######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000626 #META# 000.BookURI :: #0189.MuhammadShaybani.Kasb #META# 010.AuthorAKA :: محمد بن الحسن #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن الحسن الشيباني #META# 011.AuthorBORN :: 132 #META# 011.AuthorDIED :: 189 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الكسب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الفقه الحنفي :: كتب الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الكسب #META# 030.LibURI :: JK_000626 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. سهيل زكار #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: عبد الهادي حرصوني #META# 044.EdPLACE :: دمشق #META# 045.EdYEAR :: 1400 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . | ~~قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد ، شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو | بكر محمد ~~بن أبي سهل السرخسي - إملاء - رحمه الله : وإذ قد أجبتكم | إلى ما سألتموني ~~من إملاء شرح المختصر على حسب الطاقة وقدر | الفاقه ، بالآثار المشهورة ~~والاشارات المذكورة في تصنيفات محمد بن الحسن | رحمه الله ، لإظهار وجه ~~التأثير وبيان طريق التصوير ، رأيت أن الحق | به إملاء شرح ' كتاب الكسب ' ~~الذي يرويه محمد بن سماعه عن محمد بن | الحسن رحمه الله ، وهو من جملة ~~تصنيفاته ، إلا أنه لم يشتهر لأنه لم | يسمع رحمه الله ، وهو من جملة ~~تصنيفاته ، إلا أنه لم يشتهر لأنه لم | يسمع [ 1 - و ] منه ذلك أبو حفص ولا ~~أبو سليمان رحمهما الله ، ولهذا | لم يذكره الحاكم رحمه الله في المختصر ، ~~وفيه من العلوم ما لا يسع جهلها ، | PageV01P031 | و لا تخلف عن علمها ، ~~ولو لم يكن فيه إلا حث المقتبسين على مشاركة | المكتسبين في الكسب لأنفسهم ~~، والتناول من كد يديهم لكان يحق على | كل أحد إظهار هذا النوع من العلم . # وقد كان شيخنا الإمام رحمه الله بين بعض ذلك على طريق الآثار | فنذكر ما ~~ذكرناه تبركا بالمسموع منه ، ونلحق به ما تكلم فيه أهل الأصول | رحمهم الله ~~، وما يجود به الخاطر من المعاني والإشارات . | PageV01P032 الكسب محمد بن ~~الحسن الشيباني PageV01P001 & باب & # الاكتساب في عرف أهل اللسان تحصيل المال بما يحل من الأسباب واللفظ في ~~الحقيقة يستعمل في كل باب وقد قال الله تعالى @QB@ أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم @QE@ وقال عز وجل @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم @QE@ أي ~~بجنايتكم على أنفسكم فقد سمى جناية المرء على نفسه كسبا وقال جل وعلا في ~~آية السرقة @QB@ جزاء بما كسبا @QE@ أي باشرا من ارتكاب المحظور فعرفنا أن ~~اللفظ مستعمل في كل باب ولكن عند الاطلاق يفهم منه اكتساب المال # ثم بدأ محمد رحمه الله الكتاب بقوله طلب الكسب فريضة على كل مسلم كما أن ~~طلب ms01 العلم فريضة وبهذا اللفظ يرويه ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم = أنه قال طلب الكسب فريضة على PageV01P032 لى كل مسلم ~~وفي رواية قال طلب الكسب بعد الصلاة المكتوبة الفريضة بعد الفريضة وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم طلب الحلال كمقارعة الأبطال ومن بات ناويا من طلب ~~الحلال بات مغفورا له وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم درجة الكسب ~~على درجة الجهاد فيقول لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل ~~الله أحب إلي من أن أقتل مجاهدا في سبيل الله لأن الله تعالى قدم الذين ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين بقوله تعالى @QB@ وآخرون ~~يضربون في الأرض @QE@ وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صافح سعد ~~بن معاذ رضي الله عنه يوما فإذا يداه أكنبتا فسأله النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك فقال أضرب بالمر والمسحاة في نخيلي لأنفق على عيالي فقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يده وقال كنان يحبهما الله تعالى وفي هذا بيان أن ~~المرء باكتساب مالا بد له ينال من الدرجة PageV01P033 أعلاها وإنما ينال ~~ذلك بإقامة الفريضة ولأنه لايتوصل إلى إقامة الفرض إلا به فيكون فرضا ~~بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة # | وبيانه من وجوهه # أحدها أن يمكنه من أداء الفرائض بقوة بدنه وإنما يحصل له ذلك بالقوت عادة ~~ولتحصيل القوت طرق الاكتساب أو التغالب أو الانتهاب وبالانتهاب يستوجب ~~العقاب وفي التغالب فساد والله لا يحب الفساد فتعين جهة الاكتساب لتحصيل ~~القوت وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم نفس المؤمن مطيته فاليحسن إليها ~~يعني الاحسان بأن لايمنعها قدر الكفاية وإنما يتوصل إلى ذلك بالكسب ولأنه ~~لايتوصل إلى أداء الصلاة ألا بالطهارة ولابد لك من كوز تستقي به الماء أو ~~دلو ورشاء ينزح به الماء من البئر وكذا لايتوصل إلى أداء الصلاة إلا بستر ~~العورة وإنما يكون ذلك بثوب ولا يحصل له إلا بالإكتساب عادة وما لا يتأتى ~~إقامة الفرض ms02 إلا به يكون فرضا في نفسه # الكسب طريق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين وقد أمرنا بالتمسك بهم ~~والاقتداء بهديهم قال الله تعالى @QB@ فبهداهم اقتده @QE@ وبيان أن أول من ~~اكتسب أبونا آدم صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى @QB@ فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى @QE@ أي تتعب في طلب الرزق # وقال مجاهد رحمه الله في تفسيره لا تأكل خبزا بزيت حتى تعمل PageV01P034 ~~عملا إلى الموت # وفي الآثار أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض أتاه جبرائيل عليه ~~السلام بالحنطة وأمره بأن يزرعها فزرعها وسقاها وحصدها وداسها وطحنها ~~وخبزها فلما فرغ من هذه الأعمال حان وقت العصر أتاه جبرائيل عليه السلام ~~وقال إن ربك يقرئك السلام ويقول إن صمت اليوم غفرت لك خطيئتك وشفعتك في ~~أولادك فصام وكان حريصا على تناول ذلك الطعام لينظر أنه هل يجد من الطعم ما ~~كان يجد له لطعام الجنة فمن ثمة حرص الصائمون بعد العصر على تناول الطعام # وكذا نوح عليه السلام كان نجارا يأكل من كسبه وإدريس عليه السلام كان ~~خياطا وابراهيم عليه السلام كان بزازا على ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال عليكم بالبز فإن أباكم كان بزازا يعني الخليل عليه السلام و داود ~~عليه السلام كان يأكل من كسبه على ما روي أنه كان يخرج متنكرا فيسأل عن ~~سيرته أهل مملكته حتى استقبله جبرائيل عليه السلام يوما على صورة شاب فقال ~~له داود عليه السلام كيف تعرف داود أيها الفتى فقال نعم العبد داود إلا أن ~~فيه خصلة فقال وما هي قال إنه يأكل من بيت المال وإن خير الناس من يأكل من ~~كسبه فرجع داود عليه السلام إلى محرابه باكيا متضرعا يسأل الله تعالى ويقول ~~اللهم علمني كسبا تغنيني به عن بيت المال فعلمه الله تعالى PageV01P035 صفة ~~الدرع ولين له الحديد حتى كان الحديد في يده كالعجين في يد غيره قال الله ~~تعالى @QB@ وعلمناه صنعة لبوس لكم @QE@ فكان يصنع الدرع ويبيع الدرع بإثني ~~عشر ألفا فكان يأكل من ذلك ms03 ويتصدق وسليمان صلوات الله عليه كان يصنع ~~المكاتل من الخوص فيأكل من ذلك وزكريا عليه السلام كان نجارا وعيسى عليه ~~السلام كان يأكل من غزل أمه وربما كان يلتقط السنبلة فيأكل من ذلك وهو نوع ~~اكتساب ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يرعى في بعض الأوقات على ما روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه رضي الله عنهم يوما كنت راعيا لعقبة بن أبي ~~معيط وما بعث الله نبيا إلا استرعاه وفي حديث السائب بن شريك عن أبيه رضي ~~الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي وكان خير شريك ~~لايداري ولا يماري أي لايلاج ولا يخاصم قيل في ماذا كانت الشركة بينكما ~~فقال في الأدم # وازدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف على ما ذكره محمد رحمه الله ~~في كتاب المزارعة ليعلم أن الكسب عن طريق المرسلين عليهم السلام ~~PageV01P036 # ثم الكسب نوعان كسب من المرء لنفسه وكسب منه على نفسه فالكاسب لنفسه هو ~~الطالب لما لابد له من المباح والكاسب على نفسه هو الباغي لما عليه فيه ~~جناح نحو ما يكون من السارق والنوع الثاني حرام بالإتفاق قال الله تعالى ~~@QB@ ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه @QE@ وقال عز وجل @QB@ ومن يكسب ~~خطيئة أو إثما @QE@ الآية والمذهب عند الفقهاء من السلف والخلف رحمهم الله ~~أن النوع الأول من الكسب مباح على الاطلاق بل هو فرض عند الحاجة # وقال قوم من جهال أهل التقشف وحماقى أهل التصوف إن الكسب حرام لا يحل إلا ~~عند الضرورة بمنزلة تناول الميتة وقالوا إن الكسب ينفي التوكل على الله أو ~~ينقص منه وقد أمرنا بالتوكل قال الله تعالى @QB@ فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ~~@QE@ فما يتضمن نفي ما أمرنا به من التوكل يكون حراما والدليل على أنه ينفي ~~التوكل قوله صلى الله عليه وسلم لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما ~~يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا وقال تعالى @QB@ وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون @QE@ وفي هذا حث على ترك الاشتغال ms04 بالكسب وبيان أن ما قدر له من ~~الموعود يأتيه لا محالة وقال عز وجل PageV01P037 @QB@ وأمر أهلك بالصلاة ~~@QE@ الآية والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد منه ~~أمته فقد أمروا بالصبر والصلاة وترك الاشتغال بالكسب بطلب الرزق وقال تعالى ~~@QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ وفي الاشتغال بالكسب ترك ما ~~يأمر المرء لأهله وأمر به من عبادة ربه وإليه أشاز النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين وإنما أوحي إلي ~~@QB@ فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين @QE@ الآية وما في القرآن من ذكر البيع ~~والشراء في بعض الآيات ليس المراد التصرف في المال والمكسب بل المراد تجارة ~~العبد مع ربه عز وجل ببذل النفس في طاعته والاشتغال بعبادته فذلك يسمى ~~تجارة وقال الله تعالى @QB@ هل أدلكم على تجارة @QE@ الآية وقال عز وجل ~~@QB@ إن الله اشترى من المؤمنين @QE@ الآية والمراد هذا النوع وهو بذل ~~النفس لنيل الثواب بالجهاد وأنواع الطاعة وكذا قد سمن الله تعالى أخذ المال ~~لإرتكاب ما لايحل له في الدين بايعا نفسه قال الله تعالى @QB@ ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم @QE@ وقال عز وجل @QB@ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا @QE@ ~~PageV01P038 وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله الناس غاديان ~~فبائع نفسه فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها وأن الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعين كانوا يلزمون المسجد فلا يشتغلون بالكسب ومدحوا على ذلك وكذلك ~~الخلفاء الراشدون وغيرهم من أعلام الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم ~~يشتغلوا بالكسب وهم الأئمة السادة والقدوة القادة # وحجتنا في ذلك قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع @QE@ وقال جل وعلا @QB@ ~~إذا تداينتم بدين @QE@ وقال عز وجل @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض @QE@ ~~وقال جل جلاله @QB@ إلا أن تكون تجارة حاضرة @QE@ الآية ففي بعض هذه الآيات ~~تنصيص على الحل وفي بعضها ندب إلى الاشتغال بالتجارة فمن يقول بحرمتها فهو ~~مخالف لهذه النصوص # وإنما يحمل كلام صاحب الشرع عند الاطلاق على ما يتفاهمه الناس في ~~مخاطبتهم لأن الشرع إنما ms05 خاطبنا بما نفهمه ولفظة البيع والشراء حقيقة ~~للتصرف في المال بطريق الاكتساب والكلام محمول على حقيقة لا يجوز تركها إلى ~~نوع من المجاز إلا عند قيام الدليل كما فيما استشهدوا به من قوله تعالى ~~@QB@ إن الله اشترى من المؤمنين @QE@ فقد قام الدليل على أن المراد به ~~المجاز ولم يوجد مثل ذلك ههنا فكان محمولا على حقيقته وقال الله تعالى @QB@ ~~فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله @QE@ PageV01P039 ~~والمراد التجارة وقال عز وجل @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ~~@QE@ يعني التجارة في طريق الحج وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أطيب ما ~~أكلتم من كسب أيديكم وإن أخي داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده والمراد ~~الاشارة إلى قوله تعالى @QB@ كلوا من طيبات ما رزقناكم @QE@ # وأقوى ما نعتمده أن الاكتساب طريق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين وقد ~~قررنا ذلك ولا معنى لمعارضتهم إيانا في ذلك بعيسى ويحيى عليهما السلام فقد ~~بينا أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه رضي الله عنها # ثم نقول إن الأنبياء عليهم السلام في هذا ليس كغيرهم فقد بعثوا لدعوة ~~الناس إلى دين الحق وإظهار ذلك وكانوا مشغولين بما بعثوا لأجله ولم يشتغلوا ~~عامة أوقاتهم بالكسب لهذا وقد اكتسبوا في بعض الأوقات ليبينوا للناس أن ذلك ~~ما ينبغي أن يشتغل به المرء ولأنه لا ينفي التوكل على الله كما ظنه هؤلاء ~~الجهال وقد بين ذلك عمر رضي الله عنه في حديثه حيث مر بقوم من القراء فرآهم ~~جلوسا قد نكسوا رؤوسهم فقال من هؤلاء فقيل هم المتوكلون فقال كلا ولكنهم ~~المتأكلون يأكلون أموال الناس PageV01P040 أنبئكم من المتوكل فقيل نعم فقال ~~هو الذي يلقي الحب في الأوض ثم يتوكل على ربه عز وجل وفي رواية أخرى فقال ~~يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم واكتسبوا لأنفسكم # ودعواهم أن الكبار من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يكتسبون دعوى ~~باطل فقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان بزازا وعمر رضي ms06 الله عنه ~~كان يعمل الأدم وعثمان رضي الله عنه كان تاجرا يجلب إليه الطعام فيبيعه ~~وعلي رضي الله عنه كان يكتسب على ما روي أنه أجر نفسه غير مرة حتى آجر نفسه ~~من يهودي في حديث فيه طول # ثم صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى سراويل بدرهمين وقال ~~للوزان زن وأرجح فإنا معاشر الأنبياء هكذا نزن وباع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قعبا وحلسا يبيع من يزيد واشترى ناقة من أعرابي وأوفاه ثمنها ثم ~~جحد الأعرابي وقال هلم شاهدا قال صلى الله عليه وسلم من يشهد لي فقال خزيمة ~~بن ثابت رضي الله عنه أنا أشهد لك بأنك وفيت الأعرابي ثمن الناقة فقال صلى ~~الله عليه وسلم كيف تشهد لي ولم تكن حاضرا قال يا رسول الله إنا نصدقك ~~PageV01P041 فيما تأتينا به من خبر السماء أفلا نصدقك فيما تخبر به من ~~إيفاء ثمن الناقة فقال صلى الله عليه وسلم من شهد له خزيمة فحسبه # ولا حجة لهم في قوله تعالى @QB@ وفي السماء رزقكم وما توعدون @QE@ ~~فالمراد المطر الذي ينزل من السماء فيحصل به النبات فإن