######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003455Vols #META# 000.BookURI :: #0207.IbnCumarWaqidi.FutuhSham #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الواقدي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 207 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: فتوح الشام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003455Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3455_فتوح-الشام-الواقدي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # = فتوح الشام تأليف أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي PageV01P001 # * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) * بسم الله الرحمن الرحيم اقبال الجند الحمد ~~لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين قال ~~الامام الواقدي رحمه الله تعالى آمين حدثني أبو بكر بن الحسن بن سفيان بن ~~نوفل بن محمد بن إبراهيم التيمي ومحمد بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد مولى ~~هشام ومالك بن أبي الحسن وإسماعيل مولى الزبير ومازن بن عوف من بني النجار ~~كل حدث عن فتوح الشام بما كان قالوا جميعا انه لما توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واستخلف بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه قتل في خلافته مسيلمة ~~الكذاب الذي ادعى النبوة وقاتل بني حنيفة وأهل الردة وأطاعته العرب فعزم أن ~~يبعث جيشه إلى الشام وصرف وجهه لقتال الروم فجمع أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المسجد وقام فيهم خطيبا فحمد الله عز وجل وقال يا أيها الناس ~~رحمكم الله تعالى اعلموا ان الله فضلكم بالاسلام وجعلكم من أمة محمد عليه ~~الصلاة والسلام وزادكم ايمانا ويقينا ونصركم نصرا مبينا وقال فيكم * (اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * واعلموا ان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عول أن يصرف همته إلى الشام فقبضه الله ~~اليه واختار له ما لديه ألا واني عازم ان أوجه ابطال المسلمين إلى الشام ~~بأهليهم ومالهم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنبأني بذلك قبل موته ~~وقال زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها ~~فما قولكم في ذلك فقالوا يا خليفة رسول الله مرنا بأمرك ووجهنا حيث شئت فان ~~الله تعالى فرض علينا طاعتك فقال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * ففرح أبو بكر رضي الله عليه ونزل عن ~~المنبر وكتب الكتب إلى ملوك اليمن وأهل مكة وكانت الكتب فيها نسخة واحدة ~~وهي بسم الله الرحمن الرحيم ms001 سلام عليكم أما بعد فاني أحمد الله الذي لا إله ~~إلا هو وأصلي على نبيه محمد PageV01P005 # صلى الله عليه وسلم وقد عزمت أن أوجهكم إلى بلاد الشام لتأخذوها من أيدي ~~الكفار والطغاة فمن عول منكم على الجهاد والصدام فليبادر إلى طاعة الملك ~~العلام ثم كتب * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله) * الآية ثم بعث الكتب إليهم وأقام ينتظر جوابهم وقدومهم وكان الذي ~~بعثه بالكتب إلى اليمن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~فما مرت الأيام حتى قدم أنس رضي الله عنه يبشره بقدوم أهل اليمن وقال يا ~~خليفة رسول الله وحقك على الله ما قرأت كتابك على أحد الا وبادر إلى طاعة ~~الله ورسوله وأجاب دعوتك وقد تجهزوا في العدد والعديد والزرد النضيد وقد ~~أقبلت إليك يا خليفة رسول الله مبشرا بقدوم الرجال وأي رجال وقد أجابوك ~~شعثا غبرا وهم أبطال اليمن وشجعانها وقد ساروا إليك بالذراري والأموال ~~والنساء والأطفال وكأنك بهم وقد أشرفوا عليك ووصلوا إليك فتأهب إلى لقائهم ~~قال فسر أبو بكر رضي الله عنه بقوله سرورا عظيما وأقام يومه ذلك حتى إذا ~~كان من الغد اقبلوا إلى الصديق رضي الله عنه وقد لاحت غبرة القوم لأهل ~~المدينة قال فأخبروه فركب المسلمون من أهل المدينة وغيرهم وأظهروا زينتهم ~~وعددهم ونشروا الاعلام الاسلامية ورفعوا الألوية المحمدية فما كان الا قليل ~~حتى أشرفت الكتائب والمواكب يتلو بعضها بعضا قوم في أثر قوم وقبيلة في أثر ~~قبيلة فكان أول قبيلة ظهرت من قبائل اليمن حمير وهم بالدروع الداودية والبض ~~العادية والسيوق الهندية وأمامهم ذو الكلاع الحميري رضي الله عنه فلما قرب ~~من الصديق رضي الله عنه أحب ان يعرفه بمكانه وقومه وأشار بالسلام وجعل ينشد ~~ويقول * أتتك حمير بالأهلين والولد * أهل السوابق والعالون بالرتب * أسد ~~غطارفة شوس عمالقة * يردوا الكماء غدا في الحرب بالقضب * الحرب عادتنا ~~والضرب همتنا * وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب * دمشق لي دوت كل الناس ~~اجمعهم * وساكنيها سأهويهم إلى ms002 العطب * قال فتبسم أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه من قوله ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يا أبا الحسن أما سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أقبلت حمير ومعها نساؤها تحمل ~~أولادها فأبشر بنصر الله على أهل الشرك أجمعين فقال الإمام علي صدقت وأنا ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس رضي الله عنه وسارت حمير ~~بكتائبها وأموالها وأقبلت من بعدها كتائب مذحج أهل الخير العتاق والرماح ~~الدقاق وأمامهم سيدهم PageV01P006 # قيس بن هبيرة المرادي رضي الله عنه فلما وصل إلى الصديق رضي الله عنه جعل ~~يقول صلوا على طه الرسول * أتتك كتائب منا سرعا * ذوو التيجان أعني من مراد ~~* فقدمنا أمامك كي ترانا * نبيد القوم بالسيف النجادى * قال فجزاه أبو بكر ~~رضي الله عنه خيرا وتقدم بكتائبه ومواليه وتقدمت من بعده قبائل طيىء يقدمها ~~حارث بن مسعد الطائي رضي الله عنه فلما وصل هم أن يترجل فأقسم عليه أبو بكر ~~رضي الله عنه بالله تعالى أن لا تفعل فدنا منه فصافحه وسلم عليه وأقبلت ~~الأزد في جموع كثيرة يقدمها جندب بن عمرو الدوسي رضي الله عنه ثم جاءت من ~~بعدهم بنو عبس يقدمهم الأمير ميسرة بن مسروق العبسي رضي الله عنه وأقبلت من ~~بعدهم بنو كنانة يقدمهم غيثم بن اسلم الكناني وتتابعت قبائل اليمن يتلو ~~بعضها بعضا ومعهم نساؤهم وأموالهم فلما نظر أبو بكر رضي الله عنه إلى ~~نصرتهم سر بذلك وشكر الله تعالى وانزل القوم حول المدينة كل قبيلة متفرقة ~~عن صاحبتها واستمروا فأضر بهم المقام من قلة الزاد وعلف الخيل وجدوبة الأرض ~~فاجتمع أكابرهم عند الصديق رضي الله عنه وقالوا يا خليفة رسول الله انك ~~أمرتنا بأمر فأسرعنا لله ولك رغبة في الجهاد وقد تكامل جيشنا وفرغنا من ~~أهبتنا والمقام قد أضر بنا لان بلدك ليست بلد جيش ولا حافر ولا عيش والعسكر ~~نازل فان كنت قد بدلت فيما عزمت عليه فأمرنا بالرجوع إلى بلدنا وأقبل ~~الجميع وخاطبوه ms003 بذلك فلما فرغوا من كلامهم قال أبو بكر رضي الله عنه يا أهل ~~اليمن ومن حضر من غيرهم أما والله ما أريد لكم الاضرار وانما أردنا تكاملكم ~~قالوا إنه لم يبق من ورائنا أحد فاعزم على بركة الله تعالى وصية أبي بكر ~~قال المؤلف رحمه الله تعالى لقد بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام ~~من ساعته يمشي على قدميه وحوله جماعة من الأصحاب منهم عمر وعثمان وعلي رضي ~~الله عنه وخرجوا إلى ظاهر المدينة ووقع النداء في الناس وكبروا بأجمعهم ~~فرحا لخروجهم وأجابتهم الجبال لدوي أصواتهم وعلا أبو بكر على دابته حتى ~~أشرف على الجيش فنظر إليهم قد ملئوا الأرض فتهلل وجهه وقال اللهم انزل ~~عليهم الصبر وأيدهم ولا تسلمهم إلى عدوهم انك على PageV01P007 # كل شيء قدير وكان أول من دعاه أبو بكر يزيد بن أبي سفيان وعقد له راية ~~وأمره على الف فارس من سائر الناس ودعا بعده رجلا من بني عامر بن لؤي يقال ~~له ربيعة بن عامر وكان فارسا مشهورا في الحجاز فعقد له راية وأمره على ألف ~~فارس ثم أقبل أبو بكر على يزيد بن أبي سفيان وقال له هذا ربيعة بن عامر من ~~ذوي العلا والفاخر قد علمت صولته وقد ضممته إليك وأمرتك عليه فاجعله في ~~مقدمتك وشاوره في أمرك ولا تخالفه فقال يزيد حبا وكرامة وأسرعت الفرسان إلى ~~لبس السلاح واجتمع الجند وركب يزيد بن أبي سفيان وربيعة بن عامر وأقبلا ~~بقومهما إلى أبي بكر رضي الله عنه فأقبل يمشي مع القوم فقال يزيد يا خليفة ~~رسول الله الناجي من غضب الله من رضيت عنه لا نكون على ظهور خيولنا وأنت ~~تمشي فأما ان تركب وأما ان ننزل فقال ما انا براكب وما أنتم بنازلين وسار ~~إلى أن وصل إلى ثنية الوداع فوقف هناك فتقدم اليه يزيد فقال يا خليفة رسول ~~الله أوصنا فقال إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك ولا ~~تغضب على قومك ولا على ms004 أصحابك وشاورهم في الامر واستعمل العدل وباعد عنك ~~الظلم والجور فإنه لا أفلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوهم وإذا لقيتم القوم ~~فلا تولوهم الادبار ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى ~~فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير وإذا نصرتم على عدوكم ~~فلا تقتلوا ولدا ولا شيخا ولا امرأة ولا طفلا ولا تعقروا بهيمة المأكول ولا ~~تغدروا إذا عاهدتم ولا تنقضوا إذا صالحتم وستمرون على قوم في الصوامع ~~رهبانا يزعمون أنهم ترهبوا في الله فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم وستجدون قوما ~~آخرين من حزب الشيطان وعبدة الصلبان قد حلقوا أوساط رؤوسهم حتى كأنها ~~مناحيض العظام فاعلوهم بسيوفكم حتى يرجعوا إلى الاسلام أو يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون وقد استودعتكم الله ثم عانقه وصافحه وصافح ربيعة بن عامر ~~وقال يا عامر اظهر شجاعتك على بني الأصفر بلغكم الله آمالكم وغفر لنا ولكم ~~قال وسار القوم ورجع أبو بكر رضي الله عنه بمن معه إلى المدينة قال فجد ~~القوم في السير فقال ربيعة بن عامر ما هذا السير يا يزيد وقد أمرك أبو بكر ~~أن ترفق بالناس في سيرك فقال يزيد يا عامر انا أبا بكر رضي الله عنه سيعقد ~~العقود ويرسل الجيوش فأردت ان اسبق الناس إلى الشام فلعلنا ان نفتح فتحا ~~قبل تلاحق الناس PageV01P008 # بنا فيجتمع بذلك ثلاث خصال رضاء الله عز وجل ورضاء خليفتنا وغنيمة تأخذها ~~فقال ربيعة فسر الان ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم قال فأخذ ~~القوم في السير على وادي القرى ليخرجوا على تبوك ثم على الجابية إلى دمشق ~~قال واتصل الخبر للملك هرقل من قوم من عرب اليمن المنتصرة كانوا في المدينة ~~فلما صح عند الملك ذلك جمع بطارقته في عسكره وقال لهم يا بني الأصفر ان ~~دولتكم قد عزمت على الانهزام ولقد كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتقيمون الصلاة وتؤثرون الزكاة التي امركم بها الآباء والأجداد والقسس ~~والرهبان وتقيمون حدود الله التي أمركم بها ms005 في الإنجيل لا جرم انكم ما ~~قصدكم ملك من ملوك الوشاة ونازعكم على الشام الا وقهرتموه ولقد قصدكم كسرى ~~بجنود فارس فانكسروا على أعقابهم والان قد بدلتم وغيرتم فظلمتم وجرتم وقد ~~بعث إليكم ربكم قوما لم يكن في الأمم أضعف منهم عندنا وقد رمتهم شدة الجوع ~~الينا وأتى بهم إلى بلادنا وبعثهم صاحب نبيهم ليأخذوا ملكنا من أيدينا ~~ويخرجونا من بلادنا ثم إنه حدثهم بالذي سمعه من طرسيسه فقالوا أيها الملك ~~نردهم عن مرادهم ونصل إلى مدينتهم ونخرب كعبتهم قال فلما سمع مقالتهم وتبين ~~اغتياظهم جرد منهم ثمانية آلاف من أشجع فرسانهم وأمر عليهم خمسة من ~~بطارقتهم وهم البطاليق وأخوه جرجيس وصاحب شرطته ولوقا بن سمعان وصليب بن ~~حنا صاحب غزة وكانت هذه الخمسة البطارقة يضرب بهم المثل في الشجاعة ~~والبراعة ثم تدرعوا وأظهروا زينتهم وصلت عليهم الامى ة صلاة العصر فقالوا ~~اللهم انصر من كان منا على الحق وبخروهم ببخور الكنائس ثم رشوا عليهم من ~~ماء العمودية وودعوا الملك وساروا وأمامهم العرب المنتصرة يدلونهم على ~~الطريق قال حدثني رفاعة عن ياسر بن الحصين قال بلغني أن أول من وصل إلى ~~تبوك كان يزيد بن سفيان وربيعة بن عامر ومن معهما من المسلمين قبل وصول ~~الروم بثلاثة أيام فلما كان في اليوم الرابع والمسلمون قد عموا بالرحيل إلى ~~الشام إذ أقبل جيش الروم فلما رآه المسلمون اخذوا على أنفسهم وكمن ربيعة ~~بأصحابه الألف وأقبل يزيد بأصحابه الألف ووعظهم وذكر الله تعالى وقال لهم ~~اعلموا ان الله وعدكم بالنصر وأيديكم بالملائكة وقال الله تعالى في كتابه ~~PageV01P009 # العزيز كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله والله مع الصابرين وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم الجنة تحت ظلال السيوف وأنتم أول جند دخل الشام ~~وتوجه لقتال بني الأصفر فكأنكم بجنود الشام وإياكم ان تطمعوا تطعموا العدو ~~فيكم وانصروا الله ينصركم فبينما يزيد يعظ الناس وإذا بطلائع الروم قد ~~أقبلت وجيوشها قد ظهرت فلما رأوا قلة العرب طمعوا فيهم وظنوا انه ليس ms006 ~~ورائهم أحد فبربر بعضهم على بعض بالرومية وقالوا دونكم من يريد أخذ بلادكم ~~واستنصروا بالصليب فإنه ينصركم ثم حملوا وتلقاهم أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بهمم عالية وقلوب غير دانية ودار القتال بينهم وتكاثرت الروم ~~عليهم وظنوا انهم في قبضتهم إذ خرج عليهم ربيعة بن عامر رضي الله عنه ~~بالكمين وقد اعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وحملوا ~~على الروم حملة صادقة فلما عاينت الروم من خرج عليهم انكسروا والقى الله ~~الرعب في قلوبهم فتقهقروا إلى ورائهم ونظر ربيعة بن عامر إلى البطاليق وهو ~~يحرض قومه على القتال فعلم أنه طاغية الروم فحمل عليه وطعنه طعنة صادقة ~~فوقعت في خاصرته وطلعت من الناحية الأخرى فلما نظر الروم إلى ذلك ولوا ~~الادبار وركنوا إلى الفرار ونزل النصر على طائفة محمد المختار حدثنا سعد بن ~~أوس عن السرية التي انفدها أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع يزيد بن أبي ~~سفيان وربيعة بن عامر قال قد اجتمعا بعساكر الروم في ارض تبوك مع البطاليق ~~وهزمهم الله تعالى على أيدينا وكان جملة من قتل منهم ألفا ومائتين ومن قتل ~~من المسلمين مائة وعشرين رجلا قال وان القوم لما انهزموا قال لهم جرجيس وهو ~~أخو المقتول يا ويلكم بأي وجه ترجعون إلى الملك وقد عملوا فينا عملا ذريعا ~~وملئوا الأرض من قتلانا ولا ارجع حتى آخذ بثأر أخي أو الحق به قال واجتمع ~~القوم وسمعوا منه ذلك ورجع بعضهم إلى بعض وعادوا إلى القتال فلما استقروا ~~في خيامهم بعثوا رجلا من العرب المنتصرة اسمه القداح وقالوا له امضي إلى ~~بني عمك وقل لهم يبعثوا لنا رجلا من كبارهم وعقلائهم حتى ننظر ما يريدون ~~منا قال فركب القداح جواده واقبل نحو جيش المسلمين فلما رأوه مقبلا إليهم ~~استقبله رجال من الأوس وقالوا له ماذا تريد قال لهم ان البطارقة يريدون ~~رجالا من عقلائكم ليخاطبوهم فيما يريد الله من صلاح شأن الجمعين قال ~~فأخبروا يزيد بن ربيعة بما قال المتنصر فقال ربيعة بن ms007 عامر أنا أسير إلى ~~القوم PageV01P010 # فقال يزيد يا ربيعة أنا أخاف عليك من القوم لأنك قد قتلت كبيرهم بالأمس ~~فقال ربيعة قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون واني أوصيك والمسلمين أن تكون همتكم عندي فإذا رأيتم القوم غدروا ~~بي فاحملوا عليهم ثم ركب جواده وسار حتى اتى جيش الروم وقرب من سرداق ~~أميرهم فقال القداح عظم جيش الملك وانزل عن جوادك فقال ربيعة رضي الله عنه ~~ما كنت بالذي انتقل من العز إلى الذل ولست أسلم جوادي لغيري وما أنا بنازل ~~الا على باب السرداق والا رجعت من حيث جئت لأننا ما بعثنا إليكم بل أنتم ~~بعثتم الينا قال فأعلم القداح الروم بما تكلم به ربيعة بن عامر فقال بعضهم ~~لبعض صدق العربي في قوله دعوه ينزل حيث أراد قال فنزل ربيعة على باب ~~السرداق وجثا على ركبته وأمسك عنان جواده بيده وسلاحه فقال له جرجيس يا أخا ~~العرب لم تكن أمة أضعف منكم عندنا وما كنا نحدث أنفسنا انكم تغزوننا وما ~~الذي تريدون منا فقال ربيعة نريد منكم أن تدخلوا في ديننا وأن تقولوا ~~بقولنا وان أبيتم تعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون والا فالسيف بيننا ~~وبينكم فقال جرجيس فما منعكم أن تقصدوا الفرس وتدعون الصداقة بيننا وبينكم ~~فقال ربيعة بدأنا بكم لأنكم أقرب الينا من الفرس وان الله تعالى أمرنا في ~~كتابه بذلك قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار وليجدوا فيكم غلظة قال جرجيس فهل لك أن تعقد الصلح بيننا وبينكم وأن ~~نعطي كل رجل منكم دينارا من ذهب وعشرة أوسق من الطعام وتكتبوا بيننا وبينكم ~~كتاب الصلح لا تغزون الينا ولا نغزوا إليكم قال ربيعة لا سبيل إلى ذلك وما ~~بيننا وبينكم الا السيف أو أداء الجزية أو الاسلام قال جرجيس أما ما ذكرت ~~من دخولنا في دينكم فلا سبيل إلى ذلك ولو نهلك عن آخرنا لأننا لا نرى ~~لديننا بدلا واما اعطاء ms008 الجزية فان القتل عندنا أيسر من ذلك وما أنتم بأشهى ~~منا إلى القتال والحرب والنزال لان فينا البطارقة وأولاد الملوك ورجال ~~الحرب وأرباب الطعن والضرب قال جرجيس لأصحابه علي بأنفس صقالبة حتى يناظروا ~~هذا البدوي في كلامه قال وكان الملك هرقل قد بعث معهم قسيسا عظيما عارفا ~~بدينهم مجادلا عن شرعهم قال فأتى الحاجب به فلما استقر به الجلوس قال له ~~جرجيس يا أبانا استخبر من هذا الرجل عن PageV01P011 # شريعتهم وعن دينهم فقال القسيس يا أخي العربي انا نجد في عملنا ان الله ~~تعالى يبعث من الحجاز نبيا عربيا هاشميا قرشيا علامته ان الله تعالى يسري ~~به إلى السماء أكان ذلك أم لا قال نعم أسري به وقد ذكره ربنا في كتابه ~~العزيز بقوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا قال القسيس انا نجد في ~~كتابنا ان ربنا يفرض على هذا النبي وأمته شهرا يصومونه يقال له شهر رمضان ~~قال ربيعة نعم وقد قرأنا في القرآن العظيم شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن ~~هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فقال القسيس انا وجدنا في كتابنا أن من ~~أحسن حسنة تكتب بعشرة قال ربيعة نعم قال الله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي الا مثلها وهم لا يظلمون قال القسيس انا ~~نجد في كتابنا ان الله يأمر أمته بالصلاة عليه قال ربيعة نعم وقد قال الله ~~في كتابه العزيز * (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما) * قال فعجب القسيس من كلامه وقال للبطارقة ان ~~الحق مع هؤلاء القوم فقال بعض الحجاب ان هذا هو الذي قتل أخاك فلما سمع ذلك ~~ازورت عيناه وغضب غضبا شديدا وهم ان يثب على ربيعة ففهم ربيعة ذلك منه فوثب ~~من مكانه اسرع من البرق وضرب بيده إلى قائم سيفه وعاجل جرجيس بضربة فجندله ~~صريعا قتيلا ووثب على فرسه فركبها فأسرعت ms009 البطارقة اليه وهو راكب فحمل فيهم ~~ونظر يزيد بن أبي سفيان إلى ذلك فقال للمسلمين ان أعداء الله قد غدروا ~~بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدونكم وإياهم فحمل المسلمون على ~~المشركين واختلط الجيش بالجيش وصبرت الروم لقتال العرب فبينما هم في القتال ~~إذ أشرفت جيوش المسلمين مع شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما نظر المسلمون إلى اخوانهم في القتال حملوا على القوم حملة ~~صادقة وحكمت سيوفهم في قمم الروم قال الواقدي لقد بلغني ان الثمانية آلاف ~~المذكورة من الروم لم ينج منهم أحد لان العرب التقطوهم بسبق الخيل وبعد ~~الشام من تبوك ثم إن المسلمين اخذوا أموالهم وخيامهم ثم سلموا على شرحبيل ~~ومن معه وجمعوا المال والغنائم فقالوا نبعث الجميع إلى أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه فرضوا بذلك PageV01P012 # وبعثوا الجميع الا العدة والسلاح وبعثوا مع الغنائم والأموال شداد بن أوس ~~رضي الله عنه في خمسمائة فارس ولما وصل بالمال إلى المدينة المنورة وعاين ~~المسلمون أموال المشركين رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة على ~~البشير النذير محمد صلى الله عليه وسلم وسمع الصديق بقدوم شداد بن أوس رضي ~~الله عنه ومن معه من المسلمين ففرح بذلك فرحا شديدا ثم اقبلوا إلى الصديق ~~واعلموه بالفتح بعد ان سلموا عليه فسجد لله عز وجل ثم كتب كتابا إلى أهل ~~مكة يستدعيهم للجهاد مضمونه بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر إلى أهل مكة ~~وسائر المؤمنين فاني احمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم اما بعد فاني قد استنفرت المسلمين إلى الجهاد وفتح بلاد ~~الشام وقد كتبت إليكم والى المسلمين ان تسرعوا إلى ما أمركم به ربكم تبارك ~~الله وتعالى إذ يقول الله عز وجل * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) * وهذه الآية فيكم ~~وأنتم أحق بها وأهلها وأول من صدق وقام بحكمها من ينصر دين الله فالله ~~ناصره ms010 ومن بخل استغنى الله عنه والله غني حميد فسارعوا إلى جنة عالية ~~قطوفها دانية أعدها الله للمهاجرين والأنصار فمن اتبع سبيلهم كتب من ~~الأولياء الأخيار وحسبنا الله ونعم الوكيل قال وختم الكتاب ودفعه إلى عبد ~~الله بن حذافة فأخذه وسار حتى وصل مكة وصرخ في أهلها فاجتمعوا اليه فدفع ~~إليهم الكتاب فقرأوه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعوه ~~قال سهل ابن عمرو والحرث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وقالوا أجبنا داعي الله ~~وصدقنا قول نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فأما عكرمة فإنه قال إلى متى نبسط ~~لأنفسنا وقد سبقنا القوم إلى المواطن وقد فاز من فاز بالصدق وان كنا تأخرنا ~~عن السبق فاللحاق بالسابقين يجعلنا من الفائزين ثم خرج عكرمة بن أبي جهل في ~~بني مخزوم وخرج الحرث بن هشام معهم وتلاحق أهل مكة خمسمائة رجل وكتب أبو ~~بكر للطائف فخرجوا في أربعمائة رجل قال الواقدي خرج بهم سعيد بن خالد بن ~~سعيد بن العاص وكان غلاما نجيبا وذلك أن سعيد بن خالد أتى إلى الصديق رضي ~~الله عنه فقال يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم انك أردت ان تعقد ~~لأبي خالد راية ويكون قائدا PageV01P013 # من قواد جيشك فتكلم فيه المتكلمون فعزلته حين رجع من بعثك وقد حبس نفسه ~~في سبيل الله عز وجل ولم أزل مجيبا دعوتك في بعثك فهل لك ان تقدمني على هذا ~~الجيش فوالله لا يراني الله وانيا ابدا ولا عاجزا عن الحرب قال وكان سعيد ~~بن خالد نجيبا انجب من أبيه وأفرس فعقد له أبو بكر راية ودفعها اليه وأمره ~~على الفين من العرب قال فلما سمع عمر بن الخطاب كلام سعيد بن خالد وانه خير ~~من أن يكون أميرا كره لك ذلك وأقبل على الصديق رضي الله عنه يا خليفة رسول ~~الله عقدت هذه الراية لسعيد بن خالد على من هو خير منه ولقد سمعته يقول ~~عندما عقدتها على رغم الأعادي والله لتعلم انه ما يريد ms011 بالقول غيري والله ~~ما تكلمت في أبيه قال الواقدي فثقل ذلك على أبي بكر وكره ان لا يعقد له ~~وكره أيضا ان يخالف عمر لمحبته له ونصحه ومنزلته عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم ووثب قائما ودخل على عائشة رضي الله عنها واخبرها بخبر عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وما كان من كلامه فقالت عائشة قد علمت أن عمر ينصر الدين ~~ويريد النصر لرب العالمين وما في قلب عمر بغض للمسلمين قال فقبل قول عائشة ~~رضي الله عنها ثم دعا بأزد الدوسي وقال له امض إلى سعيد بن خالد وقل له رد ~~علينا رأيتك قال فردها وقال والله لأقتلن تحت راية أبي بكر حيث كان فاني قد ~~حبست نفسي في سبيل الله قال الواقدي ولقد بلغني ان الصديق حال تفكره فيمن ~~يقدم طليعة الجيش قال فتقدم اليه سهل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وهشام بن ~~الحرث وقالوا اشهدوا اننا قد حبسنا أنفسنا في سبيل الله فلا نرجع عن القتال ~~ابدا فقال أبو بكر اللهم بلغهم أفضل ما يؤملون ثم إن أبا بكر دعا عمرو بن ~~العاص فسلم اليه الراية وقال قد وليتك على هذا الجيش يعني أهل مكة والطائف ~~وهوران وبني كلاب فانصرف إلى ارض فلسطين وكاتب أبا عبيدة وأنجده إذا أرادك ~~ولا تقطع أمرا الا بمشورته أمض بارك الله فيك وفيهم قال فأقبل عمرو بن ~~العاص على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له يا أبا حفص أنت تعلم شدتي ~~على العدو وصبري على الحرب فلو كلمت الخليفة أن يجعلني أميرا على أبي عبيدة ~~وقد رأيت منزلتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم واني أرجو ان يفتح الله ~~على يدي البلاد ويهلك الأعداء قال عمر رضي الله عنه ما كنت بالذي أكذبك وما ~~كنت بالذي أكلمه في ذلك فإنه ليس على أبي عبيدة أمير ولأبي عبيدة عندنا ~~أفضل منزلة منك وأقدم سابقة منك PageV01P014 # والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيه أبو عبيدة أمين الأمة قال ms012 عمرو ما ~~ينقص من منزلته إذا كنت واليا عليه قال عمر بن الخطاب ويلك يا عمرو انك ما ~~تطلب بقولك هذا الا الرياسة والشرف فاتق الله ولا تطلب الا شرف الآخرة ووجه ~~الله تعالى فقال عمرو بن العاص ان الامر كما ذكرت ثم امر الناس بالمسير تحت ~~رايته فساروا وتقدم أهل مكة وتبعهم بنو كلاب وطيء وهوزان وثقيف وتخلف ~~المهاجرون والأنصار ليسيروا مع أبي عبيدة بن الجراح وصية الصديق لعمرو بن ~~العاص وتقدم عمرو بن العاص وسار قال أبو الدرداء كنت مع عمرو بن العاص في ~~جيشه فسمعت أبا بكر يقول وهو يوصيه اتق الله في سرك وعلانيتك واستحيه في ~~خلواتك فإنه يراك في عملك وقد رأيت تقدمتي لك على من هو أقدم منك سابقة ~~واقدم حرمة فكن من عمال الآخرة وأرد بعملك وجه الله وكن والدا لمن معك ~~وارفق بهم في السير فان فيهم أهل ضعف والله ناصر دينه ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون وإذا سرت بجيشك فلا تسر في الطريق التي سار فيها يزيد ~~وربيعة وشرحبيل بل اسلك طريق أيليا حتى تنتهي إلى ارض فلسطين وابعث عيونك ~~يأتونك بأخبار أبي عبيدة فإن كان ظافرا بعدوه فكن أنت لقتال من في فلسطين ~~وان كان يريد عسكرا فأنفذ اليه جيشا في أثر جيش وقدم سهل بن عمرو وعكرمة بن ~~أبي جهل والحرث بن هشام وسعيد ابن خالد وإياك أن تكون وانيا عما ندبتك اليه ~~وأياك والوهن ان تقول جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوة لي به وقد ~~رأيت يا عمرو ونحن في مواطن كثيرة ونحن نلاقي ما نلاقي من جموع المشركين ~~ونحن في قلة من عدونا ثم رأيت يوم حنين ما نصر الله عليهم واعلم يا عمرو ان ~~معك المهاجرين والأنصار من أهل بدر فاكرمهم واعرف حقهم ولا تتطاول عليهم ~~بسلطانك ولا تداخلك نجدة الشيطان فتقول انما ولاني أبو بكر لأني خيرهم ~~وإياك وخداع النفس وكن كأحدهم وشاورهم فيما تريد من أمرك والصلاة ثم الصلاة ms013 ~~اذن بها إذا دخل وقتها ولا تصل صلاة الا بأذان يسمعه أهل العسكر ثم ابرز ~~وصل بمن رغب في الصلاة معك فذلك أفضل له ومن صلاها وحده أجزأته صلاته واحذر ~~من عدوك وأمر أصحابك بالحرس ولتكن أنت بعد ذلك مطلعا عليهم وأطل الجلوس ~~بالليل PageV01P015 # على أصحابك وأقم بينهم وأجلس معهم ولا تكشف استار الناس واتق الله إذا ~~لاقيت العدو وإذا وعظت أصحابك فأوجز وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك فالامام ~~ينفرد إلى الله تعالى فيما يعلمه وما يفعله في رعيته واني قد وليتك على من ~~قد مررت من العرب فاجعل كل قبيلة على حميتها وكن عليهم كالوالد الشفيق ~~الرفيق وتعاهد عسكرك في سيرك وقدم قبلك طلائعك فيكونوا امامك وخلف على ~~الناس من ترضاه وإذا رايت عدوك فاصبر ولا تتأخر فيكون ذلك منك فخرا والزم ~~أصحابك قراءة القرآن وانههم عن ذكر الجاهلية وما كان منها فإن ذلك يورث ~~العداوة بينهم وأعرض عن زهرة الدنيا حتى تلتقي بمن مضى من سلفك وكن من ~~الأئمة الممدوحين في القرآن إذ يقول الله تعالى وجعلناهم آئمة يهدون بأمرنا ~~وأوحينا إليهم فعل الخيرات واقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عبدين ~~قال فكان أبو بكر رضي الله عنه يوصي عمرو بن العاص وأبو عبيدة حاضر ثم قال ~~سيروا على بركة الله تعالى وقاتلوا أعداء الله وأوصيكم بتقوى الله فان الله ~~ناصر من ينصره قال فسلم المسلمون عليه وودعوا وساروا في تسعة آلاف مع من ~~ذكرنا يريدون أخذ فلسطين فلما كان بعدهم بيوم واحد عقد العقود والرايات إلى ~~أبي عبيدة بن الجراح وأمره بأن يقصد بمن معه ارض الجابية وقال يا أمين ~~الأمة قد سمعت ما وصيت به عمرو بن العاص وودعه المسلمون فلما عاد أبو بكر ~~والمسلمون دعا بخالد بن الوليد وعقد له راية وكانت له راية النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأمره على لخم وجذام وضم له جيش الزحف وكانوا شجعانا ما منهم الا ~~من شهد الوقائع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا ms014 أبا سليمان قد ~~وليتك على هذا الجيش فاقصد به ارض العراق وفارس وارجوا الله ان ينصركم ثم ~~إنه ودعه وسار خالد بمن معه يطلب العراق قال حدثني ربيعة بن قيس قال كنت في ~~الجيش الذي وجهه أبو بكر الصديق مع عمرو بن العاص إلى فلسطين وإيليا وكان ~~صاحب رايته سعيد بن خالد قال وبعث أبو بكر مع كل جيش أميرا وهو يدعوا لهم ~~بالنصر وأخذه القلق على المسلمين حتى عرف ذلك في وجهه فقال له عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه ما هذا الغم الذي نزل بك فقال اغتممت على جيوش المسلمين ~~وارجوا الله ان ينصرهم على عدوهم فقال عثمان والله ما خرج جيش سررت به الا ~~هذا الجيش الذي سار إلى الشام وهذا الذي أوصى الله نبيه به وليس ~~PageV01P016 # في قوله خلف وانا سنظهر على الروم وفارس ولكن ما ندري متى يكون أفي هذا ~~البعث أو غيره ولكن أحسن الظن بالله قال وبات الصديق فرأى في منامه كأن ~~عمرو بن العاص وجهه طرمة هو وأصحابه ثم قصد عمرو أرضا خضرة سهلة وفرجة فحمل ~~على فرسه ثم أتبعه أصحابه فإذا هم في ارض واسعة فنزلوا واستراحوا قال ~~وانتبه أبو بكر من منامه فرحا بما رأى فقال عثمان يدل على فتح الا انه يوشك ~~ان يلقى عمرو في قتال المشركين مشقة عظيمة ثم يخلص منها قال الواقدي كانت ~~الساقطة تنزل المدينة في الجاهلية والاسلام يقدمون بالبر والشعير والزيت ~~والتين والقماش وما يكون في الشام فقدم بعض الساقطة إلى المدينة وأبو بكر ~~ينفذ الجيوش وسمعوا كلام أبي بكر لعمرو بن العاص وهو يقول عليك بفلسطين ~~وإيليا قال فساروا بالخبر إلى الملك هرقل فلما سمع ذلك جمع أرباب دولته ~~وبطارقته واعلمهم بالحديث الذي جرى وقال يا بني الأصفر هذا الذي كنت حذرتكم ~~منه قديما وان أصحاب هذا النبي لا بد ان تملك ما تحت سريري هذا وقد قرب ~~الوعد وان خليفة محمد قد انفذ لكم الجيوش وكأنكم بهم وقد اتوكم وقصدوا ~~نحوكم فحذروا ms015 أنفسكم وقاتلوا عن دينكم وعن حريمكم فان تهاونتم ملكت العرب ~~بلادكم وأموالكم قال فبكى القوم فقال لهم دعوا عنكم البكاء ثم قال له وزيره ~~أيها الملك قد اشتهينا ان تدعو بعض من قدم بهذا الخبر عليك فأمر هرقل بعض ~~حجابه ان يأتي برجل من المتنصرة ممن قدم عليه بالاخبار برجل منهم فقال له ~~الملك كم عهدك قال منذ خمسة وعشرين يوما قال فمن المتولي عليهم قال له رجل ~~يقال له أبو بكر الصديق وجه جيوشه إلى بلدك قال هل رأيت أبا بكر قال نعم ~~وانه أخذ مني شملة بأربعة دراهم وجعلها على كتفه وهو كواحد منهم وهو يمشي ~~في ثوبين ويطوف بالأسواق ويدور على الناس يأخذ الحق من القوي للضعيف قال ~~هرقل صفه لي قال هو رجل آدم اللون خفيف العارضين فقال هرقل وحق ديني هو ~~صاحب احمد الذي كنا نجد في كتبنا انه يقوم بالامر من بعده ونجد في كتبنا ~~أيضا ان بعد هذا الرجل رجلا آخر طويلا كالأسد الوثاب يكون على يديه الدمدمة ~~والجلاء قال فشهق المتنصر من قول هرقل وقال إن هذا الذي وصفته لي رأيته معه ~~لا يفارقه قال هرقل هذا الامر والله قد صح وقد دعوت الروم إلى الرشد ~~والصلاح فأبوا ان يطيعوني وأن ملكي سوف ينهدم ثم عقد صليبا من الجوهر ~~PageV01P017 # وأعطاه قائد جيوشه روبيس وقال له قد وليتك على الجيوش فسيروا لمنع العرب ~~من فلسطين فإنها بلد خصب كثيرة الخير وهي عزنا وجاهنا وتاجنا فتسلم روبيس ~~الصليب وسار من يومه إلى أجنادين واتبعه جيش الروم عمرو بن العاص في فلسطين ~~قال الواقدي لقد بلغني ان عمرو بن العاص توجه إلى إيليا حتى وصل إلى ارض ~~فلسطين هو ومن معه قال فلما نزل المسلمون بفلسطين جمع عمرو المسلمين ~~المهاجرين والأنصار وشاورهم في امرهم فبينما هم في المشورة إذ أقبل عليهم ~~عدي بن عامر وكان من خيار المسلمين وكان كثيرا ما يتوجه إلى بلاد الشام ~~وداس ارضهم وعرف مساكنها ومسالكها فلما اشرف على المؤمنين داروا ms016 به وأوقفوه ~~بين يدي عمرو بن العاص فقال عمرو بن العاص ما الذي وراءك يا ابن عامر قال ~~ورائي المتنصرة وجنودهم مثل النمل فقال له عمرو يا هذا لقد ملأت قلوب ~~المسلمين رعبا وانا نستعين بالله عليهم فقال له فكم حزرت القوم فقال أيها ~~الأمير اني قد علوت على شرف من الجبال عال فرأيت من الصلبان والرماح ~~والاعلام ما قد ملأ الاجم وهو أعظم جبل بأرض فلسطين وهم زيادة عن مائة الف ~~فارس وهذا ما عندي من الخبر قال فلما سمع عمرو ذلك قال لا حول ولا قوة الا ~~بالله العلي العظيم ثم أقبل على من حضر من كبار المسلمين وقال أيها الناس ~~انا وإياكم في هذا الامر بالسواء فاستعينوا بالله على الأعداء وقاتلوا عن ~~دينكم وشرعكم فمن قتل كان شهيدا ومن عاش كان سعيدا فماذا أنتم قائلون قال ~~فتكلم كل رجل بما حضر عنده من الرأي فقالت طائفة منهم أيها الأمير ارجع بنا ~~إلى البرية حتى نكون في بطن البيداء فإنهم لا يقدرون على فراق القرى ~~والحصون فإذا جاءهم الخبر اننا توسطنا البرية يتفرق جمعهم وبعد ذلك نعطف ~~عليهم وهم على غفلة فنهزمهم إن شاء الله تعالى فقال سهل بن عمرو ان هذه ~~مشورة رجل عاجز فقال رجل من المهاجرين لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهزم الجمع الكثير بالجمع القليل وقد وعدكم الله النصر وما وعد ~~الصابرين الا خيرا وقد قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) * قال سهل ابن عمرو أما أنا فلا رجعت ~~عن قتال الكفرة ولا رددت سيفي عنهم فمن شاء فلينهض ومن شاء فليرجع ومن نكص ~~على عقبيه فأنا وراءه بالمرصاد قال فلما سمع المسلمون انه وافقه على ذلك ~~عبد الله PageV01P018 # بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قالوا أحسنت يا أبا الفاروق قال ثم إن ~~عمرو بن العاص عقد راية وأعطاها عبد الله بن عمر بن الخطاب وضم اليه ألف ~~فارس فيهم ms017 رجال من الطائف ومن ثقيف وأمرهم بالمسير فسار عبد الله وجعل يجد ~~السير بقية يومه إلى الصباح وإذا بغبرة القوم قد لاحت فقال عبد الله بن عمر ~~هذه غبرة عسكر وأظنها طليعة القوم ثم وقف ووقف امامه أصحابه فقال قوم من ~~البادية اتركنا نرى ما هذه الغبرة فقال لا تتفرقوا من بعضكم حتى نرى ما هي ~~فوقف الناس وإذا بالغبرة قد قربت وانكشفت عن عشرة آلاف من الروم وقد بعث ~~معهم روبيس بطريقا من أصحابه وكانوا قد ساروا يكشفون خبر المسلمين فلما ~~نظرهم عبد الله بن عمر قال لأصحابه لا تمهلوهم لأنهم لا بد لهم منكم والله ~~ينصركم عليهم واعلموا ان الجنة تحت ظلال السيوف قال فأعلن القوم بقول لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله فلما جهروا بها أجابهم الشجر والمدر والدواب ~~والحجر وكان أول من حمل عكرمة بن أبي جهل وتبعه سهل بن عمرو والضحاك أيضا ~~بالجملة وصاح في رجاله وحمل المهاجرون والأنصار معهم والتقى الجمعان وعمل ~~السيف في الفريقين قال عبد الله بن عمر وبينما انا في الوقعة إذ نظرت من ~~القوم بطريقا عظيم الخلقة وهو كالحائر البليد وهو يركض يمينا وشمالا فقلت ~~ان يكن لهذا الجيش عين فهذا عين الجيش وصاحب الطلائع وهو مرغوب من الحرب ~~فلما حملت عليه ومددت قناتي اليه نفر فرسه من الرمح فقربت منه واوهمته اني ~~أريد الانهزام ثم عطفت عليه وطعنته فوالله لقد خيل لي اني ضربت بسيفي حجرا ~~وسمعت طنين السيف حتى حسبت ان سيفي انفصل وإذا هو صريع ثم عطفت عليه واخذت ~~لامته فلما رأى المشركون صاحبهم مجندلا داخلهم الفزع والهلع وصدمهم ~~المسلمون في الضرب والقتال فلله در الضحاك والحرث بن هشام لقد قاتلا قتالا ~~شديدا ما عليه من مزيد فما كان غير قليل حتى انهزم الكفار من بين أيديهم ~~هاربين قال فرجع المسلمون واجتمع بعضهم على بعض وجمعوا الغنائم والأموال ~~وقال بعضهم لبعض ما فعل الله بعبد الله بن عمر قال قائل منهم الله خبير ~~بحسن زهده وعبادته ms018 وقال آخرون لقد أصبنا بابن عمر فما كان يساوي هذا الفتح ~~شعرة من رأسه قال عبد الله بن عمر وانا مع ذلك أسمع كلامهم خلف الراية ~~فأعلنت بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وهززت الراية فلما نظر ~~المسلمون الراية سارعوا إلى وقالوا أين كنت فقلت اشتغلت بقتال صاحبهم ~~PageV01P019 # فقالوا أفلح والله وجهك فهذا والله فتح قد رزقنا الله إياه ببركتك قال ~~عبد الله بوجوهكم ثم حازوا الأموال والغنائم والخيل وستمائة أسير وقتل من ~~المسلمين سبعة نفر فواروهم وصلى عليهم ابن عمر وانعطف الجيش إلى عمرو بن ~~العاص وحدثوه بما جرى ففرح وحمد الله تعالى ثم دعا بالأسرى واستنطق منهم ~~بالعربية فما كان فيهم غير ثلاثة نفر من أنباط الشام فسألهم عن خبرهم وخبر ~~أصحابهم فقالوا يا معشر العرب ان هذا روبيس قد أقبل في مائة الف فارس وقد ~~امره الملك ان لا يدع أحدا من العرب يصل إيليا وانه بعث بهذا البطريق طليعة ~~وقد قتل وكأنكم به فقال عمرو ان الله يقتله كما قتل صاحبكم ثم عرض عليهم ~~الاسلام فما أحد منهم أسلم فقال عمرو للمسلمين كأنكم بصاحبهم وقد أتى يأخذ ~~ثأرهم وهؤلاء تركهم علينا بلاء ثم أمر بضرب أعناقهم وصاح بالمسلمين استعدوا ~~فاني أظن أن القوم سائرون فان أتوا الينا فهم في شدة وقوة وسنلقي منهم تعبا ~~في القتال وان سرنا إليهم نرجو من الله النصر والظفر بهم كما ظفرنا بغيرهم ~~وما عودنا الله الا خيرا قال أبو الدرداء بتنا مكاننا فلما جاء الله ~~بالصباح رحلنا فما بعدنا غير قليل حتى أشرقت علينا عشرة صلبان تحت كل صليب ~~عشرة آلاف فارس فلما أشرف الجيش على الجيش أقبل عمرو ورتب أصحابه وجعل في ~~الميمنة الضحاك وفي الميسرة سعيدا وأقام على الساقة أبا الدرداء وثبت عمرو ~~في القلب ومعه أهل مكة وأمر الناس يقرأون القرآن وقال لهم اصبروا على قضاء ~~الله وارغبوا في ثواب الله وجنته ثم إنه جعل يصفهم ويعبيهم تعبية الحرب ~~ونظر روبيس بطريق الروم إلى عسكر المسلمين وقد ms019 صفهم عمر بن العاص لا يخرج ~~سنان عن سنان ولا عنان عن عنان ولا ركان عن ركاب وهم كأنهم بنيان مرصوص وهم ~~يقرأون القرآن والنور يلمع من نواصي خيولهم فشم منهم رائحة النصر وتبين من ~~نفسه الجزع وعلم أن كل من معه كذلك فوقف ينظر ما يكون من المسلمين وانكسرت ~~حميته قال وكان أول من برز من جيش المسلمين سعيد ابن خالد رضي الله عنه وهو ~~أخو عمرو بن العاص من أمه فلما برز نادى برفيع صوته ابرزوا يا أهل الشرك ثم ~~حمل على الميمنة فالجأها إلى المسيرة وحمل على الميسرة فالجأها إلى الميمنة ~~وقتل رجالا وجندل ابطالا ثم اقتحم فيهم فشوشهم وزعزع جيشهم قال فاجتمعوا ~~عليه فقتلوه رحمة الله عليه قال فحزن المسلمون على قتله حزنا عظيما وأكثرهم ~~عمرو بن العاص وقال واسعيداه لقد اشترى نفسه من الله عز وجل ثم قال يافتيان ~~من يحمل معي هذه الحملة حتى ننظر ما يكون PageV01P020 # من امرها وأنظر حال سعيد قال فاسرع بالإجابة ذو الكلاع الحميري وعكرمة بن ~~أبي جهل والضحاك والحرث بن هشام ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وعبد الله بن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين قال عبد الله وكنا سبعين رجلا وحملنا ~~حتى دنونا من القوم وهم لا يفكرون من حملتنا لأنهم جبال من حديد قال ~~الواقدي رحمة الله عليه فلما رأى المسلمون ثبات الروم صاح بعضنا لبعض ~~ابعجوا دوابهم فما هلاكهم غير ذلك قال فبعجنا دوابهم بالأسنة فتنكسوا فبعد ~~انتكاسهم تفرق بعضهم عن بعض وحملوا علينا وحملنا عليهم وكنا فيهم كالشامة ~~البيضاء في جلد البعير الأسود وكان شعارنا يوم فلسطين لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله يا رب انصر أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو الدرداء فلقد ~~شغلني الحرب عن مناشدة الاشعار ولقد كان أحدنا لا يدري أهو يضرب أخاه أو ~~عدوه من كثرة القتام قال فثبت المسلمون مع قتلهم وفوضوا امرهم إلى الله عز ~~وجل وما كان أحد من المسلمين يضرب الا وظهره ms020 ناطق بالدعاء يقول اللهم ~~انصرنا على من يتخذ معك شريكا قال عبد الله بن عمر بن الخطاب فلم يزل الحرب ~~بيننا إلى وقت الزوال وهبت الرياح والناس في القتام إذ نظرت إلى السماء وقد ~~انفرج فيها فرج وخرجت منها خيول شهب تحمل رايات خضرا أسنتها تلمع ومناد ~~ينادي بالنصر أبشروا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أتاكم الله بالنصر ~~قال فلما كان غير قليل إذ نظرت إلى الروم منهزمين والمسلمون في أعقابهم لان ~~خيل العرب أسبق من خيل الروم قال ابن عمر فقتلنا في هذه الواقعة قريبا من ~~خمسة عشر الف فارس وأكثر ولم نزل في آثارهم إلى الليل وعمرو بن العاص قد ~~فرح بالنصر وقلبه متعلق بالمسلمين لاسراعهم وراء العدو وقال عمرو بن غياث ~~فنظرت إلى عمرو بن العاص والراية في يده وقد أوفى القناة على عاتقه وهو ~~يعركها بيده ويقول من يرد الناس علي رد الله عليه ضالته إذ نظرت العرب قد ~~عطفت راجعة كعطفة الام على ولدها فاستقبلهم عمرو وهو يقول هنيئا لهذه ~~الوجوه التي تعبت في رضا الله تعالى أما كان لكم كفاية في أن خولكم الله ~~حتى اتبعتم العدو فقالوا ما أردنا الغنيمة بل القتال والجهاد قال ولما رجع ~~المسلمون لم يكن لهم همة الا افتقاد بعضهم بعضا ففقد من المسلمين مائة ~~وثلاثون رجلا ختم الله لهم بالسعادة منهم سيف بن عبادة ونوفل بن دارم ~~والاهب بن شداد والباقي من اليمن ووادي المدينة قال فاغتم عمرو لفقدهم ثم ~~راجع نفسه وقال قد نزل بهم خير وأنت يا عمرو تأبى ذلك ثم ندب الناس إلى ~~الصلاة كما أمره أبو بكر الصديق رضي الله عنه فصلى ما فاته كل صلاة بأذان ~~وإقامة قال ابن PageV01P021 # عمر ما صلى خلفه الا قليل بل صلى الناس في رحالهم من تبعهم ولم يجمعوا من ~~الغنائم الا القليل وبات الناس فلما أصبح عمرو أذن وصلى بهم وأمر الناس ~~بجمع الغنائم وأن يخرجوا إخوانهم المؤمنين من الروم فجعلوا يلتقطونهم قال ~~فأخرجوا ms021 مائة وثلاثين رجلا ووجدوا سعيد بن خالد فلما نظر عمرو إلى ما نزل ~~به بكى وقال رحمك الله فقد نصحت لدين الله وأديت النصيحة ثم جعله في جملة ~~المسلمين وصلى عليهم وأمر بدفنهم وذلك قبل أن يخمس شيئا من الغنائم ثم بعد ~~ذلك جمعها اليه وكتب إلى أبي عبيدة كتابا يقول فيه كتاب عمرو بن العاص إلى ~~أبي عبيدة بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن العاص إلى أمين الأمة أما بعد ~~فاني احمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~واني قد وصلت إلى ارض فلسطين ولقينا عساكر الروم مع بطريق يقال له روبيس في ~~مائة الف فارس فمن الله بالنصر وقتل من الروم خمسة عشر الف فارس وفتح الله ~~على يدي فلسطين بعد أن قتل من المسلمين مائة وثلاثون رجلا فان احتجت إلي ~~سرت إليك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ودفع الكتاب إلى أبي عامر الدوسي ~~وأمره أن يسير إلى أبي عبيدة قال فأسرع أبو عامر بالكتاب فوجد أبا عبيدة ~~وهو نازل بأرض الشام وجاهر بالدخول إليها غير أنه امره كما امره أبو بكر ~~قال فلما وصل أبو عامر قال له أبو عبيدة ما وراءك قال خير هذا كتاب من عمرو ~~بن العاص يخبرك بما فتح الله على يديه ثم سلم اليه الكتاب فلما قرأه خر ~~ساجدا فرحا بنصر الله ثم قال والله قتل من المسلمين رجال اخيار منهم سعيد ~~بن خالد قال أبو عامر فكان خالد والده جالسا فلما سمع بأن ولده قد قتل قال ~~وا ابناه وجعل يبكيه حتى بكى المسلمون لبكائه ثم إن خالدا اسرع إلى فرسه ~~فركبها وعزم إلى ارض فلسطين لينظر إلى قبر ولده فقال أبو عبيدة كيف تسير ~~وتدعنا فقال انما انظر قبر ولدي وأرجو الله ان يلحقني به قال وكتب أبو ~~عبيدة كتابا لعمرو بن العاص يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم إنما أنت ~~مأمور فإن كان أبو بكر امرك أن تكون معنا فسر ms022 الينا وان كان امرك بالثبات ~~في موضعك فاثبت والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وطوى الكتاب وسلمه إلى ~~خالد بن سعيد وسار مع أبي عامر إلى أن اتيا إلى جيش عمرو بن العاص فدفع له ~~الكتاب وهو يبكي فوثب عمرو وصافح خالد ورفع منزلته وعزاه في ولده سعيد ~~وعزاه PageV01P022 # المسلمون فقال خالد يا أيها الناس هل اروى سعيد رمحه وسيفه في الكفار ~~قالوا نعم فلقد قاتل وما قصر ولقد جاهد في الدين ونصر فقال أروني قبره قال ~~فأروه إياه فأقام على القبر و قال يا ولدي رزقني الله الصبر عليك والحقني ~~بك وانا لله وانا اليه راجعون والله ان مكنني الله لآخذن بثأرك يا ولدي عند ~~الله احتسبتك ثم قال لعمرو بن العاص اني أريد أن أسري بسرية في طلب القوم ~~فلعل أن أجد فيهم فرصة أو غنيمة وأكون قد أخذت بثأر ولدي فقال عمرو ان ~~الحرب امامك يا ابن الام فإذا رأيت الروم فلا تبق عليهم فقال خالد والله ~~لأسيرن إليهم ثم أخذ أهبته للمسير وعزم ان يسير وحده فركب معه ثلاثمائة ~~فارس من فتيان حمير فساروا يومهم ذلك اجمع وأرادوا النزول في الأودية ~~ليعلفوا دوابهم ويسيروا ليلتهم إذ نظر خالد بن سعيد إلى أشباح على ذروة جبل ~~هناك عال منيع فقال لأصحابه اني أرى أشباحا على ذروة هذا الجبل ونحن في هذا ~~الوادي ثم قال كونوا في اماكنكم ثم نزل عن فرسه وتقلد سيفه والتحف بإزاره ~~وقال اعلموا ان القوم ما علموا بنا ولو نظروا الينا ما ثبتوا في أماكنهم ~~فمن منكم يبذل نفسه ويصنع كما أصنع قالوا كلنا لك قال فطافوا في الجبل حتى ~~أشرفوا على القوم وهم في أماكنهم فعند ذلك قال خذوهم بارك الله فيكم فأسرع ~~إليهم المسلمون فقتلوا منهم ثلاثين وأسروا أربعة فسألهم خالد بن سعيد فإذا ~~هم من أنباط الشام عن حالهم فقالوا نحن من أهل هذا البقيع والجامعة وكفار ~~القرية وقد عظم علينا دخول العرب إلى بلادنا وقد فزعنا منهم فزعا عظيما وقد ms023 ~~هرب أكثرنا إلى الحصون والقلاع وقد اعتصمنا نحن بهذا الجبل لأنه ليس في ~~الرستاق أحصن منه فعلونا عليه وأنتم كبستمونا قال خالد فما بلغكم عن جيش ~~الروم قالوا بأجنادين وهذا البطريق أقبل الينا ليأخذ الميرة والعلوفة وقد ~~جمعوا له الدواب والبغال والحمير تحمل الميرة وهم مع ذلك خائفون ان تلحقهم ~~خيل العرب وهذا خبر قومنا ولا شك انهم رحلوا من يومهم قال فلما سمع خالد بن ~~سعيد مقالتهم قال غنيمة للمسلمين ورب الكعبة ثم قال اللهم انصرنا عليهم ثم ~~سأل على أي طريق سار القوم قالوا على هذه الطريق التي أنتم عليها لأنها ~~أوسع الطرق كلها واما الميرة فإنها مجموعة من حول البلاد فلما سمع خالد ~~كلامهم قال لهم أسلموا فقالوا له ما نعرف الا دين الصليب ونحن فلاحين قال ~~فهم خالد بقتلهم فقال رجل من أصحابه دعهم يدلونا على الطريق إلى مسيرة ~~القوم فأجابوهم إلى ذلك وساروا وهم يدلونهم إلى تل عظيم قال فتوافق ~~PageV01P023 # القوم وهم يحملون دوابهم حول التل ومعهم ستمائة لابس من القوم فلما نظر ~~خالد إلى ذلك قال لأصحابه اعلموا ان الله قد وعدكم بالنصر على عدوكم وفرض ~~عليكم الجهاد وهذا جيش العدو امامكم فارغبوا في ثواب الله تعالى واسمعوا ما ~~قال الله عز وجل ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا وكأنهم بنيان ~~مرصوص وها انا احمل فاحملوا ولا يخرج أحد عن صاحبه ثم إن خالدا حمل وحمل ~~أصحابه قال فلما رأونا استقبلونا وانهزم من كان مع الدواب من الفلاحين ~~وصبرت الخيل لقتالنا ساعة من النهار قال فبينما ذو الكلاع الحميري يشجع ~~أصحابه ويقول يا أهل حمير أبواب الجنة فتحت والحور العين قد تزخرفت وإذا ~~بصاحب القوم قد لقيه خالد فعرفه بلامته وحسن زيه قال فاستقبله وصرخ فيه ~~فأرعبه ثم قال يا لثأر ولدي سعيد وطعنه طعنة صادقة فجندله صريعا كأنه برج ~~من حديد وما بقي أحد الا قتل من الروم قال فلما رأى الروم ذلك ولوا الادبار ~~وركنوا إلى الفرار وقتل منهم ثلاثمائة ms024 وعشرون فارسا وولى الباقون منهزمين ~~وتركوا الأثقال والبغال والميرة واخذ المسلمون الجميع بعون الله تعالى قال ~~وأطلق سراح الفلاحين وعاد خالد ومن معه بالغنائم والميرة إلى عمرو بن العاص ~~ففرح بسلامتهم وشكر فعلهم وكتب كتابا إلى أبي بكر الصديق وذكر له ما جرى مع ~~الروم وبعث الكتاب مع أبي عامر الدوسي رضي الله عنه واخذه وقدم به المدينة ~~وأعطاه أبا بكر الصديق رضي الله عنه فلما قرأه على المسلمين فرحوا وضجوا ~~بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير ثم إن أبا بكر استخبر عن أبي ~~عبيدة فقال له عامر انه قد اشرف على أوائل الشام ولم يجسر على الدخول إليها ~~وانه سمع ان جيوش الملك قد اجتمعت من حول أجنادين وهم أمم لا تحصى وقد خاف ~~على المسلمين أن يتوسط بهم عدوهم خالد بن الوليد في الشام فلما سمع أبو بكر ~~ذلك علم أن أبا عبيدة لين العريكة ولا يصلح لقتال الروم وعول أن يكتب إلى ~~خالد بن الوليد ليوليه على جيوش المسلمين وقتال الروم واستشار المسلمين في ~~ذلك فقالوا الرأي ما تراه وكتب كتابا يقول الوليد سلام عليك اما بعد فاني ~~احمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم واني ~~قد وليتك على جيوش المسلمين وأمرتك بقتال الروم وان تسارع إلى مرضاة الله ~~عز وجل وقتال أعداء الله وكن ممن يجاهد في PageV01P024 # الله حق جهاده ثم كتب يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب اليم الآية وقد جعلتك الأمير على أبي عبيدة ومن معه وبعث الكتاب مع ~~نجم بن مقدم الكناني فركب على مطيته وتوجه إلى العراق فرأى خالدا رضي الله ~~عنه قد اشرف على فتح القادسية فدفع اليه الكتاب فلما قرأه قال السمع الطاعة ~~لله ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتجل ليلا واخذ طريقه عن ~~اليمين وكتب كتابا إلى أبي عبيدة يخبره بعزله وبسيره إلى الشام وقد ولاني ~~أبو بكر على جيوش المسلمين فلا تبرح ms025 من مكانك حتى اقدم عليك والسلام وبعث ~~الكتاب مع عامر بن الطفيل رضي الله عنه وكان أحد أبطال المسلمين فأخذه ~~وتوجه يطلب الشام وأما خالد فلما وصل إلى ارض السماوة قال أيها الناس ان ~~هذه الأرض لا تدخلونها الا بالماء الكثير لأنها قليلة الماء ونحن في جيش ~~عظيم والماء معكم قليل فكيف يكون الامر فقال له رافع بن عميرة الطائي رضي ~~الله عنه أيها الأمير اني أشير عليك بما تصنع فقال يا رافع أرشدك الله بما ~~نصنع ووفقك الله مولانا جل وعلا للخير قال فأخذ رافع ثلاثين جملا وعطشها ~~سبعة أيام ثم أوردها الماء فلما رويت خرم أفواهها ثم ركبوا المطايا وجنبوا ~~الخيول وساروا فكانوا كلما نزلوا منزلا أخذوا عشرة من الإبل يشقون بطونها ~~ويأخذون ما يجدون من الماء في بطونها فيجعلونه في حياض الادم فإذا برد سقوه ~~للخيل واكلوا اللحم ولم يزالوا كذلك حتى تمت الإبل وفرغ الماء وقطعوا ~~مرحلتين بلا ماء وأشرف خالد ومن معه على الهلاك فقال خالد لرافع ابن عميرة ~~يا رافع قد أشرفنا على الهلاك والتلف أتعرف لنا ماء ننزل فيه قال الواقدي ~~وكان رافع رمدت عيناه فقال أيها الأمير أتاني رمد كما ترى ولكن إذا اشرفتم ~~على ارض سهلة فاعلموني قال فلما أشرفوا عليها اعلموا رافعا بذلك قال فرفع ~~طرف عمامته عن عينيه وسار على راحلته يضرب يمينا وشمالا والناس من ورائه ~~إلى أن أقبل على شجرة من الأراك فكبر وكبر المسلمون ثم قال احفروا هنا قال ~~فحفرت العرب وإذ الماء قد طلع كالبحر فنزل الناس عليه وشكروا الله تعالى ~~واثنوا عليه وعلى رافع خيرا ثم وردوا الماء وسقوا خيلهم وابلهم ثم جدوا في ~~طلب من انقطع من المسلمين ومعهم القرب بالماء قال فسقوهم فارتجعت قوتهم ثم ~~لحقوا بالجيش وأراحوا أنفسهم ثم في ثاني يوم جدوا في المسير إلى أن بقي ~~بينهم وبين أركة مرحلة واحدة فبينما هم كذلك إذ أشرفوا على حلة عامرة ~~واغنام وابل قد سدت الفضاء PageV01P025 # والمستوى فأسرع المسلمون إلى الحلة ms026 وإذا براع يشرب الخمر والى جانبه رجل ~~من العرب مشدود قال فتبينه المسلمون وإذا هو عامر بن الطفيل الذي أرسله ~~خالد قال فأقبل خالد ابن الوليد مسرعا حتى وقف عليه فلما رآه تبسم وقال يا ~~ابن الطفيل كيف كان سبب اسرك قال عامر أيها الأمير اني أشرفت على هؤلاء ~~القوم في هذه الحلة وقد أصابني الحر والعطش فملت إلى هذا الراعي ليسقيني من ~~اللبن فوجدته يشرب خمرا فقلت له يا عدو الله أتشرب الخمر وهي محرمة فقال لي ~~يا مولاي انها ليس بخمر وانما هي ماء زلال فانزل كي تراه واستنشق ما في ~~الجفنة فإن كان خمرا فافعل ما بدا لك فلما سمعت كلامه أنخت المطية ونزلت عن ~~كورها وجلست على ركبتي في الجفنة وإذا نا بالعبد قد طلبنا بعصا كانت إلى ~~جانبه وضربني على رأسي فشجني شجة موضحة فانقلبت على جانبي فأسرع العبد إلي ~~وشدني كتافا واوثقني رباطا وقال لي أظنك من أصحاب محمد بن عبد الله ولست ~~أدعك من بين يدي أو يقدم سيدي من عند الملك فقلت له ومن سيدك من العرب فقال ~~القداح بن وائلة واني عند هذا العبد كلما شرب الخمر حضرني كما ترى والقى ~~علي فضلة من كأسه قال فلما سمع خالد بن الوليد كلام عامر بن الطفيل اشتد به ~~الغضب ومال على العبد وضربه ضربة هائلة فجندله صريعا ونهب المسلمون المال ~~والأغنام والإبل وقلعوا الحلة بما فيها وأطلق عامرا وقال له أين رسالتي يا ~~عامر فقال يا مولاي هي في طرف عمامتي لم يعلم بها العبد فقال خالد انطلق ~~بها يا عامر على بركة الله تعالى قال فركب عامر وسار يطلب الشام وارتحل ~~خالد من موضعه ذلك فنزل بأركة وهي رأس الأمانة لمن يخرج من العراق وكانت ~~الروم تمسك بها القوافل وكان عليها بطريق من قبل الملك فأغار خالد عليها ~~وأخذ ما كان فيها وتحصن أهلها بحصنها وكان يسكن فيها حكيم من حكماء الروم ~~وقد طالع الكتب القديمة والملاحم فلما رأى المسلمين وجيشهم ms027 انتقع لونه وقال ~~اقترب الوقت وحق ديني فقال أهل اركة وكيف ذلك قال إن عندي ملحمة فيها ذكر ~~هؤلاء القوم وان أول راية تشرف من خيلهم هي الراية المنصورة وقد دنا هلاك ~~الروم فانظروا ان كانت رايتهم سوداء وأميرهم عريض اللحية طويل ضخم بعيد ما ~~بين المنكبين واسع الهيكل في وجهه أثر جدري فهو صاحب جيشهم في الشام وعلى ~~يديه يكون الفتح قال فنظر القوم وإذا الراية على رأس خالد وهي كما قال ~~حكيمهم قال PageV01P026 # واجتمعوا على بطريقهم وقالوا له أنت تعلم أن الحكيم سمعان لا ينطق الا ~~بالحق والحكمة وقد قال كذا وكذا والذي وصفه لنا رأيناه عيانا ونرى من الرأي ~~أن نعقد بيننا وبين العرب صلحا ونأمن على حريمنا وأنفسنا فلما سمع ذلك ~~بطريقهم قال اخروني إلى غد لأرى من الرأي قال فانصرفوا من عنده وبات ~~البطريق يحدث نفسه ويدبر امره وكان عارفا عاقلا خبيرا بالأمور وقال إن أنا ~~خالفتهم خفت أن يسلموني للعرب وقد تحقق أن روبيس سار بجيش عظيم فهزمهم ~~العرب ولم يزل يراود نفسه إلى أن أصبح الصباح فدعا قومه وقال على ماذا ~~عولتم قالوا عولنا على اننا نقيم الصلح بيننا وبين العرب فقا البطريق انا ~~واحد منكم مهما فعلتم لا أخالفكم قال فخرج مشايخ أركة إلى خالد وكلموه في ~~الصلح فأجابهم إلى الصلح والان الكلام لهم وتلقاهم بالرحب والسعة ليسمع ~~بذلك أهل السخنة ويبلغ الخبر لأهل قدمه وكان الوالي عليهم بطريق اسمه كوكب ~~فجمع رعيته وقال لهم بلغني عن هؤلاء العرب انهم فتحوا أركة والسخنة وان ~~قومنا يتحدثون بعدلهم وحسن سيرتهم وانهم لا يطلبون الفساد وهذا حصن مانع لا ~~سبيل لاحد علينا ولكن نخاف على نخلنا وزرعنا وما يضرنا ان نصالح العرب فان ~~قومنا هم الغالبين فسخنا صلحهم وان كان العرب ظافرين كنا آمنين قال ففرح ~~قومه بذلك وهيئوا العلوفة والضيافة حتى خرج خالد رضي الله عنه من اركة ونزل ~~عليهم فخرجوا الهي بالخدمة وصالحهم على ثلاثمائة أوقية من الذهب وكتب لهم ~~كتابا بالصلح ms028 ثم ارتحل عنها إلى حوران وبلغ عامر بن الطفيل كتاب خالد إلى ~~عبيدة فلما قرأه تبسم وقال السمع والطاعة لله تعالى ولخليفة رسول الله صلى ~~الله علبه وسلم ثم اعلم المسلمين بعزله وولاية خالد بن الوليد وكان أبو ~~عبيدة وجه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بصرى ~~في أربعة آلاف فارس قال فسار على فنائها وكان على بصرى بطريق عظيم الشان ~~والقدر عند الملك وعند الروم اسمه روماس وكان قرأ الكتب السالفة والاخبار ~~الماضية وكان يجتمع اليه الروم من أقصى بلادها ينظرون إلى عظيم خلقته ~~ويسمعون ألفاظ حكمته وكانت آهلة بالخلق عامرة بالناس وكان فيها ألف فارس ~~وكان العرب يقصدونا ببضائعهم وتجارتهم من أقصى اليمين وبلاد الحجاز فإذا ~~كان في أيام الموسم ينصب لبطريقهم كرسي ليجلس عليه ويجتمع الناس اليه ~~ويستفيدون من علمه وحكمته فبينما هم قد اجتمعوا اليه وقعت الضجة بقدوم ~~شرحبيل بن حسنة وعسكره فبادر إلى جواده PageV01P027 # فركبه وصاح في قومه فأجابوه وقال لا تتحدثوا حتى نسمع كلام القوم وما ~~عندهم ثم سار حتى قرب من شرحبيل بن حسنة وجيشه ونادى يا معشر المسلمين انا ~~روماس واني أريد صاحبكم قال فخرج اليه شرحبيل فلما قرب منه قال البطريق من ~~أنتم قال شرحبيل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي القرشي ~~الهاشمي المنعوت في التوراة والإنجيل فقال روماس ما فعل الله به فقال ~~شرحبيل قبضه الله اليه فقال البطريق فمن ولى الامر بعده قال عتيق بن أبي ~~قحافة بن بكر بن تيم بن مرة فقال روماس وحق ديني لقد أعلم بأنكم على الحق ~~ولا بد لكم ان تملكوا الشام والعراق وانا اشفق عليكم إذا بتم في جمع يسير ~~ونحن في جمع كثير ولكن ارجعوا إلى بلادكم فانا لا نتعرض لكم واعلم يا أخا ~~العرب إن أبا بكر هو صاحبي ورفيقي ولو كان حاضرا ما قاتلني فقال شرحبيل لو ~~كن وله أو ابن عمه لما عفا عنه الا ان يكون من أهل ms029 ملته وليس له في الامر ~~شيء لأنه مكلف وقد امره الله ان يجاهدكم ولسنا نبرح عنكم الا بإحدى ثلاث ~~اما ان تدخلوا في ديننا أو تأدوا الجزية أو السيف فقال روماس وحق ما اعتقده ~~من ديني لو كان الامر إلي ما أقاتلكم لأني أعلم انكم على حق وهؤلاء طواغية ~~الروم وقوم مجتمعون واني أريد ان ارجع إليهم وانظر ما عندهم فقال شرحبيل ~~ارجع إليهم فلا بد لكم بما ذكرت قال فعاد روماس إلى قومه وجمعهم وقال يا ~~أهل دين النصراينة وبني ماء المعمودية ان الذي كنتم تعتقدونه في كتبكم من ~~الخروج من بلادكم ودياركم ونهب أموالكم قد قرب وهذا وقته وزمانه ولستم أعظم ~~جيشا من روبيس سار إلى شرذمة من العرب بأرض فلسطين فقتل وقتل من معه وانهزم ~~الباقون ولقد بلغني ان رجلا منهم قد خرج من ارض السماوة صوب العراق اسمه ~~خالد بن الوليد وقد فتح أركة والسخنة وتدمر وحوران وهو عن قريب يحضر إليكم ~~والصواب أن تؤدوا الجزية عن يد إلى هؤلاء العرب وينصرفون عنكم قال فلما سمع ~~قومه ذلك غضبوا وشوشوا وهموا بقتله فقال روماس يا قوم انما أردت ان اختبركم ~~وأرى حمية دينكم والان دونكم والقوم وانا في أولكم قال فرجعت الروم إلى ~~عددها وعديدها وتظاهروا بالدروع البيض وقادوا الجنائب وتهيئوا للحملة فلما ~~رأى شرحبيل بن حسنة ذلك وعظ أصحابه وقال اعلموا رحمكم الله ان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال الجنة تحت ظلال السيوف وأحب ما قرب إلى الله ~~PageV01P028 # قطرة دم في سبيل الله أو دمعة جرت في جوف الليل من خشية الله قال الله ~~تعالى * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون) * ثم جمل وحمل المسلمون على جيش بصرى قال عبد الله بن عدي واجتمع ~~علينا العدو وطمعوا فينا وحملوا علينا في اثني عشر الف فارس من الروم ونحن ~~فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وصبرنا لهم صبر الكرام ولم يزل ~~القتال بيننا وبينهم إلى أن ms030 توسطت الشمس في قبة الفلك وقد طمع العدو فينا ~~فرأيت شرحبيل بن حسنة قد رفع يده إلى السماء وهو يقول يا حي يا قيوم يا ~~بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والاكرام اللهم انصرنا على القوم ~~الكافرين قال فوالله ما استم شرحبيل كلامه ودعاءه حتى جاء النصر من عند ~~الله العزيز الحكيم وذلك أن القوم داروا بنا فرأينا غبرة قد أشرفت علينا من ~~صوب حوران فلما قربت لنا رأينا تحتها سوابق الخيل فلاحت لنا الاعلام ~~الاسلامية والرايات المحمدية وقد سبق الينا فارسان أحدهما ينادي ويزعق يا ~~شرحبيل يا ابن حسنة ابشر النصر لدين الله انا الفارس الصنديد والبطل المجيد ~~انا خالد ابن الوليد والاخر يزعق ويقول انا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~وأشرفت العساكر من كل جانب قال وأشرفت راية العقاب يحملها رافع بن عميرة ~~الطائي قال حدثنا سالم بن عدي عن ورقاء بن حسان العامري عن مسيرة بن مسروق ~~العبسي قال والله لقد خمدت أصوات الروم عند زعقة خالد رضي الله عنه واقبل ~~المسملون يسلم بعضهم على بعض واقبل شرحبيل بن حسنة إلى خالد بن الوليد وسلم ~~عليه فقال خالد يا شرحبيل أما علمت أن هذه مينا الشام والعراق وفيها عساكر ~~الروم وبطارقتهم فكيف غررت بنفسك وبمن معك من المسلمين قال كله بأمر أبي 2 ~~عبيدة فقال خالد أما أبو عبيدة فإنه رجل خالص النية وليس عنده غائلة الحرب ~~ولا يعلم بمواقعها ثم أمر الناس بالراحة فنزلوا وارتاحوا من اتعابهم فلما ~~كان في اليوم الثاني زحفت جيوش بصرى على المسلمين فقال خالد ان الروم زحفوا ~~لعلمهم بتعبنا وتعب خيولنا فاركبوا بارك الله فيكم واحملوا على بركة الله ~~تعالى قال فركب المسملون واخذوا اهبتهم للحرب فجعل من الميمنة رافع بن ~~عميرة الطائي وجعل في الميسرة ضرار بن الأزور وكان غلاما فاتكا في الحرب ~~وجعل على الدرك عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم قسم جيش الزحف فجعل على ~~PageV01P029 # شطره المسيب بن نجيبة الفزاري وعلى الشطر الاخر مذعور بن غانم ms031 الأشعري ~~وأمرهم ان يزفوا الخيل إذا حملت قال وبقي خالد في الوسط وهو يعظ الناس ~~ويوصيهم وقد عزموا على الحملة وإذا بصفوف الروم قد انشقت وخرج من وسطها ~~فارس عظيم الخلقة كثير الزينة يلمع ما عليه من الذهب الأحمر والياقوت فلما ~~توسط الجمعين نادى بلسان عربي كأنه بدوي يا معشر العرب لا يبرز لي الا ~~أميركم فأنا صاحب بصرى قال فخرج اليه خالد رضي الله عنه كالأسد الضرغام ~~وقرب منه فقال له البطريق أنت أمير القوم قال كذلك يزعمون اني أميرهم ما ~~دمت على طاعة الله ورسوله فان عصيته فلا امارة لي عليهم قال البطريق اني ~~رجل عاقل من عقلاء الروم وملوكهم وان الحق لا يخفى عن ذي بصيرة واعلم اني ~~قرأت الكتب السابقة والاخبار الماضية فوجدت ان الله تعالى يبعث قرشيا واسمه ~~محمد بن عبد الله قال خالد والله نبينا قال انزل عليه الكتاب قال نعم ~~القرآن قال روماس البطريق أحرم عليكم فيه الخمر قال خالد نعم من شربها ~~حددناه ومن زنى جلدناه وان كان محصنا رجمناه قال أفرضت عليكم الصلوات قال ~~نعم خمس صلوات في اليوم والليلة قال أفرض عليكم الجهاد قال خالد لولا ذلك ~~ما جئناكم نبغي قتالكم قال روماس والله اني لاعلم انكم على الحق واني أحبكم ~~وحذرت قومي منكم واني خائف منكم فأبوا فقال خالد فقل اشهد ان لا إله إلا ~~الله وان محمدا رسول الله يكون لك ما لنا وعليك ما علينا فقال إني أسلمت ~~وأخاف ان يعجل هؤلاء بقتلي وسلبي حريمي ولكن أنا أسير إلى قومي وارغبهم ~~فلعل الله ان يهديهم فقال خالد وان رجعت إلى قومك بغير قتال يكون بيني ~~وبينك خفت عليك ولكن احمل علي حتى لا يتهموك وبعد ذلك اطلب قومك فحمل بعضهم ~~على بعض وأرى خالد الفريقين أبوابا من الحرب حتى أبهر روماس فقال لخالد شدد ~~علي الحملة حتى يرى الديرجان فاني خائف عليك من بطريق بعث به الملك يقال له ~~الديرجان فقال خالد ينصرنا الله عليه ثم شدد ms032 على روماس الحملة حتى أنه ~~انهزم من بين يديه إلى قومه فلما وصل إلى قومه قالوا ما الذي رايت من العرب ~~قال إن العرب اجلاد ما لكم بقتالهم طاقة ولا بد لهم ان يملكوا الشام وما ~~تحت سريري هذا فأدخلوا تحت طاعتهم وكونوا مثل اركة والسخنة قال فلما سمعوا ~~كلامه زجروه وأرادوا قتله وقالوا له ادخل المدينة والزم قصرك ودعنا لقتال ~~العرب فانصرف روماس وقال لعل الله ينصر خالد ثم إن أهل بصرى PageV01P030 # ولو عليهم الديرجان وقالوا إذا فرغنا من المسلمين سرنا معك إلى الملك ~~ونسأله ان ينزع روماس ويوليك علينا قال الديرجان وما الذي تريدون قالوا ~~نحمل ونطلب قتال العرب قال فخرج الديرجان وطلب خالدا فقال عبد الرحمن لخالد ~~يا أمير أنا اخرج اليه فقال دونك يا ابن الصديق فخرج عبد الرحمن وحمل على ~~الديرجان فما لبثوا غير ساعة وقد أحس الديرجان من نفسه بالتقصير فولى ~~منهزما وراح إلى قومه فلما رأوا ذلك منه نزل الرعب في قلوبهم وعلم خالد ما ~~عند القوم من الفزع فحمل وحمل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وحمل المسلمون ~~فلما نظر أهل بصرى إلى حملة المسلمين حملوا وتلاقى الفريقان وضجت الرهبان ~~بكلمة كفرهم فقال شرحبيل بن حسنة اللهم ان هؤلاء إليك بلا اله الا أنت وان ~~محمدا عبدك ورسولك الا ما نصرت هذا الدين على أعدائك المشركين ثم حملوا ~~حملة واحدة فلم يكن للروم ثبات مع العرب فولى المشركون الادبار وركنوا إلى ~~الفرار فلما حطوا داخل المدينة اغلقوا الأبواب وتحصنوا بالاسوار ورفعوا ~~الصلبان وعولوا ان يكتبوا للملك ليمدهم بالخيل والرجال قال عبد الله بن ~~رافع فلما تحصنوا رجعنا عنهم وافتقدنا اصحبانا فوجدنا قد قتل منا مائة ~~وثلاثون فارسا وقتل من الأعيان بدريان قال وغنم المسلمون الأموال وصلى خالد ~~على الشهداء وأمر بدفنهم فلما كان الليل تولى الحرس عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق ومعمر بن راشد ومائة من جيش الزحف فبينما هم يدورون حول العسكر وإذا ~~بروماس صاحب بصرى قد اقبل عليهم وقال ms033 لهم أين خالد بن الوليد فأخبروه واتوا ~~به إلى خالد فلما رآه رحب به فقال أيها الأمير بعد ان فارقتك طردني قومي ~~واقلوا الزم قصرك والا قتلناك فلزمت قصري وهو ملاصق للسور ولما وقع لهم ما ~~وقع وانهزموا تحصنوا فلما جن الليل أمرت غلماني بحفر السور وفتحوا فيه بابا ~~فأتيتك فأرسل معي من تعتمد عليه من أصحابك تستلمون المدينة فلما سمع خالد ~~هذا الكلام أمر عبد الرحمن بن أبي بكر ان يأخذ مائة من المسلمين ويسيروا مع ~~روماس قال ضرور بن الأزور وكنت ممن دخل المدينة فلما صرنا في قصر روماس فتح ~~لنا خزانة السلاح فلبسنا من سلاحهم وقسمنا أربعة أقسام كل جانب خمسة وعشرون ~~رجلا وقال لنا عبد الرحمن إذا سمعتم التكبير فكبروا فلما سرنا حيث أمرنا ~~أخذنا أنفسنا بالحملة على القوم قال الواقدي بلغني ممن أثق به من الرواة ان ~~عبد الرحمن لما فارق PageV01P031 # أصحابه لبس سلاحه هو وروماس يطلبون الدرج الذي عليه الديرجان وسار معهم ~~ضرار ورافع وشرحبيل بن حسنة فقال لا اهلا ولا مرحبا بك ومن الذي معك قال ~~معي صديق لك ومشتاق إلى رؤياك قال ويحك ومن هو يا روماس قال هذا بن أبي بكر ~~الصديق فلما سمع الديرجان ذلك هم ان يقتله فلم تطاوعه نفسه فحمل عليه عبد ~~الرحمن وهز سيفه في وجهه وضربه على عاتقه فتجندل صريعا يخور في دمه وعجل ~~الله بروحه إلى النار قال وكبر عبد الرحمن فأجابه روماس وسمع أصحابه ~~التكيبر فكبروا من جوانب بصرى قال واجابتهم الأحجار والأشجار قال وكبر ~~المسلمون من جوانب بصرى ووضعوا السيف في الروم وسمع خالد التكبير فصرخوا ~~وإذا لغلمان روماس وأولاده قد فتحوا لهم الأبواب فعبر خالد ومن معه من ~~المسلمين فلما نظر أهل بصرى إلى الأبواب وقد فتحت بالسيف قهرا ضجوا بأجمعهم ~~يقولون الأمان الأمان فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه ارفعوا السيف عنهم ~~واقام خالد إلى الصباح واجتمع اليه أهلها وقالوا يا أيها الأمير لو صالحناك ~~ما جرى شيء من ذلك ms034 لكن نسألك بالذي أيدك ونصرك ما الذ ي فتح لك أبواب ~~مدينتنا فاستحى خالد رضي الله عنه ان يقول فوثب روماس وقال انا فعلت ذلك يا ~~أعداء الله وأعداء رسوله وما فعلته الا ابتغاء مرضاة الله وجهادا فيكم ~~فقالوا أولست منا فقال اللهم لا تجعلني منهم رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا ~~وبالكعبة قبلة وبالقرآن اماما وانا اشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول ~~الله قال ففرح خالد بذلك وأما أهل بصرى فغضبوا وأضمروا له شرا وعلم بذلك ~~روماس فقال لخالد انا لا أريد المقام عندهم واني أسير معك حيث سرت فإذا فتح ~~الله على يديك الشام وصار لكم الامر ردوني إليها لان الوطن عزيز قال ~~الواقدي حدثني معمر بن سالم عن جده قال كان روماس يجاهد معنا جهادا حسنا ~~حتى فتح الله على أيدينا الشام فكان أبو عبيدة يكاتب به عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه في أيامه فولاه على بصرى فلم يلبث الا يسيرا حتى توفي رحمه الله ~~وخلف عقبا يذكر به قال وأمر خالد رجالا يعينونه على اخراج رحله وماله من ~~المدينة ففعلوا ذلك وإذا بزوجته تخاصمه وتطلب فراقه فقال لها المسلمون ما ~~الذي تريدين قال أريد أمير جيشكم يحكم بيننا فجاؤوا بها إلى خالد فقالت له ~~أنا استغيث بك من روماس فقال لها خالد وكيف ذلك فقالت اني كنت البارحة ~~نائمة إذ رايت شخصا ما رأيت منه وجها كأن البدر يطلع من بين عينيه وكأنه ~~يقول إن PageV01P032 # المدينة فتحت على يد هؤلاء القوم والشام والعراق فقلت له ومن أنت يا سيدي ~~قال محمد رسول الله ثم دعاني إلى الاسلام فأسلمت ثم علمني سورتين من القرآن ~~قال فحدث الترجمان خالد بما كان منها فقال ان هذا لعجيب ثم قال خالد ~~للترجمان قل لها ان تقرأ السورتين فقرأت الفاتحة وقل هو الله أحد ثم جددت ~~اسلامها على يد خالد بن الوليد وقالت يا أيها الأمير اما أن يسلم روماس ~~والا يتركني أعيش بين المسلمين قال فضحك خالد ms035 من قولها وقال سبحان الله ~~الذي وفقنا جميعا ثم قال للترجمان قل لها ان روماس اسلم قبلها ففرحت بذلك ~~ثم إن خالدا أحضر أهل بصرى وقررهم على أداء الجزية وولى عليهم من اتفق رأيه ~~عليه ثم كتب إلى أبي عبيدة كتابا يبشره بالفتح ويقول له يا صاحب رسول الله ~~قد ارتحلنا إلى دمشق فألحقنا إليها ثم كتب كتابا اخر إلى أبي بكر الصديق ~~يخبره برحيله ويقول له يوم كتبت إليك هذا الكتاب ارتحلت إلى دمشق فادع لنا ~~بالنصر والسلام عليك ومن معك ورحمة الله وبركاته ثم بعث الكتابين كلاهما ثم ~~ارتحل خالد إلى نحو دمشق حتى اشرف على موضع يقال له الثنية فوقف هناك وركز ~~راية العقاب فسميت بذلك ثنية العقاب ثم ارتحل منها إلى الدير المعروف الان ~~بدير خالد وكان أهل السواد قد التجئوا إلى دمشق وقد اجتمعت خلائق وأمم لا ~~تحصى من الرجال واما أصحاب الخيل فكانوا اثني عشر ألفا وقد زينوا اسوارهم ~~بالطوارق والبيارق والصلبان واقام خالد على الدير ينتظر قدوم المسلمين قال ~~الواقدي ووصلت الاخبار إلى الملك هرقل وما فتح خالد من الشام وكيف قدم على ~~دمشق فغضب وجمع البطارقة وقال يا بني الأصفر لقد قلت لكم وحذرتكم فأبيتم ~~وهؤلاء العرب قد فتحوا اركة وتدمر والسخنة وبصرى وقد توجهوا إلى الربوة ~~ففتحوها فواكرباه لان دمشق جنة الشام وقد سارت إليها الجيوش وهم اضعاف ~~العرب ثم قال أيكم يتوجه إلى قتال العرب ويكفيني أمرهم فان هزمهم أعطيته ما ~~فتحوه ملكا فقال بطريق من البطارقة أسمه كلوس بن حنا وكان من فرسانهم وقد ~~عرفت شجاعته في عساكر الروم والفرس أيها الملك أنا أكفيك وأردهم على ~~أعقابهم منهزمين قال فلما سمع الملك قوله سلم اليه صليبا من الذهب وقدمه ~~على خمسة آلاف فارس وقال له قدم صليبك أمامك فإنه ينصرك قال فأخذه كلوس ~~وسار من يومه من أنطاكية إلى أن وصل حمص فوجدها مزينة بالسلاح فلما بلغ ~~أهلها قدومه خرجوا إلى لقائه وقد خرجت القسس والرهبان واستقبلوه ودعوا له ms036 ~~PageV01P033 # بالنصر وأقام بحمص يوما وليلة ثم ارتحل إلى مدينة بعلبك فخرج اليه النساء ~~لاطمات الخدود وقلن أيها السيد ان العرب فتحوا اركة وحوران وبصرى فقال لهن ~~كيف قدرت العرب على حوران وبصرى فقلن أيها السيد ان الذين ذكرتهم لم يبرحوا ~~من أماكنهم وان هذا الرجل قد أقبل من العراق وهو الذي فتح أركة فقال وما ~~اسمه قلن خالد بن الوليد قال في كم يكون من العساكر قلن في الف وخمسمائة ~~فارس فقال وحق المسيح لاجعلن رأسه على رأس سناني ثم رحل فلم ينزل الا بدمشق ~~وكان واليها بطريقا من قبل الملك هرقل اسمه عزازير فلما قدم كلوس اجتمع ~~عليه عزازير وأصحابه وقرأوا عليهم منشور الملك ثم قال لهم أتريدون أن أقاتل ~~عدوكم وأصده عن بلادكم قالوا نعم فقال اخرجوا عزازير عنكم حتى أكون وحدي في ~~هذا الامر فقالوا أيها السيد وكيف ينبغي أن يخرج صاحبنا من بلدنا وهذا ~~العدو قاصد الينا قال فغضب عزازير في وجه كلوس من كلامه وقد اتفق رأيهم على ~~أن كل واحد يقاتل العرب يوما فثبتت عداوة عزازير في قلب كلوس قال الواقدي ~~ولقد بلغني انهم كانوا يخرجون كل يوم من باب الجابية مقدار فرسخ ينظرون ~~قدوم أبي عبيدة بن الجراح فلم يشعروا حتى قدم إليهم خالد بن الوليد من نحو ~~الثنية قال حدثنا يسار بن محمد قال أخبرنا رفاعة بن مسلم قال كنت في جيش ~~خالد بن الوليد لما نزل على الدير المعروف به وإذا بجيش الروم قد زحف علينا ~~وهو كالجراد المنتشر فلما نظر خالد ذلك تدرع بدرع مسلمة ثم صرخ في وجه ~~المسلمين وقال هذا يوم ما بعده يوم وهذا العدو قد زحف بخيله فدونكم والجهاد ~~فانصروا الله ينصركم وكونوا ممن باع نفسه لله عز وجل وكأنكم باخوانكم ~~المسلمين قدموا عليكم مع أبي عبيدة بن الجراح ثم بعد ذلك استقبل الجيش وصرخ ~~بملء رأسه فأرعب المشركين من صرخته وحمل شرحبيل بن حسنة وعبد الرحمن بن أبي ~~بكر وضرار بن الأزور ومذ حمل ضرار ms037 لم يول عنهم بل قتل من الميمنة خمسة ~~فرسان ومن الميسرة كذلك ثم حمل ثاني مرة فقتل منهم ستة فرسان ولولا سهام ~~القوم لما رد عن قتالهم فشكره خالد بن الوليد وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر ~~رضي الله عنه احمل بارك الله فيك قال فحمل عبد الرحمن وفعل كما فعل ضرار بن ~~الأزور وقاتل قتالا شديدا ثم حمل من بعده خالد بن الوليد ورفع رمحه ورأى ~~العسكر من أمور الحرب حتى جزع الروم من شجاعته PageV01P034 # فلما نظر اليه البطريق كلوس علم أنه أمير الجيش وعلم أنه يقصده فتأخر ~~كلوس إلى ورائه من مخافته فلما نظر خالد إلى قهقرة كلوس إلى ورائه حمل عليه ~~ليرده فوقعت عليه البطارقة ورموه بالسهام فلم يلتفت إليهم خالد ولم يعبأ ~~بهم ولم يرجع حتى قتل عشرين ثم انثنى بجواده بين الصفين وجال بجواده بين ~~الفريقين وطلب البراز فلم يجبه أحد وقالوا أخرجوا غيره منكم فقال ويلكم ها ~~أنا رجل واحد من العرب وكلنا في الحرب سواء فما منهم من فهم كلامه فأقبل ~~عزازير على كلوس وقال أليس الملك قد قدمك علي جيشه وبعثك إلى قتال العرب ~~فدونك حام عن بلدك ورعيتك فقال كلوس أنت أحق مني بذلك لأنك أقدم مني وقد ~~عزمت أنك لا تخرج الا باذن الملك هرقل فما بالك لا تخرج إلى قتال أمير ~~العرب فقال لهما العساكر تقارعا فمن وقعت عليه القرعة فلينزل إلى قتال أمير ~~العرب فقال كلوس لا بل نحمل جميعا فهو أهيب لنا قال وخاف كلوس أن يبلغ ~~الملك ذلك فيطرده من عنده أو يقتله قال فتقارعا فوقعت القرعة على كلوس فقال ~~عزازير اخرج وبين شجاعتك فقال كلوس لأصحابه أريد أن تكون همتكم عندي فان ~~رأيتم مني تقصيرا فاحملوا وخلصوني فقال لأصحابه هذا كلام عاجز لا يفلح أبدا ~~فقال يا قوم ان الرجل بدوي ولغته غير لغتي فخرج معه رجل أسمه جرجيس وقال له ~~أنا أترجم لك فسار معه فقال كلوس اعلم يا جرجيس ان هذا رجل ذو ms038 شجاعة فان ~~رأيته غلبني فاحمل أنت عليه حتى نقضي يومنا معه ويخرج له غدا عزازير فيقتله ~~ونستريح منه وأتخذك أنا صديقي فقال له ما أنا أهل حرب وانما أخوفه بالكلام ~~قال فسكت وسارا حتى قربا من خالد فنظر اليهما قال فهم أن يخرج اليهما رافع ~~بن عميرة فصاح فيه خالد قال مكانك لا تبرح فاني كفء لهما فلما دنوا من خالد ~~قال كلوس لصاحبه قل له من أنت وما تريد وخوفه من سطواتنا فقرب جرجيس من ~~خالد قال له يا أخا العرب أنا اضرب لك مثلا ان مثلكم ومثلنا كمثل رجل له ~~غنم فسلمها إلى راع وكان الراعي قليل الجرأة على الوحوش فأقبل عليه سبع ~~عظيم فجعل يلتقط منه كل ليلة رأسا إلى أن انقضت الأغنام والسبع ضار عليها ~~ولم يجد له مانعا عنها فلما نظر صاحب الغنم ما حل بغنمه علم أنه لم يؤت الا ~~من الراعي فانتدب لغنمه غلاما نجيبا فسلمه الغنم فكان كل ليلة يكثر الطوفان ~~حول الغنم فبينما الغلام كذلك إذ أقبل عليه السبع على عادته الأصلية واخترق ~~الغنم فهجم الغلام على السبع وبيده منجل فضربه فقتله ولم يقرب الغنم وحش ~~بعدها وكذلك PageV01P035 # أنتم نتهاون بأمركم لأنه ما كان أضعف منكم لأنكم جياع مساكين ضعفاء ~~وتعودتم أكل الذرة والشعير ومص النوى فلما خرجتم إلى بلادنا وأكلتم طعامنا ~~وفعلتم ما فعلتم وقد بعث لكم الملك رجالا لا تقاس بالرجال ولا تكترث ~~بالابطال ولا سيما هذا الرجل الذي بجانبي فاحذر منه أن ينزل بك ما انزل ~~الغلام بالأسد وقد سألني أن أخرج إليك واتلطف بك في الكلام فأخبرني ما الذي ~~تريد قبل أن يهجم عليك هذا الفارس فلما سمع خالد منه ذلك قال يا عدو الله ~~والله لا نحسبكم عندنا في الحرب الا كقابض الطير بشبكة وقد قبضتها يمينا ~~وشمالا فلم يخرج الا ما انفلت منه وأما ما ذكرت من بلادنا وأنها بلاد قحط ~~وجوع فالامر كذلك الا أن الله تعالى ابدلنا ما هو خير منه فأبدلنا بدل ms039 ~~الذرة الحنطة والفواكه والسمن والعسل وهذا كله قد رضيه لنا ربنا ووعدنا به ~~على لسان نبيه وأما قولك ما الذي تريدونه منا فنريد منكم احدى ثلاث خصال ~~اما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية أو القتال وأما قولك ان هذا الرجل ~~الذليل الذي هو عندكم مسكين فهو عندنا أقل القليل وان يكن هو ركن الملك ~~فأنا ركن الاسلام أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد أنا صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معارك الشام قال الواقدي رحمه الله تعالى فلما سمع ~~جرجيس كلام خالد تأخر إلى وراءه وقد تغير لونه فقال له كلوس يا ويلك رأيتك ~~في بدايتك تهيم كالسبع فمالك قد تأخرت فقال وحق المسيح ما أعلم انه الفارس ~~الجحجاح وبطلهم الصفاح هذا صاحب القوم الذي ملأ الشام شرا فقال كلوس يا ~~جرجيس اسأله ان يؤخر الحرب بيننا إلى غد فالتفت إلى خالد وقال له يا سيد ~~قومك هذا صاحبي يريد ان يرجع إلى قومه ليشاورهم فقال خالد ويحك أتريد ان ~~تخدعني بالكلام وأقبل برمحه في وجه جرجيس فلما نظر جرجيس ذلك انعقد لسانه ~~وولى هاربا فلما رأى خالد ذلك طلب كلوس وحمل عليه وتطاعنا واحترز البطريق ~~من طعنات خالد فلما نظر خالد احتراز البطريق خط يده في أطواقه وجذبه فقلعه ~~من سرجه فلما نظر المسلمون فعل خالد كبروا بأجمعهم وتسابق الفرسان إلى خالد ~~فلما قربوا منه رمى لهم البطريق وقال اوثقوه كتافا فصار يبربر بلسانه فأتى ~~المسلمون بروماس صاحب بصري وقالوا له أسمع ماذا يقول فقال لهم يقول فقال ~~لهم يقول لكم لا تقتلوني فاني أجبت صاحبكم في المال والجزية فقال خالد ~~استوثقوا منه ثم نزل عن PageV01P036 # جواده وركب جوادا أهداه له صاحب تدمر وعزم أن يهجم على الروم فقال ضرار ~~بن الأزور أيها الأمير دعني أنا أحمل على القوم حتى تستريح أنت فقال يا ~~ضرار الراحة في الجنة غدا ثم عول خالد على الحملة فصاح به البطريق كلوس ~~وقال وحق دينك ونبيك الا ما رجعت ms040 إلي حتى أخاطبك فرجع خالد اليه وقال ~~لروماس اسأله ما يريد فقال أعلمه أني صاحب الملك وقد بعثني إليكم في خمسة ~~آلاف فارس لاردكم عن بلده وأهله ورعيته وقد تحجبت أنا وعزازير متولي دمشق ~~وقدم إلي معه كذا وكذا وأنا أسألك بحق دينك إذا خرج إليك فأقتله وان لم ~~يخرج إليك فاستدعه وأقتله فإنه رأس القوم فان قتلته فقد ملكت دمشق فقال ~~خالد لروماس قل له انا لا نبقي عليك ولا عليه ولا على من أشرك بالله تعالى ~~ثم إنه بعد ذلك الكلام حمل وهو ينشد ويقول * لك الحمد مولانا على كل نعمة * ~~وشكر لما أوليت من سابغ النعم * مننت علينا بعد كفر وظلمة * وأنقذتنا من ~~حندس الظلم والظلم * وأكرمتنا بالهاشمي محمد * وكشفت عنا ما نلاقي من الغم ~~* فتمم اله العرش ما قد ترومه * وعجل لأهل الشرك بالبؤس والنقم * وألقهم ~~ربي سريعا ببغيهم * بحق نبي سيد العرب والعجم * قال الواقدي لقد بلغني ممن ~~أثق به أنه لما ولي جرجيس هاربا من بين يدي خالد إلى أصحابه رأوه يرتعد من ~~الفزع فقالوا له ما ورءاك فقال يا قوم ورائي الموت الذي لا يقاتل والليث ~~الذي لا ينازل وهو أمير القوم وقد آلى على نفسه ان يطلبنا أينما كنا وما ~~خلصت روحي الا بالجهد فصالحوا الرجل قبل ان يحمل عليكم بأصحابه فلا يبقى ~~منكم أحدا فقالوا له ما يكفيك انك انهزمت وقد هموا بقتله فبينما هم كذلك ~~إذا أقبل أصحاب كلوس على عزازير وهم خمسة آلاف وصاحوا به وقالوا له ما أنت ~~عند الملك أعز من صاحبنا وقد كان بيننا وبينك شرط فأخرج أنت إلى خالد ~~واقتله أو أسر ه وخلص لنا صاحبنا والا وحق المسيح والمذبح والذبيح شننا ~~عليك الحرب فقال عزازير وقد رجع به مكره ودهاؤه يا ويلكم أتظنون اني جزعت ~~من الخروج إلى هذا البدوي من أول مرة ولكني ما تأخرت عن الخروج اليه ~~وتقاعدت عن قتاله حتى يتبين عجز صاحبكم وسوف سوف ينظر الفريقان أينا أفرس ~~وأشجع وأثبت ms041 في مقام القتال إذا نحن تشابكنا بالنصال ثم إنه في الحال ترجل ~~عن جواده ولبس لامته وركب جوادا يصلح للجولان وخرج إلى قتال سيدنا خالد بن ~~الوليد الفارس الصنديد رضي الله عنه فلما قرب منه PageV01P037 # قال يا أخا العرب ادن مني حتى أسألك وكان الملعون يعرف العربية فلما سمع ~~خالد ذلك قال يا عدو الله ادن أنت على أم رأسك ثم هم أن يحمل عليه فقال على ~~رسلك يا أخا العرب أنا أدنو منك فعلم خالد أن الخوف داخله فأمسك عنه حتى ~~قرب منه فقال يا أخا العرب ما حملك ان تحمل أنت بنفسك أما تخشى الهلاك فلو ~~قتلت بقيت أصحابك بلا مقدم فقال خالد يا عدو الله قد رأيت ما فعل الرجلان ~~من أصحابي لو تركتهم لهزموا أصحابك بعون الله تعالى وانما معي رجال وأي ~~رجال يرون الموت مغنما والحياة مغرما ثم قال له خالد من أنت فقال أوما سمعت ~~باسمي أنا فارس الشام أنا قاتل الروم والفرس أنا كاسر عساكر الترك فقال ~~خالد ما أسمك فقال انا الذي تسميت باسم ملك الموت اسمي عزرائيل قال الواقدي ~~فضحك خالد من كلامه وقال يا عدو الله تخوفني ان الذي تسميت باسمه هو طالبك ~~ومشتاق إليك ليرديك إلى الهاوية فقال له عزازير وما منعك فعلت بأسيرك كلوس ~~فقال هو موثق بالقيود والاغلال فقال له عزازير وما منعك من قتله وهو داهية ~~من دواهي الروم فقال خالد منعني من ذلك أني أريد قتلكم جميعا فقال عزازير ~~هل لك ان تأخذ ألف مثقال من الذهب وعشرة أثواب من الديباج وخمسة رؤوس من ~~الخيل وتقتله وتأتيني برأسه فقال له خالد هذه ديته فما الذي تعطيني أنت عن ~~نفسك قال فغضب عدو الله من ذلك وقال ما الذي تأخذ مني قال الجزية وأنت صاغر ~~ذليل فقال عزازير كلما زدنا في كرامتكم زدتم في اهانتنا فخذ الان لنفسك ~~الحذر فاني قاتلك ولا أبالي فلما سمع خالد كلام عزرائيل حمل عليه حملة ~~غظيمة كأنه شعلة نار فاستقبله ms042 البطريق وقد أخذ حذره وكان عزازير ممن يعرف ~~بالشجاعة في بلاد الشام فلما نظر خالد إلى عدو الله أظهر شجاعته وبراعته ~~تبسم فقال عزازير وحق المسيح لو أردت الوصول إليك لقدرت على ذلك ولكنني ~~أبقيت عليك لأني أريد أن أستأسرك ليعلم الناس أنك أسيري وبعد ذلك أطلق ~~سبيلك على شرط انك ترحل من بلادنا وتسلم لنا ما اخذت من بلاد الشام فلما ~~سمع خالد كلام عزازير قال له يا عدو الله قد داخلك الطمع فينا وهذه العصابة ~~قد ملكوا تدمر وحوران وبصرى وهم ممن باعوا أنفسهم بالجنة واختاروا دار ~~البقاء على دار الفناء وستعلم أينا من يملك صاحبه ويذل جانبه ثم إن خالد ~~أرى البطريق أبواب الحرب قال فندم عزازير على ما كان منه من الكلام وقال يا ~~أخا العرب أما تعرف الملاعبة فقال خالد ملاعبتي الضرب في طاعة الرب ثم إن ~~الملعون هاجم خالد ولوح PageV01P038 # اليه بسيفه وضربه به فلم يقطع شيئا فذهل عدو الله من جولان خالد وثباته ~~وعلم أنه لا يقدر عليه ولا على ملاقاته فولى هاربا وكان جواده أسبق من جواد ~~خالد قال عامر بن الطفيل رضي الله عنه وكنت يوم حرب دمشق في القلب وشاهدنا ~~ما جرى بين خالد وعزازير لما ولى هاربا وقصر جواد خالد عن طلبه فوقع في ~~قلبه الطمع وقال كان البدوي خاف مني ومالي الا أن أقف حتى يلحقني وآخذه ~~أسيرا ولعل المسيح ينصرني عليه فلما وقع ذلك في نفسه وقف حتى لحق به خالد ~~وقد جلل فرسه العرق فلما قرب منه صاح عزازير وقال يا عربي لا تظن أني هارب ~~خوفا منك وانما أبقيت عليك خوفا على شبابك فارحم نفسك وأن أردت الموت أسوقه ~~إليك أنا قابض الأرواح أنا ملك الموت فعند ذلك ترجل عن جواده وسحب السيف ~~وسار اليه كأنه الأسد الضاري فلما نظر عزازير إلى ذلك والى ترجل خالد زاد ~~طمعه فيه وحام حوله وهم اليه يريد أن يعلو رأسه بالسيف فزاغ خالد عنها وصاح ~~فيه وضرب قوائم ms043 فرسه بضربة عظيمة فقطعها فسقط عدو الله على الأرض ثم ولى ~~هاربا يريد أصحابه فسبقه خالد وقال يا عدو الله ان الذي تسميت باسمه قد غضب ~~عليك واشتاق إليك وها هو قد اقبل عليك يقبض روحك ليؤديك إلى جهنم ثم هجم ~~عليه وهم أن يجلد به الأرض ونظرت الروم إلى صاحبها وهو في يد خالد فهموا أن ~~يحملوا على خالد ويخلصوه من يده إذ قد أقبلت جيوش المسلمين وأبطال الموحدين ~~مع الأمير أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه كان قد سار من بصرى فوجدوه وقد ~~أخذ عزازير في تلك الساعة فلما نظرت عساكر دمشق إلى جيوش المسلمين قد أقبلت ~~داخلهم الجزع والفزع فوقفوا عن الحملة قال حدثني عمر بن 2 قيس عن شعيب عن ~~عبد الله عن هلال القشعمي قال لما قدم الأمير أبو عبيدة سأل عن خالد فقالوا ~~انه في ميدان الحرب وقد أسر بطريق الروم فدنا أبو عبيدة اليه وهم ان يترجل ~~فأقسم عليه خالد ان لا يفعل وأقبل عليه وصافحه وكان أبو عبيدة يحب خالدا ~~لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة لخالد يا أبا سليمان ~~لقد فرحت بكتاب أبي بكر الصديق حين قدمك علي وأمرك علي وما حقدت في قلبي ~~عليك لأني أعلم مواقفك في الحرب فقال خالد والله لا فعلت أمرا الا بمشورتك ~~ووالله لولا أمر الامام طاعة لما فعلت ذلك أبدا لأنك اقدم مني في دين ~~الاسلام وأنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت قال فيك أبو عبيدة ~~أمين هذه الأمة فشكره أبو عبيدة وقدم لخالد جواده فركبه وقال خالد لأبي ~~عبيدة اعلم أيها الأمير PageV01P039 # أن القوم قد خذلوا ووقع الرعب في قلوبهم وأهينوا بأخذ كلوس وعزازير قال ~~وسار مع أبي عبيدة يحدثه بما صار من البطريقين وكيف نصره الله عليهما إلى ~~أن اتيا الدير فنزلا هناك وأقبل المسلمون يسلم بعضهم على بعض فلما كان الغد ~~ركب الناس وتزينت المواكب وزحف أهل دمشق للقتال وقد أمروا عليهم صهر ms044 الملك ~~هرقل ولما أقبلوا قال خالد لأبي عبيدة ان القوم قد انخذلوا ووقع الرعب في ~~قلوبهم فاحمل بنا على القوم قال أبو عبيدة افعل قال فحمل خالد وحمل أبو ~~عبيدة وحمل المسلمون على عساكر الروم حملة عظيمة وكبروا بأجمعهم فارتجت ~~الأرض من تكبيرهم ووقع القتل في الروم وجاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جهادا عظيما وذهلت منهم الكفار قال عامر بن الطفيل لقد كان الواحد منا ~~يهزم من الروم العشرة والمائة قال فما لبثوا معنا ساعة واحدة حتى ولوا ~~الادبار وركنوا إلى الفرار وأقبلنا نقتل فيهم من الدير إلى الباب الشرقي ~~فلما نظر أهل دمشق إلى انهزام جيشهم أغلقوا الأبواب في وجه من بقي منهم قال ~~قيس ابن هبيرة رضي الله عنه فمنهم من قتلناه ومنهم من أسرناه فلما رجع خالد ~~عنهم قال لأبي عبيدة ان من الرأي أن أنزل أنا على الباب الشرقي وتنزل أنت ~~على باب الجباية فقال أبو عبيدة هذا هو الرأي السديد قال حدثنا سهل بن عبد ~~الله عن أويس بن الخطاب أن الذي قدم مع الأمير أبي عبيدة من المسلمين من ~~أهل الحجاز واليمن وحضرموت وساحل عمان والطائف وما حول مكة كان سبعة ~~وثلاثين الف فارس من الشجعان وكان مع عمرو بن العاص تسعة آلاف فارس والذين ~~قدم بهم خالد بن الوليد رضي الله عنه من العراق ألف فارس وخمسمائة فارس ~~فكان جملة ذلك سبعة وأربعين ألفا وخمسمائة غير ما جهز عمر بن الخطاب في ~~خلافته وسنذكر ذلك إذا وصلنا اليه ان شا الله تعالى هذا وان خالدا نزل بنصف ~~المسلمين على الباب الشرقي ونزل أبو عبيدة بالنصف الثاني على باب الجابية ~~فلما نظر أهل دمشق إلى ذلك نزل الرعب في قلوبهم ثم إن خالدا أحضر البطريقين ~~بين يديه وهما كلوس وعزازير فعرض عليهما الاسلام فأبيا فأمر ضرار بن الأزور ~~أن يضرب عنقيهما ففعل قال فلما نظر أهل دمشق ما فعلوا بالبطريقين كتبوا إلى ~~الملك كتابا يخبرونه بما جرى على كلوس وعزازير وقد ms045 نزلت العرب على الباب ~~الشرقي وباب الجابية وقد نزلوا بشبانهم وأولادهم وقد قطعوا أرض البلقاء ~~وأرض السواد ووصفوا له ما ملك العرب من البلاد فأدركنا والا سلمنا إليهم ~~البلد ثم سلموا الكتاب إلى رجل منهم وأعطوه أوفى أجرة PageV01P040 # وأدلوه بالجبل من أعلى الاسوار في ظلمة الاعتكار قال الواقدي وان الرجل ~~وصل إلى الملك هرقل وهو بأرض أنطاكية فاستأذن عليه فأمر له بالدخول فلما ~~دخل سلم الكتاب اليه فلما قرأه الملك رماه من يده وبكى ثم إنه جمع البطارقة ~~وقال لهم يا بني الأصفر لقد حذرتكم من هؤلاء العرب وأخبرتكم انهم سوف ~~يملكون ما تحت سريري هذا فاتخذتم كلامي هزوءا وأردتم قتلي وهؤلاء العرب ~~خرجوا من بلاد الجدب والقحط وأكل الذرة والشعير إلى بلاد خصبة كثيرة ~~الأشجار والثمار والفواكه فاستحسنوا ما نظروه من بلادنا وخصبنا وليس يزجرهم ~~شيء لما هم فيه من العزم والقوة وشدة الحرب ولولا أنه عار علي لتركت الشام ~~ورحلت إلى القسطنطينية العظمى ولكن ها أنا أخرج إليهم وأقاتلهم عن أهلي ~~وديني فقالوا أيها الملك ما بلغ من شأن العرب ان تخرج إليهم بنفسك وقعودك ~~أهيب قال الملك هرقل نبعث إليهم قالوا عليك أيها الملك بوردان صاحب حمص ~~لأنه ليس فينا مثله في القوة وملاقاة الرجال ولقد بين لنا شجاعته في عساكر ~~الفرس لما قصدونا قال فأمر الملك باحضاره فلما حضر وردان قال له الملك انما ~~قدمتك لأنك سيفي القاطع وسندي المانع فأخرج من وقتك وساعتك ولا تتأخر فقد ~~قدمتك على اثني عشر الف فإذا وصلت إلى بعلبك فانقذ إلى من بأجنادين بأن ~~يتفرقوا في أرض البلقاء وجبال السواد فيكونوا هناك ولا تتركوا أحدا من ~~العرب يلحق بأصحابه يعني عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال وردان السمع ~~والطاعة لك أيها الملك وسوف يبلغك الخبر أني لا أعود الا برأس خالد بن ~~الوليد ومن معه اهزمهم جميعا وبعد ذلك أدخل الحجاز ولا أخرج حتى أهدم ~~الكعبة ومكة والمدينة قال فلما سمع الملك هرقل قوله قال وحق الإنجيل لئن ms046 ~~فعلت ذلك ووفيت بقولك لأعطينك ما فتحوه حرثا وخراجا وكتبت كتاب العهد انك ~~الملك من بعدي ثم سوره وتوجه وأعطاه صليبا من الذهب وفي جوانبه أربع يواقيت ~~لا قيمة لها وقال إذا لاقيت العرب فقدمه أمامك فهو ينصرك قال فلما تسلم ~~وردان الصليب من وقته دخل الكنيسة وانغمر في ماء المعمودية وبخروه ببخور ~~الكنائس وصلى عليه الرهبان وخرج من وقته فضرب خيامه خارج المدينة قال وأخذت ~~الروم على أنفسهم بالرحيل فلما تكاملوا ركب الملك هرقل وسار لوداعهم وصحبته ~~أرباب دولته فوصل معهم إلى جسر الحديد بها فودعه الملك وسار إلى أن وصل إلى ~~حماة فنزل بها وأنفذ من وقته كتابا إلى من بأجنادين من جيوش الروم يأمرهم ~~ليتفرقوا في سائر الطرقات ليمنعوا عمرو بن العاص ومن معه أن PageV01P041 # يصلوا إلى خالد فلما سار الرسول بالكتاب جمع وردان اليه البطارقة وقال ~~لهم أني أريد أن أسير على حين غفلة على طريق مارس حتى أكبس على القوم ولا ~~ينجو منهم أحد فلما كان الليل رحل على طريق وادي الحياة قال حدثني شداد بن ~~أوس قال لما دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد قتل البطريقين أمر ~~المسلمين أن يزحفوا إلى دمشق قال فزحف منا الرجال من العرب وبأيديهم الحجف ~~يتلقون بها الحجارة والسهام فلما نظر أهل دمشق الينا ونحن قد زحفنا إليهم ~~رمونا بالسهام والحجارة من أعلى الاسوار وضيقنا عليهم في الحصار وأيقن ~~القوم بالدمار قال شداد ابن أوس فأقمنا على حصارهم عشرين يوما فلما كان بعد ~~ذلك جاءنا ناوي بن مرة وأخبرنا عن جموع الروم بأجنادين وكثرة عددهم فركب ~~خالد نحوه باب المدينة الجابية إلى أبي عبيدة يخبره بذلك ويستشيره وقال يا ~~أمين الأمة اني رأيت أن ترحل من دمشق إلى أجنادين ونلقى من هناك من الروم ~~فإذا نصرنا الله عليهم عدنا إلى قتال هؤلاء القوم قال أبو عبيدة ليس هذا ~~برأي قال خالد ولم ذلك قال أبو عبيدة إذا رحلنا يخرج أهل المدينة فيملكون ~~مواضعنا فلما سمع خالد ذلك ms047 من أبي عبيدة قال يا أمين الأمة اني أعرف رجلا ~~لا يخاف الموت خبيرا بلقاء الرجال قد مات أبوه وجده في القتال قال ومن هذا ~~الرجل يا أبا سليمان قال هو ضرار بن الأزور بن طارق قال أبو عبيدة والله ~~لقد صدقت ووصفت رجلا باذلا معروفا فافعل قال فرجع خالد إلى بابه واستدعى ~~بضرار بن الأزور فجاء اليه وسلم عليه فقال يا ابن الأزور اني أريد أن أقدمك ~~على خمسة آلاف قد باعوا أنفسهم لله عز وجل واختاروا دار البقاء والآخرة على ~~الأولى وتسيروا إلى لقاء هؤلاء القوم الذين وردوا علينا فان رأيت لك فيهم ~~طمعا فقاتلهم وان رأيت أنك لا تقدر عليهم فابعث الينا رسولك فقال ضرار بن ~~الأزور وافرحتاه والله يا ابن الوليد ما دخل قلبي مسرة أعظم من هذه فاتركني ~~أسير وحدي قال خالد لعمري انك ضرار ولكن لا تلق نفسك إلى الهلاك وسر بما ~~ندب معك من المسلمين قال فقام ضرار رضي الله عنه مسرعا فقال خالد ارفق ~~بنفسك حتى يجتمع عليك الجيش فقال والله لا وقفت ومن علم الله فيه خيرا ~~أدركني ثم ركب ضرار وأسرع إلى أن وصل إلى بيت لهيا وهو الموضع الذي كان ~~يصنع فيه الأصنام فوقف هناك حتى لحق به أصحابه فلما تكاملوا نظر ضرار وإذا ~~بجيش الروم ينحدر كأنه الجراد المنتشر وهم غائصون في الدروع وقد أشرقت ~~الشمس على لأماتهم وطوارقهم PageV01P042 # فلما نظر إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لضرار أما ~~والله ان هذا الجيش عرمرم والصواب أننا نرجع فقال ضرار والله لا زلت أضرب ~~بسيفي في سبيل الله واتبع من أناب إلى الله ولا يراني الله مهزوما ولا أولى ~~الدبر لان الله تعالى يقول * (فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) * وتكلم رافع بن ~~عميرة الطائي وقال يا قوم وما الخيفة من هؤلاء العلوج أما نصركم الله في ~~مواطن كثيرة والنصر مقرون مع الصبر ms048 ولم تزل طائفتنا تلقى الجموع الكثيرة ~~والجموع اليسيرة فاتبعوا سبيل المؤمنين وتضرعوا إلى رب العالمين وقولوا كما ~~قال قوم طالوت عند لقائهم جالوت ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا ~~على القوم الكافرين فلما سمع ضرار كلامهم وأنهم اشتروا الآخرة على الأولى ~~كمن بهم عند بيت لهيا وأخفى أمره وجلس عاري الجسد بسراويله على فرس له عربي ~~بغير سلاح وبيده قناة كاملة الطول وهو يوصي القوم قال الواقدي هكذا حدثني ~~تميم بن أوس عن جده عمرو بن دارم قال كنت يوم بيت لهيا ممن صحب ضرار بن ~~الأزور رضي الله عنه وهو بهذه الصفة رغبة منه في الشهادة فلما قارب العدو ~~كان أول من برز وكبر ضرار بن الأزور قبل فأجابه المسلمون بتكبيرة واحدة ~~رعبت منها قلوب المشركين وفاجئوهم بالحملة ونظروا إلى ضرار بن الأزور وهو ~~في أول القوم وهو في حالته التي وصفناها فهالهم أمره وكان وردان في المقدمة ~~والاعلام والصلبان مشتبكة على رأسه قال فما طلب ضرار غيره لأنه علم أنه ~~صاحبهم فحمل عليه غير مكترث به وطعن فارسا كان في يده العلم فتجندل من على ~~فرسه قتيلا ثم إنه طعن اخر في الميمنة فارداه وحمل يريد القلب وكان قد عاين ~~وردان والصليب على رأسه يحمله فارس من الروم والجواهر تلمع من أربع جوانبه ~~فعارضه ضرار وطعن حامله طعنة عظيمة فخرج السنان يلمع من خاصرته قال فسقط ~~الصليب منكسا إلى الأرض فلما نظر وردان إلى الصليب أيقن بالهلاك وهم ان ~~يترجل لاخذه أو يميل في ركابه ليأخذه فلما وجد لذلك سبيلا لما قد أحدق به ~~وترجل عليه قوم من المسلمين ليأخذوه وقد اشتغل كل عن نفسه ونظر ضرار إلى من ~~ترجل لاخذ الصليب فقال معاشر المسلمين ان الصليب لي دونكم وأنا صاحبه فلا ~~تطمعوا فاني اليه راجع إذا فرغت من كلب الروم قال فسمع ذلك وردان وكان يعرف ~~العربية فعطف من القلب يريد الهرب فقالت البطارقة إلى أين أيها السيد أتفر ~~من الشيطان فما رأينا أدنى من منظره ms049 ولا أهول من مخبره ونظر اليه ضرار وقد ~~عطف راجعا فعلم PageV01P043 # أنه قد عزم على الهرب فصاح بقومه ثم اقتحم في أثره ومد رمحه وهمز جواده ~~فتصارخت به الروم وعطفت عليه المواكب من كل جانب فأنشد يقول * الموت حق أين ~~لي منه المفر * وجنة الفردوس خير المستقر * * هذا قتالي فاشهدوا يا من حضر ~~* وكل هذا في رضا رب البشر * ثم اخترق القوم وحمل عليهم وحمل المسلمون في ~~أثره فاحدقوا بهم من كل مكان ونظروا إلى ضرار وقد قصده وردان صاحب حمص ~~عندما علم أنه اخترق القوم فمد اليه رمحه وقد أحدقت به بطارقته وضرار يمانع ~~عن نفسه يمينا وشمالا فما طعن أحدا الا اباده إلى أن قتل من القوم خلقا ~~كثيرا وهو يصرخ بقومه ويقول * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص) * قال اكتب عليه جيوش الروم من كل جانب ومكان واشتعل ~~الحرب بينهم ووصل همدان بن وردان إلى ضرار بن الأزور ورماه بسهم فأصاب عضده ~~الأيمن فوصل السهم اليه فأوهنه وأحسن ضرار بالألم فحمل على همدان وصمم عليه ~~برمحه وطعنه فأصاب بالطعنة فواده فوصل السنان إلى ظهره فجذب الرمح منه فلم ~~يخرج وإذا به قد اشتبك في عظم ظهره فخرج الرمح من غير سنان فطمعوا فيه ~~وحملوا عليه وأخذوه أسيرا فنظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~ضرار وهو أسير فعظم الامر عليهم وقاتلوا قتالا شديدا ليخلصوه فما وجدوا إلى ~~ذلك سبيلا وأرادوا الهرب فقال رافع بن عميرة الطائي يا أهل القرآن إلى أين ~~تريدون أما علمتم ان من ولى ظهره لعدوه فقد باء بغضب من الله وان الجنة لها ~~أبواب لا تفتح الا للمجاهدين الصبر الصبر الجنة الجنة يا أهل الكتاب كروا ~~على الكفار عباد الصلبان وها أنا معكم في أوائلكم فإن كان صاحبكم أسر أو ~~قتل فان الله حي لا يموت وهو يراكم بعينه التي لا تنام فرجعوا وحملوا معه ~~قال ووصل الخبر إلى خالد ان ضرار قد أسر بيد الروم ms050 وانه قتل من الروم خلقا ~~كثيرا فعظم ذلك على خالد وقال في كم العدو قالوا اثني عشر الف فارس فقال ~~والله ما ظننت الا أنهم في عدد يسير ولقد غررت بقومي ثم سأل عن مقدمهم من ~~يكون فقيل وردان صاحب حمص وقد قتل ضرار ولده همدان فقال لا حول ولا قوة الا ~~بالله العلي العظيم ثم ارسل إلى أبي عبيدة يستشيره فبعث اليه أبو عبيدة ~~يقول له اترك على الباب الشرقي من تثق به وسر إليهم فإنك تطحنهم بإذن الله ~~تعالى فلما وصل الجواب إلى خالد قال والله ما أنا ممن يبخل بنفسه في سبيل ~~الله ثم أوقف بالمكان ميسرة بن مسروق العبسي رضي الله عنه ومعه الف فارس ~~وقال له PageV01P044 # احذر أن تنقذ من مكانك فقال ميسرة حبا وكرامة وعطف خالد بالناس وقال له ~~أطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة فإذا أشرفتم على العدو فاحملوا حملة واحدة ~~ليخلص فيها ضرار إن شاء الله تعالى ان كانوا أبقوا عليه والله ان كانوا ~~عجلوا عليه لنأخذن بثأره ان شاء تعالى وأرجو أن لا يفجعنا به ثم تقدم امام ~~القوم وجعل يقول * اليوم يوم فاز فيه من صدق * لا ارهب الموت إذا الموت طرق ~~* لاروين الرمح من ذوي الحدق * لاهتكن البيض هتكا والدرق * عسى أرى غدا ~~مقام من صدق * في جنة الخلد والقى من سبق * خولة بن الأزور فبينما خالد ~~يترنم بهذه الأبيات إذ نظر إلى فارس على فرس طويل وبيده رمح طويل وهو لا ~~يبين منه الا الحدق والفروسية تلوح من شمائله وعليه ثياب سود وقد تظاهر بها ~~من فوق لامته وقد خرم وسطه بعمامة خضراء وسحبها على صدره ومن ورائه وقد سبق ~~امام الناس كأنه نار فلما نظره خالد قال ليت شعري من هذا الفارس وأيم الله ~~انه لفارس شجاع ثم اتبعه خالد والناس وكان هذا الفارس اسبق الناس المشاركين ~~قال وكان رافع بن عميرة الطائي رضي الله عنه في قتال المشركين وقد صبر لهم ~~هو ومن معه إذ نظر خالدا وقد ms051 أنجده هو ومن معه من المسلمين ونظر إلى الفارس ~~الذي وصفناه وقد حمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة فزعزع كتائبهم ~~وحطم مواكبهم ثم غاب في وسطهم فما كانت الا جولة الجائل حتى خرج وسنانه ~~ملطخ بالدماء من الروم وقد قتل رجالا وجندل أبطالا وقد عرض نفسه للهلاك ثم ~~اخترق القوم غير مكترث بهم ولا خائف وعطف على كراديس الروم في الناس وكثر ~~قلقهم عليه فأما رافع بن عميرة ومن معه فما ظنوا الا انه خالد وقالوا ما ~~هذه الحملات الا لخالد فهم على ذلك إذ أشرف عليهم رضي الله عنه وهو في كبكة ~~من الخيل فقال رافع بن عميرة من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ~~ومهجته فقال خالد والله انني أشد انكارا منكم له ولقد أعجبني ما ظهر منه ~~ومن شمائله فقال رافع أيها الأمير انه منغمس في عسكر الروم يطعن يمينا ~~وشمالا فقال خالد معاشر المسلمين احملوا بأجمعكم وساعدوا المحامي عن دين ~~الله قال فأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة والتصق بعضهم ببعض وخالد أمامهم إذ ~~نظر إلى الفارس وقد خرج من القلب كأنه شعلة نار والخيل في أثره PageV01P045 # وكلما لحقت به الروم لوى عليهم وجندل فعند ذلك حمل خالد ومن معه ووصل ~~الفارس المذكور إلى جيش المسلمين قال فتأملوه فرأوه قد تخصب بالدماء فصاح ~~خالد والمسلمون لله درك من فارس بذل مهجته في سبيل الله وأظهر على الأعداء ~~اكشف لنا عن لثامك قال فمال عنهم ولم يخاطبهم وانغمس في الروم فتصايحت به ~~الروم من كل جانب وكذلك المسلمون وقالوا أيها الرجل الكريم أميرك يخاطبك ~~وأنت تعرض عنه اكشف عن اسمك وحسبك لتزداد تعظيما فلم يرد عليهم جوابا فلما ~~بعد عن خالد سار اليه بنفسه وقال له ويحك لقد شغلت قلوب الناس وقلبي بفعلك ~~من أنت قال فلما لج عليه خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه بلسان التأنيث ~~وقال انني يا أمير لم أعرض عنك الا حياء منك لأنك أمير جليل وأنا من ذوات ~~الخدور وبنات الستور وانما ms052 حملني على ذلك اني محرقة الكبد زائدة الكمد فقال ~~لها من أنت قالت أنا خولة بنت الأزور المأسور بيد المشركين أخي وهو ضرار ~~واني كنت مع بنات العرب وقد اتاني الساعي بأن ضرار أسير فركبت وفعلت ما ~~فعلت قال خالد نحمل بأجمعنا ونرجو من الله ان نصل إلى أخيك فنفكه قال عامر ~~بن الطفيل كنت عن يمين خالد بن الوليد حين حملوا وحملت خولة أمامه وحمل ~~المسلمون وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور وقالوا ان كان ~~القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم من طاقة ولما حمل خالد ومن معه إذا ~~بالروم قد اضطربت جيوشهم ونظر وردان إليهم فقال لهم اثبتوا للقوم فإذا رأوا ~~ثباتكم ولوا عنكم ويخرج أهل دمشق يعنونكم على قتالهم قال فثبت المسلمون ~~لقتال الروم وحمل خالد بالناس حملة منكرة وفرق القوم يمينا وشمالا وقصد ~~خالد مكان صاحبهم وردان عند اشتباك الاعلام والصلبان وإذا حوله أصحاب ~~الحديد والزرد النضيد وهم محدقون به فحمل خالد عليهم حملة منكرة واشتبك ~~المسلمون بقتال الروم وكل فرقة مشغولة بقتال صاحبها وأما خولة بنت الأزور ~~فإنها جعلت تجول يمينا وشمالا وهي لا تطلب الا أخاها وهي لا ترى له اثرا ~~ولا وقفت له على خبر إلى وقت الظهر وافترق القوم بعضهم عن بعض وقد أظهر ~~الله المسلمين على الكافرين وقتلوا منهم مقتلة عظيمة قال وتراجعت كل فرقة ~~إلى مكانها وقد كمدت أفئدة الروم ما ظهر لهم من المسلمين وقد هموا بالهزيمة ~~وما يمسكهم الا الخوف من صاحبهم وردان فلما رجع القوم إلى مكانهم أقبلت ~~خولة بنت الأزور على المسلمين وجعلت تسألهم رجلا رجلا عن أخيها فلم تر من ~~المسلمين من يخبرهما انه نظره أو رآه أسيرا أو قتيلا فلما يئست منه بكت ~~بكاءا شديدا PageV01P046 # وجعلت تقول يا ابن أمي ليت شعري في أي البيداء طرحوك أم بأي سنان طعنوك ~~أم بالحسام قتلوك يا أخي أختك لك الفداء لو اني أراك انقدتك من أيدي ~~الأعداء ليت شعري أترى ms053 إلي أراك بعدها ابدا فقد تركت يا ابن أمي في قلب ~~أختك جمرة لا يخمد لهيبها ولا يطفأ ليت شعري لحقت بأبيك المقتول بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعليك مني السلام إلى يوم اللقاء قال فبكى الناس ~~من قولها وبكى خالد وهم أن يعاود بالحملة إذ نظر إلى كردوس من الروم قد خرج ~~من ميمنة العقبان فتأهب الناس لحربهم وتقدم خالد وحوله أبطال المسلمين فلما ~~قربوا من القوم رموا رماحهم من أيديهم والسيوف وترجلوا ونادوا بالأمان فقال ~~خالد اقبلوا أمانهم وائتوني بهم فأتوا اليه فقال خالد من أنتم فقالوا نحن ~~من جند هذا الرجل وردان ومقامنا بحمص وقد تحقق عندنا انه ما يطيقكم ولا ~~يستطيع حربكم فأعطونا الأمان واجعلونا من جملة من صالحتم من سائر المدن حتى ~~نؤدي لكم المال الذي أردتم في كل سنة فكل من في حمص يرضي بقولنا فقال خالد ~~إذا وصلت إلى بلادكم يكون الصلح إن شاء الله تعالى ان كان لكم فيه أرب ولكن ~~نحن ههنا لا نصالحكم ولكن كونوا معنا إلى أن يقضي الله ما هو قاض ثم إن ~~خالدا قال لهم هل عندكم علم عن صاحبنا الذي قتل ابن صاحبكم قالوا لعله عاري ~~الجسد الذي قتل منا مقتله عظيمة وفجع صاحبنا في ولده قال خالد عنه سألتكم ~~قالوا بعثه وردان عندنا أسيرا على بغل ووكل به مائة فارس وأنفذه إلى حمص ~~ليرسله إلى الملك ويخبره بما فعل قال ففرح خالد بقولهم ثم دعا برافع بن ~~عميرة الطائي وقال يا رافع ما أعلم أحدا أخبر منك بالمسالك وأنت الذي قطعت ~~بنا المفازة من أرض السماوة وأعطشت الإبل واوردتها الماء وأوردتنا أركة وما ~~وطئها جيش قبلنا لمفازتها وأنت أوحد أهل الأرض في الحيل والتدبير فخذ معك ~~من أحببت واتبع اثر القوم فلعلك أن تلحق بهم وتخلص صاحبنا من أيديهم فلئن ~~فعلت ذلك لتكونن الفرحة الكبرى فقال رافع بن عميرة حبا وكرامة ثم إنه في ~~الحال انتخب مائة فارس شدادا من المسلمين وعزم على ms054 المسير فأتت البشارة إلى ~~خولة بمسير رافع بن عميرة ومن معه طلب أخيها ضرار فتهلل وجهها فرحا وأسرعت ~~إلى لبس سلاحها وركبت جوادها وأتت إلى خالد بن الوليد ثم قالت له أيها ~~الأمير سألتك بالطاهر المطهر محمد سيد البشر الا ما سرحتني مع من سرحت ~~فلعلي أن أكون مشاهدة لهم فقال خالد لرافع أنت تعلم شجاعتها فخذها معك فقال ~~له رافع السمع والطاعة وارتحل رافع ومن معه وسارت خولة في أثر القوم ولم ~~PageV01P047 # تختلط بهم وسار إلى أن قرب من سليمة قال فنظر رافع فلم يجد للقوم اثرا ~~فقال لأصحابه أبشروا فان القوم لم يصلوا إلى ههنا ثم إنه كمن بهم في وادي ~~الحياة فبينما هم كامنون إذا بغبرة قد لاحت فقال رافع لأصحابه ايقظوا ~~خواطركم وانتبهوا فأيقط القوم هممهم وبقوا في انتظار العدو وإذا بهم قد ~~أتوا وهم محدقون بضرار فلما رأى رافع ذلك كبر وكبر المسلمون معه وحملوا ~~عليهم فلم يكن غير ساعة حتى خلص الله ضرارا وقتلوهم جميعا وأخذوا سلبهم قال ~~وإذا بعساكر الروم قد أقبلت منهزمة وأولهم لا يلتفت إلى آخرهم فعلم رافع ان ~~القوم انهزموا فأقبل يلتقطهم بمن معه قال وكان خالد لما أرسل رافع بن عميرة ~~في طلب ضرار ليخلصه ومعه المائة فارس صدم وردان صدمة من يحب الشهادة ويبتغي ~~دار السعادة وصدم المسلمون الروم فما لبثوا ان ولو الادبار وركنوا إلى ~~الفرار وكان أولهم وردان واتبعهم المسلمون وأخذوا أسلابهم وأموالهم ولم ~~يزالوا في طلبهم إلى وادي الحياة فاجتمع المسلمون برافع بن عميرة الطائي ~~وضرار بن الأزور وسلموا عليهم وفرحوا بضرار رضي الله عنه وهنؤوه بالسلامة ~~قال واثنى خالد على رافع خيرا ورجعوا إلى دمشق وفرح المسلمون بالنصر واتصل ~~الخبر إلى الملك هرقل وان وردان قد انهزم وقتل ولده همدان قال فأيقن بزوال ~~ملكه من الشام فكتب إلى وردان كتابا يقول فيه أما بعد فإني قد بلغني جياع ~~الأكباد عراة الأجساد قد هزموك وقتلوا وادك رحمه المسيح ورحمك ولولا أني ~~أعلم أنك فارس الحرب ms055 ومجيد الطعن والضرب وليس النصر آتيك لحل عليك سخطي ~~والآن مضى ما مضى وقد بعثت إلى أجنادين تسعين ألفا وقد أمرتك عليهم فسر ~~نحوهم وانجد أهل دمشق وأنفذ بعضهم ليمنعوا من في فلسطين من العرب وحل بينهم ~~وبين أصحابهم وانصر دينك وصاحبك قال وانفذ اليه الكتاب مع خيل البريد فلما ~~ورد عليه الكتاب وقرأه سرى عنه بعض ما كان يجده وأخذ الأهبة إلى أجنادين ~~فسار فوجد الروم قد تجمعوا وأظهروا العدد والزرد وخرجوا إلى لقائه وسلموا ~~عليه وتقدموا بين يديه وعزوه في ولده فلما استقر قراره قرأ عليهم منشور ~~الملك فأجابوا بالسمع والطاعة واخذوا على أنفسهم قال حدثني روح بن طريف قال ~~كنت مع خالد بن الوليد على باب شرقي حين رجعنا من هزيمة وردان وإذ قد ورد ~~علينا عباد بن سعد الحضرمي وكان قد بعثه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من بصرى يعلم خالدا بمسير الروم اليه من أجنادين في ~~تسعين ألف فارس فخذ أهبتك للقائهم قال فلما سمع خالد ذلك ركب إلى أبي عبيدة ~~وقال له يا أمين الأمة هذا عباد بن PageV01P048 # سعد الحضرمي قد بعث به شرحبيل بن حسنة يخبر أن طاغية الروم هرقل قد ولى ~~وردان على من تجمع باجنادين من الروم وهم تسعون ألفا فما ترى من الرأي يا ~~صاحب رسول الله فقال أبو عبيدة اعلم يا أبا سليمان أن أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم متفرقون مثل شرحبيل بن حسنة بأرض بصرى ومعاذ بن جبل بحوران ~~ويزيد بن أبي سفيان بالبلقاء والنعمان بن المغيرة بأرض تدمر وأركة وعمرو بن ~~العاص بأرض فلسطين والصواب ان تكتب إليهم ليقصدونا حتى نقصد العدو ومن الله ~~نطلب المعونة والنصر قال فكتب خالد إلى عمرو بن العاص كتابا يقول فيه بسم ~~الله الرحمن الرحيم أما بعد فان إخوانكم المسلمين قد عولوا على المسير إلى ~~أجنادين فان هناك تسعين ألفا من الروم يريدون المسير الينا يريدون ليطفئوا ~~نور الله بأفواههم والله متم نوره ms056 ولو كره الكافرون فإذا وصل إليك كتابي ~~هذا فاقدم علينا بمن معك إلى أجنادين تجدنا هناك إن شاء الله تعالى والسلام ~~عليك وعلى من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته وكتب نسخة الكتاب إلى ~~جميع الامراء الذين ذكرناهم ثم أمر الناس بالرحيل فرفعت القباب والهوادج ~~على ظهور الجمال وساقوا الغنائم والأموال فقال خالد لأبي عبيدة قد رأيت ~~رأيا أن أكون على الساقة مع الغنائم والأموال والبنين والولدان والبنين ~~والولدان وكن أنت على المقدمة مع خاصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال أبو عبيدة بل أكون أنا على الساقة وأنت على المقدمة مع الجيش فان وصل ~~إليك جيش الروم مع وردان يجدوك على أهبة فتمنعهم من الوصول إلى الحريم ~~والأولاد فلا يصلون الينا الا وأنت قتلت فيهم والا كنت أنا ومن معي غنيمة ~~لهم إذا كنت أنا في المقدمة فقال خالد لست أخالفك فيما ذكرت ثم أن خالدا ~~قال أيها الناس أنكم سائرون إلى جيش عظيم فأيقظوا هممكم وان الله وعدكم ~~النصر وقرأ عليهم قوله تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين ثم إن خالدا أخذ الجيش وسار في المقدمة وبقي أبو عبيدة ~~في الف من المسلمين ونظر إلى ذلك أهل دمشق فعطفوا عليهم واقبلوا بسيوفهم ~~وهم يظنون أنه منهزمون لأجل ما بلغهم من الجيش العظيم الذي هو بأجنادين ~~فقال لهم عقلاؤهم ان كانوا سائرين على طريق بعلبك فأنهم يريدون فتحا وفتح ~~حمص وان كانوا على طريق مرج راهط فالقوم لا شك هاربون إلى الحجاز ويتركون ~~ما اخذوا من البلاد قال وكان بدمشق بطريق يقال له بولص وكان عظيما عند ~~النصراينة وكان إذا قدم على الملك يعظمه وكان الملعون فارسا وذلك انهم كان ~~عندهم شجرة فرماها بسهم فغاص السهم في الشجرة من قوة PageV01P049 # ساعده ثم إن من عجبه كتب عليها ان كل من يدعي الشجاعة فليزم بسهمه إلى ~~جانب سهمي وكان قد شاع ذكره بذلك ولم يحضر قتال المسلمين منذ دخلوا دمشق ~~فلما ms057 اجتمعوا عليه قال لهم بولص ما الذي حل بكم فأعلموه بما جرى عليهم من ~~المسلمين وقالوا له ان كنت تريد حياة الأبد عند الملك وعند المسيح وعند أهل ~~دين النصرانية فدونك والمسلمين فأخرج إليهم واخطف كل من تخلف منهم وان رأيت ~~لنا فيهم مطمعا قاتلناهم فقال بولص انما كان سبب تخلفي عن نصرتكم لأنكم ~~قليلوا الهمة لقتال عدوكم فتخلفت عنكم والآن لا حاجة لي في قتال العرب ~~فقالوا وحق المسيح والإنجيل الصحيح لئن سرت في مقدمتنا لنثبتن معك وما منا ~~من يولى عنك وقد حكمناك فيمن ينهزم أن تضرب عنقه ولا يعارضك في ذلك أحد قال ~~فلما استوثق منهم دخل إلى منزله ولبس لامته فقالت له زوجته إلى أين عزمت ~~قال أخرج في أثر العرب فقد ولاني أهل دمشق عليهم فقالت لا تفعل والزم بيتك ~~ولا تطلب ما ليس لك به حاجة فاني رأيت لك في المنام رؤيا فقال لها ومال ~~الذي رأيتي قالت رأيتك كأنك قابض قوسك وأنت ترمي طيورا وقد سقط بعضها على ~~بعض ثم عادت صاعدة فبينما أنا متعجبة إذ أقبلت نحوك سحابة من الجو فانقضت ~~عليك من الهواء وعلى من معك فجعلت تضرب هاماتهم ثم وليتم هاربين ورأيتها لا ~~تضرب أحدا الا صرعته ثم اني انتبهت وأنا مذعورة باكية العين عليك فقال لها ~~ومع ذلك رأيتيني فيمن صرع قالت نعم وقد صرعك فارس عظيم قال فلطم وجهها وقال ~~لا بشرك المسيح بخير لقد دخل رعب العرب في قلبك حتى صرت تحلمين بهم في ~~النوم فلا بد أن أجعل لك أميرهم خادما وأجعل أصحابه رعاة الغنم والخنازير ~~فقالت له زوجته أفعل ما تريد فقد نصحتك قال فلم يلتفت إلى كلامها وخرج من ~~عندها وركب وسار معه من كان في دمشق من الروم ففرضهم فإذا هم ستة آلاف فارس ~~وعشرة آلاف راجل من أهل النجدة والحمية وسار يطلب القوم معركة حول دمشق ~~وكان خالد في المقدمة وأبو عبيده يمشي مع الأموال والأغنام والجمال إذ نظر ~~رجل من أصحابه ms058 وهو يتأمل الغبرة من ورائهم فسأله أبو عبيدة عن ذلك فقال ~~أظنها غبرة القوم فقال أبو عبيدة أن أهل الشام قد طمعوا فينا وهذا العدو ~~قاصد الينا قال فما استتم كلامه حتى بدت الخيل كأنها السيل وبولص في ~~أوائلهم فلما نظر إلى أبي عبيدة قصده ومعه الفرسان وأخوه PageV01P050 # بطرس قصد الحريم والماس فاقتطعوا منها قطعة فلما احتوى عليها رجع بها ~~بطرس نحو دمشق فلما بعد جلس هناك لنظر ما يكون من أمر أخيه وأما أبو عبيدة ~~فإنه لما نظر إلى ما فاجأه من الروم قال والله لقد كان الصواب مع خالد لما ~~قال دعني في الساقة فلم أدعه وانه قد وصل اليه بولص وقصده والاعلام ~~والصلبان على رأسه مشتبكة والنساء يولولن والصبيان يصيحون والألف من ~~المسلمين قد اشتغلوا بالقتال وقد قصد عدو الله بولص أبا عبيدة واشتد بينهم ~~الحرب ووقع القتال من أصحابه والروم وارتفعت الغبرة عليهم وهم في كر وفر ~~على أرض سحورا قال وقد بلى أبو عبيدة بالقتال وصبر صبر الكرام قال سهيل بن ~~صباح وكان تحتي الجواد محجل من خيل اليمن شهدت عليه اليمامة فقومت السنان ~~وأطلقت العنان فخرج كأنه الريح العاصف فما كان غير بعيد حتى لحقت بخالد بن ~~الوليد والمسلمين فأقبلت إليهم صارخا وقلت أيها الأمير أدرك الأموال ~~والحريم فقال خالد ما وراءك يا ابن الصباح فقلت أيها الأمير الحق أبا عبيدة ~~والحريم فان نفير دمشق قد لحق بهم وقد اقتطعوا قطعة من النسوان والولدان ~~وقد بلى أبو عبيدة بما لا طاقة لنا به قال فلما سمع خالد ذلك الكلام من سهل ~~بن صباح قال إنا لله وإنا إليه راجعون قد قلت لأبي عبيدة دعني أكون على ~~الساقة فما طاوعني ليقضي الله أمرا كان مفعولا ثم أمر رافع بن عميرة على ~~ألف من الخيل وقال له كن في المقدمة وأمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق على ~~ألفين وقال له أدرك العدو وسار خالد في أثره ببقية الجيش قال فبينما أبو ~~عبيدة في القتال مع ms059 بولص لعنه الله إذ تلاحقت به جيوش المسلمين وحملوا على ~~أعداء الله وداروا بهم من كل مكان فعند ذلك تنكست الصلبان وأيقن الروم ~~بالهوان وتقدم الأمير ضرار بن الأزور كأنه شعلة نار وقصد نحو بولص فلما رآه ~~عدو الله تبلبل خاطره ووقعت الرعدة في فرائصه وقال لأبي عبيدة يا عربي وحق ~~دينك الا ما قلت لهذا الشيطان يبعد عني وكان بولص قد سمع به ورآه من سور ~~دمشق وما صنع بعسكر كلوس عزازير وسمع بفعاله في بيت لهيا فلما رآه مقبلا ~~اليه عرفه فقال لأبي عبيدة قل لهذا الشيطان لا يقربني فسمعه ضرار رضي الله ~~عنه فقال له أنا شيطان ان قصرت عن طلبك ثم إنه فاجأه وطعنه فلما رأى بولص ~~ان الطعنة واصلة اليه رمى نفسه عن جواده وطلب الهرب نحو أصحابه فسار ضرار ~~في طلبه وقال له أين تروح من الشيطان وهو في طلبك ولحقه وهم ان يعلوه بسيفه ~~فقال بولص يا بدوي ابق علي ففي بقائي بقاء أولادكم وأموالكم قال فلما سمع ~~ضرار PageV01P051 # قوله أمسك عن قتله وأخذه أسير هذا والمسلمون قد قتلوا من الروم مقتلة ~~عظيمة قال حدثني أسلم بن مالك اليربوعي عن أبي رفاعة بن قيس قال كنت يوم ~~وقعة سحورا مع المسلمين وكنت في خيل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه قال فدرنا بالروم من كل جانب وبذلنا أسيافنا في القوم وكانوا ستة كتائب ~~في كل كتيبة ألف فارس قال رفاعة بن قيس فوالله لقد حملنا يوم فتح دمشق وانه ~~ما رجع منهم فوق المائة ووجه خبر لضرار أن خولة مع النسوان المأسورات فعظم ~~ذلك عليه وأقبل على خالد وأعلمه بذلك فقال له خالد لا تجزع فقد أسرنا منهم ~~خلقا كثيرا وقد أسرت أنت بولص صاحبهم وسوف نخلص من أسر من حريمنا ولا بد ~~لنا من دمشق في طلبهم ثم أمر خالد أن يسيروا بالناس على مهل حتى ننظر ما ~~يكون من أمر حريمنا ثم أنه سار في ألف فارس جريدة ms060 وبعث العسكر كله إلى أبي ~~عبيدة مخافة ان يلحقهم وردان بجيوشه فسار القوم وتوجه خالد بمن معه في طلب ~~المأسورات وقد قدم أمامه رافع بن عميرة الطائي وميسرة بن مسروق العبسي ~~وضرار بن الأزور قال حدثني سعيد بن عمر عن سنان بن عامر اليربوعي قال سمعت ~~حبيب بن مصعب يقول لما اقتطعوا من ذكرنا من نساء العرب سار بهم بطرس أخو ~~بولص إلى أن نزل بهم إلى النهر الذي ذكرناه ثم قال بطرس انا لا أبرح من ~~ههنا حتى انظر ما يكون من أمر أخي ثم إنه عرض عليه النساء المأسورات فلم ~~يعجبه منهن الا خولة بنت الأزور أخت ضرار قال بطرس هذه لي وأنا لها لا ~~يعارضني فيها أحد فقال له أصحابه هي لك وأنت لها قال وكل من سبق إلى واحدة ~~يقول هي لي حتى قسموا الغنيمة على ذلك ووقفوا ينتظرون ما يكون من امر بولص ~~وأصحابه وكان في النساء عجائز من حمير وتبع من نسل العمالقة والتبابعة وكن ~~قد اعتدن ركوب الخيل فقالت لهن خولة بنت الأزور يا بنات حمير بقية تبع ~~أترضين بأنفسكن علوج الروم ويكون أولادكن عبيدا لأهل الشرك فأين شجاعتكن ~~وبراعتكن التي نتحدث بها عنكن في احياء العرب ومحاضر الحضر ولا أراكن الا ~~بمعزل عن ذلك وأني أرى القتل عليكن أهون من هذه المصائب وما نزل بكم من ~~خدمة الروم الكلاب فقالت عفرة بنت غفار الحميرية صدقت ووالله يا بنت الأزور ~~نحن في الشجاعة كما ذكرت وفي البراعة كما وصفت لنا المشاهد العظام والمواقف ~~الجسام ووالله لقد اعتدنا ركوب الخيل وهجوم الليل غير أن السيف يحسن فعله ~~في مثل هذا الوقت وانما دهمنا العدو على حين غفلة وما نحن الا كالغنم ~~PageV01P052 # فقالت خولة يا بنات التبابعة والعمالقة خذوا أعمدة الخيام وأوتاد الاطناب ~~ونحمل بها على هؤلاء اللئام فلعل الله ينصرنا عليهم أو نستريح من معرة ~~العرب فقالت عفرة بنت غفار والله ما دعوت الا ما هو أحب الينا مما ذكرت ثم ~~تناولت كل واحدة ms061 عمودا من أعمدة الخيام وصحن صيحة واحدة وألقت خولة على ~~عاتقها عمود الخيمة وسعت من ورائها عفرة وأم أبان بنت عتبة وسلمة بنت زراع ~~ولبنى بنت حازم ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت النعمان ومثل هؤلاء رضي الله ~~عنهن فقالت لهن خولة لا ينفك بعضكن عن بعض وكن كالحلقة الدائرة ولا تتفرقن ~~فتملكن فيقع بكن التشتيت وحطمن رماح القوم واكسرن سيوفهن قال فهجمت خولة ~~امامهن فأول ما ضربت رجلا من القوم على هامته بالعمود فتجندل صريعا والتفت ~~الروم ينظرون ما الخبر فإذا هم بالنسوة وقد أقبلن والعمد بأيديهن فصاح ~~بطريق يا ويلكن ما هذا فقالت عفرة هذه فعالنا فلنضربن بالقوم بهذه الأعمدة ~~ولا بد من قطع اعماركم وانصرام أجالكم يا أهل الكفر قال فجاء بطرس وقال ~~تفرقوا عن النسوة ولا تبذلوا فيهن السيوف ولا أحد منكم يقتل واحدة منهن ~~وخذوهن أسارى ومن وقع منكم بصاحبتي فلا ينلها بمكروه فتفرق القوم عليهن ~~وحدقوا بهن من كل جانب وراموا الوصول إليهن فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا ولم ~~تزل النساء لا يدنوا إليهن أحد من الروم الا ضربن قوائم فرسه فإذا تنكس عن ~~جواده بادرت النساء بالاعمدة فيقتلنه ويأخذن سلاحه قال الواقدي ولقد بلغني ~~ان النسوة قتلن ثلاثين فارسا من الروم فلما نظر بطرس إلى ذلك غضب غضبا ~~شديدا وترجل وترجلت أصحابه نحو النساء والنساء يحرض بعضهن بعضا ويقلن متن ~~كراما ولا تمتن لئاما وأظهر بطرس رأسه وتلهفه عندما نظر إلى فعلهن ونظر إلى ~~خولة بنت الأزور وهي تجول كالأسد وتقول * نحن بنات تبع وحمير * وضربنا في ~~القوم ليس ينكر * لأننا في الحرب نار تسعر * اليوم تسقون العذاب الأكبر * ~~قال فلما سمع بطرس ذلك من قولها ورأى حسنها وجمالها قال لها يا عربية اقصري ~~عن فعالك فاني مكرمك بكل ما يسرك أما ترضين أن أكون انا مولاك وانا الذي ~~تهابني أهل النصرانية ولي ضياع ورساتيق وأموال ومواشي ومنزلة عند الملك ~~هرقل وجميع ما أنا فيه مردود إليك أما ترضين أن تكوني سيدة أهل دمشق ms062 فلا ~~تقتلي نفسك فقالت له يا ملعون ويا ابن ألف ملعون والله لئن ظفرت بك لاقطعن ~~رأسك والله ما أرضى بك ان ترعى لي الإبل فكيف أرضاك أن تكون لي كفؤا قال ~~فلما سمع كلامها حرض أصحابه على القتال وقال أترون PageV01P053 # عارا أكبر من هذا في بلاد الشام ان النسوة غلبنكم فاتقوا غضب الملك قال ~~فافترق القوم وحملوا حملة عظيمة وصبر النساء لهم صبر الكرام فبينما هم على ~~ذلك إذ أقبل خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه من المسلمين ونظروا إلى ~~الغبار وبريق السيوف فقال لأصحابه من يأتيني بخبر القوم فقال رافع بن عميرة ~~الطائي أنا آتيك به قال ثم أطلق جواده حتى أشرف على النسوة وهن يقاتلن قتال ~~الموت قال فرجع وأخبر خالدا بما رأى فقال خالد لا أعحب من ذلك انهن من بنات ~~العمالقة ونسل التبابعة وما بينهن وبين تبع الا قرن واحد وتبع بن بكر بن ~~حسان الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره وشهد له بالرسالة ~~قبل ان يبعث وقال * شهدت بأحمد أنه رسول * من الله بارىء كل النسم * وأمته ~~سميت في الزبور * بأمة أحمد خير الأمم * فلو مد عمري إلى عصره * لكنت وزيرا ~~له وابن عم * بطولة النساء قال الواقدي قال خالد لا تعجب يا رافع واعلم أن ~~هؤلاء النسوة لهن الحروب المذكورات والمواقف المشهورات وان يكن فعلهن ما ~~ذكرت فلقد سدن على نساء العرب إلى آخر الأبد وأزلن عنهن العار فتهللت وجوه ~~الناس فرحا ووثب ضرار بن الأزور عندما سمع كلام رافع فقال خالد مهلا يا ~~ضرار ولا تعجل فإنه من تأنى نال ما تمنى أيها الأمير لا صبر لي عن نصرة بنت ~~أبي وأمي فقال خالد قد قرب الفرج انشاءالله تعال ثم إن خالدا وثب ووثب ~~أصحابه وقال معاضر الناس إذا وصلتم إلى القوم فتفرقوا عليهم وأحدقوا بهم ~~فعسى ان يخلص حريمنا فقالوا حبا وكرامة ثم تقدم خالد قال فبينما القوم في ~~قتال شديد مع النسوة إذا أشرفت ms063 عليهم المواكب والكتائب والاعلام والرايات ~~فصاحت خولة يا بنات التبابعة قد جاءكم الفرج ورب الكعبة ونظر بطرس إلى ~~الكتائب المحمدية وقد أشرفت فخفق فؤاده وارتعدت فرائضه وأقبل القوم ينظر ~~بعضهم بعضا قال فصاح بطرس يا معاشر النسوة ان الشفقة والرحمة قد دخلت في ~~قلبي لان لنا أخوات وبنات وأمهات وقد وهبتكن للصليب فإذا قدم رجالكن ~~فأخبرنهم بذلك ثم عطف يريد الهرب إذ نظر إلى فارسين قد خرجا من قلب العسكر ~~أحدهما قد تكمى في سلاحه والآخر عاري الجسد وقد أطلقا عنانهما كأنهما أسدان ~~وكانا خالدا وضرارا فلما رأت خولة أخاها قالت له إلى أين يا أبن أقبل فصاح ~~بها بطرس انطلقي إلى أخيك فقد وهبتك له ثم ولى يطلب الهرب فقالت له خولة ~~PageV01P054 # وهي تهزأ به ليس هذا من شيم الكرام تظهر لنا المحبة والقرب ثم تظهر ~~الساعة الجفاء والتباعد وخطت نحوه فقال قد زال عني ما كنت أجد من محبتك ~~فقالت له خولة لا بد لي منك على كل حال ثم أسرعت اليه وقد قصده ضرار فقال ~~له بطرس خذ أختك عني فهي مباركة عليك وهي هدية مني إليك فقال له الأمير ~~ضرار قد قبلت هديتك وشكرتها واني لا أجد لك على ذلك الا سنان رمحي فخذ هذه ~~مني إليك ثم حمل عليه ضرار وهو يقول * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ~~أو ردوها) * ثم همهم اليه بالطعنة ووصلت اليه خولة فضربت قوائم فرسه فكبا ~~به الجواد ووقع عدو الله إلى الأرض فأدركه ضرار قبل سقوطه وطعنه في خاصرته ~~فأطلع السنان من الجانب الآخر فتجندل صريعا إلى الأرض فصاح به خالد لله درك ~~يا ضرار هذه طعنة لا يخيب طاعنها ثم حملوا في أعراض القوم وجميع المسلمين ~~معهم فما كانت الا جولة جائل حتى قتل من الروم ثلاثة آلاف رجل قال حامد بن ~~عامر اليربوعي لقد عددت لضرار بن الأزور في ذلك اليوم ثلاثين قتيلا وقتلت ~~خولة خمس وعفراء بنت غفار الحميرية أربعة وقال وانهزم بقية القوم ولم ~~يزالوا ms064 في أدبارهم والمسلمون على اثرهم إلى أن وصلوا إلى دمشق فلم يخرج ~~إليهم أحد بل زاد فزعهم واشتد الامر عليهم ورجع المسملون وجمعوا الغنائم ~~والخيل والسلاح والأموال ثم قال خالد الحقوا بأبي عبيدة لئلا يكون وردان ~~وجيوشه قد لحقوا به فسار ضرار والقوم وقل جعل ضرار رأس البطريق على سنان ~~رمحه يزل القوم سائرين إلى أن لحقوا بأبي عبيدة في مرج الصفر وقد تخلف أبو ~~عبيدة حتى اشرف المسلمون عليه فكبر وكبر خالد بن الوليد رضي الله عنه ومعه ~~المسلمون فلما اجتمع الناس سلم بعضهم على بعض ورأوا المأسورات وقد خلصن ~~وأخبر خالد أبا عبيدة بما فعلت خولة وعفرة وغيرهن من الصحابة فاستبشر بنصر ~~الله وعلموا أن الشام لهم ثم دعا خالد ببولص فقال له أسلم والا فعلت بك كما ~~فعلت بأخيك فقال له وما الذي صنعت بأخي قال قتلته وهذه رأسه ورماها ضرار ~~قدامه فلما رأى أخيه بكى وقال له لا بقاء لي بعد ه حيا فألحقوني به قال ~~فقام اليه المسيب بن يحيى الفزاري رضي الله عنه فضرب عنقه بأمر خالد ثم رحل ~~القوم قال الواقدي حدثنا سعيد بن مالك قال لما بعث خالد الكتب إلى شرحبيل ~~بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم والى يزيد بن أبي سفيان ~~والى عمرو بن العاص قرأ كل واحد من الامراء كتابه قال فساروا بأجمعهم إلى ~~أجنادين لعون اخوانهم وجاءوا بعددهم وعديدهم قال سفينة مولى رسول ~~PageV01P055 # الله صلى الله عليه وسلم كنت في خيل معاذ بن جبل فلما أشرفنا بأجمعنا على ~~أجنادين كنا كلنا على سيارة واحدة في يوم واحد وذلك في شهر صفر سنة 20 من ~~الهجرة وتبادر المسلمون يسلم بعضهم على بعض قال ورأينا جيوش الروم في عدد ~~لا يحصى فلما أشرفنا عليهم أظهروا لنا زينتهم وعددهم واصطفوا مواكب وكتائب ~~ومدوا صفوفهم فكانوا ستين صفا في كل صف الف فارس قال الضحاك بن عروة والله ~~لقد دخلنا العراق ورأينا جنود كسرى فما رأينا أكثر من جنود ms065 الروم ولا أكثر ~~من عددهم وسلاحهم قال فنزلنا بإزائهم قال فلما كان من الغد بادرت الروم ~~نحونا قال الضحاك فلما رأيناهم وقد ركبوا أخذنا على أنفسنا وتأهبنا وان ~~خالد ركب وجعل يتخلل الصفوف ويقول اعلموا انكم لستم ترون للروم جيشا مثل ~~هذا اليوم فان هزمهم الله على أيديكم فما يقوم لهم بعدها قائمة أبدا ~~فأصدقوا في الجهاد وعليكم بنصر دينكم وإياكم أن تولوا الادبار فيعقبكم ذلك ~~دخول النار وأقرنوا المواكب ومكنوا المضارب ولا تحملوا حتى آمركم بالحملة ~~وأيقظوا هممكم قال الواقدي ولقد بلغني ممن أثق به أن وردان لما رأى أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اجتمعوا وعولوا على حربهم جمع اليه الملوك ~~والبطارقة وقال لهم يا بني الأصفر اعلموا أن الملك يعول عليكم وإذا انكسرتم ~~لا تقوم لكم بعدها قائمة أبدا وتملك العرب بلادكم وتسبي حريمكم فعليكم ~~بالصبر ولتكن حملتكم واحدة ولا تتفرقوا واعلموا ان كل ثلاثة منا بواحد منهم ~~واستعينوا بالصليب ينصركم فهذا ما كان من هؤلاء وأما خالد رضي الله عنه ~~فإنه مشى على أصحابه وقال معاشر المسلمين من فيكم يحذر لنا القوم وينذرهم ~~فقال ضرار بن الأزور أنا أيها الأمير فقال خالد أنت لها والله ولكن يا ضرار ~~إذا أشرفت على القوم فإياك ان تحمل نفسك ما لا تطيق وان تغرر بنفسك وتحمل ~~على القوم فما أمرك الله بذلك فقد قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة قال فأطلق ضرار عنان جواده حتى اشرف على جيش الروم فرأى أثاثهم ~~وخيامهم وشعاع البيض والطوارق والرايات كأجنحة الطيور قال وكان وردان ينظر ~~نحو جيش المسلمين إذ نظر إلى ضرار وهو مشرف على القوم فقال للبطارقة اني ~~أرى فارسا قد أقبل ولست أشك انه طليعة للقوم فأيكم يأتيني به فانتدب من ~~القوم ثلاثين فارسا طلبوا ضرارا فلما نظر إليهم ضرار ولى من بين أيديهم ~~فتبعوه وظنوا انه قد انهزم وانما أراد بذلك ان يبعدهم عن أصحابهم فلما ~~بعدوا علم أنه تمكن منهم فلوى رأس جواده إليهم ms066 وصوب السنان عليهم فأول ما ~~طعن فارسا من القوم أرداه وثنى على الآخر فأعدمه الحياة وصال فيهم صولة ~~الأسد على الغنم ودخل رعبه في قلوبهم فولوا منهزمين فتبعهم وهو يصرع منهم ~~فارسا PageV01P056 # بعد فارس إلى أن صرع منهم تسعة عشر فارسا فلما رأوا ذلك وقرب هو من جيوش ~~الروم لوى راجعا إلى خالد ومعه اسلابهم وخيولهم وأعلمه بما كان فقال له ~~خالد ألم أقل لك لا تغرر بنفسك ولا تحمل عليهم فقال ان القوم طلبوني فخفت ~~ان يراني الله منهزما فجاهدت باخلاص ولا جرم أن الله ينصرنا عليهم والله ~~لولا خوفي من ملامك لاحملن على الجميع واعلم أن القوم غنيمة لنا قال فرتب ~~خالد عسكره ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين فجعل في القلب معاذ بن جبل وفي ~~الميمنة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وفي الميسرة سعيد بن عامر وفي الجناح ~~الأيسر شرحبيل بن حسنة وفي الساقة يزيد بن أبي سفيان في أربعة آلاف فارس ~~حول الحريم والبنات والأولاد ثم التفت إلى النسوة وهن عفراء بنت غفار ~~الحميرية وأم أبان ابنة عتبه وكانت عروسا قد تزوج بها في هذا اليوم أبان بن ~~سعيد ابن العاص والخضاب في يدها والعطر في رأسها وخولة بنت الأزور ومزروعة ~~بنت عملوق وسلمة بنت زارع وغيرهن من النسوة ممن عرفن الشجاعة والبراعة ~~نصيحة خالد فقال لهن خالد يا بنات العمالقة وبقية التبابعة قد فعلتن فعلا ~~أرضيتن به الله تعالى والمسلمين وقد بقي لكن الذكر الجميل وهذه أبواب الجنة ~~قد فتحت لكن وأبواب النار قد أغلقت عنكن وفتحت لاعدائكن واعلمن اني أثق بكن ~~فان حملت طائفة من الروم عليكن فقاتلن عن أنفسكن وان رايتن أحدا من ~~المسلمين قد ولى هاربا فدونكن وإياه بالاعمدة وارمين بولده وقلن له اين ~~تولى عن أهلك ومالك وولدك وحريمك فإنكن ترضين بذلك الله تعالى فقالت عفراء ~~بنت غفار أيها الأمير والله لا يفرحنا الا أن نموت أمامك فلنضربن وجوه ~~الروم ولنقاتلن إلى أن لا تبقى لنا عين تطرف والله مانبالي إذا رمينا ms067 الروم ~~كله قال فجزاهن خيرا ثم عاد إلى الصفوف فجعل يطوف بينهم بفرسه ويحرض الناس ~~على القتال وهو ينادي برفيع صوته يا معاشر المسلمين انصروا الله ينصركم ~~وقاتلوا في سبيل الله واحتسبوا نفوسكم في سبيل الله ولا تحملوا حتى آمركم ~~بالحملة ولتكن السهام إذا خرجت من أكباد القسي كأنها من قوس واحدة فإذا ~~تلاصقت السهام رشقا كالجراد لم يخل أن يكون منها سهم صائب * (اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) * واعلموا أنكم لم تلقوا بعد ~~هذا عدوا مثله وان هذه الفئة جملتهم وأبطالهم وملوكهم فجردوا السيوف ~~وأوتروا القسي وفوقوا السهام ثم إن خالدا أقبل ووقف في القلب مع عمرو بن ~~العاص وعبد الله بن عمر قيس بن هبيرة ورافع بن عميرة وذى الكلاع الحميري ~~وربيعة بن عامر ونظائرهم قال فلما نظر ودان إلى PageV01P057 # جيش المسلمين قد زحف زحفوا وكانوا ملء تلك الأرض في الطول والعرض من ~~كثرتهم فترامى الجمعان وتلاقى الفريقان وقد اظهر أعداء الله الصلبان ~~والاعلام ورفع المسلمون أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على ~~البشير النذير فلما قرب القوم بعضهم من بعض خرج من علوج الروم شيخ كبير ~~وعليه قلنسوة سوداء فلما قرب من المسلمين نادى بلسان عربي أيكم المقدم ~~فليخاطبني وليخرج إلي وعليه أمان قال فخرج اليه خالد بن الوليد فقال له ~~القس أنت أمير القوم فقال خالد كذلك يزعمون ما دمت على طاعة الله وسنة ~~رسوله وان أنا غيرت أو بدلت فلا امارة لي عليهم ولا طاعة قال القس بهذا ~~نصرتم علينا ثم قال اعلم انك توسطت بلادا ما جسر ملك من الملوك أن يتعرض ~~لها ولا يدخلها وان الفرس دخلوها ورجعوا خائبين وان التبابعة أتوها وأفنوا ~~أنفسهم عليها وما بلغوا ما أرادوا ولكنكم أنتم نصرتم علينا وان النصر لا ~~يدوم لكم وصاحبي وردان قد اشفق عليكم وقد بعثني إليكم وقال إنه يعطي كل ~~واحد منكم دينار وثوبا وعمامة ولك أنت مائة دينار ومائة ثوب ومائة عمامة ~~وارحل عنا بجيشكم فان جيشنا على عدد الذر ولا ms068 تظن ان هؤلاء مثل من لقيت من ~~جموعنا فان الملك ما انفذ في هذا الجيش الا عظماء البطارقة والأساقفة قال ~~خالد والله ما نرجع الا بإحدى ثلاث خصال اما ان تدخلوا في ديننا أو تؤدوا ~~الجزية أو القتال وأما ما ذكرت من أنكم عدد الذر فان الله تعالى قد وعدنا ~~النصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل ذلك في كتابه العزيز وأما ما ~~ذكرت من أن صاحبكم يعطي كل واحد منا دينارا وعمامة وثوبا فعن قريب إن شاء ~~الله نرى ثيابكم وبلادكم وعمائمكم كل ذلك في ملكنا وبأيدينا فقال الراهب ~~اني راجع إلى صاحبي أخبره بجوابك ثم لوى راجعا وأخبر وردان بما كان من جواب ~~خالد فقال وردان أيظن أننا مثل من لقيه من قبل وانما هؤلاء لحقهم الطمع إذ ~~تقاصرنا عن قتالهم والملك قد أرسل إليهم أكابر البطارقة وما بيننا وبينهم ~~الا جولة الجائل ثم نتركهم صرعى ثم رتب أصحابه وزحف وقدم أمامه الرجالة صفا ~~أمام القوم والخيالة وبأيديهم المزازيق والقسي قال فصاح معاذ بن جبل معاشر ~~الناس ان الجنة قد زخرفت لكم والنار قد فتحت لأعدائكم والملائكة عليكم قد ~~أقبلت والحور العين قد تزينت للقائكم فأبشروا بالجنة السرمدية ثم قرأ ان ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة بارك الله فيكم ~~الحملة فقال خالد مهلا يا معاذ حتى أوصي الناس ومشي في الصفوف ورتبها وقال ~~اعلموا ان هؤلاء أضعافكم فطاولوهم إلى وقت العصر PageV01P058 # فإنها ساعة نرزق فيها النصر وإياكم ان تولوا الادبار فيراكم الله منهزمين ~~ازحفوا على بركة الله تعالى فلما تقارب الجمعان رمت الاروام سهامهم رمية ~~واحدة قال فقتلوا رجالا وجرحوا أناسا وخالد قد منع الناس من الحملة فقال ~~لضرار بن الأزور وما لنا والوقوف والحق سبحانه وتعالى قد تجلى علينا والله ~~ما يظن أعداء الله الا أننا قد فشلنا عنهم وجزعنا فأمرنا بالحملة حتى نحمل ~~معك قال فأنت لها يا ضرار فخرج ضرار بن الأزور وقال والله ما من شيء اشهى ~~إلى ms069 قلبي من ذلك ثم حمل ضرار وقد تدرع بدرع كان لبطرس أخي بولص وألقى الزرد ~~على وجهه وركب جواده وكان عليه يؤمئذ جبتان من جلود الفيلة كان قد اخذهما ~~أيضا من بطرس وقد اخفى نفسه عن الروم بلباسه ذلك وقد اطلق عنانه وقوم سنانه ~~وحمل في صفوف الروم فرشقوه بالسهام فلم يصل اليه منهم أذى وهو يخترق صفوفهم ~~فما كان قدر ساعة حتى قتل من الروم عشرين فارسا ومثلها رجالة قال عنان بن ~~عوف النجبي كنت ممن يعد قتلى ضرار بن الأزور وكنت كلما قتل فارسا من الروم ~~أعده فكان جملة قتل ضرار في حملته هذه فرسانا ورجالا ثلاثين فارسا قال عمر ~~بن سالم هكذا حدثني نوفل بن زياد ثم إنه رمى البيضة عن رأسه والزرد عن وجهه ~~ونادى بأعلى صوته أنا الموت الأصفر أنا ضرار بن الأزور أنا صاحبكم أنا قاتل ~~همدان بن وردان أنا البلاء المسلط عليكم وعلى من أشرك بالرحمن قال فلما ~~سمعت الروم كلامه عرفوه وتقهقروا إلى ورائهم قال فطمع فيهم وحمل على أثرهم ~~فعند ذلك انطبقت عليه الروم فقال وردان من هذا البدوي فقالوا أيها الملك ~~هذا الذي بقي طول عمره عاري الجسد ومرة برمح ومرة بنبل فلما سمع ذلك وبذكر ~~ضرار بن الأزور تنفس الصعداء وقال هذا قاتل ولدي ولقد اشتهيت من يأخذ منه ~~بثأري وله مني ما يريد قال فبرز اليه بطريق وكان صاحب طبرية وقال لوردان ~~انا آخذ لك بالثأر ثم لوى عنانه وحمل على ضرار فجالا أكثر من ساعة ثم طعنه ~~ضرار طعنة صادقة خرق بها كبد عدو الله فتجندل صريعا فقال وردان لهم ما أتى ~~به ولو اتى به عينا ما صدقته فان هذا لا تطيق الانس أن تقاتله وأنا أرى ~~لهذا غيري ثم ترجل وغير لامته وألقى عليه درعا وجعل على رأسه التاج وركب ~~جوادا من الخيول العربية وهم أن يخرج إلى ضرار بن الأزور فتقدم اليه بطريق ~~اسمه اصطفان وهو صاحب عمان قال وباس ركاب وردان قال أيها ms070 السيد ان أخذ ~~بثأرك من هذا الذميم أو أسرته لك أتزوجني ابنتك فقال له وردان هي لك وأشهد ~~عليه من حضر من PageV01P059 # ملوك الشام فلما سمع اصطفان بذلك خرج كأنه شعلة نار وحمل على ضرار وقال ~~له ويلك قد نزل بك ما لا قدرة لك به قال فلم يدر ضرار ما يقول غير أنه أخذ ~~ححذره منه وقد أخرج اصطفان صليبا من الذهب وجعله في عنقه في سلسلة من الفضة ~~وجعل يقبله ويرفعه على رأسه فعلم ضرار انه يستنصر به عليه فقال ضرار رضي ~~الله عنه ان كنت تستنصر علي به فأنا أستنصر بالقريب المجيب الذي هو ممن ~~دعاه قريب ثم حمل عليه وأرى الناس أبوابا من الحرب حتى ضج الناس من قتالهما ~~فصاح خالد يا بان الأزور ما هذا التكاسل والتغافل والجنة قد فتحت لك والنار ~~قد فتحت لأعدائك وإياك الكسل فان الله عز وجل يعينك قال فأيقظ ضرار نفسه ~~وانقض من سرجه وحمل على خصمه وتصايحت الروم بصاحبها تشجعه وكلاهما في ضرب ~~عظيم وقد حميت الشمس وتعب الجوادان فأشار البطريق إلى ضرار أن ترجل حتى ~~نتقابل فهم ضرار أن يترجل شفقة على الجواد وإذا بصفوف الروم قد خرجت ورجل ~~يقود جنيبا امامهم وكان ذلك غلام البطريق فلما نظر اليه ضرار صاح في جواده ~~وقال له اجلد معي ساعة والا شكوتك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~فحمحم الجواد وشمر أجنحته جريا واستقبل ضرار غلام البطريق بطعنة فقتله واخذ ~~الجنيب فركبه وأطلق جواده نحو عساكر المسلمين فتناولوه وعاد ضرار نحو ~~البطريق فلما رآه اقبل اليه بعد ما قتل غلامه وركب جواده أيقن عدو الله ~~بالهلاك وعلم أنه ان ولى قتله بلا محالة وان وقف أهلكه فلما نظر ضرار إلى ~~عدو الله علم ما عنده فهجم عليه إذ نظر إلى الروم وقد خرج منهم دوس وذلك أن ~~وردان لما نظر إلى صاحبه وقد اشرف على الموت علم أنه ان لم يدركه هلك فقال ~~لقومه يا قوم ان هذا ms071 الشيطان قد أكل من كبدي قطعة وإذا لم أقتله قتلت نفسي ~~ولا بد لي من الخروج اليه قال فخرج في عشرة من البطارقة وهم مدرعون وفي ~~أرجلهم اخفاف من الحديد وسواعد من الحديد وبأيديهم أعمدة من الحديد ووردان ~~قد لبس لامته وعلى رأسه تاج عظيم فخرجوا ووردان أمامهم كأنه شعلة نار ونظر ~~أصطفان إلى من خرج فصرخ بضرار فلم يلتفت إلى من خرج اليه الا أنه تأهب ~~فبينما هم كذلك إذ نظر خالد إلى القوم وخروجهم ونظر إلى التاج وهو يلمع على ~~رأس صاحبهم فقال ان التاج لا يكون الا على رأس الملك ولا شك انه صاحب القوم ~~قد خرج إلى صاحبنا فما الذي يقعدنا عن نصرته ثم قال لأصحابه لا يخرج الا ~~عشرة حتى نساوي القوم فخرج خالد في عشرة أصحابه وأطلقوا الأعنة وقوموا ~~الأسنة قال ووصل الروم إلى ضرار فاستقبلهم بقلب أقوى من الحجر الجلمود قال ~~فناداه خالد PageV01P060 # ابشر يا ضرار فقد أسعدك الجبار ولا تجزع من الكفار فقال ضرار رضي الله ~~عنه ما أقرب النصر من الله وجاء خالد ومن معه والتقت الرجال بالرجال وانفرد ~~كل واحد بصاحبه وطلب خالد وردان ولم يبرح ضرار عن خصمه اصطفان وقد كل ساعة ~~وارتعدت فرائصه عندما نظر إلى خالد ومن معه فنظر يمينا وشمالا ليطلب الهرب ~~فعلم ضرار منه ذلك فهجم عليه بسنانه فلما أيقن بالموت القى نفسه إلى الأرض ~~وولى هاربا فبادر اليه ضرار والقى نفسه عن جواده وطلب عدو الله حتى لحقه ~~وتقابضا على وجه الأرض وكان عدو الله كالصخر الجلمود وكان ضرار نحيف الجسم ~~غير أن الله تعالى أعطاه قوة الايمان فلما طال بهم العراك ضرب بيده إلى ~~مراق بطنه وقلعه من الأرض بحيله وجلد به الأرض فصاح عدو الله وجعل يستنجد ~~بوردان وقال بالرومية أيها السيد انجدني مما انا فيه فقد هلكت فصاح وردان ~~يا ويلك ومن ينقذني انا من هؤلاء السباع الكاسرة فسمع خالد ذلك فطمع فيه ~~وحمل على وردان وهم ضرار بخصمه ونظر اليهما ms072 الفريقان وأقبل صاحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ضرار فلم يمهل خصمه دون حتى برك على صدره وذبحه مثل ~~البعير وكل واحد مشتغل عن نصرة صاحبه قال فأخذ ضرار رأس عدو الله وهو ملطخ ~~بالدماء وركب جواده وحملت الروم على المسلمين ونادى سعيد بن زيد يا معشر ~~الناس اذكروا الوقوف بين يدي الله الملك الجبار فإياكم ان تولوا الادبار ~~فتستوجبوا دخول النار يا أهل الايمان يا حملة القرآن اصبروا قال فزاد الناس ~~بقوله نشاطا وتزاحم الفريقان قال وجاء وقت العصر فافترقوا وقد قتل من الروم ~~ثلاثة آلاف وعشرة من ملوكهم ومنهم رومان صاحب الأميرة ودمر صاحب نوى وكوكب ~~صاحب ارض البلقاء ولاوى بن حنا صاحب غزة قال ثم افترق القوم ورجع وردان إلى ~~مكانه وقد امتلأ قلبه رعبا مما ظهر له من المسلمين من شدة صبرهم وقتالهم ~~فجمع البطارقة وقال لهم يا أهل دين النصرانية ما تقولون في هؤلاء العرب ~~فاني أراهم غالبين علينا وقد رأيت أسيافهم قاطعة وخيلهم صابرة وسواعدكم ~~بليدة وان القوم أطوع منكم لربكم وما خذلتم الا بالظلم والجور والغدر وما ~~مرادي منكم الا أن تتوبوا إلى ربكم فان فعلتم ذلك رجوت لكم النصر من عدوكم ~~وان لم تفعلوا ذلك فائذنوا بحرب من المسيح وبهلاك أنفسكم فان الله عاقبكم ~~أشد عقوبة إذ سلط عليكم أقواما لا نفكر بهم ولا نعدهم لان أكثرهم جياع ~~وعبيد وعراة ومساكين اخرجهم الينا قحط الحجاز وجوعه وشدة الضرر والبلاء ~~والان قد أكلوا من خبز بلادنا وفواكه أرضنا وأكلوا العسل والتين والعنب ~~وأعظم ذلك سبي نسائكم وأموالكم PageV01P061 # قال الواقدي فلما سمع القوم ذلك بكوا وقالوا نقتل عن آخرنا ولا يصل الينا ~~هؤلاء القوم وانا نرى أن نقاتلهم بالرماح قال فلما سمع وردان ذلك منهم صاح ~~بالبطارقة وقال لهم ما عندكم من الرأي فقال رجل منهم يا وردان اعلم انك قد ~~بليت بقوم لا تقوم لقتالهم وقد رأيت الواحد منهم يحمل على عسكرنا ولا يبالي ~~من أحد ولا يرجع حتى يقتل منهم وقد ms073 قال لهم نبيهم ان من قتل منكم صار إلى ~~الجنة ومن قتل من الروم صار إلى النار والموت والحياة عندهم سواء وما أرى ~~لكم من القوم مطمعا الا أن نتحيل على صاحبهم فنقتله فان قتلتموه ينهزم ~~القوم وانك لا تصل اليه الا بحيلة توقعه فيها فقال وردان واي حيلة ندخل بها ~~على القوم والحيل والخداع والمكر منهم فقال له البطريق أنا أقول لك شيئا ان ~~صنعته وصلت به إلى أمير العرب من حيث لا يصل إليك شيء ولا اذى وذلك أنك ~~تنتخب عشرة من الفرسان من ذوي الشدة والبأس ويكمنون في مكمن من جهة العسكر ~~قبل خروجك اليه وبعد ذلك تخرج اليه وتشاغله بالحديث ثم اهجم عليه وأخرج ~~قومك يبادرون من المكمن ويقطعونه اربا اربا وتستريح منه وبعد ذلك تتفرق ~~أصحابه ولا يجتمع منهم أحد قال فلما سمع وردان ذلك من البطريق فرح فرحا ~~عظيما وقال ما هذا الا رأي سديد فنعم ما أشرت به وقد أصبت فيما ذكرت غير أن ~~هذا الامر يعمل في جنح الليل ولا يأتي الصباح الا وقد فرغنا مما نريد ثم إن ~~وردان دعا برجل من العرب المتنصرة اسمه داود وكان في سكنه وقال له يا داود ~~أنا أعلم انك فصيح اللسان واني أريد ان تخرج إلى هؤلاء العرب وتسألهم ان ~~يقطعوا الحرب بيننا وبينهم وقل لهم لا يخرجون لنا بكرة النهار حتى أخرج ~~بنفسي إليهم منفردا عن قومي ولعلنا نصطلح مع العرب فقال داود ويحك وتخالف ~~أمر الملك هرقل فيما أمرك به من الحرب وتصطلح أنت والعرب فان الملك ينسبك ~~إلى الجزع والفزع وما كنت بالذي أخاطب العرب في ذلك أبدا فيبلغ الملك اني ~~كنت السبب في ذلك فيقتلني فقال له وردان يا ويلك انما دبرت حيلة على أمير ~~العرب حتى أصل اليه بها فأقتله وتتفرق هؤلاء العرب عنا ثم إنه حدثه بما عزم ~~عليه من المكر بخالد بن الوليد فقال لوردان ان الباغي مخذول في كل فعل فالق ~~الجمع بالجمع واترك ما عزمت ms074 عليه فقال وردان وقد غضب ويلك أنت تعاندني فيما ~~أمرتك به دع عنك المحاججة فقال حبا وكرامة ثم إنه مضى وقال في نفسه ان ~~وردان قد عزم ان يلحق بولده ثم اقبل حتى أنه وقف قريبا من المسلمين ونادى ~~برفيع صوته وقال يا معاشر العرب حسبكم من القتل وسفك الدماء فان الله تعالى ~~يسألكم عن سفكها PageV01P062 # وأريد أن يخرج إلي أمير العرب حتى أخاطبه بما أرسلت به قال فما استتم ~~كلامه حتى خرج اليه خالد رضي الله عنه وهو كأنه شعلة نار فلما نظر اليه ~~داود النصراني قال له يا عربي على رسلك فما خرجت أحارب ولا أنا من رجال ~~الحرب وما أنا الا رسول فلما سمع خالد مقالته قرب منه وقال اذكر مسألتك ~~واستعمل الصدق تنج فمن صدق نجا ومن كذب هلك فقال صدقت يا عربي ان أميرنا ~~وردان كاره سفك الدماء وقد رأى شدتكم ولا يريد حربكم وقد نظر إلى من قتل من ~~جماعته فكره أن يحاربكم وقد رأى أن يدفع لكم مالا ويحقن به دماء الناس لكن ~~بشرط ان يكون بينك وبينه كتاب وتشهد عليك كبراء قومك انك لا تتعرض له ولا ~~لاحد من أصحابه ولا لحصن من حصونه فان فعلت ذلك وثق بقولك وهو يسألك أن ~~تقطع الحرب بقية يومك فإذا أصبحت فأخرج بنفسك ولا يكن معك أحد ويخرج هو ~~أيضا منفردا فننظر ما تتفقان عليه عسى ان تحقنا دماء الناس بيننا وبينكم ~~قال فلما سمع خالد ما نطق به داود قال له ان كان ما أخبر به صاحبكم يريد به ~~حيلة أو مكيدة فنحن والله جرثومة الخداع وما مثلنا يأتي بحيلة ولا بخديعة ~~فإن كان ذلك ضميره واعتقاده فما هو الا قرب أجله وانقطاع عمره وهلاك جموعكم ~~والانفصال بيننا وبينكم وان كان ذلك حقا من قوله فلست اصالحه الا إذا أدى ~~الجزية عن جماعته وأما المال فلست براغب فيه الا على ما ذكرته لكم وعن قريب ~~نأخذ أموالكم ونملك بلادكم فقال داود وقد عظم عليه ms075 كلام خالد ما يكون الامر ~~الا كما ذكرت فإذا توافقتم كان الانفصال بيننا وها انا راجع فأذكر له ما ~~ذكرت ثم لوى راجعا وقد امتلأ قلبه رعبا من خالد وفزع منه فزعا شديدا ثم قال ~~في نفسه صدق والله أمير العرب وأنا اعلم والله ان وردان أول مقتول ونحن من ~~بعده وما لي الا أن أصدق أمير العرب وأخذ لي ولأهلي منه أمانا ثم رجع إلى ~~خالد وقال له يا أمير اني قد أضمرت على سر وأريد أن أبديه لك لأني أعلم أن ~~البلاد لكم ان وردان قد نوى على شيء فقال خالد وما هو فقال خذ لنفسك الحذر ~~وكن مستيقظا فإنه قد اضمر لك كيدا ثم أخبره بالقصة من أولها إلى اخرها ثم ~~قال لخالد أريد منك الأمان لي ولأهلي فقال خالد الأمان لك ولأهلك ولأولادك ~~ان أنت لم تخبر القوم ولم تغدر قال داود لو أردت أن أغدر لما حدثتك فقال ~~خالد وأين كمين القوم قال عند كثيب عن يمين عسكرهم ثم إنه خلاه ورجع وأعلم ~~وردان ففرح وقال الان أرجو أن يظفرني الصليب بهم ثم إنه دعا بعشرة من ~~الابطال وقال لهم امضوا رجالة وأكمنوا وأمرهم أن يفعلوا ما دبروه وأما خالد ~~فإنه رجع فلقيه امين الأمة أبو عبيدة فرآه ضاحكا فقال يا أبا سليمان اضحك ~~الله سنك ما PageV01P063 # الخبر فحدثه بما جرى فقال أبو عبيدة على ماذا عزمت قال عزمت ان اخرج إلى ~~القوم وحدي فقال يا أبا سليمان لعمرك انك لكفء ولكن ما أمرك الله ان تلقي ~~بنفسك إلى التهلكة والله تعالى يقول وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وقد أعد لك عشرة وهو حادي عشر وما آمن ~~عليك من اللعين ولكن اندب له رجالة كما ندب لك رجالة ويكمنون قريبا من ~~القوم فإذا صرخ اللعين بقومه فاصرخ أنت بقومك ونكون نحن متأهبين على خيولنا ~~فإذا فرغت من عدو الله حملنا جميعا ونرجوا من الله النصر ثم ms076 قال والمسلمون ~~هم رافع بن عميره الطائي ومعاذ بن جبل وضرار بن الأزور وسعيد بن زيد وقيس ~~بن هبيرة وميسرة بن مسروق العبسي وعدي بن حاتم حتى استتم العشرة وأخبرهم ~~خالد بما قد عزم عليه الروم من الحيلة والمكيدة التي قد دبرها وردان وقال ~~اخرجوا رجالة بحيث لا يدري بكم أحد حتى انكم تأتون الكثيب الذي عن يمين ~~العسكر فاكمنوا هناك فإذا صرخت بكم فبادروا وانفروا للقوم كل واحد لواحد ~~واتركوني لعدو الله فإنني إن شاء الله تعالى كفء له فقال ضرار أيها الأمير ~~أخاف ان يكثر عليك الجمع الكثير فلا نأمن ان يصلوا بشرهم إليك وقد كنت ادبر ~~لك حيلة اننا نسير من وقتنا هذا إلى مكمن القوم فإذا وجدناهم رقودا قتلناهم ~~وفرغنا منهم قبل الصباح ونكمن نحن في مواضعهم فإذا خلوت أنت بعدو الله ~~خرجنا عليكم بغير مقالة فقال خالد افعل يا ابا الأزور ما ذكرت ان وجدت إلى ~~ذلك سبيلا وخذ معك هؤلاء الذين ندبتهم وأنت الأمير عليهم وأرجو ان الله ~~يبلغك ما تطلبه وخرج هو وأصحابه في جنح الليل رجالة وبأيديهم أسلحتهم ~~وودعوا الناس وكان وقت خروجهم قد مضى ثلث الليل ثم سار ضرار حتى وصل الكثيب ~~فأوقف أصحابه وقال على رسلكم حتى استخبر لكم خبر القوم فلما اشرف عليهم من ~~بعيد سمع غطيطهم وهم نيام سكرى غرقوا في النوم لما نالهم من التعب والنصب ~~وقد أمنوا من أحد ينظرهم فقال ضرار في نفسه ان أنا دنوت من القوم لأقتلهم ~~خشيت ان يوقظ بعضهم بعضا قال فرجع إلى أصحابه وقال لهم أبشروا فقد اتاكم ~~الله بما تريدون وأذهب عنكم ما تحذرون فجردوا سيوفكم وسيروا إلى القوم ~~فاقتلوهم كيف شئتم ثم تقدم ضرار امامهم وهم في اثره إلى أن وصل بهم إليهم ~~فوجدوهم نياما كل واحد منهم سلاحه عند رأسه فانفرد كل واحد منهم بواحد فلم ~~يلبثوا الا وقد فرغوا منهم عن اخرهم وأخذ كل واحد سلاح غريمه وأخذوا كل ما ~~معهم من الزاد وغيره فقال لهم ms077 ضرارا أبشروا فان هذا أول النصر إن شاء الله ~~تعالى وأقبلوا بقيلة PageV01P064 # ليلتهم يصلون ويدعون الله ان ينصرهم على عدوهم ولم يزل كل واحد منهم في ~~مصلاه إلى أن أضاء الفجر فصلوا صلاة الفجر فلما فرغوا من الصلاة لبس كل ~~واحد ثياب غريمه ولباسه وغيبوا القتلى مخافة ان يرسل إليهم وردان خبرا ~~معركة أجنادين قال الواقدي فلما أصبح الصباح صلى خالد بالناس ورتب أصحابه ~~لاهبة الحرب فبينما هم كذلك إذ خرج من القلب فارس وقال يا معاشر العرب أريد ~~أميركم ليخرج إلى صاحبنا وردان لننظر ما يتفقان عليه من أمر الجيشين وحقن ~~الدماء بينهما قال فخرج اليه خالد بن الوليد فقال له الفارس ان وردان يريد ~~ان تنتظره حتى تتكلم معه فقال خالد السمع والطاعة ارجع واخبره فعند ذلك خرج ~~وردان وقد تزين بقلادة جوهر وعلى رأسه تاج فقال خالد عندما رآه هذه غنيمة ~~للمسلمين إن شاء الله تعالى قال فلما نظر عدو الله إلى خالد ترجل عن جواده ~~وكذلك خالد وجلس كلاهما وقد جعل عدو الله سيفه على فخذه فقال له خالد قل ما ~~تشاء واستعمل الصدق والزم طريق الحق واعلم انك جالس بين يدي رجل لا يعرف ~~الحيل فقال ما تريد فقال وردان يا خالد اذكر لي ما الذي تريدون وقرب الامر ~~بيني وبينكم فان كنت تطلب منا شيئا فلا نبخل به عليك صدقة منا عليكم لأننا ~~ليس عندنا أمة أضعف منكم وقد علمنا انكم كنتم في بلاد قحط وجوع تموتون جوعا ~~فاقنع منا بالقليل وارحل عنا فلما سمع منه خالد هذا الكلام قال له يا كلب ~~الروم ان الله عز وجل اغنانا عن صدقاتكم وأموالكم وجعل أموالكم نتقاسهما ~~بيننا وأحل لنا نساءكم وأولادكم الا ان تقولوا لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله وان أبيتم فالحرب بيننا وبينكم أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون وبالله ~~اقسم ان الحرب اشهى لنا من الصلح اما قولك يا عدو الله لم تكن أمة أضعف منا ~~عندكم فأنتم عندنا بمنزلة الكلاب ms078 وان الواحد منا يلقي ألفا منكم بعون الله ~~تعالى وما هذا خطاب من يطلب الصلح فان كنت ترجو ان تصل إلى بانفرادي عن ~~قومي وقومك فدونك وما تريد قال فلما سمع وردان مقالات خالد وثب من مكانه من ~~غير أن يجرد سيفه وتشابكا وتقابضا وتعانقا قال فصاح عدو الله عندما وثق من ~~خالد وقال لأصحابه بادروا الان الصليب قد مكنني من أمير العرب فما استم ~~كلامه حتى بادر اليه الصحابة كأنهم عقبان يتقدمهم ضرار بن الأزور وقد رموا ~~PageV01P065 # النشاب عنهم وجردوا سيوفهم وضرار عاري الجسد بسراويله قابض على سيفه وهو ~~يزأر كالأسد وأصحابه من ورائه فالتفت عدو الله ونظر إلى القوم وهم يتسابقون ~~اليه وهو يظن أنهم قومه حتى أنهم وصلوا اليه ونظر في أوائلهم ضرار بن ~~الأزور فقال لخالد سألتك بحق معبودك ان تقتلني أنت بيدك ولا تدع هذا ~~الشيطان يقتلني فقال خالد هو قاتلك لا محالة فهز ضرار سيفه وقال يا عدو ~~الله اين خديعتك من خديعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خالد ~~اصبر يا ضرار حتى آمرك بقتله ثم وصل اليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهزوا سيوفهم في وجهه ومرادهم ان يقتلوه ونظر عدو الله إلى ما دهمه ~~فوقع إلى الأرض وهو يشير بإصبعه الأمان الأمان فقال لخالد يا عدو الله لا ~~نعطي الأمان الا لأهل الأمان وأنت أظهرت لنا المكر والخديعة والله خير ~~الماكرين فلما سمع ضرار كلام خالد لم يمهله دون ان ضربه على عاتقه فخرج ~~السيف يلمع من علائقه ثم أخذ التاج من على رأسه وقال من سبق إلى شيء كان ~~أولى به وقد أدركته سيوف المجاهدين فقطعوه اربا اربا وتبادروا إلى سيفه ~~فأخذوه ثم إن خالدا قال لأصحابه اني أريد ان تحملوا على الروم لأنهم ~~مشتاقون إلى أصحابهم قال فأخذوا رأس عدو الله وردان وتوجهوا نحو عسكر الروم ~~فلما وصل خالد الصفوف نادى يا أعداء الله هذا راس صاحبكم وردان انا خالد بن ~~الوليد أنا صاحب رسول ms079 الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه رمى الرأس وحمل عليهم ~~وحمل المسلمون وحمل أبو عبيدة وقال احملوا يا أهل القرآن وحفاظ الدين وحماة ~~المسلمين فلما رأى الروم رأس وردان ولوا الادبار وركنوا إلى الفرار ولم يزل ~~السيف يعمل فيهم من وقت الصباح إلى الغروب قال عامر بن الطفيل الدوسي كنت ~~مع أبي عبيدة ونحن نتبع المنهزمين إلى طريق غزة إذ اشرف علينا خيل فظننا ~~انها نجدة من عند الملك هرقل فأخذنا على أنفسنا وإذا بالغبرة قد قربت منا ~~فإذا هي عسكر من ارسلها أبو بكر الصديق وما رأوا أحدا من المنهزمين الا ~~قتلوه ونهبوا ما معه قال الواقدي وكان الروم بأجنادين تسعين ألفا فقتل منهم ~~في ذلك اليوم خمسون ألفا وتفرق من بقي منهم فمنهم من انهزم إلى دمشق ومنهم ~~من انهزم إلى قيسارية وغنم المسلمون غنيمة لم يغنم مثلها واخذوا منهم صلبان ~~الذهب والفضة فجمع خالد ذلك كله مع تاج وردان إلى وقت القسمة وقال خالد لست ~~اقسم عليكم شيئا الا بعد فتح دمشق إن شاء الله تعالى وكانت الوقعة باجنادين ~~ليلة ست خلت من جمادي الأول سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبوية وذلك قبل وفاة ~~أبي بكر بثلاث وعشرين ليلة ثم إن خالدا رضي الله عنه PageV01P066 # كتب كتابا إلى أبي بكر يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن ~~الوليد المخزومي إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام عليك اما بعد ~~فاني احمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وازيد حمدا وشكرا على المسلمين ودمارا على المتكبرين المشركين وانصداع ~~بيعتهم وانا لقينا جموعهم بأجنادين وقد رفعوا صلبانهم وتقاسموا بدينهم ان ~~لا يفروا ولا ينهزموا فخرجنا إليهم واستعنا بالله عز وجل متوكلين على الله ~~خالقنا فرزقنا الله الصبر والنصر وكتب الله على أعدائنا القهر فقاتلناهم في ~~كل واد وسبسب وجملة من احصيناهم ممن قتل من المشركون خمسون ألفا وقتل من ~~المسلمين في اليوم الأول والثاني أربعمائة وخمسون ms080 رجلا ختم الله لهم ~~بالمسلمين فرفع أبو بكر رأسه وقرأ الكتاب سرا فلما فهم ما فيه قرأه على ~~عشرون والباقي من أخلاط الناس ويوم كتبت لك الكتاب كان يوم الخميس لليلتين ~~خلتا من جمادي الاخر ونحن راجعون إلى دمشق إن شاء الله تعالى فادع لنا ~~بالنصر والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته وطوى الكتاب ~~وسلمه إلى عبد الرحمن بن حميد وأمره بالمسير إلى المدينة المنورة على ~~ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام وسار خالد بالمسلمين طالب دمشق قال الواقدي ~~رحمة الله عليه ولقد بلغني ان أبا بكر الصديق كان يخرج كل يوم بعد صلاة ~~الفجر إذ أقبل عبد الرحمن بن حميد فلما رآه تسابقت اليه أصحابه وقالوا له ~~من أين أقبلت قال من الشام وان الله قد نصر المسلمين فسجد أبو بكر الصديق ~~لله شكرا وأقبل عبد الرحمن ابن حميد إلى أبي بكر وقال يا خليفة رسول الله ~~ارفع رأسك فقد أقر الله عينك هالمسلمين فرفع أبو بكر رأسه وقرأ الكتاب سرا ~~فلما فهم ما فيه قرأه على المسلمين جهرا فتزاحم الناس يسمعون قراءة الكتاب ~~فشاع الخبر في المدينة فهرعت الناس من كل مكان فقرأه أبو بكر ثاني مرة ~~وتسامع الناس من أهل مكة والحجاز واليمن بما فتح الله على أيدي المسلمين ~~وما ملكوا من أموال الروم فتسابقوا بالخروج إلى الشام ورغبوا في الثواب ~~والاجر وأقبل إلى المدينة من أهل مكة وأكابرهم بالخيل والرماح وفي أوائلهم ~~أبو سفيان والغيداق بن وائل وأقبلوا يستأذنون أبا بكر في الخروج إلى الشام ~~فكره عمر بن الخطاب بن وائل وأقبلوا يستأذنون أبا بكر في الخروج إلى الشام ~~فكره عمر بن الخطاب خروجهم إلى الشام وقال لأبي بكر لا تأذن للقوم فان في ~~قلوبهم حقائد وضغائن والحمد لله الذي كانت كلمته هي العليا وكلمتهم هي ~~السفلى وهم على كفرهم وأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله ~~PageV01P067 # الا أن يتم نوره ونحن مع ذلك نقول ليس مع الله غالب فلما أن أعز الله ~~ديننا ms081 ونصر شريعتنا اسلموا خوفا من السيف فلما سمعوا ان جند الله قد نصروا ~~على الروم أتونا لنبعث بهم إلى الأعداء ليقاسموا السابقين الأولين والصواب ~~أن لا نقربهم فقال أبو بكر لا أخالف لك قولا ولا أعصى لك أمرا قال وبلغ أهل ~~مكة ما تكلم به عمر بن الخطاب فأقبلوا بجمعهم إلى أبي بكر الصديق في المسجد ~~فوجدوا حوله جماعة من المسلمين وهم يتذاكرون ما فتح الله على المسلمين وعمر ~~بن الخطاب عن يساره وعلي بن أبي طالب عن يمينه والناس حوله فأقبلت قريش إلى ~~أبي بكر فسلموا عليه وجلسوا بين يديه وتشاوروا فيمن يكون أولهم كلاما فكان ~~أول من تكلم أبو سفيان بن حرب فأقبل على عمر بن الخطاب وقال يا عمر كنت لنا ~~مبغضا في الجاهلية فلما هدانا الله تعالى إلى الاسلام هدمنا ما كان لك في ~~قلوبنا لان الايمان يهدم الشرك وأنت بعد اليوم تبغضنا فما هذه العداوة يا ~~ابن الخطاب قديما وحديثا اما آن لك ان تغسل ما بقلبك من الحقد والتنافر ~~وانا لنعلم أنك أفضل منا وأسبق في الايمان والجهاد ونحن عارفون بمرتبتكم ~~غير منكرين قال فسكت عمر رضي الله عنه واستحى من هذا الكلام فقال أبو سفيان ~~اني أشهدكم اني قد حبست نفسي في سبيل الله وكذلك تكلم سادات مكة فقال أبو ~~بكر اللهم بلغهم أفضل ما يوملون وأجزهم بأحسن ما يعملون وأرزقهم النصر على ~~عدوهم ولا تمكن عدوهم فيهم انك على كل شيء قدير قال الواقدي فما تمت أيام ~~قلائل حتى جاء جمع من اليمن وعليهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي رضي الله عنه ~~يريد الشام فما لبثوا حتى أقبل مالك بن الأشتر النخعي رضي الله عنه فنزل ~~عند الإمام علي رضي الله عنه بأهله وكان مالك يحب سيدنا عليا وقد شهد معه ~~الوقائع وخاض المعامع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عزم على ~~الخروج مع الناس إلى الشام كتاب أبو بكر إلى خالد قال الواقدي واجتمع ~~بالمدينة نحو تسعة آلاف ms082 فلما تم امرهم كتب أبو بكر كتابا إلى خالد بن ~~الوليد يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين أما بعد فاني احمد ~~الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأوصيكم ~~وآمركم بتقوى الله في السر والعلانية وقد فرحت بما أفاء الله على المسلمين ~~PageV01P068 # من النصر وهلاك الكافرين وأخبرك أن تنزل إلى دمشق إلى أن يأذن الله ~~بفتحها على يدك فإذا تم لك ذلك فسر إلى حمص وأنطاكية والسلام عليك وعلى من ~~معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته وقد تقدم إليك ابطال اليمن وأبطال مكة ~~ويكفيك بن معد يكرب الزبيدي ومالك بن الأشتر وانزل على المدينة العظمى ~~أنطاكية فان بها الملك هرقل فان صالحك فصالحه وان حاربك فحاربه ولا تدخل ~~الدروب وأقول هذا وان الاجل قد قرب ثم كتب * (كل نفس ذائقة الموت) * ثم ختم ~~الكتاب وطواه ودفعه إلى عبد الرحمن وقال له أنت كنت الرسول من الشام وأنت ~~ترد الجواب فأخذه عبد الرحمن وسار على مطيته يطوي المنازل والمناهل إلى أن ~~وصل إلى دمشق قال حدثني نافع بن عميرة قال لما بعث خالد بن الوليد الكتاب ~~إلى أبي بكر الصديق ارتحل يريد دمشق وكان أهلها قد سمعوا بقتل بطريقهم ~~وابطالهم وانهزام جيوشهم ومن أرسلهم الملك بأجنادين فخافوا وتحصنوا بدمشق ~~واعدوا آلة الحصار ورفعوا السيوف والطوارق وعلوا على الاسوار ونشروا ~~الاعلام والصلبان فلما أخذوا على أنفسهم اشرف عليهم الأمير خالد بن الوليد ~~والجيش قد زاد عمرو بن العاص في تسعة آلاف ويزيد بن أبي سفيان في الفين ~~وشرحبيل بن حسنة وعامر بن ربيعة في ألفين وأقبل السواد من ورائهم معاذ بن ~~جبل في الفين فلما رأى أهل دمشق عسكر المسلمين مثل البحر الزاخر أيقنوا ~~بالهلاك وأقبل خالد في جيش الزحف فنزل على الدير المعروف به وبينه وبين ~~المدينة أقل من ميل فلما نزل هناك دعا بالأمراء فاحضرهم ms083 فقال لأبي عبيدة ~~أنت تعلم ما ظهر لنا من غدر هؤلاء القوم عند انصرافنا عنهم وخروجهم في ~~اثرنا فامض بمن معك من أصحابك وانزل بهم على باب الجابية ولا تسمح للقوم ~~بالأمان فيأخذوك بمكرهم ولتكن متباعدا عن الباب وابعث إليهم فوجا بعد فوج ~~واجعل قتال الناس دولا ولا يضق صدرك من كثرة المقام ولا تبرح من مكانك ~~واحذر من القوم الكافرين فقال أبو عبيدة حبا وكرامة ثم إنه خرج حتى نزل ~~بباب الجابية ونصب له بيتا من الشعر بالبعد من الباب حول دمشق قال الواقدي ~~حدثني مسلمة بن عوف عن سالم بن عبد الله عن حجاج الأنصاري قال قلت لجدي ~~رفاعة بن عاصم وكان ممن قاتل بدمشق وكان في خيل أبي عبيدة فقلت يا جداه ما ~~منع أبا عبيدة أن ينصب له قبة من بعض PageV01P069 # قبب الروم مما اخذه من أجنادين ومن بصرى فقد كان عندهم ألوف من ذلك فقال ~~يا بني منعهم من ذلك التواضع ولم يتنافسوا في زينة الدنيا وملكها حتى ينظر ~~الروم انهم لا يقاتلون طلبا للملك وانما يقاتلون رجاء ثواب الله تعالى وطلب ~~الآخرة ونصرة للدين ولقد كنا ننزل فننصب خيامنا وخيام الروم بالبعد قال ~~فلما نزل أبو عبيدة على باب الجابية أمر أصحابه بالقتال ثم إن خالدا استدعى ~~بيزيد بن أبي سفيان وقال له يا يزيد خذ صاحبك وانزل على الباب الصغير واحفظ ~~قومك وان خرج إليك أحد لا يكون لك به طاقة فابعث إلي حتى انجدك إن شاء الله ~~تعالى ثم استدعى بشرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال له انزل على باب توما ثم توجه بقومه واستدعى بعمرو بن العاص وأمره ان ~~يسير إلى باب الفراديس ثم استدعي بعده بقيس بن هبيرة وقال له اذهب بقومك ~~إلى باب الفرج ثم نزل خالد إلى الباب الشرقي ودعا بضرار بن الأزور رضي الله ~~عنه وضم اليه ألفي فارس وقال له تطوف حول المدينة بعسكرك وان دهمك أمر أو ~~لاحت لك ms084 عيون القوم فأرسل الينا قال ثم سار ضرار واتبعه قومه وبقي خالد على ~~الباب الشرقي ثم قدم عبد الرحمن بن حميد من المدينة بكتاب أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه وعدل إلى ناحية خالد بن الوليد على الباب الشرقي وقد تقدم ~~للقتال طائفة من أصحابه مع رافع بن عميرة فلما رفع اليه الكتاب فرح بعد أن ~~قرأه على المسلمين واستبشر بقدوم عمرو بن معد يكرب الزبيدي وأبي سفيان بن ~~حرب قال وشاع الخبر عند جميع الناس وبعث خالد كتاب أبي بكر إلى كل باب ~~فقرىء على الناس متأهين وبات الناس متأهبين للحرب يتحارسون إلى الصباح ~~وضرار يطوف حولهم ولا يقف في مكان واحد مخافة ان يكبس بهم العدو قال ~~الواقدي ولقد بلغني ان أهل دمشق اجتمعوا إلى كبارهم من البلد وتشاوروا فيما ~~بينهم فقال بعضهم ما لنا الا الصلح ونعطي العرب جميع ما طلبوه منا وقال ~~آخرون ما نحن بأكثر من جموع أجنادين فقال لهم بطريق من الروم اطلبوا لنا ~~صهر الملك توما نتشاور في هذا الامر لنسمع ما يقول ونطلب منه ان يكشف عنا ~~ما نحن فيه فاما ان يصالحهم واما ان يحامي عنا قال فمضى القوم إلى توما ~~وعليه رجال موكلون بالسلاح فقالوا لهم ما الذي تريدون فقالوا نريد صهر ~~الملك توما نشاوره في هذا الامر قال فأذنوا لهم فدخلوا عليه وقبلوا الأرض ~~بين يديه فقال لهم ما الذي تريدون فقالوا أيها السيد انظر ما نزل ببلادنا ~~وقد جاءنا ما لا طاقة لنا به فاما ان نصالح العرب على ما طلبوا واما ان ~~نرسل إلى الملك فينجدنا أو يمانع عنا فقد أشرفنا على PageV01P070 # الهلاك فلما سمع ذلك منهم تبسم ضاحكا وقال يا ويلكم أطمعتم العرب فيكم ~~وحق راس الملك ما أرى القوم أهلا للقتال ولا هم خاطرون لي على بال فلو فتح ~~لهم الباب ما جسروا ان يدخلوا فقالوا أيها السيد ان أكبرهم وأصغرهم يقاتل ~~العشرة والمائة وصاحبهم داهية لا تطاق فإن كان ولا بد فأخرج بنا لقتالهم ms085 ~~فقال لهم توما انكم أكثر منهم ومدينتنا حصينة ولكم مثل هذا العدد والسلاح ~~وأما القوم فهم حفاة عراة فقالوا له أيها السيد ان معهم من عددنا واسلحتنا ~~كثيرا مما أخذوه من واقعة فلسطين ومما أخذوه من بصرى ومن يوم لقائهم بكلوس ~~وعزازير ومما أخذوه من أجنادين وأيضا ان نبيهم قال لهم ان من قتل منا صار ~~إلى الجنة فلأجل ذلك يبقون عراة الأجساد ليصلوا إلى ما قال لهم نبيهم قال ~~فضحك من قولهم وقال لهم لأجل ذلك أطمعتم العرب فينا ولو صدقتم في الحرب ~~والصدام لقتلتموهم لأنكم اضعافهم مرارا فقالوا أيها السيد اكفنا مؤونتهم ~~كيف شئت واعلم انك ان لم تمنعهم عنا فتحنا لهم الأبواب وصالحناهم فلما سمع ~~توما كلامهم فكر طويلا وخشي أن تفعل القوم ذلك فقال انا أصرف عنكم هؤلاء ~~العرب واقتل أميرهم وأريد منكم ان تقاتلوا معي قالوا نحن معك وبين يديك ~~نقاتل حتى نهلك عن أخرنا فقال لهم باكروا القوم بالقتال فانصرفوا عنه وهم ~~له شاكرون ولامره منتظرون وباتوا بقية ليلتهم على الحصن وأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في مواضعهم ولهم ضجة بالتهليل والتكبير والصلاة على ~~البشير النذير وخالد بن الوليد عند الدير ومعه النساء والعيال والأموال ~~والغنائم التي غنموها من أعدائهم ورافع بن عميرة على الباب الشرقي في عسكر ~~الزحف وغيرهم ولم يزل الناس في الحرس إلى أن برق الصباح وصلى كل أمير بمن ~~معه من قومه وصلى أبو عبيدة بمن معه ثم أمر أصحابه بالزحف وقال لهم لا ~~تخلوا عن القتال واركبوا الخيل حدثني رفاعة بن قيس قال سألت والدي قيسا ~~وكان ممن حضر فتوح دمشق الشام فقلت له أكنتم تقاتلون في دمشق خيالة أو ~~رجالة يوم حصار المسلمين فقال ما كان أحد منا فارسا الا زهاء الفي فارس مع ~~ضرار بن الأزور وهو يطوف بهم حول العسكر وحول المدينة وكلما أتى بابا من ~~الأبواب وقف عنده وحرض أهله على القتال وهو يقول صبرا صبرا لأعداء الله قال ~~وأقبل توما صهر الملك ms086 هرقل من بابه الذي يدعى باسمه وكان عندهم عابدا راهبا ~~ولم يكن في بلاد الشرك أعبد منه ولا أزهد في دينهم PageV01P071 # وكان معظما عند الروم فخرج ذلك اليوم من قصره والصليب الأعظم على رأسه ~~وعلا به فوق البرج وأوقف البطارقة حوله والإنجيل تحمله ذوو المعرفة قال ~~ونصبوه بالقرب من الصليب ورفع القوم أصواتهم وتقدم توما ووضع يده على أسطر ~~من الإنجيل وقال اللهم ان كنا على الحق فانصرنا ولا تسلمنا لأعدائنا واخذل ~~الظالم منا فإنك به عليم اللهم اننا نتقرب إليك بالصليب ومن صلب على دينه ~~وأظهر الآيات الربانية والافعال اللاهوتية انصرنا على هؤلاء الظالمين قال ~~وأمن الناس على دعائه قال رفاعة بن قيس هكذا حدثني شرحبيل بن حسنة كاتب وحي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي فسر لنا هذا الكلام روماس صاحب بصرى ~~وكان في جيش شرحبيل بن حسنة يقاتل على باب توما وكلما قال الروم شيئا ~~بلغتهم فسره لنا قال ونهض شرحبيل وقصد الباب بحملته وقد عظم عليه قول توما ~~اللعين وقال له يا لعين لقد كذبت ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب أحياه متى شاء ورفعه متى شاء ثم إن روماس ناوشه بالقتال فقاتل توما ~~قتالا شديدا وهشم الناس بالحجارة ورمى النشاب رميا متداركا فجرح رجالا وكان ~~ممن جرح أبان بن سعيد بن العاص أصابته نشابة وكانت مسمومة فأحس بلهيب السم ~~في بدنه فتأخر وحمله اخوانه إلى أن اتوا به إلى العسكر فأرادوا حل العمامة ~~فقال لا تحلوها فان حللتم جرحي تبعتها روحي أما والله لقد رزقني الله ما ~~كنت أتمناه قال فلم يسمعوا قوله وحلوا عمامته فلما حلوها شخص إلى السماء ~~وصار يشير بإصبعيه أشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون فما استتمها حتى توفي إلى رحمة الله تعالى بطولة ~~المرأة وكانت زوجته بنت عمه وكان قد تزوجها باجنادين وكانت قريبة العهد من ~~العرس ولم يكن الخصاب ذهب من يدها ولا العطر ms087 من رأسها وكانت من المترجلات ~~البازلات من أهل بيت الشجاعة واليراعة فلما سمعت بموت بعلها أتته تتعثر في ~~أذيالها إلى أن وقعت عليه فلما نظرته صبرت واحتسبت ولم يسمع منها غير قولها ~~هنئت بما أعطيت ومضيت إلى جوار ربك الذي جمع بيننا ثم فرق ولاجهدن حتى الحق ~~بك فاني لمتشوقة إليك حرام علي أن يمسني بعدك أحد واني قد حبست نفسي في ~~سبيل الله عسى ان الحق بك وأرجو أن يكون ذلك عاجلا ثم حفر له ودفن مكانه ~~فقبره معروف وصلى عليه خالد بن الوليد فلما غيب في التراب لم تقف على قبره ~~دون أن أتت إلى سلاحه ولحقت الجيش من غير أن تعلم خالدا بذلك PageV01P072 # وقالت على أي باب قتل بعلي فقيل لها على باب توما والذي قتله هو صهر ~~الملك قال فسارت إلى أصحاب شرحبيل بن حسنة فاختلطت بهم وقاتلت مع الناس ~~قتالا لم ير مثله وكانت أرمى الناس بالنبل وكان قد جعل لها قوس وكنانة قال ~~شرحبيل بن حسنة رايت يوم حصار دمشق رجلا على باب توما يحمل الصليب وهو امام ~~توما وهو يشير اليه اللهم انصر هذا الصليب ومن لاذ به اللهم اظهر له نضرته ~~وأعل درجته قال شرحبيل بن حسنة وانا دائما أنظر اليه إذ رمته زوجة ابان ~~بنبلة فلم تخطىء رميتها وإذا بالصليب قد سقط من يده وهوى الينا وكأني أنظر ~~لمعان الجوهر من جوانبه فما فينا الا من بادر اليه ليأخذه وقد استتر بالدرق ~~وتزاحم بعضنا على بعض كل منا يسبق اليه ليأخذه ونظر عدو الله توما إلى ذلك ~~من تنكس الصليب الأعظم واهوائه إلى المسلمين فعند ذلك كفر وعظم عليه الامر ~~وقال يبلغ الملك ان الصليب الأعظم أخذ مني وملكته العرب لا كان ذلك أبدا ثم ~~إنه حرم وسطه وأخذ سيفه وقال من شاء منكم فليتبعني ومن شاء فليقعد فلابد لي ~~من القوم عسى ان أشفي صدري ثم انحدر مسرعا وأمر بفتح الباب وكان هو أول ~~مبادر فلما نظرت الروم إلى ذلك ms088 لم يكن فيهم الا من انحدر في أثره لما ~~يعلمون من شجاعته وخرجوا كالجراد المنتشر هذا والمسلمون محيطون بالصليب ~~فلما خرج الروم ووقع صياحهم حذر الناس بعضهم بعضا فلما نظر المسلمون إلى ~~الروم سلموا الصليب إلى شرحبيل بن حسنة وانفردا لأعدائهم وحملوا في أعراضهم ~~وأخذهم النشاب والحجارة ومن كل مكان من أعلى الباب فصاح شرحبيل بن حسنة ~~معاشر المسلمين تقهقروا إلى ورائكم لتأمنوا النشاب من أعداء الله العالين ~~على الباب قال فتقهقر الناس إلى ورائهم إلى أن أمنوا من ضرب النشاب فاتبعهم ~~عدو الله توما وهو يضرب يمينا وشمالا وحوله أبطال المشركين من قومه وهو ~~يهدر كالجمل فلما نظر شرحبيل بن حسنة ذلك صرخ بقومه وقال معاشر الناس كونوا ~~آيسين من آجالكم طالبين جنة ربكم وأرضوا خالقكم بفعلكم فإنه لا يرضى منكم ~~بالفرار ولا أن تولوا الادبار فاحملوا عليهم واقربوا إليهم بارك الله فيكم ~~قال فحمل الناس حملة منكرة واختلط الناس بعضهم ببعض وعملت بينهم السيوف ~~وتراموا بالنبل وتسامع أهل دمشق ان توما خرج إلى العرب من بابه وان صليبه ~~الأعظم سقط إليهم من كف حامله فجعلوا يهرعون إلى أن تزايد أمرهم وجعل عدو ~~الله ينظر يمينا وشمالا وينظر الصليب فحانت منه التفاتة فنظر فرآه مع ~~شرحبيل بن حسنة فلما نظر اليه لم يكن له صبر دون أن حمل وصاح PageV01P073 # هات الصليب لا أم لك فقد لحقتك بواثقة قال ونظر شرحبيل بن حسنة إلى عدو ~~الله وهو مقبل فرمى الصليب من يده وصادمه فلما رأى عدو الله الصليب مرميا ~~على الأرض صرخ بأصحابه صرخة هائلة ونظرت زوجة أبان ابن سعيد إلى حملة عدو ~~الله على شرحبيل فقالت من هذا قيل هو صهر الملك وهو قاتل بعلك أبان بن سعيد ~~فلما سمعت ذلك منهم حملت حملة منكرة إلى أن قاربته ورمته بنبلة وكان الروم ~~أرهبوها فلم تلتفت إليهم دون أن حققت نبلتها على صاحبها وقالت بسم الله ~~وبركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أطلقتها وكان عدو الله واصلا إلى ms089 ~~شرحبيل إذ جاءته النبلة فأصابت عينه اليمنى فسكنت النبلة فيها فتقهقر إلى ~~ورائه صارخا وهمت بأن ترميه بأخرى فتبادرت إليها الرجال واستتروا بالطوارق ~~وتبادر إليها قوم من المسلمين يحامون عنها فلما أمنت من شر الأعداء أخذت ~~ترمي بالنبل ثم إنها رمت علجا من الروم فأصابت صدره فسقط هاويا إلى الأرض ~~وكان عدو الله أول من تقهقر ذلك اليوم هاربا من شدة حرارة النبلة وصرخ صرخة ~~عظيمة إلى أن دخل الباب ونظر شرحبيل إلى ذلك فصرخ بأصحابه يا ويلكم دونكم ~~وكلب الروم احملوا على الكلاب عسى أن تدركوا عدو الله قال فحمل الناس على ~~الروم إلى أن أوصلوهم إلى الباب فحماهم قومهم من أعلى الباب بالحجارة ~~والنشاب قال فتراجع الناس إلى مواضعهم وقد قتلوا من الروم مقتلة عظيمة ~~وأخذوا أسلابهم وأموالهم وصليبهم ودخل عدو الله توما إلى المدينة وأغلقوا ~~الأبواب وجاء الحكماء يعالجون في قلع النبلة من عينه فلم تطلع فجذبوها فلم ~~تنجذب وهو يضج بالصراخ فلما طال على القوم ذلك ولم يجدوا حيلة في اخراجها ~~نشروها وبقي النصل في عينه ولم تزل في مكانها وسألوه المسير إلى منزله فأبى ~~وجلس داخل الباب إلى أن سكن ما به وخف عنه الألم فقالوا له عد إلى منزلك ~~بقية ليلتك فقد نكبنا في يومنا هذا نكبتين نكبة الصليب ونكبة عنيك كل هذا ~~مما وصل الينا من النبال وقد علمنا أن القوم لا يصطلي لهم بنار وقد سألناك ~~أن نصالح القوم على ما طلبوه منا قال فغضب توما من قولهم وقال يا ويلكم ~~يؤخذ الصليب الأعظم وأصاب بعيني وأغفل عن هذا ويبلغ الملك عني ذلك فينسبني ~~للوهن والعجز ولا بد من طلبهم على كل حال وآخذ صليبي وآخذ في عيني الف عين ~~منهم وسأوقع حيلة أصل بها إلى كبيرهم وآخذ جميع ما غنموه وبعد ذلك أسير إلى ~~صاحبهم الذي هو في الحجاز وأقطع آثاره وأخرب دياره وأهدم مساكنه وأجعل بلده ~~مسكنا للوحوش ثم إن الملعون سار إلى أعلى السور وهو معصوب العين وصار ~~PageV01P074 # يحرض ms090 الناس لكي يزيل عن قلوبهم الرعب وأقبل يقول لهم لا تفزعوا ولا ~~تجزعوا مما ظهر لكم من العرب ولا بد للصليب أن يرميهم وأنا الضامن لكم قال ~~فثبت القوم من قومه وحاربوا حربا شديدا وبعث شرحبيل بن حسنة إلى خالد بن ~~الوليد يخبره بما صنع مع القوم فقال الرسول ان عدو الله توما قد ظهر لنا ~~منه ما لم يكن في الحساب ونطلب منك رجالا لان الحرب عندنا أكثر من كل باب ~~فلما سمع خالد ذلك الخبر حمدالله وقال كيف أخذتم الصليب من الروم فقال ~~الرسول كان يحمل صليب الروم رجل وهو أمام توما صهر الملك فرمته زوجة أبان ~~بنبلة فوقع الصليب الينا وخرج عدو الله فرمته زوجة أبان بنبلة فاشتبكت في ~~عين توما اليمنى فقال خالد ان توما عند الملك معظم وهو الذي يمنعهم عن ~~الصلح ونرجو من الله أن يكفينا شره ثم قال للرسول عد إلى شرحبيل وقل له كن ~~حافظا ما أمرتك به فكل فرقة مشغولة عنك ولم تؤت من قبلهم وأنا بالقرب منك ~~وهذا ضرار بن الأزور يطوف حول المدينة وكل وقت عندك قال فرجع الرسول فأخبره ~~بذلك فصبر وقاتل بقية يومه ووصل الخبر إلى أبي عبيدة بما نزل بشرحبيل بن ~~حسنة من توما وبما غنم من صليبه فسر بذلك قال ولما أصبح الصباح بعث توما ~~إلى أكابر دمشق وأبطالهم فلما حضروا بين يديه قال لهم يا أهل دين النصراينة ~~انه قد طاف عليكم قوم لا أمان لهم ولا عهد لهم وقد أتوا يسكنون بلادكم فكيف ~~صبركم على ذلك وعلى هتك الحريم وسبي الأولاد وتكون نساؤكم جواري لهم ~~وأولادكم عبيدا لهم وما وقع الصليب الا غضبا عليكم مما اضمرتم لهذا الدين ~~من مصالحة المسلمين واذلالكم للصليب وأنا قد خرجت ولولا أني أصبت بعيني لما ~~عدت حتى أفرغ منهم ولا بد من أخذ ثأري وان اقلع الف عين من العرب ثم لابد ~~أن أصل إلى الصليب وأطالبهم به عن قريب فلما سمعوا كلامه قالوا له ها نحن ms091 ~~بين يديك وقد رضينا بما رضيت لنفسك فان امرتنا بالخروج خرجنا معك وان ~~أمرتنا بالقتال قاتلنا فقال توما اعلموا أن من خاض الحروب لم يخف من شيء ~~واني قد عزمت على أن أهجم هذه الليلة واكبسهم في أماكنهم فان الليل مهيب ~~وأنتم اخبر بالبلد من غيركم فلم يبق الليلة فيكم أحد حتى يتأهب للحرب ويخرج ~~من الباب وأرجو أن لا أعود حتى تنقضي الاشغال فإذا فرغت من القوم أخذت ~~أميرهم أسيرا وأحمله إلى الملك يأمر فيه بأمره فقالوا حبا وكرامة فعند ذلك ~~فرق القوم على الباب الشرقي فرقة وعلى باب الجابية فرقة وعلى كل باب جماعة ~~وقال لهم لا تجزعوا فان أمير القوم متباعد عنكم وليس هناك الا الأراذل ~~والموالي فاطحنوهم طحن الحصيد قال PageV01P075 # ودعا بفرقة أخرى إلى باب الفراديس إلى عمرو بن العاص وخرج توما من بابه ~~واخذ معه أبطال القوم ولم يترك بطلا يعرف بالشجاعة الا أخذه معه ورتب على ~~الباب ناقوسا وقال لهم إذا سمعتم الناقوس فهي العلامة التي بيننا فافتحوا ~~الأبواب واخرجوا مسرعين إلى أعدائكم ولا تجدوا رجالا نياما الا وتطعون ~~السيف فيهم فان فعلتم ذلك فرقتم جمعهم في هذه الليلة وانكسروا كسرة لا ~~يجبرون بعدها أبدا قال ففرح القوم بذلك وخرجوا إلى حيث أمرهم وقعدت كل فرقة ~~على بابها وأقاموا ينتظرون صوت الناقوس ليبادروا إلى المسلمين قال ودعا ~~توما برجل من الروم قال له خذ ناقوسا واعل به على الباب فإذا رأيتنا قد ~~فتحنا الباب فاضرب الناقوس ضربة خفيفة يسمعها قومنا وقد سار توما بقطعة من ~~جيشه عليهم الدروع وبأيديهم السيوف وتوما في أوائلهم وبيده صفيحة هندية ~~والقى على رأسه بيضة كسروية كان هرقل قد أهداها له وكانت لا تعمل فيها ~~السيوف القواطع حتى وصل إلى الباب ثم وقف حتى تكامل القوم فلما نظر إليهم ~~قال يا قوم فتحنا لكم الباب فأسرعوا إلى عدوكم وجدوا في سعيكم إلى أن تصلوا ~~إلى القوم فإذا وصلتم إليهم فاحملوا ومكنوا السيوف فيهم ومن صاح منهم ~~بالأمان فلا تبقوا ms092 عليه الا أن يكون أمير القوم ومن أبصر منكم الصليب ~~فليأخذه فقالوا حبا وكرامة القتال من فوق الاسوار ثم أمر رجلا من أصحابه أن ~~يسير إلى الذي بيده الناقوس ويأمره أن يضربه ضربة خفيفة ثم فتح الباب ~~وتبادر الرجال إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في غفلة مما دبر ~~القوم لهم الا أنهم في يقظة فلما سمعوا الصوت أيقظ بعضهم بعضا وتواثبت ~~الرجال من أماكنهم كالأسود الضارية فلم يصل إليهم العدو الا وهم على حذر ~~وحملوا عليهم وهم في غير ترتيب فتقاتل القوم في جنح الظلام وعمل السيف وسمع ~~خالد بن الوليد فقام ذاهل العقل مما سمع من الزعقات فصاح وا غوثاه واسلاماه ~~كيد قومي ورب الكعبة اللهم انظر لهم بعينك التي لا تنام وانصرهم يا أرحم ~~الراحمين وسار خالد ومن معه وهم أربعمائة فارس من أصحابه وهو بغير درع قد ~~لبس ثوب كتان من عمل الشام مكشوف الرأس ثم جد في السير والأربعمائة فارس ~~معه كأنهم الليوث العوابس إلى أن وصلوا إلى الباب الشرقي وإذا بالفرقة التي ~~هناك قد هاجمت أصحاب رافع بن عميرة الطائي قال وأصوات المسلمين عالية ~~بالتهليل والتكبير والقوم من أعلى الاسوار قد أشرفوا وتصايحوا عندما استيقظ ~~لهم المسلمون فحمل خالد بن الوليد على الروم ونادى برفع صوته أبشروا يا ~~معشر المسلمين أتاكم PageV01P076 # الغوث من رب العالمين أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد وحمل في ~~أوساط الناس بمن معه فجندل أبطالا وقتل رجالا وهو مع ذلك مشتغل القلب على ~~أبي عبيدة والمسلمين الذين على الأبواب وهو يسمع أصواتهم وزعقاتهم قال ~~وتصايح الروم والنصارى واليهود قال سنان بن عوف قلت لابن عمي قيس هل كانت ~~اليهود تقاتلكم قال نعم يقاتلوننا من أعلى الاسوار ويرمون بالسهام وخشي ~~خالد على شرحبيل ابن حسنة مما وصل اليه من عدو الله توما لأنه ملازما الباب ~~وقال لقي شرحبيل بن حسنة من عدو الله توما أمرا عظيما لم يلق أحد مثله وذلك ~~أنه هجم عليه توما في تلك ms093 اليلة وكان أول من وصل إلى المسلمين عدو الله ~~توما قال فصبروا له صبر الكرام وقاتل عدو الله قتالا شديدا وهو ينادي أين ~~أميركم الذميم الذي أصابني انا ركن الملك الرحيم أنا ناصر الصليب قال فلما ~~سمع شرحبيل صوته قصد جهته وقد جرح رجالا من المسلمين وقال ها أنا صاحبك ~~وغريمك أنا مبيد جمعكم وآخذ صليبكم انا كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فعطف عليه توما عطفة الأسد ورأى من شرحبيل بن حسنة أمرا هائلا ولم ~~يزالوا كذلك إلى أن زال من الليل شطره وكل قرن مع قرنه وكانت زوجة ابان مع ~~شرحبيل وكانت في تلك الليلة أحسن الناس صبرا ورمت بنبالها وكانت لا تقع ~~نبلة من نبالها الا في رجل من المشركين إلى أن قتلت من الروم مقتلة عظيمة ~~بالنبال والروم يتحايدون عنها إلى أن لاح رجل من الروم فرمته بنبلة فبقيت ~~معلقة في نحره قال فصرخ بالروم فهاجموها وأخذوها أسيرة ومات عدو الله الذي ~~رمته قال ولقي شرحبيل من الروم مالا يلقاه أحد وانه ضرب توما ضربة هائلة ~~فتلقاها الملعون بدرقته فانكسر سيف شرحبيل فطمع عدو الله فيه وحمل عليه وظن ~~أنه يأخذه أسيرا وإذا بفارسين قد أشرفا من ورائهما مع كبكبة من الفرسان ~~فهجموا على الروم ونظروا وإذا بزوجة ابان قد خلصت وهجمت على الروم وهتفت ~~فلحقها فارسان فبرز لهما عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأبان ~~بن عثمان بن عفان رضي الله عنه فقتلا الرجلين ورجع عدو الله توما هاربا إلى ~~المدينة قال حدثني تميم بن عدي وكان ممن شهد الفتوحات قال كنت في خيمة أبي ~~عبيدة وذلك أن أبا عبيدة كان يصلي فيها إذ سمع الصياح فقال لا حول ولا قوة ~~الا بالله العلي العظيم ثم لبس سلاحه ورتب قومه ودنا من القوم فنظر إليهم ~~وهم في المعمعة والحرب وعدل عنهم ميسرة وميمنة إلى أن جاوزهم وعطف نحو ~~الباب وكبر وكبر المسلمون فلما سمع المشركون تكبيرهم PageV01P077 # ظنوا أن المسلمين قد ms094 دهموهم من ورائهم في جمع كثير فولوا راجعين فتلقاهم ~~أبو عبيدة وقومه واخذوا عليهم المجاز وبذل أبو عبيدة السيف فيهم قال ~~الواقدي ولقد بلغني أنه ما سلم من الروم تلك الليلة أحد من الذين هم غرماء ~~أبي عبيدة ولقد قتلوا عن آخرهم فبينما هم في القتال إذ أشرف عليهم ضرار بن ~~الأزور وهو ملطخ بالدماء فقال له خالد ما وراءك يا ضرار فقال أبشر أيها ~~الأمير ما جئتك حتى قتلت في ليلتي هذه مائة وخمسين رجلا وقتل قومي ما لا ~~يعد ولا يحصى وقد كفيتكم مؤنة من خرج من الباب الصغير إلى يزيد بن أبي ~~سفيان ثم عطفت إلى سائر الأبواب فقتلت خلقا كثيرا قال فسر بذلك خالد بن ~~الوليد ثم ساروا جميعا حتى أتوا شرحبيل بن حسنة وشكروا فعله وكانت ليلة ~~مقمرة ولم يلق مثلها الناس فقتلوا في تلك الليلة ألوفا من الروم قال فاجتمع ~~كبار أهل دمشق إلى توما وقالوا له أيها السيد انا قد نصحناك فلم تسمع ~~لقولنا وقد قتل منا أكثر الناس وهذا أمير لا يطاق يعني خالد بن الوليد ~~فصالح فهو أصلح لك ولنا وان لم تصالح صالحنا وأنت وشأنك فقال يا قوم ~~أمهلوني حتى أكتب إلى الملك واعلمه بما نزل بنا فكتب من وقته وساعته كتابا ~~يقول فيه إلى الملك الرحيم من صهرك توما أما بعد فان العرب محدقون بنا ~~كاحداق البياض بسواد العين وقد قتلوا أهل أجنادين ورجعوا الينا وقد قتلوا ~~منا مقتلة عظيمة وقد خرجت إليهم وأصيبت عيني وقد عزمت على الصلح ودفع ~~الجزية للعرب فاما أن تسير بنفسك واما ان ترسل لنا عسكرا تنجدنا بهم واما ~~أن تأمرنا بالصلح مع القوم فقد تزايد الامر علينا ثم طوى الكتاب وختمه وبعث ~~به قبل الصباح فلما أصبح الصباح باكرهم المسلمون بالقتال وبعث خالد لكل ~~أمير أن يزحف من مكانه فركب أبو عبيدة ووقع القتال واشتد الامر على أهل ~~دمشق فبعثوا لخالد أن أمهلنا فأبى الا القتال ولم يزل كذلك إلى أن ضاق بهم ms095 ~~الحصار وهم ينتظرون أمر الملك واجتمع أهل البلد وقالوا لبعضهم ما لنا صبر ~~على ما نحن فيه من الامر وان هؤلاء ان قاتلناهم نصروا علينا وان تركناهم ~~أضر بنا الحصار فاطلبوا من القوم صلحا على ما طلبوه منكم فقال لهم شيخ كبير ~~من الروم وقد قرأ الكتب السالفة يا قوم والله اني أعلم أنه لو اتى الملك في ~~جيشه جميعا لما منعوا عنكم هؤلاء لما قرأت في الكتاب ان صاحبهم محمدا خاتم ~~المرسلين سيظهر دينه على كل دين فأطيعوا القوم وأعطوهم ما طلبوا منكم فهو ~~وافق لكم فلما سمع القوم مقالات الشيخ ركنوا اليه لما يعلمون من علمه ~~PageV01P078 # ومعرفته بالاخبار والملاحم فقالوا كيف الرأي عندك فنحن نعلم أن هذا ~~الأمير الذي على باب شرقي رجل سفاك للدماء فقال لهم ان أردتم تقارب الامر ~~فامضوا إلى الذي على باب الجابية وليتكلم رجل يعرف بالعربية ويقول بصوت ~~رفيع يا معاشر العرب الأمان حتى ننزل إليكم ونتكلم مع صاحبكم قال أبو هريرة ~~رضي الله عنه وكان أبو عبيدة قد انفذ رجالا من المسلمين مكثرا بالقرب من ~~الباب مخافة الكبسة مثل الليلة التي خلت وكانت النوبة تلك الليلة لبني دوس ~~والأمير عليها عامر بن الطفيل الدوسي قال فبينما نحن جلوس في مواضعنا من ~~الباب إذ سمعنا أصوات القوم وهم ينادون قال أبو هريرة فلما سمعت بادرت إلى ~~أبي عبيدة قال وبشرته بذلك فاستبشر وقال أمض وكلم القوم وقل لهم لكم الأمان ~~قال فأتيت القوم وبشرتهم بالأمان فقالوا من أنت فقلت أنا أبو هريرة صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن عبيدا أعطوكم الأمان والذمام ونحن في ~~الجاهلية لما غدرنا فكيف وقد هدانا الله إلى دين الاسلام قال فنزل القوم ~~وفتحوا الباب وإذ هم مائة رجل من كبرائهم وعلمائهم فلما قربوا من عسكر أبي ~~عبيدة تبادر إليهم وأزلوا عنهم الصلبان إلى أن وصلوا خيمة أبي عبيدة فرحب ~~بهم وأجلسهم وقال إن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قال إذا أتاكم عزيز ~~قوم فأكرموه ms096 وتكلموا في أمر الصلح وقالوا انا نريد منكم ان تتركوا كنائسنا ~~ولا تنقضوا علينا منها كنيسة وهي الجامع الآن بدمشق فقال لهم أبو عبيدة ~~جميع الكنائس لا يؤمر بهدمها قال وكان في دمشق كنائس واحدة تسمى كنيسة مريم ~~وكنيسة حنا وكنيسة سوق الليل وكنيسة انذار وهي عند دار عبد الرحمن ذرة فكتب ~~لهم أبو عبيدة كتاب الصلح والأمان ولم يسم فيه اسمه ولا أثبت شهودا وذلك ~~لأنه لم يكن أمير المؤمنين فلما كتب لهم الكتاب تسلموه منه وقالوا له قم ~~معنا إلى البلد قال فقام أبو عبيدة وركب معه أبو هريرة ومعاذ بن جبل ونعيم ~~بن عمرو وعبد الله بن عمرو الدوسي وذو الكلاع الحميري وحسان بن النعمان ~~وجرير بن نوفل الحميري وسيف بن سلمة ومعمر بن خليفة وربيعة بن مالك ~~والمغيرة بن شعبة وأبو لبابة بن المنذر وعوف بن ساعدة وعامر بن قيس وعبادة ~~بن عتيبة وبشر بن عامر وعبد الله بن قرط الأسدي وجملتهم خمسة وثلاثون ~~صحابيا من أعيان الصحابة رضي الله عنهم وخمسة وستون من أخلاط الناس فلما ~~ركبوا وتقدموا نحو الباب قال أبو عبيدة أريد منكم رهائن حتى ندخل معكم ~~فأتوه برهائن وقيل إن أبا عبيدة رأى في منامه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول له تفتح المدينة ان شاء PageV01P079 # الله تعالى في هذه الليلة فقلت يا رسول الله أراك على عجل قال لاحضر ~~جنازة أبي بكر الصديق قال فاستيقظت من المنام قال الواقدي وقد بلغني ان أبا ~~عبيدة لما دخل دمشق بأصحابه سارت القسس والرهبان بين يديه على مسرح الشعر ~~وقد رفعوا الإنجيل والمباخر بالند والعود ودخل أبو عبيدة من باب الجابية ~~ولم يعلم خالد بن الوليد لأنه شد عليهم بالقتال قال وكان هناك قسيس من قسس ~~الروم اسمه يونس بن مرقص وكانت داره ملاصقة للسور مما يلي باب شرقي الذي ~~عنده خالد وكان عنده ملاحم دانيال عليه السلام وكان فيها ان الله تعالى ~~يفتح البلاد على يد الصحابة ويعلو دينهم على كل ms097 دين فلما كانت تلك الليلة ~~نقب يونس من داره وحفر موضعا وخرج على حين غفلة من أهله وأولاده وقصد خالدا ~~وحدثه أنه خرج من داره وحفر موضعا والآن أريد أمانا لي ولأهلي ولاولادي قال ~~فأخذ خالد عهده على ذلك وانفذ معه مائة رجل من المسلمين أكثرهم من حمير ~~وقال لهم إذا وصلتم المدينة فارفعوا أصواتكم بأجمعكم واقصدوا الباب واكسروا ~~الاقفال وأزيلوا السلاسل حتى تدخلوا إن شاء الله تعالى قال ففعل القوم ما ~~أمرهم به خالد رضي الله عنه وساروا ومضى أمامهم يونس بن مرقص حتى دخل بهم ~~من حيث خرج فلما حطوا في داره تدرعوا واحترسوا ثم خرجوا وقصدوا الباب ~~واعلنوا بالتكبير قال فلما سمع المشركون التكبير ذهلوا وعلموا ان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حطوا معهم في المدينة وأن أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قصدوا الباب وكسروا الاقفال وقطعوا السلاسل ودخل خالد ~~بن الوليد ومن معه من المسلمين ووضعوا السيف في الروم وهم مختلفون بين يديه ~~إلى أن وصل إلى كنيسة مريم وخالد بن الوليد يأسر ويقتل قال الواقدي والتقي ~~الجمعان عند الكنيسة جيش خالد وجيش أبي عبيدة وأصحابه سائرون والرهبان ~~سائرون بين أيديهم وما أحد من أصحاب أبي عبيدة جرد سيفه فلما نظر خالد ~~إليهم ورأى أن لا أحد منهم جرد سيفه بهت وجعل ينظر إليهم متعجبا قال فنظر ~~اليه أبو عبيدة وعرف في وجهه الانكار فقال أبا سليمان قد فتح الله على يدي ~~المدينة صلحا وكفى الله المؤمنين القتال قال الواقدي ما خاطب أبو عبيدة ~~خالدا يوم الفتح بدمشق الا بالامارة فقال أيها الأمير قد تم الصلح فقال ~~خالد وما الصلح لا أصلح الله بالهم وأنى لهم الصلح وقد فتحتها بالسيف وقد ~~خضبت سيوف المسليمن من دمائهم وأخذت الأولاد عبيدا وقد نهبت الأموال فقال ~~أبو عبيدة أيها PageV01P080 # الأمير اعلم اني ما دخلتها الا بالصلح فقال له خالد بن الوليد انك لم تزل ~~مغفلا وأنا ما دخلتها الا بالسيف عنوة وما بقي لهم حماية ms098 فكيف صالحتهم قال ~~أبو عبيدة اتق الله أيها الأمير والله لقد صالحت القوم ونفذ السهم بما هو ~~فيه وكتب لهم الكتاب وهو مع القوم فقال خالد وكيف صالحتهم من غير أمري وأنا ~~صاحب رأيتك والأمير عليك ولا أرفع السيف عنهم حتى افنيهم عن آخرهم فقال أبو ~~عبيدة والله ما ظننت أن تخالفني إذا عقدت عقدا ورأيت رأيا فالله الله في ~~أمري فوالله لقد حقنت دماء القوم عن آخرهم واعطيتهم الأمان من الله جل ~~جلاله وأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رضي من معي من المسلمين ~~والغدر ليس من شيمنا قال وارتفع الصياح بينهما وقد شخص الناس اليهما وخالد ~~مع ذلك لا يرجع عن مراده ونظر أبو عبيدة إلى ذلك فرأى أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع خالد وهم جيش البوادي من العرب مشتبكون على قتال الروم ~~ونهب أموالهم قال فنادى أبو عبيدة واثكلاه خفرت الله ونقض عهدي وجعل يحرك ~~جواده ويشير إلى العرب مرة يمينا ومرة شمالا وينادي معاشر المسلمين أقسمت ~~عليكم برسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تمدوا أيديكم نحو الطريق الذي ~~جئت منه حتى نرى ما نتفق أنا وخالد عليه فلما دعاهم بذلك سكتوا عن القتل ~~والنهب واجتمع اليهما فرسان المسلمين والامراء وأصحاب الرايات مثل معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه وعمرو ابن العاص رضي ~~الله عنه وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنه وربيعة بن عامر رضي الله عنه وعبد ~~الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجمعين ونظرائهم والتقوا عند الكنائس ~~واجتمع هناك فرسان للمشورة والمناظرة فقالت طائفة من المسلمين منهم معاذ بن ~~جبل ويزيد بن أبي سفيان الرأي أن تمضي إلى ما أمضاه أبو عبيدة بن الجراح ~~وتكفوا عن القتال للقوم فان مدن الشام لم تفتح ابدا وهرقل في أنطاكية كما ~~تعلمون وان علم أهل المدن صالحتهم وغدرتم لم تفتح لكم مدينة صلحا ولان ~~تجعلوا هؤلاء الروم في صلحكم خير من قتلهم ms099 ثم قالوا لخالد أمسك عليك ما ~~فتحت بالسيف ويعينك أبو عبيدة بجانبه واكتبا إلى الخليفة وتحاكما اليه فكل ~~ما أمر به فعلناه فقال لهم خالد بن الوليد قد أجبت إلى ذلك وقبلت مشورتكم ~~فأما أهل دمشق فقد امنتهم الا هذين اللعينين توما وهربيس وكان هربيس هو ~~المؤمر على نصف البلدة ولاه توما حين رجع الامر اليه فقال أبو عبيدة ان ~~هذين أول من دخل في صلحي فلا تخفر ذمتي رحمك الله تعالى فقال خالد والله ~~لولا ذمامك لقتلتهما جميعا ولكن يخرجان من الأمير أبا سليمان قوله قول ~~وعهده عهد ولا يقول الا الصدق قال فانطلق توما PageV01P081 # إلى المدينة فلعنهما الله حيث سارا قال أبو عبيدة وعلى هذا صالحتهما قال ~~ونظر توما وهربيس إلى خالد وهو يتنازع مع أبي عبيدة فخافا الهلاك فأقبلا ~~على أبي عبيدة ومعهما من يترجم عنهما وقالا له ما يقول هذا يعني خالدا قال ~~الترجمان لأبي عبيدة ما نقول أنت وصاحبك فيه من المشاورة ان صاحبك هذا يريد ~~غدرنا فنحن وأهل المدينة دخلنا في عهدكم ونقض العهد ما هو من شيمكم واني ~~أسألكم ان تدعوني أن أخرج أنا وأصحابي واسلك أي طريق أردت فقال أنت في ~~ذمتنا فاسلك أي طريق شئت فإذا صرت في أرض تملكونها فقد خرجت من ذمتنا أنت ~~ومن معك فقال توما وهربيس نحن في ذمتكم وجواركم ثلاثة أيام أي طريق سلكنا ~~فإذ كان بعد ثلاثة أيام فلا ذمة لنا عندكم فمن لقينا منكم بعد ثلاثة أيام ~~وظفر بنا فنحن لهم عبيد ان شاء اسرنا وان شاء قتلنا فقال خالد قد اجبناك ~~إلى ذلك لكن لا تحملوا معكم من هذا البلد الا الزاد الذي تتقوتون به قال ~~أبو عبيدة لخالد هذا كلام داع لنقض العهد والصلح انما وقع بيننا انهم ~~يخرجون برجالهم وأموالهم فقال خالد سمحت لهم بذلك الا الحلقة يعني السلاح ~~فاني لا أطلق لهم شيئا من ذلك فقال توما لا بد لنا من السلاح نمنع به عن ~~أنفسنا في طريقنا ان طرقنا ms100 طارق حتى نصل إلى بلدنا والا فنحن بين أيديكم ~~فاحكموا فينا بما أردتم فقال أبو عبيدة اطلق لكل واحد قطعة من السلاح ان ~~أخذ سيفا فلا يأخذ رمحا وان أخذ رمحا فلا يأخذ سيفا وان اخذ قوسا فلا يأخذ ~~سكينا فقال توما لما سمع منهم ذلك الكلام قد رضينا بذلك وما يريد كل واحد ~~منا الا قطعة من السلاح لا غير ثم قال توما لأبي عبيدة اني خائف من هذا ~~الرجل اعني خالد بن الوليد فليكتب لي بذلك قال أبو عبيدة ثكلتك أمك انا ~~معاشر العرب لا نغدر ولا نكذب وان الأمير أبا سليمان قوله قول وعهده عهد ~~ولا يقول الا الصدق قال فانطلق توما وهربيس يجمعان قومهما ويأمرانهم ~~بالخروج قال وكان الملك له خزانة ديباج وهربيس يجمعان قومهما ويأمرانهم ~~بالخروج قال وكان الملك له خزانة ديباج في دمشق فيها زهاء من ثلاثمائة حمل ~~ديباج وحل مذهبة فعزم على اخراجها وامر توما فضربت له خيمة من القز ظاهر ~~دمشق وأقبلت الروم تخرج الأمتعة والأموال والاحمال حتى اخرجوا شيئا عظيما ~~فنظر خالد بن الوليد إلى كثرة احمالهم فقال ما أعظم رحالهم ثم قرأ قوله ~~تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة ومعارج عليها يظهرون الآية ثم نظر خالد إلى القوم كأنهم حمر مستنفرة ~~ولم يلتفت أحد إلى أخيه من شدة عجلتهم فلما نظر خالد إلى ذلك رفع يديه إلى ~~السماء PageV01P082 # وقال اللهم جعله لنا وملكنا إياه واجعل هذه الأمتعة قوتا للمسلمين آمين ~~انك سميع الدعاء ثم اقبل على أصحابه وقال لهم اني رأيت أنا رأيا فهل أنتم ~~تتبعوني عليه فقالوا نتبعك ولا نخالف لك امرا فقال خالد قوموا بخيولكم حق ~~القيام وأحسنوا إليها ما استطعتم وانجزوا سلاحكم فاني أسير بكم بعد ثلاثة ~~أيام في مطلب هؤلاء القوم وأرجو من الله ان يغنمنا هذه الغنيمة والأموال ~~التي رأيتموها وان نفسي تحدثني ان القوم ما تركوا في دمشق متاعا ولا ثوبا ~~حسنا الا وقد اخذوه ms101 معهم فقالوا افعل ما تريد فما نخالف لك أمرا ثم اخذوا ~~في اصلاح شأنهم وتوما وهربيس قد جمعوا مال الرساتيق وجميع المال فلما جمعوه ~~جاءوا به إلى أبي عبيدة فقال لهم وفيتم بما عليكم فسيروا حيث شئتم فلكم ~~الأمان منا ثلاثة أيام قال يزيد ابن ظريف فلما سلموا المال لأبي عبيدة ~~ارتحلوا سائرين كأنهم سواد مظلم وكان قد خرج مع القوم خلق كثير من أهل دمشق ~~بأولادهم وكرهوا ان يكونوا في جوار المسلمين قال واشتغل خالد عن اتباعهم ~~بخلاف ما وقع بينهم وبين أهل دمشق في حنطة وشعير وجدوا في المدينة منه شيئا ~~كثيرا فقال أبو عبيدة هو للقوم دخل في صلحهم فكادت القتنة ان تثور بين ~~أصحاب خالد وبين أصحاب أبي عبيدة واتفق رأيهم أن يكتبوا كتابا إلى أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه في ذلك وليس عندهم خبر انه مات يوم دخولهم دمشق قال ~~عطية بن عامر كنت واقفا على باب دمشق في اليوم الذي سارت فيه الروم مع توما ~~وهربيس ومعهم ابنة الملك هرقل قال فنظرت إلى ضرار بن الأزور وهو ينظر إلى ~~القوم شزرا ويتحسر على ما فاته منهم فقلت له يا ابن الأزور مالي أراك ~~كالمتحسر أما عند الله أكثر من ذلك فقال والله ما اعني مالا وانما أنا ~~متأسف على بقائهم وانفلاتهم منا ولقد أساء أبو عبيدة فيما فعل بالمسلمين ~~فقلت يا بان الأزور ما أراد أمين الأمة الا خيرا للمسلمين ان يحقن دمائهم ~~وأزواجهم من تعب القتال فإن حرمة رجل واحد خير مما طلعت عليه الشمس وان ~~الله سبحانه وتعالى اسكن الرحمة في قلوب المؤمنين وان الرب يقول في بعض ~~الكتب المنزلة ان الرب لا يرحم من لا يرحم وقال تعالى والصلح خير فقال ضرار ~~لعمري انك لصادق ولكن اشهدوا علي اني لا ارحم من يجعل له زوجة وولدا قال ~~حدثني عمر بن عيسى عن عبد الواحد بن عبد الله البصري عن وائلة بن الأسقع ~~قال كنت مع خالد بن الوليد في جيش ms102 دمشق وكان قد PageV01P083 # جعلني مع ضرار بن الأزور في الخيل التي تجوب من باب شرقي إلى باب توما ~~إلى باب السلامة إلى باب الجابية إلى باب الصغير إلى باب قيان إذ سمعنا ~~صرير الباب وذلك قبل فتوح الشام وإذا به قد خرج منه فارس فتركناه حتى قرب ~~منا فأخذنا قبضا بالكف وقلنا إن تكلمت قتلناك فسكت وإذا قد خرج فارس اخر ~~قام على الباب وجعل ينادي بالذي قد اخذناه فقلنا له كلمه حتى يأتي قال فرطن ~~له بالرومية ان الطير في الشبكة فعلم أنه قد أسر فرجع وأغلق الباب قال ~~فاردنا قتله فقال بعضنا لا تقتلوه حتى نمضي به إلى خالد الأمير قال فأتينا ~~به خالدا فلما نظر اليه قال له من أنت قال له أنا من الروم واني تزوجت ~~بجارية من قومي قبل نزولكم عليهم وكنت أحبها فلما طال علينا حصاركم سألت ~~أهلها ان يزفوها علي فأبوا ذلك وقالوا ان بنا شغلا عن زفافك وكنت أحب ان ~~ألقاها ولنا في المدينة ملاعب نلعب فيها فوعدتها ان نخرج إلى الملاعب فخرجت ~~وتحدثنا فسألتني ان اخرج بها إلى خارج المدينة ففتحنا الباب وخرجت انظر ~~اخباركم فأخذني أصحابك فنادتني فقلت ان الطير وقع في الشبكة احذرها منكم ~~مخافة عليها ولو كان غيرها لهان علي ذلك فقال خالد ما تقول في الاسلام فقال ~~أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فكان يقاتل معنا قتالا ~~شديدا فلما دخلنا المدينة صلحا أقبل يطلب زوجته فقيل له انها لبست ثياب ~~الرهبانية فأقبل إليها وهي لا تعرفه فقال لها ما حملك على الرهبانية قالت ~~حملني على ذلك اني غررت بزوجي حتى أخذته العرب وترهبنت حزنا عليه قال أنا ~~زوجك وقد دخل في دين العرب قال فلما سمعت ذلك قالت وما تريد قال إن تكوني ~~في الذمة فقال وحق المسيح لا كان ذلك ابدا ومالي إلى ذلك سبيل وخرجت مع ~~البطريق توما فلما نظر إلى امتناعها أقبل إلى خالد بن الوليد فشكا له حاله ms103 ~~فقال له خالد ان أبا عبيدة فتح المدينة صلحا ولا سبيل لك إليها ولما علم أن ~~خالدا يسير وراء القوم فقال أسير معه لعلي اقع بها وأقام خالد بدمشق إلى ~~اليوم الرابع ثم اقبل اليه يونس الدمشقي زوج الجارية وقال أيها الأمير قد ~~عزمت على المسير في طلب هذين العينين توما وهربيس واخذ ما معها قال بلى ~~فقال له وما الذي اقعدك عن ذلك قال بعد القوم وبيننا وبينهم أربعة أيام ~~بلياليها وهم يسيرون سير الخوف وما يمكن اللحاق بهم فقال يونس ان كان تخلفك ~~لبعد المسافة بيننا وبينهم فأنا اعرف الديار وأسلك طريقا فنلحقهم إن شاء ~~الله تعالى ولكن البسوا زي لخم وجذام وهو العرب المتنصرة PageV01P084 # وخذوا الزاد وسيروا قال فسار خالد واخذ عساكر الزحف وهم أربعة آلاف فارس ~~فامرهم ان يسيروا ويخففوا حمل الزاد ففعلوا ذلك وخالد ومن معه قد ساروا ~~ويونس الدليل امامهم وهو يتبع اثار القوم وقد أوصى خالد أبا عبيدة على ~~المدينة والمسلمين قال زيد بن طريف وكان يونس دليلنا قال فرأى اثار القوم ~~وانهم إذا سقط منهم حمل جمل تركوه وسار خالد ومن معه كلما دخلوا بلدا من ~~بلاد الروم يظنون أنهم من العرب المتنصرة من لخم وجذام حتى أشرف بهم الدليل ~~على ساحل البحر ونوى ان يطلب الأثر وإذا بالقوم قد عدوا أنطاكية ولم ~~يدخلوها خيفة الملك قال فوقع للدليل عند ذلك حيرة في امره فعدل إلى قرية ~~هناك وسأل بعضا من الناس فأخبروه ان الخبر قد أتصل إلى الملك بأن توما ~~وهربيس قد سلما دمشق للعرب فنقم عليهما ولم يدعهما يأتيان اليه وذلك أنه ~~جمع الجيوش وأرسلها إلى اليرموك فخاف أن يتحدثوا بشجاعة العرب أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتضعف قلوبهم فبعث إلى توما ومن معه ان يسيروا إلى ~~القسطنطينية فلما علم يونس ان القوم عدلوا واخذوا في طلب التحيز فكر في ذلك ~~وغاب عن المسلمين قوقف خالد وصلى بالناس وإذا بيونس قد اقبل وقال أيها ~~الأمير اني والله قد ms104 غررت بكم وبلغت الغاية في الطلب قال خالد وكيف الامر ~~قال أيها الأمير تبعثني في اثارهم في هذا المكان رجاء ان ألحقهم وان الملك ~~منعهم من الدخول إلى أنطاكية لئلا يرعبوا عسكره وأمرهم أن يطلبوا ~~القسطنطينية وقد قطع بينكم وبينهم هذا الجبل العظيم وأنتم في جبل هرقل وهو ~~يجمع عسكره ويسير إلى حربكم واني خائف عليكم ان تركتم هذا الجبل خلف ظهوركم ~~هلكتم وبعد هذا فالامر إليك وكل ما أمرتني به فعلت قال ضرار بن الأزور ~~فرأيت خالدا وقد انتقع لونه كالخضاب وكان ذلك منه جزعا وما عهدت به ذلك ~~فقلت يا أمير على ماذا عولت فقال يا ضرار والله ما فزعت من الموت ولا من ~~القتل وانما خفت ان يؤتى المسلمون من قبلي واني رأيت قبل فتح دمشق مناما ~~أفزعني وانا منتظر تأويله وأرجو ان يجعل الله لنا خيرا وينصرنا على عدونا ~~فقال ضرار خيرا رأيت وخيرا يكون إن شاء الله تعالى فما الذي رايت قال رايت ~~المسلمين في برية قفرة ونحن سائرون فبينما نحن كذلك وإذا بقطيع من حمر ~~الوحش كثيرة عظيمة أجسامها مهزولة اخفافا وهي لا تكدم برماحنا ونحن نضربها ~~بأسيافنا وهي لا تكترث فيما نزل بها من الأذى ولا تهلع مما ينزل فلم نزل ~~مثل ذلك حتى اجتهدنا واجتهدت خيولنا وأني أقبلت على أصحابي وفرقتهم عليها ~~من أربعة جوانب البرية وحملت عليهم فجفلت من أيدينا إلى مضايق وتلال وأودية ~~خصبة فلم نأخذ منها الا اليسير فبينما نحن نطبخ ونشوي لحومها PageV01P085 # وإذا هي قد رجعت تطلب الحرب منا فلما نظرت إليها وقد طرحت المضايق ~~والآجام صحت بالمسلمين اركبوا في طلبها بارك الله فيكم فاستوى المسلمون على ~~خيولهم وركبت معهم وطلبناها حتى وقعت بها وتصيدت منها بعيرا عظيما فقتلته ~~فجعل المسلمون يقتلون ويتصيدون فما بقي منها الا اليسير فبينما أنا فرح ~~وأنا أريد الرجوع بالمسلمين إلى وطنهم إذ عثرت فرسي فطارت عمامتي من على ~~رأسي فهويت لاخذها فانتبهت من منامي وانا فزع مرعوب فهل فيكم أحد يفسره ~~فاني ms105 أقول الرؤيا ما نحن فيه قال فصعب ذلك على القوم وجعل خالد يراود نفسه ~~على الرجوع فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه اما تفسير ~~الوحوش فهؤلاء الأعاجم الذين نحن في طلبهم وأما سقوطك عن فرسك فإنه أمر ~~تنحط عليه من رفعه إلى خفضة واما سقوط العمامة عن رأسك فالعمائم تيجان ~~العرب وهي معرة تلحقك فقال خالد اسأل الله العظيم ان كان ذلك تأويل ما ~~رأيته أن يجعله من أمر الدنيا ولا يجعله من امر الآخرة وبالله استعين وعليه ~~أتوكل في كل الأمور قال ثم سار خالد والدليل امامهم حتى قطعوا الجبل فلما ~~كانت الليلة التي أردنا أن نصبح فيها القوم أتى مطر كأفواه القرب وكان من ~~توفيق الله عز وعلا ان حبس القوم عن المسير قال روح بن طريف رضي الله عنه ~~ولقد رايتنا ونحن نسير والمطر ينزل علينا كأفواه القرب طول ليلتنا فلما ~~أصبح الصباح وطلعت الشمس قال يونس أيها الأمير قف حتى أنظر القوم لأنهم لا ~~شك بالقرب منا وقد سمعت صياحهم فقال له خالد بن الوليد أحقا سمعت صياحهم يا ~~يونس قال نعم أيها الأمير وأريد منك أن تأذن لي بالمسير إليهم وآتيك بخبرهم ~~قال فعند ذلك التفت خالد بن الوليد إلى رجل اسمه المفرط بن جعدة قال له يا ~~مفرط سر مع يونس وكن له مؤنسا واحذر ان يأخذ خبركما القوم فقال المفرط ~~السمع والطاعة لله ولك أيها الأمير ثم انطلقا إلى أن صعدا على جبل يقال له ~~الأبرش والروم تسمه جبل باردة قال المفرط فلما علونا عليه وجدنا مرجا واسعا ~~كثير الجنبات كثير النبات وفيه خضرة عظيمة وان القوم قد أصابهم المطر حتى ~~بل رحالهم وقد حميت عليهم الشمس فخافوا اتلافها فأخرجوها واخرجوا الديباج ~~ونشروها في طول المرج وقد نام أكثرهم من شدة السير والتعب والمطر الذي ~~أصابهم قال المفرط بن جعدة فلما رأيت ذلك فرحت فرحا شديدا ورجعت إلى خالد ~~بن الوليد وتركت صاحبي يونس فلما رآني خالد وحدي ms106 اسرع إلي وظن أن صاحبي كيد ~~فقال ما وراءك يا ابن جعدة أخبرني وعجل بالخير فقلت الخبر والغنيمة يا أمير ~~القوم خلف هذا الجبل وقد أصابهم المطر وقد وجدوا الراحة بطلوع لشمس وقد ~~PageV01P086 # نشروا أمتعتهم فقال بشرك الله بالخير ثم ظهر لي من وجهه الخير والفرح ~~والسرور فبينما نحن كذلك وإذا بيونس قد اقبل فقال له خالد خيرا فقال له ~~ابشر أيها الأمير فان القوم امنوا على أنفسهم ولكن أوصى أصحابك ان كل من ~~وقع بزوجتي فليحفظها فما أريد من الغنيمة سواها فقال له خالد هي لك إن شاء ~~الله تعالى ثم إن خالدا قسم أصحابه اربع فرق فأمر ضرار بن الأزور على الف ~~فارس وعلى الألف الثاني رافع بن عميرة الطائي وعلى الألف الثالث عبد الرحمن ~~بن أبي بكر الصديق وبقي هو في الفرقة الرابعة وقال سيروا على بركة الله ~~تعالى وإياكم ان تخرجوا إليهم دفعة واحدة بل يخرج كل أمير منكم بينه وبين ~~صاحبه قدر ساعة ثم افترق القوم وحمل ضرار بن الأزور والروم مطمئنون وحمل من ~~بعده رافع بن عميرة الطائي ثم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم خالد بن ~~الوليد سار في اخر القوم حتى وصلوا المرج قال عبيد ابن سعيد لقد كدنا ان ~~نفتنه من حسن منظره فزعق فينا خالد بن الوليد وقال عليكم بأعداء الله ولا ~~تشتغلوا بالغنائم ولا بالنظر إلى المرج فإنها لكم إن شاء الله تعالى ثم عطف ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه على الروم وقد نظرت الروم إلى الخيل وقد خرجت ~~عليهم وخالد امامهم فعلموا انها خيول المسلمين فبادروا إلى السلاح وركبوا ~~الخيل وقال بعضهم لبعض انها خيل قليلة ساقها المسيح إليكم وجعلها غنيمة لكم ~~فبادروا إليها قال فتبادر الروم وهم يظنون أن ليس وراء خالد أحد وإذا بضرار ~~بن الأزور قد خرج عليهم في ألف فارس وطلع رافع بن عميرة الطائي بعده وطلع ~~عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بعدهم وطلبت كل كتيبة فرقة من الروم وتفرقوا ~~من ms107 حولهم وطلبوا ما في أيديهم وقد رفعوا أصواتهم يقولون لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله وانصبت خيل المسلمين على الروم كأنها السيل المنحدر ونادى ~~هربيس برجاله قاتلوا عن نعمكم فما لهؤلاء القوم حيلة ولا يخلصون من هذا ~~المكان ابدا فانقسمت الروم طائفة معه وطائفة مع توما فكان من طلب خالدا ~~توما وقد أحدق به خمسمائة فارس وقد رفع بين عينيه صليبا من الجوهر مقمعا ~~بالذهب الأحمر فعدل خالد وحمل عليه وقال يا عدو الله اظننتم انكم تفلتون ~~منا والله تعالى يطوي لنا البلاد وكان توما أعور عورته امرأة ابان قال فحمل ~~عليه وطعنه في عينه الأخرى ففقأها وارداه عن جواده وحمل أصحابه على رجال ~~توما ولله در عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه لما نظر إلى ~~توما وقد سقط عن جواده نزل وجلس على صدره واحتز رأسه ورفعها على السنان ~~ونادى قد قتل والله توما اللعين فاطلبوا هربيس PageV01P087 # قال الواقدي ففرح العرب بذلك قال رافع بن عميرة الطائي كنت في الميمنة مع ~~خالد بن الوليد إذ نظر إلي فارس زيه زي الروم وقد نزل عن جواده وهو يقاتل ~~علجة مع نساء الروم وهي تظهر عليه مرة فدنوت انظرها فإذا هو يونس الدليل ~~وهو يقاتل زوجته ويصارعها صراع الأسد قال رافع فدنوت ان أتقدم اليهما ~~فاعينه فقصد إلي عشرة من النساء يرمين قومي بالحجارة فخرج حجر كبير من ~~امرأة حسناء عليها ثياب الديباج قال فوقع الحجر في جبهة جوادي فانكب على ~~رأسه وكان جوادا شهدت عليه اليمامة فسقط الجواد ميتا قال فأسرعت في طلبها ~~فهربت من بين يدي كأنها ظبية القناص وهربت النساء من وراءها فلحقتهن وقصدت ~~قتلهن وزعقت عليهن وكنت أريد قتلهن ومالي قصد الا الجارية التي قتلت حصاني ~~فدنوت منها وعلوت بالسيف على رأسها فجعلت تقول الغوث الغوث فرجعت عن قتلها ~~وأقبلت إليها وإذا عليها ثياب الديباج وعلى رأسها شبكة من اللؤلؤ فاخذتها ~~أسيرة من النساء وأوثقتها كتافا ورجعت على اثري فركبت جوادا من ms108 خيل الروم ~~ثم قلت والله لأمضين وانظر ما كان من امر يونس فوجدته وهو جالس وزوجته ~~بجانبه وقد تلطخت بدمائها وهو يبكي عليها فلما رأيتها قلت لها اسلمي فقال ~~لا وحق المسيح لا اجتمعت انا وأنتم ابدا ثم أخرجت سكينا كانت معها فقتلت ~~بها نفسها فقلت ان الله عز وجل أبدلك ما هي أعظم منها وعليها ثياب الديباج ~~وشبكة من اللؤلؤ وهي كأنها القمر فخذها لك بدلا عن زوجتك فقال اين هي فقلت ~~ها هي معي قال فلما نظر إليها والى ما عليها من الحلى والزينة وتبين حسنها ~~وجمالها راطنها بالرومية وسألها عن امرها فرطنت عليه وهي تبكي فالتفت إلي ~~وقال لي أتدري من هذه قلت لا فقال هذه ابنة الملك هرقل زوجة توما وما مثلي ~~يصلح لها ولا بد لهرقل من طلبها ويفديها بماله قال وافتقد المسلمون خالدا ~~فلم يجدوا له اثرا فقلقوا عليه قلقا عظيما وخالد رضي الله عنه غائص في ~~المعركة وقصد اللعين هربيس بعد قتل توما فبينما هو يحمل يمينا وشمالا إذ ~~نظر علجا من علوج الرومان عظيم الخلقة احمر اللون فظن خالد انه اللعين ~~فأطلق جواده نحوه وطلبه طلبا شديدا ليقتله فلما نظر اليه العلج والى حملته ~~فر هاربا من بين يديه فوكزه خالد بالرمح وإذا هو واقع على الأرض على أم ~~رأسه فانقض عليه خالد كالأسد وهو يقول ويلك يا هربيس أطننت انك تفوتني وذلك ~~العلج يعرف العربية فقال يا عربي ما انا هربيس أطننت انك فابق علي ولا ~~تقتلني فقال خالد مالك من يدي خلاص الا إذا كنت تدلني على PageV01P088 # هربيس فإذا دللتني عليه اطلقتك فقال له العلج انذا دللتك عليه تطلقني ~~فقال خالد نعم لك ذلك فقال العلج يا أخا العرب قم من علي صدري حتى ادلك ~~عليه فقام خالد من على صدره فوثب العلج ونظر يمينا وشمالا قال ثم قال لخالد ~~أترى هذا الجبل وهذه الخيل الصاعدة اقصدها فان هربيس فيها قال فوكل خالد ~~بالعلج واحدا وهو ابن جابر ثم اطلق ms109 خالد عنان جواده حتى لحق بهم وصرخ عليهم ~~وقال يا ويلكم اني لكم مني خلاص فلما سمع هربيس ذلك ظنه من بعض العرب فزعق ~~فيه ورجع ورجعت البطارقة بالسلاح فقال لهم خالد يا ويلكم ظننتم ان الله لا ~~يمكننا منكم أنا الفارس الصنديد انا خالد بن الوليد ثم طعن فارسا فرماه ~~واخر فأرداه فما سمع هربيس كلام خالد قال لأصحابه يا ويلكم هذا الذي قلب ~~الشام على أصحابه هذا صاحب بصرى وحوران ودمشق وأجنادين دونكم وإياه قال ~~فطمع القوم فيه لانفراده عن أصحابه وكان المسلمون في قتال الروم ونهب ~~الأموال وكل منهم مشتغل بنفسه قال فترجلت البطارقة حول خالد لأنهم في جبل ~~كثير الوعر وأحاطوا بخالد بن الوليد فعندها ترجل عن جواده واخذ سيفه وجحفته ~~وصبر لقتالهم قال حدثني شداد بن أوس وكان ممن حضر وقعة مرج الديباج وقال ~~خالد قد صحت الرؤيا فلما ترجل اقبل يقاتل بنفسه واقبل اليه هربيس وهو مشتغل ~~بالقتال وأتاه من ورائه وضرب خالدا بالسيف فوقع السيف على البيضة فقدها وقد ~~عمامته وانقض السيف من يد هربيس وخاف خالد ان يلتفت إلى ورائه فتهجم عليه ~~الروم وخاف ان يفلت هربيس من بين يديه فعند ذلك صاح بالتهليل والتكبير ~~والصلاة على البشير النذير كأنه مستبشر بشيء اغاثه أو ادركه وذلك خديعة منه ~~وحيلة يريد بها ان يتمكن من الاعلاج فبينما هو كذلك إذ سمع من المسلمين ~~زعقات وقد اخذت الروم من ورائهم وهم يصيحون بالتهليل والتكبير وقائل يقول ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله أتاك النصر من رب العالمين انا عبد الرحمن ~~بن أبي بكر الصديق فلما سمع خالد صوته لم يلتفت إلى عبد الرحمن ولا إلى من ~~معه ومضى يفرق الاعلاج ذات اليمين وذات الشمال وما ان سمع اللعين هربيس ~~أصوات المسلمين أراد الهرب فلحقه سيدنا خالد وضربه ضربة فأرداه قتيلا وعجل ~~الله بروحه إلى النار واستطال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أصحاب هربيس ونزلوا فيهم بالسيف حتى ابادوهم عن اخرهم ms110 وكان أكثرهم قتلا من ~~يد ضرار بن الأزور فلما انكشف الكرب عن خالد ونظر إلى ما فعل ضرار قال أفلح ~~وجهك يا ابن الأزور فما زلت مباركا في كل افعالك انجح الله اعمالك وأصلح ~~ربي PageV01P089 # حالك ثم سلم على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعلى ~~المسلمين وقال من اين علمتم مكاني هذا فقال عبد الرحمن يا امين بينما نحن ~~في قتال الروم وقد نصرنا الله عليهم والمسلمون قد اشتغلوا بالغنائم إذا ~~سمعنا هاتفا من الهواء يقول اشتغلتم بالغنائم وخالد قد أحاطت به الروم فلما ~~سمعنا ذلك لم ندر أي مكان أنت فيه وفقدنا شخصك فدلنا عليك علج كان بيد رجل ~~من أصحابك وقال إن صاحبكم انا الذي دللته على هربيس وانه معه في هذا الجبل ~~فسرنا إليك فقال خالد لقد دلنا على عدونا ودل علينا المسلمين وقد وجب له ~~الحق علينا ورجع خالد وأصحابه إلى المسلمين فلما رأوه بادروا وسلموا عليه ~~فرد عليهم السلام ثم إن خالدا رضي الله عنه دعا بذلك العلج الذي دله على ~~هربيس وقال له انك وفيت لنا ونريد ان نوفي لك بما وعدناك لأنك نصحت لنا فهل ~~لك أن تكون من أصحاب دين الصلاة والصيام وملة محمد عليه الصلاة والسلام ~~فتكون من أهل الجنة فقال ما أريد بديني بدلا فأطلق خالد سبيله قال نوفل بن ~~عمرو فرأيته قد استوى على ظهر جواده يطلب بلاد الروم وحده ثم إن خالد رضي ~~الله عنه امر بجمع الغنائم والأسارى فجمع ذلك اليه فلما رأى كثرته حمد الله ~~تعالى وشكره واثنى عليه ودعا بدليله يونس النجيب ثم قال له ما فعلت بزوجتك ~~فحدثه معها وما كان من امرها فعجب من ذلك فقال رافع بن عميرة أيها الأمير ~~اني أسرت ابنة الملك هرقل وقد سلمتها اليه بدلامن زوجته فقال خالد وأين ~~ابنة الملك هرقل فمثلت بين يديه فنظر إلى حسنها وجمالها وما منحها الله به ~~من الجمال فصرف وجهه عنها وقال سبحانك اللهم وبحمدك تخلق ما ms111 تشاء وتختار ثم ~~قرأ قوله تعالى * (وربك يخلق ما يشاء ويختار) * ثم قال ليونس اتريدها بدلا ~~من زوجتك قال نعم ولكني اعلم أن الملك هرقل لا بدله ان يفديها بالأموال أو ~~يخلصها بالقتال فقال خالد خذها لك الان فإن لم يطلبها فهي لك وان طلبها ~~فالله يعوضك خيرا منها فقال يونس أيها الأمير انك في مكان ضيق ومكان صعب ~~فاعزم على الخروج قبل ان يلحق نفير القوم فقال خالد الله لنا ومعنا وعطف ~~راجعا يجد في مسيره والغنائم امامه والمسلمون في اثره فرحين بالغنيمة ~~والسلامة والنصر قال روح بن عطية فقطعنا الطريق كلها وما عرض لنا من الروم ~~أحد ونحن نخوض في وسط ديار القوم خوضا فلما وصلنا مرج الصغير عند قنطرة أم ~~حكيم نظرنا إلى غبرة من وراءنا فلما عايناها أنكرنا ذلك فاسرع رجال من ~~المسلمين إلى خالد يخبرونه بالغبرة قال أيكم يأتيني بخبرها فبادر بالإجابة ~~PageV01P090 # رجل من غفار يقال له صعصعة بن يزيد الغفاري قال انا أيها الأمير ثم نزل ~~عن جواده وكان بجريه يسبق الفرس الجواد لقوة عزمه فورد الغبرة واختبرها ~~ورجع على عقبه وهو ينادي أيها الأمير أدركنا الصلبان من ورائنا وهم مصفدون ~~في الحديد لم يبن منهم غير حماليق الحدق فدعا خالد بيونس الدليل عندما ~~قاربته الخيل وقال يا يونس اقصد نحو الخيل وانظر ما يريدون فقال السمع ~~والطاعة ثم دنا من الخيل وقاربهم ثم رجع إلى خالد وقال له ألم أقل لك أيها ~~الأمير ان هرقل لا يغفل عن طلب ابنته وقد انفذ هذه الخيل يريدون ان يأخذوا ~~الغنيمة من أيدي المسلمين فلما لحقوك ههنا قريبا من دمشق بعثوا رسولا يسألك ~~في الجارية أما بيعها واما هدية فبينما خالد يتحدث إذ أقبل اليه شيخ عليه ~~لبس المسوح فأقبل حتى دنا من المسلمين فاوقفوه امام خالد وقال له قل ما ~~نشاء فقال الشيخ انا رسول الملك هرقل وانه يقول لك بلغني ما فعلت برجالي ~~وقتلت توما زوج ابنتي وهتكت حرمتي وقد ظفرت وسلمت فلا تفرط ms112 بمن معك والان ~~ما ان تبيع ابنتي أو تهديها إلي فالكرم شيمتكم وطبعكم ولا يرحم من يرحم ~~واني أرجو أن يقع بيننا الصلح فلما سمع خالد ذلك قال للشيخ قل لصاحبك والله ~~لا رجعت عنه وعن أهل ملته حتى أملك سريره وما تحت قدميه كما في علمك واما ~~ابقاؤك علينا فلو وجدت إلى ذلك من سبيل فما قصرت وأما ابنتك فهي لك هدية ~~منا ثم إن خالدا اطلق ابنة الملك هرقل وسلمها للشيخ ولم يأخذ في فدائها ~~شيئا فلما بلغ ذلك الرسول إلى الملك هرقل وسلمها للشيخ ولم يأخذ في فدائها ~~شيئا فلما بلغ ذلك الرسول إلى الملك هرقل قال لعظماء الروم هذا الذي أشرت ~~عليكم فلم تقبلوه واردتم قتلي وسيكون الامر أعظم ولكن ليس هذا منكم بل هو ~~من رب السماء قال الواقدي فبكت الروم بكاء شديدا وسار خالد حتى أتى دمشق ~~وكان المسلمون وأبو عبيدة قد أيسوا من خالد ومن معه فهم في أعظم القلق ~~والاياس إذ قدم عليهم خالد رضي الله عنه والمسلمون فخرجوا إلى لقائه وهنئوه ~~بالسلامة وسلم المسلمون بعضهم على بعض ووجد خالد في دمشق عمرو بن معد يكرب ~~الزبيدي ومالك بن الأشتر النخعي ومن كان معهما واقبل خالد إلى جانب أبي ~~عبيدة وهو يحدثه بما لاقى في غزوته وأبو عبيدة بتعجب من شجاعته وجسارته ~~فلما استقر بخالد مكانه اخذ الخمس من الغنائم وفرق الباقي على المسلمين ثم ~~إن خالدا اعطى من ماله ليونس وقال خذ هذا فتزوج به أو اشتر به جارية لك من ~~بنات الروم قال يونس والله لا أتزوج في هذا الدار الدنيا زوجة ابدا وما ~~أريد الا ان أتزوج في الآخرة بعيناء من الحور PageV01P091 # لعين قال رافع بن عميرة الطائي فشهد معنا القتال إلى يوم اليرموك فما كنت ~~أراه في حرب الا ويجاهد جهادا عظيما وقد أبلى في الروم بلاء حسنا فأتاه سهم ~~في لبته فخر ميتا رحمه الله تعالى قال رافع فحزنت عليه وأكثرت من الترحم ~~عليه فرأيته في النوم ms113 وعليه حلل تلمع وفي رجليه نعلان من ذهب وهو يجول في ~~روضة خضراء فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لي وأعطاني بدلا من زوجتي سبعين ~~حوراء لو بدت واحدة منهن في الدنيا لكف ضوء وجهها نور الشمس والقمر فجزاكم ~~الله خيرا فقصصت الرؤيا على خالد فقال ليس والله سوى الشهادة طوبى لمن ~~رزقها كتب خالد بالفتح قال الواقدي ولقد بلغني ان خالدا رضي الله عنه لما ~~رجع من غزوته ومسيره غانما ظن أن الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه حي ~~لم يقبض فهم ان يكتب له كتابا بالفتح والبشارة وما غنم من الروم وأبو عبيدة ~~لا يخبره بذلك ولا يعلمه ان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا خالد ~~بدواة وبياض وكتب بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله خليفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من عامله على الشام خالد بن الوليد اما بعد سلام عليك فاني ~~احمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم ~~انا لم نزل في مكايدة العدو على حرب دمشق حتى انزل الله علينا نصره وقهر ~~عدوه وفتحت دمشق عنوة بالسيف من باب شرقي وكان أبو عبيدة على باب الجابية ~~فخدعته الروم فصالحوه على الباب الاخر ومنعني ان اسبي واقتل ولقيناه على ~~كنيسة يقال لها كنيسة مريم وامامه القسس والرهبان ومعهم كتاب الصلح وان صهر ~~الملك توما واخر يقال له هربيس خرجا من المدينة بمال عظيم واحمال جسيمة ~~فسرت خلفها في عساكر الزحف وانتزعت الغنيمة من أيديهما وقتلت الملعونين ~~وأسرت ابنة الملك هرقل ثم أهديتها اليه ورجعت سالما وانا منتظر امرك ~~والسلام عليك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم وطوى الكتاب ~~وختمه بخاتمه ودعا برجل من العرب يقال له عبد الله بن قرط فدفع اليه الكتاب ~~وسار إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوردها والخليفة عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فقرأ عنوان الكتاب وإذا هو من خالد إلى ms114 خليفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر أما عرف المسلمون وفاة أبي بكر رضي الله ~~عنه فقال لا يا أمير المؤمنين فقال قد وجهت بذلك كتابا إلى أبي عبيدة ~~وأمرته على المسلمين وعزلت خالدا وما أظن أبا عبيدة يريد الخلافة لنفسه ~~فسكت وقرأ الكتاب قال أصحاب السير PageV01P092 # في حديثهم ممن تقدم ذكرهم واسنادهم في أول الكتاب ممن روى فتوح الشام ~~ونقلوها عن الثقاب منهم محمد بن إسحاق وسيف بن عمرو وأبو عبد الله بن عمر ~~الواقدي رضي الله عنه كل حدث بما رواه وسمعه ثقة عن ثقة قالوا جميعا في ~~اخبارهم انه لما قبض أبو بكر الصديق رضي الله عنه وولى الامر بعده عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وله من العمر اثنتان وخمسون سنة بايعه الناس في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة تامة ولم يتخلف عن مبايعته أحد لا صغير ~~ولا كبير وانقطع في امارته الشقاق والنفاق وانحسم الباطل وقام الحق وقوي ~~السلطان في امارته وضعف كيد الشيطان وظهر أمر الله وهم كارهون ومن أمره انه ~~كان يجلس مع الفقير ويتلطف بالناس والمسلمين ويرحم الصغير ويوقر الكبير ~~ويعطف على اليتيم وينصف المظلوم من الظالم حتى يرد الحق إلى أهله ولا تأخذه ~~في الله لومة لائم وكان في امارته يدور في أسواق المدينة وعليه مرقعة وبيده ~~درته وكانت درته أهيب من سيف الملوك وسيوفكم هذه وكان قوته في كل يوم خبز ~~الشعير وادمه الملح الجريش وربما اكل خبزه بغير ملح تزهدا واحتباطا وترفقا ~~على المسلمين ورأفة ورحمة لا يريد ذلك الا الثواب من الله سبحانه وتعالى ~~ولا يشغله شاغل عن أداء الفريضة وما أوجب الله عليه من حقوقه وسنة نبيه ~~محمد عليه الصلاة والسلام قالت عائشة رضي الله عنها ولقد تولى والله عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه الخلافة فجد في التشمر وترك عن نفسه التكبر ولقد كان ~~احرقه خبز الشعير والملح وأراد أكل الزيت واليابس من التمر وربما أخذ شيئا ~~من السمن ويقول أكلت ms115 الزيت وخبز الشعير والملح والجون أهون غدا من نار جهنم ~~من حل بها لم يمت ولم يجد فيها راحة ابدا قرارها بعيد وعذابها شديد وشرابها ~~الصديد لا يؤذن لهم فيعتذرون جند الجنود في امارته وبعث العساكر وفتح ~~الفتوحات ومصر الأمصار وكان يخاف عذاب النار رضي الله عنه قال الواقدي رحمه ~~الله تعالى ولقد بلغني ان هرقل لما بلغه ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ~~ولى الامر من بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه جمع الملوك والبطارقة وأرباب ~~دولته وقام فيهم خطيبا على منبر قد نصب له في كنيسة القسيسين وقال يا بني ~~الأصفر هذا الذي كنت أحذركم منه فلم تسمعوا مني وقد اشتد الامر عليكم ~~بولاية هذا الرجل الأسمر وقد دنا موعد صاحب الفتوح المشبه بنوح والله ثم ~~والله لا بد ان يملك ما تحت سريري هذا الحذر ثم الحذر قبل وقوع الامر ونزول ~~الضرر وهدم القصور وقتل القسس وتبطيل الناقوس هذا صاحب الحرب والجالب على ~~الروم والفرس الكرب هذا PageV01P093 # الزاهد في دنياه وهذا الغليظ على من أتبع في غير ملته هواه واني أرجو لكم ~~النصر ان أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وتركتم الظلم واتبعتم المسيح في ~~أداء المفروضات ولزوم الطاعات وترك الزنا وأنواع الخطايا وان أبيتم الا ~~الفساد والفسوق والعصيان والركون إلى شهوات الدنيا يسلط الله عليكم عدوكم ~~ويبلوكم بما لا طاقة لكم به ولقد أعلم أن دين هؤلاء سيظهر على كل دين ولا ~~يزال أهله بخير ما لم يغيروا ويبدلوا فاما ان ترجعوا اليه واما ان تصالحوا ~~القوم على أداء الجزية فلما سمع القوم ذلك نفروا وبادروا اليه وهموا بقتله ~~فسكن غضبهم بلين كلامه ولاطفهم وقال لهم انما أردت أن أرى حميتكم لدينكم ~~وهل تمكن خوف العرب في قلوبكم أم لا ثم استدعى برجل من المتنصرة يقال له ~~طليعة بن ماران وضمن له مالا وقال له انطلق من وقتك هذا إلى يثرب وانظر كيف ~~تقتل عمر بن الخطاب فقال له طليعة نعم أيها الملك ثم ms116 تجهز وسار حتى ورد ~~مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكمن حولها وإذا بعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه خرج يشرف على أموال اليتامى ويفتقد حدائقهم فصعد المتنصر إلى شجرة ~~ملتفة الأغصان فاستتر بأوراقها وإذا بعمر رضي الله عنه قد اقبل إلى أن قرب ~~من الشجرة التي عليها المتنصر ونام على ظهره وتوسد بحجر فلما نام هم ~~المتنصر ان ينزل اليه ليقتله وإذا بسبع أقبل من البرية فطاف حوله وأقبل ~~يلحس قدميه وإذا بهاتف يقول يا عمر عدلت فأمنت فلما استيقظ عمر رضي الله ~~عنه ذهب السبع ونزل المتنصر وترامى على عمر رضي الله عنه فقبل يديه وقال ~~بأبي أنت وأمي أفدى من الكائنات من السباع تحرسه والملائكة تصفه والجن ~~تعرفه ثم أعلمه بما كان منه وأسلم على يديه قال الواقدي ثم إن عمر رضي الله ~~عنه كتب كتابا لأبي عبيدة بن الجراح يقول فيه قد وليتك على الشام وجعلتك ~~أميرا على المسلمين وعزلت خالد بن الوليد والسلام ثم سلم الكتاب إلى عبد ~~الله بن قرط وأقام قلقا على ما يرد عليه من أمور المسلمين وصرف همته إلى ~~الشام تولية أبي عبيدة قال الواقدي حدثني رافع بن عميرة الطائي قال حدثني ~~يونس بن عبد الأعلى وقد قرأت عليه بجامع الكوفة قال حدثني عبد الله بن سالم ~~الثقفي عن أشياخه الثقات قال لما كانت الليلة التي مات فيها أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه رأى عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه رؤيا قصها على ~~PageV01P094 # عمر رضي الله عنه وكانت تلك الليلة بعينها قال رأيت دمشق والمسلمون حولها ~~وكأني أسمع تكبيرهم في أذني وعند تكبيرهم وزحفهم رأيت حصنا قد ساخ في الأرض ~~حنى لم أر منه شيئا ورأيت خالدا وقد دخلها بالسيف وكأن نارا أمامه وكأنه ~~وقع على النار فانطفأت فقال الإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنهم ~~أجمعين أبشر فقد فتح الشام هذه الليلة أو قال يومك هذا إن شاء الله تعالى ~~فبعد أيام قدم عقبة ms117 ابن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومعه كتاب الفتح فلما رآه قال يا ابن عامر كم عهدك قال قلت يوم الجمعة قال ~~ما معك من الخبر فقلت خير وبشارة واني سأذكرها بين يدي الصديق رضي الله عنه ~~فقال قبض والله حميدا وصار إلى رب كريم وقلدها عمر الضعيف في جسمه فان عدل ~~فيها نجا وان ترك أو خلط هلك قال عقبة بن عامر فبكيت وترحمت على أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه وأخرجت الكتاب فدفعته اليه فلما قرأه نظر فيه وكتم ~~الامر إلى وقت صلاة الجمعة فلما خطب وصلى ورقى المنبر واجتمع المسلمون اليه ~~وقرأ عليهم كتاب الفتح فضج المسلمون بالتهليل والتكبير وفرحوا ثم نزل عن ~~المنبر وكتب إلى أبي عبيدة رضي الله عليه بتوليته وعزل خالد ثم سلمني ~~الكتاب وأمرني بالرجوع قال فرجعت إلى دمشق فوجدت خالدا قد سار خلف توما ~~وهربيس فدفعت الكتاب إلى أبي عبيدة فقرأه سرا ولم يخبر أحدا بموت أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه ثم كتم أمره وكتم عزل خالد وتوليته على المسلمين حتى ~~ورد خالد من السرية فكتب الكتاب بفتح دمشق ونصرهم على عدوهم وبما ملكوا من ~~مرج الديباج واطلاق بنت الملك هرقل وسلم الكتاب إلى عبد الله بن قرط فلما ~~ورد به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرأ عنوان الكتاب من خالد بن ~~الوليد إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه انكر الامر ورجعت حمرته إلى البياض ~~وقال يا بن قرط أما علم الناس بموت أبي بكر رضي الله عنه وتوليتي أبا عبيدة ~~بن الجراح قال عبد الله بن قرط قلت لا فغضب وجمع الناس اليه وقام على ~~المنبر ثم قال يا معاشر الناس اني أمرت أبا عبيدة الرجل الأمين وقد رأيته ~~لذلك أهلا وقد عزلت خالدا عن امارته فقال رجل من بني مخزوم أتعزل رجلا قد ~~أشهر الله بيده سيفا قاطعا ونصربه دينه وان الله لا يعذرك في ذلك ولا ~~المسلمين ان أنت أغمدت سيفا ms118 وعزلت أميرا أمره الله لقد قطعت الرحم ثم سكت ~~الرجل فنظر عمر رضي الله عنه إلى الرجل المخزومي فرآه غلاما حدث السن فقال ~~شاب حدث السن غضب لابن عمه ثم نزل على المنبر وأخذ الكتاب وجعله تحت رأسه ~~وجعل يؤامر نفسه في عزل خالد فلما كان من الغد صلى صلاة PageV01P095 # الفجر وقام فرقى المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فصلى عليه وترحم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم قال أيها ~~الناس اني حملت أمانة عظيمة واني راع وكل راع مسؤول عن رعيته وقد جئت ~~لاصلاحكم والنظر في معايشكم وما يقربكم إلى ربكم أنتم ومن حضر في هذا البلد ~~فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صبر على أذاها وشرها كنت ~~له شفيعا يوم القيامة وبلادكم بلاد لا زرع فيها ولا ضرع ولا ماء أوقر به ~~الإبل لآمن مسيرة شهر وقد وعدنا الله مغانم كثيرة واني أريدها للخاصة ~~والعامة لأؤدي الأمانة والتوقير للمسلمين وما كرهت ولاية خالد على المسلمين ~~الا لان خالدا فيه تبذير المال يعطي الشاعر إذا مدحه ويعطي للمجد والفارس ~~بين يديه فوق ما يستحقه من حقه ولا يبقى لفقراء المسلمين ولا لضعافهم شيئا ~~واني أريد عزله وولاية أبي عبيدة مكانه والله يعلم أني ما وليته الا أمينا ~~فلا يقول قائلكم عزل الرجل الشديد وولى الأمين اللين للمسلمين فان الله معه ~~يسدده ويعينه ثم نزل عن المنبر وأخذ جلد أدم منشور وكتب إلى أبي عبيدة ~~كتابا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ~~إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ~~وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبعد فقد وليتك أمور المسلمين فلا ~~تستحي فان الله لا يستحي من الحق واني أوصيك بتقوى الله الذي يبقي ويفني ما ~~سواه والذي استخرجك من الكفر إلى الايمان ومن الضلال إلى الهدى وقد ~~استعملتك على ms119 جند ما هنالك مع خالد فاقبض جنده واعزله عن امارته ولا تنفذ ~~المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة ولا تنفذ سرية إلى جمع كثير ولا تقل اني أرجو ~~لكم النصر فان النصر انما يكون مع اليقين والثقة بالله وإياك والتغرير ~~بالقاء المسلمين إلى الهلكة وغض عن الدنيا عينيك واله عنها قلبك وإياك ان ~~تهلك كما هلك من كان قبلك فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وانما بينك وبين ~~الآخرة ستر الخمار وقد تقدم فيها سلفك وأنت كأنك منتظر سفرا ورحيلا من دار ~~قد مضت نضرتها وهبت زهرتها فأحزم الناس فيها الراحل منها إلى غيرها ويكون ~~زاده التقوى وراع المسلمين ما استطعت وما الحنطة والشعير الذي وجدت بدمشق ~~وكثرت في ذلك مشاجرتكم فهو للمسلمين وأما الذهب والفضة ففيهما الخمس ~~والسهام وأما اختصامك أنت وخالد في الصلح أو القتال فأنت الولي وصاحب الامر ~~وان صلحك جرى على الحقيقة أنها للروم فسلم إليهم ذلك والسلام ورحمة الله ~~وبركاته عليك وعلى جميع المسلمين PageV01P096 # واما هديتك ابنة الملك هرقل فهديتها إلى أبيها بعد أسرها تفريط وقد كان ~~يأخذ في فديتها مالا كثيرا يرجع به على الضعفاء من المسلمين والسلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته وطوى الكتاب وختمه بخاتمة ثم دعا بعامر بن أبي وقاص أخي ~~سعد ودفع الكتاب اليه وقال له انطلق إلى دمشق وسلم كتابي هذا إلى أبي عبيدة ~~وأمره أن يجمع الناس اليه واقرأه أنت على الناس يا عامر واخبره بموت أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه ثم دعا عمر رضي الله عنه شداد بن أوس فصافحه وقال ~~له أمض أنت وعامر إلى الشام فإذا قرأ أبو عبيدة الكتاب فأمر الناس يبايعونك ~~لتكون بيعتك بيعتي قال الواقدي فانطلقا يجدان في السير إلى أن وصلا إلى ~~دمشق والناس مقيمون بها ينتظرون ما يأتيهم من خبر أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه وما يأمرهم به فأشرف صاحبا عمر رضي الله عنه على المسلمين وقد طالت ~~أعناقهم اليهما وفرحوا بقدومهما فاقبلا حتى نزلا في خيمة خالد رضي الله عنه ms120 ~~وقال له عامر بن أبي وقاص تركته يعني عمر بخير ومعي كتاب وانه أمرني أن ~~اقرأه على الناس بالاجتماع فاستنكر خالد ذلك واستراب الامر وجمع المسلمين ~~اليه فقام عامر أبي وقاص فقرأ الكتاب فلما انتهى إلى وفاة أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه ارتفع للناس ضجة عظيمة بالبكاء والنحيب وبكى خالد رضي الله ~~عنه وقال إن كان أبو بكر قد قبض وقد استخلف عمر فالسمع والطاعة لعمر وما ~~أمر به وقرأ عامر الكتاب إلى آخره فلما سمع الناس بما فيه من أمر المبايعة ~~لشداد بن أوس بايعوه وكانت المبايعة بدمشق لثلاث خلت من شهر شعبان سنة ثلاث ~~عشر من الهجرة قال الواقدي رحمه الله تعالى قد بلغني أنه كان على العدو بعد ~~عزله أشد فظاعة وأصعب جهادا لا سيما في حصن أبي القدس ذكر حديث وقعة أبي ~~القدس قال الواقدي رحمه الله تعالى سألت من حدث بهذا الحديث عن حصن أبي ~~القدس قال ما بين عرقا وطرابلس مرج يقال له مرج السلسلة وكان بإزائه دير ~~وفيه صوامع وفيه صومعة راهب عالم بدين النصرانية وقد قرأ الكتب السالفة ~~وأخبار الأمم الماضية المتقدمة وكانت تقصده الروم وتقتبس من علمه وله من ~~العمر ما ينوف عن مائة سنة وكان في كل سنة يقوم عند ديره عيد آخر صيام ~~الروم وهو عيد الشعانين فتجتمع الروم والنصارى وغيرهم من جميع النواحي ~~والسواحل ومن قبط مصر ويحدقون به فيطلع عليهم من ذروة له فيعلمهم ويوصيهم ~~بوصايا الإنجيل وكان يقوم في ذلك العيد سوق عظيم من السنة إلى السنة وكان ~~يحمل له الأمتعة والذهب PageV01P097 # والفضة ويبيعون ويشترون ثلاثة أيام وما كان المسلمون يعلمون بذلك ولا ~~يعرفونه حتى دلهم عليه رجل نصراني من المعاهدين وقد اصطفاه وأمنه وأهله ~~فلما ولى أبو عبيدة أمر المسلمين أراد ذلك المعاهد أن يتقرب إلى أبي عبيدة ~~رضي الله عنه فعسى ان يكون فتح الدير والسوق على يديه فأقبل اليه وأبو ~~عبيدة قد أطال الفكر فيما يصنع واي بلد من بلاد الروم يقصد ms121 فمرة يقول أسير ~~إلى بيت المقدس بالجيش فإنها أشرف بلدهم وكرسي مملكة الروم بها قيام دينهم ~~ووقتا يقول أسير إلى أنطاكية وأقصد هرقل وأفرغ منه وبينما هو يفكر في أمره ~~وقد جمع المسلمين إذ أقبل ذلك المعاهد وكان من نصارى الشام فقال أيها ~~الأمير انك قد أحسنت إلي وأمنتني ووهبتني أهلي ومالي وولدي وقد اتيتك ~~ببشارة وغنيمة تغنمها المسلمون ساقها الله إليهم فأن اظفرهم الله بها ~~استغنوه غنى لا فقر بعده فقال أبو عبيدة أخبرنا ما هذه الغنيمة وأين تكون ~~فما علمتك الا ناصحا فقال أيها الأمير انها بإزائك على دير الساحل وهو حصن ~~يعرف بأبي القدس وبإزائه دير فيه راهب تعظمه النصرانية ويتبركون بدعائه ~~ويقتبسون من علمه وله في كل سنة عيد يجتمعون اليه من كل النواحي والقرى ~~والأمصار والضياع والأديرة ويقوم عنده سوق عظيم يظهرون فيه فاخر ثيابهم من ~~الديباج والذهب والفضة يقيمون عنده ثلاثة أيام أو سبعة وقد قرب وقت قيام ~~السوق فتأخذون جميع ما فيه وتقتلون الرجال وتسبون النساء والذراري وهذه ~~غنيمة يفرح بها المسلمون ويوهن لها عدوكم قال الواقدي فلما سمع أبو عبيدة ~~ما قاله المعاهد فرح رجاء ان يكون ما قاله المعاهد غنيمة للمسلمين فقال ~~للمعاهد كم بيننا وبن هذا الدير قال عشرة فراسخ للمجد السائر قال أبو عبيدة ~~وكم بقي إلى قيام السوق قال أيام قلائل قال أبو عبيدة فهل يكون لهم حامية ~~يلي أمرهم ويصد عنهم قال المعاهد لسنا نعرف ما ذكرت في بلاد الملك لأنه لا ~~يصيب بعضنا بعضا لهيبة هرقل في قلوبهم فلما سمع أبو عبيدة قال هل بالقرب ~~منه شيء من مدائن الشام قال نعم بالقرب من السوق مدينة تسمى طرابلس وهي ~~مينا الشام إليها تقدم المراكب من كل مكان وفيها بطريق عظيم كثير التجبر ~~وقد أقطعه الملك إياها من تجبره وهو يحضر السوق وما كنت أعهد ان لهذا السوق ~~حامية من الروم الا ان يكون الآن لخوفهم منكم ولو سار إلى الدير والسوق ~~أدنى المسلمين لرجوت لهم الفتح ms122 إن شاء الله تعالى فقال أبو عبيدة أيها ~~الناس أيكم يهب نفسه لله تعالى وينطلق مع جيش PageV01P098 # ابعثه فتحا للمسلمين فسكت الناس ولم يتكلم أحد فنادى أبو عبيدة ثانية ~~وانما يريد خالدا بقوله واستحى أن يواجهه في ذلك لأجل عزله فقام من وسط ~~الناس غلام شاب نبت شعر عارضيه واخضر شاربه وكان ذلك الشاب عبد الله بن ~~جعفر رضي الله عنه وكانت أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وكان أبوه جعفر رضي ~~الله عنه قد مات في غزوة تبوك وخلف ولده عبد الله صغيرا فتزوجها أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه فلما كبر وترعرع كان يقول لامه يا أماه ما فعل أبي ~~فتقول يا ولدي قتله الروم وكان يقول لئن عشت لآخذن بثأره فلما مات أبو بكر ~~وتولى عمر رضي الله عنه جاء عبد الله إلى الشام في بعث بعثه عمر مع عبد ~~الله بن أنيس والجهني وكان فيه مشابهة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~خلقه وخلقه وهو أحد الأصحاب الأسخياء فلما قال أبو عبيدة رضي الله عنه أيها ~~الناس من ينطلق إلى هذا الدير وثب عبد الله بن جعفر الطيار رضي الله عنه ~~فقال أنا أول من يسير مع هذا البعث يا أمين الأمة ففرح أبو عبيدة وجعل يندب ~~له رجالا من المسلمين وفرسان الموحدين وقال له أنت الأمير يا ابن عم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعقد له راية سوداء وسلمها اليه وكان على الخيل ~~خمسمائة فارس منهم رجال من أهل بدر وكان من جملة من سيره مع عبد الله أبو ~~ذر الفغاري وعبد الله بن أبي اوفي وعامر بن ربيعة وعبد الله بن أنيس وعبد ~~الله ابن ثعلبة وعقبة بن عبد الله السلمي ووائلة بن الأسقع وسهل بن سعد ~~وعبد الله بن بشر والسائب بن يزيد ومثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم أجمعين ~~قال الواقدي ولما ان اجتمعت الخمسمائة فارس تحت راية عبد الله بن جعفر وة ~~ما منهم الا من شهد الوقائع وخاض ms123 المعامع لا يولون الادبار ولا يركنون إلى ~~الفرار عولوا على المسير وقال أبو عبيدة لعبد الله بن جعفر يا ابن عم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا تقدم على القوم الا في أول قيام السوق ثم إنه ~~ودعهم وساروا قال الواقدي وكان في هذه السرية مع عبد الله بن جعفر وائلة بن ~~الأسقع وكان خروجهم من أرض الشام وهي دمشق إلى دير أبي القدس في ليلة النصف ~~من شعبان وكان القمر زائد النور قال وأنا إلى جانب عبد الله ابن جعفر فقال ~~لي يا ابن الأسقع ما أحسن قمر هذه الليلة وأنوره فقلت يا ابن عم أردت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه ليلة النصف من شعبان وهي ليلة مباركة عظيمة ~~وفي هذه تكتب الارزاق والآجال وتغفر فيها الذنوب والسيئات وكنت أدرت أن ~~أقومها فقلت ان سيرنا في سبيل الله خير من قيامها والله جزيل العطاء فقال ~~صدقت ثم اننا سرنا ليلتنا فبينما نحن سائرون إذ أشرفنا PageV01P099 # على صومعة راهب وعليه برنس اسود فجعل يتأملنا وينظر في وجوهنا فتفقدنا ~~واحدا بعد واحد ثم جعل يطيل النظر في وجه عبد الله ثم قال أهذا الفتى ابن ~~نبيكم فقلنا لا قال إن نور النبوة يلوح بين عينيه فهل يلحق به فقلنا هو ابن ~~عمه فقال الراهب هو من الورقة والورقة من الشجرة فقال عبد الله أيها الراهب ~~وهل تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال وكيف لا أعرفه واسمه وصفته في ~~التوراة والإنجيل والزبور وانه صاحب الجمل الأحمر والسيف المشهر فقال عبد ~~الله فلم لا تؤمن به وتصدقه فرفع يده إلى السماء وقال حتى يشاء صاحب هذه ~~الخضراء فأعجبنا كلامه وسرنا والدليل بين أيدينا إذ أتى بنا إلى واد كثير ~~الشجر والماء أمرنا ان نكمن فيه ثم قال لعبد الله بن جعفر اني ذاهب أجس لكم ~~الخبر فقال له عبد الله أسرع في مسيرك وعد الينا بالخبر قال فانطلق مسرعا ~~وأقام عبد الله بن جعفر يحرس المسلمين بنفسه إلى ms124 الصباح قال فلما أصبحنا ~~صلينا صلاة الصبح وجلسنا ننتظر رجوع الرسول فلم يأت وأبطأ خبره علينا فقلق ~~المسلمون عليه لاحتباسه وخافوا من المكيدة ووسوس لهم الشيطان وساءت بالدليل ~~الظنون فما من المسلمين الا من ظن بالمعاهد شرا الا أبا ذر الغفاري رضي ~~الله عنه فإنه قال ظنوا بصاحبكم خيرا ولا تخافوا منه كيدا ولا مكرا ان له ~~شأنا تعلمونه قال فسكت الناس بعد ذلك وإذا بصاحبهم قد اقبل قال وائلة بن ~~الأسقع فلما رأيناه فرحنا به وظننا أنه يأمر بالنهوض إلى العدو فاقبل حتى ~~وقف وسط المسلمين وقال يا أصحاب محمد وحق المسيح ابن مريم أني لا أكذبكم ~~فيما أحدثكم به واني رجوت لكم الغنيمة وقد حال بينكم وبينها ماء فقال له ~~عبد الله رضي الله عنه وكيف حيل بينا وبينها قال حال بينكم وبينها بحر عجاج ~~وذلك اني أشرفت على السوق وقد قام فيه البيع والشراء فاجتمع فيه أهل دين ~~النصرانية وقد دار أكثرهم بالدير دير أبي القدس واجتمع اليه القسس والرهبان ~~والملوك والبطارقة فلما نظرت إلى ذلك لم ارجع حتى اختبرت ما السبب الذي ~~تجمعت له الخلق زيادة على كل سنة وذلك اني مضيت واختلطت بالقوم وإذا بصاحب ~~طرابلس قد زوج ابنته ملكا من ملوك الروم وقد أتوا بالجارية إلى الدير ~~ليأخذوا لها من راهبهم قربانا وقد دار بها فرسان الروم المنتصرة في عددهم ~~وعديدهم كل ذلك خوفا منكم لأنهم يعلمون انكم بأرض الشام يا معاشر المسلمين ~~وما أرى لكم صوابا ان تصلوا إلى القوم لأنهم خلق كثير وجم غفير وجمع غزير ~~فقال عبد الله بن جعفر رضي الله عنه في PageV01P100 # كم يكون القوم وكم خررتهم فقال اما السوق ففيه أكثر من عشرين ألفا من ~~عوام الروم والأرمن والنصارى والقبط واليهود من مصر والشام وأهل السواد ~~والبطارقة والمنتصرة وأما المستعدون للحرب فخمسة آلاف فارس فما لكم بالقوة ~~طاقة وان وقع طائح في بلادهم انضاف إليهم أمثالهم فان بلادهم متصلة بهم ~~وأما أنتم فعددكم يسير والعرب منكم بعيد قال ms125 الواقدي فصعب ذلك على عبد الله ~~بن جعفر وعلى المسلمين وسقط في أيديهم وهموا بالرجوع فقال عبد الله بن جعفر ~~معاشر المسلمين ما الذي تقولون في هذا الامر فقالوا نرى أن لا نلقي بأيدينا ~~إلى التهلكة كما امر ربنا في كتابه العزيز ونرجع إلى الأمير أبي عبيدة رضي ~~الله عنه والله لا يضيع أجرنا قال فلما سمع عبد الله قولهم قال أما أنا ~~فأخاف ان فعلت ذلك ان يكتبني الله من الفارين وما ارجع أو أبدى عذرا عند ~~الله تعالى فمن ساعدني فقد وقع اجره على الله ومن رجع فلاعتب عليه فلما ~~سمعوا ذلك من عبد الله بن جعفر أميرهم وبذل مهجته استحيوا منه وأجابوه ~~بأجمعهم وقالوا افعل ما تريد فما ينفع حذر من قدر ففرح بإجابتهم ثم عمد إلى ~~درعه فأفرغه عليه ووضع على رأسه بيضة وشد وسطه بمنطقة وتقلد بسيف أبيه ~~واستوى على متن جواده وأخذ الراية بيده وامر الناس بأخذ الأهبة فلبسوا ~~دروعهم واشتملوا بسلاحهم وركبوا خيولهم وقالوا للدليل سر بنا نحو القوم ~~فستعاين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا قال وائلة بن الأسقع ~~رأيت الدليل قد اصفر وجهه وتغير لونه وقالوا سيروا أنتم برأيكم وما علي من ~~امركم وخرج قال أبو ذر الغفاري فرأيت عبد الله بن جعفر يتلطف به حتى سار ~~بين يديه يدله على القوم ساعة ثم وقف وقال أمسكوا عليكم فإنكم قد قربتم من ~~القوم فكونوا في مواضعكم كامنين إلى وقت السحر ثم أغيروا على القوم قال ~~وائلة بن الأسقع فبتنا ليلتنا حيث أمرنا ونحن نطلب النصر من الله تعالى على ~~الأعداء فلما أصبح النهار صلي بهم عبد الله بن جعفر صلاة الصبح فلما فرغوا ~~من صلاتهم قال ما ترون في الغارة فقال عامر بن عميرة بن ربيعة أدلكم على ~~أمر تصنعونه قالوا قل قال اتركوا القوم في بيعهم وشرائهم واظهار أمتعتهم ثم ~~اكبسوا عليهم على حين غفلة وغرة من امرهم فصوب الناس رأيه وصبروا إلى وقت ~~قيام السوق ثم ms126 اظهروا السيوف من أغمادها وأوتروا القسي وشرعوا لاماتهم وعبد ~~الله بن جعفر امامهم الراية بيده فلما طلعت الشمس عمد عبد الله إلى ~~المسلمين PageV01P101 # فجعلهم خمسة كراديس كل كردوس مائة فارس وجعل على كل مائة نقيبا وقال تأخذ ~~كل مائة منكم قطرا من أقطار سوقهم ولا تشتغلوا بنهب ولا غارة ولكن ضعوا ~~السيوف في المفارق والعواتق وتقدم عبد الله بن جعفر بالراية وطلع على القوم ~~فنظر إلى الروم متفرقين في الأرض كالنمل لكثرتهم وقد احدق منهم بدير الراهب ~~خلق كثير والراهب قد اخرج رأسه من الدير وهو يعظ الناس ويوصيهم ويعلمهم ~~معالم ملتهم وهم اليه شخوص بابصارهم وابنة البطريق عنده في الدير والبطارقة ~~وأبناؤهم عليهم الديباج المثقل بالذهب ومن فوقهم دروع وجواشن تلمع وبيض وهم ~~ينظرون صيحة بين أيديهم أو طارقا يطرقهم من خلفهم ونظر عبد الله إلى الدير ~~والى ما أحدق به والى الراهب وما حول صومعته فهاله ذلك من امرهم وصاح فيهم ~~قبل الحملة وقال يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم احملوا بارك الله ~~فيكم فان كانت غنيمة وسرور فالفتح والسلامة ويكون الاجتماع تحت صومعة ~~الراهب وان كان غير ذلك فهو وعدنا الجنة ونلتقي عند حوض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع الصحابة قال وطلب عبد الله الجم العظيم فغاص فيهم وجعل يضرب ~~بسيفه ويطعن برمحه ويحمل المسلمون من ورائه وسمع الروم أصوات المسلمين ~~مرتفعة بالتهليل والتكبير فتيقنوا ان جيوش المسلمين قد أدركتهم وكانوا لذلك ~~منتظرين وعلى يقظة من امرهم فأما السوقة فإنهم تبادروا إلى أسلحتهم والمتع ~~عن أنفسهم وأموالهم وأخرجوا السيوف من الاغمدة وانعطفوا على قتال المسلمين ~~عطفة الأسد الضاري وطلبوا صاحب الراية ولم يكن مع المسلمين راية غيرها ~~فأحدقوا بالراية من كل جانب ومكان وقامت الحرب على ساق وثار الغبار وانعقد ~~وأحدق الروم بالمسلمين فما كان المسلمون فيهم الا كشامة بيضاء في جلد بعير ~~اسود وما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف بعضهم بعضا الا ~~بالتهليل والتكبير وكل واحد مشتغل بنفسه ms127 عن غيره وقال أبو سبرة إبراهيم بن ~~عبد العزيز بن أبي قيس وكان من السابقين والمتقدمين بايمانهم في الاسلام ~~وصاحب الهجرتين جميعا قال شهدت قتال الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله ~~عنه وشهدت المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وفي أحد وفي ~~حنين وقلت اني لا اشهد مثلها فلما قبض الله صلى الله عليه وسلم حزنت عليه ~~ولم أستطع ان أقيم بالمدينة بعد فقده فقدمت مكة فأقمت بها فعوتبت في منامي ~~من التخلف عن الجهاد فخرجت إلى الشام وشهدت أجنادين والشام وسرية خالد خلف ~~توما وهربيس وشهدت سرية عبد الله بن جعفر وكنت PageV01P102 # معه على دير أبي القدس فانستني وقعتها ما شهدت قبلها من الوقائع بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك اني نظرت إلى الروم حين حملنا عليهم في ~~كثرتهم وعددهم وقلنا ما ثم غيرهم وليس لهم كمين عظيم قال فرأينا أجسادهم ~~هائلة وعليهم الدروع وما يبين منهم الا حماليق الحدق لهم طقطقة وزمجرة ~~عندما يحملون حتى نظرت إلى المسلمين قد غابوا في أوساطهم ولا اسمع منهم الا ~~الأصوات تارة يجهرون بها وتارة أقول هلكوا ثم انظر إلى الراية بيد عبد الله ~~بن جعفر رضي الله عنه مرفوعة بذلك وعبد الله يقاتل بالراية ويكر على ~~المشركين ولا يثني ويجاهد على صغر سنة ولم تزل الحرب بيننا كلما طال مكثها ~~اشتد ضرامها وعلا قتامها والتهب نارها وصار عبد الله في وسط القوم وهم حوله ~~كالحلقة الدائرة والروم يحدقون به فجعل كلما حمل يمينا حملت يمينا وان حمل ~~شمالا حملت شمالا ولم نزل في الحرب والقتال حتى كلت منا السواعد وخدرت منا ~~المناكب قال وعظم الامر علينا وهالنا الصبر وتثلم سيف عبد الله في يده ~~وكادت تقع فرسه من تحته فالتجأ بأصحابه في موضع فاجتمع أصحابه اليه فنظر ~~المسملون إلى رايته فقصدوها وما منهم الا مكلوم من المشركين فضاق لذلك ذرعه ~~وما نزل في نفسه مثل ما نزل بالمسلمين فألجأ إلى الله تعالى ms128 أمره وفوض إلى ~~صاحب السماء شأنه ورفع يده إلى السماء وقال في دعائه يا من خلق خلقه وابلى ~~بعضهم ببعض وجعل ذلك محنة لهم أسألك بجاه محمد النبي صلى الله عليه وسلم ~~الا ما جعلت لنا من أمرنا فرجا ومخرجا ثم عاد إلى القتال وأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقاتلون معه تحت رايته فلله در أبي ذر الفغاري رضي الله ~~عنه فإنه نصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهد بين يديه قال عمرو ~~بن ساعدة فلقد رايته مع كبر سنه يضرب بسيفه ضربا شديدا في الروم وينتمي إلى ~~قومه ويذكر عند حملاته اسمه ويقول أنا أبو ذر والمسلمون يفعلون كفعلة إلى ~~أن بلغت القلوب الحناجر وظنوا ان في ذلك الموضع قبورهم قال الواقدي رحمه ~~الله تعالى حدثني عبد الله بن أنيس الجهني قال كنت أحب جعفرا واجب من ~~أولاده عبد الله فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه وكان قائما مقام أبيه نظرت ~~إلى أمه أسماء بنت عميس حزينة فكرهت ان انظر إليها في ذلك الحزن وأيضا ان ~~أبا بكر رضي الله عنه في المسير إلى الشام فاستأذن عبد الله بن جعفر عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه في المسير إلى الشام وقال لي يا ابن أنيس الجهني أشتهي ~~ان ألحق بالشام ومعنا عشرون فارسا أكون مجاهدا أفتصحبني فقلت نعم فودع عمه ~~عليا رضي الله عنه وودع عمر رضي الله عنه PageV01P103 # وسار يريد الشام ومعنا عشرون فارسا حتى اتينا تبوك فقال يا ابن أنيس ~~أتدري موضع قبر أبي فقلت نعم فقال أشتهي ان أرى الموضع قال فما اتينا ~~الموضع فأريته موضع مصرع أبيه وموضع الوقعة وقبر أبيه جعفر رحمه الله تعالى ~~وعليه حجارة فلما نظر اليه نزل ونزلنا معه وبكى وترحم فأقمنا عنده إلى ~~صبيحة اليوم الثاني فلما رحلنا رايت عبد الله يبكي ووجهه مثل الزعفران ~~فسألته عن ذلك فقال رأيت أبي البارحة في النوم وعليه حلتان خضراوتان وتاج ~~وله جناحان وبيده سيف مسلول اخضر ms129 فسلمه إلى وقال يا بنى قاتل به أعداءك فما ~~وصلت إلى ما ترى الا بالجهاد وكأني أقاتل بالسيف حتى تثلم قال عبد الله بن ~~أنيس وسرنا حتى اتينا عسكر أبي عبيدة رضي الله عنه بدمشق فبعثه أمير تلك ~~السرية إلى دير أبي القدس قال عبد الله بن أنيس فلما رأيت بينه وبين الروم ~~قلت يوشك ان يذهب عبد الله فسرت كالبرق ورجعت إلى أبي عبيدة رضي الله عنه ~~فلما رآني قال أبشارة يا ابن أنيس أم لا فقلت انفذ المسلمين إلى نصرة عبد ~~الله بن جعفر ومن معه ثم حدثته بالقصة فقال أبو عبيدة رضي الله عنه إنا لله ~~وإنا إليه راجعون ايصاب عبد الله بن جعفر ومن معه تحت رأيتك يا أبا عبيدة ~~وهي أول امارتك قال الواقدي ثم التفت خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال له ~~يا أبا سليمان سألتك بالله الحق عبد الله بن جعفر فأنت المعد لها فقال خالد ~~انا لها ان شاء اله وما كنت انتظر الا ان تأمرني فقال أبو عبيدة رضي الله ~~عنه استحيت منك يا أبا سليمان فقال والله لو امر علي طفل صغير لاطيعن له ~~فكيف أخالفك وأنت اقدم مني ايمانا واسبق اسلاما سبقت باسلامك مع السابقين ~~وسارعت بايمانك مع المسارعين وسماك رسول الله بالأمين فكيف ألحقك أو أنال ~~درجتك والان أشهدك اني قد جعلت نفسي حبيسا في سبيل الله تعالى لا أخالفك ~~ابدا ولا وليت امارة بعدها ابدا قال قال الواقدي فاستحسن المسلمون قوله ~~فقال أبو عبيدة رضي الله عنه يا أبا سليمان الحق اخوانك رحمك الله قال فوثب ~~خالد رضي الله عنه كأنه الأسد وسار إلى رحلة فأفرغ عليه درع مسيلمة الكذاب ~~الذي سلبه منه يوم اليمامة والقى بيضة على رأسه واردفها قلنسوة وتقلد ~~بحسامه وانصب في سرجه كأنه السيل ونادى بجيش الزحف هلموا إلى جزب السيوف ~~فأجابوه مسرعين كأنهم العقبان وبادروا إلى طاعة الرحمن واخذ خالد الراية ~~بيده وهزها على ركابه ودار به عسكر الزحف من كل ms130 جانب وودع المسلمون بعضهم ~~بعضا وساروا وسار خالد وعبد الله بن أنيس يدلهم على الطريق قال رافع بن ~~عميرة PageV01P104 # الطائي كنت يومئذ من أصحاب خالد بن الوليد رضي الله عنه ولم يزل مجدا في ~~السير والله عز وجل يطوي لنا البعيد فلما كان عند غروب الشمس أشرفنا على ~~القوم والروم كالجراد المنتشر قد غرق المسلمون في كثرتهم فقال خالد يا ابن ~~أنيس في جانب أطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له انه واعد ~~أصحابه ان يلتقوا عند دير الراهب أو موعدهم الجنة قال الواقدي فنظر خالد ~~نحو الدير فشاهد الراية الاسلامية وهي بن عبد الله بن جعفر وما من المسلمين ~~الا من أصيب بجرح وقد ايسو من الحياة الفانية وطعموا في الحياة السرمدية ~~والروم تناوشهم بالحرب وتكثر الطعن الضرب وعبد الله بن جعفر يقول لأصحابه ~~دونكم والمشركين واصبروا لقتال المارقين واعلموا انه قد تجلى عليكم ارحم ~~الراحمين ثم قرأ الآية قوله تعالى * (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله والله مع الصابرين) * فلما نظر خالد رضي الله عنه إلى صبرهم وتجلدهم ~~على القتال أعدائهم لم يطق الصبر دون ان حمل عليهم وهز رايته وقال لأصحابه ~~دونكم القوم القباح فأرووا من دمائهم السلاح وأبشروا بالنجاح يا أهل حي على ~~الفلاح قال الواقدي رحمه الله تعالى فبينما أصحاب عبد الله بن جعفر في أشد ~~ما يكونون فيه إذ خرجت عليهم خيل المسلمين وكتائب الموحدين كأنهم الطيور ~~وعليها الرجال كأنهم العقبان الكاسرة والليوث الضارية وهم عائصون في الحديد ~~وقد ارتفع لهم الضجيج وبخيلهم العجيج فلما نظر عبد الله وأصحابه إلى ذلك ~~ظنوا انها نجدة الأعداء فأيقنوا بالهلاك والفناء وجعلوا ينظرون إلى الخيل ~~التي رأوها هي قاصدة إليهم ففزعوا وظنوا ان كمينا من الروم قد خرج لقتالهم ~~فعظم عليهم الامر وقل منهم الصبر واخذهم البهر وقد لحق بالمشركين الدمار ~~واتاهم حرب مثل النار والسيوف تلمع والرؤوس من الرجال تقطع والأرض قد ~~امتلأت قتلى وهم في أيدي المشركين كالاسرى ms131 والقوم في أشد القتال والسيف ~~يعمل في الرجال إذ نادى فيهم مناد وهتف بهم هاتف خذل الامن ونصر الخائف يا ~~حملة القران جاءكم النصر من الرحمن ونصرتهم على عبدة الصلبان وقد بلغت ~~القلوب الحناجر وعملت المرهفات البواتر وإذا بفارس على المقدمة كأنه الأسد ~~الزائر أو الليث الهادر ويده تشرق بالأنوار كاشراف القمر فنادى الفارس ~~بأعلى صوته أبشروا يا معاشر حملة القران بالنصر المشيد أنا خالد بن الوليد ~~فلما نظر المسلمون الرباية وسمعوا صوت خالد رضي الله عنه كأنهم كانوا في ~~لجه وأخرجهم فأجابوه بالتهليل والتكبير وكانت أصواتهم كالرعد القاصف ~~والرياح العواصف ثم حمل خالد بن الوليد رضي الله عنه بجيش الزحف الذي لا ~~يفارقه ووضع السيف في PageV01P105 # الروم قال عامر بن سراقة فما شبهت حملته الا حملة الأسد في الغنم ففرقهم ~~يمينا وشمالا قال فثبت المسلمون وكل علج من الروم شديد يمانع عن نفسه وخالد ~~يطلب ان يصل إلى عبد الله بن جعفر ولما نظر المسلمون إلى الخيل المقبلة ~~عليها ولم يعلموا ما هي حتى سمعوا صوت خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال يا ~~أيها الناس دونكم الأعداء فقد جاءكم النصر من رب السماء ثم حمل المسلمون ~~معه قال وائلة بن الأسقع لقد كنا ايسنا من أنفسنا وأيقنا بالهلاك حتى اتتنا ~~المعونة من الله عز وجل فحملنا بحملة اخواننا قال فما اختلط الظلام حتى ~~نظرت إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه والراية بيده وهو يسوق المشركين بين ~~يديه سوق الغنم إلى المراعي والمسلمون يقتلون يأسرون فلله در أبي ذر ~~الغفاري وضرار بن الأزور والمسيب بن نجية الفزاري لقد قرنوا المواكب وهزوا ~~المضارب وقتلوا الروم من كل جانب والتقى ضرار بعبد الله بن جعفر رضي الله ~~عنه فنظر اليه والدم على اكمام درعه كأكباد الإبل فقال شكر الله تعالى لك ~~يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم والله انك لقد اخذت بثأر أبيك ~~وشفيت غليلك فقال عبد الله بن جعفر رضي الله عنه من الرجل المخاطب لي ms132 وكان ~~الظلام قد اعتكر وضرار ملثم لا يبين منه الا الحدق فلم يعرفه عبد الله فقال ~~انا ضرار بن الأزور صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بطلعتك ~~وبأخ منا عدل لنا وقام لنصرتنا معركة ضرار قال عبد الله بن أنيس فبينما هم ~~على ذلك إذ اقبل خالد بن الوليد رضي الله عنه وجيش الزحف فقال شكر لك الله ~~وأحسن جزاءك ثم قال عبد الله يا ضرار اعلم أن حامية الروم والبطارقة عند ~~الدير لأجل ابنه صاحب طرابلس وما معها من الأموال وقد أحاط بها كل فارس من ~~الروم فهل لك يا ابن الأزور ان تحمل معي فقال وأين هم فقال اما تنظر إليهم ~~فمد عينه وإذا بحامية الروم وبطريق طرابلس وقد احدقوا بالدير يمنعون عن ~~الجارية والنيران مشتعلة والصلبان تلمع كضوء النار وكأنهم سد من حديد فقال ~~أرشدك الله للخيرات فنعم المرشد أنت احمل حتى احمل معك بحملتك قال فحمل عبد ~~الله بن جعفر من جهته وحمل ضرار بن الأزور من جهته واتبعتهما الرجال وزعقوا ~~في الروم وحماة المشركين وهم يمانعون عن أنفسهم وكان أشدهم منعة بطريقهم ~~فبرز امام القوم وهو يهدر كالبعير ويزأر زئير الأسد يصيح بكلمة الكفر ويحمل ~~حملات الشجعان فقصده ضرار بن الأزور وباطشه في الضرب والتقت الاقران ونظر ~~ضرار إلى العلج وعظم خلقته وتمكنه في PageV01P106 # سرجه وشدة ضربه وحسن احترازه فاخذ ضرار منه حذره واحترز منه البطريق ~~وطلبه أشد الطلب وكل واحد منهما طامع في صاحبه فانفرد ضرار بن الأزور مع ~~صاحب القوم وكل قرن مع قرنه وليس مع ضرار أحد المسلمين فانبسط ضرار بين ~~أيديهم ليمكر بهم وطلبه البطريق وأصحابه وقصدوه بحملتهم فلما نظر ضرار إلى ~~ذلك قصد موضعا يصلح لمجال الخيل فاعترضه واحد من ظلمة الليل فكبابه الجواد ~~فسقط الأرض هاويا ثم ثار من سقطته يروم اخذ الفرس فلم يجد إلى ذلك سبيلا ~~فوقف مكانه وسيفه وجحفته بيده وجعل يجاهدهم بسيفه وصبر لهم صبر الكرام ولم ~~يأخذه في الله لومة لائم ms133 فخفق عليه بطريق الروم واقبل يضرب بعموده فلما ~~لازمه ورمى العمود عليه زاغ ضرار عن الضربة ثم وثب اليه وثبة الأسد وضربه ~~ضربة ازعجت فرس البطريق من تحته وقام على رجليه وشك بيديه وضربه الثانية ~~فوقعت ضربة ضرار في عين جواده فانتكس الجواد إلى الأرض ووقع العلج على ظهره ~~ولم يقدر ان يقوم لأنه مزرد في سرجه فعالجه ضرار قبل وصول غلمانه اليه ~~وضربه على حبل عانقه فنبا سيفه ولم يعمل شيئا فناهضه المعلج وقد ايكن ~~بالهلاك وقبض عليه وكان الجبل العظيم فرماه ضرار تحته وملك صدره واستوى على ~~نحره وكان مع ضرار سكين من صنعة اليمن لا تفارقه فاستلها من غمدها وضرب صدر ~~عدو الله إلى سرته فسقط عدو الله قتيلا وعجل الله روحه إلى النار وبئس ~~القرار ثم وثب ضرار وملك جواد عدو الله واستوى في سرجه وكان على الجواد ~~كثيرا من الذهب والفضة والفصوص التي تساوي ثمنا كثيرا فلما صار على ظهر ~~الجواد حمل وكبر على المشركين ففرقهم يمينا وشمالا وكان ضرار لما انبسط ~~امام القوم ملك عبد الله بن جعفر الدير ومن فيه ومن معه من المسلمين ~~واحدقوا به ولم يأخذوا منه شيئا حتى رجع خالد رضي الله عنه من اتباع الروم ~~وذلك أن خالدا اتبعهم إلى نهر عظيم كان بينهم وبين طرابلس الشام والروم ~~يعرفون مخاوضه فوقف خالد ورجع إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوجدهم قد ملكوا الدير وقتلوا العلج وانتشرت الناس في جمع الغنائم وما كان ~~في السوق والفراش والقماش والثياب والطعام وغيره قال وائلة بن الأسقع ~~فجعلنا نجمعه ونأكل الخيرات واخرجوا ما كان في الدير من انية الذهب والفضة ~~والستور والمراتب واخرجوا ابنة البطريق ومعها أربعون جارية لهن حلي وحلل ~~والمال على البراذين والبغال والحمير فانقلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالغنيمة والأموال الجسيمة قال الواقدي فنسبت تلك السرية لثلاث عبد ~~الله بن جعفر صاحبها PageV01P107 # وعبد الله بن أنيس مدركها وخالد بن الوليد منجدها ولقى خالد فيها مشقة ms134 ~~وجراحا مؤلمة فلما سار واقبل خالد إلى الدير فصاح بصاحبه يا راهب فلم يكلمه ~~فهتف به مرة أخرى وهدده فاطلع عليه وقال ما تشاء وحق المسيح ليطالبنك صاحب ~~هذه الخضراء بدما ء من قتلت فقال خالد كيف يطالبنا وقد أمرنا ان نقاتلكم ~~ونجاهدكم ووعدنا على ذلك الثواب ووالله لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهانا ان نتعرض لكم لاتركتك في صومعتك بل كنت قتلتك أشر قتلة فسكت الراهب ~~عنه ولم يجبه وانقلب خالد والمسلمون بالغنائم إلى دمشق وأبو عبيدة رضي الله ~~عنه فيها فشكر لهم وسلم خالد وعلى عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ورجع إلى ~~مكانه فخمس الغنيمة وقسمها على الناس فدفع لضرار بن الأزور فرس البطريق ~~وسرجه وما عليه من حلى الذهب والفضة والجواهر والفصوص فأتى به ضرار إلى ~~أخته السيدة خولة رضي الله عنها قال فرأيتها تنزع فصوص الجوهر فنفرقها على ~~نساء المسلمين وان الفص منها ليساوي الثمن الكثير قال وعرض السبي على أبي ~~عبيدة رضي الله عنه وفي الجملة ابنة البطريق فقال عبد الله ابن جعفر أريدها ~~قال أبو عبيدة حتى استأذن أمير المؤمنين في ذلك فكتب اليه يعلمه بها ~~وبمسألة عبد الله بن جعفر فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه هي له فأخذها ~~عبد الله وأقامت زمانا عنده وعلمها الطبخ وكانت من قبل تعرف طبخ الفرس ~~والروم وأقامت عنده إلى أيام يزيد فأخبر بها فاستهلااها منه فأهداها له ~~وكانت عنده وقال عامر بن ربيعة أصابني من غنيمة سوق الدير أثواب ديباج حرير ~~فيها صور الروم وكان في كل ثوب منها صورة حسنة وهي صورة مريم وعيسى عليهما ~~السلام فحملت الثياب إلى اليمن فبيعت بثمن كثير وكتب إلى عمي وأنا مع أبي ~~عبيدة يا ابن أخي ابعث لي من هذه الثياب وأكثر منها فإنها تنفق قال الواقدي ~~فلما رجع جيش المسلمين غانما كتب أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه كتابا يخبره بما فتح الله على ms135 يديه وما غنم ~~المسلمون من دير أبي القدس ويمدخ خالدا ويشكره ويثني عليه ويخبره بما قال ~~وما تكلم به وسأله في كتابه ان يكتب إلى خالد يستشيره في المسير إلى هرقل ~~أو إلى بيت المقدس وكتب اليه أيضا ان بعض المسلمين يشربون الخمر قال عاصم ~~بن ذؤيب العامري وكان ممن شهد قتال الروم بالشام وفتح دمشق العرب الوافدين ~~من اليمن فأخذوا في الشرب واستطابوا ذلك فأنكر ذلك الأمير أبو عبيدة فقال ~~رجل من العرب أظنه سراقة ابن عامر يا PageV01P108 # معاشر المسملين خلوا شرب الخمور فإنها تزيل العقول وتكسب الاثم وان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر حتى لعن حاملها والمحمولة اليه ~~وحدثني أسامة بن زيد الليتي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ~~الغفاري قال كنت مع أبي عبيدة بالشام فكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يخبره بفتح الشام وفي الكتاب ان المسلمين يشربون الخمر واستقلوا الحد فقدمت ~~المدينة فوجدت عمر رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالسا وعنده نفر في الصحابة وهم عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف يتحدثون ~~فدفعت الكتاب اليه فلما قرأه جعل يفكر في ذلك ثم قال إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جلد من شربها ثم سأل عمر عليا رضي الله عنه في ذلك وقال ما ترى ~~في هذا فقال علي رضي الله عنه ان السكران إذا سكر هذي وإذا هذي افترى فكتب ~~اليه عمر ان من شرب الخمر فعليه ثمانون جلدة ولعمري ما يصلح لهم الا الشدة ~~والفقر ولقد كان حقهم يراقبوا ربهم عز وجل ويعبدوه ويؤمنوا به ويشكروه فمن ~~عاد فأقم عليه الحد قال الواقدي ق فلما ورد كتاب عمر رضي الله عنه وقراه ~~نادى في المسلمين من من كان في نفسه حد فليعط ذلك من نفسه وليتب إلى الله ~~عز وجل ففعل ذلك كثير من الناس ممن كان شرب الخمر وأعطى الحد من نفسه ثم ~~قال أبو عبيدة رضي ms136 الله عنه اني عزمت على المسير إلى انطاكيا وقصد قلب ~~الروم لعل الله يفتح فتحا على أيدينا فقال المسلمون سر حيث شئت فنحن تبع لك ~~نقاتل أعداءك فسر بقولهم وقال تأهبوا للرحيل فاني سائر بكم إلى حلب فإذا ~~فتحناها توجهنا منها إن شاء الله تعالى إلى انطاكيا فاسرع المسلمون في ~~اصلاح شأنهم واخذوا اهبتهم فلما فرغ أبو عبيدة رضي الله عنه من جميع شغله ~~امر خالد بن الوليد رضي الله عنه ان يأخذ راية العقاب التي عقدها أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه وأمره ان يسير امام الجيش بعسكر الزحف فسار خالد على ~~المقدمة ومعه ضرار بن الأزور ورافع بن عمرة الطائي والمسيب بن نجيبة ~~الفزاري والناس يتبع بعضهم بعضا وترك على دمشق صفوان بن عامر السلمي وترك ~~عنده خمسمائة رجل وسار أبو عبيدة بالمسلمين ومعه ناس من اليمن ومصر ذكر فتح ~~حمص قال الواقدي وسار أبو عبيدة على طريق البقاع واللبوة فلما وصل إلى هناك ~~بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى حمص قال يا أبا سليمان انهض ~~PageV01P109 # على بركة الله تعالى وعونه ونازل القوم وشن الغارة على ارض العواصم ~~وفنسرين وأنا أسير إلى بعلبك فلعل الله ان يسهل علينا فتحها ثم ودعه وسار ~~خالد رضي الله عنه بمن معه إلى حمص وتوجه أبو عبيدة رضي الله عنه إلى بعلبك ~~إذ ورد بطريق جوسيه ومعه الهدايا والتحف وصالح المسلمين سنة كاملة وقال إن ~~فتحتم بعلبك فانا بين أيديكم ولا نخالف لكم قولا فصالحهم أبو عبيدة رضي ~~الله عنه على أربعة آلاف درهم وخمسين ثوبا من الديباج فلما انبرم الصلح سار ~~أبو عبيدة رضي الله عنه يطلب بعلبك فما بعد من اللبوة الا وقد اشرف عليه ~~راكب نجيب فإذا هو أسامة بن زيد الطائي فقال يا اسامة من اين أقبلت فأتاح ~~نجيبه وسلم على أبي عبيدة رضي الله عنه وعلى المسلمين وقال اتيت من المدينة ~~وسلم اليه كتابا من عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففضه أبو عبيدة رضي ms137 الله ~~عنه وإذا فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله بسم الله الرحمن الرحيم من ~~عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى امين الأمة سلام عليك فاني احمد الله لا ~~إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم اما بعد فلا مرد لقضاء ~~الله وقدره ومن كتب في اللوح المحفوظ كافرا فلا ايمان له وذلك أن جبلة بن ~~الأيهم الغساني كان قدم علينا ببني عمه وسراة قومه فأنزلتم واجسنت إليهم ~~واسلموا على يدي وفرحت بذلك إذ شد الله عضد الاسلام والمسلمين بهم ولم اعلم ~~ما كمن في الغيب وانا سرنا إلى مكة حرسها الله تعالى وعظمها نطلب الحج فطاف ~~جبلة بالبيت أسبوعا فوطىء رجل من فزارة ازاراه فسقط ازاره عن كتفه فالتفت ~~إلى الفزاري وقال يا ويلك كشفتني في حرم الله تعالى فقال والله ماتعمدتك ~~فلطم جبلة بن الأيهم الفزاري لطمة هشم بها انفه وكسر ثناياه الأربع فأقبل ~~الفزاري إلي مستعيا على جبلة فأمرت باحضاره وقلت له ما حملك على أن لطمت ~~أخاك في الاسلام وكسرت ثناياه الأربع وهشمت انفه فقال جبلة انه وطئ إزاري ~~برجله فحله ووالله لولا حرمة هذا البيت لقتلته فقلت له أقررت على نفسك فاما ~~ان يعفو عنك واما ان اخذ له منك القصاص فقال ايقتص وانا ملك وهو من السوقة ~~قلت قد شملك وإياه الاسلام فما تفضله الا بالعافية فقال اتتركني إلى غدا أو ~~تقتص مني فقلت للفزاري اتتركه إلى غد قال نعم فلما كان الليل ركب في بني ~~عمه وتوجه إلى الشام إلى كلب الطاغية وأرجوا ان الله تعالى يظفرك به فانزل ~~على حمص ولا تنفذ عنها فان صالحك أهلها فصالحهم وان أبو فقاتلهم وابعث ~~عيونك إلى أنطاكية وكن على حذر من المنتصرة والسلام عليك ورحمة الله وعلى ~~جميع المسلمين PageV01P110 # قال الواقدي فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب في سره جهر به مرة أخرى ثم لوى ~~يطلب حمص وكان خالد رضي الله عنه سبقه إليها بثلث الجيش فنزل عليها يوم ~~الجمعة من ms138 شوال سنة اربع عشرة من الهجرة النبوية وكان عليها واليا بطريق من ~~قبل هرقل اسمه لقيطا وكان قد مات قبل نزول خالد والمسلمين رضي الله عنهم ~~أجمعين فاجتمع المشركون في كنيستهم العظمى وقال كبيرهم اعلموا ان صاحب ~~الملك قد مات وليس عند الملك خبر من هؤلاء العرب وقد نزلوا علينا وما ظننا ~~ذلك ولقد حسبنا انهم لا ينزلون علينا حتى يفتحوا جوسيه وبعلبك وان أنتم ~~قاتلتوهم وكاتبتم الملك ان يسير إليكم واليا جيشا فان العرب لا تمكن أحدا ~~من جنود الملك ان يسير إليكم ولا يصل لكم وليس عندكم طعام يقوم بكم للحصار ~~فقالوا أيها السيد فما الذي ترى قال تصالحون القوم على ما أرادوا وتقولون ~~نحن لكم وبين أيديكم ان فتحتم حلب وقنسرين وهزمتهم جيش الملك فإذا توجه ~~القوم عنا بعثنا إلى الملك ان يمدنا بجيش عرمرم ويولي من أراد علينا ~~ويستوثق لنا من الطعام والعدد وبعد ذلك نقاتلهم فاستصوب القوم رأيه وقالوا ~~دبرنا بحسن رأيك وتدبيرك فبعث البطريق إلى أبي عبيدة رضي الله عنه جاثليقا ~~كان عندهم معظما ليعقد الصلح بينهم وبين المسلمين فخرج الجاثليق ووصل إلى ~~أبي عبيدة رضي الله عنه وتكلم في الصلح معه بما تحدث به البطريق من امر سير ~~المسلمين إلى حلب وقنسرين والعواصم وأنطاكية فأجابهم أبو عبيدة رضي الله ~~عنه إلى ذلك وصالح القوم وهم أهل حمص على عشرة آلاف دينار ومائتي ثوب من ~~الديباج وعقد الصلح مع القوم سنة كاملة أولها ذو القعدة واخرها شوال سنة ~~اربع عشرة من الهجرة قال وانبرم الصلح وخرجت السوقة من حمص إلى عسكر ~~المسلمين فباعوا واشتروا ورأى أهل حمص سماحة العرب من بيعهم وشرائهم وربحوا ~~منهم ربحا وافيا ذكر حديث سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه قال الواقدي ان ~~أبا عبيدة دعا بخالد وضم اليه أربعة آلاف فارس من لخم وجذام وطي ونبهان ~~وكهلان وستس وخولان وقال يا أبا سليمان شن الغارة بهذه الكتيبة واقصد بها ~~المعرة وأقرب من معرة حلب وشن بها الغارة على ms139 بلدة العواصم وارجع على اثرك ~~ونفذ عيونك وانظر ان كان للقوم نجدة أو ناصر من قومهم أم لا فاجابه خالد ~~إلى ذلك واخذ الراية و تقدم امام الكتيبة وجعل ينشد يقول PageV01P111 # * اخذتها والملك العظيم * وانني بحملها زعيم * لأنني كبش بني مخزوم * ~~وصاحب لاحمد الكريم * أسير مثل الأسد الغشوم * يا رب فارزقني قتال الروم * ~~قال الواقدي وسار خالد بن الوليد إلى شيزر ونزل على النهر المقلوب ودعا ~~بمصعب بن محارب اليشكري وضم اليه خمسمائة فارس وأمره ان يشن الغارة على ~~العواصم وقنسرين وسار خالد بن الوليد إلى كفر طاب والمراه والى دير سمعان ~~وجعلت خيل المسلمين تغير يمينا وشمالا على القرى والرساتيق ويأخذون الغنائم ~~والأسارى فرجعوا إلى خالد بن الوليد بالأسارى فسار بهم إلى أبي عبيدة رضي ~~الله عنه فلما نظر إلى خالد وما معه من الغنائم والأموال فرح فرحا شديدا ~~وإذا خلف خالد سواد عظيم قد ارتفعت أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة على ~~على المبشير النذير فقال أبو عبيدة رضي الله عنه ما هؤلاء يا أبا سليمان ~~فقال خالد هذا مصعب بن محارب اليشكري وقد عقدت له راية على خمسمائة فارس من ~~قومه ومن أهل اليمن وانه أغار بهم على العواصم وقنسرين وقد اتى بالغنائم ~~والسبي والأموال فالتفت الأمير أبو عبيدة فنظر إلى سرح عظيم من البقر ~~والغنم وبراذين عليها رجال ونساء وصبيان ولهم دوي عظيم وبكاء شديد فقصدهم ~~أبو عبيدة رضي الله عنه وإذا برجال مقرونين في الحبال وهم يبكون على عيالهم ~~ونهب أموالهم وخراب ديارهم فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لترجمانه قل لهم ما ~~بالكم تبكون ولم لا تدخلون في دين الاسلام وتطلبون الأمان والذمام لتأمنوا ~~على أنفسكم وأموالكم فقال لهم الترجمان ذلك فقالوا أيها الأمير نحن كنا ~~بالبعد منكم وكانت اخباركم تأتينا وما ظننا انكم تبلغون الينا فما شعرنا ~~حتى اشرف علينا أصحابكم فنهبوا أموالنا وأولادنا وساقونا في الحبال كما ترى ~~قال الواقدي وكانت الاعلاج زهاء من أربعمائة علج فقال لهم الأمير ان مننا ~~عليكم واطلقناكم من ms140 أسركم ورددنا عليكم أموالكم وأهاليكم فهل تكونون في ~~طاعتنا وتؤدون الجزية الينا والخراج فقالوا أوف لنا بذلك ونحن نفعل جميع ما ~~شرطته علينا فعند ذلك اقبل أبو عبيدة رضي الله عنه إلى المسلمين وقال لهم ~~قد رأيت من الرأي ان أؤمن هؤلاء من القتل وارد عليهم أموالهم وعيالهم ~~فيكونوا عبيدا لنا ويعمروا الأرض والبلاد ونأخذ خراجهم وجزيتهم فما أنتم ~~قائلون فما كنت بالذي اقطع امرا الا بمشورتكم فقالوا الرأي في ذلك أيها ~~الأمير ان رأيت صلاحا للمسلمين PageV01P112 # قال الواقدي ففرض على كل واحد أربعة دنانير وبذلك كتب إلى عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه فعند ذلك رد عليهم أموالهم وأولادهم وأقرهم على بلادهم وكتب ~~أسماءهم وأمرهم بالرجوع إلى أوطانهم فلما استقروا في خيامهم أخبروا من كان ~~بالقرب منهم بحسن سيرة العرب وما عاملوهم به من الجميل وقالوا لقد ظننا ~~انهم يقتلوننا ويستعبدون أولادنا والآن قد رحمونا وأقرونا في بلادنا على ~~أداء الجزية والخراج قال الواقدي فسمعت الروم ذلك فأقبلوا إلى أبي عبيدة ~~رضي الله عنه في طلب الأمان وأداء الجزية والخراج ذكر فتح قنسرين قال ~~الواقدي وبلغ الخبر إلى أهل قنسرين ان الأمير أبا عبيدة يعطي الأمان من ~~قصده فأحبوا ان يأخذوا الأمان من أبي عبيدة رضي الله عنه واجمعوا رأيهم على ~~ذلك وان ينفذوا رسولا من غير علم بطريقهم قال الواقدي وكان على قنسرين ~~والعواصم بطريق من بطارقة الملك من أهل الشدة والبأس وكان أهل قنسرين ~~يخافون منه وكان اسمه لوقا وصاحب حلب عسكره مثل عسكره وسطوته مثل سطوته ~~وكان الملك هرقل قد دعا بهما اليه فقالا له أيها الملك ما كنا نترك ملكنا ~~من غير أن نقاتل قتالا شديدا فشكرهما الملك هرقل على ذلك ووعدهما ان يبعث ~~اليهما جيشا عرمرميا وكانا منتظرين ذلك من وعد الملك لهما وكان مع كل واحد ~~منهما عشرة آلاف فارس الا انهما لا يجتمعان في موضع واحد قال فلما سمع صاحب ~~قنسرين ما قد عزم عليه أهل قنسرين من الصلح مع أبي عبيدة ms141 غضب غضبا شديدا ~~وعزم ان يمكر بهم فجمع أهل قنسرين اليه وقال لهم يا بني الأصفر ما تريدون ~~ان اصنع مع هؤلاء العرب وكأنكم بهم وقد اقبلوا الينا يفتحون بلادنا كما ~~فتحو أكثر بلاد الشام فقالوا أيها السيد قد بلغنا انهم أصحاب وفاء وذمة وقد ~~فتحوا أكثر البلاد بالصلح والعدل ومن قاتلهم قاتلوه واستعبدوا أهله وأولاده ~~ومن دخل تحت طاعتهم اقروه في بلده وكان آمنا من سطوتهم والرأي عندنا ان ~~نصالح القوم ونكون آمنين على أنفسهم وأموالنا فقال لهم البطريق لقد أشرتم ~~بالصواب والامر الذي لا يعاب لان هؤلاء العرب قوم منصورون على من قاتلهم ~~وها أنا اعقد لكم الصلح معهم سنة كاملة إلى أن توافينا جيوش الملك هرقل ~~ونعطف عليهم وهم آمنون فنبيدهم عن آخرهم فقالوا افعلوا ما فيه الصلاح ~~PageV01P113 # قال الواقدي واتفق أهل قنسرين والبطريق على صلح المسلمين وفي قلوبهم ~~الغدر قال وان لوقا البطريق دعا برجل من أصحابه اسمه إصطخر وكان قسيسا ~~عالما بدين النصرانية فصيح اللسان قوي الجنان يعرف العربية والرومية وقد ~~عرف الدينين اليهودية والنصرانية فقال لوقا يا ابانا سر إلى العرب وقل لهم ~~يصالحونا سنة كاملة حتى نبعد القوم بالحيلة والخداع ثم كتب الكتاب إلى ~~الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فقال بعد كلمة كفره اما بعد يا معاشر العرب ~~ان بلدنا منيع كثير العدد والرجال فما تأتونا من قبله ولو أقمتم علينا مائة ~~سنة ما قدرتم علينا وان الملك هرقل قد استنجد عليكم من حد الخليج إلى رومية ~~الكبرى ونحن قد بعثنا إليكم نصالحكم سنة كاملة حتى نرى لمن تكون البلاد ~~ونحن نريد منكم ان تجعلوا بيننا وبينكم علامة من حد ارض قنسرين والعواصم ~~حتى إذا همت العرب بالغارة بدت العلامة تريكم حد ارضنا ونحن نصالحكم خفية ~~من الملك هرقل لئلا يعلم فيقتلنا والسلام ثم خلع على إصطخر خلعة سنية ~~وأعطاه بغلة من مراكبه وعشرة غلمان وسار حتى وصل إلى حمص فرأى الأمير أبا ~~عبيدة رضي الله عنه يصلي بالمسلمين صلاة العصر فوقف ms142 إصطخر ينظر ما يفعلون ~~ويعجب من ذلك فلما فرغوا من صلاتهم ونظروا إلى القسيس وثبوا اليه وقالوا له ~~من أنت ومن اين أقبلت فقال انا رسول ومعي كتاب فمثلوه بين يدي أبي عبيدة ~~فهم القسيس بالسجود له فمنعه أبو عبيدة رضي الله عنه من ذلك وقال له نحن ~~عبيد الله عز وجل فمنا شقي ومنا سعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها ~~زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض فلما سمع إصطخر ذلك بهت ~~وبقي لا يرد جوابا وهو متعجب مما تكلم به الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه ~~فناداه خالد بن الوليد رضي الله عنه وقال له ما شأنك أيها الرجل ورسول من ~~أنت فقال إصطخر اانت أمير القوم فقال خالد لا بل هذا أميرنا وأشار إلى أبي ~~عبيدة رضي الله عنه فقال إصطخر انا رسول صاحب قنسرين والعواصم ثم اخرج ~~الكتاب ودفعه إلى أبي عبيدة رضي الله عنه فأخذه وقرأه على المسلمين فلما ~~سمع خالد بن الوليد رضي الله عنه ما في الكتاب من صفة مدينتهم وكثرة عددهم ~~ورجالهم وتهديدهم بجيوش الملك هرقل حرك رأسه وقال لأبي عبيدة وحق من أيدنا ~~بالنصر وجعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الطاهر ان هذا الكتاب من عند ~~رجل لا يريد الصلح بل يريد حربنا ثم قال لاصطخر تريدون ان تخدعونا حتى إذا ~~جاءت جنود صاحبكم ورأيتم القوم وقد جاءتكم نقضتم صلحنا وكنتم أول من ~~يقاتلنا وان رأيتم الغلبة لنا هربتم إلى طاغيتكم هرقل فان أردتم ذلك ~~فنواعدكم PageV01P114 # الحرب مواعدة من غير أن يكون صلحا سنة كاملة فان لحق بكم جيش هذه السنة ~~من الملك هرقل فلا بد من قتاله فمن أقام في المدينة ولم يقاتل مع الجيش فهو ~~على صلحنا لا نتعرض له قال إصطخر قد أجبناكم إلى ذلك فاكتبوا لنا كتابا ~~بذلك فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه أيها الأمير اكتب لهم كتابا بمواعدة ~~الحرب سنة كاملة أولها مستهل شهر ذي القعدة سنة اربع عشرة ms143 من الهجرة ~~النبوية قال فكتب له أبو عبيدة رضي الله عنه بذلك فلما فرغ من الكتاب قال ~~له إصطخر أيها الأمير حد بلادنا معروف وبازائنا صاحب حلب وبلاده بحد بلادنا ~~ونريد ان تجعل لنا علامة فيما بيننا وبينكم حتى إذا طلب أصحابكم الغارة لا ~~يتجاوزون ذلك قال الواقدي فرضني أبو عبيدة رضي الله عنه بذلك وقال انا ابعث ~~من يحدد لكم ذلك قال إصطخر أيها الأمير ما نريد معنا أحدا من أصحابك نحن ~~نصنع عمودا وننصحه ويكون عليه صورة الملك هرقل فإذا رآه أصحابك لا يجاوزنه ~~فقال أبو عبيدة رضي الله عنه افعل ذلك ثم دفع اليه الكتاب ونادى في عساكر ~~المسلمين وأصحاب الغارات من نظر إلى عمود فلا يتعداه ولا يتجاوزه بل يشن ~~الغارة على ارض حلب وحدها ولا يتجاوز العمود فليبلغ الشاهد الغائب قال ~~الواقدي ورجع إصطخر إلى بطريق قنسرين واعلمه بما جرى له مع خالد بن الوليد ~~رضي الله عنه ودفع له الكتاب ففرح بذلك وقصد إلى عمود عظيم وصنع عليه صورة ~~الملك هرقل كأنه جالس على كرسي مملكته قال الواقدي وكانت خيل المسلمين تضرب ~~غارتها إلى أقصى بلاد حلب والعمق وأنطاكية ويحيدون عن حد قنسرين والعواصم ~~الا يقربون العمود قال عمر بن عبد الله الغبري عن سالم بن قيس عن أبيه سعد ~~بن عبادة رضي الله عنه قال كان صلح المسلمين لأهل قنسرين والعواصم على ~~أربعة آلاف دينار ملكية ومائة أوقية من الفضة والف ثوب من متاع حلب والف ~~وسق من طعام PageV01P115 # قال الواقدي حدثنا عامر قال كنا في بعض الغارات إذ نظرنا إلى العمود ~~وعليه صورة الملك هرقل فجئنا عنده وجعلنا نجول حوله بخيولنا ونعلمها الكر ~~والفر وكان بيد أبي جندلة قناة تامة فقرب به الجواد من الصورة وهو غير ~~متعمد ذلك ففقأ عين الصورة وكان عندها قوم من الروم وهم غلمان صاحب قنسرين ~~يحفظون العمود فرجعوا إلى البطريق وأعلموه بذلك فغضب غضبا شديدا ودفع صليبا ~~من الذهب إلى بعض أصحابه وضم اليه ألف فارس ms144 من أعلاج الروم وعليهم الديباج ~~الرومي وعليهم المناطق المجوفة وأمر إصطخر ان يسير معهم وقال له ارجع إلى ~~أمير العرب وقل له غدرتم بنا ولم توفوا بذمامكم ومن غدر جندل فأخذ إصطخر ~~الصليب وسار مع الف فارس من الروم حتى اشرف على أبي عبيدة رضي الله عنه ~~فلما نظر المسلمون إلى الصليب وهو مرفوع اسرعوا اليه ونكسوه فاستقبل أبو ~~عبيدة القوم وقال من أنتم قال إصطخر انا رسول صاحب قنسرين إليك وهو يقول لك ~~غدرتم ونقضتم العهد الذي بيننا وبينكم فقال أبو عبيدة رضي الله عنه وحق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمت بذلك وسوف اسأل عنه ثم نادى يا معاشر ~~الناس من فقأ عين التمثال فليخبرنا بذلك فقالوا أيها الأمير أبو جندلة وسهل ~~بن عمرو صنعا ذلك من غير أن يتعمداه فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لاصطخر ان ~~صاحبنا فعل ذلك من غير أن يتعمد فما الذي يرضيك منا فقالت الاعلاج لا نرضى ~~حتى تفقأ عين ملككم يريدون بذلك ان يتطرقوا إلى رقاب المسلمين فقال أبو ~~عبيدة رضي الله عنه ها أنا فاصنعوا بي مثل ما صنع بصورتكم قالوا لا نرضى ~~بذلك الا بعين ملككم الأكبر الذي يلي امر العرب كلها فقال ان عين ملكنا ~~تمنع من ذلك قال الواقدي وغضب المسلمين حين ذكر الاعلاج عين عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وهموا بقتل الاعلاج فنهاهم أبو عبيدة رضي الله عنه عن ذلك ~~فقال المسلمون أيها الأمير نحن دون امامنا فنفديه بأنفسنا ونفقأ عيوننا دون ~~عينه فقال إصطخر عندما نظر إلى المسلمين وقد هموا بقتله وقتل من معه من ~~الاعلاج لا نفقا عين عمر ولا عيونكم ولكن نصور صورة أميركم على عمود ~~PageV01P116 # ونصنع به مثل ما صنعتم بصورة ملكنا فقالت المسلمون ان صاحبنا فعل ذلك من ~~غير تعمد وأنتم تريدون العمد فقال أبو عبيدة رضي الله عنه مهلا يا قوم فإذا ~~رضي القوم بصورتي فقد أجبتم إلى ذلك ولا يتحدث القوم عنا اننا عاهدنا ~~وغدرنا فان ms145 هؤلاء القوم لا عهد لهم ولا عقل ثم أجابهم إلى ذلك قال الواقدي ~~فصوروا أبي عبيدة رضي الله عنه على عمود وجعلوا له عينين من زجاج واقبل ~~فارس منهم حنقا ففقأ عين الصورة ثم رجع إصطخر إلى صاحب قنسرين واخبره بذلك ~~فقال لقومه بهذا نالهم ما يريدون قال واقام أبو عبيدة على حمص يغير يمينا ~~وشمالا ينتظر خروج السنة لينظر ما بعد ذلك قال الواقدي وأبطأ خبر أبي عبيدة ~~على عمر بن الخطاب رضي الله ولم يرد عليه شيء من الكتب والفتح فأنكر عمر ~~ذلك وظن به الظنون وحسب أنه قد داخله خبر وقد ركن إلى القعود عن الجهاد ~~فكتب اليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن ~~الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى امين الأمة أبي عبيدة ~~عامر بن الجراح سلام عليك فاني احمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وآمرك بتقوى الله عز وجل سرا وعلانية وأحذركم ~~عن معصية الله عز وجل وأحذركم وأنهاكم ان تكونوا ممن قال الله في حقهم قل ~~ان كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم الآية وصلى الله على ~~خاتم النبيين وامام المرسلين والحمد لله رب العالمين فلما وصل الكتاب إلى ~~أبي عبيدة رضي الله عنه قرأه على المسلمين فعلموا ان أمير المؤمنين عمر ~~يحرضهم على القتال وندم أبو عبيدة رضي الله عنه على صلح قنسرين ولم يبق أحد ~~من المسلمين الا بكى من كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا أيها ~~الأمير ما يقعدك عن الجهاد فدع أهل شيزر وقنسرين واطلب بنا حلب وأنطاكية ~~فلعل الله ان يفتحهما على أيدينا وقد انقضى اجل الصلح PageV01P117 # وما بقي الا القليل وما البقاء الا للملك الجليل فعزم أبو عبيدة على ~~المسير إلى حلب وعقد راية لسهل بن عمرو وعقد راية أخرى لمصعب بن محارب ~~اليشكري وامر عياض بن غانم ان يسير على مقدمتهم واتبعه خالد بن الوليد وسار ms146 ~~أبو عبيدة رضي الله عنه إلى أن نزل على الرشين وصالح أهلها وسار إلى حماة ~~فخرج أهلها اليه ومعهم الإنجيل وقد رفعه الرهبان على أكفهم والقسس امام ~~القوم يطلبون منه الصلح والذمام فلما رآهم أبو عبيدة رضي الله عنه وقف وقال ~~لهم ما الذي تريدون فقالوا أيها الأمير نريد ان نكون في صلحكم وذمامكم ~~فأنتم أحب الينا قال الواقدي فصالحهم أبو عبيدة وكتب لهم كتاب الصلح ~~والذمام وخلف رجالا من المؤمنين وسار حتى نزل إلى شيزر فاستقبلوه فصالحهم ~~وقال لهم أسمعتم للطاغية هرقل خبرا فقالوا ما سمعنا له خبرا غير أنه اتصل ~~بنا الخبر ان بطريق قنسرين قد كتب إلى الملك هرقل يستنجد عليكم وقد بعث ~~بجبلة بن الأيهم الغساني من بني غسان والعرب المنتصرة ومعه بطريق عمورية في ~~عشرة آلاف فارس وقد نزلوا على جسر الحديد فكن منهم على حذر أيها الأمير ~~فقال أبو عبيدة رضي الله عنه حسبنا الله ونعم الوكيل قال الواقدي واقام ~~الأمير أبو عبيدة على شيزر وبقي مرة يقول أسير إلى حلب ومرة يقول أسير إلى ~~أنطاكية فجمع امراء المسلمين اليه وقال أيها الناس قد بلغني ان بطريق ~~قنسرين قد نقض العهد وارسل للملك هرقل والخبر كذا وكذا فما أنتم قائلون ~~فقالوا أيها الأمير دع أهل قنسرين والعواصم وسر بنا إلى حلب وأنطاكية فقال ~~خذوا اهبتكم رحمكم الله قال الواقدي وكان بقي من الصلح والعهد الذي بينهم ~~وبين أهل قنسرين شهر أو أقل من ذلك فأقام أبو عبيدة رضي الله عنه ينتظر ~~انفصال العهد قال وكانت عبيد العرب يأتون بجراثيم الشجر من الزيتون والرمان ~~وغير ذلك من الأشجار التي تطعم الثمار فعظم ذلك على الأمير أبي عبيدة ~~PageV01P118 # رضي الله عنه فدعا العبيد اليه وقال ما هذا الفساد فقالوا أيها الأمير ان ~~الأحطاب متباعدة منا وهذه الأشجار قريبة فقال الأمير أبو عبيدة عزيمة مني ~~على كل حر وعبد قطع شجرة لها طعم وثمر لاجازينه ولانكلن به فلما سمع العبيد ~~ذلك النكال جعلوا يأتون بالاحطاب من أقصى ms147 الديار قال سعيد بن عامر وكان معي ~~عبد نجيب وكان اسمه مهجعا وقد شهد معي الوقائع والحروب وكان جريء القلب في ~~القتال وكان إذا خرج في غارة أو في طلب حطب يتوغل ويبعد فخرج هو وجماعة من ~~العبيد ممن شهد الوقائع في طلب الحطب فأبطأ خبره على سيده سعيد بن عامر ~~فركب جواده وخرج في طلبه وجعل يقفو اثره وإذا لاح له شخص وقد سال دمه على ~~وجهه وصبغ سائر جسده وما كاد يمشي خطوة واحدة الا ويهوي على وجهه قال سعيد ~~بن عامر فنزلت اليه وقلت له ما وراءك من الاخبار فقال هلكة ودمار يا مولاي ~~فقلت عليك يا ابن الأسود حدثني بخبرك قال سعيد فلم يكد يقف حتى سقط على ~~وجهه فنضحت على وجهه ماء فسكن ما به فقال يا مولاي انج بنفسك والا أدركك ~~القوم يصنعون بك مثل ما صنعوا بي فقلت ما القوم الذين صنعوا بك ما أرى فقال ~~خرجت يا مولاي انا وجماعة من الموالي لنحطتب حطبا فتباعدنا كثيرا في البر ~~وإذا نحن بكتيبة من الخيل زهاء عن الف فارس كلهم عرب وفي أعناقهم صلبان ~~الذهب والفضة وهم معتقلون بالذهب والفضة والرماح فلما نظروا الينا اسرعوا ~~نحونا وداروا بنا وعزموا على قتلنا فقلت لأصحابي دونكم وإياهم فقالوا ويحك ~~ومن يقاتل وليس لنا طاقة بقتال هذه الكتيبة والخيل وما لنا الا ان نلقي ~~بأيدينا إلى الأسر فهو أهون من القتال فقلت لا والله ما سلمت نفسي إليهم ~~دون ان أقاتل قتالا شديدا فلما رأوا مني الجد فعلوا مثل فعلي فقاتلنا القوم ~~وقاتلونا فقتلوا منا عشرة وأسروا عشرة وأما انا فأثخنت بالجراح حتى سقطت ~~على وجهي فرجعوا عني وبقيت كما ترى قال سعيد بن عامر الأنصاري فغمني والله ~~ما نزل بالعبيد فأردفته ورائي ورجعت على اثري وإذا بالخيل قد طلعت من ورائي ~~كأنها الريح الهبوب أو الماء إذا اندفق من ضيق الأنبوب وإذا بخيل غسان ~~أحدقت بالرماح الطوال وهم PageV01P119 # يقولون نحن بنو غسان من حزب الصليب والرهبان ms148 قال سعيد بن عامر فناديتهم ~~انا من أصحاب محمد المختار صلى الله عليه وسلم فأسرع بعضهم إلي وهم ان ~~يعلوني بالسيف فناديته يا ويلك اتقتل رجلا من قومك فقال من أي الناس أنت ~~قلت انا من الخزرج الكرام فرد السيف وقال أنت طلبة سيدنا جبلة بن الأيهم ~~وحق المسيح فقلت ومن اين يعرفني جبلة حتى يطلبني فقال إنه يطلب رجلا من أهل ~~اليمن من أنصار محمد بن عبد الله ثم قال سر بنا طائعا والا سرت كرها قال ~~سعيد بن عامر فسرت والجيش معي حتى أشرفنا على جيش عرمرم وعنده اعلام وصلبان ~~قد رفعت فلم أزل مع القوم حتى اتوا بي إلى مضرب جبلة بن الأيهم وإذا به ~~جالس على كرسي من ذهب احمر وعليه ثياب الديباج الرومي وعلى رأسه شبكة من ~~اللؤلؤ وفي عنقه صليب من الياقوت فلما وقفت بين يديه رفع رأسه إلي وقال من ~~أي عرب أنت قلت أنا من اليمن قال أكرمت من أيها فقلت انا من ولد حارثة بن ~~ثعلبة بن عمرو وبن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عبد الله بن ~~الأزور بن عوف بن مالك بن كهلان بن سبأ فقال جبلة من أي الملأ أنت نسبا ~~فقلت انا من ولد الخزرج بن حارثة من أنصار محمد بن عبد الله عليه الصلاة ~~والسلام فقال جبلة وانا من قومك من بني غسان فقلت انا من القبيلة التي نسبت ~~إليها فقال انا جبلة بن الأيهم الذي رجعت عن الاسلام فما رضي صاحبكم عمر بن ~~الخطاب ان يكون مثلي لهذا الدين ناصرا حتى يأخذ مني القود لعبد حقير وانا ~~ملك اليمن وسيد غسان فقلت يا جبلة ان حق الله أوجب من حقك وديننا لا يقوم ~~الا بالحق والنصفة وان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يخاف ولا تأخذه في ~~الله لومة لائم فقال لي ما اسمك فقلت سعيد بن عامر الأنصاري فقال اوطيء يا ~~سعيد قال فجلست فقال الك عهد بحسان بن ثابت ms149 الأنصاري فقلت شاعر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومن قال فيه المصطفى أنت حسان ولسانك حسام فقال لي كم ~~لك منذ فارقته فقلت عهدي به قريب وقد دعاني إلى دعوة صنعها وامر مولاته ان ~~تنشد بها شعرا فيك فأنشدت * لله در عصابة نادمتهم * يوما بجلق في الزمان ~~الأول * PageV01P120 # * يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل * بيض الوجوه ~~كريمة أنسابهم * شم الأنوف من الطراز الأول * الملحقين فقيرهم بغنيهم * ~~المشفقين على اليتيم الارمل * أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية ~~الكريم المفضل * ثم خرجنا إلى الشام وهذا آخر عهدي به قال جبلة بن الأيهم ~~اوحفظ لي هذه المكرمة قلت نعم قال فأمر لي بثوب من الكتان الرومي وفيه شيء ~~من الورق وقال أنا أمرت لك بالكتان كي تلبسه ولا تحرمه ثم قال لي بحق ذمة ~~العرب ما كنت تصنع في المكان الذي أسرت فيه فقلت ان الصدق أوفى ما استعمله ~~الرجل انا من أصحاب الأمير أبي عبيدة بن الجراح وقد قصدنا نريد حلب ~~وأنطاكية فقال جبلة اعلم أن الملك قد بعثني انا وهذا البطريق صاحب عمورية ~~حتى ننصر صاحب قنسرين فإنه قد كادكم بصلحه لكم وانا منتظر ان يلاقينا بهذا ~~المكان ولكن ارجع إلى صاحبك أبي عبيدة وحذره من أسيافنا وقل له يرجع من حيث ~~قدم ولا يتعرض لبلاد هرقل وسوف ينزع من أيديكم ما قد ملكتموه من الشام قال ~~سعيد بن عامر فركبت واردفت غلامي وسرت حتى اتيت عسكر المسلمين فأسرع الناس ~~إلي وقالوا ا اين كنت يا ابن عامر فأتيت خيمة الأمير أبي عبيدة رضي الله ~~عنه وحدثته بقصتي مع جبلة بن الأيهم فقال لي لقد خلصك الله بذكرك لحسان بن ~~ثابت الأنصاري ثم جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشورة ثم قال ~~أيها الناس ما ترون من قصة هذا البطريق وقد وفينا له وكادنا فقال خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه ان البغي مصرعة وان كادنا كان الله من ورائه بالمرصاد ~~وسوف ms150 نكيده أعظم مكيدة وانا أسير إلى لقائه بعشرة رجال من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال PageV01P121 # أبو عبيدة أنت لها يا أبا سليمان ولكل كريهة فخذ من أحببت من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه اين عياض بن ~~غانم الأشعري اين عمرو بن سعيد اين مصعب بن محارب اليشكري اين أبو جندلة بن ~~سعيد المخزومي اين سهل بن عمرو العامري اين رافع بن عميرة الطائي اين ~~المسيب بن نجية الفزازي اين سعيد بن عامر الأنصاري اين عمرو بن معد يكرب ~~الزبيدي اين عاصم بن عمر القيس اين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه فأجابوه بالتلبية قال الواقدي وكان ضرار بن الأزور رضي الله عنه رمد ~~العينين لم يحضر هذه الوقعة فقال لهم خالد بن الوليد هلموا فوجدوه قد تدرع ~~بدرع مسيلمة الكذاب الذي استلبه منه يوم اليمامة واشتمل بلامة حربه وركب ~~جواده وقال لعبده همام سر معي حتى ترى مني عجبا فسار معه وسار خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه والعشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو ~~عبيدة يا سعيد اما أخبرك جبلة بن الأيهم من اين يأتي البطريق صاحب قنسرين ~~اليه فقال نعم يا أبا سليمان أخبرني فقال له خذنا في الطريق إلى جبلة بن ~~الأيهم رضي الله عنه يدعو لهم بالنصر فأقبل خالد على سعيد بن عامر الأنصاري ~~وقال حتى نكمن له فيه فإذا اتى البطريق صاحب قنسرين كدناه كما كادنا ~~ودمرناه ومن معه فسار سعيد امام القوم يدلهم ويجد السر طالب عسكر جبلة بن ~~الأيهم وكان مسيرهم ليلا فلما وصلوا إلى قرب النيران وسمعوا أصوات القوم ~~عدل بهم سعيد بن عامر إلى صوب طريق البطريق وكمن بمن معه من الرجال إلى وقت ~~الصباح فلم يأت أحد فصلى خالد بأصحابه صلاة الفجر وهم في المكمن فبينما هم ~~في المكمن إذ اشرف عليهم جيش جبلة بن الأيهم والعرب المتنصرة وصاحب عمورية ~~وهم طالبون ms151 ارض العواصم وقنسرين فقال المسلمون لخالد يا أبا سليمان أما ترى ~~هذا الجيش الذي قد اشرف علينا في عدد الشوك والشجر فقال خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه فما يكون من PageV01P122 # كثرتهم إذا كان النصر لنا والله معنا فاختلطوا بهم أنتم وكونوا في جملتهم ~~كأنكم من جيشهم إلى أن نلتقي بالبطريق صاحب قنسرين ويفعل الله تعالى ما ~~يشاء ويختار فعند ذلك اختلطوا بهم وصاروا في جملتهم وهم لا يفترقون قال ~~رافع بن عميرة الطائي فلما أشرفنا على حد صلحنا ولاح لنا بلد العواصم ~~وقنسرين إذا ببطريقها قد استقبلنا وقد رفع امامه الصليب واخرج بين يديه ~~القسوس والرهبان وهم يقرأون الإنجيل وقد ارتفعت أصواتهم بكلمة الكفر ودنا ~~بعضهم من بعض وخرج البطريق امام الصحابة ليأتي إلى جبلة بن الأيهم يسلم ~~عليه فاستقبله خالد بن الوليد رضي الله عنه مواجها له وحوله أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما قرب البطريق منهم قال سلمكم المسيح وأبقاكم ~~الصليب فقال خالد ويا ويلك ما نحن من عباد الصليب بل نحن من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم محمد الحبيب وكشف خالد بن الوليد رضي الله عنه ~~وجهه ونادى لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله يا عدو ~~الله انا خالد بن الوليد انا المخزومي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وضرب بيده البطريق وقبض عليه واتنزعه من سرجه وبرز أصحاب رسول الله عليه ~~وسلم وسلوا السيوف على أصحابه وارتفعت الضجة والجلبة واعلن العدو بكلمة ~~الكفر وضج المسلمون بكلمة التوحيد وسمع جبلة وصاحب عمورية أصوات المسلمين ~~وقد ارتفعت بالتهليل والتبكير فانزعجوا لذلك ونظروا إلى السيوف وقد جردت ~~والرماح وقد شرعت فبرزوا نحو أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحاطوا ~~بهم من كل جانب ومكان فلما نظر خالد إلى ما دهمه ونزل بأصحابه الذين معه ~~والبطريق صاحب قنسرين لا يفارقه وقد ملك قياده وهو خائف ان ينفلت من يديه ~~أو تجري عليه حادثة قبل ان يقتله هم ms152 خالد ان يقتله ورفع السيف ليعلوه به ~~فتبسم البطريق من فعاله وعجب خالد من ضحكه وقال ويلك مم ضحكك فقال البطريق ~~لأنك مقتول أنت ومن معك وتريد قتلي وان أنت أبقيت علي PageV01P123 # فهو أصوب فتركه خالد ولم يقتله ثم صاح خالد بأصحابه أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كونوا حولي واحموا عني واصبروا على ما نزل بكم ولا يكثر ~~عليكم من احدق بكم فان أشد ما تخافون منه القتل والموت منية خالد في سبيل ~~الله واني والله أهديت نفسي للقتل مرارا لعلي ارزق الشهادة واعلموا رحمكم ~~الله ان حجتنا واضحة ومفوضة إلى الله عز وجل وكأني بكم وقد وصلتم إلى ربكم ~~وسكنتم دارا لا يموت ساكنها ثم قرأ لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ~~PageV01P124 # جبلة يحارب خالدا قال الواقدي فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى خالد رضي الله عنه وداروا من حوله وسار عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه عن يمينه ورافع بن عميرة عن يساره وعبده همام من ورائه ~~وأصحابه محدقون به وسلم خالد البطريق صاحب قنسرين إلى عبده همام وقال اوثقه ~~إلى جانبك ولا تبرح من مكانك وأبشر بالنصر من الله عز وجل قال الواقدي ~~وأقبلت إليهم العرب المنتصرة يقدمهم جبلة بن الأيهم في عنقه صليب من الذهب ~~الأحمر وفيه طوق من الجوهر وعليه ثياب الديباح المزركش ومن فوقه درع مذهب ~~الزرد وعلى رأسه بيضة من الذهب وعلى أعلاها صليب من الجوهر وفي يده رمح ~~طويل وسنانه يضيء كالقنديل وصاحب عمورية كالبرج المشيد ومن حوله الاعلاج ~~المدلجة وقد احدق بهم الجيش من كل جانب فلما نظر صاحب عمورية إلى خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه وقد ملك صاحب قنسرين وهو في يده أسير خاف ان يعجل عليه ~~خالد فأقبل إلى جبلة وقال له وحق المسيح ما هؤلاء العرب الا شياطين الا ترى ~~إلى هذا العربي ومعه وهم عشرة رجال وقد احدق بهم هذا الجيش العظيم وما ~~يفكرون فيه وقد ms153 ملكوا صاحبنا وهو معهم أسير ولا يخلص من أيديهم واني خائف ~~عليه ان يقتلوه وهو عزيز عند الملك هرقل فأخرج إلى هذا العربي وقل له يخلي ~~صاحبنا ويوصله الينا حتى نجود لهم بأنفسهم فإذا أطلقوا صاحبنا حملنا عليهم ~~وقتلناهم عن آخرهم قال رافع ابن عميرة الطائي فبينما نحن وقوف حول خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه وجيش الروم والعرب المنتصرة محدقون بنا ونحن لا نفكر ~~في كثرتهم لأنا واثقون بالله عز وجل وإذا بجبلة بن الأيهم وهو ينادي برفيع ~~صوته ويقول من أنتم من أصحاب محمد المعروفين من أنتم من العرب التابعين ~~أخبرونا من قبل ان ينزل بكم الدمار فكان المكلم له خالد وبادره بالخطاب ~~وقال له بل نحن من أصحاب محمد المختار المعروفين بأهل القبلة والاسلام ~~والاكرام والانعام وأما سؤالك عن انسابنا فنحن الآن من قبائل شتى وقد جعل ~~الله كلمتنا واحدة ونحن مجتمعون عليها وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله زاده PageV01P125 # الله تعالى شرفا فلما سمع جبلة كلام خالد بن الوليد غضب غضبا شديدا إذ لم ~~يفكر فيه ولا فيمن معه فقال جبلة يا فتى أنت أمير هؤلاء العرب فقال خالد ~~لست أميرهم بل أخوهم في الاسلام وهم اخواني المؤمنون فقال جبلة من أنت من ~~أصحاب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فقال خالدا انا المعروف بكبش ~~بني مخزوم انا خالد بن الوليد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ~~الرجل الذي عن يميني هو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهذا ~~الذي عن شمالي من أهل اليمن من كرام طيء وهو رافع بن عميرة الطائي صهري ~~وفؤادي وذلك اني اخذت من كل قبيلة شجاعها المعروف وبطلها الموصوف فلا تزدر ~~بقتلنا ولا تفرح بكثرتهم فما أنتم في القتال الا كطيور وقع عليها صائدها ~~وهي كامنة في أوكارها فألقى القانص الشبكة عليها فما انفلت منها الا النجيب ~~قال الواقدي فزاد غضب جبلة من كلام خالد وقال له ستعلم ان كلامك ms154 عليك ميشوم ~~إذا دارت بك الأسنة وبقيت أنت ومن معك طعاما للوحوش في هذه الفلاة تمزقكم ~~بكرة وعشيا فقال له خالد ذلك لا يكثر علينا وهو سهل لدينا فأنت من العرب ~~التي قد نسبت لعبادة الصليب فقال انا سيد بني غسان ومن ملوك همدان انا ملك ~~غسان وتاجها انا جبلة بن الأيهم فقال أنت المرتد عن دين الاسلام ومن اختار ~~الضلالة على الهدى وسلك سبيل الغي وصل وغوى فقال جبلة لست كذلك انا الذي ~~اخترت العز على الذل والهوان فقال خالد فإنك على ذل نفسك حريص وانما ~~الكرامة غدا في دار البقاء والبعد عن دار الشقاء فقال جبلة يا أخا بني ~~مخزوم لا تفرط علينا في المقال فإنما بقائي عليك وعلى أصحابك بسبب هذا ~~الأسير الذي في يدك لأني أخاف ان حملت عليكم قتلته وهو معظم عند الملك هرقل ~~وقريب عنده في النسب فأطلقه من يدك حتى أجود عليكم بأنفسكم فقال خالد اما ~~أسيري فلا أطلقه من يدي حتى اقتله ولا أبالي لما صنع بي بعده واما قولك ~~تحمل علي وعلى من معي بهذه الجموع فما أنصفت في المقال فإذا أردت النصفة في ~~القتال فجمعكم عظيم وعددكم كثير ونحن عشرة رجال وقد فارس وهذا أميركم فان ~~قتلتمونا فقد خلصتم اسيركم وان اظفرنا الله أحدقت بنا أعنت خيولكم وأسنة ~~رماحكم وطيال سيوفكم فابرزوا فارسا بكم وما النصر الا من عند الله فما يعظم ~~عليكم هلاك اسيركم إذا هلكت أنفسكم قبله PageV01P126 # قال الواقدي فعند ذلك نكس جبلة رأسه واقبل يحدث صاحب عمورية بجواب خالد ~~بن الوليد رضي الله عنه فغضب صاحب عمورية غضبا شديدا وانتضى سيفه فلما نظر ~~خالد بن الوليد إلى البطريق وقد جرد سيفه علم أنه يريد القتال فلما هم صاحب ~~عمورية بالحملة امسكه جبلة ومنعه عن الحملة واوقفه تحت صليبه واقبل جبلة ~~على خالد بن الوليد وقال يا أخا بني مخزوم ان الحرب كما ذكرت تحتمل النصفة ~~وهؤلاء بنوا الأصفر اعلاج الروم غنم ما يعرفون النصفة في البراز وقد ms155 حدثتهم ~~بحديثك معي وقد رضوا منك بالمبارزة فمن أراد منكم المبارزة فليبرز قال رافع ~~بن عميرة الطائي فعزم خالد بن الوليد ان يبرز فمنعه عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه وقال يا أبا سليمان وحق القبر الذي ضم أعضاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وحق شيبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يبرز لهؤلاء ~~القوم غيري وابذل المجهود فيهم فلعلي الحق بأبي بكر الصديق فتركه خالد وقال ~~اخرج شكر الله مقالك وعرف لك مفالك قال فخرج عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه وهو على فرس كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان دفعه له من ~~قسمة غنيمة وقعة أجنادين وكان الجواد من خيل بني لخم وجذام من العرب ~~المتنصرة وكان كالطود العظيم وعبد الرحمن غارقا في الحديد والزرد النضيد ~~وبيده قناة تامة الطول فجال عبد الرحمن بجواده بين عساكر الروم والعرب ~~المتنصرة ودعاهم إلى القتال والبراز والنزال وقال دونكم والقتال فأنا ابن ~~الصديق ثم جعل يقول * أنا ابن عبد الله ذي المعالي * والشرف الفاضل ذي ~~الكمال * أبي المجيد الصادق المقال * أدين هذا الدين بالفعال * ثم طلب ~~البراز قال رافع بن عميرة فخرج اليه خمسة فوارس من شجعان الروم فما كان ~~يجول عبد الرحمن على الفارس الا جولة واحدة فيصرعه قتيلا فلما قتل الخمسة ~~فوارس توقفوا عنه فهم بالحملة على عسكر الروم فخرج اليه جبلة بن الأيهم وقد ~~اشتد به الغضب فلما قرب من عبد الرحمن قال له يا غلام قد تعديت علينا في ~~فعالك وبغيت علينا في قتالك فقال عبد الرحمن وكيف ذلك وما البغي من شيمتنا ~~قال جبلة لأنك قد ملأت الأرض من قتلانا وما خرجت إليك أقاتلك لأنك لست لي ~~كفؤا في القتال وانما خرجت إليك لان رجلا من أصحابك قد خرج يعينك وليس هذا ~~من شيم الاشراف والانصاف قال فلما سمع عبد الرحمن كلام جبلة تبسم وقال يا ~~ابن الابهم تريد ان تخدعني وانا تربية الإمام علي بن ms156 أبي طالب رضي الله عنه ~~وقد شهدت معه الوقائع والقتال فقال جبلة لست مخادعا وما قلت الا حقا فقال ~~عبد الرحمن فأخرج بإزاء من خرج معي فارسا من قومك ان كنت صادقا في مقالتك ~~واحمل على علي فاني كفء كريم قال الواقدي فلما نظر جبلة بن الأيهم إلى عبد ~~الرحمن وانه لا يؤتي من قبل الخداع والحيل قال هل لك يا غلام ان تلقي بيدك ~~الينا واغمسك في ماء المعمودية غمسة تخرج منها نقيا من الذنوب كما خرجت من ~~بطن أمك وتكون من حزب الصليب والإنجيل PageV01P127 # وتأكل القربان وتأخذ الجائزة العظيمة من الملك هرقل وأزوجك ابنتي وأقاسمك ~~نعمتي واتفضل عليك باكرامي وانعامي وانا الذي مدحني شاعر نبيكم حيث يقول * ~~ان ابن جفنة من بقية معشر * لم تغذهم آباؤهم باللوم باللوم * يعطي الجزيل ~~ولا يراه بأنه * الا كبعض عطية المذموم * لم ينسني بالشام إذ هو بارح * ~~يوما ولا متنصرا بالروم * ان جئته يوما تقر بمنزل * تسقي براحته من الخرطوم ~~* فأسرع إلى ما عرضته عليك لتنجو من المهالك وتكون في النعم والعيش السليم ~~فقال عبد الرحمن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يا ويلك يا ابن اللئام ~~أتدعوني من الهدى إلى الضلال ومن الايمان إلى الكفر والجهالة وأنا ممن وقر ~~الايمان في قلبه وعرف رشده من غيه وصدق نبي الله وابغض من كفر بالله فدونك ~~والقتال ودع عنك الخديعة والمحال وتقدم إلى ما عزمت عليه حتى أضربك ضربة ~~أعجل بها حمامك وارغم بها انفك وتستريح العرب من أن تنسب إليك لأنك كافر ~~بالرحمن وعابد للصلبان قال فغضب ج 4 بلة من كلام عبد الرحمن جعل عليه وهم ~~به ورفع رمحه يريد ان يطعنه فزاع عبدلارحمن من الطعنة وحمل على جبلة حملة ~~عظيمة وتطاعنا بالرماح حتى كل عبد الرحمن من حمل قناته فرماها من يده ~~وانتضى سيفه وتعاركا في الحرب فهجم عبد الرحمن على جبلة وضرب رمحه فبراه ~~فرمى جبلة باقي الرمح من يده وانتضى سيفه من غمده وكان من سيوف ms157 كندة من ~~بقايا كأنه صاعقة بارقة ما ضرب به شيءا الا براه وحمل على عبد الرحمن رضي ~~الله عنه حملة عظيمة قال رافع بن عميرة الطائي فعجبنا والله من عبد الرحمن ~~وصبره على قتال جبلة ومنازلته على صغر سنه وقلة أعوانه ثم التقيا بضربتين ~~واصلتين فسبقه عبد الرحمن بالضربة فأخذها جبلة من حجفته فقطع الدرق ونزل ~~السيف إلى البيضة فاثنى سيف عبد الرحمن عنها لأنها ذات سقاية عظيمة فجرحه ~~جرحا واضحا اسال دمه وضربه جبلة ضربة واصلة فقطع ما كان عليه من الزرد ~~والدروع والثياب ووصلت الضربة إلى منكبه فجرحته فلما أحسن عبد الرحمن رضي ~~الله عنه بالضربة قد وصلت اليه ثبت نفسه وارى قرينه كأن الضربة لم تصل وحرك ~~جواده وأطلق عنان فرسه حتى لحق بخالد بن الوليد رضي الله عنه وأصحابه فلما ~~وصل إليهم قال له خالد قد وصل إليك عدو الله بضربته فقال نعم وأظهر له ~~ضربته وما لحقه فأخذوه عن فرسه وسدوا جراحه فقال يا ابن الصديق ان كان جبلة ~~قد وصل إليك بضربته فوحق بيعة أبيك لافجعنهم في أسيرهم كما فجعوني بك ثم ~~صاح خالد بعبده همام وقال قدم هذا العلج فقدمه بين يديه فضربه بسيفه فأطاح ~~رأسه عن جسده فلما نظرت الروم إلى صاحبهم وقد قتله خالد فجعهم ذلك وغضب ~~جبلة وقال أبيتم الا الغدر وقتلتم صاحبنا ثم صاح في الروم والعرب المتنصرة ~~وهموا بالحملة ونظر خالد إليهم وقد حملوا على المسلمين فقال لعبده همام قف ~~أنت عند عبد الرحمن فامنع عنه من اراده بسوء ثم قال PageV01P128 # لأصحابه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج أحد منكم عن صاحبه ~~وكونوا حولي فما اسرع الفرج والنصر من الله عز وجل فوقف أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حول خالد بن الوليد رضي الله عنه كما امرهم وما قصدهم ~~الا من آيس من نفسه وحملت الروم والعرب المتنصرة بأجمعهم وثبت لهم المسلمون ~~الأخيار وعظم بينهم القتال ودارت بهم الأهوال قال ربيعة بن عامر ms158 والله لقد ~~كان خالد بن الوليد كلما كثرت الخيل حولنا وازدحمت علينا يتقيها بنفسه ~~ويفرقها بسيفه ولم نزل كذلك حتى أخذنا العطش والظما قال رافع بن عميرة ~~الطائي فلما رايت ذلك قلت لخالد بن الوليد يا أبا سليمان لقد نزل بنا ~~القضاء فقال والله لقد صدقت يا ابا عميرة لأني نسيت القلنسوة المباركة ولم ~~اصحبها معي قال الواقدي وقد عظم عليهم الامر وعز منهم الصبر واخذهم ~~الانبهار ورأوا من المشركين الدمار والأرض قد ملئت من قتلى المشركين وهم ~~بين الروم كأنهم أسرى وإذ قد نادى بهم مناد وهتف بهم هاتف وهو يقول خذل ~~الآمن ونصر الخائف أبشروا يا حملة القرآن جاءكم الفرج من الرحمن ونصرتم على ~~عبدة الأوثان هذا وقد بلغت القلوب الحناجر وعملت السيوف البواتر ودارت ~~عليهم الحوافر قال الواقدي حدثنا بسرة عن إسحاق بن عبد الله قال كنت مع أبي ~~عبيدة رضي الله عنه فبينما نحن في شيرزة وأبو عبيدة في مضربه وإذا به قد ~~خرج في بعض الليل من مضربه وهو ينادي النفير النفير يا معشر المسلمين لقد ~~أحيط بفرسان الموحدين قال فأسرعنا اليه من كل جانب ومكان وقلنا له ما نزل ~~بك أيها الأمير فقال الساعة كنت نائما إذ طرقني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجرني وقال لي معنفا يا ابن الجراح اتنام عن نصرة القوم الكرام فقم ~~والحق بخالد بن الوليد رضي الله عنه فقد أحاط به القوم اللئام وانك تلحق به ~~إن شاء الله تعالى رب العالمين قال الواقدي رحمه الله تعالى فلما سمع ~~المسلمون قول أبي عبيدة رضي الله عنه تبادروا إلى لبس السلاح والزرد وركبوا ~~خيولهم وساروا يريدون خالدا ومن معه قال فبينما الأمير أبو عبيدة رضي الله ~~عنه على المقدمة في أوائل الخيل إذ نظر إلى فارس يسرع به جواده وهو أمام ~~الخيل ويكر في سيره كرا فأمر أبو عبيدة رضي الله عنه رجالا من المسلمين ان ~~الحقوا به فلم يقدروا على ذلك لسرعة جواده قال فلما كلت الخيل عن ms159 ادراكه ~~نظر أبو عبيدة اليه وظن أنه من الملائكة قد ارسله الله امامهم غير أنه نادى ~~به الأمير أبو عبيدة على رسلك أيها الفارس المجد والبطل المكد ارفق بنفسك ~~يرحمك الله فوقف الفارس حين سمع النداء فلما قرب أبو عبيدة من الفارس إذا ~~هي أم تميم زوجة خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال لها أبو عبيدة ما حملت ~~على المسير امامنا فقالت أيها الأمير اني سمعتك وأنت تصيح وتضج بالنداء ~~وتقول ان خالدا أحاطت به الأعداء فقلت ان خالدا ما يخذل ابدا ومعه ذؤابة ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ حانت مني التقاتة إلى PageV01P129 # القلنسوة المباركة وقد نسيها فأخذتها وأسرعت اليه كما ترى فقال أبو عبيدة ~~لله درك يا أم تميم سيري على بركة الله وعونه قالت أم تميم كنت في جماعة ~~نسوة من مذحج وغيرهم من نساء العرب والخيل تطير بنا طيرا حتى أشرفنا على ~~الغبرة والقتال ونظرنا الأسنة والصوارم تلوح في القتال كأنها الكواكب وما ~~للمسلمين حس يسمع قالت فأنكرنا ذلك وقلنا إن القوم قد وقع بهم عدوهم فعند ~~ذلك كبر الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه وحمل وحملت المسلمون قال رافع بن ~~عميرة فبينما نحن قد أيسنا من أنفسنا إذ سمعنا التهليل والتكبير فلم تكن ~~الا ساعة حتى أحاط جيش المسلمين بعسكر الكافرين ووضعوا السيوف من كل جانب ~~وعلت الأصوات وارتفعت الزعقات قال مصعب بن محارب اليشكري فرأيت عبدة ~~الصلبان وهم هاربون ورأيت خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو ثابت في سرجه ~~متشوف إلى الأصوات من اين هي وإذا بفارس قد خرج من الغبار وهو يسوق فرسان ~~الروم بين يديه ويهربون منه حتى أزاح من حولنا الكتائب والرجال فأسرع خالد ~~بن الوليد اليه وقال من أنت أيها الفارس الهمام والبطل الضرغام فقالت انا ~~زوجتك أم تميم يا أبا سليمان وقد أتيتك بالقلنسوة المباركة التي تنصر بها ~~على أعدائك فخذها إليك فوالله ما نسيتها الا لهذا الامر المقدر ثم سلمتها ~~اليه فلمع من ذؤابة رسول الله ms160 صلى الله عليه وسلم نور كالبرق الخاطف قال ~~الواقدي وعيش عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وضع خالد القلنسوة ~~على رأسه وحمل على الروم الا قلب أوائلهم على اواخرهم وحملت المسلمون حملة ~~عظيمة فما كان غير بعيد حتى ولت الروم الادبار وركنوا إلى الفرار ولم يكن ~~في القوم الا قتيل وجريح وأسير وكان جبلة أول من انهزم والعرب المتنصرة ~~اثره فلما رجع المسلمون من اتباعهم اجتمعوا حول راية الأمير أبي عبيدة رضي ~~الله عنه وأتباعه وسلموا على الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وعن المسلمين ~~وشكروا الله على سلامتهم ونظر أبو عبيدة رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد ~~وأصحابه وهم كأنهم قطعة ارجوان فصافحه وهنأه بالسلامة وقال لله درك يا أبا ~~سليمان قد أشفيت الغليل وأرضيت الملك الجليل ثم قال الأمير أبو عبيدة رضي ~~الله عنه يا معاشر الناس قد رأيت أن نسير من وقتنا هذا ونغير على قنسرين ~~والعواصم ونقتل الرجال وننهب الأموال فقال المسلمون نعم ما رأيت يا امين ~~الأمة قال الواقدي فانتخب أبو عبيدة رضي الله عنه فرسانا فجعلهم في المقدمة ~~عياض بن غانم الأشعري وساروا حتى أشرفوا على قنسرين والعواصم فقال لأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شنوا الغارات فشنوا الغارات عليهم وسبوا ~~الذراري وقتلوا الرجال فلما نظر أهل قنسرين إلى ذلك غلقوا مدينتهم وأذعنوا ~~بالصلح وأداء الجزية فأجابهم أبو عبيدة رضي الله عنه إلى ذلك وكتب لهم كتاب ~~الصلح وفرض على كل رأس منهم أربعة دنانير وبذلك أمره عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال الواقدي لما فتح أبو عبيدة رضي الله عنه قنسرين والعواصم قال ~~لأصحاب PageV01P130 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيروا علي برأيكم رحمكم الله فان الله ~~تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم * (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل ~~على الله) * الآية فهل أسير إلى حلب وقلاعها وأنطاكية وملوكها وعساكرها أو ~~نرجع إلى ورائنا فقالوا أيها الأمير كيف نرجع إلى حلب وأنطاكية وهذه أيام ~~انقضاء الصلح ms161 الذي بيننا وبين أهل شيزر وأرمين وحمص وجوسية ولا شك انهم قد ~~اخذوا الحصار وقووا بلادهم بالأطعمة والرجال ونخاف ان يتغلبوا علينا فيما ~~اخذناه من البلاد ويغيروا علينا لا سيما بعلبك وحصنها فإنهم أولو شدة وعديد ~~ونرى من الرأي أنا نرجع إليهم ونقاتلهم فلعل الله عز وجل ان يفتح على ~~أيدينا قال فاستصوب ورجع على طريقه فوجدوا البلاد كما قالوا قد تحصنت ~~بالعدد والرجال والطعام ولم يكن لأبي عبيدة قصد الا حمص فوجدها قد تحصنت ~~بالعدد والعديد وقد بعث إليها الملك هرقل بطريقا من أهل بيته وكان من أهل ~~الشدة والبأس ومعه جيش عرمرم وكان اسم البطريق هربيس فلما نظر أبو عبيدة ~~إلى ذلك ترك على حمص خالد بن الوليد رضي الله عنه وسار هو إلى بعلبك فلما ~~قرب منها وإذا بقافلة عظيمة فيها جمع من الناس ومعهم البغال والدواب وعليها ~~من أنواع التجارات وقد أقبلت من الساحل يريدون بعلبك فلما نظر أبو عبيدة ~~رضي الله عنه إلى سوادها قال لمن حوله من الفرسان ما هذا الا جمع كثير ~~أمامنا فقالوا لا علم لنا بذلك فقال علي بخبرهم فسارت الخيل إليهم واخذت ~~اخبارهم ورجع بعضهم بخبرها والقافلة من قوافل الروم محملة متاعا قال شداد ~~بن عدي وكانت احمال القافلة أغلبها سكر وكانت لأهل بعلبك فلما سمع أبو ~~عبيدة ذلك قال إن بعلبك لنا حرب وليس بيننا وبينهم عهد فخذوا ما قد ساقه ~~الله إليكم فإنها غنيمة من عند الله قال الواقدي فاحتوينا على القافلة وكان ~~فيها أربعمائة حمل من السكر والفستق والتين وغير ذلك وأخذنا أهلها أسارى ~~فقال أبو عبيدة رضي الله عنه كفوا عن القتل واطلبوا منهم الفداء فابتعناهم ~~أنفسهم بالذهب والفضة والثياب والدواب وصنعنا من السكر العصيدة والفالوذج ~~بالسمن والزيت ودعس المسلمون دعبنا وبتنا حيث حوتنا القافلة فلما أصبح ~~الصباح أمرنا أبو عبيدة رضي الله عنه بالمسير إلى بعلبك والنزول عليها وكان ~~قد هرب قوم من القافلة وأخبروا أهل بعلبك بالقافلة قال الواقدي وكان على ~~بعلبك بطريق عظيم ms162 يقال له هربيس وكان شديد البأس شجاع القلب فلما اتاه ~~الخبر بقدوم عساكر المسلمين جمع رجاله وأهل الحرب وأمرهم بلبس السلاح ~~والعدد وخرج بعسكره وجعل يسير وهو يعلم أن الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه ~~سائر إليهم بجيوش المسلمين فلما انتصف النهار وتراءى الجمعان وكان هربيس ~~معه سبعة آلاف فارس سوى من اتبعه من سواد بلده ونظر طوالع جيش أبي عبيدة ~~رضي الله عنه ونظر المسلمون إلى ذلك نادوا النفير فعندها تبادرت الفرسان ~~PageV01P131 # وتقدمت الشجعان وشرعوا رماحهم وجردوا سيوفهم وصف هربيس رجاله وعباهم ~~تعبيئة الحرب فقال له بعض بطارقته ما الذي تريد ان تصنع مع العرب فقال ~~أقاتلهم لئلا يطمعوا فينا فينزلوا على مدينتنا فقالوا له الرأي عندي أن لا ~~تقاتل العرب وارجع سالما أنت ورجالك فان أهل دمشق الشام ما قدروا عليهم ولا ~~ردهم عساكر أجنادين ولا جيوش فسلطين وقد بلغك ما فيه كفاية مما جرى لهم ~~بالأمس مع صاحب قنسرين وصاحب عمورية والعرب المتنصرة وكيف ردهم هؤلاء العرب ~~على أعقابهم منهزمين والصواب انك تفوز بنفسك وبمن معك وأرجع فقال هربيس لست ~~أفعل ذلك ولا أنهزم أمام العرب وقد بلغني أن عسكرهم الكبير على حمص مع ~~الأمير أبي عبيدة الذي كان فيها خالد بن الوليد وهذه غنيمة ساقها المسيح ~~لنا فقال ذلك البطريق الناصح أما انا فلست أبتع رأيك ولا أقاتل العرب ثم ~~لوى عنان فرسه راجعا إلى بعلبك واتبعه خلق كثير من القوم واما هربيس فإنه ~~صف رجاله وزحف يريد القتال فلما نظر أبو عبيدة رضي الله عنه ذلك وأنهم قد ~~عولوا على الحرب صف رجاله وعساكره وقال أيها الناس اعلموا رحمكم الله تعالى ~~ان الله قد وعدكم وأيدكم بالنصر حتى هزم أكثر هؤلاء القوم وهذه المدينة ~~التي أنتم قاصدون إليها وسط ما فتحتموه من البلاد وأهلها قد أكثروا من ~~الزاد والعدد والقوة فإياكم والعجب وانتصروا وأغزوا أعداء الدين وانصروا ~~الله ينصركم وأعلموا أن الله معكم ثم حمل الأمير أبو عبيدة وحمل المسلمون ~~قال عامر بن ربيعة وعيش ms163 عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ~~ما كان بيننا وبينهم الا جولة الجائل حتى ولوا الادبار وطلبوا الاسوار ودخل ~~هربيس المدينة مع أصحابه وفيه سبع جراحات فتلقاه الذي أشار عليه لا تقاتل ~~العرب وقال له وأين غنائم العرب التي غنمتوها فقال هربيس قبحك المسيح أتهزأ ~~بي وقد قتلت العرب رجالي وقد جرحت هذه الجراحات فقال له البطريق ألم أقل لك ~~انك مهلك نفسك ورجالك قال الواقدي ثم إن الأمير أبا عبيدة سار حتى نزل على ~~بعلبك فنظر إلى مدينة هائلة وحصن حصين والقوم قد اغلقوا الأبواب وقد احرزوا ~~أموالهم ومواشيهم في جوفها واطلع المسلمون على الأموال كأنها الجراد ~~المنتشر قال فلما نظر الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه إلى البلد وتحصينه ~~وامتناعه وكثرة رجاله وشدة برده وذلك أنه بلد لا يزايله البرد في الشتاء ~~والصيف فقال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه لخواص أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما الرأي في ذلك فاجتمع رأيهم على شورى واحدة وهو أن يحاصروا ~~القوم ويضيقوا عليهم فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه أصلح الله الأمير اني ~~أعلم أن الروم ازدحم بعضهم ببعض من كثرتهم وأظن أن المدينة لا تسعهم وأن ~~طاولناهم رجونا من الله النصر وأن يفتحها الله على أيدينا فقال الأمير يا ~~ابن جبل من أين علمت أن القوم يتضايقون في مدينتهم فقال أيها الأمير اني ~~كنت أول من اسرع بجواده PageV01P132 # قبل وأشرفت على هذه المدينة والقلعة البيضاء ورجوت ان نلحق سوابق الخيل ~~فرأيت القوم يدخلون المدينة من جميع الأبواب مثل السيل المنحدر والمدينة ~~مشحونة بأهل السواد والقرى والمواشي ودوابهم فيها وقد ضاقت بهم وهذه أصوات ~~القوم في المدينة كأنهم النحل من كثرتهم فقال أبو عبيدة صدقت يا معاذ ونصحت ~~وأيم الله ما عرفتك الا مبارك الرأي سديد المشورة قال الواقدي وبات ~~المسلمون تلك الليلة يحرس بعضهم بعضا إلى الصباح ثم كتب أبو عبيدة رضي الله ~~عنه إلى أهل بعلبك كتابا يقول فيه بسم الله ms164 الرحمن الرحيم من أمير جيوش ~~المسلمين بالشام وخليفة أمير المؤمنين فيهم أبو عبيدة بن الجراح إلى أهل ~~بعلبك من المخالفين والمعاندين أما بعد فان الله سبحانه وتعالى وله الحمد ~~أظهر الدين وأعز أولياءه المؤمنين على جنود الكافرين وفتح عليهم البلاد ~~وأذل أهل الفساد وان كتابنا هذا معذرة بيننا وبينكم وتقدمة إلى كبيركم ~~وصغيركم لأنا قوم لا نرى في ديننا البغي وما كنا بالذين نقاتلكم حتى نعلم ~~ما عندكم وان دخلتم فيما دخل فيه المدن من قبلكم من الصلح والأمان صالحناكم ~~وان أردتم الذمام ذممناكم وان أبيتم الا القتال استعنا عليكم بالله ~~وحاربناكم فأسرعوا بالجواب والسلام على من اتبع الهدى ثم كتب أنا قد أوحى ~~الينا أن العذاب على من كذب وتولى وطوى الكتاب وسلمه إلى رجل من المعاهدين ~~وأمره أن يسير به إلى أهل بعلبك ويأتيه بالجواب فاخذ المعاهد الكتاب وأتى ~~به إلى السور وخاطبهم بلغتهم وقال إني رسول إليكم من هؤلاء العرب فدلوا ~~حبلا فربطه في وسطه واخذه القوم إليهم وأتوا به إلى بطريقهم هربيس فناوله ~~الكتاب فجمع هربيس أهل الحرب والبطارقة وقرأ عليهم كتاب أبي عبيدة رضي الله ~~عنه وقال أشيروا علي برأيكم فقال له بطريق من بطارقته وهو صاحب مشورة الرأي ~~عندي ان لا نقاتل العرب لأنا ليس لنا طاقة بقتالهم ومتى صالحناهم كنا في ~~أمن وخصب ودعة كما قد صار أهل أركه وتدمر وحوران وبصرى ودمشق وأن نحن ~~قاتلناهم وأخذونا في الحرب قتلوا رجالنا واستعبدونا وسبوا حريمنا والصلح ~~خير من الحرب فقال هربيس لا رحمك المسيح فما رأيت أجبن منك ولا أقل جلدا يا ~~ويلك كيف تأمرنا أن نسلم مدينتنا إلى أوباش العرب ولا سيما وقد عرفت حربهم ~~وقتالهم واختبرت نزالهم واني في هذه النوبة لو حملت في ميسرتهم كنت هزمتهم ~~فقال له البطريق نعم كانت الميسرة والقلب يخافون منك ثم تخاصما وتشاتما ~~وافترق أهل بعلبك فرقتين فرقة يطلبون الصلح وفرقة يطلبون القتال ورمى هربيس ~~الكتاب إلى المعاهد بعد ان مزقه وأمر غلمانه أن يدلوه إلى ms165 ظاهر المدينة ~~ففعلوا ذلك ووصل المعاهد إلى عسكر المسلمين وأتى أبا عبيدة رضي الله عنه ~~وحدثه بما كان من القوم وقال أيها الأمير ان أكثر القوم عولوا على القتال ~~فقال أبو عبيدة رضي الله عنه للمسلمين شدوا PageV01P133 # عليهم واعلموا ان هذه المدينة في وسط اعمالكم وبلادكم فان بقيت كانت ~~وبالا على من صالحتم ولا تقدرون على سفر ولا على غيره قال فلبس أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم السلاح والعدد ورجعوا إلى الاسوار وعطف أهل بعلبك ~~عليهم وتراموا بالسهام والأحجار وان هربيس قد نصب كرسيه وسريره على برج من ~~أبراج القلعة من ناحية النملة وقد عصب جراحته ولبس سلاحه ولامته ولبس على ~~رأسه صليبا من الجواهر وحوله البطارقة والديرجانية بالدروع المذهبة والعدد ~~الكاملة وفي أعناقهم صلبان الذهب والجوهر وبأيديهم القسي والسهام قال عامر ~~بن وهب اليشكري شهدت حرب بعلبك وقد زحفت المسلمون إلى سورها قال ونشاب ~~الروم كالجراد المنتشر وكان أناس من العرب بلا سلاح فأصابهم سهام القوم قال ~~ورأيت القوم يتساقطون علينا من السور تساقط الطير على الحب فذهبت إلى رجل ~~سقط لاضرب عنقه فصاح الغوث الغوث وكنا قد عرفنا من الحرب ان من قال الغوث ~~يعني الأمان فقلت له يا ويلك لك الأمان فما الذي ألقاك الينا من سوركم فجعل ~~يكلمني بالرومية وأنا لا أدري ما يقول قال عامر ابن وهب اليشكري فسحبته إلى ~~خيمة أبي عبيدة وقلت له أيها الأمير اطلب من يعرف لغة هذا العلج فاني ~~رايتهم يرمي بعضهم بعضا فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لمن حضر من المترجمة ~~أخبرنا بخبر هذا العلج وما قضيته ولم يرمي بعضهم بعضا فقال له الترجمان يا ~~ويلك قد أعطيناك الأمان فاصدقنا في الكلام قل لنا لم يرمي بعضكم بعضا قال ~~إن بعضنا لا يرمي بعضا ولكنا من أهل والقرى فلما سمعنا بمسيركم ورجوعكم عن ~~أهل قنسرين التجأنا إلى هذه المدينة من جميع الرساتيق لنتحصن فيها لما نعلم ~~من كثرة ما بها من الجيش فضيق بعضنا على بعض ms166 وسددنا طرقات المدينة ومضى ~~بعضنا إلى السور فإذا ليس لنا موضع ناوي إليه ولا مسكن نسكن فيه فجعلنا ~~الأبراج والأسوار مسكنا لنا فلما زحفتم إلى القتال برز إليكم أهل الحرب ~~والنزال من هذه المدينة فجعلوا يدوسوننا بأرجلهم وإذا اشتد الحرب عليهم ~~والقتال يدفع الرجل منهم الرجل منا فيلقيه إليكم قال الواقدي فلما سمع ~~الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه ذلك فرح فرحا شديدا وقال أرجو من الله أن ~~يجعلهم غنيمة لنا قال وأخذت الحرب مأخذها وطحنت رجالها وعلا الضجيج و حمى ~~الروم أسوارهم فلم يقدر أحد من المسلمين أن يصل إليها من كثرة السهام ~~والحجارة قال غياث بن عدي الطائي حاربنا أهل بعلبك في أول يوم فأصيب من ~~المسلمين اثنا عشر رجلا وأصيب من الروم على السور خلق كثير من أهل الحرب ~~وغيرهم وانصرف المسلمون إلى رحالهم وما لهم همة إلى الطعام ولا الشراب ولا ~~يريد أحد منا الا الاصطلاء بالنار من شدة البرد قال فبينما نحن ليلتنا نوقد ~~النار ونتناوب في الحرس إلى الصباح فلما صلينا الفجر نادى مناد من قبل أبي ~~عبيدة رضي الله عنه يقول عزيمة مني على كل رجل من المسلمين لا يبرز إلى حرب ~~PageV01P134 # هؤلاء القوم حتى ينفذ إلى رحله ويصلح له طعاما حارا يأكله ليكون بذلك ~~شديدا على لقاء العدو قال فابتدرنا لاصلاح أمورنا فلما نظر أهل بعلبك إلى ~~تأخرنا عن حربهم وقتالهم طمعوا فينا وظنوا أن ذلك فشل منا وعجز فصاح هربيس ~~في الروم وقال اخرجوا لهم بارك المسيح فيكم قال غياث بن عدي فلم يشعر ~~المسلمون الا والأبواب قد فتحت والخيل والرجال قد طلعت الينا كالجراد ~~المنتشر قال وكان بعضنا قد مد يده إلى الطعام وبعضنا ينضج له القرص وإذا ~~بمناد ينادي يا خيل الله اركبي وللجهاد تأهبي فدونكم والقوم قبل أن يدهموكم ~~قال حمدان بن أسيد الحضرمي وكان لي قرص خبزته وقدمت شيئا من الزيت لاجعله ~~ادامى للقرص وإذا بالمنادي ينادي النفير النفير قال فوالله ما راعني ذلك ~~حتى اخذت قطعة ms167 وغمستها في الزيت وهويت بها إلى فمي سمعت النفير فقمت مسرعا ~~وركبت جوادي عريانا من دهشتي لسرعة الإجابة وضربت يدي على عمود من أعمدة ~~الخيام وحملت على القوم فوالله ما شعرت بما صنعت ولا عقلت على نفسي حتى صرت ~~في الروم فجعلت احطمهم حطما واهبرهم بالسيف هبرا قال فنظرت إلى خيل الروم ~~متفرقة والأمير أبو عبيدة قد نصب رايته والناس يهرعون إليها وان أبا عبيدة ~~رضي الله عنه ينادي برفيع صوته اليوم يوم له ما بعده قال ونظر أبو عبيدة ~~إلى شدة ضرب الروم وصبرهم على قتال المسلمين فحمل عليهم بالخيل العربية ~~وأحاط بالروم من كل جانب ومكان وكان في جملة خيله عمرو بن معد يكرب الزبيدي ~~وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وربيعة بن عامر ومالك بن ~~الأشتر وضرار بن الأزور رضي الله عنه وذو الكلاع الحميري فلله درهم فلقد ~~قاتلوا قتالا شديدا وابلوا بلاء حسنا فلما نظرت الروم إلى فعلهم رجعوا إلى ~~أعقابهم طالبين الاسوار وغلقوا الأبواب ورجع المسلمون إلى عسكرهم وأضرموا ~~نيرانهم ودفنوا من استشهد منهم وأقبلت رؤساء المسلمين إلى الأمير أبي عبيدة ~~رضي الله عنه وقالوا أيها الأمير ما الذي قد عزمت عليه وما عندك من الرأي ~~يرحمك الله فقال أبو عبيدة رضي الله عنه اعلموا أن من الرأي ان نتأخر عن ~~المدينة مقدار شوط فرسخ ليكون ذلك مجالا نحيلكم ومنعة لحريمكم والنصر من ~~عند الله تعالى ثم دعا أبو عبيدة رضي الله عنه بسعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل وعقد له راية وأمره على خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل وأمرهم ان يهبطوا ~~إلى الوادي وأن يقاتلوا القوم على الأبواب وأن يشغلوهم عن المسلمين ثم دعا ~~ضرار بن الأزور وعقد له راية وأمره على خمسمائة فارس ومائة راجل سرحه إلى ~~باب الشام وقال يا بن الأزور اظهر شجاعتك على بني الأصفر فقاتل من هناك من ~~الروم فقال حبا وكرامة قال ومضت كل فرقة إلى جهة من الجهات فلما أصبح ~~الصباح فتحت الروم الأبواب ms168 وخرجوا في خلق كثير إلى أن تكاملوا حول بطريقهم ~~هربيس فقال لهم البطريق اعلموا يا PageV01P135 # معاشر النصرانية إن أهل هذا الدين من قبلكم قد فشلوا عن قتال هؤلاء العرب ~~وعجزوا عن قتالهم ونزالهم فقالوا أيها السيد طب نفسا وقر عينا فانا كنا ~~نخاف من العرب قبل أن نختبرهم ونعلم قتالهم وقد علمنا أنهم إذا لاقوا حربنا ~~لم يكونوا أصبر منا على الحرب لان أحدهم يلقي الحرب وعليه ثوب خلق خام أو ~~فروة خلقة ونحن علينا الدروع والزرد وقد وهبنا أنفسنا للمسيح قال الواقدي ~~فلما نظر أبو عبيدة إلى كثرتهم نادى برفيع صوته يا معاشر المسلمين لا ~~تفشلوا فتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين قال وان الروم داخلهم ~~الخوف لما كانوا قد نالوه من غرة المسلمين بالأمس فحملوا حملة عظيمة قال ~~سهل بن صباح العبسي شهدت قتال أهل بعلبك وقد خرج الينا أهلها في اليوم ~~الثاني وهم أطمع مما كانوا في اليوم الأول وقد حملوا علينا حملة عظيمة ~~شديدة منكرة وكنت في ذاك اليوم أصابني جرح في عضدي الأيمن وما أطيق أن أحرك ~~يدي ولا أحمل سيفا فترجلت عن جوادي وجريت بين أصحابي وقلت في نفسي إذا ~~قصدني أحد من هؤلاء الاعلاج لم يكن لي غنى ادفع عن نفسي فطلعت إلى ذروة ~~الجبل فعلوته وأشرفت على العسكرين وجعلت انظر إلى حربهم وقتالهم وقد طمعت ~~الروم في العرب والمسلمون ينادون بالنصر وأبو عبيدة يدعو لهم بالنصر ~~والتحمت القبائل وافتخرت العشائر قال سهل بن صباح وأنا على الجبل من وراء ~~حجر انظر إلى ضرب السيوف على البيض والحجف والشرر يطير من شعاعها وقد التقى ~~الفريقان واختلط الجمعان فقلت في نفسي ويحي وما عسى ان ينفع المسلمين مقام ~~سعيد بن زيد وضرار بن الأزور على الأبواب والأمير أبو عبيدة في مثل هذا ~~الحرب وأنهم والله على وجل أن ينكشفوا من عظم شدتهم وحربهم وهول ما يلقونه ~~قال فأسرعت إلى جراثيم الشجر فجعلت أكسرها وأعبي الحطب بعضه على بعض وعمدت ~~إلى زناد كان معي ms169 فأوقدت النار واضرمتها فيه وعبيت عليه حطبا اخضر ويابسا ~~حتى علا منه دخان عظيم وكانت علامتنا إذا أردنا ان يجتمع بعضنا إلى بعض ~~بأرض الشام في الليل وقود النار وإثارة الدخان قال فما هو الا ان علا ~~الدخان وتصاعد إلى الأفق حتى نظراليه سعيد بن زيد وأصحابه وضرار بن الأزور ~~وأصحابه فنادى بعضهم بعضا الحقوا الأمير أبا عبيدة رحمكم الله فان هذا ~~الدخان ما هو الا من شيء عظيم والصواب ان نكون بخيلنا في موضع واحد فأسرعوا ~~بخيلهم وساروا حتى أشرفوا على المسلمين وهم في شدة الحرب وأعظم الكرب وقد ~~بلغت القلوب الحناجر وعملت السيوف البواتر وإذا بمناد هتف بهم يا حملة ~~القرآن جاءكم النصر من الرحمن ونصرتم على عبدة الصلبان وإذا قد اشرف عليهم ~~سعيد بن زيد وضرار بن الأزور في أوائل خيلهم وقد شرعا سنانهما وحملا في ~~الروم وقد أيقن الروم انهم الغالبون إذ ظهرت عليهم رايات المسلمين وكتائب ~~المواحدين فالتفتوا ينظرون ما الخبر وإذا بالمسلمين من ورائهم وقد حالوا ~~بينهم وبين PageV01P136 # مدينتهم فنادوا بالويل والخراب وظنوا انه قد اتى للمسلمين نجدة ومدد وقد ~~غرر بهم البطريق فلما نظر البطريق إلى تبلدهم زعق فيهم وقال يا ويلكم لا ~~ترجعوا إلى المدينة قد حيل بينكم وبينها وهذه مكيدة من مكايد العرب فلما ~~سمعت الروم ذلك أحاطوا ببطريقهم كالحلقة المستديرة يحمي بعضهم بعضا فعدل ~~بهم البطريق نحو الجبل ذات الشمال وكان سعيد بن زيد وضرار بن الأزور قد ~~أقبلا بجيشهما عن يمين الحصن وشماله فحملوا عليهم واتبعوا آثارهم حتى طلعوا ~~إلى الجبل والتجأت الروم إلى ضيعة في الجبل حصينة خالية من أهلها فاستند ~~الروم إليها وتحصنوا فيها وتبعهم سعيد بن زيد في الخمسمائة فارس الذين ~~كانوا معه وذلك أن الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه لما نظر إلى هزيمة الروم ~~نادى في المسلمين معاشر الناس لا يتبعهم أحد ولا يفترق جمعكم لأني اخشى أن ~~تكون هزيمة القوم مكيدة لكم حتى إذا تفرق جمعكم زحفوا عليكم قال وان سعيد ~~بن زيد ms170 لم يكن يسمع النداء ولو سمع النداء ما تبع القوم قال الواقدي لما ~~تحصنت الروم في الضيعة قال سعيد بن زيد هذه طائفة قد أراد الله هلاكها ~~فدوروا بهم وحاصروا في كل مكان ولا تدعوا أحدا يطلع رأسه إلى أن تلحق بكم ~~المسلمون ويأتي إليكم امر من الأمير أبي عبيدة ثم اقبل إلى رجل من عظماء ~~المسلمين وقال له اخلفني في قومي حتى انظر رأى الأمير أبي عبيدة ومن معه ثم ~~اخذ معه زهاء من عشرين فارسا من أصحابه وسار حتى لحق بجيش المسلمين فلما ~~نظر اليه الأمير أبو عبيدة ومن معه قال يا سعيد اين رجالك وما صنعت بهم قال ~~ابشر أيها الأمير فان المسلمين في خير وسلامة وقد حاصروا أعداء الله في ~~ضيعة في هذا الجبل ثم اخبره بالقصة من أولها إلى آخرها فقال أبو عبيدة ~~الحمد لله الذي هزمهم عن أوطانهم وجعلهم اشتاتا ثم اقبل أبو عبيدة على سعيد ~~بن زيد وعلى ضرار بن الأزور وقال لهما ما هذه المخالفة رحمكم الله ألم ~~آمركم بالإقامة على أبواب المدينة والمشاغلة للقوم فما الذي ردكم إلي وقد ~~ارعبتم قلبي وقلب من كان معي وظننت ان أهل المدينة كادوكم وهو الذي منعنا ~~ان نتبع المنهزمين فقال سعيد بن زيد أيها الأمير والله ما عصيت لك امرا ولا ~~خالفتك في قول واني قد وقفت حيث أمرتني إذ رأينا دخانا قد علا قتامه ولاح ~~لنا بيانه فقلنا والله ما هذه الا داهية من دواهي الروم أو نفير قد ~~استدعانا به المسلمون فأسرعنا نحوك فعندما نادى الأمير أبو عبيدة في ~~المسلمين معاشر الناس أيكم أوقد نارا أو دخن دخانا في هذا الجبل فليجب ~~الأمير أبا عبيدة قال سهل بن صباح فلما سمعت النداء أجبت المنادي وأتيت ~~الأمير أبا عبيدة فقال ما الذي جراك على ذلك فقصصت عليه قصتي فقال أبو ~~عبيدة لقد وفقك الله تعالى إلى الجنة فإياك بعدها ان تحدث حديثا من غير اذن ~~أميرك قال الواقدي فبينما الأمير كذلك يحدث سهل ms171 بن صباح وإذا برجل من ~~PageV01P137 # المسلمين منحدر من الجبل وهو ينادي النفير النفير يا أمة البشير النذير ~~أدركوا اخوانكم المسلمين فقد أحاط بهم الروم وهم في أشد ما يكون من القتال ~~وانه قد دنا البطريق من المسليمن ونادى بأصحابه ورجاله وقال يا عباد المسيح ~~إليكم هذه الشرذمة اليسيرة والعصابة الحقيرة التي قد أحاطت بكم فاقتلوهم ~~وادخلوا المدينة فإنكم ان قتلتم القوم كسرتم بذلك حدة العرب وانصرفوا عنكم ~~قال مصعب بن عدي وكنت في بعلبك من أصحاب سعيد بن زيد وقد جعلنا محاصرين ~~البطريق والروم في الضيعة ونحن دون الخمسمائة رجل فما شعرنا الا والبطريق ~~والروم قد تبادروا الينا من كل مكان فنادى بعضنا بعضا واجتمعنا قال والله ~~لقد كبوا علينا الخيل وأحاطوا بنا بعد ما كنا احطنا بهم وكان شعارنا في ذلك ~~اليوم الصبر الصبر قال فبينما نحن كذلك في أشد الحرب وأعظم الكرب إذ سمعنا ~~صوتا عاليا قد ملأ الجبل ومناديا ينادي ويقول اما من رجل يهب نفسه في الله ~~ويسنفر المسلمين فإنهم بالقرب منا ولا يعلمون ما نزل بنا قال مصعب بن عدي ~~فلما سمعت الصوت همزت جوادي بكعبي وكان جواد عتيقا يسبق الريح الهبوب أو ~~الماء إذ انسكب من ضيق الأنبوب وكأنه الطود العظيم والله لقد خرج من تحتي ~~كأنه البرق ولم تلحق منه الروم الا الغبار بعد ما قتلت منهم رجلين ولقد ~~نظرت إلى فرسي وهو يشب الصخرة ويسلك الوعرة حتى أشرفت على عساكر المسلمين ~~فناديت النفير النفير يا أمة البشير النذير فلما سمع أبو عبيدة ذلك صاح ~~بالرماة فأجابه خمسمائة رام من أصحاب القسي العربية فضمهم إلى سعيد بن زيد ~~وقال له اسرع يرحمك الله والحق بأصحابك قبل ان يأتي العدو إليهم ثم نادى ~~بضرار بن الأزور وأصحابه وقال له أدرك أخاك سعيد بن زيد قال فسار المسلمون ~~مثل الجراد المنتشر حتى علوا على قلة الجبل واشرفوا على الروم وهم محدقون ~~بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو زيد بن ورقة بن عامر ms172 الزبيدي ~~وكنت ممن شهد القتال على الضيعة مع أصحاب سعيد بن زيد وقد أحاطت بنا الروم ~~وقد صبرنا لهم صبر الكرام وقد صرع منا سبعون رجلا ما بين جريح وقتيل ونحن ~~في أشد ما يكون من القتال والجراح وقد طمعت الروم فينا حتى سمعنا التهليل ~~والتكبير ولحقنا النفير فلما أشرفت علينا راية المسلمين رجعت الروم على ~~أعقابهم مدبرين إلى الضيعة راجعين ولحقنا من تأخر منهم وكثر فيهم القتل ~~والجراح لكثرتهم وتحصن القوم في الضيعة فأحطنا بهم من كل جانب وما تركنا ~~منهم أحدا يخرج رأسه من كثرة النبل وورد الخبر إلى الأمير أبي عبيدة رضي ~~الله عنه بمن استشهد من المسلمين ومن قتل من الكافرين وان القوم قد لزمهم ~~الحصار وان لا زاد عندهم ولا ماء فقال أبو عبيدة الحمد لله ثم قال للمسلمين ~~معاشر الناس ارجعوا إلى أموالكم واضربوا خيامكم حول المدينة فان الله عز ~~وجل كاد عدوكم وهو منجز لنا ما وعدنا من نصره قال فعندنا رجع المسلمون إلى ~~أموالهم ومواضعهم PageV01P138 # التي كانوا فيها أول مرة وضربوا خيامهم وانفذوا طوالعهم وأرسلوا إلى ~~المرعى خيولهم وابلهم وسرحوا إلى الحطب عبيدهم واضرموا النيران في عسكرهم ~~وذهب منهم الخوف وأتاهم الأمان وان أهل بعلبك افترقوا على السور وجعلوا ~~يضربون على وجوههم ويصيحون بلغتهم فقال الأمير أبو عبيدة لبعض التراجمة ما ~~يقول هؤلاء فقال له الترجمان أيها الأمير انهم يقولون يا ويلهم ويا عظم ما ~~أصابهم ويا خراب ديارهم ويا فناء رجالهم حتى ظفرت العرب ببلادهم قال ~~الواقدي فلما دنا المساء ارسل الأمير أبو عبيدة إلى سعيد بن زيد يقول له يا ~~بن زيد الحذر الحذر على من معك من المسلمين واجتهد رحمك الله ان لا يفوتك ~~من الروم أحد ولا تفسح لهم قدما واحدا فيخرج منهم واحدا فيتبع أولهم آخرهم ~~فتكون كمن حصل في يده شيء فاضاعه فلما وصل الرسول إلى سعيد بن زيد بهذه ~~الرسالة أمر المسلمين ان يحيطوا بالضيعة من كل جانب وان لا يخرجوا إلى ~~الحطب الا مائة ms173 بالسلاح ففعلوا ذلك واضرموا نيرانهم وباتوا طول ليلتهم ~~يهللون ويكبرون وبالضيعة يطوفون فلما نظر البطريق هربيس إلى ذلك اقبل على ~~أصحابه ورجاله وقال لهم يا ويلكم لقد ايسنا من التدبير وأخطأنا الرأي وما ~~لنا مدد ولا نجدة ولا نصير ولو اجتهدنا لما اجتهدت العرب على أن يحبسونا في ~~هذه الضيعة والآن قد حبسنا أنفسنا في حبس ليس فيه طعام ولا شراب وان دام ~~علينا هذا يوما ثانيا أو ثالثا ضعف قوينا ومات ضعيفنا وبطلت حيلتنا وسلمنا ~~أنفسنا كارهين فنقتل عن آخرنا فقالت البطارقة فما الذي ترى أيها السيد فقال ~~قد رأيت من الرأي ان اخدع العرب واحتال عليهم واسألهم الصلح لنا ولأهل ~~مدينتنا كما قد طلبوا وأضمن أن افتح لهم المدينة ونكون في ذمامهم فإذا ~~دخلنا المدينة حاربناهم على سورنا ولعلنا نرسل إلى صاحب عين الجوز والى ~~صاحب جوسية فلعلهما يقدمان إلى نصرتنا فيكونان لقتال العرب من خارج المدينة ~~ونحن من أعلى الاسوار ويكفينا المسيح هذه النوبة فقالت البطارقة اعلم أيها ~~السيد ان صاحب جوسية لا يجيبك إلى نجدة ابدا لأنه مشتغل بنفسه وربما يكون ~~محاصرا مثل حصارنا هذا فلقد بلغنا قبل نزول هؤلاء العرب علينا انهم صالحوهم ~~القدرة وألقوه ان يقاتلوا العرب واما أصحاب عين الجوز فإنهم في تجارتهم ~~متفرقون في أقصى الشام وما أظن الا انهم في صلح العرب فانظر لنفسك ورعيتك ~~ما فيه الصلاح فلما سمع البطريق هربيس قولهم أجابهم إلى ذلك فلما أصبح ~~الصباح طلع البطريق على جدار الضيعة ونادى برفيع صوته يا معاشر العرب اما ~~فيكم رجل يعرف كلامي انا هربيس البطريق فلما سمعه بعض التراجمة اقبل على ~~سعيد بن زيد وقال له يا مولاي ان هذا العلج هو هربيس صاحب القوم وهو يستدعي ~~كلامك فقال له سعيد بن زيد ادن منه PageV01P139 # وانظر ماذا يريد وما يقول قال فدنا الترجمان منه فقال له ما الذي تريد ~~قال أريد أن يؤمنني أميركم هذا في ذمامه وذمام أصحابه ويدنو مني حتى أخاطبه ~~بما يعود صلاحه على الفريقين ms174 فقال الترجمان ذلك لسعيد بن زيد فقال سعيد بن ~~زيد لا كرامة له حتى أدنو منه وأمشي اليه حتى يخاطبني فإن كان له حاجة ~~فليأت إلي خاضعا ذليلا صاغرا حتى أسمع كلامه وأعلم مراده قال فأعلم ~~الترجمان هربيس بكلام سعيد بن زيد فقال هربيس فكيف انزل اليه وانا محارب له ~~فأنا أخاف ان يقتلني فقال له الترجمان انا آخذ لك منه الذمام فان العرب لا ~~تخون إذا أمنت فقال البطريق نعم قد تناهت الينا أخبارهم ولكني أريد ان ~~استوثق لنفسي ولأصحابي وأهل بلدي لأنهم قوم قد لحقهم الحقد علينا وقد أصبنا ~~منهم دما كثيرا واني أريد ان ارسل له شخصا يأخذ لي منه أمانا فقال الترجمان ~~انا أعرفه ذلك ثم اقبل الترجمان على سعيد بن زيد وقال له ان البطريق هربيس ~~يريد ان يوجه إليك رجلا من أصحابه يأخذ له منك أمانا فقال سعيد بن زيد دعه ~~يوجه من يريد وأعلمه أن رسوله منا في أمان حتى يرجع اليه قال فأعلمه ~~الترجمان بذلك فأقبل البطريق على رجل من عظماء أصحابه وقال له ترى ما قد ~~نزل بنا وكيف قد ملك العرب علينا الطريق وان بلاد الشام قد أذن المسيح ~~بخرابها وقد نصرت العرب علينا وانا في شدة شديدة وان لم نأخذ من القوم ~~الأمان والا هلكنا وهلكت خيلنا وبعد ذلك يتحكمون في أولادنا وحريمنا ~~ويقتسمون أموالنا وذرارينا وليس لنا نجدة لان كل بلدة مشتغل بنفسه عن ~~نصرتنا فأنزل إلى هؤلاء العرب وخذ لنا منهم أمانا واستوثق لنا منهم حتى ~~أنزل أنا إليهم فلعلنا نجري بينهم صلحا ولعلي أمكر بهم حتى نرجع إلى ~~المدينة ولعلي ارغب صاحبهم في شيء من المال فلعله يرغب وينصرف عنا إلى أن ~~نرى ما يكون بينهم وبين الملك هرقل قال الواقدي فنزل الرجل ووقف امام ~~الأمير سعيد بن زيد وهم الرجل ان يسجد له فمنعه من ذلك وتبادرت اليه ~~المسلمون فأمسكوه ففزع الرجل وقال لم تمنعوني ان أعظم صاحبكم فقال الترجمان ~~ذلك لسعيد بن زيد فقال ms175 انما انا وهو عبدان لله تعالى ولا يجوز السجود ~~والتعظيم الا لله الملك المعبود القديم فقال الرجل بهذا نصرتم علينا وعلى ~~غيرنا من الأمم فقال سعيد بن زيد فما الذي جاء بك قال جئت لآخذ منك أمانا ~~لبطريقنا أن لا تنقض لنا عهدا فقال سعيد بن زيد ليس من اخلاق الامراء ومن ~~يقود الجيوش ان يغدر بعد الأمان ولسنا بحمدالله ممن ينقض عهدا وقد أعطيت ~~صاحبك أمانا ولمن معه ممن القى السلاح وخرج يطلب الأمان مستسلما فقال الرجل ~~نريد منك الأمان ومن أميرك وممن معك فقال سعيد لكم ذلك فعند ذلك رجع الرجل ~~إلى البطريق وأعلمه بجواب سعيد وقال له اخرج وإياكم والغدر فإنه يهلك صاحبه ~~وان هؤلاء العرب لا يخونون أمانهم وعهدهم PageV01P140 # قال الواقدي ولقد بلغني أن البطريق هربيس خلع ما كان عليه من الثياب ~~والديباج والقى السلاح ولبس ثياب الصوف وخرج حافيا حاسرا ذليلا ومعه رجال ~~من قومه حتى وقف بين يدي سعيد بن زيد فخر سعيد لله ساجدا وقال الحمد لله ~~الذي أزال عنا الجبابرة وملكنا بطارقتهم وملوكهم ثم اقبل عليه وقال له ادن ~~مني فدنا إلى أن جلس إلى جانبه وقال له أهذا لباسك دائما أم غيرته فقال لا ~~وحق المسيح والقربان ما لبست الصوف ابدا غير الحرير والديباج وما لبست هذا ~~الا في وقتي هذا فاني ما أريد حربكم ولا قتالكم ثم قال لسعيد هل لك ان ~~تصالحني على أصحابي هؤلاء وعلى أهل المدينة ومن فيها فقال سعيد أما أصحابك ~~هؤلاء فاني أوفيهم على شرط أن من دخل في ديننا فله ما لنا ومن اختار ~~الإقامة على دينه والقى السلاح كان آمنا من القتل وعليه العهد انه لا يحمل ~~علينا سلاحا ولا يكون لنا حربا ابدا واما المدينة فالأمير أبو عبيدة عليها ~~وقد فتحها إن شاء الله تعالى ثم قال إن أحببت ان تسير معي إلى أبي عبيدة ~~حتى يسمع كلامك وتصالح عن قومك فسر وأنت في ذمامي فان اتفق بينكما الامر ~~والا رددتك إلى ms176 موضعك هذا ومن أراد الرجوع معك من رجالك إلى أن يحكم الله ~~وهو خير الحاكمين فقال البطريق انا أفعل ذلك فعندها دعا سعيد بن زيد سعد بن ~~أبي وقاص بن عوف العدوي وقال يا ابن أبي وقاص كن بشيرا للأمير أبي عبيدة ~~بما سمعت واسرع بالجواب قال فأسرع ابن أبي وقاص بن عوف وركب جواده وكان ~~حصانا شديد العدو وجعل يسير سيرا حثيثا حتى اشرف على الأمير أبي عبيدة رضي ~~الله عنه ووقف بين يديه وسلم عليه وقال أصلح الله تعالى شأن الأمير أبشرك ~~بأن البطريق هربيس قد أخذ الأمان من سعيد بن زيد وهو يريد أن يقبل به عليك ~~يسألك الصلح والأمان له ولأهل مدينته فلما سمع الأمير ذلك سجد لله شكرا ~~ورفع رأسه وقال أيها الناس تقدموا الآن إلى قتال أهل المدينة وأظهروا ~~أسلحتكم عليها وكبروا تكبيرة واحدة لكي ترعبوا بها القوم قال ففعل المسلمون ~~ذلك فارتجت المدينة وفزع أهل بعلبك وتداعوا للقتال وأحاط المسلمون بالمدينة ~~من كل جانب وكان أول من سبق إلى المدينة وأعطاهم خبر البطريق المرقال ابن ~~عتبة وقال حصنوا أنفسكم وأولادكم وأموالكم بالصلح فان أبيتم ذلك فقد وعدنا ~~الله تبارك وتعالى على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ان يفتح لنا ~~بلادكم وأمصاركم وغيرها وان الله تعالى منجز أمره فلما سمع أهل بعلبك ذلك ~~فزعوا فزعا شديدا واغبرت وجوههم ورعبت قلوبهم وكلت من الحرب أيديهم وقالوا ~~أهلكنا البطريق وأهلك نفسه ولو كنا صالحنا العرب من قبل أن يوجد بنا هذا ~~الحصار لكان خير لنا قال وشدد المسلمون عليهم القتال قال الواقدي فلما علم ~~أبو عبيدة ان نيران الحرب قد أضرمت على المدينة أرسل إلى سعيد بن زيد يقول ~~له أسرع بالبطريق الينا وله الأمان الذي أمنت أنت فنحن لا ننقض لك عهدا ~~فلما ورد رسول أبي عبيدة على سعيد بن زيد استخلف PageV01P141 # على الضيعة رجلا من أصحابه وسار سعيد مع البطريق حتى وردا على الأمير أبي ~~عبيدة رضي الله عنه فلما وقف البطريق ms177 بين يديه ونظر إلى زيه وزي من معه ~~وشهد قتالهم وعظم ما تلقى المدينة من حربهم وقتالهم حرك البطريق رأسه وعض ~~على أنامله فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لترجمانه ما لهذا يحرك رأسه ويعض ~~أنامله كأنه يتأسف على شيء فاته قال فأعلمه الترجمان بذلك فأقبل على ~~الترجمان وقال له وحق المسيح وما مسح وحق البيعة والمذبح لقد ظننت أنكم ~~أكثر عددا من الحصى وأكثر مددا ولقد كان يخيل لنا عند حربكم وشدة ما نلقى ~~منكم انكم على عدد الحصى والرمل من كثرتكم ولقد كنا نرى خيلا شهبا وعليها ~~رجال وبأيديهم رايات صفر وعليهم ثياب خضر فلما صرت بينكم لم أر من ذلك شيئا ~~وما أراكم الا في قلة عدد وما أدري ما فعل جمعكم أبعثتموه إلى عين الجوز أو ~~إلى جوسيه أو مكان آخر فأخبر الأمير الترجمان بذلك فقال أبو عبيدة للترجمان ~~قل له يا ويلك نحن معاشر المسلمين يكثرنا الله تعالى في أعين المشركين ~~ويمدنا بالملائكة كما فعل بنا يوم بدر وبذلك فتح الله تعالى بلادكم وحصونكم ~~علينا وأذل ملوككم فلما سمع البطريق كلام أبي عبيدة رضي الله عنه على لسان ~~الترجمان قال لقد وطئتم الشام الذي عجزت عنه ملوك الفرس والترك والجرامقة ~~وما ظننا ان يكون ذلك ابدا وأما مدينتنا فهي حصينة لا تعبأ بالحصار لأنها ~~مدينة ليس بالشام مثلها بناها سليمان بن داود عليهما السلام لنفسه وعملها ~~دار مقامه وخزانة لملكه ولولا ما سبق من تفريطنا وخروجنا عنها إليكم ~~وانحرافنا عنها ما صالحناكم ابدا ولا هالنا حربكم ولو أقمتم علينا مائة سنة ~~والان فقد كان ذلك فهل لكم ان تصالحونا حتى نصالحكم فتعدل فينا فهو أقرب ~~رشدا لنا ولكم فوحق المسيح والإنجيل الصحيح لئن فتحنا لكم هذه المدينة لا ~~يصعب عليكم في الشام حصن ولا مدينة قال فلما أخبر الترجمان الأمير أبا ~~عبيدة رضي الله عنه بما قاله قال أبو عبيدة للترجمان قل له الحمد لله تعالى ~~الذي ملكنا أرضكم ودياركم فلا بد أن تؤدوا الجزية ms178 وقد ظننت لنفسك أمانا ~~كاذبا حتى أراك الله الذل والصغار بعد العز والاقتدار ولا بد لنا أن نملك ~~مدينتكم إن شاء الله تعالى ونقتل الرجال ونأسر الابطال فمن أراد حربنا ~~وقتالنا فلا يدخل في صلحنا أبدا ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ~~فقال البطريق لما سمع ذلك على لسان الترجمان لقد تيقنت أن المسيح قد غضب ~~على أهل هذه المدينة إذ بعث بكم إليها وملككم عليها وقد اجتهدت في حربكم ~~ومكرت بكم وما نفع مكرى واجتهادي لأنكم قوم مسلطون وانما طلبت منكم السلم ~~وألقيت يدي في أيديكم بعد جهد مني لا شفقة مني على نفسي ولا بقاء مني على ~~ملكي ولكن أردت صلاح البلاد لان الله تعالى لا يحب الفساد والان فهل لكم أن ~~تصالحوا على المدينة وما فيها وعلى أصحابي هؤلاء فقال له الأمير أبو عبيدة ~~رضي الله عنه فما الذي تبذل لنا في صلحك قال له البطريق أيها الأمير انظر ~~ما الذي تريد فقال الأمير أبو عبيدة لو أن الله فتح على المسلمين من الصلح ~~على هذه المدينة بملئها ذهبا وفضة ما كان أحب PageV01P142 # إلي من سفك دم رجل واحد لكن الله تعالى اعطى الشهداء في الآخرة أكثر من ~~ذلك فقال البطريق أنا أصالحكم على الف أوقية من الفضة البيضاء وألف ثوب من ~~الديباج قال الواقدي فتبسم الأمير أبو عبيدة من كلامه واقبل على المسلمين ~~وقال لهم أما تسمعون ما يقول هذا البطريق قالوا نعم قال فما رأيكم فيما شرط ~~على نفسه فقالوا يزيد عليه وشرطه يرضينا فأقبل الأمير على البطريق وقال له ~~أنا أصالحكم على ألفي أوقية من الذهب الأحمر وألفي أوقية من الفضة البيضاء ~~وألفي ثوب من الديباج وخمسة آلاف سيف من مدينتكم وسلاح أصحابك الذين هم في ~~الضيعة محاصرون ولنا عليكم خراج أرضكم في العام الآتي وأداء الجزية في كل ~~عام وأنتم بعد ذلك لا تحملون علينا سلاحا ولا تكاتبون ملكا ولا تحدثون حدثا ~~ولا كنيسة وترون النصح للمسلمين فلما سمع البطريق ذلك ms179 من شرط الأمير أبي ~~عبيدة رضي الله عنه قال لك ذلك كله علينا الا اني أريد أن أشرط عليك وعلى ~~أصحابك شرطا فقال له الأمير أبو عبيدة وما شرطك فقال لا يدخل الينا من ~~أصحابك أحد وتنزل صاحبك الذي تستخلفه علينا خارج المدينة بأصحابه ويكون له ~~الخراج والجزية وتدعني أنا من داخل المدينة من قبل الاصلاح بين الناس ~~والنظر في أحوالهم ونحن نخرج إلى من تخلفه علينا من أصحابك سوقا يكون فيه ~~من جميع ما في مدينتنا ولا يدخلون الينا مخافة أن يغلظوا بكلامهم على ~~كبرائنا ويفسد الامر بيننا وبينكم ويكون سببا للغدر ونقض العهد قال أبو ~~عبيدة فإذا صالحناكم نجاهد عدوكم لأنكم تصيرون في ذمتنا ويكون الرجل الذي ~~نخلفه عليكم مثل الواسطة والسفير بيننا وبينكم قال البطريق هربيس يكون خارج ~~المدينة ويفعل ما يشاء ان يفعله من المحاماة فقال أبو عبيدة لكم ذلك وما ~~لنا في الدخول إلى مدينتكم من حاجة فقال البطريق تم الصلح على ذلك ثم سار ~~البطريق إلى المدينة وأبو عبيدة معه فلما وصل إلى الباب حسر البطريق عن ~~رأسه ورطن عليهم بلغه الروم فعرفوه عند ذلك فقالوا له وأين أصحابك ورجالك ~~فقص عليهم قصته وأخبرهم بخبره وخبر أصحابه وأعلمهم بالصلح فبكى القوم ~~وقالوا تلفت النفوس وذهبت الأموال فقال لهم البطريق يا قوم وحق المسيح ما ~~صالحتم ولي وجه غير الصلح فقالوا له اذهب أنت وصالح عن نفسك وأما نحن فلن ~~نصالح العرب أبدا ولن ندع أحدا منهم يملكنا ولا يدخل بلادنا ومدينتنا وهي ~~أحصن مدينة في الشام وكان الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه قد أعلم المسلمين ~~بمصالحة البطريق وأمرهم ان يكفوا عن القتال والحرب فلما سمع الترجمان كلام ~~أهل بعلبك لبطريقهم أخبر الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه بذلك فأقبل البطريق ~~فقال له أبو عبيدة هات ما عندك والا نرد الحرب كما كان فقال البطريق دعني ~~والقوم فوحق الإنجيل الصحيح وعيسى المسيح لو لم يقبلوا مني لادخلنك بالكثرة ~~إليهم فتضع السيف فيهم وتقتل رجالهم ms180 وتسبي نساءهم وتنهب أموالهم لأني خبير ~~بعورات بلدهم وبطرقاتها قال أبو عبيدة رضي الله عنه ما شاء الله كان قال ~~وكان الروم على سورهم PageV01P143 # يسمعون كلام البطريق لأبي عبيدة رضي الله عنه فدخل الرعب في قلوبهم فعند ~~ذلك اقبل البطريق على الروم وقال لهم ما تقولون في صلح العرب فاني أسير في ~~أيديهم ورجالهم وبنو عمكم في قبضتهم فإن لم تصالحوا العرب والا يقاتلونا ~~جميعا ويرجعوا إليكم من بعدنا فقالوا أيها السيد انا لا نطيق هذا المال ~~فقالوا يا ويلكم علي وحدي ربع ما طلبوا فطابت قلوبهم بذلك وقالوا انا لا ~~نفتح الباب الا لك وحدك ولا يدخل معك أحد من العرب حتى نصلح مدينتنا ونرفع ~~رحالنا ونخفي حريمنا فقال البطريق ويحكم فاني قد صالحت القوم على أن لا ~~يدخل مدينتكم أحد منهم وان الرجل الذي يخلفونه عليكم يكون هو وأصحابه خارج ~~المدينة وتخرجون اليه سوقا يتسوقون منه قال ففرحت الروم بذلك وفتحوا له ~~الباب فدخل إليهم وبعث الأمير أبو عبيدة إلى سعيد بن زيد ان يخلي عن الرجال ~~الذين هم في الضيعة يحاصرون فخلى سعيد بن زيد سبيلهم وجاء بهم عند الأمير ~~أبي عبيدة وأخذ سلاحهم وتركهم عنده رهائن على المال الذي عندهم لأنه خاف ان ~~تركهم ان يرجعوا إلى المدينة ويغدروا بالمسلمين فتركهم عنده في عساكره هذا ~~والبطريق في المدينة يجبي المال بعد اثني عشر يوما وهم مع ذلك يحملون إلى ~~عسكر المسلمين الزاد والميرة والعلوفة حتى كملت الأموال والثياب والسلاح ~~وحملها البطريق إلى أبي عبيدة رضي الله عنه وقال له تسلم الأموال على ما ~~وافقتك عليه وخل عن الرجال وانظر إلى من تخلفه علينا من أصحابك فأحضره لنا ~~حتى نشرط عيله بحضرتك أن لا يجوز علينا ولا يطالبنا بما لا نطيق ولا يدخل ~~مدينتا قال فدعا أو عبيدة برجل من سادات قريش اسمه رافع ابن عبد الله ~~السهمي وقال له يا رافع بن عبد الله استعملتك على هذه المدينة وضم إليك ~~خمسمائة فارس من بني عمك وعشيرتك ms181 وأربعمائة فارس من أخلاط المسلمين واني ~~آمرك بما أمرك الله به فاتق الله حق تقاته ولا تكن الا من الولاة العادلين ~~وأياك والظلم والجور فتحشر مع الظالمين واعلم أن الله تعالى سائلك عنهم ~~ومطالبك بما تصنع بغير الحق واعلم اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إن الله تبارك وتعالى أوحي إلى موسى بن عمران عليه السلام أن يا موسى ~~لا تظلم عبادي أخرب بيتك من نفسك فأقم الارصاد في أطراف البلاد فإنك بين ~~أعدائك وبعد هذا ما عرفتك الا استيقاظا وأحذرك من السواحل وشن الغارة عليهم ~~ولتكن غارتك في المائة والمائتين ولا تمكن أحدا من المدينة يختلط بأصحابك ~~في غارة حتى يطمع عدوكم فيه وأحسن معاملة من ساعدك وأصلح بينهم وأمرهم ~~بالعدل وكن بينهم كأحدهم وأمر أصحابك ومن معك أن يكفوا أيديهم عن الفساد ~~والظلم للرعية والله تعالى خليفتي عليك والسلام عليك ذكر حديث نزول ~~المسلمين على حمص قال الواقدي ثم هم أبو عبيدة رضي الله عنه بالرحيل إلى ~~حمص وإذ قد ورد عليه PageV01P144 # صاحب عين الجوز يطلب منه الصلح فصالحه على نصف ما صالحه عليه أهل بعلبك ~~وولى عليهم سالم بن ذؤيب السلمي وأوصاه بمثل ما أوصي به رافع بن عبد الله ~~ورحل الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه يطلب حمص فلما وصل إلى بين الرأس ~~والكفيلة لاقاه صاحب الجوسية ومعه هدية كثيرة فقبلها منه وجدد معه صلحا ~~وسار الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه حتى نزل على حمص قال الواقدي حدثنا ~~حبان بن تميم الثقفي قال كنت فيمن أقام مع رافع بن عبد الله السهمي في جملة ~~أصحابه وذلك اننا نصبنا بيوت الشعر على العمد وأقمنا خارج المدينة لا يدخل ~~إليها أحد منا ونحن مع ذلك نشن الغارة على سواحل الروم ونكبس على العرب ~~التي لم تكن في صلحنا وكنا إذا خرجنا في سرية نبيع الغنائم في بعلبك ففرح ~~أهلها ببيعنا وشرائنا ووجدونا قوما ليس فينا كذب ولا خيانة ولا نريد ظلم ~~أحد وطابت قلوبهم ms182 وربحوا في تلك المدة اليسيرة مالا عظيما فلما نظر البطريق ~~هربيس إلى ما ربح أهل بعلبك منا في تجارتهم ورخص ما يشترونه منا جمعهم اليه ~~في كنيسة المدينة وهي الجامع اليوم وكان ذلك بميعاد وعدهم فيه الاجتماع ~~فلما اجتمعوا عنده اقبل عليهم وقال للتجار والباعة والسوقة لقد علمتم أني ~~قد اجتهدت في أموركم واحرصت على سلامة نفوسكم وأهاليكم وأولادكم وأنتم ~~تعلمون ما ذهب مني من المال وأنا اليوم واحد منكم وقد سلمت مالي وسلاحي ~~وقتل أكثر غلماني ورجالي وبنو عمي وأنتم قوم قد أصبتم مع هؤلاء العرب خيرا ~~كثيرا في هذه التجارات وقد أديت وحدي ربع المال فقالوا صدقت أيها البطريق ~~وقد عرفنا كل ما وصفت فما الذي تريد الآن فقال يا قوم انما كنت قبل هذا ~~اليوم بطريقكم وانا اليوم واحد منكم وأريد أن تردوا علي بعض ما بذلت من ~~المال للعرب فقالوا أيها البطريق واني لك بذلك فقال البطريق يا قوم الست ~~أكلفكم ان تخرجوا من أموالكم ولا مما حوته منازلكم شيئا وانما أريد ان ~~تجعلوا في هذه البيوع والأشربة العشر مما تأخذون وتعطون قال فاضطرب القوم ~~اضطرابا شديدا لذلك وعظم عليهم واقبل بعضهم على بعض وقالوا يا قوم هذا رجل ~~منا وصاحب ملكنا وقد اجتهد في أمورنا وحامى بماله ونفسه عنا وما عسى يصيب ~~منا في مالنا قال فأجابوه إلى ذلك وجعلوا له عليهم العشر فنصب عليهم من ~~قبله عشارا يأخذ منهم أعشارهم ويجمعها ويحملها اليه فأقام على ذلك أربعين ~~يوما فلما نظر هربيس إلى كثرة ما قد اجتمع له من المال العشر قال أنا أعلم ~~أن هذه المدينة في كسب عظيم وتجارة رابحة ما رأى أهل بعلبك مثل هذا أبدا ثم ~~جمعهم في الكنيسة مرة ثانية وقال لهم يا قوم قد علمتم ما بذلت من المال على ~~صلحكم وهذا الذي تعطوني إياه من العشر ليس يحزنني فان أردتم ان تردوا علي ~~مالي وتجعلوني كأحدكم فاجعلوا إلى الربع في أموالكم حتى يرجع إلي مالي ~~سريعا والا فمتى ms183 أخلف من هذا العشر مالي وسلاحي وغلماني PageV01P145 # قال الواقدي فأبى القوم وضجوا عليه واشهروا عددهم ووقفوا في الطريق ~~بغلمانه فقطعوهم اربا اربا وارتفع ضجيجهم فجزع المسلمون لذلك وهم لا يعلمون ~~بالقصة فاجتمعوا إلى أميرهم رافع بن عبد الله السهمي وقالوا أيها الأمير ~~اما تسمع أصوات هؤلاء القوم في مدينتهم فقال يا قوم قد سمعت كما سمعتم فما ~~عسى ان أصنع بهم ولا يحل لنا الدخول إليهم وبهذا جرى الشرط بيننا وبينهم ~~ونحن أحق بمن أوفى بعهد الله تعالى فان هم خرجوا الينا وأعلمونا بأمرهم ~~صالحنا بينهم ونظرنا في أمورهم قال الواقدي فما استتم الأمير رافع بن عبد ~~الله كلامه حتى خرج أهل بعلبك يهرعون اليه فلما وقفوا بين يديه قالوا انا ~~بالله وبك أيها الأمير ثم اعلموه بقصتهم وما فعل البطريق بهم أول مرة وما ~~فعل بهم ثاني مرة قال رافع بن عبد الله انا لا نمكنه من ذلك فقالوا أيها ~~الأمير انا قد قتلناه وجميع غلمانه فصعب ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال لهم رافع فما الذين تريدون فقالوا نريد أن تدخلوا إلى ~~المدينة فإنا قدأطلقنا لكم الدخول إليها فقال رافع بن عبد الله أنا لا أقدر ~~ان ادخل المدينة الا باذن الأمير أبي عبيدة لأنه ما أذن لي بذلك ثم كتب ~~رافع بن عبد الله إلى الأمير أبي عبيدة يعلمه بالقصة وبحديث البطريق ~~وبحديثهم الذي قالوه فكتب له بالدخول إلى المدينة كما قد أذنوا له فدخل ~~رافع وأصحابه قال الواقدي حدثنا موسى بن عامر قال حدثنا يونس بن عبد الله ~~قال حدثنا سالم بن عدي عن جده عبد الرحمن بن مسلم الربيعي وكان ممن حضر ~~فتوح الشام أوله وآخره قال لما فتح الله بعلبك على يد المسلمين وترك أبو ~~عبيدة رافع بن عبد الله وتوجه إلى حمص للحوق بخالد بن الوليد فلما قرب من ~~حمص موضع يقال له الزراعة وجه على مقدمة جيشه ميسرة بن مسروق العبسي وعقد ~~له راية سوداء معلمة بالبياض وضم ms184 اليه خمسة آلاف فارس من المسلمين فلما سار ~~ميسرة حتى وصل إلى حمص خرج خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى لقائه وسلم ~~عليه وعلى من معه من المسلمين ثم بعث أبو عبيدة بعده ضرار بن الأزور في ~~خمسة آلاف فارس وبعث بعده عمرو بن معد يكرب الزبيدي وقدم أبو عبيدة رضي ~~الله عنه ببقية الجيش فلما اشرف أبو عبيدة على حمص قال اللهم عجل علينا ~~فتحها واخذل من فيها من المشركين واستقبلهم المسلمون فلما استقر به القرار ~~كتب إلى أهل حمص وبطريقها الجديد وهو هربيس كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن ~~الرحيم من أبي عبيدة عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ~~الشام وقائد جيوشه أما بعد فان الله تعالى قد فتح علينا بلادكم ولا يغرنكم ~~عظم مدينتكم وتشييد بنيانكم وكثرة رجالكم فما مدينتكم عندنا إذا أتاكم ~~الحرب الا كالبرمة قد نصبناها في وسط عسكرنا وألقينا اللحم فيها وجميع ~~العساكر يتوقع الاكل منها PageV01P146 # وقد داروا بها ينتظرون نضجها واكل ما فيها ونحن ندعوكم إلى دين ارتضاه ~~لنا ربنا عز وجل فان أجبتم إلى ذلك ارتحلنا عنكم وخلفنا عندكم رجالا منا ~~يعلمونكم أمر دينكم وما فرض الله تعالى عليكم وان أبيتم الاسلام قررناكم ~~على أداء الجزية وان أبيتم الاسلام والجزية فهلموا إلى الحرب والقتال حتى ~~يحكم الله وهو خير الحاكمين ثم طوى الكتاب وسلمه إلى رجل من المعاهدين وكان ~~ذلك الرجل يحفظ بالعربية والرومية وقال له انطلق إلى حمص وائتنا بالجواب ~~فأخذ المعاهد الكتاب وسار حتى وصل إلى السور فهم أهل حمص أن يرموه بالسهام ~~والحجارة فقال لهم بالرومية يا قوم أمسكوا عليكم فأنا رجل معاهد وقد جئتكم ~~بكتاب من هؤلاء العرب قال الواقدي فدلوا له حبلا فربط وسطه به وشالوه إليهم ~~وأتوا به إلى بطريقهم فلما وقف بين يديه خضع له وناوله الكتاب فقال له ~~البطريق أرجعت عن دينك إلى دين هؤلاء العرب قال لا ولكن في ذمتهم وعهدتهم ~~انا وأولادي وأهلي ومالي وما رأينا من ms185 القوم الا خيرا والصواب عندي ان لا ~~تقاتلوهم فان القوم أولو بأس شديد لا يخافون ولا يرهبون الموت قد تمسكوا ~~بدينهم والموت عندهم أفضل من الحياة وقد اقسم بدينهم لا يبرحون عن مدينتكم ~~حتى تسلموها إليهم أو يفتحها الله على أيديهم وحق ديني انكم أحب إلي من ~~العرب وأريد النصر لكم دون القوم ولكني خائف عليكم من بأسهم وسطوتهم فسلموا ~~تسلموا ولا تخالفوا تندموا قال الواقدي فلما سمع البطريق هربيس كلامه غضب ~~غضبا شديدا وقال وحق المسيح والإنجيل الصحيح لولا أنك رسول لأمرت بقطع ~~لسانك على جراءتك علينا فلما قرأ الكتاب وعلم ما فيه أمر كاتبه أن يكتب إلى ~~الأمير أبي عبيدة بجواب كتابه فكتب كلمة الكفر ثم قال يا معاشر العرب أنه ~~وصل الينا كتابكم وعلمنا ما فيه من التهديد والوعد والوعيد ولسنا كمن ~~لاقيتم من أهل الشام ولم يزل الملك هرقل يستنصر بنا على من عاداه وعلى من ~~قصد اليه من العساكر والآن فلا بد لنا من الحرب والقتال فان سورنا شديد ~~وأبوابنا حديد وحربنا عتيد والسلام وطوى الكتاب وسلمه إلى المعاهد وأمر ~~غلمانه أن يدلوه بالحبال من السور وسار حتى وصل إلى الأمير أبي عبيدة وسلمه ~~الكتاب ففضه وقرأه فلما سمع المسلمون ما فيه عولوا على الحرب والقتال وقسم ~~الأمير أبو عبيدة عسكر المسلمين أربع فرق فبعث فرقة مع المسيب بن نجية ~~الفزاري فنزل بهم على باب الجبل مما يلي باب الصغير وبعث فرقة أخرى مع ~~المرقال بن هشام بن عقبة بن أبي وقاص فنزل بهم على باب الرستق وبعث فرقة ~~أخرى مع يزيد بن أبي سفيان فنزل على باب الشام ونزل الأمير أبو عبيدة وخالد ~~بن الوليد على باب الصغير وزحف المسلمون إليهم من كل مكان وقاتلوهم بقية ~~يومهم هذا وسهام الروم تصل إليهم فيتلقونها بالحجف ونبال العرب تصل إليهم ~~والى من بأعلى السور فأثرت لأجل ذلك ضرا فانفضوا عند المساء فلما كان الغد ~~جمع خالد PageV01P147 # بن الوليد كل عبد كان في عسكر المسلمين وأمرهم ان ms186 يتقلدوا بالسيوف ~~ويتنكبوا بالحدف ويزحفوا إلى سور حمص ويضربوا السور بأسيافهم ويتلقوا ~~السهام بحجفهم فقال الأمير أبو عبيدة وما عسى أن يغني عنا هذا يا أبا ~~سليمان فقال خالد رضي الله عنه على رسلك أيها الأمير ولا تخالفني فيما صنعت ~~فاني عزمت ان أقاتلهم بالعبيد ونعلمهم ان ليس لهم عندنا من القدر شيء فما ~~نقاتلهم بأنفسنا الا ان يخرجوا الينا فقال أبو عبيدة رضي الله عنه افعل ما ~~شئت فالله تعالى يوفقك فعند ذلك امرهم خالد بن الوليد رضي الله عنه بالزحف ~~على الاسوار وكانوا أربعة آلاف عبد وأمر خالد ألفا من العرب أن تترجل معهم ~~ففعلوا ذلك وزحفوا على السور وقد استتروا بالحجف والعرب من ورائهم فرموا ~~بالنبل وضربوا بسيوفهم فمنها ما تثلم ومنها ما انكسر قال الواقدي وأشرف ~~عليهم هربيس صاحب حمص وقد دارت بطارقته وأصحاب الرتب فجعلوا يتأملون إلى ~~أفعالهم فقال هربيس يا معاشر البطارقة وحق المسيح ما ظننت ان العرب بهذه ~~الصفة وإذا هم كلهم سودان فقال له بعض من لحقه بأجنادين وسائر المواطن لا ~~أيها السيد بل هؤلاء عبيدهم وهذه من بعض مكايد العرب في الحرب وقد قدم ~~هؤلاء السودان والعبيد إلى حربنا وقتالهم معنا وان ليس لنا عندهم من القدر ~~ان يلقونا بأنفسهم أو نخرج إليهم فقال هربيس وحق المسيح أن هؤلاء أشد من ~~العرب بأسا وأقوى مراسا واعلموا انه ما لزق قوم بسور مدينتنا ولا دنوا منها ~~الا وقد هان عليهم أمرها واقترب على أيديهم فتحها قال الواقدي ولقد بلغني ~~ان العبيد قاتلوا يومهم قتالا شديدا وهجموا على الأبواب مرارا ولم يزالوا ~~بقية يومهم حتى اقبل الليل ورجعت الموالي إلى عسكر المسلمين وبعث هربيس من ~~ليلته رسولا إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فأقبل الرسول والظلام معتكر ~~فأحس جيوش المسلمين به فهموا به فقال أنا رسول من البطريق هربيس صاحب حمص ~~وأريد الجواب عن هذا الكتاب فسلم إليهم كتاب هربيس فأخذه أبو عبيدة رضي ~~الله عنه وقرأه فإذا فيه يا معاشر العرب ms187 أنا ظننا أن عندكم عقلا تدبرون به ~~الحرب وتستعينون به على الأمور وإذا أنتم بخلاف ذلك لأنكم في أول حربكم لنا ~~تفرقتم على الأبواب فقلنا هذا أشد ما يكون من الحصار وأعظم ما يقدرون عليه ~~من الاضرار فلما كان الغد تأخرتم عن حربنا وبعثتم هؤلاء المساكين إلى حربنا ~~يقطعون أسيافهم ويكسرون سلاحهم فيا ليت شعري هل تصبر سوفهم على فساد سورنا ~~وقد بان لنا عجز رأيكم وتدبيركم في القتال وملاقاة الرجال والآن فأنا أشير ~~عليكم بأمر فيه الصلاح لنا ولكم وهو أن تسيروا إلى الملك هرقل وتفتحوا ما ~~بين أيديكم كما فتحتم ما وراءكم وإياكم واللجاج والبغي فإنهما قاتلان لمن ~~اتبعهما وراجعان على من بدأ بهما أو نحن نخرج إليكم صبيحة هذه الليلة والله ~~ينصر من يشاء منا ومنكم ممن على الحق PageV01P148 # قال فلما قرأ الأمير أبو عبيدة كتاب هربيس صاحب حمص استشار المسلمين فيما ~~يصنع وكان قد حضر عنده رجل كبير من أكابر خثعم وسيد من ساداتهم اسمه عطاء ~~بن عمرو الخثعمي وكان كبير السن قديم الهجرة سديد الرأي قد قاد الرجال وولى ~~أمر الجيش وحزم العساكر فلما سمع كتاب هربيس وثب قائما على قدميه وقال ~~للأمير أبي عبيدة رضي الله عنه أقسمت عليك أيها الأمير برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الا ما سمعت مقالي فان فيه صلاحا للمسلمين فالله وفقني لمقالة ~~أريد المسلمين بها قال أبو عبيدة رضي الله عنه قل يا أبا عمرو فأنت عندنا ~~ناصح للمسلمين قال فدنا من الأمير أبي عبيدة وسارره وقال له اصلح الله ~~الأمير اعلم أن خبرك عند هؤلاء منذ نزلت على هؤلاء اللئام وهذا البطريق أشد ~~منعة وأعظم جولة ممن كان قبله وقد علم بفتوح بعلبك وانك لا بد ان تنزل على ~~حصارها وقد استدعى بالطعام والعلوفة وآلة الحصار وقد شحنا بالرجال وما ترك ~~في رساتيقها وقراها طعاما الا وقد خزنوه عندهم ما يكفيهم أعواما وان نحن ~~حاصرناهم يطول الامر كما طال أمرنا على دمشق والرأي عندي ان تخدعهم بخديعة ms188 ~~وتحتال عليهم بحيلة فان تمت لنا عليهم الحيلة فتحنا المدينة عن قريب إن شاء ~~الله تعالى قال أبو عبيدة رضي الله عنه وما الحيلة عندك يا ابن عمرو فقال ~~الرأي عندي ان نكتب إلى هؤلاء القوم ان يجبرونا بالزاد والعلوفة ونضمن لهم ~~ان نرتحل عنهم إلى أن يفتح الله تعالى عليك غير مدينتهم ونرجع إليهم وقد قل ~~زادهم وانتشروا في سوادهم وتفرقوا في أمصارهم وتجاراتهم ونشن عليهم غارة ~~فنملك ما ظهر منهم ويهون عليك أمر من بقي في حمص مع قلة الزاد والعلوفة ~~فقال أبو عبيدة أصبت بالرأي يا ابن عمرو اني سوف افعل ما ذكرته ونرجوا من ~~الله التوفيق والعون ثم دعا أبو عبيدة رضي الله عنه بدواة وبياض وكتب جواب ~~الكتاب يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فاني رأيت في قولك صلاحا ~~لنا ولكم ولسنا نريد البغي على أحد من عباد الله عز وجل وقد علمت أن عسكرنا ~~كثير وخيلنا وابلنا كثير فان أردتم ان نرتحل عنكم فابعثوا لنا ميرة خمسة ~~أيام وأنتم تعلمون ان الطريق الذي امامنا بعيد وما نلقي بعدكم الا كل حصن ~~منيع وأبواب حديد فإذا مونتمونا رحلنا عنكم إلى بعض مدائن الشام فإذا فتح ~~الله علينا بعض مدائن الشام رجعنا عنكم كما زعمتم فان فعلتم ذلك كان صلاحا ~~لكم وطوى الكتاب وسلمه إلى الرسول وسار إلى حمص فلما قرأ هربيس الكتاب فرح ~~بذلك وجمع الرؤساء والرهابين وقال لهم اعلموا ان العرب قد بعثوا يطلبون ~~منكم الزاد والميرة حتى يرحلوا عنكم فان العرب مثلهم كمثل السبع إذا وجد ~~فريسته لم يرجع إلى غيرها وهم قد لحقهم الجوع في مدينتكم وإذا اشبعناهم ~~انصرفوا عنا فقالوا أيها الأمير نخاف من العرب ان يأخذوا الزاد والعلوفة ~~ولا يرحلوا عنا فقال انا نأخذ لكم عليهم العهود والمواثيق انكم إذا ~~امرتموهم يرحلون عنكم فقالوا افعل ما بدا لك واستوثق لنا ولك قال فبعث ~~هربيس واحضر PageV01P149 # القسوس والرهبان وأمرهم ان يخرجوا إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه ~~ويأخذوا ms189 عليهم العهود والمواثيق إذا أمرناهم يرحلون عنا قال فخرجوا وقد فتح ~~لهم باب الرستن فساروا حتى وصلوا إلى الأمير أبي عبيدة ة واخذوا عليهم ~~ميثاقا وعهدا أن يرحلوا عنهم إذا هم ماروهم ولا يرجع عليهم حتى يفتح الله ~~على يديه مدينة من مدائن الشام شرقا أو غربا سهلا كان أو جبلا فقال الأمير ~~أبو عبيدة رضي الله عنه قد رضيت بذلك وتم الصلح على ذلك وأخرج لهم أهل حمص ~~مما كانوا قد ادخروه من الزاد والعلوفة شيئا عظيما له ولعسكره ما يكفيهم ~~مدة خمسة أيام فأقبل أبو عبيدة عليهم وقال يا أهل حمص قبلنا ما حملتموه لنا ~~من الزاد والعلوفة فإذا رأيتم الآن أن تبيعوا من الزاد والعلوفة فقالوا نحن ~~نفعل ذلك فعندها نادى الأمير أبو عبيدة بشراء الزاد والعلوفة ولتكثروا من ~~ذلك فان قدامكم طريقا واسعا قليل الزاد والعلوفة فقالوا أيها الأمير بماذا ~~نشتري الزاد وعلى أي شي نحمله فقال أبو عبيدة من كان معه شيء من الذي ~~غنمتموه من الروم فليشتر به الزاد والعلوفة قال حسان بن عدي الغطفاني خفف ~~الله عن أبي عبيدة الحساب كما خفف عنا ما كنا نحمله من البسط والطنافس مما ~~كان قد اثقلنا واثقل دوابنا فأخذنا به الزاد والعلوفة من القوم وكانت العرب ~~تسمح لهم في البيع والشراء ويشتري منهم أهل حمص ما يساوي عشرين دينارا ~~بدينارين ورغب أهل حمص في شراء الرخيص ولم يزل أهل حمص كذلك ثلاثة أيام ~~وأهل حمص فرحون برحيل العرب عنهم قال وكان للروم في عسكر العرب جواسيس ~~وعيون يأخذون لهم الاخبار فلما نظرت الجواسيس إلى أهل حمص وقد فتحوا ~~مدينتهم وهم يميرون العرب ظنوا انهم دخلوا في طاعتهم فسارت الجواسيس إلى ~~أنطاكية طالبين وجعلوا كلما اجتازوا ببلد من البلد أو حصن من الحصون يقولون ~~إن أهل حمص قد دخلوا في طاعة العرب وفتحوا مدينتهم صلحا فكان يعظم ذلك على ~~الروم ويزيدهم خوفا ورعبا وكان ذلك توفيقا من الله عز وجل للمسلمين وكانت ~~الجواسيس أربعين رجلا فدخل ثلاثة ms190 رجال منهم إلى شيزر فأشاعوا ذلك وأشيع ~~فيها ذلك ذكر فتح الرستن قال الواقدي وسار الأمير أبو عبيدة بالعسكر حتى ~~نزل على الرستن فرآها حصنا منيعا وماؤها غزير وهي مشحونة بالرجال والعدد ~~العديد فبعث إليهم رسولا يأمرهم أن يكونوا في ذمته فأبوا ذلك وقالوا لا ~~نفعل حتى نرى ما يكون من أمركم مع الملك هرقل وبعد ذلك يكون ما شاء الله ~~تعالى فقال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه فانا متوجهون إلى قتال الملك ~~هرقل ومعنا رجال وأمتعة وقد أثقلتنا واشتهينا ان نودعها عندكم إلى وقت ~~رجوعنا قال فأتى أهل الرستن إلى بطريقهم وكان اسمه نقيطاس وشاوروه في ذلك ~~فقال يا قوم ما زالت الملوك والعساكر يودع بعضهم بعضا وما يضرنا ~~PageV01P150 # ذلك ثم بعث إلى الأمير أبي عبيدة يقول له مهما كان لك من حاجة فنحن ~~نقضيها ونريد منكم المراعاة لأهل سوادنا حتى نرى ما يكون من امركم مع الملك ~~هرقل فقال الأمير أبو عبيدة ونحن نفعل إن شاء الله تعالى قال الواقدي عن ~~ثابت بن قيس بن علقمة قال كنت ممن حضر عند أبي عبيدة رضي الله عنه فعند ذلك ~~دعا أهل الرأي والمشورة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم ان ~~هذا حصن شديد منيع ليس لنا إلى فتحه سبيل الا بالحيلة والخديعة وأريد ان ~~أجعل منكم عشرين رجلا في عشرين صندوقا وتكون الاقفال عندهم من باطنها فإذا ~~صاروا في المدينة فثوروا على اسم الله تعالى فإنكم تنصرون على من فيها من ~~المشركين فقال خالد بن الوليد فإذا عزمت على ذلك فلتكن الاقفال ظاهرة ويكون ~~أسفل الصناديق أنثى في ذكر من غير شيء يمسكها فإذا حل أصحابنا في حصن من ~~هؤلاء القوم يخرجون جملة واحدة ويكبرون فان النصر مقرون بالتكبير فأجابه ~~أبو عبيدة إلى ذلك وأخذ صناديق الطعام المنتخبة عند الروم ففض أسافلها ~~وجعلها ذكرا في أنثى فأول من دخل في الصناديق ضرار بن الأزور والمسيب أبن ~~نجيبة وذو الكلاع الحميري وعمرو بن معد يكرب ms191 الزبيدي والمرقال وهاشم بن ~~نجعة وقيس بن هبيرة وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ومالك بن الأشتر وعوف بن ~~سالم وصابر بن كلكل ومازن بن عامر والاصيد بن سلمة وربيعة بن عامر وعكرمة ~~بن أبي جهل وعتبة بن العاص ودارم بن فياض العبسي وسلمة بن حبيب والفازع بن ~~حرملة ونوفل بن جرعل وجندب بن سيف وعبد الله بن جعفر الطيار وجعله أميرا ~~عليهم وسلموا الصناديق إلى الروم فلما حطت الصناديق في الرستن ألقاها ~~نقيطاس في قصر امارته وارتحل الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه وسار حتى نزل ~~في قرية يقال لها السودية فلما أظلم الليل بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه ~~بجيش الزحف إلى الرستن ينظر ما يكون من أصحابه وما فعلت الصحابة رضي الله ~~عنه فسار خالد بن الوليد برجاله حتى وصل القنطرة وإذا بالصياح قد علا ~~والتهليل والتكبير من داخل مدينة الرستن قال الواقدي كان من أمر الصحابة ~~انه لما تركهم نقيطاس في دار امارته ركب إلى البيعة مع بطارقته وأهل مدينته ~~ليصلوا صلاة الشكر لأجل رحيل المسلمين عنهم وارتفعت أصواتهم بقراءة الإنجيل ~~وسمع أصواتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليهم وسلم فخرجوا من الصناديق ~~وشدوا على أنفسهم وشهروا سلاحهم وقبضوا على امرأة نقيطاس وحريمه وقالوا ~~نريد مفاتيح الأبواب فسلمتها إليهم فلما حصلت المفاتيح في أيديهم رفعوا ~~أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير وكبس القوم ~~على أبواب مدينتهم فلم يجسروا عليهم لأنهم بدون عدة وسلاح وبعث عبد الله بن ~~جعفر الطيار ربيعة بن عامر والاصيد بن سلمة وعكرمة ابن أبي جهل وعتبة بن ~~العاص والفارع بن حرملة وسلم إليهم المفاتيح وقال افتحوا الأبواب وارفعوا ~~أصواتكم بالتهليل PageV01P151 # اخوانكم المسلمين من حول المدينة كاملون فتبادر الخمسة إلى الباب القبلي ~~وهو باب حمص وفتحوه ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ودخلوا المدينة وإذا ~~هم بعسكر الزحف وعلى المقدمة خالد بن الوليد رضي الله عنه فأجابوهم ~~بالتهليل والتكبير ودخلوا المدينة وسمع أهل الرستن أصوات أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms192 فعلموا انهم في قبضتهم وان مدينتهم قد اخذت من أيديهم ~~فاستسلموا جميعا وخرجوا إليهم وقالوا لهم انا لا نقاتلكم ونحن الان اسرى ~~لكم فاعدلوا فينا فأنتم أحب الينا من قومنا قال فعرض خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه الاسلام عليهم فأسلم منهم كثير وبقي الأكثر يؤدون الجزية واما ~~أميرهم نقيطاس فإنه قال لا أريد بديني بدلا فقال له خالد بن الوليد الآن ~~فأخرج باهلك عنا وحدث قومك بعدلنا فأخرجوه من الرستن فتوجه بأهله وأمواله ~~إلى حمص وأعلم أهلها بفتح الرستن فصعب ذلك على أهل حمص وعلموا أن العرب ~~تصبحهم أو تمسيهم بالغارة وبعث عبد الله بن جعفر الطيار إلى أبي عبيدة ~~يخبره بالفتح والنصر فسجد لله شكرا وبعث إليهم الف رجل من اليمن ووصاهم ~~بحفظ الرستن وأمر عليهم هلال بن مرة اليشكري فلما استقروا بالرستن رحل خالد ~~بن الوليد رضي الله عنه وعبد الله بن جعفر وأهلهم وعساكرهم وتوجهوا إلى ~~حماة وكان أهل حماة في صلح المسلمين كما ذكرنا وكذلك أهل شيزر الا ان بطريق ~~أهل شيزر مات وبعث إليهم الملك هرقل بطريقا عاتيا جبارا اسمه نكس ففسخ ~~الصلح وأذاق أهل شيزر ضرا وشرا وكان يصادرهم ويأخذ أموالهم ويحتجب عنهم ~~لاهيا في أكله وشربه فلما بلغ الخبر الأمير أبا عبيدة بعث خيلا جريدة إلى ~~شيزر فغارت الخيل على بلدهم ووقعت الضجة بشيزر وسمع البطريق نكس الضجة فنزل ~~إليهم من قلعته واظهر لهم بعض حجابه وجلس في بيعتهم المعظمة عندهم وجمع ~~الرؤساء منهم وقال لهم يا أهل شيزر أنتم تعلمون ان الملك هرقل قد استخلفني ~~عليكم احفظ مدينتكم وامنع عن حريمكم وأموالكم ثم فتح خزانة السلاح وفرق ~~عليهم العدد وأمرهم بالحرب والقتال فبينما القوم كذلك إذ أشرف عليهم خالد ~~بن الوليد في أصحابه ومعه جيش الزحف فنزلوا بإزائهم وأشرف بعده يزيد بن أبي ~~سفيان بأصحابه فنزل عليهم وأشرف بعد الأمير أبو عبيدة في عساكره جميعهم ~~فلما نظر أهل شيزر تلاحق العساكر بهم هالهم ذلك وعظم عليهم وحارت أبصارهم ~~قال الواقدي فلما ms193 نظر أبو عبيدة رضي الله عنه كتب إلى أهل شيزر كتابا يقول ~~فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا أهل شيزر فان حصنكم ليس بأمنع من ~~حصن بعلبك ولا من الرستن ولا رجالكم أشجع فإذا قرأتم كتابي هذا فأدخلوا في ~~طاعتي ولا تخالفوني فيكون وبالا عليكم وقد بلغكم عدلنا وحسن سيرتنا فكونوا ~~مثل سائر من صالحنا ودخل في طاعتنا من سائر بلاد الشام والسلام وطوى الكتاب ~~وسلمه إلى رجل من المعاهدين وبعثه إليهم فلما وصل الكتاب إليهم أعطوه ~~بطريقهم نكس فقرىء PageV01P152 # عليه فلما فهم ما فيه قال ما تقولون يا أهل شيزر فيما ذكرت العرب فقالوا ~~صدقت العرب أيها البطريق الكبير فان حصننا ليس بأمنع من الرستن ولا بعلبك ~~ولا دمشق ولا بصرى وأنت اعلم شدة أهل حمص وحدة شجاعتهم وقد صالحوا العرب ~~وكذلك أهل فلسطين ومدنها والأردن وحصنها فكيف تمنع عنهم شيزر وهي حصن لطيف ~~فان عصيت هؤلاء العرب فإنك معول على هلاكنا وخراب مدينتنا قال الواقدي وكثر ~~فيهم الخطاب وعلا الكلام واقبل البطريق نكس بسبب أهل شيزر وامر غلمانه ~~بضربهم فلما نظر أهل شيزر ذلك غضبوا وأظهروا سلاحهم عليه وعلى غلمانه ووقع ~~القتال بين الفريقين فعرف المسلمون ذلك وقالوا اللهم أهلكهم ببأسهم ولم يزل ~~أهل شيزر في القتال حتى نصروا على البطريق وعلى غلمانه وقتلوهم عن آخرهم ثم ~~اخرجوا إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه رجالا إلى لقائه بغير سلاح فلما ~~وقفوا بين يدي الأمير أبي عبيدة سلموا عليه وقالوا أيها الأمير انا قتلنا ~~بطريقنا في محبتكم قال يا أهل شيزر بيض الله وجوهكم وادر رزقكم فقد ~~كفيتمونا الحرب والقتال ثم قال للمسلمين الا ترون إلى حسن طاعة هؤلاء الروم ~~وفعالهم ببطريقهم في محبتكم والدخول في طاعتكم وقد رأيت من الرأي أن أحسن ~~إلى القوم وانعم عليهم فقال المسلمون نعم ما رأيت حتى يصل ما تصنع إلى ~~غيرهم ويفتح الله علينا البلاد إن شاء الله تعالى قال الواقدي فأقبل على ~~أهل شيزر وقال أبشروا فاني لست ms194 اكره أحدا منكم فمن أحب منكم الدخول في ~~ديننا فله ما لنا وعليه ما علينا والخراج موضوع عنكم سنتين ومن أقام على ~~دينه فعليه الجزية وقد وضعنا عنه الخراج سنة كاملة ففرح الروم بذلك وقالوا ~~أيها الأمير سمعنا وأطعنا وهذا قصر بطريقنا فأنت أحق بما فيه وهو هدية منا ~~إليك فدونك وإياه وما فيه من الرجال والآنية والأموال فأخرج أبو عبيدة رضي ~~الله عنه منها الخمس وقسم الباقي على المسلمين بالسوية ونادى أبو عبيدة رضي ~~الله عنه يا معاشر المسلمين قد فتح الله على أيديكم هذه المدينة أيسر فتح ~~واهونه وقد خرج أهل حمص من ذمتكم ووفيتم لهم ما عاهدوكم عليه فارجعوا بنا ~~عليهم رحمكم الله تعالى قال الواقدي فركب المسلمون ظهور خيولهم وهموا ~~بالمسير وإذ قد لاح لهم غبرة مرتفعة من وراء النهر المقلوب وهي منقلبة من ~~طريق أنطاكية وقد اخذت عرضا فأسرعت خيل المسلمين إليها فإذا معها قسيس كبير ~~من قسوس الروم ومعه مائة برذون موسوقة بالاحمال ومن حولها مائة علج من علوج ~~الروم يحفظونها قال الواقدي ولم يكن للقسيس خبر بنزول المسلمين على شيزر ~~فصاح بهم خالد بن الوليد رضي الله عنه وكبر المسلمون معه واحدقوا بهم من كل ~~جانب واخذوا العلوج اسرى وأخذوا البراذين واقبل خالد على القسيس وقال له يا ~~ويلك من اين أقبلت PageV01P153 # بهذه الأحمال قال فرطن القسيس بالرومية فلم يدر خالد ما يقول هذا القسيس ~~الميشوم فبدا اليه رجل من أهل شيزر وقال يا أيها الأمير انه يذكر أنه من ~~القسوس المعظمة عند الملك هرقل وقد بعثه وبعث معه إلى هربيس هذه الأحمال ~~فيها ديباج احمر منسوج بقضبان الذهب وعشرة احمال مملوءة دنانير وباقي ~~الأحمال مملوءة من الثياب والدنانير فأخذوها واخرجوا منها مالا عظيما وغنم ~~المسلمون غنيمة غظيمة لم يغنموا مثلها وساق خالد بن الوليد الأحمال إلى ~~الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فوجده على النهر المقلوب مما يلي شيزر وتحته ~~عباءة قطوانية وعلى رأسه مثلها تظله من حر الشمس فأقبل خالد بن ms195 الوليد رضي ~~الله عنه بالقسيس فأوقفه بين يديه فقال أبو عبيدة ما هذا يا أبا سليمان ~~فقال خالد انهم قوم من أنطاكية ومعهم هدية لهربيس صاحب حمص من ملك الروم ~~هرقل قال الواقدي وعرض عليه الغنيمة ففرح الأمير أبو عبيدة بها فرحا شديدا ~~وقال يا أبا سليمان لقد كان فتح شيزر علينا مباركا ثم دعا بترجمان كان معه ~~لا يفارقه وقال اسال هؤلاء عن ملك الروم الطاغية هرقل هل هو في جمع كثير أم ~~لا فكلم الترجمان القسيس ساعة فقال القسيس قل للأمير ان الملك هرقل قد بلغه ~~انكم فتحتم دمشق وبعلبك وجوسية وأنكم لم تنزلوا على حمص فبعث معي هذه ~~الهدية إلى هربيس البطريق وكتب اليه يأمره بقتالكم ويعده بالنجدة وقدوم ~~العساكر اليه لان الملك هرقل قد استنجد عليكم كل من يعبد الصليب ويقرأ ~~الإنجيل فأجابته الرومية والصقالبة والإفرنج والأرمن والدقس والمغليط ~~والكرج واليونان والعلف والغزنة وأهل رومية وكل من يحمل صليبا والعساكر قد ~~وصلت إلى الملك هرقل من كل جانب ومكان قال فحدث الترجمان الأمير أبا عبيدة ~~رضي الله عنه بكل ما أعلمه القسيس به فعظم ذلك على الأمير أبي عبيدة وعرض ~~على القسيس الاسلام فقال القسيس للترجمان قل للأمير أبي عبيدة أني البارحة ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقد أسلمت على يديه ففرح ~~الأمير أبو عبيدة بذلك وعرض على الاعلاج الاسلام فأبوا ذلك فضربت رقابهم ~~ورحل أبو عبيدة رضي الله عنه متوجها إلى حمص وقد سير الخيل جريدة في مقدمته ~~فما يشعر أهل حمص الا والخيل قد أغارت عليهم فرجع القوم إلى المدينة وقد ~~غلقوا الأبواب وقالوا غدرت العرب وحق المسيح قال ونزل المسلمون حول حمص ~~وداروا بها من كل جانب ومكان وقد نفذ الزاد من المدينة وأكثر أهلها قد ~~خرجوا إلى تجارتهم وفي طلب الميرة وقد تفرقوا في البلاد فلما نزل الأمير ~~أبو عبيدة رضي الله عنه على حمص دعا بالعبيد والموالي وأمرهم ان يتفرقوا ~~على الطرقات والمحارس وقال لهم كل من ms196 وجدتموه قد رجع إلى حمص بزاد أو تجارة ~~فاتوني به ففعل العبيد ذلك وصعب على هربيس صاحب حمص وكتب إلى الأمير أبي ~~عبيدة كتابا يقول فيه أما بعد يا معاشر العرب فانا لم نخبر عنكم بالغدر ولا ~~بنقض العهد ألستم صالحتمونا PageV01P154 # على الميرة فمرناكم فطلبتم منا البيع فابتعناكم فلم نقضتم ما عاهدناكم ~~عليه فكتب الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه يقول أريد أن ترسل إلى القسوس ~~والرهبان الذين أرسلتهم إلي حتى أوقفهم على ما عاهدتهم عليه ليعلموك أننا ~~لم نغدر ولا مثلنا من يفعل ذلك إن شاء الله تعلى فلما قرأ هربيس الكتاب ~~أحضر القسوس والرهبان وبعث بهم إلى الأمير أبي عبيدة فخرجوا اليه وفتح لهم ~~باب حمص وساروا إلى أن وصلوا للأمير أبي عبيدة فسلموا عليه وجلسوا بين يديه ~~فقال لهم أبو عبيدة رضي الله عنه ألم تعلموا أني عاهدتكم وحلفت لكم أني ~~منصرف عنكم حتى افتح مدينة من مدائن الشام سهلا كان أو جبلا ثم يكون الرأي ~~لي ان شئت رجعت إليكم أو سرت إلى غيركم فقالوا بلى وحق المسيح فقال لهم ان ~~الله تعالى قد فتح علينا شيزر والرستن في أهون وقت وقد غنمنا الله مال ~~بطريقهم نكس وغيره مما لم نؤمله في هذه المدة اليسيرة والآن فلا عهد لكم ~~عندنا ولا صلح الا ان تصالحونا على فتح المدينة وتكونوا في ذمتنا وأمانتنا ~~فقال القسوس والرهبان لقد صدقت أيها الأمير ليس عليكم لوم وقد وفيتم بذمتكم ~~وقد بلغنا فتحكم شيزر والرستن والخطا كان منا إذ نستوثق لأنفسنا والآن ~~الامر بيد بطريقنا ونحن نرجع اليه ونعلمه بذلك ثم رجعوا إلى مدينتهم ودعا ~~الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه بالرجال والابطال وأهل الحرب وقال خذوا ~~أهبتكم فان القوم بلا زاد ولا مدد يأتي إليهم من عند طاغيتهم ولا نجدة ~~فاستعينوا بالله وتوكلوا على الله فلبس المسلمون السلاح والعدد ورجعوا إلى ~~الأبواب والأسوار واجتمع أهل احمص ببطريقهم هربيس وقالوا ما عندك من الرأي ~~في أمر هؤلاء العرب فقال الامر عندي ms197 أن نقاتلهم ولا نريهم منا ضعفا قالوا ~~فان الزاد قد نفد من مدينتنا وقد أخذه القوم منا وما سمعنا بمثل هذه الحيلة ~~فقال هربيس ما لكم تعجزون عن حرب عدوكم وما قتل منكم قتيل ولا جرح منكم ~~جريح ولم تصبكم شدة ولا جوع وانما أصابوا منكم على غرة ولو دخلوا المدينة ~~لما قدروا عليكم وأقل الرجال على السور يكفيكم إياهم وعندي من الزاد في ~~قصري ما يعم كثيركم المدة الطويلة وما احسب ان الملك هرقل يغفل وسيبلغه ~~خبركم ويوجه العساكر قال الواقدي وكان عند البطريق هربيس في قصره جب عظيم ~~مملوء طعاما ففتحه وفرق الطعام على أهل حمص فسكنت بذلك نفوسهم وجعل البطريق ~~يفرق على كبيرهم وصغيرهم بقية يولمهم ذلك وقد انحصر أهل حمص جميعهم فنفذ ~~ذلك اليوم نصف ما في الجب وقال لهم اقنعوا بما أعطيتكم ثلاثة أيام وابرزوا ~~إلى حرب عدوكم ثم أخذوا أهبة الحرب وعرض عسكره وانتخب منهم خمسة آلاف فارس ~~من أولاد الزراوزة والعمالقة لا يساويهم غيرهم فيهم الف مدبجة ملكية وفتح ~~خزانة جده جرجيس وفرق عليهم الدروع والجواشن والبيض والمغافر والقسي ~~والنشاب والحراب واقبل يحرضهم على القتال ويوعدهم بالمدد والنجدة من الملك ~~هرقل PageV01P155 # ثم دعا بالقسوس والرهبان وقال لهم خذوا أهبتكم وادعوا المسيح أن ينصرنا ~~على العرب فان دعاءكم لا يحجب ولا يرد قال فدخلوا كنيستهم المعظمة عندهم ~~وهي كنيسة جرجيس وهي الجامع اليوم ونشروا المزامير وضجوا بالتهمير واقبلوا ~~يبتهلون بكلمة الكفر وباتوا بقية ليلتهم على مثل ذلك فلما كان الصباح دخل ~~هربيس إلى البيعة وتقرب وصلوا عليه صلاة الموتى فدخل قصره وقدم له خنوص ~~مشوي فاكله حتى اتى على آخره وقدم بين يديه باطية الذهب والفضة فشرب حتى ~~انقلبت عيناه في أم رأسه ثم لبس ديباجا محشوا بالفرو والزرد الصغار المضعف ~~العدد ولبس فوقها درعا من الذهب الأحمر وعلق في عنقه صليبا من الياقوت ~~وتقلد بسيف من صنعة الهند وقدم له مهر كالطود العظيم فاستوى على ظهره وخرج ~~من قصره طالبا باب الرستن فأحاطت ms198 به بطارقته من الروم من كل جانب ومكان ~~وفتحت أبواب حمص وخرجت الروم من كل جانب ومكان في عددهم وعديدهم وراياتهم ~~وصلبانهم وبين يدي هربيس خمسة آلاف فارس من علوج الروم وهم بالعدد العديد ~~والزرد النضيد فصفهم هربيس أمام المدينة كأنهم سد من حديد أو قطع الجلمود ~~وقد وطنوا نفوسهم على الموت دون أموالهم وذراريهم فتبادر المسلمون إليهم ~~مثل الجراد المنتشر وحملوا عليهم حملة عظيمة والعلوج كأنهم حجارة ثابتة ~~ماولوا عن مواضعهم ولا فكروا فيما نزل بهم فعندها صاح البطريق هربيس على ~~رجاله وزجرهم فتبادرت الروم وصاح بعضهم ببعض وركب المسلمون وحملوا عليهم ~~ورشقوا الرجال بالسهام واشتبكت الحرب واختلط الفريقان واقتتلوا قتالا شديدا ~~ما عليه من مزيد الا ان المسلمين رجعوا القهقري وقد فشا فيهم القتال ~~والجراح فلما نظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك من هزيمة المسلمين عظم عليه ~~وكبر لديه وصاح فيهم بصوته يا بني القرآن الرجعة الرجعة بارك الله فيكم ~~فهذا يوم من أيام الله تعالى فاحملوا معي بارك الله فيكم فتراجع الناس ~~وحملوا على أهل حمص حملة عظيمة وشدوا عليهم الحملة وحمل خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه في جمع كثير من بني مخزوم وجعلوا يضربون فيهم بسيوفهم ويطعنون ~~برماحهم حتى طحنوهم طحن الحصيد ووضع المسلمون فيهم السيف وحمل ابن مسروق ~~العبسي في طائفة من قومه من بني عبس وقد رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ~~وصدموا الروم صدمة عظيمة فتراجعت الروم إلى الاسوار وقد فشا فيهم القتل ~~فبربرت الروم بلغاتها وتراجعت على المسلمين وأحاطوا بهم من كل جانب ومكان ~~ورشقت العلوج بالنشاب وطعنوا في المسلمين بالحراب وقد استتروا بالدرق ~~والطوارق قال فلما نظر خالد بن الوليد إلى ذلك برز باللواء وكان هو صاحب ~~اللواء يوم حمص وصاح خالد بأصحابه وقال شدوا عليهم بالحملة بارك الله فيكم ~~فإنها والله غنيمة الدنيا والآخرة قال فبينما خالد بن الوليد يحرض أصحابه ~~على القتال إذ حمل عليه بطريق من عظماء الروم وعليه لامة PageV01P156 # مانعة وهو يهدر كالأسد فحمل خالد بن الوليد عليه ms199 وضربه على رأسه فوقع ~~سيفه على البيضة فطار السيف من يد خالد بن الوليد وبقيت قبضته في يده فطمع ~~العلج فيه وحمل عليه ولاصقه حتى حك ركابه بركاب خالد وتعانقا جميعا ~~بالسواعد والمناكب فضم خالد العلج إلى صدره واحتضنه بيده وشد عليه بقوته ~~فطحن أضلاعه وأدخل بعضها في بعض فارداه قتيلا واخذ خالد سيف العلج وهزه في ~~يده حتى طار منه الشرر ووضع رأسه في قربوس سرجه وحمل وصاح في بني مخزوم ~~فحملوا حملة عظيمة وهاجوا في أوساطهم وخالد بن الوليد رضي الله عنه يفرقهم ~~يمينا وشمالا وهو ينادي برفيع صوته أنا الفارس الصنديد انا خالد بن الوليد ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزالوا في القتال الشديد الذي ما ~~عليه من مزيد حتى توسطت الشمس في كبد السماء وحمى الدرع على خالد بن الوليد ~~رضي الله عنه فخرج من المعركة وبنو مخزوم يتقاطرون من خلفه والدم يسيل ملء ~~درعهم وسواعدهم كأنها شقائق الأرجوان وخالد بن الوليد رضي الله عنه في ~~أوائلهم وهو يقول * ويل لجمع الروم من يوم شغب * اني رأيت الحرب فيه تلتهب ~~* وكم لقوا منا مواقع النصب * وكم تركت الروم في حال العطب * قال فناداه ~~الأمير أبو عبيدة لله درك يا أبا سليمان لله ربك لقد جاهدت في الله حق ~~جهاده فلما نظر المرقال بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى غفلة الروم صاح في ~~بني زهرة وحملوا في ميمنة الروم وحمل ميسرة بن مسروق العبسي في قومه وحمل ~~عكرمة بن أبي جهل وحوله جمع كثير من بني مخزوم وحمل المسلمون بأجمعهم وقد ~~اطلعوا على الشهادة وأيقنوا بالعناية معركة حمص قال الواقدي فلم يكن يوم ~~حمص أشد حربا ولا أقوى جلدا من بني مخزوم غير أن عكرمة بن أبي جهل كان ~~أشدهم بأسا واقداما وهو يقصد الأسنة بنفسه فقيل له اتق الله وارفق بنفسك ~~فقال يا قوم انا كنت أقاتل عن الأصنام فكيف اليوم وانا أقاتل في طاعة الملك ~~العلام واني أرى الحور متشوقات ms200 إلي ولو بدت واحدة منهن لأهل الدنيا لاغنتهم ~~عن الشمس والقمر ولقد صدقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وعدنا ثم سل ~~سيفه وغاص في الروم ولم يزدد الا اقداما وقد عجبت الروم من حسن صبره وقتاله ~~فبينما هو كذلك إذ حمل عليه البطريق هربيس صاحب حمص وبيده حربة عظيمة تضيء ~~وتلتهب وهزها في كفه وضربه بها فوقعت في قلبه ومرقت من ظهره فانجدل صريعا ~~وعجل الله تعالى بروحه إلى الجنة فلما نظر خالد بن الوليد إلى ابن عمه وقد ~~وقع صريعا اقبل حتى وقف عليه وبكى وقال يا ليت عمر بن الخطاب نظر إلى ابن ~~عمي صريعا حتى يعلم انا إذا لاقينا العدو ركبنا الأسنة ركوبا قال ولم ~~يزالوا في PageV01P157 # الأهوال الشديدة حتى هجم الليل عليهم وتراجعت الروم إلى مدينتهم وغلقوا ~~الأبواب وطلعوا على الاسوار ورجعت المسلمون إلى رحالهم وخيامهم وباتوا ~~ليلتهم يتحارسون فلما أصبح الصباح قال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه يا ~~معاشر المسلمين ما بالكم قد صدكم هؤلاء القوم وبعد الطمع فيهم ما بالكم ~~هزمتم وجزعتم منهم والله ألبسكم عافية مجللة وسلامة سابغة وأظفركم على ~~بطارقة الروم وفتح لكم الحصون والقلاع فما هذا التقصير والله تعالى مطلع ~~عليكم فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه هؤلاء فرسان الروم أشد الرجال ليس ~~فيهم سوقة ولا جبان وقد تعلم أنهم يكونون أشد في الحرب لأنهم يمنعون عن ~~الذراري والنسوان فقال أبو عبيدة رضي الله عنه فما الرأي عندك يا أبا ~~سليمان يرحمك الله فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه أيها الأمير قد رأيت ~~من الرأي اننا ننكشف للقوم غدا وندع لهم سوائمنا وابلنا فإذا تباعدنا عن ~~مدينتهم وتبعتنا خيلهم وتباعدوا عن مدينتهم وصاروا معنا عطفنا عليهم ~~ومزقناهم بالأسنة ونقطع ظهورهم لبعدهم عن مدينتهم فقال أبو عبيدة نعم الرأي ~~ما رأيت يا أبا سليمان ولقد أشرت وأحسنت قال وتواعد المسلمون على أن ~~ينكشفوا بين أيدي الروم وان يتركوا لهم سوائمهم فلما أصبح الصباح فتحت ~~أبواب حمص وخرجت ms201 الروم من جميع الأبواب وزحفوا يريدون القتال فسألهم العرب ~~كفوا القتال واروهم التقصير والخوف واطمعوهم في أنفسهم وجعلوا ينحرفون عن ~~قتالهم حتى تضاحى النهار وانبسطت الشمس وطاب الحرب وطمعت الروم في المسلمين ~~لما بان لهم من تقصيرهم فشد الروم بالحملة عليهم فانهزمت العرب من بين ~~أيديهم وتركوا سوائمها قال نوفل بن عامر حدثنا عرفجة بن ماجد النميمي عن ~~سراقة النخعي وكان ممن حضر يوم حمص قال لما انهزمت العرب أمام الروم وتبعنا ~~هربيس البطريق في خمسة آلاف اشهب وكانوا أشد الروم قال سراقة بن عامر ~~وانهزمنا امام القوم كأننا نطلب الزراعة وجوسية وأدركتنا البطارقة وبعضهم ~~مال إلى السواد طمعا في الزاد والطعام قال الواقدي وكان بحمص قسيس كبير ~~السن عظيم القدر عند الروم قد حنكته التجارب وعرف أبواب الحيل والخداع وكان ~~عالما من علماء الروم وقد قرأ التوراة والإنجيل والزبور والمزامير وصحف شيث ~~وإبراهيم وأدرك حواري عيسى ابن مريم عليه السلام فلما أشرف ذلك القسيس ونظر ~~إلى العرب وقد ملك الروم سوادهم جعل يصيح ويقول وهو ينادي وحق المسيح ان ~~هذه خديعة ومكر ومكيدة من مكايد العرب وان العرب لا تسلم أولادها وابلها ~~ولو قتلوا عن آخرهم قال وجعل القسيس يصيح وأهل حمص قد وقعوا في النهب وليس ~~يغنيهم سوى الزاد والطعام والبطريق هربيس قد ألح في طلب المسلمين في خمسة ~~آلاف فارس فلما أبعدوا عن المدينة صاح الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه برفيع ~~صوته اعطفوا على الروم كالسباع PageV01P158 # الضارية والعقبان الكاسرة فردوا عليهم كردوسا واحدا حتى أحاطوا بالبطريق ~~وأصحابه من كل جانب وداروا بهم مثل الحلقة المستديرة واحدقوا بهم كاحداق ~~البياض بسواد العين وبقيت الروم في أوساطهم كالشامة السوداء في الثور ~~الأبيض فعند ذلك نصبت العلوج نشابها على العرب والمسلمون يكرون عليهم مثل ~~الأسود الضارية ويحومون عليهم كما تحوم النسور ويضربونهم بالسيوف ويصرعونهم ~~يمينا وشمالا حتى انكسر أكثرهم قال عطية بن فهر الزبيدي فلما نظرت الروم ~~إلى فعلنا بهم تكالبت علينا فلما حميت الحرب ابتدر خالد بن الوليد ms202 رضي الله ~~عنه من وسط العسكر وهو على جواد أشقر وعليه جوشن مذهب كان لصاحب بعلبك ~~أهداه له يوم فتح بعلبك وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه قد عمم نفسه ~~بعمامة حمراء وكانت تلك العمامة عمامته في الحرب وجعل يهدر كالأسد الحردان ~~وقد انتضى سيفه من غمده وهزه حتى طار منه الشرر ونادى برفيع صوته رحم الله ~~رجلا جرد سيفه وقوى عزمه وقاتل أعداءه فعندها انتضب المسلمون سيوفهم وصدموا ~~الروم صدمة عظيمة ونادى الأمير أبو عبيدة يا بني العرب قاتلوا عن حريمكم ~~ودينكم وأموالكم فان الله مطلع عليكم وناصركم على عدوكم قال وكان معاذ بن ~~جبل قد انفرد في خمسمائة فارس إلى السواد والأموال وانقض على الروم فما ~~شعرت الروح والعلوج ممن انغمس في الغارة وحمل الزاد والرحال والأمتعة الا ~~والطعن قد أخذهم بأسنة الرماح من كل جانب كأنها ألسنة النار المضرمة ونادى ~~مناد يا فتيان العرب اطلبوا الباب لئلا ينجوا أحد من الروم برحالنا ~~وأولادنا فجعل المسلمون يطلبون الأبواب وكانت علوج الروم قد غرقت في رحال ~~المسلمين فلما نظروا إلى معاذ وقد حمل عليهم في رحاله عادت وقد رمت الرحال ~~وطلبت الهرب فانفلت منهم ما انفلت وقتل من قتل قال صهيب بن سيف الفزاري ~~فوالله ما انفلت من الخمسة آلاف الذين كانوا مع هربيس صاحب حمص الا ما ينوف ~~عن مائة فارس قال واتبعنا القوم إلى الأبواب فكان أعظم المصيبة قتلنا إياهم ~~على الأبواب لان أكثر الرجال من العواصم وغيرهم كانوا في المدينة قال سعيد ~~بن زيد شهدت يوم حمص وكنت ممن أولع بعدد القتلى فعددت خمسة آلاف وستة غير ~~أسير وجريح فدنوت من الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وقلت البشارة أيها ~~الأمير فاني عددت خمسة آلاف وستة غير أسير وجريح فقال الأمير أبو عبيدة ~~بشرت بخير يا سعيد يا ابن زيد فهل ترى قتل بطريقهم هربيس فقال سعيد بن زيد ~~أيها الأمير إذا كان قتل بطريقهم هربيس فما قتله غيري فقال الأمير أبو ~~عبيدة وكيف علمت ms203 أنه قتيلك يا سعيد فقال سعيد بن زيد أيها الأمير اني رأيت ~~فارسا عظيم الخلقة طويلا ضخما احمر اللون وبيده سيف وعليه لامة حربه صفتهما ~~كذا وكذا وهو في وسط الروم كأنه البعير الهائج فحملت عليه وقلت في حملتي ~~اللهم إني اقدم قدرتك على قدرتي وغلبتك PageV01P159 # على غلبتي اللهم اجعل قتله على يدي وارزقني اجره فقال له أبو عبيدة اما ~~اخذت سلبه يا سعيد قال لا ولكن علامتي فيه نبلة من كنانتي أثبتها في قلبه ~~فخر يهوي عن جواده ونفرت عنه أصحابه فلحقته فضربته بسيفي ضربة فصرمت حقوته ~~ونبلتي في قلبه قال أبو عبيدة رضي الله عنه أدركوه رحمكم الله وسلموا سلبه ~~إلى سعيد ففعلوا ذلك قال الواقدي فلما أخذت الحرب أوزارها اخذ المسلمون ~~الاسلاب والدروع والشهابي ومثلوا الجميع أمام الأمير أبي عبيدة رضي الله ~~عنه فأخرج منها الخمس لبيت مال المسلمين وقسم الباقي على المجاهدين قال ~~ووقع الصياح والبكاء في حمص على من قتل منهم من فرسان الكفار ورجالهم قال ~~واجتمع مشايخ حمص ورؤساؤهم إلى بيعتهم وتحدثوا مع القسوس والرهبان على أن ~~يسلموا حمص إلى المسلمين وخرج علماء دينهم ورؤساؤهم إلى أبي عبيدة رضي الله ~~عنه وصالحوه على تسليم المدينة اليه وأن يكونوا تحت ذمامه وأمانة فصالحهم ~~أبو عبيدة رضي الله عنه وقال لست أدخل مدينتكم حتى نرى ما يكون بيننا وبين ~~الملك هرقل وأراد أهل حمص أن يكرموا المسلمين بالإقامة والعلوقة فنهاهم ~~الأمير أبو عبيدة عن ذلك ولم يدخل أحد من المسلمين إلى حمص الا بعد وقعة ~~اليرموك كل ذلك ليتقرب المسلمون إلى الروم بالعدل وحسن الصحبة قال جرير بن ~~عوف حدثنا حميد الطويل قال حدثني سنان بن راشد اليربوعي قال حدثنا سملة بن ~~جريج قال حدثنا النجار وكان ممن يعرف فتوح الشام قال لما صالحنا أهل حمص ~~بعد قتل هربيس خرج أهل حمص ودفنوا قتلاهم فافتقدنا القتلى الذين استشهدوا ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدنا من استشهد من المسلمين ~~مائتين وخمسة وثلاثين فارسا كلهم ms204 من حمير وهمدان الا ثلاثين رجلا من أهل ~~مكة وهم عكرمة بن أبي جهل وصابر بن جرىء والريس بن عقيل ومروان بن عامر ~~والمنهال بن عامر السلمي ابن عم العباس رضي الله عنه وجمح بن قادم وجابر بن ~~خويلد الربعي فهؤلاء من المسلمين الذين استشهدوا يوم حمص والباقون من اليمن ~~وهمدان ومن أخلاط الناس ذكر وقعة اليرموك قال الواقدي واتصلت الاخبار إلى ~~الملك هرقل أن المسلمين قد فتحوا حمص والرستن وشيزر وقد أخذوا الهدية التي ~~بعثها إلى هربيس البطريق فبلغ ذلك منه دون النفس وأقام ينتظر الجيوش ~~والعساكر من أقصى بلاد الروم لأنه قد كان كاتب كل من يحمل الصليب فما مضى ~~عليه الا أيام قلائل حتى صار أول جيوشه عنده بأنطاكية وآخرها في رومية ~~الكبرى وانه بعث جيشا إلى قيسارية ساحل الشام يكون حفظه على عكاء وطبرية ~~وبعث بجيش آخر إلى بيت المقدس وأقام ينتظر قوم ماهان الأرمني ملك الأرمن ~~وقد جمع من الأرمن ما لا يجمعه أحد من أهالي الملك هرقل وبعد أيام قدم على ~~الملك هرقل للقائه في أرباب دولته فلما قرب منه ترجل ماهان PageV01P160 # وجنوده وكفروا بين يديه ورفعا أصواتهم بالبكاء والنحيب مما وصل إليهم من ~~فتح المسلمين بلادهم فنهاهم عن ذلك وقال يا أهل دين النصرانية وبني ماء ~~المعمودية قد حذرتكم وخوفتكم من هؤلاء العرب ولم تقبلوا مني فوحق المسيح ~~والإنجيل الصحيح والقربان ومذبحنا المعمدان لا بد لهؤلاء العرب أن يملكوا ~~ما تحت سريري هذا والآن البكاء لا يصلح الا للنساء وقد اجتمع لكم من ~~العساكر ما لم يقدر عليه ملك من ملوك الدنيا وقد بذلت مالي ورجالي كل ذلك ~~لاذب عنكم وعن دينكم وعن حريمكم فتوبوا للمسيح من ذنوبكم وانووا للرعية ~~خيرا ولا تظملوا وعليكم بالصبر في القتال ولا يخامر بعضكم بعضا وإياكم ~~والعجب والحسد فإنهما ما نزلا بقوم الا ونزل عليهم الخذلان واني أريد أن ~~أسألكم وأريد منكم الجواب عما أسألكم عنه فقالت العظماء من الروم والملوك ~~اسأل أيها الملك عما شئت قال ms205 إنكم اليوم أكثر عددا وأغزر مددا من العرب ~~وأكثر جمعا وأكثر خياما وأعظم قوة فمن أين لكم هذا الخذلان وكانت الفرس ~~والترك والجرامقة تهاب سطوتكم وتفزع من حربكم وشدتكم وقد قصدوا إليكم مرارا ~~ورجعوا منكسرين والآن قد علا عليكم العرب وهم أضعف الخلق عراة الأجساد جياع ~~الأكباد ولا عدد ولا سلاح وقد غلبوكم على بصرى وحوران وأجنادين ودمشق ~~وبعلبك وحمص قال فسكت الملوك عن جوابه فعندها قام قسيس كبير عالم بدين ~~النصرانية وقال أيها الملك أما تعلم لم نصرت العرب علينا قال لا وحق المسيح ~~فقال القسيس أيها الملك لان قومنا بدلوا دينهم وغيروا ملتهم وجحدوا بإجابة ~~المسيح عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه وظلموا بعضهم وليس فيهم من ~~يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر وليس فيهم عدل ولا احسان ولا يفعلون الطاعات ~~وضيعوا أوقات الصلوات وأكلوا الربا وارتكبوا الزنا وفشت فيهم المعاصي ~~والفواحش وهؤلاء العرب طائعون لربهم متبعون دينهم رهبان بالليل صوام ~~بالنهار ولا يفترون عن ذكر ربهم ولا عن الصلاة على نبيهم وليس فيهم ظلم ولا ~~عدوان ولا يتكبر بعضهم على بعض شعارهم الصدق ودثارهم العبادة وأن حملوا ~~علينا لا يرجعون وان جملنا عليهم فلا يولون وقد علموا أن الدنيا دار الفناء ~~وان الآخرة هي دار البقاء قال الواقدي فلما سمع القوم والملك هرقل ما قاله ~~القسيس قالوا وحق المسيح لقد صدقت بهذا نصرت العرب علينا لا محالة وإذا كان ~~فعل قومنا ما ذكرت فلا حاجة لي في نصرتهم واني قد عولت أن أصرف هذه الجيوش ~~والعساكر إلى بلادها وآخذ أهلي ومالي وأنزل من أرض سورية وأرحل إلى أسبوك ~~يعني القسطنطينية فأكون هناك آمنا من العرب قال فلما سمع القوم ذلك من ~~الملك صفوا بين يديه وقالوا أيها الملك لا تفعل ولا تخذل دين المسيح ~~فيطالبك بذلك يوم القيامة وتعيرك الملوك بذلك ويستضعفون رأيك وأيضا تشمت ~~بنا أعداؤنا إذا أنت خرجت من جنة PageV01P161 # الشام وسكن بعدنا فيها العرب وقد اجتمع لنا مثل هذا الجيش الذي ما اجتمع ~~لملك ms206 من ملوك الدنيا ونحن نلقى العرب ونصبر على قتالهم ولعل المسيح أن ~~ينصرنا عليهم فاعزم وقدم من شئت واتركنا ننهض إلى قتال العرب قال ففرح ~~الملك هرقل بقولهم ونشاطهم وعول على أن يبعث الجيش مع خمسة ملوك من الروم ~~فأول ما عقد لواء من الديباج المنسوج بالذهب الأحمر وعلى رأسه صليب من ~~الجوهر وسلمه إلى قناطير ملك الروسية وضم اليه مائة ألف فارس من الصقالبة ~~وغيرهم وخلع عليه وتوجه ومنطقه وسوره ثم عقد لواء آخر من الديباج الأبيض ~~فيه شمس من الذهب الأحمر وعلى رأسه صليب من الزبرجد الأخضر وسلمه إلى جرجير ~~وهو ملك عمورية وملورية وخلع عليه وسوره ومنطقه وضم اليه مائة ألف فارس من ~~الروم والفردانة ومن سائر الأجناس الرومية ثم عقد لواء ثالثا من الدستري ~~الملون عليه صليب من الذهب الأحمر وسلمه إلى الديرجان صاحب القسطنطينية وضم ~~اليه مائة ألف فارس من المغليط والإفرنج والقلن وخلع عليه ومنطقه وسوره ثم ~~عقد لواء رابعا مرصعا بالدر والجوهر عليه قبضة من الذهب وعليه صليب من ~~الياقوت الأحمر وسلمه إلى ماهان ملك الأرمن وكان يحبه محبة عظيمة لأنه كان ~~من أهل الشجاعة والتدبير وقد قاتل عساكر الفرس والترك وهزمهم مرارا فلما ~~عقد له لواء خلع عليه الثياب التي كانت عليه وتوجه وسوره ومنطقه وقلده ~~بالقلائد التي لا يتقلد بها الا الملوك الأكابر وقال له يا ماهان قد وليتك ~~على هذا الجيش كله ولا أمر على أمرك ولا حكم على حكمك ثم قال لقناطير ~~وجرجير والديرجان وقورين وهم ملوك الجيش اعلموا أن صلبانكم تحت صليب ماهان ~~وأمركم اليه فلا تصنعوا أمرا الا بمشورته ورأيه واطلبوا العرب حيث كانوا ~~ولا تفشلوا وقاتلوا عن دينكم القديم وشرعكم المستقيم وافترقوا على أربع طرق ~~فإنكم ان أخذتم على طريق واحدة لم تسعكم وتهلكوا الأرض ومن عليها ثم خلع ~~على جبلة بن الأيهم الغساني وضم اليه العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام ~~وقال لهم كونوا في المقدمة فان هلاك كل شيء بجنسه والحديد لا يقطعه الا ms207 ~~الحديد ثم أمر القسوس أن يغمسوهم في ماء المعمودية ويقرءوا عليهم ويصلوا ~~عليهم صلاة الموتى قال حدثنا نوفل بن عدي عن سراقة عن خالد قال أخبرنا قاسم ~~مولى هشام بن عمرو ابن عتبة وكان ممن حضر فتوح الشام كله قال فكانت جملة من ~~بعث الملك هرقل إلى اليرموك من العساكر ستمائة الف فارس من سائر طوائف أهل ~~الكفر ممن يعتقد الصليب قال وحدثنا جرير بن عبد الله عن يونس بن عبد الأعلى ~~أن جملة من بعث الملك هرقل سوى جيش أنطاكية إلى اليرموك سبعمائة ألف فارس ~~قال راشد بن PageV01P162 # سعيد الحميري كنت احضر اليرموك من أوله إلى آخره فلما أشرفت علينا عساكر ~~الروم باليرموك نحونا صعدت على محل من الأرض مرتفع وأقبلت الروم بالرايات ~~والصلبان فعددت عشرين راية فلما استقرت الروم باليرموك بعث الأمير أبو ~~عبيدة رضي الله عنه روماس صاحب بصرى ليحزر عدد القوم قال فتنكر روماس وغاب ~~عنا يوما وليلة ثم عاد الينا فلما رأيناه اجتمعنا عنده وسأل أبو عبيدة ~~روماس عن ذلك فقال أيها الأمير سمعت القوم يذكرون أن عددهم ألف ألف فلا ~~أدري أهم يتحدثون بذلك ليسمع جواسيسنا ويحدثوا بذلك أم لا فقال أبو عبيدة ~~يا روماس كم عهدك بهم وكم يكون تحت كل راية من عساكر الروم فقال أيها ~~الأمير أما ما عهدت في عساكر الروم فتحت كل راية خمسون ألف فارس فلما سمع ~~أبو عبيدة ذلك قال الله أكبر أبشروا بالنصر على الأعداء ثم قرأ الآية * (كم ~~من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) * قال الواقدي ~~ثم إن الملك هرقل لما قلد أمر جيوشه ماهان ملك الأرمن وأمره بالنهوض إلى ~~قتال المسلمين ركب الملك هرقل وركب الروم وضربوا بوق الرحيل وخرج الملك ~~هرقل ليتبع عساكره على باب فارس وسار معهم يوصيهم وقال لقناطير وجرجير ~~والديرجان وقورين ليأخذ كل رجل منكم طريقا وأمر كل واحد منكم نافذ على جيشه ~~فإذا لقيتم العرب فالامر فيكم لماهان ولا يد على يده واعلموا أنه ms208 ليس بينكم ~~وبين هؤلاء الا هذه الوقعة فان غلبوكم فلا يقنعوا ببلادكم بل يطلبونكم حيث ~~سلكتم ولا يقنعون بالمال دون النفس ويتخذون حريمكم وأولادكم عبيدا فاصبروا ~~على القتال وانصروا دينكم وشرعكم قال الواقدي ثم وجه قناطير بجيشه على طريق ~~جبلة واللاذقية وبعث جرجير على طريق الجادة العظمى وهي أرض العراق وسومين ~~وبعث قورين على طريق حلب وحماة وبعث الديرجان على أرض العواصم وسار ماهان ~~في أثر القوم بحيوشه والرجال أمامه ينحتون له الأرض ويزيلون من طريقهم ~~الحجارة وكانوا لا يمرون على بلد ولا مدينة الا اضروا بأهلها ويطالبونهم ~~بالعلوفة والاقامات ولا قدرة لهم بذلك فيدعون عليهم ويقولون لاردكم الله ~~سالمين قال وجبلة بن الأيهم في مقدمة ماهان ومعه العرب المتنصرة من غسان ~~ولخم وجذام قال الواقدي حدثني من أثق به ان الطاغية هرقل لما بعث جيوشه إلى ~~قتال المسلمين وكان للأمير أبي عبيدة في جيوش الروم عيون وجواسيس من ~~المعاهدين يتعرفون له الاخبار فلما وصل جيش الروم إلى شيزر فارقتهم عيون ~~أبي عبيدة وساروا طالبين عسكر المسلمين فلم يجدوهم على حمص فسألوهم عنهم ~~فأخبروهم أنهم رحلوا لان الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه لما فتح حمص ترك ~~عندهم من يأخذ الخراج والذي تركه عندهم رجال من أهل حمص من كبرائهم ~~ورؤسائهم وجعل الجواسيس PageV01P163 # يسيرون حتى وصلوا إلى الجابية وحضروا بين يدي الأمير أبي عبيدة رضي الله ~~عنه وأخبروه بما رأوه من عظم الجيوش والعساكر فلما سمع أبو عبيدة ذلك عظم ~~عليه وكبر لديه وقال لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وبات قلقا لم ~~تغمض له عين خوفا على المسلمين فلما طلع الفجر أذن فصلى بالمسلمين فلما فرغ ~~من صلاته أقسم على المسلمين أن لا يبرحوا حتى يسمعوا ما يقول ثم قام فيهم ~~خطيبا وحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وترحم على ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه ودعا للمسلمين بالنصر وقال يا معاشر المسلمين ~~اعلموا رحمكم الله ان الله ابتلاكم ببلاء حسن لينظر ms209 كيف تعملون وذلك عندما ~~صدقكم الوعد وأيدكم بالنصر في مواطن كثيرة واعلموا أن عيوني أخبروني أن عدو ~~الله هرقل استنجد علينا من كبار بلاد الشرك وقد سيرهم إليكم وأثقلهم بالزاد ~~والسلاح * (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون) * واعلموا أنهم قد ساروا إليكم في طرق مختلفة ووعدهم طاغيتهم أن ~~يجتمعوا بازائكم على قتالكم واعلموا أن الله معكم وليس بكثير من يخذله الله ~~تعالى وليس بقليل من يكون الله تعالى معه فما عندكم من الرأي رحمكم الله ~~تعالى ثم قال لبعض عيونه قم وأخبر المسلمين بما رأيت فقام الرجل وأخبر ~~الناس بما رأى من الجيوش الثقيلة وعددها وعديدها فعظم ذلك على المسلمين ~~وداخل قلوب رجال منهم الهيبة والجزع وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ولم يرد أحد ~~منهم جوابا فقال أبو عبيدة رضي الله عنه ما هذا السكوت عن جوابي رحمكم الله ~~فأشيروا على أيديكم فان الله عز وجل يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم * ~~(وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) * قال الواقدي فتكلم رجل من ~~أهل السبق وقال أيها الأمير أنت رجل لك رفعة ومكان وقد نزلت فيك آية من ~~القرآن وأنت الذي جعلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمين هذه الأمة فقال ~~عليه السلام لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة رضي الله عنه عامر بن ~~الجراح أشر أنت علينا بما يكون فيه الصلاح للمسلمين فقال الأمين أبو عبيدة ~~رضي الله عنه انما انا رجل منكم تقولون وأقول وتشيرون وأشير والله الموفق ~~في ذلك فقام اليه رجل من أهل اليمن وقال أيها الأمير الذي نشير به عليك أن ~~تسير من مكانك وتنزل في فرجة من وادي القرى فيكون المسلمون قريبا من ~~المدينة والنجدة تصل الينا من الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإذا طلب ~~القوم أثرنا وأقبلوا الينا كنا عليهم ظاهرين فقال الأمير أبو عبيدة رضي ~~الله عنه اجسلوا رحمكم الله فقد أشرتم بما عندكم من الرأي وإني أن برحت ms210 من ~~موضعي هذا كره لي عمر بن الخطاب ذلك وأخذ يعنفني ويقول تركت مدائن فتحها ~~الله على يديك ونزحت عنها وكان ذلك هزيمة منك ثم قال أشيروا علي برأيكم ~~رحمكم الله تعالى فقام اليه قيس بن هبيرة المرادي وقال يا أمير المؤمنين ~~لاردنا الله إلى أهلنا سالمين ان خرجنا من الشام وكيف ندع هذه الأنهار ~~المتفجرة والزروع والأعناب والذهب PageV01P164 # والفضة والديباج ونرجع إلى قحط الحجاز وجد به وأكل خبز الشعير ولباس ~~الصوف ونحن في مثل هذا العيش الرغد فان قتلنا فالجنة وعدنا ونكون في نعيم ~~لا يشبه نعيم الدنيا فقال أبو عبيدة رضي الله عنه صدق والله قيس بن هبيرة ~~وبالحق نطق ثم قال يا معاشر المسلميي اترجعون إلى بلاد الحجاز والمدينة ~~وتدعون لهؤلاء الاعلاج قصورا وحصونا وبساتين وأنهارا وطعاما وشرابا وذهبا ~~وفضة ما لكم مع ما لكم عند الله عز وجل في دار البقاء من حسن الطعام ولقد ~~صدق قيس بن هبيرة في قوله لنا ولسنا ببارحين منزلنا هذا حتى يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين قال فوثب قيس بن هبيرة وقال صدق الله قولك أيها ~~الأمير وأعانك على ولايتك ولا تبرح من مكانك وتوكل على الله وقاتل أعداء ~~الله فان فاتنا فتح عاجل فما يفوتنا ثواب آجل فقال أبو عبيدة رضي الله عنه ~~شكر الله فضلك وغفر لنا ولك والرأي رأيك وتتابع قول المسلمين بحسن رأيهم ~~الا خالد بن الوليد رضي الله عنه فإنه ساكت لا يقول شيئا فقال أبو عبيدة ~~رضي الله عنه يا أبا سليمان أنت الرجل الجريء والفارس الشهم ومعك رأي وعزم ~~فما تقول فيما قال قيس بن هبيرة فقال خالد رضي الله عنه نعم ما أشار به قيس ~~إلا أن الرأي عندي غير رأيه ولكن لا أخالف المسلمين فقال أن كان عندك رأي ~~فيه صلاح فائت به وكلنا لرأيك تبع فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه اعلم ~~أيها الأمير أنك ان أقمت في مكانك هذا فإنك تعين على نفسك لأن هذه الجابية ~~قريبة ms211 من قيسارية وفيها قسطنطين ابن الملك هرقل في أربعين ألف فارس وأهل ~~الأردن قد اجتمعوا اليه خوفا منكم والذي أشير به عليكم أن ترحلوا من منزلكم ~~هذا وتجعلوا أذرعات خلف ظهوركم حتى ينزلوا اليرموك ويكون المدد من أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قريبا منكم متلاحقا بكم وأنتم على فتح ~~لقتال عدوكم وهي أرض واسعة لمجال الخيل قال فلما نطق خالد بن الوليد بهذا ~~الكلام قال المسلمون نعم ما أشار به خالد وقال أبو سفيان بن حرب أيها ~~الأمير افعل برأي خالد بن الوليد رضي الله عنه وابعثه إلى ما يلي الرمادة ~~فيكون بين عساكرنا وعساكر الروم المقيمة بالأردن لئلا ندهي منهم عند رحيلنا ~~فإنه سيكون لرحيلنا ورحيل عسكرنا بين هذه الأشجار ضجة عظيمة وجلبة هائلة ~~فيداخل عدوكم فيكم الطمع فان اقبلوا يريدون غارة ومكيدة لقيهم خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه بمن معه فقال خالد بن الوليد والله يا ابن حرب لقد ~~نطقت عن ضميري وهكذا الرأي عندي فعند ذلك أمر أبو عبيدة الناس بالرحيل من ~~الجابية فرحلوا ودعا أبو عبيدة بجيش خالد بن الوليد الذي أقبل به من أرض ~~العراق وهو جيش الزحف وهو يومئذ أربعة آلاف فارس وأمر خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه أن يسير بهم ويكون على طلائع المسلمين وحرسهم من وراء ظهورهم قال ~~ووقعت الضجة للمسلمين عند رحيلهم حتى سمع ضجيجهم من مسيرة فرسخين وطلبوا ~~اليرموك وسمع الروم المجتمعة بالأردن ضجة المسلمين عند رحيلهم فظنوا أنهم ~~هاربون إلى الحجاز لما بلغهم من جيش هرقل فطمعوا PageV01P165 # فيهم وهموا بالغارة على أطرافهم فلقيهم خالد بن الوليد رضي الله عنه فصاح ~~في رجاله وقال دونكم والقوم فهذه علامة النصر قال فانتضى المسلمون السيوف ~~ومدوا الرماح وحمل خالد بن الوليد رضي الله عنه وحمل ضرار بن الأزور رضي ~~الله عنه والمرقال وطلحة بن نوفل العامري وزاهد بن الأسد وعامر بن الطفيل ~~وابن أكال الدم وغير هؤلاء من الفرسان المعدودين للبراز فلم يكن للروم طاقة ~~بهم فولوا ms212 منهزمين والمسلمون يقتلون ويأسرون حتى وصلوا إلى الأردن فغرق ~~منهم خلق كثير ورجع خالد بن الوليد رضي الله عنه وأما الأمير أبو عبيدة ~~فإنه نزل باليرموك وجعل أذرعات من خلفه وكان هناك تل عظيم فعمد أبو عبيدة ~~رضي الله عنه إلى نساء المسلمين وأولادهم فأصعدهم على ذلك التل وأقام ~~الحراس والطلائع على سائر الطرقات فلما وصل خالد بن الوليد رضي الله عنه ~~بالأسارى والغنائم فرح أبو عبيدة رضي الله عنه فرحا شديدا وقال أبشروا ~~رحمكم الله تعالى هذه علامة النصر والظفر وأقام المسلمون باليرموك وهم ~~مستعدون لقتال عدوهم كأنهم ينتظرون وعدا وعدوا به وبلغ الخبر إلى قسطنطين ~~ابن الملك هرقل بأن المسلمين قد نزلوا باليرموك وإن ملوك الروم سائرون ~~لقتالهم فبعث رسولا إلى الملوك يستضعف رأيهم في ابطاء أمرهم ويحثهم على ~~قتال المسلمين فلما ورد رسوله إلى ماهان دعا بالملوك والبطارقة وقرأ عليهم ~~كتاب قسطنطين ابن الملك هرقل وأمرهم بالمسير فسارت جيوش الروم يتلو بعضها ~~بعضا لا يمرون ببلد من مدائن الشام التي فتحها المسلمون الا ويعنفون أهلها ~~ويقولون لهم يا ويلكم تركتم أهل دينكم وملتكم وملتم إلى العرب فيقولون لهم ~~أنتم أحق بالملامة منا لأنكم هربتم منهم وتركتمونا للبلاء فصالحنا عن ~~أنفسنا فيعرفون الحق فيسكتون ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى اليرموك ~~فنزلوا بدير يقال له دير الجبل وهو بالقرب من الرمادة والجولان وجعلوا ~~بينهم وبين عسكر المسلمين ثلاثة فراسخ طولا وعرضا فلما تكاملت الجيوش ~~باليرموك أشرفت سوابق الخيل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~جبلة بن الأيهم في المقدمة في ستين ألف فارس من العرب المتنصرة من غسان ~~ولخم وجذام وهم على مقدمة ماهان فلما نظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى كثرة جيوش الروم قالوا لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم قال ~~عطية بن عامر فوالله ما شبهت عساكر اليرموك الا كالجراد المنتشر إذا سد ~~بكثرته الوادي قال ونظرت إلى المسلمين قد ظهر منهم القلق وهم لا يفترون عن ~~قول ms213 لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وأبو عبيدة رضي الله عنه يقول * ~~(ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) * قال ~~وأخذ المسلمون أهبتهم ودعا الأمير أبو عبيدة بجواسيسه من المعاهدين وأمرهم ~~أن يدخلوا عساكر الروم يجسون له خبر القوم وعددهم وعديدهم وسلاحهم وقال أبو ~~عبيدة رضي الله عنه أنا أرجو من الله تعالى أن يجعلهم غنيمة لنا قال ~~الواقدي فلما نزل ماهان بعساكره بإزاء المسلمين على نهر اليرموك أقام ~~PageV01P166 # أياما لا يقاتل ولا يثير حربا جبلة بن الأيهم قال الواقدي وكان تأخير ~~ماهان لامر وذلك أن رسولا ورد عليه من الملك هرقل يقول له لا تنجز الحرب ~~بينك وبين المسلمين حتى نبعث إليهم رسولا ونعدهم منا كل سنة بمال كثير ~~وهدايا لصاحبهم عمر بن الخطاب ولكل أمير منهم ويكون لهم من الجابية إلى ~~الحجاز فلما وصل الرسول إلى ماهان قال هيهات هيهات أن كانوا يجيبون إلى ذلك ~~أبدا فقال له جرجير وهو من بعض ملوك الجيش وما عليك وما عليك في هذا الذي ~~ذكره الملك هرقل من المشقة فقال ماهان اخرج أنت إليهم وادع منهم رجلا عاقلا ~~وخاطبه بالذي سمعت واجتهد في ذلك قال فلبس جرجير ثياب الديباج وتعصب بعصابة ~~من الجوهر وركب شهباء عالية بسرج من الذهب الأحمر المرصع بالدر والجوهر ~~وخرج معه ألف فارس من المدبجة وسار حتى أشرف على عساكر المسلمين أوقف جرجير ~~أصحابه وقرب من المسلمين ووقف بإزائهم وقال يا معاشر العرب أنا رسول من ~~الملك ماهان فليخرج إلي أميركم والمقدم عليكم حتى نعرض عليه مقالنا ولعلنا ~~نصطلح ولا نسفك دم بعضنا قال فسمعه المسلمون فأعلموا الأمير أبا عبيدة رضي ~~الله عنه بذلك فخرج بنفسه اليه وعليه ثوب من كرابيس العراق وعلى رأسه عمامة ~~سوداء وهو متقلد بسيفه وسار إلى أن وصل إلى جرجير ورفس فرسه حين التقت عنق ~~فرسيهما والناس ينظرون اليهما فقال أبو عبيدة رضي الله عنه يا أخا الكفر قل ~~ما أنت قائل واسأل عما تريد فقال جرجير ms214 يا معاشر العرب لا يغرنكم أن تقولوا ~~هزمنا عساكر الروم في مواطن كثيرة وفتحنا بلادهم وعلونا أكثر أرضهم فانظروا ~~الآن ما قد أتاكم من العساكر فان معنا من سائر الأجناس المختلفة وقد تحالف ~~الروم أن لا يفروا ولا ينهزموا وأن يموتوا عن آخرهم وليس لكم على ما ترون ~~من طاقة فانصرفوا إلى بلادكم وقد نلتم ما نلتم من بلاد الملك هرقل وقد عول ~~الملك أن يتعود الاحسان إليكم وهو يهب لكم ما أخذتم من بلادهم منذ ثلاث ~~سنين وقد أخذتم السلاح والذهب والفضة وقد كنتم من الهالكين فقال الأمير أبو ~~عبيدة أما ما ذكرت من عساكر الروم وانهم لا يفرون ولا ينهزمون فلو رأت ~~الروم شفار سيوفنا هربت ناكصة على أعقابها وأما تهويلك لنا بكثرة عددكم فقد ~~رأيت قلتنا وضعف أجسامنا وكيف لقينا جموعكم وكثرتها وعظم عددها وسلاحها ~~وأحب الأشياء الينا يوم مشاجرتكم بالحرب والقتال حتى يعرف من الذي يثبت ~~للحرب فلما سمع جرجير كلام الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه التفت إلى رجل من ~~أصحابه يقال له بهيل فقال يا بهيل الملك هرقل كأنه أعرف بهؤلاء العرب منا ~~ثم لوى رأس جواده ورجع إلى ماهان واخبره بما قال أبو عبيدة فقال له ماهان ~~دعوتهم إلى الموعد فقال لا وحق المسيح اني لم أفاتحه في شيء من ذلك لكن ~~أبعث لهم بعض العرب المتنصرة فان PageV01P167 # العرب يميل بعضهم إلى بعض قال فعندها دعا ماهان بجبلة بن الأيهم الغساني ~~وقال يا جبلة اخرج إلى هؤلاء وخوفهم من كثرتنا وتواتر عددنا وألق في قلوبهم ~~الرعب وأحط بهم مكرك قال فخرج جبلة بن الأيهم وسار حتى قرب من عساكر ~~المسلمين ونادى برفيع صوته يا معاشر العرب ليخرج إلي رجل من ولد عمرو بن ~~عامر لاخاطبه بما أرسلت به فلما سمع الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه كلام ~~جبلة بن الأيهم قال قد بعث إليكم القوم بأبناء جنسكم يريدون الخديعة بصلة ~~الرحم والقرابة فابعثوا اليه رجلا من الأنصار من ولد عمرو بن عامر فأسرع ms215 ~~اليه بالخروج عبادة بن الصامت الخزرجي رضي الله عنه وقال لأبي عبيدة إيها ~~الأمير أن أخرج إليه وأنظر ماذا يقول فأجيب عنه ثم خرج عبادة نحوه بجواده ~~إلى أن وقف أمام جبلة بن الأيهم فنظر جبلة إلى رجل أسمر طويل شديد السمرة ~~كأنه من رجال شنوءة فهابه ودخل الرعب في قلبه من عظم خلقته وكان عبادة بن ~~الصامت من الخطاط رضي الله عنه فقال له جبلة يا فتى من أي الناس أنت فقال ~~عبادة أنا من من ولد عمرو بن عامر فقال جبلة حييت فمن أنت فقال عبادة بن ~~الصامت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأل عما تريد فقال جبلة يا ابن ~~العم انما خرجت إليكم لأني أعلم أن أكثركم من الرحم والقرابة فخرجت إليكم ~~ناصحا ومشيرا واعلم أن هؤلاء القوم الذين قد نزلوا بازائكم معهم جنود لا ~~قبل لكم بها وخلفهم عساكر وحصون وقلاع وأموال ولا تقولوا كسرنا وهزمنا ~~عساكر الروم وأعلم أن الحرب دول وسجال وان هزمكم هؤلاء القوم لا يكون لكم ~~ملجأ غير الموت وهؤلاء القوم ان انهزموا يرجعون إلى بلادهم وعساكرهم ~~والخزائن والحصون وما قد نلتم نيلا فخذوه وامضوا إلى بلادكم سالمين قال ~~عبادة بن الصامت يا جبلة أما علمت ما لقينا من جموعكم المتقدمة باجنادين ~~وغيرها وكيف نصرنا الله عليكم وهرب طاغيتكم ونحن نعلم من بقي من جموعكم قد ~~تيسر علينا أمره ونحن لا نخاف ممن يقدم علينا من جموعكم وقد ولغنا في ~~الدماء فلم نجد أحلى من دماء الروم وأنا يا جبلة أدعوك إلى دين الاسلام وأن ~~تدخل مع قومك في ديننا وتكون على شرفك في الدنيا والآخرة ولا تكون تابع علج ~~من علوج الروم تفديه بنفسك من المهالك وأنت رجل من سادات العرب وملوكهم وان ~~ديننا ظهر أوله وآخره يظهر كما ظهر أوله فاتبع سبيل من أناب إلى الحق وصدق ~~به فقل لا إله إلا الله محمد رسول الله اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وسلم ~~قال الواقدي فغضب جبلة بن ms216 الأيهم من كلام عبادة بن الصامت وقال لست مفارقا ~~ديني فقال عبادة بن الصامت فان أبيت الا ما أنت عليه من الكفر فإياك أن ~~تلقاني في الموعد الأول فان لنا وقعة عظيمة فان أخذتك شفار سيوفنا فلا تخلص ~~من شفارها ودعنا وعساكر الروم فهم أهون علينا فان أبيت الا ما أنت عليه حل ~~بك PageV01P168 # مثل ما حل بهم قال الواقدي فغضب جبلة بن الأيهم وقال لماذا تخوفني من ~~سيوفكم أما نحن عرب مثلكم رجل لرجل فقال عبادة بن الصامت قد علمنا أنك أنما ~~خرجت الينا مخادعا ومعينا ولسنا كأنتم يا ويلكم نحن على قلتنا نوحد ربنا ~~ونتبع سنة نبينا محمد وأن ورائنا عسكرا يعلوا الأقطار ويسد القفار فقال ~~جبلة لست أعرف وراءكم جيشا غير هذا الجيش ولا من ينصركم غيرهم فقال عبادة ~~بن الصامت كذبت والله يا أبن الأيهم في قولك وان وراءنا رجالا انجادا ~~وأبطالا شدادا يرون الموت مغنما والحياة مغرما كل واحد بنفسه يلقي جيشا ~~حافلا يا ويلك أنسيت عليا وسطوته وعمر وشدته وعثمان وبراعته والعباس وطلعته ~~والزبير مع ما يجتمع إليهم من فرسان المسلمين من مكة والطائف واليمن وغير ~~ذلك قال فلما سمع جبلة ذلك من كلام عباة بن الصامت قال يا أبن العم أنا ما ~~خرجت الا أريد النصحية لكم فان أبيتم ذلك فاسال قومك يجيبونا إلى الصلح ~~فقال عبادة بن الصامت لا صلح بيننا الا بأداء الجزية أو الاسلام أو السيف ~~وهو حكم بيننا وبينكم والله لولا أن الغدر يقبح بنا لعلوتك بسيفي هذا فلما ~~سمع جبلة كلام عبادة وانه قد حاف عليه في الكلام لم يرد عليه جوابا غير أنه ~~ثنى رأس جواده وأتى إلى ماهان فزعا مرعوبا وقد امتلأ قلبه رعبا من كلام ~~عبادة بن الصامت فلما وقف بين يدي ماهان تبين في وجهه الجزع والفزع فقال ~~لجبلة ما وراءك فقال أيها الملك أني خوفت وأرعبت ومنيت فكان ذلك كله عندهم ~~بالسواء وقالوا ما بيننا الا الحرب والقتال فقال له ماهان فما هذا ms217 الفزع ~~الذي أراه في وجهك وهم عرب مثلكم وأنتم عرب مثلهم وقد بلغني أنهم ثلاثون ~~ألف فارس وأنتم ستون ألف فارس أما يقاتل الرجلان منكم الرجل الواحد منهم ~~دونك يا جبلة فسر أنت وأبناء عمك من العرب المتنصرة إلى قتالهم وأنا وراءكم ~~فان ظفرتم بهم كان الملك مشتركا بيننا وبينكم وتكون أقرب الناس الينا ويسلم ~~إليكم ما فتحه العرب من بلاد الشام قال الواقدي وجعل ماهان يرغب جبلة في ~~العطاء ويلينه ويحرضه على القتال في المسلميي حتى أجابه إلى ذلك وأخبر قومه ~~وبني عمه من بني غسان ولخم وجذام وغيرهم من العرب المتنصرة وأمرهم بأخذ ~~الأهبة للحرب والقتال ففعل القوم ذلك وركبوا في سابغ الحديد والزرد النضيد ~~وهم ستون ألف فارس ما يخالطهم من غير العرب أحد يقدمهم جبلة بن الأيهم ~~وعليه درع من الذهب الأحمر متقلد بسيف من عمل التبابعة وعلى رأسه الراية ~~التي عقدها له الملك هرقل فسار جبلة نحو الصحابة في ستين ألف فارس حتى أشرف ~~على عساكر المسلمين وأبو عبيدة يتحدث مع عبادة 2 بن الصامت بما جرى بينه ~~وبين جبلة بن الأيهم إذ أشرفت عليهم العرب المتنصرة فلما رآهم المسلمون صاح ~~بعضهم على بعض يا معاشر المسلمين قد أقبلت عليكم العرب المتنصرة لقتالكم ~~فما أنتم قائلون PageV01P169 # قالوا نقاتلهم ونرجو من الله تعالى الظهور عليهم والمعونة وعلى غيرهم ~~وهموا بالحملة فصاح عليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه وقال اصبروا رحمكم ~~الله ولا تعجلوا حتى اكيدهم بمكيدة يهلكون بها وقال لأبي عبيدة رضي الله ~~عنه أيها الأمير ان القوم قد استعانوا علينا بالعرب المتنصرة وهم اضعاف ~~عددنا وان نحن نقاتلهم بجمعنا كله كان ذلك وهنا منا وضعفا وأريد أن أبعث ~~لهم رسولا من بني عمهم يكلمهم في شأن ردهم عنا فان فعلوا كان ذلك كسرا لهم ~~وللمشركين ووهنا عظيما وان أبوا الا الحرب والقتال خرج منا نفر يسير ~~يردونهم على أعقابهم بعزة الله عز وجل قال فتعجب أبو عبيدة رضي الله عنه ~~وقال يا أبا سليمان ms218 افعل ما تريد فعند ذلك دعا خالد بن الوليد بقيس بن سعد ~~وعبادة بن الصامت الخزرجي وجابر بن عبد الله وأبي أيوب بن خالد بن يزيد رضي ~~الله عليهم أجمعين فلما وقفوا بين يديه قال لهم يا أنصار الله تعالى ورسوله ~~هؤلاء العرب المتنصرة يريدون قتالكم وهم غسان ولخم وجذام وهم بنو عمكم في ~~النسب فأخرجوا إليهم وخاطبوهم واجتهدوا في ردهم عن حربكم وقتالكم فان فعلوا ~~ذلك والا أخذهم السيف منا ومنكم وكنا لقتالهم كفؤا قال الواقدي فخرج أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب المتنصرة فوجدوا جبلة بن الأيهم قد ~~نزل بإزاء المسلمين يريد حربهم وقتالهم فلما قربوا من بني غسان نادى جابر ~~ابن عبد الله وقال يا معاشر العرب من لخم وغسان وجذام اننا بنو عمكم ونريد ~~الدنو إليكم قال فأذن لهم جبلة بالدنو اليه فدخلوا عليه فإذا هو في مضرب من ~~الديباج وقد فرش بالحرير الأصفر وهو جالس وحوله ملوكه وملوك جفنة فحيوه ~~بتحية ملوك العرب فرفع جبلة أقدارهم وأدنى مزارهم وقال يا بني العم أنتم من ~~الرحم ومن القرابة واني خرجت إليكم من جهة هذا الجيش الذي يرهقكم فخرج إلي ~~رجل منكم فأفرط علي في المقال فما الذي أتى بكم إلي فكان أول من كلمه جابر ~~بن عبد الله وقال يا ابن العم لا تؤاخذنا فيما تكلم به صاحبنا فان ديننا لا ~~يقوم الا بالحق والنصيحة وان النصيحة لك منا واجبة لأنك ذو قرابة ورحم وقد ~~أتينا إليك ندعوك إلى دين الاسلام وتكون من أهل ملتنا ويكون لك ما لنا ~~وعليك ما علينا فان ديننا شريف ونبينا ظريف فقال وما أحب ذلك ولا غيره انني ~~ضنين بديني وأنتم يا معاشر الأوس والخزرج رضيتم لأنفسكم أمرا ونحن رضينا ~~لأنفسنا أمرا لكم دينكم ولنا ديننا فقال له الأنصاري ان كنت لا تحب ان ~~تفارق دينك الذي أنت عليه فاعتزل عن قتالنا لتنظر من تكون العاقبة والغلبة ~~فان كانت لنا وأردت الدخول في ديننا قبلناك وكنت منا ms219 وأخانا وان أقمت على ~~دينك قنعنا منك بالجزية وأقررناك على بلدك وعلى مواطن كثيرة لآبائك وأجدادك ~~فقال جبلة أخشى أن تركت حربكم وقتالكم وكانت الدائرة للقوم لا آمن أن ~~PageV01P170 # يتقووا على بلدي لان الروم لا ترضى مني الا أن أكون مقاتلا لكم وقد ~~رأسوني على جميع العرب وأنا لو دخلت دينكم كنت دنيئا ولا اتبع فقال ~~الأنصاري فان أبيت ما عرضناه عليك فان ظفرنا بك قتلناك فاعتزل عنا وعن ~~سيوفنا فإنها تفلق الهام وتبري العظام فتكون الوقعة بغيرك أحب الينا من ~~الوقعة بك وبمن معك قال وكانت الأنصار يريدون بهذا الكلام تخويفه وترغيبه ~~كي ينصرف عنهم وجبلة يأبى ذلك فقال وحق المسيح والصليب لا بد أن أقاتل عن ~~الروم ولو كان لجميع الأهل والقرابة فقال له قيس بن سعد يا جبلة أبيت الا ~~أن يحتوي الشيطان على قلبك فيهوى بك في النار فتكون من الهالكين وانما ~~أتينا لندعوك إلى دين الاسلام لان رحمك متصلة برحمنا فان أبيت فستعاين منا ~~حربا شديدا يشيب فيه الطفل الصغير ثم وثب قيس بن سعد وقال لقومه انهضوا على ~~بركة الله تعالى وعونه وحسن طاعته فبعدا له وسحقا فقام جبلة فاستعد للقتال ~~بعدته قال فركب الأنصار خيولهم ورجعوا إلى الأمير أبي عبيدة وخالد بن ~~الوليد رضي الله عنه وأعلموهما بمقالة جبلة وأنه ما يريد الا القتال فقال ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه أبعده الله تعالى فوعيش عاش فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سيد المرسلين لينظرن منا جبلة ما ينظر ثم قال خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه اعلموا معاشر المسلمين أن القوم في ستين ألف فارس من ~~العرب المتنصرة وهم حزب الشيطان ونحن ثلاثون ألف فارس من حزب الرحمن ونريد ~~أن نلقي هذا الجمع الكبير فان قاتلنا جبلة بجمعنا كله كان ذلك وهنا منا ~~ولكن ينتدب منا أبطال ورجال إلى قتال هؤلاء العرب المتنصرة فقال أبو سفيان ~~صخر بن حرب لله درك يا أبا سليمان فلقد أصبت الرأي فاصنع ما تريد وخذ ms220 من ~~الجيش ما أحببت فقال إني قد رأيت من الرأي أن نندب من جيشنا ثلاثين فارسا ~~فيلقى كل واحد ألفي فارس من العرب المتنصرة قال الواقدي فلم يبق أحد من ~~المسلمين الا عجب من مقالة خالد بن الوليد رضي الله عنه وظنوا أنه يمزح ~~بمقالته وكان أول من خاطبه في ذلك أبو سفيان صخر بن حرب وقال يا ابن الوليد ~~هذا كلام منك جد أو هزل فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه لا وعيش عاش فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت الا جدا فقال أبو سفيان فتكون مخالفا ~~لامر الله تعالى ظالما لنفسك وما أظن أن لك في هذه المقالة مساعدا ولو قاتل ~~الرجل منا مائتين كان ذلك أسهل من قولك يقاتل الرجل منا ألفين وأن الله عز ~~وجل رحيم بعباده فرض رجلا منا تلقى الستين ألف فارس فما يجيبك أحد إلى ذلك ~~وان أجابك رجل لما قلته فإنه ظالم لنفسه معين على قتله فقال خالد بن الوليد ~~رضي الله عليه وسلم يا أبا سفيان كنت شجاعا في الجاهلية فلا تكن جبانا في ~~الاسلام وانظر لمن أنتخب من رجال المسلمين وأبطال الموحدين فإنك إذا رأيتهم ~~علمت أنهم رجال قد وهبوا أنفسهم لله عز وجل PageV01P171 # وما يريدون بقتالهم غير الله تعالى ومن علم الله عز وجل ذلك من ضميره كان ~~حقا على الله أن ينصره ولو سلك مفظعات النيران فقال أبو سفيان يا أبا ~~سليمان الامر كما ذكرت وما أردت بقولي الا شفقة على المسلمين فإذا قد صح ~~عزمك على ذلك فاجعل القوم ستين رجلا ليقاتل الرجل منهم ألف فارس من العرب ~~المتنصرة فقال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه نعم ما أشار به أبو سفيان يا ~~أبا سليمان فقال خالد بن الوليد رضي الله عن والله يا أيها الأمير ما أردت ~~بفعلي هذا الا مكيدة لعدونا لأنهم إذا رجعوا إلى أصحابهم منهزمين بقوة الله ~~عز وجل ويقولون لهم من لقيكم فيقولون لقينا ثلاثون رجلا يداخلهم الرعب ms221 منا ~~ويعلم ماهان أن جيشنا كفء له فقال أبو عبيدة رضي الله عنه أن الامر كما ~~ذكرت الا انه إذا كان ستون رجلا منا يكونون عصبة ومعينا بعضهم بعضا فقال ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه أنا أنتدب من المسلمين رجالا أعرف صبرهم ~~وقرارهم واقدامهم في الحرب وأعرض عليهم هذه المقالة فان أحبوا لقاء الله ~~ورغبوا في ثواب الله عز وجل فإنهم يستتجيبون إلى ذلك وأن أحبوا الحياة ~~الدنيا والبقاء فيها ولم يكن فيهم من تطيب نفسه للموت فما بخالد الا أن ~~يبذل مهجته لله عز وجل والله الموفق لما يحبه ويرضاه قال أبو عبد الله ~~حدثنا عمرو بن سالم عن جده برعي بن عدي قال كنت بين يدي خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه فدعا بستين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأول ما ~~دعا خالد بن الوليد قال اين عمر التميمي اين شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أين خالد أبن سعيد بن العاص أين يزيد بن أبي سفيان ~~الأموي أين صفوان بن أمية الجمحي أين سهل ابن عمرو العامري أين ضرار بن ~~الأزور الكندي أين رافع بن عميرة الطائي أين زيد الخيل أبيض الركابين أين ~~حذيفة بن اليمان أين قيس بن سعد أين كعب بن مالك الأنصاري أين سويد بن عمرو ~~الغنوي أين عبادة بن الصامت أين جابر بن عبد الله أين أبو أيوب الأنصاري ~~أين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين أين عبد الله ابن ~~عمرو بن الخطاب العدوي أين رافع بن سهل أين يزيد بن عامر أين عبيد بن أوس ~~أين مالك بن نصر أين نصر بن الحرث أين عبد الله بن ظفر أين أبو لبابة بن ~~المنذر أين عوف أين عابس بن قيس أين عبادة بن عبد الله الأنصاري أين رافع ~~بن عجرة أين عبيد بن عبد الله أين معقب بن قيس أين هلال أين الصابرون يوم ~~أحد وقد ذكرهم الله تعالى ms222 في كتابه * (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين) * أين أسيد الساعدي أين كلال بن الحرث المازني أين حمزة بن عمر ~~الأسلمي أين يزيد بن عامر قال الواقدي وقد سمى خالد بن الوليد رضي الله عنه ~~الرجال الذين دعاهم لقتال جبلة بن الأيهم الا أني اختصرت في ذكرهم وقدمت ~~ذكر الأنصار رضي الله عنه لان خالد بن الوليد رضي الله عنه انتخب أكثر ~~الرجال من الأنصار فلما كثر النداء فيهم قالت الأنصار PageV01P172 # ان خالدا اليوم يقدم ذكر الأنصار ويؤخر المهاجرين من ولد المغيرة بن قصي ~~ويوشك انه يختبرهم أو يقدمهم للمهالك ويشفق على ولد المغيرة قال الواقدي ~~فلما سمع خالد بن الوليد رضي الله عنه ذلك من قولهم أقبل يخطو بجواده حتى ~~توسط جميع الأنصار وقال لهم والله يا أولاد عامر ما دعوتكم الا لما ارتضيته ~~منكم وحسن يقيني بكم وبايمانكم فأنتم ممن رسخ الايمان في قلبه فقالوا انك ~~صادق في قولك يا أبا سليمان ثم صافحه القوم قال الواقدي فلما انتخب خالد بن ~~الوليد من فرسان المسلمين ستين رجلا كل واحد منهم يلقى جيشا بنفسه قال لهم ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه يا أنصار الله ما تقولون في الحملة معي على ~~هذا الجيش الذي قد أتى يريد حربكم وقتالكم فإن كان لكم صبر وأيدكم الله ~~بنصره مع صبركم وهزمتم هؤلاء العرب المتنصرة فاعلموا أنكم لجيش الروم ~~غالبون فإذا هزمتم هؤلاء العرب وقع الرعب في قلوبهم فينقلبون خاسرين فقالوا ~~يا أبا سليمان افعل بنا ما تريد والق ما تشاء فوالله لنقاتلن أعداءنا قتال ~~من ينصر دين الله ونتوكل على الله تعالى وقوته ونبذل في طلب الآخرة مهجنا ~~فجزاهم خالد بن الوليد رضي الله عنه خيرا وكذلك الأمير أبو عبيدة رضي الله ~~عنه وقال لهم تأهبوا رحمكم الله وخذوا أسلحتكم وعدتكم وليكن قتالكم بالسيف ~~ولا يأخذ أحد منكم رمحا فان الرمح خوان ربما زاغ عن الطعن ولا تأخذوا ~~السهام فإنها منايا منها المخطىء ومنها المصيب والسيف والحجف عليهما تدور ~~دوائر ms223 الحرب واركبوا خيولكم السبق النواجي ولا يركب الرجل منكم الا جواده ~~الذي يصبر به وتواعدوا أن الملتقى عند قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم قال ~~فقدموا على أهاليهم وودعوهم فأما ضرار بن الأزور فإنه عمد إلى خيمته ليستعد ~~بما يريد ويسلم على أخته خولة رضي الله عنها بنت الأزور فلما لبس لامة حربه ~~قالت له أخته خولة يا أخي مالي أراك تودعني وداع من أيقن بالفراق أخبرني ~~ماذا عزمت عليه فأخبرها ضرار بما قد عزم عليه وانه يريد ان يلقى العدو مع ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه فبكت خولة وقالت يا أخي افعل ما تريد أن تفعل ~~والق عدوك وأنت موقن بالله تبارك وتعالى فإنه لكم ناصر وان عدوك لا يقرب ~~إليك أجلا بعيدا ولا يبعد عنك أجلا قريبا فان حدث عليك حدث أو لحقك من عدوك ~~نائبة فوالله العظيم شأنه لا هدأت خولة على الأرض أو تأخذ بثأرك فبكى ضرار ~~بن الأزور لبكائها واعد آلة الحرب وكذلك الستون من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يناموا طول ليلتهم حتى ودعوا أولادهم وأهاليهم وباتوا ~~في بكاء وتضرع وهم يسألون الله تعالى النصر على الأعداء إلى أن أصبح الصباح ~~فصلى بهم الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه صلاة الفجر فلما فرغ من صلاته كان ~~أول من أسرع إلى الخرج خالد بن الوليد رضي الله عنه وحرض أصحابه على الخروج ~~وهو ينشد ويقول * هبوا جميع اخوتي أرواحا * نحو العدو نبتغي الكفاحا * ~~PageV01P173 # * نرجو بذاك الفوز والنجاحا * إذا بذلنا دونه أرواحا * ويرزق الله لنا ~~صلاحا * في نصرنا الغدو والرواحا * قال الواقدي وأنشد بيتا آخر لم أدر ما ~~هو وخرج أمام المسلمين وأصحابه يقدمون اليه واحدا بعد واحد حتى اجتمع اليه ~~الستون رجلا الذين انتخبهم وكان آخر من أقبل عليه الزبير بن العوام رضي ~~الله عنه ومعه زوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وهي سائرة إلى ~~جانب أيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهي تدعو ms224 لهم ~~بالسلامة والنصر وتقول لأخيها يا أخي لا تفارق ابن عمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ووقت الحملة اصنع كما يصنع ولا تأخذكم في الله لومة لائم قال ~~وودع المسلمون الستين أصحابهم وساروا بأجمعهم وخالد بن الوليد رضي الله عنه ~~في أوساطهم كأنه أسد قد احتوشته الأسود ولم يزالوا حتى وقفوا بإزاء العرب ~~المتنصرة قال الواقدي ونظرت العرب المتنصرة إلى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد أقبلوا نحوهم وهم نفر يسير فظنوا أنهم رسل يطلبون الصلح ~~والمواعدة فصاح جبلة بالعرب المتنصرة وحرضهم ليرهب المسلمين ونادى يا آل ~~غسان أسرعوا إلى نصرة الصليب وقاتلوا من كفر به فبادروا بالإجابة وأخذوا ~~الأهبة للحرب ورفعوا الصليب واصطفوا للقتال وقد طلعت الشمس على لامة الحرب ~~فلمع شعاعها على الحديد والزرد والبيض كأنها شعل نار ووقفوا يبصرون ما يصنع ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قاربوا صلبان العرب المتنصرة ~~ونادى خالد بن الوليد رضي الله عنه يا عبدة الصلبان ويا أعداء الرحمن هلموا ~~إلى الحرب والطعان فلما سمع جبلة كلام خالد رضي الله عنه علم أنهم ما خرجوا ~~رسلا وانما خرجوا للقتال فخرج جبلة من بين أصحابه وقد اشتمل بلامة حربه وهو ~~يقول * انا لمن عبدوا الصليب ومن به * نسطو على من عابنا بفعالنا * ولقد ~~علونا بالمسيح وأمه * والحرب تعلم أنها ميراثنا * انا خرجنا والصليب أمامنا ~~* حتى تبددكم سيوف رجالنا * ثم قال جبلة من الصائح بنا والمستنهض لنا في ~~قتالنا فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه أنا فأخرج إلى حومة الحرب فقال ~~جبلة نحن قد رتبنا أمورنا لحربكم وقتالكم وأنتم تتربصون عن قتالنا فوحق ~~المسيح لا أجبناكم إلى الصلح أبدا فارجعوا إلى قومكم وأخبروهم اننا ما نريد ~~الا القتال قال فأظهر خالد التعجب من قوله وقال له يا جبلة أتظن أننا خرجنا ~~رسلا إليك فقال جبلة أجل فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه لا تظن ذلك أبدا ~~فوالله ما خرجنا الا لحربكم وقتالكم فان قلتم اننا شرذمة ms225 فان الله ينصرنا ~~عليكم فقال جبلة يا فتى قد غررت بنفسك وبقومك إذ خرجت إلى قتالنا ونحن ~~سادات غسان ولخم وجذام فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه لا تظن ذلك واننا ~~قليلون فقتالكم رجل منا لألف منكم وتخلف منا رجال أشهى إليهم الحرب من ~~العطشان إلى PageV01P174 # الماء البارد فقال جبلة يا أخا بني مخزوم لقد كنت أفضلك في عقلك وأروم بك ~~مرام الابطال حتى سمعت منك هذا الكلام انك أنت والستين رجلا ترومون قتالنا ~~ونحن سادات غسان وأبطال الزمان ها أنا أ حمل بهذه الستين ألف فارس فلا يبقى ~~منكم أحد ثم صاح جبلة بقومه يا آل غسان الحملة فلما سمعوا كلام سيدهم حملت ~~الستون ألف فارس في وجه خالد بن الوليد والستين رجلا فثبت لهم أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واشتبك الحرب بينهم فما كنت تسمع الا زئير الرجال ~~وزمجرة الابطال ووقع السيف على البيض الصقال حتى ما ظن أحد من المسلمين ولا ~~من المشركين أن خالدا ومن معه ينجو منهم أحد فبكى المسلمون وأخذهم القلق ~~على إخوانهم وجعل بعضهم يقول لقد غرر خالد بن الوليد بأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأهلكهم والروم تقول أن جبلة أهلك هؤلاء القوم فهلاك العرب ~~حاصل بأيدينا لا محالة ولم يزل القوم في الحرب والقتال حتى قامت الشمس في ~~كبد السماء قال عبادة بن الصامت فلله در خالد بن الوليد رضي الله عنه ~~والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه والفضل بن ~~العباس وضرار بن الأزور وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضوان الله عليهم ~~أجمعين لقد رأيت هؤلاء الستة قد قرنوا مناكبهم في الحرب وقام بعضهم بجنب ~~بعض وهم لا يفترقون وزادت الحرب اشتعالا وخرقت الأسنة صدور الليوث حتى بلغت ~~إلى خزائن القلوب لانقطاع الآجال ولم يزالوا في القتال الشديد الذي ما عليه ~~من مزيد قال عبادة بن الصامت فحملت معهم وكنت في جملتهم وقلت يصيبني ما ~~يصيبهم ونادى خالد بن الوليد ms226 وقال يا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ههنا المحشر وقد أعطى خالد القلب مناه فلما حمى بينهم القتال حمل خالد بن ~~الوليد وهاشم والمرقال وتكاثرت عليهم الرجال فلله در الزبير ابن العوام ~~والفضل بن العباس وهم ينادون أفرجوا يا معاشر الكلاب وتباعدوا عن الأصحاب ~~نحن الفرسان هذا الزبير بن العوام وأنا الفضل بن العباس أنا أبن عم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه فوحق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لقد أحصيت للفضل بن العباس عشرين حملة يحملها عن خالد ~~بن الوليد حتى أزال عنه الرجال والابطال وحملوا على المشركين حملة عظيمة ~~ولم يزالوا في القتال يومهم إلى أن جنحت الشمس إلى الغروب والمسلمون قد ~~جهدهم القلق على اخوانهم أما الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه فإنه صاح ~~بالمسلمين وقال يا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلك خالد بن الوليد ~~ومن معه لا محالة وذهبت فرسان المسلمن فاحملوا بارك الله فيكم لننظر ما كان ~~من أر اخواننا فكل أجاب إلى قوله واشارته الا أبا سفيان صخر بن حرب رضي ~~الله عنه فإنه قال للأمير أبي عبيدة رضي الله عنه لا تفعل أيها الأمير فإنه ~~لا بد للقوم أن يتخلصوا ونرى ما يكون من أمرهم قال فلم يلتفت أبو عبيدة رضي ~~الله عنه إلى كلامه وهم أن يحمل وقد أخذه القلق فبينما هو كذلك وإذا جيش ~~العرب المتنصرة منهزمون وأصوات الصحابة رضي الله عنهم قد ارتفعت ~~PageV01P175 # بالتهليل والتكبير كل ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن ~~محمدا عبده ورسوله والعرب المتنصرة منهزمة على أعقابهم كأنما صاح بهم صائح ~~من السماء فبدد شملهم وأقبل خالد بن الوليد من وسط المعمعة يلتهب بما لحقه ~~من التعب وكذا أصحابه الذين كانوا معه قال وان خالد بن الوليد افتقد أصحابه ~~الستين رجلا فلم يجد منهم الا عشرين فجعل يلطم على وجهه وهو يقول أهلكت ~~المسلمين يا ابن الوليد فما ms227 عذرك غدا عند الرحمن وعند الأمير عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه فبينما هو متحير في ذلك إذ أقبل عليه الأمير أبو عبيدة رضي ~~الله عنه وفرسان المسلمين وأبطال الموحدين فنظر أبو عبيدة رضي الله عنه إلى ~~خالد بن الوليد وما يصنع بنفسه وقد اشتغل عن متابعة المشركين فقال أبو ~~عبيدة يا أبا سليمان الحمد لله على نصر المسلمين ودمار المشركين فقال خالد ~~بن الوليد اعلم أيها الأمير ان الله قد هزم الجيش ولكن أعقبتك الفرحة ترحة ~~فقال أبو عبيدة رضي الله عنه وكيف ذلك فقال خالد أيها الأمير فقدت أربعين ~~رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم الزبير بن العوام ابن عمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم الفضل بن العباس وجعل خالد بن الوليد ~~رضي الله عنه يسمي فرسان المسلمين واحدا بعد واحد حتى سمى أربعين رجلا ~~فاسترجع أبو عبيدة رضي الله عنه وقال لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ~~وقال لخالد لا بد لعجبك يهلك المسلمون فقال سلامة بن الأحوص السلمي أيها ~~الأمير دونك والمعركة فاطلب فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فان ~~رأيتموهم والا فالقوم أسرى أو قد تبعوا المشركين فأمر أبو عبيدة فأتوا ~~بهوادى النيران وكان الظلام قد اعتكر فافتقدوا المعركة بين القتلى فإذا قتل ~~من العرب المتنصرة خمسة آلاف فارس وسيدان من ساداتهم وهما رفاعة بن مطعم ~~الغساني والآخر شداد بن الأوس ووجدوا من قتل المسلمين عشرة رجال منهم اثنان ~~من الأنصار أحدهما عامر الأوسي والآخر سلمة الخزرجي فقال أبو عبيدة رضي ~~الله عنه يوشك أن بعض الصحابة قد تبع المشركين فقال أبو عبيدة رضي الله عنه ~~اللهم ائتنا بالفرج القريب ولا تفجعنا بابن عمة نبيك الزبير بن العوام ولا ~~بابن عمه الفضل ابن العباس ثم قال أبو عبيدة معاشر المسلمين من يقفو لنا ~~أثر القوم ويتعرف خبر الصحابة واجره على الله عز وجل فكان أول من أجابه ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال له الأمير ms228 أبو عبيدة لا تفعل يا أبا ~~سليمان لأنك تعبت من شدة الحرب فقال خالد والله لا يمضي في طلبهم غيري ثم ~~غير جواده بفرس من خيول المسلمين وهو فرس حازم بن جبير بن عدي من بني ~~النجار فركبه خالد ابن الوليد رضي الله عنه وطلب آثار القوم وتبعه جماعة من ~~المسلمين فما سار خالد بعيدا حتى سمع خالد التهليل والتكبير فأجابهم بمثله ~~فأقبل القوم وفي أوائلهم الزبير بن العوام والفضل ابن العباس وهاشم ~~والمرقال فلما نظر خالد إليهم فرح فرحا شديدا ورحب بهم وسلم عليهم وقال ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه للفضل بن العباس يا ابن عم PageV01P176 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أمركم فقال يا أبا سليمان هزم الله ~~المشركين وردهم على أدبارهم خائبين فتبعنا آثارهم وان رجالا منا أسروا ~~فرجونا خلاصهم فلم نرهم ولا شك أنهم قتلوا فقال خالد رضي الله عنه ان القوم ~~في الأسر لا محالة فقال الزبير بن العوام من أين علمت ذلك يا أبا سليمان ~~فقال خالد رضي الله عنه انا لم نجد في المعركة غير عشرة رجال ونحن عشرون ~~وأنتم خمسة وعشرون وقد أسر خمسة رجال لا محالة وكان الاسرى رافع بن عميرة ~~وربيعة بن عامر وضرار بن الأزور وعاصم بن عمرو ويزيد بن أبي سفيان فعظم ذلك ~~على المسلمين ورجعوا إلى أبي عبيدة رضي الله عنه فلما نظر إلى الفضل بن ~~العباس والى الزبير بن العوام والمرقال بن هاشم وقد رجعوا سالمين فرحين بما ~~نصرهم الله على الكافرين سجد على قربوس سرجه شكرا لله تعالى فقال خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه معاشر المسلمين لقد بذلت مهجتي أن أقتل في سبيل الله ~~تعالى فلم أرزق الشهادة فمن قتل من المسلمين كان أجله قد حضر ومن أسر كان ~~خلاصه على يدي إن شاء الله تعالى قال وباتت الفرسان في فرح وسرور وبات ~~الروم في نوح عظيم حين كسرت حامية عسكرهم قال الواقدي حدثني من أثق به ان ~~الأمير أبا عبيدة ms229 رضي الله عنه لما نظر إلى عساكر الروم معولة على قتاله ~~كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم ~~إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أبي عبيدة عامر بن الجراح عامله سلام ~~عليك فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأعلم يا أمير المؤمنين أن كلب الروم هرقل قد استفز علينا كل من يحمل ~~الصليب وقد سار القوم الينا كالجراد المنتشر وقد نزلنا باليرموك بالقرب من ~~أرض الرماة والخولان والعدو في ثمانمائة ألف مقاتل غير التبع وفي مقدمتهم ~~ستون ألف من العرب المنتصرة من غسان ولخم وجذام فأول من لقينا جبلة بن ~~الأيهم في ستين ألف فارس وأخرجنا اليه ستين رجلا فهزم الله تعالى المشركين ~~على أيديهم وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم وقتل من أصحابنا عشرة ~~رجال وهم راعلة وجعفر بن المسيب ونوفل بن ورقة وقيس بن عامر وسلمة بن سلامة ~~الخزرجي وأسر منهم خمسة رجال وهم رافع بن عميرة وربيعة بن عامر وضرار بن ~~الأزور وعاصم بن عمرو ويزيد بن أبي سفيان ونحن على نية الحرب والقتال فلا ~~تغفل عن المسلمين وأمدنا برجال من الموحدين ونحن نسأل الله تعالى أن ينصرنا ~~وينصر الاسلام وأهله والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته ~~وطوى الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن قرط الأزدي وأمره أن يتوجه إلى مدينة ~~يثرب قال عبد الله بن قرط فركبت من اليرموك يوم الجمعة في الساعة العاشرة ~~بعد العصر وقد مضى من شهر ذي الحجة اثنا عشر يوما والقمر زائد النور فوصلت ~~يوم الجمعة في الساعة الخامسة والمسجد مملوء بالناس فأنخت ناقتي على باب ~~جبريل عليه السلام وأتيت الروضة وسلمت على رسول PageV01P177 # الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وصليت فيها ~~ركعتين ونشرت الكتاب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال فضجت المسلمون عند ~~رؤيته وتطاولت إلى عمر بن الخطاب ms230 رضي الله عنه وقبلت يديه وسلمت عليه فلما ~~فتح عمر الكتاب انتقع لونه وتزعزع كونه وقال إنا لله وإنا إليه راجعون فقال ~~عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس وعبد الرحمن بن عوف وطلحة وغيرهم ~~من الصحابة يا أمير المؤمنين أطلعنا على ما في هذا الكتاب من أمر اخواننا ~~المسلمين فقام عمر رضي الله عنه ورقى المنبر خطيبا وقرأ الكتاب على الناس ~~فلما سمعوا ما فيه ضجوا بالبكاء شوقا إلى اخوانهم وشفقة عليهم وكان أكثر ~~الناس بكاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقال يا أمير المؤمنين ابعث بنا ~~إليهم ولو قدمت أنت إلى الشام لشدت بك ظهور المسلمين فوالله ما املك الا ~~نفسي ومالي وما ابخل بهما على المسلمين قال فلما سمع عمر بن الخطاب كلام ~~عبد الرحمن بن عوف ونظر إلى اشفاق المسلمين وجزعهم على اخوانهم اقبل على ~~عبد الله وقال يا بن قرط من المقدم على عساكر الروم فقلت خمسة بطارقة أحدهم ~~ابن أخت الملك هرقل وهو قورين والديرجان وقناطير وجيرجير وصلبانهم تحت صليب ~~ماهان الأرمني وهو الملك على الجميع وجبلة بن الأيهم الغساني مقدم على ستين ~~ألف فارس من العرب المتنصرة فاسترجع عمر وقال لا حول ولا قوة الا بالله ~~العلي العظيم ثم قرأ عمر * (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم ~~نوره ولو كره الكافرون) * ثم قال ما تشيرون به علي رحمكم الله تعالى فقال ~~له علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبشروا رحمكم الله تعالى فان هذه الوقعة ~~يكون فيها آية من آيات الله تعالى يختبر بها عباده المؤمنين لينظر أفعالهم ~~وصبرهم فمن صبر واحتسب كان عند الله من الصابرين واعلموا أن هذه الوقعة هي ~~التي ذكرها لي رسول الله صلى الله ليه وسلم التي يبقى ذكرها إلى الأبد هذه ~~الدائرة المهلكة فقال العباس علي من هي يا أبن أخي فقال يا عماه علي من كفر ~~بالله واتخذ معه ولدا فثقوا بنصر الله عز وجل ثم قال لعمر يا أمير المؤمنين ms231 ~~اكتب إلى عاملك أبي عبيدة كتابا وأعلمه فيه ان نصر الله خير له من غوثنا ~~ونجدتنا فيوشك انه في أمر عظيم فقام عمر ورقى المنبر وخطب خطبة وجلت منها ~~القلوب وذرفت منها العيون وذكر فضل الجهاد ثم نزل وصلى بالمسلمين فلما فرغ ~~من صلاته كتب إلى أبي عبيدة كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد ~~الله عمر أمير المؤمنين إلى أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح ومن معه من ~~المهاجرين والأنصار سلام عليكم فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي ~~على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد فان نصر الله خير لكم من معونتنا ~~واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير يهزم الجمع القليل وانما يهزم الجمع القليل ~~وانما يهزم بما أنزل الله من النصر وان الله عز وجل يقول * (ولن تغني عنكم ~~فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين) * وربما ينصر الله العصابة ~~القليل عددها على العصابة الكثيرة وما النصر الا من عند الله وقد قال تعالى ~~فمنهم من قضى PageV01P178 # * (نحبه ومنهم من ينتظر) * رالآية يا طوبى للشهداء ويا طوبى لمن يتكل على ~~الله فالق العدو بمن معك من المسلمين ولا تيأس بمن صرح من المسلمين فقد ~~رأيت من صرع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عجزوا عن عدوهم في ~~مواطن كثيرة حتى قتلوا في سبيل الله ولم يهابوا لقاء الموت في جنب الله ~~تعالى بل جاهدوا في سبيل الله حق جهاده * (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) * ~~فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على المسلمين وأمرهم أن يقاتلوا العدو في ~~سبيل الله عز وجل واقرأ عليهم يا أيها الذين آمنوا أصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ثم طوى الكتاب ~~وسلمه إلى عبد الله بن قرط وقال له يا ابن قرط إذا ms232 أشرفت على المسلمين وقد ~~استوت الصفوف فسر بين صفوف الموحدين وقف على أصحاب الرايات منهم وخبرهم انك ~~رسولي إليهم وقل لهم ان عمر بن الخطاب يسلم عليكم ويقول لكم يا أهل الايمان ~~أصدقوهم الحرب عند اللقاء وشدوا عليهم شد الليوث وأضربوا هاماتهم بالسيوف ~~وليكونوا عليكم أهون من الذباب فإنكم المنصورون عليهم أن شاء الله تعالى ثم ~~اقرأ عليهم * (ألا إن حزب الله هم المفلحون) * قال عبد الله بن قرط قلت له ~~يا أمير المؤمنين ادع الله تعالى لي بالسلامة والسرعة في السير فقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه اللهم احمه وسلمه واطو له البعيد انك على كل شيء قدير ~~قال عبد الله بن قرط وخرجت من المسجد من باب الحبشة فقلت في نفسي لقد أخطأت ~~في الرأي إذ لم أسلم على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أدري أراه ~~بعد اليوم أم لا قال عبد الله فقصدت حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعائشة رضي الله عنها جالسة عند قبره وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~والعباس جالسان عند القبر والحسين في حجر علي والحسن في حجر العباس رضي ~~الله عنه وهم يتلون سورة الأنعام وعلي رضي الله عنه يتلو سورة هود فسلمت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي رضي الله عنه يا ابن قرط عولت ~~على المسير إلى الشام فقلت نعم يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~أظن أن أصل إليهم الا والجيش قد التقى والحرب دائرة وإذا أشرفت عليهم لا ~~يرون معي مدادا ولا نجدة خشيت عليهم أن يهنوا ويجزعوا وكنت أحب أن أصل ~~إليهم قبل التقائهم بعدوهم حتى أعظهم وأصبرهم فقال علي رضي الله عنه فما ~~منعك أن تسأل عمر بن الخطاب أن يدعو لك أما علمت يا أبن قرط أن دعاءه لا ~~يرد ولا يحجب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه لو كان نبي ثان ~~بعدي لكان عمر بن الخطاب أليس ms233 هو الذي يوافق حكمه حكم الكتاب حتى قال ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه ~~الا عمر بن الخطاب أما علمت أن الله تعالى انزل فيه آيات بينات أما هو ~~الزاهد التقى أما هو العابد أما هو المشبه بنوح النبي فإن كان هو قد دعا لك ~~فقد قرن دعاؤه PageV01P179 # بالإجابة فقال عبد الله بن قرط ما ذكرت شيئا الا وأنا عارف به من فضل عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ولكني أردت الزيادة من دعائك ودعاء العباس عم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما عند قبر الرسول المعظم المكرم قال فرفع ~~العباس رضي الله عنه عند يديه وعلي رضي الله عنه كذلك وقالا اللهم انا ~~نتوسل بهذا النبي المصطفى والرسول المجتبى الذي توسل به آدم فأجبت دعوته ~~وغفرت خطيئته الا سهلت على عبد الله طريقه وطويت له البعيد وأيدت أصحاب ~~نبيك بالنصر انك سميع الدعاء ثم قال سر يا عبد الله بن قرط فالله تعالى ~~أكرم من أن يرد دعاء عمر وعباس وعلي والحسن والحسين وأزواج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد توسلوا اليه بأكرم الخلق عليه قال عبد الله بن قرط ~~فخرجت من الحجرة وأنا فرح مستبشر واستويت على كور المطية وركبت الفلاة وأنا ~~فرح بدعاء علي والعباس وعمر رضي الله عنهم أجمعين قال عبد الله خرجت من ~~المدينة بعد العصر من يومي ذلك الذي دخلت فيه المدينة وانا أرقب الطريق ~~فلما اختلط الظلام وأسبل الليل سجفه أرخيت زمام المطية فحسبت أنها تطير بي ~~ولم أزل سائرا ثلاثة أيام فلما كانت صلاة العصر من اليوم الثالث أشرفت على ~~اليرموك وسمعت ضجيج أذان المسلمين قال عبد الله فقصدت خيمة الأمير أبي ~~عبيدة رضي الله عنه وأنخت ناقتي وسلمت عليه وكان لي منذ فارقته عشرة أيام ~~فأخبرته بدعاء عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والعباس والحسن والحسين رضي ~~الله عنهم فقال أبو عبيدة صدقت يا أبن قرط وانهم لكرام ms234 على الله عز وجل وان ~~دعاءهم لا يرد ثم قرأ الكتاب على المسلمين فطابت قلوبهم بذلك وقالوا أيها ~~الأمير ما منا الا من يطلب الشهادة فالله تعالى يبلغنا إياها قال الواقدي ~~حدثني عمرو بن العلاء قال حدثنا ماجد عن الثقات قال لما سار عبد الله ابن ~~قرط من المدينة يوم الجمعة فلما كان يوم السبت وقد صلينا الصبح خلف عمر بن ~~الخطاب ونحن نقرأ من القرآن ما تيسر إذ سمعنا ضجة عظيمة وجلبة هائلة ففزعت ~~قلوبنا فخرجنا مبادرين وإذا نحن بقوم من اليمن من صدوان وأرض سبأ وحضرموت ~~واجتمعوا للجهاد وهم ستة آلاف يقدمهم جابر بن خول الربعي فترجلت ساداتهم ~~وسلموا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمرهم بالنزول فلما ~~أقل الظلام جاء ألف فارس من مكة والطائف ووادي نخلة وثقيف يقدمهم سعيد بن ~~عامر وسلموا على عمر ونزلوا بإزاء أهل اليمن فلما كان يوم الأحد حمل عمر ~~ضعيفهم وزودهم وعقد راية حمراء على قناة تامة وسلمها إلى سعيد بن عامر قال ~~سعيد بن عامر فهممت بالمسير فقال عمر على رسلك يا ابن عامر حتى أوصيك ثم ~~أقبل عمر بن الخطاب يمشي راجلا ومعه عثمان بن عفان والعباس وعلي بن أبي ~~طالب وعبد الرحمن بن عوف فلما قربوا من الجيش وقف عمر والناس حوله وقال ~~لسعيد بن عامر يا سعيد اني وليتك على هذا الجيش ولست بخير رجل منهم الا أن ~~تتقي الله فإذا سرت فأرفق بهم ما استطعت ولا تشتم أعراضهم ولا تحتقر ~~PageV01P180 # صغيرهم ولا تؤثر قويهم ولا تتبع سواك ولا تسلك بهم المفاوز واقطع بهم ~~السهل ولا ترقد بهم على جادة الطريق والله تعالى خليفتي عليك وعلى من معك ~~من المسلمين فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه اسمع وصية امامك أمير ~~المؤمنين الذي ختم الله تعالى به الأربعين وسميت به الأمة مؤمنين وهو الذي ~~قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تطيعوه تهتدوا وترشدوا فسر يا ~~سعيد وإذا وصلت إلى ms235 أبي عبيدة والتقى بكم الجيش الذي لا تلقون مثله وصعب ~~عليكم أمره فاكتبوا إلى أمير المؤمنين عمر حتى يوجهني إليكم حتى أقلب أرض ~~الشام على من فيها من المشركين إن شاء الله تعالى قال فسار بن عامر وهو ~~يقول * نسير بجيش من رجال أعزة * على كل عجعاج من الخيل يصبر * إلى شبل ~~جراح وصحب نبينا * لننصره والله للدين ينصر * على كل كفار لعين معاند * ~~تراه على الصلبان بالله يكفر * قال وسار يجد السير قال سعيد بن عامر وكنت ~~عارفا ببلاد الشام وطرقه وكنت أسير اليه في السنة مرة أو مرتين عسفا من غير ~~جادة طريق أسير على الكواكب فلما سرت من المدينة وأنا بين يدي المسلمين ~~سلكت بهم على طريق بصرى فضللت عن الطريق وعدلت عن الجادة وأنا محترز من ~~العدو وخائف على المسلمين فجعلت أحيد عن العمارات وأسلك الفلاة توفيقا من ~~الله واكراما ولطفا بعباده المؤمنين فلما ضللت أشكل علي الطريق كأني ما ~~سلكته يوما قط فوقفت حائرا حتى تلاحق بي المسلمون فلم أعلمهم بأمري ولا أني ~~ضللت عن الطريق وأنا أقول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم فسرت ~~يومين وليلتين وأنا أتيه بالناس والمسلمون يسألونني عن ذلك وأنا أقول لهم ~~أني على طريق فلما كان في اليوم العاشر من مسيرنا من المدينة لاح لي جبل ~~عظيم فنظرت اليه وحققته فلم أعرفه فقلت غررت والله بالمسلمين وأنا أقول في ~~نفسي أترى هذا جبل بعلبك وقد سهل علينا الطريق وكان الجبل قد لاح لنا من ~~بعيد من أول النهار وما أدركناه الا والليل قد أقبل فلما صرنا بقربه ~~اعترضنا واد عظيم فيه شجرة عظيمة كبيرة قال فلما تأملت الشجرة عرفتها وقلت ~~لأصحابي أبشروا فقد وصلنا إلى بلاد الشام وفتح المسلمين ودخلنا الوادي وإذا ~~به وعر ليس فيه جادة ولا طريق فلحق المسلمين من هوله تعب عظيم قال سعيد بن ~~عامر وكان أكثر المسلمين رجالة وانما كان يحمل بعضهم بعضا ويتعقبون على ~~ظهور الخيل والإبل فلما نظرت المسلمون إلى ms236 وحشة ذلك الوادي ووعورة مسلكه ~~قالوا يا سعيد إنا نظنك أنك قد أخطأت الطريق وسلكت بنا غير طريقنا فأرحنا ~~في هذا الوادي قليلا فقد أضر بنا المسير قال فأجبتهم إلى ذلك وكان في ~~الوادي عين ماء غزيرة فنزل المسلمون عليها فشربوا وسقوا خيلهم وابلهم ورعت ~~الخيل والجمال ورق الشجر ونام أكثر الناس وبعضهم يصلي على محمد قال سعيد بن ~~عامر وكنت جلست في PageV01P181 # آخر الناس احرسهم وانا أتلوا القرآن العظيم وأدعو الله لنا بالسلامة إذ ~~غلبتني عيني فنمت فرأيت في منامي كأني في جنة خضراء كثيرة الأشجار والثمار ~~وكأني آكل من ثمرها وأشرب من أنهارها وأجني من ثمرها وأناول أصحابي وهم ~~يأكلون وأنا فرح مسرور فبينما أنا كذلك إذ خرج من بين تلك الشجر أسد عظيم ~~فزأر في وجهي وهم أن يفترسني وأنا من ذلك فزع مرعوب إذ خرج على الأسد أسدان ~~عظيمان فصرعاه في موضعه فسمعت له خوارا عظيما فانتبهت من نومي وحلاوة ذلك ~~الثمر في فمي الأسود تتمثل بين يدي قال سعيد بن عامر ففسرتها أنها غنيمة ~~يأخذها المسلمون ويمنعنا منها مانع ونظفر به فقلت في نفسي الجنة هي الشهادة ~~قال سعيد بن عامر ولم أزل جالسا أتلو القرآن وأنا قلق إذ سمعت هاتفا يهتف ~~بي عن يمين الوادي وهو يقول * يا عصبة الهادي إلى الرشاد * لا تفزعوا من ~~وعر هذا الوادي * ما فيه من جن ولا معادي * ستعلمون معشر العباد * لطف الذي ~~يرفق بالأولاد * ويطرح الرحمة في الأكباد * سيصنع الله بكم رشاد * وتغنموا ~~المال مع الأولاد * قال سعيد بن عامر فلما سمعت شعر الهاتف وما يشير به من ~~الغنيمة سجدت لله تعالى شكرا واستيقظ المسلمون لصوت الهاتف قال سعيد بن ~~عامر وكنت قد حفظت من الهاتف بيتا وحفظ سماح ثلاثة أبيات وأنشدني إياها ~~وفرح المسلمون بما سمعوا من الهاتف وطابت قلوبهم بالغنيمة وأقام المسلمون ~~في الوادي حتى أصبح الصباح وصلى بهم سعيد بن عامر صلاة الفجر فلما طلعت ~~الشمس خرج المسلمون من الوادي وحققت تلك الأرض والجبل ms237 وإذا به جبل الرقيم ~~فلما رأيته عرفته فرفعت صوتي بالتكبير وقلت الله أكبر وكبرت المسلمون ~~لتكبيري وقالوا ما الذي رأيت يا ابن عامر فقلت وصلنا إلى بلاد الشام وهذا ~~جبل الرقيم قال سعيد وأكثر من معي طماعو العرب قالوا يا سعيد وما الرقيم ~~أما تعرفه فحدثتهم بحديث الرقيم قال سعيد فعجبوا من ذلك ثم أقبلت بهم إلى ~~الغار فصلوا فيه ثم سرنا حتى أشرفنا على بلاد عمان قال سعيد بن عامر فعدلت ~~إلى قرية هناك يقال لها الجنان فنظرت إلى دهاقين القرية وهم خارجون منها ~~ومعهم الأهل والأولاد فلما رآهم المسلمون حملوا عليهم من غير اذن لهم ~~وأخذوا بعضهم أسارى فرجع القوم إلى القرية وكان فيها حصن منيع فتحصنوا فيها ~~منا قال سعيد بن عامر فقربت من الحصن وصحت بهم وقلت يا ويلكم ما بالكم كنتم ~~خارجين من قريتكم فرجعتم فأشرف علي واحد منهم وقال لي يا معاشر العرب ~~أعلموا أننا كنا خارجين من المدينة ففزعنا منكم وذلك أن صاحب عمان بعث ~~الينا وأمرنا بالمسير إلى عمان لنكون من تحت كنفه في عمان والآن يا معاشر ~~العرب هل لكم أن نكون في ذمامكم وأمانكم PageV01P182 # قال سعيد نعم فوقع الصلح بيننا على عشرة آلاف دينار وكتبت لهم كتاب الصلح ~~فلما هممت بالمسير قالوا يا معاشر العرب قد صالحناكم ونحن خائفون من قومنا ~~وأعلموا ان نقيطاس صاحب عمان لا بد أن نلقى منه شدة عظيمة فلو ظفرتم به ~~لكان خيرا لنا ولكم فقلت فكيف نظفر به فقالوا ان الملك ماهان مقدم العساكر ~~قد بعث بذلك اليه وان أنتم ظفرتم بصاحب عمان ملكتم غنيمة جسيمة فقال سعيد ~~بن عامر رضي الله عنه وفي كم يكون جيش عمان فقالوا في خمسة آلاف فارس ولكن ~~قد وقع خوفكم في قلوبهم فلن يفلحوا إذا أبدا فقال سعيد بن عامر يا معاشر ~~المسلمين ما تقولون في لقاء هذا البطريق صاحب عمان وأخذ غنيمته فقالوا افعل ~~ما تريد فان قتله الله على أيدينا كان ذلك صلاحا للمسلمين ووهنا ms238 على ~~المشركين فقال سعيد بن عامر لأهل القرية على أي طريق يأتي القوم فقالوا على ~~هذا الطريق قال فدلونا على طريق عمورية فسرنا إلى واد عظيم وكمنا فيه يوما ~~وليلة فلم يأتنا أحد فلما أصبح الصباح قال سعيد يا معاشر المسلمين ان الذي ~~وجهنا اليه عمر بن الخطاب من نجدة أبي عبيدة والمسلمين أفضل من مقامنا هنا ~~فأخرجوا رحمكم الله فانا إذا أشرفنا على المسلمين في سبعة آلاف فارس كان ~~ذلك وهنا على المشركين وذلة للكافرين فقال المسلمون يا ابن عامر ان قلوبنا ~~توقن بالغنيمة فلا تحرمنا ذلك قال فبينما هم في المحاورة إذا أشرف عليهم ~~جماعة من القسوس والرهبان وعليهم ثياب الشعر وفي أيديهم الصلبان وقد حلقوا ~~أوساط رؤوسهم فابتدر المسلمون إليهم وأخذوهم وأوقفوهم بين يدي سعيد بن عامر ~~فقال لهم من أنتم وكان فيهم قس كبير فكلم سعيدا وقال نحن رهبان هذه الأديرة ~~والصوامع ونريد أن نصل إلى قسطنطين ولد الملك هرقل حتى ندعو للعساكر بالنصر ~~قال سعيد فادعوا وما دعاء الكافرين الا في ضلال فما وراءكم من الاخبار ~~قالوا وراءنا صاحب عمان في خمسة آلاف فارس من فرسان النصرانية وعباد الصليب ~~فقال سعيد اللهم اجعلهم غنيمة لنا ثم قال سعيد للقسيس الذي خاطبه أسمع أيها ~~الشيخ ان نبينا أمرنا أن لا نتعرض لراهب حبس نفسه في صومعة ولولا أنكم ~~تنذرون العدو لخلينا سبيلكم ثم أمر المسلمين أن يؤثقوهم كتافا فأوثقوهم ~~بزنانيرهم التي في أوساطهم فبينما نحن كذلك إذ أشرف علينا جيش عمان ~~والرجالة أمامهم يعزلون لهم الحجر من الدروب فلما أشرفوا علم المسلمين حمل ~~عليهم المسلمون من غير أهبة ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتكيبير ووضعوا فيهم ~~السيف فقتلوا الرجالة عن آخرهم فأخبر صاحب عمان بذلك فلما نظر إلى صنع ~~المسلمين أمر أصحابه بالحملة فحملوا عليهم حملة عظيمة واقتتلوا قتالا شديدا ~~قال سعيد بن عامر ونظرت إلى المسلمين وهم يقتلون الروم قتلا ذريعا ويضجون ~~بالتهليل والتكبير فلما نظر البطريق صاحب عمان ما صنع المسلمون بأصحابه ولى ~~منهزما طالب عمان ms239 وتبعه قومه وتبعهم المسلمون وبعضهم مال إلى الغنيمة ~~PageV01P183 # والبطريق نقيطاس صاحب عمان في الهرب وكان قد سبق فوقف حتى تلاحق به ~~المنهزمون من قومه قال فبينما هم كذلك إذ أشرف عليهم خيل من ورائهم تسرع ~~بركابها وقد أطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة وهم زهاء من ألف فارس يقدمهم ~~فارسان كأنهما أسدان أحدهما الزبير بن العوام والآخر الفضل بن العباس ~~فحملوا على الروم فقتلوهم قتلا ذريعا وحمل الزبير بن العوام على نقيطاس ~~بطريق عمان وهو واقف تحت الصليب فطعنه الزبير فقلبه عن جواده وعجل الله ~~بروحه إلى النار وأقبل الفضل بن العباس يجندل الفرسان وينكس الابطال قال ~~وأشرف سعيد بن عامر على الموضع فرأى الحرب قائمة فظن أنه وقع بينهم الخلف ~~فلما قربوا منهم سمعوا التهليل والتكبير فقالوا هذه دعوة الحق لمن قالها ~~فاقتحم سعيد ابن عامر المعركة فسمع الفضل بن العباس وهو ينتمي باسمه ويقول ~~أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سعيد بن عامر فوالله ما أنفلت ~~من القوم أحد فقلت له لله درك يا ابن العباس ومن معك من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال معي الزبير بن العوام ابن عمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال سعيد بن عامر فوالله ما انفلت من القوم أحد الا بين أسير ~~وقتيل وغنم المسلمون غنيمة عظيمة وسلم بعضهم على بعض وأقبل الزبير على سعيد ~~بن عامر وقال يا ابن عامر ما الذي حبسك عن المسير جهتنا وقد جاءنا سالم بن ~~نوفل العدوي وأخبرنا بمسيرك الينا وقد ساءت بك ظنوننا فأرسلنا أبو عبيدة ~~لنغير على عمان والحمد لله على سلامة المسلمين ودمار المشركين ثم أمر ~~الزبير برؤوس القتلى فسلخت وحملتها العرب على أسنة الرماح فكانت الرؤوس ~~أربعة آلاف رأس والاسرى ألف أسير قال وأطلق سعيد بن عامر الرهبان وسار ~~المسلمون حتى أشرفوا على أبي عبيدة رضي الله عنه ورفعوا أصواتهم بالتهليل ~~والتكبير وأجابهم حيش المسلمين بمثل ذلك فانزعجت قلوب الروم لذلك ونظروا ~~إلى ثمانية آلاف فارس ms240 والرؤوس معهم على الأسنة فبهتوا لذلك وحدث سعيد بن ~~عامر أبا عبيدة بالنصر وغنيمتهم من الروم فسجد شكرا لله عز وجل وأمر بالألف ~~أسير فضربت أعناقهم والروم ينظرون إليهم قال قطبة بن سويد وأخبرت الروم أنه ~~لم ينج أحد من جيش عمان قال الواقدي لما أسر الخمسة من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اغتم لفقدهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~أكثرهم غما أبو عبيدة بن الجراح وأقبل على البكاء والتضرع يدعو لمن أسر ~~بالخلاص وأما الخمسة فإنهم مثلو بين يدي ماهان لعنه الله تعالى وغضب عليه ~~فلما نظر إليهم استحقر شأنهم وقال لجبلة بن الأيهم من هؤلاء قال أيها الملك ~~هؤلاء قوم من جيش المسلمين وقد كانوا ستين رجلا فقتلت أكثرهم وأسرت هؤلاء ~~وما بقي في عسكرهم من تخاف غائلته الأرجل واحد وهو الذي يثبتهم ويرمي بهم ~~كل المرامي وهو الذي فتح أركة وتدمر وحوران وبصرى ودمشق وهو الذي كسر عساكر ~~أجنادين وتبع توما وهربيس وقتلهم في مرج الديباج وأسر ابنة PageV01P184 # الملك هرقل وهو خالد بن الوليد قال فلما سمع ماهان ذلك قال لابد لي أن ~~أحتال على هذا الرجل حتى أحصله عندي وأقتله مع هؤلاء الخمسة الاسرى ثم دعا ~~ماهان برجل من الروم اسمه جرجة وكان حكيما فاضلا عند الروم فصيحا بلسان ~~العرب فقال يا جرجة أريد أن تمضي إلى هؤلاء العرب وتقول لهم يبعثوا لنا ~~رسولا وليكن هذا الرسول الرجل المسمى بخالد قال فركب جرجة وسار نحو عساكر ~~المسلمين فالتقى بخالد بن الوليد فقال له ما الذي تريد فقال ان الملك ماهان ~~قد بعثني إليكم حتى تبعثوا رجلا منكم فلعل الله أن يحقن دماءنا ودماءكم ~~فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه أنا أكون الرسول اليه وأوقف رسول الروم ~~بين يديه ويدي أبي عبيدة رضي الله عنه وأخبره أنه يريد المسير إلى ماهان ~~فقال أبو عبيدة امض يا أبا سليمان سلمك الله تعالى فلعل الله تعالى أن ~~يهديهم أو يدعونا للصلح وأداء الجزية ms241 فتحقن الدماء على يدك فحقن دم رجل ~~واحد أحب إلى الله تعالى من أهل الشرك جميعا فقال خالد بن الوليد رضي الله ~~عنه أنا أطلب من الله تعالى العون ثم وثب خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى ~~خيمته ولبس خفين حجازيين وتعمم بعمامة سوداء وشد وسطه بمنطقة من الأديم ~~وتقلد سيفه الذي استلبه من مسيلمة الكذاب يوم اليمامة وأمر عبده عمان أن ~~يأخذ قبته الحمراء وكانت من الأديم الطائفي وفيها شمعات من الذهب الأحمر ~~وحليتها من الفضة البيضاء وكان خالد قد اشتراها من امرأة ميسرة بن مسروق ~~العبسي بثلاثمائة دينار فحملها على بغل وركب خالد جواده فلما هم بالمسير ~~قال له أبو عبيدة يا أبا سليمان خذ معك رجالا من المسلمين يكونون لك عونا ~~فقال خالد أيها الأمير أحب ذلك ولكن لا اكراه في الدين وليس لي عليهم طاعة ~~فأمر من شئت فلما سمع المسلمون كلام خالد بن الوليد رضي الله عنه قال معاذ ~~بن جبل يا أبا سليمان انك من أهل الفضل ولو أمرتنا بأمر امتثلناه لأنك سائر ~~في طاعة الله تعالى ورسوله قال الواقدي فاستركب معه مائة فارس من المهاجرين ~~والأنصار منهم المرقال بن عتبة بن أبي وقاص وشرحبيل بن حسنة وسعيد بن زيد ~~بن عمرو بن نفيل العدوي وميسرة بن مسروق العبسي وقيس بن هبيرة المرادي وسهل ~~بن عمرو العامري وجرير بن عبد الله البجلي والقعقاع بن عمرو التميمي وجابر ~~بن عبد الله الأنصاري وعبادة بن الصامت الخزرجي والأسود بن سويد المازني ~~وذو الكلاع الحميري والمقداد بن الأسود الكندي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي ~~رضي الله عنهم أجمعين ولم يزل خالد ينتخب مثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم ~~حتى كمل منهم مائة فارس كل فارس منهم يرد جيشا وحده فاخذوا زينتهم واشتملوا ~~بلباس الحرب وتوشحوا بالابراد وتعمموا بالعمائم وتمنطقوا بالخناجر وتقلدوا ~~بالسيوف وركبوا الخيل العتاق وسار خالد بن الوليد رضي الله عنه وعن يمينه ~~معاذ بن جبل وعن شماله المقداد بن الأسود الكندي والمائة فارس محدقون ms242 ~~PageV01P185 # به قال معاذ بن جبل رضي الله عنه وسرنا ونحن نعلن بالتهليل والتكبير قال ~~نصر بن سالم المازني فنظرت إلى أبي عبيدة رضي الله عنه حين سار خالد بمن ~~معه يقرأ آية من القرآن ودموعه جارية على خده فقلت أيها الأمير ما يبكيك ~~فقال يا بن سالم هؤلاء والله أنصار الدين فان أصيب رجل منهم في امارة أبي ~~عبيدة فما يكون عذري عند رب العالمين وعند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال الواقدي فلما اشرف خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه على ~~عساكر الروم نظر المسلمون إلى عساكر الروم وهم خمسة فراسخ في العرض وعن ~~نوفل بن دحية أن خالد بن الوليد لما ترجل عن جواده وترجل المائة جعلوا ~~يتبخترون في مسيرهم ويجرون حمائل سيوفهم ويخترقون صفوف الحجاب والبطارقة ~~ولا يهابون أحدا إلى أن وصلوا إلى النمارق والفراش والديباج ولاح لهم ماهان ~~وهو جالس على سريره فلما نظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما ~~ظهر من زينته وملكه عظموا الله تعالى وكبروه وطرحت لهم الكراسي فلم يجلسوا ~~عليها بل رفع كل واحد منهم ما تحته وجلسوا على الأرض فلما نظر ماهان إلى ~~فعلهم تبسم وقال يا معاشر العرب لم تأبون كرامتنا ولم أزلتم ما تحتكم من ~~الكراسي وجلستم على الأرض ولم تستعملوا الأدب معنا ودستم على فراشنا قال ~~فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه ان الأدب مع الله تعالى أفضل من الأدب ~~معكم وبساط الله أطهر من فرشكم لان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال جعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا ثم قرأ قوله تعالى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ~~نخرجكم تارة أخرى قال حدثني عاصم بن رواح الزبيدي قال حدثنا بن عبد الله ~~الشيباني قال حدثنا طرفة بن شيبة الخولاني عن عمه جرير وكان محالفا لخالد ~~بن الوليد رضي الله عنه قال لم يكن بين خالد وماهان ترجمان يبلغ عنهما بل ~~كانا يتحدثان كلاهما فقال خالد يا ماهان اني اكره ms243 أن أبداك بالكلام فتكلم ~~أنت بما تريد فاني لست أبالي بما تتكلم ولكل كلام جواب فان شئت فتكلم وان ~~شئت بدأتك قال ماهان أنا أبدؤكم الحمد لله الذي جعل سيدنا الروح المسيح ~~كلمته وملكنا أفضل الملوك وأمتنا خير الأمم قال فعظم ذلك على خالد بن ~~الوليد وقطع خالد كلامه فقال الترجمان لا تقطع كلام الملك يا أخا العرب ~~واستعمل حسن الأدب فأبى خالد أن يسكت بل قال خالد الحمد لله الذي جعلنا ~~نؤمن بنبينا ونبيكم وجميع الانبياءوجعل أميرنا الذي وليناه أمورنا كبعضنا ~~لو زعم أنه يملك علينا لعزلناه فلسنا نرى أن له فضلا علينا الا أن يكون ~~أتقى لله عز وجل منا وقد جعل الله أمتنا تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ~~وتقر بالذنب وتستغفر منه وتعبد الله تعالى وحده لا شريك له قال فاصفر وجه ~~ماهان وسكت قليلا ثم قال الحمد لله الذي أبلانا وأحسن البلاء الينا وعافانا ~~من الفقر ونصرنا على الأمم وأعزنا ومنعنا من الضيم ولسنا فيما خولنا الله ~~فيه من نعيم الدنيا بطرين ولا باغين على الناس وقد كان يا معاشر العرب ~~طائفة منكم يغشوننا ويلتمسون نائلنا PageV01P186 # ورفدنا وجوائزنا ونحن نحسن إليهم ونكرمهم ونكرم ضعيفهم ونعظم قدرهم ~~ونتفضل عليهم ونفي لهم بالوعد وكنا نظن أن العرب كلها تعرف لنا ذلك من جميع ~~القبائل وتشكرنا عليه لما أسدينا من عطايانا الجميلة لهم فما شعرنا حتى ~~جئتمونا بالخيل والرجل وظننا انكم تطلبون منا طلب اخوانكم فإذا أنتم على ~~خلاف رأي أولئك جئتم تقتلون الرجال وتسبون النساء وتغنمون الأموال وتهدمون ~~الاطلال وتطلبون ان تخرجونا من أرضنا وتغلبونا على بلادنا وقد طلب منا ذلك ~~من كان قبلكم ممن هو أكثر منكم عددا وأكثر أموالا وسلاحا وظهرا فرددناهم ~~خائفين وجلين خائبين بين قتيل وجريح وطريد وطريح فأول ما فعلنا ذلك بملك ~~فارس فرده الله على عقبيه بالخيبة والذل وكذلك فعلنا بملك الترك وملك ~~الجرامقة وغيرهم وأنتم لم يكن في أمة من الأمم أصغر منكم مكانا ولا أحقر ~~شانا لأنكم أهل الشعر والوبر ms244 والبؤس والشقاء وانكم مع ذلك تظلمون في بلادكم ~~وبلادنا وحوالينا أمة كثيرة العدد وشوكتنا شديدة وعصبتنا عظيمة وانما قبلتم ~~علينا لأنكم خرجتم من جدوبة الأرض وقحط المطر فانجليتم إلى بلادنا وأفسدتم ~~كل الفساد وركبتم مراكب ليست كمراكبكم ولبستم ثيابا ليست كثيابكم وتمتعتم ~~ببنات الروم البيض الاوانس فجعلتموهن خدما لكم واكلتم طعاما ليس كطعامكم ~~وملئت أيديكم من الذهب والفضة والمتاع الفاخر ولقد لقيناكم الآن ومعكم ~~أموالنا وما غنمتموه من قومنا وأهل ديننا وقد تركناه لكم لا نطالبكم به ولا ~~ننازعكم فيه ولا نعتب عليكم فيما تقدم من فعالكم والآن فأخرجوا من بلادنا ~~فان أبيتم الانصراف عنا عزمنا عليكم عزمة فنترككم كأمس الدابر وان جنحتم ~~للصلح نأمر لكل واحد من عسكركم بمائة دينار وثوب ولاميركم أبي عبيدة بألف ~~دينار ولخليفتكم عمر بن الخطاب بعشرة آلاف دينار وعلى أنكم تحلفون لنا أن ~~لا تعودوا إلى حربنا قال الواقدي وماهان يرغب تارة ويرهب أخرى وخالد مطرق ~~لا يتكلم حتى فرغ ماهان من كلامه فقال خالد ان الملك قد تكلم فأحسن وسمعنا ~~كلامه ونتكلم ويسمع كلامنا ثم قال خالد بن الوليد رضي الله عنه الحمد لله ~~الذي لا إله إلا هو فلما سمع ماهان ذلك مد يده إلى السماء وقال نعم ما قلت ~~يا عربي فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ان محمدا عبده ورسوله المرتضى ~~ونبيه المجتبى صلى الله عليه وسلم فقال ماهان ما أدري أمحمد رسول الله أم ~~لا ولعله كما تقول وتزعم وتذكر فقال خالد رضي الله عنه حسب الرجل دينه ثم ~~قال أفضل الساعات وخيرها الساعات التي يطلع فيها الله رب العالمين فالتفت ~~ماهان إلى قومه وقال بلسانه انه رجل عاقل يتكلم بالحكمة فقال خالد ما الذي ~~قلت لقومك فأخبره بمقالته فقال خالد أن كنت أوتيت العقل فالله تعالى ~~المحمود على ذلك وقد سمعنا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم يقول لما خلق ~~الله تعالى العقل وصوره وقدره قال أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فادبر فقال ~~الله تعالى ms245 وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي منك بك تنال طاعتي وتدخل ~~جنتي فقال ماهان PageV01P187 # إذا كنت بهذا العقل والفهم فلم جئت بهؤلاء معك قال خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه جئت بهم لاشاورهم قال ماهان وأنت مع جودة عقلك وحسن رأيك وبصيرتك ~~تحتاج إلى مشورة غيرك قال خالد نعم بهذا امر الله عز وجل نبينا محمدا صلى ~~الله عنه فقال الله تعالى في كتابه العزيز * (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت ~~فتوكل على الله) * وقال صلى الله عليه وسلم ما ضاع امرؤ عرف قدره ولا ضاع ~~مسلم استشار فأنا وان كنت ذا رأي وعقل كما تزعم وكما بلغك فاني لا استغني ~~عن رأي ذي رأي ومشورة أصحابي قال ماهان وهل في عسكركم من له رأي مثل رأيك ~~وحزم مثل حزمك قال نعم ان في عسكرنا أكثر من الف فارس لا يستغني عن رأيهم ~~ولا عن مشورتهم فقال له ماهان ما كنا نظن ذلك فيكم وانما كان يبلغنا عنكم ~~انكم طماعون جهال لا عقول لكم بغير بعضكم على بعض وينهب بعضكم أموال بعض ~~فقال له خالد رضي الله عنه ذلك كان شأن أكثرنا حتى بعث الله عز وجل فينا ~~نبينا محمدا صلى لاله عليه وسلم فهدانا لرشدنا وعرفنا سبيلنا وفهمنا الخير ~~من الشر والهدى من الضلال فقال ماهان يا خالد انك قد أعجبتني بما أراه من ~~رأيك وبصيرتك وقد أحببت أن اؤاخيك فتكون أخي وخليلي فقال خالد بن الوليد ~~رضي الله عنه وافرحاه ان تمم الله مقالتك فتكون إذا سعيدا ولا نفترق فقال ~~ماهان وكيف ذلك قال خالد تقول أشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا عبده ~~ورسوله الذي بشر به عيسى ابن مريم فإذا فعلت ذلك كنت أخي وكنت أخاك وتكون ~~خليلي وأكون خليلك ولا نفترق الا لامر يحدث فقال ماهان أما ما دعوتني اليه ~~من الترك لديني والدخول في دينكم فمالي إلى ذلك من سبيل فقال خالد بن ~~الوليد وكذلك أيضا لا سبيل إلى مؤاخاتي لك وأنت مقيم ms246 على دينك دين الضلال ~~قال ماهان أريد أن ألقى الحشمة بيني وبينك وأكلمك كلام الأخ لأخيه فأجبني ~~عن كلامي الذي دعوتك اليه حتى أسمع ما تقول قال خالد أما بعد فإنك تعلم أن ~~الذي ذكرته مما فيه قومك من الغنى والعز ومنع الحريم والظهور على الأعداء ~~والتمكن في البلاد فنحن عارفون به وكل ما ذكرته من انعامكم على جيرانكم من ~~العرب فقد عرفنا ولكن انما فعلتم ذلك ابقاء لنعمتكم ونظرا منكم لأنفسكم ~~وذراريكم وزيادة لكم في مالكم وعزا لكم فتستكثرون جموعكم وتلقون الشوكة على ~~من أرادكم وأما ما ذكرته من فقرنا ورعينا الإبل والشاة فما منا من لم يرع ~~وأكثرنا رعاة ومن رعى منا كان له الفضل على من لم يرع وأما قولك بأننا أهل ~~فقر وفاقة وبؤس وشقاء فنحن لا ننكر ذلك وانما ذلك من أجل انا معاشر العرب ~~أنزلنا الله تعالى منزلا ليس فيه أنهار ولا أشجار ولا زرع الا قليل وكنا ~~أهل جاهلية جهلاء لا يملك الرجل منا إلا فرسه وسيفه وأباعره وشياهه ويأكل ~~قوينا ضعيفنا ولا يأمن بعضنا بعضا الا في الأربع الأشهر الحرم نعبد دون ~~الله الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ونحن عليها مكبون ~~ولها حاملون فبينما نحن PageV01P188 # كذلك على شفا حفرة من النار من مات منا مات مشركا وصار إلى النار ومن بقي ~~منا كان كافرا بربه قاطعا لرحمه حتى بعث الله لنا نبيا نعرف حسبه ونسبه ~~هاديا مهديا رسولا نبيا واماما تقيا اظهر الاسلام بدعوته ودحض المشركين ~~بكلمته جاءنا بقرآن مبين وصراط مستقيم ختم الله تعالى به النبيين وأمرنا ~~بعباده رب العالمين نعبده ولا نشرك به شيئا ولا نتخذ من دونه وليا ولا نجعل ~~لربنا صاحبة ولا ولدا لا شريك له ولا ضد ولا ند له ولا نسجد للشمس ولا ~~للقمر ولا للنور ولا للنار ولا للصليب ولا للقربان ولا نسجد الا لله وحده ~~لا شريك له ونقر بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه انزل ms247 ~~الله عليه كلامه الذي هدانا به مولانا فاستجبنا له وأطعنا أمره فكان مما ~~أمرنا به ان نجاهد من لا يدين بديننا ولا يقول بقولنا ممن كفر بالله واتخذ ~~معه شريكا جل ربنا وتعالى عن ذلك لا تأخذه سنة ولا نوم فمن اتبعنا كان ~~أخانا وصار له ما لنا وعليه ما علينا ومن أبى الاسلام كانت عليه الجزية ~~يؤديها الينا عن يد وهو صاغر فإذا أداها حقن بها ماله ودمه وولده ومن أبى ~~الاسلام وأن يؤدي الجزية فالسيف حكم بيننا وبينه حتى يقضي الله جل جلاله ~~بحكمه وهو خير الحاكمين ونحن ندعوكم إلى هذه الخصال الثلاث ليس غيرها اما ~~أن تقولوا نشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله ~~أو الجزية في كل عام على كل محتلم من الرجال وليس على من لم يبلغ الحلم ~~جزية ولا على امرأة ولا على راهب منقطع في صومعته قال ماهان فهل بعد قول لا ~~اله الا اله غير هذا فقال خالد نعم أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتحجوا ~~البيت الحرام وتجاهدوا من كفر بالله تعالى وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن ~~المنكر وتوالوا في الله تعالى وتعادوا في الله فان أبيتم ذلك فالحرب بيننا ~~وبينكم حتى يورث الله أرضه من يشاء والعاقبة للمتقين قال ماهان فافعل ما ~~تشاء فإننا لا نرجع عن ديننا ولا نؤدي الجزية وأما ما ذكرت من أن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده فلقد صدقت فإنها لم تكن لنا ولا لكم بل كانت لقوم ~~غيرنا وغيركم فقاتلناهم عليها حتى ملكناها منهم والحرب بيننا وبينكم ~~فابرزوا على اسم الله تعالى فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه ما أنتم ~~بأشهى منا إلى الحرب وكأني بحيوشكم وقد انهزمت والنصر يقدمنا وتساق أنت ~~والحبل في عنقك ذليلا حقيرا وتقدم بين يدي عمر بن الخطاب فيضرب عنقك قال ~~فلما سمع ماهان كلام خالد بن الوليد غضب غضبا شديدا قال فلما نظرت البطارقة ~~والحجاب والهرقلية والقياصرة إلى غضب ماهان هموا ms248 بقتل خالد الا انهم صبروا ~~ينظرون امره فقال ماهان لخالد وقد اسشاظ غضبا وحق المسيح لاحضرن أصحابك ~~الخمسة الأسارى وأضربن أعناقهم وأنت تنظر إليهم فقال له خالد اسمع ما أقول ~~لك يا ماهان أنت أقل وأذل وأحقر من ذلك واعلم أن هؤلاء الذين في يدك هم منا ~~ونحن منهم فوحق الدعوة المستجابة وحق بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~وخلافة عمر بن الخطاب لئن قتلتهم لأقتلنك بسيفي هذا ويقتل كل رجل منا من ~~قومك بعددهم وزيادة ثم وثب خالد رضي الله عنه من موضعه وانتضى سيفه ~~PageV01P189 # من غمده وفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفعله وهو يقول لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله وجردوا سيوفهم وهاجوا كالجمال أو كالسباع الضواري ~~واستقتلوا وأيقنوا بالشهادة في ذلك المكان قال الشيخ أبو عبد الله محمد ~~الواقدي مؤلف هذا الكتاب والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ما ~~اعتمدت في أخبار هذه الفتوح الا الصدق وما نقلت أحاديثها الا عن ثقات وعن ~~قاعدة الحق لاثبت فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهادهم حتى ~~أرغم بذلك أهل الرفض الخارجين عن السنة والفرض إذ لولاهم بمشيئة الله لم ~~تكن البلاد للمسلمين وما انتشر علم هذا الدين فلله درهم لقد جاهدوا في الله ~~حق جهاده ونصروا دينه وثبتوا للقاء الأعداء وبذلوا جهدهم ونصروا الدين حتى ~~زحزحوا الكفر عن سريره وتقهقر لا جرم وقد قال فيهم الملك المقتدر * (فمنهم ~~من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) * قال الواقدي حدثني مسلم بن عبد الحميد عن ~~جده رافع بن مازن قال كنت مع خالد يوم سرنا إلى ماهان وكنا في سرادقة فلما ~~جذبنا السيوف وهممنا بالقوم وما في أعيننا من جيوش الروم شيء وقد أيقنا ~~بالحشر من ذلك الموضع قال الواقدي فلما رأى ماهان الحقيقة منا ومن خالد ~~وتبين الموت في شفار سيوفنا نادى ماهان مهلا يا خالد لا تكن بهذه العجلة ~~تهلك وأنا أعلم انك ما قلت ذلك القول الا انك رسول ms249 والرسول يحمل ولا يقتل ~~وأنا انما تكلمت بما تكلمت لاختبركم وانظر ما عندكم والآن فما أواخذك فارجع ~~إلى عسكرك واعزم على القتال حتى يعطي الله تعالى النصر لمن يشاء فلما سمع ~~ذلك أغمد سيفه وقال يا ماهان ما تصنع في هؤلاء الاسرى فقال ماهان أطلقهم ~~كرامة لك وأخلي سبيلهم فيكونون عونا لك ولن تعجزونا في الحرب غدا ففرح خالد ~~بذلك وأمر ماهان بتخلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاطلقوا من ~~وثاقهم وهم خالد بالمسير فقال ماهان يا خالد اني كنت أحب أن يصلح الامر ~~بيني وبينكم واني أسألك حاجة فقال خالد سل ما تريده فقال أن قبتك هذه ~~الحمراء قد أعجبتني واني أريد أن تهبها لي وانظر في عسكري ما أعجبك من شيء ~~فأهبه لك فقال خالد والله لقد فرحتني إذ طلبت ما أملكه وهي موهوبة لك وأما ~~ما عرضت علي من عسكرك فلا حاجة لي فيه فقال ماهان لله درك أنت تكرمت وأجملت ~~فقال خالد رضي الله عنه وأنت أيضا قد تكرمت علينا بما صنعت من اطلاق أصحابي ~~من الأسر ثم انثنى خارجا من عند ماهان وأصحابه من حوله وقدم له جواده فركبه ~~وركب أصحابه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ماهان أصحابه وحجابه ~~أن يسيروا معهم حتى يبلغوهم قال ففعل القوم ذلك ووصل خالد وأصحابه إلى ~~الأمير أبي عبيدة رضي الله عنهم أجمعين وسلموا عليه وفرح المسلمون بخلاص ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث خالد أبا عبيدة بكل ما جرى لهم ثم ~~قال خالد وحق المنبر والروضة ما كان PageV01P190 # ماهان ليطلق لنا أصحابنا الا فزعا من سيوفنا فقال أبو عبيدة حين سمع ما ~~مر لخالد ولماهان من الخطاب والجدال هذا رجل حكيم الا أن الشيطان غلب على ~~عقله فعلام افترقتم قال على أننا نلتقي معهم ويعطي الله النصر لمن يشاء ~~فلما سمع أبو عبيدة رضي الله عنه ذلك جمع عظماء المسلمين وقام فيهم خطيبا ~~فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر النبي ms250 صلى الله عليه وسلم وأخبرهم ان ~~العدو يصبحهم بالقتال في غداة غد وأمرهم بالاهبة وأقبل فرسان المسلمين يحرض ~~بعضهم بعضا وأقبل خالد على أصحابه وهم عسكر الزحف وقال لهم علموا أن هؤلاء ~~الكفرة الذين نصركم الله عليهم في المواطن الكثيرة قد حشدوا لكم جموع ~~بلادهم واني دخلت إلى عسكرهم ونظرت إليهم فكأنهم النمل ولكنهم أصحاب عدة ~~بلا قلوب ولا لهم من ينصرهم عليكم وهذه الوقعة بيننا وبينهم وقد أيقنا أن ~~القتال في غداة غد وأنتم أهل البأس والشدة فما عندكم رحمكم الله تعالى قال ~~فتكلم أصحاب خالد وقالوا أيها الأمير القتال بغيتنا والقتل في سبيل الله ~~تعالى مسرتنا ولا نزال نصبر لهم على الحرب والطعن والضرب حتى يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين ففرح خالد بقولهم وقال لهم وفقكم الله تعالى ~~وأرشدكم قال الواقدي فلم يبق أحد منهم تلك الليلة الا وقد أخذ عدته واهبته ~~واستعد بآلة الحرب والقتال وباتوا فرحين بالجهاد والثواب وخائفين من العقاب ~~فلما أصبح القوم ولاج الفجر أذن المؤذنون في عسكر المسلمين حتى ارتفعت لهم ~~جلبة عظيمة بالتوحيد واسبفوا الوضوء لصلاتهم خلف أبي عبيدة فلما صلوا ركبوا ~~خيولهم إلى قتال عدوهم وعبوا صفوفهم للقتال وكانوا ثلاثة صفوف متلاصقة أول ~~الصف لا يرى آخره وأقبل خالد بن الوليد على أبي عبيدة رضي الله عنه وقال ~~أيها الأمير من تجعل في الميسرة قال كنانة بن مبارك الكناني أو قال عمرو بن ~~معد يكرب الزبيدي والله أعلم أيهما كان فولاه الميسرة وأمره أن يكون مكانه ~~في الميسرة ففعل وضم إلى كنانة قيسا قال فسار لما أمره أبو عبيدة رضي الله ~~عنه قال الواقدي حدثني فضالة بن عامر قال حدثني موسى بن عوف عن جده يوسف بن ~~معن قال كان هذا الغلام كنانة عارفا بالحرب صاحب شجاعة وغارة وقد ذكر انه ~~كان من شجاعته وشدة فراسته أنه كان يخرج من حي قومه بني كنانة وحده ويسير ~~حتى يأتي احياء العرب المعادين له فإذا أشرف عليهم صرخ بهم وانتمى باسمه ~~فتثور ms251 الرجال على أعناق الخيل فلا يزال يقاتلهم ويقاتلونه فان ظفر بهم كان ~~مراده وأن رأى منهم غلبة وعظم عليه أمرهم نزل عن جواده وسعى بين أيديهم فلا ~~يلحقون منه الا الغبار قال الراوي لما ولاه أبو عبيدة رضي الله عنه وقف حيث ~~أمره والتفت أبو عبيدة إلى خالد وقال يا أبا سليمان قد وليتك على الخيل ~~والرجل فول أمر الرجالة من شئت فقال PageV01P191 # خالد ابن الوليد رضي الله عنه سأولي أمرهم رجالا لا يؤتي المسلمون من ~~قبلهم ثم نادى بهاشم بن عتبة ابن أبي وقاص وقال له ولاك الأمير على الرجالة ~~فقال أبو عبيدة رضي الله عنه انزل يا هاشم وكن معهم رحمك الله وأنا أوافقك ~~قال الواقدي ورتب أبو عبيدة صفوف المسلمين وعبأهم قال خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه ابعث الآن إلى أصحاب الرايات وقل لهم يسمعوا مني فدعا أبو عبيدة ~~رضي الله عنه بالضحاك بن قيس وقال له يا بن قيس اسرع إلى أصحاب الرايات وقل ~~لهم ان الأمير أبا عبيدة يأمركم أن تسمعوا لخالد وتطيعوا أمره ففعل الضحاك ~~ذلك وجعل يدور على أصحاب الرايات حتى انتهى إلى معاذ بن جبل وقال له مثل ~~ذلك قال معاذ بن جبل سمعا وطاعة ثم اقبل معاذ على الناس وقال أما انكم قد ~~أمرتم بطاعة رجل ميمون الغرة مبارك الطلعة فان أمركم بأمر فلا تخالفوه فيما ~~يأمركم به فما يريد غير صلاح المسلمين والاجر من رب العالمين قال فقلت ~~لمعاذ بن جبل أنك لتقول في خالد قولا عظيما فقال ما أقول إلا ما قد عرفته ~~فالله رده وقال الضحاك فرجعت إلى خالد وأخبرته بما تكلم به معاذ بن جبل ~~وبما أثنى به عليه فأثنى وقال هو أخي في الله تعالى ولقد سبقت له ولأصحابه ~~سوابق لا يفعلها خالد بن الوليد فمن يناله قال الضحاك فرجعت إلى معاذ بن ~~جبل وأخبرته بما قال خالد وبما أثنى به عليه وما ذكره من أمره وبما أورده ~~من علي شأنه فقال معاذ والله إني ms252 أحبه في الله تعالى وأرجو من الله ان يكون ~~قد اثابه بحسن نيته ونصيحته للمسلمين قال الواقدي فلما وصى الضحاك بن قيس ~~أصحاب الرايات بقول أبي عبيدة بالطاعة لخالد بن الوليد رضي الله عنه جعل ~~خالد يسير بين الصفوف ويقف على كل راية ويقول يا أهل الاسلام ان الصبر قد ~~عزم إن شاء الله تعالى على صحبتكم والفشل والجبن سببان من أسباب الخذلان ~~فمن صبر كان حقا على الله نصره على عدوه لان الله معه ومن صبر على حد ~~السيوف فإنه إذا قدم على الله تعالى أكرم منزلته وشكر له فعله وسعيه الله ~~يحب الشاكرين قال وما زال خالد رضي الله عنه يقول هذا الكلام لأهل كل راية ~~حتى مر بجماعة الناس ثم إن خالدا جمع اليه خيل المسلمين من أهل الشدة ~~والصبر ومن شهد معه الزحف فقسمهم أربعة أرباع فجعل على أحدهم قيس بن هبيرة ~~المرادي وقال له أنت فارس العرب فكن على هذه الخيل واصنع كما أصنع وجعل على ~~الربع الآخر ميسرة بن مسروق العبسي وأوصاه بمثل ذلك ودعا عامر بن الطفيل ~~على الربع الثالث وأوصاه بمثل ذلك ووقف خالد مع عسكر الزحف قال الواقدي فلم ~~تطلع الشمس الا وقد فرغوا من تعبية صفوفهم للحرب وأما ماهان الأرمني فإنه ~~أمر الروم بالزينة والأهبة للحرب ففعلوا ذلك الا ان المسلمين كانوا اسرع في ~~التعبية قال وزحف الروم إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر الروم ~~PageV01P192 # إلى تعبيتهم فكان عسكر المسلمين صفوفا كالبنيان المرصوص وكان الطير تظلهم ~~والصفوف متلاصقة والرماح مشرعة مشتبكة قال فلما رأى الروم ذلك داخلهم الفزع ~~والجزع وألقى الله الرعب في قلوبهم ثم إن ماهان عبى عسكره فجعل العرب ~~المتنصرة من غسان ولخم وجذام في مقدمة الصفوف وجعل عليهم جبلة وقدم أمامهم ~~صليبا من الفضة وزنه خمسة أرطال وهو مطلي بالذهب وفي أربعة أركانه أربع ~~جواهر تضيء كأنها الكواكب قال الواقدي حدثني سنان بن أوس الربعي قال حدثني ~~عدى بن الحرث الهمداني وكان ممن حضر ms253 الفتوح من أولها إلى آخرها قال وكانت ~~الصفوف التي صفها ماهان ثلاثين صفا كل صف منها مثل عسكر المسلمين كله وقد ~~أظهر ماهان بين الصفوف القسوس والرهبان وهم يتلون الإنجيل ويترنمون وأكثر ~~من الرايات والاعلام والصلبان فلما تكاملت صفوفهم وإذا ببطريق عظيم الخلقة ~~قد برز وعليه درع مذهب ولامة حرب مليحة وفي عنقه صليب من الذهب مرصع ~~بالجوهر وتحته فرس أشهب وكان البطريق من عظماء الروم ممن يقف عند سرير ~~الملك فلما برز جعل يرطن بكلام الروم بصوت كالرعد فعلم المسلمون انه يطلب ~~البراز فتوقف المسلمون عن الخروج اليه فصاح خالد وقال يا أصحاب رسول الله ~~هذا العلج الأغلف يدعوكم لقتاله وأنتم تتأخرون فإن لم تخرجوا اليه والا خرج ~~خالد وهم بالخروج وإذا بفارس قد خرج من المسلمين على برذون أشهب عظيم ~~الخلقة يشبه برذون المشرك وعلى المسلم لامة حسنة وعدة سابغة وقصد نحو ~~البطريق فلم يكن في رجال خالد من يعرف الفارس الذي خرج فقال خالد لهمام ~~مولاه أخرج إلى هذا الفارس وانظر من هو من المسلمين ومن أي العرب هو ومن ~~قومه فمضى همام يهتف به وقد هم أن يقرب من البطريق فصاح به من أنت يا ذا ~~الرجل من السلمين رحمك الله فقال أنا روماس صاحب بصرى فلما أخبر خالد به ~~قال اللهم بارك فيه وزد في نيته فلما صار بإزاء العلج كلمه بلسانه فقال ~~الرومي وقد عرفه يا روماس كيف تركت دينك وصبأت إلى هؤلاء القوم فقال روماس ~~هذا الدين الذي دخلت فيه دين جليل شريف فمن تبعه كان سعيدا ومن خالفه فقد ~~ضل ثم حمل روماس على العلج وحمل العلج على روماس وتقاتلا ساعة حتى عجب ~~الجمعان منهما فوجد العلج من روماس غفلة فضربه ضربة أسال دمه قال فأحس ~~روماس بالضربة وقد وصلت اليه فانثنى راجعا نحو المسلمين فأتبعه العلج طالبا ~~له لا يقصر عن طلبه وكاد أن يدركه فصاح به فرسان المسلمين من الميسرة ~~والميمنة فقوي قلب روماس وداخل العلج الجزع والخوف من صياحهم ms254 والهلع وقصر ~~عن طلبه ودخل روماس عسكر المسلمين والدم على وجهه فائر فأخذه جماعة من ~~المسلمين فشدوا جراحه وشكروه على فعله ووعدوه بالغفران من الله تعالى ~~وهنئوه بالسلامة PageV01P193 # قال ولما رجع روماس منهزما أعجب العلج بنفسه وأظهر عناده وأغلظ في كلامه ~~وطلب البراز فهم أن يخرج اليه ميسرة بن مسروق العبسي فقال له خالد يا ميسرة ~~ان وقوفك في مكانك أحب إلي من خروجك إلى هذا العلج وأنت شيخ كبير وهذا علج ~~عظيم الخلق والشاب شجاع ولا أحب أن تخرج اليه فإنه لا يكاد الشيخ الكبير ~~يقاوم الشاب الحدث ولا سيما ان شعرة من مسلم أحب إلى الله تعالى من جميع ~~أهل الشرك فرجع ميسرة إلى مكانه وهم أن يخرج اليه عامر بن الطفيل وقال أيها ~~الأمير انك قد عظمت قدر هذا الرومي الذميم وأدخلت في قلوب المسلمين منه ~~الرعب فقال خالد ان الفرسان تعرف أكفاءها في الحرب وما يخفى علي ما هو فيه ~~من الشجاعة والشدة وأنت لا تقاومه لأنه ما برز بين أصحابه وبين شجاعته الا ~~وهو فارس في قومه فقف في مكانك فوقف عامر بن الطفيل في مكانه ولم يخالف قال ~~والعلج يدعو إلى البراز والحرب فأقبل إلى خالد الحرث بن عبد الله الأزدي ~~فلما وقف بين يديه قال أيها الأمير اخرج اليه قال خالد لعمري ان لك جسارة ~~وقوة وشدة وما علمتك الا شهما فان شئت أن تخرج فأخرج على اسم الله واعزم ~~فاخذ الأزدي أهبته وهم أن يخرج فقال خالد رضي الله عنه على رسلك يا عبد ~~الله حتى أسألك فقال أسأل قال خالد هل بارزت أحدا قبله قال لا قال فارجع يا ~~ابن أخي ولا تخرج فإنك غير مجرب الحروب وهذا فارس قد جرب الحرب وجربته وعرف ~~مصادرها وما أحب أن يخرج اليه الا رجل مثله بصير بالحروب وجعل خالد يقول ~~ذلك وينظر إلى قيس بن هبيرة فقال يا أبا سليمان اني أظنك تعرض بي وإياي ~~تعني أنا ابرز اليه قال خالد ابرز على ms255 اسم الله تعالى فإنك كفء والله تعالى ~~يعينك عليه وخرج قيس بن هبيرة واجرى جواده حتى لين عريكته وكسر حدته ثم ~~سرحه نحو البطريق وهو يقول بسم الله وعلى بركة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقرب من البطريق فلما نظر العلج إلى فعاله علم أنه فارس شديد من فرسان ~~المسلمين فعدل نحوه وقصد اليه وتحاملا قال فبادره قيس بن هبيرة وضربه على ~~هامته فتلقاها العلج في حجفته فقد سيف ابن هبيرة الحجفة ووصل إلى البيضة ~~فاشتبك فيها وهم أن يخرج سيفه فامتنع عليه وضرب العلج قيس بن هبيرة على حبل ~~عاتقه فثبت للضربة والتقيا بعد الضربتين فطرح العلج نفسه عليه يريد أسره ~~وهو جبار من الجبابرة وكان قيس بعد رجوعه من قتال أهل الردة قد عود نفسه ~~الصيام والقيام وهو نحيف الجسم فلما نظر قيس إلى العلج وقد ظهر عليه انجذب ~~من يده وبعد عنه وجعل ينظر اليه شزرا ويضمه له مكرا إلى أن سيفه قد خرج من ~~يده فثنى عنان فرسه يريد عسكر الملسمين ليأخذ سيفا ويعود إلى القتال وقد ~~ايس من نفسه فلما عطف راجعا صاح العلج في أثره وسعى في طلبه فقصر قيس بن ~~هبيرة في سيره وقال في نفسه أنت مرادك الشهادة وتهرب من هذا العلج فرجع إلى ~~العلج فصاح به خالد يا قيس سألتك بالله ورسوله الا رجعت PageV01P194 # وتركت حدتها علي فقال قيس يا خالد لقد أقسمت علي بعظيمين ولكن ان رجعت ~~إليك أتزيد في اجلي قال لا قال فلم اختار الفرار وأكون من أصحاب النار بل ~~أصبر وافوز بالغفران من الله تعالى ثم عطف على قرنه وليس في يده سيف بل ~~استل خنجرا كان معه على وسطه قال ونظر خالد إلى قيس بن هبيرة وليس في يده ~~سيف فقال من يأخذ هذا السيف ويدفعه إلى قيس ابتغاء ثواب الله تعالى قال عبد ~~الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنا يا أبا سليمان فقال خالد أنت ~~والله لها يا ابن الصديق ثم ms256 أخذ عبد الرحمن سيفه ولحق قيس بن هبيرة يريد أن ~~يناوله السيف فلما نظرت الروم إلى عبد الرحمن وقد لحق بقيس ظنوا انه يريد ~~أن يعاون قيسا لي صاحبهم فخرج عليه بطريق آخر وأقبل إلى صاحبه ووقف بإزائه ~~قال فدفع عبد الرحمن السيف إلى ابن هبيرة ووقف معه وجعل البطريق الاخر ~~يتكلم بكلام لا يفهمه عبد الرحمن فقال عبد الرحمن يا ويلك ما الذي تقول فما ~~نعرف كلامك فخرج اليه ترجمان وقال له يا معشر العرب ألستم ذكرتم أنكم أصحاب ~~نصفة وحق قال عبد الرحمن بلى وقال الترجمان فما رأينا من نصفتكم شيئا يخرج ~~فارسان إلى فارس قال عبد الرحمن انما خرجت لأعطي صاحبي هذا السيف وارجع ولو ~~خرج الينا منكم مائة لواحد ما كبر علينا ولا عظم لدينا وها أنتم ثلاثة وأنا ~~واحد وأنا لكم كفء قال فأخبر الترجمان صاحبه بذلك فجعل ينظر اليه شزرا فقال ~~عبد الرحمن يا قيس قد تعبت فقف وتفرج علي وانظر ما يكون مني ومنهم ثم حمل ~~عبد الرحمن بن أبي بكرالصديق رضي الله عنه على الذي كان يخاطبه فطعنه في ~~نحره فأخرج السنان يلمع من ظهره فوقع منجدلا ونظر العلجان إلى صاحبهما ~~مجندلا فحملا على عبد الرحمن وقصداه فأراد قيس بن هبيرة أن يعاونه عليهما ~~فقال له عبد الرحمن سألتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبحق أبي بكر الا ~~تركت عبد الرحمن يصطلي بهما فان قتلت فأنت شريكي في الثواب وأقرىء عائشة ~~مني السلام وقل لها أخوك قد لحق ببعلك وأبيك فتأخر قيس عنه وقد عجب من ~~فعاله فحمل عبد الرحمن على أحد العلجين وهو الأول فطعنه برمحه فاشتبك ~~السنان في درعه فرمى عبد الرحمن الرمح من يده وانتضى سيفه وقام في الركاب ~~وضرب العلج بسيفه ضربة طرحه بها نصفين ونظر العلج الثالث إلى عبد الرحمن ~~وجراءته فبقى حائرا متعجبا من حاله ونظر إلى البطريق وهو متحير باهت فبانت ~~له فيه غفلة فقال ما يوقفك يا قيس وحمل على البطريق وضربه ضربة ms257 هشم بها ~~هامته فسقط إلى الأرض صريعا فلما نظرت الروم إلى أصحابهم قال بعضهم لبعض ما ~~هؤلاء العرب ألا شياطين قال الواقدي وأخبر ماهان بفعالهم فقال لقومه ان ~~الملك كان أخبر بهؤلاء القوم وحق المسيح لقد أعلم أن لكم أمرا فإن لم ~~تحملوا عليهم بكثرتكم والا فما تقوم لكم قائمة قال فأتاه بطريق من البطارقة ~~وسارر ماهان في اذنه طويلا ثم انزاح عنه PageV01P195 # وقد اصفر وجه ماهان وسكت كأنه اخرس فاستخبروا ماهان عما حدثه البطريق فلم ~~يخبرهم قال فحدث من رأى ذلك أنه سأل جبلة بن الأيهم فقال لما أخبر ماهان ~~بخبر الثلاثة وفيهم البطريق الأول قال ماهان انهم منصورون عليكم فقال له ~~البطريق في اذنه أيها الملك الحق ما قلت أعلم اني رأيت البارحة في منامي ~~كأن رجالا نزلوا من السماء إلى الأرض وهم على دواب بلق وشهب وعليهم كامل ~~السلاح واحدقوا بهؤلاء العرب ونحن قيام بإزائهم لا يخرج أحد من عسكرنا الا ~~قتلوه حتى أتوا على أكثرنا وأظن أنهم هؤلاء الذين نراهم في اليقظة لان ~~واحدا منهم قتل ثلاثة منا وما هم الا منصورون علينا من السماء قال فكسر ~~بهاذا قلب ماهان فلم يرد جوابا فاجتمع القوم يسألونه عما قاله البطريق فلم ~~يخبرهم فلما أكثروا عليه السؤال تكلم فيهم كالخطيب وقال يا أهل هذا الدين ~~انكم ان لم تقاتلوا كنتم من الخاسرين وغضب عليكم المسيح وان الله عز وجل لم ~~يزل لدينكم ناصرا ومظهرا وان لله الحجة عليكم إذ بعث فيكم رسولا وانزل عليه ~~كتابا ولم يتبع رسولكم الدنيا وأمركم أن لا تتبعوها وفي كتابه لا تظلموا ~~فإنه لا يحب الظلم ولا الظالمين فلما اتبعتم الدنيا وظلمتم وخالفتم نصر ~~اعداؤكم عليكم فما عذركم عند خالقكم وقد تركتم أمر نبيكم وما انزل عليكم في ~~كتاب ربكم وهؤلاء العرب بازائكم يريدون قتل فرسانكم وسبي ذراريكم ونسائكم ~~وأنتم على المعاصي والذنوب ولا تخافون من علام الغيوب فان نزع الله سلطانكم ~~من أيديكم واظهر عدوكم عليكم فذلك بحق منه وعدل لأنكم لا ms258 تأمرون بالمعروف ~~ولا تنهون عن المنكر قال الواقدي وكان ماهان لما سمع كلام البطريق الذي رآه ~~في المنام أمره ان يكتمه واما قيس بن هبيرة وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~فاخذا سلاحهم واسلابهم ورجعا إلى المسلمين فدفعا السلب إلى أبي عبيدة فقال ~~هو لكما ومن قتل فارسا فله سلبه فكذا عهد الينا عمر بن الخطاب فأخذا السلب ~~ووقف قيس في موضعه الذي اقامه خالد فيه ورجع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~إلى ميدان الحرب فجال بين الصفين وكان قد ركب اشهب البطريق الذي قتله فرآه ~~لا ينبعث تحته كما عهد من خيل العرب فرجع وغيره من تحته بفرس غيره وحمل على ~~ميمنة الروم فشوش صفوفهم وقتل منهم فارسين ورجع فحمل على القلب ثم انثنى ~~على الميسرة فرشق بالسهام فرجع حتى وقف في صدر الجيش وجعل يفزع الروم باسمه ~~ويدعوا إلى البراز فخرج اليه علج من علوج الروم فما جال غير ساعة حتى قتله ~~فخرج اليه آخر فقتله فقال خالد اللهم ارعه بعينك واحفظه فان عبد الرحمن قد ~~اصطفى اليوم الحرب بنفسه ثم إن خالدا صاح به يا عبد الرحمن بحق شيبة أبيك ~~وبيعته الا رجعت إلى مكانك فرجع حين أقسم عليه قال حزام بن غنم قلت لرجل ~~ممن شهد اليرموك أكانت النساء معكم مشاهدات القتال قال نعم إحداهن أسماء ~~بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام وخولة بنت الأزور ونسيبة بنت كعب وأم ~~أبان زوجة عكرمة بن أبي جهل وعزة PageV01P196 # بنت عامر بن عاصم الضمري مع زوجها مسلمة بن عوف الضمري ورملة بنت طليحة ~~الزبيري ورعلة وأمامه وزينب وهند ويعمر ولبنى وأمثالهن رضي الله عنهن فلقد ~~كن يقاتلن قتالا يرضين به الله ورسوله نساء المسلمين في المعركة قال ~~الواقدي حدثني عبد الملك بن عبد الحميد وكان قد شهد وقعة اليرموك وقال ~~أولها شرر نار وآخرها ضرام الحرب وان كل يوم يأتي من القتال أصعب من اليوم ~~الآخر قال عمرو بن جرير فشهدنا في اليوم الأول حربا يسيرا وذلك ms259 أن ماهان ~~أمر عشرة من الصفوف أن تحمل على المسلمين بعد أن قتل عبد الرحمن من قتل ~~وحمل المسلمون عليهم فالتقت الرجال بالرجال فنظر أبو عبيدة وكان واقفا إلى ~~ماهان ولم يحمل على المسلمين فعلم أن الامر يصعب فقال لا حول ولا قوة الا ~~بالله العلي العظيم وجعل يتلون قوله تعالى * (الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) * قال ~~ولم يزل الحرب بين الفريقين من قيام الشمس في قبة السماء إلى أن همت ~~بالغروب ولم ينفصل الجمعان حتى فرق الليل بينهم فحينئذ افترق الجمعان وهم ~~ما يعرفون الا بالشعار وخرج كل قوم من العرب يهتفون بشعارهم وينادون ~~بأنسابهم ورجعت كل فئة إلى مكانها واستقبل المسلمين نساؤهم فصارت تجعل ~~المرأة مرطها تمسح به عن وجه زوجها وتقول له أبشر بالجنة يا ولي الله وبات ~~المسلمون في خير وسرور وأوقدوا النيران وذلك أن القتل في أول يوم لم يتبين ~~في الفريقين بل قتل من الروم يسير ومن المسلمين عشرة رجلان من حضرموت ~~أحدهما يقال له مازن والثاني يقال له صارم وثلاثة من عسفان رافع ومجلي وعلي ~~وواحد من الأنصار وهو عبد الله بن الأخرم وثلاثة من بجيلة وواحد من مراد ~~وهو سويد أبن أخي قيس بن هبيرة فحزن عليه قيس لما فقده فعلم أنه في القتلى ~~فخرج قيس وخرج معه رجال من قومه حتى أتوا موضع المعركة وفتشوا عليه فلم ~~يروه فلما هم بالرجوع نظر إلى نار قد أقبلت من جهة الروم يطلبون مكان ~~الوقعة وهم يطلبون بطريقا كان معظما عندهم فقال قيس لجماعته أخمدوا ناركم ~~فوالله لآخذن بثأر ابن أخي من هؤلاء القوم قال فأخمدوا نارهم ورقدوا بين ~~القتلى وتأهبوا للقتال وإذا بالروم قد أتوا وهم نحو مائة وهم في زينة عظيمة ~~وآلة وعدة وكان مع قيس سبعة من قومه فقالوا له أن القوم مائة ونحن سبعة وقد ~~تولانا التعب فقال قيس ارجعوا أنتم واني والله أطلب الموت لا أريد غيره ms260 ~~وأجاهد في الله حق جهاده فعجبوا من قوله ووقفوا معه وقفة الكرام وأقبلت ~~الاعلاج يريدون المعركة ويدورون بين القتلى وقد وقفوا بالعلج وهو الذي برز ~~أولا وقتله ابن أبي بكر الصديق فلما احتملوه وولوا يريدون عسكرهم صاح فيهم ~~قيس من ورائهم وتابعه أصحابه بالصياح فذهلوا ورموا البطريق ووضع المسلمون ~~السيف فيهم وجعلوا يقتلونهم قتلا PageV01P197 # ذريعا وكان قيس إذا ضرب فيهم يقول هذا عن ابن أخي قال فقتل منهم ستة عشر ~~رجلا وقتل أصحابه أكثر القوم وانفلت الباقون فلما فرغ قيس من القوم عاد ~~يطلب ابن أخيه نحو عسكر الروم فسمع انينا فأقبل نحوه فإذا هو ابن أخيه سويد ~~بن بهرام المرادي فلما عرفه بكى فقال ما أبكاك يا ابن أخي فقال يا عماه اني ~~تبعت القوم فرجع إلي واحد منهم وطعنني في صدري واني لاعالج منها أمرا عظيما ~~وهؤلاء الحور العين في حذائي ينتظرون خروج روحي قال فبكى قيس وقال يا ابن ~~أخي لكل اجل كتاب ولعل أن يكون في أجلك طول فقال هيهات والله يا عم أفتقدر ~~أن تحملني إلى عسكر المسلمين فأموت هناك قال أجل قال ثم احتملته على ظهري ~~وأقبلت به إلى عسكر المسلمين وقصدت به إلى رحله وسجيته وسمع أبو عبيدة ~~بمجيء قيس فأتى اليه ورأى الغلام يجود بنفسه فجلس عند رأسه وبكى وبكت ~~المسلمون فقال له أبو عبيدة كيف تجدك يا ابن أخي فقال بخير والله وغفران ~~وجزى الله محمدا عنا خيرا ولقد صدقنا في قوله وهذه الحور تنادي وتشخص فمات ~~قال فما برحنا حتى واريناه بالتراب قال وخبره قيس بمن قتل في تلك الليلة من ~~المشركين ففرح فرحا شديدا وعلم أن ذلك علامة النصر قال وبات الناس في ~~ليلتهم يقرأون القرآن ويصلون ويسألون المعونة والنصر قال وأما ماهان فإنه ~~لما رجع إلى عسكره اجتمع اليه البطارقة والرهبان والقسوس فقدموا له طعاما ~~ومدوا له سماطا فلم يأكل منه شيئا مما وقع في نفسه من الرؤيا التي رآها ~~البطريق وكان ماهان يود لو ترك الامر وصالح ms261 على أداء الجزية ولكنه كان ~~مغلوبا على أمره وأقبلت الملوك والقسوس والبطارقة والرهبان على ماهان ~~وقالوا ما بال الملك امتنع من الطعام فإن كان ذلك من غمه على من مات وعلى ~~ما جرى عليه من الحرب فان الحرب سجال فيوم لك ويوم عليك واعلم أيها الملك ~~أن القوم بنا ظافرون وما نملكهم الا أن نحمل عليهم فلا يبقى منهم أحد قال ~~ماهان ما أظنكم غير منصورين الا من تغير أديانكم والجور في سلطانكم فبهذا ~~نصرت العرب عليكم فقام اليه رجل وقال أيها الملك عشت الدهر وأنا رجل من أهل ~~دينكم وكان لي مائة رأس من الغنم وكان فيها ولدي يرعاها فضرب عظيم من عظماء ~~أصحابك الفسطاط إلى جانبها ثم إنه عدا عليها فأخذ منها حاجته وأخذ بقيتها ~~أصحابه فجاءته زوجتي تشكو اليه انتهاب غنمي فلما رآها أمر بها فأدخلت اليه ~~فطال مكثها عنده فلما رأى ولدها ذلك دنا من الفسطاط فإذا هو يجامع أمه فصاح ~~الغلام فأمر البطريق بقتل الغلام فقتل فأتيت أريد خلاص ولدي وزوجتي فامر بي ~~فضربت بالسيف فتلقيت الضربة بيدي فقطعها ثم أنه أخرج يده فإذا هي مقطوعة ~~قال فغضب ماهان عند ذلك غضبا شديدا وقال للمعاهد أتعرف هذا البطريق الذي ~~فعل بك ذلك قال نعم هو هذا وأومأ بيده إلى بطريق من البطارقة فنظر اليه ~~ماهان مغضبا قال فغضب البطريق PageV01P198 # وغضب البطارقة لغضبه ومالوا على المعاهد فضربوه بأسيافهم حتى قطعوه ~~وماهان ينظر إليهم فزاد غضبه وقال خذلتم وهلكتم وحق المسيح يا ويلكم ترجون ~~النصر وأنتم تفعلون هذا الفعال أما تخافون القصاص غدا وان الله ينتقم منكم ~~وينزع منكم صالح ما أعطاكم ويعطيه غيركم ممن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ~~فوالله أنتم الآن عندي كالكلاب وسوف ترون عاقبة هذا كله والي أي مصير ~~مصيركم يكون قال ثم إنه قام وتركهم فلما انصرف القوم ولم يبق عنده الا ~~بطريق واحد قال له أيها الملك والله ان القوم لكما تقول وما أظن الا أننا ~~مغلوبون وأعلم أني رأيت في ms262 منامي كان رجالا نزلوا من السماء على خيل شهب ~~فاحدقوا بهؤلاء العرب وعليهم كامل السلاح ونحن وقوف بإزائهم فنظرت إليهم ~~ولا يخرج منا أحد الا قتلوه حتى أتوا على أكثرنا وذكر له كما قال ذاك الأول ~~فأقبل ماهان يفكر طول ليلته فيما يصنع في أمر المسلمين فلما أصبح الصباح ~~عبى المسلمون صفوفهم ونظروا إلى عسكر الروم وإذا فيه ارتعاد وانزعاج فعلموا ~~ان لهم أمرا قال أبو عبيدة دعوهم ولا تبقوا عليهم فان الباغي مخذول قال ~~واجتمعت البطارقة والملوك الأربعة الا ماهان وهم قناطر وجرجير والديرجان ~~وقورين وهم أصحاب الجيش يستأذنونه في الحرب فقال ماهان وكيف لي أن أقاتل ~~بقوم يظلمون ان كنتم أحرارا فقاتلوا عن سلطانكم وامنعوا عن حريمكم فقالوا ~~الآن أحببنا الحرب فوحق المسيح لا نفارقهم حتى ننفيهم من الشام إلى بلادهم ~~أو يقتلونا أو نقتلهم فثق بقولنا وانهض بنا إليهم فإذا عزمت على القتال فدع ~~كل واحد منا يقاتل يوما حتى تعرف منا من هو أفرس وأشد ويضجر المسلمون من ~~المطاولة ونجمع عيالنا وأطفالنا وأموالنا فان كانت على العرب رددنا كل شيء ~~إلى مكانه وان كانت للعرب علينا الحقوا ببلادهم وقومهم ويكون الامر بيننا ~~وبينهم في يوم واحد أو يومين فقال له ماهان لعنه الله هذا هو الرأي أمهلوا ~~إلى أن أكتب إلى الملك بمثل ذلك ثم إنه كتب إلى هرقل أما بعد فأسأل الله لك ~~أيها الملك ولجيشك النصر ولأهل سلطانك العز والنصر وانك بعثتني فيما لا ~~يحصى من العدد واني قدمت على هؤلاء العرب فنزلت بساحتهم وأطمعتهم فلم ~~يطمعوا وسألتهم الصلح فلم يقبلوا وجعلت لهم جعلا على أن ينصرفوا فلم يفعلوا ~~وقد فزع جند الملك منهم فزعا شديدا وأني خشيت أن يكون الفشل قد عمهم والرعب ~~قد دخل في قلوبهم وذلك لكثرة الظلم فيهم وقد جمعت ذوي الرأي من أصحابي وذوي ~~النصيحة للملك وقد أجمع رأينا على النهوض إليهم جميعا في يوم واحد ولا ~~نزايلهم حتى يحكم الله بيننا فان اظهر الله عدونا علينا فارض بقضاء ms263 الله ~~واعلم أن الدنيا زائلة عنك فلا تأسف على ما فات منها ولا تغتبط منها بشيء ~~في يدك والحق بمعاقلك وبدار ملكك بالقسطنطينية وأحسن إلى رعيتك يحسن الله ~~إليك وارحم ترحم وتواضع لله يرفعك الله فإنه لا يحب المتكبرين ولقد عملت ~~حيلة في احضار أميرهم PageV01P199 # خالد ومنيته ورغبته فما أجاب ورأيته على الحق مقيما فأردت أن أفتك به ~~وأمكر فخفت عاقبة المكر والغدر وما نصر هؤلاء الا بالعدل واتباع الحق بينهم ~~والسلام ثم طوى الكتاب وبعث به مع أصحابه من العلوج قال الواقدي وبقي ماهان ~~سبعة أيام أخر بعد الوقعة الأولى لم يقاتل المسلمين ولم يقاتلوه وبعث أبو ~~عبيدة برجل من عيونه ينظر ما الذي أخر الروم عن القتال فغاب الرجل يوما ~~وليلة ثم عاد وأخبر أبا عبيدة أن ماهان قد كاتب الملك وهو منتظر الجواب ~~فقال خالد ابن الوليد ما تأخر ماهان عن قتالنا الا وقد وقع الفزع في قلبه ~~فازحف بنا إليهم فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لا تعجل فان العجلة من ~~الشيطان قال الواقدي وكان أبو عبيدة رجلا لين العريكة يحب الرفق فلما كان ~~في اليوم الثامن نظر ماهان إلى تلهف أصحابه على الحرب والقتال فعزم أن يلقى ~~بهم المسلمون وقد فرح بنشاطهم فدعا برجل من المتنصرة من لخم وقال له اذهب ~~فادخل هؤلاء العرب وتجسس لي أخبارهم وانظر ما عندهم قال فمضى اللخمي حتى ~~دخل عسكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام فيهم يوما وليلة يطوف ~~في عسكرهم وليس أحد من المسلمين ينكره وهم آمنون وليس لهم همة الا اصلاح ~~شأنهم والصلاة والقرآن والتسبيح وليس فيهم عدوان ولا ظلم ولا أحد يتعدى على ~~أحد وقصد الموضع الذي فيه أبو عبيدة رضي الله عنه فنظر اليه كأنه أضعف ضعيف ~~في العرب ساعة يجلس على الأرض وساعة ينام عليها فإذا كان وقت الصلاة قام ~~وأسبغ الوضوء وأذن المؤذنون وصلى بالناس ونظر المتنصر إلى المسلمين وهم ~~يصنعون كصنعه فقال المتنصر ان هذه طاعة حسنة ويوشك أنهم ms264 ينصرون قال فرجع ~~إلى ماهان وحدثه بما رأى من القوم وما عاينه وقال أيها الملك اني جئتك من ~~قوم يصومون النهار ويقومون الليل ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر رهبان ~~في الليل ليوث بالنهار ولو سرق واحد منهم ولو كان كبيرهم قطعوه ولو زنا ~~رجموه لا يغلب هواهم على الحق بل الحق عندهم غالب وأميرهم كاضعف من فيهم ~~الا انه مطاع عندهم ان قام قاموا وان قعد قعدوا مناهم القتال وشهوتهم ~~النزال ومرادهم أن يموتوا شهداء في قتالكم وما تأخروا عن قتالكم الا ليكون ~~البغي منكم إذا بدأتموهم فقال ماهان هؤلاء القوم منصورون غير أني قد وجدت ~~حيلة أعملها عليهم فقال المتنصر ما الحيلة أيها الملك فقال ماهان ألست زعمت ~~أنهم لا يبدأون بالقتال حتى نقاتلهم فنكون نحن الباغين قال نعم قال فانا لا ~~نطلب الحرب بل نطول بيننا وبينهم وندهمهم على حين غفلة دون عدة منهم ولا ~~أخذ حذرهم فعسى أن نظفر بهم قال ثم إن ماهان جمع الملوك وجعل يعقد لهم ~~الرايات والصلبان حتى عقد ستين ومائة صليب تحت كل صليب عشرة آلاف وكان أول ~~صليب عقد لقناطر وكان نظيره في الرتبة وأمره أن يكون في الميمنة ثم عقد ~~صليبا للديرجان وضم اليه الأرمن والنجد والنوبة والروسية PageV01P200 # والصقالبة ثم عقد لابن أخت الملك صليبا على الإفرنج والهرقلية والقياصرة ~~والير والدوقس وعقد لجبلة بن الأيهم عقدا وضم اليه المتنصرة من لخم وجذام ~~وغسان وضبة وأمره أن يكون على المقدمة وقال أنتم عرب وأعداؤنا عرب والحديد ~~لا يقطعه الا الحديد ثم فرق الاعلام في أجناد عسكره فما انفجر الفجر وبان ~~الصباح وأضاء بنوره ولاح حتى فرغ من تعبية جيوشه وترتيب طلائعه وأمر بمضرب ~~له فضرب على كثيب عال على جانب اليرموك يشرف منه على العسكرين وأوقف عن ~~يمينه ألف فارس عتاة حماة الروم شاكين السلاح وعن يساره كذلك وهم الملكية ~~وأصحاب السرير وأمرهم باليقظة وقال أي كرب يكون على العرب أعظم من هذه ~~فإنكم على تعبية وهم على غير أهبة فإذا ms265 طلعت الشمس ورأيتم المسلمين على غير ~~تعبية فاحملوا عليهم من كل جانب ومكان فما هم في عسكرنا الا كالشامة ~~البيضاء في جلد الثور الأسود هكذا سمعت اياد بن غالب الحميري يذكر وكان من ~~المعمرين قال حدثني جواد ابن أسيد السكاسكي عن أبيه أسد بن علقمة فلما انشق ~~الفجر أذن المؤذن وتقدم أبو عبيدة وصلى بالناس وهو لا يعلم بمكيدة ماهان ~~فقرأ في أول ركعة * (والفجر وليال عشر) * حتى قرأ ان ربك لبالمرصاد إذ هتف ~~بهم هاتف وهم في الصلاة وهو يقول ظفرتم بالقوم ورب العزة وما يغني عنهم ~~كيدهم شيئا وما أجرى الله هذه الآية على 2 لسان أميركم الا بشارة لكم فلما ~~سمع المسلمون كلام الهاتف عجبوا مما سمعوا ثم قرأ في الركعة الثانية والشمس ~~وضحاها إلى قوله فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها وإذا ~~بالهاتف يقول تم الفال وصح الزجر وهذه علامة النصر فلما فرغ أبو عبيدة من ~~صلاته قال يا معاشر المسلمين هل سمعتم الهاتف قالوا نعم سمعنا قائلا يقول ~~كذا وكذا فقال أبو عبيدة والله هذا هاتف النصر وبلوغ الامل فأبشروا بنصر ~~الله ومعونته فوالله لينصرنكم الله وليرسلن عليهم سوط عذاب كما أنزل على ~~القرون الأول ثم قال أبو عبيدة معاشر القوم اني رأيت الليلة في منامي رؤيا ~~تدل على النصر على الأعداء والمعونة من الملأ الاعلى فقالوا أصلح الله شأن ~~الأمير فما الذي رايت قال رأيت كأني واقف بإزاء أعدائنا من الروم إذ حف بنا ~~رجال وعليهم ثياب بيض لم أر كهيئتها حسنا لبياضها اشراق ونور يغشى الابصار ~~وعلى رؤوسهم عمائم خضر وبأيديهم رايات صفر وهم على خيول شهب فلما اجتمعوا ~~حولي قالوا تقدموا على عدوكم ولا تهابوهم فإنكم غالبون فان الله ناصركم ثم ~~دعوا برجال منكم وسقوهم بكأس كان معهم فيه شراب وكأني أنظر عسكرنا وقد دخل ~~في عسكر الروم فلما رأونا ولوا بين أيدينا منهزمين فقال رجل من المسلمين ~~أصلحك الله أيها الأمير وأنا رايت الليلة رؤيا فقال أبو عبيدة خيرا ms266 تكون إن ~~شاء الله تعالى ما الذي رايت يرحمك الله فقال رأيت كأنا خرجنا نحو عدونا ~~فصاففناهم الحرب وقد انقضت عليهم من السماء PageV01P201 # طيور بيض لها أجنحة خضر ومخاليب كمخاليب النسور فجعلت تنقض عليهم كانقضاض ~~العقبان فإذا جاءت للرجل ضربته ضربة فيقع قطعا قال ففرح المسلمون بتلك ~~الرؤيا وقال بعضهم لبعض أبشروا فقد أمنكم الله وأيدكم بالنصر وأمدكم ~~بملائكته تقاتل معكم كما فعل بكم يوم بدر قال فسر أبو عبيدة بذلك وقال هذه ~~رؤيا حسنة وهي حق تأويلها النصر واني أرجو من الله تعالى النصر وعاقبة ~~المتقين فقال رجل من المسلمين أيها الأمير ما وقوفنا عن هؤلاء الكلاب ~~الاعلاج وما انتظارك للحرب وعدو الله يريد كيدنا بمطاولته وما تأخر عنا الا ~~لبلية يريد أن يوقعنا بها قال أبو عبيدة ان الامر أقرب مما تظنون قال سعيد ~~بن رفاعة الحميري فبينما نحن كذلك إذ سمعنا الأصوات قد علت والزعقات قد ~~ارتفعت من كل جانب يهتفون بالقتال وان الروم قد زحفت الينا فظن أبو عبيدة ~~أن المسلمين قد كبسوا في وجه السحر فقام ليرى وكان على حرس المسلمين تلك ~~الليلة سعيد بن زيد وعمرو بن نفيل العدوي رضي الله عنهما إذ أقبل سعيد وهو ~~ينادي النفير النفير حتى وقف أمام أبي عبيدة ومعه رجل من المتنصرة فقال ~~أيها الأمير ماهان كاد المسلمين بتخلفه عن الحرب وها هو قد عبى عساكره وصف ~~جيوشه وزحف علينا زحف من يريد الكبسة بنا ونحن على غير أهبة ولا عدة وهذا ~~الرجل قد أقبل الينا راغبا في الاسلام محذرا لنا من بأسه ويزعم أن ماهان قد ~~قدم الينا حماة البطارقة وقد أتفق رأيهم على أن يقاتلنا كل ملك من ملوكهم ~~بمن معه وهذا أصعب القتال ونظر المسلمون إلى رايات الروم تقرب منهم ~~والصلبان تدنو فقال أبو عبيدة لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ثم ~~قال اين أبو سليمان خالد بن الوليد فأجابه بالتلبية فقال له أنت لي يا أبا ~~سليمان فابرز في أبطال المسلمين وصد ms267 عن الحريم إلى أن تأخذ الرجال صفوفها ~~وتستعد بآلات حربها فقال حبا وكرامة فنادى خالد اين الزبير بن العوام أين ~~عبد الرحمن بن أبي بكر أين الفضل بن العباس أين يزيد بن أبي سفيان أين ~~ربيعة بن عامر أين ميسرة بن مسروق العبسي اين ميسرة بن قيس أين عبد الله بن ~~أنيس الجهني أين صخر بن حرب الأموي أين عمارة الدوسي أين عبد الله بن سلام ~~أين غانم الغنوي أين المقداد بن الأسود الكندي اين أبو ذر الغفاري اين عمرو ~~بن معد يكرب الزبيدي أين عمار بن ياسر العبسي أين ضرار بن الأزور أين عامر ~~بن الطفيل أين أبان بن عثمان بن عفان وجعل خالد يدعوهم رجلا بعد رجل من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل رجل منهم يلقى جيشا فاجتمعوا إلى ~~خالد بأجمعهم واشتغلوا بالحرب واشتغل أبو عبيدة بترتيب الصفوف وتعبية ~~العساكر فأقبل أبو سفيان إلى أبي عبيدة وقال له أيها الأمير مر نساءنا أن ~~يعلون على هذا التل قال نعم الرأي ما رأيت فأمرهن بذلك ففعلن وعلون على ~~التل وحصن أنفسهم وأولادهن ومعهن الأطفال والأولاد فقال لهن أبو ~~PageV01P202 # عبيدة خذن بأيديكن أعمدة البيوت والخيام وأجعلن الحجارة بين ايديكن وحرضن ~~المؤمنين على القتال فإن كان الامر لنا والظفر فكن على ما أنتن عليه وان ~~رأيتن أحدا من المسلمين منهزما فاضربن وجهه بأعمدتكن واحصبنه بحجارتكن ~~وارفعن اليه أولادكن وقلن له قاتل عن أهلك وعن دين الاسلام فقال النساء ~~أيها الأمير أبشر بما يسرك قال الواقدي فلما حصن أبو عبيدة النساء على التل ~~أقبل يعبي جيشه وقد والعدة وقسم الخيالة ثلاثة فرق فجعلها في الثلاثة صفوف ~~واستعمل عليهم ثلاثة من وابتدر الناس القتال بعدما عبأهم ميمنة وميسرة ~~وقلبا وجناحين وقدم أصحاب الرايات وكانت راية المهاجرين صفراء وفيها ابيض ~~وأخضر واسود وسائر القبائل أيضا راياتهم مختلفة وجعل المهاجرين والأنصار في ~~القلب واظهر المسلمون العدة والسلاح وجعل عسكره ثلاثة صفوف فصف فيه النبلة ~~من أهل اليمن وصف فيه أصحاب الخيل المسلمين ms268 أحدهم غياث بن حرملة العامري ~~والثاني مسلمة بن سيف اليربوعي والثالث القعقاع بن عمرو التميمي ووقف ~~المسلمون تحت راياتهم ووقف أبو عبيدة تحت رايته التي عقدها له أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه يوم مسيره إلى الشام وهي راية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الصفراء التي سار بها يوم خيبر قال ومع خالد راية العقاب وكانت سوداء ~~وجعل على الرجالة شرحبيل بن حسنة وعلى الجناح الأيمن يزيد بن أبي سفيان ~~وعلى الأيسر قيس بن هبيرة فلما ترتبت الصفوف سار أبو عبيدة بين الصفوف وجعل ~~يحرض المؤمنين على القتال ويقول * (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) * ~~والزموا الصبر فان الصبر منجاة من الكرب ومرضاة للرب ومقمعة للعدو فلا ~~تزايلوا صفوفكم ولا تنقضوا نيتكم ولا تخطوا خطوة الا وأنتم تذكرون الله ولا ~~تبدأوهم بالقتال حتى يبدأوكم وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت ~~الا من ذكر الله ولا تحدثوا حدثا حتى آمركم ثم رجع إلى مقامه من القلب فوقف ~~فيه ثم خرج من بعده معاذ بن جبل فطاف على الناس محرضا لهم يقول يا أهل ~~الدين ويا أنصار الهدي والحق اعلموا رحمكم الله تعالى ان رحمة الله لا تنال ~~الا بالعمل والنية ولا تدرك بالمعصية والتمني بغير عمل مرضي ولا تدخل الجنة ~~الا بالأعمال الصالحة مع رحمة الله ولا يؤتي الله الرحمة والمغفرة الواسعة ~~الا الصابرين والصادقين ألم تسمعوا قوله جل من قائل وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا ~~يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون واستحيوا من الله أن ~~يراكم في فرار من عدوكم وأنتم في قبضته ليس لكم ملجا من دونه ولم يزل معاذ ~~يقول ذلك إلى أن رجع إلى مقامه ثم خرج سهل بن عمرو فمشى بين الصفوف وهو ~~شاكي السلاح وراكب فرسه متقلد سيفه وهو يقول مثله ثم رجع وخرج من بعده أبو ms269 ~~سفيان فطاف بين الصفوف وهو شاكي السلاح راكب فرسه PageV01P203 # متقلد سيفه معتقل رمحه وهو يقول معاشر العرب الكرام السادة العظام قد ~~أصبحتم في ديار الاعلاج منقطعين عن الأهل والأوطان ووالله لا ينجيكم منهم ~~الا الطعن الصائب في أعينهم والضرب المتدارك في هاماتهم وبذلك تبلغون أربكم ~~وتنالون الفوز من ربكم واعلموا أن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به ~~الهم وينجي به من الغم فاصدقوا القتال فان النصر ينزل مع الصبر فان صبرتم ~~ملكتم بلادهم وأمصارهم واستعبدتم أبناءهم ونساءهم وان وليتم فليس بين ~~أيديكم الا مفاوز لا تنقطع الا بالزاد الكثير والماء الغزير ولا ترجعوا إلى ~~دور ولا إلى قصور فامنعوا بسيوفكم وجاهدوا في الله حق جهاده ولا تموتن الا ~~وأنتم مسلمون قال ثم خرج من بين الصفوف واقبل على النساء وهن على التل ~~وفيهن المهاجرات وبنات الأنصار وغيرهن من نساء المسلمين ومعهن أولادهن فقال ~~لهن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والجنة أمامكم والشيطان والنار وراءكم ~~واقبل حتى وقف مكانه ولم تغن مكيدة ماهان شيئا ورجعت الروم إلى ورائها حين ~~نظروا خالدا زحف إليهم في خمسمائة فارس فخافوا لذلك ورجعوا حتى اصطفت ~~الصفوف وعبى المسلمون كتائبهم فقال ماهان ما يوقفكم عن قتالهم فازحفوا ~~إليهم فزحف الروم إلى المسلمين فنظر خالد إلى جيش عرمرم قال وكان ماهان قد ~~انفذ ثلاثين ألفا من عظمائهم فحفروا لهم في الميمنة حفائر ونزلوا فيها ~~وشدوا أرجلهم بالسلاسل واقترن كل عشرة في سلسلة التماسا لحفظ عسكرهم وحلفوا ~~بعيسى بن مريم والصليب والقسيسين والرهبان والكنائس الأربع أن لا يفروا حتى ~~يقتلوا عن آخرهم فلما نظر خالد إلى ما صنعوا قال لمن حوله من جيش الزحف هذا ~~يوشك ان يكون يوما عظيما ثم قال اللهم أيد المسلمين بالنصر ثم أقبل على أبي ~~عبيدة وقال أيها الأمير ان القوم قد اقترنوا في السلاسل وزحفوا الينا ~~بالقواضب ويوشك أن يكون على الناس يوما عظيما فقال لهم أن العدو عدده كثير ~~وما ينجيكم الا الصبر ثم قال لخالد فما ms270 الذي ترى من الرأي يا أبا سليمان ~~قال الواقدي وكان ماهان قدم من الروم من عرفت شجاعته وعلمت براعته واشتهر ~~بالثبات في بلادهم وهم مائة الف فلما نظر خالد إليهم شهد لهم بالفروسية ~~وأنهم من أهل الشدة وقال لأبي عبيدة ان الرأي عندي أن توقف في مكاننا الذي ~~أنت فيه سعيد بن زيد وتقف أنت من وراء الناس في مائتين وفي ثلاثمائة من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا علم الناس انك من ورائهم استحيوا ~~من الله ثم منك أن يفروا قال فقبل أبو عبيدة مشورته ودعا سعيد بن زيد بن ~~عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة فأوقفه أبو عبيدة مكانه ثم ~~انتخب أبو عبيدة مائتي فارس من اليمن وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار ~~ووقف بهم من وراء الجيش بحذاء سعيد بن زيد قال حدثني ورقة بن مهلهل التنوخي ~~وكان صاحب راية أبي عبيدة يوم PageV01P204 # اليرموك قال وكان أول من فتح باب الحرب يوم اليرموك في جيش السلاسل غلام ~~من الازدحدثا كيسا فقال لأبي عبيدة أيها الأمير أني أردت أن أشفي قلبي ~~وأجاهد عدوي وعدو الاسلام وابذل نفسي في سبيل الله تعالى لعلي أرزق الشهادة ~~فهل تأذن لي في ذلك وان كان لك حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرني بها قال فبكى أبو عبيدة وقال اقرىء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره انا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا قال ثم دفع الغلام الأزدي جواده وحمل ~~يريد الحرب فخرج اليه علج من الروم قام من الرجال على فرس اشهب فلما رآه ~~الغلام قصد نحوه وقد احتسب نفسه في سبيل الله تعالى فلما قرب منه قال * لا ~~بد من طعن وضرب صائب * بكل لدن وحسام قاضب * عسى أنال الفوز بالمواهب * في ~~جنة الفردوس والمراتب * قال وبعد شعره حمل كل منهما على صاحبه وابتدأ ~~الغلام الأزدي الرومي بطعنة فجندله صريعا وأخذ عدته وجواده وسلم ذلك لرجل ~~من قومه وعاد إلى البراز فخرج اليه آخر ms271 فقتله وثالث ورابع فقتلهم فخرج اليه ~~خامس فقتل الأزدي فغضبت الأزد عند ذلك ودنت من صفوف المشركين فعندها أقبلت ~~الروم وزحفت كالجراد المنتشر حتى دنا طرفهم من ميمنة المسلمين فقال أبو ~~عبيدة أن أعداء الله قد زحفوا عليكم فنكلوهم واعلموا ان الله معكم وثبتوا ~~نفوسكم بالصبر والصدق واللقاء والنصر من الله ثم رمق إلى السماء بطرفه وقال ~~اللهم إياك نعبد وإياك نستعين ولك نوحد ولا نشرك بك شيئا وان هؤلاء أعداؤك ~~يكفرون بك وبآياتك ويتخذون لك ولدا اللهم زلزل أقدامهم وأرجف قلوبهم وأنزل ~~علينا السكينة وألزمنا كلمة التقوى وآمنا عذابك يا من لا تخلف الميعاد ~~اللهم انصرنا عليهم يا من قال في كتابه العزيز واعتصموا بالله هو مولاكم ~~فنعم المولى ونعم النصير قال فبينما هو يدعو بهذه الدعوات إذ حملت الروم ~~على ميمنة المسلمين وكان فيها الأزد ومذحج وحضرموت وخولان فحملت عليهم ~~الروم حملة منكرة فصبروا لهم صبر الكرام وقاتلوا قتالا شديدا وثبتوا ثباتا ~~حسنا وحملت عليهم كتيبة ثانية فصبروا صبرا جميلا وحملت عليهم كتيبة ثالثة ~~فأزالوا المسلمين عن الميمنة فابتدر منهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي وهو ~~المقدم على زبيد والأمير عليهم وهم يعظمونه لما سبق من شجاعته في الجاهلية ~~وكان يوم اليرموك قد مر له من العمر مائة وعشرون سنة الا ان همته الشجاعة ~~فلما نظر إلى قومه وقد انكشفوا صاح في قومه يا آل زبيد يا آل زبيد تفرون من ~~الأعداء وتفزعون من شرب كأس الردى أترضون لأنفسكم بالعار والمذلة فما هذا ~~الانزعاج من كلاب الاعلاج أما علمتم ان الله مطلع عليكم وعلى المجاهدين ~~والصابرين فإذا نظر إليهم وقد لزموا الصبر في مرضاته وثبتوا لقضائه أمدهم ~~بنصره وأيدهم بصبره فأين تهربون من الجنة أرضيتم بالعار ودخول النار وغضب ~~الجبار قال فلما سمعت زبيد كلام سيدهم عمرو بن PageV01P205 # معد يكرب رجعوا اليه وعطفوا عليه عطفة الإبل على أولادها فاجتمعوا حوله ~~زهاء من خمسمائة فارس وراجل وشدوا على القوم شدة واحدة وحملت معهم حمير ~~وحضرموت وخولان وحملوا حملة صعبة ms272 فازالوا الروم عن أماكنهم وحملت دوس مع ~~أبي هريرة وهز رايته وهو يحرض قومه على القتال ويقول أيها الناس سارعوا إلى ~~معانقة الحور العين في جوار رب العالمين وما من موطن أحب إلى الله من هذا ~~الموطن الا وان الصابرين قد فضلهم الله على غيرهم الذين لم يشهدوا مشهدهم ~~فلما سمعت دوس كلامه طافوا به وحملوا على الروم حملة منكرة ودارت بينهم ~~الحرب كما تدور الرحى وتكاثرت جموع الروم على ميمنة المسلمين فعادت الخيل ~~تنكص بأذنابها راجعة على أعقابها منكشفة كانكشاف الغنم بين أيدي الأسد ~~ونظرت النساء خيل المسلمين راجعة على أعقابها فنادت النساء يا بنات العرب ~~دونكن والرجال ردوهم من الهزيمة حتى يعودوا إلى الحرب قالت سعيدة بنت عاصم ~~الخولاني كنت في جملة النساء يؤمئذ على التل فلما انكشفت ميمنة المسلمين ~~صاحت بنا عفيرة بن غفار وكانت من المترجلات البازلات ونادت يا نساء العرب ~~دونكن والرجال واحملن أولادكن على ايديكن واستقبلنهم بالتحريض فأقبلت ~~النسوة يرجمن وجوه الخيل بالحجارة وجعلت ابنة العاص بن منبه تنادى قبح الله ~~وجه رجل يفر عن حليلته وجعل النساء يقلن لأزواجهن لستم لنا ببعولة ان لم ~~تمنعوا عنا هؤلاء الاعلاج قال العباس بن سهل الساعدي كانت خولة بنت الأزور ~~وخولة بن ثعلبة الأنصارية وكعوب ابنة مالك بن عاصم وسلمى ابنة هاشم ونعم ~~ابنة فياض وهند ابنة عتبة بن ربيعة ولبنى ابنة جرير الحميرية متحزمات وهن ~~أمام النساء والمزاهر معهن وخولة تقول هذه الأبيات * يا هاربا عن نسوة ثقات ~~* لها جمال ولها ثبات * تسلموهن إلى الهنات * تملك نواصينا مع البنات * ~~أعلاج سوق فسق عتاة * ينلن منا أعظم الشتات * قال ورجعت الفرسان تحرض ~~الفرسان على القتال فرجع المنهزمون رجعة عظيمة عندما سمعوا تحريض النساء ~~وخرجت هند ابنة عتبة وبيدها مزهر ومن خلفها نساء من المهاجرين وهي تقول ~~الشعر الذي قالته يوم أحد وهو هذا * نحن بنات طارق * نمشي على النمارق * ~~مشي القطا الموافق * قيدي مع المرافق * ومن أبى نفارق * أن تغلبوا نمالق * ~~أو تدبروا نفارق * فراق غير ms273 واثق * هل من كريم عاشق * يحمي عن العواتق * ~~قال ثم استقبلت خيل ميمنة المسلمين فراتهم منهزمين فصاحت بهم إلى أين ~~تنهزمون اين تفرون من الله ومن جنته وهو مطلع عليكم ونظرت إلى زوجها أبي ~~سفيان PageV01P206 # منهزما فضربت وجه حصانه بعمودها وقالت له إلى أين يا أبن صخر ارجع إلى ~~القتال وابذل مهجتك حتى تمحص ما سلف من تحريضك على رسول الله صلى الله ليه ~~وسلم قال الزبير بن العوام فلما سمعت كلام هند لأبي سفيان ذكرت يوم أحد ~~ونحن بين يدي رسول الله عليه وسلم قال فعطف أبو سفيان عندما سمع كلام هند ~~وعطف المسلمون معه ونظرت إلى النساء وقد حملن معهم وقد رأيتهن يسابقن ~~الرجال وبأيديهن العمد بين أرجل الخيل ولقد رأيت منهن امرأة وقد أقبلت إلى ~~علج عظيم وهو على فرسه فتعلقت به وما زالت به حتى نكسته عن جواده وقتلته ~~وهي تقول هذا بيان نصر الله المسلمين قال الزبير بن العوام وحمل المسلمون ~~حملة منكرة لا يريدون غير رضا الله ورسوله وقاتلت الأزد مع أبي هريرة وفشا ~~فيهم القتل وأصيب منهم خلق كثير لأنهم تلقوأ الصدمة الأولى بأنفسهم واستشهد ~~منهم ما لم يستشهد من غيرهم قال سعيد بن زيد كان القتال في الميمنة شديدا ~~وكان المسلمون ينهزمون تارة ويعودون مرة وساعة نصبر وساعة نتأخر قال ونظر ~~خالد بن الوليد إلى الميمنة وقد وصلت إلى القلب فصاح بمن معه من الخيل ومال ~~عليهم فمالوا وكانوا زهاء ستة آلاف فكبر وحمل على الروم فنكى بهم نكاية ~~عظيمة حتى كشف أعداء الله عن الميمنة والقلب إلى أن ردت إلى مواضعها ووقف ~~خالد أمامهم يطارد من كان قريبا للمسلمين قال فانكسر الروم أمام خالد ونظر ~~خالد إلى فرسانه فرآهم متبددين فنادى يا أهل الاسلام والايمان ويا حملة ~~القرآن ويا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد تبينت في الروم الكسرة ~~العظيمة ولم يبق عند القوم من الجلد والقتال الا ما رأيتم وقد كسر الله ~~حدثتهم فردوا عليهم الكسرة وشدوا عليهم الكرة ms274 رحمكم الله فوالذي نفس خالد ~~بيده اني لأرجو ان يمنحكم الله أكتافهم فنادى المسلمون من كل جانب احمل حتى ~~نحمل معك قال فانتضى خالد سيفه وحمل وحملت أصحابه معه قال عبد الرحمن بن ~~الحميدي الجمحي كنت ممن حمل مع خالد فوالله لقدانكشفت الروم بين أيدينا ~~وولت كما تولي الغنم بين يدي الأسد وتبعهم المسلمون وكانت الحملة على ميمنة ~~الروم فانكشفوا انكشافا قبيحا وأما المسلسلة فما برحوا من مواضعهم وكانوا ~~يرمون بالسهام وهم حماة القوم الشعار قال عبد الرحمن وكان خالد أمامنا في ~~حملته ونحن من ورائه وكان شعارنا يا محمد يا منصور أمتك أمتك فلم يزل خالد ~~في حملته ونحن من ورائه حتى وصل إلى الديرجان وكان قائما في موضعه الذي ~~أقامه فيه ماهان معه صليب من الجوهر ومعه أصحابه ينتظرون حملته فيحملون معه ~~فلما وصلت خيل خالد إلى موضعه قال له البطارقة أيها الملك أما آن لك أن ~~تحمل نحمل معك أو تولي فقد خالطتنا خيل العرب فقال لأصحابه اعلموا أن يوم ~~السوء لا أحبه ولا أحب أن أراه ولا أحضره وقد أحضرني الملك إلى هذا الموقف ~~وأنا كارهه ولكن لفوا وجهي ورأسي في هذا الثوب PageV01P207 # حتى لا أرى الحرب قال فلفوا وجهه ورأسه في ثوب ديباج والناس يقتتلون حتى ~~انهزمت الروم بين أيدي المسلمين ووصلوا إلى الديرجان وهو ملفوف الرأس فحمل ~~عليه ضرار بن الأزور فقتله قال الواقدي وكان أحسن صنع الله تعالى بالمسلمين ~~ان جرجير و قناطر اختلفا وتنازعا وكان جرجير في الميمنة مع الأرمن وقناطر ~~في الميسرة تحته فقال جرجير لقناطر احمل على العرب فما هذا وقت الوقوف فقال ~~قناطر تأمرني أن أحمل وكيف لا تحمل أنت فقال جرجير لقناطر وكيف لا آمرك ~~وأنا أمير عليك فقال قناطر كذب أنت أمير وأنا أمير عليك وفوقك وأنت مأمور ~~لي بالطاعة فاختلفا وغضب جرجير من قول قناطر فحمل على المسلمين حملة شديدة ~~وكانت حملته على كنانة وقيس وخثعم وجذام وقضاعة وعاملة وغسان وهم يؤمئذ ~~فيما بين الميسرة والقلب ms275 فكشف الروم المسلمين حتى زالت عن مصافهم ولم يبق ~~منهم الا أصحاب الرايات فقاتلوا من يليهم قتالا شديدا وركب الروم أكتاف ~~المسلمين المنهزمين إلى أن دخلوا معهم إلى معسكرهم فاستقبلهم النساء بالعمد ~~يضربن وجوه الخيل ويرمين وجوهها بالحجارة وينادين بهم إلى أين تنهزمون يا ~~أهل الاسلام عن الأمهات والأخوات والبنين والبنات أتريدون أن تسلمونا ~~للاعلاج قال منهال الدوسي فلقد كانت النساء أشد علينا غلظة من الروم فرجع ~~المسلمون عن الهزيمة ونادى بعضهم بعضا * (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) * ~~وعطفوا على الروم عطفة عظيمة قال وكان قتامة بن أيشم الكناني أمام المسلمين ~~يضرب في عراض المشركين تارة بالسيف وتارة بالرمح حتى كسر ثلاثة رماح وهو ~~يقول * ساحمل في الروم الكلاب النوابح * وأضربهم ضربا بحد الصفائح * وأرضي ~~رسول الله خير مؤمل * نبي الهدى للدين أشرف ناصح * قال الواقدي ثم حمل حتى ~~كسر سيفين وجعل كلما كسر رمحا أو سيفا يقول من يعيرني سيفا أو رمحا في سبيل ~~الله وأجره على الله ثم نادى يا معاشر قيس خذوا نصيبكم من الاجر والصبر فان ~~الصبر في الدنيا عز ومكرمة وفي الآخرة رحمة وفضيلة * (اصبروا وصابروا ~~ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) * قال فاجابه قومه ونشطوا للقتال قال ~~قتامة بن أيشم الكناني فما رأيت مثل حملة قناطر وقومه ولقد اختلطوا بنا ~~واختلطنا بهم قال ورجع خالد من دهمته ومعه ألفان من أصحابه وقد وضعوا ~~السيوف في الروم وقتلوهم قتلا ذريعا والقتل لا يبين فيهم لكثرتهم واقبل ~~خالد على الناس من كرته فرأى الناس يقولون جزى الله قتامة بن الايشم خيرا ~~عن الاسلام فشكره وجزاه خيرا قال وأقبلت ذرعه ابنة الحرث منحدرة عن التل ~~وهي تقول ما فعل خالد حتى وقفت بين يديه وقالت يا ابن الوليد أنت من العرب ~~الكرام وانما الرجال بامرائها فان ثبتوا ثبتت الرجال معهم وان انهزموا ~~انهزمت الرجال معهم فقال لها خالد ما كنت من المنهزمين وما كنا الا نقاتل ~~في الاعلاج فقالت قبح PageV01P208 # الله وجه عبد نظر إلى أميره ثابتا وهو منهزم ms276 عنه قال الواقدي ونظر ماهان ~~لعنه الله إلى الميمنة من عسكره وقد عركت عراك الأديم فبعث إليهم يحرضهم ~~على القتال فعندها خرج علج من الروم وعليه درع سابغ السلاح كأنه قطعة جبل ~~وهو على شهباء عظيمة الخلقة فبرز بين الصفين وجال على شهبائه وسال القتال ~~فخرج اليه غلام من الأزد فما جال معه جولة حتى قتله العلج ثم دعا بالبراز ~~فهم ان يخرج اليه معاذ بن جبل فقال أبو عبيدة يا معاذ سألتك بحق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الا ما ثبت مكانك ولزمت رأيتك ولزومك الراية أحب إلي من ~~برازك إلى هذا العلج فوقف معاذ بالراية ونادى يا معاشر المسلمين من أراد ~~فرسا يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي وسلاحي فجاءه ولده عبد الرحمن فقال ~~أنا يا أبت وكان غلاما لم يحتلم قال فلبس السلاح وركب الجواد وقال يا أبت ~~أنا خارج إلى هذا العلج فان صبرت فالمنة لله علي وان قتلت فالسلام عليك وان ~~كان لك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فأوصني بها فقال له معاذ يا ~~بني أقرئه مني السلام وقل له جزاك الله عن أمتك خيرا ثم قال يا بني أخرج ~~وفقك الله لما يحب ويرضي فخرج عبد الرحمن بن معاذ إلى العلج كأنه شعلة نار ~~وحمل على العلج وضربه بالسيف فمال عنه العلج ومال اليه وضربه على رأسه فقطع ~~العمامة وشجه شجة فاضحة أسالت دمه فلما رأى العلج ذلك الدم ظن أنه قتل ~~فتأخر إلى ورائه لينظر كيف يسقط عن جواده فلما نظر عبد الرحمن إلى العلج ~~وقد تأخر عنه انثنى راجعا إلى المسلمين فقال له معاذ ما بك يا بني قال ~~قتلني العلج قال له ما الذي تريد من الدنيا يا بني ثم إنه شد جرحه قال ~~فعندها صال العلج وحمل فردته الأزد قال أبو عبيدة فمن له منكم فخرج اليه ~~عامر بن الطفيل الدوسي وكان من أصحاب الرايات ممن شهد اليمامة مع خالد بن ~~الوليد وكان قد رأى ms277 يوم اليمامة في منامه في قتال مسيلمة الكذاب كأن امرأة ~~لقيته ففتحت له فرجها فدخل فيه ونظر اليه ابنه فأسرع ليدخل مكانه ثم استيقظ ~~وقص ذلك على المسلمين فلم يدر أحد ما تأويله فقال ابن الطفيل أما أنا فأعرف ~~تأويلها قالوا وما تأويلها يا أبن الطفيل قال تأويله أني أقتل لأن المرأة ~~التي أدخلتني فرجها هي الأرض وابني سيصيبه جراح ويوشك أن يلتقي بي قال ~~فقاتل يوم اليمامة وابلى بلاء حسنا وسلم ولم يلحقه أذى لا فلما كان يوم ~~اليرموك شهد فيه الحرب وخرج إلى قتال العلج وهو كأنه شعلة حريق أو صاعقة ~~وطعن البطريق وكانت قناته قد شهدت معه المشاهد فاندقت بين يديه وانتضى سيفه ~~وهزه وضرب به العلج على عاتقه فخالط أمعاءه فتنكس العلج صريعا عن جواده ~~وأسرع عامر بن الطفيل فرمى به إلى المسلمين وسلمه إلى ولده وانثنى راجعا ~~نحو الروم وحمل على الميمنة وعلى الميسرة وعلى القلب ثم قصد المتنصرة فقتل ~~منهم فارسا ودعا للبراز وخرج اليه جبلة بن الأيهم وعليه درع من الديباج ~~المثقل بالذهب وتحتها درع من دروع التبابعة وعليه بيضة تلمع PageV01P209 # كشعاع الشمس وتحته فرس من نسل خيول عاد فلما خرج جبلة إلى عامر بن الطفيل ~~قال له من أي الناس أنت قال أنا من دوس قال جبلة انك من القرابة فابق على ~~نفسك وارجع إلى قومك ودع عنك الطمع فقال له عامر قد أخبرتك من أنا ومن ~~قبيلتي فأنت من أي العرب قال أنا من غسان وأنا سيدها جميعها أنا جبلة بن ~~الأيهم الغساني وانما خرجت إليك حين نظرت إليك وقد قتلت هذا البطريق الشديد ~~وهو نظير ماهان وجرجير في الشجاعة فعلمت انك كفؤ فخرجت لأقتلك وأحظى عند ~~ماهان وهرقل بقتلك فقال عامر بن الطفيل أما ما ذكرت من شدة القوم وعظم ~~خلقهم فالله أشد منعة وهو مهلك الجبابرة وأما قولك انك تحظى بقتلي عند ~~مخلوق مثلك فاني أريد أن أحظى بجهادي عند رب العالمين بقتلك وحمل عامر على ~~جبلة بن الأيهم ms278 والتقيا بضربتين فخرجت ضربة عامر بن الطفيل غير ممكنة وخرجت ~~ضربة جبلة ممكنة فقطعت من قرنه إلى كتفه فسقط عامر قتيلا فجال جبلة على ~~مصرعه ووقف يعجب بنفسه وبما صنع وطلب البراز فخرج اليه ولد المقتول وهو ~~جندب بن عامر بن الطفيل وكانت معه راية أبيه فاقبل إلى أبي عبيدة وقال أيها ~~الأمير ان أبي قد قتل وأريد أن آخذ بثأره أو أقتل فادفع رأيتك لمن شئت من ~~دوس فأخذ أبو عبيدة الراية ودفعها لرجل من دوس فحملها وخرج جندب إلى قتال ~~جبلة بن الأيهم وهو ينشد ويقول * سأبذل مهجتي أبدا لأني * أريد العفو من رب ~~كريم * وأضرب في العدا جهدي بسيفي * وأقتل كل جبار لئيم * فان الخلد في ~~الجنات حق * تباح لكل مقدام سليم * قال ودنا من جبلة وقال له أثبت يا قاتل ~~أبي لأقتلك به فقال جبلة ومن أنت من المقتول قال ولده قال جبلة ما الذي ~~حملكم على قتل نفوسكم وأولادكم وقتل النفوس محرم قال جندب ان قتل النفس في ~~سبيل الله محمود عند الله وننال به الدرحة العالية فقال له جبلة اني لا ~~أريد قتلك فقال جندب وكيف أرجع وأنا المفجوع بأبي والله لا رجعت أو آخذ ~~بثأر أبي أو الحق به ثم حمل على جبلة وجعلا يقتتلان وقد شخصت نحوهما ~~الابصار ونظر جبلة إلى الغلام وما أبدى من شجاعته فعلم أنه شديد الباس صعب ~~المراس فأخذ منه حذره وغسان ترمق صاحبها فرأت الغلام جندبا وقد ظهر على ~~صاحبهم وقارنه في الحرب فصاح بعضهم على بعض وقالوا ان هذا الغلام الذي برز ~~إلى سيدكم غلام نجيب وان تركتموه ظهر عليه فانجدوه ولا تدعوه فتأهب غسان ~~للحملة ليستنفذوه ونظر المسلمون إلى جندب وما قد ظهر منه ومن شجاعته وشدته ~~ففرحوا بذلك ونظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك وما فعل فبكى وقال هكذا يكون من ~~يبذل مهجته في سبيل الله اللهم تقبل له فعله قال جابر بن عبد الله شهدت ~~قتال اليرموك فيما رأيت غلاما كان أنجب من ms279 جندب بن عامر بن الطفيل حين ~~قاتله جبلة وبعد ذلك حمل على جبلة وضربه ضربة PageV01P210 # أوهته بها وضربه جبلة فقتله وعجل الله بروحه إلى الجنة وتحقق منام أبيه ~~عامر بن الطفيل وجال جبلة على مصرعه وطلب البراز فصاح به قومه ارجع الينا ~~فقد قضيت ما يجب عليك فرجع وهو معجب بنفسه حتى وقف تحت صليبه قال وبعث اليه ~~ماهان يشكره وأصيب المسلمون بعامر بن الطفيل وولده جندب قال فعندها صاحت ~~دوس الجنة الجنة خذوا بثأر سيدكم عامر وساعدتها الأزد وكانوا احلافهم ~~وحملوا على غسان ولخم وجذام وتناشدوا الاشعار فصاح أبو عبيدة بالمسلمين ~~وقال أيها الناس سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة الآية ومعانقة الحور العين ~~في جنات النعيم فما من موطن أحب إلى الله من هذا الموطن الا وان الصابرين ~~فضلهم الله على غيرهم ممن لم يشهد مشهدهم هذا ولما سمعت الأزد ذلك حملت مع ~~دوس وكان شعارهم يؤمئذ الجنة الجنة قال الواقدي حدثني موسى بن محمد عن عطاء ~~بن مراد قال سألت رجالا عدة ما كان شعار المسلمين يوم اليرموك فأخبرت ان ~~شعار أبي عبيدة أمت أمت وشعار عبس يا لعبس وشعار اليمن من أخلاط الناس يا ~~أنصار الله وشعار خالد ومن معه يا حزب الله وشعار حمير الفتح وشعار دارم ~~والسكاسك الصبر الصبر وشعار بني مراد يا نصر الله أنزل فهذه كانت شعار ~~المسلمين يوم اليرموك قال فلما حملت دوس تبعها الأزد وقصدت العرب المتنصرة ~~وطلبت صليبهم وفرقتهم تفريقا صعبا حتى وصلوا إلى الصليب فطلب رجل منهم حامل ~~العلم الذي لفسان فأرداه عن فرسه ووقع الصليب من يده منكوسا وقتل من الأزد ~~ودوس رجال إلا أنهم كانوا مثل الشامة البيضاء في جلد البعير الأسود ثم كرت ~~غسان تريد أخذ صليبهم فاقتتلوا عنده قتالا شديدا حتى قتلوا خلقا كثيرا قال ~~الواقدي حدثني هسام بن عمارة عن أبي الجريري عن نافع عن جبير بن الحويرث عن ~~عبد الله بن عدي قال شهدت اليرموك فكان المسلمون خمسة وعشرين ألفا فغضب ~~الحويرث ms280 وقال كذب من حدثك بهذا الحديث فان المسلمين كانوا يوم اليرموك أحدا ~~وأربعين ألفا وقد أديت إليك ما سمعته ممن أثق به من الرواة قال الواقدي ~~وهذا أثبت الأقاويل لان المسلمين كانوا يوم أجنادين اثنين وثلاثين ألفا ~~وجاءت الامداد بعد ذلك قال الواقدي حدثني ابن أبي نمرة عن عبد الحميد بن ~~سهل عن جده قال لما حملت الأزد يوم اليرموك ودوس ودوخت المشركين دوخة عظيمة ~~وحمل المشركون حملة هائلة انكشف المسلمون وكان صاحب لوائهم عياض بن غنم ~~الأشعري فولى منهزما واللواء بيده فصاح به الناس إنما ثبات القوم وأهل ~~الحرب بألويتهم فابتدر لأخذه عمرو بن العاص وخالد بن الوليد كلاهما يتسابق ~~اليه فأخذه عمرو ولم يزل يقاتل به حتى انهزمت الروم وفتح الله على أيدي ~~المسلمين وكان اليوم الثالث من اليرموك يوما PageV01P211 # شديدا انهزمت فيه فرسان المسلمين ثلاث مرات كل مرة تردهم النساء بالحجارة ~~والعمد ويلوحون بالأطفال إليهم فيرجعون إلى القتال ولم يزل القتال قائما ~~إلى أن اقبل الليل بسواده ورجعت الروم إلى مواضعها والقتل فيهم كثير وفي ~~المسلمين قليل الا ان الجراح فيهم فاشية من النشاب فلما دخل الليل بسواده ~~رجعت كل فرقة إلى أماكنها وباتوا تحت السلاح قال وأما المسلمون فما كانت ~~همتهم الا الصلاة وبعد ذلك شدوا الجراح وصلى أبو عبيدة رضي الله عنه وقال ~~أيها الناس إذا عظم البلاء فانتظروا الفرج فإنه يأتي من عند الله فاضرموا ~~نيرانكم وتحارسوا وأظهروا التهليل والتكبير وقام أبو عبيدة يمشي في الناس ~~هو وخالد بن الوليد يتفقدان الجرحى ويقولان أيها الناس أن عدوكم يألم كما ~~تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وباتا طول ليلهم كله وهما طائفان على ~~المسلمين إلى أن أصبح الصباح قال وانحازت الروم إلى جانب اليرموك مع ماهان ~~الأرمني فجمع بطارقته ووبخهم وزجرهم وقال لهم قد علمت أن هذا يكون منكم وقد ~~رأيت فشلكم وخوفكم وجزعكم من هؤلاء العرب الضعاف قال فاعتذروا اليه وقالوا ~~غدا نبارزهم فان فينا فرسانا وشجعانا لم يقاتلوا أصلا وغدا نصدقهم الحرب ms281 ~~فتكون لنا العاقبة قال فسكت عن توبيخهم وأمرهم أن يتأهبوا لذلك وبات ~~الفريقان يتحارسون وقد رعبت الروم من كثرة القتل فيهم واما المسلمون فإنهم ~~أقوى قلوبا لشدة دينهم ويقينهم قال فلما أصبح الصباح صلى بهم أبو عبيدة ~~صلاة الخوف وإذا بالصلبان قد بدت وبرايات القوم قد طلعت في عدد الشوك ~~والشجر كأنهم لم يلاقوا قتالا قط فوقفوا في مصافهم ونصب ماهان سريره على ~~الكثيب الذي كان عليه بالأمس وهو يشرف منه على العساكر فامرهم أن يعبوا ~~مصافهم فلما نظر أمير المؤمنين إلى سرعة الروم صاح كل أمير برجاله وحرضهم ~~على القتال فانقلبوا من الصلاة إلى خيولهم ولبسوا السلاح وركبوا خيولهم ~~ورجع كل أمير إلى مكانه وهو يعظ أصحابه ويوصيهم ويعدهم من الله بالنصر وسار ~~أبو عبيدة بين الصفوف وهو يصف لهم فضل الجهاد وما أعد الله للمجاهدين ~~الصابرين وخلف على الذراري والنساء والأموال والأولاد عمرو بن سعيد ابن عبد ~~الله الأنصاري وجعل من الرماة خمسمائة في الميسرة وخمسمائة في القلب وطاف ~~أبو عبيدة عليهم وقال لهم معاشر الرماة الزموا مراكزكم فان رأيتم القوم ~~زحفوا الينا فارشقوهم بالنبل واذكروهم عند رميكم ولا تتركوها مفرقة ولتخرج ~~سهامكم كأنها من كبد قوس واحدة فان هم زحفوا إليكم فاثبتوا مكانكم حتى ~~يأتيكم أمري ففعلوا ما امرهم به الأمير وتقدم أبو سفيان إلى ولده يزيد ~~والراية في يده وحوله أصحابه وقد عزم على الحملة والجهاد فقال يا بني ان ~~أحسنت أحسن الله إليك عليك بتقوى الله والصبر فاتق الله حق تقاته وانصر دين ~~الله وشرع نبيه صلى الله عليه وسلم وإياك والجزع فما قضاه ربنا قد أمضاه ~~فاصبر مع أصحابك صبر أولى العزم وأياك ثم إياك أن يراك الله PageV01P212 # منهزما فتبوء بغضب من الله قال يزيد سأصبر جهدي وطاقتي والله أسأله أن ~~يكون معينا لي وناصرا ثم صاح يزيد برجاله وهز الراية وندبهم إلى القتال ~~وحمل على من يليه من الروم فقاتلوا قتالا عظيما ولم يزالوا حتى انكوا العدو ~~نكاية عظيمة وأبلوا بلاء حسنا وكان ms282 قتالهم من جانب القلب ولم يزالوا كذلك ~~حتى برز إليهم بطريق من البطارق وبيده رمح عظيم وعليه صليب من الذهب وحوله ~~زهاء من عشرة آلاف فارس من الروم فحملوا على الميمنة وكان فيهم عمرو بن ~~العاس ومن معه فرجعوا على أعقابهم منهزمين حتى دخلت الروم في أوائل عسكر ~~المسلمين مما يلي عمرا ومن معه وهم يتراجعون على الرجال فيكرون تارة ~~ويرجعون تارة حتى تكاثرت عليهم الروم فكشفوهم حتى الصقوهم بالتل الذي عليه ~~النساء وأحاطوا بالتل فصاحت امرأة اين أنصار الدين اين حماة المسلمين وكان ~~الزبير ابن العوام جالسا عند زوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق يداوى عينه ~~وكان أرمد فلما سمع صوت المرأة وهي تنادي أين أنصار الدين قال يا أسماء ما ~~لهذه المرأة تصيح اين أنصار الدين فقالت له عفرة ابنة عثمان يا ابن عمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم انهزمت ميمنة المسلمين حتى الجاهم الروم ~~الينا وأحاط بنا الاعلاج وهذه نساء الأنصار مستصرخة بانصار الدين فقال ~~الزبير والله اني انا من أنصار الدين ولا يراني الله جالسا في مثل هذا ~~الوقت قال ثم طرح الخرقة عن عينه واستوى جالسا على متن جواده فأخذ قناته ~~وتسمى باسمه وقال في حملته أنا الزيبر بن العوام أنا ابن عمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجعل يطعن فيهم طعنا متداركا حتى ردهم على أعقابهم وخيلهم ~~تنكص بأذنابها قال ليث بن جابر فلله در الزبير بن العوام لقد رد الروم ~~بنفسه وحده إذ حمل عليهم وما كان معه من العرب أحد حتى ردهم إلى عسكرهم ~~وتراجعت خيل عمرو ورجاله وهو ينادي الرجعة الرجعة الحزم الحزم يا أهل ~~الاسلام الصبر الصبر فتراجعوا بعد أدبارهم قال الواقدي وحمل جرجير الأرمني ~~في ثلاثين ألفا من الأرمن على شرحبيل ابن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فانكشف أصحاب شرحبيل بن حسنة ولم يثبت غيره لقتال الروم في عصبة ~~من قومه دون الخمسمائة فجعل شرحبيل يحمل على الأرمن وهو يقول يا أهل ~~الاسلام ms283 لا فرار من الموت الصبر الصبر قال فتراجع أصحابه اليه وحملوا على ~~الأرمن فردوهم على أعقابهم وجعلوا يضربون فيهم حتى أصابوا من الأرمن ما لم ~~يصبه الأرمن منهم فرجع شرحبيل إلى مكانه ودار به أصحابه فجعل يعنفهم ~~بالقتال ويقول لهم ما الذي أصابكم حتى انهزمتم أمام هؤلاء الكفرة وأنتم ~~الحماة البررة وأهل القرآن وعباد الرحمن أما سمعتم قوله عز وجل ومن يولهم ~~يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير وقال وقال الله تعالى أن الله أشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم PageV01P213 # الجنة وأنتم تهربون فقالوا يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم زلة من ~~الشيطان مثل يوم أحد وحنين وها نحن معك فاحمل حتى نحمل معك فجزاهم خيرا ~~ووقف مكانه وكان موقفه مما يلي سعيد بن زيد وقد لزموا مواقفهم لم يتحركوا ~~التماسا للحفيظة ونظر قيس بن هبيرة إلى خيل شرحبيل وقد تراجعت فحمل بمن معه ~~ونادى هو وأصحابه بشعارهم وكان شعارهم يا نصر الله انزل يا منصور أمت أمت ~~وكان هذا شعارهم يوم بدر وأحد وحمل خالد بن الوليد بمن معه ذات اليمين وحمل ~~قيس من ذات الشمال فقاتلوهم قتالا شديدا ولله در الزبير بن العوام وهاشم بن ~~المرقال وخالد بن الوليد لقد حملوا حملة عظيمة حتى قربوا من سرادقات ماهان ~~وتواقعت الروم على سرادقات ماهان وخيامه فلما نظر ماهان إلى ذلك نزل عن ~~سريره هاربا وصاح بالروم وعنفهم فتراجعوا يطلبون القتال وصاح أبو عبيدة ~~بسعيد بن زيد فحمل بمن معه وهو ينادي لا إله إلا الله يا منصور أمت أمت ~~فأقبلوا يقتلون في الروم قتلا ذريعا فبينما المسلمون في حملتهم إذ سمعوا ~~قائلا يقول يا نصر الله انزل يا نصر الله أقرب أيها الناس الثبات الثبات ~~قال عامر بن أسلم فتأملنا الصارخ فإذا هو أبو سفيان وتحت رايته ابنه يزيد ~~قال وشدت الامراء بأجمعهم على من يليهم وقاتلوا قتالا شديدا ولم يكن في ~~الروم أثبت ms284 من أصحاب السلاسل فإنهم ثبتوا في أماكنهم يمنعون من أتاهم وأما ~~الرماة وهم مائة ألف رام فكانوا إذا رشقوا سهامهم نحو العرب يسترون الشمس ~~فلولا النصر والمعونة من الله لكان المسلمون هلكوا وانفصل المسلمون فرحين ~~مستبشرين والمشركون قد هلك أكثرهم وبرز علج من أعلاج الروم كأنه نخلة باسقة ~~وعليه درع مذهب وعلى رأسه بيضة مذهبة وعليها صليب من ذهب مرصع بالجوهر وهو ~~راكب على شهباء وعليه زرد من حديد وبيده رمح فجال وأشهر نفسه وسأل البراز ~~فنظر المسلمون إلى عظم خلقته وهول جثته فجعلوا ينظرون اليه فقال أبو عبيدة ~~لا يهولنكم ما ترون من خلقته فكم رأيتم من هو عظيم خلقة ولا قلب له فمن له ~~منكم يخرج اليه واستعينوا بالله عليه قال فخرج اليه عبد من عبيد العرب ~~وبيده سيفه وحجفته وهو زاجل فلما أراد أن يدنو من العلج صاح به مولاه ذو ~~الكلاع الحميري فلما رجع خرج اليه ذو الكلاع وجال عليه وكان ذو الكلاع من ~~أهل الشدة والبأس فتواقعا وكل منهما رامح فتطاعنا طعنا شديدا أشد من الجمر ~~ثم إنهما تجاذبا سيوفهما والتقيا فضرب ذو الكلاع العلج ضربة وضرب العلج ~~ضربة وكان سيف العلج قاطعا وساعده قويا فقطع سيفه درقة ذي الكلاع وسيفه ~~ودرعه وما تحته من الثياب ووصلت الضربة إلى عضده الأيسر فجرحته جرحا بليغا ~~وثقلت يده فلما نظر ذو الكلاع إلى ما لحقه من العلج عطف بجواده يريد ~~المسلمين ونظر العلج إلى ذي الكلاع سابقا فلم يلحقه حتى لحق بالمسلمين فاتى ~~قومه والدم يفور من جرحه فاجتمع فرسان قومه فقال لهم يا فرسان PageV01P214 # حمير إياكم ان تتكلوا في قتالكم على السلاح ومنعته ولكن اتكلوا في قتالكم ~~على الله عز وجل قالوا وكيف ذلك أيها السيد قال لأني رددت عبدي عن القتال ~~شفقة عليه إذ ليس معه لامة حرب وقلت أني أفرس منه وأجود عدة ولامة فصنع بي ~~هذا الأغلف ما ترون والله ما لحقني قبلها في حرب مثلها قط فشدوا جرحه ووقف ~~مكانه ثم إنه ms285 صاح بقومه يا رجال حمير ان كان سيدكم قد رجع كلالا فما منكم ~~من يأخذ بثأره فانتدب فارس من فرسان حمير وعليه صبائغ اليمن من الابراد ~~والحبر كأنه جمرة نار وحمل نحو العلج مصمصما وجال جولة عظيمة وطعنة طعنة ~~أثبتها في صدره فأرداه قتيلا وعجل الله روجه إلى النار فهم الحميري أن ينزل ~~عن جواده ويأخذ سلبه فحمل عليه كردوس من الروم ليكشفوه عنه فردهم الحميري ~~صاغرين ثم رجع اليه وأخذ سلسة وأقبل به على أبي عبيدة فأعطاه إياه فدفع ~~السلب إلى قومه ورجع إلى مقامه في القتال فخرج اليه آخر فقتله وآخر فقتله ~~فخرج اليه علج رابع فقتل الحميري ونزل ليأخذ سلب الحميري فرماه رجل من رماة ~~الأنصار بنبلة فوضعها في لبته فجندله صريعا وعجل الله بروحه إلى النار قال ~~فأنقلبت الروم على وجوهها وهابوا جميع المسلمين وكان ذلك البطريق الذي قتل ~~بالنبلة من عظمائهم ويقال أنه كان صاحب نابلس فصاح بهم ماهان وسكنهم عن ~~اضطرابهم وخرج إلى القتال ملك اللان واسمه مريوس وعليه لامة الملوك وعليه ~~ديباجة وفي وسطه منطقة مرصعة بالجوهر فجال بين الصفين وشهر نفسه وقال أنا ~~ملك اللان فلا يبرز لي الا أميركم فخرج اليه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبيده لواؤه وعليه درع من حديد وهو ممنطق بمنطقة ~~من الأديم وهو على جواده فقال أبو عبيدة من هذا الذي خرج قالوا له شرحبيل ~~بن حسنة فبعث اليه أبو عبيدة يقول له ادفع الراية لمن شئت واخرج من غير ~~راية فلما سمع ذلك سلم الراية لرجل من قومه وقال له قف بها موضعي فان قدر ~~علي فسلم الراية إلى الأمير أبي عبيدة يدفعها لمن يريد وان رجعت أخذتها ~~فأخذها الرجل وخرج شرحبيل كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ملك ~~اللان وهو يقول * سأحمل في اللئام بني الأعادي * بكل مثقف لدن حداد * فيا ~~بؤسا لقيصر يوم نأتي * وجمع الروم شرد في البلاد * قال فسمع البطريق شعر ~~شرحبيل ms286 فلم يفهمه وكان يفهم قليلا بالعربية فقال له يا عربي ما الذي تقول ~~قال أقول كلاما تقوله العرب عند الحرب تشجع به نفوسها وتثق بوعد الله الذي ~~وعد به نبينا فقال ملك اللان وما الذي وعدكم به نبيكم فقال شرحبيل وعدنا ~~الله أن يفتح لنا الأرض في الطول والعرض ونملك الشام ونكون من الظافرين ~~بنصر الله لنا قال ملك اللان أن الله لا ينصر من يبغي وأنتم تبغون علينا ~~وتطلبون ما ليس لكم بحق فقال شرحبيل نحن قوم أمرنا الله أن نفعل ذلك والأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين واني أراك تعرف PageV01P215 # كلام العرب فلو تركت ما أنت عليه من عبادة الصليب ودخلت في دين الاسلام ~~كنت من أهل الجنة وسعدت فقال ملك املان ما أترك دين المسميح أبدا فان دينه ~~حق فقال شرحبيل لا تقل انه اله معبود ولا تقل صلب وقتل فان الله سبحانه ~~وتعالى أحياه في الأرض ما شاء ثم رفعه إلى السماء ثم قال ملك اللان لن أرجع ~~عن قولي ثم استخرج صليبا من عنقه فرفعه ووضعه على عينه وأقبل يستنصر به ~~فغضب شرحبيل من فعاله فقال له يا ويلك تبا لك ولمن معك ولمن يقول بقولك ثم ~~حمل عليه وأخذا في القتال وجالا جولانا عظيما فرمقتهما الابصار وجعل ~~المسلمون يدعون لشرحبيل بالنصر والمعونة ونظر شرحبيل إلى شدة الكافر ففر ~~بين يديه كأنه منهزم فتبعه عدو الله فلما علم شرحبيل انه قد قاربه ثنى عنان ~~جواده فطعنه بقناته يريد أن يجعلها في نحره فزاغ المشرك عن الطعنة ونجا ~~منها سالما ثم قال معاشر العرب أنتم لا تدعون الخديعة والمكر فقال شرحبيل ~~ويلك أما علمت أن الحرب خدعة والمكر رأسها فقال العلج فما الذي نفعك من ~~حيلتك قال فتضاربا حتى انقطع السيفان في أيديهما فاعتنقا معانقة شديدة وكان ~~المشرك أعظم جثة وأشد منعة وكان شرحبيل نحيف الجسم من كثرة الصيام والقيام ~~فضغط عليه المشرك ضغطة أوجعه بها وهم أن يقتله في سرجه والفريقان ينظران ms287 ~~اليهما قال ضرار بن الأزور فداخلني والله الغيظ فقلت في نفسي ويحك يا ضرار ~~يقتل هذا العلج كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تنظر اليه فما ~~يمنعك من نصرته قال الواقدي فخرج ضرار نحوهما يسعى على قدميه كالظبية ~~الخمصاء حتى قرب منهما ولا يعلمان به جميعا وكان في يده خنجر فضرب به العلج ~~من ورائه فأطلع الخنجر من قلبه فسقط العلج قتيلا وخلص شرحبيل من الضغطة قال ~~فلما سقط العلج عن ظهر جواده نزل اليه شرحبيل وسلب ما كان عليه من لامة ~~حربه وركب ضرار جواده وانثنى راجعا هو وشرحبيل نحو المسلمن فهنأ المسلمون ~~شرحبيل وشكروا ضرارا على فعله قال ثم إن شرحبيل أخذ سلب العلج فنازعه ضرار ~~فيه فقال السلب لي وأنا قتلته وقال شرحبيل أنا آخذ السلب فأتيا أبا عبيدة ~~فخاف أبو عبيدة أن يحكم بينهما فلا يرضون بحكمه فكتب إلى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يقول يا أمير المؤمنين ان رجلا خرج إلى البراز وقاتل علجا من ~~الاعلاج وبلغ معه الجهد جهيد فخرج آخر من المسلمين فأعان الرجل وقتل العلج ~~قال ولم يسم أبو عبيدة الرجلين فلمن السلب منهما فجاء الجواب من عمر بن ~~الخطاب أن السلب للقاتل فأخذ السلب أبو عبيدة من شرحبيل وأعطاه ضرارا فقال ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال الواقدي ولما قتل ضرار ملك اللان غضبت ~~الروم فخرج فارس شجاع وطلب البراز فخرج اليه الزبير بن العوام رضي الله عنه ~~فقتله وأخذ سلبه وخرج اليه ثان وثالث ورابع فقتلهم وأخذ أسلابهم فقال خالد ~~لأبي عبيدة ان الزبير قد تجرد PageV01P216 # للروم وبذل نفسه لله ولرسوله وأخاف عليه من التعب فصاح عليه أبو عبيدة ~~وأقسم عليه فرجع الزبير إلى مقامه قال وخرج من الروم بطريق فخرج اليه خالد ~~بن الوليد وكان ملك الروسية فقتله خالد وكان زوج بنت ملك اللان فقوم سلبه ~~وتاجه ومنطقته وصليبه ودرعه بخمسة عشر ألفا قال فأخبر ماهان بذلك فغضب وقال ~~سيدان منا قتلا في يوم ms288 واحد واني أظن أن المسيح لا ينصرنا ثم أمر الرماة أن ~~يرموا عن يد واحدة فرموا سهامهم وأطلقوا نحو المسلمين دفعة واحدة مائة ألف ~~سهم فكان النشاب يقع في عساكر المسلمين كسقوط البرد من السماء فكثرت الجراح ~~في الناس وأعور من المسلمين سبعمائة عين فسمى ذلك اليوم يوم التعوير وكان ~~ممن أصيب بعينه المغيرة ابن شعبة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل التميمي ~~وأبو سفيان صخر بن حرب وراشد بن سعيد وكان الرجل بعد ذلك يلقي الرجل فيقول ~~له ما الذي أصاب عينك فيقول الآخر لا تقل مصيبة بل هي محنة من الله قال ~~وعظم وقع السهام في عسكر المسلمين حتى ما كنت تسمع الا من يصيح واعينا ~~وابصراه واحدقتاه وعظم اضطراب المسلمين من ذلك قال فجذبت العرب أعنة خيولها ~~راجعة قال ونظر ماهان اللعين إلى اضطراب جيش المسلمين فحرض الرماة والروم ~~وصاح برجاله وزحفت المسلسلة نحو المسلمين فهالهم ذلك وحمل جرجير وقناطر ~~وقورين وقال ماهان اثبتوا على الحملة وارموا العرب بالنشاب فزادت الرماة في ~~رميها وزحفت على ساق وأخذ المسلمون على أنفسهم اشفاقا مما نزل بهم ووصل ~~إليهم من قلع الأحداق قال عبادة بن عامر فنظرت إلى جيش الشرك وهو نحونا ~~سائر وفرسان المسلمين متأخرة وخيولهم ناكصة فقلت لا حول ولا قوة الا بالله ~~العلي العظيم اللهم انزل علينا نصرك الذي نصرتنا به في المواطن كلها ثم صحت ~~في رجال حمير تهربون من الجنة إلى النار ما هذا الفرار أما تخافون العار ~~أما أنتم بين يدي الجبار أما هو عالم الاسرار فررتم من الكفار قال فما ~~أجابني والله أحد كأنهم صم لا يسمعون قال فقلت كان قبيلتك خرست عن الجواب ~~فجعلت أهتف بقبائل العرب فكل قد شغل بنفسه عن إجابتي فجعلت أكثر من قولا لا ~~حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم فما كان غير بعيد حتى نزل النصر من ~~الله وذلك أن المسلمين قد انقلبوا راجعين نحو تل النساء ولم يثبت غير أصحاب ~~الرايات قال عبد الله ms289 بن قرط الأسدي شهدت القتال كله فلم أر قتالا أشد من ~~يوم التعوير ورجعت الخيل على أذنابها وقاتلت الامراء بأنفسها والرايات ~~بأيديهم حتى كان أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والمسبب بن ~~نجيبة الفزاري وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والفضل بن العباس يقاتلون ~~قتالا شديدا قال عبد الله بن قرط فقلت في نفسي وكم مقدار ما يقاتلون هؤلاء ~~وهم نفر يسير حتى ساعدتنا النساء اللاتي شهدن مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المشاهد يداوين الجرحى ويسقين الماء ويبرزن إلى القتال ولم أر امرأة ~~من نساء قريش قاتلت بين يدي رسول PageV01P217 # الله صلى الله عليه وسلم ولا في اليمامة مع خالد مثل ما قاتلت نساء قريش ~~يوم اليرموك حين دهمهن القتال وخالط الروم المسلمين فضربن بالسيوف ضربا ~~وجيعا وذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان قد انضم النساء ~~المهاجرات لغيرهن وقامت الحرب على ساق وتنادى النساء بأنسابهن وأمهاتهن ~~والقابهن وجعلن يقاتلن قتال الموت ويضربن وجوه الخيل بالعمد ويلوحن ~~بالأطفال وجعل النساء بعضهن يقاتل المشركين وبعضهن يقاتل المسلمين حتى ~~رجعوا إلى قتال المشركين وبعضهم يسقي الماء وبعضهن يشد الجراح قال فبينما ~~هن يقاتلن وقد هجمت الرجال إذ انهزمت نساء لخم وجذام وخولان فخرجت خولة بنت ~~الأزور وأم حكيم ابنه حكيم بنت الحرث وسلمى بنت لؤي وجعلهن يضربن في وجوههن ~~ورؤوسهن بالعمد ويقلن اخرجن من بيننا فانتن توهن جمعنا قال فرجعت نساء لخم ~~وجذام يقاتلن قتال الموت وقاتلت أم حكيم بنت الحرث أمام الخيل بالسيف وما ~~نسمع يومئذ صوت واحدة من النساء غير صوت واعظة تعظ وأما أم حكيم فإنها جعلت ~~تنادي يا معاشر العرب احصدوا الغلف بالسيوف وأما أسماء بنت أبي بكر فإنها ~~قرنت عنانها بعنان زوجها الزبير ابن العوام فما كان يضرب الا ضربت مثله قال ~~فتراجع المسلمون إلى القتال حين رأوا النساء يقاتلن قتال الموت ويقول الرجل ~~لمن يليه ان لم نقاتل نحن هؤلاء والا فنحن أحق بالخدور من النساء فلله در ms290 ~~نساء قريش يوم اليرموك قال الواقدي حدثني عبد الرحمن بن الفضل عن يزيد بن ~~أبي سفيان عن مكحول قال كانت وقعة اليرموك في رجب سنة خمس عشرة من الهجرة ~~قال أبو عامر وحملت خولة بن الأزور على علج من الاعلاج كان قد حمل علينا ~~فاستقبلته وجعلت تشالشه بالسيف فضربها العلج بسيفه على قصتها فأسال دمها ~~وسقطت إلى الأرض فصاحت عفيرة بن عفان حين نظرتها صريعة ونادت فجع والله ~~ضرار في أخته فأخذت رأسها على ركبتها والدم قد صبغ شعرها كالشقائق فقالت ~~لها كيف تجدك قالت أنا بخير إن شاء الله تعالى ولكني هالكة لا محالة فهل لك ~~على بأخي ضرار فقالت عفيرة يا ابنة الأزور ما رأيته فقالت خولة اللهم ~~اجعلني فداء لأخي ولا تفجع به الاسلام قالت عفيرة فجهدت أن تقوم معي فلم ~~تقم فحملناها إلى أن أتينا بها موضعها فلما كان الليل رايتها وهي تدور تسقي ~~الرجال وكان ليس بها ألم قط ونظر إليها أخوها والضربة في رأسها فقال لها ما ~~بك فقالت ضربني علج قتلته عفيرة فقال لها يا أختاه أبشري بالجنة فقد أخذت ~~لك بثأر الضربة مرارا وقتلت منهم أعدادا قال ولم يزل الحرب من أول النهار ~~وكلما قرب الليل يزيد ويشتعل ضرامها وأبو عبيدة يقاتل برايته والامراء ~~يفعلون كفعله إلى أن فصل بينهما الظلام وقد قتل من الروم يوم التعوير ~~أربعون ألفا أو يزيدون ونقل عن خالد انه انقطع في يده ذلك اليوم تسعة أسياف ~~ولقد أخبرنا عن خالد بن الوليد ممن حضر قتال اليرموك وشاهده قال كان يعد ~~قتال خالد بمائة PageV01P218 # رجل من شجعان الرجال قال حازم بن معن وبرز من المشركين في قلب الوقعة ~~أصحاب الديباج والحرير والتجافيف على الخيول الشهب والبلق كأنها من الجبال ~~الراسيات فلما برزوا غاصوا في القلب وكروا كرة واحدة ورفعوا في وسطهم صليبا ~~من الجوهر وحملت ميمنتهم على ميسرتنا وميسرتهم على ميمنتنا وقد شردوا إلى ~~النساء والنساء يضربن وجوههم فجعلن يصحن بهم الله الله لا تغموا الاسلام ~~بهزيمتكم ms291 واتقوا ربكم قال كان بين يدي أبي عبيدة رجل من محرز أسمه نجم بن ~~مفرح وكان من خطباء العصر وأفصح العرب لسانا واجرئها جنانا وكان رفيع الصوت ~~حسنه جدا فقصده العرب والفصحاء يسمعون ما ينطق به من نظمه ونثره قال ~~الواقدي حدثني عبد الملك بن محمد عن أبيه عن حسان بن كعب عن عبد الواحد عن ~~عوف عن موسى بن عمران اليشكري قال رايت نصر بن مازن وهو بجامع النيل يحدث ~~عن وقعة اليرموك قال مارد الناس عن الهزيمة بعد قضاء الله إلى نصرة الاسلام ~~الا غلام رجل من بني محارب يقال له نجم بن مفرح وكان لا يتكلم الا بالسجع ~~يؤلفه بحسن نظمه ولقد حفظنا منه يوم اليرموك ما نحن نذكره عنه ولقد بلغني ~~ان البلغاء الفصحاء المتأخرين مثل الأصمعي وأبي عبيدة اللغوي ينسجان على ~~منواله في حسن كلامه فكان من جملة ما وعظ به المسلمين يوم اليرموك وقت ~~هزيمتهم أيها الناس هذا يوم له ما بعده وقد عاينتم قربه من بعده ولن تنال ~~الجنة الا بالصبر على المكاره وتالله لا ينالها من هو للجهاد كاره وينشد * ~~ولله في عرض السماوات جنة * ولكنها محفوفة بالمكاره * واعلى الدرجات درجة ~~الشهادة فارضوا عالم الغيب والشهادة وهذا الجهاد قد قام على ساقه وكسد ~~النفاق في أستواقه وأخفى نفاقه في نفاقه وأنتم أصحاب نبي العصر فأيستم من ~~الثبات والنصر بشروا روح المصطفى بثباتكم وقوموا العزم بصفاء نياتكم وإياكم ~~ان تولوا الادبار فتستوجبوا عذاب النار وغضب الجبار فوالذي قدر الاقدار ~~وأدار الفلك الدوار وكل شيء عنده بمقدار لقد تزينت لكم الحور العين بأيديهن ~~أباريق وكأس من معين فمن طلب دار البقاء هان عليه ما يلقى فحققوا حملتكم ~~تنالوا بغيتكم واطعنوا الصدور تنالوا الحور وشرعوا الأسنة تنالوا الجنة ~~واغتنموا الصبر يكتب لكم الاجر بشروا المؤمنين بحسن عملكم وإياكم ان تضلوا ~~عن سبيلكم لا توافقوا الكفار في جهنم واعدلوا عن طريق قولهم ووافقوا من سلف ~~من أسلافكم في فعلهم واسمعوا ما نزل في القرآن من أجلهم ms292 * (وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا ~~يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) * سيروا فقد سبق ~~المفردون واجتهدوا فقد فاز المجتهدون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن الا وأنتم مسلمون PageV01P219 # قال وحمل خالد بن الوليد بعصابة حمراء وهو يفزع الروم باسمه ويقول انا ~~خالد ابن الوليد فبرز اليه بطريق يقال له النسطور وعليه الديباج فأقبل يدعو ~~خالد ويهمهم وخالد في القتال لا يشعر به ولا يدري ما يقول فعندما سمعه يرطن ~~عطف عليه فاقتتلا قتالا شديدا فبينما هما في أشد القتال إذ كبا بخالد ~~الجواد فوقع الفرس على يديه وهوى خالد على أم رأسه فقال الناس لا حول ولا ~~قوة الا بالله العلي العظيم قال الواقدي وخالد يقول حي حي فعلا البطريق على ~~ظهر خالد في عثرته وقد سقطت قلنسوته من رأسه فصاح قلنسوتي رحمكم الله ~~فأخذها رجل من قومه من بني مخزوم وناوله إياها فأخذها خالد ولبسها فقيل له ~~فيما بعد يا أبا سليمان أنت في مثل هذا الحال من القتال وأنت تقول قلنسوتي ~~فقال خالد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه في حجة الوداع ~~أخذت من شعره شعرات فقال لي ما تصنع بهؤلاء يا خالد فقلت أتبرك بها يا رسول ~~الله وأستعين بها على القتال قتال أعدائي فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا تزال منصورا ما دامت معك فجعلتها في مقدمة قلنسوتي فلم ألق جمعا قط الا ~~انهزموا ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم شدها بعصابة حمراء وحمل ~~على النسطور وضربه على عاتقه أخرج السيف من علائقه وانسر من بقي من ملوكهم ~~وكرهوا البراز بعد ذلك فكان يدعوهم إلى البراز فلا يخرج اليه أحد ولم يزل ~~يضرب فيهم بسيفه حتى كل فاشفق عليه الحرث بن هشام المخزومي فقال لأبي عبيدة ms293 ~~أيها الأمير لقد قضى خالد ما يجب عليه وأدى السيف حقه فلم لا أمرته أن يريح ~~نفسه قال فمشى أبو عبيدة إليه وجعل يعزم عليه أن لا يتقدم ويسأله أن يريح ~~نفسه فقال خالد أيها الأمير أما والله لأطلبن الشهادة بكل وجه فان أخطاتني ~~فالله يعلم نيتي وحمل فلم يرجع عن حملته حتى جلاها وذلك أن كل المسلمين ~~استعفوه في حملته وأقبلوا على القتال من بعد هزيمتهم والنساء أمام الرجال ~~ولم يزل الحرب بين الفريقين حتى انقلب الروم على أعقابها وقد قتل منهم ألوف ~~عديدة وأما أصحاب السلاسل فانحطم أكثرهم ووطئتهم الخيل بحوافرها ولم يزل ~~القتال بينهم حتى مالت الشمس بغروبها وانفصل الجمعان وقد جرت الدماء بينهم ~~وفرشت الأرض بالقتلى والجراح فاشية في الجمعين لكن في الروم أكثر ورجع كل ~~قوم إلى اصلاح شأنهم ومداواة جرحاهم واما النساء فأصلحن الطعام وشددن ~~الجروح وداوين السقام ولم يقل أبو عبيدة لاحد من المسلمين من يكون الليلة ~~على حرس المسلمين لما عندهم من التعب بل إنه تولى الحرس بنفسه ومعه جماعة ~~من المسلمين قال فبينما هو يدور إذ رأى فارسين قد لقياه وهما يدوران ~~بدورانه فكلما قال لا اله إلا الله قالا محمد رسول الله فقرب أبو عبيدة ~~منهما فإذا هما الزبير بن العوام وزوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق فسلم ~~عليهما وقال يا أبن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي أخرجكما قال ~~الزبير نحرس المسلمين وذلك أن أسماء قالت لي يا ابن عمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ان المسلمين مشتغلون بأنفسهم في هذه PageV01P220 # الليلة عن الحرس بما لحقهم من التعب في الجهاد طول يومهم فهل لك ان ~~تساعدني على حرس المسلمين فأجبتها إلى ذلك فشكرهما أبو عبيدة وعزم عليهما ~~أن يرجعا فلم يفعلا ولم يزالا كذلك إلى الصباح قال الواقدي حدثني أبو عبيدة ~~عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن ابن حبيران ابا الجعيد كان رئيسا من رؤساء ~~أهل حمص فلما اجتمعت الروم على المسلمين في اليرموك ms294 دخلوا على حمص ونزلوا ~~في بلدة تسمى الزراعة وكان أبو الجعيد هذا قد جعلها مسكنه لطيب هوائها ~~ومائها وانتقل من حمص إليها فنزل عسكر الروم على الزراعة عنده وكان فيها ~~عرس لأبي الجعيد وزوجته تزف عليه في تلك الليلة قال فتكلف أبو الجعيد ~~بضيافة الروم وأكرمهم وأطعمهم وسقاهم الخمر فلما فرغوا من أمورهم قال هات ~~امرأتك الينا فأبى ذلك وسبهم فأبوا الا أخذ العروس فلما شنع عليهم بذلك ~~عمدوا إلى العروس واخذوها كرها منه وعبثوا بها بقية ليلتهم فبكى أبو الجعيد ~~من حزنه ودعا عليهم فقتلوا أولاده وكان له ولد من زوجة غيرها قال فأقبلت أم ~~الفتى فأخذت رأس ولدها في خمارها وأقبلت به إلى مقدم ذلك الجيش ورمت الرأس ~~اليه وشكت حالها وقالت له انظر ما صنع أصحابك بولدي فخذ بحقي فلم يعبأ ~~بكلامها فقالت له أم الفتى والله لتنصرن العرب عليكم ورجعت وهي تدعو عليه ~~فما كان الا يسير حتى هلكوا في أيدي المسلمين قال فلما كان يوم اليرموك ~~بعدها قتل النسطور أتى أبو الجعيد إلى عساكر المسلمين وقال لخالد أعلم أن ~~هذا الجيش النازل بازائكم جيش عظيم ولو سلموا أنفسهم إليكم للقتل لما فرغتم ~~من قتلهم الا في المدة الطويلة فان كدتهم لكم في هذه الليلة مكيدة تظفرون ~~بها عليهم ماذا تعطوني قالوا نعطيك كذا وكذا تؤدي جزية أنت وولدك وأهل بيتك ~~ونكتب لك بذلك عهدا إلى آخر عقبك قال الواقدي فلما استوثق منهم لنفسه مضى ~~إلى الروم وهم لا يعلمون وأتى إلى واد عظيم مملوء ماء فأنزل الروم إلى ~~جانبه وقال لهم ان هذا المنزل به العرب وأنا سأكيد لكم العرب بمكيدة يهلكون ~~بها قال وجعل الناقوصة فيما بين الروم والعرب ولم يعلم أحد من الروم ما ~~عمقها قال فلما كان يوم التعوير وعلم أبو الجعيد ان النصر للعرب وأن العرب ~~هم المنصورون جاء أبو الجعيد إلى أبو عبيدة فوجده يطوف تلك الليلة هو ~~وجماعة من المسلمين المهاجرين فقال لهم ما قعودكم قالوا وما نصنع قال ms295 إذا ~~كان ليلة غد فأكثروا من النيران ثم رجع إلى الروم لينصب عليهم حيلة فلما ~~كانت الليلة الثانية أوقد المسلمون أكثر من عشرة آلاف نار فلما اشتعلت ~~النيران أقبل إليهم أبو الجعيد فقالوا قد أشعلنا النيران كما أردت فما بعد ~~ذلك قال أريد منكم خمسمائة رجل من أبطالكم حتى أشير عليهم بما يصنعون قال ~~الواقدي فاختار من المسلمين خمسمائة رجل من جملتهم ضرار بن الأزور ~~PageV01P221 # وعياض ورافع وعبد الله بن ياسر وعبد الله بن أوس وعبد الله بن عمر وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر وغانم بن عبد الله ومثل هؤلاء السادات فلما اجتمعوا سار ~~بهم أبو الجعيد على غير المخاضة وقصدبهم عسكر الروم فلما كادوا يخالطونهم ~~اخذ أبو الجعيد منهم رجالا ودلهم على المخاضة ولم يكن يعلم بها أحد سواه ~~ممن سكن اليرموك وقال لهم ناوشوهم الحرب ثم انهزموا ودعوني وإياهم ففعلوا ~~ذلك وصاحوا فيهم وحملوا ثم انهزموا قدامهم نحو المخاضة فعند ذلك صاح أبو ~~الجعيد برفيع صوته يا معاشر الروم دونكم ومن انهزم فهؤلاء المسلمون قد ~~أوقدوا نيرانهم وعولوا على الحرب قال فأقبلت الروم على حال عجلة يظنون أن ~~ذلك حق فبعضهم ركب جواجه عريانا وبعضهم راجل وساروا في طلب المنهزمين وأبو ~~الجعيد يعدو بين أيديهم إلى أن أوقفهم على الناقوصة وقال لهم هذه المخاضة ~~دونكم وإياهم فاقبلوا يتساقطون في الماء كتساقط الجراد حتى هلك في الماء ما ~~لا يعد ولا يحصى عددا ولا يدركه جنان فسمتها العرب الناقوصة لنقص الروم قال ~~الواقدي هذا ما جرى للروم ولا يعلم الأول بما جرى للآخر حتى أصبحوا فنظروا ~~المسلمين في أماكنهم فعلموا أنهم قد دهموا في الليل وقل عددهم وتبدد شملهم ~~فقال بعضهم لبعض من كان الصائح في ليلتنا قال الرجل الذي عبثتم بزوجته ~~وقتلتم ولده وقد أخذ بثاره منكم قال فلما أصبح ماهان وعلم الحقيقة وعلم ما ~~نزل بأصحابه علم أنه هالك لا محالة وأن العرب ظافرون عليه فبعث إلى قورين ~~فقال ما ترى أن أصنع وقد ظهرت العرب علينا ms296 وان حملوا علينا حملة لم ينفلت ~~منا أحد فهل لك أن تسألهم أن يأخروا القتال حتى نفعل الحيلة في خلاص أنفسنا ~~قال قورين أفعل ذلك قال فدعا ماهان برجل من لخم وبعثه إلى المسلمين يقول ~~لهم اعلموا أن الحرب سجال والدنيا زوال وقد مكرتم بنا فلا تبغوا فالبغي له ~~مصرع واخروا الحرب عنا يومنا هذا فإذا كان غد يكون الانفصال بيننا وبينكم ~~قال فأقبل اللخمي إلى أبي عبيدة وبلغه الرسالة فهم أبو عبيدة أن يجيبهم إلى ~~ذلك فمنعه خالد من ذلك وقال له لا نفعل أيها الأمير فما عند القوم خير بعد ~~ذلك فقال أبو عبيدة ارجع إلى صاحبك وقل له لا نؤخر عنك القتال وانا على عجل ~~من أمرنا فرجع الرسول إلى ماهان فأعلمه بجواب أبي عبيدة فعظم عليه وكبر ~~لديه وكفر وتجبر وقال لقد كنت أتربص بنفسي عن العرب أرجو بذلك الصلح فوحق ~~الصليب لا يبرز لهم غيري ثم صرخ بالروم وأصحاب سرير الملك ومن كان يتكل ~~عليه في الشدائد وأمرهم ان يأخذوا الأهبة فاستعدوا وخرج ماهان في مقدمة ~~الجيش والصليب أماه وإذا بالمسلمين أخذوا مصافهم للقتال وذلك أن أبا عبيدة ~~صلى بالمسلمين صلاة الفجر وأمرهم بالسرعة للقتال وأخذوا مواضعهم للحرب ~~ففعلوا وقد أيقنوا أنهم منصورون على عدوهم وصف أبو عبيدة أصحاب الرايات ~~ووقف هو وخالد في الخيل المعروفة بخيل الزحف وطلعت PageV01P222 # الشمس وخرج جرجير هو وبعض ملوك الروم ودعا بالبراز وقال لا يبرز لي الا ~~أمير العرب فسمعه أبو عبيدة فسلم الراية إلى خالد وقال أنت للراية يا أبا ~~سليمان فان عدت من قتاله فالراية لي وان هو قتلني فامسك رأيتك حتى يرى عمر ~~رأيه فقال خالد أنا لقتاله دونك فقال أبو عبيدة لا هو طلبني ولا بد لي من ~~الخروج اليه وأنت شريكي في الاجر فخرج أبو عبيدة وما أحد من المسلمين الا ~~وهو كاره لذلك فأقبلوا يسألونه فلج في الخروج فتركوه ورأيه فلما قرب أبو ~~عبيدة من جرجير وعاينه قال له أنت أمير هذا الجيش ms297 فقال أبو عبيدة أنا ذلك ~~وقد أجبتك إلى ما طلبت من أمر البراز فدونك وعرض الميدان فأما هزمتكم أو ~~قتلتك واقتل ماهان بعدك فقال جرجير أمة الصليب تغلبكم وحمل جرجير على أبي ~~عبيدة وحمل أبو عبيدة على جرجير وطال بينهما القتال وبقي خالد ينظر إلى أبي ~~عبيدة ويدعو له بالسلامة والنصر وجميع المسلمين يدعون له قال وفر جرجير ~~أمام أبي عبيدة وأخذ في عرض الجيش وطلب في فراره جيش المشركين في الميمنة ~~وتبعه أبو عبيدة على أثره فعندها عطف عليه جرجير وخرج كأنه البرق والتقيا ~~بضربتين فكان أبو عبيدة أسبق فوقعت الضربة على عاتق جرجير فخرجت من علائقه ~~فكبر عند ذلك أبو عبيدة وكبر المسلمون ووقف أبو عبيدة على مصرع جرجير وجعل ~~يتعجب من عظم جثته ولم يأخذ من سلبه شيئا فناداه به خالد لله درك أيها ~~الأمير ارجع إلى رأيتك فقد قضيت ما يجب عليك فلم يرجع أبو عبيدة فاقسم عليه ~~المسلمون أن يرجع فرجع وأخذ الراية من يد خالد ونظر ماهان إلى جرجير فعظم ~~ذلك عليه وكبر لديه لأنه كان ركنا من أركانهم فهم بالهزيمة ثم قال في نفسه ~~ماذا يكون عذري عند هرقل ولا بد أن أبرز إلى الحرب فان قتلت فقد استرحت من ~~العار وان سلمت كان لي عند الملك عذر أحسن من أن أولي الادبار ثم أنه أعلم ~~رجاله أنه يريد المبارزة بنفسه وأخذ عدته ولبس زينته وخرج كأنه جبل ذهب ~~يلمع ثم جمع اليه البطارقة والقسوس والرهبان وقال لهم ان الملك هرقل كان ~~أعلم منكم بهذا الامر وانه أراد الصلح فخالفتموه فها أنا أبرز أليهم بنفسي ~~فتقدم اليه بطريق من بطارقة السرير وكان فيه نسك ودين وكان يعظم الكنائس ~~والرهبان ويتبع ما فرض عليه في الإنجيل وكان يقرب من جرجير في النسب فلما ~~علم بقتله عظم عليه وقال وحق الصليب لابرزن إلى المسلمين وآخذ بالثأر فاما ~~أن الحق به واما أن أقتل قاتله ثم قال ماهان قد تعين علي الجهاد وأنا أؤدي ~~فرض المسيح ms298 ولا بد لي من المبارزة قال فتركه ماهان فخرج وكان أسمه جرجيس ~~وكان عليه درع وعلى الدرع ثوب حديد متقلد بسيفه ومعه فنطارية وعوذته القسوس ~~وبخروه ببخور الكنائس واقبل اليه راهب عمورية وأعطاه صليبا كان في عنقه ~~وقال هذا الصليب من أيام المسيح يتوارثه الرهبان ويتمسحون به فهو ينصرك ~~فأخذه جرجيس ونادى البراز بكلام عربي فصيح حتى ظن الناس انه عربي من ~~المتنصرة فخرج اليه ضرار بن الأزور كأنه شعلة PageV01P223 # نار فلما قاربه ونظر اليه والى عظم جثته ندم على خروجه بالعدة التي ~~أثقلته فقال في نفسه وما عسى يغني هذا اللباس إذا حضر الاجل ثم رجع موليا ~~فظن الناس انه ولى فزعا فقال قائل منهم ان ضرار قد انهزم من العلج وما ضبط ~~عنه قط انه انهزم وهو لا يكلم أحدا حتى صار إلى خيمته ونزع ثيابه وبقي ~~بالسراويل واخذ قوسه وتقلد بسيفه وجحفته وعاد إلى الميدان كأنه الظبية ~~الخمصاء فوجد مالكا النخعي قد سبقه إلى البطريق وكان مالك من الخطاط إذا ~~ركب الجواد تسحب رجلاه على الأرض فنظر ضرار فإذا بمالك ينادي العلج تقدم يا ~~عدو الله يا عابد الصليب إلى الرجل النجيب ناصر محمد الحبيب فلم يجبه العلج ~~لما داخله من الخوف منه قال فجال عليه وهم ان يطعنه فلم يجد للطعنة مكانا ~~لما عليه من الحديد فقصد جواده وطعنه في خاصرته فأطلع السنان يلمع من ~~الجانب الآخر فنفر الجواد من حرارة الطعنة وهم مالك ان يخرج الرمح فلم يقدر ~~لأنه قد اشتبك في ضلوع الجواد وهو على ظهره لم يقدر ان يتحرك لأنه مزرر في ~~ظهر الجواد بزنانير إلى سرجه فنظر المسلمون إلى ضرار وقد أسرع اليه مثل ~~الظبية حتى وصل اليه وضربه بسيفه على هامته فشطرها نصفين واخذ سلبه فأتاه ~~مالك وقال ما هذا يا ضرار تشاركني في صيدي فقال ما أنا بشريكك وانما انا ~~صاحب السلب وهو لي فقال مالك أنا قتلت جواده فقال ضرار رب ساع لقاعد آكل ~~غير حامل فتبسم مالك وقال ms299 خذ صيدك هناك الله به قال ضرار انما انا مازح في ~~كلامي خذه إليك فوالله ما آخذ منه شيئا وهو لك وأنت أحق به مني ثم انتزع ~~سلب العلج وحمله على عاتقه وما كاد ان يمشي به وهو يتصبب عرقا قال زهير بن ~~عابد ولقد رايته وهو يسير به وهو راجل ومالك فارس حتى طرحه في رحل مالك ~~فقال أبو عبيدة بأبي وأمي والله قوم وهبوا أنفسهم لله وما يريدون الدنيا ~~قال فلما قتل البطريق قص جناح ماهان فصاح بقومه وجمعهم اليه وقال لهم ~~اسمعوا يا أصحاب الملك وبلغوه عني اني ما تركت جهدي في نصرة هذا الدين ~~وحاميت عن الملك وقاتلت عن نعمته وما أقدر ان أغالب رب السماء لأنه قد نصر ~~العرب علينا وملكهم بلدنا والآن مالي وجه ارجع به إلى الملك حتى أخرج إلى ~~الحرب وأبرز إلى مقام الطعن والضرب وعزمت ان أسلم الصليب إلى أحدكم وأبرز ~~إلى قتال المسلمين فان قتلت فقد استرحت من العار ومن توبيخ الملك لي وان ~~رزقت النصر وأثرت في المسلمين أثرا ورجعت سالما علم الملك أني لم أقصر عن ~~نصرته فقالوا أيها الملك لا تخرج إلى الحرب حتى نخرج نحن إلى القتال قبلك ~~فإذا قتلنا فافعل بعدنا ما شئت قال فحلف ماهان بالكنائس الأربع لا يبرز أحد ~~قبله قال فلما حلف أمسكوا عنه وعن مراجعته ثم أنه دعا بابن له فدفع اليه ~~الصليب وقال قف مكاني وقدم لماهان عدة فأفرغت عليه قال الواقدي وبلغنا ان ~~عدته التي خرج بها إلى الحرب تقومت بستين ألف دينار لان جميعها كان مرصعا ~~بالجوهر فلما عزم على الخروج تقدم له راهب من PageV01P224 # الرهبان فقال أيها الملك ما أرى لك إلى البراز سبيلا ولا أحبه لك قال ولم ~~ذلك قال لأني رأيت لك رؤيا فارجع ودع غيرك يبرز فقال ماهان لست أفعل والقتل ~~أحب إلي من العار قال فبخروه وودعوه وخرج ماهان إلى القتال وهو كأنه جبل ~~ذهب يبرق وأقبل حتى وقف بين الصفين ودعا إلى ms300 البراز وخوف باسمه فكان أول من ~~عرفه خالد بن الوليد فقال هذا ماهان هذا صاحب القوم قد خرج ووالله ما عندهم ~~شيء من الخير قال وماهان يرعب باسمه فخرج اليه غلام من الأوس وقال والله ~~انا مشتاق إلى الجنة وحمل ماهان وبيده عمود من ذهب كان تحت فخذه فضرب به ~~الغلام فقتله وعجل الله بروحه إلى الجنة قال أبو هريرة رضي الله عنه فنظرت ~~إلى الغلام عندما سقط وهو يشير بإصبعه نحو السماء ولم يهله ما لحقه فعلمت ~~أن ذلك لفرحه بما عاين من الحور العين قال فجال ماهان على مصرعه وقوي قلبه ~~ودعا إلى البراز فسارع المسلمون اليه فكل يقول اللهم اجعل قتله على يدي ~~وكان أول من برز مالك النخعي الأشتر رضي الله عنه وساواه في الميدان فابتدر ~~مالك ماهان بالكلام وقال له أيها العلج الأغلف لا تغتر بمن قتلته وانما ~~أشتاق صاحبنا إلى لقاء ربه وما منا الا من هو مشتاق إلى الجنة فان أردت ~~مجاورتنا في جنات النعيم فانطق بكلمة الشهادة أو أداء الجزية والا فأنت ~~هالك لا محالة فقال له ماهان أنت صاحبي خالد بن الوليد قال لا أنا مالك ~~النخعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ماهان لا بد لي من الحرب ثم ~~حمل على مالك وكان من أهل الشجاعة فاجتهدا في القتال فأخرج ماهان عموده ~~وضرب به مالكا على البيضة التي على رأسه فغاصت في جبهة مالك فشترت عينيه ~~فمن ذلك اليوم سمي بالأشتر قال فلما رأى مالك ما نزل به من ضربة ماهان عزم ~~على الرجوع ثم فكر فيما عزم عليه فدبر نفسه وعلم أن الله ناصره قال والدم ~~فائر من جبهته وعدو الله يظن أنه قتل مالكا وهو ينظره متى يقع عن ظهر فرسه ~~وإذا بمالك قد حمل وأخذته أصوات المسلمين يا مالك استعن بالله يعينك على ~~قرينك قال مالك فاستعنت بالله عليه وصليت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وضربته ضربة عظيمة فقطع سيفي فيه قطعا غير ms301 موهن فعلمت ان الاجل حصين فلما ~~أحسن ماهان بالضربة ولى ودخل في عسكره قال الواقدي ولما ولى ماهان بين يدي ~~مالك الأشتر منهزما صاح خالد بالمسلمين يا أهل النصر والباس احملوا على ~~القوم ما داموا في دهشتهم ثم حمل خالد ومن معه من جيشه وحمل كل الامراء بمن ~~معهم وتبعهم المسلمون بالتهليل والتكبير فصبرت لهم الروم بعض الصبر حتى إذا ~~غابت الشمس وأظلم الأفق انكشف الروم منهزمين بين أيديهم وتبعهم المسلمون ~~يأسرون ويقتلون كيف شاءوا فقتلوا منهم زهاء من مائة ألف وأسروا مثلها وغرق ~~في الناقوصة منهم مثلها وأمم لا تحصى وتفرق منهم في الجبال والأودية وخيول ~~المسلمين من ورائهم يقتلون ويأسرون ويأتون من الجبال بالأسارى ولم يزل ~~المسلمون يقتلون ويأسرون إلى أن راق الليل فقال أبو عبيدة PageV01P225 # أتركهم إلى الصباح فتراجعت المسلمون وقد امتلأت أيديهم من الغنائم ~~والسرادقات وآنية الذهب والفضة والزلازل والنمارق والطنافس قال الواقدي ~~ووكل أبو عبيدة رجالا من المسلمين بجمع الغنائم وبات المسلمون فرحين بنصر ~~الله حتى أصبحوا فإذا ليس للروم خبر ووقع أكثرهم في الناقوصة في الليل قال ~~عامر بن ياسر حدثني نوفل بن عدي عن جابر بن نصر عن حامد بن مجيد قال أراد ~~أبو عبيدة أن يحصى عدد المشركين فلم بقدر أن يحصي ذلك فأمر بقطع القصب من ~~الوادي وجعل على كل قتيل قصبة ثم عدوا القصب فإذا القتلى مائة ألف وخمسة ~~آلاف والأسارى أربعون ألفا غير من غرق في الناقوصة وقتل من المسلمين أربعة ~~آلاف ووجد أبو عبيدة رؤوسا في اليرموك فلم يعلم أهم من العرب أم من الروم ~~قال ثم إنه صلى على قتلى المسلمين وسار في طلبهم إلى الجبال والأودية وإذا ~~هم براع قد استقبلهم فسألوه هل مر بك أحد من الروم قال نعم مر بي بطريق ~~ومعه زهاء من أربعين ألفا قال الواقدي وكان ذلك ماهان لعنه الله فاتبعهم ~~خالد بن الوليد وجعل يقفو أثرهم ومعه عسكر الزحف فأدركهم على دمشق ولما ~~أشرف عليهم كبر وكبر المسلمون وحملوا ووضعوا ms302 فيهم السيف فقتل مقتلة عظيمة ~~وكان ماهان قد ترجل عن جواده وقيل إنه ترجل ينكر نفسه ويسلم من القتل فأتاه ~~رجل من المسلمين فحامى عن نفسه فقتله الرجل وكان قاتله النعمان ابن جهلة ~~الازدري وعاصم بن خوال اليربوعي وقد اختلفوا في أيهما قتل ماهان قال ~~الواقدي وخرج أهل دمشق إلى لقاء خالد وقالوا له نحن على عهدنا الذي كان ~~بيننا وبينكم قال خالد أنتم على عهدكم ومضى في طلب الروم يقتلهم حيث وجوهم ~~حتى انتهى إلى ثنية العقاب وأقام تحتها يوما ثم مضى إلى حمص ونزل بها وبلغ ~~ذلك أبا عبيدة فسار حتى لحق به فيمن معه قال والامراء في طلب الروم من كل ~~جهة من الشام ثم اجتمعوا وعادوا إلى دمشق وجمع أبو عبيدة الغنائم واخرج ~~منها الخمس وكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتاب البشارة والفتح بسم ~~الله الرحمن الرحيم وصلوات الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبي صلى الله ~~عليه وسلم من أبي عبيدة عامر بن الجراح أما بعد فأنا أحمد الله الذي لا إله ~~إلا هو وأشكره على ما أولانا من النعم وخصنا به من كرمه ببركات بني الرحمة ~~وشفيع الأمة صلى الله عليه وسلم وأعلم يا أمير المؤمنين أني نزلت اليرموك ~~ونزل ماهان مقدم جيوش الروم بالقرب منا ولم ير المسلمون أكثر جمعا منه ~~فأقصى الله تلك الجموع ونصرنا عليهم بمنه وكرمه وفضله فقتلنا منهم زهاء من ~~مائة ألف وخمسة آلاف وأسرنا منهم أربعين ألفا واستشهد من المسلمين أربعة ~~آلاف ختم الله لهم بالشهادة ووجدت في المعركة رؤوسا مقطوعة لم أعرفها فصليت ~~عليها PageV01P226 # ودفنتها وقتل ماهان على دمشق قتله عاصم بن خوال وقد كان قبل وقعة ~~الانفصال نصب عليهم رجل منهم يقال له أبو الجعيد من أهل حمص حيلة فألقاهم ~~في موضع يقال له الناقوصة فغرق منهم ما لا يحصى عددهم الا الله تعالى وأما ~~من قتل من المشركين في الأودية والجبال من المنهزمين وغيرهم وأخذت عدتهم ~~فتسعون ألفا وقد ملكنا أموالهم وخيولهم وحصونهم ms303 وبلادهم وكتبنا إليك هذا ~~الكتاب بعد الفتح ونزلنا في دمشق والسلام عليه ورحمة الله وبركاته وعلى ~~جميع المسلمين وطوى الكتاب وختمه ودعا بحذيفة بن اليمان ودفع الكتاب اليه ~~وضم اليه عشرة من المهاجرين والأنصار وقال لهم سيروا بكتاب الفتح والبشرى ~~إلى أمير المؤمنين وبشروه بذلك وأجركم على الله فأخذ حذيفة الكتاب وسار هو ~~والعشرة من وقتهم وساعتهم يجدون السير ليلا ونهارا حتى قربوا من المدينة ~~قال الواقدي قال عبد الله بن عوف المالكي عن أبيه قال لما هزم الله الروم ~~في اليرموك وكان من أمرهم ما كان رأى عمر بن الخطاب ليلة هزيمة الروم رسول ~~الله صلى لله عليه وسلم جالسا في الروضة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~وكان عمر يسلم عليهما ويقول يا رسول الله ان قلبي مشغول على المسلمين وما ~~يصنع الله بهم وقد بلغني ان الروم في ألف ألف وستين ألف فقال يا عمر أبشر ~~فقد فتح الله على المسلمين وقد انهزم عدوهم وقتل كذا وكذا ثم تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا الآية قال فلما كان من الغد صلى عمر بالناس صلاة الفجر وأعلم ~~الناس بما رأى في منامه قال فاستبشر المسلمون وفرحوا وعلموا ان الشيطان لا ~~يتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأرخوا تلك الليلة فكانت كما ذكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسجد عمر لله شكرا ووصله الكتاب فقرأه عمر على الناس ~~فارتفعت أصوات المسلمين بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير ثم ~~قال يا حذيفة فهل قسم أبو عبيدة الغنائم فقال يا أمير المؤمنين هو منتظر ~~كتابك وأمرك فدعا عمر بدواة وقرطاس وكتب إلى أبي عبيدة كتابا يقول فيه بسم ~~الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عامله بالشام سلام عليك ~~أما بعد فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقد فرحت بما فتح الله على المسلمين ms304 من نصرتهم وانهزام عدوهم ~~فإذا وصل إليك كتابي هذا فاقسم الغنيمة بين المسلمين وفضل أهل السبق وأعط ~~كل ذي حق حقه واحفظ المسلمين واكلأهم واشكرهم على صبرهم وفعالهم وأقم ~~بموضعك حتى يأتيك أمري والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته ~~وطوى الكتاب وسلمه لحذيفة ابن اليمان فأخذه حذيفة وسار حتى ورد على أبي ~~عبيدة فوجده على دمشق فسلم عليه وعلى المسلمين وناوله الكتاب فلما قرأه على ~~المسلمين قسم الغنائم فأصاب الفارس أربعة وعشرون ألف مثقال من الذهب الأحمر ~~والراجل ثمانية آلاف وكذلك من الفضة وأعطى الفرس الهجين سهما والفرس العتيق ~~سهمين وألحق PageV01P227 # القادمين على الخيل بالعراب فلما فعل أبو عبيدة ذلك قال أصحاب الحمر ~~الحقنا بالعراب فقال أبو عبيدة اني قسمت عليكم بما قسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم الغنيمة بين أصحابه فلم يقبلوا قوله فكتب إلى عمر بذلك يعلمه باختلاف ~~الناس في الخيل والهجين والعراب فكتب اليه عمر يقول اما بعد فقد عملت بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تتعد حكمه فاعظ الفرس العربي سهمين ~~والهجين سهما واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرب العربين وهجن ~~الهجين يوم خيبر فجعل للهجين سهما وللعربي سهمين فلما ورد الكتاب على أبي ~~عبيدة وقرأه على المسلمين قال ما أراد أبو عبيدة ان يحقر رجلا منكم ولكن ~~تبعت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي فلما قسم أبو عبيدة ~~الغنائم على المسلمين قال له خالد بن الوليد ان رجلا من المسلمين تشفع بي ~~إليك أن تلحق فرسه الهجين بفرسه العتيق العربي وتعطيه سهمين فأبى أبو عبيدة ~~وقال والله ان سف التراب أحب إلي من ذلك وروى عثمان أن ابن الزبير قال شهدت ~~جدي الزبير بن العوام يوم اليرموك ومعه فرسان يتعقب عليهما للقتال يركب هذا ~~يوما وهذا يوما فلما كان وقت قسم الغنائم أعطاه أبو عبيدة ثلاثة أسهم له ~~سهم ولفرسه سهمان فقال الزبير أما تصنع بي كما صنع بي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms305 يوم خيبر كان معي فرسان فأسهمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم خيبر خمسة أسهم لفرسي أربعة وأعطاني سهما وقال المقداد ابن عمرو كنت ~~أنا وأنت يوم بدر ومعنا فرسان لا غيرهما فأعطى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سهمين سهمين للفرسين قال أبو عبيدة انك لصادق يا مقداد أنا أتبع فعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطي الزبير وأقبل جابر بن عبد الله ~~الأنصاري فشهد عند أبي عبيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير ~~يوم خيبر خمسة أسهم فلما فعل ذلك أتى رجال من رجال العرب لكل واحد منهم ~~أربعة أفراس وخمسة أفراس فقالوا الحقنا بالزبير قال فاستأذن عمر في ذلك ~~فقال صدق الزبير ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه يوم خيبر خمسة أسهم ~~فلا تعط غيره مثله وروى عروة عن أبي الزبير قال لقي الزبير غلاما كان قد ~~وقع بيده يوم غنيمة عمان فهرب منه فلما كان يوم اليرموك قبل قسم الغنائم ~~عرفه فقبض عليه وأخذ بيده فقال له الموكل على حفظ الغنيمة لست أدعك فبينما ~~هما في المحاورة إذ أقبل أبو عبيد فقال ما بالكما فقال الزبير أيها الأمير ~~هذا غلامي وصل إلي من غنيمة عمان وهرب مني وقد رأيته الآن فلا بد لي منه ~~فقال أبو عبيدة صدق ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو له وأنا سلمته ~~له من غنيمة عمان فسلمه اليه فاخذه الزبير قال زيد المرادي هربت منا جارية ~~إلى العدو وظفرنا بها يوم اليرموك في قسم الغنائم فكلمنا أبا عبيدة فيها ~~فكتب إلى عمر فرد اليه الجواب ان كانت جارية حربية ففيها السهام والا فلا ~~سبيل إليها وان كانت لم تجر فيها السهام فردوها فكان القوم لا يرضون بهذا ~~من أبي عبيدة فقال أبو عبيدة والله الذي لا إله إلا هو هذا كتاب أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب PageV01P228 # يحكم بما أمرتكم فقبل قوله ودفع الجارية إلى القسم قال الواقدي حدثني لؤي ~~بن عبد ms306 ربه عن سالم مولى حذيفة بن اليمان عن القاسط بن سلمة بن عدي بن عاصم ~~عمن حدثه عن فتوح الشام قال لما هزم الله الروم باليرموك على يد أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبلغ الخبر إلى هرقل بهزيمة جيشه وقد قتل ماهان ~~وجرجير وغيرهما قال علمت أن الامر يصل إلى هنا ثم أقام ينتظر ما يجري من ~~المسلمين ذكر فتح مدينة بيت المقدس قال الواقدي واما ما كان من المسلمين ~~فإنهم أقاموا على دمشق شهرا فجمع أبو عبيدة امراء المسلمين وقال لهم أشيروا ~~علي بما أصنع وأين أتوجه فاتفق رأي المسلمين أما إلى قيسارية واما إلى بيت ~~المقدس فقال فما الذي ترون منهما فقالوا أنت الرجل الأمين وما تسير إلى ~~موضع الا ونحن معك فقال معاذ بن جبل اكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~فحيث أمرك فسر واستعن بالله فقال أصبت الرأي يا معاذ فكتب إلى أمير ~~المؤمنين عمر ابن الخطاب يعلمه انه قد عزم على قيسارية أو إلى بيت المقدس ~~وانه منتظر ما يأمره به والسلام وأرسل الكتاب مع عرفجة بن ناصح النخعي ~~وأمره بالمسير فسار حتى وصل المدينة فأرسل الكتاب لعمر رضي الله عنه فقرأه ~~على المسلمين واستشارهم في الامر فقال علي رضي الله عنه يا أمير المؤمنين ~~مر صاحبك أن يصير إلى بيت المقدس فيحدقوا بها ويقاتلوا أهلها فهو خير الرأي ~~وأكبره وإذا فتحت بيت المقدس فاصرف جيشه إلى قيسارية فإنها تفتح بعد إن شاء ~~الله تعالى كذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صدقت يا أبا الحسن ~~فكتب اليه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عامله ~~بالشام أبي عبيدة أما بعد فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على ~~نبيه وقد ورد علي كتابك وفيه تستشيرني في أي ناحية تتوجه إليها وقد أشار ~~ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير إلى بيت المقدس فان الله ~~سبحانه وتعالى يفتحها على يديك والسلام عليك ms307 ثم طوى الكتاب ودفعه إلى عرفجة ~~وأمره أن يعجل بالمسير فسار حتى قدم على على أبي عبيدة فوجده على الجابية ~~فدفع الكتاب اليه فقرأ على المسلمين ففرحوا بمسيرهم إلى بيت المقدس فعندها ~~دعا أبو عبيدة بخالد بن الوليد وعقد له راية وضم اليه خمسة آلاف فارس من ~~خيل الزحف وسرحه إلى بيت المقدس ثم دعا بيزيد بن أبي سفيان وعقد له راية ~~على خمسة آلاف وأمره أن يلحق بخالد إلى بيت المقدس وقال له يا ابن أبي ~~سفيان ما علمتك الا ناصحا فإذا أشرفت على بلد ايلياء فارفعوا أصواتكم ~~بالتهليل والتكبير واسألوا الله بجاه نبيه ومن سكنها من الأنبياء والصالحين ~~أن يسهل فتحها على أيدي المسلمين فأخذ يزيد الراية وسار يريد بيت المقدس ~~فسار ثم دعا شرحبيل بن حسنة كاتب وحي النبي صلى الله عليه وسلم وعقد له ~~راية وضم اليه خمسة آلاف PageV01P229 # فارس من أهل اليمن وقال له سر بمن معك حتى تقدم بيت المقدس وانزل بعسكرك ~~عليها ولا تختلط بعسكر من تقدم قبلك ثم دعا بالمرقال بن هاشم بن عتبة بن ~~أبي وقاص وضم اليه خمسة آلاف فارس مع جمع من المسلمين وسرحه على أثر شرحبيل ~~ابن حسنة وقال له انزل على حصنها وأنت منعزل عن أصحابك ثم عقد راية خامسة ~~فسلمها للمسيب ابن نجية الفزاري وأمره أن يلحق بأصحابه وضم اليه خمسة آلاف ~~فارس من النخع وغيرهم من القبائل وعقد راية سادسة وسلمها إلى قيس بن هبيرة ~~المرادي وضم اليه خمسة آلاف فارس وسيره وراءه ثم عقد راية سابعة وسلمها إلى ~~عروة بن مهلهل بن يزيد الخيل وضم اليه خمسة آلاف فارس وسيره وراءهم فكان ~~جملة من سرحه أبو عبيدة إلى بيت المقدس خمسة وثلاثين ألفا وسارت السبعة ~~امراء في سبعة أيام في كل يوم أمير وذلك كله يرهب به أعداء الله فبقي كل ~~يوم ينزل عليهم أمير بجيشه فكان أول من طلع عليهم بالراية خالد بن الوليد ~~فلما أشرف عليهم كبر وكبر أصحابه فلما سمع أهل ms308 بيت المقدس ضجيج أصواتهم ~~انزعجوا وتزعزعت قلوبهم وصعدوا على أسوار بلدهم فلما نظروا إلى قلة ~~المسلمين استحقروهم وظنوا ان ذلك جميع المسلمين فنزل خالد ومن معه مما يلي ~~باب أريحاء واقبل في اليوم الثاني يزيد بن أبي سفيان وفي اليوم الثالث ~~شرحبيل بن حسنة وأقبل في اليوم الرابع المرقال وأقبل في اليوم الخامس ~~المسيب بن نجيبة وأقبل في اليوم السادس قيس بن هبيرة فنزل وأقبل في اليوم ~~السابع عروة بن مهلهل بن زيد الخيل فنزل مما يلي طريق الرملة قال عبد الله ~~بن عامر بن ربيعة الغطفاني ما نزل أحد من المسلمين على بيت المقدس الا وكبر ~~وصلى ما قدره الله عليه ودعا بالنصر والظفر على الأعداء ويقال ان خالدا كان ~~هو وأبو عبيدة قال فلما مضى العسكر قام أبو عبيدة وخالد وبقية المسلمين ~~والذراري والسواد والغنم وما أفاء الله على المسلمين من المواشي والأموال ~~فلم يبرحوا من مكانهم قال واقام العسكر على بيت المقدس ثلاثة أيام لا ~~يبارزهم حرب ولا ينظرون رسولا يأتي إليهم ولا يكلمهم أحد من أهلها الا انهم ~~قد حصنوا أسوارهم بالمجانيق والطوارق والسيوف والدرق والجواشن والزرد ~~الفاخرة قال المسيب بن نجية الفزاري ما نزلنا ببلد من بلاد الشام فرأينا ~~أكثر زينة ولا أحسن عدة من بيت المقدس وما نزلنا بقوم الا وتضعضعوا لنا ~~وداخلهم الهلع وأخذتهم الهيبة الا أهل بيت المقدس نزلنا بإزائهم ثلاثة أيام ~~فلم يكلمنا منهم أحد ولا ينطقون غير أن حارسهم شديد وعدتهم كاملة فلما كان ~~في اليوم الرابع قال رجل من البادية لشرحبيل بن حسنة أيها الأمير كأن هؤلاء ~~القوم صم فلا يسمعون أو بكم فلا ينطقون أو عمي فلا يبصرون ازحفوا بنا إليهم ~~فلما كان في اليوم الخامس وقد صلى المسلمون صلاة الفجر كان أول من ركب من ~~المسلمين من الامراء لسؤال أهل بيت المقدس يزيد بن أبي سفيان فشهر سلاحه ~~PageV01P230 # وجعل يدنو من سورهم وقد أخذ معه ترجمانا يبلغه عنهم ما يقولون فوقف بإزاء ~~سورهم بحيث يسمعون خطابه وهم ms309 صامتون فقال لترجمانه قل لهم أمير العرب يقول ~~لكم ماذا تقولون في إجابة الدعوة إلى الاسلام والحق وكلمة الاخلاص وهي كلمة ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى يغفر لكم ربنا ما سلف من ذنوبكم ~~وتحقنون بها دماءكم وان أبيتم ولم تجيبونا فصالحوا عن بلدكم كما صالح غيركم ~~ممن هو أعظم منكم عدة وأشد منكم وان أبيتم هاتين الحالتين حل بكم البوار ~~وكان مصيركم إلى النار قال فتقدم الترجمان إليهم وقال لهم من المخاطب عنكم ~~فكلمه قس من القساوسة عليه مدارع الشعر وقال أنا المخاطب عنهم ماذا تريد ~~فقال الترجمان ان هذا الأمير يقول كذا وكذا ويدعوكم إلى احدى هذه الخصال ~~الثلاث اما الدخول في الاسلام أو أداء الجزية واما السيف قال فبلغ القس من ~~وراءه ما قال الترجمان قال فضجوا بكلمة كفرهم وقالوا لا نرجع عن دين العز ~~والقبول وان قتلنا أهون علينا من ذلك فبلغ الترجمان ذلك ليزيد قال فمشى إلى ~~الامراء وأخبرهم بجواب القوم قال لهم ما انتظاركم بهم فقالوا ان الأمير أبا ~~عبيدة ما أمرنا بالقتال ولا بحرب القوم بل بالنزول عليهم ولكن نكتب إلى ~~امين الأمة فان أمرنا بالزحف زحفنا فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى أبي عبيدة ~~يعلمه بما كان من جواب القوم فما الذي تأمر فكتب إليهم أبو عبيدة يأمر ~~بالزحف وانه واصل في اثر الكتاب فلما وقف المسلمون على كتاب أبي عبيدة ~~فرحوا واستبشروا وباتوا ينتظرون الصباح قال الواقدي ولقد بلغني ان المسلمين ~~باتوا تلك الليلة كأنهم ينتظرون قادما يقدم عليهم من شدة فرحهم بقتال أهل ~~بيت المقدس وكل أمير يريد أن يفتح على يديه فيتمتع بالصلاة فيه والنظر إلى ~~آثار الأنبياء قال فلما أضاء الفجر أذن وصلت الناس صلاة الفجر قال فقرأ ~~يزيد لأصحابه يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا ~~الآية فيقال ان الامراء أجرى الله على ألسنتهم في تلك الصلاة أن قرأوا هذه ~~الآية كأنهم على ميعاد واحد فلما فرغوا من الصلاة نادوا النفير ms310 النفير يا ~~خيل الله اركبي قال فأول من برز للقتال حمير ورجال اليمن وبرز المسلمون ~~للحرب كأنهم أسود ضارية ونظر إليهم أهل بيت المقدس وقد انشرحوا لقتالهم ~~فنشطهم ورشقوا المسلمين بالنشاب فكانت كالجراد فجعل المسلمون يتلقونها ~~بدرقهم فلم تزل الحرب بينهم من الغد إلى الغروب يقاتلون قتالا شديدا ولم ~~يظهروا فزعا ولا رعبا ولم يطمعوهم في بلدهم فلما غربت الشمس رجع الناس وصلى ~~المسلمون ما فرض الله عليهم وأخذوا في اصلاح شأنهم وعشائهم فلما فرغوا من ~~ذلك أوقدوا النيران واستكثروا منها لان الحطب عندهم كثير فبقي قوم يصلون ~~وقوم يقرأون وقوم يتضرعون وقوم نائمون مما لحقهم من التعب والقتل فلما كان ~~الغد بادر PageV01P231 # المسلمون إليهم وذكروا الله كثيرا وأثنو عليه وصلوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتقدمت رماة النبل وأقبلوا يرمون ويذكرون الله وهم يضجون ~~إلى الله بالدعاء قال الواقدي ولم يزل المسلمون على القتال عدة أيام وأهل ~~بيت المقدس يظهرون الفرح وانه ليس على قلوبهم من هم ولا جزع فلما كان اليوم ~~الحادي عشر أشرفت عليهم راية أبي عبيدة يحملها غلامه سالم ومن ورائها فرسان ~~المسلمين وابطال الموحدين وقد احدقوا بأبي عبيدة وخالد عن يمينه وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر عن يساره وجاءت النسوان والأموال وضج الناس ضجة واحدة ~~بالتهليل والتكبير فاجابتهم القبائل ووقع الرعب في قلوب أهل بيت المقدس ~~فانقلب كبارهم وعظماؤهم وبطارقتهم إلى البيعة العظمى عندهم وهي الغمامة ~~فلما وقفوا بين يدي جئليقهم وكانوا يعظمونه ويبجلونه فلما سمعوا تلك الضجة ~~دخلوا عليه ووقفوا بين يديه