العلماء إذا دخل قلب ~~الصديق من صديقه ريبة فليأخذ بالحزم في الحفظ منه وليتفقد ذلك في لحظاته ~~وحالاته فإن كان ما يظن حقا ظفر بالسلامة، وإن كان باطلا ظفر بالحزم، ولم ~~يضره ذلك ثم قال للغيلم: ما الذي يحبسك؟ ومالي أراك مهتما، كأنك تحدث نفسك ~~مرة أخرى؟ قال: يهمني أنك تأتي منزلي فلا تجد ms107 أمري كما أحب: لأن زوجتي ~~مريضة قال القرد: لا تهتم فإن الهم لا يغني عنك شيئا ولكن التمس ما يصلح ~~زوجتك من الأدوية والأغذية: فإنه يقال ليبذل ذو المال ماله في أربعة مواضع: ~~في الصدقة وفي الحاجة وعلى البنين وعلى الأزواج. قال الغيلم: صدقت. وقد قال ~~الأطباء إنه لا دواء لها إلا قلب قرد فقال القرد واأسفاه لقد أدركني الحرص # PageV01P235 # والشر على كبر سني: حتى وقعت في شر ورطة ولقد صدق الذي قال: يعيش القانع ~~الراضي مستريحا مطمئنا وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب. # وأني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه. ثم قال ~~الغيلم: وما منعك أن تعلمني عند منزلي حتى كنت أحمل قلبي معي؟ فهذه سنة ~~فينا معاشر القردة إذا خرج أحد لزيارة صديق خلف قلبه عند أهله أوفي موضعه، ~~للنظر إذا نظرنا إلى حرم المزور وليس قلوبنا معنا قال الغيلم: وأين قلبك ~~الآن؟ قال: خلفته في الشجرة فإن شئت فارجع بي إلى الشجرة حتى آتيك به ففرح ~~الغيلم بذلك وقال: لقد وافقني صاحبي بدون أن أغدر به. ثم رجع بالقرد إلى ~~مكانه فلما أبطأ على الغيلم، ناداه: يا خليلي احمل قلبك وانزل فقد حبستني ~~فقال القرد: هيهات أتظن أني كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ~~ولا أذنان قال الغيلم: وكيف ذلك؟ # PageV01P236 # قال القرد: زعموا أنه كان أسد في أجمة، وكان معه ابن آوى يأكل من فواضل ~~طعامه، فأصاب الأسد جرب، وضعف شديد فلم يستطيع الصيد فقال له ابن آوى: ما ~~بالك يا سيد السباع قد تغيرت أحوالك؟ قال: هذا الجرب الذي قد أجهدني وليس ~~له دواء إلا قلب حمار وأذناه قال ابن آوى: ما أيسر هذا وقد عرفت بمكان كذا ~~حمارا مع قصار يحمل عليه ثيابه، وأنا آتيك به ثم دلف إلى الحمار فأتاه وسلم ~~عليه فقال له: مالي أراك مهزولا؟ قال ما يطعمني صاحبي شيئا فقال له: وكيف ~~ترضى المقام معه على هذا؟ قال: فما ms108 لي حيلة في الهرب منه، لست أتوجه إلى ~~جهة إلا جهة أضربي إنسان فكدني وأجاعني قال ابن آوى: فأنا أدلك على مكان ~~معزول عن الناس، لا يمر به إنسان، خصيب المرعى فيه قطيع من الحمر لم تر عين ~~مثلها حسنا وسمنا قال الحمار: وما يحبسنا وسمنا وقال الحمار: وما يحبسنا ~~عنها؟ فانطلق # PageV01P237 # بنا إليها، فانطلق به ابن آوى نحو الأسد، وتقدم ابن آوى ودخل الغابة على ~~الأسد، فأخبره بمكان الحمار فخرج إليه وأراد أن يثبت عليه، فلم يستطيع ~~لضعفه، وتخلص الحمار منه فأفلت هلعا على وجهه فلما رأى ابن آوى أن الأسد لم ~~يقدر على الحمار، قال له: أعجزت يا سيد السباع إلى هذه الغاية؟ فقال له: إن ~~جئتني به مرة أخرى، فلن ينجو مني أبدا فمضى ابن آوى إلى الحمار فقال له: ما ~~الذي جرى عليك؟ إن أحد الحمر رآك غريبا، فخرج يتلقاك مرحبا بك، ولو ثبت له ~~لآنسك، ومضى بك إلى أصحابه فلما سمع الحمار كلام ابن آوى، ولم يكن رأى أسدا ~~قط، صدقه وأخذ طريقه إلى الأسد وأعلمه بمكانه وقال له: استعد له فقد خدعته ~~لك: فلا يدركنك الضعف في هذه النوبة إن أفلت فلن يعود معي أبدا فجأش جأش ~~الأسد لتحريض ابن آوى له، وخرج إلى موضع # PageV01P238 # الحمار فلما بصر به عاجله بوبثة افترسه بها. ثم قال: قد ذكرت الأطباء أنه ~~لايؤكل إلا بعد الغسل والطهور: فاحتفظ به حتى أعود فآكل قلبه وأذنيه، وأترك ~~ما سوى ذلك قوتا لك فلما ذهب الأسد ليغتسل، عمد ابن آوى إلى الحمار فأكل ~~قلبه وأذنيه، رجاء أن يتطير الأسد منه، فلا يأكل منه شيئا، فقال لابن آوى: ~~أين قلب الحمار وآذناه؟ قال ابن آوى: ألم تعلم أنه لو كان له قلب يفقه به، ~~وأذنان يسمع بهما، لم يرجع إليك بعد ما أفلت ونجا من الهلكة: وانما ضربت لك ~~هذا المثل لتعلم أني لست كذلك الحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ~~وأذنان، ولكنك احتلت علي وخدعتني فخدعتك ms109 بمثل خديعتك، واستدركت فارط أمري. ~~وقد قيل: إن الذي يفسده الحلم لا يصلحه إلا العلم. قال الغيلم: صدقت، إلا ~~أن الرجل الصالح يعترف بزلته، وإذا أذنب ذنبا لم يستحي أن يؤدب: # PageV01P239 # لصدقه في قوله وفعله، وإن وقع في ورطة أمكنه التخلص منها بحيلته وعقله: ~~كالرجل الذي يعثر على الأرض، ثم ينهض عليها معتمدا فهذا مثل الرجل الذي ~~يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها. ### | الناسك وابن عرس # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثل ~~الرجل العجلان في أمره من غير روية ولا نظر في العواقب قال الفيلسوف: إنه ~~من لم يكن في أمره متثبتا لم يزل نادما ويصير أمره إلى ما صار إليه الناسك ~~من قتل ابن عرس وقد كان له ودودا. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الفيلسوف: ~~زعموا أن ناسكا من النساك بأرض جرجان وكانت له امرأة جميلة، فمكثا زمنا لم ~~يرزقا ولدا # PageV01P240 # ثم حملت منه بعد الإياس فسرت المرأة وسر الناسك بذلك فحمد الله تعالى ~~وسأله أن يكون الحمل ذكرا وقال لزوجته: أبشري فإني أرجو أن يكون غلاما لنا ~~فيه منافع، وقرة عين، أختار له أحسن الأسماء وأحضر له سائر الأدباء. فقالت ~~المرأة: ما يحملك أيها الرجل على أن تتكلم بما لا تدري أيكون أم لا؟ ومن ~~فعل ذلك أصابه ما أصاب الناسك الذي أراق على رأسه السمن والعسل. قال لها: ~~وكيف ذلك؟ قالت: زعموا أن ناسكا كان يجري عليه من بيت رجل تاجر، في كل يوم ~~رزق من السمن والعسل وكان يأكل منه قوته وحاجته ويرفع الباقي ويجعله في ~~جرة، فيعلقها في وتد في ناحية البيت حتى أمتلأت فبينما الناسك ذات يوم ~~مستلق على ظهره والعكاز في يده والجرة معلقة على رأسه، تفكر في غلاء السمن ~~والعسل، فقال: سأبيع ما في هذه الجرة بدينار وأشتري به عشرة أعنز، فيحبلن ~~ويلدن # PageV01P241 # في كل خمسة أشهر بطنا، ولا تلبث قليلا حتى تصير غنما كثيرة إذا ولت ~~أولادها، ثم حرر على هذا النحو بسنين فوجد ms110 ذلك أكثر من أربعمائة عنز، فقال: ~~أنا أشتري بها مائة من البقر، وأشترى أرضا وبذرا، وأستأجر أكرة وأزرع على ~~الثيران، وأنتفع بألبان الإناث ونتاجها فلا يأتي على خمس سنين ألا وقد أصبت ~~من الزرع مالا كثيرا، فأبني بيتا فاخرا وأشتري إماء وعبيد، وأتزوج امرأة ~~جميلة ذات حسن، ثم تأتي بغلام سري نجيب، فأختار له أحسن الأسماء، فإذا ~~ترعرع أدبته وأحسنت تأديبه وأشدد عليه في ذلك، فإن يقبل مني، وإلا ضربته ~~بهذه العكازة وأشار إلى الجرة فكسرها، فسال ما كان فيها على وجهه وإنما ~~ضربت لك هذا المثل لكي لا تعجل بذكر ما لا ينبغي ذكره، وما لا تدري أيصح أم ~~لا يصح فاتعظ الناسك بما حكت زوجته. ثم إن المرأة ولدت غلاما # PageV01P242 # جميلا ففرح به أبوه وبعد أيام حان لها أن تتطهر فقالت المرأة للناسك: ~~اقعد عند ابنك حتى أذهب إلى الحمام فأغتسل وأعود ثم إنها انطلقت إلى ~~الحمام، وخلفت زوجها والغلام فلم يلبث أن جاءه رسول الملك يستدعيه ولم يجد ~~من يخلفه عندابنه غير ابن عرس داجن عنده كان قد رباه صغيرا فهو عنده عديل ~~ولده فتركه الناسك عند الصبي وأغلق عليهما البيت وذهب مع الرسول. فخرج من ~~بعض أحجار البيت حية سوداء فدنت من الغلام فضربها ابن عرس ثم وثب عليها ~~فقتلها ثم قطعها وا متلأفمه من دمها ثم جاء الناسك وفتح الباب فالتقاه ابن ~~عرس كالمبشر له بما صنع من قتل الحية. فلما رآه ملوثا بالدم وهو مذعور طار ~~عقله وظن أنه قد خنق ولده ولم يتثبت في أمره ولم يتو فيه حتى يعلم حقيقة ~~الحال ويعمل بغير ما يظن من ذلك ولكن عجل أبن عرس وضربه بعكازه كانت # PageV01P243 # في يده على أم رأسه فما. ودخل الناسك فرأى الغلام سليما حيا وعنده أسود ~~مقطع. فلما عرف القصة وتبين له سوء فعله في العجلة لطم على رأسه. وقال: ~~ليني لم أرزق هذا الولد ولم أغدر هذا الغدر ودخلت امرأته فوجدته على تلك ~~الحال فقالت له: ماشأنك فأخبرها بالخبر ms111 من حسن فعل ابن عرس وسوء مكافأته له ~~فقالت: هذه ثمرة العجلة فهذا مثل من لا يتثبت في أمره بل يفعل أغراضه ~~بالسرعة والعجلة. ### | باب الجرذ والسنور # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثل رجل ~~كثر اعدؤه وأحدقوا به من كل جانب فأشرف معهم على الهلاك فالتمس النجاة وا ~~لمخرج بموالاة بعض أعدائه ومصالحته فسلم من الخوف وأمن ثم وفي لمن صالحه ~~منهم. قال الفيلسوف: إن المودة والعداوة # PageV01P244 # لاتثبتان على حالة واحدة أبدا. وبما حالت المودة إلى العداوة وصارت ~~العداوة ولاية وصداقة. ولهذا حوادث وعلل وتجارب وذو الرأي يحدث لكل ما يحدث ~~من ذلك رأيا جديدا: أما من قبل العدو فبا لبأس وأما من قبل الصديق فبا ~~لاستئناس ولا تمنع ذا العقل عداوة كانت في نفسه لعدوه من مقاربته ~~والاستنجاد به على دفع مخوف أو جر مرغوب. ومن عمل في ذلك بالحزم ظفر ~~بحاجته. ومثل ذلك مثل الجرذ والسنور حين وقعا في الورطة فنجوا باصطلاحهما ~~جميعا من الورطة والشدة قال الملك: وكيف كان ذلك قال بيديا: زعموا أن شجرة ~~عظيمة كان في أصلها جحر سنور يقال له رومي وكان قريبا منه جحر جرذ يقال له ~~فريدون وكان الصيادون كثيرا يتداولون ذلك المكان يصيدون فيه الوحش والطير ~~فنزل ذات يوم صياد فنصب حبالته قريبا من موضع رومي فلم يلبث أن وقع فيها. ~~فخرج الجرذ يدب، ويطلب ما يأكل، وهو حذر من رومي فبينما هو # PageV01P245 # يسعى إذ بصر به في الشرك، فسر واستبشر، ثم التفت فرأى خلفه ابن عرس، يريد ~~أخذه، وفي الشجرة بوما، يريد اختطافه، فتحير في أمره، وخاف إن رجع وراءه ~~أخذه ابن عرس، وإن ذهب يمينا أو شمالا اختطفه البوم، وإن تقدم أمامه افترسه ~~السنور. فقال في نفسه: هذا بلاء قد اكتفني، وشرور تظاهرت علي، ومحن قد ~~أحاطت بي. وبعد ذلك فمعي عقلي، فلا يفزعني أمري، ولا يهولني شأني، ولا ~~يلحقني الدهش، ولا يذهب قلبي شعاعا: فالعاقل لا يفرق عند سداد رأيه ولا ~~يعزب ms112 عنه ذهنه على حال. وإنما العقل شبيه بالبحر الذي لا يدرك غوره ولا ~~يبلغ البلاء من ذي الرأي مجهوده فيهلكه، وتحقق الرجاء لا ينبغي أن يبلغ منه ~~مبلغا يبطره ويسكره: فيعمى عليه أمره ولست أرى لي من هذا البلاء مخلصا إلا ~~مصالحة السنور: فإنه قد نزل به من البلاء مثل ما قد نزل بي أو بعضه ولعل إن ~~سمع كلامي الذي أكلمه به، # PageV01P246 # ووعى عني فصيح خطابي، ومحض صدقي الذي لا خلاف فيه، ولا خداع معه ففهمه، ~~وطمع في معونتي إياه، نخلص جميعا. # ثم إن الجرذ دنا من السنور فقال له: كيف حالك؟ قال له السنور: كما تحب: ~~في ضنك وضيق قال: وأنا اليوم شريكك في البلاء، ولست أرجو لنفسي خلاصا إلا ~~بالذي أرجو لك فيه الخلاص وكلامي هذا ليس فيه كذب ولا خديعة وابن عرس ها هو ~~كامن لي، والبوم يرصدني وكلاهما لي ولك عدو فإن جعلت لي الأمان، قطعت ~~حبائلك، وخلصتك من هذه الورطة فإذا كان ذلك تخلص كل واحد منا بسبب صاحبه: ~~كالسفينة والركاب في البحر: فبالسفينة ينجون وبهم تنجو السفينة. فلما سمع ~~السنور كلام الجرذ وعرف أنه صادق قال له: إن قولك هذا لشبيه بالحق وأنا ~~أيضا راغب فيما أرجو لك ولنفسي به # PageV01P247 # الخلاص. ثم إنك إن فعلت ذلك فسأشكر لك ما بقيت قال الجرذ: فإني سأدنو منك ~~فأقطع الحبائل كلها إلا حبلا واحدا أبقيه لأستوثق لنفسي منك ثم أخذ في قرض ~~حبائله ثم إن البوم وابن عرس لما رأيا دنو الجرذ من السنور أيسا منه ~~وانصرفا ثم إن الجرذ أبطأ على رومي قطع الحبائل فقال له: مالي لا أراك مجدا ~~في قطع حبائلي فإن كنت قد كنت ظفرت بحاجتك: فتغيرت عما كنت عليه وتوانيت في ~~حاجتي فما ذلك من فعل الصالحين: فإن الكريم لا يتوانى في حق صاحبه. وقد كان ~~لك في سابق مودتي من الفائدة والنفع ما قد رأيت. وأنت حقيق أن تكافئني بذلك ~~ولا تذكر العداوة التي بيني وبينك: فالذي حدث بيني وبينك ms113 من الصلح حقيق أن ~~ينسيك ذلك مع ما في الوفاء من الفضل والأجر وما في الغدر من سوء العاقبة: ~~فإن الكريم لا يكون إلا شكورا غير حقود تنسيه الخلة الوحدة من الإحسان # PageV01P248 # الخلال الكثيرة من الإساءة وقد يقال: إن أعجل العقوبة عقوبة الغدر ومن ~~إذا تضرع إليه وسئل العفو فلم يرحم ولم يعف فقد غدر قال الجرذ: إن الصديق ~~صديقان: طائع ومضطر وكلاهما يلتمسان المنفعة ويحترسان من المضرة فأما ~~الطائع فيسترسل إليه ويؤمن في جميع الأحوال وأما المضطر ففي بعض الأحوال ~~يسترسل إليه وفي بعضها يتحذر منه. ولا يزال العاقل يرتهن منه بعض حاجاته ~~لبعض ما يتقي ويخاف وليس عاقبة التواصل من المتواصل إلا طلب عاجل النفع ~~وبلوغ مأموله وأنا واف لك بما جعلت لك ومحترس منك مع ذلك من حيث أخافك ~~تخوفا أن يصيبني منك ما ألجأني خوفه إلى مصالحتك وألجأك إلى قبول ذلك مني: ~~فإن لكل عمل حينا. فما لم يكن منه في حينه فلا حسن لعاقبته. وأنا قاطع ~~حبائلك كلها غير أني تارك عقدة واحدة أرتهنك بها ولا أقطعها إلا في الساعة ~~التي أعلم أنك فيها عني مشغول: وذلك عند معاينتي الصياد. # PageV01P249 # ثم إن الجرذ أخذ في قطع حبائل السنور. فبينما هو كذلك إذ وافى الصياد ~~فقال له السنور: الآن جاء الجد في قطع حبائلي. فأجهد الجرذ نفسه في القرض ~~حتى إذا فرغ وثب السنور إلى الشجرة على دهش من الصياد ودخل الجرذ بعض ~~الأحجار وجاء الصياد فأخذ حبائله مقطعة، ثم انصرف خائبا. # ثم إن الجرذ خرج بعد ذلك، وكره أن يدنو من السنور، فناداه السنور: أيها ~~الصديق الناصح، ذو البلاء الحسن عندي، ما منعك من الدنو إلي، لأجازيك بأحسن ~~ما أسديت إلي، هلم، إلي ولا تقطع إخائي: فإنه من اتخذ صديقا، وقطع إخاءه، ~~وأضاع صداقته، حرم ثمرة إخائه، وأيس من نفعه الإخوان والأصدقاء. وإن يدك ~~عندي لا تنسى، وأنت حقيق أن تلتمس مكافأة ذلك مني ومن إخواني وأصدقائي. ولا ~~تخافن مني شيئا. واعلم أن ما قبلي ms114 لك مبذول. ثم حلف واجتهد على صدقه فيما ~~قال. فناداه الجرذ: رب صداقة ظاهرة باطنها عداوة كامنة. وهي أشد من العداوة ~~الظاهرة. # PageV01P250 # ومن لم يحترس منها، وقع موقع الرجل الذي يركب ناب الفيل المغتلم ثم يغلبه ~~النعاس فيستيقظ تحت فراسن الفيل، فيدوسه ويقتله. وإنما سمي الصديق صديقا: ~~لما يرجى من نفعه، وسمي العدو عدوا: لما يخاف من ضرره. والعاقل إذا رجا نفع ~~العدو أظهر له الصداقة، وإذا خاف ضر الصديق أظهر له العداوة. ألا ترى؟ تتبع ~~البهائم أمهاتها رجاء ألبانها، فإذا انقطع ذلك انصرفت عنها. وربما قطع ~~الصديق عن صديقه بعض ما كان يصله، فلم يخف شره: لأن أصل أمره لم يكن عداوة. ~~فأما من كان أصل أمره عداوة جوهرية، ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك، ~~فإنه إذا زالت الحاجة التي حملته على ذلك، زالت صداقته، فتحولت عداوة وصار ~~إلى أصل أمره: كالماء الذي يسخن بالنار، فإذا رفع عنها عاد باردا. وليس من ~~أعدائي عدو أضر لي منك. وقد اضطرني وإياك وإلى ما أحدثنا من المصالحة. وقد ~~ذهب الأمر الذي احتجت إلي واحتجت إليك فيه، # PageV01P251 # وأخاف أن يكون مع ذهابه عود العداوة. ولا خير للضعيف في قرب العدو القوي، ~~ولا للذليل في قرب العدو العزيز. ولا أعلم لك قبلي حاجة، وليس عندي بك ثقة: ~~فإني قد علمت أن الضعيف المحترس من العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي ~~إذا اغتر بالضعيف واسترسل إليه. والعاقل يصالح عدوه إذا اضطر إليه، ~~ويصانعه، ويظهر له وده، ويريه من نفسه الاسترسال إليه إذا لم يجد من ذلك ~~بدا، ثم يعجل الانصراف عنه، حين يجد إلى ذلك سبيلا. واعلم أن سريع ~~الاسترسال لا تقال عثرته. والعاقل يفي لمن صالحه من أعدائه بما جعل له من ~~نفسه، ولا يثق به كل الثقة، ولا يأمنه على نفسه مع القرب منه. وينبغي أن ~~يبعد عنه ما استطاع. وأنا أودك من بعيد، وأحب لك من البقاء والسلامة، ما لم ~~أكن أحبه لك من قبل. ولا عليك أن تجازيني ms115 على صنيعي إلا بمثل ذلك: إذ لا ~~سبيل إلى اجتماعنا والسلام. # PageV01P252 ### | باب ابن الملك والطائر فنزة # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل، فاضرب لي مثل أهل ~~الترات الذين لا بد لبعضهم من اتقاء بعض. قال بيدبا: زعموا أن ملكا من ملوك ~~الهند كان يقال له بريدون، وكان له فرخ وكان هذا الطائر وفرخه ينطقان بأحسن ~~منطق، وكان الملك بهما معجبا، فأمر بهما أن يجعلا عند امرأته، وأمرها ~~بالمحافظة، عليهما. واتفق أن امرأة الملك ولدت غلاما، فألف الفرخ الغلام. ~~وكلاهما طفلان يلعبان جميعا، وكان فنزة يذهب إلى الجبل كل يوم فيأتي بفاكهة ~~لا تعرف فيطعم ابن الملك شطرها. ويطعم فرخه شطرها. فأسرع ذلك في نشأتهما ~~وزاد في شبابهما وبان عليهما أثره عند الملك: فازداد لفنزة إكراما وتعظيما ~~ومحبة حتى إذا كان يوم من الأيام وفنزة غائب في اجتناء الثمرة وفرخه في حجر ~~الغلام # PageV01P253 # ذرق في حجره فغضب الغلام وأخذ الفرخ فضرب به الأرض فمات. ثم إن فنزة أقبل ~~فوجد فرخه مقتولا فصاح وحزن وقال: قبحا للملوك الذين لا عهد لهم ولا وفاء ~~ويل لمن ابتلى بصحبة الملوك الذين لا حمي لهم ولا حرمة ولا يحبون أحد ولا ~~يكرم عليهم إلا إذا طمعوا فيما عنده من غناه واحتاجوا إلى ما عنده من علم: ~~فيكرمونه لذلك فإذا ظفروا بحاجتهم منه فلا ود ولا إخاء ولا إحسان ولا غفران ~~ذنب ولا معرفة حق هم الذين أمرهم مبني على الرياء والفجور. وهم يستصغرون ما ~~يرتكبونه من عظيم الذنوب ويستعظمون اليسير إذا خولفت فيه أهواؤهم. ومنهم ~~هذا الكفور الذي لا رحمة له الغادر بأليفه وأخيه. ثم وثب في شدة حنقه على ~~وجه الغلام ففقأ عينه، وطار فوقع على شرفة المنزل. ثم إنه بلغ الملك ذلك، ~~فجزع أشد الفزع، ثم طمع أن يحتال له فوقف قريبا منه وناداه وقال له: إنك ~~آمن فنزل يا فنزة. فقال له: أيها الملك إن الغادر # PageV01P254 # مأخوذ بغدره وإنه إن أخطأه عاجل العقوبة لم يخطئه الآجل حتى إنه يدرك ms116 ~~الأعقاب وأعقاب الأعقاب وإن ابنك غدر بابني، فعجلت له العقوبة. قال الملك: ~~لعمري قد غدرنا بابنك، فانتقمت منا: فليس لك قبلنا ولا لنا قبلك وتر مطلوب. ~~فارجع إلينا آمنا. قال فنزة: لست براجع إليك أبدا فإن ذوي الرأي قد نهوا عن ~~قرب الموتور فإنه لا يزيدك لطف الحقود ولينه وتكرمه إياك إلا وحشة منه، ~~وسوء ظن به: فإنك لا تجد للحقود الموتور أمانا هو أوثق لك من الذعر منه ولا ~~أجود من البعد عنه ولأحترس منه أولى. وقد كان يقال: إن العاقل يعد أبويه ~~أصدقاء والأخوة رفقاء والأزواج ألفاء والبنين ذكرا، والبنات خصماء والأقارب ~~غرماء ويعد نفسه فريدا. وأنا الفريد الوحيد الغريب الطريد قد تزودت من عنكم ~~من الحزن عبئا ثقيلا لا يحمله معي أحد. وأنا ذاهب. فعليك مني السلام. # PageV01P255 # قال الملك: إنك لو لم تكن اجتزيت منا فيما صنعناه بك، بل كان صنيعك بنا ~~من غير ابتداء منا بالغدر كان الأمر كما ذكرت. وأما إذا كنا نحن بدأناك، ~~فما ذنبك؟ وما الذي يمنعك من الثقة بنا؟ هلم فارجع: فإنك آمن. قال فنزة: ~~اعلم أن الأحقاد لها في القلوب مواقع ممكنة موجعة. فالألسن لا تصدق في ~~خبرها عن القلوب، والقلب أعدل شهادة من اللسان على القلب. وقد علمت أن قلبي ~~لا يشهد للسانك، ولا قلبك للساني. قال الملك: ألم تعلم أن الضغائن ولأحقاد ~~تكون بين كثير من الناس: فمن كان ذا عقل كان على إماتة الحقد أحرص منه على ~~تربيته. قال فنزة: إن ذلك لكما ذكرت، ولكن ليس ينبغي لذي الرأي مع ذلك أن ~~يظن أن الموتور الحقود ناس ما وتر به، مصروف عنه فكره فيه. وذو الرأي يتخوف ~~المكر والخديعة والحيل ويعلم أن كثيرا من العدو لا يستطاع بالشدة # PageV01P256 # والمكابرة، حتى يصاد بالرفق والملاينة، كما يصاد الفيل الوحشي بالفيل ~~الداجن. قال الملك: إن العاقل الكريم لا يترك إلفه، ولا يقطع إخوانه ولا ~~يضيع الحفاظ، وإن هو خاف على نفسه، حتى إن هذا الخلق يكون قي أوضع الدواب ~~منزلة: فقد ms117 علمت أن اللعابين يلعبون بالكلاب، ثم يذبحونها ويأكلونها. ويرى ~~الكلب الذي قد ألفهم ذلك، فلا يدعوه إلى مفارقتهم، ولا يمنعه من إلفته ~~إياهم. قال فنزة: إن الأحقاد مخوفة حيثما كانت. فأخوفها وأشدها ما كان في ~~أنفس الملوك: فإن الملوك يدينون بالانتقام، ويرون الدرك والطلب بالوتر ~~مكرمة وفخرا. وإن العاقل لا يغتر بسكون الحقد إذا سكن فإنما مثل الحقد في ~~القلب، إذا لم يجد محركا، مثل الجمر المكنون، ما لم سجد حطبا، فليس ينفك ~~القد متطلعا إلى العلل، كما تبتغي النار الحطب فإذا وج علة استعر استعار ~~النار، فلا يطفئه حسن كلام، ولا لين ولا رفق ولا خضوع ولا تضرع ولا مصانعة، ~~ولا شيء # PageV01P257 # دون تلف الأنفس. مع أنه رب واتر يطمع في مراجعة الموتور بما يرجو أن يقدر ~~عليه من النفع له، والدفع عنه. ولكني أنا أضعف عن أن أقدر على شيء يذهب به ~~ما في نفسك. ولو كانت نفسك منطوية لي على ما تقول ما كان ذلك عني مغنيا ولا ~~أزل في خوف ووحشة وسوء ظن، ما اصطحبنا. فليس الرأي بيني وبينك إلا الفراق. ~~وأنا أقرأ عليك السلام. # قال الملك: لقد علمت أنه لا يستطيع أحد لأحد ضرا ولا نفعا، وأنه لا شيء ~~من الأشياء صغيرا ولا كبيرا يصيب أحد ألا بقضاء وقدر معلوم. وكما أن خلق ما ~~يخلق، وولادة ما يولد، وبقاء ما يبقى ليس إلى الخلائق منه شئ، كذلك فناء ما ~~يفنى وهلاك ما يهلك. وليس لك في الذي صنعت بابني ذنب، ولا لا بني فيما صنع ~~بابنك ذنب. # إنما كان ذلك كله قدرا مقدورا، وكلانا له علة: فلا نوأخذ بما به القدر. ~~قال فنزة: إن القدر لكما ذكرت، لكن لا يمنع ذلك الحازم من توقى المخاوف، ~~والاحتراس # PageV01P258 # من المكاره. ولمنه يجمع تصديقا بالقدر وأخذا بالحزم والقوة. وأنا أعلم ~~أنك تكلمني بغير ما في نفسك. والأمر بيني وبينك غير صغير: لأن ابنك قتل ~~ابني، وأنا فقأت عين ابنك، وأنت تريد أن تشتفي بقتلي، وتخلني عن نفسي، ~~والنفس ms118 تأبى الموت. وقد كان يقال: الفاقة بلاء والحزن بلاء وقرب العدو بلاء ~~وفراق الأحبة بلاء والسقم بلاء والهرم بلاء، ورأس البلايا كلها الموت. وليس ~~أحد بأعلم بما في نفس الموجع الحزين ممن ذاق مثل ما به. فأنا بما في نفسي ~~عالم بما نفسك: للمثل الذي عندي من ذلك. ولا خير لي في صحبتك: فإنك لن ~~تتذكر صنيعي بابنك، ولن أتذكر صنيع ابنك بابني، إلا أحدث ذلك لقلوبنا ~~تغييرا. # قال الملك: لا خير فيمن لا يستطيع الإعراض عما في نفسه، وينساه ويهمله، ~~حتى لا بذكر منه شيئا، ولا يكون له في نفسه موقع. قال فنزة: إن الرجل الذي ~~في باطن # PageV01P259 # قدمه قرحة، إن هو حرص على المشي فلا بد أنه لا يزال يشتكي قرحته، والرجل ~~الأرمد العين إذا استقبل بها الريح، تعرض لأن تزداد رمدا. وكذلك الواتر إذا ~~دنا من الموتور، فقد عرض نقسه للهلاك. ولا ينبغي لصاحب الدنيا إلا توقي ~~المهالك والمتالف، وتقدير الأمور وقلة الاتكال على الحول والقوة، وقلة ~~الاغترار بمن لا يأمن: فإنه من اتكل على قوته، فحمله ذلك على أن يسك الطريق ~~المخوف، فقد سعى في حتف نفسه. ومن لا يقدر لطاقته طعامه وشرابه # وحمل نفسه ما لا تطيق ولا تحمل فقد قتل نفسه. ومن لا يقدر لقمته، وعظمها ~~فوق ما يسع فوه، فربما غص بها فمات. ومن اغتر بكلام عدوه، وانخدع له وضيع ~~الحزم، فهو أعدى الحزم لنفسه من عدوه. وليس لأحد النظر في القدر الذي لا ~~يدري ما يأتيه منه ولا ما يصرف عنه، ولكن عليه العمل بالحزم والأخذ بالقوة ~~ومحاسبة نفسه في ذلك. والعاقل لا يثق بأحد ما استطاع، ولا يقيم على خوف وهو ~~يجد عنه مذهبا. وأنا كثير المذاهب وأرجو # PageV01P260 # ألا أذهب وجها ألا أصبت فيه مت يغنيني: فإن خلالا خمسا من تزودهن كفينه ~~في كل وجه، وآنسنه في غربة، وقربن له البعيد، وأكسبنه المعاش الإخوان: ~~أولهن كف الأذى والثانية حسن الأدب، والثالثة مجانبة الريب والرابعة كرم ~~الخلق، والخامسة النبل في العمل. وإذا ms119 خاف الإنسان على نفسه شيئا طابت نفسه ~~عن المال والأهل والولد والوطن: فإنه يرجو الخلف من ذلك كله ولا يرجو عن ~~النفس خلفا. وشر المال ما لا إنفاق منه وشر الأزواج التي لا تواتي بعلها، ~~وشر الولد العاصي العاق لوالديه وشر الإخوان الخاذل لأخيه عند النكبات ~~والشدائد، وشر الملوك الذي يخافه البريء، ولا يواظب على حفظ أهل مملكته، ~~وشر البلاد بلاد بلا خصب فيها ولا أمن، وإنه لا أمن لي عندك أيها الملك ولا ~~طمأنينة لي في جوارك. وثم ودع الملك وطار. فهذا مثل ذوي الأوتار الذين لا ~~ينبغي لبعضهم أن يثق ببعض. # PageV01P261 ### | باب الأسد والشغبر الناسك وهو ابن آوى # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثل الملك ~~الذي يراجع من أصابته منه عقوبة من غير جرم أو جفوة من غير ذنب. قال ~~الفيلسوف: إن الملك لو لم يراجع من أصابته منه جفوة عن ذنب أو عن غير ذنب، ~~ظلم أولم يظلم لأضر ذلك ويخبر ما عنده من المنافع فإن كان ممن يوثق به في ~~رأيه وأمانته، فإن الملك حقيق بالحرص على مراجعته: فإن الملك لا يستطاع ~~ضبطه إلا مع ذوي الرأي وهم الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة، ولا ~~مودة ولا نصيحة إلا لذوي الرأي والعفاف. وأعمال السلطان كثيرة، والذين ~~يحتاج إليهم من العمال والأعوان كثيرون. ومن يجمع منهم ما ذكرت من النصيحة ~~والعفاف قليل. والمثل في ذلك مثل الأسد وابن آوى. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ # PageV01P262 # قال الفيلسوف: زعموا أن ابن آوى كان يسكن في بعض الدحال وكان متزهدا ~~متعففا، مع بنات آوى وذئاب وثعالب. ولم يكن يصنع ما يصنعن، ولا يغير كما ~~يغرن، ولا يهريق دما ولا يأكل لحما. فخاصمه تلك السباع، وقلن لا نرضى ~~بسيرتك ولا رأيك الذي أنت عليه من تزهدك: مع أن تزهدك لا يغني عنك شيئا. ~~وأنت لا تستطيع أن تكون إلا كأحدنا: تسعى معنا، وتفعل فعلنا فما الذي كفك ~~عن الدماء وعن أكل اللحم؟ قال ابن آوى: إن ms120 صحبتي إياكن لا تؤثمني إذا لم ~~أؤثم نفسي: لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب، ولكنها من قبل القلوب ~~والأعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحا، وصاحب المكان ~~السيء يكون عمله فيه سيئا، كان حينئذ من قتل الناسك في محرابه لم يأثم، ومن ~~استحياه في معركة القتال أثم. وإني إنما صحبتكن بنفسي، ولم أصحبكن بقلبي ~~وأعمالي: لأني أعرف ثمرة الأعمال: فلزمت حالي: وثبت # PageV01P263 # ابن آوى على حاله تلك واشتهر بالنسك والتزهد حتى بلغ ذلك أسدا كان ملك ~~تلك الناحية فرغب فيه: لما بلغه عنه من العفاف والنزاهة والزهد والأمانة ~~فأرسل إليه يستدعيه. فلما حضر كلمه وآنسه فوجده في جميع الأمور وفق غرضه. ~~ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته وقال له: تعلم أن عمالي كثير وأعواني جم غفير ~~وأنا مع ذلك إلى الأعوان محتاج. وقد بلغني عنك عفاف وأدب وعقل ودين فازددت ~~فيك رغبة. وأنا موليك من عملي جسيما ورافعك إلى منزلة شريفة وجاعلك من ~~خاصتي. قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيار الأعوان فيما يهتمون به من ~~أعمالهم وأمورهم. وهم أحرى ألا يكرهوا على ذلك أحدا: فإن المكره لا يستطيع ~~البالغة في العمل. وإني لعمل السلطان كاره. وليس لي به تجربة ولا بالسلطان ~~رفق. وأنت ملك السباع وعندك من أجناس الوحوش عدد كثير فيهم أهل نبل وقوة ~~ولهم على العمل حرص وعندهم به وبالسلطان رفق: فإن استعملتهم أغنوا عنك ~~واغتبطوا لأنفسهم # PageV01P264 # بما أصابهم من ذلك. قال الأسد: دع عنك هذا: فإني غير معفيك من العمل. قال ~~ابن آوى: إنما يستطيع خدمة السلطان رجلان لست بواحد منهما: إما فاجر مصانع ~~ينال حاجته بفجوره ويسلم بمصانعته وإما مغفل لا يحسده أحد. فن أراد أن يخدم ~~السلطان بالصدق والعفاف فلا يخلط ذلك بمصانعته وحينئذ قل أن يسلم على ذلك: ~~لأنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. أما الصديق فينافسه ~~في منزلته ويبغى عليه فيها ويعاديه لأجلها وأما عدو السلطان فيضطغن عليه ~~لنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه. فإذا اجتمع عليه هذان ms121 الصنفان فقد تعرض ~~للهلاك. قال الأسد: لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك مما يعرض في ~~نفسك: فأنت معي وأنا أكفيك ذلك وأبلغ بك من درجات الكرامة والإحسان على قدر ~~همتك. قال ابن آوى: إن كان الملك يريد الإحسان إلي فليدعني في هذه البرية ~~أعيش آمنا قليل الهم راضيا بعيشي من الماء # PageV01P265 # والعشب: فإنى قد علمت أن صاحب السلطان يصل اليه من الأذى والخوف في ساعة ~~واحدة ما لا يصل إلى غيره في طول عمره وإن قليلا من العيش في آمن وطمأنينة ~~خير من كثير من العيش في خوف ونصب. قال الأسد: قد سمعت مقالتك، فلا تخف ~~شيئا مما أراك تخاف منه. وست أجد بدا من الاستعانة بك في أمري. قال ابن ~~آوى: أنا إذا أبى الملك إلا ذلك فليعجل لي عهدا إن بغى على أحد من أصحابه ~~عنده، ممن هو فوقي: مخافة على منزلته، أو ممن هو دون: لينازعني في منزلتي ~~فذكر عند الملك منهم ذاكر بلسانه، أو على لسان غيره ما يريد به تحميل الملك ~~على ألا يعجل في أمر وأن يتثبت فيما يرفع إليه ويذكر عنده من ذلك ويفحص عنه ~~ثم ليصنع ما بدا له. فإذا وثقت منه بذلك أعنته بنفسي فيما يحب وعملت له ~~فيما أولاني بنصيحة واجتهاد وحرصت على ألا أجعل له على نفسي سبيلا. قال ~~الأسد: لك ذلك على وزيادة. ثم ولاه خزائنه واختص به دون أصحابه وزاد في ~~كرامته. # PageV01P266 # فلما رأى أصحاب الأسد ذلك غاظهم وساءهم؟ فأجمعوا كيدهم، واتفقوا كلهم على ~~أن يحملوا عليه الأسد وكلن الأسد قد استطاب لحما فعزل منه مقدرا، وأمره ~~بالاحتفاظ به، وأن يرفعه في أحصن موضع طعامه وحملوه إلى بيت ابن آوى، ~~فخبئوه فيه، ولا علم له به، ثم حضروا يكذبونه إن جرت في ذلك حال. فلما كان ~~من الغد ودعا الأسد بغدائه، فقد ذلك اللحم، فالتمسه ولم يجده، وابن آوى لم ~~يشعر بما صنع في حقه من المكيدة. فحضر الذين عملوا # المكيدة، وقعدوا في المجلس. ثم إن ms122 الملك سأل عن اللحم، وشدد فيه، وقي ~~المسألة عنه، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد ~~لنا من أن نخبر الملك بما يضره وينفعه، وإن شق ذلك على من يشق عليه. وإنه ~~بلغني أن ابن آوى هو الذي ذهب باللحم إلى منزله. قال الآخر: لا أراه يفعل ~~هذا، ولكن انظروا وفحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة. فقال الآخر: # PageV01P267 # لعمري ما تكاد السرائر تعرف، وأظنكم إن فحصتم عن هذا وجدتم اللحم ببيت ~~ابن آوى، وكل شيء يذكر من عيوبه وخيانته نحن أحق أن نصدقه. قال الآخر: لئن ~~وجدنا هذا حقا فليست بالخيانة فقط، ولكن مع الخيانة كفر النعمة، والجراءة ~~على الملك. قال الآخر: أنتم أهل العدل والفضل، لا أستطيع أن أكذبكم، ولكن ~~سيبين هذا لو أرسل إلى الملك من يفتشه. قال الآخر: إن كان الملك مفتشا ~~منزله فليعجل: فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان. ولم يزالوا في الكلام ~~وأشباهه، حتى وقع في نفس الأسد ذلك، فأمر بابن آوى فحضر فقال له: أين اللحم ~~الذي أمرتك بالاحتفاظ به، قال: دفعته إلى صاحب الطعام ليقربه إلى الملك. ~~فدعا الأسد بصاحب الطعام، وكان ممن وبايع مع القوم على ابن آوى. فقال: ما ~~دفع إلى شيئا. فأرسل الأسد أمينا إلى بيت ابن آوى ليفتشه، فوجد فيه ذلك ~~اللحم، فأتى به الأسد. فدنا من الأسد ذئب لم يكن تكلم في شيء من ذلك. وكان # PageV01P268 # يظهر أنه من العدول الذين لا يتكلمون فيما لا يعلمون، حتى يتبين لهم ~~الحق. فقال: بعد أن اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفون عنه: فإنه إن ~~عفا عنه لم يطلع الملك بعدها على خيانة خائن، ولا ذنب مذنب. فأمر الأسد ~~بابن آوى أن يخرج، ويحتفظ به. فقال بعض جلساء الملك: إني لأعجب من رأي ~~الملك ومعرفته بالأمور كيف يخفى عليه أمر هذا، ولم يعرف خبثه ومخادعته؟ ~~وأعجب من هذا أني أراه سيصفح عنه، بعد الذي ظهر منه. فأرسل الأسد بعضهم ~~رسولا إلى ابن آوى يلتمس منه ms123 العذر، فرجع إليه الرسول برسالة كاذبة اخترعها ~~فغضب الأسد من ذلك وأمر بابن آوى أن يقتل. فعلمت أم الأسد أنه قد عجل في ~~أمره، فأرسلت إلى الذين أمروا بقتله أن يؤخروه، ودخلت على ابنها، فقالت: يا ~~بني بأي ذنب أمرت بقتل ابن آوى؟ فأخبرها بالأمر. فقالت: يا بني عجلت. وإنما ~~يسلم العاقل من الندامة بترك العجلة وبالتثبت. والعجلة لا يزال صاحبها ~~يجتني ثمرة الندامة، # PageV01P269 # بسبب ضعف الرأي. وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبت من الملوك: فإن المرأة ~~بزوجها، والولد بوالديه، والمتعلم بالمعلم والجند بالقائد، والناسك بالدين، ~~والعامة بالملوك، والملوك بالتقوى، والتقوى بالعمل، والعقل بالتثبت ~~والأناة، ورأس الكل الحزم، ورأس الحزم للملك معرفة أصحابه، وإنزالهم ~~منازلهم على طبقاتهم، واتهامه بعضهم على بعض. فإنه لو وجد بعضهم إلى هلاك ~~بعض سبيلا لفعل. وقد جربت ابن آوى، وبلوت رأيه وأمانته ومروءته، ثم لم تزل ~~مادحا له راضيا عنه. وليس ينبغي للملك أن يخونه بعد ارتضائه إياه وائتمانه ~~له، ومنذ مجيئه إلى الآن لم يطلع له على خيانة إلا على العفة والنصيحة. وما ~~كان رأي الملك أن يعجل عليه لأجل طابق لحم. وأنت أيها الملك حقيق أن تنظر ~~في حال ابن آوى: لتعلم أنه لم يكن ليتعرض للحم استودعته إياه. ولعل الملك ~~إن فحص عن ذلك ظهر له أن ابن آوى له خصماء هم الذين أتمروا بهذا الأمر. وهم ~~الذين # PageV01P270 # ذهبوا باللحم إلى بيته فوضعوه فيه: فإن الحدأة إذا كان في رجلها قطعة لحم ~~اجتمع عليها سائر الطير، والكلب إذا كان معه عظم اجتمع عليه الكلاب. وابن ~~آوى منذ كان إلى اليوم نافع، وكان محتملا لكل ضرر في جنب منفعة تصل إليك، ~~ولكل عناء يكون لك فيه راحة، ولم يطوى دونك سرا. # فبينما أم الأسد تقص عليه هذه المقالة، إذ دخل على الأسد بعض ثقاته، ~~فأخبره ببراءة ابن آوى. فقالت أم الأسد، بعد أن اطلع الملك على براءة ابن ~~آوى: إن الملك حقيق ألا يرخص لمن سعى به لئلا يتجرءوا إلى ما هو أعظم ms124 من ~~ذلك بل يعاقبهم عليه لكي لا يعودوا إلى مثله: فأنه لا ينبغي للعاقل أن ~~يراجع في أمر الكفور للحسنى، الجريء على الغدر، الزاهد في الخير الذي لا ~~يوقن بالآخرة. وينبغي أن يجزى بعمله، وقد عرفت سرعة الغضب وفرط الهفوة، ومن ~~سخط باليسير لم يبلغ رضاه بالكثير. والأولى لك أن تراجع ابن آوى، # PageV01P271 # وتعطف عليه، ولا يوئسنك من مناصحته ما فرط منك إليه من الإساءة: فإن من ~~الناس من لا ينبغي تركه على حال من الأحوال، وهو من عرف بالصلاح والكرم ~~وحسن العهد والشكر والوفاء والمحبة للناس والسلامة من الحسد والبعد من ~~الأذى والاحتمال للإخوان والأصحاب وإن ثقلت عليه منه المئونة. وأما من ~~ينبغي تركه فهو من عرف بالشراسة ولؤم العهد وقلة الشكر والوفاء والبعد من ~~الرحمة والورع، واتصف بالجحود لثواب الآخرة وعقابها. وقد عرفت ابن آوى ~~وجربته وأنت حقيق بمواصلته. فدعى الأسد بابن آوى وأعتذر إليه مما كان منه ~~ووعده خيرا، وقال: إني معتذر إليك ورادك إلى منزلتك. فقال ابن آوى: إن شر ~~الأخلاء من التمس منعة نفسه بضر أخيه، ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه، أو ~~كان يريد أن يرضيه بغير الحق لأجل إتباع هواه. وكثيرا ما يقع ذلك بين # PageV01P272 # الأخلاء. وقد كان من الملك إلى ما علم فلا يغلظن على نفسه ما اخبره به ~~إني به غير واثق، وإنه لا ينبغي لي أن أصحبه: فإن الملوك لا ينبغي أن ~~يصحبوا من عاقبوه أشد العقاب، ولا ينبغي لهم أن يرفضوه أصلا: فإن ذا ~~السلطان إذا عزل كان مستحقا للكرامة في حالة إبعاده والإقصاء له. فلم يلتفت ~~الأسد إلى كلامه. ثم قال له: إني قد بلوت طباعك وأخلاقك، وجربت أمانتك ~~ووفاءك وصدقك، وعرفت كذب من تمحل الحيلة لتحملي عليك. وإني منزلك من نفسي ~~منزلة الأخيار الكرماء، والكريم تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان، الخلال ~~الكثيرة من الإساءة. وقد عدنا إلى الثقة بك، فعد إلى الثقة بنا: فإن لنا ~~ولك بذلك غطة وسرورا. فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان ms125 يلي، وضاعف له الملك ~~الكرامة، ولم تزده الأيام إلا تقربا من السلطان. # PageV01P273 ### | باب إيلاذ وبلاذ وايراخت # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل، فاضرب لي مثلا في ~~الأشياء التي يجب على الملك أن يلزم بها نفسه، ويحفظ ملكه ويثبت سلطانه، ~~ويكون ذلك رأس أمره وملاكه: أبالحلم أم بالمروءة أم بالشجاعة أم بالجود؟ ~~قال بيدبا: إن أحق ما يحفظ به الملك ملكه الحلم، وبه تثبت السلطنة، والحلم ~~رأس الأمور وملاكها، وأجود ما كان في الملوك: كالذي زعموا من أنه كان ملك ~~يدعى بلاذ، وكان له وزير يدعى إيلاذ. وكان متعبدا ناسكا. فنام الملك ذات ~~ليلة، فرأى في منامه ثمانية أحلام أفزعته، فاستيقظ مرعوبا. فدعا البراهمة، ~~وهم النساك ليعبروا رؤياه. فلما حضروا بين يديه قص عليهم ما رأى. فقالوا ~~بأجمعهم: لقد رأى الملك عجبا فإن أمهلتنا سبعة أيام جئناه بتأويله. قال ~~الملك: قد أمهلتكم فخرجوا من عنده # PageV01P274 # ثم اجتمعوا في منزل أحدهم وأتمروا بينهم. وقالوا: قد وجدتم علما واسعا ~~تدركون به ثأركم وتنقمون به من عدوكم، وقد علمتم أنه قتل منا بالأمس اثنى ~~عشر ألفا. وها هو قد أطلعنا على سره وسألناه تفسير رؤياه: فهلم نغلظ له ~~القول ونخوفه حتى يحمله الفرق والجزع على أن يفعل الذي نريد ونأمر. فنقول: ~~ادفع إلينا أحباءك ومن يكرم عليك حتى نقتلهم: فإن قد نظرنا في كتابنا فلم ~~نر أن يدفع عنك ما رأيت لنفسك وما وقعت فيه من هذا للشر إلا بقتل من نسمي ~~لك فإن قال الملك: وما تريدون أن تقتلوا؟ سموهم لي. قلنا نريد الملكة ~~ايراخت أم جوير المحمودة أكرم نسائك عليك. ونريد جوير أحب بنيك إليك ~~وأفضلهم عندك. ونريد ابن أخيك الكريم، وإيلاذ خليلك وصاحب أمرك. ونريد كالا ~~الكاتب صاحب سرك وسيفك الذي لا يوجد مثله والفيل الأبيض الذي لا تلحقه ~~الخيل والفرس الذي هو مركبك في القتال. ونريد الفيلين الآخرين العظيمين ~~الذين يكونان # PageV01P275 # مع الفيل الذكر. ونريد البختي السريع القوي. ونريد كباريون الحكيم الفاضل ~~العالم بالأمور لننتقم منه بما ms126 فعل بنا. ثم نقول: إنما ينبغي لك أيها الملك ~~أن تقتل هؤلاء الذين سميناهم لك، ثم تجعل دماءهم في حوض تملؤه، ثم تقعد ~~فيه. فإذا خرجت من الحوض اجتمعنا نحن معاشر البراهمة من الآفاق الأربعة ~~نجول حولك فنرقيك ونتفل عليك ونمسح عنك الدم ونغسلك بالماء والدهن الطيب. ~~ثم تقوم إلى منزلك البهي فيدفع الله بذلك البلاء الذي نتخوفه عليك. فإن ~~صبرت، أيها الملك، وطابت نفسك عن أحبائك الذين ذكرنا لك، وجعلتهم فداءك، ~~تخلصت من البلاء، واستقام لك ملكك وسلطانك، واستخلفت من بعدهم من أحببت. ~~وإن أنت لم تفعل تخوفنا عليك أن يغضب ملكك أو تهلك. فإن هو أطاعنا فيما ~~نأمره قتلناه أي قتلة شئنا. فلما أجمعوا على ما أتمروا به رجعوا إليه في ~~اليوم السابع. وقالوا له: أيها الملك، إنا نظرنا في كتبنا في تفسير ما ~~رأيت، وفحصنا عن الرأي فيما بيننا. فلتكن لك أيها الملك الطاهر # PageV01P276 # الصالح الكرامة. ولسنا نقدر أن نعلمك بما رأينا إلا أن تخلو بنا. فأخرج ~~الملك من كان عنده وخلا بهم. فحدثوا بالذي ائتمروا به. فقال لهم: الموت خير ~~لي من الحياة إن أنا قتلت هؤلاء الذين هم عديل نفسي. وأنا ميت لا محالة، ~~والحياة قصيرة، ولست كل الدهر ملكا، وإن الموت عندي وفراق الأحباء سواء. ~~قال له البراهمة: إن أنت لم تغضب أخبرناك. فأذن لهم. # فقالوا: أيها الملك إنك لم تقل صوابا حين تجعل نفس غيرك أعز عندك من ~~نفسك. فاحتفظ بنفسك وملكك. واعمل هذا الذي لك فيه الرجاء العظيم على ثقة ~~ويقين. وقر عينا بملكك في وجوه أهل مملكتك الذين شرفت وكرمت بهم. ولا تدع ~~الأمر العظيم وتأخذ بالضعيف فتهلك نفسك إيثارا لمن تحب. واعلم أيها الملك ~~أن الإنسان إنما يحب الحياة محبة لنفسه. وأنه لا يحب من أحب من الأحباء إلا ~~ليتمتع بهم في حياته. وإنما قوام نفسك بعد الله تعالى بملكك. وإنك لم تنل ~~ملكك # PageV01P277 # إلا بالمشقة والعناء الكثير في الشهور والسنين. وليس ينبغي أن ترفضه ~~ويهون عليك. فاستمع كلامنا. فانظر ms127 لنفسك مناها، ودع ما سواها: فإنه لا خطر ~~له. فلما رأى الملك أن البراهمة قد أغلظوا له في القول واجترءوا عليه في ~~الكلام اشتد غمه وحزنه. وقام من بين ظهرانيهم ودخل إلى حجرته فخر على وجهه ~~يبكي ويتقلب كما تتقلب السمكة إذا خرجت من الماء، وجعل يقول في نفسه: ما ~~أدري أي الأمرين أعظم في نفسي؟ المملكة أم قتل أحبائي؟ ولن أنال الفرح ما ~~عشت. وليس ملكي بباق علي إلى الأبد. ولست بالمصيب سؤلي في ملكي. وإني لزاهد ~~في الحياة إذا لم أرى إيراخت. وكيف أقدر على القيام بملكي إذا هلك وزيري ~~إيلاذ؟ وكيف أضبط أمري إذا هلك فيلي الأبيض وفرسي الجواد؟ وكيف أدعى ملكا ~~وقد قتلت من أشار البراهمة بقتله؟ وما أصنع بالدنيا بعدهم؟ ثم إن الحديث ~~فشا في الأرض بحزن الملك وهمه. فلما رأى # PageV01P278 # إيلاذ ما نال الملك من الهم والحزن فكر بحكمته ونظر وقال: ما ينبغي لي أن ~~أستقبل الملك فأسأله عن هذا الأمر الذي قد ناله من غير أن يدعوني. ثم انطلق ~~إلى إيراخت فقال: إني منذ خدمت الملك إلى الآن لم يعمل عملا إلا بمشورتي ~~ورأيي. وأراه يكتم عني أمرا لا أعلم ما هو. ولا أراه يظهر منه شيئا. وإني ~~رأيته خاليا مع الجماعة البرهميين منذ ليال. وقد احتجب عنا فيها. وأنا خائف ~~أن يكون قد أطلعهم على شيء من أسراره. فلست آمنهم أن يشيروا عليه بما يضره ~~ويدخل عليه منه السوء. فقومي وادخلي عليه فاسأليه عن أمره وشأنه. واخبريني ~~بما هو عليه وأعلميني: فإني لست أقدر على الدخول عليه. فلعل البرهميين قد ~~زينوا له أمرا أو حملوه على خطة قبيحة. وقد علمت أن من خلق الملك أنه إذا ~~غضب لا يسأل أحدا. وسواء عنده صغير الأمور وكبيرها. فقالت إيراخت: إنه كان ~~بيني وبين الملك بعض العتاب فلست بداخلة عليه بهذه الحال. فقال لها إيلاذ: ~~لا تحملي عليه الحقد في مثل هذا. ولا يخطرن ذلك # PageV01P279 # على بالك فليس يقدر على الدخول عليه أحد سواك. # وقد ms128 سمعته كثيرا يقول: ما أشتد غمي ودخلت علي إيراخت إلا سرى عني، فقومي ~~إليه واصفحي عنه. وكلميه بما تعلمين أنه تطيب به نفسه ويذهب الذي يجده. ~~وأعلميني بما يكون جوابه: فإنه لنا ولأهل المملكة أعظم الراحة. فانطلقت ~~إيراخت فدخلت على الملك فجلست عند رأسه. فقالت: ما الذي بك أيها الملك ~~المحمود؟ وما الذي سمعت من البراهمة؟ فإني أراك محزونا. فأعلمني ما بك، فقد ~~ينبغي لنا أن نحزن معك ونواسيك بأنفسنا. فقال الملك: أيتها السيدة لا ~~تسأليني عن أمري فتزيديني غما وحزنا: فإنه أمر لا ينبغي أن تسأليني عنه. ~~قالت: أو قد نزلت عندك منزلة من يستحق هذا؟ إنما أحمد الناس عقلا من إذا ~~نزلت به النازلة كان لنفسه أشد ضبطا، وأكثرهم استماعا من أهل النصح حتى ~~ينجو من تلك النازلة بالحيلة والعقل والبحث والمشاورة. فعظيم الذنب لا يقنط ~~من الرحمة. ولا تدخلن عليك شيئا من الهم والحزن. فإنهما لا يردان شيئا ~~مقضيا. إلا أنهما ينحلان # PageV01P280 # الجسم ويشفيان العدو. قال لها الملك: لا يسأليني عن شيء فقد شققت علي. ~~والذي تسألينني عنه لا خير فيه: لأن عاقبته هلاكي وهلاكك وهلاك كثير من أهل ~~مملكتي ومن هو عديل نفسي. وذاك أن البراهمة زعموا أنه لا بد من قتلك وقتل ~~كثير من أهل مودتي. ولا خير في العيش بعدكم. وهل أحد يسمع بهذا إلا اعتراه ~~الحزن؟. # فلما سمعت ذلك إيراخت جزعت. ومنعها عقلها أن تظهر للملك جزعا. فقالت: ~~أيها الملك لا تجزع فنحن لك الفداء. ولك في سواي ومثلي من الجواري ما تقر ~~به عينك. ولكني أطلب منك، أيها الملك، حاجة يحملني على طلبها حبي لك ~~وإيثاري إياك. وهي نصيحتي لك. قال الملك: وما هي؟ قالت: أطلب منك أن لا تثق ~~بعدها بأحد من البراهمة. ولا تشاورهم في أمر حتى تتثبت في أمرك. ثم تشاور ~~فيه ثقاتك مرارا: فإن القتل أمر عظيم، ولست تقدر على أن تحيي من # PageV01P281 # قتلت. وقد قيل في الحديث: إذا لقيت جوهرا لا خير فيه فلا تلقيه من يدك ms129 ~~حتى تريه من يعرفه. وأنت أيها الملك لا تعرف أعداءك. واعلم أن البراهمة لا ~~يحبونك. # وقد قتلت منهم بالأمس اثني عشر ألفا. ولا تظن أن هؤلاء ليسو من أولئك. ~~ولعمري ما كنت جديرا أن تخبرهم برؤياك، ولا أن تطلعهم عليها. وإنما قالوا ~~لك ما قالوا لأجل الحقد الذي بينك وبينهم: لعلهم يهلكونك ويهلكون أحباءك ~~ووزيرك: فيبلغوا قصدهم منك. فأظنك لو قبلت منهم فقتلت من أشاروا بقتله ~~ظفروا بك وغلبوك على ملكك، فيعود الملك إليهم كما كان. فانطلق إلى كباريون ~~الحكيم، فهو عالم فطن فاخبره عما رأيت في رؤياك واسأله عن وجهها وتأويلها. ~~فلما سمع الملك ذلك سرى عنه وما كان يجده من الغم. فأمر بفرسه فأسرج فركبه ~~ثم انطلق إلى كباريون الحكيم. فلما انتهى إليه نزل عن فرسه وسجد له، وقام ~~مطأطئا الرأس بين يديه. فقال له الحكيم: ما بالك أيها الملك؟ وما لي # PageV01P282 # أراك متغير اللون؟ فقال له الملك إني رأيت في المنام ثمانية أحلام ~~فقصصتها على البراهمة. وأنا خائف أن يصيبني من ذلك عظيم أمر مما سمعت من ~~تعبيرهم لرؤياي. وأخشى أن يغصب مني ملكي أو أن أغلب عليه. فقال له الحكيم: ~~إن شئت فاقصص رؤياك علي. فلما قص عليه الملك رؤياه. قال: لا يحزنك أيها ~~الملك هذا الأمر ولا تخف منه: أما السمكتان الحمراوان اللتان رأيتهما ~~قائمتين على أذنابهما فإنه يأتيك رسول من ملك نهاوند بعلبة فيها عقدان من ~~الدر والياقوت الأحمر، قيمتهما أربعة آلاف رطل من ذهب فيقوم بين يديك. وأما ~~الوزتان اللتان رأيتهما طارتا من وراء ظهرك فوقعتا بين يديك: فإنه يأتيك من ~~ملك بلخ فرسان ليس على الأرض مثلهما فيقومان بين يديك. وأما الحية التي ~~رأيتها تدب على رجلك اليسرى: فإنه يأتيك من ملك صنجين من يقوم بين يديك ~~بسيف خالص الحديد لا يوجد مثله. وأما الدم الذي رأيت كأنه خضب به جسدك: ~~فإنه يأتيك من ملك كازرون من يقوم بين يديك بلباس معجب يسمى حلة # PageV01P283 # أرجوان يضيء في الظلمة. وأما ما رأيت من ms130 غسلك جسمك بالماء: فإنه يأتيك من ~~ملك رهزين من يقوم بين يديك بثياب كتان من لباس الملوك. وأما ما رأيت من ~~أنك على جبل أبيض: لا تلحقه الخيل. وأما ما رأيت على رأسك شبيها بالنار: ~~فإنه يأتيك من ملك أرزن من يقوم بين يديك بإكليل من ذهب مكلل بالدر ~~والياقوت. وأما الطير الذي رأيته ضرب رأسك بمنقاره: فلست مفسرا ذلك اليوم. ~~وليس بضارك، فلا توجلن منه. ولكن فيه بعض السخط والإعراض عمن تحبه: فهذا ~~تفسيره رؤياك أيها الملك، وأما هذه الرسل والبرد فإنهم يأتونك بعد سبعة ~~أيام جميعا فيقومون بين يديك. فلما سمع الملك ذلك سجد لكباريون ورجع إلى ~~منزله. # PageV01P284 # فلما كان بعد سبعة أيام جاءت البشائر بقدوم الرسل فخرج الملك فجلس على ~~التخت، وأذن للأشراف، وجاءته الهدايا كما اخبره كباريون الحكيم. فلما رأى ~~الملك ذلك اشتد عجبه وفرحه من علم كباريون. وقال: ما وفقت حين قصصت رؤياي ~~على البراهمة فأمروني بما أمروني به. ولولا أن الله تعالى تداركني برحمته ~~لكنت قد هلكت وأهلكت؛ وكذلك لا ينبغي لكل أحد أن يسمع إلا من الأخلاء ذوي ~~العقول. وإن إيراخت أشارت بالخير فقلبته. ورأيت به النجاح. فضعوا الهدية ~~بين يديها لتأخذ منها ما اختارت. ثم قال لإيلاذ: خذ الإكليل واحملها ~~واتبعني بها إلى مجلس النساء. ثم إن الملك دعا إيراخت وحورقناه أكرم نسائه ~~بين يديه. فقال لإيلاذ: ضع الكسوة والإكليل بين يدي إيراخت لتأخذ أيها ~~شاءت. فوضعت الهدايا بين يدي إيراخت. فأخذت منها الإكليل، وأخذت حورقناه ~~كسوة من أفخر الثياب وأحسنها. وكان من عادة الملك أن يكون ليلة عند # PageV01P285 # إيراخت وليلة عند حورقناه. وكان من سنة الملك أن تهيء له المرأة التي ~~يكون عندها في ليلتها أرزا بحلاوة فتطعمه إياه. فأتى الملك إيراخت في ~~نوبتها. وقد صنعت له أرزا. فدخلت عليه بالصحفة والإكليل على رأسها. فعلمت ~~حورقناه بذلك فغارت من إيراخت. فلبست تلك الكسوة. ومرت بين يدي الملك وتلك ~~الثياب تضيء عليها مع نور وجهها كما تضيء الشمس. فلما رآها الملك أعجبته. ms131 ~~ثم التفت إلى إيراخت فقال: إنك جاهلة حين أخذت الإكليل وتركت الكسوة إلي ~~ليس في خزائننا مثلها. فلما سمعت إيراخت مدح الملك لحورقناه وثناءه عليها ~~وتجهيلها هي وذم رأيها أخذها من ذلك الغيرة والغيظ. فضربت بالصحفة رأس ~~الملك. فسال الأرز على وجهه. فقام الملك من مكانه ودعا بإيلاذ. فقال له: ~~ألا ترى، وأنا ملك العالم، كيف حقرتني هذه الجاهلة، وفعلت بي ما ترى؟ ~~فانطلق بها فاقتلها ولا ترحمها. فخرج إيلاذ من عند الملك وقال: لا أقتاها ~~حتى يسكن عنه الغضب. فالمرأة عاقلة سديدة الرأي من الملكات # PageV01P286 # إلي ليس لها عديل في النساء. وليس الملك بصابر عنها. وقد خلصته من الموت، ~~وعملت أعمالا صالحة. ورجاؤنا فيها عظيم. ولست آمنة أن يقول: لم لم تؤخر ~~قتلها حتى تراجعني؟ فلست قاتلها حتى أنظر رأي الملك فيها ثانية: فإن رأيته ~~نادما حزينا على ما صنع جئت بها حية. وكنت قد عملت عملا عظيما. وأنجيت ~~إيراخت من القتل. وحفظت قلب الملك. واتخذت عند عامة الناس بذلك يدا. وإن ~~رأيته فرحا مستريحا مصوبا رأيه في الذي فعله وأمر به فقتلها لا يفوت. ثم ~~انطلق بها إلى منزله، ووكل بها خادما من أمنائه، وأمره بخدمتها وحراستها، ~~حتى ينظر ما يكون من أمرها وأمر الملك. ثم خضب سيفه بالدم ودخل على الملك ~~كالكئيب الحزين. فقال أيها الملك: إني قد أمضيت أمرك في إيراخت. فلم يلبث ~~الملك أن سكن عنه الغضب، وذكر جمال إيراخت وحسنها. واشتد أسفه عليها. وجعل ~~يعزي نفسه عنها. ويتجلد وهو مع ذلك يستحي أن يسأل إيلاذ: أحقا أمضى # PageV01P287 # أمره فيها أم لا؟ ورجا لما عرف من عقل إيلاذ ألا يكون قد فعل ذلك. ونظر ~~إليه إيلاذ بفضل عقله فعلم الذي به، فقال له: لا تهتم ولا تحزن أيها الملك: ~~فإنه ليس في الهم والحزن منفعة. ولكنهما ينحلان الجسم ويفسدانه. فاصبر أيها ~~الملك على ما لست بقادر عليه أبدا. وإن أحب الملك حدثته بحديث يسليه. قال: ~~حدثني. # قال إيلاذ: زعموا أن حمامتين ذكرا وأنثى ملا عشهما ms132 من الحنطة والشعير. ~~فقال الذكر للأنثى: إنا إذا وجدنا في الصحارى ما نعيش به فلسنا نأكل مما ~~هاهنا شيئا. فإذا جاء الشتاء ولم يكن في الصحارى شيء رجعنا إلى ما في عشنا ~~فأكلناه. فرضيت الأنثى بذلك. وقالت له: نعم ما رأيت. وكان ذلك الحب نديا ~~حين وضعاه في عشهما. فانطلق الذكر فغاب. فلما جاء الصيف يبس الحب وانضمر. ~~فلما رجع الذكر رأى الحب ناقصا. فقال لها: أليس كنا أجمعنا رأينا على ألا ~~نأكل منه شيئا؟ فلم أكلته؟ فجعلت تحلف أنها ما أكلت منه # PageV01P288 # شيئا. وجعلت تعتذر إليه. فلم يصدقها. وجعل ينقرها حتى ماتت. فلما جاءت ~~الأمطار ودخل الشتاء تندى الحب وامتلأ العش كما كان. فلما رأى الذكر ذلك ~~ندم. ثم اضطجع إلى جانب حمامته وقال: ما ينفعني الحب والعيش بعدك إذا طلبتك ~~فلم أجدك، ولم أقدر عليك، وإذا فكرت في أمرك وعلمت أني قد ظلمتك، ولا أقدر ~~على تدارك ما فات. ثم استمر على حزنه فلم يطعم طعاما ولا شرابا حتى مات إلى ~~جانبها. والعاقل لا يعجل في العذاب والعقوبة، ولا سيما من يخاف الندامة، ~~كما ندم الحمام الذكر. وقد سمعت أيضا أن رجلا دخل الجبل وعلى رأسه كارة من ~~العدس فوضع الكارة عن ظهره ليستريح. فنزل قرد من شجرة فأخذ ملء كفه من ~~العدس وصعد إلى الشجرة. فسقطت من يده حبة فنزل في طلبها فلم يجدها. وانتثر ~~ما كان في يده من العدس أجمع. وأنت أيضا أيها الملك عندك ستة عشر ألف امرأة ~~تدع أن تلهو بهن وتطلب التي لا تجد؟؟! فلما سمع # PageV01P289 # الملك ذلك خشي أن تكون إيراخت قد هلكت. فقال لإيلاذ: لم لا تأنيت وتثبت؟ ~~بل أسرعت عند سماع كلمة واحدة فتعلقت بها، وفعلت ما أمرتك به من ساعتك؟ قال ~~إيلاذ: إن الذي قوله واحد لا يختلف هو الله الذي لا تبديل لكلماته ولا ~~اختلاف لقوله. قال الملك: لقد أفسدت أمري وشددت حزني بقتل إيراخت. قال ~~إيلاذ: إثنان ينبغي لهما أن يحزنا: الذي يعمل الإثم في كل ms133 يوم، والذي لم ~~يعمل خيرا قط: لأن فرحهما في الدنيا ونعيمهما قليل. وندامتهما إذ يعاينان ~~الجزاء طويلة لا يستطاع إحصاؤها. قال الملك: لئن رأيت إيراخت حية لا أحزن ~~على شيء أبدا. قال إيلاذ: اثنان لا ينبغي لهما أن يحزنا: المجتهد في البر ~~كل يوم، والذي لم يأثم قط. قال الملك: ما أنا بناظر إلى إيراخت أكثر مما ~~نظرت قال إيلاذ: اثنان لا ينظران: الأعمى والذي لا عقل له. وكما أن العمى ~~لا ينظر السماء ونجومها وأرضها ولا ينظر القرب والبعد، كذلك الذي لا عقل له ~~لا يعرف الحسن من القبيح ولا المحسن من المسيء. قال الملك: لو رأيت إيراخت ~~لاشتد فرحي. قال إيلاذ: اثنان # PageV01P290 # هما الفرحان: البصير والعالم. فكما أن البصير يبصر أمور العالم وما فيه ~~من زيادة ونقصان والقريب والبعيد، فكذلك العالم يبصر البر والإثم، ويعرف ~~عمل الآخرة، ويتبين له نجاته، ويهتدي إلى صراط المستقيم. قال الملك: ينبغي ~~لنا أن نتباعد منك يإيلاذ ونأخذ الحذر ونلزم الاتقاء. قال إيلاذ: اثنان يجب ~~أن نتباعد منهما: الذي يقول لا بر ولا إثم ولا عقاب ولا ثواب ولا شيء على ~~مما أنا فيه، والذي لا يكاد فيه يصرف بصره عما ليس له بمحرم ولا أذنه عن ~~استماع السوء، ولا قلبه عما تهم به نفسه من الإثم والحرص. قال الملك: صارت ~~يدي من إيراخت صفرا. قال إيلاذ: ثلاثة أشياء أصفار: النهر الذي ليس فيه ~~ماء، والأرض التي ليس فيها ملك، والمرأة التي ليس لها بعل، قال الملك: إنك ~~يا إيلاذ لتلقي الجواب. قال إيلاذ: ثلاثة يلقون بالجواب: الملك الذي يعطي ~~ويقسم من خزائنه، والمرأة المهداة التي تهوى من ذوي الحسب، والرجل العالم ~~الموفق للخير. # PageV01P291 # ثم إن إيلاذ لما رأى الملك أشتد به الأمر، قال: أيها الملك إن إيراخت ~~بالحياة. فلما سمع الملك ذلك اشتد فرحه. وقال يإيلاذ: إنما منعني من الغضب ~~ما أعرف من نصيحتك وصدق حديثك. وكنت أرجو لمعرفتي بعلمك ألا تكون قد قتلت ~~إيراخت. فإنها وإن كانت أتت عظيما وأغلظت في ms134 القول فلم تأته عداوة ولا طلب ~~مضرة، ولكنها فعلت ذلك للغيرة. وقد كان ينبغي لي أن أعرض عن ذلك وأتحمله، ~~ولكنك يا إيلاذ أردت أن تختبرني وتتركني في شك من أمرها. وقد أخذت عندي ~~أفضل الأيدي. وأنا لك شاكر. فانطلق فأتني بها. فخرج من عند الملك فأتي ~~إيراخت وأمرها أن تتزين ففعلت ذلك. وانطلق بها إلى الملك. فلما دخلت سجدت ~~له. ثم قامت بين يديه. وقالت: أحمد الله تعالى ثم أحمد الملك الذي أحسن ~~إلي: قد أذنبت الذنب العظيم الذي لم أكن للبقاء أهلا بعده، فوسعه حلمه وكرم ~~طبعه ورأفته، ثم أحمد إيلاذ الذي آخر أمري، وأنجاني من الهلكة، # PageV01P292 # لعلمه برأفة الملك وسعة حلمه وجوده وكرم جوهره ووفاء عهده. وقال الملك ~~لإيلاذ: ما أعظم يدك عندي وعند إيراخت وعند العامة: إذ قد أحييتها بعد ما ~~أمرت بقتلها: فأنت الذي وهبتها لي اليوم: فإني لم أزل واثقا بنصيحتك ~~وتدبيرك. وقد ازددت اليوم عندي كرامة وتعظيما. وأنت محكم في ملكي تفعل فيه ~~بما ترى، وتحكم عليه بما تريد. فقد جعلت ذلك إليك ووثقت بك. قال إيلاذ: ~~أدام الله لك أيها الملك الملك والسرور. فلست بمحمود على ذلك. فإنما أنا ~~عبدك. لكن حاجتي ألا يعجل الملك في الأمر الجسيم الذي يندم على فعله، وتكون ~~عاقبته الغم والحزن. ولا سيما في مثل هذه الملكة الناصحة المشفقة التي لا ~~يوجد في الأرض مثلها: فقال الملك بحق قلت يا إيلاذ، وقد قبلت قولك، ولست ~~عاملا بعدها عملا صغيرا ولا كبيرا، فضلا عن مثل هذا الأمر العظيم الذي ما ~~سلمت منه، إلا بعد المؤامرة والنظر والتردد إلى ذوي العقول ومشاورة أهل ~~المودة # PageV01P293 # والرأي. ثم أحسن الملك جائزة لإيلاذ، ومكنه من أولئك البراهمة الذين ~~أشاروا بقتل أحبائه فأطلق فيهم السيف، وقرت عين الملك وعيون عظماء أهل ~~مملكته، وحمدوا الله وأثنوا على كباريون بسعة علمه وفضل حكمته: لأنه بعلمه ~~خلص الملك ووزيره الصالح وامرأته الصالحة. ### | باب اللبوة والإسوار والشغبر # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب ms135 لي مثلا في ~~شأن من يدع ضر غيره إذا قدر عليه لما يصيبه من الضر، ويكون له فيما ينزل به ~~واعظ وزاجر عن ارتكاب الظلم والعداوة لغيره. قال الفيلسوف: إنه لا يقدم على ~~طلب ما يضر الناس وما يسوءهم إلا أهل الجهالة والسفه وسوء النظر في العواقب ~~من أمور الدنيا والآخرة، وقلة العلم # PageV01P294 # بما يدخل عليهم في ذلك من حلول النقمة، وبما يلزمهم من تبعة ما اكتسبوا ~~مما لا تحيط به العقول. وإن سلم بعضهم من ضرر بعض بمنية عرضت له قبل أن ~~ينزل به وبال ما صنع: فإن من لم يفكر في العواقب لم يأمن المصائب، وحقيق ~~ألا يسلم من المعاطب. وربما اتعظ الجاهل واعتبر بما يصيبه من المضرة من ~~غيره، فارتدع عن أن يغشى أحدا بمثل ذلك من الظلم والعدوان، وحصل له نفع ما ~~كف عنه من ضرر لغيره في العاقبة، فنظير ذلك حديث اللبوة والإسوار والشغبر. ~~قال الملك: وكيف كان ذلك؟ # قال الفيلسوف: زعموا أن لبؤة كانت في غيضة، ولهما شبلان، وأنها خرجت قي ~~طلب الصيد وخلفتهما في كهفهما، فمر بهما إسوار فحمل عليهما ورماهما ~~فقتلهما، وسلخ جلديهما فاحتقبهما، وانصرف بهما إلى منزله، ثم إنها رجعت. ~~فلما رأت ما حل بهما من الأمر الفظيع اضطربت ظهرا لبطن وصاحت # PageV01P295 # وضجت. وكان إلى جانبها شغبر. فلما سمع ذلك من صياحها قال لها: ما هذا ~~الذي تصنعين؟ وما نزل بك؟ فأخبريني به. قالت اللبؤة شبلاي مر بهما إسوار ~~فقتلهما، وسلخ جلديهما فاحتقبهما، ونبذهما بالعراء. قال لها شغبر: لا تضجي ~~وأنصفي من نفسك، واعلمي أن هذا الإسوار لم يأت إليك شيئا إلا وقد كنت ~~تفعلين بغيرك مثله، وتأتين إلى غير واحد مثل ذلك، ممن كان يجد بحميمه ومن ~~يعز عليه مثل ما تجدين بشبليك. فاصبري على فعل غيرك كما صبر غيرك على فعلك: ~~فإنه قد قيل: كما تدين تدان. ولكل عمل ثمرة من الثواب والعقاب. وهما على ~~قدره في الكثرة والقلة. كالزرع إذا حضر الحصاد أعطى على حسب بذره. قالت ~~اللبؤة: ms136 بين لي ما تقول، وأفصح لي عن إشارته. قال الشغبر: كم أتى لك من ~~العمر؟ قالت اللبؤة: مائة سنة. قال الشغبر: ما كان قوتك؟ قالت اللبؤة: لحم ~~الوحش. قال الشغبر: من كان # PageV01P296 # يطعمك إياه؟ قالت اللبؤة: كنت أصيد الوحش وآكله. قال الشغبر: أرأيت الوحش ~~التي كنت تأكلين، أما كان لها آباء وأمهات؟ قالت: بلى. قال الشغبر: فما ~~بالي لا أرى ولا أسمع لتلك الآباء والأمهات من الجزع والضجيج ما أرى وأسمع ~~لك؟ أما أنه لم ينزل بك ما نزل إلا لسوء نظرك في العواقب وقلة تفكيرك فيها، ~~وجهالتك بما يرجع عليك من ضرها. فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الشغبر عرفت ~~أن ذلك مما جنت على نفسها، وأن عملها كان جورا وظلما، فتركت الصيد، وانصرفت ~~عن أكل اللحم إلى الثمار والمسك والعبادة. فلما رأى ذلك ورشان الذي كان ~~صاحب تلك الغيضة وكان عيشه من الثمار. قال لها: قد كنت أظن أن الشجرة عامنا ~~هذا لم تحمل: لقلة الماء، فلما أبصرتك تأكلينها، وأنت آكلة اللحم، فتركت ~~رزقك وطعامك وما قسم الله لك، # PageV01P297 # وتحولت إلى رزق غيرك فانتقصته، ودخلت عليه فيه؛ علمت أن الشجر العام ~~أثمرت كما كانت تثمر قبل اليوم، وإنما أتت قلة الثمر من جهتك. فويل للشجر ~~وويل للثمار وويل لمن عيشه منها! ما أسرع هلاكهم إذا دخل عليهم في أرزاقهم، ~~وغلبهم عليها من ليس له فيها حظ ولم يكن معتادا لأكلها! فلما سمعت اللبؤة ~~ذلك من كلام الورشان تركت أكل الثمار وأقبلت على أكل الحشيش والعبادة. ~~وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الجاهل ربما انصرف بضر يصيبه عن ضر ~~الناس، كاللبؤة التي انصرفت لما لقيت في شبليها عن أكل اللحم ثم عن أكل ~~الثمار بقول الورشان، وأقبلت على النسك والعبادة. والناس أحق بحسن النظر في ~~ذلك: فإنه قد قيل: ما لا ترضاه لنفسك لا تصنعه لغيرك: فإن في ذلك العدل: ~~وفي العدل رضا الله تعالى ورضا الناس. # PageV01P298 ### | باب الناسك والضيف # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا ms137 المثل. فاضرب لي مثل الذي ~~يدع صنعه الذي يليق به ويشاكله، ويطلب غيره فلا يدركه: فيبقى حيران مترددا. ~~قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض الكرخ ناسك عابد مجتهد. فنزل به ضيف ذات ~~يوم، فدعا الناسك لضيفه بتمر: ليطرفه به. فأكلا منه جميعا. ثم قال الضيف: ~~ما أحلى هذا التمر وأطيبه! فليس هو في بلادي التي أسكنها، وليته كان فيها! ~~ثم قال: أرى أن تساعدني على أن آخذ منه ما أغرسه في أرضنا: فإني لست عارفا ~~بثمار أرضكم، هذه ولا بمواضعها. فقال له الناسك: ليس لك في ذلك راحة: فإن ~~ذلك يثقل عليك. ولعل ذلك لا يوافق أرضكم، مع أن بلادكم كثيرة الأثمار فما ~~حاجتها مع كثرة ثمارها إلى التمر مع وخامته وقلة موافقته للجسد؟ ثم قال له ~~الناسك: إنه لا يعد حكيما من طلب ما لا يجد. وإنك سعيد الجد إذا قنعت بالذي ~~تجد، وزهدت فيها لا تجد. وكان هذا الناسك يتكلم # PageV01P299 # بالعبرانية. فاستحسن الضيف كلامه وأعجبه، فتكلف أن يتعلمه؛ وعالج في ذلك ~~نفسه أياما. فقال الناسك لضيفه: ما أخلقك أن تقع مما تركت من كلامك، وتكلفت ~~من كلام العبرانية، في مثل ما وقع فيه الغراب! قال الضيف: وكيف كان ذلك؟ # قال الناسك: زعموا أن غرابا رأى حجلة تدرج وتمشي، فأعجبته مشيتها، وطمع ~~أن يتعلمها. فراض على ذلك نفسه، فلم يقدر على إحكامها، وأيس منها، وأراد أن ~~يعود إلى مشيته التي كان عليها: فإذا هو قد اختلط وتخلع في مشيته، وصار ~~أقبح الطير مشيا. وإنما ضربت لك هذا المثل لما رأيت من أنك تركت لسانك الذي ~~طبعت عليه، وأقبلت على لسان العبرانية، وهو لا يشاكلك، وأخاف ألا تدركه، ~~وتنسى لسانك، وترجع إلى أهلك وأنت شرهم لسانا: فإنه قد قيل: إنه يعد جاهلا ~~من تكلف من الأمور ما لا يشاكله، وليس من عمله ولم يؤدبه عليه آباؤه ~~وأجداده من قبل. # PageV01P300 ### | باب السائح والصائغ # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثلا في ~~شأن الذي يضع المعروف في ms138 غير موضعه، ويرجو الشكر عليه. قال الفيلسوف: أيها ~~الملك إن طبائع الخلق مختلفة. وليس مما خلقه الله في الدنيا مما يمشي على ~~أربع أو على رجلين أو يطير بجناحين شيء هو أفضل من الإنسان، ولكن من الناس ~~البر والفاجر. وقد يكون في بعض البهائم والسباع والطير ما هو أوفى منه ذمة، ~~وأشد محاماة على حرمه، وأشكر للمعروف، وأقوم به، وحينئذ يجب على ذوي العقل ~~من الملوك وغيرهم أن يضعوا معروفهم مواضعه ولا يضعوه عند من لا يحتمله. ولا ~~يقوم بشكره، ولا يصطنع أحدا إلا بعد الخبرة بطرائقه، والمعرفة بوفائه ~~ومودته وشكره. ولا ينبغي أن يختصوا بذلك قريبا لقرابته، إذا كان غير محتمل ~~للصنيعة، ولا أن يمنعوا معروفهم ورفدهم للبعيد، إذا كان يقيهم بنفسه وما ~~يقدر عليه: لأنه يكون # PageV01P301 # حينئذ عارفا بحق ما اصطنع إليه مؤديا لشكر ما أنعم عليه، محمودا بالنصح ~~معروفا بالخير، صدوقا عارفا، مؤثرا لحميد الفعال والقول. وكذلك كل من عرف ~~بالخصال المحمودة ووثق منه بها، كان للمعروف موضعا، ولتقريبه واصطناعه ~~أهلا: فإن الطيب الرفيق العاقل لا يقدر إلى مداواة المريض إلا بعد النظر ~~إليه والجس لعروقه ومعرفة طبيعته وسبب علته، فإذا عرف ذلك كله حق معرفته ~~أقدم على مداواته. فكذلك العاقل: لا ينبغي له أن يصطفي أحدا، ولا يستخلصه ~~إلا بعد الخبرة: فإن من أقدم على مشهور العدالة من غير اختبار كان مخاطرا ~~في ذلك ومشرفا منه على هلاك وفساد. ومع ذلك ربما صنع الإنسان المعروف مع ~~الضعيف الذي لم يجرب شكره، ولم يعرف حاله في طبائعه فيقوم بشكر ذلك ويكافئ ~~عليه أحسن المكافأة. وربما حذر العاقل الناس ولم يأمن على نفسه أحدا منهم. # PageV01P302 # وقد يأخذ ابن عرس فيدخله في كمه ويخرجه من الآخر، كالذي يحمل الطائر على ~~يده، فإذا صاد شيئا انتفع به، ومطعمه منه. وقد قيل: لا ينبغي لذي العقل أن ~~يحتقر صغيرا ولا كبيرا من الناس ولا من البهائم، ولكنه جدير بأن يبلوهم، ~~ويكون ما يصنع إليهم على قدر ما يرى منهم. وقد مضى ms139 في ذلك مثل ضربه بعض ~~الحكماء. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الفيلسوف: زعموا أن جماعة احتفروا ~~ركية فوقع فيها رجل صائغ وحية وقرد وببر، ومر بهم رجل سائح فأشرف على ~~الركية، فبصر بالرجل والحية والببر والقرد ففكر في نفسه، وقال: لست أعمل ~~لآخرتي عملا أفضل من أن أخلص هذا الرجل من بين هؤلاء الأعداء. فأخذ حبلا ~~وأدلاه إلى البئر فتعلق به القرد لخفته فخرج. ثم دلاه ثانية، فالتفت به ~~الحية فخرجت. ثم دلاه ثالثا فتعلق به الببر فأخرجه. فشكرن له صنيعه. وقلن ~~له: لا تخرج هذا الرجل # PageV01P303 # من الركية: فإنه ليس شيء أقل شكرا من الناس ثم هذا الرجل خاصة. ثم قال له ~~القرد: إن منزلي في جبل قريب من مدينة يقال لها: نوادرخت. فقال له الببر: ~~أنا أيضا في أجمة إلى جانب تلك المدينة. قالت الحية: أنا أيضا في سور تلك ~~المدينة. فإن أنت مررت بنا يوما من الدهر، واحتجت إلينا فصوت علينا حتى ~~نأتيك فنجزيك بما أسديت إلينا من معروف. فلم يلتفت السائح إلى ما ذكروا له ~~من قلة شكر الإنسان، وأدلى الحبل، فأخرج الصائغ، فسجد له، وقال له: لقد ~~أوليتني معروفا. فإن أتيت يوما من الدهر لمدينة نوادرخت فاسأل عن منزلي: ~~فأنا رجل صائغ لعلي أكافئك بما صنعت إلي من معروف. فانطلق إلى مدينته ~~وانطلق السائح إلى جانبه. فعرض بعد ذلك أن السائح اتفقت له الحاجة إلى تلك ~~المدينة، فانطلق، فاستقبله القرد، فسجد له وقبل رجليه. واعتذر إليه، وقال: ~~إن القرود لا يملكون شيئا، ولكن اقعد حتى آتيك. وانطلق القرد، وآتاه بفاكهة # PageV01P304 # طيبة، فوضعها بين يديه، فأكل منها حاجته. ثم إن السائح انطلق حتى دنا من ~~باب المدينة فاستقبله الببر، فخر له ساجدا وقال له: إنك قد أوليتني معروفا. ~~فاطمئن ساعة حتى آتيك. فانطلق الببر فدخل في بعض الحيطان إلى بنت الملك ~~فقتلها، وأخذ حليها، فأتاه بها، من غير أن يعلم السائح من أين هو. فقال في ~~نفسه: هذه البهائم قد أولتني هذا الجزاء، فكيف لو ms140 قد أتيت إلى الصائغ فأنه ~~إن كان معسرا لا يملك شيئا فسيبيع هذا الحلي فيستوفي ثمنه. فيعطيني بعضه، ~~ويأخذ بعضه، وهو أعرف بثمنه. فانطلق السائح فأتى إلى الصائغ. فلما رآه رحب ~~به وأدخله إلى بيته. فلما بصر بالحلي معه، عرفه وكان هو الذي صاغه لابنة ~~الملك. # فقال للسائح: اطمئن حتى آتيك بطعام فلست أرضى لك ما في البيت. ثم خرج وهو ~~يقول: قد أصبت فرصتي: أريد أن أنطلق إلى الملك وأدله على ذلك، فتحسن منزلتي ~~عنده. فانطلق إلى باب الملك، فأرسل # PageV01P305 # إليه: إن الذي قتل ابنتك وأخذ حليها عندي. فأرسل الملك وأتى بالسائح فلما ~~نظر الحلي معه لم يمهله، وأمر به أن يعذب ويطاف به في المدينة، ويصلب. فلما ~~فعلوا به ذلك جعل السائح يبكي ويقول بأعلى صوته: لو أني أطعت القرد والحية ~~والببر فيما أمرنني به وأخبرنني من قلة شكر الإنسان لم يصر أمري إلى هذا ~~البلاء، وجعل يكرر هذا القول. فسمعت مقالته تلك الحية فخرجت من جحرها ~~فعرفته، فاشتد عليه أمره، فجعلت تحتال في خلاصه. فانطلقت حتى لدغت ابن ~~الملك، فدعى الملك أهل العلم فرقوه ليشفوه فلم يغنوا عنه شيئا. ثم مضت ~~الحية إلى أخت لها من الجن، فأخبرتها بما صنع السائح إليها من المعروف، وما ~~وقع فيه. فرقت له، وانطلقت إلى ابن الملك، وتخايلت له. وقالت له: إنك لا ~~تبرأ حتى يرقيك هذا الرجل الذي قد عاقبتموه ظلما. وانطلقت الحية إلى السائح ~~فدخلت عليه السجن، وقالت له: هذا الذي كنت نهيتك عنه من اصطناع المعروف إلى ~~هذا الإنسان: ولم تطعني. وأتته بورق ينفع # PageV01P306 # من سمها. وقالت له: إذا جاءوا بك لترقي ابن الملك فاسقه من ماء هذا ~~الورق: فإنه يبرأ. وإذا سألك الملك عن حالك فاصدقه: فإنك تنجوا إن شاء الله ~~تعالى. وإن ابن الملك أخبر الملك أنه سمع قائلا يقول: إنك لن تبرأ حتى ~~يرقيك هذا السائح الذي حبس ظلما. فدعا الملك السائح، وأمره أن يرقي ولده. ~~فقال: لا أحسن الرقي، ولكن اسقه من ماء هذه ms141 الشجرة فيبرأ بإذن الله تعالى. ~~فسقاه فبرئ الغلام. ففرح الملك بذلك: وسأله عن قصته، فأخبره. فشكره الملك، ~~وأعطاه عطية حسنة، وأمر بالصائغ أن يصلب. فصلبوه لكذبه وانحرافه عن الشكر ~~ومجازاته الفعل الجميل بالقبيح. ثم قال الفيلسوف للملك: ففي صنيع الصائغ ~~بالسائح، وكفره له بعد استنقاذه إياه، وشكر البهائم له، وتخليص بعضها إياه، ~~عبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر، وأدب في وضع المعروف والإحسان عند أهل ~~الوفاء والكرم، قربوا أو بعدوا لما في ذلك من صواب الرأي وجلب الخير وصرف ~~المكروه. # PageV01P307 ### | باب ابن الملك وأصحابه # قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فإن كان الرجل لا ~~يصيب الخير إلا بعقله ورأيه وتثبته في الأمور كما يزعمون، فما بال الرجل ~~الجاهل يصيب البلاء والضر؟. قال بيدبا: كما أن الإنسان لا يبصر إلا بعينيه ~~ولا يسمع إلا بأذنيه، كذلك العمل، إنما هو بالحلم والعقل والتثبت، غير أن ~~القضاء والقدر يغلبان على ذلك. ومثل ذلك مثل ابن الملك وأصحابه. قال الملك: ~~وكيف كان ذلك؟ قال الفيلسوف: زعموا أن أربعة نفر اصطحبوا في طريق واحدة، ~~أحدهم ابن الملك والثاني ابن تاجر والثالث ابن شريف ذو جمال والرابع ابن ~~أكار. وكانوا جميعا محتاجين، # PageV01P308 # وقد أصابهم ضرر وجهد شديد في موضع غربة لا يملكون إلا ما عليهم من ~~الثياب. فبينما هم يمشون إذ فكروا في أمرهم وكان كل إنسان منهم راجعا إلى ~~طباعه وما كان يأتيه منه الخير: قال ابن الملك: إنما أمر الدنيا كله ~~بالقضاء والقدر، والذي قدر على الإنسان يأتيه على كل حال، والصبر للقضاء ~~والقدر وانتظارهما أفضل الأمور وقال ابن التاجر: العقل أفضل من كل شيء وقال ~~ابن الشريف: الجمال أفضل مما ذكرتم. # ثم قال ابن الأكار: ليس في الدنيا أفضل من الاجتهاد في العمل فلما قربوا ~~من مدينة يقال لها مطرون، جلسوا في ناحية منها يتشاورون: فقالوا لابن ~~الأكار: انطلق فاكتسب لنا باجتهادك طعاما ليومنا هذا. فانطلق ابن الأكار، ~~وسأل عن عمل إذا عمله الإنسان يكتسب فيه طعام أربعة نفر فعرفوه ms142 أنه ليس في ~~تلك المدينة شيء أعز من الحطب، وكان الحطب منها على فرسخ. فانطلق ابن ~~الأكار فاحتطب طنا من الحطب، وأتى به المدينة # PageV01P309 # فباعه بدرهم واشترى به طعاما وكتب على باب المدينة: عمل يوم واحد إذا ~~أجهد فيه الرجل بدنه قيمته درهم. ثم انطلق إلى أصحابه بالطعام فأكلوا. فلما ~~كان من الغد: قالوا ينبغي للذي قال إنه ليس شيء أعز من الجمال أن تكون ~~نوبته. فانطلق ابن الشريف ليأتي المدينة، ففكر في نفسه وقال: أنا لست أحسن ~~عملا فما يدخلني المدينة؟ ثم استحيا أن يرجع إلى أصحابه بغير طعام، وهم ~~بمفارقتهم. فانطلق حتى أسند ظهره إلى شجرة عظيمة، فغلبه النوم فنام. فمر به ~~رجل من عظماء المدينة فراقه جماله وتوسم فيه شرف النجار فرق له ومنحه ~~خمسمائة درهم. فكتب على باب المدينة: جمال يوم واحد يساوي خمسمائة درهم. ~~وأتى بالدراهم إلى أصحابه. فلما أصبحوا في اليوم الثالث، قالوا لابن ~~التاجر: انطلق أنت فاطلب لنا بعقلك وتجارتك ليومنا هذا شيئا. فانطلق ابن ~~التاجر # PageV01P310 # فلم يزل حتى بصر بسفينة من سفن البحر كثيرة المتاع قد قدمت إلى الساحل، ~~فخرج إليها جماعة من التجار يريدون أن يبتاعوا مما فيها من المتاع. فجلسوا ~~يتشاورون في ناحية من المركب، وقال بعضهم لبعض: ارجعوا يومنا هذا لا نشتري ~~منهم شيئا حتى يكسد المتاع عليهم فيرخصوا علينا، مع أننا محتاجون إليه، ~~وسيرخص. فخالف الطريق وجاء إلى أصحاب المركب، فابتاع منهم ما فيه بمائة ألف ~~دينار نسيئة وأظهر أنه يريد أن ينقل متاعه إلى مدينة أخرى. فلما سمع التجار ~~ذلك خافوا أن يذهب ذلك المتاع من أيديهم، فأربحوه على ما اشتراه مائة ألف ~~درهم، وأحال عليهم أصحاب المركب بالباقي، وحمل ربحه إلى أصحابه وكتب على ~~باب المدينة: عقل يوم واحد ثمنه مائة ألف درهم. فلما كان اليوم الرابع ~~قالوا لابن الملك: انطلق أنت واكتسب لنا بقضائك وقدرك. # فانطلق ابن الملك حتى أتى إلى باب # PageV01P311 # لمدينة فجلس على متكأ في باب المدينة، واتفق أن ملك تلك الناحية مات ms143 ولم ~~يخلف ولدا ولا أحدا ذا قرابة. فمروا عليه بجنازة الملك ولم يحزنه وكلهم ~~يحزنون. فأنكروا حاله وشتمه البواب، وقال له: من أنت يا هذا؟ وما يجلسك على ~~باب المدينة ولا نراك تحزن لموت الملك؟ وطرده البواب عن الباب فلما ذهبوا ~~عاد الغلام فجلس مكانه. فلما دفنوا الملك ورجعوا بصر به البواب فغضب وقال ~~له: ألم أنهك عن الجلوس في هذا الموضع؟ وأخذه وحبسه. فلما كان الغد اجتمع ~~أهل تلك المدينة يتشاورون فيمن يملكونه عليهم، وكل منهم يتطاول ينظر صاحبه، ~~ويختلفون بينهم. فقال لهم البواب: إني رأيت أمس غلاما جالسا على الباب، ولم ~~أره يحزن لحزننا، فكلمته فلم يجبني، فطردته عن الباب. فلما عدت رأيته جالسا ~~فأدخلته السجن مخافة أن يكون عينا. فبعثت أشراف أهل المدينة إلى الغلام ~~فجاءوا به، وسألوه عن حاله، وما أقدمه # PageV01P312 # إلى مدينتهم. فقال: أنا ابن ملك فويران، وإنه لما مات والدي غلبني أخي ~~على الملك، فهربت من يده حذرا على نفسي حتى انتهيت إلى هذه الغاية. فلما ~~ذكر الغلام ما ذكره من أمره عرفه من كان يغشى أرض أبيه منهم، وأثنوا على ~~أبيه خيرا. ثم إن الأشراف اختاروا الغلام أن يملكوه عليهم ورضوا به. وكان ~~لأهل تلك المدينة سنة إذا ملكوا عليهم ملكا حملوه على فيل أبيض، وطافوا به ~~حوالي المدينة. فلما فعلوا به ذلك مر بباب المدينة فرأى الكتابة على الباب ~~فأمر أن يكتب: إن الاجتهاد والجمال والعقل وما أصاب الرجل في الدنيا من خير ~~أو شر إنما هو بقضاء وقدر من الله عز وجل. وقد ازددت في ذلك اعتبارا بما ~~ساق الله إلي من الكرامة والخير. ثم انطلق إلى مجلسه فجلس على سرير ملكه ~~وأرسل إلى أصحابه الذين كان معهم فأحضرهم فأشرك صاحب العقل مع الوزراء، وضم ~~صاحب الاجتهاد إلى أصحاب الزرع، # PageV01P313 # وأمر لصاحب الجمال بمال كثير ثم نفاه كي لا يفتتن به. ثم جمع علماء أرضه ~~وذوي الرأي منهم وقال لهم: أما أصحابي فقد تيقنوا أن الذي رزقهم الله ~~سبحانه وتعالى من ms144 الخير إنما هو بقضاء الله وقدره، وإنما أحب أن تعلموا ذلك ~~وتستيقنوه، فإن الذي منحني الله وهيأه لي إنما كان بقدر، ولم يكن بجمال ولا ~~عقل ولا اجتهاد. وما كنت أرجو إذ طردني أخي أن يصيبني ما يعيشني من القوت ~~فضلا عن أن أصيب هذه المنزلة، وما كنت أؤمل أن أكون بها: لأني قد رأيت في ~~هذه الأرض من هو أفضل مني حسنا وجمالا، وأشد اجتهادا وأسد رأيا، فساقني ~~القضاء إلى أن أعتززت بقدر من الله، وكان في ذلك الجمع شيخ فنهض حتى استوى ~~قائما، وقال: إنك قد تكلمت بكلام كامل عقل وحكمة، وإن الذي بلغ بك ذلك وفوز ~~عقلك وحسن ظنك، وقد حققت ظننا فيك ورجاءنا لك. وقد عرفنا ما ذكرت، # PageV01P314 # وصدقناك فيما وصفت. والذي ساق الله إليك من الملك والكرامة كنت أهلا له، ~~لما قسم الله تعالى لك من العقل والرأي. وإني أسعد الناس في الدنيا والآخرة ~~من رزقه الله رأيا وعقلا. # وقد أحسن الله إلينا إذ وفق لنا عند موت ملكنا وكرمنا بك. ثم قام شيخ آخر ~~سائح فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وقال: إني كنت أخدم وأنا غلام قبل أن ~~أكون سائحا، رجلا من أشراف الناس. فلما بدا لي رفض الدنيا فارقت ذلك الرجل، ~~وقد كان أعطاني من أجرتي دينارين، فأردت أن أتصدق بأحدهما، وأستبقي الآخر، ~~فأتيت السوق، فوجدت مع رجل من الصيادين زوج هدهد، فساومت فيهما فأبى الصياد ~~أن يبيعهما إلا بدينارين، فاجتهدت أن يبيعنيهما بدينار واحد فأبى. فقلت في ~~نفسي: أشتري أحدهما وأترك الآخر. ثم فكرت وقلت لعلهما يكونا زوجين ذكرا ~~وأنثى فأفرق بينهما، فأدركني لهما رحمة # PageV01P315 # فتوكلت على الله وابتعتهما بدينارين وأشفقت إن أرسلتهما في أرض عامرة أن ~~يصادا، ولا يستطيعا أن يطيرا مما لقيا من الجوع والهزال، ولم آمن عليهما ~~الآفات. فانطلقت بهما إلى مكان كثير المرعى والأشجار بعيد عن الناس ~~والعمران، فأرسلتهما، فطارا ووقعا على شجرة مثمرة. فلما صارا في أعلاها ~~شكرا لي، وسمعت أحدهما يقول للآخر: لقد خلصنا هذا ms145 السائح من البلاء الذي ~~كنا فيه، واستنقذنا ونجانا من الهلكة. وإنا لخليقان أن نكافئه بفعله. وإن ~~في أصل هذه الشجرة جرة مملوءة دنانير. أفلا ندله عليها فيأخذها؟ فقلت لهما: ~~كيف تدلانني على كنز لم تره العيون وأنتما لم تبصرا الشبكة؟ فقالا: إن ~~القضاء إذا نزل صرف العيون عن موضع الشيء وغشى البصر وإنما صرف القضاء ~~اعيننا عن الشرك ولم يصرفها عن هذا الكنز. فاحتفرت واستخرجت البرنية وهي # PageV01P316 # مملوءة دنانير، فدعوت لهما بالعافية، وقلت لهما: الحمد لله الذي علمكما ~~ما لم تعلما، وأنتما تطيران في السماء، وأخبرتما ما تحت الأرض. قالا لي: ~~أيها العاقل، أما تعلم أن القدر غالب على كل شيء، ولا يستطيع أحد أن ~~يتجاوزه. وأنا اخبر الملك بذلك رأيته: فإن أمر الملك أتيته بالمال فأودعته ~~في خزائنه. فقال الملك ذلك لك، وموفر عليك. ### | باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين # وهو باب من يرى الرأي لغيره ولا يراه لنفسه. قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ~~هذا المثل فاضرب لي مثلا في شأن الرجل الذي يرى الرأي لغيره ولا يراه ~~لنفسه. قال الفيلسوف: إن مثل ذلك مثل الحمامة والثعلب ومالك الحزين. قال ~~الملك: وما مثلهن؟ # PageV01P317 # قال الفيلسوف: زعموا أن حمامة كانت تفرخ في رأس نخلة طويلة ذاهبة في ~~السماء، فكانت الحمامة تشرع في نقل العش إلى رأس تلك النخلة، فلا يمكن أن ~~تنقل ما تنقل من العش وتجعله تحت البيض إلا بعد شدة وتعب ومشقة: لطول ~~النخلة وسحقها، فإذا فرغت من النقل باضت ثم حضنت بيضها، فإذا فقست وأدرك ~~فراخها جاءها ثعلب قد تعاهد ذلك منها لوقت قد علمه بقدر ما ينهض فراخها، ~~فيقف بأصل النخلة فيصيح بها ويتوعدها أن يرقي إليها فتلقي إليه فراخها. ~~فبينما هي ذات يوم قد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على النخلة. ~~فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها مالك الحزين: يا حمامة، ~~ما لي أراكي كاسفة اللون سيئة الحال؟ فقالت له: يا مالك الحزين، إن ثعلبا ~~دهيت به كلما كان لي ms146 فرخان جاء يهددني ويصيح في أصل النخلة، فأفرق منه ~~فأطرح إليه فرخي. قال لها مالك الحزين: إذا أتاك ليفعل ما تقولين فقولي له: # PageV01P318 # لا ألقي إليك فرخي، فارق إلي وغرر بنفسك. فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخي، طرت ~~عنك ونجوت بنفسي. فلما علمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على شاطئ ~~نهر. فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف، فوقف تحتها، ثم صاح كما كان يفعل. ~~فأجابته الحمامة بما علمها مالك الحزين. قال لها الثعلب: أخبريني من علمك ~~هذا؟ قالت: علمني مالك الحزين. فتوجه الثعلب إلى مالكا الحزين على شاطئ ~~النهر، فوجده واقفا. فقال له الثعلب: يا مالك الحزين: إذا أتتك الريح عن ~~يمينك فأين تجعل رأسك؟ قال: عن شمالي. قال: فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل ~~رأسك. قال: أجعله عن يميني أو خلفي. قال: فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل ~~ناحية فأين تجعله؟ قال: أجعله تحت جناحي. قال: وكيف تستطيع أن تجعله تحت ~~جناحك؟ ما أراه يتهيأ لك. قال: بلى: قال: فأرني كيف تصنع؟ فلعمري يا معشر ~~الطير لقد فضلكم الله علينا. إنكن تدرين في ساعة واحدة مثل # PageV01P319 # ما ندري في سنة، وتبلغن ما لا نبلغ، وتدخلن رؤسكن تحت اجنحتكن من البرد ~~والريح. فهنيئا لكن فأرني كيف تصنع. فأدخل الطائر رأسه تحت جناحه فوثب عليه ~~الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة دقت عنقه. ثم قال: يا عدوي نفسه، ترى الرأي ~~للحمامة، وتعلمها الحيلة لنفسها، وتعجز عن ذلك لنفسك، حتى يستمكن منك عدوك، ~~ثم أجهز عليه وأكله. فلما انتهى المنطق للملك والفيلسوف إلى هذا المكان سكت ~~الملك. فقال له الفيلسوف: أيها الملك عشت ألف سنة، وملكت الأقاليم السبعة، ~~وأعطيت من كل شيء سببا، مع وفور سرورك وقرة عين رعيتك بك، ومساعدة القضاء ~~والقدر لك، فإنه قد كمل فيك الحلم والعلم. وزكا منك العقل والقول والنية، ~~فلا يوجد في رأيك نقص، ولا في قولك سقط ولا عيب. وقد جمعت النجدة واللين، ~~فلا توجد جبانا عند اللقاء، ولا ضيق الصدر عندما ينوبك من الأشياء. ms147 وقد ~~جمعت لك في هذا الكتاب شمل بيان # PageV01P320 # الأمور، وشرحت لك جوابا ما سألتني عنه منها فأبلغتك في ذلك غاية نصحي، ~~واجتهدت فيه برأيي ونظري ومبلغ فطنتي، التماسا لقضاء حقك وحسن النية منك. ~~بأعمال الفكرة والعقل. فجاء كما وصفت لك من النصيحة والموعظة مع أنه ليس ~~الآمر بالخير بأسعد من المطيع له فيه، ولا الناصح بأولى بالنصيحة من ~~المنصوح، ولا المعلم للخير بأسعد من متعلمه منه. فافهم ذلك أيها الملك ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV01P321 ms148