ذلك يسمى رزقا على ~~ما نقل عن بعض السلف رحمهم الله يا بن آدم إن الله يرزقك ويرزق رزقك ويرزق ~~رزق رزقك يعني ينزل المطر من السماء رزقا للنبات ثم النبات رزق الأنعام ~~والأنعام رزق لبني آدم ولئن حملنا الآية على ظاهرها فنقول في السماء رزقنا ~~كما أخبر الله تعالى ولكننا أمرنا باكتساب السبب ليأتينا ذلك الرزق عند ~~الاكتساب بيانه في قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل عبدي ~~حرك يدك أنزل عليك الرزق وقد أمر الله تعالى مريم عليها السلام بهز النخلة ~~كما قال @QB@ وهزي إليك @QE@ الآية وهو قادر على أن يرزقها من غير هز بعناء ~~كما كان يرزقها في المحراب قال عز وجل @QB@ كلما دخل عليها زكريا المحراب ~~@QE@ الآية وإنما أمرها بذلك ليكون بيانا للعباد أنه ينبغي لهم أن لا يدعوا ~~إكتساب PageV01P042 السبب وإن ms07 كانوا يتيقنون أن الله هو الرزاق # وهذا نظير الخلق فإن الله تعالى هو الخالق قد يخلق لا من سبب ولا في سبب ~~كما خلق آدم صلوات الله عليه وقد يخلق لا من سبب في سبب كما خلق عيسى عليه ~~السلام وقد يخلق من سبب في سبب كما قال تعالى @QB@ يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى @QE@ الآية وقد أمر الله تعالى بالنكاح وطلب الولد لا ~~ينفي يقين العبد بأن الخالق هو الله تعالى فكذا أمر الرزق ليعلم من يزعم أن ~~حقيقة التوكل في ترك الكسب فهو مخالف للشريعة وإليه أشار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قوله للسائل الذي قال أرسل ناقتي وأتوكل فقال صلى الله ~~عليه وسلم لا بل اعقلها وتوكل # ونظير هذا الدعاء فقد أمرنا به قال الله تعالى @QB@ واسألوا الله من فضله ~~@QE@ ومعلوم أن ما قدر لكل أحد فهو يأتيه لا محالة ثم أحد لا ينظر بهذا إلى ~~ترك السؤال والدعاء من الله تعالى والأنبياء عليهم السلام كانوا يسألون ~~الجنة مع علمهم أن الله يدخلهم الجنة وقد وعد لهم ذلك وهو @QB@ لا يخلف ~~الميعاد @QE@ وقد كانوا يأمنون العاقبة ثم كانوا يسألون الله تعالى ذلك في ~~دعائهم # وكذا أمر الشفاء فالشافي هو الله تعالى وقد أمرنا بالمداواة قال صلى الله ~~عليه وسلم تداووا عباد الله فإن الله تعالى ما خلق داء إلا خلق PageV01P043 ~~له دواء إلا السام أو قال الهرم وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد حين داوى ما أصابه من الجراحة في وجهه # ثم إن اكتساب الكسب بالمداواة لا ينفي التيقن بأن الله تعالى هو الشافي ~~فكذا اكتساب سبب الرزق بالتحرك لا ينفي التيقن بأن الله تعالى هو الرازق # والعجب من الصوفية أنهم لا يمتنعون من تناول طعام من أطعمهم من كسب يده ~~وربح تجارته مع علمهم بذلك فلو كان الاكتساب حراما لكان المال الحاصل به ~~حرام التناول لأن ما يتطرق إليه بارتكاب الحرام يكون حراما ألا ترى أن بيع ms08 ~~الخمر للمسلم لما كان حراما كان تناول ثمنها حراما وحيث لم يمتنع أحد منهم ~~من التناول عرفنا أن قولهم من نتيجة الجهل والكسل # ثم المذهب عند جمهور الفقهاء رحمهم الله من أهل السنة والجماعة أن الكسب ~~بقدر مالا بد منه فريضة # وقالت الكرامية بل هو مباح بطريق الرخصة لأنه لا يخلو إما أن يكون فرضا ~~في كل وقت أو في وقت مخصوص # والأول باطل لأنه يؤدي إلى أن لا يتفرغ أحد عن أداء هذه الفريضة ليشتغل ~~بغيرها من الفرائض والواجبات PageV01P044 # و ثاني باطل لأن ما يكون فرضا في وقت مخصوص شرعا يكون مضافا إلى ذلك ~~الوقت كالصلاة والصوم ولم يرد الشرع بإضافة الكسب إلى وقت مخصوص ثم لا يخلو ~~إما أن يكون فرضا لرغبة الناس إليه أو للضرورة # والأول باطل فإن الرغبة ثابتة في جميع ما في الدنيا من الأموال وأحد لا ~~يقول يفترض على كل أحد تحصيل جميع ذلك # والثاني باطل أيضا فإن ما يفترض للضرورة إنما يفترض عند تحقق الضرورة ~~وبعد تحقق الضرورة يعجز عن الكسب فكيف يتأخر فرضيته إلى حال عجزه ولا يخلو ~~إما أن يفترض جميع أنواعه أو نوع مخصوص منه # والأول باطل لأن ليس في وسع أحد من البشر مباشرة جميع أنواعه ولا يعلم ~~ذلك فإن عمره يفنى قبل أن يتعلم ذلك # والثاني باطل لأن ليس بعض الأنواع بتخصيصه بالفريضة بأولى من بعض ولا ~~يخلو إما يفترض على جميع الناس أو على بعضهم # والأول باطل فإن الأنبياء عليهم السلام ما اشتغلوا بالكسب في عامة ~~أوقاتهم وكذا أعلام الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن بعدهم من الأخيار ~~لا يظن بهم أنهم اجتمعوا على ترك ما هو فرض عليهم # والثاني باطل لأن ليس بعض الناس بتخصيصه بهذه الفريضة بأولى من البعض # فتبين أن الكسب ليس بفرض أصلا والدليل عليه أنه لو كان أصله فرضا لكان ~~الاستكثار منه مندوبا إليه أو كان نفلا بمنزلة العبادات والاستكثار منه ~~مذموم كما قال الله تعالى @QB@ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو @QE@ إلى ms09 قوله ~~تعالى @QB@ عذاب شديد @QE@ وبهذا الحرف يقع الفرق بينه وبين طلب ~~PageV01P045 العلم بأن أصله لما كان فرضا كان الاستكثار مندوبا إليه # وحجتنا في ذلك قوله تعالى @QB@ أنفقوا من طيبات ما كسبتم @QE@ والأمر ~~حقيقة للوجوب ولا يتصور الإنفاق من المكسوب إلا بعد الكسب وما لا يتوصل إلى ~~إقامة العبادة إلا به ولا يتوصل إلى إقامة الفرض إلا به يكون فرضا وقال ~~تعالى @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض @QE@ الآية يعني الكسب ~~والأمر حقيقة للوجوب # فإن قيل قد وري عن مجاهد ومكحول رحمهما الله أنهما قالا المراد طلب العلم ~~قلنا ما ذكرنا من التفسير مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال ~~طلب الكسب بعد الصلاة المكتوبة هي الفريضة بعد الفريضة وتلا قوله تعالى ~~@QB@ فإذا قضيت الصلاة @QE@ فلا يترك ذلك بقول مكحول ومجاهد رحمهما الله ~~والظاهر يؤيد ما ذكرنا بدليل ما ذكر بعده @QB@ وإذا رأوا تجارة @QE@ الآية ~~وكان قد انفضوا بذلك في حال خطبته فنهوا عن ذلك وأمروا به بعد الفراغ من ~~الصلاة فإن قيل فالأمر بعد النهي يفيد الإباحة قلنا الأمر حقيقة للإيجاب ~~ولو كان المراد هو الإباحة والرخصة لقال فلا PageV01P046 جناح عليكم أن ~~تبتغوا من فضل الله كما قال تعالى في باب طريق الحج @QB@ ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم @QE@ والدليل عليه أن الله تعالى أمر بالإنفاق على ~~العيال من الزوجات والأولاد والمعتدات ولا يتمكن من الإنفاق عليهم إلا ~~بتحصيل المال بالكسب وما يتوصل به إلى أداء الواجب يكون واجبا # والمعقول يشهد له فإن في الكسب نظام العالم والله تعالى حكم ببقاء العالم ~~إلى حين فنائها وجعل سبب البقاء والنظام كسب العباد وفي تركه تخريب نظامه ~~وذلك ممنوع منه فإن قيل فبقاء هذا النظام يتعلق بالتسافد بين الحيوانات ~~وأحد لا يقول بفرضية ذلك قلنا نعم إن الله تعالى علق البقاء بتسافد ~~الحيوانات وركب الشهوة في طباعهم فتلك الشهوة تحملهم على مباشرة ذلك الفعل ~~فلا تقع الحاجة إلى أن يجعل ذلك فرضا عليهم لكيلا يمتنعون عن ذلك ms10 فإن الطبع ~~أدعى إلى إفضاء الشهوات # فأما الاكتساب في الابتداء كد وتعب وقد تعلق به بقاء نظام العالم فلو لم ~~يجعل أصله فرضا لاجتمع الناس عن آخرهم على تركه لأن ليس في طبعهم ما يدعو ~~إليه الكد والتعب فجعل الشرع أصله فرضا لكيلا يجتمعوا على تركه فيحصل ما هو ~~المقصود # وجميع ما ذكروا من التقسيمات يبطل بما أشار إليه محمد رحمه الله في قوله ~~طلب الكسب فريضة كما أن طلب العلم فريضة فإن هذه التقسيمات تأتي في العلم ~~ومع ذلك كان أصله فرضا بالاتفاق فكذا طلب الكسب PageV01P047 # وكان معنى الفرضية ما بينا من بقاء نظام العالم به ولا يوجد ذلك في ~~الاستكثا منه على قصد التكاثر والتفاخر وإنما ذم الله تعالى الاستكثار إذا ~~كان بهذه فقال عز وجل @QB@ وتفاخر بينكم وتكاثر @QE@ # ثم ينبني على هذه المسألة مسألة أخرى وهي أنه بعدما اكتسب مالا بد له منه ~~هل الاشتغال بالكسب أفضل أم التفرغ للعبادة قال بعض الفقهاء رحمهم الله ~~الاشتغال بالكسب أفضل وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أن التفريغ للعبادة ~~أفضل # وجه القول الأول أن منفعة الاكتساب أعم فإن ما اكتسبه الزارع تصل منفعته ~~إلى الجماعة عادة والذي يشتغل بالعبادة إنما ينفع نفسه لأن بفعله يتحصل ~~النجاة لنفسه ويحصل الثواب لجسمه وما كان أعم نفعا فهو أفضل لقوله صلى الله ~~عليه وسلم خير الناس من ينفع الناس ولهذا كان الاشتغال بطلب العلم أفضل من ~~التفرغ للعبادة لأن منفعة ذلك أعم ولهذا كانت الإمارة والسلطنة بالعدل أفضل ~~من التخلي للعبادة كما اختاره الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم لأن ذلك ~~أعم نفعا وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله العبادة ~~عشرة أجزاء وقال صلى الله عليه وسلم الجهاد عشرة أجزاء تسعة منها طلب ~~الحلال يعني طلب الحلال للإنفاق على العيال والدليل عليه أنه بالكسب يتمكن ~~من أداء أنواع الطاعات من الجهاد والحج والصدقة وبر الوالدين وصلة الرحم ~~والإحسان إلى الأقارب والأجانب PageV01P048 وفي التفريغ للعبادة لا يتمكن ~~إلا من أداء ms11 بعض الأنواع كالصوم والصلاة # وجه القول الآخر وهو الأصح أن الأنبياء والرسل عليهم السلام ما اشتغلوا ~~بالكسب في عامة الأوقات ولا يخفى على أحد أن اشتغالهم بالعبادة في عمرهم ~~كان أكثر من إشتغالهم بالكسب ومعلوم أنهم كانوا يختارون لأنفسهم أعلى ~~الدرجات ولا شك أن أعلى مناهج الدين طريق المرسلين عليهم السلام وكذا الناس ~~في العادة إذا حزبهم أمر يحتاجون إلى دفعه عن أنفسهم فيشتغلون بالعبادة لا ~~بالكسب والناس إنما يتقربون إلى العباد دون المكتسبين والدليل عليه أن ~~الاكتساب يصح من الكافر والمسلم جميعا فكيف يستقيم القول بتقديمه على ما ~~لايصح إلا من المؤمنين خاصة وهي العبادة والدليل عليه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما سئل عن أفضل الأعمال قال أحمزها أي أشقها على البدن وإنما ~~أشار بهذا إلى أن المرء إنما ينال أعلى الدرجات بمنع النفس عن هواها قال ~~الله تعالى @QB@ ونهى النفس عن الهوى @QE@ الآية والاشتغال بهذه الصفة في ~~الابتداء والدوام في العبادات فأما الكسب ففيه بعض التعب في الابتداء ولكن ~~فيه قضاء الشهوة في الانتهاء وتحصيل مراد النفس فلا بد من القول بأن ما ~~يكون بخلاف هوى النفس ابتداء وانتهاء فهو أفضل # ولا يدخل على شئ مما ذكرنا النكاح فإن الاشتغال بالنكاح أفضل عندنا من ~~التخلي لعبادة الله تعالى وهذا المعنى موجود فيه لأنه إنما كان ذلك أفضل ~~PageV01P049 لما فيه من تكثير عباد الله وأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتحقيق مباهاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وذلك لايوجد هنا # وكان التفرغ للعبادة أفضل من الاشتغال بالكسب بعدما حصل ما لا بد له منه ~~وهذه المسألة تنبني على مسألة أخرى اختلف فيها العلماء رحمهم الله وهو أن ~~صفة الفقر أعلى أم صفة الغنى فالمذهب عندنا أن صفة الفقر أعلى وقال بعض ~~الفقهاء إن صفة الغنى أعلى وقد أشار محمد رحمه الله في كتاب الكسب في ~~موضعين إلى ما بيناه من مذهبنا فقال في أحد الموضعين ولو أن الناس قنعوا ~~بما يكفيهم وعمدوا إلى الفضول ms12 فوجهوها إلى أمر آخرتهم كان خيرا لهم وقال في ~~الموضع الاخر وما زاد على ما لا بد منه يحاسب المرء عليه ولا يحاسب أحد على ~~الفقر فلا شك أن ما لا يحاسب المرء عليه يكون أفضل مما يحاسب المرء عليه # وأما من فضل الغنى احتج فقال الغنى نعمة والفقر بؤس ونقمة ومحنة ولا يخفى ~~على عاقل أن النعمة أفضل من النقمة والمحنة والدليل عليه أن الله تعالى سمى ~~المال فضلا فقال عز وجل @QB@ وابتغوا من فضل الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ليس ~~عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم @QE@ وما هو فضل الله فهو أعلى الدرجات ~~وسمى المال خيرا فقال عز وجل @QB@ إن ترك خيرا الوصية للوالدين @QE@ وهذا ~~اللفظ يدل على أنه خير من ضده وقال الله تعالى @QB@ ولقد آتينا داود منا ~~فضلا @QE@ يعنى الملك والمال حتى روي أنه كان له مائة سرية فمن الله بذلك ~~عليه وسماه فضلا منه وسليمان صلوات PageV01P050 الله عليه سأل الله تعالى ~~ذلك فقال @QB@ رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي @QE@ ولا يظن ~~بأحد من الرسل عليهم السلام أنه سأل الله الدرجة الأدنى دون الدرجة العليا ~~والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأيدي ثلاثة يد الله ثم ~~اليد المعطية ثم اليد المعطاة فهي السفلى إلى يوم القيامة وفي حديث آخر قال ~~صلى الله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا هي ~~المعطية وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إنك إن تدع ~~ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وقال أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها في مرضه إن أحب الناس إلى غنى أنت ~~وأعزهم على فقر أنت فهذا يدل على صفة الغنى أفضل وأعلى من صفة الفقر قال ~~صلى الله عليه وسلم كاد الفقر أن يكون كفرا وقال صلى الله عليه وسلم اللهم ~~إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك وقال صلى الله عليه ms13 وسلم اللهم إني أعوذ بك ~~من البؤس والتباؤس والبؤس الفقر والتباؤس التمسكن ولا يظن بالنبي أنه يتعوذ ~~بالله تعالى من أعلى الدرجات # وحجتنا في ذلك أن الفقر أسلم للعباد وأعلى الدرجات للعبد ما يكون أسلم له ~~وبيان ذلك أنه يسلم بالفقر من طغيان الغنى قال الله تعالى @QB@ كلا إن ~~الإنسان ليطغى @QE@ الآية وقال عز وجل @QB@ الذين طغوا في البلاد @QE@ ~~PageV01P051 الآية إنما حملهم على ذلك طغيان الغنى يعني الذين ادعوا ما لا ~~ينبغي لهم ولا لأحد من البشر فأنه لم ينقل أن أحدا من الفقراء وقع في ذلك ~~فدل أن الفقر أسلم ثم صفة الغنى مما تميل إليه النفس ويدعو إليه الطبع ~~ويتوصل به إلى إقتضاء الشهوات ولا يتوصل بالفقر إلى شيء من ذلك وأعلى ~~الدرجات ما يكون أبعد من اقتضاء الشهوات قال الله تعالى @QB@ واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ وقال عز وجل @QB@ زين للناس حب الشهوات @QE@ ~~الآية والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره والنار ~~بالشهوات وقال صلى الله عليه وسلم الفقر أزين على المؤمن من العذار الجيد ~~على خد العروس وقال صلى الله عليه وسلم إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل ~~أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام وفي الآثار أن آخر الأنبياء عليهم ~~السلام دخولا الجنة سليمان عليه السلام لملكه وقال صلى الله عليه وسلم يوما ~~لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما بطأ بك عني يا عبد الرحمن قال وما ذاك ~~يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم إنك آخر أصحابي لحوقا بي يوم القيامة ~~فأقول ما حبسك عني فيقول المال كنت محاسبا محبوسا حتى الآن وكان هو من ~~العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وقد قاسم الله ~~تعالى ماله أربع مرات فتصدق بالنصف وأمسك النصف في المرة الأولى كان ماله ~~ثمانية PageV01P052 آلاف درهم فتصدق