######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001884 #META# 000.BookURI :: #0200.SayfIbnCumarDabbi.Fitna #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: سيف بن عمر الضبي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 200 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفتنة ووقعة الجمل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث السنية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001884 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1884_الفتنة-ووقعة-الجمل-سيف-بن-عمر-الضبي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أحمد راتب عرموش #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1391 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # الفتنة ووقعة الجمل PageV00P001 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV00P002 # الفتنة ووقعة الجمل رواية سيف بن عمر الضبي الأسدي المتوفى سنة جمع ~~وتصنيف أحمد راتب عرموش دار النفائس PageV00P003 # جميع الحقوق محفوظة دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع شارع فردان - ~~بناية صفي الدين ص. ب 6347 / 11 أو 5152 / 14 برقيا: دانفايسكوت - ت 810194 ~~أو 861367 بيروت - لبنان الطبعة الأولى: 1391 ه‍ 1972 م الطبعة السابعة: ~~1413 ه‍ 1993 PageV00P004 # مقدمة ليس هذا كتابا جديدا، يضاف إلى الكتب الكثيرة التي تناولت موضوع ~~مقتل ثالث الخلفاء الراشدين (عثمان بن عفان) رضي الله عنه، وما تلاه من ~~أحداث جسام. إنما هو كتاب قديم اعتمده الطبري وأضرابه لتأريخ حوادث صدر ~~الإسلام، شاءت الظروف أن تفقد مخطوطاته، ولا يتوفر أصله، فرأيت أن أجمعه من ~~كتب التاريخ المختلفة، ليكون في متناول جميع المتهمين بموضوعه. # ونظرا لأهمية البحث، لا بد من مقدمة جهدت أن أجمل فيها الآراء التي تبين ~~لي صوابها من تخلف الدراسات والكتب التي تمكنت من الاطلاع عليها. # و سيظهر جليا من خلاف هذا الكتاب أن دفاع الصاحبة عن الشرعية واستعدادهم ~~للموت في سبيل ما يؤمنون به ويعتقدون صوابه، هو السبب الرئيسي الذي جعلهم ~~يجودون بأرواحهم في قتالهم فيها بينهم تماما كما جادوا بها في قتالهم ~~لأعدائهم. وهكذا فقد كانت النتائج باهرة عند ما كانت قواهم موجه ضد ~~الأعداء، ومحزنة عند ما استشرت الخلافات بينهم ووجهت قواهم إلى قتال بعضهم ~~بعضا. # وليس عجيبا أن يكون تاريخ، المسلمين كغيرهم من الأمم ذوات الحضارة و ~~الأمجاد مليئا بالصفحات المشرقات. ومن الطبيعي أيضا، أن لا يخلو ذلك ~~PageV00P005 # التاريخ من صفحات أخرى تعلوها الظلال. وربما كان حادث مقتل (عثمان) الذي ~~اصطلح على تسميته ب‍ " الفتنة " و " وقعة الجمل " أقتم تلك الصفحات. # لم لا؟ ومما لا خلاف فيه، أن هذا الحدث المروع كان نقطة تحول في تاريخ ~~المسلمين، بل كان بداية الانهيار، لم تظهر آثاره مباشرة بحكم الاستمرار ~~بتلك الدفعة القوية التي ولدها عهد صدر الإسلام السابق لذلك التاريخ. # بدأ الخلاف سياسيا وانتهى مذهبيا عقائديا، ms001 فانقسمت الأمة، وما زالت، إلى ~~مذاهب شتى بأسها بينها شديد، تتبادل الطعون حتى التكفير ولا تتورع عن ~~الاقتتال حتى الموت. # و مما يزيد تعقيد تلك القضية، أن جميع الناس، بمن فيهم المؤرخين ~~والعلماء، لم يستطيعوا أن يجزموا بحقائق ما حصل وأسباب ما حدث. فالروايات ~~كثيرة و كلها متضاربة، والرواة ليسوا بالمستوى المطلوب إذا ما وضعوا على ~~مشرحة أهل (الجرح والتعديل)، لنأخذ رواياتهم كما نأخذ الحديث الصحيح. # لقد كانت الفتنة فرصة أحسن استغلالها أعداء الإسلام ليشنعوا على الإسلام ~~و ينالوا من رواده الذين حملوا لواءه، ومسؤولية نشره مضحين بأرواحهم قبل ~~أموالهم. كذلك وجد فيها " المذهبيون المتعصبون " معينا لا ينضب لاختلاق ~~الروايات والأقاويل للنيل من صحابي على حساب آخر. # و كثيرا ما كنت أتساءل وأنا أبحث تفاصيل تلك الروايات المختلفة: أصحيح أن ~~الصحابة كانوا على تلك الدرجة من السوء التي تصورها بعض تلك الروايات؟ # وإذا صح ذلك، فكيف استطاعوا أن يبنوا ذلك التاريخ الذي شهد بمجده جميع ~~المنصفين من مختلف الأمم والأجناس؟ # هنا لا بد لي من التنويه برأي المرحوم الدكتور " يوسف العش " الذي لفت ~~نظري لأول مرة في محاضراته التي كان يلقيها في جامعة دمشق، إلى أن معظم ~~PageV00P006 # الروايات حول هذه النقطة بالذات يجب أن تؤخذ بكثير من الحذر والتمحيص. # وكان مما قاله في هذا الموضوع: # " إنا نجد معظم أخبار الفتنة ترد عن طريق (الواقدي) وترد بعض الأخبار عن ~~طريق (محمد بن إسحاق). والواقدي تعرض له (أهل الجرح والتعديل، فقال زكريا ~~بن يحيى الساجي في المجلد التاسع (ص 363) من تهذيب التهذيب: " الواقدي متهم ~~"، وقال البخاري: " الواقدي متروك الحديث "، وقال معمر: " وليس بثقة "، ~~وقال النسائي: " في الضعفاء الكذابين المعروفين بالكذب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أربعة، وذكر الواقدي في أولهم. # وقال ابن راهويه: " هو عندي ممن يضع ". وقال الشافعي: " كان بالمدينة ~~سبعة رجال يضعون الأسانيد أحدهم الواقدي "... والتاريخ يجب أن لا يؤخذ عن ~~كذاب " - أضيف: # و من يكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أن يكذب ms002 عن ~~غيره، طالما أن عقاب جريمة الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد ~~في الحديث الشريف: # " من كتاب علي فليتبوأ مقعده من النار ". # " أما محمد بن إسحاق، فالمحدثون لا يتهمونه بالكذب، إنما يتهمونه ~~بالتدليس و الارسال، فهو يسقط من بعض الأخبار رجالا متهمين بالكذب والوضع، ~~فالأخبار التي أوردها عن الفتنة يجب أن لا يؤخذ بها إلا إذا كانت تامة ~~السند، و هي غير تامة. وورد في الفتنة خبر عن ابن سميع أجمع المحدثون على ~~أنه منكر. # و هكذا تستبعد الأخبار التي وردت عن هذه الطريق، وتبقى لدينا رواية شبه ~~PageV00P007 # كاملة للفتنة وردت في الطبري عن شعيب، عن سيف، عن أربعة مؤرخين هم: # محمد، وطلحة، وأبي حارثة، وأبي عثمان ". # أقول: ومما يحتم الأخذ برواية سيف بن عمر أن في متنها ما يرجحها، فهي ~~الرواية التي يقبلها العقل والمنطق السليم. ولو كان الصحابة كما يصورهم ~~أولئك المؤرخون، ولو كانت دوافعهم كما يحلو للبعض أن يتخيلوا، إذن لما كان ~~العرب و لما كان الاسلام، ولما كانت حضارة ودولة وعقيدة. كيف تصدر تصرفات ~~شاذة - كالتي يصورها بعض أولئك المؤرخين - من رجال رضي الله عنهم و رضوا ~~عنه: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه). إن الأعمال الكبيرة لا ينجزها إلا رجال كبار. # لقد كتب تاريخ الفتنة في أوقات صعب على المؤرخين فيها الحياد. فالخوف ~~والتعصب وحداثة البحث العلمي، كل ذلك سهل الكذب عن الأموات. # للفتنة أسباب كثيرة، نشأت عن عوامل متعددة، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة ~~أقسام: # أ - أسباب أخذها الناس على عثمان وطريقة حكمه. # ب - أسباب فرضتها ظروف الدولة وطبيعة التحول الاجتماعي في ذلك العصر. # ج - نشاط الفئات السرية المعادية. PageV00P008 # و قبل سرد الأمور التي أخذها الثائرون على عثمان لا بد لنا من الإشارة ~~إلى أن العرب بطبيعتهم أكثر من غيرهم ميلا إلى التعلق بالأشخاص، لذلك هم ~~يطلبون من " القائد " أكثر من غيرهم، بل وربما أكثر مما يستطيع انسان، ~~بالإضافة إلى اندفاعهم. أحيانا كثيرة وراء ms003 عواطفهم بعيدا عن التعمق ~~بالدراسة و تحكيم العقل. والعواطف تعطي إذا أحسن استثمارها، ولكن ما أسهل ~~استغلالها أيضا... ومن سوء الحظ أن شاءت إرادة الله عز وجل أن يكون عثمان ~~خليفة لرجلين لم تعرف البشرية لهما مثيلا. وبعد أن اعتاد المسلمون على حكم ~~عمر و شخصية عمر ومن قبله أبي بكر... جاء عثمان. # كان جميع الصحابة يرهبون عمر ويخافونه، ومع ذلك فقد كان رضي الله عنه ~~يحمل نفسه أكثر مما يحتمل بشر. لما جاع الناس عام الرمادة (18 ه‍) أقسم ألا ~~يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى تنتهي المجاعة ويشبع الناس... والتزم بذلك ~~حتى انتهى القحط رغم تأثر صحته وانحرافها لدرجة أثارت إشفاق الناس عليه.. ~~وجد خادمه في سوق المدينة، بعد انفراج الغمة، عكة سمن وقدر لبن، فاشتراهما ~~وانطلق بهما إلى عمر، وقد رثي لحالته، وقال له: يا أمير المؤمنين قد أبر ~~الله يمينك وعظم أجرك. وقد ورد المدينة عكة سمن وقدر لبن اشتريتهما ~~بأربعين. فما ذا كان جواب عمر؟ قال عمر: أغليت بهما، فتصدق بهما، فاني أكره ~~أن آكل إسرافا. وقال عمر: " كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم ~~". # تغير الخليفة ولم يتغير الشعب. فتصرفات عثمان لم تكن كذلك، في حين أن ~~شخصيته لم تكن في مستوى شخصية عمر من ناحية القوة والرهبة. عمر يقسم أن لا ~~يطعم السمن ما دام الناس جياعا وعثمان ينخل الدقيق... يضاف إلى ذلك ~~PageV00P009 # أنه طعن في السن. ومن سنن الحياة أن يضعف المرء مع تقدم سنه، ويكثر حدبه ~~على أهله وأقاربه. فتجمعت الأسباب... وكان أهم ما أخذ الناقمون عليه ما ~~يلي: # أ - الأسباب التي أخذها الناس على عثمان وطريقة حكمه: # 1 - أنه جمع الناس على مصحف واحد. وقد أجاب رضي الله عنه عن ذلك: القرآن ~~من عند الله، إنما نهيتكم عن الاختلاف فيه. والحقيقة أن ذلك حسنة من ~~حسناته، فقد روى الأئمة بأجمعهم أن ريد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر رضي ~~الله عنه بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا ms004 عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن ~~عمر أتانا فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، واني أخشى أن ~~يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تجمع ~~القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قال عمر: # هذا والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك ~~الذي رأى عمر ". وقد تم جمع القرآن في زمن أبي بكر وبقيت الصحف عنده حتى ~~توفاه الله، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة رضي الله عنها. ولما قدم حذيفة ~~ابن اليمان على عثمان من مناطق القتال في العراق والشام قال لعثمان: يا ~~أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود ~~والنصارى. # فأرسل عثمان إلى حفصة كي ترسل له الصحف حيث ثم نسخها بواسطة عدد من ~~الصحابة: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن ~~ابن الحارث. فنسخوها في نسخ أرسل عثمان إلى كل قطر بنسخة منها، ورد الصحف ~~إلى حفصة، وأمر بإتلاف ما عدا ذلك من الكتابات المتفرقة عند الاشخاص. ~~PageV00P010 # 2 - أنه حمى الحمى (أي حجز أرضا ومنع الناس من الرعي فيها. وكان جوابه ~~على ذلك أنه حمى تلك لإبل الصدقة وفعل ذلك قبله عمر، ولما زادت إبل الصدقة ~~زاد في الحمى. # 3 - أنه أعطى مروان مئة الف، وفي رواية لم تصح أعطاه خمس إفريقيا. # والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده في فتح ~~إفريقيا. ولما سخط الناس لذلك واعترضوا بواسطة وفد أرسلوه له أمره برد ذلك، ~~فرده. # 4 - أنه ضرب عمار بن ياسر حتى فتق أمعاءه وكذلك ضرب ابن مسعود حتى كسر ~~أضلاعه، ومنعه العطاء. والذي يبدو أن في الأمر مبالغة. ولكن مما لا شك في ~~أنهما تعرضا للتعزير لأسباب ترد مختلفة في كتب التاريخ، وفرض العقوبة حق من ~~حقوق الخليفة. # 5 - أنه نفى أبا ذر إلى الربذة، وذلك أن ms005 أبا ذر كان زاهدا وكان يهاجم ~~عمال عثمان بقسوة ويتلو عليهم (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). والحقيقة أنه لم يثبت أكان النفي غصبا، أم ~~أن أبا ذر اختار النفي ليعيش عيشة التشقف حسب مبدئه. # 6 - رد الحكم بعد أن نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتخذ من ابنه ~~مروان PageV00P011 # مستشارا، واستعمل أقرباءه، وذلك ما كان يخشاه عمر رضي الله عنه فحذره إن ~~ولي الأمر من تحكيم أقربائه في رقاب الناس. # 7 - أنه قدم الخطبة في العيد على الصلاة،. وسمح للناس بإخراج زكاتهم ~~بأنفسهم، وأتم الصلاة في السفر. وكل ذلك اجتهاد يخطئ المرء فيه ويصيب ولا ~~يؤدي إلى فتنة. # 8 - أنه وقف على المنبر في الخطبة على الدرجة التي كان يقف عليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وكان أبو بكر قد انحط عنها درجة وكذلك عمر. ~~والحقيقة أنه لو كان على كل خليفة أن ينزل درجة لكان على الخليفة السابع أو ~~الثامن عشر مثلا أن يخاطب الناس من بئر. # 9 - أنه لم يحضر بدرا، وانهزم يوم أحد، وغاب عنه بيعة الرضوان، وقد بين ~~ذلك ابن عمر فقال: " أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. ~~(وكان معظم الصحابة قد انفضوا عن الرسول في ذلك اليوم ولم يثبت معه سوى عدد ~~يسير). وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~و كانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان لك أجر رجل ممن شهد ~~بدرا و سهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من ~~عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، وكانت بيعة ~~الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~بيده اليمنى هذه يد عثمان، فضرب بها على يده فقال: هذه العثمان ". # 10 - أنه امتنع عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان. وكان ms006 ~~PageV00P012 # عبيد الله قدر أي الخنجر الذي قتل به والده قبل الحادثة المفجعة مع ~~الهرمزان و هو في وضع مريب مع القاتل (أبي لؤلؤة). فأدرك أنفي الأمر مؤامرة ~~و أن للهرمزان يدا في القتل، فعمد في ثوره غضبه إلى الهرمزان فقتله. وقد ~~اختلف الصحابة في الوضع الشرعي لهذه الحادثة وما يجب على عثمان فعله: # أيقتل عبيد الله بالهرمزان أم يتركه؟. ويبدو أن عثمان وجد في ذلك شبهه. # و بما أنه ليس للهرمزان ولي، وعثمان وليه، كإمام، فقد عفا عن عبيد الله ~~ودفع دية الهرمزان من حبيبة الخاص وأيده في ذلك معظم الصحابة. وربما كان ~~ذلك أسلم وأصح المساك. وهنا لا بد من وقفة إكبار لأولئك الصحابة وعلى رأسهم ~~علي بن أبي طالب، الذين رأوا أن يقتل ابن خليفتهم، العزيز عليهم، والذي قتل ~~بالأمس غيلة، بذمي على غير دينهم، هو الهرمزان. # 11 - أنه اتبع طريقة جديدة في معاقبة الناس فنفى أشخاصا من الكوفة ~~والبصرة إلى الشام، فأخذ أولئك أينما حلوا يؤلبون الناس عليه. # 12 - أنه عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة، وهو الذي نصحة عمر بتوليته ذلك ~~القطر، وولى مكانه أحد أقربائه هو (الوليد بن عقبة). كذلك عزل عمرو بن ~~العاص عن مصر، وولى مكانه (عبد الله بن كريز). وتهاون مع عماله حتى أن عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح ضرب رجلا من الذين شكوه إلى عثمان حتى قتله. # 13 - أنه أضاع خانم النبي صلى الله عليه وسلم في بئر (اريس)، وتفصيل ذلك ~~أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد اتخذ خاتما نقش عليه اسمه، وكان ~~يختم به رسائله الرسمية إلى القواد والأمراء والملوك، ولما توفي صلى الله ~~عليه وسلم انتقل الخاتم إلى أبي بكر ثم إلى عمر PageV00P013 # ثم إلى عثمان، وكانوا يستعملون للأغراض نفسها ويتفاءلون به. وصادف أن سقط ~~من يد عثمان (سند 30 ه‍) في بئر أريس وقد حاول المسلمون عبثا إيجاده مما ~~أغاظ عثمان وأدى إلى تشاؤم المسلمين وحنق بعضهم على عثمان، واعتبارهم إياه ~~متهاونا ms007 في حفظ خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # هذه الأمور كلها يمكن أن نقول ان عثمان رضي الله عنه سببها، أو أن الناس ~~أخذوها عليه، بعض النظر عن وجهة نظر المؤيد بن لعثمان أو المعارضين له. لكن ~~تلك الأسباب مجتمعة إنما تشكل جزءا بسيطا من مجموع الأسباب ولم تكن لتؤدي ~~إلى الفتنة لولا الأسباب الأخرى التي اجتمعت فأدت إلى ما أدت إليه. # ب - الأسباب التي فرضتها ظروف الدولة وطبيعة التحول الاجتماعي في ذلك ~~العصر: # 1 - كان العرب قبل الاسلام قبائل متفرقة، يدير كل قبيلة رئيس وفق تقاليد ~~عشائرية موروثة، مواردهم محدودة، مصدرها ما تدره الماشية، وما يسلبه بعضهم ~~من بعض، في غزواتهم وعدوانهم فيما بينهم، يستثنى من ذلك قريش وبعض القبائل ~~التي أقامت فيما يشبه المدن، فقد كانت تتعاطى التجارة والزراعة، لكن لم تكن ~~هناك دولة بمعنى الدولة أو نظام وإدارة. فلما جاء الاسلام انتقل العرب من ~~حال إلى حال. جاء بعقيدة ونظام تناول جميع أمور الحياة، من الولادة إلى ما ~~بعد الممات. فقد كان العرب أشبه بمادة خام تنتظر لها صانعا، وكان الاسلام ~~الصانع المنتظر الذي صنع فأحسن الصنع. وحد العرب في أراضيهم الرحبة وامتد ~~إلى خارجها يرفع راياته خفاقة في الآفاق. # وهكذا ولدت في تلك البلاد دولة جديدة، ولكن دولة مستلزمات. كان عمر - ~~وقبله أبو بكر - كلما واجه أحدهما وضعا جديدا اجتهد فيه وأحسن PageV00P014 # الاجتهاد. فتلك أمور من أعمال الدنيا وللناس أن ينظموها حسب الزمان و ~~المكان، ولا نجد بخصوصها نصوصا ثابتة في القرآن أو الحديث. # أما في زمان عثمان وجدت حالات أخرى، وكان على عثمان أن يواجهها، فاجتهد ~~رأيه، وأعطى حلولا، ولكن حلوله لم تكن دائما في المستوى المطلوب.. # وذلك لا ينقص من منزلة عثمان الصحابي والرائد من رواد الاسلام الأول، فهو ~~انسان وكل انسان خطأ. # 2 - اضطر عثمان إلى تجنيد الأعراب وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: # (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، ~~والله عليم حكيم). وقال ms008 أيضا: (قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم). هؤلاء هم الأعراب، لم يدخل الايمان ~~في قلوبهم، ذهبوا إلى القتال ومعظمهم يبغي عرض الحياة الدنيا. فشكلوا بعد ~~فترة طبقة خاصة يمكن تسميتها بلغة العصر ب‍ (الرعاع). # و عند ما يكون بيد الرعاع سلاح يسهل على المستغلين توجيههم في طريق ~~الفتنة. # و ما أسوأ السلاح بأيد تضعه في غير مكانه. # 3 - توقفت الفتوحات في أواخر عهد عثمان أمام حواجز طبيعة لم تتجاوزها من ~~بحار وجبال، ان كان ذلك في جهات فارس وشمالي بلاد الشام أم في إفريقيا. ~~وبتوقف الجيوش انقطعت الغنائم، وبقي الجنود بدون عمل. ولنتصور جيشا جاهلا ~~يمضي نصف يومه في الطعام والنوم وقضاء الحاجات، والنصف الثاني بالخوض في ~~سياسة الدولة والحديث عن تصرفات عثمان التي كانت تهولها عصابة سرية تعمل ~~لهدم الاسلام من داخله - كما سنبين - وكيف أن الأراضي التي قاموا ~~PageV00P015 # هم بفتحها والتي يعتبرونها حقا من حقوقهم تذهب إلى بيت المال ويوزعها ~~عثمان على من يريد. تجاه هذه الأوضاع وجدت الإدارة العليا نفسها عاجزة عن ~~استيعاب الوضع الطارىء، بل يمكننا القول أنها عجزت عن إدراكه وتقويمه. # 4 - رافق نشوء طبقة (الرعاع) بمن فيها من أعراب وعبيد محررين وموالي، ~~نشوء طبقة من الأغنياء أصحاب الملايين تركزت الثروات في أيديهم، وأصبح ~~المال دولة بينهم، وبدأ شئ من حياة الرفاه... ويبدو أن من طبيعة الحياة أن ~~يرافق الغني البطر وفساد الأخلاق، إلا ما ندر. ولم يكن على رأس الدولة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أو عمر، فتفاقم الأمر لدرجة أن ~~أولاد الأغنياء هؤلاء بدؤوا نوعا من حياة الفجور. وهنا ثارت ثائرة عثمان ~~الرجل التقي والخليفة الراشد، وكانت إجراءاته قاسية - كما يجب أن تكون - ~~فانضم أولئك المستهترون إلى صف الناقمين من الرعاع وغيرهم. # و لم يكن نشوء هذه (الطبقية) ليؤدي إلى النقمة التي ظهرت لو كان المجتمع ~~جاهليا، أما وأنه مجتمع اسلامي، والفرد فيه في بدء تحرر عقلي شخصي و ~~اجتماعي، فقد تأزم ms009 الموقف وأخذت فكرة المساواة طريقها إلى الوجود، كذلك من ~~طرف آخر، فقد استيقظ شئ من العصبية كان لا يزال غافيا في اللاشعور... # فلم يجد الناقمون غضاضة في حمل السلاح. # ج - نشاط الفئات السرية المعادية: # في كتب التاريخ وروايات مختلفة عن نشاط سري لأفراد وجماعات أظهروا ~~الاسلام وأخفوا دياناتهم القديمة، بغية العمل في صفوف المسلمين على تحطيم ~~الدولة الاسلامية وإفساد المجتمع الاسلامي، ببث العقائد الفاسدة ونشر ~~الفتنة، بدوافع دينية وعرقية، بعد ما عجزت تلك القوى عن مجابهة المسلمين في ~~العلن، كما عجزت شعوبها عن مواجهتهم في ميادين القتال. PageV00P016 # وعبد الله بن سبأ، الملقب بابن السوداء، وهو يهودي من صنعاء أظهر إسلامه ~~في زمن عثمان بن عفان، اشتهر أكثر من غيره لأنه أسلم متأخرا، وبدأ نشاطه ~~مباشرة في العراق والشام ومصر، وظهر مع الثوار يرسم خططا ويدلي بآراء هدامة ~~ذكرها معظم المؤرخين في كتبهم. # و قد اختلف البحاثة والمؤرخون، الأقدمون منهم والمعاصرون، في دوره وأثره ~~اختلافا كبيرا، فمنهم من جعله المحرك الرئيسي للفتنة وصوره رجلا رهيبا على ~~درجة كبيرة من الحنكة والذكاء و منهم من شك أو أنكر حتى وجوده. # في نظرنا لا يهم من هو عبد الله بن سبأ ومتى أسلم، وأين وكيف بدأ نشاطه. # المهم أنه وجد شخص، بل عدة أشخاص، لاتهمنا أسماؤهم بمقدار ما يهمنا الدور ~~الذي لعبوه، كانوا يعملون ضمن مخطط واحد مدروس، لتهديم الدولة الإسلامية من ~~داخلها، وضرب المسلمين في صميم معتقداتهم... وإذا كان ذلك مما لا يجوز ~~التهويل من شأنه، فكذلك لا تجوز الاستهانة بالدور الذي لعبوه. وسيظهر جليا ~~من خلال هذا الكتاب أن أولئك النفر قد لعبوا دورا مهما، كانت توجههم فيه ~~إدارة حسنة، وفقا لخطة تشبه ما يسمى " بالحرب النفسية " في العصر الحديث، ~~وذلك ببث الإشاعات وإرسال الرسائل المزورة عن لسان علي وعائشة و طلحة ~~والزبير إلى الأمصار، هذا بالإضافة إلى حملهم السلاح فعلا وتنظيمهم لحوادث ~~الاغتيال على أعلى المستويات. ويبدون من مراجعة تاريخ صدر الاسلام أن ~~نشاطهم بدأ قبل الفتنة بزمن بعيد، وما ms010 قتل الخليفة عمر بن الخطاب سوى عمل ~~مدبر من تصميم وتنفيذ تلك القوى الحاقدة. PageV00P017 # وفي ظروف مهيأة كالتي وصفناها يمكن بسهولة لعدة أشخاص يعملون بقيادة ~~واحدة وفق مخطط مدروس أن يلهبوا نار الفتنة، ويلعبوا بعواطف الرعاع، بل حتى ~~العقلاء والفضلاء، وهذا ما حصل فعلا كما سنرى. # كان من نتيجة كل ما أوردناه من أسباب، أن خرج من أهل مصر ما بين 600 إلى ~~1000 شخص متجهين إلى المدينة، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى ~~الحرب، وإنما خرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء. وخرج من أهل الكوفة عدد ~~كعدد أهل مصر، ومثلهم من أهل البصرة. ولما وصل الخبر إلى أهل المدينة ~~استعدوا لقتالهم، فاتصل أهل البصرة بطلحة، وأهل مصر بعلي، وأهل الكوفة ~~بالزبير، فلاقوا صدودا وردا واحدا. عندها تظاهروا بالعودة ورجعوا إلى ~~عساكرهم على بعد ثلاث مراحل، حتى إذا تفرق أهل المدينة فجؤوها و احتلوها، ~~واخترعوا الأسباب لعودتهم، كما سيرد في الكتاب... وحاصروا عثمان في داره ~~مدة اختلف المؤرخون في مقدارها، وهي في رواية سيف أربعين ليلة، كان عثمان ~~خلال ثلاثين يوما قبلها يصلي بالناس بمن فيهم الثوار أنفسهم، ولكن لما ~~عملوا بقرب وصول جيش معاوية لنجدته منعوه الخروج و الماء والطعام آملين أن ~~يترك الخلافة. وعندما يئسوا من ذلك قتلوه. أما كيف استطاعوا قتله في ~~المدينة وفيها علي وطلحة والزبير رضوان الله عليهم وعدد لا بأس به من ~~الصحابة. هنا يعسر الجزم بتحليل، ولكن الذي يظهر من تتبع النصور هو ما يلي: # 1 - أغلب الظن أنه لم يتوارد إلى ذهن أحد من الصحابة أن الأمر سيصل إلى ~~حد قتل الخليفة. لقد كان ذلك في نظر الناس، حتى الثائرين على عثمان، أمرا ~~جللا لا يخطر ببال. إن تمسك المسلمين بالشرعية بلغ في ذلك الزمن حدا ~~PageV00P018 # لم تبلغه دولة قديمة ولا حديثه. وأعتقد أن كثيرين من الذين نقموا على علي ~~فيما بعد، إنما كانت دوافعهم عن الشرعية. فقد أدرك الصحابة بنقاء حدسهم ~~وصفاء إخلاصهم أن التجرؤ على مركز أمير المؤمنين، والتغاضي عن ms011 أية فئة تقتل ~~الخليفة أو تحاول خلعة بالقوة، يشكل ضربة قاتلة لمفهوم الخلافة، و يفتح ~~الباب على مصراعيه أمام سلسلة لا متناهية من التآمر والاقتتال في سبيل ~~الوصول إلى مركز السلطة. # إن الخليفة في نظر الاسلام رجل يختاره المسلمون بملء إرادتهم ليتولى ~~قيادتهم وتسير أمورهم، وأي تعد عليه تعد على جميع المسلمين، واستهانة ~~بإرادتهم، ولا يجوز خلعه شرعا إلا في حالات معينة حددها الشرع الاسلامي، ~~مما لا مجال للإطالة في شرحه في مقدمة كتاب تاريخي، كما أن الاسلام واضح في ~~تكريمه للإنسان وحرصه الشديد على المحافظة على حياته، حيث جعل جريمة قتل ~~الانسان أكبر جريمة يمكن أن يرتكبها امرؤ على الإطلاق: (من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا). تلك نظرة الاسلام إلى قتل ~~الانسان. فكيف يقتل الخليفة ويتهاون المسلمون في إقامة حدود الله على ~~القاتلين؟ # لقد اعتبر الصحابة تلك الجريمة أبشع مما تستطيع أن تصوره الأقلام، و ~~اعتقدوا أن أي تهاون في إقامة الحدود على القائلين تهاون بشرع الله وتحطيم ~~للدين. # و لم يكن الإمام علي يخالف هذه النظرة، فقد كان أشد الصحابة حرصا على ~~إقامة الحدود، يؤيد رأينا أنه كان أكثر المتحمسين لإقامة الحد على عبيد ~~الله ابن عمر لقتله الهرمزان. ولكن ظروفا خارجة عن إرادته منعته في هذه ~~الحالة من الإسراع في قصاص قتلة عثمان، ولم يترك ذلك إلا بعد أن قتلوا ~~جميعهم في المعارك. PageV00P019 # و قد أثبتت الأيام التالية صدق حدس الصحابة الذين دافعوا عن الشرعية، فقد ~~فتح منذ ذلك اليوم باب لم يغلق من حوادث الاعتداء على مركز الخليفة حتى غدا ~~المنصب في يوم الأيام لعبة بأيدي الأقوى من قادة الجيش. # و كان يزيد في اطمئنان الصحابة، وعثمان نفسه، أن المحاصرين سمحوا لعثمان ~~أن يصلي الناس، وكانوا يصلون خلفه. # 2 - وعلى كل حال فقد منع عثمان الصحابة من القتال دفاعا عنه. رفض الهرب، ~~ورفض القتال، ورفض ترك الخلافة. فأصبح وضع الصحابة حرجا. # و قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أنه ms012 كان يجب على الصحابة أن يقاتلوا من ~~تلقاء أنفسهم، وهذا الخطأ عينه، ولو حصل ذلك لكان موقفا غير صحيح لا يقول ~~به إلا من لا يقدرون الشرعية حق قدرها ولا يحلونها المكان الذي كانت تحتله ~~في نفوس المسلمين، فلا تجوز مخالفة أو امر الخليفة ولا بشكل من الأشكال. ان ~~في موقف الصحابة أقصى غايات الانضباط، وذلك الانضباط جزء من العقيدة التي ~~بها فتح المسلمون العالم. # 3 - يبدو أن عثمان أراد أن يحقن الدماء، خاصة أنه لا حظ أن عدد الثوار ~~وقواهم أكبر من أهل المدينة. صحيح أن عدد لهم لم يكن يتجاوز الألفين. ولكن ~~على ما يبدو أنهم يكن في المدينة يومها نصف ذلك العدد من المقاتلين، لذهاب ~~معظم إلى الفتح والثغور والحج. وذلك استنجد عثمان بالأمصار اعتقادا منه، ~~على ما يبدو، أن وصول الجيوش الكبيرة سيضطر الثوار إلى الاستسلام، ولن يكون ~~قتال، ولن تراق دماء، لأنه كان حريصا على أن لا تراق محجنة دم مسلم من ~~أجله. # 4 - حال اتساع رقعة الدولة دون وصول النجدات في الوقت المناسب، ولما وصلت ~~كان كل شئ قد انتهى.. PageV00P020 # 5 - ومع ذلك فقد ترك الصحابة أولادهم على باب عثمان إظهارا لاستنكارهم ~~الحصار، وترهيبا للثوار، عسى أن يرتدعوا عند ما لا يجدون صحابيا مؤيدا لهم. # 6 - إذن فقد حال عثمان دون القتال، وكأني به في أول الأمر مطمئنا إلى ~~أنهم لن يجترئوا عليه. ثم لما أيقن أنهم قاتلوه فكأني به قد أحب الشهادة، ~~خاصة أن روايات متعددة تقول، إنه حلم يوم مقتله أنه سيفطر مع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فقد جاء في إحدى تلك الروايات ثم قال (عن لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم): # " أما أن القوم سينكرون عليك فإن قاتلتهم ظفرت، وان تركتم أفطرت عندنا ". # و قد كان لعثمان، كما يبدون، مفهوم خاص للخلافة. فهو لم يفهمها تكليفا من ~~المسلمين، إنما فهمها أمرا ألبسه الله إياه. لذلك كان يردد: ما كنت لأخلع ~~قميصا قمصنيه الله عز وجل ". # " لأن أقدم فتضرب عنقي ms013 أحب إلى من أن أنزع سربالا سربلنيه الله عز وجل ". # من كل ذلك يتبين أن مواقف الصحابة لا غبار عليها. فقد بقوا لآخر لحظة ~~خاضعين لأوامر الخليفة، المصدر الشرعي للسلطة. # و الخليفة قاد المعركة بالطريقة التي ارتأى فيها خيرا. اجتهد فأخطأ، أو ~~أصاب، لأيهم. المهم أن المواقف لم يدخلها سوء نية كما يحلو للبعض أن يدعي، ~~ممن يجعلون صحابيا متواطئا وآخر محرضا. لا شك أن بعض الصحابة استاء من ~~مواقف عثمان المحرجة، وبعضهم أراده أن يتنازل عن الخلافة وبعضهم رغب ~~PageV00P021 # إليه أن يقاتل، ولكن تصرفاتهم لم تتأثر برغباتهم. طلب منهم عدم القتال ~~فلم يقاتلوا، ولو طلب إليهم القتال ربما كانوا استشهدوا جميعا دونه. # قتل عثمان وبقيت الدولة بدون خليفة عدة أيام. أحجم كل من اتصل به الثوار ~~عن قبول القيام بالأمر، وأصبح أمر المدينة بأيدي الرعاع، فكان لا بد لأحد ~~من التضحية والقبول باستلام الأمر. وكان البطل، وكان الضحية، علي كرم الله ~~وجهه. # إن سيرة علي وشخصيته تجعلاننا نجزم بأنه كان يقدر مسبقا المصاعب التي ~~تنتظره والموقف الخطر الذي سيواجهه. ولكنه فهم الحكم على أنه مسؤولية ~~وتضحية، فتقدم... وبايعه الجميع باستثناء نفر بسيط. ولكنه واجه منذ اليوم ~~الأول مشكة صعب حلها، بل لم يكن بيده أو بيده غيره حلها، وهي مشكلة قتلة ~~الخليفة السابق عثمان بن عفان رضي الله عنه. فقد اختلفت وجهات نظر الصحابة ~~في الموضوع فكان لا بد من الخلاف، ولكن كيف أدى الخلاف في وجهات النظر إلى ~~القتال؟ # يجب ألا يفوتنا هنا الإشارة إلى أمر قد لا ندركه نحن ولا نقدره حق قدره ~~في عصرنا الحاضر، لاختلافنا عن ذلك الطراز من الرجال. لقد كان المسلمون ~~الأولون على استعداد للموت دفاعا عما يؤمنون به، وربما كانت تلك ميزتهم ~~الكبرى التي فتحوا بها الأقطار وسادوا العالم. # لذلك كان خلافهم عنيفا، فكل واحد منهم يؤمن بأنه على حق، وكلهم على ~~استعداد للجود بأرواحهم لإعلاء كلمة الحق. ولا شك أن الذين كانوا يقيسون ~~الأمور بمقياس الفائدة لا نكاد نجد لهم أثرا، ms014 ولمن يشك في ذلك أن يتبصر ~~بقصة استشهاد عمار بن ياسر رضي الله عنه التي سترد مفصلة خلال الكتاب، فما ~~هي الفوائد التي كان سيجنيها عمار، ابن التسعين، لو ربح علي؟. PageV00P022 # إذن كان السبب الأول في وقعة الجمل الخلاف بالرأي في موضوع قصاص قتلة ~~عثمان. دخل طلحة والزبير مع عدد من الصحابة على علي فقالوا: # " يا علي، إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في ~~دم هذا الرجل، وأحلوا بأنفسهم. فقال لهم: يا إخوتاه، إني لست أجهل ما ~~تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم، ها هم هؤلاء قد ثارت ~~معهم عبد انكم، وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا، فهل ~~ترون موضعا لقدرة على شئ مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا: والله لا أرى ~~إلا رأيا ترونه إن شاء الله ". # لقد كان موقف علي في غاية الوضوح، كان راغبا في إقامة الحدود وإنزال ~~القصاص بمن يستحقه. وربما كان يخطط بينه وبنى نفه لذلك. ولكن بعض زملائه من ~~الصحابة أصروا على التدخل في الامر، فهم حريصون على تطبيق ما أمر الله به، ~~لكنهم، على ما يبدو، قد أسرفوا في ذلك، ومن هو في موضع المسؤولية يرى ~~الأمور بمنظار غير الذي يراها به الآخرون. فتحتم وقوع الخلاف. # و أراد طلحة والزبير أن يؤكدا عدم رضائهما باجراء فعلي. فاستأذنا عليا ~~وتوجها إلى مكة المكرمة لأداء العمرة. وفي مكة المكرمة قررا ومعهما عائشة ~~وكل من لا بمكة من أنصار عثمان التوجه إلى البصرة، والامتناع هناك، ولما ~~علم بذلك علي، الذي كان يعد جيشه للتوجه إلى بلاد الشام، تحول إليهم. # التقى الفريقان وهما ضمنيا أقرب إلى التفاهم إلى القتال. # و لم يكن الخلاف ليؤدي إلى التصادم لولا أنه كان للثوار مصلحة في إسعار ~~النار وتعميق الشقة، لأن أي تفاهم سيعني إنزال العقاب بهم. وكانوا على ثقة ~~من PageV00P023 # ذلك، فعلي كرم الله وجهه لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يبالي في مرضاة ~~الله إذا سخط البشر كلهم أم رضوا. ms015 # و هنا لعب ابن السوداء أهم أدواره، ففي ظروف كتلك الظروف لا وقت عند ~~الناس للتروي والتفكير وتقليب الأمور، ويسهل تصديق الإشاعات وتحميس ~~المختلفين. وهكذا وجد اليهودي، مدعي الاسلام، مجالا رحبا لعلمه، وأستطيع أن ~~أجزم بأنه كان يساعده في ذلك كثيرون. وكلما أشرف المختلفون على التفاهم ~~والمصالحة، وجد أولئك سبيلا لإعادة الأمور أسوأ مما كانت عليه، يساعدهم في ~~ذلك خوف كل من ثار مع قتله عثمان من القصاص . وحصلت المعركة... واستمات ~~الطرفان، ووقع القتلى بالمئات والآلاف، وكان منهم طلحة والزبير، وانتصر ~~علي، لكنه كان حزينا مع ذلك الانتصار، بل كان أكثر الناس حزنا بين ~~المنتصرين، كما كانت عائشة رضي الله عنها أكثر الناس حزنا بين المنهزمين. ~~كان علي يقول: # " والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ". # كانت عائشة تقول: # " والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ". # الكلام نفسه يصدر عن المنتصر وعن المنهزم. فقد حرص الطرفان على حقن ~~الدماء لكن أمر الله كان قضاء مقضيا. # لقد زاد عدد ضحايا وقعة الجمل عن خمسة عشر الف قتيل، وكانت بداية حرب ~~أهلية قصت تقريبا على جميع الباقين من الصحابة الصالحين. ومع مرور ~~PageV00P024 # الزمن تطور الخلاف السياسي إلى خلاف مذهبي، وتغيرت مفاهيم المسلمين، ~~وانقرض من الوجود ذلك الضمير الذي خلق المعجزات. # في حروف الجمل تعرض ضمير كل مسلم إلى صراع مرير، واختلط الامر على الناس، ~~فمنهم من لزم جانب الحياد، وهؤلاء كانوا أكثر الناس راحة ضمير، ومنهم من ~~موقف مع الإمام الشرعي علي كرم الله وجهه، وهؤلاء وإن كانوا أقرب إلى ~~الصواب فسرعان ما انتشر الخلاف في صفوفهم، ومنهم من وقف إلى جانب عائشة ~~وطلحة والزبير، وهؤلاء كانوا حتى في قياداتهم أكثر الفرقاء تعرضا لعذاب ~~الضمير وتأرجحا في موقفهم، ولعل موقف الزبير، الذي سيرد مفصلا فيما بعد، ~~أبرز مثال على صدق هذا الرأي. # و يجب أن لا يفوتنا هنا، أن الخلاف اقتصر على طريقة تطبيق الشرع ولم ~~يتطرق إلى كنه الشريعة، بل لم يجرؤ أحد من الفريقين على تكفير ms016 الفريق ~~الآخر، ورجا كل منهما الجنة لقتلاه ولمن نقى قلبه من قتلى الفريق الآخر. # لكن تلك الضمائر الحية ذهبت بذهاب أصحابها، وحول الحفدة الخلافات ~~السياسية إلى مذاهب عقائدية فغدا الدين أديانا، ولم نعد نلمس ذلك الصراع في ~~الضمائر بعد ذهاب تلك الطبقة من المسلمين، ولم تمض سنوات قليلة حتى تناول ~~التغيير أهم جانب من جوانب الحياة، هو مفهوم الحكم في الاسلام، بعد ما كان ~~على ذلك الطراز الرائع الذي لم تعرف البشرية له مثيلا إلا أيامهم هم، ~~الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم أجمعين. # أحمد راتب عرموش PageV00P025 # ترجمة سيف بن عمر هو سيف بن عمر البضي الأسدي (أو الأسدي)، ويقال التميمي ~~البرجمي، و يقال السعدي الكوفي، كوفي الأصل، اشتهر وتوفي في بغداد في خلافة ~~الرشيد سنة 200 ه‍ ويقال سنة 180 ه‍. # جاء في ميزان الاعتدال في ترجمته: # " كان إخباريا عارفا، روى عنه جبارة بن المغلس، وأبو معمر القطيعي، ~~والنضر بن حماد العتكي، وجماعة ". # وجاء في تقريب التهذيب: # " سيف بن عمر التميمي، صاحب كتاب الردة. ويقال له الضبي، ويقال غير ذلك، ~~الكوفي. ضعيف في الحديث، عمدة في التاريخ ". # له عدة كتب ذكر منها ابن حجر: " الفتوح الكبير "، " الردة "، " الجمل ~~وسير عائشة وعلي ". # و يبدو من مراجعة كتب التراجم، أن سيفا لم يكن من رواة الحديث المعتمدين، ~~لكن يجمع واضعوها على أنه عمدة في التاريخ وأنه كان إخباريا عارفا. # و قد اعتمد عليه الطبري كثيرا في تأريخ حوادث صدر الاسلام. PageV00P027 # و قد وجه الباحثون مثل ولهوزن Wellhausen وكاتياني Caetani عنايتهم في ~~درس ما نقله سيف وموازنته بما نقله غيره من ثقات المؤرخين فوجدوه أقل دقة ~~وإن كان أكثر تفصيلا. # وقيل إنه يتعصب لقبيلة تميم. # روى له الترمذي " فرد حديث ". # و لم يبق لنا منه إلا ما يقتبسه الطبري. # (أضواء على التاريخ الإسلامي) PageV00P028 # حول المصادر وطريقة البحث أشرت في المقدمة إلى أن عملي في هذا الكتاب، هو ~~جمع رواية سيف بن عمر عن (مقتل عثمان) و (وقعة الجمل) من كتب التاريخ ~~المختلفة وتبويبها ms017 وتصنيفها، و وضع عناوين لها لتشكل في مجموعها موضوعا ~~واحدا متكاملا. # وبعد مطالعة هذين الموضوعين في معظم كتب التاريخ القديمة والحديثة تبين ~~لي أن تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك) هو أوفاها موضوعا و أكمل رواية، ~~وقد اعترف بمنزلته القدماء والمعاصرون، ونقل عنه العلماء والباحثون، فهذا ~~ابن خلدون فيلسوف المؤرخين ينقل عنه حوادث الجمل معللا اعتماده الكلي عليه ~~بقوله: " هذا أمر الجمل ملخصا من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به، ~~ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين ". كذلك ~~فعل الأستاذ سعيد الأفغاني - من الكتاب المعاصرين - عندما وضع كتابه " ~~عائشة والسياسة " حيث يقول في مقدمة الكتاب: PageV00P029 # " ولا بد من الإشارة إلى أني جعلت أكثر اعتمادي - بعد البحث في المصادر ~~التاريخية - على الطبري خاصة، فهو أقرب المصادر من الواقع، وصاحبه أكثر ~~المؤرخين تحريا وأمانة، وعليه اعتمد كل من أتى بعده من الثقاة، وليس الكامل ~~لابن الأثير، إلا تاريخ الطبري منسقا مختصرا منه الأسانيد واختلاف الروايات ~~". # وتظهر في تاريخ الطبري رواية سيف بن عمر (للفتنة ووقعة الجمل) كاملة في ~~مقاطع متفرقة، في صدر كل مقطع سند رواته كاملا. مما جعلني أنقل تلك المقاطع ~~كلها من تاريخ الطبري ثم أصنفها حسب تسلسل حوادثها، وأضع لها عناوين و ~~أبوابا، حتى إذا انتهيت من ذلك، والكامل قابلتها على كتب التاريخ الأخرى، ~~خاصة كتاب البداية والنهاية لابن كثير، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ~~ونهاية الأرب للنويري المصادر الأخرى أقل أهمية، ولم أعتمد على على كتب ابن ~~قتيبة إطلاقات خاصة أن أهمها وهو " الإمامة والسياسة " يشك في نسبته إلى ~~ابن قتيبة. # و بما أن سند كل مقطع يختلف عن سند المقطع الآخر، فقد ذكرت سند كل مقطع ~~في حاشية الصفحة، ابتداء من الشخص الذي روى عنه سيف، وانتهاء بالراوي ~~الأول، حيث أن معظم الروايات نقلها الطبري " كتابة عن السري، عن شعيب، عن ~~سيف " لذلك حذفت الأشخاص الثلاثة للاختصار وعدم التكرار. أما إذا كان سند ~~الرواية بين الطبري وسيف أشخاصا آخرين فقد ذكرتهم جميعا. # و ms018 قد أشرت إلى المكان الذي يرد فيه كل مقطع في الطبري بذكر الجزء ورقم ~~PageV00P030 # الصفحة، مختصرا كلمتي " تاريخ الطبري " بالحرف " ط ". مثال ذلك: # (ط 4 - 300) يقصد بها: تاريخ الطبري، الجزء الرابع، الصفحة 300. # و إذا وجدت أثناء المقابلة على كتب التاريخ الأخرى الفكرة نفسها ترد في ~~عدة كتب، لم أشر إلى المصادر الأخرى. أما إذا لاحظت اختلافا في الفكرة أو ~~الرواية، أو نقصا ما، ذكرت النقص أو الاختلاف، وأشرت في الحاشية إلى اسم ~~المصدر ورقم الصفحة، باستثناء البداية والنهاية فقد أشرت إليها بالحرف (ب). # و قد اضطررت في بعض الأحيان لربط الأفكار مع بعضها، إلى إضافة بعض ~~الكلمات أو الجمل، فأشرت إلى ذلك بوضع الكلام المضاف بين قوسين مربعين هكذا ~~[]. # و شرحت الكلمات الغريبة بإيجاز، بحيث يسهل فهم النص مع تفادي كثرة ~~الحواشي. # و بذلك يمكن القول: إن رواية سيف بن عمر عن مقتل عثمان ووقعة الجمل كما ~~كتبها هو، أصبحت شبه كاملة وغدت في متناول جميع المهتمين بهذا الموضوع. ~~PageV00P031 # الفتنة مقتل عثمان بن عفان PageV00P033 # نفي المخالفين من أهل الكوفة: # [استعراضنا في مقدمة الكتاب أسباب الفتنة، وبينا أن أحد تلك الأسباب نفي ~~عثمان لبعض المخالفين من بلدانهم إلى بلدان أخرى. وسنبدأ متن الكتاب من ~~حادثة نفي بعض أهل الكوفة إلى بلاد الشام سنة 33 ه‍. للأسباب التي سترد ~~مفصلة فيما بعد]. # يقول سيف بن عمر كان سعيد بن العاص [والي عثمان على الكوفة] لا يغشاه إلا ~~نازلة أهل الكوفة ووجوه أهل الأيام، وأهل القادسية، وقراء أهل البصرة ~~والمتسمتون، سعيد وكان هؤلاء دخلته إذا خلا، فأما إذا جلس للناس فإنه يدخل ~~عليه كل أحد. فجلس للناس يوما، فدخلوا عليه، فبينا هم جلوس يتحدثون، قال ~~خنيس بن فلان: ما أجود طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد PageV00P035 # ابن العاص: إن من له مثل النشاستج لحقيق أن يكون جوادا، والله لو أن لي ~~مثله لأعاشكم الله عيشا رغدا. فقال عبد الرحمن بن خنيس - وهو حدث -: # والله لوددت أن هذا الملطاط لك - يعني ما كان لآل ms019 كسرى على جانب الفرات ~~الذي يلي الكوفة - قالوا: فض الله فاك! والله لقد هممنا بك، فقال: خنيس ~~غلام فلا تجاوزه. فقالوا: يتمنى له سوادنا! قال: ويتمنى لكم أضعافه، قالوا: ~~لا يتمنى لنا ولا له، قال: ما هذا بكم! قالوا: أنت والله أمرته بها، فثار ~~إليه الأشتر، وابن ذي الحبكة، وجندب، وصعصعة، وابن الكواء، وكميل بن زياد، ~~وعمير بن ضابيء، فأخذوه، فذهب أبوه ليمنع منه، فضربوهما حتى غشي عليهما، ~~وجعل سعيد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطرا. فسمعت بذلك بنو أسد، ~~فجاءوا وفيهم طليحة، فأحاطوا بالقصر، وركبت القبائل، فعاذوا بسعيد، وقالوا: ~~أفلتنا وخلصنا. # فخرج سعيد إلى الناس فقال: أيها الناس، قوم تنازعوا وتهاووا، وقد رزق ~~الله العافية ثم قعدوا وعادوا في حديثهم، وتراجعوا، فساءهم وردهم وأفاق ~~الرجلان فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتنا غاشيتك، قال: لا يغشوني والله ~~أبدا، فاحفظا علي ألسنتكما ولا تجرئا علي الناس. ففعلا. ولما انقطع رجاء ~~أولئك النفر من ذلك، قعدوا في بيوتهم وأقبلوا على الإذاعة حتى لامه أهل ~~الكوفة في أمرهم، فقال: هذا أميركم وقد نهاني أن أحرك شيئا، فمن أراد منكم ~~أن يحرك شيئا فليحركه. # فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب إذا اجتمع ~~ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية. فأخرجوهم فذلوا وانقادوا حتى PageV00P036 # أتوه - وهم بضعة عشر - فكتبوا بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية: # إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرا خلقوا للفتنة، فرعهم وقم عليهم، فإن ~~آنست منهم رشدا فأقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم. فلما قدموا على ~~معاوية رحب بهم وأنزلهم كنيسة تسمى مريم، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان ~~يجري عليهم بالعراق، وجعل لا يزال يتغدى ويتعشى معهم، فقال لهم يوما: إنكم ~~قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا، وغلبتم الأمم ~~وحويتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا. وإن قريشا لو لم ~~تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة. فلا تشذوا عن جنتكم، ~~وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون ms020 منكم المؤونة، والله ~~لتنتهن أو ليبتليكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون ~~شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم. # فقال رجل من القوم أما ما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا ~~أمنعها في الجاهلية فتخوفنا وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذ اخترقت خلص ~~إلينا. # فقال معاوية: عرفتكم الآن علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت ~~خطيب القوم، ولا أرى لك عقلا، أعظم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به، وتذكرني ~~الجاهلية! وقد وعظتك. وتزعم لما يجنك أنه يخترق، ولا ينسب ما يخترق إلى ~~الجنة، أخزى الله أقواما أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم! إفقهوا - بكر ~~ولا أظنكم تفقهون - أن قريشا لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله عز وجل، ~~لم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا وأمحضهم أنسابا، ~~وأعظمهم أخطارا، وأكملهم مروءة، ولم PageV00P037 # يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضا إلا بالله الذي لا يستذل من ~~أعز، ولا يوضع من رفع، فبوأهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم! هل تعرفون ~~عربا أو عجما أو سودا أو حمرا إلا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولة، ~~إلا ما كان من قريش، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده ~~الأسفل، حتى أراد الله أن يستنقذ من أكرم واتبع دينه من هوان الدنيا وسوء ~~مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحابا، فكان خيارهم قريشا ~~ثم، بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، ولا يصلح ذلك إلا عليهم، ~~فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله. # أفتراه لا يحطوهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين ~~كانوا يدينونكم! أف لك ولأصحابك! ولو أن متكلما غيرك تكلم، ولكنك ابتدأت. # فأما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر قرى عربية، أنتنها نبتا، وأعمقها واديا ~~وأعرفها بالشر، وألأمها جيرانا، لم يسكنها شريف قط ولا وضيع إلا سب بها، ~~وكانت عليه هجنه، ms021 ثم كانوا أقبح العرب ألقابا، وفي وألأمه أصهارا، نزاع ~~الأمم، وأنتم جيران الخط وفعلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ونكبتك دعوته وأنت نزيع شطير في عمان. لم تسكن البحرين فتشركهم في ~~دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فأنت شر قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، ~~وخلطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك، أقبلت تبغي دين الله عوجا، ~~وتنزع إلى اللآمة والذلة، ولا يضع ذلك قريشا، ولن PageV00P038 # يضرهم ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم ~~بالشر من بين أمتكم، فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم. لقد علم أنه لا يستطيع ~~أن يرد بكم قضاء قضاه الله ولا أمرا اراده الله، ولا تدركون بالشر أمرا ~~أبدا إلا فتح الله عليكم شرا منه وأخزى. # ثم قام وتركهم، فتذامروا، فتقاصرت إليهم أنفسهم، فلما كان بعد ذلك أتاهم ~~فقال: إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم، لا والله لا ينفع الله بكم أحدا ~~ولا يضره، ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة، ولكنكم رجال نكير. # وبعد، فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم، وليسعكم ما وسع الدهماء، ولا ~~يبطرنكم الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار، إذهبوا حيث شئتم فإني كاتب ~~إلى أمير المؤمنين فيكم. # فلما خرجوا دعاهم فقال إني معيد عليكم. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان معصوما فولاني، وأدخلني في أمره، ثم استخلف أبو بكر رضي الله عنه ~~فولاني، ثم استخلف عمر فولاني، ثم استخلف عثمان فولاني فلم أل لأحد منهم، ~~ولم يولني إلا وهو راض عني وإنما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعمال ~~أهل الجزاء عن المسلمين والغناء، ولم يطلب لها أهل الإجتهاد والجهل بها ~~والضعف عنها. وإن الله ذو سطوات ونقمات، يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوا لأمر ~~وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون فإن الله غير تارككم حتى يختبركم ~~ويبدي للناس سرائركم، وقد قال عز وجل: (ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون). # وكتب معاوية إلى ms022 عثمان: إنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، ~~PageV00P039 # أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل، لا يريدون الله بشئ، ولا يتكلمون بحجة، ~~إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ~~ومخزيهم، وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم، فإنه سعيدا ومن قبله عنهم ~~فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو نكير. # وخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكوفة، فإنهم يشمتون بكم ~~وميلوا بنا إلى الجزيرة، ودعوا العراق والشام. فأووا إلى الجزيرة، وسمع بهم ~~عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان معاوية قد ولاه حمص، وولى عامل ~~الجزيرة حران والرقة - فدعا بهم، فقال: يا آلة الشيطان، لا مرحبا بكم ولا ~~أهلا! قد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد نشاط، خسر الله عبد الرحمن إن لم ~~يؤدبكم حتى يحسركم. يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما ~~يبلغني أنكم تقولون لمعاوية، أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته ~~العاجمات، أنا ابن فاقيء الردة، والله لئن بلغني يا صعصعة ابن ذل أن، أحدا ~~ممن معي دق أنفك ثم أمصك لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى. # فأقامهم أشهرا كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به [أي صعصعة] قال: يابن ~~الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر! ما لك لا تقول كما كان ~~يبلغني انك تقول لسعيد ومعاوية! فيقول ويقولون نتوب إلى الله، أقلنا أقالك ~~الله! فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم. # وسرح الأشتر إلى عثمان، وقال لهم: ما شئتم، ان شئتم فاخرجوا، وان شئتم ~~فأقيموا. وخرج الأشتر، فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه وعن أصحابه، ~~فقال: سلمكم الله. وقدم سعيد بن العاص، فقال عثمان للأشتر: PageV00P040 # أحلل حيث شئت، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد، وذكر من فضله، فقال: # ذاك إليكم، فرجع إلى عبد الرحمن. # [وفي رواية أخرى]. # لما قدم مسيرة أهل الكوفة على معاوية، أنزلهم دارا، ثم خلا بهم، فقال لهم ~~وقالوا له، فلما فرغوا، قال: لم تؤتوا إلا من الحمق، والله ms023 ما أرى منطقا ~~سديدا، ولا عذرا مبينا، ولا حلما ولا قوة، وإنك يا صعصعة لأحمقهم، اصنعوا ~~وقولوا ما شئتم ما لم تدعوا شيئا من أمر الله، فإن كل شئ يحتمل لكم إلا ~~معصيته، فأما فيما بيننا وبينكم فأنتم أمراء أنفسكم. فرآهم بعد وهم يشهدون ~~الصلاة، ويقفون مع قاص الجماعة، فدخل عليهم يوما وبعضهم يقرئ بعضا، فقال: ~~إن في هذا لخلفا مما قدمتم به علي من النزاع إلى أمر الجاهلية، إذهبوا حيث ~~شئتم واعلموا أنكم إن لزمتم جماعتكم سعدتم بذلك دونهم، وإن لم تلزموها ~~شقيتم بذلك دونهم، ولم تضروا أحدا، فجزوه خيرا وأثنوا عليه، فقال: يا ابن ~~الكواء، أي رجل أنا: قال: بعيد الثرى، كثير المرعى طيب البديهة، بعيد ~~الغور، الغالب عليك الحلم، ركن من أركان الإسلام، سدت بك فرجة مخوفة. قال: ~~فأخبرني عن أهل الإحداث من أهل الأمصار فإنك أعقل أصحابك. قال: كاتبتهم ~~وكاتبوني، وأنكروني وعرفتهم، فأما أهل الإحداث من أهل المدينة فهم أحرص ~~الأمة على الشر، وأعجزه عنه، وأما أهل الاحداث من أهل الكوفة فإنهم أنظر ~~الناس في صغير، وأركبه لكبير، وأما أهل الاحداث من أهل البصرة فأنهم يردون ~~جميعا، ويصدرون شتى، وأما أهل الإحداث من أهل مصر فهم أوفى الناس بشر، ~~وأسرعه ندامة، وأما أهل الإحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه ~~لمغويهم. PageV00P041 # نفي المشاغبين من أهل البصرة إلى الشام: # لما مضى من إمارة ابن عامر [والي عثمان على البصرة] ثلاث سنين بلغه أن في ~~عبد القيس رجلا نازلا على حكيم بن جبلة، وكان حكيم بن جبلة رجلا لصا، إذا ~~قفل الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذمة، ويتنكر لهم، ~~ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى ~~عثمان، فكتب إلى عبد الله بن عامر: أن أحبسه، ومن كان مثله لا يخرجن من ~~البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها. فلما قدم ~~ابن السوداء نزل عليه، واجتمع إليه نفر إليه فطرح لهم ms024 ابن السوداء ولم ~~يصرح، فقبلوا منه، واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر، فسأله: ما أنت؟ فأخبره ~~أنه رجل من أهل الكتاب، رغب في الإسلام، ورغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ~~ذلك، اخرج عني، فخرج حتى أتى الكوفة، فأخرج منها، فاستقر بمصر وجعل يكاتبهم ~~ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم. # [ثم] إن حمران بن أبان تزوج امرأة في عدتها، فنكل به عثمان، و فرق ~~بينهما، وسيره إلى البصرة، فلزم ابن عامر، فتذاكروا يوما الركوب والمرور ~~بعامر بن عبد قيس - وكان منقبضا عن الناس - فقال حمران: ألا أسبقكم فأخبره! ~~فخرج، فدخل عليه وهو يقرأ في المصحف، فقال: الأمير أراد أن يمر بك، فأحببت ~~أن أخبرك، فلم يقطع قراءته ولم يقبل عليه فقام PageV00P042 # من عنده خارجا. فلما انتهى إلى الباب لقيه ابن عامر، فقال: جئتك من عند ~~امرئ لا يرى لآل إبراهيم عليه فضلا، وأستأذن بن عامر، فدخل عليه، وجلس ~~إليه، فأطبق عامر المصحف، وحدثه ساعة، فقال له ابن عامر: # ألا تغشانا؟ فقال سعد: ابن أبي العرجاء يحب الشرف، فقال: ألا نستعملك؟ # فقال: حصين بن أبي الحر يحب العمل، فقال ألا نزوجك! فقال ربيعة بن عسل ~~يعجبه النساء، قال: إن هذا يزعم أنك لا ترى لآل إبراهيم عليك فضلا، فتصفح ~~المصحف، فكان أول ما وقع عليه وافتتح منه: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين، فلما رد حمران تتبع ذلك منه، فسعى به، ~~وشهد له أقوام فسيره إلى الشام، فلما علموا علمه، أذنوا له، فأبى ولزم ~~الشام. # [وفي رواية أخرى]: # أن عثمان سير حمران بن أبان، أن تزوج امرأة في عدتها، وفرق بينهما وضربه، ~~وسيره إلى البصرة. فلما أتى عليه ما شاء الله، وأتاه عنه الذي يحب، أذن له. ~~فقدم عليه المدينة، وقدم معه قوم سعوا بعامر بن عبد قيس، أنه لا يرى ~~التزويج، ولا يأكل اللحم ولا يشهد الجمعة - وكان مع عامر انقباض، وكان عمله ~~كله خفية - فكتب إلى عبد الله بن عامر بذلك، فألحقه بمعاوية. فلما قدم عليه ~~وافقه وعنده ms025 ثريدة، فأكل أكلا غريبا، فعرف أن الرجل مكذوب عليه فقال يا ~~هذا، هل تدري فيم أخرجت؟ قال: لا. قال: أبلغ الخليفة أنك لا تأكل اللحم، ~~ورأيتك وعرفت أن قد كذب عليك، وأنك PageV00P043 # لا ترى التزويج ولا تشهد الجمعة؟ قال: أما الجمعة فإني أشهدها في مؤخر ~~المسجد ثم أرجع في أوائل الناس. وأما التزويج فإني خرجت وأنا يخطب علي، ~~وأما اللحم فقد رأيت. ولكني كنت امرأ لا آكل ذبائح القصابين منذ رأيت قصابا ~~يجر شاة إلى مذبحها، ثم وضع السكين على مذبحها، فما زال يقول: النفاق ~~النفاق، حتى وجبت. قال: فارجع، قال: لا أرجع إلى بلد استحل أهله مني ما ~~استحلوا، ولكني أقيم بهذا البلد الذي اختاره الله لي. وكان يكون في ~~السواحل، وكان يلقى معاوية، فيكثر معاوية أن يقول: حاجتك؟ فيقول: # لا حاجة لي، فلما أكثر عليه، قال: ترد علي من حر البصرة لعل الصوم أن ~~يشتد علي شيئا، فإنه يخف علي في بلادكم. # اجتماع الثوار على عثمان: # لما رجع معاوية المسيرين، قالوا إن العراق والشام ليسا لنا بدار، فعليكم ~~بالجزيرة. فأتوها اختيارا. فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد، فسامهم الشدة، ~~فضرعوا له وتابعوه. وسرح الأشتر إلى عثمان، فدعا به، وقال: إذهب حيث شئت، ~~فقال: ارجع إلى عبد الرحمن، فرجع. ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان في سنة ~~إحدى عشرة من إمارة عثمان. وقبل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة وبعض ~~أخرى، بعث الأشعث بن قيس على أذربيجان، وسعيد بن قيس على الري، وكان سعيد ~~بن قيس على همذان، فعزل وجعل عليها النسير العجلي، وعلى أصبهان السايب بن ~~الأقرع، وعلى ماه مالك بن حبيب اليربوعي، PageV00P044 # وعلى الموصل حكيم بن سلامة الحزامي، وجرير بن عبد الله على قرقيسياء، ~~وسلمان بن ربيعة على الباب، وعلى الحرب القعقاع بن عمرو، وعلى حلوان عتيبة ~~ابن النهاس، وخلت الكوفة من الرؤساء إلا منزوعا أو مفتونا. فخرج يزيد بن ~~قيس وهو يريد خلع عثمان، فدخل المسجد، فجلس فيه، وثاب إليه اللذين كان فيهم ~~ابن السوداء ms026 يكاتبهم، فانقض عليه القعقاع، فأخذ يزيد بن قيس، فقال: # إنما نستعفي من سعيد، قال: هذا ما لا يعرض لكم فيه، لا تجلس لهذا ولا ~~يجتمعن إليك، واطلب حاجتك، فلعمري لتعطينها. فرجع إلى بيته واستأجر رجلا، ~~وأعطاه دراهم وبغلا على أن يأتي المسيرين. وكتب إليهم: لا تضعوا كتابي من ~~أيديكم حتى تجيئوا، فإن أهل المصر قد جامعونا. فانطلق الرجل فأتى عليهم وقد ~~رجع الأشتر، فدفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما اسمك؟ قال: # بغثر، قالوا: ممن؟ قال من كلب، قالوا: سبع ذليل يبعثر النفوس، لا حاجة ~~لنا بك. وخالفهم الأشتر، ورجع عاصيا، فلما خرج قال أصحابه: # أخرجنا أخرجه الله، لا نجد بدا مما صنع، إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدقنا ~~ولم يستقلها، فاتبعوه فلم يلحقوه، وبلغ عبد الرحمن أنهم قد رحلوا فطلبهم في ~~السواد، فسار الأشتر سبعا والقوم عشرا، فلم يفجإ كل الناس في يوم جمعه إلا ~~والأشتر على باب المسجد يقول: أيها الناس، إني قد جئتكم من عند أمير ~~المؤمنين عثمان، وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم إلى مائة درهم. ورد ~~أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بال أشراف النساء، وهذه العلاوة بين ~~هذين العدلين! ويزعم أن فيئكم بستان قريش، وقد سايرته. مرحلة، فما زال يرجز ~~بذلك حتى فارقته، يقول ويل لأشراف النساء مني * صمحمح كأني من جن ~~PageV00P045 # فاستخف الناس، وجعل أهل الحجي ينهونه فلا يسمع منهم، وكانت نفجة، فخرج ~~يزيد وأمر مناديا ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد بن قيس لرد سعيد وطلب أمير ~~غيره فليفعل، وبقي حلماء الناس وأشرافهم ووجوههم في المسجد، وذهب من سواهم، ~~وعمرو بن حريث يومئذ الخليفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا، بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها فلا تعودوا في شر ~~قد استنقذكم الله عز وجل منه. أبعد الإسلام وهديه وسنته لا تعرفون حقا ولا ~~تصيبون بابه! فقال القعقاع بن عمرو: أترد السيل عن عبابه؟ ms027 فاردد الفرات عن ~~أدراجه، هيهات! لا والله لا تسكن الغوغاء إلا المشرفية، ويوشك ان تنتضي، ثم ~~يعجون عجيج العتدان، ويتمنون ما هم فيه فلا يرده الله عليهم أبدا. فاصبر، ~~فقال أصبر، وتحول إلى منزله. وخرج يزيد بن قيس حتى نزل الجرعة، ومعه ~~الأشتر، وقد كان سعيد تلبث في الطريق فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له ~~معسكرون، فقالوا: لا حاجة لنا بك. # فقال: فما اختلفتم الآن، إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين ~~رجلا وتضعوا إلي رجلا. وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل؟ ثم انصرف عنهم، ~~وتحسوا بمولى له على بعير قد حسر، فقال: والله ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع. ~~فضرب الأشتر عنقه. ومضى سعيد حتى قدم على عثمان، فأخبره الخبر، فقال: ما ~~يريدون؟ اخلعوا يدا من طاعة؟ قال أظهروا أنهم يريدون البدل. PageV00P046 # قال: فمن يريدون؟ قال أبا موسى، قال أثبتنا أبا موسى عليهم، ووالله لا ~~نجعل لأحد عذرا، ولا نترك لهم حجة، ولنصبرن كما أمرنا حتى نبلغ ما يريدون. ~~ورجع من قرب عمله من الكوفة، ورجع جرير من قرقيسياء وعتيبة من حلوان. وقام ~~أبو موسى فتكلم بالكوفة فقال: أيها الناس، لا تنفروا في مثل هذا، ولا ~~تعودوا لمثله، إلزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة، اصبروا، فكأنكم ~~بأمير. قالوا: فصل بنا، قال: لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان، ~~قالوا: على السمع والطاعة لعثمان. # [قال عبد الله بن عمير الأشجعي]: قام من المسجد في الفتنة فقال: أيها ~~الناس، اسكتوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من خرج ~~وعلى الناس امام - والله ما قال: عادل - ليشق عصاهم، ويفرق جماعتهم، ~~فاقتلوه كائنا من كان ". # [وفي رواية أخرى]. لما استعوى يزيد بن قيس الناس على سعيد بن العاص، خرج ~~منه ذكر لعثمان، فأقبل إليه القعقاع بن عمرو حتى أخذه، فقال: ما تريد؟ ألك ~~علينا في أن نستعفي سبيل؟ قال: لا، فهل إلا ذلك؟ قال: لا، قال: فاستعف. # واستجلب يزيد أصحابه من حيث كانوا، فردوا سعيدا وطلبوا أبا موسى، ms028 فكتب ~~إليهم عثمان: # بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد أمرت عليكم من اخترتم، وأعفيتكم من ~~سعيد، والله لأفرشنكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري PageV00P047 # ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصي الله فيه إلا ~~سألتموه، ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا إستعفيتم منه، أنزل فيه ~~عندما أحببتم حتى لا يكون لكم علي حجة. # وكتب بمثل ذلك في الأمصار، فقدمت إمارة أبي موسى وغزو حذيفة، وتأمر أبو ~~موسى، ورجع العمال إلى أعمالهم، ومضى حذيفة إلى الباب. # دعوة عبد الله بن سبأ: # كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ~~ثم تنقل في بلدان المسلمين، يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة ثم ~~الكوفة، ثم الشأم، فلم يقدر على ما يريد عن أحد من أهل الشأم، فأخرجوه حتى ~~أتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ~~ويكذب بأن محمدا يرجع، وقد قال الله عز وجل: (إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى. قال: # فقبل ذلك. عنه، ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: # إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصى محمد، ثم قال: محمد خاتم ~~الأنبياء، وعلى خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتناول أمر الأمة! ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا ~~بالطعن على أمرائكم، وأظهروا PageV00P048 # الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا ~~الأمر. # فبث دعاته، وكاتب من كان استفسد من الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ~~ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون ~~إلى الأمصار كتبا يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ~~ويكتب أهل كل مصر منهم إلى ms029 مصر آخر بما يصنعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم، ~~وهؤلاء في أمصارهم. حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم ~~يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي ~~عافية مما ابتلي به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع ~~الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس، وجامعه محمد وطلحة من هذا ~~المكان، قالوا: فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين، أيأتيك عن الناس ~~الذي يأتينا؟ قال: لا والله، ما جاءني إلا السلامة، قالوا: فإنا قد ~~أتانا... وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم، قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، ~~فأشيروا علي، قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار، حتى ~~يرجعوا إليك بأخبارهم. فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة ~~بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى ~~الشام، وفرق رجالا سواهم، فرجعوا جميعا قبل عمار، فقالوا أيها الناس، ما ~~أنكرنا شيئا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم، وقالوا جميعا: ~~PageV00P049 # الأمر أمر المسلمين، إلا أن أمراءهم يقسطون بينهم، ويقومون عليهم. ~~واستبطأ الناس عمارا حتى ظنوا أنه قد اغتيل، فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمارا قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا ~~إليه، منهم عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة ~~ابن بشر. # مشاورات عثمان مع ولاته كتب عثمان إلى أهل الأمصار: أما بعد فإني آخذ ~~العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فلا يرفع علي شئ ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته، وليس ~~لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم، وقد رفع إلى أهل المدينة أن ~~أقواما يشتمون، وآخرون يضربون، فيا من ضرب سرا، وشتم سرا، من ادعى شيئا من ~~ذلك فليواف الموسم، فليأخذ بحقه حيث كان، مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن ~~الله يجزي المتصدقين. # فلما قرئ في الأمصار، ms030 ابكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض ~~بشر، وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد ~~الله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيدا وعمرا، فقال: # ويحكم! ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا ~~مصدوقا عليكم، وما يعصب هذا إلا بي، فقالوا له: ألم تبعث! ألم نرجع إليك ~~الخبر PageV00P050 # عن القوم! ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشئ؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا، ~~ولا نعلم لهذا الأمر أصلا، وما كنت لنأخذ به أحدا فيقيمك على شئ، وما هي ~~إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها. قال: فأشيروا علي، فقال: # سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصنع في السر، فيلقى به غير ذي المعرفة ~~فيخبر به، فيتحدث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ~~ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم. # وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، ~~فإنه خير من أن تدعهم. # قال معاوية: قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان ~~أعلم بناحيتيهما، قال فما الرأي؟ قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ ~~قال أرى أنك قد لنت لهم، وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى ~~أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين. إن الشدة ~~تنبغي لمن لا يألو الناس شرا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتها ~~جميعا اللين. # وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كل ما أشرتم به علي قد سمعت، ولكل ~~أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه ~~الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود الله ~~تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها، فإن سده شئ فرفق، ~~فذاك والله ليفتحن، وليست لأحد علي حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس ~~خيرا، ولا نفسي. ووالله إن ms031 رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان PageV00P051 # إن مات ولم يحركها. كفكفوا الناس. وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا ~~تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها. # فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة، ورجع ابن عامر ~~وسعيد معه، ولما استقل عثمان رجز الحادي: # قد علمت ضوامر المطي * وضامرات عوج القسي أن الأمير بعده علي * وفي ~~الزبير خلف رضي وطلحة الحامي لها ولي فقال كعب وهو يسير خلف عثمان: الأمير ~~والله بعده صاحب البغلة - وأشار إلى معاوية. # ما زال معاوية يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمعوا إليه ~~بالموسم، ثم ارتحل، فحدا به الراجز: # أن الأمير بعده علي * وفي الزبير خلف رضي قال كعب: كذبت! صاحب الشهباء ~~بعده - يعني معاوية - فأخبر معاوية، فسأله عن الذي بلغه، قال: نعم، أنت ~~الأمير بعده، ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا. فوقعت في نفس ~~معاوية. # [وشاركهم في هذا المكان أبو حارثة وأبو عثمان، عن رجاء بن حيوة وغيره ~~قالوا]: فلما ورد عثمان المدينة رد الأمراء إلى أعمالهم، فمضوا جميعا، ~~وأقام PageV00P052 # سعيد بعدهم، فلما ودع معاوية عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلدا ~~سيفه، متنكبا قوسه، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة والزبير وعلي، ~~فقام عليهم، فتوكأ على قوسه بعدما سلم عليهم، ثم قال: إنكم قد علمتم أن هذا ~~الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال، فلم يكن منكم أحد إلا وفي فصيلته من ~~يرئسه ويستبد عليه، ويقطع الأمر دونه، ولا يشهده، ولا يؤامره، حتى بعث الله ~~جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم وأكرم به من اتبعه، فكانوا يرئسون من جاء ~~من بعده، وأمرهم شورى بينهم، يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد، فإن ~~أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم، والناس تبع لهم، وإن أصغوا إلى ~~الدنيا وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك، ورده الله إلى من كان يرئسهم. وإلا ~~فليحذروا الغير، فإن الله على البدل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره. إني ~~قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا، وكانفوه ms032 تكونوا أسعد منه بذلك. # ثم ودعهم ومضى، فقال علي: ما كنت أرى أن في هذا خيرا، فقال الزبير: # لا والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة. # وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج: يا أمير المؤمنين، انطلق معي ~~إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم ~~يزالوا. فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ، وإن كان ~~فيه قطع خيط عنقي. قال فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة، ~~لنائبة إن نابت المدينة أو إياك. قال أ: نا أقتر على جيران رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الأرزاق بجند تساكنهم، وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة! ~~قال: والله يا أمير المؤمنين، لتغتالن أو لتغزين، قال حسبي الله ونعم ~~الوكيل. وقال معاوية يا أيسار الجزور وأين أيسار الجزور! ثم خرج حتى وقف ~~على النفر، ثم مضى. PageV00P053 # المواجهة الأولى سنة 34 ه‍: # وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من ~~أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم. واتعدوا يوما حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم ~~ذلك لأحد منهم، ولم ينهض إلا أهل الكوفة، فإن يزيد بن قيس الأرحبي ثار ~~فيها. واجتمع إلي أصحابه، وعلى الحرب يومئذ القعقاع بن عمرو، فأتاه، فأحاط ~~الناس بهم وناشدوهم، فقال يزيد للقعقاع ما سبيلك علي وعلى هؤلاء! فوالله ~~إني لسامع مطيع، وإني للازم لجماعتي إلا أني أستعفي ومن ترى من إمارة سعيد، ~~فقال استعفى الخاصة من أمر قد رضيته العامة؟ قال: # فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركهم والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يظهروا غير ~~ذلك، فاستقبلوا سعيدا، فردوه من الجرعة، واجتمع الناس على أبي موسى، وأقره ~~عثمان رضي الله تعالى عنه. ولما رجع الأمراء لم يكن للسبئية سبيل إلى ~~الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة ~~لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن ~~أشياء لتطير في الناس، ولتحقق عليه، فتوافوا بالمدينة، ms033 وأرسل عثمان رجلين: # مخزوميا وزهريا، فقال: انظرا ما يريدون، واعلما علمهم - وكانا ممن قد ~~ناله من عثمان أدب، فاصطبرا للحق، ولم يضطغنا - فلما رأوهما باثوهما ~~وأخبروهما بما يريدون، فقالا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ~~ثلاثة نفر، فقالا: هل إلا؟ قالوا: لا! قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: ~~نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم ~~أنا قررناه بها. فلم يخرج منها ولم يتب ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط ~~به فنخلعه، فإن أبى قتلناه. وكانت إياها، فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك ~~وقال، اللهم سلم هؤلاء، فإنك أن لم تسلمهم شقوا. PageV00P054 # أما عمار فحمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعركه. وأما محمد بن أبي بكر ~~فإنه أعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه، وأما ابن سهلة فإنه يتعرض للبلاء. ~~فأرسل إلى الكوفيين والبصريين، ونادى الصلاة: جامعة! وهم عنده في أصل ~~المنبر فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحاطوا بهم، فحمد ~~الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعا: اقتلهم، ~~فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من دعا إلى نفسه أو إلى أحد، وعلى ~~الناس إمام، فعليه لعنة الله، فاقتلوه ". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم. فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم ~~بجهدنا، ولا نحاد أحدا حتى يركب حدا، أو يبدي كفرا. إن هؤلاء ذكروا أمورا ~~قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها ~~علي عند من لا يعلم. # وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلدا فيه ~~أهلي، فأتممت لهذين، الأمرين أو كذلك؟ قالوا: اللهم نعم. # وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما حميت، حمي قبلي، والله ما حموا شيئا ~~لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة. ثم لم يمنعوا من رعية أحدا، ~~واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد ms034 تنازع، ~~ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحدا إلا من ساق درهما، وما لي من بعير غير ~~راحلتين، وما لي ثاغية ولا راغية وإني قد وليت، وإني أكثر العرب بعيرا ~~وشاء، فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذلك؟ قالوا: # اللهم نعم. PageV00P055 # وقالوا: كان القرآن كتبا فتركتها إلا واحدا. ألا وإن القرآن واحد، جاء من ~~عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم، وسألوه أن ~~يقيلهم. # وقالوا: إني رددت الحكم، وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكم ~~مكي، سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف، ثم رده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيره ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رده، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم. # وقالوا: استعملت الأحداث. ولم أستعمل إلا مجتمعا محتملا مرضيا، وهؤلاء ~~أهل عملهم، فسلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولى من قبلي أحدث منهم، وقيل ~~في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، ~~أكذلك؟ قالوا اللهم نعم، يعيبون للناس ما لا يفسرون. # وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإني إنما نفلته خمس ~~ما أفاء الله عليه من الخمس فكان مائة ألف، وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم وليس ذاك لهم، ~~أكذلك؟ قالوا: نعم. # وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور، ~~بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي، ولا أستحل ~~أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة ~~الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما، وأنا يومئذ شحيح حريص. أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني ~~عمري، وودعت الذي لي في أهلي، قال الملحدون ما قالوا وإني والله ما حملت ~~على مصر من ms035 الأمصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم، وما قدم ~~علي إلا الأخماس، ولا يحل لي منها شئ، فولي المسلمون وضعها في PageV00P056 # أهلها دوني، ولا يتلفت من مال الله بفلس فما فوقه، وما أتبلغ منه، ما آكل ~~إلا مالي. # وقالوا: أعطيت الأرض رجالا، وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون ~~والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن ~~رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له، فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء ~~الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب فنقلت إليهم ~~نصيبهم، فهو في أيديهم دوني. # وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ~~ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف عشرة آلاف، فأخذوا مئة ~~ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني ~~حرب. # ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى إلا ~~تركهم، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجاج كالحجاج، فتكاتبوا ~~وقالوا 6: موعدكم ضواحي المدينة في شوال، حتى إذا دخل شوال من سنة خمس ~~وثلاثين ضربوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة. # خروج الثوار إلى المدينة عام 35 ه‍: # و [هكذا] لما كان شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على ~~أربعة أمراء، المقلل يقول: ستمائة. والمكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد ~~الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيبي، وسودان PageV00P057 # ابن حمران السكوني، وقتيرة بن فلان السكوني، وعلى القوم جميعا الغافقي ~~ابن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب، وإنما ~~خرجوا كالحجاج، ومعهم ابن السوداء. وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وعلى ~~الرفاق زيد بن صوحان العبدي، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد ~~الله بن الأصم، أحد بني عامر بن صعصعة، وعددهم كعدد أهل مصر، وعليهم جميعا ~~عمرو بن الأصم. وخرج أهل البصرة في أربع رفاق، وعلى الرفاق، حكيم بن جبلة ms036 ~~العبدي، وذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي وابن ~~المحرش بن عبد بن عمرو الحنفي، وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعا حرقوص ~~بن زهير السعدي، سوى من تلاحق بهم من الناس. فأما أهل مصر فإنهم كانوا ~~يشتهون عليا، وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة ~~فإنهم كانوا يشتهون الزبير. # فخرجوا وهم على الخروج جميع. وفي الناس شتى، لا تشك كل فرقة إلا أن الفلج ~~معها، وأن أمرها سيتم دون الآخرين فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ~~ثلاث، تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا ~~الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامتهم بذي المروة. ومشى فيما بين ~~أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله ابن الأصم، وقالا: لا تعجلوا ~~ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا، ~~فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا PageV00P058 # قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد، وإن أمرنا هذا لباطل، ~~وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعن إليكم بالخبر. # قالوا: إذهبا، فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعليا ~~وطلحة والزبير، وقالا إنما نأتم هذا البيت، ونستعفي هذا الوالي من بعض ~~عمالنا، ما جئنا إلا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلهم أبى، ونهى، ~~وقال: # بيض ما يفرخن، فرجعا إليهم، فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا ومن أهل ~~البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير، وقال كل فريق ~~منهم: إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتهم. # ما قاله علي وطلحة والزبير للثوار وتظاهرهم بالعودة: # فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف معتم ~~بشقيقة حمراء يمانية، متقلد السيف، ليس عليه قميص، وقد سرح ابنه الحسن إلى ~~عثمان فيمن اجتمع إليه. فالحسن جالس عند عثمان، وعلي عند أحجار الزيت، فسلم ~~عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم، وقال: ms037 لقد علم الصالحون ان جيش ~~ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا ~~صحبكم الله! قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك. PageV00P059 # وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي، وقد أرسل ابنيه إلى ~~عثمان، فسلم البصريون عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم، وقال: # لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى، وقد سرح ابنه عبد الله إلى ~~عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم، وقال لقد علم المسلمون أن ~~جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ~~فخرج القوم وأروهم أنهم يرجعون، فانفشوا عن ذي خشب والأعوص حتى انتهوا إلى ~~عساكرهم، وهي ثلاث مراحل، كي يفترق أهل المدينة، ثم يكروا راجعين، فافترق ~~أهل المدينة لخروجهم. # مباغتة المدينة: # فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم، فبغتوهم، فلم يفجأ أهل المدينة إلا ~~والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا بعثمان، ~~وقالوا: من كف يده فهو آمن. # وصلى عثمان بالناس أياما، ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدا من كلام ~~فأتاهم الناس فكلموهم، وفيهم علي، فقال: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن ~~رأيكم؟ قالوا أخذنا مع [ال‍] بريد كتابا بقتلنا، وأتاهم طلحة فقال البصريون ~~مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك وقال الكوفيون والبصريون: ~~فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا، كأنما كانوا على ميعاد. PageV00P060 # فقال لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، ~~وقد سرتم مراحل، ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة! قالوا: ~~فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا. وهو في ذلك يصلي ~~بهم وهم يصلون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب. وكانوا ~~لا يمنعون أحدا من الكلام، وكانوا زمرا بالمدينة، يمنعون الناس من ~~الاجتماع. # كتابة عثمان إلى الأمصار: # وكتب عثمان إلى ms038 أهل الأمصار يستمدهم: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، ~~فإن الله عز وجل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا، فبلغ عن الله ما أمره به، ~~ثم مضى وقد قضى الذي عليه، وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيان ~~الأمور التي قدر، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبو بكر ~~رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه، ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة ~~عن ملأ من الأمة ثم أجمع أهل الشورى عن ملأ منهم ومن الناس علي، على غير ~~طلب مني ولا محبة، فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون تابعا غير مستتبع، ~~متبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلف. فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله، ~~بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب، فطلبوا ~~أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون، ~~وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم ~~منذ سنين وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على الله عز وجل جرأة، حتى أغاروا علينا ~~في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم ~~الأعراب، فهم كالأحزاب أيام PageV00P061 # الأحزاب، أو من غزانا بأحد، إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا ~~فليلحق. # فأتى الكتاب أهل الأمصار، فخرجوا على الصعبة والذلول، فبعث معاوية حبيب ~~بن مسلمة الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج السكوني، وخرج من ~~أهل الكوفة القعقاع بن عمرو. # وكان المحضضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عقبة بن عمرو وعبد الله بن ~~أبي أوفى، وحنظلة بن الربيع التميمي، في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وكان المحضضين بالكوفة من التابعين أصحاب عبد الله مسروق بن ~~الأجدع، والأسود بن يزيد، وشريح بن الحارث، وعبد الله بن عكيم في أمثالهم ~~يسيرون فيها، ويطوفون على مجالسها، يقولون: يا أيها الناس، إن الكلام اليوم ~~وليس به غدا، وإن النظر يحسن اليوم ويقبح غدا، وإن القتال يحل اليوم ويحرم ms039 ~~غدا انهضوا إلى خليفتكم وعصمة أمركم. # وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك، وهشام بن عامر في أمثالهم من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون مثل ذلك. ومن التابعين كعب بن سور ~~وهرم ابن حيان العبدي، وأشباه لهما يقولون ذلك. وقام بالشام عبادة بن ~~الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقولون مثل ذلك. ومن التابعين شريك بن خباشة النميري، وأبو مسلم ~~الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم بمثل ذلك وقام بمصر خارجة في أشباه له. وقد ~~كان بعض المحضضين قد شهد قدومهم، فلما رأوا حالهم انصرفوا إلى أمصارهم بذلك ~~وقاموا فيهم. # ولما جاءت الجمعة التي على اثر نزول المصريين مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، خرج PageV00P062 # عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء العدى، الله الله! # فوالله، إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فامحوا الخطايا بالصواب، فإن الله عز وجل لا يمحو السيء إلا ~~بالحسن. # فقام محمد بن مسلمة، فقال: انا اشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، ~~فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب، فثار عليه من ناحية أخرى محمد بن أبي ~~قتيرة فأقعده، وقال فأفظع، وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم ~~من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشيا عليه، فاحتمل فأدخل ~~داره. وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا في ~~ثلاثة نفر، فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، ~~وعمار بن ياسر. وشمر أناس من الناس فاستقتلوا، منهم سعد بن مالك، وأبو ~~هريرة، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي، فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا، ~~فانصرفوا. وأقبل علي عليه السلام حتى دخل على عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل ~~عليه، وأقبل الزبير حتى دخل عليه، يعودونه من صرعته، ويشكون بثهم، ثم رجعوا ~~إلى منازلهم. # وقد سأل أبو عمر الحسن هل شهدت حصر عثمان؟ قال: نعم، وأنا يومئذ ms040 غلام في ~~أتراب لي في المسجد، فإذا كثر اللغط جثوت على ركبتي أو قمت، فأقبل القوم ~~حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله، فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة ~~يعظمون ما صنعوا. وأقبلوا على أهل المدينة يتوعدونهم، فبينا هم كذلك في ~~لغطهم حول الباب فطلع عثمان، فكأنما كانت نارا طفئت، فعمد إلى المنبر، ~~فصعده، فحمد الله وأثنى عليه، فثار رجل، فأقعده رجل، PageV00P063 # وقام آخر فأقعده آخر، ثم ثار القوم فحصبوا عثمان حتى صرع، فاحتمل فأدخل، ~~فصلى بهم عشرين يوما، ثم منعوه من الصلاة. # [وفي رواية أخرى لسيف]. صلى عثمان بالناس بعدما نزلوا به في المسجد ~~ثلاثين يوما، ثم أنهم منعوه الصلاة فصلى بالناس أميرهم الغافقي، دان له ~~المصريون والكوفيون والبصريون وتفرق أهل المدينة في حيطانهم، ولزموا ~~بيوتهم، لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم، وكان ~~الحصار أربعين يوما، وفيهن كان القتل، ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح، ~~وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يكفون. # آخر خطبة لعثمان: # [وكانت] آخر خطبة خطبها عثمان رضي الله عنه في جماعة: إن الله عز وجل ~~إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن ~~الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، ~~فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله. # اتقوا الله جل وعز. فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده واحذروا من الله ~~الغير، والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابا (واذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا). PageV00P064 # لما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته وعزم وعزم، له المسلمون على الصبر ~~والامتناع عليهم بسلطان الله، قال: أخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب، ~~وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عني. وأرسل إلى طلحة والزبير وعلي وعدة: # أن ادنوا. فاجتمعوا فأشرف عليهم، فقال: يا أيها الناس، اجلسوا، فجلسوا ~~جميعا، المحارب الطارىء، والمسالم المقيم، فقال يا أهل المدينة، إني ~~أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي، وإني والله ms041 لا أدخل ~~على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله في قضاءه، ولأدعن هؤلاء وما وراء بابي ~~غير معطيهم شيئا يتخذونه عليكم دخلا في دين الله أو دنيا حتى يكون الله عز ~~وجل الصانع في ذلك ما أحب. وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم، فرجعوا ~~إلا الحسن ومحمدا وابن الزبير وأشباها لهم فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم، ~~وتاب عليهم إليهم ناس كثير ولزم عثمان الدار. # الحصار: # كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين، فلما مضت من الأربعين ثماني عشرة، ~~قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم من الآفاق: # حبيب من الشام، ومعاوية من مصر، والقعقاع من الكوفة، ومجاشع من البصرة، ~~فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان، ومنعوه كل شئ حتى الماء وقد كان يدخل ~~علي بالشيء مما يريد. وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علة، فعثروا في ~~PageV00P065 # داره بالحجارة ليرموا، فيقولوا: قوتلنا - وذلك ليلا - فناداهم: ألا تتقون ~~الله! ألا تعلمون أن في الدار غيري؟ قالوا: لا والله ما رميناك. قال: فمن ~~رمانا؟ قالوا: الله، قال: كذبتم، إن الله عز وجل لو رمانا لم يخطئنا وأنتم ~~تخطئوننا. وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه، فسرح ابنا لعمرو إلى علي ~~بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئا من الماء فافعلوا. ~~وإلى طلحة وإلى الزبير، وإلى عائشة رضي الله عنها وأزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم فكان أولهم إنجادا له علي وأم حبيبة، جاء علي في الغلس، فقال: يا ~~أيها الناس، إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، لا ~~تقطعوا عن هذا الرجل المادة فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي، وما تعرض ~~لكم هذا الرجل، فيم تستحلون حصره وقتله، قالوا: لا والله ولا نعمة، عين لا ~~نتركه يأكل ولا يشرب، فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني، ~~فرجع. وجاءت أم حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملة على إداوة، فقيل: أم ~~المؤمنين أم حبيبة، فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا ~~الرجل، ms042 فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل. ~~فقالوا: # كاذبة، وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فندت بأم حبيبة، فتلقاها ~~الناس، وقد مالت رحالتها، فتعلقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها ~~إلى بيتها. وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة، واستتبعت أخاها، فأبى، ~~فقالت: أما والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن. # وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر، فقال يا محمد تستتبعك أم ~~المؤمنين فلا تتبعها، وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم! ~~PageV00P066 # فقال: ما أنت وذاك يا بن التميمية! فقال: يا بن الخثعمية، إن هذا الأمر ~~إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف، وانصرف وهو يقول: # عجبت لما يخوض الناس فيه * يرمون الخلافة أن تزولا ولو زالت لزال الخير ~~عنهم * ولاقوا بعدها ذلا ذليلا وكانوا كاليهود أو النصارى * سواء كلهم ضلوا ~~السبيلا ولحق بالكوفة. وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظا على أهل مصر، وجاءها ~~مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا ~~الرجل، فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة، ثم لا أجد من يمنعني! # لا والله ولا أعير ولا أدري إلام يسلم أمر هؤلاء! وبلغ طلحة والزبير ما ~~لقي علي وأم حبيبة. فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات، ~~عليهم الرقباء، فأشرف عثمان على الناس، فقال: يا عبد الله بن عباس - فدعي ~~له - فقال: اذهب فأنت على الموسم - وكان ممن لزم الباب - فقال والله يا ~~أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج، فأقسم عليه لينطلقن. فانطلق ~~ابن عباس على الموسم تلك السنة، ورمى عثمان إلى الزبير بوصيته، فانصرف بها ~~- وفي الزبير اختلاف أأدرك مقتله أو خرج قبله - وقال عثمان (يا قوم لا ~~يجرمنكم شقائي أن يصيبكم مثلما أصاب قوم نوح) اللهم، حل بين الأحزاب وبين ~~ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل. [و] بعثت ليلى ابنة عميس إلى محمد بن ~~أبي بكر ومحمد بن جعفر، فقالت: ms043 إن PageV00P067 # المصباح يأكل نفسه، ويضيء للناس، فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا ~~يأثم فيكما، فإن هذا الأمر الذي تحاولون اليوم لغيركم غدا، فاتقوا أن يكون ~~عملكم اليوم حسرة عليكم. فلجا وخرجا مغضبين يقولان: لا ننسى ما صنع بنا ~~عثمان، وتقول: ما صنع بكما! ألا ألزمكما الله؟ فلقيهما سعيد بن العاص، وقد ~~كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شئ، فأنكره حين لقيه خارجا من عند ليلى، ~~فتمثل له في تلك الحال بيتا: # استبق ودك للصديق ولا تكن * فيئا يعض بخاذل ملجاجا فأجابه سعيد متمثلا: # ترون إذا ضربا صميما من الذي * له جانب ناء عن الجرم معور فلما بويع ~~الناس جاء السابق فقدم بالسلامة، فأخبره من الموسم أنهم يريدون جميعا ~~المصريين وأشياعهم، وأنهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجهم، فلما أتاهم ذلك ~~مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار، أعلقهم الشيطان، وقالوا: # لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل، فيشتغل بذلك الناس عنا، ولم ~~يبق خصلة يرجون بها النجاة إلا قتله. فراموا الباب، فمنعهم من ذلك الحسن ~~وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ومن كان من ~~أبناء الصحابة أقام معهم، واجتلدوا فناداهم عثمان: الله الله! أنتم في حل ~~من نصرتي فأبوا، ففتح الباب، وخرج ومعه الترس والسيف لينهنههم، فلما رأوه ~~أدبر المصريون، وركبهم هؤلاء ونهنههم، فتراجعوا وعظم على الفريقين، وأقسم ~~PageV00P068 # على الصحابة ليدخلن، فأبوا أن ينصرفوا، فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين، ~~وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حج، ثم تعجل في نفر حجوا معه، ~~فأدرك عثمان قبل أن يقتل وشهد المناوشة، ودخل الدار فيمن دخل وجلس على ~~الباب من داخل، وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع أن لا ندعهم ~~حتى نموت؟ فاتخذ عثمان تلك الأيام القرآن نحبا، يصلي وعنده المصحف، فإذا ~~أعيا جلس فقرأ فيه - وكانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة - وكان ~~القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب، فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من ~~الباب ms044 ولا يقدرون على الدخول جاؤوا بنار، فأحرقوا الباب والسقيفة فتأجج ~~الباب والسقيفة، حتى إذا احترق الخشب خرت السقيفة على الباب، فثار أهل ~~الدار وعثمان يصلي، حتى منعوهم الدخول، وكان أول من برز لهم المغيرة بن ~~الأخنس، وهو يرتجز: # قد علمت جارية عطبول * ذات وشاح ولها جديل أني بنصل السيف خنشليل * ~~لأمنعن منكم خليلي بصارم ليس بذي فلول وخرج الحسن بن علي وهو يقول: # لا دينهم ديني ولا أنا منهم * حتى أسير إلى طمار شمام وخرج محمد بن طلحة ~~وهو يقول: # أنا ابن من حامى عليه بأحد * ورد أحزابا على رغم معد PageV00P069 # وخرج سعيد بن العاص وهو يقول: # صبرنا غداة الدار والموت واقب * بأسيافنا دون ابن أروى نضارب وكنا غداة ~~الروع في الدار نصرة * نشافههم بالضرب والموت ثاقب فكان آخر من خرج عبد ~~الله بن الزبير، وأمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصية بما أراد، وأمره أن ~~يأتي أهل الدار فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم فخرج عبد الله بن الزبير ~~آخرهم، فما زال يدعي بها، ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه. # وأحرقوا الباب وعثمان في الصلاة، وقد افتتح (طه. ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى) - وكان سريع القراءة، فما كرثه ما سمع، وما يخطئ وما يتعتع حتى أتى ~~عليها قبل أن يصلوا إليه - ثم عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ: (الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل). # وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه: # قد علمت ذات القرون الميل * والحلي والأنامل الطفول لتصدقن بيعتي خليلي * ~~بصارم ذي رونق مصقول لا أستقيل إن أقلت قيلي PageV00P070 # وأقبل أبو هريرة، والناس محجمون عن الدار إلا أولئك العصبة، قد سروا ~~فاستقتلوا، فقام معهم وقال: أنا إسوتكم، وقال: هذا يوم طاب امضرب - يعني ~~أنه حل القتال وطاب، وهذه لغة حمير - ونادى: يا قوم، ما لي أدعوكم إلى ~~النجاة وتدعونني إلى النار! وبادر مروان يومئذ ونادى: رجل رجل، فبرز له رجل ~~من بني ليث ms045 يدعى النباع، فاختلفا، فضربه مروان أسفل رجليه، وضربه الآخر على ~~أصل العنق فقلبه، فانكب مروان واستلقى، فاجتر هذا أصحابه، واجتر الآخر ~~أصحابه، فقال المصريون: أما والله لولا أن تكونوا حجة علينا في الأمة لقد ~~قتلناكم بعد تحذير، فقال المغيرة: # من يبارز؟ فبرز له رجل فاجتلد، وهو يقول: # أضربهم باليابس * ضرب غلام بائس من الحياة آيس فأجابه صاحبه:... وقال ~~الناس: قتل المغيرة بن الأخنس. فقال الذي قتله: إنا لله! فقال له عبد ~~الرحمن بن عديس: مالك؟ قال: إني أتيت فيما يرى النائم، فقيل لي: بشر قاتل ~~المغيرة بن الأخنس بالنار فابتليت به. # وقتل قباث الكناني نيار بن عبد الله الأسلمي، واقتحم الناس الدار من ~~الدور التي حولها حتى ملؤها ولا يشعر الذين بالباب. وأقبلت القبائل على ~~أبنائهم، فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم، وندبوا رجلا لقتله، فانتدب له ~~رجل، فدخل عليه البيت، فقال: اخلعها وندعك، فقال ويحك! والله ما كشفت امرأة ~~في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ ~~بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز وجل، ~~وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة، ويهين أهل الشقاء. PageV00P071 # مقتل عثمان: # فخرج، وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا والله، والله ما ينجينا من الناس إلا ~~قتله، وما يحل لنا قتله، فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث، فقال: ممن الرجل؟ ~~فقال ليثي، فقال: لست بصاحبي، قال: وكيف؟ فقال ألست الذي دعا لك النبي صلى ~~الله عليه وسلم في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى قال: # فلن تضيع، فرجع وفارق القوم، فأدخلوا عليه رجلا من قريش، فقال: # يا عثمان، إني قاتلك، قال كلا يا فلان، لا تقتلني، قال: وكيف؟ قال: # إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لك يوم كذا وكذا، فلن تقارف دما ~~حراما. # فاستغفر ورجع، وفارق أصحابه فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب ~~الدار ينهاهم عن قتله، وقال: يا قوم، لا تسلوا سيف الله عليكم، ms046 فوالله إن ~~سللتموه لا تغمدوه ويلكم! إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا ~~يقم إلا بالسيف. ويلكم! إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله، والله لئن قتلتموه ~~لتتركنها، فقالوا: يا بن اليهودية، وما أنت وهذا؟ فرجع عنهم. # قالوا: وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر، فقال له ~~عثمان: ويلك! أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا حقه اخذته منك! فنكل ~~ورجع. # قالوا: فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره، ثار قتيرة وسودان ابن ~~حمران السكونيان، والغافقي، فضربه الغافقي بحديدة معه، وضرب المصحف برجله ~~فاستدار المصحف، فاستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء، وجاء سودان بن حمران ~~ليضربه، فانكبت عليه نائلة ابنة الفرافصة، واتقت PageV00P072 # السيف بيدها، فتعمدها، ونفح أصابعها، فأطن أصابع يدها وولت، فغمز أوراكها ~~وقال: إنها لكبيرة العجيزة، وضرب عثمان فقتله، ودخل غلمة لعثمان مع القوم ~~لينصروه - وقد كان عثمان أعتق من كف منهم - فلما رأوا سودان قد ضربه، أهوى ~~له بعضهم فضرب عنقه فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في ~~البيت، وأخرجوا من فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى. # فلما خرجوا إلى الدار، وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، ودار القوم ~~فأخذوا ما وجدوا، حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل ملاءة نائلة - ~~والرجل يدعى كلثوم بن تجيب - فتنحت نائلة، فقال: ويح أمك من عجيزة ما أتمك! ~~وبصر به غلام لعثمان فقتله وقتل، وتنادى القوم: أبصر رجل من صاحبه وتنادوا ~~في الدار: أدركوا بين المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم، ~~وليس فيه إلا غرارتان، فقالوا: النجاء، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا، ~~فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه، وماج الناس فيه، فالتانىء يسترجع ويبكي، ~~والطارىء يفرح. وندم القوم، وكان الزبير قد خرج من المدينة، فأقام على طريق ~~مكة لئلا يشهد مقتله، فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو، قال: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون! رحم الله عثمان. وانتصر له، وقيل: إن القوم نادمون، ~~فقال: دبروا دبروا (وحيل بينهم ms047 وبين ما يشتهون..) الآية. وأتى الخبر طلحة، ~~فقال: رحم الله عثمان وانتصر له وللإسلام، وقيل له: إن القوم نادمون، فقال: ~~تبا لهم! وقرأ (فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون). وأتى علي فقيل: ~~قتل عثمان، فقال: PageV00P073 # رحم الله عثمان، وخلف علينا بخير! وقيل ندم القوم، فقرأ (كمثل الشيطان إذ ~~قال للإنسان أكفر...) الآية. وطلب سعد، فإذا هو في حائطه، وقد قال: لا أشهد ~~قتله، فلما جاءه قتله قال: فررنا إلى المدينة تدنينا، وقرأ: # (اللذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). # اللهم أندمهم ثم خذهم. وعن المغيرة بن شعبة أنه قال: قلت لعلي: إن هذا ~~الرجل مقتول، وإنه إن قتل وأنت بالمدينة اتخذوا فيك، فاخرج فكن بمكان كذا ~~وكذا، فإنك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس. فأبى وحصر عثمان اثنين ~~وعشرين يوما، ثم أحرقوا الباب، وفي الدار أناس كثير، فيهم عبد الله بن ~~الزبير ومروان، فقالوا: ائذن لنا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عهد إلي عهدا، فأنا صابر عليه، وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم ~~يطلبون ما هو أعظم منه، فأحرج على رجل يستقتل ويقاتل. # وخرج الناس كلهم، ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده، فقال: إن أباك الآن ~~لفي أمر عظيم، فأقسمت عليك لما خرجت! وأمر عثمان أبا كرب - رجلا من همذان - ~~وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال، وليس فيه إلا غرارتان من ورق. ~~فلما أطفئت النار بعدما ناوشهم ابن الزبير PageV00P074 # ومروان، وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان، فلما دخل على عثمان ~~هربا. ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان، فأخذ بلحيته، فقال: أرسل لحيتي، فلم ~~يكن أبوك ليتناولها، فأرسلها. ودخلوا عليه، فمنهم من يجؤه بنصل سيفه وآخر ~~يلكزه، وجاءه رجل بمشاقص معه، فوجأه في ترفوته، فسال الدم على، المصحف، وهم ~~في ذلك يهابون في قتله، وكان كبيرا، وغشي عليه. ودخل آخرون، فلما رأوه ~~مغشيا عليه جروا برجله، فصاحت نائلة وبناته، وجاء التجيبي مخترطا سيفه ms048 ~~ليضعه في بطنه، فوقته نائلة، فقطع يدها، واتكأ بالسيف عليه في صدره. وقتل ~~عثمان رضي الله عنه قبل غروب الشمس، ونادى مناد: ما يحل دمه ويحرج ماله، ~~فانتهبوا كل شئ، ثم تبادروا بيت المال، فألقى الرجلان المفاتيح ونجوا، ~~وقالوا: الهرب الهرب! هذا ما طلب القوم. # بعض سير عثمان بن عفان رضي الله عنه: # كان عمر بن الخطاب قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان ~~إلا باذن وأجل، فشكوه فبلغه، فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن ~~البعير، يبدأ فيكون جذعا، ثم ثنيا، ثم رباعيا، ثم سديسا، ثم بازلا، ألا فهل ~~ينتظر بالبازل إلا النقصان! ألا فإن الإسلام قد بزل. ألا وان قريشا يريدون ~~أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب هي فلا إني ~~قائم دون شعب الحرة، آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار. ~~PageV00P075 # فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر فانساحوا في البلاد، ~~فلما رأوها ورأوا الدنيا، ورآهم الناس، انقطع إليهم من لم يكن له طول ولا ~~مزية في الإسلام، فكان مغموما في الناس، وصاروا أوزاعا إليهم وأملوهم، ~~وتقدموا في ذلك فقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم، وتقدمنا في التقريب ~~والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام وأول فتنة كانت في ~~العامة، ليس إلا ذلك. # آراء متفرقة في تحليل الفتنة: # لم يمت عمر رضي الله عنه حتى ملته قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة، فامتنع ~~عليهم، وقال: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد، فإن كان ~~الرجل ليستأذنه في الغزو - وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين، ولم يكن فعل ~~ذلك بغيرهم من أهل مكة - فيقول: قد كان في غزوك مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما يبلغك، وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك، فلما ولي ~~عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، فكان أحب إليهم من ~~عمر. # [ولما] ولي عثمان حج سنواته كلها إلا آخر حجة، وحج ms049 بأزواج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما كان يصنع عمر، فكان عبد الرحمن بن عوف في موضعه، وجعل ~~في PageV00P076 # موضع نفسه سعيد بن زيد، هذا في مؤخر القطار، وهذا في مقدمه، وأمن الناس، ~~وكتب في الأمصار أن يوافيه العمال في كل موسم ومن يشكوهم. وكتب إلى الناس ~~إلى الأمصار، أن ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، ولا يذل المؤمن ~~نفسه، فإني مع الضعيف على القوي، ما دام مظلوما إن شاء الله، فكان الناس ~~بذلك، فجرى ذلك إلى أن اتخذه أقوام وسيلة إلى تفريق الأمة. # [و] لم تمض سنة من إمارة عثمان حتى اتخذ رجال من قريش أموالا في الأمصار، ~~وانقطع إليهم الناس، وثبتوا سبع سنين، كل قوم يحبون أن يلي صاحبهم. ثم إن ~~ابن السوداء أسلم، وتكلم وقد فاضت الدنيا وطلعت الأحداث على يديه، ~~فاستطالوا عمر عثمان رضي الله عنه. # [وقد كان] أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا، وانتهى وسع الناس ~~طيران الحمام والرمي على الجلاهقات، فاستعمل عليهما عثمان رجلا من بني ليث ~~سنة ثمان، فقصها وكسر الجلاهقات. # [وهكذا فإن أول] من منع الحمام الطيارة والجلاهقات عثمان، ظهرت بالمدينة ~~فأمر عليها رجلا، فمنعهم منها. # [وفي رواية أخرى] زيادة: وحدث بين الناس النشو. قال: فأرسل عثمان طائفا ~~يطوف عليهم بالعصا، فمنعهم من ذلك ثم اشتد ذلك فأفشى PageV00P077 # الحدود، ونبأ ذلك عثمان، وشكاه إلى الناس، فاجتمعوا على أن يجلدوا في ~~النبيذ، فأخذ نفر منهم فجلدوا. # [و] لما حدثت الأحداث بالمدينة، خرج منها رجال إلى الأمصار مجاهدين، ~~وليدنوا من العرب، فمنهم من أتى البصرة، ومنهم من أتى الكوفة، ومنهم من أتى ~~الشام، فهجموا جميعا من أبناء المهاجرين بالأمصار على مثل ما حدث في أبناء ~~المدينة إلا ما كان من أبناء الشام، فرجعوا جميعا إلى المدينة إلا من كان ~~بالشام، فأخبروا عثمان بخبرهم، فقام عثمان في الناس خطيبا فقال: يا أهل ~~المدينة، أنتم أصل الإسلام، وإنما يفسد الناس بفسادكم ويصلحون بصلاحكم، ~~والله، والله، والله، لا يبلغني عن أحد منكم حدث أحدثه إلا سيرته، ms050 ألا فلا ~~أعرفن أحدا عرض دون أولئك بكلام ولا طلب، فإن من كان قبلكم كانت تقطع ~~أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد منهم يما عليه ولا له. وجعل عثمان لا يأخذ أحدا ~~منهم على شر أو شهر سلاح - عصا فما فوقها - إلا سيره، فضج آباؤهم، من ذلك ~~حتى بلغه أنهم يقولون: ما أحدث التسيير إلا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سير الحكم بن أبي العاص، فقال: إن الحكم كان مكيا، فسيره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم منها إلى الطائف، ثم رده إلى بلده، فرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سيره بذنبه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم رده بعفوه. وقد سير ~~الخليفة من بعده، وعمر رضي الله عنه من بعد الخليفة، وأيم الله لآخذن العفو ~~من أخلاقكم، ولأبذلنه لكم من خلقي، وقد دنت أمور، ولا أحب أن تحل بنا وبكم، ~~وأنا على وجل وحذر، فاحذروا واعتبروا. PageV00P078 # [وقد] سأل سائل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة ما دعاه إلى الخروج ~~على عثمان؟ فقال: كان يتيما في حجر عثمان، فكان عثمان والي أيتام أهل بيته، ~~ومحتمل كلهم، فسأل عثمان العمل حين ولي، فقال يا بني، لو كنت رضا ثم سألتني ~~العمل لاستعملتك، ولكن لست هناك! فقال: فأذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني، ~~قال: اذهب حيث شئت، وجهزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان ~~فيمن تغير عليه أن منعه الولاية، قيل: فعمار ابن ياسر؟ قال: كان بينه وبين ~~عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان، فأورث ذاك بين آل عمار وآل ~~عتبة شرا حتى اليوم وكنى عما ضربا عليه وفيه. # قال مبشر: سألت سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر: ما دعاه إلى ركوب ~~عثمان؟ فقال: الغضب والطمع، قلت: ما الغضب والطمع؟ قال: كان من الإسلام ~~بالمكان الذي هو به، وغره أقوام فطمع. وكانت له دالة فلزمه حق، فأخذه عثمان ~~من ظهره، ولم يدهن، فاجتمع هذا إلى هذا، فصار مذمما بعد أن ms051 كان محمدا. # لما ولي عثمان لان لهم، فانتزع الحقوق انتزاعا، ولم يعطل حقا، فأحبوه على ~~لينه، فأسلمهم ذلك إلى أمر الله عز وجل. # [و] كان مما أحدث عثمان فرضي به منه، أنه ضرب رجلا في منازعة استخف فيها ~~بالعباس بن عبد المطلب، فقيل له، فقال نعم، أيفخم PageV00P079 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه، وأرخص في الاستخفاف به! لقد خالف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك ومن رضي به. # منه قال حمران بن أبان: أرسلني عثمان إلى العباس بعدما بويع، فدعوته ~~إليه، فقال: مالك تعبدتني! قال: لم أكن قط أحوج إليك مني اليوم، قال: # الزم خمسا لا تنازعك الأمة خزائمها ما لزمتها، قال: وما هن؟ قال: الصبر ~~عن القتل والتحبب، والصفح، والمداراة، وكتمان السر. # [و] بلغ عثمان أن ابن ذي الحبكة النهدي يعالج نيرنجا - قال محمد بن سلمة: ~~إنما هو نيرج - فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك، فإن، أقر به ~~فأوجعه فدعا به فسأله، فقال: إنما هو رفق وأمر يعجب منه، فأمر به فعزر، ~~وأخبر الناس خبره، وقرأ عليهم كتاب عثمان: إنه قد جد بكم، فعليكم بالجد، ~~وإياكم والهزال، فكان الناس عليه، وتعجبوا من وقوف عثمان على مثل خبره، ~~فغضب، فنفر في الذين نفروا، فضرب معهم، فكتب إلى عثمان فيه، فلما سير إلى ~~الشام من سير، سير كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبد الله - وكان دينه كدينه - ~~إلى دنباوند، لأنها أرض سحرة، فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد: # لعمري لئن طردتني ما إلى التي * طمعت بها من سقطتي لسبيل رجوت رجوعي يا ~~بن أروى ورجعتي * إلى الحق دهرا غال ذلك غول PageV00P080 # وإن اغترابي في البلاد وجفوتي * وشتمي في ذات الإله قليل وإن دعائي كل ~~يوم وليلة * عليك بدنباوندكم لطويل فلما ولي سعيد أقفله وأحسن إليه ~~واستصلحه فكفره، فلم يزدد إلا فسادا. # واستعار ضابيء بن الحارث البرهمي في زمان الوليد بن عقبة من قوم من ~~الأنصار كلبا يدعى قرحان يصيد الظباء، فحبسه عنهم، ms052 فنافره الأنصاريون ~~واستعانوا عليه بقومه فكاثروه، فانتزعوه منه وردوه على الأنصار، فهجاهم ~~وقال في ذلك: # تحشم دوني وفد قرحان خطة * تضل لها الوجناء وهي حسير فباتوا شباعا ناعمين ~~كأنما * حباهم ببيت المرزبان أمير فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم * فإن عقوق ~~الأمهات كبير فاستعدوا عليه عثمان، فأرسل إليه، فعزره وحبسه كما كان يصنع ~~بالمسلمين، فاستثقل ذلك، فما زال في الحبس حتى مات فيه. وقال في الفتك ~~يعتذر إلى أصحابه: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني * فعلت ووليت البكاء حلائله وقائلة قد مات في ~~السجن ضابيء * ألا من لخصم لم يجد من يجادله وقائلة لا يبعد الله ضائبا * ~~فنعم الفتى تخلو به وتحاوله فذلك صار عمير بن ضابيء سبئيا. # عن المستنير، عن أخيه قال: والله ما علمت ولا سمعت بأحد غزا عثمان ~~PageV00P081 # رضي الله عنه ولا ركب إليه إلا قتل لقد اجتمع بالكوفة نفر فيهم الأشتر ~~وزيد بن صوحان وكعب بن ذي الحبكة وأبو زينب وأبو مورع وكميل بن زياد وعمير ~~بن ضابيء، فقالوا: لا والله لا يرفع رأس ما دام عثمان على الناس، فقال عمير ~~بن ضابيء وكميل بن زياد: نحن نقتله فركبا إلى المدينة، فأما عمير فإنه نكل ~~عنه، وأما كميل بن زياد فإنه حسر وثاوره، وكان جالسا يرصده حتى أتى عليه ~~عثمان، فوجأ عثمان وجهه، (فوقع على أسته، وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين! ~~قال: أو لست بفاتك؟ قال لا والله الذي لا إله إلا هو، فحلف وقد اجتمع عليه ~~الناس، فقالوا: نفتشه يا أمير المؤمنين، فقال: لا، قد رزق الله العافية، ~~ولا أشتهي أن اطلع منه غير ما قال: وقال: إن كان كما قلت يا كميل فاقتد مني ~~- وجثا - فوالله ما حسبتك إلا تريدني، وقال إن كنت صادقا فأجزل الله، وإن ~~كنت كاذبا فأذل الله. وقعد له على قدميه وقال: # دونك! قال: قد تركت. # فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما، فلما قدم الحجاج قال: من كان من بعث ~~المهلب فليواف مكتبه، ولا يجعل على نفسه سبيلا. فقام إليه عمير، وقال: ms053 # إني شيخ ضعيف، ولي إبنان قويان، فأخرج أحدهما مكاني أو كليهما، فقال: # من أنت؟ قال أنا عمير بن ضابيء، فقال: والله لقد عصيت الله عز وجل منذ ~~أربعين سنة، ووالله لأنكلن بك المسلمين، غضبت لسارق الكلب ظالما، إن أباك ~~إذ غل لهم، وإنك هممت ونكلت، وإني أهم ثم لا أنكل فضربت عنقه. # قال سيف: حدثنا رجل من بني أسد، قال: كان من حديثه أنه كان قد غزا عثمان ~~رضي الله عنه فيمن غزاه، فلما قدم الحجاج ونادى بما نادى به، عرض ~~PageV00P082 # رجل عليه ما عوض نفسه، فقبل منه، فلما ولي قال أسماء بن خارجة: لقد كان ~~شأن عمير مما يهمني، قال: ومن عمير؟ قال: هذا الشيخ، قال: # ذكرتني الطعن وكنت ناسيا أليس فيمن خرج إلى عثمان قال؟ بلى، قال: فهل ~~بالكوفة أحد غيره؟ # قال: نعم، كميل، قال: علي بعمير، فضرب عنقه، ودعا بكميل فهرب، فأخذ النخع ~~به، فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكبر! # فقال: أما والله لتحبسن عني لسانك أو لأحسن رأسك بالسيف. قال: # افعل. فلما رأى كميل ما لقي قومه من الخوف وهم ألفا مقاتل، قال: الموت ~~خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سبي وحرموا. فخرج حتى أتى الحجاج، فقال له ~~الحجاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك أمير المؤمنين، ولم ترض حتى أقعدته ~~للقصاص إذ دفعك عن نفسه؟ فقال: على أي ذلك تقتلني! تقتلني على عفوه أو على ~~عافيتي؟ قال يا أدهم بن المحرز، اقتله: قال: والأجر بيني وبينك؟ قال: نعم، ~~قال أدهم: بل الأجر لك، وما كان من إثم فعلي. وقال مالك بن عبد الله - وكان ~~من المسيرين: # مضت لابن أروى في كميل ظلامة * عفاها له والمستقيد يلام وقال له لا أقبح ~~اليوم مثله * عليك أبا عمرو وأنت إمام رويدك رأسي والذي نسكت له * قريش بنا ~~على الكبير حرام PageV00P083 # وللعفو أمن تعرف الناس فضله * وليس علينا في القصاص أثام ولو علم الفاروق ~~ما أنت صانع * نهى عنك نهيا ليس فيه ms054 كلام دفن عثمان رضي الله عنه: # لما قتل عثمان أرسلت نائلة إلى عبد الرحمن بن، عديس، فقالت له: إنك أمس ~~القوم رحما وأولاهم بأن تقوم بأمري، اغرب عني هؤلاء الأموات. # قال: فشتمها وزجرها، حتى إذا كان في جوف الليل خرج مروان حتى أتى دار ~~عثمان، فأتاه زيد بن ثابت وطلحة بن عبيد الله وعلي والحسن وكعب بن مالك ~~وعامة من ثم من صحابه، فتوافى إلى موضع الجنائز صبيان ونساء، فأخرجوا عثمان ~~فصلى عليه مروان، ثم خرجوا به حتى انتهوا إلى البقيع، فدفنوه فيه مما يلي ~~حش كوكب، حتى إذا أصبحوا أتوا أعبد عثمان الذين قتلوا معه فأخرجوهم، فرأوهم ~~فمنعوهم من أن يدفنوا، فأدخلوهم حش كوكب، فلما أمسوا خرجوا بعيدين منهم ~~فدفنوهما إلى جنب عثمان ومع كل واحد منهما خمسة نفر وامرأة، فاطمة أم ~~إبراهيم بن عدي، ثم رجعوا فأتوا كنانة بن بشر، فقالوا: إنك أمس القوم بنا ~~رحما، فأمر بهاتين الجيفتين اللتين في الدار أن تخرجا، فكلمهم في ذلك، ~~فأبوا فقال: أنا جار لآل عثمان من أهل مصر ومن لف لفهم، فأخرجوهما فارموا ~~بهما فجرا بأرجلهما، فرمى بهما على البلاط، فأكلتهما الكلاب، وكان العبدان ~~اللذان قتلا يوم الدار يقال بهما نجيح وصبيح، فكان اسماهما الغالب على ~~PageV00P084 # الرقيق لفضلهما وبلائهما، ولم يحفظ الناس اسم الثالث، ولم يغسل عثمان، ~~وكفن في ثيابه ودمائه ولا غسل غلاماه. # ودفن عثمان رضي الله عنه في الليل، وصلى عليه مروان بن الحكم، وخرجت ~~ابنته تبكي في اثره، ونائلة ابنة الفرافضة، رحمهم الله. # وكان قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي ~~الحجة سنة خمس وثلاثين [35 ه‍] على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين ~~وعشرين يوما من مقتل عمر رضي الله عنه. وقتل وهو ابن ثلاث وستين سنة. # ولاة الأمصار عند وفاة عثمان: # مات عثمان رضي الله عنه وعلى الشام معاوية، وعامل معاوية على حمص عبد ~~الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب بن مسلمة، وعلى الأردن أبو ms055 ~~الأعور بن سفيان، وعلى فلسطين علقمة بن حكيم الكناني، وعلى البحر عبد الله ~~بن قيس الفزاري، وعلى القضاء أبو الدرداء. PageV00P085 # وفي رواية سيف عن عطية: مات عثمان رضي الله عنه، وعلى الكوفة، على صلاتها ~~أبو موسى، وعلى خراج السواد جابر بن عمرو المزني - وهو صاحب المسناة إلى ~~جانب الكوفة - وسماك الأنصاري. وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قرقيسياء ~~جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى حلوان عتيبة بن ~~النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى همذان النسير، وعلى الري سعيد بن قيس ~~وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسبذان حبيش، وعلى بيت المال عقبة بن ~~عمرو. وكان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت. # بعض خطب عثمان: # خطب عثمان الناس بعدما بويع فقال: # أما بعد، فإني قد حملت وقد قبلت، ألا وإني متبع ولست بمبتدع، ألا وإن لكم ~~علي بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثا: اتباع من ~~كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ~~ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم. ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى ~~الناس، ومال إليها كثير منهم. فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها، فإنها ~~ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها. # [و] آخر خطبة خطبها عثمان رضي الله عنه في جماعة: PageV00P086 # إن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها ~~لتركنوا إليها. إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية، ولا ~~تشغلنكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن ~~المصير إلى الله. اتقوا الله جل وعز، فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده، ~~واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا، (واذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا). ~~PageV00P087 # خلافة علي بن أبي طالب PageV00P089 # الدولة بلا خليفة: # بقيت المدينة بعد قتل عثمان رضي الله عنه خمسة أيام، وأميرها الغافقي ابن ~~حرب يلتمسون ms056 من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، يأتي المصريون عليا ~~فيختبىء منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدهم وتبرأ منهم ومن ~~مقالتهم مرة بعد مرة، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث ~~هو رسلا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم، ويطلب البصريون طلحة، فإذا لقيهم باعدهم ~~وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة، وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن ~~يهوون، فلما لم يجدوا ممالئا ولا مجيبا جمعهم الشر على أول من أجابهم، ~~وقالوا: لا نولي أحدا من هؤلاء الثلاثة، فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص ~~وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع، فاقدم نبايعك، فبعث إليهم: ~~إني وابن عمر خرجنا منها فلا حاجة لي فيها على حال، وتمثل: # لا تخلطن خبيثات بطيبة * واخلع ثيابك منها وانج عريانا ثم إنهم أتوا ابن ~~عمر عبد الله، فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: PageV00P091 # إن لهذا الأمر انتقاما، والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري. فبقوا حيارى لا ~~يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم. # وكانوا إذا لقوا طلحة أبى وقال: # ومن عجب الأيام والدهر أنني * بقيت وحيدا لا أمر ولا أحلي فيقولون إنك ~~لتوعدنا. فيقومون فيتركونه، فإذا لقوا الزبير وأرادوه أبى وقال: # متى أنت عن دار بفيحان راحل * وباحتها تخنو عليك الكتائب فيقولون: إنك ~~لتوعدنا فإذا لقوا عليا وأرادوه أبى وقال: # لو أن قومي طاوعتني سراتهم * أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا فيقولون: إنك ~~لتوعدنا! فيقومون ويتركونه. # [و] لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان رضي الله عنه، ~~جمعوا أهل المدينة، فوجدوا سعدا والزبير خارجين، ووجدوا طلحة في حائط له، ~~ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب، وهرب الوليد وسعيد إلى مكة ~~في أول من خرج، وتبعهم مروان، وتتابع على ذلك من تتابع، فلما PageV00P092 # اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون ~~الإمامة، وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلا تنصبونه، ونحن لكم تبع، فقال ~~الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون. # المبايعة لعلي: ms057 # فقالوا لهم: دونكم يا أهل المدينة فقد أجلناكم يومين، فوالله لئن لم ~~تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة والزبير وأناسا كثيرا. فغشي الناس عليا، ~~فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتلينا به من ذوي القربى ~~فقال علي: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان، لا ~~تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. فقالوا: ننشدك الله ألا ترى ما نرى! # ألا ترى الإسلام! ألا ترى الفتنة! الا تخاف الله! فقال قد أجبتكم لما ~~أرى، واعلموا ان أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، ~~إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا ~~الغد. # وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت. فبعث ~~البصريون إلى الزبير بصريا، وقالوا: احذر لا تحاده - وكان رسولهم حكيم ابن ~~جبلة العبدي في نفر - فجاؤوا به يحدونه بالسيف. وإلى طلحة كوفيا، وقالوا ~~له: احذر لا تحاده فبعثوا الأشتر في نفر فجاؤوا به يحدونه بالسيف. # وأهل الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه ~~أهل المدينة وقد خشع أهل الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعا PageV00P093 # لأهل مصر وحشوة فيهم، وازدادوا بذلك على طلحة والزبير غيظا، فلما أصبحوا ~~من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، وجاء علي حتى صعد المنبر، فقال يا أيها ~~الناس - عن ملإ وإذن - إن هذا امركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم وقد ~~افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد. على أحد. # فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. وجاء القوم بطلحة فقالوا: بايع، ~~فقال: إني إنما أبايع كرها، فبايع - وكان به شلل - أول الناس، وفي الناس ~~رجل يعتاف فنظر من بعيد، فلما رأى طلحة أول من بايع قال إنا لله وإنا إليه ~~راجعون! أول يد بايعت أمير المؤمنين يد شلاء! لا يتم هذا الأمر! # ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع - وفي الزبير اختلاف - ثم جيء بقوم ~~كانوا قد تخلفوا فقالوا: نبايع على إقامة ms058 كتاب الله في القريب والبعيد، ~~والعزيز والذليل، فبايعهم، ثم قام العامة فبايعوا. # مبايعة طلحة والزبير: # لما قتل عثمان رضي الله عنه واجتمع الناس على علي، ذهب الأشتر فجاء بطلحة ~~فقال له: دعني أنظر إلى ما يصنع الناس، فلم يدعه وجاء به يتله تلا عنيفا، ~~فصعد المنبر فبايع PageV00P094 # [و] جاء حكيم بن جبلة بالزبير حتى بايع، فكان الزبير يقول: # جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت واللج على عنقي. # وبايع الناس كلهم. # أول خطبة لعلي رضي الله عنه: # [بويع علي يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة، وكانت أول خطبة خطبها بعد ~~أن حمد الله وأثنى عليه، أن قال: # ] إن الله عز وجل أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ~~ودعوا الشر. الفرائض أدوها