وخضعوا له وقالوا يا ابانا قد قدم أمير القوم ~~الينا ومعه بقية المسلمين وهذه الضجة بسببه فلما سمع بتركهم وجائليقهم تغير ~~لونه وتغير وجهه وقال هي هي قالوا ما ذلك أيها البترك والأب الكبير قال وحق ~~الإنجيل ان كان قدم أميرهم فقد دنا هلاككم والسلام قالوا وكيف ذلك قال لأنا ~~نجد في العلم الذي ورثناه عن المتقدمين ان الذي يفتح الأرض في الطول والعرض ~~هو الرجل الأسمر الأحور المسمى بعمر ms311 صاحب نبيهم محمد فإن كان قد قدم فلا ~~سبيل لقتاله ولا طاقة لكم بنزاله ولا بد لي أن اشرف عليه وانظر اليه والى ~~صورته فإن كان إياه عمدت إلى مصالحته وأجبته إلى ما يريد وان كان غيره فلا ~~نسلم اليه قط لان مدينتنا لا تفتح الا على يد من ذكرته لكم والسلام ثم إنه ~~وثب قائما والقسوس والرهبان والشمامسة من حوله وقد رفعوا الصلبان على رأسه ~~وفتحوا الإنجيل بين يديه ودارت البطارقة من حوله وصعد على الصور من الجهة ~~التي فيها أبو عبيدة فنظر إلى المسلمين وهم يسلمون عليه ويعظمونه ثم يرجعون ~~إلى القتال كأنهم الأسد الضارية فناداهم رجل ممن كان يمشي بين يدي البترك ~~فقال يا معاشر المسلمين كفوا عن القتال حتى نستخبركم ونسألكم قال فأمسك ~~الناس عن القتال فناداهم رجل من الروم بلسان عربي فصيح اعلموا أن صفة الرجل ~~الذي يفتح بلدنا هذا وجميع الأرض عندنا فإن كان هو أميركم فلا نقاتلكم بل ~~نسلم إليكم وان لم يكن إياه فلا نسلم إليكم ابدا قال الواقدي فلما سمع ~~المسلمون ذلك أقبل نفر منهم إلى أبي عبيدة وحدثه بما سمعوه قال فخرج أبو ~~عبيدة إليهم إلى أن حاذاهم فنظر البترك اليه وقال ليس هو هذا الرجل فأبشروا ~~وقاتلوا عن بلدكم ودينكم وحريمكم فلما سمعوا قوله رفعوا أصواتهم وأعلنوا ~~بكلمة كفرهم وأقبلوا يقاتلون القتال الشديد وعاد البترك إلى القمامة ولم ~~يخاطب أبا عبيدة بكلمة واحدة بل أمر قومه بالحرب والقتال وعاد أبو عبيدة ~~إلى أصحابه فقال خالد ما كان منك أيها الأمير فقال لا علم لي غير اني خرجت ~~PageV01P232 # إليهم كما رايت وأشرفت علي شيطان من شياطينهم الذي يضلهم فما هو غير أن ~~نظر لي وتاملني حتى ضجوا ضجة واحدة وولى عني ولم يكلمني فقال خالد يوشك ان ~~يكون لهم في ذلك تأويل ورأي فنقف عليه ونعلم نبأه ثم قال شدوا عليهم الحرب ~~والقتال فشد عليهم المسلمون قال الواقدي وكان نزول المسلمين على بيت المقدس ~~في أيام الشتاء والبرد وظنت الروم ms312 أن المسلمين لا يقدرون عليهم في ذلك ~~الوقت قال وزحف المسلمون إليهم وبرزت النبالة من أهل اليمن وصمم أصحاب ~~القسي ورشقوهم بالنبل وكانوا غير محترزين من النبل لقلة أكتراثهم به حتى ~~رأوا النبل ينكسهم على رؤوسهم من وراء ظهورهم وهم لا يشعرون قال مهلهل لله ~~در عرب اليمن فلقد رأيتهم يرمون بالنبل الروم فيتهافتون من سورهم كالغنم ~~فلما رأوا ما صنع بهم النبل احترزوا منه وستروا السور بالحجف والجلود وبما ~~يرد النبل قال ونظرت الروم إلى ضرار بن الأزور وقد اقبل نحو الباب الأعظم ~~وعليه بطريق كبير وعلى رأسه صليب من الجوهر وحوله غلمان وعليهم الطوارق ~~وبأيديهم القسي الموترة والعمد وهو يحرص القوم على القتال قال عوف بن مهلهل ~~إلى ضرار وقد قصد نحوه وهو يختفي ويستتر إلى أن قرب من البرج الذي عليه ~~البطريق ثم أطلق اليه نبلة قال عوف فنظرت إلى النبلة مع علو هذا الجدار وقد ~~خرجت من قوس ضرار والبرج عال رفيع فقلت وما تكون هذه النبلة مع علو هذا ~~الجدار وما الذي تصنع في هذا العلج وعليه هذه اللامة اللامعة فاقسم بالله ~~لقد وقعت هذه النبلة في فيه فتردى إلى أسفل برجة فسمعت للقوم ضجة عظيمة ~~ورجولة هائلة فعلمت أنه قتل قال ولم يزل أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة ~~أشهر كاملة وما من يوم الا ويقاتلهم قتالا شديدا والمسلمون صابرون على ~~البرد والثلج والمطر فلما نظر أهل بيت المقدس إلى شدة الحصار وما نزل بهم ~~من المسلمين قصدوا القمامة ووقفوا بين يدي بتركهم وسجدوا بين يديه وعظموه ~~وقالوا له يا ابانا قد دار علينا حصار هؤلاء العرب ورجونا أن يأتينا مدد من ~~قبل الملك ولا شك أنه اشتغل عنا بنفسه من اجل هزيمة جيشه وانهم أشهى منا ~~للقتال وانهم من يوم نزلوا علينا لم نخاطبهم بكلمة واحدة ولم نجبهم احتقارا ~~منا لهم والآن قد عظم علينا الامر وانا نريد منك ان تشرف على هؤلاء العرب ~~وتنظر ما الذي يريدون منا فإن كان أمرهم قريبا ms313 أجبنا إلى ما يريدون ويطلبون ~~وان كان صعبا فتحنا الأبواب وخرجنا إليهم فاما ان نقتل عن آخرنا واما ان ~~نهزمهم عنا فأجابهم البترك إلى ذلك واشتمل بلباسه وصعد معهم على السور وحمل ~~الصليب بين يديه واجتمع القسوس والرهبان حوله وبأيديهم الأناجيل مفتحة ~~والمباخر حتى اشرف على المكان الذي فيه أبو عبيدة فنادى منهم رجل بلسان ~~فصيح العربية يا معاشر العرب ان عمدة دين النصرانية وصاحب شريعتها قد أقبل ~~يخاطبكم فليدن منا أميركم فأخبروا أبا عبيدة بمقالهم PageV01P233 # فقال والله اني لأجيبه حيث دعاني ثم قام أبو عبيدة وجماعة من الامراء ~~والصحابة ومعه ترجمان فلما وقف بإزائه قال لهم الترجمان ما الذي تريدون منا ~~في هذه البلدة المقدسة ومن قصدها يوشك أن الله يغضب عليه ويهلكه فأخبره ~~الترجمان بذلك فقال قل لهم نعم انها شريفة ومنها أسرى بنبينا إلى السماء ~~ودنا من ربه كقاب قوسين أو أدنى وانها معدن الأنبياء وقبورهم فيها ونحن أحق ~~منكم بها ولا نزال عليها أو يملكنا الله إياها كما ملكنا غيرها قال البترك ~~فما الذي تريدون منا قال أبو عبيدة خصلة من ثلاث أولها أن تقولوا لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله فان أجبتم إلى هذه الكلمة ~~كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا قال البترك انها كلمة عظيمة ونحن قائلوها ~~الا ان نبيكم محمدا ما نقول إنه رسول قال أبو عبيدة كذبت يا عدو الله انك ~~لم توحد قط وقد أخبرنا الله في كتابه انكم تقولون المسيح ابن الله لا إله ~~إلا الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا قال البترك هذه خصلة ~~لا نجيبكم إليها فما الخصلة الثانية فقال أبو عبيدة تصالحوننا عن بلدكم أو ~~تؤدون الجزية الينا عن يد وأنتم صاغرون كما أداها غيركم من أهل الشام قال ~~البترك هذه الخصلة أعظم علينا من الأولى وما كنا بالذي يدخل تحت الذل ~~والصغار أبدا فقال أبو عبيدة ما نزال نقاتلكم حتى يظفرنا الله بكم ونستعبد ~~أولادكم ونساءكم ونقتل ms314 منكم من خالف كلمة التوحيد وعكف على كلمة الكفر فقال ~~البترك فأنا لا نسلم مدينتنا أو نهلك عن آخرنا وكيف نسلمها وقد استعددنا ~~بآلة الحرب والحصار وفيها العدة الحسنة والرجال الشداد ولسنا كمن لاقيتم من ~~أهل المدن الذين أذعنوا لكم بالجزية فإنهم قوم غضب عليهم المسيح فأدخلهم ~~تحت طاعتكم ونحن في بلد من إذا سأل المسيح ودعاه أجاب دعوته فقال أبو عبيدة ~~كذبت والله يا عدو الله ما المسيح بن مريح الا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام فقال أنا أقسم بالمسيح أنكم لو أقمتم علينا ~~عشرين سنة ما فتحتموها ابدا وانما تفتح لرجل صفته ونعته في كتبنا ولسنا نجد ~~صفته ونعته معك أبدا فقال أبو عبيدة وما صفة من يفتح مدينتكم قال البترك لا ~~نخبركم بصفته لكن نجد في كتبنا وما قرأناه من علمنا أنه يفتح هذه البلدة ~~صاحب محمد اسمه عمر يعرف بالفاروق وهو رجل شديد لا تأخذه في الله لومة لائم ~~ولسنا نرى صفته فيكم قال فلما سمع أبو عبيدة ذلك من كلام البترك تبسم ضاحكا ~~وقال فتحنا البلد ورب الكعبة ثم أقبل عليه وقال له إذا رأيت الرجل تعرفه ~~قال نعم وكيف لا أعرفه وصفته عندي وعدد سنينه وأيامه قال أبو عبيدة هو ~~والله خليفتنا وصاحب نبينا فقال البترك ان كان الامر كما ذكرت فقد علمت صدق ~~قولنا فاحقن الدماء وابعث إلى صاحبك يأت فإذا رأيناه وتبيناه وعرفنا صفته ~~ونعته فتحنا له البلد من غير هم ولا نكد وأعطينا الجزية فقال أبو عبيدة ~~فاني أبعث اليه بأن يقوم علينا أفتحبونا PageV01P234 # القتال أم نكف عنكم فقال البترك معاشر العرب الا تدعون بغيكم أنخبركم ~~بأننا قد صدقناكم في الكلام طلبا لحقن الدماء وأنتم تأبون الا القتال قال ~~أبو عبيدة نعم لان ذلك اشهى الينا من الحياة نرجو به العفو والغفران من ~~ربنا قال فأمر أبو عبيدة بالكف عنهم وانصرف البترك قال الواقدي فجمع أبو ~~عبيدة الامراء والمسلمين اليه وأخبرهم بما قال البترك فرفع ms315 المسلمون ~~أصواتهم بالتهليل والتكبير وقالوا افعل أيها الأمير واكتب إلى أمير ~~المؤمنين بذلك فلعله يسير الينا ويفتح هذا البلد علينا فقال شرحبيل بن حسنة ~~اصبر حتى نقول لهم ان الخليفة معنا ويتقدم خالد إليهم فإذا نظروا اليه ~~فتحوا الباب وكفينا التعب وكان خالد أشبه الناس بعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه فلما أصبح الصباح قال له الترجمان قد جاء الخليفة وكان قد قال أبو ~~عبيدة لخالد فركبوا جميعا وقالوا قد جاء الرجل الذي تطلبونه فعرفوا البترك ~~فأقبل إلى أن وقف على السور وقال له قل له يتقدم بحيث نراه عيانا فتقدم ~~خالد فتبينه وقال وحق المسيح كأنه هو ولكن باقي العلامات ما هي فيه فبحق ~~دينك من أنت فقال أنا من بعض أصحابه فقال البترك يا فتيان العرب كم يكون ~~هذا الخداع فيكم وحق المسيح لئن لم نر الرجل الموصوف ما نفتح لكم ولا يرجع ~~أحد منا يكلمكم ولو أقمتم علينا عشرين سنة ثم ولى ولم يتكلم فقال المسلمون ~~عند ذلك اكتبوا إلى أمير المؤمنين وعرفوه بذلك فعسى أن يأتي ويتشرف بهذه ~~البقعة فكتب أبو عبيدة كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الله ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عامله أبي عبيدة عامر بن الجراح أما بعد ~~السلام عليك فأني أحمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأعلم يا أمير المؤمنين انا منازلون لأهل مدينة ايلياء ~~نقاتلهم أربعة أشهر كل يوم نقاتلهم ويقاتلوننا ولقد لقي المسلمون مشقة ~~عظيمة من الثلج والبرد والأمطار الا انهم صابرون على ذلك ويرجون الله ربهم ~~فلما كان اليوم الذي كتبت إليك الكتاب فيه اشرف علينا بتركهم الذي يعظمونه ~~وقال إنهم يجدون في كتبهم انه لا يفتح بلدهم الا صاحب نبينا واسمه عمر وانه ~~يعرف صفته ونعته وهو عندهم في كتبهم وقد سألنا حقن الدماء فسر الينا بنفسك ~~وانجدنا لعل الله أن يفتح هذه البلدة علينا على يديك ثم إنه طوى الكتاب ~~وختمه وقال يا ms316 معاشر المسلمين من ينطلق بكتابي هذا وأجره على الله فأسرع ~~بالإجابة ميسرة بن مسروق العبسي وقال أنا أكون الرسول وأرجع مع عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إن شاء الله تعالى قال أبو عبيدة فخذ الكتاب بارك الله ~~فيك فأخذه ميسرة واستوى على ناقة له كوماء ولم يزل سائرا إلى أن دخل ~~المدينة فدخلها ليلا وقال والله لا نزلت عند أحد من الناس فأناخ ناقته على ~~باب المسجد وعقلها ودخل المسجد وسلم على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلى قبر أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم أتى مكانا في المسجد فنام وكان له ~~ليال PageV01P235 # عدة لم ينم فأخذته عيناه فما استيقظ الا على أذان عمر وكان يغلس في ~~الاذان فلما أذن دخل المسجد وهو يقول الصلاة رحمكم الله قال ميسرة فقمت ~~وتوضأت وصليت خلف عمر صلاة الفجر فلما انحرف عن محرابه قمت اليه وسلمت عليه ~~فلما نظر إلي صافحني واستبشر وقال ميسرة ورب الكعبة ثم قال ما وراءك يا ابن ~~مسروق قلت الخير والسلامة يا أمير المؤمنين ثم ناولته الكتاب فقراه على ~~المسلمين فاستبشروا به فقال ما ترون رحمكم الله فيما كتب به أبو عبيدة فكان ~~أول من تكلم عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين ان الله قد ~~أذل الروم وأخرجهم من الشام ونصر المسلمين عليهم وقد حاصر أصحابنا مدينا ~~ايلياء وضيقوا عليهم وهم في كل يوم يزدادون ذلا وضعفا ورعبا فان أنت أقمت ~~ولم تسر إليهم رأوا انك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستحقر فلا يلبثون الا ~~اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطون الجزية فلما سمع عمر ذلك من مقال ~~عثمان جزاه خيرا وقال هل عند أحد منكم رأي غير هذا فقال علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه نعم عندي غير هذا الرأي وأنا ابديه لك رحمك الله فقال عمر وما ~~هو يا أبا الحسن قال إن القوم قد سألوك وفي سؤالهم ذلك فتح للمسلمين وقد ~~أصاب المسلمين جهد عظيم من البرد والقتال ms317 وطول المقام واني أرى انك ان سرت ~~إليهم فتح الله هذه المدينة على يديك وكان في مسيرك الاجر العظيم في كل ظمأ ~~ومخمصة وفي قطع كل واد وصعود جبل حتى تقدم إليهم فإذا أنت قدمت عليهم كان ~~لك وللمسلمين الامن والعافية والصلاح والفتح ولست آمن ان يياسوا منك ومن ~~الصلح ويمسكوا حصنهم ويأتيهم المدد من بلادهم وطاغيتهم فيدخل فلا يتخلفون ~~عنه والصواب أن تسير إليهم إن شاء الله تعالى قال ففرح عمر بن الخطاب ~~بمشورة علي رضي الله عنه وقال لقد أحسن عثمان النظر في المكيدة للعدو وأحسن ~~علي المشورة للمسلمين فجزاهما الله خيرا ولست آخذ الا بمشورة علي فما ~~عرفناه الا محمود المشورة ميمون الغرة ثم إن عمر رضي الله عنه أمر الناس ~~بأخذ الأهبة للمسير معه والاستعداد فأسرع المسلمون إلى ذلك واستعدوا ~~وتأهبوا وأمر عمر أن يكونوا خارج المدينة ففعلوا ذلك وأتى عمر المسجد فصلى ~~فيه أربع ركعات ثم قام إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهم ~~وعلى أبي بكر رضي الله عنه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وخرج من ~~المدينة وأهلها يشيعونه ويودعونه قال الواقدي وخرج عمر من المدينة وهو على ~~بعير له أحمر وعليه غرارتان في إحداهما سويق وفي الأخرى تمر وبين يديه قربة ~~مملوءة ماء وخلفه جفنة للزاد وخرج ومعه جماعة من الصحابة قد شهدوا اليرموك ~~وعادوا إلى المدينة منهم الزبير وعبادة بن الصامت وسار عمر نحو بيت المقدس ~~فكان إذ نزل منزلا لا يبرح منه حتى يصلي الصبح فإذا انفتل من الصلاة أقبل ~~على المسلمين وقال الحمد لله الذي أعزنا بالاسلام وأكرمنا بالايمان وخصنا ~~بنبيه عليه الصلاة والسلام وهدانا من الضلالة PageV01P236 # وجمعنا بعد الشتات على كلمة التقوى وألف بين قلوبنا ونصرنا على عدونا ~~ومكن لنا في بلاده وجعلنا اخوانا متحابين فاحمدوا الله عباد الله على هذه ~~النعمة السابغة والمنن الظاهرة فان الله يزيد المستزيدين الراغبين فيما ~~لديه ويتم نعمته على الشاكرين ثم يأخذ الجفنة فيملؤها سويقا ويصف التمر ~~حولها ms318 ويقرب للمسلمين ويقول كلوا هنيئا مريئا فياكل ويأكل المسلمون معه ثم ~~يرحل فلم يزل كذلك في مسيره قال عمرو بن مالك العبسي كنت مع عمر بن الخطاب ~~حين سار إلى الشام فمر على ماء لجذام وعليه طائفة منهم نزول والماء يدعى ~~ذات المنار فنزل بالمسلمين عليه فبينما هو كذلك وأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حوله إذ أقبل اليه قوم من جذام فقالوا يا أمير المؤمنين ان عندنا ~~رجلا له أمرأتان وهما أختان لأب وأم قال فغضب عمر وقال علي به فاتى بالرجل ~~اليه فقال له عمر ما هاتان المرأتان قال الرجل زوجتاي قال فهل بينهما قرابة ~~قال نعم هما أختان قال عمر فما دينك ألست مسلما قال بلى قال عمر وما علمت ~~أن هذا حرام عليك والله يقول في كتابه وأن تجمعوا بين الأختين الا ما قد ~~سلف فقال الرجل ما علمت وما هما علي حرام فغضب عمر وقال كذبت والله انه ~~لحرام عليك ولتخلين سبيل إحداهما والا ضربت عنقك قال الرجل افتحكم علي قال ~~أي والله الذي لا إله إلا هو فقال الرجل ان هذادين ما أصبنا فيه خيرا ولقد ~~كنت غنيا عن أن أدخل فيه قال عمر ادن مني فدنا منه فخفق رأسه بالدرة خفقتين ~~وقال له اتتشاءم بالاسلام يا عدو الله وعدو نفسه وهو الدين الذي ارتضاه ~~الله لملائكته ورسله وخيرته من خلقه خل يا ويلك سبيل أحداهما وإلا جلدتك ~~جلدة المفثري فقال الرجل كيف اصنع بهما وأني أحبهما ولكن اقرع بينهما فمن ~~خرجت القرعة عليها كنت لها وهي لي وإن كنت لهما جميعا محبا فأمر عمر فاقترع ~~فوقعت القرعة على إحداهما فأمسكها وأطلق سبيل الثانية ثم أقبل عليه عمر ~~وقال له اسمع يا ذا الرجل وع ما أقول لك أنه من دخل في ديننا ثم رجع عنه ~~قتلناه فإياك أن تفارق الاسلام وإياك يبلغني أن قد أصبت أخت امرأتك التي ~~فارقتها فإنك ان فعلت ذلك رجمتك قال الواقدي وسار عمر حتى مر على حي ms319 من بني ~~مرة فإذا بقوم منهم قد أقاموا في الشمس يعذبون فقال لهم عمر ما بال هؤلاء ~~يعذبون فقيل عليهم خراج فهم يعذبون قال فما يقولون قال يقولون ما نجد نؤدي ~~فقال عمر دعوهم ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فاني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول لا تعذبوا الناس في الدنيا يعذبكم الله يوم القيامة فخلى ~~سبيلهم ثم سار حتى إذا كان بواد القرى أخبروه أن شيخا على الماء وله صديق ~~يوده فقال له صديقه هل لك أن تجعل لي في زوجتك نصيبا وأكفيك رعي أبلك ~~والقيام عليها ولي فيها يوم وليلة ولك فيها يوم وليلة قال له الشيخ قد فعلت ~~ذلك ورضي فلما أخبر عمر بذلك أمر بهما فأحضرا فقال ويلكما ما دينكما قالا ~~الاسلام قال عمر فما الذي بلغني عنكما قالا وما هو فأخبرهما PageV01P237 # عمر بما سمعه من العرب فقال الشيخ قد كان ذلك يا أمير المؤمنين فقال عمر ~~أما علمتما أن ذلك حرام في دين الاسلام قالا لا والله ما علمنا ذلك فقال ~~عمر للشيخ وما دعاك ان صنعت هذا القبيح قال أنا شيخ كبير ولم يكن لي أحد ~~أثق به ولاأتكل عليه فقلت يا هذا أتكفيني الرعي والسقي وتعينني على دوابي ~~وانا أجعل لك نصيبا في امرأتي والآن علمت أنه حرام فلا أفعله فقال لي عمر ~~خذ بيد امرأتك فلا سبيل لي عليها ثم قال للشاب أياك ان تقرب منها فإنه ان ~~بلغني ذلك ضربت عنقك ثم ارتحل عمر يريد بيت المقدس حتى دنا من أول الشام ~~وأشرف عليه قال أسلم ابن برقان مولى عمر فلما أشرفنا على الشام وأشرف عليه ~~المسلمون نظرنا إلى طائفة من خيل المسلمين فقال عمر للزبير اسرع وانتظر ما ~~هذه الخيل فأسرع الزبير إليها فلما قرب منها وإذا هي خيل من اليمن قد بعث ~~بها أبو عبيدة يأخذون له خبر عمر رضي الله عنه قال الزبير فسلموا علي ~~وقالوا يا فتى من أين أقبلت فقلت من مدينة رسول الله ms320 صلى الله عليه وسلم ~~قالوا كيف خلفت أهلها قلت بخير قالوا فما فعل عمر هل قدم علينا أم قال ~~الزبير من أنتم قالوا نحن من عرب اليمن قد وجهنا أبو عبيدة لنأخذ له خبر ~~عمر قال فرجع الزبير إلى عمر وحدثه قال أصبت يا ابا عبد الله فاقبل علينا ~~جمع آخر فسلموا علينا وسألونا عن عمر فقال لهم ها أنا عمر فما تريدون قالوا ~~يا أمير المؤمنين قد ذرفت العيون وطالت الأعناق بطول قدومك فلعل الله أن ~~يفتح بيت المقدس على يدك قال الواقدي ثم رجعوا على أعقابهم حتى أشرفوا على ~~عسكر المسلمين وأبي عبيدة ونادوا بأصواتهم أبشروا يا مسلمون بقدوم عمر قال ~~فأرتج الناس وهموا ان يركبوا لاستقباله بأجمعهم فقال لهم أبو عبيدة عزيمة ~~على كل رجل أن لا يخرج من مركزه ثم سار أبو عبيدة في أناس من المهاجرين ~~والأنصار حتى أشرف بمن معه على عمر قال ونظر عمر إلى أبي عبيدة وهو لابس ~~سلاحه متنكب قوسه وهو راكب على قلوصه مغطى بعباءة قطوانية وخطام قلوصة من ~~شعر فلما نظر أبو عبيدة إلى عمر رضي الله عنه أناخ قلوصه وأناخ عمر بعيره ~~وترجل كلاهما ومد أبو عبيدة يده فصافح عمر وتعانقا جميعا وسلم بعضهما على ~~بعض واقبل المسلمون يسلمون على عمر ثم ركبا جميعا وجعلا يسيران أمام الناس ~~وهما يتحادثان ولم يزالا كذلك حتى نزلا ببيت المقدس فلما نزل صلى عمر رضي ~~الله عنه بالمسلمين صلاة الفجر ثم خطبهم خطبة حسنة فقال في خطبته الحمد لله ~~الحميد المجيد القوي الشديد الفعال لما يريد ثم قال إن الله تعالى قد ~~أكرمنا بالاسلام وهدانا بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام وأزاح عنا الضلالة ~~وجمعنا بها الفرقة والف بين قلوبنا من بعد البغضاء فاحمدوه على هذه النعمة ~~تستوجبوا نه المزيد فقد قال الله تعالى * (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ~~إن عذابي لشديد) * ثم قرأ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا قال فلما تلا عمر ذلك قام ms321 قس من النصارى كان حاضرا بين يديه فقال ان ~~الله لا PageV01P238 # يضل أحدا فلما كررها قال عمر انظروا ان عاد إلى قوله فاضربوا عنقه فعرف ~~القس ما قال عمر فأمسك ومضي عمر في خطبته فقال أما بعد فاني أوصيكم بتقوى ~~الله عز وجل الذي يبقي ويغني كل شيء سواه الذي بطاعته ينفع أولياءه ~~وبمعصيته يفني أعداءه أيها الناس أدوا زكاة أموالكم طيبة بها قلوبكم ~~وأنفسكم لا تريدون بها جزاء من مخلوق ولا شكورا أفهموا ما توعظون به فان ~~الكيس من احرز دينه وان السعيد من اتعظ بغيره الا ان شر الأمور مبتدعاتها ~~وعليكم بالسنة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم فالزموها فان الاقتصاد في ~~السنة خير من الاجتهاد في البدعة والزموا القرآن فان فيه الشفاء والثواب ~~أيها الناس انه قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كقيامي فيكم وقال ~~الزموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب حتى يشهد من ~~لم يستشهد ويحلف من لم يحلف فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة وتعوذوا ~~من الشيطان ولا يخلون أحد منكم بامرأة فإنهن من حبائل الشيطان ومن سرته ~~حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن والصلاة الصلاة فلما فرغ من خطبته جلس فجعل ~~أبو عبيدة يحدثه بما لقي من الروم وعمر باهت فتارة يبكي وتارة يهدأ فلم يزل ~~كذلك إلى أن حضرت صلاة الظهر فقال الناس يا أمير المؤمنين اسأل بلالا ان ~~يؤذن لنا وكان بلال مقيما ببلد فلما بلغه أن عمر قد وصل سار مع أبي عبيدة ~~حتى سلم على عمر فعظم قدره فلما حضرت صلاة الظهر وسأل المسلمون عمر أن يسأل ~~بلالا فقال له يا بلال أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون أن ~~تؤذن لهم وتذكرهم أوقات نبيهم صلى الله عليه وسلم فقال بلال نعم فلما قال ~~الله أكبر خشعت جلودهم واقشعرت أبدانهم قال فلما قال أشهد ان لا إله إلا ~~الله أشهد أن محمدا رسول الله بكى الناس بكاء شديدا حتى كادت قلوبهم أن ms322 ~~تتصدع عند ذكر الله ورسوله فلما فرغ بلال من أذانه وجلس قال بلال يا أمير ~~المؤمنين أن أمراء المسلمين وأجناد الشام يأكلون لحوم الطيور والخبز النقي ~~وما لا يلحق ضعفاء الناس وما لاتناله أيديهم وأن الكل يفني وما له إلى ~~التراب ومصيرنا اليه فقال له يزيد بن أبي سفيان أن سعر بلادنا هذه رخيص ~~وانا لنصيب ما قاله بلال ههنا مثل ما كنا نقوت به أنفسنا مدة من الزمان في ~~الحجاز فقال عمران الامر كما ذكرت فكلوا هنيئا مريئا ولست أبرح من مكاني ~~حتى تجمعوا إلي من في المنازل وان تكتبوا إلى فقراء المسلمين ممن في المدن ~~والقرى فأفرض لكل أهل بيت ما يجزيهم من البر والشعير والعسل والزيت وما ~~يحتاجون اليه ولا بد لهم منه ثم قال عمر هذا لكم من أمرائكم غير ما يأتيكم ~~مني من بيت مال المسلمين فان قطعت عنكم أمراؤكم فأمروني حتى أعزلهم عنكم ثم ~~أمرهم بالرحيل فلما هم بالركوب على بعيره وعليه مرقعة من صوف وفيها أربع ~~عشرة رقعة بعضها من أدم قال الواقدي بلغني ممن أثق به أنها كانت مرقعة من ~~صوف فقال له المسلمون يا أمير المؤمنين لو ركبت بدل بعيرك جوادا ولبست ~~ثيابا بيضا قال ففعل PageV01P239 # قال الزبير احسب انها كانت من ثياب مصر تساوي خمسة عشر درهما وطرح على ~~عاتقه منديلا من كتان ليس جديدا ولا بالخلق دفعه اليه أبو عبيدة وقدم اليه ~~برذون أشهب من براذين الروم فلما صار عمر على ظهره جعل البرذون يهملج به ~~فلما نظر عمر إلى البرذون وفعاله نزل عنه مسرعا وقال أقيلوا عثرتي أقال ~~الله عثرتكم يوم القيامة فقد كاد أميركم ان يهلك بما دخل من العجب والكبر ~~واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل الجنة من في قلبه ~~مثقال ذرة من الكبر ولقد كاد أن يهلكني ثوبكم الأبيض وبرذونكم المهملج ثم ~~إن عمر رضي الله عنه نزع ما كان عليه ثم عاد إلى لبس مرقعته قال الواقدي ~~كنا يوم ms323 نقرأ فتوح الشام وفتوح بيت المقدس عند قبر أبي حنيفة وكان الفتوح ~~يقرأ على عبادة بن عوف الدينوري وكان من أهل الفضل وكان يسجع كلامه فلما ~~وصل إلى ما ذكرناه من لبس عمر لمرقعته قال قد سمح خاطري بما أنا قائله قال ~~الواقدي قلت قل ولا تخف الصدق فتهوى في النار وان الصدق أمانة والكذب خيانة ~~قال لما لبس عمر مرقعته وجعل يتميز في شمائل فقره والكائنات تتعجب من زهده ~~وصبره عندما تزينت له الدنيا بملابسها وتراءت له في حلل أمنيتها بواسطة ~~حدثان مشيئتها وقد جعلت أشباح شهواتها على قمة رأس مرآتها وأقبلت رافلة في ~~حلة مراودته مطلقة عند الطمع في طلب زوال مجاهدته معرضة بملابس جمالها على ~~سوق معارضته في سناء قبلة مرآة تبهرجها في عين مشاهدته واقفة على قدم ~~الاستدراج إلى ترك خدمته جاعلة ودادها ذريعة إلى وصلته وعمر قد أمسك عرا ~~طاعته بيد عصمته فلما نصبت له حبائل بلاها ولم تره وقع في أشراك هواها ~~أسمعت في معناها قد شغفها حبا انا لنراها وقالت يا عمر قد وليت أرضي فلا بد ~~من القيام بفرضي فالولاية لا تقوم الا بالملابس الهنية والمآكل الشهية ~~والظلم في الرعية فقال عمر اذهبي فلست من رجالك ولا ممن يقع في حبالك ولا ~~في أوحالك أما علمت اني قد تجردت لمعاندتك ولا حاجة لي في مشاهدتك وها أنا ~~على قدم تجردت لإقامة دعوة سيد الأمم حتى افتح بلاد الروم والعجم ثم اظهر ~~في وجهها صارم اجتهاده من معنى قوله * (وجاهدوا في الله حق جهاده) * قال ~~الواقدي فاستحسنت هذا الكلام والحقت ما قاله في هذا الموضع بقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ان من البيان لسحرا قال وان عمر سار يريد العقبة ليصعد ~~منها إلى بيت المقدس فلقيه قوم من المسلمين وعليهم ثياب الديباج مما أخذوه ~~من اليرموك فأمر عمر أن يحثوا التراب في وجوههم وان تمزق عليهم ولم يزل على ~~ذلك حتى أشرف على بيت المقدس فلما نظر إليها قال الله أكبر ms324 اللهم افتح لنا ~~فتحا يسيرا واجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا ثم سار واستقبلته العشائر ~~والقبائل وأصحاب PageV01P240 # العقود وسار عمر حتى نزل بالموضع الذي كان فيه أبو عبيدة وضربت له خيمة ~~من شعر وجلس فيها هناك على التراب ثم قام يصلي أربع ركعات قال الواقدي وعلت ~~للمسلمين ضجة عظيمة وصياح مزعج بالتهليل والتكبير فسمع أهل بيت المقدس ~~الضجة والجلبة فقال لهم البترك يا ويلكم ما شأن العرب قد ارتفعت لهم جلبة ~~من غير شيء فأشرفوا عليهم وانظروا ما شأنهم قال الواقدي فأشرف عليهم رجل ~~ممن يعرف العربية فقال يا معاشر العرب أخبرونا ما قصتكم قالوا أن أمير ~~المؤمنين عمر قد قدم علينا من مدينة نبينا وهذه الضجة من فرح المسلمين به ~~قال فرجع وأعلم البترك فأطرق إلى الأرض ولم يتكلم فلما كان الغد وصلى عمر ~~بالناس صلاة الفجر قال لأبي عبيدة يا عامر تقدم إلى القوم وأعلمهم اني قد ~~اتيت قال فخرج أبو عبيدة وصاح بهم وقال يا أهل هذه البلدة ان صاحبنا أمير ~~المؤمنين قد ورد فما تصنعون فيما قلتم قال فاعلموا البترك فخرج من كنيسته ~~وعليه المسوح وترجل الرهبان والقسوس والاساقفه معه وقد حمل بين يديه صليب ~~لا يخرجونه الا في عيدهم وسار معه البطاليق الوالي عليهم وهو يقول للبترك ~~يا ابانا ان كنت تعرفه معرفة حقيقية والا فلا تفتح له ودعنا وهؤلاء العرب ~~فاما أن بنيدهم واما ان يبيدونا قال البترك أنا أفعل ذلك ثم صعدا على الصور ~~ووقف البطاليق إلى جانبه والصليب أمامهم وأشرف على أبي عبيدة وقال ما تشاء ~~أيها الشيخ الباهي قال أبو عبيدة هذا أمير المؤمنين عمر وليس عليه أمير قد ~~أتى فأخرجوا اليه واعقدوا معه الأمان والذمة وأداء الجزية فقال البترك يا ~~ذا الرجل ان كان صاحبك الذي ليس عليه أمير قد أتى فدعه يدن منا فانا نعرفه ~~بنعته وصفته وأفردوه من بينكم وليقف بازائنا حتى نراه فإن كان صاحبنا الذي ~~نعته في الإنجيل نزلنا اليه وعقدنا معه الأمان وأقررنا له بالجزية ms325 وان كان ~~غير الذي نجد نعته في الإنجيل وصفته فما لكم عندنا غير القتال قال فرجع أبو ~~عبيدة إلى عمر واخبره بما قاله البترك فهم عمر بالقيام فقال له أصحابه يا ~~أمير المؤمنين تخرج إليهم منفردا وليس عليك آلة حرب غير هذه المرقعة وانا ~~نخشى عليك منهم غدرا أو مكرا فينالون منك فقال عمر قل لن يصيبنا الا ما كتب ~~الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ثم أمر ببعيره فقدم اليه ~~فاستوى في ركوبه عليه وعليه مرقعة ليس عليه غيرها وعلى رأسه قطعة عباءة ~~قطوانية وقد عصب بها رأسه وليس معه غير أبي عبيدة رضي الله عنه وهو سائر ~~بين يديه حتى قرب من السور ووقف بإزاء السور والبترك والبطاليق عليه فتكلم ~~أبو عبيدة وقال يا هؤلاء هذا أمير المؤمنين قد أتى فمسح البترك عينه ونطر ~~إليه وزعق بأعلى صوته هذا والله الذي نجد صفته ونعته في كتبنا ومن يكون فتح ~~بلادنا على يديه بلا محالة ثم إنه قال لأهل بيت المقدس يا ويحكم انزلوا ~~اليه واعقدوا معه الأمان والذمة هذا والله صاحب محمد بن عبد الله ~~PageV01P241 # قال الواقدي فلما سمعت الروم كلام البترك نزلوا مسرعين وكانوا قد ضاقت ~~أنفسهم من الحصار ففتحوا الباب وخرجوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه العهد ~~والميثاق والذمة ويقرون له بالجزية فلما نظر إليهم عمر على تلك الحالة ~~تواضع لله وخر ساجدا على قتب بعيره ثم نزل إليهم وقال ارجعوا إلى بلادكم ~~ولكم الذمة والعهد إذ سألتمونا وأقررتم بالجزية قال فرجع القوم إلى بلدهم ~~ولم يغلقوا الأبواب ورجع عمر إلى عسكره فبات فيه ليلة فلما كان الغد قام ~~فدخل إليها وكان دخوله يوم الاثنين واقام بها إلى يوم الجمعة وخط بها ~~محرابا من جهة الشرق وهو موضع مسجده فتقدم وصلى هو وأصحابه صلاة الجمعة ~~فهمت الروم بغدرهم وكان أبو الجعيد الذي احتال على الروم باليرموك ببيت ~~المقدس هو وأهله وماله فقالوا ما ترى في غدر هؤلاء العرب إذا هم اشتغلوا ~~بصلاتهم وليس معهم ms326 آلة حرب ولا ما يحترزون به من الضرب والقتل فقال لهم أبو ~~الجعيد يا قوم لا تفعلوا ولا تغدروا بهم فان فعلتم ذلك أخبرتهم بما تريدون ~~أن تفعلوا بهم فقالوا وما الذي نصنع فقال أبو الجعيد اظهروا للعرب ما لكم ~~من الزينة ومتاع الدنيا فان متاع الدنيا وما فيها لا يصبر صاحبهما عنهما ~~فان طلبوهما بغدر فشأنكم وما تريدون قال فأقبل القوم على ما كانوا يقدرون ~~عليه من المال والمتاع الحسن فاظهروه وصفوه في طريق المسلمين وشوارعهم فجعل ~~المسلمون ينظرون إلى ذلك في دخولهم وخروجهم وهم يعجبون منهم ولم يمل أحد ~~منهم اليه ولم يلمسه وهم يقولون الحمد لله الذي أورثنا ديار قوم مثل هذا ~~ولو ساوت الدنيا عند الله جناح بعوضة لما سقي كافرا منها شربة ماء قال عوف ~~بن سالم فوالله ما من المسلمين من جعل يده على شيء من متاعهم ولا لمسه فقال ~~لهم أبو الجعيد هؤلاء القوم الذين وصفهم الله في التوراة والإنجيل وانهم لا ~~يزالون على الحق ولا يقر بهم أحد ما داموا على ما هم عليه قال الواقدي ~~واقام عمر في بيت المقدس عشرة أيام قال شهر بن حوشب سمعت كعب الأحبار يقول ~~إن عمر بن الخطاب لما صالح أهل بيت المقدس ودخلها أقام فيها عشرة أيام ~~فأقبلت اليه وكنت في قرية من فلسطين وتقدمت اليه لاسلم عليه واسلم على يديه ~~وذلك أن أبي كان أعلم الناس بما أنزل الله على موسى بن عمران وانه كان لي ~~محبا وعلي مشفقا ولم يكتم علي شيئا الا أعلمني إياه مما كان يعلم الناس ~~فلما حضرته الوفاة دعاني اليه وقال لي يا بني انك تعلم أني ما ادخرت عنك ~~شيئا مما كنت أعلمه لأني خشيت أن يخرج بعض هؤلاء الكاذبين وتتبعهم وقد جعلت ~~هاتين المورقتين في هذه الكرة التي ترى فلا تتعرض لهما ولا تنظر فيهما إلى ~~أن تسمع بخبر نبي يبعث في آخر الزمان اسمه محمد فان يرد الله بك خيرا فأنت ~~تتبعه ثم مات بعد ms327 وصيته إياي قال كعب فدفنته فما كان شيء أحب إلي بعد ~~انقضاء العزاء من النظر في الورقتين وقراءة ما فيهما ففتحهما فإذا فيهما لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله PageV01P242 # خاتم النبيين لا نبي بعده مولده بمكة ودار هجرته طيبة ليس بفظ ولا غليظ ~~ولا صخاب أمته الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال ألسنتهم رطبة ~~بالتهليل والتكبير وهم منصورون على كل من عاداهم من أعدائهم أجمعين يغسلون ~~وجوههم ويسترون أوساطهم أناجيلهم في صدورهم تراحمهم بينهم تراحم الأنبياء ~~بين الأمم وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم قال كعب الأحبار ~~فلما قرأت ذلك قلت في نفسي وهل علمني أبي شيئا أعظم من هذا ثم مكثت بعد ~~وفاة والدي ما شاء الله إلى أن بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم الموصوف ~~قد ظهر بمكة وهو يظهر مرة بعد أخرى فقلت هو والله لا محالة ولم أزل أبحث عن ~~أمره حتى قيل أنه خرج ونزل بيثرب فجعلت أترقب أمره حتى غزا غزوات ونصر على ~~أعدائه فتجهزت أريد المسير اليه فبلغني انه قد قبض صلى الله عليه وسلم ~~وانقطع الوحي فقلت في نفسي لعله ليس الذي كنت أنتظره حتى رايت في منامي كان ~~أبواب السماء قد فتحت والملائكة تنزل زمرة بعد زمرة وقائل يقول قد قبض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي عن أهل الأرض فرجعت إلى دار قومي ~~وجاءنا الخبر انه تقدم أمته خليفة اسمه أبو بكر فقلت أقدم عليه فلم البث ~~حتى جاءتنا جنوده إلى الشام ثم جاءتنا وفاته ثم قيل إنه استخلف عليهم رجل ~~اسمه عمر فقلت لا أدخل هذا الدين حتى أحققه ولم أزل متوقفا حتى قدم عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ببيت المقدس وصالح أهلها ونظرت إلى وفائهم بعهدهم وما ~~صنع الله بأعدائهم وقلت أنهم أمة النبي الأمي فحدثت نفسي بالدخول في هذا ~~الدين فوالله اني كنت ذات ليلة على سطحي وإذا أنا برجل من المسلمين يقول * ~~(يا أيها الذين أوتوا الكتاب ms328 آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا) * قال كعب فلما سمعت هذه الآية خفت والله أن لا أصبح حتى يحول ~~وجهي فما كان شيء أحب إلي من الصباح أن يرد فلما أصبحت غدوت من منزلي وسألت ~~عن عمر فقيل لي أنه ببيت المقدس فقصدت اليه وإذا به قد صلى بأصحابه صلاة ~~الفجر عند الصخرة فأقبلت اليه وسلمت عليه فرد علي السلام وقال لي من أنت ~~فقلت له أنا كعب الأحبار وانني جئت أريد الاسلام والدخول فيه فاني وجدت صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في الكتب المنزلة وان الله عز وجل أوحى إلى ~~موسى عليه السلام اني ما خلقت خلقا أكرم علي من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولولاه ما خلقت جنة ولا نارا ولا سماء ولا أرضا وأمته خير الأمم ودينه ~~خير الأديان بعثته آخر الزمان أمته مرحومة وهو نبي الرحمة وهو النبي الأمي ~~التهامي القرشي الرحيم بالمؤمنين الشديد على الكافرين سريرته مثل علانيته ~~وقوله لا يخالف فعله القريب والبعيد عنده سواء أصحابه متراحمون متواصلون ~~فقال عمر أحقا ما تقول يا كعب قال أي والله والله يسمع ما أقول ويعلم ما ~~تخفي الصدور فقال عمر الحمد لله الذي أعزنا وأكرمنا وشرفنا PageV01P243 # ورحمنا برحمته التي وسعت كل شيء وهدانا بمحمد صلى الله عليه وسلم فهل لك ~~يا كعب في الدخول في ديننا فقال كعب يا أمير المؤمنين في كتابكم الذي انزل ~~إليكم في أمر دينكم ذكر إبراهيم فقال عمر نعم وقرأ ووصى بها إبراهيم بنيه ~~ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وأنتم مسلمون أم كنتم ~~شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد الهك ~~واله آبائك إبراهيم وإسماعيل واسحق الها واحدا ونحن له مسلمون ثم قرأ ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ثم قرأ أفغير دين ms329 ~~الله يبغون وله أسلم الآية ثم قرا ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ~~الآية ثم قرأ * (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما) * الآية ثم ~~قرا وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من ~~قبل الآية قال كعب فلما سمعت هذه الآيات قلت يا أمير المؤمنين أن أشهد ان ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ففرح عمر باسلام كعب الأحبار ثم ~~قال هل لك أن تسير معي إلى المدينة فنزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتتمتع بزيارته فقلت نعم يا أمير المؤمنين انا أفعل ذلك قال وارتحل عمر بعد ~~ان كتب لأهل بيت المقدس كتابا أي عهدا وأقرهم في بلدهم على الجزية وسار بمن ~~معه من العساكر إلى الجابية فأقام بها ودون الدواوين وأخذ الخمس الذي لله ~~مما أفاء الله على المسلمين ثم قسم الشام قسمين فأعطى أبا عبيدة من حوران ~~إلى حلب وما يليها وأمره بالمسير إلى حلب وأن يقاتلوا أهلها إلى أن يفتحها ~~الله على يديه وأعطى أرض فلسطين وارض القدس والساحل ليزيد بن أبي سفيان ~~وجعل أبا عبيدة واليا عليه وأمر يزيد أن يحارب أهل قيسارية إلى أن يفتحها ~~الله على يديه وكان قد اعطى أكثر الأجناد لأبي عبيدة مع خالد وسير عمرو بن ~~العاص إلى مصر واستعمل على قضاء حمص عمرو بن سعيد الأنصاري ثم سار عمر رضي ~~الله عنه يريد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم واخذ كعب الأحبار معه وكان ~~أهل المدينة يظنون أن عمر يقيم بالشام لما يرون من كثرة خيرها وطيب فواكهها ~~ورخص أسعارها ولما يخبرون عنها أنها بلاد الأنبياء وهي الأرض المقدسة وفيها ~~المحشر فبقى الناس يتطاولون نحوه ويخرجون في كل يوم ينظرونه حتى قدم عمر ~~رضي الله عنه فارتجت المدينة يوم قدومه واستبشر أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه برؤيته وسلموا ورحبوا به وهنئوه بما فتح الله على يديه فأول ما بدأ ~~بالمسجد سلم على قبر ms330 رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه ثم صلى ركعتين وعاد بكعب الأحبار وقال حدث المسلمين بما رايت في ~~الوقتين فازداد الناس ايمانا قال أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي حدثنا ~~أحمد بن الحسين بن العباس المعروف بأبي سفيان النحوي قال حدثنا أبو جعفر بن ~~أحمد بن عبيد الناسخ قال حدثني عبد الله بن أسلم الزهري وعبد الله بن يحيى ~~الزرقي عمن حدثه ممن تقدم ذكرهم واسماؤهم أول الكتاب وحديث القوم قريب بعضه ~~من بعض والله يعيذنا من PageV01P244 # الزيادة والنقصان لان الصدق أمانة والكذب خيانة والله الذي لا إله إلا هو ~~عالم الغيب والشهادة ما اعتمدت في خبر هذه الفتوح الا على الصدق وما حدثت ~~حديثه الا على قاعدة الحق لاثبت فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجهادهم حتى أرغم بذلك أهل الرفض الخارجين على أهل السنة إذ لولاهم بمشيئتة ~~الله تعالى لم تكن البلاد للمسلمين وما انتشر علم هذا الدين فلله درهم لقد ~~جاهدوا في الله حق جهاده لا جرم وقد قال فيهم الملك المقتدر * (فمنهم من ~~قضى نحبه ومنهم من ينتظر) * قال الواقدي وذلك أنه لما بعث عمر بن الخطاب ~~أبا عبيدة رجعله أمير الشام وأمره بالمسير إلى حلب وأنطاكية والمفرق وما ~~يليهم من الحصون بعث عمرو بن العاص إلى مصر ويزيد بن أبي سفيان إلى ساحل ~~الشام فنزلوا قيسارية وهي آهلة بالخلق كثيرة الجند وكان عليها قسطنطين إلى ~~أن نزل يزيد وقسطنطين هذا ابن الملك هرقل وكان معه ثمانون ألف من الروم ~~والعرب المتنصرة والروسية فلما نظر قسطنطين إلى نزول يزيد بن أبي سفيان ~~عليه بعث إلى أبيه يستنجده فبعث اليه هرقل بصاحب مرعش وعشرين ألفا من أبطال ~~الروسية وأنفذ له المراكب بالزاد والعلوفة فلما نظر يزيد إلى ذلك وأن لا ~~قدرة له على ذلك كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول بسم الله الرحمن ~~الرحيم من يزيد بن أبي سفيان العامل على بعض الشام إلى عمر ms331 بن الخطاب رضي ~~الله عنه اني نازلت أهل قيسارية وهي مدينة آهلة بالخلق كثيرة الجند وليس ~~إليها سبيل وان قسطنطين قد استنجد بأبيه وقد انجده بصاحب مرعش وعشرين ألفا ~~والمراكب ترد عليه كل يوم بالعلوفة والزاد وأريد النجدة والسلام وبعث ~~الكتاب مع عمرو بن سالم بن حميد النخعي فلما ورد المدينة وسلم الكتاب إلى ~~عمر بن الخطاب قال عمر من أين هذا الكتاب قال من عاملك يزيد بن أبي سفيان ~~فقرأه فلما أتى على آخره تفكر في أمر يزيد وما وقع له حتى دخل عليه علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجهه فأراه كتاب يزيد من قيسارية الشام يطلب من نجدة ~~فقال علي لا تغتم على المسلمين فان الله يفتحها على يديك رغما فأنجد يزيد ~~وانفذ اليه الكتاب ذكر فتح مدينة حلب وقلاعها قال الواقدي كان مع أبي عبيدة ~~عشرون ألفا ومع يزيد وعمرو بن العاص عشرة آلاف قال الواقدي فلما وصل كتاب ~~عمر إلى أبي عبيدة أنفذ إلى يزيد ثلاثة آلاف فارس مع حرب بن عدي وبقي أبو ~~عبيدة في سبعة عشر ألفا وأكثرهم من اليمن وكان أبو عبيدة قد صالح أهل ~~قنسرين والعواصم على خمسة عشر ألف مثقال من الذهب ومثلها من فضة والف ثوب ~~من أصناف الديباج وخمسمائة وسق من التين والزيت فلما تم الصلح وجاءوا بما ~~ضمنوه من مدينتهم كتب لهم كتاب وشرط فيه الشروط ودخل أبو عبيدة وخالد في ~~رجال من المؤمنين وسادات المسلمين فحطوا بها مسجدا PageV01P245 # فبلغ ذلك أهل حلب من الصلح لقنسرين ومسير العرب فاضطربوا اضطرابا شديدا ~~وكان عليهم رئيسان أخوان لأب وأم وكانا يسكنان في القلعة ولم تكن القلعة ~~محيطة بالمدينة بل كانت المدينة منفردة بذاتها وكان البطريقان يقال لأحدهما ~~يوقنا والآخر يوحنا وكان أبوهما ملك البلد وأعماله وضياعه ورساتيقه إلى ~~حدود الضروب والى حدود الفرات وقد ملك حلب سنين لا ينازعه فيها منازع وكان ~~هرقل طاغية الروم يهابه ويوقره ولا يحاربه كل ذلك لبقاء ملكهم واجتماع ~~كلمتهم لأنه كان قد انتزع ms332 من رومية إلى أقصى البلاد لئلا يجيش عليه أحد ~~جيشا ولا ينازعه في ملكه لكثرة شره وتدبيره وشدة بني عمه فلما نزل بالعواصم ~~استخلص لنفسه قلعة حلب وبناها وحصنها ومكن في البلاد فلما هلك آل الامر ~~بعده لولده يوقنا وكان الكبير وكان شجاعا بطلا جامعا للأموال مقداما للحروب ~~لا يصطلي له بنار ولا يدفع شره وكان أخوه يوحنا دينا قد نزع يده من الرياسة ~~وترهب وكان أعلم الناس في أهل زمانه وانه لما بلغهم الخبر أن أبا عبيدة قد ~~قصد إليهم قال لأخيه يوقنا على ماذا عولت قال على قتال العرب ولا أدعهم ~~يقربون من أرضنا وبلادنا حتى يرى العرب أني لست كمن لقوا من بطارقة الشام ~~ولا من غيرها وكان يوحنا قد درس الإنجيل وقرأ المزامير وليس له همة الا ~~عمارة الكنائس والأديرة وتشييد المواضع وكثرة الشمامسة والقسوس والرهبان ~~والقيام بأمورهم فلما بلغ هذين الأخوين فتح العواصم عنوة وقنسرين صلحا وان ~~العرب نازلون عليها وان خيلهم تضرب إلى الفرات والعواصم والبقاع فأقبل ~~يوحنا على أخيه الأكبر يوقنا وقال يا أخي أريد أن أختلي بك الليلة واشاورك ~~وأطلعك على سري ورأيي وأشرف على سرك ورأيك قال نعم فلما اجتمعا في الليل في ~~دار كانت لأبيهما في القلعة وجلسا للمشورة أقبل يوقنا على أخيه يوحنا وقال ~~يا أخي الا ترى ما نزل بنا من العرب الجياع الأكباد العراة الأجساد وما حل ~~بأهل الشام منهم من القتل والنهب وأخذ الأموال وأنهم لا ينزلون مدينة من ~~مدن الشام الا فتحوها وملكوا أهلها فما ترى أن تصنع في أمر هؤلاء فكأني بهم ~~وقد أشرفوا علينا قال الواقدي فقال يوحنا يا أخي إذ قد استشرتني في أمرك ~~فاني أنصحك ولا أغشك إذا قبلت النصيحة وأن كنت أصغر منك سنا فاني أعلم منك ~~بصيرة فوحق المسيح والقربان لئن قبلت مشورتي ليعلون أمرك ويسلم لك مالك ~~ونفسك فقال يوقنا يا أخي ما علمتك الا ناصحا فما عندك من الرأي فقال الرأي ~~عندي أن ترسل رسولا إلى العرب ms333 وتبذل لهم ما شاءوا وتسألهم الصلح وتتفق معهم ~~على معلوم يدفع لهم في كل عام ما دامت الغلبة لهم فلما سمع يوقنا ذلك من ~~كلام أخيه يوحنا اقبل عليه وقد استوثق منه الغضب وقال قبحك المسيح ما أعجز ~~رأيك ما ولدتك أمك الا راهبا أو قسيسا ولم أقلدك لا ملكا ولا محاربا ولا ~~مقاتلا والرهبان ليس لهم قلوب لاكلهم العدس والزيت والبقل ولا يأكلون اللحم ~~ولا يعرفون النعيم وليس لهم بالقتال PageV01P246 # بصيرة ولا بملاقاة الرجال خبرة وأما أنا فملك ابن ملك وليس بيني وبينهم ~~الا الحرب و لا ترى الملوك العجز ويلك كيف نسلم ملكنا العرب ونعطيهم القياد ~~من أنفسنا من غير حرب ولا قتال قال فلما سمع يوحنا ذلك من أخيه تبسم من ~~كلامه وتعجب كل العجب وقال يا أخي وحق المسيح ان أجلك قد اقترب لأنك صاحب ~~بغي تحب سفك الدماء وقتل النفس وما أظن جموعك أكثر من جموع الملك هرقل التي ~~جمعها باليرموك مع ماهان ويوم أجنادين وهؤلاء القوم قد أيدهم الله علينا ~~فاتق الله ولا تسع في قتل نفسك فلما سمع يوقنا كلام أخيه داخله الغضب وقال ~~له قد أكثرت وأطلت في مدحك العرب واني لست كمن لا قوه من هذه الجموع التي ~~ذكرتها ولا أقاس بهم ومع ذلك اعلم أن كل من ذكرت من أهل المدن وغيرها أسلم ~~بلده عنوة أو صلحا قبل ان يقاتل بلا عذر في القتال ويبذل المجهود عن نفسه ~~وانما جمعت الأموال من قبل إلى الآن لادفع بها الأذى عن نفسي واني مجمع على ~~قتال العرب ومحاربتهم فان أظفرني الصليب بهم وأعانني المسيح عليهم طلبت ~~العرب إلى أن أدخل خلفهم الحجاز وأسود على سائر الملوك وأرجع إلى الشام ~~ملكا فلا يقدر هرقل أن ينازعني وان هزمتني العرب طلعت إلى قلعتي هذه ~~ولزمتها فاني قد عبيت فيها من الزاد والأطعمة ما يكفيني طول دهري وأكون ~~فيها عزيزا إلى أن أموت ولا ألقي يدي إلى العرب ولا ابذل أموالي من غير طلب ~~فلا ms334 تعارضني في شيء من أمر العرب ولا تدعني إلى الصلح والا بطشت بك قبلهم ~~قال الواقدي واحتوى الشيطان على قلب يوقنا وقد سولت له نفسه العمل فلما سمع ~~يوحنا من أخيه يوقنا هذا المقال قال له كلامك علي حرام أبدا حتى ترجع إلى ~~رأيي ونعود إلى قولي ثم قام عنه مغضبا فلما كان من الغد جمع يوقنا اليه ~~جميع من التجأ اليه من العسكر من الأرمن والمتنصرة وغيرهم وعرضهم على نفسه ~~فمن أراد سلاحا أعطاه وفرق فيهم الأموال وجعل يهون العرب عليهم ويقول انما ~~هم قليل ونحن أكثر منهم لان جموعهم قد تفرقت منها جماعة على قيسارية ومنهم ~~من توجه إلى مصر قال الواقدي وعزم على قتال أبي عبيدة قبل أن يصل اليه والى ~~بلده ثم عمد إلى بطريق من بطارقته يقال له كراكس وضم اليه ألف فارس ووكله ~~بحفظ بلده وسار يوقنا بمن معه يريد أن يلقي جيش أبي عبيدة والمسلمين هو ~~وقومه في اثني عشر ألف مدرع غير من كان معه بغير درع ونشرت أمامه الاعلام ~~والصلبان وكان فيها صليب من الذهب والجوهر ومن حوله الف غلام عليهم ثياب ~~الديباج المنسوج بالذهب قال ابن ثعلبة الكندي فأقام أبو عبيدة على مدينة ~~قنسرين بعد أن فتحها بالصلح وبعد أن اتاه يزيد بكتاب عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يأمره أن يبعث إلى يزيد بن أبي سفيان طائفة من جيشه فبعث له ~~بثلاثة آلاف فارس لابسين السلاح الكامل وعول أبو عبيدة على المسير إلى حلب ~~فدعا برجل من بني ضمرة وكان بطلا مجربا بشدة البأس وكان إذا PageV01P247 # ثبت على وجه الأرض للقتال لا يهاب الجحافل قلت أو كثرت فضم اليه ألف فارس ~~وسيره على مقدمته وقال يا كعب لا تقاتل جيشا لا تطيقه واختبر امر هذا العلج ~~واعرف خبره وانا راحل من ورائك فسار كعب بن ضمرة يريد حلب وكان يوقنا قدم ~~أمامه عيونا يأتون بالاخبار فأتته جواسيسه يخبرونه ان خيول العرب قد أتت ~~تريد بلده وقتاله فقال لهم في ms335 كم أتت العرب قالوا في ألف فارس وهم على ستة ~~أميال من بلدك نزول قال فكمن يوقنا كمينا ثم سار إليهم بجيوشه وبطارقته ~~فلما أشرف عليهم وهم نزول على نهر يسقون خيلهم ويتوضئون فبينما هم كذلك إذ ~~أشرف عليهم يوقنا بجيوشه وبطارقته والصليب أمامه فنادى المسلمون بعضهم بعضا ~~واستووا على متون خيولهم وورد كعب بن ضمرة على فرسه وسبق في أول الخيل ~~وأشرف على جيش يوقنا فحزره انه في خمسة آلاف فارس وكان يوقنا قد قسم عسكره ~~شطرين النصف معه والنصف مع الكمين فلما نظر كعب إلى يوقنا وجيشه انقلب إلى ~~أصحابه وقال يا أنصار دين الله اني نظرت عسكر عدوكم وحزرته فهو في خمسة ~~آلاف وهم لكم مغنم ويقاتل الواحد منكم خمسة قالوا بلى والله واقبل أصحابه ~~يشجع بعضهم بعضا فقربت الفئة من الفئة وصاح يوقنا بأصحابه ورجاله وغلمانه ~~وعبيده وبطارقته وأمرهم بالحملة على المسلمين فحملوا بأجمعهم حملة صعبة ~~وحمل عليهم المسلمون والتقى الجمعان واشتبك الحرب وقاتل الجمعان قتال الموت ~~وقد أيقن المسلمون بالظفر والغنيمة فطلع عليهم الكمين من ورائهم وأكبوا ~~عليهم جميعا قال مسعود بن عون العجي شهدت الخيل التي بعثها أبو عبيدة طلائع ~~مع كعب بن ضمرة وكنت فيها يوم التقى الجمعان وقد خرج علينا الكمين ونحن في ~~القتال ونحن لا نظن أن لهم كمينا يطلع من ورائنا وإذا بأصوات حوافر الخيل ~~أكبت علينا وأيقنا بالهلكة بعدما كنا موقنين بالغلبة وصرنا في وسط عسكر ~~الكفار فلم يكن لنا بد من القتال فافترقت المسلمون ثلاث فرق فرقة منهم ~~منهزمة وفرقة قصدت قتال الكمين وفرقة مع كعب بن ضمرة قصدت قتال يوقنا ومن ~~معه قال مسعود بن عون فلله در كندة يؤمئذ لقد قاتلوا قتالا شديدا وأبلوا ~~بلاء حسنا ووهبوا أنفسهم لله تعالى حتى قتل منهم ذلك اليوم مائة رجل في ~~مقام واحد وعمل أهل الكمين عملا عظيما وكعب بن ضمرة قلق على المسلمين فجاهد ~~عنهم وهو يجول بالراية وينادي يا محمد يا محمد يا نصر الله انزل معاشر ms336 ~~المسلمين اثبتوا انما هي ساعة ويأتي النصر وأنتم الأعلون فاجتمع المسلمون ~~عليه والجراح فيهم فاشية وقتل من المسلمين مائة وسبعون رجلا من الأعيان ~~منهم عباد بن عاصم النخعي وزفر بن أم راضي وحازم ابن شهاب المقري وسهل بن ~~اشيم ورفاعة بن محصن وغانم بن برد وسهيل بن مفلج وكان ممن شهد يوم السلاسل ~~وتبوك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد قتال اليمامة مع خالد بن ~~الوليد قال مسعود بن عون والله لقد تأسفنا على قتله ووجدنا فيه أربعين ضربة ~~كلها في PageV01P248 # مقدمه رضي الله عنه ولم نجد واحدة في ظهره وكان الأعيان أربعين رجلا لان ~~الرجل منا ما قتل حتى قتل عددا من المشركين فلما نظروا إلى ثبات المسلمين ~~مع قلتهم وما هالهم ممن قتل منهم هم المشركون أن ينهزموا فثبتهم يوقنا وقال ~~ويلكم ما العرب الا مثل الذئاب ان صدمت ولت وان تركت طمعت ولما نظر كعب بن ~~ضمرة إلى من قتل تحت رايته أغتم لذلك غما شديدا فنزل عن فرسه ولبس درعا من ~~فوق درعه وشد وسطه بمنطقة ومسح وجه فرسه ومنخره وقبله بين عينيه وكان قد ~~شهد معه المواطن وجاهد معه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد ~~سماه الهطال فقال يا هطال هذا يومك المحمود عاقتبه فاثبت للقتال في طاعة ~~الله ولما استوى على متنه وقف أمام المسلمين وجعل ينظر إلى القتلى وهو ~~متفكر في امره والراية بيده وهو ينتظر من أبي عبيدة جيشا يقبل عليه أو ~~طليعة تنجده فلم ير لذلك أثرا وذلك أن أبا عبيدة ما قطعه من المسير اليه ~~الا قدوم أهل حلب عليه وذلك أنه لما سار يوقنا إلى حرب المسلمين اجتمع ~~مشايخ أهل حلب والروسية بعضهم إلى بعض وقالوا يا قوم تعلمون أن هؤلاء العرب ~~قد أطاعهم أهل دين النصرانية والصليب ودخلوا في دينهم ومنهم من رجع إلى ~~دينهم ومنهم من قاتلهم فأما الذي فاتلهم فخسر فهل لكم أن تسيروا إلى أمير ~~المؤمنين ونسأله الصلح ms337 ونصالح عن مدينتنا وندفع اليه ما أحب من أموالنا فان ~~ظفر المسلمون بالبطريق يوقنا نكن نحن آمنين غير وجلين منهم ونقر عينا من ~~بأسهم وان صالح يوقنا القوم نكن نحن قد سبقناه إلى الصلح وان غلب ورجع ~~سالما لم نبلغه ولم نعلمه واستوى رأيهم على ذلك فخرج منهم ثلاثون رجلا من ~~رؤسائهم وسلكوا طريقا غير طريق يوقنا حتى أشرفوا على عسكر المسلمين فنادوا ~~الغوث الغوث وكان العرب قد علمت أن الغوث بالرومية هو الأمان وقال لهم ~~الأمير فمن سمعتموه يقولها فلا تعجلوا عليه بالقتل لئلا يطالبكم الله يوم ~~القيامة وعمر بريء منه فكان العرب يعرفونها فلما سمع المسلمون منهم ذلك ~~أسرعوا إليهم واوقفوهم بين يدي أبي عبيدة فقال خالد يوشك أن هؤلاء يطلبون ~~الصلح والأمان لأنفسهم وهم أهل حلب قال أبو عبيدة أرجو ذلك إن شاء الله ~~تعالى وان صالحوني صالحتهم وهو لا يعلم ما أصابه من الحرب الشديد والقتل ~~العتيد وكان قدومهم عليه ليلا والنيران تضرم بين يديه وكان في العسكر رجال ~~قيام في صلاتهم يتلون القرآن فجعل بعضهم يقول لبعض بهذه الفعال ينصرون ~~علينا فلما سمع الترجمان مقالهم أخبر أبا عبيدة بما قد تناجوا بينهم فقال ~~أبو عبيدة انا قوم قد سبقت لنا العناية من ربنا وانا رجال لا نريد من الله ~~ورسوله بدلا ولن نجزع من قتال الأعداء فأخبرهم الترجمان بذلك ثم قال لهم من ~~أنتم قالوا نحن سكان حلب من تجارها وسوقتها ورؤسائها وقد جئنا نطلب منكم ~~الصلح فقال أبو عبيدة فكيف نصالحكم وقد بلغنا أن بطريقكم قد صمم على قتالنا ~~وقد حصن قلعته وجعل فيها ما يقوته سنين واتخذ الجند وأكثر من ذلك ~~PageV01P249 # وما لكم عندنا صلح فقالوا أيها الأمير ان صاحبنا قد خرج من عندنا يريد ~~حربكم وقتالكم قال أبو عبيدة ومتى خرج قالوا خرج سحر ونحن من بعده وسلكنا ~~طريقا غير طريقه وانا نرجو انه هالك لا محالة لأنه ركب البغي ولم يرض ~~بالصلح وقد أطاع هواه فقد وقع في شرك الردى فلما ms338 سمع أبو عبيدة بخروج ~~البطريق خاف على طليعته منه فقال لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ~~هلك والله كعب ومن معه إنا لله وإنا إليه راجعون ثم اطرق إلى الأرض فقالوا ~~لبعض مشايخ أهل حلب كلم لنا الأمير في الصلح قال فكلمه فقال أبو عبيدة بضجر ~~لا صلح لكم عندنا قال فخاف الشيوخ على أنفسهم وقالوا انا قد اجتمع عندنا من ~~القرى والرساتيق خلق كثير فان صالحتمونا عمرنا لكم الأرض وكنا لكم عونا على ~~عمارتها وعشنا في ظلكم أيام عدلكم وان أنتم أبيتم ذلك فر الناس عنكم وطلبوا ~~أقصى البلاد وشاع الخبر عنكم انكم لا تصالحون فلا يبقى حولكم أحد قال ~~فأعلمه الترجمان بما قالوا فجعل ينظر إليهم وإذا قد برز من القوم وصاح رجل ~~احمر الوجه وكان من حكماء الروم فصيحا بلسان عربي فقال أيها الأمير اسمع ما ~~ألقيه إليك من العلم الذي أنزل الله في الصحف على الأنبياء قال أبو عبيدة ~~قل لنسمع فإن كان حقا علمناه وان كان غير حق لا نسمعه ولا نعمل به وكان ~~اسمه دحداح فقال أيها الأمير ان الله سبحانه وتعالى أنزل على أنبيائه يقول ~~أنا الرب الرحيم خلقت الرحمة وأسكنتها في قلوب المؤمنين وأني لا أرحم من لا ~~يرحم من أحسن أحسنت اليه ومن تجاوز تجاوزت عنه ومن عفا عفوت عنه ومن طلبني ~~وجدني ومن أغاث ملهوفا أمنته يوم القيامة وبسطت له في رزقه وباركت له في ~~عمره وأكترث له أهله ونصرته على عدوه ومن شكر المحسن على احسانه فقد شكرني ~~وأنا قد اتيناك ملهوفين خائفين فأقل عثراتنا وآمن روعاتنا وأحسن الينا قال ~~فبكى أبو عبيدة من قوله وقرأ * (إن الله يحب المحسنين) * ثم قال اللهم صل ~~على محمد وعلى جميع الأنبياء فبهذا والله أرسل نبينا أرسله الله إلى جميع ~~الخلق والحمد لله على هدايته لنا ثم أقبل على المسلمين وهم حوله وفيهم ~~الرؤساء من المهاجرين والأنصار وقال لهم الحمد لله على هدايته ثم قال أن ~~هؤلاء أهل متجر وسوقة ms339 وضياع وهم مستضعفون وقد رأينا أن نحسن إليهم ونصالحهم ~~ونطيب قلوبهم ومتى كانت المدينة في أيدينا والسوقة معنا فإنهم يميروننا ~~بالعلوفة ويعلموننا بما يعزم عليه عدونا ويكونون عونا لنا عليه فقال رجل من ~~المسلمين أصلح الله الأمير ان مدنية القوم بالقرب من القلعة ولا نأمن أن ~~القوم يدلون على عوراتنا ويخبرون بأحوالنا وما أنى القوم ليخدعونا الا ترى ~~إلى بطريقهم وقد خرج يبغي قتالنا وحربنا فكيف يطلب هؤلاء الصلح منا ولا شك ~~انهم مكروا بكعب بن ضمرة ومن معه من المسلمين فقال أبو عبيدة أحسن ظنك ~~بالله وثق بالله فان الله ينصرنا ولا يسلط علينا عدونا فرحم الله من قال ~~خيرا أو صمت وإذا أشرط عليهم النصيحة في صلحهم للمسلمين ثم PageV01P250 # اقبل على القوم وقال أني أريد أن تبذلوا في صلحكم ما بذله أهل قنسرين 2 ~~فقالوا أيها الأمير ان قنسرين اقدم من مدينتنا وأكثر جمعا ومدينتنا خالية ~~من السكان لجور صاحبنا لأنه قد أخذ أموالنا وغلاتنا وأصعد الكل إلى قلعته ~~وما بقي عندنا الا الضعفاء ومن لا ماله له وانا نسألك الترفق بنا والعدل ~~فينا والاحسان الينا فقال أبو عبيدة فما الذي تريدون أن تبذلوا في صلحكم ~~قالوا نعطي نصف ما أعطى أهل قنسرين فقال أبو عبيدة قد قبلت منكم ذلك على ~~أننا إذا نزلنا بصاحبكم اعنتمونا بالميرة والعلوفة وتبيعون وتشترون في ~~عسكرنا ولا تكتموا عنا خبرا تكونون تعلمونه من أعدائنا ولا تتركوا جاسوسا ~~يتجسس علينا وان رجع إليكم بطريقكم منهزما تمنعوه أن يصل إلى القلعة فقالوا ~~أيها الأمير أما قولك هذا أن نمنع البطريق أن لا يصعد إلى القلعة فما نجد ~~إلى ذلك من سبيل ولا نقول لك ما لا نفعله ما لنا به طاقة ولا بمن معه من ~~أعوانه وجندوه قال أبو عبيدة فلا تمنعوه من الصعود إلى القلعة وعليكم عهد ~~الله وميثاقه والايمان المؤكدة الغليظة ان لا تقولوا هذا القول وان توفوا ~~لنا كل شرط تم عليكم ثم حلفهم بالايمان التي يعرفونها فحلف القوم عن آخرهم ms340 ~~وصالحوا عن رجالهم ودوابهم وأبنائهم ونسائهم وعبيدهم وسائر أهاليهم وانتهوا ~~على ذلك فقال أبو عبيدة انكم قد حلفتم وقد قبلنا قولكم وايمانكم فان أصبنا ~~أحدا قد اخلف أو علم من البطريق علما ولم يعلمنا به فقد وجب عليه القتل ~~واخذ ماله وولده حلال لنا لا يطلبنا الله بذمته ومتى نقضتم ما شرطنا عليكم ~~فلا عهد لكم عندنا ولا ذمة لكم علينا ولنا عليكم الجزية في العام المقبل ~~قال سعيد بن عامر التنوفي فرضي أهل حلب بما شرطه عليهم أبو عبيدة وأخذوا ~~عهدهم وكتب أسماءهم وعزم القوم على الانصراف إلى ديارهم وقال لهم أبو عبيدة ~~على رسلكم حتى أبعث معكم من يسير معكم إلى مأمنكم فقد وجب علينا حفظكم إلى ~~أن تعودوا سالمين إلى بلدكم فقال له الدحداح أيها الأمير اننا نرجع من ~~الطريق الذي جئنا منه وما نريد أحدا يسير معنا فتركهم أبو عبيدة وبات بقية ~~ليلته قلقا على كعب بن ضمرة ومن معه قال الواقدي ورجع القوم من ليلتهم إلى ~~حلب وانفجر الصبح ولم يصلوا فلما أشرفوا على حلب نظر إليهم بعض أعلاج ~~البطريق وهم راجعون فأقبل إليهم وسألهم من أين أقبلتم وما صنعتم فظنوا أنه ~~من أهل حلب فأخبروه بصلحهم مع أبي عبيدة فتركهم ومضى وان القوم استقبلهم ~~أهل حلب فسالوهم فأخبروهم بالصلح ففرحوا بذلك واقبل العلج حتى اشرف على ~~عسكر يوقنا وهو نازل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أحاط بهم ~~وهو يظن أنه قد ملكهم وهو يتوقع الصباح إذ أتى عليه العلج فقال له أيها ~~البطريق انك غافل عما نزل بك ودهمك قال له وما ذاك يا ويلك قال له ان أهل ~~بلدك قد صالحوا العرب وكأنك بهم وقد ملكوا القلعة وأخذوا الأموال والنسوان ~~فلما سمع يوقنا ما أخبر به العلج خشي على قلعته أن يملكوها في PageV01P251 # غيبته فانعكس عليه ما كان يؤمل أن يفوز به من الظفر بأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان قد قتل من المسلمين نيف وعن المائتين ms341 وكعب قد اجهد ~~نفسه في الحرب وأيقنوا أنهم هالكون لا محالة قال كعب بن ضمرة وكنت ذلك ~~اليوم صاحب القوم وأنا أثبتهم في الحرب والى الحرب أنهضهم بهمتي وأدفع عنهم ~~بمهجتي فإذا أجحفني القتال وركبني الحرب التجأت إلى أصحابي وأنا مع ذلك ~~أتوقع فرجا من الله تعالى واترقب راية أبي عبيدة أن تطلع فبعد علينا ذلك ~~ولم تزل الحرب بيننا يوما وليلة إلى الصباح من اليوم الثاني فأقسم بالله ان ~~كان أحدنا ليصلي ولا حصل له زاد يأكله ولا ماء يشربه وأنا بين اليأس ~~والرجاء أترقب طريق قنسرين أن تطلع منه علينا راية الاسلام فما أرى لها ~~أثرا فرأيت عند الصباح جيش العدو وقد اضطرب من جوانبه وقد علت لهم ضجة ~~عظيمة من جميع جوانبه فقلت ما هذا الا مدد لحقهم من البلد أو من الملك ~~فالتجأت إلى كلمة الشدائد وهي لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم قال ~~كعب بن ضمرة فوعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت الكلمة حتى رايت ~~جيش العدو وقد انكشف عنا على عقبة فقلت الحمد لله حمد الشاكرين واني أظن أن ~~صائحا صاح بهم من السماء فبددهم أو ملائكة نزلت عليهم كيوم بدر فلم ار لهم ~~اثرا قال كعب فهممت أن اتبعهم فصاح المسلمون إلى اين يا كعب أما كفاك ما ~~نحن فيه انزل بنا إلى الأرض وارض بما نحن فيه من التعب والنصب ونؤدي فرضنا ~~ونريح خيولنا فما رد الله هؤلاء القوم الا بمشيئته وقدرته قال فنزل كعب ~~وشربوا الماء واسبغوا الوضوء وصلوا ما فاتهم وأكلوا زادهم واستقبلوا الراحة ~~قال الواقدي وابطأ خبر كعب على أبي عبيدة فلما صلى الصبح انفتل من صلاته ~~وأقبل على المسلمين وخاطب من بينهم خالدا وقال يا أبا سليمان ان أخاك أبا ~~عبيدة ما رقد الليلة غما وانه كان يجب علينا الشكر بما فتح الله علينا وان ~~نفسي تحدثني بأن الذين مع كعب ابن ضمرة قد قتلوا لما أخبرني هؤلاء الذين ~~يسألون الصلح ان صاحبهم ms342 يوقنا قد سار إليهم ولم أر أثرا وأظن أنه صادف ~~أصحابنا وقتلهم وأفناهم عن آخرهم فقال خالد والله اني ما نمت مثلك من الغم ~~عليهم فما الذي عزمت ان تصنع قال الرحيل ثم أمر الناس بالرحيل وارتحلوا ~~وساروا يريدون حلب وعلى المقدمة خالد بن الوليد وعلى الساقة أبو عبيدة فما ~~كان غير بعيد حتى أشرف على المسلمين خالد بن الوليد وهم نيام وقد أقاموا ~~لهم من الديدبان من يحرسهم فلما أشرف عليهم خالد والراية في يده رفعها فوق ~~رأسه فلما رآها الديدبان صاح النفير يا أنصار الدين فثاروا عن مضاجعهم ~~كأنهم أسد ثائرة واستووا في متون خيولهم واستقبلوا صاحب الراية فعرفوه فصاح ~~بعضهم ببعض هذه والله راية الاسلام والمسلمين فنزل خالد وسلم عليهم واتصلت ~~بهم الساقة واقبل أبو عبيدة فلما نظر كعب بن ضمرة حمدالله وأثنى عليه ونظر ~~إلى موضع القتلى مطروحين وما كان من PageV01P252 # المسلمين ورأوهم فلما نظروا إلى ذلك عاد فرحهم ترحا واسترجعوا وقالوا لا ~~حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون وسأل كعبا ~~كيف قتل أصحابك هؤلاء ومن قتلهم فأخبره كعب بقتال يوقنا وانه أشرف هو وقومه ~~ومن كان معه على الهلاك حتى لم يبق فيهم حركة ونمنا ليلتنا هذه فلما أصبحنا ~~وإذا هم قد صاحوا وانقلبوا راجعين عنا من غير قتال فقال أبو عبيدة فسبحان ~~مسبب الأسباب ليت أبا عبيدة قتل أمامهم ولم يقتلوا تحت رايته ثم أمر بدفن ~~المسلمين بعدما جمعهم زمرا زمرا وصلى عليهم ودفنوهم باسلابهم ودمائهم ثم ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الله الشهداء الذين قتلوا في ~~سبيل الله يوم القيامة ودماؤهم على أجسادهم اللون لون الدم والريح ريح ~~المسك والنور يتلألا عليهم ويدخلون الجنة فلما واروهم في حفرهم قال لخالد ~~ان كان عدو الله يوقنا رجع إلى القوم وعلم بصلحهم لنا فيلقون منه تعبا ~~عظيما فألحق بهم فقد وجب علينا أن نذب عنهم لأنهم تحت ذمتنا وارتحل أبو ~~عبيدة يريد حلب فلما وصل ms343 إليها رأى البطريق وجنوده قد أحدقوا بأهل البلد ~~وهم يريدون قتلهم ويقال لهم يا ويلكم صالحتم العرب عن أنفسكم وصرتم عونا ~~لهم علينا قالوا قد فعلنا ذلك وانهم قوم منصورون فقال يا ويلكم ان المسيح ~~لا يرضى بفعلكم فوحق المسيح لأقتلنكم عن آخركم أو تخرجون معي إلى قتالهم ~~وتنقضون ما بينكم وبينهم من العهد والميثاق فأخبروني بمن بدأ بهذا الامر ~~حتى أبدا به قال فلم يطيعوه على ذلك فقال لعبيده ادخلوا عليهم وأئتوني بهم ~~لأقتلنهم فقد أخبرني فلان أنه لقيهم وعرفني بهم فهجم العبيد عليهم وجعلوا ~~يقتلونهم على فرشهم وأبواب منازلهم فسمع أخوه يوحنا الضجة في البلد وهم في ~~القلعة فنظر إلى أخيه وهو يقتل في الناس وقد قتل من أهل البلد ثلاثمائة ~~فصاح بهم وبأخيه على رسلك لا تفعل فان المسيح يغضب عليك وقد نهانا أن نقتل ~~عدونا فكيف بمن هو على ديننا فقال يوقنا لأخيه انهم صالحوا العرب عن البلد ~~وصاروا لهم عونا علينا فقال يوحنا وحق المسيح لا أبقت عليك العرب أبدا وان ~~لهم من يقتص منك قال ومن يقتص مني قال المسيح يقتلك كما قتلتهم بغير ذنب ~~فقال يوقنا أنت حملتهم على ذلك وأنت أول من أبطش به ثم عمد إلى أخيه وقبض ~~عليه وجرد سيفه ليعلوه به فلما نظر يوحنا إلى أخيه وقد جرد سيفه وعلم أنه ~~هالك رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم أشهد على أني مسلم واني مخالف لدين ~~هؤلاء القوم وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ثم قال ~~لأخيه اصنع ما أنت صانع فان كنت قاتلي فاني صائر إلى جنات النعيم فورد على ~~يوقنا من اسلام أخيه مورد عظيم ومن أهل بلده ومن فزعه من المسلمين فحمله ~~الغيظ على أن يرمي برأس أخيه عن جسده والتفت إلى أهل البلد فوجدهم يستغيثون ~~فلا يغاثون ويسألونه فلا يجيبهم ولا يكف عنهم فكثر منهم الضجيج وعلت الجلبة ~~وقد أخذوا عليهم البلد من سائر PageV01P253 # جوانبها وقد أيس أهل حلب من ms344 نفوسهم وإذا بالفرج وقد أتى والمعونة وقد ~~أدركتهم وأشرفت عليهم رايات المسلمين وأبطال الموحدين وهم ينادون بكلمة ~~التوحيد ويقدمهم خالد بن الوليد فلما نظر خالد إلى أهل حلب ولهم ضجيج ~~بالصياح والبكاء قال لأبي عبيدة أيها الأمير هلك والله أهل صلحك وذمامك كما ~~ذكرت فصاح بجواده وحملة الراية وزعق في القوم وقال أفرجوا معاشر الاعلاج عن ~~أهل صلحنا ثم أجاد فيهم الطعن وحمل المسلمون معه وبذلوا السيف في الاعلاج ~~فلما نظر يوقنا إلى ذلك انهزم إلى القلعة ومعه بطارقته قال محصن بن عترة ~~فرج الله عن أهل البلد بقتل الاعلاج يوم حلب في البلد فمن لجأ إلى القلعة ~~سلم ومن طلب الهرب قتلناه قال محصن فكان جملة من قتل يوقنا من أهل صلحنا ~~ثلاثمائة وقتلنا نحن من أصحابه ثلاثة آلاف أو يزيدون فكانت وقعة عجيبة ففرح ~~المسلمون بها فلما قتل من قتل وفرج الله عن أهل حلب ما يجدون أخبروا أبا ~~عبيدة كيف قتل يوقنا أخاه يوحنا وبالقصة جميعها قال الواقدي فلما سمع يوقنا ~~سيوف المسلمين صعد القلعة هو ومن معه من جنده واستعد للحصار ونصب المجانيق ~~ونشر السلاح على الاسوار وكثر آلة الحصار وأما أهل حلب فإنهم أخرجوا لعساكر ~~المسلمين أربعين أسيرا من البطارقة فقال لهم أبو عبيدة لأي سبب أسرتم هؤلاء ~~قالوا لأنهم من أصحاب يوقنا هربوا الينا فلم نر أن نخفيهم منك لأنهم ليسوا ~~منا ولا معنا في الصلح قال فعرض عليهم الاسلام فأسلم منهم سبعة وأما ~~الباقون فأبوا فضرب رقابهم وقال لهم لقد نصحتم في صلحكم وسترون منا ما ~~يسركم وصار لكم ما لنا وعليكم ما علينا وهذا بطريقكم قد تحصن في هذه القلعة ~~فهل تعرفون لها عورة تدلونا عليها حتى نقاتلهم منها فان فتحها الله 8 علينا ~~جعلناها لكم غنيمة مع ما غنمتم من قومكم حتى نكافئكم بفعلكم الجميل فقالوا ~~أيها الأمير والله ما نعرف لها عورة وان يوقنا قد شحن طرقاتها وقطع مسالكها ~~ووعر فجاجها وهذا ما نعلمه ولولا أنه قتل يوحنا لكان أخذها ms345 سهلا لكم فقال ~~أبو عبيدة وما جرى له فأخبروه بخبره وحديثه مع أخيه وانه أسلم بعدما رفع ~~يديه إلى السماء وما ندري ما قال غير اننا سمعنا طرف كلامه وهو يقول اللهم ~~إني أشهد أن لا إله إلا أنت وأن عيسى عبدك ورسولك ومحمدا عبد ورسولك ختمت ~~به الأنبياء وجعلته سيد المرسلين ولا دين أعلى من دينه فاصنع ما أنت صانع ~~فلما اسلم قتله قال فلما سمع أبو عبيدة ذلك قال في أي موضع قتله ثم وثب ~~وأخذ خالدا معه وجماعة من المسلمين وأتوا إلى موضع قتله وهو راس سوق الساعة ~~فوجده ملقى على ظهره وكأنه البدر ليلة تمامه مشيرا بأصبعه إلى السماء وقد ~~مات وأصبعه قائمة فأخذه أبو عبيدة وكفنه وصلى عليه ودفنه في مقام إبراهيم ~~فلما واروه أتى إلى أبي عبيدة رجل من المسلمين فقال أصلح الله الأمير انظر ~~إلى هؤلاء القوم فان كانوا من حزبنا نصحوا ودلونا على عورات قومهم فقال لا ~~والله ما يفعلون ذلك أبدا فعندها اقبل أبو عبيدة على المسلمين وقال ~~PageV01P254 # أشيروا علي رحمكم الله فقال له ذلك الرجل وكان اسمه يونس بن عمرو الغساني ~~وكان رجلا بصيرا بالشام وجباله ومدنه وجميع أرضه وعارفا بطريق الشام أصلح ~~الله الأمير انظر إلى ما أعرف من البلد وما عندي من الرأي قال أبو عبيدة ~~تكلم يا ابن عمرو فأنت عندنا ناصح للمسلمين فقال ان الله قد فتح على يدك ~~الشام وسهله وجبله وحزنه ووعره وقتل طاغية الكفر وحاميته وأما بقايا ~~عساكرهم فهي من وراء الدروب وهي جبال وعرة ومضايق والقوم قد رعبت قلوبهم ~~مما أباد الله منهم وليس لهم قلوب يقاتلون بها المسلمين فحاصر هذه القلعة ~~وبث الخيل وشن الغارات وفي بقايا البلاد وشاطى الفرات فما لهم زاد يقوم بهم ~~فتبسم خالد من كلام الغساني وقال هذا والله هو الرأي وأنا أشير عليكم ~~بمشورة أخرى أن نزحف نحو القلعة فلعل الله أن يفتحها في وقتنا هذا فاني ~~أخشى ان طال بنا المقام ان تعطف علينا جيوش ms346 الروم من جهة أخرى فيحولوا ~~بينها وبيننا قال أبو عبيدة يا أبا سليمان لقد أشرت فأحسنت وقلت فصدقت ثم ~~امر أبو عبيدة بالزحف إلى القلعة فترجلت الفرسان عن خيولهم وتجردت من ~~ثيابهم واختلط العبيد والسادات وافتخرت القبائل وانبثت العشائر وتجابوا ~~بالاشعار وتداعوا بالأنساب قال مسروق بن مالك فوالله ما رايت في قتال حصون ~~الشام يوما كان أعظم من ذلك اليوم لأننا كنا نشبه دوران الحرب كدوران الرحى ~~تهشم ما دارت عليه وقد برزنا إليهم في أول حربهم وتبادرت ابطال اليمن ~~وسادات ربيعة ومضر يتلو بعضهم بعضا وجعلوا يطلبون القلعة من حيث لا طريق ~~عليها فإذا دنوا منها أخذتهم الحجارة من كل جانب ورموهم بالمجانيق ~~والغرازات وكنت أنا وأصحابي أقرب الناس إلى الأرض ففزعنا راجعين على ~~أعقابنا يدفع بعضنا بعضا لا نظن أن ينجو منا أحد فوقعت الخذلة في المسلمين ~~وقد شدخت منا الحجارة خلقا كثيرا فقتلت بعضنا وبعضنا رمته فكان من جملة من ~~قتل يوم حصار قلعة حلب بالحجارة عامر بن الأصلع الربعي ومالك بن خزعل ~~الربعي وحسان بن حنظلة ومروان بن عبد الله وسليمان بن فارغ العامري وعطاف ~~بن سالم الكلابي وسراقة بن مسلم بن عوف العدوي ورجال من أهل اليمن من آل ~~عامر ومن بني كلاب وغيرهم وسبعة من بني عبد الله قال مرزوق بن مالك فلقد ~~كنا نرى بعد ذلك بسنين خلقا كثيرة عرجا من يوم حصار قلعة حلب فعندها نصب ~~أبو عبيدة رايته خارج المدينة وجعل ينادي بالمسلمين فاجتمعوا اليه فقال ~~أيها الناس انكم قاتلتم اليوم على غرة فادفنوا الشهداء وشدوا كل من أصابه ~~جرح فانتدب المسلمون إلى ذلك وفرح الروم بهزيمة المسلمين وما قد نزل بهم ~~فقال لهم يوقنا ان العرب لا تدنوا من القلعة بعد هذا اليوم ابدا وان ~~حاصرونا فلاكيدنهم ولاهبطن إلى عسكرهم قال الواقدي ولقد حدثني عبد الله بن ~~سليمان الدينوري وكان ممن نقل أخبار الشام وفتوحه عن ثقات المسلمين قال ~~حدثني عمرو أن يوقنا انتخب ألفين من خيار PageV01P255 # بطارقته وابطاله وقال ms347 لهم انزلوا مسرعين وليحذر بعضكم بعضا وميلوا على ~~طرف عسكر المسلمين إذا خمدت نيرانهم واغتنموا غرتهم وأمر عليهم وزيره ~~فنزلوا ليلا من القلعة وجعلوا يدورون حول العسكر إلى أن أتوا إلى مكان وقد ~~خمدت نيرانهم وكان القوم بادية من أهل اليمن مثل مراد وبني كلاب وعبيدهم ~~قال عبد الله بن صفوان البكي كنا تلك الليلة غادين من عدونا آمنين لكثرتنا ~~وقد غفل حرسنا فلم نشعر الا وجماعة الروم قد هجموا علينا وهم ينادون بلغتهم ~~وقد أعلنوا التبهرج بزينتهم فلا نعلم ما يقولون ووضعوا السيف فينا فكان ~~النجيب منا من استوى على جواده وطلب النجاة وهو لا يعلم من أين هي ولا كيف ~~يتخلص وقد وقعت الجندلة في أبطال المسلمين وعساكرهم والقوم ينادون النفير ~~النفير دهينا ورب الكعبة وهم يسرعون إلى خيمة أبي عبيدة وينادون أيها ~~الأمير كبسنا يوقنا فعندها ركب الأمير في بعض الرجال وجعل يدور حول العسكر ~~فنظر صاحب الروم إلى العرب وقد لحقته فصاح بأصحابه من كان أخذ شيئا فليتركه ~~ويطلب نجاة نفسه قال عبد الله بن صفوان أخذوا من رجالنا نحو خمسين رجلا من ~~أخلاط الناس وأكثرهم من ربيعة ومضر ومضوا يجمع بعضهم بعضا ويطلبون القلعة ~~فلما نظر خالد إلى ذلك حمل في أصحابه واقتطع من الروم زهاء من مائة رجل ~~ووضع فيهم السيف فقتلهم عن آخرهم فلما وصل أصحاب يوقنا إلى القلعة فتح لهم ~~وأدخلهم فلما أضاء الفجر وطلعت الشمس دعا يوقنا بالمسلمين الخمسين رجلا وهم ~~موثقون بالحبال فقربهم إلى موضع ينظرهم المسلمون ويسمعون أصواتهم وهم ~~يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى قتلوا عن آخرهم فلما نظر أبو ~~عبيدة إلى ذلك أمر مناديا ينادي في عسكره عزيمة من الله ورسوله ومن الأمير ~~أبي عبيدة على كل رجل لا يكل حرسه إلى غيره ولكن كل رجل منكم حارس نفسه ولا ~~يتكلم بعضكم مع بعض قال فأخذ القوم حذرهم وأعدوا حرسهم وأقبل يوقنا يدبر ~~أمره في مكيدة أخرى ليكيد بها المسلمين إذ علم أنهم محاصرون ms348 ومع ذلك ~~جواسيسه تأتيه بالاخبار في الليل والنهار وكان أعظم جواسيسه من متنصرة ~~العرب لأنهم كانوا يحسنون لسان الرومية قال فبينما يؤقنا ذات يوم جالس في ~~قلعته والبطارقة من حوله وقد أضر بهم الحصار وأشد ما كان عليهم من أهل ~~المدينة لأنهم لا ينظرون إلى رجل من أصحابه يعرفونه الا أخذوه وسلموه ~~للمسلمين وإذا بجاسوس قد اقبل وهو من عيونه فقال له أيها السيد أن أردت أن ~~تكيد العرب فهذا وقتك فقال له يوقنا وكيف ذلك وما الذي عندك من الخبر قال ~~إن العلافة منهم قد خرجوا إلى وادي بطنان وقد صالحوا أهله وعلوفة العرب ~~ميرتهم منه وقد رأيت منهم جمالا وبغالا ومعهم طائفة منهم وعليهم القمصان ~~الخلقة وبأيديهم الرماح المشبعة وهم يقصدون القرى في طلب الميرة وهم قليلون ~~وليس هم في كثرة فلما سمع يوقنا ذلك من جاسوسه اختار ألفا من PageV01P256 # أصحابه وقال لهم أصلحوا شأنكم فوحق المسيح لاضيقن على العرب مسالكهم ~~ولاقطعن عليهم طرقاتهم فلما أقبل الليل فتح لهم الباب وسار الجاسوس أمامهم ~~حتى استقاموا على الجادة وجعلوا يسيرون تحت جنح الليل فبينما هم كذلك إذ هم ~~براع ومعه سرح من البقر يريد بها بلده وقد خرج بها من بلد آخر وهو يسير بها ~~سيرا عنيفا فلما نظروا اليه أسرعوا نحوه وقالوا أحسست بأحد من العرب قد عبر ~~عليك قال نعم والشمس عند الغروب قد اصفرت وهم نحو مائة رجل على خيول وهم ~~مسرعون ومعهم جمال وبغال وهم يريدون الميرة من هذا الوادي من الذين هم في ~~صلحهم ولسنا نخاف منهم فقال له المقدم عليهم الآن قد ألقيت علينا من صلح ~~أهل هذا الوادي ما لم يكن عندنا منه خبر فبحق المسيح أخبرنا بأي طريق ذهبت ~~العرب فقال من ههنا وأومأ بيده إلى الشرق فصار البطريق بمن معه ولم يعرفوا ~~أن صاحب البقر منهم حتى إذا قرب الصبح أشرفوا على خيل المسلمين وكان الأمير ~~عليها يقال له مناوش فلما نظر مناوش إلى خيل الروم قد أقبلت أقبل على ms349 ~~أصحابه وقال يا بني العرب هذا بطريق من بطارقة الروم قد أقبل الينا فدونكم ~~إياه والجهاد والصبر على الشدة تنالوا الجنة ثم حمل وحمل معه أصحابه فحملت ~~عليهم الروم فثبت لهم المسلمون واقتتلوا قتالا شديدا وقتل مناوش بن الضحاك ~~والغطريف بن ثابت ومنيع بن ثابت ومنيع بن عاصم وكهلان بن مرة فقتل من ~~المسلمين ثلاثون رجلا كلهم من طيء وانهزم الباقون وملكت الروم ما كان مع ~~المسلمين من الإبل والبغال وعاد المسلمون منهزمين فعند ذلك أقبل البطريق ~~على أصحابه وقال ارموا الأحمال عن هذه الدواب واعقروها وسوقوا بقية الدواب ~~بما عليها فإنها لنا ميرة واطلبوا الجبل واختفوا عن أعين العرب والا ففي ~~هذه الساعة تطلع علينا خيول العرب كالرياح تهزمكم فأكمنوا حتى إذا جاء ~~الليل طلبنا القلعة واعتصمنا بها ففعلوا ذلك وقتلوا الجمال وساقوا الدواب ~~والتجؤا في الجبل إلى قرية فأقاموا بقية يومهم يرقبون الليل ليرجعوا إلى ~~القلعة وأقاموا لهم ديدبانا قال عوف صباح الطائي كنت في الخيل لما قتل عمي ~~مناوش ونحن في قلة وقد دهمتنا الخيل فلما نظرنا إلى كثرة الروم وشدة بأسهم ~~مع قلتنا أخذنا على أنفسنا وأتينا المسلمين فبادر الينا أبو عبيدة وقال لنا ~~ما وراءكم قلنا الحرب والطعان قتل منا مناوش وقتل معه خلق كثير من فرساننا ~~وأخذ ما كان معنا من الزاد والدواب فقال أبو عبيدة وما الذي دهاكم وقد حاصر ~~الله الروم ما يجسر أحد أن يخرج منهم قالوا لا علم لنا غير أنا رأينا ~~بطريقا عظيما قد أشرف علينا وهو في عدة حصنة وخيول كثيرة مستعدين للقتال لا ~~نعلم عددهم ولا من اين أتى مددهم فهجموا علينا ونحن سائرون فأصيب أميرنا ~~وقتل رجالنا وأخذوا ما كان معنا من الدواب والزاد فلما سمع أبو عبيدة ذلك ~~دعا بخالد بن الوليد اليه وقال يا أبا سليمان أنت لها والمعد لمثلها وأنا ~~PageV01P257 # واثق بالله ثم بك مع اني أستخير الله في أموري سر على بركة الله تعالى ~~وخذ معك من المسلمين من أردت لعلك أن ms350 تقفوا القوم وتعاني موضع اثر الوقعة ~~وتتبع آثارهم عسى الله أن يوقعنا بهم واطلبهم أينما كانوا وحيث ساروا لعلك ~~تأخذ بثأر المسلمين وأعلم اننا صالحنا أهل الوادي واننا لا ننقض عهدنا ولا ~~نحول عن قولنا الا ان يكون القوم قد مكروا بنا فنجد إلى قتالهم سبيلا فاتق ~~الله فيهم سر يرحمك الله قال فأسرع خالد إلى خيمته ولبس سلاحه واستوى على ~~متن جواده وهم بالمسير وحده فقال له أبو عبيدة إلى أين يا أبا سليمان قال ~~له اسارع إلى ما أمرتني به فقال له خذ من أردت معك من المسلمين فقال خالد ~~أنا أمضي وحدي وما أريد أحدا فقال له أبو عبيدة كيف تمضي وحدك وعدوك في عدد ~~كثير قال خالد لو كانوا في ألف أو ألفين ألقاهم بمعونة الله تعالى فقال له ~~أبو عبيدة انك كذلك ولكن خذ معك رجالا قال فاخذ ضرارا وأمثاله وسار حتى أتى ~~إلى موضع الوقعة فرأى القتلى مطروحين ورأى حولهم أهل الوادي وهم يبكون خوفا ~~من المسلمين على أنفسهم وذراريهم وان العرب تطالبهم بهم فلما طلع عليهم ~~خالد ومن معه كأنهم شعلة نار تصارخ القوم في وجهه والقوا أنفسهم بين يديه ~~فقال لهم خالد من هؤلاء القوم الذين قتلوا أصحابنا قالوا أنا نحن بريئون من ~~دماء أصحابكم ونحن في صلحكم فاستحلفهم خالد انهم لا يعلمون من قتلهم فحلفوا ~~له فقال لهم من الذي أوقع بأصحابي فقالوا بطريق بعثه يوقنا من القلعة ومعه ~~ألف فارس من أشد قومه وان لهم في عسكركم عيونا يخبرونه بما أنتم فيه كل ~~ساعة فقال لهم وفي أي طريق قصدوا قالوا في هذا الطريق فقال خالد أو ما ~~حلفتم ان ما عندكم علم بهم قالوا هذا الذي يخبرك من أهل حلب قد أتى يشتري ~~طعاما ولولا انك أقبلت في هذه الساعة ما كنا عرفنا من قتلهم فقال له خالد ~~أعلى هذا الطريق اخذوا فقال له الرجل نعم ورأيتهم يطلبون الجبل فقال خالد ~~لأصحابه ان القوم علموا انهم لا بد لهم ms351 من خيل تطلبهم وتتبعهم وقد عدلوا عن ~~طريقنا حتى إذا هجم عليهم الليل رجعوا إلى قلعتهم فعولوا على المسير في ~~طلبهم ثم إنهم ارخوا الأعنة وخالد يقدمهم وقد أخذ معه رجالا من المعاهدين ~~يقفون بهم اثر الطريق والقوم فلما حصلوا على الطريق قال خالد لواحد من ~~المعاهدين ألهم طريق إلى قلعتهم غير هذا قال نعم ولكن كن ههنا فإنك تفوز ~~بهم إن شاء الله تعالى فنزل خالد ومن معه في الوادي وهم يرقبون الطريق فما ~~مضى من الليل الا قليل إذ سمع وقع حوافر الخيل والبطريق أمامهم والخيل من ~~ورائه وهو يزجرهم ويحثهم على المسير فلما توسطوهم صاح خالد صيحة شديدة ووثب ~~خالد كأنه الأسد وخرج عليهم هو وأصحابه فما كان قصد خالد غير البطريق وظن ~~أنه يوقنا فضربه ضربة رماه نصفين وقد وضعوا السيف فيهم وجعلوا يطلبونهم وهم ~~في الهرب فلم ينج منهم الا من أطال الله أجله وحازوا جميع ما معهم وأتوا ~~برأس البطريق إلى أبي عبيدة على رأس رمح فوجدوه PageV01P258 # متلهفا على قدومهم فلما أشرف خالد بمن معه من الأسارى والاسلاب والدواب ~~هللوا وكبروا فأجابهم العسكر بالتهليل والتكبير قال وأتى خالد ومن معه ~~بالرأس والاسلاب والأسارى فكانوا أزيد من ثلاثمائة أسير ورؤوس القتلى ~~سبعمائة فعرضوا عليهم الاسلام فأبوا وقالوا نحن نعطيك الفداء فقال خالد ~~نضرب رقابهم قبال القلعة لنوهن بذلك عدو الله قال فضربت رقابهم قبال القلعة ~~فقال خالد أنا كنا نظن أنا محاصرون القوم وإذا نحن بخلاف ذلك وهم يرقبون ~~غفلتنا وينتظرون غرتنا وقد قتلوا جمالنا والدواب والصواب أن نجعل عليهم ~~حرسا في كل طريق يمكننا ولا نمكنهم أن يخرجوا من قلعتهم ونضيق عليهم ما ~~استطعنا قال أبو عبيدة جزاك الله خيرا يا أبا سليمان ما ابصرك بالأمور فلما ~~كان من الغد وصلى أبو عبيدة بالناس صلاة الفجر دعا بعبد الرحمن بن أبي بكر ~~وبضرار بن الأزور وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وقيس بن هبيرة وميسرة بن ~~مسروق ففرقهم حول القلعة ومعهم من اختاروا ms352 وأمرهم ان يمسكوا الطريق ~~والمسالك على يوقنا حتى لو طار طائر منها أو إليها اقتنصوه وأقام القوم على ~~ذلك مدة فلما طال عليهم ذلك ضجر أبو عبيدة لطول مقامه فأمر الناس بالرحيل ~~عنهم وعزم أن يتباعد عنهم أي عن القلعة لعل أن يجد منهم غفلة فينتهزها قال ~~فبعد عن المدينة فنزل بقرية بقرب منها يقال لها النيرب وهو يريد حيلة يصل ~~بها إلى يوقنا قال ويوقنا لا ينزل من القلعة ولا يفتح بابها ففكر أبو عبيدة ~~غاية الفكرة وقال لخالد يا أبا سليمان أن جواسيس عدو الله تكشف أخبارنا ~~وتوصلها اليه وتخوفه فاني أقسم عليك يا أبا سليمان الا ما جلت في عسكرنا ~~جولة واختبرت أمر الناس فلعلك تقع بأحد من جواسيسه قال فركب خالد وأمر ~~الناس أن يدوروا في عسكرهم وأن يقبضوا على كل من أنكروه قال فبينما خالد في ~~طوافه إذ نظر إلى رجل من العرب المتنصرة وبين يديه عباءة يقلبها فجعل خالد ~~يرقبه فاستراب الرجل منه فناداه وقال من أي الناس أنت يا أخا العرب قال أنا ~~رجل من اليمن قال من أيها قال فأراد أن يقول وينتمي إلى غير قبيلته فجرى ~~الحق على لسانه فقال أنا من غسان فلما سمع خالد كلامه قبض عليه وقال له يا ~~عدو الله أنت عين علينا لعدونا قال ما أنا متنصر وأنا مسلم فأتى به إلى أبي ~~عبيدة وقال أيها الأمير قد رابني أمر هذا لأنني ما رأيته قط إلا يومي هذا ~~وقد ذكر أنه من غسان ولا شك أنه من عباد الصليب فقال أبو عبيدة اختبره يا ~~أبا سليمان قال وكيف أختبره قال اختبره بالقرآن والصلاة فان أجابك والا فهو ~~كافر فقال له خالد فصل ركعتين واجهر بالقراءة فيهما فلم يدر ما يقول فقال ~~له خالد أنت يا عدو الله عين علينا ثم استخبره عن شأنه فأخبره وأقر أنه عين ~~عليهم فقال له خالد أنت وحدك قال لا ولكنا ثلاثة أنا أحدهم والاثنان قد ~~ذهبا إلى القلعة ليخبرا يوقنا ms353 بخبركم وأنا قد تخلفت لانظر ما يكون من أمركم ~~فقال أبو عبيدة أخبرني أيما أحب إليك القتل أو الاسلام فليس بعدهما شيء ~~فقال الغساني أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ثم رجع ~~PageV01P259 # أبو عبيدة إلى حلب وما زالت القلعة محاصرة أربعة أشهر وقيل خمسة اشهر ~~وابطأ خبر أبي عبيدة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب ~~إلى أبي عبيدة يقول بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى عامله أبي ~~عبيدة سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم واعلم يا أبا عبيدة أن بانقطاع كتابك وابطاء خبرك يكثر ~~قلقي ويضني جسدي على اخواني المسلمين وما لي ليل ولا نهار الا وقلبي عندكم ~~ومعكم فإذا لم يأت منك خبر ولا رسول فان عقلي طائر وفكري حائر وكأنك لا ~~تكتب إلي الا بالفتح أو الغنيمة واعلم يا أبا عبيدة أنني وان غائبا عنكم ~~فان همتي عندكم واني داعي لكم وقلقي عليكم كقلق الوالدة الشفوقة على ولدها ~~فإذا قرأت كتابي هذا فكن للاسلام والمسلمين عضدا والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته وبعث الكتاب إلى أبي عبيدة فلما ورد عليه وقرأه عليهم قال معاشر ~~المسلمين إذا كان أمير المؤمنين داعيا لكم وراضيا عنكم في فعالكم فان الله ~~ينصركم على عدوكم ثم كتب جواب الكتاب يقول بسم الله الرحمن الرحيم إلى أبي ~~عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عامله بالشام أبي عبيدة سلام عليك ~~وأني أحمد الله تعالى وأصلي على نبيه وبعد يا أمير المؤمنين فان الله تعالى ~~له الحمد قد فتح على أيدينا قنسرين وقد شننا الغارة على العواصم وقد فتح ~~الله علينا مدينة حلب صلحا وقد عصت علينا قلعتها وبها خلق كثير مع بطريقها ~~يوقنا وقد كادنا مرارا وذكر له ما جرى له مع أخيه يوحنا وأنه قتل منا رجالا ~~ورزقهم الله الشهادة على يديه ثم إنه ذكر له من قتل ms354 والله تعالى من ورائه ~~بالمرصاد وقد أردنا الحيلة عليه فلم نقدر وأردت الرحيل عنه وعن محاصرته إلى ~~البلاد التي بين حلب وأنطاكية وأنا منتظر جوابك والسلام عليك وعلى جميع ~~المسلمين وبعث الكتاب مع عبد الله بن قرط وجعدة بن جبير فسار إلى أن اخذا ~~في طريق هيشت العتيقة وجدا في السير حتى قطعا أرض الجفار إلى صكاصكة وهي ~~حصن العرب قريبة من تيما فلما وصلا إليها عارضهما فارس وعليه درع سابغ وعلى ~~رأسه بيضة تلمع وهو معتقل برمح كأنه قد برز إلى عدوه أو قاصد إلى قتال فلما ~~نظر اليهما قصدهما فقال عبد الله بن قرط لجعدة ابن جبير يا ويلك أما ترى ~~هذا الفارس وقد عارضنا في مثل هذا المكان على مثل هذه الحالة فقال له جعدة ~~وما عسى أن نتخوف من فرسان العرب ورجالها وليس في هذا الموضع من رفع عمودا ~~أو ضرب وتدا الا وأصبح معنا ودخل تحت طاعتنا وفي شريعتنا فلما قرب الفارس ~~منا سلم علينا وقال من أين أقبلتما والى اين قاصدان فقالا له نحن رسولان من ~~الأمير أبي عبيدة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمن أنت ~~أيها الرجل قال أنا هلال بن بدر الطائي فقالا له ما لنا نرى عليك آلة الحرب ~~قال إني خرجت في طوائف من قومي وجماعة من أصحابي نريد الشام للجهاد لكتاب ~~ورد علينا من عمر بن الخطاب فلما رأيتكما في بطن الوادي قصدتكما لانظر ما ~~قصتكما ولي أصحاب من ورائي مقبلون PageV01P260 # ثم سلم عليهما وولى فركضا مطيهما وسارا وإذا بالخيل قد أشرفت والإبل قد ~~أقبلت تتبع هلال بن بدر ارسالا يتبع بعضها بعضا إلى أن لحقوه فأخبرهم بقصة ~~صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرحوا بذلك وساروا يريدون الشام وأما ~~عبد الله بن قرط وجعدة بن جبير فإنهما وصلا المدينة ودخلا المسجد وسلما على ~~عمر بن الخطاب وعلى المسلمين ودفعا له الكتاب فلما قرأه استبشر ورفع كفيه ~~إلى السماء وقال اللهم اكف الناس شر ms355 كل ذي شر ثم امر مناديا في الناس ~~الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس قرا عليهم كتاب أبي عبيدة فلما قرأه قدم ~~عليه من حضرموت وأقاصي اليمن من همدان ومدان وسبا ومارب يسألونه أن ينفذهم ~~إلى الشام فقال لهم عمر في كم أنتم بارك الله فيكم قالوا نحن زهاء من ~~أربعمائة فارس وثلاثمائة مطية مردفين ومعنا أناس يمشون على أقدامهم لا ركاب ~~لهم فإن كان عند أمير المؤمنين ما يحملهم عليه حتى نصل إلى عدونا فقال لهم ~~عمر وكم يبلغ الرجال الذين معكم قالوا أربعين ومائة رجل فقال لهم عرب أو ~~موال قالوا عرب وموال أذن لهم ساداتهم في الجهاد والمسير إلى الأعداء ~~فعندها دعا عمر بعبد الله ابنه رضي الله عنه وقال أمض إلى مال الصدقات فأت ~~القوم بسبعين راحلة ليعتقبوا عليها ويحملوا زادهم وميرتهم على ظهورها فأسرع ~~عبد الله بن عمر وأتى بسبعين بعيرا وسلمها إليهم وقال لهم جدوا رحمكم الله ~~إلى اخوانكم المسلمين واسرعوا إلى حرب عدوكم ثم كتب إلى أبي عبيدة اما بعد ~~فقد ورد علي كتابك مع رسلك فسرني ما سمعت من الفتح والنصر على أعدائكم ومن ~~قتل من الشهداء وأما ما ذكرته من انصرافك إلى البلاد التي بين حلب وأنطاكية ~~وتترك القلعة ومن فيها فهذا رأي غير صواب تترك رجلا قد دنوت من دياره وملكت ~~مدينته ثم ترحل فيبلغ إلى جميع النواحي أنك لم تقدر عليه ولم تصل اليه ~~فيضعف ذكرك ويعلو ذكره ويطمع من يطمع ويجترىء عليك أجناد الروم خاصتهم ~~وعامتهم وترجع اليه الجواسيس وتكاتب ملوكها في أمرك فإياك ان تبرح عن ~~مجاهدته حتى يقتله الله أو يسلم إليك إن شاء الله تعالى أو يحكم الله وهو ~~خير الحاكمين وبث الخيل في السهل والوعر والضيق والسعة وأكناف الجبال ~~والأودية وشن الغارات في حدود المفازات ومن صالحكم منهم فاقبل صلحه ومن ~~سالمك فسالمه والله خليفتي عليك وعلى المسلمين وقد أنقذت كتابي إليك ومعه ~~عصبة من حضرموت وغيرهم وأهل مشايخ اليمن ممن وهب نفسه لله تعالى ms356 ورغب في ~~الجهاد في سبيل الله وهم عرب وموال فرسان ورجال والمدد يأتيك متواترا إن ~~شاء الله تعالى والسلام وختم الكتاب وسلمه لعبد الله بن قرط وجعدة وجعل ~~القوم يجدون في سيرهم ومع ذلك يسألون عبد الله بن قرط وصاحبه عن بلاد الشام ~~وفتح البلاد وقتل الروم إلى أن سألوهما عن مستقر العسكر فقال لهم عبد الله ~~ان جميع المسلمين وأميرهم محاصرون بقلعة حلب وفيها عظيم من عظماء الروم ~~ومعه أعلاج من أصحابه وقد تحصنوا في رأس قلعته فقالوا له يا ابن قرط ما ~~لهؤلاء لا يدخلون في جملة من صالح من أصحابهم فقال لهم يا معاشر ~~PageV01P261 # العرب انا لم نر بعد وقعة اليرموك رجالا أشجع من هذا فلقد قتل رجالا ~~وجندل أبطالا وأنه ليغير على أطراف العسكر في وقت صلاتهم فيقتل رجالهم ~~وينهب أموالهم ويرجع إلى قلعته وربما أنه يستتر في سواد الليل في طلب ~~العلافة فيقع بهم فيأمر بهم ويأخذ دوابهم وجميع زادهم وميرتهم ثم يعود إلى ~~قلعته ونحن لا نعلم به وان المسلمين له محاصرون ومنه خائفون حذرون قال وكان ~~فيمن سمع كلامه وفهمه مولى من موالي بني طريف من ملوك كندة ويقال له دامس ~~ويكنى بأبي الأهوال مشهور باسمه وكنيته وكان اسود كثير السواد بصاصا كأنه ~~النخلة السحوق إذا ركب الفرس العالي من الخيل تخط رجلاه بالأرض وان ركب ~~البعير العالي تقارب ركبتاه رجلي البعير وكان فارسا شجاعا قويا قد شاع ذكره ~~ونما أمره وعلا قدره في بلاد كندة وأودية حضرموت وجبال مهرة وارض الشحر وقد ~~أخاف البادية ونهب أموال الحاضرة وكان مع ذلك لا تدركه الخيل العتاة وكان ~~إذا أدركته العرب في باديتها تعجبت من صولته وشجاعته وبراعته فلما سمع دامس ~~أبو الهول بذكر يوقنا وما فعل بالمسلمين كاد أن يتمزق غيظا وحنقا وقال لعبد ~~الله ابن قرط أبشر يا أخا العرب فوالله لاجتهدن في أن يخذله الله على يدي ~~فلما سمع عبد الله كلامه جعل ينظر اليه شزرا وقال يا ابن السوداء لقد حدثتك ms357 ~~نفسك آمالا لا تبلغها وأشياء لا تدركها يا ويلك ألم تعلم أن فرسان المسلمين ~~وأبطال الموحدين بأجمعهم له محاصرون ولأصحابه محاربون ومع ذلك لا يقدر أحد ~~له على شر وقد كاد ملوكا وقهرها فلما سمع دامس كلام عبد الله بن قرط غضب ~~وقال والله يا عبد الله لولا ما يلزمني لك من أخوة الاسلام لبدأت بك قبله ~~فاحذر أن تزدري بالرجال وان أحببت ان تعرفني فسل عني من حضر من أهلي وما قد ~~تقدم من فعلي الذي من ذكره تطيش العقول وتضيق الصدور كم من عساكر قتلتها ~~وجموع فرقتها ومحافل بددتها وغارات شننتها ولا يضام لي جار ولا يلحقني عار ~~وبحمدالله أنا فارس كرار غير فرار ثم تركه مغضبا وسار أمام الناس وان قوما ~~من العرب قالوا لعبد الله بن قرط يا أخا العرب ارفق بنفسك فإنك وأيم الله ~~تخاطب رجلا يقرب اليه البعيد ويهون عليه الصعب الشديد وانه لجليد فريد لا ~~تهوله الرجال ولا تفزعه الابطال ان كان في حرب كان في أولها لا يدركه من ~~طلب ولا يفوته من هرب فقال عبد الله لقد كثر وصفكم وأطنبتكم في ذكركم وأرجو ~~أن يجعل الله فيه خيرا وفرجا للمسلمين قال ثم أخذ القوم في جد السير حتى ~~قدموا حلب إلى أبي عبيدة وهو منازل أهل قلعة حلب ومحاصرها وقد أحاط ~~المسلمون بالقلعة من كل جانب فلما أشرف القوم عليهم أخذوا في زينتهم وجردوا ~~سيوفهم وأشهروا سلاحهم ونشروا راياتهم وكبروا بأجمعهم وصلو على نبيهم ~~فأجابهم أهل العسكر بالتكبير من كل جانب واستقبلهم أبو عبيدة وسلم عليهم ~~وسلموا عليه ونزل كل قوم عند بني عمهم وعشيرتهم ويوقنا ما زال في كل ليلة ~~ينشط إليهم برجاله ويناوشهم وذلك أنه كان لا يقاتلهم الا قليلا ولا يظهر من ~~القلعة نهارا ابدا وكان PageV01P262 # أكثر خروجه في وقت خروج الناس فلما بات المسلمون القادمون في تلك الليلة ~~ونظرت طيء وسنيس ونبهان وكندة وحضرموت إلى شدة الحرس وعظم حرسهم وحذرهم ~~اقبل دامس أبو الهول على أهله الذين ms358 نزل عليهم من طريف وكندة فقال لهم دامس ~~والله ما أنتم محاصرون لا محالة فقالوا له وكيف ذلك قال لان العدو في راس ~~قلعة وأنتم قدام العدو من الأرض لقربكم ولا عسكر بازائكم تخافونه فما هذا ~~الخوف قالوا يا أبا الهول ان صاحب هذه القلعة علج ميشوم يرتقب غفلتنا ويغير ~~على أطرافنا ويأتينا من امننا فبينما دامس يخاطب القوم وإذا بالضجة قد وقعت ~~في طرف عسكر المسلمين ولها جلبة عظيمة فوقف دامس منتضيا حسامه متنكبا حجفته ~~وطلب الناحية التي سمع منها الصوت حتى بلغ إليها وإذا بيوقنا في خمسمائة ~~رجل أبطال أنجاد وليوث شداد وقد وجد غرة من القوم فلما نظر دامس إلى الروم ~~وقع في وسطهم وجعل يقول * أنا أبو الهول واسمي دامس * أكر في جمعهم مداعس * ~~ليث هزبر بطل ممارس * مدمر كل عدو ناكس * قال وجعل يضرب في أعراضهم بسيفه ~~ومعه طائفة من بني طريف من شجعانهم وفرسانهم فلما نظر يوقنا ما نزل به ~~تقهقر إلى ورائه وقد قتل من رجاله مائتان ودامس يكر عليهم ويتبعهم إلى رأس ~~درب القلعة وكندة من ورائه فناداهم أبو عبيدة عزيمة مني عليكم أن لا يتبعهم ~~منكم أحد في ظلمة هذا الليل فقال الناس يا أبا الهول ان الأمير يعزم علينا ~~وعليك بالرجوع فارجع رحمك الله فرجع دامس إلى رحله وتراجع القوم إلى رحالهم ~~وقد أبليت كندة بلاء حسنا والناس قد خرجوا فلما أصبح الناس اجتمعوا للصلاة ~~مع أبي عبيدة فلما قضيت الصلاة تفرقوا ولم يبق الا نفر يسير من أمراء ~~المسلمين فجعلوا يذكرون ليلتهم فقال خالد أصلح الله الأمير لقد رايت كندة ~~وقد أبليت بلاء حسنا وقد تقدمت رجالها وثبتت ابطالها وما زالت تضرب حتى ~~أزالت عنا حامية الكفر والعدو فقال أبو عبيدة صدقت والله يا أبا سليمان ~~والله لقد أسعدت الناس كندة بثباتها والله لقد سمعتم يقولون أحسن دامس ~~وأجاد أبو الهول فقام إلى أبي عبيدة رجل من رؤساء كندة يقال له سراقة بن ~~مرداس بن يكرب فقال أصلح الله ms359 الأمير دامس هو أبو الهول وهو مولى طريف قدم ~~مع هذا الوفد الذي ورد بالأمس وهو رجل يفجر ويهول على الإبطال ويفضح ~~الشجعان وبذل الأقران لا يهوله جمع ولا يصعب عليه غارة فقال أبو عبيدة ~~لخالد أما تسمع كلام سراقة في عبدهم دامس فقال خالد يوشك أن يكون صادقا في ~~قوله ولقد سمعت بذكره وحديثه وشجاعته وبراعته ولقد أخبرني رجل يقال له ~~النعمان بن عشيرة المهري أن دامسا هذا أغار وحده وهم على ساحل البحر في ~~سبعين رجلا من أهل مهرة وكان دامس هذا يطلبهم لأجل ثأر كان له عند القوم ~~وكانوا يخافون منه ومن شره وبأسه PageV01P263 # فكانوا مع ذلك يفتدون بأموالهم ودوابهم ويهربون إلى أطراف الجبال وسواحل ~~البحر حذرا منه وكان مع ذلك يسال عن أخبارهم ويطلع على آثارهم فلما أصبح ~~عند نزولهم على ساحل البحر استصرخ قومه للغزو فتشاغلوا ولم ينفر منهم أحد ~~معه وكان خبيرا بالبلاد سهلها ووعرها برها وبحرها فلما ايس من قومه دخل إلى ~~خبايته واحتمل رزمة على عاتقه فأتاه أناس من قومه وقالوا له إلى اين تريد ~~وما هذا الذي معك فقال يا قوم انا أريد الغارة على بني الشعر وآخذ بالثار ~~واكشف العار فقال له مشايخ الحي ما رأينا أعجب من أمرك وأنت تعلم أن بني ~~الشعر سبعون فمن يريد أن يغير عليهم وحده ويأخذ منهم بالثأر وما سمعنا بهذا ~~ابدا وانا نرى ان تقصد جواد وكانت جواد هذه أمة لبني حياس من الحضارمة ~~وكانت بقرية من قرى حضرموت يقال لها أسفل وكان دامس هذا يهواها وكل ما ~~يأخذه من الأموال والخيل والإبل يدفعه إليها ولا يعظم عليه كثرته وكان لا ~~يرضى لها بالقليل ولا يشبع لها بالكثير فظن القوم انه مضى إليها وقصد نحوها ~~بحملته التي معه من رزمته فقال لهم وأيم الله اني بطل فما تظنون وسوف ~~تعلمون أن ما أفعله الحق واليقين قال فرجع قومه وتركوه وسار إلى أن أتى إلى ~~مرعى قومه فأخذ راحلته من إبلهم ورحلها واخذ سيفه ms360 وحجفته وجعل الرزمة تحته ~~وسار بقية يومه وليلته حتى إذ كان آخر الليل عطف بالراحلة إلى بعض الأودية ~~فأبركها وحل رحلها وعقلها ودورها ترعى معقولة ثم كمن بين حجرين وكان قريبا ~~من القوم ويخاف ان يدوروا به فلما مضى عليه نهاره واقبل ليله أتى إلى ~~راحلته وأبركها ورحلها واستوى في كورها وسار حتى اشرف على نار القوم فعدل ~~بناقته حتى اشرف على الحي وكان في ذلك الشرف شجر من الطلح فأبرك ناقته وزم ~~شدقها لئلا ترغو فيسمع القوم رغاءها ثم عمد إلى رزمته فحلها واستخرج منها ~~الثياب واتى إلى تلك الشجرة فجعل على كل عود منها مثل عمامة الرجل ويأتي ~~بالعود ينصبه ويسنده بالحجارة ويطرح عليه الإزار ولم يزل حتى أقام أربعين ~~عودا على هذه الصفة وجعل عليه حلة حمراء أرجوانية وهبط من ذلك الشرف الذي ~~عليه الثياب وقصد الحي ودار حول بيوتهم وتفكر في أمره وكيف يحتال وقد مضى ~~أكثر الليل ثم صبر إلى أن طلع الفجر وسار نحو الساحل فلما قرب منهم صاح ~~فيهم وقال دنا أجلكم أنا أبو الهول ولقد أصبحتم بالويل وأخذتم من البر ~~والبحر وجعل ينادي يا لثار طريف يا آل طريف يا آل كندة فلما وقع صوته في ~~أسماعهم ذهلت رجالهم وتصارخت نساؤهم وفزع القوم بين يديه من البيوت هاربين ~~والى الساحل نحو الجبل طالبين وهو من خلفهم فلما رأوه وحده شجع بعضهم بعضا ~~ورجعوا اليه يقاتلونه وطمعوا فيه لما رأوه وحده ولم يروا أحدا من ورائه ~~وأخذوا في طلبه فجعل يكر عليهم ويرجع عنهم ويقتل رجلا بعد رجل فلما نظروا ~~إلى شدة بأسه وعظم مراسه وهول صولته وشدة حملته أرادوا أن يسبقوه إلى الشرف ~~ليأتوا اليه من ورائه فلما علم أنهم قد قاربوا الأعواد التي عملها وعليها ~~الثياب خاف أن ينظروا إليها PageV01P264 # ويعلموا ما فعله من المكر فسبقهم إلى الشرف وسار أمامهم وأقبل على ~~الأعواد مخاطبا لها كأنه يخاطب الرجال وهو يقول يا أهل كندة يا أهل طريف ~~إياكم والقوم قد أتتكم الرجال ms361 فلا تحملوا عليهم وأنا أفديكم بنفسي فان ~~رأيتم علي الحيف فاحملوا على القوم فمد القوم ابصارهم اليه فوجدوا عنده ~~الثياب على الأعواد في انشقاق الفجر فلم يشكو انهم رجال فانقلبوا راجعين ~~نحو البحر وجعل دامس ينادي الا يا قوم أقسمت عليكم أن لا تبرحوا من أماكنكم ~~وأنا أكفيكم مؤنة القوم وحدي فرجعت بنو مهرة ناكصين على أعقابهم هذا قد ~~أردف زوجته وهذا أولاده وهذا أمته وهذا أخذ ما قدر عليه من أثاثه ورجع أبو ~~الهول إلى الحي فلم يصادف فيه الا العبيد والصبيان والمشايخ والعجائز فأمر ~~العبيد أن يوقروا الجمال فحملوها وكتفهم وساق الجميع قدامه وعاد وأخذ ~~الثياب من على الأعواد ولحقهم وأتى بهم ديار قومه فعجبوا منه ومن فعاله ~~فلما سمع أبو عبيدة ذلك من خالد أقبل على سراقة وقال له ادع لي عبدكم حتى ~~أنظر اليه واسمع كلامه فأتى به سراقة فقال له أبو عبيدة أنت دامس قال نعم ~~أصلح الله الأمير فقال له بلغني عنك عجائب وأنت وأيم الله أهلها لأنك جزل ~~من الرجال وأعلم أنك وقومك تقاتلون في بلاد سهلة لا تأتون الجبال ولا ~~القلاع ولقد اقتحمت البارحة أثر القوم اقتحاما منكرا فارفق بنفسك واحذر من ~~هذا البطريق يوقنا فقال له دامس أصلح الله الأمير لقد غزوت مهرة وأخذت ~~أموالها وان جبالها منيعة شامخة رفيعة ذات وعر وحجر وما هذه بامنع من تلك ~~الجبال فقال أبو عبيدة أنا أراك نجيبا فهل حدثتك نفسك من أمر هذه القلعة ~~بشيء فقال دامس أصلح الله الأمير اني لما قدمت عليك في هذا الوقت كنت رأيت ~~في نومي رؤيا فقال أبو عبيدة وما الذي رأيت أراك الله الخير قال رأيت كأني ~~سائر في وطأة من الأرض واني مجد أطلب قومي فبينما أنا في مسيري إذ أشرفت ~~عليهم وهم حائرون لا يتقدمون ولا يتأخرون فناديتهم يا قوم ما شأنكم وأي شيء ~~عرض لكم في طريقكم فقال لي القوم ما ترى هذا الجبل كيف قد عرض لنا في آخر ~~هذا الطريق وليس ms362 لنا فيه مسلك ولا مطلع فقلت على رسلكم الا ترون هذه الفجوة ~~في هذا الجبل فقالوا هيهات ليس لنا فيه منقذ ولا مطلع فقلت ولم ذلك قالوا ~~لان فيه ثعبانا عظيما لا يمر به أحد الا وأهلكه وقد قتل رجالا وجندل أبطالا ~~فقلت يا قوم الا تهجمون عليه بأجمعكم قالوا لا نقدر على ذلك لان النار تخرج ~~من أنفاسه وليس لنا عليه من سبيل فقلت لهم فالتمسوا لكم طريقا من وراء ظهره ~~فقالوا لا نقدر على ذلك من عظم جثته فتركتهم والتمست لي طريقا فلم أجد الا ~~طريقا صعبا حرجا فاقتحمته فما سلكته الا بعد المشقة وأتيت إلى الثعبان من ~~ورائه فقتلته ثم أشرفت على قومي فاتبعوني فما وصلوا الا بعد جهد جهيد وهم ~~آمنون من عدوهم ثم استيقظت فرحا مسرورا فقال أبو عبيدة خير رأيت وخيرا يكون ~~يا دامس أما رؤياك هذه فإنها للمسلمين PageV01P265 # بشارة ولعدونا خسارة ثم قال له اجلس مكانك وأمر أبو عبيدة أن ينادي ~~المسلمين فحضر رؤساء المسلمين وأعيانهم فلما حضروا قال أبو عبيدة الله أكبر ~~فتح الله ونصر وحبانا بالظفر وخذل من كفر ثم قال يا معاشر المسلمين اسمعوا ~~رؤيا أخيكم دامس فإنها عبرة لمن اعتبر وموعظة لمن افتكر قال فأقبلوا يسمعون ~~له فعندها قام أبو عبيدة على قدميه وقال الحمد لله وصلى الله على رسوله ~~وسلم ثم قال يا معاشر الناس ان الله سبحانه وتعالى له الحمد قد وعدنا في ~~كتابه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الغلبة على أعدائنا والظفر ~~بمرادنا وما كان الله ليخلف وعده واني نذرت ان فتح الله هذه القلعة على يدي ~~أصنع من البر ما استطعت والآن قد هجس في نفسي ووقع في قلبي أنا ظافرون بهذه ~~القلعة ومن فيها إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ~~لأنه قد دلني على ذلك رؤيا هذا الغلام ثم قبض بكفه على زند أبي الهول وقال ~~له رحمك الله حدث اخوانك بما رأيت في منامك ms363 فقام دامس قائما وقال اعلموا ~~أني رأيت في منامي كذا وكذا وجعل يقص على الناس رؤياه من أولها إلى آخرها ~~فلما فرغ منها أقبل المسلمون على أبي عبيدة وقالوا له أيها الأمير قد سمعنا ~~قوله وحفظنا شرحه فما تأويل رؤياه قال أبو عبيدة أعلموا رحمكم الله أما ~~الجبل الذي رآه عاليا شامخا شديد الامتناع بين الشعاب والقلاع فذلك دين ~~الاسلام بلا شك وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وأما الثعبان الذي رآه وقد ~~منع الناس وقد هجم عليه بسيفه فأمر حسن هو أن يفرج الله على يديه على ~~المسلمين ففرح الناس بتأويل أبي عبيدة وقالوا أيها الأمير فما الذي تأمرنا ~~به فقال آمركم بتقوى الله سرا وجهرا ثم المكيدة على الأعداء طوعا وصبرا ~~فارجعوا إلى رحالكم حفظكم الله واصلحوا شأنكم وآلة حربكم وما تحتاجون اليه ~~فاني أقدمكم غداة غد إلى أعاديكم إلى أن يحدث لي رأي غير هذا فاني لست أدع ~~الاجتهاد في الرأي والمشاورة لمن أثق به وبرأيه من المسلمين فقالوا بأجمعهم ~~وفق الله رأيك أيها الأمير وظفرك بأعدائك أنه سميع عليم فعال لما يريد ~~ومضوا إلى رحالهم فجعل هذا يحد سيفه وهذا يصلح آلة حربه وفرسه وهذا يتفقد ~~درعه وهذا قوسه ونشابه وما زالوا كذلك بقية يومهم فلما أصبحوا دعا أبو ~~عبيدة بدامس فقال له أيها الولد المبارك ماذا ترى في أمر هذه القلعة وما ~~عندك من الحيلة فقال دامس اعلم أيها الأمير انها قلعة منيعة شامخة حصينة ~~تعجز اتوافد وتمنع القاصد في أهلها محاصرة ولا تضيق صدورهم من قتال غير أني ~~أفكر في حيلة احتالها أو بلية اعملها وأرجو من الله ان يتم ذلك عليهم فيكون ~~تبديدهم ونملك بمشيئة الله ديارهم ونقلع آثارهم فقال أبو عبيدة يا دامس وما ~~هي فقال أصلح الله الأمير أنت تعلم ما في إذاعة عة الاسرار من الشر ~~والاضرار ومن كتم سره كانت الخيرة فيما لديه ويقال أن دامسا هذا أول من ~~تكلم بهذه الكلمة فصارت مثلا فقال أبو عبيدة فما الذي ms364 تشير اليه وما الذي ~~تعتمد عليه قال تزحف بعسكرك وجملة من معك من أصحابك حتى تنزلوا بإزاء ~~القلعة ليظهر PageV01P266 # لهم منك الحرص والهيبة واعلم أن في ذلك من الحيل ما أرجو من الله أن ~~يتمها أن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم فأمر أبو ~~عبيدة عسكره بالرحيل فارتحلوا ونزلوا تحت القلعة وهللوا وكبروا وأظهروا ~~سلاحهم وارهبوا أعداء الله تعالى قال فأشرف عليهم الروم ونظروا إلى جمعهم ~~فهابوهم وألقى الله الرعب في قلوبهم حتى أنهم اضطربوا في قلعتهم وماجوا ~~وجعل كبراؤهم يستشيرون فيما بينهم فقال قوم نقاتلهم وقال قوم بل نقعد في ~~قلعتنا فإنهم لا يقدرون علينا ثم اجتمع رأيهم على القتال من فوق القلعة ~~وقعدوا على الأبراج والبنيان وجعلوا يرمون المسلمين بالحجارة والسهام وقد ~~أقاموا على ذلك ليلا ونهارا ودامس مع ذلك يعمل حيله يصل بهم إليهم بسوء قال ~~فلما كان بعد السبعة والأربعين يوما أقبل دامس على أبي عبيدة وقال له أيها ~~الأمير قد عجزت وأنا أعمل حيلا فما صدر من يدي في حقهم شيء وقد افتكرت في ~~شيء وأرجو من الله أن يكون به الظفر والظهور على أعداء الله فقال أبو عبيدة ~~وما الذي دبرت قال تضيف إلي من صناديد الرجال ثلاثين رجلا وتامرهم بالطاعة ~~وترك المخالفة والاعتراض علي فيما آمرهم به وأفعله وأراه فقال أبو عبيدة ~~سأفعل ذلك ثم ضم اليه ثلاثين رجلا من الشجعان حتى إذا اجتمعوا قال لهم أبو ~~عبيدة معاشر المسلمين أني قد أمرت دامسا عليكم وأمرتكم بالطاعة والقبول ~~لامره واعلموا رحمكم الله اني ما أمرته عليكم لكونه أجل منكم حسبا ونسبا ~~ولا أعظم موكبا ولا أشد بأسا ولا أكثر مراسا فلا يقل أحدكم اني قد أمرت ~~عليكم عبدا احتقارا بكم وبالله أحلف مجتهدا لولا ما يلزمني من تدبير هذا ~~العسكر لكنت أول من ينطلق معه في جمعكم وأنا أرجو من الله أن يفتح على ~~يديكم فأقبلوا عليه بجمعهم وقالوا أصلح الله الأمير ما نشك في أعظامك لنا ~~ومعرفتك ms365 بسابقتنا ولقد كان كلامك الأول أثر في نفوسنا وها نحن لك وبين يديك ~~ولو أمرت علينا علجا اغلف لم نخرج لك من أمر ولا رأي إذ علمنا أنك لا تريد ~~الا نصحا للدين وحياطة فالسمع والطاعة لله ثم لك ثم لمن وليته علينا من ~~قبلك كائنا من الناس أجمعين قال ففرح أبو عبيدة بما قالوه ووثق بكلامهم ~~وجزاهم خيرا وقال لهم اعلموا رحمكم الله تعالى أن نفسي تحدثني ان الله ~~تعالى يفتح هذه القلعة على يد هذا العبد المقبل لأنه دقيق الحيلة حسن ~~البصيرة فسيروا معه وثقوا بالله وتوكلوا عليه وقد تعلمون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد ولى قوادا على سادات العرب من المسلمين والاشراف من ~~عشيرته ثم اقبل على دامس فقال له يا دامس ما الذي تحب بعد هذا قال ترحل أنت ~~بجيشك من وقتك هذا فتكون منا على مسيرة فرسخ فتنزل بالعسكر وتأمرهم بقلة ~~الحركة وان يختفوا ما استطاعوا أو يكون لك رجال تثق بشدتهم ونصحهم للمسلمين ~~يتجسسون عن أخبارنا وآثارنا من غير أن يعلم بهم وبنا أحد ويكونون بغير سلاح ~~سوى الخناجر فإذا عاينوا منا الظهور على أعدائنا والظفر بهم لحقوك وبشروك ~~بذلك فتلحق بنا إن شاء الله تعالى وليكونوا متفرقين في موضع واحد فان ذلك ~~اسلم لهم وأبلغ لما يريدون من أمورهم والله المستعان في جميع الأمور ~~PageV01P267 # والأحوال فعلم أبو عبيدة انه نصيح من الرجال صاحب رأي وبصيرة ثم إن دامسا ~~اقبل على رفاقه الذين ولى عليهم وقال لهم يا فتيان العرب انهضوا بنا بارك ~~الله فيكم حتى نكمن في بعض هذا الوادي ما دام الناس عازمين على الرحيل لئلا ~~تشرف الروم فينظروا إلى رحيلنا فلا يتفق لنا أن نطلب لنا مكمنا إذا أشرفوا ~~من أعلى حصنهم وليكن مع كل رجل منكم سيفه وحجفته وخنجره لا غير ففعلوا ذلك ~~فلما تكاملوا لبس دامس لامة حربه وجعل خنجره تحت أثوابه واخذ جماعته وخرج ~~بهم حتى إذا فارق العسكر جعلوا يخفون آثارهم واشخاصهم وهو سائر ms366 بهم حتى أتى ~~بهم كهفا في الجبل فأمرهم بالدخول اليه وجلس على بابه قال واما أبو عبيدة ~~فإنه امر الناس بالرحيل بعد ما رتب الرجال كما وصاه أبو الهول فارتحل ~~العسكر وأشرف عليهم أهل القلعة فرأوهم يرحلون ففرحوا بذلك وسروا سرورا ~~عظيما وصاروا يصيحون على المسلمين من أعلى القلعة وقالوا لبطريقهم أيها ~~السيد افتح لنا الباب حتى نخرج وراء العرب فلعل أن نقتل أحدا أو ناسره ~~فنهاهم عن ذلك قال وداموا بقية يومهم إلى العشاء فقال دامس لأصحابه من فيكم ~~ينهض إلى تحت القلعة ويأتينا بخبر منها إذ يقدر على رجل يأسره فيأتينا به ~~فنأخذ منه خبرا فلم يجبه أحد فقال أنا أعلم أن ما في هذه الجماعة الا من هو ~~ضنين نفسه كاره للموت وأنا لكم الفداء فانظروا كيف تكمنون ثم تركهم دامس ~~ومضى فغاب عنهم ساعة وإذا به قد اتى ومعه علج وقال لهم يا فتيان العرب ~~دونكم هذا فاسألوه فسألوه فلم يفقهوا قوله فقال على رسلكم فغاب غير بعيد ~~وأتى بثلاثة أخر فلم يكن فيهم من يفهم بلغة العرب فقال دامس لعن الله هؤلاء ~~ما أفظع لغتهم وأكثر طمطمتهم ثم أوثقهم كتافا وغاب إلى أن مضى من الليل ~~نصفه ولم يأت فقلق عليه أصحابه قلقا شديدا واغتموا عليه وقال بعضهم لبعض ~~أنا أقول أن دامسا قد فطن به فقتل أو أسر وماجوا في ذكره وهموا ان يرجعوا ~~إلى العسكر فبينما هم في ذلك إذ دخل إليهم دامس وهو يقود رجلا من الروم ~~فتواثبوا إليه وقبلوه بين عينيه وسألوه عن ابطائه وقالوا له يا دامس لقد ~~حدثتنا نفوسنا بالعظائم وصعب علينا ابطاؤك عنا فقال اعلموا رحمكم الله ~~تعالى اني لما فارقتكم سرت إلى قريب من سور القلعة وكمنت لهم وهم يمرون علي ~~وهم يرطنون بلغتهم وأنا لا أتعرض للقوم كل ذلك وأنا أطلب من يتعرض للعربية ~~ويتكلم بها فلم أر أحدا حتى أيست وهممت بالرجوع خائبا إذ سمعت هدة شديدة قد ~~وقعت من أعلى السور فأسرعت إليها لانظر ms367 إليها ما هي فإذا أنا بهذا الرجل ~~وقد ألقى نفسه من القلعة إلى أسفل السور فبادرت اليه وأخذته وأتيت به إليكم ~~فانظروا ما هو فدنوا اليه وخاطبوه فلم يكلمهم الا بلغته وإذا به قد انفتحت ~~جبهته فقال لهم دامس اعلموا أن له شأنا وأي شأن واني أظنه هاربا من القوم ~~وليس فيكم من يفهم ما يقول ولكن على رسلكم فأنا آتيكم بمن يتكلم بلسانه ~~وبالعربية ثم اسرع دامس من عندهم فلم يكن الا قليل وإذا به قد عاد ومعه رجل ~~قد نزلت عمامته PageV01P268 # في رقبته وهو يقوده حتى مثله عندنا فقالوا له من المدينة أنت أم من ~~القلعة فقال له دامس ممن أنت تكون أمن الروم أم من العرب المتنصرة قال ~~ولكني مع العرب المتنصرة فقالوا يا هذا هل لك ان تطلعنا على عورات القلعة ~~أو عورة من عوراتها ونحن نطلق سبيلك ولا يتعرض إليك أحد بسوء فقال يا هؤلاء ~~لست أعرف لهذه القلعة عورة ولا طريقا ولو عرفت لما وسعني في ديني ولا رايت ~~أن أدلكم عليها وحق المسيح قال فانغاظ منه دامس وقال له اسأل هؤلاء الأسارى ~~هل فيهم أحد من أهل الربض فان بيننا وبينهم صلحا قال فسألهم فلم يجد فيهم ~~أحدا من أهل الربض بل كلهم من أهل القلعة وأنا أعرفهم فقال له دامس فاسأل ~~هذا الرجل لم طرح نفسه من السور وما دعاه إلى ذلك فسأله فقال له انه يقول ~~إن الملك يوقنا غضب على أهل الربض لأجل صلحهم لكم وبعث يتهددهم فلما انصرفت ~~العرب نزل يوقنا فجمع رؤوسهم واصعدهم إلى القلعة وأنا في جملتهم وطلب منا ~~من الأموال ما لا طاقة لنا به ولا نقدر عليه فلما رأيت ما قد نزل بنا هربت ~~وألقيت نفسي من القلعة اطلب الفرج وأنجو من العقوبة فلم أشعر الا وأنت قد ~~قبضت علي وأنا من أهل الربض فان كنتم من العرب فأنا في ذمتكم وأمانكم فلا ~~تنكثوا ولا تغدروا وان كنتم من غيرهم فاطلبوا مني ما أردتم من ms368 الفداء فاني ~~قد هربت من العقوبة فقال له دامس قل له نحن من العرب ولا بأس عليك ولا خوف ~~ولا ينالك منا سوء وأراد دامس أن يرى الربض ما يفعل بأعدائه فأخرج الروم ~~والمتنصرة وضرب رقابهم ولم يدع غير الربض ثم أطلقه واستمروا إلى الليل وعمد ~~دامس إلى مزوده فاستخرج منه جلد ماعز وألقاه على ظهره وأخرج كعكا يابسا ~~وقال لأصحابه بسم الله استعينوا بالله وتوكلوا عليه واخفوا نفوسكم وقدموا ~~الحزم في أموركم فاني معول على فتح هذه القلعة إن شاء الله تعالى فقالوا سر ~~على بركة الله تعالى فقاموا مسرعين وتقدم دامس وبعث رجلين من أصحابه يعلمان ~~أبا عبيدي بشأنهم ويقولان له ابعث الخيل عند طلوع الفجر قال فانطلق الرجلان ~~وصعد دامس ومن معه تحت الظلام ودامس على المقدمة يمشي على أربعة والجلد على ~~ظهره وكلما أحس بشيء قرض في الكعك كأنه كلب يقرض عظما وهم من ورائه يقفون ~~أثره وهم يستترون بين الأحجار فلا زالوا كذلك حتى لاصقوا السور وسمعوا ~~أصوات الحرس وزعقات الرجال من أعلى القلعة والحرس شديد فلم يزل دامس دائرا ~~بهم حول السور إلى أن اتى إلى مكان لم يجد به حسا وإذا بحرسه قد ناموا وراء ~~المكان ولم يروا في السور أقرب منه فقال دامس لأصحابه أنتم ترون هذه القلعة ~~وعلوها وتحصينها وليس فيها حيلة لشدة الحرس ويقظة القوم فما الذي ترون من ~~الرأي أن نصنع بها وكيف الحيلة في الصعود إليها إلى أن نحصل في وسطها ~~فقالوا يا دامس ان الأمير أمرك علينا وأنت أدرى منا وأجرا جنانا ونحن لك ~~بين يديك فمهما رأيت فيه الصلاح للمسلمين فلا نتأخر عنه PageV01P269 # ووالله أن قتل نفوسنا وذهاب أرواحنا أسهل علينا من الرجوع بغير فائدة ~~فمنك الامر ومنا السمع والطاعة فليس منا من يتأخر عنك ولا نموت الا تحت ~~ظلال السيوف وفي طاعة الله ونصرة دين الاسلام فقال دامس شكر الله فضلكم ~~ورزقكم النصر على أعدائكم فان كانت هذه نيتكم فالتصقوا بنا إلى هذا المكان ~~قال ms369 وكانوا ثمانية وعشرين رجلا واثنان كانوا ارسلوهم إلى الأمير يعلمانه ~~بأن يأتي إليهم في الصبح فقال لهم دامس أفيكم من يقدر على الصعود على هذه ~~القلعة فقلنا له يا أبا الهول وكيف لنا أن نرقى إليها وعلى أي شيء نصل إلى ~~أعلاها بغير سلم فقال على رسلكم ثم إنه اختار منا سبعة رجال كالأسد الضواري ~~لو كلفوا حمل ذلك البرج على مناكبهم لما عظم ذلك عليهم ثم جلس على قرافيصه ~~وقال لاحد السبعة اجلس على منكبي وارم بحيلك إلى الجدار واجلس كما أنا جالس ~~ففعل الرجل ما أمر به وأمر آخر ان يفعل ويصعد على منكبي الآخر وان يرمي ~~بقوته على الجدار قال ففعل ثم إنه لم يزل يصعد واحد بعد واحد إلى أن صعد ~~الثامن بقوته على الجدار وهم متمسكون به فعند ذلك أمر الاعلى ان يقوم قائما ~~وان يطرح حيله على الجدار فقام الأول وقام الثاني ثم قام الثالث ثم قام ~~الرابع والخامس والسادس وكل واحد منهم قد طرح نفسه على الجدار ثم قام دامس ~~آخرهم فإذا الاعلى قد وصل إلى شرافة السور وتعلق بها فاستوى على السور ونظر ~~إلى حارس ذلك المكان فوجده نائما وهو ثمل من الخمر فأخذ بيده ورجله ورماه ~~فلما وصل إلى الأرض قطعوه وأخفوا جسده ووجد من أصحابه اثنين سكارى وهم رقود ~~فذبحهم بخنجره ورمى بهم ثم أرخى عمامته لصاحبه ونشله اليه فإذا هو معه على ~~السور وكان دامس قد أعطاه حبلا فبقوا ينشلون به بعضهم إلى أن تكاملوا على ~~السور واصعدوا من بقي معهم على الأرض وكان آخر من صعد أبو الهول فقال لهم ~~مكانكم حتى أقفوا الخبر واكشف لكم الأثر ثم إنه أتى إلى دار البطريق وهو في ~~وسط القلعة وإذا عنده سادات البطارقة وأكابرهم وهم جلوس وبين أيديهم بواطى ~~الخمر ويوقنا جالس في وسطهم على بساط من الديباج منسوج من الذهب وعليه بدلة ~~من اللؤلؤ ومعصب بعصابة من الجوهر والقوم يشربون والمسك والبخور يفوح عندهم ~~فعاد دامس إلى أصحابه وقال ms370 أعلموا ان القوم خلق كثير وان هجمنا عليهم فلا ~~نأمن الغلبة من كثرتهم ولكن ندعهم فيما هم فيه فإذا كان وقت السحر هجمنا ~~على يوقنا ومن معه من الملوك نقتلهم بسيوفنا فإذا ظفرنا بهم وذلهم الله لنا ~~وعلى أيدينا فهو الذي نريد وان كان غير ذلك فيكون الصباح قد قرب ولا شك أن ~~الرجلين من أصحابنا قد أعلما خالد بن الوليد فيأتينا فقالوا ما نخالف لك ~~امرا ونحن قد صرنا في قلعة هؤلاء الأعداء وليس ينجينا الا صدق جهادنا ~~والعزم والشدة من قوتنا فقال لهم مكانكم فلعل أن يفتح الباب قال وكان ~~للقلعة بابان وبينهما دهليز والبوابون داخلهما والرجال تنام عندهم بالنوبة ~~فلما وصل دامس إلى الباب وجده مغلقا وإذا بالقوم PageV01P270 # رقود من السكر فعاجلهم بالذبح ثم فتح البابين وتركهما مردودين ورجع إلى ~~أصحابه وقد قرب الفجر فقال لهم أبشروا فاني قد فتحت البابين وقتلت من كان ~~وراءهما فدونكم والباب فاسبقوهم اليه وخذوه عليهم فقد بقي القوم حصيدا ~~بأسياف المسلمين إن شاء الله تعالى قال وأرسل من يستعجل خالدا ويبشره بذلك ~~ثم أرسل خمسة من أصحابه يمسكون الباب وأخذ الباقين ومشى نحو دار يوقنا ~~فصاحوا عليه ووقع الصياح في القلعة فرجعوا بأجمعهم إلى الباب وأخذ كل واحد ~~منهم مكانا يحميه فعندها جاءت الابطال وصاحت الروم ويلاه كيف تمت علينا هذه ~~الحيلة وصرخ يوقنا بأصحابه فأتوا من كل جانب فعندها كبر المسلمون ونادوا ~~بلسان واحد الله أكبر فخيل للروم أن القلعة ملآنة منهم قال ابن أوس وقاتلت ~~الروم قتالا شديدا وأما المسلمون فكانوا كالأسد الضارية فما رايت أقوى بأسا ~~ولا أشد مراسا من دامس أبي الهول في ذلك اليوم فلقد عددنا في بدنه بعد ما ~~انفصلنا ثلاثة وسبعين جرحا كلها في مقدم بدنه قال فبينما نحن في أشد القتال ~~ونحن يحمي بعضنا بعضا وقد بقي منا ثلاثة وعشرون وقتل منا أربعة وهم أوس بن ~~عامر الحزمي من بني حزم وأبو حامد بن سراقة الحميري والفارع بن مسيب ~~التميمي وفزارة بن مراد ms371 العوفي قال الواقدي لقد حدثني نوفل بن سالم عن جده ~~غويلم بن حازم وكان ممن صحب دامسا في قلعة حلب قال لما قتل من قتل منا وقد ~~قتل أيضا ملاعب بن مقدام بن عروة الحضرمي وكان ممن حضر مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الحديبية وتبوك ومرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية وهو ~~ابن أخي كعب الذي تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك وأنزل الله ~~فيه ما أنزل قال وبقينا عشرين رجلا وتكاثرت الروم علينا في أزيد من خمسة ~~آلاف وهم سد من حديد قال ونحن قد أيسنا من الحياة إذ دخل علينا خالد بن ~~الوليد ومعه جيش الزحف فوجدنا ونحن في أشد ما يكون من القتال فلما دخلوا ~~علينا صاح فيهم خالد فجفلت الروم عنا قال أوس فلما رأيناهم كذلك وانفرج عنا ~~ما كنا فيه اشتدت قلوبنا فعندها كبرت المسلمون ودخل ضرار وأمثاله يضربون ~~رقابهم فلما رأى الروم ذلك وعلموا أنهم لا طاقة لهم بما وقع بهم ألقوا ~~السلاح ونادوا الغوث الغوث وكفوا أنفسهم عن القتال فكفت المسلمون أيديهم ~~عنهم فبينما هم كذلك إذ أقبل أبو عبيدة ومعه عساكر الاسلام فأخبروه أن ~~الروم يطلبون الأمان وأن المسلمين قد رفعوا عنهم القتل إلى أن تأتي وترى ~~فيهم رأيك فقال أبو عبيدة قد وفقوا وسددوا فأمر باحضار رجالهم ونسائهم وعرض ~~عليهم الاسلام فكان أول من أسلم بطريقهم يوقنا وجماعة من ساداتهم قال فردج ~~عليهم أموالهم وأهاليهم واستبقى منهم الفلاحين وعفا عنهم من القتل والأسر ~~وأخذ عليهم العهود أن لا يكونوا الا مثل أهل الصلح والجزية وأخرجهم من ~~القلعة قال ثم أخرج المسلمون من الذهب والأواني ما لا يقع عليه عدد فأخرج ~~منه الخمس وقسم الباقي على المسلمين وأخذ الناس في حديث دامس وحيله ~~PageV01P271 # وعجائبه وعالجوا جراحته حتى برأت قال وأعطاه أبو عبيدة سهمين ثم إن أبا ~~عبيدة طلب أمراء المسلمين وأكابرهم وشاورهم في أمره وقال إن الله وله الحمد ~~قد فتح هذه القلعة على أيدي ms372 المسلمين وما بقي لنا موضع نخافه فهل نقصد ~~أنطاكية وهي دار الملك وكرسي عزهم وفيها بقية ملوكهم مع هرقل فما ترون من ~~الرأي قال فعندها قام البطريق يوقنا وتكلم بلسان عربي فصيح وقال أيها ~~الأمير ان الله تبارك وتعالى قد ايدكم واظفركم بعوكم ونصركم وما ذاك الا أن ~~دينكم هو الدين القويم والصراط المستقيم ونبيكم هو المشهور في الإنجيل وهو ~~لا محالة الذي بشر به المسيح ولا شك فيه ولا مراء وهو الفاروق الذي يفرق ~~بين الحق والباطل وهو النبي الكريم اليتيم الذي يموت أبوه وأمه ويكفله جده ~~وعمه فهل كان ذلك أم لا أيها الأمير فقال أبو عبيدة نعم هو نبينا صلى الله ~~عليه وسلم واني يا يوقنا قد حرت في أمرك وأنت بالأمس تقاتلنا ومرادك ان ~~تكسر عسكرنا وتقطع الطريق على علوفتنا واليوم تقول مثل هذا القول وقد بلغني ~~انك لا تفهم بالعربية شيئا فمن اين لك حفظها فقال لا إله إلا الله ومحمد ~~رسول الله وانك تعجب أيها الأمير من هذا الامر قال نعم قال له اعلم أيها ~~الأمير أني كنت البارحة مفكرا في أمركم وقد وصلتم إلى قلعتنا ونصرتم علينا ~~وانه لم يكن عندنا أمة أضعف منكم وتوسوست في ذلك فلما نمت رأيت شخصا ابهى ~~من القمر وأطيب رائحة من المسك الأذفر ومعه جماعة فسألت عنه فقيل لي هذا ~~محمد رسول الله فكأني أقول أن كان نبيا حقا فليسأل ربه أن يعلمني العربية ~~وكان يشير إلي وهو يقول يا يوقنا أنا محمد الذي بشر بي المسيح وانا لا نبي ~~بعدي وان أردت فقل لا إله إلا الله وأبي محمد رسول الله فأخذت يده فقبلتها ~~وأسلمت على يديه واستيقظت وفمي من تلك الليلة كالمسك الأذفر وأنا أتكلم ~~بالعربية ثم أني قمت إلى منزل أخي يوحنا وفتحت خزانة كتب فوجدت في بعض ~~الكتب صفة محمد صلى الله عليه وسلم وما يكون من أمره ووجدت كل الصفات صحيحة ~~وان أبغض الخلق اليه اليهود أكان ذلك أيها الأمير أم لا ms373 فقال أبو عبيدة نعم ~~كانت اليهود تطلبنا أشد الطلب حتى نصرنا الله عليهم وأخذنا حصونهم وقتلنا ~~أبطالهم قال يوقنا وجدت هذا في سيرته وجملة أخباره وأن الله تعالى كان ~~يوصيه بأصحابه وبالمسلمين وبالايتام والمساكين أكان ذلك أم لا قال أبو ~~عبيدة نعم أما وصيته من الله على أصحابه فقد قال الله تعالى واخفض جناحك ~~لمن اتبعك من المؤمنين وقال في حق اليتيم والمسكين فأما اليتيم فلا تقهر ~~وأما السائل فلا تنهر فقال يوقنا كيف قال ووجدك ضالا فهدى فما معنى وصفه ~~بالضلال وهو عند الله كريم فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه وجدناك ضالا ~~في تيه صحبتنا فهديناك إلى مشاهدتنا وأيضا سهل لك الوصول إلى سبل المكاشفة ~~ووفقك للوقوف في مقام المشاهدة ووجدك ضالا في بحار الطلب على مركب العطب ~~فهداك إلى سواحل الحق وقربك إلى ظل حقائق الصدق لتكون بقلبك مائلا عن ~~الاغيار أو تهيم في قيعان PageV01P272 # الاختيار متمنيا ساعات الوصول والتلاق وليس لك منا خبر ولا معك منا أثر ~~ألحنا لك لوائح الرضا وكشفنا لك عن واضح القضا أما علمت يا يوقنا أنه لا ~~شيء عند المؤمن أوفى من العلم ولا أربح من الحلم ولا حسب أوضح من الدين ولا ~~قرين أزين من العقل ولا رفيق أشر من الجهل ولا شيء أعز من التقوى ولا شيء ~~أوفى من ترك الهوى ولا عمل أفضل من الفكر ولا حسنة أعلى من الصبر ولا سيئة ~~أخرى من الكبر ولا دواء الين من الرفق ولا داء أوجع من الخرق ولا رسول أعدل ~~من الحق ولا دليل أنصح من الصدق ولا فقر أذل من الطمع ولا غنى أشقى من ~~الجمع ولا حياة أحسن من الصحة ولا معيشة أهنا من العفة ولا عبادة أفضل من ~~الخشوع ولا زهد خير من القنوع ولا حارس أحفظ من الصمت ولا غائب أقرب من ~~الموت فلما سمع يوقنا هذا الكلام من معاذ تهلل وجهه وقال هكذا قرأته في كتب ~~أخي يوحنا وهو مذكور في الإنجيل والتوراة ms374 ثم خر ساجدا وقبل الأرض شكرا وقال ~~الحمد لله الذي هداني إلى هذا الدين ووالله لقد رسخ هذا الدين في قلبي ~~وعلمت أنه الحق وسأقاتل في الله كما كنت أقاتل في طاعة الشيطان ووالله ~~لانصرن هذا الدين حتى الحق بأخي يوحنا ثم أنه بكى بكاء شديدا على ما فرط في ~~أمر أخيه فقال له أبو عبيدة قال الله في حق اخوة يوسف لا تثريب عليكم اليوم ~~يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وقال له أن أخاك في عليين مع الحور العين ~~وأما أنت فساعة أسلمت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك فبكى لذلك وقال أشهد ~~علي المسلمين أني كلما جاهدت وقتلت من المشركين فثوابه في صحيفة أخي يوحنا ~~ولا بد أن أقاتل في سبيل الله وأمحو ما سلف من الفعال فقال أبو عبيدة يا ~~عبد الله دلنا أين نسير فقال يوقنا أعلم أيها الأمير أن حصن عزاز حصن منيع ~~وهو قوي بالرجال والعدد والزاد وفيه ابن عم لي اسمه دراس بن جوفناس وهو ذو ~~شدة وبأس وقوة ومراس جلد في الحرب قوي عند الطعن والضرب وأن أنتم تركتموه ~~ومضيتم إلى نحو أنطاكية أغار على حلب وقنسرين وأذاقهم شرا فقال أبو عبيدة ~~يا عبد الله قد أنطق الله لسانك بالحق والصواب فما عندك من الحيلة فقال ~~يوقنا عندي من الرأي أن أركب جوادي وتضم إلي مائة فارس من المسلمين ولنكن ~~على زي الروم ولباسهم وأتقدم بهم ثم يتقدم أمير من العرب ومعه ألف فارس على ~~خفاف الخيل وأنا في المقدمة بالمائة فارس على مقدار فرسخ كأننا هاربون منكم ~~وأوائل الخيل الألف في طلبنا فإذا أشرفنا على عزاز نلقي الصوت فإذا نظر ~~الينا صاحبها دراس لا بد أن ينزل الينا ويلقانا فإذا سألني أخبرته أني ~~أسلمت زورا ثم هربت فخرجت العرب في طلبي فإذا سمع مني ذلك يصعد بنا إلى ~~حصنه وليكن مقدم الألف بالقرب منا في قرية هناك فإذا كان نصف الليل سرنا في ~~وسط الحصن ونضع السيف في أعدائنا فإذا ms375 كان عند صلاة الفجر يأتينا أمير ~~العرب بالألف الذي معه فلما سمع أبو عبيدة ذلك استنار وجهه واستشار خالدا ~~ومعاذا في ذلك فقالا يا أمين الأمة PageV01P273 # رأي سديد ان لم يغدر هذا الرجل ويرجع إلى دينه فقال أبو عبيدة ان ربك ~~لبالمرصاد فقال يوقنا انا والله رجعت عن ديني إلى دينكم بعدما كنت أعظم من ~~تلك الصور والصلبان وما بقي في قلبي سوى محبة الرحمن ومحمد سيد ولد عدنان ~~والجهاد عن أفضل الأديان والله على ما أقول وكيل وحق الذي لا إله إلا هو ~~وحق محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي رايته وعاينته في المنام ان ~~كنتم تظنون في غير ذلك فلا تتركوني أفعل شيئا مما ذكرته لكم فقال أبو عبيدة ~~يا عبد الله ان أنت نصحت للمسلمين ولم تغدر بهم كان الله لك معينا في كل ما ~~تحاوله فأتبع الصدق تنج به فان ديننا مبني على الصدق وأتبع سنن إخوانك ~~المؤمنين وأعلم أن المؤمن الصادق قوته ما وجد ولباسه ما ستر ومسكنه ما وجد ~~فلا يحزنك ما تركت من ملكك وحكمك وامارتك فان الذي تركته فان والذي تطلبه ~~باق لان نعمة الدنيا فانية والآخرة خير وأبقى واعلم أنك في يومك هذا عار من ~~الشرك واعلم أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والمؤمن يتيقن ان القبر ~~مضجعه والخلوة مجلسه والاعتبار فكره والقرآن حديثه والرب أنيسه والذكر ~~رفيقه والزهد قرينه والحزن شأنه والحياء شعاره والجوع ادامه والحكمة كلامه ~~والتراب فراشه والتقوى زاده والصمت غنيمته والصبر معتمده والتوكل حسبه ~~والعقل دليله والعبادة حرفته والجنة داره وأعلم يا يوقنا أن المسيح قال ~~عجبت لمن ليله غافل وليس بمغفول عنه ومؤمل دنيا والموت يطلبه وبان قصرا ~~والقبر مسكنه وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم من أعطى أربعا أعطي أربعا ~~وتفسير ذلك في كتاب الله تعالى من أعطى الذكر ذكره الله عز وجل لأن الله ~~تعالى يقول * (فاذكروني أذكركم) * ومن أعطى الدعاء أعطى الإجابة لان الله ~~تعالى يقول ادعوني استجب لكم ومن ms376 اعطى الشكر أعطى الزيادة لان الله تعالى ~~يقول لئن شكرتم لأزيدنكم ومن اعطى الاستغفار أعطى المغفرة لان الله تعالى ~~يقول استغفروا ربكم انه كان غفارا قال الواقدي حدثني عامر بن قبيصة اليشكري ~~قال حدثني يونس ابن عبد الأعلى قراءة عليه قال شهر بن حوشب عن جده عامر بن ~~زيد قال كنت ممن شهد فتوح الشام وكنت في فتوح قنسرين وحلب مع أبي عبيدة ~~وكنت كثيرا ما أصحب الروم الذين دخلوا في ديننا فلم أر منهم أشد اجتهادا ~~ولا أخلص اعتقادا ولا أعظم نية ولا أحسن في الجهاد حمية ولا أبلغ في قتال ~~الروم من يوقنا ولقد نصح والله للمسلمين وجاهد في الكافرين وأرضى رب ~~العالمين ولقد فعل في الروم ما لم يقدر أحد عليه من أبناء جنسه من بعد ما ~~قاسى المسلمون منه على قلعة حلب وما تركهم ينامون ولا يقرون ليلا ولا نهارا ~~وما قتل من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ذكر فتح عزاز قال الواقدي لما ~~وعظ أبو عبيدة يوقنا وفرغ من وعظه ضم اليه مائة فارس وألبسهم زي الروم قال ~~وكان كل عشرة من قبيلة قال وهم من طيء وفهر وخزاعة PageV01P274 # وسنيس ونمير والحضارمة وحمير وباهلة وتميم ومراد وجعل على كل عشرة نقيبا ~~فأما نقيب طيء فخزعل بن عاصم وعلى فهر فهر بن مزاحم وعلى خزاعة سالم بن عدي ~~وعلى سنيس مسروق ابن سنان وعلى نمير أسد بن حازم وعلى الحضارمة ماجد بن ~~عميرة وعلى حمير ملكهم ذو الكلاع الحميري وعلى باهلة سيف بن قادح وعلى تميم ~~سعد بن حسن وعلى مراد مالك بن فياض فلما كملوا قال لهم أبو عبيدة أعلموا ~~رحمكم الله أني مرسلكم مع هذا الرجل الذي وهب نفسه لله ورسوله وكل طائفة ~~منكم عليها نقيب وقد وليته عليكم فاسمعوا له وأطيعوا ما دام مرضاة الله عز ~~وجل قال فلبسوا وركبوا وساروا معه فلما بعدوا بفرسخ أرسل وراءهم الف فارس ~~وأمر عليهم مالكا الأشتر النخعي وقال له سر في أثر القوم وانظر ما يكون ms377 من ~~أمر هذا العبد الصالح فإذا قربت من هذا الحصن فأكمن إلى وقت السحر ثم تظاهر ~~لاخوانك سر وفقك الله وأرشدك فسار مالك يقدم قومه فساروا بقية يومهم فلما ~~جن عليهم الليل كمنوا في قرية بالقرب من الحصن وهي خالية من السكان وأما ما ~~كان من يوقنا فإنه اخذ على غير طريق وسار طالبا عزاز قال الواقدي حدثني ~~سليمان بن عبد الله اليشكري حدثني الشديد بن مازن عن جده خزعل بن عاصم قال ~~كنت في خيل يوقنا لما وجهنا أبو عبيدة معه قال لما شارفنا عزاز قال لنا ~~يوقنا أعلموا يا فتيان العرب أنا قد شارفنا هذا العدو فإياكم ان يتكلم أحد ~~منكم فان لغتكم لا تخفى على الروم وأنا المترجم عنكم وكونوا على يقظة من ~~أمركم فإذا رأيتموني وقد بطشت بصاحب الحصن فثوروا على اسم الله تعالى ثم ~~ساروا وليس عنده خبر من تواتر القدر قال الواقدي حدثني سليمان بن عبد الله ~~اليشكري قال حدثني عبد الرحمن المازني وكان ممن يكتب فتوح الشام قال حدثني ~~الأكوع بن عباد المازني قال كنت مع مالك الأشتر من جملة الألف حين سرنا في ~~أثر يوقنا صاحب حلب حتى إذا كنا في تلك القرية ونحن ننتظر الصباح وإذا نحن ~~بجيش من ورائنا من غربي القرية فسار مالك الأشتر وقصد الحصن فغاب عنا غير ~~بعيد وعاد ومعه رجل من العرب المتنصرة وقد أقبل به فلما صار بيننا قال يا ~~فتيان اسمعوا ما يقول هذا الرجل فقلنا وما الذي يقوله قال أسألوه فإنه ~~يخبركم فسألناه وقلنا من أي الناس أنت قال من غسان من بني عم جبلة بن ~~الأيهم فقال له مالك ما اسمك قال أسمي طارق بن شيبان فقال له يا طارق بحق ~~ذمة العرب لا تكتمنا أمرا تعرفه من أعدائنا قال والله لا أكتم أمرا أعرفه ~~ولكن خذوا على أنفسكم قبل قدوم عدوكم قال مالك وكيف ذلك قال لأنا البارحة ~~ورد علينا جاسوس من عندكم وهو منا أسمه عصمة بن عرفجة وكان يسمع ms378 ما تناجيتم ~~به من الحيلة التي أرادها يوقنا على صاحب عزاز فلما سمع الجاسوس منكم ذلك ~~كتب رقعة وربطها تحت جناح طير كان معه وأطلقه إلى صاحب عزاز فلما ~~PageV01P275 # قرأها أرسلني إلى صاحب الراوندات لوقا بن شاس يستنجده عليكم فمضيت اليه ~~بالرسالة وهو قادم في خمسمائة فارس وكأنكم بهم وقد هجموا فخذوا حذركم قال ~~الواقدي وأما ما كان من أمر يوقنا فإنه سار حتى وصل إلى الحصن فوجد صاحبه ~~قد تجهز بنفسه ومعه أصحابه وهو خارج الحصن وكان اللعين يركب في ثلاثة آلاف ~~فارس من الروم والف من العرب المتنصرة غير من التجأ اليه من السواد فلما ~~قدم عليه يوقنا لم يوهمه في شيء من أمره بل استقبله وترجل اليه وأقبل كأنه ~~يقبل ركابه وكان في يده سكين أمضى من القضاء فقطع به حزام فرس يوقنا وجذبه ~~اليه وإذا به قد وقع على أم رأسه فأطبق الأربعة آلاف على أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يمهلوهم حتى أخذوهم قبضا بالكف وشدوهم كتافا وبصق ~~دراس في وجه يوقنا وقال لقد غضب عليك المسيح والصليب إذ فارقت دينك ودخلت ~~في دين أعدائك وحق المسيح لا بد لي أن أبعثك إلى الملك الرحيم هرقل يصلبك ~~على باب أنطاكية بعدما أضرب رقاب هؤلاء العرب ثم إنه أصعدهم إلى الحصن قال ~~الواقدي ومن خيرة الله للمسلمين أن الجاسوس لم يكتب لصاحب عزاز في مكاتبته ~~بسير مالك الأشتر قال وان مالكا الأشتر لما سمع كلام المتنصر أيقظ أصحابه ~~وربط المتنصر عنده وأقاموا ينتظرون صاحب الراواندات فلما راق الليل سمعوا ~~وقع حوافر الخيل فلم يكلمهم مالك حتى توسطوا الكمين وأطبقوا عليهم فكل ~~اثنين ربطوا واحدا من الروم واخذوهم بالكف ولم ينفلت منهم أحد ولبسوا ~~ثيابهم ورفعوا رايتهم وصليبهم كما كانت ثم أن مالكا قال للمتنصر هل لك أن ~~ترجع إلى دين الله عز وجل ودين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيمحو عنك ما ~~سلف من الكفر بالايمان وتبقى لنا من جملة الاخوان فقال ان ms379 قلبي ولبي عندكم ~~فلا جزي الله من ألجانا إلى الدخول في هذا الدين خيرا وأنا والله من ~~الطائفة التي هي أول من اسلم على يد عمر بن الخطاب وقد سمعنا عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال من بدل دينه فاقتلوه فقال له مالك لقد صدقت في قولك ~~ولكن انسخ هذا الحديث بقول لا إله إلا الله فقد قال الله تعالى الا من تاب ~~وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سياتهم حسنات الآية وقبل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم توبة وحشي قاتل عمه حمزة فأنزل الله فيه الآيات فلما ~~سمع الغساني ذلك فرح وقال أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله والآن والله يا مالك قد طاب قلبي وانجبر كسري أخذ الله بيدك وأنقذك ~~الله يوم القيامة قال ففرح مالك باسلامه وقال له وفقك الله وثبت ايمانك ثم ~~قال له يا عبد الله اني أريد أن تمحو ما سلف منك بما تفعله فقال وما تريد ~~أيها الأمير قال تمضي إلى صاحب عزاز وتبشره بقدوم صاحب الراوندات إلى نصرته ~~فقال أفعل ذلك أن شاء الله تعالى وان كنت في شك من أمري فأرسل معي من تثق ~~به حتى يسمع ما أقول فان الليل قد تنصف والحرس شديد وباب الحصن مقفول وانا ~~أخاطبهم من شفير الخندق قال PageV01P276 # فأرسل معه مالك ابن عم له يقال له راشد بن مقبس ووصاه أن يكون مستيقظا ~~فسارا جميعا إلى أن وصلا إلى الحصن فوجدا الحرس شديدا والروم تضرب بوقاتها ~~والصوت عال في وسط الحصن فقال طارق لابن عم مالك ما هذا وحق أبي الاقتال ~~وضرب وحرب فانصتا فإذا هو كما قال طارق قال الواقدي وكان السبب في ذلك أن ~~ابن صاحب عزاز شاب شجاع يقال له لاوان كان أبوه دراس في وقت يرسله إلى ~~يوقنا بالهدايا والتحف لما بينهم من القرابة وكان يقيم عنده أشهرا في أعز ~~مكان وانه حضر عنده في بعض المرات في عيد الصليب في ms380 البيعة التي هي اليوم ~~الجامع وكان يدخل في كل وقت فرأى يوما ابنة يوقنا وهي بين جواريها وخدمها ~~وحشمها فوقع بقلبه حبها فكتم أمرها وعاد إلى عزاز وشكا حاله إلى أمه وما ~~كان لأبيه ولد غيره وهي تجد له محبة عظيمة فقالت له أنا أخاطب أباك في ذلك ~~والزمه أن يرسل ليخطبها من أبيها ويزوجك بها ونبذل له من المال ما أراده ~~وطلبه واشتغل قلب الشاب بحب الجارية وفي أثناء ذلك جاءت العرب إلى بلادهم ~~واشتغلت خواطرهم فلما وقع يوقنا في يد أبيه كان وكان من أمره ما كان وقبض ~~عليه وعلى المائة من المسلمين وحبسهم جميعا في دار ولده لاوان ووصاه بحفظهم ~~فقال لاوان في نفسه وحق ديني أن ابن عمنا يوقنا أعلم من أبي بالأديان ولولا ~~أنه رأى الحق مع هؤلاء العرب ما تبعهم بعدما قاتلهم أشد القتال وأيضا ان ~~جيوش الملك ما ساوتهم وان الله قد نصرهم على ضعفهم وانا قلبي متعلق بابنته ~~واني أرى من الرأي السديد أن أحل هؤلاء القوم من الوثاق وارجع إلى دينهم ~~بعد أن أثق من ابن عمي أن يزوجني ابنته فإنه على الحق وأنال ما أطلب بعدها ~~وأتزوج ابنته فلما حدثته نفسه بذلك اقبل يوقنا وجلس بين يديه وقال له يا عم ~~أني عولت على أن أحل وثاقك أنت وأصحابك وقد اخترتك على أهلي وأبي وملكي ~~وأنت تعلم أن فراق الأهل صعب واخترت الايمان على الكفر وقد علمت أن دين ~~هؤلاء صحيح ولكن لي عليك شرط أن تزوجني ابنتك ومهرها عتقك أنت وهؤلاء الناس ~~الذين معك فقال يوقنا يا بني ما لك إلى زواجها من سبيل إذا كنت تدخل فيه ~~لأجل غرض الدنيا وليكن دخولك فيه خالصا من قلبك حتى أن الله يأجرك على ما ~~تفعله وانا إن شاء الله تعالى أبلغك ما ترومه وتنال عز الدنيا والآخرة فقال ~~لا وأنا اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله ثم حل وثاق يوقنا ~~وأعطاه سلاحه وحل المائة وأعطاهم ms381 سلاحهم وقال لهم كونوا على أهبة وأنا أمضي ~~إلى أبي وهو ممل بالخمر فأقتله وثورا على بركة الله تعالى في رضا الله ~~فعندها قال يوقنا للمائة أشهدوا علي أني زوجته أبنتي وجعلت صداقها عتنقا ~~فقبل منه ومضى إلى دار أبيه فوجد أباه مقطوع الرأس واخوته عنده فقال لهم من ~~فعل هذا بأبي قالوا نحن قال ولم ذلك قالوا أردنا بذلك وجه الله وقد سمعناك ~~وما تحدثت به مع يوقنا وأصحابه فخفنا عليك أن لا يتم لك هذا الامر ويتكاثر ~~الجمع على القوم ويبلغ ابانا خبرك PageV01P277 # فيقتلك فبطشنا به قبلك قال ففرح لاوان بذلك ورجع إلى يوقنا وأصحابه ~~وأعلمهم بما جرى فخرجوا من دار لاوان وتوسطوا الحصن ورفعوا أصواتهم ~~بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير والسراج المنير ووضعوا السيف ~~في الروم قال ووقع الصائح في الحصن كما وصفنا وتبادرت الروم لقتال المسلمين ~~وفي تلك الساعة قدم طارق ورفيقه قال فسمعنا الأصوات قال فرجعنا إلى مالك ~~وأعلمناه بما سمعناه فقال مالك لأصحابه اركضوا لاصحابكم فركضوا خيولهم وخلف ~~منهم مائة يحفظون الاسرى فلما قربوا من الحصن وكان يوقنا قد قال للاوان ان ~~نجدة من المسلمين تأتينا فأتى لاوان فرأى المسلمين قد اتوا ففتح لهم باب ~~الحصن من باب السر وأدخلهم فلما حصل مالك الأشتر في حصن عزاز نادى هو ومن ~~معه الله أكبر فتح الله ونصر وخذل من كفر فلما رأى أهل الحصن ذلك رموا ~~سلاحهم ونادوا الغوث الغوث فرفعوا عنهم السلاح وأخذوهم أسارى وشكروا ليوقنا ~~ومن معه قال فحدث يوقنا مالكا الأشتر بحديث الغلام لاوان فقال مالك إذا ~~أراد الله أمرا هيأ أسبابه قال الواقدي حدثني قيس عن عقبة عن صفوان عن عمرو ~~بن عبد الرحمن عن جبير عن أبيه قال سألت أبا لبابة بن المنذر وكان ممن حضر ~~فتوح الشام كيف كانت فتوح عزاز وقتل دراس فان نفسي تنكر هذا وأريد صحته ~~فقال لما وضعت الحرب أوزارها وجمع مالك الأشتر الأسارى والمال والثياب ~~والذهب والفضة والآنية وأمر باخراج ذلك من الحصن ms382 ووكل به قيس بن سعد وكان ~~ممن حضر وأصابه سهم فعوره وكذلك أبو لبابة بن المنذر وكلاهما حضر بدرا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد في عزاز ثم قام مالك فمشى في ~~الحصن وتقعد دراسا فوجده مقتولا فقال من قتل هذا اللعين فقال لاوان قتله ~~أخي لوقا وهو أكبر مني سنا فأمر مالك باحضاره وقال لم قتلته وهو أبوك وما ~~سمعنا ولدا قتل أباه من الروم سواك فقال حملني على ذلك محبة دينكم لان في ~~بيعة هذا الحصن قسا من المعمرين وكنأ نقرأ عليه الإنجيل ويعلمنا بعلم الروم ~~واني كنت في بعض الأيام في البيعة أنا وهو وليس عندنا أحد وكان اسمه أبا ~~المنذر فقلت له يا أبا المنذر الا ترى إلى بلاد الشام كيف استولت عليها ~~العرب وملكوا أكثرها وهزموا جيوش الملك وما كنا نظن أن العرب تقدر على ذلك ~~لأنه ليس في الأمم أضعف منهم وأن الله تعالى نصرهم على ضعفهم فهل قرأت ذلك ~~في كتب الروم أو ملاحمهم أو ملاحم اليونانيين فقال يا بني نعم اني قرأت ذلك ~~ولقد أخبرنا الملك هرقل بذلك قبل وقوع هذا الامر وجمع اليه الملوك ~~والاساقفه والبطارقة وغيرهم وأخبرهم ان العرب لا بد أن يملكوا ما تحت سريري ~~هذا ولقد بلغنا عن نبي القوم أنه قال زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ~~وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها فقلت له يا أبانا فما تقول في نبي القوم ~~قال له يا بني ان في كتبنا ان الله تعالى يبعث نبيا بالحجاز وقد بشر به ~~عيسى المسيح بن مريم ولا ندري PageV01P278 # أهو هذا أم لا فعلمت انه كتم عني امره مخافة ان أذيع سره فكتمت ما قال لي ~~البارحة فلما رأيت يوقنا وأصحابه اسرى قلت هذا يوقنا قد قتل أخاه يوحنا ~~وعاند العرب وقاتلهم ثم إنه رجع إلى دينهم وما ذاك الا انه قد علم الحق ~~معهم فقلت انا لنفسي قم أنت واقتل أباك وخلص يوقنا وأصحابه وارجع إلى ms383 دين ~~هؤلاء فهو الدين الحق لا شك فيه فلما نام أبي بعدما شرب الخمر وسكر قتلته ~~وسرت إلى خلاص يوقنا ومن معه فوجدت أخي لاوان قد سبقني إلى ذلك فقال له ~~مالك يا غلام لم فعلت ذلك قال محبة في دينكم وأنا أشهد ان لا إله إلا الله ~~وان محمدا رسول الله فقال له مالك قبلك الله ووفقك ثم خرج مالك من الحصن ~~وولاه سعيد بن عمرو الغنوي وترك معه المائة الذين كانوا مع يوقنا وقدموا ~~اليه صاحب الراوندات ومن معه فعرض عليهم الاسلام فأبوا فضرب رقابهم قال ~~الواقدي حدثني عبد الملك بن محمد عن أبيه حسان بن كعب عن عبد الواحد عن عبد ~~الله بن قرط الأزدي ان فتح عزاز كان هكذا والذي ذكر ان بنات دراس وزوجته ~~قتلنه لم يصح والله أعلم ثم إن مالكا الأشتر أراد ان يرحل فعرض عليه سبي ~~عزاز فكان ألف رجل من الشباب والبنات ومائتين وخمسة وأربعين رجلا من الشيوخ ~~والرهبان والفي امرأة من النساء والبنات ومائة وثمانين عجوزا ونظر إلى شيخ ~~من الرهبان مليح الشبيبة واضح الهيبة فقال ان صدقت الفراسة فهذا القس الذي ~~أخبرني به لوقا واخوه لاوان فدعا بهما وقال هذا هو القس الذي أخبرني به ~~لوقا فقال نعم فقال له يا شيخ إذا كنت من علماء أهل الكتاب فكيف تكتم الحق ~~عن مستحقيه فقال والله ما كتمت الحق عن مستحقيه ولكن خفت من الروم أن ~~يقتلوني لان الحق ثقيل وقد قتلوا الأبناء والاخوة وذلك لأجل الحق فكيف أنا ~~فقال له مالك افتدخل في ديننا فقال لست أدخل فيه الا إذا سألتكم عن مسائل ~~وجدتها في الإنجيل فقال له مالك هات ما عندك فلما أراد القس أن يتكلم وقع ~~الصياح في الحصن فارتاع الناس ووثب مالك لينظر ما خبر الناس وظن أن الروم ~~قد غدرت بهم وإذا بأناس من المسلمين الذين بالحصن يقولون أيها الأمير خذوا ~~حذركم فانا نرى غبرة على طريق منبج وبزاعة ولا ندري ما هي فركب مالك ms384 ومن ~~معه ووقفوا ينتظرون ما ذاك وإذا قد لاح من تحتها خيول الاسلام وهم يسوقون ~~السبايا والأموال والرجال وهم مشددون في الحبال ووراءهم الف فارس من ~~المسلمين وأميرهم الفضل بن العباس رضي الله عنه وكان قد أرسله أبو عبيدة ~~حتى غازي منبج والباب وبزاعة فوقع الكثير في الفريقين وسلم بعضهم على بعض ~~وسأل الفضل مالكا عن قصته فحدثه أن الله قد فتح عزاز وأذل من فيها وحدثه ~~بما كان من حديث يوقنا وانني ما منعني من الرحيل الا هذا القس وسؤاله فقال ~~له الفضل أيها القس قل ما أنت قائل فقال القس أخبرني عن أي شيء خلقه الله ~~تعالى قبل خلق السماوات والأرض فقال الفضل أول ما خلق اللوح والقلم ويقال ~~العرش PageV01P279 # والكرسي ويقال الوقت والزمان ويقال العدد والحساب ويقال أول ما خلق الله ~~جوهرة فنظر إليها فصارت ماء ثم خلق العرش ياقوته وكان عرشه على الماء وانه ~~نظر إلى الماء فاضطرب وارتعد وصعد منه دخان فخلق الله منه السماء ثم خلق ~~الأرض وقيل خلق أولا العقل لأنه أراد أن ينتفع به الخلق وقيل أول ما خلق ~~الله نورا وظلمة ثم دعاهما إلى الاقرار فأنكرت الظلمة وأقر النور فخلق منه ~~الجنة لرضاه عنه وخلق النار من الظلمة لسخطه عليها وخلق أرواح السعداء من ~~النور وأرواح الأشقياء من الظلمة فلأجل ذلك كل منهم يرجع إلى مستقره ويقال ~~أول ما خلق الله نقطة فنظر إليها بالهيبة فتضعضعت وسالت ألفا فجعلها مبدأ ~~كتابه العزيز فسبحان من ألف كتابه من نقطة وخلق خلقه من نقطة ثم يميتهم ~~بقبضة ويحييهم بنفخة فلما سمع القس ذلك من كلام الفضل ابن العباس قال أشهد ~~ان لا إله إلا الله وأشهد ان محمدا رسول الله هذا هو العلم الذي استأثر به ~~أنبياء الله تعالى فلما نظر أهل عزاز إلى قسهم وقد أسلم اسلموا عن آخرهم ~~الا قليلا منهم والله أعلم قال الواقدي حدثني عامر بن يحيى عن أسد بن مسلم ~~عن دارم بن عياش عن جده قال لما ms385 أسلم أهل عزاز باسلام قسهم الذي كان ~~معتقدهم عول الفضل ومالك على المسير إلى حلب فقال يوقنا أنا والله ما لي ~~وجه أقابل به المسلمين لأني كنت قلت قولا ودبرت أمرا فلم يتم لي وأني سائر ~~إلى أنطاكية فلعل الله أن يظفرني بالاعداء وينصرني عليهم فقال له الفضل ان ~~الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ليس لك من الامر شيء فلا تحمل ~~قلبك هما فقال ودين الاسلام لا أرجع الا بأمر يبيض الله به وجهي عند اخواني ~~المسلمين فنظر وقد صحبه مائتان من بني عمه ممن قد رسخ في قلوبهم الايمان ~~ولهم عيال وأولاد في حلب فاخذهم يوقنا وسار يريد أنطاكية فلما قرب من ارضها ~~أخذ منهم أربعة وأمر الباقي أن يتعوقوا خلفه أربعة أيام ثم يأتوا كأنهم ~~هاربون من العرب ليتم ما دبره في خاطره وسار هو والأربعة على طريق حارم ~~والباقي على طريق أرناح وقال لهم الميعاد بيننا أنطاكية ففعلوا ذلك وساروا ~~وسار هو إلى أن اشرف على دير سمعان المشرف على البحر فوجد هناك خيلا ورجالا ~~يحفظن الطرقات فلما رأوا يوقنا والأربعة معه بادروا إليهم واستخبروهم عن ~~حالهم فقال لهم يوقنا أنا صاحب حلب وقد هربت من العرب فوكل بهم صاحب الدرك ~~جماعة وأمرهم ان يسيروا بهم إلى الملك فأخذتهم الخيل وأتوا بهم اليه فوجدوه ~~في كنيسة الفتيان يصلي فوقفوا حتى فرغ من صلاته فاوقفوا يوقنا بين يديه ~~وقالوا أيها الملك ان بطرس صاحب الحرس الذي عند دير سمعان قد وجه بهذا ومن ~~معه إليك ويزعم أنه صاحب حلب فلما سمع هرقل ذلك قال له يا يوقنا ما الذي ~~اتى بك وقد بلغني أنك دخلت في دين العرب فقال أيها الملك لقد بلغك الحق ~~وذلك اني ما أسلمت الا لمكيدة القوم حتى أتخلص من شرهم ومن كراهة منظرهم ~~ونتن رائحتهم واني قلت PageV01P280 # لهم اسلم إليكم حصن عزاز واقتل صاحبها واخذت منهم مائة سيد من ساداتهم ~~وسرت بهم وأمرت أن ينفذ ورائي الف حتى إذا صاروا ms386 داخل الحصن اقبض عليهم ~~وأرسلهم إليك فعجل دراس علي ولم يفهم ما أضمرته ووثق بكلام جاسوسه ولم يثق ~~بكلامي فقبض علينا فأتت العرب ووضعت السيف في أهلها وذلك أن لوقا قتل أباه ~~رجل من العرب وأنا من جملتهم فلما اشتغلوا بالقتال والنهب هربت انا وهؤلاء ~~الأربعة وجئنا إليك ولولا محبتي في ديني ما كنت قتلت أخي يوحنا وصبرت على ~~قتال العرب وحصارهم سنة كاملة قال الواقدي فاعانته البطارقة والملوك الذين ~~كانوا حاضرين وقالوا صدق يوقنا أيها الملك وسيظهر لك فعله وعمله وجهاده ~~فانبش وجه الملك لذلك وخلع عليه من لباسه الذي هو عليه وسوره ومنطقه وتوجه ~~وقال له أن كانت حلب أخذت منك فاني وليتك على أنطاكية وأعطاه وظيفة دمستقها ~~وسكندرها يعني واليها قال الواقدي فسمع يوقنا له ودعا له فبينما هو كذلك إذ ~~أتى اليه الموكل بجسر الحديد واخبر الملك انه قد قدم عليهم مائتا بطريق من ~~فرسان حلب وهم يزعمون أنهم من بيت واحد من الرومية من بني عم يوقنا وانهم ~~قد هربوا من العرب فلما سمع ذلك قال ليوقنا أيها الدمستق والكندر قم واركب ~~وأشرف على هؤلاء القوم فان كانوا من بني عمك فأهل بهم وضمهم إليك ليكونا ~~عسكرك وان كانوا غير ذلك فات بهم لأرى فيهم ما أرى وإياك أن يكونوا من قبل ~~العرب ممن رجع إلى دينهم من أهل سيجر وحماة والرستن وجوسية وبعلبك ودمشق ~~وحوران فقال نعم أيها الملك فركب وركبت معه الفرسان من الملكية والسريرية ~~وأتوا إلى جسر الحديد وأمر أصحاب الدرك أن يأتوا بالمائتين فلما رآهم يوقنا ~~رحب بهم ونظروا اليه وهو في ذلك الزي والحشمة وخلعة الملك عليه فترجلوا ~~وقبلوا ركابه فقال لهم كيف خلصتم من أيدي العرب فقالوا أيها السيد أننا ~~خرجنا منع أمير من أمرائهم وأغرنا على منبج وبزاعة فلما رجعنا نريد حلب ~~أخذنا على عزاز فوجدناهم قد ملكوها فلما كان الليل تركناهم وأتينا قال ~~الواقدي وهذا كله وحجاب الملك يسمعون فلما حضروا أخبروا الملك بذلك ودخل ~~يوقنا بهم ms387 على الملك فخلع عليهم وأنزلهم وأمرهم أن يكونوا في خدمة يوقنا ~~وأعطاه دارا بإزاء قصره فقال يوقنا أيها الملك أنت تعلم أن هذه الدار لا ~~يدوم نعيمها وأن السيد المسيح شبهها بالجيفة وطلابها بالكلاب يتجاذبونها ~~كما روى عن المسيح أنه رأى طائرا حسنا مزينا بكل زينة فنزع جلده فرآه أقبح ~~ما يكون منظرا فقال له من أنت قال اناالدنيا ظاهري مليح وباطني قبيح وإنما ~~ضربت لك هذا المثل أيها الملك لتعلم أنه ما خلا جسد من حسد وإذا أقبلت ~~الدنيا على أحد كثرت حساده وأنا أخاف من الحساد أن يتكلموا في عند الملك ~~ويرموني بالبهتان وبما لا أفعله فان PageV01P281 # كان الملك ينفر مني فليول هذه الوظائف غيري وانا ما أبرح على ركابك ثم ~~إنه بكى فقال له الملك أيها الدمستق ما وليتك هذا الامر الا وقلبي وخاطري ~~وأثق بك من تكلم فيك بشيء سلمته إليك تفعل به ما تريد فشكره يوقنا وأراد ~~الخروج إلى وظيفته التي ولاه إياها وإذا بخيل البريد قد أقبلت من مرعش وهم ~~رسل ابنته زيتونة وانها خائفة من العرب وهي تريد القدوم عليك حتى ترى ما ~~يؤول من الامر وانها تسألك أن ترسل لها جيشا يوصلها إليك فلما سمع الملك ~~ذلك قال ليس لهذا الامر الا الدمستق يوقنا فقبل الأرض وقال السمع والطاعة ~~لامرك فضم اليه الف فارس ومائتين من أصحابه من المدبجة والقياصرة قال ~~الواقدي فسار بالألفين والمائتي فارس وقد رفع الصليب فوق رأسه وجنبت ~~الجنائب وعليها الرخوة المذهبة وسار يجد السير إلى أن وسل إلى مرعش وأخذ ~~زيتونة بنت هرقل وهي الصغرى وكان الملك قد ولاها على تلك البلاد وزوجها ~~بنوسطير بن حارس وكانوا يسمونه سيف النصرانية لشجاعته وكان قد قتل على ~~اليرموك من جراحات اصابته قال الواقدي فلما اخذ يوقنا ابنة الملك وعاد يطلب ~~بها أنطاكية اخذ على الجادة العظمى لعله يلقي أحدا من جواسيس المسلمين أو ~~يرى معاهدا فيرسله ليعلم أبا عبيدة انه قد تمكن من الملك ومن البلد فلما ~~وصل مرج ms388 الديباج وكان ليلا وإذا بخيله التي على مقدمته قد أتته وهم مذعورون ~~فقال لهم ما بالكم فقالوا له أيها السيد الدمستق ان هناك عسكرا نازلا ~~فقربنا منهم فإذا هم عرب وهم نيام ولا شك انهم مسلمون فقال لهم خذوا أهبتكم ~~وأيقظوا خواطركم وانصحوا لدينكم وجاهدوا عدوكم وقاتلوا عن ابنة الملك ولا ~~تسلموها إلى أعدائها وكونوا خير جند قاتل عن نعمة صاحبه وإذا تمكن الحرب ~~بيننا وبينهم فاعتمدوا على الأسر وإياكم والقتل واعلموا ان العرب وأميرهم ~~لا بد لهم ان يقصدوا الملك ومن معه فان أسروا منا أحدا يكن عندنا الفداء ~~فقد وجدت في كتاب حرفناس الحكيم ان من نظر في عواقب زمانه توشح بوشاح أمانه ~~ومن أهمل أمره خاف حذره ومن أكثر الغدر حل به الامر سيروا على بركة الله ~~قال الواقدي فشرعوا الأعنة وقوموا الأسنة وقصدوا ذلك العسكر فلما أحسوا بهم ~~بادروا إليهم واستقبلوهم وهم ينادون بعيسى بن مريم والصليب المفخم من أنتم ~~فقال لهم يوقنا ومن أنتم فقالوا نحن أصحاب جبلة بن الأيهم فلما سمع يوقنا ~~ذلك ترجل عن دابته وسلم عليه وسلمت العرب المتنصرة على الروم فقال جبلة من ~~أين جئتم فقال له مرعش ومعي ابنة الملك وأنتم من أين جئتم فقال جبلة من ~~العمق وقد أتينا بميرة أهلها فلما رجعت ووصلت إلى مرج دابق لقيت كتيبة من ~~فرسان المسلمين وهم زيادة عن مائتي وهم لابسون زينا فلما وصلنا إليهم ~~ابتدرونا PageV01P282 # بعزم شديد وحرب عتيد وإذا مقدمهم لا يصطلي له بنار فلقد أباد منا رجالا ~~وجندل منا ابطالا ونحن في ألفي فارس وهم مائتان وكان فينا كالنار المحرقة ~~فما زلنا نقاتلهم حتى أسرناهم بعدما قتل الفارس منهم الفارس والاثنين ~~والثلاثة منا وبقي أميرهم إلى آخر الناس فقصدنا جواده بالسهام حتى قتلناه ~~ووقع فهجمنا عليه وأخذناه أسيرا فإذ هو من أصحاب محمد وهو ضرار بن الأزور ~~ونحن قاصدون بهم إلى الملك هرقل ليرى فيهم رأيه فاظهر لهم يوقنا الفرح وقال ~~وحق ديني لقد فزت بالفخر بأسرك لهؤلاء وهذا ms389 الغلام فلقد بلغني عنه ما فعل ~~بأبطال الشام وفرسان الروم ثم سار القوم جميعا يطلبون أنطاكية قال الواقدي ~~حدثني الشريد بن عاصم عن شروان بن مجزل عن قادم ابن بشر عن زائدة بن معمر ~~قال حدثنا بشار عن عوف عن صالح عن عبد الله عن جده مسروق قال المؤلف وحدثني ~~هذا الحديث عباد بن عاصم عن عمران بن حصين قال لما فتح المسلمون حصن عزاز ~~وترك مالك الأشتر عليها سعيد بن عمرو الغنوي والتقى بالفضل بن العباس ورجعا ~~بالغنائم إلى حلب استبشر أبو عبيدة بسلامة الناس وبفتوح عزاز فسأل مالكا عن ~~يوقنا فحدثه فيما بينه وبينه سرا وأنه قصد أنطاكية ليدخل على كلب الروم ~~بحيلة ولم يكن له وجه يعود إليك به فقال أبو عبيدة الله ينصره ويظفره ويغفر ~~له فلقد ظهر لنا منه ما لم يكن لنا في حساب ثم إنه كتب إلى عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من أبي عبيدة عامر بن ~~الجراح إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا ~~إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد فان الله ~~سبحانه له المنة علينا التي يستوجب بها الحمد من جميع المسلمين إذ فتح ~~علينا مستصعب قلاع الكفر وحصونه وأذل لنا ملوكهم وأورثنا ارضهم وديارهم وان ~~سبحانه قد فتح علينا قلعة حلب وأردفها بحصن عزاز وأن البطريق يوقنا صاحب ~~حلب قد أسلم وحسن اسلامه وقد صار عونا للمسلمين على الكافرين من بعد ما ~~قاسينا منه ما الله عالم به فالله يجازيه فلقد نصر الله به الدين ونصح ~~للمسلمين وأباد المشركين وقد دخل أنطاكية يدبر حيلة على كلب الروم وقد ألقى ~~بنفسه إلى الهلاك في طاعة الله ورسوله ولقد كتبت هذا الكتاب ونحن معولون ~~على المسير إلى أنطاكية نقصد طاغية الروم فما بقي حصن سواه لأعدائنا قريبا ~~منا ونحن طامعون في أخذه وأخذ سريره وكنوزه كما وعدنا رسول الله صلى الله ms390 ~~عليه وسلم فزودنا بالدعاء منك فإنه سلاح المؤمنين ودمار الكافرين والسلام ~~عليك وعلى من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته ثم إنه أخرج الخمس وسلمه ~~إلى رباح بن غانم اليشكري وضم إليه مائتي فارس من المسلمين فيهم قتادة ~~وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن بشار وجابر بن عبد الله ومثل هؤلاء رضي الله ~~عنهم فأخذوا الخمس وساروا ثم أن أبا عبيدة دعا بضرار بن الأزور وضم اليه ~~مائتي فارس وأمره أن يشن الغارة فركب ضرار PageV01P283 # وكان معهم سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزل ضرار سائرا ~~هو ومن معه ومعهم رجال من المعاهدين يدلونهم على الطرق حتى وصلوا إلى مرج ~~دابق وكان وقت السحر فقال لهم المعاهد ارفقوا على خيولكم فنزلوا وأراحوها ~~بقية يومهم وليلتهم حتى إذا كان وقت السحر فما شعروا الا وجبلة كبسهم فلما ~~وقع الصياح ركب ضرار وركب معه نحو مائة فارس وأما المائة الأخرى فقد دهمتهم ~~خيول المتنصرة فلم يتمكنوا من الركوب فقاتلوا رجالا فنفرت خيولهم ووصل ~~إليهم عدوهم حتى أنه قتل كل واحد خصمه وتكاثرت عليهم الخيل فأسروا المائة ~~وأما ضرار فإنه صاح بالمائة الثانية وقال يا فتيان العرب أن أعداءكم قد ~~هاجموكم على حين غفلة منكم وهم عرب مثلكم وهذه أفضل الساعات عند الله فقووا ~~عزمكم ولا تفشلوا فأنتم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجنة تحت ~~ظلال السيوف وقد قال الله تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين قال ميسرة بن عامر وكان من جملة من حضر معنا في مرج دابق ~~ربيعة بن معمر بن أبي عوف وهو ابن عمر بن ربيعة الشاعر وكان ربيعة من فصحاء ~~العرب لا يتكلم الا بالسجع كلامه ينظم بحسن مقاله وكنا نصغي اليه إذا سجع ~~ونحفظ منه فلما سمع ضرارا وهو يحرضنا قال يا فتيان العرب لن تنالوا الجنة ~~الا بالصبر على المكاره والله لن يدخلها من هو للجهاد كاره * ولله في عرض ~~السماوات جنة * ولكنها ms391 محفوفة بالمكاره * وأعلى الدرجات درجة الشهادة ~~فارضوا علم الغيب والشهادة فهذا الجهاد قد قام على ساقه وكسد النفاق في ~~أسواقه واختفى بنفاقه في انفاقه أما أنتم أصحاب نبي العصر ولم يئستم من ~~الثبات والنصر بشروا روح المصطفى بثباتكم وقووا العزم بصفاء نياتكم وإياكم ~~ان تولوا الادبار فتستوجبوا غضب الجبار واعلموا ان النصر والثبات جندان ~~منصوران فمن طلب دار البقا هان عليه الملتقى فصححوا طلبتكم تنالوا رحمة ~~ربكم وحققوا حملتكم تنالوا بغيتكم واطعنوا النحور تنالوا الحور وتسكنوا ~~القصور وقوموا الأسنة تنالوا الجنة واعتمدوا على الصبر تنالوا النصر وإياكم ~~ان توافقوا الكفار في حالهم واعدلوا عن طريق قولهم قال العالم بحالهم ~~وفعلهم * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~كما استخلف الذين من قبلهم) * قال سمرة ابن غانم والله لقد دهشت أنفسنا ~~بقوله وحملنا على المتنصرة وضرار ينشد * الا فاحملوا نحو اللئام الكواذب * ~~لترووا سيوفا من دماء الكتائب * وردوا عن الدين المعظم في الورى * وأرضوا ~~اله العرش رب المواهب * فمن كان منكم يبتغي عتق ربه * من النار في يوم ~~الجزا والمآرب * فيحمل هذا اليوم حملة ضيغم * ويرضي رسولا في الورى غير ~~كاذب * قال الواقدي ثم حمل ضرار ونحن من ورائه وبذلنا نفوسنا وروينا سيوفنا ~~PageV01P284 # ورماحنا من المتنصرة وجرى الحرب بما لا يوصف وضرار فيهم كأنه النار في ~~الحطب اليابس وجبلة بن الأيهم يتعجب من حملاته وضرباته فأمر قومه ان يقصدوا ~~جواده بسهامهم ففعلوا ذلك فانصرع الجواد ووقع ضرار فتكاثروا عليه وأخذوه ~~أسيرا وأخذوا بقية أصحابه وساروا يريدون أنطاكية فالتقوا بيوقنا وابنة ~~الملك كما ذكرنا قال الواقدي ولقد حدثني معمر بن رواحة عن القاسم عن خزامة ~~بن عمرو وعن أبي المنذر أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ~~حرب ضرار بن الأزور أسيرا فلما كان الليل انطلق هاربا يلتمس الوصول إلى أبي ~~عبيدة فإذا هو بأسد عارضه فقال سفينة يا ابا الحرث أنا مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان من أمري كيت وكيت فقرب ms392 منه وهو يبصبص بذنبه حتى وقف ~~إلى جانبه وأشار اليه برأسه 8 أن سر فسرت وهو إلى جانبي حتى أتى بي إلى بلد ~~من صلحنا فتركني ومضى قال الواقدي فلما وصل سفينة الجيش حدث الناس باسر ~~ضرار ومن معه فصعب ذلك على المسلمين وبكى أبو عبيدة وخالد بن الوليد على ~~أسرهم وقالا لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وبلغ ذلك أخته خولة ~~فقالت أنا لله وأنا اليه راجعون يا بن أمي ليت شعري في السلاسل أوثقوك أم ~~بالحديد قيدوك أم في البيداء طرحوك أم بدمائك خضبوك وأنشدت تقول * الا مخبر ~~بعد الفراق يخبرنا * فمن ذا الذي يا قوم اشغلكم عنا * فلو كنت أدري انه آخر ~~اللقا * لكنا وقفنا للوداع وودعنا * الا يا غراب البين هل أنت مخبري * فهل ~~بقدوم الغائبين تبشرنا * لقد كانت الأيام تزهو لقربهم * وكنا بهم نزهو ~~وكانوا كما كنا * الا قاتل النوى ما أمره واقبحه ماذا يريد النوى منا * ~~ذكرت ليالي الجمع كنا سوية * فقرقنا ريب الزمان وشتتنا * لئن رجعوا يوما ~~إلى دار عزهم * لئمنا خفافا للمطايا وقبلنا * ولم انس إذ قالوا ضرار مقيد * ~~تركناه في دار العدو ويممنا * فما هذه الأيام الا معارة * وما نحن الا مثل ~~لفظ بلا معنى * أرى القلب لا يختار في الناس غيرهم * إذ ما ذكرهم ذاكر قلبي ~~المضنى * سلام على الأحباب في كل ساعة * وان بعدوا عنا وان منعوا منا * قال ~~الواقدي ولقد بلغني عن واصل بن عوف أنه قال اجتمعت النساء من العربيات ممن ~~كان لهم أسير مع ضرار عند خولة ومن جملتهم مزروعة بنت عملوق الحيرية وكانت ~~من فصحاء زمانها وكان ولدها صابر بن أوس فيمن أسر مع ضرار فجعلت تندب ولدها ~~وتقول * أيا ولدي قد زاد قلبي تلهبا * وقد أحرقت مني الخدود المدامع * وقد ~~أضرمت نار المصيبة شعلة * وقد حميت مني الحشا والاضالع * PageV01P285 # * وأسأل عنك الركب كي يخبرونني * بحالك كيما تستكن المدامع * فلم يكن ~~فيهم مخبر عنك صادقا * ولا منهم من قال إنك راجع * فيا ولدي ms393 مذ غبت كدرت ~~عيشتي * فقلبي مصدوع وطرفي دامع * وفكري مقسوم وعقلي موله * ودمعي مسفوح ~~وداري بلاقع * فان تك حيا صمت لله حجة * وان تكن الأخرى فما العبد صانع * ~~فقالت لهم سليمى بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وكانت من الزاهدات ~~العابدات أبهذا أمركن الله انما امركن بالصبر ووعدكن على ذلك الاجر أما ~~سمعتن ما قال الله سبحانه وتعالى * (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) * ~~فاصبرن تؤجرن فسكتن عن البكاء قال الواقدي ولما ورد الخمس على أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكتاب أبي عبيدة مع رباح بن غانم ~~اليشكري وقع الصائح في المدينة بقدومه فاجتمع الناس إلى المسجد ليسمعوا ما ~~تجدد من أمر المسلمين فلما دخل رباح المسجد بدأ بالسلام على قبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى قبر أبي بكر وصلى ركعتين وأتى عمر وقبل يده وعرض ~~عليه الكتاب فقرأه على المسلمين فضجوا بالتهليل والتكبير وصلوا على البشير ~~النذير واخذ الخمس وكتب إلى أبي عبيدة يأمره بالمسير إلى أنطاكية ولا يصده ~~عن ذلك شيء ورد الجواب مع رباح اليشكري قال الواقدي أخبرني مازن بن عبد ربه ~~عن مالك بن أسيد عن جده مروان بن الجرير ان الجواب لما ورد على أبي عبيدة ~~سار من يومه يطلب أنطاكية قال وأما ما كان من أمر يوقنا رحمه الله تعالى ~~وجبلة بن الأيهم لعنه الله فإنهم ساروا إلى أنطاكية وسبق البشير إلى الملك ~~هرقل بقدوم ابنته مع يوقنا وقدوم يوقنا ومعه المائتا أسير من المسلمين فأمر ~~بتزيين البلد والبيع فأظهرت الروم زينتها ودفعت الصدقات إلى الفقراء وأخرج ~~موكب الروم إلى لقائهم مع ابن أخيه في زينة عظيمة ودخل القوم وهم في زيهم ~~وحشمهم وكان يوما مشهودا وقد ترجلت الملكية والسريرية بين يدي ابنة الملك ~~وخرج كل من بأنطاكية وقدموا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامها وهم ~~مشدودون والروم تشتمهم وتبصق عليهم وقد ms394 دارت بهم الرجال والبطارقة ودخلت ~~ابنة الملك إلى قصر أبيها قال الواقدي ودخل جبلة بن الأيهم يوقنا على الملك ~~فخلع عليهما وعلى كبار أصحابهما ثم أنهم احضروا الصحابة وأوقفوهم بين يديه ~~وهم في الحبال فلما وقفوا صاحت بهم الحجاب اسجدوا إلى الأرض تعظيما للملك ~~فلم يلتفتوا إلى قولهم ولا اعتنوا به فقال لهم الحاجب الكبير ما منعكم ان ~~تعظموا الملك بالسجود بين يديه فقال لهم ضرار لا يحل لنا أن نسجد لمخلوق ~~وقد نهانا نبينا صلى الله عليه وسلم عن ذلك PageV01P286 # قال الواقدي حدثني سهل بن برقان رضي الله عنه عن السائب بن جازم عن الحكم ~~بن مازن قال لما وقف ضرار والصحابة بين يدي هرقل خاطبهم من غير ترجمان ~~وأراد الملك أن يسمع بطارقته وحجابه بما كان يحدثهم به حين بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم وذلك أنه جمعهم اليه لما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد ظهر وقال هذا هو النبي المبعوث الذي بشر به عيسى بن مريم وهو صاحب الوقت ~~ولا بد لدينه أن يظهر حتى يملأ المشرق والمغرب ثم إن هرقل دعاهم لاداء ~~الجزية فأرادوا قتله فأراد ذلك اليوم ان يبين لهم حقيقة قوله وانه أراد ~~بذلك الاصلاح لهم ولجالهم فقال لضرار ومن معه من يخاطبني منكم عما أسأله من ~~العلم فأشاروا إلى قيس بن عاصم الأنصاري رضي الله عنه وكان شيخا معمرا وكان ~~شاهد جميع أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وغزواته فلما ~~أشاروا اليه قال للملك قل ما أنت قائل أيها الملك قال هرقل كيف نزل علي ~~نبيكم الوحي أول مبتدأ أمره فقال قيس ابن عاصم سأل هذا السؤال لنبينا صلى ~~الله عليه وسلم رجل من مكة يقال له الحرث بن هشام فقال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني ~~أحيانا مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فينفصم عني وقد وعيت عنه وأحيانا ~~يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما ms395 يقول قال قيس ولقد كان ينزل عليه في ~~اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وان جبينه ليرفض عرقا فأول ما بدىء به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى ~~رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء ~~فيتحنث فيه أي يتعبد الليالي ذوات العدد فلم يزل كذلك حتى جاءه الملك وقال ~~له اقرأ فقال لست بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني وقال ~~لي أرسلي اقرأ فقلت ما أنا بقاريء فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم ~~أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرا وربك الأكرم ~~الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يرجف بهافؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني ~~زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فأخبر خديجة وقال لها لقد خشيت على نفسي ~~فقالت له خديجة كالا لا يخزيك الله أبدا أنك تصل الرحم وتحمل الكل وتكسب ~~المعدوم وتقوي الضعيف الضعيف وتعين على نوائب الدهر والحق وذكر الحديث ~~بطوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من ~~السماء فرفعت بصري فإذا أنا بالملك الذي جاءني بحراء وهو جالس على كرسي بين ~~السماء والأرض فخشيت منه رعبا فرجعت إلى خديجة فقلت دثروني دثروني فأنزل ~~الله تعالى يا أيها المدذر قم فأنذر الآية ثم حمى الوحي وتتابع ولقد كنت ~~معه يوما في المسجد إذ دخل رجل ومعه بعير له فأناخه بالباب وعقله ودخل وقال ~~السلام عليكم فرددنا عليه السلام فقال أيكم محمد فقلنا هذا الأبيض الوجه ~~فقال له الرجل يا ابن عبد المطلب قد أتيت أسألك مشددا عليك فلا تجد علي في ~~نفسك فقال له سل PageV01P287 # عما بدا لك فقال بربك ورب من قبلك الله أرسلك إلى الناس كلهم كافة قال ~~اللهم نعم قال أنشدك بالله الله أمرك أن تصلي ms396 الصلوات الخمس في اليوم ~~والليلة قال اللهم نعم قال أنشدك بالله الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من ~~السنة فقال اللهم نعم فقال أنشدك بالله الله أمرك ان تأخذ هذه الصدقة من ~~أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا فقال اللهم نعم فقال الرجل آمنت بما جئت به ~~وأنا رسول من ورائي من قومي أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر فقال ~~هرقل بحق دينك ما الذي رأيت من معجزاته قال كنت معه في سفر فأقبل اليه ~~أعرابي فدنا منه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أتشهد ان لا إله إلا ~~الله وأني محمد رسول الله قال الاعرابي ومن يشهد بما تقول فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذه الشجرة ثم إن النبي صلى اللهعليه وسلم دعا الشجرة وهي ~~بشاطىء الوادي فأقبلت اليه وهي تخط الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاث ~~مرات فقالت أنت محمد رسول الله ثم أمرها فرجعت إلى منبتها فقال هرقل أنا ~~نجد في كتابنا ان الرجل من أمته إذا عمل السيئة كتبت عليه واحدة وان عمل ~~الحسنة كتبت له عشرا قال قيس بن عاصم هذا في كتابنا قال الله تعالى * (من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) * فقال ~~هرقل أعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى المسيح هو الشاهد ~~على الناس يوم القيامة فقال قيس هوة نبينا قال الله تعالى في كتابه العزيز ~~يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الآية أما شهادته في ~~العقبي فهو قول ربنا في كلامه القديم وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فقال هرقل ~~ان الذي وصفته لك هو الذي يأمر العباد أن يمضوا اليه في حياته ويصلوا عليه ~~في حياته وبعد وفاته فقال قيس هو نبينا صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ~~في كتابه العزيز ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما قال هرقل ان الذي وصفه المسيح يعرج به ms397 إلى السماء ~~ويخاطبه العلي الاعلى فقال قيس هو والله نبينا صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تعالى في حقه سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى قال الواقدي وكان في ذلك الوقت بترك الروم وهو رأس دينهم جالسا ~~يستمع هذا الكلام فالتفت هذا البترك إلى الملك وقال له أيها الملك ان الذي ~~ذكره عيسى لم يبعث بعده ولا قبله بل هي تآويل كاذبة فقال ضرار بن الأزور ~~كذبت في وجهك وكذبت هذه اللحية الملعونة المخزية يا كلب الروم أنت من ~~أمثالك من يكذب عيسى عليه السلام وينكر بعث نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ~~أما تعلم أن عيسى قرأه في الإنجيل وموسى قرأه في التوراة وقرأه داود في ~~الزبور وان نبينا المبعوث بخير الأديان المشهود له بالنبوة والرسالة في ~~كتاب الله العزيز وجميع الكتب المنزلة على الأنبياء من قبله وهو نبينا محمد ~~بن عبد الله بن عبد المطلب المكي ولكن حجاب الكفر منعكم عن معرفته فلما أن ~~سمع هرقل من ضرار هذا الكلام قال له لقد أسأت الأدب في المجلس إذ خرجت ~~PageV01P288 # واحدة يطلبون جيش الموحدين وقد تركوا عزهم وفارقوا دينهم فلما قربوا من ~~جيش المسلمين ظهر لهم يوقنا وبنو عمه المائتان فقال يوقنا لفلنطانوس أيها ~~الملك عولت على أن تكبس المسلمين فقال لا والقديم الأزلي وانما أنا قاصد ~~إليهم وداخل في دينهم وملتهم وأكون من جملتهم فمن نظر إلى الدنيا بعين ~~الفناء عمل للآخرة فما الذي يمنعك يا يوقنا مما نحن عولنا عليه فقال يوقنا ~~أيها الملك لقد جذبك جاذب الحق عن طريق الضلال ثم إنه حدثه بحديثه وانه ~~عازم على أن يغدر بالروم فقبله فلنطانوس وفرح بمقالته وقال له كيف تقدر على ~~ذلك وما أرى معك الا نفرا يسيرا فقال أيها الملك ان في داخل بيتي مائتين من ~~المسلمين من أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام عشرين ألفا ~~من الروم ولقد رأيت أن تعود أنت وقومك ولا تستعجل ونبعث رجلا إلى ms398 أمير ~~المسلمين يخبره بما نحن معولون عليه فإذا كان غدا تقف أنت وجيشك حول الملك ~~هرقل وأدخل أنا البلد وأطلق المائتي أسير وأعطيهم سلاحا ويحمل جيش العرب ~~وتحمل أنت وعسكرك على مركب هرقل وتقصده بنفسك فتقبض عليه وتكون قد جاهدت ~~وأسير أنا ومن معي في داخل البلد فنملكها إن شاء الله تعالى وان أردت ان ~~ترجع إلى دار ملكك ويكون أمرك مكتوما علينا فحول أمر جيشك لمن تثق به من ~~بني عمك قال فلنطانوس ما فعلت هذا ولي نية في ملكي ولا في ملك الدنيا بل ~~إذا قضى هذا الامر ونصر الاسلام قصدت مكة فأحج وأزور قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم أرجع إلى بيت المقدس فأقيم فيه إلى أن أموت فمن يذهب إلى أمير ~~العرب برسالتي ويخبرهم بما قد عولنا عليه فقال له يوقنا أعلم ان لهم عندنا ~~عيونا وجواسيس ممن هو تحت ذمتهم وأنا أعلمهم بما قد وقع قال فبينما هم في ~~الكلام تحت ستر الليل وإذا بشيخ قصد اليهما فتأمله يوقنا فإذا هو عمرو بن ~~أمية الضمري ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم على يوقنا وعلى من معه ~~وقال ليوقنا ان الأمير أبا عبيدة يقول لك جزاك الله خيرا عن الاسلام وانه ~~رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما كان من أمر صاحب ~~رومية وما تحدثتما به وما وقع له مع قومه وما عزمتم عليه وبشره بأن الله قد ~~غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقد تفتح أنطاكية ويزول عز الروم عنها ~~وينتزع ملك صاحبها قال الواقدي فتهلل وجه فلنطانوس فرحا وأزداد أيمانا وقال ~~الحمد لله الذي هدانا للاسلام والايمان قال الواقدي وذلك أن أبا عبيدة رضي ~~الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقول يا أبا عبيدة ~~ابشر برضوان الله ورحمته وغدا تفتح أنطاكية صلحا وان صاحب رومية المدائن ~~الكبرى قد جرى من أمره كيت وكيت هو ويوقنا صاحب حلب وهما بالقرب منك ms399 فانفذ ~~اليهما بنجاز الامر قال فاستيقظ أبو عبيدة وقص رؤياه على خالد وأنفذ عمرو ~~بن أمية كما ذكرنا قال فلما سمع فلنطانوس ذلك اقشعر جلده وارتعدت فرائصه ~~وقال أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد ان محمدا رسول الله وأشهد أن هذا ~~PageV01P289 # * ولا ضاع عند الله ما تصنعانه * فقد خف عني ما وجدت من الضر * 5 بصنعكما ~~لي نلت خيرا وراحة * كذلك فعل الخير بين الورى يجري * وما بي وأيم الله ~~موتي وانما * تركت عجوزا في المهامة والقفر * ضعيفة حال ما لها من جلادة * ~~على نائبات الحادثات التي تجري * تعودها حب القفار مقيمة * على الشيح ~~والقيصوم والنبت والزهر * وكنت لها ركنا تعد رحاله * وأكرمها جهدي وأن مسني ~~فقري * وأطعمها من صيد كفى أرانبا * من الوحش واليربوع والظبي والصقر * من ~~الضب والغزلان والبهت بعد * مع البقر والوحش المقيمات في البر * وأحمي ~~حماها أن تضام ولم أزل * لها ناصرا في موقف الخير والشر * وأني أردت الله ~~لا شيء غيره * وجاهدت في جيش الملاعين بالسمر * وأرضيت خير الخلق أعني ~~محمدا * لعلي أنال الفوز في موقف الحشر * فمن خاف يوم الحشر أرضى الهه * ~~وقاتل عباد الصليب بني الكفر * كذا جلت يوم الحرب في كل كافر * وجندلته ~~بالطعن في الكر والفر * تقول وقد حان الفرات لحينه * الا يا أخي ما لي على ~~البين من صبر * إلا يا أخي هذا الفراق فمن لنا * بحسن رجوع قادم منك بالبشر ~~* إذا سافر الانسان عن أرض أهله * فاما رجوع أو هلاك مدى الدهر * الا ~~بلغاها عن أخيها تحية * وقولا غريب مات في قبضة الكفر * جريح طريح بالسيوف ~~مشرح * على نصرة الاسلام والطاهر الطهر * الا يا حمامات الأراك تحملي * ~~رسالة صب لا يفيق من السكر * حمائم نجد بلغي قول شائق * إلى عسكر الاسلام ~~والسادة الغر * وقولي ضرار في القيود مكبل * بعيد عن الأوطان في بلد وعر * ~~حمائم نجد اسمعي قول مفرد * غريب كئيب وهو في ذلة الأسر * وان سألت عني ~~الأحبة خبري * بأن دموعي كالسحاب وكالقطر * حمائم نجد خبري الأخت ms400 انني * ~~قتلت بحد المرهفات من البتر * حمائم نجد عددي عند موطني * وقولي ضرار قد ~~يحن إلى الوكر * وقولي لهم اني أسير مقيد * له علة بين الجوانح والصدر * له ~~من عداد العمر عشر وسبعة * وواحدة عند الحساب بلا نكر * وفي خده خال محته ~~مدامع * على فقد أوطان وكسر بلا جبر * مضى سائرا يبغي الجهاد تطوعا * ~~فوافاه أبناء اللئام على غدر * الا فادفناني بارك الله فيكما * الا واكتبا ~~هذا الغريب على قبري * الا يا حمامات الحطيم وزمزم * الا خبرا أمي ودلا على ~~أمري * عسى تسمح الأيام منا بزورة * لقلب غريب لا يرام من الفكر * قال ~~الواقدي لما كتب ابن يوقنا هذه الأبيات كتب أبوه يوقنا إلى أبي عبيدة ~~PageV01P290 # يعلمه بما يريد أن يدبره وسلمه إلى رجل يثق به وبعثه إلى المسلمين قال ~~المؤلف حدثني جابر بن عمران الدوسي ونحن في أرض يقال لها البلاط إذ جاء معن ~~بن أوس من آل مخزوم ولقد تركه أبو عبيدة في المقدمة فجاء برجل من الروم ~~فقال لأبي عبيدة خذ هذا إليك فهو يزعم أنه رسول فاستخبره أبو عبيدة في السر ~~فقال أنا رسول إليك بكتاب فقال ممن قال من يوقنا ومن أسير لكم بأنطاكية ~~يقال له ضرار بن الأزور فأخذ أبو عبيدة الكتاب وقرأه على من يعز عليه فبكوا ~~من أبيات ضرار وبلغ الخبر أخته فأتت أبو عبيدة وقالت يا أمين الأمة اسمعني ~~أبيات أخي فقرأ البعض عليها ولم يتمها فاسترجعت وقالت إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم فوالله لآخذن بثأره إن شاء ~~الله تعالى وحفظ الناس أبيات ضرار وتداولوها بينهم فكان أشد الناس عليه ~~حزنا خالد بن الوليد قال الواقدي حدثنا عبد الملك بن محمد عن أبيه حسان ابن ~~كعب عن عبد الواحد بن عون عن موسى بن عمران اليشكري عن عامر بن يحيى عن أسد ~~بن مسلم عن دارم بن عياش ان أهل حازم فتحوا قلاعا كثيرة وحصونا منها ~~الراوندات وما سواها من قورص وباسوطا ولم ms401 يزل أبو عبيدة سائرا بالمسلمين ~~إلى أن نزل على جسر الحديد وبلغ الخبر هرقل فتمكن الخوف من قلبه وأمر ~~بطارقته بالتأهب للقتال ونصب سرادقاته مما يلي جسر الحديد وضربت الملوك ~~خيامها وفتح الملك هرقل خزائن السلاح وفرقها على رجاله وأبطاله وخلع على ~~يوقنا وقال له أيها الدمستق قد وليتك على جيشي هذا كله فكن أنت مدبره وسلم ~~اليه صليبا كان في بيعة القيسان لا يخرجونه الا في الأيام العظام عندهم ~~وقال له أيها الدمستق قدم هذا الصليب بين يديك واعتمد على نصرته فهو ينصرك ~~فأخذه وسلمه إلى ولده وأمره أن يحمله بين يديه فعندها ركب الملك هرقل إلى ~~كنيسة القيسان ومعه الملوك والحجاب حتى يصلي صلاة النصر فلما وصلوا وصلى ~~الملك جلس وأمر باحضار المائتين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليقربهم قربانا فقبل يوقنا يده وقال له يا عظيم الروم ما ولاك الله على ~~البلاد والعباد الا وقد علم أن عقلك يسع ذلك وقد قال ديسقور الحكيم ان ~~العقل مرقى جليل وصاحبه نبيل لأنه عز الانسان ومصباح الأنام وأعلم أيها ~~الملك أن العرب قد قصدتنا بعددها وعديدها وقد نزلوا على جسر الحديد ولا بد ~~لنا من القتال والمصاف معهم ولا ندري على من تكون الدائرة فان قتلت هؤلاء ~~الاسرى ووقع أحد منا بأيديهم فإنهم لا يبقون عليه والصواب تركهم إلى أن نرى ~~ما يؤول من أمرنا فان أسروا من أصحابنا أحدا أو من أعياننا نفاديه فقال ~~أرباب الدولة صدق الدمستق في قوله قال البترك أيها الملك أحضرهم إلى هذه ~~الكنيسة فإنها أحسن كنائس بلدنا وأمر النساء والبنات يتزين ويحضرن هنا فإذا ~~هم نظروا إلى نسائنا وحسنهن وجمالهن وطيب رائحتهن مالت أنفسهم إليهن ~~فيرجعون إلى ديننا فيكون ذلك وهنا على المسلمين PageV01P291 # قال فأمر بذلك فلما حضروا رفعت القسوس أصواتهم بقراءة الإنجيل فرفع ~~المسلمون أصواتهم بالتهليل والتكبير وقالوا كذب الجاحدون وضلوا ضلالا بعيدا ~~ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله وكان في الاسرى رجل من اليمن ms402 من ~~فضلائهم وعلمائهم ممن علم علم الحميرين وقرأ الكتب السالفة وكان اسمه رفاعة ~~بن زهير يقول الشعر وينظم الكلام وانه لما نظر الكنيسة ملآنة بأهل الكفر ~~ورآهم يعظمون الصلبان ويسجدون للصور قال الله أكبر الله أكبر لا إله إلا ~~الله كذب العادلون عن الله أصحاب الشيطان والا اله الا الله الواحد الرحمن ~~الذي ليس له أب محسوب وانه فرد صمد لا إلى شيء منسوب ليس له ضد ولا ند ولا ~~حد أوجد الموجودات وصور المخلوقات وخلق الكائنات ودبر الأرض والسماوات أول ~~لا افتتاح لوجوده وآخر لا عدم لشهوده لا يموت ولا يفنى ولا يزول ولا يبلى ~~لا شريك له ولا وزير له ولا صاحب له ولا مشير له ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير قال فاضطربت الكنيسة لقوله ومالت القسوس بعكاكيزها اليه فأشارت ~~الحجاب إليهم ان لا يكموه ويتركوه فتفرقوا عنه فقال له الملك هرقل ما اسمك ~~يا أخا العرب قال أيها الملك وما تريد من اسمي ولست من جنسكم فتستخبروني ~~فقال البترك صدق أيها الملك ليس هو من جنسنا ولا له علم ولا خبرة فعلام ~~تسأله انما هو بدوي يعلم بسكنى القفار وصحبة الأشرار والحكمة من بلادنا ~~ظهرت وفي حكمائنا اشتهرت لأنها نبعت من اليونانيين ووعاها جدودنا ~~السريانيون من أين للعرب حكمة يتوارثونها وعلوم يتدارسونها والفضائل كلها ~~من علمائنا والعدل في ملوكنا الإسكندر وبطليموس وموريق ويوسطنيوس وأرمويل ~~وانطاميس وأرجاس وجرجس واسطوس واسطانيس وسارغورس النوصيدي وهو الذي بنى ~~أنطاكية وسفليوس واريسا وكان نبيا ملكا ويلينوس وهو الذي بنى الرها ومنبج ~~واسطبس وكان كاهنا وهو الذي اخبر ملك زمانه انه قد ولد مولود يخاطب الرب ~~ويكون له شأن ونبأ عظيم يهلك على يديه أفلاطون وهو فرعون ومنافسطين الحكيم ~~ومنا فجر العلوم ومنا منتهو وهو الذي بنى رومية الكبرى وباسمه ومناسطاليوس ~~وهو الذي وضع الكتاب الأول الذي فيه حوزة الأرض بجبالها وبحارها وبنائها ~~وصوانها ووصف أمة كل إقليم بألوانها وخواصها ووصف ما في كل إقليم من معدن ~~ذهب أو فضة أو جوهر ms403 وأحصى عيون الأرض جميعها بأسمائها وجبالها وأوديتها ~~وشعابها وغدرانها وعجائبها ومنا ايردروس القلنسب الرومي وهو الذي يقول ~~حشرني الله مع الذين يقال لهم في الميعاد أدبروا مع إبليس وجنوده إلى النار ~~ألم تطهر نفسك أيها المسكين الناظر في كتابي القاري الآبي من ادناس الدنيا ~~وشهواتها المظلمة للنفوس المعوقة للحس الروحاني النوراني ان ترقى إلى عالم ~~عليين فانظر في الحكمة فإنها سلم العالم الروحاني فمن عدمها فقد عدم القرب ~~إلى بارئه ومصوره ومنشئه قال الواقدي انما تكلم البترك بهذا الكلام بين يدي ~~الملك هرقل وهو يظن أنه PageV01P292 # يطعن في العرب ليسمع جبلة بن الأيهم حكمته وكان جبلة وولده حاضرين وكان ~~بين البترك وبينه عداوة سببها أن البترك كان بنى له ديرا عظيما وجعل له ~~عيدا في السنة تقصده الروم من كل مكان بالنذور والأموال والستور والشموع ~~وكان ذلك كله برسم البترك قال فاعطى الملك لجبلة تلك الأرض التي فيها الدير ~~فتغلب جبلة على الدير وبنى حوله مدينة وسماها باسمه وهي جبلة هذه حدثنا ~~سليمان بن عامر عن منصور الجوني قال حجاج بن جريج أخبرني يحيى بن عمارة ابن ~~أبي الحسن قال لما سمع رفاعة بن زهير كلام البترك تبسم من قوله وقال أيها ~~البترك لقد مدحت أقواما ليس لهم إلى الفضل سبيل ولا فيهم فاضل ولا نبيل ولا ~~من وحد الملك الجليل الذي ليس له مثيل ولا عديل وما الفضل الا لولد إسماعيل ~~بن إبراهيم الخليل الذي لهم البيت الحرام وزمزم والمقام والمشعر الحرام ~~ومنهم التبابعة والاقيال والحماة والأشبال الذين ملكوا الأرض في الطول ~~والعرض ومنهم الملك الصعب الإسكندر الذي ملك قرني الأرض ودخل الظلمات ودخل ~~في طاعته أهل الأرض وبلغ مطلع الشمس ومغربها وأذل ملوكها وجعل له منهم جندا ~~وأعوانا وسماه الله ذا القرنين ومنهم سبأ بن يعرب بن قحطان وشداد بن عاد ~~وشديد بن عاد وعمرو ذو الأذقان وهو ابن سكسك والهدهد بن عاد ولقمان بن عاد ~~وشعبان بن إكسير بن تنوخ وعباد بن رقيم وهاديل بن عتبان وكان ms404 يتكلم بالحكمة ~~ومناجاة موسى بن جلهمة بن سياسة بن عجلان بن ياقد بن رخ وثمود بن كنعان ~~ومنا سبأ بن يشجب وهو أول متوج منا ثم ولى بعده حمير ثم منا تبع وهو متوج ~~ومنا وائل بن حمير متوج ومنا عاد بن حمير متوج ومنا بني الله حنظلة ابن ~~صفوان من أهل الرس ومنا نفيل بن عبد المدان بن خشدم بن عبد ياليل بن جرهم ~~بن قحطان بن هود عليه السلام عاش خمسمائة سنة وهو الذي بني المصانع واستخرج ~~الكنوز وقاد الجيوش وورثه الله علم نبيه حنظله بن صفوان وقد ختم الله شرفنا ~~ورفع قدرنا إذ جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منا فنحن السادة وأنتم العبيد ~~حدثنا سفيان عن عبد ربه قال أخبرنا رحيم قال حدثنا الوليد بن زيادة عن حزام ~~ابن حكيم قال بلغني أن هذا الرجل يعني رفاعة بن زهير بن زياد بن عبيد بن ~~سرية الجرهمي كان عالما بأنساب العرب وأخبارهم وملوكهم وكان طالع كتب هود ~~وصالح وحنظله عليهم السلام فلما تكلم بحضرة الملك هرقل بهذا الكلام أراد ~~البترك ان يعجزه بسؤال يلقيه عليه فقال يا ذا الهمم العلية والقرائح الذكية ~~بم تصل القلوب إلى نسيم العقل الروحاني وترقى إلى ملكوت اللاهوت والطيور ~~الخفية الغائبة عن الابصار بالأقطار وترقى في رياضات الألباب المصفاة من ~~الأدناس والأفكار النورانية بصفو اكدار الاخلاف المحيطة بالأفكار من ~~الهياكل الجسمانية فعند الصفو من مفارقة الكدر تعيش الأرواح عيشة الأبد ~~الذي لا يصل اليه انحلال ولا اضمحلال فحينئذ PageV01P293 # يختلط العنصر بالعنصر ويطفو الصفو بالصفو ويرسب الكدر إلى الكدر فقال ~~رفاعة بن زهير ما أصبت أيها البترك في مقالتك فقال ولم قال رفاعة كيف تدل ~~القلوب إلى علام الغيوب وقد حجب عنها صواب المصيب أم كيف يتخلص الصفو من ~~الكدر بغير تهذيب من الكفر وكيف تحلى الافكار من غوامض الاسرار وهي في حجب ~~الاغترار إذا تناهت الأهوال إلى مفازلتها وقربت الهمم من مواضعها وعادت ~~الفكر إلى عناصرها وعادت متحركات الفكر إلى مساكنها وغاليات ms405 الأذهان إلى ~~أماكنها فانحازت الاشكال عن الاشكال بلطف تأثير الهوى فيها وانكبت مشرفة عن ~~هياكلها من أقطار عناصرها قال أيها البترك هذا كلام العرب الذي زعمت أن ~~الحكمة ليست من أخلاقهم ولا تباع في أسواقهم ولقد كان ملك من ملوك اليمن ~~اسمه سيف بن ذي يزن الذي بشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يتكلم بغوامض ~~العلوم الحكمية ووشح بوشاح شكر النعمة ومن جملة ما قال فصيح من فصحائنا ~~اسمه قيس بن ساعدة هذه الأبيات * الا اننا من معشر سبقت لهم * اياد من ~~الحسنى فعوفوا من الجهل * ولم ينظروا يوما إلى ذات محرم * ولا عرفوا الا ~~التقية في الفعل * وفينا من التوحيد والفعل شاهد * عرفناه والتوحيد يعرف ~~بالعقل * نعاين ما فوق السماء جميعها * معاينة الاشخاص بالجوهر المجلى * ~~ونعلم ما كنا ومن أين بدؤنا * وما نحن بالتصوير في عالم الشكل * وانا وان ~~كنا على مركز الثرى * فأرواحنا في عالم النور تستجلي * وما صعدت كي تستريح ~~وإنما * حقيقة ممثول وجلت عن المثل * قال الواقدي قال أبو سعيد حدثنا شيبة ~~بن أبي عبد الله بن عيسى عن لقية بن هند عن عبد الله بن ربيعة قال قلت ~~لرفاعة بن زهير لما خلص من قبضة الروم يا عم كيف كان البترك يفهم ما تقول ~~وتفهم ما يقول فقال يا بني ما رأيت أفصح من اللعين بلسان العربية ولقد سألت ~~عن ذلك من عبد الله يوقنا فقال أما علمت أن ملوك الروم والبطارقة لا يستقيم ~~ملكهم الا أن يتعلموا لسان العربية قال ولما حدث رفاعة المسلمين بمناظرة ~~البترك كتبها كثير من الناس قال الواقدي وكان لرفاعة بن زهير الجرهمي ولد ~~جاهل قال وكان أسر معه قال وكان قلبه يميل إلى الكفر وكان رفاعة يدعو عليه ~~فلما حضر الأسارى في كنيسة القيسان واشتغل رفاعة مع البترك بالمناظرة أقبل ~~ولد عامر يحدق بنظره إلى البيعة وزينتها وصورها وصلبانها ويتأمل نسار الروم ~~وزينتهن فبادر إلى تقبيل الصلبان والاشراك بالرحمن فلما رآه أبوه رفاعة بكى ~~وقال يا ويلك أكفرت ms406 بعد الايمان يا ويلك طردت عن باب الرحمن يا ويلك كفرت ~~بالملك الديان يا طريد القدرة يا من بعد عن الحضرة فيا ولدي ما بكائي على ~~فراقك وانما إذا سلكت أنا في طريق وأنت في طريق إذا مضيت أنت إلى دار ~~الأبالسة وحشرت مع الرهبان والشمامسة PageV01P294 # وتكون في طبقة النار السادسة وأنا أمضي مع محمد إلى دار فيها الأرواح ~~مستأنسة يا بني لا تطلب حياة الدنيا يا بني لا تختر شهوتها على الآخرة ~~واخجلني من فعالك إذا وقفت بين يد العزيز الجبار يا بني لقد فضحت شيبة أبيك ~~إذ كفرت بعالم السر والنجوى يا بني لقد خاب أملي فيك والرجاء يا بني كيف ~~طاب قلبك ان تتبرأ من محمد المصطفى يا بني ممن تطلب الشفاعة غدا يا بني ~~غرتك الحياة فصرت تكفر بالعليم يا بني صرت إلى الشقاء من بعد كونك في ~~النعيم يا بني أما تخشى العذاب في الجحيم أما تستحي من أحمد يوم القيامة ~~أما تعلم أن أباك قد غدا من أجل كفرك في هموم اين المفر إذا دعاك الله في ~~اليوم العظيم ويقول يا عبدي كفرت بواحد فرد يا بني أنت في عيش ذميم أما ~~أبوك فإنه يبقى بعز مقيم أسألك يا ولدي بما قد كان في الزمن القديم من حنوي ~~وتعطفي حال الرضاعة والفطام الا رجعت إلى الذي غطاك بالستر العميم قال فقيل ~~له ان ولدك قد أغلق الباب عليه وأرخى الحجاب فأمر به البترك فحل من الوثاق ~~وأمر به إلى جرن ماء المعمودية فغمسوه فيه ودارت به القسوس والشمامسة ~~وبخروه ووقعت عليه الخلع منن البطارقة والملوك ووهب له البترك مركبا وجارية ~~ومنزلا وضمه إلى عسكر جبلة بن الأيهم ثم قال البترك يا هؤلاء ما منعكم أن ~~تدخلوا في ديننا كما فعل صاحبكم قالوا منعنا من ذلك صحة ديننا وثبات يقيننا ~~وما نحن من الذين يبدلون أيمانهم بالكفر ولو قتلنا فقال لهم البترك طردكم ~~المسيح عن بابه وابعدكم عن جنابه فقال له رفاعة الله يعلم أينا ms407 المطرود ومن ~~هو عن رحمة ربه مبعود فقال هرقل يا معاشر العرب قد وصل الينا ان خليفتكم ~~وأميركم يلبس مرقعة وقد وصل اليه من أموالنا وذخائرنا ما يكل عنه الوصف فما ~~منعه ان يتزيا بزي الملوك فقال رفاعة يمنعه من ذلك طلب الآخرة والفزع من ~~جبار الجبابرة فقال هرقل ما صفة دار أمارته فقال رفاعة مبنية بالطين خالية ~~من الحجاب آنسة بالفقراء والمساكين قال فما بساطه قال العدل والتمكين قال ~~فما سريره قال العقل واليقين قال فما بدلة ملكه قال الزهد والدين قال فما ~~خزائنه قال الثقة برب العالمين قال فمن جنده قال أبطال الموحدين أما علمت ~~أيها الملك أن جماعته قالوا له يا عمر قد ملكت كنوز القياصرة وذللت ~~البطارقة والأكاسرة فهلا لبست ثيابا فاخرة قال أنتم تريدون زينة الحياة ~~الظاهرة وأنا أريد رب الدنيا والآخرة فلما ابدى هذا القول وأضمر أشار اليه ~~منادي القدرة وبشر * (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) * قال ثم إن الملك هرقل أمر بهم إلى ~~السجن الذي هو في كنيسة القيسان وخرج إلى عسكره ليشرف على الخيام فرأى ~~السرادقات قد ضربت لان البطارقة ضربت سرادقاتها عند خيامه ونونيا الملوك قد ~~نصبت بإزاء كل نونية كنيسة من الخشب المدهون بسائر الاصانيع والنواقيس على ~~PageV01P295 # أبوابها وكان زي الروم ذلك وهذه البيع والخشب كانوا يتنافسون فيها وفي ~~صنعتها وتكون معهم في أسفارهم وعساكرهم وطاف هرقل على عسكره جميعه وأراد ~~الدخول إلى أنطاكية وإذا بفوارس تركض اليه فقالت لهم الحجاب وأصحاب السرير ~~ما وراءكم قالوا ملك جسر الحديد منا وقد حصلت العرب منا على داخل الجسر قال ~~فأيقن الملك بزوال ملكه وقال وكيف ملكت العرب الجسر والبرجين وفيها ~~ثلاثمائة من البطارقة الشداد قالوا أيها الملك ان المقدم الذي على الأبراج ~~هو الذي سلمهم قال الواقدي ومن حسن لطف الله بالمسلمين ان صاحب الملك كان ~~في كل يوم يمضي إلى الجسر ويوصي من في البرجين باليقظة والحرس الشديد وانه ~~مضى في ms408 بعض الأيام على عادته فوجدهم يشربون الخمر وليس عندهم حفظ ولا حرس ~~فأخذهم وضرب كبراءهم وهم بقتل مقدمهم ثم أنه أمسك عنه خوف الملك فعمل الحقد ~~في قلوبهم فجاءهم يوقنا في بعض الأيام يتجسس ليدبر فيه حيلة فرآهم حنقين من ~~صاحب الملك فسألهم فأنكروا منه فقال لهم اطلعوني على خبركم فقالوا له ~~أتعطينا منك أمانا فأعطاهم فقالوا نحن نسلم هذا الجسر للعرب فلما صح عنده ~~ذلك قال لهم ما مرادكم قالوا نأخذ أمانا من المسلمين فقال يوقنا أنا أكتب ~~لكم كتابا إلى أميرهم بأن يعطيكم أمانا وان دخلتم في دينهم فهو خير لكم ~~فقالوا له وكيف أنت دخلت في دينهم ثم رجعت فقال حاش الله وانما أتيت أدبرهم ~~على تسليم أنطاكية لهم فلما صح عندهم ذلك قالوا ونحن نسلم إليهم الجسر فلما ~~وافقهم على ذلك كتموا أمرهم فلما قدم المسلمون مضى إليهم صاحب الجسر من غير ~~أن يعلم به أحد وأخذ له ولمن معه أمانا وناوله كتاب يوقنا ففرح المسلمون ~~بذلك بأن يأخذوا جسر الحديد من غير قتال فأعطوا للمقدم أمانا فلما وصل عسكر ~~المسلمين إلى الباب الذي على الجسر فتح لهم فدخلوا فلما سمع هرقل بذلك أمر ~~الناس أن يتأهبوا للحرب قال ففعلوا ذلك قال الواقدي حدثنا ياسر بن عبد ~~الرحمن عن منازل بن نزاف الصيدلاني وكان أعرف الناس بفتوح الشام قال بلغني ~~أنه لما صار المسلمون بأرض أنطاكية قال أبو عبيدة لخالد يا أبا سليمان قد ~~صرنا بأرض أنطاكية بلد كلب الروم والساعة يأتينا عسكره فما ترى من الرأي ~~قال خالد ان الله قال * (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) * الآية فأمر ~~أصحابك أن يتأهبوا ويظهروا زينة الاسلام وقوة الايمان وسير كل أمير بجيشه ~~ولتكن الكتائب والمواكب يتلو بعضها بعضا قال ففعل أبو عبيدة ذلك وأول من ~~سير سعيد بن زيد أحد العشرة ومعه ثلاثة آلاف فارس فيهم المهاجرون والأنصار ~~وجعله على مقدمة الجيش وسير وراءه رافع بن عميرة الطائي ومعه ألف فارس وسير ~~وراءه ميسرة بن مسروق ms409 العبسي في ثلاثة آلاف فارس وسار وراءه خالد في جيش ~~الزحف وسار وراءهم أبو عبيدة في بقية العسكر وكان معه عمرو بن PageV01P296 # معد يكرب الزبيدي وذو الكلاع الحميري وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله ~~بن عمر وابان بن عثمان ابن عفان والفضل بن العباس وأبو سفيان صخر بن حرب ~~وراشد بن ضمرة وسعيد بن رافع وزيد ابن عمرو ومثل هؤلاء السادات وراءهم ~~النساء اللاتي لهن الاسرى وفيهم خولة بنت الأزور وعفيرة ابنة عفان ومروعة ~~ابنة عملوق وأم ابان بنت عتبة وليس فيهم أشد حزنا من خولة بنت الأزور قال ~~الواقدي ومما بلغني أنها قالت في أسر أخيها من المراثي المبكيات * ابعد أخي ~~يلذ الغمض عيني * فكيف ينام مقروح الجفون * سأبكي ما حييت على شقيق * أعز ~~علي من عيني اليمين * فلو اني لحقت به قتيلا * لهان علي إذ هو غير هون * ~~وكنت إلى السلو أرى طريقا * وأعلق منه بالحبل المتين * وانا معشر من مات ~~منا * فليس يموت موت المستكين * واني أن يقال مضى ضرار * لباكية بمنسجم ~~هتون * وقالوا كم بكاؤك قلت مهلا * أما أبكى وقد قطعوا وتيني * قال فسار ~~أبو عبيدة في مواكبه كما ذكرنا فبينما الروم في خيامها وعسكرها إذ وقع فيهم ~~الصائح بقدوم العرب فركزوا خيولهم وصفوا صفوفهم فأول من أشرف عليهم برايته ~~سعيد بن زيد وبعده المسيب بن نجيبة الفزازي وبعده ميسرة بن مسروق العبسي ~~وبعده أتى خالد بن الوليد وبعدهم أبو عبيدة في مواكبه فنزل كل أمير بقومه ~~فلما نظر هرقل إليهم وانهم قد نزلوا بفنائه وبنائه ترك على حفظ جيشه صاحبه ~~الأكبر نسطاروس بن روميل وكان من شجعان الروم ودخل إلى كنيسة القيسان وجمع ~~الملوك والبطارقة والسريرية والحجاب وقام هرقل فيهم خطيبا وقال يا أهل يدين ~~النصرانية ويا بني المعمودية قد قرب ما حذرتكم منه من زوال ملككم وذهاب ~~عزكم من أرض سورية وقد كنت حذرتكم من زوال ملككم ومن هذا المقام فلم تقبلوا ~~مني وأردتم قتلي وهؤلاء القوم قد دخلوا بدار ملككم ورياح عزكم ms410 فقاتلوا عن ~~حريمكم وأموالكم وأنفسكم وأياكم والفشل لا يلحقكم في الجهاد فقد جاهدت عنكم ~~جهدي وأتلفت أموالي وخزائني ورجالي عن دينكم وملككم فلم تصادفني مساعدة ولا ~~أدركت من القوم فائدة فان أنتم فشلتم وتقاعستم ولم تجردوا لهؤلاء العرب ~~سيوف العزم والا كان العار عليكم والذلة تصل إليكم أين أبناؤكم ومن سلف من ~~آبائكم ماتوا كراما غير لئام وسكنت ديارهم العرب اللئام وكنائسهم صيروها ~~جوامع وأخربوا البيع والصوامع وأذلوا ملوككم واستعبدوا أبناءكم ونساءكم ~~وملكوا قلاعكم واستولوا على حصونكم ومدائنكم وقد مضى ما مضى فاستأنفوا ~~الامر وقاتلوا فكم هلك من الأمم قبلكم على ممالكهم وعلى الغيرة على حريمهم ~~ولقد كانت حكمتي أنتجت لكم ان تنسجوا على منوال المصحالة بينكم وبين هؤلاء ~~العرب فأبيتم PageV01P297 # ذلك لان ظلمة جهلكم قد أطفأت نور الحكمة أما علمتم انه قد وجد لوح من ~~الحجر على قبر طفيماون تلميذ اقيانوس وفيه مكتوب الحكمة سلم العالم الاعلى ~~من عدمها فقد عدم القرب إلى بارئة الحكمة حياة القلوب وبغية الأذهان نزهة ~~النفوس ونور العقول من لم يكن حكيما لم يزل سقيما من تدبر نظر ومن نظر عرف ~~ومن عرف عمل ومن عمل انفتح ذهنه وعقله ومن انفتح عقله صفت نفسه فقام اليه ~~جبلة بن الأيهم وقال يا عظيم الروم انما قتال هؤلاء العرب بقتل خليفتهم عمر ~~بالمدينة فلو أنت أرسلت اليه رجلا من آل غسان يقتله فيكون سبب فشلهم ~~وانتزاع الشام من أيديهم فقال هرقل هذا شيء لا يصح امله ولا ينقضي أجله لان ~~الآجال مقدرة والأنفاس مقررة ولكن هو شيء تطيب النفس عند سماعه فافعل ما ~~أردت قال فأرسل جبلة من قومه رجلا يقال له واثق بن مسافر الغساني وكان ~~جريئا مقداما في الحروب فقال له انطلق إلى يثرب فلعلك تقتل عمر فان أنت ~~فعلت ذلك فانا أعطيك ما أردته من الأموال قال فانطلق واثق بن مسافر حتى دخل ~~المدينة ليلا فلما كان الغد صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالناس صلاة ~~الصبح ودعا وخرج إلى ظاهر المدينة ms411 يتنسم اخبار المجاهدين بالشام قال فسبقه ~~المتنصر وجلس له بأعلى شجرة من حديقة بن الدحداح الأنصاري واستتر بأغصانها ~~ثم إن عمر قام عن ظاهر المدينة حين حميت الرمضاء وعاد وهو وحده فقرب من ~~الحدية ودخلها ونام في ظلها فلما نام هم المتنصر بالنزول من الشجرة وجرد ~~خنجره وإذا هو بأسد أقبل وهو بقدر البقرة الكبيرة وطاف حول عمر وجلس عند ~~قدميه يلحسهما واقام حتى استيقظ فعندها نزل المتنصر وقبل يد عمر قال له يا ~~عمر قد عدلت فأمنت بأبي والله من الكائنات تحفظه والسباع تحرسه والملائكة ~~تصفه والجن تعرفه ثم حدثه بأمره وأسلم على يديه قال الواقدي وكانت هذه ~~الفعلة قبل نزول المسلمين على أنطاكية حدثنا أبو محمد قال أخبرني أبي عن ~~حسان عن السدي عن يحيى الواقدي عن شهر بن عباس البيروتي ان عمر حدثه عن ~~نزول أبي عبيدة بالمسلمين على أنطاكية قال وعظ هرقل قومه بكنيسة القيسان ~~واستحلفهم انهم لا ينهزمون أو يموتوا عن دم واحد فحلفوا وخرجوا مع الملك ~~إلى عسكره وقد رفعت الصلبان وقرأت القسوس والرهبان وارتفع الضجيج من أهل ~~الكفر والطغيان واصطفوا للقتال وكان المسلمون قد رتبوا صفوفهم وأوقفوا كل ~~أمير في مكانه ونشرت الرايات والاعلام وأشار أبو عبيدة إلى ربيعة بن معمر ~~الشاعر وكان لسنا فصيحا لا يتكلم الا بالكلام المنظوم فقال له يا ربيعة فوق ~~سهام لفظك ووعظك إلى المجاهدين وحرض المسلمين على قتال المشركين قال فتقدم ~~ربيعة أمام الصفوف وكان جهوري الصوت يسمعه القريب والبعيد فقال أيها الناس ~~إلى متى هذه المهلة فتأهبوا للحملة فهذه طيور الأرواح قد عولت على فراق ~~أقفاص الأشباح وقد ارتاحت إلى باريها وأجابت صوت مناديها وها هي تخاطبنا ~~PageV01P298 # بلسان اشارتها عن نطق عبارتها ما هذا الوقوف على بذل أنفسكم وقد اشتراها ~~مؤيدكم افركنتم إلى حب الحياة الفانية والأنفس الدانية وهذه أوقاتكم بالنصر ~~مؤيدة وهمتكم عن طلب زينة الدنيا متحيدة والمواعظ الصادقة بكلام الحق مقيدة ~~أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وهذه طوالع سعودنا ~~بالاقبال ms412 طالعة وشجرة آمالنا بالتأييد يانعة فلله درهم فلقد ظهرت زهرة نجوم ~~المحبة في أفلاك راياتهم وتبلج فجر العشق في سماء سماتهم وأشرقت شموس ~~المعرفة في مشارق عشقهم فلما هموا بالحملة بأجمعهم واصطفوا وقدموا همم ~~النفوس في رضا الملك القدوس واستبقوا وزاحموا بعضهم بعضا ولم يرفقوا نودوا ~~من صفاء اسرارهم * (من المؤمنين رجال صدقوا) * قال الواقدي رحمه الله حدثني ~~زيد بن إسماعيل الصائغ عن جعفر بن عون عن عياش ابن ابان عن جابر بن أوس قال ~~كنت حاضرا في مصاف أبي عبيدة على أنطاكية حين وعظنا بسجعه ربيعة بن معمر ~~فكان أول من خرج من الروم للبراز شجاع الروم نسطاروس بن روبيل وهو كأنه برج ~~من حديد فلما توسط الميدان طلب البراز فخرج إليه دامس أبو الهول مولى بني ~~طريف فاتح قلعة حلب وهو يومئذ فارس غطريف فحملا على بعضهما فلما اشتعلت نار ~~الحرب بينهما عثر جواد دامس فسقط على ظهره فانقض عليه نسطاروس وأخذه أسيرا ~~وقاده ذليلا ورجع إلى الميدان فخرج عليه الضحاك بن حسان الطائي وكان يشبه ~~خالدا في حملاته وخفته فلما برز قال قائل من الروم ممن شاهد قتال خالد في ~~المواطن وعرفه هذا فارس الشام والمسلمين الذي فتح بلادنا فصار كل من في ~~أنطاكية ينظر اليه وهم يظنون أنه خالد فازدحمت خيل المشركين من كثرة النظر ~~اليه فقطعت حبال السرادقات التي لنسطاروس وغيروا سريره فخاف الغلمان على ~~أنفسهم وسرادقاته على ذلك وإذا رآها على تلك الحالة قتلهم ولم يجدوا أحدا ~~يعينهم على رفع السرادق لان كل من في العسكر مشغول بالفرجة على نسطاروس مع ~~خصمه فاتفق اثنان من الفراشين وكانوا ثلاثة على حل دامس أبي الهول وقالوا ~~له نحن نحلك من وثاقك وتعيننا على شيل عمود هذا السرادق ونعيدك إلى الوثاق ~~فإذا جاء البطريق نشفع فيك فإنه يخلي سبيلك فقال نعم فحلوه من وثاقه فعندها ~~قبض على الاثنين كل واحد بيد وضرب واحد بواحد فصرعهما فماتا فهجم على ~~الثالث فقتله وفتح صندوقا من الصناديق فوجد فيه ثياب ms413 نسطاروس فلبسها وركب ~~من الطوالة جوادا من خيارها وأخذ بيده قنطارية وسيفا ولثم وجهه وقصد عسكر ~~المتنصرة ووقف إلى جانب حازم بن عبد يغوث وهو ابن عم جبلة وكان قدمه على ~~عسكر المنتصرة وجبلة وولده وبنو عمه في موكب الملك قال الواقدي ولم يزل ~~القتال بين نسطاروس والضحاك بن حسان إلى أن كل الجوادان ولم يقدر أحد منهما ~~على صاحبه فافترقا وعاد نسطاروس إلى سرادقاته PageV01P299 # ليستريح فوجد السرادق على الأرض والفراشين قتلى ولم ير دامسا فعلم أن ~~المصيبة من قبله فمضى إلى الملك وأعلمه بذلك فقال وحق المسيح ما هؤلاء ~~العرب الا شياطين قال وهرج العسكر بصنع أبي الهول فقال الملك هو الآن في ~~عسكرنا وما رأيناه خرج وما هو الا مختف في عسكر المتنصرة لأنه من جنسهم ~~فلما رأى دامس هرج عسكر الروم وأن ذلك بسببه انتضى سيفه على حين غفلة وضرب ~~به حازم بن عبد يغوث فرمى رأسه عن بدنه فبهتت المتنصرة من فعله وأمسك الله ~~عنه أيديهم ودهشوا لذلك وأطلق جواده وطلب عسكر المسلمين فلما راوه صاحوا ~~بالتهليل والتكبير فأتى إلى أبي عبيدة وأخبره بما وقع له مع القوم فقال لا ~~شلت يداك قال وبلغ الخبر جبلة من قتل ابن عمه حازم فغضب وأتى إلى هرقل وصقع ~~له وقال يا عظيم الروم أنا لا أقدر على الصبر ولا بد لنا من الحملة على ~~هؤلاء الذين قد تعدوا طورهم وجهلوا قدرهم فأراد الملك أن يأمرهم بالحملة ~~وإذا قد أقبلت عليه خيل تركض فقال لهم ما وراءكم قالوا أيها الملك أنه قد ~~قدم إلى نصرتك فلنطانوس بن سطانيوس بن أرمونيا صاحب المدائن ورومية الكبرى ~~وباسم جده سميت وكان قدج وضع فيها هيكلا عظيما يسمى ابا سرفيا وكان به صورة ~~من نحاس مطلية بالذهب الاحمد ولذلك الهيكل سبعة أبواب من الذهب على كل باب ~~هيكل مدور على رأسه شخص آدمي وبيده عدة ألواح من الذهب وفي كل عام يعلق ~~منها لوح على الهيكل تلقاء الشمس ثم ينظر كاهن ذلك الهيكل ms414 في ذلك اللوح ~~فيعلم ما يجري في الإقليم المختص بذلك اللوح وكان كل لوح مختصا بأقليم من ~~الأقاليم السبعة وكذلك لكل هيكل من تلك السبعة هياكل فيعلم أهل رومية ~~الكبرى ما يجري في العالم بما وضعه حكماؤهم الأقدمون وفي وسط تلك السبعة ~~هياكل قبة مثمنة على ثمانية عمد من نحاس اصفر مطلية بالذهب محوط به سور ~~مرقط ببياض وفيه بابها الأعظم وعلى رأسها صورة من حجر لا يعلم ما هو بل ~~الحجر أسود فإذا كان استواء الزيتون في مشارق الأرض ومغاربها يسمعون من تلك ~~الصور صوتا هائلا تكاد القلوب تتفطر منه فإذا كان الغد تأتي من آفاق الأرض ~~زارزيرها وكل زرزور حامل ثلاث زيتونات واحدة في منقاره واثنتان في رجليه ~~فيلقونها على رأس تلك الصورة فلا تزال كذلك حتى يمتلئ ذلك المكان العظيم ~~قال فيعصرون منه زيتهم وما يأكلون من العام إلى العام وكان في داخل الهيكل ~~الأعظم بيت مقفل لم يفتح منذ بنيت رومية ولما أراد فلنطانوس الملك النهوض ~~إلى نصرة هرقل احتاج إلى مال يصرفه على عسكره فأتى إلى ذلك البيت المقفل ~~وهم بفتحه فقال له عظماؤه وعطماوس وهو القيم على أمر الهياكل كلها أيها ~~الملك ان هذا البيت منذ أقفل تاريخه سبعمائة سنة وذلك من قبل ظهور المسيح ~~بمائة سنة وسبعين وما أحد من أجدادك تعرض اليه ولا أحد ممن ولى أمر هذه ~~الكنيسة الا ويوصي على هذا البيت ان لا يفتح فلا تزل حكمة أسسها من كان ~~قبلك من الحكماء والملوك وقد بنى هذه المدينة وأسس هذا الهيكل وهذا البيت ~~وهو بيت جدك رسيوي بن قطاوس وبقي PageV01P300 # في ملكه على ما بلغنا ثلاثمائة وسبعين سنة ووصي كوصية أبيه وتولى عليه ~~أحد أجدادك حتى وصل إليك هذا الملك ولك فيه مائة سنة فلا تزل حكمة أجدادك ~~أجدادك الذين اسسوها وطلاسم وضعوها قال فأخذه اللجاج في فتحه فلما فتحه لم ~~يجد فيه شيئا الا أنه رأى في البيت صورة القدس مدن الشام وصفة ملوكهم ~~وعددهم وفي آخرهم صورة ms415 ليطن وهو هرقل كأنه ينظر في اللوح مكتوب باليونانية ~~يا طالب العلم عليك بكثرة القراءة فإنه كلما تكرر مرور النكت على مسامع من ~~يتعلمها كان ذلك أشد لثبوته وأحكم لتصريفه إذ العلوم كلها انما تستخرج ~~بالعقل والقياس وانما يكون بكثرة الرياضة والعلم مطية التدبير والتدبير ~~موضع العلم والعلم موضع العقل هذا هو المتمم لاشكال العلوم وقد رأينا في ~~الحكم والاسرار الخفية أن صاحب الغمامة إذا خيمت على صفحة الأرض وحلت ~~الضلالة خرج مصباح الهداية من أرض تهامة فيذهب بظلام الجهل المظلم للحس ~~ويدعو الناس بدينه إلى توحيد الصانع وهو صاحب الجمل الاورق فيذهب بالأديان ~~والملك يضيق لدعوته السهل والجبل فإذا غلب نوره على كل كثيف انتقل إلى ~~العلم الروحاني وولى بعده رجل نحيف الصورة قلبه منور بنور الصدق يشيد ملته ~~ويصدق شريعته وويل للشام مما يحل بها من الرجل الأحور الذاهب بملك قيصر وهو ~~الرجل الكثيف صولته الربعة صورته العدل صفته والحق منقبته جبته مرقعة وسيفه ~~درته في أيامه تذهب الدول وتتحول وتضمحل وتزول وأوانه إذا فتح هذا البيت ~~المصور بالحكمة المحفوظ بحفظ النعمة فطوبى لمن رسخت الحكمة في قلبه وأشرقت ~~مصابيحها في لبه وأتبع الحق وعرفه وجانب الباطل وخالفه قال فلما قرأ ~~فلنطانوس ما في اللوح أخذه العجب وقال لعطماوس قيم الهياكل أيها الأب ~~الشفيق ما تقول في هذه الحكمة قال أيها الملك وما عسى