######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : التوحيد(الجعفي) ¶ [مصدر الكتاب : مكتبة يعسوب الدين عليه السلام] ¶ [مكتبة يعسوب الدين عليه السلام] #META# cat: كتب الإمامية #META# bkid: 117 #META# الكتاب: التوحيد(الجعفي) #META# bkord: 235 #META# [مصدر الكتاب: مكتبة يعسوب الدين عليه السلام] #META# idx: 1 #META# iso: التوحيد الجعفي #META# comp: 1 #META# bk: التوحيد(الجعفي) #META# max: 122 #META# digitization_comments: [مكتبة يعسوب الدين عليه السلام] #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | CHECK [التوحيد(الجعفي)] # التوحيد # المفضل بن عمر الجعفي # ---التوحيد ¶ المفضل بن عمر الجعفي ¶ --- ----NO PAGE NO------ [ 1 ] # توحيد المفضل # --- PageV01P001 [ 3 ] # توحيد المفضل # املاء الإمام ابى عبد الله الصادق عليه السلام على المفضل بن عمر الجعفي # علق عليه كاظم المظفر # مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان # --- PageV01P003 [ 4 ] # كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية 1404 ه 1984 م مؤسسة الوفاء ~~المكتب: بئر العبد - مقابل مدرسة قصر الثقافة - بناية كتاب وبرجاوي ~~المستودع: المريجة. شارع البلدية - ملك دياب هاتف: 386868 ص ب: 1457 - بيروت. # --- PageV01P004 [ 5 ] # بسم الله الرحمن الرحيم (كلام ابن العوجاء مع صاحبه) * روى محمد بن سنان ~~(1) قال حدثني المفضل بن عمر (2) قال كنت ذات بعد العصر جالسا في الروضه ~~بين القبر والمنبر وانا مفكر فيما خص الله تعالى به سيدنا محمدا صلى الله ~~عليه وعلى آله، من الشرف والفضائل وما منحه واعطاه وشرفه وحباه مما يعرفه ~~الجمهور من الامه وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته وخطير مرتبته فانى لكذلك ~~إذ اقبل ابن أبي العوجاء " (3) # --- # 1 - هو أبو جعفر الزاهري لا ذكر الكشي في شأنه ما يدل على مدح عظيم وعلى ~~قدح أيضا، وذكر انه روى عنه جماعة من العدو والثقاة من أهل العلم والانصاف، ~~وجميع الروايات المجرحة له واهية ساقطة، فقد اشار الكثير إلى قوته والذب ~~عنه، وتفنيد ما قيل فيه من الضعف. وان اجتماع الاعيان على الرواية عنه ادل ~~شئ على كمال قوته عده الشيخ المفيد من خاصة الإمام الكاظم وثقاته وأهل ~~الورع والعلم والفقه من شيعته كما عده الشيخ في الغيبة من الوكلاء المرضيين ~~الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، بل مضوا على منهاج الأئمة، وفي الخلافة كان ~~مكفوف البصر أعمى توفي عام 220 ه. 2 - مضت ترجمة المفضل بصورة مفصلة في ~~المقدمة. 3 - هو عبد الكريم بن أبي العوجاء ربيب حماد بن سلمة على ما يقول ~~ابن الجوزي ومن تلامذة الحسن البصري، وذكر البغدادي إنه كان مانويا يؤمن ~~بالتناسخ ويميل إلى مذهب الرافضة (!) ويقول بالقدر، ويتخذ من شرح سيرة ماني ~~وسيلة للدعوة، وتشكيك الناس ms01 في عقائدهم، = # --- PageV01P005 [ 6 ] # فجلس بحيث اسمع كلامه فلما استقر به المجلس إذ من اصحابه قد جاء فجلس ~~إليه فتكلم ابن أبي العوجاء فقال لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله وحاز ~~الشرف بجميع خصاله ونال الحظوه في كل احواله فقال له صاحبه انه كان فيلسوفا ~~ادعى المرتبة العظمى والمنزلة الكبرى وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول ~~وضلت فيها الاحلام وغاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر فرجعت خاسئات ~~وهي حسر فلما استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء دخل الناس في دينه ~~أفواجا فقرن اسمه باسم ناموسه فصار يهتف به على رؤوس الصوامع في جميع ~~البلدان والمواضع التي انتهت إليها دعوته وعلتها كلمته وظهرت فيها حجته برا ~~وبحرا سهلا وجبلا في كل يوم وليله خمس مرات مرددا في الاذان والاقامه ~~ليتجدد في كل ساعه ذكره ولئلا يخمل امره فقال ابن أبي العوجاء دع ذكر محمد ~~(صلى الله عليه وعلى آله) فقد تحير فيه عقلي وضل في أمره فكرى وحدثنا في ~~الاصل الذي نمشي له ثم ذكر إبتداء الأشياء وزعم ذلك باهمال لا صنعة فيه ولا ~~تقدير ولا صانع ولا مدبر بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبر وعلى هذا كانت ~~الدنيا لم تزل ولا تزال ! # --- # = ويتحدث في التعديل والتجوير على ما يذكر البيروني. ومن هنا يتبين ان ~~ابن أبي العوجاء هذا كان زنديقا مشهورا بذلك. وله مواقف حماسة مع الإمام ~~الصادق، أفحمه الإمام في كل مرة منها، سجنه والي الكوفة محمد بن سليمان ثم ~~قتله في أيام المنصور عام 155 ه، وقيل عام 160 ه في أيام المهدي تجد ذكره ~~في تاريخ الطبري ج 3 ص 375 ط ليدن، وفهرست ابن النديم ص 338، والفرق بين ~~الفرق ص 255 ط محمد بدر، ودائرة المعارف الاسلامية مج 1 ص 81، واحتجاج ~~الطبرسي ص 182 و183 ط النجف، وما للهند من مقولة ص 123. 1 - الناموس: ~~الشريعة. # --- PageV01P006 [ 7 ] # محاوره المفضل مع أبي العوجاء (قال المفضل) فلم املك نفسي غضبا وغيظا ~~وحنقا فقلت يا عدو الله الحدت ms02 في دين وانكرت الباري جل قدسه الذي خلقك في ~~احسن تقويم وصورك في اتم صوره ونقلك في احوالك حتى بلغ حيث انتهيت. فلو ~~تفكرت في نفسك وصدقك (1) لطيف حسك لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك ~~قائمة وشواهده جل وتقدس في خلقك واضحة وبراهينه لك لائحة فقال يا هذا ان من ~~أهل الكلام كلمناك فإن ثبتت لك حجة تبعناك وان لم تكن منهم فلا كلام لك وان ~~كنت من اصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا تخاطبنا ولا بمثل دليلك تجادل ~~فينا ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت فما أفحش خطابنا ولا تعدى في جوابنا ~~وانه الحليم الرزين العاقل الرصين لا يعتريه خرق (2)، ولا طيش ولا نزق (3) ~~يسمع كلامنا ويصغى الينا ويتعرف حجتنا حتى إذا استفرغنا (4) ما عندنا ~~وظنننا قطعناه دحض حجتنا بكلام يسير، وخطاب قصير يلزمنا الحجة ويقطع العذر ~~ولا نستطيع لجوابه ردا فإن من اصحابه فخاطبنا بمثل خطابه. سبب إملاء الكتاب ~~المفضل قال المفضل: فخرجت من المسجد محزونا مفكرا فيما بلى به الاسلام # --- # (1) صدقك: أي قال لك صدقا. (2) الخرق: ضعف الرأي وسوء الصرف والحمق. (3) ~~النزق: هو الطيش والخفة عند الغضب. (4) لعله من الافراغ بمعنى الصب. يقال: ~~استفرغ مجهوده، أي بذل طاقته. # --- PageV01P007 [ 8 ] # وأهله من كفر هذه العصابه وتعطيلها (1) فدخلت على مولاى (عليه السلام) ~~فرأني منكسرا فقال لك ؟ فأخبرته بما سمعت من الدهريين (2) وبما رددت عليهما ~~فقال يا مفضل لألقين عليك من حكمه الباري وعلا وتقدس اسمه في خلق العالم ~~والسباع والبهائم والطير والهوام وكل ذى روح من الأنعام والنبات والشجرة ~~المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول من ذلك وغير المأكول ما ~~يعتبر به المعتبرون ويسكن إلى معرفته المؤمنون ويتحير فيه الملحدون فبكر ~~علي غدا. # --- # (1) التعطيل: مصدر، وفي الاصطلاح الديني هو انكار صفات الخالق الباري، ~~والمعطلة: هم أصحاب مذهب التعطيل. (2) واحده الدهري، وهو الملحد الذي يزعم ~~بأن العالم موجود أزلا وأبدا. (3) العطف التشريكي هنا يكشف عن رأي الامام ~~الصادق في النبات وإن له روحا، وبعبارة أخرى أن لديه ms03 حسا وحركة، ولم تكتشف ~~هذه النظرية العلمية إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وأول من قال ~~بأن في النبات حسا تشله السموم وتميته الكهربية هو (بيشا) العالم ~~الفسيولوجي الفرنسي المتوفي عام 1802 م (عجائب الخلق لزيدان ص 193) وقد ~~ثبتت هذه النظرية بوجود بعض الأزهار المتفتحة نهارا والمقفلة ليلا (ص 625 ~~من كتاب التأريخ الطبيعي) وقام عالم هندي هو (السرجفادس بوز) بوضع آلة ~~دقيقة تظهر بها حركات النبات، وما يتأثر به من المؤثرات الخارجية، ~~كالمنبهات والمخدرات، وانشأ هذا العالم معهدا كبيرا في (كلكتا) لدرس حركات ~~النبات، وانفعاله بالحر والبرد والظلمة والنور - فصول في التاريخ الطبيعي ~~للدكتور يعقوب صروف ص 49 - وقد أصبح من المشهور وجود بعض نباتات تفترس بعض ~~الحشرات والحيوانات الصغيرة، وتوجد أيضا ازهار تضحك وأخرى تبكي - ص 1020 من ~~السنة السادسة والثلاثين لمجلة الهلاك - وأمثلة ذلك النبتة المستحية وندى ~~الشمس وأعجوبة القدر والأباريق ومصيدة الذباب واللقاح وغير هذه. وفي مقدمات ~~كتابنا (في دنيا النبات) وضعنا فصلا طريفا عن طبائع النبات وحركاته، ومنه ~~اقتبسنا هذه الكلمات. # --- PageV01P008 [ 9 ] # * (المجلس الأول) * " قال المفضل " فانصرفت عنده فرحا مسرورا وطالت علي ~~تلك الليلة انتظارا وعدني به فلما أصبحت غدوت فاستؤذن لي فدخلت وقمت بين ~~يديه فأمرني بالجلوس فجلست ثم نهض إلى حجرة كان يخلو فيها ونهضت بنهوضه ~~فقال اتبعنى فتبعته فدخل ودخلت خلفه فجلس وجلست بين يديه فقال: يا مفضل ~~كأني بك وقد طالت عليك هذه الليلة انتظارا لما وعدتك فقلت: أجل يا مولاي ~~فقال يا مفضل ان الله تعالى كان ولا شئ قبله وهو باق ونهاية له فله الحمد ~~على ما ألهمنا، والشكر على منحنا فقد خصنا من العلوم باعلاها ومن المعالي ~~بأسناها واصطفانا على جميع الخلق بعلمه وجعلنا مهيمنين (1)، عليهم بحكمه، ~~فقلت يا مولاي أتأذن لي ان اكتب ما تشرحه وكنت اعددت معى ما اكتب فيه فقال ~~لي افعل مفضل. (جهل الشكاك بأسباب الخلقة ومعانيها) ان الشكاك جهلوا ~~الأسباب والمعاني في الخلقة وقصرت افهامهم عن # --- # (1) جمع مهيمن، وهو الامين والمؤتمن والشاهد. ms04 # --- PageV01P009 [ 10 ] # تأمل الصواب والحكمة فيما ذرأ (1) الباري جل قدسه وبرأ (2) من صنوف خلقه ~~في البر والبحر والسهل والوعر فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود وبضعف بصائرهم ~~إلى التكذيب والعنود حتى انكروا خلق الاشياء وادعوا تكونها بالإهمال لا ~~صنعه فيها ولا تقدير ولا حكمة من مدبر ولا صانع تعالى الله عما يصفون ~~وقاتلهم انى يؤفكون (3) فهم في ضلالهم وغيهم وتجبرهم بمنزلة عميان دخلوا ~~دارا قد بنيت أتقن بناء وأحسنه وفرشت بأحسن الفرش وافخره وأعد فيها ضروب ~~الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب التي يحتاج إليها ولا يستغني عنها ووضع ~~كل شئ من ذلك موضعه على صواب من التقدير وحكمة من التدبير فجعلوا يترددون ~~فيها يمينا وشمالا ويطوفون بيوتها ادبارا واقبالا محجوبة أبصارهم عنها لا ~~يبصرون بنية الدار وما أعد فيها وربما عثر بعضهم بالشئ الذي وضع موضعه وأعد ~~للحاجة إليه وهو جاهل للمعنى ولما اعد ولماذا جعل كذلك ؟ فتذمر وتسخط وذم ~~الدار وبانيها فهذه حال هذا الصنف في انكارهم ما انكروا من أمر الخلقة ~~وثبات الصنعة فإنهم لما غربت (4) اذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في ~~الأشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى فلا يفهمون ما هو عليه من اتقان ~~خلقته وحسن صنعته وصواب هيئته. وربما وقف بعضهم على الشئ يجهل سببه والأرب ~~(5) فيسرع إلى ذمه ووصفه بالاحالة والخطأ كالذي أقدمت عليه المنانية (6) ~~الكفرة وجاهرت به # --- # (1) ذرأ الله الخلق: خلقهم. (2) برأه: خلقه من العدم. (3) أي ينصرفون عن ~~الحق. (4) أي غابت. (5) الأرب: بالفتح - المهارة أو الحاجة. (6) أو ~~المانوية: هم أصحاب الحكيم الفارسي ماني بن فاتك الذي ظهر في أيام سابور = # --- PageV01P010 [ 11 ] # الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال المعللين أنفسهم بالمحال ~~(1) فيحق على من أنعم الله عليه بمعرفته وهداه لدينه ووفقه لتأمل التدبير ~~في صنعة الخلائق والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التقدير ~~بالدلالة القائمة الدالة صانعها ان يكثر حمد الله مولاه على ذلك ويرغب إليه ~~في الثبات عليه والزيادة منه فإنه جل اسمه * (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد) * (2). (تهيئة ms05 العالم وتأليف أجزائه) يا مفضل أول ~~العبر والدلالة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها ~~(3) على ما هي عليه فإنك إذا تأملت العالم بفكرك # --- # = (ثاني ملوك الدولة الساسانية) ومذهبه مزيج من المجوسية والنصرانية، وقد ~~تبعه في معتقده خلق كثير، وبقي قسم كبير منهم في الدور العباسي الأول ثم ~~تسربت آراؤه الى اوروبا وبقية الاقطار الآسيوية. وماني هذا كان راهبا بحران ~~ولد حوالي عام 215 م وقتله بعدئذ بهرام بن هرمز. انظر في ذلك الملل والنحل ~~للشهرستاني ج 2 ص 81 ومروج الذهب ج 1 ص 155، والفهرست ص 456، ومعرب ~~الشاهنامة ج 2 ص 71 والفرق بين الفرق ص 162 و207، والآثار الباقية للبيروني ~~ص 207، وتاريخ الفكر العربي لاسماعيل مظهر ص 39، وحرية الفكر لسلامة موسى ص ~~55. (1) أي الشاغلين أنفسهم عن طاعة ربهم بأمور يحكم العقل السليم ~~باستحالتها. (2) سورة ابراهيم آية 7. (3) الضمير راجع إلى الأجزاء. # --- PageV01P011 [ 12 ] # وخبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ~~فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم مضيئة (1) كالمصابيح ~~والجواهر مخزونة كالذخائر وكل شئ فيها لشأنه معد والانسان كالمالك ذلك ~~البيت والمخول (2) جميع ما فيه وضروب النبات مهيأة لمأربه وصنوف الحيوان ~~مصروفة في مصالحه ومنافعه ففى هذا دلالة واضحة على ان العالم مخلوق بتقدير ~~وحكمة ونظام وملائمة وان الخالق له واحد وهو الذي ألفه ونظمه بعضا الى بعض ~~جل قدسه وتعالى جده وكرم وجهه ولا اله غيره تعالى عما يقول الجاحدون وجل ~~وعظم عما ينتحله الملحدون (خلق الإنسان وتدبير الجنين في الرحم) نبدأ يا ~~مفضل بذكر خلق الانسان فاعتبر به فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم وهو ~~محجوب في ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة (3) حيث لا حيلة ~~عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرة فإنه يجرى من ~~دم الحيض ما يغذوه الماء والنبات فلا يزال ذلك غذاؤه (كيفية ولادة الجنين ~~وغذائه وطلوع أسنانه وبلوغه) حتى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه وقوى ms06 أديمه (4) ~~مباشرة الهواء # --- # (1) في نسخة منضودة أي جعل بعضها فوق بعض فهي منضودة. (2) من التخويل وهو ~~الاعطاء والتمليك. (3) المشيمة: غشاء ولد الانسان يخرج معه عند الولادة، ~~جمعه مشيم ومشايم. (4) الاديم: الجلد المدبوغ. # --- PageV01P012 [ 13 ] # وبصره على ملاقاة الضياء هاج الطلق (1) بأمه فأزعجه أشد ازعاج واعنفه حتى ~~يولد فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثديها وانقلب ~~الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء وهو أشد موافقة للمولود من الدم ~~فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمظ (2) وحرك شفتيه طلبا للرضاع ~~فهو يجد ثدى أمه كالأداوتين (3) المعلقتين لحاجته فلا يزال يتغذى باللبن ما ~~دام رطب البدن رقيق الامعاء لين الاعضاء حتى إذا يحرك واحتاج إلى غذاء فيه ~~صلابة ليشتد ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الاسنان والأضراس (4) ليمضغ (5) ~~بها الطعام فيلين عليه ويسهل له اساغته فلا يزال كذلك حتى يدرك فإذا أدرك ~~وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر وعز الرجل الذي يخرج به ~~من جدة الصبا وشبه النساء وان كانت انثى يبقى وجهها نقيا من الشعر لتبقى ~~لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجل لما فيه دوام النسل وبقاؤه اعتبر يا ~~مفضل فيما يدبر به الانسان في هذه الأحوال المختلفة هل ترى مثله يمكن ان ~~يكون بالاهمال ؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ألم يكن ~~سيذوى ويجف كما يجف النبات إذا فقد الماء ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ~~ألم يكن سيبقى في الرحم كالمؤود (6) في الأرض ولو لم يوافقه # --- # (1) الطلق (بسكون الثاني) وجع الولادة. (2) تلمظ: إذا أخرج لسانه فمسح به ~~شفتيه. (3) الاداوة: بكسر ففتح - إناء صغير من جلد يتخذ للماء، جمعه أداوي. ~~(4) الطواحن: هي الأضراس، وتطلق الاضراس غالبا على المآخير والاسنان على ~~المقاديم، كما هو الظاهر هنا، وإن لم يفرق اللغويون بينهما. (5) مضغ ~~الطعام: لاكه بلسانه. (6) وأد البنت: دفنها في التراب وهي حية، كما كان ~~العرب يفعلون ذلك في العهد الجاهلي. # --- PageV01P013 [ 14 ] # اللبن مع ولادته ألم يكن ms07 سيموت جوعا أو يغتذى بغذاء لا يلائمه ويصلح عليه ~~بدنه ولو لم تطلع له الاسنان في وقتها ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام ~~واساغته أو يقيمه على الرضاع فلا يشتد بدنه ولا يصلح لعمل ثم كان يشغل امه ~~بنفسه عن تربية غيره من الأولاد، (حال من لا ينبت في وجهه الشعر وعلة ذلك) ~~ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته ألم يكن سيبقى هيئة الصبيان والنساء فلا ~~ترى له جلالة ولا وقارا قال المفضل فقلت له يا مولاى فقد رأيت من يبقى ~~حالته ولا ينبت الشعر في وجهه وان بلغ الكبر فقال (ع) ذلك بما قدمت أيديكم ~~وان الله ليس بظلام للعبيد (1) فمن هذا الذي يرصده (2) حتى يوافيه بكل شئ ~~من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد ان لم يكن توكل له بمصلحته بعد ان ~~كان فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب ان يكون العمد والتقدير ~~يأتيان بالخطأ والمحال لأنهما ضد الإهمال وهذا فظيع من القول وجهل من قائله ~~لأن الإهمال لا يأتي بالصواب والتضاد لا يأتي بالنظام (3) تعالى الله عما ~~يقول الملحدون علوا كبيرا # --- # (1) سورة آل عمران آية 182. (2) يرصده: أي يرقبه. (3) أي إذا لم تكن ~~الأشياء منوطة بأسبابها، ولم ترتبط الأمور بعللها، فكما جاز أن يحصل هذا ~~الترتيب والنظام التام بلا سبب، فجاز أن يصير التدبير في الأمور سببا ~~لاختلافها، وهذا خلاف ما يحكم به العقلاء لما يرون من سعيهم في تدبير ~~الأمور وذمهم، من يأتي بها على غير تأمل وروية... ويحتمل أن يكون المراد أن ~~الوجدان يحكم بتضاد آثار الأمور - المتضادة، وربما أمكن اقامة البرهان عليه ~~أيضا، فإذا أتي الاهمال بالصواب يجب أن يأتي ضده وهو التدبير بالخطأ، وهذا ~~أفضع وأشنع. (من تعليقات البحار) # --- PageV01P014 [ 15 ] # (حال المولود لو ولد فهما عاقلا وتعليل ذلك) ولو كان المولود يولد فهما ~~(1) عاقلا لأنكر العالم عند ولادته ولبقى حيرانا تائه العقل إذا رأى ما لم ~~يعرف وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من ms08 البهائم والطير الى ~~غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم واعتبر ذلك بأن من سبى بلد ~~وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع إلى تعلم الكلام وقبول الأدب كما ~~يسرع الذي سبى صغيرا غير عاقل ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة (2) إذا رأى ~~نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق مسجى (3) في المهد لأنه لا يستغنى عن هذا ~~كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من ~~القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج الى الدنيا غبيا (4) غافلا عما فيه أهله ~~فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا ~~قليلا وشيئا بعد شئ وحالا بعد حال حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها ~~فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطرار إلى المعاش ~~بعقله وحيلته والى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية وفي هذا أيضا ~~وجوه اخر فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية ~~الاولاد وما قدر ان يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة وما يوجب ~~التربية للآباء على الابناء من المكافأة بالبر والعطف عليهم عند # --- # (1) الفهم - بفتح فكسر - السريع الفهم. (2) الغضاضة: هي الذلة والمنقصة - ~~جمعها غضائض. (3) التسجية: هي التغطية بثوب يمد على الجسم. (4) على وزن ~~فعيل - وهو القليل الفطنة. # --- PageV01P015 [ 16 ] # حاجتهم الى ذلك منهم (1) ثم كان الاولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف ~~الآباء أبناءهم لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم ~~فيتفرقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه وأمه ولا يمتنع عن نكاح امه ~~واخته وذوات المحارم إذا كان لا يعرفهن وأقل ما في ذلك من القباحة بل هو ~~أشنع واعظم وأفظع وأقبح وأبشع لو خرج المولود بطن أمه وهو يعقل ان يرى (2) ~~منها ما لا يحل له ويحسن به أن يراه أفلا ترى كيف اقيم كل شئ من الخلقة على ~~غاية الصواب وخلا من الخطأ دقيقه وجليله (3) (منفعة الأطفال في البكاء) ~~اعرف يا مفضل ما للأطفال في البكاء ms09 من المنفعة واعلم ان في أدمغة الأطفال ~~رطوبة ان بقيت فيها احدثت عليهم احداثا جليلة وعللا عظيمة من ذهاب البصر ~~وغيره والبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم فيعقبهم ذلك الصحة في أبدانهم ~~والسلامة في أبصارهم أفليس قد جاز ان يكون الطفل ينتفع بالبكاء ووالداه لا ~~يعرفان ذلك فهما دائبان (4) ليسكتانه ويتوخيان (5) في الأمور مرضاته لئلا ~~يبكى وهما لا يعلمان ان البكاء اصلح له # --- # (1) أي بان يبر الابناء بآبائهم والعطف عليهم عند حاجة الآباء إلى ذلك في ~~كبرهم وضعفهم، وجزاء لما عانوا من الشدائد في سبيل تربية الابناء. (2) خبر ~~لقوله: أقل ما في ذلك. (3) إن بعض هذا البيان البديع من الامام عن تدرج ~~الانسان في نموه، ونموه في أوقاته، كاف في حكم العقل، بأن له صانعا صنعه عن ~~علم وحكمة وتقدير وتدبير. (عن كتاب الامام الصادق) للشيخ محمد حسين المظفر ~~ج 1 ص 171. (4) الدؤب: الجد والتعب. (5) التوخي. التحري والقصد. # --- PageV01P016 [ 17 ] # واجمل عاقبة فهكذا يجوز ان في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون ~~بالاهمال ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشئ انه لا منفعة من اجل انهم لا ~~يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه فإن كل ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون ~~(1) وكثيرا ما يقصر عنه على المخلوقين محيط به علم الخالق جل قدسه وعلت ~~كلمته فأما ما يسيل من أفواه الأطفال من الريق ففى ذلك خروج الرطوبة التي ~~لو بقيت في ابدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة كمن تراه قد غلبت عليه ~~الرطوبة فأخرجته إلى حد البله والجنون والتخليط إلى غير ذلك من الأمراض ~~المتلفة كالفالج (2) اللقوة (3) وما اشبههما فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من ~~أفواههم في صغرهم لما لهم في ذلك من الصحة في كبرهم فتفضل على خلقه بما ~~جهلوه ونظر لهم بما لم يعرفوه ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك من التمادي ~~في معصيته فسبحانه ما اجل نعمته واسبغها على المستحقين وغيرهم من خلقه ~~تعالى عما يقول المبطلون (4) علوا كبيرا (آلات الجماع وهيئتها) انظر الآن ~~يا مفضل كيف جعلت آلات ms10 الجماع في الذكر والأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك ~~عليه فجعل للذكر آلة ناشره تمتد حتى تصل النطفة (5) إلى # --- # (1) أي أن ذلك مما لا يقصر عن ادراكه ذو العلم والفهم. (2) الفالج: داء ~~يحدث في أحد شقي البدن، فيبطل احساسه وحركته. (3) اللقوة: - بفتح فسكون - ~~داء يصيب الوجه، يعوج منه الشدق إلى أحد جانبي العنق، جمعه لقاء والقاء. ~~(4) يقال: أبطل أي جاء بالباطل. (5) النطفة: ماء الرجل أو المرأة، والجمع ~~نطاف ونطف. # --- PageV01P017 [ 18 ] # الرحم إذا كان محتاجا ألى أن يقذف ماءه في غيره وخلق للأنثى وعاء قعرا ~~(1) ليشتمل على الماءين جميعا ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم ~~اليس ذلك من تدبير حكيم لطيف سبحانه وتعالى عما يشركون (اعضاء البدن وفوائد ~~كل منها) فكر يا مفضل في اعضاء البدن اجمع وتدبير كل منها للأرب فاليدان ~~للعلاج والرجلان للسعى والعينان للاهتداء والفم للاغتذاء والمعدة للهضم ~~والكبد للتخليص والمنافذ (2) لتنفيذ الفضول والأوعية لحملها والفرج لإقامة ~~النسل وكذلك جميع الأعضاء إذا ما تأملتها واعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل ~~شئ منها قد قدر لشئ على صواب وحكمة. (زعم الطبيعيين وجوابه) قال المفضل ~~فقلت يا مولاى ان قوما يزعمون ان هذا من فعل الطبيعة فقال عليه السلام سلهم ~~عن هذه الطبيعة أهي شئ له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك فإن ~~أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من اثبات الخالق فإن هذه صنعته (3) ~~وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير # --- # (1) القعر من كل شئ: عمقه ونهاية أسفله. (2) المنافذ هنا بمعنى النوافذ ~~من الانسان، أي كل سم أو خرق فيه كالفهم والأنف، والظاهر أن المراد بها هنا ~~محل خروج البول والغائط. (3) لعل المراد انهم إذا قالوا بذلك فقد أثبتوا ~~الصانع، فلم يسمونه بالطبيعة، وهي ليست بذات علم ولا أرادة ولا قدرة ؟ # --- PageV01P018 [ 19 ] # علم ولا عمد وكان في افعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة علم ان هذا ~~الفعل للخالق الحكيم فإن الذي سموه طبيعة هو سنته في خلقه الجارية على ما ~~اجراها عليه (1) (عملية الهضم ms11 وتكون الدم وجريانه في الشرايين والاوردة) ~~فكر يا مفضل في وصول الغذاء الى البدن وفيه من التدبير فإن الطعام يصير إلى ~~المعدة فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق دقاق واشجة (2) بينهما قد ~~جعلت كالمصفى للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكأها (3) وذلك ان الكبد ~~رقيقة لا تحتمل العنف ثم ان الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما وينفذه ~~إلى البدن كله في مجارى مهيئة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء ليطرد ~~في الأرض كلها وينفذ ما يخرج من الخبث # --- # (1) أي ظاهر بطلان هذا الزعم، والذي صار سببا لذهولهم إلى إن الله تعالى ~~أجرى عادته بأن يخلق الأشياء بأسبابها، فذهبوا إلى استقلال تلك الاسباب في ~~ذلك. وبعبارة أخرى إن سنة الله وعادته قد جرت لحكم كثيرة، فتكون الاشياء ~~بحسب بادي النظر مستندة إلى غيره تعالى، ثم - يعلم - بعد الاعتبار والتفكر ~~- إن الكل مستند إلى قدرته أو تأثيره تعالى، وإنما هذه الأشياء وسائل ~~وشرائط لذلك ومن هنا تحيروا في الصانع تعالى. (من تعليقات البحار) (2) ~~الواشجة: مؤنث الواشج اسم فاعل بمعنى المشتبك، يقال: وشجت العروق والاغصان ~~إذا اشتبكت. والمراد بالواشجة هنا الموصلة أو الواصلة. (3) نكأ القرحة ~~قشرها قبل أن تبرأ فندبت. # --- PageV01P019 [ 20 ] # والفضول الى مفائض (1) قد اعدت لذلك فما كان منه من جنس المرة (2) ~~الصفراء جرى إلى المرارة (3) وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال وما ~~كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة (4) فتأمل حكمة التدبير في تركيب ~~البدن ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها واعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك ~~الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه فتبارك من احسن التقدير واحكم ~~التدبير وله الحمد كما هو أهله ومستحقه (أول نشوء الأبدان تصوير الجنين في ~~الرحم) قال المفضل فقلت صف نشوء الأبدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ ~~التمام والكمال قال عليه السلام أول ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه ~~عين ولا تناله يد ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه ~~من الاحشاء والجوارح والعوامل إلى ms12 ما في تركيب أعضائه من # --- # (1) المفائض: المجاري، مأخوذة من فاض الماء، وفي بعض النسخ بالغين من غاض ~~الماء غيضا، أي نضب وذهب في الأرض. (2) المرة: بكسر ففتح - خلط من أخلاط ~~البدن وهو الصفراء أو السوداء، جمعه مرار. (3) المرارة: هنة شبه كيس لاصقة ~~بالكبد تكون فيها مادة صفراء هي المرة أشار إليها الامام، جمعها مراثر ~~ومرارات. (4) في كلام الامام عليه السلام هنا معان صريحة عن الدورة الدموية ~~- التي اكتشفها العالم الانكليزي وليم هارفي (1578 - 1756) بل ان الامام قد ~~فصل القول - كما نرى هنا - عن جريان الدم في الأوردة والشرايين، وإن مركزه ~~هو القلب، فنستطيع إذن أن نقول بأن الإمام هو المكتشف الأول للدورة ~~الدموية. # --- PageV01P020 [ 21 ] # العظام واللحم والشحم والعصب والمخ والعروق والغضاريف (1) فإذا خرج إلى ~~العالم تراه كيف ينمو بجميع اعضائه وهو ثابت على شكل وهيئة لا تتزايد ولا ~~تنقص إلى أن يبلغ اشده ان مد في عمره أو يستوفى مدته قبل ذلك هل هذا إلا من ~~لطيف التدبير والحكمة (اختصاص الإنسان بالإنتصاب والجلوس دون البهائم) انظر ~~مفضل ما خص به الانسان في خلقه تشرفا وتفضلا على البهائم فانه خلق ينتصب ~~قائما ويستوى جالسا ليستقبل الاشياء بيديه وجوارحه ويمكنه العلاج والعمل ~~بهما فلو كان مكبوبا على وجهه كذوات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من ~~الأعمال (تخصص الإنسان بالحواس وتشربها دون غيره) انظر الآن يا مفضل إلى ~~هذه الحواس (2) التي خص بها الانسان في خلقه وشرف بها على غيره كيف جعلت ~~العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ؟ ليتمكن من مطالعة الأشياء ولم ~~تجعل في الاعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعترضها الآفات ويصيبها من ~~مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها ولا في الاعضاء التي ~~وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الأشياء # --- # (1) الغضاريف: جمع غضروف وهو كل عظم رخص لين. (2) هي الأعضاء التي تؤمن ~~مناسباتنا مع المحيط الخارجي، وهي خمسة أعضاء اللمس والذوق والشم والبصر ~~والسمع. # --- PageV01P021 [ 22 ] # (الحواس الخمس وأعمالها وما في ذلك من الأسرار) فلما لم يكن ms13 لها في شئ من ~~هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس وهو بمنزلة الصومعة لها ~~فجعل الحواس خمسا تلقى خمسا لكي لا يفوتها شئ من المحسوسات فخلق البصر ~~ليدرك الألوان فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم تكن فيها منفعة وخلق ~~السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها ارب ~~وكذلك سائر الحواس ثم هذا يرجع متكافيا فلو كان بصر ولم تكن الألوان لما ~~كان للبصر معنى ولو كان سمع ولم تكن أصوات لم يكن للسمع موضع (تقدير الحواس ~~بعضها يلقى بعضا) فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا فجعل لكل حاسة محسوسا (1) ~~يعمل فيه ولكل محسوس (2) حاسة تدركه ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين ~~الحواس والمحسوسات لا تتم الحواس إلا بها كمثل الضياء والهواء فإنه لو لم ~~يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون ولم لم يكن هواء يؤدى ~~الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت فهل يخفى عليه من صح نظره وأعمل ~~فكره ان مثل هذا الذي وصفت من # --- # (1 - 2) لعل الأصل في كلمة محسوس هنا هو (حس) ولا تأتي كلمة محسوس هنا، ~~لأن حس بمعنى شعر وعلم فعل لازم، ومن البدهي عدم جواز صيغة اسم المفعول من ~~الفعل اللازم، إلا إذا عدي بحرف الجر أو جاء مع المصدر أو الظرف، ويأتي فعل ~~حسن متعديا بغير هذا المعنى، فيقال: حسه إذا قتله واستأصله. # --- PageV01P022 [ 23 ] # تهيئه الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضا وتهيئة اشياء اخر بها تتم ~~الحواس لا يكون إلا بعمل وتقدير من لطيف خبير (فيمن عدم البصر والسمع ~~والعقل وما في ذلك من الموعظة) فكر مفضل فيمن عدم البصر من الناس وما يناله ~~من الخلل في أموره فإنه لا يعرف موضع قدميه ولا يبصر ما بين يديه فلا يفرق ~~بين الألوان وبين المنظر الحسن والقبيح ولا يرى حفرة ان هجم عليها ولا عدوا ~~ان اهوى إليه بسيف ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه ms14 الصناعات مثل ~~الكتابة والتجارة والصياغة حتى انه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر ~~الملقى وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة فانه يفقد روح المخاطبة ~~والمحاورة ويعدم لذة الأصوات واللحون المشجية والمطربة وتعظم المؤنة على ~~الناس في محاورته حتى يتبرموا به ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم ~~حتى يكون كالغائب وهو شاهد أو كالميت وهو حى فأما من عدم العقل فإنه يلحق ~~بمنزلة البهائم بل يجهل كثيرا مما تهتدى إليه البهائم أفلا ترى كيف صارت ~~الجوارح والعقل وسائر الخلال (1) التي بها صلاح الانسان والتي لو فقد منها ~~شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل يوافي (2) خلقه على التمام حتى لا يفقد ~~شيئا منها فلم كان كذلك إلا انه خلق بعلم وتقدير # --- # (1) الخلال: جمع خلة وهي الخصلة. (2) يوافي خبر الى صارت المتقدمة قبل سطرين. # --- PageV01P023 [ 24 ] # قال المفضل فقلت فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله من ~~ذلك مثل ما وصفته يا مولاى قال عليه السلام ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ~~ذلك به ولغيره بسببه كما يؤدب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا ينكر ذلك ~~عليهم بل يحمد من رأيهم ويتصوب من تدبيرهم ثم ان للذين تنزل بهم هذه ~~البلايا من الثواب بعد الموت ان شكروا وأنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم ~~منها حتى انهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا ان يردوا إلى البلايا ليزدادوا ~~من الثواب (الأعضاء المخلوقة أفرادا وازواجا وكيفية ذلك) فكر يا مفضل في ~~الاعضاء التي خلقت افرادا وازواجا وما في ذلك من الحكمة والتقدير والصواب ~~في التدبير فالرأس مما خلق فردا ولم يكن للانسان صلاح في ان يكون له اكثر ~~من واحد ألا ترى انه لو اضيف إلى رأس الانسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من ~~غير حاجة إليه لأن الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد ثم كان ~~الانسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان فإن تكلم من احدهما كان الآخر معطلا ~~لا أرب فيه ولا حاجة إليه وان تكلم منهما ms15 جميعا بكلام واحد كان احدهما فضلا ~~لا يحتاج إليه وان تكلم باحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر السامع ~~بأى ذلك يأخذ وأشباه هذا من الاخلاط واليدان مما خلق ازواجا ولم يكن ~~للانسان خير في ان يكون له يد # --- PageV01P024 [ 25 ] # واحدة لأن ذلك كان يخل به (1) فيما يحتاج الى معالجته من الاشياء ألا ترى ~~ان النجار والبناء لو شلت احدى يديه لا يستطيع ان يعالج صناعته وان تكلف ~~ذلك لم يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت يداه تتعاونان على العمل ~~(الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الإنسان وعمل كل منها) أطل الفكر يا مفضل ~~في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الانسان فالحنجرة كالانبوبة لخروج الصوت ~~واللسان والشفتان والاسنان لصياغة الحروف والنغم ألا ترى ان من سقطت اسنانه ~~لم يقم السين ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء ~~واشبه (2) شئ بذلك المزمار (3) الأعظم فالحنجرة تشبه قصبة المزمار والرئة ~~تشبه الزق (4) الذي ينفخ فيه لتدخل الريح والعضلات التي تقبض على الرئة ~~ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق حتى تجرى الريح في المزامير ~~والشفتان والاسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما كالأصابع تختلف في فم ~~المزمار فتصوغ صفيره الحانا غير انه وان كان مخرج الصوت يشبه المزمار ~~بالآلة والتعريف فإن المزمار في الحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت # --- # (1) يقال: أخل بالشئ إذا قصر فيه. (2) يظهر أن الجملة ناقصة وتكملتها: ~~(مخرج الصوت أشبه شئ). (3) المزمار: الآلة التي يزمر فيها - جمعها مزامير. ~~(4) المراد بالزق هنا الجلد الذي يستعمل في المزمار. # --- PageV01P025 [ 26 ] # (ما في الأعضاء من المارب الأخرى) قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في ~~صنعة الكلام واقامه الحروف وفيها مع الذي ذكرت لك مارب اخرى فالحنجرة ليسلك ~~فيها هذا النسيم إلى الرئة فتروح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي ~~لو حبس شيئا يسيرا لهلك الانسان وباللسان تذاق الطعوم فيميز بينها ويعرف كل ~~واحد منها حلوها من مرها وحامضها من مرها ومالحها من عذبها وطيبها من ~~خبيثها وفيه ms16 ذلك معونة على اساغة الطعام والشراب والاسنان لمضغ الطعام حتى ~~يلين وتسهل اساغته وهي مع ذلك كالسند للشفتين تمسكهما وتدعمهما من داخل ~~الفم واعتبر ذلك فانك ترى من سقطت اسنانه مسترخى الشفة ومضطربها وبالشفتين ~~يترشف (1) الشراب حتى يكون الذي يصل الى الجوف منه بقصد وقدر لا يثج (2) ~~ثجا فيغص به الشارب أو ينكأ (3) في الجوف ثم همى (4) بعد ذلك كالباب المطبق ~~على الفم يفتحها الانسان إذا شاء ويطبقها إذا شاء وفيما وصفنا من هذا بيان ~~كل واحد من هذه الاعضاء يتصرف وينقسم إلى وجوه من المنافع كما تتصرف الأداة ~~الواحدة في اعمال شتى وكالفأس تستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من ~~الأعمال. # --- # (1) ترشف الشراب أي بالغ في مصه. (2) ثج يثج تجا: اساله. (3) لعله أراد ~~أنه يقع في غير ما حاجة. (4) همى الماء سال لا يثنيه شئ. # --- PageV01P026 [ 27 ] # (الدماغ وأغشيته والجمجمة وفائدتها) ولو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته ~~قد لف بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الأعراض وتمسكه فلا يضطرب ولرأيت عليه ~~الجمجمة بمنزلة البيضة كيما تقيه (1) هد الصدمة والصكة التي ربما وقعت في ~~الرأس ثم قد جللت الجمجمة بالشعر حتى صارت بمنزلة الفرو للرأس يستره من شدة ~~الحر والبرد فمن حصن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه وجعله ينبوع الحس ~~والمستحق للحيطة والصيانة بعلو منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطير مرتبته ~~(الجفن وأشفاره) تأمل يا مفضل الجفن على العين كيف جعل كالغشاء والاشفار ~~(2) كالاشراح (3) وأولجها (4) في هذا الغار وأظلها بالحجاب وما عليه من ~~الشعر (الفؤاد ومدرعته) يا مفضل من غيب الفؤاد جوف الصدر وكساه المدرعة (5) التي # --- # (1) في نسخة يفته بدلا عن تقيه، ويفته من الفت وهو الكسر. (2) الاشفار ~~جمع شفر وهو أصل منبت الشعر في الجفن. (3) الاشراح: العرى. (4) أولجها: ~~أدخلها. (5) كأن المراد بالمدرعة هنا ثوب الجديد فالمدرعة في الأصل جبة ~~مشقوقة المقدم أو كما عند اليهود ثوب من كتان كان يلبسه عظيم أحبارهم ولكن ~~الذي يريده الامام من حد قولهم درع، إذا لبس درع الحديد. # --- PageV01P027 [ 28 ] # غشاؤه وحصنه بالجوانح وعليها ms17 من اللحم والعصب لئلا يصل إليه ما ينأكه (1) ~~(الحلق والمرئ) من جعل في الحلق منفذين احدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم ~~المتصل بالرئة والآخر منفذا للغذاء وهو المرئ (2) المتصل بالمعدة الموصل ~~الغذاء إليها وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل الى الرئة فيقتل ~~(الرئة وعملها اشراج منافذ البول والغائط) من جعل الرئة مروحة الفؤاد لا ~~تفتر ولا تختل لكيلا تتحير (3) الحرارة في الفؤاد فتؤدى إلى التلف من جعل ~~لمنافذ البول والغائط أشراجا (4) تضبطهما لئلا يجريا جريانا دائما فيفسد ~~على الانسان عيشه فكم عسى ان يحصى المحصى من هذا بل الذي لا يحصى منه ولا ~~يعلمه الناس أكثر (المعدة عصبانية والكبد) من جعل المعدة عصبانية شديدة ~~وقدرها لهضم الطعام الغليظ ؟ ومن # --- # (1) نكأه: جرحه وآذاه. (2) المري: هو العرق الذي يمتلئ ويدر باللبن جمعه ~~مرايا، وقد أبان الإمام وظيفة المري وعمله بتعبير لطيف. (3) تحيرت الحرارة: ~~ترددت كأنها لا تدري كيف تجري فتجمعت وفي نسخة تتحيز وليس لها معنى مستقيم. ~~(4) الاشراج جمع شرج وهو في الاصل الشقاق في القوس، وقد استعار الإمام منها ~~معنى لمنافذ البول والغائط. # --- PageV01P028 [ 29 ] # جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو (1) اللطيف من الغذاء ولتهضم وتعمل ما ~~هو الطف من عمل المعدة إلا الله القادر ؟ أترى الاهمال يأتي بشئ من ذلك ؟ ~~كلا بل هو تدبير مدبر حكيم قادر عليم بالاشياء قبل خلقه إياها، لا يعجزه ~~وهو اللطيف الخبير. (المخ والدم والاظفار والاذن ولحم الاليتين والفخذين) ~~فكر يا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا في أنابيب العظام ؟ وهل ذلك إلا ~~ليحفظه ويصونه ؟ لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في ~~الظروف (2) إلا لتضبطه فلا يفيض ؟ لم صارت الاظفار على اطراف الاصابع إلا ~~وقاية لها ومعونة على العمل ؟ لم صار داخل الاذن ملتويا كهيأة اللولب (3) ~~إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي الى السمع وليكسر حمة الريح ينكأ في السمع ؟ ~~لم حمل الانسان على فخذيه واليتيه اللحم إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من ~~الجلوس عليها، كما يألم من نحل جسمه وقل ms18 لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض ~~حائل يقيه صلابتها. (الانسان ذكر وانثى وتناسله وآلات العمل وحاجته وحيلته ~~وإلزامه بالحجه) من جعل الانسان ذكر أو أنثى إلا من خلقه متناسلا ؟ ومن ~~خلقه متناسلا إلا من خلقه مؤملا ؟ ومن أعطاه آلات العمل إلا خلقه عاملا ؟ ~~ومن خلقه # --- # (1) الصفو من كل شئ: خالصه وخياره. (2) الظروف جمع ظرف وهو كل ما يستقر ~~فيه غيره ويغلب استعماله للقربة والسقاء. (3) اللولب ! آلة من خشب أو حديد ~~ذات محور ذي دوائر ناتئة وهو الذكر أو داخله وهو الانثى جمعه لوالب. # --- PageV01P029 [ 30 ] # عاملا إلا من جعله محتاجا ومن جعله محتاجا من ضربه بالحاجة ؟ (1). ومن ~~ضربه بالحاجة إلا من توكل بتقويمه ؟ (2) ومن خصه بالفهم إلا من أوجب الجزاء ~~؟ ومن وهب الحيلة إلا من ملكه الحول (3) ومن ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة ~~؟ ومن يكفيه ما لا تبلغه حيلته إلا من يبلغ مدى شكره. فكر وتدبر ما وصفته ~~هل تجد الاهمال يأتي مثل هذا النظام والترتيب تبارك الله تعالى عما يصفون. ~~(الفؤاد وثقبه المتصلة بالرئة) اصف لك الآن يا مفضل الفؤاد اعلم ان فيه ~~ثقبا موجهة نحو الثقب التي في الرئة تروح عن الفؤاد حتى لو اختلفت تلك ~~الثقب وتزايل بعضها عن بعض لما وصل الروح الى الفؤاد ولهلك الانسان ~~افيستجيز ذو فكرة وروية ان يزعم مثل هذا يكون بالاهمال ولا يجد شاهدا من ~~نفسه يزعه (4) عن هذا القول ؟ لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلوب (5) أكنت ~~تتوهم أنه جعل كذلك بلا معنى ؟ بل كنت تعلم ضرورة أنه مصنوع يلقى فردا آخر، ~~فيبرزه ليكون اجتماعهما ضرب من المصلحة وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنه ~~فرد من زوج مهيأ من فرد انثى فيلتقيان فيه من دوام النسل وبقائه فتبا (6) ~~وخيبة وتعسا لمنتحلي الفلسفة كيف عميت قلوبهم عن هذه # --- # (1) أي سبب له أسباب الاحتجاج أو خلقه بحيث يحتاج. (2) أي تكفل برفع ~~حاجته وتقويم أوده. (3) الحول مصدر بمعنى القدرة والقوة على التصرف وجودة ~~النظر والحذق. (4) يزعه: يكفه ويمنعه. (5) الكلوب - بفتح الاول - وتشديد ms19 ~~الثاني - المهماز أو حديدة معطوفة الرأس يجربها الجمر أو خشبة في رأسها ~~عقافة منها أو من حديد والجمع كلاليب. (6) تبا لفلان تنصبه على المصدر ~~باضمار فعل أي الزمه الله هلاكا وخسرانا. # --- PageV01P030 [ 31 ] # الخلقة العجيبة حتى انكروا التدبير والعمد فيها ؟. (فرج الرجل والحكمة ~~فيه) لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف يصل الى قعر الرحم حتى يفرغ النطفة فيه ~~؟ ولو منعضا (1) ابدا كيف كان الرجل يتقلب في الفراش أو يمشي بين الناس وشئ ~~شاخص أمامه ثم يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كل وقت من الرجال ~~والنساء جميعا فقدر الله جل اسمه ان يكون اكثر ذلك لا يبدو للبصر في كل وقت ~~ولا يكون على الرجال مؤنة، بل جعل فيه قوة الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك، ~~لما قدر ان يكون فيه من دوام النسل وبقائه. (منفذ الغائط ووصفه) اعتبر الآن ~~يا مفضل بعظم النعمة الانسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الأذى. أليس من ~~حسن التقدير في بناء الدار ان يكون الخلاء في استر موضع منها فكذا جعل الله ~~سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الانسان في استر موضع منه فلم يجعله بارزا ~~خلفه ولا ناشزا من بين يديه بل هو منيب في موضع غامض البدن مستور محجوب ~~يلتقي عليه الفخذان وتحجبه الأليتان بما عليهما من اللحم فتواريانه فإذا ~~احتاج الانسان الى الخلاء وجلس تلك الجلسة الفى ذلك المنفذ منه منصبا مهيأ ~~لإنحدار الثقل (3) فتبارك من تظاهرت آلاؤه ولا تحصى نعماؤه. # --- # (1) المنعض كأنه مأخوذ من العض وهو القرن يريد أنه صلب شديد. (2) الفى. ~~وجد. (3) الثفل - بالضم - ما يستقر في أسفل الشئ من كدرة. # --- PageV01P031 [ 32 ] # (الطواحن من أسنان الانسان) فكر يا مفضل في الطواحن (1) التي جعلت ~~للانسان فبعضها حداد (2) لقطع الطعام وقرضه وبعضها عراض (3) لمضغه ورضه فلم ~~ينقص واحد الصفتين إذ كان محتاجا اليهما جميعا (الشعر والاظفار وفائده ~~قصهما) تأمل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار فانهما لما كانا ~~مما يطول ويكثر حتى يحتاج إلى تخفيفه أولا فأولا، جعلا عديما الحس ms20 لئلا ~~يؤلم الانسان الأخذ منهما وكان قص الشعر وتقليم الأظفار مما يوجد له ألم ~~وقع من ذلك بين مكروهين أما ان يدع كل واحد منهما حتى يطول فيثقل عليه، ~~وأما أن يخففه بوجع وألم يتألم منه. قال المفضل فقلت فلم لم يجعل خلقه لا ~~تزيد فيحتاج الانسان إلى النقصان منه فقال عليه السلام: ان لله تبارك اسمه ~~في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمده عليها اعلم ان آلام البدن وادواءه ~~(4) تخرج بخروج الشعر في مسامه (5) وبخروج الاظفار من أناملها ولذلك أمر ~~الانسان بالنورة # --- # (1) الطواحن جمع طاحن وهو الضرس. (2) حداد أي قاطعة. (3) عراض جمع عريض ~~ضد طويل، وربما أريد بن المعارضة وهي السن التي في عرض الفم أو ما يبدو من ~~الفم عند الضحك. (4) الأدواء جمع داء وهو المرض والعلة. (5) المسام من ~~الجلد ثقبه ومنافذه كمنابت الشعر، ومنهم من يجعلها جمع سم أي الثقب مثل ~~محاسن وحسن. # --- PageV01P032 [ 33 ] # وحلق الرأس وقص الأظفار، في كل أسبوع ليسرع الشعر والاظفار في النبات ~~فتخرج الآلام والأدواء بخروجهما (1) وإذا طالا تحيرا وقل خروجهما فاحتبست ~~الآلام والادواء في البدن فأحدثت عللا وأوجاعا، ومنع مع ذلك الشعر من ~~المواضع تضر بالانسان وتحدث عليه الفساد والضر لو نبت الشعر في العين ألم ~~يكن سيعمي البصر ؟ ولو نبت في الفم ألم يكن سينغص على الانسان طعامه وشرابه ~~؟ ولو نبت في باطن الكف ألم يكن سيعوقه عن صحه اللمس وبعض الأعمال ؟ ولو ~~نبت في فرج المرأة وعلى ذكر الرجل ألم يكن سيفسد عليهما لذة الجماع ؟..... ~~فانظر كيف تنكب (2) الشعر عن هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة ثم ليس هذا ~~في الانسان فقط بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات فإنك ترى ~~اجسامها مجللة بالشعر وترى هذه المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه فتأمل ~~الخلقة كيف تتحرز (3) وجوه الخطأ والمضرة وتأتي بالصواب والمنفعة. (شعر ~~الركب والابطين) ان المنانية واشباههم حين اجهدوا في عيب الخلقة والعمد (5) ~~عابوا الشعر النابت على الركب والإبطين ولم يعلموا ذلك من رطوبة تنصب إلى ~~هذه ms21 المواضع فينبت الشعر كما ينبت العشب في مستنقع المياه أفلا ترى الى هذه ~~المواضع استر واهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها ؟ ثم إن هذه تعد # --- # (1) يؤيد هذا الرأي علم الطب الحديث، وإن كانت نظرية التطور تقول بأن ~~الشعر والاظافر من الزوائد الحيوانية الأولى التي لم يعد لها نفع ولا ~~فائدة. (2) تنكب عليه: عدل عنه وتجنبه. (3) احترز منه وتحرز أي تحفظه ~~وتوقاه كأنه جعل نفسه في حرز منه. (4) المنانية أو المانوية سبق الكلام ~~عنها في أوائل الكتاب. (5) يقال فعله عمدا وعن عمد أي قصدا لا عن طريق ~~الصدفة. # --- PageV01P033 [ 34 ] # مما يحمل الانسان من مؤنه هذا البدن وتكاليفه لما له في ذلك من المصلحة، ~~فإن اهتمامه بتنظيف بدنه واخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته (1) ويكف ~~عاديته (2) ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر (3) والبطالة. ~~(الريق وما فيه من المنفعة) تأمل الريق وما فيه من المنفعة فانه جعل يجري ~~جريانا دائما الى الفم ليبل الحلق واللهوات (4) فلا يجف فإن هذه المواضع لو ~~جعلت كذلك كان فيه هلاك الاسنان ثم كان لا يستطيع أن يسيغ (5) طعاما إذا لم ~~يكن في الفم بلة تنفذه تشهد بذلك المشاهدة واعلم ان الرطوبة مطية الغذاء ~~وقد تجرى من هذه البلة إلى مواضع اخر من المرة (6) فيكون في ذلك صلاح تام ~~للانسان ولو يبست المرة لهلك الانسان. (محاذير كون بطن الانسان كهيئة ~~القباء) ولقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التمييز ~~وقصور العلم لو كان بطن الانسان كهيئة القباء (7) يفتحه الطبيب إذا شاء ~~فيعاين ما # --- # (1) الشرة - بكسر فتشديد - الحدة والنشاط أو الشر. (2) العادية: الحدة ~~والغضب أو الشغل أو الظلم والشر. (3) الأشر - بفتحتين - البطر وشدة الفرح ~~والجمع أشرون وأشارى. (4) اللهوات جمع لهاة وهي اللحمة المشرفة على الحلق ~~في أقصى سقف الفم. (5) أساغ الطعام يسيغه سيغا: سهل مطعمه. (6) المرة - ~~بالكسر - خلط من أخلاط البدن وهو الصفراء أو السوداء والجمع مرار. (7) ~~القباء - بالفتح - ثوب يلبس فوق الثياب جمعه أقبية. # --- PageV01P034 [ 35 ] # فيه ويدخل يده فيعالج ما ms22 اراد علاجه ألم يكن أصلح من ان يكون مصمتا (1) ~~محجوبا عن البصر واليد لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة كمطل النظر الى ~~البول، وجس العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة حتى ربما كان ~~ذلك سببا للموت فلو علم هؤلاء الجهلة ان هذا لو هكذا كان اول ما فيه ان كان ~~يسقط عن الانسان الوجل من الأمراض والموت وكان يستشعر البقاء ويغتر ~~بالسلامة فيخرجه ذلك الى العتو (2) والأشر (3) ثم كانت الرطوبات في البطن ~~تترشح وتتحلب (4) فيفسد على الانسان مقعده ومرقده وثياب بدلته وزينته بل ~~كان يفسد عيشه ثم ان المعدة والكبد والفؤاد انما تفعل أفعالها بالحرارة ~~الغريزية التي جعلها الله محتبسة في الجوف فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى ~~يصل البصر الى رؤيته واليد الى علاجه لوصل برد الهواء الى الجوف فمازج ~~الحرارة الغريزية وبطل عمل الاحشاء فكان في ذلك هلاك الانسان أفلا ترى ان ~~كل ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل (5). (أفعال ~~الانسان في الطعم والنوم والجماع وشرح ذلك) فكر يا مفضل في الأفعال جعلت في ~~الانسان من الطعم والنوم والجماع وما دبر فيها فإنه جعل لكل واحد منها في ~~الطباع نفسه محرك # --- # (1) مصمت اسم مفعول الذي لا جوف له. (2) العتو: الاستكبار وتجاوز الحد. ~~(3) الأشر - بفتحتين - من أشر أي بطر ومرح فهو اشر وأشران وجمعه اشرون ~~وأشارى. (4) ترشح وتحلب بمعنى واحد وهو السيلان. (5) الخطل: المنطق الفاسد ~~المضطرب. # --- PageV01P035 [ 36 ] # يقتضيه ويستحث به فالجوع يقتضي الطعم الذي فيه راحه البدن وقوامه والكرى ~~(1) يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن واجمام (2) قواه والشبق (3) يقتضي ~~الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه ولو كان الانسان إنما يصير إلى اكل ~~الطعام لمعرفته بحاجه بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان ~~خليقا ان يتوانى (4) عنه احيانا بالثقل والكسل حتى ينحل ؟ ؟ بدنه فيهلك كما ~~يحتاج الواحد الدواء لشئ مما يصلح به بدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك الى ~~المرض والموت وكذلك لو كان إنما يصير ms23 الى النوم بالفكر في حاجته الى راحه ~~البدن واجمام قواه كان عسى ان يتثاقل عن ذلك فيدفعه ينهك بدنه ولو كان إنما ~~يتحرك للجماع بالرغبه في الولد كان غير بعيد ان يفتر عنه حتى يقل النسل أو ~~ينقطع فإن من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به. فانطر كيف جعل لكل ~~واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الانسان وصلاحه محركا من نفس الطبع ~~يحركه لذلك ويحدوه عليه. واعلم ان في الانسان قوى اربعا قوة جاذبة تقبل ~~الغذاء وتورده على المعدة وقوة ماسكة تحبس الطعام، حتى تفعل فيه الطبيعة ~~فعلها وقوة هاضمة وهي التي تطبخه وتستخرج صفوه وتبثه في البدن وقوة دافعة ~~تدفعه وتحدر الثفل (5) الفاضل بعد اخذ الهاضمة حاجتها ففكر في تقدير هذه ~~القوى الأربع التي في البدن وافعالها وتقديرها للحاجة إليها والأرب فيها ~~وما في ذلك من التدبير والحكمة فلولا الجاذبة كيف كان يتحرك الانسان لطلب ~~الغذاء الذي به قوام البدن ؟ ولولا الماسكة كيف # --- # (1) الكرى: النعاس. (2) الاجمام من الجمام وهو الراحة يقال: جم الفرس إذا ~~ذهب اعياؤه. (3) يتوانى: يقصر. (4) الشبق بفتحتين شدة الشهوة. (5) الثفل هو ~~ما يستقر في أسفل الشئ من كدرة. # --- PageV01P036 [ 37 ] # كان يلبث الطعام في الجوف تهضمه المعدة ؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ ~~(1) حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن ويسد خلله (2) ولولا الدافعة كيف ~~كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا ؟ أفلا ترى كيف وكل ~~الله سبحانه بلطف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه ~~وسأمثل لك في ذلك مثالا ان البدن بمنزلة دار الملك له فيها حشم (3) وصبية ~~وقوام (4) موكلون بالدار فواحد لقضاء حوائج الحشم وايرادها (5) عليهم وآخر ~~لقبض ما يرد وخزنه الى أن يعالج ويهيأ وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه وآخر ~~لتنظيف ما في الدار من الأقذار واخراجه منها فالملك في هذا هو الخلاق ~~الحكيم ملك العالمين والدار هي البدن والحشم هم (6) الاعضاء والقوام هم (7) ~~هذه القوى الأربع ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وافعالها - بعد ms24 الذي ~~وصفت فضلا وتزدادا (8) وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في ~~كتب الاطباء ولا قولنا فيه كقولهم لأنهم ذكروها على ما يحتاج في صناعة الطب ~~وتصحيح الابدان وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي ~~(9) كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها. # --- # (1) انطبخ مطاوع طبخ تقول طبخ اللحم أي انضجه. (2) الخلل جمع خلة - ~~بالفتح - وهي القبة. (3) الحشم: الخدم والعيال أو من يغضبون له أو يغضب لهم ~~من أهل وعبيد وجيرة. (4) لعل القوام جمع قيم إذ القيم على الأمر هو المتولي ~~عليه. (5) أورده ايرادا أي احضره المورد ثم استعمل المطلق الأحضار. (6) (7) ~~في بعض النسخ هي. (8) لعل الأصل في الكلمة مزيدا من الزيادة أو تزيدا من ~~قولك تزيد الرجل في حديثه أي زخرفة وزاد فيه على الحقيقة، وتزيد في الشئ أي ~~تكلف الزيادة فيه. (9) الغي: الضلال والهلاك والخيبة. # --- PageV01P037 [ 38 ] # (قوى النفس وموقعها من الانسان) تأمل يا مفضل هذه القوى في النفس وموقعها ~~من الانسان أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك، أفرأيت لو نقص ~~الانسان من هذه الخلال (1) الحفظ وحده كيف كانت تكون حاله وكم من خلل كان ~~يدخل عليه في اموره ومعاشه وتجاربه إذا لم يحفظ ما له وما عليه وما اخذه ~~وما اعطى وما رأى وما سمع وما قال وما قيل له ولم يذكر من احسن إليه ممن ~~أساء وما نفعه مما ضره ثم كان لا يهتدى لطريق لو سلكه ما لا يحصى ولا يحفظ ~~علما ولو درسه عمره ولا يعتقد دينا ولا ينتفع بتجربة ولا يستطيع ان يعتبر ~~شيئا على ما مضى بل كان حقيقا ان ينسلخ من الانسانية. (النعمة على الانسان ~~في الحفظ والنسيان) فانظر الى النعمة على الانسان في هذه الخلال وكيف موقع ~~الواحدة منها دون الجميع واعظم من النعمة على الانسان في الحفظ النعمة في ~~النسيان فإنه لولا النسيان لما سلا (2) أحد عن مصيبة ولا انقضت له حسرة ولا ~~مات له حقد ولا استمتع بشئ من ms25 متاع الدنيا مع تذكر الآفات ولا رجاء غفلة من ~~سلطان ولا فترة من حاسد، أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ والنسيان وهما ~~مختلفان متضادان وجعل له في كل منهما ضربا من المصلحة وما عسى ان يقول ~~الذين قسموا الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء المتضاده المتباينة ~~وقد تراها تجتمع # --- # (1) الخلال: جمع خلة بالفتح - وهي الخصلة والصفة. (2) سلا الشئ وسلا عنه: ~~نسيه وهجره وطابت نفسه عنه وذهل عن ذكره. # --- PageV01P038 [ 39 ] # على ما فيه الصلاح والمنفعة (1). (اختصاص الانسان بالحياء دون بقية ~~الحيوانات) انظر يا مفضل الى ما خص به الانسان دون جميع الحيوان من هذا ~~الخلق الجليل قدره العظيم غناؤه اعني الحياء فلولاه لم يقر ضيف (2) ولم يوف ~~بالعداة ولم تقض الحوائج ولم يتحر الجميل ولم يتنكب (3) القبيح في شئ من ~~الاشياء حتى ان كثيرا من الأمور المفترضة ايضا إنما يفعل للحياء فإن من ~~الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه ولم يصل ذا رحم ولم يؤد امانة ولم ~~يعف عن فاحشه.. أفلا ترى كيف وفى الانسان جميع الخلال التي فيها صلاحه ~~وتمام أمره. (اختصاص الانسان بالمنطق والكتابة) تأمل يا مفضل ما انعم الله ~~تقدست اسماؤه على الانسان من هذا المنطق الذي يعبر به عما في ضميره وما ~~يخطر بقلبه وينتجه فكره وبه يفهم عن غيره ما في نفسه ولولا ذلك كان بمنزلة ~~البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشئ ولا تفهم عن مخبر شيئا وكذلك ~~الكتابة التي بها تقيد اخبار الماضين للباقين واخبار الباقين للآتين وبها ~~تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها وبها يحفظ الانسان ذكر ما يجري بينه ~~وبين غيره من المعاملات والحساب ولولاه لانقطع اخبار بعض الأزمنة عن # --- # (1) يقول علم النفس الحديث ان النسيان عمل من أعمال الذهن كالتذكر تماما، ~~وليس في مقدورنا أن نتذكر شيئا إلا إذا نسينا اشياء حتى ليمكن القول بأن ~~الذاكرة هي أداة النسيان، ونحن نفكر بفضل ما نسينا، كما نفكر بفضل ما ~~تذكرنا. (2) قرى الضيف: اضافة. (3) يتنكب: يتجنب. # --- PageV01P039 [ 40 ] # بعض ms26 وأخبار الغائبين عن أوطانهم ودرست العلوم وضاعت الآداب وعظم ما يدخل ~~على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم وما يحتاجون الى النظر فيه من أمر ~~دينهم وما روي لهم مما لا يسعهم جهله ولعلك تظن انها مما يخلص إليه بالحيلة ~~والفطنة وليست مما اعطيه الانسان من خلقه وطباعه. وكذلك الكلام إنما هو شئ ~~يصطلح الناس فيجرى بينهم ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة وكذلك لكتابة ~~العربي والسرياني والعبراني والرومي وغيرها من سائر الكتابة التي هي متفرقه ~~في الأمم إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على الكلام فيقال لمن ادعى ان ~~الانسان وان كان له في الأمرين جميعا فعل أو حيلة فإن الشئ الذي يبلغ به ~~ذلك الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عز وجل له في خلقه، فإنه لو لم يكن له ~~لسان مهيأ للكلام وذهن يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلم ابدا ولو لم تكن له ~~كف مهيئة واصابع للكتابة لم يكن ليكتب ابدا. واعتبر ذلك من البهائم التي لا ~~كلام لها ولا كتابة فأصل ذلك فطرة الباري جل وعز وما تفضل به على خلقه فمن ~~شكر أثيب ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. (1) (اعطاء الانسان ما يصلح ~~دينه ودنياه ومنعه مما سوى ذلك) فكر يا مفضل فيما اعطى الانسان علمه وما ~~منع فإنه أعطي جميع علم ما فيه صلاح دينه ودنياه فمما فيه صلاح دينه معرفة ~~الخالق تبارك # --- # (1) كلام الامام في بحث اللغات وشأنها هنا يشعر بأن الانسان هو الذي وضع ~~اللغات، بما خطره الله من قابلية المنطق وتعلم الكلام. # --- PageV01P040 [ 41 ] # وتعالى وبالدلائل والشواهد القائمة في الخلق ومعرفة الواجب عليه من العدل ~~على الناس كافة وبر الوالدين وأداء الأمانة ومواساة أهل الخلة واشباه ذلك ~~مما قد توجد معرفته والاقرار والاعتراف به في الطبع والفطرة من كل امة ~~موافقة أو مخالفة وكذلك أعطي علم ما فيه صلاح دنياه كالزراعة والغراس ~~واستخراج الأرضين واقتناء الأغنام والأنعام واستنباط المياه ومعرفة ~~العقاقير التي يستشفى بها من ضروب الأسقام والمعادن التي يستخرج منها ms27 أنواع ~~الجواهر وركوب السفن والغوص في البحر وضروب الحيل في صيد الوحش والطير ~~والحيتان والتصرف في الصناعات ووجوه المتاجر والمكاسب وغير ذلك مما يطول ~~شرحه ويكثر تعداده مما فيه صلاح أمره في هذه الدار فأعطي علم ما يصلح به ~~دينه ودنياه ومنع ما سوى ذلك مما ليس في شأنه ولا طاقته ان يعلم كعلم الغيب ~~وما هو كائن وبعض قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء وما تحت الأرض. وما في ~~لجج البحار واقطار العالم، وما في قلوب وما في الأرحام واشباه هذا مما حجب ~~عن الناس علمه. وقد ادعت طائفة من الناس هذه الأمور فأبطل دعواهم ما يبين ~~من خطئهم فيما يقصون عليه ويحكمون به فيما ادعوا عليه. فانظر كيف اعطي ~~الانسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف ~~قدره ونقصه وكلا الأمرين فيها صلاحه. (ما ستر عن الانسان علمه من مدة ~~حياته) تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الانسان علمه من مدة حياته فإنه لو عرف ~~مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد ~~عرفه بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو # --- PageV01P041 [ 42 ] # قارب الفناء فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر على ان ~~الذي يدخل على الانسان فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال لأن من ~~يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن الى ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه ~~اليأس وان كان طويل العمر ثم عرف ذلك وثق بالبقاء وانهمك في اللذات ~~والمعاصي وعمل على انه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره وهذا مذهب لا ~~يرضاه الله من عباده ولا يقبله ألا ترى لو ان عبدا لك عمل على انه يسخطك ~~سنة ويرضيك يوما أو شهرا لم تقبل منه ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون ان ~~يضمر طاعتك ونصحك في كل الأمور ؟ وفي كل الأوقات على تصرف الحالات (فإن ~~قلت) أو ليس قد ms28 يقيم الانسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته ؟ ~~(قلنا): ان ذلك شئ يكون من الانسان لغلبة الشهوات له وتركه مخالفتها من غير ~~ان يقدرها نفسه ويبني عليه أمره فيصفح الله عنه ويتفضل عليه بالمغفرة فإما ~~من قدر أمره على ان يعصي ما بدا له ثم يتوب آخر ذلك فإنما يحاول خديعة من ~~لا يخادع بأن يتسلف (1) التلذذ في العاجل ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل ~~ولأنه لا يفي بما يعد من ذلك فإن النزوع الترفه والتلذذ ومعاناة (2) التوبة ~~ولا سيما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب ولا يؤمن على الانسان مع مدافعته ~~بالتوبة ان يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب كما قد يكون على الواحد ~~دين الى اجل وقد يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الأجل وقد نفذ ~~المال فيبقى الدين قائما عليه فكان خير الأشياء للانسان أن يستر عنه مبلغ عمره، # --- # (1) التسلف: الاقتراض كأنه يجري معاملة مع ربه، بأن يتصرف في اللذات ~~عاجلا ويعد ربه في عوضها التوبة ليؤدي إليه آجلا... وفي بعض النسخ يستسلف ~~وهو طلب وبيع الشئ سلفا. (2) المعاناة: مقاساة العناء والمشقة. # --- PageV01P042 [ 43 ] # فيكون طول عمره يترقب الموت فيترك المعاصي ويؤثر العمل الصالح (فإن قلت): ~~وها هو الآن ستر عنه مقدار حياته وصار يترقب الموت في كل ساعة يقارف (1) ~~الفواحش وينتهك المحارم (2) (قلنا) ان وجه التدبير في هذا الباب هو الذي ~~جرى عليه الأمر فإن كان الانسان مع ذلك لا يرعوي (3) ولا ينصرف عن المساوي ~~فإنما ذلك من مرحه ومن قساوة قلبه لا من خطأ في التدبير كما ان الطبيب قد ~~يصف للمريض ما ينتفع به فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب لا يعمل بما ~~يأمره ولا ينتهي عما ينهاه عنه لم ينتفع بصفته ولم تكن الاساءة في ذلك ~~للطبيب بل للمريض حيث يقبل منه ولئن كان الانسان مع ترقبه للموت كل ساعة لا ~~يمتنع عن المعاصي فإنه لو وثق بطول البقاء كان احرى بأن يخرج الى الكبائر ~~الفظيعة فترقب الموت على ms29 كل حال خير له من الثقة بالبقاء ثم ان ترقب الموت ~~وان كان صنف من الناس يلهون عنه ولا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر منهم ~~وينزعون عن المعاصي ويؤثرون العمل الصالح ويجودون بالأموال والعقائل (4) ~~النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين فلم يكن من العدل ان يحرم هؤلاء ~~الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع اولئك حظهم منها. (الأحلام وامتزاج صادقها ~~بكاذبها وسر ذلك) فكر يا مفضل في الأحلام كيف دبر الأمر فيها فمزج صادقها # --- # (1) في الأصل المطبوع يفارق ولا يستقيم المعنى بها بل يكون عكسيا. ولما ~~رجعنا إلى البحار وجدناها يقارف. (2) المحارم جمع محرم وهو الحرام. (3) ~~الارعواء: الكف عن الشئ، أو الندم على الشئ والانصراف عنه وتركه. (4) ~~العقائل جميع عقيلة والعقيلة من الابل هي الكريمة، والعقيلة من كل شئ هي أكرمه. # --- PageV01P043 [ 44 ] # بكاذبها فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء ولو كانت كلها ~~تكذب لم يكن فيها منفعة بل كانت فضلا لا معنى له فصارت تصدق أحيانا فينتفع ~~بها الناس في مصلحة يهتدى لها أو مضره يتحذر منها وتكذب كثيرا لئلا يعتمد ~~عليها كل الاعتماد. (الأشياء المخلوقة لمأرب الانسان وايضاح ذلك) فكر يا ~~مفضل في هذه الأشياء التي تراها موجودة معدة في العالم من مأربهم فالتراب ~~للبناء والحديد للصناعات والخشب للسفن وغيرها والحجارة للأرحاء (1) وغيرها ~~والنحاس للأواني والذهب والفضة للمعاملة والذخيرة والحبوب للغذاء والثمار ~~للتفكه واللحم للمأكل والطيب للتلذذ والأدوية للتصحح (2) والدواب للحمولة. ~~والحطب للتوقد والرماد للكلس (3) والرمل للأرض وكم عسى ان يحصي المحصي من ~~هذا وشبهه..... أرأيت لو ان داخلا دخل دارا فنظر إلى خزائن مملوءة من كل ما ~~يحتاج إليه الناس ورأى كل ما فيها مجموعا معدا لأسباب معروفة أكان يتوهم ان ~~مثل هذا يكون بالاهمال ومن غير عمد ؟ فكيف يستجيز قائل ان يقول هذا من صنع ~~الطبيعة في العالم وما اعد فيه من هذه الأشياء. اعتبر يا مفضل بأشياء خلقت ~~لمأرب الانسان وما فيها من التدبير فإنه خلق له الحب لطعامه وكلف طحنه ~~وعجنه وخبزه وخلق ms30 له الوبر لكسوته فكلف ندفه وغزله ونسجه وخلق له الشجر ~~فكلف غرسها # --- # (1) الارحاء جمع رحى وهي الطاحونة. (2) التصحح من صحح المريض: أزال مرضه. ~~(3) الكلس: - بالكسر - ما يقوم به الحجر والرخام ونحوهما ويتخذ منها ~~باحراقها. (*) # --- PageV01P044 [ 45 ] # وسقيها والقيام عليها وخلقت له العقاقير لأدويته فكلف لقطها (1) وخلطها ~~وصنعها وكذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال. فانظر كيف كفى الخلقة التي ~~لم يكن عنده فيها حيلة وترك عليه في كل شئ من الأشياء موضع عمل وحركة لما ~~له في ذلك من الصلاح لأنه لو كفى كله حتى لا يكون له في الأشياء موضع شغل ~~وعمل لما حملته الأرض اشرا وبطرا (2) ولبلغ به ذلك الى ان يتعاطى أمورا ~~فيها تلف نفسه ولو كفى كل ما يحتاجون إليه لما تهنأوا (3) بالعيش ولا وجدوا ~~له لذة... ألا ترى لو ان امرءا نزل بقوم فأقام حينا بلغ جميع ما يحتاج إليه ~~من مطعم ومشرب وخدمة لتبرم بالفراغ ونازعته نفسه الى التشاغل بشئ فكيف لو ~~كان طول عمره مكفيا لا يحتاج الى شئ ؟ فكان من صواب التدبير في هذه الاشياء ~~التي خلقت للانسان ان جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة ولتكفه عن ~~تعاطي ما لا يناله ولا خير فيه ان ناله. (الخبز والماء رأس معاش الانسان ~~وحياته) واعلم يا مفضل ان رأس معاش الانسان وحياته الخبز والماء فانظر كيف ~~دبر الأمر فيهما فإن حاجة الانسان إلى الماء أشد من حاجته الى الخبز وذلك ~~ان صبره على الجوع اكثر من صبره على العطش والذي يحتاج من الماء أكثر مما ~~يحتاج إليه من الخبز لأنه يحتاج إليه لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وسقي ~~انعامه وزرعه فجعل الماء مبذولا # --- # (1) اللقط مصدر من لقط الشئ: أخذه من الأرض بلا تعب. ولقط الطائر الحب: ~~أخذه بمنقاره. (2) الأشر والبطر: (كلاهما بالفتح) بمعنى واحد. (3) وفي نسخة ~~البحار تهنوا. # --- PageV01P045 [ 46 ] # لا يشترى لتسقط عن الانسان المؤنة في طلبه وتكلفه وجعل الخبز متعذرا لا ~~ينال إلا بالحيلة والحركة ليكون للانسان في ذلك شغل يكفه عما ms31 يخرجه إليه ~~الفراغ من الأشر والعبث ألا ترى ان الصبي يدفع إلى المؤدب وهو طفل لم تكمل ~~ذاته للتعليم كل ذلك ليشتغل عن اللعب والعبث الذين ربما جنيا عليه وعلى ~~أهله المكروه العظيم وهكذا الانسان لو خلا من الشغل لخرج من الأشر والعبث ~~والبطر الى ما يعظم ضرره عليه وعلى من قرب منه واعتبر ذلك بمن نشأ في الجدة ~~(1) ورفاهية العيش والترفه والكفاية وما يخرجه ذلك إليه. (اختلاف صور الناس ~~وتشابه الوحوش والطير وغيرها) (من الحكمة في ذلك) اعتبر لم لا يتشابه الناس ~~واحد بالاخر كما تتشابه الوحوش والطير وغير ذلك فإنك ترى السرب من الظباء ~~والقطا تتشابه لا يفرق بين واحد منها وبين الأخرى وترى الناس مختلفة صورهم ~~وخلقهم حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة والعلة في ذلك ان ~~الناس محتاجون الى ان يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم لما يجري بينهم من ~~المعاملات وليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج الى معرفة كل واحد منها ~~بعينه وحليته ألا ترى ان التشابه في الطير والوحش لا يضرها شيئا وليس كذلك ~~الانسان فإنه ربما تشابه التوأم (2) تشابها شديدا فتعظم المؤنة على الناس ~~في معاملتهما حتى يعطي أحدهما بالاخر ويؤخذ احدهما بذنب # --- # (1) الجدة - بالتخفيف - الغني. (2) التوأم: المولود مع غيره في بطن واحد ~~جمعه توائم. وفي جميع النسخ توؤمان وورودها هنا خطأ ظاهر، إذ لا يجوز فيها ~~لأكثر من فردين، ومجيؤها بهذا النص دلالة على التثنية فيكون معناها أربعة أفراد. # --- PageV01P046 [ 47 ] # الاخر (1) وقد يحدث مثل هذا في تشابه الأشياء فضلا عن تشابه الصور فمن ~~لطف بعباده بهذه الدقائق التي لا تكاد تخطر بالبال حتى وقف بها على الصواب ~~إلا من وسعت رحمته كل شئ. لو رأيت تمثال الانسان مصورا على حائط وقال لك ~~قائل ان هذا ظهر هنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع !... أكنت تقبل ذلك بل ~~كنت تستهزئ به فكيف تنكر هذا في تمثال مصور جماد ولا تنكر في الانسان الحى ~~الناطق. (نمو أبدان الحيوان وتوقفها وسبب ذلك) لم صارت ms32 أبدان الحيوان وهي ~~تغتذى ابدا لا تنمى بل تنتهى إلى غاية من النمو ثم تقف ولا تتجاوزها لو لا ~~التدبير ذلك فإن تدبير الحكيم فيها ان تكون ابدان كل صنف منها على مقدار ~~معلوم غير متفاوت في الكبير والصغير وصارت تنمى حتى تصل الى غايتها ثم تقف ~~ثم لا تزيد والغذاء مع ذلك دائم لا ينقطع ولو تنمى نموا دائما لعظمت ~~ابدانها واشتبهت مقاديرها (2) حتى لا يكون لشئ منها حد يعرف. (ما يعتري ~~أجسام الانس من ثقل الحركة والمشى لو لم يصبها ألم) لم صارت أجسام الانس ~~خاصة تثقل عن الحركة والمشي وتجفو عن # --- # (1) أي قد يشبه مال شخص بمال شخص آخر كثوب أو دينار فيصير سببا للاشتباه ~~والتشاجر والتنازع فضلا عن تشابه الصورة فإنه أعظم فسادا. (2) أي لم يعرف ~~غاية ما ينتهي إليه مقداره، فيشتبه الأمر عليه، فيما يريد أن يهيئه لنفسه ~~من دار وثياب وزوجة. # --- PageV01P047 [ 48 ] # الصناعات اللطيفة (1) إلا لتعظيم المؤنة فيما يحتاج إليه الناس للملبس ~~والمضجع والتكفين وغير ذلك لو كان الانسان لا يصيبه ألم ولا وجع بم كان ~~يرتدع عن الفواحش ويتواضع لله ويتعطف على الناس... أما ترى الانسان إذا عرض ~~له وجع خضع واستكان ورغب الى ربه في العافية وبسط يده بالصدقة ولو كان لا ~~يألم من الضرب بم كان السلطان يعاقب الدعار (2) ويذل العصاة المردة وبم كان ~~الصبيان يتعلمون العلوم والصناعات وبم كان العبيد يذلون لأربابهم ويذعنون ~~لطاعتهم أفليس هذا توبيخ (ابن أبي العوجاء) (3) وذويه الذين جحدوا التدبير. ~~(والمانوية) الذين انكروا الوجع والألم. (انقراض الحيوان لو لم يلد ذكورا ~~واناثا) ولو لم يولد من الحيوان إلا ذكر فقط أو انثى فقط ألم يكن النسل ~~منقطعا وباد مع أجناس الحيوان فصار بعض الأولاد يأتي ذكورا وبعضها يأتي ~~اناثا ليدوم التناسل ولا ينقطع. # --- # (1) أي يبتعد ويجتنب ولا يداوم على الصناعات اللطيفة أي التي فيها دقة ~~ولطافة. والمراد أن الله تعالى جعل أجسام الانسان بحيث تثقل عن الحركة ~~والمشي قبل سائر الحيوانات، وتكل عن الأعمال الدقيقة لتعظم ms33 عليه مؤونة ~~تحصيل ما يحتاج إليه، فلا يبطر ولا يطمع، أو ليكون لهذه الأعمال أجر، فيصير ~~سببا لمعائش أقوام يزاولونها. (2) الدعار جمع داعر وهو الخبيث. وفي النسخة ~~المطبوعة الذعار بالذال وهذا تصحيف. (3) تقدمت ترجمة ابن أبي العوجاء في ~~مقدمة الكتاب. (*) # --- PageV01P048 [ 49 ] # (ظهور شعر العانة عند البلوغ ونبات اللحية للرجل دون) (المرأة وما في ذلك ~~من التدبير) لم صار الرجل والمرأة إذا أدركا تنبت لهما العانة ثم تنبت ~~اللحية للرجل وتتخلف عن المرأة لولا التدبير في ذلك فإنه جعل الله تبارك ~~وتعالى الرجل قيما ورقيبا على المرأة وجعل المرأة عرسا وخولا (1) للرجل ~~اعطى الرجل اللحية لما له من العز والجلالة والهيبة ومنعها المرأة لتبقى ~~لها نضارة الوجه والبهجة التي تشاكل المفاكهة (2) والمضاجعة أفلا ترى ~~الخلقة وكيف تأتي بالصواب في الأشياء وتتخلل مواضع الخطأ (3) فتعطي وتمنع ~~على قدر الأرب (4) والمصلحة بتدبير الحكيم عز وجل. قال المفضل: ثم حان وقت ~~الزوال فقام مولاي الى الصلاة وقال بكر (5) إلي غدا انشاء الله تعالى.. ~~فانصرفت عنده مسرورا بما عرفته مبتهجا بما أوتيته حامدا تعالى عز وجل على ~~ما انعم به علي شاكرا لأنعمه على ما منحني بما عرفنيه مولاي وتفضل به علي ~~فبت في ليلتي مسرورا بما منحنيه محبور بما علمنيه # --- # (1) الخول - بفتحتين - العبيد والإماء وغيرهم من الحاشية وهو يستعمل بلفظ ~~واحد للجميع، وربما قيل للواحد خائل. (2) المفاكهة: هي الممازحة والمضاحكة. ~~(3) يحتمل أن تكون الجملة حالية، أي تأتي بالصواب مع أنها تدخل مواضع هي ~~مظنة الخطأ من قولهم تخللت القوم أي دخلت خلالهم ويحتمل أن يكون المراد ~~بالتخلل التخلف أو الخروج من خلالها، لكن تطبيقها على المعاني