إلى الله سبحانه يؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم ~~حرما غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد ~~المسلمين. والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده إلا بالحق. لا يحل أذى ~~المسلم إلا بما يجب. بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإن الناس ~~أمامكم، وإن ما من خلفكم الساعة تحدوكم. تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس ~~أخراهم. اتقوا الله عباده في عباده وبلاده، إنكم مسؤولون حتى عن البقاع ~~والبهائم. أطيعوا الله عز وجل ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا ~~رأيتم الشر فدعوه، (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض). PageV00P095 # ولما فرغ علي من خطبته وهو على المنبر قال المصريون: # خذها واحذرا أبا حسن * إنا نمر الأمر إمرار الرسن وإنما الشعر: # خذها إليك واحذرا أبا حسن فقال علي مجيبا: # إني عجزت عجزة ما أعتذر * سوف أكيس بعدها وأستمر [وفي رواية أخرى]. # ولما أراد علي الذهاب إلى بيته قالت السبئية: # خذها إليك واحذرا أبا حسن * إنا نمر الأمر إمرار الرسن صولة أقوام كأسداد ~~السفن * بمشرفيات كغدران اللبن ونطعن الملك بلين كالشطن * حتى يمرن على غير ~~عنن فقال علي وذكر تركهم العسكر والكينونة على عدة ما منوا حين غمزوهم ~~ورجعوا إليهم فلم يستطيعوا أن ms059 يمتنعوا حتى... PageV00P096 # إني عجزت عجزة لا أعتذر * سوف أكيس بعدها وأستمر أرفع من ذيلي ما كنت أجر ~~* وأجمع الأمر الشتيت المنتشر إن لم يشاغبني العجول المنتصر * أو يتركوني ~~والسلاح يبتدر مطالب طلحة والزبير: # واجتمع إلى علي بعدما دخل، طلحة والزبير في عدة من الصحابة، فقالوا: # يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم ~~هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم. فقال لهم: يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ~~ولكني كيف اصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! ها هم هؤلاء قد ثارت معهم ~~عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا، فهل ترون ~~موضعا لقدرة على شئ مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلا رأيا ~~ترونه إن شاء الله إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة، وذلك ~~أن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدا. إن الناس من هذا ~~الامر إن حرك على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ~~ترى هذا ولا هذا، حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، ~~فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم، ثم عودوا. # واشتد على قريش، وحال بينهم وبين الخروج على حال، وإنما هيجه على ذلك هرب ~~بني أمية. وتفرق القوم، وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على ~~انتصار من هؤلاء الأشرار لترك هذا إلى ما قال علي أمثل. PageV00P097 # وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره، ووالله إن عليا لمستغن برأيه ~~وأمره عنا، ولا نراه إلا سيكون على قريش أشد من غيره. فذكر ذلك لعلي فقام ~~فحمد الله وأثنى عليه، وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم وقيامه دونهم، ~~وأنه ليس له من سلطانهم إلا ذلك والأجر من الله عز وجل عليه، ونادى برئت ~~الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه. فتذامرت السبئية والأعراب، وقالوا: لنا ~~غدا مثلها، ولا نستطيع نحتج فيهم بشئ. # [و] خرج علي في اليوم الثالث على الناس، فقال: يا أيها الناس، أخرجوا ms060 ~~عنكم الأعراب. وقال: يا معشر الأعراب، الحقوا بمياهكم. فأبت السبئية ~~وأطاعهم الأعراب. ودخل على بيته ودخل عليه طلحة والزبير وعدة من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دونكم ثأركم فاقتلوه، فقالوا: عشوا عن ذلك، ~~قال: هم والله بعد اليوم أعشى وآبى. وقال: # لو أن قومي طاوعتني سراتهم * أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا وقال طلحة: دعني ~~فلآت البصرة فلا يفجؤك إلا وأنا في خيل، فقال: # حتى أنظر في ذلك. وقال الزبير: دعني آتي الكوفة فلا يفجؤك إلا وأنا في ~~خيل، فقال: حتى أنظر في ذلك. وسمع المغيرة بذلك المجلس فجاء حتى دخل عليه، ~~فقال: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم تحرز به ما في ~~PageV00P098 # غد، وإن الضياع اليوم تضيع به ما في غد، أقرر معاوية على عمله، وأقرر ابن ~~عامر على عمله وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود ~~استبدلت أو تركت. قال: حتى أنظر. # فخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي، وإن ~~الرأي أن تعاجلهم بالنزوع فيعرف السامع من غيره ويستقبل أمرك، ثم خرج. ~~وتلقاه ابن عباس خارجا وهو داخل، فلما انتهى إلى علي قال: رأيت المغيرة خرج ~~من عندك، ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بذية وذية، وجاءني اليوم بذية وذية، ~~فقال: اما أمس فقد نصحك، وأما اليوم فقد غشك. # قال: فما الرأي؟ قال: كان الرأي ان تخرج حين قتل الرجل أو قبل ذلك، فتأتي ~~مكة فتدخل دارك وتغلق عليك بابك، فإن كانت العرب جائلة مضطربة في أثرك لا ~~تجد غيرك، فاما اليوم فإن في بني أمية من يستحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة ~~من هذا الأمر، ويشبهون على الناس، ويطلبون مثل ما طلب أهل المدينة، ولا ~~تقدر على ما يريدون ولا يقدرون عليه، ولو صارت الأمور إليهم حتى يصيروا في ~~ذلك أموت لحقوقهم وأترك لها إلا ما يعجلون من الشبهة. # وقال المغيرة: نصحته والله، فلما لم يقبل غششته. وخرج المغيرة حتى لحق ~~بمكة أخبار عمال علي: # [ولما دخلت سنة ms061 ست وثلاثين] بعث علي عماله على الأمصار فبعث PageV00P099 # عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وكانت له هجرة، ~~وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على ~~الشام. # فأما سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ # قال: أمير، قالوا: على أي شئ قال: على الشام قالوا: إن كان عثمان بعثك ~~فحيهلا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع. قال: أو ما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: ~~بلى. فرجع إلى علي. # واما قيس بن سعيد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ # قال: من فالة عثمان، فأنا أطلب من آوي إليه وأنتصر به، قالوا: من أنت؟ # قال: قيس بن سعد، قالوا: امض، فمضى حتى دخل مصر، فافترق أهل مصر فرقا، ~~فرقة دخلت في الجماعة وكانوا معه، وفرقة وقفت واعتزلت إلى خربتا، وقالوا: ~~إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم، وإلا فنحن على جديلتنا حتى نحرك أو نصيب ~~حاجاتنا، وفرقة قالوا: نحن مع علي ما لم يقد إخواننا، وهم في ذلك مع ~~الجماعة، وكتب قيس إلى أمير المؤمنين بذلك. # وأما عثمان بن حنيف فسار فلم يرده أحد عن دخول البصرة ولم يوجد في ذلك ~~لابن عامر رأي ولا حزم ولا استقلال بحرب. وافترق الناس بها، فاتبعت فرقة ~~القوم، ودخلت فرقة في الجماعة، وفرقة قالت: ننظر ما يصنع أهل المدينة فنصنع ~~كما صنعوا. # وأما عمارة فأقبل حتى إذا كان بزبالة لقيه طلحة بن خويلد، وقد كان حين ~~بلغهم خبر عثمان خرج يدعو إلى الطلب بدمه ويقول: لهفي على أمر لم يسبقني ~~ولم أدركه. PageV00P100 # يا ليتني فيها جذع * أكر فيها وأضع فخرج حين رجع القعقاع من إغاثة عثمان ~~فيمن أجابه حتى دخل الكوفة، فطلع عليه عمارة قادما على الكوفة، فقال له: ~~إرجع فإن القوم لا يريدون بأميرهم بدلا، وإن أبيت ضربت عنقك. فرجع عمارة ~~وهو يقول: احذر الخطر ما يماسك الشر خير من شر منه. # فرجع إلى علي بالخبر. وغلب ms062 على عمارة بن شهاب هذا المثل من لدن اعتاصت ~~عليه الأمور إلى أن مات. وانطلق عبيد الله بن عباس إلى اليمن، فجمع يعلى ~~ابن أمية كل شئ من الجباية وتركه وخرج بذلك وهو سائر على حاميته إلى مكة ~~فقدمها بالمال. ولما رجع سهل بن حنيف من طريق الشام وأتته الأخبار، ورجع من ~~رجع، دعا علي طلحة والزبير، فقال: إن الذي كنت أحذركم قد وقع يا قوم، وإن ~~الأمر الذي وقع لا يدرك إلا بإماتته، وإنها فتنة كالنار، كلما سعرت ازدادت ~~واستنارت. فقالا له: فأذن لنا أن نخرج من المدينة، فإما أن نكابر وإما أن ~~تدعنا. فقال: سأمسك الأمر ما استمسك فإذا لم أجد بدا، فآخر الدواء الكي. # كتابة علي إلى أبي موسى ومعاوية: # وكتب [علي] إلى معاوية وإلى أبي موسى، وكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل ~~الكوفة وبيعتهم، وبين الكاره منهم للذي كان، والراضي بالذي قد كان، ومن بين ~~ذلك، حتى كأن عليا على المواجهة من أمر أهل الكوفة. وكان رسول علي إلى أبي ~~موسى معبد الأسلمي PageV00P101 # وكان رسول أمير المؤمنين إلى معاوية سبرة الجهني، فقدم عليه فلم يكتب ~~معاوية بشئ ولم يجبه، ورد رسوله، وجعل كلما تنجز جوابه لم يزد على قوله: # أدم إدامة حصن أو خذا بيدي * حربا ضروسا تشب الجزل والضر ما في جاركم ~~وابنكم إذ كان مقتله * شنعاء شيبت الأصداع بعد واللمما أعيا المسود بها ~~والسيدون فلم * يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما وجعل الجهني كلما تنجز الكتاب ~~لم يزده على هذه الأبيات حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، ~~دعا معاوية برجل من بني عبس، ثم أحد بني رواحة يدعى قبيصة، فدفع إليه ~~طومارا مختوما، عنوانه: من معاوية: # إلى علي. فقال إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار، ثم أوصاه بما ~~يقول وسرح رسول علي. وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول لغرته، فلما دخلا ~~المدينة رفع العبسي الطومار كما أمره، وخرج الناس ينظرون إليه، فتفرقوا إلى ~~منازلهم وقد علموا أن معاوية معترض، ms063 ومضى حتى يدخل على علي، فدفع إليه ~~الطومار ففض خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة، فقال للرسول: ما ورائك؟ قال: آمن ~~أنا؟ قال: نعم، إن الرسل آمنة لا تقتل، قال: # ورائي أني تركت قوما لا يرضون إلا بالقود، قال: ممن؟ قال: من خيط نفسك، ~~وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منبر ~~دمشق. فقال: مني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتورا كتره عثمان؟ اللهم إني أبرأ ~~إليك من دم عثمان، نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله، PageV00P102 # فإنه إذا أراد أمرا أصابه، أخرج، قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن. # فخرج العبسي، وصاحت السبئية قالوا: هذا الكلب، هذا وافد الكلاب، اقتلوه! ~~فنادى: يا آل مضر، يا آل قيس، الخيل والنبل، إني أحلف بالله جل اسمه ~~ليردنها عليكم أربعة آلاف خصي، فانظروا كم الفحولة والركاب! # وتعاووا عليه ومنعنه مضر، وجعلوا يقولون له: أسكت، فيقول: لقد حل بهم ما ~~يحذرون، انتهت والله أعمالهم، وذهبت ريحهم فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل ~~فيهم. PageV00P103 # الذي وقعة الجمل PageV00P105 # استئذان طلحة والزبير عليا في العمرة: # استأذن طلحة والزبير عليا في العمرة، فأذن لهما، فلحقا بمكة، وأحب أهل ~~المدينة أن يعلموا ما رأي علي في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيه في ~~قتال أهل القبلة، أيجسر عليه أو ينكل عنه؟ وقد بلغهم أن الحسن بن علي دخل ~~عليه ودعاه إلى القعود وترك الناس، فدسوا إليه زياد بن حنظلة التميمي - ~~وكان منقطعا إلى علي - فدخل عليه فجلس إليه ساعة، ثم قال له علي: يا زياد، ~~تيسر، فقال: لأي شئ؟ فقال: تغزو الشام، فقال زياد: الأناة والرفق أمثل، ~~فقال: # ومن لا يصانع في أمور كثيرة * يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم فتمثل علي وكأنه ~~لا يريده: # متى تجمع القلب الذكي وصارما * وأنفا حميا تجتنبك المظالم فخرج زياد على ~~الناس، والناس ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: # السيف يا قوم، فعرفوا ما هو فاعل. ودعا علي محمد بن الحنفية، فدفع إليه ~~اللواء، وولى عبد الله بن عباس ميمنته، وعمر ms064 بن أبي سلمة - أو عمرو بن ~~سفيان PageV00P107 # ابن عبد الأسد - ولاه ميسرته، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجراح، ابن أخي ~~أبي عبيدة بن الجراح، فجعله علي مقدمته، واستخلف على المدينة قثم بن عباس، ~~ولم يول ممن خرج على عثمان أحدا، وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى ~~الشآم، وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى مثل ذلك، وأقبل على التهيؤ ~~والتجهز، وخطب أهل المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الفرقة، وقال: # إن الله عز وجل بعث رسولا هاديا مهديا بكتاب ناطق وأمر قائم واضح، لا ~~يهلك عنه إلا هالك، وإن المبتدعات والشبهات هن المهلكات إلا من حفظه الله، ~~وإن في سلطان الله عصمة أمركم، فأعطوه طاعتكم غير ملوية ولا مستكره بها، ~~والله لتفعلن أو لينقلن الله عنكم سلطان الإسلام ثم لا ينقله إليكم أبدا ~~حتى يأرز الأمر إليها، انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون يفرقون ~~جماعتكم، لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق، وتقضون الذي عليكم. فبينا ~~هم كذلك إذ جاء الخبر عن أهل مكة بنحو آخر وتمام على خلاف، فقام فيهم بذلك، ~~فقال: إن الله عز وجل جعل لظالم هذه الأمة العفو والمغفرة، وجعل لمن لزم ~~الأمر واستقام الفوز والنجاة، فمن لمن يسعه الحق أخذ بالباطل، ألا وإن طلحة ~~والزبير وأم المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي، ودعوا الناس إلى الإصلاح ~~وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم، وأكف إن كفوا، وأقتصر على ما بلغني عنهم. # استنفار أهل المدينة: # ثم أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة الناس والإصلاح، فتعبي للخروج إليهم، ~~وقال: إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين وما كان عليهم في المقام فينا ~~PageV00P108 # مؤونة ولا إكراه. فاشتد على أهل المدينة الأمر، فتثاقلوا، فبعث إلى عبد ~~الله ابن عمر كميلا النخعي، فجاء به، فقال: انهض معي، فقال: أنا مع أهل ~~المدينة، إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم فلا ~~أفارقهم، فإن يخرجوا أخرج وإن يقعدوا أقعد. قال: فاعطني زعيما بألا تخرج، ms065 ~~قال: # ولا أعطيك زعيما، قال: لولا ما اعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتني، ~~دعوه فأنا به زعيم. فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة وهم يقولون: # لا والله ما ندري كيف نصنع، فإن هذا الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتى ~~يضيء لنا ويسفر. # فخرج من تحت ليلته وأخبر أم كلثوم بنت علي بالذي سمع من أهل المدينة، ~~وأنه يخرج معتمرا مقيما على طاعة علي ما خلا النهوض، وكان صدوقا فاستقر ~~عندها، وأصبح علي فقيل له: حدث البارحة حدث هو أشد عليك من طلحة والزبير ~~وأم المؤمنين ومعاوية، قال: وما ذلك؟ قال: خرج ابن عمر إلى الشام، فأتى علي ~~السوق ودعا بالظهر فحمل الرجال، وأعد لكل طريق طلابا. # وماج أهل المدينة، وسمعت أم كلثوم بالذي هو فيه، فدعت ببغلتها فركبتها في ~~رحل ثم أتت عليا وهو واقف في السوق يفرق الرجال في طلبه، فقالت: # ما لك لا تزند من هذا الرجل؟ إن الأمر على خلاف ما بلغته وحدثته. # قالت: أنا ضامنة له، فطابت نفسه وقال: انصرفوا، لا والله ما كذبت ولا ~~كذب، وإنه عندي ثقة فانصرفوا. ولما رأى علي من أهل المدينة ما رأى لم يرض ~~طاعتهم حتى يكون معها نصرته، قام فيهم وجمع إليه وجوه أهل المدينة، وقال إن ~~آخر هذا الأمر PageV00P109 # لا يصلح إلا بما صلح أوله، فقد رأيتم عواقب قضاء الله عز وجل على من مضى ~~منكم فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم. فأجابه رجلان من أعلام الأنصار، ~~أبو الهيثم بن التيهان - وهو بدري - وخزيمة بن ثابت - وليس بذي الشهادتين، ~~مات ذو الشهادتين في زمن عثمان رضي الله عنه. [وقد سئل الحكم]: أشهد خزيمة ~~بن ثابت ذو الشهادتين الجمل؟؟ # فقال: ليس به، ولكنه غيره من الأنصار، مات ذو الشهادتين في زمن عثمان ابن ~~عفان رضي الله عنه. # قال الشعبي: بالله الذي لا إله إلا هو، ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة ~~بدريين ما لهم سابع، أو سبعة ما لهم ثامن. # [وفي رواية أخرى] عن الشعبي، قال: ms066 بالله الذي لا إله إلا هو ما نهض في ~~ذلك الأمر إلا ستة بدريين ما لهم سابع. فقلت: # اختلفتما. قال: لم نختلف، إن الشعبي شك في أبي أيوب: أخرج حيث أرسلته أم ~~سلمة إلى علي بعد صفين، أم لم! يخرج إلا أنه قدم عليه فمضى إليه، وعلي ~~يومئذ بالنهروان. # وعن سعيد بن زيد أنه قال: ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ففازوا على الناس بخير يجوزونه إلا وعلي بن أبي طالب أحدهم. ~~PageV00P110 # ثم إن زياد بن حنظلة لما رأى تثاقل الناس عن علي ابتدر إليه وقال: من ~~تثاقل عنك فإنا نخف معك ونقاتل دونك. وبينما علي يمشي في المدينة إذ سمع ~~زينب ابنة أبي سفيان وهي تقول: ظلامتنا عند مدمم وعند مكحلة، هما محمد بن ~~أبي بكر، ومحمد بن جعفر] فقال: إنها لتعلم ما هما لها بثأر. # وصول الخبر إلى عائشة: # قتل عثمان في ذي الحجة لثمان عشرة خلت منه، وكان على مكة عبد الله ابن ~~عامر الحضرمي، وعلى الموسم يومئذ عبد الله بن عباس، بعثه عثمان وهو محصور ~~فتعجل أناس في يومين فأدركوا مع ابن عباس، فقدموا المدينة بعدما قتل وقبل ~~أن يبايع علي، وهرب بنوا أمية فلحقوا بمكة، وبويع علي لخمس بقين من ذي ~~الحجة يوم الجمعة، وتساقط الهراب إلى مكة، وعائشة مقيمة بمكة تريد عمرة ~~المحرم، فلما تساقط إليها الهراب استخبرتهم فأخبروها أن قد قتل عثمان رضي ~~الله عنه ولم يجبهم إلى التأمير أحد، فقالت عائشة رضي الله عنها: ولكن ~~أكياس، هذا غب ما كان يدور بينكم من عتاب الاستصلاح. حتى إذا قضت عمرتها ~~وخرجت فانتهت إلى سرف، لقيها رجل من أخوالها من بني ليث - وكانت واصلة لهم، ~~رفيقة عليهم - يقال له عبيد بن أبي سلمة يعرف بأمه أم كلاب، فقالت: مهيم! ~~فأصم ودمدم، فقالت: ويحك! علينا أو لنا؟ فقال: # لا تدري؟ قتل عثمان وبقوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ماذا؟ فقال أخذوا أهل ~~المدينة بالاجتماع على علي، والقوم الغالبون على المدينة. فرجعت إلى ms067 مكة ~~وهي لا تقول شيئا ولا يخرج منها شئ، حتى نزلت على باب المسجد، وقصدت للحجر ~~فسترت فيه، واجتمع الناس إليها فقالت: يا أيها الناس إن الغوغاء ~~PageV00P111 # من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا أن عاب الغوغاء ~~على هذا المقتول بالأمس الإرب واستعمال من حدثت سنه، وقد استعمل أسنانهم ~~قبله، ومواضع من مواضع الحمى حماها لهم، وهي أمور قد سبق بها لا يصلح ~~غيرها، فتابعهم ونزع لهم عنها استصلاحا لهم، فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا ~~خلجوا وبادوا بالعدوان ونبا فعلهم عن قولهم، فسفكوا الدم الحرام واستحلوا ~~البلد الحرام وأخذوا المال الحرام، واستحلوا الشهر الحرام. والله لإصبع ~~عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم. فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى ينكل بهم ~~غيرهم ويشرد من بعدهم، ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه ~~كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء. ~~فقال عبد الله بن عامر الحضرمي: هأنذا لها أول طالب - وكان أول مجيب ~~ومنتدب. # توجه عائشة إلى المدينة وعودتها: # خرجت عائشة رضي الله عنها نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان، فلقيها رجل ~~من أخوالها، فقالت: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان واجتمع الناس على علي، والأمر ~~أمر الغوغاء. فقالت: ما أظن ذلك تاما، ردوني. فانصرفت راجعة إلى مكة، حتى ~~إذ دخلتها أتاها عبد الله بن عامر الحضرمي - وكان PageV00P112 # أمير عثمان عليها - فقال: ما ردك يا أم المؤمنين؟ قالت: ردني أن عثمان ~~قتل مظلوما، وأن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر. فاطلبوا بدم عثمان ~~تعزوا الإسلام. فكان أول من أجابها عبد الله بن عامر الحضرمي، وذلك أول ما ~~تكلمت بنو أمية بالحجاز ورفعوا رؤوسهم، وقام معهم سعيد بن العاص، والوليد ~~بن عقبة، وسائر بني أمية. وقد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة، ويعلي ~~بن أمية من اليمن، وطلحة والزبير من المدينة، واجتمع ملؤهم بعد نظر طويل في ~~أمرهم على البصرة، وقالت [عائشة]: أيها الناس، إن هذا حدث ms068 عظيم وأمر منكر، ~~فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهل البصرة فأنكروه، فقد كفاكم أهل الشام ما ~~عندهم، لعل الله عز وجل يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم. # [وفي رواية أخرى]: # كان أول من أجاب إلى ذلك عبد الله بن عامر وبنو أمية، وقد كانوا سقطوا ~~إليها بعد مقتل عثمان، ثم قدم عبد الله بن عامر، ثم قدم يعلي بن أمية، ~~فاتفقا بمكة، ومع يعلي ستمائة بعير وستمائة ألف، فأناخ بالأبطح معسكرا، ~~وقدم معهما طلحة والزبير، فلقيا عائشة رضي الله عنها، فقالت: ما وراءكما؟ ~~فقالا: # وراءنا أنا تحملنا بقليتنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب، وفارقنا ~~قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم. قالت: ~~فأتمروا وقد أمرا، ثم انهضوا إلى هذه الغوغاء. وتمثلت: # ولو أن قومي طاوعتني سراتهم * لأنقذتهم من الحبال أو الخيل PageV00P113 # وقال القوم فيما ائتمروا به: الشأم. فقال عبد الله بن عامر: قد كفاكم ~~الشأم من يستمر في حوزته، فقال له طلحة والزبير: فأين؟ قال البصرة، فإن لي ~~بها صنائع ولهم في طلحة هوى، قالوا: قبحك الله! فوالله ما كنت بالمسالم ولا ~~بالمحارب، فهلا أقمت كما أقام معاوية فنكتفي بك، ونأتي الكوفة فنسد على ~~هؤلاء القوم المذاهب! فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا، حتى إذا استقام لهم ~~الرأي على البصرة قالوا: يا أم المؤمنين، دعي المدينة فإن من معنا لا ~~يقرنون لتلك الغوغاء التي بها، واشخصي معنا إلى البصرة، فإنا نأتي بلدا ~~مضيعا، وسيحتجون علينا فيه ببيعة علي بن أبي طالب فتنهضينهم كما أنهضت أهل ~~مكة ثم تقعدين، فإن أصلح الله الأمر كان الذي تريدين، وإلا احتسبنا ودفعنا ~~عن هذا الامر بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد. # فلما قالوا ذلك لها - ولم يكن ذلك مستقيما إلا بها - قالت: نعم، وقد كان ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معها على قصد المدينة، فلما تحول رأيها إلى ~~البصرة تركن ذلك، وانطلق القوم بعدها إلى حفصة فقالت: رأيي تبع لرأي عائشة، ~~حتى إذا لم يبق إلا الخروج، قالوا: كيف نستقل وليس ms069 معنا مال نجهز به الناس! # فقال يعلي بن أمية: معي ستمائة ألف وستمائة بعير فاركبوها. وقال ابن ~~عامر: # معي كذا وكذا فتجهزوا به. فنادى المنادي: إن أم المؤمنين وطلحة والزبير ~~شاخصون إلى البصرة فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر ~~عثمان، ومن لم يكن عنده مركب ولم يكن له جهاز فهذا جهاز وهذه نفقة. فحملوا ~~ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب - وكانوا جميعا ألفا - ~~وتجهزوا بالمال، ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين. وأرادت حفصة الخروج ~~فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد، فقعدت، وبعثت إلى عائشة: أن ~~عبد الله حال بيني وبين الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله! # وبعثت أم الفضل بنت الحارث رجلا من جهينة يدعى ظفرا، فاستأجرته على أن ~~يطوي ويأتي عليا بكتابها، فقدم على علي بكتاب أم الفضل بالخبر. PageV00P114 # [و] خرج المغيرة وسعيد بن العاص معهم مرحلة من مكة، فقال سعيد للمغيرة: ~~ما الرأي؟ قال: الرأي والله الاعتزال، فإنهم ما يفلح أمرهم، فإن أظفره الله ~~أتيناه، فقلنا: كان هوانا وصغونا معك، فاعتزلا فجلسا، فجاء سعيد مكة فأقام ~~بها، ورجع معها عبد الله بن خالد بن أسيد. # [وفي رواية أخرى]: # لما انتهت عائشة رضي الله عنها إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة، لقيها ~~عبد بن أم كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة، ينسب إلى أمه - فقالت له: # مهيم؟ قال: قتلوا عثمان رضي الله عنه، فمكثوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ~~ماذا؟ # قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز، ~~اجتمعوا على علي بن أبي طالب. فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه أن ~~تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان ~~مظلوما، والله لأطلبن بدمه، فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟ فوالله إن أول من ~~أمال حرفه لأنت! ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر، قالت: إنهم ~~استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول. فقال ~~لها ابن أم ms070 كلاب: # فمنك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الإمام ~~* وقلت لنا إنه قد كفر فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر ولم ~~يسقط السيف من فوقنا * ولم تنكسف شمسنا والقمر PageV00P115 # وقد بايع الناس ذا تدرأ * يزيل الشبا ويقيم الصعر ويلبس للحرب أثوابها * ~~وما من وفى مثل من قد غدر فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت ~~الحجر، فسترت، واجتمع إليها الناس، فقالت يا أيها الناس، إن عثمان قتل ~~مظلوما، ووالله لأطلبن بدمه. # توجه عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة: # لما اجتمع إلى مكة بنو أمية ويعلي بن منية وطلحة والزبير، ائتمروا أمرهم، ~~وأجمع ملؤهم على الطلب بدم عثمان وقتال السبئية حتى يثأروا وينتقموا، ~~فأمرتهم عائشة رضي الله عنها بالخروج إلى المدينة، واجتمع القوم على البصرة ~~وردوها عن رأيها، وقال لها طلحة والزبير: إنا نأتي أرضا قد أضيعت وصارت إلى ~~علي، وقد أجبرنا على بيعته، وهم محتجون علينا بذلك وتاركوا أمرنا إلا أن ~~تخرجي فتأمري بمثل ما أمرت بمكة، ثم ترجعي. فنادى المنادي: إن عائشة تريد ~~البصرة وليس في ستمائة بعير ما تغنون به غوغاء وجلبة الأعراب وعبيدا قد ~~انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعدين لأول واعية. وبعثت إلى حفصة، فأرادت ~~الخروج، فعزم عليها ابن عمر، فأقامت. فخرجت عائشة ومعها طلحة والزبير، ~~وأمرت على الصلاة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فكان يصلي بهم في الطريق ~~وبالبصرة حتى قتل، وخرج معها مروان وسائر بني أمية إلا من خشع، وتيامنت عن ~~أوطاس، وهم ستمائة راكب سوى من كانت له مطية، فتركت الطريق ليلة وتيامنت ~~عنها كأنهم سيارة ونجعة، مساحلين PageV00P116 # لم يدن من المنكدر ولا واسط ولا فلج منهم أحد، حتى أتوا البصرة في عام ~~خصيب. وتمثلت دعي بلاد جموع الظلم إذ صلحت * فيها المياه وسيري سير مذعور ~~تخيري النبت فارعي ثم ظاهرة * وبطن واد من الضمار ممطور [وقد] جمع الزبير ~~بنيه حين أراد الرحيل، فودع بعضهم وأخرج بعضهم، وأخرج ابني أسماء جميعا، ~~فقال: يا فلان أقم، يا عمرو أقم. ms071 فلما رأى ذلك عبد الله بن الزبير، قال: يا ~~عروة أقم، ويا منذر أقم، فقال الزبير: ويحك! # استصحب ابني واستمتع منهما، فقال: إن خرجت بهم جميعا فاخرج، وإن خلفت ~~منهم أحدا فخلفهما ولا تعرض أسماء للثكل من بين نسائك. فبكى وتركهما، ~~فخرجوا حتى إذا انتهوا إلى جبال أوطاس تيامنوا، وسلكوا طريقا نحو البصرة ~~وتركوا طريقها يسارا، حتى إذا دنوا منها فدخلوها ركبوا المنكدر. # خرج الزبير وطلحة ففصلا، ثم خرجت عائشة فتبعها أمهات المؤمنين إلى ذات ~~عرق، فلم ير يوم كان أكثر باكيا على الإسلام أو باكيا له من ذلك اليوم، كان ~~يسمى يوم النحيب. وأمرت عبد الرحمن بن عتاب، فكان يصلي بالناس، وكان عدلا ~~بينهم. # [و] لما تيامن عسكرها عن أوطاس اتوا على مليح بن عوف السلمي، وهو ~~PageV00P117 # مطلع ماله، فسلم على الزبير، وقال: يا أبا عبد الله، ما هذا؟ قال: عدي ~~على أمير المؤمنين رضي الله عنه فقتل بلا ترة ولا عذر، قال: ومن؟ قال: ~~الغوغاء من الأمصار ونزاع القبائل، وظاهرهم الأعراب والعبيد، قال: فتريدون ~~ماذا؟ # قال: ننهض الناس فيدرك بهذا الدم لئلا يبطل، فإن في إبطاله توهين سلطان ~~الله بيننا أبدا. إذا لم يفطم الناس عن أمثالها لم يبق إمام إلا قتله هذا ~~الضرب، قال: والله إن ترك هذا لشديد، ولا تدرون إلى أين ذلك يسير! # فودع كل واحد منهما صاحبه، وافترقا ومضى الناس. # موقف عبد الله بن عمر: لما اجتمع الرأي من طلحة والزبير وأم المؤمنين ومن ~~بمكة من المسلمين على السير إلى البصرة والانتصار من قتلة عثمان رضي الله ~~عنه، خرج الزبير وطلحة حتى لقيا ابن عمر ودعواه إلى الخفوف، فقال: إني امرؤ ~~من أهل المدينة، فإن يجتمعوا على النهوض أنهض وإن يجتمعوا على القعود اقعد، ~~فتركاه ورجعا. # خروج علي إلى الربذة يريد البصرة: # كان علي في هم من توجه القوم لا يدري إلى أين يأخذون! وكان أن يأتوا ~~البصرة أحب إليه. فلما تيقن أن القوم يعارضون طريق البصرة سر بذلك ~~PageV00P118 # وقال: الكوفة فيها رجال العرب ms072 وبيوتاتهم، فقال له ابن عباس: إن الذي يسرك ~~من ذلك ليسوءني، إن الكوفة فسطاط فيه أعلام من أعلام العرب، ولا يحملهم عدة ~~القوم ولا يزال فيهم من يسمو إلى أمر لا يناله، فإذا كان كذلك شغب على الذي ~~نال حتى يفثأه فيفسد بعضهم على بعض. فقال علي: إن الأمر ليشبه ما تقول، ~~ولكن الأثرة لأهل الطاعة وألحق بأحسنهم سابقة وقدمة، فإن استووا أعفيناهم ~~واجتبرناهم، فإن أقنعهم ذلك كان خيرا لهم، وإن لم يقنعهم كلفونا إقامتهم ~~وكان شرا على من هو شر له. فقال ابن عباس: إن ذلك لأمر لا يدرك إلا ~~بالقنوع. # جاء عليا الخبر عن طلحة والزبير وأم المؤمنين، فأمر على المدينة تمام بن ~~العباس، وبعث إلى مكة قثم بن العباس، وخرج وهو يرجو أن يأخذهم بالطريق، ~~وأراد ان يعترضهم، فاستبان له بالربذة أن قد فاتوه، وجاءه بالخبر عطاء بن ~~رئاب مولى الحارث بن حزن. # بلغ عليا الخبر وهو - بالمدينة - باجتماعهم على الخروج إلى البصرة وبالذي ~~اجتمع عليه ملؤهم، طلحة والزبير وعائشة ومن تبعهم، وبلغه قول عائشة، وخرج ~~على يبادرهم في تعبيته التي كان تعبي بها إلى الشام، وخرج معه من نشط من ~~الكوفيين والبصريين متخففين علي في سبعمائة رجل، وهو يرجو أن يدركهم فيحول ~~بينهم وبين الخروج، فلقيه عبد الله بن سلام، فأخذ بعنانه، وقال: # يا أمير المؤمنين، لا تخرج منها، فوالله لئن خرجت منها لا ترجع إليها ولا ~~يعود إليها سلطان المسلمين أبدا، فسبوه، فقال: دعوا الرجل، فنعم الرجل من ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسار حتى انتهى إلى الربذة فبلغه ممرهم، ~~فأقام حين فاتوه يأتمر بالربذة. PageV00P119 # قال طارق بن شهاب: خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل عثمان رضي الله ~~عنه فلما انتهينا إلى الربذة - وذلك في وجه الصبح - إذا الرفاق وإذا بعضهم ~~يحدو بعضا فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أمير المؤمنين، فقلت: ما له؟ # قالوا: غلبه طلحة والزبير، فخرج يعترض لهما ليردهما، فبلغه أنهما قد ~~فاتاه، فهو يريد أن يخرج في آثارهما، فقلت، إنا لله ms073 وإنا إليه راجعون! آتي ~~عليا فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين أو أخالفه؟ إن هذا لشديد فخرجت ~~فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس، فتقدم فصلى، فلما انصرف أتاه ابنه الحسن فجلس ~~فقال: قد أمرتك فعصيتني، فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك، فقال علي: # إنك لا تزال تخن خنين الجارية! وما الذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم ~~أحيط بعثمان رضي الله عنه أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها، ثم أمرتك يوم ~~قتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر، ثم أمرتك ~~حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا، فإن كان الفساد ~~كان على يدي غيرك، فعصيتني في ذلك كله، قال: أي بني، أما قولك: لو خرجت من ~~المدينة حين أحيط بعثمان، فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به. وأما قولك لا ~~تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار، فإن الأمر أمر أهل المدينة، وكرهنا ان يضيع ~~هذا الأمر. وأما قولك حين خرج طلحة والزبير، فإن ذلك كان وهنا على أهل ~~الإسلام، ووالله ما زلت مقهورا مذ وليت، منقوصا لا أصل إلى شئ مما ينبغي. ~~وأما قولك: إجلس في بيتك، فكيف لي بما قد لزمني؟ أو من تريدني؟ أتريد ان ~~أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال: دباب دباب ليست هاهنا حتى يحل ~~عرقوباها ثم تخرج، وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر ~~فيه! فكف عنك أي بني. PageV00P120 # الموقف في البصرة: # ومضى الناس حتى إذا عاجوا عن الطريق وكانوا بفناء البصرة، لقيهم عمير ابن ~~عبد الله التميمي، فقال: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله أن تقدمي اليوم على ~~قوم تراسلي منهم أحدا فيكفيكهم! فقالت: جئتني بالرأي، امرؤ صالح، قال: ~~فعجلي ابن عامر فليدخل، فإن له صنائع فليذهب إلى صنائعه فليلقوا الناس حتى ~~تقدمي ويسمعوا ما جئتم فيه. فأرسلته فاندس إلى البصرة. فأتى القوم. # وكتبت عائشة رضي الله عنها إلى رجال من أهل البصرة، وكتبت إلى الأحنف ابن ~~قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم من ms074 الوجوه، ومضت حتى إذا كانت بالحفير انتظرت ~~الجواب بالخبر، ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران ابن حصين ~~- وكان رجل عامة - وألزه بأبي الأسود الدؤلي - وكان رجل خاصة - فقال: ~~انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها، فخرجا فانتهيا إليها ~~وإلى الناس وهم بالحفير، فاستأذنا، فأذنت لهما، فسلما وقالا إن أميرنا ~~بعثنا إليك نسألك عن مسيرك، فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير ~~بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر. إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع ~~القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا ~~فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل ~~إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا ~~المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام، والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجلود، ~~وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين، غير نافعين ولا ~~متقين، لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى ~~هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا. ~~وقرأت: (لا خير في PageV00P121 # كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس). # ننهض في الإصلاح ممن أمر الله عز وجل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به، ونحضكم ~~عليه، ومنكر ننهاكم عنه، ونحثكم على تغييره. # فخرج أبو الأسود وعمران من عندها فأتيا طلحة، فقالا: ما أقدمك؟ # قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى، واللج على عنقي، ~~وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير ~~فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى، ~~واللج على عنقي، وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ~~فرجعا إلى أم المؤمنين فودعاها فودعت عمران، وقالت: يا أبا الأسود إياك أن ~~يقودك الهوى إلى النار (كونوا قوامين ms075 لله شهداء بالقسط...) فسرحتهما، ونادى ~~مناديها بالرحيل، ومضى الرجلان حتى دخلا على عثمان بن حنيف، فبدر أبو ~~الأسود عمران فقال: # يا بن حنيف قد أتيت فانفر * وطاعن القوم وجالد واصبر وابرز لهم مستلئما ~~وشمر فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رحى الإسلام ورب الكعبة، ~~فانظروا بأي زيفان تزيف؟ فقال عمران: إي والله لتعركنكم عركا طويلا ثم ~~PageV00P122 # لا يساوي ما بقي منكم كثير شئ، قال: فأشر علي يا عمران، قال إني قاعد ~~فاقعد، فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي، قال عمران: # بل يحكم الله ما يريد، فانصرف إلى بيته، وقام عثمان في أمره، فأتاه هشام ~~بن عامر فقال: يا عثمان، إن هذا الأمر الذي تروم يسلم إلى شر مما تكره إن ~~هذا فتق لا يرتق، وصدع لا يجبر، فسامحهم حتى يأتي أمر علي ولا تحادهم، ~~فأبى، ونادى عثمان في الناس وأمرهم بالتهيؤ، ولبسوا السلاح، واجتمعوا إلى ~~المسجد الجامع، وأقبل عثمان على الكيد فكاد الناس لينظر ما عندهم، وأمرهم ~~بالتهيؤ، وامر رجلا ودسه إلى الناس خدعا كوفيا قيسيا، فقام فقال: يا أيها ~~الناس، أنا قيس بن الفقدية حتى الحميسي، إن هؤلاء القوم الذين جاؤوكم إن ~~كانوا جاؤوكم خائفين فقد جاؤوا من المكان الذي يأمن فيه الطير، وإن كانوا ~~جاؤوا يطلبون بدم عثمان رضي الله عنه فما نحن بقتلة عثمان. أطيعوني في ~~هؤلاء القوم فردوهم من حيث جاؤوا. فقام الأسود ابن سريع السعدي، فقال: أو ~~زعموا أنا قتلة عثمان رضي الله عنه؟ فإنما فزعوا إلينا يستعينون بنا على ~~قتلة عثمان منا ومن غيرنا، فإن كان القوم أخرجوا من ديارهم كما زعمت، فمن ~~يمنعهم من إخراجهم الرجال أو البلدان، فحصبه الناس، فعرف عثمان أن لهم ~~بالبصرة ناصرا ممن يقوم معهم، فكسره ذلك. وأقبلت عائشة رضي الله عنها فيمن ~~معها، حتى إذا انتهوا إلى المربد ودخلوا من أعلاه، أمسكوا ووقفوا حتى خرج ~~عثمان فيمن معه، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها، ويكون ~~معها، فاجتمعوا بالمربد وجعلوا ms076 يثوبون حتى غص بالناس. # فتكلم طلحة وهو في ميمنة المربد ومعه الزبير، وعثمان في مسيرته، فأنصتوا ~~له فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان رضي الله عنه وفضله والبلد وما استحل ~~منه، وعظم ما أتى إليه، ودعا إلى الطلب بدمه وقال: إن في ذلك PageV00P123 # إعزاز دين الله عز وجل وسلطانه وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حد ~~من حدود الله، وإنكم إن فعلتم أصبتم وعاد أمركم إليكم، وإن تركتم لم يقم ~~لكم سلطان ولم يكن لكم نظام. # فتكلم الزبير بمثل ذلك. فقال من في ميمنة المربد: صدقا وبرا، وقالا الحق، ~~وأمرا بالحق. وقال من في ميسرته: فجرا وغدرا، وقالا الباطل، وأمرا به، قد ~~بايعا ثم جاء يقولان ما يقولان! وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا. فتكلمت ~~عائشة - وكانت جهورية يعلو صوتها كثرة كأنه صوت امرأة جليلة - فحمدت الله ~~عز وجل وأثنت عليه، وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان رضي الله عنه، ~~ويزرون على عماله ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، ويرون ~~حسنا من كلامنا في صلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا ونجدهم ~~فجرة كذبة، يحاولون غير ما يظهرون. فلما قووا على المكاثرة كاثروه فاقتحموا ~~عليه داره، واستحلوا الدم الحرام، والمال الحرام، والبلد الحرام، بلا ترة ~~ولا عذر، ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره أخذ قتلة عثمان رضي الله، عنه ~~وإقامة كتاب الله عز وجل: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون ~~إلى كتاب الله ليحكم بينهم). # فافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين، فقالت فرقة: صدقت والله وبرت، وجاءت ~~والله بالمعروف، وقال الآخرون كذبتم: والله ما نعرف ما تقولون، فتحاثوا ~~وتحاصبوا وأرهجوا، فلما رأت ذلك عائشة انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين ~~لعثمان حتى وقفوا في المربد في موضع الدباغين، وبقي أصحاب عثمان على حالهم ~~يتدافعون حتى تحاجزوا، ومال بعضهم إلى PageV00P124 # عائشة، وبقي بعضهم مع عثمان على فم السكة. وأتى عثمان بن حنيف فيمن معه ~~حتى إذا كانوا على فم السكة، سكة المسجد عن يمين الدباغين، استقبلوا الناس ms077 ~~فأخذوا عليهم بفمها. # وأقبل جارية بن قدامة السعدي فقال: يا أم المؤمنين، والله لقتل عثمان بن ~~عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح! إنه قد كان ~~لك من الله ستر وحرمة، فهتكت سترك وأبحت حرمتك، إنه من رأى قتالك فإنه يرى ~~قتلك، وإن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مستكرهة ~~فاستعيني بالناس. قال: فخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير، فقال: ~~أما أنت يا زبير فحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أنت يا طلحة ~~فوقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدك، وأرى أمكما معكما فهل جئتما ~~بنسائكما؟ قالا: لا، قال: فما أنا منكما في شئ، واعتزل. # وقال السعدي في ذلك: # صنتم حلائلكم وقدتم أمكم * هذا لعمرك قلة الانصاف أمرت بجر ذيولها في ~~بيتها * فهوت تشق البيد بالإيجاف غرضا يقاتل دونها أبناؤها * بالنبل والخطي ~~والأسياف هتكت بطلحة والزبير ستورها * هذا المخبر عنهم والكافي وأقبل غلام ~~من جهينة على محمد بن طلحة - وكان محمد رجلا عابدا - فقال: PageV00P125 # أخبرني عن قتلة عثمان! فقال: نعم، دم عثمان ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة ~~الهودج - يعني عائشة - وثلث على صاحب الجمل الأحمر - يعني طلحة - وثلث على ~~علي بن أبي طالب، فضحك الغلام وقال: ألا أراني على ضلال! ولحق بعلي، وقال ~~في ذلك شعرا: # سألت ابن طلحة عن هالك * بجوف المدينة لم يقبر فقال ثلاثة رهط هم * ~~أماتوا ابن عفان واستعبر فثلث على تلك في خدرها * وثلث على راكب الأحمر ~~وثلث على ابن أبي طالب * ونحن بدوية قرقر فقلت صدقت على الأولين * وأخطأت ~~في الثالث الأزهر قتال عائشة وعثمان بن حنيف: # فخرج أبو الأسود وعمران وأقبل حكيم بن جبلة، وقد خرج وهو على الخيل، ~~فأنشب القتال، وأسرع أصحاب عائشة رضي الله عنها رماحهم وأمسكوا ليمسكوا، ~~فلم ينته ولم يثن، فقاتلهم وأصحاب عائشة كافون إلا ما دافعوا عن أنفسهم، ~~وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها، ويقول: إنها قريش ليردينها جبنها والطيش، ~~واقتتلوا على فم السكة، وأشرف ms078 أهل الدور ممن كان له في واحد من الفريقين ~~هوى، فرموا باقي الآخرين بالحجارة، وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى ~~انتهوا إلى مقبرة بني مازن، فوقفوا بها مليا، وثار إليهم الناس فحجز الليل ~~بينهم. فرجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى PageV00P126 # قبائلهم، وجاء أبو الجرباء - أحد بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم - ~~إلى عائشة وطلحة والزبير، فأشار عليهم بأمثل من مكانهم فاستنصحوه وتابعوا ~~رأيه، فساروا من مقبرة بني مازن فأخذوا على مسناة البصر من قبل الجبانة، ~~حتى انتهوا إلى الزابوقة، ثم أتوا مقبرة بنو حصن وهي متنحية إلى دار الرزق، ~~فباتوا يتأهبون، وبات الناس يسيرون إليهم، وأصبحوا وهم على رجل في ساحة دار ~~الرق، وأصبح عثمان بن حنيف فغاداهم، وغدا حكيم بن جبلة وهو يبربر وفي يده ~~الرمح، فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الذي تسب وتقول له ما أسمع؟ قال: ~~عائشة، قال: يا بن الخبيثة، ألأم المؤمنين تقول هذا؟ فوضع حكيم السنان بين ~~ثدييه فقتله. ثم مر بامرأة وهو يسبها - يعني عائشة - فقالت: من هذا الذي ~~ألجأك إلى هذا؟ قال: عائشة، قالت: يا بن، الخبيثة، ألأم المؤمنين تقول هذا؟ ~~فطعنها بين ثدييها فقتلها. ثم سار، فلما اجتمعوا واقفوهم، فاقتتلوا بدار ~~الرزق قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار. وقد كثر القتلى في ~~أصحاب ابن حنيف وفشت الجراحة في الفريقين، ومنادي عائشة يناشدهم ويدعوهم ~~إلى الكف فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضهم نادوا، أصحاب عائشة إلى الصلح ~~والمتاب، فأجابوهم، وتواعدوا، وكتبوا بينهم كتابا على أن يبعثوا رسولا إلى ~~المدينة، وحتى يرجع الرسول من المدينة، فإن كانا أكرها خرج عثمان وأخلى ~~لهما البصرة. وإن لم يكونا أكرها خرج طلحة والزبير: # الاتفاق على وقف القتال بين عثمان بن حنيف وعائشة: # بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومن معهما من ~~المؤمنين والمسلمين، وعثمان بن حنيف ومن معه من المؤمنين والمسلمين. إن ~~عثمان PageV00P127 # يقيم حيث أدركه الصلح على ما في يده، وإن طلحة والزبير ms079 يقيمان حيث ~~أدركهما الصلح على ما في أيديهما، حتى يرجع أمين الفريقين ورسولهم كعب بن ~~سور من المدينة. ولا يضار واحد من الفريقين الآخر في مسجد ولا سوق ولا طريق ~~ولا فرضة، بينهم عيبة مفتوحة حتى يرجع كعب بالخبر، فإن رجع بأن القوم ~~أكرهوا طلحة والزبير فالأمر أمرهما، وإن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيته، وإن ~~شاء دخل معهما، وإن رجع بأنهما لم يكرها فالأمر أمر عثمان، فإن شاء طلحة ~~والزبير أقاما على طاعة علي، وإن شاءا خرجا حتى يلحقا بطيتهما والمؤمنون ~~أعوان الفالح منهما. # فخرج كعب حتى يقدم، المدينة فاجتمع الناس لقدومه، وكان قدومه يوم جمعة، ~~فقام كعب فقال: يا أهل المدينة، إني رسول أهل البصرة إليكم، أأكره هؤلاء ~~القوم هذين الرجلين على بيعة علي، أم أتيا طائعين؟ فلم يجبه أحد من القوم ~~إلا ما كان من أسامة بن زيد، فإنه قام فقال: اللهم إنهما لم يبايعا إلا ~~وهما كارهان. فأمر بتمام، فواثبه سهل بن حنيف والناس، وثار صهيب بن سنان ~~وأبو أيوب بن زيد، في عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم ~~محمد بن مسلمة، حين خافوا ان يقتل أسامة، فقال: اللهم نعم، فانفرجوا عن ~~الرجل، فانفرجوا عنه، وأخذ صهيب بيده حتى أخرجه فأدخله منزله، وقال: قد ~~علمت أن أم عامر حامقة، أما وسعك ما وسعنا من السكوت؟ قال: لا والله ما كنت ~~أرى أن الأمر يترامى إلى ما رأيت، وقد أبسلنا لعظيم. فرجع كعب وقد اعتد ~~طلحة والزبير فيما بين ذلك بأشياء كلها كانت مما يعتد به، منها أن محمد بن ~~طلحة - وكان صاحب صلاة - قام مقاما قريبا من عثمان بن حنيف، PageV00P128 # فخشي بعض الزط والسيابجة أن يكون جاء لغير ما جاء له فبعثا إلى عثمان، ~~هذه، واحدة. وبلغ عليا الخبر الذي كان بالمدينة من ذلك فبادر بالكتاب إلى ~~عثمان يعجزه ويقول: والله ما أكرها إلا كرها على فرقة، ولقد أكرها على ~~جماعة وفضل، فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان ms080 غير ذلك ~~نظرنا ونظرا. فقدم الكتاب على عثمان بن حنيف. # عودة القتال وانتصار عائشة: # وقدم كعب فأرسلوا إلى عثمان أن أخرج عنا، فاحتج عثمان بالكتاب وقال: # هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، فجمع طلحة والزبير والرجال في ليلة مظلمة ~~باردة ذات رياح وندى، ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء - وكانوا يؤخرونها ~~- فأبطأ عثمان بن حنيف، فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط والسيابجة ~~السلاح ثم وضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد وصبروا لهم، ~~فأناموهم وهو أربعون، وأدخلوا الرجال على عثمان ليخرجوه إليهما، فلما وصل ~~إليهما توطؤوه وما بقيت في وجهه شعرة، فاستعظما ذلك وأرسلا إلى عائشة بالذي ~~كان، واستطلعا رأيها، فأرسلت إليهما أن خلوا سبيله فليذهب حيث شاء ولا ~~تحبسوه، فأخرجوا الحرس الذين كانوا مع عثمان في القصر ودخلوه، وقد كانوا ~~يعتقبون حرس عثمان في كل يوم وفي كل ليلة أربعون، فصلى عبد الرحمن، بن عتاب ~~بالناس العشاء والفجر، وكان الرسول فيما بين عائشة وطلحة والزبير هو، ~~أتاهما بالخبر، وهو رجع إليهما بالجواب، فكان رسول القوم. PageV00P129 # فأصبح طلحة والزبير وبيت المال والحرس في أيديهما، والناس معهما، ومن لم ~~يكن معهما مغمور مستسر، وبعثا حين أصبحا بأن حكيما في الجمع، فبعثت: لا ~~تحبسا عثمان ودعاه. ففعلا، فخرج عثمان فمضى لطلبته، وأصبح حكيم بن جبلة في ~~خيله على رجل فيمن تبعه من عبد القيس ومن نزع إليهم من أفناء ربيعة، ثم ~~وجهوا نحو دار الرزق وهو يقول: لست بأخيه إن لم أنصره، وجعل يشتم عائشة رضي ~~الله عنها فسمعته امرأة من قومه، فقالت: يا ابن الخبيثة، أنت أولى بذلك، ~~فطعنها فقتلها، فغضبت عبد القيس إلا من كان اغتمر منهم، فقالوا: فعلت ~~بالأمس وعدت لمثل ذلك اليوم! والله لندعنك حتى يقيدك الله. فرجعوا وتركوه، ~~ومضى حكيم بن جبلة فيمن غزا معه عثمان ابن عفان وحصره من نزاع القبائل ~~كلها، وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا إليه، فانتهى بهم إلى ~~الزابوقة عند دار الرزق، وقالت عائشة: لا تقتلوا إلا من قاتلكم، ms081 ونادوا من ~~لم يكن من قتلة عثمان رضي الله عنه فليكفف عنا، فإنا لا نريد إلا قتلة ~~عثمان ولا نبدأ أحدا، فأنشب حكيم القتال ولم يرع للمنادي، فقال طلحة ~~والزبير: الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة اللهم لا تبق منهم ~~أحدا، وأقد منهم اليوم فاقتلهم. فجادوهم القتال، فاقتتلوا أشد قتال ومعه ~~أربعة قواد، فكان حكيم بحيال طلحة، وذريح بحيال الزبير، وابن المحرش بحيال ~~عبد الرحمن بن عتاب، وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، ~~فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلاثمائة رجل وجعل، حكيم يضرب بالسيف ويقول: # أضربهم باليابس * ضرب غلام عابس من الحياة آيس * في الغرفات نافس ~~PageV00P130 # فضرب رجل رجله فقطعها، فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه، فأصاب جسده فصرعه، ~~فأتاه حتى قتله ثم اتكأ عليه وقال: # يا فخذ لن تراعي * إن معي ذراعي أحمي بها كراعي وقال وهو يرتجز: # ليس علي أن أموت عار * والعار في الناس هو الفرار والمجد لا يفضحه الدمار ~~فأتى عليه رجل وهو رثيث، رأسه على الآخر، فقال: ما لك يا حكيم؟ # قال: قتلت، قال: من قتلك؟ قال: وسادتي، فاحتمله فضمه في سبعين من أصحابه، ~~فتكلم يومئذ حكيم وأنه لقائم على رجل، وإن السيوف لتأخذهم فما يتعتع، ~~ويقول: إنا خلفنا هذين وقد بايعا عليا وأعطياه الطاعة، ثم أقبلا محالفين ~~محاربين يطلبان بدم عثمان بن عفان، ففرقا بيننا، ونحن أهل دار وجواد. اللهم ~~إنهم لم يريدا عثمان. فنادى مناد: يا خبيث جزعت حين عضك نكال الله عز وجل ~~إلى كلام من نصبك وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم، وفرقتم من الجماعة، ~~وأصبتم من الدماء، ونلتم من الدنيا! فذق وبال الله عز وجل وانتقامه وأقيموا ~~فيمن أنتم. # وقتل ذريح ومن معه، وأفلت حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه، فلجؤوا إلى ~~قومهم، ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا من كان فيهم من PageV00P131 # قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم. فجيء بهم كما يجاء بالكلاب، ~~فقتلوا، فما أفلت منهم من أهل البصرة ms082 جميعا إلا حرقوص بن زهير فإن بني سعد ~~منعوه، وكان من بني سعد، فمسهم في ذلك أمر شديد، وضربوا لهم فيه أجلا ~~وخشنوا صدور بني سعد وإنهم لعثمانية حتى قالوا: نعتزل، وغضبت عبد القيس حين ~~غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ومن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من ~~لزوم طاعة علي، فأمر الناس بأعطياتهم وأرزاقهم وحقوقهم، وفضلا بالفضل أهل ~~السمع والطاعة. فخرجت عبد القيس وكثير من بكر بن وائل حين زووا عنهم ~~الفضول، فبادروا إلى بيت المال، وأكب عليهم الناس فأصابوا منهم، وخرج القوم ~~حتى نزلوا على طريق علي، وأقام طلحة والزبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلا ~~حرقوص، وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا وصاروا إليه: إنا خرجنا لوضع الحرب ~~وإقامة كتاب الله عز وجل بإقامة حدوده في الشريف والوضيع والكثير والقليل، ~~حتى يكون الله عز وجل هو الذي يردنا عن ذلك، فبايعنا خيار أهل البصرة ~~ونجباؤهم، وخالفنا شرارهم ونزاعهم، فردونا بالسلاح وقالوا فيما قالوا: نأخذ ~~أم المؤمنين رهينة، أن أمرتهم بالحق وحثتهم عليه. # فأعطاهم الله عز وجل سنة المسلمين مرة بعد مرة، حتى إذا لم يبق حجة ولا ~~عذرا استبسل قتلة أمير المؤمنين فخرجوا إلى مضاجعهم فلم يفلت منهم مخبر إلا ~~حرقوص بن زهير، والله سبحانه مقيده إن شاء الله. وكانوا كما وصف الله عز ~~وجل، وإنا نناشدكم الله في أنفسكم إلا نهضتم بمثل ما نهضنا به، فنلقى الله ~~عز وجل وتلقونه وقد أعذرنا وقضينا الذي علينا. # وبعثوا به مع سيار العجلي، وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثله مع رجل من بني ~~عمرو بن أسد يدعى مظفر بن معرض. وكتبوا إلى أهل اليمامة، وعليها سبرة بن ~~عمرو العنبري مع الحارث السدوسي. وكتبوا إلى أهل المدينة مع ابن قدامة ~~القشيري، فدسه إلى أهل المدينة. PageV00P132 # وكتبت عائشة رضي الله عنها إلى أهل الكوفة مع رسولهم: أما بعد فإني ~~أذكركم الله عز وجل والإسلام، أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه، اتقوا الله ~~واعتصموا بحبله وكونوا مع كتابه. فإنا قدمنا البصرة ms083 فدعوناهم إلى إقامة ~~كتاب الله بإقامة حدوده. فأجابنا الصالحون إلى ذلك. واستقبلنا من لا خير ~~فيه بالسلاح، وقالوا: لنتبعنكم عثمان، ليزيدوا الحدود تعطيلا، فعاندوا ~~فشهدوا علينا بالكفر وقالوا لنا المنكر، فقرأنا عليهم: [ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم] فأذعن لي بعضهم، ~~واختلفوا بينهم، فتركناهم وذلك، فلم يمنع ذلك من كان منهم على رأيه الأول ~~من وضع السلاح في أصحابي، وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني ~~الله عز وجل بالصالحين فرد كيدهم في نحورهم، فمكثنا ستا وعشرين ليلة ندعوهم ~~إلى كتاب الله وإقامة حدوده - وهو حقن الدماء أن تهراق دون من قد حل دمه - ~~فأبوا واحتجوا بأشياء، فاصطلحنا عليها، فخافوا وغدروا وخانوا فجمع الله عز ~~وجل لعثمان رضي الله عنه ثأرهم، فأقادهم فلم يفلت منهم إلا رجل وأردأنا ~~الله، ومنعنا منهم بعمير بن مرثد ومرثد بن قيس، ونفر من قيس، ونفر من ~~الرباب والأزد. فالزموا الرضا إلا عن قتلة عثمان بن عفان حتى يأخذ الله ~~حقه، ولا تخاصموا الخائنين ولا تمنعوهم، ولا ترضوا بذوي حدود الله فتكونوا ~~من الظالمين. فكتبت إلى رجال بأسمائهم. فثبطوا الناس عن منع هؤلاء القوم ~~ونصرتهم واجلسوا في بيوتكم، فإن هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن ~~عفان رضي الله عنه، وفرقوا بين جماعة الأمة، وخالفوا الكتاب والسنة، حتى ~~شهدوا علينا فيما أمرناهم به، وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة ~~حدوده بالكفر، وقالوا لنا المنكر، فأنكر PageV00P133 # ذلك الصالحون وعظموا ما قالوا، وقالوا: ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى ~~خرجتم على زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم، أن أمرتكم بالحق، لتقتلوها ~~وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين! فعزموا وعثمان بن ~~حنيف معهم على من أطاعهم من جهال الناس وغوغائهم على زطهم وسيابجهم، فلذنا ~~منهم بطائفة من الفسطاط، فكان ذلك الدأب ستة وعشرين يوما، ندعوهم إلى الحق ~~وألا يحولوا بيننا وبين الحق، فغدروا وخانوا فلم نقايسهم، واحتجوا ببيعة ~~طلحة والزبير، فأبردوا بريدا فجاءهم ms084 بالحجة، فلم يعرفوا الحق ولم يصبروا ~~عليه، فغادوني في الغلس ليقتلوني، والذي يحاربهم غيري، فلم يبرحوا حتى ~~بلغوا سدة بيتي ومعهم هاد يهديهم إلي، فوجدوا نفرا على باب بيتي منهم عمير ~~بن مرثد، ومرثد بن قيس، ويزيد بن عبد الله بن مرثد، ونفر من قيس، ونفر من ~~الرباب والأزد، فدارت عليهم الرحى، فأطاف بهم المسلمون فقتلوهم، وجمع الله ~~عز وجل كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزبير وطلحة، فإذا قتلنا بثأرنا ~~وسعنا الغدر. # وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين. # وكتب عبيد بن كعب في جمادى. مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة: # لما أتى عليا الخبر وهو بالمدينة بأمر عائشة وطلحة والزبير أنهم قد ~~توجهوا نحو العراق، خرج يبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردهم، فلما انتهى إلى ~~الربذة [كما مر معنا ص 119] أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا. فأقام بالربذة ~~PageV00P134 # أياما وأتاه عن القوم أنهم يريدون البصرة، فسري بذلك عنه، وقال: إن أهل ~~الكوفة أشد إلي حبا، وفيهم رؤوس العرب وأعلامهم. فكتب إليهم: # إني قد اخترتكم على الأمصار وإني بالأثرة. # [و] لما قدم علي الربذة أقام بها وسرح منها إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ~~ومحمد بن جعفر، وكتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار وفزعت إليكم لما حدث، ~~فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا، وأيدونا وانهضوا إلينا فالإصلاح ما نريد، ~~لتعود الأمة إخوانا ومن أحب ذلك وآثره فقد أحب الحق وآثره، ومن أبغض ذلك ~~فقد أبغض الحق وغمصه. فمضى الرجلان وبقي علي بالربذة يتهيأ، وأرسل إلى ~~المدينة فلحقه ما أراد من دابة وسلاح، وأمر أمره وقام في الناس فخطبهم، ~~وقال: إن الله عز وجل أعزنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا به إخوانا بعد ذلة ~~وقلة وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله. الإسلام دينهم، والحق ~~فيهم، والكتاب أمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم ~~الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا إن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت ~~الأمم قبلهم، فنعوذ بالله ms085 من شر ما هو كائن. ثم عاد ثانية، فقال: إنه لا بد ~~مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، شرها ~~فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي، فقد أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم واهدوا ~~بهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم واتبعوا سنته، PageV00P135 # وأعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره ~~فردوه وأرضوا بالله جل وعز ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~نبيا، وبالقرآن حكما وإماما. # [و] لما أراد علي الخروج من الربذة إلى البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن ~~رافع، فقال: يا أمير المؤمنين، اي شئ تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أما ~~الذي نريد وننوي فالإصلاح، إن قبلوا منا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبوا ~~إليه؟ # قال: ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحق ونصبر، قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما ~~تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذا. # وقام الحجاج بن غزية الأنصاري فقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول ~~وقال: دراكها دراكها قبل الفوت * وانفر بنا واسم نحو الصوت لا وألت نفسي إن ~~هبت الموت والله لأنصرن الله عز وجل كما سمانا أنصارا. فخرج أمير المؤمنين ~~وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجراح، والراية مع محمد بن الحنفية، وعلى ~~الميمنة عبد الله بن عباس، وعلى الميسرة عمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان ~~بن عبد الأسد، وخرج علي وهو في سبعمائة وستين، وراجز علي يرجز به: # سيروا أبابيل وحثوا السيرا * إذا عزم السير وقولوا خيرا حتى يلاقوا ~~وتلاقوا خيرا * نغزو بها طلحة والزبيرا وهو أمام أمير المؤمنين، وأمير ~~المؤمنين علي ناقة له حمراء يقود فرسا PageV00P136 # كميتا. فتلقاهم بفيد غلام من بني سعد بن ثعلبة بن عامر يدعى مرة، فقال: # من هؤلاء؟ فقيل: أمير المؤمنين، فقال: سفرة فانية فيها دماء من نفوس ~~فانية، فسمعها علي فدعاه، فقال: ما اسمك؟ قال: مرة، قال: أمر الله عيشك، ~~كاهن سائر اليوم؟ قال: بل عائف. فلما نزل بفيد أتته أسد ms086 وطيء فعرضوا عليه ~~أنفسهم، فقال: الزموا قراركم، في المهاجرين كفاية. وقدم رجل من أهل الكوفة ~~فيد قبل خروج علي فقال: من الرجل؟ قال: عامر بن مطر، قال الليثي؟ قال: ~~الشيباني، قال: أخبرني عما وراءك، قال فأخبره حتى سأله عن أبي موسى، فقال: ~~إن أردت الصلح فأبو موسى صاحب ذلك، وإن أردت القتال فأبو موسى ليس بصاحب ~~ذلك، قال: والله ما أريد إلا الإصلاح حتى يرد علينا، قال: قد أخبرتك الخبر، ~~وسكت وسكت علي. # ولما نزل علي الثعلبية أتاه الذي لقي عثمان بن حنيف وحرسه، فقام وأخبر ~~القوم الخبر وقال: اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير من قتل ~~المسلمين، وسلمنا منهم أجمعين. ولما انتهى إلى الإساد أتاه ما لقي حكيم بن ~~جبلة وقتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال: الله أكبر، ما ينجيني من ~~طلحة والزبير إذ أصابا ثأرهما أو ينجيهما؟ وقرأ: (ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها). وقال: # دعا حكيم دعوة الزماع * حل بها منزلة النزاع PageV00P137 # ولما انتهوا إلى ذي قار انتهى إليه فيها عثمان بن حنيف وليس في وجهه شعر، ~~فلما رآه علي نظر إلى أصحابه فقال: انطلق هذا من عندنا وهو شيخ، فرجع إلينا ~~وهو شاب. فلم يزل بذي قار يتلوم محمدا ومحمدا. وأتاه الخبر بما لقيت ربيعة ~~وخروج عبد القيس ونزولهم بالطريق، فقال: عبد القيس خير ربيعة، في كل ربيعة ~~خير. وقال: # يا لهف نفسي على ربيعة * ربيعة السامعة المطيعة قد سبقتني فيهم الوقيعة * ~~دعا علي دعوة سميعة حلوا بها المنزلة الرفيعة قال: وعرضت عليه بكر بن وائل، ~~فقال لهم مثل ما قال لطيء وأسد. # موقف أبي موسى الأشعري: # ولما قدم محمد ومحمد على الكوفة، وأتيا أبو موسى بكتاب أمير المؤمنين، ~~وقاما في الناس بأمره، فلم يجابا إلى شئ، فلما أمسوا دخل ناس من أهل الحجي ~~على أبي موسى فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس ~~باليوم، إن الذي تهاونتم به فيما ms087 مضى، هو الذي جر عليكم ما ترون، وما بقي ~~إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا، فاختاروا. # فلم ينفر إليه أحد، فغضب الرجلان وأغلظا لأبي موسى، فقال أبو موسى: والله ~~إن بيعة عثمان رضي الله عنه لفي عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بد من قتال، ~~لا نقاتل أحدا حتى يفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا. فانطلقا إلى علي فوافياه ~~بذي قار وأخبراه الخبر، وقد خرج مع الأشتر وقد كان يعجل إلى الكوفة، فقال ~~علي: يا اشتر، أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كل شئ، إذهب أنت وعبد ~~الله بن عباس فأصلح ما أفسدت. PageV00P138 # فخرج عبد الله بن عباس ومعه الأشتر، فقدما الكوفة وكلما أبا موسى ~~واستعانا عليه بأناس من الكوفة، فقال للكوفيين: أنا صاحبكم يوم الجرعة وأنا ~~صاحبكم اليوم، فجمع الناس فخطبهم وقال: أيها الناس، إن أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله جل وعز وبرسوله صلى الله ~~عليه وسلم ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقا فأنا مؤديه إليكم؟ كان الرأي ~~ألا تستخفوا بسلطان الله عز وجل، ولا تجترئوا على الله عز وجل، وكان الرأي ~~الثاني أن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا، وهم ~~أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، ولا تكلفوا الدخول في هذا، فأما إذ كان ما ~~كان فإنها فتنة صماء، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من ~~القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة من ~~جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف وانصلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وآووا ~~المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة. # ولما رجع ابن عباس إلى علي بالخبر دعا الحسن بن علي فأرسله، فأرسل معه ~~عمار بن ياسر، فقال له: انطلق فأصلح ما أفسدت، فأقبلا حتى دخلا المسجد. ~~فكان أول من أتاهما مسروق بن الأجدع، فسلم عليهما، وأقبل عمار فقال: يا أبا ~~اليقظان، علام قتلتم عثمان رضي الله عنه؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب ~~أبشارنا! ms088 فقال: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لكان خيرا ~~للصابرين. فخرج أبو موسى، فلقي الحسن فضمه إليه، وأقبل على عمار فقال: يا ~~أبا اليقظان، أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين، فأحللت نفسك مع الفجار؟ ~~فقال: لم أفعل، ولم تسؤني؟ وقطع عليهما الحسن فاقبل على أبي موسى، فقال: يا ~~أبا موسى، لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا PageV00P139 # الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شئ. فقال: صدقت بأبي أنت وأمي، ~~ولكن المستشار مؤتمن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنها ~~ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي ~~خير من الراكب " قد جعلنا الله عز وجل إخوانا، وحرم علينا أموالنا ودماءنا، ~~وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، (ولا تقتلوا ~~أنفسكم إن الله كان بكم رحيما). وقال جل وعز: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم)، فغضب عمار وساءه وقام وقال: يا أيها الناس، إنما قال له ~~خاصة: أنت فيها قاعدا خير منك قائما. وقام رجل من بني تميم فقال لعمار: ~~أسكت أيها العبد، أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا، وثار زيد بن ~~صوحان وطبقته، وثار الناس وجعل أبو موسى يكفكف الناس، ثم انطلق حتى أتى ~~المنبر، وسكن الناس، واقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد ومعه الكتابان ~~من عائشة رضي الله عنها إليه وإلى أهل الكوفة، وقد كان طلب كتاب العامة ~~فضمه إلى كتابه، فأقبل بهما ومعه كتاب الخاصة وكتاب العامة: أما بعد، ~~فثبطوا أيها الناس واجلسوا في بيوتكم إلا عن قتلة عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه. # فلما فرغ من الكتاب قال: أمرت بأمر وأمرنا بأمر. أمرت أن تقر في بيتها ~~وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما أمرت به، وركبت ما أمرنا ~~به، فقام إليه شبث بن ربعي فقال: يا عماني - وزيد من عبد القيس عمان وليس ~~من أهل البحرين - سرقت بجلولاء فقطعك الله، وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله! ~~ما أمرت ms089 إلا بما أمر الله عز وجل به بالإصلاح بين الناس، فقلت: PageV00P140 # ورب الكعبة، وتهاوى الناس. وقام أبو موسى فقال: أيها الناس، أطيعوني ~~تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوي إليكم المظلوم ويأمن فيكم الخائف، إنا ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعلم بما سمعنا، إن الفتنة إذا أقبلت شبهت ~~وإذا أدبرت بينت، وإن هذه الفتنة باقرة كداء البطن تجري بها الشمال والجنوب ~~والصبا والدبور، فتسكن أحيانا فلا يدرى من أين تؤتى، تذر الحليم كابن أمس، ~~شيموا سيوفكم وقصدوا رماحكم، وأرسلوا سهامكم واقطعوا أوتاركم، والزموا ~~بيوتكم. خلوا قريشا - إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم ~~بالإمرة - ترتق فتقها وتشعب صدعها، فإن فعلت فلأنفسها سعت، وإن أبت فعلى ~~أنفسها منت، سمنها تهريق في أديمها استنصحوني ولا تستغشوني، وأطيعوني يسلم ~~لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحر هذه الفتنة من جناها. # فقام زيد فشال يده المقطوعة فقال: يا عبد الله بن قيس، رد الفرات عن ~~دراجه، أردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ذلك فستقدر على ~~ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه. ثم قرأ. (ألم أحسب الناس ان يتركوا) إلى ~~آخر الآيتين سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وانفروا إليه أجمعين ~~تصيبوا الحق. # فقام القعقاع بن عمرو فقال: إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، أحب ان ترشدوا، ~~ولأقولن لكم قولا هو الحق، أما ما قال الأمير فهو الأمر لو أن إليه ~~PageV00P141 # سبيلا، وأما ما قال زيد فزيد في الأمر فلا تستنصحوه فإنه لا ينتزع أحد من ~~الفتنة طعن فيها وجرى إليها، والقول الذي هو القول إنه لا بد من إمارة تنظم ~~الناس وتزغ الظالم وتعز المظلوم، وهذا علي يلي بما ولي، وقد أنصف في الدعاء ~~وإنما يدعو إلى الإصلاح فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع. # وقال سيحان: أيها الناس، إنه لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع ~~الظالم ويعز المظلوم ويجمع الناس، وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين ~~صاحبيه، وهو المأمون على الأمة، الفقيه في ms090 الدين، فمن نهض إليه فإنا سائرون ~~معه. # ولان عمار بعد نزوته الأولى. فلما فرغ سيحان من خطبته، تكلم عمار فقال: ~~هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنفركم إلى زوجة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإلى طلحة والزبير. وإني أشهد أنها زوجته في الدنيا ~~والآخرة، فانظروا ثم انظروا في الحق فقاتلوا معه. فقال رجل يا أبا اليقظان، ~~لهو مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له. فقال الحسن: اكفف عنا يا ~~عمار، فإن للإصلاح أهلا. # وقام الحسن بن علي، فقال: يا أيها الناس، أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى ~~إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، والله لأن يليه أولو النهي ~~أمثل في العاجلة وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا ~~به وابتليتم فسامح الناس وأجابوا ورضوا به. وأتى قوم من طيء عديا فقالوا: # ماذا ترى وماذا تأمر؟ فقال: ننتظر ما يصنع الناس، فأخبر بقيام الحسن ~~وكلام من تكلم، فقال: قد بايعنا هذا الرجل، وقد دعانا إلى جميل، وإلى هذا ~~الحدث العظيم لننظر فيه، ونحن سائرون وناظرون. PageV00P142 # وقام هند بن عمرو، فقال إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله حتى ~~جاءنا ابنه، فاسمعوا إلى قوله، وانتهوا إلى أمره، وانفروا إلى أميركم ~~فانظروا معه في هذا الأمر وأعينوه برأيكم. # وقام حجر بن عدي، فقال: أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين وانفروا خفافا ~~وثقالا، وأنا أولكم. وقام الأشتر فذكر الجاهلية وشدتها، والإسلام ورخاءه، ~~وذكر عثمان رضي الله عنه فقام إليه المقطع بن الهيثم بن فجيع العامري ثم ~~البكائي، فقال: اسكت قبحك الله! كلب خلي والنباح فثار الناس فأجلسوه. # وقام المقطع، فقال إنا والله لا نحتمل بعدها أن يبوء أحد بذكر أحد من ~~أئمتنا، وإن عليا عندنا لمقنع، والله لئن يكن هذا الضرب لا يرضى به علي، ~~فعض امرؤ على لسانه في مشاهدنا، فأقبلوا على ما أحثاكم. # فقال الحسن: صدق الشيخ، وقال الحسن: أيها الناس إني غاد فمن شاء منكم ان ~~يخرج معي على الظهر، ومن ms091 شاء فليخرج في الماء، فنفر معه تسعة آلاف فأخذ ~~بعضهم البر، وأخذ بعضهم الماء وعلى كل سبع رجل، أخذ البر ستة آلاف ومائتان ~~وأخذ الماء ألفان وثمانمائة. # نزول أمير المؤمنين علي ذا قار: # لما التقوا بذي قار تلقاهم علي في أناس، فيهم ابن عباس فرحب بهم، ~~PageV00P143 # وقال: يا أهل الكوفة، أنتم وليتم شوكة العجم وملوكهم، وفضضتم جموعهم، حتى ~~صارت إليكم مواريثهم، فأغنيتم حوزتكم، وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم ~~لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك ما نريد وإن يلجوا ~~داويناهم بالرفق، وبايناهم حتى يبدؤونا بظلم، ولن ندع أمرا فيه صلاح إلا ~~آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # فاجتمع بذي قار سبعة آلاف ومائتان، وعبد القيس بأسرها في الطريق بين علي ~~وأهل البصرة ينتظرون مرور علي بهم، وهم آلاف - وفي الماء ألفان وأربعمائة. # مساعي الإصلاح: # [وفي رواية أخرى]. # لما نزل علي ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبي بكر ومحمد بن ~~جعفر، وأرسل الحسن بن علي وعمارا بعد ابن عباس والأشتر، فخف في ذلك الأمر ~~جميع من كان نفر فيه، ولم يقدم فيه الوجوه اتباعهم، فكانوا خمسة آلاف أخذ ~~نصفهم في البر ونصفهم في البحر، وخف من لم ينفر فيها ولم يعمل لها. كان على ~~طاعته ملازما للجماعة، فكانوا أربعة آلاف. فكان رؤساء الجماعة: القعقاع بن ~~عمرو، وسعد بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب، وكان رؤساء النفار: ~~زيد بن صوحان، والأشتر مالك بن الحارث، وعدي بن حاتم، والمسيب بن نجبة، ~~ويزيد بن قيس ومعهم اتباعهم وأمثال PageV00P144 # لهم ليسوا دونهم إلا أنهم لم يؤمروا، منهم حجر بن عدي وابن محدوج البكري ~~وأشباه لهما لم يكن في أهل الكوفة أحد على ذلك الرأي غيرهم. فبادروا في ~~الوقعة إلا قليلا، فلما نزلوا على ذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى ~~أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا بن الحنظلية - وكان القعقاع من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms092 - فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظم ~~عليهما الفرقة، وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه ~~وصاة مني؟ فقال: نلقاهم بالذي أمرت به، فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك ~~فيه رأي اجتهدنا الرأي وكلمناهم على قدر ما نسمع ونرى أنه ينبغي. قال: أنت ~~لها. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فسلم عليها، ~~وقال: أي أمة ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني، إصلاح بين ~~الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت ~~إليهما فجاءا، فقال: إني سالت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ ~~فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان وإن أم مخالفان؟ قالا: ~~متابعان، قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفنا لنصلحن، ولئن ~~أنكرناه، لا نصلح. # قالا: قتلة عثمان رضي الله عنه، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن، وإن عمل ~~به كان إحياء للقرآن، فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل ~~قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة إلا رجلا، فغضب لهم ستة ~~آلاف واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الذي أفلت - يعني حرقوص ~~بن زهير - فمنعه ستة آلاف وهم على رجل، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون ~~وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم كما فأديلوا عليكم فالذي حذرتم وقربتم به ~~هذا الامر أعظم مما أراكم تكرهون، وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد، ~~فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث ~~العظيم والذنب الكبير. فقالت أم المؤمنين فتقول أنت PageV00P145 # ماذا؟ قال: وأنا أقول هذا الأمر دواؤه التسكين، وإذا سكن اختلجوا، فإن ~~أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر هذا الرجل، وعافية ~~وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه، كانت ~~علامة شر، وذهاب هذا الثأر، وبعثة الله في هذه الأمة هزاهزها، فآثروا ~~العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء ~~ولا تعرضوا له فيصرعنا وإياكم. وأيم ms093 الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني ~~لخائف ألا يتم حتى يأخذ الله عز وجل حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ~~ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يقدر، وليس كالأمور، ولا ~~كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل. فقالوا: نعم، إذا ~~قد أحسنت وأصبت المقالة، فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا ~~الأمر. فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من ~~كرهه، ورضيه من رضيه. # وأقبلت وفود البصرة نحو علي حين نزل بذي قار، فجاءت وفود تميم وبكر قبل ~~رجوع القعقاع لينظروا ما رأي إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أي حال، نهضوا ~~إليهم، وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتال على بال. ~~فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرهم من أهل البصرة ~~وقال لهم الكوفيون مثل مقالتهم، وأدخلوهم على علي فأخبروه خبرهم، سأل علي ~~جرير بن شرس عن طلحة والزبير، فأخبره عن دقيق أمرهما وجليله حتى تمثل له ~~ألا أبلغ بني بكر رسولا * فليس إلى بني كعب سبيل سيرجع ظلمكم منكم عليكم * ~~طويل الساعدين له فضول PageV00P146 # وتمثل علي عندها: # ألم تعلم أبا سمعان أنا * نرد الشيخ مثلك ذا الصداع ويذهل عقله بالحرب ~~حتى * يقوم فيستجيب لغير داع فدافع عن خزاعة جمع بكر * وما بك يا سراقة من ~~دفاع [و] لما جاءت وفود أهل البصرة إلى أهل الكوفة ورجع القعقاع من عند أم ~~المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم، جمع علي الناس، ثم قام على الغرائر، ~~فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر. ~~الجاهلية وشقاءها والاسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة ~~بالخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذي يليه، ثم حدث هذا ~~الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها ~~الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رد الأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره ~~ومصيب ما ms094 أراد. ألا وإني راحل غدا فارتحلوا ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان ~~على عثمان بشئ في شئ من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم. # رؤوس الفتنة يحبطون مساعي الإصلاح: # فاجتمع نفر، منهم علباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم، وسالم بن ثعلبة العبسي ~~وشريح بن أوفى بن ضبيعة، والأشتر، في عدة ممن سار إلى عثمان، ورضي بسير من ~~سار، وجاء معهم المصريون: ابن السوداء وخالد بن ملجم وتشاوروا فقالوا: ما ~~الرأي؟ وهذا والله علي، وهو أبصر الناس بكتاب الله وأقرب ممن PageV00P147 # يطلب قتلة عثمان وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر ~~إليه إلا هم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شام القوم وشاموه، وإذا رأوا ~~قلتنا في كثرتهم؟ أنتم والله ترادون، وما أنتم بأنجى من شئ. فقال الأشتر: # أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما، وأما علي فلم نعرف أمره حتى كان ~~اليوم ورأي الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا وعلي، فعلى دمائنا فهلموا ~~فلنتواثب على علي فلنلحقه بعثمان، فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكون. # فقال عبد الله بن السوداء: بئس الرأي رأيت! أنتم يا قتلة عثمان من أهل ~~الكوفة بذي قار الفان وخمسمائة أو نحو من ستمائة، وهذا ابن الحنظلية ~~وأصحابه في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا، فارقأ على ~~ظلعك. # وقال علباء بن الهيثم انصرفوا بنا عنهم ودعوهم، فإن قلوا كان أقوى لعدوهم ~~عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، دعوهم وارجعوا فتعلقوا ببلد ~~من البلدان حتى يأتيكم فيه من تتقون به، وامتنعوا من الناس. # فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت ود والله الناس أنكم على جديلة، ولم ~~تكونوا مع أقوام برآء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطفكم كل شئ. # فقال عدي بن حاتم: والله ما رضيت ولا كرهت، ولقد عجبت من تردد من تردد عن ~~قتله في خوض الحديث، فاما إذ وقع ما وقع ونزل من الناس PageV00P148 # بهذه المنزلة، فإن لنا عتادا من خيول وسلاح محمودا، فإن أقدمتم أقدمنا ~~وإن أمسكتم أحجمنا. ms095 فقال ابن السوداء: أحسنت. # وقال سالم بن ثعلبة: من كان أراد بما أتى الدنيا فإني لم أرد ذلك، والله ~~لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى بيتي، ولئن طال بقائي إذا أنا لاقيتهم لا يزد ~~على جزر جزور، وأحلف بالله إنكم لتفرقون السيوف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا ~~إلى السيف. فقال ابن السوداء: # قد قال قولا. # وقال شريح بن أوفى: أبرموا أموركم قبل أن تخرجوا ولا تؤخروا أمرا ينبغي ~~لكم تعجيله، ولا تعجلوا أمرا ينبغي لكم تأخيره، فإنا عند الناس بشر ~~المنازل، فلا أدري ما الناس صانعون غدا إذا ما هم التقوا. # وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم، إن عزكم في خلطة الناس، فصانعوهم، وإذا ~~التقى الناس غدا فأنشبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا ~~يجد بدا من أن يمتنع، ويشغل الله عليا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما ~~تكرهون. فأبصروا الرأي، وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون. # وأصبح علي على ظهر، فمضى ومضى الناس حتى إذا انتهى إلى عبد القيس نزل بهم ~~وبمن خرج من أهل الكوفة وهم أمام ذلك، ثم ارتحل حتى نزل على أهل الكوفة وهم ~~أمام ذلك والناس متلاحقون به وقد قطعهم، ولما بلغ أهل البصرة رأيهم ونزل ~~علي بحيث نزل، قام أبو الجرباء إلى الزبير بن العوام فقال: إن الرأي أن ~~تبعث الآن ألف فارس فيمسوا هذا الرجل ويصبحوه قبل أن يوافي أصحابه، فقال ~~الزبير: يا أبا الجرباء، إنا لنعرف أمور الحرب، PageV00P149 # ولكنهم أهل دعوتنا، وهذا أمر حدث في أشياء لم تكن قبل اليوم، هذا أمر من ~~لم يلق الله عز وجل فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة ومع ذلك إنه قد فارقنا ~~وافدهم على أمر، وأنا أرجوا أن يتم لنا الصلح فأبشروا واصبروا. # وأقبل صبرة بن شيمان فقال: يا طلحة، يا زبير، انتهزا بنا هذا الرجل فإن ~~الرأي في الحرب خير من الشدة. فقالا: يا صبرة إنا وهم مسلمون، وهذا أمر لم ~~يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن، أو يكون فيه من ms096 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سنة، إنما هو حدث، وقد زعم قوم أنه لا ينبغي تحريكه اليوم. وهم علي ~~ومن معه، فقلنا: نحن لا ينبغي لنا ان نتركه اليوم ولا نؤخره. فقال علي: هذا ~~الذي ندعوكم إليه من إقرار هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه، وهو كأمر لا ~~يدرك، وقد كاد أن يبين لنا، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمها ~~منفعة وأحوطها. # وأقبل كعب بن سور فقال: ما تنتظرون يا قوم بعد توردكم أوائلهم؟ # اقطعوا هذا العنق من هؤلاء فقالوا: يا كعب، إن هذا أمر بيننا وبين ~~إخواننا، وهو أمر ملتبس، لا والله ما أخذ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مذ ~~بعث الله عز وجل نبيه طريقا إلا علموا أين مواقع أقدامهم، حتى حدث هذا ~~فإنهم لا يدرون أمقبلون هم أم مدبرون! إن الشئ يحسن عندنا اليوم ويقبح عند ~~إخواننا، فإذا كان من الغد قبح عندنا وحسن عندهم، وإنا لنحتج عليهم بالحجة ~~فلا يرونها حجة، ثم يحتجون بها على أمثالها، ونحن نرجوا الصلح إن أجابوا ~~إليه وتموا، وإلا فإن آخر الدواء الكي. # وقام إلى علي بن أبي طالب أقوام من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على ~~القوم، فقام إليه فيمن قام الأعور بن بنان المنقري، فقال له علي: على ~~الإصلاح PageV00P150 # وإطفاء النائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم، وقد ~~أجابوني، قال وإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم ~~يتركونا؟ قال: # دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم. # وقام إليه أبو سلامة الدألاني فقال: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من ~~هذا الدم، إن كانوا أرادوا الله عز وجل بذلك؟ قال: نعم. قال: فترى لك حجة ~~بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم، إن الشئ إذا كان لا يدرك، فالحكم فيه أحوطه وأعمه ~~نفعا، قال: فما حالنا وحالكم إن ابتلينا غدا؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل أحدا ~~نقى قلبه لله منا ومنهم إلا أدخله الله الجنة. # وقام ms097 إليه مالك بن حبيب، فقال: ما أنت صانع إذا لقيت هؤلاء القوم؟ # قال: قد بان لنا ولهم إن الإصلاح الكف عن هذا الأمر، فإن بايعونا فذلك، ~~فإن أبوا وأبينا إلا القتال فصدع لا يلتئم، قال: فإن ابتلينا فما بال ~~قتلانا؟ # قال: من أراد الله عز وجل نفعه ذلك وكان نجاءه. # وقام علي، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، أملكوا ~~أنفسكم، كفوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم، فإنهم إخوانكم، واصبروا على ~~ما يأتيكم، وإياكم أن تسبقونا، فإن المخصوم غدا من خصم اليوم. # ثم ارتحل وأقدم ودفع تعبيته التي قدم فيها، حتى إذا أطل على القوم بعث ~~إليهم حكيم بن سلامة ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن ~~عمرو، فكفوا وأقرونا ننزل وننظر في هذا الأمر. PageV00P151 # فخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين، قد منعوا حرقوص بن، زهير ولا ~~يرون القتال مع علي بن أبي طالب. فقال: يا علي، إن قومنا بالبصرة يزعمون ~~إنك إن ظهرت عليهم غدا أنك تقتل رجالهم وتسبي نساءهم. # فقال: ما مثلي يخاف هذا منه، وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر، ألم تسمع ~~إلى قول الله عز وجل: (لست عليهم بمصيطر. إلا من تولى وكفر). # وهم قوم مسلمون! هل أنت مغن عني قومك؟ قال: نعم، واختر مني واحدة من ~~ثنتين، إما أن أكون آتيك فأكون معك بنفسي، وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف. ~~فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود وقد بدأ فقال: يال خندف، فأجابه ناس، ثم ~~نادى يال تميم، فأجابه ناس ثم نادى: يال سعد، فلم يبق سعدي إلا أجابه، ~~فاعتزل بهم، ثم نظر ما يصنع الناس، فلما وقع القتال وظفر علي جاؤوا وافرين. ~~فدخلوا فيما دخل فيه الناس. # [كذلك] أرسل عمران بن حصين في الناس يخذل من الفريقين جميعا، كما صنع ~~الأحنف، وأرسل إلى بني عدي فيما أرسل، فاقبل رسوله حتى نادى على باب ~~مسجدهم: ألا إن أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام، ويقول ms098 لكم: والله ~~لأن أكون في جبل حضن مع أعنز خضر وضأن، أجز أصوافها وأشرب ألبانها، أحب إلى ~~من أن أرمي في شئ من هذين الصفين بسهم، فقالت بنو عدي جميعا بصوت واحد: إنا ~~والله لا ندع ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لشئ - يعنون أم المؤمنين. ~~PageV00P152 # وأهل البصرة فرق: فرقة مع طلحة والزبير، وفرقة مع علي، وفرقة لا ترى ~~القتال مع أحد من الفريقين، وجاءت عائشة رضي الله عنها من منزلها الذي كانت ~~فيه حتى نزلت في مسجد الحدان في الأزد، وكان القتال في ساحتهم، ورأس الأزد ~~يومئذ صبرة بن شيمان، فقال له كعب بن سور: إن الجموع إذا تراءوا لم تستطع، ~~وإنما هي بحور تدفق، فأطعني ولا تشهدهم، واعتزل بقومك، فإني أخاف ألا يكون ~~صلح، وكن وراء هذه النطفة، ودع هذين الغارين من مضر وربيعة، فهما إخوان، ~~فإن اصطلحا فالصلح ما أردنا، وإن اقتتلا كنا حكاما عليهم غدا - وكان كعب في ~~الجاهلية نصرانيا - فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شئ من النصرانية أتأمرني ~~أن أغيب عن إصلاح بين الناس، وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير وإن ردوا ~~عليهم الصلح، وأدع الطلب بدم عثمان! لا أفعل ذلك أبدا، فأطبق أهل اليمن على ~~الحضور. # [و] لما رجع الأحنف بن قيس من عند علي لقيه هلال بن وكيع بن مالك ابن ~~عمرو، فقال: ما رأيك؟ قال الاعتزال، فما رأيك؟ قال: مكانفة أم المؤمنين، ~~أفتدعنا وأنت سيدنا؟ قال إنما أكون سيدكم غدا إذا قتلت وبقيت، فقال هلال، ~~هذا وأنت شيخنا؟ فقال: انا الشيخ المعصي، وأنت الشاب المطاع. فاتبعت بنو ~~سعد الأحنف، فاعتزل بهم إلى وادي السباع، واتبعت بنو حنظلة هلالا، وتابعت ~~بنو عمرو أبا الجرباء فقاتلوا. PageV00P153 # [و] لما أقبل الأحنف نادى: يا لأد، اعتزلوا هذا الأمر، وولوا هذين ~~الفريقين كيسة وعجزه، فقام المنجاب بن راشد فقال: يال الرباب لا تعتزلوا، ~~واشهدوا هذا الأمر، وتولوا كيسه، ففارقوا. فلما قال: يال تميم، اعتزلوا هذا ~~الأمر وولوا هذين الفريقين كيسه وعجزه، قام أبو الجرباء - وهو ms099 من بني عثمان ~~بن مالك بن عمرو بن تميم - فقال: يال عمر، ولا تعتزلوا هذا الأمر وتولوا ~~كيسه. فكان أبو الجرباء على بني عمرو بن تميم، والمنجاب بن راشد على بني ~~ضبة، فلما قال: يال زيد مناة، اعتزلوا هذا الأمر، وولوا هذين الفريقين كيسه ~~وعجزه، قال هلال بن وكيع: لا تعتزلوا هذا الأمر، ونادى: يال حنظلة تولوا ~~كيسه، فكان هلال على حنظلة، وطاوعت سعد الأحنف، واعتزلوا إلى وادي السباع. # كان على هوازن وعلى بني سليم والأعجاز مجاشع بن مسعود السلمي، وعلى عامر ~~زفر بن الحارث، وعلى غطفان أعصر بن النعمان الباهلي، وعلى بكر بن وائل مالك ~~بن مسمع، واعتزلت عبد القيس إلى علي إلا رجلا فإنه أقام، ومن بكر بن وائل ~~قيام، واعتزل منهم مثل من بقي منهم، عليهم سنان، وكانت الأزد على ثلاثة ~~رؤساء: صبرة بن شيمان ومسعود، وزياد بن عمرو، والشواذب عليهم رجلان: على ~~مضر الخريت بن راشد، وعلى قضاعة والتوابع الرعبي الجرمي - وهو لقب - وعلى ~~سائر اليمن ذو الآجرة الحميري. # فخرج طلحة والزبير فنزلا بالناس من الزابوقة، في موضع قرية الأرزاق، ~~فنزلت مضر جميعا وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ربيعة فوقهم جميعا وهم لا ~~PageV00P154 # يشكون في الصلح، ونزلت اليمن جميعا أسفل منهم، وهم لا يشكون في الصلح، ~~وعائشة في الحدان، والناس في الزابوقة، على رؤسائهم هؤلاء وهم ثلاثون ألفا، ~~وردوا حكيما ومالكا إلى علي، بأنا على ما فارقنا عليه القعقاع فأقدم. فخرجا ~~حتى قدما عليه بذلك، فارتحل حتى نزل عليهم بحيالهم، فنزلت القبائل إلى ~~قبائلهم، مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وهم لا يشكون ~~في الصلح، فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى البعض، ولا يذكرون ولا ~~ينوون إلا الصلح، وخرج أمير المؤمنين فيمن معه، وهم عشرون ألفا، وأهل ~~الكوفة على رؤسائهم الذين قدموا معهم ذا قار، وعبد القيس على ثلاثة رؤساء: ~~جذيمة وبكر على ابن الجارود، والعمور على عبد الله بن السوداء، وأهل هجر ~~على ابن الأشج، وبكر بن وائل من أهل ms100 البصرة على ابن الحارث ابن نهار، وعلى ~~دنور بن علي الزط والسبابجة، وقدم علي ذا قار في عشرة آلاف وانضم إليه عشرة ~~آلاف. # فلما نزل الناس واطمأنوا، خرج علي وطلحة والزبير، فتواقفوا، وتكلموا فيما ~~اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمرا هو أمثل من الصلح ووضع الحرب حين رأوا الأمر ~~قد أخذ في الانقشاع، وأنه لا يدرك، فافترقوا عن موقفهم على ذلك، ورجع علي ~~إلى عسكره، وطلحة والزبير إلى عسكرهما. # المعركة: # وبعث علي من العشي عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير، وبعثاهما من العشي ~~محمد بن طلحة إلى علي وأن يكلم كل واحد منهما أصحابه فقالوا: نعم، ~~PageV00P155 # فلما أمسوا، وذلك في جمادى الآخرة، أرسل طلحة والزبير إلى رؤساء ~~أصحابهما، وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه، ما خلا أولئك الذي هضوا عثمان. # فباتوا على الصلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا ~~عليه، والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا ~~أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ~~ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا بذلك خشية أن ~~يفطن بما حاولوا من الشر، فغدوا مع الغلس، وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا ~~إلى ذلك الأمر انسلالا، وعليهم ظلمة، فخرج مضريهم إلى مضريهم وربعيهم إلى ~~ربعيهم، ويمانيهم إلى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار ~~كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم. # وخرج الزبير وطلحة في وجوه الناس من مضر فبعثا إلى الميمنة، وهم ربيعة. # يعبؤها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتاب ~~ابن أسيد، وثبتا في القلب، فقال: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا ~~فقالا: قد علمنا أن عليا غير منته حتى يسفك الدماء، ويستحل الحرمة، وأنه لن ~~يطاوعنا، ثم رجعا بأهل البصرة، وقصف أهل البصرة، أولئك حتى ردوهم إلى ~~عسكرهم، فسمع علي وأهل الكوفة الصوت، وقد وضعوا رجلا قريبا من علي ليخبره ~~بما يريدون، فلما قال: ما هذا؟ قال ذاك الرجل ما فجئنا ms101 إلا وقوم منهم ~~بيتونا، فرددناهم من حيث جاؤوا، فوجدنا القوم على رجل فركبونا، وثار الناس، ~~وقال علي لصاحب ميمنة: إئت الميمنة، وقال لصاحب ميسرته: إئت الميسر، ولقد ~~علمت أن طلحة والزبير غير منتهين حتى يسفكا PageV00P156 # الدماء، ويستحلا الحرمة، وإنهما لن يطاوعانا، والسبئية لا تفتر انشابا. # ونادى علي في الناس: أيها الناس، كفوا فلا شئ، فكان من رأيهم جميعا في ~~تلك الفتنة ألا يقتتلوا حتى يبدؤوا، يطلبون بذلك الحجة، ويستحقون على ~~الآخرين، ولا يقتلوا مدبرا، ولا يجهزون على جريح، ولا يتبعوا. فكان مما ~~اجتمع عليه الفريقان ونادوا فيما بينهما. # وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة رضي الله عنها، فقال: أدركي، فقد أبى ~~القوم إلا القتال، لعل الله يصلح بك. فركبت. والبسوا هودجها الأدراع، ثم ~~بعثوا جملها، وكان جملها يدعى عسكرا، حملها عليه يعلي بن أمية، اشتراه ~~بمائتي دينار. فلما برزت من البيوت - وكانت بحيث تسمع الغوغاء - وقفت، فلم ~~تلبث أن سمعت غوغاء شديدة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجة العسكر، قالت: بخير ~~أو بشر؟ قالوا: بشر. قالت: فأي الفريقين كانت منهم هذه الضجة فهم ~~المهزومون. وهي واقفة، فوالله ما فجئها إلا الهزيمة، فمضى الزبير من سننه ~~في وجهه، فسلك وادي السباع، وجاء طلحة سهم غرب يخل ركبته بصفحة الفرس، فلما ~~امتلأ موزجه دما وثقل، قال لغلامه: اردفني وأمسكني، وابغني مكانا أنزل فيه، ~~فدخل البصرة وهو يتمثل مثله ومثل الزبير: PageV00P157 # فإن تكن الحوادث أقصدتني * وأخطأهن سهمي حين أرمي فقد ضيعت حين تبعت سهما ~~* سفاها ما سفهت وضل حلمي ندمت ندامة الكسعي لما * شريت رضا بني سهم برغمي ~~أطعتهم بفرقة آل لأي * فألقوا للسباع دمي ولحمي [وفي رواية أخرى]: # ولما انهزم الناس في صدر النهار، نادى: الزبير: أنا الزبير، هلموا إلي ~~أيها الناس. ومعه مولى له ينادي: أعن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تنهزمون؟ # وانصرف الزبير نحو وادي السباع، واتبعه فرسان، وتشاغل الناس عنه بالناس، ~~فلما رأى الفرسان تتبعه عطف عليهم، ففرق بينهم، فكروا عليه، فلما عرفوه ~~قالوا: الزبير! فدعوه، فلما ms102 نفر فيهم علباء بن الهيثم، ومر القعقاع في نفر ~~بطلحة وهو يقول: إلي عباد الله، الصبر الصبر! قال له: يا أبا محمد، إنك ~~لجريح، وإنك عما تريد لعليل، فادخل الأبيات، فقال: يا غلام، أدخلني وابغني ~~مكانا. فأدخل البصرة ومعه غلام ورجلان، فاقتتل الناس بعده، فأقبل الناس في ~~هزيمتهم تلك وهم يريدون البصرة. فلما رأوا الجمل أطافت به مضر، عادوا قلبا ~~كما كانوا حيث التقوا، وعادوا إلى أمر جديد. ووقفت ربيعة البصرة، منهم ~~ميمنة ومنهم ميسرة، وقالت عائشة: خل يا كعب عن البعير، وتقدم بكتاب الله عز ~~وجل فادعهم إليه، ودفعت إليه مصحفا. وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن ~~يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف وعلي من خلفهم يزعهم ويأبون إلا إقداما، ~~فلما دعاهم كعب رشقوه رشقا واحدا، فقتلوه، ورموا عائشة في هودجها، فجعلت ~~تنادي، يا بني، البقية البقية - ويعلو صوتها كثرة - الله الله، اذكروا الله ~~عز وجل والحساب، فيأبون إلا PageV00P158 # إقداما، فكان أول شئ أحدثته حين أبوا أن قالت أيها الناس، إلعنوا قتلة ~~عثمان وأشياعهم، وأقبلت تدعو. # وضج أهل البصرة بالدعاء، وسمع علي بن أبي طالب الدعاء، فقال: # ما هذه الضجة؟ فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان وأشياعهم، ~~فأقبل يدعو ويقول: اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم. وأرسلت إلى عبد الرحمن ~~ابن عتاب وعبد الرحمن بن الحارث: أثبتا مكانكما، وذمرت الناس حين رأت أن ~~القوم لا يريدون غيرهما، ولا يكفون عن الناس، فازدلفت مضر البصرة، فقصفت ~~مضر الكوفة حتى زوحم علي، فنخس علي قفا محمد، وقال: احمل، فنكل، فأهوى علي ~~إلى الراية ليأخذها منه، فحمل فترك الراية في يده، وحملت مضر الكوفة، ~~فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا، والمجنبات على حالها، لا تصنع شيئا، ومع ~~علي أقوام غير مضر، فمنهم زيد بن صوحان، فقال له رجل من قومه: تنح إلى ~~قومك، ما لك ولهذا الموقف، ألست تعلم أن مضر بحيالك، وأن الجمل بين يديك، ~~وأن الموت دونه؟ فقال: # الموت خير من الحياة، الموت ما أريد، فأصيب وأخوه سيحان، وارتث صعصعة، ~~واشتدت ms103 الحرب. فلما رأى ذلك علي بعث إلى اليمن وإلى ربيعة: # أن اجتمعوا على من يليكم، فقام رجل من عبد القيس فقال: ندعوكم إلى كتاب ~~الله عز وجل، قالوا: وكيف يدعونا إلى كتاب الله من لا يقيم حدود الله ~~سبحانه، ومن قتل داعي الله كعب بن سور! فرمته ربيعة رشقا واحدا فقتلوه وقام ~~مسلم بن عبد الله العجلي مقامه، فرشقوه رشقا واحدا، فقتلوه، ودعت يمن ~~الكوفة يمن البصرة فرشقوهم. PageV00P159 # [و] كان القتال الأول يستحر إلى انتصاف النهار وأصيب فيه طلحة رضي الله ~~عنه، وذهب فيه الزبير، فلما أووا إلى عائشة وأبى أهل الكوفة إلا القتال، ~~ولم يريدوا إلا عائشة، ذمرتهم عائشة، فاقتتلوا، حتى تنادوا فتحاجزوا، ~~فرجعوا بعد الظهر فاقتتلوا، وذلك يوم الخميس في جمادى الآخرة، فاقتتلوا صدر ~~النهار مع طلحة والزبير، وفي وسطه مع عائشة، وتزاحف الناس، فهزمت يمن ~~البصرة يمن الكوفة، وربيعة البصرة ربيعة الكوفة، ونهد علي بمضر الكوفة إلى ~~مضر البصرة، وقال: إن الموت ليس منه فوت، يدرك الهارب ولا يترك المقيم. # [و] اقتتلت المجنبتان حين تزاحفتا قتالا شديدا، يشبه ما فيه القلبان، ~~واقتتل أهل اليمن، فقتل على راية أمير المؤمنين من أهل الكوفة عشرة، كلما ~~أخذها رجل قتل، خمسة من همذان وخمسة من سائر اليمن، فلما رأى ذلك يزيد ابن ~~قيس أخذها فثبتت في يده وهو يقول: # قد عشت يا نفس وقد غنيت * دهرا فقطك اليوم ما بقيت أطلب طول العمر ما ~~حييت وإنما تمثلها وهو قول الشاعر قبله. وقال نمران بن أبي نمران الهمداني: # جردت سيفي في رجال الأزد * أضرب في كهولهم والمرد كل طويل الساعدين نهد ~~PageV00P160 # وأقبلت ربيعة، فقتل على راية الميسرة من أهل الكوفة، زيد وصرع صعصعة، ثم ~~سيحان، ثم عبد الله بن رقبة بن المغيرة، ثم أبو عبيدة بن راشد ابن سلمى وهو ~~يقول: اللهم أنت هديتنا من الضلالة، واستنقذتنا من الجهالة، وابتليتنا ~~بالفتنة، فكنا في شبهة وعلى ريبة، حتى قتل، ثم الحصين بن معبد ابن النعمان، ~~فأعطاها ابنه معبدا، وجعل يقول: يا معبد، ms104 قرب لها بوها تحدب، فثبتت في يده. # [و] لما رأت الكماة من مضر الكوفة ومضر البصرة الصبر تنادوا في عسكر ~~عائشة وعسكر علي: يا أيها الناس، طرفوا إذا فرغ الصبر، ونزع النصر. # فجعلوا يتوجؤون الأطراف: الأيدي والأرجل، فما رئيت وقعة قط قبلها ولا ~~بعدها، ولا يسمع بها أكثر يدا مقطوعة ورجلا مقطوعة منها، ولا يدرى من ~~صاحبها، وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب يومئذ قبل قتله، وكان الرجل من هؤلاء ~~وهؤلاء إذا أصيب شئ من أطرافه استقتل إلى أن يقتل. # [و] اشتد الأمر حتى أرزت ميمنة الكوفة إلى القلب، حتى لزقت به ولزقت إن ~~ميسرة البصرة بقلبهم، ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم، وإن ~~كانوا إلى جنبهم، وفعل مثل ذلك ميسرة الكوفة وميمنة البصرة، فقالت عائشة ~~رضي الله عنها لمن عن يسارها: من القوم؟ قال صبرة بن شيمان: # بنوك الأزد، قالت: يا آل غسان. حافظوا اليوم جلادكم الذي كنا نسمع به، ~~وتمثلت: PageV00P161 # وجالد من غسان أهل حفاظها * وهنب وأوس جالدت وشبيب وقالت لمن عن يمينها: ~~من القوم؟ قالوا: بكر بن وائل، قالت: لكم يقول القائل وجاءوا إلينا في ~~الحديد كأنهم * من العزة القعساء بكر بن وائل إنما بإزائكم عبد القيس ~~فاقتتلوا أشد القتال من قتالهم قبل ذلك، وأقبلت على كتيبة بين يديها، ~~فقالت: من القوم؟ قالوا: بنو ناجية، قالت: بخ بخ سيوف أبطحية، وسيوف قرشية، ~~فجالدوا جلادا يتفادى منه. ثم أطافت بها بنو ضبة، فقالت: ويها جمرة ~~الجمرات! حتى إذا رقوا خالطهم بنو عدي، وكثروا حولها، فقالت: من أنتم؟ ~~قالوا: بنو عدي خالطنا إخواننا، فقالت: # ما زال رأس الجمل معتدلا حتى قتلت بنو ضبة حولي، فأقاموا رأس الجمل، ثم ~~ضربوا ضربا ليس بالتعذير، ولا يعدلون بالتطريف، حتى إذا كثر ذلك وظهر في ~~العسكرين جميعا، راموا الجمل وقالوا: لا يزال القوم أو يصرع، وأرزت مجنبتا ~~علي فصارتا في القلب، وفعل ذلك أهل البصرة، وكره القوم بعضهم بعضا، وتلاقوا ~~جميعا بقلبيهم، وأخذ بن يثربي برأس الجمل وهو يرتجز، وادعى قتل علباء ms105 بن ~~الهيثم، وزيد بن صوحان وهند بن عمرو، فقال: # أنا لمن ينكرني ابن يثربي * قاتل علباء وهند الجملي وابن لصوحان على دين ~~علي فناداه عمار: لقد لعمري لذت بحريز، وما إليك سبيل فإن كنت صادقا فاخرج ~~من هذه الكتيبة إلي، فترك الزمام في يد رجل من بني عدي حتى PageV00P162 # كان بين أصحاب عائشة وأصحاب علي، فزحم الناس عمارا حتى أقبل إليه، فاتقاه ~~عمار بدرقته، فضربه فانتشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، فخرج عمار إليه لا ~~يملك من نفسه شيئا، فأسف عمار لرجليه فقطعهما، فوقع على أسته، وحمله ~~أصحابه، فارتث بعد، فأتى به علي فأمر بضرب عنقه. ولما أصيب ابن يثربي ترك ~~ذلك العدوي الزمام، ثم خرج فنادى: من يبارز؟ فخنس عمار وبرز إليه ربيعة ~~العقيلي - والعدوي يدعى عمرة بن بجرة، أشد الناس صوتا - وهو [أي ربيعة] ~~يقول: # يا امنا أعق أم نعلم * والأم تغدو ولدا وترحم ألا ترين كم شجاع يكلم * ~~وتختلي منه يد ومعصم ثم اضطربا، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، فماتا. # وقال عطية بن بلال: ولحق بنا من آخر النهار رجل يدعى الحارث، من بني ضبة، ~~فقام مقام العدوي، فما رأينا رجلا قط أشد منه، وجعل يقول: # نحن بني ضبة أصحاب الجمل * ننعي ابن عفان بأطراف الأسل الموت أحلى عندنا ~~من العسل * ردوا علينا شيخنا ثم بجل [و] جعل أبو الجرباء يومئذ يرتجز ~~ويقول: # أسامع أنت مطيع لعلي * من قبل أن تذوق حد المشرفي وخاذل في الحق أزواج ~~النبي * أعرف قوما لست فيه بعني PageV00P163 # [و] قد كانت أم المؤمنين في حلقة من أهل النجدات والبصائر من أفناء مضر، ~~فكان لا يأخذ أحد بالزمام إلا كان يحمل الراية واللواء لا يحسن تركها، وكان ~~لا يأخذه إلا معروف عند المطيفين بالجمل فينتسب لها: أنا فلان ابن فلان، ~~فوالله إن كانوا ليقاتلون عليه، وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وعنت، ~~وما رامه أحد من أصحاب علي إلا قتل أو أفلت، ثم لم يعد. ولما اختلط الناس ~~بالقلب جاء عدي بن ms106 حاتم فحمل عليه، ففقئت عينه ونكل فجاء الأشتر، فحامله ~~عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وإنه لأقطع منزوف، فاعتنقه، ثم جلد به الأرض عن ~~دابته، فاضطرب تحته، فأفلت وهو جريض. # [و] كان لا يجيء رجل فيأخذ بالزمام حتى يقول: أنا فلان بن فلان يا أم ~~المؤمنين، فجاء عبد الله بن الزبير فقالت حين لم يتكلم: من أنت؟ فقال: أنا ~~عبد الله، أنا ابن أختك، قال واثكل أسماء، - تعني أختها - وانتهى إلى الجمل ~~الأشتر وعدي بن حاتم، فخرج عبد الله بن حكيم بن حزام إلى الأشتر فمشى إليه ~~الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقتله الأشتر، ومشى إليه عبد الله بن الزبير، ~~فضربه الأشتر على رأسه، فجرحه جرحا شديدا، وضرب عبد الله الأشتر ضربة ~~خفيفة، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، وخرا إلى الأرض يعتركان فقال عبد الله ~~بن الزبير: " اقتلوني ومالكا ". # وكان مالك يقول: ما أحب أن يكون قال: " والأشتر " وإن لي حمر النعم. وشد ~~ناس من أصحاب علي وأصحاب عائشة فافترقا، وتنقذ كل واحد من الفريقين صاحبه. ~~PageV00P164 # وجاء محمد بن طلحة فأخذ بزمام الجمل، فقال: يا أمتاه، مريني بأمرك. # قالت: آمرك أن تكون كخير بني آدم إن تركت، قال: فحمل فجعل لا يحمل عليه ~~أحدا إلا حمل عليه ويقول: " حم لا ينصرون " واجتمع عليه نفر فكلهم ادعى ~~قتله: المكعبر الأسدي، والمكعبر الضبي، ومعاوية بن شداد العبسي، وعفان بن ~~الأشقر النصري، فأنفذه بعضهم بالرمح، ففي ذلك يقول قاتله منهم: # وأشعث قوام بآيات ربه * قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح ~~جيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم يذكرني حم والرمح شاجر * فهلا تلا حم ~~قبل التقدم على غير شئ غير أن ليس تابعا * عليا ومن لا يتبع الحق يندم قال ~~القعقاع بن عمرو للأشتر يؤلبه يومئذ: هل لك في العود؟ فلم يجبه. # فقال: يا أشتر، بعضنا أعلم بقتال بعض منك. فحمل القعقاع، وإن الزمام مع ~~زفر بن الحارث، وكان آخر من أعقب في الزمام، فلا والله ما بقي من بني عامر ~~يومئذ شيخ ms107 إلا أصيب قدام الجمل، فقتل فيمن قتل يومئذ ربيعة جد إسحاق بن ~~مسلم، وزفر يرتجز ويقول: # يا أمنا يا عيش لن تراعي * كل بنيك بطل شجاع ليس بوهام ولا براعي ~~PageV00P165 # وقام القعقاع يرتجز ويقول: # إذا وردنا آجنا جهرناه * ولا يطاق ورد ما منعناه تمثلها تمثلا. # [و] كان آخر من قاتل ذلك اليوم زفر بن الحارث، فزحف إليه القعقاع، فلم ~~يبق حول الجمل عامري مكتهل إلا أصيب، يتسرعون إلى الموت، وقال القعقاع: يا ~~بجير بن دلجة، صح بقومك فليعقروا الجمل قبل أن يصابوا وتصاب أم المؤمنين، ~~فقال: يال ضبة يا عمرو بن دلجة، ادع بي إليك، فدعا به، فقال: أنا آمن حتى ~~ارجع؟ قال: نعم. قال: فاجتث ساق البعير، فرمى بنفسه على شقه وجرجر البعير. ~~وقال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون. واجتمع هو وزفر على قطع بطان البعير، ~~وحملا الهودج فوضعاه، ثم أطافا به، وتفار من وراء ذلك من الناس. # لما أمسى الناس وتقدم علي وأحيط بالجمل ومن حوله، وعقره بجير بن دلجة، ~~وقال: إنكم آمنون، كف بعض الناس عن بعض - وقال علي في ذلك حين أمسى وانخنس ~~عنهم القتال: PageV00P166 # إليك أشكو عجري وبجري * ومعشرا عشوا علي بصري قتلت منهم مضرا بمضري * ~~شفيت نفسي وقتلت معشري قال طلحة يومئذ: اللهم اعط عثمان مني حتى يرضى، فجاء ~~سهم غرب وهو واقف، فخل ركبته بالسرج، وثبت حتى امتلأ موزجه، دما فلما ثقل ~~قال لمولاه: أردفني وابغني مكانا لا أعرف فيه، فلم أر كاليوم شيخا أضيع دما ~~[مني]. فركب مولاه وأمسكه وجعل يقول: قد لحقنا القوم، حتى انتهى به إلى دار ~~من دور البصرة خربة، وأنزله في فيئها، فمات في تلك الخربة، ودفن رضي الله ~~عنه في بني سعد. # كانت ربيعة مع علي يوم الجمل ثلث أهل الكوفة، ونصف الناس يوم الوقعة. # وكانت تعبيتهم مضر ومضر، وربيعة وربيعة، واليمن واليمن، فقال بنو صوحان: ~~يا أمير المؤمنين، ائذن لنا نقف عن مضر، ففعل، فأتى زيد فقيل له: ما يوقفك ~~حيال الجمل وبحيال مضر؟ الموت معك ms108 وبإزائك، فاعتزل إلينا، فقال: الموت ~~نريد، فأصيبوا يومئذ، وأفلت صعصعة من بينهم PageV00P167 # قال الصعب بن عطية: كان رجل منا يدعى الحارث، فقال يومئذ: # يال مضر، علام يقتل بعضكم بعضا؟ تبادرون لا ندري إلا أنا إلى قضاء، وما ~~تكفون في ذلك. # كان القتال يومئذ في صدر النهار مع طلحة والزبير فانهزم، الناس وعائشة ~~توقع الصلح، فلم يفجأها إلا الناس، فأحاطت بها مضر، ووقف الناس للقتال فكان ~~القتال نصف النهار مع عائشة وعلي... كعب بن سور أخذ مصحف عائشة وعلي فبدر ~~بين الصفين يناشدهم الله عز وجل في دمائهم، وأعطى درعه فرمى بها تحته، وأتي ~~بترسه فتنكبه، فرشقوه رشقا واحدا، فقتلوه رضي الله عنه، ولم يمهلوهم أن ~~شدوا عليهم، والتحم القتال، فكان أول مقتول بين يدي عائشة من أهل الكوفة. # قال والد مخلد بن كثير: أرسلنا مسلم بن عبد الله يدعو بني أبينا، فرشقوه ~~- كما صنع القلب بكعب - رشقا واحدا، فقتلوه فكان أول من قتل بين يدي أمير ~~المؤمنين وعائشة رضي الله عنهما، فقالت أم مسلم ترثيه: PageV00P168 # لا هم إن مسلما أتاهم * مستسلما للموت إذ دعاهم إلى كتاب الله لا يخشاهم ~~* فرملوه من دم إذ جاءهم وأمهم قائمة تراهم * يأتمرون الغي لا تنهاهم لما ~~انهزمت مجنبتا الكوفة عشية الجمل، صاروا إلى القلب - وكان ابن يثربي قاضي ~~البصرة قبل كعب بن سور، فشهدهم هو وأخوه يوم الجمل، وهما عبد الله وعمرو، ~~فكان واقفا أمام الجمل على فرس - فقال علي: من رجل يحمل على الجمل؟ فانتدب ~~له هند بن عمرو المرادي، فاعترضه ابن يثربي، فاختلفا ضربتين، فقتله ابن ~~يثربي. ثم حمل سيحان بن صوحان، فاعترضه ابن يثربي، فاختلفا ضربتين، فقتله ~~ابن يثربي. ثم حمل علباء بن الهيثم، فاعترضه ابن يثربي، فقتله، ثم حمل ~~صعصعة فضربه، فقتل ثلاثة أجهز عليهم في المعركة: علباء، وهند، وسيحان، ~~وارتث صعصعة وزيد، فمات أحدهما وبقي الآخر. # أخذ الخطام يوم الجمل سبعون رجلا من قريش، كلهم يقتل وهو آخذ بالخطام، ~~وحمل الأشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين، ضربة ms109 الأشتر فأمه ~~وواثبه عبد الله، فاعتنقه فخر به، وجعل يقول: " اقتلوني PageV00P169 # ومالكا " - وكان الناس لا يعرفونه بمالك، ولو قال: " والأشتر " وكانت له ~~الف نفس ما نجا منها شئ - وما زال يضطرب في يدي عبد الله حتى أفلت، وكان ~~الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يعد. وجرح يومئذ مروان وعبد الله ابن ~~الزبير. # ارتجز يومئذ ابن يثربي. # أنا لمن أنكرني ابن يثربي * قاتل علباء وهند الجملي وابن لصوحان على دين ~~علي وقال: من يبارز؟ فبرز له رجل، فقتله، ثم برز له آخر، فقتله، وارتجز ~~وقال: # أقتلهم وقد أرى عليا * ولو أشأ أوجرته عمريا فبرز له عمار بن ياسر، وإنه ~~لأضعف من بارزه، وإن الناس ليسترجعون حين قام عمار، وانا وأنا أقول لعمار ~~من ضعفه: هذا والله لاحق بأصحابه، وكان قضيفا، حمش الساقين، وعليه سيف ~~حمائله تشف عنه، قريب من إبطه، PageV00P170 # فيضربه ابن يثربي بسيفه، فنشب في حجفته، وضربه عمار وأوهطه، ورمى أصحاب ~~علي ابن يثربي بالحجارة حتى أثخنوه وارتثوه. # لما قال الضبي يوم الجمل: # نحن بني ضبة أصحاب الجمل * ننعي ابن عفان بأطراف الأسل ردوا علينا شيخنا ~~ثم بجل قال عمير بن أبي الحارث: # كيف نرد شيخكم وقد قحل * نحن ضربنا صدره حتى انجفل [وقد] عقر [الجمل كما ~~مر معنا] رجل من بني ضبه يقال له: ابن دلجة - عمرو أو بجير - وقال في ذلك ~~الحارث بن قيس - وكان من أصحاب عائشة: # نحن ضربنا ساقه فانجدلا * من ضربة بالنفر كانت فيصلا لو لم نكون للرسول ~~ثقلا * وحرمة لاقتسمونا عجلا وقد نحل ذلك المثنى بن مخرمة من أصحاب علي. ~~PageV00P171 # صفة القتال يوم الجمل: # قال القعقاع: ما رأيت شيئا أشبه بشئ من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفين ~~لقد رأيتنا ندافعهم بأسنتنا، ونتكئ على أزجتنا، أنه وهم مثل ذلك حتى لو أن ~~الرجال مشت عليها لاستقلت بهم. # إنزال هودج عائشة: # أتى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر عائشة، وقد عقر الجمل، فقطعا غرضة ~~الرحل واحتملا الهودج، فنحياه حتى أمرهما علي فيه ms110 أمره بعد، قال: أدخلاها ~~البصرة، فأدخلاها دار عبد الله بن خلف الخزاعي. # [و] أمر علي نفرا بحمل الهودج من بين القتلى، وقد كان القعقاع وزفر ابن ~~الحارث أنزلاه عن ظهر البعير، فوضعاه إلى جنب البعير، فاقبل محمد بن أبي ~~بكر إليه ومعه نفر، فأدخل يده فيه، فقالت: من هذا؟ قال: أخوك البر، قالت: ~~عقوق. قال عمار بن ياسر: كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أمه؟ قالت: من أنت؟ ~~قال: أنا ابنك البار عمار، قالت: لست لك بأم، قال: بلى، وإن كرهت. قالت: ~~فخرتم إن ظفرتم، وأتيتم مثل ما نقمتم، هيهات، والله لن يظفر من كان هذا ~~دأبه. وأبرزوها بهودجها من القتلى، PageV00P172 # ووضعوها ليس قربها أحد، وكأن هودجها فرخ مقصب مما فيه من النبل، وجاء ~~أعين بن ضبيعة المجاشعي حتى أطلع في الهودج، فقالت: إليك لعنك الله! # فقال: والله ما أرى إلا حميراء، قالت: هتك الله سترك، وقطع يدك، وأبدى ~~عورتك. فقتل بالبصرة وسلب، وقطعت يده، ورمي به عريانا في خربة من خربات ~~الأزد، فانتهى إليها علي، فقال: اي أمه، يغفر الله لنا ولكم، قالت: # غفر الله لنا ولكم. # [وفي رواية أخرى]. # انتهى محمد بن أبي بكر ومعه عمار فقطع الأنساع عن الهودج، واحتملاه، فلما ~~وضعاه أدخل محمد يده وقال: أخوك محمد، فقالت: مذمم، قال: # يا أخية، هل أصابك شئ قالت: ما أنت من ذاك؟ قال: فمن إذن؟ # الضلال؟ قالت: بل الهداة، وانتهى إليها علي، فقال: كيف أنت يا أمه؟ # قالت بخير قال: يغفر الله لك. قالت: ولك. # ولما كان من آخر الليل خرج محمد بعائشة حتى أدخلها البصرة، فأنزلها في ~~دار عبد الله بن خلف الخزاعي على صفية ابنة الحارث بطلحة بن أبي طلحة ابن ~~عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار، وهي أم طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف. ~~PageV00P173 # [وكانت الواقعة يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 36 في قول ~~الواقدي]. # مقتل الزبير بن العوام: # لما انهزم الناس يوم الجمل عن طلحة والزبير، ومضى الزبير رضي ms111 الله عنه ~~حتى مر بعسكر الأحنف، فلما رآه وأخبر به قال: والله ما هذا بخيار، وقال ~~للناس من يأتينا بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز لأصحابه: أنا، فاتبعه، فلما ~~لحقه نظر إليه الزبير - وكان شديد الغضب - قال: ما وراءك؟ قال: إنما أردت ~~أن أسألك، فقال غلام للزبير يدعى عطية كان معه: إنه معد، فقال: # ما يهولك من رجل؟ وحضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة، فقال الزبير: ~~الصلاة، فنزلا، واستدبره ابن جرموز فطعنه من خلفه في جربان درعه، فقتله، ~~وأخذ فرسه وخاتمه وسلاحه، وخلى عن الغلام، فدفنه بوادي السباع، ورجع إلى ~~الناس بالخبر. فأما الأحنف فقال: والله ما أدري أحسنت أم أسأت؟ ثم انحدر ~~إلى علي وابن جرموز معه، فدخل عليه، فأخبره، فدعا بالسيف، فقال: سيف طالما ~~جلى الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث بذلك إلى عائشة، ثم ~~أقبل على الأحنف فقال: تربصت، فقال: ما كنت أراني إلا قد أحسنت، وبأمرك كان ~~ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت إلي غدا ~~أحوج منك أمس، فاعرف إحساني واستصف مودتي لغد، ولا تقولن مثل هذا، فإني لم ~~أزل لك ناصحا. PageV00P174 # من انهزم يوم الجمل فاختفى ومضى في البلاد: # ومضى الزبير في صدر يوم الهزيمة راجلا نحو المدينة، فقتله ابن جرموز، ~~وخرج عتبة بن أبي سفيان وعبد الرحمن ويحيى ابنا الحكم يوم الهزيمة، قد ~~شججوا في البلاد فلقوا عصمة بن أبير التيمي، فقال: هل لكم في الجوار؟ ~~قالوا: من أنت؟ قال عصمة بن أبير. قالوا: نعم، قال: فأنتم في جواري إلى ~~الحول، فمضى بهم، ثم حماهم وأقام عليهم حتى برئوا، ثم قال: اختاروا أحب بلد ~~إليكم أبلغكموه، قالوا: الشام، فخرج بهم في أربعمائة راكب من تيم الرباب، ~~حتى إذا وغلوا في بلاد كلب بدومة، قالوا: قد وفيت ذمتك وذممهم، وقضيت الذي ~~عليك فارجع، فرجع، وفي ذلك يقول الشاعر: # وفي ابن أبير والرماح شوارع * بآل أبي العاصي وفاء مذكرا وأما ابن عامر ~~فإنه خرج أيضا مشججا، فتلقاه ms112 رجل من بني حرقوص، يدعى مريا، فدعاه للجوار، ~~فقال نعم، فأجاره وأقام عليه؟ وقال: اي البلدان أحب إليك؟ قال: دمشق. فخرج ~~به في ركب من بني حرقوص حتى بلغوا به دمشق. وقال حارثة بن بدر - وكان مع ~~عائشة، وأصيب في الوقعة ابنه أو أخوه زراع. # أتاني من الأنباء ان ابن عامر * أناخ والقى في دمشق المراسيا PageV00P175 # وأوى مروان بن الحكم إلى أهل بيت من عنزة يوم الهزيمة، فقال لهم: # اعلموا مالك بن مسمع بمكاني، فأتوا مالكا فأخبروه بمكانه، فقال لأخيه ~~مقاتل: # كيف نصنع بهذا الرجل الذي قد بعث إلينا يعلمنا بمكانه؟ قال: أبعث ابن أخي ~~فأجره والتمسوا له الأمان من علي، فإن آمنه فذاك الذي نحب، وإن لم يؤمنه ~~خرجنا به وبأسيافنا، فإن عرض له جالدنا دونه بأسيافنا، فإما أن نسلم، وإما ~~أن نهلك كراما. وقد استشار غيره من أهله من قبل في الذي استشار فيه مقاتلا ~~فنهاه، فأخذ برأي أخيه، وترك رأيهم، فأرسل إليه فأنزله داره، وعزم على منعه ~~إن اضطر إلى ذلك، وقال: الموت دون الجوار وفاء، وحفظ لهم بنو مروان ذلك ~~بعد، وانتفعوا به عندهم، وشرفوهم بذلك، وأوى عبد الله بن الزبير إلى دار ~~رجل من الأزد يدعى وزيرا، وقال: إئت أم المؤمنين فأعلمها بمكاني، وإياك أن ~~يطلع على هذا محمد بن أبي بكر، فأتى عائشة رضي الله عنها فأخبرها فقالت: ~~علي بمحمد، فقال: يا أم المؤمنين، إنه قد نهاني أن يعلم به محمد، فأرسلت ~~إليه فقالت: إذهب مع هذا الرجل حتى تجيئني بابن أختك، فانطلق معه، فدخل ~~بالأزدي على ابن الزبير، قال: جئتك والله بما كرهت، وأبت أم المؤمنين إلا ~~ذلك. فخرج عبد الله ومحمد وهما يتشاتمان، فذكر محمد عثمان فشتمه، وشتم عبد ~~الله محمدا حتى انتهى إلى عائشة في دار عبد الله ابن خلف - وكان عبد الله ~~بن خلف قبل يوم الجمل مع عائشة، وقتل عثمان أخوه مع علي - وأرسلت عائشة في ~~طلب من كان جريحا فضمت منهم ناسا، وضمت مروان فيمن ضمت، فكانوا في ms113 بيوت ~~الدار. PageV00P176 # وغشي الوجوه عائشة وعلي في عسكره، ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أول ~~من دخل، فسلم عليها، فقالت: إني رأيت رجلين بالأمس اجتلدا بين يدي وارتجزا ~~بكذا، فهل تعرف كوفيك منهما؟ قال: نعم، ذاك الذي قال: " أعق أم نعلم " وكذب ~~والله إنك لأبر أم نعلم، ولكن لم تطاعي، فقالت: والله لوددت أني مت قبل هذا ~~اليوم بعشرين سنة. وخرج فأتى عليا فأخبره أن عائشة سألته، فقال: ويحك من ~~الرجلان؟ قال: ذلك أبو هالة الذي يقول: # كيما أرى صاحبه عليا فقال: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، ~~فكان قولهما واحدا. # وتسلل الجرحى في جوف الليل، ودخل البصرة من كان يطيق الانبعاث منهم، ~~وسألت عائشة يومئذ عن عدة من الناس، منهم من كان معها، ومنهم من كان عليها، ~~وقد غشيها الناس، وهي في دار عبد الله بن خلف، فكلما نعي لها منهم واحد ~~قالت: يرحمه الله، فقال لها رجل من أصحابها: كيف ذلك؟ قالت: # كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان في الجنة. وفلان في الجنة، ~~وقال علي بن أبي، طالب يومئذ: إني لأرجو ألا يكون أحد من هؤلاء نقى قلبه ~~إلا أدخله الله الجنة. # قال علي: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم آية أفرح له من قول الله ~~عز وجل: PageV00P177 # (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " ما أصاب المسلم في الدنيا من مصيبة في نفسه فبذنب، وما يعفو ~~الله عز وجل عنه أكثر، وما أصابه في الدنيا فهو كفارة له وعفو منه لا يعتد ~~عليه فيه عقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عز وجل عنه في الدنيا فقد عفا ~~عنه، والله أعظم من أن يعود في عفوه ". # دفن القتلى وتوجع علي عليهم: # وأقام علي بن أبي طالب في عسكره ثلاثة أيام لا يدخل البصرة وندب الناس ~~إلى موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، فطاف علي معهم في القتلى، فلما أتي بكعب ~~بن سور قال: ms114 زعمتم أنما خرج معهم السفهاء، وهذا الحبر قد ترون. # وأتى على عبد الرحمن بن عتاب فقال: هذا يعسوب القوم - يقول الذي كانوا ~~يطيفون به - يعني أنهم قد كانوا اجتمعوا عليه، ورضوا به لصلاتهم. وجعل علي ~~كلما مر برجل فيه خير قال: زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء، هذا ~~العابد المجتهد. وصلى على قتلاهم من أهل البصرة، وعلى قتلاهم من أهل ~~الكوفة، وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، فكانوا مدنيين ومكيين، ودفن علي ~~الأطراف في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من شئ، ثم بعث به إلى مسجد ~~البصرة، أن من عرف شيئا فليأخذه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة ~~السلطان، فإنه لما بقي لم يعرف، خذوا ما أجلبوا به عليكم من مال الله عز ~~وجل، لا يحل لمسلم من مال المسلم المتوفي شئ، وإنما كان ذلك السلاح في ~~أيديهم من غير تنفيل من السلطان. PageV00P178 # عدد قتلى الجمل: # كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب علي، ونصفهم من ~~أصحاب عائشة، من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مضر ألفان، ~~وخمسمائة من قيس، وخمسمائة من تميم، وألف من بني ضبة، وخمسمائة من بكر بن ~~وائل. وقيل: قتل من أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة آلاف وقتل من أهل ~~البصرة في المعركة الثانية خمسة آلاف، فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل البصرة، ~~ومن أهل الكوفة خمسة آلاف. وقتل من بني عدي يومئذ سبعون شيخا، كلهم قد قرأ ~~القرآن، سوى الشباب ومن لم يقرأ القرآن. # وقالت عائشة رضي الله عنها: ما زلت أرجو النصر حتى خفيت أصوات بني عدي. # دخول علي على عائشة ومعاقبته من أساء إليها: # ودخل علي البصرة يوم الاثنين، فانتهى إلى المسجد فصلى فيه، ثم دخل البصرة ~~فأتاه الناس، ثم راح إلى عائشة على بغلته، فلما انتهى إلى دار عبد الله بن ~~خلف وهي أعظم دار بالبصرة، وجد النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف ~~مع عائشة، وصفية ابنة الحارث مختمرة ms115 تبكي، فلما رأته قالت: يا علي، يا قاتل ~~الأحبة يا مفرق الجمع، أيتم الله بنيك منك كما أيتمت ولد عبد الله منه. فلم ~~يرد عليها شيئا، ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلم عليها، وقعد ~~عندها وقال لها: جبهتنا صفية، أما إني لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم. ~~فلما PageV00P179 # خرج علي أقبلت عليه فأعادت عليه الكلام، فكف بغلته وقال: اما لهممت - ~~وأشار إلى الأبواب من الدار - أن أفتح هذا الباب واقتل من فيه، ثم هذا ~~فاقتل من فيه، ثم هذا فاقتل من فيه - وكان أناس من الجرحى قد لجؤوا إلى ~~عائشة، فأخبر علي بمكانهم عندها، فتغافل عنهم - فسكتت. فخرج علي، فقال رجل ~~من الأزد. والله لا تفلتنا هذه المرأة. فغضب وقال: صه، لا تهتكن سترا ولا ~~تدخلن دارا، ولا تهيجن امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسفهن أمراءكم ~~وصلحاءكم، فإنهن ضعاف، ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن، وإنهن لمشركات، وإن الرجل ~~ليكافئ المرأة ويتناولها بالضرب فيعير بها عقبه من بعده، فلا يبلغني عن أحد ~~عرض لامرأة فانكل إذا به شرار الناس. ومضى علي فلحق به رجل فقال: يا أمير ~~المؤمنين، قام رجلان ممن لقيت على الباب، فتناولا من هو أمض لك شتيمة من ~~صفية. قال: ويحك، لعلها عائشة، قال: # نعم، قام رجلان منهم على باب الدار فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقا ~~وقال الآخر: # يا أمنا توبي فقد خطيت فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب، فأقبل بمن كان ~~عليه، فأحالوا على رجلين فقال: اضرب أعناقهما، ثم قال: لأنهكنهما عقوبة. ~~فضربهما مائة مائة وأخرجهما من ثيابهما. # [و] هما رجلان من أزد الكوفة يقال لهما عجل وسعد ابنا عبد الله. ~~PageV00P180 # بيعة أهل البصرة عليا وقسمه ما في بيت المال عليهم: # بايع الأحنف من العشي لأنه كان خارجا هو وبنو سعد، ثم دخلوا جميعا ~~البصرة، فبايع أهل البصرة على راياتهم، وبايع علي أهل البصرة حتى الجرحى ~~والمستأمنة فلما رجع مروان لحق بمعاوية. وقال قائلون: لم يبرح المدينة حتى ~~فرغ من صفين. # ولما ms116 فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف ~~وزيادة فقسمها على من شهد معه [الوقعة]، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة ~~خمسمائة، وقال: لكم إن أظفركم الله عز وجل بالشام مثلها إلى أعطياتكم. # وخاض في ذلك السبئية، وطعنوا على علي من وراء وراء. # سيرة علي فيمن قاتل يوم الجمل: # كان من سيرة علي ألا يقتل مدبرا ولا يدفف على جريح، ولا يكشف سترا ولا ~~يأخذ مالا، فقال قوم يومئذ: ما يحل لنا دماءهم، ويحرم علينا أموالهم؟ فقال ~~علي: القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا، ونحن منه، ومن لج حتى يصاب فقتاله ~~مني على الصدر والنحر، وإن لكم في خمسه لغنى، فيومئذ تكلمت الخوارج. ~~PageV00P181 # خروج عائشة من البصرة إلى مكة: # قصدت عائشة مكة فكان وجهها من البصرة وانصرف مروان والأسود ابن أبي ~~البختري إلى المدينة من الطريق، وأقامت عائشة بمكة إلى الحج، ثم رجعت إلى ~~المدينة. # كتابة علي إلى عامله بالكوفة: # وكتب علي بالفتح إلى عامله بالكوفة حين كتب في أمرها وهو يومئذ بمكة: # من عبد الله علي أمير المؤمنين. أما بعد، فإنا التقينا في النصف من جمادى ~~الآخرة بالخريبة - فناء من أفنية البصرة - فأعطاهم الله عز وجل سنة ~~المسلمين، وقتل منا ومنهم قتلى كثيرة، وأصيب ممن أصيب منا ثمامة بن المثنى، ~~وهند بن عمرو، وعلباء بن الهيثم وسيحان وزيد ابنا صوحان ومحدوج. # [وكتب عبيد الله بن رافع. وكان الرسول زفر بن قيس إلى الكوفة بالبشارة في ~~جمادى الآخرة]. # [وقد] علم أهل المدينة بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس من نسر ~~مر بما حول المدينة، معه شئ متعلقه، فتأمله الناس فوقع، فإذا كف فيها خاتم، ~~نقشه " عبد الرحمن بن عتاب "، وجفل من بين مكة والمدينة من أهل PageV00P182 # البصرة، من قرب البصرة أو بعد، وقد علموا بالوقعة مما ينقل إليهم النسور ~~من الأيدي والأقدام. # تجهيز علي عائشة وإرسالها إلى المدينة: # وجهز علي عائشة بكل شئ ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع، وأخرج ms117 معها كل ~~من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء ~~أهل البصرة المعروفات، وقال: تجهز يا محمد، فبلغها، فلما كان اليوم الذي ~~ترتحل فيه، جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس وودعوها ~~وودعتهم، وقالت: يا بني، تعتب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة، فلا يعتدن ~~أحد منكم على أحد بشئ بلغه من ذلك، إنه والله ما كان بيني وبين علي في ~~القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار. ~~وقال علي: يا أيها الناس. صدقت والله وبرت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، ~~وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة. # وخرجت يوم السبت لغرة رجب سنة 36 ه‍، وشيعها علي أميالا، وسرح بنيه معها ~~يوما. # [تمت نصوص رواية سيف بن عمر المتعلقة بمقتل عثمان ووقعة الجمل].# ~~PageV00P183 #####ENDNOTES# ms118