أن أقول في حكمة ~~وضعتها العظماء وعلمت بها الحكماء وانما العلوم غامضة يصل إليها الخبر ~~الجوهري بنور العقل وانما أرى أن دولة هرقل وهي عز دولتها وانهدت أركان ~~ملكه من أرض سوريا وانتقل ملك الروم إلى ارض اسطور يعني قسطنطينية وبذلك ~~أخبر مهراييس الحكيم في كتابه العزيز الذي وضعه وسماه اسلاوس يعني جواهر ~~الحكمة ومن جملته إذا ظهر نور اليتيمة المصفاة من الأدناس من جبال ثاران ~~تصفت الأذهان بنور حكمته وانصرفت الظلمة المتكاثفة في سماء الجهل بقوة ~~عزيمته ودعا الناس إلى لطيف دعوته وقادهم بأزمة لطافته فيعلو على الأفلاك ~~فويل لأرض إيليا من صولة ms416 صاحبه المتوشح بوشاح الهيبة المتوج بتاج العقل ~~صاحب فتوح الأرض ومذل ملوكها العدل فسطاطه والمرقعة لباسه في زمانه ينكسر ~~الصليب وتخرج الهياكل وتندرج المذابح ويذوب ماء المعمودية فلا نجاة من ~~صولته الا باتباع شريعته وصاحبه قال فلما سمع ذلك فلنطانوس من القيم على ~~الهياكل كتم الامر في نفسه وقال لا بد لي من النظر إلى العرب والمسير إليهم ~~والى نصرة الملك هرقل وقد وصل إلى كتاب البترك وندبني إلى نصرة دين المسيح ~~فان تأخرت حرمني ثم إنه اختار من جيشه في رومية PageV01P301 # ثلاثين ألفا وهم الكرجية وولى في موضعه ولده استفليوس وهو مثلث النعمة ~~واستخرج من بيت الحكمة رايات الإسكندر اليوناني وكانت منسوجة بالذهب ~~واللؤلؤ التي نشرها يوم فتحت الواحات من أرض باليوس وكانت لا تنشر الا في ~~يوم واحد في السنة ببيعة ايا صوفيا وهو يوم عيد الصليب والشعانين قال فلما ~~رفعت على رأس فلنطانوس سار حتى ورد أنطاكية ونزل على باب هاوس ومعناه باب ~~فارس قال وركب الملك هرقل في موكبه إلى لقائه وضربت سرادقاته بإزاء سرادقات ~~هرقل وفرحت الروم وتفاءلت بالنصر وضربت النواقيس ووقعت ضجة عظيمة في جيوشهم ~~وارتفعت أصواتهم وجاءت عيون المسلمين فأخبروهم بقدوم صاحب رومية فرفع أبو ~~عبيدة كفه إلى السماء وقال اللهم أن أعداءك يستنصرون علينا بكثرة عددهم ~~وتزايد مددهم فشتت كلمتهم ودمر جيوشهم وزلزل أقدامهم وعسر أيامهم واجعل ~~كلمتنا العليا وكلمتهم السفلى وانصرنا كنصر نبيك في يوم الأحزاب اللهم رد ~~كيدهم في نحرهم وانصرنا عليهم قال وأمنت المسلمون على دعائه قال الواقدي ~~حدثنا إبراهيم بن العلاء عن أبي يوسف الكندي عن أبي جعفر الدارمي عن الربيع ~~بن أنس عن جعفر بن ميسرة قال قال لي عمي لما قدم صاحب رومية بجنوده خاف ~~المسلمون ولكن ثبتهم الله وبعث أبو عبيدة معاذ بن جبل ومعه ثلاثة آلاف وقال ~~له يا صاحب رسول الله أن الروم قد تجمعت من سواحل البحر لنصرة دينها فانهض ~~وشن الغارات على بلاد السواحل واحتفظ أن تؤتي المسلمون من قبلك قال ms417 ففعل ~~ذلك معاذ وسار إلى جبلة واللاذقية فاحتوش أموالها وأخذ غنائمها ووجد على ~~باب جبلة عنان بن جرهم الغساني ابن عم جبلة بن الأيهم ومعه الف دابة محملة ~~برا وشعيرا لعسكر الكفر وقد جمعها من طرابلس وعكا وصور وصيدا وقيسارية وقد ~~بعث بها قسطنطين بن هرقل إلى أبيه فلما وصلت مدينة جبلة سلمها العرب ~~المتنصرة لابن عم جبلة وعادوا فوقع بها معاذ رضي الله عنه فأخذها ورجع ~~قافلا إلى عسكر المسلمين فلما رأوها رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير فسأل ~~هرقل عن ذلك فأخبروه بما وقع فغضب على أخذ الميرة التي تتقوت بها عسكر ~~أعدائه فقال لبطارقته ما بقي بيننا وبين هؤلاء الا المصاف ويعطي الله النصر ~~لمن يشاء ثم إنه أمر عساكره بالاهبة للقتال ثم إنه ركب والى جانبه فلنطانوس ~~صاحب رومية وصاحب مرعش وصاحب قلعة اسكبادنيس وهي قلعة الروم وصاحب طرطوس ~~وصاحب مصيصه وصاحب قونية وصاحب ماصر وصاحب اقصرا وصاحب قيسارية الروم ~~الأقصى وصاحب قوماط وصاحب انطرانه وصاحب طبرزند وجبلة ابن الأيهم قال ~~الواقدي واقبل يوقنا يرتب الصفوف في الحرب فلما وقف كل ملك بجيشه وكل بطريق ~~بأصحابه أراد فلنطانوس ملك رومية أن يتقرب إلى هرقل بمبارزة العرب فصقع له ~~على قربوس سرجه وقال أيها الملك ما تركت ملكي واتيت إلى خدمتك PageV01P302 # من مائتي فرسخ الا حتى ارضي المسيح وأخدمه بين يديك وان كل عسكرك قد ~~قاتلوا وجاهدوا وأريد أن ابرز في هذا اليوم إلى هؤلاء المحمديين واشفي ~~فؤادك وفؤادي منهم فأراد الملك أن يطيب قلبه فقال له الزم مكانك ولا تخرق ~~بحرمتك وحشمتك حشمة الملوك فأنت أقدم مني في المملكة فدع غيرك يكون لهذا ~~الامر فما بلغ من شأن العرب أن تخرج أنت إليهم بنفسك فقال فلنطانوس أيها ~~الملك وأي حشمة بقيت لنا مع هؤلاء وقد أهملوا عزنا وأذلوا أعز ديننا ~~والجهاد مفروض على كبيرنا وصغيرنا أما علمت أيها الملك انه من نظر إلى ~~الدنيا بعين المحبة جذبته الشهوات إلى الغلو في محبتها والتعلق بزخارفها ~~فإذا فعل ذلك ركب ms418 غيم كثافه الجهل على صفحة صدره فمنعه ذلك عن طلب معاده ~~ومن سارع إلى طاعة خالقه بترك شهواته ارتقى إلى دار دائرة القدس في محل ~~الانس ولما علم القديم الأزلي بركون أنفسكم المحجوبة بحجاب الغفلة إلى طلب ~~ما يفني سلط عليكم أضعف أمة قد أخرجتكم من دياركم وأبعدتكم عن أوطانكم وما ~~ذاك الا لخلودكم إلى الأهواء الجاذبة إلى مهاويكم والى ادراك المهالك لأنكم ~~حكمتم بغير الحق واجترأتم على الرعية بطلبكم منهم ما ليس لكم بحق والجور في ~~أخذ أموالهم وفساد أحوالهم وكثرة الزنا وأتباع الخنا فلأجل ذلك لم تنصروا ~~ودارت دائرة السوء عليكم قال ثم تكلم صاحب الملك هرقل الكبير واسمه سروند ~~وصاح عليه وقال له أيها السيد لا تحمل على قلب الملك من كلامك ما لا يطيق ~~في مثل هذه الساعة فقد وعظه من هو أكبر منك فلم يسمع قوله قال فغضب ~~فلنطانوس من صياح الحاجب عليه وكتم أمره إلى الليل فلما مضى من الليل ربعه ~~طلب حجابه وخواصه وقال لهم أرضيتم أن يزعق علي حاجب هرقل ويوبخني بين ~~الملوك وأنتم تعلمون أن بيتي أعظم من بيته ونسبه أدنى من نسبي وملكي أقدم ~~من ملكه ولقد قال قسيس حكيم بلاد الذكر المشهور بحكمته وهو الذي وضع المنار ~~الأعظم في يوم كبير كان بين بلاد الجرامقة وبلاد الانجار وهي مسيرة أثني ~~عشر يوما ولا يصل إلى أرضها الا بعد عناء كبير فاحتفر لها بئرا ووضع في ~~وسطها عمودا على راس حجر يدور من صنعة حكمتها يسمع له من حده النداء من ~~حوله ويرشح له بقدر ما يملأ ذلك الجرن العظيم فإنه قال لا تسع بقدمك إلى من ~~يراك دونه فتصغر عنده واجعل عز نفسك في مقابلة كبرياء عجبه فان عزه النفوس ~~تقابل جاه الملوك ولا تصنع صنيعك لغير مستحقه لأنها تجلب عليك السوء من قبل ~~ذلك فان ذلك الاحسان لا يزكو الا عند ذوي الأصول فإنه يندسج عند السفهاء ~~والأرذال لا تصنع إليهم النصيحة فإنك أنت تطلب منفعته وهو يريد ms419 هوى نفسه ~~بأذيتك وقد جئنا من مائة فرسخ وأكثر إلى خدمة رجل يرى أننا قد قصدنا داره ~~وتاج عزه واننا نحن من جملة خدمه وان نور العقل المجوهر للحس يمنعني من ~~اتباع الجهل المظلم للحواس وان نفسي تأبى ذلك والعز محل جليل ومقام نبيل ~~والذل وبيل وصاحبه قليل وقد عولت أن أسير إلى هؤلاء العرب وأختبر ملتهم ~~فإنها هي الملة الواضحة بالحق المؤيدة بالصدق ومن كان عليها أمن في معاده ~~من الهول الأكبر فما PageV01P303 # أنتم قائلون قالوا أيها الملك وكيف تطيب نفسك بترك دينك وملكك وعزك وتتبع ~~هؤلاء وهم لا فضل لهم ولا عندهم حكمة فقال فلنطانوس أما الحكمة البالغة ~~فعندهم مقرها وفي نفوسهم موطنها لان نور توحيدهم صفى أذهانهم ونور ايمانهم ~~ببركة صاحبهم المسمى في علوم الغيوب لان مغناطيس حكمته الربانية جذب جوهر ~~عقولهم إلى متابعته والاقتداء بشريعته ومن أراد أن يلقى عالم عليين فلا ~~يقعد على صفحة أرض الجهل أما علمتم أن النور أنور من الظلمة والموت نهار ~~الحياة قال فلما سمعوا قوله قالوا أيها الملك نحن ما نمنعك من عز دائم ~~يخرجنا من الذل ومهابة الغلبة فإذا كنت تطلب بنا طريقا يؤدي إلى البقاء ~~ويذهب بالشقاء فالحق اتباع الحق ونفي الباطل فنحن لك وبين يديك قال فخذوا ~~على أنفسكم فإذا كانت ليلة غد ركبنا كأنا نطوف حول البيت نحرسه ونطلب جيش ~~العرب قال ففعلوا ذلك وأخذ فلنطانوس في أمره قال ابن وهب وابن صالح عن أبي ~~موسى الأشعري قال لما عزم أن يسير إلى جيش المسلمين أتى اليه يوقنا برسالة ~~الملك هرقل فلما أدى الرسالة وهم بالقيام قال له فلنطانوس من أنت من الحجاب ~~قال أنا يوقنا صاحب حلب قال وكيف تركت بلدك قال استولت عليها العرب وحدثه ~~بحديثه فقال فلنطانوس وما الذي ظهر لك من هؤلاء العرب قال أيها الملك اني ~~دخلت في دينهم واطلعت على أمرهم وكشف سرهم فرأيت القوم لا يستمعون إلى ~~الباطل ولا يحيدون عن الحق ولا ينامون الليل من كثرة اجتهادهم ولا ms420 يتكلمون ~~بغير ذكر ربهم ينصفون المظلوم من الظالم ويواسي غنيهم فقيرهم الامراء منهم ~~في زي المساكين والعزيز والذليل عندهم سواء فقال له فلنطانوس فإذا وقفت على ~~سرهم ورأيت فضلهم فما منعك أن تقيم عندهم وبينهم فقال يوقنا منعني من ذلك ~~صحة ديني وصحبة قومي لأني لم أر فراقهم قال فلنطانوس ان النفوس الزكية ~~الباقية إذا رأت الحق جذبها جاذب اليقين إلى حضرة طلب الاخلاص من المعيشة ~~الذميمة إلى أن ترقى إلى أعلى عليين قال فخرج يوقنا وقد رسخ كلام فلنطانوس ~~في قلبه فقال والله ما تكلم بشيء الا وهو منقوش على صفحة صدري وكلامه يشهد ~~بقبول عقله لصحة دين الاسلام وأقام يوقنا على قلق من ذلك حتى اقبل الليل ~~فأتى إلى فلنطانوس فرآه وهو على نية الركوب إلى ما ذكرناه فلما وقف بين ~~يديه صقع له فقال له فلنطانوس باي حجاب حجب الله الظالمين عن اتباع سبيل ~~المتقين فالحق واضح لمن طلبه والباطل خفي عمن اتبعه فقال يوقنا أيها الملك ~~ما معنى هذا الكلام الذي أشرت اليه فقال لو أنك رايت بعين البصيرة لما رجعت ~~عن ملتهم ولا أردت بدلا غيرهم وانما أنت طلبت نعيما يؤول إلى الزوال إلى ~~النكال قال فسكت يوقنا وخرج من عنده وجعل يتجسس عليه ومضى ووقف على الطريق ~~الذي يمضي إلى المسلمين فركب فلنطانوس وخرج من سرادقة فوجد بني عمه قد ~~أخذوا أهبتهم وهم أربعة آلاف فارس وقدموا عزمهم وساروا يدا PageV01P304 # واحدة يطلبون جيش الموحدين وقد تركوا عزهم وفارقوا دينهم فلما قربوا من ~~جيش المسلمين ظهر لهم يوقنا وبنو عمه المائتان فقال يوقنا لفلنطانوس أيها ~~الملك عولت على أن تكبس المسلمين فقال لا والقديم الأزلي وانما أنا قاصد ~~إليهم وداخل في دينهم وملتهم وأكون من جملتهم فمن نظر إلى الدنيا بعين ~~الفناء عمل للآخرة فما الذي يمنعك يا يوقنا مما نحن عولنا عليه فقال يوقنا ~~أيها الملك لقد جذبك جاذب الحق عن طريق الضلال ثم إنه حدثه بحديثه وانه ~~عازم على أن يغدر بالروم فقبله ms421 فلنطانوس وفرح بمقالته وقال له كيف تقدر على ~~ذلك وما أرى معك الا نفرا يسيرا فقال أيها الملك ان في داخل بيتي مائتين من ~~المسلمين من أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام عشرين ألفا ~~من الروم ولقد رايت أن تعود أنت وقومك ولا تستعجل ونبعث رجلا إلى أمير ~~المسلمين يخبره بما نحن معولون عليه فإذا كان غدا تقف أنت وجيشك حول الملك ~~هرقل وأدخل أنا البلد وأطلق المائتي أسير وأعطيهم سلاحا ويحمل جيش العرب ~~وتحمل أنت وعسكرك على مركب هرقل وتقصده بنفسك فتقبض عليه وتكون قد جاهدت ~~وأسير أنا ومن معي في داخل البلد فنملكها أن شاء الله تعالى وان أردت أن ~~ترجع إلى دار ملكك ويكون أمرك مكتوما علينا فحول أمر جيشك لمن تثق به من ~~بني عمك قال فلنطانوس ما فعلت هذا ولي نية في ملكي ولا في ملك الدنيا بل ~~إذا قضى هذا الامر ونصر الاسلام قصدت مكة فأحج وأزور قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم أرجع إلى بيت المقدس فأقيم فيه إلى أن أموت فمن يذهب إلى أمير ~~العرب برسالتي ويخبرهم بما قد عولنا عليه فقال له يوقنا اعلم أن لهم عندنا ~~عيونا وجواسيس ممن هو تحت ذمتهم وأنا أعلمهم بما قد وقع قال فبينما هم في ~~الكلام تحت ستر الليل وإذا بشيخ قصد اليهما فتأمله يوقنا فإذ هو عمرو بن ~~أمية الضمري ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم على يوقنا وعلى من معه ~~وقال ليوقنا ان الأمير أبا عبيدة يقول لك جزاك الله خيرا عن الاسلام وانه ~~رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما كان من أمر صاحب ~~رومية وما تحدثتما به وما وقع له مع قومه وما عزمتم عليه وبشره بأن الله قد ~~غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقد تفتح أنطاكية ويزول عز الروم عنها ~~وينتزع ملك صاحبها قال الواقدي فتهلل وجه فلنطانوس فرحا وازداد ايمانا وقال ~~الحمد لله الذي ms422 هدانا للاسلام والايمان قال الواقدي وذلك أن أبا عبيدة رضي ~~الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقول يا أبا عبيدة ~~ابشر برضوان الله ورحمته وغدا تفتح أنطاكية صلحا وان صاحب رومية المدائن ~~الكبرى قد جرى من أمره كيت وكيت هو يوقنا صاحب حلب وهما بالقرب منك فأنفذ ~~اليهما بنجاز الامر قال فاستيقظ أبو عبيدة وقص رؤياه على خالد وأنفذ عمرو ~~بن أمية كما ذكرنا قال فلما سمع فلنطانوس ذلك اقشعر جلده وارتعدت فرائصه ~~وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ان محمدا رسول الله وأشهد أن هذا ~~PageV01P305 # الدين هو الحق اليقين ثم إنهم عادوا وطافوا بجيش الملك كأنما يحرسون ~~فبينما يوقنا قد ذهب بأصحابه من عند صاحب رومية وقد قوي عزمهم على ما ذكرنا ~~من أمر كبسهم الملك وإذا بالحاجب قد لقيه والمشاعل بين يديه وقد خرج من ~~أنطاكية ومعه ضرار بن الأزور ورفاعة بن زهير والمائتا أسير وقد عول على ~~قتلهم وان يرمي غدا برؤوسهم إلى المسلمين فلما سمع يوقنا ذلك ضاقت الدنيا ~~عليه وقال له أيها الحاجب الكبير أنت تعلم أن المصاف غدا واقع بيننا وبينهم ~~فان أنتم قتلتم هؤلاء ورميت برؤوسهم إلى المسلمين فإنهم لا يقعون بأحد منا ~~فيبقون عليه فاتق الله ولا تعجل بذلك ودعهم عندي وراجع الملك في امرهم إلى ~~أن نرى ما يؤول أمرهم اليه قال فتركهم الحاجب عند يوقنا ومضى إلى الملك ~~وأخبره بما قال يوقنا فقال له دعهم عند الدمستق فرجع اليه وقال له الملك ~~يقول لك احتفظ عليهم فأمرهم لك فاخذهم يوقنا وسار بهم إلى خيمته وصعب عليه ~~اخراجهم من أنطاكية لأنه كان قد عول على أن يملك بهم البلد فلما حلوا في ~~خيمته حلهم من الوثاق وسلم إليهم العدد وأخبرهم بما قد عزم عليه هو وصاحب ~~رومية من القبض على الملك هرقل فقال ضرار والله لارضين الرب غدا بجهادنا ~~وكانت قد ختمت جراحاته لأنه كان في الأسر ثمانية أشهر وفرقتم مع بني عمه ~~قال ms423 الواقدي حدثنا أبو محمد عن سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن عبد ~~الله بن مسعود أن الذي أمر باخراج الاسرى لم يكن هرقل وانما كان مملوكه ~~الخاص واسمه تاليس بن رينوس وكان قد ألبسه تاجه ومنطقته وكان أشبه الخلق به ~~وقال له كن غدا مكاني فاني أريد أن أكيد العرب وأكمن خلفهم وما ذاك الا انه ~~رأى في نومه كأن شخصا قد نزل من السماء وقلبه عن سريره وكأن تاجه قد طار من ~~على رأسه وكأن شخصا يقول له قد قرب ما بعد وقد زال ملكك من سورية وقد ذهبت ~~دولة الشقاق والنفاق وجاءت دولة الوفاق وكأن ذلك الشخص قد نفخ في عسكره ~~فأوقد نارا فاستيقظ مرعوبا وفسر منامه على نفسه بزوال ملكه وكان قبل نزول ~~العرب قد عبى خزائنه وجمع ما يخاف عليه من التحف ووضعها في المراكب من حيث ~~لا يعلم بذلك أحد من دولته وعبى الزاد والماء ثم أنه ارسل أهل بيته في تلك ~~الليلة بعدما رأى في المنام ولم يدع من حريمه وأولاده وعياله أحدا وبعده ~~أمر مملوكه تاليس بن رينوس بما أمره أن يفعله قال فلما ركب تاليس فما كان ~~من أمره الا أن قال للحاجب اخرج الأسارى واضرب رقابهم فأخرجهم وأخذهم يوقنا ~~كما وصفنا قال حدثنا ياسر عن سليمان بن عبد الواحد عن صفوان بن بشر عن عروة ~~بن مذعور عن محمد بن علي عن عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن ~~ابن سعد قال ما خرج هرقل من أنطاكية الا وهو مسلم وذلك أنه كتب إلى عمر بن ~~الخطاب في السر عن قومه ان بي صداعا لا يسكن فانفذ إلي بدواء أتداوى به ~~فأرسل اليه قلنسوة فكان إذا وضعها على PageV01P306 # رأسه سكن صداعه وإذا رفعها عاد اليه فتعجب من ذلك وأمر بفتحها فإذا فيها ~~مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم فقال هرقل ما أكرم هذا الاسم وأعزه حيث شفاني ~~الله به وكانوا قد توارثوا هذه القلنسوة إلى أن ms424 وصلت إلى صاحب عمورية فلما ~~كان يوم المعتصم ونزل عليها عرض للمعتصم صداع فأرسل اليه صاحب عمورية ~~بالقلنسوة فلما وضعها على رأسه سكن ما به فأمر المعتصم بفتحها فإذا فيها ~~الرقعة ومكتوب فيها بسم الله الرحمن الرحيم قال الواقدي وأما ما كان من أمر ~~تاليس فلما أصبح ركب ورتب عساكر الروم عن آخرها ودارت المواكب حول تاليس بن ~~رينوس وكان كل من رآه يظن أنه هرقل ولا يشك فيه ودار بمواكبه عسكر فلنطانوس ~~صاحب رومية وركب يوقنا ومن معه وهم متنكرون تحت السلاح فكان أول من حمل ~~خالد بن الوليد بجيش الزحف قال وتبعه سعيد بن زيد وتبعه قيس بن هبيرة وتبعه ~~ميسرة وبعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وذو الكلاع الحميري وأمثالهم ~~وأطبق الناس بعضهم على بعض فلما اشتبكت الحرب هجم يوقنا ومن معه وحمل ضرار ~~فلله دره لقد أعطى السيف حقه وأخذ بثاره من الروم وكلما قتل واحدا صاح ~~واثارات أسر ضرار بن الأزور وكان قد قصد عسكر المتنصرة هو وأصحابه ورفاعة ~~بن زهير يشجعهم ويوبخهم ويقول خذوا بثاركم ممن أسركم واحملوا وإياكم ان ~~تفشلوا واعلموا ان الجنة قد فتحت أبوابها وزينت حورها وقصورها وأشرق ~~بنيانها ومرح ولدانها وتجلى ديانها ثم صاح يافتيان العرب أيكم يرغب في زواج ~~الحور فان يذل النفوس هي المهور ومن يريد عرسا في الجنان ويقوم في خدمته ~~الولدان من يرغب فيما قال الملك الديان متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ~~أين من شهد بدرا وحنين مع سيد الكونين أين من يزيل عن قلبه حجاب الغفلة ~~والرين وافقوا قوما صارت هممهم إلى دار الأزل فأناخوا بباب من لم يزل ~~محبوبهم فأراد الحق أن يوقفهم على منازلهم ليزيدوا في حسن أفعالهم فكشف عن ~~سرائرهم فرأوا دارا بناؤها النور قواعدها من الرحمة حيطانها من الذهب ~~ملاطها المسك ماؤها من الحيوان حصباؤها الدر والجوهر ترابها الكافور ~~والعنبر سورها المجيد اللطيف ستورها الكرم أشجارها لا إله إلا الله أغصانها ~~محمد رسول الله ثمارها سبحان الله والحمد لله ms425 عرضها السماوات والأرض سقفها ~~عرش الرحمن فلما كشف لهم عن هذه الاسرار اشتاقوا إلى سكنى الدار قيل لهم لن ~~تصلوا إليها الا ببذل النفوس في رضا الملك القدوس ثم خلع عليهم خلع الاحسان ~~وتوجهم بتيجان الرضوان ونشر على رؤوسهم رايات الغفران مرسوم على طرازها ~~بقلم السر المكنون ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون لقد بذلوا النفوس في رضا القدوس قال الواقدي فبينما ضرار يحمل ~~في الأعداء ويذيقهم شراب الردى وإذا هو PageV01P307 # بفارس يطحطح الكتائب ويفرق المواكب ويصيح واثارات ضرار بن الأزور فتأمله ~~فإذا هو أخته خولة فناداها دارك يا بنت الأزور انا والله أخوك فأقبلت لتسلم ~~عليه فقال لها إليك عني ما هذا وقت سلام وان قتال الكفر أفضل من كلامك يا ~~بنت الأزور فاجعلي عنانك مع عناني وسنانك مع سناني وجاهدي في سبيل الله فان ~~قتل أحدنا فالملتقى في الحشر عند حوض سيد البشر فبينما هم في ذلك إذ نظر ~~إلى جيوش الروم وقد تقهقرت وفرسانهم قد انهزمت وكان السبب في ذلك ان صاحب ~~رومية رحمه الله لما رأى الحرب قد أضرمت نيرانها وعلا دخانها حمل بأصحابه ~~وقصد تاليس بن رينوس فقبض عليه وهو يظن أنه هرقل فصاح الصائح ان الملك هرقل ~~قد قبض عليه فلنطانوس ملك رومية وغدر به فولت الروم الادبار وقتل المسلمون ~~منهم مقتلة عظيمة لم يقتل مثلها الا بأجنادين واليرموك وقتل من العرب ~~المتنصرة زهاء من أثني عشر ألفا وطلب جبلة ولده فلم ير لهم خبرا فقيل إنهم ~~وأكابر قومهم ركبوا مع الملك هرقل في المراكب وكان جملة من هرب من سادات ~~المتنصرة مع جبلة وابنه خمسمائة من جملتهم ابن عمه قرظة وعروة بن واثق ~~ومرهف بن واثق وهحام بن سالم وشيبان بن مرة قال فسكنوا جزائر البحر فمن ~~نسلهم هذه الإفرنج قال وأخذ المسلمون ما كان من السرادقات والخيام والديباج ~~والمتاع والخزائن وأسروا ثلاثين ألفا وقتلوا من الروم سبعين ألفا وولت ~~العرب المتنصرة منهزمين فمنهم من أخذ ms426 نحو الدروب ومنهم من طلب قيسارية إلى ~~قسطنطين بن هرقل فلما وضعت الحرب أوزارها وخمدت نارها جمعوا الأموال ~~والأثقال والاسرى بين يدي أبي عبيدة فلما نظر إلى ذلك سجد لله شكرا وسلم ~~المسلمون بعضهم على بعض وجاء ضرار وأصحابه ويوقنا وفلنطانوس وأصحابه وسلموا ~~على المسلمين وفرحوا بهم فلما وصل فلنطانوس قام اليه المسلمون وقال كبار ~~الصحابة سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ~~قال فنظر فلنطانوس إلى تواضعهم وحسن سيرتهم وكثرة عبادتهم فقال هؤلاء والله ~~القوم الذين بشر بهم عيسى عليه السلام قال فأسلم بنو عمه عن آخرهم وجاهدوا ~~في الكفار إلى أن فتحوا جميع الأمصار وبعدها مضى فلنطانوس إلى مكة فحج وزار ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم المختار وسلم على عمر رضي الله عنه فلما رآه ~~وثب اليه قائما وصافحه هو وجميع المسلمين وعاد إلى بيت المقدس فجلس يعبد ~~الله فيه حتى اتاه اليقين قال الواقدي ونظر أبو عبيدة إلى جيش أنطاكية وقد ~~تحصنوا فيها وهم لا يحصون فقال اللهم اجعل لنا إلى فتحها من سبيل وافتح لنا ~~فتحا مبينا قال وكان على أنطاكية بطريق اسمه صليب بن مرقس وكان جاهلا في ~~رايه فعزم على القتال من داخل السور فاجتمع أكابر البلد إلى البترك في ~~الليل وقالوا له اخرج إلى هؤلاء العرب وصالح بيننا وبينهم على ما تقدر عليه ~~قال فخرج البترك إلى أبي عبيدة وحدثه في الصلح فأجابه إلى ذلك فكان جملة ما ~~صالح عليه أهل أنطاكية ثلاثمائة الف PageV01P308 # مثقال من الذهب فلما تقرر الصلح قال له أبو عبيدة احلف لنا انكم لا ~~تغدرون بنا فان مدينتكم مانعة كثيرة الجبال والوعر فقال خالد ومن يحلفه ~~فقال أبو عبيدة يوقنا قال فوضع يوقنا يده على راس البترك فوق يده وقال قل ~~والله والله والله أربعين مرة والا قطعت زناري وكسرت صليبي ولعنتني ~~الشمامسة والديرانيون وخلعت دين النصرانية وذبحت الجمل في جرن ماء ~~المعمودية ونجستها ببول مولود من أولاد اليهود وقتلت كل الشهود والا ms427 خرقت ~~شدائد مريم وعصبت رأسي والا ذبحت القسوس وصبغت بدمائهم ثوب عروس والا جعلت ~~مريم زانية به والا جعلت في المذبح حيضة يهودية وإلا أطفأت قنايل بيعه ~~جرجيس وجعلت عزيرا في مقام كالوس وإلا تزوجت يهودية طامثة لا تلقي ابدا ~~والا غسلت أثوابي صبيحة يوم الجمعة وهدمت الكنائس والبيع وأحللت الأعياد ~~والجمع والا عبدت اللاهوت وجحدت الناسوت والا أكلت لحم الجمل يوم الشعانين ~~والا صمت رمضان عاطشا وكنت للحم الرهبان ناهشا والا صليت في ثياب اليهود ~~وقلت إن عيسى دباغ الجلود اننا لا نغدر بكم ولا كنا الا معكم قال الواقدي ~~فعندها قام أبو عبيدة ودخل أنطاكية وكان دخوله لخمسة أيام مضين من شعبان ~~سنة سبع عشرة من الهجرة فدخله وبين يديه اللواء الذي عقده له أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه وعن يمينه خالد بن الوليد وعن يساره ميسرة بن مسروق ~~ودخلها والقراء بين يديه يقرأون سورة الفتح فلن يزل سائرا حتى وصل إلى باب ~~الجنان فنزل هناك وخط هناك مسجدا وأمر ببنائه وبه يعرف إلى يومنا هذا قال ~~ميسرة بن مسروق فنظرنا إلى بلد رطب طيب الهواء كثير الماء والخيرات ~~فاستطابه المسلمون ووددنا لو أقمنا فيه شهر لنستريح فما تركنا أبو عبيدة ~~فيه غير ثلاثة أيام ثم إنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه سلام عليك ~~واني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأشكره على ما فتح علينا ورزقنا من الغنيمة والنصر وأعلمك يا أمير ~~المؤمنين أن الله عز وجل قد فتح على المسلمين كرسي النصرانية مدينة أنطاكية ~~وكسر الله عسكرها ونصرنا الله عليهم وهرب هرقل في البحر واني لم أقم بها ~~لطيب هوائها واني خشيت على المسلمين أن يغلب حب الدنيا على قلوبهم فيقطعهم ~~عن طاعة ربهم واني معول على المسير إلى حلب واني منتظر أمرك فان أمرتني أن ~~أسير إلى داخل الدروب فعلت وان أمرتني بالمقام أقمت واعلم يا أمير المؤمنين ~~أن العرب قد ms428 نظرت إلى بنات الروم فدعتهم أنفسهم إلى التزوج فمنعتهم من ذلك ~~واني أخشى عليهم الفتنة الا من عصمه الله فعجل إلي بأمرك والسلام عليك وعلى ~~جميع المسلمين وطوى الكتاب وختمه وقال معاشر المسلمين من يسير بكتابي هذا ~~إلى أمير المؤمنين فاسرع بالإجابة زيد بن وهب مولى عمير بن سعيد مولى عمرو ~~بن عوف فقال أنا أيها الاميرأوصله إن شاء الله تعالى فقال أبو عبيدة يا زيد ~~أنت لست مالك نفسك وانما أنت مملوك فان أردت المسير فسل مولاك أن يأذن لك ~~في PageV01P309 # ذلك فاسرع زيد إلى مولاه عمير فانكب على يديه يقبلهما فمنعه من ذلك وذلك ~~أن عميرا كان رجلا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة ما يملك من الدنيا سوى ~~سيفه ورمحه وفرسه وبعيره ومزادته وقصعته ومصحفه وكان الذي يصيبه من الغنائم ~~لا يدخر منه ولا يأخذ الا ما يقوته وكان يفرق الباقي على قرابته وقومه فان ~~فاض شيء يرسله إلى عمر رضي الله عنه يفرقه على فقراء المسلمين المهاجرين ~~والأنصار قال فلما أراد زيد أن يقبل يد سيده منعه وقال له ما الذي تريد ~~فقال يا مولاي تأذن لي أن أكون رسولا للمسلمين بشيرا إلى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه فقال عمير بن سعيد تريد أن تكون بشيرا للمسلمين وأمنعك من ذلك اني ~~إذا لآثم امض فأنت حر لوجه الله تعالى وأرجو بعتقك أن يجيرني الله من النار ~~قال ففرح زيد بذلك وعاد إلى أبي عبيدة فأخبره أن ببركة كتابه صار حرا فسر ~~أبو عبيدة وسار زيد على نجيب من نجب اليمن دفعه اليه وكان سابقا قال فجعل ~~زيد يطلب أقرب الطرق حتى قدم المدينة ودخلها وإذا بها ضجة عظيمة ولأهلها ~~ضجيج وهم يهرعون نحو البقيع وقباء فقلت لنفسي ان لهم أمرا فتبعتهم لأرى ما ~~شأنهم وأنا أحسب انهم يريدون حربا فرأيت رجلا فعرفته فسلمت عليه فعرفني ~~وقال أنت زيد قلت نعم قال الله أكبر ما وراءك يا زيد قلت البشارة والغنيمة ~~والفتح قلت ما فعل أمير ms429 المؤمنين عمر بن الخطاب قال أنه خارج يريد الحج ~~ومعه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحج بهن والناس يشيعونه قال زيد بن ~~وهب فأنخت بعيري وعقلته وأسرعت مهرولا حتى وقفت بين يدي عمر رضي الله عنه ~~وهو يمشي راجلا ووراءه مولاه يقود بعيرا وقد رحله بعباءة قطوانية وزاده ~~وجفنته عليه والهوادج بين يديه سائرة وعن يمينه علي بن أبي طالب وعن يساره ~~العباس ابن عبد المطلب ومن ورائه المهاجرون والأنصار وهو يوصيهم بالمدينة ~~قال زيد بن وهب فلما وقفت بين يديه ناديت السلام عليك يا أمير المؤمنين أنا ~~زيد بن وهب مولى عمير بن سعيد اتيتك بشيرا قال عمر بشرك الله بخير فما ~~بشارتك قلت هذا كتاب من عاملك أبي عبيدة يخبرك أن الله قد فتح على يديه ~~أنطاكية قال فلما سمع عمر بذكر أنطاكية وان الله فتحها خر لله ساجدا يمرغ ~~خديه على التراب ثم إنه رفع رأسه من سجوده وقد تترب وجهه وشيبته من التراب ~~وهو يقول اللهم لك الحمد والشكر على نعمك السابغة ثم قال هات الكتاب رحمك ~~الله فناولته إياه فلما قرأه بكى فقال له علي كرم الله وجهه مم بكاؤك قال ~~مما صنع أبو عبيدة بالمسلمين وبما استعقب رايه في الموحدين ثم قال إن النفس ~~لامارة بالسوء ودفع الكتاب إلى علي فقرأه على المسلمين إلى آخره قال زيد بن ~~وهب ثم رأيت عمر قد هدا من بكائه وقد زاد فرحه وأقبل علي وقال يا زيد إذا ~~عدت فأمعن النظر في اتيانها وأعنا بها واحمد الله كثيرا فقلت يا أمير ~~المؤمنين ليس هذا أوانه قال ثم جلس عمر على الأرض ودعا بدواة وقرطاس ~~PageV01P310 # وكتب إلى أبي عبيدة كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله ~~عمر إلى عامله بالشام أبي عبيدة عامر ابن الجراح سلام عليك واني أحمد الله ~~الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه وأشكره على ما وهب من النصر للمسلمين ~~وجعل العاقبة للمتقين ولم يزل بنا لطيفا معينا وأما ms430 قولك لم نقم بأنطاكية ~~لطيبها فان الله عز وجل لم يحرم الطيبات على المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحا وقال * (يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله) * الآية فكان يجب ~~عليك أن تريح المسلمين من تعبهم وتدعهم يرغدون في مطعمهم ويريحون أبدانهم ~~من نصب القتال مع من كفر بالله وأما قولك انك منتظر أمري فالذي آمرك به أن ~~تدخل وراء العدو وتفتح الدروب فإنك الشاهد وأنا الغائب وقد يرى الشاهد ما ~~لا يراه الغائب وأنت بحضرة عدوك وعيونك تأنيك بالأخبار فإن رأيت أن دخولك ~~إلى الدروب بالمسلمين صواب فابعث إليهم بالسراية وادخل معهم إلى بلادهم ~~وضيق عليهم المسالك ومن طلب منك الصلح فصالحهم ووف لهم بما تقدر وأما قولك ~~ان العرب أبصرت نساء الروم فرغبت في التزوج فمن أحب ذلك فدعه ان لم يكن له ~~أهل بالحجاز ومن أراد أن يشتري الإماء فدعه فان ذلك أصون لفروجهم واعف ~~لنفوسهم وما تحتاج أن أوصيك في أمر فلنطانوس صاحب رومية أوسع عليه في ~~النفقة وعلى من معه فإنه قد فارق أهله وملكه وأمره ونهيه والسلام عليك وعلى ~~جميع المسلمين وطوى الكتاب ودفعه لزيد بن وهب وقال له انطلق رحمك الله ~~وأشرك عمر في ثوابك فأخذ زيد الكتاب وهم أن يسير فأمره أن يقف وقال له على ~~رسلك حتى يزودك عمر من قوته ثم إن عمر أناخ راحلته وأخرج له تمرا وأعطاه ~~صاع تمر وصاع سويق وقال يا زيد اعذر عمر فهذا ما أمكنه ثم إن عمر قبل راس ~~زيد بن وهب فبكى زيد وقال يا أمير المؤمنين أو بلغ من قدري أن تقبل رأسي ~~وأنت أمير المؤمنين وصاحب سيد المرسلين وقد ختم الله بك الأربعين فبكى عمر ~~وقال أرجو أن يغفر الله لعمر بشهادتك قال زيد بن وهب فاستويت على كور ناقتي ~~وهممت بالمسير فسمعته يقول اللهم احمله عليها بالسلامة واطو له البعيد وسهل ~~له القريب انك على كل شيء قدير ms431 قال زيد بن وهب ففرحت بدعوة عمر رضي الله ~~عنه وعلمت ان الله لا يرد دعوته إذ كان لربه طائعا ولنبيه تابعا فجعلت أسير ~~والأرض تطوي لي تحت اخفاف مطيتي فكنت والله في اليوم الثالث عند أبي عبيدة ~~وقد رحل عن أنطاكية وقد نزلت على حازم قال زيد فلما وصلت إلى عساكر ~~المسلمين سمعت ضجة وجلبة وقد ارتفعت الأصوات فسألت رجلا من أهل اليمن ما ~~سبب ذلك قال فرحا بما فتح الله على المسلمين وهذا خالدج قد اتى وكان قد ضرب ~~على شاطىء الفرات وأغار بخيله وقد صالحه أهل منبج وبزاعة وبالس وأتى ~~برجالهم وأموالهم وافتتحها صلحا وقد فتح منبج وبزاعة وبالس وقلعة نجم في ~~العشر الأوسط من المحرم سنة ثماني عشرة من الهجرة وصالحهم بعد رد أموالهم ~~على مائة ألف وخمسين PageV01P311 # ألف دينار وأخذها بعد أن نزل صاحبهم جرفناس وسار بأمواله وعبيده وخيوله ~~إلى بلاد الروم وولى على منبج عباد ابن رافع التيميي وعلى الجسر نجم بن ~~مفرج وولى على بزاعة أوس بن خالد الرابعي وعلى بالس بادر بن عوف الحميري ~~وبنى له بها قلعة إلى جانب بالس من الشرق وسماها باسمه وعاد خالد بالأموال ~~والأثقال يوم قدوم زيد بن وهب قال فأتيت أبا عبيدة وهو جالس وخالد إلى ~~جانبه وقد قدم مال الصلح فانحت ناقتي وسلمت عليهم ودفعت الكتاب إلى أبي ~~عبيدة ففضه وقراه على المسلمين فلما سمعت المسلمون ما فيه قال أبو عبيدة ~~معاشر المسلمين ان أمير المؤمنين قد جعل أمر الدخول إلى الدروب إلي وقال ~~أنت الشاهد وأنا الغائب وأنا لا أفعل شيئا الا برأيكم فما تشيرون علي أن ~~أفعل رحمكم الله فلم يجبه أحد وأعاد القول ثانيا فلم يجبه أحد والله أعلم ~~تم الجزء الأول PageV01P312 # بسم الله الرحمن الرحيم * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) * ذكر غزوة مرج ~~القبائل داخل الدروب فقال أبو عبيدة معاشر المسلمين هذا الشام قد ملكتموه ~~وملككم الله إياه واخرج عدوكم منه بالذل والهوان وأورثكم أرضهم وديارهم كما ~~قال الله تعالى في ms432 كتابه العزيز فما تشيرون به علي اندخل في هذه الدروب ~~وراء أعدائنا فلم يجبه أحد فأعاد الكلام ثم قال ما هذا السكوت أفشل بكم بعد ~~الشجاعة أم كسل بعد النشاط أم قد انتقيتم من الحسنات ولم يبق عليكم من ~~الذنوب وان الحسنات لكم كثيرة ولم يبق عليكم خطيئة فالرغبة إلى الله ان ~~يعينكم على الجهاد فهو خير لكم من الدنيا وما فيها قال فكان أول من تكلم ~~ميسرة بن مسروق العبسي فقال أيها الأمير أنا لم نسكت لجزع لحقنا ولا لفزع ~~رهقنا وانما بعضنا ينتظر بعضا اجلالا وأدبا وأعلم أيها الأمير انه ما لنا ~~تجارة ولا عمل غير الجهاد في أعداء الله وها نحن لك وبين يديك ومنك الامر ~~ومنا الطاعة لله ولرسوله ولك وأما أنا فلا أملك ألا نفسي فوجهني حيث شئت ~~تجدني طائعا فقال أبو عبيدة معاشر المسلمين من له رأي وحضرته مشورة فليقلها ~~ويظهر ما عنده فقال خالد أيها الأمير ان إقامتنا عن طلب القوم وهن وعجز منا ~~في ديننا وطلبهم هو الغنيمة والنصر من عند الله والذي أشير به أيها الأمير ~~أن تبعث الجيوش في كل درب من هذه الدروب فان ذلك يوهن العدو وتقر به أعين ~~المسلمين قال فجزاه أبو عبيدة خيرا وقال يا ابا أبا سليمان اني قد رأيت أن ~~أعقد لميسرة عقدا وأسير معه رجالا لأنه هو أول سارع إلى هذا الأمر وأشار به ~~فيفتح الله لهم الدروب ويغير على ما من قرب من البلاد ويرجع فيخبرنا عن خبر ~~البلاد فنعمل على حسب ما نرى فقال خالد هذا الصواب فعقد لميسرة وانتخب له ~~من القبائل PageV02P005 # ثلاثة آلاف فارس من الشجعان وألف عبد من السودان وجعل من كل قبيلة نقيبا ~~وجعل على العبيد دامسا ابا الهول قال فلبسوا أكمل السلاح وكل منهم يقول أنه ~~يلقي الكتيبة وحده وجعل أمير القوم ميسرة وقال أبو عبيدة يا ابا الهول كن ~~أنت بجماعتك في أوائل العسكر ولا تخالف ميسرة فيما أشار به فإنه مبارك ~~الطلعة فقال سمعا ms433 وطاعة قال وجهز القوم ثم إن خالدا قال أيها الأمير أرسل ~~معهم أدلاء يعرفونهم الطريق ويكونون لهم عيونا على أعدائهم فطلب لهم من أهل ~~حلب من المعاهدين من يكون ناصحا لهم فاختاروا لهم أربعة وأعطاهم أبو عبيدة ~~وأحسن إليهم وطرح عنهم الجزية وقال لهم في أي درب يكون دخول المسلمين في ~~طلب العدو فاجتمع رأيهم على أن يدخلوا في الدرب الأعظم من بلد قورص ثم إنهم ~~قالوا أيها الأمير ان هذه الدروب ليست كمثل البلاد التي فتحتموها بل هي ~~بلاد شديدة البرد كثيرة الشجر والمدر والحجر وفيها مضايق وشعاب وأودية ~~وكهوف وعقبات فقال أهل اليمن سيروا أنتم أمامنا فإنكم ترون منا عجبا فسار ~~أبو الهول والمعاهدون أمامه وسار ميسرة في أعقابهم بعدما ودعوا الناس ومضوا ~~وهم بالتهليل والتكبير وقراءة القرآن والمسلمون يدعون لهم بالنصر والسلامة ~~قال عطاء بن جعيدة وسرنا والدليل أمامنا حتى أتينا عقبة حنداس فقطعناها ~~وعبرنا نحو الساجور وأتينا قورص فنزلنا فيها وبتنا فلما أصبحنا ودخلنا ~~الدروب وجدنا بها أرضا وعرة وأشجارا ومياها جارية ومضايق ليس للفرس فيها ~~مجال فهالنا وحشة ذلك المكان إذ ليس للعرب فيه مجال ولا فسحة فقلت في خاطري ~~ان طالت علينا هذه الأودية خشيت على المسلمين أن يظفر بهم عدوهم والادلاء ~~أمام المسلمين وقد تعلقوا في جبال شامخة صعبة الصعود فلم يبق أحد الا وترجل ~~عن فرسه قال ومشينا حتى تقطعت نعالنا وسال الدم من أرجلنا فلم نزل على ذلك ~~ثلاثة أيام والادلاء يقولون لنا كونوا على يقظة فان أخذ عليكم المجاز هلكتم ~~فلما كان في اليوم الرابع خرجنا إلى ارض واسعة وكان دخولنا إلى بلاد الروم ~~في أول الصيف ونحن مخففون من الثياب ولما دخلنا إلى تلك الأرض وجدنا بردا ~~كثيرا ونظرنا إلى الثلج وهو على الجبال عن يميننا وشمالنا قال وكان دامس ~~أبو الهول يأخذ معه ثيابا تدفئه فحصل له من البرد فقال يا ابا الهول ما لي ~~أراك ترتعد فقال أخذني البرد وليس معي ما يدفئني فدفع اليه فروة فلبسها ms434 ~~فدفىء فقال كساك الله من ثياب الجنة قال الواقدي وساروا إلى أن وصلوا إلى ~~أرض طيبة كثيرة PageV02P006 # المياه قليلة الشجر فنزلوا فيها ثم إنهم ساروا فلم يروا أحدا لان الروم ~~كانوا قد نزحوا عن البلاد لحذرهم من المسلمين فلما كان في اليوم الخامس ~~ونحن سائرون إذ لاحت لنا قرية فقصدها المسلمون وإذا هي خالية بل سمعوا ~~أصوات الديوك والغنم فدخلوها فلم يجدوا عندها مانعا ولا دافعا فعرفنا انهم ~~تواروا عنا فصاح ميسرة وقال خذوا حذركم فان القوم قد انهزموا فدخل الناس ~~إلى القرية فأخذوا ما كان فيها من طعام وأثاث ومتاع قال سعيد بن عامر فرأيت ~~أبا الهول وهو يحمل على عاتقه ثلاثة أكسية وقطعتين قال فقلت له يا أبا ~~الهول ما هذا فقال استعد به لبرد هذه البلاد الخبيثة فما أنساها ابدا قال ~~وأخذوا ما كان في القرية من طعام وعلوفة وساروا إلى أن وصلوا إلى مرج يقال ~~له مرج القبائل وهو مرج واسع فانبثت الخيل فيه يمينا وشمالا ونزل الجيش ~~هناك وميسرة يراود نفسه في الرجوع إلى حلب وذلك أن أبا عبيدة كان قد أمره ~~ان لا يبطىء عنه وأن يكون حذرا فبينما هو كذلك والخيل منبثة والناس آمنون ~~من عدو يدهمهه إذ أقبل بعض الخيالة ومعه علج يقوده فلما وصل إلى ميسرة قال ~~له ما شأن هذا ومن أين أخذته فقال اعلم أيها الأمير اني سبقت أصحابي فرأيت ~~شخصا يلوح مرة ويختفي مرة فأسرعت اليه فإذا هو هذا فأتيته وسقته إليك قال ~~فتقدم اليه رجل من المعاهدين فسأله فحدثه فأطال معه الكلام والناس سكوت ~~فلما أطال قال ميسرة ويلك ما الذي يقول هذا العلج فقال أيها الأمير انه ~~يقول إن الملك هرقل لما ركب البحر وخرج من أنطاكية ووصل إلى قسطنطينية ~~قصدته الروح من كل مكان من المنهزمين وغيرهم وبلغه ان أنطاكية قد فتحت صلحا ~~وانه قتل من كان فيها من المقاتلة فصعب عليه وبكى ثم قال السلام عليك يا ~~أرض سوريا إلى يوم اللقاء وقد تجمع ms435 عنده من البطارقة والحجاب وغيرهم خلق ~~كثير فقال لهم أني أخاف من العرب أن ترسل في طلبنا ثم أنه جهز ثلاثين ألفا ~~مع ثلاثة بطارقة وأمرهم ان يحفظوا له الدروب فقال له ميسرة قل له كم بيننا ~~وبينهم قال يقول لكم فرسخان قال فلما سمع ذلك ميسرة أطرق إلى الأرض لا يرد ~~جوابا ولا يبدي خطابا فقال له رجل من آل سهم يقال له عبد الله بن حذافة ~~السهمي وكان من أبطال الموحدين وشجعانهم وكان له عمود من حديد وكان يقاتل ~~به لا يقله في الحرب سواه وكان ذميم الخلقة فقال لميسرة بن مسروق ما لي ~~أراك أيها الأمير مطرقا إلى الأرض أطراق الحصان لصلصلة اللجام والرجل منا ~~يقابل ألفا من الروم فقال والله يا عبد الله ما أطرقت خوفا ولا جزعا ولكن ~~خوفا على PageV02P007 # المسلمين أن يصابوا تحت رايتي وهي أول راية دخلت الدروب فيلومني عمر بن ~~الخطاب وكل راع مسؤول عن رعيته فقال المسلمون والله ما نبالي بالموت ولا ~~نفكر في الفوت لأننا قد بعنا أنفسنا بجنة ربنا ومن يعلم أنه ينقل من دار ~~الفناء إلى دار البقاء فلا يبالي بما وصل اليه من الكفار ثم إنه قال أيها ~~الناس أترون أن نلقاهم في موضعنا هذا أو نسير إليهم فسألوا المعاهد وقالوا ~~ان كان موضعهم افسح من هذا رحنا إليهم فقال ليس من هذه البلاد بعد عمورية ~~أفسح من هذا المكان فان عولتم على لقائهم فاثبتوا مكانكم وان عدتم إلى ~~ورائكم كان خيرا لكم من قبل ان يشرف عليكم عدوكم قال فعرض ميسرة على العلج ~~الاسلام فأبى وكانوا كالجراج المنتشر وكان قد مضى النهار فأضرمت النيران ~~فلما أصبح الصبح صلى ميسرة بالناس صلاة الفجر فلما فرغ قام في الناس خطيبا ~~فقال أيها الناس هذا يوم له ما بعده وان رأيتكم هذه أول راية فضرب عنقه ~~فبينما هم على ذلك إذ أشرفت عليهم الروم فنزلوا بإزائهم ما لا يحصل لغيره ~~فقال قبح الله تلك البلاد فإذا كان هذا البرد ms436 عندهم في الصيف فكيف يكون في ~~الشتاء وجعل يرتعد فرآه ميسرة دخلت الدروب واعلموا ان اخوانكم مطاولون ~~لفعلكم واعلموا أن الدنيا دار ممر ولآخرة دار مقر واسهوا ما قال نبينا صلى ~~الله عليه وسلم الجنة تحت ظلال السيوف ولا تنظروا إلى قلتكم وكثرة أعدائكم ~~فقد قال تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ~~فقال المسلمون اركب بنا يا ميسرة على بركة الله والقهم بنا وانا لنرجو من ~~الله النصر عليهم قال فاستبشر بقولهم وركبوا وانفصلت العبيد من العرب ~~ووقفوا تحت راية أبي الهول وأخذوا على أنفسهم قتال عدوهم واستنصروا بربهم ~~وهو يوصيهم وجعل على الميمنة عبد الله بن حذافة السهمي وعلى الميسرة سعد بن ~~أبي سعيد الحنفي وقدم العبيد مع أبي الهول فلم ينطق بكلمة وركب جيش الروم ~~ومدوا سفوفهم ثلاثة صفوف كل صف عشرة آلاف وأمامهم الصلبان وهم في عددهم ~~وعديدهم فلما استوت الصفوف خرج رجل من الروم من المتنصرة وقرب من المسلمين ~~وقال إن الباغي بغية يرديه أما كفاكم ما ملكتموه من الشام العظيم حتى ~~اقتحمتم هذه الجبال وانما ساقتكم الآجال وهنا ثلاثون ألف عنان وقد حلفوا ~~بالصلبان أن كلا منهم لا ينهزم وان وقع ميتا فان أردتم أن نبقي عليكم ~~فاستسلموا للاسر حتى يحكم الملك هرقل فيكم بما يريد فخرج أبو الهول والراية ~~بيده وقال له صدقت في قولك ان الباغي يرديه بغيه وأما قولك انا نلقى إليكم ~~بأيدينا لتبقوا علينا فأنت إذا باغ بقولك هذا إذ نطقت بغير تجربة منكم وها ~~أنا عبد من عبيد العرب لا قدر لي ولا قيمة عند ذوي الرتب فاقرب مني حتى ~~أجندلك صريعا تخور في دمك PageV02P008 # ثم أن دامسا همز حصانه اليه وطعنه فأرداه عن فرسه قتيلا ثم جال على فلوه ~~وهز رايته وقال الله وأكبر فتح الله ونصر وجاءنا بالظفر ونظرت الروم إلى ~~أبي الهول وقد قتل صاحبهم وكان من شجعانهم فغضبوا لذلك فخرج اليه آخر فما ~~تركه يقرب منه حتى طعنه في ms437 نحره فأخرج السنان من ظهره ونظر الروم إلى ذلك ~~فقالوا هذا عبد من عبيد العرب قد فعل ما ترون قال فلم يجسر أحد أن يخرج ~~اليه فأغار عليهم وقتل من القلب واحدا ورجع قال فحمل عليه صف من الصفوف وهم ~~عشرة آلاف ودهموه بالخيل فحملت العبيد وحملت المسلمون والتقى الجمعان قال ~~ميسرة فالله در العبيد لقد ابلوا بلاء حسنا واستنقذوا ابا الهول من عين ~~الهلاك وهم يقولون نحن عبيد العباد الله وضربنا مثل الحريق في سبيل الله ~~ونقتل من كفر بالله قال ولم يزل الحرب بينهم حتى قامت الشمس في قبة الفلك ~~وحمي عليهم الحر وافترق الجمعان قال وان المسلمين موقنون بالظفر والنصر ~~والمشركون قد أيقنوا بالهلاك وقد قتل منهم خلق كثير واسر من الروم تسعمائة ~~وقتل منهم زهاء من ألف فلما أنفصل الجمعان افتقد المسلمون ابا الهول فلم ~~يجدوه فقال ميسرة أن كان أبي الهول قد قتل أو أسر فقد أصبنا به والى الله ~~تعالى اشكو ما أصبنا من فقد أبي الهول واسر من المسلمين عشرة ثم إن ميسرة ~~قال من فيكم يكشف لنا خبرهم وإذا بالروم قد عادوا للقتال وحملوا بأجمعهم ~~فقاتلوا قتالا شديدا فكان الرجل من المسلمين يجتمع عليه العشرة والعشرون ~~والخمسون إلى أن يقتلوه أو يأسروه وكانت العرب في أربعة آلاف والروم في ~~ثلاثين ألفا فعظم بينهم الحرب وهاج الطعن والضرب فلله در ميسرة بن مسروق ~~العبسي لقد جاهد في الله حق جهاده وهو مع ذلك ينادي أيها الناس اذكروا ~~الدار الآخرة واعلموا أنها أقرب لاحدكم من رجوعه لأهله فاستقبلوها استقبال ~~الوالدة لولدها ولا تولوا الادبار عنها فان أصاب القوم منا فاني اخشى أن ~~ذلك وهن بنا ثم إنه نادى أحطموا أجفرة سيوفكم فذلك طريق النجاة قال زيد بن ~~وهب فلم يبقى أحد من المسلمين حتى رمى بجفير سيفه فلما رأت الروم ذلك فعلوا ~~مثلنا ورمى كل منهم بجفير سيفه وسميت تلك الواقعة باسمين وقعة مرج القبائل ~~ووقعة الحطمة لأجل حطم أغمدة السيوف قال واقتتلوا حتى ms438 أن الرجل يقول أن ~~سيفه ما بقي يقطع والمسلمون يبتهلون إلى الله والكفار تعج بكلمة كفرهم قال ~~وان المسلمين يطلبون الفرج من الله والسودان تقاتل قتال الموت وكان شعار ~~العرب في ذلك اليوم النصر النصر وشعار السودان يا محمد يا محمد قال ابن ~~ثابت وكنت قد أخذني القلق على المسلمين ونحن PageV02P009 # في ركب عظيم إذ سمعت في الروم ضجة هائلة وإذا بهم يقاتلون أناسا من ~~ورائهم وهم في وسط عسكرهم والزعقات منهم قد علت وسمعت قائلا يقول لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله فقلت هذه أصوات الملائكة فاتبعت الصوت فإذا هو صوت ~~دامس أبي الهول وهو بارك تحت حجفته ومعه العشرة المأسورين وهم يقاتلون معه ~~ويحمون بعضهم إلى أن خلصوا من بيتهم وسمعته يقول هذه الأبيات * يوثقني ~~الأعداء في الحديد * وناصري وسيدي المبيد * مهلك عاد وبني ثمود * أغاثني ~~بعونه الشديد * محمد الطاهر الرشيد * فحل عني القيد والحديد * ذاك رسول ~~الملك المجيد * صلى عليه الناصر الحميد * قال فحملت المسلمون وكشفوا عنهم ~~فخرجوا وكأنهم قد غرقوا في بحر دم ووالله ما قتل من المسلمين أكثر من خمسين ~~رجلا بواحد أو باثنين وقتل من المشركين نيف عن ثلاثة آلاف غير ما قتله أبو ~~الهول وأصحابه في وسط عسكر الكفر فلما نظر ميسرة إلى دامس أراد أن يترحل ~~اليه فأقسم عليه أن لا يفعل وافترق الجيشان فضم ميسرة دامسا إلى صدره وقبله ~~بين عينيه وقال له كيف كان أمركم قال اعلم أيها الأمير أن الروم كانوا قد ~~تكاثروا على فرسي فقتلوه ووقعت فأخذوني أسيرا وجعلوني في الحديد وفعلوا ~~بأصحابي مثلي وقد ايسنا من أنفسنا فلما جن الليل رايت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يقول لا بأس عليك يا دامس اعلم أن منزلتي عند الله عظيمة ثم ~~إنه أمر يده الكريمة على الحديد فسقط مني وفعل ذلك مع أصحابي وقال لنا ~~أبشروا بنصر الله فأنا نبيكم محمد رسول الله وقال لي أقرىء عني ميسرة ~~السلام وقل له جزال الله خيرا ثم غاب ms439 عني فانتبهت فوجدت الموكلين بنا نياما ~~مما لحقهم من التعب وقد رموا سلاحهم فأخذنا سيوفهم وطوارقهم وقتلناهم ~~وحملنا فيهم ونصرنا الله عليهم ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلنا ~~منهم من قتلناوخرجنا من بينهم سالمين وهذا حديثنا قال فضج المسلمون ~~بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير النجدة قال الواقدي ثم إن ~~بطريق الروم كان اسمه جارس فلما رأى ما قد حل بأصحابه قال وحق المسيح خاب ~~ملك أنتم حماته فإن لم تقاتلوا بعزم وشدة والا قتلتكم قال فتحالفوا أن لا ~~ينهزموا أو يقتلوا عن آخرهم فلما وثق منهم أمر أن تضرم الينران على شواهق ~~الجبال PageV02P010 # وأمر أن ينفذ النفير إلى البلاد بأسرها قال فأتت اليه الروم من كل جانب ~~فأتى اليه عشرون ألفا ولكن المسلمين لم يكترثوا بذلك فلما كان الغد صلى ~~ميسرة بالمسلمين صلاة الخوف وهو أول من صلاها داخل الدروب وأول راية دخلت ~~كانت رايته فلما فرغ من صلاته قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ~~وصلى على نبيه وقال أيها الناس اثبتوا لما نزال بكم فالصبر عند نزول ~~المصائب وهذه رحمة من الله لنا إذ نحن في صدور الأعداء وقد دارت بنا هذه ~~الجيوش ونحن لا نقاتل الا بنصر الله لنا وان الأمير أبا عبيدة كان قد أمرني ~~أن لا أبعد بكم عنهم ولنا منهم الآن سبعة أيام وما يظن أبو عبيدة أننا ~~نلاقي جيشا فقال له سعيد بن زيد يا ميسرة ما الذي تريد بهذا الكلام أن كنت ~~تريد أنك تحرضنا فنحن أشوق إلى لقاء الله من الظمآن إلى الماء البارد فقال ~~ميسرة ما أردت بذلك الا مشورتكم وقد رايت أن ننفذ إلى أمير المسلمين رجلا ~~نعلمه بما قد بلينا به وان مدد القوم يزيد فلعله ينجدنا باخواننا فقال سعيد ~~نعم ما قد أشرت به فدعا برجل من الأربعة المعاهدين ووعده بكل خير وأمره أن ~~يأخذ معه آخر وأن يسير إلى أبي عبيدة ويعلمه أن نفير القوم قد لحقنا من ~~الحصون والقرى وسائر البلاد ms440 وقد نزلوا بازائنا وان يحدثه بما قد رأى قال ~~فسار المعاهد والرجل إلى حلب وأجهدا نفسيهما في السير في طرق يعرفانها إلى ~~أن وصلا جيش المسلمين فسقطا كأنهما البغال الهرمة من شدة السير والتعب ~~فأمروا أن يرش عليهما الماء فلما افاقا قال لهما ما وراءكما أهلكت الكتيبة ~~قالا لا والله ولكن نفر عليهم العدو من كل مكان وأخبراه بما كان من الحرب ~~والقتال وكيف حطموا أجفرة سيوفهم وكيف أسر أبو الهول وكيف خلص وما هم فيه ~~فقلق أبو عبيدة عند ذلك وقام مسرعا وأتى قبة خالد بن الوليد فوجده يصلح ~~درعه فلما رآه قام اليه قائما وقال له خيرا أيها الأمير فأخذ بيده وسار به ~~إلى أن أتى رحله وقال للرجلين قوما فحدثا الأمير بما عاينتما فحدثاه بما كن ~~من أمر المسلمين فقال خالد ان الله سبحانه وتعالى منذ نصرنا ما خذلنا فله ~~الحمد على ذلك وقد أمرنا بالصبر على الشدائد فقال عز من قال يا أيها الذين ~~آمنوا أصبروا وصابروا ورابطوا وقال إن الله مع الصابرين وأما خالد فقال ~~أحبس على الجهاد في سبيل الله ولا أبخل على الله ورسوله فلعل الله أن ~~ينجيني من النار ويرزقني الشهادة ثم أسرع إلى خيمته ولبس لامته وقلنسوته ~~المباركة وركب جواده فوقع النفير في الناس قال فاقبلوا من كل جانب فلولا ان ~~منعهم أبو PageV02P011 # عبيدة كانوا ساروا بأجمعهم فانتخب منهم ثلاثة آلاف فارس واردفهم بألفين ~~آخرين أخبرنا أحمد بن هشام عن عياض عمن حدثه قال لما سار خالد بالجيش ~~لمعونة ميسرة بن مسروق ومن معه رفع خالد يديه إلى السماء وقال اللهم اجعل ~~لنا إليهم سبيلا واطو لنا البعيد ويسر لنا كل صعب شديد وسار نحو الدروب قال ~~وأما ميسرة ومن معه فإنهم دارت بهم الروم من كل جانب وهم يقاتلون في كل يوم ~~أشد القتال إلى أن يقبل الظلام فيفترقون وفي كل يوم يزيد عددهم ومددهم وقد ~~لحق المسلمون من التعب والجراح ما لحقهم ولكن من غير فشل وكأنهم قوم قد ms441 حجب ~~عنهم الموت بأذن الله تعالى قال الواقدي حدثنا عمر بن راشد عن الزبيدي قال ~~لما سار خالد ليلحق ميسرة وينجده إلى داخل الدروب سجد أبو عبيدة سجدة أطال ~~فيها وقال اللهم إني أسألك بمن جعلت اسمه مع اسمك وعرفت فضله لأنبيائك ~~ورسلك الا طويت لهم البعيد وسهلت لهم كل صعب شديد والحقتهم باصحابهم يا ~~قريب يا مجيب قال وميسرة ومن معه منتظرون من الله فرجا يأتيهم ونصرا ينزل ~~عليهم قال عبد الله بن الوليد الأنصاري حدثني ثابت بن عجلان عن أبا سليمان ~~بن عامر الأنصاري قال كنت مع ميسرة في وقعة مرج القبائل ويوم حطمنا أغمدة ~~السيوف والروم تقبل من كل جانب ومكان إلى المسلمين ونحن بناكر القتال ونروح ~~رواحا قال أبا سليمان ين عامر فخرج يوما من الأيام بطريق من الروم قد لبس ~~درعين وعليه سواعد من الحديد وعلى رأسه بيضة تلمع فوقها صليب من الجوهر ~~وبيده عمود من الحديد كأنه ذراع بعير فجال بين الصفوف وطلب البراز وكان أحد ~~الثلاثة المقدمين على الثلاثين ألفا قال قال فجعل يدعو إلى البراز ويطمطم ~~فقال ميسرة للترجمان ما يقول هذا الأغلف قال إنه يذكر انه فارس شديد ويطلب ~~شجعانكم وأبطالكم فقال ميسرة من يبرز اليه فأسرع اليه رجل من المسلمين من ~~قبيلة النخع وعليه درع من دروع الروم وثياب من ثيابهم فقلنا انه من ~~المتنصرة وقد عاد إلى الاسلام فجعل العلج يتكلم وهو يظن أنه يفهم كلامه ~~فلما رآه لا يبرز اليه حمل عليه وضربه بعموده فزاغ النخعي عنها وعطلها عليه ~~فوقع العمود على رأس جواده فصرع الجواد براكبه وسار النخعي على قدميه ~~فناداه ميسرة يا أخا النخع أرجع فرجع القهقري والعج يطلبه والنخعي راجل ~~والعلج فارس فسار اليه عبد الله بن حذافة السهمي وصاح بالعلج فادهشه فالتفت ~~اليه وسار النخعي إلى أن وصل عسكر المسلمين وحمل عبد الله بن حذافة على ~~العلج وحمل العلج عليه PageV02P012 # وصعب بينهما المجال صار عبد الله كلما ضرب العلج لا يقطع فيه شيئا والعلج ms442 ~~كلما ضرب عبد الله يأخذها بحجفته فتوهن ساعده من ثقل العمود وطال بينهما ~~القتال والتقيا بضربتين فبادره عبد الله بالضربة تحت لحيته فطلب بها نحره ~~فلحق راس سيفه رقبة العلج فطار رأسه عن بدنه وأراد الفرس أن يرجع إلى عسكر ~~الروم فاخذه عبد الله ونزل اليه وأخذ سلبه ورجع إلى المسلمين فعظم ذلك على ~~الروم وكان عندهم معظما وعند الملك قال فبرز بطريق آخر وقال هذا صاحب الملك ~~قد قتل ولا بد لي من أخذ ثأره من الذي قتله اما بقتله أو اسره وأبعث به إلى ~~الملك يصنع به ما يريد ثم أنه أتى البطريق المقتول ورأسه طائح عن بدنه فبكى ~~عليه وقال بلسان فصيح معاشر العرب لا شك ان الله سيهلككم ببغيكم علينا ~~وفعالكم بنا فليبرز إلي قاتل هذا البطريق حتى آخذ منه بثاره فلما سمع عبد ~~الله بن حذافة هم بالخروج فمنعه ميسرة شفقة عليه لأجل راحته فإنه قد تعب ~~وأراد ميسرة أن يلقاه بنفسه فقال عبد الله يدعوني أيها الأمير باسمي وأتخلف ~~أنني إذا لعاجز فقال له ميسرة انني أشفق عليك فقال عبد الله اتشفق علي من ~~تعب الدنيا ولا تشفق علي من حر النار وعيش عاش فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يبرز اليه غيري ثم برز اليه وتحته فرس المقتول وما غير من لامته ~~شيئا وبيده سيفه وحجفته فلما التقيا ورأى البطريق فرس صاحبه علم أنه قاتله ~~فما أمهله حتى نفد اليه وحمل عليه عبد الله كأنه جبل قد انهد من علو وتشبث ~~به وجذبه فاخذه أسيرا وذهب به إلى قومه وقال أوثقوه بالحديد واحملوه على ~~خيل البريد واذهبوا به إلى الملك في هذا الساعة قال ففعلوا ذلك وساروا به ~~ورجع البطريق إلى الميدان وهو يفتخر بما صنع فاراده ثلاثة من المسلمين كل ~~منهم يريد أن يخرج اليه فقال ميسرة ما يخرج لهذا اللعين غيري واستدعى سعيد ~~بن زيد بن عمرو بن نفيل وسلم الراية اليه وقال له كن للراية حافظا حتى أخرج ms443 ~~إلى هذا اللعين فان عدت أخذتها وان قتلني فأجري على الله فأخذ سعيد الراية ~~وخرج ميسرة إلى البطريق وهو يقول * قد علم المهيمن الجبار * بأن قلبي قد ~~كوي بالنار * على الفتى القائم بالاسحار * سيعلم العلج أخو الأشرار * أني ~~منه آخذ بالثار * قال وحمل عليه وتجاولا طويلا وعظم الامر بينهما وتدانيا ~~وتقاربا وتباعدا وغابا عن الابصار تحت الغبار وكل فرقة تنظر إلى صاحبها ~~وتدعو له ثم انكشفا وهما للتفرق أقرب منهما للتقارب فقال العلج PageV02P013 # لميسرة بحق دينك ما هذه الراية التي طلعت من وراء عسكركم فلم يلتفت إلى ~~كلامه بل قال له وما ذلك على الله بعزيز فقال وحق ديني ما قلت لك الا حقا ~~قال وهو يحلف كاذبا فالتفت ميسرة لحرصه ان يأتي الله بالفرج وينظر لحقيق ما ~~قاله اللعين فحمل البطريق عليه ومكن يده منه ليأخذه أسيرا وإذا قد طلعت ~~راية خالد بن الوليد وهي مشرقة بالنور وهي في يد خالد ابن الوليد وكبر ~~المسلمون يدا واحدة فمن عظم تكبيرهم ارتجت يد العلج عن ميسرة والتفت ~~البطريق ليرى ما الخبر فقبض عليه ميسرة وهم ان يقلعه فلم يقدر لأنه كان ~~مرفلا في السرج فجعل يجذبه فلم يقدر وقرب خالد منهم فرفع سيفه يريد أن يضرب ~~به ميسرة ليطلقه من يده فحاد السيف عن ميسرة ووقع على يد العلج الشمال ~~فقطعها وانتخع ميسرة وانثنى البطريق إلى أصحابه ويده مقطوعة وهو يئن فالتقى ~~به غلمانه فأخذوه وكووه وأما خالد فإنه التقى بميسرة وتسالما وحدثه بما وقع ~~له مع الروم وكيف أسروا عبد الله بن حذافة السهمي فتاسف خالد واسترجع وقال ~~يؤسر مثل عبد الله بن حذافة والله لا يفارقهم خالد أو يخلصه أن شاء الله ~~تعالى وأقام خاد بقيد ذلك اليوم فلما كان من الغد أتاهم من جيش الروم شيخ ~~وعليه مسوح السواد حتى وقف بإزائهم وأومأ بالسجود فمنعه خالد وقال ما الذي ~~تريد قال إن كبير هؤلاء القوم يريد صلحكم ويطلق اسيركم ويدفع ما تريدون ~~وترجعون فقال ما نرجع الا ms444 على انفصال وأما الأسير فإذا لم تطلقوه طوعا ~~أطلقتموه كرها قال أنت أمير هؤلاء قال نعم قال أن رايت أن تؤخر القتال بقية ~~يومنا هذا وليلتنا فافعل لندبر ما بيننا وبينكم ويبرد وجع هذا البطريق ~~ونجيبكم إلى ما تريدون قال له أجبناكم إلى ذلك فرجع الشيخ إلى قومه وقال ~~البطريق قد أجابوا ووضعت الحرب أوزارها ونزل خالد والمسلمون بإزائهم في ~~أماكنهم واضرم الروم النيران وزادوا فيها وحملوا أثقالهم وساروا من أول ~~الليل فلما كان الغد ركب المسلمون فلم يجدوا للروم أثرا فعلموا أنهم قد ~~ولوا الادبار فتأسف خالد على ما فاته فأراد أن يتبعهم فمنعه ميسرة وقال له ~~انها بلادهم وهي وعرة وان الصواب رجوعنا إلى عسكر المسلمين قال فأخذوا ما ~~تركه الروم ورجعوا منصورين ولكنهم حزينون على أسر عبد الله بن حذافة السهمي ~~وساروا حتى أتوا حلب فلقيهم أبو عبيدة وفرح بسلامتهم وأقبل ميسرة يحدثه بما ~~جرى لهم وكيف أسر عبد الله بن حذافة فتأسف عليه وقال اللهم اجعل له من أمره ~~فرجا ومخرجا وكتب إلى عمر بن الخطاب يخبره بما وقع له من أمر السرية إلى ~~الدروب وما كان من المسلمين وأخبره بأسر عبد الله بن حذافة وبعث الكتاب ~~PageV02P014 # كتاب عمر فلما وصل إلى عمر بن الخطاب فرح بسلامة المسلمين واغتم على عبد ~~الله بن حذافة واسره لأنه كان يحبه حبا شديدا فقال وعيش رسول الله لاكتبن ~~إلى هرقل بأن يرسل عبد الله بن حذافة فإن لم يفعل والا سرت اليه بالجيوش ~~والعساكر ثم إنه كتب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ~~ولا ولدا وصلى الله على نبيه محمد المؤيد من عبد الله عمر بن الخطاب أمير ~~المؤمنين أما بعد فإذا وصل إليك كتابي هذا فابعث إلي بالأسير الذي عندك وهو ~~عبد الله بن حذافة فان فعلت ذلك رجوت لك الهداية وان أبيت بعثت إليك رجالا ~~وأي رجال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله والسلام على من أتبع ~~الهدى وخشي عواقب ms445 الروى ثم إنه طوى الكتاب وبعث به إلى أبي عبيدة وأمره أن ~~ينفذه إلى هرقل فلما وصل الكتاب إلى هرقل قال له من أين كتابك هذا قال من ~~أمير المؤمنين أمير العرب فقرأه فإذا هو من عند عمر بن الخطاب قال فدعا ~~بعبد الله بن حذافة اليه قال عبد الله بن حذافة فدخلت عليه والتاج على رأسه ~~والبطارقة حوله فلما وقفت بين يديه قال لي من أنت قلت رجل من المسلمين من ~~قريش قال أنت من بيت نبيك قلت لا أنا من بني عمه قال هل لك أن تتبع ديننا ~~وأزوجك ابنة بطريق من بطارقتي وأجعلك من أخصائي فقلت لا والله الذي لا إله ~~إلا هو لا فارقت دين الاسلام أبدا وما جاء به محمد عليه السلام فقال أجب ~~إلى ديننا وأنا أعطيك المال كذا وكذا ومن الغلمان كذا وكذا ومن الجواري كذا ~~وكذا قال عبد الله ثم دعا بسفط من الجوهر وقال إذا دخلت في ديني أعطيتك ~~إياه فقلت لا والله لو أعطيتني ملكك وملك قومك ما فارقت دين الاسلام أبدا ~~ولو أعطيتني كل ما تملكه فقال إذا لم ترجع إلى ديني قتلتك شر قتلة فقلت لست ~~أفعل ولو قطعتني قطعا ولو أحرقتني بالنار لا رجعت عن ديني فاصنع ما أنت ~~صانع قال فغضب من كلامي وقال اسجد لهذا الصليب سجدة وأخلي سبيلك فقلت لست ~~أفعل قال فكل من لحم الخنزير وأنا أطلقك قلت حاشى لله ما كنت بالذي أفعل ~~قال فاشرب من هذا الخمر شربة واحدة وأطلقك قلت لا والله لا أشرب أبدا قال ~~وحق ديني لتأكلن وتشربن قهرا ثم أمر بي فجعلني في بيت وجعل عندي من ذلك ~~اللحم والخمر وقال إذا أضر به الجوع والظمأ أكل وشرب وأغلقوا علي الأبواب ~~PageV02P015 # قال حدثنا عامر بن سهل عن يوسف بن عمران عن سفيان بن خالد عمن يثق به ان ~~هرقل كان قد مات بعد هزيمته من أنطاكية بأيام قلائل مما دخل على قلبه من ~~القهر ويقال أنه مات ms446 مسلما والذي فعل ذلك بعبد الله بن حذافة ولده نسطيوس ~~وكانوا لقبوه باسم هرقل قال فلما كان في اليوم الرابع طلب عبد الله بن ~~حذافة وقال للغلمان ما فعل قالوا لم يأكل شيئا ولم يشرب وهو على حاله فقال ~~له وزيره أيها الملك أعلم ان هذا الرجل شريف في قومه لا يرى الذل فكل ما ~~تفعله في هذا الرجل تفعله المسلمون إذا قبضوا على ملك منا قال فاستدعاه ~~وقال له ما فعلت باللحم قال هو على حاله فقال ما منعك أن تأكل قال فزعا من ~~الله ورسوله وأيضا انه قد حل لي بعد ثلاثة أيام ولكن ما أردت أن تشمت بي ~~الملحدون وورد كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلما قرأه أعطى عبد ~~الله مالا كثيرا وثيابا وأعطاه لؤلؤا كثيرا هدية لعمر بن الخطاب وبعث معه ~~خيلا إلى أن أخرجوه من الدروب ووصل إلى حلب ولقي المسلمين ففرحوا به ثم إنه ~~سار إلى عمر بن الخطاب فلما رآه سجد لله شكرا وهنأه بالسلامة وحدثه بما كان ~~من هرقل وأخرج له اللؤلؤ فلما رآه عمر عرضه على التجار فقالت التجار له هذا ~~ما يقوم ومن جاءك به فقالت الصحابة خذه إليك بارك الله لك فيه فقال لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله إذا كنتم قد جعلتموني منه في حل فكيف أصنع بمن غاب ~~من المسلمين ومن في بطون الأمهات واصلاب الرجال من أولاد المهاجرين ~~والأنصار والمجاهدين في سبيل الله ولا طاقة لعمر بمطالبتهم يوم القيامة ثم ~~باعه وجعل ثمنه في بيت المال حدثنا عمر بن سالم عن عبد الله بن غانم عن أبي ~~بكر بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله قالوا جميعا انه لما فتح ~~أبو عبيدة أنطاكية صلحا وكان من أمر سرية ميسرة بن مسروق ما ذكرناه أقام ~~أبو عبيدة بحلب ينتظر ما يأتي اليه من عمرو بن العاص لما مضى إلى قيسارية ~~في خمسة آلاف من المسلمين فيهم عبادة بن الصامت ms447 وعمرو بن ربيعة وبلال بن ~~حمامة وربيعة بن عامر ذكر فتح قيسارية الشام بساحل البحر قال سبيع بن ضمرة ~~الحراني كنت مع عمرو بن العاص حين سار إلى قيسارية فدخلنا قرية من قرى ~~الشام وكان البرد شديدا ونظرنا إلى كرومها ونظرت إلى كرمة في دار من دور ~~القرية وفيها عناقيد مدلاة أكبر ما يكون فأخذنا منها وأكلنا فبردنا ولحقنا ~~البرد الشديد من شدة برد ذلك العنقود فقلت قبح الله هؤلاء الملاعين بلدهم ~~بارد وعنبهم بارد وماؤهم PageV02P016 # بارد وأنا أخاف الهلاك من شدة برد بلادهم قال فسمعني رجل من أهل البلد ~~فأراد أن يقرب إلي لاداعبه فقال لي يا أخا العرب ان كنت تجد البرد من العنب ~~فاشرب من مائه قال سبيع ثم إنه دلنا على دن كبير فيه خمر فشربت أنا وجماعة ~~من عرب اليمن فسكرنا فجعلنا نتمايل سكرا فأخبر بذلك عمرو ابن العاص فكتب ~~إلى أبي عبيدة يعلمه بذلك فكتب اليه أبو عبيدة أما بعد فمن شربها فحده ~~عليها وأقم حدود الله كما أمر ولا تخش لومة لائم فلما وصل الكتاب إلى عمرو ~~دعا بسبيع ابن ضمرة وأصحابه فجلدهم بالسياط قال سبيع فلما ضربني عمرو ~~وأوجعني قلت والله لأقتلن العلج الذي دلنا على الخمر حتى شربناها وأكلنا ~~الحد فأخذت سيفي ودخلت القرية أطلب العلج فلما رأيته ووقعت عيني عليه أردت ~~قتله فولى هاربا فتبعته وهو يقول ما ذنبي عندك فقلت أنت دللتني على ما يغضب ~~الله حتى أكلت الضرب فقال والله ما علمت أنه محرم عليكم قال فناداني عبادة ~~بن الصامت وقال يا سبيع إياك أن تقتله فإنه تحت الذمة قال فتركته ومضى ~~العلج وأتى إلي بتين وجوز وزبيب وقال كل هذا بذاك فإنه يدفئك قال فأكلته ~~فوجدته طيبا فقلت لحاك الله أين هذا كان قبل أن أضرب بالسياط قال الواقدي ~~ثم إن عمرا ارتحل فنزل بموضع يقال له محل وبلغ الخبر فلسطين بن هرقل وكان ~~قد أتاه المنهزمون من عسكر أبيه ولجئوا اليه واكتمل جيشه في ثمانين ألف ms448 ثم ~~إنه دعا برجل من المتنصرة وقال له امض واحزر لي عسكر العرب واكشف لي ~~أخبارهم فوصل إليهم لجأ إلى قوم من اليمن وهم يصطلون حول النار فجلس بينهم ~~يسمع حديثهم فلما أراد القيام عثر في ذيله فقال باسم الصليب كلمة أجراها ~~الله على لسانه فلما سمعوا قوله علموا أنه متنصر جاسوس للروم فوثبوا اليه ~~وقتلوه ووقع الصائح في العسكر فسمع عمرو الضجة فقال ما الخبر قيل إن قوما ~~من اليمن وقعوا بجاسوس من الروم فقتلوه قال فغضب عمرو وطلبهم وقال ما حملكم ~~على قتل الجاسوس وهلا أتيتموني به لأستخبره فكم من عين تكون علينا ثم إنها ~~ترجع فتصير لنا لأن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء ثم إنه نادى في جيشه من ~~وقع بغريب أو جاسوس فليات به إلي قال وان فلسطين استبطأ الجاسوس فعلم بقتله ~~فأرسل غيره فأشرف على القوم من فوق شرف عال وحزرهم وعاد اليه فأخبره أنهم ~~في خمسة آلاف الا انهم كالأسود الضارية أو كالعقبان الكاسرة يرون الموت ~~مغنما والحياة مغرما فلما سمع ذلك قال وحق المسيح والقربان لا بد من قتالهم ~~فأما أن PageV02P017 # أبلغ المراد أو أموت صبرا ثم إنه جمع عسكره واختار منهم عشرة آلاف فارس ~~شدادا وولى عليهم بطريقا اسمه بكلاكون وهو صاحب جيشه وقال سر بهؤلاء فأنت ~~طليعة جيشي فسار من ساعته ثم إنه عقد صليبا آخر وسلمه إلى دمستق العسكر ~~واسمه جرجيس بن باكور وضم اليه عشرة آلاف وقال له الحق بصاحبك فسار في أثره ~~فلما كان في اليوم الثاني خرج فلسطين ببقية الجيش وترك ابن عمه قسطاس في ~~قيسارية يحفظها وترك عنده عشرة آلاف قال بشار بن عوف فبينما نحن نازلون إذ ~~أشرف علينا البطريق الأول في عشرة آلاف فارس فلما قربوا منا رأيناهم ~~فحزرناهم فإذا هم عشرة آلاف قال ففرحنا وقلنا نحن خمسة آلاف وعدونا في عشرة ~~آلاف فكل رجل منا يقاتل اثنين فبينما نحن كذلك إذ أشرف علينا البطريق ~~الثاني في عشرة آلاف فقال عمرو رضي الله ms449 عنه اعلموا أن من أراد الله واليوم ~~الآخر فلا يرتاع من كثرة العدو ولو تزايد المدد فان الجهاد أوفر متجر وأعز ~~قدرا وأي فخر عند الله ممن يقتل في سبيل الله وصفوف الكفار ويكون حيا عند ~~الله يرتع في مروج الجنة وينال من الله سابغ النعمة والمنة فقد قال الله ~~تعالى * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون فرحين بما آتاهم) * الآية ولو أن الجاسوس الذي قتلتموه لم تعجلوا ~~عليه لأخبرنا بمسير هذا الجيش الينا وكثرته وكنا قد أخذنا حذرنا على أنفسنا ~~واحتطنا ولكن أمر الله لا يرد ثم أنه جمع أبطال الموحدين وقال قد رأيت أن ~~تنفذ إلى أبي عبيدة نعلمه ليمدنا بالخيل والرجال فان هذا جيش عظيم ثم قال ~~أيها الناس من يركب ويسير إلى الأمير أبي عبيدة ويعلمه بما قد صرنا اليه ~~فلعله أن ينجدنا كما أنجد يزيد بن أبي سفيان وهو محاصر قنسرين وأجره على ~~الله المعارك في فلسطين فقال له ربيعة بن عامر يا عمرو الق بنا العدو وتوكل ~~على الله فان الذي نصرنا في مواطن كثيرة ونحن في قلة ينصرنا اليوم على بقية ~~القوم الكافرين قال فقنع عمرو بكلام عامر بن ربيعة وقال والله لقد صدقت ~~وأمر الناس بالتأهب إلى لقاء العدو فركب المسلمون ورفعوا أصواتهم بالتهليل ~~والتكبير فأجابتهم الجبال والتلال والأوعار والأشجار والأحجار ومن في تلك ~~الأرض من العمار وقالوا الهنا ومولانا انا نسمع أصواتا موحدة غير مشركة ولا ~~ملحدة في التوحيد وقد أسمعتنا كلام التوحيد وأريتنا وجوه أهل التمجيد ~~التحميد الهنا ما أطيب سماع ذكرك ومن لنا أن نوفي PageV02P018 # بشكرك قال وضجت الوحوش والسباع إلى مولاها شاكرة لما أعطاها وأولادها ~~ونادت عالم سرها ونجواها يا من جمع الوحوش راضية بما آتاها أخرج رزقها ~~ومرعاها تغدو خماصا وتروح بطانا إلى باب سيدها ومولاها يا من لو توارت دودة ~~تحت الأرضين السبع لرآها ولو كانت في غلس الظلمات تحت اليم المظلم حبة لرزق ~~عبد لبلغه إياها الهنا انا ms450 سمعنا أصوات توحيدك في هذه الأرض وما كنا ~~عهدناها ونسمع آيات ما كنا عرفناها ولا سمعناها سبحانك يا من قدرته لا ~~ننساها ويا من احسانه وفضله لا يتناهي قال فهتف بهم هاتف من الجو كم لله من ~~مسبح في الجبال وذراها تحت تخوم الأرض وثراها وفي فلوات البراري المقفرات ~~وفي قعور البحار الزاخرات وماها قال فارتاع عسكر الكفار لما سمعوا في الجو ~~هذه الأصوات وكأنما الأرض وأقطارها وأهلها تجاوبهم وكان فلسطين قد أتى وسمع ~~ذلك ونظر إلى جيش العرب وقد زاد في عينيه أضعافا فقال وحق ديني لما أشرفت ~~على القوم ما كانوا في هذه الكثرة وما كانوا أكثر من خمسة آلاف وقد زاد ~~الآن عددهم وتزايد مددهم ولا شك أن الله قد أمدهم بالملائكة ولقد كان أبي ~~هرقل على بصيرة من أمر هؤلاء العرب وليس جيشي هذا بأعظم من جيش ماهان ~~الأرمني لما لقيهم باليرموك في ألف ألف ولقد ندمت على خروجي إليهم ولكن سوف ~~أدبر حيلة على هؤلاء العرب ثم إنه دعا بقس عظيم القدر عند النصرانية وهو قس ~~قيسارية وعالمها وقال له اركب إلى هؤلاء القوم وكلمهم بالتي هي أحسن وقل ~~لهم ان ابن الملك يسألكم أن تنفذوا اليه أفصحكم لسانا وأجرأكم جنانا ~~فابعثوا به ولا يكون من طغام العرب قال فركب القس وعليه ثوب من الديباج ~~الأسود وعليه برنس من الشعر فركب بغلة شهباء وأخذ بيده صليبا من الجوهر ~~وسار حتى وصل إلى المسلمين فوقف بحيث يسمعون كلامه فقال يا معشر العرب اني ~~رسول إليكم من الملك فلسطين بن هرقل يسألكم ان تنفذوا اليه أفصحكم لسنا ~~وأجرأكم جنانا وانه والله يريد صلحكم ولا يبغي قتالكم لأنه عالم بدينه بصير ~~بأموره وليس يحب سفك الدماء ولا فساد الصور فلا تبغوا علينا فالباغي مقهور ~~والمبغى عليه منصور وقد قال لنا المسيح لا تقاتلوا الا من بغى عليكم وان ~~الملك يريد أن تبعثوا اليه رجلا من أفصحكم لسانا وأجرئكم جنانا ثم سكت قال ~~فلما سمع عمرو كلامه قال أيها ms451 الناس قد سمعتم ما قاله هذا الأغلف فمن منكم ~~يبادر إلى مرضاة الله تعالى ورسوله وينظر ما يتكلم به مع ملك الروم ~~PageV02P019 # فتقدم اليه بلال بن حمامة مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان غلاما ~~أسود طويلا من الرجال لكأنه النخلة السحوق بصاص من السواد عيناه جمرتان ~~كأنهما العقيق جهوري الصوت فقال يا عمرو أنا أسير اليه فقال يا بلال انك قد ~~حطمك الحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا انك من جنس الحبش ولست ~~من العرب لأن العرب لهم الكلام الجزل والخطب والفصاحة فقال بلال بحق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الا تركتني أمضي اليه فقال عمرو لقد أقسمت علي ~~بعظيم اذهب واستعن بالله ولا تهبه في الخطاب وأفصح في الجواب وعظم شرائع ~~الاسلام فقال بلال ستجدني إن شاء الله حيث تريد قال فخرج بلال نحوهم وهو ~~كالنخلة السحوق عريض المنكبين كأنه من رجال شنوءة وكان من عظم خلقته إذا ~~نظر اليه أحد يهابه وكان لابسا يومئذ قميصا من كرابيس الشام وعلى رأسه ~~عمامة من صوف متقلدا بسيف ومزوده على عاتقه وبيده عصا قال فلما برز بلال من ~~عسكر المسلمين ونظر اليه القس أنكره وقال إن القوم قد هنا عليهم فانا ~~دعوناهم نخاطبهم فبعثوا الينا بعبيدهم لصغر قدرنا عندهم ثم قال أيها العبد ~~أبلغ مولاك وقل له ان الملك يريد أميرا منكم حتى يخاطبه بما يريد فقال بلال ~~أيها القس أنا بلال مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤذنه ولست بعاجز ~~عن جواب صاحبك فقال له القس قف مكانك حتى أعلم الملك بأمرك وعاد القس إلى ~~الملك وقال له أيها الملك أنهم قد بعثوا بعبد من عبيدهم يخاطبك وما ذاك إلا ~~استصغارا لأمرنا عندهم وهو عبد أسود قال فأرسل له رجلا يقول له أيها العبد ~~أبلغ مولاك وقل له أن الملك أيما يريد أميرا منكم حتى يخاطبه فقال له بلال ~~أيها الرجل أنا بلال بم حمامة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولست ms452 ~~بعاجز عن جواب صاحبكم فقال فلسطين ارجع إليهم وقل لهم بعث إليكم ملك ~~النصرانية أيليق أن تبعثوا له بعبد من عبيدكم فرجع الترجمان إلى بلال وقال ~~له يا أسود ان الملك يقول لك لسنا ممن نخاطب العبيد بل يأتينا صاحب جيشكم ~~أو المؤمر عليكم فرجع بلال وهو منكسر وأخبر عمرا بذلك فقال لشرحبيل أنا ~~أمضي اليه فقال شرحبيل يا عبد الله إذا مضيت أنت فلمن ندع المسلمين فقال ~~عمرو الله لطيف بعباده وهو أرحم الراحمين بخلقه ولكن خذ الراية واخلفني في ~~قومي فان غدر الروم فالله الخليفة عليكم فوقف شرحبيل في مقام عمرو وأخذ ~~الراية وخرج عمرو نحو القوم وعليه درعه ومن فوقه جبة صوف وعلى رأسه عمامة ~~من صنع اليمن مصبوغة صفراء قد أدارها على رأسه كورا وأرخى لها عذبة وفي ~~وسطه منطقة وقد تقلد سيفه واعتقل رمحه وسار PageV02P020 # عمرو حتى وقف بإزاء الترجمان الذي أرسله فلسطين بن هرقل فلما رآه ~~الترجمان ضحك فقال مم تضحك يا أخا النصرانية قال من دناءة رؤيتك وحملك هذا ~~السلاح ما الذي تصنع به ولم تحمله معك وما نريد حربا فقال عمرو ان العرب ~~حمل السلاح شعارهم ووطاؤهم ودثارهم وانما حملت السلاح معي استظهارا ولعلي ~~أن ألقي عدوا فيكون ذلك حصنا من عدوي وأحامي به عن نفسي قال الترجمان ~~شيمتكم أيها العرب الغدر والمكر فكن مطمئن الجانب ثم عطف الترجمان إلى ~~فلسطين بن هرقل وأخبره بما سمع من مقالة عمرو بن العاص وقال أيها الملك ان ~~أمير العرب قد قدم علينا وعليه من اللباس كذا وكذا فتبسم الملك من قول القس ~~وقال قل له يتقدم الينا قال فلما قدم أخذ الملك في التأهب لقدوم عمرو عليه ~~وزين ملكه وأوقف القسوس عن يمينه وشماله والحجاب بين يديه وأقبل على ~~الترجمان وقال له يا أخا العرب قد أذن لك الملك فسار عمرو على جواده وعسكر ~~قيسارية تتعجب منه ومن زيه إلى أن وقف على قبة الملك ثم ترجل ومشت الحجاب ~~أمامه حتى وقعت عينه على ms453 عين فلسطين فأدناه ورحب به وبش في وجهه وقال مرحبا ~~بأمير قومه وأراد أن يجلسه على السرير فامتنع عمرو من ذلك وقال بساط الله ~~أطهر من بساطك لأن الله تعالى جعل الأرض بساطا وأباحنا إياها فنحن فيها ~~سواء وما أريد أن أجلس الا على ما أباحه الله ثم جلس على الأرض باركا وترك ~~رمحه أمامه وسيفه على فخذه الأيسر فقال له فلسطين ما اسمك قال اسمي عمرو ~~وأنا من العرب الكرام أرباب الحزم المعظمين في القوم قال فلسطين انك لفتى ~~كريم من عرب كرام يا عمرو ان كنت من العرب فنحن من الروم وبيننا قرابة ~~وأرحام متصلة ونحن وأنتم في النسب متصلون ومن يكونون متصلين في النسب ما ~~لهم يسفك بعضهم دم بعض فقال عمرو ان أنسابنا لاحقة من أبينا ونسبنا الأعلى ~~هو دين الاسلام وإذا كان أخوان قد اختلفا في الدين كان حلالا أن يقتل ~~أحدهما أخاه وقد انقطع النسب بيننا وقد ذكرت أن نسبك لاحق بنا فكيف يكون ~~نسبك ونسبنا واحدا ونحن قريش الكرام وأنتم بنو الروم قال يا عمرو أليس ~~أبونا آدم ثم نوحا ثم إبراهيم وعيصو بن إسحاق واسحق أخو إسماعيل وكلاهما ~~ولد إبراهيم ولا ينبغي للأخ أن يبغي على أخيه بل يجود عليه فقال إنك لصادق ~~في قولك الذي قلت وان عيصو ونحن بنو أب واحد وأبونا نحن إسماعيل صلوات الله ~~عليه وان كان نوح عليه السلام قسم الأرض شططا حين غضب على ولده حام وعلم أن ~~أولاد حام لن يرضوا بها فاقتتلوا عليها زمانا وهذه PageV02P021 # الأرض التي أنتم فيها ليست لكم وهي أرض العمالقة من قبلكم لان نوحا عليه ~~السلام قسم الأرض بين أولاده الثلاثة سام وحام ويافت وأعطى ولده ساما الشام ~~وما حوله إلى اليمن إلى حضرموت والى غسان والعرب كلهم ولد سام وهو قحطان ~~وطسم وحديث وعملاق وهو أبو العمالقة حيث كانوا من البلاد وهم الجبابرة ~~الذين كانوا بالشام فهذه العرب العاربة لان لسانهم الذي جبلوا عليه العربية ~~وأعطى حاما الغرب والساحل ms454 وأعطى يافث ما بين المشرق والمغرب وان الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ونريد أن نرد هذه القسمة فنأخذ ~~ما في أيديكم من العمارة والأنهار عوضا عما نحن فيه من الشوك والحجارة ~~والبلد القفر فلما سمع فلسطين كلام عمرو بن العاص علم أنه رجل ماكر فقال له ~~صدقت في قولك الا أن القسمة قد جرت فان نقضتموها كنتم من الباغين علينا ~~واعلم أنه ما حملكم على ذلك وأخرجكم من بلادكم الا الجهد العظيم فقال له ~~عمرو أيها الملك أما زعمت أن الجهد أخرجنا من بلادنا فنعم كنا نأكل خبز ~~الشعير والذرة فإذا رأينا طعامكم واستحسناه فلن نبارحكم حتى نأخذ البلاد من ~~أيديكم وتصيروا لنا عبيدا ونستظل تحت أصول هذه الشجرة العالية والفروع ~~المورقة والأغصان الطيبة الثمار فان منعتمونا مما ذقناه من بلادكم من لذيذ ~~العيش فما عندنا الا رجالا أشوق إلى حربكم من حبكم الحياة لآنهم يحبون ~~القتال كما تحبون أنتم الحياة قال وأفحم فلسطين عن جوابه فرفع رأسه إلى ~~قومه وقال إن هذا العربي صادق في قوله وحق الكنائس والقربان والمسيح ~~والصلبان ما لنا معهم ثبات قال عمرو فوجدت إلى وعظهم سبيلا وقلت معاشر ~~الروم ان الله عز وجل قد قرب عليكم ما كنتم تطلبون ان كنتم تريدون بلدكم ~~فادخلوافي ديننا وصدقوا قولنا فان الدين عند الله الاسلام قال فلسطين يا ~~عمرو انا لا نفارق ديننا وعليه مات آباؤنا وأجدادنا قال عمرو فان كرهت ~~الاسلام فاعطنا الجزية منك ومن قومك وأنتم صاغرون قال فلسطين لا أجيبك إلى ~~ذلك لأن الروم لا تطاوعني إلى أداء الجزية ولقد قال لهم أبي ذلك من قبل ~~فأرادوا قتله فقال هذا ما عندي من الأعذار ولقد حذرتكم ما استطعت ولم يبق ~~بيننا حكم الا السيف والله يعلم أني دعوتكم إلى أمر فيه النجاة فعصيتموه ~~كما عصى أبوكم عيصو عن أمه فخرج من الرحم قبل أخيه يعقوب وأنتم تزعمون أنكم ~~أقرباؤنا في النسب وأنا لبراء إلى الله عز وجل منكم ومن قرابتكم ms455 إذ أنتم ~~تكفرون بالرحيم أنتم من والد عيصو بن إسحاق ونحن من ولدا إسماعيل بن ~~إبراهيم PageV02P022 # عليه السلام وان الله تعالى اختار لنبينا خير الأنساب من لدن آدم إلى أن ~~أخرج من صلب أبيه عبد الله فجعل خير الناس من ولد إسماعيل فتكلم بالعربية ~~وتكلم اسحق على لسان أبيه فولد إسماعيل العرب ثم جعل خير الناس كنانة ثم ~~جعل خير العرب قريشا وخير قريش بني هاشم ثم جعل خير بني هاشم بني عبد ~~المطلب وخير بني عبد المطلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فبعثه رسولا ~~واتخذه نبيا وأهبط عليه جبريل بالوحي وقال له طفت مشارق الأرض ومغاربها فلم ~~أر أفضل منك قال فخضعت جوارح القوم حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووجلت قلوبهم ودخلت الهيبة في قلب فلسطين حين سمع كلام عمرو فقال صدقت في ~~قولك كذلك الأنبياء تبعث من خير بيوت قومها على لسان ربها ثم قال له يا ~~عمرو وهل في أصحابك رجل بين كلامه سريع الجواب إذا سئل فقال له اعلم اني ~~والله أحب أن أمضي وآتيك بهم لتقف على صحة قولي ثم وثب وسار إلى عسكره وركب ~~وأتى جيشه فحمدوا الله المسلمون على سلامته وباتوا يتحادثون فلما صلى عمرو ~~بالناس صلاة الفجر أمرهم بالركوب إلى قتال عدوهم قال فأسرعوا إلى ذلك ~~واستووا على متون خيولهم واصطفوا للحرب والقتال المعركة قال الواقدي حدثنا ~~عروة بن زيد عن موسى مولى الحضرميين عن موسى بن عمران وابن الصباح لما كان ~~يوم الحرب صف فلسطين جيشه ثلاثة صفوف وقدم المشاة وعدل الميمنة والميسرة ~~ورفع الصليب أمامه وتقدم أمام الجيش فنظر عمرو إلى فلسطين وقد رتب عساكره ~~وعزم على الحرب فهيأ المسلمين وصفهم صفا واحدا وجعل في الميمنة الحماة من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم شرحبيل بن حسنة كاتب الوحي ~~وصابوب بن جباية الليثي عن شماله وكان أحد فرسان المسلمين فبينما الناس ~~كذلك إذ خرج فارس من الروم وعليه ديباج ودرع وجوشن وفي عنقه صليب ms456 من الذهب ~~فحمل حتى خطى برمحه من الميمنة إلى الميسرة ومن الميسرة إلى الميمنة ثم إلى ~~القلب ثم وقف بإزاء جيش المسلمين وركز رمحه بإزائه وأخذ القوس بيده وفوق ~~سهمها ورمى رجلا من الميمنة فاثبت السهم فيه فجرحه ورمى آخر من الميسرة ~~فقتله فنظر اليه عمرو وما قد صنع فصاح بالمسلمين ألا ترون هذا العلج اللعين ~~وما يصنع بقوسه فمن يكفينا أمره ويزيل عن المسلمين شره فخرج اليه رجل من ~~ثقيف وعليه بردة دنسة وبيده قوس عربية قد فوق سهمها وخرج إلى العلج يريده ~~فنظر اليه العلج وليس عليه شيء من الحديد يستره الا فروة دنسة وما معه من ~~السلاح غير القوس فازدرى به وبلبسه PageV02P023 # وأطلق سهما من كبد قوسه فوقع سهمه في صدره فاشتبك في الفروة ووقع غير ~~مصيب وكان اللعين أرمى أهل زمانه ما رمى قط شيئا الا نفذ فيه فغضب لذلك وهم ~~أن يرميه بسهم ثان فامتعط الثقفي نبلة ورمى بها نحوه فلم يرها لصغرها وخفاء ~~موقعها فاشتبكت النبله في حلق العلج فخرجت من قفاه فما تمالك العلج الا ان ~~وقع صريعا فأسرع الثقفي إلى جواده فأخذه واستوى على متنه ونزع بيضة المشرك ~~عن رأسه وجعل يسحبه نحو جيش المسلمين فاستقبله ابن عم له وكلمه فلم يجبه من ~~فرحه بما صنع ثم اقبل إلى عمرو فأعطاه إياه فنظرت الروم إلى فعل الثقفي ~~فغاظهم ذلك وجعلوا يشيرون إلى السماء فلعلمنا أنهم يقولون إن الملائكة ~~تنصرنا قال ونظر فلسطين إلى ذلك فعظم عليه وقال لبعض البطارقة اخرج إلى ~~هؤلاء العرب وحام عن دينك فخرج البطريق وعليه ديباجة خضراء ودرع حصين ومن ~~تحت الدرع جوشن منيع وفي عنقه صليب من الذهب الأحمر ومعه غلام من ورائه ~~يجنب جنيبه وعليه سيفه ودرقته فخرج حتى وقف بين الصفين فجعل يسال القتال ~~فلما نظر المسلمون اليه أقبلوا اليه ينظرون ولا يخرج اليه أحد فقال عمرو ~~معاشر العرب من يخرج اليه ويهب نفسه لله عز وجل فخرج اليه رجل من العرب وهو ~~يقول أنا ms457 أكون ذلك فقال عمرو بارك الله فيما تريد وحمل صاحب المسلمين عندما ~~خرج مصمما واستقبله البطريق وجعلا يتجاولان ساعة وهما يتعانقان بالسيوف إلى ~~أن خرجت لهما ضربتان فسبقه البطريق بالضربة فاخذها الرجل بالدرقة فقدها ~~نصفين وكانت جلد بعير بطانة واحدة فلم يصل اليه من الضربة شيء وضربه الرجل ~~ضربة في أثرها فقطعت البيضة وسلكها فتقهقر البطريق إلى ورائه ولم يصل اليه ~~أذى فلما رجعت اليه روحه حمل على المسلم وضربه فجرحه جرحا فاحشا فألوى إلى ~~أصحابه فصاح به رجل من العرب من وهب نفسه لا يرجع من بين يدي عدوه فقال ~~الرجل أما كفاك هذه الضربة حتى توبخني ان الله ليلومني بأن ألقي بيدي إلى ~~التهلكة ثم شد جراحه وعظم عليه ما قال ابن عمه فلما خرج قال له ابن عمه ~~الذي خاطبه ارجع فخذ هذه البيضة واجعلها على رأسك فقال ثقتي بالله أعظم من ~~حديدك ثم دلق نحو البطريق وهو يقول * يقول لي عند الخروج للقا * دونك هذا ~~الترس فاجعله وقا * من علج سوء قد بغى وقد طغى * أقسمت بالله يمينا صادقا * ~~لأتركن البيض فوق المرتقى * وأدخل الجنة دار الملتقى * قال فدعا له ~~المسلمون بالنصر وقالوا اللهم أعطه ما تمنى وحمل على PageV02P024 # البطريق وضربه ضربة هائلة فوقعت على عاتقه وخرجت من علائقه ثم حمل في جيش ~~الروم فقتل رجلا وجندل أبطالا ولم يزل كذلك حتى قتل رحمه الله تعالى فقال ~~عمرو هذا رجل اشترى الجنة من الله بنفسه اللهم أعطه ما تمنى البطريق قيدمون ~~قال الواقدي وكان هرقل حين بعث ولده فلسطين إلى قيسارية بعث معه بطريقا من ~~البطارقة وكان اسمه قيدمون وكان من أفرس الروم ويقال انه خال فلسطين وقد ~~كان لقي عسكر الفرس وعسكر الترك وعسكر الجرامقة قال وكان اللعين يحفظ سائر ~~اللغات فقال فلسطين لا بد لي من قتال العرب قال وخرج وعليه لامة وخرج ~~مبارزا فلما رآه المسلمون قد خرج وكأنه جبل قد انهد من أعلاه إلى أسفله وهو ~~يلمع من بريق الجوهر ضج المسلمون ms458 بقول لا إله إلا الله فلما وقف في الميدان ~~أقبل يرطن بلغته ويطلب البراز فاقبل العرب يهرعون اليه من كل جانب ومكان ~~يريدون قتاله لأجل ما عليه فقال عمرو ثواب الله خير لكم مما عليه فلا يخرج ~~أحد لطلب سلبه فيكون خروجه لأجل ذلك وان قتل مات في سبيل ما خرج اليه وقد ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر اليه قال فخرج غلام من اليمن ومعه أمه وأخته يريدون ~~الشام وأخته تقول له يا ابن أمي جد بنا في السير لنصل إلى الشام فنأكل من ~~خيره ونعمه فقال لها أخوها انما أذهب لأقاتل لمرضاة الله عز وجل وقد سمعت ~~معاذ بن جبل يقول إن الشهداء عند ربهم يرزقون فقالت له أخته كيف يرزقون وهم ~~أموات قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله تعالى يجعل ~~أرواحهم في حواصل طيور الجنة فتأكل تلك الطيور من ثمار الجنة وتشرب من ~~أنهارها فتغدوا أرواحهم في حواصل تلك الطيور فهو الرزق الذي جعله الله لهم ~~فلما كان قتال قيسارية خرج ذلك الغلام إلى القتال بعد ان ودع أمه وأخته ~~وداع الموت وقال لهم نجتمع على حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج ~~وبيده قناة وهي موصولة كثيرة العقد وتحته جواد هجين فلما خرج الغلام حمل ~~على البطريق من ساعته وطعنه بسنانه قال فاشتبك السنان في درع البطريق فلم ~~يقدر على انتزاعه فضرب البطريق قنا الغلام بسيفه فقطعها وحمل على الغلام ~~وضربه على هامته فشطرها فوقع PageV02P025 # الغلام ميتا رحمه الله وجال قيدمون على مصرعه ثم طلب البراز فخرج اليه ~~ابن قثم فقتله البطريق فلما نظر إلى ذلك شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه اقبل ~~يعاتب نفسه ويقول تتفرجين على قتل المسلمين ثم خرج والراية بيده التي عقدها ~~له أبو بكر رضي الله عنه يوم خروجه ms459 إلى الشام فلما رآه عمرو قد عول على ~~الخروج قال يا عبد الله اركز الراية لئلا تشغلك فركزها شرحبيل فوقفت ~~كالنخلة وغاصت في حجر كأنها منه فتفاءل بالنصر وخرج إلى لقاء قيدمون ~~والمسلمون يدعون له بالنصر على عدوه فلما رآه البطريق ضحك من زيه وكان ~~للملعون صوت عال وهو ضخم من الرجال وكان شرحبيل نحيف الجسم من كثرة الصيام ~~والقيام بالليل والبطريق في ميدانه فحمل كل واحد منهما على صاحبه واختلفا ~~بضربتين وكان السابق شرحبيل فلم يعمل السيف في لامة البطريق شيئا وثبت ~~السيف في بيضته وحمل قيدمون على شرحبيل فشجه ثم تجاولا على الجوادين قال ~~سعيد بن روح وكان ذلك اليوم كثير البرد والسحاب فبينما هما في المعركة إذ ~~نزل المطر كأفواه القرب قال فنزلا عن الجوادين وجالا يتصارعان في وسط الطين ~~وذلك أن قيدمون حمل على شرحبيل فضرب يده في مراق بطنه فاقتلعه من الأرض ~~ورمى به على ظهره ثم استوى على صدره وهم أن ينحره فنادى شرحبيل يا غيات ~~المستغيثين فما استتم كلامه حتى خرج اليه فارس من الروم وعليه لامة مذهبة ~~ومن تحته جواد من عتاق الخيل فقصد موضع البطريق وشرحبيل فظن قيدمون أنه ~~انما خرج ليعطيه جواده ويعينه فلما قرب منهما ترجل وأمال البطريق برجليه عن ~~صدر شرحبيل وقال يا عبد الله قد أتاك الغوث من غيات المستغيثين فوثب شرحبيل ~~قائما ينظر اليه متعجبا من قوله وفعله وكان الفارس متلثما ثم جرد سيفه وضرب ~~البطريق ضربة قطع رأسه وقال يا عبد الله خذ سلبه فقال شرحبيل والله ما رأيت ~~أعجب من أمرك واني رأيتك جئت من عسكر الروم فقال أنا الشقي المبعد أنا طلحة ~~ابن خويلد الذي ادعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب على ~~الله وزعم أن الوحي كان ينزل عليه من السماء فقلت له يا أخي * (إن رحمة ~~الله قريب من المحسنين) * وقد وسعت رحمته كل شيء ومن تاب وأقلع وأناب قبل ~~الله توبته وغفر له ما كان منه والنبي ms460 صلى الله عليه وسلم يقول التوبة تمحو ~~ما قبلها أما علمت يا ابن خويلد ان الله سبحانه وتعالى لما انزل على نبيه * ~~(ورحمتي وسعت كل شيء) * طمع فيها كل شيء حتى إبليس فلما نزل قوله تعالى ~~فسأكتبها للدين يتقون ويؤتون الزكاة قالت اليهود نحن نؤتى الزكاة ونتصدق ~~فلما نزل قوله تعالى والذين هم بآياتنا يؤمنون قالت اليهود نحن مؤمنون بما ~~انزل الله في الصحف PageV02P026 # والتوراة فأراد الله أن يعلمهم انها خاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بقوله الذين يتبعون الرسول النبي الأمي فقال طلحة بن خويلد مالي وجه أرجع ~~إلى الاسلام وهم أن يسير على وجهه فمنعه شرحبيل وقال له يا طلحة لست أدعك ~~تمضى بل ترجع معي إلى العسكر قال ما يمنعني من المسير معك الا الفظ الغليظ ~~خالد بن الوليد واني أخاف أن يقتلني فقلت يا أخي انه ليس معنا وهذا الجيش ~~لعمرو بن العاص قال فرجع معي فلما قربنا من المسلمين تبادروا الينا وقالوا ~~يا شرحبيل من هذا الرجل معك فلقد صنع معك جميلا قال ولم يعرفوه لأنه كان ~~متلثما بفضل عمامته فقلت هذا طلحة بن خويلد الذي ادعى النبوة فقالوا أو تاب ~~ورجع إلى الله فقال أنا تائب إلى الله سبحانه وتعالى قال شرحبيل فاتيت به ~~إلى عمرو بن العاص فسلم عليه وبش في وجهه ورحب به قال حدثنا حسان بن عمر ~~لربعي عن جده ان طلحة بن خويلد لما ادعى النبوة وجرى له ما جرى من الحرب مع ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه وسمع ان خالدا قتل مسيلمة الكذاب وقتل الأسود ~~العنسي أيضا لأنه قال إنه نبي فخاف طلحة على نفسه من خالد فهرب بالليل ومعه ~~زوجته للشام واستجار برجل من آل كلب فأجاره الكلبي وأنزله في داره وكان ~~الكلبي مؤمنا وبقي عنده مدة أيام إلى أن استخبره عن حاله فحدثه طلحة بجميع ~~أحواله مع خالد بن الوليد ووقائعه معه وكيف ادعى النبوة فغضب الكلبي لكلامه ~~وطرده من جواره فأقام طلحة بالشام وقد ms461 تاب من أمره فلما بلغه أن أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه قد قبض قال ذهب من جردت السيف في وجهه فمن ولي بعده ~~قالوا عمر بن الخطاب قال الفظ الغليظ وهاب أن يمضي اليه وفزع من خالد بن ~~الوليد أن يراه بالشام فيقتله فقصد قيسارية ليركب في المراكب ويطرح نفسه في ~~بعض جزائر البحر فلما نظر إلى جيش فلسطين قد خرج إلى قتال العرب قال أسير ~~مع هذا الجيش فلعلي انكب نكبة واغسل بها شيئا من أوزاري وتكون لي قربة إلى ~~الله تعالى والى المسلمين فلما نظر شرحبيل في عين الهلكة قال لا صبر لي عنه ~~فخرج واستنقذه كما ذكرناه فلما وقف بين يدي عمرو بن العاص شكره وبشره بقبول ~~التوبة فقال يا عمرو اني أخاف من خالد بن الوليد أن يراني بالشام فيقتلني ~~فقال عمرو فاني أشير إليك بشيء تصنعه وتأمن به على نفسك في الدنيا والآخرة ~~قال وما هو قال أكتب معك كتابا بما صنعت وشهادة المسلمين فيه وتنطلق به إلى ~~عمر ابن الخطاب وتدفعه اليه وأظهر التوبة فإنه يقبلها وسيندبك إلى الفتوح ~~PageV02P027 # وقتال الروم فتمحو عنك ما سلف من خطاياك فأجابه طلحة إلى ذلك فكتب له ~~عمرو كتابا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما صنع وأخذ طلحة ومشى به إلى ~~مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد عمر في المدينة وقيل له هو ~~بمكة فمضى حتى وردها فوجد عمر متعلقا بأستار الكعبة فتعلق معه وقال يا أمير ~~المؤمنين اتي تائب إلى الله عز وجل وحق رب هذا البيت مما كان مني قال عمر ~~من أنت قال أنا طلحة ابن خويلد قال فنفر عمر عنه وقال يا ويلك ان أنا عفوت ~~عنك فكيف الامر غدا بين يدي الله عز وجل بدم بن محصن الأسدي قال طلحة يا ~~أمير المؤمنين عكاشة رجل أسعده الله على يدي وشقيت أنا بسببه وأرجو أن يغفر ~~الله لي بما عملته قال عمر وما عملت فأخرج له كتاب عمرو ms462 بن العاص فلما قرأه ~~عمر وفهم ما فيه فرح به وقال أبشر فان الله غفور رحيم وأمره عمر أن يقيم ~~بمكة حتى يرجع إلى المدينة فأقام معه أياما فلما رجع عمر إلى المدينة وجه ~~به إلى قتال أهل فارس قال الواقدي رجعنا إلى الحديث قال لما قتل البطريق ~~قيدمون على يد طلحة ونجا شرحبيل مما كان قد لحقه ورجع إلى عمرو وكان المطر ~~شديدا فقطع الناس القتال ولحق الناس الأذى لان أكثرهم بلا أخبية ولا بيوت ~~والتجئوا إلى الجابية وتستروا بدورها وكان من رحمة الله بالمسلمين أن وقع ~~في قلب فلسطين الفزع والرعب لما قتل قيدمون البطريق وكان ركنه ودعامته ~~فشاور أصحابه في الرجوع إلى قيسارية وقال يا معاشر الروم أنتم تعلمون أن ~~جيوش اليرموك ما ثبتت لهؤلاء العرب وان أبى قد ولى إلى القسطنطينية من ~~خوفهم وقد ملكوا الشام جميعه وما بقي غير هذا الساحل واني أخاف أن ندهي من ~~قبلهم ويملكوا قيسارية والرحيل أوفق من المقام ههنا فأجابوه إلى ذلك فلما ~~كان الليل ارتحل القوم والمطر ينزل قال سعيد بن جابر الأوسي وكان ذلك كله ~~رحمة للمسلمين من الله عز وجل قال فلما كان في اليوم الرابع ارتفع المطر ~~وطلعت الشمس فخرجنا من الجابية نطلب قتال الروم فلم نر لهم أثرا فوالله لقد ~~فرحنا بطلوع الشمس أكثر من فرحنا برحيل الروم فكتب عمرو بذلك إلى أبي عبيدة ~~كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن العاص السهمي إلى أمير ~~جيوش المسلمين أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك ورحمة الله وبركاته أما ~~بعد فيا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فان فلسطين بن هرقل قد أخرج إلى ~~لقائنا ثمانين ألفا من الروم وكان لقاؤنا معهم على موضع يقال له نخل وأخذ ~~شرحبيل ابن حسنة وكان الذي ملك اسره قيدمون ابن خالة هرقل ثم خلصه الله على ~~يد طلحة بن خويلد الأسدي وقتل قيدمون ابن خاله هرقل ثم وجهته بكتاب إلى عمر ~~بن الخطاب وقد انهزم ms463 عدو الله فلسطين وأنا منتظر جوابك والسلام عليك وعلى ~~من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته PageV02P028 # وبعث الكتاب مع جابر بن سعيد الحضرمي فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب فرح ~~بسلامة المسلمين وسير الجواب وقال إذا قرأت كتابي فانزل على قيسارية وأنا ~~في اثر الكتاب معول على السير إلى صور وعكاء وطرابلس والسلام ثم سلم الكتاب ~~إلى جابر بن سعيد وأمره بالرجوع ذكر فتح صور وعكاء وطرابلس الشام وقيسارية ~~قال وعول أبو عبيدة على النهوض إلى الساحل فقام اليه عبد الله يوقنا وقال ~~أيها الأمير اعلم أن الله عز وجل قد اباد المشركين ورفع علم الموحدين واني ~~أريد أن أسير قبلك إلى الساحل لعلي أفوز من القوم بغزوة فقال يا عبد الله ~~ان أنت عملت شيئا يقربك إلى الله تجده بين يديك فافعل فوثب يوقنا قائما ~~وأخذ أصحابه وكان قد انضاف اليه من كان يخدمه بحلب وكلهم رجعوا إلى الاسلام ~~وكانوا أربعة آلاف وفي عسكر العرب أيضا ممن اسلم من البطارقة ما يزيد عن ~~ثلاثة آلاف فارس من البطارقة المعدة وعليهم وال يقال له جرفاس ولما انهزم ~~فلسطين إلى قيسارية وتحصن بها بعث إلى أهل طرابلس ان يبعثوا له بنجدة ~~فبعثوا له بثلاثة آلاف فارس قال وساروا يطلبون قيسارية فلما كانوا بالقرب ~~منها نزلوا في مرج ليعلقوا على خيولهم فبينما هم كذلك إذ اشرف عليهم يوقنا ~~وأصحابه وكان قد صحبهم فلنطانوس صاحب رومية وأصحابه وكانوا معولين على ~~زيارة بيت المقدس والمقام بها فلما أشرفوا على المرج وهم بزيهم ما غيروا ~~منه شيئا ورآهم جرفاس ركب بنفسه يختبر حالهم فلما قرب منهم سلم عليهم ورحب ~~بهم وقال من أنتم قالوا نحن الذين لجأنا إلى هؤلاء العرب واستكفينا شرهم ~~وظننا أنهم على شيء فإذا هم طغاة لا دين لهم فهربنا بديننا ونحن أصحاب حلب ~~وقنسرين وعزاز ودارم وأنطاكية ونحن قاصدون إلى الملك هرقل لنكون في جنابه ~~فلما سمع جرفاس من القوم ذلك فرح بهم وأنس لكلامهم وقال انزلوا عندنا كي ~~تستريحوا ساعة من ms464 التعب فلا شك انكم سرتم الليل والنهار وخافت أنفسكم من ~~العرب قال يوقنا اين أنتم سائرون قال بعث الينا فلسطين لنكون في طرابلس ~~فقال يوقنا تيقظوا لأنفسكم فان أمير العرب أبا عبيدة تركناه على نية القدوم ~~إلى الساحل فقال جرفاس وماذا ينفع حذرنا ودولتنا قد اضمحلت وأيامنا قد ولت ~~ولسنا نرى الصليب يغني عن أهله شيئا قال الواقدي فنزلوا عندهم ساعة وقدموا ~~لهم من أزوادهم فاكلوا ثم ركبوا وهم جرفاس أن يركب لركوبهم فقال يوقنا ~~اشتغل بأصحابك والبسهم أفخر ثيابهم فان ذلك مما يظهر الرعب في قلوب أعدائكم ~~قال الواقدي حدثني سليم بن عامر عن نوفل بن عبد الله عن جرير بن البكاء ~~وكان أعرف الناس بفتوح الشام قال ما دخل إلى ساحل البحر حتى PageV02P029 # أتقن الحيلة وذلك أنه قد نزل فيه الحرث بن سليم من بني عمه يرعون إبلهم ~~وكانوا في مائتي بيت من العرب فأغار عليهم يوقنا وأخذهم وشدهم كتافا ودخل ~~بهم إلى بلاد الساحل فلما جن الليل جمعهم اليه وقال لا تظنوا اني رجعت عن ~~الاسلام وانما فعلت بكم هذا كي تسمع الروم بسواحلها اني غدرت بالعرب ~~وأخذتهم قال فاطمأنت العرب إلى كلامه وقالوا له ان كنت تريد إقامة دين الله ~~فالله ينصرك وبالاعداء يظفرك قال ووكل يوقنا رجالا تسوق الأموال وانما ~~اطمأن جرفاس وأصحابه إلى يوقنا لما رأى الاسرى من العرب والجمال والانعام ~~فلما ركب يوقنا وأصحابه ورأى أنهم طالبون لساحل البحر نكب عن طريق طرابلس ~~وكمن في الليل على طريق القوم قال وان جرفاس فرق خزائنه التي كانت عنده على ~~أصحابه وقعد حتى جن الليل وأكلت الخيل عليقها ثم ركبوا واستقاموا على ~~الطريق فلما توسطوا أطبق عليهم يوقنا وأصحابه وداروا بهم ولم يمهلوهم ~~بالقتل وأخذوهم أخذا بالكف وانتشرت الخيل في تلك الأرض لئلا يكون قد انفلت ~~من الروم أحد فلما حصلوا في قبضتهم وتحت أسرهم أرادوا أن يطلقوا الحرث بن ~~سليم وأصحابه فقال الحرث اني أرى من الرأي أن تتركونا على حالنا فان ثواب ~~الله ms465 قد حصل وصبحوا بنا بلاد العدو فإنكم ما تشرفون على بلد من بلاد الساحل ~~الا فتحه الله لكم قال يوقنا هذا رأي صحيح ثم أمر أصحابه أن يستوثقوا من ~~الأسرى وكمن ألفين من أصحابه وأصحاب فلنطانوس مع الاسرى وهم ثلاثة آلاف ~~فارس وقال إذا جاءتكم رسلي فاقدموا ثم ألبس أصحابه زي الروم مثل أصحاب ~~قيسارية الذين أخذوهم وساروا نحو طرابلس فلما خرج كل من في البلد إلى ~~لقائهم كان كتاب فلسطين قد وصل إليهم اني قد بعثت إليكم بثلاثة آلاف فارس ~~مع جرفاس بن صليبا ودخل يوقنا مع أصحابه حتى استقر قراره في دار الامارة ~~ودخل عليه شيوخ طرابلس والبطارقة وأهل الحشمة منهم فلما حصلوا عنده أمر بهم ~~وقبض عليهم وقال يا أهل طرابلس ان الله سبحانه وتعالى قد نصر الاسلام وأهله ~~وقد كنا في عيش مظلم نسجد للصلبان ونعظم ال والقربان ونجعل لله زوجة وولدا ~~حتى بعث لنا هؤلاء العرب فهدانا وألحقنا بهم ببركة نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم وهو النبي المبعوث الذي ذكره الله في التوراة وبشر به عيسى المسيح وان ~~الاسلام حق وقوله الصدق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وينطقون PageV02P030 # بالحق ويتبعون الصدق ويوحدون الله وينزهونه عن الصاحبة والولد ويجاهدون ~~في سبيله وهو الذي أمر به أنبياءه ورسله فاما أن ترجعوا إلى دين الاسلام أو ~~تؤدوا الجزية والا بعثتكم عبيدا للعرب وهذا ما عندي والسلام قال فلما سمعوا ~~كلامه علموا أن يوقنا اجتاز عليهم وأخذ أصحاب الملك في الطريق فقالوا أيها ~~السيد نحن نفعل ما أمرتنا به فمنهم من أسلم ومنهم رضي بالجزية وعدل يوقنا ~~فيهم وبعث إلى أصحاب الكمين فحلوا الاسرى فعرض عليهم الاسلام فأبقوا فأمر ~~بحبسهم وبعث إلى أبي عبيدة بالخبر وما جرى له وبعث الكتاب مع الحرث بن سليم ~~من وادي بني الأحمر وقال يا عبد الله كن للأمير مبشرا بهذا الفتح قال سأفعل ~~ذلك إن شاء الله تعالى وسار بالكتاب حتى وصل إلى أبي عبيدة وسلم عليه ~~وناوله الكتاب ms466 فلما قرأه وعلم معناه فرح وقال للحرث بن سليم ألم تستأذني أن ~~تسير أنت وبنو عمك إلى وادي بني الأحمر فمن أوصلك إلى طرابلس قال أوصلني ~~القضاء والقدر وذلك أن يوقنا أغار علينا وأخذنا أسرى وحدثه بحديثهم فعجب من ~~ذلك أبو عبيدة وقال اللهم ثبتهم وأيدهم بنصرك قال حدثني عامر بن أوس قال ~~أخبرني ابن سالم قال حدثني موسى بن مالك قال إن عمرو بن العاص لما ارتفع ~~المطر رحل من الجابية ونزل على أبواب قيسارية وأما ما كان من أمر يوقنا ~~فإنه لما ملك طرابلس واحتوى عليها واستوثق من سورها وأبوابها ترك أصحابه ~~على الأبواب وقال لا تدعو أحدا يخرج من الأبواب وكان في المرسى مراكب كثيرة ~~فرفع آلاتها وأخذها كل ذلك ولا يعلم أحد من أهل الساحل بما صنع وقال وبعد ~~أيام جاءت مراكب كثيرة زهاء من خمسين مركبا فتركهم يوقنا حتى نزل أكثرهم ~~إلى المدينة فأمر بهم اليه فاستخبرهم عن حالهم وقال من أين جئتم قالوا جئنا ~~من جزيرة قبرص ومن جزيرة أقريطش وقالوا معنا العدد والسلاح مضروبة لملك ~~فلسطين فأراهم الفرح والسرور وسلم عليهم وقال إني أريد أن أسير معكم ثم أمر ~~بهم إلى دار الضيافة وبعث إلى قواد المراكب فأنزلهم وقدم لهم السماط فلما ~~أكلوا قال إني أريد أن أسير إليكم الزاد والعلوفة وعدة السلاح إلى خدمة ~~الملك ولكن تقيمون عندي ثلاثة أيام فقالوا أيها البطريق انا على عجل من ~~أمرنا نخاف من لوم الملك ولسنا نقدر على ذلك ولم يزل بهم حتى اذعنوا له ~~فقال أريد أن تنزلوا الشراعات والمقاذيف فتكونوا في المدينة ليطمئن قلبي ~~بذلك ففعلوا وألصقوا المراكب بالسور ونزل كل من في المراكب وما بقي في ~~المراكب الا ثلاثة رجال فلما دبر هذا التدبير قبض على الجميع فلما كان ~~PageV02P031 # الليل سلم طرابلس لبني عمه وللحرث بن سليم وفلنطانوس وعمر المراكب برجاله ~~وهم بالصعود إليها وإذا عند غروب الشمس قد أقبل خالد بن الوليد رضي الله ~~تعالى عنه في ألف فارس من أصحابه ms467 فلما رآهم يوقنا سجد لله شكرا وسلم على ~~خالد بن الوليد وسلم له المدينة وحدثه بما جرى له وما قد عزم عليه فقال ~~نصرك الله وأيدك ثم إن يوقنا ركب من ليلته وسار وكان على سور دمشق جيش ~~فلسطين وهو أرمويل بن نشطة ومعه أربعة آلاف فما أصبح يوقنا الا وهو في ~~مدينة صور فأمر بالبوقات فضربت والرايات فنشرت ووقف الدمستق يختبر خبرهم ~~فعاد صاحب البحرالية فقال هؤلاء أهل قبرص وجزيزة اقريطش قد أقبلوا ~~بالعلوفات والطعام والعدد يريدون قيسارية في خدمة الملك ففرح أهل صور بذلك ~~وأمروهم بالنزول فنزل يوقنا وأصحابه وكان جملة من نزل معه تسعمائة رجل وكان ~~قد استخلصهم لنفسه فصنع لهم الدمستق طعاما ومد لهم سماطا عظيما وأحضر ~~لقوادهم الخلع ويوقنا ينتظر الليل حتى يثور بأصحابه وكان جملة من نزل معه ~~تسعمائة رجل كما ذكرنا وترك الباقين في المراكب وقال إن لم يتم لنا ما نريد ~~ولم نظفر بهم فلا تبرحوا من مراكبهم وأنقذ إلى خالد وأخبره بالقصة قال ~~الواقدي ما سمع بأعجب من هذه القصة ولقد حدثني ابن مزاحم عن الأرقط بن عامر ~~عن عمار بن ياسر الربعي قال لما حصل يوقنا والتسعمائة بمدينة صور وأكلوا ~~سماط الملك وخلع على كبرائهم أقبل عليهم في السر رجل من بني عم يوقنا ممن ~~استحكمت الضلالة في قلبه واحتوى الكفر على أقانيم جسده فأقبل إلى الدمستق ~~وحدثه بأمر يوقنا وما قد عزم عليه وأنه مسلم وأنه يقاتلكم مع العرب وقد فتح ~~طرابلس وأخذ البطريق جرمانس صاحب الملك فلما سمع الدمستق ذلك لم يكذب خبرا ~~دون أن ركب بأصحابه وقبض على يوقنا وأصحابه ووقع الصياح وكثر الضجيج وسمع ~~بذلك أصحاب يوقنا فعلموا أن ذلك بسبب أصحابهم وانه قبض عليهم فاغتموا لذلك ~~غما شديدا وأخذوا على أنفسهم من عدو يقبل عليهم قال فلما استوثق عليهم ~~الدمستق أرمويل بن نشطة وكل بهم ألف رجل وقال سيروا بهم إلى الملك يفعل ~~فيهم ما يريد وأقبلوا يعنفون يوقنا وأصحابه ويقولون لهم ما الذي رأيتم ms468 في ~~دين العرب حتى تبعتموهم وتركتم دينكم ودين آبائكم قد طردكم المسيح عن بابه ~~وأبعدكم عن جنانه فلما هموا أن يسيروا بهم وقع الصياح من الأبواب ونفر أهل ~~القرى ومن كان بالقرب من صور فسألوهم عن أخبارهم فقالوا قدمت العرب عليكم ~~قال الواقدي وكان عمرو بن العاص لما نزل على قيسارية وجه يزيد PageV02P032 # ابن أبي سفيان في ألفي فارس إلى صور فلما سمع الدمستق أمر بالأبواب ~~فأغلقت وصعدت الرجالة على الاسوار وعمروا الأبراج ونصبوا المجانيق وأدخل ~~الدمستق يوقنا إلى قصر صور واستوثق منهم لئلا يتم عليه أمر منهم وبات القوم ~~يحرسون وأضرموا نيرانهم على الاسوار فأقبلوا يرقصون ويشربون طول ليلتهم ~~فلما كان الغد أشرف عليهم يزيد بن أبي سفيان نظر إليهم الدمستق فلما رآهم ~~قليلا استحقرهم وطمع فيهم وقال وحق المسيح لا بد لي من الخروج إليهم وهزم ~~هذه الشرذمة اليسيرة ثم لبس الدمستق اللباس وأمرهم بالخروج وترك على حفظ ~~يوقنا وأصحابه ابن عمه باسيل قال وكان باسيل هذا من قرأ الكتب السالفة ~~والاخبار الماضية وكان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في دير بحيرا ~~الراهب وكان باسيل قد مضى إلى زيارة بحيرا فلما قدمت عير قريش وجمال خديجة ~~بنت خويلد وفيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر بحيرا إلى القافلة ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في وسطها والسحابة على رأسه تظله من حر الشمس فلما ~~تبينه قال والله هذه صفة النبي الذي يبعث من تهامة ثم انتظروا وإذا بالركب ~~قد نزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم نزل وحده تحت شجرة يابسة واستلقى ~~إليها فأورقت الشجرة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما عاين بحيرا ~~ذلك صنع طعاما لقريش واستدعاهم فدخلوا الدير وبقي هو مع الإبل ليرعاها فلما ~~نظر بحيرا إليهم ولم يره في جملتهم قال يا معشر قريش هل بقي منكم أحد قالوا ~~نعم بقي فينا من تخلف لحفظ القافلة ورعي الإبل قال ما اسم من يرعى الإبل ~~قالوا محمد بن عبد الله ms469 قال هل مات أبوه وأمه قالوا نعم قال هل كفله جده ~~وعمه قالوا نعم قال يا قريش هو والله سيدكم وبه يعظم في الدنيا مجدكم قالوا ~~من أين علمت ذلك قال لما أشرفتم علي من البرية لم يبق صخر ولا مدر الا خر ~~له ساجدا قال الواقدي فبقي باسيل في حيرة من أمرهم وكتم سره وعلم أن بحيرا ~~لا يتكلم الا بالحق فلما وقع يوقنا وأصحابه ووكله الدمستق على حفظهم قال إن ~~الاسلام هو الحق وقد بشر به بحيرا الراهب ولعل الله يغفر لي إذا حللت هؤلاء ~~القوم قال الواقدي من حسن تدبير الله لعباده المؤمنين أنه لما خرج الدمستق ~~إلى لقاء يزيد ابن أبي سفيان لم يتأخر أحد من شباب المدينة لا صغير ولا ~~كبير الا وخرج معه وبقيت العوام ينتظرون على الاسوار ما يكون بينهم وبين ~~العرب فلما نظر باسيل إلى المدينة وخلوها واشتغل أهلها بالحرب أخذ رايه على ~~خلاص يوقنا ومن معه فأقبل إليهم بالليل والتفت إلى يوقنا وأصحابه وقال أيها ~~البطريق كيف تركت دين آبائك وأجدادك من قبل وعولت على دين هؤلاء العرب ~~PageV02P033 # وما الذي رأيت من الحق حتى تبعتهم وقد كانت الروم تتخذك عصدا لها وعونا ~~قال له يوقنا يا باسيل ظهر لي من الحق ما ظهر لك من الحق فعرفته وقد هتف بي ~~هاتف يقول لي ان الذي هداك إلى دينه يخلصك وبشرني بالخلاص على يديك قال ~~فلما سمع زاد ايقانه وتحقق ايمانه وقال ليوقنا لقد انطق الله لسانك بالحق ~~وان الله تعالى كشف حجاب الغفلة عن قلبي منذ رايت نبي هؤلاء القوم بدير ~~بحيرا الراهب وهو في قافلة لأهل مكة ورأيت من دلائله أنه لا يسير على الأرض ~~الا والشجر تسير اليه والسحابة على رأسه تظلله ولقد استند إلى شجرة يابسة ~~فأورقت في الحال وأنبأني بحيرا الراهب أنه وجد في العلم أن جماعة من ~~الأنبياء استندوا إليها وجلسوا حولها فلم تورق فلما استند بظهره إليها ~~أورقت أغصانها وأينعت فعجبت من ذلك وسمعت بحيرا ms470 يقول هذا والله الذي بشر به ~~المسيح فطوبى لمن تبعه وآمن به وصدقه فلما عدت من زيارة بحيرا سافرت إلى ~~القسطنطينية بتجارة وطفت في بلاد الروم وأقمت ما شاء الله ثم عدت إلى ~~قيسارية فرأيت الروم في هرج ومرج فسألت عن أحوالهم فقيل قد ظهر نبي في ~~الحجاز اسمه محمد بن عبد الله وقد أخرجه قومه من مكة وقد أتى إلى المدينة ~~التي بناها تبع وقد ظهر على قومه ونصر عليهم فما زلت أسأل عن أخباره وهي في ~~كل يوم تنمو وتزيد حتى مات ثم ولى صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ~~وأنفذ جيوشه إلى الشام فلم يلبث الا يسيرا ثم مات وولى هذا الرجل عمر بن ~~الخطاب ففتح بلادنا وهزم جيوشنا وأنا مع ذلك أنتظر قدومهم إلى هذا الساحل ~~حتى أتى الله بهم فقال له يوقنا وما الذي عزمت عليه قال عزمت والله أن ~~أفارق قومي وأتبعكم فان الحق بين ثم حل يوقنا وأصحابه وسلم إليهم العدد ~~والسلاح وقال ليوقنا اعلم أن مفاتيح أبواب المدينة عندي والعسكر خارج ~~المدينة مشتغل بقتال العرب وليس في المدينة من يخاف جانبه فانهض على اسم ~~الله فقال يوقنا جزاك الله خيرا فلقد هداك الله إلى دينه وسلك بطل طريق ~~النجاة وختم لك بخير ويجب الآن علينا أن نظهر أنفسنا ونبعث في المراكب حتى ~~ينزلوا الينا ونكون نحن يدا واحدة فقال باسيل سأفعل ذلك ثم إنه خرج في حال ~~الخفاء وفتح باب البحر ومعه رجل من بني عم يوقنا وركبا زورقا حتى وصلا إلى ~~البحر والمراكب وحدثاهم بما قد كان فأقبل كل مركب برجاله اليهما وساروا إلى ~~أن نزل الجيمع وحصلوا داخل المدينة أعني مدينة صور وأعمى الله أبصار الكفار ~~فلما هموا أن يثوروا قال يوقنا ليس هذا من الرأي وأين من يهب نفسه لله عز ~~وجل ويخفي أمره ويخرج من الباب ويدور إلى عسكر المسلمين ويتوصل إلى أميرهم ~~ويعلمه بما كان منا ويكون على أهبة وإذا سمع بنا أحد لا يهوله ms471 وليصدم جيش ~~العدو PageV02P034 # فقال رجل من القوم أنا أكون ذلك الرجل ثم خرج متنكرا وأغلق باسيل خلفه ~~ووصل إلى يزيد بن أبي سفيان وحدثه بالامر على حقيقته وبما كان من أمر يوقنا ~~فسجد لله شكرا وبعث من ساعته إلى المسلمين ليأخذوا على أنفسهم في الكبة على ~~القوم ففعلوا ذلك وأما يوقنا رحمه الله فلما علم أن الخبر وصل إلى المسلمين ~~قال لأصحابه ليصعد منكم خمسمائة رجل إلى السور ويقتلوا من عليه قال باسيل ~~ليس هذا رأيا فان العوام لا اعتبار لهم ولعل الله أن يهديهم إلى الاسلام ~~ولكن مر أصحابك أن يلزموا مطالع السور حتى لا ينزل أحد منهم ويزعقوا ~~بالأمان قال فاستصوب رايه ووكل الرجال بالمطالع ثم زعق يوقنا وأصحابه بصوت ~~مزعج وقالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فسمع كل من في المدينة ومن على ~~السور ذلك فعلموا أن يوقنا وأصحابه تخلصوا من الأسر ووثبوا في المدينة ~~وطارت عقولهم وانزعجت أفئدتهم على أولادهم وأهاليهم فبقوا في حيرة فسمع ~~يزيد بن أبي سفيان الضجة فعلم أن المسلمين قاموا في المدينة فكبر وكبرت ~~المسلمون وهلل الموحدون فسمع الدمستق الضجة من المدينة فعلم أن يوقنا ~~وأصحابه تخلصوا من الأسر وهم الذين فعلوا ذلك فوقع الرعب في قلوبهم ونظروا ~~إلى النيران قد اشتعلت في عسكر المسلمين وتاهبوا للحملة عليهم فلم يبق لهم ~~صبر وقد انقطعت قلوبهم من أجل أموالهم وأولادهم الذين في داخل المدينة ~~وقيسارية محاصرة وليس لهم مدد من ولد الملك فولوا الادبار واتبع المسلمون ~~آثارهم وملكوا خيامهم وما كان فيها فلما أصبح الصباح فتح يوقنا باب المدينة ~~ودخل يزيد بن أبي سفيان ومن معه من المسلمين واحتووا على أموال الروم ونادى ~~من كان على السور الغوث الغوث فأمنهم المسلمون ونزلوا بأجمعهم فقال لهم ~~يزيد أن الله عز وجل قد فتح لنا مدينتكم عنوة وأنتم الآن لنا عبيد فما شئنا ~~حكمنا فيكم ولكن نحن إذا عاهدنا وفينا وإذا قلنا صدقنا وقد أعطيناكم الأمان ~~من أنفسنا ولكن عليكم الجزية على من ms472 لم يدخل في ديننا ومن اسلم منكم فله ~~مالنا وعليه ما علينا فأجاب القوم إلى ذلك وأسلم أكثر القوم وبلغ الخبر إلى ~~فلسطين بأن صور قد فتحت فعلم أنه لا بقاء له فأخذ الفرصة وانهزم وأخذ ~~خزائنه وأمواله وذخائره وخدمه واركبهم في المراكب بالليل وقلع يريد اللحوق ~~إلى قسطنطينية فلما نظر أهل قيسارية إلى ذلك خرجوا إلى عمرو بن العاص ~~وصالحوه على أن يسلموا له المدينة فصالحهم على مائة ألف درهم وما ترك الملك ~~من خزائنه ورجاله فأجابوه إلى ذلك وكتب لهم كتاب الصلح فعندها دخل عمرو بن ~~العاص إلى قيسارية وأخذ بقية ما ترك الملك وضرب الجزية عليهم من السنة ~~الآتية كل رجل أربعة دنانير وبذلك أمرهم عمر بن PageV02P035 # الخطاب رضي الله تعالى عنه وبعث عمرو جيشا إلى صور مع ياسر بن عمار بن ~~سلمة وكان شيخا كبيرا قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا ~~والنضير وقتل أخوه يوم حنين قتله مالك بن عون النضيري فبعثه عمرو إلى صور ~~ومعه رجل من أصحابه وصالح عمرو بن العاص أهل قيسارية على مائة ألف درهم وما ~~خلفه فلسطين من بقية ذخائره قال ودخلها يوم الأربعاء في العشر الأول من رجب ~~الفرد سنة تسع عشرة من الهجرة ووصل الخبر إلى الرملة وعكاء وعسقلان ونابلس ~~وطبرية فعقدوا كلهم صلحا مع المسلمين وكذلك أهل بيروت وجبلة واللاذقية وملك ~~الله الشام كله للمسلمين ببركة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ذكر فتوح ~~مصر بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي قال زياد بن عامر قال شام بن عبد الله ~~العنبري حدثنا سالم مولي عروة بن نعيم اليشكري قال لما فتح عمرو بن العاص ~~قيسارية صلحا كان لعمر في الخلافة أربعة أعوام وستة اشهر وبلغ الخبر إلى ~~أهل الرملة وعكاء وبلقاء وعسقلان وصيدا وغزة ونابلس وطبرية فأتي كبراؤهم ~~إلى أبي عبيدة وأصلحوا أمرهم معه على مال لا يحصى وكذلك أهل بيروت وجبلة ~~واللاذقية وأنفذ أبو عبيدة لعمرو بن العاص أن يسير إلى مصر بأمر ms473 عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وملك المسلمون أقاصي البلاد ببركة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعظم وكرم قال وسكنها العرب وتفرقوا في البلاد والمدن ودانت لهم ~~العباد وكل يوم يزدادون فلم يبق في الشام وأعمالها مركز من مراكز الروم الا ~~أخذ المسلمون وتوالدوا وتناسلوا وكثروا ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم يقال محمد بن إسحاق الأموي رحمه الله تعالى قال حدثنا يونس بن عبد ~~الأعلى قراءة عليه بالخضراء بمدينة عسقلان قال أخبرنا الليث بن سعد قال ~~حدثنا نوفل بن عامر قال أخبرني يحيى بن ساكن المدني قراءة عليه يوم الجمعة ~~ونحن عند منبر يونس بن متى قال لما فتح الله ساحل الشام على المسلمين في ~~سنة تسع عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبوا بذلك إلى أمير ~~جيوش المسلمين أبي عبيدة عامر بن الجراح بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو ~~ابن العاص إلى أمين الأمة أما بعد فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي ~~على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وان الله جل وعلا قد فتح ما كان قد بقي ~~من الساحل وأخذنا قيسارية صلحا وهرب منها فلسطين بن هرقل بأمواله وعياله ~~ونحن بها ننتظر أمرك والسلام وكتب أيضا يزيد بن أبي سفيان بما تم ليوقنا في ~~صور وان الله قد عضد الدين ووصل الكتابان إلى أبي عبيدة وقد رحل من حلب ~~يريد طبرية فوصل اليه الخبر وهو نازل على PageV02P036 # الزراعة فلما قرأ الكتابين تهلل وجهه فرحا وضج المسلمون بالتهليل ~~والتكبير وكتب من وقته وساعته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبشره بما ~~فتح الله على المسلمين وبما فعله يوقنا ووجه الكتاب مع عرفجة بن مازن فركب ~~ناقته وسار حتى وصل المدينة قال عرفجة بن مازن وعلي من ديباج الروم قباء ~~فاخر وعلى رأسي مطرف خز مذهب قال فلما أتيت المدينة ودخلتها يوم الجمعة أول ~~ليلة من شهر رمضان قبل مغيب الشمس وعمر رضي الله عنه قد أتى يريد المسجد ms474 ~~فلما أبركت ناقتي وعقلتها وجئته لأسلم عليه نظر إلي شزرا وقال من الرجل قلت ~~عرفجة بن مازن فقال يا ابن مازن أما كان لك برسول الله أسوة حسنة وان هذه ~~ثياب الجبارين ومن جعل الله لهم الدنيا جنة وهذا الديباج حرام على الرجال ~~منا ولا يصلح الا للنساء وهذا الذي عليك تصدق به على فقراء المدينة أما ~~والله لقد دخلت يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على سرير ~~مرمل بشريط وليس بين جلده وبين الشريط شيء وقد أثر الشريط في نعومة جلد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رايت ذلك بكيت فقال لي يا عمر ما الذي ~~أبكاك فقلت يا رسول الله ان كسرى وقيصر يعيشان في ملك الدنيا وأنت رسول ~~الله بهذه المثابة فقال يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ~~قال عرفجة فسلمت اليه الكتاب فلما قرأه تهللت أسارير وجهه قال عرفجة ثم ~~نزلت على خالتي عفراء بنت أبي أيوب الأنصاري وبت عندها ليلتي فلما أصبحت لم ~~أقدر أن أقابل عمر بذلك الزي فأعطيت الثوب والعمامة لخالتي فباعتهما وتصدقت ~~بثمنهما على فقاء المدينة قال وسرت إلى عمر وعلى ثوب من كرابيس الشام كان ~~تحت ثيابي فلما رآني تبسم في وجهي وقال يا ابن مازن ما فعلت بديباجتك قلت ~~يا أمير المؤمنين باعتها خالتي وتصدقت بثمنها على المسلمين فقرأ عمر * (وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله) * ثم إنه كتب إلى أبي عبيدة يقول بسم الله ~~الرحمن الرحيم من عبد الله عمر ابن الخطاب إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح ~~أما بعد فأني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي علي نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقد فرحت بما فتح الله على المسلمين وما وعدنا به رسول الله من ~~كنوز قيصر وسيفتح علينا من كنوز كسرى والحمد لله على ذلك كثيرا وقد بلغني ~~أن بادية الاعراب قد استلذوا الدنيا وزينتها وقد نصبت لهم شباك محبتها وقد ~~تمسكوا بذيل غرورها ونسوا ms475 نعيم الجنة وقصورها ورفلوا في ثياب الديباج والخز ~~وأكلوا الحلواء وخبز الحنطة لهاهم ذلك عن الآخرة وقد بلغني يا ابن الجراح ~~أنهم قد تهاونوا بالصلاة ونسوا المفترضات فجرد عليهم عتاق الخيل ذوات الهمم ~~وأغلظ عليهم ولا تكن لهم PageV02P037 # حاملا فيطمعوا فيك ومن أخل منهم بشيء مما فرض عليهم فأقم فيهم حدود الله ~~وأعلم بأنك راع مسؤول عن رعيته قال الله عز وجل الذين ان مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر وقد قال فيك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عبيدة أمين هذه الأمة فأعط الأمانة حقها ~~ومن ترك صلاته فأضربه عليها ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ~~ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه اشتغالا بالصلاة وبعظمة ~~الله وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله عز وجل يقول إن بيوتي في ~~الأرض المساجد وان زواري فيها عمارها بالعبادة فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم ~~زارني فحق على المزور أن يكرم زائره وقال صلى الله عليه وسلم جميع ~~المفترضات افترضها الله علي في الأرض الا الصلاة فان الله افترضها علي في ~~السماء وإذ قرأت كتابي هذا فأمر عمرو بن العاص أن يتوجه إلى مصر بعسكره ~~ويقدمهم عامر بن ربيعة العامري ومشايخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفضي بهم عند مشورته وأنفذ من قدرت عليه إلى أرض ربيعة وديار الجد بن ~~صالح والله أسأل أن يكون لكم عونا ومعينا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~~وسلم الكتاب إلى عرفجة بن مازن وأمر له بنفقة من بيت المال قال عرفجة فأخذت ~~الكتاب وسرت به على طريق تيماء فلقيت عند بيت لحم ركبا من أهل وادي القرى ~~فسألتهم عن أبي عبيدة فأخبروني أنه على غباغب وهو طالب طبرية قال عرفجة ~~أطلب الغور والجولان وأقصد طبرية قال فالتقيت بأبي عبيدة على الأردن فسلمت ~~عليه وناولته كتاب عمر رضي الله عنه فما قرأه جمع المسلمين وقرأه عليهم ~~فلما فرغ قال ms476 ما من رجل ترك الصلاة أو أخل بشيء مما افترضه الله عليه الا ~~جلدته ومن الغد أتى خالد بن الوليد من طرابلس فقرأ عليه الكتاب وأنفذه إلى ~~عمرو بن العاص أرسل يحثه على المسير إلى أرض مصر فلما وصل الكتاب إلى عمرو ~~أخذ على نفسه بالمسير وسار معه يزيد بن أبي سفيان وعامر بن ربيعة العامري ~~وجماعة من الصحابة وسار معه يوقنا في أربعة آلاف من أصحابه وقد وهبوا ~~أنفسهم لله ورسوله فسار عمرو على البيداء من وراء العريش قال وكانت أرض مصر ~~وريفها عامرة بالديور والصوامع وكان دير الزجاج في مملكة القبط وكان ملكهم ~~يومئذ المقوقس ابن راعيل وكان هذا الملك من أهل الرأي والتدبير والفضل ~~والحكمة وكان تلميذ الحكيم أعاشادمون وهو الذي لما غلبت الحيات على أرض مصر ~~واخربتها صنع لها جلجلا وكان ان حركه سمع صوته من مقدار ميل قال فتخرج ~~الحيات من حجرتها فمن هربت نجت ومن وقعت هلكت وكان المقوقس من أعلم أهل ~~زمانه وكانت PageV02P038 # القبط معه في عيشة مرضية وكان يتوقع ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان حكيم ذلك الزمان بمصر يقال له عطماوس وهو الذي صنع دواليب الريح ورحى ~~الهواء وكان عمر في الأجيال واطلع على مكنون الحكم والأسرار وعرف عمل صنعة ~~الإكسير وعمل الذهب والفضة والجوهر والحركات المتحركة من نفسها بهبوب الريح ~~وأجناس الأهوية في أجسامها وكان يجد في عمله أن الله يبعث نبيا من أرض ~~تهامة ينشر دينه وتعلو كلمته وتملك أصحابه البلاد فعمل في أيام راعيل أبي ~~المقوقس هيكلا عظيما على أعمدة من نحاس بمكان يعرف بعين شمس وجعل عليه ~~أشخاصا مجوفة وجعل وجهها إلى جهة مصر وكتب عليها بالقبطية إذا دارت هذه ~~الأشخاص إلى جهة الحجاز فقد قرب ملك العرب قال فبينما المقوقس راكب في بعض ~~الأيام للصيد وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد انتهى سيره إلى ~~عين شمس إذ هو سمع أصواتا من الأشخاص قد علت ثم إنها حولت وجهها نحو الحجاز ~~فأيقن ms477 بتلف ملكه وزواله فعاد من ركوبه وهو قلق ودخل قصر الشمع وجلس على ~~سريره وجمع القسوس والرهبان وكبراء القبط وقال لهم يا أهل دين النصرانية ~~اعلموا أن زمانكم قد مضى وهذا النبي المبعوث لا شك فيه وهو آخر الأنبياء ~~ولا نبي بعده وقد بعث بالرعب ولا بد لرجل من أصحابه أن يملك ما تحت سريري ~~هذا فانظروا إلى ملككم وأصلحوا ذات بينكم وارفقوا برعيتكم ولا تجوروا في ~~حكمكم وأمنوا ضعفاءكم وإياكم واتباع الظلم فان الظلم وبيل ومرتعه وخيم ~~وأعطوا الحق من أنفسكم ولا يستطل قويكم على ضعيفكم وما دامت الدنيا لأحد من ~~قبلكم حتى تدوم لكم وكما ملكتموها ممن كان قبلكم كذلك يأخذها منكم من كان ~~بعدكم فأصلحوا نياتكم فيما بينكم وبين خالقكم فان فعلتم ذلك رجوت لكم النصر ~~على أعدائكم ومن يريدكم وان اتبعتم أهواءكم تبين هلاككم قال حدثنا ابن ~~إسحاق عن عبد الملك عن أبيه عن حسان بن كعب عن عبد الواحد بن عوف عن موسى ~~بن عمران عن حميد الطويل عن أبي إسحاق الراوي المغازي مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ~~وبايعه الأوس والخزرج كتب إلى ملوك الأرض وفي الجملة كتابا إلى المقوقس ملك ~~مصر وكان الذي كتب الكتاب اليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ونسخة ى الكتاب ~~بسم الله الرحمن الرحيم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب مصر ~~أما بعد فان الله أرسلني رسولا وأنزل علي كتابا قرآنا مبينا وأمرني ~~بالانذار والاعذار ومقاتلة الكفار حتى يدينوا بديني ويدخل الناس فيه وقد ~~دعوتك إلى الاقرار بوحدانية الله تعالى فان أنت فعلت سعدت PageV02P039 # وان أنت أبيت شقيت والسلام ثم طوى الكتاب وختمه بخاتمه قال أنس بن مالك ~~فاستخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبعه وكان فصه عليه ثلاثة أسطر ~~السطر الأول محمد السطر الثاني رسول السطر الثالث الله ولا نقش أحد على ~~خاتمه كنقشه قال سمرة بن عوف ms478 قلت لحميد الطويل أكان لخاتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فص أم لا قال لا أدري قال وسأل رجل جابر بن عبد الله ~~الأنصاري فقال له في أي يد كان يتختم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في ~~يده اليمنى ويقول اليمنى أحق بالزينة من الشمال وفص الخاتم في يمينه وقال ~~عبد الله بن عباس رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه ثم ~~حوله إلى يساره حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يتختم في يساره وحدثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعا ~~يتختمون في اليسار قال الراوي فلما طبع الكتاب بخاتمه قال أيها الناس أيكم ~~ينطلق بكتابي هذا إلى صاحب مصر وأجره على الله قال فوثب اليه حاطب بن أبي ~~بلتعة القرشي وقال أنا يا رسول الله فقال له بارك الله فيك يا حاطب قال ~~فأخذت الكتاب من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وودعته وأصحابه وسرت إلى ~~منزلي وشددت راحلتي وودعت أهلي واستقمت على الطريق إلى نحو مصر فلما بعدت ~~عن المدينة بثلاثة أيام أشرفت على ماء لبني بدر فأردت أن أورد ناقتي الماء ~~وإذا على الماء رجلان ومعهما ناقتان ومعهما رجل آخر راكب على جواد أدهم ~~فلما رأيتهم وقفت وإذا بالفارس أتى إلي وقال لي من أين أقبلت وأين تريد ~~فقلت يا هذا لا تسأل عما لا يعنيك فتقع فيما يحزنك ويخزيك أنا رجل عابر ~~سبيل وسالك طريق فقال ما إياك أردنا ولا نحوك قصدنا نحن قوم لنا دم وثأر ~~عند محمد بن عبد الله وقد جئت أنا وهذان الرجلان وتحالفنا على أن ندهمه على ~~غفلة فلعلنا نجد منه غرة فنقتله قال حاطب والله لقد أمكنني الله منهم ~~فلأجعلن جهادي فيهم ولو بالخديعة فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول الحرب خدعة فبينما أنا أخاطب الفارس ms479 وإذا بالراكبين قد وصلا إلي وقالا ~~لي بغلظة وفظاظة ويحك لعلك من أصحاب محمد فقلت لهما لقد كاد أن يتبدل لكما ~~الطريق عن سبيل التحقيق واني رجل مثلكما أطلب ما تطلبون وأنا قاصد يثرب وقد ~~عولت علي صحبتكم لأكون معكم ولكن سمعت في طريقي هذا ممن أثق به أن محمدا ~~أنفذ رسولا من أصحابه إلى مصر بكتاب فلعله في هذا الوادي فان وقعنا به ~~قتلناه فقال صاحب الفرس أنا أسير معك ثم إنه PageV02P040 # تقدم أمامي وتركنا صاحبيه واقفين ينتظران قال حاطب فلما بعدت به عن ~~أصحابه وغبنا عنهما قلت ما اسمك قال اسمي سلاب بن عاصم الهمداني قلت يا ~~سلاب اعلم أنه لا يقدر أن يدخل على يثرب الا من كان له جنان وقلب وغدر ومكر ~~لان بها سادات الأرض وأبطالها مثل عمر وعلي ولكن كيف سيفك قال سيفي ماض قلت ~~أرني إياه فاستله من غمده وسلمه إلي فأخذت السيف من يده وهززته وقلت سيف ~~ماض ثم قلت * سيوف حداد يالؤي بن غالب * مواض ولكن أين للسيف ضارب * فقال ~~ما معنا هذا الكلام قلت يا ابن عاصم ان سيفك هذا من ضرب قوم عاد من ولد ~~شداد وما ملكت العرب سيفا مثله ولا أمضى من هذا السيف ولكن وجب علي أكرامك ~~وأريد التقرب إليك بحيلة أعلمك إياها تقتل بها عدوك فقال بذمة العرب افعل ~~ذلك فقال حاطب إذا كنت في مقام حرب وقتال وخصمك بين يديك وتريد قتله فهز ~~هذا السيف حتى يهتز هكذا وتلتئم مضاربه واضرب عدوك بحرفه فإنه أسرع للقتل ~~والقطع وملت بالسيف على عنقه وإذا برأسه طائر عن بدنه فنزلت اليه وأمسكت ~~الجواد لئلا ينفلت فينذر أصحابه وتركته مربوطا إلى شجرة وأسرعت إلى صاحبيه ~~وإذا هما ينتظراننا فلما رأياني أقبل أحدهما إلي فقال ما وراءك وأين سلاب ~~فقلت أبشر بأخذ الثأر وكشف العار واعلم بأننا وجدنا رجلين من أصحاب محمد ~~وهما نائمان وقد وجهني سلاب بأن يمضي أحدكما حتى نتمكن منهما ويقف أحدكما ~~ههنا فان هذا الوادي ms480 ما خلا ساعة من أصحاب محمد فقال نعم الرأي الذي قد ~~أشرت به وسار معي فلما غيبته عن صاحبه قلت ما اسمك قال عبد اللات قلت كن ~~رجلا وإياك والخوف فإنك إذا رأيتنا وقد هجمنا على الرجلين فاستيقظ فقال لا ~~بد أن أفعل ذلك فقلت له اني أرى غبرة ولا شك أن تحتها قوما ممن صبأ إلى دين ~~محمد فجعل يتأمل كأنه الواله الحيران فعاجلته بضربة على غفلة فرميت رأسه عن ~~بدنه وعدت إلى الثالث فلما رآني وحدي تيقن بالشر فقارعني وقارعته وصدمني ~~وصدمته الا ان الله أعانني عليه فقتلته وأخذت الراحلتين والفرس وأسلابهما ~~ووضعت الجميع عند رجل من أصحابي وكان رفيقا لي من زمن الجاهلية وهو من عبد ~~شمس ثم توجهت أريد مصر ولم أزل إلى أن أتيتها فلما وصلت إلى باب الملك ~~قالوا من اين جئت قلت أنا رسول إلى ملككم فقالوا من عند من قلت من عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعوا بذلك أحاطوا بي وأوصلوني إلى قصر الشمع ~~بعد أن استأذنوا لي وأوقفوني PageV02P041 # على باب الملك فأمرهم باحضاري بين يديه فعقلت راحلتي وسرت معهم عند ~~المقوقس وإذا هو في قبة كثر الجوهر في حافتها ولمع الياقوت من أركانها ~~والحجاب بين يديه فأومأت بتحية الاسلام فقال حاجبه يا أخا العرب أين رسالتك ~~قال فأخرجت الكتاب فأخذه الملك من يدي بيده قال فباسه ووضعه على عينيه وقال ~~مرحبا بكتاب النبي العربي ثم قرأه وزيره الباكلمين فقال له اقرأه جهرا فإنه ~~من عند رجل كريم فقرأه الوزير إلى أن أتى إلى آخره فقال الملك لخادمه ~~الكبير هات السفط الذي عندك فأتى به ففتحه واستخرج نمطا ففتح ذلك النمط ~~وإذا فيه صفة آدم وجميع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وفي آخره صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقال لي صف صاحبك حتى كأنني أراه قال حاطب ومن ~~يقدر أن يصف عضوا من أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا بد من ذلك ~~قال فوقفت بعدما ms481 كنت جالسا وقلت إن صاحبي وسيم قسيم معتدل القامة بعيد ~~الهامة بين كتفيه شامة وله علامة كالقمر إذا برز صاحب خشوع وديانه وعفة ~~وصيانة صادق اللهجة واضح البهجة أشم العرنين واضح الجبين سهل الخدين رقيق ~~الشفتين براق الثنايا بعينيه دعج وبحاجبيه زجج وصدره يترجرج وبطنه كطي ~~الثوب المدبج له لسان فصيح ونسب صحيح وخلق مليح قال والملك ينظر في النمط ~~فلما فرغت قال صدقت يا عربي هكذا صفته فبينما هو يخاطبني إذ نصبت الموائد ~~وأحضروا الطعام فامرني أن أتقدم فامتنعت فتبسم وقال قد علمت ما أحل لكم ~~وحرم عليكم ولم أقدم لك الا لحم الطير فقلت اني لا آكل في هذه الصحاف الذهب ~~والفضة فان الله قد وعدنا بها في الجنة قال فبذلوا طعامي في صحاف فخار ~~فأكلت فقال أي طعام أحب إلى صاحبك فقلت الدباء يعني القرع فإذا كان عندنا ~~شيء منه آثرناه على غيره فقال ففي أي شيء يشرب الماء فقلت في قعب من خشب ~~قال أيحب الهدية قلت نعم فإنه قال صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى كراع ~~لأجبت ولو أهدى إلي ذراع لقبلت قال أيأكل الصدقة قلت لا بل يقبل الهدية ~~ويأبى الصدقة وقد رأيته إذا أتى بهدية لا يأكل منها حتى يأكل صاحبها فقال ~~الملك ايكتحل قلت نعم في عينه اليمنى ثلاثا وفي اليسرى اثنتين وقال من شاء ~~اكتحل أكثر من ذلك أو أقل وكحله الأثمد وينظر في المرآة ويرجل شعره ويستاك ~~فقال المقوقس إذا ركب ما الذي يحمل على رأسه فقلت راية سوداء ولواء ابيض ~~وعلى اللواء مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله فقال أله كرسي يجلس عليه ~~أو قبة قلت نعم له قبة حمراء تسع نحو الأربعين قال فما الذي يحب من الخيل ~~قلت PageV02P042 # الأشقر الأرتم الأغر المحجل في الساق وقد تركت عنده فرسا يقال لها المرعد ~~قال فلما سمع كلامي انتخب من خيله فرسا من أفخر خيول مصر الموصوفة وأمر به ~~فأسرج وألجم فأعده هدية لرسول الله صلى الله ms482 عليه وسلم وهو فرسه المأمون ~~وأرسل معه حمارا يقال له عفير وبغلة يقال لها دلدل وجارية اسمها بريرة ~~وكانت سوداء وجارية بيضاء من أجمل بنات القبط اسمها مارية وغلام اسمه محبوب ~~وطيب وعود وند ومسك وعمائم وقباطي وأمر وزيره أن يكتب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كتابا يقول فيه باسمك اللهم من المقوقس إلى محمد أما بعد ~~فقد وصل إلي كتابك وفهمته وأنت تقول ان الله أرسلك رسولا وفضلك تفضيلا ~~وأنزل عليك قرآنا مبينا فكشفنا يا محمد خبرك فوجدناك أقرب داع إلى الله ~~وأصدق من تكلم بالصدق ولولا أنثى ملكت ملكا عظيما لكنت أول من آمن بك لعلمي ~~أنك خاتم النبيين وامام المرسلين والسلام عليك ورحمة الله وبركاته مني إلى ~~يوم الدين قال وسلم الكتاب والهدية إلي وقبلني بين عيني وقال بالله عليك ~~قبل بين عيني محمد عني هكذا ثم بعث معي من يوصلني إلى بلاد العرب والى ~~مأمني قال فوجدنا قافلة من بلاد الشام وهي تريد المدينة فصحبتها إلى أن ~~وردت المدينة فأتيت المسجد وأنخت ناقتي ودخلت وسلمت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنشأت أقول * أنعم صباحا يا وسيلة أحمد * نرجو النجاة غدا بيوم ~~الموقف * اني مضيت إلى الذي أرسلتني * أطوي المهامه كالمجد المعنف * حتى ~~رأيت بمصر صاحب ملكهم * فبدا إلي بمثل قول المنصف * فقرا كتابك حين فك ~~ختامه * فأطل يرعد كاهتزاز المرهف * قال البطارقة الذين تجمعوا * ماذا ~~يروعك من كتاب مشرف * قال اسكتوا يا ويلكم وتيقنوا * هذا كتاب من نبي ~~المصحف * قالوا وهمت فقال لست بواهم * اني قرأت بيان لفظ الأحرف * وبكل سطر ~~من كتاب محمد * خط يلوح لناظر متوقف * هذا الكتاب كتابه لك جامعا * يا خير ~~مأمول بحبك نكتفي * قال الراوي ورجعنا إلى الفتوح قال حدثني أحمد بن عبيد ~~عن عبد الله بن عمر السلمي عن محمد الزهري عن عبد الله بن زيد الهذلي عن ~~أبي إسحاق الأموي وهو المعتمد عليه في فتوح مصر وأرض ربيعة والفرس حدثنا ~~عمر بن حفص ولم ينفرد ms483 بهذه الرواية سواه وكان أصحاب السير قد اشتغلوا ~~بوقائع العراق وفتوحه وما تجدد من سعد بن أبي وقاص PageV02P043 # وبني كسرى أنوشروان وتركوا فتوح الشام وأرض مصر فيما بعد وكان قد ارتحل ~~عنهم فتركوه لأجل الزيادة والنقصان فيه وانما انفرد ابن إسحاق لأنه انفرد ~~عن مشايخ ثقات قد وثق بهم من آل مخزوم اجتمع بهم في الرملة بعد الفتوح ~~أحدهم نوفل بن ساجع المخزومي وكان عمه خالد بن الوليد وكان من المعمرين شهد ~~تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهد بعدها الحديبية وشهد يوم اليمامة ~~ومسيلمة وكان مع عمرو بن العاص بأرض مصر في جميع فتوحها والثاني فهد بن ~~عاصم بن عمرو بن سهل بن عمرو المخزومي وغيرهما من الثقات ممن شهد فتوح أرض ~~مصر والوقائع كلها قالوا جميعا ومنهم من قال إن عمرو بن العاص لما انفصل من ~~ساحل الشام وكتب الله سلامة المسلمين وسار متوجها يريد أرض مصر فلما كان ~~بمكان يقال له رفح قال له يوقنا يا عمرو أنت تريد أن تدهم مصر على حين غفلة ~~من أهلها وأنا ممن يمكني ذلك لأن ثواب الله أجل غنيمة فان قلبي ملوث بحب ~~الدنيا واني كنت ممن أشرك بالله سواه وأنا أجتهد في الخلاص وأقاتل من كنت ~~انصره على الكفر وعباده الصلبان والسجود للصور من دون الله وقد أخذت ~~الاسلام بنية وقبول لأنه الحق وأريد أن أتقدم إلى أرض مصر فلعلي أجد لكم ~~بالحيلة سبيلا فقال عمرو وفقك الله وأعانك وحفظك وصانك قال فسار يوقنا ليلا ~~من رفح يطلب الفرماء ولم يقرب من العريش ولا القاربا وكلها حصون عامرة وقد ~~سكنها أقوام من العرب المختلطة وكانوا يؤدون المال إلى الملك المقوقس بن ~~راعيل وسنذكر فتوحها فيما بعد إن شاء الله تعالى قال وان يوقنا اشرف على ~~الفرماء وكان بها وال من قبل المقوقس اسمه الرندبان والفرماء على جانب ~~بحيرة تنيس من الشرق فرأى يوقنا خياما منصوبة وقبابا مضروبة فلما رأوا ~~يوقنا وقع الصائح فركب من كان هناك وكانت الأخبار ms484 ترد عليهم كل وقت بما صنع ~~الصحابة فلما بلغهم أن قيسارية فتحت اغتموا لذلك لأنه كان فلسطين بن هرقل ~~قد تزوج بابنة المقوقس ارمانوسة وكان قد جهزها أبوها وأرسلها مع غلمانها ~~وأموالها إلى بلبيس ثم إنها وجهت حاجبها تميلاطوس إلى الفرماء في ألفي فارس ~~لحفظ ذلك المكان الاستعداد حدثنا ابن إسحاق أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم ~~بن الحرث التيمي عن أسامة ابن زيد بن أسلم قال ابن إسحاق حدثني رجل من ~~القبط رأيته وقد دخل في دين الاسلام فقربت اليه وسألته فأخبرني أنه من قبط ~~مصر من جند المقوقس فقلت له كيف كان من أمركم لما سمعتم بقدوم PageV02P044 # المسلمين من الشام وكسر جيوش هرقل قال لما بلغنا ذلك بعث المقوقس رسله ~~إلى جميع أطراف بلاده مما يلي الشام بأن لا يتركوا أحدا من الروم ولا غيرهم ~~يدخل أرض مصر كل ذلك لئلا يتحدثوا بما صنع المسلمون بجنود هرقل فيدخل الرعب ~~في قلوب قومه فلأجل ذلك أنه لما دخل يوقنا أرض مصر لم يعلم به أحد فلما ~~ركبوا إلى لقائه ورأوا حشمه وعسكره وكانوا بزي الروم سالوه عن مكانه وكان ~~قد أخبر في طريقه من حصن كيفا وأعلموه بابتعاد فلسطين عن زوجته أرمانوسة ~~وان أباها قد جهزها وهي على مدينة بلبيس فقال يوقنا ومتى تزوجها قالوا ~~تزوجها والمسلمون على حصن حلب فقال لهم انه قد ركب في البحر وترك قيسارية ~~وقد أرسلني حتى آخذها في المراكب من دمياط ومضى يوقنا يقول أنا قد جئت ~~رسولا من الملك فلسطين إلى الملك المقوقس حتى يرسل معي ابنته إلى زوجها ~~فلما سمعوا كلامه قالوا إن الملكة في بلبيس وقد أنفذها اليه وما منعها من ~~المسير الا خوف العرب وهروب فلسطين من قيسارية فسار يوقنا حتى قرب من بلبيس ~~فنزل هناك وسار حاجبها إليها وعرفها بما قاله يوقنا فقالت علي به فأتى اليه ~~الحاجب وأمره بالمسير فركب وركب أصحابه وهم بأحسن زي وأتوا إلى عسكر ~~أرمانوسة وإذا به عسكر كبير أكثر من عشرة آلاف ms485 قال فترجل يوقنا وترجل قومه ~~ووقفوا على باب قصرها واستأذنوا عليها فأذنت لهم بالدخول فلما وقفوا بين ~~يديها خضعوا لها فأمرت لهم بكراسي فوضعت لهم فأمرتهم بالجلوس فجلسوا ووقفت ~~الحجاب والمماليك والخدم فقالت الملكة أرمانوسة له من غير ترجمان كم لكم عن ~~الملك فقال شهر فقالت أكان رحل من المراكب أم قبل رحيله فقال يوقنا بل قبل ~~رحيله وحين ركب منهزما ولما وصلت إلى غزة بلغني أنه سار وقد قال لي في السر ~~بيني وبينه لا طاقة لنا بقتال هؤلاء العرب فان أبي هرقل ترك أنطاكية وذهب ~~وقد قاتلهم بجميع جنوده واستنصر عليهم بجيمع دين النصرانية وأنفذ إليهم ~~ماهان الأرمني إلى اليرموك في ألف ألف فهزموه وقتلوه واني أريد أن آخذ ~~خزائني وأطلب القسطنطينية ثم إنه وجهني إليك أيتها الملكة لتركبي في المركب ~~اليه قال فلما سمعت ذلك أطرقت برأسها إلى الأرض ثم رفعت رأسها وقالت اني لا ~~أقدر أن أصنع شيئا الا بأمر الملك أبي واني مرسلة اليه قال فقام يوقنا وصقع ~~لها ودعا ثم خرج من عندها فوجد غلمانه قد ضربوا خيامه فنزل بها وأرسلت اليه ~~العلوفة والضيافة قال ابن اسحن الأموي رضي الله عنه ولقد بلغني انه لما جن ~~الليل أتت إليها الجواسيس وأعلموها بفتح قيسارية ومدائن PageV02P045 # الساحل جميعها وبتوجه عمرو بن العاص إلى مصر وبحديث يوقنا صاحب حلب ~~وحذروها منه وعرفوها بجميع الأخبار مفصلة وانه هو الذي فتح طرابلس وصور ~~وجبلة قال فلما سمعت ذلك دخل في قلبها الرعب وعلمت انه محتال فطلبت حاجبها ~~وقالت له مر العسكر بلبس السلاح وأن يكونوا مستيقظين فقد جرى من الأمر كذا ~~وكذا ثم إنها أوقفت مماليكها وغلمانها وقالت لهم إذا دخل هذا الرجل وخواصه ~~فاقبضوا عليهم فإذا نحن ملكناهم انخذل عسكر المسلمين فلما رتبت هذا أرسلت ~~تطلب يوقنا فذهب حاجبها اليه وقال له أيها البطريق الكبير ان الملكة تطلبك ~~لتوصيك بما تقوله لأبيها فقال له السمع والطاعة ها أنا راكب وأصحابي فذهب ~~القاصد فقال يوقنا لأصحابه اعلموا أن الملكة ms486 شعرت بنا والقوم قد عولوا على ~~قتلنا فان حصلنا في أيديهم قتلونا لا محالة وتضرب بنا الأمثال لمن يأتي ~~بعدنا فموتوا كراما ولا تلقوا بأييديكم إلى القتل بأيدي الكفار وكونوا نصرة ~~لدين الاسلام وما عسى نرجو من هذه الدنيا الغدارة التي ما صفت لأحد الا ~~وغيرته بالكدر فاعمروا دار البقاء وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده فلعلكم ~~ترضونه بذلك قال فأخذ القوم على أنفسهم واشتدوا وركبوا وتوكلوا على الله في ~~جميع أمورهم حدثنا ابن إسحاق قال لقد بلغني أن الملكة أقامت تنتظر قدومهم ~~لتقبض عليهم فاستبطأتهم فبعثت رسولا ثانيا تستحثهم فقال له يوقنا ارجع إلى ~~صاحبتك وقل لها ما جرت بذلك عادة الملوك يبعثون يطلبون الرسل الا لأمر يحدث ~~وقد كنت عندها فما الذي تريده نصف الليل مني فعاد الرسول وأخبرها بما قاله ~~فركبت من وقتها وتقدمها حاجبها وأمرت الجيش كله أن يركب ودارت بيوقنا ~~وأصحابه ولم تحدث بشيء إلى الصباح فأقبل صاحب الملكة إليهم وقال ما حملكم ~~أن تركتم دين آبائكم وهجرتم دين المسيح وأمه وقد جئتم تحتالون علينا ألا ~~وان المسيح قد غضب عليكم فقال يوقنا أن المسيح عبد من عبيد الله لا يقدر ~~على شيء لأنه مأمور مكلف وقد أنطقه الله بذلك وهو في المهد فقال * (قال إني ~~عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام ~~علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) * ومن يؤمر بالصلاة والزكاة ويموت ~~فليس باله انما هو عبد الله مكلف بالعبادة مثل واحد منا وان الله لا يتشبه ~~بأحد منا وان الله لا يشبهه شيء ولا يتشبه بأحد ولقد أضلكم من صدكم عن ذلك ~~وزاغ بكم عن طريق الحق بقوله على الله والمسيح ولقد كنا مثلكم نسجد للصلبان ~~ونعظم القربان ونسجد للصور ونجعل مع الله الها آخر إلى أن تبين لنا دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم فشفانا بعد العمى وشرح صدورنا للهدى ودين الاسلام ms487 ~~هو الدين الواضح وكنا نقول مثل PageV02P046 # قولكم ان المسيح ابن الله وان إبراهيم واسحق كانا نصرانيين فكذبنا الله ~~بقوله في كتابه ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ~~وما كان من المشركين وقال سبحانه ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين وها نحن قد جئناكم لنجاهدكم اما أن تقولوا لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله واما الجزية واما القتال قال فلما سمع الحاجب ~~كلامه قال لقومه دونكم وهؤلاء فقد جاءوا يريدون قتلكم وأخذ أموالكم ~~وأولادكم وحريمكم قال فحملوا على يوقنا وأصحابه وعمل السيف بينهم بقية ~~يومهم فلما كان من الغد ركبوا وداروا بهم وتصايحت عليهم القبط ودارت بهم ~~الخيل والرجال فبلى يوقنا ومن معه بما لا طاقة لهم به وقتل منهم جماعة ~~وقتلوا هم من القبط خلقا كثيرا ولكنهم صبروا لأمر الله وقالوا والله لا ~~نسلم أنفسنا أو نموت كلنا فقد حصل لنا ما كنا نطلب من رضا ربنا قال ابن ~~إسحاق حدثنا سيف بن شريح عن يونس بن زيد عن عبد الله بن عمر بن حفص عن عبد ~~الله بن الحرث قال لما أخرت الجواسيس أرمانوسة بقصة يوقنا أنفذت كتابا إلى ~~أبيها المقوقس تعلمه بذلك وأنها مغلوبة معهم وان العرب متوجهون مع رجل يقال ~~له عمرو بن العاص وأنا منتظرة جوابك قال فلما وصل الكتاب اليه دعا أرباب ~~دولته وقال لهم قد تم من الأمر علي كذا وكذا فما تشيرون به علي قالوا أيها ~~الملك نرى لك من الأمر أن تنفذ جيشا إلى الملكة ينصرها على عدوها وتنفذ إلى ~~جلباب ملك البرية تستنصر به على هؤلاء العرب وتنفذ إلى مازع بن قيس ملك ~~البجاوة ينفذ لك جيشا وتنفذ إلى من بالإسكندرية يأتون والى من بالصعيد ~~يأتون فإذا اجتمعت إليك هذه الأمم فالق بهم العرب ولا تأمن لهم فيطمعوا فيك ~~فقال يا أهل دين النصرانية اعلموا أن الملك محتاج إلى سياسة ومن ملك عقله ~~ملك رأيه ومن ملك رأيه أمن ms488 من حوادث دهره وليست الغلبة بالكثرة وانما هي ~~بحسن التدبير والله لقد كان قيصر أكثر مني جندا وأوسع بلادا وأعظم عدة وقد ~~جمع من بلاد الروم إلى اليونانية ومن اقاليمه ومن القسطنطينية ومن سائر ~~البلاد وبلاد الأندلس واستنصر بنا وبغيرنا فما أغنى عنه جمعه شيئا ولا قدر ~~أن يرد القضاء والقدر عنه واعلموا أن العقل أساس الآدمي المخاطب المكلف ~~المفضل به على سائر ما خلق على الأرض فمن ملك أمره ومن لم يجد منه حظا كان ~~بجهله ارضيا ولن تنال الحكمة الا بالعقل قال الحكيم ماسوسي ان الحكمة مرقى ~~جليل وطالبها نبيل وتاركها ذليل لأنها غذاء الأرواح وقوت القلوب واعلموا ~~أني لست أتكلم الا بالصدق PageV02P047 # وأنتم تعلمون أن محمدا في أيامه بعث الينا يدعونا إلى دينه فاستدليت على ~~صدق قوله بكتابه وما ظهر من معجزاته وقد سمعتم أنه لما بعث ما سمع أحد ~~بذكره الا وخاف منه وقد سمعتم أن القمر انشق له والذراع المسموم كلمه وقال ~~يا رسول الله أني مسموم فلا تأكلني وقد كلمه الضب والحجر والشجر والمدر ~~وعرج به إلى السماء وركب أوج الماء وأول من تغلب عليه قومه وحاربه عشيرته ~~حين أنكروا قوله وفعله فنصر عليهم وقهرهم وقد تبين لهم الحق فاتبعوه ونصروه ~~وهم هؤلاء الذين فتحوا الشام وما أنكرت من أمرهم شيئا فأنهم يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الله التي أمر بها وما في كتابهم ~~شيء الا وفي الإنجيل مثله وقد أضلكم بولس وأغواكم حين غر بكم وبدل شرعكم ~~وسماكم باسم لا يليق بكم وكيف وقد عاد بكم من الطريق الواضح وأحل لكم جيمع ~~ما حرم عليكم من قبل وهذا هو عين المحال وداعية العمى أن تتعدوا ما قال ~~نبيكم وكيف نبغي لروح الله عيسى بن مريم أن يكلمكم بما لم يرسله الله إليكم ~~ثم إن بولص قال لكم انه أحل لكم الخنزير وشرب الخمر وارتكاب المعاصي ما ظهر ~~منها وما بظن فأطعتم أمره وصدقتم قوله وحاشا المسيح أن يفعل ذلك وما كان ms489 ~~أحد من الأنبياء الا على ما جاء به محمد وهؤلاء الحكماء الأولون ما منهم ~~الا من يتكلم بوحدانية الله تعالى وهذا الحكيم دمونا الذي صنع في براري ~~اخيم ارصادا وجعلها مثلا للأمم الآتية وذكر فيها من يأتي من الأمم والأجيال ~~إلى آخر الزمان وصور الحكماء منفردة به والنسر يعقد راس الحمل والنسر يقيم ~~في كل برج ثلاثة آلاف سنة كما قدر بالمقدار الحكيمي وكأن قدر صور صورة وكتب ~~على رأسها بقلم اليونانية أربعة أسطر الأول من خاف الوعيد سلم مما يريد ~~الثاني من خاف ما بين يديه صان دموعه بما في يديه الثالث ان كنت تريد ~~الجزيل فلا تنم ولا تقيل الرابع بادر قبل نزول ما تحاذر فمن كان هذا كلامهم ~~فكيف صنع سواهم وهذه فريضة هؤلاء القوم المحمديين قال فأطرقوا برؤوسهم إلى ~~الأرض غيظا على الملك قال وما تلكم المقوقس بهذا الكلام حتى أوقف عنده من ~~مماليكه الف غلام فوق رأسه بالسيف لأنه كان قد سمع ما جرى لقيصر وهرقل مع ~~بطارقته لما جمعهم ونصحهم فوثبوا عليه وأرادوا قتله أما المقوقس فإنه ~~استوثق بمماليكه حتى لا يطمع فيه قال فلما تكلم بذلك قال له وزيره أيها ~~الملك رأيك راجح وأنا أول من يؤمن بما تقول فقال للوزير اكتب إلى ابنتي ~~كتابا تأمرها فيه أن تتلطف بالقوم وتعطيهم الأمان وتنفذهم الينا حتى نخلع ~~عليهم وتطيب قلوبهم ويكونوا معنا يقاتلون من يريد قتالنا وما أراد بذلك الا ~~أن يسلم مثل يوقنا وأصحابه إذ هم على الحق قال فكتب الوزير إلى PageV02P048 # الملكة كتابا بما قاله أبوها فلما وصل الكتاب إليها وقرئ عليها أمرت ~~أصحابها أن يرجعوا عن قتل يوقنا ومن معه فرجعوا وأرسلت إلى يوقنا تعلمه ~~بكتاب أبيها وأرسلت اليه الكتاب فلما قرأه قال لرسولها امض إليها حتى ~~استخبر الله تعالى في ذلك فقال يوقنا لأصحابه ان الله قد كشف حجاب الغفلة ~~عن قلب هذا الملك وقد ظهر له ما ظهر لنا من الحق فما الذي ترون من الرأي ~~قالوا نحن نسمع ms490 من رأيك فقال دعوني هذه الليلة قال فلما جن عليه الليل قام ~~يصلي وأمر أصحابه أن لا ينزلوا عن خيولهم مخافة من غدر القوم فبينما هو ~~يصلي وإذا بشخص قد دخل عليه فارتاع منه ثم تأمله فإذا هو عمر بن أمية ~~الضمري ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه يوقنا فرح وكان قد رآه ~~مرارا فقال له مرحبا يا عمرو من أين فقال ان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~بعثني إلى عمرو بن العاص لأحثه على المسير إلى مصر فوجدته قد وصل وها هو ~~منك قريب وقد أرسلني إليك لأعرفه خبرك فأخبره بما وقع له وقال له امض يا ~~عمرو ودعه يعجل بالمجيء يعيننا على هؤلاء القوم وحدثه بجميع ما جرى علينا ~~فرجع عمرو مسرعا إلى عمرو بن العاص واعلمه بقصة يوقنا قال فترك عمرو بن ~~العاص الأثقال ومعها من يحفظها وركب وسار بجرائد الخيل وترك مع الأثقال ~~عامر بن ربيعة العامري فما كان قبل طلوع الفجر الا وهو عند يوقنا فدار ~~بالقوم فلما أحس بهم يوقنا كبر هو ومن معه ورفع الجميع أصواتهم بالتهليل ~~والتكبير ووضعوا السيف في القبط فما طلعت الشمس الا وقد قتل من القبط أكثر ~~من ألف وأسر منهم خلق كثير وولى الباقي منهزمين وأخذت ارمانوسة ابنة الملك ~~وجميع ما معها من الأموال والرجال والجواري والغلمان فقال عمرو بن العاص ~~لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل يزيد بن أبي سفيان وهاشم بن سعيد ~~الطائي والقعقاع بن عمرو التميمي وخالد بن سعيد وعبد الله بن جعفر الطيار ~~وصفوان وأمثالهم أن الله سبحانه وتعالى قد قال * (هل جزاء الإحسان) * الا ~~الاحسان وهذا الملك قد علمتم أنه كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث ~~هدية ونحن أحق بمن كافأ عن نبيه صلى الله عليه وسلم هديته وكان يقبل الهدية ~~ويشكر عليها وقد رأيت أن ننفذ إلى المقوقس ابنته وما أخذنا معها ونحن نتبع ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمعته يقول ارحموا ms491 عزيز قوم ذل وغني ~~قوم افتقر فاستصوبوا رأيه فبعث بها مكرمة مع جميع ما معها مع قيس بن سعد ~~رضي الله عنه ذكر فتح مدينة مصر قال بن إسحاق الأموي رضي الله عنه لما ورد ~~المهزمون على الملك وأخبروه بما تم عليهم وعلى ابنته ضاق صدره وبقي متفكرا ~~فيما يصنع وليس له PageV02P049 # نية في القتال مع الصحابة فبينما هو متفكر إذ جاءه البشير بقدوم بنته وما ~~معها فخف عنه بعض ما كان يجده فلما دخل عليه قيس رفع مجلسه فوق الملوك ~~والحجاب وأرباب دولته وكانوا قد اجتمعوا يهنئونه بابنته فلما حضر قيس بن ~~سعد سأله الملك عن أشياء لعل أصحابه أن تلين قلوبهم إلى الاسلام فقال يا ~~أخا العرب أخبرني عن صاحبكم ما الذي كان يركب من الخيل قال الأشقر الارتم ~~المحجل في الساق وكان اسمه المترجل فقال لقد بلغنا أنه كان لا يركب الا ~~الجمال فقال قيس ان الله أكرم الإبل وشرفها قال لها كوني فكانت وأخرج ناقة ~~من الصخر وخص بها العرب من دون غيرهم من بني آدم وكان يركبها لكونها قد ~~جعلها الله مباركة تقنع بما تجد وتصبر على الحمل الثقيل والسير الشديد ~~وتصبر عن الماء أياما وقد ذكرها ربنا في قوله في كتابه العزيز فقال وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق وقال * (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) * ~~ولما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزواته غزوة بدر كان معه مائة ~~ناضح من الإبل وكان معه فرسان يركب أحدهما المقداد بن الأسود الكندي ويركب ~~الاخر مصعب بن عمير وانا لقينا قريشا في عددها وعديدها فهربوا ببركة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه يتعاقبون في الطريق وكان عليه الصلاة ~~والسلام وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب ~~وغيرهم يتعاقبون شامخا وكان أيها الملك يركب الحمار الذي أهديته اليه ويردف ~~وراءه معاذ بن جبل وعلى الحمار ركاب من ليف وخطامه ليف واعلم يا ملك القبط ~~أنه ms492 كان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويقول من رغب عن سنتي فليس مني وكان قميصه من ~~القطن قصير الطول والكمين ليس له ازرار ولقد أهدى اليه ذويزن حلة اشتراها ~~له قومه بثلاثة وثلاثين بعيرا فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ~~واحدة وأهدى له جبة من الشام فلبسها حتى تخرقت وخفين فلبسهما حتى تخرقا ~~وكان له رداء طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعات ونصف وكان له ثوب خز يلبسه ~~للوفد إذا قدموا عليه وكان افصح الناس إذا تكلم بكلمة يرددها ثلاثا وكلما ~~رأى قوما سلم عليهم ورأيته كلما تحدث تبسم في حديثه وكان إذا اجتمع اليه ~~أصحابه وأراد ان ينهض قال سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا إله إلا أنت ~~استغفرك وأتوب إليك قلنا يا رسول الله ان هذه الكلمات اتخذتهن عادة قال ~~امرني بهن جبريل وأخرجت لنا زوجته لما قبض كساء وازارا غليظين وقالت قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذين فقال المقوقس هذه والله أخلاق ~~الأنبياء فطوبى لمن اتبعه فان أمته هي الأمة الموصوفة في الإنجيل فقال بعض ~~من حضر أيها الملك ما تكون أمة عند PageV02P050 # الله أفضل من هذه الأمة وهم نحن فغضب الملك من قوله وقال وبأي شيء أنتم ~~أفضل عند الله أبأكلكم الحرام وارتكابكم الآثام وصنعكم المنكرات وتجنبكم ~~الحسنات وظلمكم في الرعية وميلكم إلى الدنيا أين أنتم من قوم عبر عليهم ~~الإسكندر فرآهم ليس بينهم قاض ولا حاكم ولا أمير قائم عليهم ولا فيهم من ~~يختص بالغنى دون أخيه بل هم سواء في كل ما هم فيه أكلهم وشربهم واحد غير ~~متناف ولامتضاد وملبسهم غير متناف ولا متباعد فتعجب الإسكندر منهم وسأل ~~الأكابر منهم عما رآه من أحوالهم فقالوا أيها الملك انا وجدنا جمجمة وعليها ~~مكتوب يا ابن آدم ما خلقت الا من التراب وقد خلوت بما قدمت اما صالحا فيسرك ~~واما طالحا فيضرك فتندم حيث لا ينفعك الندم ولم يكن لك إلى الدنيا مرجع ~~فطوبى للكيس العاقل الذي ليس ببليد ولا غافل يتزود ms493 إلى ما اليه يصير ولا ~~يلقي الاتكال على التقصير فبادر إلى الخير قبل الموت واغتنم حياتك قبل ~~الفوت وكأنك بالحي وقد هلك وترك كل ما ملك فلما قرأنا هذا اعتبرنا أيها ~~الملك بهذه الموعظة البالغة ولبسنا أثوابها السابغة فقال ما بال مساجدكم ~~شاسعة نائية وقبوركم دانية فقالوا أما مساجدنا فبعيدة ليكثر الاجر بكثرة ~~الخطا وقبورنا قريبة لنذكر الموت فننتهي عن الخطأ فقال مالي أرى أبوابكم ~~بغير غلاق قالوا لأننا ما فينا خائن ولا سرق فقال ما لي لا أرى فيكم أميرا ~~ولا حاكما فقالوا لأننا ما فينا معتد ولا ظالم فقال ما لي لا أرى فيكم ~~معسرا ولا فقيرا قالوا لان رزق الله فينا الكبير والصغير ثم إنهم أخرجوا له ~~جمجمتين عظيمتين فقالوا أيها الملك هذه جمجمة رجل عادل سالم وهذه جمجمة رجل ~~ظالم وكلاهما صار إلى هذا المصير ولم يغن عنهما الجمع والتدبير أما العادل ~~فمسرور ريان وأما الظالم فنادم حيران فاز المتقي وخسر الشقي فاختر ما تراه ~~قبل الحين أيها الملك لأنك قد ملكت النواصي ونفذ أمرك في الداني والقاصي ~~واستخلفك الله في الأرض وأمرك بالقيام بالنفل والفرض فتذكر مرجعك ورمسك ~~واعمل لنفسك واعلم أنه لا ينفعك جدك إذا قبضت روحك واشتمل عليك لحدك فاترك ~~أوامر الشيطان ودواعيه وخذ بأوامر الرحمن ونواهيه ولا يغرنك النعيم فتبوء ~~بالاثم العظيم اذكر أيها الملك ما فعل الشيطان بأبيك حين نصب له مكيدته ~~وأدار عليه حيلته فنصب له فخ العداوة وغره فيه بحبة البر فقال قيس أيها ~~الملك أتدري من أولئك قال لا قال هم قوم مؤمنون قال الله عنهم في كتابه ~~وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون وقد رآهم نبينا صلى الله عليه وسلم ~~ليلة عرج به فلما عاد أخبر أصحابه بهم قالوا يا رسول الله أهم قوم مؤمنون ~~بما أنزل PageV02P051 # عليك فأراد أن يعلمهم أن أمة محمد أفضل منهم فأنزل الله * (وممن خلقنا ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) * فقال المقوقس لقيس بن سعد يا أخا العرب ارجع ~~إلى أصحابك ms494 وأخبرهم بما سمعت وبما رايت وانظر فيما يستقر عندكم وبينكم فقال ~~قيس أيها الملك لا بد لنا منكم ولا ينجيكم منا الا الاسلام أو أداء الجزية ~~أو القتال فقال المقوقس أنا اعرض ذلك عليهم واعلم أنهم لا يجيبون لان ~~قلوبهم قاسية من أكل الحرام حدثنا ابن إسحاق رضي الله عنه حدثنا عبد الله ~~بن سهل عن عدى بن حاطب عن أبا سليمان ابن يحيى قال إن الملك المقوقس كان من ~~عادته أنه في شهر رمضان لا يخرج إلى رعيته ولا يظهر لأحد من أرباب دولته ~~ولا أحد منهم يعلم ما كان يصنع وكانت مخاطبته لقيس بن سعد في أواخر شعبان ~~سنة عشرين من الهجرة فخرج قيس من عنده ومضى إلى عمرو بن العاص وحدثه بما ~~كان منه قال ابن إسحاق وكان ولي عهد الملك ولده اسطوليس وكان جبارا عنيدا ~~وانه لما سمع ما تحدث به أبوه رأى ميله إلى الاسلام وعلم أنه لا يقاتلهم ~~وربما أسلم وسلم إليهم ملكه صبر إلى أن دخل أبوه إلى خلوته التي اعتاد أن ~~يدخلها ويختلي فيها كل سنة فجمع أرباب الدولة في الخفية لئلا يدري به أحد ~~فيعلم أباه وقال لهم اعلموا أنكم قد ملكتم هذا الملك وان أبي يريد أن يسلمه ~~إلى العرب لأنني فهمت من كلامه ذلك فقالوا أيها الملك أنت تعلم أن هذا ~~الامر مرجعه إليك وأنت ولي عهده فاعمل أمرا يعود صلاحه عليك وعلينا قال ~~فطلب صاحب شراب أبيه وأعطاه ألف دينار ووعده بكل جميل وأعطاه سما وقال له ~~ضعه في شرابه قال ففعل الساقي ما أمر به وسقي الملك فمات فأتى الساقي إلى ~~أرسطوليس وأعلمه ان أباه قد مات فذهب اليه ودفنه في الخفية وقتل الساقي ~~وجلس على سرير الملك كأنه نائب عن أبيه إذا غاب كعادته في كل عام ولم يعلم ~~أحد بموته هذا ما كان منه وأما عمرو بن العاص فإنه ارتحل من بلبيس ونزل على ~~قليوب وبعث إلى أهل البلاد والقرى وطيب خواطرهم وقال لهم لا ms495 يرحل أحد من ~~بلده ونحن نقنع بما توصلونه الينا من الطعام والعلوفة فأجابوا إلى ذلك ~~وارتحل من قليوب ونزل على بحر الحصى فارتجت بنزولهم إليها ووقع التشويش ~~فيهم وعلا الضجيج وأغلقوا الدروب والدكاكين ووقف أهل كل درب على دربهم ~~بالسلاح ليحموا حريمهم قال وأما عمرو بن العاص فإنه أمر أهل اليمن ومن معه ~~من العربان أن يحدقوا بالبلد وأن أهل البلاد أقبلت إليهم بالعلوفة والطعام ~~والخيرات وهم يردون عليهم من كل فج ثم إن عمرو أراد أن يرسل إلى صاحب مصر ~~رسولا وكان عنده غلام له PageV02P052 # من أهل الرملة وكان اسمه وردان وكان يعرف سائر الألسن فقال له عمرو يا ~~وردان اني أريد أن أرسلك إلى هؤلاء القبط فإنك تعرف بلسانهم ولا تظهر لهم ~~أنك تعرفه فقال سمعا وطاعة فقال أريد أن أكتب معك كتابا وهم أن يكتب وإذا ~~برسول أرسطوليس قد أقبل وقال يا معاشر العرب ان ولي عهد الملك يريد منكم أن ~~تبعثوا له رجلا منكم ليخاطبه بما في نفسه فلعل الله ان يصلح ذات بينكم فقال ~~عمرو ليزيد بن أبي سفيان ولهاشم الطائي ولعبد الله بن جعفر الطيار وللنعمان ~~بن المنذر ولسعيد بن وائل اعلموا أني قد ضربت على ملوك الروم ولست أرى من ~~يتكلم مثلي وما يسير إلى هؤلاء الا أنا فاني أريد أن أرد القوم وأنظر حالهم ~~وما هم فيه من القوة وأن لا يخفى علي شيء من أمرهم فقالوا يا صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قوى الله عزمك وما عندنا الا النصيحة للدين والنظر ~~في مصالح المسلمين فافعل ما أردت تعان فقال لشرحبيل قد قلدتك أمور المسلمين ~~فكن مكاني حتى أمضي إلى القوم وآتيكم بما فيه فقال له شرحبيل الله يوفقك ~~ويسددك قال فلبس عمرو ثوبا من كرابيس الشام وتحته جبة صوف وتقلد بسيفه وركب ~~جواده وسار ومعه غلامه وردان وسار الثلاثة إلى قصر الشمع وإذا هم بالمواكب ~~مصطفة والعساكر واقفة وهم بالدروع والجواشن والعدد وقد أظهروا ما أمكنهم من ~~القوة فلما ms496 وصلوا إلى قصر الملك أخبروا ارسطوليس أن رسولك أتى بواحد من ~~العرب فأمرهم باحضاره فدخل عمرو راكبا وهو متقلد بسيفه فأراد الحجاب أن ~~ينزلوه عن جواده فأبى وان يأخذوا سيفه فأبى وقال ما كنت بالذي أنزل عن ~~حصاني ولا أسلم سيفي فان أذن صاحبكم ان أدخل على حالتي والا رجعت من حيث ~~أتيت فإننا قوم قد اعزنا الله بالايمان ونصرنا بالاسلام فما لنا أن ننزل ~~لأهل الشرك والطغيان وأنتم طلبتمونا ونحن لم نطلبكم فأعلموا الملك بما قاله ~~فقال أرسطوليس دعوه يدخل كيف شاء فخرجوا اليه وقالوا له ادخل كيف أردت فدخل ~~عمرو وهو راكب حتى وصل إلى قبة الملك ورأى السريرية والحجاب وقوفا ~~والبطارقة وهم في زينة عظيمة فلما رأى عمرو ذلك تبسم وقرأ * (فما أوتيتم من ~~شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون) * قال وكان قصر الملك قد بناه الريان بن الوليد بن أرسلاووس وهو ~~الذي استخلف يوسف على مصر بعد العزيز ثم خرب وأقام خرابا خمسمائة سنة وما ~~بقي الا اثره فلما بعث عيسى وانتشرت دعوته ورفعه الله اليه وافترقت أمته ~~فرقا وادعوا فيه ما ادعوا من الإلهية وتقول الكذب ولي مصر رجاليس بن ~~مقراطيس فبنى ذلك القصر الخراب وهو في وسط قصر الشمع وانما سمي قصر الشمع ~~لأنه لا يخلو من شمع الملوك فلما بناه أحضر الحكماء الذين كانوا ~~PageV02P053 # قد بنوا في برية الحميم وكان المقدم عليهم قربانس فقال لهم اني قد قرأت ~~كثيرا من الكتب التي أنزلت على الأنبياء من الله وقرأت صحف موسى ورأيت أن ~~الله يبعث نبيا قوله حق ودينه صدق واخلاقه طاهرة وشريعته ظاهرة وقد بشر به ~~المسيح فما تقولون فيه فقال قربانس الحكيم ان الذي قرأته هو الصحيح قال فثم ~~من يخالف ذلك قالوا نعم قال الحكيم أريد أن أصنع تمثالا من الحكمة ونجعله ~~بيتا للعبادة ونجعل على هيكلها تماثيل يكون وجوهها مما يلي التمثال بأعلى ~~قصرك فإذا جاء وقت مبعث هذا النبي يحول كل ms497 تمثال وجهه عن صاحبه وأما الذي ~~يجعل على الكنيسة فإنه عند مبعث النبي العربي يقع على وجهه ويكون موضع ~~عبادة القوم وإقامة شرعهم قال فأخذوا في عمل الحكمة وأقاموا التماثيل على ~~ما ذكرنا فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم حول كل شخص وجهه عن صاحبه وسقط ~~الذي كان على سطح الكنيسة وهو الجامع اليوم وأما التمثال العالي فبقي على ~~حاله بأعلى القصر فلما دخل عمرو بجواده سمعوا من التمثال صوتا عظيما ثم إنه ~~سقط على وجهه فارتاع له الملك وأرباب دولته وصكوا وجوههم ودخل الرعب في ~~قلوبهم وقالوا بلسانهم ما وقع هذا التماثل إلا عند دخول هذا العربي وما جرى ~~هذا الا لأمر عظيم ولا شك أنه هو الذي يقلع دولتنا ويأخذ ملكنا فامروا عمرا ~~أن ينزل عن جواده فنزل وترجل وجلس حيث انتهى به المجلس وأمسك عنان جواده ~~بيده ويده اليسرى على مقبض سيفه ونظر إلى زينتهم وزخرفة قصرهم فقرأ * ~~(ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤون وزخرفا وإن كل ~~ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين) * ثم قال اعلموا أن ~~الدينا دار زوال وفناء والآخرة هي دار البقاء أما سمعتم ما كان من نبيكم ~~عيسى وزهده وورعه كان لباسه الشعر ووساده الحجر وسراجه القمر وقد قال نبينا ~~صلى الله عليه وسلم ان الله أوحى إلى عيسى أن نح على نفسك في الفلوات ~~وعاتبها في الفلوات وسارع إلى الصلوات واستعمل الحسنات وتجنب السيئات وابك ~~على نفسك بكاء من ودع الأهل والأولاد وأصبح وحيدا في البلاد وكن يقظان إذا ~~نامت العيون خوفا من الامر الذي لا بد أن يكون فإذا كان روح الله وكلمته ~~خوف بهذا التخويف فكيف يكون المكلف الضعيف وأول من تكلم في المهد قال إني ~~عبد الله فإذا كان أقر لله بالعبودية فلم تنسبون اليه الربوبية تعالى الله ~~ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ولا أشرك في حكمه أحدا جل ms498 عن الصاحبة والأولاد ~~والشركاء والأضداد لا صاحبه له ولا ولد ولا شريك له ولا وزير PageV02P054 # ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انتهاء ولا يحويه مكان ليس بجسم فيمس ولا ~~بجوهر فيحس لا يوصف بالسكون والحركات ولا بالحلول والكيفيات ولا تحتوي عليه ~~الكميات ولا المنافع ولا المضرات ثم إنه قرأ ان كل من في السماوات والأرض ~~الا آتي الرحمن عبدا لقد احصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ~~فقال له الوزير أصح عندكم معاشر العرب ان المسيح تكلم في المهد قال نعم ~~قالوا له فهذه فضيلة قد انفرد بها عن جميع الأنبياء فقال عمرو قد تكلم في ~~المهد أطفال منهم صاحب يوسف وصاحب جريج وصاحب الأخدود وغيرهم فقالوا يا ~~عربي أتكلم نبيكم بغير العربية قال لا قال الله في كتابه وما أرسلنا من ~~رسول الا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء قالوا أبعث ~~الله منكم أنبياء غير نبيكم قال نعم قالوا من قال صالح وشعيب ولوط وهود قال ~~فلما سمعوا كلام عمرو وفصاحته وجوابه الحاضر قالوا بالقبطية للملك ان هذا ~~العربي فصيح اللسان جريء الجنان ولا شك أنه المقدم على قومه وصاحب الجيش ~~فلو قبضت عليه لانهزم أصحابه عنا قال وغلام عمرو وردان يسمع ذلك فقال الملك ~~انه لا يجوز لنا أن نغدر برسول لا سيما ونحن استدعيناه الينا فقال وردان ~~بلسان آخر ما قالوه ففهم عمرو كلامه ثم إن الملك قال يا أخا العرب ما الذي ~~تريدون منا وما قصدنا أحد الا ورجع بالخيبة وانا قد كاتبنا النوبة والبجاوة ~~وكأنكم بهم قد وصلوا الينا فقال عمرو اننا لا نخاف من كثرة الجيوش والأمم ~~وان الله قد وعدنا النصر وأن يورثنا الأرض ونحن ندعوكم إلى خصلة من ثلاث ~~اما الاسلام واما الجزية واما القتال فقالوا انا لا نبرم أمرا الا بمشورة ~~الملك المقوقس وقد دخل خلوته ولكن يا أخا العرب ما نظن أن في أصحابك من هو ~~أقوى منك جنانا ولا افصح منك لسانا فقال عمرو ms499 أنا ألكن لسانا ممن في صحابي ~~ومنهم من لو تكلم لعلمت أني أقاس به فقال الملك هذا من المحال أن يكون فيهم ~~مثلك فقال أن أحب الملك أن آتيه بعشرة منهم من يسمع خطابهم فقال الملك ارسل ~~فاطلبهم فقال عمرو لا يأتون برسالة وانما ان أراد الملك مضيت وأتيت بهم ~~فقال الملك لوزرائه إذا حضروا قبضنا عليهم والأحد عشر أحسن من الواحد ~~ووردان يفهم ذلك ثم إن الملك قال لعمرو امض ولا تبطىء علي فوثب عمرو قائما ~~وركب جواده فقال الملك بالقبطية لأقتلنهم أجمعين فلما خرج من مصر قال له ~~وردان ما قاله الملك فلما وصل إلى الجيش أقبلت الصحابة وسلموا عليه وهم ~~يقولون والله يا عمرو لقد ساءت بك الظنون فأقبل يحدثهم بما وقع له معهم ~~وبما قالوه وبما قاله PageV02P055 # وردان فحمدوا الله على سلامته وكان أقبل الليل فلما أصبح صلى عمرو بالناس ~~صلاة الفجر وأمرهم بالتأهب للقتال وإذا برسول الملك قد أقبل وقال له أن ~~الملك ينتظرك أنت والعشرة فقال عمرو ان الغدر يهلك أصحابه وأهله وان على ~~الباغي تدور الدوائر يا ويلكم ينفذ صاحبكم يطلب منا رسولا فلما أتيته أراد ~~أن يقض علي وقال كذا وكذا فأنت يا ويلك ما الذي يمنعني عنك إذا أردت قتلك ~~ولسنا نحن ممن يخون ويغدر ارجع اليه وقل له اني فهمت ما قاله وما بقي بيننا ~~وبينه الا الحرب قال ابن إسحاق رحمه الله ورضي عنه هكذا وقع له مع القبط ~~وكان عمرو إذا ذكر ذلك يقول لا والذي نجاني من القبط قال وعاد الرسول وأخبر ~~الملك بما قاله عمرو فعند ذلك قال أريد أن أدبر حيلة أدهمهم بها فقال ~~الوزير اعلم أيها الملك ان القوم متيقظون لأنفسهم لا يكاد أحد أن يصل إليهم ~~بحيلة ولكن بلغني أن القوم لهم يوم في الجمعة يعظمونه كتعظيمنا يوم الأحد ~~وهو عندهم يوم عظيم وأرى لهم من الرأي أن تكمن لهم كمينا مما يلي الجبل ~~المقطم فإذا دخلوا في صلاتهم يأتي إليهم الكمين ويضع ms500 فيهم السيف قال فأجابه ~~الملك إلى ذلك وأقاموا ينتظرون ليلة الجمعة قال وأما عمرو فإنه ارسل يوقنا ~~إلى القرى التي صالحوها ليأتيه منها بما يأكلونه ويعلفون به خيلهم قال فركب ~~يوقنا إلى القرى التي صالحوها وسار في عسكره وبني عمه إلى ما يأتي به ومضى ~~نحو الجرف وكان معهم جواسيس الملك في عسكرهم فاتوا إلى الملك وأخبروه بما ~~جرى من المسلمين فعندها دعا بابن عمه ماسيوس وهو المقدم على جيوش مصر وقال ~~له اختر من جيوشنا أربعة آلاف وأمض بهم وأكمن وراء عسكر المسلمين من جهة ~~الجبل وإياك أن يظهر عليكم أحد وليكن لكم ديدبان فإذا دخل القوم في صلاتهم ~~فاحملوا عليهم وضعوا فيهم السيف قال ففعل ماسيوس ما أمره به الملك ومضى في ~~الليل من نحو مغارة السودان ولم يعلم بهم أحد فلما كان وقت صلاة الجمعة ~~أتاهم الديدبان وأعلمهم أنهم دخلوا في الصلاة وكانوا قد أخذوا بغالا ودواب ~~وحملوها برا وشعيرا وكان قد قال لهم إذا أردتم أن تحملوا عليهم فقدموا ~~الحمول أمامكم فإنهم يأمنون ويحسبون أنها هي التي مضى صاحبهم يأتي بها قال ~~ففعلوا ذلك حدثنا ابن إسحاق حدثنا عمارة بن وهب عن سعيد بن عامر أبا سليمان ~~بن ناقد عن عروة عن جابر عن محمد بن إسحاق قال هكذا دبر عليهم القبط وكان ~~بين القوم وبينهم نصف ميل وليس عند المسلمين خبر ما صنع المشركون وكان سعيد ~~بن نوفل العدوي يقول لعمرو أيها الأمير ما الذي يمسكنا عن قتال هؤلاء القبط ~~فيقول والله ما تأخري جزع وانما قد علمتم PageV02P056 # قصد هذا الملك المقوقس وما عليه من الدين والعقل وهو مقر بنبوة نبينا وقد ~~دخل إلى خلوته التي سنها لنفسه في هذا الشهر المعظم وقد بقي منه خمسة أيام ~~ويظهر ونبعث اليه رسولا ونرى ما يكون جوابه فاما الصلح واما القتال قال ~~فبينما هم يتحادثون في ذلك إذ أتاهم رسول من عند أرسطوليس بن المقوقس وقال ~~لهم معاشر العرب ان ولي عهد الملك يسلم عليكم ويقول لكم ms501 أني لا أقدر أن ~~أحدث أمرا حتى يخرج الملك من خلوته وقد بقي له خمسة أيام وهو يدبر في رعيته ~~بما يشاء فقال له عمرو قد علمنا ذلك ولولا الملك وما نعلم منه أنه يحب ~~نبينا وأنه مؤمن به ما أمهلناكم طرفة عين فمضى الرسول قال ابن إسحاق وما ~~بعث هذا اللعين هذا الرسول الا ليطمئن المسلمون وليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا وإذا جاء القدر لا ينفع الحذر وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه قال ~~الراوي فكان المسلمون قد أطمأنت قلوبهم بذلك الخبر وقربت الصلاة فقام عمرو ~~وخطبهم خطبة بليغة حذر فيها وأنذر فلما فرغ أقيمت الصلاة وأقاموا مواليهم ~~يرقبون مخافة العدو أن يكبسهم في صلاتهم قال صابر بن قيس ونحن لا نرى أحدا ~~من أهل مصر لا فارسا ولا راجلا قال فاصطففنا خلف عمرو للصلاة وليس بينا لنا ~~عدو نخافه فلما أحرمنا وقرأ عمرو ركعنا وأومأنا للسجود إذ أشرفت الدواب ~~والبغال وعلى ظهورها الأحمال والعسكر من ورائها وهم أهل الكمين الذي أكمنه ~~أعداء الله وهم على عدد أصحابنا الذين مع يوقنا فلما رآهم موالينا ظنوا ~~أنهم أصحابنا وقد أقبلوا بالعلوفة فرفعوا أصواتهم بالفرح وقالوا جاء يوقنا ~~وأصحابه ولم يكلمهم العدو حتى أتونا ونحن في الصلاة ووضعوا السيف فينا ونحن ~~ساجدون السجدة الأخيرة ونحن بين يدي الله تعالى قال وإذا بالسيوف تقرقع في ~~لحومهم وما أحد منهم قام من سجوده وكان القتل في آخر صف من المصلين والصف ~~الذي يليه وهم من اليمين ومن بجيلة ومن وادي القرى ومن الطائف ومن وادي ~~نخلة ثم قال ابن عتبة وكنت قد شهدت وقائع الشام وحضرموت واليرموك فوالله ما ~~قتل منا في وقعة من الوقائع مثل ما قتل منا يوم بحر الحصى في أرض مصر ~~بالحيلة التي دبرها عدو الله علينا وقال والله ما منا من انحرف عن صلاته ~~ولا حول وجهه عن ربه وقد أيقنا بالهلاك عن آخرنا حتى أشرف علينا يوقنا ~~بأصحابه فلما نظروا ما حل بالمسلمين صاحوا ورموا ما على ms502 رؤوسهم من العمائم ~~وقال يوقنا لبني عمه والله من قصر منكم عن عدوه فالله يطالبه به يوم ~~القيامة وما أرى الا أن الأعداء قد غدروا وكبسوا المسلمين فدوروا من حولهم ~~وضعوا السيوف فيهم واحذروا أن ينفلت منهم PageV02P057 # أحدا فحملوا وأطبقوا على القبط فدفعوهم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يزل القتال بينهم حتى فرغ عمرو من الصلاة ومن معه وثاروا ثوران ~~الأسد وركب عمرو ومعاذ وسعيد بن زيد وجميع الصحابة وحملوا في العدو وطحنوهم ~~طحنا قال جابر بن أوس وحلنا بينهم وبين الوصول إلى مصر فوالله ما نجا منهم ~~أحدا وبقوا كأنهم طيور وقعت عليهم شبكة صياد فلما وضعت الحرب أوزارها هنأ ~~المسلمون بعضهم بعضا بالسلامة وشكروا الله على ما أولاهم من نصره واثنوا ~~على يوقنا خبرا وافتقدوا قتلاهم فكانوا أربعمائة وستة وثلاثين قد ختم الله ~~لهم بالشهادة قال واتصل الخبر إلى أرسطوليس بقتل ابن عمه ومن معه وانهم لم ~~ينج منهم أحد فصعب عليه ذلك وأيقن بهلاكه فدعا ببطارقته وأرباب دولته ~~وشاورهم في أمره فقالوا أيها الملك أنت تعلم بأن الدنيا ما دامت لأحد ممن ~~كان قبلك حتى تدوم لك وما زالت الملوك تنكسر وتعود وما أنت بأكثر ممن انهزم ~~من ملوك الأرض وقد سمعنا أن داونوس بن اردين بن هرمز بن كنعان بن يزحور ~~الفارسي هزمه الإسكندر الرومي سبعين مرة فأخرج إلى لقاء القوم واضرب معهم ~~مصاف ولا تيأس وهؤلاء القسوس والرهبان والشمامسة والمطران والبترك يدعون لك ~~بالنصر قال فعول على لقاء المسلمين وفتح خزائن أبيه وأنفق على الجند ~~وأعطاهم السلاح وطلب شباب مصر وأمرهم بالخروج وبعث يستنجد بملك النوبة وملك ~~البجاوة وأقام مدة ينتظر قدومهم قال حدثنا محمد بن إسحاق القرشي عن عقبة بن ~~صفوان عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه قال لما كان من أمر المسلمين ما ذكرنا ~~مما قد قدره الله عليهم من كبسة عدوهم كتب بذلك عمرو بن العاص إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه بسم الله الرحمن الرحيم ms503 من عمرو ابن العاص إلى أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب سلام عليك واني أحمدج الله إليك وأصلي على نبيه أما ~~بعد فقد وصلت إلى مصر سالما وجرى لنا على بلدة بلبيس مع ابنة المقوقس كذا ~~وكذا ونصرنا الله عليهم ورحلنا إلى بحر الحصى وقد كنا صالحنا قوما من أهل ~~قرى بلاد مصر ببلاد يقال لها الجرف حتى يعينونا بالعلوفة والميرة ويجلبوا ~~الينا الطعام واني أرسلت عبد الله يوقنا ليشتري لنا منهم طعاما ومضى في ~~خيله وسرت بنفسي رسولا إلى مخاطبة القوم فهموا بالقبض علي ونجاني الله منهم ~~وانهم أكمنوا لنا كمينا من الليل واشغلونا برسول والكمين كان من الليل فلما ~~استوت صفوفنا للصلاة كبسوا علينا ونحن في الصلاة فلم نشعر حتى بذلوا فينا ~~السيف وقتلوا منا أربعمائة وستة وثلاثين رجلا والأعيان منهم ستون ختم الله ~~لهم بالشهادة ونحن الآن في بحر متلاطم أمواجه من كثرة القوم والعساكر ~~فانجدنا يا أمير المؤمنين وأدركنا بعسكر ليعيننا على عدونا PageV02P058 # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وختم الكتاب وأعطاه عبد الله بن قرط ~~فسار من ساعته وجد في السير إلى أن وصل المدينة فقدمها في العشر الأوسط من ~~شوال سنة اثنين وعشرين من الهجرة فأناخ مطيته بباب المسجد ودخل فرأى عمر بن ~~الخطاب عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن قرط فدفعت الكتاب ~~اليه فنظر إلي وقال عبد الله قلت نعم قال من أين أتيت قلت من مصر من عند ~~عمرو بن العاص قال مرحبا بك يا ابن قرط ثم فك الكتاب وقرأه وقال لا حول ولا ~~قوة الا بالله العلي العظيم ثم قال من ترك الحزم وراء ظهره تباعدت عنه ~~فسيحات الخطأ ووالله ما علمت عميرا الا حازم الرأي مليح التدبير ضابط الامر ~~حسن السياسة ولكن إذا نزل القضاء عمي البصر ثم إنه كتب كتابا إلى أبي عبيدة ~~وذكر له ما جرى لعمرو بن العاص بمصر وأمره أن ينفذ اليه جيشا عرمرما وانفذ ~~الكتاب مع سالم مولى أبي عبيدة قال عبد ms504 الله بن قرط فأقمت في المدينة يومين ~~واستأذنته في المسير فزودني من بيت المال وكتب إلى عمرو يقول بسم الله ~~الرحمن الرحيم من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص أما بعد فاني أحمد لاله ~~الذي لا إله إلا هو وأصلي وأسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد ~~بلغني ما جرى لكم بمصر من غدر عدوكم كما سبق في أم الكتاب وكان يجب عليك يا ~~بن العاص أن لا تطمئن إلى عدوك ولا تسمع منه حيلة وما كنت أعرفك الا حسن ~~الرأي والتدبير ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا فاستعمل النشاط في أمرك ~~ولا تأمن لعدوك واستعمل الحذر فان الامام ما يكون الا على حذر والله يعيننا ~~وإياك على طاعته وقد أنفذت إلى أبي عبيدة أن يرسل إليكم جيشا والسلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته وختمه وسلمه لعبد الله ابن قرط قال فأخذته وسرت وأنا ~~أجد السير حتى أتيت مصر ودفعت الكتاب لعمرو بن العاص فقرأه على المسلمين ~~ففرحوا بذلك وأقاموا ينتظرون اخوانهم كبسة الجيش حدثني ابن إسحاق حدثني سهل ~~بن عبد ربه عن موسى عبد الرزاق قال لما كبس ابن المقوقس جيش المسلمين ورجعت ~~دائرة السوء عليه وقتلوا عن آخرهم وبلغه الخبر بكى على ابن عمه وحلف بما ~~يعتقده من دينه انه لا بد له أن يأخذ بثأرهم ثم أنه أمر أرباب دولته أن ~~يجتمعوا بالكنيسة المعلقة في داخل قصر الشمع فاجتمعوا فجلس على سرير عند ~~المذبح وقام فيهم خطيبا فقال يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية ~~اعلموا أن ملككم عقيم وبلدكم عظيم وهذه بلاد الفراعنة ممن كان قبلكم وقد ~~ملكها عدة ملوك ممن احتوى على الأقاليم وملكها مثل الملك المعظم من آل حمير ~~ومثل مستفان والبستق PageV02P059 # والملحان وهو يأتي هذه الأهرام ونمرود ابن كنعان ولقمان بن عاد وذي ~~القرنين الملك العظيم وانقضى ملكهم منها ورجع إلى سبأ وأرضها وحضرموت وقصر ~~عمان ثم تولى هذه الأرض القبط من آبائكم وأجدادكم اطسليس وبلينوس والريان ~~بن الوليد وهو الذي ms505 استخلص يوسف لنفسه والوليد وهو المكنى بفرعون وبعدهم ~~طبلهاوس ثم جدي راعيل ثم أبي المقوقس وجميع ملوك الأرض تحسدنا على ملك مصر ~~وهؤلاء العرب الطماعة وليس في العرب أطمع منهم فاني أراكم قد كسلتم وفشلتم ~~عن لقائهم فطمعوا فيكم وفي ملككم كما طمعوا في ملك الشام وانتزعوه من أيدي ~~القياصرة فقاتلوا عن أموالكم وحريمكم وأولادكم وأما أنا فواحد منكم وأعلموا ~~أن الملك المقوقس قد أمرني بلقاء هؤلاء العرب وقال إنه لا يظهر إليهم حتى ~~أرى ما يظهر من قومي وأرباب دولتي فما تقولون وما الذي اجتمع عليه رأيكم ~~فقالوا أيها الملك انما نحن عبيد هذه الدولة وغلمانها فإنها قد استعبدت ~~رقابنا بنعمتها واحسانها ونحن نقاتل لمحبتها فاما ان نرزق النصر من المسيح ~~واما أن نموت فنستريح قال فشكر قولهم وخلع على أكابرهم وقال لهم اخرجوا ~~واضربوا خيامكم ظاهر البلد مع القوم وطاولوهم بالمبادرة إلى أن يأتي الينا ~~نجدة من ملك النوبة والبجاوة فأجابوا إلى ذلك وأمروا غلمانهم بأن يضربوا ~~الخيام خارج البلد فضربوها مما يلي النور والرصد قال ابن إسحاق وفي ليلتهم ~~تلك جاءتهم الأخبار بأنه وقع بين ملك النوبة وملك البجاوة حرب وأنه ما ~~يجيبكم منهم أحد وأخرجوا للملك ارمطوليس سرادقا معظما وسط جيش القبط قال ~~وأخذ المسلمون على أنفسهم واقبلوا يخرصون بعضهم ويحرسون قومهم بالنوبة فكان ~~عمرو في أول الليل يطوف حول العسكر ومعاذ إذا انتصف الليل ويزيد بن أبي ~~سفيان في آخر الليل والنور على عسكرهم والايمان لائح عليهم وأصواتهم مرتفعة ~~بالقرآن وبذكر الله وبالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق ~~فلما وصل كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة وقرأه على المسلمين قال لخالد ~~بن الوليد يا أبا أبا سليمان ما ترى من الرأي فقال إذا كان أمير المؤمنين ~~أمرك أن تنجد عمرو بن العاص فانجده فقال أبو عبيدة ان الطريق إلى مصر بعيد ~~وان أنا أرسلت جيشا كبيرا خفت عليه من بعد الطريق ومن المشقة فقال خالد كم ~~جهدك أن ترسل قال ms506 أربعة آلاف فارس فقال خالد ان الله كفاك ذلك قال وكيف ذلك ~~يا أبا أبا سليمان قال إن عزمت على ما ذكرت فابعث أربعة من المسلمين فهم ~~مقام أربعة آلاف فارس فقال أبو عبيدة من الأربعة قال خالد أنا أحد الأربعة ~~والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر ومالك بن الحرث PageV02P060 # فلما سمع أبو عبيدة ذلك تهلل وجهه وقال يا أبا أبا سليمان أفعل ما تراه ~~فدعاهم خالد وأعلمهم بما عزم عليه فقالوا سمعا وطاعة فقال خذوا أنفسكم فنحن ~~نسير هذه الليلة قال فلما صلى أبو عبيدة بالناس صلاة المغرب قدم الثلاثة ~~إلى قبة خالد فركبوا وودعوا أبا عبيدة والمسلمين وأخذوا معهم دليلا يدلهم ~~على الطريق إلى وادي موسى والشوبك وأخذوا معهم ما يحتاجون اليه وساروا ~~يريدون مصر فما زالوا يجدون إلى أن قربوا من عقبة أيلة وإذا هم بخيل ومطايا ~~تزيد على الف فارس فأسرعوا إليهم فإذا هم من ثقيف وطي ومرداس قد وجههم عمر ~~بن الخطاب إلى مصر مع رفاعة بن قيس وبشار بن عون قال فلما رأوهم سلموا ~~عليهم ورحبوا بهم واستبشروا بالنصر لما رأوا خالد وعمارا والمقداد ومالكا ~~وارتفعت أصواتهم بالتهليل والتكبير وساروا بأجمعهم قال حدثنا يوسف بن يحيى ~~عن دارم عن منصور بن ثابت قال كنت في جملة الوفد الذي وجهه عمر رضي الله ~~عنه مع رفاعه وبشار والتقينا بخالد بن الوليد وأصحابه عند عقبة أيلة وسرنا ~~معهم حتى وصلنا أرض مصر وقربنا وبقي بيننا وبينها يومان فبينما نحن نسير في ~~بعض الليالي وكانت ليلة مظلمة لا يكاد الرجل أن يرى من شدة الظلام إذ سمعنا ~~حسا بالبعد منا فوقفنا فقال خالد أيكم يأتينا يا فتيان العرب بخبر هؤلاء ~~الذين في هذا الجيش قال نصر بن ثابت وكنت راكبا فقفزت من ظهر الراحلة وسعيت ~~على قدمي وأخفيت حسي إلى أن تبين لي جيش كثير فتحققت أمرهم فإذا هم جيش من ~~العرب المتنصرة وهم يزيدون على ثلاثة آلاف وهم ركبان المطايا والخيل فقلت ~~والله لاعدت إلى أصحابي ms507 الا بالخبر اليقين قال فاتبعت أثرهم لأسمع ما ~~يقولون وما يتحدثون فمشيت معهم قليلا فاسمعهم يقولون أذل الصليب أعداءنا ~~فانا قد أصابنا التعب ولحقنا الجهد ومن وقت خروجنا من مدين لم نجد أحد ومصر ~~قد قربنا منها فانزلوا لنأخذ راحة ونريح مطايانا ونعلق على خيلنا وإذا ~~بمقدمهم يقول وحق المسيح ما بغيتنا الا في الخلع والأموال من ملك مصر ولكن ~~إذ عولتم على الراحة فانزلوا قال فنزل القوم على ماء يعرف بالغدير واقبلوا ~~يجمعون الشيح ويصنعون لهم الزاد وعلقوا على خيولهم وتركوا إبلهم ترعى قال ~~نصر بن ثابت فعلمت أن القوم من متنصرة العرب فتركتهم وأتيت إلى أصحابي ~~وحدثتهم بذلك فحمدوا الله كثيرا واثنوا عليه وقالوا لخالد ما الذي ترى فقال ~~أرى أن تركبوا خيلكم الآن وتستعدوا للحرب ونسير إليهم ونكبسهم فإنهم قد ~~أتوا لنصرة صاحب مصر وما أتوه الا بمكاتبة لهم يستنجد بهم على أصحابنا قال ~~فلبسوا PageV02P061 # سلاحهم وركبوا الخيل وتركوا مواليهم مع المطايا والرجال وساروا خيلا ~~ورجالا إلى أن قربوا من نيران القوم فصبروا حتى خمدت وناموا فتسللوا عليهم ~~كتسلل القطاة فقال خالد دوروا بالقوم ولا تدعوا أحد منهم ينفلت من أيديكم ~~فيثير عليكم عدوكم قال فداروا بهم كدوران البياض بسواد الحدق وأعلنوا ~~بالتهليل والتكبير ووضعوا فيهم السيف فما استيقظ أعداء الله الا والسيف ~~يعمل فيهم ووقعت الدهشة في القوم وهم في أثر النوم فقتل بعضهم بعضا ووقف ~~ابن قيس ومعه جماعة على البعد منهم وبشار ورفقته وكل من انهزم أخذوه فلما ~~أصبحنا رأينا القتلى منهم ألفا وأسرنا منهم ألفا فعرضوهم على خالد فقال ~~حدثوني من أين جئتم والى أين مقصدكم فقالوا أنا قوم من المتنصرة العرب ~~وكلنا كنا أصحاب الشام فلما هزمتم الملك هرقل رحلنا من أرض الشام ونزلنا ~~ارض مدين ونحن على خوف منكم وكاتبنا صاحب مصر وهو المقوقس لعله أن يأذن لنا ~~أن نكون من أصحابه ونكون له عونا عليكم فلما أجابنا إلى ذلك بعثنا الخيل ~~العربية إلى ولي عهده وصاحب الامر من بعده فلما ms508 كان في هذه الأيام جاءتنا ~~خلعة ورسالة بالدخول إلى مصر فرحلنا إليهم فوقعتم بنا فلما سمع خالد منهم ~~ذلك قال من حفر لمسلم قليبا أوقعه الله فيه قريبا ثم عرض عليهم الاسلام ~~فأبوا فأمر بقتلهم فقتلناهم عن آخرهم وقسمنا رحالهم وما كان معهم ووجدنا ~~معهم الخلع التي وجهها إليهم ابن المقوقس ففرقها خالد على المسلمين وفيها ~~خلعة سنية وكانت لمقدم القوم فأعطاها رفاعة وساروا حتى قربوا من الجبل ~~المقطم فرأوا جيش القبط فأرسل خالد رجلا من قبله وهو نصر بن ثابت وقال له ~~امض إلى هذا الملك وقل له ان العرب أصحاب مدين قد أتوا لنصرتك قال فمضى ~~الرجل إلى أن وصل إلى عسكر القبط فأخذه الحرس وقالوا له من أنت قال أنا ~~مبشر الملك بقدوم العرب المتنصرة إلى نصرته قال ابن إسحاق فأخذوا نصر بن ~~ثابت وأتوا به إلى سرادق الملك قال فلما وقفت بين يديه ناداني الحجاب أن ~~اسجد للملك ففعلت وأنا أسجد لله تعالى حتى لا ينكروا علي وكان قد صح عندهم ~~أنه من امتنع من السجود فهو مسلم قال فلما رفعت رأسي قال لي الوزير يا أخا ~~العرب أوصل أصحابك إلى نصرة الملك فقلت نعم وها هم في دير الجبل المقطم قال ~~فلما سمع الملك ذلك أمر من حجابه أناسا أن يمضوا إلى لقائهم وسرت في جملتهم ~~وأخذوا معهم الجنائب وأظهروا زي الفراعنة وخلع على نصر بن ثابت عوض بشارته ~~وساروا إلى لقاء المتنصرة قال حدثنا عسكر بن حسان بن رفاعة بن وس عن موسى ~~بن PageV02P062 # عون عن جده نعيم بن مرة قال كنت فيمن وجه عمر بن الخطاب من أهل نخلة وكان ~~خالد يحبني ويقربني لان أبي كان يسافر له ببضاعة إلى سوق بصرى قال فلما رأى ~~خالد أصحاب الملك قد أتوا قال لي خالد يا ابن مرة أريد أن أوصيك فقلت بماذا ~~قال اعلم أن العدو قد أرسل يلاقينا وهو يظن أننا من متنصرة العرب ولا شك أن ~~عمرو بن العاص ومن معه تجفل ms509 قلوبهم منا وأريد أن تنزل عن فرسك وتكمن خلف ~~هذه الحجارة فإذا خلا لك الطريق فانسل نحو عسكر المسلمين وحدثهم بأمرنا وما ~~قد عزمنا عليه من غدر القوم فان عمر لا يطمئن لغيرك وأقرئه سلامي وقل له ~~يكن على أهبة فإذا سمع تكبيرنا يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتهليل ~~والتكبير فان ذلك مما يزيد في رعب أعدائنا فقال نعم قال وفعلت كما أمرني ~~خالد ونزلت عن فرسي وأسلمتها لغلامي دارم ومضيت نحو الجبل وكمنت بين ~~الأحجار قال الراوي وان خالد أمر أصحابه بلبس الخلع التي أرسلها لهم ابن ~~المقوقس فلبسوها فوق دروعهم ولبس رفاعة بن قيس وبشار بن عون أحسنها وغير ~~خالد زيه والمقداد وعمار ومالك الأشتر قال فلما وصل مقدم جيش القبط قال ~~خالد لرفاعة وبشار ترجلوا له واصقعوا بين يديه وصلبوا على وجوهكم فليس ~~عليكم في ذلك حرج واحلفوا بالمسيح والسيدة مريم وإياكم والغلط بأن تذكروا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فيظن القوم بنا واجعلوا الجهاد نصب أعينكم ~~وتوكلوا على الله في جميع أموركم قال ففعلوا ما قال لهم خالد وترجلوا عند ~~رسول القبط وصقعوا قال حدثنا نصر بن عبد الله عن عامر بن هبار قال يا عم ~~اعلم أن الله إذا أراد أمرا هيأ أسبابه وذلك أننا لما أشرفنا على أول ديار ~~مصر نزلنا على دير يقال له دير مرقص وكان ديرا عامرا بالرهبان فلما نزلنا ~~عليه أشرف علينا أهله وقالوا من أنتم قلنا نحن من أصحاب الملك هرقل ملك ~~الشام وقد جئنا لنصرة صاحبكم فإنه قد أرسل الينا يستنفرنا لأجل هؤلاء العرب ~~قال ففرحوا بنا ودعوا لنا وكان كبيرهم والمقدم عليهم في دينهم شيخا كبيرا ~~وكان من قسوس الشام وكان من أعلم القوم بدينهم وأعرف الناس بآل غسان وكانت ~~الضيحا قد أقطعها هرقل للملك جبلة ابن الأيهم وكان قد جعل على جبايتها ولد ~~هذا القس وكان اسمه نونلس وان المسلمين لما فتحوا بعلبك وحمص هرب هذا القس ~~بأمواله وأولاده إلى طرابلس وركب البحر في مركب وتوصل ms510 إلى مصر وبلغ خبره ~~المقوقس فأحضره وسأله عن حاله فحدثه بأمره فخلع عليه وجعله قيما في الكنيسة ~~المعلقة التي في قصر الشمع وصار من أصحاب سكناه في دير مرقص ولا يدخل مصر ~~الا في أمر مهم فلما نزل PageV02P063 # عمرو بمن معه عليهم وقتل ابن المقوقس أباه احتاج إلى رأي البترك فأرسل ~~اليه وأنزله في الكنيسة وولي البترك مكان هذا القس نونلس بن لوقا فكان في ~~الدير فلما نزل خالد بن الوليد ومن معه على الدير قال عامر بن المبارك ~~الثعلبي فأشرف علينا وتأملنا وكان أعرف الناس بخالد ابن الوليد لأنه رآه في ~~مواطن كثيرة من الشام وكان صاحب حمص قد أرسله رسولا إلى أبي عبيدة ~~ليصالحوهم قال فجعل يتفقدهم وينظر في وجوههم ثم قال وحق المسيح ما أنتم من ~~آل غسان وما أنتم الا من عرب الحجاز وقد جئتم لتحتالوا علينا فاني رأيت ~~أمامكم الذي فتح الشام وقتل ملوكها وسوف أكاتب الملك بقصتكم ليقبض عليكم ~~فقالوا ما عندنا خبر من الذي تقوله وقد خيل لك ذلك أما علمت أن المسلمين ما ~~خلوا لنا حالا وقد نهبونا وأصبحنا بالذل بعد العز والفقر بعد الغنى وقد كتب ~~الينا ملك مصر بأن نجيء اليه فأرسل الينا بالخلع وطيب قلوبنا قال عامر فضحك ~~اللعين من قولي وقال لي ان آل غسان أكثرهم يعرف بكلام الروم وحق ديني ما ~~أنتم منهم وقد صح قولي انكم مسلمون فقلنا له يا ويلك لو كنا من الذين تقول ~~عنهم ما كنا نأتيكم بالنهار وكنا نكمن ونسير في الليل حتى نصل إلى أصحابنا ~~وأنك استحقرت المسيح إذ جعلتنا من أصحاب محمد فقد وقعت في ذنب عظيم ثم اننا ~~بالقرب منهم فقال أصحابه يا أبانا ليس هؤلاء القوم ممن ذكرت فلوا كانوا ~~مسلمين ما جسروا أن يدخلوا أرض مصر في ضوء النهار ولا يقربوا العمران فقال ~~وحق ديني أنا أعرف الناس بهم وانهم مسلمون بلا شك فامتنعوا منهم ولا تخرجوا ~~لهم طعاما ولا ماء وسأنفذ خبرا للملك بذلك فيكون منهم ms511 على حذر قال عامر بن ~~هبار وكان من لطف الله بنا أن الرهبان الذين بالدير لما سمعوا كلامه قال ~~بعضهم لبعض يجب علينا أن نأخذ لنا منهم صلحا فنكون آمنين من غائلتهم ولا ~~نبرح من ديرنا هذا فقال أكبرهم ان أنتم فعلتم ذلك فإننا لا نعلم من ينصر من ~~الفريقين أصحابنا أم العرب فإن كان النصر لأصحابنا خفنا من هذا القس أن ~~يعلم بنا الملك أننا صالحنا المسلمين بغير أمره فإنه يقتلنا وان هذا اللعين ~~تعلمون أنه على غير مذهبنا وهو في كل يوم يكفرنا لأنه نسطوري ونحن يعقوبية ~~فان أنتم أردتم صلح هؤلاء العرب فدونكم وهذا القس فاقبضوا عليه وسلموه لهم ~~وخذوا منهم أمانا قال ففعلوا ذلك وقبضوا عليه وأشرفوا علينا وقالوا لنا بحق ~~ما تعتقدون من دينكم أنتم من أصحاب محمد أم لا فانا قد قبضنا على هذا ~~اللعين ونريد أن نسلمه لكم وانكم تعطوننا أمانا فأنا قوم لا نعرف حربا ولا ~~قتالا فقال لهم مالك الأشتر يا هؤلاء اما ما زعمتم PageV02P064 # من صلحنا فانا نصالحكم وما كان أمرنا بالذي يخفى ولا نرضى بالكذب فإنه ~~أشنع شيء عندنا ولا سيما ان الاسلام يمنعنا من استعماله ولو أن السيف على ~~رأس أحدنا إذا سئل عن دينه أجاب به وتكلم بوحدانية الله تعالى ونحن من ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولكم الأمان وهذا أمان الله ورسوله قال فلما ~~سمع الرهبان من مالك ذلك نزلوا وفتحوا الباب وسلموا لنا القس فقال له خالد ~~يا عدو الله أردت أمرا وأراد الله خلافه ثم أنه عرض عليه الاسلام فأبى وقال ~~أنا هربت منكم من الشام ثم أوقعني المسيح في أيديكم وما أظن الا أن المسيح ~~مسلم فافعل ما أردت فضربوا عنقه قال عامر بن هبار وخرج الينا أهل الدير ~~بأجمعهم ومعهم الطعام والعلوفة فأكلنا وأقمنا عندهم إلى الليل فقال شيخهم ~~الذي أشار عليهم بقبض القس الرومي لخالد أيها السيد اني قد تفرست فيك ~~الشجاعة فبالله من أنت من أصحاب محمد فقال أنا ms512 خالد بن الوليد المخزومي ~~فقال أنت وحق ديني الذي فتحت بلاد الشام وأذللت ملوكها وبطارقها وان صفتك ~~عندي ثم إنه دخل الدير وأتى ومعه سفط ففتحه وإذا فيه بين أوراقه ورقة وفيها ~~صفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وزيه وصورته وصورة أبي عبيدة وصورة خالد بن ~~الوليد والسيف في يده مشهور قال ما زلت أسمع أخبارك كلها فلم عزلك عمر بن ~~الخطاب وولى غيرك فقال خالد أعلم أن عمر هو الامام وهو الخليفة ومهما أمرنا ~~فلا نخالفه فان الله أمرنا بذلك في كتابه فقال تعالى أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولى ألامر منكم فطاعته فرض علينا لأنه يحكم بالعدل ويأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر وانا قد وجهنا اليه خمس الغنائم من الفتوح كلها من الأموال ~~فما ازداد في الدنيا الا زهدا ولا آثر الدنيا على الآخرة بل مجلسه على ~~التراب ولباسه المرقعة ويمشي في سوق المدينة متواضعا راجلا فالتواضع لباسه ~~والتقوى أساسه والذكر شعاره والعدل في الرعية دثاره وما زال يعطف على ~~اليتيم ويرفق بالأرملة والمسكين ويرفد أبناء السبيل فظ في دين الله غليظ ~~على أعداء الله قائم بشعائر الله لا يستحي من الحق ولا يداهن الخلق فقال ~~القس أكانت له الهيبة على عهد نبيكم قال خالد نعم سمعت سعد بن أبي وقاص ~~يقول استأذن يوما عمر فأذن له فدخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ~~فقال عمر أضحك الله سنك يا رسول الله قال عجبت من هؤلاء اللواتي كن عندي ~~فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب فقال عمر أنت أحق أن يهبنك وقال لهن يا عدوات ~~أنفسكن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نعم أنت فظ ~~غليظ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا الا سلك فجا PageV02P065 # غيره قال فلما سمع القس ذلك قال بركة نبيكم عادت على امامكم وعليكم فقال ~~خالد وما يمنعك من الدخول في دينننا فقال حتى ms513 يشاء صاحب هذه الخضراء ثم قال ~~لخالد أريد أن أعطيكم من صلبان هذا الدير حتى تكمل حيلتكم قال وأخرج لهم ~~صلبانا كثيرة فأخذها خالد ودفعها لرفاعة بن قيس وبشار بن عون وتزيوا بزي ~~الذين قتلوهم من آل غسان وارتحل خالد بعد ما وكل بالدير عشرة من أهل وادي ~~القرى لئلا يخرج أحد بأخبارهم ويقربوا للملك بذلك قال وعدنا إلى سياق ~~الحديث فلما أشرف أصحاب ابن المقوقس عليهم رأوهم وقد لبسوا خلع الملك ~~وعلقوا الصلبان وشدوا الزنانير ورفعوا صليبا من فضة كان قد أخرجه لهم القس ~~فلما صقعوا للحجاب ركبوا وساروا حتى وصلوا إلى سرادق الملك فترجلوا وقد ~~أخذوا لهم اذنا فأذن لهم فدخلوا ودخل أولهم رفاعة وبشار ومن معه وخدموا ~~الملك وسجدوا له ولم يدخل خالد ومن معه ووقفوا مع بقية العرب خارج السرادق ~~وان الملك لما رآهم قال لهم يا معاشر العرب أنتم تعلمون محبتنا لكم ~~وتقريبنا لكم وقد طلبتم أن تكونوا لنا عونا على هؤلاء العرب فان نصحتم لنا ~~في دولتنا شاركناكم في مملكتنا وقاسمناكم في ملكنا ونعمتنا فقال له رفاعة ~~أبشر أيها الملك سوف ترى ما نبذله في محبتك يوم الحرب قال فخلع عليه وخرج ~~من عنده وأمرلهم بخيام تضرب في عسكرهم قال حدثنا عامر بن أوس عن جرير بن ~~صاعد عن نوفل بن غانم عن سهل بن مسروق قال لما قدم الجيش الذي وجه عمر بن ~~الخطاب مع رفاعة وبشار وكان من أمرهم ما ذكرناه ونظر إليهم عمرو بن العاص ~~ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبلوا ينظرون إليهم والى ~~زيهم فقال معاذ لعمرو ما هؤلاء من المتنصرة وان نفسي تأبى ذلك فقال عمرو ~~والله يا أبا عبد الرحمن لقد نظرت بنور الله وانني نظرت فيهم واحدا واحدا ~~ورأيتهم بزي وادي القرى وزي الطائف فقال شرحبيل بن حسنة وأنا نظرت أعجب من ~~ذلك أني رأيت خالد بن الوليد في جملتهم ولاحت لي عمامته وقلنسوته وثيابه ~~التي كانت عليه يوم دخول طرابلس فقال ms514 يزيد بن أبي سفيان أنا والله رأيت ~~مالكا الأشتر النخعي وعرفته بطول قامته وركبته على فرسه ثم قالوا لا بد أن ~~ينكشف لنا خبرهم على جليته فهم في الحديث إذ قد اتاهم نعيم بن مرة فلما ~~رأوه تهللت وجوههم فرحا وسرورا فلما وصل إليهم وسلم عليهم وحدثهم بالحديث ~~كله سجدوا لله شكرا وقال بعضهم لبعض ايقظوا هممكم وكونوا على يقظة من أمركم ~~فإذا سمعتم التكبير في عسكر العدو فبادروا إليهم قال ابن إسحاق ولله في ~~خلقه تدبير وذلك أنه PageV02P066 # لما جن الليل جمع أرسطوليس بن المقوقس أرباب دولته وقال لهم قد ضاق صدري ~~من هؤلاء العرب وقال لهم قد غلا السعر عندنا لان أهل البلاد قد أجلت من ~~خوفهم وان خيلهم تضرب إلى الريف من هذا الجانب والى الصعيد من هذا الجانب ~~والنوبة والبجاوة ما يأتينا منهما أحد للفتنة التي هي بينهم والرأي عندي أن ~~نحارب هؤلاء العرب صبيحة عيدهم قالوا أيها الملك هذا هو الرأي فقال أخرجوا ~~السلاح وفرقوه على من ليس معه سلاح هذا ما جرى عنده وليس عنده خبر بما جرى ~~في قصره بعد نتائج المعركة قال ابن إسحاق وكان من حسن تدبير الله تعالى ~~لعباده المؤمنين انه كان للمقوقس أخ شقيق واسمه ارجانوس وكانا متحابين وكان ~~المقومس لا يقطع أمرا دونه وكانا إذا ركبا لا يفترقان وإذا جلسا يجلسان معا ~~على السرير وكان المقوقس قد دخل في خلوته التي ذكرنا وكان أخوه من محبته قد ~~رتب هناك من يعرفه لما يخرج من خلوته فلما كان في هذه النوبة استبطأه فأتى ~~إلى ابن أخيه فرآه على السرير فقال له ما فعل الملك فقال إنه في خلوته إلى ~~الآن وقد رأى أن طالعه ضعيف مع هؤلاء العرب وقد أمرني أن أكون مكانه حتى ~~يرى ما يريد من قتالهم أو صلحهم قال فكتم ارجانوس الأمر في نفسه وعلم أن ~~أخاه قد قتل وكان ارجانوس ممن يعتقد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويعلم أن ~~دعوته تطوف المشرق والمغرب وان ms515 الملوك تضمحل في أيام أصحابه وسينزلون على ~~البلاد فترك أرجانوس الأمر موقوفا ولم يبد ما في نفسه لآحد فلما خرج ابن ~~أخيه مع العسكر جمع ارجانوس الذين تركهم ابن أخيه لحفظ البلد في قصر الشمع ~~وقال لهم اعلموا ان العقل هو عمدة قوى ابن آدم لان الله قد خصه به دون سائر ~~المخلوقات وأن أخي قد قتله ولده لا محالة وقد كان محبا لكم ومشفقا عليكم ~~واعلموا ان هؤلاء العرب قد كان قدامهم من ملكه أعظم من ملككم وما ثبت بين ~~أيديهم وليس بين دولتكم وبين أن تزول وتضمحل الا أن يلتقي هذان الجيشان وان ~~ظفر بكم هؤلاء العرب قتلوكم ونهبوكم وسكنوا في مساكنكم وأيتموا أولادكم ~~فقالوا أيها الملك فما يكون عندك من الرأي وما تفعل قال إني أرى من الرأي ~~أن تستيقظوا لأنفسكم وتغلقوا أبواب هذا القصر ولا تدعوا أحدا يدخل عليكم من ~~جند الملك ولا هو نفسه فإنهم لا يقدرون أن يقاتلوكم والعرب من ورائهم وانه ~~يعدي إلى الجانب الغربي ويمضي إلي إسكندرية ونعقد لنا صلحا مع هؤلاء العرب ~~على أنفسنا وأولادنا وحريمنا ونسلم لهم بعد ذلك فمن أراد يتبعهم ومن أراد ~~يعطيهم الجزية قال فاستصوبوا رأيه واعلموا أنه نطق PageV02P067 # بالحق كان أرجانوس له في سرايته ألف مملوك قال فاحتوى على قصر الملك وأخذ ~~الخزائن والأموال وغلق أبواب قصر الشمع وفعل ما فعل وليس عند ابن أخيه خبر ~~إلى أن ذهب من الليل نصفه أو أكثر فجاء اليه بعض خدمه وأخبره بما فعل عمه ~~فأيقن بتلفه وخروج ملك مصر منه قال فبينما هو في حيرة في أمره إذ كبر خالد ~~بن الوليد ومن معه في وسط عسكره فسمع عمرو وأصحابه التكبير فكبروا ووقعت ~~الخذلة على الكفار وحملت فيهم المسلمون ووضعوا فيهم السيوف فلما نظر ~~أرسطوليس إلى ما نزل به والكبسة التي وقعت بعسكره لم يكن له دأب الا أن ركب ~~وأحدقت به مماليك أبيه وأرباب دولته وطلبوا الهزيمة وقصدوا البحر وعدوا ~~الجانب الغربي وطلبوا إسكندرية فحازوا على مدينة ms516 مريوط وفيها الموبذان ~~الساقي ومعه ثلاث آلاف من عسكره فلما صاح الصائح في مصر بأن الملك انهزم ~~وما ثبت أحد من عسكر القبط وولوا والسيف يعمل فيهم وغرق منهم في البحر خلق ~~كثير ونصر الله المسلمين وانهزموا قال ابن إسحاق حدثني من أثق به أنه قتل ~~في تلك الليلة من عسكر القبط خمسة آلاف وغنم المسلمون أثقالهم وما كان فيها ~~من الأموال فلما أقبل الصباح اجتمع خالد بالمسلمين وسلم بعضهم على بعض ~~وهنوهم بالسلامة ودخلوا مصر وملكوا دورها وأحاطوا بقصر الشمع فأشرف عليهم ~~أرجانوس بن راعيل أخو المقوقس وقال لهم يا فتيان العرب اعلموا أن الله قد ~~أمدكم بالنصر وقد فعلت في حقكم كذا وكذا ولولا حيلتي على ابن أخي لما انهزم ~~منكم وقد ظفرتم الآن ونحن نسلم إليكم على شرط أنكم لا تتعرضون لنا ولا ~~تمدون أيديكم لنا بسوء ومن أراد منا أن يبقى على دينه يؤدي الجزية ومن أراد ~~أن يتبعكم يتبعكم فقال له معاذ بن جبل قد نصرنا الله على الكفار بصدق ~~نياتنا وصلح أعمالنا واتباعنا للحق وانا ما قلنا قولا الا وفيناه ولا ~~استعملنا الغدر ولا المكر وأنتم لكم الأمان على أنفسكم وأموالكم وحريمكم ~~وأولادكم ومن بقي منكم على دينه فلن نكرهه ومن اتبع ديننا فله ما لنا وعليه ~~ما علينا فلما سمع أرجانوس ذلك نزل إليهم بالمفاتيح فأمنوه وأمنوا من كان ~~معه في القصر وجمعوا أكابر مصر ومشايخها وقالوا لهم ان الله قد نصرنا عليكم ~~وقد انهزم ملككم منا وأنتم الآن في قبضتنا وقد صرتم مماليكنا ومن أسلم منكم ~~قبلناه ومن أبي استعبدناه فقالوا أيها الملك ما هكذا بلغنا عنكم قال وما ~~الذي بلغكم عنا قالوا سمعنا عنكم أن الله قد أسكن الرحمة في قلوبكم وأنتم ~~تعفون عمن ظلمكم وتحسنون إلى من أساء إليكم وأنت تعلم أننا قوم محكوم علينا ~~ولو كان الأمر الينا لاتبعناكم فارفقوا بنا وانظروا في PageV02P068 # أحوالنا فقال عمرو لأصحابه وللأمراء ما ترون من الرأي في أمر هؤلاء القوم ~~فقال شرحبيل ابن ms517 حسنة اصنع ما أمر الله به من العدل فيهم وأحسن إليهم وطيب ~~خواطرهم فإننا إذا قصدنا غير هذه المدينة وسمع أيها الأمير عنك أهل المدينة ~~الأخرى بما فعلته مع أهل مصر يسلمون بغير منازعة ولا حرب فقال معاذ بن جبل ~~وخالد بن الوليد والمقداد وعمار ومالك وربيعة ويزيد القول الذي قاله كاتب ~~وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعمول به فقال عمرو لأهل مصر قد ~~أمناكم على أنفسكم وأولادكم وحريمكم منه منا عليكم وقد وضعت عنكم جزية هذه ~~السنة وفي السنة الآتية نأخذ منكم الجزية من كل محتلم أربعة دنانير ومن ~~أسلم منكم قبلناه قال فلما سمع أرجانوس ابن راعيل كلام عمرو قال لقد أنصفت ~~وان الله بهذا نصركم وقد وقفت الآن على صحة دينكم وأنا أشهد أن الله وحده ~~لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله واشهدوا على أن كل ما تركه أخي من ~~الأموال والأصول والثياب والمتاع هو هبة مني إليكم بما فعلتم مع أهل بلدي ~~قال فلما نظر أهل مصر إلى أرجانوس وقد أسلم دخل أكثرهم في الاسلام وعمد ~~عمرو إلى الكنيسة وعملها جامعا وهو المعروف به إلى يومنا هذا وجمع الأموال ~~التي أخذها من وراء القبط المنهزمين ومن منازلهم وما كان في قصر الملك ~~وأخرج الخمس وأعطى كل ذي حق حقه ثم كتب كتابا إلى أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب رضي الله عليه وبعث الخمس والكتاب مع علم بن سارية وسلم المال ~~والكتاب له وسير معه مائة فارس وأمره بالمسير إلى المدينة فاستلم الخمس ~~وسار حتى قدم المدينة وسلم المال والكتاب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما ~~قرأه سجد لله شكرا وأمر بالمال إلى بيت المال فقال علم بن سارية يا أمير ~~المؤمنين ان عمرا يسلم عليك ويقول لك ان القبط كانوا استسنوا سنة في نيلهم ~~في كل سنة وذلك أنهم كانوا إذا أبطأ عليهم الوفاء في النيل يأخذون جارية من ~~أحسن الجواري ويزينونها بأحسن زينة ويرمونها في البحر فيأتي الماء ويفي ~~النيل ms518 وقد قرب ميقات ذلك ولا يفعل عمرو شيئا الا باذنك قال فكتب عمر بن ~~الخطاب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ~~إلى نيل مصر أما بعد فان كنت مخلوقا لا تملك ضرا ولا نفعا وأنت تجري من قبل ~~نفسك وبأمرك فانقطع ولا حاجة لنا بك وان كنت تجري بحول الله وقوته فاجر كما ~~كنت والسلام وأمره أن يدفعه لعمرو بن العاص يرميه فيه وقت الحاجة اليه ثم ~~إنه كتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فالسلام عليك وانى أحمد الله إليك ~~وأصلي على نبيه وإذا وصل إليك كتابي PageV02P069 # فأطلب أعداء الله حيث كانوا وإياك أن تلين جانبك لهم وانظر في أحوال ~~الرعية واعدل فيهم ما استطعت وأطلب العفو بالعفو عن الناس وأجر الناس على ~~عوائدهم وقوانينهم وقرر لهم واجبا في دواوينهم وأعل رسوم العافية بالعدل ~~فإنما هي أيام تمضي ومدة تنقضي فاما ذكر جميل واما خزي طويل ثم إنه سلم ~~الكتاب إلى علم بن سارية فسار هو ومن معه إلى أن قدموا مصر وسلم الكتاب إلى ~~عمرو فأما كتابه فقرأه على المسلمين وأما كتاب النيل فإنهم قد كانوا عدوا ~~ليالي الوفاء وتوقف النيل عن الوفاء وقد يئس الناس من الوفاء في تلك السنة ~~فمضى عمرو إلى النيل وخاطبه ورمى فيه كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ~~فلما رماه فيه هاج البحر وزاد فوق الحد ببركة عمر بن الخطاب وانقطعت عن أهل ~~مصر تلك السنة السيئة ببركة عمر رضي الله عنه حدثنا محمد بن يحيى بن سالم ~~عن عدي بن يحيى بن عوف قال لما بلغنا أن عمرو افتح مصر وأتى إلى الكنيسة ~~المعظمة عندهم وجد في مذبحها بيتا مغلقا وإذا فيه صورة من الفضة وأمام ~~الصورة شخص آخر وفي يده أعلام وهي على صفة الصورة التي وجدها النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الكعبة لما فتح مكة فدعا عمرو بالقسوس وقال لهم ما هذه ~~الصورة قالوا له هذه صورة إبراهيم وأبيه آزر ms519 فتبسم عمرو وقال ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين فقال ~~معاذ بن جبل لما قدمت من اليمن سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول يلقي إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجهه قترة ~~فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول آزر اليوم لا أعصيك فيقول ~~إبراهيم يا رب انك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من هذا ~~فيقول الله حرمت الجنة على الكافرين ثم يقول له يا إبراهيم انظر إلى ما تحت ~~قدميك فينظر إلى الريح وقد أخذت أباه فتلقيه في النار قال ثم أمر عمرو ~~بالصورتين فكسرتا وعبر عسكر المسلمون إلى الجانب الغربي وقد تقدم خالد ~~فترجل إلى نحو الإسكندرية وتقدم على مقدمته عبد الله يوقنا وسار يوما وليلة ~~هو وبنو عمه وهم بزي الروم ذكر فتوح مدينة مريوط قال ابن إسحاق وكان قد بلغ ~~المربذان الذي مع الثلاثة آلاف وهم في مدينة مريوط وقد حصنها ما حصل فلما ~~قدم عليه يوقنا قال له الموبذان ما الذي أقدمك علينا فقال يوقنا ان ~~المسلمين وجهوني إليك وهم يحرضونك على خلاص نفسك ويأمرونك بتسليم هذه ~~المدينة إليهم ولك PageV02P070 # الأمان على نفسك وأهلك ومالك ومن أردت ولك الخيار في المقام تحت يد ~~الاسلام أو الانفصال فان اخترت المقام فلا مانع يمنعك وأن أردت المسير ~~أوصلناك إلى أي موضع أردت فلما سمع الموبذان ذلك قهقه ضاحكا وقال وحق ديني ~~ان الغدر شعاركم والمكر دثاركم فلا فلح من آمن لكم وأما أنا فلا أخون الملك ~~في بلده وأنا وهو في أرض واحدة وسوف أبعث اليه بأن أقدم اليه وأساعده عليكم ~~جزاء بما عملتموه من الخديعة وستعلمون على من تدور الدائرة ومن يكون ~~المغبون في الآخرة وأنت يا معشر الروم قد كفرتم بالمسيح وجحدتم السيدة أم ~~النور وخرجتم من ملة الحواريين وأردتم هؤلاء العرب الجياع الأكباد العراة ~~الأجساد ولن يغنوا عنكم شيئا ووحق المسيح لأبعثن بكم إلى ms520 الملك فيقتلكم على ~~كفركم وكان يوقنا قد ترك جماعته ومضى في عشرين رجلا منهم لعله يعمل عليه ~~حيلة فلما دخل عليه أنزله في دار الضيافة فوضعوا سلاحهم فلما أكلوا الطعام ~~وتحادثوا وكان قد فطن بهم وأمر غلمانه أن يكونوا على حذر وأن يهجموا عليهم ~~فيقبضوهم يريد بذلك أن يرسلهم إلى الملك إلى الإسكندرية ورماهم في بيت مظلم ~~في دار امارته وأقام ينتظر غفلة من عسكره وكانوا قد أحاطوا بالبلد ووكل بهم ~~جارية اسمها رينا وهي أخت مارية التي أرسلها المقوقس إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكانت أختها شقيقتها وسلم إليها المفاتيح لمعزتها عنده وقال ~~لها احفظي عليهم لأرى ما أنظر فيهم قال فلما جن الليل واشتغل عدو الله ~~الموبدان بالشراب قال فصبرت رينا إلى أن غرق في سكره هو ومن معه وناموا ~~وأمنت على نفسها فأتت إلى الباب