اللغوية يدعو ~~إلى التكلف. (4) الأرب - بفتحتين -: الحاجة والغاية والجميع آراب. (5) بكر ~~- بالتشديد - أتاه بكرة. # --- PageV01P049 [ 50 ] # * (المجلس الثاني) * قال المفضل: فلما كان اليوم الثاني بكرت إلى مولاي ~~فاستؤذن لي فدخلت فأمرني بالجلوس فجلست فقال: - الحمد لله مدبر الأدوار (1) ~~ومعيد الأكوار (2) طبقا (3) عن طبق وعالما بعد عالم ليجزي الذين أساؤا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى عدلا منه تقدست أسماؤه ms34 وجلت آلاؤه لا ~~يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون يشهد بذلك قوله جل قدسه * (فمن ~~يعمل مثقال ذره خيرا يره ومن يعمل مثقال ذره شرا يره) * في نظائر لها (4) ~~في كتابه الذي فيه تبيان كل شئ ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~(تنزيل من حكيم حميد) ولذلك قال سيدنا محمد صلوات الله عليه وعلى آله: " ~~إنما هي أعمالكم ترد إليكم ". ثم أطرق الامام هنيئة وقال: يا مفضل الخلق ~~حيارى عمهون (5) سكارى في طغيانهم يترددون وبشياطينهم وطواغيتهم يقتدون ~~بصراء عمي لا يبصرون نطقاء بكم (6) لا يعقلون سمعاء (7) صم (8) لا # --- # (1) الادوار جمع دور مصدر بمعنى الحركة. (2) الاكوار جمع كور - بالفتح - ~~مصدر بمعنى الجماعة الكثيرة أو القطيع من الأبل والبقر ويقال كل دور كور ~~والمراد اما استيناف قرن بعد قرن وزمان بعد زمان. (3) الطبق: وجه الأرض ~~ولعل المراد به معنى الحال يقال: الدهر اطباق - أي أحوال تختلف. (4) أي ~~قالها في ضمن نظائرها أو مع نظائرها. (5) عمهون، جمع عمه - بفتح فكسر - وهو ~~المتردد في الضلال والمتحير في أمره أو طريقه. (6) بكم: جمع أبكم وهو ~~الأخرس. (7) سمعاء، جمع سميع بمعنى السامع والمسمع وهو للمبالغة. (8) الصم، ~~جمع اصم وهو الذي انسدت اذنه وثقل سمعه أو ذهب عنه بتاتا. # --- PageV01P050 [ 51 ] # يسمعون رضوا بالدون (1) وحسبوا انهم مهتدون حادوا (2) عن مدرجة (3) ~~الاكياس (4) ورتعوا في مرعى الأرجاس (5) الانجاس كأنهم من مفاجآت الموت ~~آمنون وعن المجازات مزحزحون يا ويلهم ما أشقاهم وأطول عناءهم وأشد بلاءهم * ~~(يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله) * ! قال ~~المفضل: فبكيت لما سمعت منه ! فقال: لا تبك تخلصت إذ قبلت ونجوت إذ عرفت. ~~(أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها وايضاح ذلك) ثم قال ابتدئ لك بذكر الحيوان ~~ليتضح لك من امره ما وضح لك من غيره فكر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها ~~على ما هي عليه فلا هي صلاب كالحجارة ولو كانت كذلك لا تنثني (6) ولا تتصرف ~~في الأعمال ولا هي على غاية اللين والرخاوة فكانت لا تتحامل ms35 ولا تستقل ~~بأنفسها فجعلت من لحم رخو ينثني تتداخله عظام صلاب يمسكه عصب وعروق تشده ~~وتضم بعضه الى بعض وغلفت (7) فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كله واشباه ذلك ~~هذه التماثيل التي تعمل # --- # (1) الدون، أريد به هنا معنى الخسيس الحقير السافل. (2) حادوا: مالوا. ~~(3) مدرجة جمع مدارج، ما يساعد على التوصل إلى ما هو أفضل أو أعلى منه. (4) ~~الأكياس: جمع كيس بتشديد الياء - أي الفطن الحسن الفهم والادب. (5) الأرجاس ~~لعله جمع رجس - بالكسر - القذر والمأثم أو كل ما استقذر من العمل والعمل ~~المؤدي إلى العذاب. (6) لا تنثني: لا تنعطف ولا تميل. (7) في نسخة وعليت. # --- PageV01P051 [ 52 ] # من العيدان وتلف بالخرق وتشد بالخيوط وتطلى فوق ذلك بالصمغ فتكون العيدان ~~بمنزلة العظام والخرق بمنزلة اللحم والخيوط بمنزلة العصب والعروق والطلاء ~~بمنزلة الجلد فإن جاز ان يكون الحيوان المتحرك حدث بالاهمال من غير صانع ~~جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميتة فإن كان هذا غير جائز في التماثيل ~~فبالحري أن لا يجوز في الحيوان. (اجساد الانعام وما اعطيت وما منعت وسبب ~~وذلك) وفكر يا مفضل بعد هذا في اجساد الانعام (1) فإنها حين خلقت على ابدان ~~الانس من اللحم والعظم والعصب اعطيت ايضا السمع والبصر ليبلغ الانسان حاجته ~~فإنها لو كانت عميا صما لما انتفع بها الانسان ولا تصرفت شئ من مآربه ثم ~~منعت الذهن والعقل لتذل للانسان فلا تمتنع عليه إذا كدها الكد الشديد ~~وحملها الحمل الثقيل فإن قال قائل انه قد يكون للانسان عبيد من الانس يذلون ~~ويذعنون بالكد الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن فيقال في جواب ذلك ~~ان هذا الصنف من قليل فأما أكثر الناس فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من ~~الحمل والطحن وما أشبه ذلك ولا يغرون (2) بما يحتاج إليه منه ثم لو كان ~~الناس يزاولون مثل هذه الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن سائر الأعمال لأنه ~~كان يحتاج مكان الجمل الواحد والبغل الواحد الى عدة أناسي فكان هذا العمل ~~يستفرغ الناس حتى لا يكون فيهم عنه فضل ms36 لشئ من الصناعات مع ما يلحقه من ~~التعب الفادح في ابدانهم والضيق والكد في معاشهم. # --- # (1) الانعام جمع نعام - بفتحتين - الابل وتطلق على البقر والغنم. (2) لا ~~يغرون - بالغين على بناء المفعول - أي لا يؤثر فيهم الاغراء والتحريض على ~~جميع الاعمال التي يحتاج إليها الخلق من ذلك العمل الذي تأتى به الدواب. # --- PageV01P052 [ 53 ] # (خلق الأصناف الثلاثة من الحيوان) فكر يا مفضل في هذه الأصناف الثلاثة من ~~الحيوان وفي خلقها على ما هي عليه مما فيه صلاح كل واحد منها فالانس لما ~~قدروا أن يكونوا ذوى ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والتجارة ~~والصياغة والخياطة وغير ذلك خلقت لهم أكف كبار ذوات أصابع غلاظ ليتمكنوا من ~~القبض على الاشياء واوكدها هذه الصناعات (آكلات اللحم من الحيوان والتدبير ~~في خلقها) وآكلات اللحم لما قدر ان تكون معائشها من الصيد خلقت لهم أكف ~~لطاف مدمجة (1) ذوات براثن (2) ومخالب (3) تصلح لأخذ الصيد ولا تصلح ~~للصناعات وآكلات النبات قدر أن يكونوا لا ذوات صنعة ولا ذات صيد خلقت ~~لبعضها أظلاف تقيها خشونة الأرض إذا حاولت طلب المرعى ولبعضها حوافر ململمة ~~(4) ذوات قعر (5) كأخمص القدم تنطبق على الأرض عند تهيئها للركوب والحمولة ~~تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد ~~وبراثن شداد واشداق (6) وافواه واسعة فإنه لما قدر ان # --- # (1) مدمجة أي مستقيمة محكمة متداخلة. (2) البراثن جمع برثن بالضم - من ~~السباع والطير بمنزلة الاصبع من الانسان. (3) المخالب جمع مخلب - بالكسر - ~~وهو الظفر خصوصا من السباع. (4) ململمة أي مجموعة بعضها إلى بعض. (5) قعر ~~كل شئ أقصاه. (6) الاشداق جمع شدق - بالفتح أو الكسرة - زاوية الفم من باطن ~~الخدين. # --- PageV01P053 [ 54 ] # يكون طعمها (1) اللحم خلقت خلقة تشاكل واعينت بسلاح وأدوات تصلح للصيد ~~وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخالب مهيئة لفعلها ولو كانت الوحوش ~~ذوات مخالب كانت قد اعطيت ما لا تحتاج إليه لأنها لا تصيد ولا تأكل اللحم ~~ولو كانت السباع ذوات اظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه اعني السلاح الذي ~~تصيد به وتتعيش ms37 أفلا ترى كيف اعطى واحد من الصنفين ما يشاكل صنفه وطبقته بل ~~ما فيه بقاؤه وصلاحه (ذوات الأربع واستقلال اولادها) انظر الآن الى ذوات ~~الاربع كيف تراها تتبع اماتها (2) مستقلة بأنفسها لا تحتاج الى الحمل ~~والتربية كما تحتاج اولاد الانس فمن اجل انه ليس عند اماتها ما عند امهات ~~البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوة عليها بالأكف والأصابع المهيأة لذلك ~~أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها وكذلك ترى كثيرا من الطير كمثل الدجاج ~~والدراج (3) والقبج (4) تدرج وتلقط حين تنقاب عنها البيضة فأما ما كان منها ~~ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام واليمام (5) والحمر (6) فقد جعل في ~~الامهات فضل عطف # --- # (1) الطعم - بالضم - الطعام. (2) الامات جمع ام وقيل انها تستعمل في ~~البهائم، وأما في الناس فهي أمهات. (3) الدراج - بضم فتشديد - طائر شبيه ~~بالحجل وأكبر منه ارقط بسواد وبياض قصير المنقار يطلق على الذكر والانثى، ~~جمعه دراريج وواحدته دراجة والتاء للوحدة لا للتأنيث. (4) القبج - بفتحتين ~~- طائر يشبه الحجل وفي القاموس هو الحجل والواحدة قبجة تقع على الذكر ~~والانثى. (5) اليمام: الحمام الوحشي. (6) الحمر - بضم فتشديد - طائر أحمر ~~اللون والواحدة حمرة. # --- PageV01P054 [ 55 ] # عليها فصارت تمج (1) الطعام في افواهها بعد ما توعيه (2) حواصلها (3) فلا ~~تزال تغذوها تستقل بأنفسها ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرة مثل ما ترزق ~~الدجاج لتقوى الأم على تربية فراخها فلا تفسد ولا تموت فكلا أعطى بقسط من ~~تدبير الحكيم اللطيف الخبير (قوائم الحيوان وكيفية حركتها) أنظر إلى قوائم ~~الحيوان كيف تأتى ازواجا لتتهيأ للمشى ولو كانت أفرادا لم تصلح لذلك لأن ~~الماشي ينقل قوائمه يعتمد على بعض فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على ~~واحدة وذو الأربع ينقل اثنتين ويعتمد على اثنتين وذلك من خلاف لأن ذا ~~الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب ~~الآخر لم يثبت على الأرض كما يثبت السرير وما اشبهه فصار ينقل اليمنى من ~~مقاديمه مع اليسرى من مآخيره وينقل الأخريين ايضا خلاف فيثبت على الأرض ولا ~~يسقط إذا مشى (انقياد الحيوانات المسخرة للانسان ms38 وسببه) أما ترى الحمار كيف ~~يذل للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما والبعير لا يطيقه عدة رجال ~~لو استعصى كيف كان ينقاد للصبى ؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى ~~يضع النير (4) على عنقه # --- # (1) تمج الطعام أي ترمي به. (2) توعيه من أوعى الزاد ونحوه - أي جعله في ~~الوعاء. (3) الحواصل كأنها جمع حوصلة وحوصلاء وهي من الطير بمنزلة المعدة ~~من الانسان. (4) النير - بالكسر - الخشبة المعترضة في عنقي الثورين بأدائها ~~والجمع انيار ونيران. # --- PageV01P055 [ 56 ] # ويحرث به والفرس الكريم يركب (1) السيوف والأسنة بالمواتاة لفارسه ~~والقطيع من الغنم يرعاه واحد ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية ~~لم يلحقها وكذلك جميع الأصناف المسخرة للانسان كانت كذلك إلا بأنها عدمت ~~العقل والروية فإنها لو كانت تعقل وتتروى في الأمور كانت خليقة ان تلتوى ~~على الانسان في كثير من مآربه حتى يمتنع الجمل على قائده والثور على صاحبه ~~وتتفرق الغنم عن راعيها واشباه هذا من الأمور (افتقاد السباع للعقل والروية ~~وفائدة ذلك) وكذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت (2) على الناس ~~كانت خليقة ان تجتاحهم فمن كان يقوم للاسد والذئاب والنمور والدببة لو ~~تعاونت وتظاهرت على الناس أفلا ترى كيف حجر (3) ذلك عليها وصارت مكان ما ~~كان يخاف من أقدامها ونكايتها تهاب مساكن الناس وتحجم عنها ثم لا تظهر ولا ~~تنتشر لطلب قوتها إلا بالليل فهى مع صولتها كالخائف من الأنس بل مقموعة (4) ~~ممنوعة منهم ولو كان ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيقت عليهم (عطف الكلب على ~~الانسان ومحاماته عنه) ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ~~ومحاماة عنه # --- # (1) يركب السيوف والاسنة أي يلقي نفسه عليها. (2) توازرت أي اجتمعت ~~واتحدت. (3) حجر عليه الأمر: حرمه ومنعه. (4) مقموعة: مقهورة ذليلة. # --- PageV01P056 [ 57 ] # وحافظ له ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه وذب ~~الذعار عنه ويبلغ من محبته لصاحبه ان يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته ~~وماله ويألفه غاية الالف (1) حتى يصبر معه على الجوع والجفوة فلم طبع الكلب ms39 ~~على هذه الألفة والمحبة إلا ليكون حارسا للانسان له عين (2) بانياب (3) ~~ومخالب ونباح هائل ليذعر منه السارق ويتجنب المواضع التي يحميها ويخفرها ~~(4) (وجه الدابة وفمها وذنبها وشرح ذلك) يا مفضل تأمل وجه الدابة كيف هو ~~فانك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو ~~تتردى في حفرة وترى الفم مشقوقا شقا في اسفل الخطم (5) ولو شق كمكان الفم ~~من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع ان يتناول به شيئا من الأرض ألا ترى ~~ان الانسان لا يتناول الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات ~~فلما لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خرطومها (6) مشقوقا من أسفله ~~لتقبض على العلف ثم تقضمه واعينت بالجحفلة (7) لتتناول بها ما قرب وما بعد ~~اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه فإنه بمنزلة الطبق (8) على الدبر والحياء ~~جميعا يواريهما ويسترهما ومن منافعها فيه ان ما يبين # --- # (1) الألف - بفتح فسكون - المحبة والانس. (2) العين - بالفتح - الغلظة في ~~الجسم والخشونة. (3) الأنياب جمع ناب وهو السن خلف الرباعية مؤنث. (4) ~~يخفرها: يجيرها ويؤمنها. (5) خطم الدابة: مقدم انفها وفمها. (6) الخرطوم: ~~الأنف أو مقدمه أو ما ضممت عليه الحنكين. (7) الجحفلة هي لذات الحافر ~~كالشفة للانسان. (8) الطبق - بفتحتين - مصدر الغطاء جمعه اطباق. # --- PageV01P057 [ 58 ] # الدبر ومراقي البطن منها وضر (1) يجتمع عليها الذباب والبعوض فجعل لها ~~الذنب كالمذبة (2) تذب بها عن تلك المواضع ومنها ان الدابة تستريح إلى ~~تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة فإنه لما كان قيامها على الأربع بأسرها وشغلت ~~المقدمتان بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة وفيه ~~منافع اخرى يقصر عنها الوهم فيعرف موقعها في وقت الحاجة إليها فمن ذلك ان ~~الدابة ترتطم في الوحل (3) فلا يكون شئ أعون على نهوضها من الأخذ بذنبها ~~وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مأربهم ثم جعل ظهرها مسطحا ~~مبطوحا على قوائم اربع ليتمكن من ركوبها وجعل حياها بارزا من ورائها ليتمكن ~~الفحل من ضربها ولو كان اسفل البطن كما كان الفرج من المرأة لم يتمكن ms40 الفحل ~~منها ألا ترى أنه لا يستطيع أن يأتيها كفاحا (4) كما يأتي الرجل المرأة ~~(الفيل ومشفره) تأمل مشفر (5) الفيل وما فيه من لطيف التدبير فإنه يقوم ~~مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما إلى جوفه ولو لا ذلك لما ~~استطاع أن يتناول شيئا من الأرض لأنه ليست له رقبة يمدها كسائر الانعام ~~فلما عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسد له فيتناول به # --- # (1) الوضر - بفتحتين - مصدر الوسخ. (2) المذبة - بالكسر - ما يذب به ~~الذباب. (3) الوحل - بفتحتين - الطين الرقيق جمعه وحول وأوحال. (4) الكفاح ~~- بالكسر - الملاقاة وجها لوجه. (5) المشفر - بكسر فسكون ففتح - الشفة ~~وتستعمل للبعير إلا أن الإمام الصادق عدل المعنى الى خرطوم الفيل إذ هو ~~بمثابة الشفاه، بل هو شفاهه الحقيقية التي بها يتناول العلف والماء. # --- PageV01P058 [ 59 ] # حاجته فمن ذا الذي عوضه مكان العضو الذي عدم ما يقوم مقامه إلا الرؤوف ~~بخلقه وكيف يكون هذا بالاهمال كما قالت الظلمة فإن قال قائل فما باله لم ~~يخلق ذا عنق كسائر الأنعام قيل ان رأس الفيل وأذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل فلو ~~كان ذلك على عنق عظيم لهدها وأوهنها فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا يناله منه ~~ما وصفناه وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول غذاءه فصار مع عدم العنق ~~مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته (حياء الأنثى من الفيلة) أنظر الآن كيف جعل حياء ~~الانثى من الفيلة في اسفل بطنها فإذا هاجت للضراب ارتفع وبرز حتى يتمكن ~~الفحل من ضربها فاعتبر كيف جعل حياء الانثى من الفيلة على خلاف ما عليه في ~~غيرها من الانعام ثم جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للأمر الذي فيه قوام النسل ~~ودوامه (الزرافة وخلقتها وكونها ليست من لقاح أصناف شتى) فكر في خلق ~~الزرافة واختلاف اعضائها وشبهها باعضاء أصناف من الحيوان فرأسها رأس فرس ~~وعنقها عنق جمل وأظلافها أظلاف بقرة وجلدها جلد نمر وزعم ناس من الجهال ~~بالله عز وجل ان نتاجها من فحول شتى قالوا وسبب ذلك ان اصنافا من حيوان ~~البر إذا وردت الماء تنزو على ms41 بعض السائمة وينتج مثل الشخص الذي هو ~~كالملتقط من اصناف شتى وهذا جهل من قائله وقلة معرفة بالبارى جل قدسه وليس ~~كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف فلا الفرس يلقح الجمل ولا الجمل يلقح # --- PageV01P059 [ 60 ] # البقر وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه كما ~~يلقح الفرس الحمار فيخرج بينهما البغل ويلقح الذئب الضبع فيخرج من بينهما ~~السمع (1) على انه ليس يكون في الذي يخرج من بينهما عضو كل واحد منهما كما ~~في الزرافة عضو من الفرس وعضو من الجمل واظلاف من البقرة بل يكون كالمتوسط ~~بينهما الممتزج منهما كالذى تراه في البغل فإنك ترى رأسه وأذنيه وكفله (2) ~~وذنبه وحوافره وسطا بين هذه الأعضاء من الفرس والحمار وشحيجة (3) كالممتزج ~~من صهيل الفرس ونهيق الحمار فهذا دليل على انه ليست الزرافة من لقاح أصناف ~~شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون بل هي خلق عجيب من خلق الله للدلالة على ~~قدرته التي لا يعجزها شئ وليعلم انه خالق أصناف الحيوان كلها يجمع بين ما ~~يشاء من اعضائها في أيها شاء ويفرق ما شاء منها في ايها شاء ويزيد في ~~الخلقة ما شاء وينقص منها ما شاء دلالة على قدرته على الاشياء وأنه لا يعجز ~~شئ أراده جل وتعالى فأما طول عنقها والمنفعة في ذلك فإن منشأها ومرعاها في ~~غياطل (4) ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء فهى تحتاج الى طول العنق ~~لتتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتقوت من ثمارها (القرد وخلقته والفرق ~~بينه وبين الانسان) تأمل خلقة القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعنى ~~الرأس والوجه والمنكبين والصدر وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان # --- # (1) السمع - بكسر فسكون - ولد الذئب من الضبع والأنثى سمعة. (2) الكفل - ~~بفتحتين - من الدابة: العجز أو الردف والجمع اكفال. (3) الشحيج من شحج ~~البغل: صوت وغلظ صوته. (4) الغياطل جمع غيطل وهو الشجر الكثير الملتف. # --- PageV01P060 [ 61 ] # وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يؤمى إليه ويحكى ~~كثيرا مما يرى الانسان يفعله حتى ms42 انه يقرب من خلق الانسان وشمائله في ~~التدبير في خلقته على ما هي عليه ان يكون عبرة للانسان في نفسه فيعلم انه ~~من طينة البهائم وسنخها (1) إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب وانه لولا ~~فضيلة فضله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم على ان في جسم ~~القرد فضولا اخرى تفرق بينه وبين الانسان كالخطم (2) والذنب المسدل والشعر ~~المجلل للجسم كله وهذا لم يكن مانعا للقرد ان يلحق بالانسان لو اعطى مثل ~~ذهن الانسان وعقله ونطقه والفصل الفاصل بينه وبين الانسان في الحقيقة هو ~~النقص في العقل والذهن والنطق (اكساء أجسام الحيوانات وخلقة أقدامها بعكس ~~الانسان) (وأسباب ذلك) انظر يا مفضل الى لطف الله جل اسمه بالبهائم كيف ~~كسيت أجسامها هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف لتقيها من البرد وكثرة ~~الآفات البست الاظلاف والحافر والاخفاف لتقيها من الحفاء (3) إذ كانت لا ~~أيدى لها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للغزل والنسج فكفوا بأن جعل كسوتهم في ~~خلقهم باقية عليهم ما بقوا لا يحتاجون إلى تجديدها واستبدال بها فأما ~~الانسان فإنه ذو حيلة وكف مهيأة للعمل فهو ينسج ويغزل ويتخذ لنفسه الكسوة ~~ويستبدل بها حالا بعد حال وله في ذلك صلاح من جهات من ذلك انه يشتغل بصنعة ~~اللباس عن العبث وما تخرجه إليه # --- # (1) السنخ - بالكسر - الأصل والجمع اسناخ وسنوخ. (2) الخطم من الدابة: ~~مقدم أنفها وفمها. (3) الحفاء هو المشئ بلا خف ولا نعل. # --- PageV01P061 [ 62 ] # الكفاية ومنها انه يستريح الى خلع كسوته إذا شاء ولبسها إذا شاء ومنها ان ~~يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا لها جمال وروعة فيتلذذ بلبسها وتبديلها وكذلك ~~يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا الخفاف (1) والنعال يقى بها قدميه وفي ذلك ~~معائش لمن يعمله من الناس ومكاسب يكون فيها معائشهم ومنها أقواتهم واقوات ~~عيالهم فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة والأظلاف (2) ~~والحوافر والاخفاف مقام الحذاء (مواراة البهائم عند احساسها بالموت) فكر يا ~~مفضل في خلقة عجيبة جعلت في البهائم فإنهم يوارون (3) أنفسهم إذا ماتوا كما ~~يوارى الناس ms43 موتاهم وإلا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى منها ~~شئ وليست قليلة فتخفى لقلتها بل لو قال قائل انها اكثر من الناس لصدق ~~فاعتبر في ذلك بما تراه في الصحارى والجبال من اسراب الظباء (4) والمها (5) ~~والحمير الوحش والوعول (6) والأيائل (7) وغير ذلك من الوحوش واصناف السباع ~~من الأسد والضباع والذئاب والنمور وغيرها وضروب الهوام والحشرات ودواب ~~الأرض وكذلك اسراب الطير من الغربان # --- # (1) الخفاف جمع خف - بالضم - وهو ما يلبس بالرجل. (2) الاظلاف - بالكسر - ~~وهو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة والظبي بمنزلة الحافر للفرس. (3) يوارون ~~أنفسهم: يخفونها. (4) الظباء جمع ظبية وهي انثى الغزال. (5) المها: جمع ~~مهاة وهي البقرة الوحشية. (6) الوعول جمع وعل وهو تيس الجبل له قرنان قويان ~~منحنيان كسيفين أحد بين. (7) الايائل جمع أيل - بفتح فتشديد - حيوان من ~~ذوات الظلف للذكور منه قرون متشعبة لا تجويف فيها، أما الاناث فلا قرون ~~لها. (*) # --- PageV01P062 [ 63 ] # والقطا والاوز والكراكي (1) والحمام وسباع الطير جميعا وكلها لا يرى منها ~~إذا ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع فإذا أحسوا ~~بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها ولو لا ذلك لامتلأت الصحارى منها ~~حتى تفسد رائحة الهواء وتحدث الأمراض والوباء فانظر إلى هذا بالذى يخلص ~~إليه الناس وعملوه بالتمثيل (2) الأول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا واذكارا ~~(3) في البهائم وغيرها ليسلم الناس من معرة (4) ما يحدث عليهم من الأمراض ~~والفساد (الفطن التي جعلت في البهائم الأيل والثعلب والدلفين) فكر يا مفضل ~~في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عز ~~وجل لهم لئلا يخلو من نعمة جل وعز أحد من خلقه بعقل وروية فإن الأيل يأكل ~~الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع عن شرب الماء خوفا من ان يدب السم في جسمه ~~فيقتله ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا فيعج عجيجا عاليا ولا يشرب منه ولو ~~شرب لمات من ساعته فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمل الظمأ ~~الغالب الشديد خوفا من المضرة في الشرب وذلك مما ms44 لا يكاد الانسان العاقل ~~المميز يضبطه من نفسه # --- # (1) الكراكي جمع كركي - بضم فسكون فسكر - طائر كبير أغبر اللون طويل ~~العنق والرجلين أبتر الذنب قليل اللحم. (2) المراد بالتمثيل ما ذكره الله ~~تعالى في قصة قابيل. (3) في الأصل المطبوع ادكارا بالدال المهملة، ولكن ~~الاذكار أوضح وهو من قولهم ذكر الشئ: حفظه في ذهنه. (4) المعرة: الأمر ~~القبيح والمساءة والاثم والاذى. # --- PageV01P063 [ 64 ] # والثعلب إذا اعوزه الطعم تماوت ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا فإذا وقعت ~~عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه ~~الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذه وشبهه فانه لما كان الثعلب يضعف ~~عن كثير مما تقوى عليه السباع من مساورة الصيد اعين بالدهاء والفطنة ~~والاحتيال لمعاشه والدلفين (1) يلتمس صيد الطير فيكون حيلته في ذلك ان يأخذ ~~السمك فيقتله ويسرحه (2) حتى يطفو على الماء ثم يكمن تحته ويثور الماء الذي ~~عليه حتى لا يتبين شخصه فإذا وقع الطير على السمك الطافى وثب إليها ~~فاصطادها فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة ~~(التنين والسحاب) قال المفضل فقلت اخبرني يا مولاى عن التنين (3) والسحاب ~~فقال عليه السلام إن السحاب كالموكل به يختطفه حيثما ثقفه (4) كما يختطف ~~حجر المغناطيس الحديد فهو لا يطلع رأسه في الأرض خوفا من السحاب ولا يخرج ~~إلا في القيظ (5) مرة إذا صحت السماء فلم يكن فيها # --- # (1) الدلفين - بضم فسكون - دابة بحرية كبيرة والجمع دلافين، واللفظ دخيل ~~ومرادفه في العربية الدخس - بضم ففتح -. (2) في الأصل المطبوع يشرحه ~~بالشين، لكن كلمة يسرحه هنا أكثر أداء للمعنى المقصود. (3) التنين - بالكسر ~~- الحية العظيمة والجمع تنانين. (4) ثقفه: ادركه وظفر به. (5) القيظ: حميم ~~الصيف وشدة الحر والجمع أقياظ وقيوظ. # --- PageV01P064 [ 65 ] # نكتة (1) من غيمة قلت فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويختطفه إذا وجده قال ~~ليدفع عن الناس مضرته (2) (في الذرة والنمل واسد الذباب والعنكبوت وطبائع ~~كل منهما) قال المفضل فقلت قد وصفت لي يا مولاى من أمر البهائم ما فيه ~~معتبر لمن اعتبر فصف لي ms45 الذرة والنملة والطير فقال عليه السلام يا مفضل ~~تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها فمن اين ~~هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق ~~وكبيره انظر إلى النمل واحتشاده في جمع القوت واعداده فإنك ترى الجماعة ~~منها إذا نقلت الحب الى زبيتها (3) بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو ~~غيره بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله أما تراهم ~~يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل ثم # --- # (1) النكتة: النقطة السوداء في الأبيض أو البيضاء في الأسود والجمع نكت ~~ونكات. (2) الذي يظهر إن هذا الأمر الغريب كان معروفا عند العرب - الأوائل، ~~وقد ورد ذكره في الشعر القديم، كالذي جاء في قصيدة للشاعر العباسي اسماعيل ~~بن محمد المعروف بالسيد الحميري المتوفي سنة 173، فقال من تلك القصيدة التي ~~يذكر فيها إحدى فضائل الامام علي عليه السلام. - ألا يا قوم للعجب العجاب * ~~لخف أبي الحسين وللحباب عدو من عدات الجن عبد * بعيد في المرادة من صواب ~~كريه اللوم أسود ذو بصيص * حديد الناب أزرق ذو لعاب أتى خفا له فانساب فيه ~~* لينهش رجله منها بناب فقض من السماء له عقاب * من العقبان أو شبه العقاب ~~فطار به فحلق ثم أهوى * به للأرض من دون السحاب (3) الزبية - بضم فسكون: - ~~الرابية لا يعلوها ماء جمعها زبى. # --- PageV01P065 [ 66 ] # يعمدون الى الحب فيقطعونه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم فإن أصابه ندى ~~اخرجوه فنشروه حتى يجف ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشز (1) من الأرض ~~كيلا يفيض السيل فيغرقها وكل هذا منه بلا عقل ولا روية بل خلقة خلق عليها ~~لمصلحظة من الله جل وعز انظر الى هذا الذي يقال له الليث (2) وتسميه العامة ~~أسد الذباب وما أعطى من الحيلة والرفق في معاشه فإنك تراه حين يحس بالذباب ~~قد وقع قريبا منه تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به فإذا رأى الذباب قد ~~أطمأن وغفل عنه دب دبيبا دقيقا حتى يكون ms46 منه بحيث تناله وثبته ثم يثب عليه ~~فيأخذه فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة ان ينجو منه فلا يزال قبضا ~~عليه حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه ويحيى بذلك منه ~~فأما العنكبوت فإنه ينسج ذلك النسج فيتخذه شركا ومصيدة للذباب ثم يكمن (3) ~~في جوفه فإذا نشب فيه الذباب أحال (4) عليه يلدغه ساعة بعد ساعة فيعيش بذلك ~~منه فذلك (5) يحكى صيد الكلاب والفهود وهذا (6) يحكى صيد الاشراك والحبائل ~~فانظر الى هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الانسان إلا ~~بالحيلة واستعمال الآلات فلا تزدرى بالشئ إذا كانت # --- # (1) النشز - بفتحتين - المكان المرتفع جمعه نشاز وانشاز. (2) الليث: ضرب ~~من العناكب والجمع ليوث ومليثة. (3) في الأصل المطبوع يتمكن وهو خطأ. (4) ~~أحال: أقبل ووثب. (5) يعني به أسد الذباب. (6) يعني به العنكبوت وفي نسخة - ~~هكذا -. # --- PageV01P066 [ 67 ] # العبره فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فإن المعنى النفيس قد يمثل ~~بالشئ الحقير فلا يضع منه ذلك (1) كما لا يضع من الدينار وهو من ذهب أن ~~يوزن بمثقال من حديد (جسم الطائر وخلقته) تأمل يا مفضل جسم الطائر وخلقته ~~فإنه حين قدر أن يكون طائرا في الجو خفف جسمه وادمج (2) خلقه واقتصر به من ~~القوائم الأربع على اثنتين ومن الأصابع الخمس على اربع ومن منفذين المزبل ~~والبول على واحد يجمعهما ثم خلق ذا جؤجؤ (3) محدد ليسهل عليه ان يخرق ~~الهواء كيف ما أخذ فيه كما جعلت السفينة بهذه الهيئة لتشق الماء وتنفذ فيه ~~وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران وكسا (4) كله ~~الريش ليتداخله الهواء فيقله (5) ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه ~~بلعا بلا مضغ نقص من خلقة الانسان وخلق له منقار صلب جاسى يتناول به طعمه ~~فلا ينسحج (6) من لفظ الحب ولا يتقصف (7) من نهش اللحم ولما عدم الاسنان ~~وصار يزدرد الحب صحيحا واللحم غريضا (8) اعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له ~~الطعم طحنا يستغنى عن المضغ واعتبر ذلك بأن عجم العنب (9) # --- # (1) أي لا ms47 ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشئ الحقير. (2) ادمج ~~خلقه: لفه وأحسنه. (3) الجؤجؤ من الطائر والسفينة: الصدر والجمع جآجئ. (4) ~~في الأصل كتبت بالألف المقصورة وهي خطأ. (5) يقله: يحمله ويرفعه. (6) ~~ينسحج: أي ينتشر. (7) يتقصف: أي يتكسر. (8) الغريض: كل أبيض طرئ. (9) عجم ~~العنب: ما كان في جوف العنب من النوى الصغير. # --- PageV01P067 [ 68 ] # وغيره يخرج من أجواف الأنس صحيحا ويطحن في أجواف الطير لا يرى له اثر ثم ~~جعل مما يبيض بيضا ولا يلد ولادة لكيلا يثقل عن الطيران فإنه لو كانت ~~الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لأثقلته وعاقته عن النهوض والطيران فجعل كل ~~شئ من خلقه مشاكلا للأمر الذي قدر ان يكون عليه ثم صار الطائر السائح في ~~هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه اسبوعا وبعضها اسبوعين وبعضها ثلاثة اسابيع ~~حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسح حوصلته للغذاء ثم ~~يربيه ويغذيه بما يعيش به فمن كلفه ان يلقط الطعم والحب يستخرجه بعد ان ~~يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه ولأى معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذى روية ~~ولا تفكر ولا يأمل في فراخه ما يؤمل الانسان في ولده من العز والرفد (1) ~~وبقاء الذكر فهذا من فعله يشهد انه معطوف على فراخه لعله لا يعرفها ولا ~~يفكر فيها وهي دوام النسل وبقاؤه لطفا من الله تعالى ذكره (الدجاجة وتهيجها ~~لحضن البيض والتفريخ) انظر الى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس ~~لها بيض مجتمع ولا وكر موطى بل تنبعث وتنتفخ وتقوى (2) وتمتنع من الطعم حتى ~~يجمع لها البيض فتحضنه وتفرخ فلم كان ذلك منها إلا لإقامة النسل ومن أخذها ~~باقامة النسل ولا روية لها ولا تفكير لو لا انها مجبولة على ذلك ؟ # --- # (1) الرفد - بالكسر - المعونة والعطاء والجمع ارفاد ورفود. (2) في الأصل ~~كتبت الألف مشالة، وتقوى من القوى أي الجوع فكأن الدجاجة تبيت جائعة.. وفي ~~نسخة تقوقى أي تصيح. # --- PageV01P068 [ 69 ] # (خلق البيضة والتدبير في ذلك) إعتبر بخلق البيضة وما فيها من المح (1) ~~الأصفر الخاثر (2) والماء الأبيض الرقيق فبعضه ms48 ينشو منه الفرخ وبعضه ليغتذى ~~به إلى أن تنقاب عنه البيضة وما في ذلك من التدبير فإنه لو كان نشوء (3) ~~الفرخ في تلك القشرة المستحفظة (4) التي لا مساغ لشئ إليها جعل معه في ~~جوفها من الغذاء ما يكتفى به الى وقت خروجه منها كمن يحبس في حبس حصين لا ~~يوصل إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفى به الى وقت خروجه منه (حوصلة ~~الطائر) فكر يا مفضل في حوصلة الطائر وما قدر له فإن مسلك الطعم إلى ~~القانصة (5) ضيق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا قليلا فلو كان الطائر لا ~~يلقط حبة ثانية حتى تصل الأولى إلى القانصة لطال عليه ومتى كان يستوفى طعمه ~~فإنما يختلسه اختلاسا لشدة الحذر فجعلت له الحوصلة كالمخلاة (6) المعلقة ~~أمامه ليوعى فيها ما ادرك من الطعم بسرعة ثم تنفذه إلى القانصة على مهل وفي ~~الحوصلة ايضا خلة اخرى فإن من الطائر ما يحتاج الى ان يزق فراخه فيكون رده ~~للطعم من قرب اسهل عليه # --- # (1) المح - بالضم - صفر البيض، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة أي مخ. (2) ~~خثر اللبن: ثخن واشتد فهو خاثر. (3) سقطت الهمزة من الأصل. (4) المستحفظة ~~من استحفظه السر أو المال: سأله أن يحفظه. (5) القانصة للطير كالمعدة ~~للانسان جمعها قوانص. (6) المخلاة: ما يجعل فيه العلف ويعلق في عنق الدابة ~~والجمع مخال. # --- PageV01P069 [ 70 ] # (اختلاف ألوان الطير وعلة ذلك) قال المفضل فقلت: ان قوما من المعطلة ~~يزعمون ان اختلاف الألوان والأشكال في الطير إنما يكون من قبل إمتزاج ~~الاخلاط واختلاف مقاديرها المرج (1) والأهمال قال يا مفضل هذا الوشى الذي ~~تراه في الطواويس والدراج (2) والتدارج على استواء ومقابلة كنحو ما يخط ~~بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف ولو كان ~~بالاهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفا (ريش الطائر ووصفه) تأمل ريش الطير ~~وكيف هو ؟ فإنك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلوك (3) دقاق قد ألف بعضه إلى ~~بعض كتأليف الخيط الى الخيط والشعرة إلى الشعرة ثم ترى ذلك النسج إذا مددته ~~ينفتح قليلا ولا ms49 ينشق لتداخله الريح فيقل الطائر إذا طار وترى في وسط ~~الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته ~~وهو القصبة التي في وسط الريشة وهو مع ذلك أجوف ليخف على الطائر ولا يعوقه ~~عن الطيران. # --- # (1) المرج - بالتحريك - الاضطراب واللبس والفساد والاختلاط وفي بعض النسخ ~~بالزاء المعجمة... والأول أظهر وأجلى للمعنى المقصود. (2) الدراج طائر تقدم ~~ذكره. (3) السلوك جمع سلك وهو الخيط ينظم فيه الخرز ونحوه. # --- PageV01P070 [ 71 ] # (الطائر الطويل الساقين والتدبير في ذلك) هل رأيت يا مفضل هذا الطائر ~~الطويل الساقين (1) وعرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه فإنه أكثر ذلك في ~~ضحضاح (2) من الماء فتراه بساقين طويلين كأنه ربيئة (3) فوق مرقب (4) وهو ~~يتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى شيئا مما يتقوت به خطا خطوات رقيقا حتى ~~يتناوله ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء ~~فيثور ويذعر منه فيفرق عنه فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد ~~عليه مطلبه تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنك تجد كل طائر طويل الساقين ~~طويل العنق وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض ولو كان طويل الساقين قصير ~~العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض وربما أعين مع العنق بطول ~~المناقير ليزداد الأمر عليه سهولة وامكانا أفلا ترى انك لا تفتش شيئا من ~~الخلقة إلا وجدته على غاية الصواب والحكمة (العصافير وطلبها للأكل) انظر ~~إلى العصافير كيف تطلب أكلها بالنهار فهى لا تفقده ولا تجده مجموعا معدا بل ~~تناله بالحركة والطلب وكذلك الخلق كله فسبحان من # --- # (1) ينطبق الوصف الذي ذكره الامام الصادق للطائر الطويل الساقين على بعض ~~الطيور المائية كالنحام والأنيس. (2) الضحضاح: الماء اليسير أو القريب ~~القعر. (3) الربيئة: العين التي ترقب، أو الطليعة الذي ينظر للقوم لئلا ~~يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل. (4) المرقب: الموضع المرتفع يعلوه ~~الرقيب جمعه مراقب. # --- PageV01P071 [ 72 ] # قدر الرزق كيف فرقه فلم يجعل مما لا يقدر عليه إذ جعل بالخلق حاجة إليه ~~ولم يجعل مبذولا ms50 ينال بالهوينا (1) إذ كان لا صلاح ذلك فإنه لو كان يوجد ~~مجموعا معدا كانت البهائم تنقلب عليه ولا تنقلع عنه حتى تبشم (2) فتهلك ~~وكان الناس أيضا يصيرون بالفراغ الى غاية الأشر والبطر حتى يكثر الفساد ~~وتظهر الفواحش (معاش البوم والهام والخفاش) أعلمت ما طعم هذه الأصناف من ~~الطير التي لا تخرج إلا بالليل كمثل البوم والهام (3) والخفاش قلت لا يا ~~مولاى قال إن معاشها من ضروب تنتشر في الجو من البعوض والفراش وأشباه ~~الجراد واليعاسيب (4) وذلك ان هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع ~~واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من ~~هذه الضروب شئ كثير فمن أين يأتي ذلك كله إلا من القرب فإن قال قائل انه ~~يأتي من الصحارى والبرارى قيل له كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد وكيف ~~يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه مع ان هذه عيانا ~~تتهافت على السراج من قرب فيدل ذلك على انها منتشره في كل # --- # (1) الهوينا: التؤدة والرفق، وهي تصغير الهونى، والهونى تأنيث الأهون... ~~وقد كتبت الهوينا في الأصل هكذا: الهويني. (2) تبشم أي تتخم من الطعام. (3) ~~الهام جمع هامة: نوع من البوم الصغير تألف القبور والأماكن الخربة وتنظر من ~~كل مكان أينما درت أدارت رأسها، وتسمى أيضا الصدى. (4) اليعاسيب جمع يعسوب ~~وهو ذكر النحل وأميرها. # --- PageV01P072 [ 73 ] # موضع من الجو فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتتقوت بها فانظر ~~كيف وجه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلا بالليل من هذه الضروب المنتشرة ~~في الجو واعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى ان يظن ظان ~~انها فضل لا معنى له (خلقة الخفاش) خلق الخفاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير ~~وذوات الأربع هو الى ذوات الأربع أقرب وذلك أنه ذو اذنين ناشزتين (1) ~~وأسنان ووبر وهو يلد ولادا ويرضع ويبول ويمشى إذا مشى على اربع وكل هذا ~~خلاف صفة للطير ثم هو ايضا مما يخرج بالليل ms51 ويتقوت بما يسرى (2) في الجو من ~~الفراش وما اشبهه وقد قال قائلون انه لا طعم للخفاش وان غذاءه (3) من ~~النسيم وحده وذلك يفسد ويبطل من جهتين احدهما خروج الثفل (4) والبول منه ~~فإن هذا لا يكون من غير طعم والأخرى انه ذو أسنان ولو كان لا يطعم شيئا لم ~~يكن للاسنان فيه معنى وليس في الخلقة شئ لا معنى له وأما المآرب فيه ~~فمعروفة حتى ان زبله يدخل في بعض الأعمال ومن أعظم الأرب فيه خلقته العجيبة ~~الدالة على قدرة الخالق جل ثناؤه وتصرفها فيما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة # --- # (1) الناشز: ما كان ناتئا مرتفعا عن مكانه... وفي نسخة ناشر بالراء أي ~~مبسوط. (2) يسري: يسير في الليل. (3) سقطت الهمزة في الطبعة الأولى. (4) ~~الثفل - بالضم - الكدرة المستقرة في أسفل الشئ. # --- PageV01P073 [ 74 ] # (حيلة الطائر أبو نمرة بالحسكة ومنفعتها) فأما الطائر الصغير الذي يقال ~~له ابن نمرة (1) فقد عشش في بعض الأوقات في بعض الشجر فنظر إلى حية عظيمة ~~قد اقبلت نحو عشه فاغرة فاها تبغيه لتبتلعه فبينما هو يتقلب ويضطرب في طلب ~~حيلة منها إذ وجد حسكة فحملها فألقاها في فم الحية فلم تزل الحية تلتوى ~~وتتقلب حتى ماتت أفرأيت لو لم اخبرك بذلك كان يخطر ببالك أو ببال غيرك انه ~~يكون من حسكة مثل هذه المنفعة أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة ~~اعتبر بهذا وكثير من الأشياء يكون فيها منافع لا تعرف بحادث يحدث أو خبر ~~يسمع به (النحل عسله وبيوته) انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل وتهيئة ~~البيوت المسدسة وما ترى في ذلك من دقائق الفطنة فإنك إذا تأملت العمل رأيته ~~عجيبا لطيفا وإذا رأيت المعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من الناس وإذا رجعت ~~الى الفاعل الفيتة غبيا جاهلا بنفسه (2) فضلا عما سوى ذلك ففى هذا أوضح ~~الدلالة على ان الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل بل هي للذى طبعه ~~عليها وسخره فيها لمصلحة الناس # --- # (1) في الأصل المطبوع أبو تمرة وهو غير صحيح، وفي ms52 نسخة البحار ابن ~~تمرة... وتمرة أو ابن تمرة طائر أصغر من العصفور. (2) أي ليس له عقل يتصرف ~~في سائر الاشياء على نحو تصرفه في ذلك الأمر المخصوص، فظهر أن خصوص هذا ~~الأمر إلهام من مدبر حكيم أو خلقة وطبيعة جبله عليها في شأن مصلحته الخاصة، ~~مع كون هذا الحيوان غافلا عن المصلحة أيضا، ولعل هذا يؤيد ما يقال إن ~~الحيوانات العجم غير مدركة للكليات. (من تعليقات البحار). # --- PageV01P074 [ 75 ] # (الجراد وبلاؤه) انظر الى هذا الجراد ما أضعفه وأقواه فإنك إذا تأملت ~~خلقه رأيته كأضعف الاشياء وان دلفت (1) عساكره نحو بلد من بلدان لم يستطع ~~أحد أن يحميه منه ألا ترى ان ملكا من ملوك الأرض لو جمع خيله ورجله (2) ~~ليحمى بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك أفليس من الدلائل على قدرة الخالق ~~أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه (كثرة الجراد) انظر إليه ~~كيف ينساب على وجه الأرض مثل السيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى ~~يستر نور الشمس بكثرته فلو كان هذا مما يصنع بالأيدى متى كان تجتمع منه هذه ~~الكثرة ؟ وفي كم سنة كان يرتفع فاستدل بذلك على القدرة التي لا يؤدها شئ ~~ولا يكثر عليها (وصف السمك) تأمل خلق السمك ومشاكلته للأمر الذي قدر ان ~~يكون عليه فإنه خلق غير ذى قوائم لأنه لا يحتاج إلى المشى إذ كان مسكنه ~~الماء وخلق غير ذى رية لأنه لا يستطيع ان يتنفس وهو منغمس في اللجة وجعلت ~~له مكان القوائم اجنحه شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح # --- # (1) دلف دلفا ودلفانا: مشى كالمقيد وقارب الخطو في مشيه. (2) الرجل - ~~بالفتح - جمع راجل وهو من يمشي على رجليه لا راكبا. # --- PageV01P075 [ 76 ] # بالمجاذيف من جانبى السفينة وكسا (1) جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل ~~الدروع والجواشن (2) لتقيه من الآفات فأعين بفضل حس في الشم لأن بصره ضعيف ~~والماء يحجبه فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه (3) فيتبعه وإلا فكيف ~~يعلم به وبموضعه واعلم ان من فيه إلى صماخه (4) منافذ فهو ms53 يعب الماء بفيه ~~ويرسله من صماخيه فيتروح إلى ذلك كما يتروح غيره من الحيوان الى تنسم هذا ~~النسيم (كثرة نسل السمك وعلة ذلك) فكر الآن في كثرة نسله وما خص به من ذلك ~~فإنك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة والعلة في ذلك ان ~~يتسع لما يغتذى به من اصناف الحيوان فإن اكثرها يأكل السمك حتى ان السباع ~~ايضا في حافات الآجام (5) عاكفة على الماء ايضا كى ترصد السمك فإذا مر بها ~~خطفته فلما كانت السباع تأكل السمك والطير يأكل السمك والناس يأكلون السمك ~~والسمك يأكل السمك كان من التدبير فيه ان يكون على ما هو عليه من الكثرة ~~(سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين) فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق ~~وقصر علم المخلوقين # --- # (1) في الأصل كتبت الألف المقصورة. (2) الجواشن جمع جوشن وهو الدرع أو ~~الصدر. (3) ينتجع: يطلب الكلأ في موضعه. (4) الصماخ - بالكسر - خرق الأذن ~~الباطن الماضي إلى الرأس، والجمع صمخ واصمخة. (5) الآجام جمع الجمع للأجمة: ~~الشجر الكثير الملتف. # --- PageV01P076 [ 77 ] # فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والأصداف والأصناف ~~التي لا تحصى ولا تعرف منافعها إلا الشئ بعد الشئ يدركه الناس بأسباب تحدث ~~مثل القرمز (1) فإنه لما عرف الناس صبغه بأن كلبة تجول على شاطئ البحر ~~فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمى الحلزون (2) فأكلته فاختضب خطمها (3) بدمه ~~فنظر الناس الى حسنه فاتخذوه صبغا (4) وأشباه هذا مما يقف الناس عليه حالا ~~بعد حال وزمانا بعد زمان. (5). قال المفضل: وحان وقت الزوال فقام مولاي ~~عليه السلام الى الصلاة وقال بكر إلي غدا إنشاء الله تعالى..... فانصرفت ~~وقد تضاعفت سروري بما عرفنيه مبتهجا بما منحنيه حامدا لله على ما آتانيه ~~فبت ليلتي مسرورا مبتهجا. # --- # (1) القرمز صبغ أحمر. (2) الحلزون: دويبة تكون في صدق وهي المعروفة ~~بالبزاق. (3) الخطم مقدم أنف الدابة وفمها. (4) يظهر من كلام الامام عليه ~~السلام اتحاد القرز والحلزون، ويحتمل أن يكون المراد أن من صبغ الحلزون ~~تفطن الناس بأعمال القرمز للصبغ، لما فيهما ms54 من تشابه. (5) ليس العجب من ~~خالق أمثال هذه الذرة والدودة وأصناف الأسماك الغريبة، التي اختلفت اشكالها ~~وتنوعت الحكمة فيها، وليس العجيب - أن يهتدي إلى الحكمة في كل واحد من تلك ~~المصنوعات بعد وجودها وتكوينها، وإنما العجب ممن ينكر فاطر السماوات والأرض ~~وما فيهن وما بينهن، مع اتقان الصنعة وأحكام الخلقة وبداعة التركيب، ولو ~~نظر الجاحد إلى نفسه مع غريب الصنع وتمام الخلق، لكان أكبر برهان على ~~الوجود ووحدانية الوجود. (الامام الصادق للمظفر ج 1 ص 177). # --- PageV01P077 [ 78 ] # * (المجلس الثالث) * فلما كان اليوم الثالث بكرت الى مولاي فاستؤذن لي ~~فدخلت فأذن لي بالجلوس فجلست فقال عليه السلام: - الحمد لله الذي اصطفانا ~~ولم يصطف علينا اصطفانا بعلمه (1) وأيدنا بحلمه (2) من شذ عنا (3) فالنار ~~مأواه ومن تفيأ بظل دوحتنا فالجنة مثواه قد شرحت لك يا مفضل خلق الانسان ~~وما دبر به وتنقله في احواله وما فيه من الاعتبار وشرحت لك أمر الحيوان ~~وانا ابتدئ الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك والليل والنهار ~~والحر والبرد والرياح والجواهر الأربعة الأرض والماء والهواء والنار والمطر ~~والصخر والجبال والطين والحجارة والنخل والشجر وما في ذلك من الأدلة ~~والعبر. (لون السماء وما فيه من صواب التدبير) فكر في لون السماء وما فيه ~~من صواب التدبير فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة وتقوية للبصر حتى ان من ~~صفات الأطباء لمن أصابه شئ أضر ببصره ادمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها ~~إلى السواد وقد وصف الحذاق منهم لمن كل بصره الاطلاع في إجانة (4) خضراء ~~مملوءة ماء، فانظر كيف جعل الله جل وتعالى أديم السماء بهذا اللون الأخضر ~~إلى السواد ليمسك الأبصار المتقلبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له ~~فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر # --- # (1) اصطفانا أي اختارنا وفضلنا على الخلق، بأن اعطانا من علمه ما لم يعطه ~~أحدا. (2) أيدنا بحلمه أي قوانا على تبليغ الرسالة بما حلانا به من حلمه ~~لنصبر على ما يلقانا من أذى الناس وتكذيبهم. (3) شذ عنا: ندر عنا وأنفرد. ~~(4) الاجانة - بكسر فتشديد - إناء تغسل ms55 فيه الثياب والجمع أجاجين. # --- PageV01P078 [ 79 ] # والروية والتجارب يوجد مفروغا منه في الخلقة حكمة بالغة (1) ليعتبر بها ~~المعتبرون ويفكر فيها الملحدون قاتلهم الله أنى يؤفكون (2). (طلوع الشمس ~~وغروبها والمنافع في ذلك) فكر يا مفضل في طلوع الشمس وغروبها لاقامة دولتي ~~النهار والليل فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فلم يكن الناس يسعون في ~~معائشهم ويتصرفون في امورهم والدنيا مظلمة عليهم ولم يكونوا يتهنون بالعيش ~~مع فقدهم لذة النور وروحه والأرب في طلوعها ظاهر مستغنى بظهوره عن الاطناب ~~في ذكره والزيادة في شرحه بل تأمل المنفعة في غروبها فلولا غروبها لم يكن ~~للناس هدوء ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوء والراحة لسكون ابدانهم وجموم ~~حواسهم (3) وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء ~~ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في ~~ابدانهم فإن كثيرا من الناس لولا جثوم (4) هذا الليل بظلمته عليهم لم يكن ~~لهم هدوء ولا قرار حرصا على الكسب والجمع والادخار ثم كانت الأرض تستحمي ~~بدوام الشمس بضيائها ويحمي كل ما عليها من حيوان ونبات فقدرها الله بحكمته ~~وتدبيره تطلع وقتا وتغرب وقتا بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا ~~حوائجهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤا ويقروا، فصار النور والظلمة مع ~~تضادهما منقادين متظاهرين ما فيه صلاح العالم وقوامه. # --- # (1) خبر مبتدأ محذوف أو بالنصب على الحالية أو لكونه مفعولا لأجله. (2) ~~يؤفكون: يكذبون. (3) الجموم مصدر جم تقول جم القوم: استراحوا وكثروا. (4) ~~الجثوم مصدر من قولهم جثم الليل. # --- PageV01P079 [ 80 ] # (التدبير والمصلحة في الفصول الأربعة من السنة) ثم فكر بعد هذا في ارتفاع ~~الشمس وانحطاطها لاقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من ~~التدبير والمصلحة ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيهما ~~مواد الثمار ويتكثف (2) الهواء فينشأ منه السحاب والمطر وتشتد أبدان ~~الحيوان وتقوى وفي الربيع تتحرك وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع ~~النبات وتنور (3) الأشجار ويهيج الحيوان للسفاد وفي الصيف يحتدم الهواء ~~فتنضج الثمار وتتحلل فضول الابدان ويجف وجه الأرض ms56 فتهيأ للبناء والأعمال ~~وفي الخريف يصفو الهواء وترتفع الأمراض وتصح الأبدان ويمتد الليل فيمكن فيه ~~بعض الأعمال لطوله ويطيب الهواء فيه إلى مصالح اخرى لو تقصيت لذكرها لطال ~~فيها الكلام. (معرفة الأزمنة والفصول الأربعة عن طريق حركة الشمس) فكر الآن ~~في تنقل الشمس في البروج الأثني عشر (4) لاقامة دور السنة وما في ذلك من ~~التدبير فهو الدور الذي تصح الأزمنة الأربعة من السنة " الشتاء والربيع ~~والصيف والخريف " تستوفيها على التمام وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك ~~الغلات والثمار وتنتهي الى غاياتهم ثم تعود فيستأنف النشو والنمو ألا ترى ~~ان السنة مقدار مسير الشمس من الحمل الى # --- # (1) يريد بذلك الامام عليه السلام الفصول الاربعة. (2) يتكثف الهواء - أي ~~يغلظ ويكثر. (3) تنور الاشجار أي تخرج نورها - بفتح فسكون - أي زهرها أو ~~الأبيض منه. (4) بروج السماء الاثني عشر هي الحمل والثور والجوزاء والسرطان ~~والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. # --- PageV01P080 [ 81 ] # الحمل فبالسنة واخواتها يكال الزمان من لدن خلق الله تعالى العالم الى كل ~~وقت وعصر من غابر الأيام وبها يحسب الأعمار والأوقات المؤقتة للديون ~~والاجارات والمعاملات وغير ذلك من امورهم وبمسير (1) الشمس تكمل السنة ~~ويقوم حساب الزمان على الصحة. انظر إلى شروقها العالم كيف دبر ان يكون ؟ ~~فإنها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها ~~ومنفعتها الى كثير من الجهات لأن الجبال والجدران كانت تحجبها عنها فجعلت ~~تطلع اول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب ثم لا تزال ~~تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي الى المغرب فتشرق ما استتر عنها في أول ~~النهار فلا يبقى موضع من المواضع إلا أخذ بقسطه من المنفعة منها والأرب ~~التي قدرت له ولو تخلفت مقدار عام أو بعض عام كيف كان يكون حالهم ؟ بل كيف ~~كان يكون لهم مع ذلك بقاء ؟ أفلا ترى كيف كان يكون للناس هذه الأمور ~~الجليلة لم يكن عندهم فيها حيلة فصارت تجري على مجاريها لا تفتل (2) ولا ~~تتخلف عن ms57 مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه. (الاستدلال بالقمر في معرفة ~~الشهور) استدل بالقمر ففيه دلالة جليلة تستعملها العامة في معرفة الشهور ~~ولا يقوم عليه حساب السنة لأن دوره لا يستوفي الأزمنة الأربعة ونشو الثمار ~~وتصرمها ولذلك صارت شهور القمر وسنوه تتخلف عن شهور الشمس وسنيها وصار ~~الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة بالشتاء ومرة بالصيف. # --- # (1) في نسخة البحار (ميسر) بتقديم الياء على السين، وليس للكلمة هنا معنى ~~يوافق المراد. (2) لا تفتل - أي لا تنصرف ولا تزول. # --- PageV01P081 [ 82 ] # (ضوء القمر وما فيه من المنافع) فكر في انارته في ظلمة الليل والارب في ~~ذلك فإنه مع الحاجة الظلمة لهدوء الحيوان وبرد الهواء على النبات لم يكن ~~صلاح في ان يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شئ من العمل ~~لأنه ربما احتاج الناس الى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في بعض الأعمال ~~في النهار ولشدة الحر وافراطه، فيعمل في ضوء القمر اعمالا شتى كحرث الأرض ~~وضرب اللبن وقطع الخشب وما أشبه ذلك فجعل ضوء القمر معونة للناس على ~~معائشهم إذا احتاجوا الى ذلك، وانسا للسائرين وجعل طلوعه في بعض الليل دون ~~بعض ونقص مع ذلك عن نور الشمس وضيائها لكيلا ينبسط الناس في العمل انبساطهم ~~بالنهار ويمتنعوا من الهدوء والقرار فيهلكهم ذلك وفي تصرف القمر خاصة في ~~مهله (1) ومحاقه (2) وزيادته ونقصانه وكسوفه من التنبيه على قدرة الله ~~تعالى خالفه المصرف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون. ~~(النجوم واختلاف مسيرها والسبب في ان بعضها راتبة والأخرى متنقلة) فكر يا ~~مفضل في النجوم واختلاف مسيرها فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك (3) ولا ~~تسير إلا مجتمعة وبعضها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها فكل واحد ~~منها يسير سيرين مختلفين احدهما عام مع الفلك نحو # --- # (1) مهله: أي ظهوره. (2) المحاق: - بكسر الأول أو ضمه أو فتحه - هو آخر ~~الشهر القمري وقيل ثلاث ليال من آخره. (3) لعل المراد إنه ليس لها حركة ~~بينة ظاهرة كما في النجوم السيارة. # --- PageV01P082 [ 83 ] # المغرب ms58 والاخر خاص لنفسه نحو المشرق كالنملة التي تدور على الرحى فالرحى ~~تدور ذات اليمين والنملة تدور ذات الشمال والنملة في ذلك تتحرك حركتين ~~مختلفين احداهما بنفسها فتتوجه أمامها والأخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها الى ~~خلفها فاسأل الزاعمين ان النجوم صارت على ما هي عليه بالاهمال من غير عمد ~~ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلها راتبة (1) أو تكون كلها منتقلة فإن ~~الاهمال معنى واحد (2) فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير ؟ ~~ففي هذا بيان ان مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد وتدبير وحكمة ~~وتقدير وليس باهمال كما يزعم المعطلة فإن قال قائل ولم صار بعض النجوم ~~راتبا وبعضها منتقلا ؟ قلنا: انها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي ~~يستدل بها من تنقل المنتقلة ومسيرها في برج من البروج كما يستدل بها على ~~أشياء مما يحدث العالم بتنقل الشمس والنجوم في منازلها ولو كانت كلها ~~منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يوقف عليه لأنه انما يوقف عليه ~~بمسير المنتقلة منها بتنقلها البروج الراتبة (3) كما # --- # (1) راتبة أي ثابتة غير متحركة. (2) يحتمل أن يكون المراد أن الطبيعة أو ~~الدهر - الذين يجعلونهما أصحاب الإهمال مؤثرين - كل منهما أمر واحد غير ذي ~~شعور وإرادة، ولا يمكن صدور الأمرين المختلفين على مثل ذلك... أو المراد أن ~~العقل يحكم بأن مثل هذين الأمرين المتسقين الجاريين على قانون لحكمة لا ~~يكون إلا من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم... أو المراد إن الاهمال أي عدم ~~الحاجة إلى العلة، وترجح الأمر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر واحد ~~حاصل فيهما، فلم صارت احداهما راتبة والأخرى منتقلة ؟ ولم لم يعكس الأمر... ~~ولعل المعنى الأول الذي ذكرناه أفضل وأقرب. (من تعليقات البحار). (3) نرجح ~~إن الامام عليه السلام راعى في انتقال البروج محاذاة نفس الاشكال... وإن ~~أمكن أن يكون المراد بيان حكمة بقاء الحركة ليصلح كون تلك الاشكال علامات ~~للبروج، ولو بقربها منها.. لكن هذا المعنى بعيد. (من تعليقات البحار) # --- PageV01P083 [ 84 ] # يستدل على سير السائر على الأرض ms59 بالمنازل التي يجتاز عليها أو لو كان ~~تنقلها بحال واحد لاختلاط نظامها وبطلت المآرب فيها ولساغ القائل ان يقول ~~ان كينونتها على حال واحدة توجب عليها الاهمال من الجهة التي وصفنا ففي ~~اختلاف سيرها وتصرفها وفي ذلك من المآرب والمصلحة أبين دليل على العمد ~~والتدبير فيها. (فوائد بعض النجوم) فكر في هذه النجوم التي تظهر في بعض ~~السنة وتحتجب بعضها كمثل الثريا (1) والجوزاء (2) والشعريين (3) وسهيل (4) ~~فإنها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم يكن لواحد فيها على حياله دلالات ~~يعرفها الناس ويهتدون بها لبعض امورهم كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع ~~الثور (5) والجوزاء إذا طلعت واحتجابها إذا احتجبت فصار ظهور كل واحد ~~واحتجابه في وقت الوقت غير الوقت الاخر لينتفع الناس بما يدل عليه كل واحد ~~على حدته وما جعلت الثريا واشباهها تظهر حينا وتحتجب حينا إلا لضرب من ~~المصلحة، وكذلك جعلت بنات نعش (6) ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة فإنها ~~بمنزلة الاعلام التي يهتدي بها الناس في البر والبحر للطرق المجهولة وكذلك # --- # (1) الثريا: مجموع كواكب في عنق الثور. (2) الجوزاء: برج في السماء، سميت ~~بذلك لاعتراضها في جوز السماء أي وسطه. (3) الشعريان: تثنية الشعرى - ~~بالكسر - وهو الكواكب الذي يطلع في الجوزاء وطلوعه في شدة الحر. (4) سهيل - ~~بالتصغير - نجم بهي طلوعه على بلاد العرب في أواخر القيظ. (5) الثور: برج ~~في السماء من البروج الاثني عشر. (6) بنات نعش الكبرى: سبعة كواكب تشاهدها ~~جهة القطب الشمالي، وبقربها سبعة أخرى تسمى بنات نعش الصغرى، والنجمة التي ~~رسمت كبيرة هي النجمة القطبية التي يستدل بها على نقطة القطب الشمالي. # --- PageV01P084 [ 85 ] # أنها لا تغيب ولا تتوارى فهم ينظرون إليها متى أرادوا ان يهتدوا بها الى ~~حيث شاؤا وصار الأمران جميعا على اختلافهما موجهين نحو الأرب والمصلحة، ~~وفيهما مآرب اخرى علامات ودلالات على اوقات كثيرة من الأعمال كالزراعة ~~والغراس والسفر في البر والبحر وأشياء مما يحدث في الأزمنة من الأمطار ~~والرياح والحر والبرد وبها يهتدي السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار ~~الموحشة واللجج (1) الهائلة مع ms60 ما في ترددها في كبد السماء مقبلة ومدبرة ~~ومشرقة ومغربة من العبر فإنها تسير أسرع السير وأحثه (2) أرأيت لو كانت ~~الشمس والقمر والنجوم بالقرب منا حتى يتبين لنا سرعة سيرها بكنه ما هي عليه ~~ألم تكن تستخطف الأبصار بوهجها وشعاعها كالذي يحدث أحيانا من البروق إذا ~~توالت واضطرمت في الجو ؟ وكذلك ايضا لو ان أناسا كانوا في قبة مكللة ~~بمصابيح تدور حولهم دورانا حثيثا لحارت أبصارهم حتى يخروا لوجوههم. فانظر ~~كيف قدر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا تضر في الأبصار وتنكأ فيها ~~وبأسرع السرعة لكيلا تتخلف عن مقدار الحاجة في مسيرها وجعل فيها جزءا يسيرا ~~من الضوء ليسد مسد الاضواء إذا لم يكن قمر ويمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة ~~كما قد يحدث الحادث على المرء فيحتاج إلى التجافي (3) في جوف الليل فإن لم ~~يكن شئ من الضوء يهتدي به لم يستطع ان يبرح مكانه. فتأمل اللطف والحكمة في ~~هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة ومدة لحاجة إليها وجعل خلالها شئ من الضوء ~~للمأرب التي وصفنا. # --- # (1) - اللجج جمع لجة: معظم الماء. (2) - أسرع السير واحثه كلاهما بمعنى ~~واحد. (3) - التجافي من تجافى أي لم يلزم مكانه. # --- PageV01P085 [ 86 ] # (الشمس والقمر والنجوم والبروج تدل على الخالق) فكر هذا الفلك بشمسه ~~وقمره ونجومه وبروجه تدور على العالم هذا الدوران الدائم بهذا التقدير ~~والوزن لما في اختلاف الليل والنهار وهذه الأزمان الأربعة المتوالية من ~~التنبيه على الأرض وما عليها من أصناف الحيوان والنبات من ضروب المصلحة ~~كالذي بينت وشخصت لك آنفا وهل يخفى على ذي لب ان هذا تقدير مقدر وصواب ~~وحكمة من مقدر حكيم قال قائل ان هذا شئ اتفق ان يكون هكذا ؟ فما منعه ان ~~يقول مثل هذا في دولاب (1) يراه يدور ويسقي حديقة شجر ونبات فيرى كل شئ من ~~آلاته مقدرا بعضه يلقى بعضا على ما فيه صلاح تلك الحديقة وما فيها وبم كان ~~يثبت هذا القول في لو قاله وما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه ؟ ~~أفينكر ان ms61 يقول في دولاب خشب مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة من الأرض انه ~~كان بلا صانع ومقدر ويقدر ان يقول في هذا الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة ~~تقصر عنها أذهان البشر لصلاح جميع الأرض وما عليها انه شئ اتفق ان يكون بلا ~~صنعة ولا تقدير لو اعتل هذا الفلك كما تعتل الآلات التي تتخذ للصناعات ~~وغيرها أي شئ كان عند الناس من الحيلة في أصلاحه. (مقادير الليل والنهار) ~~فكر يا مفضل في مقادير النهار والليل كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق ~~فصار منتهى كل واحد منهما إذا امتد الى خمس عشرة ساعة لا يجاوز ذلك (2) ~~أفرأيت لو كان النهار يكون مقداره مائة ساعة أو مائتي ساعة ؟ ألم # --- # (1) الدولاب - بالفتح - كل آلة تدور على محور والجمع دواليب، والكلمة من ~~الدخيل. (2) يتساوى الليل والنهار في جميع أنحاء العالم مرتين في الخريف ~~ويوم 23 أيلول ومرة ثانية في الربيع يوم 22 مارت. ويطول الليل في الشتاء ~~بتاريخ 21 كانون الاول حتى يبلغ طوله في = # --- PageV01P086 [ 87 ] # يكن ذلك بوار كل ما في الأرض من حيوان ونبات ؟ الحيوان فكان لا يهدأ ولا ~~يقر طول هذه المدة، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعي لو دام لها ضوء النهار ~~ولا الانسان كان يفتر عن العمل والحركة وكان ذلك ينهكها اجمع ويؤديها الى ~~التلف وأما النبات فكان يطول عليه حر النهار ووهج الشمس حتى يجف ويحترق ~~كذلك الليل لو امتد مقدار هذه المدة كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة ~~والتصرف في طلب المعاش حتى تموت جوعا وتخمد الحرارة الطبيعية عن النبات حتى ~~يعفن ويفسد كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع تطلع عليه الشمس. ~~(الحر والبرد وفوائدهما) اعتبر بهذا الحر والبرد كيف يتعاوران (1) العالم ~~ويتصرفان هذا التصرف في الزيادة والنقصان والاعتدال لاقامة هذه الأزمنة ~~الأربعة من السنة وما فيهما من المصالح ثم هما بعد دباغ الابدان التي عليها ~~بقاؤها وفيهما صلاحها فإنه لولا الحر والبرد وتداولهما الأبدان لفسدت واخوت ~~(2) وانتكثت (3). فكر في دخول احدهما (4) على الآخر ms62 بهذا التدريج والترسل ~~فإنك ترى احدهما ينقص شيئا بعد شئ والآخر يزيد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد ~~منهما منتهاه في الزيادة والنقصان ولو كان دخول احدهما على الآخر مفاجأة، # --- # = العراق أكثر من أربعة عشر ساعة، ثم يطول النهار في الصيف بتاريخ 21 ~~حزيران ويزيد طوله في العراق على أربعة عشر ساعة. (1) يتعاوران: يتداولان. ~~(2) أخوت: جاعت. (3) انتكثت: انتقضت وانتبذت. (4) أحدهما أي الحر والبرد. # --- PageV01P087 [ 88 ] # لأضر ذلك بالابدان واسقمها كما ان احدكم لو خرج من حمام حار موضع البرودة ~~لضره ذلك واسقم بدنه فلم يجعل عز وجل هذا الترسل في الحر والبرد إلا ~~للسلامة ضرر المفاجأة ولم جرى الأمر على ما فيه السلامة من ضرر المفاجأة ~~لولا التدبير في ذلك ؟ فإن زعم زاعم ان هذا الترسل في دخول الحر والبرد ~~إنما يكون لابطاء مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها سئل عن العلة في ابطاء ~~مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها فإن اعتل في الابطاء ببعد ما بين ~~المشرقين (1) سئل عن العلة في ذلك فلا تزال هذه المسألة ترقى معه الى حيث ~~رقي من هذا القول حتى استقر عن العمد والتدبير لولا الحر لما كانت الثمار ~~الجاسية (2) المرة تنضج فتلين وتعذب حتى يتفكه بها رطبة ويابسة ولولا البرد ~~لما كان الزرع يفرخ (3) هكذا ويريع الريع (4) الكثير الذي يتسع للقوت وما ~~يرد الأرض للبذر.... افلا ترى ما في الحر والبرد من عظيم الغناء والمنفعة ~~وكلاهما مع غنائه والمنفعة فيه يؤلم الأبدان ويمضها (5) وفي ذلك عبرة لمن ~~فكر ودلالة على انه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم وما فيه. (الريح وما ~~فيها) وانبهك يا مفضل على الريح وفيها ألست ترى ركودها إذا ركدت كيف يحدث ~~الكرب الذي يكاد أن يأتي على النفوس ويمرض الاصحاء وينهك المرضى ويفسد ~~الثمار ويعفن البقول ويعقب الوباء في الابدان # --- # (1) المراد بالمشرقين هنا هما المشرق والمغرب من باب تغليب أحدهما على ~~الاخر. (2) الجاسية: أي الصلبة. (3) يفرخ الزرع: أي تنبت افراخه وهي ما ~~يخرج في أصوله من صغاره. (4) يريع الريع أي تنمو الغلة ms63 وتزداد. (5) يمضها: ~~يوجعها ويؤلمها. # --- PageV01P088 [ 89 ] # والآفة في الغلات ففى هذا بيان ان هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح ~~الخلق. (الهواء والاصوات) وانبئك عن الهواء بخلة أخرى فإن الصوت أثر يؤثره ~~اصطكاك الاجسام في الهواء والهواء يؤديه الى المسامع (1) والناس يتكلمون في ~~حوائجهم ومعاملاتهم طول نهارهم وبعض ليلهم فلو كان اثر الكلام يبقى في ~~الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلأ العالم منه فكان يكربهم ويفدحهم ~~وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به إلى أكثر مما يحتاج إليه في تجديد ~~القراطيس لأن ما يلفظ الكلام اكثر مما يكتب فجعل الخلاق الحكيم جل قدسه ~~الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ثم يمحى فيعود ~~جديدا نقيا ويحمل ما حمل ابدا بلا انقطاع وحسبك بهذا النسيم المسمى هواء ~~عبرة وما فيه من المصالح فإنه حياة هذه الأبدان والممسك لها من داخل بما ~~يستنشق منه من خارج بما يباشر من روحه وفيه تطرد هذه الأصوات فيؤدي البعد ~~البعيد وهو الحامل لهذه الأرواح ينقلها موضع الى موضع.. ألا ترى كيف تأتيك ~~الرائحة من حيث تهب الريح فكذلك الصوت وهو القابل لهذا الحر والبرد اللذين ~~يتعاقبان على العالم لصلاحه ومنه هذه الريح الهابة فالريح تروح عن الاجسام # --- # (1) تعريف الإمام عليه السلام للصوت لا يتعارض مع التعريف الذي اصطلحه ~~العلم الحديث له، فالصوت في النظر العلمي هو حركة اهتزازية تحدث في الهواء ~~من جسم اهتز فيه، والصوت إذ يحدث الرجات في الهواء تنتقل هذه الرجات إلى ~~طبلة الاذن ليحملها عصب السمع إلى المخ ومما يدل على أن الصوت هو رجات تحدث ~~في الهواء انه لو أحدث صوت داخل ناقوس مفرغ الهواء لم يسمع له حس أبدا. # --- PageV01P089 [ 90 ] # وتزجي السحاب من موضع الى موضع ليعم نفعه حتى يستكشف فيمطر وتفضه حتى ~~يستخف فيتفشى وتلقح الشجر وتسير السفن وترخى الاطعمة وتبرد الماء وتشب ~~النار وتجفف الأشياء الندية وبالجملة انها تحيي كل ما في الأرض... فلولا ~~الريح لذوى النبات ولمات الحيوان وحمت الأشياء وفسدت. (هيئة الأرض) فكر يا ms64 ~~مفضل فيما خلق الله عز وجل عليه الجواهر الأربعة (1) ليتسع ما يحتاج إليه ~~منها.. فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها فلولا ذلك كيف كانت تتسع لمساكن ~~الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت اخشابهم واحطابهم والعقاقير العظيمة ~~والمعادن الجسيم غناؤها.. ولعل من ينكر هذه الفلوات (2) الخاوية والقفار ~~الموحشة فيقول: ما المنفعة فيها ؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالها ومراعيها ثم ~~فيها بعد تنفس ومضطرب للناس إذا احتاجوا الى الاستبدال بأوطانهم فكم بيداء ~~وكم فدفد (3) حالت قصورا وجنانا بانتقال الناس إليها وحلولهم ولولا سعة ~~الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا ~~أحزنه أمر يضطره الى الانتقال عنه. # --- # (1) المراد بالجواهر الأربعة هي التراب والماء والهواء والنار، والمعروف ~~أن المفكر اليوناني إمبذوقليس (495 - 435) ق. م. قد رد الكون إلى تلك ~~العناصر أو الجواهر الأربعة التي هي في رأيه لا تفتأ في اتصال وانفصال ~~يكونان سببا في نشأة الأشياء واختلاف صفاتها تبعا للاختلاف في نسبة المزج ~~بين العناصر.. ولا يخفى أن ما ذهب إليه إمبذوقليس هذا في التفريق بين صفات ~~العناصر وصفات الأشياء التي تركت منها تباين ظاهر وتناقص واضح. (2) الفلوات ~~جمع فلات وهي الصحراء الواسعة. (3) الفدفد: الفلاة والجمع فدافد. (*) # --- PageV01P090 [ 91 ] # ثم فكر في خلق هذه الأرض على ماهي عليه حين خلقت راتبة راكنة فتكون موطنا ~~مستقرا للأشياء فيتمكن الناس من السعي عليها في مأربهم والجلوس عليها ~~لراحتهم والنوم لهدوئهم والاتقان لأعمالهم فانها لو كانت رجراجة منكفئة لم ~~يكونوا يستطيعون يتقنوا البناء والنجارة والصناعة وما أشبه بل كانوا لا ~~يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل ~~(1) على قله مكثها حتى يصيروا الى ترك منازلهم والهرب عنها فإن قال قائل ~~فلم صارت هذه الأرض تزلزل ؟ قيل له الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهب ~~لها الناس ليرعوا وينزعوا عن المعاصي وكذلك ما ينزل بهم البلاء في ابدانهم ~~وأموالهم يجري في التدبير على ما فيه صلاحهم واستقامتهم ويدخر لهم ان صلحوا ~~من الثواب والعوض في الآخرة ما ms65 لا يعد له شئ من أمور الدنيا وربما عجل ذلك ~~في الدنيا إذا كان ذلك الدنيا صلاحا للعامة والخاصة ثم ان الأرض في طباعها ~~الذي طبعها الله عليه باردة يابسة وكذلك الحجارة وإنما الفرق بينها وبين ~~الحجارة فضل يبس في الحجارة أفرأيت لو ان اليبس أفرط على الأرض قليلا حتى ~~تكون حجرا صلدا أكانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوان وكان يمكن بها ~~حرث أو بناء ؟ أفلا ترى كيف نقصت من يبس الحجارة وجعلت على ما هي عليه من ~~اللين والرخاوة لتتهيأ للاعتماد. (فوائد الماء والسبب في كثرته) ومن تدبير ~~الحكيم جل وعلا في خلقه الأرض ان مهب الشمال أرفع من # --- # (1) الزلازل جمع زلزلة، وهي من آثار التفاعلات الأرضية الحاصلة في بطن ~~الأرض، وسببها هو سبب تكون البراكين، وذلك أن مياه البحر تتسرب من خلال ~~طبقات الأرض، حتى تصل إلى عمق تكون فيه درجة الحرارة شدة، فإذا تبخر الماء ~~بفعل الحرارة طلب له منفذا، ولا يزال يتراكم على بعضه إلى أن يهدم ما ~~يصادفه أمامه من الحواجز، فترتج له القشرة الارضية بحسب قوة البخار ~~واندفاعه وهذا ما يسمى بالزلزلة. # --- PageV01P091 [ 92 ] # مهب الجنوب (1) فلم جعل الله عز وجل كذلك إلا لتنحدر المياه على وجه ~~الأرض فتسقيها وترويها ثم تفيض آخر ذلك الى البحر فكما يرفع أحد جانبي ~~السطح ويخفض الآخر لينحدر الماء عنه ولا يقوم عليه كذلك جعل مهب الشمال ~~ارفع من مهب الجنوب لهذه العلة بعينها ولولا ذلك لبقي الماء متحيرا على وجه ~~الأرض فكان يمنع الناس من اعمالها ويقطع الطرق والمسالك ثم الماء لولا ~~كثرته وتدفقه في العيون والأودية والأنهار لضاق عما يحتاج إليه الناس ~~لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلاتهم وشرب ما ~~يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلب فيه الحيتان ودواب الماء وفيه منافع ~~أخر أنت بها عارف وعن عظيم موقعها غافل فإنه (2) سوى الأمر الجليل المعروف ~~من عظيم غنائه في احياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات يمزج الأشربة ~~فتلذ وتطيب لشاربها ms66 وبه تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن (3) الذي يغشاها ~~وبه يبل (4) التراب فيصلح للأعمال وبه يكف عادية النار إذا اضطرمت وأشرف ~~الناس على المكروه وبه يستحم المتعب الكال (5) فيجد الراحة من أوصابه الى ~~أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها فإن شككت في منفعة # --- # (1) أي بعد ما خرجت الأرض من الكروية الحقيقية، صار ما يلي الشمال منها ~~في أكثر المعمورة ارفع مما يلي الجنوب، ولذا ترى أكثر الأنهار كدجلة ~~والفرات وغيرهما تجري من الشمال إلى الجنوب، لأن الماء الساكن في جوف الأرض ~~تابع للأرض في ارتفاع وانخفاضه، ولذا - أيضا صارت العيون المتفجرة تجري ~~هكذا من الشمال إلى الجنوب.. ومن أجل ذلك حكموا بفوقية الشمال على الجنوب. ~~ويظهر لك مما بينه الامام عليه السلام أنه لا ينافي كروية الأرض. (من ~~تعليقات البحار). (2) الضمير راجع إلى الماء وهو اسم إن ويمزج خبرها.. أي ~~للماء سوى النفع الجليل المعروف وهو كونه سببا لحياة كل شئ ومنافع أخرى ~~منها أنه يمزح مع الأشربة. (3) الدرن - بفتحتين - هو الوسخ جمعه أدران. (4) ~~بله الماء: نداه. (5) الكان اسم فاعل من كل: تعب واعيا. # --- PageV01P092 [ 93 ] # هذا الماء الكثير المتراكم في البحار وقلت ما الأرب فيه ؟ فعلم انه مكتنف ~~ومضطرب ما لا يحصى من أصناف السمك ودواب البحر ومعدن اللؤلؤ والياقوت ~~والعنبر (1) وأصناف شتى تستخرج من البحر وفي سواحله منابت العود اليلنجوج ~~(2) وضروب من الطيب والعقاقير ثم هو بعد مركب للناس ومحمل لهذه التجارات ~~التي تجلب البلدان البعيدة كمثل ما يجلب من الصين الى العراق ومن العراق ~~الى الصين (3) فإن هذه التجارات لم يكن لها محمل إلا على الظهر لبارت وبقيت ~~بلدانها وايدى اهلها لأن اجر حملها يجاوز أثمانها فلا يتعرض أحد لحملها ~~وكان يجتمع في ذلك أمران أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها والآخر ~~انقطاع معاش من يحملها ويتعيش بفضلها (فوائد الهواء والسبب في كثرته) وهكذا ~~الهواء لو لا كثرته وسعته لاختنق هذا الانام من الدخان والبخار الذي يتحير ~~فيه ويعجز عما يحول الى ms67 السحاب والضباب أولا أولا فقد تقدم من صفته ما فيه ~~كفاية (منافع النار وجعلها كالمخزونة في الاجسام) والنار أيضا كذلك فإنها ~~لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه ولما لم يكن بد من ~~ظهورها في الاحايين لغنائها في كثير من # --- # (1) العنبر هو الطيب والزعفران، أو حوت قد يبلغ طوله نحوا من 60 قدما ضخم ~~الرأس وله اسنان بخلاف البال والجمع عنابر. (2) اليلنجوج: العود الطيب ~~الرائحة. (3) في نسخة البحار ومن العراق... إلى العراق... وما ذكرناه أظهر. # --- PageV01P093 [ 94 ] # المصالح جعلت كالمخزونة في الاجسام فتلتمس عند الحاجة إليها وتمسك ~~بالمادة والحطب ما احتيج الى بقائها لئلا تخبو فلا هي تمسك بالمادة والحطب ~~فتعظم المؤونة في ذلك ولا هي تظهر مبثوثة فتحرق كل ما هي فيه بل هي على ~~تهيئة وتقدير إجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها والسلامة من ضررها ثم فيها خلة ~~اخرى وهي انها مما خص بها الانسان دون جميع الحيوان لما له فيها من المصلحة ~~فإنه لو فقد النار لعظم ما يدخل عليه من الضرر في معاشه فأما البهائم فلا ~~تستعمل النار ولا تستمتع بها ولما قدر الله عز وجل أن يكون هذا هكذا خلق ~~للانسان كفا وأصابع مهيئة لقدح النار واستعمالها ولم يعط البهائم مثل ذلك ~~لكنها اعينت بالصبر على الجفاء والخلل في المعاش لكيلا ينالها في فقد النار ~~ما ينال الانسان عند فقدها وأنبئك من منافع النار على خلقة صغيرة عظيم ~~موقعها وهي هذا المصباح الذي يتخذه الناس فيقضون به حوائجهم ما شاؤوا في ~~ليلهم ولو لا هذه الخلة لكان الناس تصرف اعمارهم بمنزلة من في القبور فمن ~~كان يستطيع ان يكتب أو يحفظ أو ينسج في ظلمة الليل وكيف كان حال من عرض له ~~وجع في وقت من أوقات الليل فاحتاج الى ان يعالج ضمادا أو سفوفا (1) أو شيئا ~~يستشفى به... فإما منافعها في نضج الأطعمة ودفاء الأبدان وتجفيف اشياء ~~وتحليل اشياء وأشباه ذلك فأكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى (الصحو والمطر ~~وتعاقبهما على العالم ms68 وفوائد ذلك) فكر يا مفضل في الصحو والمطر كيف ~~يتعاقبان على هذا العالم لما فيه # --- # (1) السفوف - بالفتح -: ما تسفه من دواء ونحوه. وسف الدواء ونحوه: أخذه ~~غير ملتوت. # --- PageV01P094 [ 95 ] # صلاحه ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده ألا ترى ان الامطار إذا ~~توالت عفنت البقول والخضر واسترخت ابدان الحيوان وحصر الهواء فأحدث ضروبا ~~من الأمراض وفسدت الطرق والمسالك وان الصحو إذا دام جفت الأرض واحترق ~~النبات وغيض ماء العيون والأودية فأضر ذلك بالناس وغلب اليبس على الهواء ~~فأحدث ضروبا اخرى من الأمراض فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب إعتدل ~~الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الأخر فصلحت الأشياء واستقامت فإن قال ~~قائل ولم لا يكون في شئ من ذلك مضرة البتة قيل له ليمض ذلك الانسان ويؤلمه ~~بعض الألم فيرعوى عن المعاصي فكما ان الانسان إذا سقم بدنه احتاج إلى ~~الأدوية المرة البشعة ليقوم طباعه ويصلح ما فسد منه كذلك إذا طغى واشتد ~~احتاج إلى ما يمضه ويؤلمه ليرعوى ويقصر عن مساويه ويثبته على فيه حظه ورشده ~~ولو ان ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطيرا (1) من ذهب وفضة ألم يكن ~~سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت فأين هذا من مطرة رواء يعم به البلاد ويزيد ~~في الغلات اكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الأرض كلها أفلا ترى ~~المطرة الواحدة ما اكبر قدرها واعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهمون ~~وربما عاقت عن احدهم حاجة لا قدر لها فيتذمر ويسخط ايثارا للخسيس قدره على ~~العظيم نفعه جميلا محمودا لعاقبته وقلة معرفته (2) لعظيم الغناء والمنفعة ~~فيها (مصالح نزول المطر على الأرض وأثر التدبير فيه) تأمل نزوله على الأرض ~~والتدبير في ذلك فإنه جعل ينحدر عليها من علو ليغشى ما غلظ وارتفع منها ~~فيرويه ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما # --- # (1) القناطير جمع قنطار وهو المال الكثير أو وزن اختلف مقدار موزونه مع ~~الايام. (2) في الأصل المطبوع محمود العاقبة وقلة معرفة، وما ذكرناه هو الأصح. # --- PageV01P095 [ 96 ms69 ] # علا المواضع المشرفة منها ويقل ما يزرع في الأرض ألا ترى ان الذي يزرع ~~سيحا (1) أقل من ذلك فالأمطار هي التي تطبق الأرض وربما تزرع هذه البراري ~~الواسعة وسفوح الجبال وذراها فتغل الغلة الكثيرة وبها يسقط عن الناس في ~~كثير من البلدان مؤنة سياق الماء من موضع إلى موضع وما يجرى في ذلك بينهم ~~من التشاجر والتظالم حتى يستأثر بالماء ذو العز والقوة ويحرمه الضعفاء ثم ~~انه حين قدر أن ينحدر على الأرض إنحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرش ليغور في ~~قعر الأرض فيرويها ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور ~~فيها ثم كان يحطم الزروع القائمة إذا إندفق عليها فصار ينزل نزولا رقيقا ~~فينبت الحب المزروع ويحيى الأرض والزرع القائم وفي نزوله ايضا مصالح أخرى ~~فإنه يلين الابدان ويجلو كدر الهواء فيرتفع الوباء الحادث من ذلك ويغسل ما ~~يسقط على الشجر والزرع من الدماء المسمى باليرقان (2) إلى أشباه هذا من ~~المنافع فإن قال قائل أو ليس قد يكون منه في بعض السنين الضرر العظيم ~~الكثير لشدة ما يقع منه أو برد (3) يكون فيه تحطم الغلات وبخورة يحدثها في ~~الهواء فيولد كثيرا من الأمراض في الابدان والآفات في الغلات قيل بلى قد ~~يكون ذلك الفرط لما فيه من صلاح الانسان وكفه عن ركوب المعاصي والتمادى ~~فيها فيكون المنفعة فيما يصلح له من دينه أرجح مما عسى أن يرزأ في ماله ~~(منافع الجبال) انظر يا مفضل الى هذه الجبال المركومة من الطين والحجارة ~~التي يحسبها # --- # (1) زراعة السيح هي الزراعة التي تحصل عن طريق الأنهر والمياه الجارية. ~~(2) البرقان - بفتحتين أو فتح فسكون - آفة للزرع أو دود يسطو على الزرع. ~~(3) البرد - بفتحتين -: ماء الغمام يتجمد في الهواء البارد ويسقط على الأرض حبوبا. # --- PageV01P096 [ 97 ] # الغافلون فضلا لا حاجة إليها والمنافع فيها كثيرة فمن ذلك ان تسقط عليها ~~الثلوج فتبقى في قلالها (1) لمن يحتاج إليه ويذوب ما ذاب منه فتجرى منه ~~العيون الغزيرة التي تجتمع منها الأنهار العظام وينبت فيها ضروب ms70 من النبات ~~والعقاقير التي لا ينبت مثلها في السهل ويكون فيها كهوف ومعاقل للوحوش من ~~السباع العادية (2) ويتخذ منها الحصون والقلاع المنيعة للتحرز من الأعداء ~~وينحت منها الحجارة للبناء والأرحاء (3) ويوجد فيها معادن لضرب من الجواهر ~~وفيها خلال اخر يعرفها إلا المقدر لها في سابق علمه (أنواع المعادن ~~واستفادة الانسان منها) فكر يا مفضل في هذه المعادن وما يخرج منها من ~~الجواهر المختلفه مثل الجص والكلس (4) والجبسين (5) والزرنيخ (6) والمرتك ~~(7) والتوتيا (8) والزئبق (9) # --- # (1) القلال - بالكسر - جمع قلة - بضم فتشديد - اعلى الرأس والجبل وكل شئ. ~~(2) العادية: المعتدية. (3) الارحاء جمع رحى وهي الطاحون. (4) الكلس - ~~بالكسر - تقدم ذكره. (5) الجبسين كذا في النسخ ولم نجده فيما عندنا من كتب ~~اللغة - الظاهر أنه الجبس وهو الجص الذي يبنى به وهو مركب من كبريتات ~~الكالسيوم ويوجد في الأراضي الثلا. (6) في الأصل الزرانيج والألف زائدة، ~~ولم ترد في كلام العرب، - والزرنيخ عنصر معروف يوجد منفردا وعلى حالة ~~كبرتيور الزرنيخ وهو جسم صلب لونه سنجابي لماع متبلور يتطاير بالحرارة من ~~غير أن يصهر ولا يذوب في الماء، وإذا خلط الزرنيخ مع الكلس حلق الشعر. (7) ~~المرتك وتضاف إليه غالبا كلمة الذهبي وهو اكسيد الرصاص عبارة عن بللورات ~~صغيرة مسحوقة يدخل في تركيب مرهم للبواسير. (8) التوتياهي أوكسيد الزنك غير ~~النقي مخلوطا مع الزرنيخ لا يستعمل في الطب. (9) في الأصل الزيبق وهو ~~استعمال عامي، والزئبق سيال معدني لماع يتجمد على درجة 40 تحت الصفر ويغلي ~~على درجة 360 فوق الصفر، ويستعمل لاستخراج الذهب والفضة بالتملغم وفي ~~البارومتر والترومومتر وفي عمل المرايا وفي الطب دهانا على الجلد في معالجة ~~الزهري. # --- PageV01P097 [ 98 ] # والنحاس والرصاص والفضة والذهب والزبرجد والياقوت والزمرد (1) وضروب ~~الحجارة وكذلك ما يخرج منها من القار والموميا والكبريت والنفط (2) وغير ~~ذلك مما يستعمله في مأربهم فهل يخفى على ذى عقل ان هذه كلها ذخائر ذخرت ~~للانسان في هذه الأرض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها ثم قصرت حيلة ~~الناس عما حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك فإنهم لو ظفروا بما ~~حاولوا من هذا ms71 العلم كان لا محالة سيظهر ويستفيض في العالم حتى تكثر الفضة ~~والذهب ويسقطا عند الناس فلا تكون لهما قيمته ويبطل الانتفاع بهما في ~~الشراء والبيع والمعاملات ولا كان يجبى السلطان الأموال ولا يدخرهما أحد ~~للأعقاب وقد أعطى الناس مع هذا صنعة الشبه (3) من النحاس والزجاج من الرمل ~~والفضة من الرصاص والذهب من الفضة وأشباه ذلك مما لا مضرة فيه فانظر كيف ~~اعطوا ارادتهم في ما لا ضرر فيه ومنعوا ذلك فيما كان ضارا لهم لو نالوه ومن ~~أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجرى منصلتا بماء غزير لا يدرك غوره ~~ولا حيلة في عبوره ومن ورائه أمثال الجبال من الفضة تفكر الآن في هذا من ~~تدبير الخالق الحكيم فإنه أراد جل ثناؤه ان يرى العباد قدرته وسعه خزائنه ~~ليعلموا انه لو شاءان يمنحهم كالجبال من الفضة لفعل لكن لا صلاح لهم في ذلك ~~لأنه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس وقلة انتفاعهم ~~به واعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشئ الظريف مما يحدثه من الأواني والأمتعة فما ~~دام عزيزا قليلا فهو نفيس جليل آخذ الثمن فإذا فشا وكثر في ايدى الناس سقط ~~عندهم وخست قيمته ونفاسة الأشياء من عزتها # --- # (1 - 2) هذه العناصر والاحجار معروفة كلها فلا حاجة إلى شرحها. (3) الشبه ~~- بكسر ففتح - هو النحاس الأصفر. # --- PageV01P098 [ 99 ] # (النبات وما فيه من ضروب المآرب) فكر يا مفضل في هذا النبات وما فيه من ~~ضروب المآرب فالثمار للغذاء والاتبان (1) للعلف والحطب للوقود والخشب لكل ~~شئ من انواع التجارة وغيرها واللحاء (2) والورق والأصول والعروق والصموغ ~~لضروب من المنافع أرأيت لو كنا نجد الثمار التي نغتذى بها مجموعة على وجه ~~الأرض ولم تكن تنبت على هذه الأغصان الحاملة لها كم كان يدخل علينا من ~~الخلل في معاشنا وان كان الغذاء موجودا فإن المنافع بالخشب والحطب والاتبان ~~وسائر ما عددناه كثيرة عظيم قدرها جليل موقعها هذا مع ما في النبات من ~~التلذذ بحسن منظره ونضارته التي يعدلها شئ من مناظر العالم ms72 وملاهيه (الريع ~~في النبات وسببه) فكر يا مفضل في هذا الريع الذي جعل في الزرع فصارت الحبة ~~الواحدة تخلف مائة حبة واكثر واقل وكان يجوز للحبة ان تأتى بمثلها فلم صارت ~~تريع هذا الريع إلا ليكون في الغلة (3) متسع لما يرد في الأرض من البذر وما ~~يتقوت الزراع الى إدراك زرعها المستقبل ألا ترى ان الملك لو أراد عمارة بلد ~~من البلدان كان السبيل في ذلك ان يعطى أهله ما يبذرونه في أرضهم وما يقوتهم ~~الى ادراك زرعهم (فانظر كيف تجد المثال قد تقدم في تدبير الحكيم فصار الزرع يريع # --- # (1) لم يرد في معاجم اللغة العربية، لفظ الاتبان على معنى التبن المعروف ~~ولعل اللفظ قد غيره النساخ والصحيح تبن. (2) اللحاء: قشر العود أو الشجر. ~~(3) الغلة - بالفتح -: الدخل من كراء دار وفائدة أرض ونحو ذلك والجمع غلات وغلال. # --- PageV01P099 [ 100 ] # هذا الريع ليفى بما يحتاج إليه للقوت والزراعة وكذلك الشجر والنبت والنخل ~~يريع الريع الكثير فإنك ترى الأصل الواحد حوله من فراخه أمرا عظيما فلم كان ~~كذلك إلا ليكون فيه ما يقطعه الناس ويستعملونه في مأربهم وما برد فيغرس في ~~الأرض ولو كان الأصل منه يبقى منفردا لا يفرخ ولا يريع لما امكن ان يقطع ~~منه شئ لعمل ولا لغرس ثم كان ان اصابته آفة انقطع أصله فلم يكن منه خلف ~~(بعض النباتات وكيف تصان) تأمل نبات هذه الحبوب من العدس والماش والباقلاء ~~وما اشبه فإنها تخرج في أوعية مثل الخرائط (1) لتصونها وتحجبها من الآفات ~~إلى أن تشتد وتستحكم كما قد تكون المشيمة (2) على الجنين لهذا المعنى بعينه ~~وأما البر (3) وما أشبهه فإنه يخرج مدرجا في قشور صلاب على رؤوسها أمثال ~~الأسنة من السنبل ليمنع الطير منه ليتوفر على الزراع فإن قال قائل أو ليس ~~قد ينال الطير من البر والحبوب قيل له بلى على هذا قدر الأمر فيها لأن ~~الطير خلق من خلق الله تعالى وقد جعل الله تبارك وتعالى له في ما تخرج ~~الأرض حظا ولكن حصنت الحبوب بهذه الحجب ms73 لئلا يتمكن الطير منها كل التمكن ~~فيعبث بها ويفسد الفساد الفاحش فإن الطير لو صادف الحب بارزا ليس عليه شئ ~~يحول دونه لأكب عليه حتى ينسفه أصلا فكان يعرض من ذلك أن يبشم (4) الطير ~~فيموت ويخرج الزراع من زرعه صفرا فجعلت عليه هذه الوقايات لتصونه فينال ~~الطائر منه شيئا يسيرا يتقوت به ويبقى أكثره للانسان فإنه # --- # (1) لم نجد للفظ (الخرائط) هنا معنى يتسق ومراد الامام (ع) ولعله يريد ~~الشكل المخروطي، وهو ما يبتدئ من سطح مستدير ويرتفع مستدقا حتى ينتهي إلى ~~نقطة. (2) المشيمة: غشاء ولد الانسان يخرج معه عند الولادة، جمعه: مشيم ~~ومشايم. (3) البر - بضم فتشديد - هو القمح، الواحدة برة. (4) يبشم الطعام: ~~أي يتخم من الطعام. # --- PageV01P100 [ 101 ] # اولى به إذ كان هو الذي كدح فيه وشقي به وكان الذي يحتاج إليه اكثر مما ~~يحتاج إليه الطير (الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات) تأمل الحكمة في خلق ~~الشجر وأصناف النبات فإنها لما كانت تحتاج الى الغذاء الدائم كحاجة الحيوان ~~ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت ~~اصولها مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذاء فتؤديه الى الأغصان وما عليها من ~~الورق والثمر فصارت الأرض كالأم المربية لها وصارت أصولها التي هي كالأفواه ~~ملتقمة للأرض لتنزع منها الغداء كما ترضع أصناف الحيوان امهاتها ألم تر الى ~~عمد الفساطيط (1) والخيم كيف تمد بالأطناب (2) من كل جانب لتثبت منتصبة فلا ~~تسقط ولا تميل فهكذا تجد النبات كله له عروق منتشرة في الأرض ممتدة إلى كل ~~جانب لتمسكه وتقيمه ولو لا ذلك كيف يثبت هذا النخل الطوال والدوح العظام في ~~الريح العاصف فانظر إلى حكمة الخالق كيف سبقت حكمة الصناعة فصارت الحيلة ~~التي تستعملها الصناع في ثبات الفساطيط والخيم متقدمة في خلق الشجر لأن خلق ~~الشجر قبل صنعة الفساطيط والخيم ألا ترى عمدها وعيدانها من الشجر فالصناعة ~~مأخوذة من الخلقة (خلق الورق ووصفه) تأمل يا مفضل خلق الورق فإنك ترى في ~~الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع فمنها غلاظ ممتدة ms74 في طولها وعرضها ~~ومنها دقاق تتخلل تلك الغلاظ # --- # (1) الفساطيط جمع فسطاط - بالضم أو الكسر - بيت من شعر. (2) الاطناب جمع ~~طنب - بضمتين - حبل طويل يشد به سرادق البيت. # --- PageV01P101 [ 102 ] # منسوجة نسجا دقيقا معجما لو كان مما يصنع بالأيدى كصنعة البشر لما فرغ من ~~ورق شجرة واحدة في عام كامل ولاحتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام فصار يأتي ~~منه في أيام قلائل من الربيع ما يملأ الجبال والسهل وبقاع الأرض كلها بلا ~~حركة ولا كلام إلا بالارادة النافذة في كل شئ والأمر المطاع واعرف مع ذلك ~~العلة في تلك العروق الدقاق فإنها جعلت تتخلل الورقة بأسرها لتسقيها وتوصل ~~الماء إليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء الى كل جزء منه ~~وفي الغلاظ منها معنى آخر فإنها تمسك الورقة بصلابتها ومتانتها لئلا تنهتك ~~وتتمزق فترى الورقة شبيها بورقة معمولة بالصنعة من خرق قد جعلت فيها عيدان ~~ممدودة في طولها وعرضها لتتماسك فلا تضطرب فالصناعة تحكى الخلقة وان كانت ~~لا تدركها على الحقيقة (العجم والنوى والعلة في خلقه) فكر في هذا العجم ~~والنوى والعلة فيه فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس ان عاق دون ~~الغرس عائق كما يحرز الشئ النفيس الذي تعظم الحاجة إليه في مواضع آخر فإن ~~حدث على الذي في بعض المواضع منه حادث وجد في موضع آخر ثم هو بعد يمسك ~~بصلابته رخاوة الثمار ورقتها ولولا ذلك لتشدخت (1) وتفسخت واسرع إليها ~~الفساد وبعضه يؤكل ويستخرج دهنه فيستعمل منه ضروب من المصالح وقد تبين لك ~~موضع الأرب في العجم والنوى فكر الآن في هذا الذي تجده فوق النواة من ~~الرطبة وفوق العجم من العنبة فما العلة فيه ولما ذا يخرج في هذه الهيئة وقد ~~كان يمكن أن يكون # --- # (1) تشدخت: تكسرت. # --- PageV01P102 [ 103 ] # مكان ذلك ما ليس فيه مأكل كمثل ما يكون في السدر (1) والدلب (2) وما أشبه ~~ذلك فلم صار يخرج فوقه هذه المطاعم اللذيذة إلا ليستمتع بها الانسان (موت ~~الشجر وتجدد حياته وما في ذلك من ضروب التدبير) فكر في ms75 ضروب من التدبير في ~~الشجر فإنك تراه يموت في كل سنة موتة فتحتبس الحرارة الغريزية في عوده ~~ويتولد فيه مواد الثمار ثم يحيى وينتشر فيأتيك بهذه الفواكه نوعا بعد نوع ~~كما تعد نوع، كما تقدم اليك أنواع الأطبخة التي تعالج بالأيدى واحدا بعد ~~واحد فترى الأغصان في الشجر تتلقاك بثمارها حتى كأنها تناولكها عن يد وترى ~~الرياحين تتلقاك في أفنائها (3) كأنها تجئك بأنفسها فلمن هذا التقدير إلا ~~لمقدر حكيم وما العلة فيه إلا تفكيه الانسان بهذه الثمار والأنوار ؟ والعجب ~~من أناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحود المنعم بها (خلق الرمانة وأثر ~~العمد فيه) واعتبر بخلق الرمانة وما ترى فيها من اثر العمد والتدبير فإنك ~~ترى فيها كأمثال التلال من شحم مركوم في نواحيها وحب مرصوف صفا كنحو ما ~~ينضد بالأيدى وترى الحب مقسوما أقساما وكل قسم منها ملفوفا بلفائف من حجب ~~منسوجة اعجب النسج والطفه وقشره يضم ذلك كله فمن التدبير في هذه الصنعة انه ~~لم يكن يجوز أن يكون حشو الرمانة من الحب وحده وذلك ان الحب لا يمد بعضه ~~بعضا فجعل ذلك الشحم خلال # --- # (1) السدر - بالكسر - شجر النبق جمعه سدور. (2) الدلب - بالضم - شجر عظيم ~~عريض الورق لا زهر له ولا ثمر والواحدة دلبة. (3) الافنان جمع فنن وهو ~~الغصن المستقيم. # --- PageV01P103 [ 104 ] # الحب ليمده بالغذاء ألا ترى ان أصول الحب مركوزة في ذلك الشحم ثم لف بتلك ~~اللفائف لتضمه وتمسكه فلا يضطرب وغشى فوق ذلك بالقشرة المستحصفة لتصونه ~~وتحصنه من الآفات فهذا قليل من كثير من وصف الرمانة وفيه أكثر من هذا لمن ~~أراد الاطناب (1) والتذرع (2) في الكلام ولكن فيما ذكرت لك كفاية في ~~الدلالة والاعتبار (حمل اليقطين وما فيه من التدبير والحكمة) فكر يا مفضل ~~في حمل اليقطين الضعيف مثل هذه الثمار الثقيلة من الدباء (3) والقثاء (4) ~~والبطيخ وما في ذلك من التدبير والحكمة فإنه حين قدر ان يحمل مثل هذه ~~الثمار جعل نباته منبسطا على الأرض ولو كان ينتصب قائما كما ينتصب الزرع ~~والشجر استطاع ان يحمل مثل ms76 هذه الثمار الثقيلة ولتقصف قبل ادراكها ~~وانتهائها الى غاياتها فانظر كيف صار يمتد على وجه الأرض ليلقى عليها ثماره ~~فتحملها عنه فترى الأصل من القرع (5) والبطيخ مفترشا للأرض وثماره مبثوثة ~~عليها وحواليه كأنه هرة ممتدة وقد اكتنفتها جراؤها (6) لترضع منها # --- # (1) يقال: اطنب في الوصف أو القول، أي بالغ. (2) التذرع في الكلام هو ~~الاكثار منه والافراط فيه. (3) لم نقف عليه. (4) القثاء - بالضم - نوع من ~~النبات ثمره يشبه ثمر الخيار الواحدة قثاءة. (5) القرع - بالفتح - نوع من ~~اليقطين، الواحدة قرعة. (6) في الأصل المطبوع (أجزاؤها) وهذا تصحيف شنيع، ~~والجراء جمع جرو - بتثليث الجيم - صغير كل شئ حتى الرمان والبطيخ وغلب على ~~الكلب والأسد والمراد هنا بالجراء أولاد الهرة. # --- PageV01P104 [ 105 ] # (موافاة أصناف النبات في الوقت المشاكل لها) وانظر كيف صارت الأصناف ~~توافي في الوقت المشاكل لها من حمارة (1) الصيف ووقدة الحر فتلقاها النفوس ~~بانشراح وتشوق إليها ولو كانت توافي الشتاء لوافقت من الناس كراهة لها ~~واقشعرارا (2) منها مع ما يكون فيها من المضرة للأبدان ألا ترى انه ربما ~~ادرك شئ من الخيار في الشتاء فيمتنع الناس من أكله إلا الشره الذي يمتنع من ~~أكل ما يضره ويسقم معدته (في النخل وخلقة الجذع والخشب وفوائد ذلك) فكر يا ~~مفضل في النخل فإنه لما صار فيه إناث تحتاج التلقيح جعلت فيه ذكورة اللقاح ~~من غير غراس فصار الذكر من النخل بمنزلة الذكر من الحيوان الذي يلقح الاناث ~~لتحمل وهو لا يحمل تأمل خلقة الجذع كيف هو فإنك تراه كالمنسوج نسجا من خيوط ~~ممدودة كالسدى وأخرى معه معترضة كاللحمة (3) كنحو ما ينسج بالأيدى وذلك ~~ليشتد ويصلب ولا يتقصف من حمل القنوات (4) الثقيلة وهز الرياح العواصف إذا ~~صار نخلة وليتهيأ للسقوف والجسور وغير ذلك مما يتخذ منه إذا صار جذعا وكذلك ~~ترى الخشب مثل النسج فإنك ترى بعضه مداخلا بعضه بعضا # --- # (1) الحمارة: شدة الحر والجمع حمار. (2) اقشعر: تغير لونه. (3) اللحمة - ~~بالضم - ما سدي به بين سدي الثوب أي ما نسج عرضا وهو خلاف سواه والجمع لحم. ~~(4) في الأصل المطبوع ms77 - قنوان - ولا معنى لها هنا. والقنوات جمع قناة وهي ~~العصا الغليظة، وقد أراد بها الإمام عليه السلام هنا هي سعف النخل الغليظة. # --- PageV01P105 [ 106 ] # طولا وعرضا كتداخل اجزاء اللحم وفيه مع ذلك متانة ليصلح لما يتخذ منه من ~~الآلات فإنه لو كان مستحصفا (1) كالحجارة لم يمكن ان يستعمل في السقوف وغير ~~ذلك مما يستعمل فيه الخشبة كالأبواب والأسرة والتوابيت وما أشبه ذلك ومن ~~جسيم المصالح في الخشب انه يطفو على الماء فكل الناس يعرف هذا منه وليس ~~كلهم يعرف جلالة الأمر فيه فلو لا هذه الخلة كيف كانت هذه السفن والأظراف ~~(2) تحمل أمثال الجبال من الحمولة وأنى كان ينال الناس هذا الرفق وخفة ~~المؤنة في حمل التجارات من بلد إلى بلد وكانت تعظم المؤنة عليهم في حملها ~~حتى يلقى كثير مما يحتاج إليه في بعض البلدان مفقودا أصلا أو عسر وجوده ~~(العقاقير واختصاص كل منها) فكر في هذه العقاقير وما خص بها كل واحد منها ~~من العمل في بعض الأدواء فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل ~~الشيطرج (3) وهذا ينزف المرة السوداء (4) مثل الافتيمون وهذا ينفى الرياح ~~مثل السكبينج (6) وهذا يحلل الأورام وأشباه هذا من افعالها فمن جعل هذه القوى # --- # (1) أراد بالمستحصف: الشديد المحكم كأنه الحجارة. (2) كذا في النسخ، ~~والطرف لا يجمع على لفظ أظراف وإنما يقال للجمع ظروف. (3) جاء في تذكرة ~~الانطاكي: شيطرج هندي هو الخامشة وهو نبت يوجد بالقبور الخراب له ورق عريض ~~ودقيق ينتثر أعلاه إذا برد الجو وزهره أحمر إلى بياض، يخلف بزر أسود أصغر ~~من الخردل ورائحته ثقيلة حادة وطعمه إلى مرارة. (4) المرة السوداء: خلط من ~~أخلاط البدن والجمع مرار. (5) افتيمون لفظ يوناني معناه دواء الجنون وهو ~~نبات له أصل كالجزر شديد الحمرة وفروع كالخيوط الليفية تحف بأوراق دقاق خضر ~~وزهرة إلى حمرة وغبرة وبزر دون الخردل أحمر إلى صفرة يلتف بما يليه. (6) ~~سكبينج أو سكنبيج هو شجرة بفارس، ويورد الأطباء الأقدمون أوصافا طيبة كثيرة ~~من السكنبيج ويذكرون أنه يذهب عدة أمراض لا مجال لذكرها ms78 هنا. # --- PageV01P106 [ 107 ] # فيها إلا من خلقها للمنفعة ؟ ومن فطن الناس لها إلا من جعل هذا فيها ومتى ~~كان يوقف على هذا منها بالعرض والاتفاق كما قال القائلون وهب الانسان فطن ~~لهذه الاشياء بذهنه ولطيف رويته وتجاربه فالبهائم كيف فطنت لها حتى صار بعض ~~السباع يتداوى من جراحه أن اصابته ببعض العقاقير فيبرأ وبعض الطير يحتقن من ~~الحصر يصيبه بماء البحر فيسلم واشباه هذا كثير ولعلك تشكك في هذا النبات ~~النابت في الصحارى والبرارى حيث لا أنس ولا انيس فتظن انه فضل لا حاجة إليه ~~وليس كذلك بل هو طعم لهذه الوحوش وحبه علف للطير وعوده وافنانه حطب ~~فيستعمله الناس وفيه بعد اشياء تعالج بها الابدان واخرى تدبغ بها الجلود ~~واخرى تصبغ الامتعة وأشباه هذا من المصالح ألست تعلم ان من اخس النبات ~~واحقره هذا البردى وما اشبهها ففيها مع هذا من ضروب المنافع فقد يتخذ من ~~البردى القراطيس التي يحتاج إليها الملوك والسوقة والحصر التي يستعملها كل ~~صنف من الناس ويعمل منه الغلف التي يوقى بها الاواني ويجعل حشوا بين الظروف ~~وفي الاسفاط لكيلا تعيب وتنكسر وأشباه هذا من المنافع فاعتبر بما ترى من ~~ضروب المآرب في صغير الخلق وكبيره وبما له قيمة وما لا قيمة له وأخس من هذا ~~وأحقره الزبل والعذرة التي اجتمعت فيها الخساسة والنجاسة معا وموقعها من ~~الزروع والبقول والخضر اجمع الموقع الذي لا يعدله شئ حتى ان كل شئ من الخضر ~~لا يصلح ولا يزكو إلا بالزبل والسماد الذي يستقذره الناس ويكرهون الدنو منه ~~واعلم انه ليس منزلة الشئ على حسب قيمته بل هما قيمتان مختلفتان بسوقين ~~وربما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيسا في سوق العلم فلا تستصغر العبرة في ~~الشئ لصغر قيمته فلو فطن طالبوا الكيمياء لما في العذرة لاشتروها بأنفس ~~الأثمان وغالوا بها قال المفضل وحان وقت الزوال فقام مولاى الى الصلاة وقال # --- PageV01P107 [ 108 ] # بكر إلى غدا إن شاء الله تعالى فانصرفت وقد تضاعف سروري بما عرفنيه ~~مبتهجا بما آتانيه حامدا لله ms79 على ما منحنيه فبت ليلتى مسرورا # --- PageV01P108 [ 109 ] # * (المجلس الرابع) * قال المفضل فلما كان اليوم الرابع بكرت إلى مولاى ~~فاستؤذن لي فأمرني بالجلوس فجلست فقال عليه السلام منا التحميد والتسبيح ~~والتعظيم والتقديس للاسم الاقدم والنور الأعظم العلى العلام ذى الجلال ~~والاكرام ومنشئ الأنام ومفنى العوالم والدهور وصاحب السر المستور والغيب ~~المحظور والاسم المخزون والعلم المكنون وصلواته وبركاته على مبلغ وحيه ~~ومؤدى رسالته الذي بعثه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا ~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة فعليه وعلى آله من بارئه الصلوات ~~الطيبات والتحيات الزاكيات الناميات وعليه وعليهم السلام والرحمة والبركات ~~في الماضين والغابرين أبد الآبدين ودهر الداهرين وهم أهله ومستحقوه (الموت ~~والفناء وانتقاد الجهال وجواب ذلك) قد شرحت لك يا مفضل من الأدلة على الخلق ~~والشواهد على صواب التدبير والعمد في الانسان والحيوان والنبات والشجر وغير ~~ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر وأنا أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض ~~الأزمان التي اتخذها أناس من الجهال ذريعة إلى جحود الخلق والخالق والعمد ~~والتدبير وما انكرت المعطلة والمنانية من المكاره والمصائب وما أنكروه من ~~الموت والفناء وما قاله أصحاب الطبائع ومن زعم ان كون الاشياء بالعرض ~~والاتفاق ليتسع ذلك القول في الرد عليهم قاتلهم الله أنى يؤفكون # --- PageV01P109 [ 110 ] # (الآفات ونظر الجهال إليها والجواب على ذلك) اتخذ أناس من الجهال هذه ~~الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء واليرقان والبرد (1) والجراد ~~ذريعة الى جحود الخالق والتدبير والخلق فيقال في جواب ذلك أنه ان لم يكن ~~خالق ومدبر فلم لا يكون ما هو اكثر من هذا وأفظع ؟ فمن ذلك ان تسقط السماء ~~على الأرض وتهوي الأرض فتذهب سفلا وتتخلف الشمس عن الطلوع اصلا وتجف ~~الأنهار والعيون حتى لا يوجد ماء للشفة وتركد الريح، حتى تخم الأشياء وتفسد ~~ويفيض ماء البحر على الأرض فيغرقها ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء ~~والجراد وما اشبه ذلك ما بالها لا تدوم وتمتد حتى تجتاح كل ما في العالم بل ~~تحدث ms80 في الأحايين ثم لا تلبث ان ترفع أفلا ترى ان العالم يصان ويحفظ من تلك ~~الاحداث الجليلة التي لو حدث شئ منها كان فيه بواره ويلذع (2) احيانا بهذه ~~الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم ثم لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم ~~عند القنوط منهم فيكون وقوعها بهم موعظة وكشفها عنهم رحمة. وقد أنكرت ~~المنانية من المكاره والمصائب التي تصيب الناس فكلاهما يقول إن كان للعالم ~~خالق رؤوف رحيم فلم تحدث فيه هذه الأمور المكروهة والقائل بهذا القول يذهب ~~الى انه ينبغي ان يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافيا من كل كدر ولو كان ~~هكذا كان الانسان يخرج من الاشر (3) والعتو (4) إلى ما لا يصلح في دين ولا ~~دنيا كالذى ترى كثيرا من # --- # (1) ذهب ذكر اليرقان والبرد سابقا. (2) يقال لذعته النار أي احرقته ولذعه ~~بلسانه أي أوجعه بكلام وفي بعض النسخ باهمال الأول واعجام الثاني من لدغ ~~العقرب. (3) الأشر: البطر. (4) العتو - بالضم - الاستكبار وتجاوز الحد. # --- PageV01P110 [ 111 ] # المترفين ومن نشأ في الجدة والامن يخرجون إليه ان أحدهم ينسى انه بشر ~~وانه مربوب أو ان ضررا يمسه أو ان مكروها ينزل به أو انه يجب عليه ان يرحم ~~ضعيفا أو يواسي فقيرا أو يرثي المبتلي أو يتحنن على ضعيف، أو يتعطف على ~~مكروب فإذا عضته المكاره ووجد مضضها اتعظ وابصر كثيرا مما كان جهله وغفل ~~عنه ورجع الى كثير مما كان يجب عليه. والمنكرون لهذه الأمور المؤذية بمنزلة ~~الصبيان الذين يذمون الأدوية المرة البشعة ويتسخطون من المنع من الأطعمة ~~الضارة ويتكرهون الأدب والعمل ويحبون ان يتفرغوا للهو والبطالة وينالوا ~~مطعم ومشرب ولا يعرفون ما تؤديهم إليه البطالة من سوء النشو والعادة وما ~~تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارة من الأدواء والاسقام وما لهم في الأدب من ~~الصلاح وفي الأدوية من المنفعة وان شاب ذلك بعض الكراهة فإن قالوا فلم لم ~~يكن الانسان معصوما من المساوي حتى لا يحتاج الى ان تلذعه هذه المكاره قيل ~~إذا كان يكون غير محمود على حسنه يأتيها ولا مستحقا ms81 للثواب عليها فإن قالوا ~~وما كان يضره ان لا يكون محمودا على الحسنات مستحقا للثواب بعد ان يصير الى ~~غاية النعيم واللذات ؟ قيل لهم اعرضوا على امرئ صحيح الجسم والعقل ان يجلس ~~منعما ويكفى كلما يحتاج إليه بلا سعي ولا استحقاق فانظروا هل تقبل نفسه ذلك ~~بل ستجدونه بالقليل مما يناله بالسعي والحركة اشد اغتباطا وسرورا بالكثير ~~مما يناله بغير الاستحقاق وكذلك نعيم الآخرة ايضا يكمل لأهله بأن ينالوه ~~بالسعي فيه والاستحقاق له فالنعمة على الانسان في هذا الباب مضاعفة فإن اعد ~~الثواب الجزيل على سعيه في هذه الدنيا وجعل له السبيل الى ان ينال ذلك بسعي ~~واستحقاق فيكمل السرور والاغتباط بما يناله منه... فإن قالوا: أو ليس قد ~~يكون من الناس من يركن الى ما نال من خير وان كان لا يستحقه فما الحجة في ~~منع من رضي ينال نعيم الآخرة على هذه الجملة ؟ قيل لهم ان هذا باب لو # --- PageV01P111 [ 112 ] # صح للناس لخرجوا الى غايه الكلب (1) والضراوة على الفواحش وانتهاك ~~المحارم فمن كان يكف نفسه فاحشة أو يتحمل المشقة في باب من ابواب البر لوثق ~~بأنه صائر الى النعيم لا محالة أو من كان يأمن على نفسه وأهله وماله من ~~الناس لو لم يخاف الحساب والعقاب فكان ضرر هذا الباب سينال الناس في هذه ~~الدنيا قبل الاخرة فيكون في ذلك تعطيل العدل والحكمة معا وموضع للطعن على ~~التدبير بخلاف الصواب ووضع الأمور في غير مواضعها (لماذا تصيب الآفات جميع ~~وما الحجة في ذلك) وقد يتعلق هؤلاء بالآفات تصيب الناس فتعم البر والفاجر ~~أو يبتلى بها البر ويسلم الفاجر منها فقالوا: كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم ~~وما الحجة فيه ؟ فيقال لهم ان هذه الآفات وان كانت تنال الصالح والطالح ~~جميعا فإن الله عز وجل جعل ذلك صلاحا للصنفين كليهما أما الصالحون فأن الذي ~~يصيبهم من هذا يزدهم نعم ربهم عندهم في سالف أيامهم فيحدوهم ذلك على الشكر ~~والصبر وأما الطالحون فإن مثل هذا إذا نالهم كسر شرتهم وردعهم ms82 عن المعاصي ~~والفواحش وكذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحا ذلك أما الأبرار فانهم ~~يغتبطون بما هم عليه البر والصلاح ويزدادون فيه رغبة وبصيرة وأما الفجار ~~فانهم يعرفون رأفة ربهم وتطوله عليهم بالسلامة من غير استحقاق فيحضهم ذلك ~~على الرأفة بالناس، والصفح عمن أساء إليهم ولعل قائلا يقول ان هذه الآفات ~~التي تصيب الناس في اموالهم فما قولك فيما يبتلون به في ابدانهم فيكون فيه ~~تلفهم كمثل الحرق والغرق والسيل والخسف ؟ فيقال له ان الله جعل في هذا ايضا ~~صلاحا للصنفين جميعا أما الأبرار فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من # --- # (1) في الأصل المطبوع الكلبة. ولا معنى اللفظ هنا، والصحيح ما ذكرناه إذ ~~الكلب - بفتحتين - هو داء يشبه الجنون يأخذ الكلاب فتعض الناس فتكلب الناس ~~أيضا إذا تمنعوا عن استعمال لقاح الطبيب الفرنسي المعروف باستور. # --- PageV01P112 [ 113 ] # تكاليفها والنجاة من مكارهها وأما الفجار فلما لهم في ذلك من تمحيص ~~أوزارهم وحبسهم عن الازدياد منها وجملة القول ان الخالق تعالى ذكره بحكمته ~~وقدرته قد يصرف هذه الأمور كلها الى الخير والمنفعة فكما انه إذا قطعت ~~الريح شجرة أو قطعت نخلة أخذها الصانع الرفيق واستعملها في ضروب من المنافع ~~فكذلك يفعل المدبر الحكيم في الآفات التي تنزل بالناس في أبدانهم واموالهم ~~فيصيرها جميعا الى الخير والمنفعة فإن قال ولم تحدث على الناس ؟ قيل له ~~لكيلا يركنوا إلى المعاصي من طول السلامة فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي ~~ويفتر الصالح عن الاجتهاد في البر فإن هذين الأمرين جميعا يغلبان على الناس ~~في حال الخفض والدعة والحوادث التي تحدث عليهم تردعهم وتنبههم على ما فيه ~~رشدهم فلو خلوا منها لغلوا في الطغيان والمعصية كما غلا الناس في أول ~~الزمان حتى وجب عليهم البوار بالطوفان وتطهير الأرض منهم. (الموت والفناء ~~وانتقاد الجهال وجواب ذلك) ومما ينتقده الجاحدون للعمد والتقدير الموت ~~والفناء فإنهم يذهبون الى انه ينبغي أن يكون الناس مخلدين في هذه الدنيا ~~مبرئين من هذه الآفات فينبغي ان يساق هذا الأمر الى غايته ms83 فينظر ما محصوله. ~~أفرأيت لو كل من دخل العالم ويدخله يبقون ولا يموت احد منهم ألم تكن الأرض ~~تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن والمزارع والمعائش فإنهم والموت يفنيهم أولا ~~فأولا يتنافسون في المساكن والمزارع حتى تنشب بينهم في ذلك الحروب وتسفك ~~فيهم الدماء فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون وكان يغلب ~~عليهم الحرص والشره وقساوة القلوب فلو وثقوا بأنهم لا يموتون لما قنع ~~الواحد منهم بشئ يناله ولا افرج لأحد عن شئ يسأله ولا سلا عن شئ مما يحدث ~~عليه ثم كانوا يملون الحياة وكل شئ من امور الدنيا كما قد يمل # --- PageV01P113 [ 114 ] # الحياة من طال عمره حتى يتمنى الموت والراحة من الدنيا فإن قالوا انه كان ~~ينبغي انه يرفع عنهم المكاره والأوصاب حتى لا يتمنوا الموت ولا يشتاقوا ~~إليه فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتو والأشر الحامل لهم على ما فيه ~~فساد الدنيا والدين وإن قالوا انه كان ينبغي ان لا يتوالدوا كيلا تضيق عنهم ~~المساكن والمعائش قيل لهم إذا كان يحرم اكثر هذا الخلق دخول العالم ~~والاستمتاع بنعم الله تعالى ومواهبه في الدارين جميعا إذا لم يدخل العالم ~~إلا قرن (1) واحد لا يتوالدون ولا يتناسلون فإن قالوا انه كان ينبغي ان ~~يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق الى انقضاء العالم ~~يقال لهم رجع الأمر الى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعائش عنهم ثم لو كانوا ~~لا يتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الانس بالقرابات وذوي الارحام ~~والانتصار بهم عند الشدائد وموضع تربية الاولاد والسرور بهم ففى هذا دليل ~~على ان كلما تذهب إليه الأوهام - سوى ما جرى به التدبير - خطأ وسفه من ~~الرأي والقول. (الطعن على التدبير من جهة اخرى والجواب عليه) ولعل طاعنا ~~يطعن على التدبير من جهة اخرى فيقول كيف يكون هاهنا تدبير ونحن نرى الناس ~~في هذه الدنيا من عزيز فالقوي يظلم ويغصب والضعيف يظلم ويسالم الخسف ~~والصالح فقير مبتلى والفاسق معافى موسع عليه ومن ركب ms84 فاحشة أو انتهك محرما ~~لم يعاجل بالعقوبة فلو كان في العالم تدبير لجرت الأمور على القياس القائم ~~فكان الصالح هو المرزوق والطالح هو المحروم وكان القوي يمنع من ظلم الضعيف ~~والمنتهك للمحارم يعاجل بالعقوبة فيقال جواب ذلك ان هذا لو كان هكذا لذهب ~~موضع الاحسان الذي فضل به # --- # (1) المراد بالقرن هنا أهل زمان واحد والجمع قرون. # --- PageV01P114 [ 115 ] # الانسان على غيره من الخلق وحمل النفس على البر والعمل الصالح احتسابا ~~للثواب وثقة بما وعد الله عنه ولصار الناس بمنزلة الدواب التي تساس بالعصا ~~والعلف ويلمع لها بكل واحد منهما ساعة فساعة فتستقيم على ذلك ولم يكن أحد ~~يعمل على يقين بثواب أو عقاب حتى كان هذا يخرجهم عن حد الانسية إلى حد ~~البهائم ثم لا يعرف ما غاب ولا يعمل إلا على الحاضر من نعيم الدنيا وكان ~~يحدث من هذا أيضا ان يكون الصالح إنما يعمل للرزق والسعة هذه الدنيا ويكون ~~الممتنع من الظلم والفواحش إنما يكف عن ذلك لترقب عقوبة تنزل به من ساعته ~~حتى تكون أفعال الناس كلها تجري على الحاضر لا يشوبه شئ من اليقين بما عند ~~الله ولا يستحقون ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها مع ان هذه الأمور التي ~~ذكرها الطاعن من الغنى والفقر والعافية والبلاء ليست بجارية على خلاف قياسه ~~بل قد تجري على ذلك احيانا والأمر المفهوم. فقد ترى كثيرا من الصالحين ~~يرزقون المال لضروب من التدبير وكيلا يسبق الى قلوب الناس ان الكفار هم ~~المرزوقون والابرار هم المحرومون فيؤثرون الفسق الصلاح وترى كثيرا من ~~الفساق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم وعظم ضررهم على الناس وعلى ~~انفسهم كما عوجل فرعون (1) بالغرق وبخت نصر (2) بالتيه وبلبيس (3) بالقتل ~~وان أمهل بعض الاشرار # --- # (1) قصة غرق فرعون في البحر معروفة في الكتب المقدسة، والقرآن الكريم ~~يشير إليها في أكثر من موضع واحد. (2) أو نبوخذ نصر كان أعظم ملوك ~~الكدانيين، وملك في بابل من سنة 604 إلى سنة 561 ق م وقد وصف بالقوة والبأس ~~وعد من أبطال التاريخ في ms85 الشرق، وجاء ذكره في التوراة كثيرا لأنه عاقب ~~الأمم الغربية عقابا شديدا، وهاجم اليهود - سكان مملكة يهوذا الصغيرة - ~~هجوما صاعقا بعد أن أجلى أكثرهم إلى بابل ودمر عاصمتهم أورشليم تدميرا ~~شديدا. (3) بلبيس كذا في الأصل وهو غير معروف عند المؤرخين ولم نجده فيما ~~بين أيدينا من الكتب. # --- PageV01P115 [ 116 ] # بالعقوبة واخر بعض الاخيار بالثواب الى الدار الآخرة لأسباب تخفى على ~~العباد لم يكن هذا مما يبطل التدبير فإن مثل هذا قد يكون من ملوك الأرض ولا ~~يبطل تدبيرهم بل يكون تأخيرهم ما أخروه وتعجيلهم ما عجلوه داخلا في صواب ~~الرأي والتدبير وإذا كانت الشواهد تشهد وقياسهم يوجب ان للاشياء خالقا ~~حكيما قادرا فما يمنعه ان يدبر خلقه فإنه لا يصلح في قياسهم ان يكون الصانع ~~يهمل صنعته إلا بإحدى ثلاث خلال إما عجز وإما جهل واما شرارة وكل هذا محال ~~في صنعته عز وجل وتعالى ذكره وذلك ان العاجز لا يستطيع ان يأتي بهذه ~~الخلائق الجليلة العجيبة والجاهل لا يهتدي لما فيها من الصواب والحكمة ~~والشرير لا يتطاول لخلقها وانشائها وإذا كان هذا هكذا وجب ان يكون الخالق ~~لهذه الخلائق يدبرها لا محالة وان كان لا يدرك كنه ذلك التدبير ومخارجه فإن ~~كثيرا من تدبير الملوك لا تفهمه العامة ولا تعرف أسبابه لأنها لا تعرف ~~دخيلة أمر الملوك واسرارهم فإذا عرف سببه وجد قائما على الصواب والشاهد ~~المحنة ولو شككت بعض الأدوية والأطعمة فيتبين لك من جهتين أو ثلاث انه حار ~~أو بارد ألم تكن ستقضي عليه بذلك وتنفي الشك فيه عن نفسك ؟ فما بال هؤلاء ~~الجهلة لا يقضون على العالم بالخلق والتدبير مع هذه الشواهد الكثيرة واكثر ~~منها ما لا يحصى كثرة ولو كان نصف العالم وما فيه مشكلا صوابه لما كان من ~~حزم الرأة وسمت (1) الأدب ان يقضي على العالم بالاهمال لأنه كان في النصف ~~الآخر وما يظهر فيه من الصواب واتقان ما يردع الوهم عن التسرع الى هذه ~~القضية فكيف وكلما فيه إذا فتش وجد على غاية الصواب ms86 حتى لا يخطر بالبال شئ ~~إلا وجد ما عليه الخلقة أصح وأصوب منه. (اسم هذا العالم بلسان اليونانية) ~~واعلم يا مفضل ان اسم هذا العالم بلسان اليونانية الجارى المعروف # --- # (1) السمت - بالفتح - الطريق والمحجة والجمع سموت. # --- PageV01P116 [ 117 ] # عندهم (قوسموس) وتفسيره الزينة وكذلك سمته الفلاسفة ومن ادعى الحكمة ~~أفكانوا يسمونه بهذا الأسم إلا لما رأوا فيه التقدير والنظام فلم يرضوا أن ~~يسموه تقديرا ونظاما سموه زينة ليخبروا انه مع ما هو عليه من الصواب ~~والاتقان على غاية الحسن والبهاء. (عمى ماني دلائل الحكمة وادعاؤه علم ~~الاسرار) اعجب يا مفضل من قوم لا يقضون على صناعة الطب بالخطأ وهم يرون ~~الطبيب يخطئ ويقضون على العالم بالاهمال ولا يرون شيئا منه مهملا بل اعجب ~~من أخلاق من ادعى الحكمة حتى جهلوا مواضعها في الخلق فأرسلوا السنتهم بالذم ~~للخالق جل وعلا.. بل العجب من المخذول (ماني) حين ادعى علم الاسرار وعمي عن ~~دلائل الحكمة في الخلق حتى نسبه الى الخطأ ونسب خالقه الى الجهل تبارك ~~الحكيم الكريم. (انتقاد المعطلة فيما راموا أن يدركوا بالحس ما لا يدرك ~~بالعقل) وأعجب منهم جميعا (المعطلة) الذين راموا أن يدركوا بالحس ما لا ~~يدرك بالعقل فلما أعوزهم ذلك خرجوا الى الجحود والتكذيب فقالوا ولم لا يدرك ~~بالعقل ؟ قيل لأنه فوق مرتبة العقل كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته ~~فإنك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء علمت ان راميا رمى به فليس هذا العلم من ~~البصر بل من قبل العقل لأن العقل هو الذي يميزه فيعلم ان الحجر لا يذهب ~~علوا من تلقاء نفسه أفلا ترى كيف وقف البصر على حده فلم يتجاوزه فكذلك يقف ~~العقل حده من معرفة الخالق فلا يعدوه ولكن يعقله بعقل اقر فيه نفسا ولم ~~يعاينها ولم يدركها بحاسة من الحواس. # --- PageV01P117 [ 118 ] # (معرفة العقل للخالق معرفة اقرار لا معرفة احاطة) وعلى حسب هذا أيضا ~~نقول: ان العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الاقرار ولا يعرفه بما يوجب ~~له الاحاطة بصفته فإن قالوا فكيف ms87 يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ~~ولا يحيط به ؟ قيل لهم إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه وهو ~~ان يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه ولم يكلفوا الاحاطة بصفته كما ان الملك ~~لا يكلف رعيته ان يعلموا أطويل هو أم قصير وأبيض هو أم أسمر وإنما يكلفهم ~~الاذعان لسلطانه والانتهاء الى أمره ألا ترى ان رجلا لو أتى باب الملك فقال ~~أعرض علي نفسك حتى اتقصى معرفتك وإلا لم أسمع لك كان قد أحل نفسه ~~بالعقوبة... فكذا القائل أنه لا يقر بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه متعرضا ~~لسخطه فإن قالوا أو ليس قد نصفه ؟ فنقول هو العزيز الحكيم الجواد الكريم ؟ ~~قيل لهم كل هذه صفات اقرار وليست صفات احاطة فإنا نعلم انه حكيم ولا نعلم ~~بكنه ذلك منه وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته كما قد نرى السماء ندرى ما ~~جوهرها ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له ~~ولأن الأمثال كلها تقصر عنه ولكنها تقود العقل الى معرفته فإن قالوا ولم ~~يختلف فيه ؟ قيل لهم لقصر الأوهام عن مدى عظمته وتعديها اقدارها في طلب ~~معرفته وأنها تروم الاحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه (الشمس واختلاف ~~الفلاسفة في وضعها وشكلها ومقدارها) فمن ذلك هذه الشمس التي تراها تطلع على ~~العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها ولذلك كثرت الأقاويل فيها واختلفت ~~الفلاسفة المذكورون في وصفها فقال بعضهم هو فلك أجوف مملوء نارا له فم يجيش ~~بهذا الوهج # --- PageV01P118 [ 119 ] # والشعاع وقال آخرون هو سحابة وقال آخرون جسم زجاجي يقل نارية في العالم ~~ويرسل عليه شعاعها وقال آخرون هو صفو لطيف ينعقد ماء البحر وقال آخرون هو ~~أجزاء كثيرة مجتمعة من النار وقال آخرون هو من جوهر خامس سوى الجواهر ~~الأربعة ثم اختلفوا في شكلها... فقال بعضهم هي بمنزلة صفيحة عريضة... وقال ~~آخرون هي كالكرة المدحرجة وكذلك اختلفوا في مقدارها فزعم بعضهم انها مثل ~~الأرض سواء وقال آخرون بل هي أقل من ms88 ذلك وقال آخرون بل هي أعظم من الجزيرة ~~العظيمة وقال أصحاب الهندسة هي أضعاف الأرض مائة وسبعين مرة... ففي اختلاف ~~هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على انهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها ~~فإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر ويدركها الحس قد عجزت العقول عن ~~الوقوف على حقيقتها فكيف ما لطف عن الحس واستتر عن الوهم ؟ فإن قالوا ولم ~~استتر ؟ قيل لهم لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب من الناس بالأبواب ~~والستور وإنما معنى قولنا استتر انه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام كما لطفت ~~النفس وهي خلق من خلقه وارتفعت عن ادراكها بالنظر فإن قالوا ولم لطف تعالى ~~عن ذلك علوا كبيرا ؟ كان ذلك خطأ من القول لأنه لا يليق بالذى هو خالق كل ~~شئ إلا ان يكون مباينا لكل شئ متعاليا عن شئ سبحانه وتعالى. (الحق الذي ~~تطلب معرفته من الأشياء أربعة أوجه وتفصيل ذلك) فإن قالوا كيف يعقل ان يكون ~~مباينا لكل شئ متعاليا عن كل شئ ؟ قيل لهم الحق الذي تطلب معرفته من ~~الأشياء هو أربعة اوجه فأولها أن ينظر أموجود هو ام ليس بموجود والثاني ان ~~يعرف ما هو في ذاته وجوهره ؟ والثالث ان يعرف كيف هو وما صفته ؟ والرابع ان ~~يعلم لماذا هو ولأي علة فليس من # --- PageV01P119 [ 120 ] # هذه الوجود شئ يمكن للمخلوق ان يعرفه من الخالق حق معرفته غير انه موجود ~~فقط فإذا قلنا وكيف وما هو ؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به وأما لماذا ~~هو ؟ فساقط في صفة الخالق لأنه جل ثناؤه علة كل شئ وليس شئ بعلة له ثم ليس ~~علم الانسان بأنه موجود يوجب له أن يعلم ما هو وكيف هو ؟ كما أن علمه بوجود ~~النفس لا يوجب أن يعلم ما هي وكيف هي ؟ وكذلك الأمور الروحانية اللطيفة... ~~فإن قالوا فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا حتى كأنه غير معلوم ؟ ~~قيل لهم هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كهنه والاحاطة به وهو ms89 من جهة ~~اخرى أقرب من كل قريب إذا استدل عليه بالدلائل الشافية فهو من جهة كالواضح ~~لا يخفى على أحد وهو من جهة كالغامض لا يدركه أحد وكذلك العقل أيضا ظاهر ~~بشواهده ومستور بذاته. (أصحاب الطبائع ومناقشة أقوالهم) فأما (اصحاب ~~الطبائع) فقالوا ان الطبيعة لا تفعل شيئا لغير معنى ولا عما فيه تمام الشئ ~~في طبيعته وزعموا ان الحكمة تشهد بذلك فقيل لهم فمن اعطى الطبيعة هذه ~~الحكمة والوقوف على حدود الأشياء بلا مجاوزة لها وهذا قد تعجز عنه العقول ~~بعد طول التجارب فإن اوجبوا للطبيعة الحكمة والقدرة على مثل هذه الأفعال ~~فقد أقروا بما أنكروا لأن هذه في صفات الخالق وان انكروا ان يكون هذا ~~للطبيعة فهذا وجه الخلق يهتف بأن الفعل للخالق الحكيم وقد كان من القدماء ~~طائفة أنكروا العمد والتدبير في الأشياء وزعموا ان كونها بالعرض والاتفاق ~~وكان مما احتجوا به هذه الآيات التي تكون على غير مجرى العرف والعادة ~~كانسان يولد ناقصا أو زائدا أصبعا أو يكون المولود مشوها مبدل الخلق فجعلوا ~~هذا دليلا على أن كون الأشياء ليس بعمد وتقدير بل بالعرض كيف ما أتفق أن ~~يكون ؟. وقد كان # --- PageV01P120 [ 121 ] # (ارسطاطاليس) (1) رد عليهم فقال ان الذي يكون بالعرض والاتفاق إنما هو شئ ~~يأتي في الفرط مرة لأعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها وليس بمنزلة ~~الأمور الطبيعية الجارية شكل واحد جريا دائما متتابعا. وأنت يا مفضل ترى ~~أصناف الحيوان ان يجري أكثر ذلك على مثال ومنهاج واحد كالانسان يولد وله ~~يدان ورجلان وخمس أصابع كما عليه الجمهور الناس فاما ما يولد على خلاف ذلك ~~فإنه لعلة تكون في الرحم أو في المادة التي ينشأ منها الجنين كما يعرض في ~~الصناعات حين يتعمد الصانع الصواب في صنعته فيعوق دون ذلك عائق في الأداة ~~أو في الألة التي يعمل فيها الشئ فقد يحدث مثل ذلك في أولاد الحيوان ~~للأسباب التي وصفنا فيأتي الولد زائدا أو ناقصا أو مشوها ويسلم أكثرها ~~فيأتي سويا لا علة فيه فكما ان الذي ms90 يحدث في بعض اعمال الأعراض لعلة فيه لا ~~يوجب عليها جميعا الاهمال وعدم الصانع كذلك ما يحدث على بعض الأفعال ~~الطبيعية لعائق يدخل عليها لا يوجب ان يكون جميعها بالعرض والاتفاق فقول من ~~قال في الأشياء ان كونها بالعرض والاتفاق من قبيل ان شيئا منها يأتي على ~~خلاف الطبيعة بعرض يعرض له خطأ وخطل... فإن قالوا ولم صار مثل هذا يحدث في ~~الأشياء ؟ قيل لهم ليعلم انه ليس كون الأشياء باضطرار من الطبيعة ولا يمكن ~~ان سواه كما قال القائلون بل هو تقدير وعمد من خالق حكيم إذ جعل الطبيعة ~~تجري أكثر ذلك على مجرى ومنهاج معروف، # --- # (1) ارسطاطاليس لفظة يونانية معناها محب الحكمة ويقال ارسطو وهو احدى ~~الشخصيات العالمية التي اشتهرت منذ قرون بعيدة، كان تلميذا لأفلاطون بعد أن ~~خلفه على دار التعليم عند غيبته الى صقلية نظر في الفلسفة بعد أن أتى عليه ~~من العمر (30) عاما. كان بليغ اليونانيين وأجل علمائهم، كما كان من ذوي ~~الأفكار العالية في الفلسفة، ويعرف بالمعلم الأول لأنه أول من جمع علم ~~المنطق ورتبه واخترع فيه، وقد عظم محله عند الملوك حتى أن الأسكندر الأكبر ~~كان يمضي الأمور عن رأيه، عاش سبعا وستين سنة، بعد أن توفي في خلكيس عام ~~322 قبل الميلاد، وله كتب كثيرة في مختلف فروع العلم. # --- PageV01P121 [ 122 ] # وتزول أحيانا عن ذلك لأعراض تعرض لها فيستدل بذلك انها مصرفة مدبرة فقيرة ~~الى ابداء الخالق وقدرته في بلوغ غايتها واتمام عملها تبارك الله أحسن ~~الخالقين. يا مفضل خذ ما آتيتك واحفظ ما منحتك وكن لربك من الشاكرين ~~ولآلائه من الحامدين ولأوليائه من المطيعين فقد شرحت لك من الأدلة على ~~الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد قليلا من كثير وجزءا من كل، فتدبره ~~وفكر فيه واعتبر به فقلت بمعونتك يا مولاي أقر على ذلك وابلغه ان شاء الله ~~فوضع يده صدري فقال احفظ بمشيئة الله ولا تنس ان شاء الله فخررت مغشيا علي ~~فلما أفقت قال كيف ترى نفسك يا مفضل فقلت قد ms91 استغنيت بمعونة مولاي وتأييده ~~عن الكتاب الذي كتبته وصار ذلك بين يدي كأنما اقرأه من كفي فلمولاي الحمد ~~والشكر كما هو أهله ومستحقه. فقال يا مفضل فرغ قلبك وأجمع إليك ذهنك وعقلك ~~وطمأنينتك فسألقي إليك من علم ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله بينهما ~~وفيهما من عجائب خلقه وأصناف الملائكة وصفوفهم ومقاماتهم ومراتبهم الى سدرة ~~المنتهى وسائر الخلق من الجن والانس الى الأرض السابعة السفلى وما تحت ~~الثرى حتى يكون ما وعيته جزءا من اجزاء انصرف إذا شئت مصاحبا مكلوءا فأنت ~~منا بالمكان الرفيع وموضعك من قلوب المؤمنين موضع الماء من الصدى ولا تسألن ~~عما وعدتك حتى احدث لك منه ذكرا. قال المفضل فانصرفت من عند مولاي بما لم ~~ينصرف أحد بمثله. # مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية PageV01P122 ms92