بأربعة آلاف وفي المرة الثانية كان ~~ثمانية آلاف دينار فتصدق بأربعة آلاف دينار وفي المرة الثالثة كان ستة عشر ~~ألف دينار فتصدق بنصفها ms14 وفي المرة الرابعة كان اثنين وثلاثين ألف دينار ~~فتصدق بنصفها ومع هذا كله قال له صلى الله عليه وسلم في حقه ما قال فتبين ~~به أن صفة الفقر أفضل وقال صلى الله عليه وسلم عرض على مفاتيح خزائن الأرض ~~فاستقلت أخي جبرائيل عليه السلام ذلك فأشار إلى التواضع فقلت أكون عبدا ~~نبيا أجوع يوما وأشبع يوما فإذا جعت صبرت وإذا شبعت شكرت فكان صلى الله ~~عليه وسلم يقول اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ~~ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم يسأل لنفسه أعلى الدرجات وأن الأفضل ~~لنا ما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه وقال صلى الله عليه وسلم ~~أنا حظكم من الأنبياء وأنتم حظي من الأمم ففي هذا إشارة إلى أنه علينا ~~التمسك بهديه وهداه # وتبين فيما ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تعوذ من الفقر المطلق ~~وإنما تعوذ من الفقر المنسي على ما روي في بعض الروايات أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال اللهم إني أعوذ بك من فقر منسي ومن غنى يطغي إلا أنه قيد السؤال ~~في بعض الأحوال وأطلق في بعض الأحوال ومراده ذلك أيضا ولكن من PageV01P053 ~~سمع اللفظ مطلقا نقله كما سمعه # وهذه المسألة تنبني على مسألة أخرى اختلف فيها العلماء رحمهم الله وهو إن ~~الشكر على الغنى أفضل أم الصبر على الفقر اختلف العلماء رحمهم الله تعالى ~~في هذه المسألة على أربعة أقاويل # فمنهم من توقف في جوابها لتعارض الآثار وقالوا إن أبا حنيفة رحمه الله ~~توقف في أطفال المشركين لتعارض الآثار فيقتدى به ويتوقف في هذا الفصل ~~لتعارض الآثار أيضا # ومنهم من قال هما سواء واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر ~~كالجائع الصابر ولأن الله تعالى أثنى بقوله في كتابه على عبدين وسمى كل ~~واحد منهما نعم العبد أحدهما أنعم عليه فشكر وهو سليمان عليه السلام قال ~~الله تعالى @QB@ ووهبنا لداود @QE@ الآية والآخر ابتلي فصبر وهو أيوب عليه ~~السلام قال الله تعالى ms15 @QB@ إنا وجدناه صابرا نعم العبد @QE@ الآية فعرفنا ~~أنها سواء # ومنهم من قال الشكر على الغنى أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم الحمد لله ~~ثمن كل نعمة وقال صلى الله عليه وسلم لو أن جميع الدنيا صارت لقمة فتناولها ~~عبد وقال الحمد لله رب العالمين كان ما أتى به خيرا مما أوتي يعني لما في ~~هذه الكلمة من الثناء على الله تعالى PageV01P054 وتبين بالحديث الأول أن ~~الشكر يكون بالثناء على الله فكان أفضل من الصبر والدليل عليه قوله تعالى ~~@QB@ اعملوا آل داود شكرا @QE@ وهذا يعم جميع الطاعات ولا شك أن ما يعم ~~جميع الطاعات والامتناع من أنواع المعاصي مع التمكن من مباشرتها صورة وذلك ~~لا يوجد في الصبر على الفقر # والمذهب عندنا أن الصبر على الفقر أفضل قال صلى الله عليه وسلم الصبر نصف ~~الإيمان وقال صلى الله عليه وسلم الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ~~ولأن في الفقر معنى الابتلاء والصبر والصبر على الابتلاء يكون أفضل من ~~الشكر على النعمة ويعتبر هذا بسائر أنواع الابتلاء فإن الصبر على ألم المرض ~~أعظم في الثواب من الشكر على صحة البدن وكذلك الصبر على العمى أفضل من ~~الشكر على البصر قال صلى الله عليه وسلم فيما يأثر عن ربه عز وجل من أخذت ~~كريمتيه فصبر على ذلك فلا أجر له عندي إلا الجنة أو قال الجنة والرؤية وهذه ~~لفقرة وهو أن للمؤمن ثوابا في نفس المصيبة قال صلى الله عليه وسلم يؤجر ~~المؤمن في كل شئ حتى الشوكة يشاكها في رجله والدليل عليه أن ماعزا رضي الله ~~عنه حين أصابه حر الحجارة هرب وكان ذلك منه نوع اضطراب ثم مع ذلك قال فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P055 لقد تاب توبة لو قسمت توبته على ~~جميع أهل الأرض لوسعتهم فعرفنا أن في نفس المصيبة للمؤمن ثواب وفي الصبر ~~عليها ثواب أيضا # فأما نفس الغنى لا ثواب به وإنما الثواب في الشكر على الغنى وما ينال به ~~به الثواب من وجهين يكون ms16 أعلى ما ينال فيه الثواب من وجه واحد وكما أن في ~~الشكر على الغنى ثناء على الله تعالى وفي الصبر على المصيبة كذا لقوله ~~تعالى @QB@ الذين إذا أصابتهم مصيبة @QE@ الآية وحكي أن غنيا وفقيرا تناظرا ~~في هذه المسألة فقال الغني الغني الشاكر أفضل فإن الله تعالى استقرض من ~~الأغنياء فقال عز وجل @QB@ من ذا الذي يقرض الله @QE@ الآية وقال الفقير إن ~~الله تعالى إنما استقرض من الأغنياء للفقراء وقد يستقرض من الحبيب وغير ~~الحبيب ولا يستقرض إلا لأجل الحبيب # ترجيحه إن الغني يحتاج إلى الفقير والفقير لا يحتاج إلى الغني لأن الغني ~~يلزمه أداء حق المال فلو اجتمع الفقراء عن آخرهم على أن لا يأخذوا شيئا من ~~ذلك لم يجبروا على الأخذ ويحمدون شرعا على الامتناع عن الأخذ ولا يتمكن ~~الأغنياء من إسقاط الواجب عن أنفسهم والله تعالى يوصل إلى الفقراء كفايتهم ~~على حسب ما ضمن لهم فبهذا تبين أن الأغنياء هم الذين يحتاجون إلى الفقراء ~~والفقراء لا يحتاجون إليهم بخلاف ما ظنه من يعتبر الظاهر ولا يتأمل في ~~المعنى فاتضح بما قررنا أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر وفي كل خير ~~PageV01P056 # ثم الكسب على مراتب فمقدار ما لا بد لكل أحد منه يعني ما يقيم به صلبه ~~يفترض على كل أحد إكتسابه عينا لأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرائض إلا به وما ~~يتوصل به إلى إقامة الفرائض يكون فرضا فإن لم يكتسب زيادة على ذلك فهو في ~~سعة من ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه ~~عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وقال صلى الله عليه وسلم ~~لابن حبيش فيما يعظه بلغة تسد بها جوعتك وخرقة تواري بها سوءتك فإن كان لك ~~كن يكنك فحسن وإن كان لك دابة تركبها فبخ بخ وهذا إذا لم يكن عليه دين فإن ~~كان عليه دين فالاكتساب بقدر ما يقضي به دينه فرض عليه لأن قضاء الدين ~~مستحق عليه عينا قال صلى الله ms17 عليه وسلم الدين مقضي وبالاكتساب يتوصل إليه ~~وكذا إن كان له عيال من زوجة وأولاد فإنه يفترض عليه الكسب بقدر كفايتهم ~~عينا لأن الانفاق على زوجته مستحق عليه قال الله تعالى @QB@ أسكنوهن من حيث ~~سكنتم من وجدكم @QE@ الآية معناه وأنفقوا عليهم من وجدكم وهكذا في قراءة ~~ابن مسعود PageV01P057 رضي الله عنه وقال جل وعلا @QB@ وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن @QE@ الآية وقال عز وجل @QB@ ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ~~آتاه الله @QE@ الآية وإنما يتوصل إلى إبقاء هذا المستحق بالكسب وقال صلى ~~الله عليه وسلم كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول له فالتحرز عن ارتكاب ~~المآثم فرض وقال صلى الله عليه وسلم إن لنفسك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه ~~ولكن هذا في الفرضية دون الأول لقوله صلى الله عليه وسلم ثم بمن تعول فإن ~~الكسب زيادة على ذلك ما يدخره لنفسه وعياله فهو في سعة من ذلك لما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إدخر قوت عياله لسنة بعدما كان ينهى عن ذلك على ~~ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لبلال رضي الله عنه انفق بلالا ولا تخش ~~من ذي العرش إقلالا والمتأخر يكون ناسخا للمتقدم # فإن كان له أبوان كبيران معسران فإنه يفترض عليه الكسب بقدر كفايتهما لأن ~~نفقتهما مستحق عليه مع عسرته إذا كان متمكنا من الكسب قال صلى الله عليه ~~وسلم للرجل الذي أتاه وقال أريد الجهاد معك فقال ألك أبوان قال نعم قال صلى ~~الله عليه وسلم إرجع ففيهما فجاهد يعني اكتسب فأنفق عليهما وقال تعالى @QB@ ~~وصاحبهما @QE@ PageV01P058 في الدنيا معروفا وليس من المصاحبة بالمعروف ~~تركهما يموتان جوعا مع قدرته على الكسب ولكن هذا دون ما سبق في الفرضية لما ~~روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم معي دينار فقال صلى الله ~~عليه وسلم أنفقه على نفسك فقال معي آخر قال صلى الله عليه وسلم أنفقه على ~~عيالك قال معي آخر قال صلى الله عليه وسلم أنفقه على والديك ms18 # فأما غير الوالدين من ذوي الرحم المحرم فلا يفترض على المرء الكسب ~~للانفاق عليهم لأنه لا تستحق نفقتهم عليه إلا باعتبار صفة اليسار لكنه يندب ~~إلى الكسب والانفاق عليهم لما فيه صلة الرحم وهو مندوب إليه في الشرع قال ~~صلى الله عليه وسلم لا خير فيمن لا يحب المال ليصل به رحمه ويكرم به ضيفه ~~ويبر به صديقه وقال صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه وارغب ~~لك رغبة من المال الحديث إلى أن قال نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به ~~رحمه وقطيعة الرحم حرام لقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث معلقات بالعرش ~~النعمة والأمانة والرحم تقول النعمة كفرت ولم أشكر وتقول الأمانة خزنت ولم ~~أؤد وتقول الرحم قطعت ولم أوصل وقال صلى الله عليه وسلم صلة الرحم تزيد في ~~العمر وقطيعة الرحم ترفع البركة عن العمر PageV01P059 # وقال صلى الله عليه وسلم فيما يأثر عن ربه عز وجل أنا الرحمن وهي الرحم ~~شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته وفي ترك الانفاق ~~عليهم ما يؤدي إلى قطيعته فيندب إلى الاكتساب للانفاق عليهم وبعد ذلك الأمر ~~موسع عليه فإن شاء إكتسب وجمع المال وإن شاء أبى لأن السلف رحمهم الله منهم ~~من جمع المال ومنهم من لم يفعل فعرفنا أن كلا الطرفين مباح # وأما الجمع فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الدنيا حلالا ~~متعففا لقي الله تعالى وجهه كالقمر ليلة البدر ومن طلبها مفاخرا مكاثرا لقي ~~الله تعالى وهو عليه غضبان فدل أن جمع المال على طريق التعفف مباح وكان صلى ~~الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم اجعل أوسع رزقي عند كبري وانقضاء عمري ~~وكان كذا فقد اجتمع له أربعون شاة حلوبة وفدك وسهم بخيبر في آخر عمره ~~PageV01P060 # وأما الامتناع عن جمع المال فطريق مباح أيضا لحديث عائشة رضي الله عنها ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ~~إليهما ثالثا ms19 لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وقيل ~~هذا كان مما يتلى في القرآن في سورة يونس في الركوع الثاني أو الثالث ثم ~~انتسخ تلاوته وبقيت روايته وقال صلى الله عليه وسلم تبا للمال وفي رواية ~~تبا لصاحب الذهب والفضة وقال صلى الله عليه وسلم هلك المكثرون إلا من قال ~~بماله هكذا وهكذا يعني يتصدق من كل جانب وقال صلى الله عليه وسلم يقول ~~الشيطان لن ينجو مني صاحب المال من احدى ثلاث إما أن أزينه في عينه فيجمعه ~~من غير حله وإما أن أحقره في عينه فيعطي من غير حله وأما أن أحببه إليه ~~فيمنع حق الله تعالى منه ففي هذا بيان أن الامتناع عن الجمع أسلم ولا عيب ~~على من اختار طريق السلامة # ثم بين محمد رحمه الله أن الكسب فيه معنى المعاونة على القرب والطاعات أي ~~كسب كان حتى أن فتال الحبال ومتخذ الكيزان والجرار وكسب الحوكة فيه معاونة ~~على الطاعات والقرب فإنه لايتمكن من أداء الصلاة إلا بالطهارة ويحتاج له ~~إلى كوز ورشاء ينزح به الماء ويحتاج إلى ستر العورة لأداء الصلاة وإنما ~~يتمكن من ذلك بعمل الحوكة فعرفنا أن ذلك كله من أسباب التعاون على إقامة ~~الطاعة وإليه أشار علي رضي الله عنه في قوله لا تسبوا الدنيا PageV01P061 ~~فنعم مطية المؤمن الدنيا إلى الآخرة وقال أبو ذر رضي الله عنه حين سأله رجل ~~عن أفضل الأعمال بعد الإيمان فقال الصلاة وأكل الخبز فنظر إليه الرجل ~~كالمتعجب فقال لولا الخبز ما عبد الله تعالى يعني بأكل الخبز يقيم صلبه ~~فيمكن من إقامة الطاعة # ثم المذهب عند جمهور الفقهاء رحمهم الله أن المكاسب كلها في الإباحة سواء ~~قال بعض المتقشفة ما يرجع إلى الدناءة من المكاسب في عرف الناس لا يسع ~~الإقدام عليه إلا عند الضرورة لقوله عليه السلام ليس للمؤمن أن يذل نفسه ~~وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها ~~والسفاف ما يذل المرء بخسته ms20 # وحجتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها ~~الصوم ولا الصلاة قيل ما يكفرها يا رسول الله قال الهموم في طلب المعيشة ~~وقال صلى الله عليه وسلم طلب الحلال كمقارعة الأبطال ومن بات ناويا في طلب ~~الحلال بات مغفورا له وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال الاكتساب ~~للانفاق على العيال من غير تفضيل بين أنواع الكسب ولو لم يكن فيه سوى ~~التعفف واستغناء عن السؤال لكان مندوبا إليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال السؤال آخر كسب العبد أي يبقى في ذلته إلى يوم القيامة وقال صلى الله ~~عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه أو لغيره PageV01P062 مكسبه فيها نقص ~~المرتبة خير لك من أن تسأل الناس أعطوك أو منعوك ثم المذمة في عرف الناس ~~ليس للكسب بل للخيانة وخلف الوعد واليمين الكاذبة ومعنى البخل # ثم المكاسب أربعة الإجارة والتجارة والزراعة والصناعة وكل ذلك في الإباحة ~~سواء عند جمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى # وقال بعضهم المزارعة مذمومة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ~~شيئا من آلات الحراثة في دار قوم فقال ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا وسئل ~~صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل @QB@ إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~أعقابكم @QE@ أهو التعرب قال لا ولكنه الزراعة والتعرب سكون البادية وترك ~~الهجرة وقال عبدالله بن عمر رضي الله عنه إذا تبايعتم بالعين وابتعتم أذناب ~~البقر ذللتم حتى يطمع فيكم # وحجتنا في ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ازدرع بالجرف وقال صلى ~~الله عليه وسلم الزارع يتاجر ربه وقد كان له فدك وسهم خيبر وكان قوته ~~PageV01P063 في آخر عمره من ذلك وعمر رضي الله عنه كان له أرض بخيبر تدعى ~~شمع وقد كان لابن مسعود والحسن بن علي وأبي هريرة رضي الله عنهما مزارع ~~بالسواد يزرعونها ويؤدون خراجها وقد كان لابن عباس رضي الله عنهما أيضا ~~مزارع بالسواد وغيرها # وتأويل الآثار المروية فيما ms21 إذا اشتغل الناس كلهم بالزراعة وأعرضوا عن ~~الجهاد حتى يطمع فيهم عدوهم وكل ذلك مروي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال وقعدتم عن الجهاد وذللتم حتى يطمع فيكم فأما إذا اشتغل بعضهم بالجهاد ~~وبعضهم بالزراعة ففي عمل المزارعة معاونة للمجاهد وفي عمل المجاهد دفع عن ~~المزارع وقال صلى الله عليه وسلم المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا # ثم اختلف مشايخنا رحمهم الله في التجارة والزراعة قال بعضهم التجارة ~~التجارة أفضل لقوله تعالى @QB@ وآخرون يضربون في الأرض @QE@ الآية والمراد ~~الضرب في الأرض للتجارة فقدمه في الذكر على الجهاد الذي هو سنام الدين ~~ولهذا قال عمر رضي الله عنه لإن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي ~~من فضل الله أحب إلي من أن أقاتل مجاهدا في سبيل الله وقال صلى الله عليه ~~وسلم التاجر الأمين مع الكرام البررة يوم القيامة وأكثر مشايخنا رحمهم الله ~~على أن الزراعة أفضل من PageV01P064 التجارة لأنها أعم نفعا فبعمل الزراعة ~~يحصل ما يقيم المرء به صلبه ويتقوى على الطاعة وبالتجارة لا يحصل ذلك ولكن ~~ينمو المال وقال صلى الله عليه وسلم خير الناس من هو أنفع للناس والأشتغال ~~بما يكون نفعه أعم يكون أفضل ولأن الصدقة في الزراعة أظهر فلا بد أن يتناول ~~مما يكتسبه الزراع الناس والدواب والطيور وكل ذلك صدقة له قال صلى الله ~~عليه وسلم ما غرس مسلم شجرة فيتناول منها انسان أو دابة أو طير إلا كانت له ~~صدقة وفي رواية ما أكلت العافية منها فهي له صدقة والعافية الطيور الطالبة ~~لأرزاقها الراجعة إلى أوكارها وإذا كان في عادة الناس # ثم الكسب الذي ينعدم فيه التصدق لا توجد فيه الأفضلية كعمل الحياكة مع ~~أنه من التعاون على إقامة الصلاة فعرفنا أن ما يكون التصدق فيه أكثر من ~~الكسب فهو أفضل # فأما تأويل ما تعلقوا به فقد روي عن مكحول ومجاهد رحمهما الله قالا ~~المراد الضرب في الأرض لطلب العلم وبه نقول أن ذلك أفضل فقد أشار محمد رحمه ~~الله إلى ms22 ذلك في قوله طلب الكسب فريضة PageV01P065 كما أن طلب العلم فريضة ~~فتشبيه هذا بذلك دليل على أن طلب العلم فريضة أعلى درجة من غيره وبيان ~~فرضية طلب العلم في قوله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~والمراد علم الحال على ما قيل أفضل العلم علم الحال وأفضل العمل حفظ الحال ~~وبيان هذا أن ما يحتاج المرء في الحال لأداء ما لزمه يفترض عليه عينا علمه ~~كالطهارة لأداء الصلاة فإن أراد التجارة يفترض عليه تعلم ما يحرز به عن ~~الربا والعقود الفاسدة وإن كان له مال يفترض عليه تعلم زكاة جنس ماله ~~ليتمكن به من الأداء وإن لزمه الحج يفترض عليه تعلم ما يؤدي به الحج فهذا ~~معنى علم الحال وهذا لأن الله تعالى حكم ببقاء الشريعة إلى يوم القيامة ~~والبقاء بين الناس يكون بالتعلم والتعليم فيفترض التعليم والتعلم جميعا وقد ~~قررنا هذا المعنى في بيان فرضية الكسب والدليل عليه ما روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعن الذين لا يعلمون والذين لا يتعلمون ليرفع العلم بهم ~~وقال إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا بنزعه من القلوب ولكن يقبض ~~العلماء فإذا قبض العلماء اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا ~~وأضلوا والذي يؤيد هذا كله قوله تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك ~~@QE@ الآية وفي هذا إشارة إلى أنه يفترض تعليم الكافر إذا طلب فتعليم ~~المؤمن أولى PageV01P066 وبيان قولنا أن من آكد الفرائض أن الإنسان لو شغل ~~جميع عمره بالتعليم والتعلم كان مفترضا في الكل ولو شغل جميع عمره بالصلاة ~~والصوم كان متنقلا في البعض ولا شك أن إقامة الفرض أعلى درجة من إدراك ~~النفل # وقال وكما أن طلب العلم فريضة فأداء العلم للناس فريضة لأن اشتغال العالم ~~بالعلم به معروف والعمل بخلافه منكر فالتعليم يكون أمرا بالمعروف ونهيا عن ~~المنكر وهو فرض على هذه الأمة وقال الله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس @QE@ الآية # ويختلفون في فصل وهو أن من تعلم حكما أو حكمين ms23 هل يفترض عليه أن يبين ذلك ~~لمن لا يعلمه أم لا فعلى قول بعض مشايخنا رحمهم الله يلزمه ذلك وأكثرهم على ~~أنه لا يلزمه ذلك وإنما يجب ذلك على الذين اشتهروا بالعلم فيمن يعتمد الناس ~~قولهم وقد أشار في هذا الكتاب إلى القولين فاللفظ المذكور هنا يوجب التعميم # وقال بعد هذا فعلى البصراء من العلماء أن يبينوا للناس طريق الفقه فهذا ~~يدل على أن الفرضية على الذين اشتهروا بالعلم خاصة # وجه القول الأول قوله تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ~~والهدى @QE@ وقال الله تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~@QE@ PageV01P067 الآية فتبين بالآيتين أن الكتمان حرام وأن ضده وهو ~~الإظهار لازم فيتناول ذلك كل من بلغه علم فإن يتصور منه الكتمان فيما بلغه ~~فيفترض عليه الاظهار وقال صلى الله عليه وسلم فمن كتم علما عنده ألجم يوم ~~القيامة بلجام من نار وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم آخر هذه الأمة ~~يلعن أولها فمن كان ممن عنده علم فليظهره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما ~~أنزل الله على محمد ولأن تعلم العلم بمنزلة أداء الزكاة وعلى كل أحد أداء ~~الزكاة من نصابه صاحب النصاب وصاحب النصب في ذلك سواء # وجه القول الآخر أن العلماء في كل زمان خلفاء الرسل عليهم السلام كما قال ~~صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء ومعلوم أن في زمن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كان هو المبين للناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم فإن الله ~~تعالى وصفه بذلك وقال @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ ولا يجب على أحد ~~سواه بيان شيء من ذلك في حضرته فكذا في كل حين ومكانه إنما يفترض الأداء ~~على المشهورين بالعلم دون غيرهم ولأن الناس في العادة إنما يعتمدون قول من ~~اشتهر بالعلم وقل ما يعتمدون غيرهم وربما يستخف بعضهم بما يسمعه ممن لم ~~يشتهر بالعلم فلهذا كان البيان PageV01P068 على المشهورين خاصة وقد نقل عن ~~الحسن رحمه الله قال أدركت سبعين بدريا كلهم قد انزووا ولم ms24 يشتغلوا بتعليم ~~الناس لأنه كان لا يحتاج إليهم وكذا علماء التابعين رحمهم الله فمنهم من ~~تصدى للفتوى والتعليم ومنهم من امتنع من ذلك وانزوى بعلمه لأنه لا يتمكن ~~الخلل لامتناعه وأن المقصود حاصل بغيره وهذا لأن للعلم ثمرتان العلم به ~~والتعليم فمن الناس من يتمكن من تحصيل الثمرتين لنفسه فيجمع بين العلم ~~والتعليم ومنهم من لا يتمكن منهما جميعا فيكتفي بثمرة العلم به فعرفنا أن ~~ذلك واسع وأن المقصود بالمشهورين من أهل العلم حاصل ولم لم يكن طلب العلم ~~فريضة لم يكن للناس مخرج من الاثم يعني أن التحرز عن ارتكاب المأثم فرض ~~وقال الله تعالى @QB@ إنما حرم ربي الفواحش @QE@ الآية ولا يتوصل إلى هذا ~~التحرز إلا بالعلم # قال ولو ترك الناس طلب العلم لما تميز الحق من الباطل والصواب من الخطأ ~~والبر من الجفاء يعني أن التمييز بين الحق والباطل أصل الدين ولا يتوصل ~~إليه إلا بالعم قال الله تعالى @QB@ ويمح الله الباطل ويحق الحق @QE@ وقال ~~في آية أخرى @QB@ ليحق الحق ويبطل الباطل @QE@ ولا شك أنه يفترض على كل ~~مخاطب التمييز بين ماأحقه الله وبين ما محاه الله من الباطل وكذا على كل ~~أحد التمسك بما هو صواب والتحرز عن الخطأ بجهده وطريق التوصل إلى ذلك ~~بالعلم PageV01P069 # قال فعلى العلماء إذا ما وصل إليهم ممن قبلهم مما فيه منفعة للناس يعني ~~أن بيان المسموع من الآثار واجب على العلماء فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال نضر الله امرءا سمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ثم أداها إلى من لم ~~يسمعها فرب حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وقال ~~صلى الله عليه وسلم تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم وقال صلى الله ~~عليه وسلم ألا فليبلغ الشاهد الغائب # ثم إنما يفترض بيان مافيه منفعة للناس وهو الناسخ من الآيات الصحيحة ~~المشهورة فأما المنسوخ لايجب روايته وكذا الشأن فيما يعم به البلوى فإن ليس ~~في روايته منفعة للناس وربما يؤدي إلى الفتنة ms25 والتحرز عن الفتنة أولى ~~والأصل فيه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه لو حدثتكم بكل ما سمعت ~~لرميتموني بالحجارة وإن معاذا رضي الله عنه كان عنده حديث في الشهادة وكان ~~لا يرويه إلا أن احتضر ثم قال لأصحابه سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لولا ما حضرني من أمر الله ما رويته لكم سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه دخل الجنة فكان يمتنع ~~من روايته في صحته لكيلا يتكل PageV01P070 الناس ثم لما خاف الفوت لموته ~~رواه لأصحابه فصار هذا أصلا لما بينا # قال ألا ترى أنه لو لم يفترض الأداء علينا لم يفترض على من قبلنا حتى ~~ينتهي ذلك إلى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يعني أن الناس في نقل العلم ~~سواء قال صلى الله عليه وسلم ينقل هذا الدين من كل خلف عدو له ينفون عنه ~~تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين فلو جوزنا للمتأخرين ترك النقل لجوزنا مثل ~~ذلك للمتقدمين فيودي هذا القول بما ذهب إليه الروافض أن الله تعالى أنزل ~~آيات في شأن علي رضي الله عنه وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث في ~~فضله والتنصيص على إمامته غير أن الصحابة رضي الله عنهم كتموا ذلك حسدا ~~منهم له وعند أهل السنة رحمهم الله هذا كذب وزور ولا يجوز أن يظن بأحد من ~~الصحابة رضي الله عنهم هذا فكيف يظن بجماعتهم ولو كان شيئا من ذلك لاشتهر ~~ذلك ولكن بناء مذهب الروافض على الكذب والبهتان فمحمد رحمه الله بهذا ~~الاستشهاد أشار إلى هذا إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ما تركوا نقل شئ ~~من أمور الدين فعلى من بعدهم الإقتداء بهم في ذلك # ثم إن الفرض نوعان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين ما يتعين على كل أحد ~~إقامته نحو أركان الدين وفرض الكفاية ما إذا قام به البعض سقط عن الباقين ~~لحصول المقصود وإنه إذا اجتمع الناس على تركه كانوا ms26 مشتركين في المأثم ~~كالجهاد فإن المقصود منه إعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز PageV01P071 الدين ~~فإذا حصل هذا المقصود ببعض المسلمين سقط عن الباقين وإذا قعد الكل عن ~~الجهاد حق استولى الكفار على بعض الثغور اشترك المسلمون في المأثم بذلك ~~وكذا غسل الميت والصلاة عليه والدفن فذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط ~~عن الباقين وإن امتنعوا عن ذلك حتى ضاع ميت بين قوم مع علمهم بحاله كانوا ~~مشتركين في المأثم فأداء العلم على الناس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط ~~عن الباقين لحصول المقصود وهو إحياء الشريعة وكون العلم محفوظا بين الناس ~~بأداء البعض وأن امتنعوا من ذلك حتى إن درس شئ بسبب ذلك كانوا مشتركين في ~~المأثم # ثم قال وما رغب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل فأداؤه إلى ~~الناس فريضة ومعنى هذا الكلام أن مباشرة فعل من التطوعات وما ندب إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليس بفرض ولا إثم على من ترك ذلك ولكن أداء ذلك ~~إلى الناس فريضة حتى إذا اجتمع أهل زمان على ترك نقله كانوا تاركين لفريضة ~~مشتركين في المأثم لأنه بترك النقل يندرس شيء من الشريعة وليس في ترك ~~الأداء معنى الإندراس ونظير هذا أن من امتنع من صلاة التطوع فلا إثم عليه ~~في ذلك ولو صلى التطوع بغير طهارة كان آثما معاتبا لأن في الأداء بغير ~~طهارة تغيير حكم الشرع وليس في ترك الأداء تغيير حكم الشرع فإن المقصود ~~بالتطوعات أحد شيئين قطع طمع الشيطان عن وسوسته بأن يقول إذا كان هذا العبد ~~يؤدي ما ليس إليه كيف يترك أداء ما هو عليه فينقطع طمعه عن وسوسته بهذا وهو ~~خبر نقصان الفرائض على ما قال صلى الله عليه وسلم إذا تمكن من فريضة العبد ~~نقصان PageV01P072 يقول الله تعالى لملائكته اجعلوا نوافل عبدي جبرا لنقصان ~~فريضته وإذا كان في التطوع هذا المقصود فلا يجوز ترك البيان فيه حتى يندرس ~~فيفوت هذا المقصود أصلا فعرفنا أن أداءه للناس فريضة ms27 وإن لم يكن مباشرة ~~فعله فريضة # قال وليس يجب على الفقيه أن يحدث بكل ما سمع إلا لغائب حضر خروجه مما ~~يعلم أنه لم يشتهر في أهل مصره يعني بهذا أن أصل البيان واجب ولكن الوقت ~~موسع وإنما يتضيق عند خوف الفوت كما بينا في حديث معاذ رضي الله عنه والذي ~~أتاه كان قصده أن يتعلم منه ما لم يشتهر في مصره مما فيه منفعة للناس حتى ~~ينذرهم يذلك إذا رجع فما لم يعزم على الرجوع كان الوقت في التعليم واسعا ~~على المعلم وإذا عزم على الخروج فقد تضيق الوقت فلا يسعه تأخير البيان بعد ~~ذلك بمنزلة الصلاة بعد دخول الوقت فرض ولكن الوقت واسع إذا بلغ آخر الوقت ~~تضيق فلا يسعه التأخير بعد ذلك وهذا فيما لم يشتهر فيه أهل مصره فأما فيمن ~~اشتهر فيهم فلا حاجة ولا ضرورة ولأن الراجع يتمكن من تحصيل ذلك لنفسه من ~~علماء أهل مصره وأهل مصره يتوصلون إلى ذلك من جهة علماء منهم دون هذا ~~الراجع إليهم والمؤمنون كنفس واحدة هكذا قال صلى الله عليه وسلم المؤمنون ~~كنفس واحدة يعني إذا تألم بعض الجسد تألم الكل وإذا نال الراحة بعض الجسد ~~اشترك في ذلك سائر الأعضاء PageV01P073 فإذا كان مشهورا في أهل مصره ولا ~~يندرس بامتناع هذا المعلم من البيان له وإذا لم يكن مشهورا فيهم فترك ~~البيان يؤدي إلى الاندراس في حقهم فكما لا يحل له ترك البيان لأهل مصره حتى ~~يندرس فكذا لا يحل ترك البيان للذي ارتحل إليه من موضع آخر لهذا المقصود ~~وهو غير مشهور في أهل مصره # ثم إن الله تعالى خلق أولاد آدم خلقا لا يقوم أبدانهم إلا بأربعة أشياء ~~الطعام والشراب واللباس والكن # أما الطعام قال الله تعالى @QB@ وما جعلناهم جسدا @QE@ الآية # وقال عز وجل @QB@ كلوا من طيبات ما رزقناكم @QE@ # وأما الشراب قال الله @QB@ وجعلنا من الماء كل شيء حي @QE@ # وقال جل وعلا @QB@ كلوا واشربوا @QE@ # وأما اللباس قال الله تعالى @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ms28 يواري ~~سوآتكم وريشا @QE@ وقال تعالى @QB@ خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ الآية # وأما الكن فإنهم خلقوا خلقة لا تطيق أبدانهم أذى الحر والبرد ولا تبقى ~~على شدتهما قال الله تعالى @QB@ وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ PageV01P074 ~~فيحتاج إلى دفع أذى الحر والبرد عن نفسه ليبقى نفسه فيؤدي بها ما تحمل من ~~أمانة الله تعالى ولا يتمكن من ذلك إلا بكن فصار الكن بهذا المعنى بمنزلة ~~الطعام والشراب # قال وقدر لهم المعاش بأسباب فيها حكمة بالغة يعني أن كل أحد لا يتمكن من ~~تعلم جميع ما يحتاج إليه في عمره فلو اشتغل بذلك فني عمره قبل أن يتعلم وما ~~لا يتعلم لا يمكنه أن يحصله لنفسه وقد تعلق بهذا مصالح المعيشة لهم فيسر ~~الله تعالى على كل واحد منهم تعلم نوع من ذلك حتى يتوصل إلى ما يحتاج إليه ~~من ذلك النوع بعمله ويتوصل غيره إلى ما يحتاج إليه من ذلك بعلمه أيضا وإليه ~~أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله المؤمنون كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا وبيان هذا في قوله @QB@ ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات @QE@ الآية يعني ~~أن الفقير يحتاج إلى مال الغني والغني يحتاج إلى عمل الفقير فهنا أيضا ~~الزارع يحتاج إلى عمل النساج ليحصل اللباس لنفسه والنساج يحتاج إلى عمل ~~الزارع لتحصيل الطعام والقطن الذي يكون منه اللباس لنفسه ثم كل واحد منهما ~~يقيم من العمل يكون معينا لغيره فيما هو قربة