وفتحت على يوقنا وأصحابه وقالت لهم أبشروا ~~لا خوف عليكم فان الله قد جعل رحمتكم في قلبي وأنا أخت مارية التي أهداها ~~المقوقس لنبيكم واني أريد منكم أن توصلوني عند أختي مارية فقال لها يوقنا ~~أبشري بما يسرك ولكن أخاف عليك من عدو الله فما ترين فقالت والله ما جئتكم ~~حتى سكر ونام فقال يوقنا فعرفينا الطريق التي نسلكها إلى قومنا قالت إن هذا ~~المكان فيه سرب يخرج إلى ظاهر البلد وهو مبني من قديم الزمان وبابه الخارج ~~مبني عليه قبة على أعمده وتحتها قبر بين المقابر فكل من رآه يظن أنه قبر ~~وان الذي بنى هذه المدينة امرأة يقال لها فمعمان بنت عاد وصنعت هذه المقابر ~~التي وراء التل وهي كأنها قصور مشيدة وكان فيها أناس سكنوها فقال يوقنا ~~افعلي بنا ما يقربك إلى الله تعالى ورسوله ولعلك أن تنزلينا من هذا السرب ~~حتى نذهب إلى أصحابنا ونأتي بهم من هذا ما دام الموبذان سكران وهو نائم ~~فقالت سأفعل ذلك أن PageV02P071 # شاء الله تعالى غير أني أريد أن افتح لكم باب السرب قبله حتى لا تتعوقوا ~~قال الراوي وقد ms521 مضت رينا أخت مارية وأشرفت على الموبذان فإذا هو ومن معه ~~صرعى من الخمر فتركتهم وعادت إلى باب السرب لتفتحه وإذا هي تسمع وراءه حسا ~~ففزعت ووقفت تسمع قال حدثني عبد الرزاق بن يحيي عن أبا سليمان بن عبد ~~الحميد عن سفيان الأعمش عن أوس بن ماجد وكان ممن شهد فتوح مصر والإسكندرية ~~قال لما نزل خالد بن الوليد على مريوط بجيشه تفقد يوقنا وقال لأصحابه انه ~~من وقت ان بعثته برسالتي إلى مريوط للموبذان ما عاد قالوا أيها الأمير انه ~~من وقت ما دخل اليه ما خرج ونحن في انتظاره فعلم خالد أن يوقنا مقبوض عليه ~~فبات مهموما من أجله وكان خالد صاحب همة وعزيمة لا ينام من خوفه على ~~المسلمين وكان معه جواسيس قد أخذهم معه من كل أقليم وقد اصطفاهم لنفسه وهو ~~يحسن إليهم وأينما ذهب يكونوا معه ليأتوه بالأخبار فبينما هو في غم بسبب ~~يوقنا وإذا هو بواحد منهم قد دخل عليه وأعلمه أن ولد الموبذان قد أتى من ~~إسكندرية من عند أرسطوليس ومعه خلع وهدايا لأبيه ومعه خمسمائة فارس وقد ~~بلغه أنكم محاصرون أباه فترك العسكر وما معه بالبعد وانفرد ومعه خادمان ~~وأتى وما نعلم ما يريد قال فلما سمع خالد ذلك قام وأخذ معه غلامه هماما ~~وأربعة ممن يعتد بهم وأبعد وقعد على سفح التل من نحو إسكندرية ونظروا إلى ~~التل وإذا بولد المؤبذان ومعه الخادمان قصدوا إلى وراء التل عند تلك ~~المقابر التي وصفتها رينا ليوقنا وقصدوا القبة فمشى خالد وراءهم وفرق ~~جماعته من أربع جهات القبة وكبسهم وإذ هم قد فتحوا طبقا في وسط القبة ~~فأخذهم خالد فلما رآه الموبذان ارتعدت فرائصه وخاف فقال خالد ان صدقتموني ~~أمنتكم وان لم تصدقوني رميت رقابكم فقال الغلام أنا أصدقك أنا ولد الموبذان ~~وكنت عند الملك في إسكندرية وقد أنفذ معي خمسمائة فارس عونا لأبي وحفظا ~~لهذه المدينة فنحن في الطريق وإذ قد جاءتني الجواسيس بأنكم نازلون على ~~البلد فأوقفت العسكر وأتيت إلى هذه القبة ms522 فقال له خالد وما الذي تريد من ~~هذه القبة ألكم فيها سلاح أم مطلب فيه مال قال لا قال فما تريد منها قال ~~الغلام ان أمنتني قلت لك الحق فقال له خالد قد أمنتك على نفسك فقبل يده ~~وقال يا مولاي أريد أمانا لأبي ومن يلوذ به فأعطاه فقال اعلم أن هذه القبة ~~على سرب والسرب ينتهي إلى دار الامارة ودار الامارة في وسط المدينة قال ~~فلما سمع خالد ذلك تهلل وجهه فرحا وسرورا وقبض على الغلام وعلى الخادمين ~~PageV02P072 # وأمرهما مع واحد آخر ممن معه أن يفتحوا السرب ففتحوه فأرسل هماما إلى ~~العسكر وأمره بأن يأتي بهم في السرب وأن يأتوا معهم بالنار والزيت ~~والقناديل وأن يسرع بذلك وكان ذلك التل عاليا والذين في المدينة لا ينظرون ~~ما وراءه فلما أقبل همام بما طلبه خالد أوقدوا المسارج ونزلوا في السرب ~~وابن الموبذان أمامهم فوصلوا إلى الباب وإذا برينا عند الباب تريد فتحه ~~ليوقنا ومن معه فلما سمعت حسهم قالت من أنتم فقال خالد لابن الموبذان كلمها ~~فقال أنا فلان بن الموبذان افتحي ولا تعلمي أبي قال فلم يبق لها بد أن تفتح ~~الباب ففتحت فصعد خالد ومن معه فقبضوا على رينا فقالت لهم يا قوم دعوني ~~فاني أردت أن أخلص أصحابكم وجئت لأفتح لهم هذا الباب وأنذلهم إليكم وتملكوا ~~هذه المدينة من ههنا وقد أتى بكم رب العالمين وأنا رينا أخت مارية زوجة ~~نبيكم فلما سمع خالد فرح وقال لها وأين أصحابنا فأتت بهم عندهم فحلوا ~~وثاقهم وأتوا إلى دار الامارة فوجدوا الموبذان لا يشعر بنفسه من الخمر فوكل ~~به جماعة وأمر الباقي أن يملكوا السور وقبضوا على الحرس ونزلوا إلى الأبواب ~~وكان لها بابان فكسروا أقفالهما وفتحوهما وأرسل إلى بقية العسكر فدخلوا ~~المدينة والكل في حالك الليل فلما أصبح الصباح استيقظ الموبذان ومن معه ~~وإذا بالمسلمين حولهم وكل من في المدينة قد أسر فقال له خالد يا عبد الله ~~لولا أني أعطيت ولدك الأمان كنت قتلتك شر قتلة ولكن ms523 خذ أهلك وانصرف فإننا ~~قوم إذا قلنا قولا نعمل به وفهم الموبذان أن ولده قد دلهم على السرب فلما ~~خرج الموبذان بأهله قال ولده لخالد يا مولاي أن أنا مضيت معه قتلني ولست ~~أريد بغيركم بدلا وأنا أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله فقال له خالد ان قصر أبيك وما فيه لك وعرض خالد الاسلام على أهل مريوط ~~فأسلم أكثرهم ثم إن خالدا قال ليوقنا رحمه الله أبشر من الله بالرضوان ~~والغفران والثواب فبصبرك على الشدائد فتح الله علينا هذه المدينة فقال ~~والله ما فتحها الا بفضله وببركة نبيه صلى الله عليه وسلم فكتب إلى عمرو بن ~~العاص يبشره بفتح مريوط ونحن معولون على الدخول إلى إسكندرية وأرسل الكتاب ~~اليه قال ابن إسحاق وأقام خالد بمريوط لأجل ذي الكلاع الحميري لأنه مرض معه ~~وكان مرضه شديدا فجلسوا عنده شهرا ولم يفارقه خالد فقدر الله له بالوفاة ~~فحزنوا عليه حزنا شديدا عظيما فكان ذو الكلاع ملك حمير وكان قبل دخوله في ~~الاسلام يركب له اثنا عشر ألف مملوك سود سوى غيرهم قال أبو هريرة الدوسي ~~رضي الله عليهم ولقد رأيته بعد تلك الحشمة يمشي في سوق المدينة وعلى كتفه ~~جلد شاة لما قدم من اليمن إلى الجهاد في أيام أبي بكر PageV02P073 # الصديق رضي الله عنه فلما مات رثاه ولده تنوخ بما رثى به حمير أباه سبأ ~~بن يشجب في الزمن المتقدم وهو * عجبت ليومك ماذا فعل * وسلطان عزك كيف ~~انتقل * وسلمت ملكك ذا طائعا * وسلمت للامر لما نزل * فيومك يوم رفيع ~~النزال * ودورك في الدهر دور رحل * فلا يبعدنك فكل امرئ * سيدركه بالسنين ~~الاجل * لئن صحبت نائبات الزمان * وشت مع الدهر وجه الامل * لقد كنت بالملك ~~ذا قوة * لك الدهر بالعز عان وجل * بلغت من الملك أقصى المدى * نقلت وعزك ~~لم ينتقل * فطحطحت آفاقه والمدى * وجئت من العرب حول الدول * * حويت من ~~الدهر اطلاقه * ونلت من الملك ما لم ينل * وحملت عزمك ثقل الأمور * فقام ms524 ~~بها حازم واستقل * صحبت الدهور فهنأتها * وما مر عيشك فيما فعل * بنيت ~~القصور كمثل الجبال * ذهبت فلم يبق الا الطلل * نعمنا بأيامك الصالحات * ~~ومشربنا بك وبل وطل * تؤمل في الدهر أقصى المنى * ولم تدر بالامر حين نزل * ~~فزالت لعزمك شم الجبال * ولم يك حزمك فيها هبل * ذكر فتوح إسكندرية قال ~~وعول خالد على المسير إلى إسكندرية حدثنا زياد بن أوس الطائي عن معمر بن ~~الرشيد قال لما نزل خالد بعد رحيله عن مريوط قال له عيونه انه لما انهزم ~~ابن المقوقس وأتى إلى إسكندرية وبلغه فتح مصر صعب عليه قال وكانت إسكندرية ~~عامرة كان فيها الخلق كثيرا والمراكب فأرسل مراكب وعمرها بالرجال وأمرهم أن ~~يكبسوا سواحل بلاد الشام على المسلمين فقالوا سمعا وطاعة ومضوا إلى ساحل ~~الرملة فوجدوا بالليل نيرانا كثيرة فسألوا من كان خبيرا بالبلاد فقالوا هذه ~~نيران المسلمين النازلين ههنا فقالوا هذه حاجتنا التي جئنا في طلبها فنزلوا ~~وقصدوها وإذا بها حلل من حلل دوس بني عم أبي هريرة وكان معهم طائفة من ~~بجيلة وفي جملتهم ضرار بن الأزور وهو مريض وأخته خولة معه تمرضه وكان أبو ~~عبيدة أمرهم بالنزول هناك لأجل كثرة المرعى وهم آمنون مطمئنون من الروم ~~وغيرهم لان دولة الروم قد انصرمت وأيامهم قد ولت فما فطن القوم الا وقد ~~كبسهم القبط في جندس الليل ووضعوا فيهم السيف فقتلوا PageV02P074 # منهم رجالا وأخذوا منهم أسارى ومن جملتهم ضرار وأخته وأخذوا ما قدروا على ~~حمله وأتوا بهم المراكب وكان جملة من أسروه من الرجال والنساء والأولاد ~~والعبيد ألف ومائة فوضعوهم في المراكب وأقلعوا بهم من ليلتهم وسارا طالبين ~~إسكندرية قال ابن إسحاق وكان أبو عبيدة قد استوطن طبرية لكونها في وسط ~~البلاد وهي قريبة من الأردن والشام والسواحل وان أبا هريرة قد أتى ليزور ~~قومه في تلك الأيام ويسأل عن حال ضرار وكانوا يحبونه لشجاعته فأتى أبو ~~هريرة ومعه حليف له من بني بجيلة فأصبحنا تلك الليلة في الحي وإذا بهم قد ~~أخذهم القبط وبيوتهم مطروحة والرجال ms525 مقتولة وآثارهم منبوذة ووجدوا من الذين ~~انهزموا أناسا مجروحين فسالوهم فقالوا ما عندنا خبر حتى كبسنا قوم نصارى ~~وما نعلم من أي الطوائف هم ولم نفق حتى وقعوا فينا بالسيوف فقتلوا ما ترون ~~وأسروا الباقين وأخذوهم في مراكبهم فقال أبو هريرة لا حول ولا قوة الا ~~بالله العظيم وساروا إلى ساحل البحر فلم يروا لهم أثرا فلما عولوا على ~~الرجوع إذا بلوح من ألواح المراكب تلعب به الأمواج وعليه شخص فوقفوا له حتى ~~أقبل وخرج الرجل وإذا به أمير دوس وحيان ابن عم أبي هريرة فلما رآه ترجل له ~~وعانقه وهنأه بالسلامة وقال له يا ابن عم ما وراءك فقال هجم العدو علينا ~~ليلا وأسرونا وساروا فلما توسطنا البحر بعث الله بريح فغرقت مركبنا وقد ~~نجاني الله على هذا اللوح فقال له ومن أعداؤكم قال من قبط مصر واني سمعتهم ~~يذكرون إسكندرية كثيرا قال فرجع أبو هريرة يطلب طبرية وأتى ابن عمه إلى ~~مكان الحلة حتى يلم شعث الناس ويداوي المجروحين فجمع ما تركوه وأتى بهم إلى ~~الرملة وأما أبو هريرة فأتى أبا عبيدة وأخبره بما جرى فاسترجع وبكى وقال ~~أعوذ بالله من الساعات الرديئة ثم قال والله لئن وصلوا إلى إسكندرية ما ~~يبقيهم صاحبها طرفه عين ويموت ضرار ويمضي دمه هدرا وكتب إلى عمرو بن العاص ~~يعلمه بذلك ويحذره من صاحب الإسكندرية وانه أسر ألفا ومائة من جملتهم ضرار ~~وأخته وكانت تداويه وهي عنده فإذا وصل إليك كتابي هذا فاجتهد في خلاصهم وان ~~وقع في أيديكم أحد من القبط ففادوهم به ودفع الكتاب لزيد الخيل وأمره أن ~~يسير إلى مصر فلما قدم زيد الخيل إلى مصر دفع الكتاب لعمرو بن العاص فلما ~~قرأه صعب عليه وكان يحب ضرارا فأرسل الكتاب إلى خالد بن الوليد وكتب اليه ~~يحثه بالمسير إلى إسكندرية وأنه يفتقد حال الاسرى فلما وصل الكتاب إلى خالد ~~وقرأه صعب عليه أمر ضرار وأخته خولة حدثنا ابن إسحاق قال حدثنا عاصم بن ~~منصور عن أحمد المروزي عن PageV02P075 # سلمة ms526 عن عبد الله ابن المبارك عن عبد العزيز عن أبيه قال لما أخذت ~~النصارى حلل دوس وضرار وأخته وعصفت عليهم الريح وغرق أحد المراكب ووصل ~~الباقي إلى إسكندرية أوقفوهم أمام ابن المقوقس فأراد قتلهم فقال له أرباب ~~دولته أيها الملك لا تعجل عليهم واعلم أن العرب متوجهة إليك ولا بد لنا من ~~قتالهم فان أسر أحد منا ممن يعز عليك يكون عندنا من نفادي به ولعل أن نصالح ~~العرب فاستصوب رأيهم وقال ادفعوا هؤلاء الاسرى إلى دير الزجاج وأرسل معهم ~~ألفي فارس يوصلونهم إلى الدير فجاءت عيون خالد وأخبروه بما وقع فقام وأخذ ~~معه أصحابه وسار يطلب دير الزجاج فوصل خالد إلى الدير قبل وصول الأسارى ومن ~~معهم فلما أحدقوا بالدير أشرف عليهم راهب كبير السن وكان اسمه مباحا وكان ~~تلميذا لبحيرا راهب بصرى وكان مؤمنا بالله وبأنبيائه فقال له خالد يا راهب ~~كيف ترى الدنيا قال تنحف البدن وتجدد الامل وتقرب المنية وتقطع الأمنية قال ~~فما حال أهلها قال من نال منها شيئا نفضته ومن فاته منها شيء حسرته قال فما ~~خير الأصحاب فيها قال العمل الصالح والتقي قال فما شر الأصحاب فيها قال ~~اتباع النفس والهوى قال خالد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال ~~الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها ثم قال كيف طابت لك الوحدة قال ألفتها ~~قال فهل نلت منها فائدة قال نعم الراحة من مداراة الناس قال فما أحسن هذا ~~الاعتقاد لو كان في دين الاسلام والتوحيد قال فما أعرف غيره قال فما تقول ~~في محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم قال سيد الرسل وخاتم الأنبياء ~~وصفى الأصفياء وحجة الجبار على الورى قال فلم لا تكون في بلاد الاسلام فهي ~~أصلح لك من ههنا قال قلبي ملوث بحب الدنيا قال خالد أعندك خبر بالعرب ~~الاسرى الذين أرسلهم الملك هنا قال لا والله ولكن مر بي البارحة بطريق ~~وأسقف واستقيا ماء من بئر هذا الدير فسألتهما من أين أتيتهما فقالا من ms527 ~~الإسكندرية واننا رسل الملك كيماويل صاحب أرض برقة وانه أرسلنا إلى ملك ~~القبط يسأله أن يرسل له اسرى من عرب المسلمين حتى يراهم ويسمع كلامهم فأجاب ~~أنه يرسل منهم جماعة وإنا ماضون نعلم صاحب برقة بذلك فقال لخالد لعلكم من ~~المسلمين الذين فتحوا بلاد الشام قال خالد نحن هم فقال الراهب ان أخباركم ~~عندي في كل وقت وأعلمك أن رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو في قافلة قريش ~~وأنا عند بحيرا فلما مات بحيرا انتقلنا إلى هذا الدير واعلموا أنه ما بقي ~~من أرض الكنائس ولا بأرض العقبة ولا بأرض الرمادة أحد ولا ديار من راهب ولا ~~قس الا وقدم لزيارتي ويسألني عنكم وعن نبيكم ويقولون لي أنت كنت على ~~PageV02P076 # طريقهم ورأيت نبيهم وشرحت لهم دينكم وأوصلتهم إلى ما ظهر من معجزات نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم ولقد جرى بيني وبين راهب منهم بالقرب مناظرة وقال لي ان ~~النبي الذي بشر به عيسى المسيح ابن مريم ليس هذا فقلت له بلى هو والله ~~النبي العربي فقال لي اننا سمعنا في العلم أن الرسول الذي يظهر من أرض ~~الحجاز يعرج به إلى السماء وماسمعنا أن هذا عرج به فقلت بلى والله أنا سمعت ~~بأنه عرج به إلى السماء وخاطب العلي الاعلى وأصبح فأعلم بذلك قريشا ثم قال ~~لخالد اعلم أن في وسط هذا الجبل ديرا يقال له دير المسيح وقد استوى عليه ~~بطريق ومعه جماعة وهو يقطع الطريق على قوافل العرب وانه منذ زمان قطع ~~الطريق على قافلة وفيها شخص من بلادكم وهو مسلم فأخذ القافلة وعرى أهلها ~~وأطلقهم وقبض على ذلك المسلم وأخذ ماله ووضعه عنده في العذاب الشديد والرجل ~~يستجير فلا يجار ويقول له ما أطلقك حتى تكفر بالرحمن وتسجد للصلبان ثم إنه ~~يأتيه بصورة من نحاس وعلى رأسه عمامة سوداء ويقول له هذه صفة نبيكم وينصبه ~~قباله ويصب فضلة كأسه على راس هذه الصورة وذلك الرجل يستجير من فعاله قال ~~فلما سمع خالد ذلك أخذ معه شرحبيل ms528 بن حسنة وعامر بن ربيعة ويزيد بن أبي ~~سفيان وهاشم بن سعيد والقعقاع ورفاعة وترك بقية العسكر محيطة بالدير ومضوا ~~إلى وسط الجبل فوجدوا الدير فوصلوا اليه وإذا بالبطريق قد اقبل ومعه وحش ~~مذبوح وقد قصد إلى شجرة بالقرب من الدير وتحتها عين فنزل على العين وصاح ~~بغلمانه فأتوا اليه وأضرموا النار وجعلوا يشوون له وهو يأكل ويشرب الخمر ~~وقال لهم هاتوا المحمدي فاتوه برجل قد ركبه الذل وغلبه القهر فلما رآه قال ~~له أنت قد غلبتني بتجلدك على العذاب وحق ديني لا أرفع عنك العقوبة حتى ترجع ~~عن دينك إلى ديني فقال له اصنع ما بدا لك فاني أعلم أن الكل بمشيئتة الله ~~وبإرادته واني صابر على مر البلاء وما أرجع عن دين محمد المصطفى قال فهم أن ~~يقوم اليه يضربه فصاح به خالد بن الوليد وحمل عيه وطعنه فأخرج السنان من ~~ظهره وقتلوا غلمانه وخلصوا المسلم ونزلوا على العين ولم يكن لأهل الدير شرب ~~الا من تلك العين فأشرف عليهم الرهبان من أهل الدير وقالوا ما نحن أهل سيف ~~حتى نقاتلكم وقد نهاكم نبيكم عن قتل الرهبان فقال خالد سلموا لنا مال هذا ~~البطريق وعياله وأطفاله ونحن نترككم في ديركم ففتحوا لهم وسلموا لهم جميع ~~موجوداته وأخذوا الأسير وساروا وسأله خالد بن الوليد من أين أنت فقال أنا ~~أمية بن حاتم أخو عدى وقد أخذني هذا في أواخر أيام أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه فاني كنت طالب برقة مع قافلة ومعي بضاعة PageV02P077 # فأخذها وأخذني وكان أمر الله قدرا مقدورا قال فرجعوا عند أصحابهم ولم ~~يأتوا القبط فما لحقوا أن ينزلوا عن خيولهم الا والراهب صاح وقال لهم ~~استعدوا للقاء عدوكم فإنهم قربوا منكم فتجهزوا للقاء العدو وإذا بهم قد ~~أقبلوا وضجيج الأطفال وبكاء الناس وأنين الرجال وصراخ المأسورات وصياح ~~القبط عليهم يسوقونهم من ورائهم وزئير الفرسان وهفيف الصلبان والعربيات ~~تنادي بالويل والهوان وخولة بنت الأزور على مقدمة الأسارى وهي تقول * جل ~~المصاب وزاد الويل والحرب * وكل دمع ms529 من الأجفان ينسكب * ومادت الأرض مما قد ~~بليت به * حتى توهمت أن الأرض تنقلب * جالت يد القبط فينا عند غفلتنا * ~~واستحكم القبط لما زالت العرب * لهفي على بطل قد كان عدتنا * فيه العفاف ~~وفيه الدين والأدب * قد كان ناصرنا في وقت شدتنا * أعني ضرار الذي للحرب ~~ينتدب * فيه الحمية والاحسان عادته * فيه التعصب والانصاف والحسب * لو كان ~~يقدر أن يرقى مراكبه * كان العدو فني والحرب تلتهب * أو كان خالد فينا ~~حاضرا وطنا * لزال عنا الذي نشكو وننتحب * لو كان يسمع صوتي صاح بي عجلا * ~~مهلا فقد زال عنك البؤس والعطب * قال فلما سمع خالد نداءها قال لبيك يا بنت ~~الأزور قد جاءك الفرج وذهب عنك الحرج فاطبقوا على القبط فما كان ببعيد حتى ~~قتلوا منهم سبعمائة وأسروا ألفا وثلمائة وخلصوا الأسرى وسلموا على ضرار ~~وهنئوه بالسلامة وودعوا الراهب بعدما كتب له خالد كتابا بأن له من طعام ~~الإسكندرية صاعا ولكل من سكن الدير من أهله وقبيلته ثم إنهم ساروا طالبين ~~الإسكندرية وهم سائقون الاسرى من القبط بين أيديهم قال وكان الملك أرسطوليس ~~لما سمع بأن العرب قد أتوه أخرج عسكره وضرب خيامه خارج باب السدرة قال فلما ~~قدم المسلمون وقع الصايح بقدومهم ووقع الخوف في قلب الملك وعسكره وقالوا له ~~أيها الملك ما الذي تدبر في أمر هؤلاء العرب قال وما عسى أن أدبر والخوف قد ~~ملأ قلوبكم وهم طمعوا فيكم ورأوا أنكم تنهزمون ولا تخافون العار وإذا ~~قاتلتموهم كانت قلوبكم متفرقة وأهواؤكم غير متفقة وقد أسروا رجالكم ولم ~~يرهبوا قتالكم ولا مانع يمنعهم ولو أن أصحابهم الذين أرسلتهم إلى دير ~~الزجاج عندي لكنت صالحتهم باطلاقهم ودفعناهم عنا وقد فرطنا أيضا في الألفين ~~الذين أرسلتهم معهم فلو كان فينا لقاتلوا معنا فقال له وزيره أيها الملك هل ~~لك أن ترسل إليهم وتتحدث PageV02P078 # معهم في أمر الصلح ونحن نسلم إليهم أصحابهم فقال إنهم لن يقبلوا منكم ~~رسولا منذ صبأنا عليهم ببحر الحصى فبينما هم في ذلك وإذا بصاحب البحر قد ~~أتى ms530 اليه وهو الموكل بالنار وأخبره أنه رأى مركبا قد ظهر من قبل الغرب ولا ~~أعلم من أين أتى فقال لا شك أنه من صاحب برقة الملك كيماويل وقد أنجدنا ~~فأقبل المركب ورمى مراسيه ونزل منه شيخ مهيب مليح الشيبة ظاهر الهيبة وعليه ~~ثياب من الصوف الأسود ونزل معه عشرون شخصا من القسوس والرهبان فلما نزلوا ~~إلى البر جاءتهم الخيول بالمراكب المذهبة والغلمان والحجاب وعظموا شأنهم ~~وأركبوهم وساروا بين أيديهم إلى أن أوصلوهم إلى الملك وأدخلوهم عليه فقام ~~لهم وعظم شأنهم وأجلس ذلك الشيخ معه على السرير قال الراوي وكان أرسطوليس ~~قد أرسل هدية إلى الملك صاحب برقة وأرسل اليه يعلمه بما فعله العرب في مدة ~~قيصر وانهم قد أتونا ومن جملة ما أرسل له يقول أيها الملك اعلم أن الدنيا ~~دار زوال وانتقال فما وهبت الا واستردت ولا فرحت الا وأحزنت فالمغرور من ~~تشبث بذيلها واطمأن إليها والسعيد من لبس ثياب الحذر منها وعمل لدار المقر ~~أما ترى أيها الملك إلى هرقل ملك الشام كيف هرب وزال ملكه وذلك عندما رمته ~~الدنيا بمصائبها وشتتته بسهام نكائبها بعدما كانت في وجهه مشرقة والا يخطر ~~له هم الأعداء على بال وما ضربت لك هذا المثال الا لعلمي أن الدنيا لا تبقى ~~على حال وهؤلاء العرب قد استولوا على البلاد وأذلوا بسيوفهم العباد وقد ~~أقاموا لهم شرعا بالسيوف الحداد وقد ملكوا القياصرة وقد جاءت طائفة الينا ~~وأخذوا مصر منا وأخذوا ملكنا وحكموا على بلادنا بعدنا ولا بد لهم منك ولا ~~غنى لهم عنك والصواب أن تشمر لهم عن الهمم وتنجدنا على من بغى وأجرم فنحن ~~جيرانك وكلنا جندك وأعوانك والسلام قال الواقدي فلما وصلت الهدية والكتاب ~~عرضه على أرباب دولته وقال لهم ما ترون فيما كاتبكم به صاحب مصر ~~والإسكندرية فقالوا له أيها الملك ما زالت الملوك يستنصر بعضها ببعض والذي ~~أشار اليه هو الحق وان العرب إذا ملكت ملك القبط فلا بد لهم منا والعبور ~~إلى بلادنا فابعث اليه بنجدة ونكون نحن ms531 وهو يدا واحدة فالمسيح يعطي النصر ~~لمن يشاء فاجابه إلى ذلك وأمر ابن أخيه اسطفانوس أن يمضي في أربعة آلاف ~~وأمره أن يسير لمعاونة صاحب إسكندرية ثم إنه أرسل خادمه إلى عالم أرضهم ~~والمشار اليه في علم النصرانية وهو البترك واسمه سطيس وكان عمره مائة ~~وعشرين سنة وكان تلميذ زيروسا وزيروسا تلميذ مرقس ومرقس تلميذ يوحنا ويوحنا ~~أحد PageV02P079 # حواري عيسى المسيح وكان هذا البترك سطيس مؤمنا بالله وموحدا وسمع بأخبار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وهو مؤمن من قبل مبعثه وظهوره حتى ~~بلغته أخباره صلى الله عليه وسلم وأنه مات فبكى لموته ولزم زاوية الحزن ولم ~~يظهر خبره لاحد مدة من الزمان وقد بنى له صومعة وانفرد بها وجعلها على ~~قارعة الطريق فما مرت به قافلة الا واستخبرها عنه ويسأل عمن جلس بعده ~~للمسلمين خليفة فقالوا أبو بكر الصديق وبلغه موته وولاية عمر ثم بلغه فتوح ~~الشام وقدوم الصحابة إلى مصر وفتحها فلما أرسل صاحب مصر يستنجد صاحب برقة ~~وأرسل أخاه أرسل هذا البترك في مركب يبشره بقدوم اسطفانوس إلى نصرته فلما ~~وصل اليه وبشره فرح بذلك وقال يا أبانا أريد من انعامك أن تسير إلى هؤلاء ~~العرب وتختبر دينهم ونبيهم وتدعوهم إلى الصلح وتعلمهم أن في أيدينا جماعة ~~منهم أخذناهم من ساحل الرملة وقد أنفذت بهم إلى دير الزجاج فان أرادوا ~~أصحابهم أطلقناهم لهم ونعطيهم شيئا من مالنا واعقد لنا ولهم الصلح بأنهم لا ~~يرجعون الينا ولا يتعرضون لنا فقال البترك سأفعل ذلك واني قد قرأت في الكتب ~~السالفة فوجدت فيها ان الله يبعث نبيا من أرض تهامة تعرض عليه مفاتيح الأرض ~~وكنوزها فلا يلتفت إليها ولا يعيرها نظره ولا يختار الا الفقر على الغنى ~~وان أصحابه يتبعون سنته وأنا استخبر حالهم قبل سيري إليهم فقال الملك وكيف ~~تستخبر حالهم يا أبانا قال أيها الملك أرسل بغلة من مراكبك وعليها مركب من ~~ذهب وهو مرصع بالمعادن وتأمر غلمانك أن يسيروا بها ويرسلوها نحو عسكر ~~المسلمين فان أخذوها ms532 فنعلم أنهم يحبون الدنيا ولا يريدون الآخرة وان ردوها ~~فنعلم انهم يطلبون ما عند الله قال ففعلوا ذلك وأرسلوها وكانوا في حندس ~~الليل وكان في الحرس شرحبيل بن حسنة فلما رأى البغلة وما عليها من الزينة ~~ضحك وقال إن أعداء الله يريدون اختبارنا ومعرفة أحوالنا ان كنا نطلب الدنيا ~~أو الآخرة فوالله ما منا من يميل إلى ما يفنى وانما يغيتنا فيما يبقى ثم ~~قرأ * (أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ~~وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور) * ثم أمسك بعنان البغلة وأطلقها نحو عسكر القبط قال فلما رأوها ~~صلبوا على وجوههم وقال الملك والله بهذا نصروا وخذلنا والله ان أبي كان على ~~بصيرة من أمرهم ثم أمر البترك سطيس ان يتوجه إليهم فمضى فلما قرب منهم رأى ~~أقواما قد هجروا الدنيا فمنهم القارئ ومنهم الذاكر لباسهم الصوف صغيرهم ~~يوقر كبيرهم وكبيرهم يرحم صغيرهم وصوت أحدهم لا يعلو على الآخر الذكر ~~كلامهم والقرآن PageV02P080 # شعارهم والتقوى لباسهم والخوف من الله أنيسهم فلما دخل على عسكرهم سأل عن ~~أميرهم وصاحبهم فدلوه على موضع خالد فقصده فلما وصل اليه وجده في ذكر الدين ~~والقيامة فنزل عن بغلته ووقف أمامه وأومأ اليه بالسجود فمنعه خالد فقال له ~~أنت أمير هؤلاء القوم قال كذا يزعمون اني أميرهم ما دمت على الحق واتباع ~~العدل والانصاف والخوف من الله محسنا للمحسنين منهم شدادا على المسيئين ~~منهم فمتى حدت عن هذه الأشياء فلا امارة لي عليهم فقال البترك أنتم والله ~~القوم الذين بشر بكم عيسى ابن البتول وان الحق معكم لا يفارقكم قال فأمره ~~خالد بالجلوس فجلس وقال يا معاشر العرب أخبروني عن نبيكم فقال خالد ان الله ~~اختار من ولد آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر كنانة واختار من ~~كنانة قريشا واختار من قريش بني هاشم واختار من بني ms533 هاشم عبد المطلب واختار ~~من عبد المطلب عبد الله محمدا صلى الله عليه وسلم وقال كنت نبيا وآدم بين ~~الماء والطين وقال لما خلق الله العرش كتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله فلما وقع آدم في الزلة رأى على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله فقال يا رب من هذا قال ولدك يا آدم الذي لولاه ما خلقتك قال يا رب ~~فبرحمة هذا الولد ارحم هذا الوالد فقال يا آدم لو تشفعت الينا بمحمد في أهل ~~السماوات والأرضين لشفعناك ثم إن الله جعل اسمه مقرونا باسمه وذكره مع ذكره ~~ورسمه بما وسم به نفسه فقال ان الله بالناس لرؤف رحيم وقال في حقه ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * وقال النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم وقال يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان الله ~~عز وجل رفع ذكره وعظم فخره وأعز قدره فقال تعالى * (ورفعنا لك ذكرك) * وهذا ~~غاية الشرف والتعظيم والتبجيل والتكريم وقال يا محمد لا أذكر حتى تذكر فمن ~~أحبك فقد أحبني ومن سبك فقد سبني ومن جحدك فقد جحدني ومن أنكر نبؤتك فما ~~عرفني وها أنا أشهد على نبؤتك فقال عز من قائل ويقول الذين كفروا لست مرسلا ~~قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم قال في موضع آخر وكفى بالله شهيدا محمد ~~رسول الله قال فلما سمع البترك ذلك من خالد فرح وقال لقد نجا من اتبعه وخسر ~~من فارقه ثم جدد اسلامه على يد خالد وحدثهم بأمره من أوله إلى آخره ثم ~~حذرهم من أخي صاحب برقة وانه واصل ومعه أربعة آلاف فارس واني قد سبقته في ~~البحر وهذا الملك القبطي يريد صلحكم ويقرر لكم على انكم تصالحونه ان يعطيكم ~~شيئا من المال ويسلم إليكم قوما من أصحابكم قد أخذوهم من ساحل الرملة فقال ~~خالد ان أصحابنا قد فك الله أسرهم وجمع بنا شملهم وقد PageV02P081 # نصرنا الله على القبط الألفين الذين كانوا مع الأسارى ms534 فإننا أخذنا ألفا ~~وثلاثمائة أسير وقتلنا سبعمائة ثم إنه عرضهم عليه وعرض الاسلام عليهم فأبى ~~أكثرهم واسلم بعضهم فأمر خالد بضرب رقابهم بين العسكرين ثم إن البترك عاد ~~إلى صاحب إسكندرية وقال له هؤلاء لا نملك غرتهم لأنهم حذرون من أعدائهم ~~وعرفة بقصة أصحابه وانهم هؤلاء الذين ضربوا رقابهم قبالك فقال له يا أبانا ~~ومن اين هؤلاء قال قد وقعوا بهم وخلصوا أصحابهم وأسروا من أصحابك ألفا ~~وثلاثمائة وقتلوا سبعمائة قال فلما سمع ابن المقوقس ذلك سقط في يده وأيقن ~~باتلاف ملكه وقال لأرباب دولته وعسكره خذوا أهبتكم للقتال وكأنكم بعسكر ~~الملك كيماويل صاحب برقة وقد اقبل عليكم ونقاتل هؤلاء العرب بقلوب قوية ~~وأسرار نقية ويعطي الله النصر لمن يشاء وباتوا وهم معولون على القتال قال ~~ابن إسحاق ولقد بلغني ان الملك نام بقية ليلته فرأى في منامه كان شخصا أشقر ~~عريض الصدر قد خرج من حمام ومعه شخص آخر مليح الوجه حسن الخلق وسيم قسيم في ~~عينيه دعج وله نور يسطع كأنه قمر فقال ابن المقوقس للاشقر من أنت قال ابن ~~العذراء البتول أنا المسيح بن مريم وهذا الذي بشرت به من قبل مبعثه هذا ~~محمد رسول الله العربي الأمي من آمن به فقد اهتدى ومن جحد نبوته فقد اعتدى ~~وقد جئنا لنصرة أصحابه ومقامنا على القبة قال ابن إسحاق ولقد بلغني ان برج ~~القبة مما يلي باب البحر وذلك أن الإسكندرية لما بني الإسكندرية وسماها ~~باسمه كان الخضر وزيره وهو الذي بنى الباب الأخضر وصنع تلك القبة باسمه ~~ورسمه وكان يأوي إليها فصار ذلك الباب مشتهرا به إلى ي ومنا هذا قال ثم إن ~~عيسى عليه السلام قال للملك في نومه ان كنت من أمتي فاتبع شريعة هذا النبي ~~وذهب عنه فلما أصبح حدث أرباب دولته بما رأى في نومه فقالوا أيها الملك هذه ~~أضغاث أحلام وما كان عيسى المسيح يماشي العربي وهو عدوه وانما الشيطان قد ~~خيل لك ذلك فلا تلتفت اليه قال فأصغى الملك إلى كلامهم ms535 ثم إنه أمر عسكره ~~بالقتال فركبوا وصافوا المسلمين وأما الملك فإنه نظر إلى برج القبة وإذا ~~بالقبة يسطع منها نور فدخل الوهم في قلبه مما رأى في منامه وقال والله ما ~~هذا النور الا نور المسيح ومحمد وان هذا هو الحق لا شك فيه حدثنا ابن إسحاق ~~حدثنا عامر بن بشر عن الأحوص قال كنت في خيل خالد بن الوليد يوم قتالنا على ~~إسكندرية قال لما وقفنا في ميدان الحرب PageV02P082 # وقف يقاتلنا فارس وهو بطريق عظيم الخلقة وعليه لبس يلمع وتحته جواد عربي ~~فنادانا بالعربية بلسان فصيح وقال يا عرب انصرفوا عنا فانا لا نريد حربكم ~~وقد ملكتم منا مصر والصعيد وأكثر الريف وقد بقي في أيدينا هذه الجهة وما ~~نحن منازعونكم فيما أخذتموه منا ونحن لا نقلدكم في البغي ونصالحكم صلحا ~~نعود منه عن ظلم أنفسنا ونعدل في رعيتنا وان أبيتم صلحنا لقيناكم بأسرار ~~نقية وقلوب للجهاد قوية فنردكم على أعقابكم منهزمين وفي أذيال الذل متعثرين ~~لأنه ما عدا أحد على أهل هذا الدين الا ذلك وانهزم لأننا قوم لنا الكنائس ~~الأربع والصوامع والبيع والقسوس والرهبان والمذابح والقربان والإنجيل ~~والصلبان ثم سكت عن كلامه قال الراوي وكان هو الملك بن المقوقس فكان أول من ~~بادر إلى رد جوابه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال له لقد افتخرت بما يؤدي صاحبه إلى البوار ويعقبه سوء الدار يا ويلكم ~~أفتفتخرون علينا بالشرك والطغيان وعبادة الصلبان والكفر بالرحمن ونحن أولو ~~التقى والايمان والفوز والرضوان والقبلة والقرآن والحج والاحرام والصلاة ~~والصيام والاجتهاد والاحترام ديننا أفضل الأديان ونبينا المبعوث بالمعجزات ~~والبيان وبالآيات والبرهان والمنزل عليه القرآن ومن اتبعه نال من ربه ~~الغفران ومن جحد صحبته باء بغضب الملك الديان الذي كان ولا مكان ولا دهر ~~ولا زمان ولا وقت ولا أوان شهد لنفسه بالربوبية ولصفاته بالأزلية ولذاته ~~بالأحدية ولملكه بالأبدية سلطانه قاهر وكرمه ظاهر وتدبيره محكم وقضاؤه مبرم ~~وعرشه رفيع وصنعه بديع وليس بوالد ولا مولود ولا لذاته ms536 حد محدود ولا لبقائه ~~أجل معدود خضعت الأعناق لعظمته وخشعت الأصوات لهيبته وعنت الوجوه لعزته ~~وذلت الأقوياء لقوته لا يحصى نواله ولا يفني كماله ولا تبيد نعمه وافضاله ~~يا ويلكم كيف طاب لكم الكفر بالهيته والاشراك بربوبيته وان تجعلوا له ولدا ~~من خلقه وبريته وتسجدون للصلبان في دار مملكته ولا تفزعون من عظمته ثم إنه ~~قرأ * (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاؤوها شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم ~~علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون) ~~* ثم قال شرحبيل ان لله عبادا لو أقسموا على الله أن يدكدك لهم هذا السور ~~لفعل وكانت اشارته إلى سور المدينة فغار السور في الأرض وبانت المنازل ~~والدور قال فارتعدت فرائص الملك لما عاين ذلك من عظيم القدرة فلوى عنان ~~جواده إلى عسكره وأفئدتهم قد طارت وأفكار القبط قد حارت فلما جن الليل أخذ ~~الملك خزائنه وأمواله PageV02P083 # وحريمه وعياله وركب في المراكب وسار يريد جزيرة أقريطش فلما أصبح الصباح ~~وقع الصايح بالمدينة بأن الملك قد انهزم فاجتمع الأكابر وقالوا ان الملك قد ~~انهزم وما لنا من يدفع هؤلاء العرب قال فخرجوا بأجمعهم إلى أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ووقفوا بين يدي خالد وقالوا ان الله قد نصركم بحق ~~وأيدكم بصدق وانا نريد منكم ان تعاملونا بالنصفة وتنظروا الينا بعين الرحمة ~~والعدل سنة من كان قبلنا معكم من الروم فقال خالد ما فعل ملككم قالوا ~~وانهزم بأهله وماله في البحر فقال قوم قد أسكن الله الرحمة في قلوبنا ~~وبصرنا بمعالم ديننا وأظهرنا على أعدائنا وفضلنا على سائر من كان قبلنا من ~~الأجناس فقال تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * ونحن نجريكم على أحسن ~~عوائدنا مع سائر من فتحنا بلادهم وقد أمسكنا عنكم ولو أردنا أن نملك البلد ~~بالسيف لهان علينا ولكن خير الناس من قدر وعفا ونريد منكم مائة ألف مثال ~~ذهبا صلحا عن أنفسكم ms537 وأهاليكم وندعوكم بعد ذلك إلى الاسلام فمن أجاب منكم ~~كان له ما لنا وعليه ما علينا ومن عدل عن ذلك أخذنا منه الجزية عن السنة ~~الآتية من كل رجل وغلام بلغ الحلم أربع دنانير ونشرط عليكم شروطا أن لا ~~تركبوا دابة ولا تعلموا دوركم على دور المسلمين ولا ترفعوا أصواتكم عليهم ~~ولا تبنوا كنيسة ولا صومعة ولا ديرا ولا تجددوا ما دثر وتلقوا المسلمين ~~بالذل والانكسار وتسارعوا في قضاء حوائجهم وما يريدون في اصلاح شأنهم لا ~~تعدلوا عن تعظيم أهله ومن أذنب منكم ذنبا حددناه ومن ارتد عن قولنا قتلناه ~~وان تشدوا الزنانير على خصوركم اظهارا لدينكم وأن لا تظهروا ناقوسا ولا ~~صليبا ولو آمنتم بالله ورسوله لكان خيرا لكم فقالوا فقالوا أيها الأمير ~~مانترك ديننا فقرأوإذا قيل لهم اتعبعوا ما أنزل قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ومن يسلم وجهه إلى ~~الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى والى الله عاقبة الأمور ومن كفر ~~فلا يحزنك كفره الينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ان الله عليم بذات الصدور ~~نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ فقالوا أيها الأمير نريد أن تولي ~~علينا رجلا منا حتى يجمع المال الذي تقرر علينا فيلمه بالعدل وليمكن معه ~~رجل منكم من أصحابكم فقال خالد أني لا أعرف أحدا من أجاويدكم فاختاروا ~~لأنفسكم برضاكم من أوليه عليكم فأشاروا إلى رجل منهم اسمه شيعا بن شامس ~~وكان مقدما في القبط فولاه خالد على جمع المال ورياسة البلد وندب معه قيس ~~بن سعد وأوصاهم وقال خذوا من كان واحد ما يحتمل حاله ومن كان معسرا ~~PageV02P084 # ضعيفا فدعوه وأحسنوا ان الله يحب المحسنين ولا تظلموا يتيما ولا فقيرا ~~ولا أرملة فتعجب القبط من حسن وصيته وكلامه فدخل القوم واجتمعوا في دار ~~الامارة وبعث شيعا غلمانه يجمعون الناس قال حدثنا جرير بن عاصم عن نعيم بن ~~موسى الداراني عن أبا سليمان بن عوف عن جده مازن بن سعيد قال وقع ms538 القسط على ~~أهل إسكندرية فكان أكبرهم في الحشمة وأغزرهم في المال يزن عشرة قراريط ~~وأوسطهم حالا يزن قيراطين ولقد أتى برجل من أغنيائهم اسمه برأس لا يدري ما ~~يملك من المال والدبش والغنم وكان أبخل أهل زمانه فقال له شيعا قد وجب عليك ~~في هذا المال دينار قال وحق المسيح ما أنا بالذي يؤديه ولو مت وان تصدقت به ~~كان أفضل من عطيتي للعرب فقال له قيس بن سعد ان في الذي نأخذه منكم صونا ~~لأنفسكم وحفظا لدمائكم ونحن ما نأخذه على وجه الصدقة منكم بل نأخذه حلالا ~~لا حراما يا ويلك لو دخلنا مدينتكم بالسيف ألست كنت أنت أول من قتل ومالك ~~أول ما نهب وقال له شيعا خذلك الله ولعنك كل من في إسكندرية يعلم أنك كنت ~~أولا فقيرا لا تقدر على شيء من أمور الدنيا وقد آتاك الله من فضله ووسع ~~عليك رزقه فقال الست ورثته عن آباء كرام وأجداد عظام وما لله علي من فضل ~~قال فغضب قيس وقام اليه وقمعه بمقرعة كانت معه وقال له كذبت يا عدو الله ~~ورسوله الفضل والحمد والمنة لله لأنه رزقنا من فضله وأسبغ علينا من نعمه ~~وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ثم قال قيس اللهم انه جحد نعمتك فأزلها عنه ~~قال فوالله ما مضى يومه حتى جاء الخبر بان أغنامه قد هلكت جميعا وبساتينه ~~يبست ودياره قد تهدمت وأمواله ذهبت قال قيس الله أكبر هذا والله حديث سمعته ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة بجانبي قال إن ثلاثة من بني ~~إسرائيل كان أحدهم أبرص والآخر أقرع والآخر أعمى فبعث الله إليهم ملكا فأتى ~~الأبرص فقال له أي شيء أحب إليك فقال الجلد الحسن والإبل فأتى الأقرع فقال ~~له أي شيء أحب إليك قال الشعر الحسن والغنم وأتى الثالث فقال له أي شيء أحب ~~إليك فقال النظر والبقر قال ثم إن الملك مسح بيده على جلد الأبرص فعاد أحسن ~~جلدا وأعطاه ناقة عشراء فبارك الله له ms539 فيها حتى ضاقت بابله الديار وأما ~~الأقرع فأتاه ومسح بيده على رأسه فأنبت الله له شعرا حسنا وأعطاه نعجة ~~عشراء فتوالدت إلى أن ضاقت بها تلك الديار ثم أتى الأعمى ومسح بيده على ~~عينيه فعادتا أحسن عينين وأعطاه بقرة عشراء فتوالدت إلى أن ضاقت بها تلك ~~الديار قال ثم أتاهم ليمتحنهم فأتى الأبرص فقال له كنت أبرص فقيرا لا تملك ~~شيئا فأعطني مما آتاك PageV02P085 # الله من هذه الإبل ناقة أتسبب عليها فقال له ما كنت فقيرا ولا أبرص وانما ~~ورثت هذا المال من آبائي قال فذهب إلى الأقرع وقال له مثل ما قال للأبرص ~~فقال مثل ما قال الأبرص فذهب إلى الثالث وقال له مثل ما قال لصاحبيه فأجاب ~~وقال بسم الله والله لقد صدقت فاذهب إلى هذا البقر فاقسمها بيني وبينك فقال ~~له بارك الله لك في مالك وقد رد الله صاحبيك كما كانا فإنهما كفرا نعمة ~~الله قال الراوي وجمعوا المال ومضوا به إلى خالد وبنى فيها المساجد وأخذ ~~كنيستهم العظمى فجعلها جامعا وترك لهم أربع كنائس وكتب إلى عمرو بن العاص ~~يعلمه بفتح إسكندرية ففرح وركب وترك موضعه أبا ذر الغفاري وذهب إلى ~~الإسكندرية وبني فيها جامعا في الربض وهو معروف بجامع عمرو إلى يومنا هذا ~~ذكر فتح مدينة دمياط وما والاها قال الراوي وأتت اليه أهل رشيد وفوة ~~والمحلة ودميرة وسمنود وجرجة ودمنهور وابيار والبحيرة وصالحوه على بلادهم ~~ثم إنه بعث المقداد ومعه أربعون فارسا وهم ضرار وشاكر ونوفل وراجح وعاصم ~~وفارس وعروة وسهل وعمير وكعب وسعيد ويزيد وصعصعة وغيرهم وأمرهم بالمسير إلى ~~دمياط وأمر عليهم المقداد بن الأسود الكندي فساروا إلى البرلس ودمياط كان ~~بها خال الملك المقوقس وكان عسكره اثني عشر ألفا وكان قد حصن البلد وجمع ~~فيها من آلة الحصار من الزاد وغيره قال فلما أشرف عليه الصحابة ونظر إلى ~~قلتهم ضحك وقال إن قوما ينفذون الينا منهم أربعين ليملكوا بلدنا لفي عجز ~~وقلة عقل قال وكان ولده الأكبر فارسا مشهورا في جميع ms540 بلاد النيل وكان اسمه ~~هريرا وكان يثق به وبشجاعته وبراعته وليس في عينيه الفرسان شيئا فلما رأى ~~الصحابة وهم أربعون قفز إليهم وهو لابس لامة حربه وطلب البراز فخرج اليه ~~ضرار بن الأزور وحمل عليه فطعنه فقتله وحمل على عسكر دمياط فالجأهم إلى ~~حيطان البلد وهو كأنه النار في الحطب فاستعاذ منه الجيش ثم إن خال الملك ~~وكان اسمه البامرك اجتمع بأرباب دولته وقد صعب عليه قتل ولده وكان عندهم ~~حكيم يثقون به وبرأيه ويعتمدون على عقله فأحضروه وقالوا له أيها الحكيم ~~العالم ما الذي تشير به علينا في أمر هؤلاء العرب فقال أيها الملك ان جوهر ~~العقل لا قيمة له وما استضاء به أحد الا هداه إلى سبيل نجاته وقاده إلى ~~معالم مصالحه وهؤلاء القوم لا تذل لهم PageV02P086 # راية ولا تلحق لهم غاية قد فتحوا البلاد وأذلوا العباد واشتهر أمرهم وعلا ~~ذكرهم وفشا خبرهم وعلت كلمتهم وطافت الأرض دعوتهم فما أحد يقدر عليهم ولا ~~يصل إليهم وما نحن باشد من جيوش الشام ولا امنع بلدا وهؤلاء القوم قد أيدوا ~~بالنصر وغلبوا بالقهر وان الرحمة في قلوبهم فعاهدهم فما عاهدوا عهدا وخانوا ~~وما حلفوا يمينا فكذبوا وقد بلغك ما هم عليه من الدين والصيانة والصدق ~~والأمانة والرأي عندي ان تصالحهم لتنال بذلك الأمن وحقن الدماء وصون الحريم ~~ودفع الأمر العظيم ونكون قد صالحناهم ودفعناهم بشي من مالنا قال فلما سمع ~~البامرك ذلك من الحكيم أمر بضرب عنقه فلما عرف الحكيم أن المنية قد غشيته ~~قال اللهم إني بريء مما يشركون بك لا شريك لك ولا ولد ولا صاحبة لك وأنا ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال فلما سمع البامرك كلامه ~~ضربه فقتله وأمرهم بأن يأخذوا على أنفسهم للحرب فلما كان الغد خرجوا إلى ~~ظاهر دمياط ونصبوا خيامهم قال وكان للحكيم ولد ورث فضائل أبيه وكان فيه ~~فطنة وعقل وتدبير فلما قتل أبوه أظهر الفرح والدعة للملك البامرك وقال لقد ~~أراحني الملك منه ومن شره فبلغ ms541 البامرك ما قاله ابن الحكيم فأرسل اليه وخلع ~~عليه وطيب قلبه فلما كان الليل قال والله لآخذن بثأر أبي من هذا اللعين ومن ~~أولاده وكانت داره ملاصقة للسور فنقب نقبا واسعا وخرج منه وقصد الصحابة ~~فلما رأوه قالوا له من أنت قال إن أبي قد قتل من أجلكم وقد نقبت نقبا وخرجت ~~منه فقوموا على بركة الله وعونه حتى تملكوا المدينة منه فقال له ضرار يا ~~ويلك وان الذي بعثك بهذه الحيلة أراد قتلك أما علمت أن الحذر شعارنا ~~واليقظة دثارنا وهم بقتله فقال له المقداد أمهل يا ضرار وفقك الله إلى ~~الخير وة وقاك الألم والضير ثم قال المقداد اني رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المنام وهو يشير إلى شخص بين يديه وكأنما يقول على زي هذا ~~الغلام وكأنما أتأمل إلى هذا الغلام فرأيته على ما هو عليه الآن وكان على ~~وسطه منطقة من الأديم وفيها حلق فضة وهي تحت أثوابه ثم إن المقداد قال يا ~~غلام اكشف عن أثوابك فكشف عن أثوابه وإذا المنطقة بعينها فقال أشهد ان لا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام المسلمون ~~فصافحوه ومضى الغلام أمامهم إلى أن دخل بهم النقب ووسعوه بأيديهم حتى دخلت ~~خيولهم ثم ردوا الحجارة والطين والبناء على حاله وأعمى الله أبصار القوم ~~عنهم فلما كان الغد نظر أعداء الله فلم يروا للصحابة أثرا ولا خبرا فضجوا ~~بكلمة كفرهم وماجوا وقالوا PageV02P087 # هربت العرب ووقع الصائح في العسكر فظهر أهل البلد ليقفوا على صحة الخبر ~~ولم يبق في البلد سوى النساء والأطفال قال ابن إسحاق وكان للحكيم بنو عم ~~ثمانون رجلا وان ولده طاف عليهم بالليل وأعلمهم بما فعل فأقبلوا معه ~~وأسلموا عن آخرهم فلما كان الغد وخرج كل من في البلد بادر بنو عم الحكيم ~~واخوته إلى الأبواب فأغلقوها وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير ~~النذير فوقعت الخمدة على النساء والصبيان واستوثق القوم من المدينة ~~بالثمانين رجلا فأمسكوهم الأبواب وخرج ms542 الصحابة رضي الله عنهم ورفعوا ~~أصواتهم يكبرون ويدعون الله عز وجل فلما نظر لهم أهل البلد علموا أنهم قد ~~ملكوها وان الذي فعل ذلك بنو عم الديرجان الحكيم وقد أغلقوا الأبواب ~~وقفلوها وملكوا السور فوقف الملك ينظر إلى ما فعله الصحابة وعلم أن المدينة ~~أخذت منهم وكان في أولاده ولد عاقل لبيب كامل الذات والصفات وافر العقل ~~وكان منذ نشأ يتبع العلماء ويجالسهم ويطلب العلم ومنذ ملك عقله ما أكل لحم ~~خنزير ولا كشف ذيله على محرم ولا سجد لصورة ولا لصليب وكان هم أن يبني ~~صومعة وينفرد فيها فلم يمكنه أبوه من فرط محبته له وكان لا يستطيع فراقه ~~وهذا الغلام اسمه شطا وكان يحب أن يسمع أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويبحث عنها فلما نظر إلى الصحابة وقد ملكوا منه البلد وشطا عن يمين أبيه ~~نظر شطا إلى الصحابة والى زيهم والى نور الايمان وهو ساطع منهم قال فشخص ~~شطا نحو السماء ببصره وصاح وسقط عن قربوس فرسه بوجهه قال فارتاع أبوه وجميع ~~عسكره من تلك الصيحة فلما أفاق قال له أبوه يا بني ما وراءك قال ظهر الله ~~والحق وبان وقد تبينت لي حقيقة الايمان وقد نظرت إلى عسكر هؤلاء العرب ~~وعليهم نور عظيم ومعهم رجال عليهم ثياب خضر وهم على خيول شهب وبينهم قبتان ~~معلقتان في الجو بلا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها وفيها رجال ما رأيت ~~أحسن من وجوههم ولا شك أنهم الشهداء ورأيت في احدى القبتين حورا لو برزن ~~لأهل الدنيا لماتوا شوقا إليهن وان الله تعالى ما كشف عن بصري وأراني ذلك ~~الا وقد أراد لي الخير وما كنت بالذي بعد هذه الرؤيا أبقى على الضلال ولا ~~أتبع المحال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وحرك جواده ~~وقال من أحبني من رجالي وغلماني فليتبعني قال فتبعه القوم الف رجل ولحقوا ~~ما فعل ولده شطا قال والله ما فعل ولدي شطا ذلك الا وقد رأى ms543 الحق ولست أشك ~~في عقله ودينه ثم إنه أسلم ولحق بولده فلما نظر أرباب دولته ذلك قالوا إذا ~~كان الملك وولده قد أسلما فما وقوفنا نحن فاسملوا جميعا على يد PageV02P088 # أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلوا المدينة فمن أسلم تركوه ومن ~~أبى أخرجوه إلى بلاد الأرياف قال وفتح المقداد النقب الذي دخلوا منه وأمر ~~ببنائه بابا فسماه باب اليتيم وهو ابن الحكيم وترك عندهم المقداد رجلا من ~~الصحابة يعلمهم شرائع الاسلام وهو يزيد بن عامر رضي الله عنه ورجع المقداد ~~وأصحابه إلى إسكندرية وحدثوا عمرا بما فتح الله عليه من دمياط ففرح بذلك ~~وكتب كتابا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بفتح مريوط والإسكندرية ودمياط ~~ورشيد وفوة والمحلة ودميرة وسمنود وجرجة ودمنهور وابيار والبحيرة وبعث ~~الكتاب مع عامر بن لؤي ذكر فتح جزيرة تنيس قال حدثني زياد عن حميد الطويل ~~عن يونس بن الصامت عن نصر بن مسروق قال لما فتحت دمياط وكان من أمرها ما ~~كان قال البامرك لولده يا بني ان الله قد أنقذنا من نار الجحيم وقد هدانا ~~إلى الصراط المستقيم وذلك لسابقة سبقت لنا في القدم وهذه تنيس بالقرب منا ~~وهي جزيرة ولا يمكن التوصل إليها الا في المراكب والصواب أننا نكاتب صاحبها ~~أبا ثوب وندعوه إلى الله والى دين نبيه فان أجاب والا قصدناه والله ينصرنا ~~فقال شطا هذا هو الرأي وأنا أكون الرسول اليه بنفسي فقال يا بني اعزم على ~~بركة الله وعونه قال فركب شطا في مركب وأخذ معه أربعة من غلمانه الخواص ~~فلما نظر يزيد بن عامر إلى ذلك قال وأنا أسير معك إلى صاحب تنيس فإنه لو ~~سألك عن ديننا ومعالمه لم يكن عندك به علم بأن تكلمه ونحن بحمد الله ما ~~فينا من يتكبر ولا من يتجبر وما طلبتنا الا الآخرة والعمل بما يقربنا إلى ~~الله ثم سار معه يزيد ابن عامر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~وصلوا إلى جزيرة تنيس وفيها رجال يحفظونها ms544 فلما نظروا إلى شطا وغلمانه ~~وبينهم رجل بدوي قالوا من أنتم قال لهم شطا أنا ابن الملك البامرك صاحب ~~دمياط ومعنا هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئناكم ~~رسلا قال فأرسلوا منهم واحدا يستأذن لهم فأذن لهم أبو ثوب قال فنزلوا في ~~الزورق وإذا به قد أرسل لهم دوابا ليركبوها فامتنع يزيد من الركوب ووافقه ~~شطا على ذلك وساروا كلهم رجالا إلى أبي ثوب فاستأذنوا عليه فأذن لهم فلما ~~دخلوا قصر أبي ثوب وإذا به في حشمه وخدمه وزينته والحجاب والغلمان بين يديه ~~وهو في مرتبه امارته وكان قد تكبر وتجبر منذ نزل أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على مصر ومنع المال والخراج أن يؤديه للمقوقس وولده وقد اجتمع ~~عنده مال عظيم فلما دخل عليه يزيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشطا ~~وغلمانه PageV02P089 # ونظروا إلى أبي ثوب وغلمانه وتجبره بدأ يزيد بالسلام فقال السلام على من ~~اتبع الهدى * (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى) * قال ~~الواقدي حدثنا ابن سالم عن جرير بن أحمد عن أبيه عبينة عن ابن جرير وكان ~~أعلم الناس بقصة فتوح مصر والمغرب قال كان أبو ثوب هذا من أرض العريش من ~~متنصرة العرب من آل غسان وهو قريب جبلة وكان صاحب مال ورجال وأنه لما وقعت ~~الهزيمة على الروم وفتح الشام وانهزم الملك هرقل وهرب معه جبلة هرب معهم ~~أبو ثوب هذا بماله وأهله واخوته إلى أرض الجفار ونزل في البرية ما بين ~~العريش ورفح وأن المقوقس خرج في بعض الأيام يريد الصيد في عسكره فانتهى في ~~سرحته إلى أرض العريش فانطرد قدامهم وحش كبير فطلبه الملك وتبعه ولم يتبعه ~~أحد من عسكره وهو وراءه وحده إلى أن رماه في حلل العرب في حلة أبي ثوب فقام ~~اليه وعظمه وبجله وعلم أنه الملك فامسك ركابه وأنزله في بيته وذبح له ~~الأغنام ووضع له الطعام وتلاحق الجيش قال فأضافهم أبو ثوب ثلاثة أيام فلما ms545 ~~كان في اليوم الرابع ركب في خدمة الملك وشيعه وعاد فلما دخل المقوقس إلى ~~مصر أمر وزيره بأن يكتب إلى أبي ثوب بولاية تنيس وأعمالها وأرسل له الخلع ~~والأموال والمماليك والغلمان فلما وصل اليه منشور الملك وخلعه فرح أبو ثوب ~~وركب وسار إلى الفرمة وركب منها في المراكب إلى تنيس فلما مكث في ولايته ~~بعث إلى أهله واخوته فأتوا اليه فولى أخاه أباسيف على جزيرة الصدف وولى ~~أخاه الثاني أبا شق على جزيرة الطير وولى ولده على دنيوز فلما طال عليه ~~الامر طغى وتجبر ومرت الأيام والليالي حتى قدم أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أرض مصر فمنع دفع الخراج إلى مصر والى المقوقس وولده ورأى ~~نفسه في تلك الجزيرة فتحصن بها وقال ما أحد يقدر أن يصل إلي فلما قدم شطا ~~ويزيد بن عامر ونظر إليهم أبو ثوب أظهر الاعجاب والتكبر ولم يلتفت إليهم ~~ولم يجسر أحد من جماعته أن يأذن لهم بالجلوس فلما نظر إلى ذلك يزيد بن عامر ~~قرأ * (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) * وجلس إلى ~~جانبه شطا ونظر يزيد إلى سرير أبي ثوب فإذا هو من الذهب ووفيه صورة النخلة ~~ومن تحتها صورة مريم والمسيح في حجرها فقرأ فناداها من تحتها ان لا تحزني ~~قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي ~~واشربي وقري عينا فاما ترين من البشر أحد فقولي اني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم انسيا إلى قوله اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني ~~مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم ~~يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت PageV02P090 # ويوم ابعث حيا قال فلما سمع أبو ثوب كلام يزيد التفت اليه بغضب وحنق وقال ~~ما هذا الكلام الذي نطقت به قال يزيد هذا كلام الله جل جلاله الذي أنزله ~~على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا تفنى عجائبه ولا تنفذ ms546 غرائبه ولا ~~تبدل كلماته ولا تمل آياته فقال ما معنى الذي ذكرت ونطقت به وما تفسيره ~~فقال يزيد أما قول الله اخبارا عن عيسى حين قال إني عبد الله فإنه يعلم ~~الخلق أنه عبد الله وليس بولد جل الواحد الأحد الفرد الصمد وأما قوله آتاني ~~الكتاب فمعناه أعلمكم الاحكام وأعرفكم الحلال والحرام وأما قوله وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة فمعناه أني مأمور بالطاعة والخدمة والزكاة مثلكم فان في ~~مالي حقا لله وأما قوله والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت فيعلمهم أنه يموت ~~ومن يموت لا يكون له العزة والجبروت وأما قوله ويوم أبعث حيا فيعلمهم أنه ~~وإياهم مبعوثون في يوم القيامة وقوف يوم الحشر والندامة ولو كانا الهين ~~لكان لهما ارادتان ووقع الخلف بينهما وان الحكمة غير ذلك وهي على وحدانيته ~~شاهدة قال فلما سمع أبو ثوب من يزيد بن عامر هذا المقال قال لقد مثلتم ~~بالأباطيل وغرقتم في بحر الأضاليل فقال يزيد الله أعلم من هو تائه في تيه ~~المحال مشرك بالملك المتعال الذي لا سماء تظله ولا أرض تقله ولا ليل يؤويه ~~ولا نهار يأتيه ولا ضياء يظهره ولا ظلام يستره ولا يقهره سلطان ولا يغيره ~~زمان كل يوم هو في شان أما لكم بصائر أما منكم من ينظر ويعتبر في قدرة الله ~~القادر اما منكم من يعظ نفسه بذهاب النهار واقبال الليل اما آن لكم أن ~~تنزهوه أما آن لكم أن توحدوه أما سمعتم ممن تعبدونه وتبرؤن اليه وتعظمونه ~~فان المسيح قد أقر له بالعبودية وتبرأ من دعوى الربوبية وقال إني عبد الله ~~ولقد بشر بنبينا قبل مبعثه وعرف بني إسرائيل بقربه من الحق وكرامته أما ~~سمعتم بمعجزاته وما ظهر من دلالاته أما انشق له القمر أما كلمه الضب والحجر ~~أما خاطبه البعير والشجر أما هو من أطيب بيت من مصر قال فعجز أبو ثوب عن رد ~~الجواب ولم يكن له ما يزيل حجته الا أن قال ليزيد بن عامر لقد علمنا ما فعل ~~ولكنه كان ساحرا وان كان ms547 قولك هذا حقا فادع الله وتوسل اليه بمحمد أن ~~يسقينا الغيث فان جاء الغيث علمنا أن قولك ليس فيه شك ونؤمن بالله ونصدق ~~برسالة محمد صلى الله عليه وسلم قال يزيد بن عامر ان الله يقدر على ما ذكرت ~~فان الله على كل شيء قدير ان العبد المخلص إذا دعاه أجاب دعوته ولكنه يفعل ~~ما يشاء وأنا أتوسل إلى الله بخير خلقه وصفيه وهو الفعال لما يريد ثم إن ~~يزيد قام وخرج من مجلس أبي ثوب فقال له إلى أين قال أدعو الذي لو شاء أنزل ~~عليكم رجزا من السماء ثم قرأ * (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن ~~يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين) * PageV02P091 # قال حدثنا عاصم عن رويم عن ابن جبير قال انما طلب أبو ثوب الغيث واقتصر ~~عليه لأنه كانت له مزرعة بالبعد من النيل ولا 1 يقدر أن يسقيها ولا يصل ~~إليها ماء وكانت قد أشرفت على الهلاك واليبس وكانت منه ببال وكان قد غرس ~~فيها من جميع الثمار والأشجار وصنع لها مصانع تمتلئ بماء المطر فيسقيها وقت ~~الحاجة إليها وكان المطر قد أمسك عنها والمصانع نشفت فلما خرج يزيد إلى ~~البحر توضأ وصلى ركعتين ثم رفع رأسه نحو السماء وقال اللهم انك قد أمرتنا ~~بالدعاء ووعدتنا بالإجابة فقلت وأنت أصدق القائلين * (وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) * وقد دعوت كما أمرت فاستجب كما وعدت ~~يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا ولا يحصيه غيرك قال ابن جبير لقد بلغني ~~ممن أثق به أن يزيد بن عامر ما برح يدعو حتى ارتفع السحاب من الجو ووقف ~~وقفة الخاضع ورفع جناح السائل المتواضع وارتفعت سحابة وتألقت والرعد يصول ~~حولها صولة الغاضب وهو لها بصوت البرق يزجر بصلصلة وقعقعة وهرير وهو على ~~ذلك سيره ومسيره وقد أحاطت بالسحابة ملائكة الرحمة متمنطقة بنطاق الخدمة ~~يسوقونها من خزائن رحمته ويجذبونها بأزمة القهر إلى ملك أبديته وهو واضع ~~أجنحة عبوديته موسوم بوسم * (ويسبح ms548 الرعد بحمده والملائكة من خيفته) * ~~والركام يسري ويسرع اسراع الوجل يسبح من يسجد لجلاله فترى الودق يخرج من ~~خلاله فإذا هي أشرفت وتكاملت بالماء ووسقت والبروق من أركانها قد انشقت ~~وهبت عليها رياح قدرته من مواضع خزائن رحمته وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته فعندها تفتح مغاليق أبوابها وترفع ستر حجابها فهمت بدموع أشجانها ~~على أيدي خزانها فتستبشر الأرض عند ورودها وتنتظم عقود الزهر عند ورودها في ~~جيد وجودها وتخرج كنوز ذخائرها فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتها قال ونزل المطر يسكب بقية يومهم وليلتهم فلما كان من الغد حضر ~~يزيد بن عامر مجلس أبي ثوب وقال لهم كيف رأيت صنع الله الصانع المتكفل ~~بأرزاق العبيد قال فضحك أبو ثوب وقال إن سحركم لعظيم وان مكركم لجسيم وان ~~سحركم يفعل أكثر من هذا فقال انما ذلك رحمة من الله قد أبر من أقسم باسمه ~~عليه فلما رأى نزول المطر وظهرت بركات صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال على سبيل المكر الآن تحققت أن دينكم الحق وقولكم الصدق وأنا مؤمن بالله ~~ومصدق برسالة رسول لله صلى الله عليه وسلم وسوف أعرض دين الاسلام على أهل ~~جزيرتي PageV02P092 # وأصحابي وأهلي وأبني المساجد وآمر بالمعروف وأنهي عن المنكر فقال يزيد ان ~~أنت فعلت ذلك رشدت وان نافقت فان ربك لبالمرصاد ثم خرج من عنده هو ومن كان ~~معه شطا وغلمانه ومضوا إلى دمياط إلى البامرك وحدثوه بما كان من أبي ثوب ~~فقال والله لقد خدعكم بخديعته ورماكم بسهم مكيدته فقال يزيد بن عامر ومكروا ~~ومكر الله والله خير الماكرين فما لبثوا أياما قلائل حتى وصل الخبر أن أبا ~~ثوب جمع من سائر الجزائر وهو قادم عليهم فلما سمع البامرك بذلك قال ليزيد ~~بن عامر ما الذي ترى من الرأي في أمر هذا العدو فقال يزيد نستعين بالله ~~ونتوكل على الله ومن قاتلنا قاتلناه قال بن إسحاق وان البامرك أرسل ولده ~~شطا إلى البرلس ودميرة وطناح ومن ms549 تحت يده يطلبهم فجاؤوا من كل جهة وكتب ~~يزيد إلى عمرو بن العاص يعلمه أن أبا ثوب قد جمع الجموع فلما وصل اليه ~~الكتاب أرسل إليهم هلال بن أوس بن صفوان بن ربيعة أحد بني لؤي ومعه الف ~~فارس وأمره بالمسير إلى دمياط وذلك في العشر الأول من شعبان سنة عشرين من ~~الهجرة وكان لعمر بن الخطاب في الخلافة أربع سنين ونصف أما ما كان من أبي ~~ثوب فإنه لما نفر اليه العساكر أخرجهم بظاهر تنيس فكانوا عشرين ألفا من ~~الرجال ومن الخيل خمسمائة فارس من القبط ومتنصرة العرب وعداهم في المراكب ~~وأتوا نحو دمياط فخرج شطا بن البامرك فقتل رجالا وجندل ابطالا وانه اشترى ~~الجنة من الله بنفسه ولم يزل يقاتلهم بقية يومه ثم إنه عاد من قتال اللئام ~~إلى الصلاة والصيام ولم يزل على قدم الخوف والوجل وهو منكس الرأس من الخجل ~~من الله تعالى عز وجل فلما مضى أكثر الليل وطلع نجم سهيل اضطجع فلما كان ~~وقت الغلس وقرب الصبح وتنفس استيقظ شطا وهو باكي العين فقال له أبوه يا بني ~~ما الذي أبكاك فقال رأيت شيئا في منامي أبصرته وسمعت منه كلاما وعاينته ~~وحفظته وحررته والدنيا هي طالق واني بعون ربي واثق ولا شك أني لك مفارق ~~فقال أبوه أعوذ بالله يا بني ما هذا الكلام ولعل ذلك أضغاث أحلام فقال لا ~~والله ما هي أضغاث أحلام لكنه أمر من الملك العلام الذي أجرى الأقلام وخلق ~~الضياء والظلام وبعث سيد الأنام بشرائع الاسلام واني رايت في منامي كأن ~~أبواب السماء قد فتحت وأنوار الهداية قد سطعت ولمعت ثم تفتحت أبواب السماء ~~الثانية ثم رأيت ملائكتها سجودا على جباههم لا يقومون وركعا لا ينتصبون ~~وقياما من هيبة ربهم لا يقعدون وباكين لا تجف لهم دموع ثم كذلك رايت سماء ~~بعد سماء إلى السماء السابعة ثم رأيت قبة من زمرد أخضر وفيها قناديل من ~~الجوهر وهي تسرج من الأنوار وتوقد من غير نار وفيها PageV02P093 # أربعون حوراء عليهن حلل ms550 ما رأيت قط مثلها ولا أبصرت شكلها بوجوه تفتن ~~الانس وفي أرجلهن نعال الياقوت الأحمر يطأن بها على النمارق والزرابي فصاحت ~~بي إحداهن وهي كبيرتهن وقالت يا مفتونا بدار الدنيا أما آن لك أن تذكرنا ~~فقد خلقناالله لك منذ خلقك وجعل مهرنا منك الجهاد في مرضاة رب العباد وقد ~~الفت الجفاء وما هكذا صنع أهل الوفاء انظر إلى ما أعد لك وللشهداء قال ~~فنظرت وإذا بقباب معلقة حيث لا يدرك لها نهاية بعدد النجوم وقطرات الغيوم ~~وقد نفد الميقات وانقضت الساعات والأوقات فتيقظ في المنام وارحل إلى دار ~~السلام وقالت في كل قبة مثل ما رأيت فقلت ما هذه القباب فقالت هذه قباب ~~قوام الليل والشهداء يأوون إليها في جنة المأوى ثم أنها جعلت تقول * أنت يا ~~مفتون دواما * في الدنا ثم المنام * فدع النوم وبادر مثل فعل المستهام * ~~وابك بالوجد دوما * بدموع وانسجام * ثم نح يا ذا كثيرا * في نهار وظلام * ~~أيها اللائم دعني * لست أصغي للملام * في عروس قد تبدت * فاقت البدر التمام ~~* طرفها يرشق باللحظ مصيبا كالسهام * ولها صدغ منير مثل نون تحت لام * أحسن ~~الأتراب قدا * في اعتدال وقوام * مهرها أن قام ليلا وهو باك في الظلام * ~~فاستمع مني قولي ثم فكر في النظام * وغدا بادر لحرب * والى ضرب السهام * ~~مسرعا تأتي الينا بعد ترحال الظلام * فقال أبوه اعلم يا ولدي أن من المنام ~~ما يصدق وما يكذب فلا تشغل نفسك بما رأيت فقال لا والله يا أباه ما بقي لي ~~في الدنيا طمع ولم يزل باقي ليلته يبكي ويتضرع ويقوم على أقدام الخشوع ~~ويخضع وأجفانه بالدوام تدمع إلى أن أصبح الصباح وأشرق بحيائه ولاح فودع شطا ~~أباه وأهله وخرج إلى الحرب فتعلق به أبوه وقال له يا بني بحقي عليك لا ~~تبلني بفراقك فقال شطا دع عنك العتاب فقد قرب لقاء الأحباب فعندها قامت على ~~أبيه المواسم وانهل الدمع الساجم ودنا الفراق وقامت الأشواق وجرى دمع كل ~~عين وأقبل البامرك يودع ولده ويقول يا بني ms551 ان صح منامك وضربت في دار السلام ~~خيامك فاذكرنا بحسن طريقة الوفا وأقرىء سلامي على النبي المصطفى فبرز شطا ~~إلى الحرب ودعا للبراز فخرج اليه واحد فقتله وثان وثالث حتى قتل اثني عشر ~~فارسا قال ابن إسحاق فلما رأى أبو ثوب ما فعل شطا بفرسانه لم يطق الصبر دون ~~ان خرج اليه بنفسه وكان من الفرسان المذكورة فلما سار شطا في الميدان قال ~~له يا شطا كيف تركت الدين المستقيم وعدلت عنه وصغيت إلى PageV02P094 # هؤلاء اللئام واتبعت دين الاسلام لقد عمل فيك القوم واستوجبت العتب ~~واللوم يا فتى عد إلى الدين الصحيح والقول الرجيح وهو دين المسيح فأي شيء ~~رايت من هؤلاء المساكين حتى تبعت دينهم فلما سمع شطا كلام أبي ثوب أقبل ~~عليه مغضبا وقال له يا لئيم أتأمرني أن أدع الدين المستقيم الذي كان عليه ~~الخليل والكليم وأني لي بذلك وقد رأيت الليلة مالي من الكرامة عند الله وقد ~~طلقت الدنيا ثلاثا فلما سمع أبو ثوب كلامه حمل عليه ومد سنانه اليه فتلقاه ~~بقلب قوي وجنان جري وعزم مضي وحسام سري وتقاتلا نصف نهار فعطش شطا فأراد ~~الله أن يطيب قلبه فكشف عن بصره فرأى القبة التي رآها في المنام والحوراء ~~التي أنشدته الأبيات وفي يدها كأس من شربها لا يفنى ولا يسقم وفيه من ~~الرحيق المختوم وهي تقول يا شطا هذا شراب من شرب منه لا يسقم ولا يفيق ~~والساعة تصل الينا وتقدم علينا قال فلما نظر شطا إلى ذلك وسمع منها ما قالت ~~صاح الله أكبر * (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) * وأخذه الدمع والبكاء ~~خوفا من الله فقال له أبو ثوب مم بكاؤك قال رأيت كذا وكذا فضحك أبو ثوب من ~~كلامه وحمل عليه فتقاتلا قتالا شديدا أعظم من الأول الا أن ابا ثوب سبق شطا ~~بطعنة في صدره فاطلع السنان من ظهره فخر صريعا فلما نظر البامرك إلى ولده ~~مطروحا لم يأخذه صبر دون أن حمل عليه هو وأصحابه قال وأظلمت آفاق تلك الأرض ms552 ~~من الغبار وترادف القتار فوقعت الهزيمة على البامرك وأصحابه فالجأهم إلى ~~أبواب دمياط وطمع فيهم عدو الله أبو ثوب وإذ قد أتاهم هلال بن أوس بن صفوان ~~بن ربيعة فوضعوا أيديهم في أبي ثوب وأصحابه وهم ينادون بالتهليل والتكبير ~~وتحامي أصحاب البامرك وحملوا من قبلهم قال وأما أبو ثوب وأصحابه فإنهم ~~أيسوا من أنفسهم قال فهم في ذلك إذ التقى يزيد بن عامر بأبي ثوب فقال له يا ~~عدو الله أما اتعظت بآيات الله أما ظهر لك الحق من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأطبق عليه فأخذه أسيرا وصاح الصائح أن أبا ثوب أسر فاستسلم ~~قومه للقضاء فأخذوهم عن آخرهم بعد ما قتل منهم خلق كثير ثم إنهم عزوا ~~البامرك في ولده شطا فقال احتسبته عند الله فقال له يزيد بن عامر ان في ~~الجنة درجات لا ينالها الا الصابرون قال الله تعالى وبشر الصابرين الذين ~~إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون قال ابن إسحاق ودفنوا شطا في ثيابه بعد ما ~~صلوا عليه ودفنوه في موضع قتله قال فلما كان الغد أقبل البامرك إلى يزيد بن ~~عامر وقال رايت الليلة ولدي في النوم وهو في القبة والحور بين يديه فقلت ما ~~PageV02P095 # فعل الله بك قال قبلني بأحسن قبول وجاد علي وأنزلني بجوار الرسول حدثنا ~~ابن إسحاق حدثنا عمر بن الأسقع عن جده عامر بن خويلد قال قتل شطا في ليلة ~~نصف شعبان فجعل له تلك الليلة موسما في كل سنة وذلك أنه لما يبق أحد الا ~~زرا قبره تلك الليلة وان هلال بن أوس نزل وأحضر ابا ثوب وعرض عليه الاسلام ~~فاسلم وأسلم من الاسرى أناس وأبى منهم أناس وبقوا على دينهم وقرروا عليهم ~~الجزية ودخل المسلمون في المراكب إلى تنيس وبنوا موضع الكنيسة جامعا وبنوا ~~في جميع الجزائر جوامع وأخرج أبو ثوب الخمس من ماله وأموال قومه وبعثوه إلى ~~عمرو بن العاص مع أموال من ms553 قتل وان هلال بن أوس نزل على التل الأحمر بظاهر ~~تنيس وأقر أهل الجزائر في أماكنهم فقالوا أيها الأمير قد أمنتنا من جانبك ~~وبقي علينا الخوف من جانب آخر قال هلال من أين قالوا من أصحاب القلعة ~~المسماة الفرماء قال وأين هي قالوا على جانب بحيرة تنيس مما يلي شرقها وفهم ~~أقوام وعليهم الصامت ابن مرة من آل مرداس فلما سمع هلال بن أوس ذلك مضى ~~إليها وبجميع من معه فلما وصلوا إليها اشرف عليهم الصامت بن مرة وأمر ~~أصحابه أن يرموهم وكان بها ألف رجل وغالبهم رماة النبل فرموا عن قوس واحد ~~ألف سهم فسمعتها العرب من الفرماء فأقام عليها هلال بن أوس عشرين يوما فلم ~~يقدر عليها فبعث إلى عمرو يعلمه بما وقع ويستنجده فأرسل اليه المقداد ابن ~~الأسود الكندي في خمسمائة من عسكر الاسلام وأرسل معه ثلاثة آلاف ممن أسلم ~~من القبط ذكر فتوح الفرماء والبقارة والقصر المشيد قال فلما نزل المقداد ~~على الفرماء تأهب أهلها للقتال فنزل بالصامت بن مرة ما نزل به فعلم أنه بيد ~~القوم لأنه ليس له ناصر ولا معين فصالح المقداد على أن يؤدي لهم أربعة آلاف ~~مثقال من الذهب وأربعمائة ناقة وألف رأس من الغنم وأن يمهلوه إلى تمام ~~السنة فان شاء دان إلى الاسلام والا ارتحل بأمانه فأجابه المقداد إلى ذلك ~~وارتحل المقداد وهلال بن أوس ونزلوا على البقارة وكان عليها بن الأشرف ~~فاسلم هو ومن معه ومضوا إلى القصر المشيد ففتحوه صلحا ثم ارتحلوا ونزلوا ~~على الوردة وكان اسمها الواردة فسلمها أهلها وارتحلوا إلى العريش فصالحهم ~~أهلها وكذلك أهل رفح وبيدا ومياس ونخلة وعسقلان قال ابن إسحاق حدثني يوسف ~~بن عبد الأعلى قراءة عليه بجامع الرملة سنة مائتين وعشرين من الهجرة قال ~~حدثني موسى بن عامر عن PageV02P096 # رفاعة عن جده عبد العزيز بن سالم عن أبي يعلي العبدي عن طاهر المطوعي عن ~~أبي طالب الفشاري عن وهبان بن بشر بن هزان قال سمعت الشرح كله من محمد بن ~~عمر ms554 الواقدي وهو يؤمئذ قاضي بغداد في الجانب الغربي ذكر فتوح ديار بكر وأرض ~~ربيعة حدثنا عدنان بن يحيى الخرثي عن معمر الجوني ومن طريق آخر عن ابن عمير ~~التميمي والابتداء عن المهلب وطلحة ومحمد قالوا جميعا أو من قال منهم أنه ~~لما فتح الله الشام على يد أبي عبيدة عامر بن الجراح وعلى يد خالد بن ~~الوليد وفتح أرض مصر على يد عمرو بن العاص بن وائل السهمي كتب أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة يقول له بسم الله الرحمن الرحيم من ~~عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عامر بن الجراح سلام عليك فاني أحمد إليك ~~الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد ~~فقد أجهدت نفسك في قتل الكفار وسارعت إلى رضا الجبار وقدمت لك ما تجده يوم ~~عرضك ولم نر منك يوما معرضا عن أداء فرضك وقمت بسنة نبيك وجاهدت في الله حق ~~جهاده تقبل الله منا ومنك وغفر لنا ولك فإذا قرأت كتابي هذا فاعقد عقدا ~~لعياض بن غنم الأشعري وجهز معه جيشا إلى أرض ربيعة وديار بكر واني أرجو من ~~الله سبحانه وتعالى أن يفتحها على يديه وأوصيه بتقوى الله والجهاد ~~والاجتهاد في طاعته ولا يلحقه التواني في الجهاد ويتبع سنن المؤمنين ~~المجاهدين وما أمر به سيد المرسلين مما أنزل عليه رب العالمين يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله ~~وبركاته ثم كتب كتابا آخر إلى عياض بن غنم بالولاية والمسير إلى ارض ربيعة ~~الفرس وديار بكر قال وبعث بالكتاب مع ساعدة بن قيس المرادي وزوده من بيت ~~مال المسلمين وأمره بالمسير فسار إلى أن ورد على أبي عبيدة في طبرية فسلم ~~اليه كتاب عمر وسلم الكتاب الثاني إلى عياض بن غنم الأشعري فلما قرأه أبو ~~عبيدة قال السمع والطاعة لله ولأمير المؤمنين وهيأ عياضا بمسيره إلى الجهاد ~~وعقد له عقدا على ثمانية آلاف منهم ألف صحابي من جملتهم خالد ms555 بن الوليد ~~والنعمان بن المنذر وضرار بن الأزور بن سابق وضمرة وعمرو بن ربيعة وذو ~~الاداغير بن قيس والحكم بن هشام اليسع بن خلف وطلحة وعامر بن بهرام ~~والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وعبد الله بن يوقنا وكانوا قد قدموا على ~~أبي عبيدة بعد فتوح مصر وكان قدومهم في شهر شوال سنة ست وعشرين من الهجرة ~~وسار عياض بن غنم من طبرية في ثمانية آلاف يريد الجزيرة وعلى مقدمته خيل ~~PageV02P097 # سهل ابن عدي فلم يزل سائرا حتى نزل على بالس وكان خالد قد فتحها صلحا ~~فأقام عليها وسرح سهيل ابن عدي إلى الرقة فنزل على حصارها وكان عليها بطريق ~~اسمه يوحنا وكان من قبل صاحب راس العين وكان قد استعد للحرب وعبى آلة ~~الحصار فلما رآي أهل الرقة أن صاحبهم معول على الحصار اجتمع بعضهم ببعض ~~وقالوا أي شيء أنتم بين أهل الشام وأهل العراق ولا مقام لكم بين يدي هؤلاء ~~القوم قال فمشوا إلى عياض بن غنم بالصلح فرأى أن يقبل منهم فبعث إلى سهيل ~~بن عدي أن يصالحهم على ما وقع عليه الاتفاق وارتحل عياض بن غنم عن بالس ~~ونزل على الرقة البيضاء وفي ذلك قال سهيل بن عدي * وصادفنا الغزاة غداة ~~سرنا * بجود الخيل والأسل الطوال * أخذنا الرقة البيضاء لما * رأتنا الشهب ~~نلعب بالتلال * وأزعجت الجزيرة بعد خفض * وقد كانت تخوف بالزوال * سنقصد ~~راس عين بعد عين * أجد بحملتي جيش الضلال * قصدك يا سهيل تبيد جيشا * وتقتل ~~في البطارق لا تبالي * فنحن أولو التقية والمعالي * ونحن الصابرون لكل حال ~~* صحابة أحمد خير الموالي * رقي العلياء والرتب العوالي * إلى رب السماء ~~دنا علوا * وخاطبه شفاها بالمقال * ذكر فتح القلعتين زبا وزلوبيا قال ~~الواقدي لما فتحت الرقة صلحا عول عياض بن غنم على المسير إلى رأس العين ~~وكان يملك يومئذ الجزيرة ملك من ملوك الروم يقال شهر ياض بن فرون وكان جيشه ~~مائة ألف وتحت يده وفي عمالة من العرب المتنصرة السلطان بن سارية التغلبي ~~وهبيرة وهم ثلاثون ms556 ألفا من الأبطال وانهم لما اتصلت بهم الاخبار بفتح الرقة ~~وان المسلمين قاصدون إليهم مع عياض بن غنم وخالد والمقداد أتو إلى الملك ~~شهر ياض برأس العين وقالوا له اعلم أيها الملك ان أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم قد أتو ديارنا وقصدوا نحونا ونحن علينا الطلب أكثر منكم ومطلب القوم ~~أننا ندخل في دينهم فاضرب خيامك بظاهر البلد واظهر بجيش حتى نلقاهم فاما ~~لنا وأما علينا فأجابهم إلى ذلك وقال غير أني أخاف أن تنهزموا عني فأعطوا ~~رهائن استوثق منهم ورتب آلة الحصار وأخرج الخزائن والأموال ورتب الحرس على ~~الأسوار وزاد في عمق الخندق وعرضه وأرسل إلى جملين وكفرتوتا ودارا وماردين ~~وحران والرها وتل مرزة والسن والموزر وأقام ينتظر عياض بن غنم PageV02P098 # قال حدثنا عبد الله بن أسلم عن عاصم بن عبد الله عن ابن إسحاق الأموي عن ~~يزيد ابن أبي حبيب عن راشد مولاه قال لما عول عياض بن غنم الأشعري على ~~المسير إلى رأس العين إلى قتال الملك شهر ياض بعث قبل مسيره أشعث بن عويلم ~~وعبد الله بن غسان إلى القلعتين المعروفتين بزبا وزلوبيا فقال عبد الله ~~يوقنا لعياض بن غنم اعلم أيها الأمير ان هاتين القلعتين اللتين ذكرتهما ~~حصينتان منيعتان إحداهما من الجانب الشرقي والأخرى من الجانب الغربي وهما ~~كانتا تحت ولايتي وان صاحبهما كان من قبلي وهو أحد بني عمي واسمه اشفكياص ~~بن مارية كني باسم أمه وكنت قد زوجته ابنتي فأخذت في صداقها الحصن الشرقي ~~من الفرات وقد رأيت أنك تأمرني بالتقدم على هذين الحصنين حتى أحل في القلعة ~~الغربية فان فتحتها كانت الأخرى في قبضتنا فقال له لله درك يا عبد الله لقد ~~نصحت الإسلام وأهله فجزاك الله خيرا أحسن ما جازى بهأولياء سر على بركة ~~الله وعونه فإذا استقر بك المكان ثلاثة أيام أنفذت إليك شعيبا وعبد الله ~~ومن معهما من المسلمين وبعد الفتح إن شاء الله تنزلون الينا فقال يوقنا ~~استعنا بالله وتوكلنا عليه ثم إنه أخذ معه من صناديد ms557 جماعته مائة ولم ~~يأخذوا معهم ثقلا سوى جنيب من الخيل واحد وسار من أول الليل وترك عياض بن ~~غنم علي الباسل فجدوا السير بقية ليلتهم فلما كان قبل الفجر أشرفوا على ~~الخانوقة فوجدوا فيها ألفا من الأرمن وهم بالعدة الكاملة فلما أشرف عليهم ~~يوقنا ومن معه وهم يتحدثون بلغة الروم أنسوابهم وسألوهم عن خبرهم فقالوا ~~هذا البطريق المعظم يوقنا صاحب حلب قد هرب من العرب وأقبل لنصرة صاحب هذه ~~القلعة فلما سمعوا بذلك فرحوا وصقعوا بين يدي يوقنا وأرسل المقدم عليهم ~~خيالا وأمره بالسرعة ليبشر اشفكياص بقدوم يوقنا إليه وهروبه من العرب وانه ~~يستأذن عليه فمضى الرجل وأخبر اشفكياص فأطرق إلى الأرض ثم قال لوزيره وحق ~~المسيح والأنجيل ما جاء الا لينصب علينا ويملك هاتين القلعتين منا كما فعل ~~بطرابلس وصور وما أنا بالذي يأمن فما ترى أيها الوزير قال ابن إسحاق ولقد ~~بلغني ان هذا الوزير كان من أهل القراءة وكان أديبا عاقلا لبيبا ممن قرأ ~~الكتب السالفة والأخبار الماضية وقرأ ملاحم دانيال وكان منذ بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم يسكن في دير مترهبا وهو ما بين السر 3 وحلب فتعبد فيه زمانا ~~طويلا حتى شاع ذكره بين أهل دين النصرانية ثم بعد ذلك أخبر الروم بأنه قد ~~وقع بحافر من حوافر حمار المسيح فكانت الروم ينذرون له النذور والصدقات ~~وشاع خره وسما ذكره PageV02P099 # فسمي ذلك الدير بدير حافر وانه في بعض الأيام خرج من ديره إلى مزرعة له ~~هناك وإذا برجل من البدو قد عبر وهو راكب على ناقة وكان الحر قد اشتد فأوى ~~إلى ظل حائط الدير وأناخ ناقته وعقلها ونام والراهب ينظر اليه فلما غرق في ~~نومه أتت حية من مزرعة الراهب وفي فمها باقة نرجس فجعلت تروح عليه حتى ~~استفاق وذلك الراهب ينظر اليه فلما أفاق أتى اليه وسلم عليه وقال له من أي ~~الناس أنت قال من العرب قال الراهب قد علمت ذلك وانما أسألك عن دينك قال ~~ديني الاسلام الذي كان عليه ms558 أنبياء الله كلهم عليهم أفضل الصلاة والسلام ~~فقال لعلك على دين هذا الرجل الذي في أرض الحجاز قال نعم قال ابن إسحاق ~~وكان البدوي ورقة بن الصامت الهذلي ابن أخت رواحة الأنصاري صاحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان حضر غزوة تبوك وحضر يوم السلاسل وكان أديبا ليبيا ~~شاعرا لا يتكلم الا بسجع وكان أبو عبيدة قد وجهه لما كانوا في حصار قلعة ~~حلب إلى صاحب الرقة يدعوه إلى الاسلام فقال الراهب وكان اسمه شوجوان بن ~~كربان قد بلغني أنكم تقولون ما خلق الله خلقا أعظم ولا أكرم ولا أرحم من ~~محمد وتركتم آدم ونوحا وإبراهيم واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وداود وسليمان ~~وعيسى فأريد أن تبين لي حقيقة ذلك فقال ورقة بن الصامت اسمع ما أقول ولا ~~تتبع الفضول أما علمت أن عالم الملائكة اجتمعوا بالبيت المعمور ووقع بينهم ~~الجدل في تصاريف الأمور وافتخر الكروبيون على الروحانيين والمسبحون على ~~المقربين فزاحمهم إبليس بدقة عبادته ومشيد مباني زهادته فقال أنا المخلوق ~~من ضرام النار البارع في خدمة العزيز الجبار اين أنتم من وقوفي على أقدام ~~الاهتمام مائة ألف عام وتعبدي في السماوات وأكنافها وبروجها واعرافها ~~وأوساطها وأطرافها وجبال الأرض وأكنافها فعارضه جبريل بالامتحان والابتداء ~~وصرفه عن حجة الافتخار والادعاء وقال له ما أنت في الافتخار الا في الحضيض ~~المحضوض ان لله نبيا في عالم الملكوت محجوبا قد طال اشتياقنا اليه ووردنا ~~الخبر فيما يريد وجعل نهاية عبادتنا الصلاة عليه فأيقن من المفاخر بالنزول ~~ومن اطلاق شمس ادعاء بالأفول وقال رب فهل إلى لقائه من سبيل والى الوصول ~~اليه من دليل فقال جبريل اقطع مسافة الأمنية وخض بحر الاعتراف بعز الربوبية ~~وثق بحبال العز المكين فإنك لخدمة من كون من نور التكوين عليه منقوش بقلم ~~التمكين انك لمن المرسلين فخلع إبليس لباس العمل واستعمل أجنحة الامل وألقى ~~قلادة الادعاء ونكس تاج الكبرياء واستعد لقوادم الطلب وداخله من قول جبريل ~~غاية العجب وجعل همة عزمه PageV02P100 # تحصيل السبب وحذر من سوء المنقلب وقال ms559 يا للعجب أنا مع صدق طويتي في ~~المعاملة والإنابة وخلوص سريرتي في طلب الزيادة هل يكون أحد مثلي أو يبلغ ~~درجة فعلي وكيف ذلك وإذا رفعت رأسي بالتسبيح أعاين ما حول العرش وإذا سجدت ~~لعظمة الله أنظر ما تحت الفرش فنودي أتفتخر علينا بجواهر طاعتك وتوفر أسباب ~~بضاعتك ونحن وفقناك لطاعتنا ومعاملتنا وأريناك أطراف ارضنا وسمواتنا من ~~قواك على خدمتي من جعلك معلما لملائكتي وعزتي وجلالي لولا أحمد ما خلقت ~~ملكا ولا أجريت فلكا ولا أنرت قمرا ولا أمضيت قدرا ولا أسرجت شمسا ولا ~~أقررت عرشا ولا بسطت فرشا ولا خلقت جنة ولا نارا ولا فجرت أنهارا ولا بحارا ~~ولا جعلت النجوم طوالع ولا غوارب ولا الدنيا مشارق ولا مغارب ولكن طر ~~بأجنحة عجل في طلب الايثار حتى يميتك الله بين الجنة والنار قال فسار بفلك ~~طلب النجوم على قدم مطايا التفريد حتى اخترق ما بين العرش والكرسي واختبر ~~كل جني وانسي وكلما مر بمغني من المغاني رأى معنى من المعاني وذلك أنه لما ~~رأى أصنافا من الملائكة على اختلاف الأحوال من الاجتهاد والطاعة والأعمال ~~وجميع عباد الله الشاكرة موقوفة على خدمة سيد الدنيا والآخرة وعلم معنى ~~عبادتهم وتحقق آثار ارادتهم زاد به الاعجاب فاستعظم وجود ذلك في عالم ~~التراب وقال أي رب أين أجده وأناديه أم كيف التوصل إلى سبيل ناديه فقال ~~اطلب نهر السلسبيل فهناك تجد إلى نظره سبيل فسار تحت مشيئة القدر إلى أن ~~وصل إلى النهر فرأى ضوءا يلوح واسراره بصفات ما فيه تبوح ودار به المقربون ~~والروحانيون والمسبحون والصافون والراكعون والساجدون وقطب عبادتهم دائرة ~~على الاستغفار لأنه صاحب الافتخار وكلما سبحوا وسجدوا يستغفرون للذين آمنوا ~~به قال فانتظم في سلكهم واسلك سبيل مسلكهم لتفوز بالنظر في جملة من حضر ~~وإذا بنور أحمد قد تعلى ومن سرادقات قصره تجلى فسجدت الملائكة له بمعنى ~~عظيم وقالوا * (وإنك لعلى خلق عظيم) * فرد لما غشيه النور الوارد ونطق لسان ~~حسده بما في جسده من ذا الذي ملأ الأكوان بعبادته ms560 وافتخر على الملائكة ~~بخالص مجاهدته وإذا بالنداء معاشر الملائكة دعوا النظر إلى المغاني وحققوا ~~النظر إلى الفضائل والمعاني فاحدقت الملائكة نحو القصر بالأعين وإذا في ~~جوانبه أربعة أعين فقالوا يا رب العزة قد تركنا المغني فما حقيقة هذا ~~المعنى قال هذه العيون عيون أنهاره وسيوف أنصاره ومعالم سنته بحساب نسبته ~~وأبواب علمه PageV02P101 # ومقر حكمه وزينة دينه وأعلام يقينه وأول عين هي عين التصديق والعين ~~الثانية هي عين العدل والتحقيق والعين الثالثة هي عين النور والحياء ~~والتوفيق والعين الرابعة عين العلم والتشريق فعين التصديق لصديقه وعين ~~العدل لفاروقه وعين الحياء لصهره ورفيقه وعين العلم لأخيه وشقيقه فانظروهم ~~بعين التبجيل والوقار وأكثروا لهم الدعاء والاستغفار فأنا الذي قلت فيهم * ~~(الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) * فلما علم ~~شوجوان كلام ورقة بن الصامت لم يرد عليه جوابا ولا أبدي له خطابا غير أنه ~~عرف الحق فكتمه ولم يزل شوجوان في الدير حتى أخذ المسلمون حلب فانتقل إلى ~~اشفكياص فاستوزره قال فلما استشاره في أمر يوقنا قال له اعلم أيها الملك أن ~~يوقنا من الملوك وأبناء الملوك وقد قرأ الكتب وأخوه كان أفضل منه في الدين ~~وقد صحب هؤلاء العرب واطلع على سرائرهم ونظر إلى دينهم وربما أنه علم عند ~~النظر أن دين المسيح أفضل من دين هؤلاء العرب وقد هرب من أيديهم إليك فإن ~~كان الرجل قد أتى بغير حمل ولا ثقل فاعلم أنه هارب من القوم إليك فيجب عليك ~~أن تخرج إلى لقائه وتعظم شأنه وترفع مكانه فلما سمع اشفكياص ذلك خرج بعسكره ~~للقائه وبقي الوزير في القلعة قال فسمعت ابنة يوقنا أن أباها قد أتى فنزلت ~~تسبح فس سرب لها تحت الأرض مع جواريها وخدمها وقصدت القلعة الثانية فوجدت ~~اشفكياص قد خرج للقاء أبيها والوزير شوجوان في مرتبة وزارته فقام إليها ~~وصقع بين يديها وخدمها فجلست تتحدث معه فقال لها خذي على نفسك الحذر فان ~~الملك قد خرج وأخاف أن يبطش هذا اللعين بأبيك وأعلمي أنه ما تبع هؤلاء ~~العرب الا ms561 وقد تحقق عنده أن دينهم الحق وقولهم الصدق فقالت له الجارية فما ~~تقول أنت في دين القوم قال هو والله الحق والدين الصدق واني كنت كاتم هذا ~~السر فلما سمعت ذلك تبسمت وقالت والله لقد رضيت لنفسي ما رضيه أبي ولكن أنت ~~أكتم هذا عني قال الواقدي وان اشفكياص لقي عبد الله يوقنا وسلم بعضهما على ~~بعض وترجل كل منهما لصاحبه وشكا كل واحد منهما ما يجده من الشوق ثم ركبا ~~وسارا إلى القلعة فنزل يوقنا فيها ومن معه وأتت ابنته وسلمت عليه وبكت وبكى ~~وأما اشفكياص فإنه معول على القبض على يوقنا وقال له أيها الملك كيف رأيت ~~هؤلاء العرب في دينهم وعدلهم وسياستهم في ملكهم فقال يوقنا ان القوم يزعمون ~~أنهم لا يريدون ملك الدنيا وانما يريدون ملك الآخرة ومع هذا قد ملكوا الشام ~~وأرض مصر وما تغيروا عن طباعهم وأنفسهم PageV02P102 # الدنيئة وأول الأمر وآخره أنهم أظهروا الناموس حتى ملكوا البلاد ولما ~~كشفت أسرارهم وتحقق أخبارهم ورأيت بيان ما هم عليه هربت منهم وبعدت عنهم ~~بعد أن ظننت أنهم على الحق ونصحت لهم وملكتهم طرابلس وصور وغيرهما وأنطاكية ~~وقد علمت أن المسيح قد غضب علي إذ تركت دينه وما أمر به من القربان وما ~~أوصى به يوحنا المعمدان ولست أظن أن لي تطهيرا من دون الذنوب ومساوي العيوب ~~ثم إنه أظهر البكاء والتوجع والشكوى فلما عاين اشفكياص ما فعله وسمع كلامه ~~انطلى عليه وقال له أيها الملك إذا كنت قد ندمت على قبيح فعالك ورجعت إلى ~~الدين الصحيح بقلبك فأبشر بقبول التوبة وزوال الحوبة واعلم أن باب التوبة ~~مفتوح وعلم القبول لأهل الندامة يلوح وقد قرب عيد الصليب وبقي له عشرون ~~يوما وهذا مرقس الراهب بدير السكرة وهو من أعظم أهل دين النصرانية فسر اليه ~~ليغمسك في ماء المعمودية فتخرج نقيا من الذنوب فقال يوقنا أفعل ذلك ولكن من ~~يضمن أن يعيش فعندها قامت ابنته وصقعت وقالت والله يا أبت ما أدعك تمضي حتى ~~أتملى منك بالنظر وقبلت ms562 يد أشفكياص وقالت يا سيدي أريد أن تأذن لأبي أن ~~يسير معي إلى حصني فقال هو الليلة عندي وليلة غد يكون عندك فعلم يوقنا أنه ~~لا بد من الاكل معه ولا بد في سماطه من لحم خنزير ولا بد من الخمر فقال ~~أيها السيد أينما كنت فأنا في نعمتك وخيرك فقال شوجوان لاشفيكاص اعلم أيها ~~الملك أن الملك يوقنا كثير الشوق إلى ابنته ولهما زمان ما رأيا بعضهما وما ~~يخفى عليك ذلك والصواب أن يكون الليلة عندها وليلة غد يكون عندك فقال ~~افعلوا ذلك قال فأخذت أباها ونزلت في السرب إلى القلعة الشرقية وعبر أصحابه ~~اليه في المركب فلما جن الليل قالت الجارية لأبيها يا أبت كيف تركت العرب ~~بعد صحبتك لهم ونصحك لدينهم أرأيت أن القوم على باطل وأن دينك الأول أفضل ~~منه فرجعت اليه فقال يوقنا أي بنية والله ما أتيت إليك الا من شفقتي عليك ~~وقد افترقنا في الدنيا وأخاف أن يكون الفراق في الآخرة أيضا وقد علمت ~~وتيقنت أن هذين الحصنين نصب أعين المسلمين وأنت تعلمين أن قلعتي كانت أمنع ~~من كل قلعة بالشام وقد ملكتها العرب ونزعت ملوكها عن أرضهم وبلادهم فاتقي ~~الله يا بنية في نفسك واعملي لخلاص نفسك من الزبانية والجحيم الحامية ~~والخلود في الهاوية وأرجعي إلى الله من قريب واكفري بدين الصليب فوالله ما ~~ثم دين أفضل من دين الاسلام وعليه كان المسيح والأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وانما غرر بالنصارى وحيدهم عن طريق الحق رجل يقال له بولص ~~PageV02P103 # كان من اليهود أضلهم عن الطريق المستقيم وشرع لهم الضلال القديم حتى ~~كفروا بما جاء به الخليل إبراهيم وهؤلاء العرب قد اتبعوا ما أمر الله به ~~وأمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولديهم القول الراجح والفضل الصالح ~~وانهم طلقوا الدنيا ثلاثا وطلبوا بعد لاجتماع شتاتا فارضي لنفسك ما رضي ~~أبوك لنفسه فقالت والله ما قلت شيئا الا وأنا به عارفة وقد رضيت لنفسي ما ~~رضيت لنفسك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ms563 وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله ~~قال ففرح باسلامها ثم قال أي بنية ما الذي نصنع في أمر هذا الكافر اللعين ~~الفاجر قالت والله لقد قال لي الوزير شرجوان انه مصر على قبضك وقال إنك ما ~~أردت الا لتنصب عليه فقال يوقنا إذا كان الامر كذلك فاصنعي لنا سماطا وسيري ~~اليه واستدعيه هو وخواصه فأنا آمر أصحابي أن يقبضوا عليهم وعليه إذا ~~اشتغلوا بالطعام والشراب فإذا فعلنا ذلك كانت القلعتان في قبضتنا ونسلمهم ~~إلى أصحاب نبينا ثم اني أريهم أننا هربنا منهم إلى أن نحصل في قرقيسيا فلعل ~~الله أن يفتحها على أيدينا وهذا هو الرأي قال الواقدي فلما ذهب الليل وأتى ~~النهار أمرت جماعتها بصنع الطعام والحلويات وغيرها فلما صنعوا ذلك وصفوا ~~الموائد وعليها من كل حار وبارد نزلت في السرب وقصدت اشفكياص في قلعته ~~ووقفت بين يديه وصعقت له فقام لها اعظاما وقال لها كيف الملك يوقنا وأحواله ~~فقالت أيها الملك انه ما نام الليل وهو متفكر في القيامة وأحوالها والجحيم ~~ومآلها ولقد أراد اليوم المسير إلى مدينة قرقيسيا وأن يقصد الراهب المعظم ~~قرياقوس وقد أخرته إلى أن تحضروا معه على السماط وتمضي أنت وهو إلى جرجيس ~~حتى يرجع إلى دينه وقد جئت إليك لتحضر سماطي وضيافتي أنت وأصحابك وخواصك ~~وتأكلوا من طعامي وتشربوا من شرابي وتمضي أنت وهو إلى جرجيس حتى يرجع إلى ~~دينه وقد جئت إليك لتحضر سماطي وضيافتي أنت وأصحابك وخواصك وتاكلوا من ~~طعامي وتشربوا من شرابي ومدامي والكل من فضلك وانعامك واحسانك وتجبر خاطري ~~قال فأبى اشفيكاص مما دخل على قلبه من يوقنا إذ لم يبت عنده وخاف أن يقبضه ~~فقال له الوزير شرجوان أيها الملك ليس هذا برأي وإذا امتنعت نفر قلبه منك ~~وما يدريك أيها الملك أنه ندم على ما سلف منه وقد أقر بالذنب واعترف وانك ~~إذا أكلت على سماط ابنته ودعوتهم أنت إلى سماطك فافعل بعد ذلك فيهم ما شئت ~~قال وكان هذا الكلام من شرجون لاشفكياص سرا من ابنة ms564 يوقنا فقام عند ذلك ~~وقال لوزيره احفظ مكاني حتى أعود إليك ولم يكن له ولد يرثه في الملك قال ~~فأخذ معه خواصه من قومه وحجابه وبني عمه ونزل في السرب والجارية أمامهم ~~وجواريها بين يديه بالشمع وقد علم الوزير أنه ما بقي يعود اليه بعدها فلما ~~حصل اشفكياص في قلعة زلوبيا وثب للقائه يوقنا وأصحابه PageV02P104 # وكان قد أوصاهم بما يفعلونه فلما وقعت العين على العين أقبل يوقنا اليه ~~ليعانقه وضمه إلى صدره وقبض عليه قبضة الأسد على فريسته وفعل أصحابه كما ~~فعل وضربوا في الحال رقابهم ولم ينتطح فيها شاتان ولم يعلم بما فعلوه أحد ~~ثم نزلوا من فورهم من السرب ومضوا إلى زبا فوجدوا شرجوان ينتظرهم فلما رآهم ~~تبسم وأعلن بكلمة التوحيد وقال لله درك يا عبد الله فقد شرح الله صدرك ~~للايمان وأرضيت الملك الديان فجزاه يوقنا خيرا وملك قلعة اشفكياص وجعل يدعو ~~بالرجال ويعرض عليهم الاسلام فمن اسلم تركه وضمن بعضهم بعضا حتى لا ينهزم ~~أحد منهم ويروح إلى صاحب قرقيسيا ويخبره بما صنع يوقنا وبعد أيام أشرف ~~عليهم عبد الله بن غسان وسهيل بن عدي في ألفي فارس فأراهم يوقنا التمنع ~~والاعراض وناشبهم القتال خمسة أيام وقد عرفوا أن ذلك منه حيلة وأرسل يعلمهم ~~في السر أن القلعتين في يده والليلة أسلمهما إليكم وأظهر الهرب إلى قرقيسيا ~~فلعل الله أن يفتحها على يدي فلما كان من الليل أمر شرجون أن يسلمهما إليهم ~~ثم إن المسلمين أعلنوا بالتهليل والتكبير ووقع الصائح من كل جانب وشهروا ~~القواضب وكان في يومه هذا قد وصل الرسول من صاحب قرقيبسيا بالهدايا والتحف ~~إلى يوقنا يهنئه بالسلامة والخلاص من العرب والرجوع إلى دينه فقبل يوقنا ~~الهدية وأنزل الرسول في خيام أصحابه وكانوا قد ضربوا لهم وطاقا في الجانب ~~الشرقي فلما صار أصحابه المسلمين في قلعة ابا أظهر يوقنا الفزع والهلع وقال ~~وحق ديني ما هؤلاء العرب الا شياطين ثم إنه أخذ بعض ثقل ابنته في الليل ~~وساروا يطلبون قرقيسيا ففي ذلك قال ms565 طريف أحد بني ربيعة بن مالك وهو سائر ~~صحبة المسلمين الصحابة رضي الله عنهم هذه الأبيات * اتينا إلى أرض الفرات ~~مع الزبا * ونحن نروم الروم من كل فاجر * وقد أمنا ليث الحروب وسهمها * ~~همام شجاع قاتل كل كافر * وأعني بيوقنا عليه تحية * يناصب للاعدا حيلة غادر ~~* وقاتل أبناء الصليب وحزبهم * بحد حسام ماضي الصفح باتر * وصاح على ~~الملعون قوم زلوبيا * فأورده في الحال سكنى المقابر * وملكنا في القلعتين ~~كلاهما * بسعد وأقبال ونصرة قادر * سيحظى غداة البحث يوم معاده * بروح ~~وريحان وحور قواصر * حدثنا سيف بن عمرو التميمي قال حدثنا الأنصاري عن ~~الملهب عن طلحة عن محمد ابن أبي الدقيلي بن ميسور قال لما كان من أمر يوقنا ~~واشفكياص ما ذكرناه وأرى من نفسه الهرب سار مع ابنته وأصحابه والرسول ~~PageV02P105 # معهم يرومون قرقيسيا وهم منهزمون فوصلوها مساء ودخلوا معه على شهرياض ~~وأعلموه بأخذ القلعتين وكيف فعل معهم العرب فأيقن بهلاكه وأخذ بلاده فقال ~~له يوقنا أيها السيد لا تخف فنحن نقاتل بين يديك حتى نموت وان نزلت العرب ~~علينا يريدون حصارنا لأرينك العجب بقتالهم ولن يصلوا إليك بسوء فوثق بقوله ~~وخلع عليه وطيب قلبه وأنزله بدار جواره وبعث شهرياض من ليلته إلى خاله وهو ~~يومئذ ملك أرض ربيعة برأس العين فأرسل يستنصر به على العرب ويعلمه أن العرب ~~قد أخذوا قلعتي زبا وزلوبيا وان الرجل المعظم يوقنا ملك حلب قد هرب منهم ~~بعد خدمته لهم وهو عندي فسار الرجل الرسول إلى دير مريع ومنه إلى المجدل ~~إلى راس العين فوجد رسول شهر ياض الملك بأعظم تحصين قد أعد آلة الحصار وزاد ~~في عرض خندقها ونصب خيامه ومضاربه على مغاربها وعلى طريق النقب وهو معول ~~على لقاء عياض بن غنم ومن معه وقد جمع عنده سائر عرب الجزيرة من بني تغلب ~~وغيرهم وقد صنع لهم سماطا واستدعى بأمرائهم وهم نوفل بن مازن والفريد بن ~~تغلب بن عاصم والأشجع بن وائل وميسرة بن وائل وميسرة بن عاصم وخرام بن عبد ~~الله بن الأصم ms566 وقال لهم يا فتيان العرب لم نزل نرعى صغيركم وكبيركم وحريمكم ~~وعبيدكم وقد أبحناكم أرضنا ترعون في حزنها وسهلها ونرضى منكم بما تؤدون ~~الينا من أوباركم فأنتم آمنون وهؤلاء بنو عمكم قد ملكوا الشام ومعاقله وأرض ~~مصر وما معها ولم يكفهم ذلك حتى أقبلوا الينا يريدون أن يزاحمونا على ملكنا ~~ويخرجونا من أرضنا وقد علمتم أن القوم ان ظفروا بكم لا يبقون عليكم ولا ~~يرضون منكم الا أن تدخلوا في دينهم أو تقاتلوا عن دينكم وأهلكم وأموالكم ~~فكونوا يدا واحدة لا ينفصل منكم شيء كما كان جبلة بن الأيهم وآل غسان مع ~~الملك هرقل فان نحن نصرنا على القوم فالأرض لنا ولكم على السواء وان كانت ~~الأخرى فنموت على دين واحد ويبقى ذكرنا إلى الأبد قال فأجابوه إلى ذلك ~~وتحالفوا وتعاقدوا أن يموتوا على سيف واحد فأعطاهم الأموال والعدد والسلاح ~~وساروا معه قال ثم إن رسول صاحب قرقيسيا قدم عليه وأعطاه كتاب ابن أخته شهر ~~ياض فلما قرأه وفهم ما فيه وأنه يطلب منه النجدة أرسل اليه يوريك الأرمني ~~وهو الذي بنى تل المؤزر والسن وتل عرب وعابدين والسوائد فأرسله ومعه أربعة ~~آلاف فلما قدم الأرمني ومعه أربعة آلاف فارس إلى قرقيسيا وكانوا قد قطعوا ~~جسرهم الذي كان على الخابور وكان الجسر على أعمدة من حديد وعليها سلاسل ~~وعلى السلاسل أرماح وكذلك أيضا من ناحية الفرات وحفورا حول مدائنهم خندقا ~~عميقا PageV02P106 # عريضا وحصنوا مدائنهم غاية التحصين وأقاموا ينتظرون عسكر الصحابة رضي ~~الله عنهم ذكر فتح قرقيسيا ولما ملك عبد الله بن غسان القلعة الغربية حين ~~سلمها اليه شرجون بأمر يوقنا وترك يوقنا العرب وهرب إلى قرقيسيا دلهم ~~الراهب شرجون على الطريق نحو السرب إلى القلعة الشرقية فملكوها واحتووا على ~~ما كان لأشفكياص فيها وبعثوا إلى عياض بن غنم وأرسلوا يعلمونه في السر بما ~~صنع يوقنا فدعا له المسلمون وشكروه وارسل يقول لعبد الله بن غسان ولسهل بن ~~عدي احتفظا على ما في القلعة الثانية ولا تأخذا منها قيمة الدرهم الواحد ms567 ~~حتى يسلمه يوقنا لبنته واتركا في القلعة من يحفظها واطلبا قرقيسيا وأنزلا ~~عليها والسلام قال فلما وصل الكتاب اليهما فعلا ما أمرهما به عياض ووليا ~~على القلعة الغربية الأحوص بن عامر ومعه مائة فارس وعلى الشرقية زياد بن ~~الأسود في مائة فارس ومضى عبد الله بن سهل إلى قرقيسيا فحال بينهم وبينها ~~الفرات فدلهم بعض السكان تلك الأرض على المخاضة فعبروا في الليل وأصبحوا ~~على أرض واحدة مع أعداء الله وأرسلوا إلى ماجن والمحولة والبديل والصور ~~وبعثوا إليهم الأمان وأقروهم في منازلهم وقالوا ان كانت لنا فقد أحسنا فيكم ~~الصنيع وان كانت علينا انصرفنا عنكم مشكورين على عدلنا فيكم قال فأجاب ~~القوم إلى ذلك وباعوا عليهم الميرة قال حدثنا هلال بن عاصم عن يحيى بن جبير ~~عن سوار بن زيد قال لما بعث عبد الله بن غسان إلى أهل تلك القرى وطيب ~~قلوبهم بعث بعد أيام سهل بن اساف التميمي وكان من الصحابة الأول ومعه مائة ~~من المسلمين ليأتوهم بالطعام والعلوفة من ناحية ماسكين فسار سهل ومن معه ~~فلما وصلوا إلى السمسانية شن عليها الغارة واستاق أموالها فخرج عليه نوفل ~~بن مازن في خمسمائة فارس واستخلصوا منهم ما أخذوه ووقع بينهم القتال فحملوا ~~بأسرار صافية ونيات سامية وأفعال نامية وقلوب تنزهت بالايمان وألسنة تنطق ~~بذكر الرحمن ولم يزالوا في قتال إلى أن قتل من المسلمين ثلاثون وانهزم سبعة ~~وأربعون واسر سبعة وعشرون من جملتهم سهل بن اساف بن عدي وحدثوا أصحابهم بما ~~كان من المتنصرة ومنهم فعظم ذلك عليهم قال الراوي حدثني نوفل بن عامر عن ~~سالف بن عاصم عن سالم عن الدوسي قال كنت مع سهل بن اساف حين قدمنا على ~~السمسانية وخرج علينا نوفل بن مازن فقال والله لقد قاتلنا قتالا شديدا ما ~~شهدنا مثله حتى PageV02P107 # كان من أمر الهزيمة ما كان قال سالم بن عبد الله لما أسرهم نوفل بن مازن ~~شدهم في الحبال وقرن بعضهم إلى بعض ورجلهم عن خيولهم وسار بهم يطلب راس ~~العين فأخبروه ms568 أن الملك شهرياض على مرج الطير من جانب النقب فقصد اليه ومعه ~~من بني عمه أربعون رجلا وساقوا أصحاب رسول الله إلى أن أوقفوهم بين يديه ~~وحدثوه بأمرهم فأمر بضرب رقابهم وكان آخر من بقي أميرهم سهل بن أساف وكان ~~أحسن الرجال وجها قال فشفع فيه بعض البطارقة فوهبه له وكان ذلك البطريق ~~اسمه توتا بن لورك وهو صاحب كفرتوتا فأخذه وأتى به إلى قصره في كفرتوتا قال ~~فنظرت اليه ابنته فسالت أباها عنه فقال أي بنية ان المسيح قد طرح رحمة هذا ~~الشاب في قلبي فسألت الملك فيه فوهبه لي فخذيه إليك فأخذته وأدخلته في ~~بستان قال فلما كان بعض الأيام دخلت البستان فنظرت إلى سهل بن اساف وهو ~~يقرأ * (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود) * ~~فلما سمعت قراءته أخذت بمجامع قلبها فقالت ما افصح هذا الكلام وأطيبه ~~وألينه للأفهام فقال لها هذا كلام الملك العلام الذي أنزله على سيد الأنام ~~فقالت الجارية أما محمد فهو نبيكم لا محالة فيه فمن هؤلاء الذين قال فيهم ~~والذين معه قال هو صاحبه ووزيره أبو بكر الصديق رضي الله عنه أشداء على ~~الكفار هو صاحب هذه الفتوح ومجهز هذه الجيوش عمر بن الخطاب رحماء بينهم هو ~~كاتبه وصهره عثمان بن عفان تراهم ركعا سجدا هو أخوه ابن عمه وصاحب سيفه علي ~~بن أبي طالب فقالت له الجارية وكان اسمها ابريتا وكانت تكتب بقلم التوراة ~~والإنجيل وتتكلم بكلام العرب وكثيرا ما كانت تسأل علماء دينهم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلا يعطيها أحد منهم خبرا حتى وقع بيدها سهل بن أساف ~~فقالت من هؤلاء الذين ذكرت قال هم الذين قالوا وصدقوا وقاتلوا فحققوا ~~وركبوا نجب السوابق فوفقوا وساروا في بادية الطلب فلم يرفقوا فحققوا وركبوا ~~نجب السوابق فوقفوا وساروا في بادية الطلب فلم يرفقوا وكلما لاح لهم علم ~~الأفاضل تشوقوا ونودوا في سرائرهم ms569 رجال صدقوا ثم أنشد يقول * رجال من ~~الأحباب تاهت نفوسهم * ينادونه خوفا ويدعونه قصدا * وقاموا بليل والظلام ~~مغلس * إلى منزل الأحباب فاستعملوا الكدا * يحثون حث الشوق نحو مليكهم * ~~وقصدهم الفردوس كي يرزقوا الخلدا * أولئك قوم في العبادة أخصلوا * فتاهوا ~~به شوقا وماتوا به وجدا * فقالت له الجارية لقد سمعت من نيسا راهب دير قنا ~~ان الله ينشر دعوه PageV02P108 # نبيكم في المشرق والمغرب ويملك المشرق والمغرب وأنهم يفضلونه على الآباء ~~والأمهات والاخوة والأخوات وأنهم بعد موته يسيرون اليه وإذ ذكر يكثرون ~~الصلاة عليه فقال لها سهل بن اساف أما علمت أنه كان في حياته يدعو لهم ~~ويستغفر لهم ولمن دخل في دينه وأقر به ولقد كانت زوجته عائشة رضي الله عنها ~~تقول كانت ليلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مضى الثلث الأول ~~منها والفلك يدور بالنجوم والسماء تزهو بالكواكب والمردة تحرق بالشهب ~~الثواقب وسرادق الله قد مد جناحه وأحال الظلام بادلهامه فبينما أنا في وادي ~~الوتين ساكنة وبجانبي أفضل مرسل وأكرم من ابتهل وتوسل وإذا به قد قبضني ~~وبكلامه الشريف أيقظني وهو يقول أيتها العين المتكحلة بعين السبات الغافلة ~~عن موارد الهبات هبي من منامك واعملي ليوم حمامك فقدم قام أولو الألباب ~~ومرغوا خدودهم على الاعتاب وفي التراب قالت فقمت معه للخدمة ووقفنا نشفع ~~للأمة إلى أن برق بارق الصباح وانفلق فلق الأصباح فقال هلمي للصلاة ~~والاستغفار وطلب العفو من العزيز الفغار قالت فوافقته على ما أراد وبلغنا ~~القصد والمراد فلما سكت من تسبيحه وفاح طيب ريحه رايته وهو يتنفس ويقرع ~~بسبابته جوهر سنه فقلت يا سيد الوجود وطيب الآباء والجدود ان العرب لا تقرع ~~سنها الا لأمر مهم أو لشأن ملم قال تذكرت حال العصاة من أمتي والمخلصين في ~~محبتي وذكرت قوله تعالى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فقلت يا رسول ~~الله أما أنزل عليك ولآمتك لقوله ولسوف يعطيك ربك فترضى أنت الذي خلقت ~~السماوات والأرضين والعرش والكرسي من أنوارك وأنت الذي ربط براق القرب ~~ببابك ms570 أنت الذي اخترقت معالم الملكوت وحملت إلى حضرة القرب والجبروت وأنت ~~الذي أوتيت ليلة القدر وأنت صاحب البطحاء والحرم ولانت لك الأحجار وسلمت ~~عليك الأشجار وانشق لك القمر ليلة الابدار وأنزل عليك يا أيها النبي جاهد ~~الكفار أنت صاحب عرفات ومنى والمخصوص بالشكر والثنا وسوف يبلغك الله من ~~أمتك المنى أما وعدك الله المقام المحمود واللواء المعقود والحوض المورود ~~والكرم والجود وسرادق السعود على أمتك ممدود وسحاب التوفيق عليهم يجود ~~ولواء أصحابك بجواهر قبولك منضود وعليه مرقوم عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا فكيف تخاف على أمتك نزول البأس وقد فضلوا على سائر الناس بقوله ~~تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * يا سيدي أنت تعلم أن أباك آدم تشفع ~~بك فتاب الله عليه ونوح سأل بك فنجاه الله من الغرق وإبراهيم مع علو قدره ~~بك أنجاه الله PageV02P109 # من النار والحرق وموسى مع تقربه ومكانته بك سأل ربه أن يشرح صدره وييسر ~~أمره قال الراوي وما ذكر سهل للجارية هذه المناقب الا لأن ترجع إلى دين ~~الاسلام قال فلما سمعت كلامه قالت فما جزاء من يدخل في دينه ويقول بقوله ~~فقال يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وتمحى عنه سيئاته ويكون جزاؤه الرضوان ~~في الجنان ثم قرأ قوله تعالى * (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله ~~يجد الله غفورا رحيما) * فلما سمعت الجارية ما تكلم به سهل وقع بقلبها وصغت ~~اليه بلبها وقالت أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا ~~عبده ورسوله ففرح سهل باسلامها فقالت له أكتم أمرك إلى الليل حتى أخلصك ~~وأسير معك إلى عسكر الاسلام قال الراوي حدثنا صاعد بن عدي النميري عن أبيه ~~انه سمعه وهو يحدث الناس بالمدينة وقد أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~بأموال رأس العين وخزائن الملك شهرياض قال وان الجارية مضت واستدعت ~~بجواريها وأخذت من مال أبيها ألف دينار فلما جن الليل فتحت باب السر بعدما ~~تجسست فرأت كل من في قصر أبيها ms571 نياما فأتت إلى سهل وحلته من وثاقه وقالت له ~~قم على اسم الله وبركة نبيه فقام سهل بن أساف إلى الباب وأعطته لأمة حرب ~~ولبست هي مثلها وخرجا من الباب وإذا هما بجوادين فركبا وخرجا وسارا مقدار ~~فرسخين عن كفرتوتا وإذا هم بحس الخيل وراءهم فقالت إن كانوا من الروم فعلى ~~مخاطبتهم وان كانوا من العرب المتنصرة فعليك مخاطبتهم قال فوقفوا غير كثير ~~وإذا بالقوم عدتهم ثلاثة وعشرون فارسا وعليهم ثياب خضر وهم على خيول شهب ~~قال فتأملهم سهل وذا هم أصحابه الذين قتلوا بحضرة الملك قال فدنا منهم سهل ~~وسلم عليهم وقال سبحان الله ألم أشاهد قتلكم قالوا نعم أما علمت أن الشهداء ~~أحياء لا يموتون وإنما هي نقلة من دار إلى دار وأن الله قد بعث بأرواح ~~الشهداء في هذه الليلة لتزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تلك ~~الليلة ليلة النصف من شعبان فقال لهم اني أريد المسير معكم وفي صحبتكم ~~قالوا انك لا تقدر على ذلك وقد بقي من عمرك احدى وأربعون ليلة وتلحق بنا ~~وأما هذه الجارية فقد أعد الله لها في الجنة ما أعد لأوليائه وقد بنى لها ~~قصرا من الجوهر والياقوت الأحمر على شاطىء نهر الكوثر ستوره معلقة ~~وبالانوار مرونقة وقبابه مزوقة وأسرته موصولة وفرشه مرفوعة وأباريقه مصفوفة ~~وزواياه محفوفة وحلله منسوجة وحواشيه بحسن الوفاء مسروجه على أبوابه مكتوب ~~بقلم السر المكنون * (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) * فلما سمعت الجارية ~~قولهم قالت فبم استوجبت هذا النعيم قالوا PageV02P110 # بتوحيدك الرب العظيم وتصديقك النبي الكريم قال فصاحت صيحة فإذا هي ميتة ~~قال سهل فنزلت فدفنتها وغاب الشهداء عني وسرت إلى المسلمين فحدثت عبد الله ~~بن غسان وسهل بن عدي بذلك فازداد المسلمون يقينا بذلك وعاش سهل بعدها أحدا ~~وأربعين يوما ومات حدثنا صفوان ابن عامر عن خويلد بن ماجد عن عبد الرحمن بن ~~النعمان عمن حدثه عن فتوح الشام وأرض ربيعة الفرس قال لما نزل عسكر ~~المسلمين على قرقيسيا مع عبد الله وسهل قال ms572 خندق المسلمون على أنفسهم خندقا ~~وتركوا لهم موضعا يدخلون منه ويخرجون قال واتصلت الأخبار بعياض بن غنم وهو ~~بجانب الرقة وهو يتروى فيمن يبدأ بحربه بشهرياض وجنوده أو بحران والرها ~~فقال له خالد بن الوليد رضي الله عنه أتترك جيشا قد تهيأ واحتفل لقتالك ~~وتمضي لسواه والرأي أن تلقي هذا العدو فإذا أنت هزمته وأوقعت الهيبة هناك ~~فاقصد ما شئت من البلاد فإنها تفتح إن شاء الله تعالى قال فعول عياض على ~~ذلك وإذا قد أتته جواسيسه وأخبروه أنه قد تهيأ لحربكم الملك شهرياض ونوفل ~~وطرباطس صاحب دارا والمؤزر وصاحب جملين وأرمانوس صاحب تل سماوي وأرجو وصاحب ~~البارعية وشهرياض صاحب ماردين ورودس صاحب حران والرها وقد صارت جريدتهم ~~مائتي ألف وقد ضمنوا للملك لقاءكم وقالوا لا نلقي العدو الا بأهالينا ~~وأولادنا وأموالنا وحريمنا حتى لا ينهزم منا أحد وقد تقدم إليكم الأرمن ~~وبعدهم الروم وهم دون الفرات فلما سمع عياض ذلك بعث إليهم الوليد بن عقبة ~~ووصاه بما أراد قال فقدم على بني تغلب وجمع أمراءهم وهم نوفل بن مازن وعاصم ~~والأشجع وميسرة وحزام وقارب وقال يا فتيان العرب اعلموا ان من نظر في ~~العواقب أمن من المعاطب وليس أنتم أحد سننا ولا أقوى جنانا ولا أجرا في ~~الجولان ولا أوسع ميدانا من بني غسان وليس فيكم من يشبه جبلة بن الأيهم ~~وكان في ستين ألفا وقد نصرنا الله عليهم وقتلنا ساداتها والصواب أن ترجعوا ~~الينا وتكونوا من حزبنا قال فأجابوه بأجمعهم الا طائفة اياد الشمطاء فإنهم ~~ارتحلوا إلى بلاد الروم ووصل عرب بني تغلب إلى جيش عياض بن غنم مسلمهم ~~وكافرهم فرحب بهم وطيب قلوبهم وقال لهم يا معاشر العرب ان الله سبحانه ~~وتعالى قد أراد بكم خيرا بوصولكم الينا ونزوعكم عن عبدة الصليب وقد أراكم ~~الله اعزاز دينه وشرف نبيه وقد وعدنا ووعده الحق بملك كسرى وقيصر وأخذ ~~كنوزهما وما كان ينطق عن الهوى وقال الله في حقنا ولقد كتبنا في الزبور من ~~بعد الذكر أن الأرض يرثها ms573 عبادي الصالحون قال فأسلم كافرهم وبقوا ~~PageV02P111 # جميعهم مسلمين قال الراوي أخبرنا سيف عن خالد بن سعيد قال لما علم عياض ~~بهروب اياد الشمطاء إلى بلاد الروم كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فأرسل عمر ~~رضي الله عنه إلى هرقل وولده قسطنطين يقول لهم ان لم تصرفوهم عن أرضكم ~~لأفنين كل نصراني عندنا قال الراوي فلما وصلت رسالة عمر إلى هرقل وولده ~~أنفذ بهم اليه قال وعزم عياض على لقاء الملك شهرياض وأما ما كان من شهرياض ~~صاحب قرقيسيا فإنه جمع بطارقته وقال لهم أعلموا أنه قد بلغني عمن تقدم من ~~الملوك انهم كانوا يجيشون الجيوش ولا يستغنون عن الحيل وأنا أريد في غداة ~~غد أن أخرج إلى لقاء العرب فإذا اصطفت الصفوف فرجلوني عن جوادي واشهروا علي ~~سلاحكم كأنكم تريدون قتلي فأقول لكم أنا معتذر انما أردت أن أجرب خبر ~~حميتكم لدينكم وظننت انه قد أخذكم الخوف من هؤلاء فإذا سمعتم مني ذلك ~~فارجعوني إلى اجلالي واعظامي ثم ناوشوهم الحرب فأهرب أنا إليهم وأقول لهم ~~اني أردت أن أسلمكم البلد فهاش القوم علي كما رأيتم وهموا بقتلي وقد جئت ~~إليكم راغبا في صحبتكم فإذا أمنوني وغفلوا عني قتلت أميرهم في الليل وأنا ~~أعلم أن القوم بعده يهون علي أمرهم ثم أعول على انهزامهم فقال له وزيره ~~الأرمني وكيف تسمح بنفسك وتلقيها في أضيق المسالك وان أنت فعلت ذلك لا نأمن ~~عليك من العرب ويعتبنا خالك يقول لنا كيف تركتموه يمضي إلى العرب فقال عبد ~~الله يوقنا لقد صدق السيد في قوله وكيف نتركك تمضي إليهم وأنا أدبر لك مع ~~هؤلاء القوم تدبيرا يكون أقرب من هذا وأهون فقال شهرياض والوزير الأرمني ~~وما هذا التدبير أيها الملك قال أن نخرج غدا بأجمعنا ونلقاهم ونريهم الجد ~~من أنفسنا ونقاتل بحسب الطاقة ثم ننهزم إلى المدينة ونستوثق من أبوابها ~~ونصعد على السور فربما قربوا منا فلا نقاتل فإذا فعلنا ذلك طمعت العرب فينا ~~ودنوا منا واعلموا ان في عسكرهم جماعة من الروم ممن ms574 صبأ إلى دينهم فربما ~~قربوا منا فإذا أرادوا ذلك كتبنا إليهم نطلب قلوبهم ونرسل رسولا في طلب ~~الصلح ونقول ارسلوا الينا عشرة من عقلائكم حتى نرى ما تريدون منا ولعلنا ~~نعقد معكم صلحا فإذا فعلوا ذلك وحصلوا عندنا قبضنا عليهم ونشهر سيوفنا ~~عليهم ونقول لهم أما أن ترحلوا عنا والا ضربنا رقابهم فان القوم إذا رأوا ~~الجد منا طلبوا صلحنا بأصحابهم ورحلوا عنا والعرب إذا قالوا قولا وفوا به ~~فان هزموا الملك شهرياض واحتووا على بلاده دخلنا بعدها تحت طاعتهم وارتحلنا ~~عنهم إلى PageV02P112 # بلاد الروم قال وانما أراد يوقنا بهذا الكلام أمرين أحدهماأن يبرأ عندهم ~~من التهمة حتى يطمئنوا اليه والثاني أن يحصل من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عشرة في المدينة فيحتال أن يكونوا تحت يده ليثور بهم فيملك بهم ~~المدينة فقال له وزيره الأرمني وان كان العرب يبعثون الينا صعاليكهم أو ~~مواليهم فنقبض عليهم ونعدهم بالقتل فلا يلتفتون إلى ذلك ويقع الجد منهم في ~~قتالنا ولا يرحلون عنا فكيف تصنع قال فأراهم يوقنا أنه غضب وحول وجهه وقال ~~وحق المسيح لقد دخل رعب القوم في قلوبكم ولن تفلحوا بعدها أبدا وحق ما ~~أعتقده لقد قاتلتهم في قلعتي بجلب قتالا سارت به الركبان إلى سائر البلدان ~~مدة سنة كاملة ولولا أن عبدا أسود من عبيدهم أسمه دامس أبو الهول وعشرين ~~معه نصبوا حيلة علي ملكوا قلعتي لما قدروا عليها أبدا وكانوا قد نزلوا علي ~~بجميع عسكرهم وأبطالهم فكيف بكم وما نزل عليكم الا شرذمة يسيرة وبلدكم حصين ~~ليس عليه قتال الا من موضعين من صوب الجبل ومن الغرب وما لكم عذر ومن أراد ~~رضا المسيح والاجر قاتل عن دينه وصان أهله وحريمه من هؤلاء العرب وان خفتم ~~أن القوم يرسلون الينا مواليهم أو من لا له عندهم قدر ولا شأن فأنا أعرف ~~الناس بهم وبفرسانهم وأبطالهم ومواليهم وخاصة أصحابهم فأنفذوا مع رسولكم ~~كتابا بأسماء القوم الذين أريد منهم المقداد والنعمان وشرحبيل بن كعب ونوفل ~~وعبد الرحمن بن ms575 مالك والأسود قيس وخالد بن جعفر وابن قيس وهمام الحرث ومالك ~~بن نوبة وسلامة بن عامر قال فضحك الوزير الأرمني وقال وحق ديني أن العرب لا ~~يسمحون بهؤلاء قط الا أن يطلبوا رهائن منكم فقال يوقنا ما أفشل رأيكم وأضعف ~~قلوبكم انفذوا إلى القوم فان أجابوا كان ببركة السيد المسيح وان طلبوا ~~رهائن أرسلنا اضعفنا من أهل المدينة ومن أولادهم وألبسناهم افخر الثياب ~~وقلنا هؤلاء أكابرنا من أهل المدينة قال شهرياض وحق القربان ما نفعل الا ما ~~أمرتنا ثم إنه أمر بطارقته وأرباب دولته أن يأمروا الناس بالتأهب للحرب ~~ففعلوا ولبسوا سلاحهم واستعدوا للقتال وأمر سهل بن عدي أصحابه بالركوب ~~فركبت العرب وخرجت من باب الخندق واستقبلوا العدو بهمم عالية وقالوا اللهم ~~انصرنا عليهم كنصر نبيك يوم الأحزاب وعبوا صفوفهم ثم وعظهم وقال في آخر ~~وعظه ها أنا حامل نحو طاغية الروم وصليبه فاتبعوني فان فتح الله بقتله أو ~~أخذ صليبه فالقوم لا ثبات لهم فقالوا أيها الأمير لقد دعوتنا إلى شيء هو ~~أحب الينا فاحمل حتى نحمل قال محمد بن عبد الله فحمل هو ومن معه على عسكر ~~قرقيسيا وكان أمير المسلمين عبد الله ابن غسان PageV02P113 # وسهل بن عدي فلقد قاتلوا قتالا شديدا وجاهدوا في الله حق جهاده وبذلوا ~~رماحهم وسيوفهم في أعداء الله والتقى عبد الله بن مالك الأشتر بيورنيك ~~الأرمني فلما عاين زيه علم أنه من ملوكهم فطعنه في صدره فأخرج السنان من ~~ظهره والتقى النعمان بن المنذر بشهرياض وقد طحطح الجموع ولم يعلم النعمان ~~بأنه صاحب البلد بل عرف أنه من الملوك فحمل عليه النعمان وهو يقول هذه ~~الأبيات * وانا لقوم في الحروب ليوثها * وتنفر منا عند ذاك أسودها * نحامي ~~عن الدين القويم نصونه * ونرغم آناف العدا ونذودها * لنا الفخر في كل ~~المواطن دائما * بأحمدنا الهادي فذاك سعيدها * ملكنا بلاد الشام ثم ملوكها ~~* إلى أن تبدي بالنكال عديدها * وسوف نقود الخيل جردا سوابقا * إلى شهرياض ~~الكلب ذاك شديدها * ونملك دارا ثم جملين بعدها * كذا رأس عين ms576 والجيوش ~~نقودها * ونمضي إلى حران ثم سروجهم * كذا الرها للمسلمين نعيدها * واني أنا ~~النعمان ذاك ابن منذر * ابيد ليوث الحرب ثم أسودها * ثم أطبق عليه وفاجأه ~~بطعنه فالقاه صريعا فلما نظر جيش قرقيسيا إلى هلاك ملكهم انحرفوا إلى ~~مدينتهم وتحصنوا في بلدتهم وخافت أرمانوسة ودخل الرعب في قلبها ثم إنها ~~قالت للعبد الصالح يوقنا يا عبد المسيح ما بقي لي أحد سواك يسوس ملكنا ~~ويدبر حالنا فقال أيتها الملكة أنا لك وبين يديك ثم إنها خلعت عليه وعلى ~~أصحابه وقالت اعلموا أن هذه المدينة والمملكة لكم فقال يوقنا يجب علينا أن ~~نقوم بحقها ونقاتل بين يديها ثم إنه رتبهم على الأسوار فدنا المسلمون ~~ورجالهم وهم يرمون بالمقايع فكانت حجارتهم لا تخطىء أبدا وكان المقدم على ~~الرجال والموالي المنذر بن عاصم ولم يكن بالحجاز ولا باليمن قاطبة أرمى منه ~~بالمقاليع وكان من قوة ساعده إذا خرج حجره يجاوز البرج الأعظم فلم يزل يرمي ~~فيه كل يوم فيصيب الرجل والرجلين فسمته العرب برج المنذر وكانوا قد ضايقوا ~~أهل قرقيسيا مضايقة شديدة فقالت ارمانوسة أين ما وعدت به الملك شهرياض من ~~تدبيرك في هؤلاء العرب فقال أنا في هذا الأمر متفكر ثم إنه صعد على السور ~~مما يلي المسلمين ونادى يا معاشر العرب قد طال الأمر بيننا وبينكم ولا نسلم ~~لكم الا أن تهزموا الملك وتملكوا رأس العين ونحن لكم بعد ذلك واطلبوا منا ~~من المال ما تريدون فقد علمنا أنكم إذا قلتم فعلتم ووفيتم قال فلما رآه عبد ~~الله بن غسان وسهل بن عدي والصحابة ونظروا اليه علموا انه يريد أن ينصب ~~حيلة على أهل قرقيسيا فقال سهل بن عدي يا عدو نفسه مكرت بنا وتممت منصوبك ~~علينا بدخولك في ديننا حتى اطمأننا إليك ثم غدرت PageV02P114 # ورجعت إلى دينك الأول فأين تهرب منا أو تولي عنا ونحن لك في الطلب وسوف ~~نملك هذه المدينة بالسيوف ونضرب عنقك وهذا أيضا من تمام الحيلة فقال يا ~~معاشر العرب لقد نصحتكم وخدمتكم وما رأيت منكم ms577 الا خيرا ولكن طالبتني نفسي ~~بديني فرجعت اليه والآن فقد مضى ماضي وهذه المدينة ما لكم إليها وصول ولا ~~تقدرون عليها لأنها حصينة وفيها رجال الحرب والقوت عندنا كثير ولكن انفذوا ~~الينا منكم عشرة من أعز أصحابكم ممن نثق بهم يحلفون لنا ونحلف لهم إذا ~~فتحتم راس العين سلمنا هذه المدينة إليكم ويكون الصلح بيننا بقية هذه السنة ~~فقد بقي منها أربعة اشهر أولها شهر رمضان فقال له عبد الله بن غسان قد ~~أجبناك إلى ذلك فمن هم العشرة الذين تريدهم حتى نرسلهم إليك فقال أريد ~~المقداد بن الأسود والأسود مولى قيس وخالد بن جعفر ورواحة بن قيس وهمام بن ~~الحرب وسلامة بن عامر وابن نعيم فهؤلاء نريدهم فإنه لا يقع الصلح الا بهم ~~قال فوجه عبد الله هؤلاء الذين ذكرهم له يوقنا قال وفتح لهم الباب فقال له ~~عبد الله نحن ما نسمح بأصحابنا بلا رهائن فمضى يوقنا إلى الملكة أرمانوسة ~~وأخبرها أن القوم يريدون رهائن فقالت أرسل لهم من أولاد السوقة قال يوقنا ~~أيتها الملكة ان الحيل في الحرب من عند العرب خرجت والملوك من شأنها إذا ~~قالت قولا وفت به واعلمي أنه قد قال حكيم الفرس إذا كان الغدر طباع قوم ~~فالثقة بكل أحد عجز واعلمي ان أهل بلدك فيهم رؤساء وملوك وهم يعظمون شأنك ~~بعد الملك ولكن ينظرون إليك بعين التأنيث وينظرون إلي بعين الغربة ولا هيبة ~~لي عندهم وربما سمعوا بصلحنا مع العرب فلا يملكونا من ذلك ولا يتم لناما ~~نريده وربما يرسلون يستنجدون علينا بمثل ملك الموصل وصاحب الهنكارية ويعظم ~~الأمر قالت فما الذي تراه من الرأي قال الرأي ان نبعث الرؤساء رهائن عند ~~العرب وانما فعل ذلك يوقنا حتى لا يتعرض له متعرض في المدينة وإذا سلمهم لا ~~يكون فيها رئيس من رؤسائهم فاجابته إلى ذلك وأنفذت الرؤساء منهم رهائن إلى ~~عبد الله بن غسان فلما وصلوا اليه دخل العشرة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما حصلوا في المدينة أمر ms578 بهم إلى البرج الكبير وهو المعروف ~~ببرج المنذر وانما فعل ذلك حتى لا يعصي من في البرج لأن فيه مال أهل البلد ~~فلما حصلوا هناك رجع إلى الملكة ارمانوسة وقال قد حصلتهم في البرج وغدا ~~نوقفهم بأعلى البرج ونقول لهم أما أن ترحلوا عنا أو نقتلهم قالت وكيف نصنع ~~برهائننا وان نحن فعلنا بأصحابهم ما ذكرت يفعلوا بأصحابنا كذلك قال لها ~~يوقنا PageV02P115 # إذا كنت تفزعين على أهل البلد فصالحي القوم قالت دبرنا بحسن رأيك فقال ~~السمع والطاعة وأنا أمضي إلى هؤلاء العشرة مع ما وصاهم به أميرهم وننظر ما ~~الذي يطلبونه منا ثم إنه مضى إلى الصحابة وحدثهم بما عزم عليه من تسليم ~~البلد وقال لهم إذا سمعتم الضجة فدونكم ومن في البرج ثم رجع إلى أصحابه ~~ورتبهم على السور ولم يترك معهم أحدا من أهل البلدة فلما أظلم الليل سار ~~عبد الله يوقنا مع أصحابه المائتين وأعلنوا بالتهليل والتكبير وبادروا إلى ~~الباب ففتحوه وأرسل إلى عبد الله بأن يأتي إليهم بعسكره فأتوا ووضعوا السيف ~~في أهل البلد فما أفاق أهل قرقيسيا الا والمسلمون قد مكنوا منهم القواضب ~~فقصدوا البرج الأعظم عليهم العشرة الصحابة فعلمت الملكة أرمانوسة ان الحيلة ~~قد تمت عليها من قبل يوقنا وسمعت أهل البلد ينادون الغوث الغوث فأمنهم عبد ~~الله بن غسان وسهل بن عدي واحتووا على ما في المدينة وأخذوا جميع ما كان ~~فيها من الأموال وما في البرج الأعظم من الذخائر فأخرجوا منه الخمس وقسموا ~~الباقي على المسلمين وعرضوا عليهم الاسلام فمن اسلم منهم وهبوا له أهله ~~وماله ومن أبى ضربت عليه الجزية ثم اجتمع الذين أسلموا وأتوا إلى الأمراء ~~وقالوا نحن قد دخلنا في دينكم فسلموا لنا كرومنا وبساتيننا فقال لهم عبد ~~الله بن غسان وسهل بن عدي هي بحكم الامام يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وهو الذي يسكن فيها من أراد ويأخذ خراجها من هي في يده فان حكم الخراج ~~والخمس والجزية بأمر الإمام يأخذ حاجة منه ويصرف الباقي في ms579 صالح المسلمين ~~قال الواقدي وأسلمت ارمانوسة ومن كان يلوذ بها فأقرهم عبد الله في أماكنهم ~~وأحسن إليهم غاية الاحسان وجدد لهم الأمان كل ذلك ليتصل الخبر بأهل البلاد ~~فيدخلوا في الاسلام قال عطية بن الحرث وكان ممن أدرك ذلك كان فتح قرقيسيا ~~أول ليلة من شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين من الهجرة وبنوا الكنيسة العظمى ~~وهي بيعة جرجيس جامعا ولم يبرحوا حتى صلوا فيه وأطلقوا الرهائن وتسلم ~~ولايتها شرحبيل بن كعب في مائة وخمسين رجلا وعولوا على المسير إلى ماكسين ~~والتفت الأمير إلى عبد الله يوقنا وقال مر ابنتك أن ترجع إلى قلعتها فقد ~~جاءت الوصية الينا من قبل الأمير عياض قال فرجعت والحمد لله وحده والصلاة ~~والسلام على من لا نبي بعده ذكر فتح ماكسين والشمسانية قال حدثني زهمان بن ~~رقيم عن الصلت بن مجالد عن القيل بن ميسور قال لما ارتحل عبد الله عن ~~قرقيسيا ونزل على ماكسين فتحها صلحا على PageV02P116 # أربعة آلاف درهم من نقد بلادهم وألف حمل طعام حنطة وشعير فقلقوا من ذلك ~~فترك لهم النصف وكذلك أهل الشمسانية ثم نزل على عربان فجاؤوا اليه وصالحوه ~~بما صالح به أهل ماكسين ثم ارتحل إلى المجدل فملكها وأقام ينتظر ما يرد ~~عليه من أخبار أميره عياض بن غنم وهو نازل على نهر البلخ فكتب اليه يعلمه ~~بما فتح الله على يديه فلما وصل الكتاب اليه كتب اليه أن الزم مكانك حتى ~~يأتيك أمري والسلام قال سهل بن مجاهد بن سعيد لما فتح الله على يد عبد الله ~~بن غسان أرض الخابور صلحا واقام بالمجدل أنشد قيس بن أبي حازم البجلي هذه ~~الأبيات * أقمنا منار الدين في كل جانب * وصلنا على أعدائنا بالقواضب * ~~ودان لنا الخابور مع كل أهله * بفتيان صدق من كرام العرائب * هزمناهم لما ~~التقينا بماسح * وثار عجاج النقع مثل السحائب * وكل همام في الحروب نخاله * ~~يكر بحمل في صدور الكتائب * وجندل وفد الروم في كل جانب * تركناهمو في ~~القاع نهبا لناهب * وما زال نصر الله ms580 يكنف جمعنا * ويحفظنا من طارقات ~~النوائب * فلله حمد في المساء وبكرة * وما لاح نجم في سدوان الغياهب * ذكر ~~فتوح قلعة ماردين قال حدثني سوار بن كثير عن يوسف بن عبد الرزاق عن الكامل ~~عن المثني بن عامر عن جده قال لما فتحت مدائن الخابور صلحا بلغ قتل الملك ~~شهرياض صاحب أرض ربيعة وعين وردة ورأس العين فعظم عليه وكبر لديه فجمع ~~أرباب دولته وهو نازل على أرض الطير وقال لهم هذه ثلاث مدائن من بلادنا قد ~~ملكت وقلعتان والعرب المتنصرة قد مضت عنا فقال له البطريق توتا أيها الملك ~~انه لا بد للعرب منا ولا بد لنا منهم ويعطي الله النصر لمن يشاء غير أنه ~~كان من الرأي انك لو زوجت ابنك عمودا الملكة مارية بنت أرسوس بن جارس صاحب ~~ماردين ومرين لأعانتنا قلعة المرأة قال الراوي وكان السبب في بناء القلعتين ~~المذكورتين أن هذا الرجل ارسوس بن جارس كان من أهل طبرزند وكان بطلا مناعا ~~وكان أول من بنى المملكة بأرمينية وكان منفردا بطبرزند وكان يغير في بلاد ~~الروم حيث شاء حتى كتب أهل تلك البلاد إلى الملك الأعظم يستغيثون به من يده ~~فأرسله الملك هرقل من أنطاكية إلى ديار ربيعة وقال له ابن لك حصنا تسكن فيه ~~فلما توسط أرض جبل ماردين نزل تحته ونظر وإذا على قلة الجبل موضع نار وكان ~~فيه عابد من عباد الفرس وكان مشهورا عندهم بالعبادة وكانت الهدايا تقبل ~~اليه من أقصى بلاد خراسان والعراق وكان اسمه دين فلم يمر PageV02P117 # به أرسوس حتى صادقه وكان يحمل إليه الهدايا والتحف وكان العابد لا يحتجب ~~عنه ولم يزل معه حتى أنه وقع به منفردا فقتله وغيبه فلما عدمه أهل تلك ~~الأرض قالوا مات دين ثم إن أرسوس بني بيت النار وجعله حصنا وكانت له ابنة ~~يقال لها مارية فلما رأت أباها بني له مكانا وتحصن فيه بنت أيضا قلعة ~~بإزائه وحصنتها وجعلت فيها أموالها وذخائرها ورجالها وكانت كلما خطبها أحد ~~تراه دونها لأنها من بيت ms581 المملكة وكان بالقرب من قلعتها دير بسفح الجبل وفي ~~الدير راهب قد انقطع فيه وكان من أجمل الناس وجها وكان اسمه فرما قال فأتت ~~اليه زائرة فلما رأته وقعت محبته في قلبها فلم تزل تتردد اليه وتتجاسر عليه ~~إلى أن صارت بينهما صحبة فسلمت نفسها اليه فحملت منه فلما تكامل حملها ولدت ~~في خفية ولدا ذكرا فسلمته إلى دايتها وقالت لها انظري كيف تفعلين بهذا ~~الغلام فاني أحبه ولا أريد قتله لأنه ان علم أبي بقصتي قتلني ثم أخرجت له ~~ذخائر نفيسة وجعلتها في قماطه وخيطت عليها وقالت من وقع به ينفقها على ~~تربيته ثم أنها افتقدت بدنه وإذا على خده الأيمن شامة سوداء بقدر الظفر ~~ورأت أذنه اليمنى وفيها زيادة قال فأخذته الداية ونزلت به ليلا ومعها خادم ~~وكان مطلعا على أسرار الملكة فأتت به إلى أسفل القلعة في الطريق الأعظم ~~وهناك عمود من رخام وغالبه غائص في الأرض وهو قائم على رأس ذلك العمود ~~قاعدة من الرخام فوضعت ذلك المولود على القاعدة خوفا عليه من الوحش أن ~~يقربه فيأكله ثم رجعت هي والخادم إلى القلعة قال الراوي وكان من قضاء الله ~~وقدره أن صاحب الموصل الملك الانطاق قد بعث رسولا لشهرياض ثم أرسوس بن جارس ~~صاحب ماردين فجاز سحرا في الطريق الذي فيه العمود فسمع بكاء الطفل فدنا منه ~~وهو على جواده فنظر عصابة الذهب فأخذه وسلمه إلى جارية كانت معه في السفر ~~وقال لها احتفظي على هذا المولود فلا شك أن له شأنا ثم أوصل الرسالة إلى ~~صاحب ماردين وارتحل إلى راس العين وأعاد الجواب على الملك شهرياض وأجرى ~~الله على لسانه بأن حدث الملك شهرياض بقصة الطفل الذي وجده على العمود فقال ~~أعطني إياه فإنه ليس لي ولد يرثني ويخلفني في ملكي فدفعه اليه فأخذه الملك ~~ودفعه للحواضن والدايات فربوه إلى أن ركب الخيل ونشأ وترعرع فسماه الملك ~~عمودا وسماه الناس ولد الملك وتربى في النعمة وتعلم طريقة الملوك من ركوب ~~الخيل والرماية والقتال والمعالجة والصراع ms582 إلى أن سما ذكره وانتشر في الناس ~~فخره وكان لا يأوي إلى عين وردة بل أكثر زمانه في الصيد والقنص وبنى له ~~قصرا على رأس المغارة يأوي اليه وسمي PageV02P118 # القصر باسمه عمودا وليس عند أمه مارية خبر بما فعل الزمان به وانقضت ~~الأيام واندرجت الأعوام حتى قدم عسكر المسلمين يريد فتح أرض الجزيرة فلما ~~شاور الملك أرباب دولته في أمر العرب أشار عليه توتا أن يزوج ولده عمودا من ~~الملكة فإنها لا تصلح الا له وهي بكر ولها من العمر ثلاثون سنة وقد خطبها ~~الملوك وأبناؤهم فلم ترض بهم لأنها تراهم دونها وأنت إذا طلبتها لولدك لم ~~يمتنع من ذلك أبوها ويفرح بمصاهرتك فأجابه إلى ذلك وبعث إلى أرسوس بن جارس ~~هدية عظيمة وقال لتوتا كن أنت الواسطة في ذلك فسار توتا إلى ارسوس وسلم ~~عليه ودفع اليه الهدية فقبلها وتحدث معه فيما ذكرناه فاجابه إلى ذلك وطلب ~~منه الصداق مائة ألف دينار والبارعية وجملين وعشرين أميرا من العرب ليقتلهم ~~قربانا للمسيح ليلة زفافها فاجابه توتا إلى ذلك فركب ارسوس إلى قلعة ابنته ~~ودخل عليها وأعلمها بالخبر فرضيت فخرج من عندها وجمع القسوس والشمامسة وزوج ~~ابنته لعمودا وليس عندهم خبر من أحكام القدر قال الراوي ورجع توتا إلى ~~الملك شهرياض وأعلمه ان الأمر قد انبرم وأعلمه بما اشترط عليه أرسوس من ~~القلعتين البارعية وجملين ومائة ألف ديناروعشرين أميرا من العرب ليقربهم ~~ليلة زفافها ففرح بذلك وأنفذ الأموال وقال إذا زفت اليه سلمت إلى أبيها ~~القلعتين ثم إنه طلب عمودا وأخبره أنه قد زوجه ابنة ارسوس بن جارس وقال له ~~اعلم يا بني ان من جملة الصداق عشرين من فرسان العرب فتجهز وخذ العسكر ~~واقصد العرب وأمر أن يخرج معه توتا الوزير ورودس صاحب حران وقال لهم ان ~~قدرتم أن تكبسوا العرب فافعلوا ومضوا في عشرين ألفا قال الراوي واتت عياضا ~~عيونه وأخبرته بما جرى وانهم قد اقبلوا إليك وهم رودس صاحب حران وصاحب كفر ~~توتا وعمودا ابن الملك في عشرين ms583 ألفا وهم يريدون كبسكم في الليل فاستيقظوا ~~لأنفسكم قال فجمع عياض وجوه الصحابة واستشارهم فقال خالد بن الوليد اكتب من ~~وقتك إلى عبد الله بن غسان وسهل بن عدي أن يسيروا الينا من قوتهم ويعلمهم ~~بما قصد العدو فيكونون منهم على حذر فإذا قربوا منهم يكمنون لهم حتى ~~يعبروهم ويصير أصحابنا من ورائهم ونكمن نحن عن يمينهم وشمالهم ثم نطبق ~~عليهم فقالوا كلهم هذا هو الرأي المصيب وخرج خالد في ألفين وكتب في الحال ~~إلى عبد الله وسهل يأمرهما باللحوق بعسكر خالد ويوصيهما بما يفعلان وبعث ~~الكتاب مع سراقة بن دارم فوصل اليهما في يومه على ناقة له فلما وصل وقرأ ~~الكتاب ارتحلوا من ساعتهم وأطلع الصحابة على الخبر PageV02P119 # فركبوا وأنفذ عبد الله عيونه يتجسسون له خبر العدو قال الراوي وأما خالد ~~فإنه انفصل من عياض في ألفين ولم يأخذ بهم على الجادة بل ارسل ألفا عن يمين ~~الطريق وأمر عليهم ابن سعدا وألفا عن يسار الطريق مع خالد وأمر سعدا ان لا ~~يبعد عن الطريق وارسل عيونه قال الواقدي انه لما سار عمودا وتوتا ورودس في ~~العشرين ألف فارس لم يزالوا سائرين إلى أن بقي بينهم وبين عسكر عياض بن غنم ~~عشرة فراسخ فنزلوا في مكان يستريحون ويعلقون على خيلهم ويلبسون لامة الحرب ~~قال الواقدي وسار جيش عبد الله بن غسان من ورائهم وسار خالد بن الوليد عن ~~يمينهم ونجيبه بن سعد عن يسارهم وليس عند الروم خبر من ذلك فلما علم خالد ~~أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحدقوا بالقوم أرسل يعلم ~~المسلمين أن يتأهبوا إلى وقوع الصوت قال فتأهبوا ثم أن خالدا أخذ خمسمائة ~~من أبطال المسلمين وترك خمسمائة مع عدي بن سالم الهلالي وقال له إذا رايت ~~الحرب قد اشتعل نارها وتطاير شرارها فأخرج من كمينك ثم إن خالدا لما قصد ~~جيش العدو بمن معه وتظاهر لهم رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير قال فسمعت ~~الروم أصواتهم فلبسوا سلاحهم ولم يركب منهم سوى رودس وأصحابه ms584 وهم خمسة آلاف ~~ولم يكن فيهم مستيقظ سواه وتوتا مشغول مع عمودا قال وان صاحب حران استقبل ~~خالدا واستصغر شأنه لما رآه في شرذمة قليلة فطمع فيه واشتغلت الروم بالنظر ~~إليهم وقالوا رودس يكفينا أمرهم قال فبينما هم ينظرون إذ صاح خالد بعدو ~~الله رودس وانحط عليه انحطاط السحاب وهو يقول هذه الأبيات * وانا لقوم لا ~~تكل سيوفنا * من الضرب في أعناق سوق الكتائب * سيوف دخرناها لقتل عدونا * ~~واعزاز دين الله من كل خائب * قتلنا بها كل البطارق عنوة * جلاء لأهل الكفر ~~من كل جانب * إلى أن ملكنا الشام قهرا وغلظة * وصلنا على أعدائنا بالقواضب ~~* أنا خالد المقدام ليث عشيرتي * إذا همهمت أسد الوغى في المغالب * وفاجأ ~~رودس بطعنة فالقاه على وجه الأرض فأوثقه غلامه همام وحمل في أصحابه هو ومن ~~معه قال فهم في ذلك إذ خرج عليهم نجيبه بن سعد وعدي بن سالم وأشرف من بعدهم ~~عبد الله ابن غسان فامتلأت الأرض بالزعقات وارتجت سائر الجهات وصدموهم على ~~الخيل العربيات ونادوا باسم جبار الأرض والسماوات وأطبقوا عليهم من كل جانب ~~وكان التوفيق للصحابة مصاحبا فما لحقت الروم أن تركب على خيلها الا والسيف ~~يعمل فيهم فطحطحوهم وفرقوا مواكبهم واستوثقوا منهم أسرى وأخذوا عمودا وتوتا ~~PageV02P120 # فكانت الأسارى أربعة آلاف والقتلى ألفا وسبعمائة وستة وستين وولى الباقي ~~الأدبار فوصلوا إلى الملك شهرياض فأعلموه بما وقع فضاقت عليه الأرض بما ~~رحبت وعلم أن دولته قد انقرضت وأن أيامه قد اضمحلت ومضت فأحضر من بقي من ~~أرباب دولته فاستشارهم فيما يفعل فقالوا أيها الملك ان مقامنا على راس ~~العين سفه فان بينه وبين حران والرها وسروج بعيد يطمع العرب في بلادنا بل ~~الرأي ان نرحل ونتوسط البلاد وتكون قلاعنا أقرب منا والميرة تصل الينا من ~~كل جانب فان كانت لنا وانهزمت العرب أخذنا عليهم سائر الطرقات وان كانت ~~علينا انهزمنا إلى ماردين وقلعة مازن وكفر توتا وقصدنا جملين وتل توتا ~~والبارعية وتل سماوي وتل القرع والصور ودجلة الجبل ونأمن على أنفسنا قال ms585 ~~فأجابهم إلى ذلك وارتحل من برج الطير وقصد رأس العين ورتب آلة الحصار وترك ~~في المدينة عشرة آلاف فارس مع مرتودس وكان من الفرسان المشهورة وهو متزوج ~~بابنة الملك شهرياض فلما رتب أمره رحل إلى مرج رغبان حدثنا أبو يعلى عن ~~طاهر المطوعي عن أبي طالب بن مليحة عن وهبان بن بشر بن هزارد قال قرأت ~~الفتوح من أوله إلى آخره بجامع الرصافة على أحمد بن عامر الحوفي وأحمد قرأ ~~على سعدان بن صاحب وابن صاحب قرأ على يحيى بن سعيد المروزي ويحيى قرأ على ~~أبي عبد الله ابن محمد الواقدي وهو يومئذ قاضي الجانب الغربي قال لما نزل ~~الملك شهرياض على مرج رغبان بجيوشه ارتحل عياض في اثره بعدما كتب بخبر ~~الوقعة وفتح زبا وزلوبيا والخابور إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وسأله الدعاء وبعث الكتاب والخمس الخمس وما أخذه من القلاع وأرسله ~~مع حبيب بن صهبان وضم اليه مائة فارس فاسر إلى المدينة وأما عياض بن غنم ~~ومن معه من عساكر المسلمين فإنهم تبعوا شهرياض إلى أن نزلوا مع العدو بمرج ~~رغبان قال فنزلوا في مقابلتهم قال واتصلت الاخبار بارسوس بن جارس صاحب ~~ماردين بأسر عمودا فأحضر ابنته اليه وقال لها أي بنية اعلمي أن بعلك قد أسر ~~وهو ابن الملك ونحن نخاف العار بأن يقال مارية بنت أرسوس ما كانت موافقة ~~على ابن الملك وانه لما تزوج بها أسر وقد حرت في أمري فقالت له مارية يا ~~أبت وحق المسيح لقد قلت الحق وتكلمت بالصدق فما عندك من الرأي قال لها وما ~~عندك أنت قالت أريد أن أتنكر وأدخل إلى عسكر المسلمين وآتي أميرهم وأقول له ~~اني قد أتيت أسلم على يديك لرؤيا رأيتها وهو أني رأيت المسيح في النوم ومعه ~~الحواريون وكأني أشكو للمسيح ما نزل بنا منكم وكأنه يقول لي اسلمي فان ~~القوم على الحق وقد جئتكم لأسلم وأمللكم قلعة أبي وتتركوني أنا في قلعتي ~~PageV02P121 # فإذا قال أميرهم فكيف تملكيننا قلعة أبيك ms586 وهي أمنع الحصون وأحصن القلاع ~~فأقول له يرسل معي من فرسانهم مائة فارس من صناديدهم وأدخلهم في قلعتي ~~وأجعلهم في صناديق وأرسلهم إلى قلعة أبي وأسير معهم إلى والى قلعة أبي ~~وأقول هذه الصناديق فيها أموالي وأريد أن أجعلها في خزانة أبي فإذا حصل ~~القوم عندي رميتهم في المطامير وأقول لهم لست أدعكم حتى ترسلوا إلى أميركم ~~يرسل إلي بعلي فقال لها أبوها انك تريدين أن تلقي نفسك في الهلاك وان العرب ~~لا تتم عليهم الحيل لأنهم هم أربابها قالت وان طلبوا مني رهائن فإذا وقع ~~الفداء باصحابهم طلبت الرهائن مع بعلي فقال لها دبري ما تريدين فلعل أن ~~يكون فيه المصلحة قال فنزلت في الليل وقصدت مرج رغبان ومعها خادم وأربعة ~~مماليك يسوقون بغلتها وعليها من الهدايا والتحف والطرف قال فلما وصلت إلى ~~تنيس التقت بغلمان أبيها وحاجبه ومعهم أربعون أسيرا من العرب منهم عبد الله ~~بن غسان وأمثاله قال وكان السبب في ذلك أن عياض بن غنم لما ارتحل يطلب راس ~~العين مع هؤلاء السادة الذين مع عبد الله بن غسان بحسب العادة في سيرهم إلى ~~حران وسروج والرها لياتوا بالطعام والميرة للعسكر فساروا فلما توسطوا ~~البلاد لقيهم السائس ابن نقولا وجرجيس بن شمعون وقد أقبل بميرة عظيمة لعسكر ~~الملك شهرياض ومعهم ثلاثة آلاف غائصون في الحديد فلما رأوا قلة المسلمين ~~طمعوا فيهم فاقبلوا وأطبقوا عليهم من كل جانب فأخذوهم قبضا بالكف وأحضروهم ~~بين يدي الملك شهرياض فهم بقتلهم فقال له وزيره أيها الملك ليس هذا براي ~~لان ولدك عمودا في يد العدو ورودس صاحب حران وتوتا صاحب الحجاب فان أنت ~~قتلتهم قتلوا أصحابك وولدك والصواب أنك ترسلهم إلى قلعة ماردين يعني قلعة ~~المرأة وتسلمهم إلى الملكة مارية ويكونون عندها فإذا طلبتهم العرب تقول لهم ~~أنهم بقلعة ماردين وليس هم في أسرنا ونحن لا نبالي بمن هم عندهم فيكون أعظم ~~لحرمتك وهيبتك فاستصوب رايه وأرسلهم إلى مارية مع صاحب أبيها فالتقت بهم ~~على تنيس كما ذكرنا فأمرت الحاجب ms587 أن يوصلها إلى قلعتها ففعل ثم إنها سارت ~~حتى أتت إلى عسكر المسلمين في حندس الليل فكان يطوف في العسكر سهل بن عدي ~~ونجيبه بن سعد في جماعة فلما رأوها أتوا إليها وسألوها عن حالها فقالت أريد ~~أميركم فأتوا بها إلى عياض بن غنم فلما وقفت بين يديه قدمت له الهدايا وهمت ~~أن تسجد له فنهاها وقال إن الله قد اعزنا بالاسلام وانقذنا من الضلال بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فأزال عن قلوبنا الغل والحسد واتباع الهوى وشرفنا ~~بالتحية ونزهنا أن يسجد بعضنا PageV02P122 # لبعض وما يرغب في ذلك الا الجبابرة من ملوك الأرض وان الله يقول العظمة ~~ردائي والكبرياء إزاري فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي ومارية تفهم ما ~~يقوله فلما انتهى قالت أيها الملك ان الله بهذا نصركم علينا قال لها فمن ~~أنت قالت أنا مارية بنت أرسوس بن جارس صاحب ماردين وأن الذي بأيديكم أسيرا ~~هو بعلي ولا صبر عليه وهو عمودا فلما كثرت فكرتي فيه واشتد شوقي إليه رأيت ~~المسيح في نومي والحواريين وقد أمرني باتباعكم وقد أتيت إليكم بهذه النية ~~بأن اتبع دينكم وأسلم لكم القلعتين فلعتي وقلعة أبي على شرط أن تبقوني في ~~قلعتي ولا تغيروا من أمري شيئا وأقيم أنا وبعلي فيها وأكون الحاكمة على أهل ~~بلدي قال فتبسم عياض من قولها وقال يا مارية أما انك ما أتيت الينا الا ~~لتنصبين علينا بسبب بعلك وكيف يكون هذا بعلك وهو ولدك وحديثه كذا وكذا قال ~~فلما سمعت الجارية الحديث من عياض بن غنم امتقع لونها وتغير كونها وقالت له ~~يا سيدي ومن اين لك هذا وان عمودا ولدي وهو ولد الملك شهرياض قال لها رايت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة وحدثني بذلك كله فقالت اني أريد أن ~~أراه فإن كان ولدي فان لي فيه علامة فأمر عياض بن غنم بحضوره فأتى به سعيد ~~بن زيد فلما نظرت اليه ووقعت عينها عليه ورأت الشامة التي على خده وزيادة ~~اذنه ورأت عصابتها وما فيها ms588 من الجواهر صاحت صيحة عظيمة أذهلت من حضر ~~وترامت عليه والتزمته وقالت ولدي لا شك فيه وقد صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم في قوله قال ونظر الغلام إلى أمه فتحرك الدم في بدنه فغشي عليه من ~~البكاء فلما أفاق بكى بكاء شديدا هو وأمه فلما سكتا قال لهما عياض قد وجب ~~عليكما أن توحدا الله شكرا على ما أنعم عليكما فإنه يزيد الشاكرين ورحمته ~~قريب من المحسنين ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ليس له حد ولا قبل ولا ~~بعد هو الأول وعليه المعول وهو الآخر وله المفاخر قال فلما سمع عمودا ما ~~قاله عياض قال والله ما في قولك زور ولا محال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال فلما نظرت مارية أمه اليه وقد ~~أسلم وافقته في الحال وعرجت عن طريق المحال وشهدت لله بالوحدانية ولنبيه ~~بالرسالة فقال عياض بن غنم ومن حضر من المسلمين تقبل الله منكما اسلامكما ~~ووفقكما واعلما أن الله قد طهر قلوبكما وغفر ذنوبكما فاستأنفا العمل ولكن ~~كيف السبيل إلى هذه القلعة المنيعة فقالت ابشر فان أصحابكم أسروا عند حران ~~وقد وجههم شهرياض إلي لأفدي بهم منكم هذا الغلام عمودا وقد سيرتهم إلى ~~قلعتي وها أنا أسير إليهم PageV02P123 # واحصلهم في قلعة أبي وأفك أسرهم وأملك بهم القلعة إن شاء الله تعالى فقال ~~لها عياض لقد وفقك الله في كل حال وصرف وجهك عن المحال ولقد صعب علي أسر ~~أصحابي ولكن قد طاب قلبي بما قلت من الصواب فدعي ولدك عندنا وارجعي إلى ~~أبيك فإذا رأيتيه فقولي له قد تمت حيلتك علينا فإذا حصلت عند أصحابنا ~~فافعلي ما فيه الصلاح فقالت السمع والطاعة ثم ودعت زوجها أي ولدها ~~والمسلمين وسارت من ليلتها إلى ماردين فوجدت أباها قد نزل إلى خدمة الملك ~~إلى مرج رغبان ووجدت الحاجب الذي كانت معه الاسرى قد أوصلهم إلى قلعة أبيها ~~وتركهم تحت قبضته وكان هذا الحاجب من عقلاء الناس ممن ms589 قرأ التوراة والإنجيل ~~والزبور وكان راهبا في مبدأ أمره وكانت له صومعة على عمود رخام قائم طويل ~~وصنع على رأس العمود قائمة عظيمة وعقد عليها قبة وكان يصعد إليها بسلم ~~إبريسم معلق بأعلى القبة وله سكتان في الأرض فإذا حصل في القبة انتزع ~~السكتين وأخذ السلم اليه فشاع خبره ونما ذكره بالعبادة والرهبانية فلما ~~توجه إلى بلادهم وفتحت الخابور صلحا اجتمع حول ذلك العمود أمم وقالوا يا ~~ابانا ما الذي تشير به علينا فان العرب قد توجهت الينا وقد فتحوا الشام ~~وأكثر العراق وحصلوا في أرضنا فما الذي نصنع قال فاطلع عليهم من القبة وقال ~~يا معاشر النصرانية ما زالت النعم عليكم ظاهرة وباطنة مطمئنين في البلاد ~~وقد ذلت لكم رقاب العباد نصركم المسيح على سائر الأمم ورد عنكم سائر الغمم ~~ومهد لكم الأرض في الطول والعرض إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتردون المظالم إلى أهلها وتحكمون بالحق وتتبعون شريعتكم وتزجرون أنفسكم عن ~~أكل الحرام واتباع الزنا فلما غيرتم غير بكم وفي إنجيل يحيى وإنجيل مرقص ~~مكتوب من اتبع سنن الحق وعود لسانه طريق الصدق وفعل بأوامر ربه وألزم نفسه ~~بما يعنيه ولم يبخس الناس أشياءهم وداوم على صلاته وعمل بأوامر شريعته ولم ~~يتبع هواه بلغه زهده ما تمناه ومن جار وبغى وظلم وتجبر وحاد عن طريق الحق ~~كان فناؤه عاجلا ولنفسه بيده قاتلا وخربت داره ونفد ادخاره وكان الخوف ~~شعاره والجحيم دثاره وفي التوراة مكتوب لا تظملوا انه لا يحب الظالمين وقد ~~بلغني أن في القرآن مكتوبا * (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) * فأصلحوا ذات ~~بينكم واجعلوا تقوى الله نصب عيونكم وقاتلوا عن أهلكم وحريمكم واتبعوا ~~شريعة نبيكم وأخرجوا إلى جهاد عدوكم فان الجهاد اليوم أفضل من جميع ~~العبادات المأمور بها فإنه من جاهد أعداه كانت الجنة مأواه ألا واني نازل ~~إلى صومعتي هذه فلا PageV02P124 # يتخلف أحد منكم ثم إنه ارسل سلمه ونزل فلما رأوه وقد نزل اقبلوا عليه ~~بالسلام وقبلوا يديه ورجليه فاتى بهم إلى كنيسة ms590 دمائر وكنيسة باذا فصلى بهم ~~ودعا ثم أمرهم بالجهاد وقصد دير ملوخ هو قبله من دار عبديدان الروم وكان ~~فيه راهب فناداه باسمه وقال له ليس هذا وقت العبادة فأنزله من صومعته وسار ~~إلى نصيبين فخرج إلى لقائه الملك قرقياقس فترجل اليه وصافحه وسار بين يديه ~~إلى البيعة وزار دير يعقوب وهرع اليه أهل نصيبين فوعظهم وأمرهم بالجهاد ~~وقصدر راس العين وبلغ خبره لأرسوس بن جارس فلما أسر عبد الله بن غسان ومن ~~معه بعثهم مع الراهب ميتا بن عبد المسيح ولقيته مارية في الطريق كما ذكرنا ~~وأمرته بأن يسير بهم إلى قلعتها فلما ابعد عنها لقي أباها في عسكره فسأله ~~عما هو فيه فأخبره أن الملك شهرياض ارسله بهؤلاء الاسرى فقال له من أنت قال ~~ميتا بن عبد المسيح فلما سمع ارسوس قوله فرح به وقال وحق ديني لي زمان ~~ارقبك ولست أستغني عن رأيك ولكن انطلق بهؤلاء إلى قلعتي وتول أنت حفظهم حتى ~~يأتيك أمري وخذ خاتمي هذا فانطلق وأوصلهم إلى القلعة ووضعهم في الاعتقال ~~وتولى حفظهم بنفسه وجعل ينظر إلى حسن عبادتهم وجودة تلاوتهم فأقبل عليهم ~~وقال لهم أخبروني كم فرض عليكم في اليوم والليلة فقال عبد الله بن غسان خمس ~~صلوات فمن أتى بها بركوعها وسجودها على الكمال لا يرد على النار قال الله ~~تعالى في كتابه * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) * ~~وقال نبينا صلى الله عليه وسلم الصلاة صلة ما بين العبد وربه فيها إجابة ~~الدعاء وقبول الاعمال وبركة الرزق وراحة الأبدان وستر بينه وبين النار وثقل ~~في الميزان وجواز على الصراط ومفتاح الجنة وهذه الصلاة فرضت على جميع الأمم ~~فلم يؤدوها وقصروا فيها حتى فرضها الله علينا فأديناها والصلاة جامعة لجميع ~~الطاعات فمن جملتها الجهاد وان المصلي مجاهد عدوين نفسه والشيطان وفي ~~الصلاة الصوم فان المصلي لا يأكل ولا يشرب وزادت على الصيام التمسك بمناجاة ~~ربه وفي الصلاة الحج وهو القصد إلى بيت الله الحرام والمصلي قصد رب البيت ~~وزاد على ms591 الحج بقربه من ملكوت ربه قال الله تعالى في الأرض الا الصلاة فان ~~الله افترضها في السماء وأنا بين يديه وقال يا محمد هذه الصلاة افترضتها ~~على جميع الأنبياء وأما أمتك فقد سلمتها إليهم وجعلت جميع الطاعات كلها ~~فيها وقال صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل وقال لي يا محمد قم فاصنع مثل ما ~~أصنع فتقدم وصلى ركعتين وقال لي يا محمد هذه صلاة الصبح وهي أول صلاة ~~PageV02P125 # صلاها ولذلك سماها الأولى ثم صلى به مرة أخرى إذ صار ظل كل شيء مثله وقال ~~له هذه صلاة الظهر ثم صلى العصر أول وقتها وقال هذه صلاة العصر ثم صلى به ~~مرة أخرى إذ صارت الشمس مصفرة ثم صلى والشمس قد غربت وقال هذه المغرب ثم ~~صلى به عند مغيب الشفق وقال هذه عشاء الأخرى ثم صلى المرة الخامسة والفجر ~~قد طلع وقال هذه صلاة الصبح وقال نبينا فرضت الصلاة مثنى مثنى فزيدت في ~~الحضر وتركت صلاة السفر على حالها فقال ميتا لعبد الله بن غسان يا أخا ~~العرب فما معنى رفع أيديكم في الصلاة للتكبير فقال ألا ترى أن الغريق لما ~~يجد شيئا يتعلق به لينجو من الغرق وكذلك العبد في الصلاة فهو غريق في بحار ~~الخطايا والمعصية يرفع يديه ويقول يا رباه خد بيدي فاني غريق في بحار ~~الخطايا والمعصية هارب منك إليك وأما معنى القراءة في الصلاة فهو عتاب بين ~~العبد وربه وأما الركوع فمعناه أنا عبدك وقد مددت يميني إليك وأما الرفع من ~~الركوع وقول العبد ربنا لك الحمد يعني على عتق رقبتي من الذنوب يقول الله ~~تعالى بقول العبد أنا عبدك قد أعتقتك من الذنوب وأما معنى السجدة الأولى ~~ووضع الجبهة على الأرض كأنه يقول منها خلقتني والرفع منها أخرجتني والسجدة ~~الثانية وفيها تعيدني والرفعة الأخرى ومنها تخرجني تارة أخرى وأما معنى ~~السلام على اليمين اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني كتابي بشمالي ولما ~~حضرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته قال من حافظ ms592 على الصلوات ~~الخمس كانت كمثل نهر عذب يغتسل فيه أحدكم كل يوم خمس مرات فهل يبقى من درنه ~~شيء فكذلك الصلوات الخمس لا تبقى على العبد خطيئة فلما سمع الراهب ميتا ~~كلام عبد الله قال أشهد أنكم على الحق وان دينكم حق وقولكم صدق ثم أسلم ~~وبعده بقليل وصلت مارية لما علمت أن الصحابة في قلعة أبيها فلما صارت في ~~أعلى القلعة ونزلت في دار أبيها باتت على قلق بسبب الصحابة فلما كان قد دخل ~~عليها ميتا وسلم عليها فقالت له يا ميتا مال الذي صنعت بالعرب قال استوثقت ~~منهم حتى يرى الملك فيهم رأيه فقالت والله ما قصرت ولكن اجعلهم معنا في ~~البيعة حتى يروا حسن عبادتنا وقراءتنا الإنجيل فلعلهم أن يدخلوا في ديننا ~~فقال السمع والطاعة ثم إنه نقلهم إلى البيعة فلما كان الليل أتت البيعة ~~فرأت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في القيود ولم يكن هناك ميتا ~~فقالت له يا ميتا أنت من علماء ديننا وما يخفى عليك الحق اطلعت على دين ~~هؤلاء القوم فالحق معنا أو معهم فقال أيتها الملكة ليس على الحق من غطاء ~~الحق مع هؤلاء العرب والذي قد جئتني به فانجزيه من قبل أن تطلبيه فلا تقدري ~~عليه وقد رأيت بيان صدق القوم وصدق دينهم حتى PageV02P126 # جمع الله بينك وبين ولدك عمودا قال فلما سمعت كلام ميتا بقيت باهتة فيه ~~فقالت له ومن أين لك هذا قال رايته في نومي وحدثها بما كان كأنه كان حاضرا ~~فسجدت شكرا لله فلما رفعت رأسها وثبت قائمة وحلتهم من وثاقهم ودفعت إليهم ~~السلاح وأمرت ميتا أن يكرمهم وقالت له أنا ادبر كيف نقبض على الوالي ونملك ~~القلعة ثم إنها سارت إلى قلعتها وولت عليها من هي به مطمئنة الفكرة وأخرجت ~~منها من تخشى جانبه واستوثقت منها وأما ميتا فإنه جعل الصحابة في البيعة في ~~بيت المذبح وقال لهم إذا كانت غداة غد وأتى الوالي وأصحابه إلى الصلاة ~~فأخرجوا عليهم فان الله ينصركم عليهم ms593 قال الراوي فلما كان الصبح أقبل ~~الوالي وخواصه ليصلوا وضربت النواقيس وأتى القس ليفتح باب المذبح ويقرب ~~القربان 1 فلما فتح الباب خرج عبد الله بن غسان وأصحابه الأربعون وكبروا ~~تكبيرة واحدة ارتعدت لها القلعة وما فيها وبذلوا السيف فيهم فقتلوهم عن ~~آخرهم واحتووا على القلعة وما فيها وسمع أهل الربض التكبير فعلموا أنهم قد ~~ملكوا القلعة فولوا على وجوههم هاربين قال فلما سمعت مارية التكبير والصياح ~~علمت أن قلعة أبيها قد ملكت فغلقت أبواب قلعتها وأرسلت من تثق به إلى عياض ~~بن غنم وأخبرته بما جرى فشكر الله على ذلك ووصل أكثر المنهزمين إلى الملك ~~شهرياض وأعلموه أن قلعة ماردين ملكها العرب فصعب عليه وأيقن بتلف ملكه ووقع ~~الرعب في قلبه وقلوب عسكره وبلغ أرسوس الخبر أن قلعته ملكت وخزائنه أخذت ~~فكتم أمره إلى الليل وأخذ من يثق به وصار يطلب حران فوصل إليها في الليلة ~~الثانية فلما قرب من الباب قام إليهم الحرس فصاح بهم أصحابه وقالوا افتحوا ~~هذا البطريق رودس يعنون بطريقهم الأول وقد تخلص من العرب ففتحوا لهم فدخل ~~أرسوس وملك المدينة وفشا الخبر في تلك البلاد أن أرسوس صاحب ماردين قد ملك ~~حران بالحيلة فقصد اليه جميع من يطلب الديوان فصار عنده جيش عظيم ذكر فتوح ~~الرها وحران قال الراوي وكان لرودس هذا صاحب حران المقبوض عليه ولد وكان قد ~~قبض أبوه عليه لأنه خاف منه وكان شجاعا اسمه ارعوك فقبض عليه وحبسه في ~~العمق وكان له أم اسمها ست العسكر وهي صاحبة سميساط وكانت قد مضت إلى زيارة ~~أهلها وهي غضبانة للقبض على ولدها فلما بلغها أن أرسوس ملك حران صعب عليها ~~وركبت من سميساط وجاءت العمق وخلت بولدها وأخبرته أن حران ملكها أرسوس ~~فأخرجته وسلمت اليه الأموال وقالت انفق على الفرسان واجمع لك جيشا وأمض إلى ~~هذا الرجل الذي فعل ما فعل قال PageV02P127 # فانفق المال وأتت اليه الرجال وبقي في جيش عظيم وعبر الفرات وقصد حران ~~وبلغ أرسوس الخبر فخرج إلى لقائه والتقى ms594 الجمعان وكان قد قدم أمام جيشه ~~بطلا من الأرمن اسمه أرجوك في ثلاثة آلاف فوقعت الهزيمة على الأرمني حدثنا ~~عبد الله بن أسيد قال حدثنا سالم بن ربيعة عن عدلان التميمي عن محمد بن عمر ~~الواقدي قال لما بلغت الاخبار إلى عياض بن غنم بمسير أرجوك الأرمني إلى ~~أرسوس أحضر عياض رودس صاحب حران وأخبره بما انتهى اليه من خبر أرسوس وكيف ~~ملك حران وان ولده يريد أن يلقى أرسوس واني قد عولت على قتلك الا أن تدخل ~~في ديننا فقال ان أنت أطلقتني سلمت إليك ما تحت يدي من القلاع ولعلى أخلص ~~حران لان أهلها يحبونني لأني كنت محسنا في حقهم وأنا أقول إنهم إذا رأوني ~~سلموا إلى البلد وأنا أسلمها إليكم على انك تعطيني السويداء ونصيبين الصغرى ~~وأنا أعطيكم الجزية كل عام قال فأجابه إلى ذلك وأمر عبد الله يوقنا أن ~~يستخلفه فحلف وأجاب إلى ذلك فاطلقه وبعث معه يوقنا في جماعته ورد على رودس ~~خيامه وثقله وجماعته وانسلوا من الليل من مرج رغبان طالبين حران فلما قربوا ~~منها أرسلوا عيونهم فوجدوا العسكر نازلا خارجا منها وعسكر ولده بإزائه غير ~~أنه قد أسر أرجوك وأخذه أرسوس وان عسكره باق على حاله وقد بعث إليهم أرسوس ~~رسولا يدعوهم أن يكونوا من حزبه وينعم عليهم وأن ينزل بهم وبعسكره على ~~الرها ليأخذها وتصير من تحت يده قالوا حتى نرى لأنفسنا في ذلك قال الراوي ~~فلما قدم رودس ويوقنا ونظرا إلى العسكرين والنيران تتقد قال رودس ليوقنا ~~هذه النار القريبة لا شك أنها لعسكر ولدي فأرسل إليهم من يختبرهم فسار ~~الرجل وعلم من هم وعاد فأخبره أن القوم معولون على أن يحلف لهم أرسوس وان ~~يكونوا جنده وقد تقرر الحال على أنه في غداة غد يخرج في مائة فارس من ~~أصحابه إلى دير فرها بين الرها وحران ومن عسكر ولدك خمسون من أكابرهم ~~ويتعاهدون هناك قال فلما سمع يوقنا ذلك تهلل وجهه فرحا وقال لرودس أبشر فقد ~~صار القوم في قبضتنا ms595 ثم مضوا يطلبون الدير وكمنوا بالقرب منه ثم إن يوقنا ~~أرسل غلاما له وكان نجيبا قد رباه وكان اسمه شامس وكان لبيبا فقال يا شامس ~~انطلق إلى صاحب الرها وهو كيلوك وقل له ان مقدمي صاحب أرجوك قد بعثني إليك ~~لكي يكونوا من رجالك فإنك منهم واليهم وأرسوس من الروم وان رجالا منا يأتون ~~إلى دير فرها وارسوس معهم حتى يحلف لهم ويحلفوا له ويريد منك أن تخرج في ~~مائة وتكمن لنا بالقرب من الدير فإذا قدمنا فأخرج علينا قال فانطلق ~~PageV02P128 # شامس إلى أن قدم على صاحب الرها وحدثه بما ألقى اليه صاحبه يوقنا وكان من ~~قضاء الله وقدره أن الحيلة التي دبرها يوقنا وبعث بها إلى صاحب الرها قد ~~بعث بها أكابر جيش أرجوك فلما قدم شامس عليه من قبل يوقنا وحدثه بالحديث ~~الذي ذكرنا تأكد عنده ذلك وخرج في أربعمائة من قومه في أكمل سلاح وساروا ~~طالبين دير قرها قال وكان يوقنا قد كمن بالقرب منهم واختلس شامس وأتى إلى ~~يوقنا وأخبره بأنهم كامنون في المكان الفلاني وهم منكم قريب قال وأما ما ~~كان من أمر ارسوس فإنه لما أرسل رسوله إلى الأرمن من عسكر أرجوك أتى رودس ~~وقال لهم انه يحلف لهم ويحلفون انهم لا يخامرون عليه ووقع الاتفاق على أن ~~يكون الحلف في دير فرها فلما كان آخر الليل مضوا وهم متباعدون من بعضهم ~~خوفا من الغدر وكان خاطرهم طيبا بصاحب الرها بما قرروا عنده ثم إنه قبل ~~خروجهم أعلموا ألفا من شجعانهم بأن ينسلوا من العسكر في خفية وأن يلحقوهم ~~ليكونوا عونا لصاحب الرها وقالوا لهم لا تتكلموا دون أن تروا صاحب الرها قد ~~خرج عليه بكمينه فإذا خرجتم فازعقوا بشارة كأنكم من أصحابه حتى يطمئن إليكم ~~فلعل أن تقبضوا عليه حتى يخلص أميرنا أرجوك قال فانسلوا من أول الليل ولم ~~يعلم بهم أحد قال الراوي ولما أشرف أرسوس على الدير إذا به قد خرج عليه ~~مائتا فارس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ms596 وسلم وكان المقدم عليهم عمرو ~~بن معد يكرب الزبيدي وكان السبب في ذلك أن عياض بن غنم لما بعث رودس ويوقنا ~~معه وأصحابه ساء ظنه من جانب رودس وقال لقد فرطت وأذهبنا ولي الله مع عدو ~~الله قال خالد أيها الأمير لا تشغل سرك من قبل رودس فان ملوك الروم إذا ~~قالت وفت ويرون العار في أن يقول أحدهم قولا ولا يفي به فقال يا أبا أبا ~~سليمان انه لا ينبغي لنا أن نغفل عن صاحبنا ومن معه ثم إنه أرسل عمرو بن ~~معد يكرب الزبيدي في مائتي فارس وساروا طالبين حران فلقوا في طريقهم ارسوس ~~وهو خارج إلى الدير فقبضوا عليه وعلى من كان معه وأما يوقنا فإنه قبض على ~~كيلوك صاحب الرها وكمن إلى الليل وتوجه إلى الرها فلما قربوا منها وقد ~~لبسوا الثياب التي كانت على صاحب الرها وألبس جماعته ثياب جماعة صاحب الرها ~~فلما قربوا منها وكانوا قد أوقدوا لهم مشاعل فتحوا لهم الباب فدخلوا فلما ~~حصلوا داخلها رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير والثناء على رب العالمين فما ~~جسر أحد من العوام أن يتكلم واحتوى يوقنا على ما كان فيها من ذخائر وتحف ~~وخزائن كيلوك وأمواله وترك عليها من يثق به بعد ما قبض على من يخافه من ~~رؤسائها وأكابرها PageV02P129 # وكان قد استأمنه ابن عم كيلوك فأمنه فدله على جميع ما كان لكيلوك ثم أخذه ~~أمامه وساروا طالبين حران فوجدوا رودس قد فتحها وذلك أنه لما قبض عمرو بن ~~معد يكرب على ارسوس سار رودس ومعه بقية عسكر المسلمين حتى وصل إلى حران ~~ونادى الناس الذين على السور فلما عرفوه فتحوا له الباب وصقعوا وساروا معه ~~إلى دار امارته فملكها وأتى له عظماء البلد وهنئوه بالسلامة فقام فيهم ~~خطيبا وقال لهم اعلموا أن الله تعالى أنقذني وأنجاني وقد جرى من حديثي كذا ~~وكذا واني عاهدت أمير القوم أن أسلم إليهم هذه المدينة ويوليني على نصيبين ~~الصغرى والسويداء وحلفت له على ذلك واني سوف أوفي بعهدي وأشهدكم ان ms597 كل دين ~~يخالف دين الاسلام فهو باطل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد ~~رسول الله قال فلما سمع أهل حران ذلك قالوا لقد أراد الله بك خيرا ونحن ~~نوافقك على اسلامك فأسملوا الا قليلا منهم ذكر فتوح قلعة رأس العين قال ~~الراوي حدثنا ربيعة بن هيثم عن عبد الله التنوخي عن عبدان بن عطية قال ما ~~أسلم من أهل الجزيرة الاحران فلما رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد دخلوا في الاسلام قالوا اللهم ثبتهم على دينك ولا تمكن من بلدهم عدوا ~~وأعادوا الكنائس مساجدا وجوامع وسلموا الصحابة ما حول حران والرهان تسليما ~~وأتى يوقنا من الرها إلى حران واجتمع بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وشاورهم في أمر الرها وكيف يكون حكمها فقال سعيد بن زيد انك قد أخذت هذا ~~البلد بحيلتك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة وقد صار كل ~~من فيها عبيدا للمسلمين هم وأموالهم فقال يوقنا أنتم تعلمون ان أكثر ~~الجزيرة ما ملكتموه وثم إلى الآن حصون وموانع والصواب أن تصنعوا جميلا ~~وخيرا يعلو به ذكركم ويرتفع به فخركم فقال له سعيد إذا كان الأمر على ما ~~ذكرته فاتركوهم على حالهم حتى نرى ما يرى فيهم الأمير عياض بن غنم قال ~~ففعلوا ذلك ثم إن الأخبار اتصلت بالملك شهرياض ان حران والرها وسروج والسخن ~~وأكساس والعمق قد صارت كلها للعرب فأيقن بزوال ملكه فدخل إلى رأس العين هو ~~ومن يثق به وصلوا في بيعة نسطوريا وهي الجامع اليوم فلما فرغوا من صلاتهم ~~قال يا معاشر الروم اعلموا أن العرب قد شاركونا في بلادنا وقد صار لهم ~~معاقل يجتمعون فيها وتقود بأودهم ويصل إليهم منها الميرة والعلوفة وتجيئهم ~~منها الأموال والخابور وفيها كلها حكمهم وما بقي بيننا وبينهم الا هذا ~~المصف فإن كان لنا فلا مقام للعرب بيننا وان كان للعرب فالبلاد لهم من ~~دوننا وقد رأيت رأيا PageV02P130 # فيه السداد فقالوا وما هو قال أرى أن ms598 أماطلهم بالمصف ونكتب للملكين ~~المعظمين شقر وزعفرة فلعلهما ينجدونا بعسكرهما ونكاتب الملك حرفتاس بن فارس ~~ونكاتب الملك الانطاق صاحب نينوي وبلادها والى الحبرا بن صاحب الهكارية ~~فإذا أرسلوا الينا عسكرهم نستعين بالمسيح ونلقي المسلمين والله يعطي نصره ~~لمن يشاء فقالوا هذا رأي جيد فكتب الكتب وأرسل الرسل إلى الملوك المذكورة ~~وعاد إلى عسكره قال الواقدي وما منع عياض بن غنم عن حرب القوم الا أنه رأى ~~أن البلاد تفتح لأصحابه بدون قتال فلم يستعجل لأنه قوي ظهره بالبلاد التي ~~فتحت وأيضا أنه كتب إلى عبيدة بن الجراح يطلب منه خبرا يأتيه قال ووصلت كتب ~~الملك شهرياض إلى أصحاب الأقاليم فما منهم الا من عين عسكرا لنصرته قال ~~ووصل مكتوبه إلى صاحب أخلاط وكان له بنت ذات جمال فائق وكانت من الشجاعة ~~على جانب عظيم وكان اسمها طاريون وكان مستقرها بجبل سموه باسمها وكان كل من ~~خطبها لا ترضى به الا أن تلقاه في الميدان فان قهرها كانت له زوجة قال ~~وانها غلبت جميع خطابها وكان من جملة من خطبها غلام اسمه سوسى بن سلنطور ~~صاحب جبل النساسنة وكان قد قدم إلى أخلاط بهدية من أبيه إلى أبيها فقالت هي ~~على شرط معروف فبارزته في الميدان فقهرته وجزت ناصيته ومرت الأيام والليالي ~~فلما بعث الملك شهرياض يستنجد الملوك وأرسل إلى صاحب أخلاط أرسل اليه أربعة ~~آلاف فارس وأمر عليهم ابنته طاريون وقال لها أي بنية قد قدمتك على الجيش ~~وأريد منك أن تظهري على العرب ما كنت تظهرين به على الفرسان حتى تشكري عند ~~أمة المسيح قال وأرسل معها ملك السناستة نجدة وهم ألف رجل وكان المقدم ~~عليهم ولده فسار في صحبتها وكان الغلام قد كمل شأنه وحسن كماله وابتدر ~~هلاله ولم يكن أحد في زمانه يوصف بجماله فلما نظرت طاريون إلى حسنه وجماله ~~نظرته بعين المحبة فوقع قلبها في شبكة عشقه فسيرت رجالها مع رجاله قال ~~الواقدي وأحسن ما رأيت في هذه الفتوح أنه كان لهذه الجارية ابن عم اسمه ms599 ~~برغون وكان يحبها ولا يستطيع أن يسمع بذكرها وكان من أهل الشجاعة والشدة ~~كان تحت يده من المعاقل حيزان والمعدن وأبزون وقف وأنطر وايدليس وأرزن وانه ~~سار ينجد شهرياض في ثلاثة آلاف فلما عبر جيش ابنة عمه طاريون بيدليس اهتم ~~لها وأكرمها وأهدى لها الهدايا والتحف وسار معها إلى أن عبروا حصن كيفا ~~وأخذوا طريقهم على الموزر ونزلوا على حصن يعرف بالهتاج على طريق النهر وكان ~~لابن عمها عيون يطلعونه على PageV02P131 # أخبارها قال فلما نزلت على النهر أرسلت إلى الغلام سوسي الذي تحبه وهي ~~تقول له اعلم أن المحبة الصادقة لا تكون الا بعد العداوة المفرطة وقد ندمت ~~على ما فات وما كان مني إليك وقد رأيت أنك بعد رجوعنا من قتال العدو ترسل ~~إلى أبي وتطلبني منه ولكن أريد منك أن تصل إلي ليلا في خفية من ابن عمي ~~يرغون حتى تحلف إلى أنك ترسل إلى أبي وتطلبني منه وأحلف لك أني لا أريد ~~سواك وبعثت له بهدايا مع بعض خدمها وأرسلت معه شيئا من الحلوى وأرسلت مثل ~~ذلك لابن عمها ولكل أمير صحبها حتى لا ينكر عليها قال وان ذلك الخادم قد ~~علم بما جرى وكان هذا الخادم قد ربى ابن عمها على كتفه وكان يحبه محبة ~~شديدة فأعلمه بما وقع من حديثها مع الغلام سوسي بن سلنطور وهي تريد أن ~~تجتمع به الليلة حتى تحلف له أنها ما تريد غيره قال فكتم يرغون أمره فلما ~~جن الليل طلب عظماء جيشه وقال لهم اعلموا أني ما وليت عليكم الا وقد علم ~~المسيح أن عقلي أوفر من عقلكم وقالوا أيها الصاحب أعلمنا بما تريد حتى نقبل ~~قولك ونطيع أمرك قال يا قوم اعلموا أننا سائرون على غرة وعن قليل ترون ~~الخيل تنوشنا والرماح تحوشنا قالوا وكيف ذلك قال لأن العرب لا تنام ولا ~~ترام وقد عاد النصر إليهم واعلموا أن الملك شهرياض ليس بأعظم همة ولا أكثر ~~جنودا من هرقل ولا من ملوك الأرض وقد ملكت العرب دولتهم وأخذوا ms600 معاقلهم ~~وأذلوا ملوكهم وأنا أعلم أن شهرياض لاثبات له مع العرب يوم المصف وقد ملكت ~~بلاده وهي حران والرها وسروج والبيرت والخابور وقد أخذوا ماردين وقلعة ~~ماردين يعني قلعة المرأة وأخذوا أرسوس وابنته مارية وكأنكم بالعرب قد ملكت ~~ديار شهرياض وعادت إليكم وملكت دياركم وسبت حريمكم واعلموا أن الحق مع ~~العرب وأنهم إذا قالوا قولا وفوا به ومن أسلم إليهم أمن على نفسه وأهله ~~وماله سواء رجع إلى دينهم أو أقام على دينه واعلموا أن بقلبي النار من هذه ~~الجارية طاريون وقد أرسلت إليها لتكون لي أهلا وأكون لها بعلا فأبت ذلك وهي ~~تحب ابن ملك السناسنة فان تزوجت به وصاروا يدا واحدة أخذوا معاقلنا وملكوا ~~حصوننا ولا يكون لنا معهم مقام وقد رأيت أنني في هذه الليلة أقبض عليها ثم ~~إنه أخبرهم بما حدثه به الخادم قالوا أيها الملك إذا أخذتها فأي أرض تؤويك ~~وأي حصن يحميك قال نقصد إلى عسكر العرب ونأخذ لنا منهم أمانا قالوا إذا كنت ~~عولت على ذلك فاعزم قال فخذوا على أنفسكم وتأهبوا للرحيل ففعلوا قال ~~الواقدي فلما جن الليل تزيا يرغون ابن عمها بزي الغلام سوسي وسار إلى سرادق ~~الجارية فلما رأته ظنت أنه سوسي فوثبت اليه PageV02P132 # قائمة وسلمت عليه وصقعت له وكانت قد أبعدت الحرس عنها والغلمان والحجاب ~~حتى لا يطلع أحد على سرها قال ثم إنها تحققت أنه ابن عمها فاستحيت منه ~~ووجلت فلم يمكنها الا أن تخدمه بأعظم خدمة فقال لها يا طاريون أظننت أني لا ~~أقف على سرك ولا أبحث عن أمرك يا ويحك أي مناسبة بين الروم والأرمن حتى انك ~~ملت إلى ابن ملك السناسنة وتركت مثلي ثم إنه مال عليها بشدته وقبض عليها ~~وألقمها أكرة وكتفها وخرج بها إلى عسكره فوجد أصحابه قد لبسوا وركبوا ورموا ~~المضارب وشالوا ثقلهم فلما وصل إليهم حملها على بغل وساروا ونظر أصحاب سوسي ~~إلى رحيل يرغون فقال لهم أمهلوا أنتم بالرحيل إلى أن يطلع الفجر فان هذا ~~طريق ضيق تزدحم فيه ms601 الخيل والبغال قال ففعلوا ذلك وجد يرغون في السير فما ~~أصبح الا وهو على مرج السور فنزل هناك وأما الغلام سوسي فإنه لم يمض إلى ~~الجارية ولا سأل عنها ولا سار إليها لأنه خاف أن يكون ذلك منها مكرا به ~~فتقبض عليه فلما أصبح أمر غلمانه بالرحيل وركب وأتى إلى سرادق الجارية ~~طاريون فوجد قومها ينتظرون خروجها من سرادقها فدخل عليها خادمها وخرج وقال ~~لهم ان الملكة ما كان من أمرها ولا سبب لغيبتها قال فماج أصحابه وأرادوا ~~الرجوع فقال لهم صاحبها ان عدنا إلى الملك فلا نأمن أن يرمي رقابنا ويقول ~~كيف غفلتم حتى أخذت ابنتي من بينكم وما عندكم خبر وما أخذ الملكة الا يرغون ~~ابن عمها لان في قلبه شيئا ثم إنهم ركبوا وجدوا في طلبه قال وان يرغون لما ~~نزل في مرج السور واستراح وهم بالمسير إذا بالقوم قد أشرفوا عليه وهم ~~يزعقون يا ويلك اترك الملكة من يدك قبل حلول منيتك فاستقبلهم هو ومن معه من ~~بني عمه وأقاربه فعندها قال لبني عمه اعلموا أن العرب ما نصروا على أعدائهم ~~الا بالصدق في دينهم وقتالهم عن دين الله واعلموا أن هؤلاء القوم الذين ~~طلبناهم لا يبخلون لا سيما إذا علموا اننا قصدناهم وأردناهم من غير قهر لكن ~~من طريق العقل أن دينهم أفضل من ديننا لأنهم يشيرون إلى الله بالوحدانية ~~ونحن نسجد للصلبان والصور ونقول أن للخالق زوجة وولدا وهو واحد أحد فرد صمد ~~وقد بلغني أنهم يقولون إنه من قتل منهم صار إلى الجنة ومن قتل منا صار إلى ~~النار لأننا عندهم من الكفار فان كنتم تريدون النصر على أعدائكم فأقروا ~~الله بالوحدانية وقولو لا إله إلا الله محمد رسول الله قال فأعلنوا بكلمة ~~التوحيد فدوت من أصواتهم بالجبال والتلال والرمال والشجر والحجر فلما سمع ~~أعداء الله ما نطقوا به علموا أنهم دخلوا في دين الاسلام فتقدم سوسي وقد ~~داروا بيرغون وأصحابه وقالوا له يا ويلك يارغون أما PageV02P133 # كفاك أن تكون غادرا حتى تكون ms602 بدين النصرانية كافرا أتظن أنك برجوعك إلى ~~دينهم ينصرونك علينا وأين العرب وما يصل صائحك إليهم الا ونحن فرغنا منك ~~وقتلناكم أشر قتلة عن آخركم فقولوا لمحمد ينصركم ثم إنهم حملوا على يرغون ~~ومن معه فاستقبلوهم بنية صادقة وهمم متوافقة وأعلنوا بكلمة الحق والصلاة ~~على سيد الخلق وبذلوا صوارمهم في العدا واوردوهم شراب الردى وقصدوا نحو ~~أعدائهم وطلبوا بجهادهم منازل الجنة وطلقوا الدنيا ثلاثا وكانوا يمشون في ~~ظلمات ثلاث فانقدحت نار شوقهم بزناد صدقهم فأحرق زرع الكفر فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح فلما أضاءت لهم الأفكار ولاحت لهم لوائح الأنوار لم يجدوا من ~~يشار اليه بالوحدانية ويوصف بالإلهية وينعت بالأزلية الا الواحد القهار ~~فركضوا في ميدان الاعتذار ونادوا بلسان الإقرار آمنا بالله الواحد القهار ~~فلما سرحوا خواطر الافتكار في أسرار الاعتبار قالوا كيف عبدنا سواه وما ثم ~~لنا معبود الا إياه فواخجلتنا إذا وقفنا بين يديه يوم العرض عليه فبأي عمل ~~نلقاه وبأي بضاعة نقصد رضاه فأشار إليهم منادي الايمان من القرآن وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم فلما ~~رحلوا في عسكر الطاعة وخافوا من هول يوم الساعة وجعلوا رواحل رجائهم في ركب ~~اقبالهم وساروا في موكب عزهم وجلالهم أشرقت شموس اسلامهم في فلك استسلامهم ~~وانقضت بازات أفراحهم من جو أتراحهم ومنادي جهادهم يناديهم يا أخيار * ~~(سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) * قال الواقدي ودارت بهم الأوغاد ~~وشرعوا نحوهم الصعاد وأشرف يرغون وأصحابه على الهلاك وإذ باب السور قد فتح ~~وخرج منه مائة فارس كالليوث العوابس وقد رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ~~ونادوا يا من تعلقوا بكلمة التوحيد أبشروا بالنصر والتأييد ها نحن قد لبينا ~~دعوتكم وخرجنا لنصرتكم وسوف نخلصكم من الأمر المهول فنحن أصحاب الرسول قال ~~الواقدي وكان هذا السور حصنا من الحصون وكان قد سلمه ميتا لأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان قد أرسل عياض بن غنم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~في مائة فارس ليأتوه بالميرة وكان فيهم ms603 المقداد بن الأسود وضرار بن الأزور ~~وسعد بن غنيم الأسدي ومعمر بن ماجد السلمي وباري بن مرة الغنوي وهلال بن ~~عامر الأنصاري وعيينة بن رافع الجهني وخضر بن يعشور الفزاري ومثل هؤلاء ~~السادات رضي الله عنهم أجميعن فلما PageV02P134 # وصلوا إلى السور تلقاهم طالوت صاحب الحصن وأنزلهم وأكرمهم وأمر لهم ~~بالطعام وأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى جاء يرغون وكان من أمره ما كان فلما ~~سمعوهم يكبرون قالوا هؤلاء قد دخلوا في ديننا وقد وجب علينا نصرتهم فخرجوا ~~كما ذكرنا وحملوا على أعداء الله ونصروا يرغون ومن معه وانهزموا في الليل ~~إلى مرج رغبان إلى الملك شهرياض فأخبروه بما جرى عليهم قال فأيقن بذهاب ~~ملكه قال فلما أصبح يرغون أتى إلى الصحابة وشكر الله إذ نجاه ومن معه على ~~أيديهم وقد ازدادوا ايمانا وحدث الصحابة بما كان من أمرهم وسار معهم إلى ~~عياض بن غنم فلما جازوا على ماردين نزل إليهم ميتا وكان قد بلغه ما جرى ~~فسلم عليهم وهناهم بالسلامة وقال ليرغون وأصحابه ان كنتم تريدون الثواب ~~الجزيل من الملك الجليل فتمموا اسلامكم بما ألقيه عليكم فقال يرغون وكيف ~~العلم قال ميتا انزل ههنا أنت ومن معك فإذا غربت الشمس فسيروا على بركة ~~الله وعونه واقصدوا كفرتوتا فإذا جئتم إليهم ليلا فقولوا لأهلها نحن قد ~~وجهنا الملك إليكم لحفظ المدينة فإذا صرتم داخلها فثوروا على اسم الله ~~وبركة نبيه قال ففعل ذلك يرغون وجلس إلى أن جن الليل وارتحل بجيشه وثقله ~~وودعوا الصحابة وساروا بالميرة وسار يرغون إلى أن وصل إلى كفرتوتا وكان آخر ~~الليل والفجر بدر فلما وصل إليها أمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بذكر شعارهم ~~حتى لا ينكر عليهم القوم وجاءت الأثقال والبغال وسمع أهل كفرتوتا ضجة ~~العسكر فأشرفوا عليهم من أعلى السور وسألوهم من أنتم قالوا نحن من عسكر ~~الملك شهرياض وقد بعثنا لنكون عونا لكم قال الواقدي وأعجب ما في هذه القصة ~~أن الملك شهرياض قد بعث إليهم يعرفهم أني مرسل إليكم جيشا مع الحاجب فإذا ~~وصلوا ms604 إليكم فافتحوا لهم الباب فان العرب في آثارهم قال فلما وصل إليهم ~~يرغون ومن معه وقالوا لهم نحن من عسكر الملك فتحوا لهم ودخلوا ولم يتكلم ~~حتى أنه نزل في دار الامارة فلما استقر به الجلوس وثق من الأبواب وصعد إلى ~~السور وقال لأهل البلد استريحوا لان الملك قد وصاني بالحرس على البلد ~~فقالوا أيها السيد ان كتاب الملك قد جاءنا بغير ما قلته بأن لا يتولى حفظ ~~البلد الا الحاجب قال فلما سمع يرغون قولهم علم أن الملك يريد أن يرسل لهم ~~جيشا فقال لهم انصرفوا إلى منازلكم وإياكم أن يظهر منكم أحد في الليل فاني ~~ان وقعت بأحد منكم قتلته قال فانصرفوا ولم يبق عنده سوى الوالي الذي كان من ~~قبل توتا هو وغلمانه فقبض عليهم يرغون وضرب رقابهم وتركهم في بعض الأبراج ~~المهجورة وقال لأصحابه كونوا على حذر فان شهرياض يريد أن يرسل PageV02P135 # جيشا إلى هذه المدينة فإذا رأيتموهم قد وصلوا فانزلوا وافتحوا لهم درقة ~~الباب الواحدة وكلما دخل فارس فأبعدوا به عن الباب وأنزلوه عن فرسه وخذوا ~~عدته وكتفوه وألقوه في البرج قال فبينما هو يوصيهم إذ وصل الجيش وهم ألف ~~فارس والمقدم عليهم صاحب الملك الكبير فصالحوا عليهم افتحوا لجيش الملك ~~فتبادرت أصحاب يرغون ففتحوا درقة الباب الواحدة وقالوا لا نمكن أحدا يدخل ~~الا واحدا واحدا مخافة من يوقنا وأصحابه فانا نخاف أن يدخلوا في جملتكم ~~فبقي كلما دخل فارس رجلوه بعد أن يبعدوا به عن الباب ويأخذوا سلاحه وجواده ~~ويكتفوه إلى أن أدخلوا الألف والحاجب بعدهم فلما اجتمعوا نادوا بأعلى ~~أصواتهم الله أكبر الله أكبر فتح الله ونصر وجاءنا بالظفر قال فارتج ~~كفرتوتا ووقع الرعب في قلوب أهلها وعلموا أنهم ملكوا بلدهم فلم يجسر أحد ~~منهم أن يظهر في المدينة ومن ظهر قتل فلما أصبح طلب يرغون أكابر البلد ~~ومشايخها وبطارقتها فلما حضروا قبض عليهم وأنفذ إلى عياض بن غنم يعلمه بما ~~صنع فلما وصلت اليه الرسالة سجد لله شكرا وكان عبد الرحمن بن ms605 أبي بكر ~~وأصحابه لما وصلوا بالميرة أخبروا المسلمين والأمير بما وقع وان يرغون مضى ~~إلى كفرتوتا فكان منتظرا لما يأتي اليه من خبره فلما جاء الخبر بالفتح حمد ~~الله تعالى وتفاءل بالنصر قال الواقدي قال عياض بن غنم للصحابة اركبوا ~~ودونكم والقوم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وأمر خالد بن الوليد ~~أن يكون بأصحابه في الميمنة من القوم وأمر عمر ابن سالم أن يكون على يسار ~~القوم وقال لهم لا تخرجوا حتى تشب نار الحرب وتشتعل بالطعن والضرب فاحملوا ~~واعتمدوا على السيوف فإنها أقرب للحتوف وليكن شعاركم التهليل والتكبير ~~واقطعوا أجل أمنيتكم من الحياة الفانية وارغبوا في العيشة الراضية وإياكم ~~والميل إلى دار الغرور فإنها محل النوئب والثبور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~ولا يغرنكم بالله الغرور وقفوا بهممكم وقوف قوم غذوا بحلاوة وصاله فصانوا ~~أمرهم بالوقوف على طاعته فهاموا وتجردوا في الليل لخدمته وقاموا فأثنى ~~عليهم إذ بحبه هاموا * (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) * قال فسار ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو الجهات التي ذكرنا وزحف الموحدون ~~ونشرت الرايات والبنود وتواعدوا على اللقاء في اليوم الموعود وقالوا الهنا ~~ما لنا سواك من نصير فأنت نعم المولى ونعم النصير قال ووقع الصحائح في عسكر ~~الروم أن المسلمين قد زحفوا وأشرفوا قال فتبادروا إلى القتال وتمسكوا بقول ~~المحال ولبسوا وتدرعوا وعن الآخرة نزعوا والى الصليب تضرعوا ورفعوا رايات ~~الطغيان وتلت عليهم الإنجيل القساوسة والرهبان PageV02P136 # وفتحت لهم أبواب النيران عندما أشركوا بالرحمن وصار على جيشهم من الكفر ~~شبه الدخان وصار أمامهم الشيطان وعلا منهم الضجيج ووقعوا في أمر مريج فلما ~~نظر المسلمون إلى كثرة من اجتمع من قومهم استسلموا لحكم القضا وقالوا نرضى ~~بما قدر وقضى فنودوا من سرائرهم قد اشترينا منكم النفوس فاصبروا لحكم الملك ~~القدوس ولا تولوا الأدبار فقد سبق الحكم وانبرى وخط القلم في اللوح وجرى ~~وكتب بأمر الله ان الله اشترى قالوا ما الذي اشتراه من له المنة قال أنفسهم ~~وأموالهم بأن ms606 لهم الجنة فقالوا نحن نريد التسليم لنصل إلى جنان النعيم فقيل ~~لهم انهضوا إلى سوق المبيع فقد هبت بشائر الربيع وتجلى لقبض أرواحكم البصير ~~السميع فسبحوه وسجدوا ورفعوا أصواتهم بتوحيده ومجدوا فلما أيقنوا بالوصال ~~طلع لهم سهيل الحال وأزهرت شجرة الأحوال واستدار لهم رقيبة في فلك التيسير ~~وناداهم اني بما تعملون خبير فلما سمعوا منادي الافكار يناديهم بالعشي ~~والابكار بذلوا نفوسهم وأرضوا قدوسهم وجاهدوا واجتهدوا وحملوا واقتصدوا ~~ونهلوا من نهر الشهادة ووردوا ولم يزالوا في حرب الأعادي وموارد الاجتهاد ~~في مغاني ميادين الجهاد حتى خرجت الكمناء وهبت عواصف رياح الفناء فدمر ما ~~كان شيده الكفار من البناء وانتشرت أستار ما أملوه من الأماني والمني فقتلت ~~بينهم الصناديد وأصبحوا صرعى على وجه الصعيد وناداهم منادي التهديد ان ~~عذابي لشديد وما هي من الظالمين ببعيد ولم يزالوا في قتال الكفار إلى أن ~~مضى النهار واقبل الليل بالاستتار والمسلمون يقولون يا ليتنا دام لنا ~~النهار ولا غلبتنا جيوش الاعتكار وإذ قد ظهر لهم على أطناب سرادق القتار ~~ولا الليل سابق النهار قال فلما مضى الليل بغياهبه وأقبل الصباح بجانبه ~~بادروا إلى الحرب والطعن والضرب ولم يمهل بعضهم بعضا دون أن وقعت الحملة ~~على المسلمين فانهزم الجناح الأيمن وكان فيه أخلاط العرب قال وانهزمت ميسرة ~~العدو ووقع فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزل القتال فيهم ~~إلى أن غلبهم الليل فانفصلوا فلما كان اليوم الثالث تولى الحرب خالد بن ~~الوليد ورتب الناس ترتيبا جيدا وجعل في الميمنة باهلة وطبا وجعل في الميسرة ~~عديا ونميرا وفزارة وفي الجناحين كندة وعاملة ومرة وفي القلب ابطال الأنصار ~~من ذوي الشدة والانتصار وجعل راية الميمنة بيد عامر بن سراقة وراية الميسرة ~~بيد ضرار بن الأزور وراية الجناح الأيمن بيد عبد الرحمن الأشتر وراية القلب ~~بيد عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فلما رتبهم قال لهم اتقو الله الذي اليه ~~مصيركم واعلموا انه متكفل بتأييدكم ونصركم وإياكم ان تؤتي المسلمون من ~~PageV02P137 # قبلكم واتبعوا سنن الذين فتحوا ms607 الشام من قبلكم فمن ولى الادبار كان مأواه ~~النار وغضب عليه الجبار واعلموا ان الله فرض عليكم الجهاد وقتل الأعداء ~~واعلموا أن الأحب إلى الله تعالى جل جلاله قطرتان قطرة دم جرت في سبيل الله ~~وقطرة دمع جرت من خشية الله وهذا اليوم له من الاجر ما لا يعد فاتقوا الله ~~عباد الله واثبتوا في هذه المواطن كما ثبتم في المواطن الكبار وإياكم ~~والفشل فتذهب ريحكم وقوموا شريعة نبيكم واعلموا أن الله مع الصابرين ولا ~~يضيع أجر المحسنين وها أنا أنفرد بجماعة من اخوانكم إلى صليب القوم ولست ~~براجع الا بحطم من حوله من الكفرة والمشركين قال جل ذكره وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين فإذا رأيتم صليب القوم قد هوى إلى الأرض فاحملوا ولا تمهلوا ~~قال فلما وعظهم خالد رتب كل صاحب راية في موضعه وانتخب من انتخب من أبطال ~~المسلمين وقال للناس إذا رأيتم الصليب قد وقع فاحملوا والله ينصركم وحمل هو ~~ومن معه وقصدوا لواء شهرياض وصليبه الأعظم فما ردهم عن حملتهم كثرة العساكر ~~قال الواقدي ولقد بلغني ممن أثق به انهم لما حملوا طحطحوا العساكر وزعزعوا ~~الدساكر وأزالوا الابطال عن مراكزها والبطاركة عن مراتبها وما اعتمدوا الا ~~على السيوف واستقبلوا بها الصفوف فلما رأى شهرياض فعل أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رمى التاج عن رأسه وزعق بالبطارقة والاراجية والقياصرة وقال ~~يا معشر الروم من بني الأصفر اعلموا انه ما بين ذهاب دولتكم الا هذا اليوم ~~فاما أن تقاتلوا عن دينكم وحريمكم وملككم وذراريكم وأولادكم والا أخذت منكم ~~فإياكم أن تولوا الأدبار فمن تولى غضب عليه المسيح وأدخله النار قال الراوي ~~وبلغني أنه في ذلك اليوم وصل إليهم بتركهم الكبير المشار اليه في دينهم ~~ومعه كل قس وشماس ورهبان بأرض الجزيرة جاء ليحرض الروم على القتال وكان هذا ~~البترك اسمه دين الدويرم وكان يسكن بدير يقال له دير قرقوت وانهم وصلوا قبل ~~ان يحمل المسلمون فوعظهم بين الصفوف وقال من انهزم منكم حرمته فلا يقبله ~~المسيح ms608 أبدا ثم انفصل من القوم هو ومن معه وعلوا على رابية تشرف على القوم ~~ورفعوا الصلبان وفتحوا الأناجيل وأشركوا بالملك الجليل قال الواقدي حدثنا ~~عبد الله بن مالك عن موسى بن أبي العام عن الأشعب عن يحيى قال وحدثنا بشر ~~بن عامر وكان ممن حضر وقعة مرج رغبان وكانت الواقعة يوم الثلاثاء ثالث شهر ~~صفر سنة سبع عشرة وكان شهرياض قد أرسل إلى رأس العين وسائر بلاده فأتوا ~~بحريمه وحريم سائر الأجناد PageV02P138 # والبطارقة وأولادهم وأقامهن يوم المصف على أبواب الخيام وقال لهن ما من ~~امرأة الا ترفع ولدها وتصيح باسم بعلها وأخيها انما فعل ذلك ليثبتوا في ~~القتال فأوقعوا الصياح من كل جانب وعملت القواضب وثبت الروم ثباتا عظيما ~~لأجل حريمهم وأولادهم ولأجل البترك ووقف في مقابلتهم رجال من اليمن يرمونهم ~~بالنبل وأما خالد بن الوليد فلما حمل بأصحابه وهو يريد صليب القوم سمع عياض ~~بن غنم وهو يقول هذه الأبيات * سنحمل في جمع اللئام الكواذب * ونفري رؤوسا ~~منهم بالقواضب * ونهزم جيش الكفر منا بهمة * تطول على أعلى الجبال الراسب * ~~وننصر دين الله في كل مشهد * بفتيان صدق من كرام الأعارب * فيا معشر ~~الأصحاب جدوا وجندلوا * وكروا على خيل كرام المناصب * فدونكم قصد الصليب ~~وبادروا * لنرضى اله الخلق معطى المواهب * قال ثم قصدوا الصليب وكان اللعين ~~شهرياض لما صف الصفوف أقام حول الصليب الأعظم اثني عشر ألف فارس كلهم لبس ~~الزرد وترك امامهم حسكا من حديد حتى لا يصل إليهم أحد فلما حمل خالد ~~وأصحابه وقربوا من الصليب داست خيولهم على ذلك الحدسك فانكبت على وجوهها ~~فوقعوا عن ظهورها فانكبت عليهم الروم بغيظهم وحنقهم فأخذوهم بالأكف لأنهم ~~وقعوا عن ظهور خيولهم من الحسك فأخذوهم عن آخرهم وارتفعت العطاعط من كل ~~جانب وعملت المرهفات القواضب فلما نظر الأمير عياض بن غنم ما نزل بخالد ومن ~~معه صعب عليه واشتد لديه وقال في نفسه يا ابن غنم ما يكون عذرك بين يدي ~~الله وقد مضت هذه السادة تحت رأيتك فصاح بأعلى صوته ms609 يا معاشر المسلمين ~~احملوا ولا تمهلوا ايقظوا هممكم وعجلوا واستخلصوا السادة من الأسر واطلبوا ~~من الله النصر قال فلما صاح عياض أوقفوا خالدا ومن معه أمام الصفوف فتأسف ~~ابن وضاح بن مجيد بن نافور بن عمر بن سالم بن النابغة الذبياني وكان من ~~أفصح الناس لسانا وأجرئهم جنانا وأحدهم لسانا وأعلمهم بيانا وكان حليفا ~~لخالد بن الوليد رضي الله عنهم فبرز يومه بمرج رغبان وقال أيها الناس ان ~~الصبر والثبات جندان فلا يغلبان وهذا يوم يا له من يوم وما ترون من نخواتكم ~~ومروءتكم ودينكم أن تدعوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يد العدا ~~فاستنقذوهم من الردى واتقوا الله الذي اليه مصيركم واعلموا ان ترك الأشياء ~~النفيسة لا يليق الا بالنفس الخسيسة أما تحققتم ان الدنيا تئول إلى الزوال ~~والفناء والآخرة هي دار النعيم والبقاء أما علمتم ان الهمم العلية ~~الروحانية والأشباح الجسمانية عولت على الانتقال من الدنيا الساحرة إلى ~~PageV02P139 # دار الآخرة وقالت لا بد من الرحيل لأن البقاء في الدنيا قليل فتزودوا ~~معاشر الأرواح فقد قرب الرواح والقصد منكم قد عرفناه ومرادكم قد فهمناه وان ~~سفركم سفر شاق يحتاج إلى زاد ورفاق قالوا فما الزاد الذي نكثر منه ولا نعدل ~~عنه قيل لهم الزاد الأقوى في وتزودوا فان خير الزاد التقوى قالوا أما هذا ~~الزاد فمنا من يقدر عليه وما منا من لم يقدر عليه قيل إياكم والتعرض لهذا ~~السفر بغير أعمال واعملوا ليوم لا بيع فيه ولا خلال فلما تزودوا أخلصوا ومن ~~جيفة الدنيا تخلصوا خلع عليهم خلع الانعام وتوجهم بتاج العز والاكرام وجعل ~~لهم الفردوس منزلا وقال في حقهم كانت لهم جنات الفردوس نزلا واسمعوا ما قال ~~فيهم الملك المقتدر فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر قال فعندها حملوا ~~بأسرار صافية وهمم وافية وطعنوا في صدرو الرجال ورفرفت على رؤوسهم طيور ~~الآجال ووضعوا السيف في الروم وجعلوه عليهم يوما مشئوما قال ولم يزل القتال ~~بينهم بقية يومهم إلى الليل وانفصلوا عن القتال ورجع ms610 المسلمون وهم متأسفون ~~على أسر خالد ومن معه فإنهم لما وقعوا في الأسر وانفصل الناس من القتال وجن ~~الليل ارسلهم الملك شهرياض إلى رأس العين مع حاجبه نقيطا بن عبدوس ومعه ألف ~~فارس وأمره أن يسير بهم في الليل ويجد بهم في السير وأن يسلمهم إلى والي ~~راس العين قال فسار بهم ولم يطلع الفجر الا وقد وصل بهم إلى رأس العين ~~وأرسل من يعلم الوالي بالقصة فخرج في موكبه للقائهم ووضع الصايح في رأس ~~العين بقدومهم فما تخلف أحد وكان لهم يوم مشهود فألقاهم الوالي في الكنيسة ~~العظمى التي هي جامع اليوم وأوثقوهم في الحديد قال حدثنا فاهم اليشكري عن ~~بشار بن عدي عن سراقة بن زهير عن خزيمة بن عازم عن جده عبد الله بن عامر ~~قال إنه لما فتح الرها وحران وسروج صلحا اجتمع يوقنا برودس ومعه أصحابه ~~فقال اعلموا أن الله سبحانه وتعالى قد فتح علينا هذه البلاد وان رأس العين ~~مدينة عظيمة وأهلها قد استعدوا للقتال وآلة الحصار وربما صعب أمرها وعسر ~~فتحها على المسلمين واني معول أن أهب نفسي لله وأسير مع أصحابي فلعلي أن ~~أحصل في داخل المدينة ولعل الله أن يفتحها على يدي فقال له سعيد بن زيد قوى ~~الله وسدد أمرك قال وعول على المسير في تلك الليلة وإذا بعيون المسلمين قد ~~أقبلت إلى حران يخبرون أنه قد أتى عاصم بن رواحة المتنصر في خمسمائة فارس ~~من قومه من اياد الشمطاء وكان قد وصل مع قومه إلى قسطنطينية وقد ورد على ~~الملك هرقل كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يبعدهم عن دياره فأبعدهم ~~عن أرضه فتفرقوا PageV02P140 # في كل موضع وأتى منهم عاصم بن رواحة إلى هذا الملك شهرياض في خمسمائة ~~فارس وكان الملك يحبه ولما وصل إلى البرية كتب إلى الملك يعرفه انه خرج من ~~بلاد القسطنطينية وأتى قاصدا إلى بلاده وخدمته وبعث الكتاب مع رجل من بني ~~عمه اسمه رفاعة بن ماجد فوصل إلى الملك وأعطاه الكتاب ففرح ms611 الملك بقدومه ~~وأمره أن يعجل في الحضور وأرسل إلى والي رأس العين بأن يخلي له دارا ينزل ~~فيها إذا قدم مع أصحابه فلما سمع يوقنا ذلك الخبر من عيونه فرح وقال من أي ~~طريق يأتون قال من طريق سروج وبقي بينكم وبينه ليلة واحدة فخرج يوقنا ومن ~~معه وصحبهم عمرو بن معد يكرب وسعيد بن زيد ومن معهم وكمنوا لهم في موضع قد ~~علموا أنهم لا بد لهم من العبور فيه فلما ضرب الليل سرادقات ظلامه ونصب على ~~الخافقين أعلامه إذ أقبلت خيول القوم وسمعوا حسهم فصبروا حتى توسطوهم من كل ~~جانب وقصد كل واحد واحدا فأخذوهم عن بكرة أبيهم ولم ينفلت منهم أحد واحتووا ~~على أثقالهم ورحالهم ورجعوا إلى مكمنهم ونزلوا عن خيولهم فقال لهم سعيد بن ~~زيد من أميركم حتى أخاطبه فأشاروا إلى عاصم بن رواحة فقال له سعيد بن زيد ~~يا بن رواحة أي مناسبة بينكم وبين الروم حتى لذت بهم وملت إلى جانبهم وتركت ~~العرب العرباء فأنت منا والينا وحسبك حسبنا ونسبك نسبنا لان أنمارا وايادا ~~وبيعة ومضر كلها ترجع إلى نزار بن معد بن عدنان وان الله تعالى قد أختارهم ~~لسكنى حرمه وجوار بيته وقد كنا نعبد الأصنام ونستقسم بالأزلام ونتبع طرق ~~الحرام حتى بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه * (وأنذر ~~عشيرتك الأقربين) * وأمره بالمقام في دار الخيزران ثم دعاهم إلى عبادة ~~الملك الديان وقال لهم أنتم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل وقد فضلكم ~~بارىء النسم بسكناكم البلد الحرام والبيت المعظم وزمزم والمقام فمالي أراكم ~~على الأصنام عاكفين والأزلام حالفين وفي ثياب الكفر رافلين أما لكم عقول ~~تردكم أما لكم بصائر تصدكم أما أنتم من ذوي الأحلام الراجحة أما أنتم من ~~ذوي الآراء الشامخة ألهذا خلقتم أم به أمرتم نحتم الأصنام من الأحجار ~~وسلكتم طريق الفجار وكفرتم بالواحد الجبار الذي سير البحار وأجرى الفلك ~~الدوار وخلق الليل والنهار أما تشكرون الصانع الذي جعل النجوم طوالع وكل ~~اليه راجع قالوا يا ms612 محمد من أمرك أن تسب آلهتنا وتسفه أحلامنا قال يا قوم ~~العلم أمرني والعقل بصرني أما علمتم أنه من نظر في المصنوعات وتدبر علم أن ~~لها صانعا لا يتغير فالنظر في المخلوقات حكمة والتنكر في صنعه والاقرار ~~بوحدانيته نعمة والايمان به رحمة PageV02P141 # قالوا فمن تعبد قال أعبد الذي فطرني وصورني وشرح خاطري ونور بصائري وخلق ~~المخلوقات وقدر وصنع المصنوعات وأنزل الأرزاق بقضاء وقدر ليس في مشيئته كيف ~~ولا في أقضيته حيف يقول ولا يتلفظ ويريد ولا يظهر ويسمع ويبصر تعالى عن ~~المكان والأين والشبيه والبين وقال لا تتخذوا الهين اثنين أما علمت يا ابن ~~رواحة أن ديننا هو الحق وقولنا هو الصدق وما بعث الله نبيا الا وأمر أمته ~~باتباع دين الاسلام قال الله تعالى في القرآن * (ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) * وقال تعالى اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا وقال وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وأنت ~~تعلم الآن أنكم في قبضتنا وأسرنا فان آمنتم بالله وصدقتم برسالة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا وان أبيتم ضربنا أعناقكم ~~قال فلما سمع عاصم بن رواحة ذلك من كلام سعيد ابن زيد قال وان نحن رجعنا ~~إلى قولكم واتبعنا دينكم يغفر لنا ربنا ما سلف من الاشراك في ربوبيته ~~والسجود لغيره قال سعيد نعم لان الاسلام يهدم ما كان قبله وجميع ما كنتم ~~فيه لا يطالبكم الله به وتخرجون من الذنوب كما خرجتم من بطون أمهاتكم إلى ~~الدنيا ثم تلاقوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم فلما سمع عاصم ~~كلام سعيد قال أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فلما ~~نظر أصحاب عاصم اليه وقد أسلم أسملوا عن آخرهم ففرح المسلمون ms613 بذلك وقالوا ~~قد وجب علينا أن نطيب قلوب هؤلاء القوم ثم ساروا إلى حران وأنزلوهم وخلعوا ~~عليهم فقال يوقنا الآن فتحنا رأس العين ورب الكعبة فقال سعيد فكيف ذلك يا ~~عبد الله قال سوف أريك بيان ذلك ثم إنه قال لعاصم بن رواحة في السر بينه ~~وبينه أريد منك أن تشدني كتافا أنا وأربعين من أصحابي وتجعلنا على ظهور ~~الجمال التي تحمل أثقالكم وتركب مع هؤلاء السادة يعني الأربعين الذين هم من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسيروا من ليلتكم هذه إلى راس العين ~~وتقولوا لواليها لما عبرنا الفرات خرج هؤلاء علينا فنصرنا المسيح عليهم ~~فقتلنا من قتلنا واسرنا هؤلاء وأتينا بهم إليكم وإياك أن تمكنه أن يقتل ~~واحدا منا وإذا أراد ذلك تقول له ان المصف بين يدي الملك وبين العرب ولا ~~ندري من يؤخذ من أصحابنا فيكون عندنا الفداء وتترك أصحابك بحران قال عاصم ~~ولم لا نسير بأجمعنا وباصحابي كلهم فقال يوقنا ان الاسلام لم يتمكن بعد من ~~قلوب القوم ونخاف أن أحدا منهم يغمز علينا فيفسد حالنا PageV02P142 # والثقة بكل أحد عجز فقال والله لقد صدقت في قولك فنزل ببني عمه الخمسمائة ~~في حران وانما قال يوقنا ذلك ودبره ليكونوا على سبيل الرهائن قال فكتفوا ~~يوقنا والأربعين من بني عمه وتزيا الصحابة بزي اياد الشمطاء وخرجوا من حران ~~في الليل وطلبوا راس العين فلما وصلوا إلى مكان يعرف بعلوا إذا بقرع حوافر ~~الخيل فأخفوا أمرهم حتى وصلوا إليهم وإذا هم بأربعمائة عبد أسود وخمسين وهم ~~يقرءون القرآن وبعضهم يسبح فاستقبلهم سعيد بن زيد ومن معه وكبرونا مثل ~~تكبيرهم وقربوا منهم فإذا هم موالي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمقدم عليهم دامس أبو الهول رحمة الله تعالى وكان السبب في قدومهم أنه ~~لما بعث عياض بن غنم كتابا إلى أبي عبيدة يستنجده على القوم ويعلمه بمن قد ~~اجتمع من الكفار بمرج رغبان فلما قرأ الكتاب أرسل دامسا ومن معه لنصرة ~~الاسلام وكانوا بسميساط وبلادها ومنذ ms614 فتحوها استمروا بها حتى جاءهم كتاب ~~أبي عبيدة فترك دامس على سميساط وبلادها من يثق به وجاء في العدة التي ~~ذكرناها فلما لقيهم سعيد بن زيد سلم بعضهم على بعض وفرحوا باجتماع الشمل ~~ونظر دامس إلى الجمال وعليها يوقنا وأصحابه فقال أظفرتم بهؤلاء في طريقكم ~~فقال هذا يوقنا عبد الله وأصحابه قد باعوا نفوسهم لله قال فلما سمع أبو ~~الهول كلام سعيد سجد لله على قربوس فرسه وأتى إلى عبد الله يوقنا وسلم عليه ~~فقال له مرحبا بقوم طلقوا الدنيا بتاتا وزهدا وطلبوا مرضاة الله 8 ثم إنه ~~قال لسعيد بن زيد يا صاحب رسول الله أشركونا معكم في هذه الحيلة قال نعم ~~ولكن اسحبوا هذه الجمال وأخفوا الدروع والعدد واحتزموا فوقها وسوقوا الجمال ~~أمامكم كأنكم عبيدنا فإنه لا ينكر عليكم من رآكم قال ففعلوا كما أمرهم سعيد ~~وأخفوا سلاحهم في وسط الجمال وأقبلوا على سوقها فلما وصلوا إلى الزليخة ~~نزلوا هناك ولبسوا وتدرعوا ونشرت الأعلام والصلبان التي كانت مع اياد ~~الشمطاء وداروا بيوقنا وأصحابه وجعلوهم بينهم وساروا حتى قربوا من رأس ~~العين فبعث سعيد رجلا من حلفائهم إلى والي رأس العين يبشره بقدوم عاصم بن ~~رواحة واياد الشمطاء فلما وصل اليه الرسول خرج بالمواكب إلى لقائهم وقد ~~اعلمه الرسول بقدوم يوقنا أسيرا ومعه أربعون من أصحابه فصاح الصائح بذلك ~~فما بقي أحد الا وخرج أمام الوالي والتقوا بالصحابة وهم بزي أصحاب اياد ~~الشمطاء وقد داروا بعاصم بن رواحة وكان الوالي يحبه ويعرفه فترجل اليه ~~وترجل عاصم وتعانقوا وأقبلت المواكب يسلم بعضها على بعض فقال الوالي كيف ~~أخذت هؤلاء وهذا المارق يعني يوقنا فقال PageV02P143 # له انا لما وصلنا إلى الفرات وعدينا خرج علينا برجاله فقاتلناه وقاتلنا ~~فنصرنا المسيح عليهم بعد ما قتلنا منهم خمسين رجلا وأخذنا هؤلاء وانهزم ~~الباقي قال ففرح الوالي وأقبل على يوقنا يوبخه بكلام وهو لا يرد عليه ~~والروم تشتمه وتسبه وهو لا ينظر إليهم ولا يكلمهم إلى أن دخلوا رأس العين ~~وأمرهم أن يجعلوهم عند الأسارى ms615 في بيعة نسطوريا وقال لهم احتفظوا بهم حتى ~~نكاتب الملك ويرى فيهم رأيه قال فجعلوهم عند خالد وأصحابه ثم إن عاصما قال ~~للوالي أنت تعلم ما بيننا وبين هؤلاء القوم من العداوة وان كانوا عربا ~~مثلنا ونخاف أنك تجعل على حفظهم أحدا من الروم أو من الأرمن وأن يتحدثوا ~~معهم باطلاقهم وتدخل المضرة على الملك وعليكم والصواب أن نجعل بعضنا في ~~البيعة وبعضنا خارجا فإنه من أتى إلى الجهاد لا يركن إلى الراحة فإنه من ~~تعب في الدنيا قليلا استراح في الآخرة طويلا قال فاستصوب الوالي رايه ~~وأنزله في البيعة هو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأضاف يوقنا إلى ~~خالد قال الواقدي فحصل ستمائة فارس من المسلمين قال الراوي فلما استقروا في ~~البيعة وجن الليل قام سعيد بن زيد إلى خالد وسلم عليه وبشره بالفرج فقال يا ~~ابن زيد لقد علمت بذلك منذ قيل إن يوقنا قد أتى به ومعه أربعون فنظرت بنور ~~الايمان فعلمت صحة ذلك قال وان الوالي بعث إلى الملك يبشره بأخذ يوقنا ومعه ~~أربعون من أصحابه وقدوم عاصم بن رواحة ومعه خمسمائة من أصحابه فلما بلغه ~~الخبر أمر بالبوقات فضربت فسمعت المسلمون بذلك فقالوا ما ضربت البوقات الا ~~لأمر مهم إذ اقبل عباد بن بشير وهو متنكر وأتى إلى عياض بن غنم فلما رآه ~~قام اليه وسلم عليه وقال يا ابن بشير بم تبشرني أقر الله عينيك فلم يرد ~~عليه شيئا حتى خلا به وحدثه بجميع ما جرى فلما سمع عياض بشارة عباد ابن ~~بشير سجد شكرا لله فقال عباد أيها الأمير ان سعيد بن زيد ومن معه يسلمون ~~عليك وعلى من معك ويقول لك أنجر المصف فلعل أن يفتح على يديك فما بينك وبين ~~فتح راس العين الا أن تهزم القوم وقد فتحت فقال عياض توكلنا على الله فلما ~~جن الليل جمع أصحاب الرايات وحدثهم وقال لهم لا تعلموا أحد مخافة من جواسيس ~~الروم ولا يصبح الصباح الا وأنتم على أهبة الحرب قال ms616 فما أصبح الصباح الا ~~والمسلمون قد أخذوا أهبة الحرب فلما طلعت الشمس وانبسطت على الأرض علت على ~~الخيل ركابها وحملت بأصحابها وشبت من PageV02P144 # الحرب نارها وطار شرارها وقطعت الجماجم واستعرت الملاحم وصالت أسودها ~~وتعفرت خدودها وصبرت على شدة حالها وحانت منها أحوالها وتدانت آجالها فهم ~~في الحرب متوافرون وفي العدد والعديد متقاربون وفي الزحف إلى الفزع مختلفون ~~والعجاج ثائر والدم فائر والاسلاب مطروحة للضياع ولحوم القتلى رزق للطير ~~والسباع ولقوة العمائم تشتكي منها الاسماع والشمس تضجر منها الجسوم والنفوس ~~والحرب قد أخذت أمرا يقطع الآجال وقد شمرت عن ساق وسروال والوطيس قد حميت ~~جوانبها واستحيت عين مجانبها والصفوف تدانت إلى الهياج وقد غيبهم غيم ~~العجاج وكل مقدم قد شذ منه جيشه وتكدر بعد الصفو عيشه والخيل تكر كرات ~~وتجتمع مرات والسيوف تقطع البيض والنفوس تكاد تميز من الغيظ والغبار قد سحب ~~ذيلا زنجيا وانسبل وأسبل على الوهاد رداء سجيا والطيور قد حامت وكأن ~~القيامة قد قامت واستقبل المسلمون هذا الحرب الخطير والضرام المستطير فحل ~~بالروم العقاب وسمحوا بنفوسهم ولقواء اليم العذاب ونال المسلمون ما رغبوا ~~فيه من حسن المآب قال الواقدي والتقى عبد الله بن عياض بن وائل وعبد الله ~~بن قرط بالملك شهرياض وقد عول على الهرب وكل من في جيشه قد اشتغل بنفسه عن ~~نصرته وليس عنده سوى عشرة من غلمانه فاطبق عليه عبد الله بن قرط وعبد الله ~~بن عياض قال الواقدي ولم أدر أيهما كان أسبق بالطعنة فطعنه في صدره فأخرج ~~السنان من ظهره فلما نظر غلمانه إلى ملكهم مجندلا ولوا على ادبارهم ونزل ~~عبد الله فاحتز رأسه وجعله على رمحه وركب وصاح ألا وان الملك قد قتلته فمن ~~كان منكم يثبت للحرب فليثبت وصالت المسلمون على أعداء الله ووضعوا فيهم ~~السيوف فقتل من قتل وانهزم الباقون بعدما أسروا منهم من أسروه وقد تركوا ~~الأثقال على حالها والأموال والسرادقات فاحتوى عليها المسلمون قال جديد بن ~~ناشب الضيمري كنت مولعا إذ سكنت الحرب بعدد من قتل من ms617 الروم فأخذت مخلاة ~~على عاتقي وملأت حجري حصى فكنت لا أمر بمقتول الا وطرحت عليه حصاة ثم عددت ~~الحصى فإذا هي ثمانون ألفا وسبعمائة وخمسون وأما الاسرى فلا يحصيهم عدد ~~فلما وضعت الحرب أوزارها أمر عياض بالاثقال والاسرى إلى كفر توتا وبعثها مع ~~الصلت بن مازن ومعه الف فارس وأمره أن لا يبرح منها حتى تفتح رأس العين قال ~~ثم ارتحل عياض في أثر الوقعة إلى رأس عين وردة وبات ليلته يتلو القرآن وقال ~~ووصل المنهزمون إلى رأس العين وهم بأسوأ حال ووقع الصائح بجوانب ~~PageV02P145 # المدينة بهزيمة الجيش وقتل الملك شهرياض فعظم عليهم وكبر لديهم واستوثق ~~الوالي مرسيوس من المدينة والأسوار وعول على أنه في غداة غد يضرب رقاب ~~المأسورين وكان من عادة الروم إذا قتل منهم ملك يقتلون عليه مائة أسير من ~~أعدائهم فلما كان الغد ركب عدو الله مرسيوس الوالي وسط المدينة وأمر أن ~~يؤتى بالأسرى وهم خالد ومن معه ليضرب رقابهم فأرادوا أن يأتوا بهم وإذا ~~بعياض قد صبحهم صباحا فاشغلهم عن ذلك ونزل على باب اسطاحون وهو الباب ~~الشرقي وكان قد ضرب على الباب المذكور قبة من الديباج برسم عدو الله مرسيوس ~~والى جانب القبة منجنيق عظيم يتعلق في حباله مائة رجل وكان صاحبه ابن عم ~~الملك وكان اسمه مترقيس بن اشفكياص وكان أبوه هو الملك قبل شهرياض وهو صاحب ~~الدنانير الاشفكياصية قال وانما تقدم عياض بالمسلمين للقتال حتى يشغل أعداء ~~الله عن خالد ومن معه بالمدينة فصاروا يرمون بمجانيقهم وسهامهم وكان قد وصل ~~مع عياض غلام من أهل المدينة اسمه جميل بن سعد الداري وكان أرمى خلق الله ~~بالنبل وكان قد وصلت له أم عجوز فلما كان ذلك قال يا أماه أريد أن أجاهد ~~هذا اليوم في الله حق جهاده فلعلي أن ألحق باخواني وجدي الذين قتلوا بين ~~يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعها وسار فقالت يا بني سر والله ينصرك ~~ويؤيدك قال ثم إنه تقدم ووقف وهو يتستر وكان قد شاع ذكره ms618 بين العرب وأنه ~~كان ينظر إلى الطائر في الجو فيقول انني قد عولت أن أضرب هذا الطائر في ~~موضع كذا فيضربه فيقع الطائر والضربة في المكان الذي ذكره فلما كان يوم ~~قتال عين وردة تقدم وجعل يضرب البطارقة من أعلى السور فلا يقع سهمه الا في ~~فؤاد أو في حدقة حتى قتل ثلاثين بطريقا منهم من وقع إلى المدينة ومنهم من ~~وقع إلى الخندق قال وكشف برج الباب قال وكان عدو الله مترقيس المتقدم ذكره ~~صاحب المنجنيق ارمى خلق الله فجعل يعبر ويرمي فقال الناس لجميل بن سعد أيها ~~الغلام أبعد لئلا يصل إليك حجر المنجنيق فأنا نخاف عليك منه فقال يا قوم ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في كتاب الله العزيزم * (أينما ~~تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) * ولا بد أن أثبت لهم ثم إنه ~~رمى رجلا من الذين يجرون الحبال فقتله وثانيا وثالثا فقتلهما قال فهربت ~~البطارقة عن الحبال وقالوا لا طاقة لنا بالوقوف في هذا المكان من هذا ~~الغلام فقال مرسيوس البسوا الدروع واستتروا ففعلوا وقعدوا في الحبال ورمى ~~بحجر فوقع في رجل من بجيلة فقتله ولم يزل حتى قتل ستة رجال قال وان جميل بن ~~PageV02P146 # سعد يرمي فلا تخطىء نباله وهو يقول واشوقاه إلى الشهادة وأن أصل إلى دار ~~العلم والشهادة فنودي من سره ان أردت ذلك فبادر إلى ذلك ولا تخف ولا تحاذر ~~وأطلق عنان كليتك في ميدان طلبتك وإياك والتخلف عن بابنا فمن ارادنا أردناه ~~ومن أحبنا أحببناه فقال ها أنا أتقدم وجناني في الحقيقة لا يتألم قد بعت ~~منك نفسي فاقبل شراها فعسى أن آتي الجنة وأراها فقيل له قد قبلناك فامرح ~~وأطلق لسانك بشكرنا وافرح فمن باع نفسه منا لم يكن بمغبون واسمع ما سطرناه ~~في الكتاب المكنون * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون) * قال فبينما هو كذلك إذ عبر عليه عدو الله ورماه وكذلك ~~جميل قصده بنبلة فوقعت في ms619 صدره ومرت من ظهره ونظر جميل إلى الحجر وقد قصده ~~فعلم أنه ميت فالتفت إلى ابن عم له اسمه رافع بن خالد وقال له بلغ العجوز ~~سلامي وأنشدها هذه الأبيات وجعل يقول * ايا رافعا الا حملت رسالتي * تخبر ~~أني قد لقيت حمامي * وأن جئت أمي رافعا وعشيرتي * فخصهم مني بكل سلام * وان ~~سألت عني العجوز فقل لها * قتيل حجار لا قتيل سهام * طريحا بباب الحصن لما ~~تطايرت * من الحجر الصلد الأصم عظامي * ولست أبالي أن قتلت لأنني * أرجي ~~بقتلي في الجنان مقامي * قال وعلم عياض بقصته فبكى رحمة لأمه وأمر به فدفن ~~بعد ما صلى عليه وبلغ خبره إلى أمه فصبرت صبر الكرام وقالت يا بني عشت ~~سعيدا ومت شهيدا وسلكت سبيل آبائك فرحمك الله وآنس غربتك ونفعني بك يوم ~~القيامة ثم قرآت * (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون) * قال حدثنا معمر بن الجون النهائي وكان ممن حضر مع جده سراقة فتح ~~رأس العين قال لما قتل بن سعد فرحت الروم وان عدو الله مرسيوس صاحب الامر ~~بعد شهرياض لما رأى أن المسلمين معولون على حصاره مضى في الليل إلى بيعة ~~نسطوريا وصلى بها وقرب القربان وكان من بغضه للمسلمين قد صور على باب ~~البيعة صورة رجل من العرب وكتب عليه هذا نبي العرب فكل من دخل البيعة يبصق ~~عليه وكان في داخل البيعة صورة القيامة والميزان والصراط والجنة والنار ~~وصور عيسى وبيده الصليب أمه تحت لوائه على باب الجنة قال فلما صلى قال ~~لعاصم بن رواحة لقد أردت الليلة أن أقرب عشرة من هؤلاء العرب الاسرى في بيت ~~المذبح فقال له عاصم ليس هذا برأي أيها الملك حتى ترى ما يكون من أمر العرب ~~وهذا بين يديك قال PageV02P147 # سكت وخرج وان عاصما لم يترك في البيعة أحدا من الروم واستوثق من أبواب ~~البيعة ودخلت الصحابة إلى بيت المذبح فوجدوا فيه سلاحا كثيرا مما كان يجتمع ~~من النذور فأخذوه وعولوا على أنهم في صبيحة غد إذا ms620 اشتغل أهل المدينة ~~بالقتال ليثورون في المدينة قال ولما دخل الليل قاموا يذكرون الله وينظرون ~~إلى تلك الصور المصورة وصفة القيامة والصراط والجنة والنار فقال عاصم بن ~~رواحة لسعيد بن زيد الهرب إلى دين رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في ~~الايمان قال نعم ويقرب إلى مقام إبراهيم إذا كان يوم القيامة يوم الحسرة ~~والندامة وعصفت رياح الطامة وحشرت الخلق والورى وبرزت الجحيم لمن يرى وصفت ~~صفوف العالمين وحييت جوانب المتقين الموقنين ونشرت رايات الصادقين ورفعت ~~أعلام المحققين ونصبت منابر الأنبياء والمرسلين وتصدرت مراتب الصديقين ~~وفرحت أرواح الموحدين وضاقت أرواح الكافرين وزهقت نفوس المشركين وقيل بعدا ~~للقوم الظالمين وذلت الملوك والجبابرة وطأطأت رؤوس الأكاسرة والقياصرة ~~واستبشرت الأبرار ويئست الفجار وناد مناد الملك الجبار لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار ألم نحذركم دار البوار ألم يأتكم الانذار ألم تسمعوا ما أنزل ~~على السيد المختار قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار هذا يوم الفصل جمعناكم ~~والأولين هذا يوم العرض هذا يوم الجزاء هذا يوم الراجفة هذا يوم الازفة هذا ~~يوم الفصل هذا يوم العدل فإذا غص الموقف بأهله وقدم كل ذي جهل بجهله وعضت ~~الأنامل اسفا وطارت القلوب لهفا ونادى المنادي يا معاشر المجرمين امتازوا ~~فان المتقين قد فازوا أما سمعتم في الكتاب المكنون وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون فبينما هم قد كظمهم العطش ولحقهم الدهش وعظم الارق واشتد القلق ~~وسال العرق ونادى المنادي وهم يسمعون قفوهم انهم مسؤولون قفوهم حتى يروا ~~هيبتي ومملكتي قفوهم حتى يشاهدوا سلطاني وعظمتي قفوهم حتى يعرضوا علي قفوهم ~~حتى أناقشهم الحساب أين من عصى وأجرم أين من طغى وظلم أنا الجبار الأعظم لا ~~أرحم من لا يرحم أين أمة نوح اين من كان يغدو في البطالة ويروح اين أمة هود ~~اين آل ثمود أين أمة التظليل أين أمة شعيب أين أهل الشرك والشك والريب أين ~~أمة التوحيد أين أهل الصلاة والتمجيد أين أهل القرآن أين أمة راكب البراق ~~أين أمة طاهر الاخلاق هلموا للعرض والحساب فقد ms621 تجلى رب الأرباب لا ظلم ~~اليوم ان الله سريع الحساب والمصطفى صلى الله عليه وسلم في كبكبة حشمته ~~وموكب زينته على رأسه تاج الرضا مكتوب عليه بقلم الامضا PageV02P148 # * (ولسوف يعطيك ربك فترضى) * وبيده لواء الحمد وبين يديه جنائب السعد وعن ~~يمينه الأنبياء وعن يساره الأولياء والملائكة وقوف بين يده وأهل الموقف ~~ينظرون اليه وأمته يصلون عليه وقد تهللت وجوههم فرحا وقد أسبل عليه الاسلام ~~سرباله وأوصل بهم حباله قد نادوا بهم بالتمجيد وازعجوا الموقف بالتوحيد وقد ~~أضاء نور ايمانهم وعرضوا على ديانهم واستشهدهم على الأمم فشهدوا فقبلت ~~شهادتهم وغيبت عنهم نجوم الافلاس وأمنوا من الهول والباس ونادى مناديهم ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس وأهل الموقف ينظرون إلى جمالهم ويتعجبون من هيبة ~~جلالهم ويقولون لقد فاز من اتبع ملتهم وصدق شريعتهم قال مالك يوم الدين ~~ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين فإذا ورد مقامه أطال فيه هناك قيامه ~~وبسط كف ابتهاله وبالغ في طلبه وسؤاله ويقول أسألك قبول شفاعتي في العصاة ~~من أمتي وإذا بالنداء وعزتي وجلالي لا أخلف لك وعدا ولا أنقض لك عهدا ~~ولأرين أهل الموقف علو شانك ورفيع مكانك ولأعطينك حتى ترضى ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى قال فازداد عاصم ايمانا فلما كان وقت السحر وثبت الصحابة على اقدام ~~الحزم والعزم وخرجوا على أهل المدينة فاستعانوا بالله وقالوا اللهم انصرنا ~~كنصر نبيك يوم الأحزاب وقال خالد إياكم أن تفترقوا فتذهب ريحكم وأتقوا الله ~~الذي اليه مصيركم واعلموا أن الأعداء يجتمعون عليكم والنساء يرجمنكم ~~والشباب يقاتلونكم وإياكم أن تطمعوا أحدا في بحار الحرب بل اصبروا على مر ~~الكرب والضرب وانما يتبين صبر الرجال عند ملاقاة الأهوال وما نحن ممن يفزع ~~بهجوم الآجال لأنا قد تحققنا أن لكل منا أجلا لا يتعداه ومن خاطر بعظيم نال ~~عظيما وهذه اسمها عظيم والجمع فيها أعظم وهي قصور ديار بكر وربيعة وقد ~~حصلنا في وسط مدينة القوم فان كنتم طالبين الظفر فاصبروا ولا تعجلوا فالصبر ~~مقرون بالظفر والعجلة مقرونة بالزلل والصبر عاقبته النصر ms622 واعلموا أن هذه ~~البيعة هي بيعتهم المعظمة ولا بد لهم من القدوم إلى الصلاة فإذا حصل واليهم ~~ههنا ومقدم عساكرهم أطبقنا عليهم من كل جانب وقصمناهم بالقواضب فإنه إذا ~~قتلت الملوك وعظماء البطارقة فما يجسر بعدهم أحد أن يرفع يده وأما العوام ~~فلا اعتبار بهم فقال عاصم بن رواحة لله درك أيها الأمير ما أخبرك بالأمور ~~والحرب ولقد تكلمت بالصواب وأحسنت في الخطاب فليقر كل واحد منكم في مكانه ~~وأخفوا سلاحكم في أعيابكم فإذا اشتغل القوم في صلاتهم ثرنا عليهم ومددنا ~~أيدينا إليهم فاستصوبوا رأيه قال وكانت PageV02P149 # الصحابة في بيت كبير في البيعة كان برسم النذور وفيه شيء من الأمتعة لا ~~يثمن لكثرته قال الراوي حدثنا عبد الله بن يأنس عن جده فياض بن زيد وكان من ~~جملة من ذكرناهم من الصحابة وحضر فتوح رأس العين قال هكذا كانت قصتنا وكنا ~~قد دبرنا هذا التدبير ثم رجعنا عنه وكان من الامر المقدر أن ذلك اليوم الذي ~~رجعنا فيه لم يقاتل فيه أحد من جند رأس العين وكان له سبب نذكره قال الراوي ~~كان من قضاء الله السابق في خلقه أنه كان للوالي أخ عاقل لبيب له رأي ~~وتدبير وكان يعرف من الحكمة التي وصاه بها فهرايس أحد حكماء اليونانيين وقد ~~عرف من علم الملاحم وكان صاحب سر شهرياض فما كان يفعل شيئا الا بمشورته ~~وكان قد نهاه عن قتال العرب وقال له ما أرى لك في قتالهم خيرا والامر عليك ~~لا لك فلما كان من الملك ما كان وقتل جيشه ورجع الامر إلى مرسيوس قال له ~~أخوه الحكيم وكان اسمه اسالوس معناه حكيم زمانه اعلم يا أخي انه ليس ينبغي ~~للعاقل اللبيب الفاضل الأديب أن يرمي نفسه في غير مراميها ولا ينقاد بزمام ~~شهوة النفس فإنه من أطاع نفسه هوى في مهاوي الذل ونسب إلى الجهل فان الشهوة ~~عرض واتباع الهوى مرض والاستمتاع بالملذات سبب الهلكات ولا خير في لذة تؤدى ~~إلى الفناء وتورث صاحبها العناء الشهوة حين والأمل شين ms623 والاستمتاع بين ~~والتمتع دين وحب الدنيا مين وما ندم عاقل ولا ساد جاهل ولا وفق عجول ولا ~~أرى لملول ولا سعد خائن ولا صدق مائن ولا عظم بخيل ولا قدم ذليل ولا فحم ~~نبيل ولا حقر جليل ولانال العبادة من زهد في الإفادة ولا أمن في الآخرة من ~~سر بالدنيا الساحرة ولا سدد من ظلم ولا حرم من حلم ولا حزم من ندم ولا خاف ~~من تاب ولا رد من أناب ولا هجر من لزم الباب ولا ذل من اتبع الصواب واعلم ~~أن بالسياسة تدوم الرياسة وبالعدل تدوم الدول وبالجور هلك الأول وبقلة ~~التدبير يحصل التبذير ومن بذل جهده كملت أوصافه ومن افشى السلام فضله ~~الأنام واصلاح السريرة نعم السيرة وجمال الانسان فصاحة اللسان وزينة الرجال ~~كرم الخلال وخير الأصحاب التقوى وشر الاخوان اتباع الهوى ولا خاب من قصد ~~طوره ولا ارتفع من جهل قدره والتعلق بالآمال ضياع الاعمال ومعالي الاخلاق ~~نعمت الرفاق وممارسة الحلال نجاة من الأهوال وحب العاجل يبيد الآجل وارتكاب ~~العصيان علامة الخذلان وعلامة التوفيق تيسير الطريق والنظر في العواقب أمن ~~من المعاطب ومن نظر إلى PageV02P150 # الدنيا بعين الفنا أدرك في الآخرة ما تمنى واعلم يا أخي أنك قد أصبحت ~~مقيدا بحب الدنيا سابحا في بحار أهوالها متعلقا بأذيال محال آمالها وقد ~~تزينت لك برياشها ووقفت لك على قدم احتياشها وزوت عنك جل مصائبها ونصبت لك ~~شبكة مصايدها ووضعت لك تاج شهواتها على مفرق رأس آفاتها حتى إذا أشرت إليها ~~بالوصال منحتك لذيذ الاتصال وأحسنت لك صحبتها شهرا ورمتك بسهام الهجر دهرا ~~وطالبتك بما كتبت عليك مهرا حتى إذا علمت أنك غريم الانغاص غير منقاد ~~للقصاص ألقتك في بحر الآفات وحجبتك في سجن الغفلات وصغرت أمرك عند الناس ~~ووكلت بك سحائب الوسواس فلا تبرح تذكر الانسان بما كان فيه حتى تخرج روحه ~~من فيه واعلم أن من جملة ما ذكر لنا عن عيسى ابن مريم عليه السلام أنه رأى ~~طائرا مليح الشكل حسن الريش كامل الزينة فقال ms624 من أنت قال أنا الدنيا ظاهري ~~مليح وباطني قبيح قال عيسى عجبت لغافل ليس بمغفول عنه ومؤمل اتمام شيء ~~والموت يطلبه وانما ضربت لك هذه الأمثال لتتعظ بها وبما نزل بالملك شهرياض ~~كان بالأمس على السماط واليوم نزل على الصراط بالأمس كان في سلطانه وملكه ~~يباهي واليوم صار في الحفر واهي ما أفاده الغنى أذهبه الفنا وذهب الفرح ~~بالترح والنوم على السرير بالنوم على العفير ومعانقة الأتراب بالتعفر في ~~التراب وبدل عن خل ودود بمجاورة الدود جار وما أجار واشتغل بالدار عن الجار ~~بالرماد عن المهاد وانظر بأي سنان بتر وبأي آلة كيف هجر وصار قصره مهجورا ~~وعمارته خرابا بورا وتبدل السرور بالثبور ما نفعه الجيش وكثرته ولا الخزائن ~~وعدته أصبح والله ذليلا وبعد الكثرة قليلا فلا عمل صالح ولا عز راجح ولا ~~ثواب ينفع ولا جميل يدفع وقد بقي مرتهنا بأعماله موثقا بأفعاله وأنت تريد ~~أن تسلك مسلكه وتتبع سبيل ما أهلكه فما أحد ينفعك ولا عمل يتبعك اتق الله ~~في نفسك وفي أهل ملتك وبلدتك واعقد لك مع هؤلاء العرب صلحا واقبل ما قلت لك ~~نصحا واحقن الدماء وارحم النساء والإماء وأسلم تسلم وهؤلاء القوم ما قالوا ~~قولا الا وفوا به لان الصدق دليلهم والايمان يقينهم ما هم ممن يطلبون الملك ~~فينازعون عليه ولا يميلون اليه بل طلبهم الآخرة وما عند الله وبالأمس وفوا ~~لرودس صاحب حران ورجع عن دينه ودخل في دينهم وكذلك الملكة مارية بنت أرسوس ~~وقد دخل في دينهم جبابرة ملوك الروم مثل يوقنا ويرغون وعمودا وميتا الذي هو ~~أعلم منا بديننا وقد ملكوا الأرض في الطول والعرض وانما يحاصر عن نفسه من ~~له ميرة وعدد وجيش وسلاح وعدد يقدر على PageV02P151 # محاصرة البلد وهذا بلد عظيم وما فيه ما يقوم بأهله سنة أو أقل فإن لم ~~تسلم أنت سلم أهله وسلموك إليهم برقبتك وهذه حران لهم وكفرتوتا والرها ~~وسروج وسجستان وماردين والصور والخابور وما عدا الفرات إلى الشام إلى أرض ~~مصر وجيوشهم قد طبقت العراق ms625 وملأت الآفاق وقد بلغني أن الملك كسرى قد عاد ~~إلى المحاق فابعث إلى أمير هؤلاء العرب واطلب منه الصلح فإنه يعطيك وتربح ~~نفسك ومالك وأهلك وولدك وعش في ظل القوم ان شئت على دينهم وان شئت على دينك ~~فإنهم لا يغضبونك قال فلما سمع مرسيوس كلام أخيه الحيكم ارسالوس غضب عليه ~~وضربه بمقرعة كانت في يده وقال أنت ما خلقك المسيح الا ذليلا وكيف تأمرني ~~أن أسلم ملكي للعرب وتعرضني للعطب اخرج يا ويلك عني فان وقعت عيني عليك ~~بعدها قتلتك قال فخرج من عنده وهو غضبان وأما اللعين مرسيوس فإنه أمر أرباب ~~دولته أن يجتمعوا في كنيسة بيعة نسطوريا حتى يحلفهم فمضى شاويشه فجمعهم ~~وجمع مشايخ البلد وكبراءها وأحضر القسوس والرهبان والشمامسة وبترك دير مقرب ~~حتى يستحلف أهل المدينة فلما حصلوا في البيعة أغلقوا أبوابها حتى لا يدخل ~~إليهم أحد من العوام وحصلوا كلهم فجلس الملك والبترك وشرعوا يحلفونهم وهم ~~آمنون مطمئنون إذ خرج عليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل سيف ~~مسلول وعزم غير محلول وصاحوا بالتهليل والتكبير ونادوا نحن أمة التنزيل ~~وأصحاب النبي الجليل نحن حملة القرآن وصوام رمضان قد أخذ الله منكم بذنوبكم ~~وهتك ستوركم وعصفت عليكم المحن أين الصلبان وعبادتها اين الصور وحشمتها أين ~~تقريب القربان اين تدبير الرهبان ادعوا أربابكم ينصرونكم هيهات والله ذهب ~~باطلكم وهلك بالشرك جاهلكم واضمحلت أيامكم وذهبت دولتكم ووضعوا فيهم السيوف ~~وعجلوا بهم الحتوف وقتلوا البطارقة بالنية الصادقة فماتوا عن آخرهم فلما ~~رأت الروم ما نزل بهم ضجوا وبأصواتهم عجوا فقال خالد أولياء الله جودوا ~~الضرب في أعداء الله وأهريقوا دماء من أشرك بالله قال فقتلت الطرامخة وذوو ~~الحشمة الشامخة فلما بلغ الخبر العوام انهزموا عن الأسوار لما حل بقومهم ~~البوار ودهمتهم الأقدار فذهب دامس إلى الأبواب ففتحها فدخل المسلمون ~~بالتهليل والتكبير ولم يزل القتل يعمل في رأس العين وقد وردوا موارد الحين ~~وناح عليهم غراب البين وأيدت شريعة سيد الكونين قال الواقدي ولم يؤخذ من ~~ديار بكر ms626 بالسيف الا رأس العين قال وأخرج الخمس من المال وأرسله إلى أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه PageV02P152 # وكتب له كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عياض بن غنم الأشعري ~~إلى أمير المؤمنين عمر بن الحطاب رضي الله عنه سلام عليك فاني أحمد الله ~~الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه أما بعد فان الله قد فتح علينا يسير ما ~~كان عسيرا وكان لعدة الفتيان شعاع يخطف العيان فلما تضايقوا أمامي وازدحموا ~~قدامي عاينت جيشا كثيفا وسدا منيفا قد اقبلوا من ألافواج وتتابعوا كالأمواج ~~وتناصروا من كل صوب واشتهروا في كل ثوب والحديد يتالق كالحريق وقد تطايرت ~~السيوف فللا والأرماح كعوبا وانقضت المدة وقد وضعت الحرب أوزارها وانطفأت ~~نارها بعد ما قتل المسلمون أهل الطغيان الفاسقين ونصر الله الكفارة وخذلت ~~العتاة وولت الأعداء الأدبار وأراحنا الله من مضرتهم وطهرت البلاد من كفرهم ~~وكان زعيمهم الخائن وملكهم أول مخذول وأهون مقتول وبعد ذلك فتحنا رأس العين ~~ونحن بعد ذلك معولون على ديار بكر والله المعين وبه نستعين والسلام عليك ~~وعلى جميع المسلمين واقرأ سلامنا على قبر سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ~~ثم طوى الكتاب وختمه وسلمه مع الخمس لعبد الله بن جعفر الطيار وضم اليه ~~مائة فارس من المهاجرين والأنصار فسار عبد الله ومن معه وأقام المسلمون على ~~رأس عين شهرا وعمل بيعة نسطوريا جامعا وصلوا فيه وبنوا الكنائس مساجد وترك ~~عرفجة بن مازن العامري عليها واليا ومعه مائة فارس وأخذ مال الرها وكفر ~~توتا فأخرج منه الخمس وأرسله بعد عبد الله بن جعفر مع سلامة بن الأحوص ومعه ~~خمسون فارسا ذكر فتح دارا وبيرحا وباعماء قال ورحل عياض بن غنم من رأس ~~العين ونزل على كفرتوتا واقبل اليه الغلام يرغون فرحب به وولاه على المدينة ~~وعرض الاسلام على الجارية طاريون فأسلمت وزوجها بابن عمها وبنى البيعة ~~جامعا وارتحل منها إلى دارا فنزل عليها وخرج اليه أهلها واعتقبوا لهم منه ~~صلحا وكان جملة ما صالح عليه ms627 أهل دارا عشرين ألف مثقال ذهبا وثلاثين ألف ~~مثقال فضة وأن لا يبقوا سلاحا فأجابوا إلى ذلك وبنى كنيستهم جامعا وما أسلم ~~منهم الا القليل وأقرهم على أداء الجزية وارتحل عن دارا وقصد بيرحا فصالح ~~أهلها على ربع ما صالح عليه أهل دارا ورحل عنها وكانت بنو إسرائيل تعظمها ~~وتقصد إليها بالنذور وكان بانيها حزقيا بن تورخ بن بازيا أحد أنبياء بني ~~إسرائيل فخرجوا إلى عياض وصالحهم على قدر ما صالح به أهل دارا غير أن ~~مقدمهم قال انني لم أزل أملك البلد حتى يأتيني الموت ومن أراد أن يدخل في ~~دينكم من أهل بلادنا فلا مانع يمنعه فقال له عياض ما اسمك قال اسمي ~~PageV02P153 # طرياطس فقال يا طرياطس انا نحكمكم على العدل فما فتح الله علينا الا ~~باتباع الحق وسلوك طريق الصدق والعدل في الرعية وانا نتجنب البغي والظلم ~~وما قصدنا قاصد الا وجدنا وأنتم منذ خرجتم الينا ووردتم علينا فنحن نجيبكم ~~إلى سؤالكم ونصالحكم على ما صالحنا عليه أهل دارا فقال طرياطس وتصالحون أهل ~~معرين على ما صالحتم عليه أهل بيرحا فأجابهم عياض إلى ذلك ونزل على باعما ~~ودير قال وانما أجابه عياض ا 4 لي ذلك وألان له العريكة حتى يبلغ الخير أهل ~~ديار بكر فيجيبون طائعين ويسلمون له من غير منازعة وكان قد بلغه تحصن ~~بلادهم وامتناع قلاعهم قال فدخل طرياطس وأخرج المال من خزائنه ولم يأخذ من ~~أهل بلده شيئا ودفعه لعياض فقبله منه وكتب له كتاب الصلح وشرط عليهم الجزية ~~كما فعل أهل دارا من العام القابل فلما تم ذلك دخل المسلمون اليه وبنوا ~~جامعا فلما بلغ أهل نصيبين حسن سيرتهم وعدلهم وجودة أحكامهم أسلم أكثرهم ~~وكان في جملة من أسلم أصحاب النذور وأخربوه وبنو جامعا وأقام عياض على ~~نصيبين شهرا فلما أراد الرحيل جاءه طرياطس وقال قد زدتم في أعيننا بما ~~رأينا من صلاتكم وعبادتكم فاسلم وحسن اسلامه ولم يزل ملكا حتى مات في خلافة ~~عثمان ونزل في مسجد كندة اسامة بن عامر ms628 الكندي وعشرة من بني عمه وارتحل ~~عياض ونزل تحت قلعة المرأة وفيها مارية وولدها عمودا فانزلوا له الإقامة ~~والضيافة وسار إلى أن نزل على آمد لسبع خلون من شهر جمادى الأولى ذكر فتوح ~~ميافارقين وآمد وكان بآمد أخوان شديدا البأس اسم أحدهما بطرس والآخر يوحنا ~~وكان بطرس في شرقي البلد ويوحنا في غربيها وكان ليوحنا بنت اسمها رغوة ~~ولبطرس بنت اسمها صفورا وكل واحد مشغول بما هو فيه ويوحنا أراد أن يتزوج ~~فأرسل إلى صاحب دارا وهو مرطاوس فزوجه لبنته مريم وحملت من بلد أبيها اليه ~~وكانت صاحبة حيلة ومكر فلما حصلت بآمد نظرت إلى المدينة وكثرة مالها ونعمها ~~وتحصن أهلها وسورها وغزراة بساتينها فقال لدايتها في السر يا دايتي ما رأيت ~~أحسن من هذه المدينة ولا أحصن منها ولا أمنع ألا ترين الا الأعين المخترقة ~~في وسطها والى الجبال التي قد دارت بها تعني سورها الأسود فمن بناها على ~~الحقيقة قالت لها اعلمي انه قد ملك بلاد الروم أجمع من أول بلاد اليونان ~~إلى بلاد عمورية ملك يقال له طيماوس بن أرسالوس ابن ميهاط بن مكلاوكن بن ~~الأصفر بن العيص بن إسحاق وكان أول من بنى بيت الحكمة في بلده رومية الكبرى ~~PageV02P154 # ة وكان قد فتحت له المطالب ونشر في الأرض العجائب وانه حدثته نفسه بملك ~~الأرض لكثرة المال فانتهى إلى سويقة وكان له ولد اسمه إسطنبول فقال لأبيه ~~طيماوس أريد أن أبني لي ههنا مدينة أذكر بها قال يا بني افعل وأمده بالمال ~~والرجال فادار سورا على ستة فراسخ وسماها باسمه وعاش أربع سنين ومات وخلف ~~ولدا اسمه قسطنطين فأتم بناءها فسميت باسمين اصطنبول باسم أبيه ~~والقسطنطينية باسم ابنه وأما أبوه فإنه صار يفتح البلاد حتى وصل إلى ههنا ~~فرأى هذه الأعين والدجلة فاستحسن المكان فطلب أرباب دولته وكانوا اثنين ~~وسبعين ملكا وقال قد اخترت أن أبني ههنا مدينة لا يكون على وجه الأرض مثلها ~~ولا أحسن منها ولا أمنع وأريد أن كل واحد منكم يبني لنفسه مدينة ms629 وبرجا ~~فقالوا جميعا نفعل أيها الملك فركبوا واختطوا المدينة وشرعوا في بنائها ~~وأتوا بالصناع من أقصى البلاد واختص كل ملك بمدينة وبرج وحمام وكنيسة فلما ~~أتموا بناءها مات الملك فسميت آمد لانقضاء أمده بها وما زال الملوك ~~يتوارثونها إلى أن انتهت إلى هذه الأخوين بطرس ويوحنا قال فتعجبت مريم من ~~قول رايتها وكتمت الأمر وكان لبطرس ولد اسمه لاون فطلب من أخيه ابنته صفورا ~~لولده وقال له زوج ابنتك لولدي حتى أزوج ابنتي لولدك فامتنع ووقع الشر ~~بينهما حتى كان في وسط البلد سور وأبواب فأغلقت وصار كل واحد منهما مشغولا ~~بناحيته فلما رأت مريم ذلك دخلت بينهم بالصلح وقالت هذا لا يجوز وأنتما ~~أخوان ويطمع فيكما ملوك ديار بكر وركبت بنفسها وأصلحت بينهما وفتحت الأبواب ~~التي داخل المدينة وصنعت وليمة عظيمة ودعت إليها بطرس وولده لاون وابنته ~~صفورا فأكلوا وليمتها وقدمت لهم الخمر ممزوجا بالسم فلما تمكن منهم قتلوا ~~عن آخرهم وكذلك فعلت بزوجها وولده وصارت ملكة وبنت بيعة لم ير ببلاد الروم ~~مثلها وفرشت أرضها بالفصوص والرخام الملون وزخرفت الحيطان بالذهب والفضة ~~وعلقت فيها ستور الديباج المذهب وطلبت كل عالم مشهور وأزالت عن أهل البلد ~~جميع ما كان عليهم من الحيف وعدلت فيهم فأحبها أهل البلد وشكروا سيرتها ~~واستخدمت الرجال وزادت في اكرامها وقصدها الناس من كل مكان لأجل عدلها ~~وأقامت في ملك آمد اثنتي عشرة سنة وبعدها نزل عليها عياض بن غنم ومن معه ~~وأحاط بالمدينة قال الواقدي بلغني أن عياضا نزل على التل ونزل سعيد بن زيد ~~على باب الروم ونزل معاذ على باب الجبل ونزل خالد على باب الماء فلما نظرت ~~الملكة مريم إلى ذلك ورأت أن الصحابة قد عولوا على حصارها ركبت إلى كنيستها ~~وجمعت أرباب دولتها وقالت اعلموا أن هؤلاء العرب قد حلوا PageV02P155 # بساحتكم ونزلوا على مدينتكم وقد طمعت أنفسهم في أخذها وأنتم تعلمون أن ~~هذه قفل ديار بكر ومتى فتحوها فقد أخذوا ديار بكر عن بكرة أبيها وأضمحل دين ~~المسيح ولا يبقى ms630 له ذكر في هذه البلاد وأنا أعلم أن الملوك ومن يشار إليهم ~~من أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية كلهم ينتظرون ما يكون منا ويعلمون ~~أن مدينتكم لو أقاموا عليها مائة سنة ما قدروا عليها فقاتلوا عن حريمكم ~~وأموالكم واصعدوا فوق الأسوار وقاتلوا هؤلاء العرب وطلبت القسوس والشمامسة ~~والرهبان وأمرتهم أن يحلفوهم على أن يكونوا يدا واحدة ولا يخامروا عليها ~~ففعلوا ذلك وصعدوا على الأسوار وشهروا السلاح وآلة الحرب وأقاموا الصلبان ~~والرايات والأعلام وتولت كل طائفة بحفظ برج من الأبراج قال فلما نظر عياض ~~إلى ذلك وأنهم قد عولوا على القتال من أعلى الأسوار جمع أمراء جيشه اليه ~~وقال لهم ان هذه المدينة حصينة وهي عين ديار بكر ومتى فتحها الله علينا ~~ملكنا ديار بكر فما الذي ترون من الرأي وكيف يكون قتالها وأعداء الله قد ~~تحصنوا بهذا الحصن المنيع فقال خالد أيها الأمير اعلم أننا ما ملكنا الله ~~البلاد بقوة ولا بكثرة مدد ولا بعدد بل بتيسير الله لنا نرجو الله أن ~~يفتحها ببركة نبينا صلى الله عليه وسلم وبذلك وعد الله نبيه وان هؤلاء ~~القوم ان باطشونا على ظاهر مدينتهم بالقتال رجونا تسهيل الامر وان أقاموا ~~على ما هم عليه فالصبر فان عاقبة الصبر النصر ولعل أن يأتي في العرضيات ما ~~لم يكن في الحساب واكتب إلى هذه المرأة كتابا وخوفها ثم منها بكل جميل فلعل ~~الله تعالى أن يلين قلبها للايمان أو تسلم لنا صلحا فدعا عياض بدواة بياض ~~وكتب إليها يقول بسم الله الرحمن الرحيم وصلواته على سيدنا محمد وآله من ~~عياض بن غنم أمير جيوش المسلمين بأرض ربيعة وديار بكر إلى مريم الدارية أما ~~بعد فان الله سبحانه وتعالى قد نصرنا وبجميع الكفار قد ظفرنا وعلى قبض ~~ملوكها أيدنا وما نزلنا على بلد الا ملكناه ولا قابلنا جيشا الا هزمناه ~~والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين وليس حصنك بأمنع من تدمر ولا حصن وهو الحصن ~~المنبع الذي بناه أبا سليمان بن داود وما هو الا أن نزل ms631 عليه المسلمون حتى ~~ملكوه وكذلك بعلبك وحلب وأنطاكية دار الملك هرقل ولم يبق بين أيدينا صعب ~~الا سهلة الله علينا وبذلك وعدنا الله في كتابه العزيز فقال * (وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين) * فإذا وصل إليك كتابي هذا فسلمي تسلمي وإياك أن ~~تخالفي تندمي ومهما أردت بلغناك ولسنا نكرها على فراق دينك ولا أحدا من أهل ~~بلدتك قال الله تعالى لا اكراه في الدين وان تمسكت بالهوى فستعلمون من أضعف ~~ناصرا وأقل عددا وسلام على عباده الذين اصطفى ثم طوى الكتاب وختمه وسلمه ~~PageV02P156 # إلى رجل من المعاهدين وقال له ادن من الحصن وناولهم الكتاب وقف حتى يردوا ~~عليك الجواب قال فذهب ودنا من السور وناداهم بلغتهم وأشار إليهم بالكتاب ~~فأدلوا له حبلا فرابطه لهم ووقف ينتظر الجواب قال فأوصلوا الكتاب إلى ~~الملكة مريم فقرىء عليها فلما فهمت ما فيه قالت لأرباب دولتها ما تقولون ~~فيما كتب الينا أمير العرب قالوا أيتها الملكة الرأي لك فمهما أمرتينا به ~~امتثلناه فقالت يا قوم أنتم تعلمون أن النار ولا العار ومتى سلمنا لهؤلاء ~~العرب عيرتنا الروم ويقولون كيف سلمتم مدينتكم وما حاصرتم سنة ولا عشرة ~~أيام ومدينتكم أحصن بلاد الروم وإذا شئتم كان لكم موضع تزرعون فيه والمياه ~~عندكم وكل ما تحتاجون اليه وقد وصلت إلي الكتب من جميع ديار بكر ووعدوني أن ~~يرسلوا عساكرهم لنصرتنا فقالوا أيتها الملكة هذا هو الرأي الرشيد فاكتبي ~~للقوم كتابا أن يقطعوا طمعهم منا فكتبت تقول أما بعد فقد وصلني كتابك وفهمت ~~خطابك فأما ما ذكرت من نصر الله لكم أما علمت أن المسيح يمهلكم ولا يهملكم ~~وانما ذلك استدراج لكم ثم يأخذكم بعد ذلك وكأنكم بالملوك وأبناء الملوك وقد ~~أقبلت عليكم بسواعد شداد وسيوف حداد وجيوش وأمداد فيأخذون منكم بالثار ~~ويكشفون عن عباد المسيح العار وما كنا بالذي نسلم حصننا إليكم ابدا فان ~~شئتم المقام وان شئتم الرحيل والسلام وربطوه بالحبل وأعطوه للمعاهد فأخذه ~~وأتى به إلى عياض فلما قرأه وفهم ما فيه قال توكلنا على الله ms632 وفوضنا أمرنا ~~اليه ثم قرأ * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا) * قال وعول عياض أن يقيم على آمد وخيله تغير على الهتاج ~~وميافارقين وسائر تلك البلاد قال وسمعوا ضرب الناقوس فقال عياض أتدرون ما ~~يقول هذا الناقوس قالوا وما يقول قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ~~عمه علينا ومعه جماعة من المسلمين ليغيروا على أطراف تبوك فاجتازوا بدير ~~الراهب وذلك الراهب يضرب بناقوسه فقال على لمن معه أتدرون ما يقول هذا ~~الناقوس قالوا الله ورسوله أعلم وأنت يا علي فقال يقول مهلا مهلا يا بني ~~الدنيا مهلا مهلا ان الدنيا قد غوتنا واستغوتنا وشغلتنا غدا نرى ما نرى ما ~~من يوم يمضي عنا الا لنا أو علينا يا بني الدنيا جمعا جمعا يا بني الدنيا ~~شرطا شرطا ما من يوم يمضي عنا الا اثقل ظهرا منا ما من يوم يمضي عنا الا ~~صار منا جهلا قد ضيعنا دارا تبقى واستوطنا دارا تفنى قال عياض فقالوا يا ~~ابن عم رسول الله أو يعلم النصراني ذلك قال لا يعلم ذلك لا نبي أو صديق قال ~~حدثنا الربيع أبو أبا سليمان عن موسى بن عامر عن جده قراءة بالخضراء ~~PageV02P157 # من عسقلان قال فأقام عياض على أمد أربعة أشهر قال فخرج من جيشه الحكم بن ~~هشام واستأذن عياضا أن يشن الغارات على ميافارقين فاذن له فأخذ معه من ~~الصحابة مائة من المهاجرين والأنصار فخرجوا بعد ما صلوا الظهر وعبروا ~~الدجلة وساروا والأرض تطوي لهم فما مضى قليل من الليل الا وهم على ~~ميافارقين فداروا بها إلى أن وصلوا إلى برج يعرف ببرج الشاة فقال الحكم بن ~~هشام وددت من الله لو فتح لنا هذه المدينة بلا قتال قال فما استتم كلامه ~~حتى انفتح لهم باب من حائط البرج فدخلوا وهم يخترقون الطرق إلى وسط المدينة ~~إلى كنيستهم العظمى وتعرف ببيعة ماريا وكانت تلك الليلة عيدا عند النصارى ~~فلما اقبلوا إلى الصلاة ms633 وجدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ومن ~~اين جئتم قالوا من عسكرنا قال ومتى جئتم قالوا بعدما صلينا الظهر قال ومن ~~فتح لكم مدينتنا قال له الحكم فتح لنا من بيده مقاليد الأمور قال أوما ~~تفزعون منا فقال الحكم وكيف نفزع من مخلوق لا يضر ولا ينفع وهو تحت أحكام ~~القهر وقد قال ربنا في كتابه * (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) * فقال ~~اسلاغورس ان دينكم دين محدث وديننا دين قديم والقديم أفضل من المحدث فقال ~~له الحكم إذا كان ما قلته حقا ففضل إبليس على آدم لأنه أقدم منه أعلمت أن ~~طينة آدم مشكلة وقد قال الله تعالى أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور ~~من ربه أشرق نور قلبه في وقت تجليه واشتعل بالاتقاد فيه فنظر اليه إبليس ~~وظن قميص عبوديته أبيض بالتوحيد وإذا هو أسود بالشرك فأبان نعته القديم عن ~~نعت وقته بقوله وكان من الكافرين كان سائرا في أرض الشرك تحت ظل الجهل ~~بالعواقب فما زال يقطع منازل العبادات بالعبادات وهو في عماية عن أبصار ~~جمال المشاهدات فلما ظهرت أنوار مصباح الإلهية من مشكاة الأبدية استنار وجه ~~صورة حاله فإذا هو قد فهم من جوابه وان عليك لعنتي وأصل آدم لما طار من وكر ~~بشريته بأجنحة همته في جو الطلب تعالى عن حطيطة انسانيته حتى دنا من نيران ~~المحن فافترقت أنوار القسم بأجنحة اصطفائه وحصن قوادم ارتقائه فوقع في حبال ~~وعصي آدم ربه فلما أتاه في أودية محبته هطلت عليه سحائب محنته ورمى بصواعق ~~اهبطا فلما خرج إلى بيداء كرباته اشتملته مواكب آلائه مبشرة إياه باجتبائه ~~* (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) * قال وان اسلاغورس أمرهم أن يدخلوا ~~البيعة فقال الحكم بن هشام وما الذي PageV02P158 # نصنع في بيعتكم قال تذكرون فيها ربكم قال ما كنا ندعي إلى ذكر ربنا ~~فنتأخر عنه قال فربطو خيلهم ودخلوا ما أراد اسلاغورس بذلك الا أنه قد ~~زخرفها وصور فيها بيت المقدس والصخرة وقبة السلسلة ومحراب داوب ms634 ومهد عيسى ~~وصورته وأمه مريم فلما توسطها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ~~الحكم بن هشام * (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله) * ورفع بها صوته فقال لا والله وانما أقول لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال فوالله لقد ماجت بيعة ~~القوم وتزلزلت وصفقت القناديل بعضها ببعض قال وكان للبيعة شيخ عالم ~~بالأديان والشرائع وكان اسمه عبد المسيح فلما نظر ما حل بالبيعة والقناديل ~~صلب على وجهه وكذلك كل ما كان فيها وقالوا لملكهم أنت ما أردت الا هلاكنا ~~إذ أدخلت هؤلاء العرب الينا أما ترى كيف غضب المسيح علينا فقال البطريق لا ~~وحق المسيح ما هو الا توحيدهم الله وذكر نبيهم أظهر لكم من معجزة نبيهم ما ~~رأيتموه يا ويلكم إذا كان قد فتح لهم باب في السور ودخلوا منه علينا فكيف ~~لا تعتز البيعة وتصفق القناديل لما دخلوها وأنا كنت في شك مما ذكرت والآن ~~فيا طوبي لمن كان على دينهم قال الواقدي وكان هذا خادم بترك بيت المقدس ~~وكان في بيت المقدس يوم فتحت على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسمع من ~~البترك في بيت المقدس وهو يقول هذا الذي يفتح الأرض في طولها والعرض ومحمد ~~هو الذي بشر به المسيح بن مريم ولقد سأله رجل لما رأى المسلمين يعظمون ~~الصخرة ويقبلون القدم الذي فيها فقال للبترك نرى المسلمين يقبلون قدم ~~المسيح فقال له يا بني نحن نقول إنه قدم المسيح وانما هو قدم نبيهم محمد بن ~~عبد الله لما عرج به إلى السماء قال أو عرج به فقال نعم أسرى به من مكة إلى ~~بيت المقدس وصلى بالنبيين وأسرى به قال الحكم وذلك لما استبشرت به النفوس ~~وبلغ خبر رسالته وانه زيد في كماله وأشرقت أنوار جماله وأراد الحق أن يشرفه ~~على أهل الكونين باقترابه من قاب قوسين فنودي في عالم الملكوت تأهبوا ثم ~~تأدبوا فهذه ms635 ليلة الدنو والاقتراب هذه ليلة عتق الرقاب هذه ليلة الحبور هذه ~~ليلة السرور هذه ليلة الابتهاج هذه ليلة المعراج انصبوا سلم الارسال ~~وافرشوا فرش الاظلال وقوموا على أقدام الاسترسال يا جبريل زخرف الجنان وزين ~~الحور والولدان يا جبريل انزل بالتهاني إلى بيت أم هاني أيقظ حبيب مملكتنا ~~وأركبه على براق قدرتنا لنريه من آياتنا فأخذ جبريل مطية خلقها PageV02P159 # عجيب ونعتها غريب فألجمها بلجام القرب وأسرجها بموكب الحب وسار بها في ~~ميدان الجلال وهو ينادي سبحان الذي أسرى فلما وقف ببابه ورفع حجابه ونظر ~~وإذا هو مدثر بعباءة تذلله متوسد بوسادة عمله قد أنحله الشوق وأذابه التوق ~~فنشر عليه أنوار السعد وبشره بانجاز الوعد فقال له يا أيها المدثر قم على ~~قدم همتك وقم بوارد عزيمتك واركب إلى السماء وارق واصعد معراج الدنو ~~والارتقاء فقام السيد واتشح وجسمه من الحياء قد رشح وقد باح باستسلامه وركب ~~مركب تحيته وسلامه ورفع على رأسه سحابة الاحترام وأسرى به من البيت الحرام ~~ذكره جليسه وفكره أنيسه وشوقه دليله وجبريل خليله فلما ولج دائرة بيت ~~المقدس وحصل في فناء المسجد الأقصى فجليت عليه أرواح الأنبياء في حلل ~~الأنوار والبهاء فبادروا إلى سلامة وتحيته واكرامه وجليت بين يديه وأثنوا ~~بالصلاة عليه وأراد كل منهم أن يصف منزلته ويذكر فضيلته فقال آدم الحمد لله ~~الذي خلقني بيده ونفخ في من روحه وأسجد لي ملائكته واسكنني دار كرامته وقال ~~إدريس الحمد لله الذي رفعني مكانا عليا وبوأني مجلسا سنيا وقال نوح الحمد ~~لله الذي نجاني من القوم الظالمين وجعلني ابا للمؤمنين وقال إبراهيم الحمد ~~لله الذي اتخذني خليلا وجعل النار بردا علي وسلاما وأصلح لي زوجي بعد ما ~~كانت عقيما وقال موسى الحمد لله الذي أعطاني تسع آيات بينات وكتب لي في ~~الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء وأهلك عدوي فرعون ونجى قومي وفلق ~~لي البحر وكلمني تكليما وقال لي إلي أنا الله وقال أبا سليمان بن داود ~~الحمد لله الذي سخر لي الإنس والجن والطير ms636 والريح وعلمني منطق الطير وآتاني ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي وقال عيسى الحمد لله الذي لم يخلقني من نطفة ~~قذرة وأحيا لي الموتى وأبرأ لي الأكمة والأبرص فلما افتخروا بجميع كراماتهم ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي خلقني من أنوار البهاء ورفع ~~قدري في الأرض والسماء وكتب اسمي على ساق عرشه وقرن اسمي باسمه ونزه ذكري ~~في معالم قدسه وشرح لي صدري ويسر لي أمري ورفع قدري وغفرلي ما تقدم من ذنبي ~~وما تأخر وأيدني على من كفر وبعثني بالرعب وأرسلني بالحنيفية ونصرني وجعل ~~أمتي خير الأمم وفرض طاعتي على العرب والعجم وجعل لي الأرض مسجدا وترابها ~~طهورا وشفعني يوم القيامة في أمتي ونسخ سائر الشرائع بشريعتي وأدخل سائر ~~الأمم في شفاعتي وجعل الكعبة قبلتي وأسمعني صلاة أمتي من بعدي لأشهد لهم ~~يوم القيامة وجعلني شاهدا وأمتي شهودا على من جحد وظلم وكتب اسمي على ~~الأفلاك وقال PageV02P160 # جل وعلا * (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) * قال الواقدي فلما سمع ~~بطريق ميافارقين هذا الكلام من الحكم بن هشام قال والله ما في دينكم مراء ~~وأنتم على الحق ولقد كنت أسلمت على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببيت ~~المقدس ثم جئت إلى هذه المدينة وكان عليها وال فمات ووليت الأمر من بعده ~~فرجعت إلى ديني الأول فان أنا تبت اليه ورجعت إلى دينكم أيقبلني على ما ~~ارتكبت من المعاصي فقال له الحكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~يوما لأصحابه بأي شيء يكون ابن آدم أشد فرحا فقالوا بالأهل فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسكت الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون ~~ابن آدم أشد فرحا منه إذا كان في مفازة ومعه راحلته عليها زاده وماؤه ~~ومنافعه فإذا كان في بعض المفازة اشتد عليه الحر فاوى إلى ظل فنزل عن ~~راحلته وتوسد ذراعه فنام ثم انتبه وقد ذهبت راحلته وعليها طعامه وشرابه ~~وغذاؤه ومنافعه فانطلق في طلبها يمينا وشمالا فلم ms637 يجدها فرجع إلى موضعه ~~ليموت فيه وقد أيقن بالهلاك فنام ثم انتبه فوجد راحلته كما هي فأخذ بخطامها ~~ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ان الله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من ~~ذلك الرجل بتلك الراحلة قال فلما سمع اسلاغورس كلام الحكم بن هشام دمعت ~~عيناه وأخذهم إلى دار ولايته وقال والله لقد بان الحق وظهر الصدق فاسلم ~~وحسن اسلامه وطلب جماعته فاسلموا بأجمعهم ثم إنه طلب أكابر البلد وأخبرهم ~~باسلامه وقال لهم اني أريد منكم ما أريده لنفسي وان دين هؤلاء يعلو ولا ~~يعلى عليه فمن أسلم منكم أمن في الدنيا والآخرة وهم قد نزلوا على آمد ولا ~~بد لهم من ديار بكر جميعها فمن خالفهم وعصى نهبوا بلده واستعبدوا أهله ~~وولده فان أسلمتم لهؤلاء القوم أمنتم على أنفسكم وبلادكم فقالوا أيها ~~الصاحب أمهلنا ثلاثة أيام حتى نرى ما لنا فيه الصلاح فتركهم وانصرفوا من ~~عنده فلما كان الليل اجتمعوا وتحالفوا أن لا يسلموا للعرب أبدا ولو هلكوا ~~عن آخرهم وأصروا على القتال فبعد ثلاثة أيام طلبهم فلم يأته الا القليل ~~وأتت اليه العين الصافية وأخبرته بما عزم عليه أهل البلد ثم لبسوا سلاحهم ~~وأتوا اليه يقاتلونه فخرج إليهم بجماعة ومعه أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقاتلوا قتالا شديدا فلما جن الليل قال لهم ارسلوا إلى أميركم ينجدنا ~~فأرسل واحدا منهم فما بعد عن البلد حتى سمع قرع حوافر الخيل فلما تبينهم ~~إذا هم من عسكر الموحدين وإذا هم خمسمائة فارس وعليهم ضبة بن عدي وكان ~~السبب في ذلك أن عياض بن غنم رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ~~وأخبره بقصة ميافارقين وما جرى لصاحبها من أهل بلده وأمره أن يرسل إليهم ~~جيشا PageV02P161 # فاستيقظ من نومه وأرسل إليهم ضبة بن عدي ومعه خمسمائة فارس وأذن الله ~~للأرض أن تطوي لهم فوصلوا إليهم في تلك الليلة فأتى بهم إلى باب السر ~~وكانوا قد وكلوا به من يحفظه فنادى ففتحوا لهم وإذا بصاحب البلد قابلهم ~~فأدخلهم ms638 فقالوا له من أعلمكم بقدومنا فقال صاحب البلد أعلمني بكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأيته وقد نمت من ضيق صدري بقتال هؤلاء القوم أهل البلد ~~فنمت فرأيت شخصه الشريف فبشرني بقدومكم فلما حصلوا بأجمعهم خرج للقتال أهل ~~البلد فصاح بهم المسلمون يا أعداء الله قد حل بكم البوار وأحاطت بكم ~~الاقدار من أصحاب محمد المختار ووضعوا فيهم السيف فولوا إلى منازلهم ودورهم ~~ليتحصنوا بها وقد علموا أنه قد نزل بهم مالا طاقة لهم به فنادوا الغوث فقال ~~لهم من أتى الينا فهو آمن فخرجوا فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد أمناكم على جميع مالكم الا السلاح قال فأتوا بجميع ما عندهم من السلاح ~~وسلموه للصحابة فلما رأوا منهم صدق القول أسلموا الا قليلا منهم وعملوا ~~البيعة الكبيرة جامعا وأقاموا ثلاثة أيام وتركوا عندهم الحكم بن هشام ومعه ~~عشرة من أصحابه ليعلموهم شرائع الدين وأتى ضبة ومن معه إلى عياض وأخبره بما ~~جرى ففرح بذلك وقال وان أهل آمد لم يفتحوا بابا ولا باشروا قتالا وضاق صدر ~~عياض ومن معه من ذلك قال الواقدي ومكثوا خمسة أشهر وكان خالد بن الوليد كما ~~ذكرنا على باب الماء وكان في يوم يركب بجيش الزحف ويدور حول المدينة فإذا ~~أتى الليل نزل في منزله وكان غلامه همام يخبز له في كل ليلة اقراص شعير ~~ويتركها له في قبته فإذا صلى المغرب أكل تلك الأقراص عند الافطار وانه ~~استمر ثلاث ليال لم يجد شيئا يفطر عليه فقال لغلامه همام أنت يا ولدي ما ~~عندك ما تفطرني عليه ولك بهذه الليلة ثلاث ليال لم تصنع لي شيئا فقال والله ~~يا مولاي انني في كل ليلة أصنعها وأضعها له ولم يكن عندي منها علم وما ظننت ~~الا أنك تأكلها فلما كانت الليلة الرابعة وضع همام الاقراص على عادته وأخفى ~~نفسه وجلس لينظر من يأخذها فإذا هو بكلب قد أقبل من نحو المدينة ودخل القبة ~~وأخذ الزاد وخرج فتبعه همام وإذا به قد دخل ms639 من مسرب الماء في جانب السور ~~قال فتركه همام وعاد فلما أتى خالد من صلاته أقبل وطلب الفطور فقال له همام ~~يا مولاي كان من الامر ما هو كذا وكذا قال خالد يا همام أرني الموضع فمضى ~~همام أمام خالد وأراه الموضع الذي دخل منه الكلب فلما رآه قال الله أكبر ~~فتح الله ونصر وعاد وطلب أصحابه وأعلمهم بالقصة وقال لهم قد عولت أن أدخل ~~المدينة من مسرب الماء وأريد منكم مائة PageV02P162 # رجل يهبون نفوسهم لله تعالى وتعلمون أن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار ~~وفاء لمن أخذ منها بحقها ودار رجاء لمن تزود منها ودار نجاة لمن فهم عنها ~~الدنيا مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أحبابه وأوليائه أتخذوها مزرعة ~~فرحمنا الله وإياكم وكان لنا ولكم فمن أراد الزاد من هذه الدنيا الفانية ~~إلى يوم حشره فليبادر إلى التجارة الرابحة ولا يغره طول الاجل فيطمئن إلى ~~التقصير في العمل ألا واني قد وهبت نفسي لله وقد أشترى ثم قرأ ان الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فمن باع فليبادر ولا يجزع ~~مما يحاذر فالموعد بيننا في عرصات القيامة وموقف الحسرة والندامة فاتبعوا ~~سلفكم الطاهر والدين الباهر فعولوا على بركة الله وعونه واختار من أصحابه ~~مائة وأمرهم بلبس السلاح وركب عياض وأعلمه بما عزم عليه من دخوله المدينة ~~من المسرب وقال له كن على أهبة إذا سمعت التكبير والتهليل فقال علمت ذلك ~~وأنا على أهبة بحمد الله امض أعانك الله ونصرك وسر على بركة الله وعونه قال ~~فودعه خالد ورجع إلى أصحابه فوجدهم قد استعدوا فسار أمامهم وهم رجالة إلى ~~أن أتى إلى باب المسرب وكان نصف الليل وأمر الله سلطان النوم فاستولى على ~~من كان على السور والحرس لأنه جل شأنه إذا أراد أمرا بلغه وهيأ أسبابه قال ~~فأول من دخل من المسرب خالد رضي الله عنه وتبعه عامر بن الأحوص وحذيفة بن ~~ثابت وعمران بن بشر وتمام المائة رضي الله عنهم وما منهم الا من ms640 تسرب ودخل ~~ومن كان جسيما لا يقدر على الدخول رجع وهو متأسف على الشهادة فحصل في ~~المدينة ثمانون رجلا ولم يصحبهم الا من دخل من المسرب ثم إن واحدا من الذين ~~تأخروا عالج في حجر فقلعه فاتسع المكان ودخلوا بأجمعهم وأدركوا أصحابهم وقد ~~توسطوا المدينة وارتحت بها الأصوات واستيقظ الراقد وارتعد القاعد وقصد خالد ~~مطلع السور ومنع الناس من النزول وأخذتهم الأحجار وأرسل خالد عشرة من ~~أصحابه إلى الباب فكسروا الاقفال وفتحوا الباب وكان عياض قد ركب وأيقظ ~~الناس وقد تهيأ للحرب فلما كبر خالد ومن معه بادر عياض ومن معه إلى الباب ~~فوجده مفتوحا فدخلوا وأقبل أهل المدينة يهربون إلى السور والليل قد غسق ~~والظلام اتسق والقتام قد أطبق فما بقي أحد يقوم من مرقده الا والسيف قد رمى ~~رأسه عن جسده وهذا خرج من عند أولاده والسيف قد قطع في فؤاده وخالد ومن معه ~~يكبرون وقد تقطعت بأهل آمد الأسباب وأحاط بهم العذاب قال ولم تزل الأبطال ~~تبطح وتطرح وصدور المسلمين تشرح ولنحور الكفرة تذبح والعوائق تقطع والشجعان ~~للرؤس تقرع والصوارم تقطع والأنوف تجدع وقلب الذليل يفزع والجبان يجزع ~~والعيون تدمع والصائح لا PageV02P163 # يسمع ولا شافع يشفع ولا مانع يمنع ولا دافع يدفع ولا قلب يخشع حتى إذا ~~ولى الليل ونزع والصباح عول على أن يطلع وخالد يصيح ضياح السميذع حتى انطوى ~~الليل بمطارف الدجى عند انتشار رايات الضيا فنظر أهل البلد إلى ما حل بهم ~~ونزل عليهم فاقبلوا إلى دار الامارة يطلبون الملكة مريم فلم يجدوها قال ~~وكان السبب في ذلك انها سمعت بان الصحابة قد حصلوا في المدينة فعلمت انها ~~لا تخرج من أيديهم فأخفت نفسها ومن معها ونزلت في سرب في دار الامارة وأخذت ~~ما تقدر على حمله وخرجت من ذيل الجبل وطلبت بلاد الروم قال الواقدي فلما ~~علم أهل المدينة أن ملكتهم هربت نادوا الغوث الغوث فرفعوا عنهم السيف ~~وجمعهم الأمير اليه فاجتمعوا في ميدان المدينة فقال لهم عياض أما بعد فان ~~الله تعالى ms641 قد نصرنا عليكم وصبرنا وظفرنا بكم ولولا أن الله جعل نبينا نبي ~~الرحمة واسكنها قلوب المؤمنين لأبدناكم بالسيف عن آخركم ولكن قد أمرنا ربنا ~~في كتابه بكظم الغيظ والعفو فقال الله تعالى والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين ثم نظر فيهم فمن أسلم ومن لم يسلم ضرب يسلم ~~الجزية عليه من عامه قال الواقدي وكان شاهد الجمع في فتح آمد زيد بن حالوك ~~اليهودي وكان علاما بدين اليهودية والنصرانية وكان يزعم أنه من أولاد داود ~~عليه السلام وكان بنو إسرائيل يعظمون شأنه ويأتونه بالهدايا والتحف وانه ~~لما دخل عياض بن غنم رضي الله عنه إلى آمد وجمع أهلها في الميدان وتكلم ~~المشايخ بما تكلموا به قام هو من وسط قومه وكان اسمه مليا بن حنيتا وعرف ~~المسلمين بمكانه وأنه مقدم على بني إسرائيل وانه من ذرية داود قال أنتم ~~أصحاب نبي الرحمة وان الله خلق الرحمة وأسكنها في قلوبكم وان الله فضلكم ~~على سائر الأمم وقد أنزل في صحف إبراهيم وموسى يقول اني ابعث في آخر الزمان ~~نبيا أميا وأجعل أمته أفضل الأمم وأسكن الرحمة في قلوبهم وبهم أباهي ~~ملائكتي وابعثهم غرا محجلين من آثار الوضوء وان داود عليه السلام لما أصاب ~~الذنب ونفر عنه الوحش خرج إلى فلاة من الأرض وقال الهي بحق النبي العربي ~~الذي تبعثه في آخر الزمان الا غفرت لي فأجاب دعوته فقال عياض ان الله يحب ~~العفو وقد عفونا عنكم فقال أهل المدينة فإذا عفوتم عنا نرجع إلى دينكم ~~فاسلم أكثرهم وضربت الجزية على من لم يسلم في العام القابل على كل بالغ ~~أربعة مثاقيل ذهبا وأخذوا سلاحهم وحملوا لهم شطر أموالهم فحملها وبنى ~~البيعة المعروفة جامعا وأقام في آمد اثني عشر يوما وولى عليه صعصعة العبدي ~~ومعه خمسمائة من بني PageV02P164 # عمه ومن العرب ذكر فتوح اليمانية وجبل الجودي قال وارتحل عياض إلى الحصون ~~وهي حصون الجبابرة وأنفذ إلى أهلها فاسلموا وأرسل النعمان بن معرف إلى أهل ~~أنكل فاسلموا وسمت باليمانية لأنها فتحت ms642 على يد حذيفة بن اليمان ومضى عياض ~~إلى الجابية ففتحها صلحا ونزل إلى أهل جبل الجودي والسيوان وذي الفرض ~~فاخذوا من المسلمين صلحا وعهدا على تقرير بينهم وارتحل المسلمون حتى نزلوا ~~على الهتاج فأبى أهله أن يسلموا وعولوا على القتال ونصبوا الرعادات ~~والمجانيق فنظر عياض إلى ذلك فعظم عليه وقال هذا حصن منيع ومتى تركناه ~~ومضينا عنه أغاروا على أهل هذه البلاد وأذاقوهم الشر وقد لزمنا من أسلم ومن ~~صالحنا الزم لنا فلا نحيد عنه حتى نفتحه إن شاء الله تعالى فقال خالد ~~انزلوا بنا عليه ولعل أن يأتي من عرضيات الأمور ما لم يكن في حساب قال ~~الواقدي وكان صاحب الهتاج شيطانا مريدا وجبارا عنيدا وكان اسمه يأنس بن ~~كليوس وكان قد تزوج بميرونة ابنة بريونة ابنة يريول بن كالوص صاحب قلب ~~والحصن الحديد وكانت قد زفت اليه وأقامت عنده سنة ثم إنها مضت إلى زيارة ~~أبيها وأمها وأقامت عندهما شهرا فلما خرجت من عندهما ومضت إلى الهتاج عند ~~زوجها فبينما هي في نصف الطريق إذ بلغها ان المسلمين قد نزلوا على الهتاج ~~فجلست في مكانها ولم تبرح وكان عدو الله يحبها ولا يجد له عنها صبرا فلما ~~رأى المسلمين وقد نزلوا عليه علم أنه لا يقدر أن يجتمع بالجارية فاتفق رايه ~~أن يصالح المسلمين حيلة منه ومكرا وخديعة حتى تحصل زوجته عنده ويغدر ولا ~~يعطي أحدا طاعة فأرسل إلى عياض يقول له انك لو أقمت علينا بقية عمرك لما ~~قدرت علينا ولكن صالحنا سنة كاملة شمسية فان أنت فتحت ما بقي من ديار بكر ~~فنحن نرجع إلى طاعتك وان لم تقدر على فتح البلاد فلا طاعة لك علينا والسلام ~~وارسل إلى عياض رجلا من متنصرة العرب من ربيعة الفرس وكان ذلك الرجل مدبر ~~بلاد الهتاج هو وبنو عمه وكان اسمه مرهف بن واقد وكان ميله إلى العرب أكثر ~~من الروم فلما أدى الرسالة إلى عياض أجابه إلى الصلح لئلا يطول مقامهم فلما ~~هم مرهف بالرجوع قال لعياض أما ms643 والله أيها الأمير ما كنت بالذي أدع النصيحة ~~للعرب وأستعملها للعلوج وهذا العلج قد اتفق رأيه على كذا وكذا فان كنت ترحل ~~وتكمن لزوجته وتأخذها ومن معها وتطلب منه البلد فإنه يسلم لوقته فافعل فقال ~~عياض ما كنا نقول قولا ولا نفي به ولعل الله ينظر إلى صدق نياتنا فيفتحه ~~علينا PageV02P165 # حدثني مالك بن بشر بن عامر وكان ممن حضر فتوح الشام وديار بكر وديار ~~ربيعة قال بينما مرهف يحدث عياضا إذا بغبرة قد أقبلت فقال عياض لميسرة بن ~~مسروق اركب وانظر ما هذه الغبرة فركب ومضى هو وجماعة من الصحابة وعاد ميسرة ~~وهو يقول أبشر أيها الأمير بالفتح قال وما الخبر يا ابن مسروق قال هذا جيش ~~ابن هبيرة المازني قد أغار على البلاد وأتى بالأموال والرجال قال فظهر ~~البشر في وجه عياض وجعل يتطاول إلى قدوم ابن هبيرة المازني حتى وصل وسلم ~~على عياض وعلى المسلمين وعرض عليه الغنائم ومرهف بن واقد يتأملها إلى أن ~~عرضت عليه جارية رومية تخجل الشمس منها وعليها زي الملوك فأطرق المسلمون ~~إلى الأرض يستعملون الأدب مع الله في قوله قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~فلما نظر إليها مرهف قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ~~وأن دينكم الحق وقولكم الصدق فقال له عياض ما بالك أيها الرجل قال هذه زوجة ~~يأنس صاحب الهتاج وقد طرحها الله في أيديكم فسجد عياض شكرا لله فلما رفع ~~رأسه قال * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * قال ~~الواقدي وكانت ميرونة قد خرجت من عند أهلها ومعها جماعة من بنات البطارقة ~~فوافق طريق قيس بن هبيرة تلك الأرض فأخذها ومن معها وأتى بها إلى عياض فقال ~~عياض لمرهف ارجع إلى يأنس واكتم اسلامك وأخبره بما رايت واستعمل النصح ~~للمسلمين وقل له ان أراد أهله فليسلم لنا هذه القلعة ومهما أردنا منه قال ~~فرجع مرهف إلى يأنس وحدثه بما جرى فعظم ذلك عليه وكبر لديه وقال لمرهف ما ms644 ~~الذي ترى من الرأي قال اعلم أن هؤلاء القوم ما قالوا الا وفوا به وبذلك ~~نصروا علينا ومن الرأي ان نسلم لهم القلعة ويعطوك زوجتك وجميع مالك وأنا ~~الضامن لك منهم ذلك فقال يأنس انزل إليهم وائتني بعشرة رجال يحلفون لي على ~~ما أريد فان أجابوني إلى ذلك سلمت إليهم القلعة ولا تأتني الا بمن يقبل ~~قوله ويشكر فعله حتى أستوثق منهم لنفسي ولعله يكون الرجل الذي شاع ذكره ~~بالشجاعة وفتح البلاد والشام يعني خالد بن الوليد وانما أراد الملعون ذلك ~~حتى يقبض عليهم ويخلص بهم زوجته قال فنزل إلى عياض وأخبره بذلك وبما قاله ~~يأنس فقال عياض يا مرهف يريد الملعون أن يخدعنا ونحن ثمرة الخداع ونرجو من ~~الله أن يرجع مكره عليه ولديه ثم قرا أن الله لا يصلح عمل المفسدين قال ~~خالد دعنا أيها الأمير نصعد اليه والله الموفق للصواب فقال عياض اعزموا على ~~بركة الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي PageV02P166 # العظيم فنهض خالد والمقداد وعمار وسعيد بن زيد وعمرو بن معد يكرب والمسيب ~~بن نجيبة وقيس بن هبيرة وميسرة وضرار بن الأزور وعبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنهم أجمعين وساروا ومرهف أمامهم إلى أن وصلوا باب القلعة ~~وكان رتب عدو الله غلمانه في دركات القلعة وأمرهم أن يأخذوا منهم سلاحهم ~~ففعلوا ذلك الا خالدا وعبد الرحمن وضرار فقالوا ما كنا نسلم عدتنا لغيرنا ~~فان أراد ان ندخل عليه بسلاحنا والا رجعنا من حيث أتينا فدخل مرهف عليه ~~وقال إن هؤلاء الثلاثة امتنعوا من اعطاء السلاح وما الذي يقدرون على أن ~~يفعلوه دعهم يدخلوا كيف شاءوا فلو كانوا نارا ما أحرقوا ولا ترهم الجزع ~~فيطمعوا فقال وحق المسيح لقد صدقت دعهم كلهم يدخلوا بعددهم حتى يعلموا اننا ~~لا نخافهم ولا نرهبهم وأيضا لئلا تنفر قلوبهم منا فرجع مرهف وأمر الغلمان ~~أن يردوا إليهم أسلحتهم ودخلوا فلما توسطوا القلعة إذا بيانس واقف فلما ~~وقعت عينه عليهم دخل الرعب في قلبه لأن من خاف ms645 الله خاف منه كل شيء فجعل ~~يهتز ويقع وكان قد قال لجماعته إذا رأيتموني قد قربت منهم وصافحتهم فدونكم ~~وإياهم فنظر خالد إليهم فعلم ما في قلوبهم فقال له أيها البطريق قف مكانك ~~فانا قوم لا نؤتي بحيلة ولا مكر لأنا قهرنا الملوك وأخذنا بلادهم بهذه ~~الأشياء ثم إنه انتضى سيفه وزعق بيانس فادهشه وخيل له أن كل من في القلعة ~~منهم وتقدم اليه وضربه على حبل عاتقه فأطلع السيف من علائقه فهجمت الصحابة ~~على أهل القلعة ووضعوا السيف فيهم وتكاثر عليهم العدو وتزايد المدد قال ~~وكان في داخل المدينة خلق من الرستاق من قرى الهتاج من فسطاس وقرساط وكان ~~يأنس قد جمعهم لقتال المسلمين قال فلما قتل خالد يأنس ونظروا إلى صبر ~~الصحابة على قتال أهل القلعة قالوا لبعضهم أنتم تعلمون أن العرب ما يسكتون ~~عن أصحابهم وقد فتحوا آمد والبلاد فلا يمتنع منهم الهتاج وغيرها فخذوا لكم ~~عند المسلمين يدا وقاتلوا معهم أهل القلعة قال ففعلوا ذلك وجردوا سيوفهم ~~وضربوا معهم من كان في القلعة وسمع عياض الصياح فقال أما والله ان خالدا ~~ومن معه غدر بهم فبادروا إليهم أيها المجاهدون قال فبادر أبو الهول وأصحابه ~~الأربعمائة وهم رجاله فتفرقوا في الجبل وقصدوا القلعة فمن انهزم من الكفار ~~وضعوا فيهم السيوف فما نجا منهم أحد ما وصل أبو الهول إلى القلعة الا وقد ~~ملكها خالد واحتوى عليها وصعد عياض والمسلمون وأخذوا كل ما كان فيها وولى ~~عليها مولاه سالما وجعل عنده مائة رجل وكتب إلى أهل فسطاس وفرساط ومن في ~~القلعة أن لا يزنوا بامرأة ابدا وأشهد عليهم خالدا والمقداد وعمارا ومعاذا ~~وشرحبيل وعبد الرحمن PageV02P167 # بن أبي بكر الصديق وضرار وأطلق عياض الأسارى الذين أتى بهم قيس بن هبيرة ~~وارتحل يطلب ميافارقين فلقيه في طريقه أهل تلك الجبال وأهل الجزيرة وقلب ~~ومتنان وحزب الكلام فأعطاهم الأمان وضربت عليهم الجزية وردهم إلى بلاد وأتى ~~إليهم أهل ميافارقين للقائهم وشكروهم على حسن سيرتهم وعدلهم وأخرجوا لهم ~~الضيافات والعلوفات ونزل من ms646 جهة الميدان في سفح الجبل واقام بها عشرة أيام ~~ثم جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم وقال إني عولت على ~~المسير إلى ديار أرمينية والى أرزن الروم فأشيروا علي يرحمكم الله أي طريق ~~نسلك فقال رجل من المعاهدين ممن هو أعرف الناس بتلك البلاد أيها الأمير ~~أتأذن لي أن أتكلم فقال من كان له رأي فليتكلم فقال اعلم انك إذا قصدت بلاد ~~أرمينية يطول مكثك فيها واعلم أن بالقرب منك حصنا منيعا يقال له حصن لغوب ~~وغلب عليه اسم صاحبه وهو يطالقون بن كنعان ابن عيديوس له جيش عرمرم يزيد ~~على ثلاثة آلاف فارس ذكر فتح حصن لغوب ثم قال اعلم أيها الأمير ان تحت يده ~~معاقل كثيرة وربما انه رحل ركابه من هنا فوقع بهذه البلاد وشن الغارات على ~~أهلها ومن الرأي انك لو وجهت اليه جيشا لعل الله أن يفتح عليك فان أنت فتحت ~~هذا الحصن مضيت حيث تريد وتكون طيب القلب على من تستخلفه من أصحابك فقال ~~عياض لأصحابه ما تقولون فيما تكلم به هذا الرجل فقال خالد لقد تكلم بالحق ~~ونطق بالصدق فاعزم وتوكل على الله ثم انصرفوا من عنده وبات ليلته متفكرا ~~فيمن ينفذه إلى الحصن فوقع اختياره على يوقنا فدعا اليه وقال له يا يوقنا ~~يا عبد الله قد اتفق الرأي عليك أن تمضي إلى الحصن فما الذي تراه فقال ~~يوقنا اصلح الله الأمير قد بلغني أن الحصن منيع وربما إذا نزلنا عليه طال ~~الأمر وتنفد المدة وينقضي هذا الوقت ولا ندري ما يكون ولكن أهب نفسي لله ~~ولرسوله وآخذ مائة من بني عمي ونتزينا بزي الفلاحين ونأخذ نساءنا وأولادنا ~~نتركهم على البقر وندخل في جملة أهل البلاد الفلاحين فان حصلنا في الحصن ~~فنحن نملكه إن شاء الله تعالى فقال عياض يا عبد الله قد اشتهر أمرك عند ~~جميع أهل النصرانية ونخاف أن تسير فتغرر بنفسك ومن معك فيقبض عليكم والله ~~تعالى قال * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * قال فإذا أبيت ms647 لي أن أشن ~~الغارات على بلاد القوم قال قد أذنت لك فخرج يوقنا ومن معه وهم ألف من قومه ~~وساروا على أرزن وسرد وأسعرد وياباسا وحيزان والمعدن PageV02P168 # قال الواقدي وكان من قضاء الله وقدره ان صاحب أسعرد وحيزان والمعدن ~~وياتحلسا ويمهرد وطراجر وسلواس كان بينه وبين يطالقون حرب وكان يغير بعضهم ~~على بعض وأخربوا المملكتين فلما انتشرت الأخبار بقدوم أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وانهم على ميافارقين جفل أهل تلك البلاد وعلم بذلك حرسلو ~~صاحب اسعرد وانه لا طاقة له بالعرب فأخذ هدية سنية وذهب بنفسه ليطالقون بن ~~كنعان حتى يصطلح معه ويكونوا يدا واحدة على قتال المسلمين فبينما هو سائر ~~والهدية معه وقد نزل على قرية اسمها أرغير وعلق على خيله وهو معول على ~~المسير وهو ينتظر الخيل تقطع عليقها وإذ قد كبسهم يوقنا وقد أحاط بالقرية ~~وأخذ كل من فيها وأسر البطريق ومن معه وبات ليلته فلما أصبح عرض الاسرى ~~وقال لهم ان الله قد ظفرنا بكم ونصرنا عليكم واعلموا اني ملك من ملوك الروم ~~ملكت البلاد وقدت الجيوش وأمرت ونهيت وعبدت الصليب وقربت القربان فلما أتى ~~الله بهؤلاء القوم أخبرتهم ونظرت ما هم عليه فعلمت ان الحق معهم فتبعتهم ~~وقلت بقولهم وقد كنا بالشام تفزع منا ملوك العجم وكسرى بن هرمز والديلم ~~والترك وكان لنا كرة الأرض وكنا لا نلتفت إلى العرب حتى خرجوا علينا ~~فأذاقونا مرا وذهبت شجاعتنا وملكوا معاقلنا وحصوننا واحتووا على ملكنا ~~ونصرهم رب الأرض والسماء علينا لأنهم يشيرون اليه بالوحدانية فان آمنتم ~~بالله وحده كان لكم الربح في الدنيا والآخرة وأطلق سراحكم وأن أبيتم قتلتم ~~عن آخركم فقالوا اتركنا يومنا هذا إلى الليل ندبر أمرنا فتركهم واختلى ~~بحرسلو البطريق وحدثه في السر وقال له اعمل في خلاص نفسك ورقبتك من النار ~~وأسلم وفاد نفسك حتى تنال ما تريد فقد بلغني من الوقائع بينك وبين صاحب ~~الحصن فقال البطريق لقد صدقت فمن أعلمك فقال له ما السبب في العداوة بينك ~~وبينه فقال ms648 إنه طلب أن يتزوج ابنتي وبعث إلي هدية فرددتها عليه فصار عدوي ~~وأغار على بلادي وأغرت على بلاده والآن قدمت اليه بهدية حتى أكون أنا وإياه ~~يدا واحدة فأتيت أنت إلي وأخذتني فقال يوقنا اني أريد لك من الخير ما أريد ~~لنفسي ولست أجبرك على أن تترك دينك ولكن تعاهدني على أن لا تغدر وأنا أخلي ~~سبيلك وتمضي إلى صاحب الحصن وتدني نفسك بين يديه وتقول أيها الصاحب قد ندمت ~~على ما كان مني إذ رددتك عن تزويج ابنتك واني كنت أخذتها وزينتها وسقت معها ~~أموالها على أني أهديها لك فلما كنت في قرية كذا وكذا خرج علي قوم من العرب ~~فأخذوا المال والرجال وقد نجوت إليك بنفسي لتأخذ بيدي وتستنقذ ابنتي من ~~العرب فإنه PageV02P169 # إذا سمع دعاه الطمع واستجره الأمل حتى يخرج الينا ولعل الله تعالى أن ~~يظفرنا به فإذا ملكنا الحصن إن شاء الله تعالى كنت أنت تبقى على بلادك وكنت ~~آمنا مطمئنا واعلم أن ذمامي هو ذمام العرب ومهما فعلته امتثلوه وأمضوه فلما ~~سمع البطريق كلام يوقنا قال أفعل ذلك ولكني أخاف من المسيح أن يغضب علي إذا ~~خامرت على أهل ديني فقال يوقنا أنا أحمل هذه الأوزار عنك ودع عيسى بن مريم ~~يطالبني يوم القيامة فقال البطريق ان كان هذا الذي قلته فأنا افعل وليس ~~يصعب علي ولكني أخاف ان فعلت ذلك الذي أمرتني به أن لا ينزل من الحصن وربما ~~بعث معي بعض أصحابه فلا يحصل طائل من عدوكم فقال يوقنا وما يكون التدبير ~~فقال البطريق الرأي عندي غير هذا قال وما هو قال تذهب مع أصحابك جريدة ~~بالخيل وأنا أكون معك فما نصبح الا ونحن على الحصن فإذا أشرفنا عليه تعطني ~~جوادي وسلاحي واركض على فرسي في حال العجلة فاني أجده في الميدان مع أرباب ~~دولته فإذا وقعت عيني عليه ترجلت وحثوت التراب على رأسي واصيح أيها الملك ~~العرب قد أخذوا أصحابي وغلماني وما جاء معي برسمك فإذا قال وأين هم أقول ~~على فرسخ ms649 من بلدك فإنه إذا سمع قولي لا يمكنه التأخير عن نصرتي ولا له الا ~~السرعة إليكم واعلم أن أكثر جنده قد فرقهم على الحصون وما عنده الا ألف ~~فارس أو أقل قال فلما سمع يوقنا ذلك من قوله وثق به وبعث الأسرى إلى عياض ~~فلما وصلوا اليه قال لهم ان أطلقتكم أتعرفون لنا ذلك قالوا نعم وكيف لا ~~نعرفه فأطلقهم حتى تسمع أهل البلاد فينزلوا إلى طاعته وأما يوقنا فإنه سار ~~جريدة بقية ليلته فما برق ضياء الفجر الا وقد أشرفوا على الحصن فعندها أطلق ~~البطريق ووثق منه بالعهود وأعطاه جواده وسلاحه وسار كأنه قد أفلت نفسه وساق ~~على على شوط واحد إلى الحصن وكان بالقضاء المقدر أنه وجد البطريق يطالقون ~~قد عبر إلى جانب اسعرد ومعه ألف فارس والف راجل وكان السبب في ذلك أن قوما ~~من أصحاب البطريق حرسلو كانوا في كنيسة يوقنا فأتوه وحدثوه بما تم عليهم من ~~القوم فعبر لعله يستخلصهم من يد يوقنا فلما وصل اليه البطريق ترجل وصقع له ~~وحدثه فرق له وقال كيف تخلصت قال خلصت يدي من الكتاف وركبت هذا الفرس فلما ~~أحسوا بي ركبوا ورائي وها هم في اثري بالقرب من باياعا قال فلما سمع ذلك ~~يطالقون بن كنعان أمر بالركوب وسار من وقته طالبا يوقنا وقال هذا الذي ~~أردناه من أمر الجهاد قد قربه الله الينا فدونكم والقوم ولم يمهل بعضهم ~~بعضا وتطاعنوا بالرماح وصبر يوقنا صبر الكرام PageV02P170 # ووقع الصائح من كل جانب ونشرت أجنحتها النوائب واستعان أصحاب يوقنا برب ~~المشارق والمفارب فبينما هم قد أشرفوا على المعاطب إذ أشرفت عليهم غرر ~~الخيل وهم يتسابقون فنظر إليهم يوقنا وإذا هم أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم ثلاثة آلاف فارس يقدمهم خالد بن الوليد وكان السبب في قدومهم ~~أن عياضا خاف على يوقنا وبني عمه فأرسل إليهم في أثرهم خالدا فوجدهم في ~~القتال فأطلق عنانه وقال يا أهل الايمان وحملة القرآن دونكم وعبدة الصلبان ~~ارفعوا أصواتكم بذكر ربكم قال ms650 ونظر يوقنا النصرة وقد أقبلت فعظم شأنه ~~والتقى بصاحب الحصن وقد عرفه بزيه فتطاعنا طعنا كافيا وتضاربا ضربا شافيا ~~شافيا الا أن يوقنا طعن صاحب الحصن فرماه إلى الأرض قتيلا وصنع فيهم خالد ~~رضي الله عنه والصحابة رضي الله عنهم كما تصنع النار في الحطب ولما قتل ~~يوقنا صاحب الحصن قطع رأسه وجعله على سنانه ونادى عمن تقاتلون وقد قتلنا ~~صاحبكم فلما رأوا الرأس ولوا الادبار ومات أكثرهم وولى الباقون نحو الجبل ~~ووقع الصائح في الحصون بأن يطالقون قد قتل فولوا الأدبار قال الواقدي وكان ~~ليطالقون زوجة عاقلة لبيبة صاحبة رأي وتدبير فلما رأت ما حل بزوجها وأن أهل ~~الحصن قد قتل أكثرهم وتفرقوا بالهزيمة أيقنت بزوال ملكها وخراب بيتها فجمعت ~~المشايخ وأرباب دولتها وقالت لهم اعلموا أن الملك قد قتل وقد تفرق شمل من ~~كان معه وقد وصلكم ما صنع هؤلاء العرب مع ملوك دين النصرانية وبني ماء ~~المعمودية وكيف ملكوا الشام وارض ربيعة وديار بكر وديار مصر وقد دانت لهم ~~الأمور وانتشر شرعهم وعلا ذكرهم ودخل في دينهم الملوك والبطارقة وما نزلوا ~~على حصن الا ملكوه ولا وافوا جيشا الا هزموه وقد دخلوا أرضكم وحلوا ساحتكم ~~فما ترون من الرأي الرشيد قالوا أيتها الملكة ما تكلمت بشيء الا فهمناه ~~وعرفناه والامر إليك فقالت الصواب انكم تحقنون دماءكم وتصونون حريمكم ~~وأموالكم وتدخلون فيما دخل فيه أهل البلاد وتصالحون العرب فتأمنون على ~~أنفسكم وتعيشون في ظلهم فقالوا هذا هو الصواب قالت فلينطلق منكم رجال إلى ~~هؤلاء العرب ويعقدوا لنا منهم صلحا قال فخرجوا من عندها وسار منهم ثلاثون ~~رجلا من خيارهم وعبروا الشط إلى عسكر خالد فلما رآهم خالد والمسلمون علموا ~~أنهم من أهل الحصن فاستقبلوهم وسلموا عليهم ورحبوا بهم ومشوا معهم إلى قبة ~~خالد وإذا هو جالس على التراب ووجوه أصحابه حوله وهم يكثرون من ذكر الله ~~وليس لهم حاجب ولا بواب فسلموا عليهم فقرأ خالد * (وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها) * PageV02P171 # فتقدم كبراؤهم وعلماؤهم في دينهم ms651 وقالوا أيكم الأمير حتى نخاطبه فقالوا ~~ليس فينا أمير ولا من يلحظ أخاه بعين الذل لأن الاسلام شملنا والدين جمعنا ~~ونحن عباد الله فلما سمع القوم ذلك قالوا بأجمعهم والله ما نصركم الله ~~علينا الا باتباع نبيكم وقال خالد كم تبذلون لنا من المال فقالوا مهما ~~أردتم امتثلناه فقالوا انا لا نريد الا ما ترضى به أهل الذمة الذين في ~~البلد حتى تطيب قلوبهم ومن لا يرحم لا يرحم ولقد سمعت نبينا صلى الله عليه ~~وسلم يقول لا تنزع الرحمة من قلب شقى قال فلما سمع القوم ذلك تهللت وجوههم ~~فرحا وقالوا لقد نصركم الله بحق وما نرى دينكم الا حقا فاسلموا عن آخرهم ~~وعادوا إلى قومهم واجتمعوا في كنيستهم وحدثوهم بما كان وبما رأوا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن سيرتهم فقال أهل البلد ما كنا بالذين ~~نرفع أنفسنا عليكم لأنكم أولو الرأي والدين وقد رضينا بما رضيتم به لأنفسكم ~~فاسلموا الا قليلا منهم وأما الملكة لما سمعت ذلك طاب قلبها وبعثت بالإقامة ~~والعلوفة إلى خالد وسألته أن يعبروا إلى جانبهم ونصبت لهم الجسر فعبر خالد ~~ومن معه ونزلوا بالبيعة بحيث أن الملكة تشرف عليهم وتنظر إليهم فرأت أقواما ~~قد طلقوا الدنيا وطلبوا الآخرة وليس فيهم من ينهر ولا يسفه ولا يخالف أخاه ~~قد اشتغلوا بالذكر وتوحشوا بالصبر فلما نظرت إلى حسن عبادتهم نزلت إليهم ~~وأسلمت على أيديهم فقال خالد تقبل الله منك ورضى عنك فالزمي قلعتك فلا سبيل ~~لاحد عليك ونظر يوقنا إليها فقال وددت لو كانت هذه أهلي فأنفذ خالد يشاورها ~~فأجابت إلى ذلك وبعث خالد إلى عياض يشاوره فبعث اليه الجواب بأن زوجه ولا ~~تترك من بلاد الحصن مكانا الا وتنزل فيه ذكر فتح طنز ويمهرد وأسعرد قال ~~فعول على العبور إلى جانب أسعرد ويمهرد إذ قدم عليه أهل حصن طنز للصلح وأن ~~يكونوا طوعا للمسلمين فقال خالد من أسلم منكم قبلناه وكان له ما لنا وعليه ~~ما علينا ومن بقي على دينه ms652 كانت عليه الجزية من العام القابل فأجابوه إلى ~~ذلك فكتب لهم عهدا وعبر إلى طنز ويمهرد واسعرد والمعدن وأرزن وقرروا صلحا ~~ورضوا به قال وانقضت عدة صاحبة الحصن وهي جانوسة وتزوجها يوقنا ولحق خالد ~~بعياض فوجده على سوقاريا وهي مدينة جالوت فلما وصل خالد اليه اسلم الناس ~~بعضهم على بعض وأقاموا هناك خمسة أيام وعولوا أن يسيروا إلى بدليس وأخلاط ~~وإذ قد جاءهم الخبر أن طاريون ابنة الملك وهي زوجة الغلام يرغون الذي فتح ~~كفرتوتا وكان من أمرها ما ذكرناه قد هربت إلى أبيها ورجعت إلى دينها ~~PageV02P172 # قال فصعب ذلك عليهم قال الواقدي حدثني محمد بن يونس قال حدثني إسماعيل عن ~~قيس قال إن طاريون لم تتنصر ولا عادت عن الاسلام وانما مضت إلى أبيها لتدبر ~~عليه حيلة وتسلم البلد للمسلمين لأنها أرادت أن تصنع كما صنع زوجها يرغون ~~بكفرتوتا فاتفق رأيها ورأى زوجها على ذلك فقال يرغون أما أنا فلا أتبعك ~~لأنني أفزع من أبيك أن يقبض علي فقالت له الزم مكانك ولبست ثيابها وعولت ~~على المسير وجعلت غلمانها في محل خلوة وقالت لهم اعلموا أني قد عزمت على ~~أمر أفعله وأنا أبوح به إليكم قالوا أيتها الملكة ما على العبد الا الطاعة ~~لمولاه فأوقفينا على سرك قالت لهم اعلموا اني كرهت المقام بين هؤلاء العرب ~~وأيضا قد اشتقت إلى وطني وعولت على أن أخرج بكم إلى الصيد في الجبل فإذا جن ~~الليل طلبنا أرضنا فلما سمعوا قولها فرحوا وقالوا نعم الرأي فقالت اني لست ~~أكرهكم فمن كان له رغبة أن يلبث ههنا وهو مائل إلى هذا الدين فليقم غير ~~ملوم ومن أراد الرجوع إلى وطنه فليعزم معي فاني أمضي في هذه الليلة وحق ما ~~أسير اليه لئن بلغني أن أحدا منكم افشى سري إلى يرغون أو غيره من الناس ~~لأضربن عنقه فمن كان عازما على صحبتي فليتبعني فأجابوها إلى ذلك فلما جن ~~الليل ودعت يرغون وخرجت ومعها اثنا عشر نفرا كانوا لا يرتدون الإسلام وكان ~~لها بكفر توتا ms653 اثنا عشر غلاما قد رسخ الاسلام في قلوبهم وأحبوا المسلمين ~~قال وسارت نحو الجبل ومضت إلى أن تركت أرزن خلف ظهرها وأشرفت على بدليس ~~فنزل صاحبها إليها وقدم لها إقامة وعلوفة وأقامت هناك بقية يومها ذكر فتوح ~~بدليس وارزن وأعمالها وكان من قضاء الله السابق وقدره ان عياضا لما نزل على ~~سوقاريا ولحق به خالد ومن معه ولحقهم يوقنا فرح المسلمون بسلامتهم وحدثه ~~بما جرى فسجد لله شكرا ثم بعث يوقنا رسولا إلى صاحب بدليس وكانت أرزن ~~وبدليس وقف وأنظر وغيرها من القلاع لبطريق اسمه سروند بن بولص والجارية ~~طاريون نازلة هناك وسروند عندها فلما علموا بقدوم يوقنا رهبوا إلى لقياه ~~واختلت به طاريون وقالت له يا عم لا تظن اني هاربة ولا إلى الروم طالبة ~~وانما أريد أن أنصح لله ولرسوله وللمسلمين وأريد أن أغدر بأبي وأقتله واسلم ~~معاقله للمسلمين لكن يا عم أشر علي بما أصنع فأنت تعلم أن هذا الدرب لبدليس ~~وأخلاط وعليه قلعة قف وأنظر وإذا أرادت العرب العبور فليس لهم قدرة فما ~~الذي تراه وأخاف أن حصلت PageV02P173 # عند أبي أن لا أقدر على الرجوع إلى بعلي والى المسلمين فقال لها يوقنا ~~اعلمي انك إذا سرت بهذه النية فان الله جل وعلا يفتح عليك أبواب الخير ~~وأمضى على ما أنت عليه وأنا لا بد لي أن أمضي برسالة الأمير عياض إلى أبيك ~~وها أنا ابكر فإذا حصلنا هناك كان لنا من التدبير ما يريده الله ونصل إن ~~شاء الله إلى ما نريد وعلمها ما تصنع وودعته وعادت فقالت إن هذا العديم ~~العقل يلح علي ويعذلني لأجل أن ارجع وأعود عما عزمت عليه من الرجوع إلى دين ~~المسيح ولولا أنني أخاف ممن معه ومن صاحب هذا الحصن أن يعينه علينا لكنت ~~قبضت عليه ثم إنها ركبت وسارت تجد السير وأرسلت بعض غلمانها يبشر أباها ~~بقدومها فلما وصل البشير ارتجت المدينة وركب أبوها والبطارقة وأهل البلد ~~لملتقاها فلقوها عند خضريا فلما رأت أباها ترجلت وترجل أبوها والعسكر جميعه ms654 ~~وصقعوا بين يديها وضمها أبوها إلى صدره وقال لها يا بنتي كيف كان أمرك قالت ~~إن يرغون نصب علي ووصل بي إلى عسكر المسلمين وأسلم فلم يمكنني الا أن ~~أطاوعه خيفة منهم إلى أن دخلوا ديار بكر فهربت إليك فصلب أبوها على وجهه ~~وهنأها بالسلامة وركب وساروا والمواكب حولهم إلى أن دخلت البلد ودخلت دار ~~المملكة فتلقاها الجواري والخدم وصقعوا لها وبكوا وبكت وأخرجت الصدقات ~~والنذور للبيع والكنائس وباتت تحدثهم بما جرى لها وحديث شهرياض وكيف أخذت ~~راس العين فقال أبوها يا بنية كيف رأيتيهم في دينهم قالت أيها الملك القوم ~~يتظاهرون بالدين وانهم يطلبون الدين والعدل حتى يرجع الناس إليهم وليس ~~والله دين أفضل من دين المسيح وقد نذرت نذرا متى خلصت من يد العرب أن لا ~~أقرب قربانا ولا أشرب خمرا ولا آكل لحم خنزير ولا أنغمس في ماء المعمودية ~~حتى أتعبد في بيعة يوحنا شهرين كاملين فإذا أنا تطهرت من دينهم أقرب ~~القربان وأقبل الصلبان ففرح أبوها بذلك فلما كان الغد مضت إلى البيعة وأخلت ~~لها موضعا وجعلت تتصدق على الفقراء وتظهر النسك والعبادة وأقامت تنتظر ما ~~وعدها به يوقنا من القدوم بالرسالة إلى أبيها قال الواقدي حدثنا أبو محمد ~~قال حدثني من أثق به عن قيس ابن هبيرة قال كنت من أصحاب يوقنا حين سار ~~بالرسالة إلى بدليس وتحدث مع طاريون وأنفذ صاحب بدليس اليه وكان لما بلغه ~~قدوم يوقنا صعد إلى حصنه فاستحضره وأنا معه فوجدناه على سرير مملكته فسلمنا ~~عليه فقال يوقنا ان أمير جيوش المسلمين بأرض ربيعة وهو عياض ابن غنم قد ~~أرسلنا إليك ندعوك إلى توحيد الله ورسالة نبيه ولكم ما لنا وعليكم ما علينا ~~واعتبر PageV02P174 # بمن تقدم من الملوك وأصحاب الأقاليم والعز فقد أصبحوا هالكين فما جوابك ~~فقال أيها السيد اني قد كنت أردت أن أرسل رسولا إلى أميركم في طلب الصلح ~~وأعطيه شيئا وان أبقى على ديني ومن أراد من أهل بلدي أن يرجع إلى دين القوم ~~فلست أمنعه فقال ms655 يوقنا بكم يطيب قلبك أن تدفع في صلحك على بدليس وأرزن وما ~~تحت يدك من البلاد فاني إذا أمضيت لك الصلح فقد رضيت به العرب فقال أيها ~~السيد أعطيهم مائة ألف دينار وخمسمائة زردية وألف قوس وأن لا يولي على ~~مملكتي غيري حتى أموت وأن لا يبقى من قبلهم الا رجل أو رجلان حتى يعلموا من ~~أسلم شرائع الاسلام وأن يكون أمري نافذا في مملكتي ومن أسلم يكون أمره لمن ~~يكون عندنا من قبلكم وما يكون لي عليهم حكم فقال يوقنا قد أمضينا صلحك ~~وأتممنا عهدك وانا أعطيناك عهد الله ورسوله على ما ذكرته قال وأعطاه عهد ~~الله ورسوله وهادنه على الهيئة التي هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هرقل ملك الروم وحلف له عن المسلمين كلهم قال وان قيسا ذهب إلى عياض فاعلمه ~~بما استقر بينهم فلما وصل كتاب يوقنا إلى عياض رحل من مكانه إلى أن نزل على ~~بدليس فوجد البطريق قد أخرج ما وقع عليه الصلح فلما قدم عياض نزل اليه ~~البطريق وتلقاهم وحياهم بأحسن تحية وأنزلهم في أحسن منزل وقدم لهم الأموال ~~وكتبوا بذلك عهدا قال ونظر المسلمون من أهل اليمن وبادية العرب إلى البنات ~~وحسنهن فمالت أنفسهم إليهن وشرب أكثرهم الخمر فلما رأى عياض ذلك صعب عليه ~~فأمر أن يؤتوه بمن فعل ذلك فأقام عليهم الحد وأخذ منهم حق الله وقال لهم ~~أكفر بعد ايمان أبهذا أمرتم أم لهذه خلقتم أما سمعتم ما قال من أمره بين ~~الكاف والنون قال فتابوا بأجمعهم فلما جن الليل اجتمع يوقنا بعياض وحدثه ~~بأمر طاريون وما واققته عليه وانها قد وهبت نفسها لله تعالى ومضت تدبر كيف ~~تعمل في تسليم البلد للمسلمين واني وعدتها أن أسير إليها وأعينها على ذلك ~~فقال عياض إذا كان الامر كذلك فيجب علينا أن نطلع عليه خالدا وأصحابه فقال ~~يوقنا افعل ما فيه الصواب فأرسل إلى خالد ومعاذ وقيس والمسيب بن نجيبة ~~وعمرو بن معديكرب وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله ms656 عنه وحدثهم ~~بالحديث وقال لهم ما ترون من الرأي ذكر فتح أرمينية وأخلاط وقف وأنظر قال ~~خالد أصلح الله الأمير إذا كان الامر كذلك فابعث يوقنا رسولا ونحن معه فإذا ~~حصلنا هناك يفعل الله ما يريد والحاضر يرى ما لا يراه الغائب PageV02P175 # قال فسيروا على بركة الله تعالى فتأهبوا وساروا وسار مع يوقنا خمسة ~~وثلاثون من الصحابة وعشرون من أصحاب يوقنا فلما وصلوا أخلاط ونظرت إليهم ~~الروم والأرمن علموا انهم رسل فأعلموا بذلك الملك وأنهم رسل من العرب فأمر ~~بإحضارهم فأتتهم الحجاب إلى باب رومية وهو باب بدليس فرأوهم على خيولهم ~~فقالوا لهم ادخلوا فأخذوهم إلى دار الامارة وأعلموا الملك بوسطيرس بذلك ~~فأمر باحضارهم فلما توسطوا الدهليز أراد الغلمان أن يأخذوا أسلحتهم فقال ~~خالد انا قوم لا نسلم سيوفنا لغيرنا وان الله بعث نبينا بالسيف وقد قلدنا ~~إياه ولسنا نزيل ما خصنا الله ورسوله به فدخل الحجاب وأعلموا الملك بما قال ~~خالد فقال الملك دعوهم يدخلوا كيف شاءوا لئلا يظنوا اننا نخافهم وانما ذاك ~~ناموس الملك فدخلوا بهم فلما رآهم وسلموا عليه جلسوا على الأرض كأنهم ~~السباع وكل منهم قد جعل يده على مقبض سيفه وقد بلغ الملك ما هم عليه من ~~الدين والزهد في الدنيا فأوصى أصحابه أن لا يأمروهم بأن يصقعوا له فإنهم لا ~~يجيبونهم لذلك قال فلما استقر بهم الجلوس قال لهم ترجمانه يا هؤلاء بم ~~أتيتم الينا فقال يوقنا ان أمير جيوش المسلمين بأرض بدليس قد بعثنا إليكم ~~رسلا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ~~ورسوله أو تدخلوا فيما دخل فيه الناس وتؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون ~~فأعلم الترجمان الملك بما قاله يوقنا حدثنا قدامة انه لم يكن بينهم ترجمان ~~وانما كان المتكلم يوقنا بالرومية وهو لسان القوم قال الراوي حدثني من أثق ~~به قال كان الترجمان بينهم لان الملك أرمني لا يفهم الا بلسان الأرمن ~~ويوقنا كان روميا لا يفهم لسانا آخر فلما بلغه الترجمان ms657 غضب وقال وحق ~~المسيح والإنجيل لا نعطيهم ولا ندخل في دينهم أو نموت عن آخرنا ولا يحسبوا ~~أننا مثل من لاقوا من جيوش الروم ولنا الشدة والبأس والقوة والمراس ونحن ~~نرمي عن الأقواس بالنشاب والعرب تسميه قاطع الشهوات والأسباب وأنا أبعث إلى ~~صاحب خو وسلوس واستنصر عليهم باسراغوص ملك المرج ونردهم على أعقابهم ~~ونستخلص منهم البلاد وليس عندنا جواب غير هذا قال فبلغهم الترجمان ما قاله ~~فقال يوقنا ليأذن لنا بالانصراف لنعلم صاحبنا بهذا الجواب فقال الملك بيتوا ~~عندنا هذه الليلة وفي غد تنصرفون وأمر بهم أن ينزلوا في المكان الفلاني ~~فخرجوا من عنده إلى المكان الذي أمر به فنزلوا به ينتظرون ما يكون ~~PageV02P176 # من الجارية طاريون قال ولما خرج الصحابة من عنده ركب من وقته إلى بيعة ~~يوحنا واجتمع بابنته وقال لها ان العرب قد وجهوا إلي رسولا ومعه جماعة ~~وقالوا لي كذا وكذا وأجبتهم بكذا وكذا فما ترين من الرأي فقالت أيها الملك ~~اين هم قال عوقتهم هذه الليلة حتى أشاورك في أمرهم فقالت أريد أن أنظر من ~~هم فإنه لا يخفى علي أمرهم فان كانوا من وجوه العرب النافذ أمرهم فامرني أن ~~أتحدث معهم وأطيب قلبهم بأنك تصالحهم وأطمعهم بذلك فإذا اطمأنوا بذلك أمرتك ~~بالقبض عليهم واتركهم عندك حتى لا يكون لهم خلاص فإذا قبضت عليهم ترسل إلى ~~صاحبهم تقول له متى تقدمت الينا مرحلة واحدة بعثت إليك برؤوسهم فإذا سمع ~~ذلك لا يتقدم ويقع الصلح على أن نسلم اليه أصحابه وينصرك المسيح ويطول عمرك ~~ويرفع قدرك وينصرفون عنك وما ثم رأي أوفق من هذا فقال لها يا بنية المسيح ~~يطيل عمرك ويرفع قدرك فقومي إليهم ودعي هذه البيعة والزمي البيعة التي في ~~دارنا فإنك كلما أقمت ههنا كان أخوف بنا وان كان مقصودك العبادة ففي أي ~~مكان كنت فيه فان لك معبدا فلما سمعت قوله قالت لست أبرح من ههنا حتى ~~يأمرني بترك هذا المكان فأرسل الملك وراء البترك فلما حضر قام الملك له ~~وعظمه وأجلسه ms658 إلى جانبه وحدثه بقصة ابنته فقال البترك قد أذنت لك أن تتعبدي ~~حيث شئت وقد استوهبت ذنوبك مع المسيح وغفر لك قال فصلبت وجهها ودعت له ~~وقدموا لها بعض مراكب أبيها فركبت ومضت إلى المكان الذي فيه أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يدخل فيه سواها وأبيها الملك فلما رأت يوقنا ~~فرحت واستبشرت وقالت له أيها السيد ان أبي جاهل بكم غير عارف بقولكم وسوف ~~أكشف له عن أموركم وحق ديني ما رأيت منكم الا خيرا وسوف أجازيكم على ذلك ~~ولولا محبة الأهل والوطن ودين المسيح ما كنت فارقتكم وخرجت هي وأبوها ومضت ~~إلى القصر وقالت له ابشر بما يسرك هؤلاء وجوه القوم وساداتهم والذي عليه زي ~~الروم هذا يوقنا بطريق حلب الذي طرده المسيح عن بابه والرأي عندي أن نطلبهم ~~عندنا إلى هذا القصر ونقبض عليهم بحيث لا يقف أحد على سرنا قال ففرح أبوها ~~بقولها وبعث حاجبه إلى الصحابة فأتى بهم وأنزلهم بعض حجر القصر قال الواقدي ~~وكان عمال أبيها من البطارقة والمقدمين على القلاع قد أتوا يهنئون أباها ~~برجوعها إلى دين المسيح فقالت طاريون من الصواب أن نمضي أنا وأنت إلى هؤلاء ~~العرب ونجلس عندهم ونأكل معهم حتى يطمئنوا الينا وأقول لهم اني أريد أن ~~أشاور أهل بلدي وأرباب دولتي فاما أن PageV02P177 # نصالحكم ونؤدي إليكم الجزية أو نقاتلكم ونبعث إليهم طعاما مبنجا فإذا ~~أكلوه وحكم فيهم البنج قبضنا عليهم ونفعل بهم ما نريد وأشير به عليك قال ~~فلما جن الليل أتت هي وأبوها عندهم وتحدثوا ساعة ومضوا فلما كان الغد جلس ~~أبوها على سريره وعلمت أبنته انه اشتغل بما هو فيه فأتت طاريون إلى الصحابة ~~وقالت لهم إذا جئت الليلة أنا وأبي فدونكم وإياه لا تمهلوه فقد اتفق رايه ~~على كذا وكذا فشكروها على فعلها ومضت عنهم فلما كان الليل جاءت ومعها أبوها ~~وتقدمت كأنها تحجبه وأشارت إليهم بأن لا تعجلوا وأمهلوه فامسكوا عنه ~~وتحدثوا ساعة وخرجا من عندهم فلما خلا مع ابنته قال لها ms659 أما قولك نقبض على ~~هؤلاء العرب فليس بصواب وإني أريد أن أجمع بطارقتي وولاة أمري من الحصون ~~والقلاع وآخذ لك عليهم عهدا أن لا يخامروا عليك أبدا وان يطيعوك وأرسل ~~المال والذخائر وما نخاف عليه إلى قلعة يرقبوس فإنه أمنع قلاع الأرض قال ~~الواقدي وهذه القلعة التي ذكرت في وسط بحيرة أرجيس لا سبيل لاحد عليها قال ~~لها وإذا وليتك عليها أطلق هؤلاء العرب فإنه ما سبقني أحد من الملوك إلى ~~قبض الرسل وأيضا يتحدث عني اني فزعت من العرب وقد عولت على لقائهم فان نصرت ~~عليهم فذاك هو المراد وان نصروا علي فلي أسوة بأمثالي من الملوك وقد أرسلت ~~إلى الملك درفشيل صاحب أرزن الروم بأن يأتي إلي بجنوده وعدته وعدده ووعدته ~~أن أزوجه بأختك فاورثه فما ترين من الرأي قالت له أيها الملك إذا عزمت على ~~هذا الامر فلا تترك هؤلاء يمضون حتى يجتمع العسكر ويقدم الملك درفشيل بجيشه ~~ولا يتخلف عنك أحد وبعد ذلك اترك هؤلاء فإذا ساروا إلى صاحبهم فسر أنت في ~~أثرهم بالجيوش وأكبس عسكرهم فقال يا بنية ليس من الرأي أن نطلقهم من أيدينا ~~بل نبعث إلى صاحبهم نقول له انهم مكرمون عندنا وقد رأينا أننا في يوم عيد ~~ندبر فيه أمرنا فاما أن نصالحكم بأداء الجزية واما أن نقاتلكم والله ينصر ~~من يشاء ونأمرهم أن ينزلوا في مرج بطان فإنه مرج واسع يصلح لملتقى العساكر ~~ونضرب معهم مصفا ونحن أخبر منهم بالبلاد ونمسك عليهم الدروب فما ينجو منهم ~~أحد ونسير إلى ديار بكر فنملكها ونأخذ ارض ربيعة ولا يبقى في هذه البلاد ~~ملك سوانا فقالت له طاريون افعل ما تشاء وتركته وانصرفت إلى مكانها فلما ~~عرفت أن أباها قد أغلق أبوابه أتت إلى الصحابة وعرفتهم بما قال أبوها فقال ~~خالد الله يسر لنا الامر من غير تعب وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه فقال ~~يوقنا وكيف ذلك يا صاحب رسول الله فقال خالد نعم نحن أمورنا بحمد الله ~~منوطة PageV02P178 # بالنصر وقد كفانا كل ms660 أمر واعلموا أن هذا الرجل قد عول أن يبعث ليجمع ~~ملوكه وجيوشهم ويحرضهم على قتالنا والصواب أننا نصبر حتى يجتمعوا فقالت ~~طاريون لقد نطقت بالصواب يا صاحب رسول الله ووفقت ولعل أن يحصلوا كلهم في ~~أيديكم إن شاء الله فان أبي لا يقدر أن يوليني الا في البيعة بحضرة أصحاب ~~القلاع والحصون ويأخذ لي عليهم العهد وبعد ما يفعلون ذلك تثورون عليهم إن ~~شاء الله ولعل أن يكون في جملتهم صاحب أرزن ونرسل العبد الصالح يوقنا بزي ~~صاحب أرزن فلعله يملكها إن شاء الله تعالى ونكون ظفرنا بالأرب وخرجت من ~~عندهم قال الواقدي حدثنا صالح بن عمران عن عبد الرحمن بن الحسن عمن حدثه ~~قالوا جميعا أو من قال منهم انه لما أتفق الرأي من الملك صاحب خلاط على ما ~~ذكرنا وأصبح الصباح أرسل وراء صاحب أعماله وولاة الحصون أن يحضروا عنده ~~فأتوا بأجمعهم ولم يتخلف منهم أحد وأتى درفشيل من أرزق ومعه عسكره وكان ~~اجتماعهم في ليالي عيدهم الكبير فزينوا البيعة وجاءت القسوس والرهبان من كل ~~مكان ودخلوا البيعة وصلوا وقربوا القربان فلما فرغوا من قربانهم وصلاتهم ~~جلس الملك على سريره وابنته واقفه عن يمينه فقال للملوك والبطارقة اعلموا ~~انني ما جمعتكم الا لامر أعرضه عليكم وفيه سداد أمركم وملككم ودينكم وقد ~~عولت على انني أولي أمركم الملكة طاريون فإنها كما علمتم من أصحاب العقل ~~والرأي والتدبير في الحرب والشجاعة والبراعة فان قضى علي فإنها تكون مالكة ~~فما تقولون فقاموا بأجمعهم وصقعوا له وقالوا نعم الرأي الذي رايته أيها ~~الملك فانجز أمرك فعندها وثب قائما وأزال التاج عن رأسه ووضعه على رأس ~~طاريون وأمسك بيدها وأجلسها على السرير ووقف عن يمينها كأنه حاجب ووقف صاحب ~~أرزن عن يسارها وصعقت لها الملوك وبايعوها وتقدمت القسوس والرهبان وأخذوا ~~لها عليهم العهد والميثاق وأجابوا بالسمع والطاعة وبعدها زوجوا أخت طاريون ~~بولد صاحب أرزن وخرجوا من البيعة في خدمة طاريون إلى قصر الملك وأكلوا ~~السماط وخلعت عليهم وزينت المدينة وضربوا خيامهم بظاهر البلد ms661 وعولوا على ~~قتال المسلمين قال الواقدي حدثني إسرائيل بن إسحاق عن أبي الأحوص قال بلغني ~~ان عياض بن غنم لما وجه خالدا إلى مدينة أرمينية وهي أخلاط واستبطأهم ساءت ~~به الظنون فيهم فارتحل من بدليس إلى أرض أرزن ونزل بالمرج ووجه عيونه إلى ~~خلاط فغابوا عنه أياما وعادوا اليه وأخبروه أن الملك قد ولى ابنته طاريون ~~على المملكة وقد عقد لها التاج على رأسها وبايعها الملوك وزينوا المملكة من ~~أجل ذلك وقدم صاحب أرزن الروم وزوج أخت الملكة لابنه وان القوم قد ~~PageV02P179 # عولوا على لقائكم فلما سمع عياض ذلك قال لا حول ولا قوة الا بالله العلي ~~العظيم غدروا أصحابنا فقال المسلمون كيف ذلك يا صاحب رسول الله قال لان ~~أصحابنا مضوا لامر يرومونه وقد وفد عليهم فقالوا ثق بالله وتوكل عليه وأقام ~~عياض على المرج عشرة أيام وحصل له مرض على أمر الصحابة فأتته الناس يعودونه ~~فقال إذا أراد الله بعبده خيرا زاره الناس قال الواقدي وعوفى عياض فبينما ~~هو قد ركب مع وجوه الصحابة وهم يسيرون وقلبه مشغول من قبل خالد ومن معه وإذ ~~قد أتاه سعيد بن زيد وهو ينادي الوحا الوحا العجل العجل فأسرع اليه عياض ~~وقال ما بك يا ابن زيد يرحمك الله فقال ألحق خالدا ومن معه فقد وقعوا في ~~بحر اللجاج وهم في وسطه فلما سمع عياض ذلك قال وكيف قال إن طاريون لما ~~ولاها أبوها الملك وجعل العهد لها ظفرت بابيها فقتلته وبعثت وراء الملوك ~~على لسان أبيها فلما جاءوا إليها قتلتهم وان بعض غلمانها اطلع على سرها ~~فمضى إلى بقية البطارقة والولاة فأخبرهم بما صنعت فلبسوا السلاح وقعدوا على ~~أهبة فلما كان بالأمس ركبت هي في جيش أبيها إلى الميدان وركبنا نحن لركوبها ~~فما علمنا الا والقوم قد أطبقوا علينا وقالوا لنا أظننتم أن المسيح غفل عن ~~أمركم وانه لا يؤاخذكم بذنوبكم وقد أمكن الصليب منكم وهموا بأخذنا ~~فقاتلناهم قتالا شديدا ما سمع أحد بمثله وملأنا الأرض من قتلاهم فلما جن ms662 ~~الليل وضعت الحرب أوزارها وانفصل الجيش مع صاحب أرزن الروم وبقي مع الجارية ~~نفر يسير من غلمانها وغلمان أبيها فأفاضت عليهم الخلع والنعم وبعثت إلى ~~الأرمن تقول لهم أنما فعلت ذلك شفقة عليكم وصونا لحريمكم لأنهم أرادوا أن ~~يقبضوا على هؤلاء العرب ويقتلوهم فكان أصحابهم لا يتركون منكم مخبرا فلما ~~بلغهم ذلك قال العقلاء منهم والله لقد فعلت معنا كل خير وأجابها من القوم ~~خمسة آلاف رجل واني تركت المصف وجئت إليكم مستنفرا فلما سمع عياض كلام سعيد ~~أمر الناس بالرحيل وسار سيرا خفيفا وخببا إلى أن أشرفوا عليهم وإذا بالحرب ~~قد قامت على ساقها فكبر عياض ومن معه فارتجت منهم تلك الأرض والجبال وحملوا ~~وكان خالدا وأصحابه قد أرضوا الله بقتالهم فقاتلوا قتالا ما سمع على وجه ~~الأرض بمثله ولم يزالوا كذلك حتى انقشع الغبار وانفصل القتار وافتقدوا من ~~قتل فوجدوا من قتل من بادية الاعراب مائة وعشرين رجلا وافتقد معاذ ابن جبل ~~ولده فلم يجده فلما جن الليل دخل ومعه رجال من المسلمين إلى المعمعة فوجدوه ~~يجود بنفسه وقد ناله جراحات فحملوه إلى رحله وجلس أبوه عند رأسه فقال عبد ~~الرحمن بن غنم أخو عياض لما رأيته يجود بنفسه بكيت وانتحبت فقال له مه وهذه ~~PageV02P180 # الغزوة أحب إلي من كل غزوة غزوتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~قال له يا بني ستلقي ربك وكان لما أذن المؤذن للظهر فما انصرف العسكر من ~~صلاتهم الا وقد كفنه في دراعته وهو متضمخ بدمائه فجاءه الناس فوجدوه قد ~~دفنه فقالوا له يرحمك الله هلا كنت انتظرتنا حتى نحضر جنازته قال ليس ذلك ~~من السنة وان ذلك فعل الجاهلية وقد كنا نشتهي ان نبطىء بموتانا ولكنا أمرنا ~~بانجاز موتانا فلما دفنه في القبر ورجع إلى رحله غسل رأسه ولحيته واكتحل ~~ولبس برديه وأتى إلى خيمة عياض وهو يكثر من الابتسام والتكبير وليس به الا ~~ما يسليه عن ذلك وقال هنيئا لك يا ولدي فقال له عبد الرحمن وماذا قال ms663 سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مات له ابن وكان به ضنينا وكان عليه ~~عزيزا فحسن عليه عزاؤه ولم يرمنه شيء في قضاء الله الا غفر له وللميت ~~وأبداله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجه الله من الحور العين ~~ولما طلع النهار ركب المسلمون وطلبوا الجهاد وإذا بخيل قد أتت وعليها فرسان ~~بغير سلاح فلما قربوا منهم ترجلوا وقصدوا الأمير فابتدر إليهم يوقنا وقال ~~لهم من أنتم قالوا نحن أصحاب ارزن الروم وهذا مقدمنا وأشاروا إلى شيخ منهم ~~حسن الشيبة فراطنه يوقنا فقال ان الله دلني عليكم وبت الليلة على نية ~~القتال فرأيت المسيح بن مريم في النوم وهو يأمرني باتباع محمد وقال لي أن ~~نبي هؤلاء العرب هو الذي بشرت به فمن عدل عنه فليس مني فلما سمع يوقنا قوله ~~ترجل هو وجميع من كان معه ومشوا معه إلى عياض وحدثه بجميع ما جرى فقام له ~~وصافحه هو والمسلمون وحدث عياضا بما حدث يوقنا ثم أسلم هو ومن معه ففرحت ~~بذلك الجارية طاريون وسلمت اليه أختها وسار بها إلى أرزن الروم وأرسلوا معه ~~عشرة من المسلمين ليدعوا أرزن الروم إلى الاسلام ويعلموهم شرائع الدين قال ~~الواقدي وهم رواحة بن عبد الله وسلامة بن عدي والمرقال بن الأكوع وابن ~~خويلد وجرير بن صاعد وعبد الله بن صبرة وسهل بن سعد ومصعب بن ثابت وحازم بن ~~معمر وأبو نمير بن بشار قال وودع درفشيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وارتحل والعشرة معه حتى وصل أرزن الروم ففرح أهل المدينة بهم وخرجوا ~~للقائهم فلما استقر الملك في مجلسه طلب أكابر الناس وحدثهم بما رآه وعرض ~~عليهم الاسلام فأسلم أكثرهم وأقبل العشرة يعلمونهم شرائع الاسلام والقرآن ~~قال وسلم القلاع والحصون التي كانت لاخلاط المسلمين فمنهم من أسلم ومنهم من ~~أقام على أداء الجزية من عامهم الآتي وبعث عياض إلى خوى وسلواس وما يلي تلك ~~الأرض فأسلم PageV02P181 # أهلها الا القليل وبعث من المسلمين رجالا يعلمونهم الشرائع ms664 وأقر طاريون ~~على أخلاط والله تعالى هو الموفق للصواب واليه المرجع والمآب ذكر فتح أرزن ~~وأسعرد وجبل مارون قال الواقدي قال عبد الله بن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق ~~الهمداني قالوا جمعا وفرادي أو من قال منهم انه لما فتح الله ديار بكر ~~وأرمينية واخلاط على المسلمين على يدي عياض ابن غنم بعد فتوح أرض ربيعة ~~أرسل وراء الغلام يرغون في كفرتوتا فلما قدم عليه قلده أمر أرمينية وأخلاط ~~له ولزوجته طاريون وأخذ عليهما موثقا من الله أن يعاملا الناس بالعدل وأن ~~يتبعا الشريعة وأن يأمرا بما امر الله ورسوله فقبلا ذلك وارتحل عياض من أرض ~~أرمينية بعد أن بعث أفلح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مائة رجل ~~إلى بلاد العراق حتى يدعوا أهلها إلى الاسلام ووعدهم بالاجتماع هنالك قال ~~فانصرفوا بالرسالة وأما عياض فإنه سار على طريقه التي ورد عليها إلى أرزن ~~الروم وخرج منها إلى أسعرد إلى جبل مارون قال الواقدي كان الذي أسسها ~~السموال بن عاديا وكان قد سبق قبل ذلك الأبلق الفرد من أرض تيماء ولما جاء ~~وزير كسرى وطلبه هرب إلى هذه الأرض وبنى له فيها هذا البلد فلما نزل عياض ~~عليها دعاهم إلى الاسلام فأجاب العقلاء منهم ومن أبى أقر عليه الجزية وكتب ~~لهم عهدا ورحل حتى نزل على الشمطاء وأساوح فأجاب أهلها ولم تكن الجزيرة ~~يومئذ محدودة وان الذي بناها رجل من أهل برقعيد يقال له عبد العزيز بن عمرو ~~وكانت دجلة قبل ذلك فلما نزل عياض عليها وزار هو ومن معه جبل الجودي وموضع ~~السفينة وكان بجنبها أخباث كثيرة فكانت أهل تلك البلاد تنزح الأخباث وكان ~~ملكها الجزيري صالح فأجاب وأطاع وكان يسكن بعاديا وكانت تحت يده كواس ~~والزعفران وقفير ودربيس وأما كن كثيرة قال ولما بلغته الرسالة أجاب صالح ~~وأطاع وأقبل إلى عياض وأسلم وكتب لأهل بلده عهدا وأنفذ لهم من يدعوهم إلى ~~الاسلام ذكر فتوح الاسماعيليات قال وارتحل عياض إلى الجانب الغربي ونزل على ~~بلد فيها بديع ms665 القبطي فأجاب صلحا على ما تقرر عليه وارتحل عياض إلى أن نزل ~~بالاسماعيليات وبعث عمرو بن جند ليغير على الموصل واعمالها فمضى وأغار وأخذ ~~الغنائم ووقع الصايح فخرجوا عليه وقاتلوه وانتزعوا منه الغنيمة وقاتل حتى ~~قتل ودفن بالجانب الغربي فلما بلغ عياضا ذلك ارتحل من الاسماعيليات ونزل ~~على الموصل فخرج اليه أهلها بالعدد والسلاح فكر عليهم PageV02P182 # خالد بجيش الزحف فجعلهم حطاما ولم يكن عليها يومئذ سور يمنع فاخذها ~~بالسيف ونظر إلى نينوي فإذا هي مدينة قد أخذت السهل والجبل فقال ما هذه ~~فقيل هذه نينوي فقال لعلها مدينة يونس بن متى عليه السلام قال الواقدي وكان ~~ملكه يومئذ الملك أنطاق فكاتبه عياض فأبى فانفذ اليه الجزيري صالح فقال لئن ~~لم تجب هؤلاء إلى ما أرادوه والا أذقتك شرا ولا أترك لك عيشا فكتب اليه ~~يقول اني أصالحهم إلى ستة أشهر حتى أرى ما يكون من أمر كسرى فان فتحوا بلده ~~دخلت في طاعتهم قال وكان هو من تحت يد كسرى فأجابه المسلمون إلى ذلك ~~وصالحوه على موجها ومرجها وكتب عياض إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يعلمه بما فتح الله عليهم فكتب اليه يقول بسم الله الرحمن الرحيم ~~من عياض بن غنم الأشعري إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أما بعد سلام الله ~~عليك ورحمته وبركاته فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم فالحمد لله الذي أيد الاسلام بنصره وأدحض الشرك ~~بقهره ولله الحمد على ما أولى ومنح وأزال وكشف ورفع وصرف من عظائم وأخذ من ~~غنائم حمدا يزيد الآمال انفساحا والصدور انشراحا وقد لانت الشدة صلابتها ~~ورقت الأيام بعد قساوتها ويسر الله تعالى أمرها وقد أوردت الأعداء موارد ~~المهالك وضيقت عليهم المسالك فارتبكوا في زقاقهم واشتركوا في وثاقهم ولم ~~يجدوا في الأرض نفقا ولا في السماء مرتقى واشتد بهم الفرق وأزعجهم القلق ~~وانهم احتالوا وخايلوا وداهنوا وأرسلوا وأظهروا البعد عن الآثام والدخول ~~إلى الاسلام والتنزه من ms666 الظلم والجنوح إلى السلم فأقررناهم على ذلك بعد أن ~~أشرفوا على المهالك فمنهم من أسلم وبايع ومنهم من أقام تحت الذمة وتابع وقد ~~نشر الله أعلامنا وأعز ديننا وقهر عدونا وشد سيوفنا وأعلى كلمتنا وأظهر ~~شريعتنا وقد صرف الله سورتهم وأخمد نارهم وأزال نصرتهم وكفى البلاد والعباد ~~مؤنتهم والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته وبعث خمس ما تحصل من ~~ديار بكر مع شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضم ~~اليه مائتي فارس وسلمه الكتاب وأمره بالمسير فسار شرحبيل وبعد أيام وصل إلى ~~عياض من العراق عامر بن مزينة رسولا من عند سعد بن أبي وقاص يستنجد عياضا ~~على كسرى فأنفذ له نجدة ثم فتح الله العراق على يد سعد وما جرى له من ~~الحروب والوقائع نذكر من أمره ما كان والله الموفق PageV02P183 # ذكر فتوح العراق قال حدثنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا عبد الله بن جابر ~~قال الواقدي أخبرني من أثق به قال لما وجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه سعد بن أبي وقاص بالجيوش إلى العراق لم يزل سائرا حتى قدم أرض ~~الرحبة واتصلت الأخبار باليعمور بن ميسرة العبسي وكان يومئذ ملك العرب بعد ~~أياس بن قبيصة النعمان بن المنذر الملك من قبل كسرى بن أزدشير فكتبا ~~يعلمانه أن جيوش المسلمين قد أقبلت من المدينة وقد وجهها عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه إليك وقد عول على أخذ العراق فاستيقظ أيها الملك من غفلتك وانظر ~~في مصالح دولتك واعلم أن هذا الزمان هو الذي كنا نسمع به ولا نصدق ونكذب به ~~ولا نحقق ولا نظن أن أحدا يجسر علينا ولا يصل بجيشه الينا حتى جاء الوقت ~~المقدور وولى المدينة عمر وهو صاحب الفتوح ومصبح الملوك بشر صبوح فقم على ~~قدم الهمم وسر إلى أعدائك وتقدم وقد أعلمناك لتكون على بصيرة من الامر ~~وإياك أن تهمل الامر ms667 فرب صغير أمر عاد كبيرا ويسير عاد عسيرا والحرب أوله ~~شرر وآخره نار تسعر والسلام قال وبعثا الكتاب مع نجاب فلما وصل به إلى كسرى ~~وقرئ عليه انتفض لذلك واهتز على سريره وأحضر الأساورة والموابذة والديلم ~~والسهارجة وقرأ عليهم كتاب الملوك وقال لهم ما ترون في هذا الامر الذي قد ~~وقفنا عليه وأشرفنا من زماننا عليه واعلموا أن هؤلاء العرب قد أخرجهم الجدب ~~والجهد فهم ينظرون لهم مواضع يسكنون إليها وينزلون فيها وقد أذاقوا الروم ~~شرا وأنزلوا بهم ضرا وملكوا المدائن واحتووا على الخزائن وكانت الروم قد ~~اجتمعوا عن بكرة أبيهم وما كان منهم أحد الا أتى الشام وتلاقوا في الحرب ~~بمكان يقال له اليرموك وهذه شرذمة من العرب قد سرحوا بلادكم وقد عولوا على ~~أن ينزعوا الملك من أيديكم ولا ينفعكم لا أن تكشفوا عن ساق العزم وتتشحوا ~~بوشاح الحزم وتذبوا عن أهليكم وأموالكم وأولادكم وحريمكم وبلادكم واعلموا ~~أن العرب لهم الطمع وقد دخل في قلوبهم أن يملكوا بلادكم وحصونكم متى رأوكم ~~ناكلين عن قتالهم فشلين عن نوالهم مالوا عليكم ميلة الأسود على فرائسها ~~فاحسموا موادهم من أول يوم وقد قيل في الأمثال من نظر في العواقب أمن غائلة ~~النوائب ثم إنه فتح خزائن الأموال والخلع وخلع على الهرمزان وقدمه على ~~خمسين ألفا وخلع على عطارد بن مهرود وقدمه على عشرين ألفا وخلع على قارين ~~بن همام وقدمه على عشرين ألفا وأمرهم أن يضربوا خيامهم بأرض زوندان ~~PageV02P184 # ففعلوا ذلك وكتب من وقته إلى خراسان وما وراء النهر يستفزهم ومن معهم من ~~الأجناد على قتال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وصلت الكتب ~~إليهم أقبلوا يهرعون إلى العراق كالجراد المنتشر وكان في جملة القوم شهريار ~~بن كباد والفرحان الأهوازي والهزيل بن جسوم جاسر الهمذاني ومعهم أربعون ~~فيلا ووفد الجانيوس بن قتاد قال الراوي فلما اجتمعت الجيوش خرج كسرى يحرضهم ~~بأرض شهرطاق وفراشة وكان رأس جيشه مهرمان فعرض الجيوش فإذا هي مائة ألف ~~وخمسون ألفا غير الأتباع وقدم الديلم ms668 والعجم وأمامهم الفيلة وعقدوا على ~~ظهورها الأسرة بثياب الديباج وعلى كل سرير أربعون رجلا مقاتلة وهم يضربون ~~بالطبول والصنوج في خراطيهما أعني الفيلة السيوف ليقاتلوا بها وكان فيها ~~فيل أعور كأنه الجبل العظيم وكان هو المقدم على الفيلة حيثما سار سارت ~~وراءه وان وقف وقفت وقد ربط وراء الفيلة عجل يحمل بيوت السلاح والأموال ~~فلما عولوا على المسير عاد الملك أزدشير إلى من ذكر من المقدمين وقال ~~اعلموا يا أهل فارس انكم ما زلتم ملوكا وهيبتكم في قلوب الترك والديلم ~~والروم والجرامقة وذلك لما كنتم عادلين في الرعية فادفعوا هؤلاء بالمال فان ~~أبوا فدونكم والسيف وودعوه وساروا ذكر فتوح الخورنق وقتل النعمان بن المنذر ~~وفتح الحيرة والقادسية قال الواقدي حدثنا الحسن بن إسحاق قال أخبرنا أبا ~~سليمان بن عامر قال بلغني أن سعد بن أبي وقاص قدم العراق في ثلاثين الف ~~فارس من بجيلة والنخع وشيبان وربيعة وأخلاط العرب وما منهم من قدم العراق ~~الا بأهله وولده وما قدم أحد من ملوك الفرس الا بماله كله حتى يقاتلوا بجد ~~وعزم وبذلك وصاهم الملك كسرى قال وان سعدا ارتحل من الرحبة إلى الحيرة ~~البيضاء وكان هناك جيش النعمان بن المنذر وقد ضرب خيامه والسرادقات إلى ~~ظاهرها وقد أضاف اليه جميع العرب وهم من العراق في ثمانين ألفا وقد أفاض ~~عليهم النعمان النعم والخلع ووعدهم من الملك كسرى بكل جميل وقال لهم ان ~~هؤلاء عرب وأنتم عرب وهلاك كل شيء من جنسه وهؤلاء مثلنا وليس لهم فضل علينا ~~وقد جعلنا الأكاسرة مقدمي دولتهم حتى نكون لهم ركنا وعلى أعدائهم عونا وليس ~~لأصحاب محمد فخر يفتخرون به علينا لكن نحن لنا الفخر عليهم وهم يزعمون أن ~~الله بعث فيهم نبيا وأنزل عليهم كتابا يقال له القرآن ونحن لنا الإنجيل ~~وعيسى بن مريم وجميع الحواريين ولنا المذبح ولنا القسوس والناقوس والرهبان ~~والشمامسة PageV02P185 # وعلى كل حال ديننا عتيق ودينهم محدث فاثبتوا عند اللقاء وكونوا عند ظن ~~الملك كسرى بكم قال فبينما هو يقول ذلك إذ ms669 جاءه عمه الياس وهو صاحب الحرس ~~فقال له أيها الملك ان أعداءنا قد انفذوا الينا رسولا فقال ائتني به فأحضره ~~وكان الرسول سعد بن أبي عبيد القاري فلما وقف بين يدي النعمان صاح به ~~الحجاب والغلمان قبل الأرض للملك فلم يلتفت إليهم وقال إن الله أمرنا أن لا ~~يسجد بعضنا لبعض ولعمري ان هذه كانت العادة المعروفة في الجاهلية قبل أن ~~يبعث الله نبيه محمدا عليه السلام فلما بعث جعل تحيته السلام وكذا كانت ~~الأنبياء من قبله وأما السلام فهو من أسماء الله تعالى وأما تحيتكم هذه فهي ~~تحية جبابرة الملوك فقال النعمان لسنا من الجبابرة بل نحن أجل منكم لأنكم ~~توحدون في دينكم وتقولون ان الله واحد وتجحدون ولده عيسى بن مريم فقال سعد ~~أخبرني عن بن مريم أكانت القدرة فيه حالة أم ربانية وجرى بينهم كلام كثير ~~قال فأعجب النعمان كلام سعد وقال له يا ويح قومك ما الذي جئت به فقال ان ~~الأمير سعد بن أبي وقاص وجهني إليك إذ أنت من العرب ويصل الينا ما نقص عليك ~~وهؤلاء القوم علوج ليس لهم شريعة يؤدونها ولا فريضة يتبعونها ونحن ندعوكم ~~إلى شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولكم ما لنا وعليكم ما ~~علينا فان أبيتم فأدوا الجزية فان أبيتم إلى ما دعوناكم اليه فائذنوا بحرب ~~من الله ورسوله فلما سمع النعمان كلام سعد ضحك استهزاء بقوله وقال لقد ~~حدثتكم أنفسكم بالأباطيل أظننتم أن الفرس مثل الروم لا وحق المسيح بل هؤلاء ~~أثبت جنانا وأشد طعانا وأوسع ميدانا فليت شعري من نفخ في معاطسكم وحسن ~~الامل في أنفسكم حتى جئتم من قحط البلاد ترومون ملك الأساورة وأخذ بلاد ~~الأكاسرة ودونه حرب تصطفق أجرامه وتشب ضرامه وهذا الملك أزدشير قد أنفذ ~~جيوشه وعساكره وكأنكم بهم وقد أقبلوا فينالون منكم ما يؤملون وما حدثتكم به ~~أنفسكم تزيلونه من قلوبكم فقال سعد بن عبيد يا نعمان لقد تشدقت بالباطل ~~وتفوهت بكلام غير عاقل أما علمت أن العاقبة ms670 للمتقين والله بكرمه يرفع عنا ~~البأس ويظفرنا بجميع الناس وقال نبيه صلى الله عليه وسلم ستفتح على أمتي ~~كنزر كسرى وقيصر فأما كنوز قيصر فقد فتحها الله علينا وقد بقيت كنوز صاحبك ~~فقال النعمان من أين كان لصاحبك العلم ومن أين ورثه وقد بلغنا أنه كان لا ~~يكتب ولا يقرأ فقال سعد بصره الله بالعلم في القدم وعلم ما كتب في اللوح ~~المحفوظ بالقلم فلما سمع النعمان كلام سعد قال له يا ويح قومك ارجع إلى ~~قومك فليس عندنا جواب الا السيف قال فركب سعد وعاد فوجدهم PageV02P186 # قد نزلوا بالقرب منه فحدث سعدا بما جرى له مع النعمان بن المنذر وما كان ~~من جوابه وجعل الأمير سعد بن أبي وقاص ينشد * ساحمل فيهم حملة عربية * ولا ~~أنثني والله عنهم بعسكري * فاما نرى النعمان في القيد موثقا * واما طريحا ~~في الدماء المعفر * ثم أمر الناس بالرحيل فرحلوا وساروا إلى أن أشرفوا على ~~جيش النعمان قال فلما رأوا جيوش سعد أمر الناس بالركوب فتبادرت العرب إلى ~~خيولهم فركبتها وجنبت الجنائب وضربت الكاسات وتبادرت الابطال ونشرت الاعلام ~~فلما وصل سعد رضي الله عنه ولقي القوم قد أخذوا أهبتهم رتب جيشه وصفهم ~~وألفهم وجعل في الميمنة سعد بن عبيد القارئ وفي الميسرة سعد العشيرة وفي ~~الجناح الأيمن سعد بن نجيبة وعلى الجناح الأيسر سعد بن الاقيس الهلالي ~~وأقام الأمير سعد في القلب ومعه أبو محجن الثقي وزهرة بن جويرية وشرحبيل بن ~~كعب قال الواقدي حدثنا أحمد بن عامر قال أخبرنا علي بن مسهر عن أبان عن ~~الحسن قال لما استوت الصفوف وترتبت كل قبيلة جعل الأمير سعد يتخلل الصفوف ~~ويعظ من فيها من عرب بجيلة وطيء وبني هلال والنخع وغيرهم ويقول هذا يوم لا ~~نرى بعده مثله أما بلغكم ما فعل اخوانكم بالشام لما تكاثرت عليهم جموع ~~اللئام فاستيقظ المسلمون بقول سعد وقالوا نحن نحمل عليهم بشدة العزائم ولعل ~~الله أن ينصرنا عليهم فصاحوا بخيولهم فخرجت كالرياح العواصف ولم يزالوا في ~~القتال الشديد إلى ms671 أن توسطت الشمس في قبة الفلك وقد ثبتت أصحاب النعمان بن ~~المنذر للضرب والطعان قال الواقدي وان القعقاع بن عمرو التميمي أو بشر بن ~~ربيعة التميمي أحدهما التقى مع النعمان في كبكبة من الخيل والازدهارات على ~~رأسه فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة ففرقها وعلى الكتيبة فمزقها ورمى ~~النعمان بطعنة في صدره فاطلع السنان يلمع من ظهره فلما نظرت جيوش الحيرة ~~إلى الملك النعمان مجندلا ولوا الادبار يريدون القادسية نحو جيش الفرس وغنم ~~المسلمون رحالهم وأموالهم وباتوا فرحين وافتقدوا من قتل من المسلمين فكانوا ~~خمسمائة وثلاثين غالبهم من أهل نخع وقد ختم الله لهم بالشهادة وفي ذلك قالت ~~خزانة بنت خالد بن جعفر بن قرط ترثي من قتل من المسلمين * فيا عين جودي ~~بالدموع السواجم * فقد شرعت فينا سيوف الأعاجم * فكم من حسام في الحروب ~~وذابل * وطرف كميت اللون صافي الدعائم * حزنا على سعد وعمرو ومالك * وسعد ~~مبيد الجيش مثل الغمائم * هم فتية غر الوجوه أعزة * ليوث لدى الهيجاء شعث ~~الجماجم * PageV02P187 # قال وان المسلمين جمعوا الأموال واحتوى سعد على قصر الخورنق والسدير وترك ~~جميع ما أخذه بالحيرة وترك عنده سالم بن نعيم بن مسروق وترك عنده مائة من ~~أبناء المهاجرين والأنصار قال وأما من انهزم من جموع النعمان بن المنذر ~~فوردوا على القادسية وعليها جنود الفرس مع رستم زاده بن اسفنديار ومعه ~~شهريار بن كنار والهذيل بن جشوم وحشرسوم الهمذاني والجناتيوس بن فتاك ~~وشماهير بن حسوسا قال فلما رأوا المنهزمين من جيش النعمان ملك العرب سألوهم ~~عن أمرهم فأخبروهم بقتل النعمان وأخذ الحيرة وقصر الخورنق والسدير وجميع ما ~~فيها قال فوقع التشويش في عسكر الفرس وتمكن الخوف من قلوبهم وكثرت الأراجيف ~~وأما رستم فإنه جمع الملوك والاساورة وملوك الديلم في خيمته وقام على سريره ~~خطيبا فقال اعلموا أن الدولة بالسياسة والناموس بالرياسة وكأنكم بالعرب وقد ~~أشرفوا عليكم فأخرجوا واذهبوا إليهم واركبوا فخرجوا من عنده وأخذوا أهبة ~~الحرب فبينما هم كذلك إذ بعسكر سعد قد أشرف عليهم وهم على الخيل المضمرة ms672 ~~العربية وعليها الفرسان الاسلامية والطائفة المحمدية فرتبوا الصفوف وجعل ~~رستم ملوك الفرس عن يمينه وملوك الديلم عن يساره ووقف رستم في القلب ودارت ~~به الأساورة فبينما هم كذلك إذ بعث الأمير سعد رسولا إلى رستم وكان الرسول ~~أبا موسى الأشعري فقصد القلب فلما رآه الحجاب أتوا اليه والترجمان معهم ~~فقالوا له يا عربي ما الذي تريد قال أنا رسول من عند صاحب الجيش فبلغوا ~~رستم ما قاله أبو موسى الأشعري فقال قولوا له مالك وصول إلى المقدم ولكن ~~أفصح لنا عما تريد حتى نأتيك بجوابه قال فبلغه الترجمان ما قاله فقال أبو ~~موسى قل له ندعوكم إلى الشهادة فان أبيتم الاسلام فأدوا الجزية فان أبيتم ~~فالسيف أصدق شاهد وقد قال الله في كتابه العزيز وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين فبلغهم الترجمان ذلك ورجع أبو موسى إلى سعد فلما جن الليل هرب من ~~عسكر رستم جماعة والتجئوا إلى عسكر المسلمين فلما أصبح رستم بلغه أن جماعة ~~من عسكره هربوا إلى عسكر المسلمين فبعث رسولا إلى سعد يطلب منه أن يرد عليه ~~الذي هرب من الأساورة والمرازبة فقال سعد أنا قوم لا نضيع ذمامنا ولا ننقض ~~عهدنا وقد أتوا الينا مستسلمين وفي صحبتنا راغبين فيجب علينا أن نذب عنهم ~~ولا نمكن أحدا منهم فعاد الرسول إلى رستم وأعاد عليه الجواب فغضب وأمر ~~الجيوش بالزحف قال وكان الذي هرب إلى جيش سعد شاور بن سليم ونسليك بن أكتم ~~وضرار بن مكتال ومن تبعهم فلما رأوا العساكر قد أقبلت تريد PageV02P188 # المسلمين قال القعقاع أيها الأمير قد تقدمت الأعداء والفيلة أمامهم ولا ~~مقام لخيل العرب عند رؤيتها وصياحها فقال سعد أخلصوا النيات وأرضوا خالق ~~الأرض والسماوات وأرشقوا الفيلة بالنبل واقطعوا مشافرها بالسيوف قال وكان ~~أمام الفيلة فيل عظيم كأنهن جبل وكان إذا سار سارت وإذا وقف وقفت وأينما ~~توجه كانت وراءه قال فلما حملت الكتائب واضطربت المواكب وجاءت الفيلة كأنها ~~جبال وعلى ظهورها الابطال وقد أقبلت بالسيوف وفي خراطيمها فقتلت من عسكر ~~المسلمين ولم تثبت ms673 لها خيل المسلمين فرفع سعد بن أبي وقاص كفيه مبتهلا ~~بالدعاء لرب الأرض والسماء * (قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين) * قال زهرة بن جويرية فوالله لقد رأيت سعدا ~~يدعو وعيني مع الفيلة وإذا بالفيل الأعور قد ولى يريد المدائن والفيلة ~~بأجمعها والرجال لا يقدرون على ردها وهي سائرة على وجوهها وكفى الله ~~المؤمنين القتال من الفيلة قال فلما ولت الفيلة غضب رستم وأقبل بعموده الذي ~~من الذهب يضرب به وجوه الفيلة ويطمطم بفارسيته ويحرض قومه على القتال وهم ~~يحملون خوفا منه وهو يطلب من هرب من جيشه والخيل أمامه منهزمة والمسلمون لا ~~يتبعون المنهزمين وأوقفوهم مواقفهم وقد طابت قلوبهم بمعاملة الله فطعنوا في ~~صدور الأعداء وقد اطلع الحق على قلوبهم فما وجد فيها غيره فبينما الأمير ~~سعد يحرض على القتال إذ لقيه الأسود العنسي وهو طائش العقل ذاهل اللب فقال ~~له ما وراءك يا ابن قيس فقال أيها الأمير إياك أن تعبر هذا الصف فان فيه ~~الموت الأحمر والضيغم القسور وهو جبار من الفرس وقد قتل من المسلمين أربعة ~~ولقد قاتلته حتى كاد أن يأتي علي ولولا أن من الله علي بخالد بن جعفر بن ~~قرط لكان قتلني لان فيه شجاعة وبراعة فقال سعد يا مسكين وأين المفر من ~~المقدور وقد قدر الله الاقدار أما سمعت قول الملك الجبار أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ودخل الصف الذي ذكره الأسود وإذ قد ~~لقيه خالد بن جعفر ولونه قد تغير فقال له ما وراءك يا ابن جعفر فقال ~~الثعبان الأغبر والأسد الغضنفر أيها الأمير ارجع عن هذا الفارس فإنه علج ~~عنيد وفي يده عمود من الذهب يورث به خصمه العطب وقد قتل الاقران وأباد ~~الشجعان وقد كاد أن يقضي علي لولا سعد العشيرة أدركني لكان أهلكني فلما سمع ~~سعد ذلك عظم عليه وقصد مكانه يريد أن يفدي الناس بنفسه وبروحه ويبدد في ~~سبيل الله مهجته وهو يخترق الصفوف فلقي سعد العشيرة فقال له ms674 ما وراءك يا ~~ابن لؤي قال ورائي جبار لا يقابل وبطل لا ينازل PageV02P189 # ولولا بشر بن ربيعة لسقاني من عموده كأس القطيعة فلما سمع قوله قصد نحوه ~~فوجد بشرا مصفر اللون فقال له ما وراءك يا ابن ربيعة فقال ما قصر القعقاع ~~اني لولاه لكنت من الهول على غرر فسار سعد على طريق بشر وقد سلك سبيل ~~توفيقه فلقي القعقاع وهو يفرق الكتائب ويصدم المواكب فقال له لله درك يا ~~ابن عمرو أين فارس الفرس وكيف خلص من يدك فقال أيها الأمير لولا أنه دخل ~~الصفوف لسقيته كأس الحتوف وغاص من وسط الخيل ولم أبلغ منه النيل قال ~~الواقدي ولم يزل القتال بين المسلمين والكفار إلى أن فرق الليل بينهم فرجعت ~~كل طائفة إلى مكانها فلما رجع رستم إلى سرادقة بعث غلمانه إلى مقدمي عسكره ~~فحضروا فقال لهم لقد خذلتم ونزل بكم العار والبوار فما الذي خذلكم وأي شيء ~~شغلكم ونزل بكم وأنتم أولو البأس الشديد والامر العتيد وهؤلاء قوم كنا لا ~~نعبأ بهم ولا تحدثنا أنفسنا عنهم بأمر وقد خذلوا فرسانكم وأوردوهم موارد ~~الهلاك وقتلوا منكم الصناديد فبأي وجه ترجعون إلى المدائن وبم تحتجون عند ~~الملك أزدشير واني أرى دولتكم قد انصرمت وأيامكم قد انقضت فقالوا أيها ~~السيد لقد بلينا بقوم لا يرهبون الموت ولا يجزعون من الفوت وكلما طعنا ~~صدورهم تقدموا وكلما قللنا جموعهم صدموا فقال رستم ما أرى من الرأي الا ~~أننا في نصف الليل نكبسهم فلعلنا نظفر بهم ويكون لنا عند الملك اليد ~~البيضاء فاستصوبوا رأيه وافترقوا لأجل أن يصلحوا شأنهم قال الواقدي حدثنا ~~عامر بن سويد قال لما رجعنا من قتال العدو إلى خيمة سعد رأيناه جالسا على ~~التراب فلما رآنا قال مرحبا بقوم هجروا الدنيا وطلبوا العقبى كيف كان يومكم ~~قلنا لقد شفينا نفوسنا من الأعداء ونصرنا شرع نبينا المصطفى ولقد رميت منا ~~رجال كثيرة من المسلسلة بنشابهم فقال سعد اجمعوا إلي العسكر جميعه وأمروا ~~غلمانكم أن يجمعوا الشيح والقيصوم فاني أريد أمرا أرجو ms675 لكم به النجاة من ~~الله قال ففعل القوم ذلك فقال للموالي اجعلوا ما جئتم به من الشيخ والقيسوم ~~على ظهور الإبل ووجهوها نحو المسلسلة فإذا قربتم منها فاضرموا النار في ~~ظهور الإبل والذعوها بأسنة الرماح حتى تدوسهم ونحن من ورائكم بسيوفنا قال ~~ففعلوا ذلك فلما أتى الليل تقدموا أمام العسكر بالأموال والموالي من ورائهم ~~إلى أن قربوا من المسلسلة وأطلقوا النار في الشيح ولذعوها بالأسنة فلما رأت ~~الجمال ما على ظهورها من النار وما حل بها من الأسنة داست صفوف المسلسلة ~~دوس الحصيد وحطمتها على وجه الصعيد وركب الأمير سعد مع PageV02P190 # الجيش ووضعوا السيف فيمن بقي من المسلسلة فبينما هم كذلك وإذا بعساكر ~~الفرس قد أتوا وارتفع الضجيج وعلا العجيج وسميت تلك الليلة بليلة الهديرة ~~ولم يزالوا في القتال إلى الصباح قال وسمعت قائلا يقول كفيناكهم فقلت من ~~أنتم فقالوا نحن من خزيمة النخع ولم يزالوا يقاتلون حتى ما بقي منهم أحد ~~ولا بقي لهم نسل فلما طلعت الشمس ركب رستم ابن اسفنديار وركب جيشه عن آخرهم ~~ووقفوا بأجمعهم فاستقبلهم الموحدون وسعد يتخلل الصفوف ويعظهم ويوصيهم أي ~~الامراء وكان في الليل قد طاف على العسكر فرأى أبا محجن الثقفي يشرب الخمر ~~وقال له يا عدو نفسه لقد محوت أجر جهادك وعبادتك والله لآخذن منك حق الله ~~وجلده الجد وقيده قال الواقدي أخبرنا يوسف بن عمر قال الأسدي عن طلحة ومحمد ~~قالوا أو أول من فتح الحرب رستم وطلب البزاز فخرج إليه نجيبه فقتله فخرج ~~زهير فقتله فأراد القعقاع أن يخرج وإذا بفارس قد أقبل إلى رستم وهو كالريح ~~في هبوبها فصاح برستم صيحة أدهشته وطعنه في خاصرته فأطلع السنان من الخاصرة ~~الأخرى فنظر إليه سعد فإذا هو أبو محجن وقد صنع ذلك برستم قال المتوكل عليه ~~سألتك بالله أن تتركه قال الواقدي حدثنا يوسف بن عبد الأعلى قال حدثنا عمر ~~بن إبراهيم عن عبد الله بن المبارك قال لما نزل سعد بن أبي وقاص على ~~القادسية وقاتل عسكر الفرس وانهزمت ms676 الفيلة إلى المدائن وكان سعد رضي الله ~~عنه يتنكر في الليل ويمشي في عسكره فمر في بعض الليالي برجال من ثقيف فوجد ~~أبا محجن وهو يشرب ويترنم على خمرته فلما رآه غضب وقال له لقد ذهب اجرك ~~ونقص قدرك بعد جهادك للكافرين تتعرض لغضب رب العالمين أترضى لنفسك بذلك ثم ~~إنه حده وقيده وجعل عليه من يحفظه فلما كان من الغد ووقع الزحف وبرز فارس ~~العجم وكان منه ما ذكرناه عاد إلى القيد فلما قتل رستم بمشاهدة الناس أتى ~~اليه سعد ليعلم حقيقة الامر فوجده في القيد فقال له يا أبا محجن أنت صاحب ~~الفضيلة فقال الفضل لله ولرسوله فأقسم عليه فحدثه بحديثه فقال له إذا كان ~~هذا صنيعك فاذهب فقد عفوت عنك ومن عاد فينتقم الله منه فقال أبو محجن والله ~~ما عدت أشربها أبدا وتاب قال الواقدي حدثنا زائدة عن جده مروان بن أوس قال ~~كنت بالقادسية وشهدت فتحها لما قتل رستم وولده عجزشير وولت الفرس على عقبهم ~~لا يلتفت أحد منهم إلى ما وراءه من الأموال والأصحاب وما لهم قصد الا ~~السلامة لأنفسهم وأتى نساء المسلمين ومعهن الماء فدرن بين القتلى والجرحى ~~فمن وجدنه من المسلمين فيه الرمق سقينه الماء ونضحن على وجهه وينقلن من ~~PageV02P191 # قتل من العرب إلى العرب ويتركن رمم الفرس قال الواقدي حدثنا أبا سليمان ~~بن بشر عن أم كثير امرأة همام بن الحرث قالت شهدت القادسية مع سعد فلما نزل ~~النصر وانهزمت الفرس شددنا ثيابنا وأخذنا الماء وابتغينا القتلى فمن كان من ~~المسلمين سقيناه ورفعناه ومن كان من المشركين أخذنا ما عليه حدثنا الحرث ~~عمن أدرك ذلك قال لم يكن من قبائل العرب أكثر نساء من نساء بجيلة والنخع ~~وكانوا في ألف وسبعمائة امرأة قال وأخذت المسلمون عدة لم يروا مثلها وأصيب ~~من المسلمين سعد بن عبيد وسفيان بن سليم والمهلب بن غزوان والقادح بن عنبسة ~~ونعمان بن نعيم وأربعون رجلا من المهاجرين والأنصار وسنذكر من قتل ممن ~~كانوا يقرأون القرآن إذا جن ms677 الليل كدوي النحل قال وأخذ المسلمون من الأموال ~~ما لم يرمثله ولما كان بعد الفتح بيوم جاءت النجدة التي بعثها عياض بن غنم ~~من أرض الموصل وجاء من شهد الفتوحات بالشام مع عامر بن الجراح وكان الذين ~~قدموا سبعمائة فلما وصلوا إلى عين التمر استعجل للنصرة فترك الجيش وسار في ~~سبعين فارسا وأتت بقية السبعمائة بعد ذلك وكان معه قيس بن عبد يغوث وقيس بن ~~أبي حازم وسعيد بن نزار ومالك الأشتر النخعي فتقدم هاشم وقيس معه في ~~السبعين قال الواقدي حدثنا إبراهيم بن بشار قال أخبرنا محمد بن علي عن أبا ~~سليمان بن أرقم أن عدة القتلى بالقادسية تسعة وثمانون رجلا وكان المشهور ~~منهم قيس وعطارد وهشام ومذعور ومقرب الأسود وعمرو بن قيس والنعمان قال ~~الواقدي وبلغنا عن رجل من تميم عن امرأة منهم قالت شهدت القادسية وضم ~~للنساء لكل منهن ثلاثة وثلاثون مثقالا من العنبر ومثلها مسك وأما الكافور ~~فما كنا نعبأ به الا من عرفه وكانت العرب تقول للسوقة هل لكم من ملح طيب ~~وكانوا يعطون كيل كافور بكيل ملح وان رجلا من العساكر عجن عجينا وجعل فيه ~~من الكافور وجعل يذوقه بعد خبزه ويقول ما لهذا الملح لا يطعم في العجين وان ~~رجلا ممن له خبرة بالملح قال أعطيكم جراب ملح يطعم طعمه قال فأخذوه وأعطوه ~~ملء جرابه كافورا غال وان سعدا لما هزم الله العدو على يديه جمع الأموال ~~كلها وكان الذي يقبض االاموال أبا سليمان بن ربيعة قال فكتب إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من العامل ~~بالعراق سعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أما بعد سلام ~~عليك واني أحمد الله الذي لا إله إلا هو PageV02P192 # وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وانا وصلنا إلى العراق والتوفيق ~~يقدمنا والنصر يؤيدنا وقد اطلع الله على قلوبنا وامتحن خفي أسرارنا فما وجد ~~فيها سواه ولا نعبد الا إياه فوفى لنا بوعده إذ ms678 وفينا بصادق عهده فلقينا ~~العدو وهو شاكي السلاح وغير راجع عن الطماح وقد شمر لنا عن ساق الجد فدارت ~~لنا عليه الدوائر فهزمنا كتائبهم وزلزلنا مواكبهم واستأصلنا شأفتهم وقتلنا ~~مقدمهم فجرى بذلك سابق القدر وأخذناهم أخذ عزيز مقتدر وملكنا الحيرة ~~والقادسية وأنزل الله بأعدائنا الرزية فلما كان بعد الفتح بيوم قدم المرقال ~~وهشام وسبعون رجلا من الصحابة وبعده بثلاثة أيام قدم سبعمائة من الشام من ~~جند أبي عبيدة ولم أسلم لأحد شيئا من الغنيمة ونحن ننتظر أمرك في ذلك ~~والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى جميع المسلمين وسلم الكتاب إلى زيد ~~بن عمرو فركب نجيبه وسار نحو المدينة قال أخبرنا أحمد بن عمر قال حدثني ~~سابق بن مسلم قال وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنهم يركب في كل يوم نجيبه ~~ويقصد طريق العراق إلى قريب الظهر وذلك لما بلغه أن رستم نزل على القادسية ~~قال فخرج على عادته إذ لقيه البشير وهو نوفل فلما رآه نوفل أبرك ناقته وسلم ~~على أمير المؤمنين وقال له أبشر بكل خير ودفع كتاب سعد وهو يقول قد هزم ~~الله العدو ونصر الموحدين وملكنا الحيرة والقادسية بهم فرقى المنبر وقرأ ~~عليهم كتاب سعد وقال ألا وان اخوانكم المسلمين يقرئونكم السلام وقد اتبعوا ~~الكتاب والسنة وحادوا عن طريق البدعة وأقاموا على شرائع الهدى وأرادوا ~~المشورة فيمن قدم عليهم فأما الجواب فالغنيمة لمن شهد الوقعة والمواساة لمن ~~لحق بهم بعد الوقعة بثلاثة أيام ونزل عن المنبر وكتب إلى سعد بسم الله ~~الرحمن الرحيم أما بعد سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم وقد وصلني كتابك فحمدت الله كثيرا بما فتح ~~الله على أيديكم واني قد أبليت بكم وأبليتم بي واني والله لا أحصى شيئا من ~~أموركم فأعلمه وأما إذا اجتمع صلح فإذا أشفق الوالي ونصحت الرعية وعمل ~~الاحسان وعلى الرعية الصبر والشكر وأما الغنيمة فلمن شهد الوقعة والمواساة ~~لمن أتى بعد ثلاثة أيام ومن شهد حربكم ms679 من مملوك وعتيق بعد ثلاثة أيام ~~فأشركوه الزموا الاحسان فيما فتح الله عليكم وختم الكتاب وسلمه للرسول فسار ~~يجد السير إلى أن أتى سعدا ودفع اليه الكتاب فلما قرأه كتب اليه بعد ~~البسملة يعلمه بما تجدد أما بعد يا أمير المؤمنين فاني لم أر فارسا مثل ~~القعقاع بن عمرو التميمي فإنه حمل في العدو في يوم واحد PageV02P193 # ثلاثين حملة يقتل في كل حملة فارسا ولم أر فارسا مثل الحرث الكندي فإنه ~~كان يحمل في المواكب فيقصم عروقها وأرسل الكتاب الثاني والخمس مع سعد قال ~~ووصل المنهزمون من الفرس إلى المدائن ودخلوا الإيوان وحدثوا كسرى بما جرى ~~وبقتل رستم وولده فاغتم لذلك وأيقن أن دولة الفرس قد انقرضت وانصرمت فاحتجب ~~ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع مات لأنه حمل الهم على قلبه فقام بعده ولده ~~يزدجرد ولم يكن له غيره قال حدثنا عبد الله بن مروان قال حدثنا نعيم عن جده ~~وكان أحفظ الناس للفتوح قال لما وجه كسرى بن أزدشير رستم إلى قتال سعد أنفذ ~~معه نصف بيت ماله وهي ستمائة ألف ألف إلى المصف فلما صفت الصفوف وضعها أمام ~~الجيش وقال كل من قتل فارسا كان له كذا وكذا ومن قتل راجلا فله كذا وكذا ~~فصار ذلك كله إلى المسلمين فأرسل الخمس مع سعد وهو مال كثير لا يحصى عدده ~~لكثرته فلما وصل المال لعمر بن الخطاب بكى وقال أف لمن يغتر بالدنيا أو ~~يميل إليها ثم قرأ قل متاع الدنيا قليل والآخرة لمن اتقى فوالله لم يلتمس ~~منه قليلا ولا كثيرا ولا درهما ولا دينارا فقالت له حفصة يا أمير المؤمنين ~~لو رفقت بنفسك وأكلت طعاما أطيب من طعامك ولبست ثوبا أمير من ثوبك فقد فتحت ~~لك الفتوح وأتت الأموال فتمعر وجهه غضبا وقال لها ناشدتك الله أخبريني عن ~~أفضل ما اقتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت مال المسلمين قالت ~~ثوبان كان يلبسهما يوم الوفد ويخطب فيهما يوم الجمعة والعيدين فقال أي طعام ~~كان يأكل عندكن ms680 قالت خبز الشعير وكان عندنا في أسفل عكة دسم فان تظاهر طعمه ~~فيها يقول قد زدتن في الدسم قال فأي بساط كان يبسطه عندكن قالت كان لنا ~~كساء نجعله في الصيف تحتنا وفي الشتاء نفرش نصفه ونلتحف بنصفه فقال يا حفصة ~~ان مثلي ومثل صاحبي كثلاثة نفر تتابعوا طريقا فمضى الأول وقد زاد فبلغ ثم ~~تبعه الثاني فسلك طريقه فمضى اليه ثم تبعهما الثالث فان لزم طريقهما ورضى ~~بزادهما وان سلك غير طريقهما لم يجتمع معهما أبدا ذكر فتح نهمشير قال ~~الواقدي وان عمر رضي الله عنه بعث إلى سعد بأن يمضي إلى المدائن وأن يخلف ~~النساء والأولاد في الحيرة وعندهم من الجند جماعة ويجعل لهم شركة في كل ~~مغنم وكان مقام سعد بعد الفتح بالقادسية شهرين فلما استهل الشهر الثالث ~~أنفذ على مقدمته زهرة بن جويرية وأتبعه بعبد الله وشرحبيل بن الشمطاء ~~وأتبعهما بهاشم بن عتبة وخالد بن عرفجة صاحب PageV02P194 # صاحب الساقة وقسم الجيش معهم وقد غنموا ما كان في عسكر الفرس من مال ~~وسلاح وكراع وكان رحيلهم من القادسية لبضع أيام مضين من شهر شوال قال ونزل ~~زهرة بالكوفة بمن معه ولحق به عبد الله وشرحبيل بمن معهما وتتابعت الجيوش ~~وارتحل زهرة وسار إلى بالس ونزل عليها وإذا بأناس من أهل السواد أتوا اليه ~~وطلبوا منه أمانا فأعطاهم وقال لهم ما عندكم من خبر العدو فقالوا أيها ~~الأمير استعمل الحذر جلبابا والتيقظ بابا واعلم أن رجلا من المرازبة قد ضمن ~~لكسرى لقاءكم وردكم ومعه عسكر جرار فقال زهرة أبعد الله شره وجعل كيده في ~~نحره فبينما هو كذلك إذ أشرفت عليهم طلائع القوم وتبينت لهم البيارق ~~والازدهارات فركب زهرة للقائهم ورتب أصحابه للحرب وهو يقول * (إن ينصركم ~~الله فلا غالب لكم) * قال الواقدي ولما أشرفت الكتائب أطلقوا ألسنتهم بذكر ~~الله وتسارعوا إليهم فأوسعوا لهم الميدان وتقدمت الصناديد وتأخرت الرعاديد ~~وضج المسلمون بالتكبير وطعنوهم في صدورهم ونحورهم وإذ قد وقعت عين زهرة على ~~فارسهم العميد وبطلهم الشديد فقصده دون ms681 غيره وتطاعنا وتضاربا وتقاربا ~~وتباعدا ثم إن زهرة رماه بطعنة في صدره فأخرج السنان من ظهره فخر إلى الأرض ~~صريعا فلما رأوه ولوا الادبار وركنوا إلى الفرار وكان فيهم رجل من أكابرهم ~~ذو عقل سديد ورأي رشيد فلما رأى ما حل بقومه أتى إلى زهرة طائعا مختارا ~~وعقد له معه صلحا فأعطاه أمانا وسأله عن خبر جيوش كسرى فقال يا سيد قومه ~~اعلم أن أكابر من انهزم منهم بالقادسية قد اجتمعوا وهم النهرجان والمهراق ~~الداري والهرمزان فقال لهم القيروان بأي وجه تعودون للملك كسرى وقد أعطاكم ~~الوظائف والعطايا والولايات فأقيموا هنا حتى تبيض وجوهنا عنده أو نهلك عن ~~آخرنا قال فلما سمع زهرة وعبد الله وشرحبيل وهاشم وخالد انتظروا سعدا حتى ~~أتى وأعلموه فقال استعينوا بالله وتوكلوا عليه وكانوا قد ملكوا الجسر ~~فعبروا عليه وعدوا إلى الجانب الآخر وأشرفوا على جموع القوم فوقعت في الفرس ~~الأراحيف وتمكن الخوف قلوبهم وكلما عين الهرمزان والقيروان جيشهما وصفا صفا ~~انتقض بغيره فعلم أن ما فيهم خير وما كانت الا ساعة حتى فرق الله جموعهم ~~وبدد شملهم وانطلقوا على وجوههم فمضى الهرمزان إلى الأهواز وكانت كنوز كسرى ~~في جبل ظاهر الأهواز وكان عليها مقدما نهاوند فلما بلغه هزيمة العسكر نهبها ~~وأما النهرجان ومهراق فإنهما قصدا المدائن وعبرا نهرا شير وهي مدينة الذنب ~~قال فلما حصلوا بالعدوة القصوى وقطعوا الجسر قصدوا الإيوان ويزدجرد هناك ~~فدخلوا عليه وحدثوه بما جرى لهم مع العرب فلما PageV02P195 # سمع ذلك أيقن بزوال ملكه فلما كان الليل عول على أن ينفذ أمواله وذخائره ~~إلى نهاوند وتهيأ للحرب وأما زهرة فإنه سار في أثر القوم حتى جاوز سوار ~~ونزل وأتى بعده هشام والمرقال ونزلا عنده حتى تكامل الجيش ونزل سعد بن أبي ~~وقاص وارتحلوا إلى كوثاريا وأشرفوا عليها فلما رأي الفرس عسكر المسلمين قد ~~أشرف عليهم أخذوا أهبة القتال وتهيئوا ومقدمهم شهريار فلما وصل إليهم زهرة ~~ورآه شهريار وقع الرعب في قلوب أصحابه وماج بعضهم في بعض ولولا خوفهم من ~~شهريار لولوا ms682 الادبار ورتب زهرة أصحابه فلما استوت الصفوف خرج شهريار ~~للبراز وعليه زي الملوك ولأكاسرة وقال أنا شهريار فهل يبرز إلي فارس لفارس ~~أو أربعة لفارس أو عشرة لفارس فلما سمع زهرة كلامه قال والله لقد أردت ~~برازك غير اني لا أدع أحدا يخرج إليك الا عبدا فان قتلته فتكون قد قتلت ~~عبدا وان قتلك فهو المراد ثم إنه دعا مولا أبا نباتة الأعوجي فقال له دونك ~~وهذا العلج واستعن عليه بالله فخرج اليه أبو نباتة فلما وصل إليه ونظره ~~استحقره لان شهريار كان مثل البعير فألقى نفسه على أبي نباته وقد جرد سيفه ~~فلما رآه أبو نباتة قد وصل اليه صادمه كأنه أسد وتضاربا بالسيوف حتى تكسرت ~~فرمياها وتقابضا حتى سقطا إلى الأرض فوقع شهريار بابي نباتة وهو يراغه ~~فوقعت ابهام شهريار في فم أبي نباتة فقطعها فارتخت أعضاؤه فانفلت وانقلب ~~عليه فصار فوقه وجرد خنجره وطعنه به في نحره فقضى عليه فأخذ تاجه وسواريه ~~وسلبه وفرسه وعدته وتوجه بها إلى المسلمين فلما نظر جيشه ما حل به ولوا ~~الادبار وأقام زهرة هناك إلى الصباح وأقبل بقية الموحدين فحدث زهرة سعدا ~~بما جرى لمولاه مع شهريار وكيف انهزم الفرس ففرح سعد بذلك وأمر أن يحضر أبا ~~نباتة فأحضره فقال سعد عزمت عليك الا لبست سواريه ودرعه وتاجه وركبت جواده ~~قال ففعل فأعطاه السلب جميعه وقال له قد أفلحت فكان أول مسلم سور بالعراق ~~قال الواقدي حدثنا نوفل بن عدي قال أخبرنا وائل بن غانم اليشكري قال لما ~~قدم سعد إلى كوثاريا نزل في المكان الذي سجن فيه إبراهيم الخليل عليه ~~السلام فصلى فيه وحمد الله وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقرأ * (وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس) * الآية قال واقام سعد بمشهد كوثاريا أياما ثم ~~دعا الناس اليه وقال لهم اعلموا ان الله تعالى قد نصركم في مواطن كثيرة وقد ~~أراكم ما وعدكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لما قال ستفتح على أمتي كنوز ~~كسرى وقيصر وقد ملكتم ms683 طرفا من كنوز كسرى والتمام على الله PageV02P196 # وقد عولت على العبور إلى المدائن التي من الجانب الغربي فقالوا جميعهم ~~أيها الأمير ما منا من يخالف ولا يبخل بنفسه على الله ورسوله فاعزم ولا حول ~~ولا قوة الا بالله العلي العظيم قال فلما سمع قولهم قدم زهرة برايته وجيشه ~~وأمره أن يسير فسار في اثني عشر ألف فارس فما سار غير قليل إذ رأى بين يديه ~~خيلا وعليها فوارس فأخذوا أهبتهم فإذا هم زهاء من مائتي فارس من الفرس ~~فأرسلوا منهم فارسا يعلم المسلمين أنهم أهل ساباط ومقدمهم يقال له سرزاد ~~وهو يطلب لأهل بلده صلحا وعهدا فقال له زهرة ائتني بهم فلما قربوا منهم ~~ترجلوا وأتوا المسلمين فتلقوهم بالبشر والسرور فقال لهم زهرة من أنتم قالوا ~~نحن أهل ساباط وهذا مقدمنا وقد أقبلنا نطلب صلحكم فقال زهرة من قصدنا ~~قبلناه ومن أراد صلحنا صالحناه ولسنا قوما نريد الفساد في الأرض ثم أمضى ~~صلحهم على ما وقع عليه الاتفاق بينهم قال وانطلق سرزاد إلى قومه ومعه جماعة ~~فرحين بالصلح ولما نزل زهرة في نهمشير وجد كتائب الفرس وعليهم مقدم يقال له ~~فيروز وهو فارس قومه ومعهم كبكبة كسرى التي يعتمد عليها في وقت شدته قال ~~واجتمع جيوش الموحدين عند زهرة مع سعد وتأهبوا للقتال قال الواقدي فلما ~~ترتبت الصفوف كان أول من برز واشتهر وسما وافتخر فيروز ورطن بالفارسية وقال ~~يا هؤلاء العرب لقد أطمعتم أنفسكم فيما لا تصلون اليه وساءت ظنونكم وزعمتم ~~انكم تملكون العراق وتأخذونه من أيدي الأكاسرة وهذا ظن لا يصير أبدا ونحن ~~كتيبة كسرى أولو الشدة والبأس والقوة والمراس وأنا مقدمهم والرئيس فيهم ~~فليبرز إلي مقدمكم ويفعل مثل ما فعلت أنا من بين قومي قال فما استتم كلامه ~~حتى خرج اليه هاشم بن المرقال يجر قناته من ورائه وحمل عليه وحصل بينهما ~~حرب يشيب منها الطفل ثم إن هاشما طعنه في صدره فاطلع السنان من ظهره قال ~~فلما قتله هاشم ورجع إلى المسلمين قبله سعد بين عينيه ms684 فترجل هاشم وقبل رجل ~~سعد وقرأ * (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال) * قال وارتحلوا في ~~أثرهم إلى أن نزلوا نهمشير وبقى كلما أقبلت تكبر وتنزل إلى أن أحاطوا بهم ~~من كل جهة فأظهر القوم الزينة والسلاح والعدد والمجانيق وهم على الأسوار ~~قال الواقدي وأقام سعد على نهمشير شهرين وبعث خيله للغارات على شط الفرات ~~والدجلة فاتوا ومعهم ألف فلاح فضمهم إلى سرزاد مقدم ساباط حتى يأتيه الجواب ~~فيهم من عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويرجعوا إلى مقرهم فكتب سعد إلى أمير ~~المؤمنين يقول بعد البسملة أما بعد سلام PageV02P197 # عليك ورحمة الله وبركاته فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على ~~نبيه واننا نزلنا على نهمشير بعد ما لقينا فيما بين القادسية ونهمشير عسكرا ~~مع قرط بن فيروز وظفرنا الله به وبمن معه وان فيروز قتله هاشم وانهزم من ~~بقي معه ونزلنا بعد ذلك على نهمشير وبثثنا عساكرنا فأصابوا من الفلاحين ألف ~~نفر فما رأيك فيهم فأجابه ان من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين على ~~عهدكم ولم يعينوا عليكم عدوكم فلهم أمانهم ومن لم يأتكم وهرب منكم ~~وأدركتموه فشأنكم وإياه افعلوا فيه ما شئتم فلما جاء الكتاب خلى سبيلهم ~~وأرسل وراء الدهاقين فدعاهم إلى الاسلام أو الجزية فأجابوا إلى أداء الجزية ~~قال وأما أهل مدينة نهمشير فشرعوا يرمون عسكر المسلمين بالسهام والحجارة ~~والمجانيق فلما نظر سعد إلى ذلك دعا سرزاد وقال له ان أهل هذا البلد لم ~~يتركوا للصلح موضعا وأريد منكم أن تصنعوا لنا مجانيق ففعل سرزاد وعمل ~~مجانيق فما مضت ثلاثة أيام حتى صنع له ذلك ونصب له ذلك على نهمشير أكثر من ~~عشرين منجنيقا فاشغلوهم بها عن قتال المسلمين والعرب فرحت بذلك فلما طال ~~على البلد الحصار خرجوا يقاتلون المسلمين وتبايعوا على الصبر فقاتلهم ~~المسلمون قتالا شديدا وترامت الفرس بنشابها والعرب بنبالها وقاتل زهرة بن ~~الجدرية قتالا يرضي الله ورسوله ثم إن زهيرا قال لسعد دعني أتقدم لعلي أرمي ~~بنبلة أو ms685 اضرب بسيفي هذا ضربة فتقدم ودخل العدو فتلقاه فارس اسمه شهرياض ~~فحمل عليه وطعنه طعنة أخرج بها أمعاءه وقتله فاجتمعت عليه الأعاجم فقتلوه ~~وانهزموا ودخلوا المدينة وأغلقوا الأبواب وصعدوا على الاسوار وبعدها أشرف ~~علينا رجل منهم وقال إن الملك يقول لكم هل لكم في الصلح على أن لنا ما بين ~~دجلة إلى هنا ولكم ما يأتيكم من دجلة إلى خيلكم فتقدم اليه أبو مقرة الأسود ~~بن قطينة وقد أنطقه الله بما لا يدري ما هو فأجابه بالفارسية وهو لا يعرف ~~منها شيئا ولا يحسنها قال فرجع الرجل على السور فقلنا لأبي مقرة ما قلت له ~~فقال والذي بعث محمدا بالحق ما أدرى ما قلت له الا أن الله أنطقني بشيء ~~ولعل أن يكون فيه خير للمسلمين ولا زالوا يسألونه حتى سأله سعد بن أبي وقاص ~~فقال والله يا أمير ما أعلم ولا أدري فتعجب سعد من ذلك وأمر الناس بالزحف ~~والرمي وان لا أحد من أهل المدينة يظهر لهم ولا يبين فقلنا لعلهم أن يكونوا ~~يكيدوننا بمكيدة وإذا نحن في اليوم الثاني برجب قد خرج الينا وهو ينادي ~~الأمان الأمان فأمناه وأتينا به إلى الأمير سعد فقال له ما الخبر قال إن ~~القوم ليسوا في المدينة وقد هربوا فقال سعد ومن أي شيء هربوا فقال الرجل ان ~~الملك بعث إليكم رسولا يعرض عليكم الصلح PageV02P198 # فأجبتم انه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل افريزيا نوح ~~تركوا المتاع والأموال والرجال ولم يكن لهم غنيمة الا أنفسهم قال فلما ~~ألسنتهم وترد علينا وتجيبنا عن العرب ووالله لئن لم يكن كذلك والا فإنما هو ~~شيء ألقى على فم هذا الرجل فابرزوا إلى القصوى فخرجوا من البلد وقد تركوا ~~المتاع والأموال والرجال ولم يكن لهم غنيمة الا أنفسهم قال فلما سمع سعد ~~ذلك من الرجل سجد لله شكرا وأمر المسلمين أن يدخلوا المدينة بالعدد خوفا من ~~الكمين ففعلوا وركب سعد وتقدم المجاهدون ودخلوا وداروا بالبلد فلم يجدوا في ~~نهمشير أحدا من الفرس ms686 ووجدوا الأموال على حالها فاحتووا عليها وأقام سعد ~~بها ثلاثة أيام وخرج إلى الشط وأراد أن يعبر بالناس إلى المدينة القصوى وهي ~~اسبانير فلم يجدوا شيئا من السفن فأقام أياما من شهر صفر والناس يحرضونه ~~على العبور إلى ذلك الجانب وهو يأبى اشفاقا على المسلمين فبينما هو كذلك إذ ~~جاءه أعلاج فوقفوا بين يديه ودلوه على مخاضة تخاض فأبى ذكر فتوح الإيوان ~~ودخول المسلمين في الدجلة وفتوح اسبانير وهي المدينة القصوى فلما دلوه على ~~المخاضة أبى وقال بحر عميق وما كنت أغرر بالمسلمين والله يصنع بهم ما يشاء ~~فبينما هو كذلك إذ أتوه بعلج وأثوابه تقطر بالماء فسأله سعد عن حاله فقال ~~كيف حالي والملك قد رأى في منامه ان المسلمين قد عبرت اليه وقد استشعر ~~بزوال ملكه وهو معول على الهرب وان يأخذ أمواله ويمضي إلى خراسان قال فلما ~~سمع سعد ذلك جمع المسلمين وحمد الله وأثنى عليه وقال أيها الناس ان عدوكم ~~قد استعصم منكم بهذه السفن وكسرى قد عول على الهرب بأمواله ورجاله واني قد ~~عولت على العبور إن شاء الله تعالى واعلموا انه ليس وراءكم من تخافونه لان ~~الله قد ملككم معاقلهم وبلادهم وقد رأيت من الرأي أن نقطع هذا البحر إليهم ~~ونقدم عليهم فما أنتم قائلون فقالوا جميعا قوى الله عزمك على الرشد فافعل ~~ما أراد الله به فعندها قال سعد رحمكم الله ونصركم أيكم يبتدئ أو يتقدم ~~ويجس لنا المخاضة وينبش عليها من على الشط حتى تتلاحق به الناس فابتدر لها ~~عاصم بن عمر وانتدب معه ستمائة من أهل النخوة ممن شاع ذكرهم ونما فخرهم ~~وعلمت شدتهم وسار عاصم أمامهم حتى وقف على الشط ومعه الكتيبة الخرساء وهي ~~كتيبة القعقاع بن عمرو رضي الله عنه قال الواقدي حدثنا يونس بن عبد الأعلى ~~عن يوسف بن عمرو قال ابتدر عاصم وشرحبيل وأبو مقرن ومالك بن كعب الهمداني ~~ومثل هؤلاء PageV02P199 # السادات وركبوا خيولهم واقتحموا الدجلة واقتحم بعدهم الستون والستمائة في ~~أثرهم وأول من نزل في الماء ms687 عاصم بن ولاد وأبو مقرن وشرحبيل ومالك بن كعب ~~وغلام من بني الحرث فلما رأتهم الأعاجم وقد قربوا منهم وأعدوا للخيل التي ~~تقدمت خيلا منهم اقتحموا الماء فأول من لقيهم من جيش سعد عاصم بن عمرو فلما ~~لقي خيل فارس في الماء صاح بأصحابه وقال شرعوا رماحكم إلى الاعلاج واقصدوا ~~أعينهم فلما سمعوا كلام عاصم قصدوا عيون العدا وسقوهم كأس الردى فلما رأت ~~الفرس ثبات العرب في الماء كثباتهم في الأرض للطعن والضرب ولوا الادبار ~~والمسلمون في أثرهم فقتلوا غالبهم وما نجا إلى الشط الا القليل وملك ~~المسلمين جانب الشط من جهة الفرس وتلاحق المسلمون فلما علم سعد ذلك أذن ~~للمسلمين بالاقتحام وقال لهم استعينوا بالله وتلاحق الجند ونزلوا الدجلة ~~وهي ترمي بالموج والناس يجهدون في عومهم وهم لا يكترثون بالموج ولا بتلاطمه ~~وكأنهم على وجه الأرض ونزل بأهل فارس ما لم يكن في حسابهم وقاتلوا قتالا ~~شديدا قال الواقدي حدثني من أثق به ان أول من عبر من الجيش ستون فارسا ~~خرجوا زمرا فأول زمرة تسعة أولهم عاصم والزمرة الثانية ثلاث وثلاثون قال ~~عاصم ابن عمرو وقد اقتحمنا الدجلة خيلا ورجالا ودواب حتى نزلنا ولا نرى ~~الماء من كثرة الناس وخرجت خيلنا وهي تنفض معارفها وتصهل على الشط الهاما ~~من الله قال ولما رأى الملك كسرى ان المسلمين قد عدلوا إلى الجانب الثاني ~~أمر شهريار بن ساور أن يبرز للمسلمين ويقف في مقابلتهم ففعل وأخذ كسرى ما ~~قدر على حمله من أمواله من الدر والجواهر واليواقيت وما أشبه ذلك قال وان ~~سعدا ليخوض الماء خوضا وهو يقول ذلك تقدير العزيز العليم قال ولم يغرق من ~~الناس أحد قال الواقدي حدثني النعمان بن عاملة الضبي عن أبيه عثمان انهم ~~سلموا عن آخرهم وان رجلامن بارق يقال له عرقدة زال عن فرسه وكانت شقراء ~~وكأني انظر إليها وصاحبها غريق فمضى اليه القعقاع بفرسه وأخذ بيده وجره حتى ~~عبر به فقالت الناس عجزت النساء أن تلد مثلك يا قعقاع ولم يذهب للناس ms688 في ~~الماء شيء الا قدحا كانت علاقته رثة فانقطعت فذهب الماء بالقدح فقال صاحبه ~~والله لأجهدن عليه وما كان الله ليسلبني قدحي من بين العسكر فلما عبروا أتى ~~رجل من الناس ليغتسل وإذا بالأمواج قد رفعت القدح اليه فتناوله وأتى به إلى ~~العسكر فعرفه صاحبه فأخذه قال الواقدي حدثني عمرو بن تميم قال بلغنا انه ~~لما عبرت المسلمون تحامت الفرس وقاتلت قتالا شديدا وحمت أنفسها وعولت على ~~أن PageV02P200 # تقاتل إلى أن تموت وهم خواص الملك وأصحاب الإيوان والحصون والقلاع ~~ومقدمهم شهريار بن ساور فطعنه خالد بن نمير في عينه ففقأها وانثنى عليه ~~بضربة بالسيف فقتله وإذ فاجأتهم خيالة من نحو الإيوان وقالوا لهم عمن ~~تقاتلون فان الملك هرب بأمواله وأهله وخدمه قال فلما سمعوا ذلك ولوا ~~الادبار ولم يكن بالمدائن أعجب من عبور المسلمين إليها وسموا يوم عبورهم ~~الدجلة يوم الجراثيم لأنه لم يكن أحد يعبر الا ظهرت له جرثومة يسير معها ~~وهي من القش المربوط حزما قال قيس بن أبي حازم خضنا الدجلة وهي تطفح فلما ~~توسطناها كان يصل الماء من الفرس للحزام فلما نظرت الفرس إلى ذلك والمسلمون ~~يعبرون من غير مشقة جعلوا يقولون بالفارسية ديمور يعني جاء الجن وقالوا ~~والله ما أنتم تقاتلون انسا انما تقاتلون جنا فانهزموا وأراد المسلمون ~~الدخول إلى الإيوان فمنعهم سعد من ذلك وقال لهم إياكم والعجلة في الأمور ~~فإنها تورث الندامة واني أخاف أنها من بعض مكايد العجم فلم يدخل اليه أحد ~~قال وتقدم سلام المجازي إلى سعد وكان غلاما وقال له أيها الأمير والله لقد ~~أرضيت اليوم الله ورسوله وقتلت المقدم عليهم ثم إنه استشهد بقية رفاقه ~~الستين فلم يشهد له أحد منهم فقال للغلام المجازي والله ما قتلته فنكس ~~الغلام رأسه وأراد أن ينصرف وإذ قد وثب رجل من الصحابة اسمه هاشم بن عتبة ~~وقال لسعد أيها الأمير أنا رأيته وقد قتل مقدم الفرس فصدقه سعد وأعطى ~~الغلام سلبه قال الواقدي حدثنا عبد الله بن بشر قال حدثنا أبا سليمان ms689 بن ~~عامر قال أخبرنا عبد الله ان يزدجرد الملك لما كان بأعلى الإيوان يوم خاض ~~المسلمون الدجلة ورأى عبورهم والخيل لا ترجع والعرب لا تجزع والصحابة ~~يتحدثون وهم في الماء كأنهم على الأرض أيقن بزوال ملكه وذهاب عزه فنزل وهو ~~يبكي وأخذ من بيوت المال والخزائن من الثياب والآنية شيئا لا قيمة له ولا ~~يعرف له ثمن وترك ما بقي عنده من عدة الحصار من الزاد والبقر والغنم ومن كل ~~الأطعمة والأشربة وكان أول من دخل المدينة القصوى مسكن الملك وهي اسبانير ~~يعقوب الهذلي ومعه الكتيبة الخرساء كتيبة القعقاع بن عمر فدخلوا يخترقون ~~أزقة المدينة ولا يلقون أحدا قال فعزم سعد على الدخول في المدينة القصوى ~~لما أمر زهرة بن الجويرية أن يذهب بعسكره ويتبع المنهزمين وسير كتيبة أخرى ~~مع المرقال فلحق بحاجب بن حجاب ابن كسرى فخاطبه بالفارسية فقال ان العرب قد ~~عبرت الينا ولم يعرفه فطعنه المرقال فقتله وأخذ غلمانه أسرى وموجودهم وأتى ~~به إلى سعد ويقال أحد PageV02P201 # مرازبة كسرى الكبار كان يوم دخول العرب المدينة داخلها وكان غير مكترث ~~بهم فخرج إلى ظاهر داره ورجع يريد منزله وإذا بغلمانه وهم خارجون من الدار ~~يهرعون وقد أخرجوا الأمتعة فقال مالكم قالوا إن الزنابير قد غلبت على ~~منازلنا فاخرجتنا قوة قال واشتد الصياح والبكاء والعويل من أهل المدينة وهم ~~يلطمون على وجوههم فلما رأى المرزبان ذلك أخرج لامة حربه ولبسها وأتوه ~~بجواده فشده وأسرجه فانقطع ثلاث مرات فمر به فارس من العرب فطعنه وقال خذها ~~وأنا ابن المخارق ومضى عنه ولم يلتفت إلى سلبه قال ودخل سعد يطلب الإيوان ~~فلما دخل المدينة دخلها وهو يقرأ * (وأورثناها قوما آخرين) * فلما دخل ~~الإيوان ترجل وصلى فيه صلاة الفتح ثمان ركعات لا يفصل بينهما واتخذه مسجدا ~~قال وكان في الإيوان تماثيل وصور فتركوها على حالها قال وأتم سعد الصلوات ~~من يوم دخل الإيوان فإنه أراد المقام بها وجمع وكانت أول جمعة صليت بالعراق ~~وبالمدائن في شهر صفر ثم إن سعدا تحول من ms690 الإيوان بعد ثلاثة أيام إلى القصر ~~الأبيض واقام سعد على قبض أموال الغنائم عمرو بن عمرو بن مقرن وأمره أن ~~يجمع ما في القصور والإيوان والخزائن والدور والأسواق وان يحصيها وكان أهل ~~المدائن لما رأوا العرب في أرض واحدة خرجوا فرارا وأخذوا معهم ما قدروا على ~~حمله وما انفلت أحد منهم المسلمون وأتوا به إلى سعد فتسلمه عمرو وصيرها في ~~جملة ما جمعوه من الأموال وكان أول شيء جمعوه يومئذ بالقصر الأبيض ثم منازل ~~كسرى وسائر دور المدائن قال جهد بن صبار دخلنا المدائن فمررنا بأبيار عليها ~~أغطية من رصاص فظننا أنها طعام ففتحناها فإذا هي أوان من ذهب وفضة ورأينا ~~كافورا كثيرا فحسبناه ملحا فما اعتبرناه قال وخرج زهرة في طلب المنهزمين ~~فانتهى إلى جسر النهروان وإذا عليه كثير من الفرس بأعظم عدة وأحسن زينة وهم ~~يزدحمون على الجسر قال ووقع بغل في الماء فتكاثروا عليه وصاح بعضهم على بعض ~~قال ووقع منهم بغل آخر فصاروا في هرج ومرج فلما رآه المسلمون قال زهرة ان ~~لهذا البغل لشأنا وما تكالب عليه القوم وصبروا مع ما في قلوبهم من الخوف ~~الا لامر عظيم وقال احملوا عليهم وابذلوا فيهم السيوف قال فحملنا عليهم ~~حملة صادقة فقتلنا منهم أناسا كثيرة وولى الباقي منهزمين وأخذنا البغل وإذا ~~عليه حلة كسرى وثيابه ودرعه ووشاحه التي كان فيها الجوهر وكان يجلس بها ~~للمباهاة قال فأتينا بها قال سهل بن سابق لما أخذنا البغل وأتينا به لم ندر ~~ما عليه وعن يعقوب عن جده قال كنت مع من خرج في طلب المنهزمين وإذ نحن ~~ببغلين مع اثنين وهما PageV02P202 # يرميان كل من يقربهما بالنشاب ولم يجسر أحد أن يدنو منهما فقصدتهما وحملت ~~عليهما وقتلتهما وأتيت بالبغلين إلى صاحب الاقباض وهو يكتب كل ما تأتي به ~~العرب من سائر العراق فلما أتيته بالبغلين قال لي على رسلك حتى ننظر ما معك ~~فحطيت عنهما فإذا في الحمل الواحد تاج كسرى وجواهره وفي الحمل الثاني ثيابه ~~وهي موشحة بالذهب منظومة ms691 بالدر وعن محمد بن طلحة والمهلب قالا خرج القعقاع ~~في طلب المنهزمين فلحق بفارس من الفرس وهو يكر على قوم من المسلمين وقد ~~جزعوا منه وما أحد منهم يدنو اليه فقصده القعقاع بشدة عزمه وقال له دونك ~~أيها الكلب اللئيم لقتالي وطعنه فقتله ووجد معه عيبات مغلقات ففتحوها فإذا ~~بالعيبة الواحدة خمسة أسياف وفي الأخرى خمسة أسياف محلاة بالذهب ودروع كسرى ~~من أيام غزواته لهم وأما السيوف فكانت سيف كسرى وسيف هرقل وسيف مهمود وسيف ~~خاقان وسيف النعمان بن المنذر فلما رآها سعد قال يا قعقاع خذ أي سيف شئت ~~وجاهد به العدو فأخذ سيف هرقل وأعطاه درع بهرام جور وأما بقية الاسلاب ~~فأعطاها للكتيبة الخرساء الا سيف كسرى والنعمان فامسكهما لأمير المؤمنين ~~يرسلهما مع الخمس والتاج والثياب وعن رجل من الصحابة قال كنت مع الناس في ~~طلب المنهزمين من خيل كسرى فبينما أنا على طريق إذا برجل ومعه حمار وكان ~~راكبا عليه فلما رآني ترجل وجعل يحث حماره على السير حتى انتهى إلى نهر قد ~~خرب فلم يمكنه العبور فدنوت منه فأخذ يرميني بالسهام فزغت عن رميه وحملت ~~عليه فقتلته وأخذت الحمار ووجدت آخر ومعه حمار فتركه وانهزم فاتيت بهما إلى ~~صاحب الاقباض فإذا على أحدهما فرس مصوغ بالذهب والفضة مرصع بالدر والجواهر ~~ولجامه كذلك وسرجه كذلك وعليه فارس كذلك وإذا على الحمار الآخر ناقة من فضة ~~وعليها كور من الذهب مرصع ولها زمام من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت وعليها ~~رجل من ذهب مرصع بالجواهر وكان كسرى يضيفهما للتاج وكان يباهي بهما ملوك ~~الأرض وعن أبي عبيدة الهبري قال لما هبط المسلمون بالمدائن وجمع صاحب ~~الاقباض الغنيمة وبقي الرجل يأتي بما معه فيدفعه إلى صاحب الاقباض فقال ~~صاحب الاقباض ما رأينا مثل هذا قط ثم قال للرجل الذي اتى بالحمارين بالله ~~عليك هل أخذت شيئا منه فقال والله لولا الله لما أتيتكم بهما فقالوا له وما ~~أنت فقال والله لا أخبركم لتحمدوني ولكن أحمد الله وأرضى بثوابه ومضى ms692 فتبعه ~~واحد من موالي صاحب الاقباض فسأل عنه فقالوا هذا عامر بن القيس قال وبلغ ~~الخبر سعدا رضي الله عنه فقال أحلف بالله الذي لا اله PageV02P203 # الا هو اننا ما اطلعنا على أحد من أصحاب جيش القادسية يريد الدنيا ولقد ~~اتهمنا ثلاثة نفر فاتبعناهم فعجزنا عن وصف أمانتهم وزهدهم وهم طلحة بن ~~خويلد الذي ادعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم والثاني عمرو بن معد ~~يكرب والثالث هو قيس ابن هبيرة قال حدثنا من شهد فتح المدائن قال خرجنا بعد ~~فتح القصر الأبيض وكان قد تحصن به رجال من المرازبة وكانوا أشد جلدا وأقوى ~~عزيمة من جميع الفرس وتحالفوا أنهم لا يسملون ابدا والذين حصلوا وتولوا ~~حصارهم كتيبة الأهواز وهي كتيبة القعقاع فلما رأينا عزمهم على الموت بعدنا ~~عن نشابهم وحجارة مجانيقهم وطال علينا ذلك وشكونا ذلك إلى سعد وقلنا له قد ~~حرمنا الجهاد بحصارنا لهؤلاء الاعلاج فقال سعد لسلمان تقدم إليهم ودبر شيئا ~~فيه مصلحة للمسلمين وأمنهم فتقدم إليهم سلمان وكلمهم بالفارسية فأمسكوا عن ~~رميه وقالوا له من أنت فقال أنا رسول من المسلمين اعلموا أن الرجل يقاتل عن ~~نفسه وماله وولده إذا رجا الخلاص وما أرى لكم من خلاص قط وهذا الملك قد ~~انهزم وأخذنا مملكته وخزائنه وما بقي في المدائن أحد غيركم فاتقوا الله في ~~أنفسكم ولا تهلكوها وسلموا لنا هذا الحصن ولكم الأمان إلى أي جهة توجهتم لا ~~يعارضكم منا أحد قال فلما سمعوا قوله قالوا لا نسلم حتى نهلك عن آخرنا ثم ~~رموا سلمان بالنشاب فقرأ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى ~~الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأشار إلى النشاب بيده فذهبت ~~السهام يمينا وشمالا ولم يصبه منها شيء قال فلما رأوا ذلك قالوا زنهار فبحق ~~ما تشير اليه من أنت قال أنا روزنة وقد عمرت أربعمائة سنة ولحقت آخر أيام ~~عيسى بن مريم وطفت الأرض حتى لحقت بنبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم فلما ~~أتيته أكرمني وخدمته ms693 فعظمني حتى أنه جعلني من أهل بيته فقال سلمان منا أهل ~~البيت فلما سمعوا قوله وحققوا معرفته علموا أنه كان من عظماء أهل دينهم قال ~~فصقعوا له وقالوا والله ما نخفي عليك شيئا من أمرنا وسبب قتالنا ليس بسبب ~~مال ولا متاع وانما الملك قد مضى يريد نهاوند ولم يقدر على أخذ ابنته معه ~~وهي مريضة وقد سلمها الينا فلزمنا من أمرها ما لزم فان كنتم تعطون الأمان ~~عليها سلمنا لكم والا نموت يدا واحدة فلما سمع سلمان منهم ذلك قال دعوا هذه ~~الامر حتى أشاور الأمير ثم عاد وحدث سعدا بما سمعه فقال يا عبد الله ان ~~المسلمين قد انتشروا في العراق ونخاف أن يقع بهم أحد فلا يبقى عليهم ولكن ~~قل لهم لكم علينا أن نذب عنكم وتكونوا في ذمامنا حتى تجاوزوا أي جهة ~~تريدونها وبعد ذلك لا نضمن لهم ما يأتي PageV02P204 # عليهم قال فحدثهم سلمان بما قاله الأمير فقال العقلاء منهم لولا أن العرب ~~على حق ما نصروا علينا ومن الرأي ان نرجع إلى دين هؤلاء العرب ونعيش في ~~ظلهم وان القوم لا يريدون ملكا وقد رأيتم هذا الرجل وما ظهر لكم من كرامته ~~قال ففتحوا باب السر وخرجوا إلى العسكر وأتوا إلى سلمان فأتى بهم إلى سعد ~~وأسلموا على يديه فلما جرى ذلك بكى سعد وقال اللهم انصر الاسلام وقرأ قوله ~~تعالى * (وتلك الأيام نداولها بين الناس) * وبعث إلى صاحب الاقباض فأخذ ~~جميع ما في القصر الابيص من الأموال وخزانة الملك فلما قسم الغنائم على ~~المسلمين أعطى أولئك أوفى نصيب وأنزل على واحد منهم في داره فلما رأى أهل ~~البلد ذلك منه وما صنع مع هؤلاء دخل في دين الاسلام منهم ألوف اقتداء ~~بالقوم قال الواقدي حدثنا موسى بن عبد الله عن عمرو عن جده يحيى قال بلغنا ~~غير هذا وذلك أن هاشم بن عتبة تبع المنهزمين من جنود الملك فانتهى سيره إلى ~~مرج حلوان فالتقى بكتيبة من أهل فارس بالعدد والسلاح والهوادج والخدم ~~والجواري والمماليك ms694 وقد داروا بمحفة من العود الرطب وعليها من الثياب ~~الملونة المذهبة وأهلتها من الذهب مرصعة بالجواهر وقاتلوا دون المحفة قتالا ~~شديدا وكانت المحفة لشاهران ابنة الملك يزدجرد بن كسرى وكان السائر بها ~~ساقر بن هرمز فقتله وقتل أصحابه أكثر ما كان مع ساقر وولى الباقي منهزمين ~~وتسلم هاشم المحفة وما حولها وأتوا بذلك كله إلى سعد وأعلموه بأن ابنة كسرى ~~معهم فقرأ سعد قوله تعالى قل الله مالك الملك الآية ثم أشرف سعد على ما بقي ~~من الخزائن فوجد صندوقا عظيما ظاهره وباطنه بالديباج المذهب وفي داخله بساط ~~كسرى وهو البساط الذي كان يفتخر به على الملوك ملوك الدنيا كله ذهب منسوج ~~بالحرير منظوم بالدر واليواقيت الملونة والمعادن والجواهر المثمنة والزمرد ~~وكان طوله ستين ذراعا قطعة واحدة في جانب منه كالصور وفي جانب كالشجر ~~والرياض والأزهار وفي جانب كالأرض المزروعة المقبلة بالنبات في الربيع وكل ~~ذلك من الحرير الملون والمعادن على قضبان الذهب والزمرذ والفضة وكان الملك ~~لا يبسطه الا في أيام الشتاء في إيوانه إذا قعد للشراب وكانوا يسمونه بساط ~~النزهة والمسرات فيكون لهم شبه الروضة الزهراء فلما رآه العرب قالوا والله ~~هذه قطيفة زينة قال ولما قسم سعد على الناس الغنائم أصاب الفارس اثنا عشر ~~ألف دينار وكلهم كانوا فرسانا ولم يكن فيهم راجل وأخرج للغائبين مع النساء ~~والحريم في الحيرة نصيبهم وقسم الدور بين الناس وكان قد ولى القبض عمرو بن ~~عمرو المدائني وولى PageV02P205 # القسمة أبا سليمان بن ربيعة وكان فتح المدائن في شهر صفر وأخرج الخمس ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأراد أن يقسم البساط فلم يدر كيف يقسمه فقال ~~سعد معاشر المجاهدين اني رأيت من الرأي أن نرسله إلى عمر ليصنع فيه ما ~~يختاره فأجابوه على لسان واحد نعم ما رأيت أيها الأمير فردوه إلى صندوقه ~~وأضافه إلى الخمس وكتب إلى عمر رضي الله عنه يقول بسم الله الرحمن الرحيم ~~إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عامله على العراق سعد ms695 بن ~~أبي وقاص أما بعد فسلام عليك واني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على ما منحنا الله الظفر على العدو الذي أطاع ~~شيطانه وأرخى في ميدان الغي عنانه وقد أجرانا الله سبحانه على جميل العادة ~~وأخذنا الملك من يزدجرد بن كسرى في كثرة أطواده واحتزاز رؤوس أجناده الذين ~~جاست الهيبة ديارهم وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا وان الكافرين لا مولى لهم وقد انهزم عدو الله بعد ما قتلنا ~~جنده وأخذنا ابنته واننا منتظرون أمرك فيما يكون بعد هذا ونحن مقيمون على ~~المدائن والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته وسلم الكتاب ~~والمال إلى بشر وضم اليه خمسمائة فارس وسلمه ابنة كسرى بمحفتها وخدمها ثم ~~إن سعدا رأى رأيا أن يسير بشيرا يبشر عمر بفتح المدائن وبقدوم الخمس وبما ~~أنعم الله على المسلمين ليكون أزيد هيبة وبهجة بالفتوح فأرسل جيش بن ماجد ~~الأسدي أو ابن هلال والله أعلم فخرج على ناقته وقصد المدينة يجد السير قال ~~وكان عمر رضي الله عنه في كل يوم بعد ما يصلي الصبح يقرأ ما تيسر ويركب ~~ناقته ويتوجه نحو طريق العراق ويرتقب ما يرد عليه من أخبار المسلمين قال ~~فخرج على حسب العادة وإذا هو بجيش قد اقبل على ناقته فلما رآه عمر قصده ~~وقال له يا عبد الله من أين أقبلت قال من المدائن يا أمير المؤمنين قال فما ~~عندك من الخبر أقر الله عينك وغفر لنا ولك قال ابشر يا أمير المؤمنين ~~بالفتح العميم والسعد الجسيم وان الله سبحانه وتعالى قد هزم جند المشركين ~~وقطع دابر القوم المجرمين وأخلى منهم ديارهم وأخفى آثارهم وزعزع مراكبهم ~~وطحطح مواكبهم وكتائبهم وشتت جموعهم وأخلى ربوعهم وقصم آجالهم وفرق أحوالهم ~~وترك مساكنهم خالية وأوطانهم خاوية قال فلما سمع عمر رضي الله عنه هذا ~~المقال حمد الله وأثنى عليه وقال خذلوا من مأمنهم وسار وهو يحدثه بفتح ~~المدائن حتى دخل المسجد وتسامع ms696 الناس فأتوا حتى غص المسجد بالناس وأقبل جيش ~~يحدثهم وهم يكثرون الثناء على الله ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبعدها وصل PageV02P206 # بشر بالمال ومعه ابنه الملك كسرى ولباسه وسلاحه وبساطه فلما نظر عمر إلى ~~ذلك قال إن الذي أهدى الينا هذا لأمين فقال علي كرم الله وجهه انك عففت ~~فعفت الرعية فحمد الله وأثنى عليه وافرز من الخمس سهم من غاب من المسلمين ~~وقسم الخمس في مواضعه ثم قال أشيروا علي فيما أصنع في هذه القطيفة أعني ~~البساط فقالوا رأيك أعلى فقال علي كرم الله وجهه لم يدخل عليك جهل ولا تقبل ~~شكا وانه ليس لك من الدنيا الا ما أعطيت فأمضيت ولبست فأبليت وأكلت فأفنيت ~~قال فوالله لقد صدقني يا أبا الحسن ثم إنه قسم البساط قطعا بين الناس قال ~~فأصاب كل رجل منهم قطعة فباعها بنحو العشرين ألف دينار فلما فرغ من توزيعه ~~وتوزيع مال الخمس دعا بمحكم بن رواحة وكان من أجسم أهل المدينة وأجفاهم ~~خلقة فالبسه زي كسرى ووشاحه وتاجه وسواريه ومنطقته وحلاه بحليته وعصابته ~~وسيفه وسلاحه وعدته ونظر الناس اليه كأنه كسرى في ملكه فقال عمر رضي الله ~~عنه اعتبروا بالدنيا وتقلباتها بأهلها وما يرى من مصائبها وعطبها هذا كسرى ~~ما زال يفتخر على ملوك الدنيا بكثرة أمواله وذخائره وجواهره وعزه وجنوده ~~ولم يقدم لنفسه شيئا ينفعه عند الله وغرته الأماني الكاذبة فأخذه الله من ~~مأمنه وبقي مرتهنا بما اكتسب في دينه ودنياه ثم قال أيها الناس هذا ملك ~~المدائن قد انتقل عن أصحابه وتوزع بين أربابه اين تلك الحشمة والسلطان أين ~~الجنود والأعوان اين الغلمان اين المماليك والخدام أين التاج والإكليل أين ~~الجيش والفيل اين الصاحب والخليل وقرأ قوله تعالى قل متاع الدنيا قليل ثم ~~قال أيها الناس من له منكم يد سابقة فليقم فقام عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه فقال أنا يا أمير المؤمنين ابن الصاحب والخليل وابن ~~أول من آمن ووزر وصدق رسول الله صلى الله ms697 عليه وسلم ونصر وأنفق ماله وتصدق ~~ودخل معه الغار وانتصر وجاهد بين يديه رجاجج من كفر وجادل وافتخر وأنزل ~~الله فيه لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل فقال عمر رضي الله عنه ~~والله لقد صدقت وبقليل من فضله قد نطقت ثم أمر له بخلعة وعشرة آلاف درهم ثم ~~قال أيها الناس من يقم منكم فقام عثمان بن عفان وقال أنا من جهز جيش العسرة ~~وحفر بئر رومة وألف القرآن وجمعه وختمته في ركعتين وتزوجت الابنتين وصليت ~~إلى القبلتين وأنفقت المال في حبه وأنزل الله في حقي * (أم من هو قانت آناء ~~الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) * فقال عمر رضي الله عنه ~~أحسنت يا أبا الفتيان فمثلك من رفض الكذب وأبان الحق وأمر له بعشرة آلاف ~~درهم ثم أنه نظر إلى PageV02P207 # الأخوين الزاهدين والغصنين النضرين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي نبي هذه ~~الأمة وقال لهما يا حبيبي ما الذي أخركما من مثلكما يفتخر وقال ألستما سبطي ~~الرسول أليست أمكما فاطمة البتول أليس أبوكما سيف الله المسلول أليس في ~~بيتكما نزل التأويل أليس كان سادسكما تحت العباء جبريل أليس فيكما أنزل ~~الله الجليل ما على المحسنين من سبيل فان افتخرتما فلكما الفخر البليغ ثم ~~أمر لكل واحد منهما بعشرين ألف درهم فقال علي لله درك يا عمر ومن مثلك تكلم ~~ونشر ومدح أهل البيت وأثنى وذكر خيرا وشكر ثم قال أيها الناس من كان لأبيه ~~سابقة فليقم (فقام عبد الله بن عمر رضي الله عنه وقال يا أبت أما أنا ابنك ~~وأنت أبي لك الفضائل والحمد والافتخار في الأمة وذلك الوقار والرجاحة ~~والفصاحة والنصاحة نصرت الاسلام والمرسلين واتبعت سنن سيد المرسلين وأنزل ~~في حقك ارحم الراحيمن يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين وأنت ~~الذي أظهرت الاسلام جهرا وقلت لا يعبد الله سرا فقال عمر يا بني الشقي من ~~يغتر بالدنيا الساحرة والسعيد من يعمل للآخرة وقرأ من عمل صالحا فلنفسه من ~~أساء فعليها ms698 ثم أمر له بألف درهم فقال يا أبت انا هجرت وأنفقت ونصرت وزعزعت ~~مواكب الروم وما قصرت وتأمر لي باليسير من مال الله الكثير وتعطي هؤلاء ما ~~أعطيت فقال يا بني اسلك طريق الانصاف ولا تتبع الاسراف وأنا أقول لك ان كان ~~لك جد كجدهما أعطيتك أو أم كأمهما وفيتك وان كان لك أب كأبيهما أرضيتك يا ~~بني كل نسب يضمحل يوم القيامة ويخفي الا نسب البتول ولما فرغ من ذلك أمر ~~بابنة كسرى أن يوقفوها فأوقفت بين يديه وعليها من الحلى والحلل والزينة ~~والجواهر شيء كثير وأمر أن ينادي عليها فقال للمنادي أزل عنها هذا القناع ~~ليزاد في ثمنها فتقدم إليها المنادي ليزيل عنها ذلك فامتنعت وضربته في صدره ~~فغضب عمر وهم أن يعلوها بالدرة وهي تبكي فقال علي كرم الله وجهه مهلا يا ~~أمير المؤمنين فاني سمعت قول رسول الله يقول ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم ~~افتقر فسكن غضب عمر رضي الله عنه ونظر إليها فرآها تحدق بالنظر إلى الحسين ~~بن علي رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله واني أرى هذه الجارية ~~تحدق بنظرها إلى الحسين بن علي وما خفى على أنها أرادته من دون الناس ~~أجمعين لأنه ليس فينا أصبح وجها منه ثم قال يا أبا عبد الله خذها هدية مني ~~إليك فشكره علي ومن حضر من المسلمين PageV02P208 # قال الواقدي قال يونس بن عبد الأعلى حين قرأت عليه في المسجد الأقصى في ~~شهر ربيع الأول سنة مائتين وتسعين من الهجرة حدثنا عدنان ان ماجد الغنوي ~~قال لما انهزمت الفرس من المدائن واستولى عليها سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه وكان من أمره ما ذكرنا استقر قراره بالقصر الأبيض جلس حيث كانت ~~الأكاسرة تجلس فلبس عند ذلك ثياب النسك والخشوع تسريل سربال الخضوع وعلم أن ~~الدنيا أضغاث أحلام وأن الآخرة هي دار المقام وكلما نظر إلى آثار الأكاسرة ~~وملكهم ms699 ازداد يقينا ودينا على دينه وقال وأنشد عاصم بن عمر في ذلك بعد فتح ~~المدائن يقول * شهدنا بعون الله أفضل مشهد * بأكرم من يقوى على كل موكب * ~~ركبنا على الجرد الجياد سوابحا * بكل قناة بل بكل مقضب * وكنا بعون الله لا ~~نرعوى إذا * تبادر طعن كالغمام المشطب * وكان جهاد قد ملكنا بأمره * من ~~الملك مستعلى البناء المذهب * ترانا وانا في الحروب أسودها * لنا العزم لا ~~يخفى لكل مجرب * نجول ونحمي والرماح شوارع * ونطعن يوم الحرب كل مخبب * ~~قدمنا على كسرى بشدة حربنا * وما حربنا في النائبات بمختبي * ذكر فتوح ~~مدينة نشاور وهي آخر فتوح العجم والعراق قال الواقدي وكان من قضاء الله ~~وقدره ان ابن كسرى لما انهزم من المدائن مضى إلى حلوان وانضاف اليه كل من ~~وصل اليه من المنهزمين من لأساورة والمرازبة والديلم وغيرهم فقام فيهم ~~خطيبا وذكر زوال ملكه وأسر ابنته وخزائنه وأمواله وبكى وبكت أرباب دولته ثم ~~قال يا أهل فارس ان الدنيا دنية الفعال سريعة الزوال قريبة الارتحال وهذا ~~ملككم قد زال وعزكم قد حال ودياركم قد سبيت والعرب قد استولت على العراق ~~ولا بد لهم منكم ولا غنى لهم عنكم وستنظرون خيلهم وقد طلبت خراسان والري ~~وهمذان وما بقي لكم جهة تتوجهون إليها الا بلاد آبائكم وأجدادكم فانتبهوا ~~وانتهزوا الفرصة وأزيلوا الغصة وأدركوا ما بقي من أيامكم ولا ترتدوا على ~~أدباركم وقد بلغني أن الدنوس العادي بن هر بن كيقباذ بن يزدجرد التقى هو ~~والإسكندر بن القليس الرومي وما زالا يقاتلان ويقتتلان حتى قتل أحدهما ~~فشمروا أنتم عن ساق الجد ودونكم والقوم هذه الكرة اما لكم واما عليكم فلعل ~~النار والنور ينصرانكم وأنفق فيهم ما كان معه فاستعدوا للقاء وأخذوا على ~~أنفسهم وضربوا خيامهم في مرج حلوان وجاء علماء دينهم وأوقدوا لهم النار ~~وقربوا لها القربان وتحالفوا أن لا ينهزموا ولو ماتوا عن آخرهم قال ومضت ~~نساؤهم وبنات ملوكهم وأبطالهم الذين قتلوا في الثياب ملطخات PageV02P209 # بالدماء وهن يستفززن الجيوش والعساكر من بلاد العجم وغيرها ms700 قال وان ~~الحجاب والمرازبة والاساورة تعاهدوا على أن لا يفروا أو يموتوا عن آخرهم ~~قال الواقدي حدثني محمد بن عاصم بالكوفة بعد ما أخذها المسلمون قال لما ~~فتحت المدائن واتخذها المسلمون وطنا فما كان دأبهم الا ان يحفروا دور الفرس ~~ويخرجوا خباياهم وأموالهم قال عبد الله بن حجفة حضرت العرب وقد أخرجوا من ~~إزاء القصر الأبيض من مصنع هناك للفرس الأكاسرة تمثالا من الذهب على صفة ~~الفارس وقد سكبوا عليه الماء حتى غار في الأرض وكانت ملوك الفرس يفتخرون ~~بذلك على سائر الملوك فوالله لو قسم ذلك على عرب بكر بن وائل لكان يسد منهم ~~مسدا وجاءت عيون المسلمين إلى سعد وأخبروه بما فعل القوم واجتماعهم في مرج ~~حلوان في مائة ألف وقد وجهوا أثقالهم وما يعز عليهم إلى الجبل وهم يطلبون ~~لقاءكم قال واجتمع المسلمون في الإيوان وقالوا أيها الأمير ان العدو قد ~~اجتمعوا بمرج حلوان وتعاهدوا على أن لا ينهزموا أبدا ويموتوا عن دم واحد ~~يرويدن مدائنهم قال فكتب سعد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلمه بذلك ~~ويقول له أن أهل الموصل قد مات ملكهم الانطاق وقد تولى عليهم الشكان بن ~~قالوص وارتدوا عن صلحنا وعول ملكهم على أن يكون عونا لأهل فارس علينا ~~والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته فلما وصل الكتاب على ~~عمر أرسل يقول له يا سعد اعلم أن الله منجز وعده وبعث اليه هاشم بن عتبة في ~~اثنى عشر ألف فارس من المهاجرين والأنصار ألفان والبقية من العرب قال وان ~~ابن كسرى لما حصن حريمه وأمواله في الجبل أمر على عسكره مهران الداري ووصاه ~~وسار مهران بالعسكر فركب معه ابن كسرى مقدار ميل وودعه ورجع إلى حلوان ~~والمدد يأتي اليه من سائر بلاد العجم قال ووصل مهران إلى مدينة نشاور ونزل ~~بها في دار الولاية واقام بها فلما كان الغد ركب في وجوه قومه ودار بهم على ~~أسوارها وأبوابها وأمر بتحصينها في علو سورها ونصب آلات الحصار بالعرادات ~~والمجانيق وحفر ms701 خندقا عميقا وصنع حسكا من الحديد وجعله حول المدينة والخندق ~~وما خلى من أهل البلد صغيرا ولا كبيرا حتى استعمله في السور والخندق وادخر ~~القوت وعلف الخيل وما يحتاجه للحصار واستوثق من أهل البلد الكبير والصغير ~~منهم وأخذ رهائنهم وحلفهم على أن لا ينهزموا ابدا قال فلما اتفق ذلك كله ~~أقام ينتظر قدوم المسلمين قال وأما هاشم بن عتبة فإنه سار في اثني عشر ألف ~~مجاهد حتى أشرف على مدينة نشاور فوجدها محصنة بالعدد والعدو قد PageV02P210 # أظهر الزينة والسلاح على الأبراج بالدروع والجواشن والمجانيق والعرادات ~~والبيارق والاعلام ووضعوا في أركان المدينة على الأبراج قباب حديدج ليضرموا ~~فيها النار ويستنجدوا لها ويستنصروا بها على العرب فلما أشرف عليهم عسكر ~~هاشم بن عتبة ضجوا بكلمة كفرهم وأشاروا إلى الشمس والنيران يسجدون لهما قال ~~والأرض ترتج من تحتهم والسماء ترعد من فوقهم والأكوان تسترجع وتصيح في ~~هلاكهم فنودوا من قبل الله ان اسكنوا عن اضطرابكم فأنا الحليم الذي لا أعجل ~~على من عصاني ولا أخيب من دعاني أنا الذي تسبح لي السماوات ومن فيها ~~والأرضون بنواحيها وقد سبق في علمي ان أطهر هذه الأرض من الأرجاس وأبدلها ~~بمن قلت فيهم * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * أنا الذي أمهل ولا أهمل وعزتي ~~وجلالي لأطهرن هذه الأرض من الكفرة الملحدين والفئة المفارقين ولأبدلن بيوت ~~النار بمساجد ذكر فيها آناء الليل وأطراف النهار يعمرها رجال قد أحسنوال ~~الظنون وذكرتهم في الكتاب المكنون ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون قال الواقدي حدثنا عمرو بن ربيعة الشيباني قال ~~أخبرنا أحمد الطويل قال لما نزل هاشم بن عتبة على مدينة نشاور بمن معه من ~~المسلمين لم يلتفتوا إليهم ولم يكترثوا بهم وأروهم التجلد والشدة وجعلوا ~~يطاولونهم ولا يخرجون إليهم فصعب ذلك على المسلمين والمدد واصل إليهم من ~~عند يزدجرد بن كسرى فاشتدت قلوب أعداء الله فقالوا لمهران الداري أيها ~~الصاحب ما الذي تنتظر بنا في قعودنا ومقامنا من وراء السور وقد اشتقنا إلى ms702 ~~القتال فأخرج بنا إلى هؤلاء القوم فقد ضاقت صدورنا وضاقت بنا المدينة وهذه ~~الشمس المنيرة تنصرنا وتظفرنا على أعدائنا وكذلك النار والنور فلما رآهم ~~معولين على القتال أمرهم بالخروج وجعل على خيله جوزان بن جهران وأمره أن ~~يزحف بالجيش فلما فتح باب المدينة وخرج الفرس فرح المسلمون بذلك وتبادروا ~~إليهم بأسرار صافية وهمم وافية يطلبون القتال في مرضاة الله ذي الجلال ~~وأنفسهم لذلك مستبشرة نازحة وهممهم إلى الحرب مسرعة فادحة وقد سئموا من ~~سكنى دار الغرور واشتاقوا إلى سكنى القصور ومعانقة الحور وقالوا الهنا قد ~~سئمنا من هذه الدار واشتقنا إلى دار القرار ومجاورة المختار فانجزنا ما ~~وعدتنا وسامحنا إذا توفيتنا وأجرنا من عذاب النار واحشرنا مع الكرام ~~الأبرار الذين قلت في حقهم * (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ~~بما صبرتم فنعم عقبى الدار) * قال ولما ركب المسلمون جعل على مقدمة الخيل ~~طلحة بن خويلد وبقي هاشم على الساقة فقال أيها الناس والله لا تنال الجنة ~~الا بحسن الاعمال PageV02P211 # فاتركوا من قلوبكم الميل إلى دار اللهو والأهوال والمقام في دار الزوال ~~جاهدوا لتدخلوا جنة عرضها السماوات والأرض فهذه نار الحرب قد فاض تيارها ~~وعلا دخانها وصفقت أمواجها وبدا فجاجها فاركبوا فيها سفينة النجاة والانجاد ~~واقطعوا بشراع الاجتهاد هذا الطريق وانشرونا أعلام الصدق قال وقد اصطفت ~~عساكر العجم ودقت بوقاتها ونشرت ازدهاراتها فهم كذلك إذ أقبل عليهم ملك ~~الري في اثني عشر ألف فارس فلما رأى هاشم ذلك قال يا فتيان العرب لا تنظروا ~~إلى كثرتهم وقلتكم فقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم بدر في ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رجلا وخذل الكافرين وقد كانت قريش في حدها وحديدها وعددها ~~وعديدها ونصر الله نبيه ورسوله قال الله تعالى * (كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) * وإذا بالخيل قد حملت عليهم كأنهم ~~السيل فقال هاشم أخلصوا النيات ولا تولوا الأدبار واعلموا أنه قد تولى ~~عليكم الجبار قال وأطبق الناس بعضهم ببعض وساروا بين البسط والقبض ms703 وازدحمت ~~الأمم وقامت الحرب على قدم وقاتلت أبطال العجم وضربت بحرابها ورمت بصفاحها ~~وفوقت بسامها وأظلم الجو من الغبرة في تلك الآفاق واعتمدوا على الضرب ~~بالأسياف الرقاق وطعنت العرب بالرماح الدقاق وقلعت عرب اليمن بنبالها ~~الأحداق ودنت الاعمار إلى المحاق وبلغت الأرواح التراق وعز الأنين والزعاق ~~وصبرت الأعاجم على ما لا يطاق وسقاهم العرب من أسنة رماحهم كأس الفراق ولم ~~يزالوا في القتال إلى أن ذهبت الأنوار وجاء الليل ومضى نور النهار وفي آخر ~~يوم قدم القعقاع بن عمرو ومعه اثنا عشر ألف فارس فقويت قلوب المسلمين بقدوم ~~عساكر الموحدين وأعلنوا بكلمة التوحيد فدوت من أصواتهم الجبال والتلال ~~والرمال والحجر والشجر فلما سمع أعداء الله ما نطقوا به ارتعدت فرائصهم ~~فاستقبلوهم بنيات صادقة وهمم متوافقة وأعلنوا بذكر كلمة الحق والصلاة على ~~سيد الخلق فبذلوا صوارمهم في الأعداء وأوردهم شراب الردى وقصدوا نحو ~~أعدائهم وطلبوا بجهادهم منازل الجنة وطلقوا الدنيا بتاتا وعلموا انهم ~~يصيرون أمواتا وصاروا بعد الألفة أشتاتا فوقعت الهزيمة على عسكر العجم وحمل ~~المسلمون في آثارهم وخذلهم الله فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا وهرب ~~الباقون واخذ المسلمون مدينة نشاور وغنموا ما فيها من الأموال وكان شيئا لا ~~يقع عليه حصر وأقاموا فيها وبنوا الجامع وذكروا الله فيه ذكرا كثيرا وأكمل ~~الله لهم فتوح العراق وكتبوا بذلك كتابا إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ~~رضي الله عنه يعلمونه بذلك وبعثوا الخمس فوصل ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه فسر PageV02P212 # بذلك سرورا عظيما فحمد الله تعالى كثيرا وسرت المسلمون سرورا زائدا على ~~ما فتح من بلاد كسرى وأعمالها على يد سعد بن وقاص واستوطنوا البلاد رضي ~~الله عنهم أجمعين ذكر فتوح البهنسا وأهناس وأعمالها وفضائل جبانتها بسم ~~الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اعلم وفقك الله ان مدينة البهنسا ذكر بعض المفسرين ان الله سبحانه ~~وتعالى ذكرها في كتابه العزيز بقوله عز وجل في حق عيسى عليه السلام * ~~(وجعلنا ابن ms704 مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) * قال هي ~~أرض البهنسا وكان من أمر عيسى عليه السلام ما سنذكره إن شاء الله تعالى ~~واستشهد بها زهاء من خمسة آلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ~~من الأعيان والامراء زهاء من أربعمائة ويتبعهم من الاشراف والصحابة نفر ~~كثير منهم علي بن عقيل بن أبي طالب والحسن بن صالح بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب الذي عمر جامعا بها وكان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى وزياد ~~بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب والفضل بن العباس عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنذكر من استشهد من الصحابة الأعيان بها إن شاء الله تعالى ~~عند الفتوح وأبنائهم وجماعة كثيرة وذكر جماعة من السادات الأخيار أن من زار ~~جبانة البهنسا خاض في الرحمة حتى يعود ومن زارها خرج من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه وانه لا يزورها مهموم الا فرج الله همه ولا مغموم الا أذهب الله غمه ~~ولا صاحب حاجه الا قضيت بإذن الله عز وجل والأماكن المستجاب فيها الدعاء ~~منها عند مجرى الحصى ومقطع السيل وان هناك خلقا كثيرا من الشهداء ومشهد ~~الحسن بن صالح بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعند قبر زياد بن أبي سفيان بن ~~الحرث وعند قبر عبد الرزاق من داخل الباب وعند معبد عيسى بن مريم عليهما ~~السلام وعند قبور الشهداء بسفح الجبل وقبليها مكان يعرف بالمراغة قبل ~~الجبانة عندها قبور الشهداء هناك بسفح الجبل روى جماعة من الصالحين انهم قد ~~جاوروا الجبانة المذكورة وكانوا من أرض المشرق وجماعة من أكابر الصالحين من ~~أرض المغرب من أقصى الأندلس وانهم رأوا هذه الفضائل وبانت لهم فضائل وأنوار ~~وشاهدوا ذلك عيانا وروى أصحاب التاريخ رضي الله عنهم أنه لم يكن بأرض مصر ~~من البحيرة مشهد أكثر من أرض البهنسا وان مجرى الحصى عند منقطع السيل من ~~الجهة الغربية قتل هناك خلق كثير واستشهد بها أربعمائة رضي الله عنهم ms705 ~~أجمعين وسنذكر ذلك عند الفتح إن شاء الله تعالى أما فضائل البحر ~~PageV02P213 # اليوسفي الذي المدينة على جانبه فهو أكثر عجائب منها انه غزير البركة ~~لأنه يفيض حتى يروي ما حوله من القرى والبلدان مع قليل من زيادة النيل ~~ومنها أنه إذا زاد النيل شيئا قليلا يزاد فيه شيء كثير ومنها انه إذا انقطع ~~عنه مدد النيل تفجرت من أصله عيون فصارت نهرا جاريا وهذا لا يوجد بغيره ~~ابدا من الأنهار ومنها أنه ينقسم بأرض الفيوم ماء يسير فيروي زراعات وأراضي ~~شتى وضياعا وهذا لا يوجد لغيره أبدا ومنها أنه دفن فيه يوسف الصديق عليه ~~السلام وأقام إلى زمن موسى عليه السلام فازداد بذلك بركة ومنها انه شقه ~~جبريل عليه السلام بخافقه من جناحه بأمر الله عز وجل للسيد يوسف عليه ~~السلام وحسدهم العمالقة على ذلك وقد ذكرت الرواة انه كان بين يوسف عليه ~~السلام وبين صاحب مصر كلام بعد فراغ السنين المجدبة فإنه لما اجتمعت بنو ~~إسرائيل عند يوسف عليه السلام وحسدهم العمالقة على ذلك ذكروا ذلك لملك مصر ~~فقال ملك مصر يا يوسف رد علي ملكي فاجتمع رأيهم على الفرقة والقسمة فقسمت ~~الأرض أي أرض مصر فوقع الجانب الغربي ليوسف عليه السلام وكان قفرا رمالا ~~وتلالا فأراد ان يجري له نهرا من النيل فجمع له مائة الف عبد ودفع لهم ~~المساحى والزنابيل وأمرهم أن يحفروا من الجهة القبلية عند فمه الآن فحفروا ~~ثلاث سنين وقد أجرى لهم مؤنة من خزائنه فكان كلما جاء الليل سد ما حفروا ~~ففعل من الجهة الشرقية كذلك إلى سبع سنين حتى أعياه ذلك وقلق قلقا شديدا ~~فأوحى الله اليه يا يوسف قد استعنت برجالك ومالك ولم تستعن بي وعزتي وجلالي ~~لو استعنت بي لحفرته لك في أقل من طرفة عين فخر ساجدا لله تعالى وهو يقول ~~سبحانك ما أعظم شأنك وأعز سلطانك ثم قام من سجوده ونزع أثوابه واغتسل ولبس ~~المسوح وخرج إلى الربوة وخر ساجدا متضرعا إلى الله تعالى فأوحى الله اليه ~~أرفع ms706 رأسك فقد قضيت حاجتك ثم أمر الله سبحانه وتعالى جبريل عليه السلام ~~فخرقه بخافقه من جناحه وقال بعضهم بطرف ريشة من جناحه من فمه من الجهة ~~القبلية إلى آخر الفيوم في أقل من طرفة عين بقدرة الله تعالى فعمر يوسف ~~عليه السلام قناطر وبنى مدينة الفيوم وقسم الأرض بينه وبين اخوته وبنيه ~~فكانت أرض البهنسا لأفراثيم بن يوسف فشرع في عمارتها وقطعت الأحجار وعمرت ~~الاسوار والقناطر وكان النهر يجري من وسطها من الجهة القبلية ثم يخرج من ~~الجهة البحرية إلى زمن الاسلام وسنذكر ذلك في الفتح إن شاء الله تعالى وكان ~~لها من الأبراج والرساتيق ما لا يوصف وسكنها جماعة من بني إسرائيل واتخذوا ~~دورا ومساكن وذلك PageV02P214 # جميعه غربي مصر وأرض البهنسا إلى آخر الصعيد من الجهة الغربية كلها مختصة ~~ببني إسرائيل لا يشاركهم فيها أحد غيرهم وجعل يوسف عليه السلام هؤلاء ~~العبيد خولة فلاحين وزراعا بأرض البهنسا والفيوم وغيرها وشرع في عمارتها ~~وغرست فيها الأشجار على جانب البحر اليوسفي من الجهة الشرقية والغربية ~~وكانت المرأة تخرج بمكتلها ومغزلها في يدها والمكتل على رأسها فلا ترجع الا ~~وقد امتلأ من جميع الثمار من غير أن تمس شيئا بيدها فلما عصت بنو إسرائيل ~~وجحدوا نعمة الله عز وجل وعملوا المعاصي نزع الله تلك النعمة من أيديهم ~~وأعطاها لغيرهم فاحتووا على الملك دونهم بجحودهم نعمة الله وقتلهم أنبياء ~~الله الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حتى اتخذوهم أذلة بعد ان ~~كانوا سادات واستعملوهم خولة وفعلة وبنائين وحجارين ونجارين واستخدموا ~~نساءهم وأبناءهم ولم يزل بنو إسرائيل في أضيق عيش وأعظم بلاء وأشد كربة ~~وأعظم بلية من تكليف ما لا يطيقون حتى أنقذهم الله عز وجل بمبعث موسى عليه ~~السلام وليس هذا الكتاب مختصا بذلك واحتووا على المدائن والمزارع والبساتين ~~ذكر خروج عيسى عليه السلام من مصر وإقامته بأرض البهنسا قال الله تعالى ~~وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين الآية وتقدم ~~انها البهنسا على اختلاف المفسرين قال أصحاب التواريخ ms707 وهم المسعودي وأبو ~~جعفر الطبراني والواقدي وابن اسحق وابن هشام وأصحاب السير وأهل التفسير مثل ~~سعيد بن جبير وسعيد ابن المسيب وابن عباس ومن تكلم في هذا الكتاب العجيب ~~الذي لو كتب بالذهب لكان قليلا وقد جمع فيه كتب كثيرة وتواريخ وتفاسير ~~وفتوحات قالوا كان مولد عيسى لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملوك الطوائف ~~وكانت الرياسة بالشام ونواحيها لقصير ملك الروم وهرقل كما تقدم في فتوح ~~الشام وكان بالبهنسا قنطاريوس والله أعلم باسمه فلما سمع الملك هيردوس بخبر ~~المسيح قصد قتله وذلك انهم نظروا إلى نجمه وقد طلع فعرفوا ذلك بحساب لهم في ~~كتاب لهم فبعث الله ملكا إلى يوسف النجار وأخبره بما أراد هيردوس وأن يعلم ~~مريم أن تخرج إلى أرض مصر فإنه ان ظفر بولدك قتله فإذا مات هيردوس فارجعي ~~إلى بلادك فاحتمل يوسف مريم وابنها عيسى على حمار له حتى دخل مصر وورد أرض ~~البهنسا وهي الربوة التي ذكرها الله في كتابه العزيز * (وآويناهما إلى ربوة ~~ذات قرار ومعين) * وهناك بئر في المعبد يستشفون بمائها من الأمراض وهي التي ~~كانت مريم وابنها يستقيان منها ويتوضأن منها للصلاة وكان هناك PageV02P215 # سرب تحت الأرض قيل إن مريم لما دخلت بولدها أرض البهنسا وجدا بئرا وليس ~~عليها رشاء فطلب عيسى عليه السلام الماء ليشرب بعد أن عطش عطشا شديدا وبكى ~~فحزنت أمه فارتفع الماء من قعر البئر حتى شرب منه وهي من ذلك اليوم تزيد ~~ويعرف منها زيادة النيل فجعل النصارى لها عيدا إلى يومنا هذا وهناك دير ~~وزراعات والله أعلم ثم دخل مدينة البهنسا واقام بها اثنتي عشر سنة وأمه ~~تغزل الكتان وتلتقط السنبل في أثر الحصادين حتى تم لعيسى المدة المذكورة ~~روى محمد الباقر قال لما جاء عيسى إلى البهنسا وهو مع أمه له ابن شهرين ~~كأنه ابن سنتين فلما كمل تسعة أشهر أخذته والدته وجاءت به إلى الكتاب بأرض ~~البهنسا فأقعده المؤدب بين يديه وقال له قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال ~~عيسى بسم الله الرحمن الرحيم ms708 فقال له المؤدب قل أبجد فرفع عيسى طرفه وقال ~~أتدري ما أبجد فعلاه المؤدب بالدرة ليضربه فقال له يا مؤدب لا تضربني ان ~~كنت لا تدري فاسألني حتى أعرفك فقال قل لي فقال انزل من على مرتبتك فنزل من ~~على مرتبته وجلس عيسى مكانه ثم قال الألف آلاء الله والباء بهاء الله ~~والجيم جلال الله والدال دين الله والهاء هوية جهنم وهي الهاوية والواو ويل ~~لأهلها والزاي زفير جهنم والحاء حطت الخطايا عن المستغفرين والكاف كلام ~~الله لا مبدل لكلماته والصاد صاع بصاع والقاف قرب حيات جهنم من العاصين ~~فقال لها المؤدب خذي بيد ابنك فقد علمه الله تعالى فلا حاجة له بالمؤدب ~~حدثنا الحسين ومحمد بن الحسن المقري قال حدثنا الحكيم محمد بن أحمد بن ~~حمدون قال حدثنا محمد بن حمدون بن خالد قال حدثنا الحكم بن نافع عن إسماعيل ~~عن ابن أبي مليكة عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ان عيسى عليه السلام أرسلته أمه إلى المكتب ليتعلم فقال له ~~المعلم قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال عيسى عليه السلام وما بسم الله ~~الرحمن الرحيم فقال المعلم لا أدري فقال عيسى الباء بهاء الله والسين سناء ~~الله والميم ملك الله إلى آخر ما جاء من الآيات والمعجزات التي ظهرت لعيسى ~~عليه السلام بأرض البهنسا قال وهب كان أول آية أراها عيسى عليه السلام ~~بمدينة البهنسا للناس في صغره ان أمه كانت نازلة في دار بالبهنسا من أرض ~~مصر عند دهقان من دهاقنة الملك أنزلها فيها يوسف النجار عنده حين أتى بها ~~من أرض الشام إلى مصر وكانت داره مأوى المساكين فسرق للدهقان مال جزيل من ~~خزانته وكان الدهقان من أخصاء الملك صاحب البهنسا ولم يتهم المساكين ~~PageV02P216 # فحزنت مريم على مصيبة الدهقان صاحب ضيافتها فلما رأى عيسى عليه السلام ~~حزن أمه قال يا أماه أتحبين أن أدلك على ماله قالت نعم قال قولي له يجمع ~~المساكين الذين كانوا في جاره فقالت ms709 مريم للدهقان ذلك فجمع المساكين الذين ~~كانوا في داره فلما اجتمعوا أتى إلى رجلين منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد ~~فجعل المعقد على كاهل الأعمى وقال له قم به فقال له الأعمى اني ضعيف عن ذلك ~~فقال له كيف قويت على ذلك البارحة فلما سمعوه يقول ذلك ضربوا الأعمى حتى ~~قام به فلما استوى قائما وهو حامله أوصله إلى كوة الخزانة فقال عيسى عليه ~~السلام هكذا أخذ مالك البارحة لان الأعمى استعان بقوته والمقعد بعينه فقال ~~الأعمى والمقعد صدقت فردا على الدهقان ماله فوضعه الدهقان في خزانته وقال ~~يا مريم خذي نصفه فقالت اني لم أخلق لذلك ثم قال الدهقان أعطيه لابنك قالت ~~هو أعظم مني شأنا ثم لم يلبث الدهقان الا قليلا وعمل لولده عرسا فجمع اليه ~~أهل المدينة كلهم فكان يطعمهم شهرين فلما انقضى ذلك زارته أكابر البلاد ~~وملوكها وليس عنده طعام ولا شراب ولا ادام فلما اجتمعوا أمر عيسى عليه ~~السلام بجرار الخمر الفارغة أن تملأ ماء ثم مر بيده على أفواهها وهو يمشي ~~فكلما مرت يده على جرة امتلأت شرابا هذا وهو ابن اثنتي عشرة سنة فازدادت ~~أهل البهنسا فيه اعتقادا ومن حولها من المدائن والقرى والسواد من أرض مصر ~~وله آية أخرى بأرض البهنسا قال السدى كان عيسى عليه السلام يحدث الصبيان في ~~المكتب بما تصنع آباؤهم ويقول للغلام انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا فينطلق ~~الصبي إلى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه شيئا فيقولون له من أخبرك بهذا فيقول ~~عيسى فحبسوا أولادهم أي أهل البهنسا عنه وقالوا لهم لا تلعبوا مع هذا ~~الساحر فجمعوهم في مكان فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا ليس هنا أحد ~~فقال ما في هذا البيت قالوا خنازير قال عيسى كذلك يكونون إن شاء الله تعالى ~~ففتحوا عليهم الباب فوجدوهم خنازير ففشا ذلك في الناس وهابه الناس قال ~~السدى لما نزل عيسى عليه السلام بأرض البهنسا نزل في قرية من قراها على رجل ~~فأضافهم وكان للملك خباز فجاء ذلك الرجل ذات ms710 يوم وهو مغتم حزين فدخل بيته ~~ومريم عند زوجته فقالت لها مريم ما شأن زوجك أراه كئيبا قالت لا تسأليني ~~فقالت لها أخبريني لعل الله أن يفرج عنك قالت لها ان ملك البهنسا إذا خرج ~~من مدينته يجعل على كبير كل قرية يوما يطعمه ويسقيه الخمر فإن لم يفعل ذلك ~~عاقبه واليوم علينا وليس عندنا سعة قالت مريم قولي له لا يهتم فاني آمر ~~ابني PageV02P217 # أن يدعو له فيكفي ذلك فذكرت مريم ذلك لعيسى عليه السلام فقال عيسى عليه ~~السلام ان فعلت ذلك يقع شيء فقالت له أمه لا تبال فإنه أحسن الينا وأكرمنا ~~فقال عيسى قولي له إذا قرب الملك فاملا قدورك وخوابيك ماء ثم اعلميني ففعل ~~ذلك وإذا بالملك قد أقبل فارتجت الأرض من الطبور والزمور والصناجق وأقبلت ~~العساكر فدعا عيسى عليه السلام ربه عز وجل فتحول ماء القدور لحما وطعاما ~~ملونا وماء الخوابي خمرا لم ير الناس مثلها قط فلما أكل الملك ذلك الطعام ~~وشرب سأل الدهقان من أين لك هذا الخمر قال من أرض الفيوم فلم يصدقه وقال ~~للدهقان انه يأتيني منها الخمر والعنب لعصره وليس يساوي هذا فقال من أرض ~~أخرى فلما خلط عليه الكلام أنكر عليه فقال أنا أخبرك عندي غلام لا يسأل ~~الله شيئا الا أعطاه وانه دعا الله تعالى حتى جعل الماء خمرا وكان للملك ~~ولد يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام وكان أحب الخلق اليه فقال ان كان ~~كلامك صدقا فليدع ربه أن يحيي لي ولدي فدعا عيسى وأعلمه بذلك قال أفعل لكنه ~~ان عاش وقع شيء كثير فقال الملك لا أبالي بعد أن أراه فقال عيسى ان فعلت ~~ذلك اتتركوني أنا وأمي نمضي حيث جئنا قال الملك نعم فدعا الله تعالى فأحيا ~~الغلام فلما رآه أهل المملكة قد عاش تبادروا بالسلاح وقالوا أكل أموالنا ~~هذا الملك بظلمه حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما ~~أكلنا أبوه فاقتلوهما فذهب عيسى وأمه والآيات في ذلك كثيرة يطول ms711 شرحها ~~ذكرها أبو إسحاق الثعلبي في عرائسه والله تعالى أعلم ذكر فتح البهنسا وما ~~فيه من الفضائل وما وقع فيه للصحابة رضي الله عنهم قالت الرواة بأسانيد ~~صحيحة عمن حضر الفتح من أصحاب السير والتواريخ مثل الواقدي وأبي جعفر ~~الطبراني وابن خلكان في تاريخ البداية والنهاية ومحمد بن إسحاق وابن هشام ~~وكل منهم دخل حديثه الآخر لما في ذلك من اختلاف الرواة ممن حضر الفتوحات ~~وشاهد الوقعات من الصحابة رضي الله عنهم قالوا وحضر ذلك معظم الصحابة ~~وكبراؤهم مثل عبد الله بن عمرو ابن العاص أمير الجيوش على مصر وأخيه محمد ~~وخالد بن الوليد وابنه أبا سليمان وقيس بن هبيرة المرادي والمقداد بن ~~الأسود الكندي وميسرة بن مسروق العبسي والزبير بن العوام الأسدي وابنه عبد ~~الله وضرار بن الأزور ومن بني عم النبي صلى الله عليه وسلم مثل الفضل بن ~~العباس وجعفر بن عقيل ومسلم بن عقيل وعبد الله بن جعفر ومن أبناء الخلفاء ~~مثل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبان بن ~~عثمان رضي الله عنهم وقد PageV02P218 # اختصرنا في أسمائهم خوف الإطالة وكلهم حدثوا بما عاينوا من الفتوح وما ~~شاهدوا من الوقعات وحدثوا بذلك أبناءهم رضي الله عنهم وقد أخذنا هذه الفتوح ~~على قاعدة الصدق لاثبات فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي ~~الله عنهم إذ لولاهم ما كانت البلاد للمسلمين ولا انتشر علم هذا الدين ولقد ~~نفذت سراياهم في الأرض شرقا وغربا حتى ولت الأعداء منهم هربا وسكبوا دماءهم ~~في الأرض سكبا واستباحوا أموال الكفار نهبا وسلبا والله قد جعل منهم في ~~قلوب أعدائه خوفا ورعبا فهم نجوم الهداية وأهل الولاية قد شرعوا الشرائع ~~ورتلوا القرآن ترتيلا قال الله في حقهم تعظيما وتبجيلا فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن المحدث ~~المصري غفر الله له اطلعت على فتوحات كثيرة فوجدت فيها زيادة ونقصانا وكذلك ~~تواريخ منقولة وكنت قدمت المدينة يعني ms712 البهنسا لزيارة جبانتها لما رأيت في ~~ذلك من الفضائل والفضل والاجر والخير والحبور فان زيارتها تمحص الذنوب ~~وتكشف الكروب وتحسن الاخلاق وتدر الأرزاق وتورث النصر على الأعداء وتكفي ~~البأس والردى لما فيها من السادات الشهداء ممن باع نفسه لله وقتل في سبيل ~~الله ابتغاء مرضاة الله ممن قال في حقهم من له الفضل والمنة * (إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) * فهم أحياء عند ربهم ~~يرزقون فزرنا الجبانة في ساعة الأسحار ورأينا ما فيها من الأنوار وبزيارة ~~قبور السادة والأخيار نرجو من الله أن يحط عنا الذنوب والأوزار فلما قضينا ~~الزيارة ولاحت لنا تلك الإشارة أخبرنا عن تلك السادة الأمجاد وما كان لهم ~~من الصبر على الغزو والجهاد فسألني بعض الأصحاب عن سبب فتح مدينة البهنسا ~~ليدفع البأس والردى فحرك لذلك خاطري حتى أسهرت لذلك ناظري وطالعت التواريخ ~~والفتوحات وتجنبت المزاحات حتى انتخبت هذا الكتاب فهو كالدرة اليتيمة التي ~~لا يعرف لها قيمة ترتاح عند سماعه النفوس ويزول لهم والبؤس ويشجع على ~~الجهاد ويعين على إقامة العدل في البلاد ابتغاء لوجه الله الكريم راغبا في ~~ثواب الله العميم وذلك بعد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد ~~المرسلين وخاتم النبيين ونحن نبتدىء بسم الله الرحمن الرحيم قال حدثني من ~~أثق به من الرواة ممن تقدم ذكرهم قال لما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~مصر والإسكندرية والبحيرة والوجه البحري كله جميعا كان بالصعيد نوبة وبربر ~~وديلم وصقالبة وروم وقبط وكانت الغلبة للروم كان أكثرهم روما ثم استشار ~~عمرو بن PageV02P219 # العاس أصحابه أي جهة يقصد وهل يسير بالجيوش شرقا أو غربا وما يصنع ~~فأشاروا عليه بمكاتبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب اليه ~~يقول بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمرو بن العاص عامل أمير المؤمنين ~~على مصر ونواحيها إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~سلام عليك ورحمة الله وبركاته أما بعد فاني أحمد الله واثني عليه ms713 واصلي على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والسلام على من بالمدينة من المهاجرين ~~والأنصار والحمد لله قد فتحت لنا مصر والوجه البحري والإسكندرية ودمياط ولم ~~يبق في الوجه البحري مدينة ولا قرية الا وقد فتحت وأذل الله المشركين وأعلى ~~كلمة الدين وقد اجتمعت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السادات ~~والامراء والأخيار المهاجرين والأنصار يطلبون الاذن من أمير المؤمنين هل ~~يسيرون إلى الصعيد أو إلى الغرب والامر أمرك يا أمير المؤمنين فإنهم على ~~الجهاد قلقون وباعوا نفوسهم لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ~~النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم وكتب هذه الأبيات * صوارمنا تشكو الظمأ ~~في اكفنا * وأرحامنا تشكو القطيعة كالهجر * إليك افتقاد الحرب يا طيب الثنا ~~* ويامن أقام الدين بالعز والنصر * فقد ولعت خير الكرام إلى العدا * ~~بنوشيبة الحمد السري وبنو فهر * وصالت لؤي مع معد وغالب * وسادات مخزوم ~~الكرام ذوي المفخر * تروم مسيرا للأعادي على شفا * تمكن من أعلاهم البيض ~~كالسمر * ترى كل علج عائص في دلاصه * تجعجع في نقع تأجج كالحمر * بكل كميت ~~صادق الوعد صائل * يرى درعه الزاهي تمكن بالصبر * نرى الموت في وقع الوقائع ~~مغنما * ونكسب من قتل العدا غاية الاجر * قال الواقدي فلما فرغ عمرو بن ~~العاص من الكتاب عرضه على أصحابه ثم طوى الكتاب وختمه واستدعى برجل يقال له ~~سالم بن بجيعة الكندي وسلم اليه الكتاب ودفع له ناقة عشارية فاستوى على ~~كورها وخرج يريد المدينة وهو يقول * أسير إلى المدينة في أمان * وأرجو ~~الفوز في غرف الجنان * وأرجو أن يقرب لي اجتماعي * وأعطي ما أريد من ~~الأماني * الا يا ناقتي جدي وسيري * إلى نحو النبي بلا امتهان * وأقرئيه ~~السلام وأنشديه * كلاما صادقا حسن البيان * ألا يا أشرف الثقلين يا من * به ~~شرف المدينة والمكان * فكن لي في المعاد غدا شفيعا * إذا ما قيل هذا العبد ~~عاني * PageV02P220 # قال الواقدي ولم يزل سائرا ليلا ونهارا حتى قدم المدينة الطيبة الأمينة ~~بعد صلاة العصر فدخل وأناخ ناقته على باب ms714 المسجد وعقلها بفضل ذمامها ودخل ~~في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم على قبره الشريف وصلى ركعتين ~~بين القبر والمنبر ثم تقدم فوجد عمر بن الخطاب فسلم عليه قال فرد علي ~~السلام وصافحني وكان لما رآني أقبلت وأنا فرحان قال سالم جاء بكتاب من مصر ~~مرحبا به ثم التفت وعن يمينه علي بن أبي طالب وعن شماله عثمان بن عفان ~~وحوله من السادات والمهاجرين والأنصار مثل العباس بن عبد المطلب وعبد ~~الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وطلحة بن عبد الله وبقية الصحابة رضي الله عنه ~~حوله ثم ناولته الكتاب فقال ما وراءك يا سالم فأنت سالم في الدنيا والآخرة ~~إن شاء الله تعالى فقلت الخير والبشرى والأمن يا أمير المؤمنين فلما قرأ ~~الكتاب فرح واستبشر وكانت تلك الغنائم قد وصلت إلى المدينة قبل ذلك بأيام ~~وقسمت على الصحابة رضي الله عنهم ثم إنه استشار عمر رضي الله عنه علي ابن ~~أبي طالب رضي الله عنه ومن حضر فأشار عليه علي بن أبي طالب أن عمرو بن ~~العاص لا يسير بنفسه ليكون أهيب له في قلوب أعدائه وأن يجهز جيشا عشرة آلاف ~~فارس ويؤمر عليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه فإنه سيف الله فقال عمر صدقت ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد سيف الله تعالى وفي رواية ان ~~خالدا سيف لا يغمد عن أعدائه ثم بات سالم تلك اليلة فلما أصبح صلى الصبح في ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على أمير المؤمنين عمر يسأله ~~الجواب فعندها استدعى عمر رضي الله عنه بداوة وقرطاس ثم كتب كتابا يقول فيه ~~بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عامله على مصر ~~ونواحيها عمرو بن العاص سلام عليك ورحمة الله وبركاته أما بعد فاني أحمد ~~الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والسلام ~~عليك وعلى من معك من المهاجرين والأنصار ورحمة الله وبركاته ms715 وقد قرأت كتابك ~~وفهمت خطابك فإذا قرأت كتابي هذا فاستعن بالله واربط الخيل وارسل الامراء ~~لكل بلد أمير ليقيموا شرائع الدين ويعلموا الاحكام ثم انتدب عشرة آلاف من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر عليهم خالد بن الوليد وأرسل معه ~~الزبير بن العوام والفضل بن العباس والمقداد بن الأسود وغانم بن عياض ~~الأشعري ومالكا الأشتر وجيمع الامراء وأصحاب الرايات ينزلون على المدائن ~~ويدعون الناس إلى الاسلام فمن أجاب فله ما لنا وعليه ما علينا ومن أبي ~~فليأمروه بأداء الجزية وان عصي وامتنع فالحرب والقتال وأمرهم إذا حاصروا ~~مدينة أن يشنوا الغارات على السواد PageV02P221 # وأن بمصر مدينتين كما بلغني أحداهما يقال لها أهناس قريبة من مصر ~~والثانية يقال لها البهنسا أمنع وأحصن وبلغني أن بها بطريقا طاغيا سفاكا ~~للدماء يقال له البطليوس وهو أعظم بطارقة مصر كما بلغني وانه ملك والواحات ~~فلا تقربوا الصعيد حتى تفتحوا هاتين المدينتين وعليك بتقوى الله في السر ~~والعلانية أنت ومن معك وأنصف المظلوم من الظالم وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر وخذ حق الضعيف من القوي ولا تأخذك في الله لومة لائم وأقم أنت بمصر ~~وأرسل الأجناد وان احتجت إلى مدد فأرسل وكاتبني وأنا ارسل لك المدد ~~والمعونة من الله عز وجل وأسأل الله تعالى أن يكون لكم بالنصر والمعونة ~~والفتح والحمد لله رب العالمين ثم طوى الكتاب وختمه بخاتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ودفعه إلى سالم فاخذه وودع الصحابة وودع قبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد أن توضأ وصلى ركعتين وسار ولم يزل سائرا حتى قدم مصر ~~فوجد عمرا والصحابة نازلين بأرض الجيزة وكان زمن الربيع وهو جالس في خيمته ~~وأصحابه عنده وهذه الخيمة كانت لملك القبط من الحرير الأزرق والأحمر ~~والأصفر سعتها ثلاثون ذراعا وقد فرش فيها فرشا كان للقبط وهو جالس يتحدث مع ~~المقداد وخالد والفضل وغانم والامراء جميعهم رضي الله عنهم وهو كأحدهم قال ~~سالم فانخت ناقتي فسمعت عمرا يقول وأنا خلف الخيمة قد أبطا سالم ms716 فقال خالد ~~كأنك به وقد أقبل فهويت فأحس خالد بي من داخل الخيمة ولم يرني بعينه ولا ~~غيره ولا علم بي فقال سالم فقلت لبيك يا أبا أبا سليمان فقال مرحبا بك يا ~~سالم وحياك الله ثم تقدمت وسلمت على عمرو وخالد وعلى بقية الامراء ثم ~~ناولته الكتاب فقرأه إلى آخره وفهم ما فيه فلما سمع الامراء ما فيه فرحوا ~~بذلك فرحا شديدا ثم إن عمرا استشار الامراء في ذلك وكانوا لا يفعلون شيئا ~~الا بمشورة بعضهم ولذلك مدحهم الله في كتابه العزيز بقوله عز وجل * (وأمرهم ~~شورى بينهم) * فأشاروا عليه أن يرسل خلف الامراء والجنود المتفرقة في ~~البحيرة شرقا وغربا وأن يرتب الجيوش ويقصدوا الصعيد ويتوكلوا على الله عز ~~وجل قال الواقدي وكانت الصحابة لما فتحت مصر والوجه البحري قد تفرقوا فمنهم ~~في الإسكندرية وأمسوس ودمياط ورشيد وبلبيس وكان أكثرهم بوسط البحيرة في ~~المكان المعروف بالمنزلة مثل القعقاع بن عمرو التميمي وهاشم بن المرقال ~~وميسرة بن مسروق العبسي والمسيب بن نجيبة الفزاري فعندها استدعى عمرو رضي ~~الله عنه بالنجابة والسعادة وعمرو ابن أمية الضمري ومثل هؤلاء رضي الله ~~عنهم أجميعن وكتب الكتب وأرسلها للأمراء PageV02P222 # فعندها أجابوا بأجمعهم لأنهم رضي الله عنهم كانوا أشوق للقتال من العطشان ~~للماء البارد الزلال وتركوا في البلاد والمدائن من يحفظها أو يحرسها خيفة ~~من العدو واقبلوا نحو مصر مسرعين ونزلوا حولها وأخبر عمرو رضي الله عنه ~~بقدومهم فدخل دار الامارة وهي قريبة من الجامع العمري وأقبلت السادات ~~والامراء يسلمون عليه وكان ذلك نهار الأربعاء عاشر شهر ربيع الأول سنة احدى ~~وعشرين من الهجرة النبوية وقيل اثنتين وعشرين والله أعلم قال حدثنا محمد بن ~~عبد الله أحدثنا عبيد بن رافع عن أبيه جحيفة عن جابر بن عبد الله الأنصاري ~~وحدث بذلك ابن سلمة رضي الله عنه قالوا لما قدمت الامراء والاجناد من ~~الصحابة رضي الله عنه أقاموا الأربعاء والخميس والجمعة فخطب عمرو رضي الله ~~عنه بالناس فلما فرغ من خطبته أمر الناس أن لا يتفرقوا ms717 حتى يقرأ عليهم كتاب ~~أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب فقرأ عليهم الكتاب فلما فرغ من قراءته ~~تواثبوا كلهم كالأسود الضارية المشتاقة إلى فرائسها وقالوا كلهم سمعنا ~~وأطعنا ولارواحنا في سبيل الله بذلنا وللجهاد طلبنا وفي الثواب رغبنا والى ~~الجنة اشتقنا ففرح عمرو بذلك وقال إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أولي عليكم ~~سيف الله والنقمة على أعداء الله صاحب القتال الشديد والبطل الصنديد خالد ~~بن الوليد قال الواقدي وكان خالد بن الوليد صديق عمرو في الجاهلية وأسلما ~~في يوم واحد ثم التفت عمرو إلى خالد وقال ادن مني يا ابا أبا سليمان فدنا ~~منه فقال عمرو يا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انكم كلكم لكم ~~الفضل واني لست بأفضلكم وفيكم من هو ذو قرابة ونسب من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنتم تعلمون ما فتح الله على يديه من البلاد وما أذل الله على ~~يديه من الأجناد قال الراوي فوثب الفضل بن العباس رضي الله عنه وقال أيها ~~الأمير انا بذلنا أنفسنا في رضا الله عز وجل وما نريد بذلك الا رفعة عند ~~الله عز وجل وان خالدا من أخيارنا ولو أمرت علينا عبدا حبشيا لامتثلنا أمره ~~في رضا الله عز وجل فناهيك بخالد وهو سيد من سادات قريش عزيز في الجاهلية ~~والاسلام فتهلل وجه خالد وعمرو فرحا ثم أمرهم بالنزول جميعا بأرض الجيزة ~~قريبا من الهرم الشرقي وأقبلوا يضربون خيامهم حوله حتى تكاملت العساكر رضي ~~الله عنهم أجمعين قال الراوي بسنده إلى الواقدي وابن اسحق وابن هشام لما ~~تكاملت الجيوش وذلك في ربيع الآخر من السنة المذكورة صلى عمرو بأصحابه صلاة ~~الصبح ثم قام من ساعته يمشي على قدميه وحوله جماعة من المسلمين PageV02P223 # ومعه خالد بن الوليد والمقداد ابن الأسود الكندي والزبير العوام الأسدي ~~والفضل بن العباس الهاشمي وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمر ~~بن الخطاب وهاشم بن المرقال والمسيب بن نجيبه الفزاري والعباس بن مرداس ~~وأولاد عبد المطلب وبقية السادات ms718 حتى طلع على رابية وأشرف على الجيش فلما ~~رأى اجتماعهم سر سرورا عظيما ثم أمر بعرض الجيش فتقدمت الامراء أصحاب ~~الرايات وصار كل أمير يعرض جيشه وبني عمه على عمرو بن العاص فكانت عدتهم ~~فيما ذكر والله أعلم ستة عشرة ألف فارس فانتدب منهم عشرة آلاف فارس كلهم ~~ليوث عوابس وعليهم الدروع الداودية متقلدين بالسيوف الهندية معتقلين ~~بالرماح الخطية راكبين الخيول العربية من خيار أمة خير البرية فعند ذلك قال ~~لهم عمرو يا معاشر الأمراء أصحاب الرايات والسادات الأخيار ان خالدا أمير ~~عليكم فاسمعوا له وأطيعوا وكونوا كلمة واحدة ونازلوا المدائن والقلاع وشنوا ~~الغارات على السواد ولا تقاتلوا قوما حتى تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله فان أبوا فأداء الجزية فان أبوا فالقتال بينكم ~~وبينهم حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين وأرسلوا الطلائع ولا يكون في ~~الطلائع الا كل فارس كرار في الحرب والقتال وثبتوا أنفسكم ولا يغرنكم كثرة ~~أعدائكم فأنتم الغالبون فقد ذكر الله في كتابه المكنون المبين كم من فئة ~~قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين وأحسنوا نياتكم وثبتوا ~~عزائمكم فأنتم الغالبون والله معكم وأنتم كلكم أهل الفضل والسابقة وأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلتم بين يديه ولا تحتاجون إلى وصيتي بارك ~~الله فيكم قال الراوي ثم إن عمرا استدعى بأصحاب الرايات فكان أول من تقدم ~~بعد خالد الزبير ابن العوام رضي الله عنه وهو راكب على جواده الأغر شاك ~~سلاحه فسلمه الراية وأمره على خمسمائة فلما خرج بعسكره هز الراية وأنشد ~~يقول * أنا الزبير ولد العوام * ليث شجاع فارس الاسلام * قرم همام فارس ~~هجام * اقتل كل فارس ضرغام * وانني يوم الوغى صدام * وناصر في حانها ~~الاسلام * قال ثم استدعى بالفضل بن العباس وأمره على خمسمائة فارس من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسلم الراية بيد وتوجه وهو يقول * اني أنا ~~الفضل أبي العباس * وفارس منازل حواس * PageV02P224 # * معي حسام قاطع للرأس * وفالق الهامات والأضراس * أفني ms719 به الاعدا بلا ~~الباس * وما على فيهم من باس * قال ثم استدعى بزياد بن أبي سفيان بن الحرث ~~بن عبد المطلب وسلمه الراية وكان رضي الله عنه فارسا عظيما وبطلا صنديدا ~~فتسلم الراية وتوجه وهو ينشد * أنا الفارس المشهور يوم الوقائع * بحد حسام ~~في الجماجم قاطع * ورمحي على الأعداء ما زال طائلا * إذا التحم الأعداء ~~للضد قاطع * وعزمي في الهيجاء ما زال ماضيا * براي سديد للمحاسن جامع * ~~أصول على الأعداء صولة قادر * وأشبعهم ضربا ببعض لوامع * امام الوغى من آل ~~ذروة هاشم * حماة البرايا كالبدور الطوالع * أنا ابن أبي سفيان من نسل حارث ~~* تموت العدا مني وكل منازع * قال ثم استدعى من بعده عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق رضي عنه وأمره على خمسمائة فارس وسلمه الراية فتوجه وهو يقول * أسير ~~إلى الأعادي باهتمام * بقلب صادق حصن الذمام * بابطال جحاجحة أسود * سراة ~~في الوغى قوم كرام * أبيد بهم عداة الدين جمعا * ولا أخشى من القوم اللئام ~~* إذا ما جلت في الهيجا برمحي * أصول به وفي أيدي حسامي * قال ثم استدعى من ~~بعده عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمره على خمسمائة فارس فتسلم ~~الراية وتوجه وهو يقول * وحق من أنزل الآيات في السور * وأرسل المصطفى ~~المبعوث من مضر * لا أنثني عن لقا الاعدا ولو جمعت * حماة أبطالهم يوما كما ~~الدبر * حتى أبيدهم ضربا وأتركهم * فوق الثري خمشا مخدوشة الصدر * بكل قرم ~~همام ماجد نجد * إلى الوقائع يوم الحرب مبتدر * نحن الكرام الذيب للدين ~~أرسلنا * امام دين الورى غيث النداعمر * قال ثم استدعى من بعده جعفر بن ~~عقيل وأمره على خمسمائة فارس وسلمه الراية فتوجه وهو يقول * أنا ابن عقيل ~~من لؤي وغالب * همام شجاع للأعادي غالب * حماة الوغى أهل الوفا معدن الصفا ~~* إلى جود يمنانا مسير الركائب * ولا يعرف المعروف الا بعرفنا * ولا الجود ~~الا جودنا كالمواهب * علا مجدنا فوق الثنا وسناؤنا * علا شرفا من فوق كل ~~الكتائب * فيا ويل أهل البغي منا إذا التقت * فوارسنا فيهم ms720 بحد القواضب * ~~PageV02P225 # قال ثم استدعى من بعده أخاه الفضل وأمره على خمسمائة فارس وسلمه الراية ~~فتسلمها وتوجه وهو يقول * اني أنا الفضل أبي عقيل * أسير للحرب بلا تمهيل * ~~بحد سيف قاطع صقيل * به أبيد الكافر الجهول * أنا ابن عم أحمد الرسول * ~~المرسل المبعوث في التنزيل * قال ثم استدعى من بعده المقداد ابن الأسود ~~الكندي وأمره على خمسمائة فارس وسلمه الراية فتوجه وهو يقول * أنا المقداد ~~في يوم النزال * أبيد الضد بالسمر العوالي * وسيفي في الوغى أبدا صقيل * ~~طليق الحد في أهل الضلال * معي من آل كندة كل قرم * يجيد الطعن في يوم ~~النزال * فياويل العدا والروم منا * إذا التحم الفوارس في القتال * وهم ~~صرعى كأعجاز لنخل * بقعها الفوارس بالنصال * قال ثم استدعى من بعده عمار بن ~~ياسر وأمره على خمسمائة فارس وسلمه الراية فتوجه وهو يقول * أنا الهمام ~~الفارس الكرار * أفني بسيفي عضبة الكفار * ان جالت الخيل بلا انكار * وقام ~~سوق الحرب من عمار * حمى لدين المصطفى المختار * صلى عليه الواحد القهار * ~~* وآله وصحبه الأخيار * ما بان ليل وأضا نهار * قال ثم استدعى من بعده ~~العباس بن مرداس السلمي وأمره على خمسمائة فارس وسلمه الراية فتوجه وهو ~~يقول * أنا العباس ذو رأي قويم * معي سادات آل بني سليم * أدل بهم حماة ~~البغي لما * ترى الهيجاء كالليل البهيم * وسيفي ماضي الحدين أضحى * لأهل ~~الشرك والموت العميم * به أفنى الطغاة بكل أرض * وأقتل كل أفاك أثيم * ونحن ~~بنو سليم خير قوم * هدينا للصراط المستقيم * قال ثم استدعى من بعده أبا ~~دجانة الأنصاري رضي الله عنه وسلمه الراية فتوجه وهو يقول * أسير باسم ~~الواحد المنان * جهرا لأهل الكفر والطغيان * أذيقهم ضربا على الأبدان * بكل ~~هندي مبيد الجان * أنصر دين مصطفى العدناني * صلي عليه الملك الديان * وآله ~~والصحب والاخوان * ما ناح قمري على الأغصان * PageV02P226 # قال ثم استدعى من بعده غانم بن عياض الأشعري رضي الله عنه وسلمه الراية ~~وتوجه وهو يقول * اني إذا انتسب الفوارس أشعري * قرم همام في المعامع عنتزي ~~* بحماة ابطال الأعادي ms721 نزدري * وبراحتي من القواضب أبتري * يوم التلاطم ~~للفوارس مسكر * وأحوم حومات الغزال الجؤذري * فلأقتلن فوارسا وعوابسا * ~~وأذيقهم مني العذاب الأكبر * قال ثم استدعى من بعده أبا ذر الغفاري وأمره ~~على خمسمائة فارس وسلمه الراية فتوجه وهو يقول * سأمضي للعداة بلا اكتئاب * ~~وقلبي للقا والحرب صابي * ولي عزم أذل به الأعادي * وأرجو الفوز فيهم ~~كالثواب * وان صال الجميع بيوم حرب * لكان الكل عندي كالكلاب * أذلهم بأبيض ~~جوهري * طليق الحد فيهم غير آبي * قال ثم استدعى من بعده القعقاع بن عمرو ~~التميمي والمغيرة بن شعبة الثقفي وميسرة بن مسروق العبسي ومالكا الأشتر ~~النخعي وذا الكلاع الحميري والوليد وعقبة بن عامر الجهني وجابر ابن عبد ~~الله الأنصاري وربيعة بن زهير المحاربي وعدي بن حاتم الطائي ومثل هؤلاء ~~السادات رضي الله عنهم وقد اقتصرنا في أشعارهم خوف الإطالة وكل واحد يسلمه ~~راية ويؤمره على خمسمائة فارس قال فلما تكاملوا وتجهزوا خرج عمرو وأصحابه ~~فودعهم وسارت الكتائب وتتابعت المواكب يطلب بعضها وخلفهم الذراري والصبيان ~~حتى أتوا الجيزة ونزلوا بمكان يعرف بالمرج الكبير قريب من تلك المدائن ~~والقرى والرساتيق وتقدمت الطلائع يتجسسون الاخبار وقد كان بدهشور بطريق ~~عظيم من قبل مارنوس صاحب اهناس وكان فارسا مكينا وكلبا لعينا قاتله الله ~~وكان يقول في نفسه أنه يناظر البطليوس في ولايته لكن البطليوس صاحب البهنسا ~~لعنه الله كان أشد بأسا وأعظم مراسا وأكثر عددا وأقوى مددا وأوسع بلادا ~~فكاتبه في ذلك وكاتب روسال صاحب الاشمونين وكاتب اقراقيس صاحب قفط وكان ~~يحكم على اخميم وكاتب الكيكلاج وكان يحكم إلى عدن والبحر المالح إلى بلاد ~~البجاوة والنوبة وحد السودان وتسامع الناس بمسير العرب إلى الصعيد وكاتبت ~~الملوك بعضها بعضا وماج الصعيد بأهله إلى حد الواحات ووقع الرعب في قلوبهم ~~فعند ذلك وثب مكسوج ملك البجاوة وحليف ملك النوبة وجمعوا ما حولهم من أرض ~~النوبة والبجاوة والبربر وأتوا إلى أسوان PageV02P227 # وكان مع ملك البجاوة ألف وثلاثمائة فيل عليها قباب الجلد بصفايح الفولاذ ~~في كل قبة عشرة من السودان طوال القامة عراة ms722 الأجساد على أوساطهم واكتافهم ~~جلود النمور وغيرها ومعهم الدرق والحراب والكرابيج والقسي والمقاليع ~~والأعمدة الحديد والطبول والقرون وكانت عدتهم عشرين ألف فلما وصلوا أسوان ~~خرجوا إلى لقائهم بعسكرهم وأعلموهم بأمرهم وساروا إليهم بالملاقاة من الذرة ~~والشعير والقصب ولحوم الخنازير والضباع وغيرها من الوحوش فأنزلوهم وضيوفهم ~~ثلاثة أيام ثم خرج بطريق أسوان ومعه جيش حتى وصلوا إلى ملك قفط صاحب القرية ~~القريبة من قوص وعمل معهم مثل ذلك وسير معهم جيشا وساروا حتى وصلوا إلى ~~أنصنا وكان بها بطريق عظيم وبطل جسيم وكان منجما وكان يحكم شرقا وغربا ~~وكانت مدينته عظيمة على شاطىء البحر وبها جند كثير وعجائب عظيمة ولها حصن ~~عظيم من الحجر علوه ثلاثون ذراعا ومن داخلها قصور ومقاصير وكنائس وقلاع على ~~أعمدة الرخام وغيرها في المدينة فلما نزلت تلك العساكر على أنصنا خرج إليهم ~~بطريقها جرجيس بن قابوس وتلقاهم وأرسل معهم ابن عم له يسمى قيطارس وكان ~~فارسا شديدا في أربعة آلاف فارس ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا بواد البهنسا ~~عند بطريق يسمى قلوصا من بطارقة البطليوس فلما سمع بهم البطليوس خرج إلى ~~لقائهم في عسكر عظيم زهاء من خمسين الف فارس من البطارقة وعليهم الدروع ~~المذهبة وأقبية الديباج المرقومة بالذهب الوهاج وعلى رؤوسهم التيجان ~~المكللة بالآليء والجواهر راكبين على خيول وبراذين مسرجة عليها سروج الذهب ~~والجنائب مغطاة بأغشية من الحرير الملون المرقوم بالذهب والفضة والخز وكان ~~معهم خمسون صليبا طول كل صليب أربعة أشبار من الذهب تحت كل صليب ألف فارس ~~على كل صليب رمانة من الذهب المنقوش وهم في زي عظيم عجيب وقد أكثروا من ~~الطبول والزمور وضرب القرون والمعازف حتى ارتجت الأرض ومعهم الجمال والبغال ~~والجاموس فلما التقوا ترجلت الملوك والبطارقة للقائهم وسلم بعضهم على بعض ~~وتكلموا فيما بينهم بسبب العرب فقال لهم البطليوس لا تطعموا العرب فيكم ولا ~~في بلادكم فإنما مثل العرب 2 كمثل الذباب ان تركته أكل وان منعته فر وهلك ~~فاثبتوا واصدقوا العزم فلقد كاتبت لكم سنجاريب ملك برقة وكاتبت ملك ms723 ألواح ~~وكأنكم بهم قد أتوا إليكم ولولا أنني أخشى ان العرب يأتون إلى بلادي لما ~~يسمعون اني خرجت إليهم فيشتغل جماعة بقتالكم وجماعة يأتون إلى بلادي ~~فيملكونها وليس فيها من يذب عنها إذا خرجت معكم لكنت في خدمتكم فانا نجد في ~~PageV02P228 # الكتب القديمة أنهم إذا ملكوا البهنسا ونواحيها فلا تقوم لأهل الصعيد ~~قائمة قال كرماس الرومي وكان ممن أسلم بعد ذلك وحضر وحدث به يا معاشر ~~الملوك والبطارقة اني قد اطلعت على الكتب القديمة وفيها انهم ان ملكوا ~~البهنسا ونواحيها فلا تقوم لأهل الصعيد بعد ذلك قائمة قال فلما سمع الملوك ~~ذلك صقعوا له ثم انتدب من بطارقته عشرين ألفا ممن عرفت شجاعتهم وبراعتهم ~~وملك عليهم صاحب الكفور وكان كافرا طاغيا وكان اسمه بولص وكان لعينا ودفع ~~له صليبا من الذهب وعلما من الحرير الأطلس الأصفر مرقوما بالذهب فيه صورة ~~الشمس ودفع لهم ما يحتاجون له من الجنائب والقباب والسرادقات ومضارب ~~الديباج الملون وأواني الذهب والفضة والصناديق المملوءة بالذهب والفضة ~~والبراذين والبغال وعليها أحمال الحرير الملون وبعضها محمل بالأواني ~~المذكورة والخيام والسرادقات وسارت العساكر وتتابعت الملوك بالمواكب يتلو ~~بعضها بعضا حتى قربوا من مدينة ببا الكبرى فخرج إليهم بطريقا صندراس ~~وتلقاهم وفعل معهم كما فعل البطليموس وأضافهم وجهز معهم جيشا عشرة آلاف ~~فارس من صناديد بطارقته وولي عليهم بطريقا اسمه دارديس وكان يناظر بطريق ~~الكفور في الشجاعة والقوة والبراعة وساروا حتى قربوا من مدينة برنشت فخرج ~~إليهم بطريقها فتلقاهم وكان يناظر البطريق الأعظم رأس بطارقة الكوة ولم ~~يزالوا سائرين حتى ملؤوا الأرض شرقا وغربا هذا ما جرى لهؤلاء قال الراوي ~~وأما ما كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لما نزلوا قريبا من ~~دهشور كما ذكرنا وكانت العيون من المسلمين من بني طي ومذحج ينزلون ويتزيون ~~بزي العرب المتنصرة يتجسسون الاخبار حتى اختلطوا بالعساكر المذكورة وكانوا ~~حذاقا متفرسين فلما رأوا ذلك هالهم أمره قال الراوي حدثني سنان بن قيس ~~الربعي عن طارق بن مكسوح الفزاري عن زيد بن ms724 غانم الثعلبي وكان ممن حضر ~~الفتوح وشهد الوقعة صحبة جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه قال بينما نحن ~~جلوس نصلح شأننا بالمرج ونحن على أهبة السفر إذ قدمت الجواسيس فأخبروا ~~خالدا بقدوم العساكر فقال لهم هل حزرتم الجيوش فقالوا نعم نحو مائتي ألف ~~فارس وخمسين الف راجل من النوبة والبربر والبجاوة والفلاحين وغيرهم هم في ~~أهبة عظيمة ومعهم الف وثلاثمائة فيل وعلى ظهورها الرجال كما وقع في يوم حرب ~~العراق فلما سمع الامراء ذلك اضطربوا وثبتوا جنانهم وقالوا قل لن يصيبنا ~~الا ما كتب الله لنا وقال خالد لا حول ولا قوة الا PageV02P229 # بالله العلي العظيم ثم قرأ * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) * ثم قرأ كم من فئة ~~قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ثم إن خالد قال لأصحابه ~~ولا تهتموا لذلك واصبروا وأنتم الأعلون والله معكم فليست جموعهم بأكثر من ~~جموع اليرموك ولا من جموع أجنادين ومع ذلك فقد ملكتم مصرهم التي هي تاج ~~عزهم وملكتم الوجه البحري وقتلتم مائة من ملوكهم وبطارقتهم وقد صارت الشام ~~واليمن والعراق والحجاز بأيديكم وقد دانت لكم البلاد وقد كنتم قليلا فكثركم ~~الله وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها وقاتلتم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونصرتم بالملائكة ووعدكم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~أنه يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم ومن قتل منكم كان له ~~الجنة وتنتقل روحه إلى روح وريحان ورب غير غضبان فلما سمعوا كلامه تهللت ~~وجوههم فرحا وقالوا يا خالد نحن كلنا بين يديك وقد وهبنا أنفسنا لله ابتغاء ~~وجه الله ومرضاته قال الواقدي ثم إن خالدا وجه يزيد بن معرج التنوخي إلى ~~عمرو بن العاص مسرعا وأعلمه بذلك فترك في مصر ابن عمه خارجة وكان رجلا ~~صالحا وأخرج معه أربعة آلاف فارس وترك في مصر نحو أربعين فارسا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه ms725 وسلم وجاء إليهم أربعة آلاف فارس فلما أقبلوا ~~سلموا عليه وقالوا كنا نحن نكفيك أيها الأمير فقال لهم اعلم ذلك ولكنكم في ~~أول بلاد العدو وما ينبغي أن أقعد عنكم ففرحوا بذلك وتأهبوا للقاء العدو ~~وكانوا كل يوم يخرجون الطلائع يتجسسون الاخبار فلما كان في بعض الأيام خرج ~~الفضل ابن العباس بن عبد المطلب وأخوه عبد الله بن العباس وجعفر بن عقيل ~~وأخواه علي ومسلم وعبد الله بن الزبير وسليمان بن خالد بن الوليد ومحمد بن ~~فرحة بن عبد الله وعبد الله بن المقداد وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد ~~الله بن عمرو بن العاص وعمر بن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الرحمن ~~بن أبي بكر الصديق وزياد بن المغيرة بن شعبة وتبعهم من السادات نحو ~~أربعمائة سيد من أولاد الصحابة والامراء أصحاب الرايات وألف وستمائة من ~~أخلاط العرب من المهاجرين والأنصار ولبسوا دروعهم وتقلدوا بسيوفهم واعتقلوا ~~برماحهم وتنكبوا بحجفهم وساروا إلى قريب من دير هناك بسفح الحبل يعرف بدير ~~المسيح يكشفون الاخبار فبينما هم كذلك إذا بغبار طلع إلى عنان السماء ~~وانعقد فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا هذا غبار وحش وقال بعضهم لو كان كذلك ~~لكان تقطع قطعا وتفرق فرقا وانما هذا عسكر جرار وان الخيل إذا داست ~~بحوافرها PageV02P230 # ارتفع الغبار قال الواقدي حدثنا أبو الزناد عن عبد الله عن أبي مالك ~~الخولاني عن طارق بن شهاب الجرهمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بينما نحن ~~نتحدث مع الفضل وإذا بالغبار قد قرب منا وانكشف عن عشرة آلاف فارس ومعهم ~~الأعلام والصلبان فلما رأونا رطنوا بلغتهم ثم لم يمهلوا دون أن حملوا قال ~~الراوي وكان ضرار بن الأزور قد انفرد ومعه مائتان من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أهل النجدة وساروا في طريق الجبل على غير الجادة فبينما ~~هم يسيرون إذا بالغبار قد ثار وانكشف عمن ذكرنا فلما عاينوهم أيقنوا ~~بالهلاك فعندها وثب ضرار رضي الله عنه وقال لا فرار من ms726 الموت فلم يمهلوهم ~~دون أن داروا عليهم فرأوا أن لا بد لهم من القتال والتقت الرجال بالرجال ~~وصبروا صبر الكرام وأحاطت بهم الروم اللئام من كل جانب ومكان فلله در ضرار ~~لقد قاتل قتالا شديدا فلم يكن غير ساعة حتى قتل من جماعة ضرار جماعة وكبابه ~~جواده فأسروه وأسروا جماعة من أصحابه وكان الذي قاتلهم راس البطارقة صاحب ~~ببا الكبرى فأوثقوا ضرارا وأصحابه كتافا وربطوهم على ظهور خيولهم وأرسلوهم ~~إلى العسكر وانفلت من القوم مولى من موالي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~يقال له سالم فسار يجد في مسيره حتى قدم على خالد وعمرو فعند ذلك وثب ~~المسيب بن نجيبة الفزاري ورافع بن عميرة الطائي وأخذا معهما ألفا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار ومعهما رجل من أسلم من الجيزة يدلهم على ~~طريق غير الجادة وكمنوا هناك عند الدير وقد سبقوا البطريق الذي أسر ضرار ~~وأصحابه وقد أختفى عنهم الأثر فقال الدليل أظنكم قد سبقتم القوم اكمنوا ~~ههنا وكان الذي مضى بضرار وأصحابه خمسمائة فارس قال الراوي وكانت خولة بنت ~~الأزور قد شق عليها أسر أخيها ضرار فلما سار المسيب ورافع وجماعتهما في طلب ~~أخيها تهللت فرحا وأسرعت في لبس سلاحها وأتت إلى خالد وقد هم القوم بالمسير ~~وقالت أيها الأمير سألتك بالطاهر المطهر الا ما سيرتني مع هؤلاء عسى أن ~~أكون مشاهدة لهم فقال خالد للمسيب ورافع أنتما تعلمان شجاعتها وبراعتها ~~فخذاها معكما فقالا السمع والطاعة ونزلوا بالمكان المذكور فبينما هم كذلك ~~كامنون إذا بغبرة قد لاحت لهم فقال لهم رافع أيقظوا خواطركم فأيقظت ~~PageV02P231 # القوم هممهم فإذا بهم قد أتوا محدقين بضرار وهو متألم من كتافه وهو ينشد ~~ويقول * ألا بلغا قومي وخولة أنني * أسير رهين موثق اليد بالقيد * وحولي ~~علوج الروم من كل كافر * وأصبحت معهم لا أعيد ولا أبدي * فلو أنني فوق ~~المحجل راكبا * وقائم حد الغضب قد ملكت يدي * لأذللت جمع الروم اذلال نقمة ~~* وأسقيتهم وسط الوغى أعظم الكد * فيا قلب مت ms727 هما وحزنا وحسرة * ويا دمع ~~عيني كن معينا على خدي * فلو أن أقوامي وخولة عندنا وألزم ما كنا عليه من ~~العهد * كبابي جوادي فانتبذت على الوغى * وأصبحت بالمقدور ولم أبلغن قصدي * ~~قال الراوي فنادته خولة من مكمنها قد أجاب الله دعاك وقبل تضرعك ونجواك أنا ~~خولة ثم كبرت وحملت وكبر رافع والمسيب قال جبير بن سالم وكنا إذا كبرنا ~~تصهل الخيل الهاما من الله تعالى فما كان أكثر من ساعة حتى قتلناهم عن ~~آخرهم وخلص الله ضرار وأصحابه وأخذنا خيل القوم وأسلابهم وسلاحهم وكانت أول ~~غنيمة قال الراوي ولما تخلص ضرار وأصحابه ركب جواده عريانا وأخذ قناة كانت ~~مطروحة وحمل على القوم وهو يقول * لك الحمد يا مولاي في كل ساعة * مفرج ~~أحزاني وهمي وكربتي * فقد نلت ما أرجوه من كل راحة * وجمعت شملي ثم أبرأت ~~علتي * سافني كلاب الروم في كل معرك * وذلك والرحمن أكبر همتي * فيا ويل ~~كلب الروم ان ظفرت يدي * به سوف أصليه الحسام بنقمتي * وأتركهم قتلى جميعا ~~على الثرى * كما رمة في الأرض من عظم ضربتي * قال الراوي فلما فرغ ضرار من ~~شعره إذا بالخيل قد أقبلت منهزمة وكان السبب في ذلك أنه لما حملت الروم على ~~الفضل بن عباس صاح هو وجرت الدماء واسودت السماء وحمى الوطيس وقل الأنيس ~~وهمهمت الابطال وقوي القتال وعظم النزال ودارت رحى الحرب واشتد الطعن ~~والضرب وجالت الرجال واشتد القتال وضربت الأعناق وسالت الأحداق وعظمت ~~الأمور وغابت البدور وكان المسلمون لا يظهرون فيهم لكثرتهم ولا يعرف بعضهم ~~بعضا الا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وقد صبر الفضل صبر ~~الكرام فلله در الفضل لقد اصطلى الحرب بنفسه فكان تارة يقلب الميمنة على ~~الميسرة وتارة يقلب الميسرة على PageV02P232 # الميمنة ويقاتل والراية بيده ولله در مسلم بن عقيل وأخويه لقد قاتلوا حتى ~~صارت الدماء على دروعهم كقطع أكباد الإبل ولله در أبا سليمان بن خالد بن ~~الوليد المقتول بوقعة الدير قريبا من طرا بقرية تسمى دهروط وقتل معه عبد ~~الله بن ms728 المقداد وجماعة وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى قال محمد بن ~~مسلمة الأنصاري رضي الله عنه وقاتلنا قتال الموت وأيقنا ان المحشر من ذلك ~~الموضع ولم نزل في قتال من ارتفاع الشمس حتى غربت وقد قتل من الروم مقتلة ~~عظيمة وتقدم الفضل إلى بطريق عظيم راكب كأنه برج من ذهب وطعنه في صدره ~~فأخرج السنان من ظهره فلما رأت الروم ذلك شجعوا أنفسهم وفشا القتال بيننا ~~وبينهم وقتل من المسلمين أربعون رجلا وقتل منهم ثلاثمائة لكن الرجل ما قتل ~~منا حتى قتل جماعة من الروم فبينما نحن كذلك وقد أيقنا أن الموت في ذلك ~~الموقف ووطنا عليه نفوسنا وإذا بغبرة قد طلعت والعجاج قد ارتفع وانقشع ~~الغبار عن رايات اسلامية وعصابة محمدية زهاء من ألفي فارس وفي أوائلهم ~~فرسان أمجاد سادات أنجاد أحدهم المقداد والثاني زياد والقعقاع بن عمرو ~~وشرحبيل بن حسنة ومعهم ألف فارس فلم يمهل المقداد دون أن حمل وخاض في الخيل ~~وهو ينشد ويقول * ألا انني المقداد أكبر صائل * وسيفي على الأعداء أطول ~~طائل * إذا اشتدت الأهوال كنت أمامها * وأضرب بالسمر الطوال الذوابل * ولي ~~همة بين الورى تردع العدا * لها تشهد الابطال بين القبائل * فليس لسيفي في ~~الأنام مبارز * وليس لشخصي في الأنام منازل * ثم إنه خاض في وسط الحرب وحمل ~~من بعده زياد بن أبي سفيان وهو ينشد ويقول * أنا زياد بن أبي سفيان * جدي ~~يرى من أشرف العربان * كذا ابن عمي أحمد العدناني * معي حسام ثم رمح ثاني * ~~أطعن كل كافر جبان * وكل قلب ناقص الايمان * قال الراوي ثم غاص في وسط ~~القوم فقلب الميمنة على الميسرة والميسرة على الميمنة وغاص في القلب فولت ~~الروم من بين يديه منهزمين وهو يضرب السيف فيهم طولا وعرضا ثم حمل من بعده ~~القعقاع بن عمرو التميمي وهو ينشد ويقول * أنا الهمام الفارس القعقاع * ليث ~~همام ضيغم مطاع * معي حسام يبرئ الأوجاع * ويقطع الهامات والأضلاع * يا ويل ~~أهل الشرك والنزاع * مني إذا في الحرب طال الباع * PageV02P233 # قال ثم ms729 حمل من بعده شرحبيل بن حسنة وهو يقول * ألا يا عصبة الاسلام صولوا ~~* على الأعداء بالسيف الصقيل * اذيقوهم حياض الموت جهرا * بلذع السمهري ~~الرمح الطويل * وموتوا في الوغى قوما كراما * شدادا في المعامع والنزول * ~~قال الراوي ثم تتابعت الفرسان يتلو بعضها بعضا هذا وزياد غائص في القوم كما ~~ذكرنا وقصد البطريق الأعظم صاحب ببا الكبرى وضربه على عتاتقه الأيمن بالسيف ~~فاطلع السيف يلمع من عاتقه الأيسر وقد أجابته المسلمون بتكبيرة واحدة وكبرت ~~الجبال وارتجت الأرض لوقع حوافر الخيل وحمل كل أمير على بطريق فقتله فلم ~~تكن الا ساعة حتى ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار لا يلوي بعضهم على بعض ~~وتبعهم المسمون يقتلون ويأسرون حتى بلغت الهزيمة جرزة وميدوم فبينما ضرار ~~وأصحابه مقبلون وإذا بالروم منهزمة كما ذكرنا وخيل المسلمين في أثرهم ~~يقتلون ويأسرون ولم يعلموا ما جرى لضرار ورفقته فلما رأوه سلموا عليه ~~وهنئوه وأصحابه بالسلامة فقص عليهم ما جرى لهم واجتمعوا بالمسيب وأصحابه ~~وأروهم مكان المعركة ومكان القتلى ففرحوا بذلك فرحا شديدا قال الراوي وان ~~عمرا وخالدا لما خرج الفضل وأصحابه قلق عليهم فقال خالد لعمرو يا أبا عبد ~~الله لقد غرر الفضل وأصحابه بمن معه من المسلمين واني أخضى أن تكون للروم ~~طليعة فيغيروا على أصحابنا قال عمرو كذلك هجس بخاطري يا أبا أبا سليمان فما ~~ترى من الرأي قال خالد الرأي عندي أن أرسل طليعة أخرى خلفهم قال نعم الرأي ~~ثم استدعى بالزبير بن العوام وأبي ذو الغفاري رضي الله عنهم وأعلمهما بذلك ~~وأراد خالد أن يركب معهما فمنعه الزبير وحلف لا يسير الا هو وانتخب معه ~~فرسانا فساروا حتى قربوا من القوم والتقوا بالمسلمين فوجدوهم قد كسروا ~~الروم كما ذكرنا ثم جمع المسلمون الأسلاب والسلاح والخيل ورجعوا إلى ~~أصحابهم وهم فرحون بالنصر على أعدائهم قال الراوي فلما رجع المسلمون إلى ~~العسكر وكان معهم ستمائة أسير أعلن المسلمون بالتهليل والتكبير والصلاة على ~~البشير النذير فأجابهم المسلمون كذلك ولما عاينوا الاسلاب والأسارى معهم ~~فرحوا بذلك وسلم بعضهم على ms730 بعض وتلقاهم عمرو وخالد وباقي الأمراء تفاءلوا ~~بالنصر وقدموا الأسارى وعرضوهم على عمرو وخالد وأوقدوا النيران بالمرج ~~وباتوا يقرءون القرآن ويتضرعون إلى الله الواحد المنان وليس فيهم الا من هو ~~راكع أو ساجد PageV02P234 # قال الراوي هذا ما جرى لهؤلاء وأما المنهزومون فإنهم مضوا إلى البطارقة ~~والملوك وأخبروهم بما وقع من أمرهم فعظم عليهم من قتل واستعدوا للقتال ~~وركبوا خيولهم وابلهم وافيالهم وتزينوا بزينتهم وساروا يجدون المسير وقد ~~أكثروا الطبول والزمور والصنوج قال قيس بن الحرث وأقام المسلمون بعد الوقعة ~~يوما فبينما نحن في اليوم الثاني بعد صلاة الصبح وكان الاجاويد من الامراء ~~والابطال في كل يوم يركبون ويستنشقون الاخبار فبينما هم ينتظرون إذ ثار ~~الغبار حتى تعلق بالجو وانكشف عن رجال وخيول كالجراد المنتشر والسيل ~~المنحدر وارتجت الأرض من ازدحام الخيل وقعقعة اللجم فرجعوا وأعلموا صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاح الصائح في العسكر النفير النفير يا خيل ~~الله اركبي في الجنة ارغبي والثواب اطلبي فتواثب المسلمون إلى قدومهم ~~ولبسوا دروعهم والى خيولهم فركبوها والى راياتهم فنشروها والى زينتهم ~~فأظهروها والى قلوبهم من الغش فطهروها ونفوسهم لله باعوها فلم تكن الا ساعة ~~حتى استعدوا وأقام خالد وعمرو يعبيان قومهما للقتال فجعلا في القلب أصحاب ~~الطعن والضرب مثل الفضل بن العباس وبني عمه من سادات بني هاشم وهم جعفر ~~ومسلم وعلى أولاد عقيل بن أبي طالب وزياد بن أبي سفيان بن الحرث ومثل هؤلاء ~~الابطال وجعل في الجناح الأيمن الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود الكندي ~~والمسيب بن نجيبة الفزاري وجعل في الجناح الأيسر القعقاع بن عمرو التميمي ~~وهاشم بن المرقال وغانم بن عياض الأشعري وأبا ذر الغفاري وجابر بن عبد الله ~~الأنصاري ومثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم وثبت خالد وعمرو في القلب ~~ومعهما عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعقبة بن ~~عامر الجهني وبقية الصحابة من الامراء أصحاب الرايات ممن شهد الوقائع مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عبد ms731 الله ابن زيد عن أبي امامة رضي الله ~~عنه وكان من أصحاب الرايات قال فبينما نحن كذلك إذا باعلام المشركين قد ~~انتشرت وراياتهم قد ظهرت وزينتهم وصلبانهم قد ارتفعت ولغتهم بالكفر قد ~~طمطمت وأفيالهم قد أقبلت ورجالهم للقتال قد تبادرت فلما رأى المسلمون ذلك ~~أخلصوا نياتهم ولم يهلهم ما رأوا من عدوهم وتضرعوا بالدعاء لخالقهم وقد ~~استغاثوا بمالكهم وأكثروا من الصلاة على نبيهم ولم يزالوا سائرين حتى قربوا ~~من القوم ورأوهم رأي العين فعند ذلك أمسك المشركون أعنة خيولهم وسلاسل ~~أفيالهم وألقى الله الرعب في قلوبهم ثم خرج منهم بطريق من عظماء بطارقتهم ~~كأنه برج مشيد من ذهب وهو لا يبين منه غير حماليق الحدق وتدوير المآق وبين ~~يديه فارس من PageV02P235 # متنصرة العرب وهو يصيح بملء فيه يا معاشر العرب ارسلوا إلى الملك أحدا ~~يكلمه فاعلم المسلمون عمرا وخالد بن الوليد بذلك فأراد خالد أن يخرج اليه ~~فمنعه الامراء من ذلك فعندها وثب المقداد بن الأسود وحلف لا يخرج اليه الا ~~هو بنفسه فقال عمرو وخالد يا أبا عبد الله انظر ما يكلمك به الاعلاج وادعهم ~~إلى كلمة الاخلاص المنجية يوم القصاص فان أبوا فالجزية عن يد وهم صاغرون ~~فان أبوا قاتلناهم * (حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين) * قال الواقدي ~~فعندها ركب المقداد جواده وسار حتى وقف بين يدي البطريق وكان ذلك بولص 2 ~~صاحب الكفور الطاغي اللعين بطريق البطليوس وقد أتى باذن الملك والبطارقة ~~فلما رآه كلمه بلسان عربي مبين ثم قال يا بدوي أأنت أمير قومك قال لا قال ~~فاني لا أريد الا الأمير حتى أسأله عما بدا لي لعل أن تكون فيه مصلحة بينكم ~~وبيننا فقال المقداد سل عما بدا لك وما تريد فانا قوم إذا فعل أحدنا أمرا ~~وفيه نصح للدين ومصلحة للمسلمين لا ينكر عليه ذلك ويجيز له الأمير ما فعل ~~فأخبرني عن أمرك وشأنك قال لا يكلمني الا أمير القوم وان كان عنده خوف مني ~~ألقيت سلاحي فقال المقداد وقد ضحك من كلامه ويحك ms732 يا عدو الله لو كنت أنت ~~وأمثالك باسلحتهم ما فكرنا فيهم وان الواحد منا لو وقع في ألف منكم لتلقاهم ~~بنفسه ولا أهمه ذلك والمعونة من الله تعالى فانا وطنا أنفسنا على الموت ~~ونعلم أن هذه الدنيا فانية ولا يبقى الا وجه الله تعالى فاسألني عما بدا لك ~~فقال له لا اسمع الا كلام الأمير فدع عنك كثرة المطاولة قال المقداد ان لنا ~~أميرين أحدهما متولي الامر والآخر قائد الجيوش فأي أمير تريد قال أخبرني ~~بأسمائهما قال أما الذي هو متولي الامر فيسمى عمرو بن العاص والآخر يسمى ~~خالد بن الوليد قال إني أريد خالدا سمعت عنه أمورا وأحوالا وان الروم تتحدث ~~عنه بعجائب كثيرة قال الواقدي وكان الملعون قد سمع بذكر خالد وفراسته وقال ~~في نفسه لعلي أغدره فاني ان قتلته كان لي الفخر على جميع الروم وينكسر بذلك ~~ناموس العرب وان لم أقدر عليه أسمع ما يقول من خطابه قال فعند ذلك لوى ~~المقداد عنان جواده ورجع إلى خالد فعند ذلك قال خالد لأصحابه ان المقداد قد ~~رجع وان عدو الله لا يريد الا إياي فان طلبني مضيت اليه وان رأيت منه غدرا ~~أخذت روحه من بين كتفيه وأستعين عليه بالملك العلام قال الراوي فبينما خالد ~~يتحدث بهذا الكلام إذا بالمقداد قد وصل وأعلم عمرا وخالدا بما وقع فعندها ~~خرج خالد رضي الله عنه مبادرا عليه لامة حربه فتعلق به أكابر أصحابه فحلف ~~انه لا بد له من الخروج اليه ثم خرج PageV02P236 # مبادرا حتى وقف بين يديه فلما رأى خالدا قد وصل اليه احترز على نفسه ~~وأراد أن يخدع خالدا ويهجم عليه فقال خالد أيها البطريق ها أنا خالد سل ~~حاجتك والذي جئت به وأياك والمخادعة فاني جرثومة الخداع فقال بولص يا خالد ~~اذكر في الذي تريد وقرب الأمر بيننا وبينكم واحقن دماء الناس واعلم أنك ~~مسؤول عن ذلك وواقف غدا بين يدي الله عز وجل فان كنت تريد شيئا من الدنيا ~~فلن نبخل به عليكم وندفعه صدقة ms733 منا إليكم لأنه ليس عندنا في الأمم أضعف ~~منكم حالا وقد علمنا أنكم كنتم في بلادكم قبل أن تفتحوا البلاد في قحط وجوع ~~وتموتون هزالا وقد ملكتم بلادا وشبعتم لحما وركبتم خيولا مسومة وتقلدتم ~~بسيوف مجوهرة وسعدتم بعد فقركم وفاقتكم فان طلبتم منا شيئا أعطيناكم إياه ~~بطيبة قلوبنا فلا تطمعوا في بلادنا كما طمعتم في غيرها واقنعوا منا بالقليل ~~قال فلما سمع مع خالد مقالته قال يا كلب النصرانية وأخس من غمس في ماء ~~المعمودية انه قد بعث الله الينا نبينا فهدانا من الضلالة وأنقذنا من ~~الجهالة واننا قد ملكنا الله بأيدينا ما أغنانا به عن صدقتكم وأحل لنا ~~أموالكم وأباح لنا نساءكم وأولادكم الا أن تقولوا لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله فان أبيتم ذلك فتؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون فان أبيتم ذلك ~~فالسيف حكم بيننا وبينكم حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين والله ينصر من ~~يشاء وان الحرب والقتال أحب الينا وأشهى من الصلح وان كنتم تزعمون أنه لم ~~تكن أمة أضعف منا عندكم فأنتم عندنا بمنزلة الكلاب فان الواحد منا يقاتل ~~منكم ألفا وان هذا ليس بخطاب من يطلب الصلح فإن كان هذا الطمع ترجو به أن ~~تصل إلي بانفرادي عن أصحابي فذلك منك بعيد وان أردت القتال فدونك فاني كفء ~~لك ولأصحابك إن شاء الله تعالى فلما سمع بولص كلام خالد وثب في سرجه وقال ~~ليس لك عندي الا هذا السيف ثم جرد سيفه ودنا من خالد رضي الله عنه وشابكه ~~وضرب بيده في درعه ومنطقته ووثب كل منهما على الآخر واستغاث الملعون ~~بأصحابه وقال لهم بادروا إلي فقد أمكنني الصليب من أمير العرب فابتدر اليه ~~البطارقة من كل جانب وخرج كردوس عظيم أكثر من مائتي فارس وجردوا السيوف ~~وأتوا إلى خالد رضي الله عنه فلما رآهم خالد مقبلين اليه وثب وثبة الأسد ~~وصاح بجواده وانتزع نفسه من البطريق بعد أن أحاطت به الروم وجاء كردوس ثان ~~وخالد يضرب فيهم يمينا وشمالا وعدو الله ms734 بولص يصيح ويقول يا ويلكم خذوه قبل ~~أن يفوتكم قال وكان ضرار والفضل بن العباس وعلي بن عقيل وعبد الله بن ~~المقداد وسليمان بن خالد رضي الله عنهم على كثيب قريب من الروم فلما رأوا ~~الروم PageV02P237 # والسيوف بأيديهم وقد أحاطوا بخالد ركضوا خيولهم وكان أول من ابتدر للحرب ~~ضرار بن الأزور رضي الله عنه وهو ينشد * عليك ربي في الأمور المتكل * اغفر ~~ذنوبي ان دنا مني الاجل * يا رب وفقني إلى خير العمل * وعني امح سيدي كل ~~الزلل * انا ضرار الفارس القرم البطل * باعي على الأعداء أضحى المنصل * ~~اقمع بسيفي الروم حتى يضمحل * مالي سواك في الأمور من أمل * قال الراوي ~~حدثنا رفاعة بن قيس قال حدثنا حامد بن عياض عن أبيه عن جده عن نافع بن ~~علقمة الربعي قال كنت في القلب في عسكر عمرو يوم وقعة الروم بمرج دهشور قال ~~بينما نحن ننظر إذ رأينا السيوف جذبت وأحاطت بخالد بن الوليد فخرجنا كردوسا ~~من أجاويد الرجال من طرف الميمنة وبادرناهم ولحقناهم وإذا قد سبق من ذكرنا ~~يعني ضرارا والجماعة المذكورين فكان أول من قدم على الروم ضرار وهو عريان ~~بسراويله قابضا على سيفه وهو يزأر كالأسد والقوم من ورائه متبعوه حتى وصلوا ~~وضرار أمامهم وهو واثب على جواده وثبة الأسد مسرعا وهو يهز السيف وهو زاحف ~~على بولص فارتعدت فرائصه وقال يا خالد دعني من هذا الشيطان واقتلني أنت ولا ~~تدعه يقتلني فاني أتشاءم من طلعته فقال هو قاتلك لا محالة هذا مبيد الأقران ~~هذا قاتل وردان وملك التركمان ومبيد عبدة الصلبان ومن يكفر بالرحمن فبينما ~~هم في المجاورة وإذا بضرار قد أقبل وهز سيفه وصرخ يا عدو الله لم تغن عنك ~~خديعتك شيئا ولا غدرك بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يضربه ~~بسيفه فصاح به خالد اصبر يا ضرار حتى آمرك بقتله ووصلت اليه أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكل يبادر إلى قتله فقال لهم خالد اصبروا قال ونظر ~~بولص لعنة ms735 الله إلى ما حل به وقد جذبه ضرار من قربوس سرجه واقتلعه وجلد به ~~الأرض فغشى عليه فأشار بأصبعه وقال الأمان يا خالد فقال له خالد يا كلب ~~النصرانية لا يعطى الأمان الا لأهل الأمان أنت رجل أردت أن تمكر والله خير ~~الماكرين فلما سمع ضرار ذلك لم يمهله دون أن ضربه بالسيف على عاتقه الأيمن ~~فاطلع السيف يلمع من عاتقه الأيسر فسقط عدو الله يخور في دمه وعجل الله ~~بروحه إلى النار وبئس القرار وتبادرت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووضعوا السيف فيهم فلما رأى الروم ما حل بهم حملوا بأجمعهم وتقدمت أصحاب ~~الفيلة وعلى ظهورها الرجال والتقى الجمعان واصطدم الفريقان واشتد القتال ~~وعظم النزال وصفت الصفوف وازدحمت الألوف وتلفت النفوس وقطعت الرؤوس وبطل ~~القيل والقال وقتلت الرجال وزمجرت الابطال واشتد القتال واتسع المجال وعظم ~~البلاء واسودت السماء وثار الغبار وقدحت حوافر PageV02P238 # الخيل الشرار وطمطمت السودان وكفروا بالرحمن وثار العجاج وزمجرت الاعلاج ~~وقاتلت أصحاب الفيلة قتالا شديدا وقد قسموهم أربع فرق فرقة مما يلي الميمنة ~~وفرقة مما يلي الميسرة وفرقة مما يلي القلب وفرقة مما يلي العسكر وتصايحت ~~النوبة والبجاوة والروم فلله در خالد بن الوليد لقد قاتل قتالا شديدا فكان ~~تارة في القلب وتارة في الميمنة وتارة في الميسرة وكذلك الأمير عمرو بن ~~العاص والزبير بن العوام والفضل بن العباس الهاشمي والقعقاع بن عمرو ~~التميمي وغانم بن عياض الأشعري رضي الله عنهم على الساقة مع النساء ~~والولدان والذراري والصبيان وانقطع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله ~~بن عمر بن الخطاب وهاشم بن المرقال إلى كردوس ينوف على ألف فارس من الروم ~~والسودان فغاصوا في أوساطهم وكان فيهم بطريق من بطارقة الكورة اسمه عرنان ~~بن ميخائيل فلما رأى ما حل به وبأصحابه بادر إلى الصليب ليقبله وينظر اليه ~~ثم رطن الروم بلغتهم وأحاطوا بأصحاب رسلول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا ~~أن يتمكنوا منهم فعندها وثب عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ms736 إلى ~~ذلك البطريق فحمل عليه وكان عليه ديباجة صفراء من فوق درعه وعلى رأسه بيضة ~~تلمع كأنها كوكب وفي وسطه منطقة من الجوهر فتعاركا مليا وتصادما سويا ثم إن ~~عبد الرحمن ضربه بالسيف في نحره فأطاح رأسه عن بدنه فلما رأى الروم ذلك ~~حملوا على عبد الرحمن وأصحابه بأجمعهم حملة واحدة وصبر لهم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكل منهم مشتغل بنفسه عن نصرة صاحبه وأيقنوا بالهلاك ~~وخرج عبد الرحمن وفي يده جرح هائل والدم يسيل عن درعه فتناول السيف بيده ~~اليسرى وجعل يقاتل بها وجرح هاشم بن المرقال أحد عشر جرحا في يده وفي وجهه ~~وهو يمسح الدم مرارا فأيقنوا بالهلاك وكان الفضل بن العباس وبنو عمه ممن ~~ذكرنا تارة في الميمنة وتارة في الميسرة وحملوا في اعراض القوم حتى وصلوا ~~الكردوس الذي فيه عبد الرحمن وعبد الله بن عمر وهاشم بن المرقال فوجدوا ~~الروم قد أحاطوا بعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعقروا جواده من تحته ~~وأصحابه يذبون عنه وعبد الله بن عمر تارة يمنع عنه بالسيف وتارة بالرمح ~~وجراحاته تتدفق دما وقد جرح عبد الله بن عمر في يده ست جراحات هائلة فلما ~~رأى الفضل ذلك بادر هو وأصحابه وكانوا عشرين فارسا وخرقوا الصفوف وضرب ~~فارسا ممن أحاط بعبد الرحمن على رأسه فقطع البيضة ونزل إلى أضراسه فانجدل ~~صريعا يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار فلما سقط عن جواده ابتدره عبد ~~الرحمن وركب الجواد وقاتلوا أولئك حتى دفعوهم عن أصحابهم وكانت PageV02P239 # جماعة من الأوس وهمدان مما يلي الجناح الأيسر فعطف عليهما كردوس من الروم ~~والسودان فأزالوهم عن أماكنهم وكشفوهم عن مراتبهم وفروا بين أيديهم فصاح ~~بهم أبو هريرة رضي الله عنه وابنه عبد الله ومالك ابن الأشتر يا قوم لا ~~تولوا فرارا من الموت أتريدون أن تكونوا عارا عند العرب فما عذركم غدا بين ~~يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أما سمعتم قول الله عز وجل فلا تولوهم ~~الادبار ومن يولهم يومئذ ms737 دبره الآية الله الله الجنة تحت ظلال السيوف ~~والموعد عند قبر المصطفى قال فلم يلتفتوا إليهم ولم يقبلوا كلامهم ووصلت ~~الهزيمة إلى غانم بن عياض الأشعري وأصحابه والنساء والصبيان فلما رأت ~~النساء ذلك صحن في وجوههم وفعلن كما فعلن يوم اليرموك وصرن يضربن وجه الخيل ~~بالأعمدة وقاتلت خولة بنت الأزور قتالا شديدا فلما رأى غانم ذلك وكان معه ~~قيس بن الحرث ورفاعة بن زهير المخزومي وخمسمائة فارس من أهل العدة والنجدة ~~صاح غانم النجدة يا أصحاب رسول الله فتواثبوا إليهم وحملوا عليهم حملة ~~واحدة بصدق نية وثبات فلما رأوا ذلك ولوا منهزمين قال الواقدي ولم يزل ~~السيف يعمل في الرجال من أول النهار إلى وقت العصر وأنزل الله النصر على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الافيال والرجال الذين على ~~ظهورها تضرب أصحاب رسول الله صلى بالنشاب فجاء مفرج بن عيينة الفزاري إلى ~~فيل مقدم على أربعمائة فيل فطعنه في احدى عينيه فاشتبك الرمح في عينه وما ~~قدر ان يجذبه فبرطع الفيل هاربا وألقى ما على ظهره من الرجال وداسهم برجليه ~~فقتلهم فتبعته الفيلة التي خلفه وألقت ما على ظهورها من الرجال ودراستهم ~~بأرجلها فصاح مفرج دونكم وخراطيمها ومشافرها فإنها مقاتلة فابتدر بنو فزارة ~~وبنو قراد وبنو عبس يضربون مشافر الفيلة حتى قتلوا منها مائة وستين فيلا ~~وقتلوا من على ظهورها من الرجال ولم يزل القوم في الكر والفر والقتال ~~الشديد حتى جاء الليل وحجز الفريقين ورجعت الروم والسودان إلى أماكنهم ~~وتفقد المسلمون من قتل منهم فإذا هم مائتان وأربعون رجلا ختم الله لهم ~~بالشهادة وتفقد المشركون قتلاهم فإذا هم خمسة آلاف من النوبة والبجاوة ~~والروم فبات المسلمون يتحارسون إلى الصباح ويقرؤون القرآن ويدفنون قتلاهم ~~فلما أصبح الصباح وقاموا إلى اصلاح شأنهم إذا بالروم والسودان قد أقبلوا ~~بعددهم وعديدهم وقد اظهروا زينتهم واصطفوا خمسة كل صف أربعون ألفا والمشاة ~~بين أيديهم خمسون ألفا قال قيس بن علقمة لقد دخلت الشام والعراق ورأيت جنود ~~كسرى والجرامقة واليرموك وأجنادين ووقعة ms738 مصر والقبط وفتح إسكندرية ودمياط ~~PageV02P240 # فلم أر مثل كسرتهم في مرج دهشور فلما رأيناهم وقد ركبوا ركب خالد وجعل ~~يتخلل الصفوف ويقول لهم انكم لستم ترون بمصر والصعيد جيوشا بعد هذا اليوم ~~مثل هؤلاء وان كسرتموهم فلا تقوم لهم قائمة أبدا فاصدقوا في الجهاد وعليكم ~~بالصبر وإياكم أن تولوا الادبار فتستوجبوا بذلك النار وألصقوا المناكب ولا ~~تحملوا حتى آمر بالحملة قال الراوي وان البطارقة لما رأوا أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد عولوا على ضربهم شجع بعضهم بعضا وقال لهم بطرس أخو ~~بولس المقتول اعلموا انكم ان انكسرتم لا تقوم لكم قائمة بعد هذا أبدا ~~ويملكون بلادكم ويقتلون رجالكم ويسبون حريمكم وعليكم بالصبر ولتكن جملتكم ~~واحدة ولا تتفرقوا وقدموا الفيلة أمامكم والرجالة خلف ظهوركم واستعينوا ~~بالصليب فهو ينصركم قال الراوي وأما عمرو وخالد فإنهما قالا نريد من يكشف ~~لنا عن القوم ويعود فوثب الفضل ابن العباس رضي الله عنه وقال أنا فسار حتى ~~قرب من القوم ورأى زيهم وأهبتهم ورأى شعاع البيض والبيارق والرايات كأجنحة ~~النسور فلما رآه القوم قالوا فارس قد طلع ولا شك انه طليعة فأيكم يبتدره ~~فابتدره ثلاثون فارسا فلما نظرهم ولى كأنه منهزم وركض قليلا حتى بعد ثم لوى ~~عنان الجواد نحوهم وطعن أول فارس والثاني والثالث فدخل رعبه في قلوبهم ~~فانهزموا وتبعهم وهو يصرع فارسا بعد فارس حتى صرع منهم عشرين فارسا فلما ~~قرب من الروم ولى راجعا إلى المسلمين وأعلمهم بذلك فقالوا له غررت بنفسك يا ~~بن عم رسول الله فقال ان القوم طلبوني وخفت أن يراني الله منهزما فجاهدت ~~باخلاص فنصرني الله عليهم واعلموا أنهم لنا غنيمة إن شاء الله تعالى قال ~~فأقبل عمرو وخالد يرتبان العساكر ميمنة وميسرة وجناحين كما تقدم في اليوم ~~الأول فجعل في الساقة زياد بن أبي سفيان بن الحرث في ألف فارس حول البنين ~~والبنات والأموال وكانت فيهم النساء الآتي تقدم ذكرهن في أجنادين واليرموك ~~وهن عفيرة بنت غفار وأم ابان بنت عتبة أخت هند وخولة ms739 بنت الأزور ومزروعة ~~بنت عملوق وسلمة بنت ذراع ولبنى بنت سوار وسلمى بنت النعمان وهند بنت عمرون ~~وزينب الأنصارية فهؤلاء من النساء اللاتي عرفن بالشجاعة فقال لهن خالد با ~~بنات العرب لقد فعلتن فعالا أرضيتن الله ورسوله والمسلمين بها وقد بقي لكن ~~ذكر يتحدث به جيلا بعد جيل وهذه أبواب الجنان قد فتحت لكن وأبواب النيران ~~قد فتحت لاعدائكن واني أحرضكن إذا جاءت الروم والسودان اليكن فقاتلن عن ~~أنفسكن كما قاتلتن في يوم أجنادين ويوم PageV02P241 # اليرموك فان رأيتن أحدا هاربا فدونكن وإياه بالعمد وأشرفن عليه بولده ~~وقلن له إلى أين تولي عن أهلك وولدك وحريمك وحرضن المسلمين على ذلك فقلن ~~أيها الأمير ما يفرحنا الا أن نموت أمامك يا أبا أبا سليمان لنضربن وجوه ~~الروم والسودان حتى لا يبقى لنا عذر قال فشكرهن على ذلك ثم عاد خالد إلى ~~الصفوف وجعل يدور بينها بجواده ويحرض الناس على القتال وهو يقول أيها الناس ~~انصروا الله ينصركم وقاتلوا من كفر وأحبسوا أنفسكم في سبيل الله وأصبروا ~~على قتال أعداء الله وقاتلوا عن حريمكم وأولادكم ولا تحملوا حتى آمركم ~~بالحملة ولتكن سهامكم تخرج من كبد قوس واحد فان السهام إذا خرجت جميعا لم ~~يخل أن يكون فيها سهم صائب واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون واعلموا أنكم لا تلقون بالوجه القبلي مثل هؤلاء اللئام فإنهم حماتهم ~~وبطارقتهم وملوكهم فقالوا سمعا وطاعة وأقبل خالد ووقف في القلب مع عمرو بن ~~العاص وعبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقيس بن هبيرة ورافع بن ~~عميرة الطائي والمسيب بن نجيبة الفزاري وذوي الكلاع الحميري وربيعة بن عباس ~~ومالك بن الأشتر والعباس ابن مرداس السلمي ونظائرهم من بقية الامراء ثم ~~زحفوا بسكينة ووقار فلما رأى الروم ذلك والسودان زحفوا وكانوا ملء الأرض ~~طولا وعرضا فلما التقى الفئتان وتراكم الجمعان وقد أظهر أعداء الله في ~~ذينهم الصلبان والاعلام ورفعوا أصواتهم بالكفر والبهتان فبينا الناس كذلك ~~إذ خرج راهب كبير عليه جبة سوداء وقلنسوة وزنار فنادى ms740 بلسان عربي أيكم أمير ~~القوم فيخاطبني ويخرج إلي فخرج اليه خالد فقال له أنت أمير القوم قال خالد ~~كذلك يزعمون ما دمت على طاعة الله وسنة رسوله فان أنا بدلت أو غيرت فلا ~~طاعة لي عليهم ولا امارة فقال القس اعلم انكم قد ملكتم بلادا وقدمتم إلى ~~بلاد ماجسر ملك من الملوك أن يتعرض لها ولا يدخلها وان ملوكا كثيرة أرادوها ~~فرجعوا خائبين وأفنوا أنفسهم عليها وان النصر لا يدوم لكم وان الملوك ~~أرسلوني إليكم فان سمحتم نجمع لكم مالا ونعطي لكل واحد منكم ثوبا وعمامة ~~ودينارا ولك أنت مائة ثوب ومائة عمامة ومائة دينار ولكل واحد حمل من البر ~~وحمل من الشعير ولك عشرة أحمال ولصاحبكم عمرو عشرة آلاف دينار ومثلها ثياب ~~ومثلها عمائم ومائة حمل بر ومائة حمل شعير وارحلوا عنا وأنتم موقرون أنفسكم ~~فإننا عدد الجراد ولا تظنونا كمن لاقيتم من الفرس والروم وأهل الشام والقبط ~~فان في هذا الجيش من النوبة والبجاوة والسودان والروم وكبار البطارقة ~~والأساقفه PageV02P242 # ونجمع عليكم ما لا طاقة لكم به من بلاد السودان والواحات وكأنكم بالنجدة ~~قد وردت علينا وان بقية الروم لم تأت إليكم وانما أرسلوا من يقاتل عنهم ~~فقال خالد والله ما نرجع عنكم الا بإحدى ثلاث خصال اما ان تدخلوا في ديننا ~~أو تؤدوا الجزية أو القتال وأما ما ذكرت انكم عدد الجراد فالله قد وعدنا ~~بالنصر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه وأما ما ذكرت ~~أنكم تعطوننا من الثياب والعمائم فعن قريب نلبس ثيابكم وعمائمكم ونملك ~~بلادكم جميعها كما ملكنا الشام ومصر والعراق واليمن والحجاز والروم فقال ~~الراهب أنا أرجع أخبر أصحابي بذلك فاني قد أتيت من قبل البطليوس صاحب مدينة ~~البهنسا وقد أرسلني إلى صاحب أهناس واتفق الملوك والبطارقة وأرسلوني إليكم ~~وأنا أرجع إليهم وأخبرهم بجوابك ثم إن القس لوى راجعا من حيث جاء فلما رجع ~~إليهم وأخبرهم بذلك كاتبوا ملوكهم على ذلك وأرسلوا جوابهم بالقتال فلما ~~وصلت الكتب تقدمت الروم والسودان وقدموا ms741 بين أيديهم الفيلة وأمامهم الرجالة ~~بالقسي والسيوف والدرق والمزاريق فصاح الفضل بن العباس ورفاعة بن زهير ~~المحاربي والقعقاع بن عمرو والتميمي وشرحبيل بن حسنة والمقداد ابن الأسود ~~الكندي ومعاذ بن جبل وقالوا معاشر المسلمين اعلموا أن الجنان قد فتحت ~~والملائكة قد أشرفت والحور تزينت وأشرفت من الجنان ثم قرأ ان الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ثم رتبوا الصفوف فتقدم خالد وقال ~~اقرنوا المواكب واثبتوا واعلموا ان هؤلاء أكثر منكم بعشرة أمثالكم وأزيد ~~فطاولوهم إلى وقت العصر فإنها ساعة النصر على الأعداء وإياكم ان تولوا ~~الادبار وازحفوا على بركة الله وعونه قال الراوي وتزاحمت السودان والبربر ~~والنوبة والبجاوة فلما تقارب الجمعان رمت أصحاب الفيلة نشابهم فكانت ~~كالجراد المنتشر فقتلوا رجالا وجرحوا أبطالا وخالد تارة يضرب بسيفه في ~~الميمنة وتارة في الميسرة وكان في أصحاب الفيلة من السودان والبربر سواكن ~~يسمونهم القواد شفاههم العليا مشقوقة وبها خزام من نحاس فإذا كان وقت الحرب ~~لا يخرجون القواد الا إذا حمى الحرب واشتد الطعن والضرب وكانوا سودا طوالا ~~طول كل واحد منهم عشرة أذرع فإذا أرادوا الحرب جعل في كل خزام سلسلة بطرفين ~~في كل طرف واحد من البربر فإذا وقع صلح بين الفريقين والا زحفوا بهم ~~وأطلقوا السلاسل ودفعوا لهم أعمدة من حديد طوالا فيضرب الواحد الفارس ~~والفرس فيقتلها بضربة ومنهم من يركب الفيلة ويقاتل على ظهورها فلما التقى ~~الجمعان خرجت تلك القواد وعلى أجسادهم جلود النمور PageV02P243 # وفوق أكتافهم مربوطة على صدورهم وفي أوساطهم مثل ذلك وهم عراة الأجساد ~~والرؤوس ليس عليهم غير ما ذكرنا وبأيديهم الأعمدة والرجال يقودونهم بتلك ~~السلاسل والجيوش ينظرون متى يؤمرون بالحملة فلما رأى المسلمون ذلك فمنهم من ~~ثبت ومنهم من جزع قال وبرز البطريق أخو بولص المقتول وهو راكب على جواد عال ~~وعليه لحاف من جلود الفيلة وقاتل قال الراوي حدثني خالد بن أسلم عن طريف بن ~~طارق وكان من الأزد قال لما فعل البطريق ذلك ولت الأزد من بين يديه منهزمين ~~وإذا بفارس ms742 قد أقبل يركض بجواده وهو عاري الجسد حتى قرب من القوم وأنشد ~~يقول * لقد ملكت يدي سنانا وصارما * أذل عداة السوء ان جئت قادما * وأتركهم ~~شبه الرخام إذا مشى * عليه شجاع لا يزال مصادما * والا كأغنام مضين بقفرة * ~~وأصبح مولاها عن السعي نائما * وقد ملك الليث الغضنفر جمعها * وأصبح فيها ~~بالمخالب حاطما * قال الراوي وصاح الفارس أنا ضرار بن الأزور أنا قاتل ملوك ~~الشام أنا ضرار دين الاسلام والمسلط على من يكفر بالرحمن أنا قاتل بولص ~~الكلب ذي الطغيان قال فلما سمع الروم كلامه عرفوه فتقهقروا إلى ورائهم فطمع ~~فيهم وحمل عليهم فقال بطرس من هذا البدوي الذي لم يزل عاري الجسد ويقاتل ~~بالسيف مرة وبالرمح مرة قالوا هذا ضرار ابن الأزور فتحير الملعون وقال هذا ~~قاتل أخي ولقد اشتهيت أن آخذ بثاره ثم عزم على الخروج اليه فسبقه بولص راس ~~بطارقة الكورة وقال أنا آخذ بثارك ثم حمل على ضرار فتجاولا طويلا وافتركا ~~مليا فما كان أكثر من ساعة حتى طعنه ضرار طعنة صادقة في صدره خرقت الدروع ~~وخرجت من ظهره فانجدل صريعا وعجل الله بروحه إلى النار فقال بطرس هذا جني ~~وليس للانسان أن يقاتل الجن ثم لبس لامة حربه وتعصب بعصابة من اللؤلؤ الرطب ~~ولبس فوق درعه مثل ذلك وخرج يطلب ضرارا فسبقه شذم ادرس أحد بطارقة الكورة ~~وحلف لا يخرج اليه وغيره وحمل على ضرار وقال دونك والقتال فلم يفهم ضرار ما ~~يقول ثم حمل عليه وأخرج صليبا من الذهب كان معلقا في عنقه فضحك ضرار عليه ~~وقال أنت تستعين بالصلبان وأنا استعين بالملك الديان ثم أرى كل منهما ما ~~أدهش الناس من الحرب فصاح خالد وبقية الامراء ما هذه الفترة يا ضرار والجنة ~~قد فتحت لك ولعدوك قد فتحت النار فاستيقظ ضرار وحمل على البطريق وصاحت ~~الروم بصاحبها وصاروا في حرب عظيم وحميت عليهم الشمس وثار الحرب حتى كل ~~منهما الساعدان PageV02P244 # وعرق تحتهما الجوادان فأشار البطريق إلى ضرار ان يترجل ويترجل البطريق ~~معه شفقة على ms743 الجوادين وإذا برأس بطارقة أهناس قد أخرج له جوادا مجللا ~~بالحرير ليركبه فلما نظر ضرار إلى ذلك صاح بجواده أثبت معي هذه الساعة والا ~~أشكوك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذرفت عين الجواد بالدموع وحمحم وجرى ~~أكثر من جريه المعتاد وتلقى ضرار البطريق وحمل عليه وطعنه بعقب الرمح ~~فأرداه وأخذ جواده وأراد قتله وإذا بكردوس خرج من الروم ومعهم الكلب الكبير ~~شاول أحد بطارقة الأشمونيين وأحاطوا بضرار وكان على رأس شاول تاج من الذهب ~~الأحمر فلما رأى الصحابة الكردوس الذي خرج على ضرار والتاج يلمع على رأسه ~~قالوا لخالد ما سبب قعودنا عن نصرة صاحبنا وقد أحاطت به الروم فعندها خرج ~~خالد رضي الله عنه في عشرة من خيار قومه وهم الفضل بن العباس بن عبد المطلب ~~وأخوه وعبد الله بن جعفر ومسلم وعلي أولاد عقيل وعبد الله بن عمر بن الخطاب ~~وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن ~~المقداد وقوموا الأسنة وأطلقوا الأعنة وصبر ضرار للروم حتى وصلت اليه ~~الامراء وقالوا أبشر يا ضرار فقد أتاك النصر والفرج وقد ذهب عنك الخوف ~~والجزع فلا تخف من الكفار واستعن بالله الواحد القهار فقال ضرار ما أقرب ~~الفرج من الله والتقت الرجال بالرجال وطلب خالد صاحب التاج والعصابة وضرار ~~مع خصمه فلما رأى شاول البطريق المسلمين قد أحدقوا به وما حل بجماعته اندهش ~~وارتعد هذا وضرار مع خصمه وقد أراد الهرب فألقى ضرار نفسه من على جواده ~~وتبعه حتى لحقه ثم رمى الرمح من يده وتواخذا بالمناكب وتصارعا وكان عدو ~~الله كأنه قطعة من جبل وضرار نحيف الجسم غير أن الله أعطاه حولا وقوة فلما ~~طال بينهما العراك ضرب ضرار بيده في بطن عدو الله فقلعه وجلد به الأرض فصاح ~~يستنجد بالبطارقة وتصارخت الروم والسودان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يمهله ضرار دون أن ركب عليه وهو يعج كالبعير فعندها أظهر ضرار ~~سيفه ومكنه من نحره فقتله فزعق زعقة ms744 سمعها العسكران فحملت الروم والسودان ~~هذا وضرار قد احتز رأسه وقام عن صدره وهو ملطخ بالدماء ثم كبر المسلمون ~~ودنا الفريقان بعضهم من بعض والتحمت الابطال وقوي القتال وعظم النزال وسال ~~العرق وازورت الحدق وعظمت الرزايا وأظلمت الدنيا ودارت رحى الحرب وقوي ~~الطعن والضرب وضاقت الصدور واشتدت الأمور وضاقت المذاهب وقطعت المناكب وما ~~كنت ترى الا دما فائرا وكفا طائرا وجوادا غائرا هذا وقد زحفت السودان ~~وأصحاب السلاسل ذوو الكفر PageV02P245 # والطغيان وضربوا بالاعمدة الحديد ويومهم يوم شديد وبانت الشجعان وفر ~~الجبان وبقي حيران وعمرو بن العاص يحرض الناس على القتال ويقول يا أيها ~~الناس ويا حملة القرآن اذكروا غرف الجنان فسر الناس بقوله ونشطوا وصارت ~~السودان يضربون الفارس مع الفرس بالعمد الحديد فيقتلونهما جميعا وكذلك ~~أصحاب الفيلة يرمون بالنشاب ويضربون بالحراب إلى أن جاء وقت العصر وقد قتل ~~من الفريقين خلق كثير وظفر خالد بخصمه شاول لعنه الله وضربه بالسنان في ~~صدره فخرج السنان يلمع من ظهره ووقع على الأرض يخور بدمه وعجل الله بروحه ~~إلى النار وبئس القرار قال ولما عظم القتال والبلاء قال رفاعة المحاربي وقد ~~انتخب من بني محارب ولبيد ومالك خمسمائة فارس وقصد الفيلة وقال يا وجوه ~~العرب دونكم وأعينها ودنا من الفيل الأبيض وهو قائدها وهي خمسمائة فيل ~~وتقدم اليه والسيف في يده وهو ينشد ويقول * يا لك من ذي جثة كبيرة * لقيت ~~كل شدة خطيرة * اليوم قد ضاقت بك الحظيرة * حتى ترى ملقى على الحفيرة * قال ~~ثم ضربه بالسيف فولى هاربا ثم برك وكان عليه عدة من السودان في قبة من ~~الأديم فلما سقط الفيل إلى الأرض قام علج عن ظهره وفي يده عمود فضرب به ~~رفاعة فزاغ عنه وضربه رفاعة على عاتقه الأيمن فاطلع السيف يلمع من عاتقه ~~الأيسر فسقط عدو الله يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار فتلاحقت العرب ~~باعجاز الفيلة وصاروا يطعنون الفيلة في أعينها كما ذكرنا فولوا منهزمين قال ~~وقصد خالد والمقداد وأجواد الامراء القواد الذين تقدم ذكرهم ms745 وطلبوا من الله ~~النصر والثبات وصاروا يأتونهم وهم فارس عن اليمين وفارس عن اليسار فيقتلون ~~مساك السلاسل ثم يمسكون أطراف السلاسل ويطلقون الأعنة فينقاد معهم كالبعير ~~الشارد فيأخذون العمود من يده ويقتلونه شر قتلة ولم يزل القوم في قتال ~~ونزال وأهوال حتى جاء الليل وحجز بين الفريقين وقد قتل من الفريقين خلق ~~كثير فأما المسلمون فقد قتلوا منهم أثني عشر ألفا من الملوك والبطارقة خمسة ~~عشر بطريقا وملكا من السودان وغيرها وبات المسلمون يتحارسون إلى الصباح قال ~~الراوي وكان قد أثخن بالجراح جماعة من المسلمين في ذلك النهار وكان ~~المسلمون طائفة يدفنون القتلى وطائفة يداوون الجرحى وطائفة يقرءون القرآن ~~وطائفة يصلون وطائفة نيام من كثرة ما لحقهم من التعب وخالد بن الوليد ~~والزبير بن العوام والمقداد ابن الأسود وعبد الرحمن PageV02P246 # بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه يدورون حول العسكر إلى الصباح فلما لاح ~~الفجر أذن المؤذنون وصلى عمرو بن العاص بالناس الصبح بسورة الفتح ثم دعوا ~~الله عز وجل أن يرزقهم النصر ثم تبادروا إلى خيولهم فركبوها ورتبوا صفوفهم ~~كما ذكرنا فيما تقدم بالأمس فلما فرغ المسلمون من تعبية الصفوف أقبل ~~الامراء يحرضون الناس على القتال وقد جعلوا على الساقة رافع بن عميرة ~~الطائي والحرث بن قيس ورفاعة بن زهير في خمسمائة فارس قال الراوي قال عبادة ~~بن رافع حدثنا سالم بن مالك عن عبد الله بن هلال وكان في خيل رافع قال لما ~~رتبت الصفوف والتقى الجمعان وكثر القتال وكل واحد اشتغل بنفسه ونحن نذب عن ~~النساء والصبيان والنساء اللاتي تقدم ذكرهن يقاتلن أشد القتال إذ جاءنا ~~كردوس عظيم من البطارقة والسودان والبجاوة ومعهم زهاء من ستمائة فيل ~~وغافلونا ونحن مشغولون بالقتال واقتطعوا قطعة كبيرة من الإبل والرجال ~~والنساء والصبيان زهاء من ألف بعير ومائتي امرأة وغير ذلك وكان في ذلك زائد ~~بن رابح البكري وعباد بن عاصم الغنوي ومعهما مائتا فارس فقاتلوا قتال الموت ~~حتى أثخنوا بالجراح وقاتلت النساء بالاعمدة والخناجر فلله در عفيرة بنت ~~غفار وسلمى ms746 بنت زاهر ونظائرهما من النساء لقد قاتلن حتى ضربن بالسيف على ~~رؤوسهن وسالت الدماء على وجوههن وهن يقلن الله الله يا نساء العرب قاتلن عن ~~العسكر وعن أنفسكن والا صرتن بأيدي الاعلاج الغلف والسودان فقاتلن قتال ~~الموت وقتل من المسلمين خمسة عشر نفرا ختم الله لهم بالشهادة وساقوا النساء ~~والصبيان فرجع فارس إلى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأعلمهما بذلك وهم ~~في أشد القتال فتصايحت المسلمون وخرج جماعة من الامراء من وسط المعركة وهم ~~الفضل بن العباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~وزياد بن أبي سفيان وعبد الله بن أبي طلحة وضرار بن الأزور وجماعة من ~~الامراء وتبعهم ستمائة فارس من العرب من صناديد القوم وأدركوهم عند أول ~~الجبل وهم يريدون جهة الفيوم فعند ذلك زعق ضرار والفضل بن العباس إلى أين ~~يا أعداء الله فتراجعت الروم والسودان عنهم واقتتلوا قتالا شديدا فابتدر ~~ضرار إلى مقدم السودان وطعنه في صدره فاطلع السنان يلمع من ظهره وكذلك ~~الفضل ابن العباس تقدم إلى بطريق عظيم وطعنه في لبته فأطلع السنان يلمع من ~~قفاه فانجدل يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار قال واستمروا يقاتلون ~~حتى قتلوا مقتلة عظيمة فلما عاينوا ذلك ألقوا ما بأيديهم من الغنيمة وولوا ~~وتواثب المسلمون وردوا السبي والحريم وردوا الأسارى وحلوهم وساعدتهم النساء ~~بالاعمدة والسيوف PageV02P247 # والخناجر فكانت النساء يضربن وجوه الخيل بالعمد فيكبو الجواد بصاحبه ~~فتتعلق المرأة بالفارس وتجذبه إلى الأرض فتجلد به الأرض ثم تضربه فتقتله ~~حتى قتلن جماعة من الروم والسودان والبجاوة وغيرهم فلما رأوا ذلك ولوا ~~منهزمين من بين أيديهم وتبعتهم المسلمون يقتلون ويأسرون حتى قتلوا منهم ~~مقتلة عظيمة وأسروا منهم نحو ستمائة أسير من الروم والسودان وزحفوا وقد ~~غنموا أسلابهم وخيولهم قال الواقدي هذا ما جرى لهؤلاء وأما العسكر فإنهم لم ~~يزالوا في قتال شديد وأمر عتيد وضرب وطعان وقتل رجال وجندلة أبطال وفرسان ~~وقد قامت الحرب على قدم وساق وضربت الأعناق وصالت الشجعان وولى ms747 الخبان ~~حيران ودارت رحى الحرب واشتد الطعن والضرب وقطعت المعاصم وطارت الجماجم ~~وحامت طيور المنايا وعظمت الرزايا واشتد الزحام وعظم المرام وضاقت الصدور ~~وعظمت الأمور واشتد الغبار وقل الاصطبار وقاتلت الامراء بالرايات وبربرت ~~السودان بلغاتها ورفعت الروم أصواتها وضربت ببوقاتها وطعنت برماحها ورمت ~~بنشابها وحارت الافكار وعميت الابصار وثار الغبار وأظلم النهار وكان شعار ~~المسلمين يا نصر الله انزل وصبر المسلمون لهم صبر الكرام فلله در الزبير بن ~~العوام والمقداد بن االاسود والفضل بن العباس وعقبة ابن عامر والمسيب بن ~~نجيبة الفزاري ونظائرهم من الامراء فلقد قاتلوا قتالا شديدا وأبلوا بلاء ~~حسنا وصبروا صبر الكرام وأما عمرو وخالد والقعقاع بن عمرو وسعيد بن زيد ~~فلقد كانوا يقاتلون قتال الموت وزحفت الفيلة برجالها وقاتلت الروم بابطالها ~~والسودان بافيالها وقد كانت أصحاب الفيلة تعطف على خيل العرب ويرمون ~~بالنشاب فيخرج كالجراد المنتشر حتى قلعت أعين كثيرة في ذلك اليوم فما كنت ~~تسمع الا من يصيح وايداه والفيلة تحطم والسودان يرمون الابطال فعندها وثب ~~رفاعة بن زهير المحاربي وأتى إلى خالد وعمرو قال أيها الامراء ان دام هذا ~~الامر هكذا هلكنا عن آخرنا قالا فما الرأي يا أبا حازم قال الرأي أن نجمع ~~ثيابنا ونغمسها زيتا ودهنا ونجعلها على رؤوس الرماح ونجعل في أعلاها نارا ~~ثم نأمر رجالا يجمعون القيصوم وغيره ونجعله في غرائر على ظهور الجمال عريا ~~ونشغلهم بالقتال ثم تأتي الفرسان تمانعهم وتساق عليهم الجمال فإنها إذا ~~أحست النار حطمتهم فلا يصبرون على ذلك والمعونة من الله تعالى فاستصوبوا ~~رأيه وأعدوا رجالا لذلك وناوشوهم القتال فلم يكن الا ساعة حتى تهيأت ~~المكيدة وجمعوا من الفرسان الف فارس وصبغوا تلك الثياب بالدهن والزيت ~~وأطلقوا الينران برؤوس الأسنة وحملوا PageV02P248 # الغرائر بالقيصوم وغيره وأشعلوا فيه نارا ووضعوا الحراب في أجناب الإبل ~~فلما أحست بالحراب في أجسامها والنار في ظهورها فعندها حطمت الروم والسودان ~~فلما رأت الفيلة ذلك طارت عقولها وقطعت سلاسلها وداست قوادها ورمت ما على ~~ظهورها من الرجال وداستهم باخفافها ورجعت خيل الرم ms748 وبراذينها وهربت بغالها ~~وذابت قلوب رجالها وضربت الامراء في الأعداء بسيوفها وطعنت برماحها ورمت ~~بنشابها قال المسيب بن نجيبة ولقد رأينا طيورا أظلتنا في زي النسور وكان ~~الطائر يرفرف بجناحه على وجه الكافر ورأسه ثم يضع مخاليبه في عينيه فيرميه ~~إلى الأرض فلم تكن الا ساعة بعد صلاة العصر حتى ولت الروم الادبار وركنوا ~~إلى الفرار وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون حتى جاء الليل وأظلم النهار ~~ووصلت الهزيمة إلى القرية المعروفة بالدير والى اللاهون والى أهناس والى ~~ميدوم وتبعتهم المسلمون الليل كله إلى الصباح وقد تفرق شملهم وشرد جمعهم ~~وأسر منهم جماعة كثيرة نحو خمسة آلاف وقتل منهم ما لا يحصى قال رافع بن أزد ~~الجهني لما رجعنا إلى مكان المعركة وجدنا الأرض قد امتلأت من قتلى الروم ~~والسودان والبجاوة وغيرهم واختلط جماعة من قتلى المسلمين بهم ما عرفناهم من ~~الروم الا أن الروم كان بأيديهم صلبان والمسلمون ليس لهم ذلك فميزناهم منهم ~~بذلك وجمعنا جريد النخل والقصب ووضعنا على كل قتيل جريدة أو قصبة وذلك في ~~مكان المعركة ثم جمعناها وحصرناها فإذا الكفار تسعون ألفا وقتل في الجبال ~~والطرقات ما لا يحصى وتفقد المسلمون من قتل منهم فإذا هم خمسمائة وثلاثون ~~رجلا وجمعت المسلمون الغنائم والأموال ثم قسمت وأخرج عمرو منها الخمس وكتب ~~كتابا بالفتح وما جمعه من الخمس واستدعى بالأمير هاشم بن المرقال رضي الله ~~عنه وندب معه ثلاثين رجلا من خيار الجند وأمره بالمسير إلى المدينة وأقام ~~المسلمون بالمرج بعد الوقعة خمسة أيام حتى استراحوا ورجع من كان خلف ~~المنهزمين ثم اجتمعوا إلى عمرو واستأذنوه في المسير إلى الوجه القبلي فأذن ~~لهم وودعهم ودعا لهم وقال يعز علي فراقكم ولو أن أمير المؤمنين لم يأمرني ~~بالمسير ما فارقتكم ثم رجع معه ثلاثة آلاف ومائة وعشرون وكان جملة من قتل ~~ثمانمائة وثمانين ختم الله لهم بالشهادة وقيل ألف وقيل تسعمائة وأربعون على ~~اختلاف الرواة والله أعلم أي ذلك كان قال الراوي ما أخذت في هذا الكتاب الا ~~على قاعدة ms749 الصدق والمعونة من الله تعالى فلما ملكت المسلمون البلاد وأذلت ~~أهل الشرك والفساد وذلك ببركة الصحابة رضي الله عنهم فهم الرجال الابطال ~~والسادة الأخيار والمهاجرون PageV02P249 # والأنصار وأصحاب محمد المختار الذين فتحوا بسيوفهم الأمصار وأذلوا الكفار ~~وأرضوا العزيز الغفار وباعوا نفوسهم لله الواحد القهار بجنات تجري من تحتها ~~الأنهار قال الراوي لما رجعت المنهزمون إلى الملوك والبطارقة وأخبروهم بذلك ~~وقع الرعب في قلوبهم وحاروا في نفوسهم ولم يدروا ما يدبرون وما يصنعون قال ~~فصعب على بطريق اهناس وعلى صاحب البهنسا ما صنع ببطارقتهما وعولوا على ~~الحصار وجمعوا الآلة وصاروا يخرجون ما يحتاجون اليه وتيقنوا أن لا بد للحرب ~~من أرضهم ووطنوا أنفسهم وكذلك بطارقة الصعيد وملوكه وضاقت نفوسهم مما حل ~~بهم قال الراوي ووصل الكتاب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففرح بذلك فرحا ~~شديدا وقرأ الكتاب على علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ~~والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرحوا بذلك فرحا ~~شديدا ثم قسمت الغنائم على أهل المدينة وقسم لنفسه كأحدهم رضي الله عنه ~~وكتب جواب الكتاب ودفعه لهاشم وقال له قل لعمرو يحث الصحابة ويحرضهم على ~~فتح الصعيد قال الراوي وأما عمرو بن العاص رضي الله عنه فإنه لم يرجع إلى ~~مصر حتى قسم الغنائم بين الصحابة وفضل أصحاب الولاء وأهل السابقة ورجع إلى ~~مصر بعد أن جهز العساكر إلى الصعيد قال الراوي ولما فارق عمرو بن العاص ~~خالد بن الوليد والامراء رضي الله عنهم استشار بعضهم بعضا أي مكان يقصدون ~~فاتفق رأيهم أن يسيروا ألف فارس طليعة وأمر عليهم قيس بن الحرث ومعه جماعة ~~من أمرائهم منهم رفاعة بن زهير المحاربي والقعقاع بن عمرو التميمي وعقبة بن ~~عامر الجهني وذو الكلاع الحميري رضي الله عنه وصاروا يسيرون في وسط البلاد ~~وبقية العساكر قريبة منهم فمن أطاعهم وطلب الأمان أمنوه وصالحوه ووضعوا ~~عليه الجزية ومن أبى قاتلوه ومن أسلم تركوه وسار خالد ببقية الجيش يريدون ~~أهناس فإنها ms750 كانت أعظم مدائن الوجه القبلي بعد الكورة وكانت حصينة آهلة ~~بالخيل والآلة والعدة ولما أحس بطريقها بمجيء الصحابة اليه جمع البطارقة ~~وقد انكسرت جنودهم وخمدت نيرانهم وكلمتهم بانهزام جيوشهم وشاورهم في أمرهم ~~وقال لهم خذوا أهبتكم وقاتلوا عن حريمكم وأموالكم والا صرتم عبيد للعرب ~~يفعلون بكم ما يختارون وان شئتم صالحناهم حتى يعلم ما يكون من بطارقته ~~فأجابوه وقالوا لا نسلم البلاد حتى نغلب ونجمع أموالنا في هذه المدينة ~~الحصينة ونقاتل فان غلبنا عولنا PageV02P250 # على الحصار واتفق رأيهم على ذلك فكان الذي أجابهم إلى ذلك خرج بنفسه ~~وأمواله ومن لم يجبهم إلى ذلك أقام وكذلك بطارقة البهنسا منهم من انتقل إلى ~~البهنسا بماله وأولاده ومنهم من أقام ببعض المدائن ممن عولوا على الإقامة ~~والحصار والقتال وسار خالد بالجيش حتى قرب من اهناس وبين يديه الطلائع ~~والامراء وهم يشنون الغارات على السواحل والبلاد فمن خرج إليهم وصالحهم ~~وعقد معهم صلحا صالحوه ولهم الميرة والعلوفة الضيافة ومن أبى دعوه إلى ~~الاسلام فان أبى طلبوا منه الجزية فان أبوا شنوا عليهم الغارة حتى وصلوا ~~قريبا من اهناس وبلغ الخبر إلى عدو الله فقال لا بد من لقائهم وقتالهم حتى ~~أنظر ما يكون من أمرهم ثم خرج إلى ظاهر المدينة قريبا من السور ولم يبعد ~~عنها وكان للمدينة أربعة أبواب فأغلق ثلاثة وفتح الباب الشرقي وأخرج الخيام ~~والسرادقات وأكثر من العدة والزينة وقال إن دخلنا المدينة من غير قتال طمعت ~~العرب في جانبنا ثم فرق بطارقته وعرض جيشه فكانت عدتهم خمسين ألفا وقال ~~اثبتوا وقاتلوا عن حريمكم ولا تكونوا أول جند أخذوا وأقاموا يتأهبون للقتال ~~وينتظرون قدوم الصحابة رضي الله عنهم قال الواقدي وأما خالد فلما قرب من ~~أهناس استدعى بالزبير بن العوام وضم اليه ألف فارس من الامراء وغيرهم وأمره ~~بالمسير ثم استدعى بالفضل بن العباس وضم اليه ألف فارس وسار على أثره ثم ~~استدعى بميسرة بن مسروق العبسي وضم اليه ألف فارس وسار على أثره ثم استدعى ~~بزياد بن أبي سفيان وضم ms751 اليه ألف فارس وسار على أثره ثم استدعى بمالك ~~الأشتر النخعي وضم اليه ألف فارس وسار على أثره وسار خالد ببقية الجيش قال ~~حدثنا عون بن سعيد قال حدثنا هاشم بن نافع عن رافع بن مالك العلوي قال كنت ~~في خيل الزبير بن العوام رضي الله عنه لما توسطنا البلاد وتعرضنا لأهلها ~~وشننا الغارة على السواد فوجدنا قطيعا من الغنم ومعها رعاة فلما أحسوا بنا ~~تركوها ومضموا فسقناهم ثم سرنا قليلا وإذا بنساء وصبيان مشرفة ونصارى من ~~القبط وغيرهم فلما رأونا فروا وكان معهم عشرون فارسا من العرب المتنصرة من ~~جذام ومعهم بطريق من البطارقة عليه الزينة الفاخرة فلما عاينونا فروا من ~~بين أيدينا فأطلقنا الغارة عليهم فما كان غير بعيد حتى أدركناهم وقبضنا ~~عليهم وسالناهم فأجابوا بأنهم من قرى شتى وانهم يريدون اهناس فعرضنا عليهم ~~الاسلام فامتنعوا فأردنا قتلهم فمنعنا من ذلك الزبير رضي الله عنه وقال حتى ~~يحضر الأمير خالد ويفعل PageV02P251 # ما يريد قال وسرنا حتى قربنا من أهناس ورأينا المضارب والخيام والسرادقات ~~فأعلن الزبير بالتهليل والتكبير وكبر المسلمون حتى ارتجت الأرض لتكبيرهم ~~وخرجت الروم إلى ظاهر خيامهم ينظرون الينا وعدو الله مارنوس بن ميخائيل ~~ينظر الينا والحجاب والنواب وأرباب الدولة من البطارقة حوله وعليهم أقبية ~~الديباج وعلى رؤوسهم التيجان المكللة وبأيديهم العمد المذهبة والسيوف وهم ~~محدقون به عن يمينه وشماله قال فلما أقبلنا عليهم تصايحوا ورطنوا بلغتهم ~~وأعلنوا بكلمة كفرهم واستقلونا في أعينهم ولما قرب الزبير من القوم هز ~~الراية وأنشد يقول * أيا أهل أهناس الطغاة الكوافر * ويا عصبة الشيطان من ~~كل غادر * أتتكم ليوث الحرب سادات قومها * على كل مشكول من الخيل ضامر * ~~فإن لم تجيبوا سوف تلقون ذلة * ونقتل منكل كل كلب وفاجر * قال الراوي ثم ~~نزلنا قريبا من القوم فلم يكن غير قليل حتى أقبل الفضل بن العباس رضي الله ~~عنه وحوله السادات الأماجد فكبر وكبروا معه وهز الراية وأنشد يقول * ايا ~~أهل أهناس الكلاب الطواغيا * أتتكم ليوث الحرب فاصغوا مقاليا * أقروا بأن ~~الله ms752 لا رب غيره * والا تروا أمرا عظيما مدانيا * أقروا بأن الله أرسل ~~أحمدا * نبيا كريما للخلائق هاديا * قال الراوي ثم نزل قريبا من أصحابه فلم ~~تكن الا ساعة حتى أقبل الأمير ميسرة بن مسروق العبسي وكبر هو والمسلمون ~~فأجابه المسلمون فهز الراية وأنشد يقول * أتينا لاهناس بكل غضنفر * على كل ~~صاهل من الخيل أجرد * فان هم أطاعونا شكرنا فعالهم * والا أبدناهم بكل مهند ~~* ونخرب أهناسا ونقتل أهلها * إذا خالفوا دين النبي محمد * قال الراوي ونزل ~~قريبا من الفضل ولما كان غروب الشمس أقبل زياد بن أبي سفيان رضي الله عنه ~~بمن معه وكبر هو والمسلمون وهز الراية وأنشد يقول * هلموا إلى أهناس يا آل ~~هاشم * ويا عصبة المختار نسل الأعاظم * ودونكم ضرب السهام وبشدة * وقطع ~~رؤوس ثم فلق جماجم * لننصر دينا للنبي محمد * نبي الهدى المبعوث من آل هاشم ~~* قال الراوي وبات المسلمون رضي الله عنهم يقرءون القرآن ويصلون على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهم يتحارسون حتى لاح الفجر ثم اقبل المقداد رضي الله ~~عنه PageV02P252 # بأصحابه وكبر هو والمسلمون ولما قرب من أصحابه هز الراية وأنشد يقول * ~~أنا الفارس المشهور في كل موطن * وناصر دين للنبي محمد * لعلل ننال الفوز ~~عند الهنا * فيافوز من أضحى نزيل المؤيد * ونقتل عباد الصليب جميعهم * ~~بأسمر خطى وعضب مهند * قال الراوي ونزل بإزء الفضل وتكلم الامراء المتقدم ~~ذكرهم قال ولما رأونا ظنوا أن ليس وراءنا أحد وقعدنا ذلك اليوم ولم نكلمهم ~~ولم يكلمونا فلما كان اليوم الثاني عند طلوع الشمس إذا بالغبار قد طلع ~~والقتام قد ارتفع من خيول عادية وعليها فوارس حجازية وكبر المسلمون ورفعوا ~~راياتهم الاسلامية وأعلامهم المحمدية فسمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الصياح فخرج الامراء إلى لقائهم وإذا في أوائلهم خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه والى جانبه غانم بن عياض الأشعري وأبو ذر الغفاري وأبو هريرة ~~الدوسي واسمه عبد الرحمن وبقية الامراء والمهاجرون والأنصار فلما رأت الروم ~~ذلك من قريب دخل الرعب في قلوبهم ونزل أصحاب ms753 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قريبا من أهناس كل منهم في مركزه وأقاموا ذلك اليوم فلما كان اليوم الثالث ~~جمع خالد الامراء وأصحاب الرايات واستشارهم فيمن يمضي إلى بطريق أهناس فقال ~~المقداد أنا له فقال له خالد أنت له فخذ من شئت فأخذ معه ضرار بن الأزور ~~وميسرة بن مسروق العبسي وقال لهم خالد أدعوه إلى الاسلام فان أبى فالجزية ~~فان أبى فالقتال واحرصوا على أنفسكم قال الراوي وساروا إلى القوم حتى قربوا ~~من العسكر وهم يدوسون بخيولهم أطناب الخيام والسرادقات فصاحت بهم الحجاب من ~~تكونون فقالوا نحن رسل فأعلموا البطريق بذلك فأمر بأحضارهم فلما حضروا بين ~~يديه صاحت بهم الحجاب والنواب أن قبلوا الأرض للملك فلم يلتفتوا إليهم ولم ~~ينزلوا الا على باب سرادق الملك ووقفوا على الباب فأذن لهم في الدخول ~~فدخلوا وأمسكوا لجم خيولهم فأراد الغلمان أن يمسكوها فامتنعوا من ذلك فأشار ~~إليهم البطريق فتركوهم ثم دخلوا عليه فإذا هو جالس على سرير من الذهب مرصع ~~بالدر والجوهر وحوله البطارقة جلوس والحجاب والنواب وأرباب الدولة قيام ~~وبأيديهم السيوف والأعمدة والرماح فلما رآهم تغير لونه واندهش وأذن لهم ~~بالجلوس فقالوا لا نجلس على هذا الفرش فإنه حرام علينا فأمر بالبسط الحرير ~~فرفعت ثم فرش أنطاعا من الصوف ثم أشار إليهم فقالوا لا نجلس حتى تنزل عن ~~سريرك قال فرطنت الروم فأشار إليهم فسكتوا وأرادوا أن ينزعوا منهم سيوفهم ~~فامتنعوا من PageV02P253 # ذلك فتركوهم وكلمهم الملك فأبوا حتى ينزل عن سريره فنزل وكلمهم بلسان ~~عربي وسألهم عن حالهم فأجابوا أنهم لا يفارقونه حتى يسلم هو وقومه أو يؤدوا ~~الجزية أو القتال فامتنع عن ذلك وقال اذهبوا والموعد غدا للقتال وخرجوا من ~~عنده على ذلك ورجعوا إلى خالد وأعلموه بذلك فتأهب الامراء للحرب فلما أصبح ~~خالد صلى بأصحابه صلاة الصبح وبادروا للحرب والقتال وصاحوا النصر النصر يا ~~خيل الله اركبي وللجنة اطلبي فركب المسلمون خيولهم وركزوا راياتهم واصطفوا ~~ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين وخالد في وسط الجيش وعلى الساقة ميسرة بن ms754 مسروق ~~العبسي ومالك الأشتر النخعي في خمسمائة فارس من المهاجرين والأنصار قال ~~الراوي فلم تكن غير ساعة حتى برزت الروم وأظهرت صلبانها قال حدثنا رافع بن ~~مالك عن عباد بن مازن عن محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه قال لما ~~أقبلت رايات القوم عددناها فإذا هي خمسون صليبا تحت كل صليب ألف فارس فكان ~~أول من افتتح الحرب بطريق عليه ديباجة حمراء وعلى رأسه بيضة معصب عليها ~~بعصابة من جوهر فبرز إليه فارس من خثعم يقال له زيد بن هلال فقتله ثم طلب ~~البراز فبرز اليه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يمهله أن ~~ضربه بالسيف على عاتقه الأيمن فخرج يلمع من عاتقه الأيسر فانجدل عدو الله ~~يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وطلب البراز فبرز اليه فارس من ~~الروم فقتله ثم آخر فقتله وطلب الميمنة وشوش صفوفهم وقتل أبطالهم ثم عاد ~~إلى القلب ثم خرج من بعده شرحبيل بن حسنة وفعل كفعله ثم حمل من بعده الفضل ~~بن العباس ثم حمل من بعده العباس بن مرداس ثم من بعده أبو ذر الغفاري ثم ~~تبارد المسلمون بالحملة فلما رأى الروم ذلك ايقظوا أنفسهم في عددهم وعديدهم ~~وتظاهروا البيض والدرع ولم يزل القتال بينهم حتى توسطت الشمس في قبة الفلك ~~قال الراوي فعندها حمل خالد بن الوليد وغاص في الميمنة فقلبها على الميسرة ~~وغاص في الميسرة فقلبها على الميمنة وقاتلت العرب قتالا شديدا حتى جاء ~~الليل وحجز بين الفريقين وبات المسلمون يتحارسون وتفقد المسلمون بعضهم بعضا ~~فإذا قد قتل منهم اثنان وأربعون رجلا ختم الله لهم بالشهادة الأعيان منهم ~~ربيعة بن عامة الداودي وزيد بن ربيعة المحاربي وغانم بن نوفل المحاربي ~~وصفوان بن مرة اليربوعي والبقية من أخلاط الناس وقتل من أعداء الله ألف ~~وثلاثمائة وأزيد ولما خلا عدو الله بأصحابه تذاكروا ما وقع في PageV02P254 # الحرب وصعب عليهم ما لقوه من العرب فأراد الملك الصلح فغلب البطارقة عليه ~~وأعدوا للحرب والقتال فلما أصبح الله ms755 الصباح وبارق الفجر لاح صلى المسلمون ~~صلاة الصبح ثم اصطفوا على ظهور خيولهم واصطفت الروم وبرزت البطارقة وأظهروا ~~زينتهم وبرز بطريق عظيم يقال له صاحب طنسا وعليه لامة حربه وطلب البراز ~~فبرز اليه الفضل بن العباس فتجاولا وتعاركا وتخالفا بضربتين فكان السابق ~~بالضربة الفضل بن العباس فضربه بالسيف على رأسه فوصل إلى أضراسه فانجدل ~~صريعا يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار وبرز بطريق ثان ~~فقتله ولم يزل كذلك حتى قتل أربعة من خيارهم فحملت الروم حملة واحدة وحمل ~~المسلمون وحمل ضرار بن الأزور رضي الله عنه وأظهر شجاعته وحمل مذعور بن ~~غانم الأشعري والفضل بن العباس ومحمد بن عقبة بن أبي معيط ومسلم وجعفر وعلي ~~أبناء عقيل وعبد الله بن جعفر وسليمان ابن خالد وعبد الرحمن بن أبي بكر ~~وتجاهرت الامراء وعظم الخطب وكثر الطعن والضرب وثار القتام حتى صار النهار ~~كالظلام وتراشقوا بالنبال واشتد القتال وقطعت المعاصم وطارب الجماجم فما ~~كنت ترى الا جوادا غائرا ودما فائرا واشتد الكرب وكثر الطعن والضرب وسال ~~العرق واحمرت الحدق وجال خالد كالأسد وأرغى وأزبد فعند ذلك رفع غانم بن ~~عياض طرفه إلى السمار وقال يا عظيم العظماء أنزل علينا نصرك كما أنزلته ~~علينا في مواطن كثيرة وانصرنا على القوم الكافرين فامنت جماعة من الامراء ~~على دعائه فما كان غير بعيد حتى رأيت الرجال الكفار يتساقطون لا ندري بماذا ~~يقتلون فلما رأى الروم ذلك فروا إلى الباب وتبعتهم المسلمون يقتلون ويأسرون ~~وينهبون والحجارة تأخذهم من أعلى السور وهم لا يلتفتون إلى ذلك ودخلوا إلى ~~الأبواب ودخل اللعين وصال عليهم خالد وجماعة من الامراء واقتطعوا قطعة من ~~الروم نحو خمسة آلاف وكان المسلمون قريبين من اللعين فاقتتلوا عند الباب ~~ورموهم بالحجارة فقتلوا منهم نحو من ثلاثة آلاف وخرج من الباب نحو من ألف ~~فارس وحملوا ودخل الباقون وأغلقوا بابهم وطلعوا على الاسوار واشتد القتال ~~والحصار ورموا بالحجارة والنبال حتى فرق الليل بينهم قال الراوي وأقام ~~المسلمون على حصار أهناس ثلاثة ms756 أشهر وفي كل يوم يناوشونهم بالقتال والأسوار ~~رفيعة والأبواب منيعة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم يشنون ~~الغارات حتى يصلوا إلى أطراف الكورة قال الراوي واقام المسلمون على حصار ~~اهناس ثلاثة أشهر وفي كل عنهم المدد وضاقت أنفسهم وطمعت فيهم الصحابة ثم إن ~~خالدا استشار PageV02P255 # أصحابه ماذا يصنعون وقد أعياه فتح الباب فقال له المرزبان رضي الله عنه ~~وكان من مرازبة كسرى وقد أسلم وخرج إلى الجهاد وحبس نفسه لله عز وجل وهو ~~المقتول بالبهنسا قريبا من البلد شرقي البحر اليوسفي في وقعة صاحب طنجة ذات ~~الأعمدة وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى فقال المرزبان اننا كنا ~~في بلاد الفرس إذا حاصرنا مدينة ولم نقدر على فتحها أخذنا زيتا وكبريتا ~~ووضعناه في صناديق من خشب وجعلنا لها أعوادا تحملها رجال ورجال يذبون عنهم ~~إلى أن يصلوا إلى الباب أو إلى قريب منه ويجعلون في الصناديق نارا ويولون ~~فتعلق النار في الأبواب ويذوب الحديد فتفتح الأبواب وتعلق النار في الحطب ~~والخشب والحجارة فتهدمها فقال خالد نفعلها إن شاء الله تعالى فلما أصبحوا ~~فعلوا ذلك وأسرعوا في جمع ما ذكرنا ووضعوه في صناديق وجعلوا في أطرافها ~~أعوادا طوالا من أسفلها وحملتها الرجال وخرج خلفهم الفرسان يقاتلون ~~والمرزبان أمامهم يعلمهم كيف يصنعون وهم مستترون بالدرق والحجف والحجارة ~~والنبال تتساقط عليهم من أعلى السور حتى وصلوا إلى أول باب من أبواب ~~المدينة وهو الباب الشرقي وهو أعظم أبوابها فلما قربوا من الباب رفعوا ~~الصناديق على الباب وألقوا النار في الزيت والكبريت ووضعوها وانقلبوا فلم ~~يكن أسرع من لحظة حتى تعلقت النار بحجارة الباب والأخشاب والحديد وثارت ~~النار إلى أعلى السور حتى وصلت إلى البرج فسقط البرج بمن فيه من الروم وهلك ~~منهم جماعة كثيرة وتبادرت المسلمون إلى الباب وملئوا قرب الماء وأطفئوا تلك ~~النار ودخلوا من الباب وقصدوا قصر الملك وكان حصينا على أعمدة من الحجارة ~~المنحوتة وكانوا أغلقوا أبوابه ففعلوا به كما ذكرنا ولما رأى الملعون ذلك ms757 ~~لم يطق أن يصبر وأمر بفتح الباب وصاح الأمان ومعه جماعة من حشمه وخدمه ~~وبطارقته فعرضوا عليهم الاسلام فأبوا فأمر خالد بضرب أعناقهم فمن أسلم ~~تركوه ومن أبى قتلوه واستغاثت بهم السوقة والرعية وقالوا مغلوبون فمن أسلم ~~تركوه ومن بقي على دينه ضربوا عليه الجزية وهدموا دورا وأماكن حتى صارت ~~تلالا وغنم المسلمون أموالا كثيرة من أواني الذهب والفضة والفرش الفاخرة ~~ووضعوا فيها عبادة بن قيس قيما ومعه ثلاثمائة من المسلمين وخرجوا بظاهر ~~المدينة ولم يبق الا من أسلم ومن وضعت عليه الجزية وعمروا بها مسجدا ولما ~~فرغ خالد من ذلك جمع الغنائم وأخرج خمسها وأرسله إلى عمرو بن العاص يرسله ~~إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة وأرسل لعمرو بن العاص سهمه ~~ولأصحابه المؤمنين المقيمين بمصر ونواحيها وأقام PageV02P256 # خالد بعد ذلك باهناس هو وجماعته من الامراء أربعين يوما واستدعى خالد ~~بعدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه وأضاف اليه ميمون بن مهران وضم اليه ألف ~~فارس وأمرهم أن ينازلوا أول بلاد البطليموس لعنه الله وينازلوا أهل الكورة ~~وإذا وصل إلى قيس ابن الحرث يأمره بالمسير إلى قريب البهنسا ويقاتل من ~~يقاتله ويسالم من يسالمه ويصالح من يصالحه حتى يأتيه المدد ثم أرسل في أثره ~~غانم بن عياض الأشعري رضي الله عنه وضم اليه ألف فارس فيهم الفضل بن العباس ~~والمسيب بن نجيبة الفزاري وأبو ذر الغفاري والمرزبان الفارسي وكذلك جعفر ~~ومسلم وعلي وعبد الله بن المقداد وولد خالد أبا سليمان ومحمد بن طلحة وعمرو ~~بن سعد بن أبي وقاص وشرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال لهم خالد سيروا حتى تصلوا إلى مدينة البهنسا وأنا في أثركم ما لم يحصل ~~لي ولأصحابي مانع وادعوا القوم إلى الاسلام فان أجابوكم فلهم ما لنا وعليهم ~~ما علينا ومن أبي فالجزية ومن أبى فالحرب والقتال ونازلوا المدائن وأقرنوا ~~المواكب ولا تسيروا الا يدا واحدة وفرقوا الكتائب وكونوا قريبين بعضكم من ~~بعض غير متباعدين فإذا وقعت ms758 كتيبة منكم بما لا طاقة لها به تبعت النفير ~~وثبتوا هممكم وأخلصوا نياتكم وقووا عزائمكم فإذا وصلتم إلى البهنسا التي هي ~~دار ملكهم ومحل ولايتهم فأرسلوا إلى الملك وادعوه إلى الاسلام فان أطاع ~~فاتركوه في ملكه وان أبى فالجزية عن يد وهم صاغرون وان أبى فالسيف حكم حتى ~~يحكم الله وهو خير الحاكمين وبلغني أنها مدينة كثير أهلها وانها كثيرة ~~الخيل وحولها مدائن وبلاد وقرى ورساتيق فمن سالمكم وصالحكم فصالحوه ومن ~~قاتلكم فقاتلوه وعليكم بالحزم واخلاص النية وصدق العزيمة قال الله تعالى في ~~كتابه المكنون يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون ثم استدعى بالمغيرة بن شعبة رضي الله عنه وكان معه زياد ~~الأكبر أبو المغيرة جد زياد الذي هو بقرية ديروط بقرب طنبدا وسيأتي ذكر ~~زياد بن المغيرة وأصحابه هناك إن شاء الله تعالى عند وقعة الدير واستدعى ~~بسعيد ابن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم وأبان بن عثمان بن عفان وجدد عليهم ~~الوصية وودعهم قال الراوي وسار عدي بن حاتم الطائي وميمون حتى وصلا ميدوم ~~وما حولها فوجدوا قيس بن الحرث قد صالح أهل تلك الأرض وعقد لهم صلحا وأقرهم ~~بالجزية ما عدا جماعة وكذلك أهل برنشت بعد قتل بطريقهم وكذلك أهل تلك ~~البلاد إلى دهشور ونادى في ذلك الإقليم بالأمان وجبوا له أموالا عظيمة على ~~الصلح والجزية وعبر جماعة من المسلمين إلى البر الشرقي وهم رفاعة بن زهير ~~المحاربي وعقبة بن عامر الجهني وذو الكلاع الحميري PageV02P257 # وألف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشنوا الغارات من العقبة ~~التي هي قريب من قبلي حلوان على تلك القرى والبلاد فمن صالحهم صحالحوه ومن ~~أبى قاتلوه حتى وصلوا إلى اطفيح ثم إلى البرنيل وكان هناك بطريق يعرف بصول ~~فخرج إليهم أهلها فصالحوهم على الجزية وعبروا من هناك وسار عدي بن حاتم حتى ~~اجتمع بقيس بن الحرث قريبا من القرية المعروفة بقمن ونزل ميمون هو وجماعته ~~بالقرية المعروفة بالميمون فقال له قيس بن الحرث لا ms759 تنزل هنا حتى يفتح لنا ~~ما حولها من البلاد ويأتي خبر من الأمير خالد بن الوليد ويأذن لنا بما يريد ~~فأجاب إلى ذلك ونزل عدي بأصحابه بالقرية المعروفة ببني عدي ثم سار وترك ~~ابنه حاتما واخوته وأحاطوا بالقرية وسار قيس وأصحابه حتى وصلوا إلى القرية ~~المعروفة بنوس والبلد المعروف بدلاص فخرج إليهم أهلها بعد قتل بطريقهم ~~وصالحوهم وتوسطوا البلاد على ساحل البحر حتى نزلوا ببا الكبرى وغانم بن ~~عياض على أثرهم وكان بها دير عظيم يعرف بدير أبي جرجا وكان له عيد عظيم ~~يجتمعون اليه من سائر البلاد فوافق قدوم الصحابة قريبا من عيدهم فجاءهم رجل ~~من المعاهدين وأعلمهم بذلك فانتدب قيس ابن الحرث رضي الله عنه عنه ومعه ~~جماعة من أصحابه خمسمائة فأمر عليهم رفاعة بن زهير المحاربي وأمرهم ان ~~يشنوا الغارة على الدير قال وكان جماعة من رؤساء الكورة من الروم والقبط ~~والخيول المسومة حول الدير يحرسونهم وهم في أكلهم وشربهم وزينتهم وبيعهم ~~وشرائهم فما أحسوا الا والخيل على رؤوسهم فما قاتلوا الا قليلا وانهزموا ~~ونهب أصحابه جميع ما في السوق من أثاث وغيره وساقوا الغنائم وأحاطوا بالدير ~~فقاتلوا من على الدير فقطعوا السلاسل والاقفال وتعلق جماعة من الصحابة على ~~الحيطان ودخلوا الدير واخذوا منه أمتعة وأثاثا وأواني من ذهب وفضة وأسروا ~~مائة أسير وساروا حتى توسطوا البلاد وكان بالقرب من البحر اليوسفي قرى ~~كثيرة وبلدان وكان فيها مدينة تعرف بسحاق وكان بها بطريق من عظماء بطارقة ~~البطليوس فلما بلغه قدوم الصحابة جمع جنوده إلى البلد المعروف بأقفهس والى ~~البلدين المعروفين بشمسطا واليسلقون والى البلد المعروفة بنشابه فلما بلغه ~~قدوم الصحابة جمع الخيل والروم والفلاحين والنصارى ستة آلاف وخرج يكشف بهم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيس بن الحرث خرج اليه أهل ببا الكبرى ~~وما حولها من السواد وكذلك أهل هوريت وعقد لهم صلحا وساروا فلما قربوا من ~~القرية المعرفة الآن ببني صالح فبينما هم سائرون إذا بالغبار قد طلع وانكشف ~~عن ستة صلبان تحت كل ms760 صليب ألف فلما PageV02P258 # رآهم المسلمون لم يمهلوهم دون أن حملوا عليهم واقتتلوا قتالا شديدا وثار ~~الغبار وقدحت حوافر الخيل الشرار والتقى الجمعان واصطدم الفريقان فلله در ~~رفاعة بن زهير المحاربي وعقبة بن عامر الجهني وعمار بن ياسر العبسي وميسرة ~~بن مسروق العبسي قال الراوي وقاتلت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قتالا شديدا وصبروا صبر الكرام وكان عدو الله لاوي بن أرمياء صاحب شيزا ~~فارسا شديدا وبطلا صنديدا فجال وصال وقتل الرجال فعندها برز اليه فارس من ~~المسلمين يسمى سنان بن نوفل الدوسي فقتله فخرج اليه عمار بن ياسر العبسي ~~فتجاولا وتعاركا وتضاربا وتطاعنا ووقع بينهما ضربتان وكان السابق بالضربة ~~عمار فطعنه بالرمح في صدره فاطلع السنان يلمع من ظهره فانجدل عدو الله يخور ~~في دمه وعجل الله بروحه إلى النار فعندها غضب الروم لأجل قتل صاحبهم وحملوا ~~على عمار في كبكبة من الخيل فعقروا الجواد من تحته وتكاثروا عليه فقتلوه ~~وقتل من المسلمين خمسة عشر رجلا قال حدثنا سنان بن نوفل عن مالك عن غانم ~~اليربوعي وكان في خيل رفاعة بن زهير المحاربي قال نحن في القتال وقد عظم ~~النزال ووطنا أنفسنا على الموت ورفاعة يحرض الناس على القتال وهو ينشد ~~ويقول * يا معشر الناس والسادات والهمم * ويا أهيل الصفا يا معدن الكرم * ~~فسددوا العزم لا تبغوا به فشلا * ومكنوا الضرب في الهامات والقمم * وخلفوا ~~القوم في البيداء مطرحة * على الثري خمشا بالذل والنقم * قال الواقدي وجعل ~~يحرضهم ويقول يا معشر السادات والاقيال أبشروا فان الروم لم تقم لهم أبدا ~~وأبشروا بالحور والولدان في غرفات الحنان وان الجنة تحت ظلال سيوفكم قال ~~رفاعة فبينما نحن في أشد القتال إذا بغبرة قد لاحت وانقشعت وانكشف الغبار ~~عن ألف فارس في الحديد غواطس عليهم الدروع الداودية وعلى رؤوسهم البيض ~~العادية المجلية معتقلين بالرماح الخطية راكبين الخيول العربية فتأملناهم ~~فإذا هم أبا سليمان بن خالد بن الوليد وعبد الله بن المقداد وعبد الله بن ~~طلحة وأخوه محمد وزياد بن المغيرة والوليد ms761 ومحمد بن عتبة ومحمد ابن أبي ~~هريرة وجماعة من الصحابة والامراء وأبناؤهم رضي الله عنهم وكان غانم بن ~~عياض الأشعري جهزهم طليعة قدامه فلما رأونا كبروا وكبرنا لتكبيرهم وخاضوا ~~في أوساطنا وطلب كل واحد منهم بطريقا من البطارقة فقتله فلما رأت الروم ذلك ~~ولوا الادبار وركبوا إلى الفرار وتبعهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقتلون وينهبون ويأسرون إلى بلدة سبزا وما حولها من السواد إلى سلقوس ~~فأسروا منهم PageV02P259 # نحو خمسمائة أسير وقتل منهم ثلاثة آلاف وهرب الباقون إلى القرى والبلاد ~~ولما قتل بطريق شندا خرج إليهم أهلها من النصارى والسوقة وعقدوا معهم صلحا ~~واتفقوا على أداء الجزية وكذا من حولهم من القرى ونزل هناك عمرو بن الزبير ~~وجماعة من المسلمين وسار قيس بن الحرث أمام القوم حتى نزل قريبا من طنبدا ~~والبلد المعروف باسنا وكان بها بطريق يسمى بولياص بن بطرس وكان كافرا لعينا ~~فخرج إلى لقاء المسلمين هو وجماعته ومعه ميرة وعلوفة فكان ذلك مكيدة منه ~~وعقد مع المسلمين صلحا ووافقهم على أداء الجزية عن بلده وعن اسنا وكانت تحت ~~حكمه وارتحل قيس بن الحرث ومن معه وتأخر زياد بن المغيرة ونزل بالقرية ~~المعروفة بدهروط فعقد مع أهلها صلحا ونزل أبا سليمان بن خالد وعبد الله بن ~~المقداد وجماعة قريبا من البلد ومنهم من نزل عند القرية المعروفة بأطينة ~~وصار جماعة يدخلون البلد ليلا ثم يعودون خوفا من المكيدة ولا حذر من قدر ~~الله عز وجل قال الواقدي وكان المتخلفون خمسمائة فارس فجعلوا يسيرون على ~~جانب البحر ويشنون أي يغيرون على أهل السواد فمن صالحهم صالحوه ومن أسلم ~~تركوه وسار قيس ابن الحرث حتى نزل بالبلد المعروف الآن بالقيس وبه سميت ~~وكان فيها بطريق من بطارقة البطليوس وكان من بني عمه اسمه شكور بن ميخائيل ~~والله أعلم باسمه فدخل أهل السواد كلهم البلد وحاصروها حصارا شديدا نحو ~~شهرين ثم أعانهم الله تعالى وحرقوا بابا من أبوابها ففتحت ودخلوا إليها ~~وكان ذلك بعد وقعة جرت بينهم في مكان ms762 يعرف بكوم الأنصار فهزموهم هناك ~~وحاصروهم وفتحوا المدينة وقتلوا البطريق ونهبوا الأموال وأخذوا جميع ما ~~فيها بعد أن دعوهم إلى الاسلام فامتنعوا من ذلك ثم شنوا الغارات على ما ~~حولها من البلدان والبلد المعروف بماطي ثم إلى الكفور فخرج إليهم بطريق كان ~~ابن عم المقتول بدهشور لعنه الله وأخوه بطرس وعقدوا مع المسلمين عقدا على ~~الصلح وأعطوا الجزية وسارت العرب إلى البلد المعروف بالدير وسملوط وما ~~حولها من القرى ونزل زهير وجماعة من العرب بالمكان الذي يعرف بزهرة وأما ~~بقية السواد الذي حول البهنسا شرقا وغربا فلما تحققوا مجيء العرب هربوا إلى ~~البهنسا بأموالهم ونسائهم وذراريهم وتركوا البلاد جميعها خرابا وكان ~~البطليوس لعنه الله أرسل إليهم بطارقته فحملوهم إلى البهنسا واستعد للحصار ~~وجمع عنده ما يحتاج اليه مدة الحصار قال الواقدي هذا ما جرى لهؤلاء وأما ~~عدو الله بولياص صاحب طنبدا فإنه كاتب البطليوس يقول اين ما صالحت العرب ~~الا مكيدة واني PageV02P260 # أريد الغدر بهم فجهز لي جيشا من البطارقة على أن أظفر بجماعة من أبطال ~~المسلمين ونأخذ بثأر من قتل منكم قريبا قال وكان عدو الله كل يوم تأتيه ~~الاخبار من العرب المتنصرة ومن غيرهم من أهل البلاد والسواد بما جرى للعرب ~~وبأخبار من قتل من البطارقة وأخذ البلاد والأموال فحمل هما عظيما ولم يظهر ~~ذلك لاحد من بطارقته وانما كان يطيب قلوبهم ويقول بلدنا حصينة وان قاتلونا ~~قاتلناهم وان غلبونا دخلنا بلدنا فلو جاءنا أهل الحجاز جيمعهم ما وصلوا ~~الينا ولو أقاموا عشرين سنة والله غالب على أمره وناصر دين الاسلام ومذل ~~الكفرة اللئام فلما بلغ البطليوس مكاتبة عدو الله بولياص فرح بذلك فرحا ~~شديدا قال واستدعى ببطريق من بطارقته يسمى روماس وضم اليه خمسة آلاف فارس ~~من الروم والنصارى وغيرهم من أهل القرى وأمرهم أن يسيروا تحت ظلام الليل ~~فما جاء نصف الليل حتى وصلوا إلى طنبدا ودخلوا إلى بولياص ففرح بذلك فرحا ~~شديدا واستعدوا للهجمة على المسلمين قال وأصبح المسلمون وقد صلوا صلاة ~~الصبح وإذا بالخيل ms763 قد أقبلت إليهم فنادوا النفير هاجمونا وغدرونا فركب ~~المسلمون خيولهم وساروا إلى قريب الدير وإذا بالروم مقبلين في عشرة آلاف ~~فارس وكان أعداء الله قد كمنوا كمينا قريبا من قناطر كانت هناك ونهر يجري ~~فيه الماء من النيل في أوانه عميق غربي الدير قريب من البلد قال الواقدي ~~ولما رأى المسلمون لمعان الأسنة والبيض وخفقان الاعلام وبريق الصلبان الذهب ~~والفضة تبادروا إلى خيولهم فركبوا وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على ~~البشير النذير وأقبلوا مسرعين نحوهم ولم يفزعوا من كثرتهم وحرض بعضهم بعضا ~~على القتال وكانوا قد سبقوا إلى شرذمة من المسلمين كانوا نزولا قريبا من ~~الدير ووضعوا فيهم السيف وأحاطوا بهم وجالوا واتسع المجال إلى قريب من ~~دهروط فخرج أبا سليمان بن خالد بن الوليد وعبد الله بن المقداد وعامر بن ~~عقبة بن عامر وشداد بن أوس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم واشتد القتال ~~وعظم النزال وعميت الابصار وقدحت حوافر الخيل الشرار ولمعت الأسنة وقرعت ~~الأعنة ودهشت الانظار وحارت الافكار وأحاطوا بالمسلمين من كل جانب فلله در ~~أبا سليمان بن خالد بن الوليد وعبد الله بن المقداد لقد قاتلا قتالا شديدا ~~وأبليا بلاء حسنا ولله در زياد بن المغيرة لقد كان يقاتل تارة في الميمنة ~~وتارة في الميسرة وتارة في القلب وأحاط بهم أعداء الله من كل جانب وقد صار ~~المسلمون بينهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وصبروا لهم صبر ~~الكرام PageV02P261 # وكان أكثر المسلمين قد أثخن بالجراح واشتد الكفار هذا والمسلمون قد ~~انتدبوا أبطالا وجعلوها خلف ظهورهم وقاتلوهم قتالا عظيما هذا وأعداء الله ~~قد أحاطوا بهم وحجزوا بينهم وبين البلد وقاتل أبا سليمان وأصحابه قتالا ~~شديدا ووطنوا أنفسهم على الموت وشجع بعضهم بعضا وصار أبا سليمان بن خالد ~~يقول الله الله الجنة تحت ظلال السيوف والموعد عند حوض النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقاتل قتالا شديدا حتى أثخن بالجراح وقتل من المسلمين نحو مائتين ~~وعشرين قريبا من التل الذي هو غرب البلد المذكور وما قتل الواحد منهم حتى ~~قتل ms764 من أعداء الله خلقا كثيرا قال الواقدي ولما رأى المسلمون وسليمان بن ~~خالد ما حل بأصحابه صار تارة يكر في الميسرة وتارة يكر في الميمنة وأعانه ~~بالحملة عبد الله بن المقداد وبقية الصحابة وتقدم أبا سليمان بن خالد وطعن ~~بطريق اسنا طعنة صادقة فأرداه عن جواده وغاص في القلب قال حدثنا أوس بن ~~شداد عن علقمة بن سنان عن زيد بن رافع قال كنت في الخيل صحبة أبا سليمان بن ~~خالد وقد حجزنا المشركين وتقهقروا من بين أيدينا ولم نشعر أن لهم كمينا إذ ~~خرج الكمين علينا وقاتلناهم قتال الموت وقتل منهم جماعة نحو ألفي فارس وقتل ~~أبا سليمان بن خالد من الصناديد والبطارقة من خيارهم نحو ثلاثين فارسا ~~وكذلك عبد الله بن المقداد فأحاط بسليمان بن خالد رضي الله عنه كردوس نحو ~~الفي فارس وعقروا جواده من تحته فضرب بالسيف فيهم حتى قطعت يده اليمنى ~~فتناول السيف بيده اليسرى فضرب بها حتى قطعت فأحاطوا به فلما تيقن بالقتل ~~التفلت وقال يعز عليك يا خالد بن الوليد ما حل بولدك هذا في رضا الله عز ~~وجل وكان قد طعن في صدره نحو عشرين طعنة حتى قل حيله وسقط إلى الأرض ثم ~~تنفس وقال الساعة نلقي الأحبة ولما رآه عبد الله بن المقداد على ذلك المصرع ~~صاح لا حياة بعدك يا أبا محمد والملتقى في جنات عدن ثم غاص يقاتل فأحاطوا ~~به واشتبكت عليه الأسنة وضرب ضربات كثيرة في وجهه وهو يقطع الرماح ويمسح ~~الدم عن وجهه حتى سقط به الجواد وصاح واشوقاه إليك يا مقداد ثم تبسم وقال ~~مرحبا ثم مات وأيقنا كلنا بالموت وان القيامة هناك وإذا بغبرة قد لاحت ~~وانكشفت عن رايات اسلامية وعصائب محمدية وفي أوائل القوم القعقاع بن عمرو ~~التميمي والمسيب بن نجيبة الفزاري وسمرة بن جندب والفضل بن العباس وزياد بن ~~أبي سفيان وبنو هاشم وبنو عبد المطلب وسادات الأوس والخزرج وغانم بن عياض ~~الأشعري ومن معه من الامراء والسادات فلم يمهلوهم دون أن حملوا ms765 عليهم حملة ~~رجل واحد حتى أجلوهم وقتل البطريق PageV02P262 # بولياص لعنه الله ومعه بطريق البطليوس وانهزمت الروم واتبعتهم المسلمون ~~يقتلون ويأسرون وينهبون حتى بلغت الهزيمة إلى البحر اليوسفي ورموهم في ~~البحر وغرق منهم جماعة كثيرة وقتل منهم في المعركة نحو أربعة آلاف وأسروا ~~نحو الف ومائتي أسير وهرب منهم إلى البطليوس جماعة واختفوا إلى الليل ~~ودخلوا لبطليوس وأعلموه بذلك فضاقت عليه الدنيا وضاق صدره وحار في أمره ~~واستعد للقاء المسلمين قال الواقدي هذا ما جرى لهؤلاء وأما أهل طنبدا وأهل ~~اسنا وكانوا لم يخرجوا ولم يقاتلوا فإنهم لما وردت عليهم الاخبار ومعهم ~~البطارقة سألوا بطريقهم القتال وكان نصرانيا ولم يكن روميا وكان اسمه لوص ~~وبه سميت البلد فأبى فلما انهزم البطارقة وخرج أهل طنبدا وأهل اسنا من ~~السوقة والرعية وأولادهم وغيرهم وبكوا في وجوههم وقالوا نحن قوم رعية وكنا ~~مغلوبين على أمرنا فانا أهل ذمتكم ورعيتكم قالوا بشرط أن تدلونا على من ~~هربوا إليكم فأجابوهم إلى ذلك وصاروا يأخذون المسلمين ويدخلون الدور ~~والمساكن ويقبضون على الروم ويسلمونهم إلى المسلمين وكان النصراني يقبض على ~~الرومي ويأتي به إلى المسلمين حتى قبضوا من طنبدا واسنا نحو من ألف ~~وخمسمائة رجل من المطامير والابيار التي كانوا يحبسون فيها الأسارى من ~~المسلمين وغيرهم ولما اجتمعت الأسارى من الروم والنصارى أمر غانم بن عياض ~~بضرب رقابهم على تل هناك يعرف بالكوم ورجعت المسلمون إلى مكان المعركة فلما ~~عاينوا القتلى ورأوا أبا سليمان بن خالد وعبد الله بن المقداد وعبيدين ~~الداري بكوا عليهم وعلى من قتل معهم من الامراء رضي الله عنهم وحزنوا عليهم ~~حزنا شديدا وأنشد عمار بن ياسر ينعي أبا سليمان بن خالد وعبد الله بن ~~المقداد ومن معهما بقوله * يا عين أذري الدمع منك الصبيب * ثم اندبي يا عين ~~فقد الحبيب * وانعي لمقتول غدا في الفلا * مجندلا وسط الفيافي غريب * وابكي ~~أبا سليمان ولا تغفلي * فأمره والله أمر عجيب * قد كان لا يفكر كل العدا * ~~ان سل من غمد لسيف قضيب * وتحذر الأعداء من ms766 بأسه * لو أنهم أعداء رمل ~~الكثيب * فيا حمام الأيك نوحي إذا * على فتى قد كان غصنا رطيب * وأعلمي بما ~~جرى خالدا * لعله يبكي بدمع صبيب * وأخبري المقداد من بعده * بأن عبد الله ~~أضحى سليب * بل واندبي الأخيار من بعدهم * وكل قرم للمعالي مصيب * لا يلتقي ~~البطليوس خيرا ولا * أجناده أبناء أهل الصليب * PageV02P263 # * قد كمنوا جيشا لنا عامدا * يوم الوغى من كل كلب مريب * وحق من أعطى لنا ~~نصره * في كل واد ثم فتحا قريب * لنأخذن الثأر من جمعهم * جهرا ونطفي من ~~فؤاد لهيب * قال الواقدي وان غانما رضي الله عنه جمع الشهداء ودفنهم في ~~ثيابهم ودروعهم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الشهداء ~~الذين قتلوا في سبيل الله يوم القيامة وجراحاتهم تقطر دماء اللون لون الدم ~~والريح ريح المسك قال الواقدي وأقام غانم رضي الله عنه بعد أن دفن الشهداء ~~قريبا من التل والامراء يشنون الغارات على السواحل وعدى بن جابر بن عبد ~~الله الأنصاري وأبو أيوب والمسيب بن نجيبة الفزاري في ألف فارس فأغاروا على ~~أهل شرونة فخرج إليهم بطريق يعرف بصندراس الجاهل وبطريق أهريست في خمسة ~~آلاف فارس واقتتلوا قتالا شديدا عند سفح الجبل فبلغ الخبر غانم بن عياض ~~الأشعري فأرسل إليهم كتيبة أخرى صحبة بن المنذر والفضل بن العباس والمرزبان ~~في ألف فارس فلما رأى الروم ذلك وقع الرعب في قلوبهم وكان بينهم حروب عظيمة ~~ثم إن الفضل بن العباس قصد البطريق الجاهل وضربه ضربة هاشمية على رأسه فقطع ~~الخودة والبيضة والرفادة إلى أن سمع خشخشة السيف في أضراسه فكبر وكبرت ~~المسلمون لتكبيره فسقط عدو الله يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار ~~وبئس القرار وكان الفضل بن العباس فارسا شديدا وبطلا صنديدا فغاص في وسط ~~المشركين وفتك فيهم والمرزبان حمل على بطريق شرونة فقتله وحمل ابن المنذر ~~على بطريق أهريت فقتله فلما رأى الروم ذلك ولوا الادبار وركنوا إلى الفرار ~~وتبعتهم المسلمون يقتلون ويأسرون ينهبون إلى المكان المعروف بالدير وأهريت ~~وغرق ms767 منهم خلق كثير وقتل منهم ألف وخمسمائة فارس وأسر منهم ألف وخمسمائة ~~وتحصن منهم جماعة من الروم والنصارى في مدينة الجاهل وكانت حصينة فحاصرها ~~المسلمون سبعة أيام وحرقوا الأبواب وهدموا الجدران وأخرجوهم من البيوت ~~وأخرجوا تلك المدينة إلى يومنا وخرج إلى المسلمين نصارى من شرونة وأهرينت ~~وعقدوا مع المسلمين صلحا وأعطوا الجزية وأنزلوا مرة الكلبي في مائتين من ~~أصحابه وغيرهم وابن عمرو بن العاص في المكان المعروف ببناء خالد في مائتي ~~فارس وعبر المسلمين البحر ونزل عامر بالعرب في مائتي فارس قريبا من طنبدا ~~واسنا وببا القرية وارتحل غانم بن عياض رضي الله عنه ببقية الجيش ولما ~~تكاملت المسلمون أرسل بين يديه المسيب بن نجيبة الفزاري والعباس بن مرداس ~~السلمي والفضل بن العباس الهاشمي PageV02P264 # وعامر بن عقبة الجهني وزياد بن أبي سفيان بن الحرث في ألف وخمسمائة فارس ~~فساروا إلى مكان يعرف بالجرنوس وكان هناك قلعة مرج للملك البطليوس وكان في ~~زمن الربيع ينزل هناك بالخيام والمضارب حول القلعة وتجتمع عنده البطارقة ~~ويقيم أشهرا ثم ينزل على الإقليم ثم يعود إلى البهنسا قال الواقدي وأرسل ~~لوص إلى البطليوس يطلب منه جيشا صحبته بطريق من بطارقته فأرسل اليه بطريقا ~~كافرا لعينا اسمه شلقم وبه سميت البلد التي هي قريب من البهنسا وكان الجيش ~~عشرة آلاف فارس والله أعلم قال حدثنا مسلم بن سالم اليربوعي عن شداد بن ~~مازن عن طارق بن هلال أنه كان في خيل العباس بن مرداس السلمي قال بينما نحن ~~نسير إذ رأينا غبرة قد ثارت وكان ذلك وقت الضحى فتأملناها فانكشف عن عشرة ~~أعلام وعشرة صلبان من الذهب الأحمر كل صليب يلمع كأنه كوكب فتأهبنا للحملة ~~وتأهبوا لنا فلم يمهلونا دون أن حملوا علينا وحملنا عليهم وأحاطوا بنا ~~وقاتلت الروم قتالا شديدا ورطنوا بلغتهم وأعلنوا بكلمة كفرهم وصبرنا لهم ~~صبر الكرام وقاتلنا قتال الموت فلله در غانم بن عقبة والمسيب بن نجيبة ~~الفزاري والفضل بن أبي سفيان لقد قاتلوا قتالا شديدا وعصب الفضل رأسه ~~بعصابة حمراء وكذلك ms768 فعل زياد بن أبي سفيان بن الحرث كما كان يصنع عمهما ~~حمزة وقاتلا قتال الموت فلم تكن ألا ساعة وقد قوي الحرب والقتال حتى أشرف ~~علينا الأمير غانم بن عياض الأشعري مع بقية الجيش فقوي قلبنا وكبرنا ~~فأجابونا بالتهليل والتكبير فتقدم الفضل بن العباس إلى بطريق شلقم وكان ~~فارسا شديدا وعليه ديباجة مفصصة بالذهب وفي وسطه منطقة بالذهب مرصعة ~~بالجواهر وقد عصب رأسه بعصابة من الجواهر وبيده عمود من الذهب طوله ثلاثة ~~أشبار وأزيد وهو تارة يضرب بالسيف وتارة يضرب بالعمود فلما رآه الفضل ظن ~~أنه يريده فحمل عليه الفضل وهو ينشد ويقول * يا أيها الكلب اللعين الطاغيا ~~* ومن أتى لجيشنا معاديا * أبشر لقد وافاك ليث ضاريا * بحد سيف في عداه ~~ماضيا * كان له الرب العظيم واقيا * من كل كلب إذ يكون طاغيا * قال فلم ~~يفهم ما يقول الفضل وحمل عليه وتعاركا وتجاولا وضرب الفضل رضي الله عنه ~~فحاد عنها وعطف عليه وانتزع العمود من يده وضربه ضربة هاشمية قرشية أبان ~~بها رأسه عن بدنه ونظر اليه لم يسقط فعاد عليه وهو جثة بلا رأس فتلقاه فارس ~~من المسلمين اسمه زهير فوجده مكلبا بكلاليب في سرجه فنزع الكلاليب فسقط عدو ~~الله كالطود بعد ان تضمخ تاجه ومنطقته PageV02P265 # دماء فقال له الفضل ان السلب لي فخذه لك فقد وهبتك إياه فقال لا أعدمنا ~~الله مكاركم يا بني هاشم وعطف على لوص فقتله وقتل كل أمير بطريقا غيره ~~وحملت المسلمون حملة رجل واحد فبددوا شملهم فولوا منهزمين بين أيديهم ~~واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وينهبون إلى أن وصلوا إلى البحر اليوسفي ~~وألقوهم في مكان قريب من شاقولة فسميت القرية بذلك وتحصنت جماعة بقلعة ~~المرج فأحاط بها المسلمون وحرقوا الأبواب وهدموا الجدران وأستخرجوا ما هناك ~~وقتلوا من الروم مقتلة غظيمة نحوا من ثلاثة آلاف وأسروا نحوا من ألف وقتل ~~من المسلمين ثمانية وأربعون رجلا من أعيانهم سيف الأنصاري رضي الله عنهم ~~أجمعين ودفن هو وأصحابه بمكان الوقعة وكان زياد بن المغيرة وجماعته نزولا ~~في ms769 أماكنهم قريبا من طنبدا كما ذكرنا حول البلد المعروف بدهروط وكان زياد ~~صديقا للأمير أبا سليمان بن خالد بن الوليد فكتب كتابا للأمير خالد بن ~~الوليد يعزيه في ولده أبا سليمان ويقول * يا خالد ان هذا الدهر فجعنا * في ~~سيد كان يوم الحرب مقداما * مجندل الفرس في الهيجا إذا اجتمعت * وللصناديد ~~يوم الحرب خصاما * لا يملك الضد من أبطالنا أملا * ان حاز ساعده القصاص ~~صمصاما * يا طول ما هزم الاعدا بصارمه * أنالهم منه تنكيسا وارغاما * كأنه ~~الليث وسط الغاب إذ وردت * له العدا وعلى الأشبال قد حامى * يا عين جودي ~~بفيض الدمع منك دما * بل واندبي فارسا قد كان ضرغاما * والسيد الفرد عبد ~~الله قد حكمت * به المنايا وحكم الله قد داما * نحم الفتى العلم المقداد ~~خير فتى * قد كان في ملتقى الأعداء هجاما * قال الواقدي فلما وصل الكتاب ~~إلى خالد بن الوليد كان قريبا من الدير ببقية الجيش وهو ينفذ السرايا وأهل ~~البلاد يأتونه بما صالحوه عليه من المال وغيره وقد جهز عبد الرحمن بن أبي ~~بكر الصديق وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعقبة بن نافع الفهري والزبير رضي ~~الله عنهم بألف فارس إلى الفيوم وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ~~فلما ورد الكتاب على خالد سقط إلى الأرض وخر مغشيا عليه ثم أفاق واسترجع ~~وقال لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون ثم ~~قال اللهم أني احتسبت أبا سليمان إليك اللهم اجعله فرطا وذخرا وأعقبني عليه ~~صبرا وأعظم لي بذلك أجرا ولا تحرمني الثواب برحمتك يا أرحم الراحمين ثم قال ~~والله لآخذن فيه ألف سيد من ساداتهم ولأقطعن ساداتهم وفرسانهم وانني أرجو ~~أن آخذ بثأره إن شاء الله تعالى ولأقتلن البطليوس شر قتلة لعلي أشفي بذلك ~~غليل صدري وحرارة كبدي وليكونن على يدي خراب دياره وانهزام جيوشه وزوال ~~ملكه PageV02P266 # وهطلت مدامعه على وجنته أحر من الجمر ثم جعل يسترجع ويقول * جرى مدمعي ~~فوق المحاجر منهمل * وحر فؤادي من ms770 جوى البين يشتعل * وهام فؤادي حين أخبرت ~~نعيه * فليت بشير البين لا كان قد وصل * لقد ذوب الأحشاء وأجرى مدامعي * ~~صبيبا وعن نار الفؤاد فلا تسل * سأبكي عليه كلما أقبل المسا * وما ابتسم ~~الصبح المنبر وما استهل * لقد ذوب الاحشا وأجرى مدامعي * صبيبا وعن نار ~~الفؤاد فلا تسل * وكان كريم العم والخال سيدا * إذا قام سوق الحرب لا يعرف ~~الوجل * أحاطت به خيل اللئام بأسرهم * وقد مكنوا منه المهند والأسل * وعيشك ~~تلقاهم صراعا على الثرى * عليهم يسوق الوحش والطير محتفل * فوا أسفا لو ~~أنني كنت حاضرا * بأبيض ماضي الحد في الحرب مكتمل * وحق الذي حجت قريش ~~لبيته * وأرسل طه المصطفى غاية الامل * لأقتل منهم في الوغى ألف سيد * إذا ~~سلم الرحمن واتسع الاجل * قال الواقدي وأقبلت الامراء يعزون خالدا ومدامعهم ~~تفيض من عيونهم ويقولن أعظم الله لك أجرا وأعقبك عليه صبرا وجعله لك غدا في ~~المعاد ذخرا والله لقد عدمنا القوى وقد أبيد القلب من حشاشتنا واكتوى ونحن ~~لقتله ذاهلون إنا لله وإنا إليه راجعون وكذلك يعزون المقداد في ولده عبد ~~الله وبلغ الخبر عمرو بن العاص بمصر وهو مقيم بها فكتب لهما كتابا بالتعزية ~~وبلغ الخبر المدينة لعمر بن الخطاب فاسترجع هو وبقية الصحابة مثل علي بن ~~أبي طالب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله ومن كان حاضرا من الصحابة ~~بالمدينة الطيبة رضي الله عنهم وكتبوا إلى خالد والمقداد كتابا يعزونهما ~~فلما وصل الكتاب إلى خالد والمقداد اطمأنا لما عليهما من الصبر وما لهما من ~~الأجر والثواب قال الواقدي هذا ما جرى لهؤلاء وأما البطليوس لعنه الله فإنه ~~لما تحقق مجيء العرب إلى مدينة البهنسا فتح خزائن الأموال وفرق المال ~~والسلاح والعدة من الملبوس والدروع وغير ذلك وفرق على البطارقة وعلى غيرهم ~~من الجند وكان هناك بيت مقفل كما ذكرنا فيه صفة العرب وأسماؤهم فأمر بفتحه ~~وهو يظن أن فيه مالا مدخرا فمنعه القسوس والرهبان من ذلك فأبى ففتحه فلم ~~يجد فيه الا صفة العرب وأسماءهم كما ذكرنا ms771 أول الكتاب فنظر لذلك ودخل ~~الكنيسة وجلس على سريره وجمع حوله البطارقة فاستشارهم في أمره فقام شيخ ~~كبير راهب وكان مطاعا عنده مسموع الكلام كبير السن وكان عمره مائة وعشرين ~~سنة فقام وعليه جبة سوداء وعلى رأسه قلنسوة وفي يده عكازه من الآبنوس ملبسة ~~بالعاج والذهب فقرب من الهيكل وتكلم PageV02P267 # بكلام لا يفهم ثم قال بعد ذلك يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية ~~قد كانت دولتكم قائمة وكلمتكم مسموعة ما دمتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وتعدلون في الرعية وتأخذون للمظلوم من الظالم وتنصفون الضعيف من ~~القوي وتواسون الفقير ولا تمدون أيديكم إلى شيء من أموال الناس وتهابون ~~الزنا وكانت الدولة لكم وقلوب الرعية منجذبة إليكم وداعية لكم وكان الملك ~~فيكم ولما لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر وظلمتم الرعية وجرتم في ~~الاحكام وحكمتم بغير الحق ولا تأخذون للضعيف حقه من القوي ومددتم أيديكم ~~إلى أموال الرعية وفشت فيكم المعاصي فتغيرت قلوب الرعية ومدوا أيديهم ~~بالدعاء عليكم ودعاء المظلوم مستجاب وكثرة الظلم خراب فيوشك أن تنزع هذه ~~النعمة من أيديكم وتعود إلى غيركم بكثرة ذنوبكم وشؤم معاصيكم وبدعاء ~~المظلومين عليكم فلأجل ذلك سلطت عليكم العرب فملكوا بلادكم وقتلوا رجالكم ~~ونهبوا أموالكم وسكنوا منازلكم واستولوا على معاقلكم فتيقظوا من غفلتكم ~~وذبوا عن حريمكم وأموالكم ولا تمكنوا العرب من جانبكم وهذه مقالتي لكم ~~جميعا فلما سمع البطليوس لعنه الله كلام القس وما تكلم به التفت إلى ~~بطارقته وجماعته ونوابه وقال هل سمعتم ما قال أبوكم قالوا سمعنا قال فما ~~عندكم من الرأي قالوا نحن معك وبين يديك ونقاتل العرب ولا نطمعهم فينا كما ~~طمعوا في غيرنا وان غلبونا استعددنا للحصار وعندنا من الميرة والعلوفة ما ~~يكفينا عشر سنين وأزيد وبلدنا حصين ولا نسلم أنفسنا والا يكون علينا عارا ~~عند الملوك قال فشكرهم البطليوس على ذلك ووثب قس اخر وكان يناظر ذلك القس ~~في المعرفة واستخرج كتابا معلقا كان عنده في صندوق من الآبنوس مقفل باقفال ~~من الفولاذ وقال يا أهل ms772 دين النصرانية وبني ماء المعمودية اسمعوا ما نعته ~~لكم العلماء والكهان والحكماء انه يبعث نبي في آخر الزمان يسمى محمد بن عبد ~~الله من بني عدنان يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه يبعثه الله نبيا إلى ~~جميع البشر مولده بمكة ودار هجرته طيبة ثم يقيم أعواما ويتوفاه الله تعالى ~~ثم يتولى الأمر من بعده رجل يسمى أبا بكر وتزداد العرب به فخرا ويجهز ~~العساكر إلى الشام ثم لم يلبث إلا أياما قلائل ويتوفاه الله تعالى ويتولى ~~الامر من بعده الرجل الأصلع الأحور المسمى بعمر وهو صاحب الفتوح ومصبح ~~الأعداء بأشأم صبوح تفتح على يديه الأمصار وبيعث سراياه إلى سائر الأقطار ~~وانا نجد في الكتب القديمة أن هذه المدينة تفتح على يد رجل أسمر شجاع غضنفر ~~فارس شديد وبطل صنديد يسمى خالد بن الوليد فان سمعتم قولي وقبلتم فاعقدوا ~~مع العرب صلحا فان الدولة لهم ودينهم الحق ولو قاتلهم أهل المشرق والمغرب ~~غلبوهم ببركة PageV02P268 # الله وببركة نبيهم محمد قال فلما سمع البطارقة كلامه غضبوا غضبا شديدا ~~وأرادوا قتله فمنعهم البطليوس من ذلك وقال له كأنك خفت من سيوف العرب وأنا ~~أعلم أن الرهبان والقسوس لا قلوب لهم لأنهم ليس لهم أكل الا العدس والزيت ~~والليمون والأشياء الرديئة ولا يعرفون اللحم فلأجل ذلك ضعفت قلوبهم فلولا ~~مقامك من قديم الزمان ورؤيتك للملوك القدماء لبطشت بك ولئن عدت إلى مقالتك ~~هذه لأقتلنك شر قتلة قال فسكت القس الراهب وخرج البطليوس من وقته وساعته ~~وجلس في قصره ذي الأعمدة ثم استدعى ببطارقته وخلع عليهم ورفع لهم الاعلام ~~والصلبان وعرض عليه جيشه فإذا هم ثمانون ألفا غير السوقة المشاة فسر بذلك ~~سرورا عظيما ثم استدعى ببطريق من بطارقته يدعى قابيل وكان لا يقطع أمرا ~~دونه فخلع عليه ودفع له الثمانين ألفا وأمره بملاقاة العرب ثم استشار خواص ~~مملكته في الإقامة في البلد أو الخروج إلى ظاهرها فقال له ذوو الرأي من ~~بطارقته أيها الملك انك إذا أقمت في البلد استضعفوا رأينا وأمرنا وإذا كنت ~~بجانب ms773 المدينة لا تجد العرب أن تصل الينا ونجعل البلد خلف ظهرنا ونقاتل من ~~خارج الأبواب ويساعدنا من فوق الأبراج فإذا عظم الامر فلا ندخل المدينة الا ~~من أمر عظيم فاستصوب رأيهم ثم أنه أمر الفراشين أن يخرجوا الخيام ~~والسرادقات والقباب بظاهر المدينة وأخرجوا له سرادقا عظيما سعته سبعون ~~ذراعا وارتفاعه مثل ذلك على أعمدة من الخشب المصفح بالذهب والفضة وهو من ~~الحرير الملون الأزرق والأحمر والأخضر والأبيض والأصفر والأسود ومقضب ~~بقضبان الذهب والفضة مرصع باللؤلؤ وفيه تصاوير من داخله ومن خارجه من جميع ~~أجناس الطير والوحوش والكواكب وفرش فيه من الفرش وبسط الحرير الملون ووضع ~~فيه المساند والوسائد والأنطاع وأطناب السرادقات حرير ملون بأوتاد من عاج ~~وآبنوس في حلق من ذهب وفضة وعلق فيه قناديل وسلاسل من ذهب وفضة ووضع فيه ~~سريرا من خشب الساج المنقوش المصفح بالذهب الوهاج على قوائم بزمامين من ذهب ~~وفضة طوله سبعة أذرع وعرضه مثل ذلك وارتفاعه مثل ذلك يصعد اليه بدرج من خشب ~~مصفح بصفائح من ذهب وفضة وعليه فرش من حرير ووسائد ومساند ونمارق وحوله ~~ثمانين كرسيا مصفحة بالخشب الآبنوس يجلس عليها أرباب الدولة وأصحاب الصولة ~~وضرب حوله من الخيام والسرادقات ما لا يوصف له عد قال الراوي حدثنا جماعة ~~من الصحابة ممن شهد الفتح وعاين السرادقات انه لما هرب الملعون ودخل ~~المدينة وكان السرادق منصوبا مقابل PageV02P269 # الباب البحري المعروف بباب قندوس أمر بطريقا من بطارقته أسمه سمعان أن ~~ينصب سرادقه الذي وهبه له عند باب توما وهو الباب القبلي وأمر بطريقا اسمه ~~اصطافين أن ينزل في الجانب الشرقي قريبا من القناطر على ساباط معقود على ~~أعمدة من الحجارة فأمره أن ينزل ومعه عشرة آلاف فارس حول القلعة قال هبار ~~بن أبي سفيان أو سلمة بن هاشم المخزومي ما نزلنا على مدينة من مدائن الشام ~~ولا رأينا أكثر عددا ولا أكثر زينة من مدينة البهنسا ولا أقوى قلوبا منهم ~~وأكثروا من الصلبان ونصبوا السرادقات والمنجنيقات على الاسوار وأسبلوا على ~~الاسوار جلود الفيلة المصفحة ms774 بصفائح الفولاذ ورتبوا الرماة والمجانيق ~~والسهام وغير ذلك قال الراوي هذا ما جرى لهؤلاء وأما الأمير عياض بن غانم ~~الأشعري رضي الله عنه فإنه لما قرب من البهنسا استشار أصحابه مثل أبي ذر ~~الغفاري وأبي هريرة الدوسي ومعاذ بن جبل وسلمة بن هاشم المخزومي ومالك ~~الأشتر النخعي وذي الكلاع الحميري رضي الله عنهم ومعهم ألفان من أصحابهم ~~وأمرهم بالنزول في الجهة الشرقية وقال لهم ان قاتلوكم قاتلوهم ونازلوا ~~القلعة حتى تأخذوها وعبر الأمير عياض من الجهة البحرية ومعه أصحاب الرايات ~~والامراء والطليعة من هؤلاء السادات وهم الفضل بن العباس وأخوه عبيد الله ~~بن العباس وشقران وصهيب ومسلم وجعفر وعلى أولاد عقيل بن أبي طالب وعبد الله ~~بن جعفر وزياد بن أبي سفيان وتتابعت خلفهم السادات وأصحاب المروءات مثل ~~نعيم بن هاشم بن العاص وهبار بن أبي سفيان وعبد الله بن عمرو الدوسي وسعيد ~~بن زبير الدوسي وحسان بن نصر الطائي وجرير بن نعيم الحيري وسالم بن فرقد ~~اليربوعي وسيف بن أسلم الطائفي ومعمر بن خويلدة السبكي وسنان بن أوس ~~الأنصاري ومخلد بن عون الكندي وابن زيد الخيل ومثل هؤلاء السادات أصحاب ~~الرايات رضي الله عنهم وتتابعت الكتائب يتلو بعضها بعضا وعبروا إلى الجانب ~~الغربي فبينما هم سائرون وإذا بعدو الله قابيل قد أقبل بالبطارقة المتقدم ~~ذكرهم فلما التقى الجمعان عند سفح الجبل تحت المغارة أشار إلى أصحابه ~~فأمسكوا عن المسير وتقدم إلى رابية عالية والى جانبه رجل من العرب المتنصرة ~~وأمره بأن ينادي برفيع صوته قربوا إلى البطريق رجلا منكم ذا خبرة بكلمة ~~فوثب اليه جرير الحيري وأتى إلى عياض وقال أيها الأمير أتأذن لي أن أكلمه ~~قال نعم ان طلبوا الصلح ورفعوا القتال صالحناهم حتى يحضر الأمير خالد بن ~~الوليد ويفعل أمره وان أرادوا القتال قاتلناهم واستعنا بالله تعالى عليهم ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل قال الراوي فعندها سار حتى وقف بإزاء البطريق وقال ~~له سل PageV02P270 # حاجتك فقال له أأنت أمير القوم قال لا ولكني متكلم عن الأمير فقال له ms775 لم ~~تركتم بلاد الشام والنعم العظام وأتيتم إلى هذه البلاد وكنتم في بلاد ~~الحجاز تقاسون جوعا وعريا فذقتم فواكه الشام وثمار الحجاز وخيرات اليمن فلم ~~يكفكم ذلك حتى أتيتم إلى مصر وقهرتم القبط وأتيتم إلى بلاد الفرس وقهرتم ~~ملوكها ولم تكتفوا حتى أتيتم الينا وهجمتم علينا في بلادنا وقتلتم ابطالنا ~~ونهبتم أموالنا ونحن نتغافل عنكم ونهمل أمركم حتى غلظت شوكتكم وقصدتم ~~مدينتنا التي هي دار ملكنا ومحل ولايتنا ولقد طلبها من قبلكم من الفراعنة ~~والجبابرة والقبط والقياصرة والأكاسرة والجرامقة ورجعوا خائبين وأنتم هجمتم ~~علينا وقتلتم رجالنا فقولوا لنا ما الذي تريدون منا فان كنتم تريدون مالا ~~وترجعون عنا قمت أنا عن الملك بذلك وترحلون عنا وتردون لنا ما ملكتم من ~~بلادنا وان الملك لا يخالف لي أمرا فأخبروني ما الذي تريدون وما الذي ~~تطلبون فقال له جرير أفرغت من كلامك فقال له نعم قال له جرير خذ جوابك أما ~~قولك كنا في ضيق حال فهو كما ذكرت ولكن أنعم الله علينا بالاسلام وهو أول ~~نعمة أمرنا بالجهاد وان الله تعالى أباح لنا أموال المشركين ما داموا ~~محاربين وأمرنا أن نجاهدكم حتى تؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون أو تسلموا ~~أو تقاتلوا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين وأما قولك المال فليس هو غرضنا ~~ولا متاع الدنيا شهواتنا وان بلادكم عن قريب تكون لنا وأموالكم غنيمة لنا ~~نتقاسمها قال الواقدي فلما سمع البطريق الكلام غضب غضبا شديدا وقال أنا كفء ~~لكم دون الملك ثم أمر أصحابه بالحملة على جرير قال فما لويت عنان جوادي الا ~~والخيل قد ركبتني فعندها تواثب المسلمون واقتتلوا قتالا شديدا وتبادرت ~~الرجال وزمجرت الابطال وزحفت الافيال وتراشقوا بالنبال وتضاربوا بالنصال ~~وتطاعنوا بالعوال والتقى الجمعان واصطدم الفريقان واشتد النزال وكثرت ~~الأهوال وتقاتلت الفرسان وولى الجبان حيران فلله در المغيرة بن شعبة وعون ~~بن ساعدة وعبادة بن تميم والفضل بن العباس رضي الله عنه لقد قاتلوا قتالا ~~شديدا وأبلوا بلاء حسنا ولم يزل القتال يشتد من ارتفاع الشمس إلى ms776 الغروب ~~فعندها وثب عبد الله بن جعفر إلى قابيل وضربه ضربة فحاد عنها عدو الله وولى ~~هاربا وحمته جماعة نحو ثلاثمائة فارس ولم يزل الفريقان في قتال ونزال إلى ~~أن غابت الشمس وافترق الجمعان وقد قتل من المسلمين نحو خمسين رجلا ختم الله ~~لهم بالشهادة وقتل من الروم نحو ألفي فارس قال واجتمعت الروم حول قابيل حين ~~ولى هاربا إلى أن وصل إلى البطليوس فلما رآهم وبخهم وقال لهم بأي وجه تفرون ~~من العرب ولم تصبروا PageV02P271 # لهم وقد فشلتم وجزعتم فقال له قابيل أيها الملك ليس الخبر كالعيان وهؤلاء ~~ليسوا بأنس وانما هم جن في القتال ولولا الاجل حصين ما عدت إليك فغضب الملك ~~وقال اسكت قد تمكن رعب العرب من قلبك وستنظر ما يكون من أمرهم ثم بات في ~~قلق شديد حتى أصبح الصبح ولم يأمر قومه بالركوب وقال أمهلوا حتى أنظر ما ~~يكون من أمرهم ذكر فتوح البهنسا ونزول الصحابة وقتل البطريق قال الراوي ~~ولما أصبح المسلمون صلوا صلاة الصبح تبادروا إلى خيولهم فركبوها فلم يجدوا ~~لأعداء الله خبرا ولا أثرا وتيقنوا أنهم انهزموا ومضوا إلى مدينتهم فسارت ~~المسلمون إلى أن قربوا من البهنسا فلاحت لهم المضارب والخيام والسرادقات ~~والاعلام قال الراوي حدثنا قيس بن منهال عن عامر بن هلال عن ابن زيد الخيل ~~قال لما أشرفنا على مدينة البهنسا ورأينا تلك المضارب قال عياض رضي الله ~~عنه اللهم اخذلهم وانصرنا عليهم اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق ~~منهم أحدا واخزهم انك على كل شيء قدير وأمن المسلمون على دعائه قال فلما ~~أقبلنا على مدينة البهنسا كبرنا وهللنا فخرجوا إلى ظاهر الخيام وبأيديهم ~~السيوف والدرق والقسي والنبال ورأينا خلقا كثيرة على الأبراج وأراد جماعة ~~من العرب الحملة عليهم فمنعهم الأمير وبقية الامراء من ذلك وقالوا لا حملة ~~الا بعد انذار ثم إنهم لم يأتوا الينا ولا ناوشونا بقتال واستقلونا في ~~أعينهم قال الواقدي ونزل المسلمون بجانب الجبل عند الكثيب الأصفر قريبا من ~~البياض الذي على المغارة نحو ms777 المدينة هذا ما جرى لهؤلاء وأما أبو ذر ~~الغفاري وأبو هريرة الدوسي ومعاذ بن جبل ومسلمة بن هاشم ومالك الأشتر وذو ~~الكلاع الحميري فإنهم ساروا حتى نزلوا قريبا من القوم وباتوا تلك الليلة ~~فلما أصبحوا خرج أعداء الله للقائهم فقال مالك الأشتر يا قوم ان أعداء الله ~~خرجوا للقائكم فاشغلوهم بالقتال وأرسلوا جماعة منكم يملكون الجسر واستعينوا ~~بالله فعندها خرج المرزبان ومعه ثلاثمائة فارس حتى وصلوا إلى الجسر ~~والحجارة تتساقط عليهم من أعلى السور حتى ملكوا الجسر وجعلوا في أماكن ~~المخاضات حراسا بسيوف محدودة واقتتل المسلمون وأعداء الله قتالا شديدا ~~وثبتوا في القتال سبعة أيام وكلما أتوا إلى مكان المخاضة وجدوه مربوطا ~~بالرجال وصار كل ليلة تهرب منهم جماعة من الروم ويهيمون على وجوههم يريدون ~~الصعيد فتلقاهم رافع ابن عميرة الطائي ومعه سرية من أصحاب قيس بن الحرث عند ~~البلد المعروف بادقار وكانوا حوالي البحر PageV02P272 # اليوسفي يشنون الغارات على تلك السواحل فبينما هم كذلك يسيرون إذ سمعوا ~~دوي حوافر الخيل فظنوا أنهم مسلمون فكلموهم فلم يرد عليهم أحد فلحقوهم ~~وحملوا عليهم وكانوا ستمائة فارس ففروا من بين أيديهم فقتلوا منهم نحو ~~مائتين وهرب الباقون وقتل من المسلمين ثلاثة وهرب الروم نحو المخاضة فغرق ~~منهم مائة وأسروا منهم مائتين وهرب الباقون وسألوهم عن سبب خروجهم فأخبروهم ~~انهم يرودون فعند ذلك أوثقوهم كتافا وأتوا بهم مكتفين مع نفر من المسلمين ~~إلى أن أوصلوهم إلى عياض بن غانم الأشعري فأعلنوا بالتهليل والتكبير ~~والصلاة على البشير النذير واقبلوا نحوهم ففرحوا بالأسارى ثم عرضوهم على ~~الامراء المتقدم ذكرهم فعرضوا عليهم الاسلام فأبوا فضربت أعناقهم والروم ~~ينظرون إلى ذلك ثم زحفت عليهم الصلبان واقتتلوا قتالا شديدا وحمي الحرب ~~وكثر الطعن والضرب من ارتفاع الشمس إلى وقت العصر وفشا القتل في الروم فلما ~~رأوا ذلك ولوا الادبار وركنوا إلى الفرار وصعدوا على القلعة وغلقوا الأبواب ~~واستعدوا للحصار ونصبوا آلات القتال قال هذا ما جاء لهؤلاء وأما الصحابة ~~رضي الله عنهم فإنهم نزلوا في سفح الجبل والوادي في ms778 المكان المتسع من الجهة ~~البحرية والجهة الغربية فلما جاء الليل أوقدوا نيرانهم واجتمعت كل قبيلة ~~ببني عمها يقرءون القرآن ويصلون على محمد أشرف ولد عدنان وما فيهم الا من ~~هو راكع أو ساجد أو داع لله عز وجل لعله أن ينصرهم على عدوهم وباتت الروم ~~اللئام يشربون الخمر داخل المدينة وخارجها وقد أعلنوا بكلمة كفرهم حتى ضجت ~~منهم أرض البهنسا واستغاثت إلى الله عز وجل فناداها بلسان القدرة اسكتي يا ~~بهنسا فوعزتي وجلالي لاهلكنهم ولاسكننك قوما يوحدوني من خيار خلقي ولاجعلن ~~تلك البيع مساجد للصلاة والجمع فلما سمعت الأرض الخطاب من قبل رب الأرباب ~~مالت فرحا واهتزت طربا وبقيت منتظرة وعد ربها بزوال كربها فلما يكن الا ~~قليل حتى أزال الله عنها أهل الكفر والطغيان وعبدة الصلبان وأسكنها خير أمة ~~أخيار من المهاجرين والأنصار من أصحاب محمد المختار يصلون بها آناء الليل ~~وأطراف النهار وجعلت البرية مدافن للسادات الشهداء الأطهار وصار عليها بعد ~~الظلام أنوار وصارت زيارتها تحط الخطايا والأوزار قال الواقدي ولما أصبح ~~الصباح صلى المسلمون صلاة الصبح وجلسوا ينتظرون ما يكون من أمر الروم وإذا ~~بقس قد أقبل راكبا بغلة وعليه مدرعة من شعر وقلنسوة وزنار فسار حتى وصل ~~قريبا من العسكر ثم PageV02P273 # تكلم بلسان عربي وقال يا مسلمين أريد أمير العرب قال الراوي حدثنا قيس بن ~~شماس عن كعب بن همام عن شداد بن أوس وكان من أصحاب الرايات قال بينما نحن ~~جلوس نتحدث مع الأمير عياض بن غانم إذ أقبل عبد الله بن عاصم وأخبر عن ذلك ~~القس قال فأذن له الأمير عياض بالدخول فدخل القس فوجد الأمير عياضا جالسا ~~في خيمته على فراش من أدم وحشوه من ليف وفرش المشركين التي اكتسبوها مطوية ~~على جانب وحوله السادات والامراء رضي الله عنه كلهم جلوس حوله وهو كأنه ~~أحدهم وسيوفهم على أفخاذهم وعليهم هيبة ووقار فلما دخل القس اندهش وحار ~~وأخذه الانبهار ثم التفت يمينا وشمالا وقال يا قوم أيكم الأمير حتى أكلمه ~~فإنكم كلكم أراكم سادات ms779 وامراء وعليكم هيبة ووقار فأشاروا إلى الأمير عياض ~~فالتفت اليه وقال يا فتى أنت أمير قومك قال كذلك يزعمون ما دمت على طاعة ~~الله عز وجل فقال له القس ان الملك البطليوس قد أرسلني إليكم يريد ذا الرأي ~~والخبرة ليسأله عن أمركم فلعل أن يكون ذلك سبب حقن الدماء بينكم وبينه قال ~~فعندها التفت الأمير عياض إلى أصحابه وقال ما تقولون فيما أتاكم به هذا ~~القس ومن ينطلق اليه ويخاطبه ويعود الينا قال فوثب المغيرة بن شعبة وقال ~~أنا أمضي اليه وأريد معي عشرة رجال من الامراء ذوي المروءة والباس فقال له ~~الأمير اختر من شئت وفقك الله وسددك وردك الينا سالما غانما أنت ومن معك ~~قال فالتفت وراءه وقال أين سعيد بن عبد القادر اين أبو أيوب الأنصاري أين ~~خالد بن زيد الأنصاري أين زيد اين ثابت الأنصاري أين مسعود البدري أين جرير ~~بن مطعم أين أبو يزيد العقيلي أين معاوية بن العكم الثقفي أين عمار بن حصين ~~أين زيد بن أرقم فأجابوه بالتلبية فقال لهم خذوا أهبتكم وانطلقوا معي على ~~بركة الله وعونه قال فتبادر هؤلاء الامراء السادات إلى خيامهم ولبس كل واحد ~~درعه وتنكبوا بحجفهم وتقلدوا بسيوفهم واعتقلوا برماحهم قال الواقدي ثم إن ~~المغيرة رضي الله عنه دخل إلى خيمته ولبس درعه وشد وسطه بمنطقته وهي من ~~الادم وفيها خنجران واحد عن اليمين وواحد عن الشمال وتقلد بسيف من جوهر ~~واعتقل برمح أسمر وركب جواده الأدهم وأخذ كل واحد منهم عبده راكبا على بغلة ~~وودعهم فالتفت الأمير عياض وقال للمغيرة اعرف يا أبا شعبة ما تكلم به هذا ~~الملعون فما عرفتك الا مفلح الحجة فادعه إلى الاسلام وما فرض عليه من ~~الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وما أبيح من الحلال وما حرم من ~~الحرام فان أبى فالجزية في PageV02P274 # كل عام فان أبي فالقتال بحد الحسام ونرجو النصر من الملك الديان بجاه ~~محمد خير الأنام قال فقال المغيرة أرجو من الله الملك الوهاب المعونة في رد ~~الجواب وسارت ms780 الامراء والقس أمامهم راكب على بغلة وعبيدهم خلفهم على بغالهم ~~وكل عبد عليه لامة حربه وساروا وهم معلنون بالتهليل والتكبير والصلاة على ~~البشير النذير قال زياد بن ثابت ولما فارق القوم الأمير عياضا نظرت اليه ~~وعيناه تذرفان بالدموع حتى بلت دموعه لحيته وهو يقرأ القرآن فقلت أنا أيها ~~الأمير ما هذا البكاء فقال لي يا ابن ثابت هؤلاء والله أنصار الدين فان ~~أصيب رجل منهم فما يكون عذري عند الله عز وجل قال وسار المغيرة وأصحابه حتى ~~أشرفوا على عسكر العدو وإذا هو ملء الأرض وهو نازل حول مدينة البهنسا فصاح ~~المغيرة ومن معه يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فبينما هم كذلك إذ أقبل إليهم بطريق ومعه رجل من العرب المتنصرة راكب إلى ~~جانبه ومعهما نحو مائة ألف فارس وساروا بين أيديهم حتى وصلوا إلى قريب ~~سرادق الملك ولاح البطليوس وهو جالس على السرير فعند ذلك خرج لهم الحجاب ~~والنواب وأرباب الدولة والصولة وقالوا قد وصلتم وبلغتم إلى سرادق الملك ~~فانزلوا عن خيولكم وانزعوا سيوفكم فقال المغيرة أما خيولنا فننزل عنها وأما ~~سيوفنا فلا ننزعها فإنها عزنا وما كنا بالذي ينزع عزه الذي يعتز به دهره ~~قال فأخبر الحجاب الملك بذلك فقال دعوهم يدخلون بسيوفهم فنادتهم الحجاب ~~ادخلوا قال الواقدي فعندها ترجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~خيولهم وأمسكوها لعبيدهم وأقبلوا يتبخترون في مشيهم ويجرون حمائل سيوفهم ~~ويخترقون صفوف الكفار وهم لا يهابونهم إلى أن وصلوا إلى سرير الملك فدخلوا ~~إلى أن وصلوا إلى النمارق والفرش والديباج والملك جالس على سريره ولما نظر ~~المسلمون إلى ذلك عظموا الله تعالى وكبروه فارتج السرادق وتغيرت ألوان ~~القوم وصاح بهم الحجاب قبلوا الأرض للملك فلم يلتفتوا إليهم قال المغيرة لا ~~ينبغي السجود الا للملك المعبود ولعمري كانت هذه تحيتنا قبل فلما بعث الله ~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك فلا يسجد بعضنا لبعض قال ~~فسكتوا قال فأمر الملك بكراسي من ms781 ذهب وفضة فنصبت لهم فلم يجلسوا عليها ~~وكانوا من حين دخلوا أمروا بعض عبيدهم أن يطووا البسط من تحت أرجلهم إلى أن ~~وصلوا إلى فرش الديباج فشالوها على جنب فقالت لهم البطارقة قد أسأتم الأدب ~~معنا إذ لم تسجدوا للملك ولم تمشوا على فرشنا فقال المغيرة ان الأدب مع ~~الله تعالى أفضل من الأدب معكم والأرض أطهر من فرشكم لان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول جعلت لي الأرض مسجدا PageV02P275 # وطهورا وقال الله تعالى * (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى) * قال الواقدي لم يكن بين البطليوس والصحابة ترجمان لأنه كان أعرف ~~أهل زمانه بلسان العربية فعند ذلك أمرهم بالجلوس فقال المغيرة اما أن تنزل ~~عن سريرك وتكون معنا على الأرض أو تأذن لنا بالجلوس معك على السرير لأن ~~الله تعالى شرفنا بالإسلام قال فأشار لهم بالجلوس معه على السرير بعد أن ~~أزالوا تلك الفرش وجلس المغيرة إلى جانبه فالتفت البطليوس لعنه الله إليهم ~~وقال لهم أيكم المتكلم عن أصحابه فأشاروا إلى المغيرة رضي الله عنهم ~~والصحابة جلوس وأيديهم على مقابض سيوفهم فالتفت البطليوس إلى المغيرة وقال ~~له ما اسمك فقال عبد الله المغيرة فقال يا مغيرة اني اكره أن أبدأك بالكلام ~~فقال المغيرة تكلم بما شئت فأن عندي لكل كلام جوابا ثم إن البطليوس أفصح في ~~كلامه وقال الحمد لله الذي جعل سيدنا المسيح أفضل الأنبياء وملكنا أفضل ~~الملوك ونحن خير سادة فقطع عليه المغيرة فقالت الحجاب والنواب لقد أسأت ~~الأدب مع الملك يا أخا العرب فابي المغيرة أن يسكت وقال الحمد لله الذي ~~هدانا للاسلام وخصنا من بين الأمم بمبعث محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ~~فهدانا به من الضلالة وأنقذنا به من الجهالة وهدانا إلى الصراط المستقيم ~~فنحن خير أمة أخرجت للناس نؤمن بنبينا ونبيكم وبجميع الأنبياء وجعل أميرنا ~~الذي هو متولي علينا كأحدنا لو زعم أنه ملك وجار عزلناه عنا فلسنا نرى له ~~فضلا علينا الا بالتقوى وقد جعلنا الله نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ms782 ونقر ~~بالذنب ونستغفر منه ونعبد الله وجه لا شريك له ولو أذنب الرجل منا ذنوبا ~~تبلغ مثل الجبال فتاب قبلت توبته وان مات مسلما فله الجنة قال فتغير لون ~~البطليس ثم سكت قليلا وقال الحمد الله الذي ابتلانا بأحسن البلاء وأغنانا ~~من الفقر ونصرنا على الأمم الماضية ولقد كانت جماعة منكم قبل اليوم يأتون ~~إلى بلادنا فيمتارون البر والشعير وغيره ونحسن إليهم وكانوا يشكرونا على ~~ذلك وأنتم جئتمونا بخلاف ذلك تقتلون الرجال وتسبون النساء وتغنمون المال ~~وتنهبون المدائن والحصون والقلاع وتريدون أن تخرجونا من بلادنا وديارنا ~~وأنتم لم تكن أمة من الأمم أضعف حالا منكم لأنكم أهل الشعير والدخن وجئتم ~~بعد ذلك تطمعون في بلادنا وأموالنا وحولنا جنود كثيرة وشوكتنا شديدة ~~وعصابتنا عظيمة ومدينتنا حصينة والذي جرأكم علينا أنكم ملكتم الشام والعراق ~~واليمن والحجاز وارتحلتم إلى بلادنا وأفسدتم كل الفساد وخربتم المدائن ~~والقلاع ولبستم ثيابا فاخرة وتعرضتم لبنات الملوك والبطارقة وجعلتموهن خدما ~~PageV02P276 # لكم واكلتم طعاما طيبا ما كنتم تعرفونه وملأتم أيديكم بالذهب والفضة ~~والمتاع الفاخر واللآلىء والجواهر ومعكم متاعنا وأموالنا التي من قومنا ~~وأهل ديننا ونحن نترك لكم ذلك جميعه ولا ننازعكم عليه ولا نؤاخذكم بما تقدم ~~من فعلكم من قتل رجالنا ونهب أموالنا والآن فارحلوا عنا واخرجوا من بلادنا ~~فان فعلتم فتحنا خزائن الأموال وأمرنا لكل رجل منكم بمائة دينار وثوب حرير ~~وعمامة مطرزة بالذهب ولاميركم هذا ألف دينار وعشرة عمائم وعشرة ثياب ولكل ~~أمير منكم كذلك وللخليفة عليكم عشرة آلاف دينار ومائة ثوب حرير ومائة عمامة ~~بعد ان نستوثق منكم بالايمان انكم لا تعودون إلى الإغارة على بلادنا هذا ~~كله والمغيرة ساكت فلما فرغ البطليوس من كلامه قال له المغيرة قد سمعنا ~~كلامك فاسمع كلامنا ثم قال الحمد لله الواحد القهار الفرد الصمد الذي لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال له البطليوس نعم ما قلت يا بدوي ~~فقال المغيرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المرتضى ~~ونبيه المجتبى فقال ms783 له البطليوس لعنه الله لا أدرى أن محمدا رسول الله ~~ولعله كما يقال حبيب الرجل دينه ثم التفت إلى المغيرة وقال يا عربي ما أفضل ~~الساعات فقال ساعة لا يعصي الله فيها قال صدقت يا أخا العرب لقد بان لي ~~رجحان عقلك فهل في قومك من له رأي مثل رأيك وحزم مثل حزمك قال نعم في قومنا ~~وعسكرنا أكثر من ألف رجل لا يستغني عن رأيهم ومشورتهم وخلفنا أمثال ذلك وهم ~~قادمون الينا عن قريب فقال البطليوس ما كنا نظن ذلك منكم وانما بلغنا عنكم ~~انكم جماعة جهال لا عقول لكم فقال المغيرة كنا كذلك حتى بعث الله فينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فهدانا وأرشدنا فقال البطليوس لقد أعجبني كلامك ~~فهل لك في صحبتي فقال المغيرة يسرني ذلك إذا فعلت ما أقول لك قال ما هو قال ~~تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قال البطليوس لا سبيل إلى ~~ذلك ولكن أردت أن أصلح الامر بيني وبينكم قال المغيرة رضي الله عنه الامر ~~إلى الله وأما قولك لنا انا أهل فقر وبؤس وضر فقد كنا كذلك وكنا أهل جاهلية ~~لا يملك أحدنا غير فرسه وقوسه وابله وكنا لا نعظم الا الأشهر الحرم حتى بعث ~~الله الينا نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم نعرف أصله ونسبه صادقا أمينا ~~نقيا اماما رسولا أظهر الاسلام وكسر الأصنام وختم به النبيين وعرفنا عبادة ~~رب العالمين فنحن نعبد الله ولا نعبد غيره ولا نتخذ من دونه وليا ولا نصيرا ~~ولا نسجد الا لله وحده لا شريك له ونقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقد ~~أمرنا أن نجاهد من كفر بالله واتخذ مع الله شريكا جل ربنا وعلا وهو واحد لا ~~تأخذه PageV02P277 # سنة ولا نوم فمن اتبعنا كان من اخواننا وله ما لنا وعليه ما علينا ومن ~~أبى الاسلام فالجزية يؤديها عن يد وهو صاغر فمن أداها حقن الله دمه وماله ~~ومن أبى الاسلام والجزية فالسيف حكم بيننا وبينه والله خير ms784 الحاكمين وهي ~~على كل محتلم في العام دينار وليس على من يبلغ الحلم جزية ولا على امرأة ~~ولا على راهب منقطع في صومعته فقال البطليوس لقد فهمت قولك عن الاسلام فما ~~قولك عن الجزية عن يد وهو صاغر فاني لا أدري ما الصغار عندكم فقال المغيرة ~~رضي الله عنه وأنت قائم والسيف على رأسك فلما سمع البطريق كلام المغيرة غضب ~~غضبا شديدا ووثب قائما ووثب المغيرة من موضعه وانتضى سيفه من غمده وكذلك ~~فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفعله وهم يقولون لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله قال الراوي حدثنا مسلم بن عبد الحميد عن طارق بن هلال عن ~~عبد الله بن رافع قال كنا مع المغيرة وجذبنا السيوف ووثبنا على القوم ~~وأخذتنا غيرة الاسلام وما في أعيننا من جيوش البطليوس شيء وعلمنا ان المحشر ~~من ذلك الموضع فلما رأى البطليوس منا ذلك وتبين له الموت من شفار سيوفنا ~~نادى مهلا يا مغيرة لا تعجل فنهلك وأنا أعلم انك رسول والرسول لا يقتل ~~وانما تكلمت بما تكلمت لاختبركم وأنظر ما عندكم والآن لا نؤاخذكم فاغمدوا ~~سيوفكم قال فأغمدنا سيوفنا وتقدم المغيرة حتى صار في مكان البطليوس وزحزحه ~~إلى آخر السرير وكان المغيرة رجلا جسيما فاتكأ عليه حتى كاد أن يخلع فخذه ~~من موضعه قال ثم التفت إلى المغيرة وقال ما قولكم في المسيح بن مريم قال ~~المغيرة عبد الله ورسوله قال فمن أي شيء خلق قال خلقه الله من تراب ثم قال ~~له كن فكان ودل على ذلك القرآن العظيم قال عز وجل * (إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) * قال فما الدليل على أن الله ~~واحد فقال المغيرة القرآن العظيم قوله تعالى على لسان نبيه قل هو الله أحد ~~الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال له البطليوس ما رأيت ~~مثل حذقك وجوابك يا أعور وكان المغيرة رضي الله عنه أصيب في ms785 احدى عينيه يوم ~~اليرموك فقال له المغيرة ان ذلك لا يعيبني ولقد أصيبت عيني في الجهاد في ~~سبيل الله من كلب مثلك وأخذت بثأري من الذي فعل بي ذلك فقتلته وقتلت جملة ~~منهم والثواب من الله عز وجل أعظم من ذلك فقال البطليوس ما أحذق جوابك فهل ~~في قومك مثلك قال قد قلت لك فينا أهل العلم والرأي ومن لا أساوي في علمهم ~~شيئا وأنا رجل بدوي فلو رأيت علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المختار مقاتل الكفار ومبيد الفجار والليث الكرار PageV02P278 # والبطل المغوار قال أهو معكم في هذا الجيش فقد سمعت بشجاعته وبراعته ~~وأريد أن أنظر اليه فقال له المغيرة قاتلك الله ان الامام عليا كرم الله ~~وجهه أعظم قدرا من أن يسير إلى مثلك قال فهل أحد غيره قال نعم مثل أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو خليفتنا وعثمان بن عفان وعبد ~~الرحمن وسعيد وسعد وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم وأمراء متفرقين في ~~الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر كل أمير يقوم بألف مثلك في الشجاعة ~~والبراعة وغير ذلك وأما سيف الله الأمير خالد بن الوليد أمير هذا الجيش ~~ومعه عصابة من الامراء فكأنك به وقد أقبل علينا برجال سادات شداد وأمراء ~~أمجاد فقال له عند ذلك اني أريد أن أصلح الامر بيني وبينكم وأريد قبل الحرب ~~أن انظر إلى جماعة ممن ذكرت قال الراوي وكان عدو الله أراد أن يغدر بأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ففهم المغيرة منه ذلك فقال غداة غد آتيك منهم ~~برجال تنظر إليهم قال ففرح عدو الله وأضمر المكر لأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورد الله كيده في نحره قال الراوي ثم وثب المغيرة وأصحابه وخرجوا ~~من عند البطليوس وما صدقوا بالنجاة وركبوا خيولهم وأمر البطليوس حجابه ~~ونوابه أن يسيروا معهم إلى قريب من عسكرهم قال ووصل المغيرة وأصحابه إلى ~~الأمير عياض بن غانم الأشعري وحدثه بما جرى له ms786 مع البطليوس فقال عياض وحق ~~صاحب الروضة والمنبر ما ترككم الا خوفا من سيوفكم وهذا رجل حكيم الا ان ~~الشيطان قد غلب على عقله قال الراوي ولم يناموا تلك الليلة الا وقد أخذوا ~~أهبتهم للحرب واستعدوا فلما أصبح الصباح أذن المؤذنون في عسكر المسلمين ~~فأسبغوا الوضوء وصلوا الصبح ثم ركبوا خيولهم وقد علموا أن العدو مصبحهم وقد ~~عبوا صفوفهم وكانت الجواسيس من العرب يدخلون في عسكرهم وينقلون الاخبار ~~ووصلت جواسيس عياض بن غانم اليه وأعلموه بذلك وان الروم متأهبون للقتال ~~فرتب جيشه ميمنة وميسرة فجعل في الميمنة الفضل بن العباس وجعل في الميسرة ~~أبا أيوب الأنصاري وجعل في القلب القعقاع بن عمرو التميمي قال حدثنا قيس بن ~~عبد الله قال حدثنا مالك بن رفاعة عن سعيد بن عمرو الغنوي قال حضر أرض ~~البهنسا عشرة آلاف عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم سبعون بدريا ~~والامراء وأصحاب الرايات نحو ألف وأربعمائة ودفن بأرض البهنسا من الصحابة ~~والسادات نحو خمسة آلاف وسيأتي ذكر PageV02P279 # ذلك إن شاء الله تعالى قال الراوي وكان على الرجالة معاذ بن جبل وعلى ~~الساقة والنسوان والصبيان سعد بن عبد القادر والضحاك بن قيس قال وصار ~~الأمير عياض يتخلل الصفوف ويقول الله الله الجنة تحت ظلال السيوف يا أهل ~~الاسلام اعلموا أن الصبر مقرون بالفرج وان الله مع الصابرين والصابرون هم ~~الغالبون وان الفشل سبب من أسباب الخذلان فمن صبر على حد السيف فإذا قدم ~~على الله أكرم منزلته وشكر سعيه والله يحب الصابرين وصار يقول ذلك لأصحاب ~~الرايات قال وما فرغ الأمير عياض من تعبية الصفوف الا وعساكر البطليوس ~~والروم قد أقبلت ومعهم النصارى والفلاحون والعرب المتنصرة وأمامهم صليب من ~~الذهب الأحمر زنته خمسة أرطال وفي أربعة جوانبه أربع جواهر كالكواكب قال ~~حدثني سنان بن الحرث الهمداني عن شداد بن أوس وكان ممن حضر الفتوح إلى ~~آخرها قال وأقبلت الصلبان وأنا أعدها صليبا بعد صليب حتى عددت ثمانين صليبا ~~تحت كل صليب ألف ومعهم القسوس والرهبان وهم ms787 يتلون الإنجيل وأكثر أعداء الله ~~في عسكرهم من الرايات والاعلام فبينما الناس كذلك إذ اقبل بطريق وعليه درع ~~مذهب ولامة حرب وهو يرطن بلغته وطلب البراز فبرز اليه القعقاع وتعاركا ~~وتجاولا ثم طعنه القعقاع في صدره فأطلع السنان يلمع من ظهره فخرج علج آخر ~~وقد غضب لقتل صاحبه وكان من أصحاب الجلوس على السرير مع الملك وطلب البراز ~~فبرز اليه رجل من الأزد فمنعه الأمير عياض من ذلك وقال اذهب فلست كفؤا له ~~قال فبرز اليه المسيب بن نجيبة الفزاري وضربه فتلقاها العلج بحجفته فطار ~~السيف من يده وضرب العلج المسيب فضيعها ونظر أن أحدا يناوله سيفا فلم يجد ~~فأراد الرجوع وإذا بالقعقاع بن عمرو أقبل وبيده سيف فناوله إياه فكر راجعا ~~وضرب البطريق على عاتقه الأيمن فأطلع السنان من عاتقه الأيسر فانجدل صريعا ~~يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار فلما رأت الروم ذلك ~~حملوا على المسلمين حملة واحدة واشتد القتال وعظم النزال وعدو الله ~~البطليوس راكب على جواد أهداه له صاحب صقلية والبربر يساوي خمسمائة دينار ~~وكان أيام الحصار يصعد به ويرمح على أسوار المدينة وسيأتي ذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى في موضعه وعلى بدنه درع مذهب وفي وسطه منطقة من الجوهر وعلى ~~رأسه تاج تلمع جواهره كالكواكب والصلبان والاعلام مشتبكة على رأسه وقد حمل ~~كردوس من الروم على ميمنة المسلمين فصبروا لهم صبر الكرام ثم حمل كردوس آخر ~~فلله در PageV02P280 # الفضل بن العباس وأخيه عبيد الله وأولاد عقيل وعبد الله بن جعفر وسادات ~~بني هاشم لقد قاتلوا قتالا شديدا وأبلوا بلاء حسنا وتقدم الفضل إلى حامل ~~الصليب وطعنه في صدره فأطلع السنان يلمع من ظهره وسقط الصليب منكسا إلى ~~الأرض فنظر اليه البطليوس فأيقن بالهلاك وهم أن يأخذه فلم يجد لذلك من سبيل ~~قال فأحاط به المسلمون وصار الفضل وسادات بني هاشم يذبون ويرجعون الروم عن ~~الصليب ولما رأى الفضل ازدحام النصارى والروم حمل عليهم حملة منكرة وأسعفه ~~بنو عمه بالحملة والامراء فقهروا ms788 الروم وقتلوا منهم جماعة وازدحم المسلمون ~~على الصليب يريدون أخذه فقال لهم الفضل انه لي دونكم ثم عطف عليه ومال في ~~ركابه وأخذ الصليب وكر راجعا إلى المسلمين وسلمه لعبد الله يسلمه لعبده ~~مقبل وكان راكبا مع المسلمين فأخذه ومضى إلى خيمته قال وحمل الفضل بن ~~العباس ثانيا وحملت الامراء واشتد القتال وعظم النزال وسالت الدماء وكثر ~~العرق وازورت الحدق قال ولما رأى عدو الله البطليوس ذلك حمل على المسلمين ~~ومعه طائفة من البطارقة نحو خمسة آلاف وكانوا على جناح الميسرة فقتلوا من ~~المسلمين جماعة وجرحوا جماعة وصبروا لهم صبر الكرام هذا والفضل رضي الله ~~عنه تارة يكر في الميمنة وتارة يكر في الميسرة وحمل الامراء جميعهم فلله در ~~القعقاع بن عمرو التميمي والمسيب بن نجيبة الفزاري والبراء بن عازب ومعاذ ~~بن جبل وزيد الخيل لقد قاتلوا قتالا شديدا حتى بقي الدم على دروعهم كقطع ~~أكباد الإبل وتوسط المسلمون كتيبة منهم فبرز بطريق عظيم الخلقة كأنه برج ~~فحمل عليه سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يضربه وسطا ~~عليه وإذا بضربة أتته من خلفه فأردته عن جواده وسقط الرمح مشتبك في أضلاعه ~~وخشخش الرمح في عظم ظهره ثم جذب الرمح وهو ملقى على الأرض ونزل جماعة ~~وأخذوا سلبه قال فتأملنا من ضرب البطريق فإذا هو زياد بن أبي سفيان رضي ~~الله عنه قال فلما رأى الروم ذلك حملوا حملة منكرة وقامت الحرب على ساق ~~واحدة وضربت الأعناق وشخصت الأحداق وتضاربوا بالصفاح وتطاعنوا بالرماح ~~واشتد الكفاح ورطنت الروم بلغتهم ولم يزالوا في قتال ونزال حتى غابت الشمس ~~وافترق الجمعان وقد قتل من قتل من المسلمين نحو مائتين وخمسين ختم الله لهم ~~بالشهادة ونالوا درجة السعادة وبات الفريقان يتحارسون والمسلمون يقرءون ~~القرآن ويصلون على محمد أشرف ولد عدنان قال وإن المسلمين أوقدوا النيران ~~وأتوا إلى مكان المعركة وميزوا القتلى فلما رأى الامراء ما حل بهم ~~وبأولادهم بكوا وقالوا لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم PageV02P281 # قال الراوي وقتل ms789 من المشركين نحو ألفين وخمسمائة وقتل من خيارهم وعظمائهم ~~نحو عشرين من أرباب الدولة وحاشية الملك أصحاب السرير فلما رأى البطليوس ~~ذلك صعب عليه وكبر لديه وجلس في سرادقه وحوله أكابر دولته من حجابه ونوابه ~~وقدم له الطعام والشراب فامتنع عن ذلك ثم التفت إلى حجابه وبطارقته ووبخهم ~~توبيخا عظيما وقال مثلكم لا يصلح لخدمة الملوك فما هذا الخوف والفشل الذي ~~دخل في قلوبكم وتريدون أن تصيروا معرة عند الملوك بفعالكم هذه فقالوا أيها ~~الملك ان هذا اليوم ما أخذنا فيه أهبتنا وما كنا نظن أن العرب فيهم هذه ~~الشجاعة فقال وما عندكم من الرأي أترضون بالعار والذل ولا سيما وقد أخذ ~~الصليب من أيديكم وخذلتموه فقالوا أيها الملك سوف ترى منا ما يسرك في غد ~~نكمن لهم كمينا ونخرج لهم ونقاتلهم ويخرج عليهم الكمين ونأمر جماعة يسلسلون ~~أنفسهم وهم الرماة كعادة الروم أن يفعلوا ونقاتلهم ولا نمكنهم من مدينتنا ~~ولو قتلنا عن آخرنا فاستوثق الملك منهم بقولهم ثم كتب كتابا وأرسله تحت ~~الليل إلى بطريقي طنجة وقلعة الأبراج يسألهم النجدة وكانوا بطارقة شدادا كل ~~بطريق تحت يده عشرة آلاف بطريق من حملة السلاح فلما ورد عليهم الكتاب جهزوا ~~النجدة والأهبة وسيأتي كر ذلك إن شاء الله تعالى قال الراوي وأصبح المسلمون ~~فصلوا صلاة الصبح وتبادروا إلى خيولهم فركبوها ثم صفو صفوفهم ورتبوا ~~مواقفهم كما ذكرنا أولا وصار الأمير عياض يحرض الناس وقد جعل في مكانه ~~المغيرة بن شعبة وعطفوا على أصحاب الرايات وقال لهم أطلقوا الأعنة وقوموا ~~الأسنة وإذا لقيتم العدو فاحملوا حملة واحدة ولا تخافوا ولا ترهبوا وركب ~~الامراء كاليوم الأول ولم يركبوا حتى دفنوا شهداءهم في ثيابهم ودمائهم قال ~~فما شعرنا الا والروم قد أقبلوا علينا ورطنوا بلغتهم علينا وابتدر منهم ~~خمسة آلاف فنزلوا عن خيولهم وأرسلوها مع غلمانهم وحفروا لهم حفائر إلى ~~أوساطهم ووضعوا غرائر النشاب أي الصناديق بين أيديهم وأقسموا بالمسيح لا ~~يزولون ولو قتلوا عن آخرهم وكانوا ثلاثة صفوف قال الراوي حدثنا سنان بن ms790 أبي ~~عبيدة عن زياد عن الحرث عن عبد يغوث وكان من أصحاب الرايات قال بينما نحن ~~نتأهب للحرب وللحملة إذا بالروم قد حملوا علينا حملة واحدة وحملت ميمنتنا ~~واختلط القلب بالقلب ورمت المسلسلة بنشابها فكان يخرج منهم عشرة آلاف سهم ~~كأنها تخرج من كبد قوس واحدة كالجراد المنتشر أو السيل المنحدر فجرحت رجالا ~~وقتلت أبطالا وولت خيل العرب نافرة وصبرت جماعة من الامراء وحمل الفضل بن ~~PageV02P282 # العباس وأخوه وسادات بني هاشم وكذلك زياد بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة ~~والمسيب بن نجيبة الفزاري وجميع الامراء واقتتل الفريقان قتالا شديدا وفشا ~~القتل في المسلمين وثبت القوم لقتال العرب وعدو الله البطليوس تارة يكر في ~~الميمنة وتارة يكون في الميسرة وتارة في القلب وحوله كتائب المشركين قال ~~الراوي فصبرنا صبر الكرام ووطنا أنفسنا على الموت والامراء يحرضون على ~~القتال وقد قتل من الفريقين طائفة الا أن القتل لم يبن في المشركين لكثرتهم ~~ولم نظن أن القوم لهم كمين إذ خرج للقوم كمين من خلفنا والمسلسلة من بين ~~أيدينا وأحاطوا بنا وصرنا بينهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وقتل ~~جماعة من السادة والامراء وأخلاط الناس فلله در سادات بني هاشم وأبان بن ~~عثمان بن عفان فلقد قاتل أصحاب الرايات براياتها وقاتل عدو الله في القلب ~~وأنكى في المسلمين وقتل رجالا وجندل أبطالا وكلما طلبه فارس من المسلمين لم ~~يجده الا وهو قد صار في وسط الروم قال فعندها تقدم القعقاع والمسيب بن ~~نجيبة الفزاري وقالا قربوا الجمال في وجوه القوم يا وجوه العرب فاستاقوا ~~الإبل وجعلوها بين أيديهم تلقى النشاب وحملوا على المسلسلة وداسوهم بالإبل ~~وسنابك الخيل وأقبلت الرجال والرماة يقتلونهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة ~~هذا والروم على حالهم فلما رأى عدو الله ما حل بقومه من فعل المسلمين بهم ~~ازدادوا طغيانا ولم يزالوا كذلك حتى غابت الشمس ثم أنزل الله نصره على ~~المسلمين فتظاهروا عليهم وتقدم جعفر بن عقيل إلى كتيبة من الروم وغاص في ~~أوساطهم وطعن البطريق المقدم عليهم ms791 فقتله فتكاثرت الروم عليه فقتلوه وكذلك ~~فعل أخوه علي فقتل منهم جماعة فقتلوه وكذلك زيد بن زياد فقتل منهم جماعة ~~فقتلوه وعظم النزال واشتد القتال وألجئوهم إلى ورائهم فلما رأت الامراء ~~والسادات وبنو هاشم ما حل بهم تواثبوا كالأسود الضارية وحملوا على الروم ~~وألجئوهم إلى الأبواب واقتتلوا قتالا شديدا عند باب الجبل والباب البحري ~~قال الراوي وكانت ليلة لم تر الصحابة مثلها وقتل الصحابة رضي الله عنهم ~~ألوفا وقتل منهم جماعة بظاهر البلد نحو خمسمائة وأزيد تظاهر المسلمون بعد ~~ذلك عليهم وألجئوهم إلى السور واقتتلوا قتالا شديدا وعظم البلاء وعدو الله ~~يحمي أصحابه وهم في أشد القتال وكان شعار المسلمين تلك الليلة ينادون يا ~~محمد يا محمد يا نصر الله أنزل وقتل جماعة من المسلمين عند الأبواب وعظم ~~النزال وكان يسمع ضرب السيوف على الدرق كالرعد وبريق السيوف كالبرق ولمعان ~~الأسنة كالكواكب وأحدقت المسلمون بالروم وعدو الله PageV02P283 # يحمي قومه تارة يكون عند باب قندوس وتارة يكون عند باب توما في جماعة من ~~قومه حتى دخل الروم جميعهم ولم يبق الا من انقطع من قومه أو كبابه جواده ~~ولم يزالوا كذلك حتى طلع الفجر فعلوا على الاسوار وضربوا بالنواقيس ~~والبوقات والقرون وغلقوا الأبواب ورموا الاقفال فلما أصبح الصباح صلى ~~المسلمون صلاة الصبح وأتوا إلى موضع المعركة وتفقدوا من قتل منهم فإذا هم ~~خمسمائة وعشرون رجلا من باب توما إلى باب قندوس ختم الله لهم بالشهادة قال ~~الراوي ولما رأى المسلمون ذلك بكوا بكاء شديدا وأعظم الناس حزنا الأمير ~~عياض لأجل من قتل تحت رايته وكان أكثر الشهداء الأعيان من قريش وبني هاشم ~~وبني المطلب وبني نوفل وبني عبد شمس فلما رأى مسلم بن عقيل أخوته وما حل ~~بهم ورأى الفضل بن العباس وعبد الله بن جعفر وسادات بني هاشم ما حل ببني ~~عمهم نزلوا عن خيولهم وعانقوا شهداءهم واسترجعوا في مصابهم فعند ذلك أنشد ~~همام بن جرير يقول * يا عين أبكي لا تملي البكى * سحى دموعا مثل سكب الغمام ~~* وابكي على ms792 السادات من هاشم * وعصبة المختار خير الأنام * نوحي على الليث ~~ابن عم النبي * هو جعفر المشكور ليث همام * وابكي على الشهداء لا تغفلي * ~~ما لاح برق أو تغنى حمام * فلا لقي البطليوس خيرا ولا * أجناده أهل الصليب ~~اللئام * لنأخذن الثار يا قومنا * بطعن خطى وحد الحسام * قال ووارى ~~المسلمون شهداءهم ثم إن الأمير عياضا فرق الامراء على الأبواب فنزل السادات ~~من بني هاشم وغيرهم مثل زياد بن أبي سفيان والوليد وأخيه محمد وأسامة بن ~~زيد وأبي أيوب الأنصاري وفضالة بن عبيد وأوس بن حذيفة وعمرو بن حصين ورافع ~~بن خديج وأبي دجانة وجابر ابن عبد الله وبقية الامراء قال ونزل القعقاع بن ~~عمرو التميمي والمسيب بن نجيبة الفزاري وأمثالهم من الامراء بألفي فارس على ~~باب الجبل والمغيرة بن شعبة وأبو لبابة والمهلب الطائي ونظراؤهم من الامراء ~~بألفي فارس عند باب توما قال وعبى القوم آلات الحصار ورتبوها على الاسوار ~~وأقاموا مدة شهر لا يقاتل بعضهم بعضا بل كل يوم يركب البطليوس لعنه الله ~~جواده المتقدم ذكره ويلبس لامة حربه ويطلع بالجواد على أعلى السور وحوله ~~المشاة من خلفه وقدامه وبأيديهم السيوف المحددة والدرق والدبابيس والاطيار ~~المذهبة والقسي والنشاب وكان عرض السور يمشي عليه خيالان متكاتفان باللبس ~~الكامل قال هذا ما جرى لهؤلاء وأما خالد فإنه أرسل عبد الرحمن بن أبي بكر ~~وعبد الله بن عمر إلى الفيوم وجرى بينهم وقعات وحروب اختصرنا ذكرها خوف ~~الإطالة فان المقصود PageV02P284 # الذي عليه مدار هذا الكتاب هو فتح البهنسا وما وقع فيها والله أعلم ثم ~~أنهم ساروا حتى اتصلوا إلى مدينة الفيوم وحاصروها أياما قلائل ثم فتحوها ~~وفتحوا الفيوم في أقل من شهر وأخذوا الأموال والغنائم ورجعوا إلى خالد رضي ~~الله عنه وكان مقيما بالنورية كما ذكرنا قال هذا ما جرى لهم وأما أبو ذر ~~الغفاري وأبو هريرة الدوسي وذو الكلاع الحميري ومالك الأشتر النخعي فإنهم ~~لما ضربوا رقاب القوم كما ذكرنا حاصروا القلعة نحو عشرين يوما واقتتلوا ~~قتالا شديدا قال حدثنا قيس بن ms793 مالك عن منصرو بن رافع عن أبي المنهال وكان ~~من أصحاب مالك الأشتر قال بينما نحن نحاصر القلعة وقد تظاهروا علينا إذ نحن ~~بغبرة وقت الفجر وكانت ليلة مقمرة فلاحت لنا خيل وقعقعة لجم فتبادرنا إلى ~~خيولنا فركبناها واتضح النهار وبان وإذا عشرون صليبا تحت كل صليب ألف فارس ~~وكان السبب في ذلك بطريق طحا ذات الأعمدة وبطريق قلعة ذات الأبراج وما ~~حولهم لما بلغهم كتاب البطليوس تجهزوا بأنفسهم وجمعوا ما حولهم من الروم ~~والنصارى وخرجوا أول الليل خوفا من العرب فما أصبحوا الا على القلعة والنيل ~~كان في أول زيادته والمسلمون قد أخذوا المعابر والقناطر التي على البحر ~~اليوسفي فقطعوها وساروا حتى نزلوا على القلعة وكان بلغهم حصارها فلم تشعر ~~المسلمون الا وقد أقبلوا وهجموا عليهم وأتوا إلى نحو باب المدينة الشرقي ~~فوجدوا الأمير زيادا وأصحابه هناك قال مالك الأشتر يا وجوه العرب اجعلوا ~~البحر خلف ظهوركم وقاتلوا أعداءكم واستعينوا بخالقكم هذا والروم صاحوا ~~وطمطموا بلغتهم ورطنوا من أعلى السور وكذلك أهل القلعة دقوا الطبول وضربوا ~~بالنواقيس فلم يزالوا على المسلمين متقابلين وجاءت كتيبة من الروم إلى جانب ~~البحر كما ذكرنا نحو ثلاثة آلاف وكان الأمير زياد رضي الله عنه في نحو ~~مائتين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملوا عليهم وصبروا لهم صبر ~~الكرام وقتل الأمير زياد رحمه الله تعالى وقتل معه جماعة من المسلمين ختم ~~الله لهم بالشهادة وركب بقية المسلمين وقاتلوا قتالا شديدا وصبروا لهم صبر ~~الكرام قال الواقدي فسمع المسلمون وهم حول المدينة فأتوا إلى الجانب الشرقي ~~فوجدوا السيوف مجذوبة والرايات مرفوعة وقد قتل جماعة من المسلمين على شاطىء ~~البحر نحو أربعين رجلا فصاحت ما فعلوا بنا فعندها هجم القعقاع بفرسه البحر ~~وقال بسم الله وعلى بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم انك تعلم اننا ~~أفضل من بني إسرائيل عندك وقد فرقت لهم البحر فسار ولم تبتل قوائم فرسه ~~وانحدر إلى جانب القلعة وكانت بقرب البحر فاقتحم PageV02P285 # البحر خلفه نحو من ms794 ألفي فارس إلى أن طلعوا إلى البر الشرقي واقتتلوا ~~قتالا شديدا قال فبينما نحن في أشد القتال إذا بغبرة قد لاحت وانكشفت عن ~~ألف فارس يقدمهم رفاعة بن زهير المحاربي وهم من أصحاب قيس بن الحرث وكانوا ~~في بلد تسمى بردوها وكانوا صالحوا أهلها فجاءهم رجل من المعاهدين وأخبرهم ~~بمسير أهل طحا ذات الأعمدة وصاحب قلعة الأبراج لقتال المسلمين وعلموا أن ~~البحر حاجز بينهم وبين أصحابهم فأتوا إلى الأمير قيس بن الحرث واستأذنوه ~~حتى وصلوا وهم في القتال كما ذكرنا فلما رأوا القوم كبروا فأجابوهم ~~بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير ثم حملوا عليهم وقاتلوهم ~~قتالا شديدا وكان الفضل بن العباس وزياد بن أبي سفيان ومسلم بن عقيل في ~~جملة من عبر إلى البر الشرقي فعندها وثب القعقاع بن عمرو التميمي على بطريق ~~القلعة فقتله وكذلك الفضل بن العباس وثب على بطريق طحنا ذات الأعمدة فقتله ~~وزياد بن أبي سفيان على بطريق عظيم فقتله فلما رأى الروم ذلك ولوا الادبار ~~وركنوا إلى الفرار وهرب منهم جماعة فألجئوهم إلى البحر فغرق منهم جماعة ~~وأسر منهم نحو من ثلاثة آلاف وأتوا بهم إلى نحو السور قريبا منه وضربوا ~~أعناقهم والبطليوس ينظر إليهم هو وأصحابه ودفن الأمير زياد إلى جانب البحر ~~تحت جدران القلعة ورجعت المسلمون ونصبوا الجسر بالأخشاب والأحجار تتساقط ~~عليهم وهم لا يفكرون حتى عبروا إلى الجانب الغربي بأجمعهم واشتد الحصار ~~وأقام المسلمون محاصرين مدينة البهنسا تسعة أشهر قال الواقدي وان المدينة ~~كان لها باب سري تحت الأرض من تحت باب الجبل من عند تل هناك يظن من رآه انه ~~مغارة أو حفر في الجبل وكان يخرج منه عيونه ومن يأتيه بالطعام وغيره سرا ~~تحت ظلام الليل إلى ذلك المكان ويخرج الرجل وفرسه على يده إلى ظاهر السرب ~~فلأجل هذا لا يعجزهم الحصار وكان إذا احتاج إلى أمر مهم يخرج من يثق به من ~~ذلك المكان ويوقد الشمع والفوانيس ليلا ويخرج من يختار من ذلك الباب وكان ~~الملوك القدماء ما وضعوا ms795 ذلك الباب الا لأجل الحصار وكانت عيونه تخرج ~~وتأتيه بالاخبار وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه لما فتح الفيوم صارت ~~الميرة والعلوفة والأرز والعسل وغير ذلك تأتي للصحابة من الفيوم ومن الوجه ~~البحري تأتي إليهم الميرة قال فأرسل الأمير عياض رضي الله عنه الأمير مياس ~~ابن حام وأرسل معه مائتين من المسلمين ومعهم جمال وبغال يأتونهم بما ذكرنا ~~وكان خالد قد أرسل يعلمهم بذلك وأنهم يرسلون إلى الفيوم ويأخذون ما يحتاجون ~~اليه قال وسار مياس حتى وصل الفيوم وكان عليهم متكلما من قبل خالد الأمير ~~عجرفة قال وسار مياس ومن PageV02P286 # معه حتى قدموا الفيوم وأوسقوا الجمال والبغال وأرادوا الرجوع إلى أرض ~~البهنسا حتى وصلوا إلى دير هناك في الجبل قال هذا ما جرى لهؤلاء وأما عيون ~~البطليوس فأخبروه بذلك فاستدعى ببطريق من أصحاب السرير اسمه ميخائيل بن ~~بطرس وكان معروفا بالشدة والبراعة وأمره أن يأخذ معه ألفا من الروم ~~وينطلقوا إلى طريق الفيوم ويكمنوا لهم في الدير ثم يخرجوا عليهم فخرجوا من ~~باب السرب واحدا بعد واحد في ظلام الليل وساروا حتى وصلوا إلى دير وكمنوا ~~هناك حتى رأوا المسلمين فخرجوا عليهم فالتقى الجمعان واصطدم الفريقان ~~وقاتلت المسلمون قتالا شديدا قال الراوي حدثنا أبو محمد البدوي حدثنا أبو ~~العلاء المحاربي قال شداد بن أوس وكان في خيل مياس لما التقى الجمعان ~~وأحاطت بنا أعداء الله وظننا أن المحشر من ذلك المكان ووطنا أنفسنا على ~~الموت وقاتل الأمير مياس بعد أن سلم الراية لولده منيع فقاتل حتى قتل ثم ~~قاتل من بعده مازن حتى قتل ولم تكن غير ساعة حتى قتل من المسلمين نحو مائة ~~فارس وأسروا الباقين قال وكان في القوم عبد الله بن أنيس الجهني رضي الله ~~عنه أحد سعاة النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك خرج كالريح الهبوب ~~وقام يجري وكان قد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعمرو بن أمية ~~الضمري بالقوة والبركة في المشي وكانا لا تدركهما الخيل العتاق ولا ms796 النجب ~~السوابق فسار حتى أشرف على العسكر وصاح النفير النفير أركبوا يا مسلمون قال ~~فتواثبت الفرسان اليه وسألوه فقص عليهم القصة فتواثب المسلمون إلى خيولهم ~~فركبوها وكل يقول أنا أمضي فعندها استدعى الأمير عياض بعبد الله بن جعفر ~~الطيار أخي علي بن أبي طالب وضم اليه ألف فارس من الصحابة رضي الله عنهم من ~~أهل الشدة وساروا أول الليل ومعهم رجل من المعاهدين يدلهم إلى أن قربوا من ~~قرية هناك بسفح الجبل فكمنوا هناك إلى أن جن الليل إذ سمعوا حوافر الخيل ~~فتواثبوا إلى خيولهم فركبوها وإذا بالروم أقبلوا عليهم والأسارى معهم ~~موثوقون بالحبال على ظهور خيولهم وكانت ليلة مقمرة فصاحت المسلمون بالتهليل ~~والتكبير والصلاة على البشير النذير وحمل القوم واقتتلوا قتالا شديدا ~~فعندها صاح عبد الله بن جعفر رضي الله عنه يا قوم أيعجز أحدكم عن خصمه قال ~~فتواثب الامراء والسادات رضي الله عنهم يقتلون ويأسرون وبادر عبد الله بن ~~جعفر إلى مقدم الجيش لعنة الله وكان عليه درع مصفح فطعنه في صدره طعنة ~~قرشية هاشمية فأطلع السنان يلمع من ظهره وعجل الله بروحه إلى النار وبئس ~~القرار فلما رأى الروم ذلك انهزموا وتبعهم المسلمون يقتلون وياسرون وينهبون ~~فما أصبح الصباح حتى قتل منهم نحو خمسمائة PageV02P287 # وأسروا الباقين وخلصوا المسلمين من الأسر وغنموا سلاح الروم وأموالهم ~~وخيولهم وترك عبد الله بن جعفر الأسارى وخمسمائة من المسلمين عند القرية ~~وأمرهم ان لا يبرحوا حتى يأتيهم وأمر عليهم عبد الله بن معقل وساروا حتى ~~أتوا إلى محل المعركة ووجدوا القتلى وعندهم نصارى من المعاهدين يبكون ~~وحلفوا لهم أن لا علم لهم بذلك فنزلوا عن خيولهم وأخرجوا لهم زادا فأكلوا ~~وواروا شهدائهم وكر عبد الله راجعا إلى أصحابه وحملوا رؤوس القتلى ورأس عدو ~~الله ميخائيل أمامهم وجنبوا خيولهم وأخرجوا لهم زادا فأكلوا وساقوا الأسارى ~~حتى وصلوا إلى العسكر بالميرة والعلوفة ومعهم من العسل والسليط قال وأعلنوا ~~بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وأجابتهم المسلمون إلى مثل ~~ذلك وانقلب العسكر والروم على الاسوار ms797 ينظرون ما الخبر فرأوا تلك الرؤوس ~~على رؤوس عدو الله ميخائيل أمامهم فصعب عليهم وكبر لديهم ولطموا على وجوههم ~~وذهبوا إلى البطليوس وأعلموه بذلك فصعب عليه واستدعى بجواده فركبه وصعد على ~~السور حتى أشرف على المسلمين فلما رأى ذلك عظم عليه وقال ما هؤلاء انس ~~وانما هم جن فلما رأى المسلمون البطليوس أتوا إلى الأمير فاعلموه بذلك فركب ~~الامراء معه حتى أتى إلى تل هناك عال مقابل باب قندوس واستدعى بالأسارى ~~وعرض عليهم الاسلام فأبوا فضربوا رقابهم والروم ينظرون إلى ذلك فغضب عند ~~ذلك البطليوس غضبا شديدا وحمل هما عظيما قال الراوي ثم إن عدو الله استشار ~~أصحابه فيما يفعل وانه يريد الخروج بنفسه والكبسة عليهم قال فنهض اليه ~~بطريق اسمه كراكر وكان فارسا شديدا وقال أنا أيها الملك أكفيك هذا المهم ~~وأكبس عليهم لعلي أن أنال منهم مكالا وأريد معي جماعة شدادا فقال الملك خذ ~~من شئت فانتدب معه عشرة بطارقة تحت يد كل بطريق ألف وجاءوا إلى كنيستهم ~~وفتحوا الإنجيل في وجوههم وساروا إلى أن وصلوا إلى الأبواب والبطليوس ~~يحرضهم ويوصيهم بالهجمة عليهم ما داموا على غفلة ثم أمر الحراس بفتح الباب ~~لهم وهو باب قندوس وكانوا ألف فارس بوابين على الباب وكان للباب ثلاثة ~~أبراج بين كل برجين باب وشراريف وخرجوا وهم مستعدون لذلك والمسلمون على ~~غفلة مما دبر القوم لا يدرون ما يرادبهم وكان على حرس المسلمين تلك الليلة ~~من جهة باب قندوس زائد بن ثابت وعبيد الله بن عباس وعبد الله بن معقل والبر ~~اء بن عازب ومالك الأشتر وذو الكلاع الحميري قال الراوي حدثنا عوف بن سعد ~~عن سعيد بن طارق الثقفي عن PageV02P288 # أبي يزيد عن مالك الأشتر قال بينما نحن نسهر تلك الليلة والمسلمون قد ~~هجموا في مراقدهم من شدة البرد وكثرة السهر ووضعوا أسحلتهم ومنهم من له ورد ~~يقرؤه ومنهم من يصلي إذ رأينا فتح الباب وخرجوا كالسلاهب وبأيديهم الفوانيس ~~ومشاعل النار وحملوا على الجيش فتبادرنا إليهم وصحنا النفير دهينا يا ~~مسلمون ms798 ثوروا فقد غدركم القوم فلما سمع المسلمون الصياح تبادروا وثاروا من ~~مضاجعهم كالأسود الضارية هذا يأخذ سيفه وهذا يأخذ رمحه وهذا عاري الجسد لم ~~يمهل حتى يلبس ثيابه وهذا يشد وسطه بمئزره وهذا عليه قميص واحد وثاروا في ~~صدور الرجال هذا وعدو الله قد عطف على جماعة من المسلمين قبل ان ينتهوا ~~ووضع السيف في عراضهم فما أفاق بعض القوم الا والسيف قد أطاح رأس هذا وقطع ~~زند هذا وطعن نحر هذا وهكذا وكثر الصياح وعظم البلاء وكثر القتال وعدو الله ~~كراكر عليه ديباجة حمراء مقصبة بالذهب تلمع من فوق الدروع وعلى رأسه بيضة ~~عليها جوهرة تضيء كالكواكب وهو يهدر كالجمل الهائج وهو يرطن بلغته وخلفه ~~جماعة والذين على الاسوار يصيحون ويزعقون بشعارهم ويضربون بقرونهم وبوقاتهم ~~وطبولهم وأوقدوا مشاعلهم من أعلى السور حتى بقي مثل النهار هذا وقد ثارت ~~الامراء أصحاب النجدة وذوو المروءات واعتقلوا بسيوفهم وركبوا خيولهم فمنهم ~~من ركب جواده عريانا ومنهم من ركب بسرج بعير لجام ومنهم من أسرع ماشيا فلله ~~در الفضل بن العباس وابن عمه الفضل أبن أبي لهب وعبد الله بن جعفر وزياد بن ~~أبي سفيان والقعقاع بن عمرو والمسيب بن نجيبة الفزاري والمغيرة ومسلم وأبي ~~ذر الغفاري وأبي دجانة وأبي أمامة وغفار بن عقبة وأبي زير العقيلي ومثل ~~هؤلاء السادات رضي الله عنهم لقد قاتلوا قتالا شديدا وأبلوا بلاء عظيما ~~وطعن جماعة من المسلمين وجرح جماعة من المسلمين وأما الذين هاجموهم في أول ~~الوقعة فقتل منهم جماعة نحو المائتين وثمانين رجلا واقتتل الناس قتالا ~~شديدا وأقبل الفضل بن العباس إلى البطريق كراكر لعنة الله وضربة بالسيف على ~~عاتقه الأيمن فأطلع السنان يلمع من عاتقه الأيسر فوقع يخور في دمه وعجل ~~الله بروحه إلى النار وبئس القرار وأتبعه بالجملة ابن عمه عبد الله ابن ~~حجفر فقتل بطريقا آخر ولم تكن الا ساعة وقد جاءتهم بقية الامراء من على ~~أبوابهم وتركوا مكانهم من يثقون به وساروا إلى أن وصلوا إليهم وحملوا عليهم ~~حملة منكرة وقتلوا ms799 منهم مقتلة عظيمة نحو من ثلاثة آلاف من الروم والنصارى ~~فلما رأى الروم ذلك فروا نحو الباب وتبعهم المسلمون إلى الباب فخرج كردوس ~~عظيم الروم وحموا المنهزمين PageV02P289 # وأسر المسلمون من الروم نحو ألف ومائتين وخمسين واتوا إلى مكان المعركة ~~يتفقدون من قتل منهم فإذا هم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلا ختم الله لهم ~~بالشهادة فلما رأى المسلمون ذلك شق عليهم وكبر لديهم وأسرعوا تحت الليل ~~وجمعوا الشهداء ودفنوهم في ثيابهم ودمائهم في مكان يعرف بالبطحى عند مجرى ~~الحصى ومنقع السيل فدفنوهم هناك كل اثنين وكل ثلاثة وكل أربعة وكل خمسة في ~~قبر وقدموا أهل السابقة وأصحاب القرآن وكان يعرف ذلك المكان بقبور الشهداء ~~الأخيار والدعاء هناك مستجاب مجرب مرارا وتحط هناك الأوزار لمن يكثر من ~~الدعاء والتطوع والاستغفار قال الواقدي ما حدثت في هذا الكتاب الا على ~~قاعدة الصدق وأذكر ما وقع من الأمور وحدث عن أصحاب التواريخ وثقات المحدثين ~~من أصحاب السير ومن سماع كلامه كالدر فهذا كالعقد النفيس في السلوك ~~والتأسيس لا يليق سماعه الا لذوي البصائر والعلماء والملوك فإنه نزهة ~~الناظر ويشرح الخاطر لم يجمع أحد مثله من أهل السير لما فيه من الأمثال ~~والعجائب والأخبار الصحيحة المنقولة عن ثقات المحدثين يتلذذ بذلك المستمعون ~~ولنرجع إلى سياق الحديث قال الواقدي حدثنا عبد الله بن عبد الواحد القاري ~~عن أبي سراقة بن نوفل الخزرجي عن أبي لبابة بن المنذر وكان من أصحاب ~~الرايات قال ولما وارينا الشهداء ورجعنا إلى خيامنا وعدو الله البطليوس قد ~~أغلق الباب وألقى الاقفال وعلوا على الاسوار قال ولما رجع المنهزمون إلى ~~البطليوس صعب عليه وكبر لديه وأظلمت الدنيا في وجهه وحمل هما عظيما على من ~~قتل من بطارقته وجماعته ونوى المكايد والمصائب للمسلمين قال الراوي هذا ما ~~جرى لهؤلاء وأما الصحابة رضي الله عنهم فإنهم اجتمعوا عند الأمير وتذاكروا ~~ما حصل للمسلمين من البطليوس لعنه الله واتفق رأيهم أن يرسلوا إلى الأمير ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه ويسألوه أن يسير إليهم بنفسه وبمن ms800 معه وكتب ~~كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عياض بن غانم إلى ~~الأمير خالد بن الوليد اعلم أيها الأمير أننا فتحنا الشام والعراق واليمن ~~والحجاز ولم نجد في الترك والروم والفرس والديلم ألعن من هذا الملعون بطريق ~~البهنسا البطليوس ولا أكثر منه خداعا ولا مكرا ولا حيلة وانها مدينة آهلة ~~بالخيل حصينة بالرجال وقد خدعونا مرارا وقد قتلوا منا رجالا فأنجدنا بنفسك ~~وبمن معك من المسلمين والسلام ورحمة الله وبركاته عليكم وطوى الكتاب وسلمه ~~إلى عبد الله بن المنذر فأخذه وأتى به إلى الأمير خالد فوجده نازلا على ~~النورية فسلم عليه ودفع له الكتاب فلما PageV02P290 # قراه وفهم ما فيه استرجع وقال لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ثم ~~التفت إلى عبد الله وقال قل للأمير عياض ان الأمير خالدا قادم عليك برجال ~~وأي رجال والسلام عليك وعلى من معك من المسلمين من المهاجرين والأنصار فرجع ~~عبد الله ثاني يوم إلى البهنسا ورد الكتاب إلى الأمير عياض بن غانم قال ثم ~~استدعى الأمير خالد بأبي عبد الله الزبير وضم اليه ثلاثمائة فارس وأمرهم ~~بالمسير إلى أرض البهنسا وقال لهم إذا وصلتم إلى أرض البهنسا فأعلنوا ~~بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير فسار الزبير رضي الله عنه ~~فلما بعدوا دعا بالمقداد ابن الأسود وضرار ابن الأزور ودفع لهما مائتي فارس ~~وأمرهما أن يسيرا على أثرهما وقال لهما لا تزالا حتى يدخل الزبير وابنه ثم ~~بعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر رضي الله عنه وضم اليهما مائتي ~~فارس وأمرهما بالمسير على أثر المقداد ثم استدعى بسعيد بن زياد بن عمر بن ~~نوفل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقبة بن عامر الفهري ودفع لهما ~~مائتي فارس وأمرهما أن يسيرا وبات الأمير خالد تلك الليلة ولما أصبح صلى ~~وسار معه بقية الامراء من المهاجرين والأنصار الأخيار رضي الله عنهم قال ~~الراوي وسار الزبير رضي الله عنه بمن معه حتى أشرف على البهنسا فكبر وكبر ms801 ~~معه المسلمون وأنشد يقول * أتيناكم على خيل عتاق * شبيه الريح يوم الاستباق ~~* عليها كل صنديد همام * شديد البأس يوم الحرب راقي * نذل حماتكم بالسمر ~~لما * نجول بها مع البيض الرقاق * ونقتل كل ملعون وباغ * على الاسلام من ~~أهل النفاق * ونحن حماة الدين الله حقا * نقر بأن رب العرش باقي * وأن ~~محمدا خير البرايا * رسول الله للعلياء راقي * قال وأشرفت الروم على أبواب ~~المدينة ينظرون إليهم فما لبثوا غير قليل حتى أشرف عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق وعبد الله بن عمرو رضي الله عنه وكبر وكبرت المسلمون قال ثم أنشد ~~يقول * أنا الفارس المشهور للحرب في الوغى * أذل بسيفي كل باغ ومعتدي * ~~وأحمل في الابطال حملة من له * إلى الغاية القصوى أعاظم مقصدى * أنا ابن ~~أبي بكر الذي شاع ذكره * خليفة خير المرسلين محمد * فياويل من عالي حسامي ~~رأسه * ويا ويل من عاجلته بمهند * قال الراوي ثم أشرف من بعده عبد الله بن ~~عمر وكبر وكبرت المسلمون لتكبيره ثم أنشد يقول * أتينا على خيل عتاق وضمر * ~~بكل يمان ذي حداد وأسمر * PageV02P291 # * بكف شجاع باع الله نفسه * يرى الموت في الهيجاء أفخر مفخر * نذلكم ~~بالسيف في الحرب والقنا * ونقتل منكم كل باغ ومفترى * قال الراوي ولم يزل ~~كل أمير ينزل بجماعته حتى تكاملوا وتأخر الأمير خالد وبقية الامراء الذي ~~معه ولما بات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبحوا قال ضرار بن ~~الأزور والامراء للأمير غانم أظنكم أنتم المحاصرون وأعداؤكم في أكل وشرب ~~فما هذا القعود ثم رجعوا للأبواب وضرار ينشد ويقول * سأضرب في العلوج بكل ~~عضب * شديد الباس ذي حد صقيل * وأضرم في علو الباب نارا * وأرمي القوم ~~بالخطب الجليل * وأترك دارهم منهم خرابا * ولم أمهل بذي شبح كفيل * فويل ثم ~~ويل ثم ويل * لهم مني بمشتد العويل * سأقتل كل باغ كان منهم * بحد السيف ~~والباع الطويل * قال ولم يزل يترنم بهذه الأبيات وتراموا بالسهام والمقاليع ~~واقتتلوا قتالا شديدا فاشتدت حمية عتيد الروم وجمع الملعون البطارقة من ذوي ~~الشدة ms802 والبأس وكان هو فارسا شديدا وبطلا كما ذكرنا وفتح باب الجبل وخرج منه ~~كأنه شعلة نار على جرائد الخيل والرماة بين يديه يرمون بالنشاب والمجانيق ~~من أعلى الأبراج واقتتلوا قتالا شديدا وجرح من المسلمين جماعة وكانت مقتلة ~~عظيمة وبقية الامراء لا يعلمون وأنكى من المسلمين جماعة قال فعندها ضجت ~~الامراء أصحاب الرايات وأقبل علج عظيم من البطارقة وطلب البراز فبرز اليه ~~المغيرة بن شعبة فحمل عليه البطريق واقتتلا قتالا شديدا فضربه المغيرة ~~بالسيف فطاح من يده وبادر عدو الله إلى المغيرة ليضربه وإذا بفارس قد أقبل ~~بيده سيف مجذوب فلوح به إلى المغيرة وإذا هو عبد الرحمن ابن أبي بكر فأخذه ~~المغيرة وضرب به البطريق فحاد عنها وقرب من المغيرة وتجاذبا وكلما أراد ~~المغيرة أن يسطو على العلج يمانع عن نفسه ونظر ضرار بن الأزور إلى ذلك ~~فترجل عن جواده وسعى بين الصفوف حتى قرب من البطريق وضربه في حزامه فقطعه ~~فسقط عدو الله وهو جاذب المغيرة إلى الأرض فعندها تكاثرت الروم على ضرار ~~والمغيرة فأرادوا قتلهما وإذ بثلاثة فوارس قد أقبلوا واخترقوا الصفوف أحدهم ~~عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والثاني عبد الله ابن عمر بن الخطاب والثالث ~~المقداد ابن الأسود الكندي رضي الله عنهم فأزالوهم عن مراكزهم وقتلوا ثلاثة ~~من الروم وفرقوا الكتائب عنهم وضرب ضرار البطريق فقتله قال ومال عبد الرحمن ~~ابن أبي بكر وركب ضرار جوادا من خيل المقتولين وأخذوا الاسلاب هذا ~~PageV02P292 # وعدو الله البطليوس لعنة الله تارة يكر في الميمنة وتارة يكر في الميسرة ~~وطلب البراز فبرز اليه المقداد بن الأسود الكندي رضي الله عنه وتعاركا ~~وتجاولا وتطاعنا قال المقداد ابن الأسود قاتلت ملوكا وفتحت قلاعا ولاقيت ~~حروبا في الجاهلية والاسلام فلم أر أخدع من البطليوس ولا أشد بأسا ولا أصعب ~~مراسا منه فتقاتلا حتى كل الجوادان والتفت إلي وقال ما أجرأ فرسك كيف تقاتل ~~عليك وهو بثلاث أرجل قال المقداد فمن شفقتي على جوادي طأطأت رأسي لانظر إلى ~~قوائمه فضربني بالسيف ضربة قوية فقطعت ms803 الخودة والرفادة وأثرت قليلا في رأسي ~~فظن الملعون أن خصمه قد قتل فلوى عنان فرسه فاستيقظ المقداد وتبعه فساق ~~جواده المتقدم ذكره وأحاط به أصحابه قال فبينما الناس في أشد القتال إذ ~~أقبل الأمير خالد بن الوليد رضي الله عنه ومعه الامراء المتقدم ذكرهم ~~وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وفي أوائل القوم خالد ~~وهو ينشد ويقول * رعى الله صبا للقا جاء يسرع * وصبا على الفرسان بالرمح ~~يقرع * ومن باع لله المهيمن نفسه * وكان إلى الهيجا بالامر أطوع * فويلك يا ~~بطليوس من سيف خالد * إذا اشتدت الهيجاء والحرب يرفع * فلا رحم الرحمن ~~بطليوس كافرا * ويلعنه كل الملائك أجمع * فان قدر المولى سأخرب داره * ~~وأتركها من بعده وهي بلقع * بحد يماني إذا ما جذبته * تذل له كل العداة ~~وتخضع * قال الراوي ثم إن خالدا رضي الله عنه حمل بمن معه واقتتلوا قتالا ~~شديدا وقاتل البطليوس لعنة الله قتالا شديدا وقتل رجالا وجندل ابطالا ~~فعندها حملت الامراء وأصحاب الرايت وذو المروءات واقتتلوا بين الجبل والباب ~~قريب التل الأحمر قتالا شديدا وعطف خالد على البطليوس وصال عليه وكلما مر ~~إلى الميسرة يراوغه إلى الميمنة ومن الميمنة إلى الميسرة فعندها عطف خالد ~~عليه وحازه بين الصفوف وحمل عليه فعندها فر إلى القلب وأحاط به أصحابه ~~وقومه ووضعت الامراء السيوف فيهم وتبعه الأمير خالد وساق جواده إلى الباب ~~واقتحمه وتبعه قومه وانهموا إلى الباب ودخلوه وتبعهم المسلمون واقتتلوا عند ~~الباب وقتل من الروم نحو أربعة آلاف ودخلوا الباب وأغلقوه وأوثقوه بالاقفال ~~وعلوا على الاسوار وأسر المسلمون نحو ألف وخمسمائة فعرضوهم على الأمير خالد ~~وكان فيهم من كبار البطارقة فعرض عليهم الاسلام فامتنعوا فأمر بضرب رقابهم ~~وافتقد المسلمون أصحابهم فإذا قد قتل منهم مائتان وثمانون رجلا ختم الله ~~لهم بالشهادة PageV02P293 # قال الواقدي هذا ما جرى لهؤلاء وأما عدو الله البطليوس فإنه حمل هما وحصل ~~له مالا ينبغي شرحه وأمر بجمع البطارقة فلما اجتمعوا شكا لهم أمر العرب وما ~~لقوا من الحرب وقال فما الرأي عندكم ms804 فقالوا كلنا بين يديك فإذا أمرتنا ~~بالقتال قاتلنا على سور بلدنا قال سأدبر لكم أمرا وهو تدبير من خاض الحروب ~~وعرفها ثم أمر باجتماع الناس خاصتهم وعامتهم فاجتمعوا اليه الا من بقي على ~~الأبواب خوفا من المسلمين فلما تكاملوا واجتمعوا قال أني عزمت أن أهجم على ~~القوم في هذه الليلة وأكبسهم في أماكنهم والليل مدلهم وأنتم أعرف بمسالك ~~البلد من غيركم فلا يبقى منكم أحد ويتأهب ويخرج معي من بابه ونكبس القوم ~~وأخرج أنا بنفسي ومن معي من باب توما وأرجو وصولي إلى مسرتي والا أموت ~~بحسرتي وأبيدهم أولا بأول لعلي أن أصل إلى أميرهم فآخذه أسيرا وأبلغ مقصدي ~~قالوا حبا وكرامة ثم بعث فرقة إلى باب الجبل وفرقة إلى باب قندوس وفرقة إلى ~~الباب الشرقي وانتدب معه سادات قومه ومن عرف بالشجاعة وأخذهم معه ثم أقبل ~~على القوم قبل انصرافهم وقال سآمر صاحب الناقوس أن يخفق لكم الناقوس خفقة ~~عند خروجي من الباب فتخرجون جميعا فامتثلوا ما أمرهم به وقاموا ينتظرون ~~الإشارة واما صاحب الناقوس فاحتمله وصعد به على السور أي البرج وفعل ما ~~أمره به البطليوس فخرج القوم كالسلاهب وخرج البطليوس في عشرين ألف فارس من ~~الشجعان وهو يوصيهم وقال أسرعوا في مشيكم فإذا وصلتم إلى القوم فاحملوا ~~عليهم ومكنوا السيوف والخناجر من رقابهم ومن صاح الأمان فلا تبقوا عليه الا ~~أن يكون أمير القوم ومن أبصر منكم الصليب الذي أخذ منا فليأخذه ومن أتى به ~~أكرمته ثم أمر صاحب الناقوس أن يضربه فضربه ضربة سمعها أهل الأبواب ففتح ~~البوابون وتبادروا للخروج وخرج اللعين وسمع المسلمون الصوت فبادروا من ~~أماكنهم مسرعين يخفر بعضهم بعضا وهم على يقظة وتبادروا كالأسود الضارية ~~المشتاقة إلى فرائسها فلم تصل القوم إليهم الا وهم على حذر الا أنهم غير ~~مرتبين فتجاول القوم في ظلام الليل وسمع الأمير خالد ذلك منهم فصاح وا ~~غوثاه وا محمداه واسلاماه كيد قومي ورب الكعبة اللهم انظر إليهم بعينك التي ~~لا تنام وانصرهم على عدوهم ولا تسلمهم إلى ms805 شر خلقك ثم سار خالد وهو مكشوف ~~الرأس بلا خوذة وألهته الزعقة عن لبس السلاح وسار إلى قومه وهو ينشد ويقول ~~* فاض دمعي واعتراني حزني * ضاق صدري وبراني شجني * رب سلم من نزول المحن * ~~وانصر الاسلام يا ذا المنن * PageV02P294 # * بالنبي الهاشمي العدني * أحمد المختار طه المداني * قال الراوي ثم وصل ~~إلى باب توما ومعه خمسمائة من السادات وأصحاب النجدة مثل الفضل بن العباس ~~والفضل بن أبي لهب وزياد بن أبي سفيان بن الحرث وعبد الله بن جعفر بن أبي ~~طالب والمقداد بن الأسود وزيد بن ثابت وعبد الله بن زيد ومسلم بن عقيل وأبي ~~ذر الغفاري وعبادة بن الصامت وبحر بن مسلم وعقبة بن نافع والمغيرة بن شعبة ~~والمسيب بن نجيبة الفزاري رضي الله عنهم وعلت أصوات المسلمين بالتهليل ~~والتكبير والقوم من أعلى الاسوار قد رطنوا بلغتهم وتصارخوا عندما استيقظ ~~المسلمون وحمل خالد على القوم ونادى يا مسلمون أتاكم الغوث من رب العالمين ~~أنا الفارس الصنديد والبطل المجيد أنا خالد بن الوليد ثم حمل في وسط الروم ~~بمن معه فقتل رجالا وجندل أبطالا وهو مع ذلك مشتغل القلب بالأمير عياض ~~وبقية الامراء الذين على الأبواب وهو يسمع صراخهم وزعقاتهم قال الواقدي ~~حدثنا عبد الله بن عون قال حدثنا جابر بن سنان عن عقبة بن عامر قال كان ~~الروم والنصارى من أعلى السور يرمون بالحجارة والسهام ولقيت المسلمون من ~~عدو الله البطليوس أمرا عظيما لم يروا قبله مثله وكان أول من وصل إليهم ~~البطليوس لعنه الله فصبرت له المسلمون صبر الكرام وقاتل عدو الله البطليوس ~~قتالا شديدا وقال أروني الذي أخذ صليبي بالأمس فلما سمع الفضل بن العباس ~~صوته قصد جهته وقال ها أنا صاحبك وغريمك أنا مبيد جمعكم وآخذ صليبكم أنا ~~ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطف عليه البطليوس عطفة الأسد على ~~فريسته وقال إياك طلبت ثم انفرد له وصادمه فلم تر الناس في طول الأيام ضربا ~~كضربهما في تلك الليلة ورأى الفضل منه شيئا لم يره ms806 في طول عمره ولم يزالا ~~كذلك إلى أن مضى من الليل شطرة وكل قرم مع قرمه ولم يزالا في كر وفر وضرب ~~ورد لم ير أحد مثله وصبر له الفضل صبر الكرام ولاح له من عدو الله ضربة ~~فتلقاها في حجفته قانقطع سيف الفضل وطمع فيه عدو الله وظن أنه يأخذه أسيرا ~~وإذا بفارسين قد أقبلا ومن ورائهما كتيبة من الفرسان قد هجموا على الروم ~~وإذا بخولة بنت الأزور أخت ضرار قد حملت على فارسين من الروم فجندلتهما وهي ~~تجندل في الابطال وفرسانهم فلحقها فارسان أحدهما عبد الرحمن بن أبي بكر ~~والثاني عبد الله بن جعفر وتبعهما ثلاثة وهم أبان بن عثمان بن عفان فخلصوا ~~خولة بعد أن أحاطت الروم بها وعطفوا على عدو الله البطليوس فكر راجعا في ~~كردوس من الروم حتى دخل مدينة البهنسا وقاتلت الروم من أعلى الاسوار قتالا ~~شديدا وكان خالد رضي الله عنه تارة يكر عند باب الجبل وتارة عند باب توما ~~وتارة عند باب PageV02P295 # قندوس وكان عياض بن غانم الأشعري عند باب الجبل في ذلك الوقت فلبس سلاحه ~~ودنا من القوم بمن معه من الامراء مثل المقداد وضرار بن الأزور وشرحبيل ~~ومسلم وعقيل وزياد وعبد الله بن العباس وعمرو بن أبي ذئب وعبد الرحمن ابن ~~أبي هريرة والمسيب ولاحرث بن مسلم وزيد بن الحرث وأبي ذر الغفاري ومحمد بن ~~مسلمة رضي الله عنه فعطفوا نحو الباب وكبروا وكبر القوم من ورائهم فخرج ~~إليهم بطريق عظيم ومعه عشرة آلاف فارس وكان اسم البطريق يوحنا فاقتتلوا ~~قتالا شديدا فتكاثر الروم على عبد الله بن عبادة بن الصامت فقاتل قتالا ~~شديدا ورمى بحجر من أعلى الباب فقتله وقتل من الامراء وفرسان المسلمين عند ~~الباب زهاء من مائتين وقتل من الروم نحو ألف وحمل عياض والامراء والتقى ~~القوم فصارت الأحجار والسهام تتساقط عليهم وهم لا يولون عنهم فلما ألجئوهم ~~إلى الباب واختلطوا بهم خشيت الروم أن يصيبوا أصحابهم بسهامهم وحجارتهم ~~فأمسكوا أيديهم وقتل من الروم مقتلة عظيمة وأما ms807 خالد فقالتل قتالا شديدا ما ~~رؤي مثله فبينما الناس كذلك إذ أقبل ضرار بن الأزور وهو ملطخ بالدماء وهو ~~جامد عليه كأكباد الإبل فقال له خالد ما وراءك من الاخبار يا ضرار فقال ~~أخبرك يا أبا أبا سليمان أني قتلت في ليلتي هذه مائة وستين رجلا وقتل قومي ~~ما لا يعد وقد كفيتكم من خرج من باب الجبل قال الراوي وكانت ليلة لم ير ~~الناس مثلها وهجم الأمير عياض هو وأصحابه على من بداخل الباب واقتتلوا ~~قتالا شديدا ووصلوا إلى ساباط الباب وكان له باب آخر فأغلق من دونهم على ~~كردوس من الروم فقتلوا هناك وتسلق المسلمون على البرج وقتلوا من فيه وكانوا ~~خمسمائة وقتل في تلك الليلة هناك نحو الف وأما باب قندوس فكان عليه الزبير ~~بن العوام وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو بن العاص والفضل بن أبي لهب ~~والمغيرة وجماعة من الامراء فتواثبوا إلى الباب واقتتلوا قتالا شديدا وقتل ~~من المسلمين نحو مائة وعشرين رجلا غير الأعيان وأما باب توما فكان عليه ~~خالد وخرج منه البطليوس فاقتتل الفريقان وقتل من المسلمين جماعة نحو مائتين ~~وثمانين رجلا في المكان المعروف بالمراغة وغلقوا الأبواب واستعدوا للحصار ~~وهذا كان أول فتح قال الواقدي حدثنا سنان بن مفرج العجلاني عن أبي محمد ~~الشاكري عن زيد بن رافع عن أبي أمامة قال وأقام خالد بعد الوقعة على ~~البهنسا أربعة أشهر لا يقاتلهم ولا يناوشهم فطال عليهم المكث وضجروا فأتوا ~~PageV02P296 # إلى خالد وشاوروه في القتال فأذن لهم وكان جملة من قتل في وقعة الأبواب ~~نحو ستمائة فارس ختم الله لهم بالشهادة قال الراوي فلما استأذنت الصحابة ~~خالدا في القتال لم يقدر أن يمنعهم ولما أصبحوا اقتتلوا قتالا شديدا لم ~~يسمع مثله فاشتد الحصار فقال أهل البهنسا وقالوا للبطليوس ما بقي لنا صبر ~~على القتال والحصار فقال لهم أصبروا واثبتوا لعلي أن أكيد العرب بمكيدة ~~ولما اشتد الحصار عليهم أتوا إلى بطريق يسمى توما صاحب الباب وأتاه السوقة ~~والنصارى والعوام وقالوا له لقد ms808 ضاق علينا الحصار فنجعل لك مالا وافتح لنا ~~الباب حتى نأخذ لنا أمانا من العرب فأجابهم إلى ذلك فصبرهم إلى جانب من ~~الليل وفتح لهم الباب فمضى نحو مائتين من تجار البلد وخرجوا من باب السر ~~وأتوا إلى خالد وصالحوه على أن يفتحوا لهم الباب وجعلوا للمسلمين جعلا ~~معلوما واتفقوا على ذلك وكتبوا أسماءهم ورجعوا هذا ما جرى لهؤلاء وكان ~~الكلب ابن عم توما حاضرا واسمه أرمياء فمضى إلى البطليوس وأعلمه بذلك ~~فعندها أرسل البطليوس بطريقا يقال له حرفائيل ومعه ألف بطريق وقال اكمنوا ~~واتوني بالخبر على جليته فمضوا وتفرقوا وهم مشاة قريبا من باب توما وإذا ~~بهم قد أقبلوا فلما رأوهم عرفوهم وفتحوا لهم الباب فدخلوا فعندها تواثبوا ~~عليهم وأمسكوهم وسحبوهم إلى البطليوس لعنه الله فلما رآهم وبخهم توبيخا ~~عظيما وقال ائتوني بالسياط ونصب أخذودا من حديد ثم ضربهم ضربا شديدا وأتى ~~بالنار وأحرق جميع أموالهم وأمر باحضار البطريق فأحضر بين يديه فأخذه ومضى ~~إلى القصر هو وجميع أعوانه واستدعى بالخشب وصلبهم على أعلى السور وأقاموا ~~هناك يوما وليلة ثم أمر بضرب رقابهم وطرح رؤوسهم للمسلمين قال الأمير عياض ~~للأمير خالد هؤلاء أهل ذمتنا وقد قتلهم البطليوس لعنه الله قال الراوي وأما ~~الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قلق على المسلمين قلقا شديدا ~~فأرسل كتابا إلى عمرو بن العاص يقول فيه ما سبب انقطاع كتبك عني وأنا في ~~قلق على المسلمين وعلى خالد ومن معه واعلم أنك لا ترسل لي الا بالفتح ~~والغنائم وان احتاج خالد إلى نجدة فأرسل إلى أبي عبيدة فقد كاتبته بأن يرسل ~~له جنودا من الشام والسلام فلما وصل الكتاب إلى عمرو أرسله إلى خالد فقال ~~خالد لا نطلب النجدة والمعونة إلا من الله تعالى ثم إن خالدا عظم عليه ~~الامر واشتد الحصار وكان كل يوم يرجع إلى المدينة ويقاتل قتالا شديدا وفقد ~~من المسلمين جماعة كثيرة قتلوا بالحجارة والنشاب وهجم عدو الله على ~~المسلمين وكادهم مرارا وقال خالد للأمير عياض PageV02P297 # وللمسلمين لا ms809 شك أن لأصحابنا عيونا وجواسيس ثم إن خالدا ركب ومعه الفضل ~~بن العباس والمقداد وزياد بن أبي سفيان وعياض وطافوا حول العسكر وإذا برجل ~~من العرب المتنصرة جالس على قطيفة خارج العسكر فأنكر أمره خالد وقال له من ~~أي العرب أنت فسكت فقالب له الأمير عياض انطق بالحق من لك من الأهل ههنا ~~فسكت فقال له خذ الماء وتوضأ فلم يحسن ذلك فقال له صل فلم يحسن ذلك فضربوه ~~فأقر بأنهم خرجوا ثلاثمائة من باب السر وردوا وبقي هو فضرب عنقة وانقطعت ~~الجواسيس فكانوا يقاتلون قتالا شديدا وكان لخالد عبد في خيمته اسمه فلاح ~~يصنع له كل يوم قرصين من شعير واحد له وواحد للعبد فقعد خالد ثلاثة أيام ~~يأتي السفرة فلا يجد فيها شيئا ولم يكلم العبد وكان عنده بعض تمر يتقوت به ~~حتى فرغ فعندها قال خالد للعبد يا ولدي قال الله تعالى * (وما جعلناهم جسدا ~~لا يأكلون الطعام) * ولك ثلاثة أيام لم تصنع فيها قرص شعير قال يا سيدي ما ~~قطعت عنك ذلك ولكن أصنع لك كل يوم وأعلقه في طبق الخيمة فلم أجده قال خالد ~~أن لهذا شأنا عظيما ثم قال للعبد قف خلف الخيمة وأخف نفسك وانظر من يفعل ~~هذا فلما كان الغد ركب خالد للقتال وصنع العبد القرصين وأكل قرصا ووضع قرص ~~سيده فكان معتادا أن يشيله له فجاء كلب أسود عظيم من جهة البلد ودخل الخيمة ~~وأخذ القرص في فمه ومضى فتبعه العبد حتى أتى إلى سرب يخرج منه الماء يجري ~~من البحر تحت الأرض إلى تحت سور المدينة من جهة القبلة ويدخل المدينة ويظهر ~~من الجهة البحرية من خارج البلد فلما رآه العبد رجع وأعلم الأمير خالدا ~~فمضى معه ورأى ذلك ففرح بذلك فرحا شديدا ثم أتى إلى الامراء واعلمهم بذلك ~~وقال وقال لهم أريد منكم مائة رجل قد باعوا أنفسهم لله عز وجل فيمضون معي ~~وجماعة شداد يكونون مقابل الباب فإذا فتحنا الأبواب دخلوا الينا فانتدب ~~منهم مائة رجل من خيار ms810 القوم منهم عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ~~وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومسلم بن عقيل وزياد بن أبي سفيان وأخوه هبار ~~والمسيب بن نجيبة وأخوه والمقداد ابن الأسود ورافع وأبو رزين العقيلي ومثل ~~هؤلاء السادات وقد اقتصرنا في أسمائهم خوف الإطالة ورتب خالد رضي الله عنه ~~عبد الله بن جعفر والزبير بن العوام وابنه عبد الله والفضل بن العباس ~~والفضل بن أبي لهب وضرار بن الأزور ومثل هؤلاء مقابل الباب وصبروا إلى غروب ~~الشمس وأتوا إلى ذلك السرب ودخلوا اليه في الماء كل واحد بسراويله وسيفه ~~وكان أولهم الأمير خالد وكل من دخل يدع سيفه وحجفته مع صاحبه حتى يدخل ~~ويأخذهما حتى دخل ثمانون رجلا ورجع PageV02P298 # عشرون لم يسعهم السرب وضاق عليهم فولوا وهم متأسفون لما فاتهم من الشهادة ~~والفتح وتواثبت الامراء المذكورون وأخفوا نفوسهم تحت الجدار إلى جزء من ~~الليل فتبادورا إلى الباب فوجدوه موثقا من داخله فعالجوا الاقفال والروم ~~سكارى ففتحوا الباب وذبحوا كل من وجدوه في دهليز الباب وكانوا ستين رجلا ثم ~~علوا على السور وجماعة منهم أخذوا المفاتيح ففتحوا الباب وثاروا على الروم ~~فقتلوا جماعة منهم في أعلى البرج وقتلوا بطريق البرج وأعلنوا بالتهليل ~~والتكبير والصلاة على البشير النذير فأجابهم المسلمون بمثل ذلك ودخلوا من ~~الباب إلى سوق المدينة وتبادرت جماعة إلى القصر فلما أحس عدو الله بذلك وأن ~~المسلمين ملكوا عليه الأبواب وضع منديلا في عنقه وخرج وهو يقول الأمان ~~الأمان وفعل جماعة كذلك فأبى خالد ووضع السيف فيهم وقاده أسيرا وقال له يا ~~عدو الله لا أمان لك عندي الا أن تسلم وقبض على جماعة من بطارقته ووضع ~~السيف فيهم وقتل من الروم نحو ثلاثة آلاف وقتل من المسلمين في تلك الليلة ~~في وسط البلد مائة وأربعة وثمانون رجلا قريبا من سوق المدينة وعند الأبواب ~~وعند القصر وجاء عياض ومعه جماعة من الامراء فشكا إليهم أهل البلد وقالوا ~~الأمان فرق لهم الأمير عياض وصار عدو الله يتملق بين أيديهم ms811 فغلبوا على رأي ~~خالد حتى صالحهم على ألف مثقال من الذهب الابريز وألف ألف أوقية من الفضة ~~البيضاء وعشرة آلاف وسق من البر والشعير والجزية من العام القابل وخالد لا ~~يطمئن قلبه إلى شيء من ذلك وغلب الامراء على رأيه وجاءوه وقالوا له لقد أضر ~~بنا المقام بهذا البلد فما نراك الا أشفق منا علينا ونرى من الرأي أن ترسل ~~إلى عمرو وتعلمه بذلك وهذا الكلب وجماعته موثقون إلى أن يجيء الجواب فعندها ~~كتب خالد كتابا إلى عمرو يخبره بذلك فلما بلغه ذلك رد لهم الجواب أنهم ~~يستوثقون منه بالايمان ويأخذون منه ما صالحهم عليه ويتركونه ومن صاح الغوث ~~الغوث فاتركوه والا نفر منكم أهل الصعيد ففعل خالد وقلبه نافر وأطلقه بعد ~~ما استوثق منهم بالايمان في كتبهم المذكورة وأطلقوه وشرط عليهم أن لا ينزل ~~عندهم أحد الا من يقبض المال فخرجوا إلى ظاهر المدينة وبقي عنده فضالة بن ~~زيد السلمي وعون بن ساعدة الكندي ومقوم بن سعيد الجهني ومائتان من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج الميرة والعلوفة وصار كل يوم يركب ~~ويتودد إلى الامراء ووهب وأعطى ولم يترك أميرا الا خادعه حتى طابت نفوسهم ~~عليه الا خالدا والفضل بن العباس والمقداد وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~والزبير بن العوام فإنهم لم تطب نفوسهم اليه وأقاموا شهرين على ذلك وأرسل ~~جميع الغلال إلى خزينته في PageV02P299 # هذا الزمن وخزن ما يحتاج اليه واستدعى بكبار قومه ومن يثق به واتفق رأيهم ~~على قتل المسلمين والغدر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبروا إلى ~~أن مضى جزء من الليل وهجم على المسلمين على حين غفلة في ألف بطريق وأوثقهم ~~كتافا وجعل في أفواههم الاكر وفتح الأبواب وأدخلهم المدينة وهجم على ~~المسلمين ووضع السيف فيهم وهم رقود فما انتبهوا الا والسيف يقطع في نحورهم ~~وكانت وقعة عظيمة وثار خالد بمن معه وكان الزبير راقدا فسمع الصياح فقال ~~دهينا ورب الكعبة ثم ركب وركبت معه زوجته وقاتلت النساء قتالا شديدا ms812 وعدو ~~الله تارة يكر ميمنة وتارة يكر ميسرة والسيف يعمل والرجال تقتل وكانت ليلة ~~شديدة وصار خالد يقول يا قوم أما قلت لكم فما سمعتم لخالد والتجأ زياد بن ~~أبي سفيان وأخوه هبار وميسرة ابن مسروق وفضالة بن عبد شمس وعقيب بن يعقوب ~~وعبادة بن تميم وجندبة الكلبي إلى تل هناك وأحاط بهم طائفة من الروم من كل ~~مكان فقاتلوا قتالا شديدا وانحدر زياد رضي الله عنه من التل وتبعه أصحابه ~~فأحدقت بهم الروم وداروا بهم دوران السور بالمعصم وقتلوا زيادا وجميع من ~~ذكرنا من الامراء وقاتلت نسيبة الأنصارية أم أبان وأسماء ابنة أبي بكر ~~ونعمانة ابنة المنذر ونظائرهن في تلك الليلة قتالا شديدا وقتل جماعة من ~~المسلمين وأتى خالد وحمل عليهم وجعل يقلب الميمنة على الميسرة والميسرة على ~~الميمنة قال وأطبق عليهم هو وجميع الامراء فهزموهم إلى الأبواب وقد قتلوا ~~منهم مقتلة عظيمة وهرب عدو الله وتحصن هو وقومه وغلقوا الأبواب ولما أصبح ~~أمر بالحصار وأمر باحضار المأسورين وصعد بهم إلى أعلى البرج وضرب رقابهم ~~فشق ذلك على المسلمين وصعب عليهم ما فعل عدو الله بأصحابهم وأتى خالد رضي ~~الله عنه ومعه بقية الامراء إلى مكان المعركة فوجدوا الشهداء مطروحين ~~ووجدوا زيادا رضي الله عنه وفيه عشرون طعنة بالرمح وأربعون ضربة بالسيف ~~والى جانبه أخوه هبار وفي رأسه عشرون ضربة بالسيف وواحدة في فخذه قطعته ~~فبكى خالد عليهم بكاء شديدا وبكى عليهم سائر الامراء وابطال المسلمين ~~ونعاهم الأمير خالد بهذه الأبيات وهي له خصوصا * هوام دموعي كالسحائب تهمع ~~* وقلبي من فقد الأحبة يفزع * وأظلمت الدنيا على نور عبرتي * وكاد فؤادي ~~بالجوى يتقطع * لفقد زياد أحرق ألبين مهجتي * وغاب صوابي وهو في الأرض يصرع ~~* لقد كان في بحر المعامع صائلا * يزلزل أركان العدا ويضعضع * وقد كان ~~مقدام الفوارس كلها * بكل مكان للأعادي مقمع * لحى الله يوما فيه حانت ~~وفاته * وأجفانه مع أسهم الدمع تدمع * PageV02P300 # * ايا سيدا من آل هاشم لم يزل * له رتبة بالمجد والجود ترفع * يعز علينا ~~أن نراك ms813 معفرا * ورأسك من فوق الجنادل تسفع * بجانبك الهبار أضحى مهبرا * ~~طريحا على رأس الثرى وهو مطبع * ألا لعن الرحمن بطلوس قومه * وألعنه مع كل ~~قوم تجمع * لقد غدر السادات من آل هاشم * نجوما وأقمارا على الناس تطلع * ~~قال الراوي ثم بكى المسلمون بكاء شديدا على من قتل منهم من الامراء ~~والابطال وجموعهم وصلوا عليهم ووروهم في حفرهم إلى جانب التل فإذا هم ~~ثمانون أميرا وثلاثمائة وسبعون رجلا ختم الله لهم بالشهادة قال الراوي ~~وأقام المسلمون ثلاث سنين الا أنهم يشنون الغارات على السواد والسواحل ومضى ~~القعقاع بن عمرو وهاشم وأبو أيوب وعقبة بن نافع الفهري بألفي فارس وأغاروا ~~على حد برقة ثم عادوا وهذا أحد الآراء في فتح المغرب قال رضي الله عنه ولما ~~طال الحصار والمكث على أهل البهنسا اجتمعت المسلمون عند خالد واستشاروه ~~فيما يفعلونه وماذا يكون من الرأي فوثب عبد الرازق الأنصاري وعبد الله بن ~~مازن الداري وكعب بن نائل السلمي وأبو مسعود البدري وأبو سعيد البياضي ~~وقالوا يا قوم قد وهبنا أنفسنا لله عز وجل ولعل أن يكون للإسلام فرج ~~فاصنعوا منجنيقا واملئوا غرائر قطنا وقالوا يأخذ كل واحد منا سيفه وحجفته ~~ويدخل في غرارة قطن فإذا كان الليل ونامت الحراس فألقونا على أعلى السور ~~واحدا بعد واحد والمعونة من الله في فتح الباب كما فتحتم قصر الشمع بمصر ~~ودير النحاس وكما فعلتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاستصوبوا ~~رأيهم فلما أصبحوا قطعوا الأخشاب وصنعوا منجنيقا وصنعوا له حبالا وأحضروا ~~غرائر وملئوها قطنا والرجال داخلها وصبروا إلى الليل ودخل هؤلاء السادات ~~رضي الله عنه بعد أن ضربوا بالمنجنيق حجرا بعد حجر فسقط على أعلى السور ~~والبرج فشرعوا في رميهم منهم أبو مسعود البدري وعبد الرزاق إلى أن رموهم ~~جميعهم وصاروا فوق أعلى السور ورتب خالد أصحابه على الأبواب وأما عبد ~~الرزاق وأصحابه فلما صاروا بأعلى الجدار نزلوا إلى البرج فإذا هو مغلق ~~والحراس نيام فنزلوا إلى الدهليز بين البابين فوجدوهما مغلقين موثقين ~~فذبحوا ms814 البوابين عن آخرهم ووجدوا المفاتيح تحت رأس كبيرهم في جانب سريره ~~فأخذوها وفتحوا الأبواب وإذا بالباب الثاني الذي ينتهي إلى القصر مسدود ~~بالحجارة فاحتالوا على قلع حجر بعد حجر فقلعوها ورموا الأحجار وفتحوا ~~الأبواب وكل ذلك في أقل من ساعة بمعونة الله عز وجل وصعدوا إلى البرج ~~فعالجوه وفتحوه وقتلوا جماعة واستيقظ جماعة وثاروا عليهم وخافوا على الباب ~~أن يؤخذ منهم وأن PageV02P301 # يحال بينهم وبينه وهو باب السور الذي بظاهر المدينة ففتحوه صاحت الروم ~~واستيقظ البطليوس وركب جواده وكان على حذر وركب المسلمون ودخلوا الباب ~~وخرجت البطارقة والبطليوس من قصره وزحفت الروم إلى الباب وكان أول من قتل ~~في ذلك اليوم عبد الرزاق وعنان بن مازن وكعب بن نائل السلمي بداخل الباب ~~قال حدثنا قيس بن مازن الحميري عن عبادة بن سالم السكاكي عن أبي مسعود ~~البدري وكان أول من فتح الباب قال ليس هو على هذه الصفة وأخبرنا سالم بن ~~حامد عن أبي عبد الله عن أبي محمد الأنصاري عن عبد الله البدري قال كان أبو ~~محمد الحسني يقرأ هذه الفتوح بالجامع الغزي العمري على الشيخ أبي عبد الله ~~حتى بلغ إلى هنا وذكر الفتوح وفتح الباب وان الرجال وضعت في الغرائر قال يا ~~بني ليس الامر كذلك فقد روى عن أبي مسعود وهو الصحيح عن فتح الباب قال أنهم ~~قطعوا أخشابا ونصبوا سلما للتسلق عاليا علوا جدار المدينة وصبروا إلى الليل ~~وأسندوه إلى الجدار وتسلق منهم أربعون رجلا ومنهم لسبعة المذكورون وفتحوا ~~الباب كما ذكرنا واستيقظ الروم وخرجوا إليهم بعد فتح الباب فكان السابق ~~إليهم عبد الرزاق رضي الله عنه فقتلوه وقتلوا معه من ذكرنا أولا وتسابق ~~المسلمون إلى الباب فكان أول من دخل ضرار بن الأزور وهو يزعق ويقول هذه ~~الأبيات * الجن تفزع يوم الحرب من فزعي * إذا أتيت إلى الهيجا بلاجزع * يا ~~ويل من صنع الارصاد يخدعنا * ونحن جرثومة الامكار والخدع * لأرضين الهي في ~~جهادهم * وقتل أبطالهم بالسيف والدرع * يا ويل كلب العدا البطلوس ان وقعت ms815 * ~~عيني عليه لارديه إلى النزع * عيب علي إذا ما ألتقيه هنا * وأفلق الرأس منه ~~غير مرتدع * ثم دخل من بعده خالد وهو يقول * اليوم يوم الوفا والطعن بالأسل ~~* والضرب بالقضب في الهامات والقلل * يا ويل بطلوس كلب البهنساء إذا * ~~لاقيته بطليق الحد معتدل * ان لم أذقه بكاسات المنون هنا * فلا سلمت ولا ~~بلغت من أملي * قال ثم دخل من بعده ذو الكلاع الحميري وهو يقول * أني لمن ~~حمير العالين في النسب * أهل الثنا والوفا والجود والحسب * أسد غضافرة سود ~~جحاجحة * نرى الكماة غدافي الحرب بالقضب * الحرب عادتنا والطعن همتنا * وذو ~~الكلاع أنا عال على الرتب * تبت يد الروم ما يدرون أن لنا * صوارما تترك ~~الأعضاء كالقصب * PageV02P302 # قام ثم دخل من بعده الزبير بن العوام وهو يقول * ايا بطليوس يا كلبا ~~لعينا * ويا نسل الطغاة الارذلينا * أتتك حماة دين الله حقا * وأولاد ~~الجياد الخيرينا * خيار الناس نسل بني نزار * كراما في الأعادي قاطعينا * ~~إذا أحتبك العجاج بهم تراهم * بحولك كالسباع الضاربينا * ولا منهم جبان قط ~~يهزم * ولا نذل فتلقاء حزينا * ولا منهم جبان قط يهزم * ولا نذل فتلقاء ~~حزينا * وليس ترى سوى مقدام قوم * أثار الحرب صنديدا أمينا * قال ثم دخل من ~~بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وهو يقول * أتينا البهنساء بكل قرم * ~~شديد العزم في يوم النزال * وجيش فاق في الآفاق طرا * على الأعداء بالسمر ~~العوالي * قال ثم دخل من بعده عبد الله بن جعفر وهو يقول * اليوم طاب الطعن ~~في اللئام * والضرب في الأعناق بالحسام * وأنصر الاسلام باهتمام * ولم أزل ~~عن سادتي أحامي * أنا الشجاع الفارس الهمام * ومردى الأعداء في الحمام * ~~قال ثم دخل بعده الفضل بن العباس وهو يقول * ألا اننا السادات من آل هاشم * ~~ليوثا ذوي بطش شديد العزائم * لنا تشهد الابطال في كل معرك * وتذكر عنا أهل ~~كل المواسم * إذا اشتدت الأهوال واستبق القنا * رأيت لنا في ذاك فعل ~~الضراغم * قال ثم دخل من بعده الفضل بن أبي لهب وهو يقول * لنحوك يا بطلوس ms816 ~~عزمي قد طلب * بحد حسام كالشهاب إذا انتدب * يطير شرار النار من لمعانه * ~~بكف شجاع الخيل أبن أبي لهب * فويلك يا ملعون منه إذا سطا * بصارمه يوم ~~العجاج وان وثب * قال ثم دخل من بعده عياض بن غانم الأشعري وهو يقول * لا ~~أنثني يوم الهيج عن العدا * بمهندي الصمصام الا إذ قطع * فالويل للبطلوس من ~~سطواتنا * لأفرقن بحد سيفي ما جمع * قال ثم دخل من بعده المقداد ابن الأسود ~~وهو يقول * أنا الكندي كالليث الشجاع * واني في العدا قد طال باعي * وتشهد ~~لي الرجال بكل حرب * وللهيجاء منقاد الطباع * فواثارات عبد الله اني * عليه ~~ذاهل حيران ناعي * قال ثم دخل من بعده أبان بن عثمان وهو يقول * نحن الليوث ~~ذوو المعروف والكرم * وفي المعامع يوم الحرب والهمم * مجندلون العدا في كل ~~معترك * وقاهرون لهم كل مصطدم * PageV02P303 # * لا يعجبنك يا بطلوس جيشك في * هذا المقام فمعنا الكل كالرخم * قال ثم ~~دخل من بعده مسلم بن عقيل وهو يقول * ضناني الحرب والسهر الطويل * وأقلقني ~~التسهد والعويل * فواثارات جعفر مع علي * وما أبدى جوابك يا عقيل * سأقتل ~~بالمهند كل كلب * عسى في الحرب أن يشفي الغليل * قال ثم دخل من بعده شرحبيل ~~بن حسنة ثم القعقاع بن عمرو التميمي ثم مالك الأشتر ثم عبادة بن الصامت ثم ~~أبو ذر الغفاري ثم أبو هريرة الدوسي ثم ابنه عبد الرحمن ثم معاذ بن جبل ثم ~~شداد سن أوس ثم قيس بن هبيرة ثم أبو أبو دجانة الأنصاري ثم جابر بن عبد ~~الله ثم البراء بن عازب ثم النعمان بن بشير ثم سعيد بن زيد أحد العشرة ~~الكرام رضي الله عنهم قال ثم الأنصار يتلو بعضهم بعضا بهمم وعزائم قال ثم ~~خرجت الروم وقاتلت قتالا شديدا وتواثبت جماعة من الامراء مثل الزبير بن ~~العوام وابنه عبد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى باب البحر واقتتلوا ~~قتالا شديدا وتقدم عبد الرحمن والزبير إلى الباب والروم على أعلى السور ~~ونزل عن جواده وصلى ركعتين والحجارة تتساقط عليه ms817 وهو لا ينزعج لذلك وتقدم ~~هو والفضل وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى الباب وجعلا السلاسل من فوق وصعدوا ~~إلى أعلى البرج وهدموا الشرافات ووضعوا السيف في الحراس وفتحوا الباب ووثب ~~شرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وأبو ذر الغفاري وأبو أيوب الأنصاري إلى ~~باب قندوس ووثب المسيب بن نجيبة الفزاري والقعقاع بن عمرو والأمير عياض بن ~~غانم الأشعري إلى باب الجبل وفتحوا الأبواب واقتتلوا قتالا شديدا وقاتلت ~~الروم قتال الموت إلى أن طلعت الشمس وارتفعت وقاتل عدو الله البطليوس قتالا ~~شديدا وقتل رجالا وجندل أبطالا واقتتلوا في الأزقة والشوارع وبين الأبواب ~~وتقدم خالد وهو يصيح واثارات أبا سليمان وطعنه طعنة صادقة في صدره فأطلع ~~السنان يلمع من ظهره فوقع يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس ~~القرار فلما رأى الروم ذلك ولوا الادبار وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ~~وينهبون وقتل من الروم نحو ثلاثين ألفا بوسط البلد وأسر منهم عشرون ألفا ~~وأنشد خالد يقول * وبالنهنسا الغرا أبيدت جيوشنا * ثلاث سنين بابها ليس ~~يفتح * ثماني آلاف عداد جيوشنا * وكل همام عن ثمانين يرجح * فما فتحت الا ~~وقد صار جيشنا * ثلاثة آلاف عداد تسحسح * ولم أر في أرض الصليب كمثلها * ~~ولا جيشها لما على السور يسرح * ولا مر لي يوم كمثل حروبها * لان بها ~~البطلوس ليث مبجح * PageV02P304 # * وكان له جيش وعدة جيشه * ثمانون ألفا بالحديد توشحوا * وكنا غلبناهم ~~ثمانين مرة * يخادعنا البطليوس عنهم فنصفح * ثلاث مرار نحن نفتح بابها * ~~وترتد للكفر الذميم وتجنح * وقد لعب الهندي يوم فتوحها * وكلت أيادينا وفي ~~الروم نذبح * ثلاثون ألفا قد محتها سيوفنا * وأكبادنا من حرها النار تقدح * ~~إلى أن ملأنا البر والبحر منهم * وقد شبعت أسد الفلا وترنحوا * وولت ثلاثون ~~الألوف شواردا * وعشرون ألفا منهم قد تجرحوا * فمنهم قضى نحبا ومنهم بها ~~طغى * ومنهم أناس في المقابر روحوا * وبطلوسهم ذاك النهار قتلته * وقد كان ~~مقدام الجيوش مرجح * فبادرته في الحال حتى تركته * صريعا عليه الغانيات ~~تنوح * وعاجلته في الرأس مني بضربة * فأضحى بها شطرين ms818 ملقى ومطرح * وعاد ~~بسيف ابن الوليد مجندلا * تمر به كل الحوادث تفلح * ولما فني بطلوسهم صار ~~جمعهم * كما شبه أغنام وغاب المسرح * وقد كان في بحر الهياج مغلغلا * تولى ~~سرايا قومنا منه مرح * فلله ما أعداه قد كان فارسا * يفوق على جيش عظيم ~~ويرجح * وقد فرحت أكبادنا وترنمت * لعمرك والأكباد بالنصر تفرح * أقمنا ~~بأرض البهنسا بعد فتحها * ثلاثين يوما للمساجد نصلح * وصرت إلى أرض الصعيد ~~معاجلا * بألفين من خيل الصحابة ترمح * من البهنسا لاسوان جمعا فتحتها * ~~بعشر شهور بعدها ليس تلمح * وعندي الثلاثون الذي شاع ذكرها * وكل فتى يا ~~صاح بالألف يرجح * ورحنا فتحنا الهند والسند كله * وأسيافنا في الغمد لله ~~تسبح * وفي كل أرض عسكر قد تركته * يقيمون دين الحق والحق يوضح * وهذا كلام ~~ابن الوليد الذي جرى * فكن سامعا معنى الذي لك أشرح * فما مثله في معمع ~~الحرب سيد * ولا مثله في جوهر النظم أفصح * ومن بعدذا صلوا على أشرف الورى ~~* نبي له كل البرية تجنح * عليك سلام الله ما لاح بارق * وما غرد القمري إذ ~~الصبح يطفح * وأصحابه والآل والعترة التي * أقاموا لدين الله والشرك زحزحوا ~~قال الراوي وصار المسلمون يصعدون إلى البيت ويأخذون الرجال من بين حريمهم ~~من الروم ويقتلونهم حتى كلت سواعدهم من الذبح وجرى الدم في الأزقة وصارت ~~القتلى في الشوارع والأسواق مطروحين وخرجت إليهم النصارى والقبط وهم يبكون ~~ويقولون نحن أهل ذمتكم ونحن عوام وتجار وسوقة وكلنا مغلوبون على أمرنا وقتل ~~خيارنا بأسيافكم وبقية الامراء PageV02P305 # ويقولون هؤلاء قد صاروا رعيتنا وليس لهم بطش فتركوهم وقالوا بشرط أن ~~تدلونا على من أخفى نفسه في المغاير والمخابي ومن فر من الباب الشرقي وغرق ~~في الماء فدلوهم على الجميع ولم يزالوا يقتلون ذلك اليوم كله وفي اليوم ~~الثاني استدعوا بنجارين يعملون عربات لحمل القتلى من المسلمين وأخذوا دواب ~~أهل السواد من البقر تسحب العربات والفلاحون عملوا عليها وصاروا يضعون كل ~~ثمانية وستة وعشرة في حفيرة ويردون عليم الرمل حتى صاروا تلالا وشهروا ~~قبورهم ووضعوهم بدروعهم وثيابهم ms819 ودمائهم رضي الله عنهم وأخذوا ألواح رخام ~~وكتبوا عليها أسماءهم وأنزلوها في مدافن قبورهم ورجعوا إلى قتلى أهل البلد ~~فواراهم أهلهم في قبورهم وكان جملة من قتل من المسلمين في ذلك اليوم نحو ~~أربعمائة وأزيد الأعيان منهم صاغر بن فرقد وعبد الله بن سعيد وعبد الله بن ~~حرملة وعبد الله بن النعمان وعبد الرزاق الأنصاري وعبد الرحيم اللخمي وأبو ~~حذيفة اليماني وأبو سلمة الثقفي وأبو زياد اليربوعي وأبو أبا سليمان ~~الداراني وابن أبي دجانة الأنصاري وأبو العلاء الحضرمي وأبو كلثوم الخزاعي ~~وأبو مسعود الثقفي وهاشم بن نوفل القرشي وعمارة بن عبد الدار الزهري ومالك ~~بن الحرث وأبو سراقة الجهني والبقية من أخلاط الناس وقتل عند سوق التمارين ~~نحو عشرين ودفنوا هناك وعند سوق الصابون جماعة كثيرة وقريبا من العطارين في ~~جانب القبور نحو أربعين وقريبا من البحر اليوسفي جماعة عند السور رضي الله ~~عنهم أجمعين قال الراوي ولما وارى المسلمون شهداءهم صعدوا إلى قصر البطليوس ~~والى قصور البطارقة ودورهم ومقاصيرهم فوجدوا فيها من آلية الذهب والفضة ما ~~لا يوصف ومن المتاع والحلى والحلل واللآلىء والنمارق والجواهر والبسط ~~والوسائد والمساند واقتتلت الروم على بغلة محملة عند باب السر فغلبهم ~~المسلمون عليها وأخذوها فإذا عليها صندوقان فيهما أحجار معادن فاشترى رجل ~~من المسلمين من بيت المال حجرا بستة آلاف دينار فباعه على غشوميته بمائة ~~ألف دينار وأخذوا بساط البطليوس وكان مثل بساط كسرى سداه حرير وذهب مرصع ~~بالمعادن فأرسلوه مع الخمس إلى المدينة فجعل لعلي بن أبي طالب فيما حصل له ~~من البساط عشرون ألف دينار وغنمت المسلمون غنائم كثيرة من أواني الذهب ~~والفضة وغير ذلك قال الراوي حدثنا عون بن عبيدة عن عبد الحميد بن أبي أمية ~~قال هدم المسلمون القصر والكنيسة وتلك الدور وفتحوا خزائن البطليوس ~~واستخرجوا جميع ما فيها من الذهب والفضة وغير ذلك ولم يتركوا فيها شيئا ~~أبدا وقسم خالد الغنيمة على المسلمين فكان للفارس عشرة آلاف مثقال ~~PageV02P306 # من الذهب وألف أوقية من فضة ومن الثياب والملبوس وغير ms820 ذلك ما لا يوصف ~~ولما دخلوا الكنيسة ورأوا تصاويرها وقناديلها الذهب والفضة والستور الحرير ~~المنقوشة والأعمدة وغير ذلك تعجبوا وقرأ خالد * (ما اتخذ الله من ولد) * ~~الآية وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله فصاح المسلمون بالتهليل ~~والتكبير والصلاة على البشير النذير وقرأ عياض الأشعري كم تركوا من جنات ~~وعيون إلى قوله وأورثناها قنوما آخرين وأخربوا تلك البيعة وجعلوا بجانبها ~~مسجدا على أعمدة من الرخام مسقوف عليها بتلك الأخشاب وهو الجامع الأول قبل ~~بناء حسن بن صالح هذا الجامع الان وبقية الأخشاب والحجارة جعلوا منها مساجد ~~وربطا قال الواقدي حدثنا عبد الحميد عن قيس بن مهران عن أبي جعدة قال ~~بمدينة البهنسا أربعون رباطا ومن المساجد ما لا يعد وأخربت الصحابة تلك ~~المعالم وبنوا دورا لأنفسهم واختطوا بها أماكن وشوارع وأقام خالد ومن معه ~~بمدينة البهنسا يصلحون المساجد والربط ويخرجون المعالم شهرا كاملا ثم أخرج ~~الخمس وأرسله لعمرو بن العاص ومن معه من المسلمين وهو نازل بمصر على قدر ~~سهامهم وقال له أرسل الخمس مع أبي نعيم الأنصاري والفضل بن فضالة وأبي ~~دجانة إلى عمر بن الخطاب وهو بالمدينة فلما ورد الكتاب على عمرو بن العاص ~~فرح بذلك فرحا شديدا ثم كتب عمرو لعمر كتابا مع أبي نعيم صحبة كتاب خالد ~~وسير معه ثلاثين صحابيا حتى دخل المدينة ودخل على عمر بن الخطاب فوجد عنده ~~جماعة وقد أخرج لهم قصعا ومناسف من ثريد فلما رآنا عانقنا وتهلل وجهه فرحا ~~وجلسنا كلنا نأكل وهو قائم على رؤوسنا متكى على عصا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما فرغنا من الاكل ناولته الكتابين فقرأهما وفرح فرحا شديدا ~~ونادى في الناس الصلاة جامعة فخطب وحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم الكتابين واستدعى بالصحابة وقسم عليهم ~~الغنيمة ولم يترك لأهله درهما ولا دينارا ولا ثوبا رضي الله عنه وأخذني ~~ومضى إلى بيته بيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأدخلني اليه ms821 ~~فإذا فيه فراش من أدم حشوه ليف ووسائد من صوف وقطيفة واحدة فجلست فقال لأم ~~كلثوم هل عندك شيء من التمر قالت لا الا اللبن الحامض قال ذلك لي وان عندنا ~~ضيفا فحضرت بعكة من سمن وقليل من عسل وفطير مع جارية فأكلت قليلا من ~~المذكور وأخرجت الباقي لأصحابي وشرعت أحدثه عن البطليوس وهو تارة يبكي ~~وتارة يضحك من فعله ويبكي على من قتل من المسلمين والامراء وخرجنا إلى مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وجاءت الناس يهرعون ويسألون عن ~~أهاليهم منا فأخبرنا عمر PageV02P307 # مات ومن قتل فضج الناس وأهل المدينة بالبكاء وعلت الأصوات على من قتل ~~وجاء الناس لعلي ولعقيل ولبني هاشم يعزونهم فيمن قتل وأقمنا بالمدينة سبعة ~~أيام ورجعنا إلى مصر بكتاب عمر إلى خالد فأمره بالمسير إلى الصعيد قال ~~الراوي هذا ما جرى لهؤلاء وأما خالد رضي الله عنه فإنه بعد شهر ترك أناسا ~~من الصحابة بأرض البهنسا من جميع القبائل وخرج بألفي فارس إلى أرض الصعيد ~~وكانت القبائل من بني هاشم وبني المطلب وبني مخزوم وبني زهرة وبني نزار ~~وبني جهينة وبني مزينة وبني غفار والأوس والخزرج ومذحج وفهر وطي وخزاعة ~~وكان الأمير عليهم مسلم بن عقيل وأحاطوا بالمساكن وجعلوا بالمدينة أسواقا ~~وشوارع وسكن أكثر الصحابة في جانب البحر اليوسفي وخلوا من الآخر إلى الجانب ~~الغربي شارعا واحدا لأجل أن تسبح دوابهم في البحر وأقام مسلم بن عقيل واليا ~~عليها إلى خلافة عثمان أبن عفان رضي الله عنه فتولى محمد بن جعفر بن أبي ~~طالب بعده ومضى مسلم وترك أولاده واخوته بها ولم يزل في المدينة حتى قتل في ~~خلافة الحسن في الكوفة رضي الله عنه وأقام محمد بن جعفر إلى خلافة علي رضي ~~الله عنه وتولى عليها بعده علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنه إلى ~~خلافة معاوية وكان عبد العزيز بن مروان الأموي واليا وتولى بعده طاهر بن ~~عبد الله وكانت قريش والاشراف بالجهة الغربية ويقال لها حارة الاشراف ms822 وكان ~~لكل قبيلة حارة قال أبو المنهال لما فتحت مدينة البهنسا كانت آهلة بالجند ~~فاجتمعت السوقة والمتسببون من أهل البلد وكانوا أربعين ألفا قال الواقدي ~~حدثنا حامد بن المزيد عن أبي صالح عن ابن نوفل المرادي قال كان بمدينة ~~البهنسا أربعمائة يقال حين فتحها يبيعون البقل وغيره وكانت مدينة عظيمة ~~فلما وقع بين بني أمية وبني هاشم ما وقع أخرجوا منها جماعة واختل أكثرها ~~قال وتسلسل إليها جماعة من العربان حتى جاء الحسن واخوته في خلافة بني ~~العباس فعمر جامعا وأكثر من الزوايا والربط وأقام بها حتى مات قال ورجعنا ~~إلى سياق الحديث وخرج خالد بمن معه إلى الصعيد ولم يزل يفتح مدينة بعد ~~مدينة إلى آخر الصعيد إلى عدن وسواكن وليس مقصدنا في هذا الكتاب الا فتوح ~~البهنسا خاصة التي عليها مدار فضائل السادة الشهداء لان بتربتها خمسة آلاف ~~صحابي وحضر فتح البهنسا نحو سبعين بدريا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي زيارتها تعظم الأجور وقد زارها جماعة من العراق مثل بشر الحافي ~~وسرى السقطي ومالك بن دينار وسحنون PageV02P308 # وزارها من أقصى المغرب أبو مدين وسعيب وأبو الحجاج وأبو عبد الله وزارها ~~الفضيل بن عياض وروى أن إقليم البهنسا أكثر بركة من جميع الأرض كلها وكان ~~عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس ~~بعد مكة والمدينة والأرض المقدسة والطور أرض مباركة الا أرض مصر والبركة هي ~~في الجانب الغربي قال ولعلها البهنسا وكان علي بن الحسن يقول إنه ليس بأرض ~~مصر بالوجه القبلي أرض مباركة ولا أكثر بركة من أرض البهنسا وكان أبو علي ~~النوري إذا أتى أرض البهنسا وأتى الجبانة ينزع ثيابه ويتمرغ في الرمل ويقول ~~يا لك من بقعة طالما ثار غبارك في سبيل الله وكان أبو علي الدقاق إذا مر ~~بجبانة البهنسا يقول يا لك من بقعة ضمت أعضاء رجال وأي رجال طالما عرقت ~~وجوههم في سبيل الله وقتلوا في سبيل الله ومرضاته وقيل ms823 للحسن بن صالح لم ~~اخترت هذه البلدة على غيرها قال كيف لا آوي إلى بلد أوى إليها روح الله ~~وكلمته وينزل على جبانتها كل يوم ألف رحمة ولما ولى عبد الله ابن طاهر مصر ~~تجهز وأتى إلى البهنسا فلما قرب من الجبانة ترجل عن جواده وترجل من معه ~~وكان الوالي عليها عبد الله بن الحسين الجعفري فخرج ماشيا وسلم عليه ولما ~~وصل إلى الجبانة قال السلام عليكم يا أحياء الدارين وخير الفريقين ثم التفت ~~إلى أصحابه وقال أن هذه الجبانة ينزل عليها كل يوم مائة رحمة وانها تزف ~~بأهلها إلى الجنة ومن زارها تتساقط عنه ذنوبه كما يتساقط الورق من على ~~الشجر في يوم ريح عاصف فكان عبد الله بعد ذلك كل يوم يخرج حافيا فيزورها ~~حتى مات ودفن رحمه الله قال الراوي حدثني رجل من أرض البهنسا من أهل الخير ~~والصلاح يسمى عبد الرحمن بن ظهير قال كان لي جار مسرف على نفسه ومات ودفن ~~قريبا من الشهداء الذين بالجانب الغربي فبينما أنا نائم تلك الليلة فرأيته ~~وإذا عليه ثياب من السندس الأخضر وعليه تاج من الجوهر وهو في قبة من نور ~~وحوله جماعة لم أر أحسن منهم وجها ولا ثوبا متقلدين بسيوف وهو بينهم فسلمت ~~عليهم وقلت له يا هذا لقد سرني ما رأيت من حالك فقال يا هذا لقد نزلت بجوار ~~قوم يحمون النزيل في الدنيا من العار وكيف لا يحمونه في الآخرة من النار ~~وقد استوهبوني من العزيز الغفار غافر الذنوب والأوزار وأسكنني جنات تجري من ~~تحتها الأنهار قال ذو النون المصري رضي الله عنه كنت في كل سنة آتى إلى ~~البهنسا وأزور الجبانة لما رأيت في ذلك من الأجر والثواب فحصل لي في سنة من ~~السنين عارض منعني من زيارتها فبينما أنا نائم ليلة من الليالي إذ رأيت ~~رجالا لم أر أحسن منهم وجوها ولا أنقى ثيابا على خيول PageV02P309 # شهب وبأيديهم رايات خضر ووجوههم تتلألأ أنوارا فسملوا علي وقالوا قد ~~أوحشتنا يا ذا النون في ms824 هذه السنة وان لم تزرنا زرناك فقلت لهم من أنتم ~~فقالوا نحن الشهداء الأخيار أصحاب محمد المختار بالبهنسا كنا بأرض الروم ~~لنصرة المسلمين على أعداء الله الكافرين فمررنا بك لنسلم عليك وننظر ما سبب ~~انقطاعك عنا قال في أي أرض أنتم قالوا نحن سكان جبانة البهنسا ولك علينا ~~حقوق الزيارة لأنك من أهل الإشارة فقال لهم يا سادتي اني لا أعود وحبل ~~الوصال بيننا ممدود وما كنت أعلم أنكم تعلمون من زار وما كنت أظن في نفسي ~~انني بهذا المقدار قالوا يا ذا النون أما تعلم أن الشهداء أحياء عند ربهم ~~يرزقون وبهذا نطق الكتبا المكنون ثم تركوني ومضوا فاستيقظت وفي قلبي لهيب ~~النار فطوبى لمن زار هؤلاء السادات الأخيار قال المؤلف ولقد وضعت في هذا ~~الكتاب كل نادرة عجيبة وحكاية غريبة وهو كتاب كامل المعاني والبيان عظيم ~~القدر والشان لا يفهمه الا ذوو البصائر والألباب ولا يعقله الا أهل الخطاب ~~ولا يقرؤه الا أهل الذوق والمعرفة فهو كالزهر في الرياض لمن اقتطفه نفع به ~~مالكه وكاتبه وقارئه ومستمعه والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على ~~سيد المرسلين انتهى المجلد الثاني من كتاب فتوح الشام وهو خاتمة الكتاب# ~~PageV02P310 #####ENDNOTES# ms825