وطاعة فإن التمكن من إقامة ~~القربة بهذا يحصل فيدخل تحت قوله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ~~@QE@ وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في ~~عون أخيه المسلم وسواء أقام ذلك العمل بعوض شرط عليه أو بغير عوض فإذا كان ~~مقصده ما بينا كان في عمله معنى الطاعة لقوله صلى الله عليه وسلم الأعمال ~~PageV01P075 بالنيات ولكل امرئ ما نوى فإذا نوى العامل بعمله التمكن من ~~إقامة الطاعة أو تمكين أخيه من ذلك كان مثابا على عمله باعتبار نيته بمنزلة ~~المتناكحين اذا قصدا بفعلهما ms29 ابتغاء الولد وتكثير عباد الله تعالى وأمة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان لهما الثواب على عملهما وإن كان ذلك الفعل ~~لقضاء الشهوة في الأصل ولكن بالنية يصير معنى القربة أصلا ومعنى قضاء ~~الشهوة تبعا فلهذا مثله # قال فإن تركوا الأكل والشرب فقد عصوا لأن فيه تلفا يعني أن النفس لما ~~كانت لا تبقى عادة بدون الأكل والشرب فالممتنع من ذلك قاتل نفسه وقال الله ~~تعالى @QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ وهو معرض نفسه للهلاك وقال الله تعالى ~~@QB@ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة @QE@ وبعد التناول بقدر ما يسد به رمقه ~~يندب إلى أن يتناول مقدار ما يتقوى به على الطاعة إن لم يتناول يضعف وربما ~~يعجز عن الطاعة وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي أحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف وفي كل خير لأن اكتساب ما يتقوى به على الطاعة يكون طاعة وهو ~~مندوب إلى الإتيان يكون طاعة بما هو طاعة وإليه أشار أبو ذر رضي الله عنه ~~حين سئل عن أفضل الأعمال فقال الصلاة وأكل الخبز وقد نقل عن مسروق رحمه ~~الله وغيره أن من اضطر فلم يأكل فمات دخل النار والمراد تناول الميتة ~~PageV01P076 لأن عند الضرورة الحرمة تنكشف فتلحق بالمباح وإن كان الحكم في ~~الميتة هذا مع حرمتها في غير حالة الضرورة فما ظنك في الطعام الحلال # قال وستر العورة فريضة بقوله تعالى @QB@ خذوا زينتكم @QE@ الآية والمراد ~~ستر العورة لأجل الصلاة ألا ترى أنه خص المساجد بالذكر والناس في الأسواق ~~أكثر منه في المساجد فلا فائدة لتخصيص المساجد بالذكر سوى أن يكون المراد ~~ستر العورة لأجل الصلاة فهذا يدل على أنه من شروط الصلاة فيكون فرضا ولئن ~~كان المراد ستر العورة لأجل الناس فالأمر حقيقة للوجوب فإن كان خاليا في ~~بيته فهو مندوب إلى أن يستر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكروا ~~عنده كشف العورة قيل له أرأيت لو كان أحدنا خاليا فقال صلى الله عليه وسلم ~~الله أحق أن يستحى منه # قال وعلى الناس ms30 اتخاذ الأوعية لنقل الماء إلى النساء لأن المرأة تحتاج ~~إلى الماء للوضوء والشرب وإن تيممت للوضوء احتاج إلى الماء لتشرب ولا ~~يمكنها أن تخرج لتستقي الماء من الأنهار والآبار والحياض فإنها أمرت ~~بالقرار في بيتها قال الله تعالى @QB@ وقرن في بيوتكن @QE@ فعلى الرجل أن ~~يأتيها بذلك لأن الشرع ألزم صاحبها النفقة والماء كالنفقة ولا يمكنه أن ~~يأتيها بكفه فلا بد من أن يتخذ وعاء لذلك لأن ما لا يتأتى في إقامة المستحق ~~إلا به يكون مستحقا PageV01P077 # قال ومن فعل شيئا مما ذكرنا فهو مأمور بإتمامه لقوله تعالى @QB@ ولا ~~تكونوا كالتي نقضت غزلها @QE@ الآية وهذا مثل ذكره الله تعالى لمن ابتدأ ~~طاعة ثم لم يتمها كالمرأة التي تغزل ثم تنقض فلا تكون ذات غزل ولا ذات قطن ~~ومن امتنع من الأكل والشرب والاستكنان حتى مات وجب عليه دخول النار لأنه ~~قتل نفسه قصدا فكأنه قتلها بحديدة وقال صلى الله عليه وسلم من قتل نفسه ~~بحديدة فحديدته في يده يجأ بها نفسه في نار جهنم ثم تأويل اللفظ الذي ذكره ~~من وجهين # أحدهما أنه ذكره على سبيل التهديد وأضمر في كلامه معنى صحيحا وهو أنه ~~أراد الدخول الذي هو تحلة القسم قال الله تعالى @QB@ وإن منكم إلا واردها ~~@QE@ الآية والمراد داخلها عند أهل السنة والجماعة # والثاني أن المراد بيانه جزاء فعله يعني أن جزاء فعله دخول النار ولكن في ~~مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه بفضله وإن شاء أدخله النار بعدله وهذا ~~نظير ما قيل في بيان قوله @QB@ فجزاؤه جهنم خالدا فيها @QE@ أن هذا جزاؤه ~~إن جازاه الله تعالى به ولكنه عفو كريم يتفضل بالعفو ولا يخلد أحدا من ~~المؤمنين في نار جهنم # وقال وكل أحد منهي عن إفساد الطعام وفي الافساد الإسراف ولهذا لما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القيل والقال وعن كثرة PageV01P078 السؤال ~~وعن إضاعة المال ثم الحاصل أنه يحرم على المرء فيما اكتسبه من الحلال ~~الافساد والسرف والمخيلة والتفاخر والتكاثر أما الإفساد فحرام لقوله ms31 تعالى ~~@QB@ وابتغ فيما آتاك الله @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا تولى سعى في الأرض ~~@QE@ الآية أما السرف فحرام لقوله تعالى @QB@ ولا تسرفوا @QE@ الآية وقال ~~جل وعلا @QB@ والذين إذا أنفقوا @QE@ الآية فذلك دليل على أن الإسراف ~~والتقتير حرام وأما المندوب إليه ما بينهما وفي الإسراف تبذير وقال الله ~~تعالى @QB@ ولا تبذر تبذيرا @QE@ # ثم السرف في الطعام أنواع فمن ذلك الأكل فوق الشبع لقوله صلى الله عليه ~~وسلم ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من البطن فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث ~~للشراب وثلث للنفس وقال النبي صلى الله عليه وسلم يكفي ابن آدم لقيمات يقمن ~~بها صلبه ولا يلام على كفاف ولأنه إنما يأكل لمنفعة لنفسه ولا منفعة في ~~الأكل فوق الشبع بل فيه مضرة فيكون ذلك بمنزلة إلقاء الطعام في PageV01P079 ~~مزبلة أو شرا منه ولأن مايزيد على مقدار حاجته من الطعام فيه حق غيره فإنه ~~يسد به جوعته إذا أوصله إليه بعوض أو بغير عوض فهو في تناوله جان على حق ~~الغير وذلك حرام ولأن الأكل فوق الشبع ربما يمرضه فيكون ذلك كجراحته نفسه ~~والأصل فيه ما روي أن رجلا تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نح عنا جشأك أما علمت أن أطول الناس عذابا ~~يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا ولما مرض ابن عمر رضي الله عنهما سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب مرضه فقيل أنه أتخم فقال ومم ذلك فقيل من ~~كثرة الأكل فقال صلى الله عليه وسلم أما إنه لو مات لم أشهد جنازته ولم أصل ~~عليه # ولما قيل لعمر رضي الله عنه ألا نتخذ لك جوارشا قال وما يكون الجوارش قيل ~~هاضوم يهضم الطعام فقال سبحان الله أو يأكل المسلم فوق الشبع إلا بعض ~~المتأخرين رحمهم الله استثني من ذلك حاله وهو أنه إذا كان له غرض صحيح في ~~الأكل فوق الشبع PageV01P080 فحينئذ لا بأس بذلك بأن يأتيه ضيف بعد تناوله ~~مقدار حاجته فيأكل مع ms32 ضيفه لئلا يخجل وكذا إذا أراد أن يصوم من الغد فلا ~~بأس بأن يتناول بالليل فوق الشبع ليتقوى على الصوم بالنهار # ومن الإسراف في الطعام الاستكثار من المباحات والألوان فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم عد ذلك من أشراط الساعة وقال تدار القصاع على موائدهم ~~واللعنة تنزل عليهم وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت في ضيافة فأتيت ~~بقصعة بعد قصعة فقامت وجعلت تقول ألم تكن الأولى مأكولة فإن كانت فما هذه ~~الثانية وفي الأولى ما يكفينا قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ~~مثل هذا إلا أن يكون ذلك عند الحاجة بأن يمل من ناحية واحدة فيستكثر من ~~المباحات ليستوفي من كل نوع شيئا فيجتمع له مقدار ما يتقوى به على الطاعة ~~على ما حكي أن الحجاج كتب إلى عبدالملك بن مروان يشكو إليه ثلاثا العجز عن ~~الأكل وعن الاستمتاع والعي في الكلام فكتب إليه أن استكثر من ألوان الطعام ~~وجدد السراري في كل وقت وانظر إلى أخريات الناس في خطبتك # ومن الإسراف أن يضع على المائدة من ألوان الطعام فوق ما يحتاج إليه من ~~للأكل قد تبينا أن الزيادة على مقدار حاجته كان حق غيره إلا أن يكون من ~~قصده أن يدعو بالأضياف قوما بعد قوم إلى أن يأتوا على آخر الطعام فحينئذ لا ~~بأس بذلك لأنه مفيد # ومن الإسراف أن يأكل وسط الخبز ويدع حواشيه أو يأكل ما PageV01P081 انتفخ ~~من الخبز كما يفعله بعض الجهال ويزعمون أن ذلك ألذ ولكن هذا إذا كان غيره ~~لايتناول ما ترك هو من حواشيه فأما إذا كان غيره يتناول ذلك فلا بأس بأن ~~يختار لتناوله رغيفا دون رغيف # ومن الإسراف التمسح بالخبز عند الفراغ من الطعام من غير أن يأكل ما يتمسح ~~به لأن غيره يستقذر ذلك فلا يأكله فأما إذا كان هو يأكل ما يتمسح به فلا ~~بأس بذلك # ومن الإسراف إذا سقط من يده لقمة أن يتركها بل ينبغي أن يبدأ بتلك اللقمة ~~فيأكلها لأن في ms33 ترك ذلك استخفافا بالطعام وفي التناول إكرام وقد أمرنا ~~بإكرام الخبز قال صلى الله عليه وسلم أكرموا الخبز فإنها من بركات السماء ~~والأرض ومن إكرام الخبز أن لا ينتظر الأدام إذا حضر الخبز ولكن يؤخذ في ~~الأكل قبل أن يؤتى بالأدام وهذا لأن الإنسان مندوب إلى شكر النعمة والتحرز ~~عن كفران النعمة وفي ترك اللقمة التي سقطت معنى كفران النعمة وفي المبادرة ~~إلى تناول الخبز قبل أن يؤتى بالأدام إظهار شكر النعمة وإذا كان جائعا ففي ~~الامتناع إلى أن يؤتى بالأدام نوع مماطلة فينبغي أن يتحرز عن ذلك وفيه ~~حكاية فإن أبا حنيفة رحمه الله لقي بهلول المجنون يوما وهو جالس على الطريق ~~يأكل الطعام فقال أتستجيز من نفسك أن PageV01P082 تأكل في الطريق قال يا ~~أبا حنيفة أنت تقول لي هذا ونفسي غريمي والخبز في حجري وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم مطل الغنى ظلم فكيف أمنعها حقها إلى أن أدخل البيت # والمخيلة حرام لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمقداد رضي الله ~~عنه في ثوب لبسه إياك والمخيلة ولا تلام على كفاف # فالتفاخر والتكاثر حرام لقوله تعالى @QB@ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو @QE@ الآية وإنما ذكر هذا على وجه الذم لذلك وقال الله تعالى @QB@ ولا ~~تمنن تستكثر @QE@ الآية وقال عز وجل @QB@ أن كان ذا مال وبنين @QE@ وقال جل ~~وعلا @QB@ ألهاكم التكاثر @QE@ فعرفنا أن التفاخر والتكاثر حرام # قال وأمر اللباس نظير الأكل في جميع ما ذكرنا يعني أنه كان منهي عن ذلك ~~في اللباس والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشهرتين ~~والمراد أن يلبس نهاية ما يكون من الحسن والجودة في الثياب على وجه يشار ~~إليه بالأصابع أو يلبس نهاية ما يكون من الثياب الخلق على وجه يشار إليه ~~بالأصابع فإن أحدهما يرجع إلى الإسراف والآخر يرجع إلى التقتير وخير الأمور ~~أوساطها فينبغي أن يلبس في عامة الأوقات الغسيل من الثياب ولا يتكلف للجديد ~~الحسن عملا بقوله صلى الله عليه وسلم ms34 البذاذة PageV01P083 من الإيمان إلا ~~أنه لا بأس بأن يلبس أحسن ما يجد من ثياب في بعض الأعياد والأوقات والجمع ~~لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان له جبة فنك أهداها إليه ~~المقوقس فكان يلبسها في الأعياد والجمع وللوفود ينزلون إليه وروي أنه كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم قباء مكفوف بالحرير وكان يلبس ذلك في ~~الأعياد والجمع ولأن في لبس ذلك في بعض الأوقات إظهار النعمة قال صلى الله ~~عليه وسلم إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى عليه أثره وفي التكلف لذلك في ~~جميع الأوقات معنى الصلف وربما يغيظ ذلك المحتاجين فالتحرز عن ذلك أولى ~~وكذا في زمن الشتاء لا ينبغي أن يظاهر بين جبتين أو ثلاثة إذا كان يكفيه ~~لدفع البرد جبة واحدة لأن ذلك يغيظ المحتاجين وهو منهي عن إكتساب سبب يؤذي ~~غيره ومقصوده يحصل بما دون ذلك والأولى له أن يختار الخشن من الثياب للبس ~~على ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يلبس إلا الخشن من الثياب فإن ~~لبس الخشن في زمان الشتاء واللين في زمان الصيف فلا بأس بذلك فإن الخشن ~~يدفع من البرد ما لا يدفعه اللين في زمان الصيف فهو محتاج إلى ذلك في زمن ~~الشتاء واللين ينشف من PageV01P084 العرق ما لا ينشفه الخشن فهو محتاج إلى ~~ذلك في زمان الصيف فإن لبس اللين في الشتاء والصيف فذلك واسع له أيضا إذا ~~كان اكتسبه من حله لقوله تعالى @QB@ قل من حرم زينة الله @QE@ الآية # وكما يندب إلى ما بينا في طعام نفسه وكسوته فكذلك في طعام عياله وكسوتهم ~~لأنه مأمور بالإنفاق عليهم بالمعروف والمعروف ما يكون دون السرف وفوق ~~التقتير حتى قالوا لا ينبغي أن يتكلف لتحصيل جميع شهوات عياله ولا أن ~~يمنعها جميع شهواتها ولكن إنفاقها بين ذلك فإن خير الأمور أوساطها # وكذلك لا ينبغي أن يستديم الشبع من الطعام فإن الأولى ما اختاره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبينه في قوله ms35 أجوع يوما وأشبع يوما وكانت عائشة ~~رضي الله عنها تبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبض وتقول يامن اختار ~~الحصير على السرير يامن لم ينم بالليل من خوف السعير يامن لم يلبس الحرير ~~ولم يشبع من خبز الشعير وكانت عائشة رضي الله عنها تقول ربما يأتي علينا ~~الشهر أو أكثر لا يوقد في بيوتنا نار وإنما هما الأسودان الماء والتمر وقد ~~روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم ~~شبعا في الدنيا فلهذا كان التحرز عن استدامة الشبع في جميع الأوقات أولى # قال وليس على الرجل أن يدع الأكل حتى يصير بحيث لا ينتفع بنفسه يعني حتى ~~ينتهي به الجوع إلى حال يضره ويفسد به معدته بأن PageV01P085 تحترق فلا ~~تنتفع بالأكل بعد ذلك لأن التناول عند الحاجة حق لنفسه قبله قال صلى الله ~~عليه وسلم لبعض أصحابه نفسك مطيتك فارفق بها ولا تجوعها وقال صلى الله عليه ~~وسلم لآخر إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولله عليك حقا فأعط كل ذي حق ~~حقه وقال صلى الله عليه وسلم للمقداد بن معدي كرب كل واشرب والبس من غير ~~مخيلة والأمر للإيجاب حقيقة ولأن في الامتناع من الأكل إلى هذه الغاية ~~تعريض النفس للهلاك وهو حرام وفيه اكتساب سبب تفويت العبادات لأنه لا يتوصل ~~إلى أداء العبادات إلا بنفسه وكما أن تفويت العبادات المستحقة حرام فإكتساب ~~سبب التفويت حرام # فأما مع تجويع النفس على وجه لا يعجز معه عن أداء العبادات وينتفع بالأكل ~~بعده فهو مباح لأنه إنما يمتنع من الأكل لإتمام العبادة إذا كان صائما أو ~~ليكون الطعام ألذ عنده إذا تناول فكل ما كان تناول المتناول أجوع كان لذته ~~في التناول أكثر إذا كان فعله هذا لغرض صحيح كان مباحا له وهذا نظير ما ~~بينا في الأكل فوق الشبع فإنه حرام عليه إلى عند غرض صحيح له في ذلك فليس ~~له في الامتناع إلى أن يصير بحيث لا ينتفع بالأكل غرض ms36 صحيح بل فيه إتلاف ~~النفس وحرمة نفسه عليه فوق حرمة نفس أخرى فإذا كان PageV01P086 يحق عليه ~~إحياء نفس أخرى بما يقدر عليه ولا يحل له اكتساب سبب إتلافها ففي نفسه أولى # وقد قال بعض المتقشفة لو امتنع من الأكل حتى مات لم يكن آثما لأن النفس ~~أمارة بالسوء كما وصفها الله تعالى به وهي عدو المرء قال صلى الله عليه ~~وسلم أعدى عدو المرء بين جنبيه يعني نفسه وللمرء أن لا يربي عدوه فكيف يصير ~~آثما بالامتناع عن تربيته وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد جهاد النفس ~~وتجويع النفس مجاهدة معها فلا يجوز أن يجعل به آثما # ولكنا نقول مجاهدة النفس في حملها على العبادات وفي التجويع إلى هذا ~~الحال تفويت العبادة لا حمل النفس على أداء العبادات وقد بينا أن النفس ~~متحملة بأمانات الله تعالى فإن الله تعالى خلقها معصومة لتؤدي الأمانة التي ~~تحملها ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالأكل عند الحاجة وما لا يتوصل إلى إقامة ~~المستحق إلا به فيكون مستحقا # فأما الشاب الذي يخاف على نفسه من الشبق والوقوع في العنت فلا بأس بأن ~~يمتنع من الأكل وتكسر شهوته فتجويع النفس على وجه لا يعجز عن أداء العبادات ~~لقوله صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب عليكم PageV01P087 بالنكاح فمن لم ~~يستطع فعليه بالصوم فإن له وجاء ولأنه منتفع بالإمتناع من الأكل هنا من حيث ~~أنه يمنع به نفسه عن ارتكاب المعاصي على ما يحكى عن أبي بكر الوراق رحمه ~~الله تعالى قال في تجويع النفس إشباعها وفي إشباعها تجويعها ثم فسر ذلك ~~فقال إذا جاعت واحتاجت إلى الطعام شبعت عن جميع المعاصي وإذا شبعت من ~~الطعام جاعت ورغبت في جميع المعاصي وإذا كان التحرز عن ارتكاب المعصية فرضا ~~إنما يتوصل إليه بهذا النوع من التجويع كان ذلك مباحا # قال ويفترض على الناس إطعام المحتاج في الوقت الذي يعجز عن الخروج والطلب ~~وهذه المسألة تشتمل على فصول أحدها أن المحتاج إذا عجز عن الخروج يفترض على ~~من ms37 يعلم بحاله أن يطعمه مقدار ما يتقوى به على الخروج وإداء العبادات إذا ~~كان قادرا على ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ما آمن من بات شبعانا وجاره ~~إلى جنبه خاوي حتى إذا مات ولم يطعمه أحد ممن يعلم بحاله اشتركوا جميعا ~~بالمأثم لقوله PageV01P088 صلى الله عليه وسلم أيما رجل مات ضياعا بين قوم ~~أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله وكذا إذا لم يكن عند من يعلم ~~بحاله ما يعطيه ولكنه قادر على الخروج إلى الناس فيخبر بحاله ليواسوه يفترض ~~عليه ذلك لأن عليه أن يدفع ما نزل به عنه بحسب الإمكان والطاعة بحسب الطاقة ~~فإن إمتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا في المأثم وإذا قام به البعض سقط عن ~~الباقين # وهو نظير فداء الأسير فإن من وقع أسيرا في يد أهل الحرب من المؤمنين ~~فقصدوا قتله يفترض على كل مسلم يعلم بحاله أن يفديه بماله إن قدر على ذلك ~~وإلا أخبر به غيره ممن يقدر عليه وإذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول ~~المقصود ولا فرق بينهما في المعنى فإن الجوع الذي هاج من طبعه عدو يخاف ~~الهلاك منه بمنزلة العدو من المشركين # فأما إذا كان المحتاج يتمكن من الخروج ولكن لا يقدر على الكسب فعليه أن ~~يخرج ومن يعلم بحاله إذا كان عليه شئ من الواجبات فليؤده إليه لأنه قد وجد ~~لما استحق عليه تصرفا ومستحقا فينبغي له أن يسقط الفرض عن نفسه بالصرف إليه ~~حتما لأنه أوفى إليه من غيره وهو يندب إلى الإحسان إليه إن كان قد أدى ما ~~عليه من الفرائض لقوله تعالى @QB@ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين @QE@ قال ~~تعالى @QB@ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا @QE@ ولما سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن أفضل PageV01P089 الأعمال قال إفشاء السلام وإطعام ~~الطعام والصلاة بالليل والناس نيام # وإن كان المحتاج بحيث يقدر على التكسب فعليه أن يكتسب ولا يحل له أن يسأل ~~لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ms38 من سأل الناس وهو غني عما ~~يسأل جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرق الصدقات فأتاه رجلان يسألان من ذلك فرفع ~~بصره إليهما فرآهما جلدين قال أما إنه لا حق لكما فيه وإن شئتما أعطيتكما ~~معناه لا حق لهما في السؤال وقال صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ~~ولا لذي مرة سوي يعني لا يحل السؤال للقوي القادر على التكسب وقال صلى الله ~~عليه وسلم السؤال آخر كسب العبد ولكنه لو سأل فأعطي حل له أن يتناول لقوله ~~صلى الله عليه وسلم وإن شئتما أعطيتكما فلو كان لا يحل التناول لما قال صلى ~~الله عليه وسلم لهما PageV01P090 ذلك وقد قال الله تعالى @QB@ إنما الصدقات ~~للفقراء @QE@ الآية والقادر على الكسب فقير فأما إذا كان عاجزا عن الكسب ~~ولكنه قادر على أن يخرج فيطوف على الأبواب ويسأل فإنه يفترض عليه ذلك حتى ~~إذا لم يفعل ذلك حتى هلك كان آثما عند أهل الفقه رحمهم الله # وقال بعض المتقشفة السؤال مباح له بطريق الرخصة فإن تركه حتى مات لم يكن ~~آثما لأنه متمسك بالعزيمة وهذا قريب مما نقل عن الحسن بن زياد رحمه الله إن ~~من كان في سفر ومع رفيق له ماء وليس عنده ثمنه أنه لا يلزمه أن يسأل رفيقه ~~الماء ولو تيمم وصلى من غير أن يسأله الماء جازت صلاته عنده ولم يجز عندنا ~~وجه قولهم إن في السؤال ذلا وللمؤمن أن يصون نفسه عن الذل وبيانه فيما نقل ~~عن علي رضي الله عنه % لنقل الصخر من قلل الجبال % أحب إلي من منن الرجال % ~~يقول الناس لي في الكسب عار % فقلت العار في ذل السؤال % # ولأن ما يلحقه من الذل بالسؤال يقين وما يصل إليه من المنفعة موهوم فربما ~~يعطى ما يسأل وربما لا يعطى فكان السؤال رخصة له من غير أن يكون مستحقا ~~عليه إذ الموهوم لا يعارض المتحقق وحجتنا في ذلك أن السؤال ms39 يوصله إلى ما ~~يقوم به نفسه PageV01P091 ويتقوى به على الطاعة فيكون مستحقا عليه كالكسب ~~سواء في حق من هو قادر على الكسب ومعنى الذل في السؤال في هذه الحالة ممنوع ~~ألا ترى أن الله تعالى أخبر عن موسى ومعلمه عليهما السلام أنهما سألا عند ~~الحاجة فقال عز وجل @QB@ استطعما أهلها @QE@ والاستطعام طلب الطعام وما كان ~~ذلك منهما بطريق الأجرة ألا ترى أنه قال @QB@ لو شئت لاتخذت عليه أجرا @QE@ ~~فعرفنا أنه كان بطريق البر على سبيل الهدية والصدقة على ما اختلفوا أن ~~الصدقة هل كانت تحل للأنبياء سوى نبينا عليه وعليهم السلام على ما نبينه # وكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد سأل عند الحاجة حيث قال لواحد ~~من أصحابه رضي الله عنهم هل عندك شئ نأكله وقال صلى الله عليه وسلم للقوم ~~هل عندكم ماء بات في الشن وإلا كرعنا من الوادي كرعا وسأل رجلا ذراع شاة ~~وقال ناولني الذراع في حديث فيه طول فلو كان في السؤال عند الحاجة ذلة لما ~~فعله الأنبياء عليهم السلام ذلك فقد كانوا أبعد الناس عن اكتساب سبب الذل ~~ولأن ما يسد به رمقه حق مستحق له في أموال الناس فليس في المطالبة بحق ~~مستحق له من معنى الذل شئ فعليه أن يسأل # فأما إذا كان قادرا على الكسب فليس ذلك بحق مستحق له وإنما PageV01P092 ~~حقه في كسبه فعليه أن يكتسب ولا يسأل أحدا من الناس ولكن له أن يسأل ربه ~~كما فعل موسى عليه السلام فقال @QB@ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير @QE@ ~~وقد أمرنا بذلك قال الله تعالى @QB@ واسألوا الله من فضله @QE@ وقال صلى ~~الله عليه وسلم سلوا الله حوائجكم حتى الملح لقدوركم والشسع لنعالكم # قال والمعطي أفضل من الآخذ وإن كان الآخذ يقيم بالأخذ فرضا عليه وهذه ~~المسألة تشتمل على ثلاث فصول أحدها # أن يكون المعطي مؤديا للواجب والآخذ قادر على الكسب ولكنه محتاج فهنا ~~المعطي أفضل من الآخذ بالاتفاق لأنه في الإعطاء مؤد للفرض والآخذ في الأخذ ms40 ~~متبرع فإن له أن لا يأخذ ويكتسب ودرجه أداء الفرض أعلى من درجة التبرع ~~كسائر العبادات فإن الثواب في أداء المكتوبات أعظم منه في النوافل والدليل ~~عليه أن المفترض عامل لنفسه والمتبرع عامل لغيره وعمل المرء لنفسه أفضل ~~لقوله صلى الله عليه وسلم إبدأ بنفسك معنى هذا أنه بنفس الأداء لنفسه يفرغ ~~ذمة نفسه فكان عاملا لنفسه والآخذ بنفس الأخذ لا ينفع نفسه بل بالتناول بعد ~~الأخذ ولا يدري أيبقى إلى أن يتناول أو لا يبقى ولهذا لا منة للغني على ~~الفقير في أخذ الصدقة لأن ما يحصل به للغني فوق ما يحصل للفقير من ~~PageV01P093 حيث أنه يحمل للغني ما لا يحتاج إليه للحال ليصل إليه عند ~~حاجته إلى ذلك والغني يحتاج إلى ذلك ليحصل به مقصوده للحال ولو اجتمع ~~الفقراء على ترك الأخذ لم يلحقهم في ذلك مأثم بل يحمدون عليه بخلاف ما إذا ~~اجتمع الأغنياء عن الامتناع عن أداء الواجب فعرفنا أن المنة للفقراء على ~~الأغنياء # | الفصل الثاني # أن يكون المعطي والآخذ كل واحد منهما متبرع فأن كان المعطي متبرعا والآخذ ~~قادر على الكسب فالمعطي هنا أفضل أيضا لأنه بما يعطي ينسلخ عن الغنى ~~ويتمايل إلى الفقر والآخذ بالأخذ يتمايل إلى الغنى وقد بينا أن درجة الفقير ~~أعلى من درجة الغني فمن يتمايل إلى الفقر بعمله كان أعلى درجة ولأن ~~العبادات مشروعة بطريق الابتلاء قال الله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا @QE@ ومعنى الإبتلاء بالإعطاء أظهر منه في الأخذ لأن ا الابتلاء في ~~العمل الذي لا تميل إليه النفس وفي نفس كل أحد داعية إلى الأخذ دون الإعطاء ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن المسلم يحتاج في تصدقه بدرهم إلى أن يكسر ~~شهوات سبعين شيطانا وإذا كان معنى الابتلاء في الإعطاء أظهركان أفضل لما ~~روي أن النبي PageV01P094 صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الأعمال قال ~~أحمزها أي أشقها على البدن وسئل عن أفضل الصدقة قال جهد المقل # ولأن الآخذ يحصل لنفسه ما يتوصل به إلى اقتضاء الشهوات ms41 والمعطي يخرج من ~~ملكه ما كان يتمكن من اقتضاء الشهوات وأعلى الدرجات منع النفس عن اقتضاء ~~الشهوات # | الفصل الثالث # إذا كان المعطي متبرعا والآخذ مفترضا بأنه كان عاجزا عن الكسب محتاجا إلى ~~ما يسد به رمقه فعند أهل الفقه رحمهم الله المعطي أفضل أيضا وقال أهل ~~الحديث أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه رحمهما الله الأخذ أفضل هنا لأنه ~~بالأخذ يقيم به فرضا عليه والمعطي يتنفل وقد بينا أن إقامة الفرض أعلى درجة ~~من التنفل ولأن الآخذ لو امتنع من الأخذ هنا كان آثما والمعطي لو امتنع من ~~الإعطاء لم يكن آثما إذا كان هناك غيره ممن يعطيه مما هو فرض عليه والثواب ~~مقابل بالعقوبة ألا ترى أن الله تعالى هدد نساء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بضعف ما هدد به غيرهن من النساء فقال عز وجل @QB@ من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة @QE@ الآية ثم جعل لهن الثواب على الطاعات ضعف ما لغيرهن لقوله تعالى ~~@QB@ نؤتها أجرها مرتين @QE@ فإذا كان الإثم هنا في حق الآخذ دون المعطي ~~فلذلك للآخذ أكثر من PageV01P095 ما للمعطي ولكن هذا كله يشكل برد السلام ~~فإن السلام سنة ورد السلام فريضة ثم مع ذلك كانت البداية بالسلام أفضل من ~~الرد على ما قال صلى الله عليه وسلم بالسلام للبادي عشرون حسنة وللراد عشر ~~حسنات وربما يقولون الآخذ يسعى في إحياء النفس والمعطي يسعى في تحصين النفس ~~أو في إنماء المال وإحياء النفس أعلى درجة من إنماء المال وحجتنا في ذلك ~~بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اليد العليا خير من اليد ~~السفلى من غير تفصيل بين التنفل بالأداء وبين إقامة الفرض فإن قيل المراد ~~باليد العليا يد الفقير لأنها نائبة عن يد الشرع فإن المتصدق يجعل ماله لله ~~تعالى خالصا بأن يخرجه من ملكه ثم يدفعه إلى الفقير ليكون كفاية له من الله ~~تعالى والفقير ينوب عن الشرع في الأخذ من الغني وبيان هذا في قوله تعالى ~~@QB@ وهو الذي يقبل التوبة عن ms42 عباده @QE@ الآية وقال صلى الله عليه وسلم إن ~~الصدقة تقع في يد الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوة حتى تصير مثل أحد ~~فبهذا تبين أن المراد باليد العليا يد المعطي ولأن المعطي يتطهر من الدنس ~~PageV01P096 بالإعطاء والآخذ يتلوث وبيان ذلك أن الله تعالى قال @QB@ خذ من ~~أموالهم صدقة @QE@ الآية فعرفنا أن في آداء الصدقة معنى التطهير والتزكية ~~وفي الأخذ تلويث وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة أوساخ الناس ~~وسماها غسالة وقال يا معشر بني هاشم إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس يعني ~~الصدقة ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر الإعطاء بنفسه ~~فكان أخذ الصدقة لنفسه حرام عليه كما قال صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة ~~لمحمد ولا لآل محمد وتكلم الناس في حق سائر الأنبياء عليهم السلام فمنهم من ~~يقول ما كان يحل أخذ الصدقة لسائر الأنبياء عليهم السلام أيضا ولكنها كانت ~~تحل لقراباتهم ثم إن الله تعالى أكرم نبينا صلى الله عليه وسلم بأن حرم ~~الصدقة على قرابته إظهارا لفضيلته لتكون درجتهم في هذا الحكم كدرجة ~~الأنبياء عليهم السلام # وقيل بل كانت الصدقة تحل لسائر الأنبياء وهذه خصوصية لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم فكيف ما كان لا يجوز أن يقال في تحريم الصدقة إعلاء الدرجات عليه ~~معنى الكرامة والخصوصية له فلو كان الأخذ أفضل من الإعطاء بحال لما كان في ~~تحريم الأخذ عليه وعلى أهل بيته معنى PageV01P097 الخصوصية والكرامة ~~والدليل عليه أن الشرع ندب كل أحد إلى التصدق وندب كل أحد إلى التحرز عن ~~السؤال قال صلى الله عليه وسلم لثوبان رضي الله عنه لا تسأل الناس شيئا ~~أعطوك أو منعوك وقال صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه إياك ~~إياك أن تسأل أحد شيئا أعطاك أو منعك وكان بعدما سمع هذه المقالة لا يسأل ~~أحدا شيئا ولا يأخذ من أحد شيئا حتى كان عمر بن الخطاب يعرض عليه نصيبه مما ~~يعطى فكان لا يأخذه ويقول ms43 لست آخذ من أحد شيئا بعدما قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما قال وكان عمر رضي الله عنه يشهد عليه حقه ويقول يا أيها ~~الناس قد أشهدتكم عليه أني عرضت عليه وهو يأبى وبهذا تبين أن الإعطاء أفضل ~~من الأخذ وقال الله تعالى @QB@ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف @QE@ الآية ~~يعني من التعفف عن السؤال وا 4 لأخذ وقال صلى الله تعالى عليه وسلم من ~~إستعف أعفه الله ومن استغنى أغناه الله ومن فتح على نفسه بابا من المسألة ~~فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر فإذا كان التعفف من الأخذ كان الإقدام ~~على PageV01P098 الأخذ ترك التعفف من حيث الصورة فلهذا كان المعطي أفضل من ~~الآخذ وفي كل خير # وقال وكل ما كان الأكل فيه فرضا عليه فإنه يكون مثابا على الأكل لأنه ~~يتمثل به الأمر فيتوصل به إلى أداء الفرائض من الصوم والصلاة فيكون بمنزلة ~~السعي إلى الجمعة والطهارة لأداء الصلاة والأصل فيه قوله صلى الله عليه ~~وسلم يؤجر المؤمن في كل شئ حتى اللقمة يضعها في فيه وفي حديث آخر قال صلى ~~الله عليه وسلم يؤجر المؤمن في كل شئ حتى في مضاجعة أهله فقيل إنه يقضي ~~شهوته أفيؤجر على ذلك قال أرأيت لو وضعها في غير حله أما كان يعاقب على ذلك ~~وبمثله نستدل هنا فنقول لو ترك الأكل في موضع كان فرضا عليه PageV01P099 ~~كان معاقبا على ذلك فإذا أكل كان مثابا عليه وقال صلى الله عليه وسلم أفضل ~~دينار المرء دينار ينفقه على أهله فإذا كان هو مثابا فيما ينفقه على غيره ~~ففي ما ينفقه على نفسه أولى # قال ولا يكون محاسبا في ذلك ولا معاتبا ولا مهاقبا لأنه مثاب على ذلك كما ~~هو مثاب على إقامة العبادات فكيف يكون معاتبا عليه أو محاسبا والأصل فيه ~~حديثان أحدهما حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان في ms44 من ~~لحم وخبز وشعير وزيت أهو من النعيم الذي نسأل عنه يوم القيامة وتلا قوله ~~تعالى @QB@ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم @QE@ فقال صلى الله عليه وسلم لا يا ~~أبا بكر إنما ذلك للكفار أما علمت أن المؤمن لا يسأل عن ثلاث قال وما هن يا ~~رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يواري به سوءته وما يقيم به ~~صلبه وما يكنه من الحر والبرد ثم هو مسؤول بعد ذلك عن كل نعمة # والثاني حديث عمر رضي الله عنه فإنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ضيافة رجل فأتي بعذق فيه تمر وبسر ورطب وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لتسألن عن هذا يوم القيامة فأخذ عمر رضي الله عنه العذق وجعل ينفضه ~~حتى تناثر على الأرض ويقول ونسأل عن هذا قال صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P100 والله لتسألن عن كل نعمة حتى الشربة من الماء البارد إلا عن ~~ثلاث كسرة تقيم بها صلبك أو خرقة تواري بها سوءتك أو كن يكنك من الحر ~~والبرد # قال في الكتاب وهذا قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم أن ~~المرء لا يحاسب على هذا المقدار وكفى بإجماعهم حجة فمن دج عمره بهذا أو كان ~~قانعا راضيا دخل الجنة بغير حساب لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من هدي للإسلام وقنع بما آتاه الله تعالى دخل الجنة ~~بغير حساب وقيل في تأويل قوله تعالى @QB@ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب @QE@ أنه الذي يصبر على هذا المقدار الذي لا بد منه # ثم بعده التناول إلى مقدار الشبع مباح على الإطلاق لقوله تعالى @QB@ قل ~~من حرم زينة الله @QE@ الاية فعرفنا أن ذلك القدر ليس بمحرم فإذا لم يكن ~~محرما فهو مباح على الإطلاق وكذلك أكل الخبيص والفواكه وأنواع الحلاوات من ~~السكر وغير ذلك مباح لكنه دون ما تقدم حتى أن الامتناع منه والاكتفاء بما ~~دونه أفضل له فكان تناول هذه النعم ms45 رخصة والامتناع منها عزيمة فذلك أفضل ~~لحديثين رويا في الباب PageV01P101 أحدهما حديث الصديق رضي الله عنه فإنه ~~أتي بقدح قد لت بعسل وبرد فقربه إلى فيه ثم رده وأمر بالتصدق به على ~~الفقراء وقال أرجو أن لا أكون من الذين يقال لهم @QB@ أذهبتم طيباتكم @QE@ ~~الآية ففي هذا دليل أن تناول ذلك مباح لأنه قربه إلى فيه وفيه دليل أن ~~الامتناع منه أفضل # والثاني حديث عمر رضي الله عنه بأنه اشترى جارية وأمر بها فزينت له ~~وأدخلت عليه فلما رآها بكى وقال أرجو أن لا أكون من الذين يتوصلون إلى جميع ~~شهواتهم في الدنيا ثم دعا شابا من الأنصار لم يكن تحته إمرأة فأهداها له ~~وتلا قوله تعالى @QB@ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ الآية ~~ولأن أفضل مناهج الدين طريق المرسلين عليهم السلام وقد كان طريقهم الاكتفاء ~~بما دون هذا في عامة الأوقات وكذا نبينا صلى الله عليه وسلم وربما أصاب في ~~بعض الأوقات من ذلك على ما روي أنه قال لأصحابه رضي الله عنهم يوما ليت لنا ~~ملبقا نأكله فجاء به عثمان رضي الله عنه في قصعة فقيل أنه أصاب منه وقيل لم ~~يصب وأمر بالتصدق به # ثم فيما تقدم من تناول الخبز إلى الشبع لا حساب عليه سوى العرض على ما ~~روي عن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ~~PageV01P102 عز وجل @QB@ فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ فقال صلى الله عليه ~~وسلم ذاك العرض يا بنت أبي بكر أما علمت أن من نوقش للحساب عذب ومعنى العرض ~~بيان المنة وتذكير النعم والسؤال أنه هل قام بشكرها في تأويل قوله تعالى ~~@QB@ فأما من أوتي كتابه بيمينه @QE@ الآية أن العرض في مثل هذا # وأما في إقتضاء الشهوات من الحلال وتناول اللذات فهو محاسب على ذلك غير ~~معاقب عليه وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الدنيا حلالها حساب ~~وحرامها عذاب # والدليل على أن الاكتفاء بما دون ذلك أفضل حديث الضحاك رضي الله عنه ms46 فإنه ~~جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا من قومه وكان متنعما فيهم قال ~~صلى الله عليه وسلم ما طعامك يا ضحاك قال اللحم والعسل والزيت ولب البر قال ~~ثم يصير ماذا فقال ثم يصير إلى ما يعلمه رسول الله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله ضرب للدنيا مثلا بما يخرج من ابن آدم ثم قال له إياك أن ~~تأكل فوق الشبع PageV01P103 # قد بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن طعامه وإن كان لذيذا طيبا في ~~الابتداء فإنه يصير إلى الخبث والنتن في الانتهاء فهو مثل الدنيا وفي هذا ~~بيان أن الاكتفاء بما دون ذلك أفضل # وفي حديث الأحنف بن قيس رحمه الله أنه كان عند عمر رضي الله عنه فأتى ~~بقصعة فيها خبز شعير وزيت فجعل عمر رضي الله عنه يأكل من ذلك ويدعو الأحنف ~~إلى أكله وكان لا يسيغه ذلك فذكر الأحنف ذلك لحفصة وقال إن الله تعالى وسع ~~على أمير المؤمنين فلو وسع على نفسه وجعل طعامه طيبا فذكرت ذلك لعمر رضي ~~الله عنه فبكى وقال أرأيت لو أن ثلاثة إصطحبوا فتقدم أحدهم في طريق والثاني ~~بعده ثم خالفهم الثالث في الطريق أكان يدركهم فقالت لا قال فقد تقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يصب من شهوات الدنيا شيئا وأبو بكر رضي الله ~~عنه بعده كذلك فلو اشتغل عمر بقضاء الشهوات في الدنيا متى يدركهم ففي هذا ~~بيان أن الاكتفاء بما دون ذلك أفضل # وفي الحاصل المسألة صارت على أربعة أوجه ففي مقدار ما يسد به رمقه ويتقوى ~~على الطاعة هو مثاب غير معاتب وفيما زاد على ذلك إلى حد الشبع هو مباح له ~~محاسب على ذلك حسابا يسيرا بالعرض وفي قضاء الشهوات ونيل اللذات من الحلال ~~هو مرخص له فيه محاسب على ذلك مطالب بشكر النعمة وحق الجائعين وفي ما زاد ~~على الشبع هو معاقب فإن الأكل فوق الشبع حرام وقد بينا هذا # وفي الكتاب قال أكرهه ومراده ms47 التحريم على ما روي أن أبا PageV01P104 ~~حنيفة رحمه الله قيل له إذا قلت في شئ أكرهه ما رأيك قال الحرمة أقرب ~~والدليل عليه ما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا تجشأ أحدكم ~~فليقل اللهم لا تفتنا والجشأ من الأكل فوق الشبع ففي هذا بيان أن الأكل فوق ~~الشبع من أسباب المقت وسبب المقت ارتكاب الحرام وهذا كله فيما اكتسبه من ~~حلة فأما ما اكتسبه من غير حلة فهو معاقب على التناول منه في غير حالة ~~الضرورة القليل والكثير فيه سواء لحديث أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به وقال صلى الله ~~عليه وسلم ما اكتسب المرء درهما من غير حلة ينفقه على أهله ويبارك له فيه ~~أو يتصدق به فيقبل منه أو يخلفه وراء ظهره إلا كان ذلك زاده إلى النار وقال ~~صلى الله عليه وسلم من اكتسب من حيث شاء ولا يبالي أدخله الله النار من أي ~~باب كان ولا يبالي وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ~~طيب طعمتك أو قال أكلتك تستجب دعوتك وفي حديث 2 أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P105 قال في بيان الناس بعده يصبح أحدهم ~~أشعث أغبر يقول يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ~~فأني يستجاب له وقال صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة الدرهم الحلال ~~فيهم أعز من أخ في الله والأخ في الله أعز فيهم من درهم حلال # قال في الكتاب وكذلك أمر اللباس يعني أنه مأجور فيما يواري به سوءته ~~ويدفع أذى الحر والبرد عنه ويتمكن من إقامة الصلاة وما زاد على ذلك مباح له ~~وترك الأجود من الثياب والاكتفاء بما دون ذلك أفضل كما في الطعام لما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لبس ثوبا معلما ثم نزعه وقال شغلني علمه ~~عن صلاتي كلما وقع ms48 بصري عليه وعن عمر رضي الله عنه أنه دفع ثوبا له إلى ~~عامله ليرقعه فقدر عليه ثوبا آخر وجاءه بالثوبين فأخذ عمر رضي الله عنه ~~ثوبه ورد الآخر وقال ثوبك أجود وألين ولكن ثوبي أشف للعرق وعن على رضي الله ~~عنه أنه كان يكره التزين بالزي الحسن ويقول أنا ألبس من الثياب ما يكفيني ~~لعبادة ربي فيه فعرفنا أن الاكتفاء بما دون الأجود أفضل له وإن كان يرخص له ~~في لبس ذلك # ثم حول الكلام إلى فصل آخر حاصله دار على فصل له وهو PageV01P106 أن ~~مساعي أهل التكليف ثلاثة أنواع نوع منها للمرء كالعبادات ونوع منها عليه ~~كالمعاصي ونوع منها يحتمل لا له ولا عليه وذلك المباحات من الأقوال كقولك ~~أكلت أو شربت أو قمت أو قعدت وما أشبه ذلك هذا مذهب أهل الفقه رحمهم الله # وقالت الكرامية مساعي أهل التكليف نوعان لهم وعليهم وليس شئ من مساعيهم ~~في حد الأعمال لقوله تعالى @QB@ فماذا بعد الحق إلا الضلال @QE@ فقد قسم ~~الأشياء قسمين لا فاصل بينهما أما الحق وهو ما يكون للمرء والضلال وهو ما ~~على المرء وقال الله تعالى @QB@ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت @QE@ وما ~~للتعميم فتبين بهذا أن جميع ما يكتسبه المرء له أو عليه وقال الله تعالى ~~@QB@ من عمل صالحا فلنفسه @QE@ الآية فتبين بهذا أن عمله لا ينفك عن أحد ~~هذين إما صالح أو سيء وفي كتاب الله تعالى أن جميع ما يتلفظ المرء مكتوب ~~قال الله تعالى @QB@ ما يلفظ من قول @QE@ الآية وفيه بيان أن جميع ما يفعله ~~المرء مكتوب قال الله تعالى @QB@ وكل شيء فعلوه في الزبر @QE@ وفيه دليل ~~أنه يحضر جميع ما عمله في ميزانه عند الحساب قال الله تعالى @QB@ ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا @QE@ PageV01P107 وما للتعميم فدل أنه ليس شئ من ذلك يهمل ~~والمعنى فيه من وجهين أحدهما مواثيق الله تعالى على عباده لازمة لهم في كل ~~حال يعني من قوله @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا @QE@ وقال عز وجل ~~@QB@ وما خلقت الجن والإنس ms49 @QE@ الاية فإما أن يكون هو موقنا بهذا العهد ~~والميثاق فيكون ذلك له أو تاركا فيكون عليه إذ لا تصور لشئ سوى هذا # والدليل عليه أن المباح الذي لضرورته إما أن يكون من جنس ماله أن يكون ~~مقربا له مما يحل ويكون هو مأمورا به أو مبعدا له مما لا يحل فيكون ذلك له ~~أو يكون مقربا له مما لا يحل ومبعدا له مما يحل فيؤمر به فيكون ذلك عليه ~~فعرفنا أن جميع مساعيه غير خارج من أن تكون له أو عليه # وحجتنا في ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين ~~والعلماء رحمهم الله اتفقوا أن من أفعال العباد ما هو مأمور به أو مندوب ~~إليه وذلك عبادة لهم ومنه ما هو منهي عنه وذلك عليهم ومنه ما هو مباح وما ~~كان مباحا فهو غير موصوف بأنه مأمور به أو مندوب إليه أو منهي عنه وعرفنا ~~أن هنا قسم ثالث ثابت بطريق الإجماع ليس ذلك للمرء ولا على المرء ولا يتبين ~~هذا من القسمين الآخرين إلا بحكم وهو أن يكون مهملا لا يثاب على فعله ولا ~~يعاقب على تركه لأن ما يكون PageV01P108 له فهو مثاب عليه قال الله تعالى ~~@QB@ ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون @QE@ الآية قال الله تعالى @QB@ إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم @QE@ وما يكون عليه فهو معاقب على ذلك قال الله ~~تعالى @QB@ وإن أسأتم فلها @QE@ أي فعليها وإذا كان في أفعاله وأقواله ما ~~لا يثاب عليه ولا يعاقب عرفنا أنه مهمل والدليل عليه أن الله تعالى قال ~~@QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم @QE@ فالتنصيص على نفي المؤاخذة في ~~يمين باللغو يكون تنصيصا على أنه لا يثاب عليه وإذا ثبت بالنص أنه لا يثاب ~~عليه ولا يعاقب عرفنا أنه مهمل وقال الله تعالى @QB@ وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به @QE@ ولا إشكال أنه لا يثاب على ما أخطأ به وقد انتفت المؤاخذة ~~بالنص فعرفنا بأنه مهمل قال صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~الحديث معناه أن الإثم ms50 مرفوع عنهم ولا شك أنهم لا يثابون على ذلك فإذا قد ~~ثبت بهذه النصوص أن ما لا ينال المرء به الثواب لا يكون معاتبا عليه فإن ~~يكون ذلك محتملا لا يوصف بأنه للمرء أو عليه لأن ماله خاص فيما ينتفع به في ~~الآخرة وما عليه خاص فيما يضره في الآخرة وفي أفعاله وأقواله ما لا ينفعه ~~ولا يضره في الآخرة فكان ذلك مهملا PageV01P109 # ثم اختلف الفقهاء رحمهم الله أن ما يكون مهملا من الأفعال والأقوال هل ~~يكون مكتوبا على العبد أم لا # قال بعضهم إنه لا يكتب عليه لأن الكتابة لا تكون من غير فائدة والفائدة ~~منفعته بذلك في الاخرة والمعاتبة معه على ذلك مما يكون خارجا عن هذين ~~الوجهين فلا فائدة في كتابته عليه # وأكثر الفقهاء رحمهم الله على أن ذلك كله مكتوب عليه قال الله تعالى @QB@ ~~ونكتب ما قدموا وآثارهم @QE@ الآية إلا أنهم قالوا بعدما كتب جميع ذلك عليه ~~يبقى في ديوانه ماهو مهمل وبيانه في قوله تعالى @QB@ إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون @QE@ وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إذا صعد الملكان بكتاب العبد فإن كان أوله وآخره حسنة يمحى ما بين ~~ذلك من السيئات وإن لم يكن ذلك في أوله وآخره يبقى جميع ذلك عليه # والذين قالوا بمحو المهمل من الكتاب إختلفوا فيه قال بعضهم إنما يمحى ذلك ~~في الأثانين والأخمسة وهو الذي وقع عند الناس أنه تعرض الأعمال في هذين ~~اليومين أي يمحى من الديوان فيهما ما هو مهمل ليس فيه جزاء وأكثرهم على أنه ~~إنما يمحى ذلك يوم PageV01P110 القيامة والأصل حديث عائشة رضي الله عنها ~~وقد ذكره محمد رحمه الله في الكتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الدواوين عند الله ثلاثة ديوان لا يعبأ به شيئا وهو ما ليس فيه جزاء خير أو ~~شر وديوان مظالم العباد فلا بد فيه من الإنصاف والانتصاف والديوان الثالث ~~ما فيه جزاء من خير أو شر وهذا حديث صحيح ms51 مقبول عند أهل السنة والجماعة ~~رحمهم الله # لكن اختلفوا في الديوان الذي لا يعبأ به شيئا قيل هو المهمل الذي قلنا ~~إنه ليس فيه جزاء خير ولا شر وقيل ما هو بين العبد وبين ربه فما ليس فيه حق ~~العباد فإن الله تعالى عفو كريم قال الله تعالى @QB@ ما يفعل الله بعذابكم ~~@QE@ الآية وقيل بل هو الصغائر فإنها مغفور لمن اجتنب الكبائر قال الله ~~تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم @QE@ الآية ~~فهو الديوان الذي لا يعبأ به شيئا وقيل المراد أعمال الكفار ما هو في صورة ~~طاعة فإنه لا يعبأ به شيء إذا لم يؤمنوا أي لا ينفعهم ذلك لأن الشرك غير ~~مغفور له قال الله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به @QE@ ولا قيمة ~~لأعمالهم مع الشرك قال الله تعالى @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا @QE@ الآية ~~والأظهر PageV01P111 هو القول الأول الذي لا يعبأ به # والقسم الثالث الذي بينا أنه مباح ليس للمرء ولا عليه فهذا الذي لا يعبأ ~~به شئيا فإنه قد فسر ذلك بقوله وهو ما ليس فيه جزاء خير ولا شر وذكر في ~~الكتاب عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت @QE@ أن المراد محو بعض الأسماء من ديوان الأشقياء والإثبات في ديوان ~~السعداء ومحو بعض الأسماء من ديوان السعداء والأثبات في ديوان الأشقياء ~~وأهل التفسير رحمهم الله إنما يروون هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه كان ~~يقول في دعائه اللهم إن كنت قد كتبت أسماءنا في ديوان الأشقياء فامحها من ~~ديوان الأشقياء وأثبتها في ديوان السعداء فإنك قلت في كتابك وقولك الحق ~~@QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ الآية فأما ابن عباس رضي الله عنهما ~~فالرواية الظاهرة عنه أن المحو والإثبات في كل شئ لا في السعادة والشقاوة ~~والحياة والموت ومن الفقهاء رحمهم الله من أخذ بالرواية الأولى فقالوا إنا ~~نرى الكافر يسلم والمسلم يرتد والصحيح يمرض والمريض يبرأ فكذا نقول يجوز أن ~~يشقى السعيد ويسعد ms52 الشقي من غير أن يتغير علم الله في كل أحد و @QB@ لله ~~الأمر من قبل ومن بعد @QE@ @QB@ ويفعل الله ما يشاء @QE@ @QB@ يحكم ما يريد ~~@QE@ وعلى ذلك حملوا قوله تعالى @QB@ فمنهم شقي وسعيد @QE@ وأكثرهم على أن ~~الصحيح الرواية الثانية عن ابن عباس رضي الله عنهما فإنه أقرب إلى موافقة ~~الحديث المشهور السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه وتأويل ~~قوله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ يمحو ما لا يعبأ به من ديوان ~~العبد مما ليس PageV01P112 فيه جزاء خير ولا شر وإثبات ما فيه الجزاء على ~~ما بينا في حديث عائشة رضي الله عنها الدواوين عند الله ثلاثة ولأجله أورد ~~محمد رحمه الله هذا الحديث على إثر ذلك الحديث وقيل المراد محو المعرفة من ~~قلب البعض وإثباتها في قلب البعض فيكون هذا نظير قوله تعالى @QB@ يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء @QE@ أو المراد المحو والإثبات في المقسوم لكل عبد من ~~الرزق والسلامة والبلاء والمرض وما أشبه ذلك # ثم روى حديث الصديق رضي الله عنه حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان وقد روينا الحديث بتمامه ~~زاد في آخر الحديث فأما المؤمن فشكره إذا وضع الطعام بين يديه أن يقول بسم ~~الله وإذا فرغ يقول الحمد لله وهذه الزيادة لم يذكرها أهل الحديث في كتبهم ~~ومحمد رحمه الله موثوق به فيما يروي ويحتمل أن يكون هذا كلام محمد رحمه ~~الله ذكره بعد رواية الحديث وقد روي في معنى هذا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إذا وضع الطعام بين يدي المؤمن فقال بسم الله وإذا فرغ ~~قال الحمد لله تحاتت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر كما تحات ورق الشجر وقال ~~صلى الله عليه وسلم الحمد لله عن كل نعمة وقال صلى الله عليه وسلم لو جعلت ~~الدنيا كلها لقمة فابتلعها مؤمن فقال الحمد لله كان ما أوتي به خيرا مما ~~أوتي وهو ms53 كذلك فإن الله تعالى وصف الدنيا بالقلة والحقارة قال PageV01P113 ~~الله تعالى @QB@ قل متاع الدنيا قليل @QE@ وذكر الله أعلى وأطيب في قوله ~~الحمد لله ذكر الله تعالى بطريق التعظيم والشكر فيكون خيرا من جميع الدنيا # ثم قال ويكره للرجال لبس الحرير في غير حالة الحرب وهذه المسألة ليست من ~~مسائل هذا الكتاب فإنه صنف هذا الكتاب في الزهد على ما حكي أنه لما فرغ من ~~تصنيف الكتب قيل له ألا تصنف في الورع والزهد شيئا فقال صنفت كتاب البيوع ~~ثم أخذ في تصنيف هذا الكتاب فاعترض له داء فجف دماغه ولم يتم مراده فيحكى ~~له أنه قيل له فهرس لنا ما كنت تريد أن تصنفه ففهرس لهم ألف باب كان يريد ~~أن يصنف في الزهد والورع ولهذا قال بعض المتأخرين رحمهم الله موت محمد رحمه ~~الله واشتغال أبي يوسف رحمه الله بالقضاء رحمة على أصحاب أبي حنيفة رحمه ~~الله فإنه لولا ذلك لصنفوا ما أتعب المقتبسين وهذا الكتاب أول ما صنف في ~~الزهد والورع فذكر في آخره بعض المسائل التي تليق بذلك من مسألة لبس الحرير ~~والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم والذهب بيمينه ~~والحرير بشماله وقال هذان حرامان على ذكور أمتي حل PageV01P114 لأثها ولبس ~~الحرير في غير حالة الحرب مكروه وفي حالة الحرب كذلك في قول أبي حنيفة رحمه ~~الله وفي قولهما إذا كان ثخينا يدفع بمثله السلاح فلا بأس بلبسه في حالة ~~الحرب وما يكون سداه غير حرير أو لحمته غير حرير فلا بأس بلبسه في غير حالة ~~الحرب نحو القتال وما أشبه ذلك وقد تقدم بيان هذه الفصول في الكتب # قال ولا بأس بأن يتخذ الرجل في بيته سريرا من ذهب وفضة وعليه الفرش من ~~الديباج يتجمل بذلك للناس من غير أن يقعد أو ينام عليه فإن ذلك منقول عن ~~السلف من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين روي أن الحسن والحسين ~~رضي الله عنهما من تزوج بينهما بشاه باتو على ms54 حسب ما اختلف فيه الرواة زينت ~~بيته بالفرش من الديباج والأواني المتخذة من الذهب والفضة فدخل عليه بعض من ~~بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم فقال ما هذا في ~~بيتك يابن رسول الله فقال هذه إمرأة تزوجتها فأتت بمثل هذه الأشياء ولم ~~أستحسن منعها من ذلك وعن محمد بن الحنفية رحمه الله أنه زين داره بمثل هذا ~~فعاتبه في ذلك بعض الصحابة رضي الله عنهم فقال إنما أتجمل للناس بهذا ولست ~~أستعمله وإنما أفعل PageV01P115 ذلك لكيلا يشتغل قلب أحد بي ولا ينظر إلي ~~بغير جميل فعرفنا أنه بهذا إذا اتخذه المرء على هذا القصد لم يكن به بأس ~~وإن كان الاكتفاء بما دونه أفضل ويدخل هذا في معنى قوله تعالى @QB@ قل من ~~حرم زينة @QE@ الآية والذي قال لا يقعد عليه ولا ينام قول محمد رحمه الله ~~أيضا فأما على قول أبي حنيفة رحمه الله فلا بأس بالجلوس والنوم عليه وإنما ~~المكروه اللبس والملبوس يصير تبعا للابس فأما ما يجلس وينام عليه فلا يصير ~~تبعا له فلا بأس به # قال ولا بأس بأن ينقش المسجد بالجص والساج وماء الذهب قال رضي الله عنه ~~وكان شيخنا الإمام رحمه الله يقول تحت اللفظ إشارة إلى أنه لا يثاب على ذلك ~~فإنه قال لا بأس وهذا اللفظ لدفع الحرج لا لإيجاب الثواب معناه يكفيه أن ~~ينجو من هذا رأسا برأس وهو المذهب عند الفقهاء رحمهم الله وأصحاب الظواهر ~~يكرهون ذلك ويؤثمون من فعله قالوا لأن فيه مخالفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيما اختار من الطريقة فإنه لما قيل له ألا نهدم مسجدك ثم نبنيه فقال ~~لا عرش كعرش موسى أو قال عريش كعريش موسى وكان سقف مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من جريد وكان يكف إذا مطروا حتى كانوا يسجدون في الماء والطين ~~وعن PageV01P116 علي رضي الله عنه أنه مر بمسجد مزين مزخرف فجعل يقول لمن ~~هذه البيعة وإنما قال ذلك لكراهيته هذا الصنيع ms55 في المساجد ولما بعث الوليد ~~بن عبدالملك أربعين ألف دينار ليزين بها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمر بها على عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى فقال المساكين أحوج إلى هذا ~~المال من الأساطين والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال من أشراط الساعة أن تزخرف المساجد وتعلى المنارات وقلوبهم خاوية من ~~الإيمان # ولكنا نقول لا بأس بذلك لما فيه من تكثير الجماعة وتحريض الناس على ~~الاعتكاف في المسجد والجلوس فيه لانتظار الصلاة وفي كل ذلك قربة وطاعة ~~والأعمال بالنيات ثم الدليل على أنه لا بأس بذلك ما روي أن أول من بنى مسجد ~~بيت المقدس داود عليه السلام ثم أتمه سليمان عليه السلام بعده وزينه حتى ~~نصب على القبة الكبريت الأحمر وكان أعز وأنفس شيء وجد في ذلك الوقت فكان ~~يضئ من ميل وكن الغزالات يغزلن بضوئها بالليالي من مسافة ميل والعباس بن ~~عبد المطلب رضى الله عنه أول من زين المسجد الحرام بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعمر بن الخطاب زين مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P117 وزاد فيه وكذلك عثمان رضي الله عنه بعده بنى المسجد بماله وزاد ~~فيه وبالغ في تزيينه فدل أن ذلك لا بأس به وإن تأويل ما روي بخلاف هذا ما ~~أشار إليه في آخر الحديث وقلوبهم خاوية من الإيمان أي يزينون المساجد ولا ~~يداومون على إقامة الصلاة فيها بالجماعة أو المراد التزيين بما ليس بطيب من ~~الأموال أو على قصد الرياء والسمعة فعلى ذلك يحمل ليكون جمعا بين الآثار ~~وهذ كله إذا فعل المرء هذا بمال نفسه مما اكتسبه من حلة فأما إذا فعله بمال ~~المسجد فهو آثم في ذلك وإنما يفعل بمال المسجد ما يكون فيه إحكام البناء ~~فأما التزين فليس من إحكام البناء في شيء حتى قال مشايخنا رحمهم الله ~~للمتولي أن يجصص الحائط بمال المسجد وليس له أن ينقش الجص بمال المسجد ولو ~~فعله كان ضامنا لأن في ms56 التجصيص إحكام البناء وفي النقش بعد التجصيص توهين ~~البناء لا إحكامه فيضمن المتولي ما ينفق على ذلك من مال المسجد # قال ألا ترى الرجل قد يبني لنفسه دارا وينقش سقفها بماء الذهب فالا يكون ~~آثما في ذلك يريد به أنه فيما ينفق على داره للتزيين يقصد به منفعة نفسه ~~خاصة وفيما ينفق على المسجد للتزيين منفعته ومنفعة غيره فإذا جاز له أن ~~يصرف ماله إلى منفعة نفسه بهذا الطريق فلإن يجوز صرفه إلى منفعته ومنفعة ~~غيره كان أولى وقد أمرنا في المساجد بالتعظيم ولا شك أن معنى التعظيم يزداد ~~بالتزيين في قلوب بعض الناس من العوام فيمكن أن يقال بهذا الطريق يؤجر على ~~ما فعله وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يثاب المؤمن على إنفاق ~~ماله في كل شئ إلا في البنيان زاد في بعض الروايات ما خلا المساجد فإن ثبتت ~~هذه الزيادة فهو دليل PageV01P118 على أنه يثاب فيما ينفق في بناء المساجد ~~وتزيينها # وعلى هذا أمر اللباس فلا بأس للرجل أن يتجمل بلبس أحسن الثياب وأجودها ~~فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة فنك عملها من الحرير فكان ~~يلبسها في الأعياد والوفود إلا أن الأولى أن يكتفي بما دون ذلك في المعتاد ~~من لبسه على ما روي أن ثوب مهنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كأنه ثوب ~~دهان # وكذلك لا بأس بأن يتسرى بجارية حسنة فإنه صلى الله عليه وسلم مع كل ما ~~كان عنده من الحرائر تسرى حتى استولد مارية أم إبراهيم رضي الله عنهما وعلي ~~رضي الله عنه مع كل ما كان عنده من الحرائر كان يتسرى حتى استولد أم محمد ~~بن الحنيفية رضي الله عنه فعرفنا أنه لا بأس بذلك والأصل في هذا قوله تعالى ~~@QB@ قل من حرم زينة الله @QE@ الآية # وقال لو أن الناس قنعوا بما دون ذلك وعمدوا إلى الفضول فقدموها لآخرتهم ~~كان خيرا لهم والأصل فيه حديث أبي ذر رضي الله عنه فإنه كان يتشبث بأستار ms57 ~~الكعبة في أيام الموسم وينادي بأعلى صوته ألا من قد عرفني فقد عرفني ومن لم ~~يعرفني فأما أبو ذر جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ~~أحدكم إذا أراد سفرا استعد لسفره فما لكم لا تستعدون لسفر الآخرة وأنتم ~~تستيقنون أنه لابد لكم منه ألا ومن PageV01P119 أراد سفرا في الدنيا فإن ~~بدا له أن يرجع يمكنه وإذا طلب القرض وجد وإن استوهب ربما يوهب له ولا يوجد ~~شئ من ذلك في سفر الآخرة # وسئل يحيى بن معاذ رضي الله عنه ما لنا نتيقن بالموت ولا نحبه فقال إنكم ~~أحببتم الدنيا فكرهتم أن تجعلوها خلفكم ولو قدمتم محبوبكم لأحببتم اللحوق ~~به فعرفنا أن الأفضل أن يكتفى من الدنيا بما لا بد له منه ويقدم لآخرته ما ~~هو زيادة على ذلك مما إكتسبه ولكنه لو إستمتع بشيء من ذلك في الدنيا بعدما ~~إكتسبه من حلة لم يكن به بأس # والقول بتأثيم من ينفق على نفسه وعياله مما اكتسبه من حلة وأدى حق الله ~~تعالى منه غير سديد إلا أن أفضل الطرق طرق المرسلين عليهم السلام وقد بينا ~~أنهم اكتفوا من الدنيا بما لابد لهم منه خصوصا نبينا صلى الله عليه وسلم ~~فإنه لما عرض له مفاتيح خزائن الأرض ردها وقال أكون عبدا نبيا أجوع يوما ~~وأشبع يوما فإذا جعت صبرت وإذا شبعت شكرت ولكنه مع هذا في بعض الأوقات قد ~~كان يتناول بعض الطيبات حتى روي أنه قال يوما ليت لنا خبز بر قد لبق بسمن ~~وعسل فنأكله فصنع PageV01P120 ذلك عثمان رضي الله عنه وجاء به في قصعة فقيل ~~إنه لم يتناول من ذلك والأصح أنه تناول بعضه ثم أمر بالتصدق بما بقي منه ~~وقد أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم جدي سمين مشوي فأكل منه مع أصحابه ~~رضي الله عنهم وقد تناول ما أتي به من الشاة المسمومة حين قدم بين يديه ~~الحمل المشوي قال لبعضهم ناولني الذراع فبهذه الآثار تبين أنه كان يتناول ~~في بعض ms58 الأوقات لبيان أن ذلك لا بأس به وكان يكتفي بما دون ذلك في عامة ~~الأوقات لبيان أن ذلك أفضل على ما روي أن عائشة رضي الله عنها كانت تبكي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول يامن لم يلبس الحرير ولم يشبع من خبز ~~الشعير فصار الحاصل أن الاقتصار على أدنى ما يكفيه عزيمة وما زاد على ذلك ~~من التنعم والنيل من اللذات رخصة وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يحب أن ~~يؤتى برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه وقال صلى الله عليه وسلم بعثت ~~بالحنيفية السمحة ولم أبعث بالرهبانية الصعبة فعرفنا أنه إن ترخص بالإصابة ~~من التنعم فليس لأحد أن يؤثمه في ذلك وإن ذم نفسه وكسر شهوته فذلك أفضل له ~~ويكون من الذين يدخلون الجنة بغير حساب على ما روي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال إن الله وعدني أن يدخل سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب ~~فقيل من هم يا رسول الله قال هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون ~~وعلى ربهم يتوكلون PageV01P121 وفي رواية ثم زاد لي معهم سبعين ألف وفي ~~رواية ثم أضعف لي مع الفريق الأول والآخر سبعين ألفا وفي الحديث المعروف أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ~~أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وإلى ~~أي محل صرفه فإذا صرف المال إلى ما فيه ابتغاء مرضاة الله تعالى كان الحساب ~~في السؤال أهون عليه منه إذا صرفه إلى شهوات بدنه # قال والذي على المرء أن يتمسك به من الخصال التي يحمد على ذلك أشياء منها ~~التحرز عن إرتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ومنها المحافظة على أداء ~~الفرائض والمداومة على ذلك في أوقاتها ومنها التحرز PageV01P122 عن السحت ~~وإكتساب المال في غير حلة ومنها التحرز عن ظلم كل أحد من مسلم أو معاهد ~~فأما فيما وراء ذلك فقد وسع الله تعالى ms59 الأمر علينا فلا نضيقه على أنفسنا ~~ولا على أحد من المؤمنين # قال محمد بن سماعة رحمه الله قال محمد رحمه الله وهذا الذي ثبت في هذا ~~الكتاب قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومن بعدهم ~~من الفقهاء رحمهم الله وبذلك كله نأخذ والله أعلم بالصواب والحمد لله وحده ~~وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وحسبنا الله ونعم الوكيل # تم كتاب الكسب لمحمد بن حسن الشيباني PageV01P123 ms60