######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023680 #META# 000.BookURI :: #0207.IbnCumarWaqidi.Maghazi #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله، الواقدي (المتوفى: 207هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 207 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المغازي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السيرة والشمائل #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023680 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23680 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23680 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مارسدن جونس #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة - 1409/ 1989. #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الأعلمي - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### |PARATEXT| # | الجزء الأول # || مقدمة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري، [ (1) ] قال: حدثنا أبو ~~عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن حيويه لفظا، قال: قرى على أبي ~~القاسم عبد الوهاب بن أبي حية من كتابه وأنا أسمع، وأقر به، يوم السبت ~~بالغداة، في دار أبي عبد الله الوراق، مربعة شبيب، باب الشام، في باب ~~الذهب، في درب البلخ، في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وثلاثمائة، قال: # حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، قال: حدثني محمد بن عمر ~~الواقدي، ### | # قال: حدثني عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع ~~المخزومي، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمى، ومحمد بن عبد الله ~~بن مسلم، وموسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة، وعبد الله بن جعفر بن ~~عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وأبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، ~~وسعيد بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الله التيمي، ويونس بن محمد الظفري، ~~وعائذ بن يحيى، ومحمد بن عمرو، ومعاذ بن محمد الأنصاري، ويحيى بن عبد الله ~~ابن أبي قتادة، وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف، ~~وابن أبي حبيبة، [ (2) ] ومحمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، وعبد الحميد بن ~~جعفر، ومحمد بن صالح بن دينار، وعبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، ويعقوب بن ~~محمد بن أبي صعصعة، وعبد الرحمن بن أبى الزناد، وأبو معشر، PageV01P001 ~~ومالك بن أبي الرجال، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وعبد الحميد بن عمران ~~بن أبي أنس، وعبد الحميد بن أبي عبس، فكل قد حدثني من هذا بطائفة، وبعضهم ~~أوعى لحديثه من بعض، وغيرهم قد حدثني أيضا، فكتبت كل الذي حدثوني، قالوا: ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ~~شهر ربيع الأول، ويقال لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، والثابت لاثنتي ~~عشرة. فكان أول ms001 لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه في شهر رمضان، على رأس سبعة أشهر من مهاجرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، يعترض لعير قريش. ثم لواء عبيدة بن الحارث في شوال على ~~ثمانية أشهر من الهجرة إلى رابغ- وهي على عشرة أميال من الجحفة وأنت تريد ~~قديد- وكانت في شوال على رأس تسعة أشهر. ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى ~~الخرار، على رأس تسعة أشهر في ذي القعدة. ثم غزا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صفر، على رأس أحد عشر شهرا، حتى بلغ الأبواء، ثم رجع ولم يلق كيدا، ~~وغاب خمس عشرة ليلة. ثم غزا بواط في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثة عشر ~~شهرا، يعترض لعير قريش، فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش، وألفان ~~وخمسمائة بعير، ثم رجع ولم يلق كيدا- وبواط هي من الجحفة قريب. ثم غزا في ~~شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، في طلب كرز بن جابر الفهرى حتى بلغ ~~بدار، ثم رجع. ثم غزا في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا، يعترض لعيرات ~~قريش حين بدت إلى الشام، وهي غزوة ذي العشيرة، ثم رجع. فبعث عبد الله بن ~~جحش إلى نخلة في رجب، على رأس سبعة عشر شهرا. ثم غزا بدر القتال، صبيحة سبع ~~عشرة من رمضان يوم الجمعة، على رأس تسعة عشر شهرا. ثم سرية عصماء بنت ~~مروان، قتلها عمير بن عدى بن PageV01P002 ~~خرشة [ (1) ] . حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضل، عن أبيه، أنه قال: ~~قتلها لخمس ليال بقين من رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا. ثم سرية سالم بن ~~عمير [ (2) ] ، قتل أبا عفك في شوال، على رأس عشرين شهرا. ثم غزوة قينقاع ~~في النصف من شوال، على رأس عشرين شهرا. ثم غزا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غزوة السويق في ذي الحجة، على رأس اثنين وعشرين شهرا. ثم غزا النبي ~~صلى الله عليه وسلم بني سليم بالكدر في المحرم، ms002 على رأس ثلاثة وعشرين شهرا. ~~ثم سرية ابن الأشرف في ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا. ثم غزوة ~~غطفان إلى نجد، وهي ذو أمر، في ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا. ثم ~~سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي. ~~قال عبد الله [ (3) ] : خرجت من المدينة يوم الاثنين لخمس ليال خلون من ~~المحرم، على رأس خمسة وثلاثين شهرا [ (4) ] ، فغبت ثماني عشرة ليلة، وقدمت ~~يوم السبت لسبع [ (5) ] بقين من المحرم. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بني سليم ببحران في جمادى الأولى، على رأس سبعة وعشرين شهرا. ثم سرية ~~القردة، أميرها زيد بن حارثة، في جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرا، ~~فيها أبو سفيان بن حرب. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم أحدا في شوال، على ~~رأس اثنين وثلاثين شهرا. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم حمراء الأسد في ~~شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا. ثم سرية أميرها أبو سلمة بن عبد الأسد ~~إلى قطن إلى بني أسد، على رأس خمسة وثلاثين شهرا في المحرم. ثم بئر معونة، ~~أميرها PageV01P003 ~~المنذر بن عمرو، في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا. ثم غزوة الرجيع في ~~صفر، على رأس ستة وثلاثين شهرا، أميرها مرثد. ثم غزا النبي صلى الله عليه ~~وسلم بني النضير في ربيع الأول، على رأس سبعة وثلاثين شهرا. ثم غزا النبي ~~صلى الله عليه وسلم بدر الموعد في ذي القعدة، على رأس خمسة وأربعين شهرا. ~~ثم سرية ابن عتيك إلى ابن أبي الحقيق في ذي الحجة، على رأس ستة وأربعين ~~شهرا. فلما قتل سلام بن أبي الحقيق فزعت يهود إلى سلام بن مشكم بخيبر فأبى ~~أن يرأسهم، فقام أسير بن زارم [ (1) ] بحربهم. ثم غزا النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذات الرقاع في المحرم، على رأس سبعة وأربعين شهرا. ثم غزا دومة الجندل ~~في ربيع الأول، على رأس تسعة [ (2) ] وأربعين شهرا. ثم غزا النبي صلى الله ~~عليه وسلم المريسيع، في شعبان سنة ms003 خمس. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم ~~الخندق في ذي القعدة سنة خمس. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة ~~في ليال من ذي القعدة وليال من ذي الحجة سنة خمس. ثم سرية ابن أنيس إلى ~~سفيان بن خالد بن نبيح، في المحرم سنة ست، ثم سرية محمد بن مسلمة في المحرم ~~سنة ست إلى القرطاء [ (3) ] . ثم غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني لحيان، ~~إلى الغابة، في ربيع الأول سنة ست. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم الغابة ~~في ربيع الآخر سنة ست. ثم سرية أميرها عكاشة بن محصن إلى الغمر، في ربيع ~~الآخر سنة ست. ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة، في ربيع الآخر سنة ست. ~~ثم سرية أميرها أبو عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة، في ربيع PageV01P004 ~~الآخر سنة ست. ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم، في ربيع الآخر ~~سنة ست، وكانتا في شهر واحد- الجموم ما بين بطن نخل والنقرة. ~~ثم سرية زيد بن حارثة إلى العيص [ (1) ] في جمادى الأولى سنة ست. ثم سرية ~~زيد بن حارثة إلى الطرف في جمادى الآخرة سنة ست- والطرف على ستة وثلاثين ~~ميلا من المدينة. ثم سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة سنة ست- ~~وحسمى وراء وادي القرى. ثم سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب سنة ~~ست. ثم سرية أميرها عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان سنة ست. ثم ~~غزوة علي عليه السلام إلى فدك في شعبان سنة ست. ثم غزوة زيد بن حارثة إلى ~~أم قرفة [في رمضان سنة ست [ (2) ]] ناحية وادي [ (3) ] القرى إلى جنبها. ثم ~~غزوة ابن رواحة إلى أسير بن زارم في شوال سنة ست. ثم سرية كرز بن جابر إلى ~~العرنيين في شوال سنة ست. ثم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرة الحديبية ~~في ذى القعدة سنة ست. ثم غزا والنبى صلى الله عليه وسلم خيبر في جمادى ~~الأولى سنة ms004 سبع. ثم انصرف من خيبر إلى وادي القرى في جمادى الآخرة، فقاتل ~~بها سنة سبع. ثم سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة في شعبان سنة ~~سبع [تربة بينها وبين مكة ست ليال [ (4) ]] . ثم سرية أبي بكر بن أبي قحافة ~~رضي الله عنه في شعبان إلى نجد، سنة سبع. ثم سرية بشير بن سعد إلى فدك في ~~شعبان سنة سبع. ثم سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة في رمضان سنة سبع- ~~والميفعة ناحية PageV01P005 ~~نجد. ثم سرية بشير بن سعد إلى الجناب، في شوال سنة سبع. ثم اعتمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عمرة القضية [ (1) ] في ذي القعدة سنة سبع. ثم غزوة ابن ~~أبي العوجاء السلمي في ذي الحجة سنة سبع. ثم غزوة غالب بن عبد الله إلى ~~الكديد، في صفر سنة ثمان- والكديد وراء قديد. ثم سرية شجاع بن وهب، في ربيع ~~الأول سنة ثمان، إلى بني عامر بن الملوح. ثم غزوة كعب بن عمير الغفاري في ~~سنة ثمان، في ربيع الأول، إلى ذات أطلاح- وأطلاح ناحية الشام من البلقاء ~~على ليلة. ثم غزوة زيد بن حارثة إلى مؤتة، سنة ثمان. ثم غزوة أميرها عمرو ~~بن العاص إلى ذات السلاسل، في جمادى الآخرة سنة ثمان. ~~ثم غزوة الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح، في رجب سنة ثمان. ثم سرية ~~خضرة، أميرها أبو قتادة، في شعبان سنة ثمان- وخضرة ناحية نجد على عشرين ~~ميلا عند بستان ابن عامر. ثم سرية أبي قتادة إلى إضم [ (2) ] ، في رمضان ~~سنة ثمان. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، في ثلاث عشرة مضت من ~~رمضان سنة ثمان. ثم هدم العزى لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان، هدمها ~~خالد بن الوليد. ثم هدم سواع، هدمه عمرو بن العاص، وكان في رمضان. ثم هدم ~~مناة، هدمها سعد بن زيد الأشهلي في رمضان سنة ثمان. ثم غزوة بني جذيمة، ~~غزاها خالد بن الوليد في شوال سنة ثمان. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم ~~حنينا في ms005 شوال سنة ثمان. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم الطائف في شوال ~~سنة ثمان. وحج الناس سنة ثمان، ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ~~عتاب بن أسيد على الحج، ويقال حج الناس أوزاعا [ (3) ] بلا أمير. ثم سرية ~~PageV01P006 ~~عيينة بن حصن إلى بني تميم في المحرم سنة تسع. ثم سرية قطبة بن عامر إلى ~~خثعم في صفر سنة تسع. ثم سرية بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع، أميرها ~~الضحاك بن سفيان. ثم سرية علقمة بن مجزز إلى الحبشة، في ربيع الآخر سنة ~~تسع. ثم سرية علي عليه السلام إلى الفلس، في ربيع الآخر سنة تسع. ثم غزوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم تبوك، في رجب سنة تسع. ثم سرية خالد بن الوليد ~~إلى أكيدر، في رجب سنة تسع. ثم هدم ذي الكفين- صنم عمرو بن حممة الدوسي. ~~وحج الناس سنة تسع، وحج أبو بكر سنة تسع. ~~ثم غزوة خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان، في ربيع الأول سنة عشر. ~~وسرية علي عليه السلام إلى اليمن، يقال مرتين إحداهما في رمضان سنة عشر. ~~وحج النبي صلى الله عليه وسلم بالناس سنة عشر، ورجع من مكة فمرض بضع عشرة ~~ليلة. وعقد لأسامة بن زيد في مرضه إلى الشام، وتوفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يخرج حتى بعثه أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وتوفي يوم الاثنين لثنتي عشرة مضت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. # فكانت مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي غزا بنفسه سبعا وعشرين غزوة. ~~وكان ما قاتل فيها تسعا: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، ~~وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وكانت السرايا سبعا وأربعين سرية، واعتمر ~~ثلاث عمر. ويقال قد قاتل في بني النضير، ولكن الله جعلها له نفلا خاصة. ~~وقاتل في غزوة وادي القرى في منصرفه عن خيبر، وقتل بعض أصحابه. وقاتل في ~~الغابة حتى قتل محرز بن نضلة، وقتل من العدو ستة. # قالوا: واستخلف رسول الله صلى الله عليه ms006 وسلم في مغازيه على المدينة: في ~~غزوة ودان سعد بن عبادة، واستخلف في غزوة بواط سعد بن معاذ، وفي طلب كرز بن ~~جابر الفهري زيد بن حارثة، وفي غزوة ذي العشيرة أبا سلمة بن عبد الأسد PageV01P007 ~~المحزومى، وفي غزوة بدر القتال أبا لبابة بن عبد المنذر العمري، وفي غزوة ~~السويق أبا لبابة بن عبد المنذر العمري، وفي غزوة الكدر ابن أم مكتوم ~~المعيصي، وفي غزوة ذي أمر عثمان بن عفان، وفي غزوة بحران ابن أم مكتوم، وفي ~~غزوة أحد ابن أم مكتوم، وفي غزوة حمراء الأسد ابن أم مكتوم، وفي غزوة بني ~~النضير ابن أم مكتوم، وفي غزوة بدر الموعد عبد الله بن رواحة، وفي غزوة ذات ~~الرقاع عثمان بن عفان، وفي غزوة دومة الجندل سباع بن عرفطة، وفي غزوة ~~المريسيع زيد بن حارثة، وفي غزوة الخندق ابن أم مكتوم، وفي غزوة بني قريظة ~~ابن أم مكتوم، وفي غزوة بني لحيان ابن أم مكتوم، وفي غزوة الغابة ابن أم ~~مكتوم، وفي غزوة الحديبية ابن أم مكتوم، وفي غزوة خيبر سباع بن عرفطة ~~الغفاري، وفي عمرة القضية أبا رهم الغفاري، وفي غزوة الفتح وحنين والطائف ~~ابن أم مكتوم، وفي غزوة تبوك ابن أم مكتوم، ويقال محمد بن مسلمة الأشهلي، ~~وفي حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم. # وكان شعار رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، في بدر: يا منصور أمت، ~~ويقال جعل شعار المهاجرين: بني عبد الرحمن، والخزرج: بني عبد الله، ~~والأوس: بني عبيد الله، وفي يوم أحد: أمت أمت، وفي بني النضير: أمت أمت، ~~وفي المريسيع: أمت أمت، وفي الخندق: حم لا ينصرون، وفي قريظة والغابة لم ~~يسم أحدا، وفي حنين: يا منصور أمت، وفي الفتح شعار المهاجرين: بني عبد ~~الرحمن، وجعل شعار الخزرج: بني عبد الله، والأوس: بني عبيد الله، وفي خيبر: ~~بني عبد الرحمن للمهاجرين، وللخزرج: بني عبد الله، وللأوس: ~~بني عبيد الله، وفي الطائف لم يسم أحدا. PageV01P008 ### | سرية حمزة بن عبد المطلب ms007 # وكانت سرية حمزة بن عبد المطلب في رمضان، على رأس سبعة أشهر من مهاجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قالوا: أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ~~لحمزة بن عبد المطلب، بعثه في ثلاثين راكبا شطرين، خمسة عشر من المهاجرين ~~وخمسة عشر من الأنصار، فكان [ (1) ] من المهاجرين: أبو عبيدة ابن الجراح، ~~وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر بن ربيعة، وعمرو ~~بن سراقة، وزيد بن حارثة، وكناز بن الحصين [ (2) ] وابنه مرثد بن كناز، ~~وأنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في رجال. ~~ومن الأنصار: أبي بن كعب، وعمارة بن حزم، وعبادة بن الصامت، وعبيد بن ~~أوس، وأوس بن خولي، وأبو دجانة، والمنذر بن عمرو، ورافع ابن مالك، وعبد ~~الله بن عمرو بن حرام، وقطبة بن عامر بن حديدة [ (3) ] ، في رجال لم يسموا ~~لنا. # فبلغوا سيف البحر يعترض [ (4) ] لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة، ~~فيها أبو جهل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة. فالتقوا حتى اصطفوا للقتال، ~~فمشى بينهم مجدي بن عمرو، وكان حليفا للفريقين جميعا، فلم يزل يمشى إلى ~~هولاء وإلى هؤلاء حتى انصرف القوم وانصرف حمزة راجعا إلى المدينة في ~~أصحابه، وتوجه أبو جهل في عيره وأصحابه إلى مكة، ولم PageV01P009 ~~يكن بينهم قتال. فلما رجع حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبره بما ~~حجز بينهم مجدي، وأنهم رأوا منه نصفة لهم، فقدم رهط مجدي على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكساهم وصنع إليهم خيرا، وذكر مجدي بن عمرو فقال: إنه ما ~~علمت ميمون النقيبة مبارك الأمر. أو قال: رشيد الأمر. # حدثني عبد الرحمن بن عياش، عن عبد الملك بن عبيد، عن ابن المسيب وعبد ~~الرحمن بن سعيد بن يربوع، قالا: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا ~~من الأنصار مبعثا حتى غزا بنفسه إلى بدر، وذلك أنه ظن أنهم لا ينصرونه إلا ~~في الدار، وهو المثبت. ### | سرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ # ثم ms008 عقد لواء لعبيدة بن الحارث، في شوال على رأس ثمانية أشهر، إلى رابغ- ~~ورابغ على عشرة أميال من الجحفة وأنت تريد قديدا. فخرج عبيدة في ستين ~~راكبا، فلقي أبا سفيان بن حرب على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ، وأبو ~~سفيان يومئذ في مائتين. فكان أول من رمى بسهم في الإسلام سعد بن أبي وقاص، ~~نثر كنانته وتقدم أمام أصحابه وترس أصحابه عنه. ~~قال: فرمى بما في كنانته حتى أفناها، ما فيها سهم إلا ينكي به [ (1) ] . ~~ويقال: كان في الكنانة عشرون سهما، فليس منها سهم إلا يقع فيجرح إنسانا ~~أو دابة. ولم يكن سهم يومئذ إلا هذا، لم يسلوا السيوف ولم يصطفوا للقتال ~~أكثر من هذا الرمي والمناوشة، ثم انصرف هؤلاء على حاميتهم، وهؤلاء على ~~حاميتهم. فكان سعد بن أبي وقاص يقول فيما حدثني ابن أبى سبرة، عن المهاجرين ~~مسمار، قال: كان الستون كلهم من قريش. قال سعد: PageV01P010 ~~فقلت لعبيدة: لو اتبعناهم لأصبناهم، فإنهم قد ولوا مرعوبين. قال: فلم ~~يتابعني على ذلك، فانصرفنا إلى المدينة. ### | سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار # ثم عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء لسعد بن أبي وقاص إلى الخرار- ~~والخرار من الجحفة قريب من خم- في ذي القعدة، على رأس تسعة أشهر من مهاجرة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فحدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد، عن أبيه، عن عامر بن سعد، عن أبيه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخرج يا سعد حتى تبلغ الخرار، فإن ~~عيرا لقريش ستمر به. ~~فخرجت في عشرين رجلا أو أحد وعشرين على أقدامنا، فكنا نكمن النهار ونسير ~~الليل حتى صبحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرت بالأمس. وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم عهد إلي ألا أجاوز الخرار، ولولا ذلك لرجوت أن أدركهم. # فيقال: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الأنصار مبعثا حتى ~~غزا بهم بدرا، وذلك لأنهم شرطوا له أن يمنعوه في دارهم. حدثني بذلك عبد ~~الرحمن بن ms009 عياش المخزومي، عن عبد الملك بن عبيد بن سعيد بن يربوع، عن سعيد ~~بن المسيب، وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع. ### | غزوة الأبواء ~~[ (1) ] # ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في صفر على رأس أحد عشر ~~PageV01P011 ~~شهرا، حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش، فلم يلق كيدا. وفي هذه الغزاة ~~وادع بني ضمرة من كنانة على ألا يكثروا عليه، ولا يعينوا عليه أحدا. ~~ثم كتب بينهم كتابا، ثم رجع، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة. ### | غزوة بواط # ثم غزا بواط- وبواط حيال ضبة من ناحية ذي خشب، بين بواط والمدينة ثلاثة ~~برد- في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، يعترض لعير قريش، فيها أمية بن ~~خلف ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، ثم رجع ولم يلق كيدا. ### | غزوة بدر الأولى # ثم غزا في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا في طلب كرز بن جابر الفهري، ~~أغار على سرح المدينة، وكان يرعى بالجماء [ (1) ] ونواحيها، حتى بلغ بدرا ~~ولم يدركه. ### | غزوة ذي العشيرة ~~[ (2) ] # ثم غزا في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا، يعترض لعيرات قريش حين ~~أبدأت إلى الشام، فندب أصحابه فخرج في خمسين ومائة- ويقال في مائتين- وكان ~~قد جاءه الخبر بفصول العير من مكة تريد PageV01P012 ~~الشام، قد جمعت قريش أموالها فهي في تلك العير، فسلك على نقب من بني ~~دينار بيوت السقيا [ (1) ] ، وهي غزوة ذي العشيرة. ### | سرية نخلة # ثم سرية أميرها عبد الله بن جحش إلى نخلة، ونخلة وادي بستان [ (2) ] ابن ~~عامر، في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. # قالوا: ~~قال عبد الله بن جحش: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العشاء ~~فقال: واف مع الصبح، معك سلاحك، أبعثك وجها! ~~قال: فوافيت الصبح وعلي سيفي وقوسي وجعبتي ومعي درقتي، فصلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالناس الصبح ثم انصرف، فيجدني قد سبقته واقفا عند بابه، ~~وأجد نفرا معي من قريش. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب فدخل ~~عليه، ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه ms010 وسلم وكتب كتابا. ثم دعاني فأعطاني صحيفة ~~من أديم خولاني [ (3) ] فقال: قد استعملتك على هؤلاء النفر، فامض حتى إذا ~~سرت ليلتين فانشر كتابي، ثم امض لما فيه. قلت: يا رسول الله، أي ناحية؟ ~~فقال: اسلك النجدية، تؤم ركية [ (4) ] # قال: فانطلق حتى إذا كان ببئر ابن ضميرة نشر الكتاب فقرأه فإذا فيه: سر ~~حتى تأتي بطن نخلة على اسم الله وبركاته، ولا تكرهن أحدا من أصحابك على ~~المسير معك، وامض لأمري فيمن تبعك حتى تأتى بطن نخلة PageV01P013 ~~فترصد بها عير قريش. فلما قرأ عليهم الكتاب قال: لست مستكرها منكم أحدا، ~~فمن كان يريد الشهادة فليمض [ (1) ] لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~أراد الرجعة فمن الآن! فقالوا أجمعون: نحن سامعون ومطيعون لله ولرسوله ولك، ~~فسر على بركة الله حيث شئت. فسار حتى جاء نخلة فوجد عيرا لقريش فيها عمرو ~~بن الحضرمي، والحكم بن كيسان المخزومي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ~~المخزومي، ونوفل بن عبد الله المخزومي. فلما رأوهم [ (2) ] أصحاب العير ~~هابوهم وأنكروا أمرهم، فحلق عكاشة رأسه من ساعته، ثم أو فى ليطمئن القوم. # قال عامر بن ربيعة: فحلقت رأس عكاشة بيدي- وكان رأى واقد ابن عبد الله ~~وعكاشة أن يغيروا عليهم- فيقول لهم [ (3) ] : عمار! نحن في شهر حرام! فأشرف ~~عكاشة فقال المشركون بعضهم لبعض: لا بأس، قوم عمار! فأمنوا في أنفسهم، ~~وقيدوا ركابهم وسرحوها، واصطنعوا طعاما. ~~تشاور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرهم- وكان آخر يوم من ~~رجب، ويقال أول يوم من شعبان- فقالوا: إن أخرتم عنهم هذا اليوم دخلوا الحرم ~~فامتنعوا، وإن أصبتموهم ففي الشهر الحرام. وقال قائل: ~~لا ندري [ (4) ] أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا. وقال قائل: لا نعلم [ ~~(5) ] هذا اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم ~~عليه. فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا، فشجع القوم فقاتلوهم. فخرج ~~واقد PageV01P014 ~~ابن عبد الله يقدم القوم، قد أنبض قوسه وفوق بسهمه، فرمى عمرو بن ~~الحضرمي- وكان لا يخطئ رميته- بسهم فقتله. وشد القوم عليهم، فاستأسر عثمان ms011 ~~بن عبد الله بن المغيرة، وحكم بن كيسان، وأعجزهم نوفل ابن عبد الله بن ~~المغيرة، واستاقوا العير. # حدثنا محمد قال: حدثنا محمد [ (1) ] قال: حدثني علي بن يزيد بن عبد الله ~~بن وهب بن زمعة الأسدي، عن أبيه، عن عمته، عن أمها كريمة ابنة المقداد، عن ~~المقداد بن عمرو، قال: أنا أسرت الحكم ابن كيسان، فأراد أميرنا ضرب عنقه، ~~فقلت: دعه، نقدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقدمنا به على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى ~~الإسلام، فأطال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، فقال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: تكلم هذا يا رسول الله؟ والله لا يسلم هذا آخر الأبد، دعني ~~أضرب عنقه ويقدم إلى أمه الهاوية! فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل ~~على عمر حتى أسلم الحكم، فقال عمر: فما هو إلا أن رأيته قد أسلم، وأخذني ما ~~تقدم وتأخر وقلت: كيف أرد على النبي صلى الله عليه وسلم أمرا هو أعلم به ~~مني، ثم أقول: إنما أردت بذلك النصيحة لله ولرسوله! وقال عمر: فأسلم والله ~~فحسن إسلامه، وجاهد في الله حتى قتل شهيدا يوم بئر معونة، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم راض عنه ودخل الجنان. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري ~~قال، قال الحكم: وما الإسلام؟ قال: تعبد الله وحده لا شريك له، وتشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله. قال: قد أسلمت. فالتفت النبى PageV01P015 ~~صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فقال: لو أطعتكم فيه آنفا فقتلته، دخل ~~النار # قالوا: واستاقوا العير، وكانت العير فيها خمر وأدم وزبيب جاءوا به من ~~الطائف، فقدموا به على النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت قريش: قد استحل ~~محمد الشهر الحرام، فقد أصاب الدم والمال، وقد كان يحرم ذلك ويعظمه. فقال ~~من يرد عليهم: إنما أصبتم في ليلة من شعبان. وأقبل القوم بالعير، فلما ~~قدموا على رسول الله صلى الله ms012 عليه وسلم وقف العير فلم يأخذ منها شيئا، ~~وحبس الأسيرين، وقال لأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم قال: ما أمرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالقتال في الشهر الحرام ولا غير الشهر الحرام، إنما أمرهم ~~أن يتحسسوا [ (1) ] أخبار قريش. # قالوا: وسقط في أيدي القوم، وظنوا أن قد هلكوا، وأعظم ذلك من قدموا عليه، ~~فعنفوهم ولاموهم، والمدينة تفور فور المرجل. وقالت اليهود: ~~عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله التميمي، عمرو عمرت الحرب، ~~والحضرمي حضرت الحرب، وواقد وقدت الحرب! قال ابن واقد: قد تفاءلوا بذلك، ~~فكان ذلك من الله على يهود. # قالوا: وبعثت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم في فداء أصحابهم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لن نفديهما حتى يقدم صاحبانا ~~! يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان. # فحدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد، عن أبيه قال، قال سعد ابن أبي وقاص: ~~خرجنا مع عبد الله بن جحش حتى ننزل ببحران- وبحران PageV01P016 ~~ناحية معدن بني سليم- فأرسلنا أباعرنا، وكنا اثني عشر رجلا، كل اثنين ~~يتعاقبان بعيرا. فكنت زميل عتبة بن غزوان وكان البعير له، فضل بعيرنا، ~~وأقمنا عليه يومين نبغيه. ومضى أصحابنا وخرجنا في آثارهم فأخطأناهم، فقدموا ~~المدينة قبلنا بأيام، ولم نشهد نخلة، فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم يظنون أنا قد أصبنا، ولقد أصابنا في سفرنا مجاعة، لقد خرجنا من ~~المليحة وبين المليحة وبين المدينة ستة برد، وبينها وبين المعدن ليلة- بين ~~معدن بني سليم وبين المدينة. قال: لقد خرجنا من المليحة نوبة [ (1) ] ، وما ~~معنا ذواق حتى قدمنا المدينة. قال قائل: أبا إسحاق، كم كان بين ذلك وبين ~~المدينة؟ قال: ثلاث، كنا إذا بلغ منا أكلنا العضاه وشربنا عليه الماء، حتى ~~قدمنا المدينة فنجد نفرا من قريش قد قدموا في فداء أصحابهم، ~~فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفاديهم وقال: إني أخاف على صاحبي. ~~فلما قدمنا فاداهم [ (2) ] رسول الله صلى الله عليه ms013 وسلم. # قالوا: وكان من ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: إن قتلتم صاحبي قتلت صاحبيكم. ~~وكان فداؤهما أربعين أوقية فضة لكل واحد، والأوقية أربعون درهما. # فحدثني عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: ~~كان في الجاهلية المرباع [ (3) ] ، فلما رجع عبد الله بن جحش من نخلة خمس ~~ما غنم، وقسم بين أصحابه سائر الغنائم، فكان PageV01P017 ~~أول خمس خمس في الإسلام حتى نزل بعد واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه [ (1) ] . # فحدثني محمد بن يحيى بن سهل، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن رافع بن ~~خديج، عن أبي بردة بن نيار [ (2) ] ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف ~~غنائم أهل نخلة، ومضى إلى بدر، حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، ~~وأعطى كل قوم حقهم. # قالوا: ونزل القرآن يسئلونك عن الشهر الحرام [ (3) ] ، فحدثهم الله في ~~كتابه أن القتال في الشهر الحرام كما كان، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو ~~أكثر من ذلك، من صدهم عن سبيل الله حتى يعذبوهم ويحبسوهم أن يهاجروا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد ~~الحرام في الحج والعمرة، وفتنتهم إياهم عن الدين، ويقول: والفتنة أشد من ~~القتل [ (4) ] . قال: عنى به إساف ونائلة [ (5) ] . # فحدثني معمر، عن الزهري، عن عروة، قال: فودى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمرو بن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله عز ~~وجل براءة. # فحدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهل، عن كريب، قال: سألت ~~ابن عباس: هل ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P018 ~~ابن الحضرمي؟ قال: لا. قال ابن واقد: والمجتمع عليه عندنا أنه لم يود. ~~وفي تلك السرية سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين، حدثني بذلك أبو معشر. ### || تسمية من خرج مع عبد الله بن جحش في سريته # ثمانية نفر: عبد الله بن جحش، ~~وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعامر بن ms014 ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمى، ~~وعكاشة بن محصن، وخالد ابن أبي البكير، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، ~~ولم يشهدا [ (1) ] الواقعة. ويقال كانوا اثني عشر، ويقال كانوا ثلاثة عشر، ~~والثابت عندنا ثمانية. ### | بدر القتال # قالوا: ولما تحين رسول الله صلى الله عليه وسلم انصراف العير من الشام، ~~ندب أصحابه للعير، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله ~~وسعيد بن زيد، قبل خروجه من المدينة بعشر ليال، يتحسسان [ (2) ] خبر العير، ~~حتى نزلا على كشد الجهني بالنخبار من الحوراء- والنخبار من وراء ذي المروة ~~على الساحل- فأجارهما، وأنزلهما، ولم يزالا مقيمين عنده في خباء [ (3) ] ~~حتى مرت العير، فرفع طلحة وسعيد على نشز من الأرض، فنظرا إلى القوم، وإلى ~~ما تحمل العير، وجعل أهل العير يقولون: يا كشد، PageV01P019 ~~هل رأيت أحدا من عيون محمد؟ فيقول: أعوذ بالله، وأنى عيون محمد بالنخبار؟ ~~فلما راحت العير باتا حتى أصبحا ثم خرجا، وخرج معهما كشد خفيرا، حتى ~~أوردهما ذا المروة. وساحلت العير فأسرعت، وساروا الليل والنهار فرقا من ~~الطلب. فقدم طلحة بن عبيد الله وسعيد المدينة اليوم الذي لاقاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ببدر، فخرجا يعترضان النبي صلى الله عليه وسلم، فلقياه ~~بتربان- وتربان بين ملل والسيالة [ (1) ] على المحجة، وكانت منزل ابن أذينة ~~الشاعر. وقدم كشد بعد ذلك، ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم سعيد وطلحة إجارته إياهما، فحياه [ (2) ] ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرمه وقال: ألا أقطع لك ينبع؟ [ (3) ] ~~فقال: إني كبير وقد نفد عمري، ولكن أقطعها لابن أخي. فقطعها له # قالوا: وندب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وقال: وهذه عير قريش فيها أموالهم، ~~لعل الله يغنمكموها. ~~فأسرع من أسرع، حتى إن كان الرجل ليساهم أباه في الخروج، فكان ممن ساهم ~~سعد بن خيثمة وأبوه في الخروج إلى بدر، فقال سعد لأبيه: إنه لو كان غير ~~الجنة آثرتك به، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا! فقال خيثمة: آثرني، وقر مع ~~نسائك! فأبى سعد، فقال خيثمة: إنه لا ms015 بد لأحدنا من أن يقيم. فاستهما، فخرج ~~سهم سعد قتل ببدر. # وأبطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم بشر كثير من أصحابه، كرهوا ~~PageV01P020 ~~خروجه، وكان فيه كلام كثير واختلاف. وكان من تخلف لم يلم لأنهم ما خرجوا ~~على قتال، وإنما خرجوا للعير. وتخلف قوم من أهل نيات وبصائر، لو ظنوا أنه ~~يكون قتال ما تخلفوا. وكان ممن تخلف أسيد بن حضير، فلما قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له أسيد: الحمد لله الذي سرك وأظهرك على عدوك! والذي ~~بعثك بالحق، ما تخلفت عنك رغبة بنفسي عن نفسك، ولا ظننت أنك تلاقي عدوا، ~~ولا ظننت إلا أنها العير. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت! وكانت أول غزوة أعز الله ~~فيها الإسلام، وأذل فيها أهل الشرك. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه حتى انتهى إلى نقب بني دينار، ~~ثم نزل بالبقع وهي بيوت السقيا- البقع نقب بني دينار بالمدينة، والسقيا ~~متصل ببيوت المدينة- يوم الأحد لاثنتي عشرة خلت من رمضان. ~~فضرب عسكره هناك، وعرض المقاتلة، فعرض عبد الله بن عمر، وأسامة ابن زيد، ~~ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وزيد بن أرقم، وزيد بن ~~ثابت، فردهم ولم يجزهم. # فحدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: رأيت ~~أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوارى، ~~فقلت: ما لك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج، لعل الله يرزقني الشهادة. قال: فعرض ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستصغره، فقال: ارجع! ~~فبكى عمير، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكان سعد يقول: ~~كنت أعقد له حمائل سيفه من صغره، فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة. PageV01P021 # فحدثني أبو بكر بن عبد الله قال: حدثني عياش بن عبد الرحمن الأشجعي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه ms016 أن يستقوا من بئرهم يومئذ، وشرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ماء بئرهم. فحدثني عبد العزيز بن محمد، عن عمرو ~~بن أبي عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من شرب من بئرهم ذلك ~~اليوم. حدثني عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستعذب له من بيوت السقيا بعد ذلك. # فحدثني ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عند بيوت السقيا [ (1) ] ، ودعا يومئذ ~~لأهل المدينة فقال: اللهم، إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، دعاك لأهل مكة! ~~وإني محمد عبدك ونبيك، أدعوك لأهل المدينة، أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم ~~وثمارهم! اللهم، حبب إلينا المدينة، واجعل ما بها من الوباء بخم، اللهم، ~~إني قد حرمت ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم خليلك مكة! وخم على ميلين من ~~الجحفة. # قالوا: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عدي بن أبي الزغباء وبسبس ~~[ (2) ] بن عمرو من بيوت السقيا. قالوا: وجاء عبد الله بن عمرو بن حرام [ ~~(3) ] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فقال: يا رسول الله، ~~PageV01P022 ~~لقد سرني منزلك هذا، وعرضك فيه أصحابك، وتفاءلت به، إن هذا منزلنا- بني ~~سلمة- حيث كان بيننا وبين أهل حسيكة ما كان- حسيكة الذباب [ (1) ] ، ~~والذباب جبل بناحية المدينة، كان بحسيكة يهود، وكان لهم بها منازل كثيرة- ~~فعرضنا ها هنا أصحابنا، فأجزنا من كان يطيق السلاح ورددنا من صغر عن حمل ~~السلاح، ثم سرنا إلى يهود حسيكة، وهم أعز يهود كانوا يومئذ، فقتلناهم كيف ~~شئنا، فذلت لنا سائر يهود إلى اليوم، وأنا أرجوا يا رسول الله أن نلتقي نحن ~~وقريش، فيقر الله عينك منهم. # وكان خلاد بن عمرو بن الجموح يقول: لما كان من النهار رجع إلى أهله بخربى ~~[ (2) ] ، فقال له أبوه عمرو بن الجموح: ما ظننت إلا أنكم قد سرتم! فقال: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms017 يعرض الناس بالبقع [ (3) ] . ~~قال عمرو: نعم الفأل، والله إني لأرجو أن تغنموا وأن تظفروا بمشركي قريش! ~~إن هذا منزلنا يوم سرنا إلى حسيكة. قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد غير اسمه، وسماه السقيا. قال: فكانت في نفسي أن أشتريها، حتى اشتراها ~~سعد بن أبي وقاص ببكرين، ويقال بسبع أواق. ~~قال: فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن سعدا اشتراها، فقال: ربح البيع # ! قالوا: وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية الأحد من بيوت السقيا، ~~لاثنى عشرة مضت من رمضان. وخرج المسلمون معه، وهم ثلاثمائة وخمسة، وثمانية ~~تخلفوا فضرب لهم بسهامهم وأجورهم. وكانت الإبل سبعين بعيرا، PageV01P023 ~~وكانوا يتعاقبون الإبل، الاثنين، والثلاثة، والأربعة. فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب عليه السلام، ومرثد- ويقال زيد بن حارثة ~~مكان مرثد- يتعاقبون بعيرا واحدا. وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، ~~وأبو كبشة، وأنسة مولى النبي صلى الله عليه وسلم على بعير. وكان عبيدة بن ~~الحارث، والطفيل، والحصين، ابنا الحارث، ومسطح بن أثاثة على بعير لعبيدة بن ~~الحارث ناضح، ابتاعه من ابن أبي داود المازني. وكان معاذ، وعوف، ومعوذ، بنو ~~عفراء، ومولاهم أبو الحمراء على بعير، وكان أبي بن كعب، وعمارة بن حزم ~~وحارثة بن النعمان على بعير وكان خراش بن الصمة، وقطبة بن عامر بن حديدة، ~~وعبد الله بن عمرو بن حرام [ (1) ] على بعير، وكان عتبة بن غزوان، وطليب ~~ابن عمير على جمل لعتبة بن غزوان، يقال له العبيس [ (2) ] . وكان مصعب ابن ~~عمير، وسويبط بن حرملة، ومسعود بن ربيع على جمل لمصعب، وكان عمار بن ياسر، ~~وابن مسعود على بعير، وكان عبد الله بن كعب، وأبو داود المازني، وسليط بن ~~قيس على جمل لعبد الله بن كعب، وكان عثمان، وقدامة، وعبد الله بن مظعون، ~~والسائب بن عثمان، على بعير يتعاقبون، وكان أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن ~~عوف على بعير، وكان سعد ابن معاذ، وأخوه، وابن أخيه الحارث بن أوس، والحارث ~~بن أنس، على جمل لسعد ms018 بن معاذ ناضح، يقال له الذيال، وكان سعد بن زيد، ~~وسلمة ابن سلامة، وعباد بن بشر، ورافع بن يزيد، والحارث بن خزمة على ناضح ~~لسعد بن زيد، ما تزود إلا صاعا من تمر. PageV01P024 # فحدثني عبيد بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة، عن أبيه، قال: خرجت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى بدر، وكان كل ثلاثة يتعاقبون بعيرا، فكنت أنا وأخي خلاد ~~بن رافع على بكر لنا، ومعنا عبيد بن زيد ابن عامر، فكنا نتعاقب. فسرنا حتى ~~إذا كنا بالروحاء [ (1) ] ، أذم [ (2) ] بنا بكرنا، فبرك علينا، وأعيا، ~~فقال أخي: اللهم، إن لك علي نذرا، لئن رددتنا إلى المدينة لأنحرنه. قال: ~~فمر بنا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن على تلك الحال، فقلنا: يا رسول ~~الله، برك علينا بكرنا. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء، فتمضمض ~~وتوضأ في إناء، ثم قال: افتحا فاه! ففعلنا، ثم صبه في فيه، ثم على رأسه، ثم ~~على عنقه، ثم على حاركه [ (3) ] ، ثم على سنامه، ثم على عجزه، ثم على ذنبه، ~~ثم قال: اركبا! ~~ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحقناه أسفل المنصرف [ (4) ] وإن ~~بكرنا لينفر بنا، حتى إذا كنا بالمصلى [ (5) ] راجعين من بدر برك علينا، ~~فنحره أخي، فقسم لحمه وتصدق به. # وحدثني يحيى بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، قال: حمل ~~سعد بن عبادة في بدر على عشرين جملا. # فحدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن سعد بن أبى وقاص، PageV01P025 ~~قال: خرجنا إلى بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا سبعون بعيرا، ~~فكانوا يتعاقبون، الثلاثة، والأربعة، والاثنان، على بعير. وكنت أنا من أعظم ~~أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عنه غناء، أرجلهم رجلة، وأرماهم بسهم، لم ~~أركب خطوة ذاهبا ولا راجعا. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فصل من بيوت السقيا: اللهم، إنهم ~~حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك! ~~قال: فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا، ms019 للرجل البعير ~~والبعيران، واكتسى من كان عاريا، وأصابوا طعاما من أزوادهم، وأصابوا فداء ~~الأسرى فأغنى به كل عائل. واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشاة ~~قيس بن أبي صعصعة- واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد ابن عوف بن مبذول- وأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين فصل من بيوت السقيا أن يعد المسلمين. فوقف ~~لهم ببئر أبي عنبة [ (1) ] فعدهم، ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيوت السقيا حتى سلك بطن العقيق، ثم سلك ~~طريق المكتمن [ (2) ] حتى خرج على بطحاء ابن أزهر، فنزل تحت شجرة هناك، ~~فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى حجار، فبنى تحتها مسجدا، فصلى فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأصبح يوم الاثنين فهو هناك، وأصبح ببطن ملل ~~وتربان، بين الحفيرة وملل. ~~وقال سعد بن أبى وقاص: لما كان بتربان قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا سعد، انظر إلى الظبي. قال: فأفوق له بسهم، PageV01P026 ~~وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع ذقنه [ (1) ] بين منكبي وأذني، ~~ثم قال: ارم، اللهم سدد رميته! ~~قال: فما أخطأ سهمي عن نحره. قال: ~~فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وخرجت أعدو، فأجده وبه رمق، فذكيته ~~فحملناه حتى نزلنا قريبا، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم بين ~~أصحابه. حدثني بذلك محمد بن بجاد، عن أبيه، عن سعد. # قالوا: وكان معهم فرسان، فرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي، وفرس للمقداد بن ~~عمرو البهراني حليف بني زهرة. ويقال فرس للزبير. ولم يكن إلا فرسان، ولا ~~اختلاف عندنا أن المقداد له فرس. # حدثني موسى بن يعقوب، عن عمته، عن أبيها، عن ضباعة بنت الزبير، عن ~~المقداد بن عمرو، قال: كان معي فرس يوم بدر يقال له سبحة. وحدثني سعد بن ~~مالك الغنوي، عن آبائه، قال: شهد مرثد بن أبي مرثد الغنوي يومئذ على فرس ~~له، يقال له السيل. # قالوا: ولحقت قريش بالشام في عيرها، وكانت العير ألف بعير، ms020 وكانت فيها ~~أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا، إلا بعث به في ~~العير، حتى إن المرأة لتبعث بالشيء التافه. فكان يقال: إن فيها لخمسين ألف ~~دينار، وقالوا أقل، وإن كان ليقال إن أكثر ما فيها من المال لآل سعيد بن ~~العاص- أبي أحيحة- إما مال لهم، أو مال مع قوم قراض على النصف، فكانت عامة ~~العير لهم. ويقال كان لبني مخزوم فيها مائتا بعير، و [خمسة أو] [ (2) ] ~~أربعة آلاف مثقال ذهب، وكان يقال للحارث بن عامر بن نوفل فيها ألف مثقال، ~~وكان لأمية بن خلف ألفا مثقال. PageV01P027 # فحدثني هشام بن عمارة بن أبي الحويرث قال: كان لبني عبد مناف فيها عشرة ~~آلاف مثقال، وكان متجرهم إلى غزة من أرض الشام، وكانت عيرات بطون قريش ~~فيها- يعني العير. # فحدثني عبد الله بن جعفر، عن أبي عون مولى المسور، عن مخرمة ابن نوفل، ~~قال: لما لحقنا بالشام أدركنا رجل من جذام، فأخبرنا أن محمدا كان عرض ~~لعيرنا في بدأتنا، وأنه تركه مقيما ينتظر رجعتنا، قد حالف علينا أهل الطريق ~~ووادعهم. قال مخرمة: فخرجنا خائفين نخاف الرصد، فبعثنا ضمضم بن عمرو حين ~~فصلنا من الشام. وكان عمرو بن العاص يحدث يقول: لما كنا بالزرقاء- والزرقاء ~~بالشام بناحية معان من أذرعات على مرحلتين- ونحن منحدرون إلى مكة، لقينا ~~رجلا من جذام، فقال: قد كان عرض محمد لكم في بدأتكم في أصحابه. فقلنا: ~~ما شعرنا! قال: بلى، فأقام شهرا ثم رجع إلى يثرب، وأنتم يوم عرض محمد لكم ~~مخفون، فهو الآن أحرى أن يعرض لكم، إنما يعد لكم الأيام عدا، فاحذروا على ~~عيركم وارتأوا آراءكم، فو الله ما أرى من عدد، ولا كراع، ولا حلقة. فأجمعوا ~~أمرهم، فبعثوا ضمضما، وكان في العير، وقد كانت قريش مرت به وهو بالساحل مع ~~بكران له، فاستأجروه بعشرين مثقالا. وأمره أبو سفيان أن يخبر قريشا أن ~~محمدا قد عرض لعيرهم، وأمره أن يجدع [ (1) ] بعيره إذا دخل، ويحول رحله، ~~ويشق قميصه من قبله ودبره ويصيح: الغوث! الغوث! ويقال إنما بعثوه ms021 من تبوك [ ~~(2) ] . وكان في العير ثلاثون رجلا من قريش، فيهم عمرو بن العاص، ومخرمة بن ~~نوفل. PageV01P028 # قالوا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل [ (1) ] ضمضم بن عمرو رؤيا ~~رأتها فأفزعتها، وعظمت في صدرها. فأرسلت إلى أخيها العباس فقالت: ~~يا أخي، قد رأيت والله رؤيا الليلة أفظعتها، وتخوفت أن يدخل على قومك ~~منها شر ومصيبة، فاكتم علي أحدثك منها. قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير حتى ~~وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: يا آل غدر [ (2) ] ، انفروا إلى مصارعكم ~~في ثلاث! فصرخ بها ثلاث مرات، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد ~~والناس يتبعونه إذ مثل به [ (3) ] بعيره على ظهر الكعبة، فصرخ بمثلها ~~ثلاثا، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، ثم صرخ بمثلها ثلاثا. ثم أخذ ~~صخرة من أبي قبيس فأرسلها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، ~~فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار من دور مكة، إلا دخلته منها فلذة. فكان ~~عمرو بن العاص يحدث فيقول: ~~لقد رأيت كل هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبي ~~قبيس، فلقد كان ذلك عبرة، ولكن الله لم يرد أن نسلم يومئذ لكنه أخر إسلامنا ~~إلى ما أراد. # قالوا: ولم يدخل دارا ولا بيتا من دور بني هاشم ولا بني زهرة من تلك ~~الصخرة شيء. قالوا: فقال أخوها: إن هذه لرؤيا! فخرج مغتما حتى لقي الوليد ~~بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه، ففشا الحديث في ~~الناس. قال [ (4) ] : فغدوت أطوف بالبيت، وأبو جهل في رهط PageV01P029 ~~من قريش يتحدثون قعودا برؤيا عاتكة، فقال أبو جهل: ما رأت عاتكة هذه! ~~فقلت: وما ذاك؟ فقال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى ~~تتنبأ نساؤكم؟ زعمت عاتكة أنها رأت في المنام كذا وكذا- الذي رأت- فسنتربص ~~بكم ثلاثا، فإن يك ما قالت حقا فسيكون، وإن مضت الثلاث ولم يكن نكتب [ (1) ~~] عليكم أنكم أكذب أهل بيت في العرب. ~~فقال: يا مصفر استه، أنت أولى بالكذب واللؤم ms022 منا! قال أبو جهل: ~~إنا استبقنا المجد وأنتم فقلتم: فينا السقاية! فقلنا: لا نبالي، تسقون ~~الحاج! ثم قلتم: فينا الحجابة! فقلنا: لا نبالي، تحجبون البيت! ثم قلتم: ~~فينا الندوة! فقلنا: لا نبالي، تلون الطعام وتطعمون الناس، ثم قلتم: ~~فينا الرفادة! فقلنا: لا نبالي، تجمعون عندكم ما ترفدون به الضعيف! فلما ~~أطعمنا الناس وأطعمتم، وازدحمت الركب، واستبقنا المجد، فكنا كفرسي رهان، ~~قلتم: منا نبي! ثم قلتم: منا نبية! فلا واللات والعزى، لا كان هذا أبدا! ~~قال: فو الله، ما كان مني من غير إلا [ (2) ] أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون ~~عاتكة رأت شيئا. فلما أمسيت لم تبق امرأة أصابتها ولادة عبد المطلب إلا ~~جاءت، فقلن: رضيتم بهذا الفاسق الخبيث يقع في رجالكم، ثم قد تناول نساءكم ~~وأنت تسمع، ولم يكن لك عند ذلك غيرة؟ قال: والله ما فعلت إلا ما لا بال [ ~~(3) ] به. والله لأعترضن له غدا، فإن عاد لأكفيكموه. فلما أصبحوا من ذلك ~~اليوم الذي رأت فيه عاتكة ما رأت قال أبو جهل: هذا يوم! ثم الغد قال أبو ~~جهل: هذان يومان! فلما كان في اليوم الثالث، قال أبو جهل: هذه ثلاثة أيام، ~~ما بقي! PageV01P030 ~~قال: وغدوت في اليوم الثالث وأنا حديد مغضب، أرى أن قد فاتني منه أمر أحب ~~أن أدركه، وأذكر ما أحفظتني النساء به من مقالتهن لى ما قلن، فو الله إني ~~لأمشي نحوه- وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر- إذ خرج ~~نحو باب بني سهم يشتد، فقلت: ما باله، لعنه الله؟ أكل هذا فرقا من أن ~~أشاتمه؟ فإذا هو قد سمع صوت ضمضم ابن عمرو وهو يقول: يا معشر قريش، يا آل ~~لؤي بن غالب، اللطيمة، قد عرض لها محمد في أصحابه! الغوث، الغوث! والله، ما ~~أرى أن تدركوها! وضمضم ينادي بذلك ببطن الوادي، قد جدع أذني بعيره، وشق ~~قميصه قبلا ودبرا، وحول رحله. وكان يقول: لقد رأيتني قبل أن أدخل مكة وإني ~~لأرى في النوم، وأنا على راحلتي، كأن وادي مكة يسيل من أعلاه ms023 إلى أسفله ~~دما، فاستيقظت فزعا مذعورا، وكرهتها لقريش، ووقع في نفسي أنها مصيبة في ~~أنفسهم. وكان يقال: إن الذي نادى يومئذ إبليس، تصور في صورة سراقة بن جعشم، ~~فسبق ضمضما فأنفرهم إلى عيرهم، ثم جاء ضمضم بعده. فكان عمير بن وهب يقول: ~~ما رأيت أعجب من أمر ضمضم قط، وما صرخ على لسانه إلا شيطان، إنه لم يملكنا ~~من أمورنا شيئا حتى نفرنا على الصعب والذلول. وكان حكيم بن حزام يقول: ما ~~كان الذي جاءنا فاستنفرنا إلى العير إنسان، إن هو إلا شيطان! فقيل: كيف يا ~~أبا خالد؟ فقال: إني لأعجب منه، ما ملكنا من أمورنا شيئا! # قالوا: وتجهز ~~الناس، وشغل بعضهم عن بعض، وكان الناس بين رجلين، إما خارج، وإما باعث ~~مكانه رجلا. فأشفقت قريش لرؤيا عاتكة، وسرت بنو هاشم. وقال قائلهم: كلا، ~~زعمتم أنا كذبنا وكذبت عاتكة! فأقامت قريش ثلاثة تتجهز، ويقال يومين، ~~وأخرجت قريش أسلحتها PageV01P031 ~~واشتروا سلاحا، وأعان قويهم ضعيفهم. وقام سهيل بن عمرو في رجال من قريش ~~فقال: يا معشر قريش، هذا محمد والصباة معه من شبانكم، وأهل يثرب، قد عرضوا ~~لعيركم ولطيمة قريش- واللطيمة: التجارة. قال أبو الزناد: ~~اللطيمة جميع ما حملت الإبل للتجارة. وقال غيره: اللطيمة العطر خاصة- فمن ~~أراد ظهرا فهذا ظهر، ومن أراد قوة فهذه قوة. وقام زمعة بن الأسود فقال: إنه ~~واللات والعزى، ما نزل بكم أمر أعظم من هذا، إن طمع محمد وأهل يثرب أن ~~يعترضوا لعيركم فيها حرائبكم [ (1) ] فأوعبوا [ (2) ] ، ولا يتخلف منكم ~~أحد، ومن كان لا قوة له فهذه قوة! والله، لئن أصابها محمد لا يروعكم بهم ~~إلا وقد دخلوا عليكم. وقال طعيمة بن عدي: يا معشر قريش، إنه والله ما نزل ~~بكم أمر أجل من هذا، أن تستباح عيركم ولطيمة قريش، فيها أموالكم وحرائبكم [ ~~(3) ] . والله ما أعلم رجلا ولا امرأة من بني عبد مناف له نش [ (4) ] ~~فصاعدا إلا وهو في هذه العير، فمن كان لا قوة به فعندنا قوة، نحمله ونقويه. ~~فحمل على عشرين بعيرا، وقواهم وخلفهم في أهلهم بمعونة. ms024 وقام حنظلة بن أبي ~~سفيان، وعمرو بن أبي سفيان، فحرضا [ (5) ] الناس على الخروج، ولم يدعوا إلى ~~قوة ولا حملان. فقيل لهما: ~~ألا تدعوان إلى ما دعا إليه قومكما من الحملان؟ فقالا: والله ما لنا مال ~~وما المال إلا لأبي سفيان. ومشى نوفل بن معاوية الديلي [ (6) ] إلى أهل ~~القوة PageV01P032 ~~من قريش، فكلمهم في بذل النفقة والحملان لمن خرج، فكلم عبد الله ابن أبى ~~ربيعة فقال: هذ خمسمائة دينار، فضعها حيث رأيت. وكلم حويطب بن عبد العزى ~~فأخذ منه مائتي دينار أو ثلاثمائة، ثم قوى بها السلاح والظهر. # قالوا: وكان لا يتخلف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعيثا، فمشت قريش إلى ~~أبي لهب فقالوا: إنك سيد من سادات قريش، وإنك إن تخلفت عن النفير يعتبر بك ~~غيرك من قومك، فاخرج أو ابعث أحدا. فقال: واللات والعزى لا أخرج ولا أبعث ~~أحدا! فجاءه أبو جهل فقال: قم أبا عتبة، فو الله ما خرجنا إلا غضبا لدينك ~~ودين آبائك! وخاف أبو جهل أن يسلم أبو لهب، فسكت أبو لهب فلم يخرج ولم ~~يبعث، وما منع أبا لهب أن يخرج إلا إشفاق من رؤيا عاتكة، فإنه كان يقول: ~~إنما رؤيا عاتكة أخذ باليد. ويقال إنه بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، ~~وكان له عليه دين، فقال: اخرج وديني لك! فخرج عنه. # قالوا: وأخرج عتبة وشيبة دروعا لهما، ونظر إليهما عداس [ (1) ] وهما ~~يصلحان دروعهما وآلة حربهما، فقال: ما تريدان؟ قالا: ألم تر إلى الرجل الذي ~~أرسلناك إليه بالعنب في كرمنا بالطائف؟ قال: نعم. قالا: نخرج فنقاتله. فبكى ~~وقال: لا تخرجا، فو الله إنه لنبي! فأبيا فخرجا، وخرج معهما فقتل ببدر ~~معهما. # قالوا: واستقسمت قريش بالأزلام عند هبل للخروج، فاستقسم أمية بن خلف، ~~وعتبة، وشيبة عند هبل بالآمر والناهي، فخرج القدح الناهي للخروج، فأجمعوا ~~المقام حتى أزعجهم أبو جهل فقال: ما استقسمت PageV01P033 ~~ولا نتخلف عن عيرنا! ولما توجه زمعة بن الأسود خارجا، وكان بذي طوى [ (1) ~~] ، أخرج قداحه فاستقسم بها، فخرج الناهي للخروج، فلقي غيظا، ثم ms025 أعادها ~~الثانية فخرج مثل ذلك، فكسرها، وقال: ما رأيت كاليوم قداحا أكذب من هذه! ~~ومر به سهيل بن عمرو وهو على تلك الحال، فقال: ما لي أراك غضبان يا أبا ~~حكيمة؟ فأخبره زمعة فقال: امض عنك أيها الرجل، وما أكذب من هذه القداح! قد ~~أخبرني عمير بن وهب مثل الذي أخبرتني أنه لقيه. ثم مضيا على هذا الحديث. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: حدثني موسى بن ضمرة بن سعيد، عن ~~أبيه، قال: قال أبو سفيان بن حرب لضمضم: إذا قدمت [ (2) ] على قريش فقل لها ~~لا تستقسموا [ (3) ] بالأزلام. # حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، ~~قال: سمعت حكيم بن حزام يقول: ما وجهت وجها قط كان أكره لي من مسيري إلى ~~بدر، ولا بان لي في وجه قط. ما بان لي قبل أن أخرج. ~~ثم يقول: قدم ضمضم فصاح بالنفير، فاستقسمت بالأزلام، كل ذلك يخرج الذي ~~أكره، ثم خرجت على ذلك حتى نزلنا مر الظهران [ (4) ] . ~~فنحر ابن الحنظلية [ (5) ] جزرا، فكانت جزور منها بها حياة، فما بقي خباء ~~من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها، فكان هذا بينا. ثم هممت بالرجوع، ثم ~~أذكر ابن الحنظلية وشؤمه، فيردني حتى مضيت لوجهي. PageV01P034 ~~فكان حكيم يقول: لقد رأيتنا حين بلغنا الثنية البيضاء- والثنية البيضاء ~~التي تهبطك على فخ وأنت مقبل من المدينة- إذا عداس جالس عليها والناس ~~يمرون، إذ مر عليه ابنا ربيعة، فوثب إليهما فأخذ بأرجلهما في غرزهما، وهو ~~يقول: بأبي وأمي أنتما، والله إنه رسول الله، وما تساقان إلا إلى مصارعكما! ~~وإن عينيه لتسيل دموعهما على خديه، فأردت أن أرجع أيضا، ثم مضيت، ومر به ~~العاص [ (1) ] بن منبه بن الحجاج، فوقف عليه حين ولى عتبة وشيبة، فقال: ما ~~يبكيك؟ فقال: يبكيني سيداي وسيدا أهل الوادي، يخرجان إلى مصارعهما، ~~ويقاتلان رسول الله. فقال العاص: ~~وإن محمدا رسول الله؟ قال: فانتفض عداس انتفاضة، واقشعر جلده، ثم بكى ~~وقال: إي والله، إنه لرسول الله إلى الناس كافة. قال: فأسلم ms026 العاص بن منبه، ~~ثم مضى وهو على الشك حتى قتل مع المشركين على شك وارتياب. ويقال رجع عداس ~~ولم يشهد بدرا، ويقال شهد بدرا وقتل يومئذ- والقول الأول أثبت عندنا. # قالوا: وخرج سعد بن معاذ معتمرا [ (2) ] قبل بدر فنزل على أمية بن خلف، ~~فأتاه أبو جهل فقال: أتنزل [ (3) ] هذا، وقد آوى محمدا وآذنا بالحرب؟ فقال ~~سعد بن معاذ: قل ما شئت، أما إن طريق عيركم علينا. ~~قال أمية بن خلف: مه، لا تقل هذا لأبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي! قال ~~سعد بن معاذ: وأنت تقول ذلك يا أمية، أما والله ~~لسمعت محمدا يقول «لأقتلن أمية بن خلف» . ~~قال أمية: أنت سمعته؟ قال، قلت: نعم. PageV01P035 ~~قال: فوقع في نفسه، فلما جاء النفير أبى أمية أن يخرج معهم إلى بدر، ~~فأتاه عقبة بن أبي معيط. وأبو جهل، ومع عقبة مجمرة فيها بخور، ومع أبي جهل ~~مكحلة ومرود، فأدخلها عقبة تحته وقال: تبخر، فإنما أنت امرأة! وقال أبو ~~جهل: اكتحل، فإنما أنت امرأة! قال أمية: ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي. ~~فابتاعوا له جملا بثلاثمائة درهم من نعم بني قشير، فغنمه المسلمون يوم بدر، ~~فصار في سهم خبيب بن يساف [ (1) ] . # قالوا: وما كان أحد ممن خرج إلى العير أكره للخروج من الحارث ابن عامر، ~~وقال: ليت قريشا تعزم على القعود، وأن مالي في العير تلف، ومال بني عبد ~~مناف أيضا. فيقال: إنك سيد من ساداتها، أفلا تزعها [ (2) ] عن الخروج؟ قال: ~~إني أرى قريشا قد أزمعت على الخروج، ولا أرى أحدا به طرق [ (3) ] تخلف إلا ~~من علة، وأنا أكره خلافها، وما أحب أن تعلم قريش ما أقول الآن، مع أن ابن ~~الحنظلية رجل مشئوم على قومه، ما أعلمه إلا يحرز [ (4) ] قومه أهل يثرب. ~~ولقد قسم مالا من ماله بين ولده، ووقع في نفسه أنه لا يرجع إلى مكة. وجاءه ~~ضمضم بن عمرو، وكانت للحارث عنده أياد، فقال: أبا عامر، رأيت رؤيا كرهتها، ~~وإني كاليقظان [ (5) ] على راحلتي، وأرى كأن واديكم يسيل دما من أسفله إلى ms027 ~~أعلاه. قال الحارث: ~~ما خرج أحد وجها من الوجوه أكره له من وجهي هذا. قال: يقول ضمضم له: ~~والله، إني لأرى أن تجلس. فقال الحارث: لو سمعت هذا منك PageV01P036 ~~قبل أن أخرج ما سرت خطوة! فاطو هذا الخبر أن تعلمه قريش، فإنها تتهم كل ~~من عوقها عن المسير. وكان ضمضم قد ذكر هذا الحديث للحارث ببطن يأجج [ (1) ] ~~. # قالوا: وكرهت قريش- أهل الرأي منهم- المسير، ومشى بعضهم إلى بعض، وكان من ~~أبطئهم [ (2) ] عن ذلك الحارث بن عامر، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ~~ربيعة، وحكيم بن حزام، وأبو البخترى، وعلى بن أمية ابن خلف، والعاص بن ~~منبه، حتى بكتهم [ (3) ] أبو جهل بالجبن- وأعانه عقبة بن أبي معيط، والنضر ~~بن الحارث بن كلدة- في الخروج، فقالوا: ~~هذا فعل النساء! فأجمعوا المسير، وقالت قريش: لا تدعوا أحدا من عدوكم ~~خلفكم. # قالوا: ومما استدل به على كراهة الحارث بن عامر للخروج، وعتبة وشيبة، أنه ~~ما عرض رجل منهم حملانا، ولا حملوا أحدا من الناس. وإن كان الرجل ليأتيهم ~~حليفا أو عديدا ولا قوة له، فيطلب الحملان منهم، فيقولون: إن كان لك مال ~~فأحببت أن تخرج فافعل، وإلا فأقم! حتى كانت قريش تعرف ذلك منهم. # فلما أجمعت قريش المسير، ذكروا الذي بينهم وبين بني بكر من العداوة، ~~وخافوهم على من تخلف، وكان أشدهم خوفا عتبة بن ربيعة، فكان يقول: يا معشر ~~قريش، إنكم وإن ظفرتم بالذي تريدون، فإنا PageV01P037 ~~لا نأمن على من تخلف، إنما تخلف نساء وذرية، ومن لا طعم [ (1) ] به ~~فارتأوا آراءكم [ (2) ] ! فتصور لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي ~~فقال: يا معشر قريش. قد عرفتم شرفي ومكاني في قومي، أنا لكم جار أن تأتيكم ~~كنانة بشيء تكرهونه. فطابت نفس عتبة، وقال أبو جهل: ~~فما تريد؟ هذا سيد كنانة وهو لنا جار على من تخلف. فقال عتبة: ~~لا شيء، أنا خارج! # وكان الذي بين بني كنانة وقريش فيما حدثني يزيد بن ~~فراس الليثي، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن زيد الليثي، أن ابنا لحفص بن ms028 ~~الأخيف أحد بنى معيص بن عامر بن لوى خرج يبغي ضالة له، وهو غلام في رأسه ~~ذؤابة، وعليه حلة، وكان غلاما وضيئا، فمر بعامر بن يزيد ابن عامر بن الملوح ~~بن يعمر، وكان بضجنان [ (3) ] ، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: ابن لحفص بن ~~الأخيف. فقال: يا بني بكر، لكم في قريش دم؟ قالوا: نعم. قال: ما كان رجل ~~يقتل هذا برجله إلا استوفى. ~~فأتبعه رجل من بني بكر فقتله بدم كان له في قريش. فتكلمت فيه قريش، فقال ~~عامر بن يزيد: قد كانت لنا فيكم دماء، فما شئتم؟ فإن شئتم فأدوا مالنا ~~قبلكم ونؤدي إليكم ما كان فينا، وإن شئتم فإنما هو الدم، رجل برجل، وإن ~~شئتم فتجافوا عنا فيما قبلنا، ونتجافى عنكم فيما قبلكم. فهان ذلك الغلام ~~على قريش، وقالوا: صدق، رجل برجل! فلهوا عنه أن يطلبوا بدمه. ~~فبينا أخوه مكرز بن حفص بمر الظهران، إذ نظر إلى عامر بن يزيد، وهو سيد ~~بني بكر على جمل له، فلما رآه قال: ما أطلب أثرا بعد عين! PageV01P038 ~~وأناخ بعيره، وهو متوشح بسيفه، فعلاه به حتى قتله، ثم أتى مكة من الليل ~~فعلق سيف عامر بن يزيد الذي قتله بأستار الكعبة، فلما أصبحت قريش رأوا سيف ~~عامر بن يزيد، فعرفوا أن مكرز بن حفص قتله، وكان يسمع من مكرز في ذلك قول [ ~~(1) ] . وجزعت بنو بكر من قتل سيدها، فكانت معدة لقتل رجلين من قريش، سيدين ~~أو ثلاثة من ساداتها. # فجاء النفير وهم على هذا من الأمر، فخافوهم على من تخلف بمكة من ذراريهم، ~~فلما قال سراقة ما قال، وهو ينطق بلسان إبليس، شجع القوم وخرجت قريش سراعا. ~~وخرجوا بالقيان والدفاف: سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب، وعزة مولاة ~~الأسود بن المطلب، ومولاة أمية بن خلف، يغنين في كل منهل، وينحرون الجزر. ~~وخرجوا بالجيش [ (2) ] يتقاذفون بالحراب، وخرجوا بتسعمائة وخمسين مقاتلا، ~~وقادوا مائة فرس بطرا ورئاء الناس كما ذكر الله تعالى في كتابه: ولا تكونوا ~~كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ms029 ... [ (3) ] إلى آخر الآية، وأبو ~~جهل يقول: أيظن محمد أن يصيب منا ما أصاب بنخلة وأصحابه؟ سيعلم أنمنع [ (4) ~~] عيرنا أم لا! وكانت الخيل لأهل القوة منهم، وكان في بني مخزوم منها ~~ثلاثون فرسا، وكانت الإبل سبعمائة بعير، وكان أهل الخيل كلهم دارع. ~~وكانوا مائة، وكان في الرجالة دروع سوى ذلك. # قالوا: وأقبل أبو سفيان بالعير، وخافوا خوفا شديدا حين دنوا من المدينة ~~واستبطئوا ضمضما والنفير. فلما كانت الليلة التي يصبحون فيها على ماء بدر، ~~PageV01P039 ~~جعلت العير تقبل بوجهها [ (1) ] إلى ماء بدر. وكانوا باتوا [ (2) ] من ~~وراء بدر آخر ليلتهم، وهم على أن يصبحوا بدرا إن لم يعترض لهم، فما أقرتهم ~~العير حتى ضربوها بالعقل، على أن بعضها ليثنى بعقالين، وترجع الحنين تواردا ~~إلى ماء بدر، وما بها إلى الماء حاجة، لقد شربت بالأمس. وجعل أهل العير ~~يقولون: إن هذا شيء ما صنعته منذ خرجنا! قالوا: وغشيتنا تلك الليلة ظلمة ~~حتى ما نبصر شيئا. # وكان بسبس بن عمرو، وعدي بن أبي الزغباء وردا على مجدي بدرا يتحسسان [ ~~(3) ] الخبر، فلما نزلا ماء بدر أناخا راحلتيهما إلى قريب من الماء، ثم ~~أخذا أسقيتهما يستقيان من الماء، فسمعا جاريتين من جواري جهينة يقال ~~لإحداهما برزة، وهي تلزم صاحبتها في درهم كان لها عليها، وصاحبتها تقول: ~~إنما العير غدا أو بعد غد، قد نزلت الروحاء. ومجدي بن عمرو يسمعها فقال: ~~صدقت! فلما سمع ذلك بسبس وعدي انطلقا راجعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~حتى لقياه بعرق الظبية [ (4) ] فأخبراه الخبر. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: أخبرنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن ~~عوف المزني، عن أبيه، عن جده، وكان أحد البكائين، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لقد سلك فج الروحاء موسى النبي عليه السلام في سبعين ألفا ~~من بني إسرائيل، وصلوا في المسجد الذي بعرق الظبية ~~- وهي من الروحاء على ميلين مما يلي المدينة إذا خرجت على يسارك. فأصبح ~~أبو سفيان تلك الليلة ببدر، قد تقدم العير وهو خائف PageV01P040 ~~من الرصد، فقال: ms030 يا مجدي، هل أحسست أحدا؟ تعلم والله ما بمكة من قرشي ولا ~~قرشية له نش فصاعدا- والنش نصف أوقية، وزن عشرين درهما- إلا وقد بعث به ~~معنا، ولئن كتمتنا شأن عدونا لا يصالحك رجل من قريش ما بل بحر صوفة. فقال ~~مجدي: والله، ما رأيت أحدا أنكره، ولا بينك وبين يثرب من عدو، ولو كان بينك ~~وبينها عدو لم يخف علينا، وما كنت لأخفيه عليك، إلا أني قد رأيت راكبين ~~أتيا إلى هذا المكان- فأشار إلى مناخ عدي وبسبس- فأناخا به، ثم استقيا ~~بأسقيتهما، ثم انصرفا. فجاء أبو سفيان مناخهما، فأخذ أبعارا من بعيريهما ~~ففته، فإذا فيه نوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، هذه عيون محمد وأصحابه، ~~ما أرى القوم إلا قريبا! فضرب وجه عيره، فساحل بها، وترك بدرا يسارا، ~~وانطلق سريعا. وأقبلت قريش من مكة ينزلون كل منهل يطعمون الطعام من أتاهم، ~~وينحرون الجزر، فبينا هم كذلك في مسيرهم إذ تخلف عتبة وشيبة، وهما يتحدثان ~~[ (1) ] ، قال أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب؟ لقد ~~خشيت منها. قال الآخر: فاذكرها [ (2) ] ! فذكرها، فأدركهما أبو جهل فقال: ~~ما تحدثان به؟ قالا: نذكر رؤيا عاتكة. ~~فقال: يا عجبا من بني عبد المطلب! لم ترض أن تتنبأ علينا رجالهم حتى ~~تتنبأ علينا النساء! أما والله، لئن رجعنا إلى مكة لنفعلن بهم ولنفعلن! قال ~~عتبة: إن لهم أرحاما، وقرابة قريبة. قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن ترجع؟ قال ~~أبو جهل: أترجعان بعد ما سرتما، فتخذلان قومكما، وتقطعان بهم بعد أن رأيتم ~~ثأركم بأعينكم؟ أتظنان أن محمدا وأصحابه PageV01P041 ~~يلاقونكما؟ كلا والله، ألا فو الله إن معي من قومي مائة وثمانين من أهل ~~بيتي، يحلون إذا حللت، ويرحلون إذا رحلت، فارجعا إن شئتما! قالا: والله، ~~لقد هلكت وأهلكت قومك! ثم قال عتبة لأخيه شيبة: هذا رجل مشئوم- يعني أبا ~~جهل- وإنه لا يمسه من قرابة محمد ما يمسنا، مع أن محمدا معه الولد، فارجع ~~بنا ودع قوله! قال شيبة: تكون والله سبة علينا يا أبا الوليد أن نرجع الآن ~~بعد ms031 ما سرنا! فمضيا. ثم انتهوا إلى الجحفة [ (1) ] عشاء، فنام جهيم بن ~~الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف فقال: إني أرى أني بين النائم ~~واليقظان أنظر إلى رجل أقبل على فرس معه بعير، حتى وقف علي فقال: قتل عتبة ~~بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأبو البختري، ~~وأبو الحكم، ونوفل بن خويلد في رجال سماهم من أشراف قريش، وأسر سهيل بن ~~عمرو، وفر الحارث بن هشام عن أخيه. قال: يقول فائل منهم: والله، إني لأظنكم ~~الذين تخرجون إلى مصارعكم! قال: ثم أراه ضرب في لبة بعيره فأرسله في ~~العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه بعض دمه. فذكر ذلك لأبي ~~جهل، وشاعت هذه الرؤيا في العسكر، فقال أبو جهل: هذا نبي آخر من بني ~~المطلب، سيعلم غدا من المقتول نحن أو محمد وأصحابه! فقالت قريش لجهيم: إنما ~~يلعب بك [ (2) ] الشيطان في منامك، فسترى غدا خلاف ما ترى، يقتل أشراف ~~أصحاب محمد ويؤسرون. قال: فخلا عتبة بأخيه فقال: ~~هل لك فى الرجوع؟ فهذه الرويا مثل رويا عاتكة، ومثل قول عداس، والله ما ~~كذبنا عداس، ولعمري لئن كان محمد كاذبا إن فى العرب لمن PageV01P042 ~~يكفيناه، ولئن كان صادقا إنا لأسعد العرب به، إنا للحمته. قال شيبة: ~~هو على ما تقول، أفنرجع من بين أهل العسكر؟ فجاء أبو جهل وهما على ذلك، ~~فقال: ما تريدان؟ قالا: الرجوع، ألا ترى إلى رؤيا عاتكة وإلى رويا جهيم بن ~~الصلت، مع قول عداس لنا؟ فقال: تخذلان والله قومكما، وتقطعان بهم. قالا: ~~هلكت والله، وأهلكت قومك! فمضيا على ذلك. # فلما أفلت أبو سفيان بالعير ورأى أن قد أجزرها [ (1) ] ، أرسل إلى قريش ~~قيس بن امرئ القيس- وكان مع أصحاب العير، خرج معهم من مكة- فأرسله أبو ~~سفيان يأمرهم بالرجوع، ويقول: قد نجت عيركم، فلا تجزروا [ (2) ] أنفسكم أهل ~~يثرب، فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك، إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم، وقد ~~نجاها الله. فإن أبوا عليك، فلا يأبون خصلة واحدة، يردون القيان، فإن ms032 الحرب ~~إذا أكلت نكلت [ (3) ] . فعالج قريشا وأبت الرجوع، وقالوا: أما القيان ~~فسنردهن! فردوهن من الجحفة. ولحق الرسول أبا سفيان بالهدة- والهدة على سبعة ~~أميال من عقبة عسفان على تسعة وثلاثين ميلا من مكة- فأخبره بمضى قريش، ~~فقال: وا قوماه! هذا عمل عمرو بن هشام، كره أن يرجع لأنه قد ترأس على ~~الناس، وبغى، والبغي منقصة وشؤم. إن أصاب أصحاب محمد النفير ذللنا إلى أن ~~يدخل مكة. وكانت القيان: سارة مولاة عمرو بن هشام، ومولاة كانت لأمية بن ~~خلف، ومولاة يقال لها عزة للأسود بن المطلب. وقال أبو جهل. لا والله، لا ~~نرجع PageV01P043 ~~حتى نرد بدرا- وكان بدر موسما من مواسم الجاهلية يجتمع بها العرب، لها ~~بها سوق- تسمع بنا العرب وبمسيرنا، فنقيم ثلاثا على بدر ننحر الجزر، ونطعم ~~الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبدا. # وكان الفرات بن حيان العجلي أرسلته قريش حين فصلت من مكة إلى أبي سفيان ~~بن حرب يخبره بمسيرها وفصولها، وما قد حشدت. فخالف أبا سفيان، وذلك أن أبا ~~سفيان لصق بالبحر ولزم فرات المحجة، فوافى المشركين بالجحفة، فسمع كلام أبي ~~جهل بالجحفة وهو يقول: لا نرجع! فقال: ما بأنفسهم عن نفسك رغبة، وإن الذي ~~يرجع بعد أن رأى ثأره من كثب لضعيف! فمضى مع قريش، وترك أبا سفيان، فجرح ~~يوم بدر جراحات، وهرب على قدميه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم أمرا أنكد! إن ~~ابن الحنظلية لغير مبارك الأمر. # فحدثني عبد الملك بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: قال ~~الأخنس بن شريق- وكان اسمه أبيا [ (1) ] ، وكان حليفا لبني زهرة- فقال: يا ~~بني زهرة، قد نجى الله عيركم، وخلص أموالكم، ونجى صاحبكم مخرمة بن نوفل، ~~وإنما خرجتم لتمنعوه وماله. وإنما محمد رجل منكم، ابن أختكم، فإن يك نبيا ~~فأنتم أسعد به، وإن يك كاذبا يلي قتله غيركم خير من أن تلوا قتل ابن أختكم، ~~فارجعوا واجعلوا جبنها [ (2) ] بي، فلا حاجة لكم أن تخرجوا في غير منفعة [ ~~(3) ] ، لا ما يقول هذا الرجل، فإنه مهلك قومه، سريع ms033 في فسادهم! فأطاعوه، ~~وكان فيهم مطاعا، وكانوا PageV01P044 ~~يتيمنون به، قالوا: فكيف نصنع بالرجوع إن نرجع؟ قال الأخنس: نخرج مع ~~القوم، فإذا أمسيت سقطت عن بعيري فتقولون نهش [ (1) ] الأخنس! فإذا قالوا ~~امضوا فقولوا لا نفارق صاحبنا حتى نعلم أهو حي أم ميت فندفنه، فإذا مضوا ~~رجعنا. ففعلت بنو زهرة، فلما أصبحوا بالأبواء راجعين تبين للناس أن بني ~~زهرة رجعوا، فلم يشهدها أحد من بني زهرة. قالوا: وكانوا مائة أو أقل من ~~المائة، وهو أثبت، وقد قال قائل كانوا ثلاثمائة. وقال عدى ابن أبي الزغباء ~~في منحدره إلى المدينة من بدر، وانتشرت الركاب عليه، فجعل عدي يقول: # أقم لها صدورها يا بسبس %~% إن مطايا [ (2) ] القوم لا تحبس # وحملها على الطريق أكيس %~% قد نصر الله وفر الأخنس # حدثنا محمد بن شجاع الثلجي، قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: حدثني ~~أبو بكر بن عبد الله، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن عمر ~~بن الخطاب، قال: خرجت بنو عدي مع النفير حتى كانوا بثنية لفت [ (3) ] ، ~~فلما كانوا في السحر عدلوا في الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان ~~فقال: يا بني عدي، كيف رجعتم لا في العير ولا في النفير؟ قالوا: أنت أرسلت ~~إلى قريش أن ترجع، فرجع من رجع ومضى من مضى! فلم يشهدها أحد من بني عدي. ~~ويقال إنه لاقاهم بمر الظهران فقال تلك المقالة لهم. قال محمد بن عمر ~~الواقدي: رجعت زهرة من الجحفة، وأما بنو عدي فرجعوا من الطريق، ويقال من مر ~~الظهران. PageV01P045 # ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صبيحة أربع عشرة من شهر رمضان ~~بعرق الظبية، فجاء أعرابي قد أقبل من تهامة، فقال له أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: هل لك علم بأبي سفيان بن حرب؟ ~~قال: ما لي بأبي سفيان علم. قالوا: تعال، سلم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قال: وفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فأيكم رسول الله؟ ~~قالوا: هذا. قال: أنت رسول الله؟ قال: ms034 نعم. قال الأعرابي: فما في بطن ~~ناقتي هذه إن كنت صادقا؟ قال سلمة بن سلامة بن وقش: نكحتها فهي حبلى منك! ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، وأعرض عنه. # ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الروحاء ليلة الأربعاء ~~للنصف من شهر رمضان، فصلى عند بئر الروحاء. # حدثني محمد بن شجاع الثلجي قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: فحدثني ~~عبد الملك بن عبد العزيز، عن أبان بن صالح، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه من الركعة الأخيرة من وتره لعن الكفرة ~~وقال: اللهم لا تفلتن أبا جهل فرعون هذه الأمة، اللهم لا تفلتن زمعة بن ~~الأسود، اللهم وأسخن عين أبي زمعة بزمعة، اللهم أعم بصر أبي زمعة، اللهم لا ~~تفلتن سهيلا، اللهم أنج سلمة ابن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من ~~المؤمنين! والوليد بن الوليد لم يدع له يومئذ، أسر ببدر ولكنه لما رجع من ~~مكة بعد بدر أسلم، فأراد أن يخرج إلى المدينة فحبس، فدعا له النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد ذلك. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالروحاء: هذه سجاسج [ (1) ] ~~PageV01P046 ~~- يعني وادي الروحاء- هذا أفضل أودية العرب. # قالوا: وكان خبيب بن يساف رجلا شجاعا، وكان يأبى الإسلام، ~~فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر خرج هو وقيس بن محرث، وهما ~~على دين قومهما، فأدركا النبي صلى الله عليه وسلم بالعقيق، وخبيب مقنع ~~بالحديد، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحت المغفر، فالتفت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ، وهو يسير إلى جنبه، فقال: أليس ~~بخبيب بن يساف؟ قال: بلى! قال: فأقبل خبيب حتى أخذ ببطان [ (1) ] ناقة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولقيس بن ~~محرث- يقال قيس بن المحرث، وقيس بن الحارث- ما أخرجكما معنا؟ قالا: كنت ابن ~~أختنا وجارنا، وخرجنا مع قومنا للغنيمة. فقال رسول الله صلى ms035 الله عليه ~~وسلم: لا يخرجن معنا رجل ليس على ديننا. قال خبيب: قد علم قومي أني عظيم [ ~~(2) ] الغناء في الحرب، شديد النكاية، فأقاتل معك للغنيمة ولن أسلم! قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، ولكن أسلم ثم قاتل. ثم أدركه بالروحاء ~~فقال: أسلمت لله رب العالمين، وشهدت أنك رسول الله. فسر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، وقال: امضه! # وكان عظيم الغناء في بدر وغير بدر وأبى قيس بن محرث أن يسلم ورجع إلى ~~المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من بدر أسلم، ثم شهد أحدا ~~فقتل. # قالوا: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصام يوما أو يومين، ثم رجع ~~ونادى مناديه: يا معشر العصاة، إني مفطر فأفطروا! وذلك أنه PageV01P047 ~~قد كان قال لهم قبل ذلك «أفطروا» فلم يفعلوا. # قالوا: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان دوين بدر أتاه ~~الخبر بمسير قريش، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم، واستشار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر ~~فقال فأحسن، ثم قال: يا رسول الله، إنها والله قريش وعزها، والله ما ذلت ~~منذ عزت، والله ما آمنت منذ كفرت، والله لا تسلم عزها أبدا، ولتقاتلنك، ~~فاتهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول ~~الله، امض لأمر الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ~~لنبيها: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [ (1) ] ، ولكن اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك ~~الغماد لسرنا معك- وبرك الغماد من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما ~~يلي البحر، وهو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن. فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أشيروا علي أيها للناس! وإنما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، ms036 ~~وكان يظن أن الأنصار لا تنصره إلا في الدار، وذلك أنهم شرطوا له أن يمنعوه ~~مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أشيروا علي! فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أجيب عن الأنصار، كأنك يا رسول ~~الله تريدنا! قال: أجل. ~~قال: إنك عسى أن تكون خرجت عن أمر قد أوحي إليك في غيره، وإنا قد آمنا بك ~~وصدقناك، وشهدنا أن كل ما جئت به حق، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع ~~والطاعة، فامض يا نبى الله، فو الذي PageV01P048 ~~بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما بقي منا رجل، وصل ~~من شئت، واقطع من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحب ~~إلينا مما تركت. والذي نفسي بيده، ما سلكت هذا الطريق قط، وما لي بها من ~~علم، وما نكره أن يلقانا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ~~لعل الله يريك منا ما تقر به عينك. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر ~~بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: قال سعد: ~~يا رسول الله، إنا قد خلفنا من قومنا قوما ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولا ~~أطوع لك منهم، لهم رغبة في الجهاد ونية، ولو ظنوا يا رسول الله أنك ملاق ~~عدوا ما تخلفوا، ولكن إنما ظنوا أنها العير. نبني لك عريشا فتكون فيه ونعد ~~لك رواحلك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما ~~أحببنا، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا. فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم خيرا، وقال: أو يقضي الله خيرا من ذلك يا سعد! # قالوا: ~~فلما فرغ سعد من المشورة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~سيروا على بركة الله، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. والله، لكأني ~~أنظر إلى مصارع القوم. ~~قال: وأرانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصارعهم يومئذ، هذا مصرع فلان، ~~وهذا ms037 مصرع فلان، فما عدا كل رجل مصرعه قال: فعلم القوم أنهم يلاقون القتال، ~~وأن العير تفلت، ورجوا النصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني أبو إسماعيل بن عبد الله بن ~~عطية بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال: فمن يومئذ PageV01P049 ~~عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الألوية، وهي ثلاثة، وأظهر السلاح، ~~وكان خرج من المدينة على غير لواء معقود. وخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الروحاء، فسلك المضيق، ثم جاء إلى الخبيرتين [ (1) ] فصلى بينهما، ~~ثم تيامن فتشاءم في الوادي حتى مر على خيف [ (2) ] المعترضة، فسلك في ثنية ~~المعترضة حتى سلك على التيا، وبها لقي سفيان الضمري، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تعجل، معه قتادة بن النعمان ~~الظفري- ويقال عبد الله بن كعب المازني، ويقال معاذ بن جبل- فلقي سفيان ~~الضمري على التيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الرجل؟ فقال ~~الضمري: ~~بلى من أنتم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا ونخبرك! قال ~~الضمري: وذاك بذاك قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم قال الضمرى: سلوا عما ~~شئتم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا عن قريش. قال الضمري: ~~بلغني أنهم خرجوا يوم كذا وكذا من مكة، فإن كان الذي أخبرني صادقا فإنهم ~~بجنب هذا الوادي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا عن محمد ~~وأصحابه. قال: خبرت أنهم خرجوا من يثرب يوم كذا وكذا، فإن كان الذي خبرني ~~صادقا فهم بجانب هذا الوادي. قال الضمري: فمن أنتم؟ قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: نحن من ماء .. وأشار بيده نحو العراق. فقال الضمري: من ماء ~~العراق! ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ولا يعلم أحد من ~~الفريقين بمنزل صاحبه، بينهم قوز [ (3) ] من رمل PageV01P050 ~~وكان قد صلى بالدبة [ (1) ] ، ثم صلى بسير [ (2) ] ، ثم صلى بذات أجدال [ ~~(3) ] ، ثم صلى بخيف عين العلاء، ثم صلى بالخبيرتين، ثم نظر إلى جبلين ~~فقال: ما اسم هذين ms038 الجبلين؟ قالوا: مسلح ومخرى [ (4) ] . فقال: من ساكنهما؟ ~~قالوا: بنو النار وبنو حراق [ (5) ] . فانصرف من عند الخبيرتين فمضى حتى ~~قطع الخيوف، وجعلها يسارا حتى سلك في المعترضة، ولقيه بسبس وعدي بن أبي ~~الزغباء فأخبراه الخبر. # ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي [ (6) ] بدر عشاء ليلة الجمعة ~~لسبع عشرة مضت من رمضان، فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس ابن ~~عمرو يتحسسون على الماء، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ظريب [ ~~(7) ] فقال: أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب الذي يلي الظريب- والقليب ~~بئر بأصل الظريب، والظريب جبل صغير. فاندفعوا تلقاء الظريب فيجدون على تلك ~~القليب التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم روايا قريش فيها سقاؤهم. ~~ولقي بعضهم بعضا وأفلت عامتهم، وكان ممن عرف أنه أفلت عجير، وكان أول من ~~جاء قريشا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى فقال: يا آل غالب، هذا ~~ابن أبي كبشة وأصحابه قد أخذوا سقاءكم! فماج العسكر، وكرهوا ما جاء به. ~~PageV01P051 # قال حكيم بن حزام: وكنا في خباء لنا على جزور نشوي من لحمها، فما هو إلا ~~أن سمعنا الخبر، فامتنع الطعام منا، ولقي بعضنا بعضا، ولقيني عتبة بن ربيعة ~~فقال: يا أبا خالد، ما أعلم أحدا يسير أعجب من مسيرنا، إن عيرنا قد نجت، ~~وإنا جئنا إلى قوم في بلادهم بغيا عليهم. فقال عتبة لأمر حم: ولا رأي لمن ~~لا يطاع، هذا شؤم ابن الحنظلية! يا أبا خالد، أتخاف أن يبيتنا القوم؟ قلت: ~~لا آمن ذلك. قال: فما الرأي يا أبا خالد؟ قال: نتحارس حتى نصبح وترون من [ ~~(1) ] وراءكم. قال عتبة: هذا الرأي! قال: فتحارسنا حتى أصبحنا. قال أبو ~~جهل: ما [هذا؟] [ (2) ] هذا عن أمر عتبة، قد كره قتال محمد وأصحابه! إن هذا ~~لهو العجب، أتظنون أن محمدا وأصحابه يعترضون لجمعكم؟ والله لأنتحين ناحية ~~بقومي، فلا يحرسنا أحد. فتنحى ناحية، والسماء تمطر عليه، يقول عتبة: إن هذا ~~لهو النكد، وإنهم قد أخذوا سقاءكم. وأخذ تلك الليلة يسار غلام عبيدة ms039 ابن ~~سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية ابن خلف، ~~فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يصلي، فقالوا: ~~سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء. وكره القوم خبرهم، ورجوا أن يكونوا ~~لأبي سفيان وأصحاب العير، فضربوهم، فلما أذلقوهم [ (3) ] بالضرب قالوا: ~~نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، وهذه العير بهذا القوز [ (4) ] . فيمسكون ~~عنهم، ~~فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، ثم قال: PageV01P052 ~~إن صدقوكم ضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم! فقال أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: يخبروننا يا رسول الله أن قريشا قد جاءت. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. صدقوكم، خرجت قريش تمنع عيرها، وخافوكم عليها. ثم أقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على السقاء فقال: ~~أين قريش؟: قالوا: خلف هذا الكثيب الذي ترى. قال: كم هي؟ ~~قالوا: كثير. قال: كم عددها؟ قالوا: لا ندري كم هم. قال: كم ينحرون؟ ~~قالوا: يوما عشرة ويوما تسعة. قال: القوم ما بين الألف والتسعمائة. ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسقاء: من خرج من مكة؟ قالوا: ~~لم يبق أحد به طعم إلا خرج. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الناس، فقال: هذه مكة، قد ألقت [إليكم] أفلاذ كبدها. ثم سألهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. هل رجع أحد منهم؟ قالوا: رجع ابن أبي شريق ببني زهرة. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرشدهم وما كان برشيد، وإن كان ما علمت ~~لمعاديا لله ولكتابه. قال: أحد غيرهم؟ ~~قالوا: بنو عدي بن كعب. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أشيروا علي في المنزل فقال ~~الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله فليس ~~لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ ~~قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: فإن هذا ليس بمنزل! انطلق بنا ~~إلى أدنى ماء القوم، فإني عالم بها وبقلبها، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه، ms040 ~~وماء كثير لا ينزح، ثم نبني عليها حوضا ونقذف فيه الآنية، فنشرب ونقاتل، ~~ونغور [ (1) ] ما سواها من القلب. PageV01P053 # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن ~~الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: الرأي ما أشار به الحباب. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حباب، أشرت بالرأي! ~~فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل كل ذلك. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني عبيد بن يحيى، عن معاذ بن ~~رفاعة، عن أبيه، قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهسا- والدهس الكثير ~~الرمل- فأصابنا ما لبد الأرض ولم يمنعنا من المسير، وأصاب قريشا ما لم ~~يقدروا أن يرتحلوا منه، وإنما بينهم قوز من رمل. ~~قالوا: وأصاب المسلمين تلك الليلة النعاس، ألقي عليهم [ (1) ] فناموا، ~~وما أصابهم من المطر ما يؤذيهم. قال الزبير بن العوام: سلط علينا النعاس ~~تلك الليلة حتى إني كنت لأتشدد، فتجلدني الأرض فما أطيق إلا ذلك، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على مثل تلك الحال. وقال سعد ابن أبي ~~وقاص: رأيتني وإن ذقني بين يدي [ (2) ] ، فما أشعر حتى أقع على جنبي. ~~قال رفاعة بن رافع بن مالك: غلبني النوم، فاحتملت حتى اغتسلت آخر الليل. # قالوا: فلما تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنزل بعد أن أخذ ~~السقاء، أرسل عمار بن ياسر وابن مسعود، فأطافا بالقوم ثم رجعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، القوم مذعورون فزعون، إن الفرس ~~ليريد أن يصهل فيضرب وجهه، مع أن السماء تسح عليهم. ~~فلما أصبحوا قال نبيه بن الحجاج، وكان رجلا يبصر الأثر، فقال: ~~PageV01P054 ~~هذا أثر ابن سمية وابن أم عبد، أعرفه، قد جاء محمد بسفهائنا وسفهاء أهل ~~يثرب! ثم قال: # لم يترك الجوع لنا مبيتا %~% لا بد أن نموت أو نميتا # قال أبو عبد الله: فذكرت قول نبيه بن الحجاج «لم يترك الجوع لنا مبيتا» ~~لمحمد بن يحيى بن ms041 سهل بن أبي حثمة فقال: لعمري لقد كانوا شباعا، لقد أخبرني ~~[أبي] [ (1) ] أنه سمع نوفل بن معاوية يقول: نحرنا تلك الليلة عشر جزائر، ~~فنحن في خباء من أخبيتهم نشوي السنام والكبد وطيبة اللحم، ونحن نخاف من ~~البيات، فنحن نتحارس إلى أن أضاء الفجر، فأسمع منبها يقول بعد أن أسفر ~~[الصبح] [ (2) ] : هذا [أثر] [ (3) ] ابن سمية وابن مسعود! وأسمعه يقول: # لم يترك الخوف لنا مبيتا %~% لا بد أن نموت أو نميتا # يا معشر قريش، انظروا غدا إن لقينا محمدا وأصحابه، فابقوا في أنسابكم [ ~~(4) ] هؤلاء، وعليكم بأهل يثرب، فإنا إن نرجع بهم إلى مكة يبصروا ضلالتهم ~~وما فارقوا من دين آبائهم. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر، ~~عن محمود بن لبيد، قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على القليب ~~بني له عريش من جريد، فقام سعد بن معاذ على باب العريش متوشح السيف، فدخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر. # فحدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر ~~PageV01P055 ~~ابن حزم، قال: صف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه قبل أن تنزل قريش، ~~وطلعت قريش ورسول الله يصفهم، وقد أترعوا حوضا، يفرطون [ (1) ] فيه من ~~السحر، ويقذفون فيه الآنية. ودفع رايته إلى مصعب بن عمير، فتقدم بها إلى ~~موضعها الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضعها فيه. ووقف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الصفوف، فاستقبل المغرب، وجعل الشمس ~~خلفه، وأقبل المشركون فاستقبلوا الشمس، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعدوة الشامية ونزلوا بالعدوة اليمانية- عدوتا النهر والوادي جنبتاه- ~~فجاء رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن كان هذا منك عن وحي نزل إليك ~~فامض له، وإلا فإني أرى أن تعلو الوادي، فإني أرى ريحا قد هاجت من أعلى ~~الوادي، وإني أراها بعثت بنصرك. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد صففت صفوفي ووضعت رايتي، فلا أغير ~~ذلك! ثم ms042 دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى، فنزل عليه ~~جبريل بهذه الآية: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من ~~الملائكة مردفين [ (2) ] ، بعضهم على إثر بعض. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: حدثني معاوية بن عبد الرحمن، عن يزيد ~~بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ~~يومئذ، فتقدم سواد بن غزية أمام الصف، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم بقدح ~~في بطن سواد بن غزية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: استو [ (3) ] ~~يا سواد! فقال له سواد: أوجعتنى، PageV01P056 ~~والذي بعثك بالحق نبيا، أقدني! فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بطنه، ثم قال: استقد! فاعتنقه وقبله، وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ~~حضر من أمر الله ما قد ترى، وخشيت القتل، فأردت أن يكون آخر عهدي بك، أن ~~أعتنقك [ (1) ] . ~~قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي الصفوف يومئذ، وكأنما ~~يقوم بها القداح. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي: قال: فحدثني موسى بن يعقوب، عن أبي ~~الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن رجل من بني أود، قال: سمعت عليا عليه ~~السلام يقول: وهو يخطب بالكوفة: بينا أنا أميح [ (2) ] في قليب بدر- أميح ~~يعني أستقي، وهو من ينزع الدلاء، وهو المتح أيضا- جاءت ريح لم أر مثلها قط ~~شدة، ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى، لم أر مثلها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ~~ريح أخرى، لم أر مثلها إلا التي كانت قبلها ثم جاءت ريح أخرى، لم أر مثلها ~~إلا التي كانت قبلها، وكانت الأولى جبرئيل في ألف مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والثانية ميكائيل في ألف عن ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبي بكر، وكانت الثالثة إسرافيل في ألف، نزل عن ميسرة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأنا في الميسرة، فلما هزم الله عز وجل أعداه حملني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على فرسه، فجمزت بي [ (3) ] ، فلما ms043 جمزت خررت على ~~عنقها، فدعوت ربي فأمسكني حتى استويت، وما لى وللخيل، وإنما كنت صاحب ~~PageV01P057 ~~غنم! [ (1) ] فلما استويت طعنت بيدي هذه حتى اختضبت مني ذا- يعني إبطه. # قالوا: وكان يومئذ على الميمنة أبو بكر رضي الله عنه، وكان على خيل ~~المشركين زمعة بن الأسود. فحدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، ~~قال: كان على خيل المشركين الحارث بن هشام، وعلى الميمنة هبيرة بن أبي وهب، ~~وعلى الميسرة زمعة بن الأسود. وقال قائل: كان على الميمنة الحارث بن عامر، ~~وعلى ميسرتهم عمرو بن عبد [ (2) ] . # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني محمد بن صالح، عن يزيد بن ~~رومان، وابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، قالا: ما كان على الميمنة- ~~ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم- يوم بدر ولا على ميسرته أحد يسمى، وكذلك ~~ميمنة المشركين وميسرتهم، وما سمعنا فيها بأحد. ~~قال ابن واقد: وهذا الثبت عندنا. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: حدثني محمد بن قدامة، عن عمر بن ~~حسين، قال: كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الأعظم- لواء ~~المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب ابن المنذر، ولواء ~~الأوس مع سعد بن معاذ. ومع قريش ثلاثة ألوية، لواء مع أبي عزيز، ولواء مع ~~النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة. # قالوا: وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فحمد الله وأثنى عليه، ~~ثم قال، وهو يأمرهم، ويحثهم، ويرغبهم في الأجر: أما بعد، فإني أحثكم على ما ~~حثكم الله عليه، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، فإن الله عظيم شأنه، يأمر ~~بالحق، ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله، على منازلهم عنده، به يذكرون وبه ~~يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل PageV01P058 ~~من منازل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه. وإن الصبر ~~في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم، وينجي به من الغم، وتدركون [ (1) ] ~~به النجاة في الآخرة. فيكم نبي الله يحذركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن ~~يطلع الله عز وجل على ms044 شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله يقول: لمقت الله ~~أكبر من مقتكم أنفسكم [ (2) ] . انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه، وأراكم ~~من آياته، وأعزكم بعد ذلة، فاستمسكوا به يرض ربكم عنكم. وأبلوا ربكم في هذه ~~المواطن أمرا، تستوجبوا الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته، فإن وعده حق، ~~وقوله صدق، وعقابه شديد. ~~وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا، ~~وعليه توكلنا، وإليه المصير، يغفر الله لي وللمسلمين! # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، ~~عن عروة بن الزبير، ومحمد بن صالح، عن عاصم بن عمر، عن يزيد بن رومان، ~~قالا: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا تصوب من الوادي- وكان ~~أول من طلع زمعة بن الأسود على فرس له، يتبعه ابنه، فاستجال بفرسه يريد أن ~~يتبوأ [ (3) ] للقوم منزلا- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم، إنك ~~أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني إحدى الطائفتين، وأنت لا تخلف ~~الميعاد! اللهم، هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك [ (4) ] وتكذب ~~رسولك! اللهم، نصرك الذي وعدتني! اللهم أحنهم الغداة! وطلع عتبة بن ربيعة ~~على PageV01P059 ~~جمل أحمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يك في أحد من القوم خير ~~ففي صاحب الجمل الأخمر، إن يطيعوه يرشدوا. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال، حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، ~~عن عبد الله بن مالك، قال: وكان إيماء بن رحضة قد بعث إلى قريش ابنا له ~~بعشر جزائر حين مروا به، أهداها لهم، وقال: ~~إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال- فإنا معدون لذلك مؤدون- فعلنا. ~~فأرسلوا: أن وصلتك رحم، قد قضيت الذي عليك، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل ~~الناس ما بنا ضعف عنهم، ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد، فما لأحد بالله ~~طاقة. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن جده ~~عبيد بن أبي عبيد، عن خفاف بن إيماء بن رحضة، قال: كان أبي ليس شيء أحب ~~إليه ms045 من إصلاح بين الناس، موكل بذلك. فلما مرت قريش أرسلني بجزائر عشر هدية ~~لها، فأقبلت أسوقها وتبعني أبي، فدفعتها إلى قريش فقبلوها، فوزعوها في ~~القبائل. فمر أبي على عتبة بن ربيعة- وهو سيد الناس يومئذ- فقال: ~~يا أبا الوليد، ما هذا المسير؟ قال: لا أدري والله غلبت! قال: فأنت سيد ~~العشيرة، فما يمنعك أن ترجع بالناس وتحمل دم حليفك [ (1) ] ، وتحمل العير ~~التي أصابوا بنخلة فتوزعها على قومك؟ والله، ما تطلبون قبل محمد إلا هذا؟ ~~والله، يا أبا الوليد، ما تقتلون بمحمد وأصحابه إلا أنفسكم. # حدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: ما سمعنا بأحد ساد [ (2) ] بغير ~~PageV01P060 ~~مال إلا عتبة بن ربيعة. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني موسى بن يعقوب، عن أبي ~~الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، قال: لما نزل القوم أرسل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عمر بن الخطاب إلى قريش فقال: ~~ارجعوا، فإنه يلي هذا الأمر مني غيركم أحب إلي من أن تلوه مني، وأليه من ~~غيركم أحب إلي من أن أليه منكم. فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصفا، فاقبلوه [ ~~(1) ] . والله لا تنصرون عليه بعد ما عرض من النصف. قال، قال أبو جهل: ~~والله، لا نرجع بعد أن أمكننا الله منهم، ولا نطلب أثرا بعد عين، ولا يعترض ~~[ (2) ] لعيرنا بعد هذا أبدا. # قالوا: وأقبل نفر من قريش حتى وردوا الحوض- منهم حكيم بن حزام- فأراد ~~المسلمون تجليتهم [ (3) ]- يعني طردهم- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~دعوهم! فوردوا الماء فشربوا، فما شرب منه أحد إلا قتل، إلا ما كان من حكيم ~~بن حزام. # فحدثني أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد، عن سعيد بن المسيب، ~~قال: نجا حكيم من الدهر مرتين لما أراد الله به من الخير. خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على نفر من المشركين، وهم جلوس يريدونه، فقرأ «يس» وذر ~~[ (4) ] على رءوسهم التراب، فما انفلت منهم رجل إلا قتل إلا حكيم، وورد ~~الحوض يوم بدر، فما ورد الحوض يومئذ أحد إلا قتل إلا ms046 حكيم. PageV01P061 # قالوا: فلما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي- وكان صاحب قداح- ~~فقالوا: احزر لنا محمدا وأصحابه. فاستجال بفرسه حول المعسكر فصوب في الوادي ~~وصعد، يقول: عسى أن يكون لهم مدد أو كمين. ثم رجع فقال: لا مدد ولا كمين، ~~القوم ثلاثمائة إن زادوا قليلا، ومعهم سبعون بعيرا، ومعهم فرسان. ثم قال: ~~يا معشر قريش، البلايا [ (1) ] تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت ~~الناقع، قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم! ألا ترونهم خرسا لا ~~يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي! والله، ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل ~~منا رجلا، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فما خير في العيش بعد ذلك! فارتأوا ~~رأيكم! # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني يونس بن محمد الظفري، عن ~~أبيه قال: لما قال لهم عمير بن وهب هذه المقالة، أرسلوا أبا أسامة الجشمي- ~~وكان فارسا- فأطاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم رجع إليهم فقالوا ~~له: ما رأيت؟ قال: والله، ما رأيت جلدا، ولا عددا، ولا حلقة، ولا كراعا. ~~ولكني والله رأيت قوما لا يريدون أن يئوبوا [ (2) ] إلى أهليهم، قوما ~~مستميتين، ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، زرق العيون كأنهم الحصى تحت ~~الحجف [ (3) ] . ثم قال: ~~أخشى أن يكون لهم كمين أو مدد. فصوب في الوادي ثم صعد، ثم رجع إليهم، ثم ~~قال: لا كمين ولا مدد، فروا رأيكم! # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: ~~فحدثنا محمد بن عبد الله، PageV01P062 ~~عن الزهري، عن عروة، ومحمد بن صالح، عن عاصم بن عمر، وابن رومان، قالوا: ~~[لما] [ (1) ] سمع حكيم بن حزام ما قال عمير بن وهب مشى في الناس، وأتى ~~عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، أنت كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، ~~فهل لك ألا تزال منها بخير آخر الدهر، مع ما فعلت يوم عكاظ! وعتبة يومئذ ~~رئيس الناس، فقال: وما ذاك يا أبا خالد؟ قال: ترجع بالناس وتحمل دم حليفك، ~~وما أصاب محمد من تلك العير ببطن نخلة. إنكم لا تطلبون من محمد شيئا غير ~~هذا ms047 الدم والعير. ~~فقال عتبة: قد فعلت وأنت علي بذلك. قال: ثم جلس عتبة على جمله، فسار في ~~المشركين من قريش يقول: يا قوم، أطيعوني ولا تقاتلوا هذا الرجل وأصحابه، ~~واعصبوا هذا الأمر برأسي واجعلوا جبنها بي، فإن منهم رجالا قرابتهم قريبة، ~~ولا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه، فيورث ذلك بينهم [ (2) ] ~~شحناء وأضغانا، ولن تخلصوا إلى قتلهم حتى يصيبوا منكم عددهم، مع أني لا آمن ~~أن تكون الدائرة عليكم، وأنتم لا تطلبون إلا دم هذا الرجل [ (3) ] والعير ~~التي أصاب، وأنا أحتمل ذلك وهو علي! يا قوم، إن يك محمد كاذبا يكفيكموه ~~ذؤبان العرب- ذؤبان العرب صعاليك العرب- وإن يك ملكا أكلتم [ (4) ] في ملك ~~ابن أخيكم، وإن يك نبيا كنتم أسعد الناس به! يا قوم، لا تردوا نصيحتي، ولا ~~تسفهوا رأيي! # قال: فحسده أبو جهل حين سمع خطبته وقال: إن يرجع الناس عن ~~PageV01P063 ~~خطبة عتبة يكن سيد الجماعة- وعتبة أنطق الناس، وأطولهم [ (1) ] لسانا، ~~وأجملهم جمالا. ثم قال عتبة: أنشدكم الله في هذه الوجوه التي كأنها ~~المصابيح، أن تجعلوها أندادا لهذه الوجوه التي كأنها وجوه الحيات! فلما فرغ ~~عتبة من كلامه قال أبو جهل: إن عتبة يشير عليكم بهذه لأن ابنه مع محمد، ~~ومحمد ابن عمه، وهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه. امتلأ، والله، سحرك [ (2) ~~] يا عتبة، وجبنت حين التقت حلقتا البطان! الآن تخذل بيننا وتأمرنا ~~بالرجوع؟ لا والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد! قال: فغضب عتبة ~~فقال: يا مصفر استه، ستعلم أينا أجبن وألأم، وستعلم قريش من الجبان المفسد ~~لقومه! [وأنشد ... ] [ (3) ] # هل جبان [ (4) ] وأمرت أمري %~% فبشري [ (5) ] بالثكل أم عمرو # ثم ذهب أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي أخي المقتول بنخلة، فقال، هذا حليفك- ~~يعني عتبة- يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينيك، ويخذل بين الناس، قد ~~تحمل دم أخيك وزعم أنك قابل الدية. ألا تستحي [ (6) ] تقبل الدية، وقد قدرت ~~على قاتل أخيك؟ قم فانشد خفرتك. [ (7) ] ~~فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف، ثم حثا على رأسه [ (8) ] التراب، ثم ~~PageV01P064 ~~صرخ: وا عمراه! ms048 يخزي بذلك عتبة لأنه حليفه من بين قريش، فأفسد على الناس ~~الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، وحلف عامر لا يرجع حتى يقتل من أصحاب محمد. ~~وقال [ (1) ] لعمير بن وهب: حرش بين الناس! فحمل عمير، فناوش المسلمين لأن ~~ينقض الصف، فثبت المسلمون على صفهم ولم يزولوا، وتقدم ابن الحضرمي، فشد على ~~القوم فنشبت الحرب. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني عائذ بن يحيى، عن أبي ~~الحويرث، عن نافع بن جبير، عن حكيم بن حزام، قال: لما أفسد الرأي أبو جهل ~~على الناس، وحرش بينهم عامر بن الحضرمي فأقحم فرسه، فكان أول من خرج إليه ~~مهجع مولى عمر، فقتله عامر. # وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، قتله حبان بن العرقة- ~~ويقال عمير بن الحمام- قتله خالد بن الأعلم العقيلي. حدثنا محمد قال: حدثنا ~~الواقدي قال: ما سمعت أحدا من المكيين يقول إلا حبان بن العرقة. # قالوا: وقال عمر بن الخطاب في مجلس ولايته: يا عمير بن وهب، أنت حازرنا ~~للمشركين يوم بدر، تصعد في الوادي وتصوب، كأني أنظر إلى فرسك [ (2) ] تحتك، ~~تخبر المشركين أنه لا كمين لنا ولا مدد! قال: ~~إي والله يا أمير المؤمنين! وأخرى، أنا والله الذي حرشت بين الناس يومئذ، ~~ولكن الله جاء بالإسلام وهدانا له، فما كان فينا من الشرك أعظم من ذلك. ~~قال عمر: صدقت! # قالوا: كلم عتبة حكيم بن حزام فقال: ليس عند أحد خلاف إلا ~~PageV01P065 ~~عند ابن الحنظلية، اذهب إليه فقل له «إن عتبة يحمل دم حليفه ويضمن العير» ~~. قال حكيم: فدخلت على أبي جهل وهو يتخلق بخلوق [ (1) ] ، ودرعه موضوعة بين ~~يديه، فقلت: إن عتبة بعثني إليك. فأقبل علي مغضبا فقال: أما وجد عتبة أحدا ~~يرسله غيرك؟ فقلت: أما والله لو كان غيره أرسلني ما مشيت في ذلك، ولكن مشيت ~~في إصلاح بين الناس، وكان أبو الوليد سيد. العشيرة. فغضب غضبة أخرى فقال: ~~وتقول أيضا سيد العشيرة؟ فقلت: أنا أقوله؟ قريش كلها تقوله! فأمر عامرا أن ~~يصيح بخفرته، واكتشف وقال: إن عتبة جاع ms049 فاسقوه سويقا! وجعل المشركون ~~يقولون: إن عتبة جاع فاسقوه سويقا! وجعل أبو جهل يسر بما صنع المشركون ~~بعتبة. قال حكيم: فجئت إلى منبه بن الحجاج، فقلت له مثل ما قلت لأبي جهل، ~~فوجدته خيرا من أبي جهل. قال: نعم ما مشيت فيه وما دعا إليه عتبة! فرجعت ~~إلى عتبة فوجدته [ (2) ] قد غضب من كلام قريش، فنزل عن جمله، وقد طاف عليهم ~~في عسكرهم يأمرهم بالكف عن القتال، فيأبون. فحمي، فنزل فلبس درعه، وطلبوا ~~له بيضة تقدر عليه، فلم يجد في الجيش بيضة تسع رأسه من عظم هامته. فلما رأى ~~ذلك اعتجر [ (3) ] ثم برز [ (4) ] بين أخيه شيبة وبين ابنه الوليد بن عتبة، ~~فبينا أبو جهل في الصف على فرس أنثى، حاذاه عتبة وسل عتبة سيفه، فقيل: هو ~~والله يقتله! فضرب بالسيف عرقوبي فرس أبي جهل، فاكتسعت [ (5) ] الفرس، ~~فقلت: ما رأيت كاليوم! قالوا: قال عتبة: انزل، فإن هذا اليوم ليس ~~PageV01P066 ~~بيوم ركوب، ليس كل قومك راكبا. فنزل أبو جهل، وعتبة يقول: ~~ستعلم أينا أشأم عشيرته الغداة! ثم ~~دعا عتبة إلى المبارزة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وأصحابه ~~على صفوفهم، فاضطجع فغشيه النوم [ (1) ] ، وقال: لا تقاتلوا حتى أوذنكم، ~~وإن كثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم. قال أبو بكر رضي الله ~~عنه: يا رسول الله، قد دنا القوم وقد نالوا منا. فاستيقظ رسول الله، وقد ~~أراه الله إياهم في منامه قليلا، وقلل بعضهم في أعين بعض، ففزع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه، يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: ~~اللهم، إن تظهر علي هذه العصابة يظهر الشرك، ولا يقم لك دين. وأبو بكر ~~يقول: والله، لينصرنك الله وليبيضن وجهك. وقال ابن رواحة: يا رسول الله، ~~إني أشير عليك- ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم وأعلم بالله من أن يشار ~~عليه- إن الله أجل وأعظم من أن تنشده وعده. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا ابن رواحة، ألا أنشد الله وعده؟ إن الله لا يخلف الميعاد! ms050 * ~~وأقبل عتبة يعمد إلى القتال، فقال له حكيم بن حزام: أبا الوليد، مهلا، ~~مهلا! تنهى عن شيء وتكون أوله! وقال خفاف بن إيماء: فرأيت أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر، وقد تصاف الناس وتزاحفوا [ (2) ] ، فرأيت أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يسلون السيوف، وقد أنبضوا [ (3) ] القسي، وقد ~~ترس بعضهم عن بعض بصفوف متقاربة، لا فرج بينها، والآخرون قد سلوا السيوف ~~حين طلعوا. فعجبت من ذلك فسألت بعد ذلك رجلا من المهاجرين فقال، أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ألا نسل PageV01P067 ~~السيوف حتى يغشونا. # قالوا: فلما تزاحف الناس قال الأسود بن عبد الأسد المخزومي حين دنا من ~~الحوض: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه. فشد ~~الأسود بن عبد الأسد حتى دنا من الحوض، فاستقبله حمزة ابن عبد المطلب، ~~فضربه فأطن [ (1) ] قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض فهدمه برجله ~~الصحيحة، وشرب منه، وأتبعه حمزة فضربه في الحوض فقتله. ~~والمشركون ينظرون على صفوفهم وهم يرون أنهم ظاهرون، فدنا الناس بعضهم من ~~بعض، فخرج عتبة وشيبة والوليد حتى فصلوا من الصف، ثم دعوا إلى المبارزة، ~~فخرج إليهم فتيان ثلاثة من الأنصار، وهم بنو عفراء: ~~معاذ ومعوذ وعوف، بدو الحارث- ويقال ثالثهم عبد الله بن رواحة، والثبت ~~عندنا أنهم بنو عفراء- فاستحيى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وكره ~~أن يكون أول قتال لقي المسلمون فيه المشركين في الأنصار، وأحب أن تكون ~~الشوكة لبني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم، وقال لهم خيرا. ثم ~~نادى منادي المشركين: يا محمد، أخرج لنا الأكفاء من قومنا. فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يا بني هاشم، قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث الله ~~به نبيكم، إذ جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور الله. ~~فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب ~~بن عبد مناف، فمشوا إليهم، فقال عتبة: تكلموا نعرفكم- وكان عليهم البيض ~~فأنكروهم- فإن كنتم أكفاء قاتلناكم. فقال حمزة: ~~أنا حمزة بن عبد المطلب، أسد ms051 الله وأسد رسوله. قال عتبة: كفء كريم. ثم ~~قال عتبة: وأنا أسد الحلفاء، ومن هذان معك؟ قال: على PageV01P068 ~~ابن أبى طالب وعبيدة بن الحارث. قال: كفآن كريمان. # قال ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: لم أسمع لعتبة كلمة قط أوهن من قوله ~~«أنا أسد الحلفاء» ، يعني بالحلفاء الأجمة [ (1) ] . ثم قال عتبة لابنه: قم ~~يا وليد. فقام الوليد، وقام إليه علي، وكان أصغر النفر، فقتله علي عليه ~~السلام. ثم قام عتبة، وقام إليه حمزة، فاختلفا ضربتين فقتله حمزة رضي الله ~~عنه. ثم قام شيبة، وقام إليه عبيدة بن الحارث- وهو يومئذ أسن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم- فضرب شيبة رجل عبيدة بذباب السيف، فأصاب عضلة ~~ساقه فقطعها. وكر حمزة وعلي على شيبة فقتلاه، واحتملا عبيدة فحازاه إلى ~~الصف، ومخ ساقه يسيل، فقال عبيدة: يا رسول الله، ألست شهيدا؟ قال: بلى. ~~قال: أما والله، لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أحق بما قال منه [ (2) ] حين ~~يقول: PageV01P069 # كذبتم وبيت الله نخلي محمدا %~% ولما نطاعن دونه ونناضل [ (1) ] # ونسلمه [ (2) ] حتى نصرع حوله %~% ونذهل عن أبنائنا والحلائل # ونزلت هذه الآية: هذان خصمان اختصموا في ربهم [ (3) ] . # حمزة أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين، والعباس أسن من النبي ~~صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. # قالوا: وكان عتبة بن ربيعة حين دعا إلى البراز قام إليه ابنه أبو حذيفة ~~يبارزه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس! فلما قام إليه النفر ~~أعان أبو حذيفة بن عتبة على أبيه بضربة. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: ~~شيبة أكبر من عتبة بثلاث سنين. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني معمر بن راشد، عن الزهري، عن ~~عبد الله بن ثعلبة بن صعير، قال: واستفتح أبو جهل يوم بدر، فقال: اللهم، ~~أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعلم، فأحنه [ (4) ] الغداة. فأنزل الله تبارك ~~وتعالى: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم ... [ (5) ] ~~الآية. # فحدثني عمر بن عقبة، عن ms052 شعبة مولى ابن عباس، قال: سمعت ابن عباس يقول: ~~لما تواقف الناس أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم كشف عنه ~~فبشر المؤمنين بجبريل فى جند من الملائكة فى ميمنة PageV01P070 ~~الناس، وميكائيل في جند آخر في ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وإسرافيل في جند آخر بألف. وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن جعشم المدلجي ~~يذمر [ (1) ] المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم من الناس، فلما أبصر عدو ~~الله الملائكة نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون [ ~~(2) ] ! فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه، ~~فضرب في صدر الحارث فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع في البحر، ~~ورفع يديه وقال: يا رب، موعدك الذي وعدتني! # وأقبل أبو جهل على أصحابه، ~~فحضهم على القتال وقال: لا يغرنكم خذلان سراقة بن جعشم إياكم، فإنما كان ~~على ميعاد من محمد وأصحابه، سيعلم إذا رجعنا إلى قديد [ (3) ] ما نصنع ~~بقومه! لا يهولنكم مقتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم عجلوا وبطروا حين ~~قاتلوا! وأيم الله، لا نرجع اليوم حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال، فلا ~~ألفين أحدا منكم قتل منهم أحدا، ولكن خذوهم أخذا، نعرفهم بالذي صنعوا ~~لمفارقتهم دينكم ورغبتهم عما كان يعبد آباؤهم! # حدثنا محمد قال: حدثنا ~~الواقدي قال: فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عروة، عن عائشة، ~~قالت: جعل النبي صلى الله عليه وسلم شعار المهاجرين يوم بدر: يا بني عبد ~~الرحمن! وشعار الخزرج: ~~يا بني عبد الله! وشعار الأوس: يا بني عبيد الله! # حدثنا محمد قال: حدثنا ~~الواقدي قال: فحدثني عبد الله بن محمد بن PageV01P071 ~~عمر بن علي، عن إسحاق بن سالم، عن زيد بن علي، قال: كان شعار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم بدر: يا منصور أمت! # قالوا: وكان فتية من قريش سبعة ~~قد أسلموا، فاحتبسهم آباؤهم فخرجوا معهم إلى بدروهم على الشك والارتياب: ~~قيس [ (1) ] بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس ms053 بن الفاكه بن المغيرة، والحارث ~~بن زمعة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج. فلما قدموا بدرا، ~~ورأوا قلة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: غر هولاء دينهم! يقول ~~الله عز وجل: ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم [ (2) ] . وهم مقتولون ~~الآن. يقول الله تبارك وتعالى: إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر ~~هؤلاء دينهم [ (2) ] ، ثم ذكر الذين كفروا شر الذكر فقال: إن شر الدواب عند ~~الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون* الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة وهم لا يتقون [ (3) ] إلى قوله: فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون [ (4) ~~] . يقول: يقبلون، نكل بهم من وراءهم من العرب كلها. وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم [ (5) ] . يقول: وإن قالوا قد ~~أسلمنا علانية، فاقبل منهم. ~~وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف ~~بين قلوبهم [ (6) ] . يقول: ألف بين قلوبهم على الإسلام. لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم PageV01P072 ~~إنه عزيز حكيم [ (1) ] . # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي ~~الرجال، عن عمرو بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي، قال: جعل الله ~~المؤمنين يوم بدر من القوة أن يغلب العشرون إذا كانوا صابرين مائتين، ~~ويمدهم يوم بدر بألفين من الملائكة، فلما علم أن فيهم الضعف خفف عنهم، ~~وأنزل الله عز وجل، مرجع رسوله صلى الله عليه وسلم من بدر، فيمن أصيب ببدر ~~ممن يدعي الإسلام على الشك وقتل مع المشركين يومئذ- وكانوا سبعة نفر حبسهم ~~آباؤهم مثل حديث ابن أبي حبيبة، وفيهم الوليد بن عتبة بن ربيعة- وفيمن أقام ~~بمكة لا يستطيع الخروج، فقال: الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [ (2) ] ~~إلى آخر ثلاث آيات. قال: وكتب بها المهاجرون إلى من بمكة مسلما، فقال جندب ~~بن ضمرة الجندعي [ (3) ] : لا عذر لي ولا حجة في مقامي بمكة. ~~وكان مريضا، فقال لأهله: اخرجوا بى لعلى أجد ms054 روحا. قالوا: أي وجه أحب ~~إليك؟ قال: نحو التنعيم. قال: فخرجوا به إلى التنعيم- وبين التنعيم ومكة ~~أربعة أميال من طريق المدينة- فقال: اللهم إني خرجت إليك مهاجرا! فأنزل ~~الله عز وجل فيه: ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله [ (4) ] ، إلى ~~آخر الآية. فلما رأى ذلك من كان بمكة ممن يطيق الخروج خرجوا، فطلبهم أبو ~~سفيان في رجال من المشركين فردوهم وسجنوهم، فافتتن منهم ناس، فكان الذين ~~افتتنوا حين أصابهم البلاء. فأنزل الله PageV01P073 ~~عز وجل: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله ... [ (1) ] ، إلى آخر الآية، وآيتين بعدها. فكتب بها المهاجرون ~~إلى من بمكة مسلما، فلما جاءهم الكتاب بما نزل فيهم قالوا: ~~اللهم، إن لك علينا إن أفلتنا ألا نعدل بك أحدا! فخرجوا الثانية، فطلبهم ~~أبو سفيان والمشركون، فأعجزوهم هربا في الجبال حتى قدموا المدينة. واشتد ~~البلاء على من ردوا من المسلمين، فضربوهم وآذوهم، وأكرهوهم على ترك ~~الإسلام. ورجع ابن أبي سرح فقال لقريش: ما كان يعلمه إلا ابن قمطة، عبد ~~نصراني، قد كنت أكتب له فأحول ما أردت. ~~فأنزل الله عز وجل: ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ... [ (2) ] والتي تليها، وأنزل ~~الله فيمن رد أبو سفيان وأصحابه ممن أصابه البلاء: إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ... [ (3) ] وثلاث آيات بعدها. وكان ممن شرح صدره بالكفر ابن أبي ~~سرح. ثم أنزل الله عز وجل في الذين فروا من أبي سفيان إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، الذين صبروا على العذاب بعد الفتنة: ثم إن ربك للذين هاجروا من ~~بعد ما فتنوا ... [ (4) ] إلى آخر الآية. # أخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي حية قال: حدثنا محمد بن شجاع الثلجي ~~قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: فحدثني أبو إسحاق بن محمد، عن إسحاق ~~بن عبد الله، عن عمر بن الحكم قال: نادى يومئذ نوفل بن خويلد بن العدوية: ~~يا معشر قريش، إن PageV01P074 ~~سراقة [ (1) ] قد عرفتم قومه ms055 وخذلانهم لكم في كل موطن، فاصدقوا القوم ~~الضرب فإني أعلم أن ابني ربيعة قد عجلا في مبارزتهما من بارزا. # أخبرنا الواقدي قال: حدثني عبيد بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة ابن رافع، عن ~~أبيه، قال: إن كنا لنسمع لإبليس يومئذ خوارا، ودعا بالثبور والويل، وتصور ~~في صورة سراقة بن جعشم، حتى هرب فاقتحم البحر، ورفع يديه مدا يقول: يا رب، ~~ما وعدتني! ولقد كانت قريش بعد ذلك تعير سراقة بما صنع يومئذ، فيقول: ~~والله، ما صنعت منه شيئا. # حدثنا محمد، قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني أبو إسحاق الأسلمي. عن الحسن ~~بن عبيد الله بن حنين مولى بنى العباس، عن عمارة ابن أكيمة الليثي، قال: ~~حدثني شيخ عراك- عراك: صياد من الحي- كان يومئذ على الساحل مطلا على البحر، ~~قال: سمعت صياحا: يا ويلاه! ملأ الوادي! يا حزناه [ (2) ] ! فنظرت فإذا ~~سراقة بن جعشم، فدنوت منه فقلت: مالك فداك أبي وأمي! فلم يرجع إلي شيئا، ثم ~~أراه اقتحم البحر ورفع يديه مدا يقول: يا رب، ما وعدتني! فقلت في نفسي: جن ~~وبيت الله سراقة! وذلك حين زاغت الشمس، وذاك عند [ (3) ] انهزامهم يوم بدر. # قالوا: وكان سيماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم، خضرا وصفرا ~~وحمرا من نور، والصوف في نواصي خيلهم # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال، فحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن ~~عمر، عن محمود بن لبيد، قال: قال رسول الله صلى الله PageV01P075 ~~عليه وسلم: إن الملائكة قد سومت فسوموا. فأعلموا بالصوف في مغافرهم ~~وقلانسهم. # أخبرنا الواقدي قال: وحدثني موسى بن محمد، عن أبيه، قال: ~~كان أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمون في الزحوف: ~~حمزة بن عبد المطلب معلم يوم بدر بريشة نعامة، وكان علي عليه السلام ~~معلما بصوفة بيضاء، وكان الزبير معلما بعصابة صفراء. وكان الزبير يحدث: إن ~~الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق، عليها عمائم صفر. ~~فكان على الزبير يومئذ عصابة صفراء، وكان أبو دجانة يعلم بعصابة حمراء. # حدثنا الواقدي قال: حدثنى عبد الله ms056 بن موسى بن أمية بن عبد الله ابن أبي ~~أمية، عن مصعب بن عبد الله، عن مولى لسهيل، قال: سمعت سهيل بن عمرو يقول: ~~لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، معلمين، ~~يقتلون ويأسرون. وكان أبو أسيد الساعدي يحدث بعد أن ذهب بصره قال: لو كنت ~~معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب- وهو الملص [ (1) ]- الذي خرجت منه ~~الملائكة، لا أشك فيه ولا أمتري. فكان يحدث عن رجل من بني غفار حدثه، قال: ~~أقبلت وابن عم لي يوم بدر حتى صعدنا على جبل، ونحن مشركان، ونحن على إحدى ~~عجمتي بدر- العجمة الشامية، العجمة من رمل- ننتظر الوقعة على من تكون ~~الدائرة [ (2) ] فننتهب مع من ينتهب، إذ رأيت سحابة دنت منا، فسمعت فيها ~~حمحمة الخيل وقعقعة اللجم والحديد، وسمعت قائلا يقول: PageV01P076 ~~أقدم حيزوم! فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فكدت أهلك، ~~فتماسكت وأتبعت البصر حيث تذهب السحابة، فجاءت إلى النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأصحابه، ثم رجعت وليس فيها شيء مما كنت أسمع. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدى قال: فحدثنى خارجة بن إبراهيم ابن محمد بن ~~ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه، قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~جبريل: من القائل يوم بدر من الملائكة «أقدم حيزوم» ؟ فقال جبريل: يا محمد، ~~ما كل أهل السماء أعرف. # قال: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن جدة عبيد ابن أبي عبيد، ~~عن أبي رهم الغفاري، عن ابن عم له، قال: بينما أنا وابن عم لي على ماء بدر، ~~فلما رأينا قلة من مع محمد وكثرة قريش، قلنا: إذا التقت الفئتان عمدنا إلى ~~عسكر محمد وأصحابه، فانطلقنا نحو المجنبة اليسرى من أصحاب محمد، ونحن نقول: ~~هولاء ربع قريش! فبينما نحن نمشي فى المسيرة، إذ جاءت سحابة فغشيتنا، ~~فرفعنا أبصارنا إليها فسمعنا أصوات الرجال والسلاح، وسمعنا رجلا يقول ~~لفرسه: أقدم حيزوم! وسمعناهم يقولون: رويدا، تتام أخراكم! فنزلوا على ميمنة ~~رسول الله صلى الله عليه ms057 وآله وسلم، ثم جاءت أخرى مثل تلك، وكانت مع النبى ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فنظرنا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأصحابه فإذا هم الضعف على قريش، فمات ابن عمي، وأما أنا فتماسكت وأخبرت ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم. وأسلم وحسن إسلامه. # قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما رؤي [ (1) ] الشيطان ~~يوما هو PageV01P077 ~~فيه أصغر، ولا أحقر [ (1) ] ، ولا أغيظ منه في يوم عرفة- وما ذاك إلا لما ~~رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام- إلا ما رأى يوم بدر. ~~قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة. ~~قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ: هذا جبرئيل يسوق ~~الريح كأنه دحية الكلبي، إني نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني أبو إسحاق بن أبي عبد الله، ~~عن عبد الواحد بن أبي عون، عن صالح بن إبراهيم، قال: ~~كان عبد الرحمن بن عوف يقول: رأيت يوم بدر رجلين، عن يمين النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أحدهما، وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشد القتال، ثم ثلثهما ~~ثالث من خلفه، ثم ربعهما، رابع أمامه. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني أبو إسحاق بن أبي عبد الله، ~~عن عبد الواحد بن أبي عون، عن زياد، مولى سعد، عن سعد، قال: رأيت رجلين يوم ~~بدر يقاتلان عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، أحدهما عن يساره، والآخر عن ~~يمينه، وإني لأراه ينظر إلى ذا مرة وإلى ذا مرة، سرورا بما ظفره [ (2) ] ~~الله تعالى. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال، حدثني إسحاق بن يحيى، عن حمزة بن ~~صهيب، عن أبيه، قال: ما أدري كم يد مقطوعة وضربة جائفة [ (3) ] لم يدم ~~كلمها يوم بدر قد رأيتها. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال، فحدثني محمد بن يحيى، عن أبي عفير، ~~عن رافع بن خديج، عن أبى بردة بن نيار، قال: جئت PageV01P078 ~~يوم بدر بثلاثة رءوس، فوضعتها بين يدي رسول الله ms058 صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقلت: يا رسول الله، أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلا ~~أبيض طويلا ضربه فتدهدى [ (1) ] أمامه، فأخذت رأسه. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ذاك فلان من الملائكة. ~~وكان ابن عباس يقول: ~~لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. # فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان ~~الملك يتصور في صورة من يعرفون من الناس يثبتونهم، فيقول: إني قد دنوت منهم ~~فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشيء. وذلك قول الله تبارك ~~وتعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ... [ (2) ] ~~، إلى آخر الآية. # فحدثني موسى بن محمد، عن أبيه، قال: كان السائب بن أبي حبيش الأسدي يحدث ~~في زمن عمر بن الخطاب يقول: والله، ما أسرني أحد من الناس. فيقال: فمن؟ ~~فيقول: لما انهزمت قريش انهزمت معها، فيدركني رجل أبيض طويل على فرس أبلق ~~بين السماء والأرض، فأوثقني رباطا، وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا، ~~وكان عبد الرحمن ينادي في المعسكر: من أسر هذا؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني، ~~حتى انتهى بي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: يا ابن أبي حبيش، من أسرك؟ فقلت: لا أعرف. وكرهت ~~أن أخبره بالذي رأيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أسره ملك من ~~الملائكة كريم، اذهب يا ابن عوف بأسيرك! ~~فذهب بي عبد الرحمن. PageV01P079 ~~فقال السائب: فما زالت تلك الكلمة أحفظها، وتأخر إسلامي حتى كان ما كان ~~من إسلامي. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني عائذ بن يحيى، عن أبي ~~الحويرث، عن عمارة بن أكيمة الليثي، عن حكيم بن حزام، قال: ~~لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بوادي خلص بجاد [ (1) ] من المساء قد سد ~~الأفق- ووادي خلص ناحية الرويثة- فإذا الوادي يسيل نملا، فوقع في نفسي أن ~~هذا شيء من السماء أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة، وهي الملائكة. ms059 # قالوا: ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل أبي البختري، وكان ~~قد لبس السلاح يوما بمكة في بعض ما كان بلغ من النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من الأذى، فقال: لا يعترض اليوم أحد لمحمد بأذى إلا وضعت فيه السلاح. ~~فشكر ذلك له النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال أبو داود المازني: ~~فلحقته فقلت: إن رسول الله قد نهى عن قتلك إن أعطيت بيدك. قال: ~~وما تريد إلي؟ إن كان نهى عن قتلي قد كنت أبليته ذلك، فأما أن أعطى بيدي، ~~فو اللات والعزى لقد علم نسوة بمكة أني لا أعطي بيدي، وقد عرفت أنك لا ~~تدعني، فافعل الذي تريد. ورماه أبو داود بسهم، وقال: اللهم سهمك، وأبو ~~البختري عبدك، فضعه فى مقتل! وأبو البخترى دارع، فقتق السهم الدرع فقتله. ~~ويقال إن المجذر بن ذياد [ (2) ] قتل أبا البختري ولا يعرفه. وقال المجذر ~~في ذلك شعرا [ (3) ] عرف أنه قتله. ونهى النبى صلى PageV01P080 ~~الله عليه وسلم عن قتل الحارث بن عامر بن نوفل، وقال: ائسروه ولا تقتلوه! ~~وكان كارها للخروج إلى بدر، فلقيه خبيب بن يساف فقتله ولا يعرفه، فبلغ ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لو وجدته قبل أن تقتله لتركته لنسائه. ~~ونهى عن قتل زمعة بن الأسود، فقتله ثابت بن الجذع [ (1) ] ولا يعرفه. # قالوا: ولما لحم القتال، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رافع يديه ~~يسأل الله تعالى النصر وما وعده. يقول: اللهم إن ظهر على هذه العصابة ظهر ~~الشرك، ولا يقوم لك دين! وأبو بكر رضي الله عنه يقول: والله، لينصرنك الله ~~وليبيضن وجهك. فأنزل الله عز وجل ألفا من الملائكة مردفين عند أكناف العدو. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا بكر أبشر، هذا جبريل معتجر ~~بعمامة صفراء، آخذ بعنان فرسه، بين السماء والأرض. فلما نزل إلى الأرض تغيب ~~عني ساعة ثم طلع، على ثناياه النقع، يقول: أتاك نصر الله إذ دعوته. # قالوا: وأمر رسول الله صلى الله ms060 عليه وآله وسلم، فأخذ من الحصباء كفا ~~فرماهم بها، وقال: شاهت الوجوه! اللهم، أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم! فانهزم ~~أعداء الله لا يلوون على شيء، والمسلمون يقتلون ويأسرون، وما بقي منهم أحد ~~إلا امتلأ وجهه وعيناه، ما يدري أين يتوجه من عينيه، والملائكة يقتلونهم ~~والمؤمنون. # وقال عدي بن أبي الزغباء يوم بدر: # أنا عدي والسحل %~% أمشي بها مشي الفحل # يعني درعه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من عدى؟ فقال رجل ~~PageV01P081 ~~من القوم: أنا يا رسول الله عدي. قال: وماذا؟ قال: ابن فلان. قال: ~~لست أنت عديا! فقال عدي بن أبي الزغباء: أنا يا رسول الله عدي. قال: ~~وماذا؟ قال: والسحل أمشي بها مشي الفحل. قال النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم: وما السحل؟ قال: الدرع. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~نعم العدي، عدي بن أبي الزغباء! وكان عقبة بن أبي معيط بمكة، والنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مهاجر بالمدينة، فكان يقول [ (1) ] : # يا راكب الناقة القصواء هاجرنا %~% عما قليل تراني راكب الفرس # أعل رمحي فيكم ثم أنهله %~% والسيف يأخذ منكم كل ملتبس # أنشدنيها ابن أبي الزناد. فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم وبلغه ~~قوله: ~~اللهم أكبه لمنخره واصرعه! ~~قال: فجمح به فرسه يوم بدر، فأخذه عبد الله بن سلمة العجلاني، فأمر به ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح [ (2) ] ، فضرب ~~عنقه صبرا. # وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: إني لأجمع أدراعا لي يوم بدر بعد أن ولى ~~الناس، فإذا أمية بن خلف وكان لي صديقا في الجاهلية، وكان اسمي عبد عمرو ~~فلما جاء الإسلام سميت عبد الرحمن، فكان يلقاني فيقول: يا عبد عمرو، فلا ~~أجيبه. فيقول: إني لا أقول لك عبد الرحمن، إن مسيلمة باليمامة يتسمى ~~بالرحمن فأنا لا أدعوك إليه. فكان يدعوني عبد الإله، فلما كان يوم بدر ~~رأيته على [ (3) ] جمل أورق، ومعه ابنه علي، PageV01P082 ~~فناداني: يا عبد عمرو. فأبيت أن أجيبه، فنادى: يا عبد الإله. فأجبته، ~~فقال: أما ms061 لكم حاجة في اللبن [ (1) ] ؟ نحن خير لك من أدراعك هذه. فقلت: ~~امضيا! فجعلت أسوقهما أمامي. وقد رأى أمية أنه قد أمن بعض الأمن، فقال لي ~~أمية: رأيت رجلا فيكم اليوم معلما، في صدره ريشة نعامة، من هو؟ قلت: حمزة ~~بن عبد المطلب. فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. ~~ثم قال: فمن رجل دحداح قصير، معلم بعصابة حمراء؟ قال، قلت: ~~ذاك رجل من الأنصار يقال له سماك بن خرشة [ (2) ] . فقال: وبذاك أيضا يا ~~عبد الإله صرنا اليوم جزرا لكم! قال: فبينا هو معنى أزجيه أمامي، ومعه ~~ابنه، إذ بصر به بلال وهو يعجن عجينا له، [فترك العجين] [ (3) ] وجعل يفتل ~~يديه من العجين فتلا ذريعا، وهو ينادي: يا معشر الأنصار، أمية بن خلف رأس ~~الكفر، لا نجوت إن نجا! قال عبد الرحمن: فأقبلوا كأنهم عوذ [ (4) ] حنت إلى ~~أولادها، حتى طرح أمية على ظهره، واضطجعت عليه، وأقبل الحباب بن المنذر ~~فأدخل سيفه فاقتطع أرنبة أنفه، فلما فقد أمية أنفه قال: إيه عنك! أي خل ~~بيني وبينهم. قال عبد الرحمن: ~~فذكرت قول حسان* أو عن ذلك الأنف جادع* وأقبل إليه خبيب بن يساف فضربه ~~حتى قتله، وقد ضرب أمية خبيب بن يساف حتى قطع يده من المنكب، فأعادها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم [ (5) ] فالتحمت واستوت، فتزوج خبيب بعد ذلك ابنة ~~أمية بن خلف، فرأت تلك الضربة فقالت: PageV01P083 ~~لا يشل الله يد رجل [فعل] [ (1) ] هذا! فقال خبيب: وأنا والله قد أوردته ~~شعوب. # فكان خبيب يحدث قال: فأضربه فوق العاتق، فأقطع عاتقه حتى بلغت مؤتزره ~~وعليه الدرع. وأنا أقول: خذها وأنا ابن يساف! وأخذت سلاحه، ودرعه مقطوعة. ~~وأقبل علي بن أمية، فيعترض له الحباب فقطع رجله، فصاح صيحة ما سمع مثلها قط ~~جزعا، ولقيه عمار فضربه ضربة فقتله. ويقال إن عمارا لاقاه قبل الضربة [ (2) ~~] ، فاختلفا ضربات فقتله. ~~والأول أثبت أنه ضربه بعد ما قطعت رجله، وقد سمعنا في قتل أمية غير ذلك. # حدثنا الواقدي قال: حدثني عبيد بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، ms062 عن ~~أبيه، قال: لما كان يوم بدر وأحدقنا بأمية بن خلف، وكان له فيهم شأن، ومعي ~~رمحي ومعه رمحه، فتطاعنا حتى سقطت رماحنا [ (3) ] ثم صرنا إلى السيفين ~~فتضاربنا بهما حتى انثلما، ثم بصرت بفتق في درعه تحت إبطه، فخششت [ (4) ] ~~السيف فيه حتى قتلته، وخرج السيف وعليه والودك. وقد سمعنا وجها آخر. # حدثني محمد بن قدامة بن موسى، عن أبيه، عن عائشة بنت قدامة، قالت: قال ~~صفوان بن أمية بن خلف لقدامة بن مظعون: يا قدامة، أنت المشلي بأبي يوم بدر ~~الناس! فقال قدامة: لا والله، ما فعلت، ولو فعلت ما اعتذرت من قتل مشرك. ~~قال صفوان: فمن يا قدام المشلى به يوم PageV01P084 ~~بدر الناس؟ قال: رأيت فتية من الأنصار أقبلوا إليه، فيهم معمر بن حبيب بن ~~عبيد بن الحارث، يرفع سيفه ويضعه [فيه] . فيقول صفوان: ~~أبو قرد! وكان معمر رجلا دميما، فسمع بذلك الحارث بن حاطب فغضب له، فدخل ~~على أم صفوان، وهي كريمة بنت معمر بن حبيب، فقال: ~~ما يدعنا صفوان من الأذى فى الجاهلية وو الإسلام! فقالت: وما ذاك؟ ~~فأخبرها بمقالة صفوان لمعمر حين قال «أبو قرد» . فقالت أم صفوان: ~~يا صفوان، تنتقص معمر بن حبيب من أهل بدر؟ والله، لا أقبل لك كرامة سنة. ~~قال صفوان: يا أمه، والله لا أعود أبدا، تكلمت بكلمة لم ألق بها بالا. # حدثنا محمد قال: حدثني الواقدي قال: فحدثني محمد بن قدامة، عن أبيه، عن ~~عائشة بنت قدامة، قالت: قيل لأم صفوان بن أمية، ونظرت إلى الحباب بن المنذر ~~بمكة: هذا الذي قطع رج علي بن أمية، يوم بدر. قالت: دعونا من ذكر من قتل ~~على الشرك! قد أهان الله عليا بضربة الحباب بن المنذر، وأكرم الله الحباب ~~بضربه عليا، قد كان على الإسلام حين خرج من ها هنا، فقتل على غير ذلك. # قالوا: وقال الزبير بن العوام: لما كان يومئذ لقيت عبيدة بن سعيد ابن ~~العاص على فرس، عليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول- وقد كانت ~~له ms063 صبية صغيرة يحملها، وكان لها بطين وكانت مسقمة- أما أبو ذات الكرش! أنا ~~أبو ذات الكرش! قال: وفي يدي عنزة [1] PageV01P085 # فأطعن بها في عينه ووقع، وأطأ برجلي على خده حتى أخرجت العنزة من حدقته [ ~~(1) ] وأخرجت حدقته. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العنزة، فكانت ~~تحمل بين يديه، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، رضوان الله عليهم. # ولما جال المسلمون واختلطوا، أقبل عاصم بن أبي عوف بن صبيرة السهمي كأنه ~~ذئب يقول: يا معشر قريش، عليكم بالقاطع، مفرق الجماعة، الآتي بما لا يعرف. ~~محمد! لا نجوت إن نجا! ويعترضه أبو دجانة، فاختلفا ضربتين وضربه أبو دجانة ~~فقتاه. ووقف على سلبه يسلبه، فمر عمر بن الخطاب وهو على تلك الحال، فقال: ~~دع سلبه حتى يجهض [ (2) ] العدو، وأنا أشهد لك به. ويقبل معبد بن وهب، فضرب ~~أبا دجانة ضربة، برك أبو دجانة كما يبرك الجمل، ثم انتهض، وأقبل عليه أبو ~~دجانة فضربه ضربات لم يصنع سيفه شيئا، حتى يقع معبد بحفرة أمامه لا يراها، ~~وبرك عليه أبو دجانة، فذبحه ذبحا، وأخذ سلبه. # قالوا: ولما كان يومئذ، ورأت بنو مخزوم مقتل من قتل، قالوا: ~~أبو الحكم، لا يخلص إليه، فإن ابني ربيعة قد عجلا وبطرا، ولم تحام عليهما ~~عشيرتهما. فاجتمعت بنو مخزوم فأحدقوا به، فجعلوه في مثل الحرجة [ (3) ] . ~~وأجمعوا أن يلبسوا لأمة أبي جهل رجلا منهم، فألبسوها عبد الله ابن المنذر ~~بن أبي رفاعة، فصمد له علي عليه السلام فقتله وهو يراه أبا جهل، ومضى عنه ~~وهو يقول: خذها وأنا من بني عبد المطلب! ثم ألبسوها أبا قيس بن الفاكه بن ~~المغيرة: فصمد له حمزة وهو يراه أبا جهل فضربه PageV01P086 ~~فقتله، وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب! ثم ألبسوها حرملة بن عمرو، ~~فصمد له علي عليه السلام فقتله، وأبو جهل في أصحابه. ثم أرادوا أن يلبسوها ~~خالد بن الأعلم، فأبى أن يلبسها يومئذ. فقال معاذ بن عمرو ابن الجموح: نظرت ~~إلى أبي جهل في مثل الحرجة، وهم يقولون: ~~أبو الحكم، لا يخلص إليه! فعرفت ms064 أنه هو، فقلت: والله لأموتن دونه اليوم ~~أو لا أخلصن إليه! فعرفت أنه هو، فقلت: والله لأموتن دونه عليه. فضربته ~~ضربة وطرحت رجله من الساق، فشبهتها بالنواة تنزو من تحت المراضخ [ (1) ] . ~~ثم أقبل ابنه عكرمة علي، فضربني على عاتقي، وطرح يدي من العاتق، إلا أنه قد ~~بقيت جلدة، فإني أسحب يدي بجلدة من خلفي، فلما آذتني وضعت عليها رجلي، ~~فتمطيت عليها حتى قطعتها. ~~ثم لاقيت عكرمة وهو يلوذ كل ملاذ، فلو كانت يدي معي لرجوت يومئذ أن ~~أصيبه. ومات معاذ في زمن عثمان. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني أبو مروان، عن إسحاق بن عبد ~~الله، عن عامر بن عثمان، عن جابر بن عبد الله، قال: ~~أخبرني عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفل معاذ بن ~~عمرو بن الجموح سيف أبي جهل- وهو عند آل معاذ بن عمرو اليوم، به فل- بعد أن ~~أرسل النبى صلى الله عليه وآله وسلم إلى عكرمة بن أبي جهل فسأله: من قتل ~~أباك؟ قال: الذي قطعت يده. فدفعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~معاذ بن عمرو، وكان عكرمة قد قطع يده يوم بدر. # حدثني ثابت بن قيس، عن نافع بن جبير بن مطعم أنه سمعه يقول: ~~ما كان بنو المغيرة يشكون أن سيف أبى الحكم صار إلى معاذ بن عمرو بن ~~PageV01P087 ~~الجموح، وهو الذي قتله يوم بدر. # حدثنا محمد بن شجاع قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني أبو إسحاق، عن يونس ~~بن يوسف، قال: حدثني من حدثه معاذ بن عمرو أنه قضى له النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بسلب أبي جهل. قال: فأخذت درعه وسيفه، فبعت سيفه بعد. وقد سمعت ~~في قتله غير هذا وأخذ سلبه. # حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن عبد الرحمن بن ~~عوف، قال: عبأنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بليل فصفنا، فأصبحنا ~~ونحن على صفوفنا، فإذا بغلامين ليس منهما واحد إلا وقد ربطت حمائل [ (1) ] ~~سيفه ms065 في عنقه، فالتفت إلي أحدهما فقال: ~~يا عم، أيهم أبو جهل؟ قال، قلت: وما تصنع به يا ابن أخي؟ قال: ~~بلغني أنه يسب رسول الله، فحلفت لئن رأيته لأقتلنه أو لأموتن دونه. ~~فأشرت له إليه، والتفت إلي الآخر فقال لي مثل ذلك، فأشرت له إليه فقلت: ~~من أنتما؟ قالا: ابنا الحارث. قال: فجعلا لا يطرفان عن أبي جهل حتى إذا كان ~~القتال خلصا إليه فقتلاه وقتلهما. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني محمد بن عوف من ولد معوذ بن ~~عفراء، عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت، قال: ~~لما كان يومئذ قال عبد الرحمن، ونظر إليهما عن يمينه وعن شماله: ليته كان ~~إلى جنبي من هو آيد [ (2) ] من هذين الفتيين. فلم أنشب أن التفت إلي عوف، ~~فقال: أيهم أبو جهل؟ فقلت: ذاك حيث ترى. فخرج بعدو إليه كأنه سبع، ولحقه ~~أخوه، فأنا أنظر إليهما يضطربان بالسيوف، PageV01P088 ~~ثم نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بهما في القتلى وهما ~~إلى جنبه [ (1) ] . # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: أخبرنا محمد بن رفاعة بن ثعلبة بن ~~أبي مالك قال: سمعت أبي ينكر ما يقول الناس في ابني عفراء من صغرهم، ويقول: ~~كانا يوم بدر أصغرهما ابن خمس وثلاثين سنة، فهذا يربط حمائل سيفه؟ والقول ~~الأول أثبت. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني عبد الحميد بن جعفر، وعبد ~~الله بن أبى عبيده، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن ربيع بنت ~~معوذ، قالت: دخلت في نسوة من الأنصار على أسماء بنت مخربة [ (2) ] أم أبي ~~جهل في زمن عمر بن الخطاب، وكان ابنها عبد الله بن أبي ربيعة يبعث إليها ~~بعطر من اليمن، وكانت تبيعة إلى لأعطية، فكنا نشتري منها، فلما جعلت لي في ~~قواريري، ووزنت لي كما وزنت لصواحبي، قالت: اكتبن لي عليكن حقي. فقلت: نعم، ~~أكتب لها على الربيع بنت معوذ. فقالت أسماء: حلقى، وإنك لابنة قاتل سيده؟ ~~قالت، قلت: لا، ولكن ابنة قاتل ms066 عبده. قالت: والله، لا أبيعك شيئا أبدا. ~~فقلت: وأنا، والله، لا أشترى منك شيئا أبدا! فو الله، ما هو بطيب ولا عرف [ ~~(3) ] ! والله يا بني ما شممت عطرا قط كان أطيب منه، ولكن يا بني، غضبت! # قالوا: ولما وضعت الحرب أوزارها أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يلتمس أبو جهل. قال ابن مسعود: فوجدته في آخر رمق، فوضعت رجلي PageV01P089 ~~على عتقه فقلت: الحمد لله الذي أخزاك! قال: إنما أخرى الله عبد ابن أم ~~عبد! لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، لمن الدائرة [ (1) ] ؟ قلت: ~~لله ولرسوله. قال ابن مسعود: فأقتلع بيضته عن قفاه، فقلت: إني قاتلك يا ~~أبا جهل! قال: لست بأول عبد قتل سيده! أما إن أشد ما لقيته اليوم في نفسي ~~لقتلك إياي، ألا يكون ولي قتلي رجل من الأحلاف أو من المطيبين! ~~فضربه عبد الله ضربة، ووقع رأسه بين يديه، ثم سلبه، فلما نظر إلى جسده، ~~نظر إلى حصره [ (2) ] كأنها السياط. وأقبل بسلاحه، ودرعه، وبيضته، فوضعها ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~أبشر، يا نبي الله بقتل عدو الله أبي جهل! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أحقا، يا عبد الله؟ فو الذي نفسي بيده، لهو أحب إلي من حمر ~~النعم- أو كما قال. قال: وذكرت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما به من ~~الآثار، فقال: ذلك ضرب الملائكة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~قد أصابه جحش [ (3) ] من دفع دفعته في مأدبة ابن جدعان، فجحشت ركبته. ~~فالتمسوه فوجدوا ذلك الأثر. ويقال إن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي كان ~~عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك الساعة، فوجد في نفسه وأقبل على ابن ~~مسعود فقال: أنت قتلته؟ قال: نعم، الله قتله. قال أبو سلمة: أنت وليت قتله؟ ~~قال: نعم. قال: لو شاء لجعلك فى كمه. ~~فقال ابن مسعود: فقد والله قتلته وجردته. قال أبو سلمة: فما علامته؟ ~~قال: شامة سوداء ببطن فخذه اليمنى. فعرف ms067 أبو سلمة النعت، وقال: ~~PageV01P090 ~~جردته! ولم يجرد قرشي غيره! قال ابن مسعود: والله، إنه لم يكن في قريش ~~ولا في حلفائها أحد أعدى لله ولا لرسوله منه، وما أعتذر من شيء صنعته به. ~~فأسكت أبو سلمة، فسمع أبو سلمة بعد ذلك يستغفر من كلامه في أبي جهل. # وفرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتل أبي جهل، وقال: اللهم، قد ~~أنجزت ما وعدتني، فتمم علي نعمتك! ~~وقال: فال ابن مسعود يقولون: ~~سيف أبي جهل عندنا، محلى بفضة، غنمه عبد الله بن مسعود يومئذ. ~~فاجتمع قول أصحابنا أن معاذ بن عمرو وابني عفراء أثبتوه، وضرب ابن مسعود ~~عنقه في آخر رمق، فكل قد شرك في قتله. # قالوا: ووقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مصرع ابني عفراء ~~فقال: يرحم الله ابني عفراء، فإنهما قد شركا في قتل فرعون هذه الأمة ورأس ~~أئمة الكفر! فقيل: يا رسول الله، ومن قتله معهما؟ قال: الملائكة، وذافه [ ~~(1) ] ابن مسعود، فكل قد شرك في قتله. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني معمر، عن الزهري، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم، اكفني نوفل بن خويلد! ~~وأقبل نوفل يومئذ وهو مرعوب، قد رأى قتل أصحابه، وكان في أول ما التقوا ~~هم والمسلمون، يصيح بصوت له زجل، رافعا صوته: يا معشر قريش، إن هذا اليوم ~~يوم العلاء والرفعة! فلما رأى قريشا قد انكسرت [ (2) ] جعل يصيح بالأنصار: ~~ما حاجتكم إلى دمائنا؟ أما ترون ما تقتلون؟ أما لكم في اللبن ما حاجة؟ ~~فأسره جبار بن [ (3) ] صخر فهو يسوقه أمامه، فجعل PageV01P091 ~~نوفل يقول لجبار- ورأى عليا مقبلا نحوه- قال: يا أخا الأنصار، من هذا؟ ~~واللات والعزى، إني لأرى رجلا، إنه ليريدني! قال: هذا علي بن أبي طالب. ~~قال: ما رأيت كاليوم رجلا أسرع في قومه [منه. ~~فيصمد له علي عليه السلام] [ (1) ] فيضربه، فنشب سيف علي في حجفته ساعة، ~~ثم نزعه فيضرب ساقيه، ودرعه مشمرة، فقطعهما، ثم أجهز عليه فقتله. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ms068 وسلم: من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي: ~~أنا قتلته. قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: الحمد لله ~~الذي أجاب دعوتي فيه! # وأقبل العاص بن سعيد يحث [ (2) ] للقتال، فالنقى هو وعلي، فقتله علي فكان ~~عمر بن الخطاب يقول لابنه سعيد [بن العاص] [ (3) ] : إني لأراك معرضا، تظن ~~أني قتلت أباك؟ [في أصل ابن أبي حية، والله ما قتلت أباك] [ (4) ] ولا ~~أعتذر من قتل مشرك، ولقد قتلت خالي بيدي، العاص بن هشام بن المغيرة. فقال ~~سعيد: لو قتلته لكان على الباطل وأنت على الحق. قال: قريش أعظم الناس ~~أحلاما، وأعظمها أمانة، لا يبغيهم أحد الغوائل إلا كبه الله لفيه [ (5) ] . # وكان علي عليه السلام يقول: إني يومئذ بعد ما ارتفع [ (6) ] النهار، ونحن ~~والمشركون قد اختلطت صفوفنا وصفوفهم، خرجت في إثر رجل منهم، فإذا رجل من ~~المشركين على كثيب رمل وسعد بن خيثمة، وهما PageV01P092 ~~يقتتلان حتى قتل المشرك سعد بن خيثمة. والمشرك مقنع في الحديد، وكان ~~فارسا، فاقتحم عن فرسه، فعرفني وهو معلم ولا أعرفه، فناداني: ~~هلم ابن أبي طالب للبراز! قال: فعطفت عليه فانحط. إلي مقبلا، وكنت رجلا ~~قصيرا، فانحططت راجعا لكي ينزل إلي، فكرهت أن يعلوني بالسيف. ~~فقال: يا ابن أبي طالب، فررت؟ فقلت: قريبا مفر [ (1) ] ، ابن الشتراء! ~~قال: فلما استقرت قدماي وثبت أقبل، فلما دنا مني ضربني، فاتقيت بالدرقة ~~فوقع سيفه فلحج- يعني لزم- فأضربه على عاتقه وهو دارع، فارتعش، ولقد فض [ ~~(2) ] سيفي درعه، فظننت أن سيفي سيقتله، فإذا بريق سيف من ورائي، فطأطأت ~~رأسي ويقع السيف فأطن [ (3) ] قحف رأسه بالبيضة، وهو يقول: خذها وأنا ابن ~~عبد المطلب! فالتفت من ورائي فإذا حمزة بن عبد المطلب [ (4) ] . # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني عمر بن عثمان الجحشي عن أبيه، ~~عن عمته، قالت: قال عكاشة بن محصن: انقطع سيفي في يوم بدر، فأعطانى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عودا، فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى ~~هزم الله المشركين- فلم يزل عنده حتى هلك. # حدثنا محمد قال: ms069 أخبرنا الواقدي قال، حدثني أسامة بن زيد: ~~عن داود بن الحصين، عن رجال من بنى عبد الأشهل عدة، قالوا: انكسر سيف ~~سلمة بن أسلم بن حريش يوم بدر، فبقي أعزل لا سلاح معه، PageV01P093 ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضيبا كان في يده من عراجين [ ~~(1) ] ابن طاب، فقال: اضرب به! فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم ~~جسر أبي عبيد. وقال: بينا حارثة بن سراقة كارع في الحوض، إذ أتاه سهم غرب [ ~~(2) ] فوقع في نحره، فلقد شرب القوم آخر النهار من دمه. ~~فبلغ أمه وأخته وهما بالمدينة مقتله، فقالت أمه: والله، لا أبكي عليه حتى ~~يقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسأله، فإن كان ابني في الجنة لم ~~أبك عليه، وإن كان ابني في النار بكيته لعمر الله فأعولته! فلما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من بدر جاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالت: ~~يا رسول الله، قد عرفت موقع حارثة من قلبي، فأردت أن أبكي عليه فقلت: ~~لا أفعل حتى أسأل رسول الله، فإن كان في الجنة لم أبك عليه، وإن كان في ~~النار بكيته فأعولته. فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: هبلت، أجنة ~~واحدة؟ إنها جنان كثيرة، والذي نفسي بيده إنه لفي الفردوس الأعلى ~~قالت: فلا أبكي عليه أبدا! ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإناء ~~من ماء فغمس يده فيه ومضمض فاه، ثم ناول أم حارثة فشربت، ثم ناولت ابنتها ~~فشربت، ثم أمرهما فنضحتا في جيوبهما، ففعلتا فرجعتا من عند النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وما بالمدينة امرأتان أقر أعينا منهما ولا أسر. # قالوا: وكان هبيرة بن أبي وهب لما رأى الهزيمة انحزل [ (3) ] ظهره فعقر [ ~~(4) ] PageV01P094 ~~فلم يستطع أن يقوم، فأتاه أبو أسامة الجشمي حليفه، ففتق درعه عنه ~~واحتمله. ويقال ضربه أبو داود المازني بالسيف فقط. درعه، ووقع لوجهه وأخلد ~~إلى الأرض وجاوزه أبو داود، وبصر به ابنا زهير الجشميان، ms070 أبو أسامة ومالك ~~وهما حليفاه، فذبا عنه حتى نجوا به، واحتمله أبو أسامة فنجا به، وجعل مالك ~~يذب عنه. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~حماه كلباه! الحليف مثل أبي أسامة كأنه رقل! ~~- الرقل النخلة الطويلة ويقال إن الذي ضربه مجذر بن ذياد. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني موسى بن يعقوب، عن عمه، قال: ~~سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة قال: سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن ~~حزام عن يوم بدر، فجعل الشيخ يكره ذلك حتى ألح عليه. فقال حكيم: التقينا ~~فاقتتلنا، فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل وقع الحصاة في الطست، ~~وقبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم القبضة فرمى بها فانهزمنا. # حدثنا محمد قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني أبو إسحاق بن محمد، عن عبد ~~الرحمن بن محمد بن عبد، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، قال: سمعت نوفل بن ~~معاوية الديلي يقول: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع كوقع الحصا في الطساس بين ~~أيدينا ومن خلفنا، فكان ذلك أشد الرعب علينا. # وكان حكيم بن حزام يقول: انهزمنا يوم بدر فجعلت أسعى وأقول: # قاتل الله ابن الحنظلية! يزعم أن النهار قد ذهب، والله إن النهار لكما ~~هو! قال حكيم: وما ذاك بي إلا حبا أن يأتي الليل فيقصر عنا طلب القوم. ~~فيدرك حكيما عبيد الله وعبد الرحمن ابنا العوام على جمل لهما، فقال PageV01P095 ~~عبد الرحمن لأخيه: انزل فاحمل أبا خالد. وكان عبيد الله رجلا أعرج لا ~~رجلة به، فقال عبيد الله: إنه لا رجلة بي كما ترى. قال عبد الرحمن: ~~والله إن منه بد [ (1) ] ، ألا نحمل رجلا إن متنا كفانا ما خلفنا من ~~عيالنا، وإن عشنا حمل [ (2) ] كلنا! فنزل عبد الرحمن وأخوه وهو أعرج، ~~فحملاه، فكانوا يتعاقبون الجمل، فلما دنا من مكة فكان بمر الظهران، قال: ~~والله، لقد رأيت ها هنا أمرا ما كان يخرج على مثله أحد له رأي، ولكنه شؤم ~~ابن الحنظلية! إن جزورا نحرت ها هنا فلم ms071 يبق خباء إلا أصابه من دمها. ~~فقالا: قد رأينا ذلك، ولكن رأيناك وقومنا مضيتم فمضينا معكم، فلم يكن لنا ~~أمر معكم. # بسم الله الرحمن الرحيم، قرئ على أبي القاسم بن أبي حية، قال: ~~حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع قال: حدثني محمد بن عمر الواقدي قال: ~~فحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن مخلد بن خفاف، عن أبيه، قال: كانت الدروع ~~في قريش كثيرة، فلما انهزموا جعلوا يلقونها، وجعل المسلمون يتبعونهم ~~ويلقطون ما طرحوا، ولقد رأيتني يومئذ ألتقط ثلاثة أدرع جئت بها أهلي، كانت ~~عندنا بعد، فزعم لي رجل من قريش- ورأى درعا منها عندنا فعرفها- فقال: هذه ~~درع الحارث بن هشام. # قال الواقدي: فحدثني محمد بن أبي حميد، عن عبد الله بن عمرو ابن أمية، ~~قال: سمعت أبي عمرو بن أمية قال: أخبرني من انكشف يومئذ منهزما، وإنه ليقول ~~في نفسه: ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء! PageV01P096 # قالوا: وكان قباث [ (1) ] بن أشيم الكناني يقول: شهدت مع المشركين بدرا، ~~وإني لأنظر إلى قلة أصحاب محمد في عيني وكثرة ما معنا من الخيل والرجال [ ~~(2) ] ، فانهزمت فيمن انهزم، فلقد رأيتني وإني لأنظر إلى المشركين في كل ~~وجه، وإني لأقول في نفسي: ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء! ~~وصاحبني رجل، فبينا هو يسير معي إذ لحقنا من خلفنا، فقلت لصاحبي: أبك نهوض؟ ~~قال: لا والله، ما هو بي. قال: وعقر، وترفعت، [ (3) ] فلقد صبحت غيقة [ (4) ~~]- عن يسار السقيا بينها وبين الفرع ليلة، والمدينة ثمانية برد- قبل الشمس، ~~كنت هاديا بالطريق ولم أسلك المحاج، وخفت من الطلب فتنكبت عنها، فلقيني رجل ~~من قومي بغيقة فقال: ما وراءك؟ قلت: لا شيء! قتلنا وأسرنا وانهزمنا، فهل ~~عندك من حملان؟ ~~فقال: فحملني على بعير، وزودني زادا حتى لقيت الطريق بالجحفة، ثم مضيت ~~حتى دخلت مكة، وإني لأنظر إلى الحيسمان بن حابس الخزاعي بالغميم [ (5) ] ، ~~فعرفت أنه يقدم ينعى قريشا بمكة، فلو أردت أن أسبقه لسبقته، فتنكبت عنه حتى ~~سبقني ببعض النهار، فقدمت وقد انتهى إلى مكة ms072 خبر قتلاهم. وهم يلعنون ~~الخزاعي ويقولون: ما جاءنا بخير! فمكثت بمكة، ~~فلما كان بعد الخندق قلت: لو قدمت المدينة فنظرت ما يقول محمد! وقد وقع ~~في قلبي الإسلام. فقدمت المدينة فسألت عن رسول الله PageV01P097 ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: هو ذاك في ظل المسجد مع ملإ من أصحابه. ~~فأتيته، وأنا لا أعرفه من بينهم، فسلمت فقال: يا قباث بن أشيم، أنت ~~القائل يوم بدر «ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء» ؟ قلت: ~~أشهد أنك رسول الله، وأن هذا الأمر ما خرج مني إلى أحد قط، وما ترمرمت [ ~~(1) ] به إلا شيئا حدثت به نفسي، فلولا أنك نبي ما أطلعك الله عليه، هلم ~~حتى أبايعك. فعرض علي الإسلام فأسلمت. # قالوا: فلما تصاف المسلمون والمشركون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا. ~~فلما انهزموا كان الناس ثلاث فرق، فرقة قامت عند خيمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم- وأبو بكر رضي الله عنه معه في الخيمة- وفرقة أغارت على النهب، ~~وفرقة طلبت العدو فأسروا وغنموا. فتكلم سعد بن معاذ، وكان ممن أقام على ~~خيمة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما منعنا أن نطلب ~~العدو زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو ولكنا خفنا أن يعرى موضعك فتميل ~~عليك خيل من خيل المشركين ورجال من رجالهم، وقد أقام عند خيمتك وجوه الناس ~~من المهاجرين والأنصار، ولم يشذ أحد منهم، والناس يا رسول الله كثير، ومتى ~~تعط هؤلاء لا يبق لأصحابك شيء، والأسرى والقتلى كثير والغنيمة قليلة. ~~فاختلفوا، فأنزل الله عز وجل: يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول [ ~~(2) ] ، فرجع الناس وليس لهم من الغنيمة شيء. ثم أنزل الله عز وجل: واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول [ (3) ] ، فقسمه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بينهم. PageV01P098 # فحدثني يعقوب بن مجاهد أبو حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه، ~~عن جده، عبادة بن الصامت، قال: سلمنا الأنفال ms073 لله ولرسوله، ولم يخمس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بدرا، ونزلت بعد: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه. فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين الخمس فيما كان ~~من أول غنيمة بعد بدر. فحدثني عبد المهيمن بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن أبي ~~أسيد الساعدي، مثله. # وحدثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن ~~عكرمة، قال: اختلف الناس في الغنائم يوم بدر، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالغنائم أن ترد في المقسم، فلم يبق منها شيء إلا رد. فظن أهل الشجاعة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصهم بها دون غيرهم من أهل الضعف. ~~ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقسم بينهم على سواء، فقال سعد: ~~يا رسول الله، أيعطى فارس القوم الذي يحميهم مثل ما يعطى الضعيف؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ثكلتك أمك، وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟ # فحدثني عبد الحميد بن جعفر قال: سألت موسى بن سعد بن زيد ابن ثابت: كيف ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر في الأسرى، والأسلاب، والأنفال؟ ~~فقال: نادى مناديه يومئذ: من قتل قتيلا فله سلبه، ومن أسر أسيرا فهو له! ~~فكان يعطي من قتل قتيلا سلبه. وأمر بما وجد في العسكر وما أخذوا بغير قتال، ~~فقسمه بينهم عن فواق [ (1) ] . ~~فقلت لعبد الحميد بن جعفر: فمن أعطي سلب أبي جهل؟ قال: اختلف PageV01P099 ~~فيه عندنا، فقال قائل: أخذه معاذ بن عمرو بن الجموح، وقال قائل: ~~أعطاه ابن مسعود.. فقلت لعبد الحميد: من أخبرك؟ قال: أما الذي قال دفعه ~~إلى معاذ بن عمرو فأخبرنيه خارجة بن عبد الله بن كعب، وأما الذي قال ابن ~~مسعود فإنه حدثنيه سعيد بن خالد القارظي. قالوا: وقد أخذ علي عليه السلام ~~درع الوليد بن عتبة ومغفره وبيضته، وأخذ حمزة سلاح عتبة، وأخذ عبيدة بن ~~الحارث درع شيبة بن ربيعة حتى وقعت [ (1) ] إلى ورثته. # فحدثني محمد بن يحيى ms074 بن سهل، عن عمه محمد بن سهل بن أبي حثمة، قال: أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد الأسرى والأسلاب وما أخذوا في المغنم، ~~ثم أقرع بينهم في الأسرى، وقسم الأسلاب التي نفل الرجل نفسه في المبارزة، ~~وما أخذه في العسكر، فقسمه بينهم عن فواق. ~~والثبت عندنا من هذا أن كل ما جعله لهم فإنه قد سلمه لهم، وما لم يجعل ~~فقد قسمه بينهم. فقد جمعت الغنائم واستعمل [عليها] رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عبد الله بن كعب بن عمرو المازني. حدثني بذلك محمد بن يحيى بن سهل بن ~~أبي حثمة، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقسمها بسير- سير ~~شعب بمضيق الصفراء. وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عليها خباب ~~بن الأرت. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن المسور بن رفاعة، عن عبد الله بن مكنف الحارثي- ~~من حارثة الأنصار- قال: لما جمعت الغنائم كان فيها إبل ومتاع وأنطاع وثياب، ~~فقسمها الوالي [ (2) ] فجعل يصيب الرجل البعير ورثة [ (3) ] معه، وآخر ~~بعيران، وآخر أنطاع. وكانت السهمان على ثلاثمائة PageV01P100 ~~وسبعة عشر سهما، والرجال ثلاثمائة وثلاثة عشر، والخيل فرسان لهما أربعة ~~أسهم. وثمانية نفر لم يحضروا وضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسهامهم وأجورهم، فكلهم مستحق في بدر، ثلاثة من المهاجرين لا اختلاف فيهم ~~عندنا: عثمان بن عفان، خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته رقية، ~~وماتت يوم قدوم زيد بن حارثة، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل، بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحسسان العير، بلغا الحوراء- ~~الحوراء وراء ذي المروة بينها وبينها ليلتان على الساحل، وبين ذي المروة ~~والمدينة ثمانية برد أو أكثر قليلا. ومن الأنصار: ~~أبو لبابة بن عبد المنذر، خلفه على المدينة، وعاصم بن عدي، خلفه على قباء ~~[ (1) ] وأهل العالية، والحارث بن حاطب، أمره بأمره فى بنى عمرو ابن عوف، ~~وخوات بن جبير، كسر بالروحاء، والحارث بن الصمة، كسر بالروحاء- فهؤلاء لا ~~اختلاف فيهم عندنا. ms075 وقد روي أن سعد بن عبادة ضرب له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسهمه وأجره، وقال حين فرغ من القتال ببدر: لئن لم يكن شهدها سعد ~~بن عبادة، لقد كان فيها راغبا. ~~وذلك أن سعد بن عبادة لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد، ~~كان يأتي دور الأنصار يحضهم على الخروج، فنهش فى بعض تلك الأماكن ومنعه ذلك ~~من الخروج، فضرب له بسهمه وأجره. وضرب لسعد بن مالك الساعدي بسهمه وأجره، ~~وكان تجهز إلى بدر فمرض بالمدينة فمات خلافه [ (2) ] وأوصى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وضرب لرجل من الأنصار، وضرب لرجل آخر، وهؤلاء الأربعة ليس ~~بمجتمع عليهم كاجتماعهم على الثمانية. PageV01P101 # حدثني ابن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ضرب لقتلى بدر، أربعة عشر رجلا قتلوا ببدر. ~~قال زيد بن طلحة: حدثني عبد الله بن سعد بن خيثمة قال: أخذنا سهم أبي ~~الذي ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قسم الغنائم، وحمله إلينا ~~عويم بن ساعدة. # حدثني ابن أبي سبرة عن المسور بن رفاعة، عن عبد الله بن مكنف، قال: سمعت ~~السائب بن أبي لبابة يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لمبشر بن ~~عبد المنذر، وقدم بسهمه علينا معن بن عدي. # وكانت الإبل التي أصابوا يومئذ مائة بعير وخمسين بعيرا، وكان معهم أدم ~~كثير حملوه للتجارة، فغنمه المسلمون يومئذ. وكانت يومئذ فيما أصابوا قطيفة ~~حمراء، فقال بعضهم: ما لنا لا نرى القطيفة؟ ما نرى رسول الله إلا أخذها. ~~فأنزل الله عز وجل: وما كان لنبي أن يغل [ (1) ] إلى آخر الآية. وجاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن فلانا غل قطيفة. ~~فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل، فقال: لم أفعل يا رسول الله! ~~فقال الدال: يا رسول الله، احفروا ها هنا. فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فحفروا [ (2) ] هناك فاستخرجت القطيفة. ~~فقال ms076 قائل: ~~يا رسول الله، استغفر لفلان! مرتين أو مرارا. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: دعونا من آتي جرم [ (3) ] ! ~~وكانت الخيل فرسين، فرس للمقداد يقال لها سبحة، وفرس للزبير، ويقال ~~لمرثد. فكان المقداد يقول: ~~ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بسهم ولفرسى بسهم. وقائل ~~PageV01P102 # يقول: ضرب رسول الله يومئذ للفرس بسهمين ولصاحبه بسهم. ~~فحدثني عبد المجيد بن أبي عبس، عن أبي عفير محمد بن سهل، قال: رجع أبو ~~بردة بن نيار بفرس قد غنمه يوم بدر، وكان لزمعة بن الأسود، صار في سهمه. ~~وأصاب المسلمون من خيولهم عشرة أفراس، وأصابوا لهم سلاحا وظهرا. وكان جمل ~~أبى جهل يومئذ فيها، فغنمه النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل عنده يضرب ~~عليه في إبله ويغزو عليه حتى ساقه في هدي الحديبية، فسأله المشركون يومئذ ~~الجمل بمائة بعير، فقال: ~~لولا أنا سميناه في الهدي لفعلنا. وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صفي [ (1) ] من الغنيمة قبل أن يقسم منها شيء. # فحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة، عن ابن عباس، ومحمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن ~~المسيب، قالا: تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يومئذ، ~~وكان لمنبه بن الحجاج، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غزا إلى بدر ~~بسيف وهبه له سعد بن عبادة يقال له العضب، ودرعه ذات الفضول. فسمعت ابن أبي ~~سبرة يقول: سمعت صالح بن كيسان يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر وما معه سيف. وكان أول سيف تقلده سيف منبه بن الحجاج، غنمه يوم بدر. # وكان أبو أسيد الساعدي يحدث فيما حدثني به عبد المهيمن بن عباس ابن سهل، ~~عن أبيه، عن أبي أسيد، وكان إذا ذكر أرقم بن أبى الأرقم PageV01P103 ~~قال: ما يومي [ (1) ] منه بواحد! فيقال: ما هو؟ فقال: أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المسلمين أن يردوا ما ms077 في أيديهم مما أخذوا من الأنفال. قال: ~~فرددت سيف ابن عائذ المخزومي، واسم السيف المرزبان، وكان له قيمة وقدر، ~~وأنا أطمع أن يرده إلي. فكلم رسول الله [فيه] ، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يمنع شيئا يسأله، فأعطاه [ (2) ] السيف. وخرج بني لي يفعة، ~~فاحتملته الغول فذهبت به متوركة [ (3) ] ظهرا. فقيل لأبي أسيد: ~~وكانت الغيلان ذلك الزمان؟ قال: نعم، ولكنها قد هلكت، فلقي ابني ابن ~~الأرقم، فبهش [ (4) ] إليه ابني وبكى مستجيرا به، فقال: من أنت؟ ~~فأخبره، فقالت الغول: أنا حاضنته. فلها عنه، والصبي يكذبها، فلم يعرج ~~عليه [ (5) ] . وخرج من داري فرس لي فقطع رسنه، فلقيه بالغابة [ (6) ] ~~فركبه حتى إذا دنا من المدينة أفلت منه، فتعذر إلي أنه أفلت مني، فلم أقدر ~~عليه حتى الساعة. # حدثني أبو بكر بن إسماعيل [بن محمد] [ (7) ] ، عن أبيه، عن عامر بن سعد، ~~عن أبيه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف العاص ابن منبه يوم ~~بدر فأعطانيه، ونزلت فى: يسئلونك عن الأنفال ... [ (8) ] . # قالوا: وأحذى [ (9) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم مماليك حضروا بدرا ~~ولم PageV01P104 ~~يسهم لهم، ثلاثة أعبد: غلام لحاطب بن أبى بلتعة، وغلام لعبد الرحمن ابن ~~عوف، وغلام لسعد بن معاذ. واستعمل شقران غلام النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الأسرى، فأحذوه [ (1) ] من كل أسير ما لو كان حرا ما أصابه في المقسم. # فحدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: رميت ~~يوم بدر سهيل بن عمرو فقطعت نساه [ (2) ] ، فأتبعت أثر الدم حتى وجدته قد ~~أخذه مالك بن الدخشم، وهو آخذ بناصيته. ~~فقلت: أسيري، رميته! فقال مالك: أسيري، أخذته! فأتيا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذه منهما جميعا. فأفلت سهيل بالروحاء من مالك ابن الدخشم، ~~فصاح في الناس فخرج في طلبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من وجده ~~فليقتله! ~~فوجده النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله. # فحدثني عيسى بن حفص بن عاصم، عن أبيه، قال: أصاب أبو بردة بن نيار أسيرا ~~من المشركين ms078 يقال له معبد بن وهب، من بني سعد ابن ليث. فلقيه عمر بن ~~الخطاب، وكان عمر رضي الله عنه يحض على قتل الأسرى، لا يرى أحدا في يديه ~~أسيرا إلا أمر بقتله، وذلك قبل أن يتفرق الناس. فلقيه معبد، وهو أسير مع ~~أبي بردة، فقال: أترون يا عمر أنكم قد غلبتم؟ كلا واللات والعزى! فقال عمر: ~~عباد الله المسلمين! أتكلم وأنت أسير في أيدينا؟ ثم أخذه من أبي بردة فضرب ~~عنقه. ويقال إن أبا بردة قتله. # فحدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد، قال: PageV01P105 ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخبروا سعدا بقتل أخيه [ (1) ] ، ~~فيقتل كل أسير في أيديكم. # فحدثني خالد بن الهيثم مولى بني هاشم، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتعاطى أحدكم أسير أخيه فيقتله. ولما أتي ~~بالأسرى كره ذلك سعد بن معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ~~عمرو، كأنه شق عليك الأسرى اين يؤسروا. قال: ~~نعم يا رسول الله، كانت أول وقعة التقينا فيها والمشركون، فأحببت أن ~~يذلهم الله وأن يثخن فيهم القتل. # وكان النضر بن الحارث أسره المقداد يومئذ، فلما خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من بدر- وكان بالأثيل [ (2) ]- عرض عليه الأسرى فنظر إلى النضر ~~بن الحارث فأبده [ (3) ] البصر، فقال لرجل إلى جنبه: ~~محمد والله قاتلي، لقد نظر إلي بعينين فيهما الموت! فقال لرجل إلى جنبه: ~~والله ما هذا منك إلا رعب. فقال النضر لمصعب بن عمير: يا مصعب، أنت أقرب ~~من ها هنا بي رحما. كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي، هو والله قاتلي إن ~~لم تفعل. قال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا، [وتقول في نبيه ~~كذا وكذا] [ (4) ] . قال: يا مصعب فليجعلني كأحد أصحابي، إن قتلوا قتلت، ~~وإن من عليهم من علي. قال مصعب: إنك كنت تعذب أصحابه. قال: أما والله، لو ~~أسرتك قريش ما قتلت أبدا وأنا حي. قال مصعب: ms079 والله، انى لاراك صادقا، ولكن ~~PageV01P106 ~~[لست] [ (1) ] مثلك قطع الإسلام العهود! فقال المقداد: أسيري! ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: اضرب عنقه، اللهم أغن المقداد من فضلك! ~~فقتله علي بن أبي طالب عليه السلام صبرا بالسيف بالأثيل. # ولما أسر سهيل بن عمرو، قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، انزع ~~ثنيتيه! يدلع [ (2) ] لسانه فلا يقوم عليك خطيبا أبدا! فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا، ولعله يقوم مقاما ~~لا تكرهه. فقام سهيل بن عمرو حين جاءه وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخطبة ~~أبي بكر رضي الله عنه بمكة- كأنه كان يسمعها. قال عمر حين بلغه كلام سهيل: ~~أشهد إنك لرسول الله! يريد حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم «لعله يقوم ~~مقاما لا تكرهه» . # وكان علي عليه السلام يحدث يقول: أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر فخيره في الأسرى أن يضرب أعناقهم، أو يأخذ منهم الفداء ويستشهد ~~منكم في قابل عدتهم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: هذا ~~جبريل يخيركم في الأسرى بين أن نضرب رقابهم، أو نأخذ منهم الفدية ويستشهد ~~منكم في قابل عدتهم. قالوا: بل نأخذ الفدية ونستعين بها، ويستشهد منا فندخل ~~الجنة. فقبل منهم الفداء وقتل منهم في قابل عدتهم بأحد. # قالوا: ولما حبس الأسرى ببدر- استعمل عليهم شقران، وكان المسلمون قد ~~اقترعوا عليهم- طمعوا [ (3) ] فى الحياة فقالوا لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه ~~أوصل قريش لارحامنا، ولا نعلم آثر عند محمد منه! فبعثوا إلى أبي بكر، ~~PageV01P107 ~~فأتاهم فقالوا: يا أبا بكر، إن فينا الآباء والأبناء والإخوان والعمومة ~~وبني العم، وأبعدنا قريب. كلم صاحبك فليمن علينا أو يفادنا. فقال: نعم إن ~~شاء الله، لا آلوكم خيرا! ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قالوا: وابعثوا إلى عمر بن الخطاب فإنه من قد علمتم، فلا نأمن أن يفسد ~~عليكم، لعله يكف عنكم. فأرسلوا إليه فجاءهم فقالوا له مثل ما قالوا لأبي ~~بكر، ms080 فقال: لن آلوكم شرا! ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أبا ~~بكر والناس حوله، وأبو بكر يلينه ويفثؤه [ (1) ] ويقول: يا رسول الله، بأبي ~~أنت وأمي! قومك فيهم الآباء والأبناء والعمومة والإخوان وبنو العم، وأبعدهم ~~منك قريب، فامنن عليهم من الله عليك، أو فادهم يستنقذهم الله بك من النار ~~فتأخذ منهم ما أخذت قوة للمسلمين، فلعل الله يقبل بقلوبهم إليك! ثم قام ~~فتنحى ناحية، وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه، ثم جاء عمر فجلس ~~مجلس أبي بكر، فقال: يا رسول الله، هم أعداء الله، كذبوك وقاتلوك وأخرجوك! ~~اضرب رقابهم، هم رءوس الكفر وأئمة الضلالة، يوطئ الله عز وجل بهم الإسلام ~~ويذل بهم أهل الشرك! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه، وعاد أبو ~~بكر إلى مقعده الأول فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! قومك فيهم الآباء ~~والأبناء والعمومة والإخوان وبنو العم، وأبعدهم منك قريب، فامنن عليهم أو ~~فادهم، هم عترتك [ (2) ] وقومك، لا تكن أول من يستأصلهم، يهديهم الله خير ~~من أن تهلكهم. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه شيئا. ~~وتنحى ناحية، فقام عمر فجلس مجلسه فقال: يا رسول الله، ما تنتظر بهم؟ ~~اضرب أعناقهم، يوطئ الله بهم الإسلام ويذل أهل الشرك، هم أعداء PageV01P108 ~~الله، كذبوك وقاتلوك وأخرجوك! يا رسول الله، اشف صدور المؤمنين، لو قدروا ~~على مثل هذا منا ما أقالوناها أبدا! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يجبه، فقام ناحية فجلس، وعاد أبو بكر فكلمه مثل كلامه الذي كلمه به، فلم ~~يجبه فتنحى ناحية، ثم قام عمر فكلمه كلامه فلم يجبه. ~~ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل قبته فمكث فيها ساعة، ثم خرج ~~والناس يخوضون في شأنهم، يقول بعضهم: القول ما قال أبو بكر! وآخرون يقولون: ~~القول ما قال عمر! فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما تقولون ~~في صاحبيكم هذين؟ دعوهما فإن لهما مثلا، مثل أبي بكر كمثل ms081 ميكائيل ينزل ~~برضاء الله وعفوه عن عباده، ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم، كان ألين على ~~قومه من العسل، أوقد له قومه النار وطرحود فيها، فما زاد على أن قال: أف ~~لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون [ (1) ] . وقال: فمن تبعني فإنه ~~مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [ (2) ] ومثله مثل عيسى إذ يقول: إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [ (3) ] . ومثل عمر في ~~الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخطة من الله والنقمة على أعداء الله، ومثله ~~في الأنبياء كمثل نوح، كان أشد على قومه من الحجارة إذ يقول: رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا [ (4) ] فدعا عليهم دعوة أغرق الله الأرض جميعها، ~~ومثل موسى إذ يقول: ~~ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم [ (5) ] ، وإن بكم عيلة، فلا يفوتنكم رجل من هؤلاء إلا بفداء أو ~~PageV01P109 ~~ضربة عنق. فقال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء [- ~~قال ابن واقد: هذا وهم، سهيل بن بيضاء من مهاجرة الحبشة، ما شهد بدرا، إنما ~~هو أخ له يقال له سهل-] [ (1) ] ، فإني رأيته يظهر الإسلام بمكة. ~~فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه. قال عبد الله: فما مرت علي ~~ساعة قط كانت أشد علي من تلك الساعة، فجعلت أنظر إلى السماء أتخوف أن تسقط ~~علي الحجارة، لتقدمي بين يدي الله ورسوله بالكلام. ~~فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: إلا سهيل بن بيضاء! قال: ~~فما مرت علي ساعة أقر لعيني منها، إذ قالها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل ليشدد القلب فيه ~~حتى يكون أشد من الحجارة، وإنه ليلين القلب فيه حتى يكون ألين من الزبد. ~~وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الفداء، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لو نزل عذاب يوم بدر ما نجا منه إلا عمر. ~~كان يقول: ~~اقتل ولا ms082 تأخذ الفداء. وكان سعد بن معاذ يقول: اقتل ولا تأخذ الفداء. # فحدثني معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: لو كان مطعم بن عدي حيا لوهبت له ~~هؤلاء النتنى. ~~وكانت لمطعم بن عدي عند النبي صلى الله عليه وسلم إجارة [ (2) ] حين رجع ~~من الطائف. # فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: أمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الأسرى يوم بدر أبا عزة عمرو ابن عبد الله بن ~~عمير الجمحي، وكان شاعرا، فأعتقه رسول الله صلى الله PageV01P110 ~~عليه وسلم، وقال: لي خمس بنات ليس لهن شيء، فتصدق بي عليهن يا محمد. ففعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عزة: أعطيك موثقا لا أقاتلك ولا ~~أكثر عليك أبدا. فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرجت قريش إلى ~~أحد جاءه صفوان بن أمية فقال: اخرج معنا! فقال: إني قد أعطيت محمدا موثقا ~~ألا أقاتله ولا أكثر عليه أبدا، وقد من علي ولم يمن على غيري حتى قتله أو ~~أخذ منه الفداء. فضمن صفوان أن يجعل بناته مع بناته إن قتل، وإن عاش أعطاه ~~مالا كثيرا لا يأكله عياله. ~~فخرج أبو عزة يدعو العرب ويحشرها، ثم خرج مع قريش يوم أحد، فأسر ولم يوسر ~~غيره من قريش، فقال: يا محمد، إنما خرجت [ (1) ] مكرها، ولي بنات فامنن ~~علي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين ما أعطيتني من العهد ~~والميثاق؟ لا والله، لا تمسح عارضيك بمكة تقول «سخرت بمحمد مرتين» ! # حدثني إسحاق بن حازم، عن ربيعة بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، يا ~~عاصم بن ثابت، قدمه فاضرب عنقه! فقدمه عاصم فضرب عنقه. # قالوا: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بالقلب أن تغور، ثم ~~أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلهم إلا ms083 أمية بن خلف، فإنه كان مسمنا انتفخ من ~~يومه، فلما أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~اتركوه! ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتبة يجر إلى القليب، وكان ~~رجلا جسيما، في وجهه أثر الجدرى، فتغير وجه ابنه PageV01P111 ~~أبي حذيفة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا حذيفة كأنك ساءك ما ~~أصاب أباك. قال: لا والله يا رسول الله، ولكني رأيت لأبي عقلا وشرفا، كنت ~~أرجو أن يهديه الله [ (1) ] إلى الإسلام، فلما أخطأه ذلك ورأيت ما أصابه ~~غاظني. قال أبو بكر: كان والله يا رسول الله أبقى في العشيرة من غيره، وقد ~~كان كارها لوجهه، ولكن الحين ومصارع السوء! قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الحمد لله الذي جعل [خد] [ (2) ] أبي جهل الأسفل، وصرعه وشفانا منه! ~~فلما توافوا [ (3) ] في القليب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ~~عليهم وهم مصرعون، وأبو بكر يخبره بهم رجلا رجلا، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحمد الله ويشكره ويقول: الحمد لله الذي أنجز ما وعدني، فقد وعدني ~~إحدى الطائفتين. # قال: ثم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل القليب، فناداهم رجلا ~~رجلا: يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل ~~بن هشام، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا. بئس ~~القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، ~~وقاتلتموني ونصرني الناس! قالوا: يا رسول الله، تنادي قوما قد ماتوا! قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علموا أن ما وعدهم ربهم حق! # قالوا: وكان ~~انهزام القوم وتوليهم حين زالت الشمس، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببدر وأمر عبد الله بن كعب بقبض الغنائم وحملها، وأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفرا من أصحابه أن يعينوه، PageV01P112 ~~فصلى العصر ببدر ثم راح فمر بالأثيل [- الأثيل واد طوله ثلاثة أميال ~~وبينه وبين بدر ميلان، فكأنه ms084 بات على أربعة أميال من بدر-] [ (1) ] قبل ~~غروب الشمس فنزل به، وبات به وبأصحابه جراح، وليست بالكثيرة، وقال لأصحابه: ~~من رجل الليلة يحفظنا؟ فأسكت القوم، فقام رجل فقال: من أنت؟ قال: ذكوان بن ~~عبد قيس. قال: اجلس. ثم عاد النبي [ (2) ] صلى الله عليه وسلم، فقام رجل ~~فقال: من أنت؟ فقال: ابن عبد قيس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس. ثم ~~مكث ساعة، ثم قام رجل فقال: من أنت؟ فقال: أبو سبع [ (3) ] . ثم مكث ساعة ~~وقال: ~~قوموا ثلاثتكم. فقام ذكوان بن عبد قيس وحده، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: فأين صاحباك؟ قال: يا رسول الله، أنا الذي أجبتك الليلة. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحفظك الله! فكان يحرس المسلمين تلك ~~الليلة، حتى كان آخر الليل، فارتحل. قال [ (4) ] : ويقال صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم العصر بالأثيل فلما صلى ركعة تبسم، فلما سلم سئل عن تبسمه، ~~فقال: مر بي ميكائيل وعلى جناحه النقع، فتبسم إلي وقال «إني كنت في طلب ~~القوم» . وأتاه جبرئيل حين فرغ من قتال أهل بدر، على فرس أنثى معقود ~~الناصية، قد عصم ثنيته الغبار، فقال: يا محمد، إن ربي بعثني إليك وأمرني ~~ألا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. # وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى، حتى إذا كان بعرق ~~PageV01P113 ~~الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أن يضرب عنق عقبة بن أبي معيط، ~~وكان أسره عبد الله بن سلمة العجلاني، فجعل عقبة يقول: يا ويلي، علام أقتل ~~يا معشر قريش من بين من هاهنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعداوتك ~~لله ولرسوله. قال: يا محمد، منك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي، إن قتلتهم ~~قتلتني وإن مننت عليهم مننت علي، وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم، يا ~~محمد، من للصبية؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النار، قدمه يا عاصم، ~~فاضرب عنقه! فقدمه عاصم فضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله ms085 عليه وسلم: بئس ~~الرجل كنت والله ما علمت، كافرا بالله وبرسوله وبكتابه، مؤذيا لنبيه، فأحمد ~~الله الذي هو قتلك وأقر عيني منك! ولما نزلوا سير- شعب بالصفراء- قسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بها بين أصحابه. حدثني بذلك محمد بن يحيى ~~بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن جده. # وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من ~~الأثيل، فجاءوا يوم الأحد شد الضحى [ (1) ] ، وفارق عبد الله زيدا بالعقيق، ~~فجعل عبد الله ينادي على راحلته: يا معشر الأنصار، أبشروا بسلامة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم! قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، ~~وأبو جهل، وقتل زمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأسر سهيل بن عمرو ذو ~~الأنياب في أسرى كثيرة. قال عاصم بن عدي: فقمت إليه فنحوته فقلت: أحقا ما ~~تقول، يا ابن رواحة؟ قال: إي والله، وغدا يقدم رسول الله إن شاء الله ومعه ~~الأسرى مقرنين [ (2) ] . ثم اتبع دور الأنصار PageV01P114 ~~بالعالية- العالية بنو عمرو بن عوف وخطمة ووائل، منازلهم بها- فبشرهم ~~دارا دارا، والصبيان يشتدون معه ويقولون: قتل أبو جهل الفاسق! حتى انتهوا ~~إلى بني أمية بن زيد. # وقدم زيد بن حارثة على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم القصواء يبشر أهل ~~المدينة، فلما جاء المصلى صاح على راحلته: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، ~~وابنا الحجاج، وأبو جهل، وأبو البختري، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، ~~وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثيرة. ~~فجعل الناس لا يصدقون زيد بن حارثة، ويقولون: ما جاء زيد إلا فلا! [ (1) ~~] حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا. وقدم زيد حين سووا على رقية بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم التراب بالبقيع. # فقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد: قتل صاحبكم ومن معه. ~~وقال رجل من المنافقين لأبي لبابة بن عبد المنذر: قد تفرق أصحابكم تفرقا ~~لا يجتمعون منه أبدا، وقد قتل علية أصحابه وقتل محمد، هذه ناقته نعرفها، ~~وهذا زيد لا يدري ما يقول من ms086 الرعب، وجاء فلا. قال أبو لبابة: يكذب الله ~~قولك! وقالت يهود: ما جاء زيد إلا فلا! # قال أسامة بن زيد: فجئت حتى خلوت ~~بأبي، فقلت: يا أبه، أحق ما تقول؟ قال: إي والله حقا يا بني! فقويت في ~~نفسي، فرجعت إلى ذلك المنافق فقلت: أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين، ~~ليقدمنك رسول الله إذا قدم فليضربن عنقك! فقال: يا أبا محمد، إنما هو شيء ~~سمعت الناس يقولونه. # فقدم بالأسرى وعليهم شقران، وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا ~~PageV01P115 ~~- وهم سبعون في الأصل، مجتمع عليه، لا شك فيه. واستعمل عليهم شقران غلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قد شهد بدرا ولم يعتقه يومئذ، ولقيه الناس ~~يهنئونه بالروحاء بفتح الله. فلقيه وجوه الخزرج، فقال سلمة بن سلامة بن ~~وقش: ما الذي تهنئوننا به؟ فو الله ما قتلنا إلا عجائز صلعا. ~~فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا ابن أخي، أولئك الملأ، لو ~~رأيتهم لهبتهم، ولو أمروك لأطعتهم، ولو رأيت فعالك مع فعالهم لاحتقرته، ~~وبئس القوم كانوا على ذلك لنبيهم فقال سلمة: أعوذ بالله من غضبه وغضب ~~رسوله، إنك يا رسول الله لم تزل عني معرضا منذ كنا بالروحاء في بدأتنا. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما قلت للأعرابي «وقعت على ناقتك ~~فهي حبلى منك» ، ففحشت وقلت ما لا علم لك به! وأما ما قلت في القوم، فإنك ~~عمدت إلى نعمة من نعم الله تزهدها. ~~فاعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل منه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معذرته، فكان من علية أصحابه. # فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: ولقيه أبو هند البياضي مولى ~~فروة بن عمرو، ومعه حميت [ (1) ] مملوء حيسا [ (2) ] ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إنما أبو هند رجل من الأنصار فأنكحوه! وأنكحوا إليه. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الله بن أبي سفيان، قال: ولقيه أسيد ابن ~~حضير فقال: يا رسول الله، الحمد لله الذي ظفرك وأقر عينك! والله يا رسول ~~الله، ما ms087 كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا، ولكنى PageV01P116 ~~ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: صدقت. # وحدثني عبد الله بن نوح، عن خبيب بن عبد الرحمن، قال: لقيه عبد الله بن ~~أنيس بتربان فقال: يا رسول الله، الحمد لله على سلامتك وما ظفرك! كنت يا ~~رسول الله ليالي خرجت مورودا [ (1) ] ، فلم يفارقني حتى كان بالأمس فأقبلت ~~إليك. فقال: آجرك الله! # وكان سهيل بن عمرو لما كان بشنوكة [ (2) ] [- شنوكة فيما بين السقيا ~~وملل-] [ (3) ] كان مع مالك بن الدخشم [الذي أسره] [ (4) ] فقال: خل سبيلي ~~للغائط. فقام به، فقال سهيل: إني أحتشم فاستأخر عني! فاستأخر عنه، ومضى ~~سهيل على وجهه، انتزع يده من القران [ (5) ] ومضى، فلما أبطأ سهيل على مالك ~~أقبل فصاح في الناس، فخرجوا في طلبه. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ~~طلبه، فقال: من وجده فليقتله! فوجده رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دفن ~~نفسه بين [ (6) ] سمرات، فأمر به فربطت يداه إلى عنقه، ثم قرنه إلى راحلته، ~~فلم يركب خطوة حتى قدم المدينة فلقي أسامة بن زيد. # فحدثني إسحاق بن حازم، عن عبد الله بن مقسم، عن جابر بن PageV01P117 ~~عبد الله، قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، ورسول ~~الله على راحلته القصواء، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، ~~وسهيل مجنوب، ويداه إلى عنقه، فلما نظر أسامة إلى سهيل قال: يا رسول الله، ~~أبو يزيد! قال: نعم، هذا الذي كان يطعم بمكة الخبز. # وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن ~~يحيى بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، قال: ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقدم بالأسرى حين قدم بهم، ~~وسودة بنت زمعة عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ [ (1) ] ، وذلك قبل ~~أن يضرب الحجاب. قالت سودة: فأتينا فقيل لنا: هؤلاء الأسرى قد أتي بهم. ~~فخرجت إلى ms088 بيتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وإذا أبو يزيد مجموعة ~~يداه إلى عنقه فى ناحية البيت، فو الله إن ملكت [ (2) ] حين رأيته مجموعة ~~يداه إلى عنقه أن قلت: أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم! ألا متم كراما؟ فو الله ~~ما راعني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت: ~~يا سودة، أعلى الله وعلى رسوله؟ ~~فقلت: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق نبيا ما ملكت نفسي حين رأيت أبا ~~يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت. # فحدثني خالد بن إلياس قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: ~~دخل خالد بن هشام بن المغيرة وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة في منزل أم ~~سلمة، وأم سلمة في مناحة آل عفراء، فقيل لها: أتي بالأسرى. ~~فخرجت فدخلت عليهم، فلم تكلمهم حتى رجعت، فتجد رسول الله صلى الله ~~PageV01P118 ~~عليه وسلم في بيت عائشة، فقالت: يا رسول الله، إن بني عمي طلبوا أن يدخل ~~بهم علي فأضيفهم، وأدهن رءوسهم، وألم من شعثهم، ولم أحب أن أفعل ذلك حتى ~~أستأمرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لست أكره شيئا من ذلك! فافعلي من ذلك ما بدا لك. # فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: استوصوا بالأسرى خيرا. ~~فقال أبو العاص بن الربيع: ~~كنت مع رهط من الأنصار جزاهم الله خيرا، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني ~~بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في ~~يده الكسرة فيدفعها إلي. وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ~~ويزيد: وكانوا يحملوننا ويمشون. # فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: قدم بالأسرى قبل مقدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيوم. ويقال قدموا في آخر النهار من اليوم الذي قدم ~~فيه. # قالوا: ولما توجه المشركون إلى بدر كان فتيان ممن تخلف عنهم سمارا، ~~يسمرون بذي طوى في القمر حتى يذهب الليل، يتناشدون الأشعار ويتحدثون، فبينا ms089 ~~هم كذلك ليلة إلى أن سمعوا [ (1) ] صوتا قريبا منهم، ولا يرون القائل، ~~رافعا صوته يتغنى: # أزار [ (2) ] الحنيفيون بدرا مصيبة %~% سينقض منها ركن كسرى وقيصرا # أرنت لها صم [ (3) ] الجبال وأفزعت %~% قبائل ما بين الوتير [ (4) ] ~~وخيبرا PageV01P119 # أجازت جبال الأخشبين [ (1) ] وجردت %~% حرائر يضربن الترائب [ (2) ] حسرا # أنشدنيه عبد الله بن أبي عبيدة، عن محمد بن عمار بن ياسر. فاستمعوا للصوت ~~فلا يرون أحدا، فخرجوا في طلبه فلا يرون أحدا، فخرجوا فزعين حتى جازوا ~~الحجر [ (3) ] فوجدوا مشيخة منهم جلة سمارا، فأخبروهم الخبر فقالوا لهم: إن ~~كان ما تقولون حقا، إن محمدا وأصحابه يسمون الحنيفية- وما يعرفون اسم ~~الحنيفية يومئذ. فما بقي أحد من الفتيان الذين كانوا بذي طوى إلا وعك، فما ~~مكثوا إلا ليلتين أو ثلاثا حتى قدم الحيسمان بن حابس الخزاعى بخبر أهل بدر ~~ومن قتل منهم، فهو يخبرهم قتل عتبة وشيبة ابني ربيعة، وابني الحجاج، وأبي ~~البختري، وزمعة بن الأسود. # قال: وصفوان بن أمية في الحجر جالس [ (4) ] يقول: لا يعقل هذا شيئا مما ~~يتكلم به، سلوه عني [ (5) ] ! فقالوا: صفوان بن أمية، لك به علم؟ ~~قال: نعم، ذاك في الحجر، وقد رأيت أباه وأخاه مقتولين [ (6) ] . قال: ~~ورأيت سهيل بن عمرو أسر، والنضر بن الحارث. قالوا: وما يدريك؟ ~~قال: رأيتهما مقرونين في الحبال. # قالوا: بلغ النجاشي مقتل قريش بمكة وما ظفر الله به نبيه، فخرج في ثوبين ~~أبيضين، ثم جلس على الأرض، ثم دعا جعفر بن أبي طالب وأصحابه فقال: أيكم ~~يعرف بدرا؟ فأخبروه، فقال النجاشي: أنا عارف بها، قد PageV01P120 ~~رعيت الغنم في جوانبها، هي من الساحل على بعض نهار، ولكني أردت أن أتثبت ~~منكم، قد نصر الله رسوله ببدر، فأحمد [ (1) ] الله على ذلك. قال بطارقته: ~~أصلح الله الملك! إن هذا لشيء لم تكن تصنعه، تلبس ثوبين وتجلس على الأرض! ~~فقال: إني من قوم إذا أحدث الله لهم نعمة ازدادوا بها تواضعا. ويقال إنه ~~قال: إن عيسى بن مريم عليه السلام كان إذا حدثت له نعمة ازداد بها تواضعا. # ولما رجعت قريش إلى مكة قام فيهم ms090 أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش، ~~لا تبكوا على قتلاكم، ولا تنح عليهم نائحة، ولا يبكهم شاعر، وأظهروا الجلد ~~والعزاء، فإنكم إذا نحتم عليهم وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلك غيظكم، فأكلكم ~~ذلك عن عداوة محمد وأصحابه، مع أنه إن بلغ محمدا وأصحابه شمتوا بكم، فيكون ~~أعظم المصيبتين شماتتهم، ولعلكم تدركون ثأركم، والدهن والنساء علي حرام حتى ~~أغزو محمدا. فمكثت قريش شهرا لا يبكيهم شاعر ولا تنوح عليهم نائحة. # فلما قدم بالأسرى أذل الله بذلك رقاب المشركين والمنافقين واليهود، ولم ~~يبق بالمدينة يهودي ولا منافق إلا خضد [ (2) ] عنقه لوقعة بدر. فقال عبد ~~الله بن نبتل: ليت أنا كنا خرجنا معه حتى نصيب معه غنيمة! وفرق الله في ~~صبحها بين الكفر والإيمان، وقالت اليهود فيما بينها: هو الذي نجده منعوتا، ~~والله لا ترفع له راية بعد اليوم إلا ظهرت. وقال كعب بن الأشرف: ~~بطن الأرض اليوم خير من ظهرها، هؤلاء أشراف الناس وساداتهم، وملوك العرب، ~~وأهل الحرم والأمن، قد أصيبوا. فخرج إلى مكة فنزل على أبى PageV01P121 ~~وداعة بن ضبيرة، فجعل يرسل هجاء المسلمين ورثاء قتلى بدر من قريش، فأرسل ~~أبياته هذه، يقول: # طحنت رحى بدر لمهلك أهله %~% ولمثل بدر تستهل وتدمع [ (1) ] # قتلت سراة الناس حول حياضه %~% لا تبعدوا إن الملوك تصرع # ويقول أقوام أذل بسخطهم [ (2) ] %~% إن ابن أشرف ظل كعبا يجزع # صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا %~% ظلت تسيخ بأهلها [ (3) ] وتصدع # نبئت أن الحارث بن هشامهم %~% في الناس يبني الصالحات ويجمع # ليزور يثرب بالجموع وإنما %~% يسعى على الحسب القديم الأروع [ (4) ] # قال الواقدي: أملاها علي عبد الله بن جعفر، ومحمد بن صالح، وابن أبي ~~الزناد، قالوا: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت الأنصاري ~~فأخبره بمنزله عند أبي وداعة، فجعل يهجو من نزل عنده حتى رجع كعب إلى ~~المدينة. فلما أرسل هذه الأبيات أخذها الناس معه وأظهروا المراثي وجعل من ~~لقي من الصبيان والجواري ينشدون هذه الأبيات بمكة، ثم إنهم رثوا بها، فناحت ~~قريش على قتلاها شهرا، ولم تبق دار ms091 بمكة إلا فيها نوح، وجز النساء شعر ~~الرءوس، وكان يؤتى براحلة الرجل منهم أو بفرسه فتوقف بين أظهرهم فينوحون ~~حولها، وخرجن إلى السكك فسترن الستور [ (5) ] في الأزقة وقطعن الطرق فخرجن ~~ينحن، وصدقوا رؤيا عاتكة وجهيم بن الصلت. # وكان الأسود بن المطلب قد ذهب بصره، وقد كمد على من قتل من PageV01P122 ~~ولده، كان يحب أن يبكي على ولده، وتأبى ذلك عليه قريش، فكان يقول لغلامه ~~بين اليومين: احمل معي خمرا واسلك بي الفج الذي سلك أبو حكيمة. فيأتي به ~~على الطريق عند فج، فيجلس فيسقيه حتى ينتشي، ثم يبكي على أبي حكيمة وإخوته، ~~ثم يحثي التراب على رأسه ويقول لغلامه: ~~ويحك! اكتم علي أن تعلم بي قريش، فإني أراها لم تجمع البكاء على قتلاها. # فحدثني مصعب بن ثابت، عن عيسى بن معمر، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، ~~عن عائشة، قالت: قالت قريش حين رجعوا إلى مكة وقتل أهل بدر: لا تبكوا على ~~قتلاكم فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم فيأرب [ (1) ~~] بكم القوم، ألا فأمسكوا عن البكاء! قالت: وكان الأسود بن المطلب أصيب له ~~ثلاثة من ولده- زمعة، وعقيل، والحارث بن زمعة- فكان يحب أن يبكي على قتلاه. ~~فبينا هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلامه وقد ذهب بصره، هل بكت ~~قريش على قتلاها؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة- يعني زمعة- فإن جوفي قد احترق! ~~فذهب الغلام ورجع إليه فقال: إنما هي امرأة تبكي على بعيرها قد أضلته. فذلك ~~حين يقول: # تبكي أن يضل لها بعير %~% ويمنعها من النوم السهود # فلا تبكي على بكر ولكن %~% على بدر تصاغرت الخدود [ (2) ] # فبكي إن بكيت على عقيل %~% وبكي حارثا أسد الأسود PageV01P123 # وبكيهم ولا تسمي [ (1) ] جميعا %~% وما لأبي حكيمة من نديد [ (2) ] # على بدر سراة بني هصيص %~% ومخزوم ورهط أبي الوليد # ألا قد ساد بعدهم رجال %~% ولولا يوم بدر لم يسودوا # أخبرني ابن أبي الزناد قال: سمعت أبي ينشد: تصاغرت الخدود. ~~ولا ينكر الجدود. # قالوا: ومشى نساء قريش إلى هند بنت عتبة فقأن: ألا ms092 تبكين على أبيك وأخيك ~~وعمك وأهل بيتك؟ فقالت: حلقى [ (3) ] ، أنا أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه ~~فيشمتوا بنا، ونساء بني الخزرج! لا والله، حتى أثأر محمدا وأصحابه، والدهن ~~علي حرام إن دخل رأسي حتى نغزو محمدا. والله، لو أعلم أن الحزن يذهب من ~~قلبي بكيت، ولكن لا يذهبه إلا أن أرى ثأري بعيني من قتلة الأحبة. فمكثت على ~~حالها لا تقرب الدهن، وما قربت فراش أبي سفيان من يوم حلفت حتى كانت وقعة ~~أحد. # وبلغ نوفل بن معاوية الديلي، وهو في أهله، وقد كان شهد معهم بدرا، أن ~~قريشا بكت على قتلاها، فقدم فقال: يا معشر قريش، لقد خفت أحلامكم، وسفه ~~رأيكم، وأطعتم نساءكم، ومثل قتلاكم يبكى عليهم؟ ~~هم أجل من البكاء، مع أن ذلك يذهب غيظكم عن عداوة محمد وأصحابه، فلا ~~ينبغي أن يذهب الغيظ عنكم إلا أن تدركوا ثأركم من عدوكم. فسمع أبو سفيان بن ~~حرب كلامه فقال: يا أبا معاوية، غلبت والله! ما ناحت امرأة من بني عبد شمس ~~على قتيل لها إلى اليوم، ولا بكاهن شاعر إلا PageV01P124 ~~نهيته، حتى ندرك ثأرنا من محمد وأصحابه. وإني لأنا الموتور الثائر، قتل ~~ابني حنظلة وسادة أهل هذا الوادي، أصبح هذا الوادي مقشعرا لفقدهم. # فحدثني معاذ بن محمد الأنصاري، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لما رجع ~~المشركون إلى مكة وقتل صناديدهم وأشرافهم، أقبل عمير ابن وهب بن عمير ~~الجمحي حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحجر، فقال صفوان بن أمية: قبح الله ~~العيش بعد قتلى بدر. قال عمير بن وهب: أجل والله، ما في العيش بعدهم خير، ~~ولولا دين علي لا أجد له قضاء، وعيال لا أدع لهم شيئا، لرحلت إلى محمد حتى ~~أقتله إن ملأت عيني منه. فإنه بلغني أنه يطوف في الأسواق، فإن لي عندهم ~~علة، أقول: قدمت على ابني هذا الأسير. ففرح صفوان بقوله ذلك وقال: يا أبا ~~أمية، وهل نراك فاعلا؟ قال: إي ورب هذه البنية! قال صفوان: فعلي دينك، ~~وعيالك أسوة عيالي، فأنت تعلم ms093 أنه ليس بمكة رجل أشد توسعا على عياله مني. ~~فقال عمير: قد عرفت بذلك يا أبا وهب. قال صفوان: فإن عيالك مع عيالي، لا ~~يسعني شيء ويعجز عنهم، ودينك علي. فحمله صفوان على بعير وجهزه، وأجرى على ~~عياله مثل ما يجري على عيال نفسه. وأمر عمير بسيفه فشحذ [ (1) ] وسم، ثم ~~خرج إلى المدينة وقال لصفوان: اكتم علي أياما حتى أقدمها. وخرج فلم يذكره ~~صفوان، وقدم عمير فنزل على باب المسجد وعقل راحلته، وأخذ السيف فتقلده. ثم ~~عمد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~وهو في نفر من أصحابه يتحدثون ويذكرون نعمة الله عليهم فى بدر، فرأى عميرا ~~وعليه السيف، PageV01P125 ~~ففزع عمر منه وقال لأصحابه: دونكم الكلب! هذا عدو الله الذي حرش بيننا ~~يوم بدر، وحزرنا للقوم، وصعد فينا وصوب، يخبر قريشا أنه لا عدد لنا ولا ~~كمين. فقاموا إليه فأخذوه، ~~فانطلق عمر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله، هذا عمير بن وهب، قد دخل المسجد ومعه السلاح، وهو الغادر الخبيث الذي ~~لا نأمنه على شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدخله على! فخرج عمر ~~فأخذ بخمالة سيفه فقبض بيده عليها، وأخذ بيده الأخرى قائمة السيف، ثم أدخله ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: ~~يا عمر، تأخر عنه! فلما دنا عمير من النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنعم ~~صباحا! قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله عن تحيتك وجعل تحيتنا ~~«السلام» ، وهي تحية أهل الجنة. قال عمير: إن عهدك بها لحديث. قال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قد أبدلنا الله بها خيرا منها، فما أقدمك يا ~~عمير؟ قال: قدمت في أسيري عندكم تقاربوننا فيه، فإنكم العشيرة والأهل. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: فما بال السيف؟ ~~قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت من شيء؟ وإنما نسيته حين نزلت وهو ms094 في ~~رقبتي، ولعمري إن لي لهما غيره! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اصدق، ما أقدمك؟ قال: ما قدمت إلا في أسيري. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فما شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ~~ففزع عمير فقال: ماذا شرطت له؟ قال: تحملت له بقتلي على أن يقضي دينك ~~ويعول عيالك، والله حائل بيني وبينك [ (1) ] . قال عمير: أشهد أنك رسول ~~الله وأنك صادق، وأشهد أن لا إله إلا الله! كنا يا رسول الله نكذبك ~~PageV01P126 ~~بالوحي وبما يأتيك من السماء. وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان كما ~~قلت، فلم يطلع عليه غيري وغيره، وقد أمرته أن يكتم عني ليالي مسيري فأطلعك ~~الله عليه، فآمنت بالله ورسوله، وشهدت أن ما جئت به حق، الحمد لله الذي ~~ساقني هذا المساق! وفرح المسلمون حين هداه الله، وقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: لخنزير كان أحب إلي منه حين طلع، وهو الساعة أحب إلي من بعض ~~ولدي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~علموا أخاكم القرآن وأطلقوا له أسيره. ~~فقال عمير: يا رسول الله، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، فله الحمد ~~أن هداني، فائذن لي فألحق قريشا فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، فلعل الله ~~يهديهم ويستنقذهم من الهلكة. ~~فأذن له فخرج فلحق بمكة، فكان صفوان يسأل عن عمير كل راكب يقدم من ~~المدينة ويقول: هل حدث بالمدينة من حدث؟ ويقول لقريش: ~~أبشروا بوقعة تنسيكم وقعة بدر. فقدم رجل من المدينة، فسأله صفوان عن عمير ~~فقال: أسلم. فلعنه صفوان ولعنه المشركون بمكة وقالوا: صبأ عمير! فحلف صفوان ~~ألا يكلمه أبدا ولا ينفعه، وطرح عياله. وقدم عمير عليهم على تلك الحال، ~~فدعاهم إلى الإسلام وخبرهم بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم معه ~~بشر كثير. # فحدثني محمد بن أبي حميد، عن عبد الله بن عمرو بن أمية، قال: ~~لما قدم عمير بن وهب نزل في أهله ولم يقرب صفوان بن أمية، فأظهر الإسلام ~~ودعا إليه، فبلغ صفوان فقال: قد ms095 عرفت حين لم يبدأ بي قبل منزله، وإنما رحل ~~من عندي، أنه قد [ (1) ] ارتكس، ولا أكلمه من رأسي أبدا، ولا أنفعه ولا ~~عياله بنافعة أبدا. فوقف عليه عمير، وهو فى PageV01P127 ~~الحجر، فقال: أبا وهب! فأعرض عنه، فقال عمير: أنت سيد من ساداتنا، أرأيت ~~الذي كنا عليه من عبادة حجر والذبح له، أهذا دين؟ ~~أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. فلم يجبه صفوان بكلمة. ### || المطعون من المشركين ببدر # وكان المطعمون في عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، وشيبة وعتبة ابني ~~ربيعة، ومن بني أسد: زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، ونوفل بن خويلد بن ~~العدوية، ومن بني مخزوم: أبو جهل، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن بني سهم: ~~نبيه ومنبه ابنا الحجاج. قال [ (1) ] : ~~وكان سعيد بن المسيب يقول: ما أطعم أحد ببدر إلا قتل. قال: وقد اختلف ~~علينا فيهم، وهذا أثبت عندنا. وقد ذكروا عدة، منهم سهيل وأبو البختري ~~وغيرهما. # فحدثني هشام بن عمارة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن نافع بن جبير بن مطعم، ~~عن أبيه، قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في فداء الأسرى، ~~فاضطجعت في المسجد بعد العصر، وقد أصابني الكرى فنمت، فأقيمت صلاة المغرب ~~فقمت فزعا بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب والطور* وكتاب مسطور ~~[ (2) ] ، فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، فكان يومئذ أول ما دخل ~~الإسلام قلبي. # فحدثني عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان، عن أبيه، قال: قدم من ~~PageV01P128 ~~قريش أربعة عشر رجلا في فداء أصحابهم. # وحدثني شعيب بن عبادة، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: قدم ~~خمسة عشر رجلا، فكان أول من قدم المطلب بن أبي وداعة، ثم قدموا بعده بثلاث ~~ليال. # فحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن يزيد ابن النعمان بن ~~بشير، عن أبيه، قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء يوم بدر ~~أربعة آلاف لكل رجل. # فحدثني إسحاق بن ms096 يحيى قال: سألت نافع بن جبير: كم [ (1) ] كان الفداء؟ ~~قال: أرفعهم أربعة آلاف، إلى ثلاثة آلاف، إلى ألفين، إلى ألف، إلى قوم [ ~~(2) ] لا مال لهم، من عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي وداعة: إن له بمكة ابنا كيسا ~~له مال، وهو مغل فداءه. ~~فافتداه بأربعة آلاف، وكان أول أسير افتدي. ~~وذلك أن قريشا قالت لابنه المطلب ورأته يتجهز، يخرج إلى أبيه، فقالوا: ~~لا تعجل، فإنا نخاف أن تفسد علينا في أسارانا، ويرى محمد تهالكنا فيغلي ~~علينا الفدية، فإن كنت تجد فإن كل قومك لا يجدون من السعة ما تجد. فقال: لا ~~أخرج حتى تخرجوا. فخادعهم حتى إذا غفلوا خرج من الليل مشرقا [ (3) ] على ~~راحلته، فسار أربع ليال إلى المدينة، فافتدى أباه بأربعة آلاف. فلامته فى ~~دلك قريش فقال: ما كنت لأترك أبي أسيرا في أيدي القوم وأنتم متضجعون [ (4) ~~] . قال أبو سفيان بن حرب: إن هذا غلام حدث، PageV01P129 ~~معجب برأيه، وهو مفسد عليكم! إني والله غير مفتد عمرو بن أبي سفيان ولو ~~مكث سنة أو يرسله محمد! والله ما أنا بأعوزكم، ولكني أكره أن يدخل علي أو ~~أدخل عليكم ما يشق عليكم، ويكون عمرو كأسوتكم. ### || أسماء النفر الذين قدموا في الأسرى # من بنى عبد شمس: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن الربيع أخو أبي ~~العاص، ومن بني نوفل بن عبد مناف: جبير بن مطعم، ومن عبد الدار: طلحة بن ~~أبي طلحة، ومن بني أسد: عثمان بن أبي حبيش، ومن بنى محزوم: عبد الله بن أبي ~~ربيعة، وخالد بن الوليد، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وفروة بن السائب، ~~وعكرمة بن أبي جهل، ومن بني جمح: أبي بن خلف، وعمير بن وهب، ومن بني سهم: ~~المطلب بن أبي وداعة، وعمرو بن قيس، ومن بني مالك بن حسل: مكرز بن حفص بن ~~الأخيف [ (1) ] . # فحدثني المنذر بن سعد، عن عيسى بن معمر، عن عباد بن عبد الله، عن عائشة ~~رضي الله عنها، قالت: ms097 لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في فداء زوجها أبي العاص بن الربيع، وبعثت فيه ~~بقلادة لها كانت لخديجة- يقال: إنها من جزع ظفار [ (2) ] ، كانت خديجة بنت ~~خويلد أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها. ~~فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم القلادة عرفها ورق لها، ~~PageV01P130 ~~وذكر خديجة ورحم عليها، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا ~~إليها متاعها فعلتم. ~~فقالوا: نعم، يا رسول الله. فأطلقوا أبا العاص بن الربيع وردوا على زينب ~~متاعها. وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي العاص أن يخلي سبيلها، ~~فوعده ذلك، وقدم في فدائه عمرو بن الربيع أخوه. وكان الذي أسره عبد الله بن ~~جبير بن النعمان أخو خوات بن جبير. ### || ذكر سورة الأنفال # يسئلونك عن الأنفال قال: لما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ~~اختلفوا، فادعت كل طائفة أنهم أحق به، فنزلت هذه الآية، وهي قوله تبارك ~~وتعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا يقول: زادتهم يقينا. وفي قوله: ~~أولئك هم المؤمنون حقا يقول: يقينا. وفي قوله: كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق يقول: لما أمرك ربك أن تخرج إلى بدر هو الحق. ~~وأخبرني ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي في قوله: من بيتك ~~قال: من المدينة. وفى قوله: وإن فريقا من المؤمنين لكارهون* يجادلونك في ~~الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. ~~كره خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام من أصحابه إلى بدر، قالوا: ~~نحن قليل وما الخروج برأي! حتى كان في ذلك اختلاف كبير. وفي قوله: ~~وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم لما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دون بدر نزل عليه جبرئيل عليه السلام فخبره بمسير قريش، وهو يريد ~~عيرها، فوعده الله إما العير وإما لقاء قريش فيصيبهم. فلما كان PageV01P131 ~~ببدر أخذوا السقاء، وسألوهم عن ms098 العير يخبرونهم عن قريش، فلا يحب ذلك ~~المسلمون لأنها شوكة، ويحبون العير. وفي قوله ويريد الله أن يحق الحق ~~بكلماته يقول: يظهر الدين. ويقطع دابر الكافرين يعني من قتل ببدر من قريش. ~~ليحق الحق يعني ليظهر الحق، ويبطل الباطل الذي جاءوا به، ولو كره المجرمون ~~يعني قريشا، إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين يعني بعضهم على أثر بعض. وما جعله الله إلا بشرى يعني عدد الملائكة ~~الذين أخبرهم بها، وليعلمن أن الله ينصركم. إذ يغشيكم النعاس أمنة منه يقول ~~ألقى عليكم النوم أمنا منه فقذفه في قلوبكم، وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به وكان بعضهم قد أجنب، ويذهب عنكم رجز الشيطان يقول: يصلي ولا ~~يغتسل! وليربط على قلوبكم بالطمأنينة، ويثبت به الأقدام كان الموضع دهسا ~~فلبده [ (1) ] . إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ~~فكان الملك يتصور في صورة الرجل فيقول: اثبت فإنهم ليسوا بشيء، سألقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب فكانت أفئدتهم [ (2) ] تخفق، لها وجبان كالحصاة ~~يرمى بها في الطست، فاضربوا فوق الأعناق يعني الأعناق، واضربوا منهم كل ~~بنان يدا ورجلا. لك بأنهم شاقوا الله ورسوله ~~يقول كفروا بالله وجحدوا رسوله. وفى قوله ذلكم فذوقوه يعني القتل ببدر، ~~وأن للكافرين عذاب النار. إذا لقيتم الذين كفروا زحفا إلى قوله: وبئس ~~المصير يوم بدر خاصة. فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم قول الرجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنا قتلت فلانا، PageV01P132 ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى حين رمى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالقبضة ترابا: وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا يعني نصره إياهم يوم بدر. ~~إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح قول أبي جهل: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا ~~بما لا يعرف، فأحنه، وإن تنتهوا لمن بقي من قريش، فهو خير لكم يعني تسلموا، ~~وإن تعودوا للقتال، نعد بالقتل لكم، ولن تغني عنكم فئتكم شيئا قالوا: لنا ~~جماعة بمكة نغزوه غزوة تصيبه. ~~يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا ms099 عنه وأنتم تسمعون يعني ~~الدعاء، هذه الآية فى يوم أحد، عاتبهم عليها. لا تخونوا الله والرسول ~~وتخونوا أماناتكم يقول: لا تنافقوا وأدوا كل ما استودعتم. واعلموا أنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة ~~يقول: إذا كثر ماله عظمت فتنته وتطاول به، وإذا كان ولده كثيرا رأى أنه ~~عزيز. وفي قوله يجعل لكم فرقانا يعني مخرجا. وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك هذا بمكة قبل الهجرة، حين أراد الخروج إلى المدينة. وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا.. إلى آخر الآية. (وإذ ~~قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم قال: المتكلم بهذا النضر بن الحارث، فأنزل الله عز وجل ~~فيه أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين [ (1) ] يوم ~~بدر. ~~وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يعني أهل مكة، وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون يعني يصلون. ثم رجع فقال وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام يعني الهزيمة والقتل. وفي قوله فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون يوم بدر. إن الذين كفروا ينفقون أموالهم PageV01P133 ~~ليصدوا عن سبيل الله إلى قوله ثم يغلبون حيث خرجوا إلى بدر حسرة وندامة، ~~ثم يغلبون فقتلوا ببدر، يقول: ثم إلى جهنم يحشرون. ~~قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف يقول: إن يسلموا يغفر لهم ~~ما قد مضى من أعمالهم، وإن يعودوا فقد رأيتم من قتل ببدر. ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة* يعني لا يكون شرك، ويكون الدين كله لله لا ~~يذكر إساف ولا نائلة. واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. قال: الذي لله هو للرسول، والذي ~~لذي القربى قرابة رسول الله، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان يعني يوم بدر فرق بين الحق والباطل. ~~إذ أنتم بالعدوة الدنيا يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلوا ~~ببدر، والمشركون بالعدوة القصوى، بينهم قوز من رمل، ms100 والركب ركب أبي سفيان ~~قد لصق بالبحر أسفل من بدر، ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد لا محالة يأتي ~~ركب قبل ركب، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا قتل من قتل ببدر، ليهلك من ~~هلك عن بينة يقول: يقتل من قتل عن عذر وحجة، ويحيا من حي منهم عن عذر وحجة. ~~إذ يريكهم الله في منامك قليلا قال: نام النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ~~فقللوا في عينه، ولو أراكهم كثيرا لفشلتم يقول: رعبتم، ولتنازعتم يقول: ~~اختلفتم، ولكن الله سلم يعني الاختلاف بينكم، إنه عليم بذات الصدور يعني ~~ضعف قلوبكم. يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~يعني جميعا، فلا تفروا وكبروا. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ~~يعني على السيف، يقول: كبروا الله في أنفسكم ولا تظهروا التكبير، فإن ~~إظهاره في الحرب فشل. ولا تكونوا كالذين PageV01P134 ~~خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله يعني مخرج قريش ~~إلى بدر. وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم هذا كله كلام سراقة بن جعشم، يقول فيما يروون: تصور إبليس في ~~صورته يومئذ. فلما تراءت الفئتان يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقريشا نكص ~~إبليس وهو يرى الملائكة تقتل وتأسر وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ~~رأى الملائكة. إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم نفر ~~كانوا أقروا بالإسلام، فلما قلل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعينهم ~~فلوا [ (1) ] ، وقالوا هذا الكلام فقتلوا على كفرهم. يضربون وجوههم ~~وأدبارهم يعني أستاههم ولكنه كنى. أخبرنا بذلك الثوري، عن أبي هاشم، عن ~~مجاهد وأسامة بن زيد، عن أبيه، كدأب آل فرعون كفعل آل فرعون. وفي قوله إن ~~شر الدواب عند الله الذين كفروا إلى قوله وهم لا يتقون يعنى قينقاع، بنى ~~النضير، وقريظة. فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم اقتلهم. وإما تخافن من قوم ~~خيانة إلى آخر الآية، نزلت في بني قينقاع، سار إليهم النبي ms101 صلى الله عليه ~~وسلم بهذه الآية. وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة قال: الرمي، ومن رباط الخيل ~~يقول: ارتبطوا لخيل تصهل وترى، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم. ~~يعني خيبر. وإن جنحوا للسلم فاجنح لها إلى آخر الآية، يعني قريظة. وإن ~~يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره يعني قريظة والنضير حين ~~قالوا: نحن نسلم ونتبعك. يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ~~على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون PageV01P135 ~~نزلت في بدر ثم نسخت بقوله الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن ~~منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين فصار الرجل يغلب الرجلين ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض يعني أخذ المسلمين الأسرى يوم بدر، تريدون ~~عرض الدنيا يقول الفداء، والله يريد الآخرة يريد أن يقتلوا. لولا كتاب من ~~الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم قال سبق إحلال الغنيمة. فكلوا مما ~~غنمتم حلالا طيبا قال: إحلال الغنائم. إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا يعني قريشا الذين هاجروا ~~قبل بدر، وآووا ونصروا الأنصار، وأما قوله: والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا يقول: ليس بينكم وبينهم وراثة حتى ~~يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق يعني مدة وعهد. والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة ~~في الأرض وفساد كبير يقول: لا تولوا أحدا من الكافرين، بعضهم أولياء بعض، ~~ثم نسخ آية الميراث. وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله ~~بكل شيء عليم. # وفي قوله يوم نبطش البطشة الكبرى [ (1) ] يوم بدر. فسوف يكون لزاما [ (2) ~~] يوم بدر. أو يأتيهم عذاب يوم عقيم [ (3) ] يوم بدر. حتى إذا فتحنا عليهم ~~بابا ذا عذاب شديد [ (4) ] يوم بدر. سيهزم الجمع ويولون PageV01P136 ~~الدبر [ (1) ] يوم بدر. وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم [ (2) ] فلم يكن ~~إلا يسيرا حتى كان وقعة بدر. وذرني ms102 والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا [ ~~(3) ] نزلت قبل وقعة بدر بيسير. واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [ (4) ] يوم ~~بدر. فاصبروا حتى يحكم الله (بيننا) وهو خير الحاكمين [ (5) ] من قبل يوم ~~بدر. ~~ومن يولهم يومئذ دبره [ (6) ] قال: يوم بدر خاصة، وكان قد فرض عليهم إذا ~~لقي عشرون مائتين لا يفرون، فإنهم إذا لم يفروا غلبوا. ثم خفف عنهم فقال ~~فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين [ (7) ] فنسخت الأولى، فكان ابن ~~عباس يقول: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر. وفي قوله: ألم ~~تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار [ (8) ] يعني ~~قريشا يوم بدر. وفي قوله: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب [ (9) ] قال ~~بالسيوف يوم بدر. وفي قوله: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ~~[ (10) ] يقول: السيف يوم بدر. # حدثني محمد بن هلال، عن أبيه، عن أبي هريرة، في قوله عز وجل أخذنا ~~مترفيهم بالعذاب قال: يوم بدر. # حدثنا الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، قال: بالسيوف PageV01P137 ~~يوم بدر. حدثنا عمر بن عثمان المخزومي عن عبد الملك بن عبيد، عن مجاهد، ~~عن أبي بن كعب، في قوله: أو يأتيهم عذاب يوم عقيم [ (1) ] قال: يوم بدر. ### || ذكر من أسر من المشركين # حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: وحدثنى محمد ابن صالح، عن ~~عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قالا: ~~أسر من بني هاشم عقيل بن أبي طالب، قال محمود: أسره عبيد بن أوس الظفري. ~~وأسر نوفل بن الحارث جبار بن صخر، وعتبة حليف لبني هاشم من بني فهر. # حدثني عائذ بن يحيى، عن أبي الحويرث، قال: أسر من بني المطلب بن عبد مناف ~~رجلان: السائب بن عبيد، وعبيد بن عمرو بن علقمة، أسرهما سلمة بن أسلم بن ~~حريش الأشهلي. حدثني بذلك ابن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ~~الأنصاري. ولم يقدم لهما أحد، وكانا لا مال لهما، ففك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عنهما بغير فدية. ms103 # ومن بني عبد شمس بن عبد مناف: عقبة بن أبي معيط، قتل صبرا بالصفراء [ (2) ~~] قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ~~الذي أسره عبد الله بن سلمة العجلاني، والحارث بن أبي PageV01P138 ~~وجزة [ (1) ] ، وكان الذي أسره سعد بن أبي وقاص، فقدم فى فدائه الوليد ~~ابن عقبة بن أبي معيط، فافتداه بأربعة آلاف. فحدثنى محمد بن يحيى ابن سهل، ~~عن أبى عفير، أن سعد بن أبي وقاص، لما [ (2) ] أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يرد الأسرى، كان الذي [رده] ، أسره سعد أول مرة، ثم اقترعوا عليه ~~فصار أيضا له. وعمرو بن أبي سفيان، صار في سهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالقرعة، كان أسره علي، وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم بغير فدية لسعد بن ~~النعمان بن أكال من بني معاوية، خرج معتمرا فحبس بمكة، وأبو العاص بن ~~الربيع، أسره خراش بن الصمة. حدثنيه إسحاق ابن خارجة بن عبد الله، عن أبيه، ~~قال: قدم في فدائه عمرو بن الربيع أخوه. وحليف لهم يقال له أبو ريشة، ~~افتداه عمرو بن الربيع. وعمرو بن الأزرق افتكه عمرو بن الربيع، وكان الذي ~~صار في سهمه تميم مولى خراش بن الصمة، وعقبة بن الحارث بن الحضرمي، وكان ~~الذي أسره عمارة بن حزم، فصار في القرعة لأبي بن كعب، افتداه عمرو بن سفيان ~~ابن أمية، وأبو العاص بن نوفل بن عبد شمس، أسره عمار بن ياسر، فقدم في ~~فدائه ابن عمه. # ومن بني نوفل بن عبد مناف: عدي بن الخيار، وكان الذي أسره خراش بن الصمة- ~~حدثني بذلك أيوب بن النعمان- وعثمان بن عبد شمس، ابن أخي عتبة بن غزوان، ~~حليف لهم، أسره حارثة بن النعمان، وأبو ثور، افتداهم جبير بن مطعم، وكان ~~الذي أسر أبا ثور أبو مرثد الغنوى فى ثلاثة. PageV01P139 # ومن بني عبد الدار بن قصي: أبو عزيز بن عمير، أسره أبو اليسر ثم اقترع ~~عليه فصار لمحرز بن نضلة، وأبو عزيز أخوه مصعب بن عمير لأمه وأبيه. فقال ms104 ~~مصعب لمحرز: اشدد يديك به، فإن له أما بمكة كثيرة المال. فقال له أبو عزيز: ~~هذه وصاتك بي يا أخي؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك! فبعثت أمه فيه بأربعة آلاف، ~~وذلك بعد أن سألت أغلى ما تفادي به قريش، فقيل لها أربعة آلاف. والأسود بن ~~عامر بن الحارث ابن السباق، أسره حمزة بن عبد المطلب، فقدم في فدائهما طلحة ~~بن أبي طلحة- اثنان. # ومن بني أسد بن عبد العزى: السائب بن أبي حبيش بن المطلب بن أسد، أسره ~~عبد الرحمن بن عوف، والحارث بن عائذ بن أسد، أسره حاطب بن أبي بلتعة، وسالم ~~بن شماخ، أسره سعد بن أبي وقاص، قدم في فدائهم عثمان بن أبي حبيش بأربعة ~~آلاف لكل رجل- ثلاثة. ومن بني تيم: مالك بن عبد الله بن عثمان، أسره قطبة ~~بن عامر بن حديدة، فمات بالمدينة أسيرا. # ومن بني مخزوم: خالد بن هشام بن المغيرة، أسره سواد بن غزية [ (1) ] ، ~~وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، أسره بلال، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ~~وكان أفلت يوم نخلة، فأسره واقد بن عبد الله بن التميمي يوم بدر، فقال: ~~الحمد لله الذي أمكنني منك، فقد كنت أفلت في المرة الأولى يوم نخلة. فقدم ~~في فدائهم عبد الله بن أبي ربيعة وافتداهم بأربعة آلاف، كل رجل منهم. ~~والوليد بن الوليد بن المغيرة، أسره عبد الله بن جحش، فقدم في فدائه أخوه ~~خالد بن الوليد وهشام بن الوليد، فتمنع عبد الله بن جحش PageV01P140 ~~حتى افتكاه بأربعة آلاف، فجعل هشام لا يريد أن يبلغ ذلك، يريد ثلاثة ~~آلاف، فقال خالد لهشام: إنه ليس بابن أمك، والله لو أبى [ (1) ] فيه إلا ~~كذا وكذا لفعلت. ثم خرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة [ (2) ] ، فأفلت فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ألا أسلمت قبل أن تفتدى؟ ~~قال: كرهت أن أسلم حتى أفتدى [ (3) ] بمثل ما افتدي به قومي. فأسلم- ~~وحدثني يحيى بن المغيرة، عن أبيه، أنه أخبره بمثل ذلك إلا أنه قال: ~~أسره سليط. بن قيس المازني- وقيس ms105 بن السائب، كان أسره عبدة بن الحسحاس، ~~فحبسه عنده حينا وهو يظن أن له مالا، وقدم أخوه فروة بن السائب في فدائه، ~~فأقام أيضا حينا، ثم افتداه بأربعة آلاف درهم فيها عرض. # ومن بني أبي رفاعة: صيفي بن أبي رفاعة بن عابد [ (4) ] بن عبد الله بن ~~عمرو بن مخزوم، وكان لا مال له، أسره رجل من المسلمين، فمكث عندهم ثم ~~أرسله، وأبو المنذر بن أبي رفاعة افتدي بألفين، وعبد الله، وهو أبو عطاء بن ~~السائب بن عابد بن عبد الله، افتدي بألف درهم، أسره سعد ابن أبي وقاص، ~~والمطلب بن حنطب [ (5) ] بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم، وكان الذي ~~أسره أبو أيوب الأنصاري، لم يكن له مال فأرسله بعد حين، وخالد بن الأعلم ~~حليف لهم عقيلي، وهو الذي يقول: PageV01P141 # ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا %~% ولكن على أقدامنا يقطر الدما # قدم في فدائه عكرمة بن أبي جهل، كان الذي أسره حباب بن المنذر بن الجموح- ~~ثمانية. # ومن بني جمح: عبد الله بن أبي بن خلف، والذي أسره فروة بن عمرو البياضي، ~~قدم في فدائه أبوه أبي بن خلف، فتمنع به فروة حينا، وأبو عزة عمرو بن عبد ~~الله بن وهب، من عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأحلفه ألا يكثر عليه أحدا، ~~فأرسله بغير فدية، فأسر يوم أحد فضرب عنقه، ووهب بن عمير بن وهب بن خلف، ~~قدم أبوه عمير بن وهب بن خلف في فدائه حين بعثه صفوان إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأسلم فأرسل له ابنه بغير فداء، وكان الذي أسره رفاعة بن رافع ~~الزرقي، وربيعة بن دراج بن العنبس [ (1) ] بن وهبان بن وهب بن حذافة بن ~~جمح، وكان لا مال له فأخذ منه شيئا [ (2) ] وأرسله، والفاكه مولى أمية بن ~~خلف، أسره سعد بن أبي وقاص- أربعة # ومن بني سهم بن عمرو: أبو وداعة بن ~~ضبيرة، وكان أول أسير افتدي، قدم في فدائه ابنه المطلب، افتداه بأربعة ~~آلاف، وفروة بن خنيس بن حذافة بن سعيد بن سعد بن ms106 سهم، وكان الذي أسره ثابت ~~بن أقرم، قدم في فدائه عمرو بن قيس، افتداه بأربعة آلاف، وحنظلة بن قبيصة ~~بن حذافة بن سعيد بن سعد بن سهم، كان الذي أسره عثمان ابن مظعون، والحجاج ~~بن الحارث بن سعد، أسره عبد الرحمن بن عوف، فأفلت فأخذه أبو داود المازنى- ~~أربعة. PageV01P142 # ومن بني مالك بن حسل: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود ابن نصر بن ~~مالك، قدم في فدائه مكرز بن حفص بن الأخيف، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم، ~~فقال مالك: # أسرت سهيلا فلم أبتغ [ (1) ] %~% به غيره من جميع الأمم # وخندف تعلم أن الفتى %~% سهيلا فتاها إذا تظلم # ضربت بذي السيف حتى انحنى [ (2) ] %~% وأكرهت نفسي على ذي العلم [ (2) ] # فلما قدم مكرز انتهى إلى رضاهم في سهيل ودفع الفداء، أربعة آلاف، قالوا: ~~هات مالنا. قال: نعم، اجعلوا رجلا مكان رجل وخلوا سبيله. ~~فكان عبد الله بن جعفر يقول: رجلا برجل! وكان محمد بن صالح وابن أبي ~~الزناد يقولان: رجلا برجل! فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرز بن حفص، وبعث سهيل ~~بالمال مكانه من مكة. وعبد [ (3) ] بن زمعة بن قيس بن نصر بن مالك، أسره ~~عمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو، وعبد العزى بن مشنوء بن وقدان بن قيس بن ~~عبد شمس بن عبد ود، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وكان ~~الذي أسره النعمان بن مالك- ثلاثة. ~~ومن بنى فهر: الطفيل بن أبى فنيع، وابن جحدم. # فحدثني محمد بن عمرو، عن محمد بن يحيى بن حبان، قال: PageV01P143 ~~كان الأسرى الذين يحصون تسعة وأربعين. # فحدثني عمر بن عثمان، عن عبد الملك بن عبيد، عن ابن المسيب، قال: كان ~~الأسرى سبعين والقتلى سبعين. # فحدثني حمزة بن عبد الواحد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي عكرمة، عن ابن ~~عباس، مثله. # وحدثني محمد، عن الزهري، قال: كان الأسرى زيادة على سبعين والقتلى زيادة ~~على سبعين. # فحدثني يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ~~صعصعة، ms107 قال: أسر يوم بدر أربعة وسبعون. ### || تسمية المطعين في طريق بدر من المشركين # حدثني عبد الله بن جعفر، عن محمد بن عثمان اليربوعي، عن عبد الرحمن بن ~~سعيد بن يربوع، قال: كان المطعمون في بدر تسعة، من عبد مناف ثلاثة: الحارث ~~بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، ومن بني أسد: زمعة ~~بن الأسود بن المطلب بن أسد، ونوفل بن خويلد ابن العدوية- اثنان، ومن بني ~~مخزوم: أبو جهل بن هشام- واحد، ومن بني جمح: أمية بن خلف- واحد، ومن بني ~~سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج- رجلان. # فحدثني إسماعيل بن إبراهيم، عن موسى بن عقبة، قال: أول من نحر لهم أبو ~~جهل بمر الظهران عشرا، ثم أمية بن خلف بعسفان تسعا، وسهيل بن عمرو بقديد ~~عشرا. ومالوا إلى المياه من نحو البحر، ضلوا PageV01P144 ~~الطريق، فأقاموا بها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعة، ثم أصبحوا ~~بالجحفة فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشرا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم قيس ~~الجمحي تسعا، ثم نحر لهم فلان عشرا، ونحر لهم الحارث بن ماء بدر تسعا، ثم ~~نحر أبو البختري على ماء بدر عشرا، ونحر له مقيس على ماء بدر تسعا، ثم ~~شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم. قال ابن أبي الزناد: ~~والله، ما أظن مقيس كان يقدر على واحدة، ولا يعرف الواقدي قيس الجمحي. ~~حدثني عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: كان النفر ~~يشتركون في الطعام، فينسب إلى الرجل الواحد ويسكت عن سائرهم. ### || تسمية من استشهد من المسلمين ببدر # حدثني عبد الله بن جعفر قال: سألت الزهري: كم استشهد من المسلمين ببدر؟ ~~قال: أربعة عشر رجلا. ثم عدهم علي، فهم هؤلاء الذين سميت. وحدثني محمد بن ~~صالح، عن عاصم بن عمرو بن رومان مثله، ستة من المهاجرين وثمانية من ~~الأنصار، من بني المطلب بن عبد مناف: ~~عبيدة بن الحارث، قتله شيبة بن ربيعة، فدفنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالصفراء. ومن بني زهرة: عمير بن أبي وقاص، قتله ms108 عمرو بن عبد- أخبرنيه أبو ~~بكر بن إسماعيل بن محمد، عن أبيه- وعمير بن عبد عمرو ذو الشمالين، قتله أبو ~~أسامة الجشمي. ومن بني عدى بن كعب: عاقل ابن أبي البكير [ (1) ] حليف لهم ~~من بني سعد بن بكر، قتله مالك بن زهير PageV01P145 ~~الجشمي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب قتله عامر بن الحضرمي، أخبرنيه ابن أبي ~~حبيبة، عن داود بن الحصين، قال: وحدثنيه محمد بن عبد الله، عن الزهري. ~~ويقال أول قتيل قتل من المهاجرين مهجع مولى عمر. ~~ومن بني الحارث بن فهر: صفوان بن بيضاء، قتله طعيمة بن عدي، وحدثني بذلك ~~محرز بن جعفر [ (1) ] بن عمرو، عن جعفر بن عمرو. ومن الأنصار، من بني عمرو ~~بن عوف: مبشر بن عبد المنذر، قتله أبو ثور، وسعد بن خيثمة، قتله عمرو بن ~~عبد، ويقال طعيمة بن عدي. ومن بني عدي بن النجار: حارثة بن سراقة، رماه ~~حبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله. [قال الواقدي: وسمعت المكيين ~~يقولون ابن العرقة] [ (2) ] . ~~ومن بني مالك بن النجار: عوف ومعوذ ابنا عفراء، قتلهما أبو جهل. ومن بني ~~سلمة بن حرام: عمير بن الحمام بن الجموح، قتله خالد بن الأعلم. ~~حدثني محمد بن صالح قال: أول قتيل قتل من الأنصار فى الإسلام عمير ابن ~~الحمام، قتله خالد بن الأعلم، ويقال حارثة بن سراقة، رماه حبان ابن العرقة. ~~ومن بني زريق: رافع بن المعلى، قتله عكرمة بن أبي جهل. ~~ومن بني الحارث بن الخزرج: يزيد بن الحارث بن فسحم [ (3) ] ، قتله نوفل ~~بن معاوية الديلي. حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ~~ابن عباس، قال: قتل أنسة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ببدر. حدثني ~~الثوري، عن الزبير بن عدي، عن عطاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ~~قتلى بدر. وحدثني عبد ربه [ (4) ] بن عبد الله، PageV01P146 ~~عن عطاء، عن ابن عباس، مثله. # حدثني يونس بن محمد الظفري قال: أراني أبي أربعة قبور بسير- شعب من مضيق ~~الصفراء- فقال: هؤلاء من شهداء بدر من المسلمين. ~~وثلاثة بالدبة- أسفل ms109 من العين المستعجلة. وأراني قبر عبيدة بن الحارث ~~بذات أجدال- بالمضيق أسفل من الجدول. وحدثني يونس بن محمد، عن معاذ بن ~~رفاعة أن معاذ بن ماعص جرح ببدر فمات من جرحه بالمدينة. ~~وعبيد بن السكن، اشتكى فمات حين قدم. # حدثني يحيى بن عبد العزيز، عن سعيد بن عمرو، قال: أول أنصاري قتل في ~~الإسلام عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، قتله عامر بن الحضرمي ببدر، وأول من ~~قتل من المسلمين من المهاجرين مهجع، قتله عامر بن الحضرمي، ومن الأنصار ~~عمير بن الحمام، قتله خالد بن الأعلم. ويقال أولهم حارثة بن سراقة، قتله ~~حبان بن العرقة، رماه بسهم. ### || تسمية من قتل من المشركين ببدر # من بني عبد شمس بن عبد مناف: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، قتله علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. حدثني موسى بن محمد، عن أبيه، بذلك. وحدثني يونس بن ~~محمد، عن أبيه، مثله. قال: وحدثنيه ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين. ~~والحارث بن الحضرمي، قتله عمار ابن ياسر. وعامر بن الحضرمي، قتله عاصم بن ~~ثابت بن أبي الأقلح. ~~حدثني بذلك عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون. وعمير بن أبي عمير PageV01P147 ~~وابنه، وموليان لهم، قتل سالم مولى أبي حذيفة عمير بن أبي عمير. ~~وعبيدة بن سعيد بن العاص، قتله الزبير بن العوام. حدثني بذلك أبو حمزة ~~عبد الواحد بن ميمون، عن عروة بن الزبير. [قال ابن حيويه: رأيت في نسخة ~~عتيقة: أبو حمزة عبد الملك بن ميمون] [ (1) ] . ~~وحدثنيه محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة. والعاص بن سعيد، قتله ~~علي بن أبي طالب عليه السلام. حدثني بذلك محمد بن صالح، عن عاصم بن عمرو بن ~~رومان، وموسى بن محمد، عن أبيه، مثله. وعقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ~~ثابت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصفراء صبرا بالسيف. وعتبة بن ربيعة، ~~قتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وشيبة بن ربيعة، قتله عبيدة بن ~~الحارث، وذفف عليه حمزة وعلي. والوليد ms110 بن عتبة بن ربيعة، قتله علي بن أبي ~~طالب عليه السلام، وعامر بن عبد الله حليف لهم من أنمار [ (2) ] ، قتله علي ~~بن أبي طالب عليه السلام. فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، قال: ~~قتله سعد بن معاذ- اثنا عشر. # ومن بني نوفل بن عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، قتله خبيب بن يساف. ~~وطعيمة بن عدي، قتله حمزة بن عبد المطلب- اثنان. # ومن بني أسد: ربيعة بن الأسود، قتله أبو دجانة، أخبرنيه عبد الله ابن ~~جعفر، عن ابن أبي عون. وحدثني عبد الله بن جعفر، عن جعفر بن عمرو، قال: ~~قتله ثابت بن الجذع. والحارث بن ربيعة، قتله علي بن أبي طالب عليه السلام. ~~وعقيل بن الأسود بن المطلب، قتله حمزة وعلى، PageV01P148 ~~شركا في قتله. وحدثني أبو معشر قال: قتله علي وحده. وأبو البختري، وهو ~~العاص بن هشام، قتله المجذر بن ذياد. حدثني بذلك سعيد بن محمد، عن عمارة بن ~~غزية، عن محمد بن يحيى بن حبان. وحدثني سعيد بن محمد، عن عمارة بن غزية، عن ~~عباد بن تميم، قال: قتله أبو داود المازني. وحدثني يعقوب بن محمد بن أبى ~~صعصعة، عن أيوب ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، قال: قتله أبو داود المازني. ~~وحدثني أيوب بن النعمان، عن أبيه، قال: قتله أبو اليسر. ونوفل بن خويلد ابن ~~أسد، وهو ابن العدوية، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. حدثني بذلك محمد ~~بن صالح، عن عاصم بن عمرو بن رومان، قال: وحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن ~~الحصين، قال: وحدثني عمر بن أبي عاتكة، عن أبي الأسود- خمسة. # ومن بني عبد الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة، قتله على ابن أبي ~~طالب صبرا بالسيف بالأثيل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وزيد ابن مليص ~~مولى عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله على ابن أبي طالب. حدثني ~~بذلك أيوب بن النعمان، عن عكرمة بن مصعب العبدي. وحدثني عبد الله بن جعفر، ~~عن يعقوب ms111 بن عتبة، قال: قتله بلال. # ومن بني تيم بن مرة: عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم، قتله ~~علي بن أبي طالب عليه السلام. حدثني بذلك موسى بن محمد، عن أبيه. وعثمان بن ~~مالك بن عبيد الله بن عثمان، قتله صهيب. ~~حدثني بذلك موسى بن محمد، عن أبيه- اثنان. # ومن بني مخزوم بن يقظة، ثم من بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: ~~أبو جهل، ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ وعوف ابنا PageV01P149 ~~عفراء، وذفف عليه عبد الله بن مسعود، والعاص بن هشام بن المغيرة، قتله ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه. حدثنيه إبراهيم بن سعد، عن محمد ابن عكرمة بن ~~عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن نافع بن جبير، ومحمد بن صالح، عن عاصم بن ~~عمرو بن رومان، مثله. ويزيد بن تميم التميمي حليف لهم، قتله عمار بن ياسر. ~~حدثني بذلك عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه. ويقال علي عليه السلام. وأبو ~~مسافع الأشعري حليف لهم، قتله أبو دجانة. وحرملة بن عمرو بن أبي عتبة، قتله ~~علي- أصحابنا جميعا على ذلك. # ومن بني الوليد بن المغيرة: أبو قيس بن الوليد، قتله علي عليه السلام. ~~أخبرنيه عبد الله بن جعفر، عن جعفر بن عمرو. # ومن بني الفاكه بن المغيرة: أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله حمزة بن ~~عبد المطلب. وقال لي إسحاق بن خارجة: إن حباب بن المنذر قتله. # ومن بني أمية بن المغيرة: مسعود بن أبي أمية، قتله علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه. ومن بني عابد [ (1) ] بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم من بني ~~رفاعة، وهو أمية بن عابد: رفاعة بن أبي رفاعة، قتله سعد بن الربيع. ~~وأبو المنذر بن أبي رفاعة، قتله معن بن عدي العجلاني. وعبد الله بن أبي ~~رفاعة، قتله علي بن أبي طالب. وزهير بن أبي رفاعة قتله أبو أسيد الساعدي. ~~حدثني بذلك أبي بن العباس بن سهل، عن أبيه. والسائب بن أبي ms112 رفاعة، قتله ~~عبد الرحمن بن عوف. PageV01P150 # ومن بني أبي السائب، وهو صيفي بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: ~~السائب بن أبي السائب، قتله الزبير بن العوام. والأسود بن عبد الأسد بن ~~هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قتله حمزة بن عبد المطلب، أخبرنا ~~أصحابنا جميعا بذلك. وحليفان لهم من طيء: عمرو بن سفيان، قتله يزيد بن ~~رقيش، وأخوه جبار [ (1) ] بن سفيان، قتله أبو بردة بن نيار [ (2) ] # ومن بني ~~عمران بن مخزوم: حاجز بن السائب بن عويمر بن عائذ، قتله علي بن أبي طالب ~~عليه السلام. وعويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، قتله النعمان بن أبي مالك- ~~تسعة عشر. # ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص: أمية بن خلف، قتله خبيب بن يساف وبلال، ~~شركا فيه. أخبرنيه ابن أبي طوالة، عن خبيب بن عبد الرحمن، ومحمد بن صالح، ~~عن عاصم بن عمر، ويزيد بن رومان، بذلك. وحدثني عبيد بن يحيى، عن معاذ بن ~~رفاعة بن رافع، قال: ~~قتله رفاعة بن رافع بن مالك. وعلي بن أمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر. ~~وأوس بن المعير [ (3) ] بن لوذان، قتله عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب، ~~شركا فيه. وحدثني قدامة بن موسى، عن عائشة بنت قدامة، قالت: قتله عثمان بن ~~مظعون. ومنبه بن الحجاج، قتله أبو اليسر، ويقال: ~~علي، ويقال: أبو أسيد الساعدي. حدثني أبي بن عباس، عن أبيه، عن أبي أسيد، ~~قال: أنا قتلت منبه بن الحجاج. ونبيه بن الحجاج، قتله PageV01P151 ~~علي بن أبي طالب عليه السلام. والعاص بن منبه، قتله علي بن أبي طالب. ~~وأبو العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، قتله أبو دجانة. ~~وحدثني أبو معشر، عن أصحابه، قالوا: قتله علي عليه السلام. وحدثني حفص بن ~~عمر بن عبد الله بن جبير مولى علي عليه السلام بذلك. وعاصم ابن أبي عوف بن ~~ضبيرة بن سعيد بن سعد، قتله أبو دجانة- سبعة. # ومن بني عامر بن لؤي، ثم من بني مالك بن حسل: ms113 معاوية بن عبد قيس حليف ~~لهم، قتله عكاشة بن محصن. ومعبد بن وهب، حليف لهم من كلب، قتله أبو دجانة. ~~حدثني بذلك ابن أبي سبرة، عن سعد بن سعيد أخي يحيى. وحدثني عبد الله بن ~~جعفر، عن يعقوب بن عتبة. ~~وحدثني محمد بن صالح، عن عاصم، قال: قتله أبو دجانة. فجميع من يحصى فتله ~~تسعة وأربعون رجلا. # [منهم من قتله أمير المؤمنين علي عليه السلام وشرك في قتله- اثنان وعشرون ~~رجلا] [ (1) ] ### || تسمية من شهد بدرا من قريش والأنصار # من شهد الوقعة، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم وهو غائب، ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. # فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، قال: وحدثني ابن أبي ~~حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، وحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر، ~~ويزيد بن رومان. وحدثني موسى بن محمد، PageV01P152 ~~عن أبيه، بذلك: ثمانية نفر ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهامهم ~~وأجورهم. # وحدثني سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، ~~قال: شهد بدرا من الموالي عشرون رجلا. وحدثنى عبد الله ابن جعفر قال: سمعت ~~عبد الله بن حسن يقول: ما شهد بدرا إلا قرشي أو أنصاري، أو حليف لقرشي أو ~~حليف لأنصاري، أو مولى لهم. # من بني هاشم: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الطيب المبارك، وحمزة بن ~~عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وأبو مرثد كناز بن حصين ~~الغنوي، ومرثد بن أبي مرثد، حليفان لحمزة، وأنسة مولى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأبو كبشة مولى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وشهدها شقران، وهو مملوك للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسهم له بشيء، ~~وكان على الأسرى فأحذاه [ (1) ] كل رجل له أسير، فأصاب أكثر مما أصاب رجل ~~من القوم- ثمانية سوى شقران. # فحدثني عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه- أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ضرب لجعفر بن أبي طالب بسهمه وأجره- ولم يذكره أصحابنا، ms114 وليس في ~~صدر الكتاب تسميته. # ومن بني المطلب بن عبد مناف: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عبد ~~مناف، والحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، والطفيل بن الحارث بن ~~عبد المطلب بن عبد مناف، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب بن عبد ~~مناف- أربعة. # ومن بني عبد شمس بن عبد مناف: عثمان بن عفان بن أبى العاص PageV01P153 ~~ابن أمية بن عبد شمس رضي الله عنه، لم يحضر، تخلف على ابنة النبي صلى ~~الله عليه وسلم رقية، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره- ~~ذكره القوم جميعا- وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبى حذيفة. ومن ~~حلفائهم من بني غنم بن دودان: عبد الله بن جحش بن رئاب، وعكاشة بن محصن، ~~وأبو سنان بن محصن، وسنان ابن أبي سنان بن محصن، وشجاع بن وهب، وعتبة بن ~~وهب. وربيعة ابن أكثم، ويزيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة بن عبد الله. ومن ~~حلفائهم من بني سليم: مالك بن عمرو، ومدلاج بن عمرو، وثقف بن عمرو، وحليف ~~لهم من طيء سويد بن مخشي. حدثني به أبو معشر، وابن أبي حبيبة، عن داود بن ~~الحصين، قال: وزعم لي عبد الله بن جعفر الزهري أنه أربد بن حميرة، وأنه ~~يكنى أبا مخشي، وأنه من بني أسد بن خزيمة من أنفسهم. وأخبرنا بعض أصحابنا ~~أن صبيحا مولى العاص تجهز إلى بدر فاشتكى، فحمل على بعيره أبا سلمة بن عبد ~~الأسد، ثم شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم- هم ستة عشر سوى ~~صبيح. # ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر بن أهيب ابن نسيب بن ~~مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة، أخوه سليم. ومن بني مازن: حباب ~~مولى عتبة بن غزوان- اثنان. # ومن بني أسد بن عبد العزى: الزبير بن العوام، وحاطب بن أبي بلتعة حليف ~~لهم، وسعد مولى حاطب- ثلاثة. # ومن بني عبد بن قصي: طليب بن عمير بن وهب. حدثني بذلك ms115 عبد الله بن جعفر، ~~عن إسماعيل بن محمد، ومحمد بن عبد الله بن عمرو. # وحدثنيه قدامة بن موسى، عن عائشة بنت قدامة. PageV01P154 # ومن بني عبد الدار بن قصي: مصعب بن عمير، وسويبط بن حرملة بن مالك بن ~~عميلة بن السباق بن عبد الدار بن قصي- اثنان. # ومن بني زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وسعد بن ~~أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمير ابن أبي وقاص. ومن حلفائهم: ~~عبد الله بن مسعود الهذلي، والمقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ~~ثمامة بن مطرود بن زهير بن ثعلبة ابن مالك بن الشريد بن فأس بن ذريم بن ~~القين بن أهود بن بهراء، وهو الذي كان يقال له المقداد بن الأسود بن عبد ~~يغوث بن عبد بن الحارث بن زهرة، وخباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة ~~بن كعب بن سعد مولى أم سباع بنت أنمار. أخبرني بنسب خباب، موسى بن يعقوب بن ~~عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن أسد ~~بن عبد العزى يتيم عروة. ومسعود بن الربيع من القارة، وذو اليدين عمير بن ~~عبد عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم ابن مالك بن أفصى من خزاعة- ثمانية. # ومن بني تيم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو عبد الله بن عثمان ابن ~~عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، ضرب ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، وبلال ابن رباح، وعامر بن ~~فهيرة مولى أبي بكر، وصهيب بن سنان- خمسة. # ومن بني مخزوم بن يقظة: أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن ~~عمر بن مخزوم، وشماس بن عثمان بن الشريد، وأرقم بن أبي الأرقم، وعمار بن ~~ياسر، ومعتب بن عوف بن الحمراء، حليف لهم من خزاعة- خمسة. PageV01P155 # ومن بني عدي بن كعب: عمر بن الخطاب ms116 بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح، وزيد ~~بن الخطاب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعثه هو وطلحة يتحسبان العير، فضرب له بسهمه وأجره، وعمرو بن سراقة بن ~~المعتمر بن أنس بن أذاة [ (1) ] بن رياح. ~~ومن حلفائهم من بني سعد بن ليث: عاقل بن أبي البكير، قتل ببدر، وخالد بن ~~أبي البكير، قتل يوم الرجيع، وإياس [ (2) ] بن أبى البكير، وعامر ابن أبي ~~البكير، ومهجع مولى عمر من اليمن، وخولي وابنه حليفان لهم، وعامر بن ربيعة ~~العنزي- عنز بطن من ربيعة- حليف لهم، وواقد بن عبد الله التميمي، حليف لهم- ~~ثلاثة عشر. # ومن بني جمح بن عمرو: عثمان بن مظعون، وقدامة بن مظعون، وعبد الله ابن ~~مظعون، والسائب بن عثمان بن مظعون، ومعمر بن الحارث- خمسة. # ومن بني سهم بن عمرو: خنيس [ (3) ] بن حذافة بن قيس. # ومن بني مالك بن حسل: عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى، وعبد الله ابن ~~سهيل بن عمرو، كان أقبل مع المشركين فانحاز إلى المسلمين، ووهب بن سعد بن ~~أبي سرح. حدثني به محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: وحدثنيه ابن أبي ~~حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، قال: وحدثنيه عبد الله بن جعفر، عن ~~إسماعيل بن محمد. وأبو سبرة ابن أبي رهم، وعمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو، ~~وسعد بن خولة، حليف لهم يماني، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود. حدثنى ~~به PageV01P156 ~~عبد الله بن جعفر، عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن عمرو بن عطاء، بذلك- ~~وهم ستة سوى حاطب. حدثني عطاء بن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبيه، قال: خرج ~~عبد الله بن سهيل مع أبيه في نفقته، وخرج ولا يشك أبوه أنه على دينه، فلما ~~قربوا انحاز حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل القتال، فغاظ أباه ~~ذلك. فقال سهيل: فجعل الله لي وله في ذلك خيرا. # ومن بني الحارث بن فهر: أبو عبيدة، واسمه عامر بن عبد ms117 الله بن الجراح، ~~وصفوان بن بيضاء، وسهيل بن بيضاء، وعياض بن زهير، ومعمر بن أبي سرح، وعمرو ~~بن أبي عمرو، وهم من بني ضبة- وهم ستة. # فحدثني نافع بن أبي نافع أبو الحصيب، وابن أبي سبرة، عن هشام ابن عروة، ~~عن أبيه، قال: كانت سهمان قريش يوم بدر مائة سهم. ~~حدثني موسى بن محمد، عن أبيه، قال: كانت قريش ستة وثمانين رجلا، والأنصار ~~مائتين وسبعة وعشرين رجلا. وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن أبي ~~الحويرث، عن محمد بن جبير، قال: كانت قريش ثلاثة وسبعين رجلا، والأنصار ~~أربعين ومائتي رجل. # ومن الأنصار، من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ~~بن زيد بن عبد الأشهل، وعمرو بن معاذ بن النعمان، والحارث بن أوس بن معاذ ~~بن النعمان: والحارث بن أنس بن رافع بن امرئ القيس. # ومن بني عبد بن كعب بن عبد الأشهل بنى زعورا: سعد بن مالك PageV01P157 ~~ابن عبد بن كعب، وسلمة بن سلامة بن وقش، وعباد بن بشر بن وقش، وسلمة بن ~~ثابت بن وقش، ورافع بن يزيد بن كرز بن سكن بن زعورا بن عبد الأشهل، والحارث ~~بن خزمة بن عدي بن أبى غنم بن سالم ابن عوف بن عمرو بن عوف، حليف لهم من ~~بني حارثة من القواقلة، داره فيهم، ومحمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة ~~بن حارثة ابن الحارث، من بني حارثة، وسلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن ~~مجدعة، قتل يوم جسر أبي عبيد سنة أربع عشرة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعبيد ~~بن التيهان، حليفان لهم من بلي، وعبد الله بن سهل- خمسة عشر رجلا. # ومن بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس: ~~مسعود بن عبد سعد بن عامر بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة، وأبو عبس بن ~~جبر بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة. ومن حلفائهم أبو بردة بن نيار من بلي- ~~وهم ثلاثة. وحدثني عبد المجيد بن أبي ms118 عبس، عن أبيه، ومحمد بن صالح، عن عاصم ~~بن عمر، عن محمود بن لبيد مثله- عبد المجيد بن أبي عبس بن محمد بن أبي عبس ~~بن جبر. # ومن بني ظفر، من بني سواد بن كعب: قتادة بن النعمان بن زيد، وعبيد بن أوس ~~بن مالك بن سواد. # ومن بني رزاح بن كعب: نصر [ (1) ] بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر بن كعب، ~~ومن حلفائهم رجلان من بلي، عبد الله بن طارق بن مالك PageV01P158 ~~ابن تيم بن شعبة بن سعد الله بن فران [ (1) ] بن بلي بن عمرو بن الحاف بن ~~قضاعة، قتل بالرجيع [ (2) ] ، وأخوه لأمه معتب بن عبيد بن أناس بن تيم ابن ~~شعبة بن سعد الله بن فران بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة- ثمانية. حدثني ~~بذلك عبد المجيد بن أبي عبس، عن أبيه، ومحمد ابن صالح، عن عاصم بن عمر، عن ~~محمود بن لبيد. وحدثنيه ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، مثله. # ومن بني أمية بن زيد بن مالك بن عوف: مبشر بن عبد المنذر ابن زنبر [ (3) ~~] ، قتل ببدر، ورفاعة بن عبد المنذر، وسعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن ~~عمرو بن أمية بن زيد بن أمية، وعويم بن ساعدة، ورافع بن عنجدة- اسم أمه ~~عنجدة- وعبيد بن أبي عبيد، وثعلبة بن حاطب، وأبو لبابة بن عبد المنذر، ~~استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره، رده ~~من الروحاء، والحارث بن حاطب، رده من الروحاء، ضرب له بسهمه وأجره- نسعة. # ومن بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف: عاصم ابن ثابت بن ~~قيس- وقيس أبو الأقلح، كنيته ابن عصمة بن مالك بن أمية بن ضبيعة، قتل ~~بالرجيع، والأحوص الشاعر من ولده- ومعتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف، ~~وأبو مليل بن الأزعر بن زيد بن العطاف، لا عقب له، وعمير بن معبد بن ~~الأزعر، لا عقب له، وسهل ابن حنيف بن واهب بن عكيم بن الحارث بن ثعلبة- ~~خمسة. PageV01P159 # ومن بني عبيد ms119 بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف: أنيس بن قتادة ابن ربيعة بن ~~خالد بن الحارث بن عبيد بن زيد، قتل يوم أحد، وهو زوج خنساء بنت خذام، لا ~~عقب له. ومن حلفائهم: معن بن عدى ابن الجد بن العجلان، قتل يوم اليمامة، ~~وربعي بن رافع، وثابت بن أقرم، قتل يوم طليحة، وعبد الله بن سلمة بن مالك ~~بن الحارث بن عدي بن الجد بن العجلان، وزيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدى بن ~~الجد ابن العجلان، لا عقب له. وخرج عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان، فرده ~~النبي صلى الله عليه وسلم- وضرب له بأجره وسهمه- إلى مسجد الضرار لشيء بلغه ~~عنهم، وسالم مولى ثبيتة بنت يعار، قتل يوم اليمامة. ~~حدثني أفلح بن سعيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، عن أبي البداح بن ~~عاصم بذلك- ثمانية. # ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف: عبد الله بن جبير بن النعمان، قتل يوم ~~أحد، أمير النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد على الرماة، وعاصم ابن قيس، ~~وأبو ضياح بن ثابت، وأبو حنة- وليس فى بدر أبو حنة- وسالم بن عمير، وهو أحد ~~البكائين، والحارث بن النعمان بن أبي خذمة [ (1) ] وخوات بن جبير بن ~~النعمان، كسر بالروحاء. حدثني عبد الملك بن سليمان، عن خوات بن صالح، عن ~~أبيه، ذلك- ثمانية. # ومن بني جحجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف: المنذر ابن محمد بن عقبة ~~بن أحيحة بن الجلاح بن حريش بن جحجبى بن كلفة، ويكنى أبا عبدة، وليس له ~~عقب، ولأحيحة عقب من غيره PageV01P160 # ومن حلفائهم من بني أنيف: أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة بن بيحان، وكان ~~اسم أبي عقيل عبد العزى فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن عدو ~~الأوثان، قتل باليمامة، وهو أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة ابن بيحان بن ~~عامر بن أنيف بن جشم بن عبد الله بن تيم بن يراش بن عامر بن عبيلة [ (1) ] ~~بن قسميل بن فران بن بلي بن ms120 عمرو بن الحاف بن قضاعة- اثنان. # ومن بني غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس بن حارثة: سعد بن ~~خيثمة، قتل ببدر، والمنذر بن قدامة، ومالك بن قدامة، وابن عرفجة، وتميم ~~مولى بني غنم بن السلم- خمسة. فهؤلاء الأوس # ومن بني معاوية بن مالك بن عوف ~~بن عمرو بن عوف: جابر بن عتيك بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن ~~معاوية، ومالك بن ثابت بن نميلة، حليف لهم من مزينة، ونعمان بن عصر [ (2) ] ~~، حليف لهم من بلي، والحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية، ليس ثبت. # ومن بني مالك بن النجار بن عمرو بن الخزرج، ثم من بني غنم بن مالك، ثم من ~~بني ثعلبة بن عبد عوف بن غنم: أبو أيوب، واسمه خالد ابن زيد بن كليب بن ~~ثعلبة، مات بأرض الروم زمن معاوية. # ومن بني عسيرة بن عبد عوف: ثابت بن خالد بن النعمان بن خنساء بن عسيرة. ~~PageV01P161 # ومن بني عمرو بن عبد عوف، عمارة بن حزم بن زيد، وسراقة بن كعب بن عبد ~~العزى بن غزية بن عمرو بن عبد. # ومن بني عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك: حارثة بن النعمان، وسليم ابن قيس ~~بن قهد، واسم قهد خالد بن قيس بن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة ابن غنم. # ومن بني عائذ بن ثعلبة بن غنم: سهيل بن رافع بن أبي عمرو بن عائذ ابن ~~ثعلبة بن غنم، وعدي بن أبي الزغباء، واسم أبى الزغباء سنان بن سبيع ابن ~~ثعلبة بن ربيعة بن بديل بن سعد بن عدي بن نصر بن كاهل بن نصر ابن مالك بن ~~غطفان بن قيس بن جهينة- ثمانية. # ومن بني زيد بن ثعلبة بن غنم: مسعود بن أوس بن زيد، وأبو خزيمة ابن أوس ~~بن أصرم بن زيد بن ثعلبة، ورافع بن الحارث بن سواد بن زيد بن ثعلبة- ثلاثة. # ومن بني سواد بن مالك بن غنم بن عوف: عوف ومعوذ ومعاذ، بنو الحارث بن ~~رفاعة بن سواد ms121 بنو عفراء، وهي ابنة عبيد بن ثعلبة، ونعيمان ابن عمرو بن ~~رفاعة بن الحارث بن سواد، وعامر بن مخلد بن سواد، وعبد الله بن قيس بن خالد ~~بن خلدة بن الحارث بن سواد، وعمرو بن قيس بن سواد، وقيس بن عمرو بن قيس بن ~~زيد بن سواد، وثابت بن عمرو بن زيد بن عدي بن سواد، وعصيمة حليف لهم، ورجل ~~من جهينة يقال له وديعة بن عمرو بن جراد بن يربوع بن طحيل بن عمرو بن غنم ~~ابن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة. فحدثني عبد الله بن أبي عبيدة، عن ~~أبيه، قال: سمعت الربيع بنت معوذ بن عفراء تقول: أبو الحمراء مولى للحارث ~~بن رفاعة قد شهدا بدرا. PageV01P162 # قال: فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، مثله- اثنا عشر بأبي ~~الحمراء. فجميع من شهد من بني غنم بن مالك بن النجار ثلاثة وعشرون بأبي ~~الحمراء. # ومن بني عامر بن مالك بن النجار، ثم من بني عمرو بن مبذول، ثم من بني ~~عتيك بن عمرو بن مبذول: ثعلبة بن عمرو بن محصن بن عمرو ابن عتيك، وسهل بن ~~عتيك بن النعمان بن عمرو بن عتيك، والحارث ابن الصمة بن عمرو بن عتيك، كسر ~~بالروحاء، ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره- حدثينه ~~أصحابنا جميعا- وقتل يوم بئر معونة، وهم ثلاثة. # ومن بني عمرو بن مالك، وهم بنو حديلة، ثم من بني قيس بن عبيد ابن زيد بن ~~رفاعة بن معاوية بن عمرو بن مالك: أبي بن كعب بن قيس ابن عبيد، وأنس بن ~~معاذ بن أنس بن قيس بن عبيد- اثنان. # ومن بني عدي بن عمرو بن مالك بن النجار: أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام، ~~أخو حسان بن ثابت، وأبو شيخ، واسمه أبي بن ثابت ابن المنذر بن حرام بن ~~عمرو، وأبو طلحة، واسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام- ثلاثة. # ومن بني عدي بن النجار: حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك، قتل ~~يوم ms122 بدر، وعمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي، ويكنى عمرو أبا ~~حكيمة، وسليط بن قيس بن عمرو بن عبيد ابن مالك بن عدي بن عامر، وأبو سليط، ~~واسمه أسيرة بن عمرو بن عامر ابن مالك، قتل يوم أحد، وعمرو يكنى أبا خارجة ~~بن قيس بن مالك ابن عدي بن عامر بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدي بن عامر، PageV01P163 ~~وعامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس بن مالك بن عدي بن عامر، ومحرز ابن عامر ~~بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي، وثابت بن خنساء ابن عمرو بن مالك بن ~~عدي بن عامر، قتل يوم أحد، وسواد بن غزية ابن أهيب، حليف لهم من بلي- ~~ثمانية. # ومن بني حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار: قيس ابن السكن بن ~~قيس بن زيد بن حرام، ويكنى قيس أبا زيد، وأبو الأعور كعب بن الحارث بن جندب ~~بن ظالم بن عبس بن حرام بن جندب، وسليم بن ملحان، وحرام بن ملحان بن خالد ~~بن زيد بن حرام- خمسة. # ومن بني مازن بن النجار، ثم من بني عوف بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو ~~بن غنم بن مازن: قيس بن أبي صعصعة، واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن ~~مبذول. فحدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الله بن عبد الرحمن، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم استعمله على المشاة. وعبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن ~~مبذول بن غنم بن مازن، وهو كان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على المغانم ~~يوم بدر، وعصيم حليف لهم من بني أسد- ثلاثة. # ومن بني خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن: عمير، ويكنى. ~~أبا داود بن عامر بن مالك بن خنساء، وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء ابن ~~مبذول- اثنان. # ومن بني ثعلبة بن مازن: قيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر بن حبيب ابن الحارث ~~بن ثعلبة ms123 بن مازن. # ومن بني دينار بن النجار، ثم من بني مسعود بن عبد الأشهل بن حارثة بن ~~دينار النعمان بن عبد عمرو بن مسعود بن عبد الأشهل، والضحاك PageV01P164 ~~ابن عبد عمرو بن مسعود بن عبد الأشهل، وسليم بن الحارث بن ثعلبة، وهو أخ ~~للنعمان والضحاك ابني عبد عمرو لأمهما، وكعب بن زيد، قتل يوم الخندق، وارتث ~~[ (1) ] يوم بئر معونة من القتلى، وجابر بن خالد بن عبد الأشهل بن حارثة، ~~وسعيد بن سهيل بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار. # ومن بني قيس بن مالك بن كعب بن حارثة بن دينار: كعب بن زيد ابن مالك ~~وبجير بن أبي بجير حليف لهم- وهم ثمانية. # ومن بني الحارث بن الخزرج، ثم من بني امرئ القيس بن ثعلبة. ~~سعد بن ربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس، قتل بأحد، وعبد ~~الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس، قتل يوم مؤتة، وخلاد بن سويد بن ~~ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس، قتل يوم بني قريظة، وخارجة بن زيد ~~بن أبي زهير بن مالك، وكان صهرا لأبي بكر، ابنته خارجة امرأة أبي بكر، قتل ~~يوم أحد- أربعة. # ومن بني زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث ابن الخزرج: ~~بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس، قتل يوم عين التمر [ (2) ] مع خالد بن ~~الوليد، وسبيع بن قيس بن عيشة بن أمية بن عامر بن عدى ابن كعب بن الخزرج، ~~وعبادة بن قيس بن مالك، وسماك بن سعد، وعبد الله بن عمير، ويزيد بن الحارث ~~بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، وهو الذي يقال ~~له فسحم- ستة. # ومن بني جشم بن الحارث بن الخزرج، ومن بني أخيه، وأخوه زيد PageV01P165 ~~ابن الحارث بن الخزرج، وهما التوأمان: خبيب بن يساف بن عنبة ابن عمرو بن ~~خديج بن عامر بن جشم، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه بن زيد بن ~~الخزرج ms124 بن الحارث، وهو الذي أري الأذان [ (1) ] ، وأخوه حريث بن زيد، حدثني ~~به شعيب بن عبادة، عن بشير بن محمد، عن أبيه، أن حريثا شهد بدرا، وأصحابنا ~~على ذلك، وسفيان بن بشر- خمسة. # ومن بني جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج: تميم بن يعار ابن قيس بن عدي ~~بن أمية بن جدارة، وعبد الله بن عمير من بني جدارة، ويزيد بن المزين، وعبد ~~الله بن عرفطة- أربعة. # ومن بني الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج عبد الله بن الربيع ابن قيس ~~بن عباد بن الأبجر- واحد. # ومن بني عوف بن الخزرج، ثم من بني عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن ~~الخزرج، وهم بنو الحبلى، وإنما كان سالم عظيم البطن فسمى الحلبي: عبد الله ~~بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك، [ابن السلول] ، ~~وإنما السلول امرأة [وهي] أم أبي، وأوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث بن ~~عبيد بن مالك- اثنان. # ومن بني جزء [ (2) ] بن عدي بن مالك بن سالم بن غنم: زيد بن وديعة ابن ~~عمرو بن قيس بن جزء، ورفاعة بن عمرو بن زيد بن عمرو بن ثعلبة ابن مالك بن ~~سالم بن غنم، وعامر بن سلمة بن عامر بن عبد الله، حليف PageV01P166 ~~لهم من أهل اليمن، وعقبة بن وهب بن كلدة، حليف لهم من بني عبد الله بن ~~غطفان، ومعبد بن عباد بن قشعر بن القدم بن سالم بن غنم، ويكنى أبا خميصة، ~~وعاصم بن العكير [ (1) ] حليف لهم- ستة. # ومن بني سالم بن عمرو بن عوف بن الخزرج، ثم من بني العجلان بن غنم بن ~~سالم: نوفل بن عبد الله بن نضلة بن مالك بن العجلان، وغسان ابن مالك بن ~~ثعلبة بن عمرو بن العجلان، ومليل بن وبرة بن خالد بن العجلان، وعصمة بن ~~الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان- أربعة. # ومن بني أصرم بن فهر بن غنم بن سالم: عبادة بن الصامت بن أصرم، وأخوه أوس ~~بن الصامت. # ومن بني دعد بن ms125 فهر بن غنم: النعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد، وهو الذي ~~يسمى قوقلا. قال الواقدي: إنما سمي قوقلا لأنه كان إذا استجار به رجل قال ~~له: قوقل [ (2) ] بأعلا يثرب وأسفلها فأنت آمن، فسمي القوقل. # ومن بني قريوش بن غنم بن سالم: أمية بن لوذان بن سالم بن ثابت ابن هزال ~~بن عمرو بن قريوش بن غنم. # ومن بني دعد رجلان. # ومن بني مرضخة بن غنم بن مالك: مالك بن الدخشم- واحد. # ومن بني لوذان بن غنم: ربيع بن إياس، وأخوه ورقة بن إياس بن عمرو بن غنم، ~~وعمرو بن إياس، حليف لهم من أهل اليمن. وحلفاؤهم من بلي، ثم من بني غصينة: ~~المجذر بن ذياد بن عمرو بن زمرة بن عمرو PageV01P167 ~~ابن عمارة، [ (1) ] وعبدة بن الحسحاس بن عمرو بن زمرة، وبحاث بن ثعلبة ~~ابن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة، وأخوه عبد الله بن ثعلبة بن خزمة ابن ~~أصرم، وحليف لهم من بهراء، يقال له عتبة بن ربيعة بن خلف بن معاوية. حدثني ~~شعيب بن عبادة، عن بشير بن محمد، عن أبيه، بذلك. ~~قال: وأصحابنا جميعا أن الحليف ثبت- ثمانية. # ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، ثم من بني زيد بن ثعلبة ابن الخزرج: أبو ~~دجانة، وهو سماك بن خرشة بن لوذان بن عبد ود ابن ثعلبة، قتل يوم اليمامة، ~~والمنذر بن عمرو، قتل يوم بئر معونة أميرا للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~القوم- اثنان. # ومن بني ساعدة، من بني البدي بن عامر بن عوف: أبو أسيد الساعدي، واسمه ~~مالك بن ربيعة بن البدي، ومالك بن مسعود، وهؤلاء بنو البدي. ~~حدثني أبي بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده، قال: تجهز سعد ابن مالك يخرج ~~إلى بدر فمرض فمات، فموضع قبره عنده دار ابن فارط، فأسهم له النبي صلى الله ~~عليه وسلم بسهمه وأجره. وحدثني عبد المهيمن، عن أبيه، عن جده، قال: مات ~~بالروحاء، وأسهم له النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من بني البدي. # ومن بني طريف ms126 بن الخزرج بن ساعدة: عبد ربه بن حق بن أوس ابن قيس بن ثعلبة ~~بن طريف، وكعب بن جماز [ (2) ] بن مالك بن ثعلبة، حليف لهم من غسان، وضمرة ~~بن عمرو بن كعب بن عدي بن عامر بن رفاعة بن كليب بن مردغة بن عدي بن غنم بن ~~الربعة بن رشدان بن PageV01P168 ~~قيس بن جهينة، وبسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن زيد بن عمرو بن سعيد بن ~~ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة- خمسة. # ومن بني جشم بن الخزرج، ثم من بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة [ ~~(1) ] بن تزيد بن جشم، من بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة: خراش بن ~~الصمة بن عمرو بن الجموح بن حرام، وعمير بن حرام، وتميم مولى خراش بن ~~الصمة، وعمير بن الحمام بن الجموح، قتل ببدر، ومعاذ بن الجموح، ومعوذ بن ~~عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة، قتل ~~بأحد، وهو أبو جابر، وحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب، ~~وخلاد ابن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن ~~حرام، وحبيب بن الأسود مولى لهم، وثابت بن ثعلبة بن زيد بن ثعلبة الذي يقال ~~له الجذع، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بن حرام- أحد عشر رجلا. # حدثني عبد العزيز بن محمد، عن يحيى بن أسامة، عن ابني جابر، عن أبيهما، ~~أن معاذ بن الصمة بن عمرو بن الجموح شهد بدرا، وليس بمجتمع عليه. # ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، ثم من بني خنساء بن سنان بن ~~عبيد: بشر بن البراء بن معرور بن صخر بن سنان بن صيفي بن صخر بن خنساء، ~~وعبد الله بن الجد بن قيس بن صخر بن خنساء، وسنان بن صيفي بن صخر بن خنساء، ~~وعتبة بن عبد الله بن صخر بن خنساء، وحمزة بن الحمير- قال: وسمعت ms127 أنه خارجة ~~بن الحمير- وعبد الله ابن الحمير، حليفان لهم من أشجع من بني دهمان. ~~PageV01P169 # ومن بني نعمان بن سنان بن عبيد بن عبد بن عدي بن غنم: عبد الله ابن عبد ~~مناف بن النعمان بن سنان، ونعمان بن سنان مولى لهم، وجابر بن عبد الله بن ~~رئاب بن النعمان، وخليدة بن قيس بن النعمان بن سنان، ويقال لبدة بن قيس- ~~أربعة. # ومن بني خناس بن سنان بن عبيد بن عدي: يزيد بن المنذر بن سرح بن خناس، ~~وأخوه معقل بن المنذر بن سرح بن خناس، وعبد الله ابن النعمان بن بلذمة بن ~~خناس- ثلاثة. # ومن بني خنساء بن عبيد: جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن عبيد- واحد. # ومن بني ثعلبة بن عبيد: الضحاك بن حارثة بن ثعلبة بن عبيد، وسواد بن زيد ~~بن ثعلبة بن عبيد. # ومن بني عدي بن غنم بن كعب بن سلمة: عبد الله بن قيس بن صخر بن حرام بن ~~ربيعة بن عدي بن غنم، وأخوه معبد بن قيس بن صخر ابن حرام بن ربيعة بن عدي ~~بن غنم. # ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، ثم من بني حديدة: يزيد ابن عامر بن ~~حديدة، ويكنى يزيد أبا المنذر، وسليم بن عمرو بن حديدة، وقطبة بن عامر بن ~~حديدة، وعنترة مولى سليم بن عمرو بن حديدة. # ومن بني عدي بن نابي بن عمرو بن سواد: عبس بن عامر بن عدى ابن ثعلبة بن ~~غنمة بن عدي، وثعلبة بن غنمة، وأبو اليسر، واسمه كعب بن عمرو بن عباد بن ~~عمرو بن سواد، وسهل بن قيس بن أبى كعب ابن القين، قتل بأحد، ومعاذ بن جبل ~~بن عائذ بن عدي بن كعب وثعلبة وعبد الله ابنا أنيس اللذان كسرا أصنام بني ~~سلمة. PageV01P170 # ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم ابن الخزرج، ثم ~~من بني مخلد بن عامر بن زريق: قيس بن محصن ابن خالد بن مخلد، والحارث بن ~~قيس بن ms128 خالد بن مخلد، وجبير بن إياس بن خالد بن مخلد، وسعيد بن عثمان بن ~~خالد بن مخلد، ويكنى أبا عبادة، وعقبة بن عثمان بن خالد، وذكوان بن عبد قيس ~~بن خالد ابن مخلد، ومسعود بن خلدة بن عامر بن مخلد- سبعة. # ومن بني خالد بن عامر بن زريق: عباد بن قيس بن عامر بن خالد ابن عامر بن ~~زريق- واحد. # ومن بني خلدة بن عامر بن زريق: أسعد بن يزيد بن الفاكه بن زيد ابن خلدة ~~بن عامر، والفاكه بن بشر بن الفاكه بن زيد بن خلدة، ومعاذ ابن ماعص بن قيس ~~بن خلدة، وأخوه عائذ بن ماعص، ومسعود بن سعد ابن قيس بن خلدة، قتل يوم بئر ~~معونة- خمسة. # ومن بني العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق: رفاعة بن رافع بن مالك بن ~~العجلان، وخلاد بن رافع بن مالك بن العجلان، وعبيد بن زيد ابن عامر بن ~~العجلان- ثلاثة. # ومن بني حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج: ~~رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن حارثة بن ثعلبة بن عدى ابن ~~مالك، وأخوه هلال بن المعلى، قتل ببدر- اثنان. # ومن بني بياضة بن عامر بن زريق بن عامر بن عبد حارثة: زياد بن لبيد بن ~~ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدي بن أمية بن بياضة، وفروة بن عمرو بن وذفة بن ~~عبيد بن عامر، وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان PageV01P171 ~~ابن علي بن عامر بن بياضة، ورحيلة [ (1) ] بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة بن ~~بياضة- أربعة. # ومن بني أمية بن بياضة: حليفة بن عدي بن عمرو بن مالك بن عامر بن فهيرة ~~بن عامر بن بياضة، وغنام بن أوس بن غنام بن أوس ابن عمرو بن مالك بن عامر ~~بن بياضة، وعطية بن نويرة بن عامر بن عطية ابن عامر بن بياضة. حدثني بذلك ~~خالد بن القاسم، عن زرعة بن عبد الله ابن زياد بن لبيد أن الرجلين ثبت. قال ~~الواقدي: وليس بمجتمع عليهما. ms129 ### | ذكر سرية قتل عصماء بنت مروان # حدثني عبد الله بن الحارث، عن أبيه، أن عصماء بنت مروان من بني أمية بن ~~زيد، كانت تحت يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تؤذي النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وتعيب الإسلام، وتحرض على النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت شعرا: # فباست بني مالك والنبيت [ (2) ] %~% وعوف وباست بني الخزرج # أطعتم أتاوي [ (3) ] من غيركم %~% فلا من مراد ولا مذحج [ (4) ] # ترجونه بعد قتل الرءوس %~% كما يرتجى مرق المنضج # قال عمير بن عدي بن خرشة بن أمية الخطمى [ (5) ] حين بلغه قولها ~~PageV01P172 ~~وتحريضها: اللهم، إن لك علي نذرا لئن رددت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة لأقتلنها- ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ببدر- فلما رجع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر جاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى ~~دخل عليها في بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، ~~فجسها بيده، فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها، ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه ~~من ظهرها، ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. ~~فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى عمير فقال: أقتلت بنت ~~مروان؟ قال: نعم بأبي أنت يا رسول الله. وخشي عمير أن يكون فتات على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقتلها فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: لا ~~ينتطح فيها عنزان [ (1) ] ، فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال عمير: ~~فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من حوله فقال: إذا أحببتم أن تنظروا ~~إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب، فانظروا إلى عمير بن عدي. فقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: انظروا إلى هذا الأعمى الذي تشدد [ (2) ] في طاعة ~~الله. فقال: لا تقل الأعمى، ولكنه البصير! ~~فلما رجع عمير من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد بنيها في جماعة ~~يدفنونها، فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلا من المدينة، فقالوا: ms130 يا عمير، أنت ~~قتلتها؟ فقال: ~~نعم، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فو الذي نفسي بيده، لو قلتم بأجمعكم ما ~~قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم. فيومئذ ظهر الإسلام ~~PageV01P173 ~~في بني خطمة، وكان منهم رجال يستخفون بالإسلام خوفا من قومهم، فقال حسان ~~بن ثابت يمدح عمير بن عدي، أنشدنا عبد الله بن الحارث: # بني وائل وبني واقف %~% وخطمة دون بنى الخزرج # متى ما دعت أختكم ويحها %~% بعولتها والمنايا تجي # فهزت فتى ماجدا عرقه %~% كريم المداخل والمخرج # فضرجها [ (1) ] من نجيع الدماء [ (2) ] %~% قبيل الصباح ولم يحرج # فأوردك الله برد الجنا %~% ن جذلان في نعمة المولج # حدثني عبد الله بن الحارث، عن أبيه، قال: كان قتل عصماء لخمس ليال بقين ~~من رمضان، مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر، على رأس تسعة عشر شهرا. ### | سرية قتل أبي عفك # حدثنا سعيد بن محمد، عن عمارة بن غزية [ (3) ] ، وحدثناه أبو مصعب ~~إسماعيل بن مصعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت، عن أشياخه، قالا: ~~إن شيخا من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك، وكان شيخا كبيرا، قد بلغ ~~عشرين ومائة سنة حين [ (4) ] قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كان ~~يحرض على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يدخل في الإسلام. ~~فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر رجع وقد ظفره الله بما ~~ظفره، PageV01P174 ~~فحسده وبغى فقال: # قد عشت حينا وما إن أرى %~% من الناس دارا ولا مجمعا # أجم [ (1) ] عقولا وآتى إلى %~% منيب [ (2) ] سراعا إذا ما دعا # فسلبهم أمرهم راكب %~% حراما حلالا لشتى معا # فلو كان بالملك صدقتم %~% وبالنصر تابعتم تبعا # فقال سالم بن عمير، وهو أحد البكائين من بني النجار: علي نذر أن أقتل أبا ~~عفك أو أموت دونه. فأمهل فطلب له غرة، حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك ~~بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف، فأقبل سالم بن عمير، فوضع السيف على ~~كبده حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله فثاب إليه أناس ممن ms131 هم على قوله، ~~فأدخلوه منزله وقبروه. وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به! ~~فقالت النهدية في ذلك، وكانت مسلمة، هذه الأبيات: # تكذب [ (3) ] دين الله والمرء أحمدا %~% لعمر الذي أمناك [ (4) ] إذ بئس ~~ما يمنى # حباك حنيف آخر الليل طعنة %~% أبا عفك خذها على كبر السن # فإنى وإن أعلم بقاتلك الذي أ %~% باتك حلس الليل من إنس او جني # فحدثني معن بن عمر قال: أخبرني ابن رقيش قال: قتل أبو عفك في شوال على ~~رأس عشرين شهرا. PageV01P175 ### | غزوة قينقاع # غزوة قينقاع يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرا، حاصرهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى هلال ذي القعدة. # حدثني عبد الله بن جعفر، عن الحارث بن الفضيل، عن ابن كعب القرظي، قال: ~~لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وادعته يهود كلها، وكتب ~~بينه وبينها كتابا. وألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قوم بحلفائهم، ~~وجعل بينه وبينهم أمانا، وشرط عليهم شروطا، فكان فيما شرط ألا يظاهروا عليه ~~عدوا. ~~فلما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر وقدم المدينة، بغت ~~يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فجمعهم، ثم قال: يا معشر يهود، ~~أسلموا، فو الله إنكم لتعلمون أني رسول الله، قبل أن يوقع الله بكم مثل ~~وقعة قريش. ~~فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من لقيت، إنك قهرت قوما أغمارا [ (1) ] . وإنا ~~والله أصحاب الحرب، ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا. فبينا هم على ~~ما هم عليه من إظهار العداوة ونبذ العهد، جاءت امرأة نزيعة [ (2) ] من ~~العرب تحت رجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع، فجلست عند صائغ في حلي لها، ~~فجاء رجل من يهود قينقاع فجلس من ورائها ولا تشعر، فخل [ (3) ] درعها إلى ~~ظهرها بشوكة، فلما قامت المرأة بدت عورتها فضحكوا منها. فقام إليه ~~PageV01P176 ~~رجل من المسلمين فاتبعه فقتله، فاجتمعت بنو قينقاع، وتحايشوا فقتلوا ~~الرجل، ونبذوا ms132 العهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاربوا، وتحصنوا في ~~حصنهم، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم، فكانوا أول من ~~سار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجلى يهود قينقاع، وكانوا أول ~~بهود حاربت. # فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، قال: لما نزلت هذه الآية: ~~وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين [ ~~(1) ] ، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية. # قالوا: فحصرهم في حصنهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار حتى قذف الله في قلوبهم ~~الرعب. قالوا: أفننزل وننطلق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، إلا ~~على حكمي! فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم فربطوا. ~~قال: فكانوا يكتفون كتافا. قالوا: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على كتافهم المنذر بن قدامة السالمي [ (2) ] . قال: فمر بهم ابن أبي وقال: ~~حلوهم! فقال المنذر: أتحلون قوما ربطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~والله لا يحلهم رجل إلا ضربت عنقه. فوثب ابن أبي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأدخل يده في جنب درع النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه فقال: يا ~~محمد، أحسن في موالي! فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم غضبان، متغير ~~الوجه، فقال: ويلك، أرسلني! فقال: لا أرسلك حتى تحسن فى موالى، أربع مائة ~~دارع وثلاثمائة حاسر، منعوني يوم الحدائق ويوم بعاث من الأحمر والأسود، ~~تريد أن تحصدهم PageV01P177 ~~في غداة واحدة؟ يا محمد، إني امرؤ أخشى الدوائر! قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: خلوهم، لعنهم الله، ولعنه معهم! ~~فلما تكلم ابن أبي فيهم تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتل، ~~وأمر بهم أن يجلوا من المدينة، فجاء ابن أبي بحلفائه معه، وقد أخذوا ~~بالخروج، يريد أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم في ديارهم، ~~فيجد على باب النبي صلى الله عليه وسلم عويم بن ساعدة، فذهب ليدخل فرده ~~عويم ms133 وقال: لا تدخل حتى يؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. فدفعه ابن ~~أبي، فغلظ عليه عويم حتى جحش وجه ابن أبي الجدار فسال الدم، فتصايح حلفاؤه ~~من يهود، فقالوا: أبا الحباب، لا نقيم أبدا بدار أصاب وجهك فيها هذا، لا ~~نقدر أن نغير. فجعل ابن أبي يصيح عليهم، وهو يمسح الدم عن وجهه، يقول: ~~ويحكم، قروا! فجعلوا يتصايحون: لا نقيم أبدا بدار أصاب وجهك [فيها] هذا، لا ~~نستطيع له غيرا! ولقد كانوا أشجع يهود، وقد كان ابن أبي أمرهم أن يتحصنوا، ~~وزعم أنه سيدخل معهم، فخذلهم ولم يدخل معهم، ولزموا حصنهم فما رموا بسهم ~~ولا قاتلوا حتى نزلوا على صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه، ~~وأموالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما نزلوا وفتحوا حصنهم، كان ~~محمد بن مسلمة هو الذي أجلاهم وقبض أموالهم. وأخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من سلاحهم ثلاث قسي، قوس تدعى الكتوم كسرت بأحد، وقوس تدعى الروحاء، ~~وقوس تدعى البيضاء، وأخذ درعين من سلاحهم، درعا يقال لها الصغدية وأخرى ~~فضة، وثلاثة أسياف، سيف قلعى [ (1) ] ، وسيف يقال له بتار [ (2) ] ، ~~PageV01P178 ~~وسيف آخر، وثلاثة أرماح. قال: ووجدوا في حصونهم سلاحا كثيرا وآلة ~~للصياغة، وكانوا صاغة. # قال محمد بن مسلمة: فوهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم درعا من ~~دروعهم، وأعطى سعد بن معاذ درعا له مذكورة، يقال لها السحل، ولم يكن لهم ~~أرضون ولا قراب-[يعني مزارع] [ (1) ] . وخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما أصاب منهم، وقسم ما بقي على أصحابه. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عبادة بن الصامت أن يجليهم، فجعلت قينقاع تقول: ~~يا أبا الوليد، من بين الأوس والخزرج- ونحن مواليك- فعلت هذا بنا؟ ~~قال لهم عبادة: لما حاربتم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~يا رسول الله إني أبرأ إليك منهم ومن حلفهم. وكان ابن أبي وعبادة بن ~~الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف. فقال عبد الله بن أبي: تبرأت من حلف ~~مواليك؟ ما هذه ms134 بيدهم عندك [ (2) ] ! فذكره مواطن قد أبلوا فيها، فقال ~~عبادة: أبا الحباب، تغيرت القلوب ومحا الإسلام العهود، أما والله إنك لمعصم ~~بأمر سترى غبه غدا! ~~فقالت قينقاع: يا محمد، إن لنا دينا في الناس. قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: تعجلوا وضعوا! ~~وأخذهم عبادة بالرحيل والإجلاء، وطلبوا التنفس فقال لهم: ولا ساعة من ~~نهار، لكم ثلاث لا أزيدكم عليها! هذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ~~كنت أنا ما نفستكم. فلما مضت ثلاث خرج في آثارهم حتى سلكوا إلى الشام، وهو ~~يقول: الشرف الأبعد، الأقصى، فأقصى! وبلغ خلف ذباب، ثم PageV01P179 ~~رجع ولحقوا بأذرعات [ (1) ] . وقد سمعنا في إجلائهم حيث نقضوا العهد غير ~~حديث ابن كعب. # فحدثني محمد، عن الزهري، عن عروة، قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما رجع من بدر حسدوا فأظهروا الغش، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام بهذه ~~الآية: وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ~~الخائنين [ (2) ] . قال: فلما فرغ جبريل، قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فأنا أخافهم. ~~فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، حتى نزلوا على حكمه، ~~ولرسول الله أموالهم، ولهم الذرية والنساء. # فحدثني محمد بن القاسم، عن أبيه، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، قال: إني ~~لبالفلجتين [ (3) ] مقبل من الشام، إذ لقيت بني قينقاع يحملون الذرية ~~والنساء، قد حملوهم على الإبل وهم يمشون، فسألتهم فقالوا: أجلانا محمد وأخذ ~~أموالنا. قلت: فأين تريدون؟ قالوا: الشام. قال سبرة: ~~فلما نزلوا بوادي القرى أقاموا شهرا، وحملت يهود وادي القرى من كان راجلا ~~منهم، وقووهم، وساروا إلى أذرعات فكانوا بها، فما كان أقل بقاءهم. # حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، ~~قال: استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر على ~~المدينة ثلاث مرات: بدر القتال، وبنى قينقاع، وغزوة السويق. PageV01P180 ### | غزوة السويق # غزوة السويق في ذي الحجة، على رأس اثنين وعشرين شهرا. خرج ms135 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الأحد لخمس ليال خلون من ذي الحجة، فغاب خمسة أيام. # حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، وإسحاق بن حازم، عن محمد بن كعب، ~~قالا: لما رجع المشركون إلى مكة من بدر حرم أبو سفيان الدهن حتى يثأر من ~~محمد وأصحابه بمن أصيب من قومه فخرج في مائتي راكب- في حديث الزهري، وفي ~~حديث ابن كعب في أربعين راكبا- حتى سلكوا النجدية. فجاءوا بني النضير ليلا، ~~فطرقوا حيي بن أخطب ليستخبروه من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~فأبى أن يفتح لهم، وطرقوا سلام بن مشكم ففتح لهم فقراهم، وسقى أبا سفيان ~~خمرا، وأخبره من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فلما كان بالسحر ~~خرج فمر بالعريض [ (1) ] ، فيجد رجلا من الأنصار مع أجير له في حرثه فقتله ~~وقتل أجيره، وحرق بيتين بالعريض وحرق حرثا لهم، ورأى أن يمينه قد حلت، ثم ~~ذهب هاربا، وخاف الطلب، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه ~~فخرجوا في أثره، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون فيلقون جرب السويق [ (2) ~~]- وهي عامة زادهم- فجعل المسلمون يمرون PageV01P181 ~~بها فيأخذونها، فسميت تلك الغزوة غزوة السويق لهذا الشأن، حتى انتهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فقال [أبو سفيان] ، [ (1) ] في حديث ~~الزهري، هذه الأبيات: # سقاني فرواني كميتا مدامة [ (2) ] %~% على ظمأ مني سلام بن مشكم # وذاك أبو عمرو يجود وداره %~% بيثرب مأوى كل أبيض خضرم [ (3) ] # كان الزهري يكنيه أبا عمرو، والناس يكنونه أبا الحكم. واستخلف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر. # فحدثني محمد، عن الزهري، قال: كانت في ذي الحجة، على رأس اثنين وعشرين ~~شهرا. ### | غزوة قرارة الكدر [ (4) ] # إلى بنى سليم وغطفان للنصف من المحرم، على رأس ثلاثة وعشرين شهرا، غاب ~~خمس عشرة ليلة. # حدثني عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن يعقوب بن عتبة، قال: خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى قرارة الكدر، وكان الذي هاجه ~~على ms136 ذلك أنه بلغه أن بها جمعا من غطفان وسليم. فسار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إليهم، وأخذ عليهم الطريق حتى جاء فرأى آثار النعم ومواردها، ولم ~~يجد في المجال أحدا، فأرسل في أعلى الوادي نفرا من أصحابه، واستقبلهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بطن الوادي، PageV01P182 ~~فوجد رعاء فيهم غلام يقال له يسار، فسألهم عن الناس فقال يسار: ~~لا علم لي بهم، إنما أورد [ (1) ] لخمس وهذا يوم ربعي، والناس قد ارتبعوا ~~إلى المياه، وإنما نحن عزاب [ (2) ] في النعم. فانصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد ظفر بنعم، فانحدر إلى المدينة حتى إذا صلى الصبح فإذا هو ~~بيسار فرآه يصلي. فأمر القوم أن يقسموا غنائمهم، ~~فقال القوم: يا رسول الله، إن أقوى لنا أن نسوق النعم جميعا، فإن فينا من ~~يضعف عن حظه الذي يصير إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتسموا! ~~فقالوا: ~~يا رسول الله، إن كان أنما بك [ (3) ] العبد الذي رأيته يصلي، فنحن ~~نعطيكه في سهمك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد طبتم به نفسا؟ ~~قالوا: نعم. فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقه، وارتحل الناس ~~فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، واقتسموا غنائمهم فأصاب كل رجل ~~منهم سبعة أبعرة، وكان القوم مائتين. # فحدثني عبد الصمد بن محمد السعدي، عن. حفص بن عمر بن أبي طلحة، عمن ~~أخبره، عن أبي أروى الدوسي، قال: كنت في السرية، وكنت ممن يسوق النعم، فلما ~~كنا بصرار- على ثلاثة أميال من المدينة- خمس النعم، وكان النعم خمسمائة ~~بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصابهم بعيران بعيران. # حدثنا عبد الله بن نوح، عن أبى عفير، قال: استخلف رسول الله PageV01P183 ~~صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم، وكان يجمع بهم ويخطب إلى ~~جنب المنبر، يجعل المنبر عن يساره [ (1) ] ### | قتل ابن الأشرف # وكان قتله على رأس خمسة وعشرين شهرا في ربيع الأول. # حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان، ومعمر، عن الزهري، ms137 عن ابن ~~كعب بن مالك، وإبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فكل قد ~~حدثني بطائفة، فكان الذي اجتمعوا لنا عليه قالوا: إن ابن الأشرف كان شاعرا ~~وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويحرض عليهم كفار قريش في ~~شعره. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط- منهم ~~المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام، فيهم أهل الحلقة والحصون، ومنهم حلفاء ~~للحيين جميعا الأوس والخزرج. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم ~~المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا [ ~~(2) ] . فكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه أذى شديدا، فأمر الله عز وجل نبيه والمسلمين بالصبر على ~~ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل: ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب PageV01P184 ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور [ (1) ] . وفيهم أنزل الله عز وجل: ود كثير من أهل الكتاب [ (2) ~~] الآية. # فلما أبى ابن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم وأذى ~~المسلمين، وقد بلغ منهم، فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدر بقتل ~~المشركين وأسر من أسر منهم، فرأى الأسرى مقرنين [ (3) ] ، كبت وذل، ثم قال ~~لقومه: ويلكم، والله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم! هؤلاء سراة الناس ~~قد قتلوا وأسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا. ~~قال: وما أنتم وقد وطئ قومه وأصابهم؟ ولكني أخرج إلى قريش فأحضهم وأبكي ~~قتلاهم، فلعلهم ينتدبون فأخرج معهم. فخرج حتى قدم مكة ووضع رحله عند أبي ~~وداعة بن ضبيرة السهمي، وتحته عاتكة بنت أسيد ابن أبى العيص، فجعل يرثى ~~قريشا ويقول: # طحنت رحى بدر لمهلك أهله %~% ولمثل بدر تستهل وتدمع [ (4) ] # قتلت سراة الناس حول حياضه %~% لا تبعدوا إن الملوك تصرع # ويقول أقوام أذل بسخطهم [ (5) ] %~% إن ابن أشرف ظل كعبا يجزع # صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا %~% ظلت تسيخ بأهلها [ (6) ] وتصدع # كم قد أصيب بها من ابيض ماجد %~% ذي بهجة يأوي إليه ms138 الضيع [ (7) ] ~~PageV01P185 # طلق اليدين إذا الكواكب أخلفت [ (1) ] %~% حمال أثقال يسود ويربع [ (2) ] # نبئت أن بني المغيرة كلهم %~% خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا [ (3) ] # وابنا ربيعة عنده ومنبه %~% هل نال مثل المهلكين التبع # فأجابه حسان بن ثابت، يقول: # أبكى لكعب [ (4) ] ثم عل بعبرة %~% منه وعاش مجدعا لا يسمع # ولقد رأيت ببطن بدر منهم %~% قتلى تسح لها العيون وتدمع # فابكي فقد أبكيت عبدا راضعا %~% شبه الكليب للكليبة يتبع # ولقد شفى الرحمن منهم سيدا %~% وأحان [ (5) ] قوما قاتلوه وصرعوا # ونجا وأفلت منهم من قلبه %~% شغف [ (6) ] يظل لخوفه يتصدع # ونجا وأفلت منهم متسرعا %~% فل فليل هارب يتهزع # ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبان، فأخبره بنزول كعب على من نزل، ~~فقال حسان: # ألا أبلغوا [ (7) ] عني أسيدا رسالة %~% فخالك عبد بالسراب مجرب. ~~PageV01P186 # لعمرك ما أوفى أسيد بجاره [ (1) ] %~% ولا خالد ولا المفاضة [ (2) ] زينب # وعتاب عبد غير موف بذمة %~% كذوب شؤون الرأس قرد مدرب # فلما بلغها [ (3) ] هجاؤه نبذت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ~~ترى ما يصنع بنا حسان؟ فتحول، فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حسان فقال: ابن الأشرف نزل على فلان. فلا يزال يهجوهم حتى نبذ ~~رحله، فلما لم يجد مأوى قدم المدينة. ~~فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قدوم ابن الأشرف قال: اللهم، اكفني ~~ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ~~من لي بابن الأشرف، فقد آذاني؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا به يا رسول الله، ~~وأنا أقتله. قال: فافعل! فمكث محمد بن مسلمة: أياما لا يأكل، فدعاه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، تركت الطعام والشراب؟ قال: يا رسول ~~الله، قلت لك قولا فلا أدري أفي لك به أم لا. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك الجهد. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: شاور سعد بن معاذ فى أمره. فاجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس ~~منهم عباد بن بشر، وأبو نائلة سلكان بن ms139 سلامة، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن ~~جبر، فقالوا: يا رسول الله نحن نقتله، فأذن لنا فلنقل [ (4) ] ، فإنه لا بد ~~لنا منه. قال: قولوا ~~! فخرج أبو نائلة إليه، فلما رآه كعب أنكر شأنه، وكاد يذعر، وخاف أن يكون ~~وراءه كمين، PageV01P187 ~~فقال أبو نائلة: حدثت لنا حاجة إليك. قال. وهو في نادي قومه وجماعتهم: ~~ادن إلي فخبرني بحاجتك. وهو متغير اللون مرعوب- فكان أبو نائلة ومحمد ابن ~~مسلمة أخويه من الرضاعة- فتحدثا ساعة وتناشدا الأشعار، وانبسط كعب وهو يقول ~~بين ذلك: حاجتك! وأبو نائلة يناشده الشعر- وكان أبو نائلة يقول الشعر- فقال ~~كعب: حاجتك، لعلك أن تحب أن يقوم من عندنا؟ فلما سمع ذلك القوم قاموا. قال ~~أبو نائلة: إني كرهت أن يسمع القوم ذرو [ (1) ] كلامنا، فيظنون! كان قدوم ~~هذا الرجل علينا من البلاء، وحاربتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وتقطعت ~~السبل عنا حتى جهدت الأنفس وضاع العيال، أخذنا بالصدقة ولا نجد ما نأكل. ~~فقال كعب: قد والله كنت أحدثك بهذا يا ابن سلامة، أن الأمر سيصير إليه. ~~فقال أبو نائلة: ومعي رجال من أصحابي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم ~~فنبتاع منك طعاما أو تمرا وتحسن في ذلك إلينا، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة. ~~قال كعب: أما إن رفافي تقصف تمرا، من عجوة تغيب فيها الضرس، أما والله ما ~~كنت أحب يا أبا نائلة أن أرى هذه الخصاصة بك، وإن كنت من أكرم الناس علي، ~~أنت أخي، نازعتك الثدي! قال سلكان: اكتم عنا ما حدثتك من ذكر محمد. قال ~~كعب: ~~لا أذكر منه حرفا. ثم قال كعب: يا أبا نائلة، اصدقني ذات نفسك، ما الذي ~~تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتنحي عنه. قال: سررتني يا أبا نائلة! فماذا ~~ترهنونني، أبناءكم ونساءكم؟ فقال: لقد أردت أن تفضحنا وتظهر أمرنا! ولكنا ~~نرهنك من الحلقة ما ترضى به. قال كعب: ~~إن في الحلقة لوفاء. وإنما يقول ذلك سلكان لئلا ينكرهم إذا جاءوا ~~بالسلاح. PageV01P188 # فخرج أبو نائلة من عنده على ميعاد، فأتى أصحابه فأجمعوا أمرهم ms140 على أن ~~يأتوه إذا أمسى لميعاده. ~~ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم عشاء فأخبروه، فمشى معهم حتى أتى ~~البقيع [ (1) ] ، ثم وجههم، ثم قال: امضوا على بركة الله وعونه! ~~ويقال: وجههم بعد أن صلوا العشاء وفي ليلة مقمرة مثل النهار، في ليلة ~~أربع عشرة من ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا. # قال: فمضوا حتى أتوا ابن الأشرف، فلما انتهوا إلى حصنه هتف به أبو نائلة، ~~وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس، فوثب فأخذت امرأته بناحية ملحفته وقالت: ~~أين تذهب؟ إنك رجل محارب، ولا ينزل مثلك في هذه الساعة. فقال: ميعاد، إنما ~~هو أخي أبو نائلة، والله لو وجدني نائما ما أيقظني. ثم ضرب بيده الملحفة ~~وهو يقول: لو دعي الفتى لطعنة أجاب. ثم نزل إليهم فحياهم، ثم جلسوا فتحدثوا ~~ساعة حتى انبسط إليهم، ثم قالوا له: يا ابن الأشرف، هل لك أن تتمشى إلى شرج ~~العجوز [ (2) ] فنتحدث فيه بقية ليلتنا؟ قال: فخرجوا يتماشون حتى وجهوا قبل ~~الشرج، فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ثم قال: ويحك، ما أطيب عطرك هذا يا ~~ابن الأشرف! وإنما كان كعب يدهن بالمسك الفتيت بالماء والعنبر حتى يتلبد في ~~صدغيه، وكان جعدا جميلا. ثم مشى ساعة فعاد بمثلها حتى اطمأن إليه، وسلسلت ~~يداه في شعره وأخذ بقرون رأسه، وقال لأصحابه: ~~اقتلوا عدو الله! فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه فلم تغن شيئا، ورد بعضها ~~بعضا، ولصق بأبي نائلة. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا [ (3) ] ~~PageV01P189 ~~معي كان في سيفي فانتزعته فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فقططته حتى ~~انتهى إلى عانته، فصاح عدو الله صيحة ما بقي أطم من آطام يهود إلا قد أوقدت ~~عليه نار. فقال ابن سنينة، يهودي من يهود بني حارثة، وبينهما ثلاثة أميال: ~~إني لأجد ريح دم بيثرب مسفوح. وقد كان أصاب بعض القوم الحارث بن أوس بسيفه ~~وهم يضربون كعبا، فكلمه في رجله. فلما فرغوا احتزوا رأسه ثم حملوه معهم، ثم ~~خرجوا يشتدون وهم يخافون من يهود الأرصاد، حتى أخذوا على ms141 بني أمية بن زيد ~~ثم على قريظة، وإن نيرانهم في الآطام لعالية، ثم على بعاث [ (1) ] ، حتى ~~إذا كانوا بحرة العريض نزف الحارث الدم فأبطأ عليهم فناداهم: أقرءوا رسول ~~الله مني السلام! فعطفوا عليه فاحتملوه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا. ~~وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي، ~~فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرهم بالبقيع كبر وعرف أن قد ~~قتلوه. ثم انتهوا يعدون حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على ~~باب المسجد، فقال: أفلحت الوجوه! ~~فقالوا: ووجهك يا رسول الله! ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله. ~~ثم أتوا بصاحبهم الحارث فتفل في جرحه فلم يؤذه، فقال في ذلك عباد بن بشر: # صرخت به فلم يجفل [ (2) ] لصوتي %~% وأوفى [ (3) ] طالعا من فوق قصر # فعدت فقال من هذا المنادى %~% فقلت أخوك عباد بن بشر PageV01P190 # فقال محمد أسرع إلينا %~% فقد جئنا لتشكرنا [ (1) ] وتقري # وترفدنا فقد جئنا سغابا %~% بنصف الوسق [ (2) ] من حب وتمر # وهذي درعنا رهنا فخذها %~% لشهر إن وفى أو نصف شهر # فقال معاشر سغبوا وجاعوا %~% لقد عدموا الغنى من غير فقر # وأقبل نحونا يهوي سريعا %~% وقال لنا لقد جئتم لأمر # وفي أيماننا بيض حداد %~% مجربة بها الكفار نفري # فعانقه ابن مسلمة المرادي [ (3) ] %~% به الكفان كالليث الهزبر # وشد بسيفه صلتا عليه %~% فقطره أبو عبس بن جبر # وصلت وصاحباي فكان لما %~% قتلناه الخبيث كذبح عتر [ (4) ] # ومر برأسه نفر كرام %~% هم ناهوك من صدق وبر # وكان الله سادسنا فأبنا %~% بأفضل نعمة وأعز نصر # قال ابن أبي حبيبة: أنا رأيت قائل هذا الشعر. قال ابن أبي الزناد: ~~لولا قول ابن أبي حبيبة لظننت أنها ثبت. # قالوا: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليلة التي قتل فيها ~~ابن الأشرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ظفرتم به من رجال اليهود ~~فاقتلوه. ~~فخافت اليهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم ولم ينطقوا، وخافوا أن يبيتوا كما ~~بيت ابن ms142 الأشرف. # وكان ابن سنينة من يهود بني حارثة، وكان حليفا لحويصة بن مسعود، ~~PageV01P191 ~~قد أسلم، فعدا محيصة على ابن سنينة فقتله، فجعل حويصة يضرب محيصة، وكان ~~أسن منه، يقول: أي عدو الله، أقتلته؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله! ~~فقال محيصة: والله، لو أمرني بقتلك الذي أمرني بقتله لقتلتك. قال: والله، ~~لو أمرك محمد أن تقتلني؟ قال: نعم. ~~قال حويصة: والله، إن دينا يبلغ هذا لدين معجب. فأسلم حويصة يومئذ، فقال ~~محيصة- وهي ثبت، لم أر أحدا يدفعها- يقول: # يلوم ابن أمي لو أمرت بقتله %~% لطبقت ذفراه [ (1) ] بأبيض قاضب # حسام كلون الملح أخلص صقله %~% متى ما تصوبه فليس بكاذب # وما سرني أني قتلتك طائعا %~% ولو أن لي ما بين بصرى [ (2) ] ومأرب # ففزعت اليهود ومن معها من المشركين، ~~فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا فقالوا: قد طرق صاحبنا ~~الليلة وهو سيد من ساداتنا قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ~~إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا ~~الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان له السيف [ (3) ] . ~~ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ~~ما فيه، فكتبوا بينهم وبينه كتابا تحت العذق في دار رملة بنت الحارث. فحذرت ~~اليهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف. # فحدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: قال مروان بن الحكم، وهو على ~~المدينة وعنده ابن يامين النضري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ PageV01P192 ~~قال ابن يامين: كان غدرا. ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير، فقال: ~~يا مروان، أيغدر [ (1) ] رسول الله عندك؟ والله، ما قتلناه إلا بأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. والله، لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد. وأما ~~أنت يا ابن يامين، فلله علي إن أفلت، وقدرت [ (2) ] عليك وفي يدي سيف إلا ~~ضربت به رأسك! فكان ابن يامين لا ينزل في بني قريظة حتى ms143 يبعث له رسول ينظر ~~محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر، وإلا لم ينزل. ~~فبينا محمد بن مسلمة في جنازة وابن يامين بالبقيع، فرأى نعشا عليه جرائد ~~رطبة لامرأة، جاء فحله. فقام الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما تصنع؟ ~~نحن نكفيك! فقام إليه فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر تلك الجرائد ~~على وجهه ورأسه حتى لم يترك فيه مصحا، ثم أرسله ولا طباخ [ (3) ] به، ثم ~~قال: والله، لو قدرت على السيف لضربتك به. ### | شأن غزوة غطفان بذي أمر [ (4) ] # وكانت في ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا. خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع، فغاب أحد عشر يوما. ~~PageV01P193 # حدثني محمد بن زياد بن أبي هنيدة قال: حدثنا ابن أبي عتاب، وحدثني عثمان ~~بن الضحاك بن عثمان، وحدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن عبد الله بن ~~أبي بكر، فزاد بعضهم [على بعض] [ (1) ] في الحديث، وغيرهم قد حدثنا أيضا، ~~قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من ثعلبة ومحارب بذي أمر، ~~قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمعهم ~~رجل منهم يقال له دعثور ابن الحارث بن محارب، فندب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المسلمين، فخرج في أربعمائة رجل وخمسين، ومعهم أفراس، فأخذ على المنقى ~~[ (2) ] ، ثم سلك مضيق الخبيث [ (3) ] ، ثم خرج إلى ذي القصة [ (4) ] ، ~~فأصاب رجلا منهم بذي القصة يقال له جبار من بني ثعلبة، فقالوا: أين تريد؟ ~~قال: ~~أريد يثرب [ (5) ] . قالوا: وما حاجتك بيثرب؟ قال: أردت أن أرتاد لنفسي ~~وأنظر. قالوا: هل مررت بجمع، أو بلغك [خبر] لقومك؟ قال: لا، إلا أنه قد ~~بلغني أن دعثور بن الحارث في أناس من قومه عزل. فأدخلوه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وقال: ~~يا محمد، إنهم لن يلاقوك، إن سمعوا [ (6) ] بمسيرك هربوا في رءوس الجبال، ~~وأنا سائر معك ودالك ms144 على عورتهم [ (7) ] . فخرج به النبي صلى الله عليه ~~وسلم وضمه إلى بلال، فأخذ به طريقا أهبطه عليهم من كثيب [ (8) ] ، وهربت ~~منه PageV01P194 ~~الأعراب فوق الجبال، وقبل ذلك ما قد غيبوا سرحهم فى ذرى الجبال وذراريهم، ~~فلم يلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، إلا أنه ينظر إليهم في رءوس ~~الجبال. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا أمر وعسكر معسكرهم [ (1) ] ~~فأصابهم مطر كثير، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته فأصابه ذلك ~~المطر فبل ثوبه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي ذي أمر بينه ~~وبين أصحابه. ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف، وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها [ ~~(2) ] والأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل، فقالت الأعراب لدعثور، وكان سيدها ~~وأشجعها: قد أمكنت محمد، وقد انفرد من أصحابه حيث إن غوث بأصحابه لم يغث ~~حتى تقتله. فاختار سيفا من سيوفهم صارما، ~~ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد، من يمنعك مني اليوم؟ قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: الله! قال: ودفع جبريل عليه السلام في صدره ووقع السيف من يده، ~~فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام به على رأسه فقال: من يمنعك مني ~~اليوم؟ قال: لا أحد. قال: ~~فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله، لا أكثر عليك ~~جمعا أبدا! فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، ثم أدبر، ثم أقبل ~~بوجهه فقال: أما والله لأنت خير مني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنا أحق بذلك منك. ~~فأتى قومه فقالوا: أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك؟ قال: والله، ~~كان ذلك ولكني نظرت إلى رجل أبيض طويل، دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه ~~ملك وشهدت PageV01P195 ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه! وجعل يدعو ~~قومه إلى الإسلام، ونزلت هذه الآية فيه: يا أيها الذين آمنوا ms145 اذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم [ (1) ] ~~الآية. وكانت غيبة النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ليلة، واستخلف النبي ~~صلى الله عليه وسلم على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه. ### | غزوة بني سليم ببحران [ (2) ] بناحية الفرع # لليال خلون من جمادى الأولى [ (3) ] ، على رأس سبعة وعشرين شهرا، غاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا. # حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن جمعا من بنى سليم كثيرا [ (4) ] ببحران، تهيأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لذلك ولم يظهر وجها، فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه فأغذوا [ ~~(5) ] السير حتى إذا كانوا دون بحران بليلة، لقي رجلا من بني سليم ~~فاستخبروه عن القوم وعن جمعهم. فأخبره أنهم قد افترقوا أمس ورجعوا إلى ~~مائهم [ (6) ] ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فحبس مع رجل من القوم، ~~ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى ورد بحران، وليس به أحد، وأقام ~~PageV01P196 ~~أياما ثم رجع ولم يلق كيدا، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل. ~~وكانت غيبته عشر ليال. # حدثني عبد الله بن نوح، عن محمد بن سهل، قال: استخلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم. ### | شأن سرية القردة [ (1) ] # فيها زيد بن حارثة، وهي أول سرية خرج فيها زيد رضي الله عنه أميرا، وخرج ~~لهلال جمادى الآخرة على رأس سبعة وعشرين شهرا. # حدثني محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد، عن أهله، قالوا: كانت قريش قد حذرت ~~طريق الشام أن يسلكوها، وخافوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~وكانوا قوما تجارا، فقال صفوان بن أمية: إن محمدا وأصحابه قد عوروا علينا ~~متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد ~~وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك، وإن أقمنا نأكل رءوس أموالنا ~~ونحن في دارنا هذه، ما لنا بها نفاق [ (2) ] ، إنما نزلناها على التجارة، ~~إلى الشام ms146 في الصيف وفي الشتاء إلى أرض الحبشة. قال له الأسود بن المطلب: ~~فنكب [ (3) ] عن الساحل، وخذ طريق العراق. قال صفوان: لست بها عارفا. قال ~~أبو زمعة: فأنا أدلك على أخبر [ (4) ] دليل بها يسلكها وهو مغمض العين إن ~~شاء الله. قال: PageV01P197 ~~من هو؟ قال: فرات بن حيان العجلي. قد دوخها وسلكها. قال صفوان: ~~فذلك والله! فأرسل إلى فرات. فجاءه فقال: إني أريد الشام وقد عور علينا ~~محمد متجرنا لأن طريق عيراتنا عليه. فأردت طريق العراق. قال فرات: فأنا ~~أسلك بك في طريق العراق. ليس يطأها أحد من أصحاب محمد- إنما هي أرض نجد ~~وفياف. قال صفوان: فهذه حاجتي، أما الفيافي فنحن شاتون وحاجتنا إلى الماء ~~اليوم قليل. فتجهز صفوان بن أمية، وأرسل معه أبو زمعة بثلاثمائة مثقال ذهب ~~ونقر [ (1) ] فضة، وبعث معه رجالا من قريش ببضائع، وخرج معه عبد الله بن ~~أبي ربيعة وحويطب بن عبد العزى في رجال من قريش. وخرج صفوان بمال كثير- نقر ~~فضة وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم، وخرجوا على ذات عرق [ (2) ] . # وقدم المدينة نعيم بن مسعود الأشجعي، وهو على دين قومه، فنزل على كنانة ~~بن أبي الحقيق في بني النضير فشرب معه، وشرب معه سليط بن النعمان بن أسلم- ~~ولم تحرم الخمر يومئذ- وهو يأتي بني النضير ويصيب من شرابهم. فذكر نعيم ~~خروج صفوان في عيره وما معهم من الأموال، فخرج من ساعته إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في ~~مائة راكب، فاعترضوا لها فأصابوا العير. وأفلت أعيان القوم وأسروا رجلا أو ~~رجلين، وقدموا بالعير على النبي صلى الله عليه وسلم فخمسها، فكان الخمس ~~يومئذ قيمة عشرين ألف درهم، وقسم ما بقي على أهل السرية. وكان في الأسرى ~~فرات بن حيان، فأتي به فقيل له: أسلم، إن تسلم نتركك من القتل، فأسلم فتركه ~~من القتل. PageV01P198 ### | غزوة أحد # يوم السبت لسبع خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا. ~~واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن ms147 أم مكتوم. # حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: ~~حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث، ~~وعبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، ومحمد بن صالح بن دينار، ومعاذ ابن ~~محمد، وابن أبي حبيبة، ومحمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، وعبد الرحمن بن ~~عبد العزيز، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، ويونس بن محمد الظفري، ومعمر ~~بن راشد، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وأبو معشر، في رجال لم أسم، فكل قد ~~حدثني بطائفة من هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت كل ~~الذي دثونى، قالوا: ~~لما رجع من حضر بدرا من المشركين إلى مكة، والعير التي قدم بها أبو سفيان ~~بن حرب من الشام موقوفة في دار الندوة- وكذلك كانوا يصنعون- فلم يحركها أبو ~~سفيان ولم يفرقها لغيبة أهل العير، مشت أشراف قريش إلى أبو سفيان بن حرب: ~~الأسود بن المطلب بن أسد، وجبير بن مطعم، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي ~~جهل، والحارث بن هشام، وعبد الله ابن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزى، ~~وحجير بن أبي إهاب، فقالوا: ~~يا أبا سفيان، انظر هذه العير التي قدمت بها فاحتبستها [ (1) ] ، فقد ~~عرفت أنها أموال أهل مكة ولطيمة قريش، وهم طيبو الأنفس، يجهزون بهذه ~~PageV01P199 ~~العير جيشا [ (1) ] إلى محمد، وقد ترى من قتل من آبائنا، وأبنائنا، ~~وعشائرنا. قال أبو سفيان: وقد طابت أنفس قريش بذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأنا ~~أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فأنا والله الموتور الثائر، قد قتل ~~ابني حنظلة ببدر وأشراف قومي. فلم تزل العير موقوفة حتى تجهزوا للخروج إلى ~~أحد، فباعوها وصارت ذهبا عينا، فوقف عند أبي سفيان. ~~ويقال إنما قالوا: يا أبا سفيان، بع العير ثم اعزل أرباحها. وكانت العير ~~ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، وكانوا يربحون في تجارتهم. ~~للدينار دينارا، وكان متجرهم من الشام غزة، لا يعدونها إلى غيرها. وكان ~~أبو سفيان قد حبس ms148 عير زهرة لأنهم رجعوا من طريق بدر، وسلم ما كان لمخرمة بن ~~نوفل ولبني أبيه وبني عبد مناف بن زهرة، فأبى مخرمة أن يقبل عيره حتى يسلم ~~إلى بني زهرة جميعا. وتكلم الأخنس فقال: ما لعير بني زهرة من بين عيرات ~~قريش؟ قال أبو سفيان: لأنهم رجعوا عن قريش. ~~قال الأخنس: أنت أرسلت إلى قريش أن ارجعوا فقد أحرزنا العير، لا تخرجوا ~~في غير شيء، فرجعنا. فأخذت زهرة عيرها، وأخذ أقوام من أهل مكة- أهل ضعف، لا ~~عشائر لهم ولا منعة- كل ما كان لهم في العير. فهذا يبين أنما أخرج القوم ~~أرباح العير. وفيهم نزلت: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل ~~الله [ (2) ] الآية. # فلما أجمعوا على المسير قالوا: نسير في العرب فنستنصرهم فإن عبد مناة غير ~~متخلفين عنا، هم أوصل العرب لأرحامنا، ومن اتبعنا من الأحابيش [ (3) ] . ~~PageV01P200 ~~فاجتمعوا على أن يبعثوا أربعة من قريش يسيرون في العرب يدعونهم إلى ~~نصرهم، فبعثوا عمرو بن العاص، وهبيرة بن أبي وهب، وابن الزبعرى، وأبا عزة ~~الجمحي، فأطاع النفر وأبى أبو عزة أن يسير، وقال: من علي محمد يوم بدر ولم ~~يمن على غيري، وحلفت لا أظاهر عليه عدوا أبدا. فمشى إليه صفوان بن أمية ~~فقال: اخرج! فأبى فقال: عاهدت محمدا يوم بدر لا أظاهر عليه عدوا أبدا، وأنا ~~أفي [ (1) ] له بما عاهدته عليه، من علي ولم يمن على غيري حتى قتله أو أخذ ~~منه الفداء. فقال له صفوان: اخرج معنا، فإن تسلم أعطك من المال ما شئت، وإن ~~تقتل كان عيالك مع عيالي. ~~فأبى أبو عزة حتى كان الغد، وانصرف عنه صفوان بن أمية آيسا منه، فلما كان ~~الغد جاءه صفوان وجبير بن مطعم، فقال له صفوان الكلام الأول فأبى، فقال ~~جبير: ما كنت أظن أني أعيش حتى يمشي إليك أبو وهب في أمر تأبى عليه! ~~فأحفظه، فقال: فأنا أخرج! قال: فخرج في العرب يجمعها، وهو يقول: # يا [ (2) ] بني عبد مناة الرزام [ (3) ] %~% أنتم حماة وأبوكم حام # لا تسلموني لا يحل إسلام %~% لا تعدوني ms149 [ (4) ] نصركم بعد العام # قال: وخرج معه النفر فألبوا العرب وجمعوها، وبلغوا ثقيفا فأوعبوا [ (5) ] ~~. ~~فلما أجمعوا المسير وتألب من كان معهم من العرب وحضروا، اختلفت قريش ~~PageV01P201 ~~في إخراج الظعن [ (1) ] معهم. # فحدثني بكير بن مسمار، عن زياد مولى سعد، عن نسطاس، قال: ~~قال صفوان بن أمية: اخرجوا بالظعن، فأنا أول من فعل، فإنه أقمن أن ~~يحفظنكم ويذكرنكم قتلى بدر، فإن العهد حديث ونحن قوم مستميتون لا نريد أن ~~نرجع إلى دارنا حتى ندرك ثأرنا أو نموت دونه. فقال عكرمة بن أبي جهل: أنا ~~أول من أجاب إلى ما دعوت إليه. وقال عمرو بن العاص مثل ذلك، فمشى في ذلك ~~نوفل بن معاوية الديلي فقال: يا معشر قريش هذا ليس برأي، أن تعرضوا حرمكم ~~عدوكم، ولا آمن أن تكون الدائرة [ (2) ] لهم، فتفتضحوا في نسائكم. فقال ~~صفوان بن أمية: لا كان غير هذا أبدا! فجاء نوفل إلى أبي سفيان فقال له تلك ~~المقالة، فصاحت هند بنت عتبة: إنك والله سلمت يوم بدر فرجعت إلى نسائك، ~~نعم، نخرج فنشهد القتال، فقد ردت القيان من الجحفة في سفرهم إلى بدر فقتلت ~~الأحبة يومئذ. قال أبو سفيان: لست أخالف قريشا، أنا رجل منها، ما فعلت ~~فعلت. فخرجوا بالظعن. # قالوا: فخرج أبو سفيان بن حرب بامرأتين- هند بنت عتبة، وأميمة [ (3) ] ~~بنت سعد بن وهب بن أشيم بن كنانة. وخرج صفوان بن أمية بامرأتين، برزة بنت ~~مسعود الثقفي، وهي أم عبد الله بن صفوان الأصغر. ~~وخرج طلحة بن أبي طلحة بامرأته سلافة بنت سعد بن شهيد، وهي من الأوس، وهي ~~أم بني طلحة، أم مسافع، والحارث، وكلاب، وجلاس، PageV01P202 ~~بني طلحة. وخرج عكرمة بن أبي جهل بامرأته أم جهيم بنت الحارث بن هشام. ~~وخرج الحارث بن هشام بامرأته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة. ~~وخرج عمرو بن العاص بامرأته هند بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبد الله بن ~~عمرو بن العاص. وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب مع ابنها أبي عزيز بن عمير ~~العبدري. وخرج الحارث بن سفيان بن عبد الأسد ms150 بامرأته رملة بنت طارق بن ~~علقمة. وخرج كنانة بن على بن ربيعة ابن عبد العزى بامرأته أم حكيم بنت ~~طارق. وخرج سفيان بن عويف بامرأته قتيلة بنت عمرو بن هلال. وخرج النعمان ~~وجابر ابنا مسك الذئب بأمهما الدغنية. وخرج غراب بن سفيان بن عويف بامرأته ~~عمرة بنت الحارث بن علقمة، وهي التي رفعت لواء قريش حين سقط. ~~حتى تراجعت قريش إلى لوائها. قالوا: وخرج سفيان بن عويف بعشرة من ولده، ~~وحشدت بنو كنانة. وكانت الألوية يوم خرجوا من مكة ثلاثة ألوية عقدوها في ~~دار الندوة- لواء يحمله سفيان بن عويف، ولواء في الأحابيش [ (1) ] يحمله ~~رجل منهم، ولواء يحمله طلحة بن أبي طلحة. ويقال: ~~خرجت قريش ولفها على لواء واحد يحمله طلحة بن أبي طلحة. قال ابن واقد: ~~وهو أثبت عندنا. # وخرجت قريش وهم ثلاثة آلاف بمن ضوى [ (2) ] إليهم، وكان فيهم من ثقيف ~~مائة رجل، وخرجوا بعدة وسلاح كثير، وقادوا مائتي فرس، وكان فيهم سبعمائة ~~دارع وثلاثة آلاف بعير. فلما أجمعوا المسير كتب العباس PageV01P203 ~~ابن عبد المطلب كتابا وختمه، واستأجر رجلا من بني غفار واشترط عليه أن ~~يسير ثلاثا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره أن قريشا قد أجمعت ~~المسير [ (1) ] إليك فما كنت صانعا إذا حلوا بك فاصنعه. وقد توجهوا إليك [ ~~(2) ] ، وهم ثلاثة آلاف، وقادوا مائتي فرس، وفيهم سبعمائة دارع وثلاثة آلاف ~~بعير، وأوعبوا من السلاح. ~~فقدم الغفاري فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ووجده بقباء ~~[ (3) ] ، فخرج حتى يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب مسجد قباء ~~يركب حماره، فدفع إليه الكتاب فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبيا ما فيه، ~~فدخل منزل سعد بن الربيع فقال: في البيت أحد؟ فقال سعد: لا، فتكلم بحاجتك. ~~فأخبره بكتاب العباس بن عبد المطلب، وجعل سعد يقول: يا رسول الله، إني ~~لأرجو أن يكون في ذلك خير، وقد أرجفت يهود المدينة والمنافقون، وقالوا: ~~ما جاء محمدا شيء يحبه. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ~~واستكتم ms151 سعدا الخبر. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت امرأة سعد ~~بن الربيع إليه فقال: ما قال لك رسول الله؟ فقال: ما لك ولذلك، لا أم لك؟ ~~قالت: قد كنت أسمع عليك. وأخبرت سعدا الخبر، فاسترجع سعد وقال: لا أراك ~~تستمعين علينا وأنا أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم بحاجتك! ثم ~~أخذ يجمع لبتها [ (4) ] ، ثم خرج يعدو بها حتى أدرك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالجسر [ (5) ] وقد بلحت [ (6) ] ، فقال: يا رسول PageV01P204 ~~الله، إن امرأتي سألتني عما قلت، فكتمتها فقالت قد سمعت قول رسول الله! ~~فجاءت بالحديث كله، فخشيت يا رسول الله أن يظهر من ذلك شيء فتظن أني أفشيت ~~سرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خل سبيلها. ~~وشاع الخبر في الناس بمسير قريش، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر من ~~خزاعة، ساروا من مكة أربعا، فوافوا قريشا وقد عسكروا بذي طوى، فأخبروا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الخبر، ثم انصرفوا فوجدوا قريشا ببطن رابغ فنكبوا ~~عن قريش- ورابغ على ليال من المدينة. # فحدثني عبد الله بن عمرو بن زهير، عن عبد الله بن عمرو بن أبي حكيمة ~~الأسلمي، قال: لما أصبح أبو سفيان بالأبواء أخبر أن عمرو ابن سالم وأصحابه ~~راحوا أمس ممسين إلى مكة، فقال أبو سفيان: أحلف بالله أنهم جاءوا محمدا ~~فخبروه بمسيرنا، وحذروه، وأخبروه بعددنا، فهم الآن يلزمون صياصيهم، فما ~~أرانا نصيب منهم شيئا في وجهنا. فقال صفوان: ~~إن لم يصحروا [ (1) ] لنا عمدنا إلى نخل الأوس والخزرج فقطعناه، فتركناهم ~~ولا أموال لهم فلا يجتبرونها [ (2) ] أبدا، وإن أصحروا لنا فعددنا أكثر من ~~عددهم وسلاحنا أكثر من سلاحهم، ولنا خيل ولا خيل معهم، ونحن نقاتل على وتر ~~عندهم ولا وتر لهم عندنا. # وكان أبو عامر الفاسق قد خرج في خمسين رجلا من أوس [ (3) ] الله حتى قدم ~~بهم مكة حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأقام مع قريش وكان دعا ~~قومه فقال لهم: إن محمدا ظاهر فاخرجوا بنا إلى قوم ms152 نوازرهم. PageV01P205 ~~فخرج إلى قريش يحرضها ويعلمها أنها على الحق، وما جاء به محمد باطل، ~~فسارت قريش إلى بدر ولم يسر معها، فلما خرجت قريش إلى أحد سار معها، وكان ~~يقول لقريش: إني لو قدمت على قومي لم يختلف عليكم منهم رجلان، وهؤلاء معي ~~نفر من قومي وهم خمسون رجلا. فصدقوه بما قال وطمعوا بنصره. # وخرج النساء معهن الدفوف، يحرضن الرجال ويذكرنهم قتلى بدر فى كل منزل، ~~وجعلت قريش ينزلون كل منهل، ينحرون ما نحروا من الجزر مما كانوا جمعوا [ ~~(1) ] من العير ويتقوون به في مسيرهم، ويأكلون من أزوادهم مما جمعوا من ~~الأموال. وكانت قريش لما مرت بالأبواء قالت: إنكم قد خرجتم بالظعن معكم، ~~ونحن نخاف على نسائنا. فتعالوا ننبش قبر أم محمد، فإن النساء عورة، فإن يصب ~~من نسائكم أحدا قلتم هذه رمة أمك، فإن كان برا بأمه كما يزعم، فلعمري ~~ليفادينكم برمة أمه، وإن لم يظفر بأحد من نسائكم، فلعمري ليفدين رمة أمه ~~بمال كثير إن كان بها برا. ~~واستشار أبو سفيان بن حرب أهل الرأي من قريش في ذلك فقالوا: ~~لا تذكر من هذا شيئا، فلو فعلنا نبشت بنو بكر وخزاعة موتانا. # وكانت قريش يوم الخميس بذي الحليفة، صبيحة عشر من مخرجهم من مكة، لخمس ~~ليال مضين من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا، ومعهم ثلاثة آلاف بعير ~~ومائتا فرس. فلما أصبحوا بذي الحليفة خرج فرسان فأنزلهم [ (2) ] بالوطاء. ~~وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عينين له، أنسا ومؤنسا ابني فضالة ليلة ~~الخميس، فاعترضا لقريش بالعقيق، فسارا معهم حتى نزلوا PageV01P206 ~~بالوطاء. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه. # وكان المسلمون قد ازدرعوا العرض- والعرض ما بين الوطاء بأحد إلى الجرف، ~~إلى العرصة، عرصة البقل اليوم- وكان أهله بنو سلمة، وحارثة، وظفر، وعبد ~~الأشهل، وكان الماء يومئذ بالجرف أنشاطا [ (1) ] ، لا يريم سائق الناضح [ ~~(2) ] مجلسا واحدا، ينفتل [ (3) ] الجمل في ساعة [ (4) ] ، حتى ذهب بمياهه ~~عيون الغابة التي حفر معاوية بن أبي سفيان. فكانوا قد أدخلوا آلة زرعهم ~~ليلة الخميس المدينة فقدم المشركون على ms153 زرعهم وخلوا فيه إبلهم وخيولهم- وقد ~~شرب الزرع في الدقيق [ (5) ] ، وكان لأسيد بن حضير في العرض عشرون ناضحا ~~يسقي شعيرا- وكان المسلمون قد حذروا على جمالهم وعمالهم وآلة حرثهم. وكان ~~المشركون يرعون يوم الخميس حتى أمسوا، فلما أمسوا جمعوا الإبل وقصلوا [ (6) ~~] عليها القصيل، وقصلوا على خيولهم ليلة الجمعة، فلما أصبحوا يوم الجمعة ~~خلوا ظهرهم في الزرع وخيلهم حتى تركوا العرض ليس به خضراء. # فلما نزلوا وحلوا العقد واطمأنوا، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحباب بن المنذر بن الجموح إلى القوم، فدخل فيهم وحزر ونظر إلى جمع ما ~~يريد، وبعثه سرا وقال للحباب: لا تخبرني بين أحد من المسلمين PageV01P207 ~~إلا أن ترى قلة [ (1) ] . فرجع إليه فأخبره خاليا، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما رأيت؟ قال: رأيت يا رسول الله عددا، حزرتهم ثلاثة آلاف، ~~يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، والخيل مائتي فرس، ورأيت دروعا ظاهرة، ~~حزرتها سبعمائة درع. قال: هل رأيت ظعنا؟ قال: رأيت النساء معهن الدفاف ~~والأكبار- الأكبار يعني الطبول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أردن ~~أن يحرضن القوم ويذكرنهم قتلى بدر، هكذا جاءني خبرهم، لا تذكر من شأنهم ~~حرفا، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول وبك أصول. # وخرج سلمة بن سلامة بن وقش يوم الجمعة حتى إذا كان بأدنى العرض إذا طليعة ~~خيل المشركين عشرة أفراس، فركضوا في أثره فوقف لهم على نشز من الحرة، ~~فراشقهم بالنبل مرة وبالحجارة مرة حتى انكشفوا عنه. فلما ولوا جاء إلى ~~مزرعته بأدنى العرض، فاستخرج سيفا كان له ودرع حديد كانا دفنا في ناحية ~~المزرعة، فخرج بهما يعدو حتى أتى بني عبد الأشهل فخبر قومه بما لقي منهم. ~~وكان مقدمهم يوم الخميس لخمس ليال خلون من شوال، وكانت الوقعة يوم السبت ~~لسبع خلون من شوال. # وباتت وجوه الأوس والخزرج: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، ~~في عدة، ليلة الجمعة، عليهم السلاح، في المسجد بباب النبي صلى الله عليه ~~وسلم خوفا من بيات [ (2) ] المشركين، وحرست المدينة تلك ms154 الليلة حتى أصبحوا. ~~ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا ليلة الجمعة، فلما أصبح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واجتمع المسلمون خطب [ (3) ] . PageV01P208 # فحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود ابن لبيد، قال: ~~ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~أيها الناس، إني رأيت في منامي رؤيا، رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت كأن ~~سيفي ذا الفقار انقصم [ (1) ] من عند ظبته [ (2) ] ، ورأيت بقرا تذبح، ~~ورأيت كأني مردف كبشا. فقال الناس: يا رسول الله، فما أولتها؟ قال: أما ~~الدرع الحصينة فالمدينة، فامكثوا فيها، وأما انقصام [ (3) ] سيفي من عند ~~ظبته فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح. ~~فقتلى في أصحابي، وأما مردف كبشا، فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله # وحدثني عمر بن عقبة، عن سعيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: وأما انقصام [ (3) ] سيفي، فقتل رجل من ~~أهل بيتي. # حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهرى، عن عروة، عن المسور ابن مخرمة، قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: ورأيت في سيفي فلا فكرهته، فهو الذي أصاب ~~وجهه صلى الله عليه وسلم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي! ~~ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوافق على مثل ما رأى وعلى [ (4) ] ~~ما عبر عليه الرؤيا. فقام عبد الله بن أبي فقال: يا رسول الله، كنا نقاتل ~~فى الجاهلية فيها، ونجعل PageV01P209 ~~النساء والذراري في هذه الصياصي، ونجعل معهم الحجارة. والله، لربما مكث ~~الولدان شهرا ينقلون الحجارة إعدادا لعدونا، ونشبك المدينة بالبنيان فتكون ~~كالحصن من كل ناحية، وترمي المرأة والصبي من فوق الصياصي والآطام، ونقاتل ~~بأسيافنا في السكك. يا رسول الله، إن مدينتنا عذراء ما فضت علينا قط، وما ~~خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا، وما دخل علينا قط إلا أصبناه، فدعهم يا ~~رسول الله، فإنهم إن أقاموا أقاموا بشر ms155 محبس، وإن رجعوا رجعوا خائبين ~~مغلوبين [ (1) ] ، لم ينالوا خيرا. يا رسول الله، أطعني في هذا الأمر واعلم ~~أني ورثت هذا الرأي من أكابر قومي وأهل الرأي منهم، فهم كانوا أهل الحرب ~~والتجربة. ~~وكان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رأي ابن أبي، وكان ذلك رأي ~~الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~امكثوا في المدينة، واجعلوا النساء والذراري في الآطام، فإن دخلوا علينا ~~قاتلناهم في الأزقة، فنحن أعلم بها منهم، وارموا من فوق الصياصي والآطام. ~~فكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن. فقال فتيان ~~أحداث لم يشهدوا بدرا، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى ~~عدوهم، ورغبوا في الشهادة، وأحبوا لقاء العدو: اخرج بنا إلى عدونا! وقال ~~رجال من أهل السن وأهل النية [ (2) ] ، منهم حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن ~~عبادة، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، في غيرهم من الأوس والخزرج: ~~إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن ~~لقائهم، فيكون هذا جرأة [ (3) ] منهم علينا، وقد كنت يوم بدر فى ثلاثمائة ~~PageV01P210 ~~رجل فظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، وقد كنا نتمنى هذا اليوم ~~وندعو الله به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا. ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما يرى من إلحاحهم كاره، وقد لبسوا السلاح يخطرون بسيوفهم، يتسامون [ ~~(1) ] كأنهم الفحول. وقال مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري: يا رسول الله، ~~نحن والله بين إحدى الحسنين- إما يظفرنا الله بهم فهذا الذي نريد، فيذلهم ~~الله لنا فتكون هذه وقعة مع وقعة بدر، فلا يبقى [ (2) ] منهم إلا الشريد، ~~والأخرى يا رسول الله، يرزقنا الله الشهادة، والله يا رسول الله، ما أبالي ~~[ (3) ] أيهما كان، إن كلا لفيه الخير! فلم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجع إليه قولا، وسكت. فقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: والذي ~~أنزل عليك الكتاب، لا أطعم اليوم ms156 طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارجا من ~~المدينة. وكان يقال كان حمزة يوم الجمعة صائما، ويوم السبت صائما، فلاقاهم ~~وهو صائم. # قالوا: وقال النعمان بن مالك بن ثعلبة أخو بني سالم: يا رسول الله، أنا ~~أشهد أن البقر المذبح قتلى من أصحابك وأني منهم، فلم تحرمنا الجنة؟ فو الذي ~~لا إله إلا هو لأدخلنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: صدقت! ~~فاستشهد يومئذ. وقال إياس [ (4) ] بن أوس ابن عتيك: يا رسول الله، نحن ~~بنو عبد الأشهل من البقر المذبح، نرجو PageV01P211 ~~يا رسول الله أن نذبح في القوم ويذبح فينا، فنصير إلى الجنة ويصيرون إلى ~~النار، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون: ~~حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها! فيكون هذا جرأة [ (1) ] لقريش، وقد ~~وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن عرضنا لم نزرع [ (2) ] ، وقد كنا يا رسول الله ~~في جاهليتنا والعرب يأتوننا، ولا يطمعون بهذا منا حتى نخرج إليهم بأسيافنا ~~حتى نذبهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا [ (3) ] الله بك، وعرفنا مصيرنا، ~~لا نحصر أنفسنا في بيوتنا. وقام خيثمة أبو سعد بن خيثمة فقال: ~~يا رسول الله، إن قريشا مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ~~ومن تبعها من أحابيشها، ثم جاءونا قد قادوا الخيل وامتطوا [ (4) ] الإبل ~~حتى نزلوا بساحتنا فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم ~~يكلموا، فيجرئهم ذلك علينا حتى يشنوا الغارات علينا، ويصيبوا أطرافنا [ (5) ~~] ، ويضعوا العيون والأرصاد علينا، مع ما قد صنعوا بحروثنا، ويجترئ علينا ~~العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم، فنذبهم عن جوارنا [ ~~(6) ] وعسى الله أن يظفرنا بهم فتلك عادة الله عندنا، أو تكون الأخرى فهي ~~الشهادة. لقد أخطأتني وقعة بدر وقد كنت عليها حريصا، لقد بلغ من حرصي أن ~~ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد كنت حريصا على الشهادة. ~~وقد رأيت ابني البارحة في ms157 النوم في أحسن صورة، يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ~~وهو يقول: الحق بنا ترافقنا فى الجنة، PageV01P212 ~~فقد وجدت ما وعدني ربي حقا! وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى ~~مرافقته في الجنة، وقد كبرت سني، ورق [ (1) ] عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع ~~الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة. ~~فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقتل بأحد شهيدا. # وقالوا: قال أنس بن قتادة: يا رسول الله، هي إحدى الحسنيين، إما الشهادة ~~وإما الغنيمة والظفر في قتلهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني ~~أخاف عليكم الهزيمة. # قالوا: فلما أبوا إلا الخروج [ (2) ] صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الجمعة بالناس، ثم وعظ الناس وأمرهم بالجد والجهاد [ (3) ] ، وأخبرهم أن ~~لهم النصر ما صبروا. ففرح الناس بذلك حيث أعلمهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالشخوص إلى عدوهم، وكره ذلك المخرج بشر كثير من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم. ثم صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم العصر بالناس، وقد حشد الناس وحضر أهل العوالي، ورفعوا النساء في ~~الآطام، فحضرت بنو عمرو بن عوف ولفها والنبيت [ولفها] [ (4) ] وتلبسوا ~~السلاح. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، ودخل معه أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما، فعمماه ولبساه، وصف الناس له ما بين حجرته إلى منبره، ~~ينتظرون خروجه، فجاءهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا: قلتم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما قلتم، واستكرهتموه على الخروج، والأمر ينزل عليه من ~~السماء، فردوا الأمر إليه، فما أمركم PageV01P213 ~~فافعلوه وما رأيتم له فيه هوى أو رأي فأطيعوه. فبينا القوم على ذلك من ~~الأمر، وبعض القوم يقول: القول ما قال سعد! وبعضهم على البصيرة على الشخوص، ~~وبعضهم للخروج كاره، إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد لبس لأمته، ~~وقد لبس الدرع فأظهرها، وحزم وسطها بمنطقة من حمائل سيف من أدم، كانت عند ~~آل أبي رافع مولى رسول الله صلى ms158 الله عليه وسلم بعد، واعتم، وتقلد السيف. ~~فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ندموا جميعا على ما صنعوا، وقال ~~الذين يلحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان لنا أن نلح على رسول ~~الله في أمر يهوى خلافه. ~~وندمهم أهل الرأي الذين كانوا يشيرون بالمقام، ~~فقالوا: يا رسول الله، ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك، [وما كان ~~لنا أن نستكرهك والأمر إلى الله ثم إليك] [ (1) ] . فقال: قد دعوتكم إلى ~~هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله ~~بينه وبين أعدائه. ~~وكانت الأنبياء قبله إذا لبس النبي لأمته لم يضعها حتى يحكم الله بينه ~~وبين أعدائه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظروا ما أمرتكم به ~~فاتبعوه، امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم. # حدثني يعقوب بن محمد الظفري، عن أبيه، قال: كان مالك بن عمرو النجاري مات ~~يوم الجمعة، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته ثم خرج- وهو ~~موضوع عند موضع الجنائز- صلى عليه، ثم دعا بدابته فركب إلى أحد. # حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: قال له جعال بن سراقة وهو موجه إلى ~~أحد: يا رسول الله، إنه قيل لى إنك تقتل غدا! وهو يتنفس PageV01P214 ~~مكروبا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده في صدره وقال: أليس الدهر ~~كله غدا؟ # ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألوية، ~~فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر ~~بن الجموح- ويقال إلى سعد بن عبادة- ودفع لواء المهاجرين إلى علي بن أبي ~~طالب عليه السلام، ويقال إلى مصعب بن عمير. ثم دعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم بفرسه فركبه، وأخذ [ (1) ] النبي صلى الله عليه وسلم القوس وأخذ قناة ~~بيده- زج الرمح يومئذ من شبه [ (2) ]- والمسلمون متلبسون السلاح قد أظهروا ~~الدروع، فيهم مائة دارع. فلما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~السعدان أمامه ms159 يعدوان- سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ- كل واحد منهما دارع، ~~والناس عن يمينه وعن شماله حتى سلك على البدائع [ (3) ] ، ثم زقاق الحسي [ ~~(4) ] ، حتى أتى الشيخين [ (5) ]- وهما أطمان كانا في الجاهلية فيهما شيخ ~~أعمى وعجوز عمياء يتحدثان، فسمي الأطمان الشيخين- حتى انتهى إلى رأس ~~الثنية، التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل [ (6) ] خلفه، فقال: ما هذه؟ ~~قالوا: يا رسول الله، هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يستنصر [ (7) ] بأهل الشرك على ~~PageV01P215 ~~أهل الشرك. ~~ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الشيخين فعسكر به. وعرض عليه ~~غلمان: عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، والنعمان بن بشير، ~~وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة [ (1) ] بن أوس، ~~وأبو سعيد الخدري، وسمرة بن جندب، ورافع بن خديج، فردهم. قال رافع بن خديج، ~~فقال ظهير بن رافع: ~~يا رسول الله إنه رام [ (2) ] ! وجعلت أتطاول وعلي خفان لي، فأجازني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما أجازني قال سمرة بن جندب لربيبه مري بن سنان ~~الحارثي، وهو زوج أمه: يا أبة، أجاز رسول الله رافع بن خديج وردني، وأنا ~~أصرع رافع بن خديج. ~~فقال مري بن سنان الحارثي: ~~يا رسول الله رددت ابني وأجزت رافع بن خديج وابني يصرعه. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: تصارعا! ~~فصرع سمرة رافعا فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم- وكانت أمه امرأة ~~من بني أسد. # وأقبل ابن أبي فنزل ناحية من العسكر، فجعل حلفاؤه ومن معه من المنافقين ~~يقولون لابن أبي: أشرت عليه بالرأي ونصحته وأخبرته أن هذا رأي من مضى من ~~آبائك، وكان ذلك رأيه مع رأيك فأنى أن يقبله، وأطاع هؤلاء الغلمان الذين ~~معه! فصادفوا من ابن أبي نفاقا وغشا. # فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشيخين، وبات ابن أبى فى صحابه، ~~وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرض أصحابه [ (3) ] . وغابت الشمس ~~فأذن بلال بالمغرب، فصلى رسول الله صلى الله عليه ms160 وسلم بأصحابه، ~~PageV01P216 ~~ثم أذن بالعشاء فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نازل في بني النجار. واستعمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الحرس محمد بن مسلمة في خمسين رجلا، يطوفون بالعسكر حتى أدلج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وكان المشركون قد رأوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث أدلج، ونزل بالشيخين، فجمعوا خيلهم وظهرهم واستعملوا على حرسهم ~~عكرمة بن أبي جهل في خيل من المشركين، وباتت صاهلة خيلهم لا تهدأ، وتدنو ~~طلائعهم حتى تلصق بالحرة، فلا تصعد فيها حتى ترجع خيلهم، ويهابون موضع ~~الحرة ومحمد بن مسلمة. # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين صلى العشاء: من يحفظنا ~~الليلة؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من أنت؟ قال: ذكوان بن عبد قيس. قال: اجلس. ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يحفظنا هذه الليلة؟ فقام ~~رجل فقال: أنا. فقال: من أنت؟ قال: أنا أبو سبع. قال: اجلس. ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يحفظنا هذه الليلة؟ فقام ~~رجل فقال: أنا. فقال: ومن أنت؟ قال: ابن عبد قيس. قال: ~~اجلس. ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال: قوموا ثلاثتكم. ~~فقام ذكوان بن عبد قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين صاحباك؟ ~~فقال ذكوان: أنا الذي كنت أجبتك الليلة. قال: فاذهب، حفظك الله! قال: ~~فلبس درعه وأخذ درقته، وكان يطوف بالعسكر تلك الليلة، ويقال كان يحرس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقه. # ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدلج، فلما كان في السحر قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أين الأدلاء؟ من رجل يدلنا على الطريق PageV01P217 ~~ويخرجنا على القوم من كثب؟ فقام أبو حثمة [ (1) ] الحارثي فقال: أنا يا ~~رسول الله. ~~ويقال أوس بن قيظي [ (2) ] ، ويقال محيصة- وأثبت ذلك عندنا أبو حثمة. ~~قال: فخرج رسول ms161 الله صلى الله عليه وسلم فركب فرسه، فسلك به في بني حارثة، ~~ثم أخذ في الأموال حتى يمر بحائط مربع بن قيظي، وكان أعمى البصر منافقا، ~~فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حائطه قام يحثي التراب في ~~وجوههم وجعل يقول: إن كنت رسول الله، فلا تدخل حائطي. فيضربه سعد بن زيد ~~الأشهلي بقوس في يده، فشجه في رأسه فنزل الدم، فغضب له بعض بني حارثة ممن ~~هو على مثل رأيه، فقال: هي عداوتكم يا بني عبد الأشهل، لا تدعونها أبدا ~~لنا. فقال أسيد بن حضير: لا والله، ولكنه نفاقكم. والله، لولا أني لا أدري ~~ما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لضربت عنقه وعنق من هو على مثل ~~رأيه! فأسكتوا [ (3) ] . # ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو في مسيره إذ ذب فرس أبي ~~بردة بن نيار بذنبه، فأصاب كلاب [ (4) ] سيفه فسل سيفه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا صاحب السيف، شم سيفك، فإني إخال السيوف ستسل فيكثر ~~سلها! ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويكره الطيرة. PageV01P218 # ولبس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيخين درعا واحدة، حتى انتهى إلى ~~أحد، فلبس درعا أخرى، ومغفرا وبيضة فوق المغفر. فلما نهض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الشيخين زحف المشركون على تعبية [ (1) ] حتى انتهوا إلى ~~موضع أرض ابن عامر اليوم. فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أحد- إلى موضع القنطرة اليوم- جاء وقد حانت الصلاة، وهو يرى المشركين، أمر ~~بلالا فأذن وأقام وصلى بأصحابه الصبح صفوفا، وارتحل [ (2) ] ابن أبي من ذلك ~~المكان في كتيبة كأنه هيق [ (3) ] يقدمهم، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن ~~حرام فقال: أذكركم الله ودينكم ونبيكم، وما شرطتم له أن تمنعوه مما تمنعون ~~منه أنفسكم وأولادكم ونساءكم. فقال ابن أبي: ما أرى يكون بينهم قتال، ولئن ~~أطعتني يا أبا جابر لترجعن، فإن أهل الرأى والحجى قد رجعوا، ونحن ناصروه في ~~مدينتنا، وقد خالفنا وأشرت ms162 عليه بالرأي، فأبى إلا طواعية الغلمان. فلما أبى ~~على عبد الله أن يرجع ودخلوا أزقة المدينة، قال لهم أبو جابر: أبعدكم الله، ~~إن الله سيغني النبي والمؤمنين عن نصركم! فانصرف ابن أبي وهو يقول: أيعصيني ~~ويطيع الولدان؟ ~~وانصرف عبد الله بن عمرو بن حرام يعدو حتى لحق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو يسوي الصفوف. فلما أصيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سر ابن ~~أبي، وأظهر الشماتة وقال: عصاني وأطاع من لا رأي له! # وجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصف أصحابه، وجعل الرماة خمسين رجلا على عينين، [ (4) ] ~~عليهم عبد الله بن جبير، وقيل عليهم سعد PageV01P219 ~~ابن أبي وقاص. قال ابن واقد: والثبت عندنا عبد الله بن جبير. وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه، فجعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة، ~~وجعل عينين عن يساره، وأقبل المشركون فاستدبروا المدينة في الوادي ~~واستقبلوا أحدا. ويقال جعل النبي صلى الله عليه وسلم عينين خلف ظهره، ~~واستدبر الشمس واستقبلها المشركون- والقول الأول أثبت عندنا، أن أحدا خلف ~~ظهره وهو مستقبل المدينة. # حدثنى يعقوب بن محمد بن الظفري، عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو، عن ~~محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن [ (1) ] ، قال: لما انتهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى أحد، والقوم نزول بعينين، أتى أحدا حتى جعله خلف ظهره. ~~قال: ونهى أن يقاتل أحد حتى يأمره، فلما سمع بذلك عمارة بن زياد بن السكن ~~قال: أترعى زروع بني قيلة [ (2) ] ، ولما نضارب؟ # وأقبل المشركون، قد صفوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد، ~~وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. ولهم مجنبتان مائتا فرس، وجعلوا على الخيل ~~صفوان بن أمية- ويقال عمرو بن العاص- وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة، ~~وكانوا مائة رام. ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي طلحة- واسم أبي طلحة عبد ~~الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وصاح أبو سفيان يومئذ: يا ~~بنى عبد الدار، نحن نعرف أنكم PageV01P220 ~~أحق باللواء منا! إنا ms163 إنما أتينا يوم بدر من اللواء، وإنما يؤتى القوم من ~~قبل لوائهم، فالزموا لواءكم وحافظوا عليه، وخلوا بيننا وبينه، فإنا قوم ~~مستميتون موتورون، نطلب ثأرا حديث العهد. وجعل أبو سفيان يقول: ~~إذا زالت الألوية فما قوام الناس وبقاؤهم بعدها! فغضب بنو عبد الدار ~~وقالوا: نحن نسلم لواءنا؟ لا كان هذا أبدا، فأما المحافظة عليه [ (1) ] ، ~~فسترى! ثم أسندوا الرماح إليه، وأحدقت بنو عبد الدار باللواء، وأغلظوا لأبي ~~سفيان بعض الإغلاظ. فقال أبو سفيان: فنجعل لواء آخر؟ قالوا: ~~نعم، ولا يحمله إلا رجل من بني عبد الدار، لا كان غير ذلك أبدا! # وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على رجليه يسوي تلك الصفوف، ~~ويبوئ أصحابه للقتال [ (2) ] يقول: تقدم يا فلان! وتأخر يا فلان! حتى إنه ~~ليرى منكب الرجل خارجا فيؤخره، فهو يقومهم كأنما يقوم بهم القداح، حتى إذا ~~استوت الصفوف سأل: من يحمل لواء المشركين؟ قيل: بنو عبد الدار. قال: نحن ~~أحق بالوفاء منهم. أين مصعب بن عمير؟ قال: ~~ها أنا ذا! قال: خذ اللواء. فأخذه مصعب بن عمير، فتقدم به بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال: يا أيها الناس، ~~أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه من العمل بطاعته والتناهي عن محارمه. ~~ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه ثم وطن نفسه له على ~~الصبر واليقين والجد والنشاط، فإن جهاد العدو شديد، شديد كربه [ (3) ] ، ~~PageV01P221 ~~قليل من يصبر [ (1) ] عليه إلا من عزم الله رشده، فإن الله مع من أطاعه، ~~وإن الشيطان مع من عصاه، فافتتحوا [ (2) ] أعمالكم بالصبر على الجهاد، ~~والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به، فإني حريص على رشدكم، ~~فإن الاختلاف والتنازع والتثبيط [ (3) ] من أمر العجز والضعف مما لا يحب ~~الله، ولا يعطي عليه النصر ولا الظفر. يا أيها الناس، جدد في صدري [ (4) ] ~~أن من كان على حرام فرق الله بينه وبينه، ومن [ (5) ] رغب له عنه غفر الله ~~ذنبه، ومن صلى علي ms164 صلى الله عليه وملائكته عشرا، ومن أحسن من مسلم أو كافر ~~وقع أجره على الله في عاجل دنياه أو آجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا، ~~ومن استغنى عنها استغنى الله عنه، والله غني حميد. ما أعلم من عمل يقربكم ~~إلى الله إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد ~~نهيتكم عنه. وإنه قد نفث [ (6) ] في روعي الروح الأمين، أنه لن تموت نفس ~~حتى تستوفي أقصى رزقها، لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها. فاتقوا الله ربكم ~~وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية ربكم، فإنه ~~لا يقدر على ما عنده إلا بطاعته. ~~قد بين لكم الحلال والحرام، غير أن بينهما شبها من الأمر لم يعلمها كثير ~~من الناس إلا من عصم، فمن تركها حفظ عرضه ودينه، ومن وقع فيها كان كالراعي ~~إلى جنب الحمى أو شك أن يقع فيه. وليس ملك إلا PageV01P222 ~~وله حمى، ألا وإن حمى الله محارمه. والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد، ~~إذا اشتكى تداعى عليه سائر الجسد. والسلام عليكم! # حدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رباح، عن المطلب بن عبد الله، قال: إن ~~أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر، طلع في خمسين من قومه معه عبيد قريش، ~~فنادى أبو عامر، وهو عبد عمرو: يا آل [ (1) ] أوس، أنا أبو عامر! فقالوا: ~~لا مرحبا بك ولا أهلا يا فاسق! فقال: ~~لقد أصاب قومي بعدي شر! ومعه عبيد أهل مكة، فتراموا بالحجارة هم ~~والمسلمون حتى تراضخوا [ (2) ] بها ساعة، حتى ولى أبو عامر وأصحابه ودعا ~~طلحة بن أبي طلحة إلى البراز. ويقال: إن العبيد لم يقاتلوا، وأمروهم بحفظ ~~عسكرهم. # قال: وجعل نساء المشركين قبل أن يلتقي الجمعان أمام صفوف المشركين يضربن ~~بالأكبار والدفاف والغرابيل [ (3) ] ، ثم يرجعن فيكن في مؤخر الصف، حتى إذا ~~دنوا منا [ (4) ] تأخر النساء يقمن خلف الصفوف، فجعلن كلما ولى رجل حرضنه ~~وذكرنه ms165 قتلاهم ببدر. # وكان قزمان من المنافقين، وكان قد تخلف عن أحد، فلما أصبح عيره نساء بني ~~ظفر فقلن: يا قزمان، قد خرج الرجال وبقيت! يا قزمان، ألا تستحي مما صنعت؟ ~~ما أنت إلا امرأة، خرج قومك فبقيت في الدار! فأحفظنه، فدخل بيته فأخرج قوسه ~~وجعبته وسيفه- وكان يعرف بالشجاعة- PageV01P223 ~~فخرج يعدو حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوي صفوف ~~المسلمين، فجاء من خلف الصفوف حتى انتهى إلى الصف الأول فكان فيه. وكان أول ~~من رمى بسهم من المسلمين، فجعل يرسل نبلا كأنها الرماح، وإنه ليكت [ (1) ] ~~كتيت الجمل. ثم صار إلى السيف ففعل الأفاعيل، حتى إذا كان آخر ذلك قتل ~~نفسه. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكره قال: من أهل النار. فلما ~~انكشف المسلمون كسر جفن [ (2) ] سيفه وجعل يقول: الموت أحسن من الفرار! يا ~~آل أوس، قاتلوا على الأحساب واصنعوا مثل ما أصنع! قال: فيدخل بالسيف وسط ~~المشركين حتى يقال قد قتل، ثم يطلع ويقول: أنا الغلام الظفري! حتى قتل منهم ~~سبعة، وأصابته الجراحة وكثرت به فوقع. فمر به قتادة بن النعمان فقال: ~~أبا الغيداق! قال له قزمان: يا لبيك! قال: هنيئا لك الشهادة! قال قزمان: ~~إني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين، ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير ~~قريش إلينا حتى تطأ سعفنا. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم جراحته فقال: من ~~أهل النار. فأندبته [ (3) ] الجراحة، فقتل نفسه. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. # قالوا: وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرماة فقال: احموا لنا ~~ظهورنا، فإنا نخاف أن نؤتى من ورائنا، والزموا مكانكم لا تبرحوا منه، وإن ~~رأيتمونا نهزمهم، حتى ندخل عسكرهم، فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل ~~فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، اللهم، إنى أشهدك عليهم! PageV01P224 ~~وارشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل. ~~وكان للمشركين مجنبتان، ميمنة عليها خالد بن الوليد، وميسرة عليها عكرمة ~~بن أبي جهل. ~~قالوا: ms166 وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمنة وميسرة، ودفع لواءه ~~الأعظم إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه، ودفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ~~ولواء الخزرج إلى سعد أو حباب. والرماة يحمون ظهورهم، يرشقون خيل المشركين ~~بالنبل، فتولي هوارب [ (1) ] . قال بعض الرماة: لقد رمقت نبلنا [ (2) ] ، ~~ما رأيت سهما واحدا مما نرمي به خيلهم يقع بالأرض إلا في فرس أو رجل. ~~قالوا: ودنا القوم بعضهم من بعض، وقدموا صاحب لوائهم طلحة بن أبي طلحة، ~~وصفوا صفوفهم، وأقاموا النساء خلف الرجال بين أكتافهم يضربن بالأكبار ~~والدفوف، وهند وصواحبها يحرضن ويذمرن [ (3) ] الرجال ويذكرن من أصيب ببدر ~~ويقلن: # نحن بنات طارق %~% نمشي على النمارق # إن تقبلوا نعانق %~% أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق [ (4) ] # وصاح طلحة بن أبي طلحة: من يبارز؟ فقال علي عليه السلام: ~~هل لك في البراز [ (5) ] ؟ قال طلحة: نعم. فبرزا بين الصفين، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جالس تحت الراية عليه درعان ومغفر وبيضة، فالتقيا ~~PageV01P225 ~~فبدره [ (1) ] علي فضربه على رأسه، فمضى السيف حتى فلق هامته حتى انتهى ~~إلى لحيته [ (2) ] ، فوقع طلحة وانصرف علي عليه السلام. فقيل لعلي: ألا ~~ذففت عليه؟ قال: إنه لما صرع استقبلتني عورته فعطفني عليه الرحم [ (3) ] ، ~~وقد علمت أن الله تبارك وتعالى سيقتله- هو كبش الكتيبة. # ويقال حمل عليه طلحة، فاتقاه علي بالدرقة فلم يصنع سيفه شيئا. ~~وحمل عليه علي عليه السلام، وعلى طلحة درع مشمرة، فضرب ساقيه فقطع رجليه، ~~ثم أراد أن يذفف عليه، فسأله بالرحم فتركه علي فلم يذفف عليه، حتى مر به ~~بعض المسلمين فذفف عليه. ويقال إن عليا ذفف عليه. ~~فلما قتل طلحة سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظهر التكبير، وكبر ~~المسلمون. ثم شد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتائب المشركين، ~~فجعلوا يضربون حتى نقضت [ (4) ] صفوفهم، وما قتل إلا طلحة. ثم حمل لواءهم ~~بعد طلحة عثمان بن أبي طلحة، أبو شيبة، وهو أمام النسوة، يرتجز ويقول: # إن على أهل [ (5) ] اللواء حقا %~% أن تخضب الصعدة [ (6) ] أو تندقا # فتقدم باللواء، ms167 والنساء يحرضن ويضربن بالدفوف، وحمل عليه حمزة بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه فضربه بالسيف على كاهله، فقطع يده PageV01P226 ~~وكتفه، حتى انتهى إلى مؤتزره [ (1) ] حتى بدا سحره، ثم رجع وهو يقول: ~~أنا ابن ساقي الحجيج! ثم حمله [ (2) ] أبو سعد بن أبي [ (3) ] طلحة، ~~فرماه سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته، وكان دارعا وعليه مغفر لا رفرف [ (4) ~~] له، فكانت حنجرته بادية، فأدلع لسانه إدلاع الكلب. ويقال: إن أبا سعد لما ~~حمل اللواء قام النساء خلفه يقلن: # ضربا بني عبد الدار %~% ضربا حماة الأدبار # ضربا بكل بتار [ (5) ] # فقال سعد بن أبي وقاص: فأضربه فأقطع يده اليمنى، فأخذ اللواء باليسرى، ~~فأحمل على يده اليسرى فضربتها [ (6) ] فقطعتها، فأخذ اللواء بذراعيه جميعا ~~فضمه إلى صدره، ثم حنى عليه ظهره، قال سعد: فأدخل سية [ (7) ] القوس بين ~~الدرع والمغفر فأقلع المغفر فأرمي به وراء ظهره، ثم ضربته حتى قتلته، ثم ~~أخذت أسلبه درعه، فنهض إلي سبيع بن عبد عوف ونفر معه فمنعوني سلبه. وكان ~~سلبه أجود سلب رجل من المشركين- درع فضفاضة، ومغفر، وسيف جيد، ولكن حيل ~~بيني وبينه. وهذا أثبت القولين، وهكذا اجتمع عليه، أن سعدا قتله. # ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن PageV01P227 ~~أبي الأقلح وقال: خذها وأنا ابن أبي الأقلح! فقتله، فحمل إلى أمه سلافة ~~بنت سعد بن الشهيد وهي مع النساء، فقالت: من أصابك؟ قال، لا أدري، سمعته ~~يقول: خذها وأنا ابن أبي الأقلح! قالت سلافة: أقلحي والله! أي من رهطي. # ويقال قال: خذها وأنا ابن كسرة- كانوا يقال لهم في الجاهلية بنو كسر ~~الذهب. فقال لأمه حين سألته من قتلك؟ قال: لا أدري، سمعته يقول: خذها وأنا ~~ابن كسرة! قالت سلافة: إحدى والله [ (1) ] كسرى! تقول: إنه رجل منا. فيومئذ ~~نذرت أن تشرب في قحف رأس عاصم بن ثابت الخمر، وجعلت تقول: لمن جاء به مائة ~~من الإبل. # ثم حمله كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله الزبير بن العوام، ثم حمله ~~الجلاس [ (2) ] بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله طلحة ms168 بن عبيد الله، ثم حمله ~~أرطاة بن شرحبيل، فقتله علي عليه السلام، ثم حمله شريح بن قارظ [ (3) ] ، ~~فلسنا ندري من قتله، ثم حمله صؤاب غلامهم، فاختلف في قتله، فقائل قال سعد ~~بن أبي وقاص، وقائل علي عليه السلام، وقائل قزمان- وكان أثبتهم عندنا ~~قزمان. قال: انتهى إليه قزمان، فحمل عليه فقطع يده اليمنى، فاحتمل اللواء ~~باليسرى، ثم قطع اليسرى فاحتضن اللواء بذراعيه وعضديه، ثم حنى عليه ظهره، ~~وقال: يا بني عبد الدار، هل أعذرت [ (4) ] ؟ فحمل عليه قزمان فقتله ~~PageV01P228 # وقالوا: ما ظفر الله نبيه في موطن قط ما ظفره وأصحابه يوم أحد، حتى عصوا ~~الرسول وتنازعوا في الأمر. لقد قتل أصحاب اللواء وانكشف المشركون منهزمين [ ~~(1) ] ، لا يلوون، ونساؤهم يدعون بالويل بعد ضرب الدفاف والفرح حيث ~~التقينا. [قال الواقدي: وقد روى كثير من الصحابة ممن شهد أحدا، قال كل واحد ~~منهم:] [ (2) ] والله إني لأنظر إلى هند وصواحبها منهزمات، ما دون أخذهن ~~شيء لمن أراد ذلك. وكلما أتى خالد من قبل ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليجوز حتى يأتي من قبل السفح فيرده الرماة، حتى فعلوا ذلك مرارا، ولكن ~~المسلمين أتوا من قبل الرماة. ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوعز إليهم فقال: قوموا على مصافكم هذا، ~~فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا لا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا ~~تنصرونا. فلما انهزم المشركون وتبعهم المسلمون، يضعون السلاح فيهم حيث ~~شاءوا حتى أجهضوهم [ (3) ] عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر، قال بعض ~~الرماة لبعض: لم تقيمون ها هنا في غير شيء؟ قد هزم الله العدو وهؤلاء ~~إخوانكم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم فقال ~~بعض الرماة لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكم: ~~«احموا ظهورنا فلا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن ~~رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا، احموا ظهورنا» ؟ ~~فقال الآخرون لم يرد رسول الله هذا، وقد أذل الله المشركين وهزمهم، ~~فادخلوا العسكر فانتهبوا مع إخوانكم. فلما اختلفوا خطبهم أميرهم عبد الله ~~بن جبير- وكان PageV01P229 ~~يومئذ معلما بثياب ms169 بيض- فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم أمر بطاعة ~~الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وألا يخالف لرسول الله أمر [ (1) ] ، ~~فعصوا وانطلقوا، فلم يبق من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا نفير ما ~~يبلغون العشرة، فيهم الحارث بن أنس بن رافع، يقول: يا قوم، اذكروا عهد ~~نبيكم إليكم، وأطيعوا أميركم. قال: فأبوا [ (2) ] وذهبوا إلى عسكر المشركين ~~ينتهبون، وخلوا الجبل وجعلوا ينتهبون، وانتقضت صفوف المشركين واستدارت ~~رجالهم [ (3) ] ، وحالت الريح [ (4) ] ، وكانت أول النهار إلى أن رجعوا ~~صبا، فصارت دبورا حيث كر المشركون، بينا المسلمون قد شغلوا بالنهب ~~والغنائم. # قال نسطاس [ (5) ] مولى صفوان بن أمية، وكان أسلم فحسن إسلامه: ~~كنت مملوكا فكنت فيمن خلف في العسكر، ولم يقاتل يومئذ مملوك إلا وحشي، ~~وصؤاب غلام بني عبد الدار. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، خلفوا غلمانكم على ~~متاعكم يكونون هم الذين يقومون على رحالكم. فجمعنا بعضها إلى بعض، وعقلنا ~~الإبل، وانطلق القوم على تعبيتهم [ (6) ] ميمنة وميسرة، وألبسنا الرحال ~~الأنطاع. ودنا [ (7) ] القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا ساعة ثم إذا أصحابنا ~~منهزمون، فدخل أصحاب محمد عسكرنا ونحن فى PageV01P230 ~~الرحال، فأحدقوا بنا، فكنت فيمن أسروا. وانتهبوا العسكر أقبح انتهاب، حتى ~~إن رجلا منهم قال: أين مال صفوان بن أمية؟ فقلت: ما حمل إلا نفقة، هي في ~~الرحل. فخرج يسوقني حتى أخرجتها من العيبة خمسين ومائة مثقال. وقد ولى ~~أصحابنا وأيسنا منهم، وانحاش [ (1) ] النساء، فهن في حجرهن سلم لمن أرادهن. ~~وصار النهب في أيدي الرجال، فإنا لعلى ما نحن عليه من الاستسلام إلى أن ~~نظرت إلى الجبل [ (2) ] ، فإذا الخيل مقبلة فدخلوا العسكر فلم يكن أحد ~~يردهم، قد ضيعت الثغور التي كان بها الرماة وجاءوا إلى النهب والرماة ~~ينتهبون، وأنا أنظر إليهم متأبطي قسيهم وجعابهم، كل رجل منهم في يديه أو ~~حضنه شيء قد أخذه، فلما دخلت خيلنا دخلت على قوم غارين [ (3) ] آمنين، ~~فوضعوا فيهم السيوف فقتلوا فيهم قتلا ذريعا. ~~وتفرق المسلمون في كل وجه، وتركوا ما انتهبوا وأجلوا [ (4) ] عن عسكرنا، ~~فرجعنا متاعنا بعد فما ms170 فقدنا منه شيئا، وخلوا أسرانا، ووجدنا الذهب في ~~المعرك. ولقد رأيت رجلا من المسلمين ضم صفوان بن أمية إليه ضمة ظننت أنه ~~سيموت حتى أدركته به رمق، فوجأته [ (5) ] بخنجر معي فوقع، فسألت عنه بعد ~~فقيل: رجل من بني ساعدة. ثم هداني الله عز وجل بعد للإسلام. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمر بن الحكم، قال: ما ~~علمنا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين PageV01P231 ~~أغاروا على النهب، فأخذوا من الذهب، بقي معه من ذلك شيء رجع به حيث غشنا ~~المشركون واختلطوا إلا رجلين: أحدهما عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح، جاء ~~بمنطقة وجدها في العسكر فيها خمسون دينارا، فشدها على حقويه من تحت ثيابه، ~~وجاء عباد بن بشر بصرة فيها ثلاثة عشر مثقالا، ألقاها في جيب قميصه، وعليه ~~قميص والدرع فوقها قد حزم وسطه. فأتيا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأحد، فلم يخمسه ونفلهما إياه. # قال رافع بن خديج: فلما انصرف الرماة وبقي من بقي، نظر خالد بن الوليد ~~إلى خلاء الجبل وقلة أهله، فكر بالخيل وتبعه عكرمة في الخيل، فانطلقا إلى ~~بعض الرماة فحملوا عليهم. فراموا القوم حتى أصيبوا، ورامى عبد الله بن جبير ~~حتى فنيت نبله، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر، ثم كسر جفن سيفه، فقاتلهم حتى ~~قتل رضي الله عنه. وأقبل جعال بن سراقة وأبو بردة بن نيار، وكانا قد حضرا ~~قتل عبد الله بن جبير، وهما آخر من انصرف من الجبل حتى لحقا القوم، وإن ~~المشركين على متون الخيل، فانتقضت صفوفنا. ونادى إبليس وتصور في صورة جعال ~~بن سراقة: إن محمدا قد قتل! ثلاث صرخات. فابتلي يومئذ جعال بن سراقة ببلية ~~عظيمة حين تصور إبليس في صورته، وإن جعال ليقاتل مع المسلمين أشد القتال، ~~وإنه إلى جنب أبي بردة بن نيار وخوات بن جبير، فو الله ما رأينا دولة كانت ~~أسرع من دولة المشركين علينا. وأقبل المسلمون على جعال بن سراقة يريدون ~~قتله يقولون: هذا الذي ms171 صاح «إن محمدا قد قتل» . فشهد له خوات بن جبير وأبو ~~بردة بن نيار أنه كان إلى جنبهما حين صاح الصائح، وأن الصائح غيره. قال ~~رافع: وشهدت له بعد. PageV01P232 # يقول رافع بن خديج: فكنا أتينا من قبل أنفسنا ومعصية نبينا، واختلط ~~المسلمون، وصاروا يقتلون ويضرب بعضهم بعضا، ما يشعرون به [ (1) ] من العجلة ~~والدهش، ولقد جرح يومئذ أسيد بن حضير جرحين، ضربه أحدهما أبو بردة وما ~~يدري، يقول: خذها وأنا الغلام الأنصاري! قال: وكر أبو زعنة في حومة القتال ~~فضرب أبا بردة ضربتين ما يشعر، إنه ليقول: خذها وأنا أبو زعنة! حتى عرفه ~~بعد. فكان إذا لقيه قال: ~~انظر إلى ما صنعت بي. فيقول له أبو زعنة: أنت ضربت أسيد بن حضير ولا ~~تشعر، ولكن هذا الجرح في سبيل الله. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ~~فقال صلى الله عليه وسلم: هو في سبيل الله، يا أبا بردة، لك أجره حتى ~~كأنه ضربك أحد من المشركين، ومن قتل فهو شهيد. # وكان اليمان حسيل بن جابر ورفاعة بن وقش شيخين كبيرين، قد رفعا في الآطام ~~مع النساء، فقال أحدهما لصاحبه: لا أبا لك، ما نستبقي من أنفسنا، فو الله ~~ما نحن إلا هامة اليوم أو غدا، فما بقي من أجلنا قدر ظمء [ (2) ] دابة. فلو ~~أخذنا أسيافنا فلحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله يرزقنا ~~الشهادة. قال: فلحقا برسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد من النهار. فأما ~~رفاعة فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر فالتقت عليه سيوف المسلمين وهم لا ~~يعرفونه، حين اختلطوا، وحذيفة يقول: أبي! أبي! حتى قتل فقال حذيفة: يغفر ~~الله لكم، وهو أرحم الراحمين، ما صنعتم! فزادته [ (3) ] عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خيرا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته أن تخرج. ~~ويقال إن الذي أصابه عتبة بن PageV01P233 ~~مسعود، فتصدق حذيفة بن اليمان بدمه على المسلمين. # وأقبل يومئذ الحباب بن المنذر بن الجموح يصيح: يا آل سلمة! فأقبلوا عنقا ~~[ (1) ] واحدة: لبيك داعي ms172 الله! لبيك داعي الله! فيضرب يومئذ جبار بن صخر ~~ضربة في رأسه مثقلة [ (2) ] وما يدري، حتى أظهروا الشعار بينهم فجعلوا ~~يصيحون: أمت! أمت! فكف بعضهم عن بعض. # فحدثني الزبير بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، قال: أعطى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مصعب بن عمير اللواء، فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب. ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمصعب في آخر النهار: تقدم يا ~~مصعب! ~~فالتفت إليه الملك فقال: لست بمصعب فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه ملك أيد به. وسمعت أبا معشر يقول مثل ذلك. # فحدثنى عبيدة بنت نائل، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد ابن أبي وقاص، ~~قال: لقد رأيتني أرمي بالسهم يومئذ فيرده علي رجل أبيض حسن الوجه، لا أعرفه ~~حتى كان بعد فظننت أنه ملك. # حدثني إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد ~~رأيت رجلين عليهما ثياب بيض، أحدهما عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والآخر عن يساره، يقاتلان أشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد. # حدثني عبد الملك بن سليم [ (3) ] ، عن قطعن بن وهب، عن عبيد بن ~~PageV01P234 ~~عمير، قال: لما رجعت قريش بن أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ~~ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر. قال ~~عبيد بن عمير: ولم تقاتل الملائكة يوم أحد. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الحميد بن سهيل، عن عمر بن الحكم قال: لم ~~يمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بملك واحد، إنما كانوا يوم بدر. # حدثني ابن خديج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة مثله. # حدثني معمر بن راشد، عن ابن أبي لحيح، عن مجاهد، قال: ~~حضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل. # حدثني سفيان بن سعيد، عن عبد الله بن عثمان، عن مجاهد، قال: ~~لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. # حدثني ابن أبي سبرة، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن ms173 أبي هريرة، قال: قد ~~وعدهم الله أن يمدهم لو صبروا، فلما انكشفوا لم تقاتل الملائكة يومئذ. # حدثني يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن موسى بن ضمرة بن سعيد، عن أبيه، عن ~~أبي بشير المازني، قال: لما صاح الشيطان أزب العقبة [ (1) ] إن محمدا قد ~~قتل، لما أراد الله عز وجل من ذلك، سقط في أيدي المسلمين وتفرقوا في كل ~~وجه، وأصعدوا في الجبل. فكان أول من بشرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سلام كعب بن مالك. قال كعب: PageV01P235 ~~فجعلت أصيح، ويشير إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعه على فيه أن ~~اسكت. # فحدثنى موسى بن شيبة بن عمرو بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عميرة بنت ~~عبيد الله بن كعب بن مالك، عن أبيها، قال: لما انكشف الناس كنت أول من عرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشرت به المؤمنين حيا سويا. قال كعب: وأنا ~~في الشعب. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبا بلأمته- وكانت صفراء أو ~~بعضها- فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأمته فلبسها كعب. وقاتل كعب يومئذ قتالا شديدا حتى جرح سبعة عشر ~~جرحا. # حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: كنت ~~أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فعرفت عينيه من تحت ~~المغفر، فناديت: يا معشر الأنصار، أبشروا! هذا رسول الله! فأشار إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن اصمت. # حدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رباح، عن الأعرج، قال: ~~لما صاح الشيطان «إن محمدا قد قتل» ، قال أبو سفيان بن حرب: ~~يا معشر قريش، أيكم قتل محمدا؟ قال ابن قميئة: أنا قتلته. قال: ~~نسورك [ (1) ] كما تفعل الأعاجم بأبطالها. وجعل أبو سفيان يطوف بأبي عامر ~~الفاسق في المعرك هل يرى محمدا [بين القتلى] ، [ (2) ] فمر بخارجة بن زيد ~~بن أبي زهير، فقال: يا أبا سفيان، هل تدري من هذا القتيل؟ ~~قال: ms174 لا. قال: هذا خارجة بن زيد بن أبي زهير الخزرجي، هذا سيد ~~PageV01P236 ~~بلحارث بن الخزرج. ومر بعباس بن عبادة بن نضلة إلى جنبه فقال: ~~هذا ابن قوقل، هذا الشريف في بيت الشرف. قال: ثم مر بذكوان ابن عبد قيس، ~~فقال: هذا من ساداتهم. ومر بابنه حنظلة فقال: من هذا يا ابن عامر؟ قال: هذا ~~أعز من ها هنا علي، هذا حنظلة بن أبي عامر. ~~قال أبو سفيان: ما نرى مصرع محمد، ولو كان قتله لرأيناه، كذب ابن قميئة! ~~ولقي خالد بن الوليد فقال: هل تبين عندك قتل محمد؟ قال خالد: رأيته أقبل في ~~نفر من أصحابه مصعدين في الجبل. قال أبو سفيان هذا حق! كذب ابن قميئة، زعم ~~أنه قتله. # حدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رباح، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، ~~قال: سمعت محمد بن مسلمة يقول: سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول يومئذ، وقد انكشف الناس إلى الجبل وهم لا يلوون عليه، وإنه ~~ليقول: إلي يا فلان، إلي يا فلان، أنا رسول الله! ~~فلما عرج منهما واحد عليه ومضيا. # حدثني ابن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، واسم أبي جهم ~~عبيد، قال: كان خالد بن الوليد يحدث وهو بالشام يقول: الحمد لله الذي هداني ~~للإسلام! لقد رأيتني ورأيت عمر بن الخطاب رحمه الله حين جالوا وانهزموا يوم ~~أحد، وما معه أحد، وإني لفي كتيبة خشناء فما عرفه منهم أحد غيري، فنكبت عنه ~~وخشيت إن أغريت به من معي أن يصمدوا له، فنظرت إليه موجها إلى الشعب. # حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي الحويرث، ~~عن نافع بن جبير، قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: PageV01P237 ~~شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسطها، كل ذلك يصرف عنه. ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول ~~يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت ms175 إن نجا! وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى جنبه، ما معه أحد، ثم جاوزه، ولقى عبد الله ابن شهاب صفوان بن أمية، ~~فقال صفوان: ترحت [ (1) ] ، ألم يمكنك أن تضرب محمدا فتقطع هذه الشأفة [ ~~(2) ] ، فقد أمكنك الله منه؟ قال: ~~وهل رأيته؟ قال: نعم، أنت إلى جنبه. قال: والله ما رأيته. أحلف بالله إنه ~~منا ممنوع، خرجنا أربعة تعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك. # حدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رباح، عن يعقوب بن عمر بن قتادة، عن نملة ~~بن أبي نملة- واسم أبي نملة عبد الله بن معاذ، وكان أبوه معاذ أخا للبراء ~~بن معرور لأمه- فقال: لما انكشف المسلمون ذلك اليوم نظرت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وما معه أحد إلا نفير، فأحدق به أصحابه من المهاجرين ~~والأنصار وانطلقوا به إلى الشعب، وما للمسلمين لواء قائم، ولا فئة، ولا ~~جمع، وإن كتائب المشركين لتحوشهم [ (3) ] مقبلة ومدبرة في الوادي، يلتقون ~~ويفترقون، ما يرون أحدا من الناس يردهم. ~~فاتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنظر إليه وهو يؤم أصحابه، ثم رجع ~~المشركون نحو عسكرهم وتآمروا في المدينة وفي طلبنا، فالقوم على ما هم عليه ~~من الاختلاف. وطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، PageV01P238 ~~فكأنهم لم يصبهم شيء حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سالما. # حدثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه، قال: ~~حمل مصعب اللواء فلما جال المسلمون ثبت به، فأقبل ابن قميئة وهو فارس ~~فضرب يده اليمنى فقطعها، وهو يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~[ (1) ] . وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنى عليه فقطع يده اليسرى، فحنى على ~~اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل ... الآية. ثم حمل عليه الثالثة فأنفذه واندق الرمح، ووقع مصعب وسقط ~~اللواء، وابتدره رجلان من بنى عبد الدار، سويبط بن حرملة وأبو الروم، وأخذه ~~أبو الروم فلم يزل في يده حتى دخل به ms176 المدينة حين انصرف المسلمون. # وحدثني موسى بن يعقوب، عن عمته، عن أمها، عن المقداد، قال: لما تصاففنا ~~للقتال جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية مصعب بن عمير، فلما قتل ~~أصحاب اللواء وهزم المشركون الهزيمة الأولى، وأغار المسلمون على عسكرهم ~~فانتهبوا، ثم كروا على المسلمين فأتوا من خلفهم فتفرق الناس [ (2) ] ، ~~ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحاب الألوية، فأخذ اللواء مصعب بن ~~عمير ثم قتل. وأخذ راية الخزرج سعد بن عبادة، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قائم تحتها، وأصحابه محدقون به، ودفع لواء المهاجرين إلى أبي الروم ~~العبدري آخر النهار، ونظرت إلى لواء الأوس مع أسيد بن حضير، فناوشوهم ساعة ~~واقتتلوا على الاختلاط من الصفوف. ~~ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزى، يا آل هبل! فأوجعوا والله فينا قتلا ~~PageV01P239 ~~ذريعا، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نالوا. لا والذي بعثه ~~بالحق، إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم زال شبرا واحدا، إنه لفي وجه ~~العدو، وتثوب إليه طائفة من أصحابه مرة وتتفرق عنه مرة، فربما رأيته قائما ~~يرمي عن قوسه أو يرمي بالحجر حتى تحاجزوا. وثبت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما هو في عصابة صبروا معه، أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين وسبعة ~~من الأنصار: أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي ~~وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، ومن ~~الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، ~~وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. ويقال ثبت سعد بن عبادة، ومحمد ~~ابن مسلمة، فيجعلونهما مكان أسيد بن حضير وسعد بن معاذ. وبايعه يومئذ ~~ثمانية على الموت- ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار: علي، والزبير، ~~وطلحة عليهم السلام، وأبو دجانة، والحارث بن الصمة، وحباب ابن المنذر، ~~وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم، حتى ms177 انتهى من انتهى ~~منهم إلى قريب من المهراس [ (1) ] . # وحدثني عتبة بن جبيرة، عن يعقوب بن عمر بن قتادة، قال: ثبت بين يديه ~~يومئذ ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام ~~غير مودع. # وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لحمه القتال وخلص إليه، ~~PageV01P240 ~~وذب عنه مصعب بن عمير وأبو دجانة حتى كثرت به الجراحة، جعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: من رجل يشري نفسه؟ فوثب فئة من الأنصار خمسة، منهم ~~عمارة بن زياد بن السكن، فقاتل حتى أثبت، وفاءت فئة من المسلمين فقاتلوا ~~حتى أجهضوا أعداء الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن زياد: ~~ادن مني! إلي، إلي! حتى وسده رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه- وبه أربعة ~~عشر جرحا- حتى مات. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يذمر الناس ~~ويحضهم على القتال، وكان رجال من المشركين قد أذلقوا [ (1) ] المسلمين ~~بالرمي، منهم حبان بن العرقة، وأبو أسامة الجشمي، فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول لسعد بن أبي وقاص: ~~ارم، فداك أبي وأمي! ورمى حبان بن العرقة بسهم فأصاب ذيل أم أيمن- وجاءت ~~يومئذ تسقي الجرحى- فعقلها [ (2) ] وانكشف عنها، فاستغرب في الضحك، فشق ذلك ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لا نصل ~~له فقال: ارم! فوقع السهم في ثغرة نحر حبان فوقع مستلقيا وبدت عورته. قال ~~سعد: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك يومئذ حتى بدت نواجذه. ثم ~~قال: استقاد لها سعد، أجاب الله دعوتك وسدد رميتك! ~~ورمى يومئذ مالك بن زهير الجشمي أخو أبي أسامة الجشمي، وكان هو وحبان بن ~~العرقة قد أسرعا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرا فيهم القتل ~~بالنبل، يتستران بالصخر ويرميان المسلمين. فبينا هم على ذلك [ (3) ] أبصر ~~سعد بن أبى وقاص مالك بن زهير PageV01P241 ~~وراء صخرة، قد رمى وأطلع رأسه، فيرميه سعد فأصاب السهم عينه حتى خرج من ~~قفاه، فنزا [ (1) ] في ms178 السماء قامة ثم رجع فسقط، فقتله الله عز وجل. # ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قوسه حتى صارت شظايا، فأخذها ~~قتادة بن النعمان وكانت عنده. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت ~~على وجنته. قال قتادة بن النعمان: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~إي رسول الله، إن تحتي امرأة شابة جميلة أحبها وتحبني وأنا أخشى أن تقذر ~~مكان عيني. فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها فأبصرت [ (2) ] ~~وعادت كما كانت، فلم تضرب عليه ساعة من ليل ولا نهار، وكان يقول بعد أن ~~أسن: هي والله أقوى عيني! وكانت أحسنهما. # وباشر رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال، فرمى بالنبل حتى فنيت نبله ~~وتكسرت سية قوسه، وقبل ذلك انقطع وتره، وبقيت في يده قطعة تكون شبرا في سية ~~القوس، ~~وأخذ القوس عكاشة بن محصن يوتره له، فقال: ~~يا رسول الله، لا يبلغ الوتر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مده، ~~يبلغ! قال عكاشة: فو الذي بعثه بالحق، لمددته حتى بلغ وطويت منه ليتين [ ~~(3) ] أو ثلاثة على سية القوس. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوسه، ~~فما زال يرمي القوم، وأبو طلحة أمامهم يستره مترسا عنه، حتى نظرت إلى قوسه ~~قد تحطمت، فأخذها قتادة بن النعمان. وكان PageV01P242 ~~أبو طلحة يوم أحد قد نثر [ (1) ] كنانته بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان راميا وكان صيتا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوت أبي ~~طلحة في الجيش خير من أربعين رجلا. وكان في كنانته خمسون سهما، فنثرها [ ~~(2) ] بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جعل يصيح: ~~يا رسول الله، نفسي دون نفسك! فلم يزل يرمي بها سهما سهما، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يطلع رأسه خلف أبى طلحة بين رأسه [ (3) ] ومنكبه ~~ينظر إلى مواقع النبل حتى فنيت نبله، وهو يقول: نحري دون نحرك، جعلني الله ~~فداك! فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذ العود من ms179 الأرض فيقول: ~~ارم يا أبا طلحة! فيرمي بها سهما جيدا. # وكان الرماة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المذكور منهم [ (4) ] : ~~سعد بن أبي وقاص، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمقداد بن عمرو، وزيد بن ~~حارثة، وحاطب بن أبي بلتعة، وعتبة بن غزوان، وخراش بن الصمة، وقطبة بن عامر ~~بن حديدة، وبشر بن البراء بن معرور، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، وأبو طلحة، ~~وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وقتادة بن النعمان. # ورمي يومئذ أبو رهم الغفاري بسهم فوقع في نحره، فجاء إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبصق عليه فبرأ، وكان أبو رهم يسمى المنحور. # وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا وتعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعرفهم المشركون بذلك- عبد الله بن شهاب، وعتبة بن PageV01P243 ~~أبي وقاص، وابن قميئة، وأبي بن خلف. ورمى عتبة يومئذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأربعة أحجار وكسر رباعيته- أشظى [ (1) ] باطنها، اليمنى السفلى- ~~وشج في وجنتيه [حتى غاب حلق المغفر في وجنته] [ (2) ] وأصيبت ركبتاه ~~فجحشتا. وكانت حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واقفا على بعضها ولا يشعر به. والثبت عندنا أن ~~الذي رمى وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قميئة، والذي رمى شفته ~~وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. وأقبل ابن قميئة وهو يقول: ~~دلونى على محمد، فو الذي يحلف به [ (3) ] ، لئن رأيته لأقتلنه! فعلاه ~~بالسيف، ورماه عتبة بن أبي وقاص مع تجليل السيف [ (4) ] ، وكان عليه صلى ~~الله عليه وسلم درعان، فوقع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (5) ] في ~~الحفرة التي أمامه فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف ابن قميئة شيئا إلا وهن ~~الضربة بثقل السيف، فقد وقع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وطلحة يحمله من ورائه، وعلي آخذ بيديه حتى استوى ~~قائما. # حدثني الضحاك بن عثمان، عن ضمرة بن سعيد، عن أبي بشير المازني، قال: حضرت ~~يوم أحد وأنا غلام، فرأيت ابن ms180 قميئة علا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالسيف، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على ركبتيه في حفرة أمامه ~~حتى توارى، فجعلت أصيح- وأنا غلام- حتى رأيت الناس PageV01P244 ~~ثابوا إليه. قال: فأنظر إلى طلحة بن عبيد الله آخذا بحضنه حتى قام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # ويقال إن الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته ابن شهاب، والذي ~~أشظى رباعيته وأدمى شفتيه عتبة بن أبي وقاص، والذي رمى وجنتيه حتى غاب ~~الحلق في وجنتيه ابن قميئة، وسال الدم في شجته التي في جبهته حتى أخضل الدم ~~لحيته صلى الله عليه وسلم. وكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو ~~يدعوهم إلى الله؟ فأنزل الله عز وجل: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ~~... [ (1) ] الآية. # وقال سعد بن أبي وقاص: سمعته يقول: اشتد غضب الله على قوم أدموا فا رسول ~~الله، اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه رسول الله، اشتد غضب الله على رجل ~~قتله رسول الله! قال سعد: فقد شفاني من عتبة أخي دعاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولقد حرصت على قتله حرصا ما حرصته على شيء قط، وإن كان ما علمته ~~لعاقا بالوالد سيء الخلق. ولقد تخرقت صفوف المشركين مرتين أطلب أخى لأقتله، ~~ولكن راغ [ (2) ] منى روعان الثعلب، فلما كان الثالثة قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا عبد الله ما تريد؟ تريد أن تقتل نفسك؟ فكففت، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يحولن الحول على أحد منهم! قال: والله، ~~ما حال الحول على أحد ممن رماه أو جرحه! مات عتبة، وأما ابن قميئة فإنه ~~اختلف فيه. فقائل يقول قتل في المعرك، وقائل يقول إنه رمى يوم أحد ~~PageV01P245 ~~بسهم. فأصاب مصعب بن عمير فقال: خذها وأنا ابن قميئة! فقتل مصعبا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقمأه [ (1) ] الله! فعمد ms181 إلى شاة يحتلبها ~~فنطحته بقرنها وهو معتقلها فقتلته، فوجد ميتا بين الجبال، لدعوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وكان عدو الله قد رجع إلى أصحابه فأخبرهم أنه قتل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو رجل من بني الأدرم [ (2) ] من بنى فهر. # ويقبل عبد الله بن حميد بن زهير حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على تلك الحال، يركض فرسه مقنعا في الحديد يقول: أنا ابن زهير، دلوني على ~~محمد، فو الله لأقتلنه أو لأموتن دونه! فتعرض له أبو دجانة فقال: هلم إلى ~~من يقي نفس محمد بنفسه! فضرب فرسه فعرقبها [ (3) ] فاكتسعت الفرس، ثم علاه ~~بالسيف [ (4) ] وهو يقول: خذها وأنا ابن خرشة! ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينظر إليه يقول: اللهم ارض عن ابن خرشة كما أنا عنه راض. # حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة رضي الله عنها، ~~قالت: سمعت أبا بكر رضي الله عنه يقول: لما كان يوم أحد ورمي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في وجهه حتى دخلت في وجنتيه حلقتان من المغفر، فأقبلت أسعى ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير ~~طيرانا، فقلت: اللهم اجعله PageV01P246 ~~طلحة بن عبيد الله! حتى توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ~~أبو عبيدة بن الجراح، فبدرني فقال: أسألك بالله يا أبا بكر ألا تركتني، ~~فأنزعه من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر: فتركته وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم صاحبكم! ~~يعنى طلحة بن عبيد الله. ~~فأخذ أبو عبيدة بثنيته حلقة المغفر فنزعها، وسقط على ظهره وسقطت ثنية أبى ~~عبيدة، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم ~~[ (1) ] . # ويقال إن الذي نزع الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن ~~وهب بن كلدة، ويقال أبو اليسر- وأثبت ذلك عندنا عقبة ابن وهب بن كلدة. # وكان أبو سعيد الخدري يحدث أن ms182 رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيب وجهه ~~يوم أحد فدخلت الحلقتان من المغفر في وجنتيه، فلما نزعتا جعل الدم يسرب كما ~~يسرب الشن [ (2) ] ، فجعل مالك بن سنان يملج [ (3) ] الدم بفيه ثم ازدرده، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن ينظر إلى من خالط دمه دمي ~~فلينظر إلى مالك بن سنان. فقيل لمالك: تشرب الدم؟ فقال: نعم، أشرب دم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مس دمه ~~دمي، لم تصبه النار. قال أبو سعيد: ~~فكنا ممن رد من الشيخين، لم نجز [ (4) ] مع المقاتلة، فلما كان من ~~PageV01P247 ~~النهار وبلغنا مصاب [ (1) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس ~~عنه، جئت مع غلمان من بني خدرة نعترض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وننظر ~~إلى سلامته فنرجع بذلك إلى أهلنا، فلقينا الناس منصرفين ببطن قناة [ (2) ] ~~، فلم يكن لنا همة إلا النبي صلى الله عليه وسلم ننظر إليه، فلما نظر إلي ~~قال: سعد بن مالك؟ قلت: نعم، بأبي وأمي! فدنوت منه فقبلت ركبته وهو على ~~فرسه. ثم قال: آجرك الله في أبيك! ~~ثم نظرت إلى وجهه فإذا في وجنتيه موضع الدرهم في كل وجنة، وإذا شجة في ~~جبهته عند أصول الشعر، وإذا شفته السفلى تدمى، وإذا رباعيته اليمنى شظية، ~~فإذا على جرحه شيء أسود. فسألت: ما هذا على وجهه؟ فقالوا: حصير محرق. ~~وسألت: من دمى وجنتيه؟ فقيل: ابن قميئة. فقلت: من شجه في جبهته؟ ~~فقيل: ابن شهاب. فقلت: من أصاب شفته؟ فقيل: عتبة. فجعلت أعدو بين يديه ~~حتى نزل ببابه، فما نزل إلا حملا، وأرى ركبتيه مجحوشتين، يتكئ على السعدين- ~~سعد بن عبادة وسعد بن معاذ- حتى دخل بيته. ~~فلما غربت الشمس وأذن بلال بالصلاة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين، ثم انصرف إلى بيته، والناس في المسجد ~~يوقدون النيران يكمدون بها الجراح. ثم أذن بلال بالعشاء حين غاب الشفق، فلم ~~يخرج رسول الله صلى الله ms183 عليه وسلم وجلس بلال عند بابه حتى ذهب ثلث الليل ~~ثم ناداه: الصلاة، يا رسول الله! فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~كان نائما. قال: فرمقته فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل بيته، فصليت معه ~~العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صف PageV01P248 ~~له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه، يمشي وحده حتى دخل، ورجعت إلى أهلي ~~فخبرتهم بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمدوا الله على ذلك وناموا، ~~وكانت وجوه الخزرج والأوس في المسجد على باب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحرسونه فرقا من قريش أن تكر. # قالوا: وخرجت فاطمة في نساء، وقد رأت الذي بوجهه صلى الله عليه وسلم ~~فاعتنقته وجعلت تمسح الدم عن وجهه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه رسوله! وذهب علي عليه السلام يأتي بماء من ~~المهراس، وقال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميم. ~~فأتى بماء في مجنه [ (1) ] ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب ~~منه- وكان قد عطش- فلم يستطع، ووجد ريحا من الماء كرهها فقال: هذا ماء آجن ~~[ (2) ] . فمضمض منه فاه للدم في فيه، وغسلت فاطمة الدم عن أبيها. ~~ولما أبصر النبي صلى الله عليه وسلم سيف علي عليه السلام مختضبا قال: ~~إن كنت أحسنت القتال، فقد أحسن عاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن ~~حنيف، وسيف أبي دجانة غير مذموم. فلم يطق أن يشرب منه، فخرج محمد بن مسلمة ~~يطلب مع النساء ماء، وكن قد جئن أربع عشرة امرأة، منهن فاطمة بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، يحملن الطعام والشراب على ظهورهن، ويسقين الجرحى ~~ويداوينهم. # قال كعب بن مالك: رأيت أم سليم بنت ملحان وعائشة على ظهورهما القرب ~~يحملانها يوم أحد، وكانت حمنة بنت جحش [ (3) ] تسقي العطشى PageV01P249 ~~وتداوي الجرحى، وكانت أم أيمن تسقي الجرحى. فلما لم يجد محمد بن مسلمة ~~عندهم ماء- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عطش يومئذ عطشا شديدا- ~~ذهب محمد إلى قناة وأخذ سقاءه ms184 حتى استقى من حسي [ (1) ]- قناة عند قصور ~~التيميين اليوم- فأتى بماء عذب فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا ~~لمحمد بن مسلمة بخير. وجعل الدم لا ينقطع، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: لن ينالوا منا مثلها حتى تستلموا الركن. ~~فلما رأت فاطمة الدم لا يرقأ- وهي تغسل الدم، وعلي عليه السلام يصب الماء ~~عليها بالمجن- أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا، ثم ألصقته بالجرح ~~فاستمسك الدم. ويقال إنها داوته بصوفة محترقة. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد يداوي الجرح الذي في وجهه بعظم بال حتى يذهب أثره، ولقد مكث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد وهن ضربة ابن قميئة على عاتقه شهرا أو ~~أكثر من شهر، ويداوي الأثر الذي بوجهه بعظم بال. # حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: ~~لما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف يركض فرسه، حتى إذا دنا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم اعترض له ناس من أصحابه ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: استأخروا عنه! ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وحربته في يده فرماه ما بين سابغة ~~البيضة والدرع فطعنه هناك، فوقع أبي عن فرسه، فكسر ضلع من أضلاعه، واحتملوه ~~ثقيلا حتى ولوا قافلين فمات بالطريق، ونزلت فيه: وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى [ (2) ] . PageV01P250 # فحدثني يونس بن محمد الظفري، عن عاصم بن عمر، عن عبد الله ابن كعب بن ~~مالك، عن أبيه، قال: كان أبي بن خلف قدم في فداء ابنه، وكان أسر يوم بدر، ~~فقال: يا محمد، إن عندي فرسا لي أجلها فرقا [ (1) ] من ذرة كل يوم، أقتلك ~~عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل، أنا أقتلك عليها إن شاء ~~الله. ويقال قال ذلك بمكة فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته ~~بالمدينة فقال: أنا أقتله عليها إن شاء الله. # قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال لا يلتفت وراءه، ~~فكان يقول لأصحابه: ms185 إني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خلفي، فإذا رأيتموه ~~فآذنوني [ (2) ] به. ~~فإذا بأبي يركض على فرسه، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه، ~~فجعل يصيح بأعلى صوته: يا محمد، لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول ~~الله، ما كنت صانعا حين يغشاك! فقد جاءك، وإن شئت عطف عليه بعضنا. فأبى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودنا أبي فتناول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الحربة من الحارث ابن الصمة، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير، ~~فتطايرنا عنه تطاير الشعارير [ (3) ] ، ولم يكن أحد يشبه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا جد الجد. ثم أخذ الحربة فطعنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالحربة في عنقه وهو على فرسه، فجعل يخور كما يخور الثور. ويقول له ~~أصحابه: ~~أبا عامر، والله ما بك بأس. ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره. ~~PageV01P251 ~~قال: واللات والعزى، لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز [ (1) ] لماتوا ~~أجمعون! أليس قال: «لأقتلنك» ؟ فاحتملوه وشغلهم ذلك عن طلب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم أصحابه في الشعب. ويقال ~~تناول الحربة من الزبير بن العوام. # وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ [ (2) ] ، فإني لأسير ببطن ~~رابغ بعد هوي [ (3) ] من الليل، إذا نار تأجج، فهبتها، وإذا رجل يخرج منها ~~في سلسلة يجتذبها [ (4) ] يصيح: العطش! وإذا رجل يقول: ~~لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله، هذا أبي بن خلف. فقلت: ألا سحقا! ويقال ~~مات بسرف [ (5) ] . ويقال لما تناول الحربة من الزبير حمل أبي على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاستقبله مصعب بن عمير يحول بنفسه دون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب مصعب بن عمير وجهه، وأبصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه هناك، فوقع وهو ~~يخور. ~~قال: وأقبل عثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي يحضر فرسا له أبلق، ~~يريد رسول الله صلى الله ms186 عليه وسلم، وعليه لأمة له كاملة، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم موجه إلى الشعب، وهو يصيح: ~~لا نجوت إن نجوت! ~~فيقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعثر به فرسه في بعض تلك الحفر التي ~~كانت حفر أبو عامر، فيقع الفرس لوجهه، وخرج الفرس عائرا فيأخذه أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيعقرونه، PageV01P252 ~~ويمشي إليه الحارث بن الصمة فتضاربا ساعة بسيفين، ثم يضرب الحارث رجله- ~~وكانت الدرع مشمرة- فبرك وذفف عليه. وأخذ الحارث يومئذ درعا جيدة ومغفرا ~~وسيفا جيدا، ولم يسمع بأحد سلب يومئذ غيره. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينظر إلى قتالهما ~~وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل، فإذا عثمان بن عبد الله بن ~~المغيرة، فقال: الحمد لله الذي أحانه [ (1) ] . ~~وكان عبد الله بن جحش أسره ببطن نخلة حتى قدم به على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فافتدى فرجع إلى قريش حتى غزا أحدا فقتل به. ويرى مصرعه عبيد بن ~~حاجز العامري- عامر بن لؤي- فأقبل يعدو كأنه سبع، فيضرب الحارث بن الصمة ~~ضربة جرحه على عاتقه، فوقع الحارث جريحا حتى احتمله أصحابه. ويقبل أبو ~~دجانة على عبيد فتناوشا ساعة من نهار، وكل واحد منهما يتقي بالدرقة ضرب ~~السيف، ثم حمل عليه أبو دجانة فاحتضنه، ثم جلد به الأرض، ثم ذبحه بالسيف ~~كما تذبح الشاة، ثم انصرف فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقالوا: إن سهل بن حنيف جعل ينضح بالنبل عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نبلوا سهلا فإنه سهل! ونظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي الدرداء، والناس منهزمون كل وجه، فقال: ~~نعم الفارس عويمر! ~~[قال الواقدي:] غير أنه يقال لم يشهد أحدا. # قال الواقدي: وحدثني ابن أبي سبرة، عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن ~~الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: حدثني من نظر إلى أبي أسيرة بن ~~الحارث بن علقمة ولقي أحد بني عوف فاختلفا PageV01P253 ~~ضربات، ms187 كل ذلك يروغ أحدهما عن صاحبه [ (1) ] . قال: فنظر إليهما كأنهما ~~سبعان ضاريان، يقفان مرة ويقتتلان مرة، ثم تعانقا فضبط أحدهما صاحبه فوقعا ~~للأرض، فعلاه أبو أسيرة فذبحه بسيفه كما تذبح الشاة، ونهض عنه. ويقبل خالد ~~بن الوليد، وهو على فرس أدهم أغر محجل، يجر قناة طويلة، فطعنه من خلفه، ~~فنظرت إلى سنان الرمح خرج من صدره، ووقع أبو أسيرة ميتا، وانصرف خالد بن ~~الوليد يقول: أنا أبو سليمان! # قالوا: وقاتل طلحة بن عبيد الله يومئذ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قتالا شديدا، فكان طلحة يقول: لقد رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين انهزم أصحابه، وكر [ (2) ] المشركون وأحدقوا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم من كل ناحية، فما أدري أقوم من بين يديه أو من ورائه، ~~أو عن يمينه أو عن شماله، فأذب بالسيف من بين يديه مرة وأخرى من ورائه حتى ~~انكشفوا. ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول لطلحة: قد أنحب [ (3) ] ! ~~وقال سعد بن أبي وقاص وذكر طلحة فقال: يرحمه الله، إنه كان أعظمنا غناء ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد! قيل: كيف يا أبا إسحاق؟ قال: لزم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكنا نتفرق عنه ثم نثوب إليه، لقد رأيته يدور حول ~~النبي صلى الله عليه وسلم يترس بنفسه. # وسئل طلحة: يا أبا محمد، ما أصاب إصبعك؟ قال: رمى مالك بن زهير الجشمي ~~بسهم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا تخطئ رميته، فاتقيت بيدي ~~عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب خنصري، فشك فشل إصبعه. وقال حين ~~رماه. حس [ (4) ] ! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قال بسم الله لدخل الجنة والناس ~~ينظرون! من أحب أن ينظر إلى PageV01P254 ~~رجل يمشي في الدنيا وهو من أهل الجنة فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله، طلحة ~~ممن قضى نحبه. # وقال طلحة: لما جال المسلمون تلك الجولة ثم تراجعوا، أقبل رجل من بني ~~عامر بن لؤي بن مالك بن ms188 المضرب يجر رمحا له، على فرس كميت أغر، مدججا في ~~الحديد، يصيح: أنا أبو ذات الودع [ (1) ] ، دلوني على محمد! فأضرب عرقوب ~~فرسه فانكسعت، ثم أتناول رمحه فو الله ما أخطأت به عن حدقته، فخار كما يخور ~~الثور، فما برحت به واضعا رجلي على خده حتى أزرته شعوب [ (2) ] . وكان طلحة ~~قد أصابته في رأسه المصلبة [ (3) ] ، ضربه رجل من المشركين ضربتين، ضربة ~~وهو مقبل والأخرى وهو معرض عنه، وكان قد نزف منها الدم. ~~قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد فقال: عليك بابن عمك! ~~فأتى طلحة بن عبيد الله وقد نزف الدم، فجعلت أنضح في وجهه الماء وهو مغشي ~~عليه، ثم أفاق فقال: ما فعل رسول الله؟ فقلت: خيرا، هو أرسلني إليك. قال: ~~الحمد لله، كل مصيبة بعده جلل. # وكان ضرار بن الخطاب الفهري يقول: نظرت إلى طلحة بن عبيد الله، قد حلق ~~رأسه عند المروة في عمرة، فنظرت إلى المصلبة في رأسه. ~~فقال ضرار: أنا والله ضربته هذه، استقبلني فضربته ثم أكر عليه وقد أعرض ~~فأضربه أخرى. # وقالوا: لما كان يوم الجمل وقتل علي عليه السلام من قتل من الناس ~~PageV01P255 ~~ودخل البصرة، جاءه رجل من العرب فتكلم بين يديه، ونال من [ (1) ] طلحة ~~فزبره علي وقال: إنك لم تشهد يوم أحد وعظم غنائه في الإسلام مع مكانه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانكسر الرجل وسكت، فقال رجل من القوم: وما ~~كان غناؤه وبلاؤه يوم أحد يرحمه الله؟ فقال علي: نعم، يرحمه الله! فلقد ~~رأيته وإنه ليترس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن السيوف ~~لتغشاه والنبل من كل ناحية، وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقال قائل: إن كان يوما قد قتل فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأصاب رسول الله فيه الجراحة. ~~فقال علي عليه السلام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~ليت أني غودرت مع أصحاب نحص ms189 الجبل. قال ابن أبي الزناد: نحص الجبل أسفله. ~~ثم قال علي عليه السلام: لقد رأيتني يومئذ وإني لأذبهم في ناحية، وإن أبا ~~دجانة لفي ناحية يذب طائفة منهم، وإن سعد بن أبي وقاص يذب طائفة منهم، حتى ~~فرج الله ذلك كله. ولقد رأيتني وانفردت منهم يومئذ فرقة خشناء فيها عكرمة ~~بن أبي جهل، فدخلت وسطها بالسيف فضربت به واشتملوا علي حتى أفضيت [ (2) ] ~~إلى آخرهم، ثم كررت فيهم الثانية حتى رجعت من حيث جئت، ولكن الأجل استأخر ~~ويقضي الله أمرا كان مفعولا. # قال الواقدي: وحدثني جابر بن سليم، عن عثمان بن صفوان، عن عمارة بن ~~خزيمة، قال: حدثني من نظر إلى الحباب بن المنذر بن الجموح، وإنه ليحوشهم ~~يومئذ كما تحاش الغنم، ولقد اشتملوا عليه حتى قيل قد PageV01P256 ~~قتل. ثم برز والسيف في يده وافترقوا عنه، وجعل يحمل على فرقة منهم وإنهم ~~ليهربون منه إلى جمع منهم، وصار الحباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ~~الحباب يومئذ معلما بعصابة خضراء في مغفره. # وطلع يومئذ عبد الرحمن بن أبي بكر على فرس، مدججا لا يرى منه إلا عيناه، ~~فقال: من يبارز؟ أنا عبد الرحمن بن عتيق. قال: فنهض إليه أبو بكر فقال: يا ~~رسول الله، أبارزه. وقد جرد أبو بكر سيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: شم سيفك، وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وجدت لشماس بن عثمان شبها إلا ~~الجنة- يعني مما يقاتل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ. وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يرمي [ (1) ] يمينا ولا شمالا إلا رأى شماسا في ~~ذلك الوجه يذب بسيفه، حتى غشي رسول الله صلى الله عليه وسلم فترس بنفسه ~~دونه حتى قتل، فذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما وجدت لشماس شبها إلا ~~الجنة. # وكان أول من أقبل من المسلمين بعد التولية قيس بن محرث مع طائفة من ~~الأنصار، وقد بلغوا بني حارثة فرجعوا سراعا، فصادفوا المشركين في كرتهم ms190 [ ~~(2) ] فدخلوا في حومتهم، وما أفلت منهم رجل حتى قتلوا. ولقد ضاربهم قيس بن ~~محرث وامتنع بسيفه حتى قتل منهم نفرا، فما قتلوه إلا بالرماح، نظموه [ (3) ~~] ، ولقد وجد به أربع عشرة طعنة [ (4) ] قد جافته، PageV01P257 ~~وعشر ضربات في بدنه. # وكان عباس بن عبادة بن نضلة، وخارجة بن زيد بن أبي زهير، وأوس بن أرقم بن ~~زيد، وعباس رافع صوته يقول: يا معشر المسلمين، الله ونبيكم [ (1) ] ! هذا ~~الذي أصابكم بمعصية نبيكم، فيوعدكم [ (2) ] النصر فما صبرتم! ثم نزع مغفره ~~عن رأسه وخلع درعه فقال لخارجة بن زيد: ~~هل لك في درعي ومغفري؟ قال خارجة: لا، أنا أريد الذي تريد. فخالطوا القوم ~~جميعا، وعباس يقول: ما عذرنا عند ربنا إن أصيب رسول الله ومنا عين تطرف؟ ~~يقول خارجة: لا عذر لنا عند ربنا ولا حجة. فأما عباس فقتله سفيان بن عبد ~~شمس السلمي، ولقد ضربه عباس ضربتين فجرحه جرحين عظيمين، فارتث يومئذ جريحا ~~فمكث جريحا سنة ثم استبل [ (3) ] . ~~وأخذت خارجة بن زيد الرماح فجرح بضعة عشر جرحا، فمر به صفوان ابن أمية ~~فعرفه فقال: هذا من أكابر أصحاب محمد وبه رمق! فأجهز عليه. وقتل أوس بن ~~أرقم. # وقال صفوان بن أمية: من رأى خبيب بن يساف؟ وهو يطلبه ولا يقدر عليه. ومثل ~~يومئذ بخارجة وقال: هذا ممن أغرى بأبي يوم بدر- يعني أمية بن خلف- الآن ~~شفيت نفسي حين قتلت الأماثل من أصحاب محمد، قتلت ابن قوقل [ (4) ] ، وقتلت ~~ابن أبي زهير، وقتلت أوس بن أرقم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: من يأخذ هذا السيف ~~PageV01P258 ~~بحقه؟ قالوا: وما حقه؟ قال: يضرب به العدو. فقال عمر: أنا. فأعرض عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~الشرط، فقام الزبير فقال: أنا. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~وجد عمر والزبير في أنفسهما. ثم عرضه الثالثة، فقال أبو دجانة: أنا يا رسول ~~الله آخذه بحقه. فدفعه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدق به ms191 حين لقي ~~العدو، وأعطى السيف حقه. فقال أحد الرجلين- إما عمر وإما الزبير: والله ~~لأجعلن هذا الرجل من شأني، الذي أعطاه النبي السيف ومنعنيه [ (1) ] . قال: ~~فاتبعته [ (2) ] . قال: فو الله ما رأيت أحدا قاتل أفضل من قتاله، لقد ~~رأيته يضرب به حتى إذا كل عليه وخاف ألا يحيك [ (3) ] عمد به إلى الحجارة ~~فشحذه، ثم يضرب به في العدو حتى رده كأنه منجل. وكان حين أعطاه السيف مشى ~~بين الصفين واختال في مشيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه ~~يمشي تلك المشية: إن هذه لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن. # وكان أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعلمون في الزحوف، أحدهم ~~أبو دجانة، كان يعصب رأسه بعصابة حمراء، وكان قومه يعلمون أنه إذا اعتصب ~~بها أحسن القتال، وكان علي عليه السلام يعلم بصوفة بيضاء، وكان الزبير يعلم ~~بعصابة صفراء، وكان حمزة يعلم بريش نعامة. # قال أبو دجانة: إني لأنظر يومئذ إلى امرأة تقذف الناس وتحوشهم حوشا ~~منكرا، فرفعت عليها السيف وما أحسبها إلا رجلا. قال: وأكره أن أضرب بسيف ~~رسول الله امرأة! والمرأة عمرة بنت الحارث. PageV01P259 # وكان كعب بن مالك يقول: أصابني الجراح يوم أحد، فلما رأيت مثل المشركين [ ~~(1) ] بقتلى المسلمين أشد المثل وأقبحه، قمت فتجاوزت [ (2) ] عن القتلى حتى ~~تنحيت، فإني لفي موضعي، إذ أقبل خالد بن الأعلم العقيلي جامع اللأمة يحوز [ ~~(3) ] المسلمين يقول: استوسقوا كما يستوسق جرب الغنم! مدججا في الحديد ~~يصيح: يا معشر قريش، لا تقتلوا محمدا، ائسروه أسيرا حتى نعرفه بما صنع. ~~ويصمد له قزمان، فيضربه بالسيف ضربة على عاتقه رأيت منها سحره، ثم أخذ سيفه ~~وانصرف. وطلع عليه آخر من المشركين [ (4) ] ما أرى منه إلا عينيه، فضربه ~~ضربة واحدة حتى جزله [ (5) ] باثنين: قال: قلنا من هو؟ قال: الوليد بن ~~العاص بن هشام. ثم يقول كعب: إني لأنظر يومئذ وأقول: ما رأيت مثل هذا الرجل ~~أشجع بالسيف! ثم ختم له بما ختم له به. فيقول: ما هو وما ختم له به؟ فقال: ~~من ms192 أهل النار، قتل نفسه يومئذ. # قال كعب: وإذا رجل من المشركين جامع اللأمة يصيح: استوسقوا كما يستوسق ~~جرب الغنم. وإذا رجل من المسلمين عليه لأمته، فمشيت حتى كنت من ورائه ثم ~~قمت أقدر المسلم والكافر ببصري [ (6) ] ، فإذا الكافر أكثرهما عدة وأهبة، ~~فلم أزل أنظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر PageV01P260 ~~على حبل عاتقه بالسيف، فمضى [السيف] [ (1) ] حتى بلغ وركيه، وتفرق المشرك ~~فرقتين. وكشف المسلم عن وجهه فقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة. # قال: وكان رشيد الفارسي مولى بنى معاوية لقي رجلا من المشركين من بني ~~كنانة مقنعا في الحديد يقول: أنا ابن عويم! فيعترض له سعد مولى حاطب فضربه ~~ضربة جزله باثنين [ويقبل عليه رشيد فيضربه على عاتقه، فقطع الدرع حتى جزله ~~باثنين] [ (1) ] ، وهو يقول: خذها وأنا الغلام الفارسي! ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يرى ذلك ويسمعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ~~قلت خذها وأنا الغلام الأنصاري؟ فيعترض له أخوه، وأقبل يعدو كأنه كلب، ~~يقول: أنا ابن عويم! ويضربه رشيد على رأسه وعليه المغفر، ففلق رأسه، يقول: ~~خذها وأنا الغلام الأنصاري! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أحسنت يا أبا عبد الله! فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ولا ولد ~~له. # وقال أبو النمر الكناني: أقبلت يوم أحد فقد انكشف المسلمون، وأنا مع ~~المشركين، وقد حضرت في عشرة من إخوتي، فقتل منهم أربعة. وكانت الريح ~~للمسلمين أول ما التقينا، فلقد رأيتني وانكشفنا مولين، وأقبل أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم على نهب العسكر، حتى بلغت على قدمي الجماء، ثم كرت ~~خيلنا فقلنا: والله ما كرت الخيل إلا عن أمر رأته. فكررنا على أقدامنا ~~كأننا الخيل، حتى نجد القوم قد أخذ بعضهم بعضا، يقاتلون على غير صفوف، ما ~~يدري بعضهم من يضرب، وما للمسلمين لواء قائم، ومع رجل من بنى عبد الدار ~~لواءنا. وأسمع شعار PageV01P261 ~~أصحاب محمد بينهم: أمت! أمت! فأقول في نفسي: ما «أمت» ؟ ~~وإني لأنظر إلى رسول الله صلى الله ms193 عليه وسلم وإن أصحابه محدقون به، وإن ~~النبل لتمر عن يمينه وعن شماله وتقصر [ (1) ] بين يديه وتخرج من ورائه، ~~ولقد رميت يومئذ بخمسين مرماة فأصبت منها بأسهم بعض أصحابه. ثم هداني الله ~~إلى الإسلام. # فكان عمرو بن ثابت بن وقش شاكا في الإسلام، فكان قومه يكلمونه في الإسلام ~~فيقول: لو أعلم ما تقولون حقا ما تأخرت عنه! حتى إذا كان يوم أحد بدا له ~~الإسلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فأسلم وأخذ سيفه فخرج حتى ~~دخل في القوم، فقاتل حتى أثبت، فوجد في القتلى جريحا ميتا، فدنوا منه وهو ~~بآخر رمق ~~فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ قال: الإسلام، آمنت بالله وبرسوله، ثم أخذت ~~سيفي وحضرت، فرزقني الله الشهادة. ومات في أيديهم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إنه لمن أهل الجنة. # قالوا: قال الواقدي: فحدثني خارجة بن عبد الله بن سليمان، عن داود ابن ~~الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه ~~يقول، والناس حوله: أخبروني برجل يدخل الجنة لم يصل لله سجدة قط! فيسكت ~~الناس فيقول أبو هريرة: هو أخو بني عبد الأشهل، عمرو بن ثابت بن وقش. # قالوا: وكان مخيريق [ (2) ] اليهودي من أحبار اليهود، فقال يوم السبت ~~PageV01P262 ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد: يا معشر اليهود، والله إنكم لتعلمون ~~أن محمدا نبى، وأن نصره عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. ~~قال: لا سبت! ثم أخذ سلاحه ~~ثم حضر مع النبي صلى الله عليه وسلم فأصابه [ (1) ] القتل، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: مخيريق خير يهود. ~~وقد كان مخيريق حين خرج إلى أحد قال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث ~~أراه الله! فهي عامة صدقات النبي صلى الله عليه وسلم. # وكان حاطب بن أمية منافقا، وكان ابنه يزيد بن حاطب رجل صدق، شهد أحدا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فارتث جريحا، فرجع به قومه إلى منزله فقال أبوه، ~~وهو يرى أهل الدار يبكون عنده، ms194 أنتم والله صنعتم هذا به! قالوا: كيف؟ قال: ~~غررتموه من نفسه حتى خرج فقتل، ثم صار [ (2) ] منكم في شيء آخر، تعدونه جنة ~~يدخل فيها، جنة من حرمل [ (3) ] ! قالوا: ~~قاتلك الله! قال: هو ذاك! ولم يقر بالإسلام. # قالوا: وكان قزمان عديدا [ (4) ] في بني ظفر لا يدرى ممن هو، وكان لهم ~~حائطا محبا، وكان مقلا لا ولد له ولا زوجة، وكان شجاعا يعرف بذلك في ~~حروبهم، تلك التي كانت تكون بينهم. فشهد أحدا فقاتل قتالا شديدا فقتل ستة ~~أو سبعة، وأصابته الجراح ~~فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: قزمان قد أصابته الجراح، فهو شهيد! قال: ~~من أهل النار. ~~فأتي [ (5) ] إلى قزمان فقيل له: هنيئا لك يا أبا الغيداق الشهادة! قال: ~~بم تبشرون؟ والله ما قاتلنا إلا على الأحساب. قالوا: بشرناك بالجنة. قال: ~~PageV01P263 ~~جنة من حرمل، والله ما قاتلنا على جنة ولا على نار، إنما قاتلنا على ~~أحسابنا! فأخرج سهما من كنانته، فجعل يتوجأ به نفسه، فلما أبطأ عليه المشقص ~~أخذ السيف فاتكأ عليه حتى خرج من ظهره. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: من أهل النار. # وكان عمرو بن الجموح رجلا أعرج، فلما كان يوم أحد- وكان له بنون أربعة ~~يشهدون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد أمثال الأسد- أراد بنوه [ (1) ~~] أن يحبسوه وقالوا: أنت رجل أعرج، ولا حرج عليك، وقد ذهب بنوك مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال: بخ! يذهبون إلى الجنة وأجلس أنا عندكم! فقالت هند ~~بنت عمرو بن حرام امرأته: كأني أنظر إليه موليا، قد أخذ درقته، يقول: اللهم ~~لا تردني إلى أهلي خزيا! ~~فخرج ولحقه بنوه [ (2) ] يكلمونه في القعود، فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني [ (3) ] يريدون أن يحبسوني عن هذا ~~الوجه والخروج معك، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت، فقد عذرك الله تعالى ولا جهاد عليك. ~~[فأبى] [ (4) ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبنيه: لا عليكم أن تمنعوه ms195 [ ~~(5) ] ، لعل الله يرزقه الشهادة. فخلوا عنه فقتل يومئذ شهيدا. # فقال أبو طلحة: نظرت إلى عمرو بن الجموح حين انكشف المسلمون، PageV01P264 ~~ثم ثابوا وهو في الرعيل [ (1) ] الأول، لكأني أنظر إلى ضلعه [ (2) ] في ~~رجله، يقول: أنا والله مشتاق إلى الجنة! ثم أنظر إلى ابنه يعدو في أثره حتى ~~قتلا جميعا. # وكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم خرجت في نسوة تستروح الخبر- ~~ولم يضرب الحجاب يومئذ- حتى إذا كانت بمنقطع الحرة وهي هابطة من بنى حارثة ~~إلى الوادي، لقيت هند بنت عمرو بن حرام أخت عبد الله بن عمرو ابن حرام تسوق ~~بعيرا لها، عليه زوجها عمرو بن الجموح، وابنها خلاد ابن عمرو، وأخوها عبد ~~الله بن عمرو بن حرام أبو جابر. فقالت عائشة: ~~عندك الخبر، فما وراءك؟ فقالت هند: خيرا، أما رسول الله فصالح، وكل مصيبة ~~بعده جلل. واتخذ الله من المؤمنين شهداء، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا [ (3) ] . ~~قالت: من هؤلاء؟ قالت: أخي، وابني خلاد، وزوجي عمرو بن الجموح. قالت: فأين ~~تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها ... حل! تزجر بعيرها، ثم برك ~~بعيرها فقلت: لما عليه! قالت: ~~ما ذاك به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكني أراه لغير ذلك. فزجرته ~~فقام، فلما وجهت به إلى المدينة برك، فوجهته راجعة إلى أحد فأسرع. ~~فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: فإن الجمل مأمور، هل قال شيئا؟ قالت: إن عمرا لما ~~PageV01P265 ~~وجه إلى أحد استقبل القبلة وقال: اللهم لا تردني إلى أهلي خزيا وارزقني ~~الشهادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلذلك الجمل لا يمضي! إن منكم ~~يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح. ~~يا هند، ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون ~~أين يدفن. ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبرهم، ثم قال: ~~يا هند، قد ترافقوا ms196 في الجنة جميعا، عمرو بن الجموح، وابنك خلاد، وأخوك ~~عبد الله. ~~قالت هند: يا رسول الله، ادع الله، عسى أن يجعلني معهم. # قال جابر بن عبد الله: اصطبح ناس الخمر يوم أحد، منهم أبي، فقتلوا شهداء. # قال جابر: كان أبي أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد ~~شمس أبو أبي الأعور السلمي، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~الهزيمة. # قال جابر: لما استشهد أبي جعلت عمتي تبكي، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما يبكيها؟ ما زالت الملائكة تظل عليه بأجنحتها حتى دفن. # وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم قبل يوم أحد بأيام وكأني ~~رأيت مبشر بن عبد المنذر يقول: أنت قادم علينا في أيام. فقلت: ~~وأين أنت؟ فقال: في الجنة، نسرح منها حيث نشاء. قلت له: ألم تقتل يوم ~~بدر؟ فقال: بلى، ثم أحييت. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~هذه الشهادة يا أبا جابر. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ادفنوا عبد الله بن عمرو بن ~~حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد. ويقال إنهما وجدا وقد مثل بهما كل PageV01P266 ~~المثل، قطعت آرابهما- يعني عضوا عضوا- فلا تعرف أبدانهما، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ادفنوهما جميعا في قبر واحد. ويقال إنما أمر بدفنهما في ~~قبر واحد لما كان بينهما من الصفاء فقال: ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا ~~في قبر واحد. ~~وكان عبد الله بن عمرو بن حرام رجلا أحمر أصلع [ (1) ] ، ليس بالطويل، ~~وكان عمرو بن الجموح طويلا، فعرفا ودخل السيل عليهما- وكان قبرهما مما يلي ~~السيل [ (2) ]- فحفر عنهما، وعليهما نمرتان [ (3) ] ، وعبد الله قد أصابه ~~جرح في وجهه، فيده على وجهه [ (4) ] ، فأميطت يده عن جرحه فثعب [ (5) ] ~~الدم، فردت إلى مكانها فسكن الدم. # قال جابر: فرأيت أبي في حفرته فكأنه نائم، وما تغير من حاله قليل ولا ~~كثير. فقيل له: أفرأيت أكفانه؟ فقال: إنما كفن في نمرة خمر بها وجهه وعلى ~~رجليه الحرمل، فوجدنا النمرة ms197 كما هي والحرمل على رجليه على هيئته، وبين ذلك ~~وبين وقت دفنه ستة وأربعون ستة. فشاورهم جابر في أن يطيب بمسك، فأبى ذلك ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا تحدثوا فيهم [ (6) ] شيئا. ~~ويقال إن معاوية لما أراد أن يجري كظامة [ (7) ]- والكظامة عين أحدثها ~~معاوية- نادى مناديه بالمدينة: من كان له قتيل بأحد فليشهد! فخرج الناس إلى ~~قتلاهم فوجدوهم طرايا يتثنون [ (8) ] ، PageV01P267 ~~فأصابت المسحاة رجلا منهم فثعب دما. قال أبو سعيد الخدري: لا ينكر بعد ~~هذا منكر أبدا. ووجد عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد، ووجد ~~خارجة بن زيد بن أبى زهير وسعد بن الربيع في قبر واحد. ~~فأما قبر عبد الله وعمرو بن الجموح فحول، وذلك أن القناة كانت تمر على ~~قبرهما، وأما قبر خارجة وسعد بن الربيع فتركا، وذلك لأن مكانهما كان ~~معتزلا، وسوي عليهما التراب. ولقد كانوا يحفرون التراب، فكلما حفروا فترا [ ~~(1) ] من تراب فاح عليهم المسك. # وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر: يا جابر، ألا أبشرك؟ ~~قال، قلت: بلى بأبي وأمي! قال: فإن الله أحيا أباك. ثم كلمه كلاما فقال: ~~تمن على ربك ما شئت. فقال: أتمنى أن أرجع فأقتل مع نبيك، ثم أحيا فأقتل مع ~~نبيك. قال: إني قد قضيت أنهم لا يرجعون. # قالوا: وكانت نسيبة بنت كعب أم عمارة، وهي امرأة غزية بن عمرو [ (2) ] ، ~~وشهدت أحدا هي وزوجها وابناها، وخرجت، معها شن لها في أول النهار تريد أن ~~تسقي الجرحى، فقاتلت يومئذ وأبلت بلاء حسنا، فجرحت اثني عشر جرحا بين طعنة ~~برمح أو ضربة بسيف. # فكانت أم سعد بنت سعد بن ربيع تقول: دخلت عليها فقلت لها: ~~يا خالة، حدثيني خبرك. فقالت: خرجت أول النهار إلى أحد، وأنا أنظر ما ~~يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله ~~PageV01P268 ~~عليه وسلم وهو فى أصحابه، والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون ~~انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أباشر القتال وأدب عن رسول ms198 ~~الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصت إلي الجراح. فرأيت ~~على عاتقها جرحا له غور أجوف [ (1) ] ، فقلت: يا أم عمارة، من أصابك بهذا؟ ~~قالت: أقبل ابن قميئة، وقد ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~يصيح: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا! فاعترض له مصعب بن عمير وأناس معه، ~~فكنت فيهم، فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله ~~كان عليه درعان. قلت: يدك، ما أصابها؟ قالت: أصيبت يوم اليمامة لما جعلت ~~الأعراب ينهزمون بالناس، نادت [ (2) ] الأنصار: «أخلصونا» ، فأخلصت ~~الأنصار، فكنت معهم، حتى انتهينا إلى حديقة الموت [ (3) ] ، فاقتتلنا عليها ~~ساعة حتى قتل أبو دجانة على باب الحديقة، ودخلتها وأنا أريد عدو الله ~~مسيلمة، فيعترض لي رجل منهم فضرب يدي فقطعها، فو الله ما كانت لي ناهية ولا ~~عرجت عليها حتى وقفت على الخبيث مقتولا، وابني عبد الله بن زيد المازني ~~يمسح سيفه بثيابه. فقلت: قتلته؟ قال: نعم. فسجدت شكرا لله. # وكان ضمرة بن سعيد يحدث عن جدته، وكانت قد شهدت أحدا تسقي الماء، ~~قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لمقام نسيبة بنت كعب اليوم ~~خير من مقام فلان وفلان! ~~وكان يراها تقاتل يومئذ أشد القتال، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها، حتى ~~جرحت ثلاثة عشر PageV01P269 ~~جرحا. فلما حضرتها الوفاة كنت فيمن غسلها، فعددت جراحها جرحا جرحا ~~فوجدتها ثلاثة عشر جرحا. وكانت تقول: إني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها ~~على عاتقها- وكان أعظم جراحها، لقد داوته سنة- ثم نادى منادي النبي صلى ~~الله عليه وسلم: إلى حمراء الأسد! فشدت عليها ثيابها فما استطاعت من نزف ~~الدم. ولقد مكثنا ليلنا نكمد الجراح حتى أصبحنا، فلما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الحمراء، ما وصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن ~~كعب المازني يسأل عنها، فرجع إليه يخبره بسلامتها فسر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك. # حدثنا عبد الجبار بن عمارة، عن عمارة بن غزية قال: قالت أم عمارة: قد ms199 ~~رأيتني وانكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بقي إلا نفير ما ~~يتمون عشرة، وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه، والناس يمرون به منهزمين. ~~ورآني لا ترس معي، فرأى رجلا موليا معه ترس، فقال: يا صاحب الترس، ألق ترسك ~~إلى من يقاتل! فألقى ترسه فأخذته فجعلت أترس عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل، لو كانوا رجالة مثلنا أصبناهم، ~~إن شاء الله! فيقبل رجل على فرس فضربني، وترست له فلم يصنع سيفه شيئا وولى، ~~وأضرب عرقوب فرسه فوقع على ظهره. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح: يا ~~ابن أم عمارة، أمك، أمك! قالت: فعاونني عليه حتى أوردته شعوب. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، ~~قال: جرحت يومئذ جرحا في عضدي اليسرى، ضربني رجل كأنه الرقل [ (1) ] ~~PageV01P270 ~~ولم يعرج علي ومضى عني، وجعل الدم لا يرقا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اعصب جرحك. فتقبل أمي إلي ومعها عصائب في حقويها قد أعدتها للجراح، ~~فربطت جرحي والنبي صلى الله عليه وسلم واقف ينظر، ثم قالت: انهض يا بني ~~فضارب القوم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ومن يطيق ما تطيقين يا ~~أم عمارة؟ قالت: ~~وأقبل الرجل الذي ضربني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا ضارب ~~ابنك. قالت: فأعترض له فأضرب ساقه فبرك، فرأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تبسم حتى بدت نواجذه، ثم قال: استقدت يا أم عمارة! ثم أقبلنا إليه ~~نعلوه [ (1) ] بالسلاح حتى أتينا على نفسه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~الحمد لله الذي ظفرك وأقر عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك. # حدثنا يعقوب بن محمد، عن موسى بن ضمرة بن سعيد، عن أبيه، قال: أتي عمر بن ~~الخطاب [ (2) ] بمروط [ (3) ] ، فكان فيها مرط واسع جيد، فقال بعضهم: إن ~~هذا المرط لثمن كذا وكذا، فلو أرسلت به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفية بنت ~~أبي ms200 عبيد- وذلك حدثان ما دخلت على ابن عمر. ~~فقال: أبعث به إلى من هو أحق منها، أم عمارة نسيبة بنت كعب. ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد يقول: ما التفت يمينا ولا ~~شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني. PageV01P271 # فقال الواقدي: حدثني سعيد بن أبي زيد. عن مروان بن أبى سعيد ابن المعلى، ~~قال: قيل لأم عمارة: هل كن نساء قريش يومئذ يقاتلن مع أزواجهن؟ فقالت: أعوذ ~~بالله، ما رأيت امرأة منهن رمت بسهم ولا بحجر، ولكن رأيت معهن الدفاف ~~والأكبار، يضربن ويذكرن القوم قتلى بدر، ومعهن مكاحل ومراود، فكلما ولى رجل ~~أو تكعكع [ (1) ] ناولته إحداهن مرودا ومكحلة ويقلن: إنما أنت امرأة! ولقد ~~رأيتهن ولين منهزمات مشمرات- ولها عنهن الرجال أصحاب الخيل، ونجوا على متون ~~الخيل- يتبعن الرجال على الأقدام، فجعلن يسقطن في الطريق. ولقد رأيت هند ~~بنت عتبة، وكانت امرأة ثقيلة ولها خلق، قاعدة خاشية من الخيل ما بها مشي، ~~ومعها امرأة أخرى، حتى كر [ (2) ] القوم علينا فأصابوا منا ما أصابوا، فعند ~~الله نحتسب ما أصابنا يومئذ من قبل الرماة ومعصيتهم لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي ~~صعصعة، عن الحارث بن عبد الله، قال: سمعت عبد الله بن زيد ابن عاصم يقول: ~~شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما تفرق الناس عنه دنوت منه، ~~وأمي تذب عنه، فقال: يا ابن أم عمارة! قلت: ~~نعم. قال: ارم! فرميت بين يديه رجلا من المشركين بحجر، وهو على فرس، ~~فأصبت [ (3) ] عين الفرس فاضطرب الفرس حتى وقع هو وصاحبه، وجعلت أعلوه ~~بالحجارة حتى نضدت عليه منها ~~وقرا [ (4) ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر ويتبسم، فنظر إلى جرح ~~بأمي على عاتقها فقال: أمك، أمك! PageV01P272 ~~اعصب جرحها، بارك الله عليكم من أهل بيت! مقام أمك خير من مقام فلان ~~وفلان، ومقام ربيبك- يعني زوج أمه- خير من مقام فلان وفلان، ومقامك لخير من ~~مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل البيت! قالت: ms201 ~~ادع الله أن نرافقك في الجنة. قال: اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة. ~~قالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا. # قالوا: وكان حنظلة بن أبي عامر تزوج جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ~~فأدخلت عليه في الليلة التي في صبحها قتال أحد. وكان قد استأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يبيت عندها فأذن له، فلما صلى الصبح غدا يريد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولزمته جميلة فعاد فكان معها، فأجنب منها ثم أراد ~~الخروج، وقد أرسلت قبل ذلك إلى أربعة من قومها فأشهدتهم أنه قد دخل بها، ~~فقيل لها بعد: لم أشهدت عليه؟ قالت: ~~رأيت كأن السماء فرجت فدخل فيها حنظلة ثم أطبقت، فقلت: هذه الشهادة! ~~فأشهدت عليه أنه قد دخل بها [ (1) ] . وتعلق بعبد الله بن حنظلة، ثم تزوجها ~~ثابت بن قيس بعد فولدت له محمد بن ثابت بن قيس. # وأخذ حنظلة بن أبي عامر سلاحه، فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد ~~وهو يسوي الصفوف. قال: فلما انكشف المشركون اعترض حنظلة ابن أبى عامر لأبي ~~سفيان بن حرب فضرب عرقوب فرسه فاكتسعت الفرس، ويقع أبو سفيان إلى الأرض، ~~فجعل يصيح: يا معشر قريش، أنا أبو سفيان بن حرب! وحنظلة يريد ذبحه بالسيف، ~~فأسمع الصوت رجالا لا يلتفتون إليه من الهزيمة حتى عاينه الأسود بن شعوب، ~~فحمل [ (2) ] على حنظلة PageV01P273 ~~بالرمح فأنفذه، فمشى حنظلة إليه بالرمح وقد أثبته، ثم ضربه الثانية ~~فقتله. وهرب أبو سفيان يعدو على قدميه فلحق ببعض قريش، فنزل عن صدر فرسه ~~وردف وراء أبي [ (1) ] سفيان- فذلك قول [ (2) ] أبي سفيان. فلما قتل حنظلة ~~مر عليه أبوه، وهو مقتول إلى جنب حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش، ~~فقال: إن كنت لأحذرك هذا الرجل [ (3) ] من قبل هذا المصرع، والله إن كنت ~~لبرا بالوالد، شريف الخلق في حياتك، وإن مماتك لمع سراة أصحابك وأشرافهم. ~~وإن جزى الله هذا القتيل- لحمزة- خيرا، أو أحدا من أصحاب محمد، فجزاك [ (4) ~~] الله خيرا. ثم نادى: ~~يا معشر قريش، حنظلة لا يمثل ms202 به وإن كان خالفني وخالفكم، فلم يأل لنفسه ~~فيما يرى خيرا. فمثل بالناس وترك فلم يمثل به. # وكانت هند أول من مثل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأمرت النساء ~~بالمثل- جدع الأنوف والآذان- فلم تبق امرأة إلا عليها معضدان [ (5) ] ~~ومسكتان وخدمتان، ومثل بهم كلهم إلا حنظلة. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي ~~عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة. ~~قال أبو أسيد الساعدي: فذهبنا فنظرنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء. قال أبو ~~أسيد: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى امرأته ~~فسألها، فأخبرته أنه خرج وهو جنب. # وأقبل وهب بن قابوس المزني، ومعه ابن أخيه الحارث بن عقبة بن PageV01P274 ~~قابوس، بغنم لهما من جبل مزينة، فوجدا المدينة خلوفا [ (1) ] فسألا: أين ~~الناس؟ فقالوا: بأحد، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين من ~~قريش. فقالا: لا نبتغي أثرا بعد عين. فخرجا حتى أتيا النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأحد فيجدان القوم يقتتلون، والدولة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فأغارا مع المسلمين في النهب، وجاءت الخيل من ورائهم، خالد بن ~~الوليد وعكرمة بن أبي جهل، فاختلطوا، فقاتلا أشد القتال. ~~فانفرقت فرقة من المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهذه ~~الفرقة؟ فقال وهب بن قابوس: أنا يا رسول الله. فقام فرماهم بالنبل حتى ~~انصرفوا ثم رجع [ (2) ] ، فانفرقت فرقة أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من لهذه الكتيبة؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله. فقام فذبها بالسيف ~~حتى ولوا، ثم رجع المزني. ثم طلعت كتيبة أخرى فقال: من يقوم لهؤلاء؟ ~~فقال المزني: أنا يا رسول الله. فقال: قم وأبشر بالجنة. فقام المزني ~~مسرورا يقول: والله لا أقيل ولا أستقيل. فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه والمسلمون، حتى خرج من أقصاهم [ ~~(3) ] ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم ارحمه! ثم يرجع فيهم ~~فما زال كذلك، ms203 وهم محدقون به، حتى اشتملت عليه أسيافهم ورماحهم فقتلوه، ~~فوجد به يومئذ عشرون طعنة برمح، كلها قد خلصت إلى مقتل، ومثل به أقبح المثل ~~يومئذ. ثم قام ابن أخيه فقاتل كنحو قتاله حتى قتل، فكان عمر بن الخطاب ~~يقول: إن أحب ميتة أموت عليها لما مات عليها المزنى. PageV01P275 # وكان بلال بن الحارث المزني يحدث يقول: شهدنا القادسية مع سعد بن أبي ~~وقاص، فلما فتح الله علينا وقسمت بيننا غنائمنا، فأسقط فتى من آل قابوس من ~~مزينة، فجئت سعدا حين فرغ [ (1) ] من نومه فقال: ~~بلال؟ قلت: بلال! قال: مرحبا بك، من هذا معك؟ قلت: رجل من قومي من آل ~~قابوس. قال سعد: ما أنت يا فتى من المزني الذي قتل يوم أحد؟ قال: ابن أخيه. ~~قال سعد: مرحبا وأهلا، ونعم الله بك عينا [ (2) ] ، ذلك الرجل شهدت منه يوم ~~أحد مشهدا ما شهدته من أحد. لقد رأيتنا وقد أحدق المشركون بنا من كل ناحية، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا والكتائب تطلع من كل ناحية، وإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليرمي ببصره في الناس يتوسمهم [ (3) ] يقول: من ~~لهذه الكتيبة؟ كل ذلك يقول المزني: أنا يا رسول الله! كل ذلك يردها [ (4) ] ~~، فما أنسى آخر مرة قامها [ (5) ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم ~~وأبشر بالجنة! قال سعد: وقمت على أثره، يعلم الله أني أطلب مثل ما يطلب ~~يومئذ من الشهادة، فخضنا حومتهم حتى رجعنا فيهم الثانية، وأصابوه رحمه ~~الله، ووددت والله أني كنت أصبت يومئذ معه، ولكن أجلي استأخر. ثم دعا سعد ~~من ساعته بسهمه فأعطاه وفضله وقال: اختر في المقام عندنا أو الرجوع إلى ~~أهلك. ~~فقال بلال: إنه يستحب الرجوع. فرجعنا. # وقال سعد: أشهد لرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عليه وهو ~~PageV01P276 ~~مقتول، وهو يقول: رضي الله عنك فإني عنك راض. ثم رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قام على قدميه- وقد نال النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح [ ~~(1) ] ما ناله، وإني لأعلم أن القيام ms204 ليشق عليه- على قبره حتى وضع في لحده، ~~وعليه بردة لها أعلام خضر [ (2) ] ، فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~البردة على رأسه فخمره، وأدرجه فيها طولا وبلغت نصف ساقيه، وأمرنا فجمعنا ~~الحرمل فجعلناه على رجليه وهو في لحده، ثم انصرف. فما حال أموت عليها أحب ~~إلي من أن ألقى الله تعالى على حال المزني. # قالوا: ولما صاح إبليس «إن محمدا قد قتل» تفرق الناس، فمنهم من ورد ~~المدينة، فكان أول من دخل المدينة يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~قتل سعد بن عثمان أبو عبادة. ثم ورد بعده رجال حتى دخلوا على نسائهم، حتى ~~جعل النساء يقلن: أعن رسول الله تفرون؟ # قال: يقول ابن أم مكتوم: أعن رسول الله تفرون؟ ثم جعل يؤفف [ (3) ] بهم، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه بالمدينة، يصلي بالناس، ثم قال: ~~اعدلوني [ (4) ] على الطريق- يعني طريق أحد- فعدلوه على الطريق، فجعل ~~يستخبر كل من لقي عن طريق أحد حتى لحق القوم، فعلم بسلامة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ثم رجع. وكان ممن ولى فلان [ (5) ] ، والحارث ابن حاطب، وثعلبة ~~بن حاطب، وسواد بن غزية، وسعد بن عثمان، وعقبة PageV01P277 ~~ابن عثمان، وخارجة بن عامر، بلغ ملل [ (1) ] ، وأوس بن قيظي في نفر من ~~بني حارثة، بلغوا الشقرة [ (2) ] ولقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم التراب، ~~وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به، وهلم سيفك! فوجهت إلى أحد مع نسيات ~~معها. # وقد قال بعض من يروي الحديث: إن المسلمين لم يعدوا الجبل، وكانوا في ~~سفحه، ولم يجاوزوه إلى غيره، وكان فيه النبي صلى الله عليه وسلم [ (3) ] . # ويقال: إنه كان بين عبد الرحمن وعثمان كلام، فأرسل عبد الرحمن إلى الوليد ~~بن عقبة فدعاه فقال: اذهب إلى أخيك فبلغه عني ما أقول لك، فإني لا أعلم ~~أحدا يبلغه غيرك. قال الوليد: أفعل. قال: قل، يقول لك عبد الرحمن: شهدت ~~بدرا ولم تشهد، وثبت يوم أحد ووليت عنه، وشهدت بيعة الرضوان ولم تشهدها. ~~فجاءه [ (4) ] فأخبره فقال عثمان: صدق أخي! تخلفت عن بدر ms205 على ابنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهي مريضة، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسهمي وأجري فكنت بمنزلة من حضر. ووليت يوم أحد، فقد عفا الله ذلك عني [ ~~(5) ] ، ~~فأما بيعة الرضوان فإني خرجت إلى أهل [ (6) ] مكة، بعثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى PageV01P278 ~~الله عليه وسلم: إن عثمان في طاعة الله وطاعة رسوله. ~~وبايع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى يديه الأخرى [ (1) ] ، فكانت شمال ~~النبي صلى الله عليه وسلم خيرا من يميني. فقال عبد الرحمن حين جاءه الوليد ~~بن عقبة: ~~صدق أخي! # ونظر عمر بن الخطاب إلى عثمان بن عفان فقال: هذا ممن عفا الله ~~عنه، والله ما عفا الله عن شيء فرده، وكان تولى يوم التقى الجمعان. # وسأل رجل ابن عمر عن عثمان فقال: إنه أذنب يوم أحد ذنبا عظيما، فعفا الله ~~عنه، وهو ممن تولى يوم التقى الجمعان، وأذنب فيكم ذنبا صغيرا فقتلتموه! # وقال علي: لما كان يوم أحد وجال الناس تلك الجولة أقبل أمية بن أبي حذيفة ~~بن المغيرة، وهو دارع مقنع في الحديد، ما يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: يوم ~~بيوم بدر. فيعترض له رجل من المسلمين فيقتله أمية. قال علي عليه السلام: ~~وأصمد له فأضربه بالسيف على هامته- وعليه بيضة وتحت البيضة مغفر- فنبا ~~سيفي، وكنت رجلا قصيرا. ويضربني بسيفه فأتقي بالدرقة، فلحج سيفه فأضربه، ~~وكانت درعه مشمرة، فأقطع رجليه، ووقع فجعل يعالج سيفه حتى خلصه من الدرقة، ~~وجعل يناوشني وهو بارك على ركبتيه، حتى نظرت إلى فتق تحت إبطه فأخش بالسيف ~~فيه، فمال ومات وانصرفت عنه. PageV01P279 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: أنا ابن العواتك [ (1) ] . وقال ~~أيضا: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب! # وقالوا: أتينا عمر بن الخطاب في رهط من المسلمين قعودا، ومر بهم أنس بن ~~النضر بن ضمضم عم أنس بن مالك فقال: ما يقعدكم؟ قالوا: ~~قتل رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات ~~عليه! ثم [ (2) ] جالد بسيفه ms206 حتى قتل. فقال عمر بن الخطاب: إني لأرجو أن ~~يبعثه الله أمة وحده يوم القيامة. ووجد به سبعون ضربة في وجهه. ما عرف حتى ~~عرفت أخته حسن بنانه، ويقال حسن ثناياه [ (3) ] . # قالوا: ومر مالك بن الدخشم على خارجة بن زيد بن أبي زهير، وهو قاعد في ~~حشوته، به ثلاثة عشر جرحا، كلها قد خلصت إلى مقتل، فقال: أما علمت أن محمدا ~~قد قتل؟ قال خارجة: فإن كان قد قتل فإن الله حي لا يموت، فقد بلغ محمد، ~~فقاتل عن دينك! # ومر على سعد بن الربيع وبه اثنا عشر جرحا، كلها قد خلص إلى ~~مقتل، فقال: علمت أن محمدا قد قتل؟ قال سعد بن الربيع: أشهد أن محمدا قد ~~بلغ رسالة ربه، فقاتل عن دينك، فإن الله حي لا يموت! # وقال منافق: إن رسول ~~الله قد قتل فارجعوا إلى قومكم، فإنهم داخلو البيوت. PageV01P280 # حدثني عبد الله بن عمار، عن الحارث بن الفضيل الخطمي. قال: ~~أقبل ثابت بن الدحداحة يومئذ والمسلمون أوزاع، قد سقط في أيديهم، فجعل ~~يصيح: يا معشر الأنصار، إلي! إلي! أنا ثابت بن الدحداحة، إن كان محمد قد ~~قتل فإن الله حي لا يموت! فقاتلوا عن دينكم، فإن الله مظهركم وناصركم! فنهض ~~إليه نفر من الأنصار، فجعل يحمل بمن معه من المسلمين، وقد وقفت لهم كتيبة ~~خشناء، فيها رؤساؤهم: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، ~~وضرار بن الخطاب، فجعلوا يناوشونهم. وحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح، ~~فطعنه فأنفذه فوقع ميتا. وقتل من كان معه من الأنصار. فيقال إن هؤلاء لآخر ~~من قتل من المسلمين. ووصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب مع ~~أصحابه، فلم يكن هناك قتال. # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أحد قد خاصم إليه يتيم من الأنصار ~~أبا لبابة في عذق بينهما، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي لبابة، ~~فجزع اليتيم على العذق، ~~وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم العذق إلى أبى لبابة لليتيم، فأبى ms207 أبو ~~لبابة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي لبابة: لك به عذق في ~~الجنة [ (1) ] . فأبى أبو لبابة، فقال ابن الدحداحة: يا رسول الله، أرأيت ~~إن أعطيت اليتيم عذقه، ما لي [ (2) ] ؟ قال: ~~عذق في الجنة. قال: فذهب ثابت بن الدحداحة فاشترى من أبى لبابة ابن عبد ~~المنذر ذلك العذق بحديقة نخل، ثم رد على الغلام العذق، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: رب عذق مذلل لابن الدحداحة فى الجنة. PageV01P281 ~~فكانت ترجى له الشهادة لقوله صلى الله عليه وسلم حتى قتل بأحد. # ويقبل ضرار بن الخطاب فارسا، يجر قناة له طويلة، فيطعن عمرو ابن معاذ ~~فأنفذه، ويمشي عمرو إليه حتى غلب، فوقع لوجهه. يقول ضرار: ~~لا تعدمن رجلا زوجك من الحور العين. وكان يقول: زوجت عشرة من أصحاب محمد. ~~قال ابن واقد: سألت ابن جعفر: هل قتل عشرة؟ ~~فقال: لم يبلغنا أنه قتل إلا ثلاثة. وقد ضرب يومئذ عمر بن الخطاب حيث جال ~~المسلمون تلك الجولة بالقناة. قال: يا ابن الخطاب، إنها نعمة مشكورة، والله ~~ما كنت لأقتلك! # وكان ضرار بن الخطاب يحدث ويذكر وقعة أحد، ويذكر الأنصار ~~ويترحم عليهم، ويذكر غناءهم في الإسلام، وشجاعتهم، وتقدمهم [ (1) ] على ~~الموت، ثم يقول: لما قتل أشراف قومي ببدر جعلت أقول: من قتل أبا الحكم؟ ~~يقال: ابن عفراء. من قتل أمية بن خلف؟ يقال: خبيب ابن يساف. من قتل عقبة بن ~~أبي معيط؟ قالوا: عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. من قتل فلانا؟ فيسمى لي. من ~~أسر سهيل بن عمرو؟ قالوا: ~~مالك بن الدخشم. فلما خرجنا إلى أحد وأنا أقول: إن أقاموا في صياصيهم فهي ~~منيعة، لا سبيل لنا إليهم، نقيم أياما ثم ننصرف، وإن خرجوا إلينا من ~~صياصيهم أصبنا منهم- معنا عدد كثير أكثر من عددهم وقوم [ (2) ] موتورون ~~خرجنا بالظعن يذكرننا قتلى بدر، ومعنا كراع ولا كراع معهم، ومعنا سلاح أكثر ~~من سلاحهم. فقضى لهم أن خرجوا، فالتقينا، فو الله PageV01P282 ~~ما أقمنا لهم حتى هزمنا وانكشفنا مولين، فقلت في نفسي: هذه أشد ms208 من وقعة ~~بدر! وجعلت أقول لخالد بن الوليد: كر على القوم! فجعل يقول: ~~وترى وجها نكر فيه؟ حتى نظرت إلى الجبل الذي كان عليه الرماة خاليا، ~~فقلت: أبا سليمان، انظر وراءك! فعطف عنان فرسه، فكر وكررنا معه، فانتهينا ~~إلى الجبل فلم نجد عليه أحدا له بال، وجدنا نفيرا فأصبناهم، ثم دخلنا ~~العسكر، والقوم غارون ينتهبون العسكر، فأقحمنا الخيل عليهم فتطايروا في كل ~~وجه، ووضعنا السيوف فيهم حيث شئنا. وجعلت أطلب الأكابر من الأوس والخزرج ~~قتلة الأحبة فلا أرى أحدا، قد هربوا، فما كان حلب ناقة حتى تداعيت الأنصار ~~بينها، فأقبلت فخالطونا ونحن فرسان، فصبروا لنا [ (1) ] ، وبذلوا أنفسهم ~~حتى عقروا فرسي وترجلت، فقتلت منهم عشرة. ولقيت من رجل منهم الموت الناقع ~~حتى وجدت ريح الدم، وهو معانقي، ما يفارقني حتى أخذته الرماح من كل ناحية ~~ووقع، فالحمد لله الذي أكرمهم بيدي ولم يهني بأيديهم. # وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد: من له علم بذكوان ~~بن عبد قيس؟ قال علي عليه السلام: أنا رأيت يا رسول الله فارسا يركض في ~~أثره حتى لحقه وهو يقول: لا نجوت إن نجوت! فحمل عليه بفرسه، وذكوان رجل، ~~فضربه وهو يقول: خذها وأنا ابن علاج! فأهويت إليه وهو فارس، فضربت رجله ~~بالسيف حتى قطعتها عن نصف الفخذ، ثم طرحته من فرسه فذففت عليه، وإذا هو أبو ~~الحكم بن الأخنس بن شريق ابن علاج بن عمرو بن وهب الثقفى. PageV01P283 # وحدثني صالح بن خوات، عن يزيد بن رومان، قال: قال خوات بن جبير: لما كر ~~المشركون انتهوا إلى الجبل، وقد عري من القوم، وبقي عبد الله بن جبير في ~~عشرة نفر، فهم على رأس عينين. فلما طلع خالد ابن الوليد وعكرمة في الخيل [ ~~(1) ] ، قال لأصحابه: انبسطوا نشرا [ (2) ] لئلا يجوز القوم! فصفوا وجه ~~العدو، واستقبلوا الشمس، فقاتلوا ساعة حتى قتل أميرهم عبد الله بن جبير، ~~وقد جرح عامتهم. فلما وقع جردوه ومثلوا به أقبح المثل، وكانت الرماح قد ~~شرعت في بطنه حتى خرقت ما ms209 بين سرته إلى خاصرته إلى عانته [ (3) ] ، فكانت ~~حشوته قد خرجت منها. فلما جال المسلمون تلك الجولة مررت به على تلك الحال، ~~فلقد ضحكت في موضع ما ضحك فيه أحد قط، ونعست في موضع ما نعس فيه أحد، وبخلت ~~في موضع ما بخل فيه أحد. فقيل: ما هي؟ قال: حملته فأخذت بضبعيه [ (4) ] ، ~~وأخذ أبو حنة برجليه، وقد شددت [ (5) ] جرحه بعمامتي، فبينا نحن نحمله ~~والمشركين ناحية إلى أن سقطت عمامتي من جرحه فخرجت حشوته، ففزع صاحبي وجعل ~~يلتفت وراءه يظن أنه العدو، فضحكت. ~~ولقد شرع لي رجل برمح يستقبل به ثغرة نحري، فغلبني النوم وزال الرمح. ~~ولقد رأيتني حين انتهيت إلى الحفر له، ومعي قوسي، وغلظ علينا الجبل ~~فهبطنا به الوادي، فحفرت بسية القوس وفيها الوتر، فقلت: لا أفسد ~~PageV01P284 ~~الوتر! فحللته ثم حفرت بسيتها حتى أنعمنا، ثم غيبناه وانصرفنا، والمشركون ~~بعد ناحية، وقد تحاجزنا، فلم يلبثوا أن ولوا. # قالوا: وكان وحشي عبدا لابنة الحارث بن عامر بن نوفل- ويقال كان لجبير بن ~~مطعم- فقالت ابنة الحارث: إن أبي قتل يوم بدر، فإن أنت قتلت أحد الثلاثة ~~فأنت حر، إن قتلت محمدا، أو حمزة بن عبد المطلب، أو علي بن أبي طالب، فإني ~~لا أرى في القوم كفؤا لأبي غيرهم. قال وحشي: أما رسول الله فقد علمت [ (1) ~~] أني لا أقدر عليه، وأن أصحابه لن يسلموه. وأما حمزة فقلت: والله لو وجدته ~~نائما ما أيقظته من هيبته، وأما علي فقد كنت ألتمسه [ (2) ] . قال: فبينا ~~أنا في الناس ألتمس عليا إلى أن طلع علي، فطلع رجل حذر مرس، كثير الالتفات. ~~فقلت: ~~ما هذا صاحبي الذي ألتمس! إذ رأيت حمزة يفري الناس فريا، فكمنت إلى صخرة، ~~وهو مكبس، له كثيب [ (3) ] ، فاعترض له سباع ابن أم أنمار- وكانت أمه ختانة ~~بمكة مولاة لشريف بن علاج بن عمرو بن وهب الثقفي، وكان سباع يكنى أبا نيار- ~~فقال له حمزة: وأنت أيضا يا ابن مقطعة البظور [ (4) ] ممن يكثر علينا. هلم ~~إلي! فاحتمله حتى إذا برقت [ (5) ] قدماه رمى به، فبرك عليه فشحطه شحط ~~الشاة. ms210 ثم أقبل إلي مكبسا [ (6) ] حين رآني، فلما بلغ المسيل وطئ على جرف [ ~~(7) ] فزلت قدمه، فهززت حربتي PageV01P285 ~~حتى رضيت منها، فأضرب بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته. وكر عليه طائفة ~~من أصحابه فأسمعهم يقولون: أبا عمارة! فلا يجيب، فقلت: قد، والله مات ~~الرجل! وذكرت هندا وما لقيت على أبيها وعمها وأخيها، وانكشف عنه أصحابه حين ~~أيقنوا موته ولا يروني، فأكر عليه فشققت بطنه فأخرجت كبده، فجئت بها إلى ~~هند بنت عتبة، فقلت: ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك؟ قالت: سلبي! فقلت: هذه كبد ~~حمزة. فمضغتها ثم لفظتها، فلا أدري لم تسغها أو قذرتها. فنزعت ثيابها ~~وحليها فأعطتنيه، ثم قالت: ~~إذا جئت مكة فلك عشرة دنانير. ثم قالت: أرني مصرعه! فأريتها مصرعه، فقطعت ~~مذاكيره، وجدعت أنفه، وقطعت أذنيه، ثم جعلت مسكتين ومعضدين وخدمتين حتى ~~قدمت بذلك مكة، وقدمت يكبده معها. # فحدثني عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن الزهري، عن عروة، قال: ~~حدثنا عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: غزونا الشام في زمن عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه فمررنا بحمص بعد العصر، فقلنا: وحشي! فقالوا: لا تقدرون عليه، ~~هو الآن يشرب الخمر حتى يصبح. فبتنا من أجله وإنا لثمانون رجلا، فلما صلينا ~~الصبح جئنا إلى منزله، فإذا شيخ كبير، قد طرحت له زربية [ (1) ] قدر مجلسه، ~~فقلنا له: أخبرنا عن قتل حمزة وعن مسيلمة، فكره ذلك وأعرض عنه، فقلنا له: ~~ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك. فقال: إني كنت عبدا لجبير بن مطعم بن عدى، ~~فلما خرج الناس إلى أحد دعاني فقال: قد رأيت مقتل طعيمة بن عدي، قتله حمزة ~~بن عبد المطلب يوم بدر، فلم تزل نساؤنا في حزن شديد إلى يومي هذا، ~~PageV01P286 ~~فإن قتلت حمزة فأنت حر. قال: فخرجت مع الناس ولي مزاريق [ (1) ] ، وكنت ~~أمر بهند بنت عتبة فتقول: إيه أبا دسمة، اشف واشتف! فلما وردنا أحدا نظرت ~~إلى حمزة يقدم الناس يهدهم [ (2) ] هدا فرآني وأنا قد كمنت له تحت شجرة، ~~فأقبل نحوي ويعترض له ms211 سباع الخزاعي، فأقبل إليه فقال: وأنت أيضا [يا] ابن ~~مقطعة البظور ممن يكثر علينا، هلم إلي! قال: وأقبل حمزة فاحتمله حتى رأيت ~~برقان رجليه، ثم ضرب به الأرض ثم قتله. وأقبل نحوي سريعا حتى يعترض له جرف ~~فيقع فيه، وأزرقه بمزراقي فيقع في ثنته [ (3) ] حتى خرج من بين رجليه، ~~فقتلته، وأمر بهند بنت عتبة [ (4) ] فأعطتني حليها وثيابها. # وأما مسيلمة، فإنا دخلنا حديقة الموت، فلما رأيته زرقته بالمزراق وضربه ~~رجل من الأنصار بالسيف، فربك أعلم أينا قتله إلا أني سمعت امرأة تصيح فوق ~~الدير [ (5) ] : قتله العبد الحبشي. # قال عبيد الله: فقلت: أتعرفني؟ قال: فأكر [ (6) ] بصره علي، وقال: ~~ابن عدي ولعاتكة بنت أبي العيص! قال: قلت: نعم. قال: ~~أما والله ما لي بك عهد بعد أن رفعتك إلى أمك في محفتها التي ترضعك فيها، ~~ونظرت إلى برقان قدميك حتى كأن الآن. PageV01P287 # وكان في ساقي هند خدمتان من جزع ظفار، ومسكتان من ورق [ (1) ] ، وخواتم ~~من ورق، كن في أصابع رجليها، فأعطتني ذلك. # وكانت صفية بنت عبد المطلب تقول: رفعنا [ (2) ] في الآطام ومعنا حسان بن ~~ثابت ونحن في فارع [ (3) ] ، فجاء نفر من اليهود يرمون الأطم، فقلت: عندك ~~يا ابن الفريعة [ (4) ] ! فقال: لا والله، ما أستطيع، ما يمنعني أن أخرج مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد! ويصعد يهودي إلى الأطم فقلت: شد على ~~يدي السيف، ثم برئت! ففعل. قالت: فضربت عنقه، ثم رميت برأسه إليهم، فلما ~~رأوه انكشفوا. قالت: وإني في فارع أول النهار مشرفة على الأطم، فرأيت ~~المزراق يزرق به، فقلت: أو من سلاحهم المزاريق؟ أفلا أراه هوى إلى أخي ولا ~~أشعر. قالت: ثم خرجت آخر النهار حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكانت تحدث تقول: كنت أعرف انكشاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنا على الأطم، يرجع حسان إلى أقصى الأطم، فإذا رأى الدولة لأصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أقبل حتى يقف على جدار الأطم. قالت: ولقد خرجت والسيف ~~في يدي، حتى إذا كنت في ms212 بني حارثة أدركت نسوة من الأنصار وأم أيمن معهن، ~~فكان الجمز [ (5) ] منا حتى PageV01P288 ~~انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أوزاع، فأول من لقيت ~~علي ابن أخي، فقال: ارجعي يا عمة فإن في الناس تكشفا فقلت: ~~رسول الله؟ فقال: صالح بحمد الله! قلت: ادللني عليه حتى أراه. فأشار لي ~~إليه إشارة خفية من المشركين، فانتهيت إليه وبه الجراحة. ~~قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما فعل عمي؟ ما فعل عمي ~~حمزة؟ فخرج الحارث بن الصمة فأبطأ، فخرج علي بن أبي طالب، وهو يرتجز ويقول: # يا رب إن الحارث بن الصمه %~% كان رفيقا وبنا ذا ذمه # قد ضل في مهامه مهمه %~% يلتمس الجنة فيما تمه [ (1) ] # قال الواقدي: سمعتها من الأصبغ بن عبد العزيز وأنا غلام، وكان بسن أبي ~~الزناد- حتى انتهى إلى الحارث ووجد حمزة مقتولا، فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يمشي حتى وقف عليه، فقال: ما وقفت ~~موقفا قط أغيظ إلي من هذا الموقف! فطلعت صفية فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا زبير أغن عني أمك، وحمزة يحفر له. فقال: يا أمه، إن في الناس ~~تكشفا [فارجعي] . فقالت: ما أنا بفاعلة حتى أرى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أين ابن ~~أمي حمزة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في الناس. قالت: لا أرجع ~~حتى أنظر إليه. قال الزبير: ~~فجعلت أطدها [ (2) ] إلى الأرض حتى دفن حمزة. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لولا أن يحزن ذلك نساءنا، لتركناه للعافية- يعني السباع والطير- ~~حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع وحواصل الطير. PageV01P289 # ونظر صفوان بن أمية إلى حمزة يومئذ وهو يهد [ (1) ] الناس فقال: من هذا؟ ~~قالوا: حمزة بن عبد المطلب. فقال: ما رأيت كاليوم رجلا أسرع في قومه- وكان ~~يومئذ معلما بريشة نسر. ويقال: لما أصيب حمزة جاءت صفية بنت عبد المطلب ~~تطلبه، فحالت بينها وبينه ms213 الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~دعوها! فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا ~~نشجت ينشج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت فاطمة بنت النبي صلى الله ~~عليه وسلم تبكي، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بكت بكى، وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: لن أصاب بمثلك [ (2) ] أبدا! ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ~~أبشرا! أتانى جبرئيل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع- حمزة ~~بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله. # قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا شديدا فأحزنه ذلك المثل، ثم ~~قال: لئن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم! فنزلت هذه الآية: وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [ (3) ] فعفا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم يمثل بأحد. # وجعل أبو قتادة يريد أن ينال من قريش، لما رأى من غم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قتل حمزة وما مثل به، كل ذلك يشير إليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن اجلس ثلاثا- وكان قائما- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أحتسبك عند الله. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا قتادة، إن ~~قريشا أهل أمانة، من بغاهم العواثر كبه الله لفيه، وعسى إن PageV01P290 ~~طالت بك مدة أن تحقر [ (1) ] عملك مع أعمالهم وفعالك مع فعالهم، لولا أن ~~تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله. قال أبو قتادة: والله يا رسول الله، ~~ما غضبت إلا لله ولرسوله حين نالوا منه ما نالوا! قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: صدقت، بئس القوم كانوا لنبيهم! # وقال عبد الله بن جحش: يا رسول ~~الله، إن هولاء قد نزلوا حيث ترى، وقد سألت الله عز وجل ورسوله فقلت: اللهم ~~إني أقسم عليك أن نلقى العدو غدا فيقتلونني ويبقرونني ويمثلون بي، فألقاك ~~مقتولا قد صنع هذا بي، فتقول: فيم صنع بك هذا؟ فأقول: فيك! وأنا أسألك ~~أخرى: ms214 أن تلي تركتي من بعدي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فخرج ~~عبد الله وقاتل حتى قتل، ومثل به كل المثل ودفن، ودفن هو وحمزة في قبر ~~واحد. وولي تركته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترى لأمه مالا بخيبر. # وأقبلت حمنة بنت جحش وهي أخته، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يا حمن، احتسبي! قالت: من يا رسول الله؟ قال: خالك حمزة. قالت: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه، فهنيئا له الشهادة! ثم قال لها: ~~احتسبي! قالت: من يا رسول الله؟ قال: أخوك. ~~قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه، هنيئا له الجنة! ثم ~~قال لها: احتسبي! قالت: من يا رسول الله؟ قال: مصعب بن عمير [ (2) ] . ~~قالت: وا حزناه! ويقال إنها قالت: وا عقراه! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لأحد. ثم قال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لم قلت هذا؟ قالت: يا رسول الله، PageV01P291 ~~ذكرت يتم بنيه فراعني. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لولده أن يحسن ~~عليهم من الخلف، ~~فتزوجت طلحة بن عبيد الله فولدت له محمد بن طلحة، وكان أوصل الناس لولده. ~~وكانت حمنة خرجت يومئذ إلى أحد مع النساء يسقين الماء. # وخرجت السميراء بنت قيس إحدى نساء بني دينار، وقد أصيب ابناها مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأحد، النعمان بن عبد عمرو، وسليم بن الحارث، فلما نعيا ~~لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قالوا: خيرا، هو بحمد الله صالح على ما تحبين. قالت: أرونيه أنظر إليه! ~~فأشاروا لها إليه فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل. ~~وخرجت تسوق بابنيها بعيرا تردهما إلى المدينة، فلقيتها عائشة رضي الله ~~عنها فقالت: ما وراءك؟ قالت: أما رسول الله، بحمد الله فبخير، لم يمت! ~~واتخذ الله من المؤمنين شهداء ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~وكفى الله المؤمنين القتال [ (1) ] . قالت: ms215 من هؤلاء معك؟ ~~قالت: ابناي ... حل! حل! # وقالوا: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأتيني بخبر سعد بن ربيع؟ ~~فإني قد رأيته- وأشار بيده إلى ناحية من الوادي- وقد شرع فيه اثنا عشر ~~سنانا. ~~قال: فخرج محمد بن مسلمة- ويقال أبي بن كعب- فخرج نحو تلك الناحية. قال: ~~وأنا وسط القتلى أتعرفهم، إذ مررت به صريعا في الوادي، فناديته فلم يجب، ثم ~~قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليك! فتنفس كما يتنفس الكير ~~[ (2) ] ، ثم قال: PageV01P292 ~~وإن رسول الله لحي؟ قال: قلت: نعم، وقد أخبرنا أنه شرع لك اثنا عشر ~~سنانا. قال: طعنت اثنتي عشرة طعنة، كلها أجافتني [ (1) ] ، أبلغ قومك ~~الأنصار السلام وقل لهم: الله، الله! وما عاهدتم عليه رسول الله ليلة ~~العقبة! والله ما لكم عذر عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف! ولم ~~أرم [ (2) ] من عنده حتى مات. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته. ~~قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة رافعا يديه يقول: ~~اللهم الق سعد بن الربيع وأنت عنه راض! # قالوا: ولما صاح إبليس «إن محمدا قد قتل» يحزنهم [ (3) ] بذلك، تفرقوا في ~~كل وجه، وجعل الناس يمرون على النبي صلى الله عليه وسلم، لا يلوي عليه أحد ~~منهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم، حتى انتهى من انتهى ~~منهم إلى المهراس [ (4) ] ، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أصحابه ~~في الشعب. # فحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: لما صار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليهم كانوا فئته [ (5) ] . # وحدثني الضحاك بن عثمان، عن ضمرة بن سعيد، قال: لما انتهى إليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كانوا [ (6) ] فئته، فانتهى إلى الشعب وأصحابه في ~~الجبل أوزاع، يذكرون مقتل من قتل منهم ويذكرون ما جاءهم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال كعب: وكنت أول من عرفه وعليه PageV01P293 ~~المغفر. قال: فجعلت أصيح: هذا رسول الله حيا سويا! وأنا في الشعب، فجعل ms216 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئ إلي بيده على فيه أن اسكت، ثم دعا ~~بلأمتي- وكانت صفراء أو بعضها- فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزع ~~لأمته. قال: وطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه في الشعب بين ~~السعدين، سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، يتكفأ في الدرع، وكان إذا مشى تكفأ ~~تكفؤا صلى الله عليه وسلم- ويقال إنه كان يتوكأ على طلحة بن عبيد الله- ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جرح يومئذ، فما صلى الظهر إلا جالسا. ~~قال: فقال له طلحة: يا رسول الله، إن بي قوة! فحمله حتى انتهى إلى الصخرة ~~على طريق أحد- من أراد شعب الجزارين- لم يعدها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى غيرها، ثم حمله طلحة حتى ارتفع عليها، ثم مضى إلى أصحابه ومعه ~~النفر الذين ثبتوا معه. ~~فلما نظر المسلمون من معه جعلوا يولون في الشعب، ظنوا أنهم من المشركين، ~~حتى جعل أبو دجانة يليح إليهم بعمامة حمراء على رأسه، فعرفوه فرجعوا، أو ~~بعضهم. # ويقال إنه لما طلع في النفر الذين ثبتوا معه، الأربعة عشر- سبعة من ~~المهاجرين وسبعة من الأنصار- وجعلوا يولون في الجبل، ~~جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إلى أبي بكر وهو إلى جنبه، ويقول ~~له: ألح إليهم! ~~فجعل أبو بكر يليح، ولا يرجعون حتى نزع أبو دجانة عصابة حمراء على رأسه، ~~فأوفى [ (1) ] على الجبل فجعل يصيح ويليح، فوقفوا حتى تلاحق [ (2) ] ~~المسلمون. ولقد وضع أبو بردة بن نيار سهما على كبد قوسه، PageV01P294 ~~فأراد أن يرمي به القوم [ (1) ] ، فلما تكلموا وناداهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكأنهم [ (2) ] لم يصبهم في أنفسهم مصيبة حين أبصروا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # فبينا هم كذلك عرض الشيطان بوسوسته وتخزيته [ (3) ] لهم حين أبصروا عدوهم ~~قد انفرجوا عنهم. قال رافع بن خديج: إني إلى جنب أبي مسعود الأنصاري وهو ~~يذكر من قتل من قومه ويسأل عنهم، فيخبر برجال، منهم سعد بن ربيع وخارجة بن ~~زهير، وهو يسترجع ويترحم عليهم، وبعضهم يسأل بعضا ms217 عن حميمه، فهم يخبرون ~~بعضهم بعضا. فبيناهم على ذلك رد الله المشركين ليذهب بالحزن عنهم، فإذا ~~عدوهم فوقهم قد علوا، وإذا كتائب المشركين. فنسوا ما كانوا يذكرون، وندبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضنا على القتال، وإني لأنظر إلى فلان وفلان ~~في عرض الجبل يعدون. # فكان عمر يقول: لما صاح الشيطان «قتل محمد» أقبلت أرقى في الجبل كأني ~~أروية [ (4) ] ، ~~فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ... [ (5) ] الآية، وأبو سفيان ~~في سفح الجبل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم ليس لهم أن يعلونا ~~[ (6) ] ! فانكشفوا. # قال أبو أسيد الساعدي: لقد رأيتنا قبل أن يلقى علينا النعاس، وإنا لسلم ~~لمن أرادنا، لما بنا من الحزن، فألقي علينا النعاس فنمنا حتى PageV01P295 ~~تناطح الحجف [ (1) ] ، وفزعنا وكأنا لم يصبنا قبل ذلك نكبة. # وقال طلحة بن عبيد الله: غشينا النعاس حتى كان حجف القوم تناطح. # وقال الزبير بن العوام: غشينا النعاس فما منا رجل إلا وذقنه في صدره من ~~النوم، فأسمع معتب بن قشير يقول- وإني لكالحالم لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا هاهنا [ (2) ] فأنزل الله تعالى فيه: لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا هاهنا [ (2) ] . # قال أبو اليسر: لقد رأيتني يومئذ في أربعة عشر رجلا من قومي إلى جنب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصابنا النعاس أمنة منه، ما منهم رجل إلا يغط ~~غطيطا حتى إن الحجف التناطح. ولقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من ~~يده وما يشعر به، وأخذه بعد ما تثلم، وإن المشركين لتحتنا. # وقال أبو طلحة: ألقي علينا النعاس، فكنت أنعس حتى سقط سيفي من يدي. وكان ~~النعاس لم يصب أهل النفاق والشك يومئذ، فكل منافق يتكلم بما في نفسه، وإنما ~~أصاب النعاس أهل اليقين والإيمان. # وقالوا: لما تحاجزوا أراد أبو سفيان الانصراف، وأقبل يسير على فرس له ~~حواء [ (3) ] أنثى، فأشرف [ (4) ] على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ~~عرض الجبل فنادى ms218 بأعلى صوته: اعل هبل! ثم يصيح: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن ~~أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم بدر، ألا إن PageV01P296 ~~الأيام دول، وإن الحرب سجال، وحنظلة بحنظلة [ (1) ] ! ~~فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، أجيبه؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: بلى، فأجبه! ~~فقال أبو سفيان: اعل هبل! فقال عمر: الله أعلى وأجل! قال أبو سفيان: إنها ~~قد أنعمت، فعال [ (2) ] عنها! ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي ~~قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وهذا عمر. ~~فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول، وإن الحرب سجال. فقال ~~عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار! قال أبو سفيان: إنكم ~~لتقولون ذلك! لقد خبنا إذن وخسرنا! قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم! ~~فقال عمر: ~~الله مولانا ولا مولى لكم! قال أبو سفيان: إنها قد أنعمت يا ابن الخطاب، ~~فعال عنها. ثم قال: قم إلي يا ابن الخطاب، أكلمك. فقام عمر فقال أبو سفيان: ~~أنشدك بدينك، هل قتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن. ~~قال: أنت عندي أصدق من ابن قميئة- وكان ابن قميئة أخبرهم أنه قتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ثم قال أبو سفيان ورفع صوته: إنكم واجدون في قتلاكم عيثا [ ~~(3) ] ومثلا، ألا إن ذلك لم يكن عن رأي سراتنا. ثم أدركته حمية الجاهلية ~~فقال: أما إذ كان ذلك فلم نكرهه. ثم نادى: ألا إن موعدكم بدر الصفراء على ~~رأس الحول! ~~فوقف عمر وقفة ينتظر ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قل، نعم. فقال عمر: نعم! ثم انصرف أبو سفيان ~~PageV01P297 ~~إلى أصحابه وأخذوا في الرحيل، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون فاشتدت شفقتهم من أن يغير المشركون على المدينة فتهلك الذراري ~~والنساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: ائتنا بخبر ~~القوم، إن ركبوا الإبل ms219 وجنبوا الخيل فهو الظعن، وإن ركبوا الخيل وجنبوا ~~الإبل فهي الغارة على المدينة. والذي نفسي بيده، لئن ساروا إليها لأسيرن ~~إليهم ثم لأناجزنهم. # قال سعد: فوجهت أسعى، وأرصدت في نفسي إن أفزعني شيء رجعت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأنا أسعى، فبدأت بالسعي حين ابتدأت، فخرجت في آثارهم حتى ~~إذا كانوا بالعقيق، وكنت حيث أراهم وأتأملهم، فإذا هم قد ركبوا الإبل ~~وجنبوا الخيل، فقلت: إنه الظعن إلى بلادهم. ~~فوقفوا وقفة بالعقيق وتشاوروا في دخول المدينة، فقال لهم صفوان بن أمية: ~~قد أصبتم القوم، فانصرفوا فلا تدخلوا عليهم وأنتم كالون، ولكم الظفر، ~~فإنكم لا تدرون ما يغشاكم. قد وليتم يوم بدر، والله ما تبعوكم والظفر لهم! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهاهم صفوان! # فلما رآهم سعد على تلك ~~الحال منطلقين، قد دخلوا في المكيمن [ (1) ] ، رجع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو كالمنكسر، فقال: وجه القوم يا رسول الله إلى مكة، امتطوا ~~الإبل وجنبوا الخيل. فقال: ما تقول؟ ~~فقلت ذلك، ثم خلا بي فقال: حقا ما تقول؟ قلت: نعم يا رسول الله. ~~فقال: ما لي [ (2) ] رأيتك منكسرا؟ قال، فقلت: كرهت أن آتي [ (3) ] ~~المسلمين PageV01P298 ~~فرحا بقفولهم إلى بلادهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن سعدا ~~لمجرب! ويقال إن سعدا لما رجع جعل يرفع صوته بأن جنبوا الخيل وامتطوا ~~الإبل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى سعد أن اخفض صوتك! قال: ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحرب خدعة! ~~فلا تري الناس مثل هذا الفرح بانصرافهم، فإنما ردهم الله تبارك وتعالى. # قال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رأيت القوم يريدون المدينة فأخبرني فيما ~~بنين وبينك، ولا تفت أعضاد المسلمين. ~~فذهب فرآهم قد امتطوا الإبل فرجع، فما ملك أن جعل يصيح سرورا بانصرافهم. # فلما قدم أبو سفيان على قريش بمكة لم يصل إلى بيته حتى أتى ms220 هبل فقال: قد ~~أنعمت ونصرتني وشفيت نفسي من محمد وأصحابه! وحلق رأسه. # وقيل لعمرو بن العاص: كيف كان افتراق المشركين والمسلمين يوم أحد؟ فقال: ~~ما تريد [ (1) ] إلى ذلك؟ قد جاء الله بالإسلام ونفى الكفر وأهله. ثم قال: ~~لما كررنا عليهم أصبنا من أصبنا منهم وتفرقوا في كل وجه. وفاءت لهم فئة ~~بعد، فتشاورت قريش فقالوا: لنا الغلبة، فلو انصرفنا فإنه بلغنا أن ابن أبي ~~انصرف بثلث الناس، وقد تخلف ناس من الأوس والخزرج، ولا نأمن أن يكروا علينا ~~وفينا جراح، وخيلنا عامتها قد عقرت من النبل. فمضوا [ (2) ] ، فما بلغنا ~~الروحاء حتى قام علينا عدة منها، ومضينا [ (3) ] . PageV01P299 ### || ذكر من قتل بأحد من المسلمين # حدثنا محمد بن شجاع قال: حدثنا الواقدي قال: حدثنى سليمان ابن بلال، عن ~~يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: قتل من الأنصار بأحد سبعون. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري مثله. ~~وحدثني عمر بن عثمان، عن عبد الملك بن عبيد، عن مجاهد مثله، أربعة من قريش ~~وسائرهم من الأنصار- المزني، وابن أخيه، وابنا الهبيت- أربعة وسبعون، هذا ~~المجتمع عليه. # ومن بني هاشم: حمزة بن عبد المطلب، قتله وحشي، هذا الأصح لا. ~~اختلاف فيه عندنا. # ومن بنى أمية: عبد الله بن جحش بن رئاب، قتله أبو الحكم بن الأخنس بن ~~شريق. # ويقال خمسة من قريش- من بني أسد: سعد مولى حاطب، ومن بني مخزوم: شماس بن ~~عثمان بن الشريد، قتله أبي بن خلف. # ويقال إن أبا سلمة بن عبد الأسد أصابه جرح بأحد، فلم يزل جريحا حتى مات ~~بعد ذلك، فغسل ببني أمية بن زيد بالعالية بين قرني [ (1) ] البئر التي صارت ~~لعبد الصمد بن علي اليوم. # ومن بني عبد الدار: مصعب بن عمير، قتله ابن قميئة. # ومن بني سعد بن ليث: عبد الله وعبد الرحمن ابنا الهبيت. PageV01P300 # ومن مزينة رجلان: وهب بن قابوس، وابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس. # ومن الأنصار، ثم من بني عبد الأشهل، اثنا عشر رجلا: عمرو بن معاذ ms221 بن ~~النعمان، قتله ضرار بن الخطاب، والحارث بن أنس بن رافع، وعمارة بن زياد بن ~~السكن، وسلمة بن ثابت بن وقش، قتله أبو سفيان ابن حرب، وعمرو بن ثابت بن ~~وقش، قتله ضرار بن الخطاب، ورفاعة ابن وقش، قتله خالد بن الوليد، واليمان ~~أبو حذيفة، قتله المسلمون خطأ، ويقال عتبة بن مسعود قتله خطأ، وصيفي بن ~~قيظي، قتله ضرار بن الخطاب، والحباب بن قيظي، وعباد بن سهل، قتله صفوان بن ~~أمية. ومن أهل راتج [ (1) ] ، وهم إلى عبد الأشهل: إياس بن أوس بن عتيك بن ~~عبد الأعلم ابن زعوراء بن جشم، قتله ضرار بن الخطاب، وعبيد بن التيهان، ~~قتله عكرمة بن أبي جهل، وحبيب [ (2) ] بن قيم. # ومن بني عمرو بن عوف، ثم من بني ضبيعة بن زيد: ~~أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد بن ضبيعة، وهو أبو البنات الذي قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقاتل ثم أرجع إلى بناتي. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: صدق الله عز وجل [ (3) ] . # ومن بني أمية بن زيد بن ضبيعة: حنظلة بن أبي عامر، قتله الأسود ابن شعوب. # ومن بني عبيد بن زيد: أنيس بن قتادة، قتله أبو الحكم بن الأخنس ابن شريق، ~~وعبد الله بن جبير بن النعمان أمير النبى صلى الله عليه وسلم على ~~PageV01P301 ~~الرماة، قتله عكرمة بن أبي جهل. # ومن بني غنم بن السلم بن مالك بن أوس: خيثمة أبو سعد، قتله هبيرة بن أبي ~~وهب. # ومن بني العجلان: عبد الله بن سلمة، قتله ابن الزبعرى. # ومن بني معاوية: سيتق [ (1) ] بن حاطب بن الحارث بن هيشة، قتله ضرار بن ~~الخطاب- ثمانية. # ومن بلحارث بن الخزرج. خارجة بن زيد بن أبي زهير، قتله صفوان ابن أمية، ~~وسعد بن ربيع، دفنا في قبر واحد. وأوس بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن ~~ثعلبة بن كعب- أربعة. # ومن بني الأبجر، وهم بنو خدرة [ (2) ] : مالك بن سنان بن الأبجر، وهو أبو ~~أبي سعيد الخدري، قتله غراب بن سفيان، وسعد بن سويد ms222 بن قيس بن عامر بن عمار ~~بن الأبجر، وعتبة بن ربيع بن رافع بن معاوية ابن عبيد بن ثعلبة- ثلاثة. # ومن بني ساعدة: ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد بن نميلة، وحارثة ابن عمرو، ~~ونفث [ (3) ] بن فروة بن البدي- ثلاثة. # ومن بني طريف: عبد الله بن ثعلبة، وقيس بن ثعلبة، وطريف، وضمرة، حليفان ~~لهم من جهينة. # ومن بني عوف بن الخزرج، من بني سالم، ثم من بني مالك بن PageV01P302 ~~العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم: نوفل بن عبد الله، قتله سفيان بن عويف، ~~والعباس بن عبادة بن نضلة، قتله سفيان بن عبد شمس السلمي، والنعمان بن مالك ~~بن ثعلبة بن غنم، قتله صفوان بن أمية، وعبدة بن الحسحاس، دفنا في قبر واحد. ~~ومجذر بن ذياد، قتله الحارث بن سويد غيلة. # حدثني اليمان بن معن، عن أبي وجزة، قال: دفن ثلاثة نفر يوم أحد فى قبر ~~واحد- نعمان بن مالك والمجذر بن ذياد، وعبدة بن الحسحاس. # وكانت قصة مجذر بن ذياد أن حضير الكتائب جاء بني عمرو بن عوف فكلم سويد ~~بن الصامت، وخوات بن جبير، وأبا لبابة بن عبد المنذر- ويقال سهل بن حنيف- ~~فقال: تزوروني فأسقيكم من الشراب وأنحر لكم، وتقيمون عندي أياما. قالوا: ~~نحن نأتيك يوم كذا وكذا. ~~فلما كان ذلك اليوم جاءوه فنحر لهم جزورا وسقاهم الخمر، وأقاموا عنده ~~ثلاثة أيام حتى تغير اللحم، وكان سويد يومئذ شيخا كبيرا. فلما مضت الثلاثة ~~الأيام، قالوا: ما نرانا [ (1) ] إلا راجعين إلى أهلنا. فقال حضير: ~~ما أحببتم! إن أحببتم فأقيموا، وإن أحببتم فانصرفوا فخرج الفتيان بسويد ~~يحملانه حملا من الثمل، فمروا لاصقين بالحرة حتى كانوا قريبا من بني غصينة ~~[ (2) ]- وهي وجاه بني سالم إلى مطلع الشمس. فجلس سويد وهو يبول، وهو ممتلى ~~سكرا، فبصر به [ (3) ] إنسان من الخزرج، فخرج حتى أتى المجذر بن ذياد فقال: ~~هل لك في الغنيمة الباردة؟ قال: ما هي؟ ~~قال: سويد! أعزل لا سلاح معه، ثمل! قال: فخرج المجذر PageV01P303 ~~ابن ذياد بالسيف صلتا [ (1) ] ، فلما رآه الفتيان وليا، وهما أعزلان ms223 لا ~~سلاح معهما- والعداوة بين الأوس والخزرج- فانصرفا سريعين. وثبت الشيخ ولا ~~حراك به، فوقف عليه مجذر بن ذياد فقال: قد أمكن الله منك! فقال: ما تريد ~~بي؟ قال: قتلك. قال: فارفع عن الطعام واخفض عن الدماغ، وإذا رجعت إلى أمك ~~فقل: إني قتلت سويد بن الصامت. وكان قتله هيج وقعة بعاث، فلما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت ومجذر بن ~~ذياد، فشهدا بدرا فجعل الحارث يطلب مجذرا ليقتله بأبيه، فلا يقدر [ (2) ] ~~عليه يومئذ، فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من ~~خلفه فضرب عنقه. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم خرج إلى ~~حمراء الأسد، فلما رجع من حمراء الأسد أتاه جبرئيل عليه السلام فأخبره أن ~~الحارث بن سويد قتل مجذرا غيلة، وأمره بقتله. فركب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى قباء في اليوم الذي أخبره جبريل، في يوم حار، وكان ذلك يوما لا ~~يركب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء، إنما كانت الأيام التي ~~يأتي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء يوم السبت ويوم الاثنين. فلما ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء صلى فيه ما شاء الله أن يصلي. ~~وسمعت الأنصار فجاءت تسلم [ (3) ] عليه، وأنكروا إتيانه في تلك الساعة ~~وفي ذلك اليوم، ~~فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث ويتصفح الناس حتى طلع الحارث بن ~~سويد في ملحفة مورسة [ (4) ] ، فلما رآه رسول الله PageV01P304 ~~صلى الله عليه وسلم دعا عويم بن ساعدة فقال له: قدم الحارث بن سويد إلى ~~باب المسجد فاضرب عنقه بمجذر بن ذياد، فإنه قتله يوم أحد. ~~فأخذه عويم فقال الحارث: دعني أكلم رسول الله! فأبى عويم عليه، فجابذه ~~يريد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد أن يركب، ودعا بحماره على باب المسجد، فجعل الحارث يقول: قد ~~والله قتلته يا رسول الله. والله ما كان ms224 قتلي إياه رجوعا عن الإسلام ولا ~~ارتيابا فيه، ولكنه حمية الشيطان وأمر وكلت فيه إلى نفسي. ~~وإني أتوب إلى الله وإلى رسوله مما عملت، وأخرج ديته، وأصوم شهرين ~~متتابعين، وأعتق رقبة، وأطعم ستين مسكينا، إني أتوب إلى الله ورسوله! وجعل ~~يمسك بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنو المجذر حضور لا يقول لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى إذا استوعب كلامه قال: ~~قدمه يا عويم فاضرب عنقه! ~~وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدمه عويم على باب المسجد فضرب ~~عنقه. ويقال: إن خبيب بن يساف، نظر إليه حين ضرب عنقه فجاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يفحص عن ~~هذا الأمر. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على حماره فنزل عليه جبريل ~~فخبره بذلك في مسيره، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عويما فضرب عنقه. ~~وقال حسان بن ثابت: # يا حار في سنة من نوم أولكم [ (1) ] %~% أم كنت ويلك [ (2) ] مغترا ~~بجبريل PageV01P305 # وأنشدني مجمع بن يعقوب وأشياخهم أن سويد بن الصامت قال عند مقتله هذه ~~الأبيات: # أبلغ جلاسا [ (1) ] وعبد الله مألكة [ (2) ] %~% وإن كبرت [ (3) ] فلا ~~تخذلهما حار # اقتل جدارة [ (4) ] إما كنت لاقيها %~% والحي عوفا [ (5) ] على عرف ~~وإنكار # ومن بني سلمة: عنترة مولى بني سلمة، قتله نوفل بن معاوية الديلي. # ومن بلحبلى: رفاعة بن عمرو. # ومن بني حرام: عبد الله بن عمرو بن حرام، قتله سفيان بن عبد شمس، وعمرو ~~بن الجموح، وخلاد بن عمرو بن الجموح، قتله الأسود بن جعونة- ثلاثة. # ومن بني حبيب بن عبد حارثة: المعلى بن لوذان بن حارثة بن رستم بن ثعلبة، ~~قتله عكرمة بن أبي جهل. # ومن بني زريق: ذكوان بن عبد قيس، قتله أبو الحكم بن الأخنس ابن شريق. # ومن بني النجار، ثم من بني سواد: عمرو بن قيس، قتله نوفل بن معاوية ~~الديلي، وابنه قيس بن عمرو، وسليط بن عمرو، وعامر بن مخلد. # ومن بني عمرو بن مبذول: أبو أسيرة ms225 بن الحارث بن علقمة بن عمرو ابن مالك، ~~قتله خالد بن الوليد، وعمرو بن مطرف بن علقمة بن عمرو. # ومن بني عمرو بن مالك، وهم بنو مغالة: أوس بن حرام. PageV01P306 # ومن بني عدي بن النجار: أنس بن النضر بن ضمضم، قتله سفيان ابن عويف. # ومن بني مازن بن النجار: قيس بن مخلد [ (1) ] ، وكيسان مولاهم، ويقال عبد ~~لهم لم يعتق. # ومن بني دينار: سليم بن الحارث، والنعمان بن عبد عمرو، وهما ابنا ~~السميراء بنت قيس. # استشهد من بني النجار اثنا عشر. ### || تسمية من قتل من المشركين # من بني أسد: عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث، قتله أبو دجانة. # ومن بني عبد الدار: طلحة بن أبي طلحة يحمل لواءهم، قتله علي بن أبي طالب ~~عليه السلام، وعثمان بن ابى طلحة، قتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ~~وأبو سعيد بن أبي طلحة، قتله سعد بن أبي وقاص، ومسافع بن طلحة بن أبي طلحة، ~~قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والحارث بن طلحة، قتله عاصم بن ثابت، ~~وكلاب بن طلحة، قتله الزبير ابن العوام، والجلاس [ (2) ] بن طلحة، قتله ~~طلحة بن عبيد الله، وأرطاة بن عبد شرحبيل [ (3) ] ، قتله علي بن أبي طالب ~~عليه السلام، وقاسط [ (4) ] بن PageV01P307 ~~شريح بن عثمان- ثم حمله صؤاب- فيقال قتله قزمان، وأبو عزيز بن عمير، قتله ~~قزمان. # ومن بني زهرة: أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، قتله علي بن أبي طالب عليه ~~السلام، وسباع بن عبد العزى الخزاعي، واسم عبد العزى عمرو بن نضلة بن عباس ~~بن سليم وهو ابن أم أنمار، قتله حمزة بن عبد المطلب. # ومن بني مخزوم: هشام بن أبي أمية بن المغيرة، قتله قزمان، والوليد ابن ~~العاص بن هشام، قتله قزمان، وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله علي بن ~~أبي طالب، وخالد بن الأعلم العقيلي، قتله قزمان. حدثنا يونس بن محمد ~~الظفري، عن أبيه، قال: أقبل قزمان يشد على المشركين، وتلقاه خالد بن ~~الأعلم، وكل واحد منهما راجل، فاضطربا بأسيافهما. ~~فيمر بهما خالد ms226 بن الوليد فحمل الرمح على قزمان، فسلك الرمح في غير مقتل، ~~شطب [ (1) ] الرمح، ومضى خالد وهو يرى أنه قد قتله. فضربه عمرو بن العاص ~~وهما على تلك الحال، وطعنه أخرى فلم يجهز عليه، فلم يزالا يتجاولان حتى قتل ~~قزمان خالد بن الأعلم، ومات قزمان من جراحة به من ساعته. وعثمان بن عبد ~~الله بن المغيرة، قتله الحارث بن الصمة- خمسة. # ومن بني عامر بن لؤي: عبيد بن حاجز، قتله أبو دجانة، وشيبة ابن مالك بن ~~المضرب، قتله طلحة بن عبيد الله. # ومن بني جمح: أبي بن خلف، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وعمرو ~~بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح، وهو PageV01P308 ~~أبو عزة، أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيرا يوم أحد ولم يأخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أسيرا غيره، فقال: يا محمد، من علي! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ولا ~~ترجع إلى مكة تمسح عارضيك تقول: سخرت بمحمد مرتين! ~~ثم أمر به عاصم بن ثابت فضرب عنقه. قال أبو عبد الله الواقدي: وسمعنا في ~~أسره غير ذلك. حدثنا بكير بن مسمار قال: لما انصرف المشركون عن أحد نزلوا ~~بحمراء الأسد في أول الليل ساعة، ثم رحلوا وتركوا أبا عزة نائما مكانه حتى ~~ارتفع النهار ولحقه المسلمون، وهو مستنبه يتلدد [ (1) ] ، وكان الذي أخذه ~~عاصم بن ثابت، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فضرب عنقه. # ومن بني عبد مناة بن كنانة: خالد بن سفيان بن عويف، وأبو الشعثاء بن ~~سفيان بن عويف، وأبو الحمراء بن سفيان بن عويف، وغراب بن سفيان بن عويف. # قالوا: فلما انصرف المشركون عن أحد أقبل المسلمون على أمواتهم، فكان حمزة ~~بن عبد المطلب فيمن أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولا، صلى عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت الملائكة تغسله، لأن حمزة رضي ms227 ~~الله عنه كان جنبا ذلك اليوم. ~~ولم يغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء، وقال: لفوهم بدمائهم ~~وجراحهم، فإنه ليس أحد يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة بجرحه، لونه لون [ ~~(2) ] دم، وريحه ريح مسك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ضعوهم، أنا الشهيد على هؤلاء يوم القيامة. ~~فكان حمزة أول من كبر عليه PageV01P309 ~~صلى الله عليه وسلم أربعا. ثم جمع إليه الشهداء، فكان كلما أتي بشهيد وضع ~~إلى جنب حمزة بن عبد المطلب فصلى عليه وعلى الشهداء، حتى صلى عليه سبعين ~~مرة لأن الشهداء سبعون. ويقال كان يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم، ثم ~~يرفع التسعة وحمزة مكانه، ويؤتى بتسعة آخرين فيوضعون إلى جنب حمزة فيصلي ~~عليهم، حتى فعل ذلك سبع مرات. ~~ويقال كبر عليهم تسعا وسبعا وخمسا. # وكان طلحة بن عبيد الله، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، يقولون: صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنا على هؤلاء شهيد. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، أليسوا ~~إخواننا، أسلموا كما أسلمنا، وجاهدوا كما جاهدنا؟ قال: بلى، ولكن هؤلاء لم ~~يأكلوا من أجورهم شيئا، ولا أدري ما تحدثون بعدي. ~~فبكى أبو بكر وقال: إنا لكائنون بعدك؟ # وحدثني أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: ~~لم يصل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحدثني عمر بن عثمان، عن عبد ~~الملك بن عبيد، عن سعيد بن المسيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ للمسلمين: احفروا، وأوسعوا، ~~وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآنا. فكان ~~المسلمون يقدمون أكثرهم قرآنا في القبر. وكان ممن يعرف أنه دفن في قبر ~~واحد: عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح، وخارجة بن زيد، وسعد بن ~~ربيع، والنعمان بن مالك، وعبدة بن الحسحاس، في PageV01P310 ~~قبر واحد. فلما واروا [ (1) ] حمزة بن عبد المطلب أمر رسول ms228 الله صلى الله ~~عليه وسلم ببردة تمد عليه وهو في القبر، فجعلت البردة إذا خمروا رأسه بدت ~~قدماه، وإذا خمروا رجليه تنكشف عن وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: غطوا وجهه! وجعل على رجليه الحرمل، فبكى المسلمون يومئذ فقالوا: يا ~~رسول الله، عم رسول الله، لا نجد [ (2) ] له ثوبا! فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: تفتتح- يعني الأرياف والأمصار- فيخرج إليها الناس، ثم يبعثون ~~إلى أهليهم: إنكم بأرض حجاز جردية [الجردية التي ليس بها شيء من الأشجار] [ ~~(3) ] والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. والذي نفسي بيده، لا يصبر واحد ~~على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعا- أو شهيدا- يوم القيامة! # قالوا: وأتى عبد الرحمن بن عوف [ (4) ] بطعام، فقال: حمزة- أو رجل آخر- ~~لم يوجد له كفن، وقتل مصعب بن عمير ولم يوجد له كفن إلا بردة، وكانا [ (5) ~~] خيرا مني. ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصعب ابن عمير، وهو ~~مقتول [ (6) ] في بردة، فقال: لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حلة ولا أحسن ~~لمة منك، ثم أنت شعث الرأس فى بردة. ثم أمر به ي بر، ونزل في قبره أخوه أبو ~~الروم، وعامر بن ربيعة، وسويبط بن عمرو ابن حرملة. ونزل في قبر حمزة علي، ~~والزبير، وأبو بكر، وعمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على حفرته. ~~PageV01P311 # وكان الناس أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة، فدفن ببقيع الجبل ~~منهم عدة، عند دار زيد بن ثابت اليوم بالسوق، سوق الظهر، ودفن ببني سلمة ~~بعضهم، ودفن مالك بن سنان في موضع أصحاب العباء الذي عند دار نخلة. ثم نادى ~~منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا القتلى إلى مضاجعهم! وكان الناس ~~قد دفنوا قتلاهم، فلم يرد أحد إلا رجلا واحدا أدركه المنادي ولم يدفن، ~~وهو شماس بن عثمان المخزومي، كان حمل إلى المدينة وبه رمق فأدخل على ~~عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ابن عمي يدخل على غيري! ms229 فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: احملوه إلى أم سلمة. ~~فحمل إليها فمات عندها، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرده إلى ~~أحد، فدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها، وكان قد مكث يوما وليلة، ~~ولكنه لم يذق شيئا، ولم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغسله. # قالوا: وكان من دفن هناك من المسلمين إنما دفن في الوادي. ~~وكان طلحة بن عبيد الله إذا سئل عن تلك القبور المجتمعة بأحد يقول: قوم ~~من الأعراب كانوا زمان الرمادة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه هناك، ~~فماتوا فتلك قبورهم. وكان عباد بن تميم المازني ينكر تلك [ (1) ] القبور ~~ويقول: إنما هم قوم ماتوا زمان الرمادة. وكان ابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن ~~محمد يقولان: لا نعرف تلك القبور المجتمعة، إنما هي قبور ناس من أهل ~~البادية، وقبور من قبور الشهداء قد غيبت، لا نعرفهم بالوادي وبالمدينة ~~ونواحيها، إلا أنا نعرف قبر حمزة بن عبد المطلب، وقبر PageV01P312 ~~سهل [ (1) ] بن قيس، وقبر عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح. ~~وقد # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورهم في كل حول، وإذا تفوه [ (2) ] ~~الشعب رفع صوته فيقول: السلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار! ثم أبو ~~بكر رضي الله عنه كل حول يفعل مثل ذلك، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفعل ~~مثل ذلك، ثم عثمان رضي الله عنه، ثم معاوية حين مر حاجا أو معتمرا. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليت أني غودرت مع أصحاب الجبل. ~~وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتيهم بين اليومين ~~والثلاثة، فتبكي عندهم وتدعو. وكان سعد بن أبي وقاص يذهب إلى ماله بالغابة، ~~فيأتي من خلف قبور الشهداء فيقول: السلام عليكم! ثلاثا، ثم يقبل على أصحابه ~~فيقول: ألا تسلمون على قوم يردون عليكم السلام؟ لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا ~~عليه السلام إلى يوم القيامة. ومر رسول الله صلى الله ms230 عليه وسلم على مصعب ~~بن عمير فوقف عليه، ودعا، وقرأ: ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا [ (3) ] ، أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم ~~وزوروهم وسلموا عليهم! والذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم أحدا إلى يوم ~~القيامة إلا ردوا عليه. ~~وكان أبو سعيد الخدري يقف على قبر حمزة فيدعو ويقول لمن معه: لا يسلم ~~عليهم أحدا إلا ردوا عليه السلام، فلا تدعوا PageV01P313 ~~السلام عليهم وزيارتهم. وكان أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد يحدث أنه كان ~~يذهب مع محمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة بن وقش في الأشهر إلى أحد، فيسلمان ~~على قبر حمزة أولها، ويقفان عنده وعند قبر عبد الله بن عمرو ابن حرام مع ~~قبور من هناك. وكانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تذهب فتسلم ~~عليهم في كل شهر فتظل [ (1) ] يومها، فجاءت يوما ومعها غلامها نبهان [ (2) ~~] ، فلم يسلم فقالت: أي لكع، ألا تسلم عليهم؟ والله لا يسلم عليهم أحد إلا ~~ردوا إلى يوم القيامة. وكان أبو هريرة يكثر الاختلاف إليهم. وكان عبد الله ~~بن عمرو إذا ركب إلى الغابة فبلغ ذباب، عدل إلى قبور الشهداء فسلم عليهم، ~~ثم رجع إلى ذباب حتى استقبل الطريق- طريق الغابة- ويكره أن يتخذهم طريقا، ~~ثم يعارض الطريق حتى يرجع إلى طريقه الأولى. وكانت فاطمة الخزاعية قد أدركت ~~تقول: رأيتني وغابت الشمس بقبور الشهداء ومعي أخت لي، فقلت لها: تعالي، ~~نسلم على قبر حمزة وننصرف. قالت: نعم. فوقفنا على قبره فقلنا: السلام عليك ~~يا عم رسول الله. فسمعنا كلاما رد علينا: وعليكما السلام ورحمة الله. ~~قالتا: وما قربنا أحد من الناس. # قالوا: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دفن أصحابه دعا بفرسه ~~فركبه، وخرج المسلمون حوله عامتهم جرحى، ولا مثل لبني سلمة وبني عبد ~~الأشهل، ومعه أربع عشرة امرأة، فلما كانوا بأصل الحرة قال: ~~اصطفوا فنثني على الله! فاصطف الناس صفين خلفهم النساء، ثم [ (3) ] دعا ~~فقال رسول الله صلى ms231 الله عليه وسلم: اللهم، لك الحمد كله! اللهم، ~~PageV01P314 ~~لا قابض لما بسطت، ولا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا هادي لمن ~~أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت! اللهم ~~إني أسألك من بركتك ورحمتك وفضلك وعافيتك! اللهم إني أسألك النعيم المقيم ~~الذي لا يحول ولا يزول! اللهم إني أسألك الأمن يوم الخوف والغناء يوم ~~الفاقة، عائذا بك اللهم من شر ما أعطيتنا [ (1) ] وشر ما منعت منا! اللهم ~~توفنا مسلمين! اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر ~~والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين! اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين ~~يكذبون رسولك ويصدون عن سبيلك! اللهم أنزل عليهم رجسك وعذابك! إله الحق! ~~آمين! ~~وأقبل حتى نزل ببني حارثة يمينا حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون ~~على قتلاهم، فقال: لكن حمزة لا بواكي له. # فخرج النساء ينظرن إلى سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أم عامر ~~الأشهلية تقول: قيل لنا قد أقبل النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في النوح ~~على قتلانا، فخرجنا فنظرت إليه فإذا عليه الدرع كما هي، فنظرت إليه فقلت: ~~كل مصيبة بعدك جلل. # وخرجت أم سعد بن معاذ- وهي كبشة بنت عبيد [ (2) ] بن معاوية بن بلحارث بن ~~الخزرج- تعدو نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول الله، ~~أمي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~مرحبا بها! فدنت حتى تأملت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أما ~~PageV01P315 ~~إذ رأيتك سالما، فقد أشوت [ (1) ] المصيبة. فعزاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعمرو بن معاذ ابنها، ثم قال: يا أم سعد، أبشري وبشري أهليهم أن ~~قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعا- وهم اثنا عشر رجلا- وقد شفعوا في ~~أهليهم. قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: ادع ~~يا رسول الله لمن خلفوا. فقال رسول الله صلى ms232 الله عليه وسلم: ~~اللهم أذهب حزن قلوبهم واجبر [ (2) ] مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خل أبا عمرو الدابة. فخلى [ (3) ] ~~الفرس وتبعه الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عمرو، إن ~~الجراح في أهل دارك فاشية، وليس فيهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه ~~كأغزر ما كان، اللون لون دم والريح ريح مسك [ (4) ] ، فمن كان مجروحا فليقر ~~في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي عزمة مني. فنادى فيهم سعد: عزمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم جريح ~~من بني عبد الأشهل، فتخلف كل مجروح، فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح، ~~وإن فيهم لثلاثين جريحا. ومضى سعد بن معاذ معه صلى الله عليه وسلم إلى ~~بيته، ثم رجع إلى نسائه فساقهن، ولم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فبكين بين المغرب والعشاء. وقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين فرغ من النوم لثلث الليل، PageV01P316 ~~فسمع البكاء فقال: ما هذا؟ فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رضي الله عنكن وعن أولادكن! وأمرنا ~~أن نرد إلى منازلنا [ (1) ] . قالت [ (2) ] : فرجعنا إلى بيوتنا بعد ليل، ~~معنا رجالنا، فما بكت منا امرأة قط إلا بدأت بحمزة إلى يومنا هذا. # ويقال إن معاذ بن جبل جاء بنساء بني سلمة، وجاء عبد الله بن رواحة بنساء ~~بلحارث بن الخزرج، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما أردت هذا! ~~ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي. # وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب بالمدينة، ورجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة عند نكبة قد أصابت أصحابه، وأصيب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في نفسه. فجعل ابن أبي والمنافقون معه يشمتون ويسرون بما ~~أصابهم ويظهرون أقبح القول. ورجع من رجع من أصحابه وعامتهم جريح، ورجع عبد ~~الله بن عبد الله بن أبي ms233 وهو جريح، فبات يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب ~~الليل، وجعل أبوه يقول: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد ~~وأطاع الولدان، والله لكأني كنت أنظر إلى هذا. فقال ابنه: الذي صنع الله ~~لرسوله وللمسلمين خير. # وأظهرت اليهود القول السيئ فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا ~~نبي قط، أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه! وجعل المنافقون يخذلون عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه ويأمرونهم بالتفرق عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وجعل المنافقون يقولون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان ~~من قتل منكم عندنا ما قتل. حتى سمع PageV01P317 ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من اليهود والمنافقين. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر، إن الله مظهر دينه ومعز ~~نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم. قال: فهؤلاء المنافقون يا رسول الله! فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني ~~رسول الله؟ ~~قال: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف، فقد بان لهم ~~أمرهم وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. يا ابن ~~الخطاب، إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن. # قالوا: فكان لعبد الله بن أبي مقام يقومه كل جمعة شرفا له لا يريد تركه، ~~فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد إلى المدينة جلس على المنبر ~~يوم جمعة، فقام ابن أبي فقال: هذا رسول الله بين أظهركم، قد أكرمكم الله ~~به، انصروه وأطيعوه. فلما صنع بأحد ما صنع قام ليفعل ذلك، فقام إليه ~~المسلمون فقالوا: اجلس يا عدو الله! وقام إليه أبو أيوب وعبادة بن الصامت، ~~وكانا أشد من كان عليه ممن ms234 حضر، ولم يقم إليه أحد من المهاجرين، فجعل أبو ~~أيوب يأخذ بلحيته، وعبادة بن الصامت يدفع في رقبته، ويقولان له: لست لهذا ~~المقام بأهل! فخرج بعد ما أرسلاه، وهو يتخطى رقاب الناس وهو يقول: كأنما ~~قلت هجرا [ (1) ] ، قمت لأشد أمره! فلقيه معوذ بن عفراء فقال: مالك؟ قال: ~~قمت ذلك المقام الذي كنت أقوم أولا، فقام إلي رجال من قومي، فكان أشدهم علي ~~عبادة، وخالد بن زيد. فقال له: ارجع فيستغفر لك رسول الله. فقال: ~~PageV01P318 ~~والله ما أبغي يستغفر لي. فنزلت هذه الآية: وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر ~~لكم رسول الله.. [ (1) ] الآية. قال: ولكأني أنظر إلى ابنه جالس في الناس، ~~ما يشد الطرف إليه، فجعل يقول: أخرجني محمد من مربد سهل وسهيل [ (2) ] . ### || ما نزل من القرآن بأحد # قال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور ابن مخرمة، ~~قالت: قال أبي المسور بن مخرمة لعبد الرحمن بن عوف: ~~حدثنا عن أحد! فقال: يا ابن أخي عد بعد العشرين ومائة من آل عمران فكأنك ~~حضرتنا: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين.. ~~إلى آخر الآية. ~~قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال ~~كأنما يقوم بهم القداح، إن رأى صدرا خارجا قال: ~~تأخر! ~~وفي قوله: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا.. إلى آخر الآية. ~~قال: هم بنو سلمة وبنو حارثة، هموا ألا يخرجوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أحد، ثم عزم لهما فخرجوا. ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، يقول: ~~قليل، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فاتقوا الله لعلكم تشكرون ما أبلاكم ~~ببدر من الظفر. إذ تقول للمؤمنين هذا يوم أحد، ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ~~بثلاثة آلاف من الملائكة PageV01P319 ~~منزلين. بلى إن تصبروا وتتقوا.. الآية، كان نزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يخرج إلى أحد: إني ممدكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، بلى ~~إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين. وما ms235 جعله الله إلا بشرى لكم قال: فلم يصبروا وانكشفوا فلم يمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بملك واحد يوم أحد. وقوله مسومين قال: معلمين. وما ~~جعله الله إلا بشرى لكم لتستبشروا بهم ولتطمئنوا إليهم. ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين يقول: نصيب منهم أحدا وينقلبون ~~خائبين. ~~ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون قال: يعني ~~الذين انهزموا يوم أحد. ويقال نزلت في حمزة حين رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما به من المثل فقال: لأمثلن بهم! فنزلت هذه الآية. ويقال نزل في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رمي يوم أحد فجعل يقول: كيف يفلح قوم ~~فعلوا هذا بنبيهم؟ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة، ~~قال: كان أهل الجاهلية إذا حل حق أحدهم فلم يجد عنده غريمه أخره عنه وأضعفه ~~عليه. وسارعوا إلى مغفرة من ربكم قال: التكبيرة الأولى مع الإمام، وجنة ~~عرضها السماوات والأرض فيقال الجنة في السماء الرابعة. الذين ينفقون في ~~السراء والضراء قال: ~~السراء اليسر والضراء العسر، والكاظمين الغيظ يعني عمن آذاهم، والعافين ~~عن الناس ما أوتي إليهم. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم، ولم يصروا على ما فعلوا فكان يقال لا كبيرة مع ~~توبة ولا صغيرة مع إصرار. هذا بيان للناس من العمى، وهدى من الضلالة، ~~وموعظة للمتقين. ولا تهنوا يقول: في PageV01P320 ~~قتال العدو، ولا تحزنوا على من أصيب منكم بأحد من القتل والجراح، وأنتم ~~الأعلون يقول: قد أصبتم يوم بدر ضعف ما أصابوا منكم بأحد. ~~إن يمسسكم قرح يعني جراح، فقد مس القوم قرح مثله يعني جراح يوم بدر، وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس يقول: لهم دولة ولكم دولة، والعاقبة لكم، وليعلم ~~الله الذين آمنوا يقول: من قاتل [مع] نبيه، ويتخذ منكم شهداء من قتل بأحد، ~~وليمحص الله الذين آمنوا يعني يبلوهم- الذين قاتلوا وثبتوا، ويمحق الكافرين ~~يعني المشركين. أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم ms236 الله الذين جاهدوا منكم ~~يعني من قتل بأحد وأبلى فيه، ويعلم الصابرين من يصبر يومئذ. ولقد كنتم ~~تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون قال: السيوف في أيدي ~~الرجال، كان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد تخلفوا عن بدر ~~فكانوا هم الذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أحد ~~فيصيبون من الأجر والغنيمة، فلما كان يوم أحد ولى منهم من ولى. ويقال هو في ~~نفر كانوا تكلموا قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد فقالوا: ~~ليتنا نلقى جمعا من المشركين فإما أن نظفر بهم أو نرزق الشهادة. فلما نظروا ~~إلى الموت يوم أحد هربوا. وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.. ~~إلى آخر الآية. قال: إن إبليس تصور يوم أحد في صورة جعال بن سراقة ~~الثعلبي فنادى «إن محمدا قد قتل» فتفرق الناس في كل وجه، فقال عمر: إني ~~أرقى في الجبل كأني أروية حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~ينزل عليه: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.. الآية، ومن ينقلب على ~~عقبيه يقول: تولى. وما كان PageV01P321 ~~لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا يقول: ما كان لها أن تموت دون ~~أجلها، وهو قول ابن أبي حين رجع بأصحابه وقتل من قتل بأحد لو كانوا عندنا ~~ما ماتوا وما قتلوا. فأخبره الله أنه كتاب مؤجل، يقول الله عز وجل: ومن يرد ~~ثواب الدنيا نؤته منها يقول: من يعمل للدنيا نعطه منها ما يشاء، ومن يرد ~~ثواب الآخرة يقول: يريد الآخرة، نؤته منها وسنجزي الشاكرين. وكأين من نبي ~~قاتل معه ربيون قال: ~~الجماعة الكثيرة، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا يقول: ما ~~استسلموا في سبيل الله ولا ضعفت نياتهم، وما استكانوا يقول: ~~ما ذلوا لعدوهم، والله يحب الصابرين يخبر أنهم صبروا. وما كان قولهم إلا ~~أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا إلى قوله وحسن ms237 ثواب الآخرة يقول: أعطاهم ~~النصر والظفر وأوجب لهم الجنة في الآخرة. يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين يقول: إن تطيعوا اليهود ~~والمنافقين فيما يخذلونكم ترتدوا عن دينكم. بل الله مولاكم يعني المؤمنين، ~~يقول: يتولاكم. سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب شهرا أمامي وشهرا ~~خلفي. ~~ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه والحس القتل، يقول: الذي خبركم ~~أنكم إن صبرتم أمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة، حتى إذا فشلتم وتنازعتم ~~في الأمر وهنتم عن العدو، وتنازعتم يعني اختلاف الرماة حيث وضعهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعصيتهم وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا ولا ~~تفارقوا موضعكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا وإن رأيتمونا نغنم فلا ~~تشركونا، من بعد ما أراكم ما تحبون يعني هزيمة المشركين وتوليتم هاربين، ~~منكم من يريد PageV01P322 ~~الدنيا يعني العسكر وما فيه من النهب، ومنكم من يريد الآخرة الذين ثبتوا ~~من الرماة ولم يغنموا [ (1) ]- عبد الله بن جبير ومن ثبت معه. فقال ابن ~~مسعود: ما كنت أرى أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا ~~حتى سمعت هذه الآية. قال: ثم صرفكم عنهم يقول: ~~حيث كانت الدولة لكم عليهم، ليبتليكم ليرجع المشركون فيقتلوا من قتلوا ~~منكم ويجرحوا من جرحوا منكم، ولقد عفا عنكم يعني عمن ولى يومئذ منكم ومن ~~أراد ما أراد من النهب، فعفا عن ذلك كله. إذ تصعدون يعني في الجبل تهربون، ~~ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ~~كانوا يمرون منهزمين يصعدون إلى الجبل، ورسولهم يناديهم: يا معشر ~~المسلمين، أنا رسول الله! إلي! إلي! ~~فلا يلوي عليه أحد، فعفا ذلك عنهم. ~~فأثابكم غما بغم فالغم الأول الجراح والقتل، والغم الآخر ما أصابهم من ~~الغم الأول من الجراح والقتل. ويقال الغم الأول حيث صاروا إلى الجبل ~~بهزيمتهم وتركهم النبي صلى الله عليه وسلم، والغم الآخر [حين] [ (2) ] ~~تفرعهم المشركون [ (3) ] ، فعلوهم من فرع الجبل فنسوا ms238 الغم الأول. ويقال ~~غما بغم بلاء على أثر بلاء، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم يقول: لئلا تذكروا ~~ما فاتكم من نهب متاعهم، ولا ما أصابكم من قتل منكم أو جرح. ~~ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا إلى قوله ما قتلنا هاهنا، قال ~~الزبير رضي الله عنه: سمعت هذا القول من معتب بن قشير، وقد وقع علي ~~PageV01P323 ~~النعاس وإني لكالحالم، أسمعه يقول هذا الكلام، واجتمع عليه أنه صاحب هذا ~~الكلام. قال الله: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم يقول الله تعالى: لم يكن لهم بد من أن يصيروا إلى مضاجعهم، وليبتلي ~~الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم يقول: ~~يخرج أضغانهم وغشهم، والله عليم بذات الصدور يقول: ما يكنون من نصح أو ~~غش. إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا يعني من انهزم يوم أحد، يقول: ~~أصابهم ببعض ذنوبهم، ولقد عفا الله عنهم يعني انكشافهم. يا أيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إلى قوله ما ماتوا وما قتلوا ~~قال: نزلت في ابن أبي، يقول الله عز وجل للمؤمنين: لا تكلموا ولا تقولوا ~~كما قال ابن أبي. وهو الذي قال الله تعالى فيه كالذين كفروا، ليجعل الله ~~ذلك حسرة في قلوبهم. ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم إلى آخر الآية، يقول: ~~من قتل بالسيف أو مات بإزاء عدو أو مرابط فهو خير مما يجمع من الدنيا. ~~وقوله لإلى الله تحشرون يقول: تصيرون إليه جميعا يوم القيامة فبما رحمة من ~~الله لنت لهم، وقوله لانفضوا من حولك يعني أصحابه الذين انكشفوا بأحد، فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر أمره أن يشاورهم في الحرب وحده، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاور أحدا إلا في الحرب، فإذا عزمت أي جمعت، ~~فتوكل على الله. وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة قال: ~~نزلت هذه الآية في يوم بدر، كانوا قد ms239 غنموا قطيفة حمراء، فقالوا: ما نرى ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد أخذها! فنزلت هذه الآية. أفمن اتبع رضوان ~~الله كمن باء بسخط من الله يقول: ~~من آمن بالله كمن كفر بالله؟ وقوله هم درجات عند الله يقول: فضائل PageV01P324 ~~بينهم عند الله. قوله لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، يتلوا عليهم آياته يعني القرآن، ~~ويزكيهم ويعلمهم* القرآن والحكمة والصواب في القول، وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين*، قوله أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها.. إلى آخر الآية، ~~هذا ما أصابهم يوم أحد، قتل من المسلمين سبعون مع ما نالهم من الجراح. قلتم ~~أنى هذا قل هو من عند أنفسكم بمعصيتكم الرسول، يعني الرماة، وقوله قد أصبتم ~~مثليها قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين. وما أصابكم يوم التقى الجمعان ~~يوم أحد، فبإذن الله وليعلم المؤمنين. وليعلم الذين نافقوا يعلم من أبلى ~~وقاتل وقتل، ويعلم الذين نافقوا، وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هذا ابن أبي، وقوله أو ادفعوا يقول: ~~كثروا السواد ويقال الدعاء. قال ابن أبي يوم أحد: ~~لو نعلم قتالا لاتبعناكم، يقول الله هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ~~نزلت في ابن أبي. وفي قوله الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا هذا ابن أبى، قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين نزلت في ابن ~~أبي. ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا إلى قوله وأن الله لا يضيع ~~أجر المؤمنين ~~قال ابن عباس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~إخوانكم لما أصيبوا بأحد جعلت أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة ~~فتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب ~~مشربهم ومطعمهم، ورأوا حسن منقلبهم، ~~قالوا: ليت إخواننا يعلمون بما أكرمنا الله وبما نحن فيه لئلا يزهدوا في ~~الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب. قال ms240 الله تعالى: أنا أبلغهم PageV01P325 ~~عنكم. فأنزل الله: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا.. ~~الآية. وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشهداء على بارق نهر ~~في الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيا. وكان ابن مسعود يقول ~~في هذه الآية: إن أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قناديل معلقة ~~بالعرش، فتسرح في أي الجنة شاءت، فأطلع ربك عليهم إطلاعة فقال: هل تشتهون ~~من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا في الجنة نسرح في أيها نشاء؟ فأطلع ~~عليهم ثانية فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا، تعيد أرواحنا ~~في أجسادنا فنقتل في سبيلك. وقوله الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما ~~أصابهم القرح.. ~~إلى آخر الآية، هؤلاء الذين غزوا حمراء الأسد. # حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: لما كان في المحرم ليلة الأحد ~~إذا عبد الله بن عمرو بن عوف المزني على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وبلال جالس على باب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أذن بلال وهو ينتظر خروج ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن خرج، فنهض إليه المزني فقال: يا رسول ~~الله، أقبلت من أهلي حتى إذا كنت بملل فإذا قريش قد نزلوا، فقلت: لأدخلن ~~فيهم ولأسمعن من أخبارهم. ~~فجلست معهم فسمعت أبا سفيان وأصحابه يقولون: ما صنعنا شيئا، أصبتم شوكة ~~القوم وحدتهم، فارجعوا نستأصل من بقي! وصفوان يأبى ذلك عليهم. فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فذكر لهما ما أخبره ~~المزني، فقالا: اطلب العدو، ولا يقحمون على الذرية! فلما سلم ثاب الناس، ~~وأمر بلالا ينادي يأمر الناس بطلب PageV01P326 ~~عدوهم. وقالوا: لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يوم ~~الأحد [ (1) ] أمر بطلب عدوهم، فخرجوا وبهم الجراحات. # وفي قوله الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا إلى قوله واتبعوا رضوان الله. فإن أبا سفيان بن حرب وعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms241 يوم أحد بدر الموعد الصفراء، على رأس الحول. ~~فقيل لأبي سفيان: ألا توافي النبي؟ فبعث نعيم بن مسعود الأشجعي إلى ~~المدينة يثبط المسلمين، وجعل له عشرا من الإبل إن هو ردهم، ويقول إنهم قد ~~جمعوا جموعا وقد جاءوكم في داركم، لا تخرجوا إليهم. حتى كاد ذلك يثبطهم أو ~~بعضهم، ~~فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي ~~أحد لخرجت وحدي. ~~فأنهجت [ (2) ] لهم بصائرهم، فخرجوا بتجارات وكان بدر موسما. فانقلبوا ~~بنعمة من الله وفضل في التجارة، يقول: اربحوا، لم يمسسهم سوء لم يلقوا ~~قتالا، وأقاموا ثمانية أيام ثم انصرفوا. إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ~~فلا تخافوهم وخافون يقول: الشيطان يخوفكم أولياءه ومن أطاعه. ولا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا. إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان يقول: استحبوا الكفر على الإيمان. ولا يحسبن الذين كفروا أنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم يقول: ما يصح أبدانهم، ويرزقهم ويريهم الدولة على ~~عدوهم، يقول: أملي لهم ليزدادوا كفرا. ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب يعني ~~مصاب أهل أحد، ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء يعني يقرب من رسله. وفي ~~قوله ولا يحسبن الذين PageV01P327 ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم إلى قوله يوم القيامة* قال: ~~يأتي كنز الذي لا يؤدي حقه ثعبانا في عنقه، ينهش لهزمتيه [ (1) ] . يقول: ~~أنا كنزك. لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء قال: ~~لما نزلت هذه الآية. من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا* [ (2) ] قال فنحاص ~~اليهودي: الله فقير ونحن أغنياء ليستقرض منا؟ .. وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم* من كفركم وقتلكم الأنبياء. ~~الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار.. الآية والتي تليها، يعني يهود. ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني اليهود، ومن الذين أشركوا* ~~يعني ms242 من العرب، أذى كثيرا.. إلى آخر الآية. قال: ~~نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر بالقتال. وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس إلى قوله ولهم عذاب أليم* ~~قال: أخذ على أحبار اليهود [في أمر] صفة النبي صلى الله عليه وسلم ألا ~~يكتموه. فنبذوه وراء ظهورهم واتخذوه مأكلة وغيروا صفته. وقوله لا تحسبن ~~الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال: نزلت في ناس من ~~المنافقين، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا فقدم قالوا: إذا غزوت ~~فنحن نخرج معك. فإذا غزا لم يخرجوا معه، ويقال هم اليهود. الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم قال: يصلون قياما وقعودا وعلى جنوبهم، يعني ~~مضطجعين. ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا قال: ~~القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله فالذين هاجروا ~~وأخرجوا من PageV01P328 ~~ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا يعني المهاجرين الذين أخرجوا من ~~مكة. لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل يقول: ~~تجارتهم وحرفتهم. وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما ~~أنزل إليهم يعني عبد الله بن سلام. يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ~~ورابطوا واتقوا الله قال: لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم رباط، ~~إنما كانت الصلاة بعد الصلاة. # وقال جابر بن عبد الله: لما قتل سعد بن ربيع بأحد رجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة، ثم مضى إلى حمراء الأسد. وجاء أخو سعد بن ربيع فأخذ ~~ميراث سعد، وكان لسعد ابنتان وكانت امرأته حاملا، وكان المسلمون يتوارثون ~~على ما كان في الجاهلية حتى قتل سعد بن ربيع. ~~فلما قبض عمهن المال- ولم تنزل الفرائض- وكانت امرأة سعد امرأة حازمة، ~~صنعت طعاما- ثم دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- خبزا ولحما وهي يومئذ ~~بالأسواف [ (1) ] . فانصرفنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الصبح، فبينا ~~نحن عنده جلوس ونحن نذكر وقعة أحد ومن ms243 قتل من المسلمين، ونذكر سعد بن ربيع ~~إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا بنا! ~~فقمنا معه ونحن عشرون رجلا حتى انتهينا إلى الأسواف، فدخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ودخلنا معه فنجدها قد رشت ما بين صورين [ (2) ] وطرحت خصفة ~~[ (3) ] . ~~قال جابر بن عبد الله: والله ما ثم وسادة ولا بساط، فجلسنا ورسول الله ~~PageV01P329 ~~صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن سعد بن ربيع، يترحم عليه ويقول: لقد رأيت ~~الأسنة شرعت إليه يومئذ حتى قتل. فلما سمع ذلك النسوة بكين، فدمعت عينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نهاهن عن شيء من البكاء. قال جابر: ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. قال: ~~فتراءينا من يطلع، فطلع أبو بكر رضي الله عنه، فقمنا فبشرناه بما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم سلم ثم ردوا عليه ثم جلس. ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. فتراءينا من يطلع من ~~خلال السعف. فطلع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقمنا فبشرناه بما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس. ثم قال: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. ~~فنظرنا من خلال السعف، فإذا علي عليه السلام قد طلع، فقمنا فبشرناه بالجنة، ~~ثم جاء فسلم ثم جلس، ثم أتي بالطعام. قال جابر: فأتي من الطعام بقدر ما ~~يأكل رجل واحد أو اثنان، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه فقال: ~~خذوا [ (1) ] بسم الله! فأكلنا منها حتى نهلنا، والله ما أرانا حركنا منها ~~شيئا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا هذا الطعام! فرفعوه، ثم ~~أتينا برطب في طبق في باكورة أو مؤخر قليل، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: بسم الله، كلوا! قال: فأكلنا حتى نهلنا، وإني لأرى في الطبق نحوا مما ~~أتي به. وجاءت الظهر فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمس ماء، ms244 ~~ثم رجع إلى مجلسه فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت العصر فأتي ~~ببقية الطعام يتشبع به، فقام النبي صلى الله عليه PageV01P330 ~~وسلم فصلى العصر، ولم يمس ماء، ثم قامت امرأة سعد بن ربيع فقالت: ~~يا رسول الله، إن سعد بن ربيع قتل بأحد، فجاء أخوه فأخذ ما ترك، وترك ~~ابنتين ولا مال لهما، وإنما ينكح- يا رسول الله- النساء على المال. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:، اللهم أحسن الخلافة على تركته، لم ~~ينزل علي في ذلك شيء، وعودي إلي إذا رجعت! فلما رجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى بيته جلس على بابه وجلسنا معه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم برحاء حتى ظننا أنه أنزل عليه. قال: فسري عنه والعرق يتحدر عن جبينه ~~مثل الجمان. فقال: علي بامرأة سعد! قال: فخرج أبو مسعود عقبة بن عمرو حتى ~~جاء بها. قال: وكانت امرأة حازمة جلدة، فقال: أين عم ولدك؟ قالت: يا رسول ~~الله، في منزله. قال: ادعيه لي! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اجلسي! فجلست وبعث رجلا يعدو إليه فأتى به وهو في بلحارث بن الخزرج، فأتى ~~وهو متعب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادفع إلى بنات أخيك ثلثي ما ~~ترك أخوك. ~~فكبرت امرأته تكبيرة سمعها أهل المسجد، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ادفع إلى زوجة أخيك الثمن وشأنك وسائر ما بيدك. ~~ولم يورث الحمل يومئذ. وهي أم سعد بنت سعد بن ربيع امرأة زيد بن ثابت أم ~~خارجة بن زيد. فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد تزوج زيد أم سعد ~~بنت سعد وكانت حاملا، فقال: إن كانت لك حاجة أن تكلمي في ميراثك من أبيك، ~~فإن أمير المؤمنين قد ورث الحمل اليوم، وكانت أم سعد يوم قتل أبوها سعد ~~حملا. فقالت: ما كنت لأطلب من أخي شيئا. # ولما انكشف المشركون بأحد [ (1) ] كان أول من قدم بخبر أحد وانكشاف ~~PageV01P331 ~~المشركين عبد الله بن أبي أمية ms245 بن المغيرة، كره أن يقدم مكة وقدم الطائف ~~فأخبر: إن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمنا، كنت أول من قدم عليكم! وذلك حين ~~انهزم المشركون الانهزامة الأولى، ثم تراجع المشركون بعد فنالوا ما نالوا. ~~وكان أول من أخبر قريشا بقتل أصحاب محمد وظفر قريش وحشي. ~~وحدثني موسى بن شيبة، عن قطن بن وهب الليثي، قال: لما قدم وحشي على أهل ~~مكة بمصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سار على راحلته أربعا، ~~فانتهى إلى الثنية التي تطلع على الحجون [ (1) ] ، فنادى بأعلى صوته: يا ~~معشر قريش! مرارا، حتى ثاب الناس إليه وهم خائفون أن يأتيهم بما يكرهون. ~~فلما رضي منهم قال: أبشروا، قد قتلنا أصحاب محمد مقتلة لم يقتل مثلها في ~~زحف قط، وجرحنا محمدا فأثبتناه بالجراح، وقتلت رأس الكتيبة حمزة. وتفرق ~~الناس في كل وجه بالشماتة بقتل أصحاب محمد وإظهار السرور، وخلا جبير بن ~~مطعم بوحشي فقال: انظر ما تقول! قال وحشي: قد والله صدقت. قال: أقتلت حمزة؟ ~~قال: قد والله زرقته بالمزراق في بطنه حتى خرج من بين رجليه، ثم نودي فلم ~~يجب، فأخذت كبده وحملتها إليك لتراها. قال: أذهبت حزن نسائنا [ (2) ] ، ~~وبردت حر قلوبنا [ (3) ] ! فأمر يومئذ نساءه بمراجعة الطيب والدهن. # وكان معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قد انهزم يومئذ، فمضى على ~~PageV01P332 ~~وجهه فنام قريبا من المدينة، فلما أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان ابن ~~عفان رضي الله عنه فضرب بابه، فقالت امرأته أم كلثوم بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ليس هو هاهنا، هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ~~فأرسلي إليه، فإن له عندي ثمن بعير اشتريته عام أول فجئته بثمنه، وإلا ~~ذهبت. قال: فأرسلت إلى عثمان فجاء، فلما رآه قال: ~~ويحك، أهلكتني وأهلكت نفسك، ما جاء بك؟ قال: يا ابن عم، لم يكن لي أحد ~~أقرب إلي منك ولا أحق. فأدخله عثمان في ناحية البيت، ثم خرج إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يريد أن يأخذ له أمانا، ~~وقد قال رسول الله ms246 صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتيه عثمان: إن معاوية قد ~~أصبح بالمدينة فاطلبوه. ~~فطلبوه فلم يجدوه، فقال بعضهم: اطلبوه في بيت عثمان بن عفان فدخلوا بيت ~~عثمان فسألوا أم كلثوم، فأشارت إليه فاستخرجوه من تحت حمارة [ (1) ] لهم، ~~فانطلقوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعثمان جالس عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما رآه عثمان قد أتي به قال: والذي بعثك بالحق، ما جئتك ~~إلا أن أسألك أن تؤمنه، فهبه لي يا رسول الله! فوهبه له وأمنه وأجله ثلاثا، ~~فإن وجد بعدهن قتل. قال: فخرج عثمان فاشترى له بعيرا وجهزه، ثم قال: ارتحل! ~~فارتحل. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، وخرج عثمان مع ~~المسلمين إلى حمراء الأسد، وأقام معاوية حتى كان اليوم الثالث، فجلس على ~~راحلته وخرج حتى إذا كان بصدور العقيق ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن معاوية قد أصبح قريبا فاطلبوه. ~~فخرج الناس في طلبه فإذا هو قد أخطأ الطريق، PageV01P333 ~~فخرجوا في أثره حتى يدركوه في يوم الرابع، وكان زيد بن حارثة وعمار بن ~~ياسر أسرعا في طلبه، فأدركاه بالجماء فضربه زيد بن حارثة، وقال عمار: ~~إن لي فيه حقا! فرماه عمار بسهم فقتلاه، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبراه. ويقال: أدرك بثنية الشريد على ثمانية أميال من المدينة، ~~وذلك حيث أخطأ الطريق، فأدركاه فلم يزالا يرميانه بالنبل [ (1) ] واتخذاه ~~غرضا حتى مات. ### | غزوة حمراء الأسد [ (2) ] # وكانت يوم الأحد لثمان خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا، ودخل ~~المدينة يوم الجمعة وغاب خمسا. # قالوا: لما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح يوم الأحد ومعه وجوه ~~الأوس والخزرج، وكانوا باتوا في المسجد على بابه- سعد بن عبادة، وحباب بن ~~المنذر، وسعد بن معاذ، وأوس بن خولي، وقتادة بن النعمان، وعبيد بن أوس في ~~عدة منهم. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصبح أمر بلالا أن ~~ينادي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms247 يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا ~~إلا من شهد القتال بالأمس. # قال: فخرج سعد بن معاذ راجعا إلى داره يأمر قومه بالمسير. قال: ~~والجراح في الناس فاشية، عامة بنى عبد الأشهل جريح، بل كلها، فجاء سعد بن ~~معاذ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا PageV01P334 ~~عدوكم. قال: يقول أسيد بن حضير، وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها: ~~سمعا وطاعة لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه، ولحق برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وجاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة فأمرهم ~~بالمسير، فتلبسوا ولحقوا. وجاء أبو قتادة أهل خربى، وهم يداوون الجراح، ~~فقال: هذا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم. فوثبوا ~~إلى سلاحهم وما عرجوا [ (1) ] على جراحاتهم. فخرج من بني سلمة أربعون ~~جريحا، بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا، وبخراش ابن الصمة عشر جراحات، ~~وبكعب بن مالك بضعة عشر جرحا، وبقطبة ابن عامر بن حديدة تسع جراحات، حتى ~~وافوا النبي صلى الله عليه وسلم ببئر أبي عنبة إلى رأس الثنية- الطريق ~~الأولى يومئذ- عليهم السلاح قد صفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم والجراح فيهم فاشية قال: ~~اللهم ارحم بني سلمة! # قال الواقدي: وحدثني عتبة بن جبيرة، عن رجال من قومه، قالوا: إن عبد الله ~~بن سهل، ورافع بن سهل بن عبد الأشهل رجعا من أحد وبهما جراح كثيرة، وعبد ~~الله أثقلهما من الجراح، فلما أصبحوا وجاءهم سعد ابن معاذ يخبرهم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم بطلب عدوهم قال أحدهما لصاحبه: والله إن ~~تركنا غزوة مع رسول الله لغبن! والله ما عندنا دابة نركبها وما ندري كيف ~~نصنع! قال عبد الله: انطلق بنا! قال رافع: لا والله، ما بي مشي. قال أخوه، ~~انطلق بنا، نتجار ونقصد [ (2) ] ! فخرجا يزحفان، فضعف رافع فكان عبد الله ~~يحمله على ظهره عقبة [ (3) ] ويمشى PageV01P335 ~~الآخر عقبة، حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ms248 العشاء وهم ~~يوقدون النيران، ~~فأتي بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- وعلى حرسه تلك الليلة عباد ~~بن بشر- فقال: ما حبسكما؟ فأخبراه بعلتهما، فدعا لهما بخير وقال: إن طالت ~~لكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكم! # حدثني عبد العزيز بن محمد، عن يعقوب بن عمر بن قتادة، قال: ~~هذان أنس ومؤنس وهذه قصتهما. # وقال جابر بن عبد الله: يا رسول الله، إن مناديا نادى ألا يخرج معنا إلا ~~من حضر القتال بالأمس. وقد كنت حريصا على الحضور [ (1) ] ، ولكن أبي خلفني ~~على أخوات لي وقال: يا بني، لا ينبغي لي ولك أن ندعهن ولا رجل عندهن، وأخاف ~~عليهن وهن نسيات ضعاف، وأنا خارج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل ~~الله يرزقني الشهادة. فتخلفت عليهن فاستأثره الله علي بالشهادة وكنت ~~رجوتها، فأذن لي يا رسول الله أن أسير معك. فأذن له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قال جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري، واستأذنه رجال ~~لم يحضروا القتال فأبى ذلك عليهم، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلوائه، وهو معقود لم يحل من الأمس، فدفعه إلى علي عليه السلام، ويقال دفعه ~~إلى أبى بكر. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ~~ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد شظيت، وشفته قد كلمت من ~~باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، PageV01P336 ~~وركبتاه مجحوشتان. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فركع ~~ركعتين، والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، ~~ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين فدعا بفرسه على باب المسجد، ~~وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الدرع والمغفر ~~وما يرى منه إلا عيناه، فقال: يا طلحة، سلاحك! فقلت: ~~قريبا. قال طلحة: فأخرج أعدو فألبس درعي، ms249 وآخذ سيفي، وأطرح درقتي في ~~صدري، وإن بي لتسع جراحات ولأنا أهم بجراح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مني بجراحي. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلحة فقال: ترى ~~القوم الآن؟ قال: هم بالسيالة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الذي ~~ظننت، أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا. ~~وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار ~~القوم: سليطا ونعمان ابني سفيان بن خالد بن عوف بن دارم من بني سهم، ومعهما ~~ثالث من أسلم من بني عوير [ (1) ] لم يسم لنا. فأبطأ الثالث عنهما وهما ~~يجمزان [ (2) ] ، وقد انقطع قبال [ (3) ] نعل أحدهما، فقال: أعطني نعلك. ~~قال: لا والله، لا أفعل! فضرب أحدهما برجله في صدره، فوقع لظهره وأخذ ~~نعليه. ولحق القوم بحمراء الأسد، ولهم زجل، وهم يأتمرون بالرجوع، وصفوان ~~ينهاهم عن الرجوع، فبصروا بالرجلين فعطفوا عليهما فأصابوهما. فانتهى ~~المسلمون إلى مصرعهما بحمراء الأسد فعسكروا، وقبروهما في قبر واحد. فقال ~~ابن PageV01P337 ~~عباس: هذا قبرهما وهما القرينان. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد. قال جابر: وكان عامة زادنا التمر، وحمل ~~سعد بن عبادة ثلاثين جملا [ (1) ] حتى وافت الحمراء، وساق جزرا فنحروا في ~~يوم اثنين وفي يوم ثلاثا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم في ~~النهار بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمرنا أن نوقد النيران. ~~فيوقد كل رجل نارا، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى ترى من ~~المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان مما كبت الله ~~تعالى عدونا. # وانتهى معبد بن أبي معبد الخزاعي، وهو يومئذ مشرك، وكانت خزاعة سلما ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، لقد عز علينا ما أصابك [ (2) ] ~~في أصحابك، ولوددنا أن الله أعلى كعبك [ (3) ] ، وأن المصيبة كانت بغيرك. ~~ثم مضى معبد [ (4) ] حتى يجد أبا سفيان وقريشا بالروحاء، وهم يقولون: ~~لا محمدا أصبتم، ولا الكواعب ms250 أردفتم، فبئس ما صنعتم! فهم مجمعون على ~~الرجوع، ويقول قائلهم فيما بينهم: ما صنعنا شيئا، أصبنا أشرافهم ثم رجعنا ~~قبل أن نستأصلهم، قبل أن يكون لهم وفر- والمتكلم بهذا عكرمة بن أبي جهل. ~~فلما جاء معبد إلى أبى سفيان قال: هذا معبد وعنده الخبر، ما وراءك يا معبد؟ ~~قال: تركت محمدا وأصحابه خلفي يتحرقون عليكم بمثل النيران، وقد أجمع معه من ~~تخلف عنه بالأمس من الأوس والخزرج، وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم ~~فيثأروا منكم، وغضبوا لقومهم PageV01P338 ~~غضبا شديدا ولمن أصبتم من أشرافهم. قالوا: ويلك! ما تقول؟ قال: ~~والله ما نرى أن نرتحل حتى نرى نواصي الخيل! ثم قال معبد: لقد حملني ما ~~رأيت منهم أن قلت أبياتا: # كادت تهد [ (1) ] من الأصوات راحلتي %~% إذ سالت الأرض بالجرد [ (2) ] ~~الأبابيل # تعدو [ (3) ] بأسد كرام لا تنابلة [ (4) ] %~% عند اللقاء ولا ميل [ (5) ~~] معازيل # فقلت ويل ابن حرب من لقائهم %~% إذا تغطمطت [ (6) ] البطحاء بالجيل # وكان مما [ (7) ] رد الله تعالى أبا سفيان وأصحابه كلام صفوان بن أمية ~~قبل أن يطلع معبد وهو يقول: يا قوم، لا تفعلوا! فإن القوم قد حزنوا [ (8) ] ~~وأخشى أن يجمعوا عليكم من تخلف من الخزرج، فارجعوا والدولة لكم، فإني لا ~~آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي ~~نفسي بيده، لقد سومت [ (9) ] لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب! ~~فانصرف القوم سراعا خائفين من الطلب لهم، ومر بأبي سفيان نفر من عبد ~~القيس PageV01P339 ~~يريدون المدينة، فقال: هل مبلغو [ (1) ] محمدا وأصحابه ما أرسلكم به، على ~~أن أوقر لكم أباعركم زبيبا غدا بعكاظ إن أنتم جئتموني؟ قالوا: نعم. ~~قال: حيثما لقيتم محمدا وأصحابه فأخبروهم أنا قد أجمعنا الرجعة إليهم، ~~وأنا آثاركم. فانطلق أبو سفيان، وقدم الركب على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه بالحمراء، فأخبروهم الذي أمرهم أبو سفيان، فقالوا: حسبنا الله ونعم ~~الوكيل! وفي ذلك أنزل الله عز وجل: الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما ~~أصابهم القرح.. [ (2) ] الآية. وقوله: الذين قال لهم الناس ms251 إن الناس قد ~~جمعوا لكم.. [ (3) ] الآية. وكان معبد قد أرسل رجلا من خزاعة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعلمه أن قد انصرف أبو سفيان وأصحابه خائفين وجلين. ثم ~~انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. ### | سرية أبي سلمة بن عبد الأسد إلى قطن [ (4) ] إلى بني أسد في المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا # قال الواقدي: حدثني عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، عن ~~سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد. ~~وغيره أيضا قد حدثني من حديث هذه السرية، وعماد الحديث عن عمر ابن عثمان، ~~عن سلمة، قالوا: شهد أبو سلمة بن عبد الأسد أحدا، وكان نازلا في بني أمية ~~بن زيد بالعالية حين تحول من قباء، ومعه زوجته أم سلمة بنت أبي أمية. فجرح ~~بأحد جرحا على عضده فرجع إلى منزله، فجاءه الخبر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سار إلى حمراء الأسد، فركب PageV01P340 ~~حمارا وخرج يعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه حين هبط من ~~العصبة [ (1) ] بالعقيق، فسار مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء ~~الأسد. ~~فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انصرف مع المسلمين ~~ورجع من العصبة، فأقام شهرا يداوي جرحه حتى رأى أن قد برأ، ودمل الجرح على ~~بغي [ (2) ] لا يدرى به، فلما كان هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا ~~من الهجرة، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اخرج في هذه السرية ~~فقد استعملتك عليها. وعقد له لواء وقال: سر حتى ترد أرض بني أسد، فأغر ~~عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم. ~~وأوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، فخرج معه في تلك السرية ~~خمسون ومائة، منهم: ~~أبو سبرة بن أبي رهم وهو أخو أبي سلمة لأمه- أمه برة بنت عبد المطلب- ~~وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وعبد الله بن مخرمة العامري. ومن بني مخزوم: ~~معتب بن الفضل بن حمراء الخزاعي حليف فيهم، ms252 وأرقم بن أبي الأرقم من أنفسهم. ~~ومن بني فهر: أبو عبيدة بن الجراح وسهيل بن بيضاء. ~~ومن الأنصار: أسيد بن الحضير، وعباد بن بشر، وأبو نائلة، وأبو عبس، ~~وقتادة بن النعمان، ونصر بن الحارث الظفري، وأبو قتادة، وأبو عياش الزرقي، ~~وعبد الله بن زيد، وخبيب بن يساف، ومن لم يسم لنا. # والذي هاجه أن رجلا من طيئ قدم المدينة يريد امرأة ذات رحم به من طيئ ~~متزوجة رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل على صهره الذي هو ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن طليحة وسلمة ابني خويلد ~~تركهما قد سارا في قومهما ومن أطاعهما بدعوتهما إلى حرب PageV01P341 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون أن يدنوا للمدينة، وقالوا: نسير إلى ~~محمد في عقر داره، ونصيب من أطرافه، فإن لهم سرحا يرعى جوانب المدينة، ~~وتخرج على متون الخيل، فقد أربعنا [ (1) ] خيلنا، ونخرج على النجائب ~~المخبورة، فإن أصبنا نهبا لم ندرك، وإن لاقينا جمعهم كنا قد أخذنا للحرب ~~عدتها، معنا خيل ولا خيل معهم، ومعنا نجائب أمثال الخيل، والقوم منكوبون قد ~~أوقعت بهم قريش حديثا، فهم لا يستبلون دهرا، ولا يثوب لهم جمع. فقام فيهم ~~رجل منهم يقال له قيس بن الحارث بن عمير، فقال: يا قوم، والله ما هذا برأي! ~~ما لنا قبلهم وتر وما هم نهبة لمنتهب، إن دارنا لبعيدة من يثرب وما لنا جمع ~~كجمع قريش. ~~مكثت قريش دهرا تسير في العرب تستنصرها ولهم وتر يطلبونه، ثم ساروا وقد ~~امتطوا الإبل وقادوا الخيل وحملوا السلاح مع العدد الكثير- ثلاثة آلاف ~~مقاتل سوى أتباعهم- وإنما جهدكم أن تخرجوا في ثلاثمائة رجل إن كملوا، ~~فتغررون بأنفسكم وتخرجون من بلدكم، ولا آمن أن تكون الدائرة عليكم. فكاد ~~ذلك أن يشككهم في المسير، وهم على ما هم عليه بعد. فخرج به الرجل الذي من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~ما أخبر الرجل، فبعث رسول الله صلى الله عليه ms253 وسلم أبا سلمة، فخرج في ~~أصحابه وخرج معه الطائي دليلا فأغذوا [ (2) ] السير، ونكب بهم عن سنن ~~الطريق، وعارض الطريق وسار بهم ليلا ونهارا، فسبقوا الأخبار وانتهوا إلى ~~أدنى قطن- ماء من مياه بني أسد، هو الذي كان عليه جمعهم- فيجدون سرحا ~~فأغاروا على سرحهم فضموه، وأخذوا رعاء لهم، PageV01P342 ~~مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم فجاءوا جمعهم فخبروهم الخبر وحذروهم جمع أبي ~~سلمة، وكثروه عندهم فتفرق الجمع في كل وجه. وورد أبو سلمة الماء فيجد الجمع ~~قد تفرق، فعسكر وفرق أصحابه في طلب النعم والشاء، فجعلهم ثلاث فرق- فرقة ~~أقامت معه، وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى. ~~وأوعز إليهما ألا يمعنوا في طلب وألا يبيتوا إلا عنده إن سلموا، وأمرهم ~~ألا يفترقوا، واستعمل على كل فرقة عاملا منهم. فآبوا إليه جميعا سالمين، قد ~~أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة ~~راجعا، ورجع معه الطائي، فلما ساروا ليلة قال أبو سلمة: اقتسموا غنائمكم. ~~فأعطى أبو سلمة الطائي الدليل رضاه من المغنم، ثم أخرج صفيا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عبدا، ثم أخرج الخمس، ثم قسم ما بقي بين أصحابه فعرفوا ~~سهمانهم، ثم أقبلوا بالنعم والشاء يسوقونها حتى دخلوا المدينة. # قال عمر بن عثمان: فحدثني عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن ابن سعيد بن ~~يربوع، عن عمر بن أبي سلمة، قال: كان الذي جرح أبا سلمة أبو أسامة الجشمي، ~~رماه يوم أحد بمعبلة في عضده، فمكث شهرا يداويه فبرأ فيما نرى، وبعثه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا إلى قطن، ~~وغاب بضع عشرة. فلما قدم المدينة انتقض الجرح، فمات لثلاث ليال بقين من ~~جمادى الآخرة، فغسل من اليسيرة- بئر بني أمية- بين القرنين، وكان اسمها في ~~الجاهلية العبير فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم اليسيرة، ثم حمل من ~~بني أمية فدفن بالمدينة. PageV01P343 # قال عمر بن أبي سلمة: واعتدت أمي حتى خلت أربعة أشهر وعشرا، ثم تزوجها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في ms254 ليال بقين من شوال، فكانت أمي ~~تقول: ما بأس في النكاح في شوال والدخول فيه، قد تزوجني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في شوال وأعرس بي في شوال. وماتت أم سلمة في ذي القعدة سنة تسع ~~وخمسين. # قال أبو عبد الله الواقدي: فحدثت عمر بن عثمان الجحشي، فعرف السرية ومخرج ~~أبي سلمة إلى قطن، وقال: أما سمي لك الطائي؟ قلت: ~~لا. قال: هو الوليد بن زهير بن طريف عم زينب الطائية، وكانت تحت طليب بن ~~عمير، فنزل الطائي عليه فأخبره فذهب به طليب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبر خبر بني أسد وما كان من همومهم بالمسير. ~~ورجع معهم الطائي دليلا وكان خريتا [ (1) ] ، فسار بهم أربعا إلى قطن، ~~وسلك بهم غير الطريق، لأن يعمي الخبر على القوم. فجاءوا القوم وهم غارون ~~على صرمة [ (2) ] ، فوجدوا الصرم قد نذروا [ (3) ] بهم وخافوهم فهم معدون، ~~فاقتتلوا فكانت بينهم جراحة، وافترقوا. ثم أغار الطائيون بعد ذلك على بني ~~أسد فكان بينهم أيضا جراح، وأصابوا لهم نعما وشاء، فما تخلصوا منهم شيئا ~~حتى دخل الإسلام. # قال الواقدي، وأصحابنا يقولون: أبو سلمة من شهداء أحد للجرح الذي جرح يوم ~~أحد ثم انتقض به. وكذلك أبو خالد الزرقي من أهل العقبة، جرح باليمامة جرحا، ~~فلما كان في خلافة عمر انتقض به الجرح PageV01P344 ~~فمات فيه، فصلى عليه عمر وقال: هو من شهداء اليمامة لأنه جرح باليمامة. # قال الواقدي: فحدثت يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة حديث أبي سلمة كله فقال: ~~أخبرني أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سلمة في المحرم على رأس أربعة ~~وثلاثين شهرا، في مائة وخمسة وعشرين رجلا فيهم سعد بن أبي وقاص، وأبو حذيفة ~~بن عتبة، وسالم مولى أبي حذيفة. فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار حتى ~~وردوا قطن، فوجدوا القوم قد جمعوا جمعا فأحاط بهم أبو سلمة في عماية الصبح، ~~وقد وعظ القوم وأمرهم بتقوى الله، ورغبهم في الجهاد وحضهم عليه، وأوعز ~~إليهم في ms255 الإمعان في الطلب، وألف بين كل رجلين. ~~فانتبه الحاضر قبل حملة القوم عليهم، فتهيئوا وأخذوا السلاح، أو من أخذه ~~منهم، وصفوا للقتال. وحمل سعد بن أبي وقاص على رجل منهم فضربه فأبان رجله، ~~ثم ذفف عليه، وحمل رجل من الأعراب على مسعود ابن عروة، فحمل عليه بالرمح ~~فقتله، وخاف المسلمون على صاحبهم أن يسلب من ثيابه فحازوه إليهم. ثم صاح ~~سعد: ما ينتظر! فحمل أبو سلمة فانكشف المشركون على حاميتهم، وتبعهم ~~المسلمون، ثم تفرق المشركون في كل وجه، وأمسك أبو سلمة عن الطلب فانصرفوا ~~إلى المحلة، فواروا صاحبهم وأخذوا ما خف لهم من متاع القوم [ (1) ] ، ولم ~~يكن في المحلة ذرية، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة، حتى إذا كانوا من ~~الماء على مسيرة ليلة أخطئوا الطريق، فهجموا على نعم لهم فيهم رعاؤهم، ~~وإنما نكبوا عن سننهم، فاستاقوا النعم واستاقوا الرعاء، فكانت غنائمهم سبعة ~~أبعرة. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن الفضيل، قال: قال سعد PageV01P345 ~~ابن أبي وقاص: فلما أخطأنا الطريق استأجرنا رجلا من العرب دليلا يدلنا ~~على الطريق، فقال: أنا أهجم بكم على نعم، فما تجعلون لي منه؟ ~~قالوا: الخمس. قال: فدلهم على النعم وأخذ خمسه. ### | غزوة بئر معونة في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا # حدثني محمد بن عبد الله، وعبد الرحمن بن عبد العزيز، ومعمر بن راشد، ~~وأفلح بن سعيد، وابن أبي سبرة، وأبو معشر، وعبد الله بن جعفر، وكل قد حدثني ~~بطائفة من هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض وغير هؤلاء المسمين، ~~وقد جمعت كل الذي حدثوني، قالوا: قدم عامر بن مالك بن جعفر أبو البراء ~~ملاعب الأسنة [ (1) ] على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهدى لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرسين وراحلتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~أقبل هدية مشرك! فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الإسلام، فلم يسلم ~~ولم يبعد، وقال: يا محمد، إني أرى أمرك هذا أمرا حسنا شريفا، وقومي خلفي، ~~فلو أنك بعثت نفرا ms256 من أصحابك معي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ويتبعوا أمرك، فإن ~~هم اتبعوك فما أعز أمرك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخاف ~~عليهم أهل نجد. ~~فقال عامر: لا تخف عليهم، أنا لهم جار أن يعرض لهم أحد من أهل ~~PageV01P346 ~~نجد. وكان من الأنصار سبعون رجلا شببة [ (1) ] يسمون القراء. كانوا إذا ~~أمسوا أتوا ناحية من المدينة فتدارسوا وصلوا، حتى إذا كان وجاه الصبح ~~استعذبوا من الماء وحطبوا من الحطب فجاءوا به إلى حجر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكان أهلوهم يظنون أنهم في المسجد، وكان أهل المسجد يظنون أنهم ~~في أهليهم. فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجوا فأصيبوا في بئر ~~معونة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلتهم خمس عشرة ليلة. وقال ~~أبو سعيد الخدري: كانوا سبعين، ويقال إنهم كانوا أربعين، ورأيت الثبت على ~~أنهم أربعون. فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم كتابا، وأمر على ~~أصحابه المنذر بن عمرو الساعدي، فخرجوا حتى كانوا على بئر معونة، وهو ماء ~~من مياه بني سليم، وهو بين أرض بني عامر وبني سليم، وكلا البلدين يعد منه. # فحدثني مصعب بن ثابت، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: خرج المنذر بدليل من ~~بني سليم يقال له المطلب، فلما نزلوا عليها عسكروا بها وسرحوا ظهرهم، ~~وبعثوا في سرحهم الحارث بن الصمة، وعمرو بن أمية. ~~وقدموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن ~~الطفيل في رجال من بني عامر. فلما انتهى حرام إليهم لم يقرأوا الكتاب، ووثب ~~عامر بن الطفيل على حرام فقتله، واستصرخ عليهم بني عامر فأبوا. وقد كان ~~عامر بن مالك أبو براء خرج قبل القوم إلى ناحية نجد فأخبرهم أنه قد أجار ~~أصحاب محمد، فلا يعرضوا لهم، فقالوا: لن يخفر جوار أبي براء. وأبت عامر أن ~~تنفر مع عامر بن الطفيل، فلما أبت عليه بنو عامر استصرخ عليهم قبائل من ~~سليم- عصية ورعلا- فنفروا معه PageV01P347 ~~ورأسوه، فقال عامر بن الطفيل: أحلف بالله ms257 ما أقبل هذا وحده! فاتبعوا إثره ~~حتى وجدوا القوم، قد استبطئوا صاحبهم فأقبلوا في إثره، فلقيهم القوم ~~والمنذر معهم، فأحاطت بنو عامر بالقوم وكاثروهم، فقاتل القوم حتى قتل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبقي المنذر بن عمرو، فقالوا له: إن شئت ~~آمناك. فقال: لن أعطي بيدي ولن أقبل لكم أمانا حتى آتي مقتل حرام، ثم برئ ~~مني جواركم. فآمنوه حتى أتى مصرع حرام، ثم برئوا إليه من جوارهم، ثم قاتلهم ~~حتى قتل، فذلك ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعنق ليموت» [ (1) ] . ~~وأقبل الحارث بن الصمة وعمرو بن أمية بالسرح، وقد ارتابا بعكوف الطير على ~~منزلهم أو قريب من منزلهم، فجعلا يقولان: قتل والله أصحابنا، والله ما قتل ~~أصحابنا إلا أهل نجد! فأوفى على نشز من الأرض فإذا أصحابهم مقتولون وإذا ~~الخيل واقفة، فقال الحارث بن الصمة لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن ~~ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. فقال الحارث: ما كنت ~~لأتأخر عن موطن قتل فيه المنذر. فأقبلا للقوم [ (2) ] فقاتلهم الحارث حتى ~~قتل منهم اثنين، ثم أخذوه فأسروه وأسروا عمرو بن أمية. وقالوا للحارث: ما ~~تحب أن نصنع بك، فإنا لا نحب قتلك؟ قتل: أبلغوني مصرع المنذر وحرام، ثم ~~برئت مني ذمتكم. قالوا: نفعل. فبلغوا به ثم أرسلوه، فقاتلهم فقتل منهم ~~اثنين ثم قتل، فما قتلوه حتى شرعوا له الرماح فنظموه فيها. وقال عامر بن ~~الطفيل لعمرو من أمية، وهو أسير في أيديهم ولم يقاتل: إنه قد كانت على أمي ~~نسمة، فأنت حر عنها! وجز ناصيته. وقال عامر بن PageV01P348 ~~الطفيل لعمرو بن أمية، هل تعرف أصحابك؟ قال، قلت: نعم. قال: ~~فطاف فيهم وجعل يسأله عن أنسابهم فقال: هل تفقد منهم من أحد؟ ~~قال: أفقد مولى لأبي بكر يقال له عامر بن فهيرة. فقال: كيف كان فيكم؟ ~~قال، قلت: كان من أفضلنا ومن أول أصحاب نبينا. قال: ~~ألا أخبرك خبره؟ وأشار إلى رجل فقال: هذا طعنه برمحه، ثم انتزع رمحه فذهب ~~بالرجل ms258 علوا في السماء حتى والله ما أراه. قال عمرو، فقلت: ذلك عامر بن ~~فهيرة! وكان الذي قتله رجل من بني كلاب يقال له جبار بن سلمى، ذكر أنه لما ~~طعنه قال، سمعته يقول «فزت والله» ! قال، فقلت في نفسي: ما قوله «فزت» ؟ ~~قال: فأتيت الضحاك بن سفيان الكلابي فأخبرته بما كان وسألته عن قوله «فزت» ~~، فقال: الجنة. ~~قال: وعرض علي الإسلام. قال: فأسلمت، ودعاني إلى الإسلام ما رأيت من مقتل ~~عامر بن فهيرة من رفعه إلى السماء علوا. قال: وكتب الضحاك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يخبره بإسلامي وما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الملائكة وارت جثته! وأنزل ~~عليين. # فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بئر معونة، جاء معها في ليلة ~~واحدة مصابهم ومصاب مرثد بن أبي مرثد، وبعث محمد بن مسلمة، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها. ودعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على قتلتهم بعد الركعة من الصبح، في صبح تلك ~~الليلة التي جاءه الخبر، فلما قال: سمع الله لمن حمده! قال: اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر، اللهم، عليك ببني لحيان وزعب ورعل وذكوان وعصية، فإنهم عصوا ~~الله ورسوله، اللهم، عليك PageV01P349 ~~ببني لحيان وعضل والقارة، اللهم، أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن ابن ~~هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، غفار غفر الله لها، ~~وأسلم سالمها الله! ~~ثم سجد. فقال ذلك خمس غشرة، ويقال أربعين يوما، حتى نزلت هذه الآية: ليس ~~لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم.. [ (1) ] الآية. وكان أنس بن مالك يقول: يا ~~رب [ (2) ] ، سبعين من الأنصار يوم بئر معونة! وكان أبو سعيد الخدري يقول: ~~قتلت من الأنصار فى مواطن سبعين سبعين- يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة ~~سبعون، ويوم اليمامة سبعون، ويوم جسر أبي عبيد سبعون. ولم يجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على قتلى ما وجد على قتلى ms259 بئر معونة. وكان أنس بن مالك ~~يقول: أنزل الله فيهم قرآنا قرأناه حتى نسخ: بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا ~~فرضي عنا ورضينا عنه. # قالوا: وأقبل أبو براء سائرا، وهو شيخ كبير هم [ (3) ] ، فبعث من العيص ~~ابن أخيه لبيد بن ربيعة بهدية، فرس، فرده النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ~~لا أقبل هدية مشرك! فقال لبيد: ما كنت أظن أن أحدا من مضر يرد هدية أبي ~~براء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قبلت هدية مشرك لقبلت هدية أبي ~~براء. قال: فإنه قد بعث يستشفيك من وجع به- وكانت به الدبيلة. فتناول النبي ~~صلى الله عليه وسلم جبوبة [ (4) ] من الأرض فتفل فيها، ثم ناوله وقال: دفها ~~بماء ثم اسقها إياه. ففعل فبرئ. ويقال إنه PageV01P350 ~~بعث إليه بعكة [ (1) ] عسل فلم يزل يلعقها حتى برئ. فكان أبو براء يومئذ ~~سائرا في قومه يريد أرض بلي، فمر بالعيص فبعث ابنه ربيعة مع لبيد يحملان ~~طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لربيعة: ما فعلت ذمة أبيك؟ قال ~~ربيعة: نقضتها ضربة بسيف أو طعنة برمح! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~نعم. فخرج ابن أبي براء فخبر أباه، فشق عليه ما فعل عامر بن الطفيل وما صنع ~~بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حركة به من الكبر والضعف، فقال: ~~أخفرني ابن أخي من بين بني عامر. وسار حتى كانوا على ماء من مياه بلي يقال ~~له الهدم [ (2) ] ، فيركب ربيعة فرسا له ويلحق عامرا وهو على جمل له، فطعنه ~~بالرمح فأخطأ مقاتله. ~~وتصايح الناس، فقال عامر بن الطفيل: إنها لم تضرني! إنها لم تضرني! وقال: ~~قضيت ذمة أبي براء. وقال عامر بن الطفيل: قد عفوت عن عمي، هذا فعله! # وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم، اهد بني عامر واطلب خفرتي [ (3) ] من ~~عامر بن الطفيل. # وأقبل عمرو بن أمية حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، سار على رجليه ~~أربعا، فلما كان بصدور قناة [ (4) ] لقي رجلين من بني كلاب، قد كانا قدما ms260 ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكساهما، ولهما منه أمان. ~~ولم يعلم بذلك عمرو، فقايلهما فلما ناما وثب عليهما فقتلهما للذي أصابت ~~بنو عامر من أصحاب بئر معونة. ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P351 ~~فأخبره بقتل أصحاب بئر معونة، فقال: أنت من بينهم! ويقال إن سعد بن أبي ~~وقاص رجع مع عمرو بن أمية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بعثتك قط إلا ~~رجعت إلي من بين أصحابك. ~~ويقال إنه لم يكن معهم ولم يكن في السرية إلا أنصاري، وهذا الثبت عندنا. ~~وأخبر عمرو النبي صلى الله عليه وسلم بمقتل العامريين فقال: بئس ما صنعت، ~~قتلت رجلين كان لهما مني أمان وجوار، لأدينهما! فكتب إليه عامر بن الطفيل ~~وبعت ونفرا من أصحابه يخبره: إن رجلا من أصحابك قتل رجلين من أصحابنا ولهما ~~منك أمان وجوار. فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ديتهما، دية حرين ~~مسلمين، فبعث بها إليهم. # حدثني مصعب، عن أبي أسود، عن عروة، قال: حرص المشركون بعروة بن الصلت أن ~~يؤمنوه فأبى- وكان ذا خلة بعامر- مع أن قومه بني سليم [ (1) ] حرصوا على ~~ذلك، فأبى وقال: لا أقبل لكم أمانا ولا أرغب بنفسي عن مصرع أصحابي. وقالوا ~~حين أحيط بهم: اللهم، إنا لا نجد من يبلغ رسولك السلام غيرك، فاقرأ عليه ~~السلام- فأخبره جبريل عليه السلام بذلك. ### || تسمية من استشهد من قريش # من بني تيم: عامر بن فهيرة، ومن بني مخزوم: الحكم بن كيسان حليف لهم، ومن ~~بني سهم: نافع من بديل بن ورقاء، ومن الأنصار: ~~المنذر بن عمرو، أمير القوم، ومن بني زريق معاذ بن ماعص، ومن بني النجار: ~~حرام وسليم [ (2) ] ابنا ملحان، ومن بنى عمرو بن مبذول: الحارث PageV01P352 ~~ابن الصمة، وسهل بن عامر بن سعد بن عمرو، والطفيل بن سعد، ومن بني عمرو ~~بن مالك: أنس بن معاذ بن أنس، وأبو شيخ أبي بن ثابت ابن المنذر، ومن بني ~~دينار بن النجار: عطية بن عبد عمرو، وارتث من القتلى كعب بن زيد بن قيس- ~~قتل ms261 يوم الخندق، ومن بني عمرو بن عوف: عروة بن الصلت حليف لهم من بني سليم، ~~ومن النبيت: مالك بن ثابت، وسفيان بن ثابت. فجميع من استشهد ممن يحفظ اسمه ~~ستة عشر رجلا. # وقال عبد الله بن رواحة يرثي نافع بن بديل، سمعت أصحابنا ينشدونها: # رحم الله نافع بن بديل %~% رحمة المبتغي ثواب الجهاد # صارم صادق اللقاء إذا ما %~% أكثر الناس قال قول السداد # وقال أنس بن عباس السلمي، وكان خال طعيمة بن عدي، وكان طعيمة يكنى أبا ~~الريان، خرج يوم بئر معونة يحرض قومه يطلب بدم ابن أخيه، حتى قتل نافع بن ~~بديل بن ورقاء، فقال: # تركت ابن ورقاء الخزاعي ثاويا %~% بمعترك تسفي عليه الأعاصر # ذكرت أبا الريان لما عرفته %~% وأيقنت أني يوم ذلك ثائر [ (1) ] # سمعت أصحابنا يثبتونها. وقال حسان بن ثابت يرثي المنذر بن عمرو: # صلى الإله على ابن عمرو إنه %~% صدق اللقاء وصدق ذلك أوفق # قالوا له أمرين فاختر فيهما %~% فاختار في الرأي الذي هو أرفق # أنشدني ابن جعفر قصيدة حسان «سحا غير نزر» . [ (2) ] PageV01P353 ### | غزوة الرجيع في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا # حدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصحاب الرجيع عيونا إلى مكة ليخبروه خبر قريش، فسلكوا على ~~النجدية حتى كانوا بالرجيع فاعترضت لهم بنو لحيان. # حدثني محمد بن عبد الله، ومعمر بن راشد، وعبد الرحمن بن عبد العزيز، وعبد ~~الله بن جعفر، ومحمد بن صالح، ومحمد بن يحيى بن سهل ابن أبي حثمة، ومعاذ بن ~~محمد، في رجال ممن لم أسم [ (1) ] ، وكل قد حدثني ببعض الحديث، وبعض القوم ~~كان أوعى له من بعض، وقد جمعت الذي حدثوني، قالوا: لما قتل سفيان بن خالد ~~بن نبيح الهذلي مشت بنو لحيان إلى عضل والقارة، فجعلوا لهم فرائض على أن ~~يقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكلموه، فيخرج إليهم نفرا من ~~أصحابه يدعونهم إلى الإسلام. فنقتل من قتل صاحبنا ونخرج بسائرهم إلى قريش ~~بمكة فنصيب بهم ms262 ثمنا، فإنهم ليسوا لشيء أحب إليهم من أن يؤتوا بأحد من ~~أصحاب محمد، يمثلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر. ~~فقدم سبعة نفر من عضل والقارة- وهما حيان إلى خزيمة [ (2) ]- مقرين ~~بالإسلام، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فينا إسلاما فاشيا، ~~فابعث معنا نفرا من أصحابك يقرئوننا القرآن ويفقهوننا في الإسلام. ~~PageV01P354 ~~فبعث معهم سبعة نفر: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وخالد بن أبي البكير، وعبد ~~الله بن طارق البلوي حليف في بني ظفر، وأخاه لأمه معتب بن عبيد، حليف في ~~بني ظفر، وخبيب بن عدي بن بلحارث بن الخزرج، وزيد ابن الدثنة من بني بياضة، ~~وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. ويقال كانوا عشرة وأميرهم مرثد بن أبي مرثد، ~~ويقال أميرهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. فخرجوا حتى إذا كانوا بماء ~~لهذيل- يقال له الرجيع قريب من الهدة [ (1) ]- خرج النفر فاستصرخوا عليهم ~~أصحابهم الذين بعثهم اللحيانيون، فلم يرع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~إلا بالقوم، مائة رام وفي أيديهم السيوف. فاخترط أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أسيافهم ثم قاموا، فقال العدو: ما نريد قتالكم، وما نريد إلا أن نصيب ~~منكم من أهل مكة ثمنا، ولكم عهد الله وميثاقه لا نقتلكم، فأما خبيب بن عدى، ~~وزيد ابن الدثنة، وعبد الله بن طارق، فاستأسروا. وقال خبيب: إن لي عند ~~القوم يدا. وأما عاصم بن ثابت، ومرثد، وخالد بن أبي البكير، ومعتب ابن ~~عبيد، فأبوا أن يقبلوا جوارهم ولا أمانهم. وقال عاصم بن ثابت: إني نذرت ألا ~~أقبل جوار مشرك أبدا. فجعل عاصم يقاتلهم وهو يقول: # ما علتي وأنا جلد نابل %~% النبل والقوس لها بلابل [ (2) ] # تزل عن صفحتها المعابل %~% الموت حق والحياة باطل # وكل ما حم الإله نازل %~% بالمرء والمرء إليه آئل # إن لم أقاتلكم فأمى هابل [ (3) ] PageV01P355 # قال الواقدي: ما رأيت من أصحابنا أحدا يدفعه. قال: فرماهم بالنبل حتى ~~فنيت نبله، ثم طاعنهم بالرمح حتى كسر رمحه، وبقي السيف فقال: ~~اللهم حميت دينك أول نهاري فاحم لي لحمي آخره! وكانوا ms263 يجردون كل من قتل ~~من أصحابه. قال: فكسر غمد سيفه ثم قاتل حتى قتل، وقد جرح رجلين وقتل واحدا. ~~فقال عاصم وهو يقاتل: # أنا أبو سليمان ومثلي رامى %~% ورثت مجدا معشرا كراما # أصبت مرثدا وخالدا قياما [ (1) ] # ثم شرعوا فيه الأسنة حتى قتلوه. وكانت سلافة بنت سعد بن الشهيد. ~~قد قتل زوجها وبنوها أربعة، قد كان عاصم قتل منهم اثنين، الحارث، ~~ومسافعا، فنذرت لئن أمكنها الله منه أن تشرب في قحف [ (2) ] رأسه الخمر، ~~وجعلت لمن جاء برأس عاصم مائة ناقة، قد علمت ذلك العرب وعلمته بنو لحيان ~~فأرادوا أن يحتزوا رأس عاصم ليذهبوا به إلى سلافة بنت سعد ليأخذوا منها ~~مائة ناقة. فبعث الله تعالى عليهم الدبر فحمته فلم يدن إليه أحد إلا لدغت ~~وجهه، وجاء منها شيء كثير لا طاقة لأحد به. فقالوا: دعوه إلى الليل، فإنه ~~إذا جاء الليل ذهب عنه الدبر. فلما جاء الليل بعث الله عليه سيلا- وكنا ما ~~نرى في السماء سحابا في وجه من الوجوه- فاحتمله فذهب به فلم يصلوا إليه. ~~فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يذكر عاصما- وكان عاصم نذر ألا يمس ~~مشركا ولا يمسه مشرك تنجسا به. فقال عمر رضي الله عنه: إن الله عز وجل ~~ليحفظ. المؤمنين، فمنعه الله عز وجل أن PageV01P356 ~~يمسوه بعد وفاته كما امتنع في حياته. # وقاتل معتب بن عبيد حتى جرح فيهم، ثم خلصوا إليه فقتلوه. ~~وخرجوا بخبيب، وعبد الله بن طارق، وزيد بن الدثنة حتى إذا كانوا بمر ~~الظهران، وهم موثقون بأوتار قسيهم، قال عبد الله بن طارق: هذا أول الغدر! ~~والله لا أصاحبكم، إن لي في هؤلاء لأسوة- يعني القتلى. فعالجوه فأبى، ونزع ~~يده من رباطه ثم أخذ سيفه، فانحازوا عنه فجعل يشد فيهم وينفرجون عنه، فرموه ~~بالحجارة حتى قتلوه- فقبره بمر الظهران. وخرجوا بخبيب بن عدي، وزيد بن ~~الدثنة حتى قدموا بهما مكة، فأما خبيب فابتاعه حجير بن أبي إهاب بثمانين ~~مثقال ذهب. ويقال اشتراه بخمسين فريضة [ (1) ] ، ويقال اشترته ابنة الحارث ~~بن عامر بن نوفل بمائة من ms264 الإبل. ~~وكان حجير إنما اشتراه لابن أخيه عقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه ~~قتل يوم بدر. وأما زيد بن الدثنة، فاشتراه صفوان بن أمية بخمسين فريضة ~~فقتله بأبيه، ويقال إنه شرك فيه أناس من قريش، فدخل بهما في شهر حرام، في ~~ذي القعدة، فحبس حجير خبيب بن عدي في بيت امرأة يقال لها ماوية، مولاة لبني ~~عبد مناف، وحبس صفوان بن أمية زيد بن الدثنة عند ناس من بني جمح، ويقال عند ~~نسطاس غلامه. وكانت ماوية قد أسلمت بعد فحسن إسلامها، وكانت تقول: والله ما ~~رأيت أحدا خيرا من خبيب. والله لقد اطلعت عليه من صير [ (2) ] الباب وإنه ~~لفي الحديد، ما أعلم في الأرض حبة عنب تؤكل، وإن في يده لقطف عنب مثل رأس ~~الرجل يأكل منه، وما هو إلا رزق رزقه الله. وكان خبيب يتهجد بالقرآن، ~~PageV01P357 ~~وكان يسمعه النساء فيبكين ويرققن عليه. قالت، فقلت له: يا خبيب، هل لك من ~~حاجة؟ قال: لا، إلا أن تسقيني العذب، ولا تطعميني ما ذبح على النصب، ~~وتخبريني إذا أرادوا قتلي. قالت: فلما انسلخت الأشهر الحرم وأجمعوا على ~~قتله أتيته فأخبرته، فو الله ما رأيته اكترث لذلك، وقال: ابعثي لي بحديدة ~~أستصلح بها. قالت: فبعثت إليه موسى مع ابني أبي حسين، فلما ولى الغلام قلت: ~~أدرك والله الرجل ثأره، أي شيء صنعت؟ بعثت هذا الغلام بهذه الحديدة، فيقتله ~~ويقول «رجل برجل» . ~~فلما أتاه ابني بالحديدة تناولها منه ثم قال ممازحا له: وأبيك إنك لجريء! ~~أما خشيت أمك غدري حين بعثت معك بحديدة وأنتم تريدون قتلي؟ ~~قالت ماوية: وأنا أسمع ذلك فقلت: يا خبيب، إنما أمنتك بأمان الله وأعطيتك ~~بإلهك، ولم أعطك لتقتل ابني. فقال خبيب: ما كنت لأقتله، وما نستحل في ديننا ~~الغدر. ثم أخبرته أنهم مخرجوه فقاتلوه بالغداة. قال: ~~فأخرجوه بالحديد حتى انتهوا به إلى التنعيم [ (1) ] ، وخرج معه النساء ~~والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة، فلم يتخلف أحد، إما موتور فهو يريد أن ~~يتشافى بالنظر من وتره، وإما غير موتور فهو ms265 مخالف للإسلام وأهله. فلما ~~انتهوا به إلى التنعيم، ومعه زيد بن الدثنة، فأمروا بخشبة طويلة فحفر لها، ~~فلما انتهوا بخبيب إلى خشبته قال: هل أنتم تاركي فأصلي ركعتين؟ ~~قالوا: نعم. فركع ركعتين أتمهما من غير أن يطول فيهما. # فحدثني معمر، عن الزهري، عن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن العلاء، عن أبي ~~هريرة، قال: أول من سن الركعتين عند القتل خبيب. PageV01P358 # قالوا: ثم قال: أما والله لولا أن تروا أني جزعت من الموت لاستكثرت من ~~الصلاة. ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا [ (1) ] ، ولا تغادر منهم ~~أحدا. # فقال معاوية بن أبي سفيان: لقد حضرت دعوته ولقد رأيتني وإن أبا سفيان ~~ليضجعني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب، ولقد جبذني يومئذ أبو سفيان جبذة، ~~فسقطت على عجب ذنبي فلم أزل أشتكي السقطة زمانا. # وقال حويطب بن عبد العزى: لقد رأيتني أدخلت إصبعي في أذني وعدوت هربا ~~فرقا أن أسمع دعاءه. # وقال حكيم بن حزام: لقد رأيتني أتوارى بالشجر فرقا من دعوة خبيب. # فحدثني عبد الله بن يزيد قال: حدثني سعيد بن عمرو قال: سمعت جبير بن مطعم ~~يقول: لقد رأيتني يومئذ أتستر بالرجال فرقا من أن أشرف لدعوته. # وقال الحارث بن برصاء: والله ما ظننت أن تغادر دعوة خبيب منهم أحدا. # وحدثني عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، قال: ~~استعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعيد بن عامر بن حذيم [ (2) ] الجمحي ~~على حمص، وكانت تصيبه، غشية وهو بين ظهري أصحابه. فذكر ذلك لعمر بن الخطاب ~~فسأله في قدمة قدم عليه من حمص فقال: يا سعيد، PageV01P359 ~~ما الذي يصيبك؟ أبك جنة؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني كنت فيمن ~~حضر خبيبا حين قتل وسمعت دعوته، فو الله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس إلا ~~غشي علي. قال: فزادته عند عمر خيرا. # وحدثني قدامة بن موسى، عن عبد العزيز بن رمانة، عن عروة بن الزبير، عن ~~نوفل بن معاوية الديلي، قال: حضرت يومئذ دعوة خبيب، فما ms266 كنت أرى أن أحدا ~~ممن حضر ينفلت من دعوته، ولقد كنت قائما فأخلدت إلى الأرض فرقا من دعوته، ~~ولقد مكثت قريش شهرا أو أكثر وما لها حديث في أنديتها إلا دعوة خبيب. # قالوا: فلما صلى الركعتين حملوه إلى الخشبة، ثم وجهوه إلى المدينة ~~وأوثقوه رباطا، ثم قالوا: ارجع عن الإسلام، نخل سبيلك! قال: لا والله ما ~~أحب أني رجعت عن الإسلام وأن لي ما في الأرض جميعا! قالوا: فتحب أن محمدا ~~في مكانك وأنت جالس في بيتك؟ قال: والله ما أحب أن يشاك محمد بشوكة وأنا ~~جالس في بيتي. فجعلوا يقولون: ارجع يا خبيب! قال: لا أرجع أبدا! قالوا: أما ~~واللات والعزى، لئن لم تفعل لنقتلنك! فقال: إن قتلي في الله لقليل! فلما ~~أبى عليهم، وقد جعلوا وجهه من حيث جاء، قال: أما صرفكم وجهي عن القبلة، فإن ~~الله يقول: فأينما تولوا فثم وجه الله ... [ (1) ] . ثم قال: اللهم إني لا ~~أرى إلا وجه عدو، اللهم إنه ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك السلام عني، فبلغه ~~أنت عني السلام! # فحدثني أسامة بن زيد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~جالسا مع أصحابه، فأخذته غمية [ (2) ] كما كان يأخذه إذا أنزل عليه ~~PageV01P360 ~~الوحي. قال: ثم سمعناه يقول «وعليه السلام ورحمة الله» ، ثم قال «هذا ~~جبريل يقرئني من خبيب السلام» . ~~قال: ثم دعوا أبناء من أبناء من قتل ببدر فوجدوهم أربعين غلاما، فأعطوا ~~كل غلام رمحا، ثم قالوا: هذا الذي قتل آباءكم. فطعنوه برماحهم طعنا خفيفا، ~~فاضطرب على الخشبة فانقلب، فصار وجهه إلى الكعبة، فقال: الحمد لله الذي جعل ~~وجهي نحو قبلته التي رضي لنفسه ولنبيه وللمؤمنين! وكان الذين أجلبوا على ~~قتل خبيب: عكرمة بن أبي جهل، وسعيد بن عبد الله بن قيس، والأخنس بن شريق، ~~وعبيدة بن حكيم بن أمية بن الأوقص السلمي. وكان عقبة بن الحارث بن عامر ممن ~~حضر، وكان يقول: والله ما أنا قتلت خبيبا إن كنت يومئذ لغلاما صغيرا. ولكن ~~رجلا من بنى عبد الدار يقال ms267 له أبو ميسرة من عوف بن السباق أخذ بيدي فوضعها ~~على الحربة، ثم أمسك بيدي ثم جعل يطعن بيده حتى قتله، فلما طعنه بالحربة ~~أفلت، فصاحوا: يا أبا سروعة، بئس ما طعنه أبو ميسرة! فطعنه أبو سروعة حتى ~~أخرجها من ظهره، فمكث ساعة يوحد الله ويشهد أن محمدا رسول الله. ~~يقول الأخنس بن شريق: لو ترك ذكر محمد على حال لتركه على هذه الحال، ما ~~رأينا قط والدا يجد بولده ما يجد أصحاب محمد بمحمد صلى الله عليه وسلم. # قالوا: وكان زيد بن الدثنة عند آل صفوان بن أمية محبوسا في حديد، وكان ~~يتهجد بالليل ويصوم النهار، ولا يأكل شيئا مما أتي به من الذبائح. فشق ذلك ~~على صفوان، وكانوا قد أحسنوا إساره، فأرسل إليه صفوان: فما الذي تأكل من ~~الطعام؟ قال: لست آكل مما ذبح لغير الله، ولكني أشرب اللبن. وكان يصوم، ~~فأمر له صفوان بعس من لبن PageV01P361 ~~عند فطره فيشرب منه حتى يكون بمثلها من القابلة. فلما خرج به وبخبيب في ~~يوم واحد التقيا، ومع كل واحد منهما فئام [ (1) ] من الناس، فالتزم كل ~~منهما صاحبه وأوصى كل واحد منهما صاحبه بالصبر على ما أصابه، ثم افترقا. ~~وكان الذي ولي قتل زيد نسطاس غلام صفوان، خرج به إلى التنعيم فرفعوا له ~~جذعا [ (2) ] ، فقال: أصلي ركعتين! فصلى ركعتين ثم حملوه على الخشبة، ثم ~~جعلوا يقولون لزيد: ارجع عن دينك المحدث واتبع ديننا، ونرسلك! قال: لا ~~والله، لا أفارق ديني أبدا! قالوا: أيسرك أن محمدا في أيدينا مكانك وأنت في ~~بيتك؟ قال: ما يسرني أن محمدا أشيك بشوكة وأني في بيتي! قال: يقول أبو ~~سفيان بن حرب: لا، ما رأينا أصحاب رجل قط أشد له حبا من أصحاب محمد بمحمد. ~~وقال حسان بن ثابت، صحيحة سمعتها من يونس بن محمد الظفري: # فليت خبيبا لم تخنه أمانة %~% وليت خبيبا كان بالقوم عالما # شراه [ (3) ] زهير بن الأغر وجامع [ (4) ] %~% وكانا قديما يركبان المحارما # أجرتم فلما أن أجرتم غدرتم %~% وكنتم بأكناف الرجيع اللهازما [ (5) ] # وقال حسان ms268 بن ثابت، ثبت قديمة [ (6) ] : PageV01P362 # لو كان في الدار قرم [ (1) ] ذو محافظة %~% حامي الحقيقة ماض خاله أنس [ ~~(2) ] # إذن حللت خبيبا منزلا فسحا [ (3) ] %~% ولم يشد عليك الكبل [ (4) ] ~~والحرس # ولم تقدك إلى التنعيم زعنفة [ (5) ] %~% من المعاشر ممن قد نفت عدس [ (6) ~~] # فاصبر خبيب فإن القتل مكرمة %~% إلى جنان نعيم ترجع النفس # دلوك [ (7) ] غدرا وهم فيها أولو خلف %~% وأنت ضيف لهم في الدار محتبس ### | غزوة بني النضير # في ربيع الأول، على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # حدثني محمد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، ومحمد بن صالح، ومحمد بن ~~يحيى بن سهل، وابن أبي حبيبة، ومعمر بن راشد، في رجال ممن لم أسمهم، فكل قد ~~حدثني ببعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت كل الذي ~~حدثوني، قالوا: أقبل عمرو ابن أمية من بئر معونة حتى كان بقناة، فلقي رجلين ~~من بني عامر فنسبهما فانتسبا، فقابلهما [ (8) ] حتى إذا ناما وثب عليهما ~~فقتلهما. ثم خرج حتى PageV01P363 ~~ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته في قدر حلب شاة، فأخبره ~~خبرهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما صنعت، قد كان لهما منا ~~أمان وعهد! ~~فقال: ما شعرت، كنت أراهما على شركهما، وكان قومهما قد نالوا منا ما ~~نالوا من الغدر بنا. وجاء بسلبهما، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزل ~~سلبهما حتى بعث به مع ديتهما. وذلك أن عامر ابن الطفيل بعث إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إن رجلا من أصحابك قتل رجلين من قومي، ولهما منك أمان ~~وعهد، فابعث بديتهما إلينا. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني ~~النضير يستعين في ديتهما، وكانت بنو النضير حلفاء لبني عامر. فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت فصلى في مسجد قباء ومعه رهط من ~~المهاجرين والأنصار، ثم جاء بني النضير فيجدهم في ناديهم، فجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكلمهم رسول الله صلى ms269 الله عليه وسلم أن ~~يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية. فقالوا: نفعل، يا أبا ~~القاسم، ما أحببت. ~~قد أنى لك أن تزورنا وأن تأتينا، اجلس حتى نطعمك! ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مستند إلى بيت من بيوتهم، ثم خلا بعضهم إلى بعض فتناجوا، فقال ~~حيي بن أخطب: يا معشر اليهود، قد جاءكم محمد في نفير من أصحابه لا يبلغون ~~عشرة- ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن ~~حضير، وسعد بن عبادة- فاطرحوا عليه حجارة من فوق هذا البيت الذي هو تحته ~~فاقتلوه، فلن تجدوه أخلى منه الساعة! فإنه إن قتل تفرق أصحابه، فلحق من كان ~~معه من قريش بحرمهم، وبقي من هاهنا من الأوس والخزرج حلفاؤكم، فما كنتم ~~تريدون أن تصنعوا يوما من الدهر فمن الآن! فقال عمرو بن جحاش: أنا أظهر على ~~البيت PageV01P364 ~~فأطرح عليه صخرة. قال سلام بن مشكم: يا قوم، أطيعوني هذه المرة وخالفوني ~~الدهر! والله إن فعلتم ليخبرن بأنا قد غدرنا به، وإن هذا نقض العهد الذي ~~بيننا وبينه، فلا تفعلوا! ألا فو الله لو فعلتم الذي تريدون ليقومن بهذا ~~الدين منهم قائم إلى يوم القيامة، يستأصل اليهود ويظهر دينه! وقد هيأ [ (1) ~~] الصخرة ليرسلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدرها، فلما أشرف بها ~~جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما هموا به، فنهض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سريعا كأنه يريد حاجة، وتوجه إلى المدينة وجلس ~~أصحابه يتحدثون وهم يظنون أنه قام يقضي حاجة، فلما يئسوا من ذلك قال أبو ~~بكر رضي الله عنه: ما مقامنا ها هنا بشيء، لقد وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأمر. فقاموا، فقال حيي: عجل أبو القاسم! قد كنا نريد أن نقضي حاجته ~~ونغديه. وندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صويراء [ (2) ] : هل ~~تدرون لم قام محمد؟ قالوا: لا والله، ما ندري وما تدري أنت! قال: بلى ~~والتوراة، إني لأدري، قد أخبر محمد ms270 ما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا ~~أنفسكم، والله إنه لرسول الله، وما قام إلا أنه أخبر بما هممتم به. وإنه ~~لآخر الأنبياء، كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون فجعله الله حيث شاء. وإن ~~كتبنا والذي درسنا في التوراة التي لم غير ولم تبدل أن مولده بمكة ودار ~~هجرته يثرب، وصفته بعينها ما تخالف حرفا مما في كتابنا، وما يأتيكم [به] ~~أولى من محاربته إياكم، ولكأني أنظر إليكم ظاعنين، يتضاغى [ (3) ] صبيانكم، ~~قد تركتم دوركم خلوفا PageV01P365 ~~وأموالكم، وإنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، والثالثة لا خير فيها! ~~قالوا: ما هما؟ قال: تسلمون وتدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم ~~وأولادكم، وتكونون من علية أصحابه، وتبقى بأيديكم أموالكم، ولا تخرجون [ ~~(1) ] من دياركم. قالوا: لا نفارق التوراة وعهد موسى! قال: فإنه مرسل ~~إليكم: اخرجوا من بلدي، فقولوا نعم- فإنه لا يستحل لكم دما ولا مالا- وتبقى ~~أموالكم، إن شئتم بعتم، وإن شئتم أمسكتم. ~~قالوا: أما هذا فنعم. قال: أما والله إن الأخرى خيرهن لي. قال: أما والله ~~لولا [ (2) ] أني أفضحكم لأسلمت. ولكن والله لا تعير شعثاء بإسلامي أبدا ~~حتى يصيبني ما أصابكم- وابنته شعثاء التي كان حسان ينسب [ (3) ] بها. ~~فقال سلام بن مشكم: قد كنت لما صنعتم كارها، وهو مرسل إلينا أن اخرجوا من ~~داري، فلا تعقب يا حيي كلامه، وأنعم له بالخروج، فاخرج من بلاده! قال: ~~أفعل، أنا أخرج! # فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تبعه ~~أصحابه، فلقوا رجلا خارجا من المدينة فسألوه: هل لقيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ ~~قال: لقيته بالجسر داخلا. فلما انتهى أصحابه إليه وجدوه قد أرسل إلى محمد ~~ابن مسلمة يدعوه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، قمت ولم نشعر. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: همت اليهود بالغدر بي، فأخبرني الله ~~بذلك فقمت. ~~وجاء محمد بن مسلمة فقال: اذهب إلى يهود بني النضير فقل لهم، إن رسول ~~الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلده. فلما جاءهم قال: إن رسول الله أرسلني ~~إليكم برسالة، ms271 ولست أذكرها لكم حتى أعرفكم شيئا تعرفونه. PageV01P366 ~~قال: أنشدكم بالتوراة التي أنزل الله على موسى، هل تعلمون أني جئتكم قبل ~~أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وبينكم التوراة، فقلتم لي في مجلسكم هذا: ~~يا ابن مسلمة، إن شئت أن نغديك غديناك، وإن شئت أن نهودك هودناك. فقلت لكم: ~~غدوني ولا تهودوني، فإني والله لا أتهود أبدا! فغديتموني في صحفة لكم، ~~والله لكأني أنظر إليها كأنها جزعة [ (1) ] ، فقلتم لي: ~~ما يمنعك من ديننا إلا أنه دين يهود. كأنك تريد الحنيفية التي سمعت بها، ~~أما إن أبا عامر قد سخطها وليس عليها، أتاكم صاحبها الضحوك القتال، في ~~عينيه حمرة، يأتي من قبل اليمن، يركب البعير ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسرة، ~~سيفه على عاتقه، ليست معه آية، هو ينطق بالحكمة، كأنه وشيجتكم [ (2) ] هذه، ~~والله ليكونن بقريتكم هذه سلب وقتل ومثل! قالوا: اللهم نعم، قد قلناه لك ~~ولكن ليس به. قال: قد فرغت، ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم يقول لكم: قد نقضتم العهد ~~الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي! وأخبرهم بما كانوا ارتأوا من ~~الرأي وظهور عمرو بن جحاش على البيت يطرح الصخرة، فأسكتوا فلم يقولوا حرفا. ~~ويقول: اخرجوا من بلدي، فقد أجلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه! ~~قالوا: يا محمد، ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل عن الأوس. قال محمد: تغيرت ~~القلوب. فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون وأرسلوا إلى ظهر لهم بذي المجدر [ ~~(3) ] تجلب، وتكاروا من ناس من أشجع PageV01P367 ~~[إبلا] [ (1) ] وأخذوا [ (2) ] في الجهاز. فبينما هم على ذلك إذا جاءهم ~~رسول ابن أبي، أتاهم سويد وداعس فقالا: يقول عبد الله بن أبي: لا تخرجوا من ~~دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من ~~العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون من آخرهم قبل أن يوصل إليكم، وتمدكم قريظة ~~فإنهم لن يخذلوكم، ويمدكم حلفاؤكم من غطفان. وأرسل ابن أبي إلى كعب بن أسد ~~يكلمه أن يمد أصحابه فقال: لا ينقض من بني قريظة ms272 رجل واحد العهد. فيئس ابن ~~أبي من قريظة وأراد أن يلحم الأمر فيما بين بني النضير ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلم يزل يرسل إلى حيي حتى قال حيي: أنا أرسل إلى محمد أعلمه أنا ~~لا نخرج من دارنا وأموالنا، فليصنع ما بدا له. وطمع حيي فيما قال ابن أبي، ~~وقال حيي: نرم [ (3) ] حصوننا، ثم ندخل ماشيتنا [ (4) ] ، وندرب [ (5) ] ~~أزقتنا، وننقل الحجارة إلى حصوننا، وعندنا من الطعام ما يكفينا سنة، وماءنا ~~واتن [ (6) ] في حصوننا لا نخاف قطعه. فترى محمدا يحصرنا سنة؟ لا نرى هذا. ~~قال سلام بن مشكم: منتك نفسك والله يا حيي الباطل، إني والله لولا أن يسفه ~~رأيك أو يزرى بك لاعتزلتك بمن أطاعني من اليهود، فلا تفعل يا حيى، فو الله ~~إنك لتعلم ونعلم معك أنه لرسول الله وأن صفته عندنا، فإن لم نتبعه وحسدناه ~~حيث خرجت النبوة من بني هارون! فتعال فنقبل ما أعطانا من الأمن ونخرج ~~PageV01P368 ~~من بلاده، فقد عرفت أنك خالفتني في الغدر به، فإذا كان أوان الثمر جئنا ~~أو جاء من جاء منا إلى ثمره فباع أو صنع ما بدا له، ثم انصرف إلينا فكأنا ~~لم نخرج من بلادنا إذا كانت أموالنا بأيدينا، إنا إنما شرفنا على قومنا ~~بأموالنا وفعالنا، فإذا ذهبت أموالنا من أيدينا كنا كغيرنا من اليهود في ~~الذلة والإعدام. وإن محمدا إن سار إلينا فحصرنا في هذه الصياصي يوما واحدا، ~~ثم عرضنا عليه ما أرسل به إلينا، لم يقبله وأبى علينا. قال حيي: إن محمدا ~~لا يحصرنا [إلا] [ (1) ] إن أصاب منا نهزة، وإلا انصرف، وقد وعدني ابن أبي ~~ما قد رأيت. فقال سلام: ليس قول ابن أبي بشيء، إنما يريد ابن أبي أن يورطك ~~في الهلكة حتى تحارب محمدا، ثم يجلس في بيته ويتركك. قد أراد من كعب بن أسد ~~النصر فأبى كعب وقال: ~~لا ينقض العهد رجل من بني قريظة وأنا حي. وإلا فإن ابن أبي قد وعد حلفاءه ~~من بني قينقاع مثل ما وعدك حتى حاربوا ونقضوا العهد، ms273 وحصروا أنفسهم في ~~صياصيهم وانتظروا نصرة ابن أبي، فجلس في بيته وسار محمد إليهم، فحصرهم حتى ~~نزلوا على حكمه، فابن أبي لا ينصر حلفاءه ومن كان يمنعه من الناس كلهم، ~~ونحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأوس في حربهم كلها، إلى أن تقطعت حربهم ~~فقدم محمد فحجز بينهم. وابن أبي لا يهودي على دين يهود، ولا على دين محمد، ~~ولا هو على دين قومه، فكيف تقبل منه قولا قاله؟ قال حيي: تأبى نفسي إلا ~~عداوة محمد وإلا قتاله. ~~قال سلام: فهو والله جلاؤنا من أرضنا، وذهاب أموالنا، وذهاب شرفنا، أو ~~سباء ذرارينا مع قتل مقاتلينا. فأبى حيي إلا محاربة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له ساروك [ (2) ] بن أبي الحقيق- وكان ضعيفا عندهم فى عقله ~~PageV01P369 ~~كأن به جنة- يا حيي، أنت رجل مشئوم، تهلك بني النضير! فغضب حيي وقال: كل ~~بني النضير قد كلمني حتى هذا المجنون. فضربه إخوته وقالوا لحيي: أمرنا ~~لأمرك تبع، لن نخالفك. # فأرسل حيي أخاه جدي بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إنا لا نبرح من دارنا وأموالنا، فاصنع ما أنت صانع. وأمره أن يأتي ابن ~~أبي فيخبره برسالته إلى محمد، ويأمره بتعجيل ما وعد من النصر. ~~فذهب جدي بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أرسله حيي، ~~فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه فأخبره، فأظهر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير، وكبر المسلمون لتكبيره، وقال: حاربت ~~اليهود! ~~وخرج جدي حتى دخل على ابن أبي وهو جالس في بيته مع نفير من حلفائه، وقد ~~نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالمسير إلى بني النضير، ~~فيدخل عبد الله بن عبد الله بن أبي على عبد الله أبيه وعلى النفر معه، ~~وعنده جدي بن أخطب، فلبس درعه وأخذ سيفه فخرج يعدو، فقال جدي: لما رأيت ابن ~~أبي جالسا في ناحية البيت وابنه عليه السلاح، يئست من نصره فخرجت أعدو إلى ~~حيي، فقال: ~~ما ms274 وراءك؟ قلت: الشر! ساعة أخبرت محمدا بما أرسلت به إليه أظهر التكبير ~~وقال «حاربت اليهود» . فقال: هذه مكيدة منه. قال: وجئت ابن أبي فأعلمته، ~~ونادى منادي محمد بالمسير إلى بني النضير. قال: وما رد عليك ابن أبي؟ فقال ~~جدي: لم أر عنده خيرا. قال: أنا أرسل إلى حلفائي فيدخلون معكم. وسار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فصلى العصر بفضاء بني النضير، فلما رأوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا على جدر حصونهم، معهم النبل ~~والحجارة. واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم PageV01P370 ~~بسلاح ولا رجال ولم يقربوهم. وجعلوا يرمون ذلك اليوم بالنبل والحجارة حتى ~~أظلموا، وجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدمون [ (1) ] ، من كان ~~تخلف في حاجته، حتى تتاموا عند صلاة العشاء، فلما صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، عليه الدرع وهو على فرس. ~~وقد استعمل عليا عليه السلام على العسكر، ويقال أبا بكر رضي الله عنه. وبات ~~المسلمون يحاصرونهم، يكبرون حتى أصبحوا، ثم أذن بلال بالمدينة، فغدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين كانوا معه، فصلى بالناس بفضاء بني ~~خطمة. واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وحملت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبة من أدم. # وحدثني يحيى بن عبد العزيز قال: كانت القبة من غرب [ (2) ] عليها مسوح [ ~~(3) ] ، أرسل بها سعد بن عبادة، فأمره بلالا فضربها في موضع المسجد الصغير ~~الذي بفضاء بني خطمة، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبة. ~~وكان رجل من اليهود يقال له عزوك، وكان أعسر راميا، فرمى فبلغ نبله قبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بقبته فحولت إلى مسجد الفضيخ [ (4) ] ~~وتباعدت من النبل. # وأمسوا فلم يقربهم ابن أبي ولا أحد من حلفائه وجلس في بيته، ويئست بنو ~~النضير من نصره، وجعل سلام بن مشكم وكنانة بن صويراء يقولان لحيى: أين نصر ~~ابن أبي كما زعمت؟ قال حيي: فما أصنع؟ هي PageV01P371 ~~ملحمة كتبت علينا. ولزم رسول ms275 الله صلى الله عليه وسلم الدرع وبات، وظل ~~محاصرهم، ~~فلما كان ليلة من الليالي فقد علي بن أبي طالب عليه السلام حين قرب ~~العشاء، فقال الناس: ما نرى عليا يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: دعوه، فإنه في بعض شأنكم! ~~فلم يلبث أن جاء برأس عزوك، فطرحه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله، إني كمنت لهذا الخبيث فرأيت رجلا شجاعا، فقلت: ما ~~أجرأه أن يخرج إذا أمسينا يطلب منا غرة. فأقبل مصلتا سيفه في نفر من ~~اليهود، فشددت عليه فقتلته، وأجلى أصحابه ولم يبرحوا قريبا، فإن بعثت معي ~~نفرا رجوت أن أظفر بهم. فبعث معه أبا دجانة، وسهل بن حنيف في عشرة من ~~أصحابه، فأدركوهم قبل أن يدخلوا حصنهم، فقتلوهم وأتوا برءوسهم، فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم برءوسهم فطرحت في بعض بئار بني خطمة. # وكان سعد بن عبادة يحمل التمر إلى المسلمين، فأقاموا في حصنهم، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطعت وحرقت. واستعمل على قطعها رجلين من ~~أصحابه: أبا ليلى المازني، وعبد الله بن سلام، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، ~~وكان عبد الله بن سلام يقطع اللون [ (1) ] ، فقيل لهما في ذلك فقال أبو ~~ليلى: كانت العجوة أحرق لهم. وقال ابن سلام: قد عرفت أن الله سيغنمه ~~أموالهم، وكانت العجوة خير أموالهم، فنزل في ذلك رضاء بما صنعنا جميعا ... ~~ما قطعتم من لينة [ (2) ] ألوان النخل، للذي فعل ابن سلام، أو تركتموها ~~قائمة على أصولها يعني العجوة، فبإذن الله. وقطع أبو ليلى العجوة وليخزي ~~الفاسقين يعني بني النضير، PageV01P372 ~~رضاء من الله بما صنع الفريقان جميعا. ~~فلما قطعت العجوة شق النساء الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لهن؟ فقيل: يجزعن على قطع العجوة. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مثل العجوة جزع عليه. ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: العجوة والعتيق- الفحل الذي يؤبر به النخل- من الجنة، ~~والعجوة ms276 شفاء من السم. فلما صحن صاح بهن أبو رافع سلام: إن قطعت العجوة ها ~~هنا فإن لنا بخيبر عجوة. قالت عجوز منهن: خيبر، يصنع بها مثل هذا! فقال أبو ~~رافع: فض الله فاك! إن حلفائي بخيبر لعشرة آلاف مقاتل. فبلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قوله فتبسم. وجزعوا على قطع العجوة فجعل سلام بن مشكم يقول: ~~يا حيي، العذق خير من العجوة، يغرس فلا يطعم ثلاثين سنة يقطع! فأرسل حيي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنك كنت تنهى عن الفساد، لم ~~تقطع النخل؟ ~~نحن نعطيك الذي سألت، ونخرج من بلادك. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم ما حملت الإبل إلا الحلقة. ~~فقال سلام: اقبل ويحك، قبل أن تقبل شرا من هذا! فقال حيي: ما يكون شرا من ~~هذا؟ قال سلام: يسبي الذرية ويقتل المقاتلة مع الأموال، فالأموال اليوم ~~أهون علينا إذا لحمنا هذا الأمر من القتل والسباء. ~~فأبى حيي أن يقبل يوما أو يومين، فلما رأى ذلك يامين بن عمير وأبو سعد ~~ابن وهب قال أحدهما لصاحبه: وإنك [ (1) ] لتعلم أنه لرسول الله، فما تنتظر ~~أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا؟ فنزلا من الليل فأسلما فأحرزا دماءهما ~~وأموالهما. PageV01P373 # ثم نزلت اليهود على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، فلما أجلاهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لابن يامين: ألم تر إلى ابن عمك عمرو ابن جحاش ~~وما هم به من قتلي؟ وهو زوج أخته، كانت الرواع بنت عمير تحت عمرو بن جحاش. ~~فقال ابن يامين: أنا أكفيكه يا رسول الله. ~~فجعل لرجل من قيس عشرة دنانير على أن يقتل عمرو بن جحاش، ويقال خمسة أوسق ~~من تمر. فاغتاله فقتله، ثم جاء ابن يامين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره بقتله، فسر بذلك. # وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوما، فأجلاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من المدينة وولي إخراجهم محمد بن ms277 مسلمة. ~~فقالوا: إن لنا ديونا على الناس إلى آجال. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: تعجلوا وضعوا. فكان لأبي رافع سلام بن أبي الحقيق على أسيد ابن حضير ~~عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارا، وأبطل ~~ما فضل. وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم مما يليهم، وكان المسلمون يخربون ~~ما يليهم ويحرقون حتى وقع الصلح، فتحملوا، فجعلوا يحملون الخشب ونجف [ (1) ~~] الأبواب. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفية بنت حيي: لو رأيتني ~~وأنا أشد الرحل لخالك بحري بن عمرو وأجليه منها! وحملوا النساء والصبيان، ~~فخرجوا على بلحارث بن الخزرج، ثم على الجبلية، ثم على الجسر حتى مروا ~~بالمصلى، ثم شقوا سوق المدينة، والنساء في الهوادج عليهن الحرير والديباج، ~~وقطف الخز الخضر والحمر، وقد صف لهم الناس، فجعلوا يمرون قطارا [ (2) ] في ~~أثر قطار، فحملوا على ستمائة بعير، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~PageV01P374 ~~هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش. ~~وقال حسان بن ثابت وهو يراهم وسراة الرجال على الرحال: أما والله إن لقد ~~كان عندكم لنائل للمجتدي وقرى حاضر للضيف، وسقيا للمدام، وحلم على من سفه ~~عليكم، ونجدة إذا استنجدتم. فقال الضحاك بن خليفة: واصباحاه، نفسي فداؤكم! ~~ماذا تحملتم به من السؤدد والبهاء، والنجدة والسخاء؟ قال، يقول نعيم ابن ~~مسعود الأشجعي: فدى لهذه الوجوه التي كأنها المصابيح ظاعنين من يثرب. من ~~للمجتدي الملهوف؟ ومن للطارق السغبان؟ ومن يسقي العقار؟ ~~ومن يطعم الشحم فوق اللحم؟ ما لنا بيثرب بعدكم مقام. يقول أبو عبس ابن ~~جبر [ (1) ] وهو يسمع كلامه: نعم، فالحقهم حتى تدخل معهم المار. ~~قال نعيم: ما هذا جزاؤهم منكم، لقد استنصرتموهم فنصروكم على الخزرج، ولقد ~~استنصرتم [ (2) ] سائر العرب فأبوا ذلك عليكم. قال أبو عبس: قطع الإسلام ~~العهود. قال: ومروا يضربون بالدفوف ويزمرون بالمزامير، وعلى النساء ~~المعصفرات وحلي الذهب، مظهرين ذلك تجلدا. قال: يقول جبار بن صخر: ما رأيت ~~زهاءهم [ (3) ] لقوم زالوا من دار إلى دار. ونادى أبو رافع سلام بن أبي ~~الحقيق، ms278 ورفع مسك الجمل وقال: هذا مما نعده لخفض الأرض ورفعها، فإن يكن ~~النخل قد تركناها فإنا نقدم على نخل بخيبر. # فحدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ~~عن أبيه، عن جده، قال: لقد مر يومئذ نساء من نسائهم PageV01P375 ~~في تلك الهوادج قد سفرن عن الوجوه، لعلي لم أر مثل جمالهن لنساء قط. ~~لقد رأيت الشقراء بنت كنانة يومئذ كأنها لؤلؤة غواص، والرواع بنت عمير ~~مثل الشمس البازغة، في أيديهن أسورة الذهب، والدر في رقابهن. ~~ولقي المنافقون عليهم يوم خرجوا حزنا شديدا، لقد لقيت زيد بن رفاعة بن ~~التابوت وهو مع عبد الله بن أبي، وهو يناجيه في بني غنم وهو يقول: ~~توحشت بيثرب لفقد بني النضير، ولكنهم يخرجون إلى عز وثروة من حلفائهم، ~~وإلى حصون منيعة شامخة في رءوس الجبال ليست كما هاهنا. ~~قال: فاستمعت عليهما ساعة، وكل واحد منهما غاش لله ولرسوله. # قالوا: ومرت في الظعن يومئذ سلمى صاحبة عروة بن الورد العبسي، وكان من ~~حديثها أنها كانت امرأة من بني غفار، فسباها عروة من قومها فكانت ذات جمال، ~~فولدت له أولادا ونزلت منه منزلا، فقالت له، وجعل ولده يعيرون بأمهم «يا ~~بني الأخيذة!» ، فقالت: ألا ترى ولدك يعيرون؟ ~~قال: فماذا ترين؟ قالت: تردني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يزوجونك. ~~قال: نعم. فأرسلت إلى قومها أن القوم بالخمر ثم اتركوه حتى يشرب ويثمل، ~~فإنه إذا ثمل لم يسأل شيئا إلا أعطاه. فلقوه ونزل في بني النضير، فسقوه ~~الخمر، فلما سكر سألوه سلمى فردها عليهم، ثم أنكحوه بعد. ويقال: إنما جاء ~~بها إلى بني النضير وكان صعلوكا يغير. فسقوه الخمر فلما انتشى منعوه، ولا ~~شيء معه إلا هي، فرهنها فلم يزل يشرب حتى غلقت فلما صحا قال لها: انطلقي. ~~قالوا: لا سبيل إلى ذلك، قد أغلقتها. ~~فبهذا صارت عند بني النضير. قال عروة بن الورد: # سقوني الخمر ثم تكنفوني %~% عداة الله من كذب وزور ~~PageV01P376 # وقالوا لست بعد فداء سلمى %~% بمغن [ (1) ] ما ms279 لديك ولا فقير # فلا والله لو كاليوم أمري %~% ومن لي بالتدبر في الأمور [ (2) ] # إذا لعصيتهم في أمر سلمى [ (3) ] %~% ولو ركبوا عضاه المستعور [ (4) ] # أنشدنيها ابن أبي الزناد. # حدثني أبو بكر بن عبد الله، عن المسور بن رفاعة قال: وقبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الأموال وقبض الحلقة، فوجد من الحلقة خمسين درعا، وخمسين ~~بيضة، وثلاثمائة سيف، وأربعين سيفا. ويقال غيبوا بعض سلاحهم وخرجوا به. ~~وكان محمد بن مسلمة الذي ولي قبض الأموال والحلقة وكشفهم عنها. فقال عمر ~~رضي الله عنه: يا رسول الله، ألا تخمس ما أصبت من بني النضير كما خمست ما ~~أصبت من بدر؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجعل شيئا جعله الله عز وجل لي ~~دون المؤمنين! بقوله تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى %~% [ (5) ~~] الآية، كهيئة ما وقع فيه السهمان للمسلمين. ~~وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: كان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثلاث صفايا، فكانت بنو PageV01P377 ~~النضير حبسا [ (1) ] النوائبه، وكانت فدك لابن السبيل، وكانت خيبر قد ~~جزأها ثلاثة أجزاء فجزءان للمهاجرين وجزء كان ينفق منه على أهله، فإن فضل ~~رده على فقراء المهاجرين. # حدثني موسى بن عمر الحارثي، عن أبي عفير، قال: إنما كان ينفق على أهله من ~~بني النضير، كانت له خالصة، فأعطى من أعطى منها وحبس ما حبس. وكان يزرع تحت ~~النخل زرعا كثيرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل له منها قوت ~~أهله سنة من الشعير والتمر لأزواجه وبني عبد المطلب، فما فضل جعله في ~~الكراع [ (2) ] والسلاح، وإنه كان عند أبي بكر وعمر من ذلك السلاح الذي ~~اشتري في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعمل على أموال بني النضير أبا ~~رافع مولاه، وربما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالباكورة منها، وكانت ~~صدقاته منها ومن أموال مخيريق. وهي سبعة حوائط- الميثب، والصافية، والدلال، ~~وحسنى، وبرقة، والأعواف، ومشربة أم إبراهيم، وكانت أم إبراهيم ms280 تكون هناك، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها هناك. ~~وقالوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تحول من بني عمرو بن عوف إلى ~~المدينة تحول أصحابه من المهاجرين، فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم ~~حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد منهم على أحد إلا بقرعة سهم. # فحدثني معمر، عن الزهري، عن خارجة بن زيد، عن أم العلاء، PageV01P378 ~~قالت: صار [ (1) ] لنا عثمان بن مظعون في القرعة، وكان في منزلنا حتى ~~توفي وكان المهاجرون في دورهم وأموالهم، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بني النضير دعا ثابت بن قيس بن شماس فقال: ادع لي قومك! قال ثابت: ~~الخزرج يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأنصار كلها! ~~فدعا له الأوس والخزرج، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله ~~وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم ~~إياهم في منازلهم، وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال: إن أحببتم قسمت بينكم وبين ~~المهاجرين مما أفاء الله علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه ~~من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم. فتكلم ~~سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا: ~~يا رسول الله، بل تقسمه للمهاجرين [ (2) ] ويكونون في دورنا كما كانوا. ~~ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار! ~~فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أفاء الله عليه، وأعطى المهاجرين ~~ولم يعط أحدا من الأنصار من ذلك الفئ شيئا، إلا رجلين كانا محتاجين- سهل بن ~~حنيف، وأبا دجانة. وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، وكان سيفا له ذكر ~~عندهم. قالوا: وكان ممن أعطى ممن سمي لنا من المهاجرين أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه بئر حجر، وأعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بئر جرم، وأعطى عبد ~~الرحمن ابن عوف سؤالة- وهو الذي يقال له مال سليم. وأعطى صهيب بن ~~PageV01P379 ~~سنان ms281 الضراطة، وأعطى الزبير بن العوام وأبا سلمة بن عبد الأسد البويلة. ~~وكان مال سهل بن حنيف وأبي دجانة معروفا، يقال له مال ابن خرشة، ووسع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس منها. ### || ذكر ما نزل من القرآن في بني النضير # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض [ (1) ] قال كل شيء سبح له، وتسبيح ~~الجدر النقض [ (2) ] . حدثني ربيعة بن عثمان، عن حيي، عن أبي هريرة بذلك. ~~هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر [ (3) ] يعنى ~~بنى النضير حين أخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى الشام، ~~وكان ذلك أول الحشر في الدنيا إلى الشام، ما ظننتم أن يخرجوا يقول الله عز ~~وجل للمؤمنين: ~~ما ظننتم ذلك، كان لهم عز ومنعة، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله حين ~~تحصنوا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا قال ظهور رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإجلاؤهم، وقذف في قلوبهم الرعب لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بساحتهم رعبوا وأيقنوا بالهلكة، وكان الرعب في قلوبهم له وجبان [ (4) ] ، ~~يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين قال كانوا لما حصروا والمسلمون ~~يحفرون عليهم من ورائهم وهم ينقبون مما يليهم، فيأخذون الخشب والنجف، ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار قال يعنى يا أهل PageV01P380 ~~العقول. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء [ (1) ] يقول في أم الكتاب أن ~~يجلوا. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله [ (2) ] يقول عصوا الله ورسوله ~~وخالفوه. ~~ما قطعتم من لينة أو تركتموها.. [ (3) ] الآية، قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد استعمل على قطع نخلهم أبا ليلى المازني وعبد الله بن ~~سلام، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وكان ابن سلام يقطع اللون، فقال لهم بنو ~~النضير: أنتم مسلمون ما يحل لكم عقر النخل. فاختلف أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك، فقال بعضهم يقطع، وقال بعضهم لا يقطع. فأنزل الله ~~عز وجل ما قطعتم من لينة ألوان النخل سوى العجوة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها قال العجوة، ms282 فبإذن الله وليخزي الفاسقين يقول يغيظهم ما قطع من ~~النخل. ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل [ (4) ] قوله لله ولرسوله واحد ولذي القربى ~~قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واليتامى والمساكين وابن السبيل فسهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعطي بني هاشم من الخمس ويزوج أياماهم. وكان عمر رضي الله عنه قد ~~دعاهم إلى أن يزوج أياماهم ويخدم عائلهم ويقضي عن غارمهم، فأبوا إلا أن ~~يسلمه كله، وأبى عمر رضي الله عنه. فحدثني مصعب بن ثابت، عن يزيد بن رومان، ~~عن عروة، أن أبا بكر وعمر وعليا كانوا يجعلونه في اليتامى والمساكين وابن ~~السبيل. وقوله كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم يقول لا يستن بها ~~PageV01P381 ~~من بعد فتعطى الأغنياء، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~يقول ما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر ونهي فهو بمنزلة ما ~~نزل من الوحي. للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا [ (1) ] يعني المهاجرين الأولين من قريش الذين هاجروا ~~إلى المدينة قبل بدر. والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر ~~إليهم [ (2) ] يعني الأنصار، يقول هم أهل الدار الأوس والخزرج، ولا يجدون ~~في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لا يجدون ~~في أنفسهم حسدا مما أعطى غيرهم، يعني المهاجرين حين أعطاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يعط الأنصار، فهذه الأثرة على أنفسهم حين قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: ~~أعطهم ولا تعطنا وهم محتاجون، ومن يوق شح نفسه قال ظلم الناس. ~~والذين جاؤ من بعدهم [ (3) ] يعني الذين أسلموا فحق عليهم أن يستغفروا ~~لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون ~~لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم ~~أحدا أبدا [ (4) ] قول ابن أبي حين أرسل ms283 سويدا وداعسا [ (5) ] إلى بني ~~النضير: أقيموا ولا تخرجوا فإن معي من قومي وغيرهم ألفين، يدخلون معكم ~~فيموتون عن آخرهم دونكم. يقول الله عز وجل يشهد إنهم لكاذبون يعني ابن أبي ~~وأصحابه. لئن أخرجوا [ (6) ] حين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يخرج من المنافقين إنسان واحد معهم، وقوتلوا فلم يدخل PageV01P382 ~~الحصن منهم إنسان، ولئن نصروهم ليولن الأدبار يعني ينهزمون من الرعب. ~~لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله [ (1) ] يعني ابن أبي والمنافقين الذين ~~معه خوفا من المسلمين أن يقبلوا، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون لا يقاتلونكم ~~جميعا [ (2) ] يعنى بنى النضير والمنافقين، إلا في قرى محصنة يقول في ~~حصونهم، أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد بعضهم لبعض، تحسبهم جميعا وقلوبهم ~~شتى يعني المنافقين وبني النضير. ذلك بأنهم قوم لا يعقلون يقول دين بني ~~النضير مخالف دين المنافقين [وهم] جميعا، في عداوة الإسلام مجتمعون. كمثل ~~الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم [ (3) ] قال يعني قينقاع حين أجلاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين [ (4) ] قال هذا مثل لابن أبي ~~وأصحابه الذين جاءوا بني النضير فقالوا: أقيموا في حصونكم فنحن نقاتل معكم ~~إن قوتلتم، ونخرج إن أخرجتم كذبا وباطلا، منوهم من أنفسهم. يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [ (5) ] يقول ما عملت ليوم ~~القيامة. ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم [ (6) ] يقول أعرضوا ~~عن ذكر الله تعالى فأضلهم الله تعالى أن يعملوا لأنفسهم خيرا. وقال القدوس ~~[ (7) ] الظاهر، والمهيمن الشهيد. PageV01P383 ### | غزوة بدر الموعد # وكانت لهلال ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهرا، وغاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيها ست عشرة ليلة، ورجع إلى المدينة لأربع عشرة بقيت من ذي ~~القعدة، واستخلف على المدينة ابن رواحة. # حدثني الضحاك بن عثمان، ومحمد بن عمرو الأنصاري، وموسى بن محمد بن ~~إبراهيم بن الحارث، وأبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، ms284 ومعمر بن ~~راشد، وأبو معشر، وعبد الله بن جعفر، ومحمد بن عبد الله بن مسلم، وعبد ~~الحميد بن جعفر، وابن أبي حبيبة، ومحمد بن يحيى بن سهل، وكل قد حدثني ~~بطائفة من هذا الحديث، وغيرهم ممن لم أسم، قالوا: لما أراد أبو سفيان أن ~~ينصرف يوم أحد نادى: موعد بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول، نلتقي فيه ~~فنقتتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~قل نعم إن شاء الله. ~~ويقال قال أبو سفيان يومئذ: موعدكم بدر الصفراء بعد شهرين. قال ابن واقد: ~~والأول أثبت عندنا. فافترق الناس على ذلك، ورجعت قريش فخبروا من قبلهم ~~بالموعد وتهيئوا للخروج وأجلبوا [ (1) ] ، وكان هذا عندهم أعظم الأيام ~~لأنهم رجعوا من أحد والدولة لهم، طمعوا في بدر الموعد أيضا بمثل ذلك من ~~الظفر. وكان بدر الصفراء مجمعا يجتمع فيه العرب، وسوقا تقوم لهلال ذي ~~القعدة إلى ثمان ليال خلون منه، فإذا مضت ثماني ليال منه تفرق الناس إلى ~~بلادهم. فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى رسول PageV01P384 ~~الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يحب أن يقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه بالمدينة ولا يوافقون الموعد. فكان كل من ورد عليه مكة يريد ~~المدينة أظهر له: إنا نريد أن نغزو محمدا في جمع كثيف. فيقدم القادم على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيراهم على تجهز فيقول: تركت أبا سفيان ~~قد جمع الجموع، وسار في العرب ليسير إليكم لموعدكم. فيكره ذلك المسلمون ~~ويهيبهم ذلك. # ويقدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة، فجاءه أبو سفيان بن حرب في رجال من ~~قريش فقال: يا نعيم، إني وعدت محمدا وأصحابه يوم أحد أن نلتقي نحن وهو ببدر ~~الصفراء على رأس الحول، وقد جاء ذلك. فقال نعيم: ~~ما أقدمني إلا ما رأيت محمدا وأصحابه يصنعون من إعداد السلاح والكراع، ~~وقد تجلب إليه حلفاء الأوس من بلي وجهينة وغيرهم، فتركت المدينة أمس وهي ~~كالرمانة. فقال أبو سفيان: أحقا ما تقول؟ قال: ms285 إي والله. ~~فجزوا نعيما خيرا ووصلوه وأعانوه، فقال أبو سفيان: أسمعك تذكر ما تذكر، ~~ما قد أعدوا؟ وهذا عام جدب- قال نعيم: الأرض مثل ظهر الترس، ليس فيها لبعير ~~شيء- وإنما يصلحنا عام خصب غيداق [ (1) ] ترعى فيه الظهر والخيل ونشرب ~~اللبن، وأنا أكره أن يخرج محمد وأصحابه ولا أخرج فيجترئون علينا، ويكون ~~الخلف من قبلهم أحب إلي. ونجعل لك عشرين فريضة، عشرا جذاعا [ (2) ] وعشرا ~~حقاقا [ (3) ] ، وتوضع لك على يدي PageV01P385 ~~سهيل بن عمرو ويضمنها لك. قال نعيم: رضيث. وكان سهيل صديقا لنعيم فجاء ~~سهيلا فقال: يا أبا يزيد، تضمن لي عشرين فريضة على أن أقدم المدينة فأخذل ~~أصحاب محمد؟ قال: نعم. [قال] : فإني خارج. ~~فخرج على بعير حملوه عليه، وأسرع السير فقدم وقد حلق رأسه معتمرا، فوجد ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهزون، فقال أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: من أين يا نعيم؟ قال: خرجت معتمرا إلى مكة. ~~فقالوا: لك علم بأبي سفيان؟ قال: نعم، تركت أبا سفيان قد جمع الجموع ~~وأجلب معه العرب، فهو جاء فيما لا قبل لكم به، فأقيموا ولا تخرجوا فإنهم قد ~~أتوكم في داركم وقراركم، فلن يفلت منكم إلا الشريد، وقتلت سراتكم وأصاب ~~محمدا في نفسه [ (1) ] ما أصابه من الجراح. فتريدون أن تخرجوا إليهم ~~فتلقوهم في موضع من الأرض؟ بئس الرأي رأيتم لأنفسكم- وهو موسم يجتمع فيه ~~الناس- والله ما أرى أن يفلت منكم أحد! وجعل يطوف بهذا القول في أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى رعبهم وكره إليهم الخروج، حتى نطقوا بتصديق ~~قول نعيم، أو من [ (2) ] نطق منهم. واستبشر بذلك المنافقون واليهود وقالوا: ~~محمد لا يفلت [ (3) ] من هذا الجمع! واحتمل الشيطان أولياءه من الناس لخوف ~~المسلمين، حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وتظاهرت به الأخبار ~~عنده، حتى خاف رسول الله ألا يخرج معه أحد. ~~فجاءه أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~وقد سمعا ما سمعا فقالا: يا رسول الله إن الله مظهر ms286 دينه ومعز نبيه، وقد ~~وعدنا القوم موعدا ونحن لا نحب أن PageV01P386 ~~نتخلف عن القوم، فيرون أن هذا جبن منا عنهم، فسر لموعدهم، فو الله إن في ~~ذلك لخيرة! فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ثم قال: والذي نفسي ~~بيده، لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد! ~~قال: فلما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم بما بصر الله عز وجل ~~المسلمين، وأذهب ما كان رعبهم الشيطان، وخرج المسلمون بتجارات لهم إلى بدر. # فحدثت عن يزيد، عن خصيفة، قال: كان عثمان بن عفان رحمه الله يقول: لقد ~~رأيتنا وقد قذف الرعب في قلوبنا، فما أرى أحدا له نية في الخروج، حتى أنهج ~~الله تعالى للمسلمين بصائرهم، وأذهب عنهم تخويف الشيطان. فخرجوا فلقد خرجت ~~ببضاعة إلى موسم بدر، فربحت للدينار دينارا، فرجعنا بخير وفضل من ربنا. ~~فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين وخرجوا ببضائع لهم ونفقات، ~~فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ~~ثمانية أيام والسوق قائمة. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في ألف وخمسمائة من أصحابه ~~وكانت الخيل عشرة أفراس: فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرس لأبي ~~بكر، وفرس لعمر، وفرس لأبي قتادة، وفرس لسعيد بن زيد، وفرس للمقداد، وفرس ~~للحباب، وفرس للزبير، وفرس لعباد بن بشر. # فحدثني علي بن زيد، عن أبيه قال: قال المقداد: شهدت بدر الموعد على فرسي ~~سبحة، أركب ظهرها ذاهبا وراجعا، فلم يلق كيدا. ثم إن أبا سفيان قال: يا ~~معشر قريش، قد بعثنا نعيم بن مسعود لأن يخذل أصحاب محمد عن الخروج وهو ~~جاهد، ولكن نخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتين ثم نرجع، فإن كان محمد لم يخرج ~~بلغه أنا خرجنا فرجعنا لأنه لم يخرج، فيكون هذا لنا عليه، وإن كان خرج ~~أظهرنا أن هذا عام جدب ولا يصلحنا PageV01P387 ~~إلا عام عشب. قالوا: نعم ما رأيت. فخرج في قريش، وهم ألفان ومعهم خمسون ~~فرسا، حتى انتهوا إلى مجنة [ (1) ] ثم ms287 قال: ارجعوا، لا يصلحنا إلا عام خصب ~~غيداق، نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع ~~فارجعوا. فسمى أهل مكة ذلك الجيش جيش السويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. # وكان يحمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعظم يومئذ علي بن أبي ~~طالب عليه السلام. وأقبل رجل من بني ضمرة يقال له مخشي بن عمرو، وهو الذي ~~حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه في غزوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الأولى إلى ودان ~~فقال- والناس مجتمعون في سوقهم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ~~أهل ذلك الموسم- فقال: ~~يا محمد، لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليرفع ذلك إلى عدوه من قريش: ما ~~أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا، وإن شئت [ (2) ] مع ذلك نبذنا إليك ~~وإلى قومك العهد، ثم جالدناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا. ~~فقال الضمري: بل، نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك. وسمع بذلك معبد ابن أبي ~~معبد الخزاعي فانطلق سريعا، وكان مقيما ثمانية أيام، وقد رأى أهل الموسم ~~ورأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع كلام مخشي، فانطلق حتى قدم ~~مكة، فكان أول من قدم بخبر موسم بدر. ~~فسألوه فأخبرهم بكثرة أصحاب محمد، وأنهم أهل ذلك الموسم، وما سمع من قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للضمري، وقال: وافى محمد فى ألفين من ~~PageV01P388 ~~أصحابه، وأقاموا ثمانية أيام حتى تصدع أهل الموسم. فقال صفوان بن أمية ~~لأبي سفيان: قد والله نهيتك يومئذ أن تعد القوم، وقد اجترأوا علينا ورأوا ~~أن قد أخلفناهم، وإنما خلفنا الضعف عنهم. فأخذوا في الكيد والنفقة في قتال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واستجلبوا من حولهم من العرب، وجمعوا الأموال ~~العظام، وضربوا البعث على أهل مكة، فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتي بما قل ~~أو كثر، فلم يقبل من أحد منهم أقل من أوقية لغزوة الخندق. ms288 وقال معبد: لقد ~~حملني ما رأيت أن قلت شعرا: # تهوى على دين [ (1) ] أبيها الأتلد [ (2) ] %~% إذ جعلت ماء قديد [ (3) ] ~~موعد # وماء ضجنان لها ضحى الغد %~% إذ نفرت من رفقتي محمد # وعجوة موضوعة كالعنجد [ (4) ] # ويزعمون أن حماما [ (5) ] قالها. # وأنزل الله عز وجل: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم [ (6) ] ~~الآية، يعني نعيم بن مسعود. # وقال كعب بن مالك- قال الواقدي: أنشدنيها مشيخة آل كعب وأصحابنا جميعا: # وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد %~% لموعده صدقا وما كان وافيا # فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا %~% رجعت ذميما وافتقدت المواليا [ (7) ] ~~PageV01P389 # تركنا بها أوصال عتبة وابنه %~% وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا # عصيتم رسول الله أف لدينكم %~% وأمركم السيئ [ (1) ] الذي كان غاويا # وإني وإن عنفتموني [ (2) ] لقائل %~% فدى لرسول الله أهلي وما ليا # أطعنا فلم نعدل سواه بغيره %~% شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا # وقال حسان بن ثابت الأنصاري- ثبت ابن أبي الزناد وابن جعفر وغيرهما: # أقمنا على الرس النزوع [ (3) ] ثمانيا %~% بأرعن [ (4) ] جرار عريض ~~المبارك # بكل كميت جوزه [ (5) ] نصف خلقه %~% وأدم [ (6) ] طوال مشرفات الحوارك [ ~~(7) ] # ترى العرفج [ (8) ] العامي تبدى أصوله %~% مناسم [ (9) ] أخفاف المطي ~~الرواتك [ (10) ] # إذا هبطت خورات [ (11) ] من رمل عالج [ (12) ] %~% فقولا لها ليس الطريق ~~هنالك # ذروا فلجات [ (13) ] الشام قد حال دونها %~% ضراب كأفواه المخاض الأوارك ~~[ (14) ] PageV01P390 # بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم %~% وأنصار حق أيدوا بملائك # فإن نلق في تطوافنا والتماسنا %~% فرات بن حيان يكن رهن هالك # وإن نلق قيس بن امرئ القيس بعده %~% نزد في سواد وجهه لون حالك [ (1) ] # فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب [ (2) ] . هكذا كان. ### | سرية ابن عتيك إلى أبي رافع # خرجوا ليلة الاثنين في السحر لأربع خلون من ذي الحجة، على رأس ستة ~~وأربعين شهرا، وغابوا عشرة أيام. # حدثني أبو أيوب بن النعمان، عن أبيه، عن عطية بن عبد الله بن أنيس، عن ~~أبيه، قال: خرجنا من المدينة حتى أتينا خيبر. قال: وقد كانت أم عبد الله بن ~~عتيك بخيبر يهودية أرضعته، وقد بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة ~~نفر: عبد الله بن عتيك، وعبد ms289 الله بن أنيس، وأبو قتادة، والأسود بن خزاعي، ~~ومسعود بن سنان. قال: فانتهينا إلى خيبر، وبعث عبد الله إلى أمه فأعلمها ~~بمكانه، فخرجت إلينا بجراب مملوء تمرا كبيسا وخبزا، فأكلنا منه ثم قال لها: ~~يا أماه، إنا قد أمسينا، [ (3) ] بيتينا عندك فأدخلينا خيبر. فقالت أمه: ~~كيف تطيق خيبر وفيها أربعة آلاف مقاتل؟ ومن تريد فيها؟ قال: أبا رافع. ~~فقالت: لا تقدر عليه. PageV01P391 # قال: والله لأقتلنه أو لأقتلن دونه قبل ذلك. قالت: فادخلوا على ليلا. ~~فدخلوا عليها فلما نام أهل خيبر، وقد قالت لهم: ادخلوا في خمر [ (1) ] ~~الناس، فإذا هدأت الرجل فاكمنوا! ففعلوا ودخلوا عليها ثم قالت: إن اليهود ~~لا تغلق عليها أبوابها فرقا أن يطرقها ضيف، فيصبح أحدهم بالفناء ولم يضف، ~~فيجد الباب مفتوحا فيدخل فيتعشى. فلما هدأت الرجل قالت: انطلقوا حتى ~~تستفتحوا على أبي رافع فقولوا «إنا جئنا لأبي رافع بهدية» فإنهم سيفتحون ~~لكم. ففعلوا ذلك، ثم خرجوا لا يمرون بباب من بيوت خيبر إلا أغلقوه حتى ~~أغلقوا بيوت القرية كلها، حتى انتهوا إلى عجلة [ (2) ] عند قصر سلام [ (3) ~~] . قال: فصعدنا وقدمنا عبد الله بن عتيك، لأنه كان يرطن باليهودية، ثم ~~استفتحوا على أبي رافع فجاءت امرأته فقالت: ما شأنك؟ فقال عبد الله بن عتيك ~~ورطن باليهودية: جئت أبا رافع بهدية. ~~ففتحت له فلما رأت السلاح أرادت تصيح. قال عبد الله بن أنيس: ~~وازدحمنا على الباب أينا يبدر إليه، فأرادت أن تصيح. قال: فأشرت إليها ~~السيف. قال: وأنا أكره أن يسبقني أصحابي إليه. قال: فسكنت [ (4) ] ساعة. ~~قال: ثم قلت لها: أين أبو رافع؟ وإلا ضربتك بالسيف! فقالت: هو ذاك في ~~البيت. فدخلنا عليه فما عرفناه إلا ببياضه كأنه قطنة [ (5) ] ملقاة، ~~فعلوناه بأسيافنا فصاحت امرأته، فهم بعضنا أن يخرج إليها ثم ذكرنا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتل النساء. قال: PageV01P392 ~~فلما انتهينا جعل سمك [ (1) ] البيت يقصر علينا، وجعلت سيوفنا ترجع. # قال ابن أنيس: وكنت رجلا أعشى لا أبصر بالليل إلا بصرا ضعيفا. ~~قال: فتأملته كأنه قمر. قال: ms290 فأتكئ بسيفي على بطنه حتى سمعت خشه [ (2) ] ~~في الفراش وعرفت أنه قد قضى. قال: وجعل القوم يضربونه جميعا، ثم نزلنا ونسي ~~أبو قتادة قوسه فذكرها بعد ما نزل، فقال أصحابه دع القوس. فأبى فرجع فأخذ ~~قوسه، وانفكت رجله فاحتملوه بينهم، فصاحت امرأته، فتصايح أهل الدار بعد ما ~~قتل. فلم يفتح أهل البيوت عن أنفسهم ليلا طويلا، واختبأ القوم في بعض مناهر ~~[ (3) ] خيبر. وأقبلت اليهود وأقبل الحارث أبو زينب، فخرجت إليه امرأته ~~فقالت: خرج القوم الآن. فخرج الحارث في ثلاثة آلاف في آثارنا، يطلبوننا ~~بالنيران في شعل [ (4) ] السعف، ولربما [ (5) ] وطئوا في النهر، فنحن في ~~بطنه وهم على ظهره فلا يرونا، فلما أوعبوا في الطلب فلم يروا شيئا رجعوا ~~إلى امرأته فقالوا لها: هل تعرفين منهم أحدا؟ قالت: سمعت منهم كلام عبد ~~الله بن عتيك، فإن كان في بلادنا هذه فهو معهم. فكروا الطلب الثانية، وقال ~~القوم فيما بينهم: لو أن بعضنا أتاهم فنظر هل مات الرجل أم لا. فخرج الأسود ~~بن خزاعي حتى دخل مع القوم وتشبه بهم، فجعل في يده شعلة كشعلهم حتى كر ~~القوم الثانية إلى القصر وكر معهم، ويجد الدار قد PageV01P393 ~~شحنت [ (1) ] . قال: فأقبلوا جميعا ينظرون إلى أبي رافع ما فعل. قال: ~~فأقبلت امرأته معها شعلة من نار ثم أحنت عليه تنظر أحي أم ميت هو، فقالت: ~~فاظ [ (2) ] وإله موسى! قال: ثم كرهت أن أرجع إلا بأمر بين. ~~قال: فدخلت الثانية معهم، فإذا الرجل لا يتحرك منه عرق. قال: ~~فخرجت اليهود في صيحة واحدة. قال: وأخذوا في جهازه يدفنونه. قال: ~~وخرجت معهم وقد أبطأت على أصحابي بعض الإبطاء. قال: فانحدرت عليهم في ~~النهر فخبرتهم، فمكثنا في مكاننا يومين حتى سكن عنا الطلب، ثم خرجنا مقبلين ~~إلى المدينة، كلنا يدعي قتله، ~~فقدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، فلما رآنا قال: ~~أفلحت الوجوه! فقلنا أفلح وجهك يا رسول الله! قال: أقتلتموه؟ قلنا: نعم، ~~وكلنا يدعي قتله. ~~قال: عجلوا علي بأسيافكم. فأتينا بأسيافنا ثم قال: هذا قتله، ms291 هذا أثر ~~الطعام في سيف عبد الله بن أنيس. ~~قال: وكان ابن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، ~~وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليه هؤلاء النفر. # فحدثني أيوب بن النعمان قال: حدثني خارجة بن عبد الله [ (3) ] قال: ~~لما انتهوا إلى أبي رافع تشاجروا في قتله. قال: فاستهموا عليه فخرج سهم ~~عبد الله بن أنيس. وكان رجلا أعشى فقال لأصحابه: أين موضعه؟ ~~قالوا: ترى بياضه كأنه قمر. قال: قد رأيت. قال: وأقبل عبد الله بن أنيس، ~~وقام النفر مع المرأة يفرقون أن تصيح، قد شهروا سيوفهم عليها، PageV01P394 ~~ودخل عبد الله بن أنيس، فضرب بالسيف، فرجعت السيف عليه لقصر السمك فاتكأ ~~عليه وهو ممتلئ خمرا حتى سمع خش السيف وهو في الفراش. # ويقال كانت السرية في شهر رمضان سنة ست. ### | غزوة ذات الرقاع # فإنما سميت ذات الرقاع لأنه جبل فيه بقع حمر وسواد وبياض [ (1) ] خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة السبت لعشر خلون من المحرم على رأس سبعة ~~وأربعين شهرا. وقدم صرارا [ (2) ] يوم الأحد لخمس بقين من المحرم وغاب خمس ~~عشرة. # فحدثني الضحاك بن عثمان، عن عبيد الله بن مقسم، وحدثني هشام بن سعد، عن ~~زيد بن أسلم، عن جابر، وعن عبد الكريم بن أبي حفصة، عن جابر، وعبد الرحمن ~~بن محمد بن أبى بكر، عن عبد الله ابن أبي بكر، ومالك بن أنس، وعبد الله بن ~~عمر، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، وقد زاد بعضهم على بعض في ~~الحديث، وغيرهم قد حدثني به، قالوا: قدم قادم بجلب له فاشترى بسوق النبط، ~~وقالوا: من أين جلبت جلبك؟ قال: جئت من نجد وقد رأيت أنمارا وثعلبة قد ~~جمعوا لكم جموعا، وأراكم هادين [ (3) ] عنهم. فبلغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P395 ~~قوله، فخرج في أربعمائة من أصحابه، وقال قائل: كانوا سبعمائة أو ~~ثمانمائة. ~~وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة، ms292 حتى سلك على المضيق [ (1) ~~] ثم أفضى إلى وادي الشقرة فأقام به يوما، وبث السرايا فرجعوا إليه مع ~~الليل، وخبروه أنهم لم يروا أحدا وقد وطئوا آثارا حديثة. ثم سار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فى أصحابه حتى أبى محالهم، فيجدون المحال ليس فيها أحد، ~~وقد ذهبت الأعراب إلى رءوس الجبال وهم مطلون على النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقد خاف الناس بعضهم بعضا، والمشركون منهم قريب وخاف المسلمون أن يغيروا ~~عليهم وهم غارون. وخافت الأعراب ألا يبرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~يستأصلهم. # وفيها صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف. فحدثنى ربيعة ابن ~~عثمان، عن أبي نعيم، عن جابر بن عبد الله، قال: فكان أول ما صلى يومئذ صلاة ~~الخوف، وخاف أن يغيروا عليه وهم في الصلاة وهم صفوف. # فحدثني عبد الله بن عثمان، عن أخيه، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، ~~عن أبيه، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صلاة الخوف، ~~فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة وطائفة خلفه وطائفة مواجهة ~~العدو، فصلى بالطائفة التي خلفه ركعة وسجدتين، ثم ثبت قائما فصلوا خلفه ~~ركعة وسجدتين، ثم سلموا، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة وسجدتين، ~~والطائفة الأولى مقبلة على العدو، فلما صلى بهم ركعة ثبت جالسا حتى أتموا ~~لأنفسهم ركعة وسجدتين ثم سلم. PageV01P396 # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب في محالهم نسوة، وكان في ~~السبي جارية وضيئة كان زوجها يحبها، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم راجعا إلى المدينة حلف زوجها ليطلبن محمدا، ولا يرجع إلى قومه حتى ~~يصيب محمدا، أو يهريق فيهم دما، أو تتخلص صاحبته. ~~فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره عشية ذات ريح، فنزل في شعب ~~استقبله فقال: من رجل يكلؤنا الليلة؟ ~~فقام رجلان، عمار بن ياسر وعباد بن بشر، فقالا: نحن يا رسول الله نكلؤك. ~~وجعلت الريح لا تسكن، وجلس الرجلان على فم الشعب، ms293 فقال أحدهما لصاحبه: أي ~~الليل أحب إليك، أن أكفيك أوله فتكفيني آخره؟ قال: اكفني أوله. ~~فنام عمار بن ياسر، وقام عباد بن بشر [ (1) ] يصلي، وأقبل عدو الله يطلب ~~غرة وقد سكنت الريح، فلما رأى سواده من قريب قال: يعلم الله إن هذا لربيئة ~~[ (2) ] القوم! ففوق له سهما فوضعه فيه فانتزعه فوضعه، ثم رماه بآخر فوضعه ~~فيه فانتزعه فوضعه، ثم رماه الثالث فوضعه فيه، فلما غلب عليه الدم ركع ~~وسجد، ثم قال لصاحبه: اجلس فقد أتيت! فجلس عمار، فلما رأى الأعرابي أن ~~عمارا قد قام علم أنهم قد نذروا به. فقال عمار: أي أخي، ما منعك أن توقظني ~~به في أول سهم رمى به؟ قال: كنت في سورة أقرأها وهي سورة الكهف، فكرهت أن ~~أقطعها حتى أفرغ منها، ولولا أني خشيت أن أضيع ثغرا أمرني به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما انصرفت ولو أتي على نفسي. ويقال: الأنصاري عمارة بن حزم. ~~قال ابن واقد: ~~وأثبتهما عندنا عمار بن ياسر. PageV01P397 # فكان جابر يقول: إنا لمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء رجل من أصحابه ~~بفرخ طائر ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فأقبل أبواه أو أحدهما ~~حتى طرح نفسه في يدي الذي أخذ فرخه. فرأيت الناس عجبوا من ذلك، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا الطائر؟ أخذتم فرخه فطرح نفسه ~~رحمة لفرخه! والله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه! # قال الواقدي: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته نحو ~~المشرق في غزوته. # قال جابر: فإنا لفي منصرفنا أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا تحت ~~ظل شجرة فقلت: هلم إلى الظل يا رسول الله. فدنا إلى الظل فاستظل، فذهبت ~~لأقرب إليه شيئا، فما وجدت إلا جروا من قثاء في أسفل الغرارة. ~~قال: فكسرته كسرا ثم قربته إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من أين لكم هذا؟ فقلنا: شيء فضل من زاد المدينة. فأصاب منه رسول الله ms294 صلى ~~الله عليه وسلم. وقد جهرنا [ (1) ] صاحبا لنا، يرعى ظهرنا وعليه ثوب متخرق، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما له غير هذا؟ ~~فقلنا: بلى يا رسول الله، إن له ثوبين جديدين في العيبة. فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: خذ ثوبيك. فأخذ ثوبيه فلبسهما ثم أدبر. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس هذا أحسن؟ ما له ضرب الله عنقه؟ ~~فسمع ذلك الرجل فقال: في سبيل الله يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: في سبيل الله. ~~قال جابر: فضربت عنقه بعد ذلك في سبيل الله. PageV01P398 # قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث عندنا إلى أن جاءنا علبة ~~[ (1) ] بن زيد الحارثي بثلاث بيضات أداحي، فقال: يا رسول الله، وجدت هذه ~~البيضات في مفحص نعام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~دونك يا جابر، فاعمل هذه البيضات! فوثبت فعملتهن، ثم جئت بالبيض في قصعة، ~~وجعلت أطلب خبزا فلا أجده. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~يأكلون من ذلك البيض بغير خبز. قال جابر: فرأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد أمسك يده وأنا أظن أنه قد انتهى إلى حاجته، والبيض في القصعة كما ~~هو. قال: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل منه عامة أصحابنا، ثم ~~رحنا مبردين. قال جابر: وإنا لنسير إلى أن أدركني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: ما لك يا جابر؟ ~~فقلت: أبى رسول الله جدي [ (2) ] أن يكون لي بعير سوء، وقد مضى الناس ~~وتركوني! قال: فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره فقال: أمعك ماء؟ ~~فقلت: نعم. فجئته بقعب من ماء، فنفث فيه ثم نضح على رأسه وظهره وعلى ~~عجزه، ثم قال: أعطني عصا. فأعطيته عصا معي- أو قال قطعت له عصا من شجرة. ~~قال: ثم نخسه، ثم قرعه بالعصا، ثم قال: اركب يا جابر. قال: فركبت. قال: ~~فخرج، والذي بعثه بالحق، يواهق ناقته [ (3) ] مواهقة ما تفوته ناقته. ms295 # قال: وجعلت أتحدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: PageV01P399 ~~يا أبا عبد الله، أتزوجت؟ قلت: نعم. قال: بكرا أم ثيبا؟ فقلت: ~~ثيبا. فقال: ألا جارية تلاعبها وتلاعبك! فقلت: يا رسول الله، بأبي وأمي ~~إن أبي أصيب يوم أحد وترك تسع بنات، وتزوجت امرأة جامعة تلم شعثهن وتقوم ~~عليهن. قال: أصبت. ثم قال: إنا لو قدمنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا ~~عليها يومنا ذلك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها. قال، قلت: والله يا رسول الله، ~~ما لنا [ (1) ] نمارق. قال: أما إنها ستكون، فإذا قدمت فاعمل عملا كيسا. ~~قال، قلت: أفعل ما استطعت. قال: ثم قال: بعني جملك هذا يا جابر. قلت: بل هو ~~لك يا رسول الله. قال: ~~لا، بل بعنيه. قال: قلت نعم، سمني به. قال: فإني آخذه بدرهم. ~~قال قلت: تغبنني يا رسول الله، قال: لا، لعمري! قال جابر: فما زال يزيدني ~~درهما درهما حتى بلغ به أربعين درهما- أوقية- فقال: أما رضيت؟ فقلت: ~~هو لك. فقال: فظهره لك حتى تقدم المدينة. قال: ويقال إنه قال «آخذه منك ~~بأوقية وظهره لك» فباعه على ذلك. قال: فلما قدمنا صرارا أمر بجزور فنحرت، ~~فأقام به يومه ثم دخلنا المدينة. # قال جابر: فقلت للمرأة: قد أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أعمل عملا ~~كيسا. قالت: سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدونك فافعل. ~~قال: ثم أصبحت فأخذت برأس الجمل فانطلقت حتى أنخته عند حجرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وجلست حتى خرج، فلما خرج قال: أهذا الجمل؟ قلت: نعم يا ~~رسول الله الذي اشتريت. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فقال: ~~اذهب فأعطه أوقية، وخذ برأس جملك يا ابن أخي فهو لك. فانطلقت مع بلال فقال ~~بلال: أنت ابن PageV01P400 ~~صاحب الشعب؟ فقلت: نعم. فقال: والله لأعطينك ولأزيدنك. ~~فزادني قيراطا أو قيراطين. قال: فما زال ذلك [ (1) ] يثمر ويزيدنا الله ~~به: ~~ونعرف موضعه حتى أصيب ها هنا قريبا عندكم- يعني الجمل. # قال الواقدي: وحدثني إسماعيل بن عطية بن ms296 عبد الله بن أنيس، عن أبيه، عن ~~جابر بن عبد الله، قال: لما انصرفنا راجعين، فكنا بالشقرة، قال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر، ما فعل دين أبيك؟ فقلت: ~~عليه انتظرت يا رسول الله أن يجذ نخله. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ~~إذا جذذت فأحضرني قال، قلت: نعم. ثم قال: من صاحب دين أبيك؟ فقلت: أبو ~~الشحم اليهودي، له على أبي سقة [ (2) ] تمر. فقال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فمتى تجذها؟ قلت: غدا. قال: يا جابر، فإذا جذذتها فاعزل العجوة ~~على حدتها، وألوان التمر على حدتها. ~~قال: ففعلت، فجعلت الصيحاني على حدة، وأمهات الجرادين على حدة، والعجوة ~~على حدة، ثم عمدت إلى جماع من التمر مثل نخبة [ (3) ] وقرن وشقحة وغيرها من ~~الأنواع، وهو أقل التمر، فجعلته حبلا [ (4) ] واحدا، ثم جئت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فخبرته، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علية ~~أصحابه، فدخلوا الحائط وحضر أبو الشحم. قال: PageV01P401 ~~فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التمر مصنفا قال: اللهم بارك ~~له! ثم انتهى إلى العجوة فمسها بيده وأصناف التمر، ثم جلس وسطها ثم قال: ~~ادع غريمك. فجاء أبو الشحم فقال: اكتل! فاكتال حقه كله من حبل واحد وهو ~~العجوة، وبقية التمر كما هو. ثم قال: يا جابر، هل بقي على أبيك شيء؟ قال، ~~قلت: لا. قال: وبقي سائر التمر، فأكلنا منه دهرا وبعنا منه حتى أدركت ~~الثمرة من قابل، ولقد كنت أقول: ~~لو بعت أصلها ما بلغت ما كان على أبي من الدين، فقضى الله ما كان على أبي ~~من الدين. فلقد رأيتني والنبي صلى الله عليه وسلم ليقول: ما فعل دين أبيك؟ ~~فقلت: قد قضاه الله عز وجل. فقال: اللهم اغفر لجابر! ~~فاستغفر لي في ليلة خمسا وعشرين مرة. # حدثني عائذ بن يحيى، عن أبي الحويرث، قال: استخلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه. ### | غزوة دومة الجندل ms297 # في ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا. خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لخمس ليال بقين من ربيع الأول، وقدم لعشر بقين من ربيع الآخر. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن. وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر، فكلاهما ~~قد حدثنا بهذا الحديث، وأحدهما يزيد على صاحبه، وغيرهما قد حدثنا أيضا. PageV01P402 # قالوا: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنو إلى أدنى الشام، وقيل ~~له إنها طرف من أفواه الشام، فلو دنوت لها كان ذلك مما يفزع قيصر. وقد ذكر ~~له أن بدومة الجندل جمعا كثيرا، وأنهم يظلمون من مر بهم من الضافطة [ (1) ] ~~، وكان بها سوق عظيم وتجار، وضوى إليهم قوم من العرب كثير، وهم يريدون أن ~~يدنوا من المدينة. فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فخرج في ألف ~~من المسلمين، فكان يسير الليل ويمكن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة يقال ~~له مذكور، هاد خريت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغذا للسير، ونكب ~~عن طريقهم، ~~ولما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من دومة الجندل- وكان بينه وبينها ~~يوم أو ليلة سير الراكب المعتق [ (2) ]- قال له الدليل: يا رسول الله، إن ~~سوائمهم ترعى فأقم لي حتى أطلع لك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. ~~فخرج العذري طليعة حتى وجد آثار النعم والشاء وهم مغربون، ثم رجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وقد عرف مواضعهم، فسار النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه. وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، ~~ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم، فلم يجد بها أحدا، فأقام بها ~~أياما وبث السرايا وفرقها حتى غابوا عنه يوما ثم رجعوا إليه، ولم يصادفوا ~~منهم أحدا، وترجع السرية بالقطعة من الإبل، PageV01P403 ~~إلا أن ms298 محمد بن مسلمة أخذ رجلا منهم، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس حيث سمعوا بأنك قد أخذت نعمهم. فعرض عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام أياما فأسلم، فرجع النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل على ~~المدينة سباع بن عرفطة. ### | غزوة المر يسيع [ (1) ] # في سنة خمس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا ~~من شعبان، وقدم المدينة لهلال رمضان وغاب شهرا إلا ليلتين. # حدثنا الواقدي قال: حدثني محمد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وابن أبي ~~سبرة، ومحمد بن صالح، وعبد الحميد بن جعفر، وابن أبي حبيبة، وهشام بن سعد، ~~ومعمر بن راشد، وأبو معشر، وخالد بن إلياس وعائذ بن يحيى، وعمر بن عثمان ~~المخزومي، وعبد الله بن يزيد بن قسيط، وعبد الله بن يزيد الهذلي، وكل قد ~~حدثني بطائفة، وغير هؤلاء قد حدثني قالوا: إن بلمصطلق من خزاعة كانوا ~~ينزلون ناحية الفرع، وهم حلفاء في بنى مدلج، وكان رأسهم وسيدهم الحارث بن ~~أبي ضرار، وكان قد سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فابتاعوا خيلا وسلاحا وتهيئوا للمسير إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ~~وجعلت الركبان تقدم من ناحيتهم فيخبرون بمسيرهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، واستأذن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول فأذن له، فخرج حتى ورد PageV01P404 ~~عليهم ماءهم، فوجد قوما مغرورين قد تألبوا وجمعوا الجموع، فقالوا: ~~من الرجل؟ قال: رجل منكم، قدمت لما بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في ~~قومي ومن أطاعني فتكون يدنا واحدة حتى نستأصله. قال الحارث بن أبي ضرار: ~~فنحن على ذلك، فعجل علينا. قال بريدة: أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي ~~ومن أطاعني. فسروا بذلك منه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~خبر ms299 القوم، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم خبر عدوهم ~~فأسرع الناس للخروج، وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرسا، في المهاجرين منها ~~عشرة وفي الأنصار عشرون، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فرسان، وكان علي ~~عليه السلام فارسا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، ~~وطلحة بن عبيد الله، والمقداد بن عمرو. وفي الأنصار سعد بن معاذ، وأسيد بن ~~حضير، وأبو عبس بن جبر، وقتادة بن النعمان، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، ~~وسعد بن زيد الأشهلي، والحارث بن حزمة [ (1) ] ، ومعاذ بن جبل، وأبو قتادة، ~~وأبي بن كعب، والحباب بن المنذر، وزياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، ومعاذ بن ~~رفاعة بن رافع. # قالوا: وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر كثير من المنافقين لم ~~يخرجوا في غزاة قط مثلها، ليس بهم رغبة في الجهاد إلا أن يصيبوا من عرض ~~الدنيا، وقرب عليهم السفر. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك على ~~الحلائق [ (2) ] فنزل بها. فأتي يومئذ برجل من عبد القيس، فسلم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P405 ~~أين أهلك؟ قال: بالروحاء. قال: أين تريد؟ قال: إياك جئت لأومن بك وأشهد ~~أن ما جئت به الحق، وأقاتل معك عدوك قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~الحمد لله الذي هداك للإسلام. قال: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله؟ ~~قال: الصلاة في أول وقتها. # قال: فكان الرجل بعد ذلك يصلي حين تزيغ الشمس، وحين يدخل وقت العصر، وحين ~~تغرب الشمس، لا يؤخر الصلاة إلى الوقت الآخر. # قال: فلما نزل ببقعاء [ (1) ] أصاب عينا للمشركين فقالوا له: ما وراءك؟ ~~أين الناس؟ قال: لا علم لي بهم. # فحدثني هشام بن سعد، عن يعقوب، عن زيد بن طلحة، قال: ~~قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لتصدقن أو لأضربن عنقك. قال: ~~فأنا رجل من بلمصطلق، تركت الحارث بن أبي ضرار قد جمع لكم الجموع، وتجلب ~~إليه ناس ms300 كثير، وبعثني إليكم لآتيه بخبركم وهل تحركتم من المدينة. فأتى عمر ~~بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فدعاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الإسلام وعرضه عليه، فأبى وقال: لست بمتبع دينكم حتى أنظر ما ~~يصنع قومي، إن دخلوا في دينكم كنت كأحدهم، وإن ثبتوا على دينهم فأنا رجل ~~منهم. فقال عمر: يا رسول الله، أضرب عنقه! فقدمه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فضرب عنقه، فذهب الخبر إلى بلمصطلق. فكانت جويرية بنت الحارث تقول بعد ~~أن أسلمت: ~~جاءنا خبره ومقتله ومسير رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم علينا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسئ [ (2) ] أبي ومن معه وخافوا خوفا شديدا، ~~وتفرق عنهم من كان قد اجتمع إليهم من أفناء العرب، فما بقي منهم أحد سواهم. ~~PageV01P406 # ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع وهو الماء فنزله، ~~وضرب [ (1) ] لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبة من أدم، ومعه من نسائه ~~عائشة وأم سلمة. وقد اجتمعوا على الماء وأعدوا وتهيئوا للقتال، فصف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر رضي الله ~~عنه، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه، ويقال كان مع عمار بن ~~ياسر رضي الله عنه راية المهاجرين. ~~ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فنادى ~~في الناس: قولوا لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم. ~~ففعل عمر رضي الله عنه فأبوا. فكان أول من رمى رجل منهم بسهم، فرمى ~~المسلمون ساعة بالنبل، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن ~~يحملوا، فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم وأسر ~~سائرهم. وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والذرية، ~~[وغنمت] النعم والشاء، وما قتل أحد من المسلمين إلا رجل واحد. # وكان أبو قتادة يحدث قال: حمل لواء المشركين يومئذ صفوان ذو الشقر، فلم ~~تكن لي ms301 بأهبة حتى شددت عليه وكان الفتح. وكان شعارهم: ~~يا منصور، أمت أمت! # وكان ابن عمر يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار ~~على بني المصطلق وهم غارون، ونعمهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ~~ذراريهم. والحديث الأول أثبت عندنا. # وكان هاشم بن ضبابة [ (2) ] قد خرج في طلب العدو، فرجع فى ريح ~~PageV01P407 ~~شديدة وعجاج [ (1) ] ، فتلقى رجلا من رهط عبادة بن الصامت يقال له أوس، ~~فظن أنه من المشركين فحمل عليه فقتله، فعلم بعد أنه مسلم، فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن تخرج ديته. ويقال قتله رجل من بني عمرو ابن عوف، ~~فقدم أخوه مقيس على النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية فقبضها، ثم ~~عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى قريش مرتدا وهو يقول: # شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا %~% يضرج ثوبيه دماء الأخادع [ (2) ] # ثأرت به قهرا وحملت عقله %~% سراة بني النجار أرباب فارع [ (3) ] # حللت به وتري وأدركت ثؤرتي %~% وكنت إلى الأوثان أول راجع # سمعت عبد الرحمن يقول: أنشدنيها أبي. فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دمه حتى قتله نميلة يوم الفتح. # وحدثني سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض، عن أبيه، عن جدته، وهي مولاة ~~جويرية قالت: سمعت جويرية بنت الحارث تقول: أتانا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونحن على المريسيع فأسمع أبي يقول: أتانا ما لا قبل لنا به. قالت: ~~فكنت أرى من الناس والخيل ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت ~~أرى، فعلمت أنه رغب من PageV01P408 ~~الله تعالى يلقيه في قلوب المشركين. فكان رجل منهم قد أسلم فحسن إسلامه ~~يقول: لقد كنا نرى رجالا بيضا على خيل بلق، ما كنا نراهم قبل ولا بعد. # حدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن الفضيل، قال: حدثني ابن مسعود بن ~~هنيدة، عن أبيه، قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقعاء فقال: أين ~~تريد يا ms302 مسعود؟. فقلت: جئت لأن أسلم عليك وقد أعتقني أبو تميم. قال: بارك ~~الله عليك، أين تركت أهلك؟ قال: تركتهم بموضع يعرف بالخذوات [ (1) ] ، ~~والناس صالحون، وقد رغب الناس في الإسلام وكثر حولنا. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: فلله الحمد الذي هداهم! ثم قال مسعود: يا رسول الله، قد ~~رأيتني أمس ولقيت رجلا من عبد القيس فدعوته إلى الإسلام فرغبته فيه فأسلم. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لإسلامه على يديك كان خيرا لك مما طلعت ~~عليه الشمس أو غربت. ثم قال: كن معنا حتى نلقى عدونا، فإني أرجو أن ينفلنا ~~الله أموالهم. قال: فسرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غنمه الله ~~أموالهم وذراريهم، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة من إبل وقطعة ~~من غنم، فقلت: يا رسول الله، كيف أقدر أن أسوق الإبل ومعي الغنم؟ اجعلها ~~غنما كلها أو إبلا كلها. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أي ~~ذلك أحب إليك؟ قلت: تجعلها إبلا. قال: أعطه عشرا من الإبل. ~~قال: فأعطيتها. فيقال له: قارعه من المال أو من الخمس؟ ~~قال: والله ما أدري، فرجعت إلى أهلى، فو الله ما زلنا في خير منها إلى ~~يومنا هذا. # فحدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبد الله ~~PageV01P409 ~~ابن أبي جهم، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى فكتفوا ~~وجعلوا ناحية، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب [ (1) ] . وأمر بما وجد في ~~رحالهم من رثة [المتاع] [ (2) ] والسلاح فجمع، وعمد إلى النعم والشاء فسيق. ~~واستعمل عليهم شقران مولاه، وجمع الذرية ناحية، واستعمل على المقسم- مقسم ~~الخمس- وسهمان المسلمين محمية بن جزء الزبيدي، فأخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الخمس من جميع المغنم، فكان يليه محمية بن جزء الزبيدي. # وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، وعبد الله بن ~~عبد الله بن الحارث بن نوفل، قالا: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~خمس المسلمين ms303 محمية بن جزء الزبيدي. قالا: وكان يجمع الأخماس وكانت الصدقات ~~على حدتها، أهل الفيء بمعزل عن الصدقة، وأهل الصدقة بمعزل عن الفيء، وكان ~~يعطي من الصدقة اليتيم والمسكين والضعيف. فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء ~~وأخرج من الصدقة، ووجب عليه الجهاد، فإن كره الجهاد وأباه لم يعط من الصدقة ~~شيئا، وخلوا بينه وبين أن يكسب لنفسه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يمنع سائلا، فأتاه رجلان يسألانه من الخمس فقال: إن شئتما أعطيتكما منه، ~~ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. ~~قالوا: فاقتسم السبي وفرق، فصار في أيدي الرجال، وقسمت الرثة وقسم النعم ~~والشاء، وعدلت الجزور بعشر من الغنم وبيعت الرثة فيمن يريد، وأسهم للفرس ~~سهمان ولصاحبه سهم، وللراجل سهم. وكانت الإبل ألفي بعير وخمسة آلاف شاة، ~~وكان السبي مائتي أهل بيت. فصارت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس ~~وابن عم PageV01P410 ~~له، فكاتبها على تسع أواق ذهب. # فحدثني عبد الله بن يزيد بن قسيط، عن أبيه، عن ثوبان، عن عائشة رضي الله ~~عنها، قالت: كانت جويرية جارية حلوة، لا يكاد يراها أحد إلا ذهبت بنفسه، ~~فبينا النبي صلى الله عليه وسلم عندي ونحن على الماء إذ دخلت عليه جويرية ~~تسأله فى كتابتها. قالت عائشة: فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: ~~يا رسول الله، إني امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ~~وأنا جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار سيد قومه، أصابنا من الأمر ما قد ~~علمت، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له، فتخلصني من ابن عمه ~~بنخلات له بالمدينة، فكاتبني ثابت على ما لا طاقة لي به ولا يدان، وما ~~أكرهني على ذلك إلا أني رجوتك صلى الله عليك فأعني فى مكاتبى! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أو خير من ذلك؟ فقالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: ms304 ~~أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك. ~~قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت! فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى ثابت فطلبها منه، فقال ثابت: ~~هي لك يا رسول الله بأبي وأمي. فأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ~~عليها من كتابتها، وأعتقها وتزوجها. وخرج الخبر إلى الناس، ورجال بنى ~~المصطلق قد اقتسموا وملكوا ووطئ نساؤهم، فقالوا: أصهار النبي صلى الله عليه ~~وسلم! فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السبي. قالت عائشة رضي الله عنها: فأعتق ~~مائة أهل بيت بتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فلا أعلم امرأة ~~أعظم بركة على قومها منها. # فحدثني حزام بن هشام، عن أبيه، قال: قالت جويرية: رأيت PageV01P411 ~~قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب ~~حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبرها أحدا من الناس، حتى قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما سبينا رجوت الرؤيا، فلما أعتقني وتزوجني والله ما ~~كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من ~~بنات عمي تخبرني الخبر، فحمدت الله عز وجل. ~~ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل صداقها عتق كل أسير من بني ~~المصطلق، ويقال جعل صداقها عتق أربعين من قومها. # فحدثني ابن أبي سبرة عن عمارة بن غزية، قال: كان السبي منهم من من عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء، ومنهم من افتدي، وذلك بعد ما صار ~~السبي في أيدي الرجال، فافتديت المرأة والذرية بست فرائض. وكانوا قدموا ~~المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم، فلم تبق امرأة من بني ~~المصطلق إلا رجعت إلى قومها. وهذا الثبت. # فحدثني عمر بن عثمان، عن عبد الملك بن عبيد، عن عبد الرحمن ابن سعيد بن ~~يربوع، عن عمران بن حصين، قال: قدم الوفد المدينة فافتدوا السبي بعد ~~السهمان. # وحدثني عبد الله بن أبي الأبيض، عن جدته وهي مولاة جويرية، كان عالما ~~بحديثهم، قالت: سمعت جويرية تقول: افتداني أبي من ms305 ثابت بن قيس بن شماس بما ~~افتدي به امرأة من السبي، ثم خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى ~~فأنكحنى. قالت: وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جويرية، وكان يكره أن يقال «خرج من بيت برة» . قال ابن واقد: وأثبت (من) ~~هذا عندنا حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى عنها كتابتها ~~وأعتقها وتزوجها. PageV01P412 # وحدثني إسحاق بن يحيى، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم لها كما ~~كان يقسم لنسائه، وضرب عليها الحجاب. # وحدثني الضحاك بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبى محيرير، وأبي ~~ضمرة [ (1) ] ، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبايا، وبنا شهوة النساء، واشتدت علينا ~~العزبة، وأحببنا الفداء فأردنا العزل فقلنا: ~~نعزل. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله عن ذلك، ~~فسألناه فقال: ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا ~~هي كائنة. ~~وكان أبو سعيد يقول: فقدم علينا وفودهم فافتدوا الذرية والنساء، ورجعوا ~~بهن إلى بلادهم، وخير من خير منهن أن تقيم عند من صارت في سهمه، فأبين إلا ~~الرجوع. # قال الضحاك: فحدثت هذا الحديث أبا النصر فقال: أخبرني أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن، عن أبن سعيد الخدري، قال: قال رجل من اليهود، وخرجت بجارية لي ~~أبيعها في السوق، فقال لي: يا أبا سعيد، لعلك تريد بيعها وفي بطنها منك ~~سخلة! قال: فقلت كلا، إني كنت أعزل عنها. فقال: تلك الموءودة الصغرى. قال: ~~فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ذلك، فقال: كذبت اليهود! كذبت ~~اليهود! ### |PARATEXT| # تم بعون الله تعالى الجزء الأول من مغازي الواقدى ويليه الجزء الثاني ~~وأوله «ذكر ما كان من أمر ابن أبي» PageV01P413 # الجزء الثاني ### | ذكر ما كان من أمر ابن أبي # قالوا: فبينا ms306 المسلمون على ماء المريسيع قد انقطعت الحرب، وهو ماء ظنون [ ~~(1) ] ، إنما يخرج في الدلو نصفه، أقبل سنان بن وبر الجهني- وهو حليف في ~~بني سالم- ومعه فتيان من بني سالم يستقون، فيجدون على الماء جمعا من العسكر ~~من المهاجرين والأنصار، وكان جهجا [ (2) ] بن سعيد الغفاري أجيرا لعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، فأدلى سنان وأدلى جهجا دلوه، وكان جهجا أقرب السقاء ~~إلى سنان بن وبر، فالتبست دلو سنان ودلو جهجا، فخرجت إحدى الدلوين وهي دلو ~~سنان بن وبر. قال سنان: ~~فقلت: دلوي. فقال جهجا: والله، ما هي إلا دلوي. فتنازعا إلى أن رفع جهجا ~~يده فضرب سنانا فسال الدم، فنادى: يا آل خزرج [ (3) ] ! وثارت الرجال. قال ~~سنان: وأعجزني جهجا هربا وأعجز أصحابي، وجعل ينادي في العسكر: يا آل قريش! ~~يا آل كنانة! فأقبلت إليه قريش سراعا. ~~قال سنان: فلما رأيت ما رأيت ناديت بالأنصار. قال: فأقبلت الأوس والخزرج، ~~وشهروا السلاح حتى خشيت أن تكون فتنة عظيمة، حتى جاءني ناس من المهاجرين ~~يقولون: اترك حقك! # [قال سنان] : وإذا ضربته لم يضررني شيئا. قال سنان: ~~فجعلت لا أستطيع أفتات على حلفائي بالعفو لكلام المهاجرين، وقومي يأبون أن ~~PageV02P415 ~~أعفو إلا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أقتص من جهجا. ثم إن ~~المهاجرين كلموا حلفائي، فكلموا عبادة بن الصامت وناسا من حلفائي، فكلمني ~~حلفائي فتركت ذلك ولم أرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وكان ابن أبي جالسا في عشرة من المنافقين: ابن أبي، ومالك، وداعس، وسويد، ~~وأوس بن قيظي، ومعتب بن قشير [ (1) ] ، وزيد بن اللصيت [ (2) ] ، وعبد الله ~~بن نبتل- وفي القوم زيد بن أرقم، غلام لم يبلغ أو قد بلغ- فبلغه صياح جهجا: ~~يا آل قريش! فغضب ابن أبي غضبا شديدا، وكان مما ظهر من كلامه وسمع منه أن ~~قال: والله، ما رأيت كاليوم مذلة! والله، إن كنت لكارها لوجهي هذا ولكن ~~قومي غلبوني! قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منتنا [ ~~(3) ] . والله، ما صرنا وجلابيب [ (4) ] قريش هذه إلا كما قال القائل «سمن ~~كلبك ms307 يأكلك» . ~~والله، لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجا وأنا ~~حاضر، لا يكون لذلك مني غير. والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل! ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، ~~أحللتموهم بلادكم فنزلوا منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا! أما ~~والله، لو أمسكتم بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضوا بما فعلتم ~~حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه، فأيتمتم PageV02P416 ~~أولادكم وقللتم وكثروا. فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كله إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فيجد عنده نفرا من أصحابه من المهاجرين والأنصار- أبا ~~بكر، وعثمان، وسعدا، ومحمد بن مسلمة، وأوس بن خولي، وعباد بن بشر- فأخبره ~~الخبر. ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وتغير وجهه، ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: يا غلام، لعلك غضبت عليه! قال: لا والله، لقد سمعته ~~منه. قال: لعله أخطأ سمعك! قال: لا يا نبي الله! قال: لعله شبه عليك! قال: ~~لا والله، لقد سمعته منه يا رسول الله! وشاع في العسكر ما قال ابن أبي، ~~وليس للناس حديث إلا ما قال ابن أبي، وجعل الرهط من الأنصار [ (1) ] يؤنبون ~~الغلام ويقولون: ~~عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل، وقد ظلمت وقطعت الرحم! فقال زيد: ~~والله لقد سمعت منه! قال: وو الله، ما كان في الخزرج رجل واحد أحب إلي من ~~عبد الله بن أبي، والله، لو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وإني لأرجو أن ينزل الله تعالى على نبيه حتى يعلموا ~~أنا كاذب أم غيري، أو يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق قولي. وجعل ~~زيد يقول: اللهم، أنزل على نبيك ما يصدق حديثي! فقال قائل: يا رسول الله، ~~مر عباد بن بشر فليأتك برأسه. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~المقالة. ويقال قال: قل لمحمد بن مسلمة، يأتك برأسه. فقال النبي صلى ms308 الله ~~عليه وسلم، وأعرض عنه: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. ~~وقام النفر من الأنصار الذين سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ورده ~~على الغلام، فجاءوا إلى ابن أبي فأخبروه، وقال أوس بن خولي: يا أبا الحباب، ~~إن كنت قلته PageV02P417 ~~فأخبر النبي يستغفر لك، ولا تجحده فينزل ما يكذبك. وإن كنت لم تقله فأت ~~رسول الله فاعتذر إليه واحلف لرسول الله ما قلته. فحلف بالله العظيم ما قال ~~من ذلك شيئا. ثم إن [ (1) ] ابن أبي أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا ابن أبي، إن كانت سلفت منك مقالة فتب. ~~فجعل يحلف بالله: ما قلت ما قال زيد، ولا تكلمت به! وكان في قومه شريفا، ~~فكان يظن أنه قد صدق، وكان يظن به سوء الظن. # فحدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: ~~لما كان من قول ابن أبي ما كان أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير، ~~وأسرعت معه، وكان معي أجير استأجرته يقوم على فرسي، فاحتبس علي فوقفت له ~~على الطريق أنتظره حتى جاء، فلما جاء ورأى ما بي من الغضب أشفق أن أقع به، ~~فقال: أيها الرجل، على رسلك، فإنه قد كان في الناس أمر من بعدك، فحدثني ~~بمقالة ابن أبي. قال عمر: ~~فأقبلت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فيء شجرة، عنده غليم ~~أسيود يغمز ظهره، فقلت: يا رسول الله، كأنك تشتكي ظهرك. ~~فقال: تقحمت بي الناقة الليلة. فقلت: يا رسول الله، إيذن لي أن أضرب عنق ~~ابن أبي في مقالته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو كنت فاعلا؟ قال: ~~نعم، والذي بعثك بالحق! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا لأرعدت له ~~آنف بيثرب كثيرة، لو أمرتهم بقتله قتلوه. قلت: ~~يا رسول الله، فمر محمد بن مسلمة يقتله. قال: لا يتحدث الناس أن محمدا ~~قتل أصحابه. قال، فقلت: فمر الناس بالرحيل. قال: نعم. ~~فأذنت بالرحيل ms309 فى الناس. PageV02P418 # ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلع على ~~راحلته القصواء، وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، إلا أنه لما ~~جاءه خبر ابن أبي رحل في تلك الساعة. فكان أول من لقيه سعد بن عبادة، فقال: ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~وعليك السلام! فقال: يا رسول الله، قد رحلت في ساعة منكرة ما كنت ترحل ~~فيها! ويقال لقيه أسيد بن حضير- قال ابن واقد: وهو أثبت عندنا- فقال: يا ~~رسول الله، خرجت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها! فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أو لم يبلغكم ما قال صاحبكم؟ قال: أي صاحب يا رسول الله؟ قال: ~~ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل! ~~قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، فهو الأذل وأنت الأعز، والعزة لله ~~ولك وللمؤمنين. ~~ثم قال: يا رسول الله، ارفق به فو الله لقد جاء الله بك، وإن قومه ~~لينظمون له الخرز، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي، قد أرب ~~[ (1) ] بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوجوه، فجاء الله بك على هذا ~~الحديث، فما يرى إلا قد سلبته ملكه. # قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير من يومه ذلك، وزيد ابن ~~أرقم يعارض النبي صلى الله عليه وسلم براحلته، يريه وجهه في المسير، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يستحث راحلته فهو مغذ في السير، إذ نزل عليه ~~الوحي. قال زيد بن أرقم: فما هو إلا إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تأخذه البرحاء ويعرق جبينه، وتثقل يدا راحلته حتى ما كاد ينقلها، عرفت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، ورجوت أن يكون ينزل PageV02P419 ~~عليه تصديق خبري. قال زيد بن أرقم: فسري عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأخذ بأذني وأنا على راحلتي حتى ارتفعت من مقعدي ويرفعها إلى السماء، ms310 ~~وهو يقول: وفت أذنك يا غلام، وصدق الله حديثك! ونزل في ابن أبي السورة من ~~أولها إلى آخرها وحده إذا جاءك المنافقون ... [ (1) ] # فحدثني عبيد الله بن الهرير، عن أبيه، عن رافع بن خديج، قال. ~~سمعت عبادة بن الصامت يقول يومئذ لابن أبي قبل أن ينزل فيه القرآن: ~~إيت رسول الله، يستغفر لك. قال: فرأيته يلوي رأسه معرضا. يقول عبادة: أما ~~والله لينزلن في لي رأسك قرآن يصلى به. # وحدثني يونس بن محمد الظفري، عن أبيه، عن عبادة بن الوليد ابن عبادة بن ~~الصامت، قال: مر عبادة بن الصامت بعبد الله بن أبي عشية راح النبي صلى الله ~~عليه وسلم من المريسيع، وقد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم سورة ~~المنافقون فلم يسلم عليه، ثم مر أوس بن خولي فلم يسلم عليه، فقال ابن أبي: ~~إن هذا الأمر قد تمالأتما [ (2) ] عليه. فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع، ~~وبما نزل من القرآن إكذابا لحديثه، وجعل أوس بن خولي يقول: لا أكذب عنك ~~أبدا حتى أعلم أن قد تركت ما أنت [ (3) ] عليه وتبت إلى الله، إنا أقبلنا ~~على زيد بن أرقم نلومه ونقول له «كذبت على رجل من قومك» حتى نزل القرآن ~~بتصديق حديث زيد وإكذاب حديثك. وجعل بن أبي يقول: لا أعود أبدا! وبلغ ابنه ~~عبد الله ابن عبد الله بن أبي مقالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «مر محمد بن مسلمة يأتك برأسه» فجاء إلى النبى ~~PageV02P420 ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما ~~بلغك عنه فمرني، فو الله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا. ~~والله، لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالد مني، وما أكل [ (1) ] ~~طعاما منذ كذا وكذا من الدهر، ولا يشرب شرابا إلا بيدي، وإني لأخشى يا رسول ~~الله أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في ~~الناس، فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل، ms311 ومنك أعظم. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله، ما أردت قتله وما أمرت ~~به، ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا. ~~فقال عبد الله: ~~يا رسول الله، إن أبي كانت هذه البحرة [ (2) ] قد اتسقوا عليه ليتوجوه ~~عليهم، فجاء الله بك، فوضعه الله ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به ويذكرون ~~أمورا قد غلب الله عليها. قال: فلما انصرف من عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تركه ولم يأمره بقتله، قال: # ألا إنما الدنيا حوادث تنتظر %~% ومن أعجب الأحداث ما قاله عمر # يشير على من عنده الوحي هكذا %~% ولم يستشره بالتي تحلق الشعر # ولو كان للخطاب ذنب كذنبه %~% فقلت له ما قال في والدي كشر # غداة يقول ابعث إليه محمدا %~% ليقتله بئس لعمرك ما أمر # فقلت رسول الله إن كنت فاعلا %~% كفيتك عبد الله لمحك بالبصر # تساعدني كف ونفس سخية %~% وقلب على البلوى أشد من الحجر # وفي ذاك ما فيه والأخرى [ (3) ] غضاضة %~% وفي العين منى نحو صاحبها عور ~~PageV02P421 # فقال ألا لا يقتل المرء طائعا %~% أباه وقد كادت تطير بها مضر # أنشدنيها إسماعيل بن مصعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت، قال: ~~أخذتها في الكتاب. وإبراهيم بن جعفر بن محمود، عن محمد بن مسلمة. # فحدثني عبيد الله بن الهرير، عن أبيه، عن رافع بن خديج، قال: ~~لما رحنا من المريسيع قبل الزوال كان الجهد بنا يومنا وليلتنا، ما أناخ ~~منا رجل إلا لحاجته أو لصلاة يصليها. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يستحث راحلته، ويخلف بالسوط في مراقها [ (1) ] حتى أصبحنا، ومددنا يومنا ~~حتى انتصف النهار أو كرب، ولقد راح الناس وهم يتحدثون بمقالة ابن أبي وما ~~كان منه، فما هو إلا أن أخذهم السهر والتعب بالمسير، فما نزلوا حتى ما يسمع ~~لقول ابن أبي في أفواههم- يعني ذكرا. وإنما أسرع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالناس ليدعوا حديث ابن أبي، فلما نزلوا وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. ~~ثم راح رسول ms312 الله صلى الله عليه وسلم بالناس مبردا، فنزل من الغد ماء يقال ~~له بقعاء فوق النقيع، وسرح الناس ظهرهم، فأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس ~~منها، وسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخافوا أن يكون عيينة بن ~~حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: ~~لم تهج هذه الريح إلا من حدث! وإنما بالمدينة الذراري والصبيان. وكانت ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عيينة مدة، فكان ذلك حين انقضائها ~~فدخلهم أشد الخوف، ~~فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ليس عليكم بأس منها، ما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ~~ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم PageV02P422 ~~منافق عظيم النفاق بالمدينة، فلذلك عصفت الريح. ~~وكان موته للمنافقين غيظا شديدا، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك ~~اليوم. # فحدثني خارجة بن الحارث، عن عباس بن سهل، عن جابر بن عبد الله، قال: كانت ~~الريح يومئذ أشد ما كانت قط. إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار. قال ~~جابر: فسألت حين قدمت قبل أن أدخل بيتي: من مات؟ فقالوا: زيد بن رفاعة بن ~~التابوت. وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو ~~الله فسكنت الريح. # وحدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عبادة بن الصامت يومئذ ~~لابن أبي: أبا حباب، مات خليلك! قال: أي أخلائي؟ ~~قال: من موته فتح للإسلام وأهله. قال: من؟ قال: زيد بن رفاعة بن التابوت. ~~قال: يا ويلاه، كان والله وكان! فجعل يذكر، فقلت: ~~اعتصمت بالذنب الأبتر [ (1) ] . قال: من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ قلت: ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة. قال: ~~فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا. قالوا: وسكنت الريح آخر النهار فجمع ~~الناس ظهورهم. # فحدثني عبد الحميد بن جعفر، عن ابن رومان، ومحمد بن صالح، عن عاصم بن عمر ~~بن قتادة، قالا: وفقدت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ms313 القصواء من بين ~~الإبل، فجعل المسلمون يطلبونها في كل وجه، فقال زيد بن اللصيت- وكان منافقا ~~وهو في رفقة قوم من الأنصار، منهم عباد ابن بشر بن وقش، وسلمة بن سلامة بن ~~وقش، وأسيد بن حضير- فقال: أين يذهب هؤلاء في كل وجه؟ قالوا: يطلبون ناقة ~~رسول الله، PageV02P423 ~~قد ضلت. قال: أفلا يخبره الله بمكان ناقته؟ فأنكر القوم ذلك عليه فقالوا: ~~قاتلك الله يا عدو الله، نافقت! ثم أقبل عليه أسيد بن حضير فقال: والله، ~~لولا أني لا أدري ما يوافق رسول الله من ذلك لأنفذت خصيتك بالرمح يا عدو ~~الله، فلم خرجت معنا وهذا في نفسك؟ قال: خرجت لأطلب من عرض الدنيا، ولعمري ~~إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة، يخبرنا عن أمر السماء. فوقعوا به ~~جميعا وقالوا: والله، لا يكون منك سبيل أبدا ولا يظلنا وإياك ظل أبدا، ولو ~~علمنا ما في نفسك ما صحبتنا ساعة من نهار. ثم وثب هاربا [ (1) ] منهزما ~~منهم أن يقعوا به ونبذوا متاعه، فعمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس ~~معه فرارا من أصحابه متعوذا به. وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ~~ما قال من السماء، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق يسمع: إن رجلا من المنافقين ~~شمت أن ضلت ناقة رسول الله وقال «ألا يخبره الله بمكانها؟ فلعمري إن محمدا ~~ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة!» ولا يعلم الغيب إلا الله، وإن الله تعالى قد ~~أخبرني بمكانها، وإنها في هذا الشعب مقابلكم، قد تعلق زمامها بشجرة، ~~فاعمدوا عمدها. ~~فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر ~~المنافق إليها قام سريعا إلى رفقائه الذين كانوا معه، فإذا رحله منبوذ، ~~وإذا هم جلوس لم يقم رجل من مجلسه، فقالوا له حين دنا: لا تدن منا! قال: ~~أكلمكم! فدنا فقال: أذكركم بالله، هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره بالذي قلت؟ ~~قالوا: لا والله، ولا قمنا من مجلسنا هذا. قال: فإني قد وجدت عند القوم ما ~~تكلمت ms314 به، وتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بما قال رسول ~~الله صلى PageV02P424 ~~الله عليه وسلم، وإنه قد أتي بناقته، وإني قد كنت في شك من شأن محمد ~~فأشهد أنه رسول الله، والله لكأني لم أسلم إلا اليوم. قالوا له: فاذهب إلى ~~رسول الله يستغفر لك. فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستغفر له ~~واعترف بذنبه. ويقال إنه لم يزل فسلا [ (1) ] حتى مات، وصنع مثل هذا في ~~غزوة تبوك. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن شعيب بن شداد، قال: لما مر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالنقيع منصرفه من المريسيع ورأى سعة، وكلأ، وغدرا [ (2) ] كثيرة ~~تتناخس [ (3) ] ، وخبر بمراءته وبراءته [ (4) ] ، فسأل عن الماء فقيل: يا ~~رسول الله، إذا صفنا قلت المياه وذهبت الغدر، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حاطب بن أبي بلتعة أن يحفر بئرا، وأمر بالنقيع أن يحمى، واستعمل عليه ~~بلال بن الحارث المزني، فقال بلال: ~~يا رسول الله، وكم أحمي منه؟ قال: أقم رجلا صيتا إذا طلع الفجر على هذا ~~الجبل- يعني مقملا- فحيث انتهى صوته فاحمه لخيل المسلمين وإبلهم التي يغزون ~~عليها. قال بلال: يا رسول الله، أفرأيت ما كان من سوائم المسلمين؟ فقال: لا ~~يدخلها. قلت: يا رسول الله، أرأيت المرأة والرجل الضعيف تكون له الماشية ~~اليسيرة وهو يضعف عن التحول؟ قال: ~~دعه يرعى. ~~فلما كان زمان أبي بكر رضي الله عنه حماه على ما كان رسول PageV02P425 ~~الله صلى الله عليه وسلم حماه، ثم كان عمر فكثرت به الخيل، وكان عثمان ~~فحماه أيضا. وسبق النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بين الخيل وبين الإبل، ~~فسبقت القصواء الإبل، وسبق فرسه- وكان معه فرسان، لزاز [ (1) ] وآخر يقال ~~له الظرب- فسبق يومئذ على الظرب، وكان الذي سبق عليه أبو أسيد الساعدي، ~~والذي سبق على ناقته بلال. ### | ذكر عائشة رضي الله عنها وأصحاب الإفك # حدثني يعقوب بن يحيى بن عباد، عن عيسى بن معمر، عن عباد ابن عبد الله بن ~~الزبير قال، قلت لعائشة رضي الله عنها: حدثينا يا ms315 أمه حديثك فى غروة ~~المريسيع. قالت: يا ابن أخي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج ~~في سفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، وكان يحب ألا أفارقه في ~~سفر ولا حضر. فلما أراد غزوة المريسيع أقرع بيننا فخرج سهمي وسهم أم سلمة، ~~فخرجنا معه، فغنمه الله أموالهم وأنفسهم، ثم انصرفنا راجعين. فنزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم منزلا ليس معه ماء ولم ينزل على ماء. وقد سقط عقد ~~لي من عنقي، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بالناس حتى أصبحوا، ~~وضج الناس وتكلموا وقالوا: احتبستنا عائشة. وأتى الناس أبا بكر رضي الله ~~عنه فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ حبست رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والناس على غير ماء وليس معهم ماء. فضاق بذلك أبو بكر رضي الله عنه ~~فجاءني مغيظا فقال: ألا ترين ما صنعت بالناس؟ حبست رسول PageV02P426 ~~الله صلى الله عليه وسلم والناس على غير ماء وليس معهم ماء. قالت عائشة: ~~فعاتبني عتابا شديدا وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا ~~مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأسه على فخذي وهو نائم. ~~فقال أسيد ابن حضير: والله، إني لأرجو أن تنزل لنا رخصة، ونزلت آية ~~التيمم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان من قبلكم لا يصلون إلا في ~~بيعهم وكنائسهم، وجعلت لي الأرض طهورا حيثما أدركتني الصلاة. ~~فقال أسيد ابن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: وكان أسيد ~~رجلا صالحا في بيت من الأوس عظيم. ثم إنا سرنا مع العسكر حتى إذا نزلنا ~~موضعا دمثا طيبا ذا أراك، قال: يا عائشة، هل لك في السباق؟ ~~قلت: نعم. فتحزمت بثيابي وفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~استبقنا فسبقني، فقال: هذه بتلك السبقة التي كنت سبقتيني. وكان جاء إلى ~~منزل أبي ومعي شيء فقال: هلميه! فأبيت فسعيت وسعى على أثري فسبقته. وكانت ~~هذه الغزوة بعد أن ms316 ضرب الحجاب. # قالت: وكان النساء إذ ذاك إلى الخفة، هن إنما يأكلن العلق [ (1) ] من ~~الطعام، لم يهيجن [ (2) ] باللحم فيثقلن. وكان اللذان يرحلان بعيري رجلين، ~~أحدهما مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له أبو موهبة، وكان رجلا ~~صالحا، وكان الذي يقود بي البعير. # وإنما كنت أقعد في الهودج فيأتي فيحمل الهودج فيضعه على البعير، ثم يشده ~~بالحبال ويبعث بالبعير، ويأخذ بزمام البعير فيقود بي البعير. PageV02P427 ~~وكانت أم سلمة يقاد بها هكذا، فكنا نكون حاشية من الناس، يذب عنا من يدنو ~~منا، فربما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبي وربما سار إلى جنب ~~أم سلمة. قالت: فلما دنونا من المدينة نزلنا منزلا فبات به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعض الليل، ثم ادلج وأذن للناس بالرحيل فارتحل العسكر. ~~وذهبت لحاجتي فمشيت حتى جاوزت العسكر وفي عنقي عقد لي من جزع ظفار [ (1) ] ~~، وكانت أمي أدخلتني فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قضيت ~~حاجتي انسل من عنقي فلا أدري به، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي ~~فلم أجده، وإذا العسكر قد نغضوا [ (2) ] إلا عيرات [ (3) ] ، وكنت أظن أني ~~لو أقمت شهرا لم يبعث بعيري حتى أكون في هودجي، فرجعت في التماسه فوجدته في ~~المكان الذي ظننت أنه فيه، فحبسني ابتغاؤه وأتى الرجلان خلافي، فرحلوا ~~البعير وحملوا الهودج وهم يظنون أني فيه، فوضعوه على البعير ولا يشكون أني ~~فيه- وكنت قبل لا أتكلم إذ أكون عليه فلم ينكروا شيئا- وبعثوا البعير ~~فقادوا بالزمام وانطلقوا، فرجعت إلى العسكر وليس فيه داع ولا مجيب، ولا ~~أسمع صوتا ولا زجرا. ~~قالت: فألتفع بثوبي واضطجعت وعلمت أني إن افتقدت رجع إلى. قالت: ~~فو الله، إني لمضطجعة في منزلي، قد غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان ابن ~~معطل السلمي ثم الذكواني على ساقة الناس من ورائهم، فادلج فأصبح عند منزلي ~~في عماية الصبح، فيرى سواد إنسان فأتاني، وكان يراني قبل أن ينزل الحجاب، ~~وأنا متلفعة، فأثبتنى فاستيقظت باسترجاعه حين PageV02P428 ~~عرفني. فخمرت وجهى بملحفتى، ms317 فو الله إن كلمني كلمة غير أني سمعت استرجاعه ~~حين أناخ بعيره. ثم وطى على يده موليا عني، فركبت على رحله، وانطلق يقود بي ~~حتى جئنا العسكر شد الضحا، فارتعج العسكر وقال أصحاب الإفك الذي قالوا- ~~وتولى كبره عبد الله بن أبي- ولا أشعر من ذلك بشيء والناس يخوضون في قول ~~أصحاب الإفك. # ثم قدمنا فلم أنشب أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغني من ذلك شيء، وقد ~~انتهى ذلك إلى أبوي، وأبواي لا يذكران لي من ذلك شيئا، إلا أني قد أنكرت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لطفه بي ورحمته، فلا أعرف منه اللطف الذي كنت ~~أعرف حين اشتكيت، إنما يدخل فيسلم فيقول: كيف تيكم؟ فكنت إذا اشتكيت لطف بي ~~ورحمني وجلس عندي. وكنا قوما عربا لا نعرف الوضوء في البيوت، نعافها ~~ونقذرها، وكنا نخرج إلى المناصع [ (1) ] بين المغرب والعشاء لحاجتنا. فذهبت ~~ليلة ومعي أم مسطح ملتفعة في مرطها، فتعلقت به فقالت: تعس مسطح! فقلت: بئس ~~لعمر الله ما قلت، تقولين هذا لرجل من أهل بدر؟ فقالت لي مجيبة: ما تدرين ~~وقد سال بك السيل. قلت: ماذا تقولين؟ فأخبرتنى ول أصحاب الإفك، فقلص ذلك ~~مني، وما قدرت على أن أذهب لحاجتي، وزادني مرضا على مرضي، فما زلت أبكي ~~ليلي ويومي. قالت: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فقلت: ائذن ~~لي أذهب إلى أبوي، وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي فأتيت ~~أبوي فقلت لأمي: ~~يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به وذكروا ما ذكروا ولا تذكرين لي ~~من ذلك شيئا! فقالت: يا بنية، خفضي عليك الشأن، فو الله ما كانت جارية ~~حسناء عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها القالة PageV02P429 ~~وكثر الناس عليها. فقلت: سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا كله؟ ~~قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. # قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة فاستشارهما في فراق ~~أهله. # قالت: وكان أحد الرجلين ألين ms318 قولا من الآخر. ~~قال أسامة: يا رسول الله، هذا الباطل والكذب، ولا نعلم إلا خيرا، وإن ~~بريرة تصدقك. وقال علي عليه السلام: لم يضيق الله عليك، النساء كثير وقد ~~أحل الله لك وأطاب، فطلقها وانكح غيرها. قالت: فانصرفا، وخلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ببريرة فقال: يا بريرة، أي امرأة تعلمين عائشة؟ قالت: ~~هي أطيب من طيب الذهب، والله ما أعلم عليها إلا خيرا، والله يا رسول ~~الله، لئن كانت على [ (1) ] غير ذلك ليخبرنك الله عز وجل بذلك، إلا أنها ~~جارية ترقد عن العجين حتى تأتي الشاة فتأكل عجينها، وقد لمتها في ذلك غير ~~مرة. وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ولم تكن امرأة تضاهي ~~[ (2) ] عائشة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرها. قالت عائشة رضي ~~الله عنها: ولقد كنت أخاف عليها أن تهلك للغيرة علي، فقال لها النبي صلى ~~الله عليه وسلم: يا زينب، ماذا علمت على عائشة؟ ~~قالت: يا رسول الله، حاشى سمعي وبصري، ما علمت عليها إلا خيرا. ~~والله، ما أكلمها وإني لمهاجرتها، وما كنت أقول إلا الحق. قالت عائشة رضي ~~الله عنها: أما زينب، فعصمها الله، وأما غيرها فهلك مع من هلك. ~~ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن فقالت: حاشى سمعي ~~PageV02P430 ~~وبصري أن أكون علمت أو ظننت بها قط إلا خيرا. ثم صعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: من يعذرني ممن يؤذيني في ~~أهلي؟ ~~ويقولون لرجل، والله ما علمت على ذلك الرجل إلا خيرا، وما كان يدخل بيتا ~~من بيوتي إلا معي، ويقولون عليه غير الحق. ~~فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن يك من الأوس آتك ~~برأسه. وإن يك من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك نمضي لك. ~~فقام سعد بن عبادة- وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن الغضب بلغ منه، وعلى ~~ذلك ما غمص [ (1) ] عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب ms319 يبلغ من أهله- ~~فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله. ~~والله، ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنه من الخزرج، ولو كان من ~~الأوس ما قلت ذلك، ولكنك تأخذنا بالذحول [ (2) ] كانت بيننا وبينك في ~~الجاهلية، وقد محا الله ذلك! فقال أسيد بن حضير: كذبت والله، لنقتلنه وأنفك ~~راغم، فإنك منافق تجادل عن المنافقين! والله، لو نعلم ما يهوى رسول الله من ~~ذلك في رهطي الأدنين ما رام رسول الله مكانه حتى آتيه برأسه، ولكني لا أدري ~~ما يهوى رسول الله! قال سعد بن عبادة: ~~تأبون يا آل أوس إلا أن تأخذونا بذحول كانت في الجاهلية. والله، ما لكم ~~بذكرها حاجة، وإنكم لتعرفون لمن الغلبة فيها، وقد محا الله بالإسلام ذلك ~~كله. فقام أسيد بن حضير فقال: قد رأيت موطننا يوم بعاث! ثم تغالظوا، وغضب ~~سعد بن عبادة فنادى: يا آل خزرج! فانحازت الخزرج PageV02P431 ~~كلها إلى سعد بن عبادة. ونادى سعد بن معاذ: يال أوس! فانحازت الأوس كلها ~~إلى سعد بن معاذ. وخرج الحارث بن حزمة مغيرا حتى أتى بالسيف يقول: أضرب به ~~رأس النفاق وكهفه. فلقيه أسيد بن حضير وهو في رهطه وقال: ارم به، يحمل ~~السلاح من غير أمر رسول الله! لو علمنا أن لرسول الله في هذا هوى أو طاعة ~~ما سبقتنا إليه. فرجع الحارث [ (1) ] واصطفت الأوس والخزرج، وأشار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الحيين جميعا أن اسكتوا، ونزل عن المنبر ~~فهدأهم وخفضهم حتى انصرفوا. # قالت عائشة رضي الله عنها: وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل علي ~~فجلس عندي، وقد مكث شهرا قبل ذلك لا يوحى إليه في شأني. ~~قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد يا ~~عائشة، فإنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة يبرئك الله، وإن كنت ألممت بشيء ~~مما يقول الناس فاستغفري الله عز وجل، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب ~~إلى الله تاب الله عليه. ~~قالت: فلما قضى ms320 رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ذهب دمعي حتى ما أجد ~~منه شيئا، وقلت لأبي: أجب رسول الله. فقال: والله، ما أدري ما أقول وما ~~أجيب به عنك. قالت: فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله. فقالت: والله، ما أدري ~~ما أجيب عنك لرسول الله. وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرا من القرآن. ~~قالت: فقلت: إني والله قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث، فوقع في أنفسكم ~~فصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم ~~الله أني منه بريئة لتصدقونى. وإنى PageV02P432 ~~والله ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول: بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [ (1) ] والله ما يحضرني ذكر يعقوب، ~~وما أهتدي من الغيظ. الذي أنا فيه. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وقلت: والله ~~يعلم أني بريئة، وأنا بالله واثقة أن يبرئني الله ببراءتي. فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه: فما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر. ~~والله، ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد الله ولا ندع له شيئا، ~~فيقال لنا في الإسلام! قالت: وأقبل علي أبي مغضبا. قالت: فاستعبرت فقلت في ~~نفسي: «والله لا أتوب إلى الله مما ذكرتم أبدا» ، وايم الله لأنا كنت أحقر ~~في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل فى قرآن يقرأه الناس في صلاتهم، ولكن قد كنت ~~أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذبهم [ (2) ] ~~الله عني به لما يعلم من براءتي، أو يخبر خبرا، فأما قرآن، فلا والله ما ~~ظننته! قالت: ~~فو الله، ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه، ولا خرج أحد من ~~أهل البيت حتى يغشاه من أمر الله ما كان يغشاه. قالت: فسجي بثوبه وجمعت ~~وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت ما رأيت فو الله لقد فرحت به ~~وعلمت أني بريئة، وأن الله تعالى غير ظالم ms321 لي. قالت: ~~وأما أبواى فو الذي نفسي بيده ما سري عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا أن يأتي أمر من الله تحقيق ما قال الناس. ~~ثم كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهه وهو يضحك، وإنه ليتحدر منه ~~مثل الجمان، وهو يمسح جبينه، فكانت أول كلمة قالها PageV02P433 ~~«يا عائشة، إن الله قد أنزل براءتك» . قالت: وسري عن أبوي وقالت أمي: ~~قومي إلى رسول الله. فقلت: والله، لا أقوم إلا بحمد الله لا بحمدك. ~~فأنزل الله هذه الآية: إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه [ (1) ] ~~الآية. قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس مسرورا فصعد على ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم تلا عليهم بما نزل عليه في ~~براءة عائشة. قالت: فضربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد، وكان الذي ~~تولى كبره عبد الله بن أبي، وكان مسطح بن أثاثة، وحسان ابن ثابت. قال أبو ~~عبد الله: ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يضربهم- وهو أثبت ~~عندنا. # وكان سعيد بن جبير يقول في هذه الآية: من رمى محصنة لعنه الله في الدنيا ~~والآخرة. فقال: إنما ذاك لأم المؤمنين خاصة. # فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أفلح مولى ~~أبي أيوب، أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ ~~قال: بلى، وذلك الكذب، أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟ فقالت: لا والله. قال: ~~فعائشة والله خير منك. فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله تعالى: ~~لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين [ ~~(2) ] ، يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب، ويقال إنما قالها أبي بن كعب. # فحدثني خارجة بن عبد الله بن سليمان، عن إبراهيم بن يحيى. عن أم سعد بنت ~~سعد بن ربيع، قالت: قالت أم الطفيل لأبي بن كعب: ~~ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: أى ms322 ذلك؟ قالت: ما يقولون. ~~PageV02P434 ~~قال: هو والله الكذب. أو كنت تفعلين ذلك؟ قالت: أعوذ بالله. قال: ~~فهي والله خير منك. قالت: وأنا أشهد، فنزلت هذه الآية. # قالوا: ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، ثم أخذ بيد سعد ابن ~~معاذ في نفر، فخرج يقود به حتى دخل به على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثا ~~عنده ساعة، وقرب سعد بن عبادة طعاما، فأصاب منه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسعد بن معاذ ومن معه، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكث ~~أياما، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة، ونفر معه. ~~فانطلق به حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثا ساعة وقرب سعد بن معاذ ~~طعاما. فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد بن عبادة ومن معهم، ثم خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأن يذهب ما كان في أنفسهم من ذلك القول الذي تقاولا. # فحدثني معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس. ~~عن عمار بن ياسر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه سلم حين احتبس على ~~قلادة عائشة رضي الله عنها بذات الجيش، فلما طلع الفجر أو كاد نزلت آية ~~التيمم، فمسحنا الأرض بالأيدي ثم مسحنا الأيدي إلى المناكب ظهرا وبطنا، ~~وكان يجمع بين الصلاتين في سفره. # فحدثني عبد الحميد بن جعفر، عن ابن رومان، ومحمد بن صالح، عن عاصم بن ~~عمر، وعبد الله بن يزيد بن قسيط، عن أمه، فكل قد حدثني من هذا الحديث ~~بطائفة، وعماد الحديث عن ابن رومان، وعاصم وغيرهم، قالوا: لما قال ابن أبي ~~ما قال، وذكر جعيل بن سراقة وجهجا، وكانا من فقراء المهاجرين، قال: ومثل ~~هذين يكثر على قومي، وقد PageV02P435 ~~أنزلنا محمدا في دور [ (1) ] كنانة وعزها! والله، لقد كان جعيل يرضى أن ~~يسكت فلا يتكلم، فصار اليوم يتكلم. وقول ابن أبي أيضا فى صفوان ابن معطل ~~وما رماه به، ms323 فقال حسان بن ثابت: # أمسى الجلابيب قد راعوا وقد كثروا %~% وابن الفريعة أمسى بيضة البلد [ ~~(2) ] # فلما قدموا المدينة جاء صفوان إلى جعيل بن سراقة فقال: انطلق بنا، نضرب ~~حسان، فو الله ما أراد غيرك وغيري، ولنحن أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منه. فأبي جعيل أن يذهب، فقال له: لا أفعل إلا أن يأمرني رسول الله، ~~ولا تفعل أنت حتى تؤامر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فأبى صفوان ~~عليه، فخرج مصلتا السيف حتى ضرب حسان ابن ثابت في نادي قومه، فوثبت الأنصار ~~إليه فأوثقوه رباطا- وكان الذي ولي ذلك منه ثابت بن قيس بن شماس- وأسروه ~~أسرا قبيحا. فمر بهم عمارة بن حزم فقال: ما تصنعون؟ أمن أمر رسول الله ~~ورضائه أم من أمر فعلتموه؟ قالوا: ما علم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال [ (3) ] : ~~لقد اجترأت، خل عنه! ثم جاء به وبثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسوقهم، فأراد ثابت أن ينصرف، فأبى عمارة حتى جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال حسان: يا رسول الله، شهر علي السيف في نادي قومي، ثم ضربني ~~لأن أموت، ولا أراني إلا ميتا من جراحتي. ~~فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفوان فقال: ولم ضربته وحملت ~~PageV02P436 ~~السلاح عليه؟ وتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ~~آذاني وهجاني وسفه علي وحسدني على الإسلام. ثم أقبل على حسان فقال: أسفهت ~~على قوم أسلموا؟ ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احبسوا صفوان، فإن مات حسان فاقتلوه ~~به. فخرجوا بصفوان [ (1) ] ، فبلغ سعد بن عبادة ما صنع صفوان، فخرج في قومه ~~من الخزرج حتى أتاهم، فقال: عمدتم إلى رجل من أصحاب رسول الله تؤذونه ~~وتهجونه بالشعر وتشتمونه، فغضب لما قيل له، ثم أسرتموه أقبح الإسار [ (2) ] ~~ورسول الله بين أظهركم! قالوا: فإن رسول الله أمرنا بحبسه وقال: إن مات ~~صاحبكم فاقتلوه. قال سعد: والله، إن أحب إلى رسول الله للعفو، ولكن رسول ms324 ~~الله قد قضى بينكم بالحق، وإن رسول الله يعني [ (3) ] ليحب أن يترك صفوان. ~~والله، لا أبرح حتى يطلق! فقال حسان: ما كان لي من حق فهو لك يا أبا ~~ثابت. وأبى قومه، فغضب قيس ابنه غضبا شديدا فقال: عجبا لكم، ما رأيت ~~كاليوم! إن حسان قد ترك حقه وتأبون أنتم! ما ظننت أن أحدا من الخزرج يرد ~~أبا ثابت في أمر يهواه. فاستحيا القوم وأطلقوه من الوثاق، فذهب به سعد إلى ~~بيته فكساه حلة، ثم خرج صفوان حتى دخل المسجد ليصلي فيه، فرآه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: صفوان؟ ~~قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من كساه؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقال: ~~كساه الله من حلل [ (4) ] الجنة. ثم كلم سعد بن عبادة حسان بن ثابت فقال: ~~لا أكلمك أبدا إن لم تذهب إلى رسول الله فتقول: كل حق لى PageV02P437 ~~قبل صفوان فهو لك يا رسول الله. فأقبل حسان في قومه حتى وقف بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كل حق لي قبل صفوان بن معطل ~~فهو لك. قال: قد أحسنت وقبلت ذلك. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرضا براحا [ (1) ] وهي بيرحاء [ (2) ] وما حولها وسيرين، وأعطاه سعد بن ~~عبادة حائطا كان يجد [ (3) ] مالا كثيرا عوضا له مما عفا عن حقه. # قال أبو عبد الله: فحدث هذا الحديث ابن أبي سبرة فقال: أخبرني سليمان بن ~~سحيم، عن نافع بن جبير، أن حسان بن ثابت حبس صفوان، فلما برئ حسان أرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال: يا حسان، أحسن فيما [ (4) ] ~~أصابك. ~~فقال: هو لك يا رسول الله. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم براحا ~~وأعطاه سيرين عوضا. # فحدثني أفلح بن حميد، عن أبيه، قال: ما كانت عائشة رضي الله عنها تذكر ~~حسان إلا بخير. ولقد سمعت عروة بن الزبير يوما يسبه لما كان منه، فقالت: لا ~~تسبه يا بني، أليس هو الذي يقول: # فإن أبي ووالده وعرضي %~% لعرض محمد ms325 منكم وقاء # وحدثني سعيد بن أبي زيد الأنصاري قال: حدثني من سمع أبا عبيدة ~~PageV02P438 ~~ابن عبد الله بن زمعة الأسدي يخبر أنه سمع حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه ~~سمع عائشة رضي الله عنها تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~حسان حجاز بين المؤمنين والمنافقين، لا يحبه منافق ولا يبغضه مؤمن. ~~وقال حسان يمدح عائشة رضي الله عنها: # حصان رزان [ (1) ] لا تزن بريبة %~% وتصبح غرثى [ (2) ] من لحوم الغوافل ~~[ (3) ] # فإن كان ما قد جاء عني قلته %~% فلا رفعت سوطي إلي أناملي # هي أبيات أنشدنيها ابن أبي الزناد وابن جعفر # حدثني عبد الله بن جعفر بن ~~مسلم، عن أبي عتيق، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت رفيق عبد الله بن رواحة ~~في غزوة المريسيع، فأقبلنا حتى انتهينا إلى وادي العقيق في وسط الليل فإذا ~~الناس معرسون [ (4) ] . قلنا: ~~فأين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: في مقدم الناس، قد نام فقال ~~لي عبد الله بن رواحة: يا جابر، هل لك بنا في التقدم والدخول على أهلنا؟ ~~فقلت: يا أبا محمد، لا أحب أن أخالف الناس، لا أرى أحدا تقدم. قال ابن ~~رواحة: والله، ما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تقدم. قال جابر: ~~أما أنا فلست ببارح. فودعني وانطلق إلى المدينة، فأنظر إليه على ظهر الطريق ~~ليس معه أحد، فطرق أهله بلحارث بن الخزرج، فإذا مصباح في وسط بيته وإذا مع ~~امرأته إنسان طويل، فظن PageV02P439 ~~أنه رجل، وسقط في يديه وندم على تقدمه. وجعل يقول، الشيطان مع الغر، ~~فاقتحم البيت رافعا سيفه، قد جرده من غمده يريد أن يضربهما. ~~ثم فكر واذكر، فغمز امرأته برجله فاستيقظت فصاحت وهي توسن، فقال: أنا عبد ~~الله، فمن هذا؟ قالت: رجيلة [ماشطتي] [ (1) ] ، سمعنا بمقدمكم فدعوتها ~~تمشطني فباتت عندي. فبات فلما أصبح خرج معترضا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلقيه ببئر أبي عنبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسير بين أبي بكر ~~وبشير بن سعد، ~~فالتفت رسول الله ms326 صلى الله عليه وسلم إلى بشير فقال: يا أبا النعمان. ~~فقال: لبيك. قال: إن وجه عبد الله ليخبرك أنه قد كره طروق أهله. فلما انتهى ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله: خبرك يا ابن رواحة. ~~فأخبره كيف كان تقدم وما كان من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لا تطرقوا النساء ليلا. ~~قال جابر: فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال جابر: فلم أر مثل العسكر ولزومه والجماعة، لقد أقبلنا من خيبر، وكنا ~~مررنا على وادي القرى فانتهينا إلى الجرف [ (2) ] ليلا، فنادى منادي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا تطرقوا النساء ليلا. قال جابر: فانطلق رجلان ~~فعصيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيا جميعا ما يكرهان. ### | غزوة الخندق # عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة، ~~فحاصروه خمس عشرة، وانصرف يوم الأربعاء لسبع بقين سنة PageV02P440 ~~خمس، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. # فحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه، وربيعة ابن عثمان، ~~ومحمد عن الزهري، وعبد الصمد بن محمد، ويونس بن محمد الظفري، وعبد الله بن ~~جعفر، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، وابن أبي سبرة، وعبد الحميد بن ~~جعفر، ومعمر بن راشد، وحزام بن هشام، ومحمد بن يحيى بن سهل، وأيوب بن ~~النعمان بن عبد الله بن كعب بن مالك، وموسى بن عبيدة، وقدامة بن موسى، ~~وعائذ بن يحيى الزرقي، ومحمد بن صالح، وعبد الرحمن بن عبد العزيز، وهشام بن ~~سعد، ومجمع ابن يعقوب، وأبو معشر، والضحاك بن عثمان، وعبد الرحمن بن محمد ~~ابن أبي بكر، وابن أبي حبيبة، وابن أبي الزناد، وأسامة بن زيد، فكل قد ~~حدثني من هذا الحديث بطائفة، وبعضهم أوعى له من بعض، وغير هؤلاء قد حدثني، ~~فكتبت كل ما حدثوني، قالوا: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني ~~النضير ساروا إلى خيبر، وكان بها من اليهود قوم أهل ms327 عدد وجلد، وليست لهم من ~~البيوت والأحساب [ (1) ] ما لبني النضير- كان بنو النضير سرهم، وقريظة من ~~ولد الكاهن من بني هارون- فلما قدموا خيبر خرج حيي بن أخطب، وكنانة بن أبي ~~الحقيق، وهوذة بن الحقيق. وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس من بني خطمة، وأبو ~~عامر الراهب في بضعة عشر رجلا إلى مكة يدعون قريشا وأتباعها إلى حرب محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا. ~~قال أبو سفيان: هذا الذي أقدمكم ونزعكم [ (2) ] ؟ قالوا: نعم، جئنا ~~PageV02P441 ~~لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله. قال أبو سفيان: مرحبا وأهلا، أحب الناس ~~إلينا من أعاننا على عداوة محمد. قال النفر: فأخرج خمسين رجلا من بطون قريش ~~كلها أنت فيهم، وندخل نحن وأنتم بين أستار الكعبة حتى نلصق أكبادنا بها، ثم ~~نحلف بالله جميعا لا يخذل بعضنا بعضا، ولتكونن كلمتنا واحدة على هذا الرجل ~~ما بقي منا رجل. ~~ففعلوا فتحالفوا على ذلك وتعاقدوا، ثم قالت قريش بعضها لبعض: قد جاءكم ~~رؤساء أهل يثرب وأهل العلم والكتاب الأول، فسلوهم عما نحن عليه ومحمد، أينا ~~أهدى؟ قالت قريش: نعم. فقال أبو سفيان: ~~يا معشر اليهود، أنتم أهل الكتاب الأول والعلم، أخبرونا عما أصبحنا نحن ~~فيه ومحمد، ديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عمار البيت، وننحر الكوم، ونسقي ~~الحجيج، ونعبد الأصنام. قالوا: اللهم، أنتم أولى بالحق منه، إنكم لتعظمون ~~هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان عليه ~~آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه. فأنزل الله تعالى في ذلك: ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا [ (1) ] . ~~فاتعدوا لوقت وقتوه، فقال صفوان بن أمية: يا معشر قريش، إنكم قد وعدتم ~~هؤلاء القوم لهذا الوقت وفارقوكم عليه، ففوا لهم به! لا يكون هذا كما كان، ~~وعدنا محمدا بدر الصفراء فلم نف بموعده، واجترأ علينا بذلك، وقد كنت كارها ~~لميعاد أبي سفيان يومئذ. فخرجت اليهود حتى أتت غطفان، وأخذت قريش في ~~الجهاز، وسيرت في العرب ms328 تدعوهم إلى نصرها، وألبوا أحابيشهم ومن تبعهم. ثم ~~خرجت اليهود حتى جاءوا بنى سليم، PageV02P442 ~~فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قريش. ثم ساروا [ (1) ] في غطفان، فجعلوا ~~لهم تمر خيبر سنة، وينصرونهم ويسيرون مع قريش إلى محمد إذا ساروا. ~~فأنعمت بذلك غطفان، ولم يكن أحد أسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن. # وخرجت قريش ومن تبعها من أحابيشها أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار ~~الندوة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم من الظهر ألف بعير وخمسمائة ~~بعير. وأقبلت سليم فلاقوهم بمر الظهران، وبنو سليم يومئذ سبعمائة، يقودهم ~~سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبي الأعور الذي كان مع معاوية ~~بن أبي سفيان بصفين. وخرجت قريش يقودها أبو سفيان بن حرب، وخرجت بنو أسد ~~وقائدها طلحة بن خويلد الأسدي، وخرجت بنو فزارة وأوعبت [ (2) ] ، وهم ألف ~~يقودهم عيينة بن حصن، وخرجت أشجع وقائدها مسعود بن رخيلة وهم أربعمائة- لم ~~توعب أشجع. وخرج الحارث بن عوف يقود قومه بني مرة وهم أربعمائة. ~~لما أجمعت غطفان السير أبى الحارث بن عوف المسير وقال لقومه: تفرقوا في ~~بلادكم ولا تسيروا إلى محمد، فإني أرى أن محمدا أمره ظاهر، لو ناوأه من بين ~~المشرق والمغرب لكانت له العاقبة. فتفرقوا في بلادهم ولم يحضر واحد منهم، ~~وهكذا روى الزهري وروت بنو مرة. # حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، ~~وعاصم بن عمر بن قتادة قالا: شهدت بنو مرة الخندق وهم أربعمائة وقائدهم ~~الحارث بن عوف المري، وهجاه حسان وأنشد [ (3) ] PageV02P443 ~~شعرا، وذكروا مجاورة النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ. فكان هذا أثبت ~~عندنا أنه شهد الخندق في قومه، ولكنه كان أمثل تقية من عيينة. # قالوا: وكان القوم جميعا الذين وافوا الخندق من قريش، وسليم، وغطفان، ~~وأسد، عشرة آلاف، فهي عساكر ثلاثة، وعناج [ (1) ] الأمر إلى أبي سفيان. ~~فأقبلوا فنزلت قريش برومة [ (2) ] ووادي العقيق في أحابيشها ومن ضوى إليها ~~من العرب، وأقبلت غطفان في قادتها حتى نزلوا بالزغابة إلى جانب ms329 أحد. وجعلت ~~قريش تسرح ركابها في وادي العقيق في عضاهه، وليس هناك شيء للخيل إلا ما ~~حملوه معهم من علف- وكان علفهم الذرة- وسرحت غطفان إبلها إلى الغابة في ~~أثلها وطرفائها في عضاه الجرف. وقدموا في زمان ليس في العرض [ (3) ] زرع، ~~فقد حصد الناس قبل ذلك بشهر، فأدخلوا حصادهم وأتبانهم. وكانت غطفان ترسل ~~خيلها في أثر الحصاد- وكان خيل غطفان ثلاثمائة- بالعرض فيمسك ذلك من خيلهم ~~[ (4) ] ، وكادت إبلهم تهلك من الهزال. وكانت المدينة ليالي قدموا جديبة. # فلما فصلت قريش من مكة إلى المدينة خرج ركب من خزاعة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبروه بفصول قريش، فساروا من مكة إلى المدينة أربعا، فذلك حين ~~ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم في ~~أمرهم بالجد والجهاد، ووعدهم النصر إن هم صبروا واتقوا، وأمرهم بطاعة الله ~~وطاعة رسوله. وشاورهم رسول الله صلى الله عليه PageV02P444 ~~وسلم، وكان رسول الله يكثر مشاورتهم في الحرب، فقال: أنبرز لهم من ~~المدينة، أم نكون فيها ونخندقها علينا، أم نكون قريبا ونجعل ظهورنا إلى هذا ~~الجبل؟ فاختلفوا، فقالت طائفة: نكون مما يلي بعاث إلى ثنية الوداع إلى ~~الجرف. فقال قائل: ندع المدينة خلوفا! فقال سلمان: ~~يا رسول الله، إنا إذ كنا بأرض فارس وتخوفنا الخيل خندقنا علينا، فهل لك ~~يا رسول الله أن نخندق؟ فأعجب رأي سلمان المسلمين، وذكروا حين دعاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد أن يقيموا ولا يخرجوا، فكره المسلمون الخروج ~~وأحبوا الثبات في المدينة. # فحدثني أبو بكر بن أبي سبرة قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن جهم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا له ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين ~~والأنصار، فارتاد موضعا ينزله، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سلعا [ (1) ~~] خلف ظهره، ويخندق من المذاذ [ (2) ] إلى ذباب إلى راتج [ (3) ] . فعمل ~~يومئذ في الخندق، وندب الناس، فخبرهم بدنو عدوهم، وعسكرهم إلى سفح سلع. ~~وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم العدو عليهم، وأخذ رسول الله ~~صلى الله عليه ms330 وسلم يعمل معهم في الخندق لينشط. المسلمين، وعملوا، ~~واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي، وكرازين [ (4) ] ومكاتل، ~~يحفرون به الخندق- وهم يومئذ سلم للنبي صلى PageV02P445 ~~الله عليه وسلم يكرهون قدوم قريش. ووكل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ~~جانب من الخندق قوما يحفرونه، فكان المهاجرون يحفرون من جانب راتج إلى ~~ذباب، وكانت الأنصار تحفر من ذباب إلى جبل بني عبيد، وكان سائر المدينة ~~مشبكا بالبنيان. # فحدثني محمد بن يحيى بن سهل، عن أبيه، عن جده، قال: ~~كنت أنظر إلى المسلمين [ (1) ] والشباب ينقلون التراب، والخندق بسطة [ ~~(2) ] أو نحوها، وكان المهاجرون والأنصار ينقلون على رؤوسهم في المكاتل، ~~وكانوا إذا رجعوا بالمكاتل جعلوا فيها الحجارة يأتون بها من جبل سلع. ~~وكانوا يجعلون التراب مما يلي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا ~~يسطرون الحجارة مما يليهم كأنها حبال [ (3) ] التمر- وكانت الحجارة من أعظم ~~سلاحهم يرمونهم بها. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن مروان بن أبي سعيد، قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ يحمل التراب في المكاتل ويطرحه، والقوم يرتجزون، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # هذا الجمال لا جمال خيبر %~% هذا أبر ربنا وأطهر # وجعل المسلمون يومئذ إذا رأوا من الرجل فتورا ضحكوا منه. وتنافس الناس ~~يومئذ في سلمان الفارسي، ~~فقال المهاجرون: سلمان منا! .. وكان قويا عارفا بحفر الخنادق. وقالت ~~الأنصار: هو منا ونحن أحق به! فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قولهم ~~فقال: سلمان رجل منا أهل PageV02P446 ~~البيت. ولقد كان يومئذ يعمل عمل عشرة رجال حتى عانه [ (1) ] يومئذ قيس بن ~~أبي صعصعة، فلبط به [ (2) ] ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~مروه فليتوضأ له، وليغتسل به. ~~ويكفإ الإناء خلفه. ففعل فكأنما حل من عقال. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن الفضيل بن مبشر قال: سمعت جابر ابن عبد الله ~~يقول: لقد كنت أرى سلمان يومئذ، وقد جعلوا له خمسة أذرع طولا وخمسا في ~~الأرض، فما تحينته حتى فرغ وحده، وهو يقول: ~~اللهم، لا عيش إلا عيش الآخرة. # وحدثني ms331 أيوب بن النعمان، عن أبيه، عن جده، عن كعب بن مالك قال: جعلنا يوم ~~الخندق نرتجز ونحفر، وكنا- بني سلمة- ناحية، فعزم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علي ألا أقول شيئا، فقلت: هل عزم على غيري؟ قالوا: حسان بن ثابت. قال: ~~فعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما نهانا لوجدنا له وقلته على ~~غيرنا، فما تكلمت بحرف حتى فرغنا من الخندق. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: لا يغضب أحد مما قال صاحبه، لا ~~يريد بذلك سوءا، إلا ما قال كعب وحسان فإنهما يجدان ذلك. # وحدثني يحيى بن عبد العزيز، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: ~~كان جعيل بن سراقة رجلا صالحا، وكان ذميما قبيحا، وكان يعمل مع المسلمين ~~يومئذ في الخندق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غير اسمه يومئذ ~~فسماه عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون: PageV02P447 # سماه من بعد جعيل عمرا %~% وكان للبائس يوما ظهرا # قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول من ذلك شيئا إلا أن يقول ~~«عمرا» [ (1) ] . # فبينا المسلمون يحفرون، وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب مع المسلمين، ~~فنظر إليه سعد بن معاذ وهو جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~الحمد لله يا رسول الله الذي أبقاني حتى آمنت بك، إني عانقت أبا هذا يوم ~~بعاث، ثابت بن الضحاك، فكانت اللبجة [ (2) ] به، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أما إنه نعم الغلام! وكان زيد بن ثابت قد رقد في الخندق، غلبته ~~عيناه حتى أخذ سلاحه وهو لا يشعر، وهو في قر شديد- ترسه، وقوسه، وسيفه- وهو ~~على شفير الخندق مع المسلمين، فانكشف المسلمون يريدون يطيفون بالخندق ~~ويحرسونه، وتركوا زيدا نائما، ولا يشعرون به حتى جاءه عمارة بن حزم فأخذ ~~سلاحه، ولا يشعر حتى فزع بعد فقد سلاحه، حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فدعا زيدا فقال: يا أبا رقاد، نمت حتى ذهب سلاحك! ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من له ms332 علم بسلاح هذا الغلام؟ فقال عمارة بن حزم: أنا ~~يا رسول الله، وهو عندي. فقال: فرده عليه، ونهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يروع المسلم أو يؤخذ متاعه لاعبا جادا [ (3) ] . # حدثني علي بن عيسى، عن أبيه، قال: ما كان في المسلمين يومئذ أحد إلا يحفر ~~في الخندق أو ينقل التراب، ولقد رئي رسول الله صلى PageV02P448 ~~الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر- وكان أبو بكر وعمر. لا يتفرقان في عمل، ~~ولا مسير، ولا منزل- ينقلان التراب في ثيابهما يومئذ من العجلة، إذ لم يجدا ~~مكاتل لعجلة المسلمين. # وكان البراء بن عازب يقول: ما رأيت أحدا أحسن في حلة حمراء من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أبيض شديد البياض، كثير الشعر، يضرب الشعر ~~منكبيه. ولقد رأيته يومئذ يحمل التراب على ظهره حتى حال الغبار بيني وبينه، ~~وإني لأنظر إلى بياض بطنه. # وقال أبو سعيد الخدري: لكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يحفر في الخندق مع المسلمين، والتراب على صدره وبين عكنه [ (1) ] ، وإنه ~~ليقول: # اللهم لولا أنت ما اهتدينا %~% ولا تصدقنا ولا صلينا # يردد ذلك. # وحدثني أبي بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده، قال: كنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الخندق، فأخذ الكرزن وضرب به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حجرا فصل الحجر، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول ~~الله، مم تضحك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أضحك من قوم يؤتى بهم من ~~المشرق في الكبول [ (2) ] ، يساقون إلى الجنة وهم كارهون. # فحدثني عاصم بن عبد الله الحكمي، عن عمر بن الحكم، قال: كان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يضرب يومئذ بالمعول، فصادف PageV02P449 ~~حجرا صلدا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه المعول، وهو عند جبل ~~بني عبيد، فضرب ضربة فذهبت أولها برقة إلى اليمن، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة ~~إلى الشام، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة نحو المشرق، وكسر الحجر عند الثالثة. ms333 ~~فكان عمر بن الخطاب يقول: والذي بعثه بالحق، لصار كأنه سهلة [ (1) ] وكان ~~كلما ضرب ضربة يتبعه سلمان ببصره [ (2) ] ، فيبصر عند كل ضربة برقة، فقال ~~سلمان: يا رسول الله، رأيت المعول كلما ضربت به أضاء ما تحته. فقال: أليس ~~قد رأيت ذلك؟ قال: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني رأيت في الأولى ~~قصور الشام، ثم رأيت في الثانية قصور اليمن، ورأيت في الثالثة قصر كسرى ~~الأبيض بالمدائن. وجعل يصفه لسلمان فقال: صدقت والذي بعثك بالحق، إن هذه ~~لصفته، وأشهد أنك لرسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه فتوح ~~يفتحها الله عليكم بعدي يا سلمان، لتفتحن الشام، ويهرب هرقل إلى أقصى ~~مملكته، وتظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد، ولتفتحن اليمن، وليفتحن هذا ~~المشرق، ويقتل كسرى بعده. ~~قال سلمان: فكل هذا قد رأيت. # قالوا: وكان الخندق ما بين جبل بني عبيد بخربى إلى راتج، فكان للمهاجرين ~~من ذباب إلى راتج، وكان للأنصار ما بين ذباب إلى خربى، فهذا الذي حفر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وشبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية ~~وهي كالحصن. وخندقت بنو عبد الأشهل عليها بما يلي راتج إلى خلفها، حتى جاء ~~الخندق من وراء المسجد، وخندقت PageV02P450 ~~بنو دينار من عند خربى إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم. ورفع المسلمون ~~النساء والصبيان في الآطام، ورفعت بنو حارثة الذراري في أطمهم، وكان أطما ~~منيعا، وكانت عائشة يومئذ فيه. ورفع بنو عمرو بن عوف النساء والذرية في ~~الآطام، وخندق بعضهم حول الآطام بقباء، وحصن بنو عمرو بن عوف ولفها [ (1) ] ~~، وخطمة، وبنو أمية، ووائل، وواقف، فكان ذراريهم في آطامهم. # فحدثني عبد الرحمن بن أبجر [ (2) ] ، عن صالح بن أبي حسان، قال: ~~أخبرني شيوخ بني واقف أنهم حدثوه أن بني واقف جعلوا ذراريهم ونساءهم في ~~أطمهم، وكانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتعاهدون أهليهم بأنصاف ~~النهار بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، فينهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فإذا ألحوا أمرهم أن يأخذوا السلاح خوفا ms334 عليهم من بني قريظة. # فكان هلال بن أمية يقول: أقبلت في نفر من قومي وبني عمرو بن عوف، وقد ~~نكبنا عن الجسر وصفنة [ (3) ] فأخذنا على قباء، حتى إذا كنا بعوسا [ (4) ] ~~إذا نفر منهم فيهم نباش بن قيس القرظي، فنضحونا بالنبل ساعة، ورميناهم ~~بالنبل، وكانت بيننا جراحة، ثم انكشفوا على حاميتهم ورجعنا إلى أهلنا، فلم ~~نر لهم جمعا بعد. # وحدثني أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب، قال: كان الخندق الذي خندق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما بين جبل بنى عبيد إلى راتج PageV02P451 ~~- وهذا أثبت الأحاديث عندنا. وذكروا أن الخندق له أبواب، فلسنا ندري أين ~~موضعها. # فحدثني محمد بن زياد بن أبي هنيدة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن ~~جابر بن عبد الله، قال: أصاب الناس كدية يوم الخندق فضربوا فيها بمعاولهم ~~حتى انكسرت، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بماء فصبه عليها ~~فعادت كثيبا. قال جابر بن عبد الله: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحفر، ورأيته خميصا، ورأيت بين عكنه الغبار، فأتيت امرأتي فأخبرتها ما رأيت ~~من خمص بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والله، ما عندنا شيء إلا ~~هذه الشاة ومد من شعير. قال جابر: ~~فاطحني وأصلحي. قالت: فطبخنا بعضها وشوينا بعضها، وخبز الشعير. ~~[قال جابر] : ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكثت حتى رأيت أن ~~الطعام قد بلغ، فقلت: يا رسول الله، قد صنعت لك طعاما فأت أنت ومن أحببت من ~~أصحابك. فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في أصابعي، ثم قال: ~~أجيبوا، جابر يدعوكم! فأقبلوا معه فقلت: والله، إنها الفضيحة! فأتيت المرأة ~~فأخبرتها فقالت: أنت دعوتهم أو هو دعاهم؟ فقلت: بل هو دعاهم! قالت: دعهم، ~~هو أعلم. ~~قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه، فكانوا فرقا، عشرة ~~عشرة، ثم قال لنا: اغرفوا وغطوا البرمة، وأخرجوا من التنور الخبز ثم غطوه. ~~ففعلنا فجعلنا نغرف ونغطي البرمة ثم نفتحها، فما نراها نقصت شيئا، ms335 ونخرج ~~الخبز من التنور ثم نغطيه، فما نراه ينقص شيئا. فأكلوا حتى شبعوا، وأكلنا ~~وأهدينا، فعمل الناس يومئذ كلهم والنبي صلى الله عليه وسلم. وجعلت الأنصار ~~ترتجز وتقول: PageV02P452 # نحن الذين بايعوا محمدا %~% على الجهاد ما بقينا أبدا # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # اللهم لا خير إلا خير الآخره %~% فاغفر للأنصار والمهاجره # وحدثني ابن أبي سبرة، عن صالح بن محمد بن زائدة، عن أبى سلمة ابن عبد ~~الرحمن بن عوف، عن أبي واقد الليثي، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعرض الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز ورد من رد، وكان الغلمان ~~يعملون معه، الذين لم يبلغوا ولم يجزهم، ولكنه لما لحم الأمر أمر من لم ~~يبلغ أن يرجع إلى أهله إلى الآطام مع الذراري. ~~وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، فلقد كنت أرى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإنه ليضرب مرة بالمعول، ومرة يغرف بالمسحاة التراب، ومرة يحمل التراب ~~في المكتل. ولقد رأيته يوما بلغ منه، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~اتكأ على حجر على شقه الأيسر، فذهب به النوم. ~~فرأيت أبا بكر وعمر واقفين على رأسه ينحيان الناس أن يمروا به فينبهوه، ~~وأنا قربت منه، ففزع ووثب، فقال: ألا أفزعتموني! فأخذ الكرزن يضرب به، وإنه ~~ليقول: # اللهم إن العيش عيش الآخره %~% فاغفر للأنصار والمهاجره # اللهم العن عضلا والقاره %~% فهم كلفوني أنقل الحجاره # فكان ممن أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن عمر، وهو ابن خمس ~~عشرة، وزيد بن ثابت، وهو ابن خمس عشرة، والبراء بن عازب، وهو ابن خمس عشرة. PageV02P453 # حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: لما فرغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الخندق، وكان حفره ستة أيام وحصنه، ونزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دبر سلع، فجعله خلف ظهره والخندق أمامه، وكان عسكره هنالك. وضرب ~~قبة من أدم، وكانت القبة عند المسجد الأعلى الذي بأصل الجبل- جبل الأحزاب- ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعقب بين ms336 نسائه، فتكون عائشة أياما، ثم تكون ~~أم سلمة، ثم تكون زينب بنت جحش، فكان هؤلاء الثلاث اللاتي يعقب بينهن في ~~الخندق، وسائر نسائه في أطم بني حارثة. ويقال: كن في المسير [ (1) ] ، أطم ~~في بني زريق، وكان حصينا. ويقال: كان بعضهن في فارع [ (2) ]- وكل هذا قد ~~سمعناه. # فحدثني أبو أيوب بن النعمان، عن أبيه، قال: كان حيي بن أخطب يقول لأبي ~~سفيان بن حرب ولقريش في مسيره معهم: إن قومي قريظة معكم، وهم أهل حلقة ~~وافرة، هم سبعمائة مقاتل وخمسون مقاتلا. فلما دنوا قال أبو سفيان لحيي بن ~~أخطب: ائت قومك، حتى ينقضوا العهد الذي بينهم وبين محمد. فذهب حيي حتى أتى ~~بني قريظة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم صالح قريظة والنضير ~~ومن بالمدينة من اليهود ألا يكونوا معه ولا عليه. ويقال: صالحهم على أن ~~ينصروه ممن دهمه منهم، ويقيموا على معاقلهم [ (3) ] الأولى التي بين الأوس ~~والخزرج. ويقال إن حيى PageV02P454 ~~عدل من ذي الحليفة فسلك على العصبة حتى طرق كعب بن أسد، وكان كعب صاحب ~~عقد بني قريظة وعهدها. # فكان محمد بن كعب القرظي يحدث يقول: كان حيي بن أخطب رجلا مشئوما، هو شأم ~~بني النضير قومه، وشأم قريظة حتى قتلوا، وكان يحب الرئاسة والشرف عليهم، ~~وله في قريش شبه- أبو جهل بن هشام. ~~فلما أتى حيي إلى بني قريظة كرهت بنو قريظة دخوله دارهم، فكان أول من ~~لقيه غزال بن سموأل، فقال له حيي: قد جئتك بما تستريح به من محمد، هذه قريش ~~قد حلت وادي العقيق، وغطفان بالزغابة. قال غزال: جئتنا والله بذل الدهر! ~~قال حيي: لا تقل هذا! ثم وجه إلى باب كعب بن أسد فدق عليه، فعرفه كعب وقال: ~~ما أصنع بدخول حيي علي، رجل مشئوم قد شأم قومه، وهو الآن يدعوني إلى نقض ~~العهد! قال: فدق عليه، فقال كعب: إنك امرؤ مشئوم قد شأمت قومك حتى أهلكتهم، ~~فارجع عنا فإنك إنما تريد هلاكي وهلاك قومي! فأبى حيي أن يرجع، فقال كعب: ~~يا حيي، ms337 إني عاقدت محمدا وعاهدته، فلم نر منه إلا صدقا، والله، ما أخفر [ ~~(1) ] لنا ذمة ولا هتك لنا سترا، ولقد أحسن جوارنا. فقال حيي: ويحك! إني قد ~~جئتك ببحر طام وبعز الدهر، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وجئتك بكنانة ~~حتى أنزلتهم برومة، وجئتك بغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بالزغابة ~~إلى نقمى [ (2) ] ، قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل، والعدد عشرة آلاف، ~~والخيل ألف فرس، وسلاح كثير، ومحمد لا يفلت فى فورنا هذا، وقد تعاقدوا ~~PageV02P455 ~~وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه. قال كعب: ويحك! جئتني ~~والله بذل الدهر وبسحاب يبرق ويرعد ليس فيه شيء. وأنا في بحر لجي، لا أقدر ~~على أن أريم داري، ومالي معي والصبيان والنساء، فارجع عني، فإنه لا حاجة لي ~~فيما جئتني به. قال حيي: ويحك! أكلمك. ~~قال كعب: ما أنا بفاعل. قال: والله، ما أغلقت دوني إلا لجشيشتك أن آكل ~~معك منها، فلك ألا أدخل يدي فيها. قال: فأحفظه [ (1) ] ، ففتح الباب فدخل ~~عليه، فلم يزل يفتله في الذروة والغارب [ (2) ] حتى لان له، وقال: ارجع عني ~~يومك هذا حتى أشاور رؤساء اليهود. فقال: قد جعلوا العهد والعقد إليك فأنت ~~ترى لهم. وجعل يلح عليه حتى فتله عن رأيه، فقال كعب بن أسد: يا حيي، قد ~~دخلت فيما ترى كارها له، وأنا أخشى ألا يقتل محمد، وتنصرف قريش إلى بلادها، ~~وترجع أنت إلى أهلك، وأبقى في عقر الدار وأقتل ومن معي. فقال حيي: لك ما في ~~التوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سيناء، لئن لم يقتل محمد في هذه ~~الفورة ورجعت قريش وغطفان قبل أن يصيبوا محمدا، لأدخلن معك حصنك حتى يصيبني ~~ما أصابك. فنقض كعب العهد الذي كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ودعا حيي بالكتاب الذي كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فشقه ~~حيي، فلما شقه حيي علم أن الأمر قد لحم وفسد، فخرج على بني قريظة وهم حلق ~~حول منزل كعب بن أسد، فخبرهم الخبر. يقول الزبير بن باطا: ms338 وإهلاك اليهود! ~~تولى قريش وغطفان PageV02P456 ~~ويتركوننا في عقر دارنا وأموالنا وذرارينا، ولا قوة لنا بمحمد! ما بات ~~يهودي على حزم قط، ولا قامت يهودية بيثرب أبدا. ثم أرسل كعب بن أسد إلى نفر ~~من رؤساء اليهود خمسة- الزبير بن باطا، ونباش بن قيس، وغزال ابن سموأل، ~~وعقبة بن زيد، وكعب بن زيد، فخبرهم خبر حيي، وما أعطاه حيي أن يرجع إليه ~~فيدخل معه فيصيبه ما أصابه. يقول الزبير ابن باطا: وما حاجتك إلى أن تقتل ~~ويقتل معك حيي! قال: فأسكت كعب وقال القوم: نحن نكره نزري برأيك أو نخالفك، ~~وحيي من قد عرفت شومه. وندم كعب بن أسد على ما صنع من نقض العهد، ولحم ~~الأمر لما أراد الله تعالى من حربهم وهلاكهم. # فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في الخندق أتى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبته- وقبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مضروبة من أدم في أصل الجبل عند المسجد الذي ~~في أسفل الجبل- معه أبو بكر رضي الله عنه والمسلمون على خندقهم يتناوبون، ~~معهم بضعة وثلاثون فرسا، والفرسان يطوفون على الخندق ما بين طرفيه، ~~يتعاهدون رجالا وضعوهم في مواضع منه، إلى أن جاء عمر رضي الله عنه فقال: يا ~~رسول الله، بلغني أن بني قريظة قد نقضت العهد وحاربت. ~~فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من نبعث يعلم لنا ~~علمهم؟ فقال عمر: الزبير بن العوام. فكان أول الناس بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الزبير بن العوام، فقال: اذهب إلى بني قريظة. ~~فذهب الزبير فنظر، ثم رجع فقال: يا رسول الله، رأيتهم يصلحون حصونهم ~~ويدربون طرقهم، وقد جمعوا ماشيتهم. فذلك حين قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن لكل نبي حواريا، وحواري الزبير وابن عمتي. PageV02P457 ~~ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد ~~بن حضير، فقال: إنه قد بلغني أن بني قريظة قد نقضوا ms339 العهد الذي بيننا ~~وبينهم وحاربوا، فاذهبوا فانظروا إن كان ما بلغني حقا، فإن كان باطلا ~~فأظهروا القول، وإن كان حقا فتكلموا بكلام تلحنون لي به أعرفه، لا تفتوا ~~أعضاد المسلمين. ~~فلما انتهوا إلى كعب بن أسد وجدوا القوم قد نقضوا العهد، فناشدوهم الله ~~والعهد الذي كان بينهم، أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك قبل أن يلتحم ~~الأمر، وألا يطيعوا حيي بن أخطب. فقال كعب: لا نرده أبدا، قد قطعته كما ~~قطعت هذا القبال [ (1) ] لقبال نعله. ووقع كعب بسعد بن معاذ يسبه، فقال ~~أسيد بن حضير: تسب سيدك يا عدو الله؟ ما أنت له بكفء! أما والله يا ابن ~~اليهود [ (2) ] ، لتولين قريش إن شاء الله منهزمة وتتركك في عقر دارك، ~~فنسير إليك فتنزل من جحرك هذا على حكمنا. وإنك لتعلم النضير، كانوا أعز منك ~~وأعظم بهذه البلدة، ديتك نصف ديتهم، وقد رأيت ما صنع الله بهم. ~~وقبل ذلك بنو قينقاع، نزلوا على حكمنا. قال كعب: يا ابن الحضير، تخوفوننى ~~بالمسير إلى؟ أما والتوراة، لقد رآني أبوك يوم بعاث- لولا نحن لأجلته ~~الخزرج منها. إنكم والله ما لقيتم أحدا يحسن القتال ولا يعرفه، نحن والله ~~نحسن قتالكم! ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين أقبح ~~الكلام، وشتموا سعد بن عبادة شتما قبيحا حتى أغضبوه. فقال سعد بن معاذ: ~~دعهم فإنا لم نأت لهذا، ما بيننا أشد من المشاتمة- السيف! وكان PageV02P458 ~~الذي يشتم سعد بن عبادة نباش بن قيس فقال: عضضت ببظر [ (1) ] أمك! فانتفض ~~سعد بن عبادة غضبا، فقال سعد بن معاذ: إني أخاف عليكم مثل يوم بني النضير. ~~قال غزال بن سموأل: أكلت أير أبيك! قال سعد بن معاذ غير هذا القول أحسن ~~منه. قال: ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال سعد بن عبادة: عضل والقارة. وسكت الرجلان- يريد ~~بعضل والقارة غدرهم بخبيب وأصحاب الرجيع- ثم جلسوا. ~~فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أبشروا يا معشر المسلمين بنصر ms340 ~~الله وعونه. ~~وانتهى الخبر إلى المسلمين بنقض بني قريظة العهد، فاشتد الخوف وعظم ~~البلاء. # قرئ على ابن أبي حبيبة وأنا أسمع، قال: حدثنا محمد بن الثلجي قال: حدثنا ~~الواقدي، قال: فحدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن عبد الله بن أبي ~~بكر بن حزم قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة، وسعد بن ~~معاذ، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير إلى بني قريظة. قال ابن واقد: ~~والأول أثبت عندنا. # قالوا: ونجم النفاق، وفشل الناس، وعظم البلاء، واشتد الخوف، وخيف على ~~الذراري والنساء، وكانوا كما قال الله تعالى: إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر [ (2) ] ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمون وجاه العدو، لا يستطيعون الزوال عن مكانهم، يعتقبون ~~خندقهم ويحرسونه. وتكلم قوم بكلام قبيح، فقال معتب بن قشير: يعدنا محمد ~~كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا PageV02P459 ~~يأمن أن يذهب إلى حاجته، وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا! # فحدثني صالح بن جعفر، عن ابن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكن الله كسرى ~~وقيصر، ولتنفقن أموالهم في سبيل الله- ~~يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب. فسمعه معتب فقال ما قال. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن الفضيل قال: همت بنو قريظة أن يغيروا ~~على بيضة المدينة ليلا، فأرسلوا حيي بن أخطب إلى قريش أن يأتيهم منهم ألف ~~رجل، ومن غطفان ألف، فيغيروا بهم [ (1) ] . ~~فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بذلك فعظم البلاء، فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي في مائتي رجل، ~~وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، ومعهم خيل ~~المسلمين، فإذا أصبحوا أمنوا. فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: لقد ~~خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد [من] خوفنا من قريش وغطفان، ~~ولقد كنت أوفي على سلع فأنظر إلى ms341 بيوت المدينة، فإذا رأيتهم هادين [ (2) ] ~~حمدت الله عز وجل، فكان مما رد الله به قريظة عما أرادوا أن المدينة كانت ~~تحرس. # حدثني صالح بن خوات، عن ابن كعب، قال: قال خوات بن جبير: دعاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونحن محاصرو الخندق، فقال: ~~انطلق إلى بني قريظة فانظر هل ترى لهم غرة أو خللا من موضع فتخبرني. ~~قال: فخرجت من عنده عند غروب الشمس، فتدليت من سلع وغربت PageV02P460 ~~لي الشمس فصليت المغرب، ثم خرجت حتى أخذت في راتج، ثم على عبد الأشهل، ثم ~~في زهرة، ثم على بعاث. فلما دنوت من القوم قلت: ~~أكمن لهم. فكمنت ورمقت الحصون ساعة، ثم ذهب بي النوم فلم أشعر إلا برجل ~~قد احتملني وأنا نائم، فوضعني على عنقه ثم انطلق يمشي. ~~قال: ففزعت ورجل يمشي بي على عاتقه، فعرفت أنه طليعة من قريظة واستحييت ~~تلك الساعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حياء شديدا، حيث ضيعت ثغرا ~~أمرني به، ثم ذكرت غلبة النوم. قال: والرجل يرقل بي إلى حصونهم، فتكلم ~~باليهودية فعرفته، قال: أبشر بجزرة سمينة! قال: وذكرت وجعلت أضرب بيدي- ~~وعهدي بهم لا يخرج منهم أحد أبدا إلا بمعول في وسطه. قال: فأضع يدي على ~~المعول فأنتزعه، وشغل بكلام رجل من فوق الحصن، فانتزعته فوجأت به كبده ~~فاسترخى وصاح: ~~السبع! فأوقدت اليهود النار على آطامها بشعل السعف. ووقع ميتا وانكشف، ~~فكنت لا أدرك، [ (1) ] وأقبل من طريقي التي جئت منها. ~~وجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ظفرت يا خوات! ثم خرج فأخبر أصحابه فقال: كان من أمر خوات كذا ~~وكذا. وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه وهم يتحدثون، ~~فلما رآني قال: أفلح وجهك! قلت: ووجهك يا رسول الله! قال: أخبرني خبرك. ~~فأخبرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هكذا أخبرني جبريل. ~~وقال القوم: هكذا حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال خوات: فكان ليلنا بالخندق نهارا. قال ms342 غير صالح: قال خوات: رأيتنى ~~PageV02P461 ~~وأنا أتذكر سوء أثري عندهم بعد ممالحة وخلصية مني لهم، فقلت: ~~هم يمثلون بي كل المثل حتى ذكرت المعول. # حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: ~~خرج نباش بن قيس ليلة من حصنهم يريد المدينة، ومعه عشرة من اليهود من ~~أشدائهم وهم يقولون: عسى أن نصيب منهم غرة. فانتهوا إلى بقيع الغرقد، ~~فيجدون نفرا من المسلمين من أصحاب سلمة بن أسلم بن حريش، فناهضوهم فراموهم ~~ساعة بالنبل، ثم انكشف القريظيون مولين. ~~وبلغ سلمة بن أسلم وهم بناحية بني حارثة، فأقبل في أصحابه حتى انتهوا إلى ~~حصونهم، فجعلوا يطيفون بحصونهم حتى خافت اليهود، وأوقدوا النيران على ~~آطامهم وقالوا: البيات! وهدموا قرني [ (1) ] بئر لهم وهو روها [ (2) ] ~~عليهم، فلم يقدروا يطلعوا من حصنهم وخافوا خوفا شديدا. # وحدثنى شيخ من قريش، قال ابن أبي الزناد وابن جعفر هذا أثبت من الذي في ~~أحد، قال: كان حسان بن ثابت رجلا جبانا، فكان قد رفع مع النساء في الآطام، ~~فكانت صفية في أطم فارع، ومعها جماعة وحسان معهم. فأقبل عشرة من اليهود ~~ورأسهم غزال بن سموأل من بني قريظة نهارا، فجعلوا ينقمعون [ (3) ] ويرمون ~~الحصن، فقالت صفية لحسان: ~~دونك يا أبا الوليد! قال: لا والله، لا أعرض نفسي لهولاء اليهود. ودنا ~~أحدهم إلى باب الحصن يريد أن يدخل، فاحتجزت صفية بثوبها، ثم PageV02P462 ~~أخذت خشبة فنزلت إليه فضربته ضربة شدخت رأسه فقتلته، فهرب من بقي منهم. # واجتمعت بنو حارثة فبعثوا أوس بن قيظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دارنا، ~~ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ~~ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجعوا بذلك ~~وتهيئوا للانصراف. فبلغ سعد بن معاذ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، لا تأذن لهم، إنا والله ما أصابنا وإياهم ms343 شدة قط ~~إلا صنعوا هكذا. ثم أقبل عليهم فقال لبني حارثة: هذا لنا منكم أبدا، ما ~~أصابنا وإياكم شدة إلا صنعتم هكذا. فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: لقد رأيت لسعد ابن أبي ~~وقاص ليلة ونحن بالخندق لا أزال أحبه أبدا. قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها، حتى إذا آذاه البرد جاءني ~~فأدفأته فى حصني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول: ما أخشى أن ~~يؤتى الناس إلا منها. ~~فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حصني قد دفئ وهو يقول: ليت رجلا ~~صالحا يحرسني [ (1) ] ! قالت: ~~إلى أن سمعت صوت السلاح وقعقعة الحديد، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص. قال: عليك بهذه الثلمة، فاحرسها. ~~قالت: ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه. # قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن عبد الله ~~PageV02P463 ~~ابن أبي بكر بن حزم قال: قالت أم سلمة: كنت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الخندق فلم أفارقه مقامه كله. وكان يحرس بنفسه في الخندق، وكنا في ~~قر شديد، فإني لأنظر إليه قام فصلى ما شاء الله أن يصلي في قبته، ثم خرج ~~فنظر ساعة فأسمعه يقول: هذه خيل المشركين تطيف بالخندق، من لهم؟ ثم نادى: ~~يا عباد بن بشر. فقال عباد: لبيك! قال: أمعك أحد؟ قال: نعم، أنا في نفر من ~~أصحابي كنا حول قبتك. ~~قال: فانطلق في أصحابك فأطف بالخندق، فهذه خيل من خيلهم تطيف بكم يطمعون ~~أن يصيبوا منكم غرة. اللهم ادفع عنا شرهم وانصرنا عليهم واغلبهم، لا يغلبهم ~~غيرك! ~~فخرج عباد بن بشر في أصحابه، فإذا بأبي سفيان في خيل من المشركين يطيفون ~~بمضيق الخندق. وقد نذر بهم المسلمون، فرموهم بالحجارة والنبل. فوقفنا معهم ~~فرميناهم حتى أذلقناهم [ (1) ] بالرمي فانكشفوا راجعين إلى منزلهم. ورجعت ~~إلى رسول الله صلى ms344 الله عليه وسلم فأجده يصلي فأخبرته. قالت أم سلمة: فنام ~~حتى سمعت غطيطه فما تحرك حتى سمعت بلالا يؤذن بالصبح وبياض الفجر، فخرج ~~فصلى بالمسلمين. فكانت تقول: يرحم الله عباد بن بشر، فإنه كان ألزم أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبة رسول الله يحرسها أبدا. # فحدثني أيوب بن النعمان، عن أبيه، قال: كان أسيد بن حضير يحرس الخندق في ~~أصحابه، فانتهوا إلى مكان من الخندق تطفره [ (2) ] الخيل، PageV02P464 ~~فإذا طليعة من المشركين، مائة فارس أو نحوها، عليهم عمرو بن العاص يريدون ~~أن يغيروا إلى المسلمين، فقام أسيد بن حضير عليها بأصحابه، فرموهم بالحجارة ~~والنبل حتى أجهضوا عنا وولوا. وكان في المسلمين تلك الليلة سلمان الفارسي، ~~فقال لأسيد: إن هذا مكان من الخندق متقارب، ونحن نخاف تطفره خيلهم- وكان ~~الناس عجلوا في حفره. وبادروا فباتوا يوسعونه حتى صار كهيئة الخندق وأمنوا ~~أن تطفره خيلهم. وكان المسلمون يتناوبون الحراسة، وكانوا في قر شديد وجوع. # فحدثني خارجة بن الحارث، عن أبي عتيق السلمي، عن جابر بن عبد الله قال: ~~لقد رأيتني أحرس الخندق، وخيل المشركين تطيف بالخندق وتطلب غرة ومضيقا من ~~الخندق فتقتحم فيه، وكان عمرو بن العاص وخالد ابن الوليد هما اللذان يفعلان ~~ذلك، يطلبان الغفلة من المسلمين. فلقينا خالد بن الوليد في مائة فارس، قد ~~جال بخيله يريد مضيقا من الخندق يريد أن يعبر فرسانه، فنضحناهم بالنبل حتى ~~انصرف [ (1) ] . # فحدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: قال محمد بن مسلمة: ~~أقبل خالد بن الوليد تلك الليلة في مائة فارس. فأقبلوا من العقيق حتى ~~وقفوا بالمذاد وجاه [ (2) ] قبة النبي صلى الله عليه وسلم. فنذرت بالقوم ~~فقلت لعباد بن بشر، وكان على حرس قبة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قائما ~~يصلي، فقلت: أتيت! فركع ثم سجد، وأقبل خالد في ثلاثة نفر هو رابعهم، ~~فأسمعهم يقولون: هذه قبة محمد، ارموا! فرموا، فناهضناهم حتى وقفنا على شفير ~~الخندق، وهم بشفير [ (3) ] الخندق من الجانب الآخر، PageV02P465 ~~فترامينا، وثاب [ (1) ] إلينا أصحابنا، وثاب إليهم أصحابهم، وكثرت ~~الجراحة بيننا ms345 وبينهم. ثم اتبعوا الخندق على حافتيه وتبعناهم والمسلمون على ~~محارسهم، فكلما نمر بمحرس نهض معنا طائفة وثبت طائفة، حتى انتهينا إلى راتج ~~فوقفوا وقفة طويلة، وهم ينتظرون قريظة يريدون أن يغيروا على بيضة المدينة، ~~فما شعرنا إلا بخيل سلمة بن أسلم بن حريش يحرس، فيأتون من خلف راتج، فلاقوا ~~خالد بن الوليد فاقتتلوا واختلطوا، فما كان إلا حلب شاة حتى نظرت إلى خيل ~~خالد مولية، وتبعه سلمة بن أسلم حتى رده من حيث جاء. فأصبح خالد وقريش ~~وغطفان تزري عليه وتقول: ما صنعت شيئا فيمن في الخندق ولا فيمن أصحر لك [ ~~(2) ] . فقال خالد: أنا أقعد الليلة، وابعثوا خيلا حتى أنظر أي شيء تصنع. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن أم سلمة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم قالت: والله، إني لفي جوف الليل في قبة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو نائم، إلى أن سمعت الهيعة [ (3) ] ، وقائل يقول: يا خيل ~~الله! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شعار المهاجرين «يا خيل الله» ~~ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوته فخرج من القبة، فإذا نفر من ~~الصحابة عند قبته يحرسونها، منهم عباد بن بشر، فقال: ما بال الناس؟ قال ~~عباد: يا رسول الله، هذا صوت عمر بن الخطاب، الليلة نوبته ينادي: «يا خيل ~~الله» والناس يثوبون إليه، وهو من ناحية حسيكة ما بين ذباب ومسجد الفتح. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه PageV02P466 ~~وسلم لعباد بن بشر: اذهب فانظر، ثم ارجع إلي إن شاء الله فأخبرني! قالت ~~أم سلمة: فقمت على باب القبة أسمع كل ما يتكلمان به. قالت: ~~فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما حتى جاءه عباد بن بشر فقال: ~~يا رسول الله، هذا عمرو بن عبد في خيل المشركين، معه مسعود بن رخيلة ابن ~~نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع ابن ريث بن ~~غطفان، في خيل غطفان، والمسلمون يرامونهم بالنبل والحجارة. ms346 ~~قالت: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس درعه ومغفره، وركب فرسه. ~~وخرج معه أصحابه، حتى أتى تلك الثغرة، فلم يلبث أن رجع وهو مسرور فقال: ~~صرفهم الله، وقد كثرت فيهم الجراحة. قالت: فنام حتى سمعت غطيطه، وسمعت ~~هائعة أخرى، ففزع فوثب فصاح: يا عباد ابن بشر! قال: لبيك! قال: انظر ما ~~هذا. فذهب ثم رجع فقال: ~~هذا ضرار بن الخطاب في خيل من المشركين، معه عيينة بن حصن في خيل غطفان ~~عند جبل بني عبيد، والمسلمون يرامونهم بالحجارة والنبل. فعاد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلبس درعه وركب فرسه، ثم خرج معه أصحابه إلى تلك الثغرة، ~~فلم يأتنا حتى كان السحر، فرجع وهو يقول: رجعوا مفلولين، قد كثرت فيهم ~~الجراحة. ~~ثم صلى بأصحابه الصبح وجلس. فكانت أم سلمة تقول: قد شهدت معه مشاهد فيها ~~قتال وخوف- المريسيع، وخيبر، وكنا بالحديبية، وفي الفتح، وحنين- لم يكن فى ~~ذلك شيء أتعب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أخوف عندنا من الخندق. ~~وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة [ (1) ] ، وأن قريظة لا نأمنها على ~~الذراري، والمدينة تحرس حتى الصباح، يسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا ~~PageV02P467 ~~خوفا، حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا [وكفى الله المؤمنين القتال] ~~[ (1) ] . # حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن محمد بن مسلمة، قال: كنا حول قبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نحرسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم ~~نسمع غطيطه، إذ [ (2) ] وافت أفراس على سلع، فبصر بهم عباد بن بشر فأخبرنا ~~بهم، قال: فأمضى إلى الخيل، ~~وقام عباد على باب قبة النبي صلى الله عليه وسلم آخذا بقائم السيف ~~ينظرني، فرجعت فقلت: ~~خيل المسلمين أشرفت، عليها سلمة بن أسلم بن حريش، فرجعت إلى موضعنا. ثم ~~يقول محمد بن مسلمة: كان ليلنا بالخندق نهارا حتى فرجه الله. # حدثني خارجة بن الحارث، عن أبي عتيق، عن جابر، وحدثنى الضحاك ابن عثمان، ~~عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله، قال: كان خوفنا على الذراري ms347 ~~بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش! حتى فرج الله ذلك. # قالوا: فكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه ~~يوما، ويغدو هبيرة بن أبي وهب يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، وضرار بن ~~الخطاب يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم ما بين المذاد إلى راتج، وهم في نشر ~~[ (3) ] من أصحابهم، يتفرقون مرة ويجتمعون أخرى، حتى عظم البلاء وخاف الناس ~~خوفا شديدا. ويقدمون رماتهم- وكان معهم رماة، حبان بن العرقة، وأبو أسامة ~~الجشمى، وغيرهم من PageV02P468 ~~أفناء [ (1) ] العرب- فعمدوا يوما من ذلك فتناوشوا بالنبل ساعة، وهم ~~جميعا في وجه واحد وجاه قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قائم، عليه الدرع والمغفر، ويقال على فرسه. ~~فيرمي حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله [ (2) ] ، فقال: خذها ~~وأنا ابن العرقة! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرق الله وجهك في ~~النار! ~~ويقال أبو أسامة الجشمي رماه، وكان دارعا. فكانت عائشة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم تقول: كنا في أطم بني حارثة قبل الحجاب ومعنا أم سعد بن ~~معاذ، فمر سعد بن معاذ يومئذ عليه ردع خلوق [ (3) ] ما رأيت أحدا في الخلوق ~~مثله، وعليه درع له، مشمرة عن ذراعيه، والله، إني لأخاف عليه يومئذ من ~~تشميرة درعه ما أصابه، فمر يرفل في يده الحربة، وهو يقول: # لبث قليلا يدرك الهيجا [ (4) ] حمل [ (5) ] %~% ما أحسن الموت إذا حان ~~الأجل # وأمه تقول: الحق برسول الله يا بني! وقد والله تأخرت، فقلت: ~~والله يا أم سعد، لوددت أن درع سعد أسبغ على بنانه. قالت أم سعد: ~~يقضي الله ما هو قاض! فقضى له أن أصيب يومئذ، ولقد جاء الخبر بأنه قد ~~رمي، تقول أمه: وا جبلاه! PageV02P469 # ثم إن رؤساءهم أجمعوا أن يغدوا جميعا، فغدا أبو سفيان بن حرب، وعكرمة بن ~~أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص. وهبيرة بن أبي ~~وهب، ونوفل بن عبد الله المخزومي، وعمرو بن عبد، ونوفل بن ms348 معاوية الديلي، ~~في عدة، فجعلوا يطيفون بالخندق، ومعه رؤساء غطفان- عيينة بن حصن، ومسعود [ ~~(1) ] بن رخيلة، والحارث بن عوف، ومن سليم رؤساؤهم، ومن بني أسد طليحة بن ~~خويلد. وتركوا الرجال منهم خلوفا، يطلبون مضيقا يريدون يقتحمون خيلهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانتهوا إلى مكان [ (2) ] قد أغفله ~~المسلمون، فجعلوا يكرهون خيلهم ويقولون: هذه المكيدة، ما كانت العرب تصنعها ~~ولا تكيدها. قالوا [ (3) ] : إن معه رجلا فارسيا، فهو الذي أشار عليهم ~~بهذا. قالوا: ~~فمن هناك إذا؟ فعبر عكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد الله، وضرار ابن ~~الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، وعمرو بن عبد، وقام سائر المشركين من وراء ~~الخندق لا يعبرون، وقيل لأبي سفيان: ألا تعبر؟ قال: قد عبرتم، فإن احتجتم ~~إلينا عبرنا. فجعل عمرو بن عبد يدعو إلى البراز ويقول: # ولقد بححت من الندا %~% ء لجمعكم هل من مبارز # وعمرو يومئذ ثائر، قد شهد بدرا فارتث جريحا فلم يشهد أحدا، وحرم الدهن ~~حتى يثأر من محمد وأصحابه، وهو يومئذ كبير- يقال بلغ تسعين سنة. ~~فلما دعا إلى البراز قال علي عليه السلام: أنا أبارزه يا رسول الله! ثلاث ~~مرات. وإن المسلمين يومئذ كأن على رءوسهم الطير، لمكان PageV02P470 ~~عمرو وشجاعته. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، وعممه وقال: ~~اللهم أعنه عليه! قال: وأقبل عمرو يومئذ وهو فارس وعلي راجل، فقال له علي ~~عليه السلام: إنك كنت تقول في الجاهلية: لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث ~~إلا قبلتها! قال: أجل! قال علي: فإني أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، وتسلم لله رب العالمين. قال: يا ابن أخي، أخر هذا عني. ~~قال: فأخرى، ترجع إلى بلادك، فإن يكن محمد صادقا كنت أسعد [الناس] به، وإن ~~غير ذلك كان الذي تريد. قال: ~~هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبدا، وقد نذرت ما نذرت وحرمت الدهن. قال: ~~فالثالثة؟ قال: البراز. قال فضحك عمرو ثم قال: إن هذه الخصلة ما كنت أظن أن ~~أحدا من ms349 العرب يرومني عليها! إني لأكره أن أقتل مثلك، وكان أبوك لي نديما، ~~فارجع، فأنت غلام حدث، إنما أردت شيخي قريش! أبا بكر وعمر. قال فقال علي ~~عليه السلام: فإني أدعوك إلى المبارزة فأنا أحب أن أقتلك. ~~فأسف عمرو ونزل وعقل فرسه # فكان جابر يحدث يقول: فدنا أحدهما من صاحبه ~~وثارت بينهما غبرة فما نراهما، فسمعنا التكبير تحتها فعرفنا أن عليا قتله. ~~فانكشف أصحابه الذين في الخندق هاربين، وطفرت بهم خيلهم، إلا أن نوفل ابن ~~عبد الله وقع به فرسه في الخندق، فرمي بالحجارة حتى قتل. ورجعوا هاربين، ~~وخرج في أثرهم الزبير بن العوام وعمر بن الخطاب، فناوشوهم ساعة. وحمل ضرار ~~بن الخطاب على عمر بن الخطاب بالرمح، حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه ~~وقال: هذه نعمة مشكورة، فاحفظها يا ابن الخطاب! إني قد كنت حلفت لا تمكنني ~~يداي من رجل من قريش أبدا. ~~فانصرف ضرار راجعا إلى أبي سفيان وأصحابه وهم قيام عند جبل بني عبيد. PageV02P471 ~~ويقال: حمل الزبير على نوفل بن عبد الله بن المغيرة بالسيف حتى شقه ~~باثنين وقطع أندوج [ (1) ] سرجه- والأندوج: اللبد الذي يكون تحت السرج- ~~ويقال إلى كاهل الفرس. فقيل: يا أبا عبد الله، ما رأينا سيفا مثل سيفك! ~~فيقول: والله، ما هو بالسيف ولكنها الساعد وهرب عكرمة وهبيرة فلحقا بأبي ~~سفيان، وحمل الزبير على هبيرة فضرب ثفر [ (2) ] فرسه فقطع ثفر فرسه وسقطت ~~درع كان محقبها الفرس، فأخذ الزبير الدرع، وفر عكرمة وألقى رمحه. فلما ~~رجعوا إلى أبي سفيان قال: هذا يوم لم يكن لنا فيه شيء، ارجعوا! فنفرت [ (3) ~~] قريش فرجعت إلى العقيق، ورجعت غطفان إلى منازلها، واتعدوا يغدون جميعا ~~ولا يتخلف منهم أحد. فباتت قريش يعبئون أصحابهم، وباتت غطفان يعبئون ~~أصحابهم، ووافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق قبل طلوع الشمس. ~~وعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وحضهم على القتال، ووعدهم النصر ~~إن صبروا، والمشركون قد جعلوا المسلمين في مثل الحصن من كتائبهم [ (4) ] ~~فأخذوا بكل وجه من الخندق. # فحدثني الضحاك بن عثمان، ms350 عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله قال: ~~قاتلونا يومهم وفرقوا كتائبهم، ونحوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد، فقاتلهم يومه ذلك إلى هوي من الليل، ما ~~يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من ~~مواضعهم، وما يقدر [ (5) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاة الظهر ~~PageV02P472 ~~ولا العصر ولا المغرب ولا العشاء، فجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله، ما ~~صلينا! فيقول: ولا أنا والله ما صليت! ~~حتى كشفهم الله تعالى فرجعوا متفرقين. فرجعت قريش إلى منزلها، ورجعت ~~غطفان إلى منزلها، وانصرف المسلمون إلى قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأقام أسيد بن حضير على الخندق في مائتين من المسلمين، فهم على شفير الخندق ~~إذ كرت خيل من المشركين يطلبون غرة، عليهم خالد بن الوليد، فناوشوهم ساعة ~~ومع المشركين وحشي، فزرق الطفيل بن النعمان من بني سلمة بمزراقه فقتله، ~~فكان يقول: أكرم الله تعالى حمزة والطفيل بحربتي ولم يهني بأيديهما. فلما ~~صار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع قبته أمر بلالا فأذن. وكان عبد ~~الله بن مسعود يقول: أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن وأقام للظهر، ~~وأقام بعد لكل صلاة إقامة إقامة. # وقد حدثني ابن أبي ذئب- وهو أثبت الحديثين عندنا- قال: أخبرني المقبري، ~~عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: جلسنا يوم الخندق حتى كان ~~بعد المغرب بهوي من الليل حتى كفينا، وذلك قول الله عز وجل: وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا [ (1) ] . ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره، فأقام صلاة الظهر فصلاها ~~كأحسن ما كان يصليها في وقتها. ثم أقام صلاة العصر فصلاها كأحسن ما كان ~~يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كأحسن ما كان يصليها في وقتها، ثم ~~أقام العشاء فصلاها كأحسن ما كان يصليها في وقتها. قال: ~~وذلك قبل أن ينزل الله صلاة الخوف: فرجالا أو ركبانا [ (2) ] . ~~PageV02P473 # وكان ms351 ابن عباس يحدث يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: شغلنا ~~المشركون عن صلاة الوسطى- يعني العصر- ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا! # وأرسلت بنو مخزوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون جيفة نوفل ابن عبد ~~الله يشترونها بالدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي جيفة ~~حمار! وكره ثمنه. فلما انصرف المشركون تلك الليلة لم يكن لهم قتال جميعا ~~حتى انصرفوا، إلا أنهم لا يدعون يبعثون الطلائع بالليل، يطمعون في الغارة. ~~وخرجت بعد ذلك طليعتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا، فالتقيا ولا ~~يشعر بعضهم ببعض، ولا يظنون إلا أنهم العدو، فكانت بينهم جراحة وقتل، ولسنا ~~نعرف من قتل ولم يسم لنا. ثم نادوا بشعار الإسلام، وكف بعضهم عن بعض، وكان ~~شعارهم: حم لا ينصرون! فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: جراحكم في سبيل الله، ومن قتل منكم فإنه ~~شهيد. فكانوا بعد ذلك إذا دنا المسلمون بعضهم من بعض نادوا بشعارهم، لأن ~~يكف بعضهم عن بعض، فلا يرمون بنبل ولا بحجر. كانوا يطيفون بالخندق بالليل ~~حتى الصباح يتناوبون، وكذلك يفعل المشركون أيضا، يطيفون بالخندق حتى ~~يصبحوا. قال: فكان رجال من أهل العوالي يطلعون إلى [ (1) ] أهليهم، فيقول ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخاف عليكم بني قريظة. ~~فإذا ألحوا في كثرة ما يستأذنونه يقول: من ذهب منكم فليأخذ سلاحه فإني لا ~~آمن بني قريظة، هم على طريقكم. وكان كل من يذهب منهم إنما يسلكون على سلع ~~حتى يدخلوا المدينة، ثم يذهبون إلى العالية. PageV02P474 # فحدثني مالك بن أنس، عن صيفي مولى ابن أفلح، عن أبي السائب مولى هشام بن ~~زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته فوجده يصلي، قال: ~~فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته. قال: فسمعت تحريكا تحت سريره في بيته فإذا ~~حية، فقمت لأقتلها فأشار إلي أن اجلس. فلما جلست سلم وأشار إلى بيت في ~~الدار، فقال لي: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. فقال: ms352 إنه كان فيه فتى حديث ~~عهد بعرس، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان يستأذنه ~~بأنصاف النهار ليطلع إلى أهله، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ سلاحك فإني أخشى عليك بني قريظة. ~~قال: فأخذ الرجل سلاحه وذهب فإذا امرأته قائمة بين البابين، فهيأ لها الرمح ~~ليطعنها، وأصابته غيرة فقالت: اكفف عليك رمحك حتى ترى ما في بيتك! فكف ودخل ~~فإذا هو بحية منطوية على فراشه، فركز فيها رمحه فانتظمها فيه، ثم خرج به ~~فنصبه في الدار، فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتا، فيما ندري ~~أيهما كان أسرع موتا، الفتى أو الحية. قال أبو سعيد: فجئنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقلنا: يا رسول الله، ادع الله أن يحييه. ~~فقال: استغفروا لصاحبكم. ~~ثم قال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة ~~أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان. # فحدثني قدامة بن موسى، عن عائشة بنت قدامة، عن أبيها، قال: بعثنا ابن ~~أختنا ابن عمر يأتينا بطعام ولحف وقد بلغنا من الجوع والبرد، فخرج ابن عمر ~~حتى إذا هبط. من سلع- وذلك ليلا- غلبته عيناه فنام حتى أصبح. فاهتممنا به ~~فخرجت أطلبه فأجده نائما، والشمس قد ضحته، فقلت: الصلاة، أصليت اليوم؟ قال: ~~لا. قلت: فصل. فقام سريعا PageV02P475 ~~إلى الماء، وذهبت إلى منزلنا بالمدينة فجئت بتمر ولحاف واحد، فكنا نلبس ~~ذلك اللحاف جميعا- من قام منا في المحرس ذهب مقرورا ثم رجع حتى يدخل في ~~اللحاف، حتى فرج الله ذلك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالصبا ~~وأهلكت عاد بالدبور. # وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: جاءت الجنوب إلى الشمال فقالت: انطلقي ~~بنصر الله ورسوله. فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بليل. فبعث الله عز وجل ~~الصبا، فأطفأت نيرانهم وقطعت أطناب فساطيطهم. # حدثني عمر بن عبد الله بن رياح الأنصاري، عن القاسم بن عبد الرحمن بن ms353 ~~رافع، من بني عدي بن النجار، قال: كان المسلمون قد أصابتهم مجاعة شديدة، ~~فكان أهلوهم يبعثون إليهم بما قدروا عليه، فأرسلت عمرة بنت رواحة ابنتها ~~بجفنة تمر عجوة في ثوبها، فقالت: يا بنية، اذهبي إلى أبيك بشير بن سعد، ~~وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما. ~~فانطلقت الجارية حتى تأتي الخندق، فتجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالسا في أصحابه وهي تلتمسهما، فقال: تعالي يا بنية، ما هذا معك؟ ~~قالت: بعثتني أمي إلى أبي وخالي بغدائهما. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: هاتيه! قالت: فأعطيته فأخذه في كفيه، ثم أمر بثوب فبسط له، وجاء ~~بالتمر فنثره عليه فوق الثوب، فقال لجعال بن سراقة: ناد [ (1) ] بأهل ~~الخندق أن هلم إلى الغداء. ~~فاجتمع أهل الخندق عليه يأكلون منه، حتى صدر أهل الخندق وإنه ليفيض من ~~أطراف الثوب. # وحدثني شعيب بن عبادة، عن عبد الله بن معتب، قال: أرسلت PageV02P476 ~~أم عامر الأشهلية بقعبة فيها حيس [ (1) ] إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في قبته وهو عند أم سلمة، فأكلت أم سلمة حاجتها، ثم خرج بالبقية ~~فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائه، فأكل أهل الخندق حتى ~~نهلوا وهي كما هي. # حدثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: حصر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة حتى حلص إلى كل امرئ منهم الكرب، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك ~~إن تشأ لا تعبد! ~~فبيناهم على ذلك من الحال أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة ~~بن حصن وإلى الحارث بن عوف- ولم يحضر الخندق الحارث بن عوف ولا قومه، ويقال ~~حضرها الحارث بن عوف. قال ابن واقد: وهو أثبت القولين عندنا. ~~وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه وإلى عيينة: أرأيت إن جعلت ~~لكم ثلث تمر المدينة ترجعان بمن معكم وتخذلان بين الأعراب؟ قالا: ~~تعطينا نصف تمر المدينة. فأبى رسول الله ms354 صلى الله عليه وسلم أن يزيدهما ~~على الثلث، فرضيا بذلك وجاءا في عشرة من قومهما حين [ (2) ] تقارب الأمر، ~~فجاءوا وقد أحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وأحضر الصحيفة ~~والدواة، وأحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصحيفة وهو يريد أن يكتب الصلح ~~بينهم، وعباد بن بشر قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع في ~~الحديد. فأقبل أسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P477 ~~ولا يدري بما كان من الكلام، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجاء عيينة مادا رجليه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم ما ~~يريدون، فقال: يا عين الهجرس [ (1) ] ، اقبض رجليك! أتمد رجليك بين يدي ~~رسول الله؟ ومعه الرمح. والله، لولا رسول الله لأنفذت خصيتيك بالرمح! ثم ~~أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن كان أمرا من ~~السماء فامض له، وإن كان غير ذلك فو الله لا نعطيهم إلا السيف! متى طمعوا [ ~~(2) ] بهذا منا؟ فأسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا سعد بن معاذ وسعد ~~بن عبادة فاستشارهما في ذلك، وهو متكئ عليهما، والقوم جلوس، فتكلم بكلام ~~يخفيه، وأخبرهما بما قد أراد من الصلح. ~~فقالا: إن كان هذا أمرا من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر فيه ولك ~~فيه هوى فامض لما كان لك فيه هوى، فسمعا وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي فما ~~لهم عندنا إلا السيف. وأخذ سعد بن معاذ الكتاب، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة ~~فقلت أرضيهم ولا أقاتلهم. فقالا: يا رسول الله، إن كانوا ليأكلون العلهز [ ~~(3) ] في الجاهلية من الجهد، ما طمعوا بهذا منا قط، أن يأخذوا تمرة إلا ~~بشرى أو قرى! فحين أتانا الله تعالى بك، وأكرمنا بك، وهدانا بك نعطي ~~الدنية! لا نعطيهم أبدا إلا السيف! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شق ~~الكتاب. فتفل سعد فيه، ثم شقه وقال: بيننا ms355 السيف! فقام عيينة وهو يقول: أما ~~والله للتي تركتم خير لكم من الخطة التي أخذتم، PageV02P478 ~~وما لكم بالقوم طاقة. فقال عباد بن بشر: يا عيينة، أبالسيف تخوفنا؟ ~~ستعلم أينا أجزع! وإلا فو الله لقد كنت أنت وقومك تأكلون العلهز والرمة [ ~~(1) ] من الجهد فتأتون هاهنا ما تطمعون بهذا منا إلا قرى أو شرى، ونحن لا ~~نعبد شيئا. فلما هدانا الله وأيدنا بمحمد صلى الله عليه وسلم سألتمونا هذه ~~الخطة! أما والله، لولا مكان رسول الله ما وصلتم إلى قومكم. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعوا، بيننا السيف! ~~رافعا صوته. ~~فرجع عيينة والحارث وهما يقولان: والله، ما نرى أن ندرك منهم شيئا، ولقد ~~أنهجت للقوم بصائرهم! والله، ما حضرت إلا كرها لقوم غلبوني، وما مقامنا ~~بشيء، مع أن قريشا إن علمت بما عرضنا على محمد عرفت أنا قد خذلناها ولم ~~ننصرها. قال عيينة: هو والله ذلك! قال الحارث: أما إنا لم نصب بتعرضنا لنصر ~~قريش على محمد، والله لئن ظهرت قريش على محمد ليكونن الأمر فيها دون سائر ~~العرب، مع أني أرى أمر محمد أمرا ظاهرا. والله، لقد كان أحبار يهود خيبر ~~وإنهم يحدثون أنهم يجدون في كتبهم أنه يبعث نبي من الحرم على صفته. قال ~~عيينة: ~~إنا والله ما جئنا ننصر قريشا. ولو استنصرنا قريشا ما نصرتنا ولا خرجت ~~معنا من حرمها. ولكنى كنت أطمع أن تأخذ تمر المدينة فيكون لنا به ذكر مع ما ~~لنا فيه من منفعة الغنيمة، مع أنا ننصر حلفاءنا من اليهود فهم جلبونا إلى ~~ما هاهنا. قال الحارث: قد والله أبت الأوس والخزرج إلا السيف، والله ~~لتقاتلن [ (2) ] عن هذا السعف. ما بقي منها رجل مقيم [ (3) ] ، وقد أجدب ~~PageV02P479 ~~الجناب وهلك الخف والكراع. قال عيينة: لا شيء. فلما أتيا منزلهما جاءتهما ~~غطفان فقالوا: ما وراءكم؟ قالوا: لم يتم الأمر، رأينا قوما على بصيرة وبذل ~~أنفسهم دون صاحبهم، وقد هلكنا وهلكت قريش، وقريش تنصرف ولا تكلم محمدا! ~~وإنما يقع حر محمد ببني قريظة، إذا ولينا جثم عليهم فحصرهم ms356 جمعة حتى يعطوا ~~بأيديهم. قال الحارث: بعدا وسحقا! محمد أحب إلينا من اليهود. ### || ذكر نعيم بن مسعود # حدثنا عبد الله بن عاصم الأشجعي، عن أبيه، قال: قال نعيم بن مسعود: كانت ~~بنو قريظة أهل شرف وأموال، وكنا قوما عربا، لا نخل لنا ولا كرم، وإنما نحن ~~أهل شاة وبعير. فكنت أقدم على كعب بن أسد، فأقيم عندهم الأيام، أشرب من ~~شرابهم وآكل من طعامهم، ثم يحملونني تمرا على ركابي ما كانت، فأرجع إلى ~~أهلي. فلما سارت الأحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرت مع قومي، ~~وأنا على ديني، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عارفا، فأقامت ~~الأحزاب ما أقامت حتى أجدب الجناب وهلك الخف والكراع، وقذف الله عز وجل في ~~قلبي الإسلام. وكتمت قومي إسلامي، ~~فأخرج حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء وأجده ~~يصلي، فلما رآني جلس ثم قال: ما جاء بك يا نعيم؟ قلت: إني جئت أصدقك وأشهد ~~أن ما جئت به حق، فمرني بما شئت يا رسول الله، فو الله لا تأمرني بأمر إلا ~~مضيت له، قومي لا يعلمون بإسلامي ولا غيرهم. ~~قال: ما استطعت أن تخذل الناس فخذل! قال، قلت: أفعل، ولكن PageV02P480 ~~يا رسول الله أقول فأذن لي. قال: قل ما بدا لك فأنت في حل. ~~قال: ~~فذهبت حتى جئت بني قريظة، فلما رأوني رحبوا وأكرموا وحيوا وعرضوا علي ~~الطعام والشراب، فقلت: إني لم آت لشيء من هذا، إنما جئتكم نصبا بأمركم، ~~وتخوفا عليكم، لأشير عليكم برأي، وقد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني ~~وبينكم. فقالوا: قد عرفنا ذلك وأنت عندنا على ما تحب من الصدق والبر. قال: ~~فاكتموا عني. قالوا: نفعل. قال: إن أمر هذا الرجل بلاء- يعني النبي صلى ~~الله عليه وسلم- صنع ما قد رأيتم ببني قينقاع وبني النضير، وأجلاهم عن ~~بلادهم بعد قبض الأموال. وكان ابن أبي الحقيق قد سار فينا فاجتمعنا معه ~~لنصركم، وأرى الأمر قد تطاول كما ترون، وإنكم والله، ما أنتم وقريش وغطفان ms357 ~~من محمد بمنزلة واحدة، أما قريش وغطفان فهم قوم جاءوا سيارة حتى نزلوا حيث ~~رأيتم، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كانت الحرب، أو أصابهم ما يكرهون ~~انشمروا إلى بلادهم. ~~وأنتم لا تقدرون على ذلك، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وقد ~~غلظ عليهم جانب محمد، أجلبوا عليه أمس إلى الليل، فقتل رأسهم عمرو بن عبد، ~~وهربوا منه [ (1) ] ، مجرحين وهم لا غناء [ (2) ] بهم عنكم، لما تعرفون ~~عندكم. فلا تقاتلوا مع قريش ولا غطفان حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ~~تستوثقون به منهم ألا يناجزوا محمدا. قالوا: أشرت بالرأي علينا والنصح. ~~ودعوا له وتشكروا، وقالوا: نحن فاعلون. قال: ~~ولكن اكتموا عني. قالوا: نعم، نفعل. ثم خرج إلى أبي سفيان بن حرب في رجال ~~من قريش فقال: يا أبا سفيان، قد جئتك بنصيحة فاكتم عني. قال: أفعل. قال: ~~تعلم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم PageV02P481 ~~وبين محمد، وأرادوا إصلاحه ومراجعته. أرسلوا إليه وأنا عندهم: إنا سنأخذ ~~من قريش وغطفان من أشرافهم سبعين رجلا نسلمهم إليك تضرب أعناقهم وترد ~~جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم- يعنون بني النضير- ونكون معك على قريش حتى ~~نردهم عنك. فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهنا فلا تدفعوا إليهم أحدا واحذروهم ~~على أشرافكم، ولكن اكتموا عني ولا تذكروا من هذا حرفا. قالوا: لا نذكره. ثم ~~خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، إني رجل منكم فاكتموا عني، واعلموا ~~أن قريظة بعثوا إلى محمد- وقال لهم مثل ما قال لقريش- فاحذروا أن تدفعوا ~~إليهم أحدا من رجالكم. وكان رجلا منهم فصدقوه، وأرسلت اليهود غزال بن سموأل ~~إلى أبي سفيان بن حرب وأشراف قريش: إن ثواءكم قد طال ولم تصنعوا شيئا وليس ~~الذي تصنعون برأي، إنكم لو وعدتمونا يوما تزحفون [ (1) ] فيه إلى محمد، ~~فتأتون من وجه وتأتي غطفان من وجه ونخرج نحن من وجه آخر، لم يفلت من بعضنا. ~~ولكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا برهان من أشرافكم يكونون عندنا، فإنا ~~نخاف إن مستكم الحرب وأصابكم ما تكرهون شمرتم وتركتمونا في عقر ms358 دارنا وقد ~~نابذنا محمدا بالعداوة. فانصرف الرسول إلى بني قريظة ولم يرجعوا إليهم ~~شيئا، وقال أبو سفيان: هذا ما قال نعيم. فخرج نعيم إلى بني قريظة فقال: يا ~~معشر بني قريظة، أنا عند أبي سفيان حتى جاء رسولكم إليه يطلب منه الرهان، ~~فلم يرد عليه شيئا فلما ولى قال: لو طلبوا مني عناقا [ (2) ] ما رهنتها! ~~أنا أرهنهم سراة أصحابي يدفعونهم إلى محمد يقتلهم! فارتأوا آراءكم حتى ~~تأخذوا الرهن، فإنكم إن لم تقاتلوا محمدا وانصرف أبو سفيان تكونوا على ~~مواعدتكم [ (3) ] الأولى. قالوا: PageV02P482 ~~ترجو ذلك يا نعيم؟ قال: نعم. قال كعب بن أسد: فإنا لا نقاتله. ~~والله، لقد كنت لهذا كارها ولكن حيي رجل مشئوم. قال الزبير بن باطا: ~~إن انكشفت قريش وغطفان عن محمد لم يقبل منا إلا السيف. قال نعيم: لا تخش ~~ذلك يا أبا عبد الرحمن. قال الزبير: بلى والتوراة، ولو أصابت اليهود رأيها ~~ولحم الأمر لتخرجن إلى محمد ولا يطلبون من قريش رهنا، فإن قريشا لا تعطينا ~~رهنا أبدا، وعلى أي وجه تعطينا قريش الرهن وعددهم أكثر من عددنا، ومعهم ~~كراع ولا كراع معنا، وهم يقدرون على الهرب ونحن لا نقدر عليه؟ وهذه غطفان ~~تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض تمر الأوس وتنصرف، فأبى محمد إلا السيف، فهم ~~ينصرفون بغير شيء. فلما كان ليلة السبت كان مما صنع الله تعالى لنبيه أن ~~قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إن الجناب قد أجدب، وهلك الكراع والخف، وغدرت ~~اليهود وكذبت، وليس هذا بحين مقام فانصرفوا! قالت قريش: ~~فاعلم علم اليهود واستيقن خبرهم. فبعثوا عكرمة بن أبي جهل حتى جاء بني ~~قريظة عند غروب الشمس مساء ليلة السبت فقال: يا معشر اليهود إنه قد طال ~~المكث وجهد الخف والكراع وأجدب الجناب، وإنا لسنا بدار مقامة، اخرجوا إلى ~~هذا الرجل حتى نناجزه بالغداة. قالوا: غدا السبت لا نقاتل ولا نعمل فيه ~~عملا، وإنا مع ذلك لا نقاتل معكم إذا انقضى سبتنا حتى تعطونا رهانا من ~~رجالكم يكونون معنا لئلا تبرحوا حتى نناجز ms359 محمدا، فإنا نخشى إن أصابتكم ~~الحرب أن تشمروا إلى بلادكم وتدعونا وإياه في بلادنا ولا طاقة لنا به، معنا ~~الذراري والنساء والأموال. ~~فرجع عكرمة إلى أبي سفيان فقالوا: ما وراءك؟ قال: أحلف بالله إن الخبر ~~الذي جاء به نعيم حق، لقد غدر أعداء الله. وأرسلت غطفان إليهم PageV02P483 ~~مسعود بن رخيلة في رجال منهم بمثل رسالة أبي سفيان، فأجابوهم بمثل جواب ~~أبي سفيان. وقالت اليهود حيث رأوا ما رأوا منهم: نحلف بالله إن الخبر الذي ~~قال نعيم لحق. وعرفوا أن قريشا لا تقيم فسقط في أيديهم، فكر أبو سفيان ~~إليهم وقال: إنا والله لا نفعل، إن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. ~~فقالت اليهود مثل قولهم الأول، وجعلت اليهود تقول: الخبر ما قال نعيم. ~~وجعلت قريش وغطفان تقول: الخبر ما قال نعيم. ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء ويئس ~~هؤلاء من نصر هؤلاء، واختلف أمرهم، فكان نعيم يقول: أنا خذلت بين الأحزاب ~~حتى تفرقوا في كل وجه، وأنا أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على سره. ~~فكان صحيح الإسلام بعد # فحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: لما ~~قالت قريظة لعكرمة بن أبي جهل ما قالت، قال أبو سفيان بن حرب لحيى ابن ~~أخطب: أين ما وعدتنا من نصر قومك؟ قد خلونا وهم يريدون الغدر بنا! قال حيي: ~~كلا والتوراة، ولكن السبت قد حضر ونحن لا نكسر السبت، فكيف ننصر على محمد ~~إذا كسرنا السبت؟ فإذا كان يوم الأحد اغدوا [ (1) ] على محمد وأصحابه بمثل ~~حرق النار. وخرج حيي بن أخطب حتى أتى بني قريظة فقال: فداءكم أبي وأمي، إن ~~قريشا قد اتهمتكم بالغدر واتهموني معكم، وما السبت لو كسرتموه لما قد حضر ~~من أمر عدوكم؟ قال: فغضب كعب بن أسد، ثم قال: لو قتلهم محمد حتى لا يبقى ~~منهم أحد ما كسرنا سبتنا. فرجع حيي إلى أبي سفيان بن حرب فقال: ألم أخبرك ~~يا يهودي أن قومك يريدون الغدر؟ قال حيي: ~~لا والله، ما يريدون الغدر، ولكنهم يريدون الخروج يوم ms360 الأحد. فقال أبو ~~سفيان: PageV02P484 ~~وما السبت؟ قال: يوم من أيامهم يعظمون القتال فيه، وذلك أن سبطا منا ~~أكلوا الحيتان يوم السبت فمسخهم الله قردة وخنازير. قال أبو سفيان: لا ~~أراني أستنصر بإخوة القردة والخنازير! ثم قال أبو سفيان: ~~قد بعثت عكرمة بن أبي جهل وأصحابه إليهم فقالوا: لا نقاتل حتى تبعثوا لنا ~~[ (1) ] بالرهان من أشرافكم. وقبل ذلك ما جاءنا غزال بن سموأل برسالتهم. ~~قال أبو سفيان: أحلف باللات إن هو إلا غدركم، وإني لأحسب أنك قد دخلت في ~~غدر القوم! قال حيي: والتوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سيناء ما غدرت! ~~ولقد جئتك من عند قوم هم أعدى الناس لمحمد وأحرصهم على قتاله، ولكن ما مقام ~~يوم واحد حتى يخرجوا معك! قال أبو سفيان: لا والله ولا ساعة، لا أقيم ~~بالناس انتظار غدركم. حتى خاف حيى ابن أخطب على نفسه من أبي سفيان، فخرج ~~معهم من الخوف حتى بلغ الروحاء، فما رجع إلا متسرقا لما أعطى كعب بن أسد من ~~نفسه ليرجعن إليه، فدخل مع بني قريظة حصنهم ليلا ويجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد زحف إليهم ساعة ولت الأحزاب # فحدثني صالح بن جعفر، عن أبي كعب ~~القرظي، قال: كان حيي بن أخطب قال لكعب بن أسد حين جاءه، وجعل كعب يأبى ~~فقال حيي: لا تقاتل حتى تأخذ سبعين رجلا من قريش وغطفان رهانا عندكم. ~~وذلك من حيي خديعة لكعب حتى ينقض العهد، وعرف أنه إذا نقض العهد لحم ~~الأمر. ولم يخبر حيي قريشا بالذي قال لبني قريظة، فلما جاءهم عكرمة يطلب ~~منهم أن يخرجوا معه السبت قالوا: لانكسر السبت، ولكن يوم الأحد، ولا نخرج ~~حتى تعطونا الرهان. فقال عكرمة: أى PageV02P485 ~~رهان؟ قال كعب: الذي شرطتم لنا. قال: ومن شرطها لكم؟ قالوا: ~~حيي بن أخطب. فأخبر أبا سفيان ذلك فقال لحيي: يا يهودي، نحن قلنا لك كذا ~~وكذا؟ قال: لا والتوراة، ما قلت ذلك. قال أبو سفيان: ~~بل هو الغدر من حيي. فجعل حيي يحلف بالتوراة ما ms361 قال ذلك. # حدثني موسى بن يعقوب، عن عمه قال، قال كعب: يا حيي لا نخرج حتى نأخذ من ~~كل أصحابك من كل بطن سبعين رجلا رهنا في أيدينا. فذكر ذلك حيي لقريش ~~ولغطفان [ (1) ] وقيس، ففعلوا وعقدوا بينهم عقدا بذلك حتى شق كعب الكتاب. ~~فلما أرسلت إليه قريش تستنصره قال: الرهن! فأنكروا ذلك واختلفوا، لما أراد ~~الله عز وجل. # وحدثني معمر، عن الزهري قال، سمعته يقول: أرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان ~~أن ائتوا فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم. فسمع ذلك نعيم بن مسعود، ~~وكان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان عند عيينة حين أرسلت بذلك بنو ~~قريظة إلى أبي سفيان وأصحابه، فأقبل نعيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره خبرها وما أرسلت به قريظة إلى الأحزاب، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فلعلنا أمرناهم بذلك. فقام نعيم بكلمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تلك من عند رسول الله. قال: ~~وكان نعيم رجلا لا يكتم الحديث، فلما ولى من عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذاهبا إلى غطفان قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، ما ~~هذا الذي قلت؟ إن كان أمر من الله تعالى فامضه، وإن كان هذا رأيا من قبل ~~نفسك فإن شأن بني قريظة هو أهون من أن تقول شيئا يؤثر عنك. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: بل هو رأى رأيته PageV02P486 ~~الحرب خدعة. ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر نعيم، فدعاه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الذي سمعتني قلت آنفا؟ ~~اسكت عنه فلا تذكره! ~~فانصرف من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء عيينة بن حصن ومن ~~معه من غطفان، فقال لهم: هل علمتم محمدا قال شيئا قط، إلا كان حقا؟ قالوا: ~~لا. قال: فإنه قال لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة: «فلعلنا نحن أمرناهم ~~بذلك» ، ثم نهاني أذكره لكم. فانطلق عيينة حتى لقي أبا ms362 سفيان بن حرب، ~~فأخبره خبر نعيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: إنما أنتم في ~~مكر بني قريظة. ~~فقال أبو سفيان: نرسل إليهم الآن فنسألهم الرهن، فإن دفعوا الرهن إلينا ~~فقد صدقونا، وإن أبوا ذلك فنحن منهم في مكر. فجاءهم رسول أبي سفيان فسألهم ~~الرهن ليلة السبت فقالوا: هذه ليلة السبت ولسنا نقضي فيها ولا في يومها ~~أمرا، فأمهل حتى يذهب السبت. فخرج الرسول إلى أبي سفيان فقال أبو سفيان، ~~ورءوس الأحزاب معه: هذا مكر من بني قريظة، فارتحلوا فقد طالت إقامتكم. ~~فآذنوا بالرحيل، وبعث الله تعالى عليهم الريح، حتى ما يكاد أحدهم يهتدي ~~لموضع رحله، فارتحلوا فولوا منهزمين. # ويقال إن حيي بن أخطب قال لأبي سفيان: أنا آخذ لك من بني قريظة سبعين ~~رجلا رهنا عندك حتى يخرجوا فيقاتلوا، فهم أعرف بقتال محمد وأصحابه. فكان ~~هذا الذي قال إن أبا سفيان طلب الرهن. قال ابن واقد: وأثبت الأشياء عندنا ~~قول نعيم الأول. # وكان عبد الله بن أبي أوفى يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~دعا على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب! ~~اللهم اهزمهم! PageV02P487 # فحدثني كثير بن زيد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جابر ~~بن عبد الله، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب في مسجد ~~الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له بين الظهر ~~والعصر يوم الأربعاء. قال: فعرفنا السرور في وجهه. قال جابر: فما نزل بي ~~أمر غائظ مهم إلا تحينت تلك الساعة من ذلك اليوم، فأدعو الله فأعرف ~~الإجابة. # وكان ابن أبي ذئب يحدث، عن رجل من بني سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: ~~قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجبل الذي عليه المسجد، فدعا في ~~إزار ورفع يديه مدا، ثم جاءه مرة أخرى فصلى ودعا. # وكان عبد الله بن عمر يقول: صلى الله عليه وسلم في الخريق القابل الصاب ~~على أرض بني النضير، ms363 وهو اليوم موضع المسجد الذي بأسفل الجبل. ويقال إنه ~~صلى في تلك المساجد كلها التي حول المسجد الذي فوق الجبل. قال ابن واقد: ~~وهذا أثبت الأحاديث. # وقالوا: لما كان ليلة السبت بعث الله الريح فقلعت [ (1) ] وتركت: ~~وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى أن ذهب ثلث الليل، وكذلك فعل ~~ليلة قتل ابن الأشرف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه [ (2) ] ~~الأمر أكثر الصلاة. قالوا: وكان حصار الخندق في قر شديد وجوع، # فكان حذيفة بن اليمان يقول: لقد رأيتنا في الخندق مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ليلة شديدة البرد، قد اجتمع علينا البرد والجوع والخوف، ~~PageV02P488 ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل ينظر لنا ما فعل القوم جعله ~~الله رفيقي في الجنة. فقال حذيفة: يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الجنة والرجوع، فما قام منا رجل! ثم عاد يقول ذلك ثلاث مرات، وما قام رجل ~~واحد من شدة الجوع والقر والخوف. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذلك لا يقوم أحد، دعاني فقال: يا حذيفة! قال: فلم أجد بدا من القيام حين ~~فوه [ (1) ] باسمي، فجئته ولقلبي وجبان في صدري، فقال: تسمع كلامي منذ ~~الليلة ولا تقوم؟ فقلت: لا، والذي بعثك بالحق، إن قدرت على ما بي من الجوع ~~والبرد. فقال: اذهب فانظر ما فعل القوم، ولا ترمين بسهم ولا بحجر، ولا تطعن ~~برمح، ولا تضربن بسيف حتى ترجع إلي. فقلت: يا رسول الله، ما بي يقتلوني ~~ولكني أخاف أن يمثلوا بي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس عليك بأس! ~~فعرفت أنه لا بأس علي مع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول. ثم قال: ~~اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يقولون. فلما ولى حذيفة قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم، احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ~~ومن فوقه ومن تحته! ~~فدخل عسكرهم فإذا هم يصطلون على نيرانهم، وإن الريح ms364 تفعل بهم ما تفعل، لا ~~تقر لهم قرارا [ (2) ] ولا بناء. فأقبلت فجلست على نار مع قوم، فقام أبو ~~سفيان فقال: احذروا الجواسيس والعيون، ولينظر كل رجل جليسه. قال، فالتفت ~~إلى عمرو بن العاص فقلت: من أنت؟ ~~وهو عن يميني. فقال: عمرو بن العاص. والتفت إلى معاوية بن أبي سفيان ~~فقلت: من أنت؟ فقال: معاوية بن أبي سفيان. ثم قال أبو سفيان: PageV02P489 ~~إنكم والله لستم بدار مقام، لقد هلك الخف والكراع، وأجدب الجناب، ~~وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، وقد لقينا من الريح ما ترون! ~~والله، ما يثبت لنا بناء ولا تطمئن لنا قدر، فارتحلوا فإني مرتحل. ~~وقام أبو سفيان، وجلس على بعيره وهو معقول، ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم، ~~فما أطلق عقاله إلا بعد ما قام. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلي: «لا تحدث شيئا حتى تأتى» ثم شئت، لقتلته. فناداه عكرمة ابن أبي جهل: ~~إنك رأس القوم وقائدهم، تقشع وتترك الناس؟ فاستحيى أبو سفيان فأناخ جمله ~~ونزل عنه، وأخذ بزمامه وهو يقوده، وقال: ارحلوا! قال: فجعل الناس يرتحلون ~~وهو قائم حتى خف العسكر، ثم قال لعمرو ابن العاص: يا أبا عبد الله، لا بد ~~لي ولك أن نقيم في جريدة [ (1) ] من خيل بإزاء محمد وأصحابه، فإنا لا نأمن ~~أن نطلب حتى ينفذ العسكر. فقال عمرو: أنا أقيم. وقال لخالد بن الوليد: ما ~~ترى يا أبا سليمان؟ فقال: ~~أنا أيضا أقيم. فأقام عمرو وخالد في مائتي فارس، وسار العسكر إلا هذه ~~الجريدة على متون الخيل. # قالوا: وذهب حذيفة إلى غطفان فوجدهم قد ارتحلوا، فرجع إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره. وأقامت الخيل حتى كان السحر، ثم مضوا فلحقوا ~~الأثقال والعسكر مع ارتفاع النهار بملل، فغدوا إلى السيالة. ~~وكانت غطفان لما ارتحلت وقف مسعود بن رخيلة في خيل من أصحابه، ووقف ~~الحارث بن عوف في خيل من أصحابه، ووقف فرسان من بني سليم في أصحابهم، ثم ~~تحملوا جميعا في طريق واحدة، وكرهوا أن يتفرقوا ms365 حتى PageV02P490 ~~أتوا على المراض [ (1) ] ، ثم تفرقت كل قبيلة إلى محالها. # حدثني عبد الله بن جعفر، عن عثمان- يعني ابن محمد الأخنسي- قال: لما ~~انصرف عمرو بن العاص قال: قد علم كل ذي عقل أن محمدا لم يكذب. فقال عكرمة ~~بن أبي جهل: أنت أحق الناس ألا يقول هذا. ~~قال عمرو: لم؟ قال: لأنه نزل على شرف أبيك وقتل سيد قومك. ويقال: ~~الذي تكلم به خالد بن الوليد، ولا ندري، لعلهما قد تكلما بذلك جميعا. ~~قال خالد بن الوليد: قد علم كل حليم أن محمدا لم يكذب قط. قال أبو سفيان ~~بن حرب: إن أحق الناس ألا يقول هذا أنت. قال: ولم؟ ~~قال: نزل على شرف أبيك، وقتل سيد قومك أبا جهل. # حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: ~~كان محاصرة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق بضعة عشر ~~يوما. وحدثني الضحاك بن عثمان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر ابن عبد ~~الله، قال: عشرين يوما. ويقال خمسة عشر يوما، وهذا أثبت ذلك عندنا. فلما ~~أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أصبح وليس بحضرته أحد من ~~العساكر، قد هربوا وذهبوا. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، الثبت أنهم ~~انقشعوا إلى بلادهم، ولما أصبحوا أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم، فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك. وكره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن تعلم بنو قريظة رجعتهم [ (2) ] إلى منازلهم، ~~فأمر بردهم، وبعث من ينادى فى أثرهم، فما PageV02P491 ~~رجع رجل واحد. فكان ممن يردهم عبد الله بن عمر، أمره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قال عبد الله: فجعلت أصيح في أثرهم في كل ناحية: إن رسول الله ~~أمركم أن ترجعوا، فما رجع رجل واحد منهم من القر والجوع. ~~فكان يقول: كره رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى سرعتهم، وكره أن يكون ~~لقريش عيون. قال جابر بن عبد الله: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أردهم، ms366 فجعلت أصيح بهم فما يرجع أحد، فانطلقت في أثر بني حارثة، فوالله ما ~~أدركتهم حتى دخلوا بيوتهم، ولقد صحت فما يخرج إلي أحد من جهد الجوع والقر، ~~فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فألقاه في بني حرام منصرفا، فأخبرته ~~فضحك صلى الله عليه وسلم. # حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبي وجزة، قال: لما ملت قريش المقام، ~~وأجدب الجناب، وضاقوا بالخندق، وكان أبو سفيان على طمع أن يغير على بيضة ~~المدينة، كتب كتابا [ (1) ] فيه: باسمك اللهم، فإنى أحلف باللات والعزى، ~~لقد سرت إليك في جمعنا، وإنا نريد ألا نعود إليك أبدا حتى نستأصلك، فرأيتك ~~[ (2) ] قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علمك هذا؟ فإن ~~نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد، تبقر فيه النساء. وبعث بالكتاب مع أبي ~~أسامة الجشمي، فلما أتى بالكتاب دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن ~~كعب، فدخل معه قبته، فقرأ عليه كتاب أبي سفيان. ~~وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب ... أما بعد، فقديما غرك بالله ~~الغرور، أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد PageV02P492 ~~أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر الله يحول بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة ~~حتى لا تذكر اللات والعزى. وأما قولك: «من علمك الذي صنعنا من الخندق» ، ~~فإن الله تعالى ألهمني ذلك لما أراد من غيظك به وغيظ أصحابك، وليأتين عليك ~~يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات، والعزى، وإساف، ~~ونائلة، وهبل، حتى أذكرك ذلك. ~~قال أبو عبد الله: فذكرت ذلك لإبراهيم بن جعفر فقال: أخبرني أبي أن في ~~الكتاب «ولقد علمت أني لقيت أصحابك بأحياء [ (1) ] وأنا في عير لقريش، فما ~~حصر أصحابك منا شعرة، ورضوا بمدافعتنا بالراح. ثم أقبلت في عير قريش حتى ~~لقيت قومي، فلم تلقنا، فأوقعت بقومي ولم أشهدها من وقعة. ~~ثم غزوتكم في عقر داركم فقتلت وحرقت- يعني غزوة السويق- ثم غزوتك في ~~جمعنا يوم أحد، فكانت وقعتنا ms367 فيكم مثل وقعتكم بنا ببدر، ثم سرنا إليكم في ~~جمعنا ومن تألب إلينا يوم الخندق، فلزمتم الصياصي [ (2) ] وخندقتم الخنادق» ~~. PageV02P493 ### || باب ما أنزل الله من القرآن في الخندق # حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: ~~وأنزل الله عز وجل في شأن الخندق يذكر نعمته وكفايته عدوهم بعد سوء الظن ~~منهم ومقالة من تكلم بالنفاق، فقال: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها [ (1) ] . قال: ~~وكانت الجنود التي أتت المؤمنين قريشا وغطفان وأسدا وسليما، وكانت الجنود ~~التي بعث الله تعالى عليهم الريح. وذكر: إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا [ (2) ] وكان ~~الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاءوا من أسفل منهم قريش وأسد ~~وغطفان وسليم. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا [ (3) ] . وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا [ (4) ~~] ، قول معتب بن قشير ومن كان معه على مثل رأيه. وإذ قالت طائفة منهم يا ~~أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا ~~عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا [ (5) ] ، يقول أوس بن قيظي ومن كان ~~معه من قومه على مثل رأيه. ولو دخلت عليهم من أقطارها [ (6) ] ، من ~~نواحيها، ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا، يعني ~~المنافقين. ~~ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار [ (7) ] إلى قوله تعالى ~~PageV02P494 ~~وإذا لا تمتعون إلا قليلا، كان ثعلبة عاهد الله يوم أحد لا يولي دبرا ~~أبدا بعد أحد. ثم ذكر أهل الإيمان حين أتاهم الأحزاب فحصروهم، وظاهرتهم بنو ~~قريظة في الخندق فاشتد عليهم البلاء، فقالوا لما رأوا ذلك: ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله [ (1) ] ، وذلك قوله في ~~البقرة: ~~أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن ms368 نصر الله قريب [ (2) ] ، وفي قوله: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه [ (3) ] ، يقول قتل أو أبلي، ومنهم من ينتظر، أن يقتل أو ~~يبلى، وما بدلوا تبديلا، ما تغيرت نياتهم. ~~ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن ~~الله كان غفورا رحيما [ (4) ] # حدثني إسحاق بن يحيى، عن مجاهد، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى طلحة بن عبيد الله فقال: هذا ممن قضى نحبه. ### || ذكر من قتل من المسلمين يوم الخندق # من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، رماه حبان بن العرقة فمات، ويقال رماه ~~أبو أسامة الجشمي، وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن زعوراء بن ~~جشم بن عبد الأشهل، قتله خالد بن الوليد، رماه بسهم، وعبد الله بن سهل ~~الأشهلي، رماه رجل من بنى عويف فقتله. PageV02P495 # ومن بني سلمة: الطفيل بن النعمان. قتله وحشي، وكان وحشي يقول: ~~أكرم الله بحربتي حمزة والطفيل، وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي، قتله ~~هبيرة بن أبي وهب المخزومي. ومن بني دينار: كعب بن زيد، وكان قد ارتث يوم ~~بئر معونة فصح حتى قتل في الخندق، قتله ضرار بن الخطاب. ~~فجميع من استشهد من المسلمين ستة نفر. ### || ذكر من قتل من المشركين # وقتل من المشركين: عمرو بن عبد بن أبي قيس بن عبد ود، قتله علي بن أبي ~~طالب عليه السلام، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، قتله الزبير بن ~~العوام، ويقال علي بن أبي طالب عليه السلام. ومن بني عبد الدار: عثمان بن ~~منبه بن عبيد بن السباق، مات بمكة من رمية رميها يوم الخندق، وهم ثلاثة ~~نفر. ### || ذكر ما قيل من الشعر في الخندق. # قال ضرار بن الخطاب: هكذا كان ... ### | باب غزوة بني قريظة # سار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي ~~القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوما، ثم انصرف يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة ~~سنة خمس. واستخلف على المدينة ابن ms369 أم مكتوم. # قالوا: لما انصرف المشركون عن الخندق، وخافت بنو قريظة خوفا شديدا، ~~وقالوا: محمد يزحف إلينا! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم PageV02P496 ~~يؤمر بقتالهم حتى جاء جبريل عليه السلام. وكانت امرأة نباش بن قيس قد ~~رأت، والمسلمون في حصار الخندق، قالت: أرى الخندق ليس به أحد، وأرى الناس ~~تحولوا إلينا ونحن في حصوننا قد ذبحنا [ذبح] الغنم. فذكرت ذلك لزوجها، فخرج ~~زوجها فذكرها للزبير بن باطا، فقال الزبير: ما لها لا نامت عينها، تولي ~~قريش ويحصرنا محمد! والتوراة، ولما بعد الحصار أشد منه! # قالوا: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق دخل بيت عائشة ~~رضي الله عنها فغسل رأسه واغتسل، ودعا بالمجمرة ليجمر، وقد صلى الظهر، ~~وأتاه جبريل على بغلة عليها رحالة [ (1) ] وعليها قطيفة، على ثناياه النقع، ~~فوقف عند موضع الجنائز فنادى: عذيرك من محارب! قال: فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فزعا فقال [ (2) ] : ألا أراك وضعت اللأمة ولم تضعها ~~الملائكة بعد؟ لقد طردناهم إلى حمراء الأسد، إن الله يأمرك أن تسير إلى بني ~~قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم. ~~ويقال جاءه على فرس أبلق. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه ~~السلام فدفع إليه لواء، وكان اللواء على حاله لم يحل من مرجعه من الخندق، ~~وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن في الناس: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأمركم ألا تصلوا العصر إلا ببني قريظة. ولبس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم السلاح والمغفر والدرع والبيضة، وأخذ قناة بيده، وتقلد ~~الترس وركب فرسه، وحف به أصحابه وتلبسوا السلاح وركبوا الخيل، وكانت ستة ~~وثلاثين فرسا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P497 ~~قد قاد فرسين وركب واحدا، يقال له اللحيف، فكانت ثلاثة أفراس معه. وعلي ~~عليه السلام فارس، ومرثد بن أبي مرثد. وفي بني عبد مناف: ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه فارس، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعكاشة ~~بن محصن فارس، وسالم مولى ms370 أبي حذيفة، والزبير بن العوام. ~~ومن بني زهرة: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. ومن بني تيم: أبو ~~بكر الصديق، وطلحة بن عبيد الله. ومن بني عدي: عمر بن الخطاب. ومن بني عامر ~~بن لؤي: عبد الله بن مخرمة. ومن بني فهر: ~~أبو عبيدة بن الجراح. ومن الأوس: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، ومحمد بن ~~مسلمة، وأبو نائلة، وسعد بن زيد. ومن بنى ظفر: قتادة ابن النعمان. ومن بني ~~عمرو بن عوف: عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، وثابت بن أقرم، وعبد الله بن ~~سلمة. ومن بني سلمة: الحباب بن المنذر بن الجموح، ومعاذ بن جبل، وقطبة بن ~~عامر بن حديدة. ومن بني مالك بن النجار: عبد الله بن عبد الله بن أبي. وفي ~~بني زريق: رقاد بن لبيد، وفروة بن عمرو، وأبو عياش، ومعاذ بن رفاعة. ومن ~~بني ساعدة: سعد ابن عبادة. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، قال: فسار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه والخيل والرجالة حوله، فمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بنفر من بني النجار بالصورين [ (1) ] فيهم حارثة ~~بن النعمان، قد صفوا عليهم السلاح، فقال: هل مر بكم أحد؟ # قالوا: نعم، دحية الكلبي مر على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ~~PageV02P498 ~~إستبرق، فأمرنا بلبس السلاح، فأخذنا سلاحنا وصففنا، وقال لنا: ~~هذا رسول الله يطلع عليكم الآن. ~~قال حارثة بن النعمان: فكنا صفين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ذلك جبريل! ~~فكان حارثة بن النعمان يقول: رأيت جبريل من الدهر مرتين- يوم الصورين ~~ويوم موضع الجنائز حين رجعنا من حنين. وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى بني قريظة فنزل على بئر لنا [ (1) ] أسفل حرة بني قريظة، وكان علي عليه ~~السلام قد سبق في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن أسيد بن أبي أسيد، عن أبي قتادة، قال: انتهينا ~~إليهم فلما رأونا أيقنوا بالشر، وغرز علي ms371 عليه السلام الراية عند أصل ~~الحصن، فاستقبلونا في صياصيهم يشتمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأزواجه. قال أبو قتادة: وسكتنا وقلنا: السيف بيننا وبينكم! وطلع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلما رآه علي عليه السلام رجع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأمرني أن ألزم اللواء فلزمته، وكره أن يسمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أذاهم وشتمهم. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وتقدمه ~~أسيد بن حضير فقال: يا أعداء الله، لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعا. إنما ~~أنتم بمنزلة ثعلب في جحر. قالوا: يا ابن الحضير، نحن مواليكم دون الخزرج! ~~وخاروا [ (2) ] ، وقال: لا عهد بيني وبينكم ولا إل [ (3) ] . ~~ودنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وترسنا عنه، فقال: PageV02P499 ~~يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت، أتشتمونني؟ ~~قال: فجعلوا يحلفون بالتوراة التي أنزلت على موسى: ما فعلنا! ويقولون: يا ~~أبا القاسم، ما كنت جهولا! ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة من ~~أصحابه. # فحدثني فروة بن زبيد، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها، قال: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: يا سعد، تقدم فارمهم! فتقدمت حيث تبلغهم نبلي، ومعي ~~نيف على الخمسين، فرميناهم ساعة وكأن نبلنا مثل [ (1) ] جراد، فانجحروا فلم ~~يطلع منهم أحد. وأشفقنا على نبلنا أن يذهب، فجعلنا نرمي بعضها [ (2) ] ~~ونمسك البعض. فكان كعب بن عمرو المازني- وكان راميا- يقول: رميت يومئذ بما ~~في كنانتي، حتى أمسكنا عنهم بعد أن ذهبت ساعة من الليل. قال: وقد رمونا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على فرسه عليه السلاح، وأصحاب الخيل ~~حوله، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرفنا إلى منزلنا وعسكرنا ~~فبتنا، وكان طعامنا تمرا بعث به سعد بن عبادة، أحمال تمر، فبتنا [ (3) ] ~~نأكل منها، ولقد رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يأكلون من ~~ذلك التمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم الطعام التمر! ~~واجتمع المسلمون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ms372 عشاء، فمنهم من لم يصل ~~حتى جاء بني قريظة، ومنهم من قد صلى، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فما عاب على أحد صلى، ولا على أحد لم يصل حتى بلغ بنى قريظة. ثم غدونا ~~PageV02P500 ~~عليهم بسحرة، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة، وعبأ أصحابه ~~فأحاطوا بحصونهم من كل ناحية، فجعل المسلمون يرامونهم بالنبل والحجارة، ~~وجعل المسلمون يعتقبون فيعقب بعضهم بعضا، فما برح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يراميهم حتى أيقنوا بالهلكة. # فحدثني الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا يراموننا من ~~حصونهم بالنبل والحجارة أشد الرمي، وكنا نقوم حيث تبلغهم نبلنا # فحدثني ~~الضحاك بن عثمان، عن جعفر بن محمود، قال: قال محمد ابن مسلمة: حصرناهم أشد ~~الحصار، فلقد رأيتنا يوم غدونا عليهم قبل الفجر، فجعلنا ندنو من الحصن ~~ونرميهم من كثب، ولزمنا حصونهم فلم نفارقها حتى أمسينا، وحضنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الجهاد والصبر. ~~ثم بتنا على حصونهم، ما رجعنا إلى معسكرنا حتى تركوا قتالنا وأمسكوا عنه ~~وقالوا: نكلمك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. ~~فأنزلوا نباش بن قيس، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة وقال: يا ~~محمد، ننزل على ما نزلت عليه بنو النضير، لك الأموال والحلقة وتحقن دماءنا، ~~ونخرج من بلادكم بالنساء والذراري، ولنا ما حملت الإبل إلا الحلقة. فأبى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ~~فتحقن دماءنا وتسلم لنا النساء والذرية، ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، إلا أن تنزلوا على حكمي. ~~فرجع نباش إلى أصحابه بمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال كعب ابن ~~أسد: يا معشر بني قريظة، والله إنكم لتعلمون أن محمدا نبي الله، وما منعنا ~~من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن نبيا من بني. PageV02P501 ~~إسرائيل فهو حيث جعله الله. ولقد كنت كارها لنقض العهد والعقد، ولكن ~~البلاء وشؤم هذا الجالس [ (1) ] علينا وعلى قومه، وقومه ms373 كانوا أسوأ [ (2) ] ~~منا. ~~لا يستبقي محمد رجلا واحدا إلا من تبعه. أتذكرون ما قال لكم ابن خراش [ ~~(3) ] حين قدم عليكم فقال: تركت الخمر والخمير والتأمير، وجئت إلى السقاء ~~والتمر والشعير؟ قالوا: وما ذلك؟ قال: يخرج من [ (4) ] هذه القرية نبي، فإن ~~خرج وأنا حي اتبعته ونصرته، وإن خرج بعدي فإياكم أن تخدعوا عنه، فاتبعوه ~~وكونوا أنصاره وأولياءه، وقد آمنتم بالكتابين كليهما الأول والآخر. ~~قال كعب: فتعالوا فلنتابعه ولنصدقه ولنؤمن به، فنأمن على دمائنا وأبنائنا ~~ونسائنا وأموالنا، فنكون بمنزلة من معه. قالوا: لا نكون تبعا لغيرنا، نحن ~~أهل الكتاب والنبوة، ونكون تبعا لغيرنا؟ فجعل كعب يرد عليهم الكلام ~~بالنصيحة لهم. قالوا: لا نفارق التوراة ولا ندع ما كنا عليه من أمر موسى. ~~قال: فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج في أيدينا السيوف إلى محمد ~~وأصحابه. فإن قتلنا قتلنا وما وراءنا أمر نهتم به، وإن ظفرنا فلعمري لنتخذن ~~النساء والأبناء. فتضاحك حيي بن أخطب ثم قال: ما ذنب هؤلاء المساكين؟ وقالت ~~رؤساء اليهود، الزبير بن باطا وذووه: ما في العيش خير بعد هؤلاء. قال: ~~فواحدة قد بقيت من الرأي لم يبق غيرها، فإن لم تقبلوها فأنتم بنو إستها. ~~قالوا: ما هي؟ قال: الليلة السبت، وبالحري [ (5) ] أن يكون محمد وأصحابه ~~آمنين لنا فيها أن نقاتله، فنخرج PageV02P502 ~~فلعلنا أن نصيب منه غرة. قالوا: نفسد سبتنا، وقد عرفت ما أصابنا فيه؟ قال ~~حيي: قد دعوتك إلى هذا وقريش وغطفان حضور فأبيت أن نكسر السبت، فإن أطاعتني ~~اليهود فعلوا. فصاحت اليهود: لا نكسر السبت. قال نباش بن قيس: وكيف نصيب ~~منهم غرة وأنت ترى أن أمرهم كل يوم يشتد. كانوا أول ما يحاصروننا إنما ~~يقاتلون بالنهار ويرجعون الليل، فكان هذا لك قولا «لو بيتناهم» . فهم الآن ~~يبيتون الليل ويظلون النهار، فأي غرة نصيب منهم؟ هي ملحمة وبلاء كتب علينا. ~~فاختلفوا وسقط في أيديهم، وندموا على ما صنعوا، ورقوا على النساء والصبيان، ~~وذلك أن النساء [والصبيان] لما رأوا ضعف أنفسهم هلكوا، فبكى النساء ~~والصبيان، فرقوا عليهم. # فحدثني صالح ms374 بن جعفر، عن محمد بن عقبة، عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: قال ~~ثعلبة وأسيد ابنا سعية [ (1) ] ، وأسد بن عبيد عمهم [ (2) ] : ~~يا معشر بني قريظة، والله إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأن صفته عندنا، ~~حدثنا بها علماؤنا وعلماء بني النضير. هذا أولهم- يعني حيي بن أخطب- مع ~~جبير بن الهيبان [ (3) ] أصدق الناس عندنا، هو خبرنا بصفته عند موته. ~~قالوا: لا نفارق التوراة! فلما رأى هؤلاء النفر إباءهم، نزلوا في الليلة ~~التي في صبحها نزلت قريظة، فأسلموا فأمنوا على أنفسهم وأهلهم وأموالهم. # فحدثني الضحاك بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان، قال عمرو بن سعدى، وهو ~~رجل منهم: يا معشر اليهود، إنكم قد حالفتم محمدا على ما حالفتموه عليه، ألا ~~تنصروا عليه أحدا من عدوه، وأن تنصروه PageV02P503 ~~ممن دهمه، فنقضتم ذلك العهد الذي كان بينكم وبينه، فلم أدخل فيه ولم ~~أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا [على] اليهودية وأعطوا ~~الجزية، فو الله ما أدري يقبلها أم لا. قالوا: نحن لا نقر للعرب بخرج في ~~رقابنا يأخذوننا به، القتل خير من ذلك! قال: فإني بريء منكم. ~~وخرج في تلك الليلة مع بني سعية فمر بحرس النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم محمد بن مسلمة، فقال محمد بن مسلمة: من هذا؟ فقال: ~~عمرو بن سعدى. فقال محمد: مر! اللهم، لا تحرمني إقالة عثرات الكرام. فخلى ~~سبيله وخرج حتى أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات به حتى أصبح، ~~فلما أصبح غدا فلم يدر أين هو حتى الساعة، فسئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنه فقال: ذلك رجل نجاه الله بوفائه. ~~ويقال إنه لم يطلع أحد منهم ولم يبادر [ (1) ] للقتال، في روايتنا. # حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: مر عمرو بن سعدى على الحرس، فناداه ~~محمد بن مسلمة: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى. ~~قال محمد: قد عرفناك. ثم قال محمد: اللهم، لا تحرمني إقالة عثرات الكرام. # حدثني الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قال: لما كان ms375 يوم بني ~~قريظة قال رجل من اليهود: من يبارز؟ فقام إليه الزبير فبارزه. فقالت صفية: ~~وا جدي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أيهما علا صاحبه قتله. ~~فعلاه الزبير فقتله، فنفله رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم سلبه. ~~PageV02P504 # قال ابن واقد: ولم يسمع بهذا الحديث في قتالهم وأراه وهل- هذا في خيبر. # حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان أول شيء عتب فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي لبابة بن عبد المنذر أنه خاصم يتيما ~~له في عذق. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعذق لأبي لبابة، فصيح [ ~~(1) ] اليتيم واشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي لبابة: هب لي العذق يا أبا لبابة- لكي يرده رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى اليتيم. فأبى أبو لبابة أن يهبه لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا أبا لبابة، أعطه اليتيم ولك مثله في الجنة. ~~فأبى أبو لبابة أن يعطيه. # قال الزهري: فحدثني رجل من الأنصار قال: لما أبى أن يعطيه قال ابن ~~الدحداحة- وهو رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن ابتعت هذا العذق ~~فأعطيته هذا اليتيم، ألي مثله في الجنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~نعم. فانطلق ابن الدحداحة حتى لقي أبا لبابة فقال: ~~أبتاع منك عذقك بحديقتي- وكانت له حديقة نخل. قال أبو لبابة: ~~نعم. فابتاع ابن الدحداحة العذق بحديقة من نخل، فأعطاه اليتيم. ~~فلم يلبث ابن الدحداحة أن جاء كفار قريش إلى أحد، فخرج ابن الدحداحة فقتل ~~شهيدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب عذق مذلل لابن الدحداحة في ~~الجنة. # قالوا: فلما اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر. PageV02P505 # فحدثني ربيعة بن الحارث، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن السائب بن أبي ~~لبابة بن عبد المنذر، عن أبيه، قال: لما أرسلت بنو قريظة إلى ms376 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسألونه أن يرسلني إليهم، دعاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: اذهب إلى حلفائك، فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس. ~~قال: فدخلت عليهم وقد اشتد عليهم الحصار، فبهشوا [ (1) ] إلي وقالوا: يا ~~أبا لبابة، نحن مواليك دون الناس كلهم. فقام كعب بن أسد فقال: أبا بشير، قد ~~علمت ما صنعنا في أمرك وأمر قومك يوم الحدائق وبعاث، وكل حرب كنتم فيها. ~~وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، ومحمد يأبى يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه. ~~فلو زال عنا لحقنا بأرض الشام أو خيبر، ولم نطأ له حرا [ (2) ] أبدا، ولم ~~نكثر عليه جمعا أبدا. قال أبو لبابة: أما ما كان هذا معكم، فلا يدع هلاككم- ~~وأشرت إلى حيي بن أخطب. قال كعب: هو والله أوردني ثم لم يصدرني. ~~فقال حيي: فما أصنع؟ كنت أطمع في أمره، فلما أخطأني آسيتك بنفسي، يصيبني ~~ما أصابك. قال كعب: وما حاجتي إلى أن أقتل أنا وأنت وتسبى ذرارينا؟ قال ~~حيي: ملحمة وبلاء كتب علينا. ثم قال كعب: ما ترى، فإنا قد اخترناك على ~~غيرك؟ إن محمدا قد أبى إلا أن ننزل على حكمه، أفننزل [ (3) ] ؟ قال: نعم، ~~فانزلوا- وأومأ إلى حلقه، هو الذبح. قال: فندمت فاسترجعت، فقال لي كعب: ما ~~لك يا أبا لبابة؟ ~~فقلت: خنت الله ورسوله. فنزلت وإن لحيتي لمبتلة من الدموع، PageV02P506 ~~والناس ينتظرون رجوعي إليهم. حتى أخذت من وراء الحصن طريقا آخر حتى جئت ~~إلى المسجد فارتبطت، فكان ارتباطي إلى الأسطوانة المخلقة [ (1) ] التي تقال ~~أسطوانة التوبة- ويقال ليس تلك، إنما ارتبط إلى أسطوانة كانت وجاه المنبر ~~عند باب أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أثبت القولين- ~~وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهابي وما صنعت فقال: ~~دعوه حتى يحدث الله فيه ما يشاء. لو كان جاءني استغفرت له، فأما إذ لم ~~يأتني وذهب فدعوه! ~~قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم خمس عشرة ليلة. وأذكر رؤيا رأيتها. # فحدثني موسى بن عبيدة. عن أيوب بن خالد: قال، قال أبو ms377 لبابة: ~~رأيت في النوم ونحن محاصرو بني قريظة كأني في حمأة آسنة، فلم أخرج منها ~~حتى كدت أموت من ريحها. ثم أرى نهرا جاريا، فأراني اغتسلت منه حتى استنقيت، ~~وأراني أجد ريحا طيبة. فاستعبرها أبا بكر فقال: ~~لتدخلن في أمر تغتم له، ثم يفرج عنك. فكنت أذكر قول أبي بكر رضي الله عنه ~~وأنا مرتبط، فأرجو أن تنزل توبتي. # فحدثني معمر، عن الزهري، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~استعمل أبا لبابة على قتالهم، فلما أحدث ما أحدث عزله واستعمل أسيد بن ~~حضير. وارتبط أبو لبابة سبعا بين يوم وليلة عند الأسطوانة التي عند باب أم ~~سلمة في حر شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب، وقال: لا أزال هكذا حتى أفارق ~~الدنيا أو يتوب الله علي. قال: فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة PageV02P507 ~~وعشية، ثم تاب الله تعالى عليه فنودي: إن الله قد تاب عليك! وأرسل النبي ~~صلى الله عليه وسلم إليه ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه عنه أحد غير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فأطلقه. # قال الزهري: فحدثتني هند بنت الحارث، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل عنه رباطه، وإن رسول ~~الله ليرفع صوته يكلمه ويخبره بتوبته، وما يدري كثيرا مما يقول من الجهد ~~والضعف. ويقال مكث خمس عشرة مربوطا، وكانت ابنته تأتيه بتمرات لفطره، فيلوك ~~منهن ويترك ويقول: والله، ما أقدر على أن أسيغها فرقا ألا تنزل توبتي. ~~وتطلقه عند وقت كل صلاة، فإن كانت له حاجة توضأ، وإلا أعادت الرباط. ولقد ~~كان الرباط حز في ذراعيه، وكان من شعر، وكان يداويه بعد ذلك دهرا، وكان ذلك ~~يبين في ذراعيه بعد ما برئ. وقد سمعنا في توبته وجها آخر. # حدثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط، عن أبيه، عن محمد بن ms378 عبد الرحمن ابن ~~ثوبان [ (1) ] ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: إن توبة ~~أبي لبابة نزلت في بيتي. قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يضحك في السحر فقلت: مم تضحك يا رسول الله، أضحك الله سنك؟ قال: تيب على ~~أبي لبابة. قالت، قلت: أوذنه بذلك يا رسول الله؟ قال: ما شئت. قالت: فقمت ~~على باب الحجرة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب، فقلت: يا أبا لبابة، أبشر فقد ~~تاب الله عليك PageV02P508 ~~فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال أبو لبابة: لا، حتى يأتي رسول الله فيكون ~~هو الذي يطلق عني. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح أطلقه. ~~ونزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم.. [ (1) ] ~~الآية. ويقال نزلت: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول [ (2) ] ~~. ~~وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: نزلت فيه: يا أيها الرسول لا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم. [ (3) ] ~~الآية. وأثبت ذلك عندنا قوله عز وجل: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا ~~صالحا. # وحدثني معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، قال: جاء أبو لبابة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أهجر دار قومي التي أصبت فيها هذا ~~الذنب، فأخرج من مالي صدقة إلى الله ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: يجزئ عنك الثلث. ~~فأخرج الثلث، وهجر أبو لبابة دار قومه. ثم تاب الله عليه، فلم يبن في ~~الإسلام منه إلا خير حتى فارق الدنيا. # قالوا: ولما جهدهم الحصار ونزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر رسول الله بأسراهم فكتفوا رباطا، وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة، ونحوا ~~ناحية، وأخرجوا النساء والذرية من الحصون فكانوا ناحية واستعمل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سلام، وأمر رسول الله صلى الله PageV02P509 ~~عليه وسلم بجمع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة ms379 والأثاث والثياب. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن المسور بن رفاعة، قال: وجد فيها ألف وخمسمائة ~~سيف، وثلاثمائة درع، وألفا رمح، وألف وخمسمائة ترس وحجفة [ (1) ] . وأخرجوا ~~أثاثا كثيرا، وآنية كثيرة، ووجدوا خمرا وجرار سكر، فهريق ذلك كله ولم يخمس. ~~ووجدوا من الجمال النواضح عدة، ومن الماشية، فجمع هذا كله. # حدثني عمر بن محمد، عن أبي سعيد، عن جابر بن عبد الله قال: أنا كنت ممن ~~كسر جرار السكر يومئذ. # حدثني خارجة بن عبد الله، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن محمد بن ~~مسلمة، قال: وتنحى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس، ودنت الأوس إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، حلفاؤنا دون الخزرج، وقد ~~رأيت ما صنعت ببني فينقاع بالأمس حلفاء ابن أبي، وهبت له ثلاثمائة حاسر ~~وأربعمائة دارع. وقد ندم حلفاؤنا على ما كان من نقضهم العهد، فهبهم لنا. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت، لا يتكلم حتى أكثروا عليه وألحوا ~~ونطقت الأوس كلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضون أن يكون ~~الحكم فيهم إلى رجل منكم؟ ~~قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ. ~~وسعد يومئذ في المسجد في خيمة كعيبة [ (2) ] بنت سعد بن عتبة، وكانت ~~تداوي الجرحى، وتلم الشعث، وتقوم على الضائع والذي لا أحد له. وكان لها ~~خيمة في المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سعدا فيها. فلما ~~جعل رسول الله PageV02P510 ~~صلى الله عليه وسلم الحكم إلى سعد بن معاذ خرجت الأوس حتى جاءوه، فحملوه ~~على حمار بشنذة [ (1) ] من ليف، وعلى الحمار قطيفة فوق الشنذة وخطامه حبل ~~من ليف. فخرجوا حوله يقولون: يا أبا عمرو، إن رسول الله قد ولاك أمر مواليك ~~لتحسن فيهم فأحسن، فقد رأيت ابن أبي وما صنع في حلفائه. والضحاك بن خليفة ~~يقول: يا أبا عمرو، مواليك، مواليك! قد منعوك في المواطن كلها، واختاروك ~~على من سواك ورجوا عياذك [ (2) ] ، ولهم جمال وعدد. وقال سلمة بن سلامة بن ~~وقش: يا ms380 أبا عمرو، أحسن في مواليك وحلفائك، إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحب البقية! نصروك يوم البعاث والحدائق والمواطن، ولا تكن شرا من ابن ~~أبي. # قال إبراهيم بن جعفر، عن أبيه: وجعل قائلهم يقول: يا أبا عمرو، وإنا ~~والله قاتلنا بهم فقتلنا، وعاززنا بهم فعززنا! قالوا: وسعد لا يتكلم، حتى ~~إذا أكثروا عليه قال سعد: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. ~~فقال الضحاك بن خليفة: وا قوماه! ثم رجع الضحاك إلى الأوس فنعى لهم بنى ~~قريظة. وقال معتب بن قشير: وا سوء صباحاه! وقال حاطب بن أمية الظفري: ذهب ~~قومي آخر الدهر. ~~وأقبل سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس حول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جلوس، فلما طلع سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~قوموا إلى سيدكم. فكان رجال من بني عبد الأشهل يقولون: فقمنا له على أرجلنا ~~صفين، يحييه كل رجل منا، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقائل يقول: إنما عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله «قوموا إلى ~~سيدكم» يعني به الأنصار دون PageV02P511 ~~قريش. قالت الأوس الذين بقوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: ~~يا أبا عمرو، إن رسول الله قد ولاك الحكم، فأحسن فيهم واذكر بلاءهم عندك. ~~فقال سعد بن معاذ: أترضون بحكمي لبني قريظة؟ قالوا: نعم، قد رضينا بحكمك ~~وأنت غائب عنا، اختيارا منا لك ورجاء أن تمن علينا كما فعله غيرك في حلفائه ~~من قينقاع، وأثرنا عندك أثرنا، وأحوج ما كنا اليوم إلى مجازاتك. فقال سعد: ~~لا آلوكم جهدا. فقالوا: ما يعني بقوله هذا؟ ثم قال: عليكم عهد الله وميثاقه ~~أن الحكم فيكم ما حكمت؟ ~~قالوا: نعم. فقال سعد للناحية الأخرى التي فيها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو معرض عنها إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى من هاهنا ~~مثل ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه: نعم. ~~قال سعد: فإني أحكم ms381 فيهم أن يقتل من جرت عليه الموسى، وتسبى النساء ~~والذرية، وتقسم الأموال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت بحكم ~~الله عز وجل من فوق سبعة أرقعة [ (1) ] . وكان سعد بن معاذ في الليلة التي ~~في صبحها نزلت قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا فقال: ~~اللهم، إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن ~~أقاتل من قوم كذبوا رسول الله، وآذوه وأخرجوه! وإن كانت الحرب قد وضعت ~~أوزارها عنا وعنهم فاجعله لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة! ~~فأقر الله عينه منهم. فأمر بالسبي فسيقوا إلى دار أسامة بن زيد، والنساء ~~والذرية إلى دار ابنة الحارث [ (2) ] . وأمر رسول PageV02P512 ~~الله صلى الله عليه وسلم بأحمال التمر فنثرت عليهم، فباتوا يكدمونها كدم ~~الحمر، وجعلوا ليلتهم يدرسون التوراة، وأمر بعضهم بعضا بالثبات على دينه ~~ولزوم التوراة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح والأثاث والمتاع ~~والثياب، فحمل إلى دار بنت الحارث، وأمر بالإبل والغنم، فتركت هناك ترعى في ~~الشجر. قالوا: ثم غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنوق، فأمر بخدود ~~[ (1) ] فخدت في السوق ما بين موضع دار أبي جهم العدوي إلى أحجار الزيت ~~بالسوق، فكان أصحابه يحفرون هناك، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~علية أصحابه، ودعا برجال بني قريظة، فكانوا يخرجون رسلا رسلا، تضرب ~~أعناقهم. فقالوا لكعب بن أسد: ما ترى محمدا ما يصنع بنا؟ قال: ما يسوؤكم ~~وما ينوؤكم، ويلكم! على كل حال لا تعقلون! ألا ترون أن الداعي لا ينزع، ~~وأنه من ذهب منكم لا يرجع؟ ~~هو والله السيف، قد دعوتكم إلى غير هذا فأبيتم! قالوا: ليس هذا بحين ~~عتاب، لولا أنا كرهنا أن نزري برأيك ما دخلنا في نقض العهد الذي كان بيننا ~~وبين محمد. قال حيي: اتركوا ما ترون من التلاوم فإنه لا يرد عنكم شيئا، ~~واصبروا للسيف. فلم يزالوا يقتلون بين يدي رسول الله صلى الله ms382 عليه وسلم، ~~وكان الذين يلون قتلهم علي والزبير. ثم أتي بحيي بن أخطب مجموعة يداه إلى ~~عنقه، عليه حلة شقحية [ (2) ] قد لبسها للقتل، ثم عمد إليها فشقها أنملة ~~لئلا يسلبه إياها أحد، وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلع: ~~ألم يمكن الله منك يا عدو الله؟ قال: PageV02P513 ~~بلى والله، ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد التمست العز في مكانه [ (1) ] ، ~~وأبى الله إلا أن يمكنك مني، ولقد قلقلت كل مقلقل [ (2) ] ، ولكنه من يخذل ~~الله يخذل. ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، لا بأس بأمر الله! قدر ~~وكتاب، ملحمة كتبت على بني إسرائيل! ثم أمر به فضرب عنقه، ثم أتي بغزال بن ~~سموأل فقال: ألم يمكن الله منك؟ قال: بلى يا أبا القاسم. فأمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم فضربت عنقه. ثم أتي بنباش بن قيس، وقد جابذ [ (3) ] الذي ~~جاء به حتى قاتله فدق الذي جاء به أنفه فأرعفه، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم للذي جاء به: لم صنعت به هذا؟ أما كان في السيف كفاية؟ فقال: يا ~~رسول الله، جابذني لأن يهرب. فقال: كذب والتوراة يا أبا القاسم، ولو خلاني ~~ما تأخرت عن موطن قتل فيه قومي حتى أكون كأحدهم. قال: ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أحسنوا إسارهم، وقيلوهم، وأسقوهم حتى يبردوا فتقتلوا من ~~بقي، لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح- وكان يوما صائفا. ~~فقيلوهم وأسقوهم وأطعموهم، فلما أبردوا راح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقتل من بقي، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سلمى بنت قيس، وكانت ~~إحدى خالاته، وكانت قد صلت القبلتين وبايعته، وكان رفاعة بن سموأل له ~~انقطاع إليها وإلى أخيها سليط بن قيس وأهل الدار، وكان حين حبس أرسل إليها ~~أن كلمي محمدا في تركي، فإن لي بكم حرمة، وأنت إحدى أمهاته، فتكون لكم عندي ~~يدا إلى يوم القيامة. فقال رسول الله صلى الله PageV02P514 ~~عليه وسلم: ما لك يا أم المنذر؟ قالت: ms383 يا رسول الله، رفاعة بن سموأل كان ~~يغشانا وله بنا حرمة فهبه لي. وقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوذ ~~بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، هو لك. ثم قالت: ~~يا رسول الله، إنه سيصلي ويأكل لحم الجمل. فتبسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قال: إن يصل فهو خير له، وإن يثبت على دينه فهو شر له. ~~قالت: فأسلم، فكان يقال له مولى أم المنذر، فشق ذلك عليه واجتنب الدار، ~~حتى بلغ أم المنذر ذلك فأرسلت إليه: إني والله ما أنا لك بمولاة، ولكني ~~كلمت رسول الله فوهبك لي، فحقنت دمك وأنت على نسبك. ~~فكان بعد يغشاها، وعاد إلى الدار. # وجاء سعد بن عبادة، والحباب بن المنذر فقالا: يا رسول الله، إن الأوس ~~كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم. فقال سعد بن معاذ: ~~يا رسول الله، ما كرهه من الأوس من فيه [ (1) ] خير، فمن كرهه من الأوس ~~لا أرضاه الله! فقام أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله، لا تبقين دارا من ~~دور الأوس إلا فرقتهم فيها، فمن سخط ذلك فلا يرغم الله إلا أنفه، فابعث إلى ~~داري أول دورهم. فبعث إلى بني عبد الأشهل باثنين، فضرب أسيد بن حضير رقبة ~~أحدهما، وضرب أبو نائلة الآخر. وبعث إلى بني حارثة باثنين، فضرب أبو بردة ~~بن النيار رقبة أحدهما، وذفف [ (2) ] عليه محيصة، وضرب الآخر أبو عبس بن ~~جبر، ذفف عليه ظهير بن رافع. ~~وبعث إلى بني ظفر بأسيرين. # فحدثني يعقوب بن محمد، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: PageV02P515 ~~قتل أحدهما قتادة بن النعمان، وقتل الآخر نصر بن الحارث. قال عاصم: ~~وحدثني أيوب بن بشير المعاوي قال: أرسل إلينا- بني معاوية- بأسيرين، فقتل ~~أحدهما جبر بن عتيك، وقتل الآخر نعمان بن عصر، حليف لهم من بلى. قالوا: ~~وأرسل إلى بني عمرو بن عوف بأسيرين، عقبة بن زيد وأخيه وهب بن زيد، فقتل ~~أحدهما عويم بن ساعدة، والآخر سالم بن عمير. وأرسل إلى بني أمية بن زيد. ~~وأتي ms384 رسول الله صلى الله عليه وسلم بكعب ابن أسد مجموعة يداه إلى عنقه، ~~وكان حسن الوجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كعب بن أسد؟ قال كعب: ~~نعم يا أبا القاسم. ~~قال: وما انتفعتم بنصح ابن خراش [ (1) ] وكان مصدقا بي، أما أمركم ~~باتباعي وإن رأيتموني تقرئوني منه السلام؟ قال: بلى والتوراة يا أبا ~~القاسم، ولولا أن تعيرني اليهود بالجزع من السيف لاتبعتك، ولكني على دين ~~اليهود. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قدمه فاضرب عنقه. فقدمه فضرب عنقه. # فحدثني عتبة بن جبيرة، عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو ابن سعد بن معاذ، ~~قال: لما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيي بن أخطب، ونباش بن قيس، ~~وغزال بن سموأل، وكعب بن أسد وقام، قال لسعد بن معاذ: عليك بمن بقي. ~~فكان سعد يخرجهم رسلا رسلا يقتلهم. # قالوا: وكانت امرأة من بني النضير يقال لها نباتة، وكانت تحت رجل من بني ~~قريظة فكان يحبها وتحبه، فلما اشتد عليهم الحصار بكت إليه وقالت: إنك ~~لمفارقي. فقال: هو والتوراة ما ترين، وأنت امرأة فدلي عليهم هذه الرحى، ~~فإنا لم نقتل منهم أحدا بعد، وأنت امرأة، وإن PageV02P516 ~~يظهر محمد علينا لا يقتل النساء. وإنما كان يكره أن تسبى، فأحب أن تقتل ~~بجرمها. وكانت في حصن الزبير بن باطا، فدلت رحى فوق الحصن، وكان المسلمون ~~ربما جلسوا تحت الحصن يستظلون في فينه، فأطلعت الرحى، فلما رآها القوم ~~انفضوا، وتدرك خلاد بن سويد فتشدخ رأسه، فحذر المسلمون أصل الحصن. فلما كان ~~اليوم الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتلوا، دخلت على عائشة ~~فجعلت تضحك ظهرا لبطن وهي تقول: سراة بني قريظة يقتلون! إذ سمعت صوت قائل ~~يقول: ~~يا نباتة. قالت: أنا والله التي أدعى. قالت عائشة: ولم؟ قالت: ~~قتلني زوجي- وكانت جارية حلوة الكلام. فقالت عائشة: وكيف قتلك زوجك؟ ~~قالت: كنت في حصن الزبير بن باطا، فأمرني فدليت رحى على أصحاب محمد فشدخت ~~رأس رجل منهم فمات وأنا أقتل به. ms385 فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ~~فقتلت بخلاد بن سويد. قالت عائشة: ~~لا أنسى طيب نفس نباتة وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل. فكانت عائشة ~~تقول: قتلت بنو قريظة يومهم حتى قتلوا بالليل على شعل السعف. # حدثني إبراهيم بن ثمامة، عن المسور بن رفاعة عن محمد بن كعب القرظي، قال: ~~قتلوا إلى أن غاب الشفق، ثم رد عليهم التراب في الخندق. وكان من شك فيه ~~منهم أن يكون بلغ نظر إلى مؤتزره، إن كان أنبت قتل، وإن كان لم ينبت طرح في ~~السبي. # فحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: ~~كانوا ستمائة إلا عمرو بن السعدى وجدت رمته [ (1) ] ونحا. ~~قال ابن واقد: خروجه من الحصن أثبت. PageV02P517 # وحدثني موسى بن عبيدة [ (1) ] ، عن محمد بن المنكدر، قال: كانوا ما بين ~~ستمائة إلى سبعمائة. وكان ابن عباس رحمه الله يقول: كانوا سبعمائة وخمسين. # قالوا: وكان نساء بني قريظة حين تحولوا في دار رملة بنت الحارث وفي دار ~~أسامة يقلن: عسى محمد أن يمن على رجالنا أو يقبل منهم فدية. ~~فلما أصبحن وعلمن بقتل رجالهن صحن وشققن الجيوب، ونشرن الشعور، وضربن ~~الخدود على رجالهن، فملأن المدينة. قال، يقول الزبير بن باطا: ~~اسكتن، فأنتن أول من سبي من نساء بني إسرائيل منذ كانت الدنيا؟ ~~ولا يرفع السبي عنهم حتى نلتقي نحن وأنتن [ (2) ] ، وإن كان في رجالكن [ ~~(3) ] خير فدوكن [ (4) ] ، فالزمن [ (5) ] دين اليهود فعليه نموت وعليه ~~نحيى. # فحدثني عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحيى بن حبان، وحدثني ابن أبي ~~حبيبة، عن داود بن الحصين، وكل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة، قالا: كان ~~الزبير بن باطا من على ثابت بن قيس يوم بعاث، فأتى ثابت الزبير فقال: يا ~~أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟ ~~قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال ثابت: إن لك عندي يدا، وقد أردت أن أجزيك ~~بها. ~~قال الزبير: إن الكريم يجزي الكريم، وأحوج ما كنت إليه اليوم. فأتى ثابت ~~رسول الله صلى ms386 الله عليه وسلم فقال: يا رسول PageV02P518 ~~الله إنه كان للزبير عندي يد، جز ناصيتي يوم بعاث فقال: اذكر هذه النعمة ~~عندك. وقد أحببت أن أجزيه بها فهبه لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~فهو لك. ~~فأتاه فقال: إن رسول الله قد وهبك لي. قال الزبير: شيخ كبير، لا أهل ولا ~~ولد ولا مال بيثرب، ما يصنع بالحياة؟ ~~فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطني ولده. ~~فأعطاه ولده فقال: يا رسول الله، أعطني ماله وأهله. فأعطاه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ماله وولده وأهله، فرجع إلى الزبير فقال: إن رسول الله قد ~~أعطاني ولدك وأهلك ومالك. فقال الزبير: يا ثابت، أما أنت فقد كافأتني وقضيت ~~بالذي عليك. يا ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية تتراءى عذارى الحي ~~في وجهه- كعب بن أسد؟ قال: قتل. ~~قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي، سيد الحيين كليهما، يحملهم في الحرب ~~ويطعمهم في المحل- حيي بن أخطب؟ قال: قتل. قال: ~~فما فعل أول غدية اليهود إذا حملوا، وحاميتهم إذا ولوا- غزال بن سموأل؟ ~~قال: قتل. قال: فما فعل الحول القلب الذي لا يؤم جماعة إلا فضها ولا عقدة ~~إلا حلها- نباش بن قيس؟ قال: قتل. [قال:] فما فعل لواء اليهود في الزحف- ~~وهب بن زيد؟ قال: قتل. قال: فما فعل والي رفادة اليهود وأبو الأيتام ~~والأرامل من اليهود- عقبة بن زيد؟ قال: قتل. ~~قال: فما فعل العمران اللذان كانا يلتقيان بدراسة التوراة؟ قال: قتلا. ~~قال: يا ثابت، فما خير في العيش بعد هؤلاء! أأرجع إلى دار كانوا فيها ~~حلولا فأخلد فيها بعدهم؟ لا حاجة لي في ذلك، فإني أسألك بيدي عندك إلا ~~قدمتني إلى هذا القتال الذي يقتل سراة بني قريظة ثم يقدمني إلى مصارع قومي، ~~وخذ سيفي فإنه صارم فاضربني به ضربة وأجهز، وارفع يدك PageV02P519 ~~عن الطعام، وألصق بالرأس واخفض عن الدماغ، فإنه أحسن للجسد أن يبقى فيه ~~العنق. يا ثابت، لا أصبر إفراغ دلو من نضح حتى ألقى الأحبة. ms387 ~~قال أبو بكر، وهو يسمع قوله: ويحك يا ابن باطا، إنه ليس إفراغ دلو، ولكنه ~~عذاب أبدي. قال: يا ثابت، قدمني فاقتلني! قال ثابت: ~~ما كنت لأقتلك. قال الزبير: ما كنت أبالي من قتلني! ولكن يا ثابت، انظر ~~إلى امرأتي وولدي فإنهم جزعوا من الموت، فاطلب إلى صاحبك أن يطلقهم وأن يرد ~~إليهم أموالهم. وأدناه إلى الزبير بن العوام، فقدمه فضرب عنقه. وطلب ثابت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله وماله وولده، فرد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كل ما كان من ذلك على ولده، وترك امرأته من السبا، ورد ~~عليهم الأموال من النخل والإبل والرثة إلا الحلقة، فإنه لم يردها عليهم. ~~فكانوا مع آل ثابت بن قيس بن شماس. # قالوا: وكانت ريحانة بنت زيد من بني النضير متزوجة في بني قريظة، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذها لنفسه صفيا، وكانت جميلة، فعرض ~~عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسلم، فأبت إلا اليهودية. فعزلها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد في نفسه، فأرسل إلى ابن سعية فذكر له ~~ذلك، فقال ابن سعية: فداك أبي وأمي، هي تسلم! فخرج حتى جاءها، فجعل يقول ~~لها: لا تتبعي قومك، ~~فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن أخطب، فأسلمي يصطفيك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لنفسه. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ سمع وقع ~~نعلين فقال: إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة. فجاءه فقال: يا ~~رسول الله، قد أسلمت ريحانة! فسر بذلك. # فحدثني عبد الملك بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي PageV02P520 ~~صعصعة، عن أيوب بن بشير المعاوي، قال: أرسل بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، وكانت عندها حتى حاضت حيضة، ثم طهرت ~~من حيضها، فجاءت أم المنذر فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في منزل أم المنذر، فقال لها ms388 رسول الله: إن أحببت ~~أعتقك وأتزوجك فعلت، وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطؤك بالملك فعلت. ~~فقالت: يا رسول الله، إنه أخف عليك وعلي أن أكون في ملكك. فكانت في ملك ~~النبي صلى الله عليه وسلم يطؤها حتى ماتت عنده. # فحدثني ابن أبي ذئب قال: سألت الزهري عن ريحانة فقال: كانت أمة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها، وكانت تحتجب في أهلها وتقول: لا ~~يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا أثبت الحديثين عندنا. ~~وكان زوج ريحانة قبل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم. ### || ذكر قسم المغنم وبيعه # قالوا: لما اجتمعت المغانم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتاع ~~فبيع فيمن يريد، وبيع السبي فيمن يريد، وقسمت النخل. فكان بنو عبد الأشهل، ~~وظفر، وحارثة، وبنو معاوية، وهؤلاء النبيت [ (1) ] ، لهم سهم. وكان بنو ~~عمرو بن عوف ومن بقي من الأوس سهما. وكانت بنو النجار، ومازن، ومالك، ~~وذبيان، وعدي، سهما. وكانت سلمة، وزريق، وبلحارث بن الخزرج، سهما. وكانت ~~الخيل ستة وثلاثين فرسا، فكانت أول ما أعلمت سهمان الخيل يوم المريسيع، ثم ~~فى بنى PageV02P521 ~~قريظة أيضا عمل فيها ما عمل في المريسيع. أسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم، ~~وللراجل سهم. وأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلاد بن سويد، قتل تحت ~~الحصن، وأسهم لأبي سنان بن محصن، مات ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~محاصرهم، وكان يقاتل مع المسلمين. وكان المسلمون ثلاثة آلاف، والخيل ستة ~~وثلاثين فرسا، فكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس ~~سهمان ولصاحبه سهم. # وحدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: كانت الخيل في بني قريظة ستا ~~وثلاثين فرسا، وقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفراس، فلم يضرب ~~إلا سهما واحدا، وكانت السهمان ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، وأسهم يومئذ ~~على الأموال، فجزئت خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها «لله» ، وكانت السهمان ~~يومئذ بواء [ (1) ] ، فخرجت السهمان، وكذلك الرثة والإبل والغنم والسبي. ثم ~~فض أربعة أسهم على الناس، وأحذى [ (2) ] النساء يومئذ ms389 اللاتي حضرن القتال، ~~وضرب لرجلين- واحد [ (3) ] قتل وآخر مات. وأحذى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نساء شهدن بني قريظة ولم يسهم لهن- صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة، ~~وأم سليط، وأم العلاء، والسميراء بنت قيس، وأم سعد بن معاذ # فحدثني محمد بن ~~عبد الله بن مالك بن محمد بن إبراهيم بن أسلم بن نجرة الساعدي، عن جده، ~~قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيع سبي بني قريظة، فاشترى أبو ~~الشحم اليهودي امرأتين، مع كل PageV02P522 ~~واحدة منهما ثلاثة أطفال غلمان، وجوار بخمسين ومائة دينار، وجعل يقول: ~~ألستم على دين اليهود؟ فتقول المرأتان: لا نفارق دين قومنا حتى نموت عليه! ~~وهن يبكين. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد بن طلحة، عن أبيه، قال: لما سبي ~~بنو قريظة- النساء والذرية- باع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من ~~عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف طائفة، وبعث طائفة إلى نجد، وبعث طائفة ~~إلى الشام مع سعد بن عبادة، يبيعهم ويشتري بهم سلاحا وخيلا، ويقال باعهم ~~بيعا من عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فاقتسما فسهمه عثمان بمال كثير، ~~وجعل عثمان على كل من جاء من سبيهم شيئا موفيا [ (1) ] ، فكان يوجد عند ~~العجائز المال ولا يوجد عند الشواب، فربح عثمان مالا كثيرا- وسهم عبد ~~الرحمن- وذلك أن عثمان صار في سهمه العجائز. ويقال: لما قسم جعل الشواب على ~~حدة والعجائز على حدة، ثم خير عبد الرحمن عثمان، فأخذ عثمان العجائز. # حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: كان السبي ألفا من النساء ~~والصبيان، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة قبل بيع المغنم، جزأ ~~السبي خمسة أجزاء، فأخذ خمسا، فكان يعتق منه ويهب منه، ويخدم منه من أراد. ~~وكذلك صنع بما أصاب من رثتهم، قسمت قبل أن تباع، وكذلك النخل، عزل خمسه. ~~وكل ذلك يسهم عليه صلى الله عليه وسلم خمسة أجزاء، ويكتب في سهم منها «لله» ~~ثم يخرج السهم، فحيث صار [ (2) ] سهمه أخذه ولم يتخير. وصار الخمس إلى ~~محمية PageV02P523 ~~ابن ms390 جزء الزبيدي، وهو الذي قسم المغنم بين المسلمين. # حدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يسهم ولا يتخير. # حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يفرق بين سبي بني قريظة في القسم والبيع والنساء والذرية. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال يومئذ: لا يفرق بين الأم وولدها حتى يبلغوا. فقيل: ~~يا رسول الله، وما بلوغهم؟ قال: تحيض الجارية ويحتلم الغلام. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه، قال: كان يومئذ يفرق بين ~~الأختين إذا بلغتا، وبين الأم وابنتها إذا بلغت، وكانت الأم تباع، وولدها ~~الصغار، من المشركين من العرب، ومن يهود المدينة وتيماء وخيبر يخرجون بهم، ~~فإذا كان الوليد صغيرا ليس معه أم لم يبع من المشركين ولا من اليهود، إلا ~~من المسلمين. # فحدثني عتبة بن جبيرة، عن جعفر بن محمود، قال: قال محمد ابن مسلمة: ابتعت ~~يومئذ من السبي ثلاثة، امرأة معها ابناها، بخمسة وأربعين دينارا، وكان ذلك ~~حقي وحق فرسي من السبي والأرض والرثة، وغيري كهيئتي. وكان أسهم للفارس ~~ثلاثة أسهم، له سهم ولفرسه سهمان. # وحدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي- وكان يلقب قصيا- عن جعفر بن خارجة ~~قال: قال الزبير بن العوام: شهدت بني قريظة فارسا، فضرب لي سهم، ولفرسي ~~سهم. PageV02P524 # وحدثني عبد الملك بن يحيى، عن عيسى بن معمر، قال: كان مع الزبير يومئذ ~~فرسان، فأسهم له النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم. ### || ذكر سعد بن معاذ # قالوا: لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة رجع إلى خيمة كعيبة بنت سعد ~~الأسلمية، وكان رماه حبان بن العرقة- ويقال أبو أسامة الجشمي- فقطع أكحله، ~~فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار، وانتفخت يده فتركه فسال الدم، ~~فحسمه أخرى فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم، رب السموات السبع ~~والأرضين السبع، فإنه لم يكن في ms391 الناس قوم أحب إلي أن أقاتل من قوم كذبوا ~~رسولك، وأخرجوه من قريش! وإني أظن أن قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، وإن كان ~~بقي بيننا وبينهم فأبقني أقاتلهم فيك! وإن كنت قد وضعت الحرب، فافجر هذا ~~الكلم واجعل موتي فيه، فقد أقررت عيني من بني قريظة، لعداوتهم لك ولنبيك ~~ولأوليائك! ففجره الله، وإنه لراقد بين ظهري الليل وما يدرى به. ودخل عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فأتاه وهو يسوق في نفر من أصحابه، ~~فوجدوه قد سجي بملاءة بيضاء، وكان سعد رجلا أبيض طويلا، ~~فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأسه وجعل رأسه في حجره ثم قال: ~~اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدق رسولك، وقضى الذي عليه، فاقبض روحه ~~بخير ما تقبض فيه أرواح الخلق. ففتح سعد عينيه حين سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنك قد بلغت رسالته. ووضع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم PageV02P525 ~~رأس سعد من حجره ثم قام وانصرف، ولم يمت بعد ورجع إلى منزله، فمكث ساعة ~~من نهار أو أكثر من ساعة ومات خلافه. ونزل جبريل عليه السلام حين مات سعد ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، معتجرا بعمامة من إستبرق، فقال: يا ~~محمد، من هذا الرجل الصالح الذي مات فيكم؟ ~~فتحت له أبواب السماء، واهتز له عرش الرحمن. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لجبريل عليه السلام: عهدي بسعد بن معاذ وهو يموت! ~~ثم خرج فزعا إلى خيمة كعيبة يجر ثوبه مسرعا، فوجد سعدا قد مات. ~~وأقبلت رجال بني عبد الأشهل، فاحتملوه إلى منزله. قال: فخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في أثره، فينقطع ثعل أحدهم فلم يعرج عليها، ويسقط رداؤه ~~فلم يلو عليه، وما يعرج أحد على أحد حتى دخلوا على سعد قال أبو عبد الله: ~~وقد سمعنا أن النبي حضره حين توفي. # وأخبرني معاذ بن محمد، عن عطاء بن أبي مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، ms392 قال: ~~لما انفجرت يد سعد بالدم قام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقه، ~~والدم ينفح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته، لا يريد أحد أن ~~يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم إلا ازداد منه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قربا، حتى قضى. # وحدثني سليمان بن داود، عن الحصين، عن أبيه، عن أبي سفيان، عن سلمة بن ~~خريش، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن على الباب نريد أن ~~ندخل على أثره، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في البيت أحد إلا ~~سعد مسجى. قال: فرأيته يتخطى، فلما رأيته بتخطى وقفت، وأومأ إلي: قف! ~~فوقفت، ورددت من ورائي، وجلس ساعة ثم خرج فقلت: يا رسول الله، ما رأيت أحدا ~~وقد رأيتك تتخطى! PageV02P526 ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من ~~الملائكة أحد جناحيه، فجلست. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هنيئا لك ~~أبا عمرو! هنيئا لك أبا عمرو!. # حدثني محمد بن صالح، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد. ~~عن أبيه، قال: فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم سعد تبكي وتقول: # ويل أم سعد سعدا %~% جلادة وحدا [ (1) ] # فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~مهلا يا أم سعد، لا تذكري سعدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعها يا ~~عمر، فكل باكية مكثرة إلا أم سعد، ما قالت من خير فلم تكذب. ~~وأم سعد، كبشة بنت عبيد بن معاوية بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن ~~الخزرج، وأختها، الفارعة بنت عبيد بن معاوية بن عبيد، وهي أم سعد بن زرارة. # قالوا: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغسل، فغسله الحارث ابن ~~أوس بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش يصب الماء، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حاضر. فغسل بالماء الأولى، والثانية بالماء والسدر، ~~والثالثة بالماء والكافور، ثم كفن ms393 في ثلاثة أثواب صحارية [ (2) ] وأدرج ~~فيها إدراجا، وأتي بسرير كان عند آل سبط، يحمل عليه الموتى، فوضع على ~~السرير، فرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمله بين عمودي سريره حين رفع ~~من داره إلى أن خرج. # وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبى بكر بن PageV02P527 ~~حزم، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة، قالت: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام جنازة سعد بن معاذ. # وحدثني سعيد بن أبي زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن ~~أبيه، عن جده، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه موت سعد ~~بن معاذ، فخرج بالناس، فلما برز إلى البقيع قال: ~~خذوا في جهاز صاحبكم! ~~قال أبو سعيد: وكنت أنا ممن حفر له قبره، وكان يفوح علينا المسك كلما ~~حفرنا قبره من تراب، حتى انتهينا إلى اللحد. ~~قال ربيح: ولقد أخبرني محمد بن المنكدر، عن محمد بن شرحبيل ابن حسنة، ~~قال: أخذ إنسان قبضة من قبر سعد بن معاذ فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك ~~فإذا هي مسك. # قالوا: ثم احتمل، فقيل: يا رسول الله، إن كنت لتقطعنا في ذهابك إلى سعد! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خشينا أن تسبقنا الملائكة إليه كما ~~سبقتنا إلى غسل حنظلة [ (1) ] . وقالوا: يا رسول الله، كان سعد رجلا جسيما ~~فلم نر أخف منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت الملائكة تحمله. ~~قالوا: يا رسول الله، إن المنافقين يقولون إنما خف لأنه حكم في بني قريظة. ~~قال: كذبوا، ولكنه خف لحمل الملائكة. # فكان أبو سعيد الخدري يقول: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~فرغنا من حفرته، ووضعنا اللبن والماء عند القبر، وحفرنا له عند دار عقيل ~~اليوم، وطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فوضعه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عند قبره ثم صلى عليه، فلقد رأيت من الناس ms394 ما ملأ البقيع. ~~PageV02P528 # قال الواقدي: ~~حدثني إبراهيم بن الحصين، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن جابر، عن ~~أبيه، قال: لما انتهوا إلى قبره نزل في قبره أربعة نفر: الحارث بن أوس بن ~~معاذ، وأسيد بن حضير، وأبو نائلة، وسلمة بن سلامة، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واقف على قدميه على قبره، فلما وضع في لحده تغير وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسبح ثلاثا، فسبح المسلمون ثلاثا حتى ارتج البقيع. ثم ~~كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، وكبر أصحابه ثلاثا حتى ارتج ~~البقيع بتكبيره فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقيل: يا رسول ~~الله، رأينا لوجهك تغيرا وسبحت ثلاثا! قال: تضايق على صاحبكم قبره، وضم ضمة ~~لو نجا منها أحد لنجا منها سعد، ثم فرج الله عنه. # حدثني إبراهيم بن الحصين، عن المسور بن رفاعة، قال: جاءت أم سعد- وهي ~~كبشة بنت عبيد- تنظر إلى سعد في اللحد، فردها الناس فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: دعوها! ~~فأقبلت حتى نظرت إليه، وهو في اللحد قبل أن يبنى عليه اللبن والتراب، ~~فقالت أحتسبك عند الله! وعزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره، ~~وجلس ناحية، وجعل المسلمون يردون تراب القبر ويسوونه، وتنحى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجلس حتى سوي على قبره ورش على قبره الماء، ثم أقبل فوقف ~~عليه فدعا له، ثم انصرف. ### || ذكر من قتل من المسلمين في حصار بني قريظة # خلاد بن سويد من بلحارث بن الخزرج، دلت عليه نباتة رحى فشدخت رأسه، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: له أجر شهيدين! ~~وقتلها به. ومات أبو سنان بن محصن، فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هناك، PageV02P529 ~~فهو في مقبرة بني قريظة اليوم. # حدثنا الواقدي قال: حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: ~~لما قتلت بنو قريظة، قدم حسيل بن نويرة الأشجعي خيبر، قد سار يومين، ~~ويهود بني النضير- سلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، ويهود ms395 ~~خيبر جلوس في ناديهم يتحسبون خبر قريظة، قد بلغهم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد حصرهم وهم يتوقعون ما هو كائن، فقالوا: ما وراءك؟ قال: الشر! ~~قتلت مقاتلة قريظة صبرا بالسيف! قال كنانة: ~~ما فعل حيي؟ قال حسيل: حيي قد طاح، ضربت عنقه صبرا. وجعل يخبرهم عن ~~سراتهم- كعب بن أسد، وغزال بن سموأل، ونباش بن قيس- أنه حضرهم قتلوا بين ~~يدي محمد. قال سلام بن مشكم: هذا كله عمل حيي بن أخطب، شأمنا أولا وخالفنا ~~في الرأي، فأخرجنا من أموالنا وشرفنا وقتل إخواننا. وأشد من القتل سباء ~~الذرية، لا قامت يهودية بالحجاز أبدا، ليس لليهود عزم ولا رأي. قالوا: وبلغ ~~النساء فصيحن، وشققن الجيوب، وجززن الشعور، وأقمن المآتم، وضوى إليهن نساء ~~العرب. وفزعت اليهود إلى سلام بن مشكم فقالوا: فما الرأي أبا عمرو؟ ~~ويقال أبا الحكم. قال: وما تصنعون برأي لا تأخذون منه حرفا؟ قال كنانة: ~~ليس هذا بحين عتاب، قد صار الأمر إلى ما ترى. قال: محمد قد فرغ من يهود ~~يثرب، وهو سائر إليكم، فنازل بساحتكم، وصانع بكم ما صنع ببني قريظة. قالوا: ~~فما الرأي؟ قال: نسير إليه بمن معنا من يهود خيبر، فلهم عدد، ونستجلب يهود ~~تيماء، وفدك، ووادي القرى، ولا نستعين بأحد من العرب، فقد رأيتم في غزوة ~~الخندق ما صنعت بكم العرب بعد أن شرطتم لهم تمر خيبر نقضوا ذلك وخذلوكم، ~~وطلبوا من محمد بعض تمر الأوس والخزرج، وينصرفون عنه، مع أن نعيم بن مسعود PageV02P530 ~~هو الذي كادهم بمحمد، ومعروفهم إليه معروفهم! ثم نسير إليه في عقر داره ~~فنقاتل على وتر حديث وقديم. فقالت اليهود: هذا الرأي. فقال كنانة: إني قد ~~خبرت العرب فرأيتهم [ (1) ] أشداء عليه، وحصوننا هذه ليست مثل ما هناك، ~~ومحمد لا يسير إلينا أبدا لما يعرف. قال سلام بن مشكم: ~~هذا رجل لا يقاتل حتى يؤخذ برقبته. فكان ذلك [والله] [ (2) ] محمود! # وقال ~~حسان بن ثابت يرثي سعد بن معاذ [ (3) ] ### | باب شأن سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن ms396 نبيح # قال عبد الله بن أنيس: خرجت من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم، ~~على رأس أربعة وخمسين شهرا، فغبت اثنتي عشرة ليلة، وقدمت يوم السبت لسبع ~~بقين من المحرم. # قال الواقدي: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن جبير، عن موسى بن جبير، قال: ~~بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي، ثم ~~اللحياني، وكان نزل عرنة [ (4) ] وما حولها في ناس من قومه وغيرهم، فجمع ~~الجموع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وضوى إليه بشر كثير من أفناء الناس. ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس، فبعثه سرية وحده ~~إليه ليقتله، وقال له رسول الله صلى الله عليه PageV02P531 ~~وسلم: انتسب إلى خزاعة. فقال عبد الله بن أنيس: يا رسول الله ما أعرفه، ~~فصفه لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك إذا رأيته هبته وفرقت منه ~~وذكرت الشيطان. وكنت لا أهاب الرجال، فقلت: يا رسول الله، ما فرقت من شيء ~~قط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، آية بينك وبينه [ (1) ] أن ~~تجد له قشعريرة إذا رأيته. واستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن أقول، ~~فقال: قل ما بدا لك. ~~قال: فأخذت سيفي لم أزد عليه، وخرجت أعتزي إلى خزاعة، فأخذت على الطريق ~~حتى انتهيت إلى قديد، فأجد بها خزاعة كثيرا، فعرضوا علي الحملان والصحابة، ~~فلم أرد ذلك وخرجت [ (2) ] حتى أتيت بطن سرف، ثم عدلت حتى خرجت على عرنة، ~~وجعلت أخبر من لقيت أني أريد سفيان بن خالد لأكون معه، حتى إذا كنت ببطن ~~عرنة لقيته يمشي، ووراءه الأحابيش ومن استجلب وضوى إليه. فلما رأيته هبته، ~~وعرفته بالنعث الذي نعت لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورأيتني أقطر [ ~~(3) ] فقلت صدق الله ورسوله! وقد دخلت في وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا ~~أمشي أومئ إيماء برأسي، فلما دنوت منه قال: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة، ~~سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك. قال: أجل، إني لفي الجمع ms397 له. فمشيت معه، ~~وحدثته فاستحلى حديثي، وأنشدته شعرا، وقلت: عجبا لما أحدث محمد من هذا ~~الدين المحدث، فارق الآباء وسفه أحلامهم! قال: ~~لم يلق محمد أحدا يشبهني! قال: وهو يتوكأ على عصا يهد الأرض، PageV02P532 ~~حتى انتهى إلى خبائه، وتفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه وهم مطيفون ~~به، فقال: هلم يا أخا خزاعة! فدنوت منه فقال لجاريته: ~~احلبي! فحلبت ثم ناولتني، فمصصت ثم دفعته إليه، فعب كما يعب الجمل حتى ~~غاب أنفه في الرغوة [ (1) ] ، ثم قال: اجلس. فجلست معه، حتى إذا هدأ الناس ~~وناموا وهدأ، اغتررته [ (2) ] فقتلته وأخذت رأسه، ثم أقبلت وتركت نساءه ~~يبكين عليه، وكان النجاء مني حتى صعدت في جبل فدخلت غارا. وأقبل الطلب من ~~الخيل والرجال توزع في كل وجه، وأنا مختف في غار الجبل، وضربت العنكبوت على ~~الغار، وأقبل رجل ومعه إداوة ضخمة ونعلاه في يده، وكنت حافيا، وكان أهم ~~أمري عندي العطش، كنت أذكر تهامة وحرها، فوضع إداوته ونعله وجلس يبول على ~~باب الغار، ثم قال لأصحابه: ليس في الغار أحد. فانصرفوا راجعين، وخرجت إلى ~~الإداوة فشربت منها وأخذت النعلين فلبستهما، ~~فكنت أسير الليل وأتوارى النهار حتى جئت المدينة فوجدت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المسجد، فلما رآني قال: أفلح الوجه! قلت: أفلح وجهك يا ~~رسول الله! فوضعت رأسه بين يديه، وأخبرته خبري، فدفع إلي عصا فقال: تخصر [ ~~(3) ] بهذه في الجنة، فإن المتخصرين في الجنة قليل. ~~فكانت عند عبد الله بن أنيس حتى إذا حضره الموت أوصى أهله أن يدرجوها في ~~كفنه. وكان قتله في المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرا PageV02P533 ### | غزوة القرطاء [ (1) ] # حدثني خالد بن إلياس، عن جعفر بن محمود، قال: قال محمد ابن مسلمة: خرجت ~~في عشر ليال خلون من المحرم، فغبت تسع عشرة، وقدمت لليلة بقيت من المحرم ~~على رأس خمسة وخمسين شهرا. # حدثني عبد العزيز بن محمد بن أنس الظفري، عن أبيه، وحدثنا عبد العزيز بن ~~سعد، عن جعفر بن محمود، زاد أحدهما على صاحبه في الحديث، قالا: بعث ms398 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة في ثلاثين رجلا، فيهم عباد بن بشر، ~~وسلمة بن سلامة بن وقش، والحارث ابن خزمة، إلى بني بكر بن كلاب، وأمره أن ~~يسير الليل ويكمن النهار، وأن يشن عليهم الغارة. فكان محمد يسير الليل ~~ويكمن النهار، حتى إذا كان بالشربة [ (2) ] لقي ظعنا، فأرسل رجلا من أصحابه ~~يسأل من هم. ~~فذهب الرسول ثم رجع إليه فقال: قوم من محارب. فنزلوا قريبا منه، وحلوا ~~وروحوا ماشيتهم. فأمهلهم حتى إذا ظعنوا أغار عليهم، فقتل نفرا منهم وهرب ~~سائرهم، فلم يطلب من هرب، واستاق نعما وشاء ولم يعرض للظعن. ثم انطلق حتى ~~إذا كان بموضع يطلعه على بنى بكر بعث عباد ابن بشر إليهم، فأوفى على الحاضر ~~فأقام، فلما روحوا ماشيتهم وحلبوا وعطنوا [ (3) ] جاء إلى محمد بن مسلمة ~~فأخبره، فخرج محمد بن مسلمة فشن عليهم الغارة، فقتل منهم عشرة، واستاقوا ~~النعم والشاء ثم انحدروا PageV02P534 ~~إلى المدينة، فما أصبح حين أصبح إلا بضرية [ (1) ] ، مسيرة ليلة أو ~~ليلتين. ~~ثم حدرنا النعم، وخفنا الطلب، وطردنا الشاء أشد الطرد، فكانت تجري معنا ~~كأنها الخيل، حتى بلغنا العداسة، فأبطأ علينا الشاء بالربذة [ (2) ] ، ~~فخلفناه مع نفر من أصحابي يقصدون به، وطرد النعم فقدم به المدينة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وكان محمد يقول: خرجت من ضرية، فما ركبت خطوة حتى وردت ~~بطن نخل [ (3) ] ، فقدم بالنعم، خمسين ومائة بعير، والشاء وهي ثلاثة آلاف ~~شاة، فلما قدمنا خمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فض على أصحابه ما ~~بقي، فعدلوا الجزور بعشر من الغنم، فأصاب كل رجل منهم. ### | غزوة بني لحيان # حدثني عبد الملك بن وهب أبو الحسن الأسلمي، عن عطاء بن أبي مروان، قال: ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال ربيع الأول سنة ست فبلغ غران ~~وعسفان [ (4) ] ، وغاب أربع عشرة ليلة. # حدثني معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، وحدثني يحيى بن عبد الله بن ~~أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيرهما قد ms399 حدثني، وقد زاد ~~أحدهما على صاحبه، قالوا: وجد رسول الله صلى الله PageV02P535 ~~عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه [ (1) ] وجدا شديدا، فخرج [في مائتي ~~رجل ومعهم عشرون فرسا] [ (2) ] في أصحابه فنزل بمضرب القبة [ (3) ] من ~~ناحية الجرف، فعسكر في أول نهاره وهو يظهر أنه يريد الشام، ثم راح مبردا ~~فمر على غرابات [ (4) ] ، ثم على بين [ (5) ] ، حتى خرج على صخيرات الثمام ~~[ (6) ] ، فلقي الطريق هناك. ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران حيث كان ~~مصابهم، فترحم عليهم وقال: هنيئا لكم الشهادة! فسمعت به لحيان فهربوا فى ~~رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين وبعث السرايا في ~~كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بكر: إن قريشا قد بلغهم مسيري وأني قد وردت عسفان، وهم ~~يهابون أن آتيهم، فاخرج في عشرة فوارس. فخرج أبو بكر فيهم حتى أتوا الغميم، ~~ثم رجع أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق أحدا. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا يبلغ قريشا فيذعرهم، ويخافون أن نكون ~~نريدهم- وخبيب بن عدي يومئذ في أيديهم. ~~فبلغ قريشا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الغميم، فقالت قريش: ~~ما أتى محمد الغميم إلا يريد أن يخلص PageV02P536 ~~خبيبا. وكان خبيب وصاحباه في حديد موثقين، فجعلوا في رقابهم الجوامع، ~~وقالوا: قد بلغ محمد ضجنان وهو داخل علينا! فدخلت ماوية على خبيب فأخبرته ~~الخبر وقالت: هذا صاحبك قد بلغ ضجنان يريدكم. فقال خبيب: وهل؟ قالت: نعم. ~~قال خبيب: يفعل الله ما يشاء! قالت: ~~والله، ما ينتظرون بك إلا أن يخرج الشهر الحرام، ويخرجوك فيقتلوك ~~ويقولون: أترى محمدا غزانا في الشهر الحرام ونحن لا نستحل أن نقتل صاحبه في ~~الشهر الحرام؟ وكان مأسورا عندهم، وخافوا أن يدخلها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليهم. ~~فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو يقول: آئبون، ~~تائبون، عابدون، لربنا حامدون! اللهم، ms400 أنت الصاحب في السفر، والخليفة على ~~الأهل! اللهم، أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في ~~الأهل والمال! اللهم، بلغنا بلاغا صالحا يبلغ إلى خير، مغفرة منك ورضوانا! ~~وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة أربع عشرة ليلة، وكان ~~استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت سنة ست في المحرم، وهذا أول ما قال ~~هذا الدعاء، ذكره أصحابنا كلهم. ### | غزوة الغابة # حدثني عبد العزيز بن عقبة بن سلمة بن الأكوع، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، ~~قال: أغار عيينة ليلة الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ست، وغزونا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه يوم الأربعاء، فغبنا خمس ليال ورجعنا ~~ليلة الاثنين. واستخلف رسول الله PageV02P537 ~~صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم. # حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، وحدثني يحيى بن عبد الله بن أبي ~~قتادة، وعلي بن يزيد، وغيرهم، فكل قد حدثني بطائفة، قالوا: كانت لقاح [ (1) ~~] رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين لقحة، وكانت من شتى، منها ما أصاب في ~~ذات الرقاع، ومنها ما قدم به محمد بن مسلمة من نجد. وكانت ترعى البيضاء [ ~~(2) ] ودون البيضاء، فأجدب ما هناك فقربوها إلى الغابة، تصيب من أثلها ~~وطرفائها وتغدو في الشجر- قال أبو عبد الله: الغادية: تغدو في العضاه، أم ~~غيلان وغيرها، والواضعة: الإبل ترعى الخمض، والأوارك: التي ترعى الأراك- ~~فكان الراعي يؤوب بلبنها كل ليلة عند المغرب. ~~وكان أبو ذر قد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إني أخاف عليك من هذه الضاحية أن تغير عليك، ونحن لا نأمن من عيينة ابن ~~حصن وذويه، هي في طرف من أطرافهم فألح عليه أبو ذر فقال: ~~يا رسول الله: ائذن لي. فلما ألح عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لكأني بك، قد قتل ابنك، وأخذت امرأتك، وجئت تتوكأ على عصاك. ~~فكان أبو ذر يقول: عجبا لي! إن رسول الله ms401 صلى الله عليه وسلم يقول «لكأني ~~بك» وأنا ألح عليه، فكان والله على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكان المقداد بن عمرو يقول: لما كانت ليلة السرح جعلت فرسي سبحة لا تقر ~~ضربا بأيديها. وصهيلا. فيقول أبو معبد: والله، إن لها شأنا! فننظر آريها [ ~~(3) ] فإذا هو مملوء علفا، فيقول: عطشى!. فيعرض الماء عليها فلا تريده، ~~فلما طلع الفجر أسرجها ولبس سلاحه، وخرج حتى صلى الصبح مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم ير شيئا، ودخل النبى PageV02P538 ~~صلى الله عليه وسلم بيته، ورجع المقداد إلى بيته، وفرسه لا تقر، فوضع ~~سرجها وسلاحه واضطجع، وجعل [ (1) ] إحدى رجليه على الأخرى، فأتاه آت فقال: ~~إن الخيل قد صيح بها. فكان أبو ذر يقول: والله، إنا لفي منزلنا، ولقاح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد روحت، وعطنت، وحلبت عتمتها [ (2) ] ونمنا، فلما ~~كان في الليل أحدق بنا عيينة في أربعين فارسا، فصاحوا بنا وهم قيام على ~~رءوسنا، فأشرف لهم ابني فقتلوه، وكانت معه امرأته وثلاثة نفر فنجوا، وتنحيت ~~عنهم وشغلهم عني إطلاق عقل اللقاح، ثم صاحوا في أدبارها، فكان آخر العهد ~~بها. وجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته وهو يتبسم. فكان سلمة بن ~~الأكوع يقول: غدوت أريد الغابة للقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ~~أبلغه لبنها، حتى ألقى غلاما لعبد الرحمن بن عوف كان في إبل لعبد الرحمن بن ~~عوف، فأخطأوا مكانها واهتدوا إلى لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبرني أن لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أغار عليها عيينة بن حصن ~~في أربعين فارسا، فأخبرني أنهم قد رأوا مددا بعد ذلك أمد به عيينة. قال ~~سلمة: فأحضرت فرسي راجعا إلى المدينة حتى وافيت على ثنية الوداع [ (3) ] ~~فصرخت بأعلى صوتي: يا صباحاه! ثلاثا، أسمع من بين لا لابتيها. # فحدثني موسى بن محمد، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، قال: نادى: ~~الفزع! الفزع! ثلاثا، ثم وقف واقفا على فرسه حتى طلع رسول ms402 الله صلى الله ~~عليه وسلم في الحديد مقنعا فوقف واقفا، فكان أول من PageV02P539 ~~أقبل إليه المقداد بن عمرو، عليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لواء في رمحه وقال: امض حتى تلحقك الخيول، إنا على ~~أثرك. قال المقداد: فخرجت وأنا أسأل الله الشهادة، حتى أدرك أخريات العدو، ~~وقد أذم [ (1) ] بهم فرس لهم فاقتحم فارسه وردف أحد أصحابه، فآخذ الفرس ~~المذم فإذا هو ضرع [ (2) ] ، أشقر، عتيق، لم يقو على العدو، وقد غدوا عليه ~~من أقصى الغابة فحسر، فأربط في عنقه قطعة وتر وأخليه، وقلت: إن مر به أحد ~~فأخذه جئته بعلامتي فيه. فأدرك مسعدة فأطعنه برمح فيه اللواء، فزل الرمح ~~وعطف علي بوجهه فطعنني وآخذ الرمح بعضدي فكسرته، وأعجزني هربا، وأنصب لوائي ~~فقلت: يراه أصحابي. ~~ويلحقني أبو قتادة معلما بعمامة صفراء على فرس له، فسايرته ساعة ونحن ~~ننظر إلى دبر مسعدة، فاستحث فرسه فتقدم على فرسي، فبان سبقه فكان أجود من ~~فرسي حتى غاب عني فلا أراه. ثم ألحقه فإذا هو ينزع بردته، فصحت: ما تصنع؟ ~~قال: خيرا أصنع كما صنعت بالفرس. ~~فإذا هو قد قتل مسعدة وسجاه ببردة. ورجعنا فإذا فرس في يد علبة بن زيد ~~الحارثي، فقلت: فرسي هذا وعلامتي فيه! فقال: تعالى إلى النبي، فجعله مغنما. # وخرج سلمة بن الأكوع على رجليه يعدو ليسبق الخيل مثل السبع. ~~قال سلمة: حتى لحقت القوم فجعلت أرميهم بالنبل، وأقول حين أرمي: خذها مني ~~وأنا ابن الأكوع! فتكر علي خيل من خيلهم، فإذا PageV02P540 ~~وجهت نحوي انطلقت هاربا فأسبقها، وأعمد إلى المكان المعور [ (1) ] فأشرف ~~عليه وأرمي بالنبل إذا أمكنني الرمي وأقول: # خذها وأنا ابن الأكوع %~% واليوم يوم الرضع [ (2) ] # فما زلت أكافحهم وأقول: قفوا قليلا، يلحقكم أربابكم من المهاجرين ~~والأنصار. فيزدادون علي حنقا فيكرون علي، فأعجزهم هربا حتى انتهيت بهم إلى ~~ذي قرد [ (3) ] . ~~ولحقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والخيول عشاء، فقلت: يا رسول الله، ~~إن القوم عطاش وليس لهم ماء دون أحساء كذا وكذا، فلو بعثتني ms403 فى مائة رجل ~~استنقذت ما بأيديهم من السرح، وأخذت بأعناق القوم. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ملكت فأسجح [ (4) ] . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم ~~ليقرون في غطفان. # فحدثني خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، قال: توافت ~~الخيل وهم ثمانية- المقداد، وأبو قتادة، ومعاذ بن ماعص، وسعد بن زيد، وأبو ~~عياش الزرقي، ومحرز بن نضلة، وعكاشة بن محصن، وربيعة بن أكثم. # حدثني موسى بن محمد، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: من المهاجرين ثلاثة: ~~المقداد، ومحرز بن نضلة، وعكاشة بن محصن. ومن الأنصار: سعد بن زيد، وهو ~~أميرهم، وأبو عياش الزرقي فارس جلوة [ (5) ] ، PageV02P541 ~~وعباد بن بشر، وأسيد بن حضير، وأبو قتادة. # قال أبو عياش: أطلع على فرس لي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لو أعطيت فرسك من هو أفرس منك فتبع الخيول! فقلت: أنا يا رسول الله أفرس ~~الناس. فركضته، فما جرى بي خمسين ذراعا حتى صرعني الفرس. فكان أبو عياش ~~يقول: فعجبا! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أعطيت فرسك هذا من ~~هو أفرس منك» ~~وأقول: «أنا أفرس الناس» . # قالوا: وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد، فلم تزل الخيل ~~تأتي، والرجال على أقدامهم، والإبل، والقوم يعتقبون البعير والحمار، حتى ~~انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقائح، ~~وأفلت القوم بما بقي وهي عشر. وكان محرز بن نضلة حليفا في عبد الأشهل، فلما ~~نادى الصريخ: «الفزع! الفزع!» كان فرس لمحمد بن مسلمة يقال له ذو اللمة ~~مربوطا في الحائط، فلما سمع صاهلة الخيل صهل وجال في الحائط في شطنه، فقال ~~له النساء: ~~هل لك يا محرز في هذا الفرس فإنه كما ترى صنيع [ (1) ] جام تركبه فتلحق ~~اللواء؟ وهو يرى راية رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مر بها العقاب ~~يحملها سعد. قالوا: فخرج فجزع وقطع وادي قناة فسبق المقداد، فيدرك القوم ~~بهيقا [ (2) ] فاستوقفهم فوقفوا، فطاعنهم ساعة ms404 بالرمح، ويحمل عليه مسعدة ~~PageV02P542 ~~فطعنه بالرمح فدقه في صلبه، وتناول رمح محرز، وعار [ (1) ] فرسه حتى رجع ~~إلى آريه، فلما رآه النساء وأهل الدار قالوا: قد قتل. ويقال: كان محرز على ~~فرس كان لعكاشة بن محصن يدعى الجناح، قاتل عليه. ويقال: الذي قتل محرز بن ~~نضلة أوثار، وأقبل عباد بن بشر فيدرك أوثارا، فتواقفا فتطاعنا حتى انكسرت ~~رماحهما، ثم صارا إلى السيفين فشد عليه عباد ابن بشر فعانقه، ثم طعنه بخنجر ~~معه فمات. # وحدثني عمر بن أبي عاتكة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: ~~كان أوثار وعمرو بن أوثار على فرس لهما يقال [له] الفرط [ (2) ] رديفين ~~عليه، قتلهما عكاشة بن محصن. # فحدثني زكريا بن زيد، عن عبد الله بن أبي سفيان، عن أبيه، عن أم عامر بنت ~~يزيد بن السكن، قالت: كنت ممن حض محرزا على اللحوق برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فوالله إنا لفي أطمنا ننظر إلى رهج الغبار إذ أقبل ذو اللمة، ~~فرس محمد بن مسلمة، حتى انتهى إلى آريه، فقلت: أصيب والله! فحملنا على ~~الفرس رجلا من الحي فقلنا: أطلع لنا رسول الله هل أصابه إلا خير، ثم ارجع ~~إلينا سريعا. قال: فخرج محضرا [ (3) ] حتى لحق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بهيقا في الناس، ثم رجع فأخبرنا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فحمدنا الله تعالى على سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فحدثني ابن أبي سبرة، عن صالح بن كيسان قال، قال محرز بن PageV02P543 ~~نضلة: قبل أن يلتقي القوم بيوم رأيت السماء فرجت لي، فدخلت السماء الدنيا ~~حتى انتهيت إلى السابعة، وانتهيت إلى سدرة المنتهى، فقيل لي: ~~هذا منزلك. فعرضتها على أبي بكر وكان من أعبر الناس، فقال: أبشر ~~بالشهادة! فقتل بعد ذلك بيوم. # وحدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أمه، عن أبيه، قال: ~~قال أبو قتادة: إني لأغسل رأسي، قد غسلت أحد شقيه، إذ سمعت فرسي جروة ~~تصهل وتبحث بحافرها، فقلت: هذه حرب قد حضرت! فقمت ولم أغسل شق ms405 رأسي الآخر، ~~فركبت وعلي بردة لي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيح: الفزع! ~~الفزع! ~~قال: وأدرك المقداد بن عمرو فسايرته ساعة، ثم تقدمه فرسي وكانت أجود من ~~فرسه، وقد أخبرني المقداد- وكان سبقني- بقتل مسعدة محرزا. قال أبو قتادة ~~للمقداد: ~~يا أبا معبد، أنا أموت أو أقتل قاتل محرز. فضرب فرسه فلحقهم أبو قتادة، ~~ووقف له مسعدة، وحمل عليه أبو قتادة بالقناة فدق صلبه ويقول: ~~خذها وأنا الخزرجي! ووقع مسعدة ميتا، ونزل أبو قتادة فسجاه ببردته، وجنب ~~فرسه معه، وخرج يحضر في أثر القوم حتى تلاحق الناس. ~~قال أبو قتادة: فلما مر الناس ونظروا إلى بردة أبي قتادة عرفوها فقالوا: ~~هذا أبو قتادة قتيل! واسترجع أحدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لا، ولكنه قتيل أبي قتادة، وجعل عليه بردته لتعرفوا أنه قتيله. فخلوا بين ~~أبي قتادة وبين قتيله وسلبه وفرسه، فأخذه كله، وكان سعد بن زيد قد أخذ ~~سلبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والله! أبو قتادة قتله، ادفعه ~~إليه. PageV02P544 # فحدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أبي قتادة، قال: لما أدركني النبي ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ ونظر إلي قال: اللهم بارك له في شعره وبشره! ~~وقال: أفلح وجهك! قلت: ووجهك يا رسول الله! قال: قتلت مسعدة؟ قلت: نعم. ~~قال: فما هذا الذي بوجهك؟ قلت: سهم رميت به يا رسول الله. قال: فادن مني! ~~فدنوت منه فبصق عليه، فما ضرب [ (1) ] عليه قط. ولا قاح. فمات أبو قتادة ~~وهو ابن سبعين سنة، وكأنه ابن خمس عشرة سنة. قال: وأعطاني يومئذ فرس مسعدة ~~وسلاحه، وقال: بارك الله لك فيه! # حدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، قال: قال سعد بن زيد الأشهلي: ~~لما كان يوم السرح أتانا الصريخ، فأنا في بني عبد الأشهل، فألبس درعي وأخذت ~~سلاحي، وأستوي على فرس لي جام حصان، يقال له النجل [ (2) ] ، فأنتهي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه الدرع والمغفر لا أرى إلا عينيه، ~~والخيل تعدو قبل قناة، ms406 فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~سعد امض، قد استعملتك على الخيل حتى ألحقك إن شاء الله. ~~فقربت فرسي ساعة ثم خليته فمر يحضر، فأمر بفرس حسير، فقلت: ما هذا؟ وأمر ~~بمسعدة قتيل أبي قتادة، وأمر بمحرز قتيلا فساءني، وألحق المقداد بن عمرو، ~~ومعاذ بن ماعص، فأحضرنا ونحن ننظر إلى رهج القوم، وأبو قتادة في أثرهم، ~~وأنظر إلى ابن الأكوع يسبق الخيل أمام القوم يرشقهم بالنبل، فوقفوا وقفة ~~ونلحق بهم فتناوشنا ساعة، وأحمل على حبيب بن عيينة PageV02P545 ~~بالسيف فأقطع منكبه الأيسر، وخلى العنان، وتتايع [ (1) ] فرسه، فيقع ~~لوجهه، واقتحم عليه فقتله، وأخذت فرسه. وكان شعارنا: أمت أمت! وقد سمعنا في ~~قتل حبيب بن عيينة وجها آخر. # فحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: إن المسلمين لما تلاحقوا ~~هم والعدو وقتل منهم محرز بن نضلة، وخرج أبو قتادة في وجهه، فقتل أبو قتادة ~~مسعدة، وقتل أوثار وعمرو بن أوثار، قتلهما عكاشة بن محصن، وإن حبيب بن ~~عيينة كان على فرس له، هو وفرقة ابن مالك بن حذيفة بن بدر، قتلهم المقداد ~~بن عمرو. قالوا: وتلاحق الناس بذي قرد، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الخوف. # فحدثني سفيان بن سعيد، وابن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبد الله ابن أبي ~~جهم، عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى القبلة، وصف طائفة خلفه، وطائفة مواجهة العدو، فصلى ~~بالطائفة التي خلفه ركعة وسجدتين، ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم، وأقبل ~~الآخرون فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجدتين، فكان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعة. # حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمارة بن ~~معمر، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد يوما وليلة يتحسب [ ~~(2) ] الخبر، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها، وكانوا ms407 خمسمائة، ~~ويقال كانوا سبعمائة. قالوا: واستخلف رسول الله صلى PageV02P546 ~~الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم. وأقام سعد بن عبادة في ~~ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة خمس ليال حتى رجع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأحمال تمر وبعشرة جزائر بذي قرد. ~~وكان في الناس قيس بن سعد على فرس له يقال له الورد، وكان هو الذي قرب ~~الجزر [ (1) ] والتمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس، بعثك أبوك فارسا، وقوى ~~المجاهدين، وحرس المدينة من العدو، اللهم ارحم سعدا وآل سعد! ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ~~نعم المرء سعد بن عبادة! فتكلمت الخزرج فقالت: يا رسول الله، هو بيتنا [ ~~(2) ] وسيدنا وابن سيدنا! كانوا يطعمون في المحل، ويحملون الكل [ (3) ] ~~ويقرون الضيف، ويعطون في النائبة، ويحملون عن العشيرة! فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين. ~~ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر هم قالوا: يا رسول الله، ~~ألا تسم بئر هم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ولكن يشتريها بعضكم ~~فيتصدق بها. ~~فاشتراها طلحة بن عبيد الله فتصدق بها. # حدثني موسى بن محمد، عن أبيه، قال: كان أمير الفرسان المقداد حتى لحقهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد. # حدثني محمد بن الفضل بن عبيد الله بن رافع بن خديج، عن المسور ابن رفاعة، ~~عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعيد بن زيد أمير القوم، PageV02P547 ~~وقال لحسان بن ثابت: أرأيت حيث جعلت المقداد رأس السرية وأنت تعلم أن ~~رسول الله استعملني على السرية، وإنك لتعلم لقد نادى الصريخ: ~~الفزع! ~~فكان المقداد أول من طلع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~امض حتى تلحقك الخيول. ~~فمضى أول، ثم توافينا بعد عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى المقداد ~~أولنا، فاستعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ms408 السرية. فقال حسان: يا ~~ابن عم، والله ما أردت إلا القافية حيث قلت: غداة فوارس المقداد %~% [ (1) ~~] فحلف سعد بن زيد ألا يكلم حسانا أبدا. والثبت عندنا أن أميرهم سعد بن زيد ~~الأشهلى. # قالوا: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقبلت امرأة أبي ~~ذر على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء، وكانت في السرح، فكان ~~فيها جمل أبي جهل، فكان مما تخلصه المسلمون، فدخلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرته من أخبار الناس، ثم قالت: ~~يا رسول الله، إني نذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها فآكل من كبدها ~~وسنامها. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: بئس ما جزيتها أن حملك الله ~~عليها ونجاك ثم تنحرينها! إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين، ~~إنما هي ناقة من إبلي فارجعي إلى أهلك على بركة الله. # حدثني فائد مولى عبد الله، عن عبد الله بن علي، عن جدته سلمى، قالت: نظرت ~~إلى لقوح [ (2) ] على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال لها السمراء، ~~فعرفتها فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: PageV02P548 ~~هذه لقحتك السمراء على بابك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مستبشرا، ~~وإذا رأسها بيد ابن أخي عيينة، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عرفها ثم قال: أيم بك؟ فقال: يا رسول الله، أهديت لك هذه اللقحة. فتبسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقبضها منه، ثم أقام يوما أو يومين، ثم أمر له ~~بثلاث أواق من فضة، فجعل يتسخط. قال، فقلت: ~~يا رسول الله، أتثيبه على ناقة من إبلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: نعم وهو ساخط علي! ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، ثم ~~صعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الرجل ليهدي لي الناقة من ~~إبلي أعرفها كما أعرف بعض أهلي، ثم أثيبه عليها فيظل يتسخط علي، ولقد هممت ~~ألا أقبل هدية [إلا من قرشي ms409 أو أنصاري- ~~وكان أبو هريرة يقول: أو ثقفي أو دوسي] [ (1) ] . ### || ذكر من قتل من المسلمين ومن المشركين # من المسلمين واحد: محرز بن نضلة، قتله مسعدة. # وقتل من المشركين: مسعدة بن حكمة، قتله أبو قتادة، وأوثار وابنه عمرو بن ~~أوثار، قتلهما عكاشة بن محصن، وحبيب بن عيينة، قتله المقداد. وقال حسان بن ~~ثابت ... PageV02P549 ### | سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر [ (1) ] في شهر ربيع الأول سنة ست # حدثني ابن أبي سبرة، عن عبد ربه بن سعيد، قال: سمعت رجلا من بني أسد بن ~~خزيمة يحدث القاسم بن محمد يقول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة ~~بن محصن في أربعين رجلا- منهم ثابت بن أقرم، وشجاع بن وهب، ويزيد بن رقيش. ~~فخرج سريعا يغذ السير، ونذر القوم فهربوا من مائهم فنزلوا علياء بلادهم، ~~فانتهى إلى الماء فوجد الدار خلوفا، فبعث الطلائع يطلبون خبرا أو يرون أثرا ~~حديثا، فرجع إليه شجاع بن وهب فأخبره أنه رأى أثر نعم قريبا، فتحملوا ~~فخرجوا حتى يصيبوا ربيئة لهم قد نظر ليلته يسمع الصوت، فلما أصبح نام ~~فأخذوه وهو نائم، فقالوا: الخبر عن الناس! قال: وأين الناس؟ قد لحقوا ~~بعلياء بلادهم! قالوا: فالنعم؟ قال: معهم. فضربه أحدهم بسوط في يده. قال: ~~تؤمنني على دمي وأطلعك على نعم لبني عم لهم، لم يعلموا بمسيركم إليهم؟ ~~قالوا: نعم. فانطلقوا معه، فخرج حتى أمعن، وخافوا أن يكونوا معه في غدر، ~~فقربوه فقالوا: والله، لتصدقنا أو لنضربن عنقك! قال: تطلعون عليهم من هذا ~~الظريب [ (2) ] . قال: فأوفوا على الظريب فإذا نعم رواتع، فأغاروا عليه ~~فأصابوه، وهربت الأعراب في كل وجه، ونهى عكاشة عن الطلب، واستاقوا مائتي ~~بعير فحدروها إلى المدينة، وأرسلوا PageV02P550 ~~الرجل، وقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصب منهم أحد ولم يلقوا ~~كيدا. ### | سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة إلى بني ثعلبة وعوال في ربيع الآخر # حدثني عبد الله بن الحارث، عن أبيه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~محمد بن مسلمة في عشرة، فورد عليهم ليلا، فكمن القوم ms410 حتى نام ونام أصحابه، ~~فأحدقوا به وهم مائة رجل، فما شعر القوم إلا بالنبل قد خالطتهم. فوثب محمد ~~بن مسلمة وعليه القوس، فصاح بأصحابه: ~~السلاح! فوثبوا فتراموا ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب بالرماح فقتلوا ~~منهم ثلاثة، ثم انحاز أصحاب محمد إليه فقتلوا من القوم رجلا، ثم حمل القوم ~~فقتلوا من بقي. ووقع محمد بن مسلمة جريحا، فضرب كعبه فلا يتحرك، وجردوهم من ~~الثياب وانطلقوا، فمر رجل على القتلى فاسترجع، فلما سمعه محمد تحرك له فإذا ~~هو رجل مسلم، فعرض على محمد طعاما وشرابا وحمله حتى ورد به المدينة. فبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارعهم ~~فلم يجد أحدا واستاق نعما ثم رجع. قال أبو عبد الله: فذكرت هذه السرية ~~لإبراهيم بن جعفر ابن محمود بن محمد بن مسلمة فقال: أخبرني أبى أن محمد بن ~~مسلم خرج في عشرة نفر: أبو نائلة، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، ونعمان ~~بن عصر، ومحيصة بن مسعود، وحويصة، وأبو بردة ابن نيار، ورجلان من مزينة، ~~ورجل من غطفان، فقتل المزنيان PageV02P551 ~~والغطفاني، وارتث محمد بن مسلمة من القتلى. قال محمد: فلما كانت غزوة ~~خيبر نظرت إلى أحد النفر الذين كانوا ولوا ضربي يوم ذي القصة، فلما رآني ~~قال: أسلمت وجهي لله! فقلت: أولى! ### | سرية أميرها أبو عبيدة إلى ذي القصة # في ربيع الآخر سنة ست ليلة السبت، وغاب ليلتين. # حدثني عبد الرحمن بن زياد الأشجعي، عن عيسى بن عميلة، وحدثني عبد الله بن ~~الحارث بن الفضل، عن أبيه، زاد أحدهما على صاحبه، قالا: أجدبت بلاد بني ~~ثعلبة وأنمار، ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين [ (1) ] ، فصارت بنو محارب ~~وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وكانوا قد أجمعوا أن يغيروا على سرح ~~المدينة، وسرحهم يومئذ يرعى ببطن هيقا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا من المسلمين حين صلوا صلاة المغرب، ~~فباتوا ليلتهم يمشون حتى وافوا ذي القصة مع عماية الصبح، فأغار ms411 عليهم ~~فأعجزهم هربا في الجبال، وأخذ رجلا منهم ووجد نعما من نعمهم فاستاقه، ورثة ~~من متاع، فقدم به المدينة، فأسلم الرجل فتركه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما قدم عليه خمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم ما بقي عليهم. ~~PageV02P552 ### | سرية زيد بن حارثة إلى العيص [1] في جمادى الأولى سنة ست # حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: لما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من غزوة الغابة بلغه أن عيرا لقريش أقبلت من الشام، فبعث ~~زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب، فأخذوها وما فيها. وأخذوا يومئذ فضة ~~كثيرة لصفوان [ (2) ] ، وأسروا ناسا ممن كان في العير معهم، منهم أبو العاص ~~بن الربيع، والمغيرة بن معاوية بن أبي العاص. فأما أبو العاص فلم يغد أن ~~جاء المدينة، ثم دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرا، وهي ~~امرأته، فاستجارها فأجارته. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ~~قامت زينب على بابها فنادت بأعلى صوتها فقالت: ~~إني قد أجرت أبا العاص! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، ~~هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الذي نفسي بيده، ما علمت بشيء مما ~~كان حتى سمعت الذي سمعتم، المومنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ~~وقد أجرنا من أجارت. ~~فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن ~~يرد إلى أبي العاص ما أخذ منه من المال، ففعل وأمرها ألا يقربها، فإنها لا ~~تحل له ما دام مشركا. ثم كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وكانت ~~معه بضائع لغير واحد من قريش، فأدوا إليه كل شيء، حتى إنهم ليردون ~~PageV02P553 ~~الإداوة [ (1) ] والحبل، حتى لم يبق شيء. ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى ~~إلى كل ذي حق حقه. قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم شيء؟ ~~قالوا: لا والله. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، لقد ms412 أسلمت بالمدينة، وما منعني أن أقيم بالمدينة إلا أن خشيت أن ~~تظنوا أني أسلمت لأن أذهب بالذي لكم. ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرد عليه زينب بذلك النكاح. ويقال إن هذه العير كانت أخذت طريق العراق، ~~ودليلها فرات بن حيان العجلي. # قال محمد بن إبراهيم: وأما المغيرة بن معاوية فأفلت، فتوجه تلقاء مكة ~~فأخذ الطريق نفسها، فلقه سعد بن أبي وقاص قافلا في سبعة نفر، وكان الذي أسر ~~المغيرة خوات بن جبير، فأقبل به حتى دخلوا المدينة بعد العصر وهم مبردون. # قال محمد بن إبراهيم، فأخبرني ذكوان مولى عائشة، عن عائشة رضي الله عنها، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: احتفظي بهذا الأسير! وخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم. قالت عائشة: فلهوت مع امرأة أتحدث معها، فخرج وما شعرت به، ~~فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره فقال: أين الأسير؟ فقلت: والله ما ~~أدري، غفلت عنه، وكان هاهنا آنفا. فقال: قطع الله يدك! قالت: ثم خرج فصاح ~~بالناس، فخرجوا في طلبه فأخذوه بالصورين، فأتي به إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. قالت عائشة: فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقلب بيدي، ~~فقال: ~~ما لك؟ فقلت: أنظر كيف تقطع يدي، قد دعوت علي بدعوتكم! قالت: ~~فاستقبل القبلة فرفع يديه ثم قال: اللهم إنما أنا بشر، أغضب وآسف ~~PageV02P554 ~~كما يغضب البشر. فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه بدعوة فاجعلها له رحمة. ### | سرية زيد بن حارثة إلى الطرف [ (1) ] في جمادى الآخرة سنة ست # حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن عمران بن مناح، قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى الطرف إلى بني ثعلبة، فخرج في خمسة عشر ~~رجلا، حتى إذا كانوا بالطرف أصاب نعما وشاء. ~~وهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سار ~~إليهم، فانحدر زيد بن حارثة حتى صبح المدينة بالنعم، وخرجوا في طلبه حتى ~~أعجزهم، فقدم بعشرين بعيرا. ولم يكن قتال فيها، وإنما ms413 غاب أربع ليال. # حدثني ابن أبي سبرة، عن أبي رشد، عن حميد بن مالك، عن من حضر السرية، ~~قال: أصابهم بعيران أو حسابهما من الغنم، فكان كل بعير عشرا من الغنم، وكان ~~شعارنا: أمت! أمت! ### | سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة سنة ست # حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: أقبل دحية الكلبي من عند ~~قيصر، قد أجاز دحية بمال وكساه كسى. فأقبل حتى كان بحسمى، فلقيه ناس من ~~جذام فقطعوا عليه الطريق، وأصابوا كل شيء PageV02P555 ~~معه فلم يصل إلى المدينة إلا بسمل [ (1) ] ، فلم يدخل بيته حتى انتهى إلى ~~باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدقه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ~~من هذا؟ فقال: دحية الكلبي. قال: ادخل. فدخل فاستخبره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عما كان من هرقل حتى أتى على آخر ذلك، ~~ثم قال: ~~يا رسول الله، أقبلت من عنده حتى كنت بحسمى فأغار علي قوم من جذام، فما ~~تركوا معي شيئا حتى أقبلت بسملي [ (2) ] ، هذا الثوب. # فحدثني موسى بن محمد قال: سمعت شيخا من سعد هذيم كان قديما يخبر عن أبيه ~~يقول: إن دحية لما أصيب- أصابه [ (3) ] الهنيد بن عارض وابنه عارض بن ~~الهنيد، وكانا والله نكدين مشؤومين، فلم يبقوا معه شيئا، فسمع بذلك نفر من ~~بني الضبيب فنفروا إلى الهنيد وابنه. ~~فكان فيمن نفر منهم النعمان بن أبي جعال في عشرة نفر، وكان نعمان رجل ~~الوادي ذا الجلد والرماية [ (4) ] . فارتمى النعمان وقرة بن أبي أصفر ~~الصلعي، فرماه قرة فأصاب كعبه فأقعده إلى الأرض. ثم انتهض النعمان فرماه ~~بسهم عريض السروة [ (5) ] ، فقال: خذها من الفتى! فخل السهم في ركبته فشنجه ~~وقعد، فخلصوا لدحية متاعه فرجع به سالما إلى المدينة. # قال موسى، فسمعت شيخا آخر يقول: إنما خلص متاع دحية رجل كان صحبه من ~~قضاعة، هو الذي كان استنقذ له كل شيء أخذ منه PageV02P556 ~~رده على دحية. ثم إن دحية رجع إلى المدينة فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه ~~سلم ms414 فاستسعى النبي صلى الله عليه وسلم دم الهنيد وابنه، فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالمسير، فخرج زيد بن حارثة معه. # وقد كان رفاعة بن زيد الجذامي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وافدا، ~~فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم وأقام بالمدينة، ~~ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب معه كتابا، فكتب معه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، لرفاعة بن زيد إلى قومه عامة ~~ومن دخل معهم يدعوهم إلى الله وإلى رسوله. فمن أقبل منهم فهو من حزب الله ~~وحزب رسوله، ومن ارتد فله أمان شهرين. ~~فلما قدم رفاعة على قومه بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم قرأه عليهم ~~فأجابوه وأسرعوا، ونفذوا إلى مصاب دحية الكلبي [ (1) ] فوجدوا أصحابه قد ~~تفرقوا. # وقدم زيد بن حارثة خلافهم على رسول الله، فبعثه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في خمسمائة رجل، ورد معه دحية الكلبي. وكان زيد يسير الليل ويكمن ~~النهار، ومعه دليل من بني عذرة. وقد اجتمعت غطفان كلها ووائل ومن كان من ~~سلامات وبهراء حين جاء رفاعة بن زيد بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ~~نزلوا- الرجال ورفاعة- بكراع [ (2) ] رؤية لم يعلم. وأقبل الدليل العذري ~~بزيد بن حارثة حتى هجم بهم، فأغاروا مع الصبح على الهنيد وابنه ومن كان في ~~محلتهم، فأصابوا ما وجدوا، وقتلوا PageV02P557 ~~فيهم فأوجعوا [ (1) ] ، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ~~ونسائهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي ~~مائة من النساء والصبيان. وكان الدليل إنما جاء بهم من قبل الأولاج [ (2) ] ~~، فلما سمعت بذلك الضبيب بما صنع زيد بن حارثة ركبوا، فكان فيمن ركب حبان ~~بن ملة [ (3) ] ، وابنه، فدنوا من الجيش وتواصوا لا يتكلم أحد إلا حبان بن ~~ملة [ (3) ] ، وكانت بينهم علامة إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال «قودي!» ~~فلما طلعوا على العسكر طلعوا على الدهم من السبي والنعم، والنساء والأسارى ~~أقبلوا جميعا، والذي يتكلم حبان بن ملة يقول: ~~إنا قوم مسلمون. وكان أول من ms415 لقيهم رجل على فرس، عارض رمحه، فأقبل ~~يسوقهم، فقال رجل منهم: قودي! فقال حبان: مهلا! فلما وقفوا على زيد بن ~~حارثة قال له حبان: إنا قوم مسلمون. قال له زيد: اقرأ أم الكتاب! وكان زيد ~~إنما يمتحن أحدهم بأم الكتاب لا يزيده. فقرأ حبان، فقال له زيد: نادوا في ~~الجيش «إنه قد حرم علينا ما أخذناه منهم بقراءة أم الكتاب» . فرجع القوم ~~ونهاهم زيد أن يهبطوا واديهم الذي جاءوا منه، فأمسوا في أهليهم، وهم في رصد ~~لزيد وأصحابه، فاستمعوا حتى نام أصحاب زيد بن حارثة، فلما هدأوا وناموا ~~ركبوا إلى رفاعة بن زيد- وكان في الركب في تلك الليلة أبو زيد بن عمرو، ~~وأبو أسماء بن عمرو، وسويد بن زيد وأخوه، وبرذع بن زيد، وثعلبة بن عدى- حتى ~~PageV02P558 ~~صبحوا رفاعة بكراع رؤية، بحرة ليلى [ (1) ] ، فقال حبان [ (2) ] : إنك ~~لجالس تحلب المعزى [ونساء جذام أسارى] [ (3) ] . فأخبره الخبر فدخل معهم ~~حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة- ساروا ثلاثا- فابتداهم ~~رفاعة فدفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كتابه الذي كتب معه، فلما قرأ ~~كتابه استخبرهم فأخبروه بما صنع زيد بن حارثة. فقال: كيف أصنع بالقتلى؟ ~~فقال رفاعة: يا رسول الله أنت أعلم، لا تحرم علينا حلالا ولا تحل لنا ~~حراما. قال أبو زيد [ (4) ] : أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا، ومن قتل ~~فهو تحت قدمي هاتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق أبو زيد! قال ~~القوم: فابعث معنا يا رسول الله رجلا إلى زيد بن حارثة، يخلي بيننا وبين ~~حرمنا وأموالنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انطلق معهم يا علي! فقال ~~علي: يا رسول الله، لا يطيعني زيد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا ~~سيفي فخذه. فأخذه فقال: ليس معي بعير أركبه. فقال بعض القوم: هذا بعير! ~~فركب بعير أحدهم وخرج معهم حتى لقوا رافع ابن مكيث بشير زيد بن حارثة على ~~ناقة من إبل القوم، فردها علي على القوم. ورجع رافع بن مكيث مع علي عليه ~~السلام رديفا ms416 حتى لقوا زيد بن حارثة بالفحلتين [ (5) ] ، فلقيه علي وقال: ~~إن رسول الله يأمرك أن ترد على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسير أو سبي أو ~~مال. فقال زيد: علامة من رسول الله! فقال علي: هذا سيفه! ~~فعرف زيد السيف فنزل فصاح PageV02P559 ~~بالناس فاجتمعوا فقال: من كان بيده شيء من سبي أو مال فليرده، فهذا رسول ~~رسول الله. فرد إلى الناس كل ما أخذ منهم، حتى إن كانوا ليأخذون المرأة من ~~تحت فخذ الرجل. # حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن بسر بن محجن الديلي، عن أبيه، قال: كنت ~~في تلك السرية، فصار لكل رجل سبعة أبعرة وسبعون شاة، ويصير له من السبي ~~المرأة والمرأتان، فوطئوا بالملك بعد الاستبراء، حتى رد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك كله إلى أهله، وكان قد فرق وباع منه ### | سرية أميرها عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان سنة ست # حدثني سعيد بن مسلم بن قمادين، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف فقال: ~~وتجهز فإني باعثك في سرية من يومك هذا، أو من غد إن شاء الله. قال ابن ~~عمر: فسمعت ذلك فقلت: لأدخلن فلأصلين مع النبى العداة، فلأسمعن وصيته لعبد ~~الرحمن بن عوف. قال: فغدوت فصليت فإذا أبو بكر، وعمر، وناس من المهاجرين، ~~فيهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان أمره أن ~~يسير من الليل إلى دومة الجندل فيدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعبد الرحمن: ~~ما خلفك عن أصحابك؟ قال ابن عمر: وقد مضى أصحابه في السحر، فهم معسكرون ~~بالجرف وكانوا سبعمائة رجل، فقال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك، ~~وعلي ثياب سفري. قال: وعلى عبد الرحمن ابن عوف عمامة قد لفها على رأسه. قال ~~ابن عمر: فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأقعده بين يديه فنقض عمامته ~~بيده، ثم عممه ms417 بعمامة سوداء، PageV02P560 ~~فأرخى بين كتفيه منها، ثم قال: هكذا فاعتم يا ابن عوف! قال: ~~وعلى ابن عوف السيف متوشحه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اغز باسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا ~~تقتل وليدا. قال ابن عمر: ثم بسط يده، فقال: يا أيها الناس، اتقوا خمسا قبل ~~أن يحل بكم، ما نقض مكيال قوم إلا أخذهم الله بالسنين ونقص من الثمرات ~~لعلهم يرجعون، وما نكث قوم عهدهم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما منع قوم ~~الزكاة إلا أمسك الله عليهم قطر السماء، ولولا البهائم لم يسقوا، وما ظهرت ~~الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الطاعون، وما حكم قوم بغير آي القرآن ~~إلا ألبسهم الله شيعا، وأذاق بعضهم بأس بعض. # قال: فخرج عبد الرحمن حتى لحق أصحابه فسار حتى قدم دومة الجندل، فلما حل ~~بها دعاهم إلى الإسلام، فمكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام. وقد كانوا ~~أبوا أول ما قدم يعطونه إلا السيف، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن ~~عمرو الكلبي، وكان نصرانيا وكان رأسهم. ~~فكتب عبد الرحمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، وبعث رجلا من ~~جهينة يقال [له] رافع بن مكيث، وكتب يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد ~~أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بنت ~~الأصبغ تماضر. فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها، ثم أقبل بها، وهي أم أبي سلمة ~~بن عبد الرحمن بن عوف. # حدثني عبد الله بن جعفر، عن ابن أبى عون، عن صالح بن إبراهيم، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعث عبد الرحمن بن عوف إلى كلب، وقال: # إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم أو ابنة سيدهم. # فلما قدم دعاهم PageV02P561 ~~إلى الإسلام فاستجابوا وأقام على إعطاء الجزية. وتزوج عبد الرحمن بن عوف ~~تماضر بنت الأصبغ بن عمرو ملكهم، ثم قدم بها المدينة، وهي أم أبي سلمة. ### | سرية علي بن أبي طالب عليه ms418 السلام إلى بني سعد، بفدك [ (1) ] في شعبان سنة ست # حدثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة، قال: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليا عليه السلام في مائة رجل إلى حي سعد، بفدك، وبلغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فسار الليل ~~وكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج [ (2) ] ، فأصاب عينا فقال: ~~ما أنت؟ هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟ قال: لا علم لي به. ~~فشدوا عليه فأقر أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر، يعرض على يهود خيبر نصرهم ~~على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويقدمون عليهم، فقالوا له: ~~فأين القوم؟ قال: تركتهم وقد تجمع منهم مائتا رجل، وراسهم وبر ابن عليم. ~~قالوا: فسر بنا حتى تدلنا. قال: على أن تؤمنوني! قالوا: ~~إن دللتنا عليهم وعلى سرحهم أمناك، وإلا فلا أمان لك. قال: فذاك! فخرج ~~بهم دليلا لهم حتى ساء ظنهم به، وأوفى بهم على فدافد وآكام، ثم أفضى بهم ~~إلى سهولة فإذا نعم كثير وشاء، فقال: هذا نعمهم وشاءهم. ~~فأغاروا عليه فضموا النعم والشاء. قال: أرسلوني! قالوا: لا حتى نأمن ~~الطلب! ونذر بهم الراعي رعاء الغنم والشاء، فهربوا إلى جمعهم فحذروهم، ~~PageV02P562 ~~فتفرقوا وهربوا، فقال الدليل: علام تحبسني؟ قد تفرقت الأعراب وأنذرهم ~~الرعاء. قال علي عليه السلام: لم نبلغ معسكرهم. فانتهى بهم إليه فلم ير ~~أحدا، فأرسلوه وساقوا النعم والشاء، النعم خمسمائة بعير، وألفا شاة. # حدثني أبير بن العلاء، عن عيسى بن عميلة، عن أبيه، عن جده، قال: إني ~~لبوادي الهمج إلى بديع [ (1) ] ، ما شعرت إلا ببني سعد يحملون الظعن وهم ~~هاربون، فقلت: ما دهاهم اليوم؟ فدنوت إليهم فلقيت رأسهم وبر بن عليم، فقلت: ~~ما هذا المسير؟ قال: الشر، سارت إلينا جموع محمد وما لا طاقة لنا به، قبل ~~أن نأخذ للحرب أهبتها، وقد أخذوا رسولا لنا بعثناه إلى خيبر، فأخبرهم خبرنا ~~وهو صنع بنا ما صنع. قلت: ومن هو؟ قال: ابن أخي، وما ms419 كنا نعد في العرب فتى ~~واحدا أجمع قلبا منه. ~~فقلت: إني أرى أمر محمد أمرا قد أمن وغلظ، أوقع بقريش فصنع بهم ما صنع، ~~ثم أوقع بأهل الحصون بيثرب، قينقاع وبني النضير وقريظة، وهو سائر إلى هؤلاء ~~بخيبر. فقال لي وبر: لا تخش ذلك! إن بها رجالا، وحصونا منيعة، وماء واتنا [ ~~(2) ] ، لا دنا منهم محمد أبدا، وما أحراهم أن يغزوه فى عقر داره. فقلت: ~~وترى ذلك؟ قال: هو الرأي لهم. فمكث علي عليه السلام ثلاثا ثم قسم الغنائم ~~وعزل الخمس وصفي النبي صلى الله عليه وسلم لقوحا تدعى الحفدة قدم بها. ~~PageV02P563 ### | سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة في رمضان سنة ست # حدثني أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن ~~عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال: ~~خرج زيد بن حارثة في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأخذ خصيتي تيس فدبغهما ثم جعل بضائعهم فيهما، ثم خرج حتى إذا ~~كان دون وادي القرى ومعه ناس من أصحابه، لقيه ناس من بني فزارة من بني بدر، ~~فضربوه وضربوا أصحابه حتى ظنوا أن قد قتلوا، وأخذوا ما كان معه، ثم استبل [ ~~(1) ] زيد فقدم المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم فبعثه في سرية فقال ~~لهم: اكمنوا النهار وسيروا الليل. ~~فخرج بهم دليل لهم، ونذرت بهم بنو بدر فكانوا يجعلون ناطورا [ (2) ] لهم ~~حين يصبحون فينظر على جبل لهم مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يأتون منه، ~~فينظر قدر مسيرة يوم فيقول: اسرحوا فلا بأس عليكم هذه ليلتكم! فلما كان زيد ~~بن حارثة وأصحابه على نحو مسيرة ليلة أخطأ بهم دليلهم الطريق، فأخذ بهم ~~طريقا أخرى حتى أمسوا وهم على خطأ، فعرفوا خطأهم، ثم صمدوا [ (3) ] لهم في ~~الليل حتى صبحوهم، وكان زيد بن حارثة نهاهم حيث انتهوا عن الطلب. قال: ثم ~~وعز إليهم ألا يفترقوا. وقال. PageV02P564 ~~إذا كبرت فكبروا. وأحاطوا بالحاضر ثم كبر وكبروا، فخرج سلمة ms420 بن [ (1) ] ~~الأكوع فطلب رجلا منهم حتى قتله، وقد أمعن في طلبه، وأخذ جارية بنت مالك بن ~~حذيفة بن بدر وجدها في بيت من بيوتهم، وأمها أم قرفة، وأم قرفة فاطمة بنت ~~ربيعة بن زيد. فغنموا، وأقبل زيد بن حارثة، وأقبل سلمة بن الأكوع بالجارية، ~~فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذكر له جمالها، فقال: يا سلمة، ما ~~جارية أصبتها؟ قال: جارية يا رسول الله رجوت أن أفتدي بها امرأة منا من بني ~~فزارة. فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا يسأله: ما جارية ~~أصبتها؟ حتى عرف سلمة أنه يريدها فوهبها له، فوهبها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لحزن بن أبي وهب، فولدت له امرأة ليس له منها ولد غيرها. # فحدثني محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: وقدم ~~زيد بن حارثة من وجهه ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فأتى زيد ~~فقرع الباب، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه عريانا، ما ~~رأيته عريانا قبلها، حتى اعتنقه وقبله، ثم سأله فأخبره بما ظفره الله. ### || ذكر من قتل أم قرفة # قتلها قيس بن المحسر قتلا عنيفا، ربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين ~~بعيرين، وهي عجوز كبيرة. وقتل عبد الله بن مسعدة، وقتل قيس بن النعمان بن ~~مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر. PageV02P565 ### | سرية أميرها عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم في شوال سنة ست # قال الواقدي: حدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود، قال: ~~سمعت عروة بن الزبير قال: غزا عبد الله بن رواحة خيبر مرتين، بعثه النبي ~~صلى الله عليه وسلم البعثة الأولى إلى خيبر في رمضان في ثلاثة نفر ينظر إلى ~~خيبر، وحال أهلها وما يريدون وما يتكلمون به، فأقبل حتى أتى ناحية خيبر ~~فجعل يدخل الحوائط، وفرق أصحابه في النطاة، والشق، والكتيبة [ (1) ] ، ~~ووعوا ما سمعوا من أسير وغيره. ثم خرجوا بعد إقامة ثلاثة أيام، فرجع إلى ~~النبي صلى الله ms421 عليه وسلم لليال بقين من رمضان، فخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بكل ما رأى وسمع، ثم خرج إلى أسير في شوال. # فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن ابن عباس، ~~قال: كان أسير رجلا شجاعا، فلما قتل أبو رافع أمرت اليهود أسير بن زارم، ~~فقام في اليهود فقال: إنه والله ما سار محمد إلى أحد من اليهود إلا بعث ~~أحدا من أصحابه فأصاب منهم ما أراد، ولكني أصنع ما لا يصنع أصحابي. فقالوا: ~~وما عسيت أن تصنع ما لم يصنع أصحابك؟ قال: أسير في غطفان فأجمعهم. فسار في ~~غطفان فجمعها، ثم قال: يا معشر اليهود، نسير إلى محمد في عقر داره، فإنه لم ~~يغز أحد في داره إلا أدرك منه عدوه بعض ما يريد. قالوا: نعم ما رأيت. ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وقدم عليه خارجة بن حسيل ~~الأشجعي، فاستخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وراءه فقال: تركت ~~PageV02P566 ~~أسير بن زارم يسير إليك في كتائب اليهود. قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا. ~~قال عبد الله بن أنيس: فكنت فيهم، فاستعمل علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عبد الله بن رواحة. قال: فخرجنا حتى قدمنا خيبر فأرسلنا إلى أسير: إنا ~~آمنون حتى نأتيك فنعرض عليك ما جئنا له؟ فقال: نعم، ولي مثل ذلك منكم؟ ~~قلنا: نعم. فدخلنا عليه فقلنا: إن رسول الله بعثنا إليك أن تخرج إليه ~~فيستعملك على خيبر ويحسن إليك. فطمع في ذلك، وشاور اليهود فخالفوه في ~~الخروج وقالوا: ما كان محمد يستعمل رجلا من بني إسرائيل. فقال: بلى، قد ~~مللنا الحرب. قال: فخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من ~~المسلمين. قال: فسرنا حتى إذا كنا بقرقرة ثبار [ (1) ] ندم أسير حتى عرفنا ~~الندامة فيه. قال عبد الله ابن أنيس: وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت له. قال: ~~فدفعت بعيري فقلت: ~~غدرا أي ms422 عدو الله! ثم تناومت فدنوت منه لأنظر ما يصنع، فتناول سيفي، ~~فغمزت بعيري وقلت: هل من رجل ينزل فيسوق بنا؟ فلم ينزل أحد، فنزلت عن بعيري ~~فسقت بالقوم حتى انفرد أسير، فضربته بالسيف فقطعت مؤخرة الرجل وأندرت [ (2) ~~] عامة فخذه وساقه، وسقط عن بعيره وفي يده مخرش من [ (3) ] شوحط، فضربني ~~فشجني مأمومة [ (4) ] ، وملنا على PageV02P567 ~~أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدا، ولم يصب من المسلمين أحد، ~~ثم أقبلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: تمشوا ~~بنا إلى الثنية نتحسب من أصحابنا خبرا. فخرجوا معه، فلما أشرفوا على الثنية ~~فإذا هم بسرعان أصحابنا. قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أصحابه. قال: وانتهينا إليه فحدثناه الحديث، فقال: نجاكم الله من القوم ~~الظالمين! # قال عبد الله بن أنيس: فدنوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنفث في شجتي، ~~فلم تقح بعد ذلك اليوم ولم تؤذني، وقد كان العظم فل، ومسح على وجهي ودعا ~~لي، وقطع قطعة من عصاه فقال: أمسك هذا معك علامة بيني وبينك يوم القيامة ~~أعرفك بها، فإنك تأتي يوم القيامة متخصرا [ (1) ] . فلما دفن جعلت معه تلي ~~جسده دون ثيابه. # فحدثني خارجة بن الحارث، عن عطية بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال: كنت ~~أصلح قوسي. قال: فجئت فوجدت أصحابي قد وجهوا إلى أسير بن زارم. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لا أرى أسير ابن زارم! أي اقتله. ### | سرية أميرها كرز بن جابر # لما أغير على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم بذي الجدر في شوال سنة ست، ~~وهي على ثمانية أميال من المدينة [ (2) ] PageV02P568 # حدثنا خارجة بن عبد الله، عن يزيد بن رومان، قال: قدم نفر من عرينة ~~ثمانية على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فاستوبأوا [ (1) ] المدينة ~~فأمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه، وكان سرح المسلمين بذي ~~الجدر، فكانوا بها حتى صحوا وسمنوا. وكانوا استأذنوه يشربون من ألبانها ms423 ~~وأبوالها، فأذن لهم فغدوا على اللقاح فاستاقوها [ (2) ] ، فيدركهم مولى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومعه نفر فقاتلهم، فأخذوه فقطعوا يده ورجله، ~~وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وانطلقوا بالسرح، فأقبلت امرأة من ~~بني عمرو بن عوف على حمار لها حتى تمر بيسار تحت شجرة، فلما رأته وما به- ~~وقد مات- رجعت إلى قومها وخبرتهم الخبر، فخرجوا نحو يسار حتى جاءوا به إلى ~~قباء ميتا. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم عشرين فارسا، ~~واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري، فخرجوا في طلبهم حتى أدركهم الليل، ~~فباتوا بالجرة وأصبحوا فاغتدوا لا يدرون أين يسلكون، فإذا هم بامرأة تحمل ~~كتف بعير، فأخذوها فقالوا: ما هذا معك؟ قالت: مررت بقوم قد نحروا بعيرا ~~فأعطوني. قالوا: أين هم؟ قالت: هم بتلك القفار من الحرة، إذا وافيتم عليها ~~رأيتم دخانهم. ~~فساروا حتى أتوهم حين فرغوا من طعامهم، فأحاطوا بهم فسألوهم أن يستأسروا، ~~فاستأسروا بأجمعهم لم يفلت منهم إنسان، فربطوهم، وأردفوهم على الخيل حتى ~~قدموا بهم المدينة، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة، فخرجوا ~~نحوه. # قال خارجة: فحدثني يزيد بن رومان قال: حدثني أنس بن مالك PageV02P569 ~~قال: فخرجت أسعى في آثارهم مع الغلمان حتى لقي بهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالزغابة بمجمع السيول، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم ~~وصلبوا هناك. قال أنس: إني لواقف أنظر إليهم. # قال الواقدي: فحدثني إسحاق، عن صالح مولى التومه، عن أبي هريرة، قال: لما ~~قطع النبي صلى الله عليه وسلم أيدي أصحاب اللقاح وأرجلهم وسمل أعينهم نزلت ~~هذه الآية: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف %~% [ (1) ] الآية. قال: ~~فلم تسمل بعد ذلك عين. # قال: فحدثني أبو جعفر، عن أبيه، عن جده، قال: ما بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد ذلك بعثا إلا نهاهم عن المثلة. # وحدثني ابن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: لم يقطع رسول ~~الله ms424 صلى الله عليه وسلم لسانا قط، ولم يسمل عينا، ولم يزد على قطع اليد ~~والرجل. # وحدثني ابن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن، قال: ~~أمير السرية ابن زيد الأشهلي. # حدثني ابن أبي سبرة، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى، قال: لما ظفروا ~~باللقاح خلفوا عليها سلمة بن الأكوع، ومعه أبو رهم الغفاري، وكانت اللقاح ~~خمس عشرة لقحة غزارا. فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ~~من الزغابة وجلس في المسجد، إذا اللقاح على باب المسجد، فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنظر إليها فتفقد منها لقحة PageV02P570 ~~له يقال لها الحناء [ (1) ] فقال: أي سلمة، أين الحناء؟ قال: نحرها القوم ~~ولم ينحروا غيرها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظر مكانا ترعاها ~~فيه. قال: ما كان أمثل من حيث كانت بذي الجدر. قال: فردها إلى ذي الجدر. ~~فكانت هناك، وكان لبنها يراح به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل ~~ليلة وطب من لبن. # قال ابن أبي سبرة: فحدثني إسحاق بن عبد الله، عن بعض ولد سلمة بن الأكوع، ~~أنه أخبره أن سلمة بن الأكوع أخبره بعدة العشرين فارسا فقال: أنا، وأبو رهم ~~الغفاري، وأبو ذر، وبريدة بن الحصيب، ورافع بن مكيث، وجندب بن مكيث، وبلال ~~بن الحارث المزني، وعبد الله بن عمرو بن عوف المزني، وجعال بن سراقة، ~~وصفوان بن معطل، وأبو روعة معبد بن خالد الجهني، وعبد الله بن بدر، وسويد ~~بن صخر، وأبو ضبيس الجهني. ### | غزوة الحديبية # [ (2) ] قال: حدثنا ربيعة بن عمير بن عبد الله بن الهرم، وقدامة بن موسى، ~~وعبد الله بن يزيد الهذلي، ومحمد بن عبد الله بن أبي سبرة، وموسى بن محمد، ~~وأسامة بن زيد الليثي، وأبو معشر، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الرحمن بن عبد ~~العزيز، ويونس بن محمد، ويعقوب بن محمد بن PageV02P571 ~~أبي صعصعة، ومجمع بن يعقوب، وسعيد بن أبى زيد الزرقى، وعابد ابن يحيى، ~~ومحمد بن صالح عن عاصم بن عمر، ومحمد بن ms425 يحيى ابن سهل بن أبي حثمة، ويحيى ~~بن عبد الله بن أبي قتادة، ومعاذ بن محمد، وعبد الله بن جعفر، وحزام بن ~~هشام عن أبيه، فكل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة، وبعضهم أوعى لهذا الحديث ~~من بعض، وغير هؤلاء المسمين قد حدثني، أهل الثقة، وكتبت كل ما حدثوني، ~~قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في النوم أنه دخل البيت، ~~وحلق رأسه، وأخذ مفتاح البيت، وعرف مع المعرفين [ (1) ] ، فاستنفر أصحابه ~~إلى العمرة، فأسرعوا وتهيئوا للخروج. ~~وقدم عليه بسر بن سفيان الكعبي في ليال بقيت من شوال سنة ست، فقدم مسلما ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرا له، وهو على الرجوع إلى أهله، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بسر، لا تبرح حتى تخرج معنا فإنا إن ~~شاء الله معتمرون. ~~فأقام بسر وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسر بن سفيان [ (2) ] يبتاع ~~له بدنا، فكان بسر يبتاع البدن ويبعث بها إلى ذي الجدر حتى حضر خروجه، فأمر ~~بها فجلبت إلى المدينة، ثم أمر بها ناجية بن جندب الأسلمي [ (3) ] أن ~~يقدمها إلى ذي الحليفة، واستعمل على هديه ناجية بن جندب. ~~وخرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، لا يشكون في الفتح، للرؤيا ~~التي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرجوا بغير سلاح إلا السيوف في ~~القرب، وساق قوم من أصحابه الهدي، أهل قوة- أبو بكر PageV02P572 ~~وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم- ~~ساقوا هديا حتى وقف بذي الحليفة، وساق سعد بن عبادة بدنا. ~~فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أتخشى يا رسول الله علينا من أبي سفيان ~~بن حرب وأصحابه، ولم نأخذ للحرب عدتها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما أدري، ولست أحب أحمل السلاح معتمرا. ~~وقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، لو حملنا السلاح معنا، فإن رأينا من ~~القوم ريبا كنا معدين لهم! فقال رسول الله صلى الله عليه ms426 وسلم: لست أحمل ~~السلاح، إنما خرجت معتمرا. واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، فاغتسل ~~في بيته ولبس ثوبين من نسج صحار [ (1) ] ، وركب راحلته القصواء من عند ~~بابه، وخرج المسلمون، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي ~~الحليفة، ثم دعا بالبدن فجللت [ (2) ] ، ثم أشعر [ (3) ] بنفسه منها عدة، ~~وهن موجهات إلى القبلة، في الشق الأيمن. ويقال دعا ببدنة واحدة فأشعرها في ~~الجانب الأيمن، ثم أمر ناجية بن جندب بإشعار ما بقي، وقلدها نعلا نعلا، وهي ~~سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غنمه ببدر، ~~وكان يكون في لقاحه بذي الجدر. ~~وأشعر المسلمون بدنهم، وقلدوا النعال في رقاب البدن، ودعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بسر بن سفيان من ذي الحليفة فأرسله عينا له، وقال: إن قريشا ~~قد بلغها أني أريد العمرة، فخبر لي خبرهم، ثم القنى بما يكون منهم. ~~PageV02P573 ~~فتقدم بسر أمامه، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فقدمه ~~أمامه طليعة في خيل المسلمين عشرين فارسا، وكان فيها رجال من المهاجرين ~~والأنصار- المقداد بن عمرو وكان فارسا، وكان أبو عياش الزرقي فارسا، وكان ~~الحباب بن المنذر فارسا، وكان عامر بن ربيعة فارسا، وكان سعيد ابن زيد ~~فارسا، وكان أبو قتادة فارسا، وكان محمد بن مسلمة فارسا، في عدة منهم. ~~ويقال أميرهم سعد بن زيد الأشهلي. ~~ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فصلى ركعتين، ثم خرج ودعا ~~براحلته فركبها من باب المسجد، فلما انبعثت به مستقبلة القبلة أحرم ولبى ~~بأربع كلمات: لبيك اللهم لبيك! لبيك لا شريك لك، لبيك! إن الحمد والنعمة ~~لك، والملك، لا شريك لك! ~~وأحرم عامة المسلمين بإحرامه، ومنهم من لم يحرم إلا من الجحفة. وسلك طريق ~~البيداء [ (1) ] ، وخرج معه المسلمون ست عشرة مائة، ويقال ألف وأربعمائة، ~~ويقال ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا، خرج معه من أسلم مائة رجل، ويقال ~~سبعون ms427 رجلا، وخرج معه أربع نسوة: أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأم عمارة، وأم منيع، وأم عامر الأشهلية، فجعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يمر بالأعراب فيما بين مكة والمدينة فيستنفرهم، فيتشاغلون [ (2) ] له ~~بأموالهم وأبنائهم وذراريهم- وهم بنو بكر، ومزينة، وجهينة- فيقولون فيما ~~بينهم: ~~أيريد محمد يغزو بنا إلى قوم معدين مؤيدين في الكراع والسلاح؟ وإنما محمد ~~وأصحابه أكلة جزور! لن يرجع محمد وأصحابه من سفرهم هذا أبدا! PageV02P574 ~~قوم لا سلاح معهم ولا عدد، وإنما يقدم على قوم حديث عهدهم بمن أصيب منهم ~~ببدر! # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الخيل، ثم يقدم ناجية بن ~~جندب مع الهدي، وكان معه فتيان من أسلم، وقدم المسلمون هديهم مع صاحب هدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب مع الهدي ~~وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح يوم الثلاثاء بملل، فراح من ~~ملل وتعشى بالسيالة، ثم أصبح بالروحاء، فلقي بها أصراما [ (1) ] من بني ~~نهد، معهم نعم وشاء، فدعاهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا له وانقطعوا من ~~الإسلام، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن مع رجل منهم. ~~فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل منهم وقال: لا أقبل هدية ~~مشرك. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبتاع منهم فابتاعوه من ~~الأعراب فسر القوم، وجاءوا بثلاثة أضب أحياء يعرضونها، فاشتراها قوم أحلة ~~من العسكر، فأكلوا وعرضوا على المحرمين فأبوا حتى سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال: كلوا فكل صيد ليس لكم حلالا في الإحرام تأكلونه، ~~إلا ما صدتم أو صيد لكم. قالوا: يا رسول الله، فو الله ما صدنا ولا صادته ~~إلا هؤلاء الأعراب، أهدوا لنا وما يدرون أن يلقونا، إنما هم قوم سيارة ~~يصبحون اليوم بأرض وهم الغد بأرض أخرى يتبعون الغيث، وهم يريدون سحابة وقعت ~~من الخريف بفرش [ (2) ] ملل. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل منهم ~~فسأله: أين تريدون؟ فقال: يا محمد، ذكرت ms428 لنا سحابة وقعت بفرش ملل منذ شهر، ~~فأرسلنا رجلا منا يرتاد PageV02P575 ~~البلاد، فرجع إلينا فخبرنا أن الشاة قد شبعت وأن البعير يمشي ثقيلا مما ~~جمع من الحوض، وأن الغدر كثيرة مروية، فأردنا أن نلحق به. # فحدثني عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب ابن عبد الله ~~بن حنطب، عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~عمرة الحديبية ومنا المحل والمحرم، حتى إذا كنا بالأبواء، وأنا محل، رأيت ~~حمارا وحشيا، فأسرجت فرسي فركبت فقلت لبعضهم: ~~ناولني سوطي! فأبى أن يناولني فقلت: ناولني رمحي! فأبى، فنزلت فأخذت سوطي ~~ورمحي ثم ركبت فرسي، فحملت على الحمار فقتلته، فجئت به أصحابي المحرمين ~~والمحلين، فشك المحرمون في أكله، حتى أدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقد كان تقدمنا بقليل، فأدركناه فسألناه عنه فقال: أمعكم منه شيء؟ ~~قال: فأعطيته الذراع فأكلها حتى أتى على آخرها وهو محرم. فقيل لأبي ~~قتادة: وما خلفكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: طبخنا الحمار فلما ~~نضج لحقناه وأدركناه. # وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ~~بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة، أنه حدثه أنه جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالأبواء بحمار وحشي، فأهداه له فرده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قال الصعب: فلما رآني وما بوجهي من كراهية رد هديتي، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم نرده إلا أنا حرم. قال: فسألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ فقلت: ~~يا رسول الله، إنا نصبح العدو والغارة في غلس الصبح فنصيب الولدان تحت ~~بطون الخيل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم مع الآباء. PageV02P576 ~~وقال: سمعته يومئذ يقول: «لا حمى إلا لله ولرسوله» . ~~ويقال إن الحمار يومئذ كان حيا. # وحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن جده، عن أبي رهم الغفاري، قال: لما ~~نزلوا الأبواء أهدى إيماء بن رحضة جزرا ومائة ms429 شاة، وبعث بها مع ابنه خفاف ~~بن إيماء وبعيرين يحملان لبنا، فانتهى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إن أبي أرسلني بهذه الجزر واللبن إليك. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى حللتم هاهنا؟ قال: قريبا، كان ~~ماء عندنا قد أجدب فسقنا ماشيتنا إلى ماء هاهنا. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فكيف البلاد هاهنا؟ قال: يتغذى بعيرها، وأما الشاة فلا تذكر. ~~فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هديته، وأمر بالغنم ففرق فى أصحابه، ~~وشربوا اللبن عسا عسا [ (1) ] حتى ذهب اللبن، وقال: بارك الله فيكم! # فحدثني أبو جعفر الغفاري، عن أسيد بن أبي أسيد، قال: أهدي يومئذ لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ودان ثلاثة أشياء، معيشا [ (2) ] ، وعترا [ (3) ~~] ، وضغابيس [ (4) ] ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل من الضغابيس ~~والعتر وأعجبه، وأمر به فأدخل على أم سلمة زوجته، وجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعجبه هذه الهدية ويري صاحبها أنها طريفة. # وحدثني سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، PageV02P577 ~~عن كعب بن عجرة، قال: لما كنا بالأبواء وقف علي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأنا أنفخ تحت قدر لي ورأسي يتهافت قملا وأنا محرم، فقال: هل يؤذيك ~~هوامك يا كعب؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: ~~فاحلق رأسك. قال: ونزلت فيه هذه الآية: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [ ~~(1) ] . فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أذبح شاة، أو أصوم ثلاثة ~~أيام، أو أطعم ستة مساكين، كل مسكين مدين «أي ذلك فعلت أجزأك» . ويقال إن ~~كعب بن عجرة أهدى بقرة قلدها وأشعرها. وقال ناجية بن جندب: عطب لي بعير من ~~الهدي حين نظرت إلى الأبواء، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالأبواء فأخبرته فقال: انحرها واصبغ قلائدها في دمها، ولا تأكل أنت ولا ~~أحد من أهل رفقتك منها شيئا، وخل بين الناس وبينها. فلما نزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الجحفة لم ms430 يجد بها ماء، فبعث رجلا في الروايا إلى الخرار، ~~فخرج الرجل غير بعيد فرجع بالروايا فقال: يا رسول الله، ما أستطيع أن أمضي ~~قدما رعبا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس! وبعث رجلا آخر فخرج ~~بالروايا، حتى إذا كان بالمكان الذي أصاب الأول الرعب فرجع، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟ فقال: لا والذي بعثك بالحق، ما أستطيع أن ~~أمضي رعبا! قال: اجلس! ثم بعث رجلا آخر، فلما جاوز المكان الذي رجع منه ~~الرجلان قليلا وجد مثل ذلك الرعب فرجع، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا من أصحابه فأرسله بالروايا وخرج السقاء معه، وهم لا يشكون في الرجوع ~~لما رأوا من رجوع النفر، فوردوا الخرار فاستقوا ثم أقبلوا بالماء، ثم أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P578 ~~بشجرة فقم [ (1) ] ما تحتها، فخطب الناس فقال: أيها الناس، إني كائن لكم ~~فرطا [ (2) ] ، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا، كتاب الله وسنته ~~بأيديكم! ويقال: قد تركت فيكم كتاب الله وسنة نبيه. # ولما بلغ المشركين خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة راعهم ذلك، ~~واجتمعوا له وشاوروا فيه ذوي رأيهم فقالوا: يريد أن يدخل علينا في جنوده ~~معتمرا، فتسمع به العرب، وقد دخل علينا عنوة وبيننا وبينه من الحرب ما ~~بيننا! والله، لا كان هذا أبدا ومنا عين تطرف، فارتأوا رأيكم! فأجمعوا ~~أمرهم، وجعلوه إلى نفر من ذوي رأيهم- صفوان بن أمية، وسهل بن عمرو، وعكرمة ~~بن أبي جهل- فقال صفوان: ما كنا لنقطع أمرا حتى نشاوركم، نرى أن نقدم مائتي ~~فارس إلى كراع الغميم ونستعمل عليها رجلا جلدا. فقالت قريش: نعم ما رأيت! ~~فقدموا على خيلهم عكرمة ابن أبي جهل- ويقال خالد بن الوليد- واستنفرت قريش ~~من أطاعها من الأحابيش، وأجلبت ثقيف معهم، وقدموا خالد بن الوليد في الخيل، ~~ووضعوا العيون على الجبال حتى انتهوا إلى جبل يقال له وزر [ (3) ] وزع كانت ~~عيونهم عشرة رجال قام [عليهم] الحكم بن عبد مناف، يوحي بعضهم إلى ms431 بعض الصوت ~~الخفي: فعل محمد كذا وكذا! حتى ينتهي ذلك إلى قريش ببلدح. وخرجت قريش إلى ~~بلدح فضربوا بها القباب والأبنية، وخرجوا بالنساء والصبيان فعسكروا هناك، ~~ودخل بسر بن سفيان مكة فسمع من كلامهم ورأى منهم ما رأى، ثم رجع إلى رسول ~~الله صلى PageV02P579 ~~الله عليه وسلم فلقيه بغدير ذات الأشطاط من وراء عسفان، فلما رآه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بسر، ما وراءك؟ قال: يا رسول الله، تركت ~~قومك، كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، قد سمعوا بمسيرك ففزعوا وهابوا أن تدخل ~~عليهم عنوة، وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، معهم العوذ المطافيل [ ~~(1) ] ، قد لبسوا لك جلد النمور ليصدوك عن المسجد الحرام، وقد خرجوا إلى ~~بلدح وضربوا بها الأبنية، وتركت عمادهم يطعمون الجزر أحابيشهم ومن ضوى ~~إليهم في دورهم، وقدموا الخيل عليها خالد بن الوليد، مائتي فرس، وهذه خيلهم ~~بالغميم، وقد وضعوا العيون على الجبال ووضعوا الأرصاد. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للناس: هذا خالد بن الوليد على خيل المشركين بالغميم. ثم ~~قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله، ~~ثم قال: أما بعد، فكيف ترون يا معشر المسلمين فى هولاء الذين استنفروا إلي ~~من أطاعهم ليصدونا عن المسجد الحرام؟ أترون أن نمضي لوجهنا إلى البيت فمن ~~صدنا عنه قاتلناه، أم ترون أن نخلف هؤلاء الذين استنفروا لنا إلى أهليهم ~~فنصيبهم؟ فإن اتبعونا اتبعنا منهم عنق يقطعها الله، وإن قعدوا قعدوا ~~محزونين موتورين! فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال: الله ورسوله أعلم! نرى ~~يا رسول الله أن نمضي لوجهنا فمن صدنا عن البيت قاتلناه. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: فإن خيل قريش فيها خالد بن الوليد بالغميم. فقال أبو ~~هريرة: فلم أر أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكانت مشاورته أصحابه في الحرب فقط. قال: فقام المقداد بن عمرو ~~PageV02P580 ~~فقال: يا رسول الله، لا نقول كما قالت بنو ms432 إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [ (1) ] ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم ~~مقاتلون. والله يا رسول الله، لو سرت إلى برك الغماد [ (2) ] لسرنا معك ما ~~بقي منا رجل. وتكلم أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله، نرى أن نصمد لما ~~خرجنا له، فمن صدنا قاتلناه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم ~~نخرج لقتال أحد، إنما خرجنا عمارا. ~~ولقيه بديل بن ورقاء في نفر من أصحابه فقال: يا محمد، لقد اغتررت بقتال ~~قومك جلابيب [ (3) ] العرب، والله ما أرى معك أحدا له وجه، مع أني أراكم ~~قوما لا سلاح معكم! قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: عضضت بظر اللات! قال ~~بديل: أما والله لولا يد لك عندي لأجبتك، فو الله ما أتهم أنا ولا قومي ألا ~~أكون أحب أن يظهر محمد! إني رأيت قريشا مقاتلتك عن ذراريها وأموالها، قد ~~خرجوا إلى بلدح فضربوا الأبنية، معهم العوذ المطافيل، ورادفوا [ (4) ] على ~~الطعام، يطعمون الجزر من جاءهم، يتقوون بهم على حربكم، فر رأيك! # حدثني سعيد ~~بن مسلم بن قمادين، عن عثمان بن أبي سليمان، قال: ~~كانت قريش قد توافدوا وجمعوا الأموال يطعمون بها من ضوى إليهم من ~~الأحابيش، فكان يطعم في أربعة أمكنة: فى دار الندوة لجماعتهم، PageV02P581 ~~وكان صفوان بن أمية يطعم في داره، وكان سهيل بن عمرو يطعم في داره، وكان ~~عكرمة بن أبي جهل يطعم في داره، وكان حويطب بن عبد العزى يطعم في داره. # حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين قال: ودنا خالد بن الوليد في ~~خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصف خيله فيما بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين القبلة، وهي في مائتي فرس، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فتقدم في خيله فقام بإزائه فصف ~~أصحابه. # قال داود: فحدثني عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: ~~فحانت صلاة الظهر فأذن بلال وأقام، فاستقبل رسول الله صلى الله ms433 عليه وسلم ~~القبلة وصف الناس خلفه يركع بهم ويسجد، ثم سلم فقاموا على ما كانوا عليه من ~~التعبية. فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرة، لو كنا حملنا عليهم ~~لأصبنا منهم، ولكن تأتي الساعة صلاة هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم! قال: ~~فنزل جبريل عليه السلام بين الظهر والعصر بهذه الآية: وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلاة فلتقم.. [ (1) ] ~~الآية. قال: فحانت العصر فأذن بلال، وأقام فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مواجها القبلة، والعدو أمامه، وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر ~~الصفان جميعا، ثم ركع وركع الصفان جميعا، ثم سجد فسجد الصف الذي يليه وقام ~~الآخرون يحرسونه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود بالصف ~~الأول وقاموا معه سجد الصف المؤخر السجدتين، ثم استأخر الصف الذي يلونه، ~~وتقدم الصف المؤخر، فكانوا يلون رسول PageV02P582 ~~الله صلى الله عليه وسلم فقاموا جميعا، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فركع الصفان جميعا، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد الصف ~~الذي يلونه، وقام الصف المؤخر يحرسونه مقبلين على العدو، فلما رفع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأسه من السجدتين سجد الصف المؤخر السجدتين اللتين ~~بقيتا عليهم، واستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فتشهد، ثم سلم ~~عليهم. فكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: ~~هذه أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف. # حدثني سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عياش الزرقي، أنه كان ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~هكذا، وذكر أبو عياش أنه أول ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الخوف. # حدثني ربيعة بن عثمان، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، قال: صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أول صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، ثم صلاها ~~بعد بعسفان، بينهما أربع سنين، وهذا أثبت عندنا. # قالوا: فلما ms434 أمسى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تيامنوا في هذا ~~العصل [ (1) ] ، فإن عيون قريش بمر الظهران أو بضجنان، فأيكم يعرف ثنية ذات ~~الحنظل [ (2) ] ؟ فقال بريدة بن الحصيب الأسلمي: أنا يا رسول الله عالم ~~بها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسلك أمامنا- فأخذ به بريدة في ~~العصل قبل جبال سراوع قبل المغرب، فسار قليلا تنكبه الحجارة PageV02P583 ~~وتعلقه الشجر، وحار حتى كأنه لم يعرفها قط. قال: فو الله إن كنت لأسلكها ~~في الجمعة مرارا. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوجه قال: ~~اركب! فركبت فقال صلى الله عليه وسلم: ~~من رجل يدلنا على طريق ذات الحنظل؟ فنزل حمزة بن عمرو الأسلمي فقال: أنا ~~يا رسول الله أدلك. فسار قليلا ثم سقط في خمر [ (1) ] الشجر، فلا يدري أين ~~يتوجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اركب. ثم قال: من رجل يدلنا على ~~طريق ذات الحنظل؟ فنزل عمرو بن عبد نهم [ (2) ] الأسلمي فقال: أنا يا رسول ~~الله أدلك. فقال: انطلق أمامنا. فانطلق عمرو أمامهم حتى نظر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الثنية فقال: هذه ثنية ذات الحنظل؟ فقال عمرو: نعم يا ~~رسول الله. فلما وقف على رأسها تحدر به. قال عمرو: والله إن كان ليهمني ~~نفسي وجدي، إنما كانت مثل الشراك [ (3) ] ، فاتسعت لي حتى برزت وكانت محجة ~~لاحبة [ (4) ] . ولقد كان النفر يسيرون تلك الليلة جميعا معطفين من سعتها ~~يتحدثون، وأضاءت تلك الليلة حتى كأنا في قمر، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فو الذي نفسي بيده، ما مثل هذه الثنية الليلة إلا مثل الباب الذي قال ~~الله لبني إسرائيل: وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة [ (5) ] . # حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن الأعرج، عن أبى PageV02P584 ~~هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكلمة التي عرضت على بني ~~إسرائيل: «لا إله إلا الله وادخلوا الباب سجدا» . قال: باب بيت المقدس، ~~فدخلوا من قبل أستاههم، وقالوا: «حبة في شعيرة» . # وحدثني عبد الرحمن بن عبد ms435 العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكلمة التي عرضت على بني إسرائيل أن ~~يقولوا: «نستغفر الله ونتوب إليه» . فكلا هذين الحديثين قد روي. # قالوا: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجوز هذه الثنية أحد إلا ~~غفر الله له. قال أبو سعيد الخدري: وكان أخي لأمي قتادة بن النعمان في آخر ~~الناس، قال: فوقفت على الثنية فجعلت أقول للناس: إن رسول الله قال: «لا ~~يجوز هذه الثنية أحد إلا غفر له» . فجعل الناس يسرعون حتى جاز أخي في آخر ~~الناس، وفرقت أن يصبح قبل أن نجوز. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل: من كان معه ثقل فليصطنع. ~~قال أبو سعيد: وإنما معه صلى الله عليه وسلم ثقل- الثقل: الدقيق- وإنما ~~كان عامة زادنا التمر. فقلنا: يا رسول الله، إنا نخاف من قريش أن ترانا. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم لن يروكم، إن الله سيعينكم عليهم. ~~فأوقدوا النيران، واصطنع من أراد أن يصطنع. فلقد أوقدوا أكثر من خمسمائة ~~نار. فلما أصبحنا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، ثم قال: والذي ~~نفسي بيده، لقد غفر الله للركب أجمعين إلا رويكبا واحدا على جمل أحمر، ~~التقت عليه رجال القوم ليس منهم. ~~فطلب في العسكر وهو يظن أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ~~به ناحية إلى ذرى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل من بني ضمرة من PageV02P585 ~~أهل سيف البحر، فقيل لسعيد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا ~~وكذا. قال سعيد: ويحك! اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك! ~~قال: بعيري والله أهم إلي من أن يستغفر لي- وإذا هو قد أضل بعيرا له يتبع ~~العسكر يتوصل بهم ويطلب بعيره- وإنه لفي عسكركم، فأدوا إلي بعيري. فقال ~~سعيد: تحول عني لا حياك الله! ألا لا أرى قربي إلا داهية وما أشعر به! ~~فانطلق الأعرابي يطلب بعيره ms436 بعد أن استبرأ العسكر، فبينا هو في جبال سراوع ~~إذ زلقت نعله فتردى فمات، فما علم به حتى أكلته السباع. # وحدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ~~الخدري، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيأتي قوم تحقرون ~~أعمالكم مع أعمالهم. فقيل: يا رسول الله، قريش؟ ~~قال: لا، ولكن أهل اليمن، فإنهم أرق أفئدة وألين قلوبا. قلنا: يا رسول ~~الله، هم خير منا؟ فقال بيده هكذا- ويصف هشام في الصفة كأنه يقول سواء- ألا ~~إن فضل ما بيننا وبين الناس لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح [ (1) ] . # حدثني ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، ~~عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ: أتاكم أهل ~~اليمن كأنهم قطع السحاب، هم خير من على الأرض. قال رجل من الأنصار: ولا نحن ~~يا رسول الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، ثم الرابعة قال ~~قولا ضعيفا: إلا أنتم. # حدثني معمر وعبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عروة، PageV02P586 ~~عن المسور بن مخرمة قال: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دنا من ~~الحديبية وقعت يد راحلته على ثنية تهبطه على غائط القوم، فبركت راحلته فقال ~~المسلمون: حل! حل! فأبت أن تنبعث فقالوا: خلأت [ (1) ] القصواء! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إنها ما خلأت، ولا هو لها بعادة، ولكن حبسها حابس ~~الفيل. أما والله لا يسألونني اليوم خطة في تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم ~~إياها. ~~ثم زجرناها فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل بالناس على ثمد [ ~~(2) ] من ثماد الحديبية ظنون [ (3) ] قليل الماء، يتبرض ماؤه تبرضا [ (4) ] ~~، فاشتكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة الماء، فانتزع سهما ~~من كنانته فأمر به فغرز في الثمد، فجاشت لهم بالرواء حتى صدروا عنه [ (5) ] ~~بعطن. قال: وإنهم ليغرفون بآنيتهم جلوسا على شفير البئر. والذي نزل بالسهم ~~ناجية بن الأعجم ms437 من أسلم. وقد روي أن جارية من الأنصار قالت لناجية بن جندب ~~وهو في القليب: # يا أيها الماتح دلوي دونكا %~% إني رأيت الناس يحمدونكا # يثنون خيرا ويمجدونكا # فقال ناجية وهو فى القليب: PageV02P587 # قد علمت جارية يمانيه %~% أني أنا الماتح واسمي ناجيه # وطعنة مني رشاش واهيه %~% طعنتها تحت صدور العاليه # أنشدنيها رجل من ولد ناجية بن الأعجم يقال له عبد الملك بن وهب الأسلمى. ~~فحدثني موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: الذي نزل ~~بالسهم ناجية بن جندب. # وحدثني الهيثم بن واقد، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، قال: ~~حدثني رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ناجية بن ~~الأعجم- وكان ناجية بن الأعجم يحدث- يقول: دعاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين شكا إليه قلة الماء، فأخرج سهما من كنانته ودفعه إلي ودعاني بدلو ~~من ماء البئر، فجئته به فتوضأ، فقال: مضمض فاه، ثم مج في الدلو، والناس في ~~حر شديد وإنما هي بئر واحدة، وقد سبق المشركون إلى بلدح فغلبوا على مياهه، ~~فقال: انزل بالماء فصبه في البئر وأثر [ (1) ] ماءها بالسهم. ففعلت، فو ~~الذي بعثه بالحق ما كنت أخرج حتى كاد يغمرني، وفارت كما تفور القدر حتى ~~طمت، واستوت بثفيرها يغترفون ماء جانبها حتى نهلوا من آخرهم. قال: وعلى ~~الماء يومئذ نفر من المنافقين، الجد بن قيس، وأوس، وعبد الله بن أبي، وهم ~~جلوس ينظرون إلى الماء، والبئر تجيش بالرواء وهم جلوس على شفيرها. فقال أوس ~~بن خولي: ويحك يا أبا الحباب! أما آن لك أن تبصر ما أنت عليه؟ أبعد هذا ~~شيء؟ وردنا بئرا يتبرض ماؤها- يتبرض: يخرج في القعب جرعة ماء- فتوضأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فى الدلو ومضمض فاه فى الدلو PageV02P588 ~~ثم أفرغ الدلو فيها ونزل بالسهم فحثحثها [ (1) ] فجاشت بالرواء. قال: ~~يقول ابن أبي: قد رأيت مثل هذا. فقال أوس: قبحك الله وقبح رأيك! فيقبل ~~ابن أبي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله ms438 صلى الله عليه ~~وسلم: أي أبا الحباب، أين رأيت مثل ما رأيت اليوم؟ فقال: ~~ما رأيت مثله قط. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلم قلت ما قلت؟ ~~قال ابن أبي: أستغفر الله! قال ابنه: يا رسول الله، استغفر له! فاستغفر ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وحدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد، عن جده عبيد بن أبي عبيد، قال: ~~سمعت خالد بن عباد الغفاري يقول: أنا نزلت بالسهم يومئذ في البئر. # حدثني سفيان بن سعيد، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: سمعت البراء بن عازب ~~يقول: أنا نزلت بالسهم. # قالوا: ومطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية مرارا فكثرت المياه. # حدثني سفيان بن سعيد، عن خالد الحذاء، عن أبي المليح الهذلي، عن أبيه، ~~قال: مطرنا بالحديبية مطرا فما ابتلت منه أسفل نعالنا، فنادى منادي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن الصلاة في الرحال. # حدثني مالك بن أنس، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عتبة، عن زيد بن ~~خالد الجهني، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح في الحديبية ~~في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا ~~قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! PageV02P589 ~~قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر [ (1) ] . فأما من قال مطرت بفضل الله ~~ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك ~~كافر بي مؤمن بالكواكب. # حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي سلمة الحضرمي، قال: ~~سمعت أبا قتادة يقول، سمعت ابن أبي يقول- ونحن بالحديبية ومطرنا بها- فقال ~~ابن أبي: هذا نوء الخريف، مطرنا بالشعرى! # وحدثني محمد بن الحجازي، عن أسيد بن أبي أسيد، عن أبي قتادة، قال: لما ~~نزلنا على الحديبية، والماء قليل، سمعت الجد بن قيس يقول: ~~ما كان خروجنا إلى هؤلاء القوم بشيء! نموت من العطش عن آخرنا! فقلت: ~~لا تقل هذا يا أبا عبد الله، فلم خرجت؟ قال: خرجت ms439 مع قومي. قلت: ~~فلم تخرج معتمرا؟ قال: لا والله، ما أحرمت. قال أبو قتادة: ولا نويت ~~العمرة؟ قال: لا! فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل فنزل ~~بالسهم، وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدلو ومج فاه فيه، ثم رده ~~في البئر، فجاشت البئر بالرواء. قال أبو قتادة: ~~فرأيت الجد مادا رجليه على شفير البئر في الماء، فقلت: أبا عبد الله! أين ~~ما قلت؟ قال: إنما كنت أمزح معك، لا تذكر لمحمد مما قلت شيئا. قال أبو ~~قتادة: وقد كنت ذكرته قبل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فغضب الجد ~~وقال: بقينا مع صبيان من قومنا لا يعرفون لنا شرفا ولا سنا، لبطن الأرض ~~اليوم خير من ظهرها! قال أبو قتادة: PageV02P590 ~~وقد كنت ذكرت قوله للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ابنه خير منه! ~~قال أبو قتادة: فلقيني نفر من قومي فجعلوا يؤنبونني ويلومونني حين رفعت ~~مقالته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لهم: ~~بئس القوم أنتم! ويحكم! عن الجد بن قيس تذبون؟ قالوا: نعم، كبيرنا ~~وسيدنا. فقلت: قد والله طرح رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤدده عن بني ~~سلمة، وسود علينا بشر بن البراء بن معرور [ (1) ] ، وهدمنا المنامات التي ~~كانت على باب الجد وبنيناها على باب بشر بن البراء، فهو سيدنا إلى يوم ~~القيامة. قال أبو قتادة: فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ~~فر الجد بن قيس فدخل تحت بطن البعير، فخرجت أعدو وأخذت بيد رجل كان يكلمني ~~فأخرجناه من تحت بطن البعير، فقلت: ويحك! ما أدخلك هاهنا؟ أفرارا مما نزل ~~به روح القدس؟ قال: لا، ولكني رعبت وسمعت الهيعة [ (2) ] . قال الرجل: لا ~~نضحت [ (3) ] عنك أبدا، وما فيك خير. فلما مرض الجد بن قيس ونزل به الموت ~~لزم أبو قتادة بيته فلم يخرج حتى مات ودفن، فقيل له في ذلك فقال: والله، ما ~~كنت لأصلي عليه وقد سمعته يقول يوم الحديبية ms440 كذا وكذا، وقال في غزوة تبوك ~~كذا وكذا، واستحييت من قومي يرونني خارجا ولا أشهده. ويقال: خرج أبو قتادة ~~إلى ماله بالواديين فكان فيه حتى دفن، ومات الجد في خلافة عثمان # وقالوا: ~~لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية أهدى له عمرو PageV02P591 ~~ابن سالم وبسر بن سفيان الخزاعيان غنما وجزورا، وأهدى عمرو بن سالم لسعد ~~بن عبادة جزرا، وكان صديقا له، ~~فجاء سعد بالغنم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن عمرا أهداها ~~له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعمرو قد أهدى لنا ما ترى، فبارك ~~الله في عمرو! ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجزر، تنحر وتقسم في ~~أصحابه، وفرق الغنم على أصحابه من آخرها. قالت أم سلمة زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكانت معه: فدخل علينا من لحم الجزر كنحو مما دخل على رجل من ~~القوم، وشركنا في شاة فدخل علينا بعضها. وكان الذي جاءنا بالهدية غلام ~~منهم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، والغلام في بردة له ~~بلية [ (1) ] ، فقال: يا غلام، أين تركت أهلك؟ قال: تركتهم قريبا بضجنان ~~وما والاه. فقال: كيف تركت البلاد؟ فقال الغلام: ~~تركتها وقد تيسرت، قد أمشر عضاهها [ (2) ] ، وأعذق إذخرها [ (3) ] ، ~~وأسلب ثمامها [ (4) ] ، وأبقل حمضها [ (5) ] ، وانبلت الأرض فتشبعت شاتها ~~إلى الليل، وشبع بعيرها إلى الليل مما جمع من خوص وضمد الأرض [ (6) ] وبقل، ~~وتركت مياههم كثيرة تشرع فيها الماشية، وحاجة الماشية إلى الماء قليل ~~لرطوبة الأرض. ~~فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لسانه، فأمر له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بكسوة فكسي الغلام، وقال الغلام: إني أريد أن أمس ~~PageV02P592 ~~يدك أطلب بذلك البركة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادن! فدنا ~~فأخذ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، ومسح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على رأسه وقال: بارك الله فيك! فكان قد بلغ سنا، وكان له فضل ~~وحال في قومه حتى توفي زمن الوليد بن عبد ms441 الملك. # قالوا: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية جاءه بديل ابن ~~ورقاء وركب من خزاعة، وهم عيبة نصح [ (1) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتهامة، منهم المسلم ومنهم الموادع، لا يخفون عليه بتهامة شيئا، فأناخوا ~~رواحلهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءوا فسلموا عليه، فقال ~~بديل: جئناك من عند قومك، كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد استنفروا لك ~~الأحابيش ومن أطاعهم، معهم العوذ المطافيل- النساء والصبيان- يقسمون بالله ~~لا يخلون بينك وبين البيت حتى تبيد خضراؤهم [ (2) ] . فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنا لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن ~~صدنا عنه قاتلناه، وقريش قوم قد أضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاءوا ماددتهم ~~مدة يأمنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس، والناس أكثر منهم، فإن ظهر ~~أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا وقد ~~جمعوا! والله لأجهدن على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي [ (3) ] أو ينفذ الله ~~أمره! PageV02P593 ~~فوعى بديل مقالته وركب، ثم ركبوا إلى قريش، وكان فى الركب عمرو ابن سالم، ~~فجعل يقول: والله لا تنصرون على من يعرض هذا أبدا، حتى هبطوا على كفار ~~قريش. فقال ناس منهم: هذا بديل وأصحابه، إنما جاءوا يريدون أن يستخبروكم، ~~فلا تسألوهم عن حرف واحد! فلما رأى بديل وأصحابه أنهم لا يستخبرونهم قال ~~بديل: إنا جئنا من عند محمد، أتحبون أن نخبركم؟ قال عكرمة بن أبي جهل ~~والحكم بن ابى العاص: لا والله، ما لنا حاجة بأن تخبرنا عنه! ولكن أخبروه ~~عنا أنه لا يدخلها علينا عامه هذا أبدا حتى لا يبقى منا رجل. فقال عروة بن ~~مسعود: والله ما رأيت كاليوم رأيا أعجب! وما تكرهون أن تسمعوا من بديل ~~وأصحابه؟ فإن أعجبكم أمر قبلتموه، وإن كرهتم شيئا تركتموه، لا يفلح قوم ~~فعلوا هذا أبدا! وقال رجال من ذوى رأيهم وأشرافهم، صفوان ابن أمية والحارث ~~بن هشام: أخبرونا بالذي رأيتم والذي سمعتم. فأخبروهم بمقالة النبي صلى الله ~~عليه ms442 وسلم التي قال، وما عرض على قريش من المدة، فقال عروة: يا معشر قريش ~~تتهمونني؟ ألستم الوالد وأنا الولد؟ وقد استنفرت أهل عكاظ لنصركم، فلما ~~بلحوا [ (1) ] علي نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني! فقالوا: قد فعلت! ~~فقال: وإني ناصح لكم شفيق عليكم، لا أدخر عنكم نصحا، وإن بديلا قد جاءكم ~~بخطة رشد لا يردها أحد أبدا إلا أخذ شرا منها، فاقبلوها منه وابعثوني حتى ~~آتيكم بمصداقها من عنده، وأنظر إلى من معه وأكون لكم عينا آتيكم بخبره. ~~فبعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عروة بن مسعود حتى ~~أناخ راحلته PageV02P594 ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل حتى جاءه، ثم قال: ~~يا محمد، إني تركت قومك، كعب بن لؤي وعامر بن لؤي على أعداد [ (1) ] مياه ~~الحديبية معهم العوذ المطافيل، قد استنفروا لك أحابيشهم ومن أطاعهم، وهم ~~يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم. ~~وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين، أن تجتاح قومك، ولم نسمع برجل اجتاح ~~أصله قبلك، أو بين أن يخذلك من نرى معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشا [ (2) ~~] من الناس، لا أعرف وجوههم ولا أنسابهم. ~~فغضب أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال: امصص بظر اللات! أنحن نخذله؟ ~~فقال عروة: أما والله لولا يدلك عندي لم أجزك بها بعد لأجبتك! وكان عروة بن ~~مسعود قد استعان في حمل دية، فأعانه الرجل بالفريضتين والثلاث وأعانه أبو ~~بكر بعشر فرائض، فكانت هذه يد أبي بكر عند عروة بن مسعود. ~~فطفق عروة وهو يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس لحيته- والمغيرة ~~قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، على وجهه المغفر- فطفق ~~المغيرة كلما مس لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قرع يده ويقول: اكفف ~~يدك عن مس لحية رسول الله قبل ألا تصل إليك! فلما أكثر عليه غضب عروة فقال: ~~ليت شعري من أنت يا محمد من هذا الذي أرى من بين أصحابك؟ فقال رسول الله ~~صلى ms443 الله عليه وسلم: ~~هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: وأنت بذلك يا غدر؟ والله ما غسلت عنك ~~غدرتك إلا بعلابط [ (1) ] أمس! لقد أورثتنا العداوة من ثقيف PageV02P595 ~~إلى آخر الدهر! يا محمد، أتدري كيف صنع هذا؟ إنه خرج في ركب من قومه، ~~فلما كانوا بيننا وناموا فطرقهم فقتلهم وأخذ حرائبهم وفر منهم. ~~وكان المغيرة خرج مع نفر من بني مالك بن حطيط بن جشم بن قسي- والمغيرة ~~أحد الأحلام [ (1) ]- ومع المغيرة حليفان له يقال لأحدهما دمون- رجل من ~~كندة- والآخر الشريد، وإنما كان اسمه عمرو، فلما صنع المغيرة بأصحابه ما ~~صنع شرده فسمى الشريد. وخرجوا إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فجاء بني مالك ~~وآثرهم على المغيرة فأقبلوا راجعين، حتى إذا كانوا ببيسان [ (2) ] شربوا ~~خمرا، فكف المغيرة عن بعض الشراب وأمسك نفسه، وشربت بنو مالك حتى سكروا، ~~فوثب عليهم المغيرة فقتلهم، وكانوا ثلاثة عشر رجلا. فلما قتلهم ونظر إليهم ~~دمون تغيب عنهم، وظن أن المغيرة إنما حمله على قتلهم السكر، فجعل المغيرة ~~يطلب دمون ويصيح به فلم يأت، ويقلب القتلى فلا يراه فبكى، فلما رأى ذلك ~~دمون خرج إليه فقال المغيرة: ما غيبك؟ قال: خشيت أن تقتلني كما قتلت القوم. ~~قال المغيرة: إنما قتلت بني مالك بما صنع بهم المقوقس. قال: وأخذ المغيرة ~~أمتعتهم وأموالهم ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لا أخمسه، هذا غدر! ~~وذلك حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم. وأسلم المغيرة، وأقبل ~~الشريد فقدم مكة فأخبر أبا سفيان ابن حرب بما صنع المغيرة ببني مالك، فبعث ~~أبو سفيان معاوية بن أبى PageV02P596 ~~سفيان إلى عروة بن مسعود يخبره الخبر- وهو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر ~~ابن مسعود بن معتب- فقال معاوية: خرجت حتى إذا كنت بنعمان [ (1) ] قلت في ~~نفسي: أين أسلك؟ [إن سلكت] ذا غفار فهي أبعد وأسهل، وإن سلكت ذا العلق [ ~~(2) ] فهي أغلظ وأقرب. فسلكت ذا غفار فطرقت عروة بن مسعود بن عمرو المالكي، ~~فو الله ما كلمته منذ عشر سنين والليلة أكلمه. ~~قال: فخرجنا ms444 إلى مسعود فناداه عروة فقال: من هذا؟ فقال: عروة. ~~فأقبل مسعود إلينا وهو يقول: أطرقت [عراهية] [ (3) ] أم طرقت بداهية؟ ~~بل طرقت بداهية! أقتل ركبهم ركبنا أم قتل ركبنا ركبهم؟ لو قتل ركبنا ~~ركبهم ما طرقني عروة بن مسعود! فقال عروة: أصبت، قتل [ (4) ] ركبي ركبك يا ~~مسعود، انظر ما أنت فاعل! فقال مسعود: إني عالم بحدة بني مالك وسرعتهم إلى ~~الحرب فهبني صمتا. قال: فانصرفنا عنه، فلما أصبح غدا مسعود فقال: بني مالك، ~~إنه قد كان من أمر المغيرة بن شعبة أنه قتل إخوانكم بني مالك فأطيعوني ~~وخذوا الدية، اقبلوها من بني عمكم وقومكم. قالوا: لا يكون ذلك أبدا، والله ~~لا تقرك الأحلاف أبدا حين تقبلها. قال: أطيعوني واقبلوا ما قلت لكم، فو ~~الله لكأنى بكنانة بن عبد يا ليل قد أقبل تضرب درعه روحتي [ (5) ] رجليه، ~~لا يعانق رجلا إلا PageV02P597 ~~صرعه، والله لكأني بجندب بن عمرو وقد أقبل كالسيد عاضا على سهم مفوق ~~بآخر، لا يسير إلى أحد بسهمه إلا وضعه حيث يريد! فلما غلبوه أعد للقتال ~~واصطفوا، أقبل كنانة بن عبد يا ليل يضرب درعه روحتي رجليه يقول: من مصارع؟ ~~ثم أقبل جندب بن عمرو عاضا سهما مفوقا بآخر. قال مسعود: يا بني مالك ~~أطيعوني! قالوا: الأمر إليك! قال: ~~فبرز مسعود بن عمرو فقال: يا عروة بن مسعود اخرج إلي! فخرج إليه فلما ~~التقيا بين الصفين قال: عليك ثلاث عشرة دية، فإن المغيرة قد قتل ثلاثة عشر ~~رجلا فاحمل بدياتهم. قال عروة: حملت بها، هي علي! قال: فاصطلح الناس. قال ~~الأعشى أخو بني بكر بن وائل: # تحمل عروة الأحلاف [ (1) ] لما %~% رأى أمرا تضيق به الصدور # ثلاث مئين عادية وألفا %~% كذلك يفعل الجلد الصبور # قال الواقدي: فلما فرغ عروة بن مسعود من كلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال لبديل بن ورقاء وأصحابه ~~وكما عرض عليهم من المدة، ركب عروة بن مسعود حتى أتى قريشا فقال: يا قوم، ~~إني قد وفدت ms445 على الملوك، على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكا ~~قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يشدون إليه ~~النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى أمر فيفعل، وما ~~يتنخم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ إلا ~~ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء، وقد حزرت القوم، واعلموا أنكم إن أردتم ~~السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوما ما يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، ~~والله لقد رأيت PageV02P598 ~~نسيات معه إن كن ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم، وإياكم وإضجاع الرأي ~~[ (1) ] ، وقد عرض عليكم خطة فمادوه! يا قوم، اقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح، ~~مع أني أخاف ألا تنصروا عليه! رجل أتى هذا البيت معظما له، معه الهدي ينحره ~~وينصرف! فقالت قريش: لا تكلم بهذا يا أبا يعفور [ (2) ] ! لو غيرك تكلم ~~بهذا للمناه، ولكن نرده عن البيت في عامنا هذا ويرجع إلى قابل. # قالوا: ثم جاء مكرز بن حفص بن الأخيف، فلما طلع ورآه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن هذا رجل غادر! فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلمه بنحو مما كلمه أصحابه، فلما انتهى إلى قريش أخبرهم بما رد عليه. ~~فبعثوا الجليس بن علقمة- وهو يومئذ سيد الأحابيش- فلما طلع الحليس قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: هذا من قوم يعظمون الهدي ويتألهون [ (3) ] ، ~~ابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه. فبعثوا الهدي، فلما نظر إلى الهدي يسيل [ ~~(4) ] في الوادي عليه القلائد، قد أكل أوباره [ (5) ] يرجع الحنين. ~~واستقبله القوم في وجهه يلبون، قد أقاموا نصف شهر قد تفلوا [ (6) ] وشعثوا، ~~رجع ولم يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى، حتى رجع إلى ~~قريش فقال: إني قد رأيت ما لا يحل صده، رأيت الهدي في قلائده قد أكل ~~أوباره، معكوفا عن محله، والرجال قد تفلوا وقملوا أن يطوفوا بهذا البيت! ~~أما والله ما على هذا حالفناكم، ولا عاقدناكم PageV02P599 ~~على أن ms446 تصدوا عن بيت الله من جاء معظما لحرمته مؤديا لحقه، وساق الهدي ~~معكوفا أن يبلغ محله، والذي نفسي بيده لتخلن بينه وبين ما جاء به، أو ~~لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! قالوا: إنما كل ما رأيت مكيدة من محمد ~~وأصحابه، فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا بعض ما نرضى به. ~~وكان أول من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش خراش بن أمية ~~الكعبي على جمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له الثعلب، ليبلغ ~~أشرافهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء له، ويقول: إنما جئنا ~~معتمرين، معنا الهدي معكوفا، فنطوف بالبيت ونحل وننصرف. فعقروا جمل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والذي ولي عقره عكرمة بن أبي جهل وأراد قتله، فمنعه من ~~هناك من قومه حتى خلوا سبيل خراش، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يكد [ (1) ] ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما لقي فقال: يا رسول الله ~~ابعث رجلا أمنع مني! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ~~ليبعثه إلى قريش، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشا على نفسي، قد عرفت ~~قريش عداوتي لها، وليس بها من بني عدي من يمنعني، وإن أحببت يا رسول الله ~~دخلت عليهم. فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا. قال عمر: ولكن ~~أدلك يا رسول الله على رجل أعز بمكة مني، وأكثر عشيرة وأمنع، عثمان بن ~~عفان. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه فقال: اذهب ~~إلى قريش فخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت، ~~معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف. فخرج عثمان حتى أتى بلدح، فيجد ~~قريشا هنالك فقالوا: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله إليكم، يدعوكم إلى ~~الله PageV02P600 ~~وإلى الإسلام، تدخلون في الدين كافة، فإن الله مظهر دينه ومعز نبيه! ~~وأخرى تكفون، ويلي هذا منه غيركم، فإن ظفروا بمحمد فذلك ما أردتم، وإن ظفر ~~محمد كنتم بالخيار، أن تدخلوا فيما ms447 دخل فيه الناس أو تقاتلوا وأنتم وافرون ~~جامون، إن الحرب قد نهكتكم وأذهبت بالأماثل منكم! وأخرى، إن رسول الله ~~يخبركم أنه لم يأت لقتال أحد، إنما جاء معتمرا، معه الهدي عليه القلائد ~~ينحره وينصرف. فجعل عثمان رضي الله عنه يكلمهم فيأتيهم بما لا يريدون، ~~ويقولون: قد سمعنا ما تقول ولا كان هذا أبدا، ولا دخلها علينا عنوة، فارجع ~~إلى صاحبك فأخبره أنه لا يصل إلينا. فقام إليه أبان ابن سعيد بن العاص، ~~فرحب به وأجازه وقال: لا تقصر عن حاجتك! ثم نزل عن فرس كان عليه فحمل عثمان ~~على السرج وردفه وراءه، فدخل عثمان مكة، فأتى أشرافهم رجلا رجلا، أبا سفيان ~~بن حرب، وصفوان ابن أمية وغيرهم، منهم من لقي ببلدح ومنهم من لقي بمكة، ~~فجعلوا يردون عليه: إن محمدا لا يدخلها علينا أبدا! قال عثمان رضي الله ~~عنه: ثم كنت أدخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء مستضعفين فأقول: إن رسول ~~الله يبشركم بالفتح ويقول: «أظلكم حتى لا يستخفي بمكة الإيمان» [ (1) ] . ~~فقد كنت أرى الرجل منهم والمرأة تنتحب حتى أظن أنه يموت فرحا بما خبرته، ~~فيسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخفي المسألة، ويشتد ذلك [على] ~~أنفسهم، ويقولون: اقرأ على رسول الله منا السلام، إن الذي أنزله بالحديبية ~~لقادر أن يدخله بطن مكة! وقال المسلمون: يا رسول الله، وصل عثمان إلى البيت ~~فطاف! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما أظن عثمان يطوف بالبيت ونحن محصورون. قالوا: يا رسول الله، ~~PageV02P601 ~~وما يمنعه وقد وصل إلى البيت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ظني به ألا ~~يطوف حتى نطوف، فلما رجع عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالوا: اشتفيت من البيت يا عبد الله! قال عثمان: بئس ما ظننتم بي! لو كنت ~~بها سنة والنبي مقيم بالحديبية ما طفت، ولقد دعتني قريش إلى أن أطوف فأبيت ~~ذلك عليها. فقال المسلمون: لرسول الله كان أعلمنا بالله تعالى وأحسننا ظنا. # وكان رسول الله صلى الله ms448 عليه وسلم يأمر أصحابه بالحديبية يتحارسون ~~الليل، وكان الرجل من أصحابه يبيت على الحرس حتى يصبح يطيف بالعسكر، فكان ~~ثلاثة من أصحابه يتناوبون الحراسة: أوس بن خولي، وعباد بن بشر، ومحمد بن ~~مسلمة. فكان محمد بن مسلمة على فرس النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من تلك ~~الليالي وعثمان بمكة بعد، وقد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا، عليهم مكرز ~~بن حفص، وأمروهم أن يطيفوا بالنبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يصيبوا منهم ~~أحدا أو يصيبوا منهم غرة، فأخذهم محمد بن مسلمة وأصحابه، فجاء بهم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكان عثمان بمكة قد أقام بها ثلاثا يدعو قريشا، ~~وكان رجال من المسلمين قد دخلوا مكة بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أهليهم، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عثمان وأصحابه قد قتلوا، ~~فذلك حين دعا إلى البيعة. وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع من قريش إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى تراموا بالنبل والحجارة، وأسروا أيضا ~~من المشركين حينئذ أسرى، ثم إن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد ~~العزى ومكرز بن حفص، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يوم منازل ~~بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من PageV02P602 ~~الحديبية جميعا. قالت أم عمارة: والرسل تختلف بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين قريش، فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما في ~~منزلنا. قالت: فظننت أنه يريد حاجة فإذا هو قد بلغه أن عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه قد قتل، فجلس في رحالنا ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة. قالت: ~~فأقبل الناس يبايعونه في رحالنا حتى تدارك الناس، فما بقي لنا متاع إلا ~~وطئ! وزوجها غزية بن عمرو. وقالت: فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الناس يومئذ. قالت: فكأني أنظر إلى المسلمين قد تلبسوا السلاح، وهو معنا ~~قليل، إنما خرجنا عمارا، فأنا أنظر إلى غزية ابن عمرو وقد توشح بالسيف، ~~فقمت ms449 إلى عمود كنا نستظل به فأخذته في يدي، ومعي سكين قد شددته في وسطي، ~~فقلت: إن دنا مني أحد رجوت أن أقتله. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يومئذ يبايع الناس، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه آخذ بيده، فبايعهم على ألا ~~يفروا. وقال قائل: بايعهم على الموت. ويقال: أول الناس بايع سنان بن أبى ~~سنان ابن محصن، فقال: يا رسول الله، أبايعك على ما في نفسك. فكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبايع الناس على بيعة سنان بن أبي سنان، وكان المسلمون ~~الذين دخلوا على أهليهم عشرة من المهاجرين، كرز بن جابر الفهري، وعبد الله ~~بن سهيل بن عمرو، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وحاطب بن ~~أبي بلتعة، وحاطب بن عمرو بن عبد الشمس، وعبد الله بن حذافة، وأبو الروم بن ~~عمير، وعمير بن وهب الجمحي، وعبد الله بن أبي أمية بن وهب حليف سهيل في بني ~~أسد بن عبد العزى. # فلما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: سهل أمرهم! PageV02P603 ~~قال: من قاتلك لم يكن من رأي ذوي رأينا ولا ذوي الأحلام منا، بل كنا له ~~كارهين حين بلغنا ولم نعلم به، وكان من سفهائنا! فابعث إلينا بأصحابنا ~~الذين أسرت أول مرة والذين أسرت آخر مرة! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إني غير مرسلهم حتى ترسل أصحابي. ~~قال سهيل: ~~أنصفتنا! فبعث سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص إلى قريش ~~الشتيم بن عبد مناف التيمي: إنكم حبستم رجالا من أصحاب محمد بينكم وبينهم ~~أرحام، لم تقتلوهم وقد كنا لذلك كارهين! وقد أبى محمد أن يرسل من أسر من ~~أصحابكم حتى ترسلوا أصحابه، وقد أنصفنا، وقد عرفتم أن محمدا يطلق لكم ~~أصحابكم. فبعثوا إليه بمن كان عندهم، وكانوا أحد عشر رجلا، وأرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصحابهم الذين أسروا أول مرة وآخر مرة، فكان فيمن أسر ~~أول مرة عمرو بن أبي سفيان. وكان ms450 رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الناس ~~يومئذ تحت شجرة خضراء، وقد كان مما صنع الله للمسلمين أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر مناديه فنادى: إن روح القدس قد نزل على الرسول وأمر ~~بالبيعة، فأخرجوا على اسم الله فبايعوا. قال ابن عمر: فخرجت مع أبي وهو ~~ينادي للبيعة، فلما فرغ من النداء أرسلني أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبره أني قد أذنت الناس. قال عبد الله: فأرجع فأجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبايع الناس، فبايعته الثانية. قال عبد الله لعمر أن يرجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له فرجع، وكان يمسك بيد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يبايع. فلما نظرت قريش- سهيل بن عمرو، وحويطب ابن عبد العزى ~~ومن كان معه، وعيون قريش- إلى ما رأت من سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم ~~إلى الحرب، اشتد رعبهم وخوفهم وأسرعوا إلى القضية. PageV02P604 ~~فلما رجع عثمان رضي الله عنه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الشجرة فبايعه، وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال: إن عثمان ذهب في حاجة ~~الله وحاجة رسوله، فأنا أبايع له! فضرب يمينه على شماله. # قال الواقدي: حدثني جابر بن سليم، عن صفوان بن عثمان، قال: ~~فكانت قريش قد أرسلت إلى عبد الله بن أبي: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت ~~فافعل. وابنه جالس عنده فقال له ابنه: يا أبت، أذكرك الله أن تفضحنا في كل ~~موطن، تطوف بالبيت ولم يطف رسول الله؟ فأبى ابن أبي وقال: لا أطوف حتى يطوف ~~رسول الله. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ذلك فسر به. ورجع ~~حويطب بن عبد العزى وسهيل بن عمرو ومكرز بن حفص إلى قريش، فأخبروهم بما ~~رأوا من سرعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، وما جعلوا ~~له، فقال أهل الرأي منهم: ~~ليس خير من أن نصالح محمدا على أن ينصرف عنا عامه هذا ويرجع قابل، فيقيم ~~ثلاثا وينحر هديه وينصرف، ms451 ويقيم ببلدنا ولا يدخل علينا. فأجمعوا [على] ذلك، ~~فلما أجمعت قريش على الصلح والموادعة بعثوا سهيل بن عمرو ومعه حويطب بن عبد ~~العزى ومكرز بن حفص وقالوا: ائت محمدا فصالحه، وليكن في صلحك لا يدخل في ~~عامه هذا، فوالله لا يتحدث العرب أنك دخلت علينا عنوة. ~~فأتى سهيل للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين طلع قال: أراد القوم الصلح. ~~فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال الكلام، وتراجعوا، وترافعت ~~الأصوات وانخفضت. # فحدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن الحارث ابن عبد ~~الله بن كعب، قال: سمعت أم عمارة تقول: إني لأنظر إلى PageV02P605 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا يومئذ متربعا، وإن عباد بن بشر وسلمة ~~بن أسلم بن حريش مقنعان بالحديد، قائمان [ (1) ] على رأس النبي صلى الله ~~عليه وسلم، إذ رفع سهيل بن عمرو صوته قالا: اخفض من صوتك عند رسول الله! ~~وسهيل بارك على ركبتيه، رافع صوته كأني أنظر إلى علم [ (2) ] في شفته وإلى ~~أنيابه، وإن المسلمين لحول رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس. # قالوا: فلما اصطلحوا فلم يبق إلا الكتاب، وثب عمر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: بلى! قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني. فذهب عمر إلى ~~أبى بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر، ألسنا بالمسلمين؟ فقال: بلى! فقال ~~عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ ~~فقال أبو بكر: الزم غرزه [ (3) ] ! فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما ~~أمر به، ولن نخالف أمر الله ولن يضيعه الله! ولقي عمر من القضية أمرا ~~كبيرا، وجعل يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام ويقول: ~~علام نعطي الدنية في ديننا؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~أنا رسول الله ولن ms452 يضيعني! ~~قال: فجعل يرد على النبي صلى الله عليه وسلم الكلام. قال: يقول أبو عبيدة ~~بن الجراح: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول؟ تعوذ بالله من ~~الشيطان واتهم رأيك! قال عمر رضي الله عنه: فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم حياء، فما أصابنى PageV02P606 ~~قط شيء مثل ذلك اليوم، ما زلت أصوم وأتصدق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي ~~تكلمت يومئذ. فكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: قال لي عمر في خلافته، وذكر ~~القضية: ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلا يومئذ، ولو وجدت ذلك اليوم ~~شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضية لخرجت. ~~ثم جعل الله تبارك وتعالى عاقبتها خيرا ورشدا، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أعلم. # قال أبو سعيد الخدري: جلست عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما، فذكر ~~القضية فقال: لقد دخلني يومئذ من الشك، وراجعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يومئذ مراجعة ما رجعته مثلها قط، ولقد عتقت فيما دخلني يومئذ رقابا، وصمت ~~دهرا، وإني لأذكر ما صنعت خاليا فيكون أكبر همي، ثم جعل الله عاقبة القضية ~~خيرا، فينبغي للعباد أن يتهموا الرأي، والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى ~~قلت في نفسي: لو كنا مائة رجل على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبدا! فلما وقعت ~~القضية أسلم في الهدنة أكثر ممن كان أسلم من يوم دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم الحديبية، وما كان في الإسلام فتح أعظم من الحديبية. وقد ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصلح، لأنهم خرجوا لا ~~يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه حلق رأسه، وأنه دخل ~~البيت، فأخذ مفتاح الكعبة، وعرف مع المعرفين! فلما رأوا الصلح دخل الناس من ~~ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فبينا الناس على ذلك قد اصطلحوا والكتاب لم ~~يكتب، أقبل أبو جندل بن سهيل، قد أفلت برسف فى القيد متوشح السيف خلاله ~~أسفل مكة، فخرج من أسفلها حتى ms453 أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكاتب ~~سهيلا، فرفع سهيل رأسه فإذا PageV02P607 ~~بابنه أبي جندل، فقام إليه سهيل فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بلبته وصاح أبو ~~جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ ~~فزاد المسلمين ذلك شرا إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. ~~قال: يقول حويطب بن عبد العزى لمكرز بن حفص: ما رأيت قوما قط أشد حبا لمن ~~دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض! أما إني أقول لك لا تأخذ من ~~محمد نصفا أبدا بعد هذا اليوم، حتى يدخلها عنوة! فقال مكرز: أنا أرى ذلك. ~~وقال سهيل: هذا أول ما قاضيتك عليه، ردوه! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. فقال سهيل: والله لا أكاتبك على شيء حتى ترده ~~إلي. ~~فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سهيلا أن يتركه فأبى سهيل، فقال مكرز بن حفص وحويطب: يا محمد، نحن نجيره ~~لك. فأدخلاه فسطاطا فأجاراه، وكف أبوه عنه. ثم رفع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صوته فقال: يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ~~ومخرجا! إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم وأعطونا على ذلك ~~عهدا، وإنا لا نغدر! وعاد عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: بلى. ~~قال: ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: ~~بلى. قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال رسول الله: إني رسول الله، ولن ~~أعصيه ولن يضيعني. فانطلق عمر حتى جاء إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: إنه رسول الله ولن يعصيه ولن ~~يضيعه، ودع عنك ما ترى يا عمر! قال عمر: فوثبت إلى أبي جندل أمشي إلى جنبه. ~~وسهيل بن عمرو يدفعه، وعمر يقول: اصبر PageV02P608 ~~يا أبا جندل، فإنما ms454 هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، وإنما هو رجل ~~وأنت رجل ومعك السيف! فرجوت أن يأخذ السيف ويضرب أباه، فضن الرجل بأبيه. ~~فقال عمر: يا أبا جندل، إن الرجل يقتل أباه في الله، والله لو أدركنا ~~آباءنا لقتلناهم في الله، فرجل برجل! قال: وأقبل أبو جندل على عمر فقال: ~~مالك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله ~~وقتل غيره. قال أبو جندل: ما أنت بأحق بطاعة رسول الله مني! وقال عمر ورجال ~~معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ألم تكن حدثتنا أنك ~~ستدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرف مع المعرفين؟ وهدينا لم يصل ~~إلى البيت ولا نحن! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلت لكم في سفركم ~~هذا؟ ~~قال عمر: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنكم ستدخلونه، ~~وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورءوسكم ببطن مكة، وأعرف مع المعرفين! ثم ~~أقبل على عمر فقال: أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا ~~أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؟ ~~أنسيتم يوم كذا؟ وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهم أمورا- أنسيتم ~~يوم كذا؟ فقال المسلمون: صدق الله ورسوله يا نبي الله، ما فكرنا فيما فكرت ~~فيه، لأنت أعلم بالله وبأمره منا! فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عام القضية وحلق رأسه قال: هذا الذي وعدتكم. فلما كان يوم الفتح أخذ ~~المفتاح فقال: ادعوا لي عمر بن الخطاب! فقال: ~~هذا الذي قلت لكم. فلما كان في حجة الوداع بعرفة فقال: أي عمر، هذا الذي ~~قلت لكم! قال: أي رسول الله، ما كان فتح في الإسلام أعظم PageV02P609 ~~من صلح الحديبية! وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: ما كان فتح في ~~الإسلام أعظم من فتح الحديبية، ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين ~~محمد وربه، والعباد ms455 يعجلون، والله تبارك وتعالى لا يعجل كعجلة العباد حتى ~~تبلغ الأمور ما أراد الله. لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجه قائما عند ~~المنحر يقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينحرها بيده، ودعا الحلاق فحلق رأسه، وأنظر إلى سهيل يلقط من ~~شعره، وأراه يضعه على عينيه، وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب بسم ~~الله الرحمن الرحيم، ويأبى أن يكتب أن محمدا رسول الله، فحمدت الله الذي ~~هداه للإسلام، وصلوات الله وبركاته على نبي الرحمة الذي هدانا به وأنقذنا ~~به من الهلكة! # فلما حضرت الدواة والصحيفة بعد طول الكلام والمراجعة فيما ~~بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو، ولما التأم الأمر وتقارب، ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يكتب الكتاب بينهم، ودعا أوس بن ~~خولي يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا أحد الرجلين، ابن عمك علي أو عثمان بن ~~عفان! فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا يكتب، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف الرحمن، اكتب ~~كما نكتب باسمك اللهم. فضاق المسلمون من ذلك وقالوا: ~~هو الرحمن. وقالوا: لا تكتب إلا الرحمن. قال سهيل: إذا لا أقاضيه على ~~شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم! هذا ما اصطلح ~~عليه رسول الله. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، ~~أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ ~~فضج المسلمون منها ضجة هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات، PageV02P610 ~~وقام رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: لا نكتب إلا ~~محمد رسول الله! # فحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي فروة، ~~عن واقد بن عمرو، قال: حدثني من نظر إلى أسيد بن حضير وسعد بن عبادة أخذا ~~بيد الكاتب فأمسكاها وقالا [ (1) ] : لا تكتب إلا محمد رسول الله، وإلا ~~فالسيف بيننا! علام ms456 نعطي هذه الدنية في ديننا؟ فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخفضهم ويومئ بيده إليهم: اسكتوا! وجعل حويطب يتعجب مما يصنعون، ~~ويقبل على مكرز بن حفص ويقول: ما رأيت قوما أحوط لدينهم من هؤلاء القوم! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اكتب باسمك اللهم. فنزلت هذه الآية في سهيل حين أبى أن يقر بالرحمن: ~~قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [ (2) ] ~~. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا محمد بن عبد الله، فاكتب! فكتب: ~~باسمك اللهم، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، اصطلحا ~~على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا ~~إسلال ولا إغلال [ (3) ] ، وأن بيننا عيبة مكفوفة [ (4) ] ، وأنه من أحب أن ~~يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، ~~وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشا من ~~أصحاب محمد لم ترده، وأن محمدا PageV02P611 ~~يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا قابل في أصحابه فيقيم ثلاثا، لا ~~يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي ~~قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن ~~عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد ابن مسلمة، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز ~~بن حفص بن الأخيف، وكتب ذلك على صدر هذا الكتاب، فلما كتب الكتاب قال سهيل: ~~يكون عندي! وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل عندي! فاختلفا فكتب له ~~نسخة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب الأول وأخذ سهيل نسخته، ~~وكان عنده. ووثبت من هناك خزاعة فقالوا: ~~نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ونحن على من وراءنا من قومنا. ووثبت بنو بكر ~~فقالوا: نحن ندخل مع قريش في عهدها وعقدها، ونحن على من وراءنا من قومنا. ~~فقال حويطب لسهيل: بادأنا أخوالك بالعداوة وقد كانوا يستترون ms457 منا، قد دخلوا ~~في عهد محمد وعقده! قال سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هولاء أقاربنا ولحمنا قد ~~دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرا فما نصنع بهم؟ قال حويطب: نصنع ~~بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر. قال سهيل: إياك أن تسمع هذا منك بنو ~~بكر! فإنهم أهل شؤم، فيقعوا بخزاعة فيغضب محمد لحلفائه، فينقض العهد بيننا ~~وبينه. قال حويطب: حظوت والله أخوالك بكل وجه! فقال سهيل: ترى أخوالي أعز ~~علي من بني بكر؟ ولكن والله لا تفعل قريش شيئا إلا فعلته، فإذا أعانت بني ~~بكر على خزاعة فإنما أنا رجل من قريش، وبنو بكر أقرب إلي في قدم النسب، وإن ~~كان لهؤلاء لخؤولة، وبنو بكر من قد عرفت، لنا منهم مواطن كلها ليست بحسنة، ~~منها يوم عكاظ. PageV02P612 # قالوا: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب وانطلق سهيل بن ~~عمرو وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ~~قوموا فانحروا واحلقوا! فلم يجبه منهم رجل إلى ذلك، فقالها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك يأمرهم، فلم يفعل واحد منهم ذلك. فانصرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل على أم سلمة زوجته مغضبا شديد الغضب، ~~وكانت معه في سفره ذلك، فاضطجع فقالت: ~~مالك يا رسول الله؟ مرارا لا تجيبني [ (1) ] . ثم قال: عجبا يا أم سلمة! ~~إني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مرارا، فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك ~~وهم يسمعون كلامي وينظرون فى وجهى! قالت، فقلت: يا رسول الله، انطلق أنت ~~إلى هديك فانحره، فإنهم سيقتدون بك. قالت: ~~فاضطبع [ (2) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه، ثم خرج وأخذ الحربة ~~ينهم [ (3) ] هديه. قالت أم سلمة: فكأني أنظر إليه حين يهوي بالحربة إلى ~~البدنة رافعا صوته: بسم الله والله أكبر! قالت: فما هذا إلا أن رأوه نحر، ~~فتواثبوا إلى الهدي، فازدحموا عليه حتى خشيت أن يغم بعضهم بعضا. # فحدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن الحارث بن ms458 عبد الله ~~بن كعب، عن أم عمارة، قالت: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مضطبعا بثوبه والحربة في يديه ينحر بها. # حدثني مالك بن أنس، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: وأشرك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين أصحابه في الهدى، فنحر البدنة عن PageV02P613 ~~سبعة، وكان الهدي سبعين بدنة. وكان جمل أبي جهل قد غنمه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر، فكان المسلمون يغزون عليه المغازي، وكان قد ضرب في ~~لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم التي استاق عيينة بن حصن، ولقاحه التي ~~كانت بذي الجدر التي كان ساقها العرنيون، وكان جمل أبي جهل نجيبا مهريا [ ~~(1) ] كان يرعى مع الهدي، فشرد قبل القضية فلم يقف حتى انتهى إلى دار أبي ~~جهل وعرفوه، وخرج في أثره عمرو بن عنمة [ (2) ] السلمي فأبى أن يعطيه له ~~سفهاء من سفهاء مكة، فقال سهيل بن عمرو: ادفعوه إليه. فأعطوا به مائة ناقة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أنا سميناه في الهدي فعلنا. ~~فنحر الجمل عن سبعة، أحدهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وكان ابن المسيب ~~يقول: كان الهدي سبعين، وكان الناس سبعمائة، وكان كل بدنة عن عشرة. ~~والقول الأول أثبت عندنا أنه ست عشرة مائة. قال: وقام طلحة بن عبيد الله ~~ينحر بدنات له ساقها من المدينة، وعبد الرحمن أيضا، وعثمان بن عفان، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا [ (3) ] في الحل، وكان يصلي في الحرم. ~~وحضره يومئذ من يسأل من لحوم البدن معترا [ (4) ] غير كبير، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعطيهم من لحوم البدن وجلودها. قالت أم كرز الكعبية: ~~جئت أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من لحوم PageV02P614 ~~الهدي حين نحر بالحديبية، فسمعته يقول: عن الغلام شاتان مكافئتان [ (1) ] ~~والجارية شاة. وأكل المسلمون من هديهم الذي نحروا يومئذ وأطعموا المساكين ~~ممن حضرهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث بعشرين بدنة لتنحر ~~عند المروة مع رجل من أسلم، فنحرها ms459 عند المروة وقسم لحمها. # وحدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن ~~الحارث بن عبد الله، عن أم عمارة، قالت: فأنا أنظر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين فرغ من نحر البدن فدخل قبة له من أدم حمراء، فيها الحلاق ~~فحلق رأسه، فأنظر إليه قد أخرج رأسه من قبته وهو يقول: رحم الله المحلقين! ~~قيل: يا رسول الله، والمقصرين! قال: رحم الله المحلقين- ثلاثا. ثم قال: ~~والمقصرين. # فحدثني إبراهيم بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: وأنا أنظر إليه ~~حين حلق رأسه، ورمى بشعره على شجرة كانت إلى جنبه من سمرة خضراء. قالت أم ~~عمارة: فجعل الناس يأخذون الشعر من فوق الشجرة فيتحاصون [ (2) ] فيه، وجعلت ~~أزاحم حتى أخذت طاقات من شعر. فكانت عندها حتى ماتت تغسل للمريض. قال: وحلق ~~يومئذ ناس، وقصر آخرون. ~~قالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: وقصرت يومئذ أطراف شعري. ~~وكانت أم عمارة تقول: قصرت يومئذ- بمقص معي- الشعر وما شد. PageV02P615 # حدثني خراش بن هنيد، عن أبيه، قال: كان الذي حلقه خراش ابن أمية. # قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية بضعة عشر يوما، ~~ويقال عشرين ليلة، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية ~~نزل بمر الظهران ثم نزل عسفان، فأرملوا [ (1) ] من الزاد، فشكا الناس إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد بلغوا من الجوع- وفي الناس ~~ظهر-[وقالوا] : فننحر يا رسول الله وندهن من شحومه، ونتخذ من جلوده حذاء! ~~فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~يا رسول الله، لا تفعل فإن يك في الناس بقية ظهر يكن أمثل، ولكن ادعهم ~~بأزوادهم ثم ادع الله فيها. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنطاع ~~فبسطت، ثم نادى مناديه: من كان عنده بقية من زاد فلينثره على الأنطاع. قال ~~أبو شريح الكعبي: فلقد رأيت من ms460 يأتي بالتمرة الواحدة، وأكثرهم لا يأتي ~~بشيء، ويأتي بالكف من الدقيق، والكف من السويق، وذلك كله قليل. ~~فلما اجتمعت أزوادهم وانقطعت موادهم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليها فدعا فيها بالبركة، ثم قال: قربوا أوعيتكم! ~~فجاءوا بأوعيتهم. قال أبو شريح: فأنا حاضر، فيأتي الرجل فيأخذ ما شاء من ~~الزاد حتى إن الرجل ليأخذ ما لا يجد له محملا، ثم أذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالرحيل، فلما ارتحلوا مطروا ما شاءوا وهم صائفون. ~~فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا معه، فشربوا من الماء، فقام ~~رسول PageV02P616 ~~الله صلى الله عليه وسلم فخطبهم، فجاء ثلاثة نفر، فجلس اثنان مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وذهب واحد معرضا، فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما ~~الآخر فتاب، فتاب الله عليه، وأما الثالث فأعرض، فأعرض الله عنه. # فحدثني معاذ بن محمد قال، سمعت شعبة مولى ابن عباس قال: سمعت ابن عباس ~~يقول، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كنت أسير مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في منصرفه من الحديبية، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يجبني، ثم سألته فلم يجبني، ثم سألته فلم يجبني. قال عمر: فقلت: ثكلتك أمك ~~يا عمر! نذرت رسول الله ثلاثا، كل ذلك لا يجيبني! قال: فحركت بعيري حتى ~~تقدمت الناس، وخشيت أن يكون نزل في قرآن، فأخذني ما قرب وما بعد، ولما كنت ~~راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وكراهتي القضية، فإني لأسير ~~مهموما متقدما للناس، فإذا مناد [ (1) ] ينادي: يا عمر بن الخطاب! فوقع في ~~نفسي ما الله به أعلم، ثم أقبلت حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسلمت فرد علي السلام وهو مسرور، ثم قال: ~~أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، فإذا هو يقرأ إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا [ (2) ] . ~~فبشره بمغفرته، وإتمام نعمته ونصره، وطاعة من أطاع الله تعالى، ونفاق من ~~نافق، فأنزل الله على ذلك عشر آيات. # وحدثني مجمع بن ms461 يعقوب، عن أبيه، عن مجمع بن جارية، قال: PageV02P617 ~~لما كنا بضجنان راجعين من الحديبية رأيت الناس يركضون فإذا هم يقولون: ~~أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم [قرآن] ، فركضت مع الناس، حتى ~~توافينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأ: ~~إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~[ (1) ] ، فلما نزل بها جبريل عليه السلام قال: يهنيك يا رسول الله! فلما ~~هنأه جبريل هنأه المسلمون. # وكان مما نزل في الحديبية: إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال: قضينا لك قضاء ~~مبينا، فالفتح قريش [ (2) ] وموادعتهم، فهو أعظم الفتح. ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك [ (3) ] قال: ما كان قبل النبوة وما تأخر. ~~قال: ما كان قبل الموت إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم. ويتم نعمته عليك، ~~بصلح قريش، ويهديك صراطا مستقيما، قال: ~~الحق، وينصرك الله نصرا عزيزا [ (4) ] حتى تظهر فلا يكون شرك. ~~هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين [ (5) ] ، قال: الطمأنينة، ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، قال: يقينا وتصديقا، ولله جنود السماوات ~~والأرض. قال عز وجل: ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم [ (6) ] ، قال: ما اجترحوا، وكان ذلك عند ~~الله فوزا عظيما، يقول: فوزا لهم أن يغفر لهم سيئاتهم، ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله PageV02P618 ~~ظن السوء عليهم دائرة السوء [ (1) ] ، يعني الذين مر عليهم بين مكة ~~والمدينة، من مزينة وجهينة وبني بكر، واستنفرهم إلى الحديبية فاعتلوا ~~وتشاغلوا بأهليهم وأموالهم. يقول: عليهم ما تمنوا وظنوا، وذلك أنهم قالوا: ~~إنما خرج محمد في أكلة رأس [ (2) ] ، يقدم على قوم موتورين، فأبوا أن ~~ينفروا معه. إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا [ (3) ] ، قال: شاهدا عليهم ومبشرا ~~لهم بالجنة ونذيرا لهم من النار. وتعزروه [ (4) ] ، قال: تنصروه وتوقروه ~~وتعظموه، وتسبحوه بكرة وأصيلا، قال: تصلوا لله بكرة وعشيا. إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم [ (5) ] حين دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة، فبايعوه يومئذ على ألا ~~يفروا، ويقال: على الموت، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ms462 يقول: من بدل أو ~~غير ما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما ذلك على نفسه، ومن أوفى ~~فإن له الجنة، سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ~~فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم [ (6) ] ، قال: هم الذين مر ~~بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستنفرهم واستعان بهم في بدايته ~~فتشاغلوا بأهليهم وأموالهم، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء ~~إلى المدينة جاءوه يقولون استغفر لنا إباءنا أن نسير معك. يقول الله عز ~~وجل: يقولون بألسنتهم ما ليس في PageV02P619 ~~قلوبهم، يقول: سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم بل ظننتم أن لن ~~ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا [ (1) ] ، إلى قوله عز وجل: وكنتم ~~قوما بورا، قال: قولهم حين مر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «وإنما ~~محمد [في] أكلة رأس، يخرج إلى قوم موتورين معدين، ومحمد لا سلاح معه ولا ~~عدة» فأبوا أن ينفروا، وزين ذلك في قلوبكم، قال: كان يقينا في قلوبهم. ~~وقوله عز وجل: وكنتم قوما بورا، يقول: هلكى. وقوله: سيقول المخلفون إذا ~~انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ... [ (2) ] إلى آخر الآية. قال: هم الذين ~~تخلفوا عنه وأبوا أن ينفروا معه، هؤلاء العرب من مزينة وجهينة وبكر، لما ~~أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم التوجه إلى خيبر قالوا: نحن نتبعكم. ~~يقول الله عز وجل، يريدون أن يبدلوا كلام الله. قال: الذي قضى الله، قضى ~~ألا تتبعونا، وهو كلام الله، يقال قضاءه. يقول: قل للمخلفين من الأعراب ~~يعني هؤلاء الذين تخلفوا عنك في عمرة الحديبية. ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد [ (3) ] . قال: هم فارس والروم، ويقال: هوازن، ويقال: بني حنيفة يوم ~~اليمامة، تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا ~~كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما، قال: إن أبيتم أن تقاتلوا كما أبيتم ~~أن تخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة [الحديبية] . ~~PageV02P620 ~~ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج [ (1) ] قال: ms463 ~~لما نزلت العورات الثلاث. ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم [ (2) ] أخرجوا ~~العميان والمرضى والعرجان من بيوتهم. فأنزل الله عز وجل: ليس على الأعمى ~~حرج، ويقال: هذا في الغزو. # وحدثني محمد ومعمر، عن الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: نزلت هذه ~~الآية في قوم من المسلمين كانوا إذا نفروا للغزو وضعوا مفاتيح بيوتهم عند ~~الزمنى من ذلك، فأنزل الله عز وجل في ذلك رخصة لهم بالإذن في كل. لقد رضي ~~الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة [ (3) ] ، قال: وهي سمرة خضراء، ~~فعلم ما في قلوبهم، قال: ~~صدق نياتهم. فأنزل السكينة عليهم، يعني الطمأنينة، وهو بيعة الرضوان، ~~فتحا قريبا، قال: صلح قريش، ومغانم كثيرة تأخذونها [ (4) ] إلى يوم ~~القيامة. وفي قوله عز وجل: فعجل لكم هذه [ (5) ] ، قال: فتح خيبر، وكف أيدي ~~الناس عنكم، قال: الذين كانوا طافوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من المشركين ~~رجاء أن يصيبوا من المسلمين غرة، فأسرهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أسرا، ولتكون آية للمؤمنين. ~~قال: عبرة [ (6) ] ، صلح قريش وحكم [لم] يكن فيه سيف، وكان PageV02P621 ~~فتحا عظيما. وأخرى لم تقدروا عليها [ (1) ] ، قال: فارس والروم، ويقال ~~مكة. ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا [ ~~(2) ] ، يقول: لو قاتلتكم قريش انهزموا ثم لم يكن لهم من الله ولي، يعني ~~حافظ، ولا نصير من العرب. سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا [ (3) ] ، قال: قضاء الله الذي قضى ولا تبديل أن رسله يظهرون ~~ويغلبون. وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم [ (4) ] ، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسروا من ~~المشركين بالحديبية أسرى، فكف الله أيدي المسلمين عن قتلهم، وأيديهم عنكم، ~~من كانوا حبسوا بمكة، فذلك الظفر. هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله [ (5) ] ، يقول: حيث لم يصل إلى البيت وحبس ~~بالحديبية، ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل ms464 الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما، يقول: ~~لولا رجال ونساء مستضعفون بمكة، أن تطؤهم، يقول: [أن] تقتلوهم ولا ~~تعرفوهم فيصيبكم من ذلك بلاء عظيم، حيث قتلتم المسلمين وأنتم لا تعلمون، لو ~~تزيلوا، يقول: لو خرجوا من عندهم، لعذبنا الذين كفروا، يقول: سلطناكم عليهم ~~بالسيف. إذ جعل الذين PageV02P622 ~~كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية [ (1) ] حيث أبى سهيل بن عمرو أن ~~يكتب «محمد رسول الله» وحيث أبى أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» . ~~فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، يقول: بينهم، وألزمهم كلمة ~~التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، يقول: لا إله إلا الله هم أحق بها وأولى من ~~المشركين. لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام [ (2) ] ~~إلى قوله: فجعل من دون ذلك فتحا قريبا، والفتح القريب صلح الحديبية. ودخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية فحلق وحلق معه قوم، وقصر من ~~قصر، ودخل في حجته ومعه أصحابه آمنين لا يخاف إلا الله عز وجل. محمد رسول ~~الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا [ (3) ] قال: يبتغون بذلك الركوع والسجود الفضل من الله ~~والرضوان. سيماهم في وجوههم من أثر السجود، قال: أثر الخشوع والتواضع، ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع، فهذا في الإنجيل، يعني أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا قليلا، ثم ازدادوا، ثم كثروا، ثم استغلظوا، وقال: ~~والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون [ (4) ] ، قال: هي مفصولة ~~بأنهم آمنوا بالله ورسله يصدقونهم. قال بعد: والشهداء عند ربهم [ (4) ] وفي ~~قوله عز وجل: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة [ (5) ] ~~PageV02P623 ~~يعني ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية. # كانت الحرب قد حجزت بين الناس وانقطع الكلام، وإنما كان القتال حيث ~~التقوا، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وآمن الناس بعضهم بعضا، فلم ~~يكن أحد تكلم بالإسلام يعقل شيئا ms465 إلا دخل في الإسلام، حتى دخل في تلك ~~الهدنة صناديد المشركين الذين يقومون بالشرك وبالحرب- عمرو بن العاص، وخالد ~~بن الوليد، وأشباه لهم، وإنما كانت الهدنة حتى نقضوا العهد اثنين وعشرين ~~شهرا، دخل فيها مثل ما دخل في الإسلام قبل ذلك وأكثر، وفشا الإسلام في كل ~~ناحية من نواحي العرب. # ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية أتاه أبو ~~بصير- وهو عتبة بن أسيد بن جارية [ (1) ] حليف بني زهرة- مسلما، قد انفلت ~~من قومه فسار على قدميه سعيا، فكتب الأخنس بن شريق، وأزهر ابن عبد عوف ~~الزهري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، وبعثا رجلا من بني عامر بن ~~لؤي، استأجراه ببكر، ابن لبون- وهو خنيس بن جابر- وخرج مع العامري مولى له ~~يقال له كوثر، وحملا خنيس بن جابر على بعير، وكتبا يذكران الصلح بينهم، وأن ~~يرد إليهم أبا بصير، فلما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قدما بعد ~~أبي بصير بثلاثة أيام فقال خنيس: يا محمد، هذا كتاب! فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبي بن كعب، فقرأ عليه الكتاب فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك ~~عليه، PageV02P624 ~~وأشهدنا بيننا وبينك، من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا ~~بصاحبنا، ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بصير أن يرجع معهم ودفعه إليهما، ~~فقال أبو بصير: يا رسول الله، تردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما ~~قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من ~~المسلمين فرجا ومخرجا، قال أبو بصير: ~~يا رسول الله، تردني إلى المشركين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~انطلق يا أبا بصير، فإن الله سيجعل لك مخرجا. فدفعه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى العامري وصاحبه، فخرج معهما، وجعل المسلمون يسرون إلى أبي ~~بصير: يا أبا بصير، أبشر! فإن الله جاعل لك مخرجا، والرجل يكون ms466 خيرا من ألف ~~رجل، فافعل وافعل! يأمرونه بالذين معه. فخرجوا حتى كانوا بذي الحليفة- ~~انتهوا إليها عند صلاة الظهر- فدخل أبو بصير مسجد ذي الحليفة فصلى ركعتين ~~صلاة المسافر، ومعه زاد له يحمله من تمر، فمال إلى أصل جدار المسجد فوضع ~~زاده فجعل يتغدى، وقال لصاحبيه: ~~ادنوا فكلا! فقالا: لا حاجة لنا في طعامك. فقال: ولكن لو دعوتموني إلى ~~طعامكم لأجبتكم وأكلت معكم. فاستحييا فدنوا ووضعا أيديهما في التمر معه، ~~وقدما سفرة لهما فيها كسر، فأكلوا جميعا، وآنسهم، وعلق العامري بسيفه على ~~حجر في الجدار، فقال أبو بصير للعامري: يا أخا بني عامر، ما اسمك؟ فقال: ~~خنيس. قال: ابن من؟ قال: ابن جابر. فقال: ~~يا أبا جابر أصارم سيفك هذا؟ قال: نعم. قال: ناولنيه أنظر إليه إن شئت، ~~فناوله العامري وكان أقرب إلى السيف من أبي بصير، فأخذ PageV02P625 ~~أبو بصير بقائم السيف، والعامري ممسك بالجفن، فعلاه به حتى برد، وخرج ~~كوثر هاربا يعدو نحو المدينة، وخرج أبو بصير في أثره، فأعجزه حتى سبقه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول أبو بصير: والله لو أدركته لأسلكته ~~طريق صاحبه! فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه بعد العصر ~~إذ طلع المولى يعدو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا رجل ~~قد رأى ذعرا! فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ويحك، مالك؟ قال: ~~قتل صاحبكم صاحبي، وأفلت منه ولم أكد! وكان الذي حبس أبا بصير احتمال ~~سلبهما على بعيرهما، فلم يبرح مكانه قائما حتى طلع أبو بصير، فأناخ البعير ~~بباب المسجد فدخل متوشحا بالسيف- سيف العامري- فوقف على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال لرسول الله: وفت ذمتك وأدى الله عنك، وقد أسلمتني بيد ~~العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، وتبغيت بي أن [ (1) ] أكذب بالحق. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل أمه، محش حرب [ (2) ] لو كان معه ~~رجال! # وجاء أبو بصير بسلب العامري خنيس ms467 بن جابر ورحله وسيفه، فقال: ~~خمسه يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إذا خمسته ~~رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك! وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لكوثر: ترجع به إلى أصحابك. فقال: يا محمد، قد ~~أهمني نفسي، ما لي به قوة ولا يدان! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P626 ~~لأبي بصير: اذهب حيث شئت! فخرج أبو بصير حتى أتى العيص، فنزل منه ناحية ~~على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام. قال أبو بصير: فخرجت وما معي ~~من الزاد إلا كف من تمر فأكلتها ثلاثة أيام، وكنت آتي الساحل فأصيب حيتانا ~~قد ألقاها البحر فآكلها. وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة، وأرادوا أن ~~يلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ~~بصير «ويل أمه، محش حرب لو كان له رجال» ، فجعلوا يتسللون إلى أبي بصير. ~~وكان الذي كتب بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، فلما جاءهم كتاب عمر فأخبرهم أنه بالساحل على طريق ~~عير قريش، فلما ورد عليهم كتاب عمر جعلوا يتسللون رجلا رجلا حتى انتهوا إلى ~~أبي بصير فاجتمعوا عنده، قريب من سبعين رجلا، فكانوا قد ضيقوا على قريش، لا ~~يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر عير إلا اقتطعوها، حتى أحرقوا قريشا، ~~لقد مر ركب يريدون الشام معهم ثلاثون بعيرا، وكان هذا آخر ما اقتطعوا، لقد ~~أصاب كل رجل منهم، ما قيمته ثلاثون دينارا. فقال بعضهم: ابعثوا بالخمس إلى ~~رسول الله. فقال أبو بصير: لا يقبله رسول الله، قد جئت بسلب العامري، فأبى ~~أن يقبله، وقال «إني إذا فعلت هذا لم أف لهم بعهدهم» . وكانوا قد أمروا ~~عليهم أبا بصير، فكان يصلي بهم ويفرضهم [ (1) ] ويجمعهم، وهم سامعون له ~~مطيعون. فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبى بصير المعامرى اشتد ذلك عليه وقال: ~~والله ما صالحنا محمدا على هذا. PageV02P627 ~~قالت ms468 قريش: قد برئ محمد منه، قد أمكن صاحبكم فقتله بالطريق، فما على محمد ~~في هذا؟ فقال سهيل: قد والله عرفت أن محمدا قد أوفى، وما أوتينا إلا من قبل ~~الرسولين. قال: فأسند ظهره إلى الكعبة وقال: والله، لا أؤخر ظهري حتى يودى ~~هذا الرجل. قال أبو سفيان: إن هذا لهو السفه! والله لا يودى! ثلاثا. وأنى [ ~~(1) ] قريش تديه، وإنما بعثته بنو زهرة؟ فقال سهيل: ~~قد والله صدقت، ما ديته إلا على بني زهرة، وهم بعثوه ولا يخرج ديته غيرهم ~~قصرة [ (2) ] ، لأن القاتل منهم، فهم أولى من عقله. فقال الأخنس: والله لا ~~نديه، ما قتلنا ولا أمرنا بقتله، قتله رجل مخالف لديننا متبع لمحمد فأرسلوا ~~إلى محمد يديه. قال أبو سفيان: لا، ما على محمد دية ولا غرم، قد برئ محمد، ~~ما كان على محمد أكثر مما صنع، لقد أمكن الرسولين منه. فقال الأخنس: إن ~~ودته قريش كلها كانت زهرة بطنا [ (3) ] من قريش تديه معهم، وإن لم تده قريش ~~فلا نديه أبدا. فلم تخرج له دية حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح. فقال موهب بن رياح، فيما قال سهيل في بني زهرة، وما أراد أن يغرمهم ~~من الدية: # أتاني عن سهيل ذرو قول %~% ليوقظني وما بي من رقاد # فإن كنت العتاب تريد مني %~% فما بيني وبينك من بعاد # متى تغمز قناتي لا تجدني %~% ضعيف الرأي في الكرب الشداد # يسامي الأكرمين بعز قوم %~% هم الرأس المقدم في العباد # أنشدنيها عبد الله بن أبى عبيدة، وسمعتهم يثبتونها. PageV02P628 # فلما بلغ أبو بصير من قريش ما بلغ من الغيظ بعثت قريش رجلا، وكتبت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يسألونه بأرحامهم: ألا تدخل أبا بصير ~~وأصحابه، فلا حاجة لنا بهم؟ ~~وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير أن يقدم بأصحابه معه، ~~فجاءه الكتاب وهو يموت، فجعل يقرأ وهو يموت، فمات وهو في يديه، فقبره ~~أصحابه هناك وصلوا عليه، وبنوا على قبره مسجدا، وأقبل أصحابه إلى المدينة ms469 ~~وهم سبعون رجلا، فيهم الوليد بن الوليد بن المغيرة. فلما دخل الحرة عثر ~~فانقطعت إصبعه فربطها وهو يقول: # هل أنت إلا إصبع دميت %~% وفي سبيل الله ما لقيت # فدخل المدينة فمات بها. فقالت أم سلمة: يا رسول الله، ايذن لي أبكي على ~~الوليد. قال: ابكي عليه! ~~قال: فجمعت النساء وصنعت لهن [ (1) ] طعاما، فكان مما ظهر من بكائها: # يا عين فابكي للول %~% د بن الوليد بن المغيره # مثل الوليد بن الولي %~% د أبي الوليد كفى العشيره # فحدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ترداد الوليد قال: ما اتخذوا الوليد إلا حنانا. # وقالوا: لا نعلم قرشية خرجت بين أبويها مسلمة مهاجرة إلى الله إلا أم ~~كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، كانت تحدث تقول: كنت أخرج إلى بادية لنا بها ~~أهلي فأقيم فيهم الثلاث والأربع، وهي من ناحية التنعيم- أو قالت بالحصحاص [ ~~(2) ]- ثم أرجع إلى أهلى فلا ينكرون ذهابي، حتى أجمعت PageV02P629 ~~السير، فخرجت يوما من مكة كأني أريد البادية التي كنت فيها، فلما رجع من ~~تبعني خرجت حتى انتهيت إلى الطريق، فإذا رجل من خزاعة فقال: ~~أين تريدين؟ فقلت: حاجتي، فما مسألتك ومن أنت؟ فقال: رجل من خزاعة. فلما ~~ذكر خزاعة اطمأننت إليه، لدخول خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وعقده، فقلت: إني امرأة من قريش أريد اللحوق برسول الله، ولا علم لي ~~بالطريق. فقال: أهل الليل والنهار [ (1) ] ، أنا صاحبك حتى أوردك المدينة. ~~ثم جاءني ببعير فركبته، فكان يقود بي البعير، لا والله ما يكلمني كلمة، حتى ~~إذا أناخ البعير تنحى عني، فإذا نزلت جاء إلى البعير فقيده في الشجرة وتنحى ~~عني [ (2) ] في الشجرة، حتى [إذا] كان الرواح جذع [ (3) ] البعير فقربه ~~وولى عني، فإذا ركبته أخذ برأسه فلم يلتفت وراءه حتى ننزل، فلم يزل كذلك ~~حتى قدمنا المدينة، فجزاه الله خيرا من صاحب! فكانت تقول: نعم الحي خزاعة! ~~قالت: فدخلت على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا منتقبة فما ms470 ~~عرفتني حتى انتسبت، وكشفت النقاب فالتزمتني وقالت: هاجرت إلى الله وإلى ~~رسوله؟ فقلت: نعم، وأنا أخاف أن يردني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المشركين كما رد غيري من الرجال، أبا جندل بن سهيل، وأبا بصير، وحال الرجال ~~يا أم سلمة ليس كحال النساء، والقوم مصبحي، قد طالت غيبتي عنهم اليوم ~~PageV02P630 ~~ثمانية أيام منذ فارقتهم، فهم يبحثون قدر ما كنت أغيب ثم يطلبونني، فإن ~~لم يجدوني رحلوا إلي فساروا ثلاثا. ~~فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة فأخبرته أم سلمة خبر أم ~~كلثوم، فرحب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت أم كلثوم: يا رسول ~~الله، إني فررت بديني إليك فامنعني ولا تردني إليهم يفتنوني ويعذبوني، فلا ~~صبر لي على العذاب، إنما أنا امرأة وضعف النساء إلى ما تعرف، وقد رأيتك ~~رددت رجلين إلى المشركين حتى امتنع أحدهما، وأنا امرأة! فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أن الله نقض العهد في النساء. وأنزل الله فيهن «الممتحنة» ~~، وحكم في ذلك بحكم رضوه كلهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد من ~~جاء من الرجال، ولا يرد من جاءه من النساء. وقدم أخواها من الغد، الوليد ~~وعمارة ابنا عقبة بن أبى معيط، فقالا: يا محمد، فلنا بشرطنا وما عاهدتنا ~~عليه. فقال: قد نقض الله! فانصرفا. # فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: دخلت على عروة بن الزبير وهو ~~يكتب إلى هنيد صاحب الوليد بن عبد الملك، وكان كتب يسأله عن قول الله عز ~~وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن [ (1) ] ، ~~فكتب إليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشا يوم الحديبية على ~~أن يرد إليهم من جاء بغير إذن وليه، فكان يرد الرجال، فلما هاجر النساء أبى ~~الله ذلك أن يردهن إذا امتحن بمحنة الإسلام، فزعمت أنها جاءت راغبة فيه، ~~وأمره أن يرد صدقاتهن PageV02P631 ~~إليهم [ (1) ] إن احتبسن عنهم [ (2) ] ، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون ~~عليهم [ (3) ] إن فعلوا، فقال: وليسئلوا ms471 ما أنفقوا [ (4) ] وصبحها أخواها ~~من الغد [ (5) ] فطلباها، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها ~~إليهم، فرجعا إلى مكة، فأخبرا قريشا، فلم يبعثوا في ذلك أحدا، ورضوا بأن ~~تحبس النساء وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ~~وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ~~ما أنفقوا [ (6) ] ، قال: فإن فات أحدا منهم أهله إلى الكفار، فإن أتتكم ~~امرأة منهم فأصبتم فعوضوهم مما أصبتم صداق المرأة التي أتتكم، فأما ~~المؤمنون فأقروا بحكم الله، وأبى المشركون أن يقروا بذلك، وأن ما ذاب [ (7) ~~] للمشركين على المسلمين من صداق من هاجر من أزواج المشركين فآتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم من مال المشركين في أيديكم. ولسنا نعلم امرأة من المسلمين ~~فاتت زوجها باللحقوق بالمشركين بعد إيمانها، ولكنه حكم حكم الله به لأمر ~~كان، والله عليم حكيم. ولا تمسكوا بعصم الكوافر [ (8) ] ، يعني من غير أهل ~~الكتاب، فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه زينب بنت أبي أمية، فتزوجها ~~معاوية بن أبى سفيان، وطلق عمر PageV02P632 ~~أيضا بنت جرول الخزاعية، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة، وطلق عياض ابن غنم ~~الفهري أم الحكم بنت أبي سفيان يومئذ، فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي ~~فولدت له عبد الرحمن بن أم الحكم. ### | غزوة خيبر # [ (1) ] حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن حيويه لفظا، ~~سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب ابن عيسى بن ~~أبي حية، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، قال: حدثنا أبو عبد ~~الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي، قال: ~~حدثني محمد بن عبد الله، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، ~~وعبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، وابن أبي حبيبة، وعبد الرحمن ابن عبد ~~العزيز، ومحمد بن صالح، ومحمد بن يحيى بن سهل، وعائذ ابن يحيى، وعبد الحميد ~~بن جعفر، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، وأسامة بن زيد الليثي، وأبو ~~معشر، ومعاذ بن محمد، ms472 وإبراهيم بن جعفر، ويونس ويعقوب ابنا محمد الظفريان، ~~ويعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، وسعيد بن أبي زيد بن المعلى الزرقي، وربيعة ~~بن عثمان، ومحمد بن يعقوب، وعبد الله بن يزيد، وعبد الملك وعبد الرحمن ابنا ~~محمد بن أبي بكر، ومعمر بن راشد، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، فكل قد ~~حدثني من حديث خيبر بطائفة، وبعضهم أوعى له من بعض، وغير هؤلاء المسمين قد ~~حدثني من حديث خيبر، فكتبت ما حدثونى. PageV02P633 # قالوا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية في ذي ~~الحجة تمام سنة ست [ (1) ] ، فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم، وخرج ~~في صفر سنة سبع- ويقال خرج لهلال ربيع الأول- إلى خيبر. ~~وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتهيؤ للغزو فهم مجدون، ~~وتجلب من حوله يغزون معه، وجاءه المخلفون يريدون أن يخرجوا معه رجاء ~~الغنيمة، فقالوا: نخرج معك! وقد كانوا تخلفوا عنه في غزوة الحديبية، ~~وأرجفوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين، فقالوا: نخرج معك إلى خيبر، ~~إنها ريف الحجاز طعاما وودكا [ (2) ] وأموالا. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، فأما الغنيمة فلا. وبعث ~~مناديا فنادى: لا يخرجن معنا إلا راغب في الجهاد، فأما الغنيمة فلا! ~~فلما تجهز الناس إلى خيبر شق ذلك على يهود المدينة الذين هم موادعون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا أنهم إذا دخلوا خيبر أهلك الله خيبر ~~كما أهلك بني قينقاع والنضير وقريظة. قال: فلما تجهزنا لم يبق أحد من يهود ~~المدينة له على أحد من المسلمين حق إلا لزمه، وكان لأبي الشحم اليهودي عند ~~عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي خمسة دراهم في شعير أخذه لأهله، فلزمه، فقال: ~~أجلني فإني أرجو أن أقدم عليك فأقضيك حقك إن شاء الله، إن الله عز وجل قد ~~وعد نبيه خيبر أن يغنمه إياها. وكان عبد الله بن أبي حدرد ممن شهد ~~الحديبية، فقال: يا أبا الشحم، إنا نخرج إلى ريف الحجاز في الطعام ~~والأموال. فقال ms473 أبو الشحم حسدا وبغيا: تحسب أن قتال خيبر مثل ما تلقونه من ~~الأعراب؟ فيها والتوراة عشرة آلاف مقاتل! PageV02P634 # قال ابن أبي حدرد: أي عدو الله! تخوفنا بعدونا وأنت في ذمتنا وجوارنا؟ ~~والله لأرفعنك إلى رسول الله! فقلت: يا رسول الله ألا تسمع إلى ما يقول ~~هذا اليهودي؟ وأخبرته بما قال أبو الشحم. فأسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يرجع إليه شيئا، إلا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حرك ~~شفتيه بشيء لم أسمعه، ~~فقال اليهودي: يا أبا القاسم، هذا قد ظلمني وحبسني بحقي وأخذ طعامي! قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أعطه حقه. قال عبد الله: فخرجت فبعت أحد ثوبي بثلاثة دراهم، وطلبت بقية ~~حقه فقضيته، ولبست ثوبي الآخر، وكانت علي عمامة فاستدفأت [ (1) ] بها. ~~وأعطاني سلمة بن أسلم ثوبا آخر، فخرجت في ثوبين مع المسلمين، ونفلني الله ~~خيرا، وغنمت امرأة بينها وبين أبي الشحم قرابة فبعتها منه بمال. # وجاء أبو عبس بن جبر فقال: يا رسول الله، ما عندنا نفقة ولا زاد ولا توب ~~أخرج فيه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شقيقة سنبلانية، [ (2) ] ~~فباعها بثمانية دراهم، فابتاع تمرا بدرهمين لزاده وترك لأهله نفقة درهمين، ~~وابتاع بردة بأربعة دراهم. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق ~~خيبر في ليلة مقمرة إذ أبصر برجل يسير أمامه، عليه شيء يبرق في القمر كأنه ~~في الشمس وعليه بيضة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من هذا؟ فقيل: أبو عبس بن جبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~PageV02P635 ~~أدركوه! [قال] : فأدركوني فحبسوني، وأخذني ما تقدم وما تأخر، وظننت أنه ~~قد نزل في أمر من السماء، فجعلت أتذكر ما فعلت حتى لحقني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: مالك تقدم الناس لا تسير معهم؟ ~~قلت: يا رسول الله، إن ناقتي نجيبة. قال: فأين الشقيقة التي كسوتك؟ ~~فقلت: بعتها بثمانية دراهم، فتزودت بدرهمين تمرا، وتركت لأهلي نفقة ~~درهمين، واشتريت بردة بأربعة دراهم. فضحك رسول الله ms474 صلى الله عليه وسلم ثم ~~قال: أنت والله يا أبا عبس وأصحابك من الفقراء! والذي نفسي بيده لئن سلمتم ~~وعشتم قليلا ليكثرن زادكم، وليكثرن ما تتركون لأهليكم، ولتكثرن دراهمكم ~~وعبيدكم، وما ذاك بخير لكم! ~~قال أبو عبس: فكان والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة سباع بن عرفطة ~~الغفاري. قال أبو هريرة رضي الله عنه: قدمنا المدينة ونحن ثمانون بيتا من ~~دوس، فقال قائل: رسول الله بخيبر وهو قادم عليكم. فقلت: لا أسمع به ينزل ~~مكانا أبدا إلا جئته. فتحملنا حتى جئناه بخيبر فنجده قد فتح النطاة وهو ~~محاصر أهل الكتيبة، فأقمنا حتى فتح الله علينا. وكنا قدمنا المدينة فصلينا ~~الصبح خلف سباع بن عرفطة بالمدينة، فقرأ في الركعة الأولى سورة مريم وفي ~~الآخرة: ويل للمطففين [ (1) ] ، فلما قرأ إذا اكتالوا على الناس يستوفون [ ~~(2) ] قلت: تركت عمي بالسراة له مكيالان، مكيال PageV02P636 ~~يطفف به ومكيال يتبخس به [ (1) ] . ويقال: استخلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبا ذر، والثبت عندنا سباع بن عرفطة. # وكانت يهود خيبر لا يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم ~~لمنعتهم وحصونهم وسلاحهم وعددهم، كانوا يخرجون كل يوم عشرة آلاف مقاتل ~~صفوفا ثم يقولون: محمد يغزونا؟ هيهات! هيهات! وكان من كان بالمدينة من ~~اليهود يقولون حين تجهز النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر: ~~ما أمنع والله خيبر منكم! لو رأيتم خيبر وحصونها ورجالها لرجعتم قبل أن ~~تصلوا إليهم، حصون شامخات في ذرى الجبال، والماء فيها واتن [ (2) ] ، إن ~~بخيبر لألف دارع، ما كانت أسد وغطفان يمتنعون من العرب قاطبة إلا بهم، ~~فأنتم تطيقون خيبر؟ فجعلوا يوحون بذلك إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فيقول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قد وعدها الله نبيه أن يغنمه إياها. ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فعمى الله عليهم مخرجه إلا ~~بالظن حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحاتهم ليلا. وكانوا قد ~~اختلفوا فيما ms475 بينهم حيث أحسوا بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار ~~عليهم الحارث أبو زينب اليهودي بأن يعسكروا خارجا من حصونهم ويبرزوا له، ~~فإني قد رأيت من سار إليه من الحصون، لم يكن لهم بقاء بعد أن حاصرهم حتى ~~نزلوا على حكمه، ومنهم من سبي ومنهم من قتل صبرا. ~~فقالت اليهود: إن حصوننا هذه ليست مثل تلك، هذه حصون منيعة فى ~~PageV02P637 ~~ذرى الجبال. فخالفوه وثبتوا في حصونهم، فلما صبحهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعاينوه أيقنوا بالهلكة. # فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة فسلك ثنية الوداع، ثم أخذ ~~على الزغابة، ثم على نقمى، ثم سلك المستناخ، ثم كبس الوطيح [ (1) ] ، ومعهم ~~دليلان من أشجع يقال لأحدهما حسيل بن خارجة، والآخر عبد الله بن نعيم، خرج ~~على عصر [ (2) ] وبه مسجد، ثم على الصهباء [ (3) ] . فلما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في مسيره قال لعامر بن سنان: انزل يا ابن الأكوع فخذ ~~لنا من هناتك [ (4) ] . فاقتحم عامر عن راحلته، ثم ارتجز برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقول: # اللهم لولا أنت ما اهتدينا [ (5) ] %~% ولا تصدقنا ولا صلينا # فألقين سكينة [ (6) ] علينا %~% وثبت الأقدام إن لاقينا # إنا إذا صيح بنا أتينا %~% وبالصياح عولوا علينا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله! فقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: وجبت والله يا رسول الله! فقال رجل من القوم: ~~لولا متعتنا [به] يا رسول الله! فاستشهد عامر يوم خيبر. فكان سلمة بن ~~PageV02P638 ~~الأكوع يقول: لما كنا دون خيبر نظرت إلى ظبي حاقف [ (1) ] في ظل شجرة، ~~فأتفرد له بسهم فأرميه فلم يصنع سهمي شيئا، وأذعر الظبي فيلحقني عامر ففوق ~~له السهم فوضع السهم في جنب الظبي، وينقطع وتر القوس فيعلق رصافه بجنبه، ~~فلم يخلصه إلا بعد شد. ووقع في نفسي يومئذ طيرة ورجوت له الشهادة فبصرت ~~رجلا من اليهود فيصيب نفسه فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد ~~الله بن رواحة: ألا تحرك بنا الركب! فنزل عبد الله ms476 عن راحلته فقال: # والله لولا أنت ما اهتدينا %~% ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا %~% وثبت الأقدام إن لاقينا # والمشركون قد بغوا علينا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحمه! فقال عمر رضي الله عنه: ~~وجبت يا رسول الله. قال الواقدى: قتل يوم مؤتة شهيدا. # قالوا: وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصهباء فصلى بها العصر ~~ثم دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق والتمر، فأكل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأكلوا معه، ثم قام إلى المغرب فصلى بالناس ولم يتوضأ، ثم صلى العشاء ~~بالناس، ثم دعا بالأدلاء فجاء حسيل بن خارجة الأشجعي، وعبد الله بن نعيم ~~الأشجعي. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسيل: امض أمامنا حتى ~~تأخذنا صدور الأودية، حتى نأتي خيبر من بينها وبين الشام، فأحول بينهم وبين ~~الشام وبين حلفائهم من غطفان. ~~فقال حسيل: أنا أسلك بك. فانتهى به إلى موضع له طرق، فقال له: ~~PageV02P639 ~~يا رسول الله، إن لها طرقا يؤتى منها كلها، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: سمها لي! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن والاسم ~~الحسن، ويكره الطيرة والاسم القبيح. فقال الدليل: لها طريق يقال لها حزن. ~~قال: لا تسلكها! قال: لها طريق يقال لها شاش. قال: ~~لا تسلكها! قال: لها طريق يقال لها حاطب. قال: لا تسلكها! قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: ما رأيت كالليلة أسماء أقبح! سم لرسول الله! قال: ~~لها طريق واحدة لم يبق غيرها. فقال عمر: سمها. قال: اسمها مرحب. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم اسلكها! قال عمر: ألا سميت هذا ~~الطريق أول مرة! # وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر في فوارس ~~طليعة، فأخذ عينا لليهود من أشجع فقال: من [ (1) ] أنت؟ قال: باغ أبتغي ~~أبعرة ضلت لي، أنا على أثرها. قال له عباد: ألك علم بخيبر؟ قال: ~~عهدي بها حديث، فيم تسألني عنه؟ قال: عن اليهود. قال: نعم، ms477 كان كنانة بن ~~أبي الحقيق وهوذة بن قيس ساروا في حلفائهم من غطفان، فاستنفروهم وجعلوا لهم ~~تمر خيبر سنة، فجاءوا معدين مؤيدين [ (2) ] بالكراع والسلاح يقودهم عتبة بن ~~بدر، ودخلوا معهم في حصونهم، وفيها عشرة آلاف مقاتل، وهم أهل الحصون التي ~~لا ترام، وسلاح وطعام كثير لو حصروا لسنين لكفاهم، وماء واتن يشربون في ~~حصونهم، ما أرى لأحد بهم طاقة. فرفع عباد بن بشر السوط. فضربه ضربات وقال: ~~ما أنت إلا عين لهم، اصدقني وإلا ضربت عنقك! فقال الأعرابى: أفتؤمني على أن ~~PageV02P640 ~~أصدقك؟ قال عباد: نعم. فقال الأعرابي: القوم مرعوبون منكم خائفون وجلون ~~لما قد صنعتم بمن كان بيثرب من اليهود، وإن يهود يثرب بعثوا ابن عم لي ~~وجدوه بالمدينة، قد قدم بسلعة يبيعها، فبعثوه إلى كنانة بن أبي الحقيق ~~يخبرونه [ (1) ] بقلتكم وقلة خيلكم وسلاحكم. [ويقولون له] : ~~فاصدقوهم الضرب ينصرفوا عنكم، فإنه لم يلق قوما يحسنون القتال! وقريش ~~والعرب قد سروا بمسيره إليكم لما يعلمون من موادكم وكثرة عددكم وسلاحكم ~~وجودة حصونكم! وقد تتابعت قريش وغيرهم ممن يهوى هوى محمد، تقول قريش: إن ~~خيبر تظهر! ويقول آخرون: يظهر محمد، فإن ظفر محمد فهو ذل الدهر! قال ~~الأعرابي: وأنا أسمع كل هذا، فقال لي كنانة: اذهب معترضا للطريق فإنهم لا ~~يستنكرون مكانك، واحزرهم لنا، وادن منهم كالسائل لهم ما تقوى به، ثم ألق ~~إليهم كثرة عددنا ومادتنا فإنهم لن يدعوا سؤالك، وعجل الرجعة إلينا بخبرهم. ~~فأتى به عباد النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال عمر بن الخطاب: ~~اضرب عنقه. قال عباد: جعلت له الأمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أمسكه معك يا عباد! فأوثق رباطا. ~~فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر عرض عليه الإسلام وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إني داعيك ثلاثا، فإن لم تسلم لم يخرج الحبل عن ~~عنقك إلا صعدا! فأسلم الأعرابي، وخرج الدليل يسير برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى انتهى به، فيسلك بين حياض والسرير [ (2) ] ، فاتبع صدور الأودية ms478 ~~حتى هبط به الخرصة [ (3) ] ، ثم نهض به حتى سلك بين الشق PageV02P641 ~~والنطاة. ولما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه: ~~قفوا! ثم قال: قولوا: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين ~~السبع وما أقلت، ورب الرياح وما ذرت، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير ~~أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها. ثم قال: ~~ادخلوا على بركة الله! فسار حتى انتهى إلى المنزلة، وعرس بها ساعة من ~~الليل، وكان اليهود يقومون كل ليلة قبل الفجر فيتلبسون السلاح ويصفون ~~الكتائب، وهم عشرة آلاف مقاتل. وكان كنانة بن أبي الحقيق قد خرج في ركب إلى ~~غطفان يدعوهم إلى نصرهم، ولهم نصف تمر خيبر سنة، وذلك أنه بلغهم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سائر إليهم. وكان رجل من بني فزارة حليف لهم قدم ~~بسلعة إلى المدينة فباعها، ثم رجع فقدم عليهم فقال: تركت محمدا يعبئ أصحابه ~~إليكم. فبعثوا [إلى] حلفائهم من غطفان، فخرج كنانة بن أبي الحقيق في أربعة ~~عشر رجلا من اليهود يدعوهم إلى نصرهم، ولهم نصف تمر خيبر سنة. فلما نزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ~~ديك حتى طلعت الشمس، فأصبحوا وأفئدتهم تخفق، وفتحوا حصونهم معهم المساحي ~~والكرازين والمكاتل [ (1) ] ، فلما نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد نزل بساحتهم قالوا: محمد والخميس [ (2) ] ! فولوا هاربين حتى رجعوا ~~PageV02P642 ~~إلى حصونهم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الله أكبر! خربت ~~خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. ولما انتهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المنزلة جعل مسجدا فصلى إليه من آخر الليل نافلة. ~~فثارت راحلته تجر زمامها، فأدركت توجه إلى الصخرة لا تريد تركب، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها مأمورة! حتى بركت عند الصخرة، فتحول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصخرة، وأمر برحله فحط، وأمر الناس ~~بالتحول إليها، ثم ابتنى رسول ms479 الله صلى الله عليه وسلم عليها مسجدا، فهو ~~مسجدهم اليوم. فلما أصبح جاءه الحباب ابن المنذر بن الجموح فقال: يا رسول ~~الله صلى الله عليك، إنك نزلت منزلك هذا، فإن كان عن أمر أمرت به فلا نتكلم ~~فيه، وإن كان الرأي تكلمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو ~~الرأي. فقال: ~~يا رسول الله، دنوت من الحصن ونزلت بين ظهري النخل والنز [ (1) ] ، مع أن ~~أهل النطاة لي بهم معرفة، ليس قوم أبعد مدى منهم، ولا أعدل منهم، وهم ~~مرتفعون علينا، وهو أسرع لانحطاط نبلهم، مع أني لا آمن من بياتهم يدخلون في ~~خمر [ (2) ] النخل، تحول يا رسول الله إلى موضع بريء من النز ومن الوباء، ~~نجعل الحرة بيننا وبينهم حتى لا ينالنا نبلهم. ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: نقاتلهم هذا اليوم. ودعا رسول الله صلى الله عليه PageV02P643 ~~وسلم محمد بن مسلمة فقال: انظر لنا منزلا بعيدا من حصونهم بريئا [ (1) ] ~~من الوباء، نأمن فيه بياتهم. فطاف محمد حتى انتهى إلى الرجيع [ (2) ] ، ثم ~~رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلا فقال: وجدت لك منزلا. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: على بركة الله. وقاتل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يومه ذلك إلى الليل يقاتل أهل النطاة، يقاتلها من أسفلها. وحشدت ~~اليهود يومئذ، فقال له الحباب: لو تحولت يا رسول الله! فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إذا أمسينا إن شاء الله تحولنا. # وجعلت نبل اليهود تخالط عسكر المسلمين وتجاوزه، وجعل المسلمون يلقطون ~~نبلهم ثم يردونها عليهم. ~~فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول، وأمر الناس فتحولوا إلى ~~الرجيع، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدو بالمسلمين على راياتهم، ~~وكان شعارهم: يا منصور أمت! فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله، إن ~~اليهود ترى النخل أحب إليهم من أبكار أولادهم، فاقطع نخلهم. ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل، ووقع المسلمون في قطعها ~~حتى أسرعوا [ (3) ] في القطع، فجاءه ms480 أبو بكر فقال: يا رسول الله، إن الله ~~عز وجل قد وعدكم خيبر، وهو منجز ما وعدك، فلا تقطع النخل. فأمر فنادى منادي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى عن قطع النخل. # وحدثني محمد بن يحيى، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت نخلا بخيبر في النطاة ~~مقطعة، فكان ذلك مما قطع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV02P644 # وحدثني أسامة بن زيد الليثي، عن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة قال: قطع ~~المسلمون في النطاة أربعمائة عذق، ولم تقطع في غير النطاة. # فكان محمد بن مسلمة ينظر إلى صور [ (1) ] من كبيس، قال: أنا قطعت هذا ~~الصور بيدي حتى سمعت بلالا ينادي عزمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~يقطع النخل! فأمسكنا. قال: وكان محمود بن مسلمة يقاتل مع المسلمين يومئذ، ~~وكان يوما صائفا شديد الحر، وهو أول يوم قاتل فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أهل النطاة وبها بدأ، فلما اشتد الحر على محمود وعليه أداته كاملة جلس ~~تحت حصن ناعم يبتغي فيئه، وهو أول حصن بدأ به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يظن محمود أن فيه أحدا من المقاتلة. إنما ظن أن فيه أثاثا ~~ومتاعا- وناعم يهودي، وله حصون ذوات عدد فكان هذا منها- فدلى عليه مرحب رحى ~~فأصاب رأسه. ~~فهشمت البيضة رأسه حتى سقطت جلدة جبينه على وجهه، وأتي به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فرد الجلدة فرجعت كما كانت، وعصبها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بثوب. فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول إلى الرجيع ~~وخاف على أصحابه البيات، فضرب عسكره هناك وبات فيه، وكان مقامه بالرجيع ~~سبعة أيام، يغدو كل يوم بالمسلمين على راياتهم متسلحين ويترك العسكر ~~بالرجيع، ويستخلف عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويقاتل أهل النطاة يومه ~~إلى الليل، ثم إذا أمسى رجع إلى الرجيع. وكان قاتل أول يوم من أسفل النطاة، ~~ثم عاد بعد فقاتلهم من أعلاها حتى PageV02P645 ~~فتح الله عليه. وكان من ms481 جرح من المسلمين حمل إلى المعسكر فدووي، وإن كان ~~به انطلاق انطلق إلى معسكر النبي صلى الله عليه وسلم. وكان أول يوم قاتلوا ~~فيه جرح من المسلمين خمسون رجلا من نبلهم، فكانوا يداوون من الجراح. ~~ويقال: إن قوما شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وباء المنزل ~~فأمرهم بالتحول إلى الرجيع، وقدموا خيبر على ثمرة خضراء وهي وبئة وخيمة، ~~فأكلوا من تلك الثمرة، وأهمدتهم الحمى، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: قرسوا [ (1) ] الماء في الشنان، فإذا كان بين الأذانين ~~فاحدروا الماء عليكم حدرا [ (2) ] واذكروا اسم الله. ~~ففعلوا فكأنما أنشطوا من عقال [ (3) ] . # وكان كعب بن مالك يحدث: إن رجلا من اليهود من أهل النطاة نادانا بعد ليل ~~ونحن بالرجيع: أنا آمن وأبلغكم؟ قلنا: نعم. قال: # فابتدرناه فكنت أول من سبق إليه فقلت: من [ (4) ] أنت؟ فقال: رجل من ~~اليهود. فأدخلناه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اليهودي: يا أبا ~~القاسم: ~~تؤمني وأهلي على أن أدلك على عورة من عورات اليهود؟ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: نعم. فدله على عورة اليهود. قال: فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه تلك الساعة فحضهم على الجهاد، وخبرهم أن اليهود قد أسلمها ~~حلفاؤها وهربوا، وأنها قد تجادلت واختلفوا بينهم. قال PageV02P646 ~~كعب: فغدونا عليهم فظفرنا الله بهم، فلم يكن في النطاة شيء غير الذرية ~~فلما انتهينا إلى الشق وجدنا فيه ذرية، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى اليهودي زوجته وكانت في الشق، فدفعها إليه فرأيته أخذ بيد امرأة حسناء. # قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يناوب بين أصحابه في حراسة ~~الليل في مقامه بالرجيع سبعة أيام. فلما كانت الليلة السادسة من السبع ~~استعمل عمر بن الخطاب على العسكر، فطاف عمر بأصحابه حول العسكر وفرقهم أو ~~فرق منهم، فأتي برجل من اليهود في جوف الليل فأمر به عمر أن يضرب عنقه، ~~فقال اليهودي: اذهب بي إلى نبيكم حتى أكلمه، فأمسكه عمر وانتهى به إلى ms482 باب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده يصلي، فسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كلام عمر فسلم وأدخله عليه، ودخل عمر باليهودي، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لليهودي: ما وراءك ومن أنت [ (1) ] ؟ فقال اليهودي: تؤمني ~~يا أبا القاسم وأصدقك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فقال ~~اليهودي: خرجت من حصن النطاة من عند قوم ليس لهم نظام، تركتهم يتسللون من ~~الحصن في هذه الليلة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين يذهبون؟ قال: ~~إلى أذل مما كانوا فيه، إلى الشق، وقد رعبوا منك حتى إن أفئدتهم لتخفق، ~~وهذا حصن اليهود فيه السلاح والطعام والودك، وفيه آلة حصونهم التي كانوا ~~يقاتلون بها بعضهم بعضا، وقد غيبوا ذلك في بيت من حصونهم تحت الأرض. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV02P647 ~~وما هو؟ قال: منجنيق مفككة ودبابتان وسلاح من دروع وبيض وسيوف، فإذا دخلت ~~الحصن غدا وأنت تدخله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن شاء الله. قال اليهودي: إن شاء الله أوقفك عليه، فإنه لا يعرفه أحد من ~~اليهود غيري. وأخرى! قيل: ما هي؟ قال: تستخرجه، ثم أنصب المنجنيق على حصن ~~الشق، وتدخل الرجال تحت الدبابتين فيحفرون الحصن فتفتحه من يومك، وكذلك ~~تفعل بحصن الكتيبة. فقال عمر: يا رسول الله، إني أحسبه قد صدق. قال ~~اليهودي: يا أبا القاسم، احقن دمي. قال: أنت آمن قال: ولي زوجة في حصن ~~النزار فهبها لي. قال: هي لك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لليهود ~~حولوا ذراريهم من النطاة؟ قال: جردوها للمقاتلة، وحولوا الذراري إلى الشق ~~والكتيبة. # قالوا: ثم دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: ~~أنظرني أياما، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا بالمسلمين إلى ~~النطاة، ففتح الله الحصن، واستخرج ما كان قال اليهودي فيه، فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالمنجنيق أن تصلح وتنصب على الشق على حصن النزار، فهيئوا، ~~فما رموا عليها بحجر حتى فتح ms483 الله عليهم حصن النزار. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين انتهى إليه حصب الحصن فساخ في الأرض حتى أخذ أهله أخذا، ~~وأخرجت زوجته، يقال لها نفيلة، فدفعها إليه. فلما فتح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الوطيح وسلالم أسلم اليهودي، ثم خرج من خيبر فلم يسمع له بذكر، ~~وكان اسمه سماك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتهى إلى حصن ناعم ~~في النطاة وصف أصحابه نهى عن PageV02P648 ~~القتال حتى يأذن لهم، فعمد رجل من أشجع فحمل على يهودي، وحمل عليه مرحب ~~فقتله. فقال الناس: يا رسول الله، استشهد فلان! فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أبعد ما نهيت عن القتال؟ فقالوا: نعم. ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى: لا تحل الجنة لعاص. ثم ~~أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال وحث عليه، ووطن المسلمون ~~أنفسهم على القتال. وكان يسار الحبشى- عبد أسود [ (1) ] لعامر اليهودي- في ~~غنم مولاه، فلما رأى أهل خيبر يتحصنون ويقاتلون سألهم، فقالوا: نقاتل هذا ~~الذي يزعم أنه نبي. قال: فوقعت تلك الكلمة في نفسه، فأقبل بغنمه يسوقها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، ما تقول؟ ~~ما تدعو إليه؟ قال: أدعوا إلى الإسلام، فأشهد أن لا إله إلا الله وأني ~~رسول الله. قال: فما لي؟ قال: الجنة إن ثبت على ذلك. قال: فأسلم. وقال: ~~إن غنمي هذه وديعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجها من العسكر ثم ~~صح بها وارمها بحصيات، فإن الله عز وجل سيؤدي عنك أمانتك. ففعل العبد فخرجت ~~الغنم إلى سيدها، وعلم اليهودي أن عبده قد أسلم. ووعظ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الناس وفرق بينهم الرايات، وكانت ثلاث رايات، ولم تكن راية قبل ~~يوم خيبر، إنما كانت الألوية، وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم السوداء ~~من برد لعائشة، تدعى العقاب، ولواؤه أبيض، ودفع راية إلى علي عليه السلام، ~~وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، فخرج ms484 علي عليه السلام ~~بالراية وتبعه العبد الأسود فقاتل حتى قتل، فاحتمل فأدخل خباء من أخبية ~~العسكر، فاطلع رسول الله صلى الله عليه PageV02P649 ~~وسلم في الخباء فقال: لقد كرم الله هذا العبد الأسود وساقه إلى خيبر، ~~وكان الإسلام من نفسه حقا، قد رأيت عند رأسه زوجتين من الحور العين. # قالوا: وكان رجل من بني مرة يقال له أبو شييم يقول: أنا في الجيش الذين ~~كانوا مع عيينة من غطفان، أقبل مدد اليهود، فنزلنا بخيبر ولم ندخل حصنا. ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وهو رأس غطفان ~~وقائدهم أن ارجع بمن معك ولك نصف تمر خيبر هذه السنة، إن الله قد وعدني ~~خيبر. فقال عيينة: لست بمسلم حلفائي وجيراني. فأقمنا فبينا نحن على ذلك مع ~~عيينة إذ سمعنا صائحا، لا ندري من السماء أو من الأرض: أهلكم، أهلكم بحيفاء ~~[ (1) ]- صيح ثلاثة- فإنكم قد خولفتم إليهم! ويقال: إنه لما سار كنانة بن ~~أبي الحقيق فيهم حلفوا معه، وارتأسهم عيينة بن حصن وهم أربعة آلاف، فدخلوا ~~مع اليهود في حصون النطاة قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة ~~أيام، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أرسل إليهم سعد بن عبادة ~~وهم في الحصن، فلما انتهى سعد إلى الحصن ناداهم: إني أريد أن أكلم عيينة بن ~~حصن. فأراد عيينة أن يدخله الحصن فقال مرحب: لا تدخله فيرى خلل حصننا ويعرف ~~نواحيه التي يؤتى منها، ولكن تخرج إليه. فقال عيينة: لقد أحببت أن يدخل ~~فيرى حصانته ويرى عددا كثيرا. فأبى مرحب أن يدخله، فخرج عيينة إلى باب ~~الحصن، ~~فقال سعد: إن رسول الله أرسلني إليك يقول: إن الله قد وعدني خيبر فارجعوا ~~وكفوا، فإن ظهرنا عليها فلكم تمر خيبر سنة. ~~فقال عيينة: إنا والله ما كنا لنسلم حلفاءنا لشيء، وإنا لنعلم ما لك ~~PageV02P650 ~~ولمن معك بما هاهنا طاقة، هؤلاء قوم أهل حصون منيعة، ورجال عددهم كثير، ~~وسلاح. إن أقمت هلكت ومن معك، وإن أردت القتال عجلوا عليك ms485 بالرجال والسلاح. ~~ولا والله، ما هؤلاء كقريش، قوم ساروا إليك، إن أصابوا غرة منك فذاك الذي ~~أرادوا وإلا انصرفوا، وهؤلاء يماكرونك الحرب ويطاولونك حتى تملهم. فقال سعد ~~بن عبادة: أشهد ليحضرنك في حصنك هذا حتى تطلب الذي كنا عرضنا عليك، فلا ~~نعطيك إلا السيف، وقد رأيت يا عيينة من قد حللنا بساحته من يهود يثرب، كيف ~~مزقوا كل ممزق! فرجع سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قال، ~~وقال سعد: ~~يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعدك ومظهر دينه، فلا تعط هذا الأعرابي ~~تمرة واحدة، يا رسول الله، لئن أخذه السيف ليسلمنهم وليهربن إلى بلاده كما ~~فعل ذلك قبل اليوم في الخندق. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ~~يوجهوا إلى حصنهم الذي فيه غطفان، وذلك عشية وهم في حصن ناعم، فنادى منادي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصبحوا على راياتكم عند حصن ناعم الذي فيه ~~غطفان. قال: فرعبوا من ذلك يومهم وليلتهم، فلما كان بعد هذه من تلك الليلة ~~سمعوا صائحا يصيح، لا يدرون من السماء أو من الأرض: يا معشر غطفان، أهلكم ~~أهلكم! الغوث، الغوث بحيفاء- صيح ثلاثة- لا تربة ولا مال! قال: فخرجت غطفان ~~على الصعب والذلول، وكان أمرا صنعه الله عز وجل لنبيه. فلما أصبحوا أخبر ~~كنانة بن أبي الحقيق وهو في الكتيبة بانصرافهم، فسقط في يديه [ (1) ] ، وذل ~~وأيقن بالهلكة وقال: كنا من هؤلاء الأعراب في باطل، إنا سرنا فيهم فوعدونا ~~النصر وغرونا، ولعمري لولا ما وعدونا من نصرهم ما نابذنا محمدا بالحرب، ~~PageV02P651 ~~ولم نحفظ. كلام سلام بن أبي الحقيق إذ قال: لا تستنصروا بهؤلاء الأعراب ~~أبدا فإنا قد بلوناهم. وجلبهم لنصر بني قريظة ثم غروهم. فلم نر عندهم وفاء ~~لنا، وقد سار فيهم حيي بن أخطب وجعلوا يطلبون الصلح من محمد، ثم زحف محمد ~~إلى بنى قريظة وانكشفت غطفان راجعة إلى أهلها. # قالوا: فلما انتهى الغطفانيون إلى أهلهم بحيفاء وجدوا أهلهم على حالهم ~~فقالوا: هل راعكم شيء؟ قالوا: ms486 لا والله. فقالوا: لقد ظننا أنكم قد غنمتم، ~~فما نرى معكم غنيمة ولا خيرا! فقال عيينة لأصحابه: هذا والله من مكايد محمد ~~وأصحابه، خدعنا والله! فقال له الحارث بن عوف: بأي شيء؟ قال عيينة: إنا في ~~حصن النطاة بعد هدأة [ (1) ] إذ سمعنا صائحا يصيح، لا ندري من السماء أو من ~~الأرض: أهلكم أهلكم بحيفاء- صيح ثلاثة- فلا تربة ولا مال! قال الحارث بن ~~عوف: يا عيينة، والله لقد غبرت [ (2) ] إن انتفعت. والله إن الذي سمعت لمن ~~السماء! والله ليظهرن محمد على من ناوأه، حتى لو ناوأته الجبال لأدرك منها ~~ما أراد. فأقام عيينة أياما في أهله ثم دعا أصحابه للخروج إلى نصر اليهود، ~~فجاءه الحارث بن عوف فقال: يا عيينة أطعني وأقم في منزلك ودع نصر اليهود، ~~مع أني لا أراك ترجع إلى خيبر إلا وقد فتحها محمد ولا آمن عليك. فأبى عيينة ~~أن يقبل قوله وقال: لا أسلم حلفائي لشيء. ولما ولى عيينة إلى أهله هجم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الحصون حصنا حصنا، فلقد انتهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى حصن ناعم ومعه المسلمون، وحصون ناعم عدة، فرمت اليهود ~~يومئذ بالنبل، وترس أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وسلم عن رسول ~~PageV02P652 ~~الله] ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ درعان ومغفر وبيضة، وهو ~~على فرس يقال له الظرب [ (1) ] ، في يده قناة وترس، وأصحابه محدقون به، وقد ~~كان دفع لواءه إلى رجل من أصحابه من المهاجرين فرجع ولم يصنع شيئا، ثم دفعه ~~إلى آخر فرجع ولم يصنع شيئا، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء ~~الأنصار إلى رجل منهم، فخرج ورجع ولم يعمل شيئا، فحث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المسلمين، وسالت كتائب اليهود، أمامهم الحارث أبو زينب يقدم ~~اليهود يهد الأرض هدا، فأقبل صاحب راية الأنصار فلم يزل يسوقهم حتى انتهوا ~~إلى الحصن فدخلوه، وخرج أسير اليهودي يقدم أصحابه معه عاديته [ (2) ] وكشف ~~راية أصحاب الأنصار حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه ms487 وسلم في موقفه، ~~ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه حدة شديدة، وقد ذكر لهم الذي ~~وعدهم الله، فأمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهموما، ~~وقد كان سعد بن عبادة رجع مجروحا وجعل يستبطئ أصحابه، وجعل صاحب راية ~~المهاجرين يستبطئ أصحابه ويقول: أنتم، وأنتم! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن اليهود جاءهم الشيطان فقال لهم: إن محمدا يقاتلكم على أموالكم! ~~نادوهم: قولوا لا إله إلا الله، ثم قد أحرزتم بذلك أموالكم ودماءكم، ~~وحسابكم على الله. فنادوهم بذلك فنادت اليهود: إنا لا نفعل ولا نترك عهد ~~موسى والتوراة بيننا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية ~~غدا رجلا يحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار، أبشر يا محمد ~~بن مسلمة غدا، إن شاء الله يقتل قاتل أخيك وتولى عادية اليهود. PageV02P653 ~~فلما أصبح أرسل إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو أرمد، فقال: ~~ما أبصر سهلا ولا جبلا. قال: فذهب إليه فقال: افتح عينيك. ففتحهما فتفل ~~فيهما. قال علي عليه السلام: فما رمدت حتى الساعة. ~~ثم دفع إليه اللواء، ودعا له ومن معه من أصحابه بالنصر، فكان أول من خرج ~~إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته، فانكشف المسلمون وثبت علي عليه السلام ~~فاضطربا ضربات فقتله علي عليه السلام، ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه ~~وأغلقوا عليهم، فرجع المسلمون إلى موضعهم، وخرج مرحب وهو يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب %~% شاكي السلاح بطل مجرب # أضرب أحيانا وحينا أضرب # فحمل علي عليه السلام فقطره [ (1) ] على الباب وفتح الباب: وكان للحصن ~~بابان. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رباح، عن شيوخ من بني ساعدة قالوا: قتل ~~أبو دجانة الحارث أبا زينب، وكان يومئذ معلما بعمامة حمراء، والحارث معلم ~~فوق مغفره، وياسر وأسير وعامر معلمين. # حدثني ابن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو، قال: نزلت بأريحا زمن سليمان ~~بن عبد الملك فإذا حي من اليهود، وإذا رجل يهدج من الكبر. ~~فقال: ممن أنتم؟ فقلنا: ms488 من الحجاز. فقال اليهودي: واشوقاه إلى الحجاز! ~~أنا ابن الحارث اليهودي فارس خيابر، قتله يوم خيبر رجل من أصحاب محمد يقال ~~له أبو دجانة يوم نزل محمد خيبر، وكنا ممن أجلى عمر بن الخطاب إلى الشام. ~~فقلت: ألا تسلم؟ قال: أما إنه خير لى PageV02P654 ~~لو فعلت، ولكن أعير، تعيرني اليهود، تقول: أبوك ابن سيد اليهود لم يترك ~~اليهودية، قتل عليها أبوك وتخالفه؟ # وقال أبو رافع: كنا مع علي عليه السلام حين بعثه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالراية، فلقي على عليه السلام رجلا على باب الحصن، فضرب عليا واتقاه ~~بالترس علي، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في ~~يده حتى فتح الله عليه الحصن. وبعث رجلا يبشر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بفتح الحصن، حصن مرحب ودخولهم الحصن. ويقال: إن مرحب برز وهو كالفحل الصؤول ~~يرتجز وهو يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب %~% شاكي السلاح بطل مجرب # أضرب أحيانا وحينا أضرب # يدعو للبراز. فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أنا والله الموتور ~~الثائر، قتل أخي بالأمس فائذن لي في قتال مرحب وهو قاتل أخي. فأذن له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في مبارزته، ودعا له بدعوات، وأعطاه سيفه، فخرج ~~محمد فصاح: يا مرحب، هل لك في البراز؟ فقال: نعم. # فبرز إليه مرحب وهو يرتجز: # قد علمت خيبر أني مرحب # وخرج محمد بن مسلمة وهو يقول: # قد علمت خيبر أني ماض %~% حلو إذا شئت وسم قاض # ويقال: إنه جعل يومئذ يرتجز ويقول: # يا نفس إلا تقتلي تموتي %~% لا صبر لي بعد أبي النبيت # وكان أخوه محمود يكنى بأبي النبيت. قال: وبرز كل واحد منهما إلى صاحبه. ~~قال: فحال بينهما عشرات [ (1) ] أصلها كمثل أصل الفحل من PageV02P655 ~~النخل وأفنان منكرة، فكلما ضرب أحدهما صاحبه استتر بالعشر حتى قطعا كل ~~ساق لها، وبقي أصلها قائما [ (1) ] كأنه الرجل القائم. وأفضى كل واحد منهما ~~إلى صاحبه، وبدر مرحب محمدا، فيرفع السيف ليضربه، فاتقاه محمد بالدرقة فلحج ~~[ (2) ] سيفه، وعلى ms489 مرحب درع مشمرة، فيضرب محمد ساقي مرحب فقطعهما. ويقال: ~~لما اتقى محمد بالدرقة وشمرت الدرع عن ساقي مرحب حين رفع يديه بالسيف، ~~فطأطأ محمد بالسيف فقطع رجليه ووقع مرحب، فقال مرحب: أجهز يا محمد! قال ~~محمد: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود! وجاوزه ومر به علي فضرب عنقه وأخذ ~~سلبه، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلبه، ~~فقال محمد بن مسلمة: ~~يا رسول الله، والله ما قطعت رجليه ثم تركته إلا ليذوق مر السلاح وشدة ~~الموت كما ذاق أخي، مكث ثلاثا يموت، وما منعني من الإجهاز عليه شيء، قد كنت ~~قادرا بعد أن قطعت رجليه أن أجهز عليه. فقال علي عليه السلام: ~~صدق، ضربت عنقه بعد أن قطع رجليه. ~~فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة سيفه ودرعه ومغفره ~~وبيضته، فكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه فيه كتاب لا يدرى ما هو حتى قرأه ~~يهودي من يهود تيماء فإذا فيه: # هذا سيف مرحب %~% من يذقه يعطب # حدثني محمد بن الفضل، عن أبيه، عن جابر، وحدثني زكريا بن زيد، عن عبد ~~الله بن أبي سفيان، عن أبيه، عن سلمة بن سلامة، ومجمع PageV02P656 ~~ابن يعقوب، عن أبيه، عن مجمع بن حارثة، قالوا جميعا: محمد بن مسلمة قتل ~~مرحبا. # قالوا: وبرز أسير، وكان رجلا أيدا، وكان إلى القصر، فجعل يصيح، من يبارز؟ ~~فبرز له محمد بن مسلمة فاختلفا ضربات، ثم قتله محمد ابن مسلمة. ثم برز ياسر ~~وكان من أشدائهم، وكانت معه حربة يحوش [ (1) ] بها المسلمين حوشا، فبرز له ~~علي عليه السلام فقال الزبير: أقسمت عليك ألا خليت بيني وبينه. ففعل علي ~~وأقبل ياسر بحربته يسوق بها الناس، فبرز له الزبير، فقالت صفية: يا رسول ~~الله وا حزنى! ابني يقتل يا رسول الله! فقال: بل ابنك يقتله. قال: فاقتتلا ~~فقتله الزبير، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فداك عم وخال! وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لكل نبي حواري وحواري الزبير وابن عمتي. فلما ms490 قتل مرحب وياسر قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا، قد ترحبت خيبر وتيسرت! وبرز عامر وكان ~~رجلا طويلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلع عامر: ~~أترونه خمسة أذرع؟ وهو يدعو إلى البراز، يخطر بسيفه وعليه درعان، مقنع في ~~الحديد يصيح: من يبارز؟ فأحجم الناس عنه، فبرز إليه علي عليه السلام فضربه ~~ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئا، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم ذفف [ (2) ] عليه فأخذ ~~سلاحه. # فلما قتل الحارث، ومرحب، وأسير، وياسر، وعامر، مع ناس من اليهود كثير ~~PageV02P657 ~~- ولكن إنما سمي هؤلاء المذكورون لأنهم كانوا أهل شجاعة، وكان هؤلاء في ~~حصن ناعم جميعا. ولما رمي محمود بن مسلمة من حصن ناعم حمل إلى الرجيع فمكث ~~ثلاثة أيام يموت، وكان الذي دلى عليه الرحا مرحب، فجعل محمود يقول لأخيه: ~~يا أخي، بنات أخيك لا يتبعن الأفياء [ (1) ] ، يسألن الناس. فيقول محمد بن ~~مسلمة: لو لم تترك مالا لكان لي مال. ~~ومحمود كان أكثرهما مالا- ولم ينزل يومئذ فرائض البنات- فلما كان اليوم ~~الذي مات فيه محمود وهو اليوم الثالث، وهو اليوم الذي قتل فيه مرحب، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يبشر محمود بن مسلمة أن الله قد أنزل ~~فرائض البنات، وأن محمد بن مسلمة قد قتل قاتله؟ فخرج جعال بن سراقة إليه ~~فأخبره فسر بذلك، وأمره أن يقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام منه. ~~قال: فأقرأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال محمود. لا أراه يذكرني، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت في موضعه بالرجيع فمات خلافه، فلما ~~رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزلة، وقد جرح عامر بن الأكوع نفسه، ~~حمل إلى الرجيع فمات، فقبر عامر بن الأكوع معه في غار. فقال محمد: يا رسول ~~الله اقطع لي عند قبر أخي. قال: لك حضر [ (2) ] الفرس فإن عملت فلك حضر ~~فرسين. # وكان حصن الصعب بن معاذ في النطاة، وكان حصن اليهود فيه الطعام والودك ~~والماشية والمتاع، ms491 وكان فيه خمسمائة مقاتل، وكان الناس قد أقاموا أياما ~~يقاتلون وليس عندهم طعام إلا العلف [ (3) ] . قال معتب الأسلمى: ~~PageV02P658 ~~أصابنا معشر أسلم خصاصة حين قدمنا خيبر، وأقمنا عشرة أيام على حصن النطاة ~~لا نفتح شيئا فيه طعام، فأجمعت أسلم أن يرسلوا أسماء بن حارثة فقالوا: ايت ~~محمدا رسول الله فقل: إن أسلم يقرئونك السلام ويقولون إنا قد جهدنا من ~~الجوع والضعف. فقال بريدة بن الحصيب: والله إن رأيت كاليوم قط أمرا [ (1) ] ~~بين العرب يصنعون [فيه] هذا! فقال هند بن حارثة: والله إنا لنرجو أن تكون ~~البعثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الخير. فجاءه أسماء بن ~~حارثة فقال: يا رسول الله، إن أسلم تقول: ~~إنا قد جهدنا من الجوع والضعف فادع الله لنا. فدعا لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: والله ما بيدي ما أقريهم [ (2) ] . ثم صاح بالناس ~~فقال: اللهم افتح عليهم أعظم حصن فيه، أكثره طعاما وأكثره ودكا. ودفعوا ~~اللواء إلى الحباب بن المنذر بن الجموح، وندب الناس، فما رجعنا حتى فتح ~~الله علينا الحصن- حصن الصعب بن معاذ. فقالت أم مطاع الأسلمية، وكانت قد ~~شهدت خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء، قالت: ~~لقد رأيت أسلم حين شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكوا من شدة ~~الحال، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فنهضوا، فرأيت أسلم أول من ~~انتهى إلى حصن الصعب بن معاذ، وإن عليه لخمسمائة مقاتل، فما غابت الشمس من ~~ذلك اليوم حتى فتحه الله، وكان عليه قتال شديد. برز رجل من اليهود يقال له ~~يوشع يدعو إلى البراز، فبرز إليه الحباب بن المنذر فاختلفا ضربات فقتله ~~الحباب. وبرز آخر يقال له الزيال، فبرز له عمارة بن عقبة الغفاري فبدره ~~الغفاري فيضربه ضربة على هامته، وهو يقول: خذها وأنا الغلام الغفاري! فقال ~~الناس: بطل جهاده. فبلغ رسول الله PageV02P659 ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ما بأس به، يؤجر [ (1) ] ويحمد. # وكان أبو اليسر يحدث أنهم حاصروا حصن الصعب ms492 بن معاذ ثلاثة أيام، وكان ~~حصنا منيعا، وأقبلت غنم لرجل من اليهود ترتع وراء حصنهم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟ ~~فقلت: أنا يا رسول الله، فخرجت أسعى مثل الظبي، فلما نظر إلي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم موليا قال: اللهم متعنا به! فأدركت الغنم وقد دخل أولها ~~الحصن، فأخذت شاتين من آخرها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت أعدو كأن ليس ~~معي شيء حتى أتيت بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذبحتا ثم قسمهما، فما بقي أحد من أهل العسكر الذين هم ~~معه محاصرين الحصن إلا أكل منها. فقيل لأبي اليسر: وكم كانوا؟ قال: كانوا ~~عددا كثيرا. فيقال: ~~أين بقية الناس؟ فيقول: في الرجيع بالمعسكر. فسمع أبو اليسر- وهو شيخ ~~كبير- وهو يبكي في شيء غاظه من بعض ولده، فقال: لعمري بقيت بعد أصحابي ~~ومتعوا بي وما أمتع بهم! لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم متعنا به! ~~فبقي فكان من آخرهم. # وكان أبو رهم الغفاري يحدث قال: أصابنا جوع شديد، ونزلنا خيبر زمان ~~البلح، وهي أرض وخيمة حارة شديد حرها. فبينا نحن محاصرون حصن الصعب بن معاذ ~~فخرج عشرون حمارا منه أو ثلاثون، فلم يقدر اليهود على إدخالها، وكان حصنهم ~~له منعة، فأخذها المسلمون فانتحروها، PageV02P660 ~~وأوقدوا النيران وطبخوا لحومها في القدور والمسلمون جياع، ومر بهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهم على تلك الحال فسأل فأخبر فأمر مناديا: إن ~~رسول الله ينهاكم عن الحمر الإنسية- قال: فكفوا القدور- وعن متعة النساء، ~~وعن كل ذي ناب ومخلب. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن الفضيل بن مبشر، قال: كان جابر بن عبد الله ~~يقول: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، فذبح قوم من ~~المسلمين خيلا من خيلهم قبل أن يفتح حصن الصعب بن معاذ، فقيل لجابر: أرأيت ~~البغال، أكنتم تأكلونها؟ قال: لا. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ms493 صعصعة، عن الحارث ~~بن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة، قالت: ذبحنا بخيبر لبني مازن بن النجار ~~فرسين، فكنا نأكل منهما قبل أن يفتح حصن الصعب بن معاذ. # وحدثني ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه، عن جده قال: ~~سمعت خالد بن الوليد يقول: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر يقول: ~~حرام أكل الحمر الأهلية والخيل والبغال. ~~قالوا: وكل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير. قال الواقدي: الثبت عندنا ~~أن خالدا لم يشهد خيبر، وأسلم قبل الفتح هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ~~بن أبي طلحة أول يوم من صفر سنة ثمان. # وكان ابن الأكوع يقول: كنا على حصن الصعب بن معاذ، أسلم بأجمعها، ~~والمسلمون قد حصروا أهل الحصن، فلقد رأيتنا وصاحب رايتنا سعد بن عبادة، ~~فانكشف المسلمون، فأخذ الراية فغدونا معه. وغدا عامر ابن سنان فلقي رجلا من ~~اليهود، وبدره اليهودي فيضرب عامرا، قال عامر: PageV02P661 ~~فاتقيته بدرقتي فنبا سيف اليهودي عنه. ~~قال عامر: فأضرب رجل اليهودي فأقطعها، ورجع السيف على عامر فأصابه ذبابه ~~فنزف فمات. فقال أسيد ابن حضير: حبط عمله. فبلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: كذب من قال ذلك! إن له لأجرين، إنه جاهد مجاهد، وإنه ليعوم في ~~الجنة عوم الدعموص [ (1) ] . # حدثني خالد بن إلياس، عن جعفر بن محمود بن محمد، عن محمد ابن مسلمة قال: ~~كنت فيمن ترس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلت أصيح بأصحابه: تراموا ~~بالحجف! ففعلوا فرمونا حتى ظننت ألا يقلعوا، فرأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رمى بسهم، فما أخطأ رجلا منهم، وتبسم إلي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وانفرجوا ودخلوا الحصن. # حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن ~~جابر بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما انتهينا إلى حصن الصعب بن معاذ، ~~والمسلمون جياع والأطعمة فيه كلها، وغزا بنا الحباب ابن المنذر بن الجموح ~~ومعه رايتنا وتبعه المسلمون، ms494 وقد أقمنا عليه يومين نقاتلهم أشد القتال، ~~فلما كان اليوم الثالث بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، فخرج رجل ~~من اليهود كأنه الدقل [ (2) ] في يده حربة له، وخرج وعاديته معه فرموا ~~بالنبل ساعة سراعا، وترسنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P662 ~~وأمطروا علينا بالنبل، فكان نبلهم مثل الجراد حتى ظننت ألا يقلعوا، ثم ~~حملوا علينا حملة رجل واحد، فانكشف المسلمون حتى انتهوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو واقف، قد نزل عن فرسه ومدعم [ (1) ] يمسك فرسه. وثبت ~~الحباب برايتنا، والله ما يزول، يراميهم على فرسه، وندب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المسلمين وحضهم على الجهاد ورغبهم فيه، وأخبرهم أن الله قد وعده ~~خيبر يغنمه إياها. قال: فأقبل الناس جميعا حتى عادوا إلى صاحب رايتهم، ثم ~~زحف بهم الحباب فلم يزل يدنو قليلا قليلا، وترجع اليهود على أدبارها حتى ~~لحمها الشر فانكشفوا سراعا، ودخلوا الحصن وغلقوا عليهم، ووافوا على جدره- ~~وله جدر دون جدر- فجعلوا يرموننا بالجندل [ (2) ] رميا كثيرا، ونحونا عن ~~حصنهم بوقع الحجارة حتى رجعنا إلى موضع الحباب الأول. ثم إن اليهود تلاومت ~~بينها وقالت: ما نستبقي لأنفسنا؟ قد قتل أهل الجد والجلد في حصن ناعم. ~~فخرجوا مستميتين، ورجعنا إليهم فاقتتلنا على باب الحصن أشد القتال، وقتل ~~يومئذ على الباب ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- أبو ضياح، ~~وقد شهد بدرا، ضربه رجل منهم بالسيف فأطن قحف رأسه، وعدي بن مرة بن سراقة، ~~طعنه حدهم بالحربة بين ثديه فمات، والثالث الحارث بن حاطب وقد شهد بدرا، ~~رماه رجل من فوق الحصن فدمغه. وقد قتلنا منهم على الحصن عدة، كلما قتلنا ~~منهم رجلا حملوه حتى يدخلوه الحصن. ثم حمل صاحب رايتنا وحملنا معه، وأدخلنا ~~اليهود الحصن وتبعناهم في جوفه، فلما دخلنا عليهم الحصن فكأنهم غنم، فقتلنا ~~من أشرف لنا، وأسرنا منهم، PageV02P663 ~~وهربوا في كل وجه يركبون الحرة يريدون حصن قلعة الزبير، وجعلنا ندعهم ~~يهربون، وصعد المسلمون على جدره فكبروا عليه تكبيرا كثيرا، ففتتنا أعضاد ~~اليهود ms495 بالتكبير، لقد رأيت فتيان أسلم وغفار فوق الحصن يكبرون، فوجدنا ~~والله من الأطعمة ما لم نظن أنه هناك، من الشعير، والتمر، والسمن، والعسل، ~~والزيت، والودك. ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا واعلفوا ~~ولا تحتملوا. يقول: لا تخرجوا به إلى بلادكم. فكان المسلمون يأخذون من ذلك ~~الحصن مقامهم طعامهم وعلف دوابهم، لا يمنع أحد أن يأخذ حاجته ولا يخمس ~~الطعام. ووجدوا فيه من البز والآنية، ووجدوا خوابي، السكر، فأمروا فكسروها، ~~فكانوا يكسرونها حتى سال السكر في الحصن، والخوابي كبار لا يطاق حملها. ~~وكان أبو ثعلبة الخشني يقول: وجدنا فيه آنية من نحاس وفخار كانت اليهود ~~تأكل فيها وتشرب، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اغسلوها ~~واطبخوا وكلوا فيها واشربوا. وقال: ~~أسخنوا فيها الماء ثم اطبخوا بعد، وكلوا واشربوا. ~~وأخرجنا منه غنما كثيرا وبقرا وحمرا، وأخرجنا منه آلة كثيرة للحرب، ~~ومنجنيقا [ (1) ] ودبابات وعدة، فنعلم أنهم قد كانوا يظنون أن الحصار يكون ~~دهرا، فعجل الله خزيهم. # فحدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: لقد خرج من أطم من حصن الصعب ~~بن معاذ من البز عشرون عكما [ (2) ] محزومة من غليظ متاع اليمن، وألف ~~وخمسمائة قطيفة، يقال: قدم كل رجل بقطيفة على أهله، ووجدوا عشرة أحمال خشب، ~~فأمر به فأخرج من الحصن ثم أحرق، PageV02P664 ~~فمكث أياما يحترق، وخوابي سكر كسرت، وزقاق خمر فأهريقت. ~~وعمد يومئذ رجل من المسلمين فشرب من الخمر، فرفع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكره حين رفع إليه فخفقه بنعليه، ومن حضره، فخفقوه بنعالهم. وكان يقال ~~له عبد الله الخمار، ~~وكان رجلا لا يصبر عن الشراب قد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مرارا. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم العنه! ما أكثر ما يضرب! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل يا عمر، فإنه يحب الله ورسوله. ~~قال: ثم راح عبد الله فجلس معهم كأنه أحدهم # حدثني ابن أبي سبرة، عن عبد ~~الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، ms496 عن الحارث بن عبد الله بن كعب، عن أم ~~عمارة قالت: لقد وجدنا في حصن الصعب بن معاذ من الطعام ما كنت أظن أنه لا ~~يكون بخيبر، جعل المسلمون يأكلون مقامهم شهرا وأكثر من ذلك الحصن، فيعلفون ~~دوابهم، ما يمنع أحدهم ولم يكن فيه خمس، وأخرج من البزوز شيء كثير يباع في ~~المقسم، ووجد فيه خرز من خرز اليهود. فقيل لها: ~~فمن الذي يشتري ذلك في المقسم؟ قالت: المسلمون، واليهود الذين كانوا في ~~الكتيبة فآمنوا، ومن حضر من الأعراب، فكل هولاء يشتري، فأما من يشتري من ~~المسلمين فإنما يحاسب به مما يصيبه من المغنم. # قال الواقدي: وحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، قال: لما نظر ~~عيينة بن حصن إلى حصن الصعب بن معاذ والمسلمون ينقلون منه الطعام والعلف ~~والبز قال: ما أحد يعلف لنا دوابنا ويطعمنا من هذا الطعام الضائع، فقد كان ~~أهله عليه كراما! فشتمه المسلمون وقالوا: PageV02P665 ~~لك الذي جعل لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذو الرقيبة [ (1) ] ، ~~فاسكت! وبينما المسلمون يجولون في حصن الصعب بن معاذ، وله مداخل، فأخرجوا ~~رجلا من اليهود فضربوا عنقه فتعجبوا لسواد دمه، ويقول قائلهم: ~~ما رأينا مثل سواد هذا الدم قط- قال: يقول متكلم: في رف من تلك الرفاف ~~الثوم والثريد- وأنزل فقدموه فضربوا عنقه. # قال: وتحولت اليهود من حصن ناعم كلها، ومن حصن الصعب ابن معاذ، ومن كل ~~حصون النطاة، إلى حصن يقال له قلعة الزبير، فزحف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إليهم والمسلمون، فحاصرهم وغلقوا عليهم حصنهم وهو حصين منيع، وإنما هو ~~في رأس قلعة لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال لصعوبته وامتناعه، وبقيت بقايا ~~لا ذكر لهم في بعض حصون النطاة، الرجل والرجلان. فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بإزائهم رجالا [ (2) ] يحرسونهم، لا يطلع أحد عليهم إلا قتلوه. ~~وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على محاصرة الذين في قلعة الزبير ثلاثة ~~أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له غزال فقال: أبا القاسم، تؤمني على أن ms497 ~~أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة وتخرج إلى أهل الشق، فإن أهل الشق قد ~~هلكوا رعبا منك؟ قال: فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله وماله. ~~فقال اليهودي: إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، لهم دبول [ (3) ] تحت الأرض، ~~يخرجون بالليل فيشربون بها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون PageV02P666 ~~منك، وإن قطعت مشربهم عليهم ضجوا. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~دبولهم فقطعها، فلما قطع عليهم مشاربهم لم يطيقوا المقام على العطش، فخرجوا ~~فقاتلوا أشد القتال، وقتل من المسلمين يومئذ نفر، وأصيب من اليهود ذلك ~~اليوم عشرة، وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان آخر حصون النطاة. ~~فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من النطاة أمر بالانتقال، والعسكر ~~أن يحول من منزله بالرجيع إلى مكانه الأول بالمنزلة، وأمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من البيات ومن حرب اليهود وما يخاف منهم، لأن أهل النطاة ~~كانوا أحد اليهود وأهل النجدة منهم. ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أهل الشق. # فحدثني موسى بن عمر الحارثي، عن أبي عفير محمد بن سهل بن أبي حثمة قال: ~~لما تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشق، وبه حصون ذات عدد، كان ~~أول حصن بدأ منها حصن أبي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلعة ~~يقال لها سمران [ (1) ] ، فقاتل عليها أهل الحصن قتالا شديدا. وخرج رجل من ~~اليهود يقال له غزال [ (2) ] فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر ~~فاختلفا ضربات، ثم حمل عليه الحباب فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فوقع ~~السيف من يد غزال فكان أعزل، ورجع مبادرا منهزما إلى الحصن، وتبعه الحباب ~~فقطع عرقوبه، فوقع فذفف عليه. وخرج آخر فصاح: من يبارز؟ فبرز إليه رجل من ~~المسلمين من آل جحش فقتل الجحشي. وقام مكانه يدعو إلى PageV02P667 ~~البراز ويبرز له أبو دجانة قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المغفر يختال في ~~مشيته، فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ms498 ذفف عليه وأخذ سلبه، درعه ~~وسيفه، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنفله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك. وأحجموا عن البراز، فكبر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن ~~فدخلوه، يقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب من ~~كان فيه من المقاتلة، وتقحموا الجدر كأنهم الظباء [ (1) ] حتى صاروا إلى ~~حصن النزار [ (2) ] بالشق، وجعل يأتي من بقي من قلل [ (3) ] النطاة إلى حصن ~~النزار فعلقوه وامتنعوا فيه أشد الامتناع. وزحف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إليهم في أصحابه فقاتلوهم، فكانوا أشد أهل الشق قتالا، رموا المسلمين ~~بالنبل والحجارة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، حتى أصابت النبل ~~ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلقت به، فأخذ النبل فجمعها ثم أخذ لهم ~~كفا من حصا فحصب به حصنهم، فرجف بهم ثم ساخ في الأرض. # قال إبراهيم بن جعفر: استوى بالأرض حتى جاء المسلمون، فأخذوا أهله أخذا [ ~~(4) ] . وكانت فيه صفية بنت حيي وابنة عمها. فكان عمير مولى آبي اللحم ~~يقول: شهدت صفية أخرجت وابنة عمها وصبيات من PageV02P668 ~~حصن النزار، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حصن النزار بقيت حصون ~~في الشق، فهرب أهلها منها حتى انتهوا إلى أهل الكتيبة والوطيح وسلالم. ~~وكان محمد بن مسلمة يقول: ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حصن ~~النزار فقال: هذا آخر حصون خيبر كان فيه قتال، ~~لما فتحنا هذا الحصن لم يكن بعده قتال حتى خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من خيبر. # فحدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر قال، قلت لجعفر بن محمود: كيف صارت ~~صفية في حصن النزار في الشق وحصن آل أبي الحقيق بسلالم، ولم يسب في حصون ~~النطاة من النساء والذرية أحد ولا بالشق، إلا في حصن النزار، فإنه قد كان ~~فيه ذرية ونساء؟ فقال: ~~إن يهود خيبر أخرجوا النساء والذرية إلى الكتيبة وفرغوا حصن النطاة ~~للمقاتلة فلم يسب أحد منهم إلا من كان في حصن النزار، صفية وابنة ms499 عمها ~~ونسيات معها. وكان كنانة قد رأى أن حصن النزار أحصن ما هنالك، فأخرجها في ~~الليلة التي تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في صبيحتها إلى الشق حتى ~~أسرت وبنت عمها ومن كان معهما من ذراري اليهود، وبالكتيبة من اليهود ومن ~~نسائهم وذراريهم أكثر من ألفين، فلما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أهل الكتيبة أمن الرجال والذرية، ودفعوا إليه الأموال، والبيضاء والصفراء، ~~والحلقة، والثياب، إلا ثوبا [ (1) ] على إنسان. فلقد كان من اليهود حين ~~أمنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلون ويدبرون، ويبيعون ويشترون، لقد ~~أنفقوا عامة المغنم مما يشترون من الثياب من PageV02P669 ~~الثياب والمتاع، وكانوا قد غيبوا نقودهم وعين مالهم. # قالوا: ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكتيبة والوطيح ~~وسلالم، حصن ابن أبي الحقيق الذي كانوا فيه، فتحصنوا أشد التحصن، وجاءهم كل ~~فل [ (1) ] كان قد انهزم من النطاة والشق، فتحصنوا معهم في القموص وهو في ~~الكتيبة، وكان حصنا منيعا، وفي الوطيح وسلالم. وجعلوا لا يطلعون من حصونهم ~~مغلقين عليهم، حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم ~~لما رأى من تغليقهم، وأنه لا يبرز منهم بارز. ~~فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ~~يوما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح. قال أبو عبد الله، قلت ~~لإبراهيم بن جعفر: وجد في الكتيبة خمسمائة قوس عربية. وقال: أخبرني أبي عمن ~~رأى كنانة بن أبي الحقيق يرمي بثلاثة أسهم في ثلاثمائة- يعني ذراع- فيدخلها ~~في هدف شبرا في شبر، فما هو إلا أن قيل: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد أقبل من الشق في أصحابه، وقد تهيأ أهل القموص وقاموا على باب الحصن ~~بالنبل، فنهض كنانة إلى قوسه فما قدر أن يوترها من الرعدة، وأومأ إلى أهل ~~الحصون: لا ترموا! وانقمع في حصنه، فما رئي منهم أحد، حتى أجهدهم الحصار ~~وقذف الله في قلوبهم الرعب. فأرسل كنانة رجلا من اليهود يقال له شماخ إلى ms500 ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنزل إليك أكلمك! فلما نزل شماخ أخذه ~~المسلمون فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره برسالة كنانة. فأنعم له، ~~فنزل كنانة في نفر من اليهود، فصالحه على ما صالحه، فأحلفه على ما أحلفه ~~عليه. قال إبراهيم: تلك القسي والسلاح إنما كان لآل أبي الحقيق جماعة ~~يعيرونه العرب، والحلي يعيرونه PageV02P670 ~~العرب. ثم يقول: كانوا شر يهود يثرب. # قالوا: وأرسل كنانة بن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنزل فأكلمك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: فنزل ابن أبي ~~الحقيق فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقن دماء من في حصونهم من ~~المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال أو أرض، وعلى الصفراء ~~والبيضاء والكراع والحلقة، وعلى البز، إلا ثوبا على ظهر إنسان. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني ~~شيئا. فصالحه على ذلك، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأموال ~~فقبضها، الأول فالأول، وبعث إلى المتاع والحلقة فقبضها، فوجد من الدروع ~~مائة درع، ومن السيوف أربعمائة سيف، وألف رمح، وخمسمائة قوس عربية بجعابها. ~~فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانة بن أبي الحقيق عن كنز آل أبي ~~الحقيق وحلي من حليهم، كان يكون في مسك [ (1) ] الجمل، كان أسراهم [ (2) ] ~~يعرف به، وكان العرس يكون بمكة فيقدم عليهم، فيستعار ذلك الحلي الشهر فيكون ~~فيهم، وكان ذلك الحلي يكون عند الأكابر فالأكابر من آل أبي الحقيق. فقال: ~~يا أبا القاسم، أنفقناه في حربنا فلم يبق منه شيء، وكنا نرفعه لمثل هذا ~~اليوم، فلم تبق الحرب واستنصار الرجال من ذلك شيئا. وحلفا على ذلك فوكدا ~~الأيمان واجتهدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما [ (3) ] : ~~PageV02P671 ~~برئت منكما ذمة الله وذمة رسوله إن كان عند كما! قالا: نعم. ثم قال رسول ~~الله صلى الله ms501 عليه وسلم: وكل ما أخذت من أموالكما وأصبت من دمائكما فهو حل ~~لي ولا ذمة لكما! ~~قالا: نعم. وأشهد عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعمر، ~~وعليا، والزبير رضوان الله عليهم وعشرة من اليهود. فقام رجل من اليهود إلى ~~كنانة بن أبي الحقيق فقال: إن كان عندك ما يطلب منك محمد أو تعلم علمه ~~فأعلمه فإنك تأمن على دمك، وإلا فوالله ليظهرن عليه، قد اطلع على غير ذلك ~~بما لم نعلمه. فزبره ابن أبي الحقيق فتنحى اليهودي فقعد. ثم سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثعلبة بن سلام بن أبي الحقيق- وكان رجلا ضعيفا- عن ~~كنزهما، فقال: ليس لي علم غير أني قد كنت أرى كنانة كل غداة يطوف بهذه ~~الخربة- قال: وأشار إلى خربة- فإن كان شيء [ (1) ] دفنه فهو فيها. وكان ~~كنانة بن أبي الحقيق لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على النطاة أيقن ~~بالهلكة- وكان أهل النطاة أخذهم [الرعب]- فذهب بمسك الجمل، فيه حليهم، فحفر ~~له في خربة ليلا ولا يراه أحد، ثم سوى عليه التراب بالكتيبة، وهي الخربة ~~التي رآه ثعلبة يدور بها كل غداة. فأرسل مع ثعلبة الزبير بن العوام ونفرا ~~من المسلمين إلى تلك الخربة، فحفر حيث أراه ثعلبة فاستخرج منه ذلك الكنز. ~~ويقال: إن الله عز وجل دل رسوله على ذلك الكنز. فلما أخرج الكنز أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الزبير أن يعذب كنانة بن أبي الحقيق حتى يستخرج كل ~~ما عنده. فعذبه الزبير حتى جاءه بزند [ (2) ] يقدحه في صدره، ثم أمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه إلى محمد بن مسلمة PageV02P672 ~~يقتله بأخيه، فقتله محمد بن مسلمة. وأمر بابن أبي الحقيق الآخر، فعذب ثم ~~دفع إلى ولاة بشر بن البراء فقتل به، ويقال: ضرب عنقه. ~~واستحل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أموالهما وسبى ذراريهما. # فحدثني خالد بن الربيعة بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عمن نظر إلى ما ~~في مسك الجمل بين يدي رسول الله صلى ms502 الله عليه وسلم حين أتي به، فإذا جله ~~أسورة الذهب، ودمالج الذهب، وخلاخل الذهب، وقرطة الذهب، ونظم من جوهر ~~وزمرد، وخواتم ذهب، وفتخ [ (1) ] بجزع ظفار مجزع بالذهب. ورأى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نظاما من جوهر فأعطاه بعض أهله، إما عائشة أو إحدى ~~بناته، فانصرفت فلم تمكث إلا ساعة من نهار حتى فرقته في أهل الحاجة ~~والأرامل، فاشترى أبو الشحم ذرة منها. ~~فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار إلى فراشه لم ينم، فغدا فى ~~في السحر حتى أتى عائشة، ولم تكن ليلتها، أو بنته، فقال: ردي علي النظام ~~فإنه ليس لي، ولا لك فيه حق. فخبرته كيف صنعت به، فحمد الله وانصرف. # وكانت صفية بنت حيي تقول: كان ذلك النظام لبنت كنانة. ~~وكانت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق، وقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سباها قبل أن ينتهي إلى الكتيبة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد أرسل بها مع بلال إلى رحله. فمر بها وبابنة عمها على القتلى، فصاحت ابنة ~~عمها صياحا شديدا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع بلال فقال: ~~أذهبت منك الرحمة؟ تمر بجارية حديثة السن على PageV02P673 ~~القتلى!، فقال بلال: يا رسول الله ما ظننت أنك تكره ذلك، وأحببت أن ترى ~~مصارع قومها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنة عم صفية: ~~ما هذا إلا شيطان. ~~وكان دحية الكلبي قد نظر إلى صفية فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ويقال إنه وعده جارية من سبي خيبر، فأعطاه ابنة عمها. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن أبي حرملة، عن أخته أم عبد الله، عن ابنة أبي ~~القين المزني، قالت: كنت آلف صفية من بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت تحدثني عن قومها وما كانت تسمع منهم قالت: خرجنا من المدينة حيث ~~أجلانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقمنا بخيبر، فتزوجني كنانة بن أبي ~~الحقيق فأعرس بي قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه ms503 وسلم بأيام، وذبح جزرا ~~ودعا باليهود، وحولني في حصنه بسلالم، فرأيت في النوم كأن قمرا أقبل من ~~يثرب يسير حتى وقع في حجري. فذكرت ذلك لكنانة زوجي فلطم عيني فاخضرت، فنظر ~~إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلت عليه فسألني فأخبرته. قالت: ~~وجعلت اليهود ذراريها في الكتيبة، وجردوا حصن النطاة للمقاتلة، فلما نزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وافتتح حصون النطاة، ودخل علي كنانة ~~فقال: قد فرغ محمد من النطاة، وليس هاهنا أحد يقاتل، قد قتلت اليهود حيث ~~قتل أهل النطاة وكذبتنا العرب. فحولني إلى حصن النزار بالشق، - قال: ~~وهو أحصن مما عندنا- فخرج حتى أدخلني وابنة عمي ونسيات معنا. ~~فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا قبل الكتيبة فسبيت في النزار ~~قبل أن PageV02P674 ~~ينتهي النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكتيبة، فأرسل بي إلى رحله، ثم ~~جاءنا حين أمسى فدعاني، فجئت وأنا مقنعة حيية، فجلست بين يديه فقال: ~~إن أقمت على دينك لم أكرهك، وإن اخترت الله ورسوله فهو خير لك. ~~قالت: أختار الله ورسوله والإسلام. فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتزوجني وجعل عتقي مهري، فلما أراد أن يخرج إلى المدينة قال أصحابه: ~~اليوم نعلم أزوجة أم سرية، فإن كانت امرأته فسيحجبها وإلا فهي سرية. فلما ~~خرج أمر بستر فسترت به فعرف أني زوجة، ثم قدم إلى البعير وقدم فخذه لأضع ~~رجلي عليها، فأعظمت ذلك ووضعت فخذي على فخذه، ثم ركبت. وكنت ألقى من ~~أزواجه، يفخرن علي يقلن: يا بنت اليهودي. ~~وكنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلطف بي ويكرمني، فدخل علي يوما ~~وأنا أبكي فقال: مالك؟ فقلت: أزواجك يفخرن علي ويقلن: يا بنت اليهودي. ~~قالت: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب ثم قال: ~~إذا قالوا لك أو فاخروك فقولي: أبى هرون وعمى موسى # قالوا: وكان أبو شييم المري- قد أسلم فحسن إسلامه- يحدث يقول: لما نفرنا ~~أهلها بحيفاء مع عيينة- قدمنا عليهم وهم قارون هادئون لم يهجهم هائج- رجع ~~بنا عيينة، ms504 فلما كان دون خيبر بمكان يقال له الحطام عرسنا من الليل ففزعنا، ~~فقال عيينة: أبشروا إني أرى الليلة في النوم أني أعطيت ذا الرقيبة- جبلا ~~بخيبر- قد والله قد أخذت برقبة محمد. قال: فلما قدمنا خيبر قدم عيينة فوجد ~~رسول الله صلى الله عليه PageV02P675 ~~وسلم قد فتح خيبر وغنمه الله ما فيها، ~~فقال عيينة: أعطني يا محمد مما غنمت من حلفائي فإني انصرفت عنك وعن قتالك ~~وخذلت حلفائي ولم أكثر عليك، ورجعت عنك بأربعة آلاف مقاتل. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: كذبت، ولكن الصياح الذي سمعت أنفرك إلى أهلك. ~~قال: أجزني يا محمد. قال: لك ذو الرقيبة. قال عيينة: وما ذو الرقيبة؟ ~~قال: الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته. ~~فانصرف عيينة فجعل يتدسس إلى اليهود ويقول: ما رأيت كاليوم أمرا، والله ~~ما كنت أرى أحدا يصيب محمدا غيركم. قلت: أهل الحصون والعدة والثروة، أعطيتم ~~بأيديكم وأنتم في هذه الحصون المنيعة، وهذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل، ~~والماء الواتن. قالوا: قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير ولكن الدبول [ (1) ~~] قطعت عنا، وكان الحر، فلم يكن لنا بقاء على العطش. قال: قد وليتم من حصون ~~ناعم منهزمين حتى صرتم إلى حصن قلعة الزبير. وجعل يسأل عمن قتل منهم فيخبر، ~~قال: قتل والله أهل الجد والجلد، لا نظام ليهود بالحجاز أبدا. ويسمع كلامه ~~ثعلبة بن سلام بن أبى الحقيق، وكانوا يقولون إنه ضعيف العقل مختلط، فقال: ~~يا عيينة، أنت غررتهم وخذلتهم وتركتهم وقتال محمد، وقبل ذلك ما صنعت ببني ~~قريظة! فقال عيينة: ~~إن محمدا كادنا في أهلنا، فنفرنا إليهم حيث سمعنا الصريخ ونحن نظن أن ~~محمدا قد خالف إليهم، فلم نر شيئا فكررنا إليكم لننصركم. قال ثعلبة: ومن ~~بقي تنصره؟ قد قتل من قتل وبقي من بقي فصار عبدا لمحمد، وسبانا، ~~PageV02P676 ~~وقبض الأموال! قال: يقول رجل من غطفان لعيينة: لا أنت نصرت حلفاءك فلم ~~يعدوا عليك حلفنا! ولا أنت حيث وليت- كنت أخذت تمر خيبر من محمد سنة! والله ~~إني لأرى أمر محمد ms505 أمرا ظاهرا، ليظهرن على من ناوأه. ~~فانصرف عيينة إلى أهله يفتل يديه، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف، ~~قال: ألم أقل لك إنك توضع في غير شيء؟ والله ليظهرن محمد على من بين المشرق ~~والمغرب، اليهود كانوا يخبروننا هذا. أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي ~~الحقيق يقول: إنا نحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هرون، وهو نبي ~~مرسل واليهود لا تطاوعني على هذا، ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر. ~~قال الحارث، قلت لسلام: ~~يملك الأرض جميعا؟ قال: نعم والتوراة التي أنزلت على موسى، وما أحب أن ~~تعلم اليهود بقولي فيه! # قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ~~واطمأن جعلت زينب بنت الحارث تسأل: أي الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون: الذراع ~~والكتف. فعمدت إلى عنز لها فذبحتها، ثم عمدت إلى سم لابطي [ (1) ] ، قد ~~شاورت اليهود في سموم فأجمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت ~~في الذراعين والكتفين. فلما غابت الشمس صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المغرب وانصرف إلى منزله، ويجد زينب جالسة عند رحله فيسأل عنها فقالت: ~~أبا القاسم، هدية أهديتها لك. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدية فقبضت منها ووضعت بين يديه، ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P677 ~~لأصحابه وهم حضور، أو من حضر منهم: ادنوا فتعشوا! فدنوا فمدوا أيديهم، ~~وتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع، وتناول بشر بن البراء عظما، ~~وأنهش رسول الله صلى الله عليه وسلم منها نهشا وانتهش بشر، فلما ازدرد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أكلته ازدرد بشر، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كفوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة. فقال بشر بن البراء: ~~قد والله يا رسول الله وجدت ذلك من أكلتي التي أكلتها، فما منعني أن ألفظها ~~إلا كراهية أنغص إليك طعامك، فلما تسوغت ما في يدك لم أرغب ms506 بنفسي عن نفسك، ~~ورجوت ألا تكون ازدردتها وفيها نعي [ (1) ] . ~~فلم يرم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه سنة لا يتحول ~~إلا ما حول، ثم مات منه. ويقال لم يقم من مكانه حتى مات، وعاش رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بزينب فقال: سممت الذراع؟ فقالت: من أخبرك؟ ~~قال: الذراع. قالت: نعم. قال: وما حملك على ذلك؟ قالت: قتلت أبي وعمي ~~وزوجي، ونلت من قومي ما نلت، فقلت: إن كان نبيا فستخبره الشاة ما صنعت، وإن ~~كان ملكا استرحنا منه. ~~فاختلف علينا فيها، فقال قائل رواية: أمر بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقتلت ثم صلبت. وقال قائل رواية: عفا عنها. وكان نفر ثلاثة قد وضعوا ~~أيديهم في الطعام ولم يسيغوا منه شيئا. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه فاحتجموا أوساط رءوسهم من الشاة، واحتجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تحت كتفه اليسرى. ويقال: احتجم على كاهله، حجمه أبو هند بالقرن ~~والشفرة. PageV02P678 # وقالوا: وكانت أم بشر بن البراء تقول: دخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في مرضه الذي مات فيه وهو محموم فمسسته فقلت: ما وجدت مثل [ما] وعك [ ~~(1) ] عليك على أحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~كما يضاعف لنا الأجر كذلك يضاعف لنا البلاء، زعم الناس أن برسول الله ذات ~~الجنب! ما كان الله ليسلطها علي، إنما هي همزة من الشيطان، ولكنه من الأكلة ~~التي أكلت أنا وابنك يوم خيبر. ما زال يصيبني منها عداد [ (2) ] حتى كان ~~هذا أوان انقطاع [ (3) ] أبهري [ (4) ] . ~~فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا. ويقال: إن الذي مات في الشاة ~~مبشر بن البراء. وبشر أثبت عندنا، وهو المجتمع عليه. # قال عبد الله: سألت إبراهيم بن جعفر عن قول زينب ابنة الحارث «قتلت أبي» ~~قال: قتل يوم خيبر أبوها الحارث وعمها يسار، وكان أخبر الناس، هو الذي أنزل ~~من الشق، وكان الحارث أشجع اليهود، ms507 وأخوه زبير قتل يومئذ، فكان زوجها سيدهم ~~وأشجعهم سلام بن مشكم، كان مريضا وكان في حصون النطاة فقيل له: إنه لا قتال ~~فيكم فكن في الكتيبة. قال: ~~لا أفعل أبدا. فقتل وهو مريض، وهو أبو الحكم الذي يقول فيه الربيع بن أبي ~~الحقيق: # ولما تداعوا بأسيافهم %~% فكان الطعان دعونا سلاما PageV02P679 # وكنا إذا ما دعونا به %~% سقينا سراة العدو السماما # وهو كان صاحب حربهم ولكن الله شغله بالمرض. # قالوا: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم يوم خيبر فروة ~~بن عمرو البياضي، وكان قد جمع ما غنم المسلمون في حصون النطاة وحصون الشق ~~وحصون الكتيبة، لم يترك على أحد من أهل الكتيبة إلا ثوبا على ظهره من ~~الرجال والنساء والصبيان، وجمعوا أثاثا كثيرا وبزا وقطائف وسلاحا كثيرا، ~~وغنما وبقرا، وطعاما وأدما كثيرا. فأما الطعام والأدم والعلف فلم يخمس، ~~يأخذ منه الناس حاجتهم، وكان من احتاج إلى سلاح يقاتل به أخذه من صاحب ~~المغنم، حتى فتح الله عليهم فرد ذلك في المغنم. فلما اجتمع ذلك كله أمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزئ خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها «الله» ~~وسائر السهمان أغفال. ~~فكان أول ما خرج سهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخير في الأخماس، ثم ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيع الأربعة الأخماس [ (1) ] فيمن يريد، ~~فجعل فروة يبيعها فيمن يريد، فدعا فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة ~~وقال: اللهم ألق عليها النفاق! قال فروة بن عمرو: فلقد رأيت الناس يتداركون ~~علي ويتواثبون حتى نفق في يومين، ولقد كنت أرى أنا لا نتخلص منه حينا ~~لكثرته. وكان الخمس الذي صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغنم ~~يعطى منه على ما أراد الله من السلاح والكسوة، فأعطى منه أهل بيته من ~~الثياب والخرز والأثاث، وأعطى رجالا من بني عبد المطلب ونساء، وأعطى اليتيم ~~والسائل. وجمعت يومئذ مصاحف فيها التوراة من المغنم، فجاءت اليهود تطلبها ~~وتكلم فيها رسول الله صلى الله عليه ms508 وسلم، PageV02P680 ~~أن ترد عليهم. ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدوا الخيط ~~والمخيط، فإن الغلول عار وشنار ونار يوم القيامة. فباع يومئذ فروة المتاع، ~~فأخذ عصابة فعصب بها رأسه ليستظل بها من الشمس، ثم رجع إلى منزله وهي عليه ~~فذكر فخرج فطرحها. وأخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عصابة من ~~نار عصبت بها رأسك. وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ من الفيء ~~شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لي من الفيء خيط ولا ~~مخيط، لا آخذ ولا أعطي. ~~فسأله رجل عقالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى نقسم الغنائم ثم ~~أعطيك عقالا، وإن شئت مرارا [ (1) ] . وكان رجل أسود مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يمسك دابته عند القتال يقال له كركرة، فقتل يومئذ، فقيل: ~~يا رسول الله استشهد كركرة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه الآن ~~ليحرق في النار على شملة غلها. فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أخذت ~~شراكين يومئذ كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~شراكان من نار. وتوفي يومئذ رجل من أشجع، وإنهم ذكروه لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: صلوا على صاحبكم. فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم غل في سبيل الله. قال زيد بن خالد ~~الجهني: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يسوى درهمين. ~~وكان نفر من المسلمين أصابوا خرزا من خرز اليهود وكانوا رفقاء، فقال ~~المحدث لهذا الحديث: لو كان الخرز عندكم اليوم لم يسو درهمين. ~~فأتي بذلك الخرز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما فرغ من المقسم، ~~PageV02P681 ~~فقالوا: يا رسول الله، نسينا! هذا الخرز عندنا! فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: كلكم يحلف بالله أنه نسيه؟ قالوا: نعم. فحلفوا بالله جميعا أنهم ~~نسوه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرير الموتى فسجن عليهم بالرباط، ~~ثم صلى عليهم صلاة ms509 الموتى. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد الغلول ~~في رحل الرجل فلا يعاقبه، ولم يسمع أنه أحرق رحل أحد وجد في رحله، ولكنه ~~يعنف ويؤنب ويؤذي ويعرف الناس به. # قالوا: واشترى يوم خيبر تبرا [ (1) ] بذهب جزافا، فلهى عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وكان فضالة بن عبيد يحدث يقول: أصبت يومئذ قلادة فبعتها ~~بثمانية دنانير، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~بع الذهب وزنا بوزن. وكان في القلادة ذهب وغيره فرجعت فيها. واشترى ~~السعدان تبرا بذهب أحدهما أكثر وزنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أربيتما فردا! ووجد رجل يومئذ في خربة مائتي درهم، فأخذ منها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الخمس ودفعها إليه. # وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يسق [ (2) ] ماءه زرع غيره، ولا يبع [ (3) ] شيئا من المغنم حتى ~~يعلم، ولا يركب دابة من المغنم حتى إذا براها [ (4) ] ردها، ولا يلبس ثوبا ~~من المغنم حتى إذا أخلقه رده، ولا يأت من السبي حتى تستبرئ وتحيض حيضة، وإن ~~كانت حبلى حتى تضع حملها. ومر رسول الله صلى الله عليه PageV02P682 ~~وسلم يومئذ على امرأة مجح [ (1) ] فقال: لمن هذه؟ فقيل: لفلان. قال: ~~فلعله يطؤها؟ قالوا: نعم. قال: كيف بولدها يرثه وليس بابنه، أو يسترقه ~~وهو يعدو في سمعه وبصره؟ لقد هممت أن ألعنه لعنة تتبعه في قبره. # قالوا: وقدم أهل السفينتين [ (2) ] من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر، ~~فلما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جعفر قال: ما أدري بأيهما أنا أسر، ~~بقدوم جعفر أو فتح خيبر! ثم ضمه رسول الله وقبل بين عينيه. # وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة والطفيل بن عمرو وأصحابهم ونفر من ~~الأشجعيين، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فيهم أن يشركوهم في ~~الغنيمة. قالوا: نعم يا رسول الله. ونظر أبان بن سعيد [ (3) ] بن العاص إلى ~~أبي هريرة فقال: أما أنت فلا. فقال أبو هريرة: يا رسول الله، ms510 هذا قاتل ابن ~~قوقل. قال أبان بن سعيد: يا عجباه لوبر [ (4) ] تدلى علينا من قدوم ضأن [ ~~(5) ] ! ينعى على قتل امرئ مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهنى على يده. # قالوا: وكان الخمس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل مغنم غنمه ~~المسلمون، شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غاب عنه. وكان لا يقسم ~~لغائب في مغنم لم يشهده، إلا أنه في بدر ضرب لثمانية لم يشهدوا، كلهم ~~PageV02P683 ~~مستحق فيها. وكانت خيبر لأهل الحديبية، من شهدها منهم أو غاب عنها قال ~~الله عز وجل: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه [ (1) ] يعني ~~خيبر. وقد تخلف عنها رجال: مري بن سنان، وأيمن بن عبيد، وسباع بن عرفطة ~~الغفاري، خلفه على المدينة، وجابر بن عبد الله وغيرهم. ومات منهم رجلان، ~~فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تخلف منهم ومن مات، وأسهم لمن شهد ~~خيبر من الناس ممن لم يشهد الحديبية. وأسهم لرسل كانوا يختلفون إلى أهل ~~فدك، محيصة بن مسعود الحارثي وغيره، فأسهم لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يحضروا. ~~وأسهم لثلاثة مرضى لم يحضروا القتال: سويد بن النعمان، وعبد الله بن سعد ~~بن خيثمة، ورجل من بني خطامة، وأسهم للقتلى الذين قتلوا من المسلمين. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي ~~صعصعة ذلك. وقد قال قائل: إنما كانت خيبر لأهل الحديبية، لم يشهدها غيرهم ~~ولم يسهم فيها لغيرهم. والقول الأول أثبت عندنا أن قوما شهدوا خيبر فأسهم ~~لهم ولم يكونوا شهدوا الحديبية. # حدثني ابن أبي سبرة، عن قطير الحارثي، عن حزام بن سعد بن محيصة قال: فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة من يهود المدينة غزا بهم إلى خيبر، ~~فأسهم لهم كسهمان المسلمين. ويقال: أحذاهم ولم يسهم لهم، وكان معهم ~~مملوكون، منهم عمير مولى آبي اللحم. قال عمير: ~~ولم يسهم لي وأعطاني خرثي [ (2) ] متاع، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P684 ~~محذيهم [ (1) ] . وخرج ms511 مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عشرون ~~امرأة: أم سلمة زوجته، وصفية بنت عبد المطلب، وأم أيمن، وسلمى امرأة أبي ~~رافع مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، وامرأة عاصم بن عدي ولدت سهلة بنت ~~عاصم بخيبر، وأم عمارة نسيبة بنت كعب، وأم منيع وهي أم شباث، وكعيبة بنت ~~سعد الأسلمية، وأم مطاع الأسلمية، وأم سليم بنت ملحان، وأم الضحاك بنت ~~مسعود الحارثية، وهند بنت عمرو ابن حزام، وأم العلاء الأنصارية، وأم عامر ~~الأشهلية، وأم عطية الأنصارية، وأم سليط. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن أم علي بنت الحكم، عن أمية ~~بنت قيس بن أبي الصلت الغفارية، قالت: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~نسوة من بني غفار فقلنا: إنا نريد يا رسول الله أن نخرج معك في وجهك هذا ~~فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: على بركة الله! قالت: ~~فخرجنا معه وكنت جارية حديثة السن، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على حقيبة رحله، فنزل الصبح فأناخ وإذا أنا بالحقيبة عليها دم مني، وكانت ~~أول حيضة حضتها، فتقبضت إلى الناقة واستحييت. ~~فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: لعلك نفست! ~~قلت: نعم قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء، ثم اطرحي فيه ملحا ~~واغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عودي. ~~ففعلت، PageV02P685 ~~فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيء ولم يسهم، وأخذ هذه القلادة التي ~~ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي، فو الله لا تفارقني أبدا. ~~وكانت في عنقها حتى ماتت وأوصت أن تدفن معها، وكانت لا تطهر إلا وجعلت في ~~طهورها ملحا، وأوصت أن يجعل في غسلها ملح [ (1) ] حين غسلت. # حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن ~~أنيس، قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ومعي زوجتي حبلى، ~~فنفست بالطريق فأخبرت ms512 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انقع لها تمرا ~~فإذا أنعم بله فامرثه [ (2) ] ثم تشربه. ففعلت فما رأت شيئا تكرهه. فلما ~~فتحنا خيبر أحذى النساء ولم يسهم لهن، فأحذى زوجتي وولدي الذي ولد. قال عبد ~~السلام: لست أدري غلام أم جارية. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمر بن الحكم، عن أم ~~العلاء الأنصارية قالت: فأصابني ثلاث خرزات، وكذلك أصاب صواحبي، وأتي يومئذ ~~برعاث [ (3) ] من ذهب، فقال: هذا لبنات أخي سعد بن زرارة، فقدم بها عليهن ~~فرأيت ذلك الرعاث عليهن، وذلك من خمسه يوم خيبر. # حدثني عبد الله بن أبي يحيى، عن ثبيتة بنت حنظلة الأسلمية، عن أمها أم ~~سنان قالت: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج PageV02P686 ~~جئته فقلت: يا رسول الله، أخرج معك في وجهك هذا، أخرز [ (1) ] السقاء، ~~وأداوي المرضى والجريح إن كانت جراح- ولا يكون- وأنظر الرحل. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اخرجي على بركة الله فإن لك صواحب قد كلمنني ~~وأذنت لهن من قومك ومن غيرهم، فإن شئت فمع قومك وإن شئت فمعنا. قلت: معك! ~~قال: فكوني مع أم سلمة زوجتي. ~~قالت: فكنت معها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدو من الرجيع كل ~~يوم عليه الدرع، فإذا أمسى رجع إلينا، فمكث على ذلك سبعة أيام حتى فتح الله ~~النطاة، فلما فتحها تحول إلى الشق وحولنا إلى المنزلة، فلما فتح خيبر رضخ ~~لنا من الفيء، فأعطاني خرزا وأوضاحا [ (2) ] من فضة أصيبت في المغنم، ~~وأعطاني قطيفة فدكية، وبردا يمانيا، وخمائل [ (3) ] ، وقدرا من صفر [ (4) ] ~~. وكان رجال من أصحابه قد جرحوا فكنت أداويهم بدواء كان عند أهلي فيبرأون، ~~فرجعت مع أم سلمة فقالت لي حين أردنا ندخل المدينة، وكنت على بعير من إبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم منحه لي، فقالت: بعيرك الذي تحتك لك رقبته ~~أعطاكيه رسول الله. قالت: فحمدت الله وقدمت بالبعير فبعته بسبعة دنانير. ~~قالت: فجعل الله في وجهي ذلك خيرا. # قالوا: فأسهم للنساء، وأسهم لسهلة بنت عاصم، ms513 ولدت بخيبر، وولد لعبد الله ~~بن أنيس بخيبر، فأسهم للنساء والصبيان. ويقال: رضخ للنساء والصبيان ولم ~~يجعلهم كأهل الجهاد. PageV02P687 # وحدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن ~~الحارث بن عبد الله بن كعب، قال: رأيت في رقبة أم عمارة خرزا حمرا فسألتها ~~عن الخرز فقالت: أصاب المسلمون خرزا في حصن الصعب بن معاذ دفن في الأرض، ~~فأتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به بمن معه من النساء ~~فأحصين، فكنا عشرين امرأة، فقسم ذلك الخرز بيننا هذا وأرضخ لنا من الفيء، ~~قطيفة وبردا يمانيا ودينارين، وكذلك أعطى صواحبي. قلت: فكم كانت سهمان ~~الرجال؟ قالت: ~~ابتاع زوجي غزية بن عمرو متاعا بأحد عشر دينارا ونصف، فلم يطالب بشيء، ~~فظننا أن هذه سهمان الفرسان- وكان فارسا- وباع ثلاثة أسهم في الشق زمن ~~عثمان بثلاثين دينارا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاد في خيبر ~~ثلاثة أفراس، لزاز والظرب والسكب [ (1) ] ، وكان الزبير بن العوام قد قاد ~~أفراسا، وكان خراش بن الصمة قد قاد فرسين، وكان البراء ابن أوس بن خالد بن ~~الجعد بن عوف- أبو إبراهيم [ (2) ] ابن النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~أرضعه- قد قاد فرسين، وكان أبو عمرو الأنصاري قد قاد فرسين. قال: فأسهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل من كان له فرسان خمسة أسهم، أربعة لفرسيه ~~وسهما له، وما كان أكثر من فرسين لم يسهم له. ويقال إنه لم يسهم إلا لفرس ~~واحد، وأثبت ذلك أنه أسهم لفرس واحد. ويقال: إنه عرب العربي يوم خيبر وهجن ~~الهجين، فأسهم للعربي وألقى الهجين. وقال بعضهم: لم يكن الهجين على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كانت العراب حتى كان زمن عمر بن ~~PageV02P688 ~~الخطاب وفتح العراق والشام، ولم يسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ضرب لمن كان معه من الخيل لنفسه إلا لفرس واحد، هو معروف، سهم الفرس. وسهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في النطاة ثلاثة أسهم، لفرسه ms514 سهمان وله سهم، ~~كان مع عاصم بن عدي. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن حزام بن سعد ~~بن محيصة، قال: خرج سويد بن النعمان على فرس، فلما نظر إلى بيوت خيبر في ~~الليل وقع به الفرس، فعطب الفرس وكسرت يد سويد، فلم يخرج من منزله حتى فتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فأسهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سهم فارس. # قالوا: وكانت الخيل مائتي فرس. ويقال: ثلاثمائة، ومائتان أثبت عندنا. ~~وكان الذي ولي إحصاء المسلمين زيد بن ثابت، فقسم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بينهم الذي غنموا من المتاع الذي بيع، ثم أحصاهم ألفا وأربعمائة، والخيل ~~مائتي فرس. فكانت السهمان على ثمانية عشر سهما، وهم الذين ضرب لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالسهمان، ولخيلهم أربع عشرة مائة، والخيل مائتي ~~فرس لها أربعمائة سهم. فكانت سهمان المسلمين التي أسهمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في النطاة أو في الشق ثلاثة أسهم فوضى لم تعرف على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم تحد ولم تقسم، إنما لها رؤساء مسمون، لكل مائة ~~رأس يعرف يقسم على أصحابه ما خرج من غلتها، فكان رؤساؤهم في الشق والنطاة: ~~عاصم بن عدي، وعلي بن أبي طالب عليه السلام، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن ~~عبيد الله رضوان الله عليهم. وسهم بني ساعدة، وسهم بني النجار لهم رأس، ~~وسهم PageV02P689 ~~حارثة بن الحارث، وسهم أسلم وغفار، وسهم بني سلمة- وكانوا أكثر ورأسهم ~~معاذ بن جبل- وسهم عبيدة رجل من اليهود، وسهم أوس، وسهم بني الزبير، وسهم ~~أسيد بن حضير، وسهم بلحارث بن الخزرج، رأسه عبد الله بن رواحة، وسهم بياضة، ~~رأسه فروة بن عمرو، وسهم ناعم. ~~فهذه ثمانية عشر سهما في الشق والنطاة فوضى يقبض رؤساؤهم الغلة منه، ثم ~~يفض عليهم، ويبيع الرجل سهمه فيجوز ذلك. ~~وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من رجل من بني غفار سهمه بخيبر ~~ببعيرين ثم قال ms515 له النبي صلى الله عليه وسلم: أعلم أن الذي آخذ منك خير من ~~الذي أعطيك، والذي أعطيك دون الذي آخذ منك، وإن شئت فخذ وإن شئت فأمسك! ~~فأخذ الغفاري. وكان عمر بن الخطاب يشتري من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سهم، وأخذ من أصحابه وهم مائة، وهو سهم أوس كان يسمى سهم اللفيف حتى صار ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابتاع محمد بن مسلمة من سهم أسلم سهمانا، ~~ويقال: إن أسلم كانوا بضعة وسبعين، وغفار بضعة وعشرين فكانوا مائة، ويقال: ~~كانت أسلم مائة وسبعين، وغفار بضعة وعشرين، وهذا مائتا سهم، والقول [الأول] ~~أثبت عندنا. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر سأله اليهود فقالوا: ~~يا محمد، نحن أرباب النخل وأهل المعرفة بها. فساقاهم [ (1) ] رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خيبر على شطر من التمر والزرع، وكان يزرع تحت النخل، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقركم على ما أقركم الله. PageV02P690 ~~فكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي، وأبي بكر، وصدر ~~من خلافة عمر، وكان يبعث عبد الله بن رواحة يخرص عليهم النخل، فكان يخرصها ~~فإذا خرص قال: إن شئتم فلكم وتضمنون نصف ما خرصت، وإن شئتم فلنا ونضمن لكم ~~ما خرصت. وإنه خرص عليهم أربعين ألف وسق، فجمعوا له حليا من حلي نسائهم ~~فقالوا: هذا لك، وتجاوز في القسم. ~~فقال: يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذاك يحملني ~~أن أحيف عليكم. قالوا: بهذا قامت السموات والأرض! فكان عبد الله بن رواحة ~~يخرص عليهم، فلما قتل يوم مؤتة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ~~الهيثم بن التيهان يخرص عليهم، ويقال: جبار بن صخر، فكان يصنع بهم مثل ما ~~كان يصنع عبد الله بن رواحة، ويقال: الذي خرص بعد ابن رواحة عليهم فروة بن ~~عمرو. ~~قالوا: وجعل المسلمون يقعون في حرثهم وبقلهم بعد المساقاة وبعد أن صار ~~ليهود نصفه، فشكت اليهود ذلك إلى رسول ms516 الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، ويقال: عبد الرحمن بن عوف، فنادى: ~~إن الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم. فاجتمع الناس، فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن اليهود شكوا إلي أنكم ~~وقعتم في حظائرهم، وقد أمناهم على دمائهم وعلى أموالهم والذي في أيديهم من ~~أراضيهم، وعاملناهم، وإنه لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها. وكان المسلمون ~~لا يأخذون من بقولهم شيئا إلا بثمن، فربما قال اليهودي للمسلم: أنا أعطيكه ~~باطلا [ (1) ] ! فيأبى المسلم إلا بثمن. # قال ابن واقد: وقد اختلف علينا في الكتيبة، فقال قائل: كانت PageV02P691 ~~للنبي صلى الله عليه وسلم خالصة ولم يوجف [ (1) ] عليها المسلمون، إنما ~~كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وحدثني عبد الله بن نوح، عن ابن غفير، وموسى بن عمرو بن عبد الله ابن ~~رافع، عن بشير بن يسار. وحدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، أنهم كانوا ~~يقولون ذلك. وقال قائل: هي خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، من ~~الشق والنطاة. وحدثني قدامة بن موسى، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزام، ~~قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز في خلافته أن افحص لي عن الكتيبة. ~~قال أبو بكر: فسألت عمرة بنت عبد الرحمن فقالت: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما صالح بني أبي الحقيق جزأ النطاة والشق والكتيبة خمسة أجزاء، ~~وكانت الكتيبة جزءا منها، ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس بعرات، ~~وأعلم في بعرة منها، فجعلها لله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم اجعل سهمك في الكتيبة. ~~فكان أول ما خرج منها الذي فيه مكتوب على الكتيبة، فكانت الكتيبة خمس ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت السهمان أغفالا ليس عليها علامات، وكانت ~~فوضى للمسلمين على ثمانية عشر سهما. قال أبو بكر: فكتبت إلى عمر بن عبد ~~العزيز بذلك. # وحدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن ms517 أبي مالك، عن حزام بن سعد بن محيصة، قال: ~~لما خرج سهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان الشق والنطاة أربعة الأخماس ~~للمسلمين فوضى. # وحدثني عبد الله بن عون، عن أبي مالك الحميرى، عن سعيد بن PageV02P692 ~~المسيب، وحدثني محمد [ (1) ] ، عن الزهري، قال: الكتيبة خمس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم من أطعم ~~في الكتيبة وينفق على أهله منها. قال ابن واقد: والثبت عندنا أنها خمس ~~النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يطعم من الشق والنطاة أحدا وجعلها سهمانا للمسلمين، وكانت [ (2) ] الكتيبة ~~التي أطعم فيها. كانت الكتيبة تخرص ثمانية آلاف وسق تمر، فكان [ (3) ] ~~لليهود نصفها أربعة آلاف، وكان يزرع في الكتيبة شعير، فكان يحصد منها ثلاثة ~~آلاف صاع، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم نصفه، ألف وخمسمائة صاع شعير، ~~وكان يكون فيها نوى فربما اجتمع ألف صاع فيكون لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نصفه، فكل هذا قد أعطى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين من ~~الشعير والتمر والنوى. ### || تسمية سهمان الكتيبة # خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وسلالم، والجاسمين، وسهما ~~النساء، وسهما مقسم- وكان يهوديا- وسهما عوان، وسهم غريث، وسهم نعيم، وهو ~~اثنا عشر سهما. ### || ذكر طعم النبي صلى الله عليه وسلم في الكتيبة أزواجه وغيرهم # أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا تمرا ~~وعشرين وسقا شعيرا. وللعباس بن عبد المطلب مائتي وسق، ولفاطمة وعلى ~~PageV02P693 ~~عليهما السلام من الشعير والتمر ثلاثمائة وسق، والشعير من ذلك خمسة ~~وثمانين وسقا، لفاطمة من ذلك مائتا وسق. ولأسامة بن زيد مائة وخمسون، منها ~~أربعون شعيرا وخمسون وسقا نوى، ولأم رمثة بنت عمر بن هاشم بن المطلب خمسة ~~أوساق شعير، وللمقداد بن عمرو خمسة عشر وسقا شعيرا. # وحدثني موسى بن يعقوب، عن عمته، عن أمها، قالت: بعنا طعمة المقداد بن ~~عمرو من خيبر خمسة عشر وسقا شعيرا من معاوية ms518 بن أبي سفيان بمائة ألف درهم. # بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى محمد رسول الله لأبي بكر بن أبي ~~قحافة مائة وسق. ولعقيل بن أبي طالب مائة وأربعين، ولبني جعفر بن أبي طالب ~~خمسين وسقا، ولربيعة بن الحارث مائة وسق، ولأبي سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب مائة وسق، وللصلت بن مخرمة بن المطلب ثلاثين وسقا، ولأبي نبقة خمسين ~~وسقا، ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا، وللقاسم بن مخرمة بن المطلب خمسين ~~وسقا، ولمسطح بن أثاثة بن عباد وأخته هند ثلاثين وسقا، ولصفية بنت عبد ~~المطلب أربعين وسقا، ولبحينة بنت الحارث [ (1) ] بن المطلب ثلاثين وسقا، ~~ولضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أربعين وسقا، وللحصين، وخديجة، وهند بن ~~عبيدة بن الحارث مائة وسق، ولأم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب ثلاثين ~~وسقا، ولأم هانئ بنت أبي طالب أربعين وسقا، ولجمانة بنت أبي طالب ثلاثين ~~وسقا، ولأم طالب بنت أبي طالب ثلاثين وسقا، ولقيس بن PageV02P694 ~~مخرمة بن المطلب خمسين وسقا، ولأبي أرقم خمسين وسقا، ولعبد الرحمن ابن ~~أبى بكر أربعين وسقا، ولأبي بصرة أربعين وسقا، ولابن أبي حبيش ثلاثين وسقا، ~~ولعبد الله بن وهب وابنيه خمسين وسقا، لابنيه أربعين وسقا، ولنميلة الكلبي ~~من بني ليث خمسين وسقا، ولأم حبيبة بنت جحش ثلاثين وسقا، ولملكان بن عبدة ~~ثلاثين وسقا، ولمحيصة بن مسعود ثلاثين وسقا، وأوصى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للرهاويين [ (1) ] بطعمة من خمس خيبر بجاد [ (2) ] مائة وسق، ~~وللداريين بجاد مائة وسق، وهم عشرة من الداريين قدموا من الشام إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأوصى لهم بطعمة مائة وسق: هانئ بن حبيب، والفاكه ~~بن النعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند بن بر وأخوه الطيب بن بر، سماه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وتميم بن أوس، ونعيم بن أوس، ويزيد بن ~~قيس، وعزيز بن مالك، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وأخوه ~~مرة بن مالك، وأوصى للأشعريين بجاد مائة وسق. # أخبرنا عبد الوهاب بن ms519 أبي حية قال: حدثنا ابن الثلجي قال: حدثنا الواقدي ~~قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لم ~~يوص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بثلاثة أشياء، للداريين بجاد مائة ~~وسق، وللأشعريين بجاد مائة وسق، وللرهاويين بجاد مائة وسق، وأن ينفذ جيش ~~أسامة بن زيد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد له PageV02P695 ~~إلى مقتل أبيه، وألا يترك بجزيرة العرب دينان. # قالوا: ثم استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في قسم خمس خيبر ~~فأشار عليه أن يقسمه في بني هاشم وبني المطلب وبني عبد يغوث. # وحدثني معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال جبير ابن مطعم: لما ~~قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بخيبر من بني هاشم وبني ~~المطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخواننا من بني المطلب لا ننكر فضلهم ~~لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أفرأيت إخواننا من بني المطلب، إنما نحن ~~وهم منك بمنزلة واحدة، أعطيتهم وتركتنا. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بنى المطلب لم يفارقوني في ~~الجاهلية والإسلام، دخلوا معنا في الشعب، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء ~~واحد! وشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه. # قالوا: وكان عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث يحدث قال: اجتمع العباس بن ~~عبد المطلب وربيعة بن الحارث فقالا: لو بعثنا هذين الغلامين- لي وللفضل بن ~~عباس- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات، ~~فأديا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيبون من المنفعة. ~~فبعث بي والفضل فخرجنا حتى جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقناه، ~~وانصرف إلينا من الظهر وقد وقفنا له عند حجرة زينب، فأخذ بمناكبهما فقال: ~~أخرجا ما تسران [ (1) ] ! فلما دخل دخلا عليه فكلماه فقالا: يا رسول الله ~~جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي ما يؤدي الناس، ونصيب ما ms520 يصيبون من ~~PageV02P696 ~~المنفعة. فسكت ورفع رأسه إلى سقف البيت ثم أقبل علينا فقال. ~~إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس. ~~ادع لي محمية بن جزء الزبيدي وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. ~~فقال لمحمية: زوج هذا ابنتك- للفضل. وقال لأبي سفيان: زوج هذا ابنتك- ~~لعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث. وقال لمحمية: أصدق عنهما مما عندك من ~~الخمس! ~~وكان يكون على الخمس. فكان ابن عباس يقول: ~~قد دعانا عمر إلى أن ينكح فيه أيامانا ويخدم منه عائلنا، ويقضى منه ~~غارمنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه كله، وأبى ذلك علينا. # حدثني مصعب بن ثابت، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أن أبا بكر ~~وعمر وعليا [ (1) ] عليهم السلام جعلوا هذين السهمين على اليتامى ~~والمساكين. وقال بعضهم: في السلاح والعدة في سبيل الله. وكانت تلك الطعمة ~~تؤخذ بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وفي خلافة أبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، ومعاوية، رضي الله عنهم، حتى كان يحيى بن الحكم فزاد فى الصاع سدس ~~المد، فأعطى الناس بالصاع الذي زاد، ثم كان أبان ابن عثمان فزاد فيه ~~فأعطاهم بذلك، وكان من مات من المطعمين أو قتل في حياة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر فإنه يرثه تلك الطعمة من ورث ماله. فلما ولي عمر بن ~~الخطاب قبض طعمة كل من مات ولم يورثه، فقبض طعمة زيد بن حارثة، وقبض طعمة ~~جعفر بن أبى طالب، وكلمه فيه PageV02P697 ~~علي بن أبي طالب فأبى، وقبض طعمة صفية بنت عبد المطلب، فكلمه الزبير في ~~ذلك حتى غالظه فأبى عليه برده، فلما ألح عليه قال: أعطيك بعضه. ~~قال الزبير: لا والله، لا تخلف تمرة واحدة تحبسها عني! فأبى عمر تسليمه ~~كله إليه. قال الزبير: لا آخذه إلا جميعا! فأبى عمر وأبى أن يرد على ~~المهاجرين. وقبض طعمة فاطمة، فكلم فيها فأبى أن يفعل. وكان يجيز لأزواج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنعن، فماتت زينب بنت جحش في ms521 خلافته فخلى ~~بين ورثتها وبين تلك الطعمة، وأجاز ما صنعن فيه من بيع أو هبة، وورث ذلك كل ~~من ورثهن ولم يفعل بغيرهن. وأبى أن يجيز بيع من باع تلك الطعمة، وقال: هذا ~~شيء لا يعرف، إذا مات المطعم بطل حقه فكيف يجوز بيعه؟ إلا أزواج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنه أجاز ما صنعن، فلما ولي عثمان كلم في تلك الطعمة [ ~~(1) ] فرد على أسامة ولم يرد على غيره. فكلمه الزبير في طعمة صفية أمه فأبى ~~يرده وقال: أنا حاضرك حين تكلم عمر، وعمر يأبى عليك يقول «خذ بعضه» ، فأنا ~~أعطيك بعضه الذي عرض عليك عمر، أنا أعطيك الثلثين وأحتبس الثلث. فقال ~~الزبير: ~~لا والله، لا تمرة واحدة حتى تسلمه كله أو تحتبسه. # حدثني شعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، قال: ~~لما توفي أبو بكر رضي الله عنه كان ولده ورثته يأخذون طعمته من خيبر، مائة ~~وسق في خلافة عمر وعثمان، وورثت امرأته أم رومان بنت عامر بن عويمر ~~الكنانية [ (2) ] ، وحبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير، PageV02P698 ~~فلم يزل جاريا عليهن حتى كان زمن عبد الملك أو بعده فقطع. # قال أبو عبد الله: سألت إبراهيم بن جعفر عمن أعطى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من خمس خيبر فقال: لا تسأل عنه أحدا أبدا أعلم مني، كان من أعطي ~~منه طعمة جرت عليه حتى يموت، ثم يرثه من ورثته، يبيعون ويطعمون ويهبون، كان ~~هذا على عهد أبي بكر وعمر وعثمان. قلت: ممن سمعت ذلك؟ قال: من أبي وغيره من ~~قومي. قال أبو عبد الله: فذكرت لعبد الرحمن بن عبد العزيز هذا الحديث فقال: ~~أخبرني من أثق به أن عمر كان يقبض تلك الطعمة إذا مات الميت في حياة ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن. ثم يقول: توفيت زينب بنت جحش في ~~سنة عشرين في خلافة عمر فقبض طعمتها، فكلم فأبى أن يعطيها الورثة. قال: ~~إنما كانت من النبي صلى ms522 الله عليه وسلم طعمة ما كان المرء حيا، فإذا مات ~~فلا حق لورثته. قال: فكان الأمر على ذلك في خلافة عمر حتى توفي، ثم ولي ~~عثمان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أطعم زيد بن حارثة طعمة من خيبر لم ~~يكن له بها كتاب، فلما توفي زيد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن ~~زيد. قلت: فإن بعض من يروي يقول: كلم أسامة بن زيد عمر وعثمان في طعمة أبيه ~~فأبى، قال: ~~ما كان إلا كما أخبرتك. قال أبو عبد الله: هذا الأمر. ### || تسمية من استشهد بخيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم # من بني أمية من حلفائهم: ربيعة بن أكثم، قتل بالنطاة، قتله الحارث ~~اليهودي، وثقف بن عمرو بن سميط، قتله أسير اليهودي، ورفاعة بن PageV02P699 ~~مسروح، قتله الحارث اليهودي. ومن بني أسد بن عبد العزى: عبد الله بن أبي ~~أمية بن وهب حليف لهم وهو ابن أختهم، قتل بالنطاة. ومن الأنصار محمود بن ~~مسلمة دلى عليه مرحب رحى من حصن ناعم بالنطاة. ومن بني عمرو بن عوف: أبو ~~الضياح [ (1) ] بن النعمان، شهد بدرا، والحارث بن حاطب قد شهد بدرا، وعدي ~~بن مرة بن سراقة، وأوس بن حبيب، قتل على حصن ناعم، وأنيف بن وائلة [ (2) ] ~~، قتل على حصن ناعم. ومن بنى زريق: ~~مسعود بن سعد، قتله مرحب. ومن بني سلمة: بشر بن البراء بن معرور، مات من ~~الشاة المسمومة، وفضيل بن النعمان، وهو من العرب، من أسلم، وعامر بن ~~الأكوع، أصاب نفسه على حصن ناعم فدفن هو ومحمود بن مسلمة في غار واحد ~~بالرجيع. ومن بني غفار: عمارة بن عقبة بن عباد بن مليل، ويسار، العبد ~~الأسود، ورجل من أشجع، فجميع من استشهد خمسة عشر رجلا. وقد اختلف في الصلاة ~~عليهم فقال قائل: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وقال قائل: لم ~~يصل عليهم. وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلا. وأعطى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جبلة بن جوال الثعلبي كل داجن بخيبر، ويقال: أعطاه ms523 كل داجن في ~~النطاة، ولم يعطه من الكتيبة ولا من الشق شيئا. PageV02P700 ### || ذكر ما قيل من الشعر في خيبر # قال ناجية بن جندب الأسلمي: # يا عباد الله فيما نرغب %~% ما هو إلا مأكل ومشرب # وجنة فيها نعيم معجب # وقال أيضا: # أنا لمن أبصرني ابن جندب %~% يا رب قرن [ (1) ] قد تركت أنكب [ (2) ] # طاح عليه [ (3) ] أنسر وثعلب # أنشدني هذا عبد الملك بن وهب من ولد ناجية قال: ما زلت أرويها لأبي وأنا ~~غلام. # حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أنه سئل ~~عن الرهان التي كانت بين قريش حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~خيبر فقال: كان حويطب بن عبد العزى يقول: ~~انصرفت من صلح الحديبية وأنا مستيقن أن محمدا سيظهر على الخلق، وتأبى ~~حمية الشيطان إلا لزوم ديني، فقدم علينا عباس بن مرداس السلمي فخبرنا أن ~~محمدا سار إلى خيابر، وأن خيابر قد جمعت الجموع فمحمد لا يفلت، إلى أن قال ~~عباس: من شاء بايعته لا يفلت محمد. فقلت: ~~أنا أخاطرك. فقال صفوان بن أمية: أنا معك يا عباس. وقال نوفل بن ~~PageV02P701 ~~معاوية: أنا معك يا عباس. وضوى [ (1) ] إلي نفر من قريش، فتخاطرنا مائة ~~بعير خماسا إلى مائة بعير، أقول أنا وحيزي [ (2) ] «يظهر محمد» . ويقول ~~عباس وحيزه: «تظهر غطفان» . فاضطرب الصوت، فقال أبو سفيان بن حرب: ~~خشيت واللات حيز عباس بن مرداس. فغضب صفوان وقال: أدركتك المنافية! فأسكت ~~أبو سفيان، وجاءه الخبر بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حويطب ~~وحيزه الرهن. # قالوا: وكانت الأيمن تحلف [ (3) ] عن خيبر، وكان أهل مكة حين توجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر قد تبايعوا بينهم، منهم من يقول: ~~يظهر الحليفان أسد وغفار واليهود بخيبر، وذلك أن اليهود أوعبت فى ~~حلفاءها، فاستنصروهم وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، فكانت بينهم في ذلك بيوع ~~عظام. # وكان الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي قد خرج يغير في بعض غاراته، فذكر ~~له أن رسول الله صلى ms524 الله عليه وسلم بخيبر فأسلم وحضر مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خيبر، وكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم أخت مصعب العبدي ~~امرأته، وكان الحجاج مكثرا، له مال كثير، معادن الذهب التي بأرض بني سليم، ~~فقال: يا رسول الله، ائذن لي حتى أذهب فآخذ ما لي عند امرأتي، فإن علمت ~~بإسلامي لم آخذ منه شيئا، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا ~~بد لي يا رسول الله من [أن] أقول. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول ما شاء. قال الحجاج: PageV02P702 ~~فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء، وإذا بهم ~~رجال من قريش يتسمعون الأخبار، قد بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد سار إلى خيبر، وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا وسلاحا، فهم ~~يتحسبون الأخبار مع ما كان بينهم من الرهان، فلما رأوني قالوا: الحجاج ابن ~~علاط عنده والله الخبر! يا حجاج، إنه قد بلغنا أن القاطع [ (1) ] قد سار ~~إلى خيبر بلد اليهود وريف الحجاز. فقلت: بلغني أنه قد سار إليها وعندي من ~~الخبر ما يسركم. فالتبطوا [ (2) ] بجانبي راحلتي يقولون: يا حجاج أخبرنا. ~~فقلت: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيبر. ~~كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع وجمعوا له عشرة آلاف، فهزم ~~هزيمة لم يسمع قط بمثلها، وأسر محمد أسرا، فقالوا: لن نقتله حتى نبعث به ~~إلى أهل مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منا ومنهم! ولهذا فإنهم يرجعون ~~إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم ويرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا ~~منهم وقد صنعوا بكم ما صنعوا. قال: فصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، ~~هذا محمد إنما ينتظر أن يقدم به عليكم. وقلت: أعينوني على جمع مالي على ~~غرمائي فأنا أريد أن أقدم فأصيب من محمد وأصحابه قبل أن تسبقني التجار إلى ~~ما هناك. فقاموا فجمعوا إلي مالي كأحث جمع سمعت به، وجئت صاحبتي وكان لي ~~عندها مال فقلت لها: مالي، ms525 لعلي ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقني ~~التجار إلى من انكسر هناك من المسلمين [ (3) ] . وسمع ذلك العباس فقام، ~~فانخذل ظهره فلم يستطع PageV02P703 ~~القيام، فأشفق أن يدخل داره فيؤذى، وعلم أن سيؤذى عند ذلك، فأمر بباب ~~داره يفتح وهو مستلق، فدعا بابنه قثم وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فجعل يرتجز ويرفع صوته ألا يشمت به الأعداء. وحضر باب العباس بين مغيظ ~~محزون، وبين شامت، وبين مسلم ومسلمة، مقهورين بظهور الكفر والبغي، فلما رأى ~~المسلمون العباس طيبة نفسه طابت أنفسهم واشتدت منتهم [ (1) ] ، ودعا غلاما ~~له يقال له أبو زبينة فقال له: اذهب إلى الحجاج فقل، يقول العباس: «الله ~~أعلى وأجل من أن يكون الذي تخبر حقا» . ~~فجاءه فقال الحجاج: قل لأبي الفضل: أحلني في بعض بيوتك حتى آتيك ظهرا ~~ببعض ما تحب، فاكتم عني. فأقبل أبو زبينة يبشر العباس «أبشر بالذي يسرك» ~~فكأنه لم يمسه شيء، ودخل عليه أبو زبينة فاعتنقه العباس وأعتقه وأخبره ~~بالذي قال، فقال العباس: لله علي عتق عشر رقاب! فلما كان ظهرا جاءه الحجاج ~~فناشده الله: لتكتمن علي ثلاثة أيام. فواثقه العباس على ذلك، قال: فإني قد ~~أسلمت ولي مال عند امرأتي ودين على الناس، ولو علموا بإسلامي لم يدفعوا ~~إلي، تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر، وجرت سهام الله ~~ورسوله فيها وانتثل [ (2) ] ما فيها، وتركته عروسا بابنة حيي بن أخطب، وقتل ~~ابن أبي الحقيق. قال: فلما أمسى الحجاج من يومه خرج، وطال على العباس تلك ~~الليالي، ويقال: إنما استنظر العباس يوما وليلة، وجعل العباس يقول: يا ~~حجاج، انظر ما تقول فإني عارف بخيبر، هي ريف الحجاز أجمع، وأهل المنعة ~~والعدة في الرجال. أحقا ما تقول؟ قال: إي والله، فاكتم عني يوما وليلة. حتى ~~إذا مضى الأجل والناس PageV02P704 ~~يموجون في شأن ما تبايعوا عليه، عمد [ (1) ] العباس إلى حلة فلبسها، ~~وتخلق الخلوق وأخذ في يده قضيبا، ثم أقبل يخطر حتى وقف على باب الحجاج بن ~~علاط، فقرعه فقالت زوجته: لا تدخل، ms526 أبا الفضل! قال: فأين الحجاج؟ ~~قالت: انطلق إلى غنائم محمد ليشتري منها التي أصابت اليهود منهم قبل أن ~~تسبقه التجار إليها. فقال لها العباس: فإن الرجل ليس لك بزوج إلا أن تتبعي ~~دينه، إنه قد أسلم وحضر الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ذهب ~~بماله هاربا منك ومن أهلك أن يأخذوه. قالت: أحقا يا أبا الفضل؟ قال: إي ~~والله! قالت: والثواقب إنك لصادق. ثم قامت تخبر أهلها، وانصرف العباس إلى ~~المسجد وقريش يتحدثون بما كان من حديث الحجاج، فلما نظروا إليه وإلى حاله ~~تغامزوا وعجبوا من تجلده، ثم دخل في الطواف بالبيت، فقالوا: يا أبا الفضل، ~~هذا والله التجلد لحر المصيبة! أين كنت منذ ثلاث لا تطلع؟ قال العباس: كلا ~~والذي حلفتم به، لقد فتح خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم حيي بن أخطب، وضرب ~~أعناق بني أبي الحقيق البيض الجعاد الذين رأيتموهم سادة النضير من يثرب، ~~وهرب الحجاج بماله الذي عند امرأته. قالوا: من خبرك بهذا؟ قال العباس: ~~الصادق في نفسي، الثقة في صدري، فابعثوا إلى أهله! فبعثوا فوجدوا الحجاج قد ~~انطلق بماله واستكتم أهله حتى يصبح، فسألوا عن ذلك كله فوجدوه حقا، فكبت ~~المشركون وفرح بذلك المسلمون، ولم تلبث قريش خمسة أيام حتى جاءهم الخبر ~~بذلك. PageV02P705 ### | باب شأن فدك # [ (1) ] قالوا: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فدنا ~~منها، بعث محيصة بن مسعود إلى فدك يدعوهم إلى الإسلام ويخوفهم أن يغزوهم ~~كما غزا أهل خيبر ويحل بساحتهم. قال محيصة: جئتهم فأقمت عندهم يومين، ~~وجعلوا يتربصون ويقولون: بالنطاة عامر، وياسر، وأسير، والحارث وسيد اليهود ~~مرحب، ما نرى محمدا يقرب حراهم [ (2) ] ، إن بها عشرة آلاف مقاتل. قال ~~محيصة: فلما رأيت خبثهم أردت أرحل راجعا، فقالوا: نحن نرسل معك رجالا ~~يأخذون لنا الصلح- ويظنون أن اليهود تمتنع. فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتل ~~أهل حصن ناعم وأهل النجدة منهم، ففت ذلك أعضادهم وقالوا لمحيصة: اكتم عنا ~~ما قلنا لك ولك هذا الحلي! لحلي نسائهم، جمعوه كثيرا. ms527 فقال محيصة: بل أخبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي سمعت منكم. فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بما قالوا. [قال محيصة] : ~~وقدم معي رجل. من رؤسائهم يقال له نون بن يوشع في نفر من اليهود، صالحوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويجليهم ويخلوا بينه وبين ~~الأموال. ففعل، ويقال: عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من ~~بلادهم ولا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم عليهم من الأموال شيء، وإذا كان ~~جذاذها جاءوا فجذوها، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P706 ~~أن يقبل ذلك وقال لهم محيصة: مالكم منعة ولا رجال ولا حصون، لو بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إليكم مائة رجل لساقوكم إليه. فوقع الصلح بينهم أن ~~لهم نصف الأرض بتربتها لهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نصفها، فقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. وهذا أثبت القولين. ~~فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يبلغهم، فلما كان عمر ~~ابن الخطاب وأجلى يهود خيبر، بعث عمر إليهم من يقوم أرضهم، فبعث أبا الهيثم ~~بن التيهان وفروة بن عمرو بن حيان بن صخر، وزيد بن ثابت، فقوموها لهم، ~~النخل والأرض، فأخذها عمر بن الخطاب ودفع إليهم نصف قيمة النخل بتربتها، ~~فبلغ ذلك خمسين ألف درهم أو يزيد- كان ذلك المال جاءه من العراق- وأجلاهم ~~عمر إلى الشام. ويقال: بعث أبا خيثمة الحارثي فقومها. ### | انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى المدينة # قال أنس: انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وهو يريد وادي ~~القرى، ومعه أم سليم بنت ملحان، وكان بعض القوم يريد أن يسأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صفية حتى مر بها فألقى عليها رداءه، ثم عرض عليها الإسلام ~~فقال: إن تكوني على دينك لم نكرهك، فإن اخترت الله ورسوله اتخذتك لنفسي. ~~قالت: بل أختار الله ورسوله. قال: ~~فأعتقها فتزوجها وجعل عتقها مهرها. فلما كان بالصهباء قال لأم سليم: ~~انظري ms528 صاحبتك هذه فامشطيها! وأراد أن يعرس بها هناك، فقامت أم سليم- قال ~~أنس: وليس معنا فساطيط ولا سرادقات- فأخذت كساءين PageV02P707 ~~وعباءتين فسترت بهما عليها [ (1) ] إلى شجرة فمشطتها وعطرتها، وأعرس بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~خرج من خيبر، وقرب بعيرها وقد سترها النبي صلى الله عليه وسلم بثوبه، أدنى ~~فخذه لتضع رجلها عليه، فأبت ووضعت ركبتها على فخذه، فلما بلغ ثبارا أراد أن ~~يعرس بها هناك، فأبت عليه حتى وجد في نفسه، حتى بلغ الصهباء فمال إلى دومة ~~هناك فطاوعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما حملك على ما صنعت حين أردت أن أنزل بثبار- وثبار على ستة أميال ~~والصهباء على اثني عشر ميلا- قالت: يا رسول الله خفت عليك قرب اليهود، فلما ~~بعدت أمنت. فزادها عند النبي صلى الله عليه وسلم خيرا وعلم أنها قد صدقته، ~~ودخلت عليه مساء تلك الليلة، وأو لم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ~~عليها بالحيس [ (2) ] والسويق والتمر، وكان قصاعهم الأنطاع [ (3) ] قد ~~بسطت، فرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل معهم على تلك الأنطاع. ~~قالوا: وبات أبو أيوب الأنصاري قريبا من قبته آخذا بقائم السيف حتى أصبح، ~~فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة فكبر أبو أيوب فقال: مالك يا ~~أبا أيوب؟ فقال: يا رسول الله، دخلت بهذه الجارية وكنت قد قتلت أباها ~~وإخوتها وعمومتها وزوجها وعامة عشيرتها، فخفت أن تغتالك. فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال له معروفا. # فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل صفية في منزل ~~الحارثة بن النعمان، وانتقل حارثة عنها. وكانت عائشة وحفصة يدا واحدة ~~PageV02P708 ~~فأرسلت عائشة بريرة إلى أم سلمة تسلم عليها- وكانت أم سلمة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر- وتسألها عن صفية ~~أظريفة هي؟ فقالت أم سلمة: من أرسلك، عائشة؟ ~~فسكتت فعرفت أم سلمة أنها أرسلتها، فقالت أم سلمة: لعمري إنها لظريفة، ms529 ~~وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لها لمحب. فجاءت بريرة فأخبرت عائشة ~~خبرها، فخرجت عائشة متنكرة حتى دخلت على صفية وعندها نسوة من الأنصار، ~~فنظرت إليها وهي منتقبة، فعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرجت ~~رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فقال: يا عائشة كيف رأيت صفية؟ ~~قالت: ما رأيت طائلا، رأيت يهودية بين يهوديات- تعني عماتها وخالاتها- ~~ولكني قد أخبرت أنك تحبها، فهذا خير لها من لو كانت ظريفة. قال: يا عائشة، ~~لا تقولي هذا فإني عرضت عليها الإسلام فأسرعت وأسلمت وحسن إسلامها. ~~قال: ~~فرجعت عائشة فأخبرت حفصة بظرفها، فدخلت عليها حفصة فنظرت إليها ثم رجعت ~~إلى عائشة فقالت: إنها لظريفة وما هي كما قلت. # فلما آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصهباء سلك على برمة [ (1) ] حتى ~~انتهى إلى وادي القرى يريد من بها من اليهود. ~~وكان أبو هريرة يحدث قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ~~إلى وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له مدعم [ (2) ] ، وكان يرحل لرسول الله صلى ~~الله عليه PageV02P709 ~~وسلم. فلما نزلوا بوادي القرى انتهينا إلى اليهود وقد ضوى إليها أناس من ~~العرب، فبينا مدعم يحط رحل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استقبلتنا اليهود ~~بالرمي حيث نزلنا، ولم يكن على تعبية وهم يصيحون [ (1) ] في آطامهم، فيقبل ~~سهم عائر [ (2) ] فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس: هنيئا لك الجنة! فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها ~~يوم خيبر من المغانم لم يصبها المقسم تشتعل عليه نارا. فلما سمع بذلك الناس ~~جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشراك [ (3) ] أو بشراكين، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: شراك من نار! أو شراكان من نار. # وعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم، ودفع لواءه إلى ~~سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى ms530 سهل بن حنيف، وراية ~~إلى عباد بن بشر. ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ~~وأخبرهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله. فبرز ~~رجل منهم وبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه الزبير ~~فقتله، ثم برز آخر فبرز له علي عليه السلام فقتله، ثم برز آخر فبرز له أبو ~~دجانة فقتله، ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله، حتى قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منهم أحد عشر رجلا، كلما قتل رجل دعا من بقي إلى الإسلام. ~~ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ~~ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، PageV02P710 ~~فقاتلهم حتى أمسوا [ (1) ] وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ~~بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنمه [ (2) ] الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا ~~كثيرا. ~~وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما ~~أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك النخل والأرض بأيدي اليهود وعاملهم ~~عليها. فلما بلغ يهود تيماء [ (3) ] ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الجزية، وأقاموا بأيديهم أموالهم. فلما كان زمن عمر رضي الله عنه أخرج يهود ~~خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى، لأنهما داخلتان في أرض الشام، ~~ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وأن ما وراء ذلك من الشام. ~~وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وادي القرى راجعا بعد أن فرغ من ~~خيبر ومن وادي القرى وغنمه الله، فلما كان قريبا من المدينة سرى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليلته، حتى إذا كان قبيل الصبح بقليل نزل وعرس. وقال: ~~ألا رجل صالح حافظ لعينه يحفظ لنا صلاة الصبح؟ فقال بلال: أنا يا رسول ~~الله! قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ووضع الناس رءوسهم، ~~وجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول لبلال: ms531 يا بلال احفظ عينك! قال: ~~فاحتبيت [ (4) ] بعباءتي واستقبلت الفجر، فما أدري متى وضعت جنبي إلا أني ~~لم أستيقظ إلا باسترجاع الناس وحر الشمس، وأخذتني الألسنة باللوم، وكان ~~أشدهم على أبو بكر. وفرغ PageV02P711 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أهون لائمة من الناس، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من كانت له حاجة فليقضها. فتفرق الناس في أصول الشجر، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: أذن يا بلال بالأذان الأول. ~~قال بلال: وكذلك كنت أفعل في أسفاره، فأذنت فلما اجتمع الناس قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اركعوا ركعتي الفجر. فركعوا ثم قال: أقم يا بلال! ~~فأقمت فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس. قال بلال: فما زال ~~يصلي بنا حتى إن الرجل ليسلت [ (1) ] العرق من جبينه من حر الشمس، ثم سلم ~~فأقبل على القوم فقال: كانت أنفسنا بيد الله، ولو شاء قبضها وكان أولى بها، ~~فلما ردها إلينا صلينا. ثم أقبل على بلال فقال: مه يا بلال! فقال: بأبي ~~وأمي، قبض نفسي الذي قبض نفسك. ~~فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم. # ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أحد جبل يحبنا ونحبه، اللهم إني أحرم ما بين لابتي المدينة! ~~قال: وانتهى إلى الجرف ليلا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق ~~الرجل أهله بعد صلاة العشاء. # فحدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن ~~الحارث بن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة، قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بالجرف: لا تطرقوا النساء ~~بعد صلاة العشاء. ~~قالت: فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره فخلى PageV02P712 ~~سبيله ولم يهجه [ (1) ] ، وضن بزوجته أن يفارقها وكان له منها أولاد وكان ~~يحبها، فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى ما يكره. # حدثني عبد الله بن نوح الحارثي، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، ms532 عن سعد بن ~~حزام بن محيصة، عن أبيه، قال: كنا بالمدينة والمجاعة تصيبنا، فنخرج إلى ~~خيبر فنقيم بها ما أقمنا ثم نرجع، وربما خرجنا إلى فدك وتيماء. وكانت ~~اليهود قوما [ (2) ] لهم ثمار لا يصيبها قطعه [ (3) ] ، أما تيماء فعين ~~جارية تخرج من أصل جبل لم يصبها قطعه منذ كانت، وأما خيبر فماء واتن، فهي ~~مغفرة [ (4) ] في الماء، وأما فدك فمثل ذلك. وذلك قبل الإسلام، فلما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وفتح خيبر قلت لأصحابي: ~~هل لكم في خيبر فإنا قد جهدنا وقد أصابنا مجاعة؟ فقال أصحابي: إن البلاد ~~ليس كما كانت، نحن قوم مسلمون وإنما نقدم على قوم أهل عداوة وغش للإسلام ~~وأهله، وكنا قبل ذلك لا نعبد شيئا. قالوا: قد جهدنا، فخرجنا حتى قدمنا ~~خيبر، فقدمنا على قوم بأيديهم الأرض والنخل ليس كما كانت، قد دفعها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إليهم على النصف، فأما سراة اليهود وأهل السعة ~~منهم قد قتلوا- بنو أبي الحقيق وسلام بن مشكم، وابن الأشرف- وإنما بقي قوم ~~لا أموال لهم وإنما هم عمال أيديهم. ~~وكنا نكون في الشق يوما وفي النطاة يوما وفي الكتيبة يوما، فرأينا ~~الكتيبة خيرا لنا فأقمنا بها أياما، ثم إن صاحبي ذهب إلى الشق فبات عنى وقد ~~PageV02P713 ~~كنت أحذره اليهود، فغدوت في أثره أسأل عنه حتى انتهيت إلى الشق فقال لي ~~أهل أبيات منهم: مر بنا حين غابت الشمس يريد النطاة. قال: ~~فعمدت إلى النطاة، إلى أن قال لي غلام منهم: تعال أدلك على صاحبك! فانتهى ~~بي إلى منهر فأقامني عليه، فإذا الذباب يطلع من المنهر. قال: ~~فتدليت في المنهر فإذا صاحبي قتيل، فقلت لأهل الشق: أنتم قتلتموه! قالوا: ~~لا والله، ما لنا به علم! قال: فاستعنت عليه بنفر من اليهود حتى أخرجته ~~وكفنته ودفنته، ثم خرجت سريعا حتى قدمت على قومي بالمدينة فأخبرتهم الخبر. ~~ونجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عمرة القضية، فخرج معي من قومي ~~ثلاثون رجلا، أكبرنا أخى حويصة، فخرج معنا عبد الرحمن ms533 ابن سهل أخو المقتول- ~~والمقتول عبد الله بن سهل- وكان عبد الرحمن ابن سهل أحدث مني، فهو مستعبر ~~على أخيه رقيق عليه، فبرك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا ~~حوله، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، ~~فقال عبد الرحمن: يا رسول الله إن أخي قتل. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كبر، كبر! فتكلمت فقال: كبر، كبر! فسكت. وتكلم أخي حويصة فتكلم ~~بكلمات وذكر أن اليهود تهمتنا وظنتنا ثم سكت، فتكلمت وأخبرت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الخبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب من الله ورسوله، وكتب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليهم في ذلك فكتبوا إليه: «ما قتلناه» . فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن ولمن معهم: تحلفون خمسين ~~يمينا وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله، لم نحضر ولم نشهد. قال: ~~فتحلف لكم اليهود؟ قالوا: يا رسول الله، ليسوا بمسلمين. ~~فوداه PageV02P714 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده مائة ناقة، خمسة وعشرين جذعة، ~~وخمسة وعشرين حقة، وخمسة وعشرين بنت لبون، وخمسة وعشرين بنت مخاض. قال سهل ~~بن أبي حثمة: رأيتها أدخلت عليهم مائة ناقة، فركضتني منها ناقة حمراء وأنا ~~يومئذ غلام. # حدثني ابن أبي ذئب، ومعمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: كانت ~~القسامة في الجاهلية ثم أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، ~~وقضى بها في الأنصاري الذي وجد بخيبر قتيلا [ (1) ] في جب من جباب اليهود. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: تحلف لكم اليهود، خمسين رجلا ~~خمسين يمينا بالله ما قتلنا؟ قالوا: يا رسول الله، كيف تقبل أيمان قوم ~~كفار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتحلفون خمسين رجلا خمسين يمينا ~~بالله أنهم قتلوا صاحبكم وتستحقوا الدم؟ ~~قالوا: يا رسول الله لم نحضر ولم نشهد. قال: فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ديته على اليهود لأنه قتل بحضرتهم. # حدثني ms534 مخرمة بن بكير، عن خالد بن يزيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته على اليهود، فإن لم ~~يعطوا فليأذنوا بحرب من الله ورسوله. وأعانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببضعة وثلاثين بعيرا- فهي أول ما كانت القسامة. ~~وكان الناس يطلعون إلى أموالهم بخيبر على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان. # وحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، PageV02P715 ~~قال: خرجت أنا والزبير، والمقداد بن عمرو، وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل ~~إلى أموالنا بخيبر فطلعنا نتعاهدها، وكان أبو بكر يبعث من يطلعها وينظر ~~إليها، وكان عمر يفعل ذلك أيضا، فلما قدمنا خيبر تفرقنا في أموالنا. ~~فعدي علينا من جوف الليل وأنا نائم على فراشي فصرعت يداي فسألوني: ~~من صنع هذا بك؟ فقلت: لا أدري، فأصلحوا أمر يدي! وقال غير سالم، عن ابن ~~عمر، قال: سحروه بالليل وهو نائم على فراشه فكوع حتى أصبح كأنه كان في ~~وثاق، وجاء أصحابه فأصلحوا من يديه، فقدم ابن عمر المدينة فأخبر أباه بما ~~صنع به. # حدثني محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: ~~أقبل مظهر بن رافع الحارثي بأعلاج من الشام يعملون له بأرضه وهم عشرة، ~~فأقبل حتى نزل بهم خيبر فأقام بها ثلاثة أيام، فيدخل بهم رجل من اليهود ~~فقال: أنتم نصارى ونحن يهود وهؤلاء قوم عرب قد قهرونا بالسيف، وأنتم عشرة ~~رجال أقبل رجل واحد منهم يسوقكم من أرض الخمر والخير إلى الجهد والبؤس، ~~وتكونون في رق شديد، فإذا خرجتم من قريتنا فاقتلوه. ~~قالوا: ليس معنا سلاح. فدسوا إليهم سكينين أو ثلاثة. قال: فخرجوا فلما ~~كانوا بثبار قال لأحدهم، وكان الذي يخدمه منهم: ناولني كذا وكذا. ~~فأقبلوا إليه جميعا قد شهروا سكاكينهم، فخرج مظهر يعدو إلى سيفه وكان في ~~قراب راحلته، فلما انتهى إلى القراب لم يفتحه حتى بعجوا بطنه، ثم انصرفوا ~~سراعا حتى قدموا خيبر على ms535 اليهود فآووهم وزودوهم وأعطوهم قوة فلحقوا ~~بالشام. ~~وجاء عمر الخبر بمقتل مظهر بن رافع وما صنعت اليهود، فقام عمر خطيبا ~~بالناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن PageV02P716 ~~اليهود فعلوا بعبد الله ما فعلوا، وفعلوا بمظهر بن رافع مع عدوتهم على ~~عبد الله بن سهل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أشك أنهم أصحابه ~~ليس لنا عدو هناك غيرهم، فمن كان له بها مال فليخرج فأنا خارج، فقاسم ما ~~كان بها من الأموال، وحاد حدودها، ومورف أرفها [ (1) ] ومجلي اليهود منها، ~~فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «أقركم ما أقركم الله» وقد أذن ~~الله في جلائهم إلا أن يأتي رجل منهم بعهد أو بينة من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أقره فأقره. فقام طلحة بن عبيد الله فقال: ~~قد والله أصبت يا أمير المؤمنين ووفقت! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أقركم ما أقركم الله» ، ~~وقد فعلوا ما فعلوا بعبد الله بن سهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وما حرضوا على مظهر بن رافع حتى قتله أعبده، وما فعلوا بعبد الله بن عمر، ~~فهم أهل تهمتنا وظنتنا [ (2) ] . فقال عمر رضي الله عنه: من معك على مثل ~~رأيك؟ قال: المهاجرون جميعا والأنصار. فسر بذلك عمر. # حدثني معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: بلغ عمر ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه: ~~«لا يجتمع بجزيرة العرب دينان» . ~~ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى وجد عليه الثبت من لا يتهم، فأرسل إلى ~~يهود الحجاز فقال: ~~من كان منكم عنده عهد من النبي صلى الله عليه وسلم فإني مجليه، فإن الله ~~عز وجل قد أذن في جلائهم. فأجلى عمر يهود الحجاز. PageV02P717 # قالوا: فخرج عمر بأربعة قسام: فروة بن عمرو البياضي، قد شهد بدرا، وحباب ~~بن صخر السلمي، قد شهد بدرا، وأبو الهيثم بن التيهان، قد شهد ms536 بدرا، وزيد بن ~~ثابت، فقسموا خيبر على ثمانية عشر سهما، على الرءوس التي سمى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه سمى ثمانية عشر سهما وسمى رؤساءها. ويقال: إن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه سمى الرؤساء ثم جزأوا الشق والنطاة، فجزأوها على ~~ثمانية عشر سهما، جعلوا ثمانية عشر بعرة فألقين في العين [ (1) ] جميعا، ~~ولكل رأس علامة في بعرته، فإذا خرجت أول بعرة قيل سهم فلان وسهم فلان. وكان ~~في الشق ثلاثة عشر سهما، وفي النطاة خمسة أسهم. حدثني بذلك حكيم بن محمد من ~~آل مخرمة، عن أبيه. فكان أول سهم خرج في النطاة سهم الزبير بن العوام، ثم ~~سهم بياضة، يقال: إن رأسه فروة بن عمرو، ثم سهم أسيد بن حضير، ثم سهم ~~بلحارث بن الخزرج، يقال: رأسه عبد الله بن رواحة، ثم سهم ناعم، يهودي. ثم ~~ضربوا في الشق، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~يا عاصم بن عدي، إنك رجل محدود، فسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~سهمك. فخرج سهم عاصم أول سهم في الشق، ويقال: إنه سهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان في بني بياضة، والثبت أنه كان مع عاصم بن عدي. ~~ثم خرج سهم علي عليه السلام على أثر سهم عاصم، ثم سهم عبد الرحمن بن عوف، ~~ثم سهم طلحة بن عبيد الله، ثم سهم بنى ساعدة، يقال: رأسهم سعد ابن عبادة، ~~ثم سهم بني النجار، ثم سهم بنى حارثة بن الحارث، ثم سهم PageV02P718 ~~أسلم وغفار، يقال: رأسهم بريدة بن الحصيب، ثم سهما سلمة جميعا، ثم سهم ~~عبيد السهام، ثم سهم عبيد، ثم سهم أوس، صار لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. ~~قال ابن واقد: فسألت ابن أبي حبيبة: لم سمي عبيد السهام؟ قال: أخبرني داود ~~بن الحصين قال: كان اسمه عبيد، ولكنه جعل يشتري من السهام بخيبر فسمي عبيد ~~السهام. # حدثني إسماعيل بن عبد الملك ابن نافع مولى بنى هاشم، عن يحيى ابن شبل، عن ~~أبي جعفر قال: أول ما ms537 ضرب فى الشق خرج سهم عاصم ابن عدي فيه سهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وحدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب: ~~كنت أحب أن يخرج سهمي مع سهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخطأني قلت: ~~اللهم اجعل سهمي في مكان معتزل لا يكون لأحد علي طريق. ~~فكان سهمه معتزلا وكان شركاؤه أعرابا، فكان يستخلص [ (1) ] منهم سهامهم، ~~يأخذ حق أحدهم بالفرس والشيء اليسير حتى خلص له سهم أوس كله. # حدثني عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما قسم [ (2) ] عمر رضي الله ~~عنه خيبر خيروا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في طعمهن الذي أطعمهن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الكتيبة، إن أحببن أن يقطع لهن من الأرض [و] ~~الماء مكان طعمهن، أو يمضى لهن الوسوق وتكون مضمونة لهن. فكانت عائشة رضي ~~الله عنها وحفصة رضى الله عنها ممن PageV02P719 ~~اختار الأرض والماء، وكان سائرهن أخذن [ (1) ] الوسوق مضمونة. # حدثني أفلح بن حميد قال: سمعت القاسم بن محمد يقول، سمعت عائشة رضي الله ~~عنها تقول يوما: رحم الله ابن الخطاب! قد خيرني فيما صنع، خيرني في الأرض ~~والماء وفي الطعمة، فاخترت الأرض والماء، فهن في يدي، وأهل الطعم مرة ~~ينقصهم مروان، ومرة لا يعطيهم شيئا، ومرة يعطيهم. ويقال: إنما خير عمر رضي ~~الله عنه أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط. # حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: خير عمر رضي الله عنه الناس كلهم، ~~فمن شاء أخذ الطعمة كيلا، ومن شاء أخذ الماء والتراب، وأذن لمن شاء باع، ~~ومن أحب أن يمسك أمسك من الناس كلهم، فكان من باع الأشعريين، من عثمان بن ~~عفان مائة وسق بخمسة آلاف [ (2) ] دينار، وباع الرهاويون من معاوية بن أبي ~~سفيان بمثل ذلك. قال أبو عبد الله: هذا الثبت عندنا والذي رأيت عليه أهل ~~المدينة. # وحدثني أيوب بن النعمان، عن أبيه، قال: خير عمر رضي الله عنه من كانت له ~~طعمة أن يعطيه من الماء والأرض أو ms538 الطعمة مضمونة، فكان أسامة ابن زيد اختار ~~الطعمة مضمونة. ولما فرغ عمر رضي الله عنه من القسمة أخرج يهود خيابر، ومضى ~~عمر رضي الله عنه من خيبر في المهاجرين والأنصار إلى وادي القرى. وخرج ~~معاوية بالقسام الذين قسموا: جبار بن صخر، وأبو الهيثم بن التيهان، وفروة ~~بن عمرو، وزيد بن ثابت، فقسموها على PageV02P720 ~~أعداد السهام، وأعلموا أرفها، وحدوا حدودها، وجعلوها السهام تجري. ~~فكان ما قسم عمر من وادي القرى لعثمان بن عفان خطر، ولعبد الرحمن ابن عوف ~~خطر، ولعمر بن أبي سلمة خطر- الخطر هو السهم- ولعامر بن ربيعة خطر، ولمعيقب ~~خطر، ولعبد الله بن الأرقم خطر، ولبني جعفر خطر، ولعمرو بن سراقة خطر، ~~ولعبد الله وعبيد الله خطران، ولشييم خطر، ولابن عبد الله بن جحش خطر، ~~ولابن أبى بكر خطر، ولعمر خطر، ولزيد ابن ثابت خطر، ولأبي بن كعب خطر، ~~ولمعاذ بن عفراء خطر، ولأبي طلحة وجبير خطر، ولجبار بن صخر خطر، ولجبار بن ~~عبد الله بن رباب خطر، ولمالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله بن عمر خطر، ~~ولسلمة بن سلامة خطر، ولعبد الرحمن بن ثابت وابن أبي شريق خطر، ولأبي عبس ~~بن جبر خطر، ولمحمد بن مسلمة خطر، ولعباد بن طارق خطر، ولجبر بن عتيك نصف ~~خطر، ولابن الحارث بن قيس نصف خطر، ولابن جرمة والضحاك خطر. # حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد ~~الله بن مكنف الحارثي، قال: إنما خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من القسام ~~برجلين، جبار بن صخر وزيد بن ثابت، هما قاسما المدينة وحاسباها، فقسما خيبر ~~وأقاما نخل فدك وأرضها، ودفع عمر إلى يهود فدك نصف القيمة، وقسما السهمان ~~بوادي القرى، ثم أجلى عمر رضي الله عنه يهود الحجاز، وكان زيد بن ثابت قد ~~تصدق بالذي صار له من وادي القرى مع غيره PageV02P721 ### | سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة في شعبان سنة سبع # حدثنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبي ms539 بكر بن عمر بن عبد الرحمن، قال: بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه في ثلاثين رجلا إلى عجز [ ~~(1) ] هوازن بتربة [ (2) ] ، فخرج عمر رضي الله عنه ومعه دليل من بني هلال، ~~فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، وأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر ~~محالهم فلم يلق منهم أحدا. وانصرف راجعا إلى المدينة حتى سلك النجدية، فلما ~~كان بالجدر قال الهلالي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: هل لك في جمع آخر ~~تركته من خثعم، جاءوا سائرين قد أجدبت بلادهم؟ فقال عمر: لم يأمرني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بهم، إنما أمرني أصمد [ (3) ] لقتال هوازن بتربة. ~~فانصرف عمر راجعا إلى المدينة. ### | سرية أبي بكر رضي الله عنه إلى نجد في شعبان سنة سبع # حدثني حمزة بن عبد الواحد، عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، ~~قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وأمره علينا، ~~فبيتنا ناسا من هوازن، فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات [ (4) ] ، وكان شعارنا: ~~أمت! أمت! PageV02P722 ### | سرية بشير بن سعد إلى فدك في شعبان سنة سبع # حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه، قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك. فخرج فلقي ~~رعاء الشاء فسأل: أين الناس؟ فقالوا: هم في بواديهم [ (1) ] . ~~والناس يومئذ شاتون لا يحضرون الماء، فاستاق النعم والشاء وعاد منحدرا ~~إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه الدهم منهم عند الليل، فباتوا [ ~~(2) ] يرامونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير، وأصبحوا وحمل المريون ~~عليهم فأصابوا أصحاب بشير وولى منهم من ولى. وقاتل بشير قتالا شديدا حتى ~~ضرب كعبه، وقيل: قد مات، ورجعوا بنعمهم وشاءهم. ~~وكان أول من قدم بخبر السرية ومصابها علبة بن زيد الحارثي. وأمهل بشير بن ~~سعد وهو في القتلى، فلما أمسى تحامل حتى انتهى [إلى] فدك، فأقام عند يهودي ~~بفدك أياما حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة. # وهيأ رسول ms540 الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال: سر حتى تنتهي ~~إلى مصاب أصحاب بشير، فإن ظفرك الله بهم فلا تبق فيهم. ~~وهيأ معه مائتي رجل وعقد له اللواء، فقدم غالب بن عبد الله من سرية قد ~~ظفر الله عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام: ~~اجلس! ~~وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، فخرج أسامة بن زيد فى PageV02P723 ~~السرية حتى انتهى إلى مصاب بشير وأصحابه، وخرج معه علبة بن زيد. # حدثني أفلح بن سعيد، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: كان مع ~~غالب عقبة بن عمرو أبو مسعود، وكعب بن عجرة، وأسامة بن زيد، وعلبة بن زيد، ~~فلما دنا غالب منهم بعث الطلائع، فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظر إلى جماعة ~~محالهم، حتى أوفى على جماعة منهم ثم رجع إلى غالب فأخبره. فأقبل غالب يسير ~~حتى إذا كان منهم بمنظر العين ليلا، وقد اجتلبوا وعطنوا [ (1) ] وهدأوا، ~~قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى ~~الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا لي أمرا، فإنه ~~لا رأي لمن لا يطاع. ثم ألف بينهم فقال: يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت ~~وفلان- لا يفارق كل رجل زميله- وإياكم أن يرجع إلي أحدكم فأقول: أين فلان ~~صاحبك؟ فيقول: لا أدري، وإذا كبرت فكبروا. قال: فكبر وكبروا، وأخرجوا ~~السيوف. قال: فأحطنا بالحاضر [وفي الحاضر] [ (2) ] نعم وقد عطنوا مواشيهم، ~~فخرج إلينا الرجال فقاتلوا ساعة، فوضعنا السيوف حيث شئنا منهم ونحن نصيح ~~بشعارنا: أمت! أمت! وخرج أسامة بن زيد في إثر رجل منهم يقال له نهيك بن ~~مرداس فأبعد، وحوينا على الحاضر وقتلنا من قتلنا، ومعنا النساء والماشية، ~~فقال أميرنا: أين أسامة بن زيد؟ فجاء بعد ساعة من الليل، فلامه أميرنا ~~لائمة شديدة وقال: ألم تر إلى ما عهدت إليك؟ PageV02P724 ~~فقال: إني خرجت في إثر رجل جعل يتهكم بي، حتى إذا دنوت ولحمته بالسيف ms541 ~~قال: لا إله إلا الله! فقال أميرنا: أغمدت سيفك؟ قال: لا والله ما فعلت حتى ~~أوردته شعوب. قال: قلنا: والله بئس ما فعلت وما جئت به، تقتل امرءا يقول لا ~~إله إلا الله! فندم وسقط في يديه. قال: واستقنا النعم والشاء والذرية، ~~وكانت سهامهم عشرة أبعرة كل رجل، أو عدلها من الغنم. ~~وكان يحسب الجزور بعشرة من الغنم. # وحدثني شبل بن العلاء، عن إبراهيم بن حويصة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، ~~قال: كان أميرنا آخى بيني وبين أبي سعيد الخدري. ~~قال أسامة: فلما أصبته وجدت في نفسي من ذلك موجدة شديدة حتى رأيتني وما ~~أقدر على أكل الطعام حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقبلني واعتنقني واعتنقته، ثم قال لي: يا أسامة، خبرني عن غزاتك. قال: فجعل ~~أسامة يخبره الخبر حتى انتهى إلى صاحبه الذي قتل، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: قتلته يا أسامة، وقد قال لا إله إلا الله؟ قال: فجعلت أقول: يا ~~رسول الله، إنما قالها تعوذا من القتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ألا شققت قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب [ (1) ] ؟ ~~قال أسامة: لا أقتل أحدا يقول لا إله إلا الله. قال أسامة: ~~وتمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ. # حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن ~~عدى بن الخيار، عن المقداد بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت رجلا من ~~الكفار يقاتلني، وضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، PageV02P725 ~~ثم لاذ مني بشجرة فقال «أسلمت لله» ، أقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لا تقتله! قال: فإني قتلته فماذا؟ قال: فإنه بمنزلتك ~~التي كنت بها قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال. ### | سرية بني عبد بن ثعلبة عليها غالب بن عبد الله إلى الميفعة [ (1) ] في رمضان سنة سبع # حدثني عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن يعقوب بن عتبة، قال: ms542 لما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر أقام أياما ما شاء الله أن ~~يقيم، فقال له يسار مولاه: يا رسول الله، إني قد علمت غرة من [ (2) ] بني ~~عبد بن ثعلبة، فأرسل معي إليهم. فأرسل معه النبي صلى الله عليه وسلم غالب ~~بن عبد الله في مائة وثلاثين رجلا، خرج بهم يسار، فظعن بهم في غير الطريق ~~حتى فنيت أزوادهم وجهدوا، واقتسموا التمر عددا، فبينا القوم ذات ليلة بعد ~~ما ساء ظنهم بيسار، وظن القوم أن إسلامه لم يصح، وقد انتهوا إلى مكان قد ~~فحصه [ (3) ] السيل، فلما رآه يسار كبر قال: ~~والله قد ظفرتم بحاجتكم، اسلكوا في هذا الفحص حتى ينقطع بكم. فسار القوم ~~فيه ساعة بحس خفي لا يتكلمون إلا همسا [ (4) ] حتى انتهوا إلى ضرس [ (5) ] ~~PageV02P726 ~~من الحرة، فقال يسار لأصحابه: لو صاح رجل شديد الصوت لأسمع القوم، ~~فارتأوا رأيكم! قال غالب: انطلق بنا يا يسار أنا وأنت، وندع القوم كمينا، ~~ففعلا، فخرجنا حتى إذا كنا [ (1) ] من القوم بمنظر العين سمعنا حس الناس ~~والرعاء والحلب، فرجعا سريعين فانتهيا إلى أصحابهما، فأقبلوا جميعا حتى إذا ~~كانوا من الحي قريبا، وقد وعظهم أميرهم غالب ورغبهم في الجهاد، ونهاهم عن ~~الإمعان في الطلب، وألف بينهم وقال: ~~إذا كبرت فكبروا. فكبر وكبروا جميعا معه، ووقعوا وسط محالهم فاستاقوا ~~نعما وشاء، وقتلوا من أشرف لهم، وصادفوهم تلك الليلة على ماء يقال له ~~الميفعة. قال: واستاقوا النعم فحدروه إلى المدينة، ولم يسمع أنهم جاءوا ~~بأسرى. ### | سرية بشير بن سعد إلى الجناب [ (2) ] سنة سبع # حدثني يحيى بن عبد العزيز، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: قدم ~~رجل من أشجع يقال له حسيل بن نويرة، وقد كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى خيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من أين يا حسيل؟ قال: قدمت من الجناب. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما وراءك؟ ~~قال: تركت جمعا من غطفان بالجناب، قد بعث إليهم عيينة يقول ms543 لهم: إما ~~تسيروا إلينا وإما نسير إليكم. فأرسلوا إليه أن سر PageV02P727 ~~إلينا حتى نزحف إلى محمد جميعا، وهم يريدونك أو بعض أطرافك. قال: ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما، فذكر ~~لهما ذلك، فقالا جميعا: ابعث بشير بن سعد! فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بشيرا فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل ~~ويكمنوا النهار، وخرج معهم حسيل بن نويرة دليلا، فساروا الليل وكمنوا ~~النهار حتى أتوا أسفل خيبر فنزلوا بسلاح [ (1) ] ، ثم خرجوا من سلاح حتى ~~دنوا من القوم، فقال لهم الدليل: بينكم وبين القوم ثلثا نهار أو نصفه، فإن ~~أحببتم كمنتم وخرجت طليعة لكم حتى آتيكم بالخبر، وإن أحببتم سرنا جميعا. ~~قالوا: بل نقدمك. فقدموه، فغاب عنهم ساعة ثم كر عليهم فقال: هذا أوائل ~~سرحهم فهل لكم أن تغيروا عليهم؟ فاختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال بعضهم: إن أغرنا الآن حذرنا الرجال والعطن. وقال آخرون: نغنم ما ظهر ~~لنا ثم نطلب القوم. فشجعوا على النعم، فأصابوا نعما كثيرا ملأوا منه ~~أيديهم، وتفرق الرعاء وخرجوا سراعا، ثم حذروا الجمع فتفرق الجمع وحذروا، ~~ولحقوا بعلياء بلادهم، فخرج بشير بأصحابه حتى أتى محالهم فيجدها وليس بها ~~أحد. فرجع بالنعم حتى إذا كانوا بسلاح راجعين لقوا عينا لعيينة فقتلوه، ثم ~~لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم فناوشوهم، ثم انكشف جمع عيينة وتبعهم ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأصابوا منهم رجلا أو رجلين فأسروهما أسرا، ~~فقدموا بهما على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما فأرسلهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم. PageV02P728 # قالوا: وكان الحارث بن عوف المري [حليفا] [ (1) ] لعيينة ولقيه منهزما ~~على فرس له عتيق يعدو به عدوا سريعا، فاستوقفه الحارث فقال: لا، ما أقدر! ~~الطلب خلفي! أصحاب محمد! وهو يركض. قال الحارث بن عوف: ~~أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟ إن محمدا قد وطئ البلاد وأنت موضع في ~~غير شيء. قال الحارث: فتنحيت عن سنن خيل محمد ms544 حتى أراهم ولا يروني، فأقمت ~~من [حين] زالت الشمس إلى الليل، ما أرى أحدا- وما طلبوه إلا الرعب الذي ~~دخله. قال: فلقيته بعد ذلك، فقال الحارث: ~~فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب. قال عيينة: هو ذاك، إني ~~خفت الإسار وكان أثري عند محمد ما تعلم في غير موطن. ~~قال الحارث: أيها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمرا بينا فى بنى النضير، ~~ويوم الخندق وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنهم كانوا أعز يهود ~~الحجاز كله، يقرون لهم بالشجاعة والسخاء، وهم أهل حصون منيعة وأهل نخل، ~~والله إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم. لقد سارت حارثة بن الأوس ~~حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من الناس، ثم قد رأيت حيث ~~نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة وكيف أديل عليهم. فقال عيينة: هو والله ذاك، ~~ولكن نفسي لا تقرني. قال الحارث: ~~فادخل مع محمد. قال: أصير تابعا! قد سبق قوم إليه فهم يزرون بمن جاء ~~بعدهم يقولون: شهدنا بدرا وغيرها. قال الحارث: وإنما هو على ما ترى، فلو ~~تقدمنا إليه لكنا من علية أصحابه، قد بقي قومه بعدهم منه في موادعة وهو ~~موقع بهم وقعة، ما وطئ [ (2) ] له الأمر. قال عيينة: أرى والله! فاتعدا ~~PageV02P729 ~~يريدان الهجرة والقدوم على النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مر بهما فروة ~~ابن هبيرة القشيري يريد العمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما ~~يريدان. قال فروة: لو استأنيتم حتى تنظروا [ (1) ] ما يصنع قومه في هذه ~~المدة التي هم فيها وآتيكم بخبرهم! فأخروا القدوم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومضى فروة حتى قدم مكة فتحسب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبدا، فخبرهم بما ~~أوقع محمد بأهل خيابر. قال فروة: وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم ~~عليه من العداوة لمحمد. قالت قريش: فما الرأي، فأنت سيد أهل الوبر؟ قال: ~~نقضي هذه المدة التي بينكم وبينه ms545 ونستجلب العرب [ (2) ] ، ثم نغزوه في عقر ~~داره. وأقام أياما يجول في مجالس قريش، ويسمع به نوفل بن معاوية الديلي، ~~فنزل من باديته فأخبره بما قال لقريش، فقال نوفل: إذا لأجد عندكم شيئا! ~~قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني، ولنا عدو قريب داره، وهم عيبة نصح محمد لا ~~يغيبون عليه حرفا من أمورنا. ~~قال: من هم؟ قال: خزاعة. قال: قبحت خزاعة، قعدت بها يمينها! قال فروة: ~~فماذا؟ قال: استنصر قريشا أن يعينونا عليهم. قال فروة: ~~فأنا أكفيكم. فلقي رؤساءهم، صفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة، ~~وسهيل بن عمرو، فقال: ألا ترون ماذا نزل بكم! إنكم رضيتم أن تدافعوا محمدا ~~بالراح. قالوا: فما نصنع؟ قال: تعينون نوفل بن معاوية على عدوه وعدوكم. ~~قالوا: إذا يغزونا محمد في ما لا قبل لنا به فيوطئنا غلبة، وننزل ~~PageV02P730 ~~على حكمه، ونحن الآن في مدة وعلى ديننا. فلقي نوفل بن معاوية فقال: ~~ليس عند القوم شيء. ورجع فلقي عيينة والحارث فأخبرهم وقال: رأيت قومه قد ~~أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبروا الأمر. فقدموا رجلا وأخروا أخرى. ### | غزوة القضية # [ (1) ] حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، وابن أبي حبيبة، عن داود بن ~~الحصين، ومعاذ بن محمد، عن محمد بن يحيى بن حبان، وعبد الله بن جعفر، وابن ~~أبي سبرة، وأبو معشر، فكل قد حدثني بطائفة من هذا الحديث، وغيرهم ممن لم ~~أسم، فكتبت كل ما حدثوني قالوا: [لما] [ (2) ] دخل هلال ذي القعدة سنة سبع، ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا- قضاء عمرتهم [ (3) ]- ~~وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف أحد شهدها إلا رجال استشهدوا ~~بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من المسلمين ~~سوى أهل الحديبية ممن لم يشهد صلح الحديبية عمارا، فكان المسلمون في عمرة ~~القضية ألفين. # فحدثني خارجة بن عبد الله، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ~~قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة سبع، بعد مقدمه ~~بأربعة ms546 أشهر، وهو الشهر الذي صدته المشركون، لقول الله PageV02P731 ~~عز وجل: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص [ (1) ] يقول: كما ~~صدوكم عن البيت فاعتمروا في قابل. فقال رجال من حاضر المدينة من العرب: ~~والله يا رسول الله، ما لنا من زاد وما لنا من يطعمنا [ (2) ] . فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدقوا، ~~وألا يكفوا أيديهم فيهلكوا. قالوا: يا رسول الله، بم نتصدق وأحدنا لا يجد ~~شيئا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بما كان، ولو بشق تمرة، ولو بمشقص ~~[ (3) ] يحمل به أحدكم في سبيل الله. ~~فأنزل الله عز وجل في ذلك: ~~وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [ (4) ] . قال: نزلت ~~في ترك النفقة في سبيل الله. # حدثني الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: متع ~~في سبيل الله ولو بمشقص، ولا تلق بيدك إلى التهلكة. # حدثني الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: نزلت هذه الآية في ~~ترك النفقة في سبيل الله. # وحدثني ابن موهب، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال: ساق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في القضية ستين بدنة. # حدثني غانم بن أبي غانم، عن عبيد الله بن ينار، قال: جعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ناجية بن جندب الأسلمي على هديه، يسير بالهدي أمامه يطلب ~~الرعي في الشجر، معه أربعة فتيان من أسلم. PageV02P732 # فحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن عبيد بن أبي رهم، قال: أنا كنت ممن يسوق ~~الهدي وأركب على البدن. # حدثني محمد بن نعيم، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ~~كنت ممن صاحب البدن أسوقها. # حدثني يونس بن محمد، عن شعبة مولى ابن عباس، قال: قلد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هديه بيده هو بنفسه. # حدثني معاذ بن محمد، عن عاصم بن عمر، قال: حمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم السلاح والبيض والدروع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي ms547 ~~الحليفة قدم الخيل أمامه، وهي مائة فرس عليها محمد ابن مسلمة. وقدم السلاح ~~واستعمل عليه بشير بن سعد، فقيل: ~~يا رسول الله! حملت السلاح وقد شرطوا علينا ألا ندخل عليهم إلا بسلاح ~~المسافر، السيوف في القرب! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ~~ندخلها عليهم الحرم، ولكن تكون قريبا منا، فإن هاجنا هيج من القوم كان ~~السلاح قريبا منا. ~~قيل: يا رسول الله! تخاف قريشا على ذلك؟ فأسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقدم البدن. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن جابر بن عبد الله، قال: أحرم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب المسجد لأنه سلك إلى طريق الفرع، ~~ولولا ذلك لأهل من البيداء. # وحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن عبد الله بن أبي قتادة عن ~~أبيه، قال: سلكنا في عمرة القضية على الفرع، وقد أحرم أصحابي غيري، فرأيت ~~حمارا وحشيا فشددت عليه فعقرته، فأتيت أصحابي، فمنهم الآكل والتارك. فسألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كل! PageV02P733 ~~قال أبو قتادة: ثم حج حجة الوداع. فأحرم من البيداء، وهذه العمرة من ~~المسجد، لأن طريقه ليس على البيداء. قال ابن واقد: فسار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يلبي، والمسلمون يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر ~~الظهران، فيجد بها نفرا من قريش فسألوا محمد بن مسلمة فقال: ~~هذا رسول الله، يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله. فرأوا سلاحا كثيرا مع ~~بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا من الخيل ~~والسلاح، ففزعت قريش فقالوا: والله ما أحدثنا حدثا، ونحن على كتابنا ~~ومدتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ~~الظهران، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر ~~إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش حتى ~~لقوه ببطن يأجج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ms548 والهدي والسلاح، ~~قد تلاحقوا، ~~فقالوا: يا محمد! والله ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر! تدخل بالسلاح ~~الحرم على قومك، وقد شرطت ألا تدخل إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ندخلها إلا كذلك. ~~ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة فقال: ~~إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذي شرط لكم. فلما جاء مكرز بخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال، وخلوا مكة، ~~وقالوا: ولا ننظر إليه ولا إلى أصحابه. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~رحمهم الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P734 ~~على راحلته القصواء، وأصحابه محدقون [ (1) ] برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، متوشحو السيوف يلبون، فلما انتهى إلى ذي طوى وقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على راحلته القصواء والمسلمون حوله، ثم دخل من الثنية التي تطلعه ~~على الحجون على راحلته القصواء، وابن رواحة آخذ بزمام راحلته. # فحدثني سعيد بن مسلم، عن زيد بن قسيط، عن عبيد بن خديج، عن رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقطع التلبية ~~حتى جاء عروش [ (2) ] مكة. # حدثني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لبى حتى استلم الركن. # حدثني عائذ بن يحيى، عن أبي الحويرث، قال: وخلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مائتي رجل على السلاح، عليهم أوس بن خولي. # حدثني يعقوب بن محمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن الحارث ~~بن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة، قالت: شهدت عمرة القضية مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكنت قد شهدت الحديبية، فكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين انتهى إلى البيت، وهو على راحلته وابن رواحة آخذ بزمام راحلته- ~~وقد صف له المسلمون- حين دنا ms549 من الركن حتى انتهى إليه، فاستلم الركن بمحجنه ~~مضطبعا [ (3) ] بثوبه، على راحلته، PageV02P735 ~~والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم، وعبد الله بن رواحة يقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله %~% إني شهدت أنه رسوله # حقا وكل الخير في سبيله %~% نحن قتلناكم على تأويله # كما ضربناكم على تنزيله %~% ضربا يزيل الهام عن مقيله [ (1) ] # ويذهل [ (2) ] الخليل عن خليله # فقال عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يا عمر، إني أسمع! فأسكت عمر. # فحدثني إسماعيل بن عباس، عن ثابت بن العجلان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: ~~نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن المشركين على ~~الجبل وهم يرونكم، امشوا ما بين اليماني والأسود. ففعلوا. # وحدثني إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، ~~قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة على ~~راحلته، فلما كان الطواف السابع عند المروة عند فراغه، وقد وقف الهدي عند ~~المروة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا المنحر، وكل فجاج مكة ~~منحر! ~~فنحر عند المروة. وقال ابن واقد: وكان قد اعتمر مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا، فأما من كان شهد الحديبية وخرج في ~~القضية فإنهم شركوا في الهدي. # حدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى PageV02P736 ~~صعصعة، عن الحارث بن عبد الله، عن أم عمارة، قالت: لم يتخلف أحد من أهل ~~الحديبية إلا اعتمر عمرة القضية، إلا من مات أو قتل، فخرجت ونسوة معي في ~~الحديبية فلم نصل إلى البيت، فقصرن من أشعارهن بالحديبية ثم اعتمرن [ (1) ] ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم، قضاء لعمرتهن، ونحر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين الصفا والمروة. وكان ممن شهد الحديبية وقتل بخيبر ولم يشهد عمرة ~~القضية: ربيعة بن أكثم، ورفاعة بن مسروح [ (2) ] ، وثقف بن عمرو، وعبد الله ~~بن أبي أمية بن وهب الأسدي، وأبو ضياح، والحارث بن حاطب، وعدي ms550 بن مرة بن ~~سراقة، وأوس بن حبيب، وأنيف ابن وائلة، ومسعود بن سعد الزرفي، وبشر بن ~~البراء، وعامر بن الأكوع. # وكان ابن عباس رضي الله عنه يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم ~~في القضية أن يهدوا، فمن وجد بدنة من الإبل نحرها، ومن لم يجد بدنة رخص لهم ~~في البقرة، فقدم فلان ببقر اشتراه الناس منه. # حدثني حزام بن هشام، عن أبيه، أن خراش بن أمية حلق رأس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند المروة. # حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحيى بن حبان، أن الذي حلقه معمر ~~بن عبد الله العدوي. # حدثني علي بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد ابن المسيب، ~~قال: لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكه دخل البيت، فلم يزل فيه ~~حتى أذن بلال بالظهر فوق ظهر الكعبة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمره بذلك. فقال عكرمة بن أبى جهل: لقد أكرم الله PageV02P737 ~~أبا الحكم حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول! وقال صفوان بن أمية: ~~لحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا! وقال خالد بن أسيد: ~~الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم، حين يقوم بلال بن أم بلال ~~ينهق فوق الكعبة! وأما سهيل بن عمرو ورجال معه، فحين سمعوا ذلك غطوا ~~وجوههم. # حدثني إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، قال: لم يدخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الكعبة في القضية، قد أرسل إليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأبوا وقالوا: لم يكن في شرطك. وأمر بلالا فأذن فوق الكعبة ~~يومئذ مرة ولم يعد بعد، وهو الثبت. # حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خطب ميمونة وهو محرم، فجعلت أمرها إلى العباس بن ~~عبد المطلب، فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم. # حدثني هشام بن سعد، عن عطاء الخراساني، ms551 عن سعيد بن المسيب. ~~قال: لما حل رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها. ~~حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن ~~عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم علي عليه السلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: علام نترك بنت عمنا يتيمة بين ظهري المشركين؟ فلم ينهه النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن إخراجها، فخرج بها، فتكلم زيد بن حارثة، وكان وصي ~~حمزة، وكان النبي صلى الله عليه PageV02P738 ~~وسلم آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال: أنا أحق بها، ابنة أخي! ~~فلما سمع ذلك جعفر قال: الخالة والدة، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي، ~~أسماء بنت عميس. فقال علي عليه السلام: ألا أراكم في ابنة عمي [ (1) ] ، ~~وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها نسب دوني، وأنا أحق بها ~~منكم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أحكم بينكم! أما أنت يا زيد ~~فمولى الله ورسوله، وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي، وأما أنت يا جعفر فتشبه ~~خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أحق بها! تحتك خالتها، ولا تنكح المرأة على ~~خالتها ولا على عمتها. فقضى بها لجعفر. قال ابن واقد: ~~فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جعفر؟ قال: يا رسول الله، ~~كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله. فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~تزوجها! فقال: ابنة أخي من الرضاعة! فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سلمة بن أبي سلمة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~هل جزيت [ (2) ] سلمة؟ # حدثني عبيد الله بن محمد قال: فلما كان عند الظهر يوم الرابع، أتى سهيل ~~بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى- ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس من ~~مجالس الأنصار يتحدث معه سعد بن عبادة- فقال: ~~قد ms552 انقضى أجلك، فاخرج عنا! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: وما عليكم لو ~~تركتموني فأعرست بين أظهركم [ (3) ] ، فصنعت لكم طعاما؟ فقالا: لا حاجة ~~PageV02P739 ~~لنا في طعامك، اخرج عنا! ننشدك الله يا محمد والعهد الذي بيننا وبينك إلا ~~خرجت من أرضنا، فهذه الثلاث قد مضت! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~ينزل بيتا، وضربت له قبة من الأدم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها، لم ~~يدخل تحت سقف بيت من بيوتها. فغضب سعد ابن عبادة لما رأى من غلظة كلامهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال لسهيل: كذبت لا أم لك، ليست بأرضك ولا أرض ~~أبيك! والله لا يبرح منها إلا طائعا راضيا. فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم قال: يا سعد، لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا. قال: وأسكت الرجلان عن ~~سعد. قال: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع بالرحيل، وقال: لا ~~يمسين بها أحد من المسلمين. ~~وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل سرف، وتتام الناس، وخلف أبا ~~رافع ليحمل إليه زوجته [ (1) ] حين يمسي، وأقام أبو رافع حتى أمسى، فخرج ~~بميمونة ومن معها، فلقوا عناء [ (2) ] من سفهاء المشركين، آذوا بألسنتهم [ ~~(3) ] النبي صلى الله عليه وسلم. وقال لها أبو رافع- وانتظر أن يبطش [ (4) ~~] أحد [ (5) ] منهم فيستخلي به [ (6) ] ، فلم يفعلوا- ألا إني قد قلت لهم: ~~«ما شئتم! هذه والله الخيل والسلاح ببطن يأجج!» وإذا الخيل قد قربت فوقفت ~~لنا هنالك والسلاح، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مائتين من ~~أصحابه حين طافوا بالبيت أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على ~~السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا، فلما PageV02P740 ~~انتهينا إلى بطن يأجج ساروا معنا، فلم نأت سرف حتى ذهب عامة الليل، ثم ~~أتينا سرف، فبنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أدلج حتى قدم ~~المدينة. ### | سرية ابن أبي العوجاء السلمي في ذي الحجة سنة سبع # حدثني محمد، عن الزهري، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ms553 من ~~عمرة القضاء سنة سبع- رجع في ذي الحجة سنة سبع- بعث ابن أبي العوجاء السلمي ~~في خمسين رجلا، فخرج إلى بني سليم. وكان عين لبني سليم معه، فلما فصل من ~~المدينة خرج العين إلى قومه فحذرهم وأخبرهم، فجمعوا جمعا كثيرا. وجاءهم ابن ~~أبي العوجاء والقوم معدون له، فلما رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورأوا جمعهم دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم، ~~وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه. فراموهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي ~~حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، ~~وأصيب صاحبهم ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ### | إسلام عمرو بن العاص # حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عمرو بن العاص: ~~كنت للإسلام مجانبا معاندا، فحضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا ~~فنجوت، ثم حضرت الخندق [ (1) ] فقلت فى نفسي: كم PageV02P741 ~~أوضع [ (1) ] ؟ والله ليظهرن محمد على قريش! فخلفت [ (2) ] مالي بالرهط ~~وأفلت- يعني من الناس- فلم أحضر الحديبية ولا صلحها، وانصرف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالصلح ورجعت قريش إلى مكة، فجعلت أقول: يدخل محمد قابلا ~~مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل ولا الطائف، وما من شيء خير من الخروج. وأنا بعد ~~نات [ (3) ] عن الإسلام، أرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم. فقدمت مكة فجمعت ~~رجالا من قومي كانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدمونني فيما نابهم، فقلت ~~لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا ومدرهنا [ (4) ] ، مع يمن نفس وبركة ~~أمر [ (5) ] . قال، [قلت] : تعلمون والله أني لأرى أمر محمد أمرا يعلو ~~الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا. ~~قالوا: ما هو؟ قال: نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن كان يظهر محمد كنا عند ~~النجاشي، فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر ~~قريش فنحن من قد عرفوا. قالوا: هذا الرأي! قال: فاجمعوا ما تهدونه له. وكان ~~أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم. ~~قال: فجمعنا ms554 أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشى، فو الله إنا ~~لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~بعثه إليه بكتاب كتبه إليه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فدخل PageV02P742 ~~عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على ~~النجاشي وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت قد ~~أجزأت [ (1) ] عنها حين قتلت رسول محمد. قال: ~~فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي! أهديت لي ~~من بلادك شيئا؟ قال: فقلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا. ثم قربته ~~إليه، فأعجبه، وفرق منه أشياء بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، ~~وأمر أن يكتب ويحتفظ به. فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك، إني قد رأيت ~~رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا، قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا ~~فأعطنيه فأقتله! فرفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، وابتدر ~~منخاري، فجعلت أتلقى الدم بثيابي، وأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض ~~دخلت فيها فرقا منه. ~~ثم قلت له: أيها الملك، لو ظننت أنك تكره ما فعلت ما سألتك. قال: ~~واستحيي وقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول رسول الله- من يأتيه ~~الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى بن مريم- لتقتله؟ # قال عمرو: وغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق ~~العرب والعجم وتخالف أنت؟ قلت: أتشهد أيها الملك بهذا؟ ~~قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو فأطعني واتبعه، والله إنه لعلى الحق، ~~وليظهرن على كل [ (2) ] دين خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت: ~~أفتبايعني على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ~~PageV02P743 ~~ودعا لي بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا، وكانت ثيابي قد امتلأت من الدم ~~فألقيتها، ثم خرجت إلى أصحابي فلما رأوا كسوة الملك سروا بذلك وقالوا: هل ~~أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: ms555 كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود ~~إليه. قالوا: الرأي ما رأيت! وفارقتهم كأني أعمد لحاجة فعمدت إلى موضع ~~السفن، فأجد سفينة قد شحنت برقع [ (1) ] ، فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا ~~إلى الشعيبة [ (2) ] ، وخرجت من الشعيبة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا وخرجت ~~أريد المدينة حتى خرجت على مر الظهران، ثم مضيت حتى كنت بالهدة، إذا رجلان ~~قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا، وأحدهما داخل في خيمة، والآخر قائم يمسك ~~الراحلتين، فنظرت وإذا خالد بن الوليد، فقلت: أبا سليمان؟ قال: نعم. قلت: ~~أين تريد؟ قال: محمدا، دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طمع [ (3) ] ~~، والله لو أقمنا لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها. ~~قلت: وأنا والله قد أردت محمدا وأردت الإسلام. وخرج عثمان بن طلحة فرحب ~~بي فنزلنا جميعا في المنزل، ثم ترافقنا [ (4) ] حتى قدمنا المدينة، فما ~~أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عنبة يصيح: يا رباح! يا رباح! فتفاءلنا بقوله ~~وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين! فظننت أنه ~~يعنيني وخالد بن الوليد، ثم ولى مدبرا إلى المسجد سريعا PageV02P744 ~~فظننت أنه يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا، فكان كما ظننت. ~~وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونودي بالعصر فانطلقنا جميعا حتى ~~طلعنا عليه صلوات الله عليه، وإن لوجهه تهللا، والمسلمون حوله قد سروا ~~بإسلامنا. فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم ~~تقدمت، فو الله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي إليه ~~حياء منه، فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم يحضرني ما تأخر. ~~فقال: إن الإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها. [قال] : فو ~~الله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من ~~أصحابه في أمر حزبه [ (1) ] منذ أسلمنا، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك ~~المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة، وكان عمر على خالد كالعاتب. # قال ms556 عبد الحميد: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب فقال: ~~أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أويس، عن حبيب بن أوس الثقفي، عن عمرو، نحو ~~ذلك. قال عبد الحميد: فقلت ليزيد: فلم يوقت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال: ~~لا، إلا أنه قبيل الفتح، قلت: وإن أبي أخبرني أن عمرا، وخالدا، وعثمان بن ~~طلحة، قدموا المدينة لهلال صفر سنة ثمان. # وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن أبى حية، قراءة عليه، حدثنا محمد بن ~~شجاع قال، حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال، فحدثني يحيى بن المغيرة بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام قال، سمعت أبى PageV02P745 ~~يحدث يقول: قال خالد بن الوليد: لما أراد الله بي من الخير ما أراد قذف ~~في قلبي حب الإسلام، وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على ~~محمد، فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء وأن ~~محمدا سيظهر. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في ~~خيل من المشركين فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان، ~~فقمت بإزاءه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر آمنا منا، فهممنا [ (1) ] أن ~~نغير عليه، ثم لم يعزم لنا- وكانت فيه خيرة- فاطلع على ما في أنفسنا من ~~الهموم فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك مني موقعا وقلت: ~~الرجل [ (2) ] ممنوع! وافترقنا [ (3) ] وعدل عن سنن [ (4) ] خيلنا وأخذ ذات ~~اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح [ (5) ] قلت في ~~نفسي: ~~أي شيء بقي؟ أين المذهب إلى النجاشي؟ فقد اتبع محمدا، وأصحابه آمنون ~~عنده، فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم مع عجم ~~تابعا، أو أقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا على ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في عمرة القضية، فتغيبت فلم أشهد دخوله، PageV02P746 ~~وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة ~~القضية، فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن ms557 ~~الرحيم، أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك! ~~ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك فقال: ~~أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: ما مثله جهل الإسلام! ~~ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين، لكان خيرا له، ~~ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما فاتك، فقد فاتتك مواطن صالحة. ~~قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام وسرني مقالة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال خالد: وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة ~~جديبة، فخرجت إلى بلد أخضر واسع، فقلت إن هذه لرؤيا. فلما قدمت المدينة ~~قلت: لأذكرنها لأبي بكر. قال: فذكرتها فقال: هو مخرجك الذي هداك الله ~~للإسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك. فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قلت: ~~من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ~~ما نحن فيه؟ إنما نحن أكلة رأس [ (1) ] ، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، ~~فلو قدمنا على محمد فاتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف. ~~فأبى أشد الإباء وقال: لو لم يبق غيري من قريش ما اتبعته أبدا. فافترقنا ~~وقلت: هذا رجل موتور يطلب وترا، قد قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن ~~أبي جهل فقلت له مثل الذي قلت لصفوان، فقال لي مثل ما PageV02P747 ~~قال صفوان، قلت: فاطو ما ذكرت لك. قال: لا أذكره وخرجت إلى منزلي فأمرت ~~براحلتي تخرج إلي، فخرجت بها إلى أن ألقى عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لي ~~لصديق ولو ذكرت له ما أريد! ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أذكره، ثم قلت: ~~وما علي وأنا راحل من ساعتي. فذكرت له ما صار الأمر إليه فقلت: إنما نحن ~~بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب عليه ذنوب [ (1) ] من ماء لخرج. قال: وقلت له ~~نحوا مما قلت لصاحبيه، فأسرع الإجابة وقال: لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن ~~أغدو، وهذه ms558 راحلتي بفخ [ (2) ] مناخة. قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج، إن سبقني ~~أقام وإن سبقته أقمت عليه. قال: فأدلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا ~~بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة، فنجد عمرو بن العاص بها فقال: ~~مرحبا بالقوم! فقلنا: وبك! قال: أين مسيركم؟ قلنا ما أخرجك؟ ~~قال: فما الذي أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم. قال: وذلك الذي أقدمني. ~~قال: فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة فأنخنا بظاهر [ (3) ] الحرة ~~ركابنا، فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا، فلبست من صالح ~~ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيني أخي فقال: اسرع ~~فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم. ~~فأسرعت المشي فطلعت عليه، فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه ~~بالنبوة PageV02P748 ~~فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله فقال: الحمد لله الذي هداك! قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك إلا ~~إلى الخير. قلت: يا رسول الله، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك ~~معاندا عن الحق، فادع الله أن يغفرها لي فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الإسلام يحب ما كان قبله قلت: يا رسول الله، على ذلك؟ فقال: اللهم ~~اغفر لخالد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك. قال خالد: وتقدم عمرو، وعثمان، ~~فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قدومنا فى صفر سنة ثمان، فو ~~الله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم أسلمت يعدل بي أحدا من ~~أصحابه فيما حزبه [ (1) ] . # قال أبو عبد الله: سألت عبد الله بن عمرو بن زهير الكعبى: منى كتب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى خزاعة كتابه؟ فقال: أخبرني أبي، عن قبيصة بن ~~ذؤيب أنه كتب لهم في جمادى الآخرة سنة ثمان. ~~وذلك أنه أسلم قوم من العرب كثير، ومنهم من هو بعد مقيم على ms559 شركه، ولما ~~انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية لم يبق من خزاعة أحد إلا ~~مسلم مصدق بمحمد، قد أتوا بالإسلام وهو فيمن حوله قليل، حتى قدم علقمة بن ~~علاثة وابنا هوذة وهاجروا، فذلك حيث كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~خزاعة: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى بديل، وبشر [ (2) ] ~~، وسروات بني عمرو، سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم، الله لا إله إلا هو، ~~أما بعد، فإني لم آثم بإلكم، ولم أضع فى PageV02P749 ~~جنبكم، وإن أكرم تهامة على أسم، وأقربهم [ (1) ] رحما أنتم ومن تبعكم من ~~المطيبين. فإني قد أخذت لمن قد هاجر منكم مثل ما أخذت لنفسي- ولو هاجر ~~بأرضه- غير ساكن مكة إلا معتمرا أو حاجا، وإني لم أضع فيكم إذ سالمت [ (2) ~~] ، وإنكم غير خائفين من قبلي ولا محصورين. أما بعد: ~~فإنه قد أسلم علقمة بن علاثة وابناه، وتابعا وهاجرا على من تبعهما من ~~عكرمة، أخذت لمن تبعني منكم ما آخذ لنفسي، وإن بعضنا من بعض أبدا في الحل ~~والحرم، وإنني والله ما كذبتكم وليحبكم ربكم. # حدثني عبد الله بن بديل، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن مسلمة، عن ~~أبيه، عن بديل بن ورقاء مثل ذلك. ### | سرية أميرها غالب بن عبد الله بالكديد في صفر سنة ثمان # حدثنا الواقدي قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون، ~~عن يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجهنى، عن جندب ابن مكيث الجهني، ~~قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الليثي أحد بني ~~كلب بن عوف، في سرية كنت فيهم [ (3) ] ، وأمره أن يشن الغارة على بني ~~الملوح بالكديد، وهم من بني ليث. فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن ~~مالك بن البرصاء، فأخذناه فقال: PageV02P750 ~~إنما جئت أريد الإسلام. فقلنا: لا يضرك رباط ليلة إن كنت تريد الإسلام، ~~وإن يكن غير ذلك نستوثق منك. فشددناه وثاقا، وخلفنا عليه رجلا منا يقال له ~~سويد بن ms560 صخر، وقلنا: إن نازعك فاحتز رأسه. ~~ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكمنا ناحية الوادي، فبعثني ~~أصحابى ربيئة [ (1) ] لهم، فخرجت فأتيت تلا مشرفا على الحاضر [ (2) ] ~~يطلعني عليهم، حتى إذا أسندت فيه وعلوت على رأسه انبطحت، فو الله إني لأنظر ~~إذ خرج رجل منهم من خباء له فقال [لامرأته] : والله إني لأرى على هذا التل ~~سوادا ما رأيته عليه صدر يومي هذا، فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب أخذت ~~منها شيئا. فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتي شيئا. فقال: ناوليني قوسي ~~ونبلي! فناولته قوسه وسهمين معها، فأرسل سهما، فو الله ما أخطأ به جنبي، ~~فانتزعته فوضعته وثبت مكاني. ثم رماني الآخر فخالطني به أيضا، فأخذته ~~فوضعته وثبت مكاني. ~~فقال لامرأته: والله لو كان زائلة [ (3) ] لتحرك بعد، لقد خالطه سهماي، ~~لا أبا لك! إذا أصبحت فاتبعيهما، لا تمضغهما الكلاب. ثم دخل خباءه وراحت ~~ماشية الحي من إبلهم وأغنامهم، فحلبوا وعطنوا [ (4) ] ، فلما اطمأنوا ~~وهدأوا شننا عليهم الغارة، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، واستقنا النعم ~~والشاء فخرجنا نحدرها قبل المدينة حتى مررنا بابن [ (5) ] البرصاء ~~PageV02P751 ~~فاحتملناه واحتملنا صاحبنا. وخرج صريخ القوم في قومهم فجاءنا ما لا قبل ~~لنا به، ونظروا إلينا وبيننا وبينهم الوادي وهم موجهون إلينا، فجاء الله ~~الوادي من حيث شاء بماء ملأ جنبيه، وايم الله ما رأينا قبل ذلك سحابا ولا ~~مطرا، فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ~~وقد أسندنا في المشلل [ (1) ] وفتناهم، فهم لا يقدرون على طلبنا، فما أنسى ~~رجز أميرنا غالب: # أبى أبو القاسم أن تعز بي [ (2) ] %~% وذاك قول صادق لم يكذب # في خضل [ (3) ] نباته مغلولب [ (4) ] %~% صفر أعاليه كلون المذهب # ثم قدمنا المدينة. # فحدثني عبد العزيز بن عقبة، عن محمد بن حمزة بن عمر الأسلمي، عن أبيه، ~~قال: كنت معهم وكنا بضعة عشر رجلا، شعارنا: أمت! أمت! ### | سرية كعب بن عمير إلى ذات أطلاح في شهر ربيع الأول سنة ثمان # قال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: بعث رسول ms561 الله صلى ~~الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات ~~أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم PageV02P752 ~~كثيرا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل. فلما رأى ~~ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، فأفلت ~~منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى آتي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهم بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم. # حدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن الفضيل، قال: كان كعب يكمن النهار ~~ويسير الليل حتى دنا منهم، فرآه عين لهم فأخبرهم بقلة أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فجاءوا على الخيول فقتلوهم. ### | سرية شجاع بن وهب إلى السي من أرض بني عامر من ناحية ركبة، في ربيع الأول سنة ثمان، وسرية إلى خثعم بتبالة # [ (1) ] حدثني الواقدي قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن ~~أبي فروة، عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن ~~وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسي، وأمره أن يغير عليهم، ~~فخرج، فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهم غارون، وقد أوعز إلى ~~أصحابه قبل ذلك ألا يمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ~~ذلك كله حتى قدموا المدينة [واقتسموا الغنيمة] [ (2) ] ، وكانت سهامهم خمسة ~~عشر بعيرا، PageV02P753 ~~كل رجل، وعدلوا البعير بعشرة من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة. # قال ابن أبي سبرة: فحدثت هذا الحديث محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان ~~فقال: كانوا قد أصابوا في الحاضر نسوة فاستاقوهن، وكانت فيهن جارية وضيئة ~~فقدموا بها المدينة. ثم قدم وفدهم مسلمين، فلما قدموا كلموا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في السبي، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم شجاعا وأصحابه في ~~ردهن، فسلموهن وردوهن إلى أصحابهن. # قال ابن أبي سبرة: فأخبرت ms562 شيخا من الأنصار بذلك فقال: أما الجارية ~~الوضيئة فكان شجاع بن وهب قد أخذها لنفسه بثمن فأصابها، فلما قدم الوفد ~~خيرها، فاختارت المقام عند شجاع بن وهب، فلقد قتل يوم اليمامة وهي عنده، ~~ولم يكن له منها ولد. فقلت لابن أبي سبرة: ~~ما سمعت أحدا قط يذكر هذه السرية. فقال ابن أبي سبرة: ليس كل العلم ~~سمعته. قال: أجل والله. # فقال ابن أبي سبرة: لقد حدثني إسحاق بن عبد الله سرية أخرى، قال إسحاق: ~~حدثني ابن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث قطبة بن عامر ~~بن حديدة في عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية تبالة، وأمره أن يشن الغارة ~~عليهم، وأن يسير الليل ويكمن النهار، وأمره أن يغذ السير. فخرجوا على عشرة ~~أبعرة يعتقبونها، قد غيبوا السلاح، فأخذوا على الفتق [ (1) ] حتى انتهوا ~~إلى بطن مسحب [ (2) ] ، فأخذوا رجلا فسألوه PageV02P754 ~~فاستعجم عليهم، فجعل يصيح بالحاضر، فقدمه قطبة فضرب عنقه ثم أقاموا حتى ~~كان ساعة من الليل، فخرج رجل منهم طليعة فيجد حاضر نعم، فيه النعم والشاء، ~~فرجع إلى أصحابه فأخبرهم، فأقبل القوم يدبون دبيبا يخافون الحرس، حتى ~~انتهوا إلى الحاضر وقد ناموا وهدأوا، فكبروا وشنوا الغارة، فخرج إليهم رجال ~~الحاضر، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت الجراح في الفريقين. وأصبحوا وجاء ~~الخثعميون الدهم [ (1) ] ، فحال بينهم سيل أتي، فما قدر رجل واحد منهم يمضي ~~حتى أتى قطبة على أهل الحاضر، فأقبل بالنعم والشاء [ (2) ] والنساء إلى ~~المدينة، فكان سهامهم أربعة أربعة، والبعير بعشرة من الغنم بعد أن خرج ~~الخمس. وكان في صفر سنة تسع ### | غزوة مؤتة ~~[ (3) ] # حدثنا الواقدي قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم، قال: بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير [ (4) ] الأزدى ثم أحد بنى ~~لهب، إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني ~~فقال: أين تريد؟ قال: الشام. قال: ~~لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، أنا رسول رسول الله. فأمر به فأوثق رباطا، ~~ثم قدمه فضرب ms563 عنقه صبرا. ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه PageV02P755 ~~وسلم رسول غيره، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فاشتد عليه، ~~وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله، فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا ~~بالجرف، ولم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر، فلما صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الظهر جلس وجلس أصحابه، وجاء النعمان بن فنحص [ (1) ] ~~اليهودي، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر ~~بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب عبد الله بن ~~رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم. ~~فقال النعمان بن فنحص: أبا القاسم، إن كنت نبيا فسميت [ (2) ] من سميت ~~قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا [ ~~(3) ] الرجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان، فلو سمى مائة أصيبوا جميعا. ~~ثم جعل اليهودى يقول لزيد ابن حارثة: اعهد، فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان ~~نبيا! فقال زيد: ~~فأشهد أنه نبي صادق بار. فلما أجمعوا المسير وقد عقد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لهم اللواء ودفعه إلى زيد بن حارثة- لواء أبيض- مشى الناس إلى ~~أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونهم ويدعون لهم، وجعل المسلمون ~~يودع بعضهم بعضا، والمسلمون ثلاثة آلاف، فلما ساروا من معسكرهم نادى ~~المسلمون: دفع الله عنكم، وردكم صالحين غانمين. قال ابن رواحة عند ذلك: ~~PageV02P756 # لكنني أسأل الرحمن مغفرة %~% وضربة ذات [ (1) ] فرع تقذف الزبدا [ (2) ] # وهي أبيات أنشدنيها شعيب بن عبادة. # حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن رافع بن ~~إسحاق، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أوصيكم بتقوى ~~الله وبمن معكم من المسلمين خيرا. أو قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، ~~فقاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت ~~عدوك من ms564 المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم ~~واكفف عنهم، ادعهم إلى الدخول في الإسلام، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف ~~عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم ~~أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، وإن دخلوا في الإسلام ~~واختاروا دارهم، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم ~~الله، ولا يكون لهم في الفيء ولا في القسمة [ (3) ] شيء إلا أن يجاهدوا مع ~~المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف ~~عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة ~~فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم ~~على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا. وإن حاصرت أهل حصن أو ~~مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله، فلا تجعل لهم ذمة الله ~~ولا ذمة رسوله، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة PageV02P757 ~~أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمم آبائكم خير لكم من أن تحفروا ذمة ~~الله وذمة رسوله. # حدثني أبو صفوان، عن خالد بن يزيد، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ~~مشيعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف ووقفوا حوله فقال: اغزوا بسم ~~الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في الصوامع [ ~~(1) ] معتزلين للناس، فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان، في رءوسهم ~~مفاحص [ (2) ] فاقلعوها بالسيوف، ولا تقتلن امرأة ولا صغيرا مرضعا ولا ~~كبيرا فانيا، لا تغرقن نخلا ولا تقطعن شجرا، ولا تهدموا بيتا. # حدثني أبو القاسم بن عمارة بن غزية، عن أبيه، عن عطاء بن أبي مسلم، قال: ~~لما ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة قال ابن رواحة: يا ~~رسول الله، مرني بشيء أحفظه عنك! قال: إنك قادم غدا بدا، السجود به قليل، ~~فأكثر السجود. قال عبد الله: زدني يا رسول الله! قال: اذكر الله، فإنه عون ~~لك على ما تطلب. فقام ms565 من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع إليه فقال: يا رسول ~~الله، إن الله وتر يحب الوتر! قال: يا ابن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن ~~أسأت عشرا أن تحسن واحدة. ~~فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شيء بعدها. قال PageV02P758 ~~أبو عبد الله: وكان زيد بن أرقم يقول: كنت في حجر عبد الله بن رواحة فلم ~~أر والي يتيم كان خيرا منه، خرجت معه في وجهه إلى مؤتة، وصب بي وصببت به [ ~~(1) ] فكان يردفني خلف رحله، فقال ذات ليلة وهو على راحلته بين شعبتي [ (2) ~~] الرحل، وهو يتمثل أبيات شعر # إذا بلغتني وحملت رحلي %~% مسافة أربع بعد الحساء [ (3) ] # فزادك أنعم وخلاك ذم [ (4) ] %~% ولا أرجع [ (5) ] إلى أهلي ورائي # وآب المسلمون وغادروني [ (6) ] %~% بأرض الشام مشتهى الثواء [ (7) ] # هنالك لا أبالي طلع نخل %~% ولا نخل أسافلها رواء [ (8) ] # فلما سمعت هذه الأبيات بكيت، فخفقني بيده [ (9) ] وقال: ما يضرك يا لكع ~~أن يرزقني الله الشهادة فأستريح من الدنيا ونصبها وهمومها وأحزانها ~~وأحداثها. ويرجع بين شعبتي الرحل، ثم نزل نزلة من الليل فصلى ركعتين ~~وعاقبهما دعاء طويلا ثم قال لي: يا غلام! فقلت: لبيك! قال: هي إن شاء الله ~~الشهادة. # ومضى المسلمون من المدينة، فسمع العدو بمسيرهم عليهم قبل أن PageV02P759 ~~ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير، فلما فصل المسلمون من المدينة سمع العدو ~~بمسيرهم فجمعوا الجموع. وقام فيهم رجل من الأزد يقال له شرحبيل بالناس، ~~وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون وادي القرى وأقاموا أياما، وبعث أخاه ~~سدوس وقتل سدوس وخاف شرحبيل بن عمرو فتحصن، وبعث أخا له يقال له وبر بن ~~عمرو. فسار المسلمون حتى نزلوا أرض معان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل ~~قد نزل مآب من أرض البلقاء في بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام في مائة ألف، ~~عليهم رجل من بلي يقال له مالك. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا ليلتين ~~لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره ~~الخبر، فإما يردنا وإما يزيدنا رجالا. فبينا الناس على ذلك من ms566 أمرهم جاءهم ~~ابن رواحة فشجعهم ثم قال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد، ولا بكثرة ~~سلاح، ولا بكثرة خيول، إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. انطلقوا! [ (1) ~~] والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد فرس واحد، وإنما ~~هي إحدى الحسنيين، إما ظهور عليهم فذلك ما وعدنا الله ووعدنا نبينا، وليس ~~لوعده خلف، وإما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان! فشجع الناس على ~~مثل قول ابن رواحة. # فحدثني ربيعة بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: ~~شهدت مؤتة، فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قبل لنا به من العدد والسلاح ~~والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت ابن أقرم: يا ~~أبا هريرة، ما لك؟ كأنك ترى جموعا كثيرة. قلت: ~~نعم، قال: تشهدنا ببدر؟ إنا لم ننصر بالكثرة! PageV02P760 # حدثني بكير بن مسمار، عن ابن كعب القرظي، وابن أبي سبرة، عن عمارة بن ~~غزية، أحدهما يزيد على الآخر في الحديث، قال: لما التقى المسلمون ~~والمشركون، وكان الأمراء يومئذ يقاتلون على أرجلهم، أخذ اللواء زيد بن ~~حارثة، فقاتل الناس معه، والمسلمون على صفوفهم، فقتل زيد بن حارثة. قال ابن ~~كعب القرظي، أخبرني من حضر يومئذ قال: ~~لا، ما قتل [ (1) ] إلا طعنا بالرمح. ثم أخذه جعفر، فنزل عن فرس له شقراء ~~فعرقبها [ (2) ] ، ثم قاتل حتى قتل. # وحدثني عبد الله بن محمد، عن أبيه، قال: ضربه رجل من الروم فقطعه، نصفين، ~~فوقع أحد نصفيه في كرم، فوجد في نصفه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا. # حدثني أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وجد مما قتل من بدن جعفر ما ~~بين منكبيه اثنان وسبعون ضربة بسيف أو طعنة برمح. # حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بن صالح، ~~عن عاصم بن عمر، قال: وجد في بدن جعفر أكثر من ستين جرحا، ووجد به طعنة قد ~~أنفذته. # حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثني عبد الجبار بن ~~عمارة ms567 بن عبد الله بن أبي بكر، زاد أحدهما على صاحبه في الحديث قالا: لما ~~التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف له ما ~~بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب PageV02P761 ~~إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا! فقال: الآن حين استحكم ~~الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا! فمضى قدما حتى استشهد، فصلى ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: استغفروا له، فقد دخل الجنة وهو ~~يسعى! ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان فمناه الحياة وكره ~~إليه الموت، ومناه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين ~~تمنيني الدنيا! ثم مضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ودعا له، ثم قال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد، دخل الجنة فهو يطير في ~~الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة. ~~ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة، فاستشهد ودخل الجنة معترضا. ~~فشق ذلك على الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصابه الجراح. ~~قيل: يا رسول الله، ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه ~~فشجع، فاستشهد فدخل الجنة. فسري عن قومه. # حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: رأيت جعفرا ملكا يطير في الجنة تدمى قادمتاه، ورأيت زيدا ~~دون ذلك فقلت: ما كنت أظن أن زيدا دون جعفر. فأتى جبريل عليه السلام فقال: ~~إن زيدا ليس بدون جعفر، ولكنا فضلنا جعفرا لقرابته منك. # حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن المقبري، عن أبي هريرة قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الفرسان أبو قتادة، وخير الرجالة سلمة ~~بن الأكوع. # حدثني نافع بن ثابت، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، أن رجلا من PageV02P762 ~~بني مرة كان في الجيش، قيل له: إن ms568 الناس يقولون إن خالدا انهزم من ~~المشركين. فقال: لا والله ما كان ذلك! لما قتل ابن رواحة نظرت إلى اللواء ~~قد سقط، واختلط المسلمون والمشركون: فنظرت إلى اللواء في يد خالد منهزما، ~~واتبعناه فكانت الهزيمة. # حدثني محمد بن صالح، عن رجل من العرب، عن أبيه، قال: لما قتل ابن رواحة ~~انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط. في كل وجه. ثم إن المسلمين تراجعوا. ~~فأقبل رجل من الأنصار يقال له ثابت بن أقرم، فأخذ اللواء وجعل يصيح ~~بالأنصار، فجعل الناس يثوبون إليه من كل وجه وهم قليل وهو يقول: إلي أيها ~~الناس! فاجتمعوا إليه. قال: فنظر ثابت إلى خالد بن الوليد فقال: خذ اللواء ~~يا أبا سليمان! فقال: لا آخذه، أنت أحق به، أنت رجل لك سن. وقد شهدت بدرا. ~~قال ثابت: خذه أيها الرجل! فو الله ما أخذته إلا لك! فأخذه خالد فحمله ~~ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه. فثبت حتى تكركر [ (1) ] المشركون، وحمل ~~بأصحابه ففض جمعا من جمعهم، ثم دهمه منهم بشر كثير، فانحاش المسلمون ~~فانكشفوا راجعين. # حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله. عن ابن كعب بن مالك، قال: ~~حدثني نفر من قومي حضروا يومئذ قالوا: لما أخذ اللواء انكشف بالناس فكانت ~~الهزيمة، وقتل المسلمون، واتبعهم المشركون، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا ~~قوم، يقتل الرجل مقبلا أحسن أن يقتل مدبرا! يصيح بأصحابه فما يثوب إليه ~~أحد، هي الهزيمة، ويتبعون صاحب الراية منهزما. PageV02P763 # حدثني إسماعيل بن مصعب، عن إبراهيم بن يحيى بن زيد، قال: ~~لما أخذ اللواء ثابت بن أرقم، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، قال ~~ثابت: ~~اصطلحتم على خالد؟ قالوا: نعم. فأخذه خالد فانكشف بالناس. # حدثني عطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد، ~~فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته، ~~وميسرته ميمنته، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيأتهم وقالوا: قد ~~جاءهم مدد! فرعبوا فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. # حدثني عبد الله بن ms569 الفضيل، عن أبيه، قال: لما أخذ خالد الراية قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي [ (1) ] الوطيس! ~~قال أبو عبد الله: ~~والأول أثبت عندنا، أن خالدا انهزم بالناس. قال ابن أبي الزناد: بلغت ~~الدماء بين الخيل موضع الأشاعر [ (2) ] من الحافر [ (3) ] ، والوطيس أيضا ~~ذاك، وإذا حمي ذلك الموضع من الدابة كان أشد لعدوها. # حدثني داود بن سنان قال: سمعت ثعلبة بن أبي مالك يقول: انكشف خالد بن ~~الوليد يومئذ حتى عيروا بالفرار، وتشاءم الناس به. # حدثني خالد بن إلياس، عن صالح بن أبي حسان، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد ~~الخدري، قال: أقبل خالد بن الوليد بالناس PageV02P764 ~~منهزما، ~~فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تقتلوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون ~~في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار، أفررتم في سبيل الله؟ فيقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ليسوا بفرار، ولكنهم كرار إن شاء الله! # حدثني خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد الله بن عتبة، يقول: ما لقي جيش ~~بعثوا معنا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة، لقيهم أهل المدينة بالشر حتى ~~إن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله، فيدق عليهم الباب فيأبون أن يفتحوا له، ~~يقولون: ألا تقدمت مع أصحابك؟ فأما من كان كبيرا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجلس في بيته استحياء حتى جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يرسل إليهم رجلا رجلا، يقول: أنتم الكرار في سبيل الله! # حدثني مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبي بكر بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كان في ذلك البعث سلمة بن هشام بن المغيرة، ~~فدخلت امرأته على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة: ما ~~لي لا أرى سلمة بن هشام؟ ~~آشتكى شيئا؟ قالت امرأته: لا والله، ولكنه لا يستطيع الخروج، إذا خرج ~~صاحوا به وبأصحابه «يا فرار، أفررتم في سبيل الله؟» . حتى قعد في البيت. ~~فذكرت ذلك أم سلمة لرسول الله صلى ms570 الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: بل، هم الكرار في سبيل الله، فليخرج! فخرج. # حدثني خالد بن إلياس، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: كنا نخرج ونسمع ما ~~نكره من الناس، لقد كان بيني وبين ابن عم لي كلام، فقال: إلا فرارك يوم ~~مؤتة! فما دريت أي شيء أقول له. PageV02P765 # حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أم عيسى بن ~~الحزار، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر، عن جدتها أسماء بنت عميس، قالت: ~~أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه فأتاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولقد هيأت أربعين منا [ (1) ] من أدم [ (2) ] ، وعجنت عجيني، وأخذت ~~بني فغسلت وجوههم ودهنتهم؟ ~~فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أسماء، أين بنو جعفر؟ ~~فجئت بهم إليه فضمهم وشمهم، ثم ذرفت عيناه فبكى، فقلت: أي رسول الله، ~~لعلك بلغك عن جعفر شيء؟ فقال: نعم، قتل اليوم. قالت: ~~فقمت أصيح، واجتمع إلي النساء. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: يا أسماء، لا تقولي هجرا [ (3) ] ولا تضربي صدرا! قالت: فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل على ابنته فاطمة وهي تقول: وا عماه! فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: على مثل جعفر فلتبك الباكية! ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد شغلوا عن أنفسهم ~~اليوم. # حدثني محمد بن مسلم، عن يحيى بن أبي يعلى، قال: سمعت عبد الله ابن جعفر ~~يقول: أنا [ (4) ] أحفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمي فنعى ~~لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسى ورأس أخى، وعيناه PageV02P766 ~~تهراقان الدموع حتى تقطر لحيته. ثم قال: اللهم، إن جعفرا قد قدم إلى أحسن ~~الثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته! ثم قال: يا ~~أسماء، ألا أبشرك؟ قالت: بلى، بأبي أنت وأمي! قال: فإن الله عز وجل ms571 جعل ~~لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة! قالت: بأبي وأمي يا رسول الله، فأعلم ~~الناس ذلك! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ بيدي، يمسح بيده رأسي ~~حتى رقي على المنبر، وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى، والحزن يعرف عليه، ~~فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرا قد استشهد، وقد ~~جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فدخل بيته وأدخلني، وأمر بطعام فصنع لأهلي، وأرسل إلى أخي فتغدينا ~~عنده والله غداء طيبا مباركا، عمدت سلمى خادمته إلى شعير فطحنته، ثم نسفته، ~~ثم أنضجته وأدمته بزيت، وجعلت عليه فلفلا. فتغديت أنا وأخي معه فأقمنا ~~ثلاثة أيام في بيته، ندور معه كلما صار في إحدى بيوت نسائه، ثم رجعنا إلى ~~بيتنا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أساوم بشاة أخى لي، فقال: ~~اللهم بارك في صفقته. قال عبد الله: فما بعت شيئا ولا اشتريت إلا بورك فيه. # حدثني عمر بن أبي عاتكة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي ~~الله عنها، قالت: لما قدم نعي جعفر عرفنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحزن. قالت: قديما ما ضر الناس التكلف [ (1) ] ، فأتاه رجل فقال: يا رسول ~~الله، إن النساء قد عنيننا بما يبكين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~فارجع إليهن فأسكتهن، فإن أبين فاحث فى أفواههن PageV02P767 ~~التراب. ~~فقلت في نفسي: أبعدك الله! ما تركت نفسك، وما أنت بمطيع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # حدثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: أنا ~~أطلع من صير [ (1) ] الباب فأسمع هذا. # حدثني عبد الله بن محمد، عن ابن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: أصيب ~~بها ناس من المسلمين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين، فكان مما غنموا ~~خاتما جاء به رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~قتلت صاحبه يومئذ! فنفله رسول الله صلى الله عليه ms572 وسلم إياه. # وقال عوف بن مالك الأشجعي: لقيناهم في جماعة من قضاعة وغيرهم من نصارى ~~العرب، فصافونا فجعل رجل من الروم يسل على المسلمين ويغري بهم على فرس ~~أشقر، عليه سلاح مذهب ولجام مذهب، فجعلت أقول في نفسي: من هذا؟ وقد رافقني ~~رجل من أمداد [ (2) ] حمير، فكان معنا في مسيرنا ذلك ليس معه سيف، إذ نحر ~~رجل من القوم جزورا فسأله المددي طائفة من جلده، وهبه له فبسطه في الشمس ~~وأوتد على أطرافه أوتادا، فلما جف اتخذ منه مقبضا وجعله درقة. فلما رأى ذلك ~~المددي ما يفعل ذلك الرومي بالمسلمين كمن له خلف صخرة، فلما مر به خرج عليه ~~فعرقب فرسه، فقعد الفرس على رجليه وخر عنه العلج [ (3) ] ، وشد عليه فعلاه ~~بسيفه فقتله. PageV02P768 # حدثني بكير بن مسمار، عن عمارة بن غزية [ (1) ] ، عن أبيه، قال: ~~حضرت مؤتة، فبارزت رجلا يومئذ فأصبته، وعليه يومئذ بيضة له فيها ياقوتة، ~~فلم يكن همي إلا الياقوتة فأخذتها، فلما انكشفنا وانهزمنا رجعت بها ~~المدينة، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفلنيها فبعتها زمن عمر ~~ابن الخطاب رضي الله عنه بمائة دينار، فاشتريت بها حديقة نخل ببني خطمة. ### || ذكر من استشهد بمؤتة من بني هاشم وغيرهم # استشهد من بني هاشم: جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة. ومن بني عدي بن ~~كعب: مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى عامر ابن لؤي، ثم من بني ~~مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبي سرح. ~~وقتل من الأنصار، ثم من بنى النجار من بني مازن: سراقة بن عمرو بن عطية ~~بن خنساء. ومن بني النجار: الحارث بن النعمان بن يساف بن نضلة بن عمرو بن ~~عوف بن غنم بن مالك. ومن بنى الحارث بن الخزرج: ~~عبد الله بن رواحة، وعبادة بن قيس. ثم رجعوا إلى المدينة. ### | غزوة ذات السلاسل [ (2) ] # حدثني ربيعة بن عثمان، عن ابن رومان، وحدثني أفلح بن سعد، عن سعيد بن عبد ~~الرحمن بن رقيش، عن أبي بكر بن حزم، وحدثنى PageV02P769 ~~عبد ms573 الحميد بن جعفر، فكل قد حدثني منه طائفة، وبعضهم أوعى للحديث من بعض، ~~فجمعت ما حدثوني، وغير هؤلاء المسمين قد حدثني أيضا، قالوا: بلغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن جمعا من بلي وقضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى ~~أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في سراة ~~المهاجرين والأنصار- في ثلاثمائة- عامر بن ربيعة، وصهيب بن سنان، وأبو ~~الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وسعد بن أبي وقاص، ومن الأنصار: أسيد ~~بن حضير، وعباد بن بشر، وسلمة بن سلامة، وسعد بن عبادة. وأمره أن يستعين ~~بمن مر به من العرب، وهي بلاد بلي وعذرة وبلقين، وذلك أن عمرو بن العاص كان ~~ذا رحم بهم، كانت أم العاص بن وائل بلوية، فأراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتألفهم بعمرو. فسار، وكان يكمن النهار ويسير الليل، وكانت معه ثلاثون ~~فرسا، فلما دنا من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فنزل قريبا منهم عشاء وهم ~~شاتون، فجمع أصحابه الحطب يريدون أن يصطلوا- وهي أرض باردة- فمنعهم، فشق ~~ذلك عليهم حتى كلمه في ذلك بعض المهاجرين فغالظه، فقال عمرو: أمرت أن تسمع ~~لي وتطيع! قال: فافعل! # وبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخبره أن لهم جمعا كثيرا ويستمده بالرجال، فبعث أبا عبيدة بن ~~الجراح وعقد له لواء، وبعث معه سراة المهاجرين- أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما- والأنصار، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق عمرو بن ~~العاص. فخرج أبو عبيدة في مائتين، وأمره أن يكونا جميعا ولا يختلفا. فساروا ~~حتى لحقوا PageV02P770 ~~بعمرو بن العاص، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ويتقدم عمرا، فقال له ~~عمرو: إنما قدمت علي مددا لي، وليس لك أن تؤمني، وأنا الأمير، وإنما أرسلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلي مددا. فقال المهاجرون: كلا، بل أنت أمير ~~أصحابك وهو أمير أصحابه! فقال ms574 عمرو: لا، بل أنتم مدد لنا! فلما رأى أبو ~~عبيدة الاختلاف- وكان حسن الخلق، لين الشيمة- قال: لتطمئن يا عمرو، وتعلمن ~~أن آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: «إذا قدمت على ~~صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا» . وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك! فأطاع أبو ~~عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس. ~~فآب إلى عمرو جمع- فصاروا خمسمائة- فسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلي ~~ودوخها [ (1) ] ، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع فلما ~~سمعوا به تفرقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين، ولقي في آخر ~~ذلك جمعا ليس بالكثير، فقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل، ورمي يومئذ عامر بن ~~ربيعة [ (2) ] بسهم فأصيب ذراعه. وحمل المسلمون عليهم فهربوا، وأعجزوا هربا ~~في البلاد وتفرقوا، ودوخ عمرو ما هناك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا ~~بمكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، وكانوا ~~ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم إلا ما ذكر ~~له. # وكان رافع بن أبي رافع الطائي يقول: كنت فيمن نفر مع أبى عبيدة ابن ~~الجراح، وكنت رجلا أغير في الجاهلية على أموال الناس، فكنت PageV02P771 ~~أجمع الماء في البيض- بيض النعام- فأجعله في أماكن أعرفها، فإذا مررت بها ~~وقد ظمئت استخرجتها فشربت منها. فلما نفرت في ذلك البعث قلت: والله لأختارن ~~لنفسي صاحبا ينفعني الله به. فاخترت أبا بكر الصديق فصحبته، وكانت له عباءة ~~فدكية [ (1) ] ، فإذا ركب خلها [ (2) ] عليه بخلال، وإذا نزلنا بسطها. فلما ~~قفلنا قلت: يا أبا بكر، رحمك الله! علمني شيئا ينفعني الله به. قال: قد كنت ~~فاعلا ولو لم تسألني، لا تشرك بالله، وأقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم رمضان، ~~وحج البيت واعتمر، ولا تتأمر [ (3) ] على اثنين من المسلمين. قال: قلت: أما ~~ما أمرتني به من الصلاة والصوم والحج فأنا فاعله، وأما الإمارة فإني رأيت ~~الناس لا يصيبون هذا الشرف وهذا الغنى وهذه المنزلة عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعند الناس إلا بها. قال: إنك استنصحتني فجهدت ms575 لك نفسي، إن الناس ~~دخلوا في الإسلام طوعا وكرها فأجارهم [ (4) ] الله من الظلم، وهم عواد الله ~~وجيران الله، وفي أمانته، فمن أخفر فإنما يخفر الله في جيرانه، وإن شاة ~~أحدكم أو بعيره ليذهب فيظل ناتئا [ (5) ] عضله غضبا لجاره، والله من وراء ~~جاره. قال: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضي ~~الله عنه جئته فقلت: يا أبا بكر، ألم تنهني أن أتأمر على اثنين؟ قال: بلى، ~~وأنا على ذلك! قال: فما لك تأمرت على أمة محمد؟ قال: اختلف الناس وخشيت ~~PageV02P772 ~~عليهم الهلاك، ودعوا إلي فلم أجد لذلك بدا. # قال: وكان عوف بن مالك الأشجعي رفيقا لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما معهما ~~في رحلهما، فخرج عوف يوما في العسكر فمر بقوم بأيديهم جزور قد عجزوا عن ~~عملها، فكان عوف عالما بالجزر فقال: أتعطونى عليها وأقسمها بينكم؟ قالوا: ~~نعم نعطيك عشيرا منها. فنحرها ثم جزأها بينهم، وأعطوه منها جزأ فأخذه فأتى ~~به أصحابه، فطبخوه وأكلوا منه. ~~فلما فرغوا قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: من أين لك هذا اللحم؟ ~~فأخبرهما فقالا: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا. ثم قاما يتقيآن، فلما ~~فعل ذلك أبو بكر وعمر فعل ذلك الجيش، وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~لعوف: تعجلت أجرك! ثم أتى أبا عبيدة فقال له مثل ذلك. # وكان عمرو بن العاص حين قفلنا احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من ~~البرد، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قد والله احتلمت، وإن اغتسلت مت! فدعا بماء ~~فتوضأ وغسل فرجه وتيمم، ثم قام فصلى بهم، فكان أول من بعث عوف بن مالك ~~بريدا. قال عوف بن مالك: فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر ~~وهو يصلي في بيته، فسلمت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عوف بن ~~مالك؟ قلت: عوف بن مالك يا رسول الله! قال: صاحب الجزور؟ قلت: نعم. ولم يزد ~~على هذا شيئا، ثم قال: ~~أخبرني! فأخبرته بما كان في مسيرنا وما ms576 كان بين أبي عبيدة بن الجراح وبين ~~عمرو بن العاص ومطاوعة أبي عبيدة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح! ~~ثم أخبرته أن عمرا صلى بنا وهو PageV02P773 ~~جنب ومعه ماء لم يزد على أن غسل فرجه بماء وتيمم، فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فلما قدم عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم سأله عن صلاته ~~فأخبره فقال: والذي بعثك بالحق لو اغتسلت لمت، لم أجد قط بردا مثله، وقد ~~قال الله: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. [ (1) ] ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغنا أنه قال شيئا ### | سرية الخبط [ (2) ] أميرها أبو عبيدة # قال الواقدي: حدثني داود بن قيس، ومالك بن أنس، وإبراهيم بن محمد ~~الأنصاري من ولد ثابت بن قيس بن شماس، وخارجة بن الحارث، وبعضهم قد زاد في ~~الحديث، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ~~سرية فيها المهاجرون والأنصار، وهم ثلاثمائة رجل، إلى ساحل البحر إلى حي من ~~جهينة، فأصابهم جوع شديد، فأمر أبو عبيدة بالزاد فجمع حتى إذا كانوا ~~ليقتسمون التمرة، فقيل لجابر: فما يغني ثلث تمرة؟ قال: ~~لقد وجدوا فقدها. قال: ولم تكن معهم حمولة [ (3) ] ، إنما كانوا على ~~أقدامهم، وأباعر يحملون عليها زادهم. فأكلوا الخبط، وهو يومئذ ذو مشرة [ ~~(4) ] ، حتى إن شدق أحدهم بمنزلة مشفر البعير العضة، فمكثنا على ذلك حتى ~~قال PageV02P774 ~~قائلهم: لو لقينا عدوا ما كان بنا حركة إليه، لما بالناس من الجهد. فقال ~~قيس بن سعد: من يشتري مني تمرا بجزر، يوفيني الجزر هاهنا وأو فيه التمر ~~بالمدينة؟ فجعل عمر يقول: وا عجباه لهذا الغلام، لا مال له يدان في مال ~~غيره! فوجد رجلا من جهينة، فقال قيس بن سعد: بعني جزرا وأوفيك سقة [ (1) ] ~~من تمر بالمدينة. قال الجهني: والله ما أعرفك، ومن أنت؟ قال: ~~أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم [ (2) ] . قال الجهني: ما أعرفتني ~~بنسبك! أما إن بيني وبين سعد خلة، سيد ms577 أهل يثرب. فابتاع منهم خمس جزر كل ~~جزور بوسقين من تمر، يشرط عليه البدوي، تمر ذخيرة مصلبة [ (3) ] من تمر آل ~~دليم. قال: يقول قيس: نعم. فقال الجهني: فأشهد لي. ~~فأشهد له نفرا من الأنصار ومعهم نفر من المهاجرين. قال قيس: أشهد من تحب. ~~فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: ~~لا أشهد! هذا يدان ولا مال له، إنما المال لأبيه. قال الجهني: والله، ما ~~كان سعد ليخني [ (4) ] بابنه في سقة من تمر! وأرى وجها حسنا وفعالا شريفا. ~~فكان بين عمر وبين قيس كلام حتى أغلظ له قيس الكلام، وأخذ قيس الجزر ~~فنحرها لهم في مواطن ثلاثة، كل يوم جزورا، فلما كان اليوم الرابع نهاه ~~أميره وقال: تريد أن تخفر [ (5) ] ذمتك ولا مال لك؟ # حدثني محمد بن يحيى بن سهل، عن أبيه، عن رافع بن خديج، قال: أقبل أبو ~~عبيدة بن الجراح ومعه عمر بن الخطاب رضى الله عنهم فقال: PageV02P775 ~~عزمت عليك ألا تنحر، أتريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟ فقال قيس: ~~يا أبا عبيدة، أترى أبا ثابت وهو يقضي دين الناس، ويحمل الكل [ (1) ] ، ~~ويطعم في المجاعة، لا يقضي سقة تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله! فكاد أبو ~~عبيدة أن يلين له ويتركه حتى جعل عمر يقول: اعزم عليه! فعزم عليه فأبى عليه ~~أن ينحر. فبقيت جزوران معه حتى وجد القوم الحوت، فقدم بهما قيس المدينة ~~ظهرا يتعاقبون عليها، وبلغ سعد ما كان أصاب القوم من المجاعة فقال: إن يكن ~~قيس كما أعرفه فسوف ينحر للقوم. ~~فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابهم؟ ~~قال: نحرت. قال: أصبت، انحر! قال: ثم ماذا؟ قال: نحرت. قال: ~~أصبت! قال: ثم ماذا؟ قال: ثم نحرت. قال أصبت، انحر! قال: ~~ثم ماذا؟ قال: نهيت. قال: ومن نهاك؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح أميري. ~~قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك، فقلت: ~~أبي يقضي عن الأباعد، ويحمل الكل [ (1) ] ، ويطعم في المجاعة، ولا ms578 يصنع ~~هذا بي! قال: فلك أربع حوائط [ (2) ] . قال: وكتب له بذلك كتابا. قال: ~~وأتى بالكتاب إلى أبي عبيدة فشهد فيه، وأتى عمر فأبى أن يشهد فيه- وأدنى ~~حائط منها يجذ خمسين وسقا. وقدم البدوي مع قيس فأوفاه سقته وحمله وكساه، ~~فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فعل قيس فقال: إنه في بيت جود. # حدثني مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، PageV02P776 ~~فألقى لنا البحر حوتا مثل الظرب [ (1) ] ، فأكل الجيش منه اثنتي عشرة ~~ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلع من أضلاعه فنصب، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مر ~~تحتها فلم يصبها. # حدثني ابن أبي ذئب، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: إن كان الرجل ~~ليجلس في وقب [ (2) ] عينه، وإن كان الراكب ليمر بين ضلعين من أضلاعه على ~~راحلته. # حدثني عبد الله بن الحجازي، عن عمر بن عثمان بن شجاع، قال: ~~لما قدم الأعرابي على سعد بن عبادة قال: يا أبا ثابت! والله، ما مثل ابنك ~~صنعت ولا تركت بغير مال، فابنك سيد من سادة قومه، نهاني الأمير أن أبيعه. ~~قلت: لم؟ قال: لا مال له! فلما انتسب إليك عرفته فتقدمت لما عرفت أنك تسمو ~~على معالي الأخلاق وجسيمها، وأنك غير مذم بمن لا معرفة له لديك. قال: فأعطى ~~ابنه يومئذ أموالا عظاما. ### | سرية خضرة، أميرها أبو قتادة في شعبان سنة ثمان # حدثنا الواقدي قال: حدثني محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: قال ~~عبد الله بن أبي حدرد [ (3) ] الأسلمي: تزوجت ابنة سراقة بن حارثة اللجارى ~~وكان قتل ببدر، فلم أصب شيئا من الدنيا كان أحب إلي من مكانها، فأصدقتها ~~مائتي درهم، فلم أجد شيئا أسوقه إليها فقلت: PageV02P777 ~~على الله وعلى رسوله المعول. فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، ~~فقال: ~~كم سقت إليها! قلت: مائتي درهم. فقال: لو كنتم تغترفونه من ناحية بطحان [ ~~(1) ] ما زدتم. فقلت: يا رسول الله، أعني في صداقها. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما وافقت عندنا شيئا ms579 أعينك به، ولكني قد أجمعت أن أبعث أبا ~~قتادة في أربعة عشر رجلا [في سرية] ، فهل لك أن تخرج فيها؟ ~~فإني أرجو أن يغنمك الله مهر امرأتك. فقلت: نعم. فخرجنا فكنا ستة عشر ~~رجلا بأبي قتادة وهو أميرنا، وبعثنا إلى غطفان نحو نجد فقال: سيروا الليل ~~واكمنوا النهار، وشنوا الغارة، ولا تقتلوا النساء والصبيان. ~~فخرجنا حتى جئنا ناحية غطفان، فهجمنا على حاضر منهم عظيم. قال: وخطبنا ~~أبو قتادة وأوصانا بتقوى الله عز وجل، وألف بين كل رجلين وقال: لا يفارق كل ~~رجل زميله حتى يقتل أو يرجع إلي فيخبرني خبره، ولا يأتني رجل فأسأل عن ~~صاحبه فيقول، لا علم لي به! وإذا كبرت فكبروا، وإذا حملت فاحملوا، ولا ~~تمعنوا في الطلب. فأحطنا بالحاضر فسمعت رجلا يصرخ: يا خضرة! فتفاءلت وقلت: ~~لأصيبن خيرا ولأجمعن إلي امرأتي! وقد أتيناهم ليلا. قال: فجرد أبو قتادة ~~سيفه وجردنا سيوفنا، وكبر وكبرنا معه، فشددنا على الحاضر فقاتل رجال، وإذا ~~برجل طويل قد جرد سيفه صلتا، وهو يمشي القهقرى ويقول: يا مسلم، هلم إلى ~~الجنة! فاتبعته ثم قال: إن صاحبكم لذو مكيدة، وإن أمره هو الأمر. وهو يقول: ~~الجنة! الجنة! يتهكم بنا. فعرفت أنه مستقبل فخرجت فى أثره، فينادينى ~~صاحبي: لا تبعد، فقد نهانا أميرنا أن نمعن فى الطلب! فأدركته فرميته على ~~PageV02P778 ~~جريداء متنه [ (1) ] ، ثم قال: ادن يا مسلم إلى الجنة! فرميته حتى قتلته ~~بنبلي، ثم وقع ميتا فأخذت سيفه. وجعل زميلي ينادي: أين تذهب؟ إني والله إن ~~ذهبت إلى أبي قتادة فسألني عنك أخبرته. قال: فلقيته قبل أبي قتادة فقلت: ~~أسأل أميري عني؟ فقال: نعم، وقد تغيظ علي وعليك. ~~وأخبرني أنهم جمعوا الغنائم- وقتلوا من أشرف لهم- فجئت أبا قتادة فلامني ~~فقلت: قتلت رجلا كان من أمره كذا وكذا، فأخبرته بقوله كله. ~~ثم استقنا النعم، وحملنا النساء، وجفون السيوف معلقة بالأقتاب [ (2) ] . ~~فأصبحت- وبعيري مقطور [ (3) ]- بامرأة كأنها ظبي، فجعلت تكثر الالتفات ~~خلفها وتبكي، قلت: إلى أي شيء تنظرين؟ قالت: أنظر والله إلى رجل لئن كان ~~حيا ليستنقذنا منكم. فوقع ms580 في نفسي أنه الذي قتلته فقلت: قد والله قتلته، ~~وهذا سيفه معلق بالقتب إلى غمده، فقالت: هذا والله غمد سيفه، فشمه [ (4) ] ~~إن كنت صادقا. قال: فشمته فطبق [ (5) ] . قال: ~~فبكت ويئست. قال ابن أبي حدرد: فقدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالنعم والشاء. # فحدثني أبو مودود، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد [ (6) ] ، عن ~~أبيه، قال: لما رجعت من غزوة خضرة وقد أصبنا فيئا، سهم كل رجل PageV02P779 ~~اثنا عشر بعيرا، دخلت بزوجتي فرزقني الله خيرا. # وحدثني عبد الله بن جعفر، عن جعفر بن عمرو، قال: غابوا خمس عشرة ليلة، ~~وجاءوا بمائتي بعير وألف شاة، وسبوا سبيا كثيرا. وكان الخمس معزولا، وكان ~~سهمانهم اثني عشر بعيرا، يعدل البعير بعشر من الغنم. # حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~أبي حدرد، عن أبيه، قال: أصبنا في وجهنا أربع نسوة، فيهن فتاة كأنها ظبي، ~~من الحداثة والحلاوة شيء عجب، وأطفال من غلمان وجوار، فاقتسموا السبي وصارت ~~تلك الجارية الوضيئة لأبي قتادة. فجاء محمية بن جزء الزبيدي فقال: يا رسول ~~الله، إن أبا قتادة قد أصاب في وجهه هذا جارية وضيئة، وقد كنت وعدتني جارية ~~من أول فيء يفيء الله عليك. قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أبي قتادة فقال: ~~ما جارية صارت في سهمك؟ قال: جارية من السبي هي أوضأ ذلك السبي، أخذتها ~~لنفسي بعد أن أخرجنا الخمس من المغنم. قال: هبها لي. ~~فقال: نعم، يا رسول الله. فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها ~~إلى محمية بن جزء الزبيدي. ### | شأن غزوة الفتح # حدثني محمد بن عبد الله، وموسى بن محمد، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن ~~يزيد، وابن أبي حبيبة، وابن أبي سبرة، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الرحمن بن ~~عبد العزيز، ويونس بن محمد، ومحمد بن يحيى بن سهل، PageV02P780 ~~وابن أبي حثمة، ومحمد بن صالح بن دينار، ونجيح، وأسامة بن زيد، وحزام بن ~~هشام، ومعاذ ms581 بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، ومعمر بن راشد، فكل ~~قد حدثني من حديث الفتح بطائفة، وبعضهم أوعى له من بعض، وغير هؤلاء قد ~~حدثني أيضا، فكتبت كل ما سمعت منهم، قالوا: كانت خزاعة في الجاهلية قد ~~أصابوا رجلا من بني بكر أخذوا ماله، فمر رجل من خزاعة على بني الديل بعد ~~ذلك فقتلوه، فوقعت الحرب بينهم، فمر بنو الأسود بن رزن- ذؤيب، وسلمى، ~~وكلثوم- على خزاعة فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. وكان قوم الأسود يؤدون ~~في الجاهلية ديتين بفضلهم في بني بكر، فتجاوزوا وكف بعضهم عن بعض من أجل ~~الإسلام، وهم على ما هم عليه من العداوة في أنفسهم، إلا أنه قد دخل الإسلام ~~عليهم جميعا فأمسكوا، فلما كان صلح الحديبية دخلت خزاعة في عقد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعهده، وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عارفا، ولقد جاءته يومئذ خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه. ~~قال ابن واقد: وهو «باسمك اللهم، هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة، إذ ~~قدم عليه سراتهم وأهل الرأي، غائبهم مقر بما قضى عليه شاهدهم. إن بيننا ~~وبينكم عهود الله وعقوده، ما لا ينسى [ (1) ] أبدا، ولا يأتي بلد [ (2) ] ، ~~اليد واحدة والنصر واحد، ما أشرف ثبير، وثبت حراء، وما بل بحر صوفة [ (3) ] ~~، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا PageV02P781 ~~تجددا أبدا أبدا، الدهر سرمدا» . فقرأه عليه أبي بن كعب فقال: ~~ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف! فكل حلف كان في ~~الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام. وجاءته أسلم وهو ~~بغدير الأشطاط [ (1) ] ، ~~جاء بهم بريدة بن الحصيب فقال: ~~يا رسول الله، هذه أسلم وهذه محالها، وقد هاجر إليك من هاجر منها وبقي ~~قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنتم مهاجرون حيث كنتم. ودعا العلاء بن الحضرمي فأمره أن يكتب لهم كتابا، ~~فكتب: «هذا كتاب من محمد رسول الله لأسلم، لمن آمن منهم بالله، ms582 وشهد أنه لا ~~إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإنه آمن بأمان الله، وله ذمة الله ~~وذمة رسوله. وإن أمرنا وأمركم واحد على من دهمنا من الناس بظلم، اليد واحدة ~~والنصر واحد، ولأهل باديتهم مثل ما لأهل قرارهم، وهم مهاجرون حيث كانوا» . ~~وكتب العلاء بن الحضرمي. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، ~~نعم الرجل بريدة بن الحصيب لقومه، عظيم البركة عليهم، مررنا به ليلة، مررنا ~~ونحن مهاجرون إلى المدينة، فأسلم معه من قومه من أسلم. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: نعم الرجل بريدة لقومه وغير قومه يا أبا بكر، إن خير القوم ~~من كان مدافعا عن قومه ما لم يأثم، فإن الإثم لا خير [فيه] . # حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير، عن محجن بن وهب [ (2) ] ، قال: ~~كان آخر ما كان بين خزاعة وبين كنانة أن أنس بن زنيم الديلي هجا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فسمعه غلام من خزاعة فوقع به فشجه، فخرج ~~PageV02P782 ~~إلى قومه فأراهم شجته فثار الشر مع ما كان بينهم، وما تطلب بنو بكر من ~~خزاعة من دمائها. فلما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح ~~الحديبية تكلمت بنو نفاثة من بني بكر أشراف قريش- واعتزلت بنو مدلج فلم ~~ينقضوا العهد- أن يعينوا بالرجال والسلاح على عدوهم من خزاعة، وذكروهم ~~القتلى الذين أصابت خزاعة لهم، وضربوهم بأرحامهم، وأخبروهم بدخولهم معهم في ~~عقدهم وعهدهم، وذهاب خزاعة إلى محمد في عقده وعهده، فوجدوا القوم إلى ذلك ~~سراعا إلا أبا سفيان، لم يشاور في ذلك ولم يعلم، ويقال: إنهم ذاكروه فأبى ~~عليهم. وجعلت بنو نفاثة وبكر يقولون: إنما نحن! فأعانوهم بالسلاح والكراع ~~والرجال ودسوا ذلك سرا لئلا تحذر خزاعة، [فهم] آمنون غارون بحال الموادعة ~~وما حجز الإسلام بينهم. ثم اتعدت قريش الوتير موضعا بمن معها، فوافوا ~~للميعاد، فيهم رجال من قريش من كبارهم متنكرون منتقبون، صفوان بن أمية، ~~ومكرز بن حفص بن الأخيف، وحويطب بن عبد العزى، وأجلبوا معهم أرقاءهم، ورأس ms583 ~~بنى بكر نوفل بن معاوية الديلى، فبيتوا خزاعة ليلا وهم غارون آمنون من ~~عدوهم، ولو كانوا يخافون هذا لكانوا على حذر وعدة، فلم يزالوا يقتلونهم حتى ~~انتهوا بهم إلى أنصاب الحرم، فقالوا: يا نوفل، إلهك، إلهك! قد دخلت الحرم! ~~قال: لا إله لي اليوم، يا بني بكر! قد كنتم تسرقون الحاج، أفلا تدركون ~~ثأركم من عدوكم؟ لا يريد أحدكم يأتي امرأته حتى يستأذني، لا يؤخر أحد منكم ~~اليوم بعد يومه هذا من ثأره. ~~فلما انتهت خزاعة إلى الحرم، دخلت دار بديل بن ورقاء ودار رافع الخزاعيين ~~وانتهوا بهم في عماية الصبح، ودخلت رؤساء قريش في منازلهم وهم PageV02P783 ~~يظنون ألا يعرفوا، وألا يبلغ هذا محمدا صلى الله عليه وسلم. # حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عطاء بن أبي مروان، قال: ~~قتلوا منهم عشرين رجلا، وحضروا خزاعة في دار رافع وبديل، وأصبحت خزاعة ~~مقتلين على باب بديل- ورافع مولى لخزاعة. وتنحت [ (1) ] قريش وندموا على ما ~~صنعوا، وعرفوا أن هذا الذي صنعوا نقض للمدة والعهد الذي بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير، عن عبد الله بن عكرمة بن عبد الحارث بن ~~هشام، قال: وجاء الحارث بن هشام وابن أبي ربيعة إلى صفوان بن أمية، وإلى ~~سهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، فلاموهم فيما صنعوا من عونهم بني بكر، ~~وأن بينكم وبين محمد مدة، وهذا نقض لها. وانصرف ذلك القوم ودسوا إلى نوفل ~~بن معاوية، وكان الذي ولى كلامه سهيل بن عمرو، فقال: قد رأيت الذي صنعنا بك ~~وأصحابك وما قتلت من القوم، وأنت قد حضرتهم تريد قتل من بقي منهم، وهذا ما ~~لا نطاوعك عليه فاتركهم لنا. قال: نعم. فتركهم فخرجوا. فقال ابن قيس ~~الرقيات يذكر سهيل بن عمرو: # خالط [ (2) ] أخواله خزاعة لما %~% كثرتهم [ (3) ] بمكة الأحياء # وقال في ذلك ابن لعط الديلي [ (3) ] : # ألا هل أتى قصوى [ (4) ] العشيرة أننا %~% رددنا بنى كعب بأفوق [ (5) ] ~~ناصل PageV02P784 # حبسناهم في دارة العبد رافع %~% وعند بديل محبسا غير طائل ms584 # حبسناهم حتى إذا طال يومهم %~% نفخنا لهم من كل شعب بوابل [ (1) ] # ذبحناهم ذبح التيوس كأننا %~% أسود تبارى فيهم بالقواصل [ (2) ] # قال: ومشى الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى أبي سفيان فقالا: ~~هذا أمر لا بد له من أن يصلح، والله لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا ~~محمد في أصحابه! قال أبو سفيان: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وأفظعتها ~~وخفت من شرها. فقال القوم: ما هي؟ قال: ~~رأت دما أقبل من الحجون يسيل حتى وقف بالخندمة [ (3) ] مليا، ثم كان ذلك ~~الدم لم يكن. فكره القوم هذا، وقالوا: هذا شر. # فحدثني مجمع بن يعقوب، عن أبيه، قال: لما رأى أبو سفيان ما رأى من الشر ~~قال: هذا والله أمر لم أشهده ولم أغب عنه، لا حمل هذا إلا علي، ولا والله ~~ما شوورت ولا هويت حيث بلغني! والله ليغزونا محمد إن صدقني ظني وهو صادقي، ~~وما لي بد أن آتي محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة ويجدد العهد قبل أن يبلغه ~~هذا الأمر. فقالت قريش: قد والله أصبت الرأي! وندمت قريش على ما صنعت من ~~عون بني بكر على خزاعة، وعرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن [ (4) ] ~~يدعهم حتى يغزوهم. فخرج أبو سفيان، وخرج معه مولى له على راحلتين، فأسرع ~~السير وهو يرى أنه أول PageV02P785 ~~من خرج من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال أبو عبد الله: وقد ~~سمعنا وجها من أمر خزاعة لم أر عليه الناس قبلنا ولا يعرفونه، وقد رواه ~~ثقة، ومخرجه الذي رد إليه ثقة مقنع، فلم أر أحدا يعرف له وجها! إلا أن ~~الناس قبلنا ينفونه ويقولون: لم يكن، وذكرته لابن جعفر ومحمد بن صالح ولأبي ~~معشر وغيرهم ممن له علم بالسرية فكلهم ينكره ولا يأتي له بوجه. # وكان أول الحديث، ~~أنه حدثني الثقة عندي، أنه سمع عمرو بن دينار، يخبر عن ابن عمر، أنه لما ~~قدم ركب خزاعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ms585 بمن قتل منهم، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن تهمتكم وظنتكم؟ قالوا: بنو بكر. قال: ~~كلها؟ قالوا: لا، ولكن تهمتنا بنو نفاثة قصرة، ورأس القوم نوفل بن معاوية ~~النفاثي. قال: هذا بطن من بني بكر وأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا ~~الأمر ومخيرهم في خصال. ~~فبعث إليهم ضمرة يخيرهم بين إحدى ثلاث خلال، بين أن يدوا خزاعة أو يبرأوا ~~[من] حلف نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضمرة رسول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وخبرهم بالذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخيرهم ~~بين [أن] يدوا قتلى خزاعة، أو يبرأوا [من] حلف نفاثة، أو ينبذوا إليهم على ~~سواء. فقال قرطة بن عبد عمرو الأعجمي: ~~أما أن ندي قتلى خزاعة، فإن نفاثة قوم فيهم عرام [ (1) ] فلا نديهم حتى ~~لا يبقى لنا سبد ولا لبد [ (2) ] ، وأما أن نبرأ من حلف نفاثة فإنه ليس ~~قبيلة فى العرب تحج PageV02P786 ~~هذا البيت أشد تعظيما لهذا البيت من نفاثة، وهم حلفاؤنا فلا نبرأ من ~~حلفهم، ما بقي لنا سبد ولا لبد [ (1) ] ، ولكنا ننبذ إليه على سواء. فرجع ~~ضمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك من قولهم، فبعثت قريش أبا ~~سفيان بن حرب تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجدد العهد، وندمت قريش ~~على رد الرسول بما ردوه. # قال أبو عبد الله: فكل أصحابنا أنكروا هذا الحديث. وقال: ~~فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب [ (2) ] وعمى عليهم الأخبار ~~حتى دخلها فجاءة- حتى ذكرت هذا الحديث لحزام بن هشام الكعبي فقال: لم يضيع ~~الذي حدثك شيئا، ولكن الأمر على ما أقول لك- ندمت قريش على عون نفاثة ~~وقالوا: محمد غازينا! # قال عبد الله بن سعد بن أبي سرح- وهو عندهم يومئذ ~~كافر مرتد- إن عندي رأيا، أن محمدا ليس يغزوكم حتى يعذر إليكم ويخيركم في ~~خصال كلها أهون عليكم من غزوه. قالوا: ما هي؟ قال: يرسل أن ادوا قتلى خزاعة ~~وهم ثلاثة وعشرون قتيلا، أو تبرأوا من حلف من نقض ms586 العهد بيننا- بنو نفاثة- ~~أو ننبذ إليكم الحرب [ (3) ] ، فما عندكم في هذه الخصال؟ قال القوم: آخر ما ~~قال ابن أبي السرح! وقد كان به عالما. فقال سهيل بن عمرو: ما خصلة أيسر ~~علينا من التبرؤ من حلف بني نفاثة. قال شيبة ابن عثمان العبدري: حفظت ~~أخوالك وغضبت لهم! قال سهيل: وأبو قريش لم تلده خزاعة. قال شيبة: لا، ولكنا ~~ندي قتلى خزاعة، فهو أهون PageV02P787 ~~علينا. فقال قرطة بن عبد عمرو: لا والله، لا يودون [ (1) ] ولا نبرأ من ~~حلف نفاثة، ابن الغوث [ (2) ] بنا وأعمدة لشدتنا، ولكن ننبذ إليه على سواء! ~~فقال أبو سفيان: ما هذا بشيء! وما الرأي لنا إلا جحد هذا الأمر، أن تكون ~~قريش دخلت في نقض عهد وقطع مدة، فإن قطعه قوم بغير هوى منا ولا مشورة فما ~~علينا. قالوا: هذا الرأي، لا رأي غيره، الجحد لكل ما كان من ذلك! [قال] : ~~وإني لم أشهده ولم أوامر فيه، وأنا في ذلك صادق، لقد كرهت ما صنعتم وعرفت ~~أن سيكون له يوم عماس [ (3) ] . قالت قريش لأبي سفيان: واخرج أنت بذلك! حتى ~~خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # قال أبو عبد الله: فذكرت حديث حزام لابن جعفر وغيره من أصحابنا فلم ~~ينكروه، وقالوا: هذا وجهه! وكتبه مني عبد الله بن جعفر. # حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عطاء بن أبي مروان، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: قد حرت في أمر خزاعة. قال ابن واقد: ~~فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أترى قريشا تجترئ [ (4) ] على ~~نقض العهد بينكم وبينهم وقد أفناهم السيف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ينقضون العهد لأمر يريده الله تعالى بهم. قالت عائشة: خير أو شر يا ~~رسول الله؟ قال: خير! # فحدثني حزام بن هشام بن خالد الكعبي، عن أبيه، قال: وخرج عمرو ~~PageV02P788 ~~ابن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويخبرونه بالذي أصابهم وما ظاهرت عليه قريش- فأعانوهم [ (1) ] ~~بالرجال والسلاح والكراع، وحضر ذلك ms587 صفوان بن أمية في رجال من قومهم ~~متنكرين، فقتلوا بأيديهم- ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد في ~~أصحابه، ورأس خزاعة عمرو بن سالم، وقام ينشد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمع منه # فقال: # اللهم إني ناشد محمدا %~% حلف أبينا [ (2) ] وأبيك الأتلدا [ (3) ] # قد كنتم ولدا وكنا والدا %~% ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا %~% ونقضوا ميثاقك المؤكدا # فانصر هداك الله نصرا أعتدا [ (4) ] %~% وادع عباد الله يأتوا مددا # فيهم رسول الله قد تجردا %~% في فيلق [ (5) ] كالبحر يجري مزبدا # قرم [ (6) ] لقرم من قروم أصيدا %~% هم بيتونا بالوتير هجدا [ (7) ] # نتلو القرآن ركعا وسجدا %~% وزعموا أن لست أدعو أحدا # وهم أذل %~% وأقل عددا # فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك. ~~فهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه، فبلغ أنس بن زنيم، فقدم ~~PageV02P789 ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم معتذرا مما بلغه، فقال: # أأنت الذي تهدى معد بأمره %~% بل الله يهديهم وقال لك اشهد # فما حملت من ناقة فوق رحلها %~% أبر وأوفى ذمة من محمد # أحث على خير وأوسع نائلا %~% إذا راح يهتز اهتزاز المهند [ (1) ] # وأكسى لبرد الخال [ (2) ] قبل اجتذابه %~% وأعطى برأس السابق [ (3) ] ~~المتجرد # تعلم رسول الله أنك مدركي %~% وأن وعيدا منك كالأخذ باليد # تعلم رسول الله أنك قادر %~% على كل سكن [ (4) ] من تهام ومنجد # ونبي رسول الله أني هجوته %~% فلا رفعت سوطي إلي إذن يدي # سوى أنني قد قلت يا ويح فتية %~% أصيبوا بنحس يوم طلق [ (5) ] وأسعد # أصابهم من لم يكن لدمائهم %~% كفاء فعزت عبرتي وتبلدي [ (6) ] # ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا %~% جميعا فإلا تدمع العين أكمد # على أن سلمى ليس فيهم كمثله %~% وإخوته أو هل ملوك كأعبد # وإني لا عرضا خرقت ولا دما %~% هرقت ففكر عالم الحق واقصد # أنشدنيها حزام. ~~وبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيدته واعتذاره، وكلمه نوفل بن ~~معاوية الديلي فقال: يا رسول الله، أنت أولى الناس بالعفو، ومن منا ms588 لم ~~يعادك ويؤذك، ونحن في جاهلية لا ندري PageV02P790 ~~ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك من الهلكة، وقد كذب عليه الركب وكثروا ~~عندك. فقال: دع الركب، فإنا لم نجد بتهامة أحدا من ذي رحم ولا بعيد الرحم ~~كان أبر بنا من خزاعة. فأسكت نوفل بن معاوية، فلما سكت قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: قد عفوت عنه. قال نوفل: ~~فداك أبي وأمي! # وحدثنى عبد الحميد بن جعفر عن عمران بن أبي أنس، عن ابن عباس رضي الله ~~عنه، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر طرف ردائه، وهو يقول: ~~لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي! # وحدثني حزام بن هشام، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لكأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول: «جدد العهد وزد في الهدنة» وهو راجع بسخطه. ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن سالم وأصحابه: ارجعوا ~~وتفرقوا في الأودية! وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على عائشة وهو ~~مغضب، فدعا بماء فدخل يغتسل. قالت عائشة: فأسمعه يقول وهو يصب الماء عليه: ~~لا نصرت إن لم أنصر بني كعب! وخرج أبو سفيان من مكة وهو متخوف الذي صنع ~~عمرو بن سالم وأصحابه أن يكونوا جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان ~~القوم لما أتوا الأبواء راجعين تفرقوا، وذهبت طائفة إلى الساحل تعارض ~~الطريق، ولزم بديل بن أم أصرم في نفير معه الطريق، فلقيه أبو سفيان، فأشفق ~~أبو سفيان أن يكون بديل جاء محمدا، بل كان اليقين عنده، فقال للقوم: ~~أخبروني عن يثرب، منذ كم PageV02P791 ~~عهدكم بها؟ فقالوا: لا علم لنا بها. فعرف أنهم كتموه، فقال: أما معكم من ~~تمر يثرب شيء تطعموناه؟ فإن لتمر يثرب فضلا على تمر تهامة. قالوا: لا. قال: ~~ثم أبت نفسه أن تقره [ (1) ] حتى قال: يا بديل، هل جئت محمدا؟ قال: لا! ما ~~فعلت، ولكني سرت في بلاد كعب وخزاعة من هذا الساحل في ms589 قتيل كان بينهم، ~~فأصلحت بينهم. قال: يقول أبو سفيان: ~~إنك والله- ما علمت- بر واصل. ثم قايلهم أبو سفيان حتى راح بديل وأصحابه، ~~ثم جاء منزلهم ففت أبعار أباعرهم فوجد فيها نوى، ووجد [ (2) ] في منزلهم ~~نوى من تمر عجوة كأنها ألسنة الطير، فقال أبو سفيان: ~~أحلف بالله لقد جاء القوم محمدا! وكان القوم لما كانت الوقعة خرجوا من ~~صبح ذلك اليوم، فساروا إلى حيث لقيهم أبو سفيان ثلاثا. # وكانت بنو بكر قد حبست خزاعة في دار بديل ورافع ثلاثة أيام لم يكلموا ~~فيهم، وائتمرت قريش أن يخرج أبو سفيان، فأقام يومين ثم خرج، فهذا خمس بعد ~~مقتل خزاعة. وأقبل أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا محمد، إني كنت غائبا في صلح الحديبية، فاشدد العهد وزدنا في ~~المدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كان قبلكم حدث؟ قال: معاذ ~~الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن على مدتنا وصلحنا يوم ~~الحديبية، لا نغير ولا نبدل. ~~ثم قام من عنده فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم طوته دونه، فقال: أرغبت بهذا الفراش عني أو بي ~~عنه؟ قالت: PageV02P792 ~~بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك! قال: يا ~~بنية، لقد أصابك بعلمك شر! قالت: هداني الله للإسلام، وأنت يا أبت سيد قريش ~~وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا ~~يبصر؟ قال: يا عجباه، وهذا منك أيضا؟ ~~أأترك ما كان يعبد آبائي وأتبع دين محمد؟ ثم قام من عندها فلقي أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه فكلمه وقال: تكلم محمدا وتجير أنت بين الناس؟ فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ثم لقى عمر رضي الله عنه فكلمه بمثل ما كلم به أبو بكر، فقال عمر: ~~والله، لو وجدت الذر [ (1) ] تقاتلكم لأعنتها عليكم! قال أبو ms590 سفيان: جزيت ~~من ذي رحم شرا. ثم دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: ~~إنه ليس في القوم أحد أقرب بي رحما منك، فزد في الهدنة وجدد العهد، فإن ~~صاحبك لن [ (2) ] يرده عليك أبدا، والله ما رأيت رجلا قط أكثر إكراما لصاحب ~~من محمد لأصحابه! قال عثمان رضي الله عنه: جواري في جوار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وحدثني عبد الله بن محمد، عن أبيه، قال: دخل على فاطمة بنت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكلمها فقال: أجيري بين الناس! فقالت: ~~إنما أنا امرأة. قال: إن جوارك جائز، قد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع، ~~فأجاز ذلك محمد. قالت فاطمة: ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأبت ~~ذلك عليه. فقال: مري أحد بنيك يجير بين الناس! PageV02P793 ~~قالت: إنهما صبيان، وليس مثلهما يجير. فلما أبت عليه أتى عليا رضي الله ~~عنه فقال: يا أبا الحسن، أجر بين الناس وكلم محمدا يزيد في المدة! قال علي ~~ويحك يا أبا سفيان! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزم ألا يفعل، وليس ~~أحد يستطيع أن نكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء يكرهه. قال أبو ~~سفيان: فما الرأي؟ يسر لي أمري [ (1) ] ، فإنه قد ضاق علي، فمر لي بأمر ترى ~~أنه نافعي! فقال علي عليه السلام: ما أجد لك شيئا [أمثل] من أن تقوم فتجير ~~بين الناس، فإنك سيد كنانة. قال: ~~ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال علي عليه السلام: لا أظن ذلك والله، ولكني ~~لا أجد لك غيره. فقام بين ظهري الناس فصاح: ألا أني قد أجرت بين الناس، ولا ~~أظن محمدا يخفرني! ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، ما ~~أظن أن ترد جواري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت تقول ذلك يا أبا ~~سفيان! ~~حدثني ابن أبي حبيبة، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قال: جاء أبو ~~سفيان إلى سعد بن عبادة فقال: يا أبا ms591 ثابت، قد عرفت الذي كان بيني وبينك، ~~وأني قد كنت لك في حرمنا جارا، وكنت لي بيثرب مثل ذلك، وأنت سيد هذه البحرة ~~[ (2) ] ، فأجر بين الناس ورد في المدة. ~~فقال سعد: يا أبا سفيان، جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقال: خرج أبو سفيان على أنه ~~قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت تقول ذلك يا أبا سفيان! ~~PageV02P794 ~~يقال: لما صاح لم يقرب النبي صلى الله عليه وسلم، وركب راحلته وانطلق إلى ~~مكة، وكان قد حبس وطالت غيبته، وكانت قريش قد اتهمته حين أبطأ أشد التهمة ~~وقالوا: والله إنا نراه قد صبأ، واتبع محمدا سرا وكتم إسلامه. فلما دخل على ~~هند ليلا قالت: لقد حبست حتى اتهمك قومك، فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم ~~بنجح فأنت الرجل! ثم دنا منها فجلس مجلس الرجل من المرأة، فجعلت تقول: ما ~~صنعت؟ فأخبرها الخبر وقال: لم أجد إلا ما قال لي علي. فضربت برجليها في ~~صدره، وقالت: قبحت من رسول قوم! # حدثني عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان، عن ~~أبيه، قال: فلما أصبح خلق رأسه عند الصنمين، إساف ونائلة، وذبح لهما، وجعل ~~يمسح بالدم رءوسهما، ويقول: لا أفارق عبادتكما حتى أموت على ما مات عليه ~~أبي! أبرأ لقريش مما اتهموه. # وحدثني حزام بن هشام، عن أبيه، قال: وقالت له قريش: ما وراءك؟ ~~هل جئتنا بكتاب من محمد، أو زيادة في مدة؟ ما نأمن أن يغزونا! فقال: ~~والله لقد أبى علي، ولقد كلمت علية أصحابه فما قدرت على شيء منهم، إلا ~~أنهم يرمونني بكلمة واحدة، إلا أن عليا قد قال لما ضاقت بي الأمور: ~~أنت سيد كنانة، فأجر بين الناس! فناديت بالجوار ثم دخلت على محمد فقلت: ~~إني قد أجرت بين الناس، وما أظن أن ترد جواري. فقال محمد: أنت تقول ذلك يا ~~أبا سفيان! لم يزدني على ذلك. قالوا: ما زاد على أن تلعب بك تلعبا! قال: ms592 ~~والله ما وجدت غير ذلك. # حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن PageV02P795 ~~مطعم، قال: لما ولى أبو سفيان راجعا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعائشة: جهزينا وأخفي أمرك! وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم خذ ~~على قريش الأخبار والعيون حتى نأتيهم بغتة. ويقال قال: اللهم خذ على قريش ~~أبصارهم فلا يروني إلا بغتة، ولا يسمعون بي إلا فجأة. ~~قالوا: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب، فكان عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يطوف على الأنقاب قيما بهم فيقول: لا تدعوا أحدا يمر بكم ~~تنكرونه إلا رددتموه- وكانت الأنقاب مسلمة- إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ ~~به ويسأل عنه، أو ناحية مكة. # قالوا: فدخل أبو بكر على عائشة وهي تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~تعمل قمحا سويقا ودقيقا وتمرا، فدخل عليها أبو بكر فقال: ~~يا عائشة، أهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو؟ قالت: ما أدري. ~~قال: إن كان رسول الله هم بسفر فآذنينا نتهيأ له. قالت: ما أدري، لعله ~~يريد بني سليم، لعله يريد ثقيفا، لعله يريد هوازن! فاستعجمت عليه حتى دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو بكر: يا رسول الله، أردت سفرا؟ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: أفأتجهز؟ ~~قال: نعم. قال أبو بكر: وأين تريد يا رسول الله؟ قال: قريشا، وأخف ذلك يا ~~أبا بكر! وأمر رسول الله [بالجهاز] ، قال: أو ليس بيننا وبينهم مدة؟ قال: ~~إنهم غدروا ونقضوا العهد، فأنا غازيهم. وقال لأبي بكر: ~~اطو ما ذكرت لك! ~~فظان يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام، وظان يظن ثقيفا، ~~وظان يظن هوازن. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة بن ربعي في ~~ثمانية نفر إلى بطن إضم [ (1) ] ليظن ظان أن رسول الله PageV02P796 ~~صلى الله عليه وسلم توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار. # حدثني عبد الله بن يزيد بن قسيط، عن ms593 أبيه، عن ابن أبي حدرد، عن أبيه قال: ~~بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بطن إضم، أميرنا أبو قتادة في تلك ~~السرية وفيها محلم بن جثامة الليثي وأنا فيهم، فبينا نحن ببعض وادي إضم إذ ~~مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه، وحمل ~~عليه محلم بن جثامة فقتله، وسلبه بعيرا له ومتاعا ووطبا [ (1) ] من لبن كان ~~معه، فلما لحقنا النبي صلى الله عليه وسلم نزل فينا القرآن يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ~~لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ... [ (2) ] الآية. فانصرف القوم ولم ~~يلقوا جمعا حتى انتهوا [ (3) ] إلى ذي خشب [ (4) ] فبلغهم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد توجه إلى مكة، فأخذوا على بين حتى لحقوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالسقيا. # حدثني المنذر بن سعد، عن يزيد بن رومان، قال: لما أجمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المسير إلى قريش، وعلم بذلك الناس، كتب حاطب بن أبي بلتعة ~~إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطى ~~الكتاب امرأة من مزينة، وجعل لها جعلا على أن توصله قريشا، فجعلته في رأسها ~~ثم فتلت عليه قرونها، فخرجت. وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من ~~السماء بما صنع حاطب، فبعث عليا والزبير PageV02P797 ~~فقال: أدركا امرأة من مزينة، قد كتب معها حاطب كتابا يحذر قريشا فخرجا ~~فأدركاها بالخليفة، فاستنزلاها فالتمساه في رحلها فلم يجدا شيئا، فقالا ~~لها: إنا نحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا ~~ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك! فلما رأت منهما الجد قالت: أعرضا عني! ~~فأعرضا عنها، فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب فدفعته إليهما، ~~فجاءا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حاطبا فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، إني لمؤمن بالله ~~ورسوله، ما غيرت ولا بدلت! ولكنى كنت امرءا ms594 ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، ~~وكان لي بين أظهرهم أهل وولد فصانعتهم. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~قاتلك الله! ترى رسول الله يأخذ بالأنقاب وتكتب الكتب إلى قريش تحذرهم؟ ~~دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد نافق! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع يوم بدر على أهل بدر. فقال: ~~اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم! ~~وأنزل الله عز وجل في حاطب: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء تلقون إليهم بالمودة ... [ (1) ] إلى آخر الآية. # وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كتب حاطب إلى ثلاثة نفر: ~~صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل: ~~«إن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت ~~أن تكون لي عندكم يد بكتابي إليكم» . ودفع الكتاب إلى امرأة من مزينة من ~~أهل العرج [ (2) ] يقال لها كنود، وجعل لها دينارا على أن تبلغ الكتاب، ~~وقال: PageV02P798 ~~أخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق فإن عليها محرسا. فسلكت على غير ~~نقب، عن يسار المحجة في الفلوق [ (1) ] ، حتى لقيت الطريق بالعقيق. # حدثني عتبة بن جبيرة، عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، قال: هي ~~سارة، جعل لها عشرة دنانير. # قالوا: فلما أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم الغزو، أرسل إلى أهل ~~البادية وإلى من حوله من المسلمين، يقول لهم: من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليحضر رمضان بالمدينة. وبعث رسولا في كل ناحية حتى قدموا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم- أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع. ~~وبعث إلى بني سليم، فأما بنو سليم فلقيته بقديد، وأما سائر العرب فخرجوا ~~من المدينة. # قال: وحدثني سعيد بن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن جده، قال: أرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أسماء بن حارثة، وهند بن حارثة إلى أسلم يقولان ~~لهم: إن رسول الله يأمركم أن تحضروا رمضان بالمدينة. ~~وأرسل ms595 رسول الله صلى الله عليه وسلم جندبا ورافعا ابني مكيث إلى جهينة ~~يأمرهم أن يحضروا رمضان بالمدينة، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إيماء بن رحضة وأبا رهم كلثوم بن الحصين إلى بني الحصين إلى بني غفار ~~وضمرة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أشجع معقل بن سنان، ونعيم بن ~~مسعود، وبعث إلى مزينة بلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو المزني، وبعث إلى ~~بني سليم الحجاج بن علاط السلمى، ثم البهزى [ (2) ] ، PageV02P799 ~~وعرباض بن سارية، وبعث إلى بني كعب بني عمرة بشر بن سفيان وبديل بن ~~ورقاء، فلقيه بنو كعب بقديد وخرج معه من بنى كعب من كان بالمدينة. وعسكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات، فكان ~~في المهاجرين ثلاث رايات- راية مع الزبير، وراية مع علي عليه السلام، وراية ~~مع سعد بن أبي وقاص. وكان في الأوس بني عبد الأشهل راية مع أبي نائلة، وفي ~~بني ظفر راية مع قتادة بن النعمان، وفي بني حارثة راية مع أبي بردة بن ~~نيار، وفي بني معاوية راية مع جبر بن عتيك، وفي بني خطمة راية مع أبي لبابة ~~بن عبد المنذر، وفي بني أمية راية مع مبيض- قال ابن حيويه: «نبيض» في كتاب ~~أبي حية، فتركته أنا على ما هناك «مبيض» . وفي بني ساعدة راية مع أبي أسيد ~~الساعدي، وفي بني الحارث بن الخزرج راية مع عبد الله بن زيد، وفى بنى سلمة ~~راية مع قطبة ابن عامر بن حديدة، وفي بني مالك بن النجار راية مع عمارة بن ~~حزم، وفي بني مازن راية مع سليط بن قيس، وفي بني دينار راية يحملها [] [ ~~(1) ] . ~~وكان المهاجرون سبعمائة، ومعهم من الخيل ثلاثمائة فرس، وكانت الأنصار ~~أربعة آلاف، معهم من الخيل خمسمائة، وكانت مزينة ألفا، فيها من الخيل مائة ~~فرس ومائة درع، وفيها ثلاثة ألوية، لواء مع النعمان بن مقرن، ولواء مع بلال ~~بن الحارث، ولواء مع عبد الله بن عمرو. وكانت أسلم أربعمائة، فيها ثلاثون ~~فرسا، ms596 ولواءان يحمل أحدهما بريدة بن الحصيب والآخر ناجية بن الأعجم. وكانت ~~جهينة ثمانمائة، معها من الخيل خمسون فرسا، فيها أربعة ألوية، لواء مع سويد ~~بن صخر، ولواء مع ابن مكيث، ولواء مع أبي زرعة، ولواء مع عبد الله بن بدر. ~~وكانت بنو كعب PageV02P800 ~~ابن عمرو خمسمائة، فيهم ثلاثة ألوية، لواء مع بسر بن سفيان، ولواء مع ابن ~~شريح، ولواء مع عمرو بن سالم، ولم يكن خرج معه من المدينة، لقيه قومه ~~بقديد. # قال: حدثني عتبة بن جبيرة، عن الحصين بن عبد الرحمن، قال: ~~لم يعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الألوية والرايات حتى انتهى إلى ~~قديد، ثم جعل رايات المهاجرين والأنصار على ما ذكرنا. وقال: كانت راية أشجع ~~مع عوف بن مالك. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لعشر خلون ~~من رمضان بعد العصر، فما حل عقدة حتى انتهى إلى الصلصل [ (1) ] . ~~وخرج المسلمون وقادوا الخيل وامتطوا الإبل، وكانوا عشرة آلاف. وقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمامه الزبير بن العوام، في مائتين من المسلمين، ~~فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيداء- قال: ~~فحدثني يحيى بن خالد بن دينار، عن عبد الله بن عمير، عن ابن عباس ~~قال: وحدثني داود بن خالد، عن المقبري، عن أبي هريرة، قالا- قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إني لأرى السحاب تستهل بنصر بني كعب. وخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من المدينة فنادى مناديه: من أحب أن يصوم فليصم، ~~ومن أحب أن يفطر فليفطر! وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: وحدثني مالك بن أنس، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي بكر ابن عبد ~~الرحمن بن الحارث، عن رجل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P801 ~~بالعرج يصب الماء على رأسه ووجهه من العطش. # قال: وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن حكيم بن حكيم، عن أبي جعفر، عن ~~جابر بن عبد الله، قال: لما كنا بالكديد بين الظهر والعصر أخذ رسول الله ~~صلى الله ms597 عليه وسلم إناء من ماء في يده حتى رآه المسلمون، ثم أفطر تلك ~~الساعة. وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوما صاموا فقال: أولئك ~~العصاة! وقال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ~~مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم! ~~قال ذلك بمر الظهران. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم العرج، ~~والناس لا يدرون أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى قريش، أو إلى ~~هوازن، أو إلى ثقيف! فهم يحبون أن يعلموا، فجلس في أصحابه بالعرج وهو ~~يتحدث، فقال كعب بن مالك: ~~آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلم لكم علم وجهه. فجاء كعب فبرك بين ~~يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، ثم قال [ (1) ] : # قضينا من تهامة كل ريب %~% وخيبر ثم أجممنا [ (2) ] السيوفا # نسائلها ولو نطقت لقالت %~% قواطعهن دوسا أو ثقيفا # فلست لحاضر إن لم تروها %~% بساحة داركم منها ألوفا # فننتزع الخيام ببطن وج [ (3) ] %~% ونترك دورهم منهم خلوفا # أنشدنيها أيوب بن النعمان، عن أبيه. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يزد على ذلك. فجعل الناس يقولون: والله ما بين لك رسول الله ~~شيئا، ما ندري بمن يبدى، بقريش أو ثقيف أو هوازن. PageV02P802 # قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: لما نزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقديد قيل: هل لك في بيض النساء وأدم الإبل؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى حرمها علي بصلة الرحم ~~ووكزهم في لبات [ (1) ] الإبل. # قال: حدثني الزبير بن موسى، عن أبي الحويرث، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: إن الله حرمهم علي ببر الوالد ووكزهم في لبات [ (2) ] الإبل. # قال: وحدثني قران بن محمد، عن عيسى بن عميلة الفزاري، قال: كان عيينة في ~~أهله بنجد فأتاه الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد وجها، وقد ~~تجمعت العرب إليه، فخرج في نفر من قومه حتى قدم المدينة، فيجد رسول الله ms598 ~~صلى الله عليه وسلم قد خرج قبله بيومين، فسلك عن ركوبه فسبق إلى العرج، ~~فوجده رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج، ~~فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم العرج أتاه فقال: يا رسول الله، ~~بلغني خروجك ومن يجتمع إليك فأقبلت سريعا ولم أشعر فأجمع قومي فيكون لنا ~~جلبة كثيرة، ولست أرى هيأة حرب، لا أرى ألوية ولا رايات! فالعمرة تريد؟ فلا ~~أرى هيأة الإحرام! فأين وجهك يا رسول الله؟ ~~قال: حيث يشاء الله. ~~وذهب وسار معه، ووجد الأقرع بن حابس بالسقيا، PageV02P803 ~~قد وافاها في عشرة نفر من قومه، فساروا معه، فلما نزل قديد عقد الألوية ~~وجعل الرايات. فلما رأى عيينة القبائل تأخذ الرايات والألوية عض على ~~أنامله، فقال أبو بكر: علام تندم؟ قال: على قومي ألا يكونوا نفروا مع محمد، ~~فأين يريد محمد يا أبا بكر؟ قال: حيث يشاء الله. فدخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ مكة بين الأقرع وعيينة. # قال: حدثني عبد الرحمن بن محمد، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: لما ~~سار رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرج، فكان فيما بين العرج والطلوب [ ~~(1) ] ، نظر إلى كلبة تهر على أولادها وهم حولها يرضعونها، فأمر رجلا من ~~أصحابه يقال له جعيل بن سراقة أن يقوم حذاءها، لا يعرض لها أحد من الجيش ~~ولأولادها. # قال: حدثني معاذ بن محمد، عن عبد الله بن سعد، قال: لما راح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من العرج تقدمت أمامه جريدة [ (2) ] من خيل طليعة، تكون ~~أمام المسلمين، فلما كانت بين العرج والطلوب أتوا بعين من هوازن إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، رأيناه حين طلعنا عليه وهو ~~على راحلته، فتغيب عنا في وهدة [ (3) ] ، ثم جاء فأوفى على نشز فقعد عليه، ~~فركضنا إليه فأراد يهرب منا، وإذا بعيره قد عقله أسفل من النشز وهو يغيبه، ~~فقلنا: ممن أنت؟ قال: رجل من بني غفار. ~~فقلنا: هم أهل هذا البلد. فقلنا: من أي ms599 بني غفار أنت؟ فعيي [ (4) ] ولم ~~PageV02P804 ~~ينفذ لنا نسبا، فازددنا به ريبة وأسأنا به الظن، فقلنا: فأين أهلك؟ قال: ~~قريبا! وأومأ بيده إلى ناحية. قلنا: على أي ماء، ومن معك هنالك؟ فلم ينفذ ~~لنا شيئا، فلما رأينا ما خلط قلنا: لتصدقنا أو لنضربن عنقك! قال: ~~فإن صدقتكم ينفعني ذلك عندكم؟ قلنا: نعم. قال: فإني رجل من هوازن من بني ~~نضر، بعثتني هوازن عينا. وقالوا: ائت المدينة حتى تلقى محمدا فتستخبر لنا ~~ما يريد في أمر حلفائه، أيبعث إلى قريش بعثا أو يغزوهم بنفسه، ولا نراه إلا ~~يستغورهم، فإن خرج سائرا أو بعث بعثا فسر معه حتى تنتهي إلى بطن سرف، فإن ~~كان يريدنا أولا فيسلك [ (1) ] في بطن سرف حتى يخرج إلينا، وإن كان يريد ~~قريشا فسيلزم الطريق. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأين هوازن؟ قال: تركتهم ببقعاء وقد ~~جمعوا الجموع، وأجلبوا في العرب، وبعثوا إلى ثقيف فأجابتهم، فتركت ثقيفا ~~على ساق قد جمعوا الجموع، وبعثوا إلى الجرش [ (2) ] في عمل الدبابات ~~والمنجنيق، وهم سائرون إلى جمع هوازن فيكونون جمعا. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: وإلى من جعلوا أمرهم؟ قال: ~~إلى فتاهم مالك بن عوف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكل هوازن قد ~~أجاب إلى ما دعا إليه مالك؟ قال: قد أبطأ من بني عامر أهل الجد والجلد. ~~قال: من؟ قال: كعب وكلاب. قال: ما فعلت هلال؟ قال: ~~ما أقل من ضوى [ (3) ] إليه منهم، وقد مررت بقومك أمس بمكة وقد قدم عليهم ~~أبو سفيان بن حرب فرأيتهم ساخطين لما جاء به، وهم خائفون وجلون. ~~PageV02P805 ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله ونعم الوكيل، ما أراه إلا ~~صدقني! ~~قال الرجل: فلينفعني ذلك؟ فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن ~~الوليد أن يحبسه، وخافوا أن يتقدم ويحذر الناس، فلما نزل العسكر مر الظهران ~~أفلت الرجل، فطلبه خالد بن الوليد فأخذه عند الأراك [ (1) ] ، وقال: لولا ~~وليت عهدا لك لضربت عنقك. وأخبر رسول الله صلى الله ms600 عليه وسلم فأمر به يحبس ~~حتى يدخل مكة، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفتحها أتي به ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فأسلم، ثم خرج مع ~~المسلمين إلى هوازن فقتل بأوطاس [ (2) ] . # قال: حدثني سعيد بن مسلم بن قمادين، عن عبد الرحمن بن سابط وغيره، قال ~~[كان] أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الرضاعة، أرضعته حليمة أياما، وكان يألف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان له تربا، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه عداوة لم يعاد ~~أحد قط، ولم يكن دخل الشعب، وهجا رسول الله، وهجا أصحابه، وهجا حسان فقال: # ألا مبلغ حسان عني رسالة %~% فخلتك من شر الرجال الصعالك # أبوك أبو سوء وخالك مثله %~% فلست بخير من أبيك وخالك # فقال المسلمون لحسان: اهجه! قال: لا أفعل حتى أستأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف آذن لك في ابن عمي ~~أخي أبي؟ ~~قال: أسلك منه كما تسل الشعرة من العجين. PageV02P806 ~~فقال حسان شعرا، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذاكر أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه بعض ذلك، فذاكره. قال: فمكث أبو سفيان عشرين سنة [ (1) ~~] عدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يهجو المسلمين ويهجونه، ولا يتخلف ~~عن موضع تسير فيه قريش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله ~~ألقى في قلبه الإسلام. قال أبو سفيان، فقلت: من أصحب ومع من أكون؟ قد ضرب ~~الإسلام بجرانه [ (2) ] ! فجئت زوجتي وولدي، فقلت: ~~تهيئوا للخروج فقد أظل قدوم محمد عليكم. قالوا: قد آن لك تبصر أن العرب ~~والعجم قد تبعت محمدا وأنت موضع في عداوته، وكنت أولى الناس بنصره! فقلت ~~لغلامي مذكور: عجل بأبعرة وفرس. قال: ثم سرنا حتى نزلنا الأبواء، وقد نزلت ~~مقدمته الأبواء، فتنكرت وخفت أن أقتل، وكان قد هدر دمي، فخرجت، وأجد ابني ~~جعفر على قدمي ms601 نحوا من ميل، في الغداة التي صبح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيها الأبواء، فأقبل الناس رسلا رسلا [ (3) ] ، فتنحيت فرقا من ~~أصحابه، فلما طلع مركبه تصديت له تلقاء وجهه، فلما ملأ عينيه مني أعرض عني ~~بوجهه إلى الناحية الأخرى، فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى، وأعرض عني مرارا، ~~فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه. وأتذكر بره ~~ورحمته وقرابتي فيمسك ذلك مني، وقد كنت لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه سيفرحون بإسلامي فرحا شديدا، لقرابتي [ (4) ] [من] رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المسلمون إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عنى PageV02P807 ~~أعرضوا عني جميعا، فلقيني ابن أبي قحافة معرضا، ونظرت إلى عمر ويغرى بى ~~رجلا من الأنصار، فألز [ (1) ] بي رجل يقول: يا عدو الله، أنت الذي كنت ~~تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتؤذي أصحابه قد بلغت مشارق الأرض ~~ومغاربها في عداوته! فرددت بعض الرد عن نفسي، فاستطال علي، ورفع صوته حتى ~~جعلني في مثل الحرجة [ (2) ] من الناس يسرون بما يفعل بي. ~~قال: فدخلت على عمي العباس فقلت: يا عباس، قد كنت أرجو أن سيفرح رسول ~~الله بإسلامي لقرابتي وشرفي، وقد كان منه ما كان رأيت، فكلمه ليرضى عني! ~~قال: لا والله، لا أكلمه كلمة فيك أبدا بعد الذي رأيت منه إلا أن أرى وجها، ~~إني أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهابه. ~~فقلت: يا عمي إلى من تكلني؟ قال: هو ذاك. قال: فلقيت عليا رحمة الله عليه ~~فكلمته فقال لي مثل ذلك، فرجعت إلى العباس فقلت: ~~يا عم فكف عني الرجل الذي يشتمني. قال: صفه لي. فقلت: هو رجل آدم [ (3) ] ~~شديد الأدمة، قصير، دحداح [ (4) ] ، بين عينيه شجة. قال: ذاك نعمان بن ~~الحارث النجاري. فأرسل إليه، فقال: يا نعمان، إن أبا سفيان ابن عم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وابن أخي، وإن يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ساخطا فسيرضى، فكف عنه، فبعد لأي ما ms602 كف. وقال: لا أعرض عنه. قال أبو سفيان: ~~فخرجت فجلست على باب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج إلى ~~الجحفة، وهو لا يكلمني ولا أحد من المسلمين. PageV02P808 ~~وجعلت لا ينزل منزلا إلا أنا على بابه ومعي ابني جعفر قائم، فلا يراني ~~إلا أعرض عني، فخرجت على هذه الحال حتى شهدت معه فتح مكة وأنا على حيلة ~~تلازمه حتى هبط من أذاخر [ (1) ] حتى نزل الأبطح [ (2) ] ، فدنوت من باب ~~قبته فنظر إلي نظرا هو ألين من ذلك النظر الأول، قد رجوت أن يتبسم، ودخل ~~عليه نساء بني المطلب، ودخلت معهن زوجتي فرققته علي. وخرج إلى المسجد وأنا ~~بين يديه لا أفارقه على حال حتى خرج إلى هوازن، فخرجت معه، وقد جمعت العرب ~~جمعا لم يجمع مثله قط، وخرجوا بالنساء والذرية والماشية، فلما لقيتهم قلت: ~~اليوم يرى أثري إن شاء الله، ولما لقيتهم حملوا الحملة [ (3) ] التي ذكر ~~الله: ثم وليتم مدبرين [ (4) ] . ~~وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء وجرد سيفه، فأقتحم ~~عن فرسي وبيدي السيف صلتا، قد كسرت جفنه، والله أعلم أني أريد الموت دونه ~~وهو ينظر إلي، فأخذ العباس بن عبد المطلب بلجام البغلة، فأخذت بالجانب ~~الآخر، فقال: من هذا؟ فذهبت أكشف المغفر، فقال العباس: يا رسول الله، أخوك ~~وابن عمك أبو سفيان بن الحارث! فارض عنه، أي رسول الله! قال: ~~قد فعلت، فغفر الله كل عداوة عادانيها! فأقبل رجله في الركاب، ثم التفت ~~إلي فقال: أخي لعمري! ثم أمر العباس فقال: ناد يا أصحاب البقرة [ (5) ] ! ~~يا أصحاب السمرة [ (6) ] يوم الحديبية! يا للمهاجرين! يا للأنصار ~~PageV02P809 ~~يا للخزرج! فأجابوا: لبيك داعي الله! وكروا كرة رجل واحد، قد حطموا ~~الجفون، وشرعوا الرماح، وخفضوا عوالي الأمنة، وأرقلوا إرقال الفحول، ~~فرأيتني وإني لأخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم شروع رماحهم حتى ~~أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: تقدم فضارب القوم! فحملت حملة أزلتهم عن موضعهم، وتبعني- رسول الله ~~صلى الله ms603 عليه وسلم قدما في نحور القوم، ما نالوا ما تقدم، فما قامت لهم ~~قائمة حتى طردتهم قدر فرسخ، وتفرقوا في كل وجه، وبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفرا من أصحابه على الطلب، فبعث خالد بن الوليد على وجه، وبعث ~~عمرو بن العاص في وجه، وبعث أبا عامر الأشعري إلى عسكر بأوطاس فقتل، وقتل ~~أبو موسى قاتله [ (1) ] . # قال أبو عبد الله: وقد سمعت في إسلام أبي سفيان بن الحارث وجها آخر، قال: ~~لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وعبد الله بن أبي أمية بنيق العقاب ~~[ (2) ] ، فطلبنا الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى يدخلهما ~~عليه، فكلمته أم سلمة زوجته فقالت: يا رسول الله، صهرك وابن عمتك وابن عمك ~~وأخوك من الرضاعة! وقد جاء الله بهما مسلمين، لا يكونان أشقى الناس بك. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لي بهما، أما أخي فالقائل لي ~~بمكة ما قال، لن يؤمن لي حتى أرقى في السماء! وذلك قول الله عز وجل: أو ~~يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه ... [ (3) ] إلى آخر الآية. فقالت: PageV02P810 ~~يا رسول الله، إنما هو من قومك ما هو، وقد تكلم وكل قريش قد تكلم ونزل ~~القرآن فيه بعينه، وقد عفوت عمن هو أعظم جرما منه، وابن عمك وقرابته بك، ~~وأنت أحق الناس عفوا عن جرمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الذي ~~هتك عرضي، فلا حاجة لي بهما! فلما خرج إليهما الخبر قال أبو سفيان بن ~~الحارث، ومعه ابنه: والله، ليقبلني أو لأخذت بيد ابني هذا فلأذهبن في الأرض ~~حتى أهلك عطشا وجوعا، وأنت أحلم الناس وأكرم الناس مع رحمي بك. فبلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مقالته فرق له. # وقال عبد الله بن أمية: إنما جئت لأصدقك، ولي من القرابة ما لي والصهر ~~بك. وجعلت أم سلمة تكلمه فيهما، فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما ms604 ~~فأذن لهما ودخلا، فأسلما وكانا جميعا حسنى الإسلام، قتل عبد الله ابن أبي ~~أمية بالطائف، ومات أبو سفيان بن الحارث بالمدينة في خلافة عمر لم يغمص [ ~~(1) ] . عليه في شيء، وكان أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه قبل أن ~~يلقاه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان بن الحارث يوم نيق ~~العقاب: أنت الذي تقول: «طردتني كل مطرد؟» [ (2) ] بل الله طردك كل مطرد. ~~قال أبو سفيان: يا رسول الله، هذا قول قلته بجهالة وأنت أولى الناس ~~بالعفو والحلم. وأما قوله: «وأدعي وإن لم أنتسب من محمد» [ (3) ] فإنه هرب ~~وقدم على قيصر ملك الروم، فقال: ممن أنت؟ فانتسب له أبو سفيان ابن الحارث ~~ابن عبد المطلب. قال قيصر: أنت ابن عم محمد إن كنت صادقا، محمد بن عبد الله ~~بن عبد المطلب؟ قال: قلت: نعم، أنا ابن PageV02P811 ~~عمه. فقلت: لا أراني عند ملك الروم وقد هربت من الإسلام، لا أعرف إلا ~~بمحمد! فدخلني الإسلام وعرفت أن ما كنت فيه باطل من الشرك، ولكنا كنا مع ~~قوم أهل عقول باسقة [ (1) ] ، وأرى فاضل الناس يعيش في عقولهم ورأيهم، ~~فسلكوا فجا فسلكناه. ولما جعل أهل الشرف والسن يقتحمون عن محمد، وينصرون ~~آلهتهم، ويغضبون لآبائهم، فاتبعناهم. ولقيه العباس بن عبد المطلب ومخرمة بن ~~نوفل بالسقيا، فدخل عليه العباس فلم يخرج حتى راح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكان ينزل معه في كل منزل حتى دخل مكة. ولما كانت الليلة التي نزل ~~فيها بالجحفة، رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه لما دنوا من مكة، خرجت عليهم كلبة تهر، فلما دنوا منها استلقت ~~على ظهرها، وإذا أطباؤها [ (2) ] تشخب لبنا. فذكرها أبو بكر، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ذهب كلبهم [ (3) ] وأقبل درهم! سائلوكم بأرحامكم، ~~وأنتم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان [ (4) ] فلا تقتلوه. # ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قديدا لقيته سليم، وذلك أنهم ~~نفروا من بلادهم فلقوه، وهم تسعمائة على الخيول ms605 جميعا، مع كل رجل رمحه ~~وسلاحه، وقدم معهم الرسولان اللذان كان أرسلهما رسول الله صلى الله ~~PageV02P812 ~~عليه وسلم إليهم، فذكرا أنهم أسرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيث نزلا عليهم، وحشدوا- ويقال إنهم ألف- فقالت سليم: يا رسول الله، إنك ~~تقصينا وتستغشنا ونحن أخوالك- أم هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرة بن هلال ~~بن فالح بن ذكوان من بني سليم- فقدمنا يا رسول الله حتى تنظر كيف بلاؤنا، ~~فإنا صبر عند الحرب صدق عند اللقاء، فرسان على متون الخيل. قال: ومعهم ~~لواءان وخمس رايات، والرايات سود. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيروا! ~~فجعلهم مقدمته، وكان خالد بن الوليد على مقدمة النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين لقيته بنو سليم بقديد، حتى نزلوا مر الظهران وبنو سليم معه. # قال: حدثني شعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، ~~قال: خرجت بنو سليم تسعمائة على الخيول، والقنا والدروع الظاهرة، قد طووا ~~ألويتهم وراياتهم، وليس معهم لواء ولا راية معقودة، فقالوا: يا رسول الله، ~~اعقد لنا وضع رايتنا حيث رأيت. فقال: يحمل رايتكم اليوم من كان يحملها في ~~الجاهلية! ما فعل فتى كان قدم مع وفدكم علي، حسن الوجه، جيد اللسان؟ قالوا: ~~توفي [ (1) ] حديثا. # قال: حدثني عكرمة بن فروخ، عن معاوية بن جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي، ~~قال: قال عباس: لقيته وهو يسير حتى هبط من المشلل في آلة الحرب، والحديد ~~ظاهر علينا، والخيل تنازعنا الأعنة، فصففنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وإلى جنبه أبو بكر وعمر، فنادى عيينة من خلفه فقال: أنا عيينة [ (2) ] ! ~~هذه بنو سليم، قد حضرت بما ترى من العدة PageV02P813 ~~والعدد والسلاح: وإنهم لأحلاس [ (1) ] الخيل، ورجال الحرب، ورعاة الحدق [ ~~(2) ] . فقال العباس بن مرداس: أقصر أيها الرجل! والله إنك لتعلم لنحن أفرس ~~على متون الخيل، وأطعن بالقنا، وأضرب بالمشرفية [ (3) ] منك ومن قومك. فقال ~~عيينة: كذبت ولؤمت [ (4) ] ! لنحن أولى بما ذكرت منك، قد عرفته لنا العرب ~~قاطبة. فأومأ إليهما النبي صلى الله عليه ms606 وسلم بيده حتى سكتا. # واجتمع المسلمون بمر الظهران، ولم يبلغ قريشا حرف واحد من مسير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إليهم، فقد اغتموا وهم يخافون يغزوهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران عشاء، ~~أمر أصحابه أن يوقدوا النيران، فأوقدوا عشرة آلاف نار، فأجمعت قريش بعثة ~~أبي سفيان بن حرب يتحسب الأخبار، وقالوا: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه جوارا ~~إلا أن ترى رقة من أصحابه فآذنه [ (5) ] بالحرب. ~~فخرج أبو سفيان وحكيم بن حزام، فلقيا بديل بن ورقاء فاستتبعاه فخرج ~~معهما، فلما بلغوا الأراك من مر الظهران رأوا الأبنية والعسكر والنيران، ~~وسمعوا صهيل الخيل ورغاء الإبل، فأفزعهم ذلك فزعا شديدا وقالوا: هؤلاء بنو ~~كعب حاشتها [ (6) ] الحرب! فقال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب! قالوا: ~~فتنجعت [ (7) ] هوازن على أرضنا! والله ما نعرف هذا! إن هذا العسكر مثل ~~حاج الناس! PageV02P814 # قالوا: وقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحرس عمر بن ~~الخطاب. وقد ركب العباس بن عبد المطلب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~الدلدل، عسى أن يصيب رسولا إلى قريش يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم داخل عليهم مع عشرة آلاف، فسمع صوت أبى سفيان فقال: أبا حنظلة! فقال ~~أبو سفيان: يا لبيك، أبو الفضل! قال العباس: ~~نعم! قال أبو سفيان: فما وراءك؟ قال العباس: هذا رسول الله في عشرة آلاف ~~من المسلمين، فأسلم، ثكلتك أمك وعشيرتك! ثم أقبل على حكيم بن حزام وبديل بن ~~ورقاء فقال: أسلما، فإني لكما جار حتى تنتهوا إلى رسول الله، فإني أخشى أن ~~تقتطعوا دون النبي صلى الله عليه وسلم! قالوا: فنحن معك. ~~قال: فخرج بهم العباس حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه ~~فقال: يا رسول الله، أبو سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، قد أجرتهم ~~وهم يدخلون عليك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدخلهم. فدخلوا عليه، ~~فمكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم رسول ms607 الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى ~~الإسلام، وقال: ~~تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله! فأما حكيم وبديل فشهدا، وأما ~~أبو سفيان فشهد أن لا إله إلا الله، فلما قال «وأني رسول الله» قال: والله ~~يا محمد، إن في النفس من هذا لشيئا يسيرا بعد، فأرجئها. ثم قال للعباس: قد ~~أجرناهم، اذهب بهم إلى منزلك. فلما أذن الصبح أذن العسكر كلهم، ففزع أبو ~~سفيان من أذانهم وقال: ما يصنعون؟ قال العباس: ~~فقلت: الصلاة. قال أبو سفيان: كم يصلون في اليوم والليلة؟ قال: ~~العباس: يصلون خمس صلوات. قال أبو سفيان: كثير والله! قال: ثم PageV02P815 ~~رآهم يبتدرون وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما رأيت يا أبا الفضل ~~ملكا هكذا قط، لا ملك كسرى، ولا ملك بني الأصفر! فقال العباس: ~~ويحك، آمن! قال: أدخلني عليه يا أبا الفضل! فأدخله العباس عليه وقال: ~~يا محمد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك، فلا والله ما لقيتك من مرة إلا ظفرت ~~علي، فلو كان إلهي محقا وإلهك مبطلا غلبتك! فتشهد أبو سفيان أن محمدا رسول ~~الله. ثم قال أبو سفيان: يا محمد، جئت بأوباش [ (1) ] الناس، من يعرف ومن ~~لا يعرف، إلى عشيرتك وأصلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت أظلم ~~وأفجر، غدرتم بعهد الحديبية وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم ~~الله وأمنه! فقال أبو سفيان: وحيكم [ (2) ] يا رسول الله! لو كنت جعلت حدتك ~~ومكيدتك بهوازن، فهم أبعد رحما وأشد لك عداوة! فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إني لأرجو من ربي أن يجمع ذلك لي كله بفتح مكة، وإعزاز الإسلام ~~بها، وهزيمة هوازن! وأن يغنمني الله أموالهم وذراريهم، فإني راغب إلى الله ~~تعالى في ذلك! # قال: وحدثني عبد الله بن جعفر، قال: سمعت يعقوب بن عتبة يخبر عن عكرمة، ~~عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر ~~الظهران، قال العباس بن عبد المطلب: واصباح قريش! والله لئن دخلها رسول ~~الله ms608 صلى الله عليه وسلم عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر. قال: فأخذت بغلة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء فركبتها، وقلت: ألتمس إنسانا أبعثه ~~إلى قريش، فيلقون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها عليهم عنوة. ~~قال: فو الله إنى لفى الأراك أبتغى PageV02P816 ~~إنسانا إذ سمعت كلاما يقول: والله إن رأيت كالليلة من [ (1) ] النيران. ~~قال: ~~يقول بديل بن ورقاء: هذه والله خزاعة حاشتها الحرب! قال أبو سفيان: ~~خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانهم وعسكرهم. قال: وإذا بأبي سفيان ~~فقلت: أبا حنظلة! فقال: يا لبيك، أبا الفضل- وعرف صوتي- مالك، فداك أبي ~~وأمي؟ فقلت: ويلك، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف. فقال: ~~بأبي وأمي! ما تأمرني، هل من حيلة؟ ~~قلت: نعم، تركب عجز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإنه والله إن ظفر بك دون رسول الله، لتقتلن. قال أبو سفيان: ~~وأنا والله أرى ذلك. قال: ورجع بديل وحكيم، ثم ركب خلفي، ثم وجهت به، ~~كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوني قالوا: ~~عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، فلما رآني قام فقال: من هذا؟ فقلت: العباس. ~~قال: فذهب ينظر، فرأى أبا سفيان خلفي فقال: أبو سفيان، عدو الله! الحمد ~~لله الذي أمكن منك بلا عهد ولا عقد! ثم خرج نحو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يشتد، وركضت البغلة حتى اجتمعنا جميعا على باب قبة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال: فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ودخل عمر على إثري، فقال عمر: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله، قد ~~أمكن الله منه بلا عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه. قال: قلت. يا رسول، الله ~~إني قد أجرته! قال: ثم التزمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: والله لا ~~يناجيه الليلة أحد غيري- أو دوني. فلما أكثر عمر فيه ms609 قلت: مهلا يا عمر! ~~فإنه لو كان رجل من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنه أحد بني عبد مناف. ~~فقال عمر: مهلا، يا أبا الفضل! فو الله لإسلامك كان PageV02P817 ~~أحب إلي من إسلام رجل من آل الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اذهب به، فقد أجرته لك فليبت عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحت. ~~فلما أصبحت غدوت به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك، يا ~~أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ~~قال: بأبي أنت، ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! قد كان يقع في نفسي أنه لو ~~كان مع الله إله لقد أغنى عني شيئا بعد. قال: يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن ~~تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! أما ~~هذه، فو الله إن في النفس منها لشيئا بعد. ~~فقال العباس: فقلت: ويحك، اشهد أن لا إله إلا الله! واشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله قبل- والله- أن تقتل! فقال: فشهد شهادة الحق، فقال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقال العباس: ~~يا رسول الله، إنك عرفت أبا سفيان وحبه الشرف والفخر، اجعل له شيئا! قال: ~~نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق داره فهو آمن. ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بعد ما خرج: احبسه بمضيق ~~الوادي إلى خطم [ (1) ] الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها. ~~قال العباس: ~~فعدلت به في مضيق الوادي إلى خطم الجبل، فلما حبست أبا سفيان قال: ~~غدرا بني هاشم؟ فقال العباس: إن أهل النبوة لا يغدرون، ولكن لي إليك ~~حاجة. فقال أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولا! فقلت: إن لي إليك حاجة فكان ~~أفرخ لروعي. قال العباس: لم أكن أراك تذهب هذا المذهب. ~~وعبا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، ومرت القبائل على قادتها ~~والكتائب على راياتها، فكان أول من قدم ms610 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P818 ~~خالد بن الوليد في بني سليم، وهم ألف، فيهم لواء يحمله عباس بن مرداس ~~السلمي، ولواء يحمله خفاف [ (1) ] بن ندبة، وراية يحملها [الحجاج بن علاط] ~~[ (2) ] . # قال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال العباس: خالد بن الوليد. قال: ~~الغلام؟ قال: نعم. فلما حاذى خالد العباس، وإلى جنبه أبو سفيان، كبر ~~ثلاثا، ثم مضوا. ثم مر على إثره الزبير بن العوام في خمسمائة- منهم مهاجرون ~~وأفناء [ (3) ] العرب- ومعه راية سوداء، فلما حاذى أبا سفيان كبر ثلاثا ~~وكبر أصحابه، فقال: من هذا؟ قال: الزبير بن العوام. قال: ~~ابن أختك؟ قال: نعم. ومر بنو غفار في ثلاثمائة، يحمل رايتهم أبو ذر ~~الغفاري- ويقال إيماء بن رحضة- فلما حاذوه كبروا ثلاثا. قال: ~~يا أبا الفضل، من هؤلاء؟ قال: بنو غفار. قال: ما لي ولبني غفار! ثم مضت ~~أسلم في أربعمائة، فيها لواءان يحمل أحدهما بريدة بن الحصيب، والآخر ناجية ~~بن الأعجم، فلما حاذوه كبروا ثلاثا. قال: من هؤلاء؟ قال: ~~أسلم. قال: يا أبا الفضل، ما لي ولأسلم! ما كان بيننا وبينها مرة قط. ~~قال العباس: هم قوم مسلمون دخلوا في الإسلام. ثم مرت بنو عمرو بن كعب في ~~خمسمائة، يحمل رايتهم بسر [ (4) ] بن سفيان. قال: من هؤلاء؟ ~~قال: بنو كعب بن عمرو. قال: نعم، هؤلاء حلفاء محمد! فلما حاذوه ~~PageV02P819 ~~كبروا ثلاثا. ثم مرت مزينة في ألف، فيها ثلاثة ألوية وفيها مائة فرس، ~~يحمل ألويتها النعمان بن مقرن، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو، فلما ~~حاذوه كبروا، فقال: من هؤلاء؟ قال: مزينة. قال: يا أبا الفضل ما لي ~~ولمزينة! قد جاءتني تقعقع من شواهقها [ (1) ] . ثم مرت جهينة في ثمانمائة ~~مع قادتها، فيها أربعة ألوية، لواء مع أبي روعة معبد بن خالد، ولواء مع ~~سويد بن صخر، ولواء مع رافع بن مكيث، ولواء مع عبد الله بن بدر [ (2) ] . ~~قال: # فلما حاذره كبروا ثلاثا. ثم مرت كنانة، بنو ليث، وضمرة، وسعد بن بكر في ~~مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد الليثي، فلما حاذوه كبروا ثلاثا، فقال: ~~من ms611 هؤلاء؟ قال: بنو بكر. قال: نعم، أهل شؤم والله! الذين غزانا محمد ~~بسببهم، أما والله ما شوورت فيه ولا علمته، ولقد كنت له كارها حيث بلغني، ~~ولكنه أمر حم! قال العباس: قد خار الله لك في غزو محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ودخلتم في الإسلام كافة. # قال: وحدثني عبد الله بن عامر، عن أبي عمرة بن حماس قال: مرت بنو ليث ~~وحدها، وهم مائتان وخمسون، يحمل لواءها الصعب بن جثامة، فلما مر كبروا ~~ثلاثا فقال: من هؤلاء؟ قال: بنو ليث. ثم مرت أشجع- وهم آخر من مر وهم ~~ثلاثمائة، معهم لواءان، لواء يحمله معقل بن سنان، ولواء مع نعيم بن مسعود. ~~فقال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد. فقال العباس: أدخل الله ~~الإسلام في قلوبهم، فهذا من فضل الله عز وجل! فسكت ثم قال: ما مضى بعد ~~محمد! قال العباس: لم يمض PageV02P820 ~~بعد، لو رأيت الكتيبة التي فيها محمد صلى الله عليه وسلم رأيت الحديد ~~والخيل والرجال، وما ليس لأحد به طاقة، قال: أظن والله يا أبا الفضل، ومن ~~له بهؤلاء طاقة؟ فلما طلعت كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضراء طلع ~~سواد وغبرة من سنابك الخيل، وجعل الناس يمرون، كل ذلك يقول: ~~ما مر محمد! فيقول العباس: لا حتى مر يسير على ناقته القصواء بين أبي بكر ~~وأسيد بن حضير وهو يحدثهما، فقال العباس: هذا رسول الله في كتيبته الخضراء ~~فيها المهاجرون والأنصار، فيها الرايات والألوية، مع كل بطن من الأنصار ~~راية ولواء، في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، ولعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه فيها زجل- وعليه الحديد- بصوت عال وهو يزعجها، فقال أبو سفيان: يا أبا ~~الفضل، من هذا المتكلم؟ قال: عمر ابن الخطاب. قال: لقد أمر أمر بني عدي ~~بعد- والله- قلة وذلة! فقال العباس: يا أبا سفيان، إن الله يرفع من يشاء [ ~~(1) ] بما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الإسلام. ويقال: كان في الكتيبة ألف ~~دارع. ~~وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته سعد بن عبادة ms612 وهو أمام ~~الكتيبة، فلما مر سعد براية النبي صلى الله عليه وسلم نادى: يا أبا سفيان! ~~اليوم يوم الملحمة! اليوم تستحل الحرمة! اليوم أذل الله قريشا! فأقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا حاذى أبا سفيان ناداه: يا رسول الله، أمرت ~~بقتل قومك؟ زعم سعد ومن معه حين مر بنا قال «يا أبا سفيان، اليوم يوم ~~الملحمة! اليوم تستحل الحرمة! اليوم أذل الله قريشا!» وإني أنشدك الله في ~~قومك، فأنت أبر الناس، وأرحم الناس، وأوصل الناس. قال عبد الرحمن بن ~~PageV02P821 ~~عوف وعثمان بن عفان: يا رسول الله، ما نأمن سعدا أن يكون منه في قريش ~~صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليوم يوم المرحمة! اليوم أعز ~~الله فيه قريشا! ~~قال: وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى سعد فعزله، وجعل اللواء إلى ~~قيس بن سعد، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج من سعد ~~حين صار لابنه. فأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بأمارة من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمامته، فعرفها سعد فدفع اللواء ~~إلى ابنه قيس. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل، عن أهله، قالوا: ~~دخل والله سعد بلوائه حتى غرزه بالحجون. وقال ضرار بن الخطاب الفهري: ويقال ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه فأخذ اللواء، فذهب ~~علي عليه السلام بها حتى دخل بها مكة فغرزها عند الركن. وقال أبو سفيان: ما ~~رأيت مثل هذه الكتيبة قط، ولا خبرنيه مخبر! سبحان الله، ما لأحد بهذه طاقة ~~ولا يدان! ثم قال: لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! قال، قلت: ويحك يا ~~أبا سفيان، ليس بملك ولكنها نبوة. قال: نعم! # قال: فحدثني عبد الله بن يزيد، ~~عن عبد الله بن ساعدة، قال: قال له العباس: فانج ويحك فأدرك قومك قبل أن ~~يدخل عليهم. قال: فخرج أبو سفيان فتقدم الناس كلهم حتى دخل ms613 من كداء [ (1) ] ~~وهو يقول: من أغلق بابه فهو آمن! حتى انتهى إلى هند بنت عتبة، فأخذت برأسه ~~فقالت: ما وراءك؟ قال: هذا محمد في عشرة آلاف عليهم الحديد، وقد ~~PageV02P822 ~~جعل لي: من دخل داري فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو ~~آمن. قالت: قبحك الله رسول قوم. قال: وجعل يصرخ بمكة: ~~يا معشر قريش، ويحكم! إنه قد جاء ما لا قبل لكم به! هذا محمد في عشرة ~~آلاف عليهم الحديد، فأسلموا! قالوا: قبحك الله وافد قوم! وجعلت هند تقول: ~~اقتلوا وافدكم هذا، قبحك الله وافد قوم. قال: يقول أبو سفيان: ويلكم، لا ~~تغرنكم هذه من أنفسكم! رأيت ما لم تروا! رأيت الرجال والكراع والسلاح، فلا ~~لأحد بهذا طاقة! # قالوا: وانتهى المسلمون إلى ذي طوى، فوقفوا ينظرون إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاحق الناس. وقد كان صفوان بن أمية، ~~وعكرمة ابن أبي جهل، وسهيل بن عمرو قد دعوا إلى قتال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وضوى إليهم ناس من قريش وناس من بني بكر وهذيل، وتلبسوا السلاح، ~~ويقسمون بالله لا يدخلها محمد عنوة أبدا. فكان رجل من بني الديل يقال له: ~~حماس بن قيس بن خالد الديلي، لما سمع برسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ~~يصلح سلاحه، فقالت له امرأته: لمن تعد هذا؟ ~~قال: لمحمد وأصحابه، فإني أرجو أن أخدمك منهم خادما فإنك إليه محتاجة. ~~قالت: ويحك، لا تفعل ولا تقاتل محمدا! والله ليضلن هذا عنك لو رأيت محمدا ~~وأصحابه. قال: سترين. قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته ~~الخضراء، وهو على ناقته القصواء، معتجرا بشقة برد [ (1) ] حبرة. # قال: فحدثني محمد بن عبد الله، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، ~~PageV02P823 ~~عن أبي هريرة، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وعليه عمامة ~~سوداء، ورايته سوداء، ولواؤه أسود، حتى وقف بذي طوى وتوسط الناس وإن عثنونه ~~[ (1) ] ليمس واسطة الرحل أو يقرب منه، تواضعا لله تعالى حين رأى ms614 ما رأى من ~~فتح الله وكثرة المسلمين. ثم قال: العيش عيش الآخرة! قال: ~~وجعلت الخيل تمعج [ (2) ] بذي طوى في كل وجه، ثم ثابت وسكنت حيث توسطهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: حدثني يعقوب بن يحيى بن عباد، عن عيسى بن معمر، عن عباد بن عبد ~~الله، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: وصعد أبو قحافة يومئذ بصغرى بناته، ~~قريبة بنت أبي قحافة، تقوده حتى ظهرت به إلى أبي قبيس- وقد ذهب بصره- فلما ~~أشرفت به على أبي قبيس قال: يا بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى رجلا يسعى بين ~~ذلك السواد مقبلا ومدبرا. قال: ~~ذلك الوازع [ (3) ] يا بنية، انظري ما ترين! قالت: تفرق السواد. قال: ~~قد تفرقت الجيوش! البيت! البيت! قالت: فنزلت به. قال: فجعلت الجارية ترعب ~~لما ترى، فيقول: يا بنية، لا تخافي! فو الله إن أخاك عتيقا [ (4) ] لآثر ~~أصحاب محمد عند محمد. قال: وعليها طوق من فضة، فاختلسه بعض من دخل. # قالوا: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أبو بكر رضي الله ~~عنه: أنشد بالله طوق أختي! ثلاث مرات. ثم قال: يا أخية احتسبي طوقك، فإن ~~الأمانة في الناس قليل. PageV02P824 # قالوا: ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الأنصار إلى ~~جنبه، فقال: كيف قال حسان بن ثابت؟ ~~فقال [ (1) ] : # عدمنا خيلنا إن لم تروها %~% تثير النقع من كتفي كداء # ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام أن يدخل من كدى [ ~~(2) ] ، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من الليط [ (3) ] ، وأمر سعد بن عبادة ~~أن يدخل من كداء، والراية مع ابنه قيس، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فدخل من أذاخر. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال، وأمر بقتل ~~ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل، وهبار بن الأسود، وعبد الله ابن سعد ~~بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نقيذ [ (4) ] ، وعبد الله ~~بن هلال بن خطل الأدرمي، وهند بنت عتبة بن ربيعة، وسارة ms615 مولاة عمرو بن ~~هاشم، وقينتين لأبي خطل: قرينا وقريبة، ويقال: فرتنا وأرنبة. فكل الجنود ~~دخل فلم يلق جمعا، فلما دخل خالد بن الوليد وجد جمعا من قريش وأحابيشها [ ~~(5) ] قد جمعوا له، فيهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ~~فمنعوه الدخول، وشهروا السلاح، ورموا بالنبل، وقالوا: لا تدخلها عنوة أبدا! ~~فصاح خالد بن الوليد في أصحابه وقاتلهم، فقتل منهم أربعة وعشرين رجلا من ~~قريش، وأربعة من PageV02P825 ~~هذيل، وانهزموا أقبح الانهزام حتى قتلوا بالحزورة [ (1) ] وهم مولون في ~~كل وجه. ~~وانطلقت طائفة منهم فوق رءوس الجبال، واتبعهم المسلمون، فجعل أبو سفيان ~~بن حرب وحكيم بن حزام يصيحان: يا معشر قريش، علام تقتلون أنفسكم؟ من دخل ~~داره فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن. فجعل الناس يقتحمون الدور، ويغلقون ~~عليهم، ويطرحون السلاح في الطرق حتى يأخذها المسلمون. ~~ولما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثنية أذاخر نظر إلى البارقة [ ~~(2) ] فقال: ما هذه البارقة، ألم أنه عن القتال؟ قيل: ~~يا رسول الله، خالد بن الوليد قوتل، ولو لم يقاتل ما قاتل! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قضى الله خيرا! ~~قال: وجعل يتمثل بهذه الأبيات، وهو يقاتل خارجة بن خويلد الكعبي، ~~أنشدنيها [] [ (3) ] عن أبيه: # إذا ما رسول الله فينا رأيتنا %~% كلجة بحر نال فيها سريرها # إذا ما ارتدينا الفارسية فوقها %~% ردينية [ (4) ] يهدي الأصم خريرها [ ~~(5) ] # [] [ (6) ] وإن محمدا لها ناصر %~% عزت وعز نصيرها # وأقبل ابن خطل جائيا من مكة، مدججا في الحديد، على فرس ذنوب [ (7) ] ، ~~بيده قناة. وبنات سعيد بن العاص قد ذكر لهن أن رسول الله PageV02P826 ~~صلى الله عليه وسلم قد دخل، فخرجن قد نشرن رءوسهن، يضربن بخمرهن وجوه ~~الخيل، فضربهن ابن خطل جائيا من أعلى مكة فقال لهن: أما والله لا يدخلها ~~حتى ترين ضربا كأفواه المزاد [ (1) ] ! ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة، فرأى ~~خيل المسلمين ورأى القتال، ودخله الرعب حتى ما يستمسك من الرعدة، حتى انتهى ~~إلى الكعبة فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه، فأتى البيت فدخل بين ms616 أستاره. # قال: وحدثني حزام بن هشام، عن أبيه، قال: أخذ رجل من بني كعب درعه، وصففه ~~[ (2) ] ، ومغفره، وبيضته، وسيفه، وأدرك فرسه غائرا فأدركه فاستوى عليه، ~~ولحق النبي صلى الله عليه وسلم بالحجون. قالوا: ~~وأقبل حماس بن خالد منهزما حتى أتى بيته، فدقه ففتحت له امرأته فدخل، وقد ~~ذهبت روحه، فقالت: أين الخادم الذي وعدتني؟ ما زلت منتظرتك منذ اليوم تسخر ~~به! قال: دعي عنك، أغلقي بابي! فإنه من أغلق بابه فهو آمن! قالت: ويحك! ألم ~~أنهك عن قتال محمد؟ وقلت لك: ~~«ما رأيته يقاتلكم من مرة إلا ظهر عليكم» ، وما بابنا؟ قال: إنه لا يفتح ~~على أحد بابه. ثم قال- أنشدنيها ابن أبي الزناد: # وأنت لو شهدتنا بالخندمه %~% إذ فر صفوان وفر عكرمه # وأبو يزيد [ (3) ] كالعجوز المؤتمه [ (4) ] %~% لم تنطقي فى اللوم أدنى ~~كلمه PageV02P827 # وضربتنا [ (1) ] بالسيوف المسلمه %~% لهم زئير [ (2) ] خلفنا وغمغمه [ ~~(3) ] # قال: وأقبل الزبير بن العوام بمن معه من المسلمين حتى انتهى بهم إلى ~~الحجون، فغرز الراية عند منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يقتل من ~~المسلمين أحد إلا رجلان من أصحابه، أخطئا طريقه فسلكا غيرها فقتلا، كرز بن ~~جابر الفهرى، فقام عليه خالد الأشعر وهو جد حزام بن خالد حتى قتل، وكان ~~الذي قتل خالدا ابن أبي الجذع الجمحي. # قال: فحدثني قدامة بن موسى، عن بشير مولى المازنيين، عن جابر بن عبد ~~الله، قال: كنت ممن لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت معه يوم الفتح ~~من أذاخر، فلما أشرف على أذاخر نظر إلى بيوت مكة، ووقف عليها فحمد الله ~~وأثنى عليه، ونظر إلى موضع قبته فقال: هذا منزلنا يا جابر، حيث تقاسمت ~~علينا قريش في كفرها. قال جابر: فذكرت حديثا كنت أسمعه منه صلى الله عليه ~~وسلم قبل ذلك بالمدينة: «منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح الله علينا مكة في ~~الخيف [ (4) ] حين تقاسموا علي الكفر» . وكنا بالأبطح وجاه شعب أبي طالب ~~حيث حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو هاشم ثلاث سنين. # قال: حدثني عبد ms617 الله بن زيد، عن أبي جعفر، قال: كان أبو رافع PageV02P828 ~~قد ضرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبة بالحجون من أدم، فأقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى القبة، ومعه أم سلمة وميمونة. # قال: حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي رافع، قال: ~~قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: ~~فهل ترك لنا عقيل [ (1) ] منزلا؟ وكان عقيل قد باع منزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة. فقيل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: فانزل في بعض بيوت مكة في غير منازلك! فأبى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل ~~بيتا، وكان يأتي إلى المسجد من الحجون. # قال: وحدثنا ابن خديج، عن عطاء، قال: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة لم يدخل بيوت مكة، فاضطرب بالأبطح في عمرة القضية، وعام ~~الفتح، وفي حجته. # قال: وحدثني ابن أبي سبرة، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده [ ~~(2) ] قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا بالحجون في الفتح، ~~ويأتي لكل صلاة. # قالوا: وكانت أم هانئ بنت أبي طالب تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فلما ~~كان يوم الفتح دخل عليها حموان لها- عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، ~~والحارث بن هشام- فاستجارا بها وقالا: نحن في جوارك! فقالت: ~~نعم، أنتما في جواري. قالت أم هانئ: فهما عندي إذ دخل علي فارسا، مدججا ~~في الحديد، ولا أعرفه، فقلت له: أنا بنت عم رسول الله صلى الله PageV02P829 ~~عليه وسلم. قالت: فكف عني وأسفر عن وجهه، فإذا علي عليه السلام، فقلت: ~~أخي! فاعتنقته وسلمت عليه، ونظر إليهما فشهر السيف عليهما. ~~قلت: أخي من بين الناس يصنع بي هذا! قالت: وألقيت عليهما ثوبا، وقال: ~~تجيرين المشركين؟ وحلت دونهما فقلت: والله لتبدأن بي قبلهما! قالت: فخرج ~~ولم يكد، فأغلقت عليهما بيتا، وقلت: لا ms618 تخافا! # قال: فحدثني ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أم هانئ، ~~قالت: فذهبت إلى خباء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء فلم أجده، ~~ووجدت فيه فاطمة فقلت: ماذا لقيت من ابن أمي علي؟ أجرت حموين لي من ~~المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما! قالت: ~~فكانت أشد علي من زوجها وقالت: تجيرين المشركين؟ قالت: إلى أن طلع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعليه رهجة [ (1) ] الغبار، فقال: مرحبا بفاختة [ ~~(2) ] أم هانئ! وعليه ثوب واحد، فقلت: ماذا لقيت من ابن أمي علي؟ ما كدت ~~أنفلت منه أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما كان ذاك، قد أمنا من أمنت، وأجرنا من أجرت. ثم ~~أمر فاطمة فسكبت له غسلا فاغتسل، ثم صلى ثمان ركعات في ثوب واحد ملتحفا به، ~~وذلك ضحى في فتح مكة. # قالوا: قالت: فرجعت إليهما فأخبرتهما وقلت لهما: إن شئتما فأقيما وإن ~~شئتما فارجعا إلى منازلكما. قالت: فأقاما عندي يومين في منزلي، ثم انصرفا ~~إلى منازلهما. قالت: فكنت أكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في خبائه ~~بالأبطح حتى خرج إلى حنين. قالت: فأتى آت إلى رسول الله صلى PageV02P830 ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الحارث بن هشام وابن أبي ربيعة ~~جالسان في ناديهما متفضلان [ (1) ] في الملاء المزعفر [ (2) ] . فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا سبيل إليهما، قد أمناهما! قال: ومكث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في منزله ساعة من النهار واطمأن واغتسل، ثم دعا براحلته ~~القصواء فأدنيت إلى باب قبته، ودعا للبس السلاح، والمغفر على رأسه، وقد صف ~~له الناس، فركب براحلته والخيل تمعج بين الخندمة إلى الحجون، ~~ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله عنه إلى جنبه يسير ~~يحادثه، فمر ببنات أبي أحيحة بالبطحاء حذاء منزل أبي أحيحة وقد نشرن ~~رءوسهن، يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أبي بكر فتبسم، وذكر بيت ms619 حسان بن ثابت فأنشده أبو بكر رضي الله عنه [ (3) ] ~~. # تظل جيادنا متمطرات [ (4) ] %~% يلطمهن بالخمر النساء # ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة فرآها، ومعه ~~المسلمون، تقدم على راحلته فاستلم الركن بمحجنه، وكبر فكبر المسلمون ~~لتكبيره، فرجعوا التكبير حتى ارتجت مكة تكبيرا حتى جعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يشير إليهم: اسكتوا! والمشركون فوق الجبال ينظرون. ~~ثم طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت على راحلته، آخذ بزمامها ~~PageV02P831 ~~محمد بن مسلمة، وحول الكعبة ثلاثمائة صنم، وستون صنما مرصصة بالرصاص وكان ~~هبل أعظمها، وهو وجاه الكعبة على بابها، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون ~~الذبائح، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما مر بصنم منها يشير بقضيب ~~في يده [ويقول] : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [ (1) ] . فيقع ~~الصنم لوجهه. # قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس ~~رضي الله عنه، قال: ما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشير بالقضيب ~~إلى الصنم فيقع لوجهه، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا على راحلته ~~يستلم الركن الأسود بمحجنه في كل طواف، فلما فرغ من سبعه نزل عن راحلته، ~~وجاء معمر بن عبد الله بن نضلة فأخرج راحلته، ثم انتهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المقام، وهو يومئذ لاصق بالكعبة، والدرع عليه والمغفر، ~~وعمامته بين كتفيه، فصلى ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: لولا ~~أن يغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها دلوا. فنزع له العباس بن عبد المطلب ~~دلوا فشرب منه. ويقال: ~~الذي نزع الدلو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وأمر بهبل فكسر وهو ~~واقف عليه. فقال الزبير بن العوام لأبي سفيان بن حرب: يا أبا سفيان، قد كسر ~~هبل! أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور، حين تزعم أنه قد أنعم! فقال أبو ~~سفيان: دع هذا عنك يا ابن العوام، فقد أرى لو كان مع إله محمد غيره ms620 لكان ~~غير ما كان! # قالوا: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ناحية من ~~PageV02P832 ~~المسجد والناس حوله، ثم أرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة يأتيه بمفتاح ~~الكعبة، فجاء بلال إلى عثمان فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ~~أن تأتي بمفتاح الكعبة. قال عثمان: نعم. فخرج عثمان إلى أمه وهي بنت شيبة، ~~ورجع بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال نعم، ثم جلس بلال ~~مع الناس. فقال عثمان لأمه، والمفتاح يومئذ عندها: ~~يا أمه، أعطني المفتاح فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل إلي ~~وأمرني أن آتي به إليه. فقالت أمه: أعيذك بالله أن تكون الذي تذهب مأثرة [ ~~(1) ] قومه على يديه. قال: فو الله لتدفعنه إلي أو ليأتينك غيري فيأخذه ~~منك. فأدخلته في حجزتها [ (2) ] وقالت: أي رجل يدخل يده هاهنا؟ فبيناهم على ~~ذلك وهو يكلمها إذ سمعت صوت أبى بكر وعمر في الدار، وعمر رافع صوته حين رأى ~~إبطاء عثمان: يا عثمان، اخرج إلي! فقالت أمه: يا بني، خذ المفتاح فأن تأخذه ~~أنت أحب [إلي] من [أن] يأخذه تيم وعدي. ~~قال: فأخذه عثمان فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فناوله إياه، فلما ~~ناوله بسط العباس بن عبد المطلب يده فقال: يا نبي الله، بأبي أنت اجمع لنا ~~الحجابة والسقاية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيكم ما ترزءون ~~فيه، ولا أعطيكم ما ترزءون [ (3) ] منه. ~~وقد سمعت أيضا في قبض المفتاح بوجه آخر. # قال: حدثني إسمعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، PageV02P833 ~~قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على بعير لأسامة بن ~~زيد. ~~وأسامة رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه بلال وعثمان بن طلحة، ~~فلما بلغ رأس الثنية أرسل عثمان فجاءه بالمفتاح فاستقبله به. قالوا: ~~وكان عثمان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد ~~وعمرو ابن العاص مسلما قبل الفتح، فخرج معنا من المدينة. قال أبو ms621 عبد الله: ~~وهذا أثبت الوجوه. # وقالوا: إن عمر بن الخطاب بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم من البطحاء ~~ومعه عثمان بن طلحة [ (1) ] ، وأمره أن يتقدم فيفتح البيت، فلا يدع فيه ~~صورة إلا محاها، ولا تمثالا، إلا صورة إبراهيم. فلما دخل الكعبة رأى صورة ~~إبراهيم شيخا كبيرا يستقسم بالأزلام. ويقال: أمره ألا يدع صورة إلا محاها، ~~فترك عمر صورة إبراهيم، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى صورة ~~إبراهيم عليه السلام، فقال: يا عمر، ألم آمرك ألا تدع فيها صورة إلا ~~محوتها؟ فقال عمر: كانت صورة إبراهيم. قال: فامحها. # فكان الزهري يقول: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم فرأى فيها صورة ~~الملائكة وغيرها، ورأى صورة إبراهيم عليه السلام، قال: قاتلهم الله، جعلوه ~~شيخا يستقسم بالأزلام! ثم رأى صورة مريم، فوضع يده عليها ثم قال: امسحوا ما ~~فيها من الصور إلا صورة إبراهيم. # قال: وحدثني ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن ~~عباس، عن أسامة بن زيد، قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ~~فرأى فيها صورا، فأمرني أن آتيه في الدلو بماء، فيبل الثوب ويضرب به الصور، ~~ويقول: قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون! PageV02P834 # قالوا: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة فغلقت عليه، ومعه ~~أسامة بن زيد، وبلال بن رباح، وعثمان بن طلحة، فمكث فيها ما شاء الله، وكان ~~البيت يومئذ على ستة أعمدة. قال ابن عمر: فسألت بلالا كيف صنع النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين دخل البيت؟ قال: جعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره ~~وثلاثة وراءه، ثم صلى ركعتين، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمفتاح في يده، ووقف على الباب خالد بن الوليد يذب الناس على الباب حتى ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: فحدثني علي بن محمد بن عبيد الله، عن منصور الحجبي، عن أمه صفية بنت ~~شيبة، عن برة بنت أبي تجراة [ (1) ] ، قالت: أنا أنظر إلى ms622 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين خرج من البيت، فوقف على الباب وأخذ بعضادتي [ (2) ] ~~الباب، فأشرف على الناس وبيده المفتاح، ثم جعله في كمه. # قالوا: فلما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، وقد ليط بهم ~~حول الكعبة فهم جلوس، قال: الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم ~~الأحزاب وحده! ماذا تقولون وماذا تظنون؟ قالوا: نقول خيرا ونظن خيرا، أخ ~~كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني ~~أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين [ (3) ] . ألا إن كل ربا في الجاهلية، أو دم، PageV02P835 ~~أو مال، أو مأثرة، فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا ~~وفي قتيل العصا والسوط الخطأ شبه العمد، الدية مغلظة مائة ناقة، منها ~~أربعون في بطونها أولادها. إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها، ~~كلكم من آدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم. ألا إن الله حرم مكة ~~يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل ~~لأحد كائن بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من النهار- يقصرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيده هكذا- لا ينفر صيدها ولا يعضد [ (1) ] عضاهها، ولا تحل ~~لقطتها إلا لمنشد، ولا يختلى خلاها [ (2) ] . ~~فقال العباس، وكان شيخا مجربا: إلا الإذخر [ (3) ] يا رسول الله، فإنه لا ~~بد منه، إنه للقبر وطهور البيوت. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ساعة، ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال. ولا وصية لوارث، وإن الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر [ (4) ] ، ولا يحل لامرأة تعطي من مالها إلا بإذن زوجها، ~~والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة، والمسلمون يد واحدة على من سواهم، ~~تتكافأ دماؤهم، يرد عليهم أقصاهم، ويعقد عليهم أدناهم، ومشدهم على مضعفهم [ ~~(5) ] وميسرتهم على قاعدهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده. ~~ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين، ولا جلب ولا جنب [ (6) ] ، ولا تؤخذ ~~صدقات PageV02P836 ~~المسلمين إلا في بيوتهم وبأفنيتهم، ms623 ولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها، ~~والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاث إلا ~~مع ذي محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين، يوم ~~الأضحى ويوم الفطر، وعن لبستين! لا يحتب [ (1) ] أحدكم في ثوب واحد يفضي ~~بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء [ (2) ] ، ولا إخالكم إلا وقد ~~عرفتموها. # قال: ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المفتاح، فتنحى ناحية ~~المسجد فجلس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض السقاية من العباس ~~وقبض المفتاح من عثمان، فلما جلس قال: ادعوا إلي عثمان! فدعى له عثمان بن ~~طلحة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعثمان يوما، وهو يدعوه إلى ~~الإسلام، ومع عثمان المفتاح، فقال: ~~لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت! فقال عثمان: لقد هلكت إذا قريش ~~وذلت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل عمرت PageV02P837 ~~وعزت يومئذ. فلما دعاني بعد أخذه المفتاح ذكرت قولة ما كان قال، فأقبلت ~~فاستقبلته ببشر واستقبلني ببشر، ثم قال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة ~~خالدة، لا ينزعها إلا ظالم، يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا ~~بالمعروف. قال عثمان: فلما وليت ناداني فرجعت إليه، فقال: ألم يكن الذي قلت ~~لك؟ قال: فذكرت قوله لي بمكة فقلت: بلى، أشهد أنك رسول الله! فأعطاه ~~المفتاح، والنبي صلى الله عليه وسلم مضطجع بثوبه، وقال: أعينوه! وقال: قم ~~على الباب وكل بالمعروف. ~~ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم السقاية إلى العباس، فكان العباس ~~يليها دون بني عبد المطلب في الجاهلية وولده بعدهم. فكان محمد بن الحنفية ~~كلم فيها ابن عباس، فقال ابن عباس: ما لك ولها؟ نحن أولى بها في الجاهلية، ~~وقد كان أبوك كلم فيها فأقمت البينة، طلحة بن عبيد الله، وعامر بن ربيعة، ~~وأزهر بن عبد عوف، ومخرمة بن نوفل، أن العباس كان يليها في الجاهلية وأبوك ~~في ناديته [ (1) ] بعرنة [ (2) ] في إبله، وكان رسول الله صلى الله عليه ms624 ~~وسلم أعطاها العباس يوم الفتح، فعرف ذلك من حضر، فكانت بيد عبد الله بن ~~عباس بعد أبيه، لا ينازعهم فيها منازع، ولا يتكلم فيها متكلم. وكان للعباس ~~مال بالطائف، كرم كان يحمل زبيبه إليها فينبذ في الجاهلية والإسلام، ثم كان ~~عبد الله بن عباس يفعل مثل ذلك، ثم كان علي بن عبد الله بن عباس يفعل مثل ~~ذلك إلى اليوم. # قال: وجاء خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~PageV02P838 ~~لم قاتلت وقد نهيت عن القتال؟ فقال: هم يا رسول الله بدءونا بالقتال، ~~ورشقونا بالنبل، ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت ما استطعت، ودعوتهم إلى ~~الإسلام، وأن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فأبوا، حتى إذا لم أجد بدا ~~قاتلتهم، فظفرنا الله عليهم وهربوا في كل وجه يا رسول الله. ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قضى الله خيرا! ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا معشر المسلمين، كفوا السلاح، إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة ~~العصر. فخبطوهم [ (1) ] ساعة، وهي الساعة التي أحلت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم تحل لأحد قبله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ~~يقتل من خزاعة أحد. ~~قال أبو اليسر: فدخلنا مع خالد بن الوليد من الليط، فكانوا هم الذين ~~بدءونا بالقتال وأبوا أن يدعونا ندخل [ (2) ] ، وكلمهم خالد بن الوليد ~~وأعذر إليهم، فأبوا. قال خالد: احملوا عليهم! فحملنا فما قاموا لنا فواق [ ~~(3) ] ناقة حتى هربوا، ونهانا عن الطلب. قال أبو اليسر: فجعلت أحذم [ (4) ] ~~بسيفي، وهويت إلى رجل فضربته فاعتزل إلى خزاعة، فسقط في يدي فجعلت أسأل ~~عنه، فقيل لي: إنه من الحيا- أخو خزاعة. فحمدت الله ألا أقتل أحدا من ~~خزاعة. # قالوا: وأقام أبو أحمد عبد الله بن جحش على باب المسجد على PageV02P839 ~~جمل له حين فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته، وهو يصيح: أنشد بالله ~~يا بني عبد مناف حلفي، وأنشد بالله يا بني عبد مناف داري [ (1) ] ! قال: ~~فدعا رسول الله صلى الله ms625 عليه وسلم عثمان ابن عفان، فسار عثمان بشيء، فذهب ~~عثمان إلى أبي أحمد فساره، فنزل أبو أحمد عن بعيره وجلس مع القوم، فما سمع ~~أبو أحمد ذاكرها حتى لقي الله، فقيل لعثمان بعد وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أن تقوله ~~لأبي أحمد؟ فقال: لم أذكره في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أأذكره ~~بعد وفاته؟ وكان أبو أحمد قد حالف إلى حرب ابن أمية، وكان المطلب بن الأسود ~~قد دعاه إلى أن يحالفه وقال: # دمي دون دمك ومالي دون مالك! وحالف حرب بن أمية فقال أبو أحمد في ذلك: # أبني أمية كيف أخذل فيكم %~% وأنا ابنكم وحليفكم في العشر # ولقد دعاني غيركم فأبيته %~% وخبأتكم لنوائب الدهر # وكانوا يتحالفون في العشر من ذي الحجة قياما، يتماسحون كما يتماسح [ (2) ~~] البيعان [ (3) ] ، وكانوا يتواعدون قبل العشر، وكان أبو سفيان قد باع ~~داره من ابن علقمة العامري بأربعمائة دينار، فجعل له مائة دينار، ونجم [ ~~(4) ] عليه ما فضل. PageV02P840 # قال: فحدثني أهل أبي أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لك بها ~~دار في الجنة. ~~وقال أبو أحمد في بيع داره لأبي سفيان، أنشدنيها عمرو بن عثمان الجحشي: # أقطعت عقدك بيننا %~% والحادثات إلى ندامه # ألا ذكرت ليالي ال %~% عشر التي فيها القيامه # عقدي وعقدك قائم %~% لا عوق [ (1) ] فيه ولا أثامه # دار ابن عمك بعتها %~% تشرى بها عنك الغرامه # اذهب بها اذهب بها %~% طوقتها طوق الحمامه # ولقد جريت [ (2) ] إلى العقو %~% ق وأسوأ الخلق الرغامه # قد كنت آوي في ذرى %~% فيه المقامة والسلامه # ما كان عقدك مثل عق %~% د ابن عمرو لابن مامه [ (3) ] # قالوا: وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة، الرجل إساف بن عمرو [ (4) ] ~~والمرأة نائلة بنت سهيل [ (5) ] من جرهم، فزنيا في جوف الكعبة فمسخا حجرين، ~~فاتخذتهما قريش يعبدونهما، وكانوا يذبحون عندهما ويلحقون رءوسهم إذا نسكوا، ~~فخرج من أحدهما امرأة شمطاء سوداء تخمش وجهها، عريانة، ناشرة الشعر، تدعو ~~بالويل. ~~فقيل لرسول الله صلى الله ms626 عليه وسلم في ذلك فقال: تلك نائلة يئست أن تعبد ~~في بلادكم أبدا. ~~ويقال إن إبليس رن ثلاث رنات، رنة حين PageV02P841 ~~لعن فتغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورنة حين رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي قائما بمكة، ورنة حين افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكة. فاجتمعت ذريته، فقال إبليس: ايئسوا أن تردوا أمة محمد على الشرك بعد ~~يومهم هذا، ولكن افشوا فيهم النوح والشعر. # وكان أول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم، وجبريل يريه، ثم لم تحرك حتى كان ~~إسماعيل فجددها، ثم لم تحرك حتى كان قصي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان يوم ~~الفتح، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب ~~الحرم، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب، فبعث أربعة من قريش كانوا يبدون ~~في بواديها، مخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، وأبو ~~هود سعيد بن يربوع المخزومي. ثم كان عثمان بن عفان فبعث هؤلاء النفر، ثم ~~كان معاوية عام حج فبعث هؤلاء النفر. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن المسور بن رفاعة، قال: ~~لما حج عبد الملك بن مروان أرسل إلى أكبر شيخ يعلمه يومئذ من خزاعة، وشيخ ~~من قريش، وشيخ من بني بكر، ثم أمرهم بتجديده، وكل واد في الحرم فهو يسيل في ~~الحل ولا يسيل واد من الحل في الحرم إلا في موضع واحد عند التنعيم. وكان ~~يقال: ولا ينفر صيدها. ~~قال: لا يخرج من الظل إلى الشمس، ويقال: لا يذعر. # قال: حدثني عبد الملك بن نافع، عن أبيه، قال: كان ابن PageV02P842 ~~عمر يغشاه الحمام على رحله، وثيابه، وطعامه، ما يطرد، وكان ابن عباس يرخص ~~أن يكشكش [ (1) ] . وقوله: لا تحل لقطة ضالتها إلا لمنشد، يقول: لا يأكلها ~~كما يأكل اللقطة في غيرها من البلدان. # قالوا: خرج غزي [ (2) ] من هذيل في الجاهلية وفيهم جنيدب بن الأدلع ~~يريدون حي أحمر بأسا، وكان أحمر بأسا رجلا من أسلم شجاعا لا يرام، وكان لا ms627 ~~ينام في حيه، إنما ينام خارجا من حاضره، وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا ~~يخفى مكانه، وكان الحاضر إذا أتاهم فزع صرخوا بأحمر بأسا فيثوب مثل الأسد. ~~فلما جاءهم ذلك الغزي من هذيل قال لهم جنيدب بن الأدلع: إن كان أحمر بأسا ~~في الحاضر فليس إليهم سبيل، وإن كان له غطيط لا يخفى، فدعوني أتسمع. فتسمع ~~الحس فسمعه، فأمه حتى وجده نائما فقتله، ووضع السيف في صدره ثم اتكأ عليه ~~فقتله، ثم حملوا على الحي، فصاح الحي: يا أحمر بأسا! فلا شيء، لا أحمر بأسا ~~قد قتل. فنالوا من الحاضر حاجتهم ثم انصرفوا، فتشاغل الناس بالإسلام، فلما ~~كان بعد الفتح بيوم دخل جنيدب بن الأدلع معه يرتاد وينظر- والناس آمنون- ~~فرآه جندب بن الأعجم الأسلمي، فقال: جنيدب بن الأدلع، قاتل أحمر بأسا! ~~فقال: نعم. ~~فخرج جندب يستجيش عليه، وكان أول من لقي خراش بن أمية الكعبي، فأخبره، ~~فاشتمل خراش على السيف ثم أقبل إليه، والناس حوله وهو يحدثهم عن قتل أحمر ~~بأسا، فبيناهم مجتمعون عليه PageV02P843 ~~إذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف، فقال: هكذا عن [ (1) ] الرجل! فو ~~الله ما ظن الناس إلا أنه يفرج عنه الناس لينصرفوا عنه، فانفرجوا [ (2) ] ~~عنه، فلما انفرج الناس عنه حمل عليه خراش بن أمية بالسيف فطعنه به في بطنه، ~~وابن الأدلع مستند إلى جدار من جدر مكة، فجعلت حشوته تسايل من بطنه، وإن ~~عينيه لتبرقان في رأسه وهو يقول: قد فعلتموها يا معشر خزاعة! فوقع الرجل ~~فمات، ~~فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقام خطيبا- وهذه الخطبة الغد ~~من يوم الفتح بعد الظهر- فقال: أيها الناس، إن الله قد حرم مكة يوم خلق ~~السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى ~~يوم القيامة. لا يحل لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد ~~فيها شجرا، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة ~~من نهار، ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم. ~~فإن ms628 قال قائل: قد قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن ~~الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم! يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن ~~القتل، فقد والله كثر [القتل] [ (3) ] إن نفع، وقد قتلتم هذا القتيل، والله ~~لأدينه! فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار، إن شاءوا فدم قتيلهم، وإن ~~شاءوا فعقله. PageV02P844 # فدخل أبو شريح [على] عمرو بن سعيد بن العاص، وهو يريد قتال ابن الزبير، ~~فحدثه هذا الحديث وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن يبلغ الشاهد ~~الغائب، وكنت شاهدا وكنت غائبا، وقد أديت إليك ما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر به، فقال عمرو بن سعيد: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، ~~إنه لا يمنع من ظالم ولا خالع طاعة، ولا سافك دم. فقال أبو شريح: ~~قد أديت إليك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، فأنت وشأنك! # قال: حدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، أنه أخبر ابن عمر ما قال أبو شريح ~~لعمرو بن سعيد، فقال ابن عمر: رحم الله أبا شريح! قد قضى الذي عليه، قد ~~علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكلم يومئذ في خزاعة حين قتلوا ~~الهذلي بأمر لا أحفظه، إلا أني سمعت المسلمين يقولون قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «فأديه» [ (1) ] . # قال: حدثني عمرو بن عمير بن عبد الملك بن عبيد، عن جويرية [ (2) ] بنت ~~الحصين، عن عمران بن الحصين، قال: قتله خراش بعد ما نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن القتل، فقال: لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلت خراشا بالهذلي. ~~ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خزاعة يخرجون ديته، فكانت خزاعة أخرجت ~~ديته. قال عمران بن الحصين: فكأني أنظر إلى غنم عفر [ (3) ] جاءت بها بنو ~~مدلج فى العقل، وكانوا يعاقلونها فى PageV02P845 ~~الجاهلية ثم شده الإسلام، وكان أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الإسلام. # قال: وحدثني ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ms629 ابن المسيب، ~~قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني كعب، فأعطوا القتيل مائة من ~~الإبل. قالوا: وجاءت الظهر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن ~~يؤذن بالظهر فوق ظهر الكعبة يومئذ، وقريش فوق رءوس الجبال، وقد فر وجوههم [ ~~(1) ] وتغيبوا خوفا أن يقتلوا، فمنهم من يطلب الأمان، ومنهم من قد أومن. ~~فلما أذن بلال ورفع صوته كأشد ما يكون، فلما بلغ «أشهد أن محمدا رسول الله» ~~، تقول جويرية بنت أبي جهل: قد لعمري رفع لك ذكرك! أما الصلاة فسنصلي، ~~والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا، ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمدا من ~~النبوة فردها ولم يرد خلاف قومه. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم ~~أبي فلم يسمع هذا اليوم! وقال الحارث بن هشام: وا ثكلاه! ليتني مت قبل هذا ~~اليوم، أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة! وقال الحكم بن أبي العاص: هذا والله ~~الحدث العظيم أن يصيح عبد بني جمح على بنية أبي طلحة. قال سهيل بن عمرو: ~~إن كان هذا سخط الله فسيغيره، وإن كان رضاء الله فسيقره. وقال أبو سفيان: ~~أما أنا فلا أقول شيئا، لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصاء! فأتى جبريل عليه ~~السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم. # قال: فحدثني موسى بن محمد، عن أبيه، قال: قال سهيل بن عمرو: ولما دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وظهر، انقحمت [ (2) ] بيتي PageV02P846 ~~وأغلقت علي بابي، وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل أن اطلب لي جوارا من ~~محمد، وإني لا آمن أن أقتل. وجعلت أتذكر أثري عند محمد وأصحابه، فليس أحد ~~أسوأ أثرا مني، وإني لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بما ~~لم يلقه أحد، وكنت الذي كاتبته، مع حضوري بدرا وأحدا، وكلما تحركت قريش كنت ~~فيها. فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، تؤمنه؟ فقال: نعم، هو آمن بأمان الله، فليظهر! ثم قال رسول ms630 الله ~~صلى الله عليه وسلم لمن حوله: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، ~~فليخرج، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ~~ما كان يوضع فيه أنه لم يكن له بنافع! ~~فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال سهيل: كان والله برا، صغيرا وكبيرا! فكان سهيل يقبل ويدبر، وخرج إلى ~~حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على شركه حتى أسلم بالجعرانة. # وهرب هبيرة بن أبي وهب- وهو يومئذ زوج أم هاني بنت أبي طالب- هو وابن ~~الزبعرى جميعا حتى انتهى إلى نجران، فلم يأمنا من الخوف حتى دخلا حصن ~~نجران، فقيل لهما: ما وراءكما؟ قالا: أما قريش فقد قتلت، ودخل محمد مكة، ~~ونحن والله نرى أن محمدا سائر إلى حصنكم هذا! فجعلت بلحارث وكعب يصلحون ما ~~رث من حصنهم، وجمعوا ماشيتهم، فأرسل حسان بن ثابت أبياتا يريد بها ابن ~~الزبعرى، أنشدنيها ابن أبي الزناد: # لا تعدمن [ (1) ] رجلا أحلك بغضه %~% نجران في عيش أحذ [ (2) ] لئيم ~~PageV02P847 # بليت قناتك في الحروب فألقيت %~% خمانة خوفاء [ (1) ] ذات وصوم [ (2) ] # غضب الإله على الزبعرى وابنه %~% وعذاب سوء في الحياة مقيم # فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تهيأ للخروج، فقال هبيرة بن أبي وهب: أين ~~تريد يا ابن عم؟ قال: أردت والله محمدا. قال: أتريد أن تتبعه؟ ~~قال: إي والله! قال: يقول هبيرة: يا ليت أني رافقت غيرك! والله، ما ظننت ~~أنك تتبع محمدا أبدا! قال ابن الزبعرى: هو ذاك، فعلى أي شيء نقيم مع بنى ~~الحارث بن كعب وأترك ابن عمي وخير الناس وأبرهم [ (3) ] ، ومع قومي وداري. ~~فانحدر ابن الزبعرى حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ~~أصحابه، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه قال: هذا ابن الزبعرى، ~~ومعه وجه فيه نور الإسلام. فلما وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~السلام عليكم، أي رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله وأنك ms631 عبده ورسوله، ~~والحمد لله الذي هداني للإسلام، لقد عاديتك وأجلبت عليك، وركبت الفرس ~~والبعير، ومشيت على قدمي في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران، وأنا أريد ألا ~~أقرب الإسلام أبدا، ثم أراد بي الله عز وجل منه بخير، فألقاه في قلبي وحببه ~~إلي، وذكرت ما كنت فيه من الضلالة، واتباع ما لا ينفع ذا عقل، من حجر يعبد ~~ويذبح له، لا يدري من عبده ومن لا يعبده. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الحمد لله الذي هداك للإسلام، إن الإسلام يجب ما كان قبله! وأقام ~~هبيرة بنجران، وأسلمت أم هانئ، فقال هبيرة حين بلغه إسلامها يوم الفتح. ~~PageV02P848 # أشاقتك هند أم نآك [ (1) ] سؤالها %~% كذاك النوى أسبابها وانفتالها [ ~~(2) ] # وقد أرقت [ (3) ] في رأس حصن ممنع %~% بنجران يسري بعد ليل [ (4) ] ~~خيالها # وإني من قوم إذا جد جدهم %~% على أي حال أصبح اليوم حالها # وإني لحام من وراء عشيرتي %~% إذا كرهت نحو العوالي فحالها [ (5) ] # وإن كلام المرء في غير كنهه %~% لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها # وإن كنت قد تابعت دين محمد %~% وقطعت الأرحام منك حبالها # فكوني على أعلى سحيق بهضبة [ (6) ] %~% ململمة [ (7) ] حمراء يبس تلالها # أقام بنجران حتى مات مشركا. # قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن عقبة، عن المنذر بن جهم قال: لما ~~كان يوم فتح مكة هرب حويطب بن عبد العزى حتى انتهى إلى حائط عوف فدخل هناك، ~~وخرج أبو ذر لحاجته وكان داخله، فلما رآه هرب حويطب فناداه أبو ذر: تعال، ~~أنت آمن! فرجع إليه فسلم عليه، ثم قال: أنت آمن، فإن شئت أدخلتك على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وإن شئت فاذهب إلى منزلك. قال: وهل لي سبيل إلى ~~منزلي؟ ألقى فأقتل قبل أن أصل إلى منزلي، أو يدخل علي منزلي فأقتل. قال: ~~فأنا أبلغ معك PageV02P849 ~~منزلك. فبلغ معه منزله، تم جعل ينادي على بابه: إن حويطبا آمن، فلا يهجم ~~عليه! ثم انصرف أبو ذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: أو ~~ليس قد أمنا كل ms632 الناس إلا من أمرت بقتله؟ # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزبير، ~~عن عبد الله بن الزبير، قال: لما كان يوم الفتح، أسلمت هند بنت عتبة، ~~وأسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل، وأسلمت امرأة ~~صفوان بن أمية، البغوم بنت المعذل، من كنانة، ~~وأسلمت فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وأسلمت هند بنت منبه بن الحجاج، وهي ~~أم عبد الله بن عمرو بن العاص، في عشر نسوة من قريش، فأتين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالأبطح، فبايعنه فدخلن عليه، وعنده زوجته وابنته فاطمة، ~~ونساء من نساء بني عبد المطلب، فتكلمت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله، ~~الحمد لله الذي أظهر الدين [الذي] اختاره لنفسه، لتمسني رحمتك [ (1) ] يا ~~محمد، إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة. ثم كشفت عن نقابها فقالت: هند بنت ~~عتبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرحبا بك. فقالت: والله يا رسول ~~الله، ما على الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من [أهل] خبائك، ولقد ~~أصبحت وما على الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من [أهل] خبائك. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: وزيادة أيضا! ثم قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليهن القرآن وبايعهن، فقالت هند من بينهن: ~~يا رسول الله، نماسحك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أصافح ~~PageV02P850 ~~النساء، إن قولي لمائة امرأة مثل قولي لامرأة واحدة. ويقال: وضع على يده ~~ثوبا ثم مسحن على يده يومئذ. ويقال: كان يؤتى بقدح من ماء، فيدخل يده فيه ~~ثم يدفعه إليهن فيدخلن أيديهن فيه. والقول الأول أثبتها عندنا: ~~«إني لا أصافح النساء» . ثم قالت أم حكيم امرأة عكرمة بن أبي جهل: ~~يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فأمنه. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو آمن. فخرجت أم حكيم في طلبه ومعها ~~غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت ms633 تمنيه حتى قدمت على حي من عك [ (1) ~~] ، فاستغاثتهم عليه فأوثقوه رباطا، وأدركت عكرمة وقد انتهى إلى ساحل من ~~سواحل تهامة فركب البحر، فجعل نوتي السفينة يقول له: أخلص! قال: أي شيء ~~أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله. قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا. فجاءت أم ~~حكيم على هذا الكلام، فجعلت تلح إليه وتقول: يا ابن عم، جئتك من عند أوصل ~~الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك. فوقف لها حتى أدركته فقالت: ~~إني قد استأمنت لك محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أنت فعلت؟ ~~قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك. فرجع معها وقال: ما لقيت من غلامك الرومي؟ ~~فخبرته خبره فقتله عكرمة، وهو يومئذ لم يسلم. فلما دنا من مكة قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، ~~فلا تسبوا أباه [ (2) ] ، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت. قال: ~~وجعل عكرمة يطلب امرأته يجامعها، فتأبى عليه وتقول: إنك كافر وأنا مسلمة. ~~فيقول: إن أمرا منعك مني لأمر كبير. فلما رأى النبى صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P851 ~~عكرمة وثب إليه- وما على النبي صلى الله عليه وسلم رداء- فرحا بعكرمة، ثم ~~جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف بين يديه، وزوجته منتقبة، فقال: يا ~~محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت، ~~فأنت آمن! فقال عكرمة: فإلى ما تدعو يا محمد؟ ~~قال: أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم ~~الصلاة، وتؤتي الزكاة- وتفعل، وتفعل، حتى عد خصال الإسلام. فقال عكرمة: ~~والله ما دعوت إلا إلى الحق وأمر حسن جميل، قد كنت والله فينا قبل أن تدعو ~~إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثا وأبرنا برا. ثم قال عكرمة: فإني أشهد ~~أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فسر بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم قال: يا رسول الله، علمني خير شيء أقوله. قال: تقول ms634 ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. قال عكرمة: ثم ماذا؟ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقول: أشهد الله وأشهد من حضر أني مسلم ~~مهاجر مجاهد. فقال عكرمة ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~تسألني اليوم شيئا أعطيه أحدا إلا أعطيتكه. ~~فقال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسير وضعت ~~فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك أو وأنت غائب عنه. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار ~~فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، فاغفر له ما نال مني من عرض، في ~~وجهي أو وأنا غائب عنه! فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله. ثم قال عكرمة: أما ~~والله يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد [عن] سبيل الله إلا ~~أنفقت ضعفها في سبيل PageV02P852 ~~الله، ولا قتالا [ (1) ] كنت أقاتل في صد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في ~~سبيل الله. ثم اجتهد في القتال حتى قتل شهيدا، فرد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم امرأته بذلك النكاح الأول. # وأما صفوان بن أمية، فهرب حتى أتى الشعيبة [ (2) ] ، وجعل يقول لغلامه ~~يسار وليس معه غيره: ويحك، انظر من ترى! قال: هذا عمير بن وهب. قال صفوان: ~~ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلي، قد ظاهر محمدا علي. فلحقه ~~فقال: يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي؟ حملتني دينك وعيالك، ثم جئت تريد قتلي! ~~قال: أبا وهب، جعلت فداك! جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس. وقد كان عمير ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، سيد قومي خرج هاربا ~~ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تؤمنه، فأمنه فداك أبي وأمي! فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: قد أمنته. فخرج في أثره، فقال: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أمنك. فقال صفوان: لا والله، لا أرجع معك ms635 حتى تأتيني بعلامة ~~أعرفها. فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، جئت ~~صفوان هاربا يريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أمنته: فقال: لا أرجع حتى تأتي ~~بعلامة أعرفها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ عمامتي. ~~قال: فرجع عمير إليه بها، وهو البرد الذي دخل فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ معتجرا [ (3) ] به، برد حبرة [ (4) ] . فخرج عمير في طلبه ~~الثانية، PageV02P853 ~~حتى جاء بالبرد فقال: أبا وهب، جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس، وأبر ~~الناس، وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك، ~~أذكرك الله في نفسك. قال له: أخاف أن أقتل. قال: قد دعاك إلى أن تدخل في ~~الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين، فهو أوفى الناس وأبرهم [ (1) ] ، وقد ~~بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجرا، تعرفه؟ قال: نعم. فأخرجه، فقال: نعم، ~~هو هو! فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي بالمسلمين العصر في المسجد، فوقفا، فقال صفوان: كم تصلون في اليوم ~~والليلة؟ قال: ~~خمس صلوات. قال: يصلي بهم محمد؟ قال: نعم. فلما سلم صاح صفوان: يا محمد، ~~إن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت ~~أمرا وإلا سيرتني شهرين. قال: انزل أبا وهب. ~~قال: لا والله، حتى تبين لي. قال: بل تسير أربعة أشهر. فنزل صفوان، وخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هوازن، وخرج معه صفوان وهو كافر، وأرسل ~~إليه يستعيره سلاحه، فأعاره سلاحه، مائة درع بأداتها، فقال: ~~طوعا أو كرها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عارية مؤداة. فأعاره، ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملها إلى حنين، فشهد حنينا [ (2) ] ~~والطائف ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة، فبينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسير في الغنائم ينظر إليها، ومعه صفوان بن أمية، ~~جعل صفوان ينظر إلى شعب ملئ نعما وشاء ورعاء، فأدام إليه النظر، ms636 ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يرمقه فقال: أبا وهب، يعجبك هذا الشعب؟ PageV02P854 ~~قال: نعم. قال: هو لك وما فيه. فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل ~~هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله! وأسلم ~~مكانه. # قال: فحدثني عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي ~~رباح، قال: أسلم أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل قبل ~~نسائهم، ثم قدموا على نسائهم في العدة، فردهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك النكاح. وأسلمت امرأة صفوان وامرأة عكرمة قبل أزواجهما، ثم أسلما فرد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم عليهم، وذلك أن إسلامهم كان في عدتهم. # قالوا: وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الوحي، فربما أملى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سميع عليم فيكتب ~~عليم حكيم، فيقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: كذلك الله، ويقره. ~~وافتتن وقال: ما يدري محمد ما يقول! إني لأكتب له ما شئت، هذا الذي كتبت ~~يوحى إلي كما يوحى إلى محمد. ~~وخرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا، فأهدر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دمه يوم الفتح، فلما كان يومئذ جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه، وكان أخاه من الرضاعة، فقال: يا أخي، إني والله اخترتك فاحتبسني ~~هاهنا، واذهب إلى محمد فكلمه في، فإن محمدا إن رآني ضرب الذي فيه عيناي، إن ~~جرمي أعظم الجرم، وقد جئت تائبا. فقال: ~~بل اذهب معي. قال عبد الله: والله لئن رآني ليضربن عنقي ولا يناظرني، قد ~~أهدر دمي، وأصحابه يطلبونني في كل موضع. فقال عثمان: انطلق معى، PageV02P855 ~~فلا يقتلك إن شاء الله، فلم يرع رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ~~بعثمان، أخذ بيد عبد الله بن سعد بن أبي سرح واقفين بين يديه، فأقبل عثمان ~~على النبي صلى الله عليه ms637 وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمه كانت تحملني ~~وتمشيه، وترضعني وتقطعه، وكانت تلطفني وتتركه، فهبه لي. فأعرض عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وجعل عثمان كلما أعرض عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام، فإنما أعرض النبي صلى الله عليه ~~وسلم عنه إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمنه، فلما رأى ألا يقدم ~~أحد، وعثمان قد أكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه وهو يقول: ~~يا رسول الله، تبايعه فداك أبي وأمي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~نعم. ثم التفت إلى أصحابه فقال: ~~ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله؟ أو قال: «الفاسق» . ~~فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إلي يا رسول الله؟ فو الذي بعثك بالحق إني ~~لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه. ويقال: قال هذا أبو ~~اليسر، ويقال: عمر بن الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا ~~أقتل بالإشارة. وقائل يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: إن ~~النبى لا تكون له خائنة الأعين [ (1) ] . فبايعه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فجعل يفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما رآه، فقال عثمان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: بأبي [أنت] وأمي، لو ترى ابن أم عبد الله ~~يفر منك كلما رآك! فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أو لم أبايعه وأؤمنه؟ قال: بلى أي رسول الله! ولكنه يتذكر عظيم جرمه ~~PageV02P856 ~~في الإسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما كان قبله» . ~~فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره، فكان يأتي فيسلم على النبي مع الناس. # وأما الحويرث بن نقيذ [ (1) ] من ولد قصي، فإنه كان يؤذي النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأهدر دمه، فبينا هو في منزله يوم الفتح قد أغلق بابه عليه، ~~وأقبل علي عليه السلام يسأل عنه، فقيل هو في البادية. فأخبر الحويرث أنه ~~يطلب، ms638 وتنحى علي عليه السلام عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت ~~إلى بيت آخر، فتلقاه علي فضرب عنقه. # وأما هبار بن الأسود، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كلما بعث ~~سرية أمرها بهبار إن أخذ أن يحرق بالنار. ثم قال: إنما يعذب بالنار رب ~~النار، اقطعوا يديه ورجليه إن قدرتم عليه، ثم اقتلوه. ~~فلم يقدر عليه يوم الفتح، وكان جرمه أنه عس بابنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم زينب وضرب ظهرها بالرمح- وكانت حبلى- حتى سقطت، فأهدر النبي صلى الله ~~عليه وسلم دمه. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بالمدينة في ~~أصحابه إذ طلع هبار بن الأسود، وكان لسنا، فقال: يا محمد! سب من سبك، إني ~~قد جئت مقرا بالإسلام، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ~~عبده ورسوله. فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت سلمى مولاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنعم الله بك عينا! أنت الذي فعلت ~~وفعلت. فقال: إن الإسلام محا ذلك. ونهى PageV02P857 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبه والتعريض له. # قال: حدثني هشام بن عمارة، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ~~جده، قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه في مسجده، ~~منصرفه من الجعرانة، فطلع هبار بن الأسود من باب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما نظر القوم إليه قالوا: يا رسول الله، هبار ابن الأسود! قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قد رأيته. فأراد بعض القوم القيام إليه، فأشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن اجلس، ووقف عليه هبار فقال: السلام عليك يا ~~رسول الله، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولقد هربت منك في ~~البلاد وأردت اللحوق [ (1) ] بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك وفضلك وبرك وصفحك ~~عمن جهل عليك، وكنا يا رسول الله أهل شرك، فهدانا الله عز وجل بك، وأنقذنا ~~بك من الهلكة، فاصفح ms639 عن جهلي وعما كان يبلغك عني، فإني مقر بسوء فعلي، ~~معترف بذنبي. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد عفوت عنك، وقد أحسن الله بك حيث ~~هداك للإسلام، والإسلام يجب ما كان قبله. # قال: حدثني واقد بن أبي ياسر، عن يزيد بن رومان، قال: قال الزبير ابن ~~العوام: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هبارا قط إلا تغيظ عليه، ~~ولا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قط إلا قال: إن ظفرتم ~~بهبار فاقطعوا يديه ورجليه ثم اضربوا عنقه. والله لقد كنت أطلبه وأسأل عنه، ~~والله يعلم لو ظفرت به قبل أن يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقتلته. ثم اطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده جالس، فجعل ~~يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: سب PageV02P858 ~~يا محمد من سبك وأوذي من آذاك، فقد كنت موضعا في سبك وأذاك، وكنت مخذولا، ~~وقد نصرني الله وهداني للإسلام. قال الزبير: فجعلت أنظر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإنه ليطأطئ رأسه استحياء [ (1) ] مما يعتذر هبار، وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: قد عفوت عنك، الإسلام يجب ما كان قبله. وكان ~~لسنا، وكان يسب حتى يبلغ منه، فلا ينتصف من أحد. فبلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حلمه وما يحمل عليه من الأذى، فقال: هبار، سب من سبك! # قالوا: وأما ابن خطل، فإنه خرج حتى دخل بين أستار الكعبة. # فحدثني يعقوب بن عبد الله، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد ابن عبد ~~الرحمن بن أبزى، قال: سمعت أبا برزة الأسلمي يقول: في نزلت هذه الآية: لا ~~أقسم بهذا البلد* وأنت حل بهذا البلد [ (2) ] ، أخرجت عبد الله بن خطل وهو ~~معلق بأستار الكعبة، فضربت عنقه بين الركن والمقام. ويقال: قتله سعيد بن ~~حريث المخزومي، ويقال: عمار بن ياسر، ويقال: شريك بن عبدة العجلاني، وأثبته ~~عندنا أبو برزة. وكان جرمه أنه أسلم وهاجر إلى المدينة وبعثه رسول ms640 الله صلى ~~الله عليه وسلم ساعيا، وبعث معه رجلا من خزاعة، فكان يصنع طعامه ويخدمه، ~~فنزلا في مجمع فأمره يصنع له طعاما، ونام نصف النهار، فاستيقظ والخزاعي ~~نائم ولم يصنع له شيئا، فاغتاظ عليه، فضربه فلم يقلع عنه حتى قتله، فلما ~~قتله قال: والله ليقتلني محمد به إن جئته. فارتد عن الإسلام، وساق ما أخذ ~~من الصدقة وهرب إلى مكة، فقال له أهل مكة: ما ردك إلينا؟ قال: لم ~~PageV02P859 ~~أجد دينا خيرا من دينكم. فأقام على شركه، وكانت له قينتان، إحداهما ~~فرتنا، والأخرى أرنب، وكانتا فاسقتين، وكان يقول الشعر يهجو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويأمرهما تغنيان به، ويدخل عليه وعلى قينتيه المشركون ~~فيشربون الخمر، وتغني القينتان بذلك الهجاء. ~~وكانت سارة مولاة عمرو ابن هاشم مغنية نواحة بمكة، فيلقى عليها هجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتغني به، وكانت قد قدمت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تطلب أن يصلها وشكت الحاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما كان لك في غنائك ونياحك ما يغنيك! ~~فقالت: يا محمد، إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا سماع الغناء. ~~فوصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقر لها بعيرا طعاما، فرجعت إلى ~~قريش وهي على دينها، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أن ~~تقتل فقتلت يومئذ. وأما القينتان، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقتلهما، فقتلت إحداهما، أرنب أو فرتنا، وأما فرتنا فاستؤمن لها حتى آمنت، ~~وعاشت حتى كسر ضلع من أضلاعها زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه فماتت منه، ~~فقضى فيها عثمان ثمانية آلاف درهم، ستة آلاف ديتها، وألفين تغليظا للجرم. # قالوا: وأما مقيس بن صبابة فإنه كان مع أخواله بني سهم- كانت أمه سهمية- ~~فاصطبح الخمر يوم الفتح في ندامى له، فأتى نميلة بن عبد الله الليثي، وعلم ~~بمكانه، فدعاه فخرج إليه وهو ثمل، يتمثل بهذه الأبيات، أنشدنيها ابن جعفر ~~وغيره: # دعيني أصطبح يا بكر إني %~% رأيت الموت نقب ms641 عن هشام [ (1) ] # ونقب عن أبيك أبي يزيد %~% أخي القينات والشرب الكرام PageV02P860 # بهم أرست رواس من ثبير %~% ومن ثور [ (1) ] ولم تصمم صمام [ (2) ] # تغنيني الحمام كأن رهطي %~% خزاعة أو أناس من جذام # فضربه بالسيف حتى برده. ويقال: خرج وهو ثمل فيما بين الصفا والمروة، فرآه ~~المسلمون فهبتوه [ (3) ] بأسيافهم حتى قتلوه، وقال شاعرهم [ (4) ] : # لعمري لقد أخزى نميلة رهطه %~% وفجع إخوان السناء [ (5) ] بمقيس # فلله عينا من رأى مثل مقيس %~% إذا النفساء أصبحت لم تخرس [ (6) ] # وكان جرمه أن أخاه هاشم بن صبابة كان قد أسلم وشهد المريسيع مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقتله رجل من بني عمرو بن عوف خطأ ولا يدري، فظن أنه ~~من المشركين، فقدم مقيس بن صبابة، فقضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالدية على بني عمرو بن عوف، فأخذها وأسلم ثم عدا على قاتل أخيه العمري ~~فقتله، وهرب مرتدا كافرا يقول شعرا. ويقال: ~~قتله أوس بن ثابت، من رهط عبادة بن الصامت، وهو لا يشعر به، وذلك أنه كان ~~في رهج [ (7) ] العدو، فخرج يطلبهم فرجع ولقيه أوس وهو يظن أنه من المشركين ~~فقتله، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بديته على رهط عبادة ابن الصامت- ~~وهذا أثبت القولين- فقال: PageV02P861 # شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا %~% تضرج ثوبيه دماء الأخادع [ (1) ] # ثأرت به فهرا وحملت عقله %~% سراة بني النجار أرباب فارع # لت به وتري وأدركت ثؤرتي %~% وكنت إلى الأوثان أول راجع # فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه. # قال: حدثنا الواقدي قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن ~~أبي فروة، عن أبي [بن] كعب بن مالك، قال: لما رجع مقيس بن صبابة إلى قريش ~~إلى مكة قالوا: ما ردك إلينا وقد اتبعت محمدا؟ ~~قال: فانطلق إلى الصنمين فحلق رأسه، وقال: لم أجد دينا خيرا من دينكم ولا ~~أقدم. ثم أخبرهم كيف صنع وكيف قتل قاتل أخيه. # قال: وحدثني عبد الله بن يزيد الهذلي، عن أبي حصين الهذلي، قال: لما قتل ~~النفر الذين أمر رسول الله ms642 صلى الله عليه وسلم بقتلهم سمع النوح عليهم ~~بمكة، وجاء أبو سفيان بن حرب فقال: فداك أبي وأمي، البقية [ (2) ] في قومك. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل قريش صبرا بعد اليوم! ~~يعني على الكفر. # قال: وحدثني يزيد بن فراس، عن عراك بن مالك، عن الحارث بن البرصاء، قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تغزى قريش بعد اليوم إلى يوم ~~القيامة! ~~يعني على الكفر. # قال: وحدثني ابن أبي سبرة، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس ~~قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل وحشى PageV02P862 ~~مع النفر، ولم يكن المسلمون على أحد أحرص منهم على وحشي. وهرب وحشي إلى ~~الطائف، فلم يزل به مقيما حتى قدم في وفد الطائف على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فدخل عليه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ~~فقال: وحشي؟ قال: نعم. قال: اجلس، حدثني كيف قتلت حمزة. فأخبره، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: غيب عني وجهك! قال: فكنت إذا رأيته تواريت عنه. ~~ثم خرج الناس إلى مسيلمة [ (1) ] ، فدفعت إلى مسيلمة فزرقته [ (2) ] ~~بالحربة، وضربه رجل من الأنصار، فربك أعلم أينا قتله. # قال: وحدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن أبيه، قال: ~~أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فاستسلف من عبد الله ابن أبي ~~ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فلما فتح الله عليهم هوازن وغنمه أموالها ~~ردها وقال: إنما جزاء السلف الحمد والأداء. وقال: بارك الله لك في مالك ~~وولدك! # قال: وحدثني عبد الله بن زيد الهذلي، عن أبي حصين الهذلي، قال: ~~استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثلاثة نفر من قريش: من صفوان ابن ~~أمية خمسين ألف درهم فأقرضه، واستقرض من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف ~~درهم، واستقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فكانت ثلاثين ومائة ~~ألف، فقسمها رسول الله صلى الله عليه ms643 وسلم بين أصحابه من أهل الضعف. # قال: فأخبرني رجل من بني كنانة- كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الفتح، أنه قسم فيهم دراهم، فيصيب الرجل خمسين درهما PageV02P863 ~~أو أقل أو أكثر، ومن ذلك المال بعث إلى بني جذيمة. # قال: وحدثني سفيان بن سعيد، عن الكلبي، عن صالح، عن المطلب ابن أبي ~~وداعة، قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في يوم صائف، وعطش ~~فاستسقى. فقال رجل: يا رسول الله، عندنا شراب من هذا الزبيب، أفلا أسقيك ~~منه؟ قال: بلى. قال: فبعث الرجل إلى بيته فأتى بقدح عظيم، فأدناه النبي صلى ~~الله عليه وسلم من فيه، فوجد له ريحا شديدة فكرهه فرده. قال: ودعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بماء، ثم دعا به. قال: وأتي بماء من زمزم فصبه ~~عليه حتى رأيت الماء يفيض من جانبه، وشرب منه حاجته، ثم ناوله الذي عن ~~يمينه وقال: من أرابه من شرابه ريب فليكسره بالماء. # قال: حدثني أسامة بن زيد، عن أسلم، وهشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن ~~أبي وعلة، عن ابن عباس، قال: أهدى صديق لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~ثقيف رواية خمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أما علمت أن الله تعالى حرمها؟ فسار الرجل غلامه: اذهب بها إلى الحزورة ~~فبعها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم أمرته؟ قال: ببيعها. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرم شربها حرم بيعها! ~~فبلغني أنها فرغت في البطحاء. # قال: وحدثني ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم الفتح عن ثمن الخمر، وثمن الخنزير، وثمن الميتة، وثمن الأصنام، ~~وحلوان الكاهن [ (1) ] . # قال: وحدثني سعيد بن بشير، عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن PageV02P864 ~~عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: قيل لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الفتح: ما ترى في شحوم الميتة يدهن بها السقاء؟ فقال صلى ~~الله عليه ms644 وسلم: قاتل الله اليهود! حرم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا ثمنها. # قال: وحدثني معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يومئذ عن ثمن الخمر، فقال: قاتل الله اليهود! حرم عليهم ~~الشحم فباعوه فأكلوا ثمنه. # قال: وحدثني معمر، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، ~~قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم متعة النساء يومئذ. # قال: وحدثني ابن أبي ذئب، ومعمر، عن الزهري، عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن ~~بن عوف، عن أبي عمرو بن عدي بن الحمراء، قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الفتح وهو بالحزورة: والله ~~إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت! # قال: حدثني سعيد بن عبد الله، عن ابن أبي مليكة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثل ذلك وقال: لولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت. # قال: وحدثني شيخ من خزاعة، عن جابر بن عبد الله، قال: كان لبني عبد الدار ~~غلام يقال له جبر، وكان يهوديا، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~الهجرة يقرأ سورة يوسف، فعرف الذي ذكر في ذلك، فاطمأن إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأسلم، فلما ارتد عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن إسلامه رجع إلى ~~مكة فأخبر أهله بإسلامه، وكان العبد يكتم PageV02P865 ~~إسلامه من أهله قبل أن يدخل بيته، فعذبوه أشد العذاب حتى قال لهم الذي ~~يريدون، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فشكا إليه، وأخبره ما لقي في سبب عبد الله بن سعد. قال: ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمنه فاشترى نفسه فعتق، واستغنى ~~ونكح امرأة لها شرف. # قال: حدثني إبراهيم بن يزيد، عن عطاء بن أبي رباح، قال: جاء رجل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس ~~إن فتح الله عليك ms645 مكة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاهنا أفضل. فرد ~~ذلك عليه ثلاثا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، ~~لصلاة هاهنا أفضل من ألف فيما سواه من البلدان! وقالت ميمونة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني جعلت على نفسي، إن فتح الله عليك مكة، ~~أن أصلي في بيت المقدس. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقدرين على ذلك، يحو بينك وبينه ~~الروم. فقالت: آتي بخفير يقبل ويدبر. فقال: لا تقدرين على ذلك، ولكن ابعثي ~~بزيت يستصبح [ (1) ] لك به فيه، فكأنك أتيته. ~~فكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال يشترى به زيت يستصبح به في ~~بيت المقدس، حتى ماتت فأوصت بذلك. # قال: حدثني ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم بن ~~عبد الله بن محرز، قالا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جلس عبد ~~الرحمن بن عوف في مجلس فيه جماعة، منهم سعد بن PageV02P866 ~~عبادة، فمر نسوة من قريش على ذلك المجلس، فقال سعد بن عبادة: ~~قد كان يذكر لنا من نساء قريش حسن وجمال [ (1) ] ، ما رأينا هن كذلك! ~~قال: فغضب عبد الرحمن حتى كاد أن يقع بسعد وأغلظ عليه، ففر منه سعد حتى ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ماذا لقيت من عبد ~~الرحمن! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وماله؟ فأخبره بما كان. قال: ~~فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان وجهه ليتوقد، ثم قال: رأيتهن وقد ~~أصبن بآبائهن وأبنائهن وإخوانهن وأزواجهن، خير نساء ركبن الإبل نساء قريش! ~~أحناه [ (2) ] على ولد، وأبذله لزوج بما ملكت يد! # وكان أبو الطفيل عامر بن واثلة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم فتح مكة، فما أنسى شدة بياضه وسواد شعره، وإن من الرجال لمن هو أطول ~~منه، ومنهم من [هو] أقصر منه، يمشي ويمشون حوله. قال: ~~فقلت لأمي: من هذا؟ فقالت: رسول الله. ms646 قيل له: ما ثيابه؟ قال: ~~لا أدري. # قال: وحدثني عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن عباد، قال: دخلنا بعد فتحها ~~بأيام ننظر ونرتاد وأنا مع أبي، فنظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فساعة رأيته عرفته وذكرت رؤيتي إياه بذي المجاز، وأبو لهب يتبع أثره يومئذ، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا حلف فى الإسلام، ولن PageV02P867 ~~يزيد حلف الجاهلية الإسلام إلا شدة. وكانت أم هانئ تحدث تقول: ~~ما رأيت أحدا كان أحسن ثغرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت ~~بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ذكرت القراطيس [ (1) ] المثنية بعضها ~~على بعض- تعني عكنه [ (2) ]- وقد رأيته دخل يوم الفتح قد ضفر رأسه بضفائر [ ~~(3) ] أربع. # قال: وحدثني علي بن يزيد، عن أبيه، عن عمته، عن أم سلمة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم قالت: ضفرت [ (4) ] رأس النبي صلى الله عليه وسلم بذي ~~الحليفة أربع ضفائر، فلم يحله حتى فتح مكة ومقامه بمكة، حتى حين أراد أن ~~يخرج إلى حنين حله وغسلت رأسه بسدر. # قال: حدثني عبد الله بن يزيد، عن أبي حصين الهذلي، قال: لما أسلمت هند ~~بنت عتبة أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدية- وهو بالأبطح- مع ~~مولاة لها، بجديين مرضوفين [ (5) ] وقد [ (6) ] . فانتهت الجارية إلى خيمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت واستأذنت، فأذن لها فدخلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو بين نسائه أم سلمة زوجته وميمونة، ونساء من ~~نساء بني عبد المطلب، فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية، وهي معتذرة ~~إليك وتقول: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكم في غنمكم، وأكثر ~~PageV02P868 ~~والدتها! فرجعت المولاة إلى هند فأخبرتها بدعاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسرت بذلك، فكانت المولاة تقول: لقد رأينا من كثرة غنمنا ووالدتنا ما ~~لم نكن نرى قبل ولا قريبا، فتقول هند: هذا دعاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبركته، فالحمد لله الذي هدانا ms647 للإسلام! ثم تقول: لقد كنت أرى في ~~النوم أني في الشمس أبدا قائمة، والظل مني قريب لا أقدر عليه، فلما دنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منا رأيت كأني دخلت الظل. ~~قال أبو حصين: وقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم إحدى نساء بني سعد بن ~~بكر- إما خالة أو عمة- بنحي [ (1) ] مملوء سمنا وجراب أقط [ (2) ] ، فدخلت ~~عليه وهو في الأبطح، فلما دخلت انتسبت له، فعرفها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت وصدقت، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقبول هديتها، وجعل يسائلها عن حليمة فأخبرته أنها توفيت في الزمان. ~~قال: فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سألها: من بقي منهم؟ ~~فقالت: أخواك وأختاك، وهم والله محتاجون إلى برك وصلتك، ولقد كان لهم موئل ~~[ (3) ] فذهب. وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أهلك؟ فقالت: ~~بذنب أوطاس. فأمر لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسوة، وأعطاها جملا ~~ظعينة [ (4) ] ، وأعطاها مائتي درهم، وانصرفت وهي تقول: نعم والله المكفول ~~كنت صغيرا، ونعم المرء كنت كبيرا، عظيم البركة. # قال: فحدثني عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن عمرو الهذلي، قال: PageV02P869 ~~لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بث السرايا، فبعث خالد بن ~~الوليد إلى العزى، وبعث إلى ذي الكفين- صنم عمرو بن حممة- الطفيل بن عمرو ~~الدوسي، فجعل يحرقه بالنار ويقول: # يا ذا الكفين لست من عبادكا %~% ميلادنا أقدم من ميلادكا # أنا حششت النار في فؤادكا # وبعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة بالمشلل فهدمه، وبعث عمرو بن العاص إلى ~~صنم هذيل- سواع- فهدمه، فكان عمرو يقول: انتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ~~ما تريد؟ فقلت: هدم سواع. فقال: مالك وله؟ ~~فقلت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: لا تقدر على هدمه. قلت: ~~لم؟ قال: يمتنع. قال عمرو: حتى الآن أنت في الباطل! ويحك هل يسمع أو يبصر؟ ~~قال عمرو: فدنوت إليه فكسرته، وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته، ولم يجدوا ~~فيها شيئا، ثم قال ms648 للسادن: ~~كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله. ثم نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة: من كان يؤمن بالله وبرسوله فلا يدعن في بيته صنما إلا كسره. ~~قال: فجعل المسلمون يكسرون تلك الأصنام، وكان عكرمة بن أبي جهل حين أسلم ~~لا يسمع بصنم في بيت من بيوت قريش إلا مشى إليه حتى يكسره، وكان أبو تجراة ~~يعملها في الجاهلية ويبيعها. قال سعد بن عمرو: ~~أخبرني أنه كان يراه يعملها ويبيعها. ولم يكن رجل من قريش بمكة إلا وفي ~~بيته صنم. # قال: وحدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن بعض آل جبير بن مطعم، ~~عن جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم الفتح نادى PageV02P870 ~~منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله فلا يتركن في ~~بيته صنما إلا كسره أو حرقه، وثمنه حرام. قال جبير: وقد كنت أرى قبل ذلك ~~الأصنام يطاف بها مكة، فيشتريها أهل البدو فيخرجون بها إلى بيوتهم، وما من ~~رجل من قريش إلا وفي بيته صنم، إذا دخل مسحه وإذا خرج مسحه تبركا به. # قال: وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد المجيد بن سهيل، قال: لما ~~أسلمت هند بنت عتبة جعلت تضرب صنما في بيتها بالقدوم، فلذة فلذة، وهي تقول: ~~كنا منك في غرور! # قال: وحدثني محمد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عتبة، قال: ~~أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة، يصلي ركعتين. # قال: حدثني مخرمة بن بكير، عن أبيه عراك بن مالك، قال: أقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عشرين ليلة، يصلي ركعتين. ### |PARATEXT| # تم بعون الله تعالى الجزء الثاني من مغازي الواقدي، ويليه الجزء ~~الثالث وأوله «شأن هدم العزى» . PageV02P871 # الجزء الثالث ### | شأن هدم العزى # قال: حدثني عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن عمرو الهذلي، قال: قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الجمعة لعشر ليال بقين من رمضان، فبث ~~السرايا في كل وجه. أمرهم أن يغيروا على من لم ms649 يكن على الإسلام. فخرج هشام ~~بن العاص فى مائتين قبل يلملم [ (1) ] ، وخرج خالد ابن سعيد بن العاص فى ~~ثلاثمائة، قبل عرنة. وبعث خالد بن الوليد إلى العزى يهدمها، فخرج خالد في ~~ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهى إليها وهدمها. ثم رجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: هدمت؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هل رأيت شيئا ما؟ ~~قال: لا. قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها. ~~فرجع خالد وهو متغيظ، فلما انتهى إليها جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة ~~سوداء، عريانة، ناشرة الرأس. فجعل السادن يصيح بها. قال خالد: وأخذني ~~اقشعرار في ظهري، فجعل يصيح: # أيا عز شدي [ (2) ] شدة لا تكذبى %~% على خالد [ (3) ] ألقي القناع وشمرى # أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا %~% فبوئي [ (4) ] بذنب عاجل أو تنصرى ~~PageV03P873 # قال: وأقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول: # يا عز كفرانك لا سبحانك [ (1) ] %~% إني وجدت [ (2) ] الله قد أهانك # قال: فضربها بالسيف فجز لها [ (3) ] باثنين، ثم رجع إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم ~~أبدا. ~~ثم قال خالد: أي رسول الله، الحمد لله الذي أكرمنا وأنقذنا من الهلكة! ~~إني كنت أرى أبي يأتي إلى العزى بحتره [ (4) ] ، مائة من الإبل والغنم، ~~فيذبحها للعزى، ويقيم عندها ثلاثا ثم ينصرف إلينا مسرورا، فنظرت إلى ما مات ~~عليه أبي، وذلك الرأي الذي كان يعاش في فضله، كيف خدع حتى صار يذبح لحجر لا ~~يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأمر إلى الله، فمن يسره ~~للهدى تيسر، ومن يسره للضلالة كان فيها. ~~وكان هدمها لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان. وكان سادنها أفلح بن نضر ~~الشيباني من بني سليم، فلما حضرته الوفاة دخل عليه وهو حزين، فقال له أبو ~~لهب: ~~فلا تحزن، فأنا أقوم عليها بعدك. فجعل كل من لقي قال: إن تظهر العزى كنت ~~قد اتخذت يدا عندها بقيامي عليها، ms650 وإن يظهر محمد على العزى- ولا أراه يظهر- ~~فابن أخي! فأنزل الله عز وجل: تبت يدا أبي لهب [ (5) ] ، ويقال إنه قال هذا ~~فى اللات. وقال حسان بن ثابت .... PageV03P874 ### || باب ذكر من قتل من المسلمين يوم الفتح # رجلان أخطئا الطريق، كرز بن جابر الفهري، وخالد الأشعر، من بني كعب. # وقتل من المشركين صبرا بالسيف ابن خطل، قتله أبو برزة، والحويرث ابن نقيذ ~~[ (1) ] ، قتله علي بن أبي طالب عليه السلام، ومقيس بن صبابة، قتله نميلة. ~~وقتل من المشركين بالخندمة أربعة وعشرون قتيلا. ### | غزوة بني جذيمة # قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي ~~جعفر، قال: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو مقيم بمكة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني ~~جذيمة، وبعثه داعيا لهم إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلا فخرج فى المسلمين من ~~المهاجرين والأنصار وبنى سليم، فكانوا ثلاثمائة وخمسين رجلا، فانتهى إليهم ~~بأسفل مكة، فقيل لبني جذيمة: هذا خالد بن الوليد معه المسلمون. قالوا: ونحن ~~قوم مسلمون، قد صلينا وصدقنا بمحمد، وبنينا المساجد وأذنا فيها. فانتهى ~~إليهم خالد فقال: الإسلام! قالوا: ~~نحن مسلمون! قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين قوم من ~~العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح لأن ندفع عن أنفسنا من ~~خالف دين الإسلام. قال: فضعوا السلاح! فقال لهم رجل PageV03P875 ~~منهم يقال له جحدم: يا بني جذيمة، إنه والله خالد! وما يطلب محمد من أحد ~~أكثر من أن يقر بالإسلام، ونحن مقرون بالإسلام، وهو خالد لا يريد بنا ما ~~يراد بالمسلمين، وإنه ما يقدر مع السلاح إلا الإسار، ثم بعد الإسار السيف! ~~قالوا: نذكرك الله، تسومنا. فأبى يلقي [ (1) ] سيفه حتى كلموه جميعا فألقى ~~سيفه وقالوا: إنا مسلمون والناس قد أسلموا، وفتح محمد مكة، فما نخاف من ~~خالد؟ فقال: أما والله ليأخذنكم بما تعلمون من الأحقاد القديمة. فوضع القوم ~~السلاح، ثم قال لهم خالد: استأسروا! فقال جحدم: يا قوم، ms651 ما يريد من قوم ~~مسلمين يستأسرون! إنما يريد ما يريد، فقد خالفتموني وعصيتم أمري، وهو والله ~~السيف. فاستأسر القوم، فأمر بعضهم يكتف بعضا، فلما كتفوا دفع إلى كل رجل من ~~المسلمين الرجل والرجلين، وباتوا في وثاق، فكانوا إذا جاء وقت الصلاة ~~يكلمون المسلمين فيصلون ثم يربطون. فلما كان في السحر، والمسلمون قد ~~اختلفوا بينهم، فقائل يقول: ما نريد بأسرهم، نذهب بهم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقائل يقول: ننظر هل يسمعون أو يطيعون، ونبلوهم ونخبرهم. ~~والناس على هذين القولين، فلما كان في السحر نادى خالد بن الوليد: ~~من كان معه أسير فليذافه- والمذافة: الإجهاز عليه بالسيف. فأما بنو سليم ~~فقتلوا كل من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم. # قال: فحدثني موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: كنت مع خالد ~~بن الوليد وكان في يدي أسير، فأرسلته وقلت: اذهب حيث شئت! وكان مع أناس من ~~الأنصار أسارى فأرسلوهم. PageV03P876 # قال: وحدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: ~~وأرسلت أسيري، وما أحب أني قتلته وأن لي ما طلعت عليه شمس أو غربت، وأرسل ~~قومي معي من الأنصار أسراهم. # قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: ~~لما نادى خالد «من كان معه أسير فليذافه» أرسلت أسيري. # قال: حدثني عبد الله بن يزيد، عن ضمرة بن سعيد، قال: سمعت أبا بشير ~~المازني يقول: كان معي أسير منهم. قال: فلما نادى خالد «من كان معه أسير ~~فليذافه» أخرجت سيفي لأضرب عنقه، فقال لي الأسير: ~~يا أخا الأنصار، إن هذا لا يفوتك، انظر إلى قومك! قال: فنظرت فإذا ~~الأنصار طرا قد أرسلوا أساراهم. قال: قلت: انطلق حيث شئت! فقال: بارك الله ~~عليكم، ولكن من كان أقرب رحما منكم قد قتلونا! بنو سليم. # قال: فحدثني إسحاق بن عبد الله، عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: لما نادى ~~خالد بن الوليد في الأسرى يذافون، وثبت بنو سليم على أسراهم فذافوهم- وأما ~~المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم- غضب ms652 خالد على من أرسل من الأنصار، ~~فكلمه يومئذ أبو أسيد الساعدي وقال: اتق الله يا خالد، والله ما كنا لنقتل ~~قوما مسلمين! قال: وما يدريك؟ قال: ~~نسمع إقرارهم بالإسلام، وهذه المساجد بساحتهم. # قال: حدثني عبد الله بن يزيد بن قسيط، عن أبيه، عن عبد الرحمن ابن عبد ~~الله بن أبي حدرد، عن أبيه، قال: إنا في الجيش وقد كتفت بنو جذيمة، أمر ~~بعضهم فكتف بعضا. فقال رجل من الأسرى: يا فتى! PageV03P877 ~~فقلت: ما تريد؟ قال: هل أنت آخذ برمتى [ (1) ] هذه فمقدمى إلى النسيات، ~~ثم رادي ففاعل بي ما فعل بأصحابي؟ قال: قد سألت يسيرا. قال: ~~وأخذت برمته فانتهيت به إلى النسوة. فلما انتهى إليهن كلم امرأة منهن ~~ببعض ما يريد. قال: ثم رجعت به حتى رددته في الأسرى، فقام بعضهم فضرب عنقه. # ويقال: إن فتى من بني جذيمة أدركه الجيش عشية، فنادى في القوم فكف عنه، ~~وكان الذين يطلبونه [ (2) ] بنو سليم، وكانوا عليه متغيظين في حروب كانت ~~بينهم ببرزة [ (3) ] وغيرها، وكانت بنو جذيمة قد أصابوهم ببرزة وهم موتورون ~~يريدون القود منهم. فشجعوا عليه، فلما لم ير إلا أنهم يقتلونه شد عليهم ~~فقتل منهم رجلا، ثم شد عليهم ثانية فقتل منهم آخر، ثم جاء الظلام فحال ~~بينهم، ووجد الفتى فرجة، حتى إذا كان الغداة جاء وقد قتل من القوم رجلين، ~~والنساء والذرية في يد خالد، فاستأمن فعرض فرسه، فلما نظروا إليه قالوا، ~~هذا الذي صنع بالأمس ما صنع، فناوشوه عامة النهار ثم أعجزهم وكر عليهم، ~~فقال: هل لكم أن أنزل، على أن تعطوني عهدا وميثاقا لتصنعن بى ما تصنعون ~~بالظعن، إن استحييتموهن استحييت وإن قتلتموهن قتلت؟ قالوا: لك ذلك. ~~فنزل بعهد الله وميثاقه، فلما نزل قالت بنو سليم: هذا صاحبنا الذي فعل ~~بالأمس ما فعل. قالوا: انطلقوا به إلى الأسرى من الرجال، فإن قتله خالد فهو ~~إمام ونحن له تبع، وإن عفا عنه كان كأحدهم. فقال بعضهم: إنما جعلنا له ~~العهد والميثاق أن يكون مع الظعن، وأنتم تعلمون PageV03P878 ~~أن خالدا لا ms653 يقتل الظعن، إما يقسمهن وإما يعفو عنهن. قال الفتى: ~~فإذا فعلتم بي ما فعلتم، فانطلقوا بي إلى نسيات هناك، ثم اصنعوا بي ما ~~بدا لكم. قال: ففعلوا، وهو مكتوف برمة، حتى وقف على امرأة منهن، فأخلد إلى ~~الأرض وقال: أسلمي حبيش على نفد العيش [ (1) ] ! لا ذنب لي! قد قلت شعرا: # أثيبي [ (2) ] بود قبل أن تشحط [ (3) ] النوى %~% وينأى الأمير بالحبيب ~~المفارق # ألم يك حقا أن ينول عاشق %~% تكلف إدلاج [ (4) ] السرى والودائق [ (5) ] # ألم أك قد طالبتكم فلقيتكم %~% بحلية [ (6) ] أو أدركتكم بالخوانق [ (7) ~~] # فإني لا ضيعت سر أمانة %~% ولا راق عيني بعدك اليوم رائق # سوى أن ما نال العشيرة شاغل %~% لنا عنك إلا أن يكون التواثق # أنشدنيها ابن قسيط وابن أبي الزناد. # قال: فحدثني عبد الله بن أبي حرة، عن الوليد، عن الوليد، عن سعيد، عن ~~حنظلة بن علي، قال: أقبلت امرأة يومئذ بعد أن ضربت عنقه. يقول: PageV03P879 ~~ثم وضعت فاها على فيه فالتقمته، فلم تزل تقبله حتى ماتت. # قال: حدثني عبد الله بن زيد، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: لما قدم ~~خالد بن الوليد على النبي صلى الله عليه وسلم عاب عبد الرحمن بن عوف على ~~خالد ما صنع، قال: يا خالد، أخذت بأمر الجاهلية! قتلتهم بعمك الفاكه، قاتلك ~~الله! قال: وأعانه عمر بن الخطاب على خالد، فقال خالد: أخذتهم بقتل أبيك! ~~فقال عبد الرحمن: كذبت والله، لقد قتلت قاتل أبي بيدي وأشهدت على قتله ~~عثمان بن عفان. ثم التفت إلى عثمان فقال: أنشدك الله، هل علمت أني قتلت ~~قاتل أبي؟ ~~فقال عثمان: اللهم، نعم. ثم قال عبد الرحمن: ويحك يا خالد، ولو لم أقتل ~~قاتل أبي كنت تقتل قوما مسلمين بأبي في الجاهلية؟ قال خالد: ~~ومن أخبرك أنهم أسلموا؟ فقال: أهل السرية كلهم يخبروننا أنك وجدتهم قد ~~بنوا المساجد وأقروا بالإسلام، ثم حملتهم على السيف. قال: جاءني رسول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن أغير عليهم، فأغرت بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فقال عبد الرحمن: كذبت على رسول ms654 الله صلى الله عليه وسلم! وغالظ عبد ~~الرحمن، وأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خالد وغضب عليه، وبلغه ما ~~صنع بعبد الرحمن فقال: يا خالد، ذروا لي أصحابي! متى ينك أنف المرء ينك! لو ~~كان أحد ذهبا تنفقه قيراطا قيراطا في سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من ~~غدوات أو روحات عبد الرحمن بن عوف! # قال: حدثني عبد الله بن عمر، عن نافع، ~~عن ابن عمر، قال: ~~قال عمر لخالد: ويحك يا خالد، أخذت بني جذيمة بالذي كان من أمر الجاهلية! ~~أو ليس الإسلام قد محا ما كان قبله في الجاهلية؟ فقال: ~~يا أبا حفص، والله، ما أخذتهم إلا بالحق! أغرت على قوم مشركين PageV03P880 ~~وامتنعوا، فلم يكن لى بد- إذا امتنعوا- من قتالهم، فأسرتهم ثم حملتهم على ~~السيف. فقال عمر: أي رجل تعلم عبد الله بن عمر؟ قال: أعلمه والله رجلا ~~صالحا. قال: فهو أخبرني غير الذي أخبرتني، وكان معك في ذلك الجيش. قال ~~خالد: فإني أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فانكسر عنه عمر، وقال: ويحك، ايت ~~رسول الله يستغفر لك! # قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أهله، ~~عن أبي قتادة، وكان في القوم، قال: لما نادى خالد في السحر «من كان معه ~~أسير فليذافه» أرسلت أسيري وقلت لخالد: اتق الله، فإنك ميت! وإن هؤلاء قوم ~~مسلمون! قال: يا أبا قتادة، إنه لا علم لك بهؤلاء. ~~قال أبو قتادة: فإنما يكلمني خالد على ما في نفسه من الترة عليهم. # قالوا: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خالد بن الوليد رفع ~~يديه حتى رؤي بياض إبطيه، وهو يقول: اللهم، إني أبرأ إليك مما صنع خالد! ~~وقدم خالد والنبي صلى الله عليه وسلم عاتب. # قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، ~~قال: كان بين عبد الرحمن بن عوف وخالد كلام، فأعرض عنه عبد الرحمن، فمشى ~~خالد بعثمان بن عفان إلى عبد الرحمن، فاعتذر إليه حتى رضي ms655 عنه فقال: استغفر ~~لي يا أبا محمد! # قالوا: ودخل عمار على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ~~لقد حمش قوما [ (1) ] قد صلوا وأسلموا. ثم وقع بخالد عند النبي صلى الله، ~~عليه وسلم، وخالد جالس لا يتكلم، فلما قام عمار وقع به خالد، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: مه يا خالد! لا تقع بأبي اليقظان، فإنه PageV03P881 ~~من يعاده يعاده الله، ومن يبغضه يبغضه الله، ومن يسفهه يسفهه الله. # قالوا: فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة استقرض مالا بمكة، ~~ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام فأعطاه مالا، فقال: ~~انطلق إلى بني جذيمة واجعل يأمر الجاهلية تحت قدميك، فد [ (1) ] لهم ما ~~أصاب خالد بن الوليد. فخرج علي عليه السلام بذلك المال حتى جاءهم، فودى لهم ~~ما أصاب خالد، ودفع إليهم مالهم، وبقي لهم بقية المال، فبعث علي عليه ~~السلام أبا رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستزيده، فزاده مالا، ~~فودى لهم كل ما أصاب، حتى إنه ليدي لهم ميلغة [ (2) ] الكلب، حتى إذا لم ~~يبق لهم شيء يطلبونه بقي مع علي عليه السلام بقية من المال. فقال علي عليه ~~السلام: هذه البقية من هذا المال لكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ~~أصاب خالد، مما لا يعلمه ولا تعلمونه. فأعطاهم ذلك المال، ثم انصرف إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره. ويقال إنما المال الذي بعث به مع علي ~~عليه السلام كان استقرضه النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبي ربيعة، ~~وصفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، فبعث مع علي عليه السلام، فلما رجع ~~علي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما صنعت يا علي؟ فأخبره ~~وقال: يا رسول الله، قدمنا على قوم مسلمين، قد بنوا المساجد بساحتهم، فوديت ~~لهم كل من قتل خالد حتى ميلغة الكلاب، ثم بقي معي بقية من المال فقلت: هذا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ms656 لا يعلمه ولا تعلمونه. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ~~أصبت! ما أمرت خالدا بالقتل، إنما أمرته بالدعاء. ~~وكان رسول الله صلى PageV03P882 ~~الله عليه وسلم لا يقبل على خالد، ويعرض عنه، وخالد يتعرض لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ويحلف ما قتلهم على ترة ولا عداوة. فلما قدم علي ووداهم ~~أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد، فلم يزل عنده من علية أصحابه ~~حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن عبد الملك بن ~~أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا ~~خالد بن الوليد، فإنما هو سيف من سيوف الله، سله على المشركين! # قال: وحدثني محمد بن حرب، عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبي الأحوص، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: نعم عبد الله خالد بن الوليد، وأخو ~~العشيرة، وسيف من سيوف الله، سله على الكفار والمنافقين! # قال: وحدثني يوسف بن يعقوب بن عتبة، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن عبد ~~الملك بن عبد الرحمن بن الحارث، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خالد بن الوليد يغير على بني كنانة، إلا أن يسمع أذانا أو يعلم إسلاما، ~~فخرج حتى انتهى إلى بني جذيمة فامتنعوا أشد الامتناع، وقاتلوا وتلبسوا ~~السلاح، فانتظر بهم صلاة العصر والمغرب والعشاء لا يسمع أذانا، ثم حمل ~~عليهم فقتل من قتل وأسر من أسر، فادعوا بعد الإسلام. قال عبد الملك: وما ~~عتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك [على خالد] ولقد كان المقدم حتى ~~مات. ولقد خرج معه بعد ذلك إلى حنين على مقدمته، وإلى تبوك، وبعثه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أكيدر ودومة الجندل، فسبى من سبى ثم صالحهم، ~~ولقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلحارث بن كعب إلى نجران أميرا PageV03P883 ~~وداعيا إلى الله، ولقد خرج مع رسول الله صلى الله ms657 عليه وسلم في حجة ~~الوداع، فلما حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه أعطاه ناصيته، فكانت ~~في مقدم قلنسوته، فكان لا يلقى أحدا إلا هزمه الله تعالى، ولقد قاتل يوم ~~اليرموك فوقعت قلنسوته. فجعل يقول: القلنسوة! القلنسوة! فقيل له بعد ذلك: ~~يا أبا سليمان، عجبا لطلبك القلنسوة وأنت في حومة القتال! فقال: ~~إن فيها ناصية النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ألق بها أحدا إلا ولى. ولقد ~~توفي خالد يوم توفي، وهو مجاهد في سبيل الله، وقبره بحمص، فأخبرني من غسله ~~وحضر موته، ونظر إلى ما تحت ثيابه، ما فيه مصح، ما بين ضربة بسيف أو طعنة ~~برمح أو رمية بسهم. ولقد كان عمر بن الخطاب الذي بينه وبينه ليس بذلك، ثم ~~يذكره بعد فيترحم عليه ويتندم على ما كان صنع في أمره، ويقول: سيف من سيوف ~~الله تعالى! ~~ولقد نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هبط من لفت [ (1) ] في حجته، ~~ومعه رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ فقال الرجل: فلان. ~~قال: بئس عبد الله فلان! ثم طلع آخر فقال: من الرجل؟ فقال: فلان. فقال: بئس ~~عبد الله فلان! ثم طلع خالد بن الوليد فقال: من هذا؟ قال: خالد ابن الوليد. ~~قال: نعم عبد الله خالد بن الوليد! ~~وقال رجل من بني جذيمة مبيض قال: سمعت خالد بن إلياس يقول: بلغنا أنه قتل ~~منهم قريبا من ثلاثين رجلا. PageV03P884 ### | غزوة حنين # حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي قال: حدثنا الواقدي قال: حدثنا ~~محمد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، ومحمد بن صالح، وأبو ~~معشر، وابن أبي حبيبة، ومحمد بن يحيى بن سهل، وعبد الصمد بن محمد السعدي، ~~ومعاذ بن محمد، وبكير بن مسمار، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، فكل قد ~~حدثنا بطائفة، وغير هؤلاء حدثنا ممن لم أسم، أهل ثقة، فكل قد حدثنا بطائفة ~~من هذا الحديث، وبعضهم أوعى له من بعض، وقد جمعت كل ما ms658 قد حدثوني به. # قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مشت أشراف هوازن بعضها ~~إلى بعض، وثقيف بعضها إلى بعض، وحشدوا وبغوا وأظهروا أن قالوا: والله ما ~~لاقى محمد قوما يحسنون القتال، فأجمعوا أمركم فسيروا إليه قبل أن يسير ~~إليكم. فأجمعت هوازن أمرها وجمعها مالك بن عوف [ (1) ] وهو يومئذ ابن ~~ثلاثين سنة- وكان سيدا فيها، وكان مسبلا [ (2) ] ، يفعل في ماله ويحمد. ~~فاجتمعت هوازن كلها، وكان في ثقيف سيدان لها يومئذ: ~~قارب بن الأسود بن مسعود في الأحلاف، هو [الذي] قادها، وفي بني مالك ذو ~~الخمار سبيع بن الحارث- ويقال الأحمر بن الحارث- وهو الذي قادها مواليا [ ~~(3) ] ثقيفا، فأوعبت كلها مع هوازن، وقد أجمعوا المسير إلى محمد، فوجد ~~ثقيفا إلى ذلك سراعا، فقالوا: قد كنا نهم بالمسير إليه، ونكره أن ~~PageV03P885 ~~يسير إلينا، ومع ذلك لو سار إلينا لوجد حصنا حصينا نقاتل دونه، وطعاما ~~كثيرا، حتى نصيبه أو ينصرف، ولكنا لا نريد ذلك، ونسير معكم ونكون يدا ~~واحدة. فخرجوا معهم. قال غيلان بن سلمة الثقفي لبنيه، وهم عشرة: ~~إني أريد أمرا كائنة له أمور، لا يشهدها رجل منكم إلا على فرسه. فشهدها ~~عشرة من ولده على عشرة أفراس، فلما انهزموا بأوطاس هربوا، فدخلوا حصن ~~الطائف فغلقوه. وقال كنانة بن عبد ياليل: يا معشر ثقيف، إنكم تخرجون من ~~حصنكم وتسيرون إلى رجل لا تدرون أيكون لكم أم عليكم، فمروا بحصنكم أن يرم ~~ما رث منه، فإنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه. فأمروا به أن يصلح، وخلفوا ~~على مرمته رجلا وساروا، وشهدها ناس من بني هلال ليسوا بكثير، ما يبلغون ~~مائة، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولقد كانت كلاب قريبة، فقيل ~~لبعضهم: لم تركتها كلاب فلم تحضرها؟ فقال: أما والله إن كانت لقريبة، ولكن ~~ابن أبي البراء مشى فنهاها عن الحضور فأطاعته، وقال: والله، لو نأوا محمدا ~~[ (1) ] من بين المشرق والمغرب لظهر عليه [ (2) ] . # ونصرها دريد بن الصمة في بني جشم، وهو يومئذ ابن ستين ومائة سنة، شيخ ~~كبير ليس فيه شيء إلا ms659 التيمن به ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وقد ذهب ~~بصره يومئذ. وجماع الناس، ثقيف وغيرها من هوازن، إلى مالك بن عوف النصري، ~~فلما أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس ~~فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا بأوطاس، واجتمع الناس به ~~فعسكروا وأقاموا به، وجعلت الأمداد PageV03P886 ~~تأتيهم من كل ناحية. ودريد بن الصمة يومئذ في شجار [ (1) ] يقاد به على ~~بعير، فمكث على بعيره، فلما نزل الشيخ لمس الأرض بيده، فقال: بأى واد أنتم؟ ~~بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل! لا حزن ضرس [ (2) ] ، ولا سهل دهس [ (3) ] ! ~~ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وثغاء الشاء، وخوار البقر، وبكاء ~~الصغير؟ قالوا: ساق مالك من الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: يا معشر ~~هوازن، أمعكم من بني كلاب بن ربيعة أحد؟ ~~قالوا: لا. قال: فمعكم من بني كعب بن ربيعة أحد؟ قالوا: لا. قال: ~~فهل معكم من بني هلال بن عامر أحد؟ قالوا: لا. قال دريد: لو كان خيرا ما ~~سبقتموهم إليه، ولو كان ذكرا أو شرفا ما تخلفوا عنه، فأطيعوني يا معشر ~~هوازن، وارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء! فأبوا عليه. قال: فمن شهدها منكم؟ ~~قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر. قال: ذلك الجذعان [ (4) ] من عامر، لا ~~يضران ولا ينفعان! ثم قال: أين مالك؟ قالوا: هذا مالك. ~~فدعا له فقال: يا مالك، إنك تقاتل رجلا كريما، وقد أصبحت رئيس قومك، وإن ~~هذا اليوم كائن لما بعده من الأيام! يا مالك، ما لي أسمع رغاء البعير، ~~ونهاق الحمير، وخوار البقر، وبكاء الصغير، وثغاء الشاء؟ ~~قال مالك: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم. قال دريد: ولم؟ ~~قال مالك: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله وولده ونساءه حتى ~~PageV03P887 ~~يقاتل عنهم [ (1) ] . قال: فأنقض [ (2) ] بيده، ثم قال: راعي ضأن، ما له ~~وللحرب؟ وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لكم لم ينفعك إلا رجل بسيفه ~~ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك! ثم قال: ~~ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم ms660 يشهدها منهم أحد. قال: غاب الجد والحد، ولو ~~كان يوم رفعة وعلاء لم تغب عنه كعب ولا كلاب. يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم ~~بيضة [ (3) ] هوازن إلى نحور الخيل شيئا، فإذا صنعت ما صنعت فلا تعصني في ~~هذه الخطة، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعليا قومهم وعزهم، ثم الق القوم على ~~متون الخيل، فإن كانت [ (4) ] لك لحق بك من وراءك، وكان أهلك لا خوف عليهم، ~~وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. فغضب مالك من قوله وقال: ~~والله لا أفعل، ولا أغير أمرا صنعته، إنك قد كبرت وكبر علمك، وحدث بعدك من ~~هو أبصر بالحرب منك! قال دريد: يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي! هذا ~~فاضحكم في عورتكم وممكن منكم عدوكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا ~~واتركوه! فسل مالك سيفه، ثم نكسه [ (5) ] ، ثم قال: ~~يا معشر هوازن، والله لتطيعنني أو لأتكئن على السيف حتى يخرج من ظهري! ~~وكره مالك أن يكون لدريد فيها ذكر ورأي، فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: والله، ~~لئن عصينا مالكا، وهو شاب، ليقتلن نفسه ونبقى PageV03P888 ~~مع دريد، شيخ كبير لا قتال فيه. ابن ستين ومائة سنة. وأجمعوا أمرهم مع ~~مالك، فلما رأى ذلك دريد وأنهم قد خالفوه، قال: هذا يوم لم أشهده ولم أغب ~~عنه: # يا ليتني فيها جذع %~% أخب فيها وأضع # وكان دريد قد ذكر بالفروسية والشجاعة، ولم يكن له عشرون سنة، وكان سيد ~~بني جشم وأوسطهم نسبا، ولكن السن أدركته حتى فني فناء- وهو دريد بن الصمة ~~بن بكر بن علقمة. # قال: حدثني معمر، عن الزهري، قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكة لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح [ ~~(1) ] قالوا: وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. فأقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة يصلي ركعتين، ثم غدا يوم السبت لست ليال ~~خلون من شوال، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم، ومعاذ بن جبل يعلمهم ~~السنن ms661 والفقه. # قالوا: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفا من المسلمين، ~~عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفين من أهل مكة، فلما فصل [ (2) ] قال رجل من ~~أصحابه: لو لقينا بني شيبان ما بالينا [ (3) ] ، ولا يغلبنا اليوم أحد من ~~قلة. فأنزل الله عز وجل في ذلك: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم [ (4) ] الآية PageV03P889 # قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم، عن موسى بن عقبة، عن الزهري، عن سعيد بن ~~المسيب، قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ~~يا رسول الله، لا نغلب اليوم من قلة. فأنزل الله عز وجل في ذلك: لقد ~~نصركم الله في مواطن كثيرة.. الآية. # قال: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن ~~عتبة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الأصحاب ~~أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الحيوش أربعة آلاف، ولا تغلب اثنا عشر ~~ألفا من قلة- كلمتهم واحدة. # قالوا: وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من المشركين كثير، منهم ~~صفوان بن أمية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعار منه مائة درع ~~بأداتها كاملة، فقال: يا محمد، طوعا أو كرها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: عارية مؤداة! وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان: اكفنا ~~حملها. ~~فحملها صفوان على إبله حتى انتهوا إلى أوطاس، فدفعها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # حدثنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي- ~~وهو الحارث بن مالك- قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ~~وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط ~~[ (1) ] ، يأتونها كل سنة يعلقون عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها، يعكفون ~~عليها يوما. قال: فرأينا يوما، ونحن نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~شجرة عظيمة خضراء، فسترتنا [ (2) ] PageV03P890 ~~من جانب الطريق، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما ms662 لهم ذات ~~أنواط. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! الله أكبر! ~~قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون [ (1) ] إنها للسنن، سنن من كان قبلكم. # حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله ~~عنه، قال: كانت ذات أنواط شجرة عظيمة، أهل الجاهلية يذبحون بها ويعكفون ~~عليها يوما، وكان من حج منهم وضع رداءه عندها، ويدخل بغير رداء تعظيما لها، ~~فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين قال له رهط. من أصحابه، ~~فيهم الحارث بن مالك: يا رسول الله. اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. ~~فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، وقال: هكذا فعل قوم موسى بموسى. # قال: قال أبو بردة بن نيار: لما كنا دون أوطاس نزلنا تحت شجرة ونظرنا إلى ~~شجرة عظيمة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها، وعلق بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سيفه وقوسه. قال: وكنت من أقرب أصحابه إليه. قال: فما ~~أفزعني إلا صوته: يا أبا بردة! فقلت: لبيك! فأقبلت سريعا، فإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جالس وعنده رجل جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن هذا الرجل جاء وأنا نائم، فسل سيفي ثم قام به على رأسي ففزعت به، ~~وهو يقول: يا محمد، من يؤمنك مني اليوم؟ قلت: الله! قال أبو بردة: فوثبت ~~إلى سيفي فسللته، فقال PageV03P891 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: شم [ (1) ] سيفك! قال: قلت يا رسول الله، ~~دعني أضرب عنق عدو الله، فإن هذا من عيون المشركين. قال: فقال لي: ~~اسكت يا أبا بردة. قال: فما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ~~ولا عاقبه. قال: فجعلت أصيح به في العسكر ليشهده الناس فيقتله قاتل بغير ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أنا فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد كفني ms663 عن قتله. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قول: اله عن ~~الرجل يا أبا بردة! قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~أبا بردة، إن الله مانعي وحافظي حتى يظهر دينه على الدين كله. # قالوا: وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء ~~لعشر ليال خلون من شوال. وبعث مالك بن عوف رجالا من هوازن ينظرون إلى محمد ~~وأصحابه- ثلاثة نفر- وأمرهم أن يتفرقوا في العسكر، فرجعوا إليه وقد تفرقت ~~أوصالهم، فقال: ما شأنكم ويلكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو ~~الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى! وقالوا له: ما نقاتل أهل الأرض، إن ~~نقاتل [إلا] أهل السموات- وإن أفئدة عيونه تخفق- وإن أطعتنا رجعت بقومك، ~~فإن الناس إن رأوا مثل ما رأينا أصابهم مثل الذي أصابنا. قال: أف لكم! بل ~~أنتم قوم أجبن أهل العسكر. فحبسهم عنده فرقا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، ~~وقال: دلوني على رجل شجاع. فأجمعوا له على رجل، فخرج، ثم رجع إليه وقد ~~أصابه نحو ما أصاب من قبله منهم، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت رجالا بيضا على ~~PageV03P892 ~~خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فو الله تماسكت أن أصابني ما ترى! فلم ~~يثنه ذلك عن وجهه. # قالوا: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي حدرد [ (1) ] الأسلمي ~~فقال: انطلق فادخل في الناس حتى تأتي بخبر منهم، وما يقول مالك. ~~فخرج عبد الله فطاف في عسكرهم، ثم انتهى إلى ابن عوف فيجد عنده رؤساء ~~هوازن، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان ~~يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فينصر عليهم، فإذا كان في السحر فصفوا ~~مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا صفوفكم، ثم تكون الحملة منكم، ~~واكسروا جفون [ (2) ] سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسور الجفن [ (3) ] ، ~~واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولا! فلما وعى ذلك عبد ~~الله بن أبي حدرد رجع إلى النبي صلى الله ms664 عليه وسلم فأخبر بكل ما سمع، فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخبره بما قال، ~~فقال: ~~كذب ابن أبي حدرد. ~~فقال ابن أبي حدرد: لئن كذبتني لربما كذبت بالحق! فقال: يا رسول الله، ~~اسمع [ (4) ] ما يقول ابن أبي حدرد! قال: ~~صدق، كنت ضالا فهداك الله! # قالوا: وكان سهل بن الحنظلية الأنصاري يقول: سرنا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة هوازن، فأسرع السير حتى أتاه رجل فقال: PageV03P893 ~~يا رسول الله، قد تقطعوا من ورائك! فنزل فصلى العصر، وأوى إليه الناس ~~فأمرهم فنزلوا، وجاءه فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت [من] بين أيديكم ~~على جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن على بكرة أبيها [ (1) ] بظعنها ونسائها ~~ونعمها في وادي حنين. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله! ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ~~ألا فارس يحرسنا الليلة؟ إذ أقبل أنيس بن أبي مرثد الغنوي على فرسه، ~~فقال: أنا ذا يا رسول الله. فقال: انطلق حتى تقف على جبل كذا وكذا، فلا ~~تنزلن إلا مصليا أو قاضي حاجة، ولا تغرن من خلفك! قال: وبتنا حتى أضاء ~~الفجر، وحضرنا الصلاة، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أأحسستم فارسكم الليلة؟ قلنا: لا والله! فأقيمت الصلاة فصلى بنا، فلما سلم ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر خلال الشجر، فقال: أبشروا، قد جاء ~~فارسكم! وجاء فقال: يا رسول الله، إني وقفت على الجبل كما أمرتني، فلم أنزل ~~عن فرسي إلا مصليا أو قاضي حاجة حتى أصبحت، فلم أحس أحدا. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: انطلق فانزل عن فرسك، وأقبل علينا. فقال: ما على هذا ~~ألا يعمل بعد هذا عملا؟ # قالوا، وخرج رجال من مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يغادر منهم ~~أحدا [ (2) ]- على غير دين- ركبانا ومشاة، ينظرون لمن تكون PageV03P894 ~~الدائرة فيصيبون من الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة [ (1) ] لمحمد ~~صلى ms665 الله عليه وسلم وأصحابه. وخرج أبو سفيان بن حرب في أثر العسكر، كلما مر ~~بترس ساقط. أو رمح أو متاع من متاع النبي صلى الله عليه وسلم حمله، ~~والأزلام في كنانته، حتى أوقر [ (2) ] جمله. وخرج صفوان ولم يسلم، وهو في ~~المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاضطرب خلف الناس، ومعه ~~حكيم بن حزام. وحويطب بن عبد العزى، وسهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب. ~~والحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة، ينظرون لمن تكون الدائرة. ~~واضطربوا خلف الناس والناس يقتتلون، فمر به رجل فقال: أبشر أبا وهب! هزم ~~محمد وأصحابه! فقال له صفوان: إن ربا من قريش أحب إلي من رب من هوازن إن ~~كنت مربوبا. # قالوا: ولما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي ~~حنين- وهو واد أجوف، ذو شعاب ومضايق- وفرق الناس فيه، وأوعز إلى الناس أن ~~يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة. وعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه وصفهم صفوفا في السحر، ووضع الألوية والرايات في أهلها، مع ~~المهاجرين لواء يحمله علي عليه السلام، وراية يحملها سعد بن أبي وقاص، ~~وراية يحملها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي الأنصار رايات، مع الخزرج ~~لواء يحمله الحباب بن المنذر- ويقال لواء الخزرج الأكبر مع سعد بن عبادة- ~~ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية. ~~وفي بنى عبد الأشهل راية يحملها PageV03P895 ~~أبو نائلة، وفي بني حارثة راية يحملها أبو بردة بن نيار، وفي ظفر راية ~~يحملها قتادة بن النعمان. وراية يحملها جبر بن عتيك في بني معاوية، وراية ~~يحملها هلال بن أمية في بني واقف، وراية يحملها أبو لبابة بن عبد المنذر في ~~بني عمرو بن عوف. وراية يحملها أبو أسيد الساعدي في بني ساعدة، وراية ~~يحملها عمارة بن حزم في بني مالك بن النجار، وراية يحملها أبو سليط في بني ~~عدي بن النجار، وراية يحملها سليط بن قيس في بني مازن. وكانت ms666 رايات الأوس ~~والخزرج في الجاهلية خضر وحمر، فلما كان الإسلام أقروها على ما كانت عليه، ~~وكانت رايات المهاجرين سود والألوية بيض. وكان في قبائل العرب في أسلم ~~رايتان، إحداهما مع بريدة بن الحصيب، والأخرى مع جندب بن الأعجم. وكان في ~~بني غفار راية يحملها أبو ذر، ومع بني ضمرة، وليث، وسعد بن ليث راية يحملها ~~أبو واقد الليثي الحارث بن مالك. وكان مع كعب بن عمرو رايتان يحمل إحداهما ~~بشر بن سفيان، والأخرى أبو شريح. وكان في بني مزينة ثلاث رايات، راية ~~يحملها بلال بن الحارث، راية يحملها النعمان بن مقرن، وراية يحملها عبد ~~الله بن عمرو بن عوف. وكان في جهينة أربع رايات، راية مع رافع بن مكيث، ~~وراية مع عبد الله بن يزيد، وراية مع أبي زرعة معبد بن خالد، وراية مع سويد ~~بن صخر. وكانت في بني أشجع رايتان، واحدة مع نعيم بن مسعود، والأخرى مع ~~معقل بن سنان. وكانت في بني سليم ثلاث رايات، راية مع العباس بن مرداس، ~~وراية مع خفاف بن ندبة، وراية مع الحجاج بن علاط [ (1) ] . وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV03P896 ~~قد قدم سليما من يوم خرج من مكة فجعلهم مقدمة الخيل، واستعمل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدمته حتى ورد الجعرانة. ~~قالوا: وانحدر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وقد مضت مقدمته وهو ~~على تعبئة في وادي حنين، فانحدر رسول الله صلى الله عليه وسلم انحدارا- وهو ~~واد حدور [ (1) ]- وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته البيضاء دلدل، ~~ولبس درعين والمغفر والبيضة، واستقبل الصفوف، وطاف عليها بعضها خلف بعض ~~ينحدرون في الوادي، فحضهم على القتال وبشرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، فبينا ~~هم على ذلك ينحدرون في غلس [ (2) ] الصبح. # فكان أنس بن مالك يحدث يقول: لما انتهينا إلى وادي حنين- وهو واد من ~~أودية تهامة له مضايق وشعاب- فاستقبلنا من هوازن شيء، لا والله ما رأيت ~~مثله في ذلك الزمان قط من السواد والكثرة! قد ms667 ساقوا نساءهم وأموالهم ~~وأبناءهم وذراريهم ثم صفوا صفوفا، فجعلوا النساء فوق الإبل وراء صفوف ~~الرجال، ثم جاءوا بالإبل والبقر والغنم فجعلوها وراء ذلك، لئلا يفروا ~~بزعمهم. فلما رأينا ذلك السواد حسبناه رجالا كلهم، فلما تحدرنا في الوادي، ~~فبينا نحن فيه غلس الصبح، إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق ~~الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة، فانكشف أول الخيل- خيل سليم- مولية فولوا، ~~وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين، ما يلوون على شيء. ~~قال أنس: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتفت عن يمينه ويساره ~~والناس منهزمون، وهو يقول: يا أنصار الله وأنصار PageV03P897 ~~رسوله! أنا عبد الله ورسوله صابر! ~~قال: ثم تقدم بحربته أمام الناس، فو الذى بعثه بالحق، ما ضربنا بسيف ولا ~~طعنا برمح حتى هزمهم الله، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى العسكر ~~وأمر أن يقتل من قدر عليه منهم، وجعلت هوازن تولي وثاب من انهزم من ~~المسلمين. # قال: حدثني معمر، ومحمد بن عبد الله، عن الزهري، عن كثير بن العباس بن ~~عبد المطلب، عن أبيه، قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون، ~~فولى المسلمون يومئذ، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا ~~أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذا بثفر [ (1) ] بغلة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، والنبى صلى الله عليه وسلم لا يألوا ما أسرع نحو المشركين. ~~قال: فأتيته حتى أخذت بحكمة [ (2) ] بغلته، وهو على بغلة له شبهاء، فشجرتها ~~[ (3) ] بالحكمة، وكنت رجلا صيتا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~رأى من الناس ما رأى، لا يلوون على شيء، قال: يا عباس، اصرخ: يا معشر ~~الأنصار! يا أصحاب السمرة [ (4) ] ! فناديت: يا معشر الأنصار! يا أصحاب ~~السمرة! قال: فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها، يقولون: يا لبيك! ~~يا لبيك! فيذهب الرجل PageV03P898 ~~منهم فيثني بعيره فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقدمها في عنقه، ويأخذ ~~ترسه وسيفه ثم يقتحم عن بعيره فيخلي سبيله في الناس، ويؤم الصوت حتى ينتهي ms668 ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا ثاب إليه الناس اجتمعوا، فكانت ~~الدعوة أولا: يا للأنصار! ثم قصرت الدعوة فنادوا: ~~يا للخزرج! قال: وكانوا صبرا عند اللقاء، صدقا عند الحرب. قال: ~~فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمتطاول في ركائبه، فنظر إلى ~~قتالهم فقال: الآن حمي الوطيس! ثم أخذ بيده من الحصى فرماهم، ثم قال: ~~انهزموا، ورب الكعبة! فو الله ما زلت أرى أمرهم مدبرا، وحدهم كليلا حتى ~~هزمهم الله، وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على ~~بغلته. ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته. ~~ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للعباس: ~~ناد «يا أصحاب السمرة!» فرجعت الأنصار وهم يقولون: الكرة بعد الفرة. ~~قال: فعطفوا عطفة البقر على أولادها، قد شرعوا الرماح حتى إني لأخاف على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رماحهم أشد من خوفي رماح المشركين، يؤمون ~~الصفوف ويقولون: يا لبيك! يا لبيك! فلما اختلطوا واجتلدوا [ (1) ] ، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قائم على بغلته في ركائبه، يقول: اللهم، إني أسلك ~~[ (2) ] وعدك، لا ينبغي لهم أن يظهروا. ثم قال للعباس: ~~ناولني حصيات! فناوله حصيات من الأرض، ثم قال: شاهت الوجوه! ورمى بها ~~وجوه المشركين، وقال: انهزموا، ورب الكعبة! # قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد ~~العزيز، عن عاصم بن عمرو بن PageV03P899 ~~قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما انكشف ~~الناس والله ما رجعت راجعة هزيمتهم حتى وجد الأسرى عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم مكتفين. قال: والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ إلى أبي ~~سفيان بن الحارث وهو مقنع في الحديد، وكان ممن صبر يومئذ، وهو آخذ بثفر ~~بغلة النبي صلى الله عليه وسلم قال: من هذا؟ ~~قال: ابن أمك يا رسول الله. ويقال إنه قال: من أنت؟ قال: أخوك- فداك أبي ~~وأمي- أبو سفيان بن الحارث. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم أخي، ms669 ~~ناولني حصى من الأرض! ~~فناولته فرمى بها في أعينهم كلهم، وانهزموا. # قالوا: فلما انكشف الناس انحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ~~وهو واقف على دابته لم ينزل، إلا أنه قد جرد سيفه وطرح غمد وبقي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، العباس، وعلي، ~~والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة ابن الحارث، وأيمن بن عبيد ~~الخزرجي، وأسامة بن زيد، وأبو بكر، وعمر عليهم السلام. ~~ويقال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انكشف الناس، قال لحارثة بن ~~النعمان: يا حارثة، كم ترى الذين ثبتوا؟ قال: ~~فلما التفت ورائي تحرجا [ (1) ] ، فنظرت عن يميني وشمالي فحزرتهم مائة، ~~فقلت: يا رسول الله، هم مائة! حتى كان يوم مررت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهو يناجي جبريل عليه السلام عند باب المسجد، فقال PageV03P900 ~~جبريل عليه السلام: من هذا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~حارثة بن النعمان. فقال جبريل عليه السلام: هذا أحد المائة الصابرة يوم ~~حنين، لو سلم لرددت عليه السلام. فأخبره [ (1) ] النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقف معك. # وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ حين انكشف الناس عنه ولم يبق ~~إلا المائة الصابرة: اللهم، لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان! ~~قال له جبريل: لقد لقنت [ (2) ] الكلمات التي لقن الله موسى يوم فلق ~~البحر أمامه وفرعون خلفه. # قال: حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، ~~قالت: إن حارثة بن النعمان مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يناجي جبريل ~~عليه السلام وهما قائمان، فسلم عليهما حارثة، فلما كان بعد ذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت الرجل؟ قال حارثة: ~~نعم، ولا أدري من هو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو جبريل عليه ~~السلام، وقد رد عليك السلام. ويقال: إن المائة الصابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون ~~من المهاجرين، وسبعة ms670 وستون من الأنصار، والعباس، وأبو سفيان، العباس آخذ ~~بلجام بغلته، وأبو سفيان عن يمينه، وحف به المهاجرون والأنصار. وكان ابن ~~عباس يحدث قال: مر جبريل، وحارثة بن النعمان مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~واقف، فقال: من هذا يا محمد؟ فقال: ~~حارثة بن النعمان. ~~فقال جبريل عليه السلام: هذا أحد الثمانين الصابرة، وقد تكفل الله لهم ~~بأرزاقهم وأرزاق عيالهم في الجنة. وكان ابن عباس PageV03P901 ~~يقول: وكان أبو سفيان بن الحارث من الذين تكفل الله بأرزاقهم وأرزاق ~~عيالهم في الجنة. # قالوا: وكان البراء بن عازب يقول: والله الذي لا إله إلا هو، ما ولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه وقف واستنصر، ثم نزل وهو يقول: # أنا النبي لا كذب %~% أنا ابن عبد المطلب # فأنزل الله عليه نصره، وكبت عدوه، وأفلح حجته. # قالوا: وكان رجل من هوازن على جمل أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح له ~~طويل أمام الناس، إذا أدرك طعن، قد أكثر في المسلمين القتل، فيصمد له أبو ~~دجانة فعرقب جمله، فسمع خرخرة [ (1) ] جمله واكتسع الجمل، ويشد علي وأبو ~~دجانة عليه، فيقطع علي يده اليمنى، ويقطع أبو دجانة يده الأخرى، وأقبلا ~~يضربانه بسيفيهما جميعا حتى تثلم سيفاهما، فكف أحدهما وأجهز الآخر عليه، ثم ~~قال أحدهما لصاحبه: امض، لا تعرج على سلبه! فمضيا يضربان أمام النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ويعترض لهما فارس من هوازن بيده راية حمراء، فضرب أحدهما ~~يد الفرس ووقع لوجهه، ثم ضرباه بأسيافهما فمضيا على سلبه. ويمر أبو طلحة ~~فسلب الأول ومر بالآخر فسلبه. وكان عثمان بن عفان، وعلي، وأبو دجانة، وأيمن ~~بن عبيد يقاتلون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: حدثني سليمان بن بلال، عن عمارة بن غزية، قال: قالت أم عمارة: لما ~~كان يومئذ والناس منهزمون في كل وجه، وأنا وأربع نسوة، في يدي سيف لي صارم، ~~وأم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها- وهي يومئذ حامل بعبد الله بن أبي ~~طلحة- وأم سليط، وأم الحارث. قالوا: PageV03P902 ~~فجعلت تسله [ (1) ] وتصيح ms671 بالأنصار: أية عادة هذه [ (2) ] ! ما لكم ~~وللفرار! قالت: وأنظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق، معه لواء، يوضع جمله ~~في أثر المسلمين، فأعترض له فأضرب عرقوب الجمل، وكان جملا مشرفا [ (3) ] ، ~~فوقع على عجزه، وأشد عليه، فلم أزل أضربه حتى أثبته، وأخذت سيفا له وتركت ~~الجمل يخرخر، يتصفق [ (4) ] ظهرا لبطن، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم مصلت السيف بيده، قد طرح غمده، ~~ينادي: ~~يا أصحاب سورة البقرة! ~~قال: وكر المسلمون، فجعلوا يقولون: يا بنى عبد الرحمن! با بني عبيد الله! ~~يا خيل الله! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمى خيله خيل الله، ~~وجعل شعار المهاجرين بني عبد الرحمن، وجعل شعار الأوس بني عبيد الله. فكرت ~~الأنصار، ووقفت هوازن حلب ناقة فتوح [ (5) ] ، ثم كانت إياها، فو الله ما ~~رأيت هزيمة كانت مثلها، ذهبوا في كل وجه، فرجع ابناي إلي- حبيب وعبد الله ~~ابناي زيد- بأسارى مكتفين، فأقوم إليهم من الغيظ، فأضرب عنق واحد منهم، ~~وجعل الناس يأتون بالأسارى، فرأيت في بني مازن بن النجار ثلاثين أسيرا. ~~وكان المسلمون قد بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كروا بعد وتراجعوا، فأسهم لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم جميعا. # فكان أنس بن مالك يقول: إن أم سليم، أمي ابنة ملحان جعلت تقول: ~~يا رسول الله، أرأيت هؤلاء الذين أسلموك وفروا عنك وخذلوك! لا تعف ~~PageV03P903 ~~عنهم إذا أمكنك الله منهم، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين! فقال: ~~يا أم سليم، قد كفى الله! عافية الله أوسع! ~~ومعها يومئذ جمل أبي طلحة قد خشيت أن يغلبها، فأدنت رأسه منها فأدخلت ~~يدها في خزامته مع الخطام، وهي شادة وسطها ببرد لها، ومعها خنجر في يدها، ~~فقال لها أبو طلحة: ~~ما هذا معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته معي، إن دنا مني أحد من ~~المشركين بعجته [ (1) ] به. قال أبو طلحة: ما تسمع يا رسول الله، ما تقول ~~أم سليم؟ # وكانت أم الحارث الأنصارية أخذت بخطام جمل أبي الحارث زوجها، وكان جمله ~~يسمى المجسار، فقالت: يا حار، تترك ms672 رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأخذت ~~بخطام الجمل، يريد أن يلحق بألافه [ (2) ] ، والناس يولون منهزمين، وهي لا ~~تفارقه. فقالت أم الحارث: فمر بى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فقالت أم ~~الحارث: يا عمر. ما هذا؟ فقال عمر: أمر الله. وجعلت أم الحارث تقول: يا ~~رسول الله، من جاوز بعيري فأقتله، والله إن رأيت كاليوم ما صنع هؤلاء القوم ~~بنا! تعني بني سليم وأهل مكة الذين انهزموا بالناس. # حدثني ابن أبي سبرة قال: حدثني محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة أن سعد بن ~~عبادة يصيح يومئذ بالخزرج: يا للخزرج! يا للخزرج! وأسيد بن حضير: يا للأوس! ~~ثلاثا. فثابوا والله من كل ناحية كأنهم النحل تأوي إلى يعسوبها [ (3) ] . ~~قال: فحنق المسلمون عليهم فقتلوهم حتى PageV03P904 ~~أسرع المسلمون في قتل الذرية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية! ألا لا تقتل الذرية! ~~ثلاثا. قال أسيد بن حضير: يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوليس خياركم أولاد المشركين؟ كل ~~نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها. # قال: حدثني عبد الله بن علي، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، ~~عن جده، قال: لما تراءينا نحن والقوم رأينا سوادا لم نر مثله قط كثرة، ~~وإنما ذلك السواد نعم، فحملوا النساء عليه. قال: ~~فأقبل مثل الظلة السوداء من السماء حتى أظلت علينا وعليهم وسدت الأفق، ~~فنظرت فإذا وادي حنين يسيل بالنمل، نمل أسود مبثوث، لم أشك أنه نصر أيدنا ~~الله به، فهزمهم الله عز وجل. # قال: حدثني ابن أبي سبرة قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن يحيى ~~بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن شيوخ من قومه من الأنصار، قالوا: رأينا ~~يومئذ كالبجد [ (1) ] السود هوت من السماء ركاما [ (2) ] ، فنظرنا فإذا نمل ~~مبثوث، فإن كنا لننفضه عن ثيابنا، فكان نصر أيدنا الله به. ms673 # وكان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمرا قد أرخوها بين أكتافهم، وكان ~~الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يوم حنين [كوقع الحصى PageV03P905 ~~في الطست] [ (1) ] . فكان سويد بن عامر السوائي يحدث، وكان قد حضر يومئذ ~~فسئل عن الرعب، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن، فقال: إن كنا ~~نجد في أجوافنا مثل هذا # وكان مالك بن أوس بن الحدثان يقول: حدثني عدة من ~~قومي شهدوا ذلك اليوم يقولون: لقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك ~~الكف من الحصيات، فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينيه، ولقد كنا نجد في ~~صدورنا خفقانا كوقع الحصى في الطساس، ما يهدأ ذلك الخفقان عنا، ولقد رأينا ~~يومئذ رجالا بيضا على خيل بلق، عليهم عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، بين ~~السماء والأرض كتائب كتائب [ (2) ] ما يليقون [ (3) ] شيئا، ولا نستطيع أن ~~نقاتلهم [ (4) ] من الرعب منهم. # قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير، عن عمر بن عبد الله العبسي، عمن ~~أخبره، عن ربيعة، قال: حدثني نفر من قومنا حضروا يومئذ قالوا: كمنا لهم في ~~المضايق والشعاب، ثم حملنا عليهم حملة ركبنا أكتافهم حتى انتهينا إلى صاحب ~~بغلة شهباء، وحوله رجال بيض حسان الوجوه، فقال: شاهت الوجوه، ارجعوا! ~~فانهزمنا، وركب المسلمون أكتافنا وكانت إياها، وجعلنا نلتفت وراءنا ننظر ~~إليهم يكدوننا [ (5) ] ، فتفرقت PageV03P906 ~~جماعتنا في كل وجه، وجعلت الرعدة تسحقنا حتى لحقنا بعلياء بلادنا، فإن ~~كان ليحكى عنا الكلام ما كنا ندري به، مما كان بنا من الرعب، فقذف الله ~~الإسلام في قلوبنا. # وكانت راية الأحلاف من ثقيف مع قارب بن الأسود بن مسعود، فلما انهزم ~~الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه من الأحلاف، فلم يقتل منهم إلا ~~رجلان، من بني غيرة [ (1) ] ، وهب واللجلاج [ (2) ] . ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل اللجلاج: قتل اليوم سيد شبان ~~ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة. وكانت راية بني مالك مع ذي الخمار، فلما ~~انهزمت هوازن تبعهم المسلمون، ويستحصى القتلى [ (3) ] من ثقيف ms674 ببني مالك، ~~فقتل منهم قريب من مائة رجل تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله، فقاتل بها ~~مليا، وجعل يحث ثقيفا وهوازن على القتال حتى قتل، وكان اللجلاج رجلا من بني ~~كنة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخي بني كنة: ~~هذا سيد شبان كنة إلا ابن هنيدة- الحارث بن عبد الله بن يعمر بن إياس ابن ~~أوس بن ربيعة بن الحارث، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك. وكانت ~~كنة امرأة من غامد يمانية قد ولدت في قبائل العرب وكانت أمة، فأعتق الحارث ~~كل مملوك من بني كنة، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته: أيسرك ~~أن أهل بيت عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة مكان كنة؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، لوددت أن ذلك PageV03P907 ~~كذلك. فقال عمر: ليت أمي كنة وأن الله رزقني من برها ما رزقك. وكان أبر ~~الناس بأمه، ما كانت تأكل طعاما إلا من يده، ولا يغسل رأسها إلا هو، ولا ~~يسرح [ (1) ] رأسها إلا هو. # قالوا: وهربت ثقيف، فقال شيوخ منهم- أسلموا بعد، كانوا قد حضروا ذلك ~~اليوم- قالوا: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبنا فيما نرى، ~~ونحن مولون حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف وإنه ليظن أنه على أثره، من ~~رعب الهزيمة. # وكان أبو قتادة يحدث قال: لما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلين ~~يقتتلان، مسلما ومشركا، قد علاه المشرك، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه ~~فضربته على حبل عاتقه، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، وكاد أن ~~يقتلني لولا أن الدم نزفه، فسقط وذففت عليه ومضيت وتركت عليه سلبه، فلحقت ~~عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. قال: ~~فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله ~~سلبه. ~~فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال ms675 رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. # فقام عبد الله بن أنيس فشهد لي، ثم لقيت الأسود بن الخزاعي فشهد لي، وإذا ~~صاحبي الذي أخذ السلب لا ينكر أني قتلته- وقد قصصت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم القصة- فقال: يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي فأرضه مني. فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه: لاها الله إذا [ (2) ] ، PageV03P908 ~~لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، يعطيك سلبه! فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق، فأعطه إياه. ~~قال أبو قتادة: ~~فأعطانيه، فقال لي حاطب بن أبي بلتعة: يا أبا قتادة، أتبيع السلاح؟ ~~فبعته منه بسبع أواق، فأتيت المدينة فاشتريت به مخرفا [ (1) ] في بني ~~سلمة يقال له الرديني، فإنه لأول مال لي نلته في الإسلام، فلم نزل نعيش منه ~~إلى يومنا هذا. # وكان شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قد تعاهد هو وصفوان بن أمية حين وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين- وكان أمية بن خلف قتل يوم بدر، وكان ~~عثمان بن أبي طلحة قتل يوم أحد- فكانا تعاهدا إن رأيا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دائرة أن يكونا عليه، وهما خلفه. ~~قال شيبة: فأدخل الله الإيمان قلوبنا. قال شيبة: لقد هممت بقتله، فأقبل ~~شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، وعلمت أنه قد منع مني. ~~ويقال: قال: غشيتني ظلمة حتى لا أبصر، فعرفت أنه ممتنع مني وأيقنت ~~بالإسلام. وقد سمعت في قصة شيبة وجها آخر، كان شيبة بن عثمان يقول: ~~لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا مكة فظفر بها وخرج إلى هوازن، ~~قلت: أخرج لعلي أدرك ثأري! وذكرت قتل أبي يوم أحد، قتله حمزة، وعمي قتله ~~علي. قال: فلما انهزم أصحابه جئته عن يمينه، فإذا العباس قائم، عليه درع ~~بيضاء كالفضة ينكشف عنها العجاج [ (2) ] ، فقلت: عمه لن يخذله! قال: ثم ~~جئته عن يساره فإذا بأبي سفيان ابن عمه، فقلت: PageV03P909 ~~ابن عمه لن يخذله! فجئته ms676 من خلفه فلم يبق إلا أسوره [ (1) ] بالسيف إذ ~~رفع ما بيني وبينه شواظ [ (2) ] من نار كأنه برق، وخفت أن يمحشني [ (3) ] ~~ووضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، والتفت إلي فقال: يا شيب، ادن مني! فوضع ~~يده على صدري وقال: اللهم، أذهب عنه الشيطان! قال: فرفعت إليه رأسي وهو أحب ~~إلي من سمعي وبصري وقلبي، ثم قال: ~~يا شيب، قاتل الكفار! فقال: فتقدمت بين يديه أحب والله أقيه بنفسي وبكل ~~شيء، فلما انهزمت هوازن رجع إلى منزله، ودخلت عليه فقال: الحمد لله الذي ~~أراد بك خيرا مما أراد. ثم حدثني بما هممت به. # فلما كانت الهزيمة حيث كانت، والدائرة على المسلمين، فتكلموا بما في ~~أنفسهم من الكفر والضغن والغش، قال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون ~~البحر! قال: يقول رجل من أسلم يقال له أبو مقيت: ~~أما والله، لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن فتلك ~~لقتلتك! وقال: صرخ كلدة بن الحنبل [ (4) ] ، وهو كلدة بن الحنبل أخو صفوان ~~لأمه، أسود من سودان مكة، ألا بطل السحر اليوم! فقال صفوان: ~~اسكت، فض الله فاك! لأن يربني رب من قريش أحب إلي من أن يربني رب من ~~هوازن. قال: وقال سهيل بن عمرو: لا يجتبرها [ (5) ] محمد PageV03P910 ~~وأصحابه! قال: يقول له عكرمة: هذا ليس بقول، وإنما الأمر بيد الله، وليس ~~إلى محمد من الأمر شيء! إن أديل عليه اليوم فإن له العاقبة غدا. قال: ~~يقول سهيل: إن عهدك بخلافه لحديث! قال: يا أبا يزيد، إنا كنا والله نوضع ~~في غير شيء وعقولنا عقولنا، نعبد الحجر لا ينفع ولا يضر! # قال: حدثني عبد ~~الله بن يزيد، عن يعقوب بن عتبة، قال: حضرها عثمان بن عبد الله بأفراس ~~وعبيد وموال، فقتلوا يومئذ معه، وقتل معه غلام له نصراني أغرل [ (1) ] ، ~~فبينا طلحة يسلب القتلى من ثقيف إذ مر به فوجده أغرل، فصاح: يا معشر ~~الأنصار، أحلف بالله أن ثقيفا غرل ما تختتن [ (2) ] ! قال المغيرة بن شعبة: ~~وسمعتها وخشيت أن يذهب علينا من ms677 العرب، فقلت: ~~لا تفعل، فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني! ثم جعلت أكشف له عن ~~قتلى ثقيف، فأقول: ألا تراهم مختتنين؟ ويقال: إن العبد كان لذي الخمار وكان ~~نصرانيا أزرق، فقتل مع سيده يومئذ. وكان أبو طلحة الخمار وكان نصرانيا ~~أزرق، فقتل مع سيده يومئذ. وكان أبو طلحة يسلب القتلى، فجرده فإذا هو أغرل، ~~فنادى بأعلى صوته للأنصار فأقبلوا إليه، فقال: أحلف بالله ما تختتن ثقيف! ~~وسمعها المغيرة بن شعبة فوجد في نفسه. قال: فقال: أريك يا أبا طلحة! فجرد ~~له عثمان بن عبد الله بن ربيعة، فقال: هذا سيد ثقيف! ثم أتى إلى ذي الخمار ~~سيد العبد، فإذا هو مختون. ~~قال المغيرة: وجاءني أمر قطعني، وخشيت أن تسير علينا في العرب، حتى أبصر ~~القوام وعرفوا أنه عبد الهم نصراني. وكان الذي قتل عثمان بن عبد الله عبد ~~الله بن أبي أمية، فبلغ النبى صلى الله عليه وسلم فقال: PageV03P911 ~~يرحم الله عبد الله بن أبي أمية! وأبعد الله عثمان بن عبد الله بن ربيعة، ~~فإنه كان يبغض قريشا! # قال: وكان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد ~~الله برحمة الله، فبلغه فقال: إني لأرجو أن يرزقني الله الشهادة في وجهي ~~هذا! فقتل في حصار الطائف. وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين: لولا ~~ابن جثامة الأصغر لفضحت الخيل اليوم. وقالت امرأة من خزاعة يوم حنين: # إن ماء حنين لنا فخلوه %~% إن تشربوا منه فلن تعلوه # هذا رسول الله لن يعلوه # أنشدنيها ابن جعفر. [وقالت امرأة من المسلمين ... ] [ (1) ] # غلبت خيل الله خيل اللات %~% والله أحق بالثبات # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قدم سليما في مقدمته، عليها خالد ~~بن الوليد، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة مقتولة والناس مجتمعون ~~عليها، فقال: ما هذا؟ قالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد. فأمر رسول الله ~~صلى الله سلم رجلا يدرك خالدا فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك ~~أن تقتل امرأة أو عسيفا [ (2) ] . ورأى ms678 رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة ~~أخرى فسأل عنها فقال رجل: أنا قتلتها يا رسول الله، أردفتها ورائي فأرادت ~~قتلي فقتلتها. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفنت. # قالوا: لما هزم الله تعالى هوازن اتبعهم المسلمون يقتلونهم، فنادت بنو ~~سليم بينها: ارفعوا عن بني أمكم القتل! فرفعوا الرماح وكفوا عن القتل- وأم ~~سليم، بكمة ابنة مرة أخت تميم بن مرة- فلما رأى رسول الله PageV03P912 ~~صلى الله عليه وسلم الذي صنعوا قال: اللهم، عليك ببني بكمة- ولا يشعرون ~~أن لهم أما اسمها بكمة- أما في قومي فوضعوا السلاح وضعا، وأما عن قومهم ~~فرفعوا رفعا! وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلب القوم، ثم قال لخيله: ~~إن قدرتم على بجاد فلا يفلتن منكم! وقد كان أحدث حدثا عظيما، وكان من بني ~~سعد، وكان قد أتاه رجل مسلم، فأخذه بجاد فقطعه عضوا عضوا ثم حرقه بالنار، ~~فكان قد عرف جرمه فهرب. فأخذته الخيل، فضموه إلى الشيماء [ (1) ] بنت ~~الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنفوا ~~عليها في السياق، فجعلت الشيماء بنت الحارث تقول: إني والله أخت صاحبكم! ~~ولا يصدقوها، وأخذها طائفة من الأنصار، وكانوا أشد الناس على هوازن، حتى ~~أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا محمد، إني أختك! قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: وما علامة ذلك؟ فأرته عضة [وقالت] : عضضتنيها ~~وأنا متوركتك [ (2) ] بوادي السرر [ (3) ] ، ونحن يومئذ برعائهم، أبوك أبي ~~وأمك أمي، قد نازعتك الثدي، وتذكر يا رسول الله ... [ (4) ] فعرف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العلامة، فوثب قائما فبسط رداءه، ثم قال: اجلسي عليه! ~~ورحب بها، ودمعت عيناه، وسألها عن أمه وأبيه من الرضاعة، فأخبرته بموتهما ~~في الزمان. ~~ثم قال: إن أحببت فأقيمي عندنا محبة مكرمة، وإن أحببت أن ترجعى ~~PageV03P913 ~~إلى قومك وصلتك رجعت إلى قومك. قالت: أرجع إلى قومي. وأسلمت فأعطاها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعبد وجارية، أحدهم يقال له: مكحول، فزوجوه ~~الجارية. # قال عبد الصمد: أخبرني أبي ms679 أنه أدرك نسلها في بني سعد، ورجعت الشيماء إلى ~~منزلها وكلمها النسوة في بجاد، فرجعت إليه فكلمته أنه يهبه لها ويعفو عنه. ~~ففعل ثم أمر لها ببعير أو بعيرين، وسألها: من بقي منهم؟ ~~فأخبرته بأختها وأخيها وبعمها أبي برقان، وأخبرته بقوم سألها عنهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجعي ~~إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فإني أمضي إلى الطائف ~~فرجعت إلى الجعرانة، وأناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ~~فأعطاها نعما وشاء لها، ولمن بقي من أهل بيتها. # قالوا: ولما انهزم الناس أتوا الطائف، وعسكر عسكر بأوطاس، وتوجه بعضهم ~~نحو نخلة ولم يكن فيمن توجه [إلى] نخلة إلا بنو عنزة من ثقيف. ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا تتبع من سلك نخلة، ولم تتبع من ~~سلك الثنايا ويدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن ~~سمال [ (1) ] بن عوف بن امرئ القيس من بني سليم دريد بن الصمة، فأخذ بخطام ~~جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه كان فى شجار [ (2) ] له، PageV03P914 ~~فإذا هو رجل فأناخ به، وهو شيخ كبير ابن ستين ومائة سنة، فإذا هو دريد ~~ولا يعرفه الغلام. قال الفتى: ما أريد إلى غيره ممن هو على مثل دينه. ~~قال له دريد: من أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي. قال: فضربه بسيفه ~~فلم يغن شيئا. قال دريد: بئس ما سلحتك أمك! خذ سيفي من وراء الرحل في ~~الشجار فاضرب به وارفع عن الطعام واخفض عن الدماغ، فإن كنت كذلك أقتل ~~الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم قد منعت ~~[ (1) ] فيه نساءك! زعمت بنو سليم أن ربيعة لما ضربه تكشف للموت عجانه [ ~~(2) ] ، وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل. فلما رجع ربيعة إلى أمه ~~أخبرها بقتله إياه فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا في غداة واحدة، ~~وجز ناصية أبيك. قال الفتى: ~~لم أشعر. # قالوا: وكان رسول ms680 الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أبا عامر الأشعري في ~~آثار من توجه إلى أوطاس، وعقد له لواء، فكان معه في ذلك البعث سلمة بن ~~الأكوع، فكان يحدث يقول: لما انهزمت هوازن عسكروا بأوطاس عسكرا عظيما، تفرق ~~منهم من تفرق، وقتل من قتل، وأسر من أسر، فانتهينا إلى عسكرهم فإذا هم ~~ممتنعون [ (3) ] ، فبرز رجل فقال: من يبارز؟ فبرز له أبو عامر، فقال: اللهم ~~اشهد! فقتله أبو عامر حتى قتل تسعة كذلك، فلما كان التاسع برز له رجل معلم ~~ينحب [ (4) ] للقتال، وبرز له أبو عامر فقتله، فلما كان العاشر برز رجل ~~معلم بعمامة صفراء، فقال أبو عامر: اللهم PageV03P915 ~~اشهد! قال: يقول الرجل: اللهم لا تشهد! فضرب أبا عامر فأثبته، فاحتملناه ~~وبه رمق، واستخلف أبا موسى الأشعري، وأخبر أبو عامر أبا موسى أن قاتله صاحب ~~العمامة الصفراء. ~~قالوا: وأوصى أبو عامر إلى أبي موسى، ودفع إليه الراية وقال: ادفع فرسي ~~وسلاحي للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~فقاتلهم أبو موسى حتى فتح الله عليه، وقتل قاتل أبي عامر، وجاء بسلاحه ~~وتركته وفرسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إن أبا عامر أمرني بذلك، ~~وقال: قل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لي. فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فصلى ركعتين ثم قال: اللهم اغفر لأبي عامر، واجعله من أعلى ~~أمتي في الجنة! وأمر بتركة أبي عامر فدفعت إلى ابنه. قال: فقال أبو موسى: ~~يا رسول الله، إني أعلم أن الله قد غفر لأبي عامر، قتل شهيدا، فادع الله ~~لي. فقال: اللهم اغفر لأبي موسى، واجعله في أعلى أمتي! ~~فيرون أن ذلك وقع يوم الحكمين. # قالوا: واستحر القتل في بني نصر، ثم في بني رباب [ (1) ] ، فجعل عبد الله ~~بن قيس- وكان مسلما- يقول: يا رسول الله، هلكت بنو رباب. ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم، اجبر مصيبتهم! ~~ووقف مالك بن عوف على ثنية من الثنايا معه فرسان من أصحابه، فقال. ~~قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم تلتم أخراكم. وقال: انظروا ماذا ms681 ترون. قالوا: ~~نرى قوما على خيولهم واضعين رماحهم على آذان خيولهم. قال: أولئك إخوانكم ~~بنو سليم، وليس عليكم منهم بأس، انظروا ماذا ترون. قالوا: PageV03P916 ~~نرى رجالا أكفالا [ (1) ] ، قد وضعوا رماحهم على أكفال [ (2) ] خيولهم. ~~قال: ~~تلك الخزرج، وليس عليكم منهم بأس، وهم سالكون طريق إخوانهم. قال: ~~انظروا ماذا ترون. قالوا: نرى أقواما كأنهم الأصنام على الخيل. قال: ~~تلك كعب بن لؤي، وهم مقاتلوكم! فلما غشيته الخيل نزل عن فرسه مخافة أن ~~يؤسر، ثم طفق يلوذ بالشجر حتى سلك في يسوم، جبل بأعلى نخلة، فأعجزهم هاربا. ~~ويقال: قال: ما ترون؟ قالوا: نرى رجلا بين رجلين معلما بعصابة صفراء، يخبط ~~برجليه في الأرض، واضعا رمحه على عاتقه. قال: ذلك ابن صفية، الزبير، وايم ~~الله ليزيلنكم عن مكانكم! فلما بصر بهم الزبير حمل عليهم حتى أهبطهم من ~~الثنية، وهرب مالك بن عوف فتحصن في قصر بلية [ (3) ] . ويقال: دخل حصن ~~ثقيف. # وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا كان بحنين قاتل قتالا شديدا حتى ~~اشتد به الجراح. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أهل النار! فارتاب ~~المسلمون من ذلك، ووقع في أنفسهم ما الله به عليم، فلما اشتد به الجراح أخذ ~~مشقصا [ (4) ] من كنانته فانتحر به، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلالا أن ينادي: ألا لا دخل الجنة إلا مؤمن، وأن الله يؤيد الدين بالرجل ~~الفاجر. # قالوا: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم تجمع، ونادى مناديه: ~~PageV03P917 ~~من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يغل! وجعل الناس غنائمهم في موضع ~~حتى استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها. وكان عقيل بن أبي طالب دخل ~~على زوجته وسيفه متلطخ دما، فقالت: إني قد علمت أنك قد قاتلت المشركين، ~~فماذا أصبت من غنائمهم؟ قال: هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، ~~وهي فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. فسمع منادي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: من أصاب شيئا من المغنم فليرده. فرجع عقيل فقال: والله ما ~~أرى ms682 إبرتك إلا قد ذهبت. فألقاها في الغنائم. # قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن عمارة بن غزية، أن عبد الله بن زيد المازني ~~أخذ يومئذ قوسا فرمى عليها المشركين، ثم ردها في المغنم. وجاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكبة [ (1) ] شعر، فقال: يا رسول الله، اضرب ~~بهذه! أي دعها [ (2) ] لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان ~~لي ولبني عبد المطلب فهو لك. وجاءه رجل فقال: يا رسول الله، هذا الحبل ~~وجدته حيث انهزم العدو فأشد به على رحلي؟ قال: نصيبي منه لك، وكيف تصنع ~~بأنصباء المسلمين؟ # قال: فحدثني مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله ابن المغيرة بن ~~أبي بردة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الناس عام حنين في قبائلهم يدعو ~~لهم، وأنه نزل قبيلة من القبائل وجدوا في برذعة [ (3) ] . ~~رجل منهم عقدا من جزع غلولا، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV03P918 ~~فكبر عليهم كما يكبر على الميت. # قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن عمارة بن غزية، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجد في رحل رجل من أصحابه غلولا فبكته ولامه، ولم يعاقبه ولم يخرق ~~رحله. # قالوا: وأصاب المسلمون سبايا يومئذ، فكانوا يكرهون يقعوا عليهن ولهن ~~أزواج، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله: ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [ (1) ] . وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يومئذ: لا توطأ حامل من السبي حتى تضع حملها، ولا غير ذات ~~حمل حتى تحيض حيضة. وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن العزل، فقال: ~~ليس من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله أن يخلق شيئا لم يمنعه شيء. # قالوا: وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوما بحنين، ثم تنحى إلى ~~شجرة فجلس إليها. فقام إليه عيينة بن حص بن حذيفة بن بدر يطلب بدم عامر بن ~~الأضبط الأشجعي- وهو يومئذ سيد قريش- ومعه الأقرع بن حابس، يدفع عن محلم بن ~~جثامة لمكانه من ms683 خندف، فاختصما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعيينة ~~يقول: يا رسول الله، لا والله لا أدعه حتى أدخل على نسائه من الحرب والحزن ~~ما أدخل على نسائي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تأخذ الدية؟ ويأبى ~~عيينة، فارتفعت الأصوات وكثر اللغط إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له ~~مكيتل، قصير، مجتمع، عليه شكة [ (2) ] كاملة، ودرقة فى يده، فقال: يا رسول ~~PageV03P919 ~~الله، إني لم أجد لما فعل هذا شبها في غرة [ (1) ] الإسلام إلا غنما وردت ~~فرميت أولاها، فنفرت أخراها [ (2) ] ، فاسنن اليوم وغير غدا [ (3) ] فرفع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: تقبلون الدية خمسين في فورنا هذا ~~وخمسين إذا رجعنا المدينة! فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقوم ~~حتى قبلوها. ~~ومحلم بن جثامة القاتل في طرف الناس، فلم يزالوا يرونه ويقولون: ~~ايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك. فقام محلم فقام رجل طويل، ~~آدم [ (4) ] ، محمر بالحناء، عليه حلة، قد كان تهيأ فيها للقتل للقصاص، حتى ~~جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله، ~~قد كان من الأمر الذي بلغكم، فإني أتوب إلى الله تعالى فاستغفر لي. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اسمك؟ قال: ~~أنا محلم بن جثامة. قال: قتلته بسلاحك في غرة الإسلام! اللهم، لا تغفر ~~لمحلم! بصوت عال يتفقد به الناس. قال، فقال: يا رسول الله، قد كان الذي ~~بلغك، وإني أتوب إلى الله تعالى فاستغفر لي. فعاد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بصوت عال يتفقد به الناس: اللهم، لا تغفر لمحلم! حتى كانت الثالثة. ~~قال: فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمقالته. ثم قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: قم! ~~فقام من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلقى دمعه بفضل ~~ردائه. وكان ضمرة PageV03P920 ~~السلمي يحدث وكان قد حضر ذلك اليوم، قال: كنا نتحدث فيما بيننا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms684 حرك شفتيه باستغفار له، ولكنه أراد أن يعلم قدر ~~الدم عند الله. # قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن الحسن ~~البصري، قال: لما مات محلم بن جثامة دفنه قومه فلفظته الأرض، ثم دفنوه ~~فلفظته الأرض، ثم دفنوه فلفظته الأرض، فطرحوه بين صخرتين فأكلته السباع. # قال: حدثني محمد بن حرب، عن محمد بن الوليد، عن لقمان ابن عامر، عن سويد ~~بن جبلة، قال: لما حضر محلم بن جثامة الموت أتاه عوف بن مالك الأشجعي، ~~فقال: يا محلم، إن استطعت أن ترجع إلينا فتخبرنا بما رأيتم ولقيتم. قال: ~~فأتاه بعد ذلك بعام أو ما شاء الله، فقال له: ~~كيف أنتم يا محلم؟ قال: نحن بخير، وجدنا ربا رحيما غفر لنا. قال عوف: ~~أكلكم؟ قال: كلنا غير الأحراض. قال: وما الأحراض؟ قال: ~~الذين يشار إليهم بالأصابع [ (1) ] . والله، ما من شيء استنفقه الله لي ~~إلا وقد وفيت أجره، حتى إن قطة لأهلي هلكت فلقد أعطيت أجرها. قال عوف: ~~فقلت: والله إن تصديق رؤياي أن أنطلق إلى أهل محلم فأسألهم عن هذه القطة. ~~فأتاهم فقال: عوف يستأذن! فأذنوا، فلما دخل قالوا [ (2) ] : والله، ما كنت ~~لنا بزوار! قال: كيف أنتم؟ قالوا: نحن بخير، وهذه بنت أخيك أمست وليس بها ~~بأس، وهي هذه! لما بها، ولقد فارقنا أبوها الليلة. ~~قال: قلت: هل هلكت لكم قطة؟ قالوا: نعم. [قال:] فهل حسستموها PageV03P921 ~~يا عوف؟ قال: لقد أنبئت نبأها فاحتسبوها. # قال: حدثني أسامة بن زيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر، قال: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم بحنين يتخلل الرجال يسأل عن منزل خالد بن الوليد، ~~وأنا معه، فأتي يومئذ بشاب فأمر من عنده فضربوه بما كان في أيديهم وحثا ~~عليه التراب. ### || تسمية من استشهد بحنين # أيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن، وهو من الأنصار من بلحارث بن الخزرج، ~~وموالي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأنصار سراقة بن الحارث، ورقيم بن ~~ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان [ (1) ] ، وأبو عامر ms685 الأشعري أصيب بأوطاس، ~~فجميع من قتل أربعة. ### | شأن غزوة الطائف # قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، وابن موهب، وعبد الله بن ~~يزيد، وعبد الصمد بن محمد السعدي، ومحمد بن عبد الله، عن الزهري، وأسامة بن ~~زيد، وأبو معشر، وعبد الرحمن بن عبد العزيز، ومحمد بن يحيى بن سهل، وغير ~~هؤلاء ممن لم يسم، أهل ثقات، فكل قد حدثني بهذا الحديث بطائفة، وقد كتبت كل ~~ما حدثوني به. # قالوا: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا وأراد المسير إلى ~~PageV03P922 ~~الطائف، بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين- صنم عمرو بن حممة [ (1) ]- ~~يهدمه، وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف. ~~فقال الطفيل: يا رسول الله أوصني. قال: أفش السلام، وابذل الطعام، واستحي ~~من الله كما يستحيي الرجل ذو الهيئة من أهله. إذا أسأت فأحسن، إن الحسنات ~~يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين [ (2) ] . ~~قال: فخرج الطفيل سريعا إلى قومه، فهدم ذا الكفين، وجعل يحشو النار في ~~جوفه ويقول: # يا ذا الكفين لست من عبادكا %~% ميلادنا أقدم من ميلادكا # أنا حشوت [ (3) ] النار في فؤادكا # وأسرع معه قومه، انحدر معه أربعمائة من قومه، فوافوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالطائف بعد مقامه بأربعة أيام، فقدم بدبابة ومنجنيق، وقال: يا معشر ~~الأزد، من يحمل رايتكم؟ قال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية. قال: ~~أصبتم! وهو النعمان بن الزرافة اللهبي [ (4) ] . # وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد من حنين على مقدمته، ~~وأخذ من يسلك به من الأدلاء إلى الطائف، فانتهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الطائف. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر [ (5) ] بالسبي ~~أن يوجهوا إلى الجعرانة، واستعمل عليهم بديل بن ورقاء الخزاعى، PageV03P923 ~~وأمر بالغنائم فسيقت إلى الجعرانة والرثة. ومضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الطائف، وكانت ثقيف قد رموا [ (1) ] حصنهم، ودخلوا فيه منهزمين من ~~أوطاس وأغلقوه عليهم- وهو حصن على مدينتهم له بابان- وصنعوا الصنائع للقتال ~~وتهيئوا، وأدخلوا حصنهم ما يصلحهم لسنة لو حصروا. ~~وكان عروة ms686 بن مسعود، وغيلان بن سلمة بجرش يتعلمان عمل الدبابات ~~والمنجنيق، يريدان أن ينصباه على حصن الطائف، وكانا لم يحضرا حنينا ولا ~~حصار الطائف. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوطاس، فسلك على نخلة ~~اليمانية [ (2) ] ، ثم على قرن [ (3) ] ، ثم على المليح [ (4) ] ، ثم على ~~بحرة الرغاء [ (5) ] من لية، فابتنى بها مسجدا فصلى فيه. # قال: حدثني عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن عمرو، قال: حدثني من رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يبني بيده مسجدا بلية، وأصحابه ينقلون إليه ~~الحجارة. وأتي يومئذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل من بني ليث قتل ~~رجلا من هذيل، فاختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الليثي إلى الهذليين فقدموه فضربوا عنقه، فكان أول دم ~~أقيد به في الإسلام. وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بلية، ~~ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قصرا فسأل عنه، فقالوا: ~~هذا قصر مالك بن عوف. فقال: أين مالك؟ قالوا: هو يراك الآن فى ~~PageV03P924 ~~حصن ثقيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من في قصره؟ قالوا: ~~ما فيه أحد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرقوه! فحرق من حين العصر ~~إلى أن غابت الشمس. ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر أبي أحيحة ~~سعيد بن العاص، وهو عند ماله وهو قبر مشرف. قال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه: لعن الله صاحب هذا القبر، فإنه كان ممن يحاد الله ورسوله! فقال ابناه ~~عمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن ~~الله أبا قحافة، فإنه كان لا يقري الضيف ولا يمنع الضيم. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن سب الأموات يؤذي الأحياء، فإن شئتم المشركين فعموا. ثم ~~مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية فسلك طريقا يقال لها: الضيقة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هي اليسرى. ثم خرج ms687 على نخب [ (1) ] ~~حتى نزل تحت سدرة الصادرة عند مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إما أن تخرج وإما أن نحرق عليك حائطك! فأبى أن يخرج، فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بإحراق حائطه وما فيه. ومضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى نزل قريبا من حصن الطائف، فيضرب عسكره هناك، فساعة حل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جاءه الحباب بن المنذر فقال: ~~يا رسول الله، إنا قد دنونا من الحصن، فإن كان عن أمر سلمنا، وإن كان عن ~~الرأي فالتأخر عن حصنهم. قال: فأسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فكان عمرو بن أمية الضمري يحدث يقول: لقد طلع علينا من PageV03P925 ~~نبلهم ساعة نزلنا شيء الله به عليم، كأنه رجل [ (1) ] من جراد- وترسنا ~~لهم- حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحباب فقال: انظر مكانا مرتفعا مستأخرا عن القوم. ~~فخرج الحباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف خارج من القرية، فجاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~أن يتحولوا. قال عمرو بن أمية: إني لأنظر إلى أبي محجن يرمي من فوق الحصن ~~بعشرته [ (2) ] بمعابل [ (3) ] كأنها الرماح، ما يسقط له سهم. قالوا: ~~وارتفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسجد الطائف اليوم. قالوا: ~~وأخرجوا امرأة ساحرة، فاستقبلت الجيش بعورتها- وذلك حين نزل النبي صلى ~~الله عليه وسلم- يدفعون بذلك عن حصنهم. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الأكمة، ومعه امرأتان [ (4) ] من نسائه أم سلمة، وزينب، وثار المسلمون ~~إلى الحصن، فخرج قدام الناس يزيد بن زمعة [ (5) ] بن الأسود على فرسه، فسأل ~~ثقيفا الأمان يريد يكلمهم، فأعطوه الأمان، فلما دنا منهم رموه بالنبل ~~فقتلوه. وخرج هذيل بن أبي الصلت أخو أمية بن أبي الصلت من باب الحصن، ولا ~~يرى أن عنده أحدا. ويقال: إن يعقوب بن زمعة كمن له فأسره حتى أتى به النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: قاتل ms688 أخي يا رسول الله! فسر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أتي به إليه، فأمكنه PageV03P926 ~~النبي صلى الله عليه وسلم فضرب عنقه. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب لزوجتيه قبتين، تم كان يصلي ~~بين القبتين حصار الطائف كله. وقد اختلف علينا في حصاره، فقال قائل: ثمانية ~~عشر يوما، وقال قائل: تسعة عشر يوما، وقال قائل: خمسة عشر يوما، وكل ذلك ~~وهو يصلي بين القبتين ركعتين. فلما أسلمت ثقيف، بنى أمية بن عمرو بن وهب بن ~~معتب بن مالك على مصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد، وكانت فيه سارية ~~لا تطلع الشمس عليها من الدهر إلا يسمع لها نقيض [ (1) ] أكثر من عشر مرار، ~~فكانوا يرون أن ذلك تسبيح. # فنصب النبي صلى الله عليه وسلم المنجنيق. قال: وشاور رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه، فقال له سلمان الفارسي: يا رسول الله، أرى أن تنصب ~~المنجنيق على حصنهم، فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون وتنصب ~~علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، وإن لم يكن المنجنيق طال ~~الثواء [ (2) ] . فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمل منجنيقا بيده، ~~فنصبه على حصن الطائف. ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة ودبابتين، ويقال: ~~الطفيل بن عمرو، ويقال: ~~خالد بن سعيد قدم من جرش بمنجنيق ودبابتين. ونثر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الحسك [ (3) ] شقتين- حسك من عيدان- حول حصنهم، ودخل المسلمون تحت ~~الدبابة، وهي من جلود البقر- وذلك يوم يقال له الشدخة. PageV03P927 ~~قيل: وما الشدخة؟ قال: ما قتل من المسلمين- دخلوا تحتها، ثم زحفوا بها ~~إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فحرقت ~~الدبابة، فخرج المسلمون من تحتها وقد أصيب منهم من أصيب، فرمتهم ثقيف ~~بالنبل فقتل منهم رجال. # قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعنابهم وتحريقها، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قطع حبلة [ (1) ] فله حبلة في الجنة. ~~فقال عيينة بن بدر ليعلى بن مرة الثقفي: أقطع ذلك أجري؟ ففعل يعلى بن ms689 مرة، ~~ثم جاءه فقال يعلى: نعم. فقال عيينة: لك النار! فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: عيينة أولى بالنار من يعلى. وجعل المسلمون يقطعون ~~قطعا ذريعا. # قال: ونادى عمر بن الخطاب رضي الله عنه سفيان بن عبد الله الثقفي: ~~والله لنقطعن أبا عيالك. فقال سفيان: إذا لا تذهبون بالماء والتراب! فلما ~~رأى القطع نادى سفيان: يا محمد، لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت ~~علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم كما زعمت! قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فإني أدعها لله وللرحم [ (2) ] . ~~فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحدث أبو وجزة السعدي قال: أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع كل رجل من أعنابهم خمس حبلات. ~~فأتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول PageV03P928 ~~الله، إنه عم [ (1) ] لم يؤكل ثمره. فأمر أن يقطعوا ما أكلوا ثمره. قال: ~~فجعلوا يقطعون الأول فالأول. # قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة إلى ثقيف فقالا: ~~أمنوا حتى نتكلم. فأمنوهما، فدعوا نساء من قريش ليخرجن إليهما- وهم ~~يخافون السباء [ (2) ]- منهم ابنة أبي سفيان بن حرب، كانت تحت عروة بن ~~مسعود، لها منه ولد، داود بن عروة، والفراسية بنت سويد بن عمرو بن ثعلبة- ~~كانت عند قارب ابن الأسود، لها منه عبد الرحمن بن قارب- وامرأة أخرى. فلما ~~أبين عليهما قال لهما بنو الأسود بن مسعود: يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا ~~ندلكما على خير مما جئتما له! إن مال بني الأسود حيث قد علمتما- وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم بينهم وبين الطائف نازلا بواد يقال له العمق [ (3) ]- ~~ليس بالطائف مال أبعد رشاء، ولا أشد مونة منه، ولا أبعد عمارة- وإن محمدا ~~إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه ليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم، فإن بيننا ~~وبينه من القرابة ما لا يجهل. فكلماه فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكان رجل يقوم على الحصن فيقول: روحوا رعاء الشاء! روحوا جلابيب محمد! ms690 ~~روحوا عبيد محمد! أترونا نتباءس على أحبل [ (4) ] أصبتموها من كرومنا؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم، روح مروحا إلى النار! ~~قال سعد بن أبي وقاص: فأهوى له بسهم فوقع فى نحره، وهوى من الحصن ~~PageV03P929 ~~ميتا. قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد سر بذلك. قال: وجعلوا ~~يقولون على حصنهم: هذا قبر أبي رغال [ (1) ] . قال لعلي عليه السلام: أتدري ~~يا علي ما هذا؟ قبر أبي رغال: وهم قوم ثمود! # قالوا: وكان أبو محجن على رأس الحصن يرمي بمعابل والمسلمون يرامونهم، ~~فقال رجل من مزينة لصاحبه: إن افتتحنا الطائف فعليك بنساء بني قارب، فإنهن ~~أجمل إن أمسكت، وأكثر فداء إن فاديت. فسمعه المغيرة بن شعبة فقال: يا أخا ~~مزينة! قال: لبيك! قال: ارم ذلك الرجل. يعني أبا محجن، وإنما غار المغيرة ~~حين ذكر المزني النساء، وعرف أن أبا محجن رجل رام لا يسقط له سهم، فرماه ~~المزنى فلم يصنع سهمه شيئا، وفوق له أبو محجن بمعبلة، فتقع في نحره فقتلته ~~[ (2) ] . قال، يقول المغيرة: منى الرجال بنساء بني قارب. قال له عبد الله ~~بن عمرو بن عوف المزني، وهو يسمع كلامه أوله وآخره: قاتلك الله يا مغيرة! ~~أنت والله عرضته لهذا، وإن كان الله تبارك وتعالى قد ساق له الشهادة. أنت ~~والله منافق، والله لولا الإسلام ما تركتك حتى أغتالك! وجعل المزني يقول: ~~إن معنا الداهية وما نشعر، والله لا أكلمك أبدا! قال: طلب المغيرة إلى ~~المزني أن يكتم ذلك عليه. قال: لا والله أبدا! قال: فبلغت عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه- وهو [ (3) ] في عمل عمر بالكوفة- فقال: والله، ما كان ~~المغيرة بأهل أن يولى وهذا فعله! قال: ورمى أبو محجن يوم الطائف عبد الله ~~بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه بسهم، فدمل الجرح حتى بغى [ (4) ] ، ~~PageV03P930 ~~وخرج السهم من الجرح فأمسكه أبو بكر عنده. وتوفي عبد الله بن أبي بكر في ~~خلافة أبي بكر رضي الله عنه. وقدم أبو محجن في خلافة أبي بكر، فذكر أبو بكر ~~المشقص [ (1) ] فأخرجه، فقال: ms691 يا أبا محجن، هل تعرف هذا المشقص؟ قال: وكيف ~~لا أعرفه وأنا بريت قدحه وريشته ورصفته، ورميت به ابنك؟ فالحمد لله الذي ~~أكرمه على يدي ولم يهني على يديه. # ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما عبد نزل من الحصن وخرج ~~إلينا فهو حر! فخرج من الحصن رجال، بضعة عشر رجلا: ~~أبو بكرة، والمنبعث، وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المنبعث حين أسلم، وكان عبدا لعثمان بن عمار بن معتب، والأزرق ابن ~~عقبة بن الأزرق، وكان عبدا للكلدة الثقفي من بني مالك، ثم صار حليفا في بني ~~أمية فنكحوا إليه وأنكحوه، ووردان، عبد لعبد الله بن ربيعة الثقفي جد ~~الفرات بن زيد بن وردان، ويحنس النبال، وكان عبدا ليسار ابن مالك، فأسلم ~~سيده بعد، فرد النبي صلى الله عليه وسلم إليه ولاءه، - فهم [أعبد] الطائف- ~~وإبراهيم بن جابر، كان عبدا لخرشة الثقفي، ويسار، عبد لعثمان بن عبد الله ~~لم يعقب، وأبو بكرة [ (2) ] نفيع بن مسروح، وكان للحارث بن كلدة، وإنما كني ~~بأبي بكرة أنه نزل في بكرة [ (3) ] من الحصن، ونافع أبو السائب، عبد لغيلان ~~بن سلمة، فأسلم غيلان PageV03P931 ~~بعد، فرد النبي صلى الله عليه وسلم إليه ولاءه، ومرزوق غلام لعثمان، لا ~~عقب له. كل هؤلاء أعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه [ (1) ] ويحمله، ~~فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وكان الأزرق إلى خالد ابن سعيد، ~~وكان وردان إلى أبان بن سعيد، وكان يحنس النبال إلى عثمان ابن عفان رضي ~~الله عنه، وكان يسار بن مالك إلى سعد بن عبادة، وإبراهيم ابن جابر إلى أسيد ~~بن الحضير، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرئوهم القرآن ~~ويعلموهم السنن. ~~فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين، فيهم الحارث بن كلدة، ~~يردوهم في الرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولئك عتقاء الله، لا ~~سبيل إليهم! ~~وبلغ ms692 ذلك من أهل الطائف مشقة شديدة، واغتاظوا على غلمانهم. # قالوا: وقال عيينة: يا رسول الله، ايذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم. ~~فأذن له، فجاءه فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم. ~~وعرفه أبو محجن فقال: ادن. فدنا. فقال: ادخل. فدخل عليهم الحصن، فقال: ~~فداءكم أبي وأمي! والله لقد سرني ما رأيت منكم، والله لو أن في العرب أحدا ~~غيركم! والله ما لاقى محمد مثلكم قط، ولقد مل المقام، فاثبتوا في حصنكم، ~~فإن حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، وماءكم واتن، لا تخافون قطعه! قال: فلما خرج ~~قالت ثقيف لأبي محجن: فإنا كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه ~~فينا أو في حصننا. قال أبو محجن: أنا كنت أعرف له، ليس منا أحد أشد على ~~محمد منه وإن كان معه. فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما ~~قلت لهم؟ قال: قلت ادخلوا PageV03P932 ~~في الإسلام، والله لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم ~~أمانا، قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم، قينقاع، والنضير، وقريظة، وخيبر أهل ~~الحلقة والعدة والآطام. فخذلتهم ما استطعت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ساكت عنه، حتى إذا فرغ من حديثه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~كذبت! قلت لهم كذا وكذا! للذي قال. قال عيينة: أستغفر الله! فقال عمر رضي ~~الله عنه: يا رسول الله، دعني أقدمه فأضرب عنقه. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. ~~ويقال: إن أبا بكر رضي الله عنه أغلظ. له يومئذ وقال: ويحك يا عيينة! ~~إنما أنت أبدا توضع في الباطل، كم لنا منك من يوم بني النضير، وقريظة، ~~وخيبر، تجلب علينا وتقاتلنا بسيفك، ثم أسلمت كما زعمت فتحرض علينا عدونا! ~~قال: أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه، لا أعود أبدا! # قالوا: وكان مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ~~بن مخزوم، يقال له: ماتع، وآخر يقال له: ms693 هيت. ~~وكان ماتع يكون في بيوته، لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يفطن ~~لشيء من أمر النساء مما يفطن له الرجال، ولا يرى أن له فى ذلك أربعة [ (1) ~~] ، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لخالد بن الوليد، ويقال ~~لعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة: إن افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الطائف غدا فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع [ (2) ] وتدبر ~~بثمان، وإذا جلست تثنت، وإذا تكلمت تغنت، وإذا اضطجعت تمنت، وبين رجليها ~~مثل الإناء المكفوء، مع ثغر كأنه الأقحوان، كما قال الخطيم: PageV03P933 # بين شكول [ (1) ] النساء خلقتها %~% نصب فلا جبلة [ (2) ] ولا قضف # تغترق [ (3) ] الطرف وهي لاهية [ (4) ] %~% كأنما شف وجهها نزف [ (5) ] # فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه فقال: ألا أرى هذا الخبيث يفطن ~~للجمال إذا خرجت إلى العقيق! والحيل لا يمسك [ (6) ] لما أسمع! وقال: لا ~~يدخلن على نساء عبد المطلب! ويقال: قال: لا يدخلن على أحد من نسائكم! ~~وغربهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحمى، فشكيا الحاجة، فأذن ~~لهما أن ينزلا كل جمعة يسألان ثم يرجعان إلى مكانهما، إلى أن توفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلا مع ~~الناس. فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه قال: أخرجكما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأدخلكما؟ فأخرجهما إلى موضعهما. فلما مات أبو بكر رضي الله عنه ~~دخلا مع الناس، فلما ولي عمر رضي الله عنه قال: أخرجكما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر وأدخلكما؟ اخرجا إلى موضعكما! فأخرجهما إلى موضعهما، ~~فلما قتل عمر دخلا مع الناس. PageV03P934 # قالوا: قال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وهو على حصن ~~الطائف: يا عبيد محمد، إنكم والله ما لاقيتم أحدا يحسن قتالكم غيرنا، ~~تقيمون ما أقمتم بشر محبس، ثم تنصرفون لم تدركوا شيئا مما تريدون، نحن قسي ~~وأبونا قسا [ (1) ] ، والله لا نسلم ما حيينا، وقد بنينا طائفا حصينا! ms694 ~~فناداه عمر: يا ابن حبيب، والله لنقطعن عليك معاشك حتى تخرج من جحرك هذا، ~~إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن يخرج. ~~فقال أبو محجن: إن قطعتم يا ابن الخطاب حبلات عنب، فإن في الماء والتراب ~~ما يعيد ذلك. فقال عمر: لا تقدر أن تخرج إلى ماء ولا تراب، لن نبرح عن باب ~~جحرك حتى تموت! قال: يقول أبو بكر: يا عمر لا تقل هذا، فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يؤذن له في فتح الطائف. فقال عمر: وهل قال لك هذا رسول ~~الله؟ فقال: نعم. ~~فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لم يؤذن لك يا رسول ~~الله في فتحها؟ قال: لا. # وجاءت خولة بنت حكيم بن أمية بن الأوقص السلمية، وهي امرأة عثمان بن ~~مظعون، فقالت: يا رسول الله. أعطني إن فتح الله عليك حلي الفارعة بنت ~~الخزاعي. أو بادية بنت غيلان- وكانتا من أجمل نساء ثقيف. فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: وإن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خولة؟ قال: فخرجت ~~خولة فذكرت ذلك لعمر، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، حدثت خولة ما حدثتني أنك قلته؟ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قد قلته. قال: ~~يا رسول الله، أولم يؤذن لك فيهم؟ قال: لا. قال: أفلا أؤذن فى ~~PageV03P935 ~~الناس بالرحيل! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى. ~~فأذن عمر بالرحيل، فجعل المسلمون يتكلمون، يمشي بعضهم إلى بعض، فقالوا: ~~ننصرف ولا نفتح الطائف! لا نبرح حتى يفتح الله علينا، والله إنهم لأذل ~~وأقل من لاقينا، قد لقينا جمع مكة وجمع هوازن، ففرق الله تلك الجموع! وإنما ~~هؤلاء ثعلب في جحر، لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا! وكثر القول بينهم ~~والاختلاف، فمشوا إلى أبي بكر فتكلموا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: الله ~~ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء. فكلموا عمر فأبى وقال: قد رأينا ~~الحديبية، ودخلني في الحديبية من ms695 الشك ما لا يعلمه إلا الله، وراجعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بكلام ليت أني لم أفعل، وأن أهلي ومالي ~~ذهبا! ثم كانت الخيرة لنا من الله فيما صنع، فلم يكن فتح كان خيرا للناس من ~~صلح الحديبية- بلا سيف، دخل فيه من أهل الإسلام مثل من كان دخل- من يوم بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم كتب الكتاب. فاتهموا الرأي، والخيرة ~~فيما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن أراجعه في شيء من ذلك الأمر ~~أبدا! والأمر أمر الله، وهو يوحي إلى نبيه ما يشاء! # وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد قال لأبي بكر: إني رأيت أني أهديت لي قعبة [ (1) ] ~~مملوءة زبدا، فنقرها ديك فأهراق ما فيها. ~~قال أبو بكر رضي الله عنه: ما أظن أن تدرك منهم يا رسول الله يومك هذا ما ~~تريد. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا لا أرى ذلك. # قال: حدثني كثير بن زيد، عن الوليد بن رياح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~قال: لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم استشار PageV03P936 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلي فقال: يا نوفل: ~~ما تقول؟ أوترى [ (1) ] . فقال نوفل: يا رسول الله، ثعلب في جحر، إن أقمت ~~عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك شيئا. قال أبو هريرة: ولم يؤذن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في فتحها. قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ~~وأذن في الناس بالرحيل. قال: فجعل الناس يضجون من ذلك. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاغدوا على القتال. فغدوا فأصابت ~~المسلمين جراحات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قافلون إن شاء ~~الله! فسروا بذلك وأذعنوا [ (2) ] ، وجعلوا يرحلون والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يضحك. فلما استقل الناس لوجههم نادى سعد بن عبيد بن أسيد بن عمرو ابن ~~علاج الثقفي قال: ألا إن الحي مقيم. قال: يقول عيينة بن حصن: ~~أجل والله، مجدة كرام! فقال عمرو ms696 بن العاص: قاتلك الله، تمدح قوما مشركين ~~بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصره؟ فقال: إني والله ~~ما جئت معكم أقاتل ثقيفا، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب جارية من ~~ثقيف فأطأها لعلها تلد لي رجلا، فإن ثقيفا قوم مباركون. فأخبر عمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمقالته، فتبسم صلى الله عليه وسلم ثم قال: هذا الحمق ~~المطاع! وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين أرادوا أن يرتحلوا: ~~قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده! فلما ~~ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا آئبون إن شاء الله، عابدون، لربنا حامدون! ~~ولما ظعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف قيل: يا رسول الله، ادع ~~الله على ثقيف. قال: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم! PageV03P937 ### || تسمية من استشهد بالطائف # من بني أمية: سعيد بن سعيد بن أمية، وعرفطة بن الحباب بن حبيب بن عبد ~~مناف بن سعد بن الحارث بن كنانة بن خزيمة بن مازن بن عمرو بن عامر بن ثعلبة ~~بن حارثة بن امرئ القيس، حليف لهم. # ومن بني أسد: يزيد بن زمعة بن الأسود، جمح به فرسه- وكان يقال له: ~~الجناح- إلى حصن الطائف فقتلوه. ويقال: قال لهم: أمنوني حتى أكلمكم. فأمنوه ~~ثم رموه بالنبل حتى قتلوه. # ومن بني تيم: عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة، رمي بسهم فلم يزل منه ~~جريحا، فمات بالمدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. # ومن بني مخزوم: عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، رمي من الحصن. # ومن بني عدي: عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي، حليف لهم. # ومن بني سهم: السائب بن الحارث بن قيس، وأخوه عبد الله بن الحارث. # ومن بني سعد بن ليث: جليحة بن عبد الله بن محارب بن الضيحان ابن ناشب بن ~~سعد بن ليث. # ومن الأنصار: ثابت بن الجذع- واسم الجذع ثعلبة- والحارث بن سهل بن أبي ~~صعصعة، والمنذر بن عبد الله بن نوفل. فذلك اثنا عشر ms697 رجلا. PageV03P938 ### | شأن مسير النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة على عشرة أميال من مكة # قالوا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف فأخذ على دحنا [ (1) ~~] ثم على قرن المنازل [ (2) ] ، ثم على نخلة حتى خرج إلى الجعرانة، فبينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير وأبو رهم الغفاري إلى جنب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على ناقة له، وفي رجليه نعلان له غليظتان، إذ زحمت ناقته ~~ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقع حرف نعله على ساقه فأوجعه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوجعتني، أخر رجلك! ~~وقرع رجله بالسوط. قال: فأخذني من أمري ما تقدم وما تأخر، وخشيت أن ينزل ~~في القرآن لعظيم ما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرانة، خرجت أرعى الظهر وما هو ~~يومي، فرقا أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم. ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يطلبني، فلما روحت الركاب سألت فقالوا: طلبك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فجئته وأنا أترقب فقال: إنك أوجعتني برجلك فقرعتك بالسوط، فخذ هذه ~~الغنم عوضا من ضربتي. قال أبو رهم: فرضاه عني كان أحب إلي من الدنيا وما ~~فيها. # وكان عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي يقول: كنت مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مسيرة وهو يحادثني، فجعلت ناقتي تلصق بناقته، وكانت ناقتي ناقة ~~شهمة [ (3) ] ، فجعلت أريد أن أنحيها فلا تطاوعني، فلصقت بناقة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصيبت رجله فقال: أخ! أوجعتنى! فرفع رجله PageV03P939 ~~من الغرز كأنها جمارة [ (1) ] ، ودفع رجلي بمحجن فى يده. فمكث ساعة لا ~~يتحدث، فو الله ما نزلت حتى ظننت أن سينزل في عذاب. قال: فلما نزلنا قلت ~~لأصحابي: إني أرعى لكم! ولم يكن ذلك يوم رعيتي، فلما أرحت الظهر عليهم قلت: ~~هل جاء أحد يبغيني؟ فقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يبغيك. فقلت ~~في نفسي: هي والله هي! قلت: ~~من جاء؟ قالوا: رجل من الأنصار. قال: فكان أكره إلي، وذلك أن الأنصار ~~كانت فيهم علينا غلظة. قال: ms698 ثم جاء بعد رجل من قريش يبتغيني. قال: فخرجت ~~خائفا حتى واجهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يبتسم في وجهي وقال: ~~أوجعتك بمحجني البارحة. ثم قال: خذ هذه القطعة من الغنم. قال: فأخذتها ~~فوجدتها ثمانين شاة ضائنة [ (2) ] . # وكان أبو زرعة الجهني يقول: لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يركب من قرن ~~راحلته القصواء وطئت له على يديها، والزمام في يدي مطوي، فركب على الرحل ~~وناولته الزمام، ودرت من خلفه فخلف [ (3) ] الناقة بالسوط، كل ذلك يصيبني، ~~فالتفت إلي فقال: أصابك السوط؟ ~~قلت: نعم بأبي وأمي! قال: فلما نزل الجعرانة إذا ربضة [ (4) ] من الغنم ~~ناحية من الغنائم، فسأل عنها صاحب الغنائم فخبره عنها بشيء لا أحفظه، ثم ~~صاح: أين أبو زرعة؟ قال: قلت: ها أنا ذا! قال: خذ هذه الغنم بالذي أصابك من ~~السوط أمس. قال: فعددتها فوجدتها عشرين ومائة رأس. قال: فتأثلت [ (5) ] بها ~~مالا. PageV03P940 # وقال سراقة بن جعشم: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منحدر من ~~الطائف إلى الجعرانة فتحصلت [ (1) ] ، والناس يمضون أمامه أرسالا [ (2) ] ، ~~فوقعت في مقنب [ (3) ] من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعوني بالرماح ويقولون: ~~إليك! إليك! ما أنت؟ وأنكروني، حتى إذا دنوت وعرفت أنه يسمع صوتي أخذت ~~الكتاب الذي كتبه أبو بكر، فجعلته بين إصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي ~~وناديت: أنا سراقة بن جعشم، وهذا كتابي! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يوم وفاء، أدنوه! فأدنيت منه، فكأني أنظر إلى ساق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في غرزه كأنها جمارة، فلما انتهيت إليه سلمت، وسقت إليه الصدقة، ~~فما ذكرت شيئا أسأله عنه إلا أني قلت: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الإبل ~~تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر إن أسقيتها؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ~~نعم، في كل ذات كبد حرى [ (4) ] أجر. # قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، قال: اعترض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من ms699 أسلم معه غنم، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فقال: ~~يا رسول الله، هذه هدية قد أهديتها لك، قال: وممن أنت؟ ~~قال: رجل من أسلم. قال: إني لا أقبل هدية مشرك، قال: يا رسول الله، إني ~~مؤمن بالله وبرسوله، قد سقت الصدقة إلى بريدة بن الحصيب PageV03P941 ~~لمالي بعينه مصدقا، قال: وأقبل بريدة فلحق النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: صدق يا رسول الله، هذا من قومي، شريف [ (1) ] ينزل بالصفاح [ (2) ] . ~~قال: فما أقدمك إلى نخلة؟ قال: هي أمرع [ (3) ] من الصفاح اليوم. ~~ثم قال: نحن على ظهر كما ترى، فالحقنا بالجعرانة، قال: فخرج يعدو عراض [ ~~(4) ] ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا رسول الله، فأسوق ~~الغنم معي إلى الجعرانة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لا تسقها، ولكن تقدم علينا الجعرانة فنعطيك غنما أخرى إن شاء الله! قال: ~~يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا في عطن [ (5) ] الإبل، أفأصلي فيه؟ قال: ~~لا. قال: فتدركني وأنا في مراح الغنم، أفأصلي فيه؟ قال: ~~نعم. قال: يا رسول الله، ربما تباعد منا الماء ومع الرجل زوجته فيدنو ~~منها؟ قال: نعم، ويتيمم. قال: يا رسول الله، وتكون فينا الحائض، قال: ~~تتيمم. قال: فلحق النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة فأعطاه مائة شاة. # قالوا: وجعلت الأعراب في طريقه يسألونه، وكثروا عليه حتى اضطروه إلى ~~سمرة، فخطفت رداءه فنزعته عن مثل شقة القمر، فوقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يقول: أعطوني ردائي! أعطوني ردائي! لو كان عدد هذه العضاه نعما ~~لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا! PageV03P942 ~~ثم لما كان عند القسم قال: أدوا الخياط والمخيط [ (1) ] ، وإياكم والغلول ~~فإنه عار ونار وشنار [ (2) ] يوم القيامة! ثم أخذ وبرة من جنب بعير فقال: ~~والله ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه الوبرة إلا الخمس، ~~والخمس مردود عليكم. # قالوا: وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة، والسبي ~~والغنائم بها محبوسة، وقد اتخذ السبي حظائر [ (3) ] يستظلون بها ms700 من الشمس، ~~فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تلك الحظائر سأل عنها فقالوا: ~~يا رسول الله، هذا سبي هوازن استظلوا من الشمس. وكان السبي ستة آلاف، ~~وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير، وكانت الغنم لا يدرى عددها، قد قالوا ~~أربعين ألفا وأقل وأكثر، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بسر [ ~~(4) ] بن سفيان الخزاعي يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابا يكسوها، ثياب المعقد [ ~~(5) ] ، فلا يخرج المرء [ (6) ] منهم إلا كاسيا، فاشترى بسر كسوة فكسا ~~السبي كلهم، واستأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبي، وقد كان فرق ~~منه، وأعطى رجالا، عبد الرحمن بن عوف كانت عنده امرأة منهن قد وطئها ~~بالملك، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهبها له بحنين فردها إلى ~~الجعرانة حتى حاضت فوطئها، وأعطى صفوان ابن أمية أخرى، وأعطى علي بن أبي ~~طالب عليه السلام جارية يقال لها PageV03P943 ~~ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة، وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها: ~~زينب بنت حيان بن عمرو، فوطئها عثمان فكرهته، ولم يكن علي وطئ. ~~وأعطى عمر بن الخطاب جارية، فأعطاها عمر ابنه عبد الله بن عمر، فبعث بها ~~ابن عمر إلى أخواله بمكة بني جمح ليصلحوا منها حتى يطوف بالبيت ثم يأتيهم، ~~وكانت جارية وضيئة معجبة. [قال عبد الله بن عمر:] [ (1) ] فقدمت مكة فطفت ~~بالبيت، فخرجت من المسجد وأنا أريد الجارية أن أصيبها، وأرى الناس يشتدون ~~فقلت: ما لكم؟ قالوا: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء هوازن ~~وأبناءها. قال: قلت: تلك صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها! فذهبوا ~~فأخذوها. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبير بن مطعم جارية من سبي ~~هوازن فلم توطأ. ~~وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله جارية فوطئها ~~طلحة. وأعطى سعد بن أبي وقاص جارية، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبا عبيدة بن الجراح جارية فوطئها، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الزبير بن العوام جارية، وهذا ms701 كله بحنين. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الجعرانة أقام يتربص أن يقدم عليه وفدهم، وبدأ بالأموال فقسمها، ~~وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غنم فضة كثيرة، أربعة آلاف أوقية، ~~فجمعت الغنائم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو سفيان بن حرب ~~وبين يديه الفضة، فقال: يا رسول الله، أصبحت أكثر قريش مالا! فتبسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أعطني من هذا المال يا رسول الله! قال: يا ~~بلال، زن لأبي سفيان أربعين أوقية، وأعطوه PageV03P944 ~~مائة من الإبل. قال أبو سفيان: ابني يزيد أعطه! قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: زنوا ليزيد أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: ~~ابني معاوية، يا رسول الله! قال: زن له يا بلال أربعين أوقية، ~~وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: إنك الكريم، فداك أبي وأمي! ولقد ~~حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرا! ~~وأعطى في بني أسد. # قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، قالا: ~~حدثنا حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين مائة من ~~الإبل فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حكيم ابن حزام، إن هذا المال خضرة ~~حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له ~~فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من السفلى، وابدأ بمن ~~تعول! ~~قال: فكان حكيم يقول: والذي بعثك بالحق، لا أرزأ [ (1) ] أحدا بعدك شيئا! ~~فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوه إلى عطائه فيأبى يأخذه، فيقول عمر: ~~أيها الناس، إني أشهدكم على حكيم أني أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه. قال: ~~حدثنا ابن أبي الزناد قال: أخذ حكيم الماءة الأولى ثم ترك. # وفي بني عبد الدار: النضير، وهو أخو النضر بن ms702 الحارث بن كلدة، ~~PageV03P945 ~~مائة من الإبل. وفي بني زهرة: أسيد بن حارثة حليف لهم، مائة من الإبل. ~~وأعطى العلاء بن جارية خمسين بعيرا، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا. وقد ~~رأيت عبد الله بن جعفر ينكر أن يكون أخذ مخرمة في ذلك، وقال: ما سمعت أحدا ~~من أهلي يذكر أنه أعطي شيئا. ومن بني مخزوم: الحارث بن هشام مائة من الإبل، ~~وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل. وأعطى في بني جمح صفوان بن أمية مائة ~~بعير، ~~ويقال إنه طاف مع النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه، فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء. ~~فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعجبك يا ~~أبا وهب هذا الشعب؟ قال: نعم. قال: هو لك وما فيه. ~~فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي، وأشهد أنك رسول الله! ~~وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عثمان ابن وهب خمسين من الإبل. وفي ~~بني عامر بن لؤي أعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد ~~العزى مائة من الإبل، وأعطى هشام بن عمر خمسين من الإبل. وأعطى في العرب ~~الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن بدر الفزاري مائة من ~~الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل. وأعطى العباس بن مرداس السلمي ~~أربعا من الإبل، فعاتب النبي صلى الله عليه وسلم في شعر قاله: # كانت [ (1) ] نهابا تلافيتها %~% بكري على القوم فى الأجرع [ (2) ] ~~PageV03P946 # وحثي الجنود لكي يدلجوا %~% إذا هجع القوم لم أهجع # فأصبح نهبي ونهب العبي %~% د [ (1) ] بين عيينة والأقرع # إلا أفائل [ (2) ] أعطيتها %~% عديد قوائمها الأربع # وقد كنت في الحرب ذا تدرإ [ (3) ] %~% فلم أعط شيئا ولم أمنع # وما كان حصن [ (4) ] ولا حابس %~% يفوقان مرداس في المجمع # وما كنت دون امرئ منهما %~% ومن تضع اليوم لا يرفع # فرفع أبو بكر رضي الله عنه أبياته إلى النبي صلى الله ms703 عليه وسلم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: أنت الذي تقول «أصبح نهبي ونهب العبيد ~~بين الأقرع وعيينة» ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: ~~بأبي وأمي يا رسول الله، ليس هكذا! قال، قال: كيف؟ قال: فأنشده أبو بكر ~~كما قال عباس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سواء، ما يضرك بدأت بالأقرع ~~أم عيينة! فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمى، ما أنت بشاعر ولا ~~رواية، ولا ينبغي لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقطعوا لسانه ~~عني. فأعطوه مائة من الإبل. ~~ويقال خمسين من الإبل، ففزع منها أناس، وقالوا: أمر بعباس يمثل به. وقد ~~اختلف علينا فيما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الناس. # فحدثني عبد الله بن جعفر. عن ابن أبى عون، عن سعد، عن PageV03P947 ~~إبراهيم ويعقوب بن عتبة، قالا: كانت العطايا فارعة [ (1) ] من الغنائم. ~~قال: حدثني موسى بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كانت من الخمس. ~~فأثبت القولين أنها من الخمس. # قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ~~مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أما والذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع [ (2) ] الأرض كلها مثل ~~عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه. # وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ثوب بلال فضة يقبضها للناس على ما ~~أراه الله، فأتاه ذو الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ويلك! فمن يعدل إذا لم أعدل؟ قال عمر: يا رسول ~~الله، إيذن لي أن أضرب عنقه! قال: ~~دعه، إن له أصحابا! يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ~~يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية، ينظر [الرامي] في قذذه [ (3) ] فلا يرى شيئا، ثم ينظر في نصله فلا ~~يرى شيئا، ثم ينظر في رصافه [ (4) ] فلا يرى شيئا، قد سبق ms704 الفرث والدم، ~~يخرجون على فرقة من المسلمين، رأيتهم إن فيهم رجلا PageV03P948 ~~أسود، إحدى يديه [مثل ثدي] [ (1) ] المرأة أو كبضعة تدردر [ (2) ] . فكان ~~أبو سعيد يقول: أشهد لسمعت عليا يحدث هذا الحديث. # قال عبد الله بن مسعود: سمعت رجلا من المنافقين يومئذ ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعطي تلك العطايا، وهو يقول: إنها العطايا ما يراد بها وجه ~~الله! قلت: أما والله لأبلغن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت. فجئت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فتغير لونه حتى ندمت على ما صنعته، ~~فوددت أني لم أخبره، ثم قال: يرحم الله أخي موسى! قد أوذي بأكثر من هذا ~~فصبر! ~~وكان المتكلم بهذا معتب بن قشير العمري. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم، ثم فضلها [ (3) ] على الناس، ~~فكانت سهامهم، لكل رجل أربع من الإبل أو أربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ ~~اثنتي عشرة من الإبل، أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم ~~يسهم له. ### || ذكر وفد هوازن # قالوا: فقدم وفد هوازن، وكان في الوفد عم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الرضاعة، قال يومئذ: يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر من كان يكفلك من ~~عماتك وخالاتك وحواضنك، وقد حضناك فى حجورنا، PageV03P949 ~~وأرضعناك [ (1) ] بثدينا، ولقد رأيتك مرضعا فما رأيت مرضعا خيرا منك، ~~ورأيتك فطيما فما رأيت فطيما خيرا منك، ثم رأيتك شابا فما رأيت شابا خيرا ~~منك، وقد تكاملت فيك خلال الخير، ونحن مع ذلك أهلك وعشيرتك، فامنن علينا من ~~الله عليك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسم السبي، وجرت فيهم ~~السهمان. وقدم عليه أربعة عشر رجلا من هوازن مسلمين، وجاءوا بإسلام من ~~وراءهم من قومهم، فكان رأس القوم والمتكلم أبو صرد زهير بن صرد، ~~فقال: يا رسول الله إنا أهلك وعشيرتك، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى ~~عليك. يا رسول الله، إنما في ms705 هذه الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن ~~يكفلنك، ولو أنا ملحنا [ (2) ] للحارث بن أبي شمر وللنعمان بن المنذر، ثم ~~نزلا منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفهما وعائدتهما [ (3) ] ، وأنت خير ~~المكفولين. ويقال: إنه قال يومئذ- أبو صرد: إنما في هذه الحظائر أخواتك ~~وعماتك وبنات عماتك وخالاتك وبنات خالاتك، وأبعدهن قريب منك. يا رسول الله! ~~بأبي أنت وأمي، إنهن حضنك في حجورهن، وأرضعنك بثديهن، وتوركنك على أوراكهن، ~~وأنت خير المكفولين! وقال: # أمنن علينا رسول الله في كرم %~% فإنك المرء نرجوه وندخر # أمنن على نسوة قد عاقها [ (4) ] قدر %~% ممزق شملها فى دهرها غير ~~PageV03P950 # أمنن على نسوة قد كنت ترضعها %~% إذ فوك مملوءة من محضها الدرر [ (1) ] # اللآلي إذ كنت طفلا كنت ترضعها %~% وإذ يزينك [ (2) ] ما تأتي وما تذر # ألا تداركها نعماء تنشرها %~% يا أرجح الناس حتى حين يختبر # لا تجعلنا كمن شالت نعامته [ (3) ] %~% واستبق منا فإنا معشر زهر # إنا لنشكر آلاء وإن قدمت %~% وعندنا بعد هذا اليوم مدخر # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أحسن الحديث أصدقه، وعندي من ترون ~~من المسلمين، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول الله، ~~خيرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، وما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فرد علينا ~~أبناءنا ونساءنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما ما لي ولبني عبد ~~المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، وإذا صليت الظهر بالناس فقولوا، إنا ~~لنستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله! فإني سأقول ~~لكم، ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس. فلما صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالناس قاموا فتكلموا بالذي أمرهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، ~~وبالمسلمين إلى رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان ~~لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. فقال المهاجرون: فما كان لنا فهو لرسول الله! ~~وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله! قال الأقرع بن حابس: أما أنا ms706 ~~وبنو تميم فلا! وقال عيينة بن حصن: PageV03P951 ~~أما أنا وفزارة فلا! وقال عباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا! ~~قالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله! فقال العباس: ~~وهنتموني [ (1) ] ! ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبا ~~فقال: إن هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم فخيرتهم بين ~~النساء والأبناء والأموال، فلم يعدلوا بالنساء والأبناء، فمن كان عنده منهن ~~شيء فطابت نفسه أن يرده فليرسل، ومن أبى منكم وتمسك بحقه فليرد عليهم، ~~وليكن فرضا علينا ست فرائض من أول ما يفيء الله به علينا! قالوا: يا رسول ~~الله، رضينا وسلمنا! قال: فمروا عرفاءكم أن يدفعوا ذلك إلينا حتى نعلم. ~~فكان زيد بن ثابت يطوف على الأنصار يسألهم: هل سلموا ورضوا؟ فخبروه أنهم ~~سلموا ورضوا، ولم يتخلف رجل واحد. وبعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ~~المهاجرين يسألهم عن ذلك، فلم يتخلف منهم رجل واحد. وكان أبو رهم الغفاري ~~يطوف على قبائل العرب، ثم جمعوا العرفاء، واجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فاتفقوا على قول واحد، تسليمهم ورضاهم، ودفع ما ~~كان في أيديهم من السبي. فكانت المرأة التي عند عبد الرحمن بن عوف قد خيرت ~~تقيم أو ترجع إلى قومها، فاختارت قومها فردت إليهم. والتي عند علي وعثمان ~~وطلحة وصفوان بن أمية وابن عمر، رجعن إلى قومهن. وأما التي عند سعد بن أبي ~~وقاص فاختارت سعدا ولها منه ولد. # وكان عيينة قد خيروه في السبي فأخذ رأسا منهم، نظر إلى عجوز كبيرة فقال: ~~هذه أم الحي! لعلهم أن يغلوا بفدائها. فإنه عسى أن PageV03P952 ~~يكون لها في الحي نسب! فجاء ابنها إلى عيينة فقال: هل لك في مائة من ~~الإبل؟ قال: لا فرجع عنه وتركه ساعة، فجعلت العجوز تقول لابنها: ما أربك [ ~~(1) ] في نقد مائة ناقة؟ اتركه، فما أسرع ما يتركني بغير فداء! فلما سمعها ~~عيينة قال: ما رأيت كاليوم خدعة! والله ما أنا من هذه إلا في غرور ms707 ولا جرم، ~~والله لأباعدن أثرك مني! قال: ثم مر به ابنها فقال: هل لك في العجوز فيما ~~دعوتني إليه! قال ابنها: لا أزيدك على خمسين. قال عيينة: لا أفعل. قال: ~~فلبث ساعة فمر به مرة أخرى وهو معرض عنه. قال عيينة: هل لك في العجوز في ~~الذي بذلت لي؟ ~~قال الفتى: لا أزيدك على خمس وعشرين فريضة [ (2) ] ، هذا الذي أقوى عليه. ~~قال عيينة: والله لا أفعل، بعد مائة فريضة خمسة وعشرون! فلما تخوف عيينة أن ~~يتفرق الناس ويرتحلون جاءه عيينة فقال: هل لك إلى ما دعوتني إليه؟ قال ~~الفتى: هل لك إلى عشر فرائض أعطيكها؟ ~~قال عيينة: والله لا أفعل! فلما رحل الناس ناداه عيينة: هل لك إلى ما ~~دعوتني إليه إن شئت؟ قال الفتى: أرسلها وأحملك. قال: لا والله، ما لي بحملك ~~حاجة. قال: وأقبل عيينة على نفسه لائما لها، ويقول: ما رأيت كاليوم أمرا. ~~قال الفتى: أنت صنعت هذا بنفسك، عمدت إلى عجوز كبيرة، والله ما ثديها ~~بناهد، ولا بطنها، بوالد، ولا فوها [ (3) ] ببارد، ولا صاحبها بواجد [ (4) ~~] ، فأخذتها من بين من ترى. فقال عيينة: ~~خذها لا بارك الله لك فيها، ولا حاجة لي فيها! قال، يقول الفتى: ~~PageV03P953 ~~يا عيينة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كسا السبي فأخطأها من ~~بينهم بالكسوة، فما أنت كاسيها ثوبا؟ قال: لا والله، ما ذلك لها عندي! قال: ~~لا تفعل! فما فارقه حتى أخذ منه شمل ثوب، ثم ولى الفتى وهو يقول: إنك لغير ~~بصير بالفرص! وشكا عيينة إلى الأقرع ما لقي، فقال الأقرع: إنك والله ما ~~أخذتها بكرا غريرة [ (1) ] ، ولا نصفا [ (2) ] وثيرة [ (3) ] ، ولا عجوزا ~~أصيلة، عمدت إلى أحوج شيخ في هوازن فسبيت امرأته. قال عيينة: هو ذاك. # وتمسك بنو تميم مع الأقرع بالسبي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الفداء ست فرائض، ثلاث حقاق [ (4) ] وثلاث جذاع [ (5) ] . ~~وكان معاذ بن جبل يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: لو كان ~~ثابتا على أحد من العرب ولاء أو رق ms708 لثبت اليوم، ولكن إنما هو إسار وفدية. ~~وكان أبو حذيفة العدوي على مقاسم المغنم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للوفد: ما فعل مالك [ (6) ] ؟ قالوا: ~~يا رسول الله، هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أخبروه أنه إن كان يأتي مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته ~~مائة من الإبل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر PageV03P954 ~~بحبس أهل مالك بمكة عند عمتهم أم عبد الله بنت أبي أمية. فقال الوفد: ~~يا رسول الله، أولئك سادتنا وأحبتنا إلينا. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ~~إنما أريد بهم الخير. ~~فوقف مال مالك فلم يجر فيه السهم، فلما بلغ مالك بن عوف الخبر، وما صنع ~~في قومه، وما وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأن أهله وماله موقوف، ~~وقد خاف مالك ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال له ما قال فيحبسونه، أمر براحلته فقدمت حتى وضعت بدحنا [ (1) ] وأمر ~~بفرس له فأتي به ليلا، فخرج من الحصن فجلس على فرسه ليلا فركضه حتى أتى ~~دحنا، فركب على بعيره فلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدركه قد ركب من ~~الجعرانة، فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه. ~~ويقال: ~~لحقه بمكة، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه ~~ومن تلك القبائل حول الطائف من هوازن وفهم، فكان قد ضوى إليه قوم مسلمون، ~~وعقد له لواء، فكان يقاتل بهم من كان على الشرك، ويغير بهم على ثقيف، ~~يقاتلهم بهم، ولا يخرج لثقيف سرح إلا أغار عليه. وقد رجع حين رجع وقد سرح ~~الناس مواشيهم، وأمنوا فيما يرون حيث انصرف عنهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكان لا يقدر على سرح إلا أخذه، ولا على رجل إلا قتله، فكان قد بعث ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالخمس مما يغير به، مرة مائة بعير ومرة ألف ~~شاة، ولقد أغار على ms709 سرح لأهل الطائف فاستاق لهم ألف شاة في غداة واحدة. ~~فقال في ذلك أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي: # تهاب الأعداء جانبنا %~% ثم تغزونا بنو سلمه PageV03P955 # وأتانا مالك بهم %~% ناقضا للعهد والحرمه # وأتونا في منازلنا %~% ولقد كانوا أولي نقمه # فقال مالك بن عوف: # ما إن رأيت ولا سمعت بمثله %~% في الناس كلهم بمثل محمد # أوفى وأعطى للجزيل [ (1) ] إذا اجتدى %~% ومتى تشأ يخبرك عما في غد [ (2) ~~] # وإذا الكتيبة عردت [ (3) ] أنيابها %~% بالمشرفي [ (4) ] وضرب كل مهند [ ~~(5) ] # فكأنه ليث على أشباله %~% وسط الهباءة [ (6) ] خادر [ (7) ] في مرصد # قالوا: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قريش وفي قبائل العرب ~~ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت ~~القالة [ (8) ] حتى قال قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، ~~وأما حين القتال فنحن أصحابه، وأما حين القسم فقومه وعشيرته، ووددنا أنا ~~نعلم ممن كان هذا! إن كان هذا من الله PageV03P956 ~~صبرنا، وإن كان هذا من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم استعتبناه. ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك غضبا شديدا، فدخل ~~عليه سعد بن عبادة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما يقول في قومك؟ قال: وما يقولون يا رسول الله؟ قال: يقولون: أما حين ~~القتال فنحن أصحابه، وأما حين القسم فقومه وعشيرته، ووددنا أنا نعلم من أين ~~هذا! إن كان من قبل الله صبرنا، وإن كان من رأي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم استعتبناه. فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال سعد: ~~يا رسول الله، ما أنا إلا كأحدهم، وإنا لنحب أن نعلم من أين هذا؟ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاجمع من كان هاهنا من الأنصار في هذه ~~الحظيرة. فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم ~~فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له جاءه سعد بن عبادة فقال: يا ~~رسول الله، قد اجتمع لك هذا الحي من ms710 الأنصار. فأتاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والغضب يعرف في وجهه، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم ~~قال: يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة [ (1) ] وجدتموها في ~~أنفسكم، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة [ (2) ] فأغناكم الله، وأعداء ~~فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: ~~بلى، الله ورسوله أمن وأفضل! قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ ~~قالوا: وماذا نجيبك يا رسول الله، ولرسول الله المن والفضل؟ قال: أما ~~والله لو شئتم قلتم فصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا [ (3) ] ~~فنصرناك، PageV03P957 ~~وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك [ (1) ] ! وجدتم في أنفسكم يا معشر ~~الأنصار في شيء من الدنيا تألفت به قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ~~أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول ~~الله إلى رحالكم؟ والذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ~~ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. أكتب لكم ~~بالبحرين كتابا من بعدي تكون [ (2) ] لكم خاصة دون الناس! فهو يومئذ أفضل ~~ما فتح الله عليه من الأنصار. ~~قالوا: وما حاجتنا بالدنيا بعدك يا رسول الله؟ قال: إما لا فسترون بعدي ~~أثرة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإن موعدكم الحوض، وهو كما بين صنعاء ~~وعمان، وآنيته أكثر من عدد النجوم. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار ~~وأبناء أبناء الأنصار! قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا يا ~~رسول الله حظا وقسما. وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا. # وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال ~~خلون من ذي القعدة، فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة، فلما أراد الانصراف إلى ~~المدينة خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة ~~ليلا، فأحرم من المسجد الأقصى الذي تحت [ (3) ] الوادي PageV03P958 ~~بالعدوة القصوى، وكان مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ~~بالجعرانة- فأما هذا المسجد الأدنى، فبناه رجل من قريش واتخذ ذلك الحائط ~~عنده- ولم يجز رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلا محرما، فلم يزل ~~يلبي حتى استلم الركن. ms711 ويقال: لما نظر إلى البيت قطع التلبية، فلما أتى ~~أناخ راحلته على باب بني شيبة، ودخل وطاف ثلاثة أشواط [ (1) ] يرمل [ (2) ] ~~من الحجر إلى الحجر، ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة على راحلته، حتى إذا ~~انتهى إلى المروة في الطواف السابع حلق رأسه. عند المروة، حلقه أبو هند عبد ~~بني بياضة، ويقال حلقه خراش بن أمية، ولم يسق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منها هديا. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة من ليلته ~~فكان كبائت بها، فلما رجع إلى الجعرانة خرج يوم الخميس فسلك في وادي ~~الجعرانة، وسلك معه حتى خرج على سرف، ثم أخذ الطريق حتى انتهى إلى مر ~~الظهران. # واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معاذ ~~بن جبل وأبا موسى الأشعري يعلمان الناس القرآن والفقه في الدين. وقال له: ~~أتدري على من أستعملك؟ قال: الله ورسوله أعلم! قال: استعملتك على أهل الله، ~~بلغ عني أربعا: لا يصلح شرطان في بيع، ولا بيع وسلف، ولا بيع ما لم يضمن، ~~ولا تأكل ربح ما ليس عندك! ~~وأقام للناس الحج عتاب بن أسيد تلك السنة- وهي سنة ثمان- بغير تأمير من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج، ولكنه أمير مكة، وحج PageV03P959 ~~ناس من المسلمين والمشركين على مدتهم، ويقال: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم استعمله على الحج. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ~~لثلاث بقين من ذي القعدة. ### || قدوم عروة بن مسعود # قالوا: كان عروة بن مسعود حين حاصر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ~~بجرش، يتعلم عمل الدبابات والمنجنيق، ثم رجع إلى الطائف بعد أن ولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فعمل الدبابات والمنجنيق والعرادات [ (1) ] وأعد ~~ذلك حتى قذف الله عز وجل في قلبه الإسلام، فقدم المدينة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأسلم، ثم قال: يا رسول الله ايذن لي فآتي قومي فأدعوهم إلى ~~الإسلام، فو الله ما رأيت مثل هذا الدين ms712 ذهب عنه ذاهب، فأقدم على أصحابي ~~وقومي بخير قادم، وما قدم وافد قط على قومه إلا من قدم بمثل ما قدمت به، ~~وقد سبقت يا رسول الله في مواطن كثيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إنهم إذا قاتلوك! قال: يا رسول الله، لأنا أحب إليهم من أبكار أولادهم. ثم ~~استأذنه الثانية فأعاد عليه الكلام الأول، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إنهم إذا قاتلوك. قال: يا رسول الله، لو وجدوني نائما ما أيقظوني. ~~واستأذنه الثالثة فقال: إن شئت فاخرج! فخرج إلى الطائف فسار إليها خمسا، ~~فقدم على قومه عشاء فدخل منزله، فأنكر قومه دخوله منزله قبل أن يأتي الربة ~~[ (2) ] : ثم قالوا: السفر قد حصره [ (3) ] . فجاءوا PageV03P960 ~~منزله فحيوه تحية الشرك، فكان أول ما أنكر عليهم تحية الشرك، فقال: عليكم ~~تحية أهل الجنة. ثم دعاهم إلى الإسلام، وقال: ~~يا قوم، أتتهمونني؟ ألستم تعلمون أني أوسطكم نسبا، وأكثركم مالا، وأعزكم ~~نفرا؟ فما حملني على الإسلام إلا أني رأيت أمرا لا يذهب عنه ذاهب! فاقبلوا ~~نصحي، ولا تستعصوني، فو الله ما قدم وافد على قوم بأفضل مما قدمت به عليكم! ~~فاتهموه، واستغشوه، وقالوا: قد واللات وقع في أنفسنا حيث لم تقرب الربة، ~~ولم تحلق رأسك عندها أنك قد صبوت [ (1) ] ! فآذوه، ونالوا منه، وحلم عليهم، ~~فخرجوا من عنده يأتمرون كيف يصنعون به، حتى إذا طلع الفجر أوفى على غرفة له ~~فأذن بالصلاة، فرماه رجل من رهطه من الأحلاف يقال له وهب بن جابر- ويقال: ~~رماه أوس بن عوف من بني مالك، وهذا أثبت عندنا- وكان عروة رجلا من الأحلاف، ~~فأصاب أكحله [ (2) ] فلم يرقأ دمه [ (3) ] . وحشد قومه في السلاح، وجمع ~~الآخرون وتجايشوا، فلما رأى عروة ما يصنعون قال: لا تقتتلوا في، فإني قد ~~تصدقت بدمي على صاحبه ليصلح بذلك بينكم، فهي كرامة الله أكرمني الله بها، ~~الشهادة ساقها الله إلي، أشهد أن محمدا رسول الله، خبرنى عنكم هذا أنكم ~~تقتلونني! ثم قال لرهطه: ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms713 قبل أن يرتحل عنكم. قال: فدفنوه معهم. وبلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قتله فقال: مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله عز ~~وجل فقتلوه. ~~ويقال: إن عروة لم يقدم المدينة. وإنما لحق رسول الله صلى الله ~~PageV03P961 ~~عليه وسلم بين مكة والمدينة فأسلم ثم انصرف، والقول الأول أثبت عندنا. ~~فلما قتل عروة، قال ابنه أبو مليح بن عروة بن مسعود، وابن أخيه قارب بن ~~الأسود بن مسعود لأهل الطائف: لا نجامعكم على شيء أبدا، وقد قتلتم عروة. ثم ~~لحقا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما، فقال لهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: توليا من شئتما. قالا: نتولى الله ورسوله. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: وخالكما أبو سفيان بن حرب، حالفاه. ~~ففعلا، ونزلا على المغيرة بن شعبة، وأقاما بالمدينة حتى قدم وفد ثقيف في ~~رمضان سنة تسع. # قالوا: وكان عمرو بن أمية أحد بني علاج، وكان من أدهى العرب، وأنكرهم [ ~~(1) ] ، وكان مهاجرا لعبد يا ليل بن عمرو، وتمشى إلى عبد يا ليل ظهرا حتى ~~دخل داره، ثم أرسل إليه: إن عمرا يقول: اخرج إلي! فلما جاء الرسول إلى عبد ~~يا ليل قال: ويحك! عمرو أرسلك؟ قال: نعم، وهو واقف فى الدار. وكان عبد يا ~~ليل يحب صلحه ويكره أن يمشي إليه، فقال عبد يا ليل: إن هذا لشيء ما كنت ~~أظنه بعمرو، وما هو إلا عن أمر قد حدث وكان أمرا سوءا، ما لم يكن من ناحية ~~محمد. فخرج إليه عبد يا ليل، فلما رآه رحب به، فقال عمرو: قد نزل بنا أمر ~~ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب ~~كلها وليست لكم بهم طاقة، وإنما نحن في حصننا هذا، ما بقاؤنا فيه وهذه ~~أطرافنا تصاب! ولا نأمن من أحد منا يخرج شبرا واحدا من حصننا هذا، فانظروا ~~فى أمركم! قال عبد يا ليل: قد والله رأيت PageV03P962 ~~ما رأيت، فما استطعت أن أتقدم بالذي تقدمت به، ms714 وإن الحزم والرأي الذي في ~~يديك. قال: فائتمرت ثقيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ~~ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب [ (1) ] ، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع؟ ~~فائتمروا بينهم، فأرادوا أن يرسلوا رسولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~كما خرج عروة بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فابعثوا رأسكم ~~عبد يا ليل. فكلموا عبد يا ليل بن عمرو بن حبيب، وكان سن [ (2) ] عروة، ~~فأبى أن يفعل، وخشي إن رجع إلى قومه مسلما أن يصنع به إذا رجع من عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما صنع بعروة حتى يبعثوا معه رجالا. فأجمعوا على رجلين ~~من الأحلاف وثلاثة من بنى مالك، فبعثوا مع عبد يا ليل الحكم بن عمرو بن وهب ~~بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وهؤلاء الأحلاف رهط عروة. ~~وبعثوا في بني مالك: عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير بن خرشة، ستة. ~~ويقال: إن الوفد كانوا بضعة عشر رجلا، فيهم سفيان بن عبد الله. # قالوا: فخرج بهم عبد يا ليل وهو رأسهم وصاحب أمرهم، ولكنه أحب إن رجعوا ~~أن يسهل كل رجل رهطه، فلما كانوا بوادي قناة مما يلي دار حرض [ (3) ] ~~نزلوا، فيجدون نشرا [ (4) ] من الإبل، فقال قائلهم: لو سألنا صاحب الإبل ~~لمن الإبل، وخبرنا من خبر محمد. فبعثوا عثمان بن أبي العاص، فإذا هو ~~المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت رعيتها نوبا على أصحاب رسول الله PageV03P963 ~~صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم سلم عليهم وترك الركاب عندهم، وخرج يشتد، ~~يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بقدومهم، حتى انتهى إلى باب المسجد فيلقى ~~أبا بكر الصديق رضي الله عنه فأخبره خبر قومه، فقال أبو بكر: أقسمت بالله ~~عليك لا تسبقني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم حتى أكون أنا ~~أخبره- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرهم ببعض الذكر- فأبشره ~~بمقدمهم. فدخل أبو بكر رضي الله عنه على النبي صلى ms715 الله عليه وسلم فأخبره ~~والمغيرة على الباب، ~~ثم خرج إلى المغيرة فدخل المغيرة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~مسرور، فقال: ~~يا رسول الله، قد قدم قومي يريدون الدخول في الإسلام بأن تشرط لهم شروطا، ~~ويكتبون كتابا على من وراءهم من قومهم وبلادهم. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا يسألون شرطا ولا كتابا أعطيته أحدا من الناس إلا أعطيتهم، ~~فبشرهم! فخرج المغيرة راجعا فخبرهم ما قال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وبشرهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل ما أمرهم ~~المغيرة فعلوا إلا التحية، فإنهم قالوا: أنعم صباحا! ودخلوا المسجد فقال ~~الناس: يا رسول الله، يدخلون المسجد وهم مشركون؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن الأرض لا ينجسها شيء! وقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله، ~~أنزل قومي علي، وأكرمهم، فإني حديث الجرم فيهم. فقال: لا آمنك أن تكرم ~~قومك. ~~وكان جرم المغيرة أنه خرج في ثلاثة عشر رجلا من بني مالك، فقدموا على ~~المقوقس فحيا بني مالك وجفاه وهو من الأحلاف، وكان معه رجلان الشريد ودمون، ~~فلما كانوا بسباق [ (1) ] وضعوا شرابا لهم فسقاهم المغيرة بيده، ~~PageV03P964 ~~فجعل يخفف عن نفسه وينزع [ (1) ] لبني مالك حتى ثملوا وناموا، فلما ناموا ~~وثب إليهم ليقتلهم، فشرد الشريد منهم ليلتئذ، وفرق دمون أن يكون هذا سكرا ~~منه فتغيب، فجعل يصيح: يا دمون! يا دمون! فلا دمون، فجعل يبكي، وخاف أن ~~يكون قتله بعضهم، فطلع دمون فقال: ~~أين كنت؟ قال: تغيبت حين رأيتك صنعت ببني مالك ما صنعت، فخشيت أن يكون ~~ذلك ذهاب عقل. قال: إنما صنعت ذلك بهم لما حياهم المقوقس وجفاني. ثم أقبل ~~بأموالهم حتى أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، ~~فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اخمس هذه الأموال. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لسنا نغدر، ولا ينبغي لنا الغدر! ~~فأبى أن يخمس أموالهم. # وأنزل المغيرة ثقيفا في داره بالبقيع، وهي خطة خطها النبي صلى الله ms716 عليه ~~وسلم له، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخيمات ثلاث من جريد فضربت في ~~المسجد، فكانوا يسمعون القراءة بالليل وتهجد أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وينظرون إلى الصفوف في الصلاة المكتوبة، ويرجعون إلى منزل المغيرة ~~فيطعمون ويتوضأون، ويكونون فيه ما أرادوا، وهم يختلفون إلى المسجد. وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يجري لهم الضيافة في دار المغيرة، وكانوا [ ~~(2) ] يسمعون خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمعونه يذكر نفسه، ~~فقالوا: أمرنا بالتشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته! فلما بلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قولهم قال: أنا أول PageV03P965 ~~من شهد أني رسول الله! ثم قام [ (1) ] فخطب وشهد أنه رسول الله في خطبته. ~~فمكثوا على هذا أياما يغدون على النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم، يخلفون ~~عثمان بن أبي العاص على رحالهم، وكان أصغرهم، فكان إذا رجعوا إليه وناموا ~~بالهاجرة خرج فعمد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه ~~القرآن، وأسلم سرا من أصحابه، فاختلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرارا ~~حتى فقه، وسمع القرآن، وقرأ من القرآن سورا من في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما عمد إلى أبي بكر رضي ~~الله عنه فسأله واستقرأه- ويقال: إذا وجد النبي صلى الله عليه وسلم نائما ~~جاء إلى أبي بن كعب فاستقرأه- فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام ~~قبل الوفد وقبل القضية، وكتم ذلك عثمان من أصحابه، وأعجب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم به، وأحبه. ~~فمكث الوفد أياما يختلفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يدعوهم ~~إلى الإسلام، فقال له عبد يا ليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى أهلنا ~~وقومنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام ~~قاضيتكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم! قال عبد يا ليل: أرأيت الزنا؟ ~~فإنا قوم عزاب بغرب [ (2) ] ، لا بد لنا منه، ولا يصبر أحدنا على ms717 العزبة. ~~قال: هو مما حرم الله على المسلمين، يقول الله تعالى: ولا تقربوا الزنى إنه ~~كان فاحشة وساء سبيلا [ (3) ] . قال: ~~أرأيت الربا؟ قال: الربا حرام! قال: فإن أموالنا كلها ربا. قال: ~~PageV03P966 ~~لكم رءوس أموالكم، يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين [ (1) ] . قال: أفرأيت الخمر؟ ~~فإنها عصير أعنابنا، لا بد لنا منها. قال: فإن الله قد حرمها! ثم تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام ... [ (2) ] الآية. قال: فارتفع القوم، وخلا بعضهم ببعض، فقال عبد ~~يا ليل: ويحكم! نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث! والله، لا تصبر ~~ثقيف عن الخمر أبدا، ولا عن الزنا أبدا. قال سفيان ابن عبد الله: أيها ~~الرجل، إن يرد الله بها خيرا تصبر عنها! قد كان هؤلاء الذين معه على مثل ~~هذا، فصبروا وتركوا ما كانوا عليه، مع أنا نخاف هذا الرجل، قد أوطأ الأرض ~~غلبة ونحن في حصن في ناحية من الأرض، والإسلام حولنا فاش، والله لو قام على ~~حصننا شهرا لمتنا جوعا، وما أرى إلا الإسلام، وأنا أخاف يوما مثل يوم مكة! # وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى كتبوا الكتاب، كان خالد هو الذي كتبه. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل إليهم بالطعام، فلا يأكلون منه ~~شيئا حتى يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا. قالوا: ~~أرأيت الربة، ما ترى فيها؟ قال: هدمها. قالوا: هيهات! لو تعلم الربة أنا ~~أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ويحك يا عبد ~~يا ليل! إن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده. قال عبد يا ليل: إنا ~~لم نأتك يا عمر! فأسلموا، وكمل PageV03P967 ~~الصلح، وكتب ذلك الكتاب خالد بن سعيد. فلما كمل الصلح كلموا النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدع الربة ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى. ms718 ~~قالوا: سنتين! فأبى. قالوا: سنة! فأبى. قالوا: شهرا واحدا! فأبى أن يوقت ~~لهم وقتا. وإنما يريدون بترك الربة لما يخافون من سفهائهم والنساء ~~والصبيان، وكرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يعفيهم من هدمها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~نعم، أنا أبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها. واستعفوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكسروا أصنامهم بأيديهم. وقال: أنا آمر ~~أصحابي أن يكسروها. وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفيهم من الصلاة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير في دين لا صلاة فيه. ~~فقالوا: يا محمد، أما الصلاة فسنصلي، وأما الصيام فسنصوم. وتعلموا فرائض ~~الإسلام وشرائعه، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوموا ما بقي من ~~الشهر، وكان بلال يأتيهم بفطرهم. ~~ويخيل إليهم [أن] الشمس لم تغب فيقولون: ما هذا من رسول الله إلا استبار ~~لنا، ينظر كيف إسلامنا. فيقولون: يا بلال، ما غابت الشمس بعد. فيقول بلال: ~~ما جئتكم حتى أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فكان الوفد يحفظون هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعجيل فطره. ~~وكان بلال يأتيهم بسحورهم، قال: فأسترهم من الفجر [ (1) ] ، فلما أرادوا ~~الخروج قالوا: يا رسول الله، أمر علينا رجلا منا يؤمنا. فأمر عليهم عثمان ~~بن أبي العاص، وهو أصغرهم، لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرصه ~~على الإسلام. قال عثمان: وكان آخر عهد عهده PageV03P968 ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا، ~~وإذا أممت قوما فاقدرهم بأضعفهم، وإذا صليت لنفسك فأنت وذاك. ثم خرج الوفد ~~عامدين إلى الطائف، فلما دنوا من ثقيف قال عبد يا ليل: ~~أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموها القضية، وخوفوهم بالحرب والقتال، وأخبروهم ~~أن محمدا سألنا أمورا عظمناها فأبيناها عليه، يسألنا تحريم الزنا والخمر، ~~وأن نبطل أموالنا في الربا، وأن نهدم الربة. وخرجت ثقيف حين دنا الوفد، ~~فلما رآهم ms719 الوفد ساروا العنق [ (1) ] وقطروا الإبل [ (2) ] ، وتغشوا ~~بثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا، فلم يرجعوا بخير. فلما رأت ثقيف ما ~~في وجوه القوم حزنوا وكربوا، فقال بعضهم: ما جاء وفدكم بخير! ودخل الوفد، ~~فكان أول ما بدءوا به على اللات، فقال القوم حين نزل الوفد إليها [ (3) ] ، ~~وكانوا كذلك يفعلون، فدخل القوم وهم مسلمون فنظروا فيما خرجوا يدرأون به عن ~~أنفسهم، وقالت ثقيف: كأنهم [ (4) ] لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها! ثم رجع ~~كل واحد منهم إلى أهله، وأتى رجالا منهم جماعة من ثقيف فسألوهم [ (5) ] : ~~ماذا رجعتم به؟ وقد كان الوفد قد استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~ينالوا منه فرخص لهم، فقالوا: جئناكم من عند رجل فظ غليظ، يأخذ من أمره ما ~~شاء، قد ظهر بالسيف، وأداخ [ (6) ] العرب، ودان له الناس، ورعبت منه بنو ~~الأصفر في حصونهم، والناس فيه، إما راغب في دينه، وإما خائف من السيف، ~~PageV03P969 ~~فعرض علينا أمورا شديدة أعظمناها، فتركناها عليه، حرم علينا الزنا، ~~والخمر، والربا، وأن نهدم الربة. فقالت ثقيف: لا نفعل هذا أبدا. فقال ~~الوفد: ~~لعمري قد كرهنا ذلك وأعظمناه، ورأينا أنه لم ينصفنا، فأصلحوا سلاحكم، ~~ورموا حصنكم، وانصبوا العرادات عليه والمنجنيق، وأدخلوا طعام سنة أو سنتين ~~في حصنكم، لا يحاصركم أكثر من سنتين، واحفروا خندقا من وراء حصنكم، وعاجلوا ~~ذلك فإن أمره قد ظل لا نأمنه. ~~فمكثوا بذلك يوما أو يومين يريدون القتال، ثم أدخل الله تبارك وتعالى في ~~قلوبهم الرعب فقالوا: ما لنا به طاقة، قد أداخ العرب كلها، فارجعوا إليه ~~فأعطوه ما سأل وصالحوه، واكتبوا بينكم وبينه كتابا قبل أن يسير إلينا ويبعث ~~الجيوش. فلما رأى الوفد أن قد سلموا بالقضية، ورعبوا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ورغبوا في الإسلام، واختاروا الأمن على الخوف، قال الوفد: فإنا ~~قد قاضيناه، وأعطانا ما أحببناه، وشرط لنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس، ~~وأبر الناس، وأوصل الناس، وأوفى الناس، وأصدق الناس، وأرحم الناس، وقد ~~تركنا من هدم الربة وأبينا أن نهدمها، وقال: «أبعث من يهدمها» ms720 ، وهو يبعث ~~من يهدمها. قال: ~~يقول شيخ من ثقيف قد بقي في قلبه من الشرك بعد بقية: فذاك والله مصداق ما ~~بيننا وبينه، إن قدر على هدمها فهو محق ونحن مبطلون، وإن امتنعت ففي النفس ~~من هذا بعد شيء! فقال عثمان بن العاص: ~~منتك نفسك الباطل وغرتك الغرور! وما الربة؟ وما تدري الربة من عبدها ومن ~~لم يعبدها؟ كما كانت العزى ما تدري من عبدها ومن لم يعبدها، جاءها خالد بن ~~الوليد وحده فهدمها، وكذلك إساف، ونائلة، وهبل، ومناة، خرج إليها رجل واحد ~~فهدمها، وسواع، خرج إليه رجل PageV03P970 ~~واحد فهدمه! فهل امتنع شيء منهم؟ قال الثقفي: إن الربة لا تشبه شيئا مما ~~ذكرت. قال عثمان: سترى! # وأقام أبو سفيان والمغيرة بن شعبة يومين أو ثلاثة، ~~ثم خرجوا وقد تحكم أبو مليح بن عروة، وقارب بن الأسود، وهما يريدان يسيران ~~مع أبي سفيان، والمغيرة إلى هدم الربة، ~~فقال أبو مليح: يا رسول الله، إن أبي قتل وعليه دين، مائتا مثقال ذهب، ~~فإن رأيت أن تقضيه من حلي الربة فعلت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~نعم. فقال قارب بن الأسود: يا رسول الله، وعن الأسود بن مسعود أبي، فإنه قد ~~ترك دينا مثل دين عروة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الأسود مات ~~وهو كافر. فقال قارب: تصل به قرابة، إنما الدين علي وأنا مطلوب به. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أفعل. ~~فقضى عن عروة، والأسود، دينهما من مال الطاغية. وخرج أبو سفيان والمغيرة ~~وأصحابهما لهدم الربة، فلما دنوا من الطائف قال لأبي سفيان: تقدم فادخل ~~لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. فقال أبو سفيان: بل تقدم أنت على قومك! ~~فتقدم المغيرة، وأقام أبو سفيان بماله ذي الهرم [ (1) ] ، ودخل المغيرة في ~~بضعة عشر رجلا يهدمون الربة. فلما نزلوا بالطائف نزلوا عشاء فباتوا، ثم ~~غدوا على الربة يهدمونها. فقال المغيرة لأصحابه الذين قدموا معه: لأضحكنكم ~~اليوم من ثقيف. فأخذ المعول واستوى على رأس الربة ومعه المعول، ms721 وقام وقام ~~قومه بنو معتب دونه، معهم السلاح مخافة أن يصاب كما فعل بعمه عروة بن ~~مسعود. وجاء أبو سفيان وهو على ذلك فقال: كلا! زعمت تقدمني أنت إلى ~~الطاغية، تراني لو قمت أهدمها كانت بنو معتب تقوم PageV03P971 ~~دوني؟ قال المغيرة: إن القوم قد واضعوهم هذا قبل أن تقدم، فأحبوا الأمن ~~على الخوف. وقد خرج نساء ثقيف حسرا [ (1) ] يبكين على الطاغية، والعبيد، ~~والصبيان، والرجال منكشفون، والأبكار خرجن. فلما ضرب المغيرة ضربة بالمعول ~~سقط مغشيا عليه يرتكض، فصاح أهل الطائف صيحة واحدة: كلا! زعمتم أن الربة لا ~~تمتنع، بلى والله لتمتنعن! وأقام المغيرة مليا وهو على حاله تلك، ثم استوى ~~جالسا فقال: يا معشر ثقيف، كانت العرب تقول: ما من حي من أحياء العرب أعقل ~~من ثقيف، وما من حي من أحياء العرب أحمق منكم! ويحكم، وما اللات والعزى، ~~وما الربة؟ حجر مثل هذا الحجر، لا يدري من عبده ومن لم يعبده! ويحكم، أتسع ~~اللات أو تبصر أو تنفع أو تضر؟ ثم هدمها وهدم الناس معه، فجعل السادن يقول- ~~وكانت سدنة اللات من ثقيف بنو العجلان بن عتاب بن مالك، وصاحبها منهم عتاب ~~بن مالك بن كعب ثم بنوه بعده- يقول: سترون إذا انتهى إلى أساسها، يغضب ~~الأساس غضبا يخسف بهم. فلما سمع بذلك المغيرة ولي حفر الأساس حتى بلغ نصف ~~قامة، وانتهى إلى الغبغب خزانتها، وانتزعوا حليتها وكسوتها وما فيها من طيب ~~ومن ذهب أو فضة. قال: تقول عجوز منهم: ~~أسلمها الرضاع [ (2) ] ، وتركوا المصاع [ (3) ] ! وأعطى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مما وجد فيها أبا مليح، وقاربا، وناسا، وجعل في سبيل الله ~~وفي السلاح منها، ~~ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لثقيف: PageV03P972 ~~بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من النبي رسول الله إلى المؤمنين، إن ~~عضاه وج [ (1) ] وصيده لا يعضد، ومن وجد يفعل ذلك يجلد وتنزع ثيابه، فإن ~~تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ محمدا، فإن هذا أمر النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ~~وكتب خالد بن سعيد بأمر النبي ms722 الرسول محمد ابن عبد الله. فلا يتعداه أحد، ~~فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قطع عضاه وج وعن صيده، وكان الرجل يوجد يفعل ذلك فتنزع ~~ثيابه. واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمى وج سعد بن أبي وقاص. ### || بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدقين # قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم، عن الزهري، وعبد الله ابن يزيد، عن ~~سعيد بن عمرو، قالا: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة قدم ~~المدينة يوم الجمعة لثلاث ليال بقين من ذي القعدة، فأقام بقية ذي القعدة ~~وذي الحجة، فلما رأى هلال المحرم بعث المصدقين، فبعث بريدة بن الحصيب إلى ~~أسلم وغفار بصدقتهم، ويقال: كعب بن مالك، وبعث عباد بن بشر الأشهلي إلى ~~سليم ومزينة، وبعث رافع بن مكيث في جهينة، وبعث عمرو بن العاص إلى فزارة، ~~وبعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب، وبعث بسر بن سفيان الكعبي إلى ~~بني كعب، وبعث ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان، وبعث رجلا من بني سعد بن ~~هذيم على صدقاتهم. فخرج بسر بن سفيان على صدقات بن كعب. ويقال: إنما سعى ~~عليهم نعيم بن عبد الله PageV03P973 ~~النحام العدوي، فجاء وقد حل بنواحيهم بنو جهيم من بنى تميم، وبنو عمرو ~~ابن جندب بن العتير بن عمرو بن تميم، فهم يشربون معهم على غدير لهم بذات ~~الأشطاط [ (1) ] ، ويقال: وجدهم على عسفان. ثم أمر بجمع مواشي خزاعة ليأخذ ~~منها الصدقة. قال: فحشرت خزاعة الصدقة من كل ناحية، فاستنكرت ذلك بنو تميم ~~وقالوا: ما هذا؟ تؤخذ أموالكم منكم بالباطل [ (2) ] ! وتجيشوا، وتقلدوا ~~القسي، وشهروا السيوف، فقال الخزاعيون: ~~نحن قوم ندين بدين الإسلام، وهذا من ديننا. قال التميميون: والله لا يصل ~~إلى بعير منها أبدا! فلما رآهم المصدق هرب منهم وانطلق موليا وهو يخافهم، ~~والإسلام يومئذ لم يعم العرب، قد بقيت بقايا من العرب وهم يخافون السيف لما ~~فعل رسول ms723 الله صلى الله عليه وسلم بمكة وحنين، ~~وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر مصدقيه أن يأخذوا العفو ~~منهم ويتوقوا كرائم أموالهم، فقدم المصدق على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره الخبر، وقال: يا رسول الله، إنما كنت في ثلاثة نفر، فوثبت خزاعة على ~~التميميين فأخرجوهم من محالهم، وقالوا: لولا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم، ~~ليدخلن علينا بلاء من عداوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أنفسكم حيث ~~تعرضون لرسل [ (3) ] رسول الله، تردونهم عن صدقات أموالنا. فخرجوا راجعين ~~إلى بلادهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من لهؤلاء القوم الذين فعلوا ما فعلوا؟ ~~فانتدب أول الناس عيينة بن حصن الفزاري، فقال: أنا والله لهم، أتبع ~~آثارهم ولو بلغوا يبرين [ (4) ] حتى PageV03P974 ~~آتيك بهم إن شاء الله، فترى فيهم رأيك أو يسلموا. فبعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في خمسين فارسا من العرب، ليس فيها مهاجر واحد ولا أنصاري، ~~فكان يسير بالليل ويكمن لهم بالنهار، خرج على ركوبة [ (1) ] حتى انتهى إلى ~~العرج، فوجد خبرهم أنهم قد عارضوا إلى أرض بني سليم، فخرج في أثرهم حتى ~~وجدهم قد عدلوا من السقيا يؤمون أرض بني سليم في صحراء، قد حلوا وسرحوا ~~مواشيهم، والبيوت خلوف ليس فيها أحد إلا النساء ونفير، فلما رأوا الجمع ~~ولوا وأخذوا منهم أحد عشر رجلا، ووجدوا في المحلة من النساء إحدى عشرة ~~امرأة وثلاثين صبيا، فحملهم إلى المدينة، فأمر بهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث. فقدم منهم عشرة من رؤسائهم، العطارد ~~بن حاجب بن زرارة، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم ~~بن سعد، وعمرو بن الأهتم، والأقرع بن حابس، ورياح بن الحارث ابن مجاشع [ ~~(2) ] ، ~~فدخلوا المسجد قبل الظهر، فلما دخلوا سألوا عن سبيهم فأخبروا بهم ~~فجاءوهم، فبكى الذراري والنساء، فرجعوا حتى دخلوا المسجد ثانية، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ في بيت عائشة، وقد أذن بلال بالظهر بالأذان ~~الأول، والناس ينتظرون خروج رسول الله ms724 صلى الله عليه وسلم، فعجلوا خروجه، ~~فنادوا: يا محمد، اخرج إلينا! فقام إليهم بلال فقال: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخرج الآن. فاشتهر [ (3) ] PageV03P975 ~~أهل المسجد أصواتهم فجعلوا يخفقون [ (1) ] بأيديهم، فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأقام بلال الصلاة، وتعلقوا به يكلمونه، فوقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معهم بعد إقامة بلال الصلاة مليا، وهم يقولون: ~~أتيناك بخطيبنا وشاعرنا فاسمع منا. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~مضى فصلى بالناس الظهر، ثم انصرف إلى بيته فركع ركعتين، ثم خرج فجلس في صحن ~~المسجد، وقدموا عليه وقدموا عطارد ابن حاجب التميمي فخطب فقال: الحمد لله ~~الذي له الفضل علينا، والذي جعلنا ملوكا، وأعطانا الأموال نفعل فيها ~~المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثرهم مالا وأكثرهم عددا، فمن مثلنا فى ~~الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وذوي فضلهم؟ فمن يفاخر فليعدد مثل ما عددنا! ولو ~~شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنا نستحيي من الإكثار فيما أعطانا الله. أقول ~~قولي هذا لأن يؤتى بقول هو أفضل من قولنا! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لثابت بن قيس: قم فأجب خطيبهم! فقام ثابت- وما كان درى من ذلك بشيء، ~~وما هيأ قبل ذلك ما يقول- فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى ~~فيها أمره، ووسع كل شيء علمه، فلم يك شيء إلا من فضله. ثم كان مما قدر الله ~~أن جعلنا ملوكا، واصطفى لنا من خلقه رسولا، أكرمهم نسبا، وأحسنهم زيا، ~~وأصدقهم حديثا. أنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، وكان خيرته من عباده، ~~فدعا إلى الإيمان، فآمن المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أصبح الناس وجها، ~~وأفضل الناس فعالا. ثم كنا أول الناس إجابة حين دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنحن أنصار الله ورسوله، نقاتل الناس حتى PageV03P976 ~~يقولوا لا إله إلا الله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن ~~كفر بالله جاهدناه في ذلك، وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولي هذا وأستغفر ~~الله للمؤمنين والمؤمنات. ثم جلس، فقالوا: يا رسول الله ms725 ائذن لشاعرنا. فأذن ~~له، فأقاموا الزبرقان بن بدر فقال: # نحن الملوك فلا حي يقاربنا %~% فينا الملوك وفينا تنصب البيع [ (1) ] # وكم قسرنا من الأحياء كلهم %~% عند النهاب وفضل الخير يتبع # ونحن نطعم عند القحط ما أكلوا %~% من السديف إذا لم يؤنس القزع [ (2) ] # وننحر الكوم عبطا [ (3) ] في أرومتنا %~% للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجبهم يا حسان بن ثابت! ~~فقام فقال: # إن الذوائب [ (4) ] من فهر وإخوتهم %~% قد شرعوا سنة للناس تتبع # يرضى بهم كل من كانت سريرته %~% تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم %~% أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا # سجية تلك منهم غير محدثة %~% إن الخلائق فاعلم شرها البدع # لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم %~% عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا # ولا يضنون عن جار بفضلهم %~% ولا ينالهم في مطمع طبع [ (5) ] # إن كان في الناس سباقون بعدهم %~% فكل سبق لأدنى سبقهم تبع PageV03P977 # أكرم بقوم رسول الله شيعتهم %~% إذا تفرقت الأهواء والشيع # أعفة ذكرت في الوحي عفتهم %~% لا يطمعون ولا يرديهم طمع # كأنهم في الوغى والموت مكتنع [ (1) ] %~% أسد ببيشة [ (2) ] في أرساغها [ ~~(3) ] فدع # لا يفخرون إذا نالوا عدوهم [ (4) ] %~% وإن أصيبوا فلا خور [ (5) ] ولا ~~جزع # إذا نصبنا [ (6) ] لحي لم ندب لهم %~% كما يدب إلى الوحشية الذرع [ (7) ] # نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها %~% إذا الزعانف [ (8) ] من أطرافها خشعوا ~~[ (9) ] # خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا %~% ولا يكن همك الأمر الذي منعوا # فإن في حربهم فاترك عداوتهم %~% سما غريضا عليه الصاب والسلع [ (10) ] # أهدى لهم مدحه قلب يؤازره %~% فيما أحب لسان حائك صنع [ (11) ] # وأنهم أفضل الأحياء كلهم %~% إن جد بالناس جد القول أو شمعوا [ (12) ] ~~PageV03P978 # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بمنبر، فوضع في المسجد ينشد ~~عليه حسان، وقال: إن الله ليؤيد حسان بروح القدس ما دافع عن نبيه. ~~وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ والمسلمون بمقام ثابت وشعر حسان. ~~وخلا الوفد بعضهم إلى بعض، فقال قائل: تعلمن والله أن هذا الرجل مؤيد مصنوع ~~له، ms726 والله لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعرهم أشعر من شاعرنا، * ولهم أحلم ~~منا! وكان ثابت بن قيس من أجهر الناس صوتا. وأنزل الله تعالى على نبيه في ~~رفع أصواتهم- التميميين- ويذكر أنهم نادوا النبي صلى الله عليه وسلم من ~~وراء الحجرات فقال: ~~يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي [ (1) ] إلى قوله: ~~أكثرهم لا يعقلون، يعني تميما حين نادوا النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وكان ثابت حين نزلت هذه الآية لا يرفع صوته عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم السبي والأسرى. # وقام عمرو بن الأهتم يومئذ يهجو قيس بن عاصم، كانا جميعا في الوفد، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر لهم بجوائز، وكان يجيز الوفد إذا ~~قدموا عليه ويفضل بينهم في العطية على قدر ما يرى، فلما أجازهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: هل بقي منكم من لم نجزه؟ ~~قالوا: غلام في الرحل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوه نجزه! ~~فقال قيس بن عاصم: إنه غلام لا شرف له. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~وإن كان! فإنه وافد وله حق! ~~فقال عمرو بن الأهتم شعرا يريد قيس بن عاصم: # ظللت مفترشا هلباك [ (2) ] تشتمني %~% عند الرسول فلم تصدق ولم تصب ~~PageV03P979 # إنا وسؤددنا [ (1) ] عود وسؤددكم %~% مخلف بمكان العجب والذنب # إن تبغضونا فإن الروم أصلكم %~% والروم لا تملك البغضاء للعرب # قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن شيخ، أخبره أن امرأة من بني النجار قالت: ~~أنا أنظر إلى الوفد يومئذ يأخذون جوائزهم عند بلال، اثنتي عشرة أوقية ونش. ~~قالت: وقد رأيت غلاما أعطاه يومئذ وهو أصغرهم، أعطى خمس أواقي. قلت: وما ~~النش؟ قالت: نصف أوقية. ### | بعثة الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق # قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى ~~صدقات بني المصطلق، وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد بساحاتهم. فلما خرج ~~إليهم الوليد وسمعوا به قد دنا منهم، خرج منهم عشرون ms727 رجلا يتلقونه بالجزر ~~والنعم فرحا به، ولم يروا أحدا يصدق بعيرا قط. ولا شاة، فلما رآهم ولى ~~راجعا إلى المدينة ولم يقربهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما دنا ~~منهم لقوه. معهم السلاح يحولون بينه وبين الصدقة، فهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يبعث إليهم من يغزوهم. وبلغ ذلك القوم، فقدم عليه الركب الذين ~~لقوا الوليد، فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم الخبر وقالوا: يا رسول ~~الله، سله هل ناطقنا أو كلمنا؟ ونزلت هذه الآية ونحن مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نكلمه ونعتذر، فأخذه البرحاء فسرى عنه، ونزل عليه: PageV03P980 ~~يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ... [ (1) ] الآية. فقرأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وأخبرنا بعذرنا وما نزل في صاحبنا، ثم ~~قال: من تحبون أبعث إليكم؟ قالوا: تبعث علينا عباد بن بشر. ~~فقال: يا عباد سر معهم فخذ صدقات أموالهم وتوق كرائم أموالهم. ~~قال: فخرجنا مع عباد يقرئنا القرآن ويعلمنا شرائع الإسلام حتى أنزلناه في ~~وسط بيوتنا، فلم يضيع حقا ولم يعد بنا الحق. وأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأقام عندنا عشرا، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راضيا. ### | باب شأن سرية قطبة بن عامر إلى خثعم في صفر سنة تسع # حدثنا ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، قال: حدثنا ابن كعب بن مالك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى ~~حي خثعم بناحية تبالة، وأمره أن يشن الغارة عليهم، وأن يسير الليل ويكمن ~~النهار، وأن يغذ السير، فخرجوا في عشرة أبعرة يعتقبون عليها، قد غيبوا ~~السلاح، فأخذوا على الفتق حتى انتهوا إلى بطن مسحاء [ (2) ] ، فأخذوا رجلا ~~فسألوه فاستعجم عليهم، فجعل يصيح بالحاضر. وخبر هذه السرية داخل فى سرية ~~شجاع بن وهب. PageV03P981 ### | سرية بني كلاب أميرها الضحاك بن سفيان الكلابي # قال: حدثني رشيد أبو موهوب الكلابي، عن حيان بن أبي سلمى، وعنبسة بن أبى ~~سلمى، وحصين ms728 بن عبد الله، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا ~~إلى القرطاء [ (1) ] ، فيهم الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكلابي، ~~والأصيد بن سلمة بن قرط بن عبد، حتى لقوهم بالزج [ (2) ] زج لاوة، فدعوهم ~~إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق الأصيد أباه سلمة بن قرط، وسلمة ~~على فرس له على غدير زج، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبه وسب ~~دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرسه، فلما وقع على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه ~~في الماء، ثم استمسك به حتى جاءه أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه. وهذه السرية ~~في شهر ربيع الأول سنة تسع. # قال: حدثني رشيد أبو موهوب، عن جابر بن أبي سلمى، وعنبسة بن أبي سلمى ~~قالا: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حارثة بن عمرو ابن قريط يدعوهم ~~إلى الإسلام، فأخذوا صحيفته فغسلوها ورقعوا بها است دلوهم، وأبوا أن ~~يجيبوا. فقالت أم حبيب بنت عامر بن خالد ابن عمرو بن قريط بن عبد بن أبي ~~بكرة، وخاصمتهم في بيت لها فقالت: # أيا ابن سعيد لا تكونن ضحكة %~% وإياك واستمرر لهم بمرير # أيا ابن سعيد إنما القوم معشر %~% عصوا منذ قام الدين كل أمير ~~PageV03P982 # إذا ما أتتهم آية من محمد %~% محوها بماء البئر فهي عصير [ (1) ] # قالوا: فلما بالكتاب ما فعلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما لهم؟ أذهب الله بعقولهم؟ فهم أهل رعدة. وعجلة وكلام مختلط، وأهل سفه! ~~وكان الذي جاءهم بالكتاب رجل من عرينة يقال له: عبد الله ابن عوسجة، ~~لمستهل شهر ربيع الأول سنة تسع. قال الواقدي: رأيت بعضهم عييا لا يبين ~~الكلام. ### | شأن سرية أميرها علقمة بن مجزز المدلجي في ربيع الآخر سنة تسع # قال: حدثني موسى بن محمد، عن أبيه، وإسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن، ~~عن أبيه، زاد أحدهما على صاحبه، قالا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~ناسا من الحبشة تراءاهم [ (2) ] أهل الشعيبة- ساحل بناحية مكة- في مراكب، ~~فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث علقمة ms729 بن مجزز المدلجي في ثلاثمائة ~~رجل حتى انتهى إلى جزيرة في البحر فخاض إليهم فهربوا منه، ثم انصرف، فلما ~~كان ببعض المنازل استأذنه بعض الجيش في الانصراف حيث لم يلقوا كيدا، فأذن ~~لهم وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي- وكانت فيه دعابة- فنزلنا ببعض ~~الطريق وأوقد القوم نارا يصطلون عليها ويصطنعون الطعام، فقال: ~~عزمت عليكم ألا تواثبتم في هذه النار! فقام بعض القوم فتحاجزوا حتى ظن ~~أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم! PageV03P983 ~~فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أمركم بمعصية فلا ~~تطيعوه! ### | سرية علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الفلس في ربيع الآخر سنة تسع # قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن ~~حزم يقول لموسى بن عمران بن مناح، وهما جالسان بالبقيع: ~~تعرف سرية الفلس؟ قال موسى: ما سمعت بهذه السرية. قال: فضحك ابن حزم ثم ~~قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام في خمسين ومائة ~~رجل على مائة بعير وخمسين فرسا، وليس في السرية إلا أنصاري، فيها وجوه ~~الأوس والخزرج، فاجتنبوا الخيل واعتقبوا على الإبل حتى أغاروا على أحياء من ~~العرب، وسأل عن محلة آل حاتم [ (1) ] ثم نزل عليها، فشنوا الغارة مع الفجر، ~~فسبوا حتى ملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وهدموا الفلس وخربوه، وكان ~~صنما لطي، ثم انصرف راجعا إلى المدينة. # قال عبد الرحمن بن عبد العزيز: فذكرت هذه السرية لمحمد بن عمر بن علي، ~~فقال: ما أرى ابن حزم زاد على أن ينقل من هذه السرية ولم يأتك بها. قلت: ~~فأت بها أنت! ~~فقال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام إلى ~~الفلس ليهدمه، في مائة وخمسين من الأنصار، ليس فيها مهاجر واحد، ومعهم ~~خمسون فرسا وظهرا، فامتطوا الإبل وجنبوا الخيل، وأمره أن يشن الغارات، فخرج ~~بأصحابه، معه راية سوداء ولواء أبيض، معهم القنا والسلاح PageV03P984 ~~الظاهر، وقد دفع رايته إلى سهل بن ms730 حنيف، ولواءه إلى جبار بن صخر السلمي، ~~وخرج بدليل من بني أسد يقال له: حريث، فسلك بهم على طريق فيد [ (1) ] ، ~~فلما انتهى بهم إلى موضع قال: بينكم وبين الحي الذي تريدون يوم تام [ (2) ] ~~، وإن سرناه بالنهار وطئنا أطرافهم ورعاءهم، فأنذروا الحي فتفرقوا، فلم ~~تصيبوا منهم حاجتكم، ولكن نقيم يومنا هذا في موضعنا حتى نمسي، ثم نسري ~~ليلتنا على متون الخيل فنجعلها غارة حتى نصبحهم في عماية الصبح. قالوا: هذا ~~الرأي! فعسكروا وسرحوا الإبل، واصطنعوا، وبعثوا نفرا منهم يتقصون ما حولهم، ~~فبعثوا أبا قتادة، والحباب بن المنذر، وأبا نائلة، فخرجوا على متون خيل لهم ~~يطوفون حول المعسكر، فأصابوا غلاما أسود فقالوا: ما أنت؟ قال: أطلب بغيتي. ~~فأتوا به عليا عليه السلام فقال: ما أنت؟ قال: باغ. قال: فشدوا عليه، ~~فقال: أنا غلام لرجل من طيء من بني نبهان، أمروني بهذا الموضع، وقالوا: إن ~~رأيت خيل محمد فطر إلينا فأخبرنا، وأنا لا أدرك أسرا. ~~فلما رأيتكم أردت الذهاب إليهم، ثم قلت لا أعجل حتى آتي أصحابي بخبر بين ~~من عددكم وعدد خيلكم وركابكم، ولا أخشى ما أصابني، فلكأني كنت مقيدا حتى ~~أخذتني طلائعكم. قال علي عليه السلام: ~~اصدقنا ما وراءك! قال: أوائل الحي على مسيرة ليلة طرادة [ (3) ] ، تصبحهم ~~الخيل ومغارها حين غدوا [ (4) ] . قال علي عليه السلام لأصحابه: ما ترون؟ ~~قال جبار بن صخر: نرى أن ننطلق على متون الخيل ليلتنا حتى نصبح ~~PageV03P985 ~~القوم وهم غارون فنغير عليهم، ونخرج بالعبد الأسود ليلا، ونخلف حريثا مع ~~العسكر حتى يلحقوا إن شاء الله. قال علي: هذا الرأي! فخرجوا بالعبد الأسود، ~~والخيل تعادا، وهو ردف بعضهم عقبة [ (1) ] ، ثم ينزل فيردف آخر عقبة، وهو ~~مكتوف، فلما انهار الليل كذب العبد وقال: قد أخطأت الطريق وتركتها ورائي. ~~قال علي عليه السلام: فارجع إلى حيث أخطأت! فرجع ميلا أو أكثر، ثم قال: أنا ~~على خطأ. ~~فقال علي عليه السلام: إنا منك على خدعة، ما تريد إلا أن تثنينا عن الحي، ~~قدموه! لتصدقنا أو لنضربن عنقك! ~~قال: فقدم وسل السيف ms731 على رأسه، فلما رأى الشر قال: أرأيت إن صدقتكم، ~~أينفعني؟ ~~قالوا: نعم. قال: فإني صنعت ما رأيتم، إنه أدركني ما يدرك الناس من ~~الحياء فقلت: أقبلت بالقوم أدلهم على الحي من غير محنة ولا حق فآمنهم، فلما ~~رأيت منكم ما رأيت وخفت أن تقتلوني كان لى عدر، فأنا أحملكم على الطريق. ~~قالوا: اصدقنا. قال: الحي منكم قريب. ~~فخرج معهم حتى انتهى إلى أدنى الحي، فسمعوا نباح الكلاب وحركة النعم في ~~المراح والشاء، فقال: هذه الأصرام [ (2) ] وهي [على] فرسخ. ~~فينظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: فأين آل حاتم [ (3) ] ؟ قال: هم متوسطو ~~الأصرام. قال القوم بعضهم لبعض: إن أفزعنا الحي تصايحوا وأفزعوا بعضهم بعضا ~~فتغيب عنا أحزابهم في سواد الليل، ولكن نمهل القوم حتى يطلع الفجر معترضا ~~فقد قرب طلوعه فنغير، فإن أنذر بعضهم بعضا لم يخف علينا أين يأخذون، وليس ~~عند القوم خيل يهربون عليها ونحن PageV03P986 ~~على متون الخيل. قالوا: الرأي ما أشرت به. قال: فلما اعترضوا الفجر ~~أغاروا عليها فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا، واستاقوا الذرية والنساء، ~~وجمعوا النعم والشاء، ولم يخف عليهم أحد تغيب فملأوا أيديهم. قال: ~~تقول جارية من الحى وهي ترى العبد الأسود- وكان اسمه. أسلم- وهو موثق: ~~ماله هبل! هذا عمل رسولكم أسلم، لا سلم، وهو جلبهم عليكم، ودلهم على ~~عورتكم! قال: يقول الأسود: أقصري يا ابنة الأكارم، ما دللتهم حتى قدمت ~~ليضرب عنقي! قال: فعسكر القوم، وعزلوا الأسرى وهم ناحية نفير، وعزلوا ~~الذرية وأصابوا من آل حاتم [ (1) ] أخت عدي ونسيات معها، فعزلوهن على حدة، ~~فقال أسلم لعلي عليه السلام: ما تنتظر بإطلاقي؟ فقال: تشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله. ~~قال: أنا على دين قومي هؤلاء الأسرى، ما صنعوا صنعت! قال: ألا تراهم ~~موثقين، فنجعلك معهم في رباطك؟ قال: نعم، أنا مع هؤلاء موثقا أحب إلي من أن ~~أكون مع غيرهم مطلقا، يصيبني ما أصابهم. ~~فضحك أهل السرية منه، فأوثق وطرح مع الأسرى، وقال: أنا معهم حتى ترون ~~منهم ما أنتم راءون. فقائل يقول ms732 له من الأسرى: لا مرحبا بك، أنت جئتنا بهم! ~~وقائل يقول: مرحبا بك وأهلا، ما كان عليك أكثر مما صنعت! لو أصابنا الذي ~~أصابك لفعلنا الذي فعلت وأشد منه، ثم آسيت بنفسك! وجاء العسكر واجتمعوا، ~~فقربوا الأسرى فعرضوا عليهم الإسلام، فمن أسلم ترك ومن أبى ضربت عنقه، حتى ~~أتوا على الأسود فعرضوا عليه الإسلام، فقال: والله إن الجزع من السيف للؤم، ~~وما من خلود! قال: يقول رجل من الحى ممن أسلم: يا عجبا PageV03P987 ~~منك، ألا كان هذا حيث أخذت! فلما قتل من قتل، وسبي من سبي منا، وأسلم منا ~~من أسلم راغبا في الإسلام تقول ما تقول! ويحك، أسلم واتبع دين محمد! قال: ~~فإني أسلم وأتبع دين محمد. فأسلم وترك، وكان يعد فلا يفي حتى كانت الردة، ~~فشهد مع خالد بن الوليد اليمامة فأبلي بلاء حسنا. # قال: وسار علي عليه السلام إلى الفلس فهدمه وخربه، ووجد في بيته ثلاثة ~~أسياف، رسوب، والمخذم، وسيفا يقال له اليماني، وثلاثة أدراع، وكان عليه ~~ثياب يلبسونه إياها. وجمعوا السبي، فاستعمل عليهم أبو قتادة، واستعمل عبد ~~الله بن عتيك السلمي على الماشية والرثة، ثم ساروا حتى نزلوا ركك [ (1) ] ~~فاقتسموا السبي والغنائم، وعزل النبي صلى الله عليه وسلم صفيا [ (2) ] ~~رسوبا والمخذم، ثم صار [ (3) ] له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس، وعزل آل ~~حاتم [ (4) ] ، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة. # قال الواقدي: فحدثت هذا الحديث عبد الله بن جعفر الزهري فقال: ~~حدثني ابن أبي عون قال: كان في السبي أخت عدي بن حاتم لم تقسم، فأنزلت ~~دار رملة بنت الحارث. وكان عدي بن حاتم قد هرب حين سمع بحركة علي عليه ~~السلام، وكان له عين بالمدينة فحذره فخرج إلى الشام، PageV03P988 ~~وكانت أخت عدي إذا مر النبي صلى الله عليه وسلم تقول: يا رسول الله، هلك ~~الوالد وغاب الوافد، فامنن علينا من الله عليك! كل ذلك يسألها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من وافدك؟ فتقول: عدي بن حاتم! فيقول: الفار من الله ~~ورسوله؟ حتى يئست. فلما كان يوم ms733 الرابع مر النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~تكلم فأشار إليها رجل: قومي فكلميه! فكلمته فأذن لها ووصلها، وسألت عن ~~الرجل الذي أشار إليها فقيل: علي، وهو الذي سباكم، أما تعرفينه؟ فقالت: لا ~~والله، ما زلت مدنية طرف ثوبي على وجهي وطرف ردائي على برقعي من يوم أسرت ~~حتى دخلت هذه الدار، ولا رأيت وجهه ولا وجه أحد من أصحابه. ### | غزوة تبوك # قرئ على أبي القاسم بن أبي حية قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع ~~قال: حدثنا الواقدي قال: حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن ابن سعيد، وعبد ~~الله بن جعفر الزهري، ومحمد بن يحيى، وابن أبي حبيبة وربيعة بن عثمان، وعبد ~~الرحمن بن عبد العزيز بن أبى قتادة، وعبد الله ابن عبد الرحمن الجمحي، وعمر ~~بن سليمان بن أبي حثمة، وموسى بن محمد بن إبراهيم، وعبد الحميد بن جعفر، ~~وأبو معشر، ويعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، وابن أبي سبرة، وأيوب بن النعمان، ~~فكل قد حدثني بطائفة من حديث تبوك، وبعضهم أوعى له من بعض، وغير هؤلاء قد ~~حدثني ممن لم أسم، ثقات، وقد كتبت كل ما قد حدثوني. # قالوا: كانت الساقطة- وهم الأنباط- يقدمون المدينة بالدرمك [ (1) ] ~~PageV03P989 ~~والزيت في الجاهلية وبعد أن دخل الإسلام، فإنما كانت أخبار الشام عند ~~المسلمين كل يوم، لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط، فقدمت قادمة فذكروا أن ~~الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت ~~معه لخم، وجذام، وغسان، وعاملة. وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء ~~وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص. ولم يكن ذلك، إنما ذلك شيء قيل لهم فقالوه. ~~ولم يكن عدو أخوف عند المسلمين منهم، وذلك لما عاينوا منهم- إذ كانوا ~~يقدمون عليهم تجارا- من العدد والعدة والكراع. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يغزو غزوة إلا ورى بغيرها، لئلا تذهب الأخبار بأنه يريد كذا ~~وكذا، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر ~~شديد، واستقبل سفرا بعيدا، واستقبل غزى وعددا كثيرا، ms734 فجلى للناس أمرهم [ ~~(1) ] ليتأهبوا لذلك أهبة غزوهم، وأخبر بالوجه الذي يريد. وبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى غزوهم، فبعث إلى ~~أسلم بريدة ابن الحصيب وأمره أن يبلغ الفرع. وبعث أبا رهم الغفاري إلى قومه ~~أن يطلبهم ببلادهم، وخرج أبو واقد الليثي في قومه، وخرج أبو الجعد الضمري ~~في قومه بالساحل، وبعث رافع بن مكيث، وجندب بن مكيث في جهينة، وبعث نعيم بن ~~مسعود في أشجع، وبعث في بني كعب بن عمرو بديل بن ورقاء، وعمرو بن سالم، ~~وبشر بن سفيان، وبعث في سليم عدة، منهم العباس بن مرداس. ~~وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين PageV03P990 ~~على القتال والجهاد، ورغبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، ~~فكان أول من حمل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، جاء بماله كله أربعة آلاف ~~درهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أبقيت شيئا؟ قال: الله ~~ورسوله أعلم! وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هل أبقيت شيئا؟ قال: نعم، نصف ما جئت به. وبلغ عمر ما جاء به ~~أبو بكر فقال: ما استبقنا إلى الخير قط إلا سبقني إليه. وحمل العباس بن عبد ~~المطلب عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا، وحمل طلحة بن ~~عبيد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم مالا، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه ~~مالا، مائتي أوقية، وحمل سعد بن عبادة إليه مالا، وحمل محمد بن مسلمة إليه ~~مالا. وتصدق عاصم ابن عدي بتسعين وسقا تمرا. وجهز عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، حتى كفى ذلك الجيش مؤونتهم، حتى ~~إن كان ليقال: ما بقيت لهم حاجة! حتى كفاهم شنق [ (1) ] أسقيتهم. ~~فيقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: ما يضر عثمان ما فعل ~~بعد هذا! # ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف، واحتسبوا في ذلك الخير، وقووا أناس ~~دون ms735 هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين ~~فيقول: هذا البعير بينكما تتعاقبانه [ (2) ] ، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها ~~بعض من يخرج، حتى إن كن النساء ليعن بكل ما قدرن عليه PageV03P991 ~~قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوبا مبسوطا بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها فيه مسك [ (1) ] ، ومعاضد [ (2) ] ، ~~وخلاخل [ (3) ] وأقرطة وخواتيم، وخدمات، مما يبعث به النساء يعن [ (4) ] به ~~المسلمين في جهازهم. والناس في عسرة شديدة، وحين طابت الثمار وأحبت الظلال، ~~فالناس يحبون المقام ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم ~~عليه، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالانكماش [ (5) ] والجد، ~~وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره بثنية الوداع، والناس كثير لا ~~يجمعهم كتاب، قد رحل يريد أن يبعث إلا [أنه] ظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ~~ينزل فيه وحي من الله عز وجل. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس: أبا وهب، هل لك العام ~~تخرج معنا لعلك تحتقب [ (6) ] من بنات الأصفر؟ فقال الجد: ~~أو تأذن لي ولا تفتنى؟ فو الله، لقد عرف قومي ما أحد أشد عجبا بالنساء ~~مني، وإني لأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر لا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أذنت لك! ~~فجاءه ابنه عبد الله بن الجد- وكان بدريا، وهو أخو معاذ بن جبل لأمه- ~~فقال لأبيه: ~~لم ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته؟ فو الله ما في بني سلمة ~~أكثر مالا منك، ولا تخرج ولا تحمل أحدا! قال: يا بنى، ما لى وللخروج ~~PageV03P992 ~~في الريح والحر والعسرة إلى بني الأصفر؟ والله، ما آمن خوفا من بني ~~الأصفر وإني في منزلي بخربى، فأذهب إليهم فأغزوهم، إني والله يا بني عالم ~~بالدوائر! فأغلظ له ابنه، فقال: لا والله، ولكنه النفاق! والله، لينزلن على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك قرآن يقرأونه. قال: فرفع نعله فضرب بها ~~وجهه، فانصرف ms736 ابنه ولم يكلمه. وجعل الخبيث يثبط قومه، وقال لجبار بن صخر ~~ونفر معه من بني سلمة: يا بني سلمة، لا تنفروا في الحر: يقول: لا تخرجوا في ~~الحر زهادة في الجهاد، وشكا في الحق، وإرجافا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فأنزل الله عز وجل فيه: وقالوا لا تنفروا في الحر إلى قوله: جزاء بما ~~كانوا يكسبون [ (1) ] . وفيه نزلت: ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني.. [ ~~(2) ] الآية، أي كأنه إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر، وليس ذلك به، ~~إنما تعذر بالباطل، فما سقط فيه من الفتنة أكثر، بتخلفه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورغبته بنفسه عن نفسه. يقول الله عز وجل: وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين يقول: ~~إن جهنم لمن ورائه، فلما نزلت هذه الآية جاء ابنه إلى أبيه فقال: ألم أقل ~~لك إنه سوف ينزل فيك قرآن يقرأه المسلمون؟ قال: يقول أبوه: اسكت عني يا ~~لكع! والله، لا أنفعك بنافعة أبدا! والله لأنت أشد علي من محمد! # قال: وجاء البكاءون- وهم سبعة- يستحملونه، وكانوا أهل حاجة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع [ (3) ] الآية. وهم سبعة من بني عمرو بن عوف: سالم PageV03P993 ~~ابن عمير، قد شهد بدرا، لا اختلاف فيه عندنا، ومن بنى واقف هرمى ابن عمرو ~~[ (1) ] ، ومن بني حارثة علبة بن زيد، وهو الذي تصدق بعرضه [ (2) ] ، وذلك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالصدقة، فجعل الناس يأتون بها، فجاء ~~علبة فقال: يا رسول الله، ما عندي ما أتصدق به وجعلت عرضي حلا. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قد قبل الله صدقتك. ومن بني مازن بن النجار أبو ~~ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني سلمة عمرو بن عتبة، ومن بني زريق سلمة بن ~~صخر، ومن بني سليم عرباض بن سارية السلمي. وهؤلاء أثبت ما سمعنا. ويقال: ~~عبد الله [بن] مغفل المزني، وعمرو بن عوف المزني، ويقال: هم بنو مقرن، من ~~مزينة. ولما خرج البكاءون ms737 من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعلمهم ~~أنه لا يجد ما يحملهم عليه، وإنما يريدون ظهرا، لقي يامين بن عمير بن كعب ~~بن شبل النضري أبا ليلى المازني، وعبد الله بن مغفل المزني، وهما يبكيان ~~فقال: وما يبكيكما؟ قالا: جئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا، ~~فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما ننفق به على الخروج، ونحن نكره ~~أن تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأعطاهما ناضحا له، ~~فارتحلاه، وزود كل رجل منهما صاعين من تمر، فخرجا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وحمل العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه منهم رجلين، وحمل عثمان ~~رضي الله عنه منهم ثلاثة، بعد الذي كان جهز من الجيش، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لا يخرج معنا إلا مقو [ (3) ] . PageV03P994 ~~فخرج رجل على بكر صعب فصرعه، فقال الناس: الشهيد، الشهيد! فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: لا يدخل الجنة إلا مؤمن- أو إلا نفس ~~مؤمنة- ولا يدخل الجنة عاص. ~~وكان الرجل طرحه بعيره بالسويداء. # قالوا: وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~غير علة فأذن لهم، وكان المنافقون الذين استأذنوا بضعة وثمانين. ~~وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله عز وجل. هم نفر ~~من بني غفار، منهم خفاف بن إيماء بن رحضة، اثنان وثمانون رجلا. وأقبل عبد ~~الله بن أبي بعسكره، فضربه على ثنية الوداع بحذاء ذباب، معه حلفاؤه من ~~اليهود والمنافقين ممن اجتمع إليه، فكان ~~يقال: ليس عسكر ابن أبي بأقل العسكرين. وأقام ما أقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف على العسكر أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه يصلي بالناس، فلما استمد برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم السفر، وأجمع المسير، استخلف على المدينة سباع ابن عرفطة الغفاري- ~~ويقال: محمد بن مسلمة- لم يتخلف عنه غزوة غير هذه. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه ms738 وسلم: استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما دام منتعلا. ~~فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف ابن أبي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيمن تخلف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بني الأصفر، مع ~~جهد الحال والحر والبلد البعيد، إلى ما لا قبل له به! يحسب محمد أن قتال ~~بني الأصفر اللعب؟ ونافق معه من [ (1) ] هو على مثل رأيه، ثم قال ابن أبي: ~~والله لكأني أنظر إلى PageV03P995 ~~أصحابه غدا مقرنين في الحبال! إرجافا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. # فلما رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية الوداع إلى تبوك، وعقد ~~الألوية والرايات، فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ~~ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن الحضير، ولواء ~~الخزرج إلى أبي دجانة، ويقال: إلى الحباب بن المنذر بن الجموح. # قالوا: وإذا عبد لامرأة من بني ضمرة، لقيه على رأس ثنية النور، والعبد ~~متسلح. قال العبد: أقاتل معك يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: وما أنت؟ قال: مملوك لامرأة من بني ضمرة سيئة الملكة [ (1) ] قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى سيدتك، لا تقتل معي فتدخل النار! # قال: حدثني رفاعة بن ثعلبة بن أبي مالك، عن أبيه، عن جده، قال: جلست مع ~~زيد بن ثابت فذكرنا غزوة تبوك، فذكر أنه حمل لواء مالك بن النجار في تبوك ~~فقلت: يا أبا سعيد، كم ترى كان المسلمون؟ ~~قال: ثلاثون ألفا، لقد كان الناس يرحلون عند ميل الشمس، فما يزالون ~~يرحلون والساقة مقيمون حتى يرحل العسكر. فسألت بعض من كان بالساقة فقال: ما ~~يرحل آخرهم إلا مساء، ثم نرحل على أثرهم فما ننتهي إلى العسكر إلا مصبحين ~~من كثرة الناس. # قالوا: وتخلف نفر من المسلمين، أبطأت بهم النية عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتباب، منهم: كعب بن PageV03P996 ~~مالك، وكان كعب يقول: كان من ms739 خبري حين تخلفت عن تبوك أني لم أك قط أقوى ~~ولا أيسر مني حين [ (1) ] تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله، ما اجتمعت لي ~~راحلتان قط حتى اجتمعتا في تلك الغروة! فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتجهز المسلمون معه، وجعلت أعدو لأتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة، فأقول في ~~نفسي: أنا قادر على ذلك! فلم أزل يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد، فأصبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا والمسلمون، وذلك يوم الخميس، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يخرج فيه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: ~~أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحق بهم. فغدوت بعد ما فصلوا أتجهز، فرجعت ~~ولم أفعل شيئا، ثم غدوت فلم أفعل شيئا، فلم أزل يتمادى بي حتى أسرعوا، ~~وتفارط [ (2) ] الغزو، وقلت: أرتحل فأدركهم، ويا ليتني فعلت! ولم أفعل، ~~وجعلت إذا خرجت في الناس فطفت فيهم يحزنني ألا أرى إلا رجلا مغموصا [ (3) ] ~~عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم: ما فعل كعب بن مالك؟ ~~فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. ~~فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا ~~خيرا. والقائل عبد الله بن أنيس، ويقال: الذي رد عليه المقالة أبو قتادة، ~~ومعاذ بن جبل أثبتهما عندنا. # قال هلال بن أمية الواقفي، حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV03P997 ~~في تبوك: والله ما تخلفت شكا ولا ارتيابا، ولكن كنت مقويا في المال. ~~قلت: أشتري بعيرا. ولقيني مرارة بن الربيع فقال: أنا رجل مقو، فأبتاع ~~بعيرا وأنطلق به. فقلت: هذا صاحب أرافقه. فجعلنا نقول: نغدو فنشتري بعيرين ~~فنلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يفوت ذلك، نحن قوم مخفون على صدر ~~راحلتين فغدا نسير! فلم نزل ندفع ذلك ونؤخر الأيام حتى شارف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms740 البلاد. فقلت: ما هذا بحين خروج. وجعلت لا أرى في الدار ولا ~~في غيرها إلا معذورا أو منافقا معلنا، فأرجع مغتما بما أنا فيه. وكان أبو ~~خيثمة قد تخلف معنا، وكان لا يتهم فى إسلامه ولا يغمص عليه، فعزم له على ما ~~عزم، وكان أبو خيثمة يسمى عبد الله بن خيثمة السالمي، فرجع بعد أن سار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام حتى دخل على امرأتين له في يوم حار ~~فوجدهما في عريشين لهما، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء، ~~وهيأت له فيه طعاما، فلما انتهى إليهما قام على العريشين فقال: سبحان الله! ~~رسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضح [ (1) ] والريح ~~والحر، يحمل سلاحه على عنقه، وأبو خيثمة في ظلال بارد وطعام مهيأ وامرأتين ~~حسناوين، مقيم في ماله، ما هذا بالنصف! ثم قال: والله، لا أدخل عريش واحدة ~~منكما حتى أخرج فألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. فأناخ ناضحه وشد عليه ~~قتبه وتزود وارتحل، فجعلت امرأتاه يكلمانه ولا يكلمها، حتى أدرك عمير بن ~~وهب الجمحي بوادي القرى يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فصحبه فترافقا، حتى ~~إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة: يا عمير! إن لي ذنوبا وأنت لا ذنب لك، فلا ~~عليك أن PageV03P998 ~~تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك. ففعل عمير، ~~فسار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو نازل ~~بتبوك- قال الناس: هذا راكب الطريق! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن ~~أبا خيثمة! فقال الناس: يا رسول الله، هذا أبو خيثمة! فلما أناخ أقبل فسلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولى لك ~~يا أبا خيثمة! ~~ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خيرا ودعا له. # قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة، ms741 فصبح ذا خشب فنزل ~~تحت الدومة، وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي. ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الدومة، فراح منها ممسيا حيث ~~أبرد، وكان في حر شديد، وكان يجمع من يوم نزل ذا خشب بين الظهر والعصر في ~~منزله، يؤخر الظهر حتى يبرد، ويعجل العصر، ثم يجمع بينهما، فكل ذلك فعله ~~حتى رجع من تبوك. وكانت مساجده في سفره إلى تبوك معروفة، صلى تحت دومة بذي ~~خشب، ومسجد الفيفاء، ومسجد بالمروة، ومسجد بالسقيا، ومسجد بوادي القرى، ~~ومسجد بالحجر، ومسجد بذنب حوصاء، ومسجد بذي الجيفة، من صدر حوصاء، ومسجد ~~بشق تاراء [ (1) ] مما يلي جوبر، ومسجد بذات الخطمي، ومسجد بسمنة، ومسجد ~~بالأخضر، ومسجد بذات الزراب [ (2) ] ، ومسجد بالمدران [ (3) ] ، ومسجد ~~بتبوك. PageV03P999 # ولما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية الوداع سائرا، فجعل يتخلف ~~عنه الرجال فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان! فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير ~~فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه! فخرج معه ناس من ~~المنافقين كثير لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة. ~~وكان أبو ذر يقول: أبطأت في غزوة تبوك من أجل بعيري، كان نضوا [ (1) ] ~~أعجف، فقلت: أعلفه أياما ثم ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فعلفته أياما ثم خرجت، فلما كنت بذي المروة عجز بى، فتلومت عليه يوما فلم ~~أربه حركة، فأخذت متاعي فحملته على ظهري، ثم خرجت أتبع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ماشيا في حر شديد، وقد تقطع الناس فلا أرى أحدا يلحقنا من ~~المسلمين، فطلعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار وقد بلغ مني ~~العطش، فنظر ناظر من الطريق فقال: ~~يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: كن أبا ذر! فلما تأملني القوم قالوا: يا رسول الله، ~~هذا أبو ذر! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دنوت منه فقال: مرحبا ~~بأبي ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده! ms742 فقال: ما خلفك يا أبا ذر؟ ~~فأخبره خبر بعيره، ثم قال: إن كنت لمن أعز أهلي علي تخلفا، لقد غفر الله لك ~~يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا إلى أن بلغتني. ووضع متاعه عن ظهره ثم استسقى [ ~~(2) ] ، فأتي بإناء من ماء فشربه، فلما أخرجه عثمان رضي الله عنه إلى ~~الربذة فأصابه قدره لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، PageV03P1000 ~~فأوصاهما فقال: اغسلاني وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق إذا أنا مت. ~~وأقبل ابن مسعود في رهط من العراق عمارا، فلم يرعهم إلا بالجنازة على قارعة ~~الطريق قد كادت الإبل تطؤها، فسلم القوم فقام إليهم غلامه فقال لهم: هذا ~~أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينوني عليه! فاستهل ابن ~~مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبو ذر يمشي وحده، ~~ويموت وحده، ويبعث وحده» . ثم نزل هو وأصحابه حتى واروه، ثم حدثهم ابن ~~مسعود حديثه، وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك. # وكان أبو رهم الغفاري- وهو كلثوم بن الحصين، قد بايع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تحت الشجرة- فقال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوكا. ~~قال: فسرت ذات ليلة معه، ونحن بالأخضر [ (1) ] ، وأنا قريب من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وألقي علي النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من ~~راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفزعني دنوها منه خشية أن أصيب رجله ~~في الغرز، فطفقت أحوز [ (2) ] راحلتي حتى غلبتني عيناي في بعض الطريق ونحن ~~في بعض الليل، فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فما استيقظت إلا ~~بقوله: حس [ (3) ] ! فقلت: ~~يا رسول الله، استغفر لي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سر! فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف من بني غفار، PageV03P1001 ~~فأخبره بهم، وهو يسألني ما فعل النفر الحمر الطوال النطانط [ (1) ] ؟ ~~فحدثته بتخلفهم. قال: فما فعل النفر السود القصار الجعاد الحلس [ (2) ] ؟ ~~فقلت: والله يا رسول الله ما أعرف هؤلاء. قال: ms743 بلى، الذين هم بشبكة شدخ [ ~~(3) ] . قال: فتذكرتهم في بني غفار فلا أذكرهم، ثم ذكرت أنهم رهط من أسلم ~~كانوا فينا وكانوا يحلون بشبكة شدخ، لهم نعم كثير، فقلت: يا رسول الله، ~~أولئك رهط من أسلم حلفاء لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منع ~~أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله رجلا نشيطا في سبيل الله ممن ~~يخرج معنا، فيكون له مثل أجر الخارج! إن كان لمن أعز أهلي علي أن يتخلف ~~عني! المهاجرون من قريش والأنصار، وغفار، وأسلم. # وقالوا: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. في مسيره مر على بعير من ~~العسكر قد تركه صاحبه من العجف والضعف، فمر به مار فأقام عليه وعلفه أياما ~~ثم حوله إلى منزله، فصلح البعير فسافر عليه، فرآه صاحبه الأول، فاختصما إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحيى خفا ~~أو كراعا بمهلكة من الأرض فهو له. # قالوا: وكان الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين ألفا، ومن ~~الخيل عشرة آلاف فرس. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل بطن من الأنصار ~~أن يتخذوا لواء وراية، والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية. ~~PageV03P1002 ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دفع راية بني مالك بن النجار إلى ~~عمارة بن حزم، فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت فأعطاه ~~الراية. قال عمارة: يا رسول الله، لعلك وجدت علي [ (1) ] ! قال: لا والله، ~~ولكن قدموا القرآن، وكان أكثر أخذا للقرآن منك، والقرآن يقدم، وإن كان عبدا ~~أسود مجدعا [ (2) ] . وأمر في الأوس والخزرج أن يحمل راياتهم أكثرهم أخذا ~~للقرآن، وكان أبو زيد يحمل راية بني عمرو بن عوف، وكان معاذ بن جبل يحمل ~~راية بني سلمة. ~~وصلى الله عليه وسلم يوما بأصحابه في سفره وعليه جبة صوف وقد أخذ بعنان ~~فرسه- أو قال: ~~مقود فرسه- وهو يصلي، فبال الفرس فأصاب الجبة فلم يغسله وقال: ~~لا بأس بأبوالها ولعابها وعرقها. # قالوا: ms744 وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تبوك، منهم وديعة بن ثابت، أحد بني عمرو بن عوف، والجلاس ابن سويد بن ~~الصامت، ومخشي بن حمير من أشجع، حليف لبني سلمة، وثعلبة بن حاطب. فقال: ~~تحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ ~~والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال! إرجافا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وترهيبا للمؤمنين. فقال وديعة بن ثابت: ما لي أرى قراءنا [ (3) ] ~~هؤلاء أوعبنا [ (4) ] بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء؟ وقال ~~الجلاس ابن سويد، وكان زوج أم عمير، وكان ابنها عمير يتيما فى حجره: هؤلاء ~~PageV03P1003 ~~سادتنا وأشرافنا وأهل الفضل منا! والله، لئن كان محمد صادقا لنحن شر من ~~الحمير! والله، لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا ~~ننفلت من أن ينزل فينا القرآن بمقالتكم! # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا ~~فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا! ~~فذهب إليهم عمار فقال لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون ~~إليه. فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته، وقد ~~أخذ بحقب ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ورجلاه تنسفان الحجارة، وهو يقول: ~~يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب! ولم يلتفت إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل فيه: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ~~[ (1) ] إلى قوله بأنهم كانوا مجرمين [ (2) ] . قالوا: ورد عمير على الجلاس ~~ما قال- حين قال: لنحن شر من الحمير- قال: فأنت شر من الحمار، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصادق وأنت الكاذب. وجاء الجلاس إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فحلف ما قال من ذلك شيئا، فأنزل الله عز وجل على نبيه فيه: ~~يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر [ (3) ] ونزلت فيه: وما نقموا ~~إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله.. الآية. قال: ~~وكان للجلاس دية في الجاهلية على بعض قومه، ms745 وكان محتاجا، فلما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذها له فاستغنى بها. وقال مخشي بن حمير: ~~قد والله يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبى، فكان الذي عفى عنه ~~PageV03P1004 ~~في هذه الآية مخشي بن حمير- فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد ~~الرحمن أو عبد الله- وسأل الله عز وجل أن يقتل شهيدا ولا يعلم بمكانه، فقتل ~~يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. ويقال في الجلاس بن سويد: إنه كان ممن تخلف ~~من المنافقين في غزوة تبوك، فكان يثبط الناس عن الخروج، وكانت أم عمير ~~تحته، وكان عمير يتيما في حجره ولا مال له، فكان يكفله ويحسن إليه، فسمعه ~~وهو يقول: والله، لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير! فقال له عمير: يا ~~جلاس، قد كنت أحب الناس إلي، وأحسنهم عندي أثرا، وأعزهم علي أن يدخل عليه ~~شيء نكرهه، والله، لقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن كتمتها لأهلكن، ~~وإحداهما [ (1) ] أهون علي من الأخرى! فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم مقالة ~~الجلاس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى الجلاس مالا من الصدقة ~~لحاجته وكان فقيرا، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجلاس فسأله عما ~~قال عمير، فحلف بالله ما تكلم به قط، وأن عمير الكاذب. ~~- وهو عمير بن سعيد- وهو حاضر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام وهو ~~يقول: اللهم، أنزل على رسولك بيان ما تكلمت به! فأنزل الله على نبيه يحلفون ~~بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر [ (2) ] إلى قوله: أغناهم الله ~~ورسوله من فضله للصدقة التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الجلاس: ~~اسمع! الله قد عرض علي التوبة! والله لقد قلت ما قال عمير! ولما اعترف ~~بذنبه وحسنت توبته ولم يمتنع عن خير كان يصنعه إلى عمير ابن سعيد، فكان ذلك ~~مما قد عرفت به توبته. # قال أبو حميد الساعدي: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~PageV03P1005 ~~تبوك، ~~فلما جئنا وادي القرى مررنا على حديقة لامرأة، ms746 فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اخرصوها [ (1) ] ! فخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وخرصناها معه، عشرة أوساق. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احفظي ما ~~خرج منها حتى نرجع إليك. فلما أمسينا بالحجر قال: إنها ستهب الليلة ريح ~~شديدة، فلا يقومن أحد منكم إلا مع صاحبه، ومن كان له بعير فليوثق عقاله. ~~قال: فهاجت ريح شديدة ولم يقم أحد إلا مع صاحبه، إلا رجلين من بني ساعدة، ~~خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعيره. فأما الذي ذهب لحاجته فإنه ~~خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح فطرحته بجبلي ~~طيء، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له؟ ثم دعا الذي أصيب على مذهبه ~~فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئا أهدته للنبي صلى الله عليه ~~وسلم حين قدم المدينة. ~~ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي القرى أهدى له بنو عريض ~~اليهودي هريسا [ (2) ] فأكلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمهم أربعين ~~وسقا، فهي جارية عليهم. تقول امرأة من اليهود: هذا الذي صنع بهم محمد خير [ ~~(3) ] مما ورثوه من آبائهم، لأن هذا لا يزال جاريا عليهم إلى يوم القيامة. # وكان أبو هريرة يحدث يقول: لما مررنا بالحجر استقى الناس من PageV03P1006 ~~بئرها وعجنوا فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا من مائها ~~ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين فاعلفوه الإبل. قال سهل ابن سعد: ~~كنت أصغر أصحابي وكنت مقريهم [ (1) ] في تبوك، فلما نزلنا عجنت لهم ثم ~~تحينت العجين، وقد ذهبت أطلب حطبا، فإذا منادي النبي صلى الله عليه وسلم ~~ينادي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ألا تشربوا من ماء بئرهم. ~~فجعل الناس يهرقون ما في أسقيتها. قالوا: ~~يا رسول الله، قد عجنا. قال: أعلفوه الإبل! قال سهل: فأخذت ما عجنت فعلفت ~~نضوين، فهما كانا أضعف ركابنا. ms747 # وتحولنا إلى بئر صالح النبي عليه السلام، فجعلنا نستقي من الأسقية ~~ونغسلها، ثم ارتوينا، فلم نرجع يومئذ إلا ممسين. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا تسألوا نبيكم الآيات! هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم آية، فكانت ~~الناقة ترد عليهم من هذا الفلج، تسقيهم من لبنها يوم وردها ما شربت من ~~مائها، فعقروها فأوعدوا ثلاثا، وكان وعد الله غير مكذوب، فأخذتهم الصيحة ~~فلم يبق أحد منهم تحت أديم السماء إلا هلك، إلا رجل في الحرم منعه الحرم من ~~عذاب الله. قالوا: يا نبي الله، من هو؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أبو رغال، أبو ثقيف. قالوا: فما له بناحية مكة؟ قال: إن صالحا بعثه مصدقا، ~~فانتهى إلى رجل معه مائة شاة شصص [ (2) ] ، ومعه شاة والد، ومعه صبي ماتت ~~أمه بالأمس. فقال: إن رسول الله أرسلني إليك. فقال: مرحبا برسول الله ~~وأهلا! PageV03P1007 ~~خذ! قال: فأخذ الشاة اللبون، فقال: إنما هي أم هذا الغلام بعد أمه، خذ ~~مكانها عشرا. قال: لا. قال: عشرين. قال: لا. قال: خمسين. قال: لا. ~~قال: خذها كلها إلا هذه الشاة. قال: لا. قال: إن كنت تحب اللبن فأنا ~~أحبه. فنثر كنانته ثم قال: اللهم تشهد! ثم فوق له بسهم فقتله، فقال: لا ~~يسبق بهذا الخبر إلى نبي الله أول مني! فجاء صالحا فأخبره الخبر، فرفع صالح ~~يديه مدا فقال: اللهم العن أبا رغال! ثلاثا. وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم ~~تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فيصيبكم ما أصابهم. # قال أبو سعيد الخدري: رأيت رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخاتم ~~وجده في الحجر في بيوت المعذبين. قال: فأعرض عنه واستتر بيده أن ينظر إليه، ~~وقال: ألقه! فألقاه فما أدري أين وقع حتى الساعة. وكان ابن عمر يقول: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين حاذاهم: ~~إن هذا وادي النفر! فجعلوا يوضعون [ (1) ] فيه ركابهم حتى خرجوا منه. # قال: ms748 حدثني ابن أبي سبرة، عن يونس بن يوسف، عن عبيد بن جبير، عن أبي سعيد ~~الخدري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أوضع راحلته حتى خلفها. ~~قال: وارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح ولا ماء معهم، فشكوا ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~غير ماء. قال عبد الله بن أبي حدرد: ~~فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة فدعا- ولا والله ما ~~أرى في السماء سحابا- فما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو حتى إني ~~لأنظر إلى السحاب تأتلف من كل ناحية، فما رام مقامه حتى سحت علينا ~~PageV03P1008 ~~السماء بالرواء [ (1) ] ، فكأني أسمع تكبير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المطر. ~~ثم كشف الله السماء عنا من ساعتها وإن الأرض إلا غدر تناخس [ (2) ] ، ~~فسقي الناس وارتووا عن آخرهم، وأسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~أشهد أني رسول الله! فقلت لرجل من المنافقين: ويحك، أبعد هذا شيء؟ فقال: ~~سحابة مارة! وهو أوس بن قيظي، ويقال: زيد بن اللصيت. # قال: حدثني يونس بن محمد، عن يعقوب بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، ~~أنه قال له: هل كان الناس يعرفون أهل النفاق فيهم؟ ~~فقال: نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أبيه وأخيه وبني عمه. سمعت جدك ~~قتادة بن النعمان يقول: تبعنا في دارنا قوم منا منافقون. ثم من بعد سمعت ~~زيد بن ثابت يقول في بني النجار: من لا بارك الله فيه! فيقال: من يا أبا ~~سعيد؟ فيقول: سعد بن زرارة، وقيس بن فهر. ثم يقول زيد: لقد رأيتنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما كان من أمر الماء ما كان دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، ~~فقلنا: يا ويحك، أبعد هذا شيء؟ فقال: ~~سحابة مارة! وهو والله رجل لك به قرابة يا محمود بن لبيد! قال محمود: ~~قد ms749 عرفته! # قال: ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم موجها إلى تبوك، فأصبح في ~~منزل، فضلت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم القصواء، فخرج أصحابه في طلبها. ~~وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم عمارة بن حزم- عقبي بدري قتل يوم ~~اليمامة شهيدا- وكان في رحله زيد بن اللصيت أحد بنى قينقاع PageV03P1009 ~~كان يهوديا فأسلم فنافق، وكان فيه خبث اليهود وغشهم، وكان مظاهرا لأهل ~~النفاق، فقال زيد وهو في رحل عمارة، وعمارة عند النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن منافقا يقول إن محمدا يزعم أنه نبي، ~~وأنه يخبركم بأمر السماء ولا يدري أين ناقته! وإني والله ما أعلم إلا ما ~~علمني الله، وقد دلني عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا- الشعب أشار ~~لهم إليه- حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوا بها. فذهبوا فجاءوا ~~بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال: العجب من شيء حدثناه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم! إنها عن مقالة قائل أخبره الله عنه! قال كذا وكذا- الذي ~~قال زيد. قال: فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ~~زيد والله قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا! قال: فأقبل عمارة على زيد ~~ابن اللصيت يجأه [ (1) ] في عنقه ويقول: والله، إن في رحلي لداهية وما ~~أدري! اخرج يا عدو الله من رحلي! وكان الذي أخبره عمارة بمقالة زيد أخوه ~~عمرو بن حزم، وكان في الرحل مع رهط من أصحابه. والذي ذهب فجاء بالناقة من ~~الشعب الحارث بن خزمة الأشهلي، وجدها وزمامها قد تعلق فى شجرة، فقال زيد بن ~~اللصيت: لكأنى لم أسلم إلا اليوم! قد كنت شاكا في محمد، وقد أصبحت وأنا فيه ~~ذو بصيرة، وأشهد أنه رسول الله! فزعم الناس أنه تاب، وكان خارجة بن زيد بن ~~ثابت ينكر توبته ويقول: لم يزل فسلا [ (2) ] حتى مات. PageV03P1010 # فلما كان رسول ms750 الله صلى الله عليه وسلم بوادي المشقق [ (1) ] سمع حاديا ~~في جوف الليل فقال: أسرعوا بنا نلحقه! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~ممن الحادي، منكم أو من غيركم؟ قالوا: بلى، من غيرنا. قال: ~~فأدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا جماعة، فقال: ممن القوم؟ ~~قالوا: من مضر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا من مضر. ~~فانتسب حتى بلغ مضر. قال القوم: نحن أول من حدا بالإبل. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: وكيف ذلك؟ قالوا: بلى، إن أهل الجاهلية كان يغير بعضهم على ~~بعض، فأغير على رجل منهم ومعه غلام له، فندت إبله فأمر غلامه أن يجمعها، ~~فقال: لا أستطيع! فضرب يده بعصا، فجعل الغلام يقول: وا يداه! وا يداه! ~~وتجتمع الإبل، فجعل سيده يقول: قل هكذا بالإبل! وجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم يضحك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: ألا أبشركم؟ قالوا: ~~بلى يا رسول الله! وهم يسيرون على رواحلهم، فقال: إن الله أعطاني الكنزين ~~فارس والروم، وأمدني بالملوك ملوك حمير، يجاهدون في سبيل الله ويأكلون فيء ~~الله. # وكان المغيرة بن شعبة يقول: كنا بين الحجر وتبوك فذهب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لحاجته، وكان إذا ذهب أبعد، وتبعته بماء بعد الفجر، فأسفر الناس ~~بصلاتهم- وهي صلاة الصبح- حتى خافوا الشمس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى ~~بهم. فحملت مع النبي صلى الله عليه وسلم إداوة فيها ماء، فلما فرغ صببت ~~عليه فغسل وجهه. ثم أراد أن يغسل ذراعيه فضاق كم الجبة- وعليه جبة رومية- ~~فأخرج يديه من تحت PageV03P1011 ~~الجبة فغسلهما ومسح خفيه. وانتهينا إلى عبد الرحمن بن عوف وقد ركع ~~بالناس، فسبح الناس بعبد الرحمن بن عوف حين رأوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى كادوا أن يفتتنوا، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص وراءه، فأشار ~~إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن اثبت، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلف عبد الرحمن ركعة، فلما سلم عبد الرحمن تواثب الناس، وقام رسول ms751 الله صلى ~~الله عليه وسلم يقضي الركعة الباقية، ثم سلم بعد فراغه منها، ثم قال: ~~أحسنتم! إنه لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته. # وأتاه يومئذ يعلى بن منبه بأجير له، قد نازع رجلا من العسكر، فعضه ذلك ~~الرجل، فانتزع الأجير يده من في العاض فانتزع ثنيته، فلرمه المجروح فبلغ به ~~النبي صلى الله عليه وسلم. [قال] : وقمت مع أجيري لأنظر ما يصنع، فأتى بهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يعمد أحدكم فيعض أخاه كما يعض الفحل. فأبطل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب من ثنيته. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين ~~تبوك، وإنكم لن تنالوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا ~~حتى آتى. قال معاد بن جبل: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الزلال ~~تبض [ (1) ] بشيء من ماء، فسألهما: هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم. ~~فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. ثم غرفوا ~~بأيديهم قليلا قليلا حتى اجتمع فى شن [ (2) ] ، ثم غسل PageV03P1012 ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجاءت العين ~~بماء كثير فاستقى الناس. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يوشك يا معاذ إن ~~طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا! ~~قالوا: وكان عبد الله ذو البجادين [ (1) ] من مزينة، وكان يتيما لا مال ~~له، قد مات أبوه فلم يورثه شيئا، وكان عمه ميلا [ (2) ] ، فأخذه وكفله حتى ~~كان قد أيسر، فكانت له إبل وغنم ورقيق، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام، ولا يقدر عليه من عمه، حتى مضت ~~السنون والمشاهد كلها. ~~فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتح مكة راجعا إلى المدينة، فقال ~~عبد الله لعمه: يا عم، قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدا، فائذن لي في ~~الإسلام! فقال: والله، لئن اتبعت محمدا لا ms752 أترك بيدك شيئا كنت أعطيتكه إلا ~~نزعته منك حتى ثوبيك. فقال عبد العزى، وهو يومئذ اسمه: وأنا والله متبع ~~محمدا ومسلم، وتارك عبادة الحجر والوثن، وهذا ما بيدي فخذه! فأخذ كل ما ~~أعطاه، حتى جرده من إزاره، فأتى أمه فقطعت بجادا لها باثنين فائتزر بواحد ~~وارتدى بالآخر، ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان- جبل من حمى المدينة- ~~فاضطجع في المسجد في السحر، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح، فنظر ~~إليه فأنكره، فقال: من أنت؟ فانتسب له، فقال: أنت عبد الله ذو البجادين! ثم ~~قال: انزل مني قريبا. فكان يكون في أضيافه ويعلمه القرآن، حتى PageV03P1013 ~~قرأ قرآنا كثيرا، والناس يتجهزون إلى تبوك. وكان رجلا صيتا، فكان يقوم في ~~المسجد فيرفع صوته بالقراءة، فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع إلى هذا ~~الأعرابي يرفع صوته بالقرآن حتى قد منع الناس القراءة؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: دعه، يا عمر! فإنه خرج مهاجرا إلى الله ورسوله. قال: فلما خرجوا ~~إلى تبوك قال: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة. ~~قال: أبلغني لحاء [ (1) ] سمرة. فأبلغه لحاء سمرة، فربطها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على عضده وقال: اللهم إني أحرم دمه على الكفار! فقال: ~~يا رسول الله، ليس أردت هذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك إذا خرجت ~~غازيا في سبيل الله فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، ووقصتك دابتك فأنت ~~شهيد، لا تبال [ (2) ] بأية كان. فلما نزلوا تبوكا فأقاموا بها أياما توفي ~~عبد الله ذو البجادين. فكان بلال بن الحارث يقول: حضرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفا بها، وإذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في القبر، وإذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~يدليانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أدنيا إلي أخاكما! فلما ~~هيآه لشقه قال: اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه. ms753 قال: فقال عبد الله ~~بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب اللحد! # وقالوا: أتينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في مسيره وهو مردف سهيل ابن بيضاء خلفه، فقال سهيل: ورفع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صوته فقال: يا سهيل! كل ذلك يقول سهيل: يا لبيك! ثلاث ~~مرات، حتى عرف الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدهم، فانثنى عليه ~~PageV03P1014 ~~من أمامه، ولحقه من خلفه من الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من يشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، حرمه الله على النار. # قالوا: وعارض الناس في مسيرهم حية، ذكر من عظمها وخلقها، وانصاع الناس ~~عنها. فأقبلت حتى واقفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته ~~طويلا، والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة، ~~فأقبل الناس حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: هل تدرون ~~من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن هذا أحد الرهط الثمانية من الجن ~~الذين يريدون أن يسمعوا القرآن، فرأى عليه من الحق- حين ألم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ببلده- أن يسلم عليه، وها هو ذا يقرئكم السلام، فسلموا ~~عليه! فقال الناس جميعا: وعليه السلام ورحمة الله! يقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أجيبوا [ (1) ] عباد الله من كانوا. # قالوا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوكا وأقام بها عشرين ليلة ~~يصلي ركعتين، وهرقل يومئذ بحمص. وكان عقبة بن عامر يقول: ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، حتى إذا كنا منها على ~~ليلة استرقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد ~~رمح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال، ألم أقل لك اكلأ [ (2) ] ~~لنا الليل؟ فقال بلال: ذهب بي النوم، ذهب بي الذي ذهب بك! قال: فارتحل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المكان غير بعيد، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ~~ثم صلى الفجر، ثم ms754 هذب [ (3) ] بقية يومه PageV03P1015 ~~وليلته فأصبح بتبوك، فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ~~قال: أيها الناس! أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة ~~التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم عليه السلام، وخير السنن سنن محمد، وأشرف ~~الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عواقبها، وشر الأمور ~~محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى ~~الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر ~~العمى عمى القلب، واليد العليا خير من السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر ~~وألهى، وشر الأمور المعذرة حين يحضر للموت، وشر الندامة يوم القيامة. ومن ~~الناس ولا يأتي الجمعة إلا نزرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا [ (1) ] ، ~~ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ~~ورأس الحكم [ (2) ] مخافة الله، وخير ما ألقي في القلب اليقين، والارتياب ~~من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جمر جهنم، والسكر كن من ~~النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، ~~والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم. ~~والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى ~~موضع أربعة أذرع، والأمر إلى آخره، وملاك العمل خواتمه، والربا ربا الكذب. ~~وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتل المؤمن كفر، وأكل لحمه من ~~معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه. ومن يتأل [ (3) ] على الله يكذبه، ومن ~~يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ PageV03P1016 ~~يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله ~~به، ومن يصبر يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله. اللهم اغفر لي ~~ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، أستغفر الله لي ولكم. # وكان رجل من بني عذرة يقال له عدي يقول: جئت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بتبوك فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس يقول: أيها الناس، يد ~~الله فوق يد المعطي، ms755 ويد المعطي الوسطى، ويد المعطى السفلى. أيها الناس، ~~اقنعوا ولو بحزم الحطب! اللهم، هل بلغت؟ ~~ثلاثا. فقلت: يا رسول الله، كان لي امرأتان [ (1) ] اقتتلتا فرميت فأصبت ~~إحداهما [ (2) ] فرمي في رميتي- يعني ماتت، كما تقول العرب: رمي في جنازته. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعقلها ولا ترثها. # وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع مسجده بتبوك، فنظر نحو اليمين ~~ورفع يديه يشير إلى أهل اليمن فقال: الإيمان يمان! ونظر نحو المشرق وأشار ~~بيده: إن الجفاء وغلظ القلوب في الفدادين [ (3) ] أهل الوبر من نحو المشرق ~~حيث يطلع الشيطان قرنيه. # وقال رجل من بني سعد [بن] هذيم: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~جالس بتبوك- في نفر من أصحابه، هو سابعهم- فوقفت فسلمت، فقال: اجلس! فقلت: ~~يا رسول الله، أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله! قال: أفلح وجهك! ثم ~~قال: يا بلال، أطعمنا! PageV03P1017 ~~قال: فبسط بلال نطعا [ (1) ] ، ثم جعل يخرج من حميت [ (2) ] له، فأخرج ~~خرجات بيده من تمر معجون بالسمن والأقط، ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كلوا! فأكلنا حتى شبعنا فقلت: يا رسول الله، إن كنت لآكل هذا وحدي! ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكافر يأكل في سبعة أمعاء [ (3) ] ~~والمؤمن يأكل في معى واحد. قال: ثم جئته من الغد متحينا لغدائه لأزداد في ~~الإسلام يقينا، فإذا عشرة نفر حوله. قال: ~~فقال به هات أطعمنا يا بلال. قال: فجعل يخرج من جراب تمر بكفه قبضة قبضة، ~~فقال: أخرج ولا تخف من ذي العرش إقتارا! فجاء بالجراب فنثره. قال: فجزرته ~~مدين. قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على التمر، ثم قال: كلوا ~~باسم الله! فأكل القوم وأكلت معهم، وكنت صاحب تمر. قال: فأكلت حتى ما أجد ~~له مسلكا. قال: وبقي على النطع مثل الذي جاء به بلال، كأنا لم نأكل منه ~~تمرة واحدة. قال: ~~ثم عدت من الغد. قال: وعاد نفر حتى باتوا، فكانوا عشرة أو يزيدون رجلا أو ~~رجلين، فقال: يا بلال، أطعمنا! ms756 فجاء بذلك الجراب بعينه أعرفه فنثره، ووضع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عليه فقال: كلوا باسم الله، فأكلنا حتى ~~نهلنا، ثم رفع مثل الذي صب، ففعل مثل ذلك ثلاثة أيام. # قال: وكان هرقل قد بعث رجلا من غسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فينظر ~~إلى صفته وإلى علاماته، إلى حمرة في عينيه، وإلى خاتم النبوة بين كتفيه، ~~وسأل فإذا هو لا يقبل الصدقة، فوعى أشياء من حال النبي PageV03P1018 ~~صلى الله عليه وسلم، ثم انصرف إلى هرقل فذكر له ذلك، فدعا قومه إلى ~~التصديق به، فأبوا حتى خافهم على ملكه، وهو في موضعه لم يتحرك ولم يزحف. ~~وكان الذي خبر النبي صلى الله عليه وسلم- من بعثته أصحابه ودنوه إلى أدنى ~~الشام- باطلا، ولم يرد ذلك ولم يهم به. ~~وشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في التقدم، فقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: إن كنت أمرت بالمسير فسر! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو ~~أمرت به ما استشرتكم فيه! قال: يا رسول الله، فإن للروم جموعا كثيرة، وليس ~~بها أحد من أهل الإسلام، وقد دنوت منهم حيث ترى، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعت ~~هذه السنة حتى ترى، أو يحدث الله عز وجل لك في ذلك أمرا. # قالوا: وهاجت ريح شديدة بتبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~هذا لموت منافق عظيم النفاق. ~~قال: فقدموا المدينة فوجدوا منافقا قد مات عظيم النفاق. # قال: وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبنة بتبوك فقالوا: ~~يا رسول الله، إن هذا طعام تصنعه فارس، وإنا نخشى أن يكون فيه ميتة. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله! # قال: وأهدى رجل من قضاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرسا، فأعطاه رجلا ~~من الأنصار، وأمره أن يربطه حياله استئناسا بصهيله، فلم يزل كذلك حتى قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ففقد صهيل الفرس فسأل عنه صاحبه ~~فقال: خصيته يا رسول الله! قال ms757 رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الخيل في ~~نواصيها الخير إلى يوم القيامة، اتخذوا من نسلها PageV03P1019 ~~وباهوا بصهيلها المشركين، أعرافها أدفاؤها [ (1) ] ، وأذنابها مذابها. ~~والذي نفسي بيده، إن الشهداء ليأتون يوم القيامة بأسيافهم على عواتقهم، لا ~~يمرون بأحد من الأنبياء إلا تنحى عنهم، حتى إنهم ليمرون بإبراهيم الخليل ~~خليل الرحمن فيتنحى لهم حتى يجلسوا على منابر من نور. يقول الناس: هؤلاء ~~الذين أهريقوا دماءهم لرب العالمين، فيكون كذلك حتى يقضي الله عز وجل بين ~~عباده! # قالوا: وبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك قام إلى فرسه الظرب ~~فعلق عليه شعاره [ (2) ] وجعل يمسح ظهره بردائه. قيل: يا رسول الله، تمسح ~~ظهره بردائك؟ قال: نعم، وما يدريك؟ لعل جبريل أمرني بذلك، مع أني قد بت ~~الليلة [ (3) ] ، وإن الملائكة لتعاتبني في حس [ (4) ] الخيل ومسحها. ~~وقال: أخبرنى خليلي جبريل أنه يكتب لي بكل حسنة أوفيتها إياه حسنة، وإن ~~ربي عز وجل يحط عني بها سيئة. وما من امرئ من المسلمين يربط فرسا في سبيل ~~الله فيوفيه بعليفه يلتمس به قوته إلا كتب الله له بكل حبة حسنة، وحط عنه ~~بكل حبة سيئة! قيل: يا رسول الله، وأي الخيل خير؟ قال: ~~أدهم [ (5) ] ، أقرح، أرثم، محجل الثلث [ (6) ] ، مطلق اليمين، فإن لم ~~PageV03P1020 ~~يكن أدهم فكميت على هذه الصفة. قال: وقيل: يا رسول الله، فما في الصوم في ~~سبيل الله؟ قال: من صام يوما في سبيل الله تباعدت منه جهنم مسيرة مائة سنة ~~كأغذ السير. ولقد فضل نساء المجاهدين على القاعدين في الحرمة كأمهاتهم، وما ~~من أحد من القاعدين يخالف إلى امرأة من نساء المجاهدين فيخونه في أهله إلا ~~وقف يوم القيامة فيقال له: إن هذا خانك في أهلك فخذ من عمله ما شئت، فما ~~ظنكم؟ # وكان عبد الله بن عمر أو عمرو بن العاص يحدث قال: فزع الناس بتبوك ليلة، ~~فخرجت في سلاحي حتى جلست إلى سالم مولى أبي حذيفة وعليه سلاحه، فقلت: ~~لأقتدين بهذا الرجل الصالح من أهل بدر! فجلست إلى جنبه قريبا من قبة ms758 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا مغضبا ~~فقال: أيها الناس، ما هذه الخفة؟ ~~ما هذا النزق؟ ألا صنعتم ما صنع هذان الرجلان الصالحان؟ ~~يعنيني وسالما مولى أبي حذيفة. # قالوا: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وضع حجرا قبلة ~~مسجد تبوك بيده وما يلي الحجر، ثم صلى الظهر بالناس، ثم أقبل عليهم فقال: ~~ما هاهنا شام، وما هاهنا يمن. # وكان عبد الله بن عمر يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، ~~فقام يصلي من الليل، وكان يكثر التهجد من الليل، ولا يقوم إلا استاك، وكان ~~إذا قام يصلي صلى بفناء خيمته، فيقوم ناس من المسلمين فيحرسونه. فصلى ليلة ~~من تلك الليالي، فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: أعطيت خمسا ما أعطيهن ~~أحد قبلي: بعثت إلى الناس كافة، وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني PageV03P1021 ~~الصلاة تيممت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك ولا يصلون إلا في كنائسهم ~~والبيع، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من كان قبلي يحرمونها، والخامسة هي ~~ما هي، هي ما هي، هي ما هي! ثلاثا. قالوا: وما هي يا رسول الله؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قيل لي: سل، فكل نبي قد سأل، فهي لكم ولمن شهد أن ~~لا إله إلا الله. ### || ذكر ما نزل من القرآن في غزوة تبوك # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم.. [ (1) ] الآية. قالوا: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حر شديد وجهد من الناس، وحين طابت الثمار واشتهيت الظلال، فأبطأ الناس ~~فكشفت منهم «براءة» ما كان مستورا، وأبدت أضغانهم ونفاق من نافق منهم. ~~يقول: إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما [ (2) ] إلا تخرجوا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب.. [ (3) ] الآية. ~~قال: كان قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه ms759 وسلم خرجوا إلى البدو يفقهون ~~قومهم، فقال المنافقون: قد بقي ناس من أصحاب محمد في البوادي. وقالوا: هلك ~~أصحاب البوادي! فنزلت: وما كان المؤمنون لينفروا كافة [ (4) ] . انفروا ~~خفافا وثقالا [ (5) ] يقول: نشاطا وغير نشاط، ويقال: الخفاف: الشباب، ~~والثقال: الكهول، PageV03P1022 ~~وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله يقول: أنفقوا أموالكم في غزوكم، ~~وجاهدوا، يقول: قاتلوا، ولكن بعدت عليهم الشقة [ (1) ] عشرين ليلة، ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يعني المنافقين لو كان عرضا قريبا ~~يقول: غنيمة قريبة، وسفرا قاصدا لاتبعوك يعني حين خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى تبوك جعلوا يعتذرون بالعسرة والمرض، يهلكون أنفسهم يعني في ~~الآخرة، والله يعلم إنهم لكاذبون أنهم أقوياء أصحاء. وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقبل عذرهم ويأذن لهم. ~~قال الله عز وجل: عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا [ ~~(2) ] حتى تبلوهم بالسفر وتعلم من هو صادق ومن هو كاذب. ~~لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر [ (3) ] وصف المؤمنين الذين ~~أنفقوا أموالهم في تلك الغزوة، وكانت تسمى غزوة العسرة. إنما يستأذنك الذين ~~لا يؤمنون بالله [ (4) ] يعني المنافقين. ثم ذكر المنافقين فقال: ~~لقد ابتغوا الفتنة من قبل [ (5) ] من قبل خروجك إلى تبوك وظهور أمرك يا ~~محمد، وهم كارهون لظهورك واتباع من اتبعك من المسلمين. ~~ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني [ (6) ] نزلت هذه في الجد بن قيس، وكان ~~أكثر بني سلمة مالا، وأعدهم عدة في الظهر، وكان رجلا معجبا بالنساء، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تغزو بني الأصفر؟ PageV03P1023 ~~عسى أن تحتقب من بنات الأصفر. ~~فقال: يا محمد، قد علم قومي أنه ليس أحد أعجب بالنساء مني، فلا تفتني ~~بهن! يقول الله عز وجل: ألا في الفتنة سقطوا [ (1) ] لتخلفه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. إن تصبك حسنة تسؤهم [ (2) ] يقول: غنيمة وسلامة، الذين ~~تخلفوا واستأذنوك، وإن تصبك مصيبة البلاء والشدة، يقولوا قد أخذنا أمرنا من ~~قبل. قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا [ (3) ] يقول: إلا ما كان في أم ms760 ~~الكتاب. قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين [ (4) ] الغنيمة أو الشهادة. ~~قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم [ (5) ] كان رجال من المنافقين من ذي ~~الطول يظهرون النفقة إذا رآهم الناس ليبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويدرأون بذلك عن أنفسهم القتل. يقول الله تعالى: وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم [ (6) ] إلى قوله عز وجل: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا [ (7) ] يقول: يكون عليهم بينة لأن ما أكلوا منها أكلوه على نفاق، ~~وما أنفقوا فإنما هو رياء. ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم [ (8) ] وهم ~~البكاؤون وهم سبعة، أبو ليلى المازني، وسلمة بن صخر المازني، وثعلبة بن ~~غنمة الأسلمي، وعلبة بن زيد الحارثي، والعرباض بن سارية السلمي من بني ~~سليم، وعبد الله بن عمرو المزني، وسالم بن عمير العمري، رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف [ (9) ] يعني مع النساء، الجد بن قيس. وممن حولكم من PageV03P1024 ~~الأعراب منافقون [ (1) ] كان رجال من العرب منهم عيينة بن حصن وقومه معه ~~يرضون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويرونهم أنهم معهم ويرضون قومهم. ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [ (2) ] من صلى القبلتين. ### | غزوة أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل في رجب سنة تسع، وهي على عشرة أميال من المدينة. # قال: حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي ~~الله عنه، ومحمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، ومعاذ بن محمد، عن ~~إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، وإسماعيل ابن إبراهيم، عن موسى بن عقبة، ~~وكل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة، وعماده حديث ابن أبي حبيبة. # قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد من تبوك في ~~أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل- وكان أكيدر من ~~كندة قد ملكهم وكان نصرانيا- فقال خالد: يا رسول الله، كيف لي به وسط بلاد ~~كلب، وإنما أنا في أناس يسير؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستجده ~~يصيد البقر فتأخذه. ~~قال: فخرج خالد ms761 حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة، ~~وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بنت أنيف بن عامر من كندة، وصعد على ظهر ~~الحصن من الحر، وقينته تغنيه، ثم دعا بشراب فشرب. فأقبلت البقر ~~PageV03P1025 ~~تحك بقرونها باب الحصن، فأقبلت امرأته الرباب فأشرفت على الحصن فرأت ~~البقر فقالت: ما رأيت كالليلة في اللحم! هل رأيت مثل هذا قط؟ ~~قال: لا! ثم قالت [ (1) ] : من يترك هذا؟ قال: لا أحد! قال: يقول أكيدر: ~~والله، ما رأيت جاءتنا ليلة بقر غير تلك الليلة، ولقد كنت أضمر لها الخيل ~~إذا أردت أخذها شهرا أو أكثر، ثم أركب بالرجال وبالآلة. # فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته، معه ~~أخوه حسان ومملوكان، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم [ (2) ] ، فلما فصلوا من ~~الحصن، وخيل خالد تنظرهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرك، فساعة فصل أخذته ~~الخيل، فاستأسر أكيدر وامتنع حسان، فقاتل حتى قتل، وهرب المملوكان ومن كان ~~معه من أهل بيته فدخلوا الحصن. وكان على حسان قباء ديباج مخوص بالذهب، ~~فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن أمية ~~الضمري حتى قدم عليهم فأخبرهم بأخذهم أكيدر. # قال أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله: رأينا قباء حسان أخي أكيدر حين قدم ~~به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يتلمسونه بأيديهم ~~ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا؟ فو الذي ~~نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا! # وقد كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لخالد بن الوليد: إن ظفرت بأكيدر فلا تقتله وائت به ~~إلي، فإن أبى فاقتلوه، فطاوعهم. فقال بجير بن PageV03P1026 ~~بجرة من طيء، ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لخالد «إنك تجده يصيد ~~البقر» ~~وما صنع البقر تلك الليلة بباب الحصن تصديق قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال شعرا: # تبارك سائق البقرات إني %~% رأيت الله يهدي ms762 كل هاد # ومن يك عاندا عن ذي تبوك %~% فإنا قد أمرنا بالجهاد # وقال خالد بن الوليد لأكيدر: هل لك أن أجيرك من القتل حتى آتي بك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أن تفتح لي دومة؟ قال: نعم، ذلك لك. فلما صالح ~~خالد أكيدر، وأكيدر في وثاق، انطلق به خالد حتى أدناه من باب الحصن ونادى ~~أكيدر أهله: افتحوا باب الحصن! فرأوا ذلك، فأبى عليهم مضاد [ (1) ] أخو ~~أكيدر، فقال أكيدر لخالد: تعلم والله لا يفتحون لي ما رأوني في وثاق، فخل ~~عني فلك الله والأمانة أن أفتح لك الحصن إن أنت صالحتني على أهله. قال ~~خالد: فإني أصالحك. ~~فقال أكيدر: إن شئت حكمتك وإن شئت حكمني. قال خالد: بل، نقبل منك ما ~~أعطيت. فصالحه على ألفي بعير، وثمانمائة رأس [ (2) ] ، وأربعمائة درع، ~~وأربعمائة رمح، على أن ينطلق به وأخيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيحكم فيهما حكمه. فلما قاضاه خالد على ذلك خلى سبيله ففتح الحصن، فدخله ~~خالد وأوثق أخاه مضادا أخا أكيدر، وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق ~~والسلاح، ثم خرج قافلا إلى المدينة، ومعه أكيدر ومضاد. فلما قدم بأكيدر على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صالحه على الجزية وحقن دمه ودم PageV03P1027 ~~أخيه وخلى سبيلهما. وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه أمانهم ~~وما صالحهم، وختمه يومئذ بظفره. # قالوا: وأقبل واثلة بن الأسقع الليثي، وكان ينزل ناحية المدينة، حتى آتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معه الصبح، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا صلى الصبح انصرف فيتصفح وجوه أصحابه ينظر إليهم. ~~فلما دنا من واثلة أنكره فقال: من أنت؟ فأخبره فقال: ما جاء بك؟ ~~قال: أبايع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما أطقت؟ ~~قال واثلة: ~~نعم. فبايعه- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يتجهز إلى تبوك- ~~فخرج الرجل إلى أهله، فلقي أباه الأسقع فلما رأى حاله قال: قد فعلتها! قال ~~واثلة: نعم. قال أبوه: والله لا أكلمك ms763 أبدا. فأتى عمه، وهو مولي ظهره ~~الشمس، فسلم عليه فقال: قد فعلتها! قال: نعم. ولامه لائمة أيسر من لائمة ~~أبيه وقال: لم يكن ينبغي لك أن تسبقنا بأمر، فسمعت أخت واثلة كلامه فخرجت ~~إليه فسلمت عليه بتحية الإسلام، فقال واثلة: ~~أنى لك هذا يا أخية؟ قالت: سمعت كلامك وكلام عمك. وكان واثلة ذكر الإسلام ~~ووصفه لعمه، فأعجب أخته الإسلام فأسلمت، فقال واثلة: لقد أراد الله بك أخية ~~خيرا! جهزي أخاك جهاز غاز، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم على جناح سفر. ~~فأعطته مدا من دقيق فعجن الدقيق في الدلو، وأعطته تمرا فأخذه. وأقبل إلى ~~المدينة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحمل إلى تبوك، وبقي عيرات ~~من الناس وهم على الشخوص [ (1) ]- وإنما رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل ذلك بيومين- فجعل ينادى PageV03P1028 ~~بسوق بني قينقاع: من يحملني وله سهمي! قال: وكنت رجلا لا رجلة لي، فدعاني ~~كعب بن عجرة فقال: أنا أحملك عقبة بالليل وعقبة بالنهار، ويدك أسوة يدي ولي ~~سهمك! قال واثلة: نعم. فقال واثلة بعد ذلك: جزاه الله خيرا! لقد كان يحملني ~~عقبتي، ويزيدني وآكل معه ويرفع لي، حتى إذا بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر الكندي بدومة الجندل خرج كعب بن عجرة في جيش ~~خالد بن الوليد، وخرجت معه فأصبنا فيها كثيرا، فقسمه خالد بيننا، فأصابني ~~ست قلائص [ (1) ] ، فأقبلت أسوقها حتى جئت بها خيمة كعب بن عجرة فقلت: اخرج ~~رحمك الله فانظر إلى قلائصك فاقبضها! فخرج إلي وهو يتبسم ويقول: بارك الله ~~لك فيها! ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئا. # وكان أبو سعيد الخدري رحمه الله يحدث يقول: أسرنا أكيدر فأصابني من ~~السلاح درع وبيضة ورمح، وأصابني عشر من الإبل. # وكان بلال بن الحارث المزنى يحدث يقول: أسرنا أكيدر وأخاه، فقدمنا بهما ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وعزل يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم صفي ~~خالص قبل أن يقسم شيء من الفيء، ثم خمس ms764 الغنائم فكان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم الخمس. وكان عبد الله بن عمرو المزني يقول: ~~كنا أربعين رجلا من مزينة مع خالد بن الوليد، وكانت سهماننا خمس فرائض، ~~كل رجل مع سلاح، يقسم علينا درع ورماح. # قال: حدثني يعقوب بن محمد الظفري، عن عاصم بن عمر بن PageV03P1029 ~~قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: رأيت أكيدر حين قدم به خالد ~~وعليه صليب من ذهب وعليه الديباج ظاهر. # قال الواقدي: حدثني شيخ من أهل دومة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب ~~له هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر ~~حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد ابن الوليد سيف الله، ~~في دومة الجندل وأكنافها. وإن لنا الضاحية [ (1) ] من الضحل، والبور، ~~والمعامي، وأغفال الأرض، والحلقة، والسلاح، والحافر، والحصن، ولكم الضامنة ~~من النخل، والمعين من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم، ~~ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات [ (2) ] ، تقيمون الصلاة ~~لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها. عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصدق ~~والوفاء. شهد الله ومن حضر من المسلمين. # قال: الضحل: الذي فيه الماء القليل، والبور: ما ليس فيه زرع، والمعامي: ~~ما ليست له حدود معلومة، وأغفال الأرض: مياه، ولا تعد فاردتكم: يقول لا يعد ~~ما يبلغ أربعين شاة، والحافر: الخيل، والمعين: ~~الماء الظاهر، والضامنة من النخل: النبات من النخل التي قد نبتت عروقها ~~في الأرض، ولا يحظر عليكم النبات: ولا تمنعوا أن تزرعوه. # قالوا: وأهدى له هدية فيها كسوة، وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتابا آمنه فيه وفيه الصلح، وآمن أخاه ووضع عليه فيه الجزية، فلم يك في يد ~~النبي صلى الله عليه وسلم خاتم فختمه بظفره. PageV03P1030 # وكانت دومة، وأيلة [ (1) ] ، وتيماء [ (2) ] ، قد خافوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما رأوا العرب قد أسلمت. وقدم يحنة بن رؤبة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان ملك أيلة، وأشفقوا أن يبعث إليهم رسول الله صلى ms765 الله عليه ~~وسلم كما بعث إلى أكيدر. وأقبل معه أهل جرباء وأذرح [ (3) ] ، فأتوه ~~فصالحهم فقطع عليهم الجزية، جزية معلومة، وكتب لهم كتابا: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، ~~لسفنهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد رسول الله، ولمن ~~كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر. ومن أحدث حدثا فإنه لا يحول ~~ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء ~~يريدونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر. هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل ~~بن حسنة بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ووضع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الجزية على أهل أيلة، ثلاثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلاثمائة رجل. # قال: حدثني يعقوب بن محمد الظفري، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد ~~الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: رأيت يحنة بن رؤبة يوم أتي به إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليه صليب من ذهب، وهو معقود الناصية، فلما رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم كفر [ (4) ] وأومأ برأسه، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ارفع رأسك! وصالحه يومئذ، وكساه رسول الله صلى PageV03P1031 ~~الله عليه وسلم بردا يمنة [ (1) ] ، وأمر له بمنزل عند بلال. # وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل جرباء وأذرح هذا الكتاب: ~~من محمد النبي رسول الله لأهل أذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، ~~وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم. # قال الواقدي: نسخت كتاب أذرح وإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأهل أذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، ~~وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح ~~والإحسان للمسلمين، ومن لجأ [إليهم] [ (2) ] من المسلمين من المخافة ~~والتعزير إذا خشوا على المسلمين وهم آمنون، حتى يحدث إليهم محمد قبل خروجه. # قالوا: وكتب لأهل مقنا ms766 [ (3) ] أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن ~~عليهم ربع غزولهم وربع ثمارهم. # وكان عبيد بن ياسر بن نمير أحد سعد الله [ (4) ] ، ورجل من جذام أحد بني ~~وائل، قدما على النبي صلى الله عليه وسلم بتبرك، فأسلما وأعطاهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ربع مقنا مما يخرج من البحر ومن الثمر من نخلها، وربع ~~المغزل. وكان عبيد بن ياسر فارسا، وكان الجذامي راجلا، فأعطى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرس عبيد بن ياسر مائة ضفيرة- والضفيرة: ~~الحلة- فلم يزل يجري ذلك على بني سعد، وبني وائل إلى يوم الناس هذا. ~~PageV03P1032 ~~ثم إن عبيد بن ياسر قدم مقنا وبها يهودية، وكانت اليهودية تقوم على فرسه، ~~فأعطاها ستين ضفيرة من ضفائر فرسه، فلم يزل يجري على اليهودية حتى نزعت آخر ~~زمان بني أمية، فلم ترد إليها ولا إلى ولد عبيد. ~~وكان عبيد قد أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم فرسا عتيقا يقال له مراوح، ~~وقال: يا رسول الله، سابق! فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل بتبوك ~~فسبق الفرس، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، فسأله المقداد بن ~~عمرو الفرس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين سبحة؟ ~~فرس للمقداد قد شهد عليها بدرا. قال: يا رسول الله عندي، وقد كبرت وأنا ~~أضن بها للمواطن التي شهدت عليها، وقد خلفتها لبعد هذا السفر وشدة الحر ~~عليها، فأردت أحمل هذا الفرس المعرق عليها فتأتيني بمهر. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذاك إذا! فقبضه المقداد، فخبر منه صدقا، ~~ثم حمله على سبحة فنتجت له مهرا كان سابقا يقال له الذيال، سبق في عهد عمر ~~وعثمان، فابتاعه منه عثمان بثلاثين ألفا. # قالوا: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك يريد حاجته، فرأى ناسا ~~مجتمعين فقال: ما لهم؟ قيل: يا رسول الله، بعير لرافع بن مكيث الجهني، نحره ~~فأخذ منه حاجته، فخلى بين الناس وبينه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يرد رافع ما أخذ وما أخذه الناس، ثم ms767 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~هذه نهبة لا تحل! قيل: يا رسول الله، إن صاحبه أذن في أخذه. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: وإن أذن في أخذه! # قالوا وجاءه رجل فقال: يا رسول الله، ~~أي الصدقة أفضل؟ قال: ظل خباء في سبيل الله، أو خدمة خادم في سبيل الله، أو ~~طروقة [ (1) ] فحل فى سبيل الله. PageV03P1033 # وكان جابر بن عبد الله يحدث يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في تبوك فقال: اقطعوا قلائد الإبل من الإبل. قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ ~~قال: لا تقلدوها [ (1) ] بالأوتار. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل على حرسه بتبوك من يوم قدم إلى ~~أن رحل منها عباد بن بشر، فكان عباد بن بشر يطوف على أصحابه في العسكر، ~~فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: ~~يا رسول الله، ما زلنا نسمع صوت تكبير من ورائنا حتى أصبحنا، فوليت أحدنا ~~يطوف على الحرس؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعلت، ولكن عسى أن ~~يكون بعض المسلمين على خيلنا انتدب [ (2) ] . فقال سلكان ابن سلامة: يا ~~رسول الله، خرجت في عشرة من المسلمين على خيلنا فكنا نحرس الحرس. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله حرس الحرس في سبيل الله! قال: فلكم ~~قيراط من الأجر على كل من حرستم من الناس جميعا أو دابة. # قالوا: وقدم نفر من بني سعد هذيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله، إنا قدمنا عليك وتركنا أهلنا على بئر لنا، قليل ~~ماؤها، وهذا القيظ، ونحن نخاف إن تفرقنا أن نقتطع، لأن الإسلام لم يفش ~~حولنا بعد، فادع الله لنا في ماء بئرنا، وإن روينا به فلا قوم أعز منا، لا ~~يعبر بنا أحد مخالف لديننا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أبلغوني حصيات! فتناولت ثلاث حصيات فدفعتهن إليه، ففركهن بيده ~~PageV03P1034 ~~ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات إلى بئركم فاطرحوها واحدة واحدة وسموا الله. ms768 ~~فانصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك فجاشت بئرهم ~~بالرواء [ (1) ] ، ونفوا من قاربهم من المشركين ووطئوهم، فما انصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى أوطأوا من حولهم عليه ودانوا ~~بالإسلام. # قالوا: وكان زيد بن ثابت يحدث يقول: عزونا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تبوك، فكنا نشتري ونبيع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرانا ولا ~~ينهانا. # قال: وكان رافع بن خديج يحدث يقول: أقمنا بتبوك المقام فأرملنا من الزاد ~~وقرمنا [ (2) ] إلى اللحم ونحن لا نجده، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت: يا رسول الله، إن اللحم هاهنا، وقد سألت أهل البلد عن الصيد فذكروا ~~لي صيدا قريبا- فأشاروا إلى ناحية المغرب- فأذهب فأصيد في نفر من أصحابي؟ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ذهبت فاذهب في عدة من أصحابك، وكونوا ~~على خيل، فإنكم تتفرقون من العسكر. ~~قال: فانطلقت في عشرة من الأنصار فيهم أبو قتادة- وكان صاحب طرد بالرمح ~~وكنت راميا- فطلبنا الصيد فأدركنا صيدا، فقتل أبو قتادة خمسة أحمرة [ (3) ] ~~بالرمح على فرسه، ورميت قريبا من عشرين ظبيا، وأخذ أصحابنا الظبيين ~~والثلاثة والأربعة، وأخذنا نعامة طردناها على خيلنا. ثم رجعنا إلى العسكر، ~~فجئناهم عشاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنا: ما PageV03P1035 ~~جاءوا بعد؟ فجئنا إليه فألقينا ذلك الصيد بين يديه فقال: فرقوه في ~~أصحابكم! قلت: يا رسول الله، أنت مر به رجلا! قال: فأمر رافع بن خديج. قال: ~~فجعلت أعطي القبيلة بأسرها الحمار والظبي، وأفرق ذلك حتى كان الذي صار ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظبي واحد مذبوح، فأمر به فطبخ، فلما نضج دعا ~~به- وعنده أضياف- فأكلوا. ونهانا بعد أن نعود وقال: لا آمن. أو قال: أخاف ~~عليكم. # حدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن سعيد، عن عرباض بن سارية قال: كنت ألزم ~~باب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، فرأيتنا [ (1) ] ليلة ~~ونحن بتبوك وذهبنا لحاجة، فرجعنا إلى منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقد ms769 تعشى ومن عنده من أضيافه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يدخل ~~في قبته ومعه زوجته أم سلمة بنت أبي أمية، فلما طلعت عليه قال: أين كنت منذ ~~الليلة؟ فأخبرته، فطلع جعال بن سراقة، وعبد الله بن مغفل المزني- فكنا ~~ثلاثة، كلنا جائع، إنما نعيش بباب النبي صلى الله عليه وسلم- فدخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم البيت فطلب شيئا نأكله فلم يجده، فخرج إلينا فنادى ~~بلالا: يا بلال، هل من عشاء لهؤلاء النفر؟ قال: لا والذي بعثك بالحق، لقد ~~نفضنا جربنا وحمتنا [ (2) ] . ~~قال: انظر، عسى أن تجد شيئا، فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا، فتقع التمرة ~~والتمرتان، حتى رأيت بين يديه سبع تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع فيها التمر، ثم ~~وضع يده على التمرات وسمى الله وقال: كلوا بسم الله! PageV03P1036 ~~فأكلنا فأحصيت أربعة وخمسين تمرة أكلتها، أعدها ونواها في يدي الأخرى، ~~وصاحباي يصنعان ما أصنع، وشبعنا وأكل كل واحد منا خمسين تمرة، ورفعنا ~~أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي، فقال: يا بلال، ارفعها في جرابك، فإنه ~~لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعا. قال: فبينا نحن حول قبة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فكان يتهجد من الليل، فقام تلك الليلة يصلي، فلما طلع الفجر ركع ~~ركعتي الفجر، وأذن بلال وأقام فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ~~ثم انصرف إلى فناء قبته، فجلس وجلسنا حوله فقرأ من «المؤمنين» عشرا [ (1) ] ~~، فقال: هل لكم في الغداء؟ قال عرباض: ~~فجعلت أقول في نفسي: أي غداء؟ فدعا بلال بالتمر، فوضع يده عليه في الصحفة ~~ثم قال: كلوا بسم الله! فأكلنا- والذي بعثه بالحق- حتى شبعنا وإنا لعشرة، ~~ثم رفعوا أيديهم منها شبعا وإذا التمرات كما هي. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لولا أني أستحيي من ربي لأكلنا من هذا التمر حتى نرد المدينة عن ~~آخرنا. وطلع غليم من أهل البلد، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم التمرات ~~بيده فدفعها إليه، فولى الغلام يلوكهن. فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه ms770 ~~وسلم المسير من تبوك أرمل الناس إرمالا شديدا، فشخص على ذلك الحال حتى جاء ~~الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنونه [ (2) ] أن ينحروا ~~ركابهم فيأكلوها، فأذن لهم، فلقيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهم على ~~نحرها، فأمرهم أن يمسكوا عن نحرها، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في خيمة له فقال: أذنت للناس في نحر حمولتهم يأكلونها؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: شكوا إلي ما بلغ منهم الجوع فأذنت لهم، ينحر الرفقة ~~البعير والبعيرين، ويتعاقبون PageV03P1037 ~~فيما فضل من ظهرهم، وهم قافلون إلى أهليهم فقال: يا رسول الله، لا تفعل! ~~فإن يكن للناس فضل من ظهرهم يكن خيرا، فالظهر اليوم رقاق [ (1) ] ، ولكن ~~ادع بفضل أزوادهم ثم اجمعها فادع الله فيها بالبركة كما فعلت في منصرفنا من ~~الحديبية حيث أرملنا، فإن الله عز وجل يستجيب لك! فنادى منادي رسول الله: ~~من كان عنده فضل من زاد فليأت به! ~~وأمر بالأنطاع فبسطت، فجعل الرجل يأتي بالمد الدقيق والسويق والتمر، ~~والقبضة من الدقيق والسويق والتمر والكسر. فيوضع كل صنف من ذلك على حدة، ~~وكل ذلك قليل، فكان جميع ما جاءوا به من الدقيق والسويق والتمر ثلاثة أفراق ~~[ (2) ] حزرا. ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين، ثم دعا الله عز وجل أن يبارك فيه. # فكان أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدثون جميعا حديثا واحدا، ~~حضروا ذلك وعاينوه: أبو هريرة، وأبو حميد الساعدي، وأبو زرعة الجهني معبد ~~بن خالد، وسهل بن سعد الساعدي، قالوا: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونادى مناديه: هلموا إلى الطعام، خذوا منه حاجتكم! وأقبل الناس، فجعل ~~كل من جاء بوعاء ملأه. فقال بعضهم: ~~لقد طرحت يومئذ كسرة من خبز وقبضة من تمر، ولقد رأيت الأنطاع تفيض، وجئت ~~بجرابين فملأت إحداهما سويقا والآخر خبزا، وأخذت في ثوبي دقيقا، ما كفانا ~~إلى المدينة. فجعل الناس يتزودون الزاد حتى نهلوا عن آخرهم، حتى كان آخر ~~ذلك أن أخذت الأنطاع ونثر ما عليها. ~~فجعل ms771 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف: أشهد أن لا إله إلا ~~PageV03P1038 ~~الله، وأني عبده ورسوله، وأشهد أنه لا يقولها أحد من حقيقة قلبه إلا وقاه ~~الله حر النار. # وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا حتى إذا كان بين تبوك وواد ~~يقال له وادي الناقة- وكان فيه وشل [ (1) ] يخرج منه في أسفله قدر ما يروي ~~الراكبين أو الثلاثة- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سبقنا إلى ذلك ~~الوشل فلا يستقين منه شيئا حتى نأتي! فسبق إليه أربعة من المنافقين: ~~معتب بن قشير [ (2) ] ، والحارث بن يزيد الطائي، حليف في بني عمرو بن ~~عوف، ووديعة بن ثابت، وزيد بن اللصيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ألم أنهكم؟ ولعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده في الوشل، ثم مسحه بإصبعه ~~حتى اجتمع في كفه منه ماء قليل، ثم نضحه [ (3) ] ، ثم مسحه بيده، ثم دعا ~~بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق [ (4) ] الماء. قال معاذ ابن جبل: والذي ~~نفسي بيده، لقد سمعت له شدة في انحرافه مثل الصواعق! فشرب الناس ما شاءوا، ~~وسقوا ما شاءوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيتم- أو بقي ~~منكم- لتسمعن بهذا الوادي وهو أخصب مما بين يديه ومما خلفه! ~~قال: واستقى الناس وشربوا. قال سلمة بن سلامة ابن وقش: قلت لوديعة بن ~~ثابت: ويلك، أبعد ما ترى شيء؟ أما تعتبر؟ قال: قد كان يفعل مثل هذا قبل ~~هذا! ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV03P1039 # قال: حدثني عبيد الله بن عبد العزيز، أخو عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن ~~عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة المازنى، عن خلاد ابن سويد، عن أبي ~~قتادة، قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسير في الجيش ~~ليلا، وهو قافل وأنا معه، إذ خفق خفقة وهو على راحلته، فمال على شقه، فدنوت ~~منه فدعمته [ (1) ] فانتبه، فقال: من هذا؟ قلت: ~~أبو قتادة يا رسول الله، خفت أن تسقط فدعمتك. فقال: ms772 حفظك الله كما حفظت ~~رسول الله! ثم سار غير كثير، ثم فعل مثلها، فدعمته فانتبه فقال: يا أبا ~~قتادة، هل لك في التعريس [ (2) ] ؟ فقلت: ما شئت يا رسول الله! فقال: انظر ~~من خلفك! فنظرت فإذا رجلان أو ثلاثة، فقال: ادعهم! فقلت: ~~أجيبوا رسول الله! فجاءوا فعرسنا ونحن خمسة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ومعي إداوة فيها ماء وركوة [ (3) ] لي أشرب فيها، فنمنا فما انتبهنا ~~إلا بحر الشمس، فقلنا: إنا لله! فاتنا الصبح! قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ~~لنغيظن الشيطان كما أغاظنا. فتوضأ من ماء الإداوة ففضل فضلة فقال: ~~يا أبا قتادة، احتفظ بما في الإداوة والركوة فإن لها شأنا، ثم صلى بنا ~~الفجر بعد طلوع الشمس فقرأ بالمائدة، فلما انصرف من الصلاة قال: أما إنهم ~~لو أطاعوا أبا بكر وعمر لرشدوا. ~~وذلك أن أبا بكر وعمر أرادا أن ينزلا بالجيش على الماء، فأبوا ذلك ~~عليهما، فنزلوا على غير ماء بفلاة من الأرض. ~~فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحق الجيش عند زوال الشمس ونحن معه، ~~وقد كادت تقطع أعناق الرجال والخيل عطشا، فدعا رسول الله صلى PageV03P1040 ~~الله عليه وسلم بالركوة فأفرغ ما في الإداوة فيها، فوضع أصابعه عليها ~~فنبع الماء من بين أصابعه. وأقبل الناس فاستقوا، وفاض الماء حتى ترووا، ~~وأرووا خيلهم وركابهم، فإن كان في العسكر اثنا عشر ألف بعير- ويقال: ~~خمسة عشر ألف بعير- والناس ثلاثون ألفا، والخيل عشرة آلاف. وذلك ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي قتادة: احتفظ بالركوة والإداوة! # وكان في تبوك أربعة أشياء: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير ~~منحدرا إلى المدينة- وهو في قيظ شديد- عطش العسكر بعد المرتين الأوليين ~~عطشا شديدا حتى لا يوجد للشفة ماء قليل ولا كثير، فشكوا ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأرسل أسيد بن حضير، في يوم صائف وهو متلثم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: عسى أن تجد لنا ماء. فخرج- وهو فيما بين الحجر ~~وتبوك- فجعل يضرب في كل وجه، فيجد راوية ms773 من ماء مع امرأة من بلي، وكلمها ~~أسيد فخبرها بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: هذا الماء، فانطلق ~~به إلى رسول الله! وقد وضعت لهم الماء وبينهم وبين الطريق هنية، فلما جاء ~~أسيد بالماء دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة، ثم قال: هلموا ~~أسقيتكم! فلم يبق معهم سقاء إلا ملأوه، ثم دعا بركابهم وخيولهم فسقوها حتى ~~نهلت. ويقال: إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاء به أسيد وصبه ~~في قعب عظيم من عساس [ (1) ] أهل البادية، فأدخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيه يده، وغسل وجهه ويديه ورجليه، ثم صلى ركعتين، ثم رفع يديه مدا، ثم ~~انصرف وإن القعب ليفور. فقال رسول PageV03P1041 ~~الله صلى الله عليه وسلم للناس: زودوا! ~~فاتسع الماء، وانبسط الناس حتى يصف عليه المائة والمائتان، فأرووا، وإن ~~القعب ليجيش بالرواء، ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مبردا مترويا من ~~الماء. # قال: وحدثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبي سهل، عن عكرمة، قال: خرجت ~~الخيل في كل وجه يطلبون الماء، وكان أول من طلع به ويخبره صاحب فرس أشقر، ~~ثم الثاني أشقر، ثم الثالث أشقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم، بارك في الشقر! # قال: ~~حدثني عبد الله بن أبي عبيدة وسعد بن راشد، عن صالح بن كيسان، عن أبي مرة ~~مولى عقيل، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: خير الخيل الشقر. # قالوا: لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق مكر به أناس من ~~المنافقين وائتمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق. فلما بلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تلك العقبة أرادوا أن يسلكوها معه فأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خبرهم، فقال للناس: اسلكوا بطن الوادي، فإنه أسهل لكم وأوسع! ~~فسلك الناس بطن الوادي وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، وأمر ~~عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام ms774 الناقة يقودها، وأمر حذيفة بن اليمان يسوق من ~~خلفه. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في العقبة إذ سمع حس القوم ~~قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع ~~حذيفة إليهم وقد رأوا غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يضرب وجوه ~~رواحلهم بمحجن في يده. ~~وظن القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطلع على مكرهم، فانحطوا ~~من العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أتى رسول الله PageV03P1042 ~~صلى الله عليه وسلم فساق به. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~العقبة نزل الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا حذيفة، هل عرفت أحدا ~~من الركب الذين رددتهم؟ قال: يا رسول الله، عرفت راحلة فلان وفلان، وكان ~~القوم متلثمين فلم أبصرهم من أجل ظلمة الليل. # وكانوا قد أنفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم فسقط. بعض متاع رحله، فكان ~~حمزة بن عمرو الأسلمي يقول: فنور لي في أصابعي الخمس فأضئن حتى كنا نجمع ما ~~سقط من السوط والحبل وأشباههما، حتى ما بقي من المتاع شيء إلا جمعناه. وكان ~~لحق النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة. # فلما أصبح قال له أسيد بن الحضير: يا رسول الله، ما منعك البارحة من سلوك ~~الوادي، فقد كان أسهل من العقبة؟ قال: يا أبا يحيى، أتدري ما أراد البارحة ~~المنافقون وما اهتموا به؟ قالوا: نتبعه في العقبة، فإذا أظلم الليل عليه ~~قطعوا أنساع [ (1) ] راحلتي ونخسوها حتى يطرحوني من راحلتي. فقال أسيد: يا ~~رسول الله، فقد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي هم ~~بهذا، فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتله، وإن أحببت، والذي بعثك بالحق، ~~فنبئني بهم، فلا تبرح حتى آتيكم برءوسهم، وإن كانوا في النبيت [ (2) ] ~~فكفيتكهم، وأمرت سيد الخزرج فكفاك من في ناحيته، فإن مثل هؤلاء يتركون يا ~~رسول الله؟ حتى متى نداهنهم وقد صاروا اليوم في القلة والذلة، وضرب الإسلام ~~بجرانه [ (3) ] ! فما PageV03P1043 ~~يستبقى ms775 من هؤلاء؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسيد: إني أكره أن ~~يقول الناس إن محمدا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل ~~أصحابه! فقال: يا رسول الله، فهؤلاء ليسوا بأصحاب! قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال: ~~بلى، ولا شهادة لهم! قال: أليس يظهرون أني رسول الله؟ قال: بلى، ولا ~~شهادة لهم! قال: فقد نهيت عن قتل أولئك. # قال: حدثني يعقوب بن محمد، عن ربيح [ (1) ] بن عبد الرحمن بن أبي سعيد ~~الخدري، عن أبيه، عن جده، قال: كان أهل العقبة الذين أرادوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثة عشر رجلا، قد سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لحذيفة وعمار رحمهما الله. # قال: حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن ابن جابر بن ~~عبد الله، عن أبيه، قال: تنازع عمار بن ياسر ورجل من المسلمين في شيء ~~فاستبا، فلما كاد الرجل يعلو عمارا في السباب قال عمار: كم كان أصحاب ~~العقبة؟ قال: الله أعلم. قال: أخبرني عن علمكم بهم! فسكت الرجل، فقال من ~~حضر: بين لصاحبك ما سألك عنه! وإنما يريد عمار شيئا قد خفي عليهم، فكره ~~الرجل أن يحدثه، وأقبل القوم على الرجل فقال الرجل: كنا نتحدث أنهم كانوا ~~أربعة عشر رجلا. ~~قال عمار: فإنك إن كنت منهم فهم خمسة عشر رجلا! فقال الرجل: ~~مهلا، أذكرك الله أن تفضحني! فقال عمار: والله ما سميت أحدا، ولكني أشهد ~~أن الخمسة عشر رجلا، اثنا [ (2) ] عشر منهم حرب الله ولرسوله PageV03P1044 ~~في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار [ (1) ] # قال: حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، قال: نزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن راحلته، فأوحي إليه وراحلته باركة، فقامت راحلته تجر زمامها حتى ~~لقيها حذيفة بن اليمان فأخذ بزمامها فاقتادها حين رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جالسا، فأناخها ثم جلس عندها حتى قام ms776 النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأتاه فقال: من هذا؟ قال: أنا حذيفة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني ~~مسر إليك أمرا فلا تذكرنه، إني نهيت أن أصلي على فلان، وفلان، وفلان ~~- رهط عدة من المنافقين- ولا يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرهم ~~لأحد غير حذيفة. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه في خلافته إذا مات رجل ممن يطن أنه من أولئك الرهط أخذ ~~بيد حذيفة فقاده إلى الصلاة عليه فإن مشى معه حذيفة صلى عليه عمر، وإن ~~انتزع يده وأبى أن يمشي انصرف معه. # قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن نافع بن جبير، قال: لم ~~يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا إلا حذيفة، وهم اثنا عشر رجلا ليس ~~فيهم قرشي. وهذا الأمر المجتمع عليه عندنا. # قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان، قال: أقبل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان [ (2) ] ، وقد كان جاءه أصحاب مسجد ~~الضرار، جاءوا خمسة نفر منهم: معتب بن قشير، وثعلبة ابن حاطب، وخذام بن ~~خالد، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعبد الله بن نبتل PageV03P1045 ~~ابن الحارث. فقالوا: يا رسول الله، إنا رسل من خلفنا من أصحابنا، إنا قد ~~بنينا مسجدا لذي القلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، ونحن ~~نحب أن تأتينا فتصلي بنا فيه! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى ~~تبوك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر وحال شغل، ولو ~~قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا بكم فيه. فلما نزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذي أوان راجعا من تبوك أتاه خبره وخبر أهله من السماء، وكانوا ~~إنما بنوه، قالوا بينهم: يأتينا أبو [ (1) ] عامر فيتحدث عندنا فيه، فإنه ~~يقول: لا أستطيع آتي مسجد بني عمرو بن عوف، إنما أصحاب رسول الله يلحوننا ~~بأبصارهم. يقول الله تعالى: وإرصادا لمن حارب الله ورسوله [ (2) ] يعني أبا ~~عامر. فدعا ms777 رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدي العجلاني، ومالك بن ~~الدخشم السالمي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه ثم ~~حرقاه! ~~فخرجا سريعين على أقدامها حتى أتيا مسجد بني سالم، فقال مالك بن الدخشم ~~لعاصم بن عدي: ~~أنظرني حين أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل ~~فأشعل فيه النار. ثم خرجا سريعين يعدوان حتى انتهيا إليه بين المغرب ~~والعشاء وهم فيه، وإمامهم يومئذ مجمع بن جارية [ (3) ] ، فقال عاصم: ~~ما أنسى تشرفهم إلينا كأن آذانهم آذان السرحان [ (4) ] . فأحرقناه حتى ~~احترق، وكان الذي ثبت فيه من بينهم زيد بن جارية بن عامر حتى احترقت أليته، ~~فهدمناه حتى وضعناه بالأرض. وتفرقوا. PageV03P1046 # فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عرض على عاصم بن عدي ~~المسجد يتخذه دارا- وكان من دار وديعة بن ثابت ودار أبي عامر إلى جنبهما ~~فأحرقوهما معه- فقال: ما كنت لأتخذ مسجدا قد نزل فيه ما نزل دارا، وإن بى ~~عنه لغنى يا رسول الله! ولكن أعطه ثابت بن أقرم فإنه لا منزل له. فأعطاه ~~ثابتا. وكان أبو لبابة بن عبد المنذر قد أعانهم فيه بخشب، وكان غير مغموص [ ~~(1) ] عليه في النفاق، ولكنه قد كان يفعل أمورا تكره له. فلما هدم المسجد ~~أخذ أبو لبابة خشبه ذلك فبنى به منزلا، وكان بيته الذي بناه إلى جنبه. قال: ~~فلم يولد له في ذلك البيت مولود قط، ولم يقف فيه حمام قط، ولم تحضن [ (2) ] ~~فيه دجاجة قط. وكان الذين بنوا مسجد الضرار خمسة عشر رجلا: جارية [ (3) ] ~~بن عامر بن العطاف- وهو حمار [ (4) ] الدار- وابنه مجمع بن جارية [ (3) ] ~~وهو إمامهم، وابنه زيد بن جارية [ (3) ] ، وهو الذي احترقت أليته فأبى أن ~~يخرج- وابنه يزيد بن جارية [ (3) ] ، ووديعة بن ثابت، [وخذام بن خالد] ومن ~~داره أخرج، وعبد الله بن نبتل، وبجاد بن عثمان، وأبو حبيبة بن الأزعر، ~~ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف، وثعلبة بن حاطب. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زمام خير من خذام، وسوط خير من بجاد! ms778 ~~وكان عبد الله بن نبتل- وهو المخبر بخبره- يأتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيسمع حديثه ثم يأتى به المنافقين، فقال جبريل PageV03P1047 ~~عليه السلام: يا محمد، إن رجلا من المنافقين يأتيك فيسمع حديثك، ثم يذهب ~~به إلى المنافقين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيهم هو؟ ~~قال: الرجل الأسود ذو الشعر الكثير، الأحمر العينين كأنهما قدران من صفر ~~[ (1) ] ، كبده كبد حمار فينظر بعين شيطان. # وكان عاصم بن عدي يخبر يقول: كنا نتجهز إلى تبوك مع النبى صلى الله عليه ~~وسلم فرأيت عبد الله بن نبتل، وثعلبة بن حاطب قائمين على مسجد الضرار، وهما ~~يصلحان ميزابا قد فرغا منه، فقالا: يا عاصم، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد وعدنا أن يصلي فيه إذا رجع. فقلت في نفسي: والله، ما بنى هذا ~~المسجد إلا منافق معروف بالنفاق، أسسه أبو حبيبة بن الأزعر، وأخرج من دار ~~خذام بن خالد، ووديعة بن ثابت في هؤلاء النفر- والمسجد الذي بنى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيده يؤسسه جبريل عليه السلام يؤم به البيت- فو الله ما ~~رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه، وذم أهله الذين جمعوا في بنائه ~~وأعانوا فيه: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا [ (2) ] إلى قوله يحب ~~المطهرين. قالوا: ~~كانوا يستنجون بالماء. لمسجد أسس على التقوى [ (3) ] ، قال: يعني مسجد ~~بني عمرو بن عوف بقباء، ويقال: عنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة. ~~قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل منهم عويم بن ساعدة! ~~وقيل لعاصم بن عدي: ولم أرادوا بناءه؟ قال: كانوا يجتمعون في مسجدنا، ~~فإنما هم يتناجون فيما بينهم ويلتفت بعضهم إلى بعض، PageV03P1048 ~~فيلحظهم المسلمون بأبصارهم، فشق ذلك عليهم وأرادوا مسجدا يكونون فيه لا ~~يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم. فكان أبو عامر يقول: لا ~~أقدر أن أدخل مربدكم [ (1) ] هذا! وذاك أن أصحاب محمد يلحظونني وينالون مني ~~ما أكره. [قالوا:] نحن نبني مسجدا تتحدث فيه عندنا. # قالوا: قال كعب بن مالك: لما بلغني أن ms779 رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه ~~قافلا من تبوك حضرني [بثي] [ (2) ] فجعلت أتذكر الكذب وأقول: ~~بماذا أخرج من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا؟ وأستعين على ذلك كل ~~ذي رأي من أهلي، حتى ربما ذكرته للخادم رجاء أن يأتيني شيء أستريح إليه، ~~فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل، ~~وعرفت أني لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه. وصبح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ~~ثم جالس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون ~~له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~علانيتهم وأيمانهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. # ويقال من غير حديث كعب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذي ~~أوان خرج عامة المنافقين الذين كانوا تخلفوا عنه، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا تكلموا أحدا منهم تخلف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم. ~~فلم يكلموهم، فلما قدم المدينة جاءه المعذرون يحلفون له، وأعرض عنهم، ~~وأعرض المؤمنون عنهم حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه وعمه. فجعلوا يأتون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويعتذرون إليه بالحمى PageV03P1049 ~~والأسقام، فيرحمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقبل منهم علانيتهم ~~وأيمانهم، وحلفوا فصدقهم واستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى بالله عز وجل. # قالوا: وقال كعب بن مالك: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ~~المسجد، فسلمت عليه، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: تعالى! ~~فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك؟ ~~ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله، لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا ~~لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن ~~حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضى عني ليوشكن الله عز وجل أن يسخط علي، ولئن ~~حدثتك اليوم حديثا صادقا تجد ms780 [ (1) ] علي فيه، إني لأرجو عقبى الله فيه. ~~ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أما أنت فقد صدقت، فقم حتى يقضي الله عز وجل فيك! ~~فقمت وقام معي رجال من بني سلمة، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ~~ذنبا قبل هذا! وقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لك. فو الله ما زالوا بي ينوبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. فلقيت معاذ بن جبل وأبا قتادة فقالا ~~لي: ~~لا تطع أصحابك وأقم على الصدق، فإن الله سيجعل لك فرجا مخرجا إن شاء ~~الله! فأما هؤلاء المعذرون، فإن يكونوا صادقين فسيرضى الله ذلك ويعلمه ~~نبيه، وإن كانوا على غير ذلك يذمهم أقبح الذم ويكذب حديثهم. ~~فقلت لهم: هل لقي هذا غيري؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل مقالتك، ~~PageV03P1050 ~~وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع، وهلال بن ~~أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة وقدوة، ونهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا ~~الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي نفسي، والأرض فما هي الأرض التي كنت أعرف، ~~فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا فقعدا في بيوتهما، وأما ~~أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، وكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأطوف ~~بالأسواق، فلا يكلمني أحد، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ~~مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي ~~أم لا، ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، ~~وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى ~~تسورت حائط أبي ms781 قتادة- وهو ابن عمي وأحب الناس إلي- فسلمت عليه، فو الله ما ~~رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله! هل تعلمني أحب الله ~~ورسوله؟ فسكت، فعدت فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله! هل تعلمني أحب الله ~~ورسوله؟ فسكت، فعدت فنشدته الثالثة فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، ~~فوثبت فتسورت الجدار، ثم غدوت إلى السوق، فبينا أنا أمشي بالسوق فإذا نبطي ~~من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالسوق، يسأل عني يقول: من يدلني على ~~كعب ابن مالك؟ فجعل الناس يشيرون له، فدفع إلي كتابا من الحارث بن أبي شمر ~~ملك غسان- أو قال [ (1) ] من جبلة بن الأيهم- فى سرقة [ (2) ] من حرير، ~~PageV03P1051 ~~فإذا في كتابه: أما بعد، فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار ~~هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك [ (1) ] . قال كعب: فقلت حين قرأته: وهذا ~~من البلاء أيضا، قد بلغ مني ما وقعت فيه أن طمع في رجال من أهل الشرك. ~~فذهبت بها إلى تنور فسجرته [ (2) ] بها، وأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ~~ليلة من الخمسين إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: ~~أطلقها أم ماذا؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربها. وكان الرسول إلي، وإلى هلال ~~بن أمية، ومرارة بن الربيع، خزيمة بن ثابت. قال كعب: فقلت لامرأتي: الحقي ~~بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض. ~~وأما هلال بن أمية فكان رجلا صالحا، فبكى حتى إن كان يرى أنه هالك من ~~البكاء، وامتنع من الطعام، فإن كان يواصل اليومين ولثلاثة من الصوم ما يذوق ~~طعاما، إلا أن يشرب الشربة من الماء أو من اللبن، ويصلي الليل ويجلس في ~~بيته لا يخرج، لأن أحدا لا يكلمه، حتى إن كان الولدان ليهجرونه لطاعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع، ms782 لا خادم له، وأنا ~~أرفق به من غيري، فإن رأيت أن تدعني أن أخدمه فعلت. قال: نعم، ولكن لا ~~تدعيه يصل إليك. ~~فقالت: ~~يا رسول الله، ما به من حركة إلي! والله، ما زال يبكي منذ يوم كان من ~~أمره ما كان إلى يومه هذا، وإن لحيته لتقطر دموعا الليل والنهار، ولقد ظهر ~~البياض على عينيه حتى تخوفت أن يذهب بصره. قال كعب: فقال PageV03P1052 ~~لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأتك، فقد أذن ~~لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله، لا أستأذنه فيها، ما يدريني ما ~~يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا استأذنته، وأنا رجل شاب، فو ~~الله لا أستأذنه. ثم لبثنا بعد ذلك عشر ليال، وكملت لنا خمسون ليلة من حين ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، ثم صليت الصبح على ~~ظهر بيت من بيوتنا على الحال التي ذكر الله عز وجل، وقد ضاقت على الأرض بما ~~رحبت، وضاقت علي نفسي، وقد كنت ابتنيت خيمة فى ظهر سلع فكنت فيه، إذ سمعت ~~صارخا أوفى على سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر! قال: فخررت ~~ساجدا، وعرفت أن [قد] [ (1) ] جاء الفرج. فآذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الصبح. # فكانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الليل: يا أم سلمة، قد نزلت توبة كعب بن مالك وصاحبيه. ~~فقلت: يا رسول الله، ألا أرسلت إليهم فأبشرهم؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: يمنعونك النوم آخر الليل، ولكن لا يرون حتى يصبحوا. ~~قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح أخبر الناس بما تاب ~~الله على هؤلاء النفر: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. فخرج ~~أبو بكر رضي الله عنه فوافى على سلع فصاح: قد تاب الله على كعب! يبشره ~~بذلك. وخرج الزبير ms783 على فرسه في بطن الوادي، فسمع صوت أبي بكر رضي الله عنه ~~قبل أن يأتي الزبير. وخرج أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى هلال ~~يبشره ببني واقف، فلما أخبره PageV03P1053 ~~سجد. قال سعيد: فظننت أنه لا يرفع رأسه حتى تخرج نفسه، وكان بالسرور أكثر ~~بكاء منه بالحزن حتى خيف عليه، ولقيه الناس يهنئونه، فما استطاع المشي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ناله من الضعف والحزن والبكاء، حتى ركب ~~حمارا. وكان الذي بشر مرارة بن الربيع سلكان بن سلامة أبو نائلة، وسلمة بن ~~سلامة بن وقش، ووافيا الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم من بني عبد ~~الأشهل، ثم انطلقا إلى مرار فأخبراه، فأقبل مرارة حتى توافوا عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قال كعب: وكان الصوت الذي سمعت على سلع أسرع من الفارس الذي يركض في ~~الوادي- وهو الزبير بن العوام- والذي صاح على سلع، يقول كعب: كان رجلا [ ~~(1) ] من أسلم يقال له حمزة بن عمرو، وهو الذي بشرني. قال: فلما سمعت صوته ~~نزعت ثوبي فكسوتهما إياه لبشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما! ثم استعرت ~~ثوبين من أبي قتادة فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وتلقاني الناس يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك! حتى ~~دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة ~~بن أبي طلحة فحياني وهنأني، ما قام إلي من المهاجرين غيره- فكان كعب لا ~~ينساها لطلحة. ~~قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي، ووجهه يبرق ~~من السرور: أبشر بخير يوم مر [ (2) ] عليك منذ ولدتك أمك! ويقال: قال له: ~~تعالى إلى خير يوم [ما] طلع عليك شرقه قط. قال كعب: ~~قلت: أمن عندك يا رسول الله، أو من عند الله؟ فقال: من عند الله ~~PageV03P1054 ~~عز وجل! قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر يستنير حتى كأن ~~وجهه فلقة القمر، وكان يعرف ذلك منه. فلما جلست بيني ms784 يديه قلت: يا رسول ~~الله، إن من توبتي إلى الله وإلى رسوله أن أنخلع من مالي إلى الله ورسوله! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك [بعض] [ (1) ] مالك، هو خير ~~لك! قال قلت: إني ممسك بسهمي الذي بخيبر! قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا! قلت: النصف! قال: ~~لا! قلت: فالثلث! قال: نعم! ~~قال: إني يا رسول الله أحبس سهمي الذي بخيبر. قال كعب: قلت: يا رسول الله ~~إن الله عز وجل أنجاني بالصدق، فإن توبتي إلى الله ألا أحدث إلا صدقا ما ~~حييت. قال كعب: ~~والله، ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أفضل مما أبلاني، والله ما تعمدت من كذبة منذ ذكرت ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني ~~الله عز وجل فيما بقي. وقال كعب: - قال الواقدي: أنشدنيه أيوب بن النعمان ~~بن عبد الله بن كعب: # سبحان ربي إن لم يعف عن زللي [ (2) ] %~% فقد خسرت وتب القول والعمل # قال: وأنزل الله عز وجل: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة [ (3) ] إلى قوله: وكونوا مع الصادقين. قال ~~كعب: فو الله ما أنعم الله علي من نعمة قط إذ هداني للإسلام كانت أعظم في ~~نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أكون كذبته يومئذ، ~~PageV03P1055 ~~فأهلك كما هلك الذين كذبوه. قال الله في الذين كذبوه حين أنزل عليه الوحي ~~شر ما قال: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم ~~[ (1) ] إلى قوله الفاسقين*. قال كعب: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر ~~هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا فعذرهم، ~~واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه ~~ما قضى. فبذلك قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا [ (2) ] . قال: ~~ليس عن الغزوة، ولكن بتخليفه إيانا، وإرجائه أمرنا عمن ms785 حلف له، واعتذر إليه ~~فقبل منه. # قال كعب حين بنى الخيمة على سلع، فيما حدثنى أيوب من النعمان ابن عبد ~~الله بن كعب بن أبي القين: # أبعد دور بني القين [ (3) ] الكرام وما %~% شادوا على تبتيت [ (4) ] ~~البيت من سعف # قالوا: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في رمضان سنة تسع، ~~فقال: الحمد لله على ما رزقنا في سفرنا هذا من أجر وحسنة ومن بعدنا شركاؤنا ~~فيه. فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أصابكم السفر وشدة السفر ~~ومن بعدكم شركاؤكم فيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بالمدينة ~~لأقواما ما سرنا من مسير ولا هبطنا واديا إلا كانوا معنا، حبسهم المرض، أو ~~ليس الله تعالى يقول في كتابه: وما كان المؤمنون PageV03P1056 ~~لينفروا كافة [ (1) ] ، فنحن غزاتهم وهم قعدتنا. والذي نفسي بيده، ~~لدعاؤهم أنفذ في عدونا من سلاحنا! وجعل المسلمون يبيعون سلاحهم ويقولون: قد ~~انقطع الجهاد! فجعل القوي منهم يشتريها لفضل قوته، فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك وقال: لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون على ~~الحق حتى يخرج الدجال! # قالوا: ومرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة ~~وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فيها، فلما ~~كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود ~~بنفسه، فقال: فد نهيتك عن حب اليهود. فقال عبد الله بن أبي: ~~أبغضهم سعد بن زرارة فما نفعه. ثم قال ابن أبي: يا رسول الله، ليس بحين ~~عتاب! هو الموت، فإن مت فاحضر غسلي وأعطني قميصك أكفن فيه. فأعطاه الأعلى- ~~وكان عليه قميصان- فقال: الذي يلي جلدك. ~~فنزع قميصه الذي يلي جلده فأعطاه، ثم قال: صل علي واستغفر لي! # قال: وكان ~~جابر بن عبد الله يقول خلاف هذا، يقول: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد موت ابن أبي إلى قبره، فأمر به فأخرج، فكشف من وجهه ونفث عليه من ms786 ريقه، ~~وأسنده إلى ركبتيه وألبسه قميصه- وكان عليه قميصان- وألبسه الذي يلي جلده. ~~والأول أثبت عندنا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر غسله وحضر كفنه، ~~ثم حمل إلى موضع الجنائز فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، ~~فلما قام وثب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، أتصلي ~~على ابن أبي وقد قال يوم كذا كذا ويوم كذا كذا؟ فعد عليه قوله. فتبسم النبي ~~صلى الله عليه PageV03P1057 ~~وسلم وقال: أخر عني يا عمر! فلما أكثر عليه عمر قال: إني قد خيرت فاخترت، ~~ولو أعلم أني إذا زدت على السبعين غفر له زدت عليها، وهو قوله عز وجل: ~~استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم [ ~~(1) ] . فيقال إنه قال: سأزيد على السبعين. ~~فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يكن إلا يسيرا حتى نزلت ~~هذه الآيات من «براءة» : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره [ ~~(2) ] . ويقال إنه لم تزل قدماه بعد دفنه حتى نزلت عليه هذه الآية، فعرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية المنافقين، فكان من مات لم يصل ~~عليه. # وكان مجمع بن جارية يحدث يقول: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أطال على جنازة قط ما أطال عليها من الوقت، ثم خرجوا حتى انتهوا إلى قبره، ~~وقد حمل على سرير يحمل عليه موتاهم عند آل نبيط # وكان أنس بن مالك يحدث ~~يقول: رأيت ابن أبي على السرير وإن رجليه لخارجتان من السرير من طوله. # وكانت أم عمارة تحدث قالت: شهدنا مأتم ابن أبي، فلم تتخلف امرأة من الأوس ~~والخروج إلا أتت ابنته جميلة بنت عبد الله بن أبى، وهي تقول: وا جبلاه! - ~~ما ينهاها أحد ولا يعيب عليها- وا جبلاه! واركناه! قالوا: ولقد انتهي به ~~إلى قبره. # فكان عمرو بن أمية الضمري يحدث يقول: لقد جهدنا أن ندنو من سريره فما ~~نقدر عليه، قد غلب ms787 عليه هؤلاء المنافقون وكانوا قد PageV03P1058 ~~أظهروا الإسلام، وهم على النفاق [ (1) ] ، من بني قينقاع وغيرهم: سعد بن ~~حنيف، وزيد بن اللصيت، وسلامة بن الحمام، ونعمان بن أبي عامر، ورافع بن ~~حرملة، ومالك بن أبي نوفل، وداعس، وسويد. وكانوا أخابث المنافقين، وكانوا ~~هم الذين يعرضونه. وكان ابنه عبد الله ليس شيء أثقل عليه ولا أعظم من ~~رؤيتهم، وكان به بطن، فكان ابنه يغلق دونهم الباب، فكان ابن أبي يقول: لا ~~يليني غيرهم. ويقول: أنت والله أحب إلي من الماء على الظمأ. ويقولون: ليت ~~أنا نفديك بالأنفس، والأولاد، والأموال! فلما وقفوا على حفرته، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واقف يلحظهم، ازدحموا على النزول في حفرته وارتفعت ~~الأصوات حتى أصيب أنف داعس، وجعل عبادة بن الصامت يذبهم ويقول: اخفضوا ~~أصواتكم عند رسول الله! حتى أصيب أنف داعس فسال الدم، وكان يريد أن ينزل في ~~حفرته، فنحي ونزل رجال من قومه، أهل فضل وإسلام، وكان لما رأوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وحضوره، ومن القيام عليه. فنزل في ~~حفرته ابنه عبد الله، وسعد بن عبادة بن الصامت، وأوس بن خولي حتى سوي عليه، ~~وإن عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والأكابر من الأوس والخزرج يدلونه ~~في اللحد، وهم قيام مع النبي صلى الله عليه وسلم. وزعم مجمع بن جارية أنه ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه بيديه إليهم، ثم قام على القبر حتى ~~دفن، وعزى ابنه وانصرف. ~~فكان عمرو بن أمية يقول: ما لقي عليه أصحابه هؤلاء المنافقون، إنهم هم ~~الذين كانوا يحثون في القبر التراب ويقولون: يا ليت أنا فديناك بالأنفس ~~PageV03P1059 ~~وكنا قبلك! وهم يحثوا التراب على رؤوسهم. فكان الذي يحسن أمره يقول: قوم ~~أهل فقر، وكان يحسن إليهم! ### | ذكر ما نزل من القرآن في غزوة تبوك # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض ... [ (1) ] إلى آخر الآية. قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ms788 حر شديد وجهد من الناس، وحين طابت [ (2) ] الثمار واشتهبت الظلال، فأبطأ ~~الناس، وكشفت «براءة» عنهم ما كان مستورا، وأبدت أضغانهم ونفاق من نافق ~~منهم. يقول: إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما [ (3) ] يقول: ~~إلا تخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، يعذبكم عذابا أليما* يقول: ~~في الآخرة، ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا. قيل: يا رسول الله، من ~~هولاء القوم؟ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله %~% [ (4) ] الآية. قال: كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرجوا إلى البدو يفقهون قومهم، فقال المنافقون: ~~قد بقي ناس من أصحاب محمد في البوادي. وقالوا: هلك أصحاب البدو. ~~فنزلت: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة.. ~~[ (5) ] الآية. ونزل فيهم: والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة %~% [ (6) ] الآية إلا تنصروه فقد نصره الله [ (7) ] ~~PageV03P1060 ~~يعني من [ (1) ] نافق من الأوس والخزرج، إذ أخرجه الذين كفروا يعني مشركي ~~قريش، ثاني اثنين يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه، إذ ~~هما في الغار حيث كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول لصاحبه ~~لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه يقول الطمأنينة، وأيده بجنود ~~لم تروها يعني الملائكة، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي ~~العليا يقول: جعل ما جاءت به قريش من آلهتهم باطلا، وما جاء به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من التوحيد هو الظاهر العالي. انفروا خفافا وثقالا [ ~~(2) ] يقول نشاطا وغير نشاط، ويقال الخفاف: الشباب، والثقال: الكهول، ~~وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله يقول: أنفقوا أموالكم في غزوتكم، ~~وجاهدوا في سبيل الله: قاتلوا. لو كان عرضا قريبا [ (3) ] يعني غنيمة ~~قريبة، وسفرا قاصدا يعني سفرا قريبا، لاتبعوك يعني المنافقين، ولكن بعدت ~~عليهم الشقة سفر تبوك عشرون ليلة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ~~يعني المنافقين حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعلوا ~~يعتذرون بالعسرة والمرض يهلكون أنفسهم ms789 يعني في الآخرة والله يعلم إنهم ~~لكاذبون يعني إنهم مقوون [ (4) ] أصحاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأذن لهم ويقبل عذرهم. قال: عفا الله PageV03P1061 ~~عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك [ (1) ] حتى تبلوهم بالسفر وتعلم من هو ~~صادق ومن هو كاذب، الذين صدقوا وتعلم الكاذبين فتعلم من له قوة ممن لا قوة ~~له، استأذنك رجال لهم قوة. لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين [ (2) ] ووصف المؤمنين الذين ~~أنفقوا أموالهم في تلك الغزوة، وكانت تسمى غزوة العسرة. إنما يستأذنك الذين ~~لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون [ (3) ] ~~يعني المنافقين في شكهم. ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم [ (4) ] يقول: كانوا أقوياء بأبدانهم وأموالهم ولكن كره ~~الله خروجهم فخذلهم، وقيل اقعدوا مع القاعدين يعني مع النساء. لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا [ (5) ] يعني ابن أبي، وعبد الله بن نبتل، والجد ~~بن قيس، وكل هؤلاء استأذن ورجع، فيقول: لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~إلا شرا، ولأوضعوا خلالكم يقول: يدخل المنافق بين الراحلتين فيرفض بهما، ~~يبغونكم الفتنة هؤلاء النفر، يقول: لأظهروا النفاق ولقالوه. وفيكم سماعون ~~لهم يقول: من المنافقين ومن دونهم من يأتيهم بالأخبار وهؤلاء من رؤساهم، ~~والله عليم بالظالمين. ثم ذكر المنافقين لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا ~~لك الأمور [ (6) ] يقول: من قبل خروجك وتشاوروا فى PageV03P1062 ~~كل ما يلبس عليك وعلى أصحابك حتى جاء الحق يعني ظهر الحق، وظهر أمر الله ~~يعني أمرك يا محمد، وهم كارهون لظهورك واتباع من اتبعك من المسلمين. ~~ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا [ (1) ] نزلت هذه ~~الآية في الجد بن قيس، وكان من أكثر بني سلمة مالا وأعد عدة في الظهر، وكان ~~معجبا بالنساء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تغزو بني ~~الأصفر؟ عسى أن تحتقب من بنات الأصفر! ~~فقال: يا محمد، قد علم قومي أنه ليس رجل أعجب بالنساء مني، ms790 فلا تفتني ~~بهن! يقول عز وجل: ألا في الفتنة سقطوا يتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونفاقه، يقول عز وجل: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين به وبغيره ممن هو على ~~قوله. إن تصبك حسنة [ (2) ] غنيمة وسلامة، تسؤهم يعني الذين تخلفوا ~~واستأذنوك، وإن تصبك مصيبة البلاء والشدة، يقولوا قد أخذنا أمرنا حذرنا، من ~~قبل يعني من استأذنه، ابن أبي وغيره، والجد بن قيس، ومن كان منهم على ~~رأيهم، ويتولوا وهم فرحون بتلك المصيبة التي أصابتك. يقول الله عز وجل: قل ~~لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا [ (3) ] يقول: إلا ما كان في أم الكتاب، هو ~~مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون. يقول الله عز وجل لنبيه: قل هل تربصون ~~بنا إلا إحدى الحسنيين [ (4) ] الغنيمة أو الشهادة، ونحن نتربص بكم أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده القارعة تصيبكم، أو بأيدينا يؤذن لنا في قتلكم، ~~فتربصوا يقول: انتظروا بنا وننتظر بكم وعيد الله فيكم. PageV03P1063 ~~قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين [ (1) ] كان ~~رجال من المنافقين من ذوي الطول يظهرون النفقة، إذا رآهم الناس ليبلغ النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويدرأون بذلك عن أنفسهم القتل. يقول الله عز وجل: وما ~~منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة ~~إلا وهم كسالى [ (2) ] يقول رياء: ولا ينفقون إلا وهم كارهون يريدون أن ~~يظهر أنهم ينفقون. فلا تعجبك أموالهم [ (3) ] أي ما أعطيناهم، ولا أولادهم ~~الذين أعطيناهم إياهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا يقول: ~~تكون عليهم بينة لأن ما أكلوا منها أكلوه نفاقا، وما أنفقوا، فإنما هو ~~رياء. يقول: وتزهق أنفسهم وهم كافرون أن يلقوا ربهم على نفاقهم. ويحلفون ~~بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون [ (4) ] أي رؤساءهم وأهل ~~الطول منهم مثل ابن أبي، والجد بن قيس وذويه، كانوا يأتون النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيحلفون أنهم معه، وإذا خرجوا نقضوا، يقول: يفرقون من أن يقتلوا ~~لقلتهم في المسلمين. لو يجدون ملجأ أو ms791 مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم ~~يجمحون [ (5) ] يقول:، لو وجدوا جماعة أو يقدرون على هرب من دارهم إلى قوم ~~يعزون فيهم، لذهبوا إليهم سراعا ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها ~~رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون [ (6) ] نزلت في ثعلبة بن حاطب، كان ~~PageV03P1064 ~~يقول: إنما يعطي محمد الصدقات من يشاء! يتكلم بالنفاق. فجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأعطاه فرضي، ثم جاءه فلم يعطه فسخط. يقول الله عز وجل: ولو ~~أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله [ (1) ] يقول: لم يسخطوا إذا رده رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو أعطاه قليلا بقدر ما يجد وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون يقول: حسب نبيه وقال: إن الله ~~سيرزقنا، وإذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مال أعطانا. ~~قال الله عز وجل: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من ~~الله [ (2) ] . ~~ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يكلها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى جزأها ~~على ثمانية أجزاء، فإن كنت من جزء منها أعطيتك، وإن كنت غنيا فصداع في ~~الرأس وأذى في البطن، ~~والفقراء فقراء المهاجرين الذين كانوا لا يسألون الناس والمساكين الذين ~~كانوا في الصفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. والعاملين عليها يعطون ~~قدر عمالتهم ونفقتهم في سفرهم، والمؤلفة قلوبهم ليس في الناس اليوم، وقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أقواما، يتألفهم على الإسلام، وفي ~~الرقاب* يعني المكاتبين، والغارمين يعني الذين عليهم الدين، يقضى عن الرجل ~~دينه، وفي سبيل الله يعني المجاهدين، وابن السبيل* الرجل المنقطع به في غير ~~بلده فيعان ويحمل وإن كان في أهله موسرا. وهذه الصدقات PageV03P1065 ~~ينظر فيها، فإن كان أهل الحاجة والفاقة في صنف واحد فوضع ذلك فيه أجزأه ~~إن شاء الله. ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون ms792 هو أذن قل أذن خير لكم [ (1) ~~] نزلت في عبد الله بن نبتل. قال، كان يقول: إني لأنال من محمد ما أشاء، ثم ~~آتي محمدا فأحلف له فيقبل مني. يقول الله عز وجل: أذن خير لكم يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين يعني أنه يقبل من المؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم والذين ~~يؤذون رسول الله يعني ابن نبتل، لهم عذاب أليم*، يحلفون بالله لكم* [ (2) ] ~~حلفه للنبي ما قالوا ليرضوكم يعني النبي وأصحاب محمد. ثم يقول: والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ألا تؤذوا رسول الله ولا تقولوا إلا ~~خيرا. ~~ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله.. [ (3) ] إلى آخر الآية، يعنى عبد ~~الله ابن نبتل. يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم [ ~~(4) ] ~~قال: كان المنافقون يتكلمون برد الكتاب والحق، فإذا نزل على النبي شيء من ~~القرآن خافوا أن يكون فيما قالوا أو فيما تكلموا. إن الله مخرج ما تحذرون ~~يعني ما يتكلمون به. كان نفر منهم في غزوة تبوك: وديعة بن ثابت، وجلاس بن ~~سويد، ومخشي بن حمير الأشجعي حليف بني سلمة، وثعلبة بن حاطب، فقال ثعلبة: ~~أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأنهم غدا مقرنين في الحبال! ~~وقال وديعة: إن قراءنا [ (5) ] PageV03P1066 ~~هؤلاء أوعبنا [ (1) ] بطونا، وأحدثنا نسبة، وأجبننا عند اللقاء. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: أدركهم فقد احترقوا. ~~ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب [ (2) ] إلى قوله بأنهم كانوا ~~مجرمين [ (3) ] فالذي عفي عنه في هذه الآية مخشي بن حمير، والذي قال: «إنما ~~كنا نخوض ونلعب» وديعة بن ثابت، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذر ~~إليه، فنزل قد كفرتم بعد إيمانكم والذي قال كلمة الكفر الجلاس بن سويد بن ~~الصامت، والذي عفي عنه في هذه الآية مخشي بن حمير، فتيب عليه فسماه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وسأله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه ~~فقتل يوم اليمامة شهيدا. قال الله عز وجل: المنافقون والمنافقات بعضهم من ~~بعض يأمرون بالمنكر [ (4) ] قال: ms793 كان نساء منافقات مع رجال. وقوله: بعضهم ~~من بعض أولياء بعض، يأمرون بالمنكر بأذى النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، ~~وينهون عن المعروف عن اتباعه، ويقبضون أيديهم لا يتصدقون على فقراء ~~المسلمين، نسوا الله فنسيهم يقول: تركوا الله فتركهم الله. وعد الله ~~المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم [ (5) ] يقول: ~~هي جزاءهم، ولعنهم الله يعني في الدنيا، ولهم عذاب مقيم* في الآخرة. ~~كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ~~بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم [ (6) ] يعني ~~من كان قبلكم من الأمم ممن كذب الأنبياء واستهزئ بهم، وقد رزقهم ~~PageV03P1067 ~~الله الأموال الكثيرة والأولاد، فذكر أنهم استمتعوا بخلاقهم، ثم ذكر ~~هولاء المنافقين أنهم استمتعوا بخلاقهم كما استمتع به أولئك، وقال: ~~وخضتم كالذي خاضوا يقول: استهزيتم كما استهزئ أولئك، أولئك حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون يعني الأمم التي كانت قبلهم، وهم ~~المنافقون. والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر [ (1) ] يقول: يأمرون بالإسلام وينهون عن الكفر، ويقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة يتصدقون على الفقراء ويطيعون الله ورسوله. يقول: يا أيها ~~النبي جاهد الكفار* [ (2) ] يعني المشركين بالسيف، والمنافقين واغلظ عليهم* ~~فأمره أن يغلظ على المنافقين بلسانه، ومأواهم جهنم* يعني الكافرين ~~والمنافقين. يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم [ (3) ] وديعة بن ثابت، وهموا بما لم ينالوا قالوا: نضع التاج على ~~رأس عبد الله بن أبي فنتوجه إذا رجعنا، ويقال هم الذين هموا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم في العقبة، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم نزلت في الجلاس بن سويد، كانت له دية في الجاهلية ~~فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها له وكان محتاجا. ومنهم من ~~عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين [ (4) ] . ~~فلما آتاهم من فضله [ (5) ] إلى قوله وبما كانوا يكذبون [ (6) ] نزلت فى ~~ثعلبة PageV03P1068 ~~ابن حاطب، وكان محتاجا لا يجد ما يتصدق به، ms794 فقال: والله لئن آتاني الله ~~مالا لأتصدقن ولأكونن من الصالحين. فأصاب دية، اثني عشر ألف درهم، فلم ~~يتصدق ولم يكن من الصالحين. الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين [ (1) ] ~~قال: جاء زيد بن أسلم العجلاني بصدقة ماله، فقال معتب ابن قشير وعبد الله ~~بن نبتل: إنما أراد الرياء من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا ~~جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم نزلت في علبة بن زيد ~~الحارثي، رأى النبي صلى الله عليه وسلم خميص البطن، فجاء إلى رجل من اليهود ~~فقال: أوجرك نفسي أجر الجرير [ (2) ] على أن تعطيني صاعا من تمر لا تعطيني ~~فيه خدرة- الخدرة التي فيها الدخان. ~~أو يقال: جديد [ (3) ] ولا حشف [ (4) ] . قال: نعم. فعمل معه إلى العصر، ~~ثم أخذ التمر فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل عبد الله بن نبتل ~~يقول: انظروا إلى هذا وما يصنع، ما كان الله يصنع بهذا، أما كان الله غنيا ~~عن هذا؟ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم.. [ (5) ] إلى آخر الآية. ~~قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعي ليصلي على عبد الله بن أبي فقال: ~~لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت، إني خيرت فاخترت! ~~فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله [ (6) ] إلى قوله بما كانوا يكسبون* ~~[ (7) ] قال: نزلت في الجد بن قيس. يقول الله عز وجل: فإن* PageV03P1069 ~~رجعك الله إلى طائفة منهم [ (1) ] يعني من سفرة تبوك فاستأذنوك للخروج ~~يعني المنافقين الذين كانوا استأذنوه للقعود، فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة أول سفري حين خرجت، فاقعدوا ~~مع الخالفين مع النساء. ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره.. ~~[ (2) ] الآية. ~~قال: لما مات ابن أبي وضع في موضع الجنائز، فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليصلي عليه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، تصلي ~~عليه وقد قال يوم كذا كذا، ويوم كذا كذا؟ فقال: يا عمر بن الخطاب، إني ms795 خيرت ~~فاخترت، فلو أني أعلم أني إن زدت على السبعين صلاة غفر له زدت! وذلك قول ~~الله عز وجل: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم [ (3) ] . ~~فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه، فلما فرغ من دفنه فلم يرم ~~مقامه حتى نزلت هذه الآية: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ... [ (3) ] ~~الآية. وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا ~~الطول منهم [ (4) ] إلى قوله بأن يكونوا مع الخوالف* [ (5) ] مع النساء، ~~وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون نزلت في الجد بن قيس، وكان ميلا، كثير ~~المال. وجاء المعذرون من الأعراب [ (6) ] يعني المعتذرون، وهم أحد وثمانون ~~من غفار، ليؤذن لهم في القعود، يقول: ويعذروا في الخروج، وقعد الذين كذبوا ~~الله ورسوله يقول: قعد المنافقون الذين تخلفوا، وقالوا: اجلسوا إن أذن ~~PageV03P1070 ~~لكم أو لم يأذن. يقول الله عز وجل: ليس على الضعفاء [ (1) ] أهل الزمانة ~~والشيخ الكبير، ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون يعني ~~المعسر، حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~إذا كانوا هكذا. يقول الله عز وجل: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت ~~لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون [ (2) ] هؤلاء البكاؤون وهم سبعة: ~~أبو ليلى المازني، وسلمة بن صخر الزرقي، وثعلبة بن عنمة السلمي، وعبد ~~الله بن عمرو المزني، وسالم بن عمير [ (3) ] . يقول الله عز وجل: إنما ~~السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف [ (4) ] ~~مع النساء، يعني الجد بن قيس. يقول الله عز وجل: يعتذرون إليكم إذا رجعتم ~~إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم [ (5) ] أي لن نصدقكم قد نبأنا الله من ~~أخباركم يعني ما أخبره من قصتهم، وسيرى الله عملكم ورسوله يعني المنافقين، ~~إلى قوله سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم [ (6) ] يعني ~~لا تلوموهم، فأعرضوا عنهم يعني اتركوهم، إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما ~~كانوا يكسبون. يحلفون لكم PageV03P1071 ~~لترضوا عنهم ms796 ... [ (1) ] إلى آخر الآية. يقول الله عز وجل: الأعراب أشد ~~كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله.. [ (2) ] إلى آخر الآية. ~~قال: يعني الأعراب. ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما [ (3) ] إلى قوله ~~وصلوات الرسول [ (4) ] يعني دعاء الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في ~~رحمته. يقول الله عز وجل: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [ (5) ] ~~يعني من صلى القبلتين منهم، والذين اتبعوهم بإحسان.. إلى آخر الآية. يعني ~~من أسلم قبل الفتح. وفي الفتح يقول الله عز وجل: وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون [ (6) ] كان رجال من العرب، منهم عيينة بن حصن وقومه معه يرضون ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويرونهم أنهم معهم ويرضون قومهم الذين هم ~~على الشرك. ومن أهل المدينة يعني منافقي المدينة، مردوا على النفاق يقول ~~مردوا في النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم ثم أعلمهم الله عز وجل نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بعد، سنعذبهم مرتين يعني الأعراب، يقول: الجوع وعذاب القبر، ~~ثم يردون إلى عذاب عظيم يقول: إلى النار. وآخرون اعترفوا بذنوبهم.. [ (7) ] ~~إلى آخر الآية، نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قريظة ~~أنه الذبح. خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن ~~لهم [ (8) ] يعني المسلمين، صدقات أموالهم يعنى تزكيهم، PageV03P1072 ~~وصل عليهم استغفر لهم. يقول الله عز وجل: ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات [ (1) ] يقول: من أقبل وتاب، ويقبل الصدقات، ~~ما يراد بها وجه الله. يقول الله: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون.. [ (2) ] إلى آخر الآية. وآخرون مرجون لأمر الله.. [ (3) ] إلى ~~آخر الآية، يعني الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. ~~والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله [4] يعني أبا عامر، وتفريقا بين المؤمنين يعنى ان يفرقوا بين ~~عمرو بن عوف ويصلي بعضهم فيه، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر، ~~يقول يقدم علينا من الشام فيتحدث عندنا فيه! هو لا يدخل مسجد ms797 بني عمرو ابن ~~عوف. يقول الله عز وجل: وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ... إلى آخر الآية. لا ~~تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه [ (5) ] إلى ~~قوله والله لا يهدي القوم الظالمين* يقول: ~~لا تصل فيه وصل في مسجد بني عمرو بن عوف. ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أسسته بيدي، وجبريل يؤم بنا ~~البيت. ~~وأما قوله عز وجل: فيه رجال يحبون أن يتطهروا كان رجال يستنجون بالماء، ~~منهم عويم بن ساعدة. يقول الله عز وجل: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ~~ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار PageV03P1073 ~~به في نار جهنم [ (1) ] . يقول الله عز وجل: لا يزال بنيانهم الذي بنوا ~~ريبة في قلوبهم [ (2) ] يقول: شك في قلوبهم، إلا أن تقطع قلوبهم يقول: إلا ~~أن يموتوا. قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن شيبة بن نصاح، عن الأعرج، قال: ~~إنما عنى الرجلين ولم يعن المسجد، أي في قوله أفمن أسس بنيانه. ~~وقوله: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم [ (3) ] إلى قوله: ~~وذلك هو الفوز العظيم يقول: اشترى من الذين يجاهدون في سبيله وينفقون ~~أموالهم فيه بأن لهم الجنة. قوله عز وجل: ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى [ (4) ] إلى قوله: أصحاب الجحيم. ~~قال: لما مات أبو طالب استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~لأستغفرن لك حتى أنهى! فاستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين، فنزلت هذه ~~الآية: من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم يقول: ماتوا على كفرهم فلا ~~يتوبون. يقول الله عز وجل: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه [ (5) ] قال: وعده أن يسلم، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ~~لما مات على كفره تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم. قال: الأواه الدعاء. ~~قوله عز وجل: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم.. إلى آخر الآية. يقول ~~الله عز وجل: لقد تاب ms798 الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة [ (6) ] يعني غزوة العسرة، وهي غزوة تبوك، وكانت في زمن شديد ~~الحر، من بعد ما PageV03P1074 ~~كاد يزيغ قلوب فريق منهم يقول: أبي خيثمة وما حدث نفسه بالتخلف عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لشدة الحر وبعد الشقة [ (1) ] ، ثم عزم له على الخروج، ~~ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت [ (2) ] إلى قوله: ~~التواب الرحيم* وهو كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. ~~وأما قوله: الذين خلفوا يعني من تعذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ممن ~~قبل منهم. قوله: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب [ (3) ] يعنى ~~غفار، وأسلم، وجهينة، ومزينة، وأشجع، أن يتخلفوا عن رسول الله في غزوة ~~تبوك، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ يعني عطش، ولا ~~نصب يعني تعب، ولا مخمصة مجاعة، ولا يطؤن موطئا بلاد الكفار، ولا ينالون من ~~عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح. قوله عز وجل: ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ... [ (4) ] إلى آخر الآية. قوله عز وجل: وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة فلولا نفر ... [ (5) ] إلى آخر الآية، يقول: ما كان المؤمنون إذا خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أن ينفروا كلهم ويتركوا المدينة ~~خلوفا بها الذراري، ولكن ينفر من كل قبيلة طائفة. يقول: بعضهم لينظروا كيف ~~سير رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين ويعوا ما سمعوا منه، ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعنى يخافون الله. ~~PageV03P1075 ~~يقول: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار.. [ (1) ] إلى ~~آخر الآية. قوله عز وجل: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا [ (2) ] يعني يقينا وتسليما، فيقول الذين آمنوا: زادتنا يقينا ~~وتسليما، وأما المنافقون فزادتهم شكا وريبة إلى ما كانوا فيه. ويقال إنها ~~في المشركين، فزادتهم شكا وثباتا على دينهم، وماتوا وهم كافرون. يقول الله ~~عز وجل فيهم: ~~أولا ms799 يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين [ (3) ] فأما من جعلها في ~~المنافقين فيقول: يكذبون في السنة مرة أو مرتين، وأما من زعم أنها في ~~المشركين يقول: يبتلون بالغزو في السنة مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون يقول: ~~لا يسلمون. وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ... [ (4) ] ~~إلى آخر الآية. وكان عبد الله بن نبتل يجلس عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعه أصحابه المنافقون، فإذا خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بعضهم ~~ببعض، هل يراكم من أحد يعنون المسلمين، يقول: ثم انصرفوا يعني استهزءوا ~~فكذبوا بالحق، صرف الله قلوبهم عنه. يقول الله عز وجل وهو يذكر نبيه: لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم [ (5) ] يقول: منكم، عزيز عليه ما عنتم يقول: ما ~~أخطأتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا ~~هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم [ (6) ] . ### | حجة أبي بكر رضي الله عنه سنة تسع # قال: حدثني معمر، ومحمد بن عبد الله، وابن أبي حبيبة، وابن أبى ~~PageV03P1076 ~~سبرة، وأسامة بن زيد، وحارثة بن أبي عمران، وعبد الحميد بن جعفر، وكل ~~واحد قد حدثني بطائفة من هذا الحديث، وغيرهم، قالوا: كان قبل أن تنزل ~~«براءة» ، قد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المشركين عهدا، ~~فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج، فخرج أبو بكر رضي ~~الله عنه في ثلاثمائة من المدينة، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعشرين بدنة، قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم النعال، وأشعرها بيده في ~~الجانب الأيمن، واستعمل عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر رضي ~~الله عنه خمس بدنات. وحج عبد الرحمن بن عوف فأهدى بدنا، وقوم أهل قوة، وأهل ~~أبو بكر رضي الله عنه من ذي الحليفة، وسار حتى إذا كان بالعرج في السحر سمع ~~رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء، فقال: هذه القصواء! فنظر ~~فإذا علي بن أبي طالب عليه السلام ms800 عليها، فقال: استعملك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الحج؟ ~~قال: لا، ولكن بعثني أقرأ «براءة» على الناس، وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده. ~~وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أبي بكر أن يخالف المشركين، ~~فيقف يوم عرفة بعرفة ولا يقف بجمع [ (1) ] ، ولا يدفع من عرفة حتى تغرب ~~الشمس، ويدفع من جمع قبل طلوع الشمس. فخرج أبو بكر حتى قدم مكة وهو مفرد ~~بالحج، فخطب الناس قبل التروية بيوم بعد الظهر، فلما كان يوم التروية حين ~~زاغت الشمس طاف بالبيت سبعا، ثم ركب راحلته من باب بني شيبة، وصلى الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى. ثم لم يركب حتى طلعت الشمس على ثبير، ~~فانتهى إلى نمرة [ (2) ] ، فنزل في قبة من شعر فقال فيها، فلما زاغت الشمس ~~ركب راحلته فخطب ببطن عرنة، ثم أناخ فصلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ~~PageV03P1077 ~~ثم ركب راحلته، فوقف بالهضاب- عرفة، والمصلى من عرفة- فلما أفطر الصائم ~~دفع، فكان يسير العنق [ (1) ] حتى انتهى إلى جمع، فنزل قريبا من النار التي ~~على قزح [ (2) ] . فلما طلع الفجر صلى الفجر، ثم وقف، فلما أسفر [ (3) ] ~~دفع، وجعل يقول في وقوفه: يا أيها الناس، أسفروا! يا أيها الناس، أسفروا! ~~ثم دفع قبل الشمس، فكان يسير العنق حتى انتهى إلى محسر [ (4) ] فأوضع ~~راحلته، فلما جاز وادي محسر عاد إلى مسيره الأول، حتى رمى الجمرة راكبا، ~~وسبع حصيات، ثم رجع إلى المنحر فنحر، ثم حلق. ~~وقرأ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يوم النحر عند الجمرة «براءة» ، ~~ونبذ إلى كل ذي عهد عهده. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. # وكان أبو هريرة يقول: حضرت ذلك اليوم- فكان يقول: هو يوم الحج الأكبر- ~~فخطب أبو بكر رضي الله عنه يوم النحر بعد الظهر على راحلته. فكان أبو بكر ~~قد خطب في حجته ثلاثة أيام لم يزد عليها، قبل التروية بيوم بمكة بعد الظهر، ~~وبعرفة قبل الظهر، وبمنى يوم النحر بعد الظهر. ms801 وأقام أبو بكر رضي الله عنه ~~يرمي الجمار ماشيا، ذاهبا وجائيا، فلما كان يوم الصدر [ (5) ]- قالوا: رمى ~~ماشيا- فلما جاوز العقبة ركب. ~~ويقال: رمى يومئذ راكبا، فلما انتهى إلى الأبطح صلى به الظهر، ودخل مكة ~~فصلى بها المغرب والعشاء، ثم خرج من ليلته قافلا إلى المدينة. PageV03P1078 ### | سرية علي بن أبي طالب عليه السلام إلى اليمن # قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام في ~~رمضان سنة عشر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعسكر بقباء، فعسكر ~~بها حتى تتام أصحابه، فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لواء، ~~أخذ عمامة فلفها مثنية مربعة فجعلها في رأس الرمح، ثم دفعها إليه [ (1) ] ~~وقال: هكذا اللواء! وعممه عمامة، ثلاثة أكوار، وجعل ذراعا بين يديه وشبرا ~~من ورائه، ثم قال: هكذا العمة! # قال: فحدثني أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع، قال: ~~لما وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: امض ولا تلتفت! فقال علي عليه ~~السلام: يا رسول الله، كيف أصنع؟ قال: إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى ~~يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم ~~قتيلا فلا تقاتلهم، تلومهم ترهم أناة [ (2) ] ، ثم تقول لهم: هل لكم إلى أن ~~تقولوا لا إله إلا الله؟ فإن قالوا نعم فقل: ~~هل لكم أن تصلوا؟ فإن قالوا نعم فقل: هل لكم أن تخرجوا من أموالكم صدقة ~~تردونها على فقرائكم؟ فإن قالوا نعم، فلا تبغ منهم غير ذلك. والله، لأن ~~يهدي الله على يدك رجلا واحدا خير [ (3) ] لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت! # قال: فخرج في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد، فلما ~~انتهى إلى أدنى الناحية التي يريد- وهي أرض مذحج- فرق PageV03P1079 ~~أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم وسبي ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك. ~~فجعل علي على الغنائم بريدة بن الحصيب، فجمع إليه ما أصابوا قبل أن ~~يلقاهم جمع، ثم لقي جمعا فدعاهم إلى الإسلام وحرض ms802 بهم، فأبوا ورموا في ~~أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي فتقدم به، فبرز رجل من مذحج ~~يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن الخزاعي السلمي، فتجاولا ساعة وهما ~~فارسان، فقتله الأسود وأخذ سلبه. ثم حمل عليهم علي بأصحابه فقتل منهم عشرين ~~رجلا، فتفرقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائما، فكف عن طلبهم ودعاهم إلى ~~الإسلام، فسارعوا وأجابوا، وتقدم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الإسلام، ~~وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله! # قال: فحدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، قال: وجمع علي عليه ~~السلام ما أصاب من تلك الغنائم فجزأها خمسة أجزاء، فأقرع عليها، فكتب في ~~سهم منها «لله» ، فخرج أول السهام سهم الخمس، ولم ينفل أحدا من الناس شيئا. ~~فكان من قبله يعطون أصحابهم- الحاضر دون غيرهم- من الخمس. ثم يخبر بذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يرده عليهم، فطلبوا ذلك من علي عليه ~~السلام فأبى وقال: ~~الخمس أحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى فيه رأيه، وهذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوافي الموسم، ونلقاه ويصنع فيها ما أراه الله. ~~فانصرف راجعا، وحمل الخمس وساق معه ما كان ساق، فلما كان بالفتق [ (1) ] ~~تعجل. وخلف على أصحابه والخمس أبا رافع، فكان في الخمس ثياب PageV03P1080 ~~من ثياب اليمن، أحمال معكومة [ (1) ] ، ونعم تساق مما غنموا، ونعم من ~~صدقة أموالهم. # قال أبو سعيد الخدري- وكان معه في تلك الغزوة- قال: وكان علي عليه السلام ~~ينهانا أن نركب على إبل الصدقة، فسأل أصحاب علي عليه السلام أبا رافع أن ~~يكسوهم ثيابا فكساهم ثوبين ثوبين. فلما كانوا بالسدرة داخلين مكة، خرج علي ~~عليه السلام يتلقاهم ليقدم بهم فينزلهم، فرأى على أصحابنا ثوبين ثوبين على ~~كل رجل، فعرف الثياب فقال لأبي رافع: ما هذا؟ قال: كلموني ففرقت من ~~شكايتهم، وظننت أن هذا يسهل عليك، وقد كان من كان قبلك يفعل هذا بهم. فقال: ~~رأيت إبائي [ (2) ] عليهم ذلك! وقد أعطيتهم، وقد أمرتك أن تحتفظ بما خلفت، ms803 ~~فتعطيهم! قال: فأبى علي عليه السلام أن يفعل ذلك حتى جرد بعضهم من ثوبيه، ~~فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا، فدعا عليا فقال: ما ~~لأصحابك يشكونك؟ فقال: ما أشكيتهم [ (3) ] ؟ ~~قسمت عليهم ما غنموا، وحبست الخمس حتى يقدم عليك وترى رأيك فيه، وقد كانت ~~الأمراء يفعلون أمورا، ينفلون من أرادوا من الخمس، فرأيت أن أحمله إليك ~~لترى فيه رأيك. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. # قال: فحدثني سالم مولى ثابت، عن سالم مولى أبي جعفر، قال: ~~لما [ (4) ] ظهر علي عليه السلام على عدوه ودخلوا في الإسلام، جمع ما غنم ~~واستعمل عليه بريدة بن الحصيب، وأقام بين أظهرهم، فكتب إلى رسول الله صلى ~~PageV03P1081 ~~الله عليه وسلم كتابا مع عبد الله بن عمرو بن عوف المزني يخبره أنه لقي ~~جمعا من زبيد وغيرهم، وأنه دعاهم إلى الإسلام وأعلمهم أنهم إن أسلموا كف ~~عنهم، فأبوا ذلك وقاتلهم. ~~قال علي عليه السلام: فرزقني الله الظفر عليهم حتى قتل منهم من قتل. ~~ثم أجابوا إلى ما كان عرض عليهم، فدخلوا في الإسلام وأطاعوا بالصدقة، ~~وأتى بشر منهم للدين، وعلمهم قراءة القرآن. ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم يوافيه في الموسم، فانصرف عبد الله ~~بن عمرو بن عوف إلى علي عليه السلام بذلك. # قال: فحدثني سعيد بن عبد العزيز التنوخى، عن يونس بن ميسرة ابن حليس، ~~قال: لما قدم علي بن أبي طالب عليه السلام اليمن خطب به، وبلغ كعب الأحبار ~~قيامه بخطبته، فأقبل على راحلته في حلة، معه حبر من أحبار اليهود، حتى ~~استمعا له فواقفاه، وهو يقول: إن من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر ~~بالنهار. قال كعب: صدق! فقال علي: وفيهم من لا يبصر بالليل ولا يبصر ~~بالنهار. فقال كعب: صدق! فقال علي عليه السلام: ومن يعط باليد القصيرة يعط ~~باليد الطويلة. فقال كعب: صدق! فقال الحبر: وكيف تصدقه؟ قال: أما قوله: «من ~~الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار» فهو المؤمن بالكتاب الأول ولا يومن ~~بالكتاب الآخر. ~~وأما ms804 قوله: «منهم من لا يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار» فهو الذي لا يؤمن ~~بالكتاب الأول ولا الآخر. وأما قوله: «من يعط باليد القصيرة يعط باليد ~~الطويلة» ~~فهو ما يقبل الله من الصدقات. قال: وهو مثل رأيته بين! قالوا: وجاء كعبا ~~سائل فأعطاه حلته، ومضى الحبر مغضبا؟ ومثلت بين يدي كعب امرأة تقول: من ~~يبادل راحلة براحلة؟ فقال كعب: وزيادة حلة؟ قالت: نعم! فأخذ كعب وأعطى، ~~وركب الراحلة ولبس الحلة، PageV03P1082 ~~وأسرع السير حتى لحق الحبر وهو يقول: من يعط باليد القصيرة يعط باليد ~~الطويلة! # قال: فحدثني إسحاق بن عبد الله بن نسطاس، عن عمرو بن عبد الله العبسي، ~~قال: قال كعب الأحبار: لما قدم علي عليه السلام اليمن، لقيته فقلت: أخبرني ~~عن صفة محمد. فجعل يخبرني عنه، وجعلت أتبسم فقال: مم تتبسم فقلت: مما يوافق ~~ما عندنا من صفته. فقال [ (1) ] : ما يحل وما يحرم، فقلت: فهو عندنا كما ~~وصفت! وصدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به. ودعوت من قبلنا من ~~أحبارنا، وأخرجت إليهم سفرا فقلت: هذا كان أبي يختمه علي ويقول: لا تفتحه ~~حتى تسمع بنبي يخرج بيثرب. ~~قال: فأقمت باليمن على إسلامي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتوفي أبو بكر رضي الله عنه، فقدمت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~ويا ليت أني كنت تقدمت فى الهجرة! PageV03P1083 ### | باب ما جاء فيما يؤخذ من الصدقات # أخبرنا ابن أبي حية قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، قال: ~~حدثنا الواقدي قال: حدثني سالم مولى ثابت، عن يحيى بن شبل، قال: قرأت كتابا ~~عند أبي جعفر فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أمر به محمد رسول الله، ~~أن يؤخذ من صدقات المسلمين من سوائهم مواشيهم من كل أربعين شاة شاة إلى ~~عشرين ومائة، فإذا زادت [ (1) ] ففيها شاة إلى المائتين، فإذا زادت ففيها ~~ثلاث إلى ثلاثمائة، فإذا زادت شاة ففي كل مائة شاة شاة. وفي صدقة الإبل، في ~~أربع وعشرين فما دونها الغنم في ms805 كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ~~بنت مخاض، فإن لم يوجد بنت مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ ستا وثلاثين، ~~فإذا بلغت ستة وثلاثين ففيها بنت لبون إلى أن تبلغ ستا وأربعين، ففيها حقة ~~إلى أن تبلغ إحدى وستين ففيها جذعة، إلى أن تبلغ ستا وسبعين، ففيها ابنتا ~~لبون، إلى أن تبلغ إحدى وتسعين، ففيها حقتان طروقتا [ (2) ] الفحل، ولا ~~يؤخذ في الصدقة هرمة ولا تيس، ولا ذات عوار [ (3) ] ، إلا أن يشاء المصدق، ~~ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرقين، وما كان من خليطين فإنهما ~~يتراجعان بينهما بالسوية. فإذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل خمسين ~~حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، وليس فيما دون ثلاثين من البقر صدقة، وفي كل ~~ثلاثين جذع PageV03P1084 ~~أو جذعة، وفى كل أربعين مسنة. وفيما سقت السماء أو سقي بالغيل [ (1) ] ~~العشر، وما سقي بالغرب [ (2) ] نصف العشر، ومن كان على يهودية أو نصرانية ~~لم يفتن عنها، وأخذ منه دينار على كل حالم، أو عدله من المعافري [ (3) ] . # قال: حدثنا إبراهيم بن أبي بكر بن المكيدر، عن حسين بن أبي بشير المازني، ~~عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا مع علي عليه السلام باليمن، فرأيته ~~يأخذ الحب من الحب، والبعير من الإبل، والشاء من الغنم، والبقرة من البقر، ~~والزبيب من الزبيب، وكان لا يكلف الناس مشقة، وكان يأتيهم في أفنيتهم [ (4) ~~] فيصدق مواشيهم ويأمر من يسقب بذلك، وكان لا يفرق الماشية، كان يقعد فما ~~أتي به من شاة فيها وفاء له أخذها، ويأمر من يسقب بذلك ويقسم على فقرائهم- ~~يسقب: ~~يسعى عليهم- يأخذ الصدقة من هاهنا ومن هاهنا، يعرفهم. # قال: حدثنا الحارث بن محمد الفهري، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن ~~رجاء بن حيوة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن سعيد بن ~~العاص مع رسل حمير، وبعث عليا عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن اجتمعتما في مكيدة فعلي على الناس، وإن افترقتما فكل على ms806 حدة. ~~قال رجاء: وكان قد قضى بها قضية، دية النفس مائة من الإبل على أهل الإبل، ~~وألفي شاة على أهل الغنم، مائتي جذعة- أي ثم ضالع [ (5) ] الشاة جذعة، ثم ~~ثنية- ومائتي بقرة نصفها تبيع ونصفها مسان. وعلى أهل الحلل ألفى ثوب ~~معافرية. PageV03P1085 # قالوا: احتفر قوم باليمن بئرا، فأصبحوا وقد سقط فيها أسد، فأصبح الناس ~~ينظرون إليه، فسقط إنسان في البئر، فتعلق بآخر فتعلق الآخر بآخر حتى كانوا ~~في البئر أربعة، فحرب [ (1) ] الأسد بهم فقتلهم، فأهوى له رجل برمحه فقتله. ~~فقال الناس: الأول عليه ديتهم فهو قتلهم. ~~فأرادوا يقبلون، فمر بهم علي عليه السلام فقال: أنا أقضي بينكم بقضاء، ~~فمن رضي فهو إلى قضائه، ومن تجاوز إلى غيره فلا حق له حتى يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقضي فيكم، اجمعوا من حضر البئر من الناس! فجمعوا كل من حضر ~~البئر، ثم قال: ربع دية، وثلث دية، ونصف دية، ودية تامة، فالأسفل ربع دية، ~~من أجل أنه هلك من فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية، لأنه هلك اثنان، وللثالث ~~نصف الدية، من أنه هلك فوقه واحد، وللأعلى الدية كاملة. فإن رضيتم فهو ~~بينكم قضاء، وإن لم ترضوا فلا حق لكم حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيقضي بينكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته وهم عشرة ~~نفر، فجلسوا بين يديه وقصوا عليه خبرهم، فقال: أنا أقضي بينكم إن شاء الله! ~~فقام أحد النفر فقال: ~~يا رسول الله، إن عليا قد قضى بيننا. فقال: فيم قضى بينكم؟ فأخبروه بما ~~قضى به، فقال: هو ما قضى به. فقام القوم فقالوا: هذا قضاء من رسول الله. ~~فلزم المقضي عليهم وسألهم عن الأسد، أهي في بلادهم. ~~فقالوا: يا رسول الله، إنها لكثيرة تغير على ماشيتنا. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ألا أخبركم عن الأسد؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنه ~~غدا على ابن لحواء فأكله، فأقبلت عليه حواء فقالت: ~~ويلك، أكلت ابني! قال: وما يمنعني أن آكل رزقا ساقه الله ms807 إلى. فأقبل ~~PageV03P1086 ~~آدم فقال: ويلك، تخاطبها وقد أكلت ابنها؟ اخسأ! فطأطأ رأسه، فلذلك لا ~~يمشي إلا مطأطئا رأسه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن شئتم وظفت له وظيفة لا يعدوها إلى غيرها، وإن شئتم تركته يجالسكم ~~وتحذرون منه. فخلا بعضهم ببعض فقالوا: وظف [ (1) ] له وظيفة. فقال بعضهم: ~~نخشى ألا يحملها قومنا ولا يطيعون بها، فنكون قد قلنا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قولا لا نفي به. فقالوا: يا رسول الله، دعه يجالسنا ونتحذر منه. ~~فقال: فذاك! ~~فولى القوم راجعين إلى قومهم، فلما قدموا على قومهم أخبروهم فقالوا: ~~والله ما هديتم لرشدكم، لو قبلتم ما وظف له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمنتم منه. فهيأوا رجلا يبعثونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ~~فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقاه الرسول. # قال: وحدثني أبو بكر بن عبد الله، وحاتم بن إسماعيل مولى لآل الحارث بن ~~كعب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: قدم علي عليه ~~السلام من اليمن، فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا [ (2) ] واكتحلت، ~~فأنكر ذلك علي عليها فقالت: أمرني بهذا أبي! قال علي، وهو بالعراق: فذهبت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا [ (3) ] على فاطمة للذي صنعت، ~~مستفتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي ذكرت عنه، وأخبرته أني أنكرت ~~ذلك عليها فقالت «أبي أمرني بذلك» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~صدقت! ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال، قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك! ~~قال: PageV03P1087 ~~فإن معي الهدي فلا تحل! ~~فكانت جماعة الهدي الذي جاء به علي عليه السلام والذي ساقه النبي صلى ~~الله عليه وسلم من المدينة مائة بدنة، فحل الناس وقص من لم يكن معه هدي، ثم ~~نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه، وأشرك عليا عليه السلام في هديه. ### | حجة الوداع # قال: حدثني معمر بن راشد، وابن أبى سبرة، وأسامة بن زيد، ms808 وموسى ابن محمد، ~~وابن أبي ذئب، وأبو حمزة عبد الواحد بن ميمون، وحزام ابن هشام، وابن جريج، ~~وعبد الله بن عامر، فكل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة، وبعضهم أوعى له من ~~بعض، وغير من سميت قد حدثنا أيضا، قالوا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فأقام يضحي ~~بالمدينة كل عام، لا يحلق ولا يقصره ويغزو المغازي، ولم يحج حتى كان في ذي ~~القعدة سنة عشر من مهاجره، فأجمع الخروج وآذن الناس بالحج، وقدم المدينة ~~بشر كثير كلهم يريد أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل بعمله. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر ثلاث عمر، أولها عمرة ~~الحديبية، نحر بالحديبية وحلق في ذي القعدة سنة ست، ثم عمرة القضية سنة سبع ~~في ذي القعدة، وأهدى ستين بدنة، ونحر عند المروة وحلق، واعتمر عمرة ~~الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن الفضيل، قال: سألت سعيد بن ~~المسيب: كم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من لدن نبئ إلى PageV03P1088 ~~أن توفي؟ قال: حجة واحدة من المدينة. قال الحارث: فسألت أبا هاشم عبد ~~الله بن محمد بن الحنفية، قال: حج حجة بمكة قبل الهجرة وبعد النبوة، وحجته ~~من المدينة. وكان مجاهد يقول: حجتين، قبل الهجرة. والأمر المعروف عندنا ~~الذي اجتمع عليه أهل بلدنا، إنما حج حجة واحدة من المدينة، وهي الحجة التي ~~يقول الناس إنها حجة الوداع. # قال: فحدثني الثوري، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كره أن يقال حجة ~~الوداع. فقيل: حجة الإسلام؟ قال: نعم. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ~~قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت لخمس ليال ~~بقين من ذي القعدة، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين، وأحرم عند صلاة الظهر ~~من يومه ذلك، وهذا الثبت عندنا. قال: فحدثنا عاصم ms809 بن عبد الله، عن عمر بن ~~الحكم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى ذي الحليفة عند الظهر، ~~فبات لأن يجتمع إليه أصحابه والهدي حتى أحرم عند الظهر من الغد. # قال: فحدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه، عن كريب، عن ابن عباس ~~رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته مدهنا مترجلا ~~[ (1) ] متجردا [ (2) ] حتى أتى ذا الحليفة. # قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه، أن رسول ~~PageV03P1089 ~~الله صلى الله عليه وسلم أحرم في ثوبين صحاريين [ (1) ] ، إزار ورداء، ~~وأبدلهما بالتنعيم بثوبين من جنسهما. # قالوا: لما اجتمع إليه نساؤه- وكان حج بهن جميعا في حجته في الهوداج- ~~وانتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتماع أصحابه والهدي، دخل مسجد ~~ذي الحليفة بعد أن صلى الظهر وصلى ركعتين، ثم خرج فدعا بالهدي فأشعره في ~~الجانب الأيمن، وقلد نعلين. ثم ركب ناقته، فلما استوى بالبيداء أحرم. # فقال: فحدثني خالد بن إلياس، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن، عن أم سلمة قالت: انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي ~~الحليفة ليلا، ومعنا عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، فبتنا بذي الحليفة، ~~فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت الهدي يعرض عليه، فلما صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر أشعر هديه وقلده قبل أن يحرم. والقول ~~الأول أثبت عندنا أنه لم يبت. # قال محمد بن نعيم المجمر، عن أبيه، قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشعر بدنه ~~أتى ببدنة فأشعرها هو بنفسه وقلدها. وكان ابن عباس يقول: ~~أشعرها ووجهه إلى القبلة، وساق مائة بدنة. ويقال: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر بأن يشعر ما [ (2) ] فضل من البدن ناجية بن جندب، فاستعمله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الهدي. # قال: فحدثني الهيثم بن واقد، عن عطاء بن ms810 أبي مروان، عن أبيه، ~~PageV03P1090 ~~عن ناجية بن جندب، قال: كنت على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حجته، وكان معي فتيان من أسلم، كنا نسوقها سوقا نبتغي بها الرعي، وعليها ~~الجلال [ (1) ] ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت ما عطب منها، كيف أصنع به؟ ~~قال: تنحره وتلقي قلائده في دمه، ثم تضرب به صفحته اليمنى، ثم لا تأكل منها ~~ولا أحد من أهل رفقتك. # قال: ثم قدمنا مكة بعد يوم، ثم رحنا يوم التروية إلى عرفة بالهدي، ثم ~~انحدرنا من عرفة حتى انتهينا إلى جمع، ثم انتهينا من جمع إلى منزل النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمنى حيث ضربت قبته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن سق الهدي إلى المنحر! فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحر ~~الهدي بيديه وأنا أقدمها إليه تعتب في العقل [ (2) ] . # قالوا: ومر [ (3) ] النبي صلى الله عليه وسلم برجل يسوق بدنة فقال: ~~اركبها ويلك! قال: إنها بدنة! قال: اركبها! وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمر المشاة أن يركبوا على بدنه. # قالوا: وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: طيبت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إحرامه بيدي. وكانت تقول: أحرمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتطيبت، فلما كنا بالقاحة [ (4) ] سال من الصفرة على وجهي فقال: ما أحسن ~~لونك الآن يا شقيراء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بين مكة ~~والمدينة ركعتين، آمنا لا يخاف إلا الله تعالى، فلما قدم PageV03P1091 ~~مكة صلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم سلم، ثم قال: ~~أتموا صلاتكم يا أهل مكة، فإنا سفر! وقد اختلف علينا فيما أهل به صلى ~~الله عليه. # قال: فحدثني ابن أبي طوالة، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن محمود ابن لبيد، ~~عن أبي طلحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن مع حجته عمرة. # قال: وحدثني مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم قالت، قلت: يا رسول ms811 الله، تأمر الناس أن يحلموا ولم تحل أنت ~~من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر هديي. # حدثني معمر، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث، عن سعد ~~بن أبي وقاص، ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: قالا: أهل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالعمرة وساق الهدي. # قال: فحدثني مالك بن أنس، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ~~رضي الله عنها، قالت: أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج، فكان هذا ~~الأمر الذي أخذ به أهل المدينة وثبت عندهم. قالت عائشة: وأصبح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم الأحد بملل، ثم راح فتعشى بشرف السيالة، وصلى ~~بالشرف المغرب والعشاء، وصلى الصبح بعرق الظبية بين الروحاء والسيالة- وهو ~~دون الروحاء، في المسجد الذي عن يمين الطريق. ثم نزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الروحاء، فإذا بحمار عقير، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقيل: ~~يا رسول الله، هذا حمار عقير. قال: دعوه حتى يأتي صاحبه. فجاء النهدي وهو ~~صاحبه فأهداه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبا بكر PageV03P1092 ~~فقسمه بين أصحابه، وقال: صيد البر لكم حلال، إلا ما صدتم أو صيد لكم. ~~ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء فصلى العصر بالمنصرف [ ~~(1) ] ، ثم صلى المغرب والعشاء وتعشى به، وصلى الصبح بالأثاية [ (2) ] ~~وأصبح يوم الثلاثاء بالعرج. # قال: فحدثني أبو حمزة عبد الواحد بن مصون، عن عروة بن الزبير، عن أسماء ~~بنت أبي بكر، قالت: وكان أبو بكر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة: إن عندي بعيرا نحمل عليه زادنا. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: فذاك إذا! ~~قالت: فكانت زاملة [ (3) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة، ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بزاد، دقيق وسويق، فجعل على بعير أبي بكر. ~~وكان غلامه يركب عليه عقبة، فلما ms812 كان بالأثاية عرس الغلام وأناخ بعيره ~~فغلبته عيناه، فقام البعير يجر خطامه آخذا في الشعب، وقام الغلام فلزم ~~الطريق، يظن أنه سلكها، وهو ينشده فلا يسمع له بذكر. ونزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أبيات بالعرج، فجاء الغلام مظهرا. فقال أبو بكر رضي الله ~~عنه: ~~أين بعيرك؟ قال: ضل مني! قال: ويحك، لو لم يكن إلا أنا لهان الأمر علي، ~~ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله! فلم يلبث أن طلع به صفوان بن ~~المعطل، وكان صفوان على ساقة الناس، وأناخه على باب منزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال لأبي بكر رضي الله عنه: انظر هل تفقد شيئا من متاعك! ~~فنظر فقال: ما نفقد شيئا إلا قعبا كنا نشرب PageV03P1093 ~~به، فقال الغلام: هذا القعب معي. فقال أبو بكر رضي الله عنه: ~~أدى الله عنك الأمانة! # قال: حدثني يعقوب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عيسى بن ~~معمر، عن عباد بن عبد الله، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما نزل العرج جلس بفناء منزله، ثم جاء أبو بكر ~~رضي الله عنه فجلس إلى جنبه، فجاءت عائشة رضي الله عنها فجلست إلى جنبه ~~الآخر، وجاءت أسماء فجلست إلى جنب أبي بكر رضي الله عنه، وأقبل غلام أبي ~~بكر متسربلا، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أين بعيرك؟ قال: أضلني. فقام ~~إليه أبو بكر رضي الله عنه يضربه ويقول: بعير واحد [ (1) ] يضل منك؟ فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ويقول: ألا ترون إلى هذا المحرم وما ~~يصنع؟ وما ينهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: فحدثني أبو حمزة، عن عبد الله بن سعد الأسلمي، عن آل نضلة الأسلمي، ~~أنهم خبروا أن زاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت، فحملوا جفنة من حيس ~~فأقبلوا بها حتى وضعوها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: ~~هلم يا أبا ms813 بكر، فقد جاءك الله بغداء طيب! وجعل أبو بكر رضي الله عنه يغتاظ ~~على الغلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هون عليك، فإن الأمر ليس إليك، ~~ولا إلينا معك! ~~قد كان الغلام حريصا ألا يضل بعيره، وهذا خلف مما كان معه. فأكل ~~PageV03P1094 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله وأبو بكر، وكل من كان مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى شبعوا. # قال: وجاء سعد بن عبادة وابنه قيس بن سعد بزاملة تحمل زادا، يؤمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، حتى يجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عند ~~باب منزله قد أتى الله بزاملته، فقال سعد: يا رسول الله، قد بلغنا أن ~~زاملتك أضلت مع الغلام، وهذه زاملة مكانها. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قد جاء الله بزاملتنا فارجعا بزاملتكما بارك الله عليكما! أما يكفيك ~~با أبا ثابت ما تصنع بنا في ضيافتك منذ نزلنا المدينة؟ قال سعد: يا رسول ~~الله، المنة لله ولرسوله، والله يا رسول الله، للذي تأخذ من أموالنا أحب ~~إلينا من الذي تدع. قال: صدقتم يا أبا ثابت، أبشر فقد أفلحت! إن الأخلاق ~~بيد الله عز وجل، ومن أراد الله أن يمنحه منها خلقا صالحا منحه، ولقد منحك ~~الله خلقا صالحا. فقال سعد: الحمد لله الذي هو فعل ذلك! قال ثابت بن قيس: ~~يا رسول الله، إن أهل بيت سعد في الجاهلية سادتنا والمطعمون في المحل [ (1) ~~] منا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس معادن، خيارهم في الجاهلية ~~خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، لهم [ (2) ] ما أسلموا عليه. # قال ابن أبي الزناد، يقول له جميل ذكره، قال: واحتجم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بلحيى جمل [ (3) ] ، وهو محرم، في وسط رأسه. ~~قال: ~~حدثني بذلك محمد، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وسليمان بن بلال، ~~PageV03P1095 ~~عن علقمة بن أبي علقمة، عن الأعرج، عن ابن بحينة، قالوا: ونزل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم السقيا يوم الأربعاء، ثم أصبح رسول الله صلى ms814 الله عليه ~~وسلم بالأبواء، فأهدى له الصعب بن جثامة عجز حمار يقطر دما، فرده رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: إنا حرم. ~~فكان معاوية يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بالأبواء لياء ~~مقشي [ (1) ] أهدي له من ودان، ثم قام فصلى ولم يتوضأ، فصلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المسجد الذي ينظر وادي الأبواء، على يسارك وأنت موجه إلى ~~مكة. ثم راح النبي صلى الله عليه وسلم من الأبواء فصلى بتلعتات [ (2) ] ~~اليمن، وكان هناك سمرة. كان ابن عمر يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ~~تحتها، وكان ابن عمر يصب الإداوة تحتها إذا مر بها، يسقيها. # قال: حدثني أفلح بن حميد، عن أبيه، قال: كان ابن عمر يخبر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جلس تحتها، وأن ابن عمر كان يصب الإداوة تحتها في أصل ~~السمرة، يريد بقاءها. # قال: فحدثني أفلح بن حميد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المسجد الذي هناك حين يهبط من ثنية أراك [ (3) ] على ~~الجحفة، ونزل يوم الجمعة الجحفة، ثم راح منها فصلى في المسجد الذي يحرم منه ~~مشرفا خارجا من الجحفة، والمسجد الذي دون خم عن يسار الطريق، فكان يوم ~~السبت بقديد، فصلى في المسجد المشلل، PageV03P1096 ~~وصلى في المسجد الذي أسفل من لفت. # قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن كريب، عن ابن عباس رضي الله ~~عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بامرأة في محفتها [ (1) ] ، ~~ومعها ابن لها صغير، فأخذت بعضده فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ فقال: ~~نعم، ولك [ (2) ] أجر! وكان يوم الأحد بعسفان، ثم راح. فلما كان بالغميم ~~اعترض المشاة، فصفوا له صفوفا فشكوا إليه المشي، فقال: استعينوا بالنسلان [ ~~(3) ] . ~~ففعلوه فوجدوا لذلك راحة. وكان يوم الاثنين بمر الظهران، فلم يبرح منها ~~حتى أمسى، وغربت له الشمس، فلم يصل المغرب حتى دخل مكة. فلما انتهى إلى ~~الثنيتين بات بينهما، بين كدى وكداء، ثم أصبح فاغتسل، ودخل ms815 مكة نهارا. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي ~~الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة نهارا من كدى على ~~راحلته القصواء إلى الأبطح، حتى دخل من أعلى مكة حتى انتهى إلى الباب الذي ~~يقال [له] باب بني شيبة. فلما رأى البيت رفع يديه، فوقع زمام ناقته فأخذه ~~بشماله. قالوا: ثم قال حين رأى البيت: ~~اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا! # قال: فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المسجد بدأ بالطواف قبل الصلاة. قالوا: ~~ولما انتهى إلى الركن استلمه وهو مضطبع [ (4) ] بردائه، PageV03P1097 ~~وقال: بسم الله، والله أكبر! ثم رمل [ (1) ] ثلاثة من الحجر. وكان يأمر ~~من يستلم الركن أن يقول: بسم الله، والله أكبر! إيمانا بالله، وتصديقا بما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. # قال: حدثني ابن جريج، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد الله بن ~~السائب المخزومي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين ~~الركن اليماني والأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار [ (2) ] . # قال: فحدثني عبد الله بن جعفر، عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله ابن ~~عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستلم من ~~الأركان إلا اليماني والأسود، ومشى أربعة. قالوا: ثم انتهى إلى خلف المقام ~~فصلى ركعتين، يقرأ فيهما: قل يا أيها الكافرون [ (3) ] وقل هو الله أحد [ ~~(4) ] ، ثم عاد إلى الركن فاستلمه. وقد قال لعمر: ~~إنك رجل قوي، إن وجدت الركن خاليا فاستلمه، وإلا فلا تزاحم الناس عليه ~~فتؤذي وتؤذى. وقال لعبد الرحمن بن عوف: وكيف صنعت بالركن يا أبا محمد؟ قال: ~~استلمت وتركت. قال: أصبت! ثم خرج إلى الصفا من باب بني مخزوم، وقال: أبدأ ~~بما بدأ الله به. # قال: فحدثني عبد الله بن وفدان، عن ms816 عمران بن أبي أنس، عن عبد الله بن ~~ثعلبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة على راحلته ~~من فوره ذلك. PageV03P1098 # قال: حدثني الثوري، عن حماد. عن سعيد بن جبير، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قدم، وهو ساكن، فطاف بين الصفا والمروة على راحلته. # قال: حدثني ابن أبي جريج، عن مجاهد، قال: طاف يومئذ على بغلته. ~~والأول أثبت عندنا، وهو المعروف- على راحلته. # قالوا: فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، فكبر سبع تكبيرات، ~~وقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل ~~شيء قدير، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده! ثم دعا بين ذلك، ~~ثم نزل إلى المروة، فلما انصبت قدماه في الوادي رمل. # قال: فحدثني علي بن محمد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن ~~منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن برة بنت أبي تجراة [ (1) ] قالت: لما ~~انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسعى قال: ~~أيها الناس، إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا! فسعى حتى رأيت إزاره انكشف ~~عن فخذه. وقالوا: قال في الوادي: رب اغفر وارحم، وأنت الأعز الأكرم! فلما ~~انتهى إلى المروة فعل عليها مثل ما فعل على الصفا، فبدأ بالصفا وختم ~~بالمروة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اضطرب [ (2) ] بالأبطح. # قال: فحدثني برد أن إبراهيم بن أبي النضر حدثه، عن أبيه، عن أبي مرة مولى ~~عقيل، عن أم هانئ، قالت، قلت [ (3) ] : يا رسول الله، ألا تنزل في بيوت ~~مكة؟ فأبى واضطرب بالأبطح حتى خرج يوم التروية، ثم رجع PageV03P1099 ~~من منى فنزل بالأبطح حتى خرج إلى المدينة، ولم ينزل بيتا ولم يظله قال: ~~ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة، فلما انتهى إلى بابها خلع ~~نعليه، ودخل مع عثمان بن أبي طلحة، وبلال، وأسامة بن زيد، فأغلقوا عليهم ~~الباب طويلا ثم فتحوه. قال ابن عمر: فكنت أول الناس سبق إليه، فسألت ms817 بلالا: ~~أصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؟ ~~قال: نعم، ركعتين بين الأسطوانتين المقدمتين- وكان على ستة أعمدة. # فحدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنه، عن أسامة بن زيد، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في نواحيه ولم يصل. # قالوا: وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: دخل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حزينا فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: فعلت اليوم أمرا ليتني لم أك ~~فعلته! دخلت البيت فعسى الرجل من أمتي لا يقدر أن يدخله، فتكون في نفسه ~~حرارة، وإنما أمرنا بالطواف ولم نؤمر بالدخول. وكسا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البيت. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رباح، عن المطلب بن عبد الله بن ~~موسى، قال: سمعت العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه يقول: كسا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم البيت في حجته الحبرات [ (1) ] . # قالوا: وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر ~~ذراعا. # قالوا: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء والأربعاء ~~والخميس والجمعة- وهو يوم التروية، فيما اجتمع لنا عليه- وخطب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة. PageV03P1100 # قال: فحدثني هشام بن عمارة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن عمارة بن ~~حارثة الظفري، عن عمرو بن يثربي الضمري [ (1) ] ، قال: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر، ويوم عرفة بعرفة حين زاغت ~~الشمس على راحلته قبل الصلاة، والغد من يوم النحر بمنى بعد الظهر. قال ~~الواقدي: هذا الأمر المأخوذ به المعروف. ~~ويقال: إن يوم الجمعة وافق يوم التروية، فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين الركن والمقام، فوعظ الناس وقال: من استطاع منكم أن يصلي الظهر ~~بمنى فليفعل. وركب حين زاغت الشمس بعد أن طاف بالبيت أسبوعا، فصلى الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ونزل بموضع دار الإمارة اليوم. فقالت ~~عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، ms818 ألا نبني لك كنيفا [ (2) ] ؟ فأبى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: منى منزل من سبق! # قال: حدثني ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يركب من منى حتى رأى الشمس قد طلعت، ثم ركب فانتهى إلى عرفة ~~فنزل بنمرة، وقد ضرب له بها قبة من شعر. ~~ويقال: إنما قال إلى فيء صخرة، وميمونة زوجته تتبع ظلها حتى راح، وأزواجه ~~في قباب- أو في قبة- حوله. فلما كان حين زاغت الشمس أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم براحلته القصواء، فرحلت إلى بطن الوادي- بطن عرنة. PageV03P1101 # قالوا: وكانت قريش لا تشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجاوز ~~المزدلفة يقف بها، فقال له نوفل بن معاوية الديلي، وهو يسير إلى جنبه: ~~يا رسول الله، ظن قومك أنك تقف بجمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لقد كنت أقف بعرفة قبل النبوة خلافا لهم! ~~وقال جبير بن مطعم: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف بعرفة قبل النبوة، وكانت قريش ~~كلها تقف بجمع إلا شيبة بن ربيعة. وإن موسى بن يعقوب حدثني، عن عمه، عن عبد ~~الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كان شيبة بن ~~ربيعة من بين قريش يقف بعرفة، عليه ثوبان أسودان، وزمام بعيره من شعر بين ~~غرزين [ (1) ] أسودين، حتى يقف مع الناس بعرفة ثم يدفع بدفعهم، فإننا لا ~~نتكلم مع الناس- يعني العرب- كانت تقف بعرفة: وقريش بجمع تقول: نحن أهل ~~الله. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه، قال: ~~خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين زاغت الشمس ببطن عرفة على ناقته ~~القصواء، فلما كان آخر الخطبة أذن بلال وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من كلامه، فلما فرغ بلال من أذانه تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكلمات وأناخ راحلته، وأقام بلال، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ms819 جمع بينهما بأذان وإقامتين. # فحدثني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخطب يومئذ في وادي عرفة، ثم ركب. قال: فرأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده إلى الناس أن يقفوا- إلى عرفة. ~~PageV03P1102 ### || خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة قبل الصلاتين # وكان من خطبته يومئذ: أيها الناس، إني والله ما أدري لعلي لا ألقاكم ~~بمكاني هذا بعد يومكم هذا! رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ~~لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه! واعلموا أن أموالكم ودماءكم ~~حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا! واعلموا أن ~~الصدور لا تغل [ (1) ] على ثلاث: إخلاص العمل لله، ومناصحة أهل الأمر، ~~ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم! ألا إن كل شيء من أمر ~~الجاهلية تحت قدمي موضوع، وأول دماء الجاهلية أضع دم إياس بن ربيعة بن ~~الحارث- كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع كله، ~~وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب. اتقوا الله في النساء، فإنما ~~أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا ~~يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف، قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به- ~~كتاب الله تبارك وتعالى! وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد ~~أن قد بلغت وأديت ونصحت! ثم قال، بإصبعه السبابة إلى السماء، يرفعها ويكبها ~~ثلاثا: اللهم، واشهد! # قال: فحدثني محمد بن عبد الله، عن عمه الزهرى، عن أبى سلمة ابن عبد ~~الرحمن، عن ابن عباس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف ~~بالهضاب من عرفة فقال: كل عرفة موقف إلا بطن عرنة، PageV03P1103 ~~وكل المزدلفة موقف إلا بطن محسر، وكل منى منحر إلا خلف العقبة # قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من هو بأقصى عرفة فقال: ms820 ~~الزموا مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم. # قال: فحدثني إسحاق بن حازم، عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ~~عرفة أول جبل مما يلي عرنة إلى جبل عرفة، كله من عرفة. قال: وقال ابن عباس: ~~نظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة، وهو ماد يديه، يقبل ~~براحتيه [ (1) ] على وجهه. # وقالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أفضل دعائي ودعاء من كان ~~قبلي من الأنبياء: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، ~~بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير! # قال: فحدثني ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التومة، عن ابن عباس، أن ناسا ~~اختلفوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة. ~~فقالت أم الفضل: أنا أعلم لكم عن ذلك! فأرسلت إليه بعس [ (2) ] من لبن، ~~فشرب وهو يخطب. قالوا: ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته حتى ~~غربت [الشمس] يدعو. وكان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة إذا كانت الشمس على ~~رؤوس الجبال كهيئة العمائم على رووس الرجال. فظنت قريش أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يدفع كذلك، فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه حتى ~~غربت الشمس، وكذلك كانت دفعة النبي صلى الله عليه وسلم. # قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن PageV03P1104 ~~الزبير، عن أسامة بن زيد، قال: سمعته يسأل عن سير النبي صلى الله عليه ~~وسلم عشية عرفة، فقال: كان يسير العنق، وإذا وجد فجوة نص- والنص: فوق ~~العنق. # قال: ~~فحدثني إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، على رسلكم [ ~~(1) ] ! عليكم بالسكينة، ليكف قويكم عن ضعيفكم. # قال: فحدثني معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: ما رفعت ناقة النبي صلى ~~الله عليه وسلم يديها في شيء من الدفعتين واضعة حتى رمى جمرة. # قال: فحدثني محمد بن مسلم الجهني، ms821 عن عييم بن جبير بن كليب الجهني، عن ~~أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دفع من عرفة إلى ~~جمع، والنار توقد بالمزدلفة وهو يؤمها حتى نزل قريبا منها. # قال: فحدثني إسحاق بن عبد الله بن خارجة، عن أبيه، قال: لما أبصر سليمان ~~بن عبد الملك النار، قال لخارجة بن زيد: متى كانت هذه النار يا أبا يزيد؟ ~~قال: كانت في الجاهلية، وضعتها قريش، لا تخرج من الحرم إلى عرفة [إلا] ~~تقول: نحن أهل الله! ولقد أخبرني حسان بن ثابت وغيره في نفر من قومي أنهم ~~كانوا يحجون في الجاهلية فيرون تلك النار. # قال: فحدثني إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن PageV03P1105 ~~عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى الشعب! ~~قال: وهو شعب الإذخر يسار الطريق بين المأزمين، ولم يصل. # قال: فحدثني ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة، ولم يسبح بينهما، ~~ولا على إثر واحدة منهما. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر، قال: صلاهما [ ~~(1) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذان وإقامتين. # قالوا: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من النار- والنار على ~~قزح، وهو الجبل، وهو المشعر الحرام- فلما كان في السحر أذن لمن استأذنه من ~~أهل الضعف من الذرية والنساء. # قال: حدثني أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها، أن سودة ~~بنت ربيعة استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في التقدم من جمع قبل حطمة [ ~~(2) ] الناس، وكانت امرأة ثبطة [ (3) ] ، فأذن لها وحبس نساءه حتى دفعن ~~بدفعه حين أصبح. قالت عائشة رضي الله عنها: فلأن أكون استأذنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة أحب إلي من مفروج به. # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمران ابن أبي أنس، ~~عن أمه، قالت: تقدمت مع ms822 سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في حجته فرمينا ~~قبل الفجر. # قال: فحدثني ابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس رضى الله PageV03P1106 ~~عنه، أنه كان يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله فرموا ~~الجمرة مع الفجر. # قال: فحدثني جبير بن زيد، عن أبي جعفر، قال: لما برق الفجر، صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الصبح، ثم ركب على راحلته القصواء، ثم وقف على ~~قزح. وكان أهل الجاهلية لا يدفعون من جمع حتى تطلع الشمس على ثبير، ~~ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~قريشا خالفت عهد إبراهيم! فدفع قبل طلوع الشمس، وقال: هذا الموقف، وكل ~~المزدلفة موقف! # قال: وحدثني ابن أبي سبرة، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي ~~الله عنه، قال: جمع من أقصى المأزمين إلى القرن الذي خلف وادي محسر. # قال: فحدثني الثوري، عن ابن الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أوضع في وادي محسر. # قال: فحدثني أبو مروان، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن صالح، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حمل حصى العقبة من المزدلفة. # قال: حدثني الثوري، عن أيمن بن نائل، قال: سمعت قدامة ابن عبد الله ~~الكلابي يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة يوم ~~النحر على ناقة صهباء، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك [ (1) ] . # قال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن أبي ~~معمر عبد الله بن شخيرة، عن ابن مسعود، أن النبى PageV03P1107 ~~صلى الله عليه وسلم لم يقطع التلبية حتى رمى الجمرة. # قال: فحدثني ابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يقطع التلبية حتى رمى الجمرة. قال: ولما انتهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المنحر قال: هذا المنحر، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ~~ومنحر. ~~ثم نحر بيده ثلاثا ms823 وستين بالحربة، ثم أعطى رجلا فنحر ما بقي، ثم أمر من ~~كل بدنة ببضعة، من البدن التي نحر، فجعل في قدر فطبخه، فأكل من لحمها وحسا ~~من مرقها. # قال: فحدثني معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى، عن علي عليه السلام قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أتصدق بجلال بدنه وجلودها ولحومها، ولا أعطي منها في جزرها شيئا. ### || حلق شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم # قالوا: لما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي دعا الحلاق، وحضر ~~المسلمون يطلبون من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطى الحلاق شق ~~رأسه الأيمن، ثم أعطاه أبا طلحة الأنصاري. وكلمه خالد ابن الوليد في ناصيته ~~حين حلق فدفعها إليه، فكان يجعلها في مقدم قلنسوته، فلا يلقى جمعا إلا فضه. ~~فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ~~كنت أنظر إلى خالد بن الوليد وما نلقى منه في أحد، وفي الخندق، وفي ~~الحديبية، وفي كل موطن لاقانا، ثم نظرت إليه يوم النحر يقدم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بدنة، وهي تعتب في العقل، ثم نظرت إليه ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحلق رأسه، وهو يقول: يا رسول الله، ناصيتك! لا PageV03P1108 ~~تؤثر بها علي أحدا، فداك أبي وأمي! فأنظر إليه أخذ ناصية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فكان يضعها على عينيه وفيه. # قال: وسألت عائشة رضي الله عنها: من أين هذا الشعر الذي عندكن؟ ~~قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه في حجته فرق شعره في ~~الناس، فأصابنا ما أصاب الناس. فلما حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ~~أخذ من شاربه وعارضيه، وقلم أظفاره، وأمر بشعره وأظفاره أن يدفنا. وقصر قوم ~~من أصحابه وحلق آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله ~~المحلقين! ثلاثا، كل ذلك يقال: المقصرين يا رسول الله! فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: والمقصرين! في الرابعة. # قالوا: ms824 وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطيب بعد أن حلق، ولبس ~~القميص، وجلس للناس، فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: ~~افعلوه ولا حرج! # قال: فحدثني أسامة بن زيد، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، أن رجلا جاء ~~فقال: يا رسول الله، حلقت قبل أن أنحر. فقال: انحر ولا حرج! قال: يا رسول ~~الله، نحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج! # قال: فحدثني ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عبد الله بن حذافة السهمي ينادي في الناس: أيها الناس، إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: إنها أيام أكل وشرب وذكر الله. ~~قال: فانتهى المسلمون عن صيامهم إلا محصرا [ (1) ] بالحج، أو متمتعا إلى ~~الحج، فإن الرخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوموا أيام منى. ~~فأفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، ويقال: أفاض PageV03P1109 ~~ليلا في نسائه مساء يوم النحر، وأمر أصحابه فأفاضوا بالنهار، فأتى زمزم ~~فأمر بدلو فنزع له، فشرب منه وصب على رأسه، وقال: لولا أن تغلبوا عليها يا ~~ولد عبد المطلب لنزعت منها. # قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال: نزع النبي صلى الله عليه وسلم دلوا ~~لنفسه من زمزم. قال عطاء: فكنت أنتزعه لنفسي، فلما كبرت وضعفت كنت آمر من ~~ينزعه لي. وكان يرمي الجمار حين تزيغ الشمس قبل الصلاة، فكان إذا رمى ~~الجمرتين علاهما، ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي. وكان يقف عند الجمرة ~~الأولى أكثر مما يقف عند الثانية، ولا يقف عند الثالثة، فإذا رماها انصرف. # قال: حدثني معمر، عن الزهري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~رمى الجمرتين وقف عندهما ورفع يديه، ولا يفعل ذلك في رمي العقبة، فإذا ~~رماها انصرف. ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للرعاء أن يبيتوا عن منى، ~~ومن جاء منهم فرمى بالليل، ورخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. # قال: فحدثني عبد الرحمن ms825 بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن حزم، عن أبي البداح ~~بن عاصم بن عدي، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء في ~~البيتوتة عن منى. # قالوا: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارموا بمثل حصى الخذف [ (1) ] ~~! ~~وكان أزواجه يرمين مع الليل. ### || خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر # قال: فحدثني هشام بن عمارة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، PageV03P1110 ~~عن عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربي [ (1) ] ، قال: وحدثنا ابن أبي ذئب، ~~عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، قالا: خطب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الغد من يوم النحر بعد الظهر على ناقته ~~القصواء. وزاد أحدهما على صاحبه في القصة، قالا: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، اسمعوا من قولي فاعقلوه، ~~فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف! أيها الناس، أي ~~شهر هذا؟ قال: فسكتوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا شهر حرام! ~~فأى بلد هذا؟ فسكتوا، فقال: بلد حرام! ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتوا، فقال: ~~يوم حرام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أن الله قد حرم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم ~~هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت؟ ~~قالوا: نعم! قال: اللهم، اشهد! ثم قال: إنكم سوف تلقون [ (2) ] ربكم ~~فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد، ألا ومن ~~كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا في الجاهلية ~~موضوع، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وأول دماءكم أضع، دم إياس بن ربيعة بن ~~الحارث- كان مسترضعا فى بنى سعد ابن ليث، فقتلته هذيل- ألا هل بلغت؟ قالوا: ~~اللهم، نعم! قال: ~~اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب! ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم، ولا ~~يحل مال مسلم إلا ما أعطى عن طيب نفس. # فقال عمرو بن ms826 يثربي، فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت غنم PageV03P1111 ~~ابن عمي، أجزر منها شاة؟ قال: وعرفني ~~فقال: إن لقيتها نعجة [ (1) ] تحمل شفرة [ (2) ] وزنادا [ (3) ] بخبت ~~الجميش [ (4) ]- الجميش واد قد عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالساحل ~~كثير الحطب، وهو واد لبني ضمرة، وهو منزل عمرو بن يثربي [ (5) ] ، ~~ويقال: خبت الجميش موضع صحراء، يقال جنب كداء- فلا تهجها! ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به ~~الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله [ (6) ] . ~~ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة ~~الشهور اثنا عشر شهرا في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر، الذي بين جمادى ~~الآخرة وشعبان، والشهر تسعة وعشرون يوما، وثلاثون، ألا هل بلغت؟ فقال ~~الناس: نعم! فقال: اللهم اشهد! ثم قال: أيها الناس، إن للنساء عليكم حقا، ~~وإن لكم عليهن حقا، فعليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يدخلن بيوتكم أحدا ~~تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، ~~وأن تضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فلهن رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان [ (7) ] لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنما ~~أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا PageV03P1112 ~~الله في النساء واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم! قال: ~~اللهم، اشهد! أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد ~~رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به. ~~إن كل مسلم أخو المسلم، وإنما المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ~~ولا ماله، إلا بطيب نفس منه، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله. ولا ~~تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض. إني قد تركت ~~فيكم ما لا تضلون به، كتاب ms827 الله، ألا هل بلغت؟ ~~قال الناس: نعم! قال: اللهم، اشهد! ثم انصرف إلى منزله. # عن ابن جريج قال: سئل عطاء: ما الضرب غير المبرح؟ قال: ~~بالسواك وبالنعل. قال عطاء: وسئل ابن عباس عن قوله عز وجل: ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا [ (1) ] قال: كلمة النكاح. قال: ونهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يبيت أحد ليالي منى بسوى منى. # قال: حدثني سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر يوم الصدر [ (2) ] ~~بالأبطح. # قال: حدثني سفيان بن عيينة، عن صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار. عن أبي ~~رافع. قال: ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل منزلا، جئت ~~الأبطح فضربت قبته، فجاء فنزل. قال: وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: إنما ~~نزل [ (3) ] بالمحصب [ (4) ] لأنه كان أسمح لخروجه. PageV03P1113 # قال: حدثني ابن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صفية بنت حيي، فقيل له: قد حاضت! قال: ~~أحابستنا هي؟ فقيل: يا رسول الله، إنها قد أفاضت. ~~قال: فلا إذا! ~~فلما جاءت عائشة رضي الله عنها من التنعيم وقضت عمرتها، أمر بالرحيل، ومر ~~صلى الله عليه وسلم بالبيت فطاف فيه قبل الصبح، ثم انصرف راجعا إلى ~~المدينة. # قالوا: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي ثلاث يقيم بها ~~المهاجر بعد الصدر. وكان سائل سأله أن يقيم بمكة، فلم يرخص له أن يقيم إلا ~~ثلاثة أيام، قال: إنها ليست بدار مكث ولا إقامة! # قال: فحدثني خالد بن إلياس، عن سعيد بن أبى سعيد، عن عبيد ابن جريج، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما ودع البيت فكان في الشوط [ (1) ] السابع خلف ~~البيت يمنى الباب. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: تعوذ بين الركن ~~الأسود والباب، وألصق بطنه وجبهته بالبيت. # قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من حج أو عمرة ms828 أو ~~غزوة، فوافى على ثنية أو فدفد [ (2) ] ، كبر ثلاثا ثم قال: لا إله إلا الله ~~وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده ~~الخير، وهو على كل شيء قدير: آئبون، تائبون، ساجدون، عابدون، لربنا حامدون! ~~صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده! اللهم، إنا نعود بك من وعثاء ~~السفر، وكآبة المنقلب، PageV03P1114 ~~وسوء المنظر في الأهل والمال! اللهم، بلغنا بلاغا صالحا نبلغ إلى خير ~~مغفرة منك ورضوان [ (1) ] ! # قالوا: ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرس [ (2) ] نهى أصحابه ~~أن يطرقوا النساء ليلا، فطرق رجلان أهلهما، فكلاهما وجد ما يكره. وأناخ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء، وكان إذا خرج إلى الحج سلك على ~~الشجرة [ (3) ] ، وإذا رجع من مكة دخل المدينة من معرس الأبطح. فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في معرسه في بطن الوادي، فكان فيه عامة الليل، ~~فقيل له: إنك ببطحاء مباركة! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه: هذه ~~الحجة، ثم ظهور الحصر [ (4) ] وكن يحججن إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، ~~قالتا: لا تحركنا دابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ### || عيادة النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص بعد حجة الوداع # قال: حدثني معمر، ومحمد بن عبد الله، ومالك، عن الزهري، عن عامر بن سعد، ~~عن أبيه، قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع ~~من وجع أصابني، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي ما ترى من الوجع، وأنا ذو ~~مال ولا يرثني إلا ابنة لي، فأتصدق بثلثي مالي؟ ~~قال: لا! قلت: فالشطر؟ قال: لا! ثم قال: الثلث، والثلث كثير! إنك أن تترك ~~ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون، وإنك لن PageV03P1115 ~~تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك! ~~فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ فقال: إنك إن تخلف فتعمل صالحا تزدد ~~خيرا ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ms829 ينتفع بك أقوام أو يضر بك آخرون. اللهم، أمض ~~لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم! ~~لكن البائس سعد بن خولة- يرثى له أن مات بمكة [ (1) ] . # قال: فحدثني سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن محمد بن الأعرج، قال: خلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد رجلا وقال: إن مات سعد بمكة فلا ~~تدفنه بها. # قال: فحدثني سفيان، عن محمد بن قيس، عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قال ~~سعد بن أبى وقاص للنبي صلى الله عليه وسلم: أيكره أن يموت الرجل في الأرض ~~التي هاجر منها [ (2) ] ؟ قال: نعم! # قال: حدثني سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن سعد، قال: ~~مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فوضع يده بين ثديي فوجدت ~~بردها على فؤادي، ثم قال: إنك رجل مفؤود- المفؤود وجع [ (3) ] الفؤاد- ~~فائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف، إنه رجل يطبب، فمره فليأخذ سبع تمرات من ~~عجوة المدينة فليجأهن بنواهن أي [ (4) ] يدقهن- ثم ليدلكك [ (5) ] بهن. ~~PageV03P1116 ### | غزوة أسامة بن زيد مؤتة # قالوا: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر مقتل زيد بن حارثة ~~وجعفر وأصحابه، ووجد عليهم وجدا شديدا، فلما كان يوم الاثنين لأربع ليال ~~بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ ~~لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش [ (1) ] في غزوهم. فتفرق المسلمون من عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مجدون في الجهاد، فلما أصبح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الغد، يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر، دعا أسامة بن ~~زيد فقال: يا أسامة، سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، ~~فأوطئهم الخيل، فقد وليتك على هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبنى وحرق ~~عليهم، وأسرع السير تسبق الخبر، فإن أظفرك الله فأقلل اللبث فيهم، وخذ معك ~~الأدلاء، وقدم العيون أمامك والطلائع. فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا ~~من صفر، بدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدع وحم. فلما أصبح يوم ~~الخميس لليلة ms830 بقيت من صفر عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده لواء، ~~ثم قال: يا أسامة، اغز بسم الله في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ~~ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة، ولا تمنوا لقاء العدو، فإنكم لا ~~تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكن قولوا: اللهم، اكفناهم، واكفف بأسهم عنا! فإن ~~لقوكم قد أجلبوا وصيحوا، فعليكم بالسكينة والصمت، ولا تنازعوا ولا تفشلوا ~~فتذهب [ (2) ] ريحكم. وقولوا: اللهم، نحن عبادك وهم PageV03P1117 ~~عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تغلبهم أنت! واعلموا أن الجنة تحت ~~البارقة. # قال: حدثني يحيى بن هشام بن عاصم الأسلمي، عن المنذر بن جهم، قال: قال: ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أسامة، شن [ (1) ] الغارة على أهل أبنى! # قال: فحدثني عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن أزهر بن عوف، عن الزهري، ~~عن عروة، عن أسامة بن زيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يغير على ~~أبنى صباحا وأن يحرق. # قالوا: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة: امض على اسم الله! ~~فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، فخرج به إلى بيت ~~أسامة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة فعسكر بالجرف، وضرب عسكره ~~في سقاية سليمان اليوم. وجعل الناس يجدون [ (2) ] بالخروج إلى العسكر، ~~فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره، ومن لم يقض حاجته فهو على فراغ، ولم يبق ~~أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو ~~عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل، فى رجال من المهاجرين والأنصار عدة: قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم ~~بن حريش. فقال رجال من المهاجرين، وكان أشدهم في ذلك قولا عياش بن أبي ~~ربيعة: ~~يستعمل [ (3) ] هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟ فكثرت القالة في ذلك، ~~فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض ذلك القول، فرده على من ~~PageV03P1118 ~~تكلم به، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms831 فأخبره بقول من قال، ~~فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، فخرج وقد عصب على رأسه ~~عصابة وعليه قطيفة، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ~~يا أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ والله، ~~لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وايم الله، ~~إن كان للإمارة لخليقا [ (1) ] وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان ~~لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي، وإنهما لمخيلان [ (2) ] لكل ~~خير، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم! ثم نزل صلى الله عليه وسلم فدخل ~~بيته، وذلك يوم السبت لعشر ليال خلون من ربيع الأول. وجاء المسلمون الذين ~~يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنفذوا بعث أسامة! ~~ودخلت أم أيمن [ (3) ] ، فقالت: ~~أي رسول الله، لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل، فإن أسامة إن ~~خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنفذوا بعث أسامة! فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد، ونزل أسامة ~~يوم الأحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل مغمور، وهو اليوم الذي لدوه ~~[ (4) ] فيه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تهملان، وعنده ~~العباس والنساء حوله، فطأطأ عليه أسامة فقبله، ورسول PageV03P1119 ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يصبها [ ~~(1) ] على أسامة. قال: فأعرف أنه كان يدعو لي. قال أسامة: فرجعت إلى ~~معسكري. فلما أصبح يوم الاثنين غدا من معسكره وأصبح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مفيقا، فجاءه أسامة فقال: اغد على بركة الله! ~~فودعه أسامة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفيق مريح [ (2) ] ، وجعل ~~نساءه يتماشطن سرورا براحته. فدخل أبو بكر رضي الله عنه، فقال: يا رسول ~~الله، أصبحت مفيقا بحمد الله، واليوم يوم ابنة خارجة فائذن ms832 لي! فأذن له ~~فذهب إلى السنح [ (3) ] ، وركب أسامة إلى معسكره، وصاح في الناس أصحابه ~~باللحوق بالعسكر، فانتهى إلى معسكره ونزل، وأمر الناس بالرحيل وقد متع [ ~~(4) ] النهار. فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن- وهي ~~أمه- تخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت، فأقبل أسامة إلى المدينة ~~معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يموت، فتوفى رسول الله حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع ~~الأول. ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف المدينة، ودخل بريدة بن الحصيب ~~بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغرزه ~~عنده، فلما بويع لأبي بكر رضي الله عنه أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت ~~أسامة وألا يحله أبدا حتى يغزوهم أسامة. قال بريدة: ~~فخرجت باللواء حتى انتهيت به إلى بيت أسامة، ثم خرجت به إلى الشام معقودا ~~مع أسامة، ثم رجعت به إلى بيت أسامة، فما زال في بيت أسامة PageV03P1120 ~~حتى توفي أسامة. فلما بلغ العرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد ~~من ارتد عن الإسلام، قال أبو بكر رضي الله عنه لأسامة رحمة الله عليه: ~~انفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخذ الناس ~~بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بريدة باللواء حتى انتهى إلى ~~معسكرهم الأول، فشق على كبار المهاجرين الأولين، ودخل على أبي بكر عمر، ~~وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد ابن زيد، فقالوا: ~~يا خليفة رسول الله، إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب، وإنك لا تصنع ~~بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئا، اجعلهم عدة لأهل الردة، ترمي بهم في ~~نحورهم! وأخرى، لا نأمن على أهل المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري ~~والنساء، فلو استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه [ (1) ] ، وتعود ~~الردة إلى ما خرجوا منه أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ فنحن نأمن ~~الروم أن تزحف إلينا! فلما ms833 استوعب أبو بكر رضي الله عنه منهم كلامهم قال: ~~هل منكم أحد يريد أن يقول شيئا؟ ~~قالوا: لا، قد سمعت مقالتنا. فقال: والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع ~~تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث، ولا بدأت بأول منه، ~~ورسول الله ينزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفذوا جيش أسامة! ~~ولكن خصلة، أكلم أسامة في عمر يخلفه يقيم عندنا، فإنه لا غناء بنا عنه. ~~والله، ما أدري يفعل أسامة أم لا، والله إن رأى لا أكرهه! فعرف القوم أن ~~أبا بكر قد عزم على إنفاذ بعث أسامة. ومشى أبو بكر رضي الله عنه إلى أسامة ~~في بيته، وكلمه أن يترك عمر، ففعل PageV03P1121 ~~أسامة، وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة: نعم! وخرج وأمر ~~مناديه ينادي: عزمة مني ألا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لن أوتى بأحد أبطأ عن الخروج معه ~~إلا ألحقته به ماشيا. وأرسل إلى النفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في ~~إمارة أسامة، فغلظ عليهم وأخذهم بالخروج، فلم يتخلف عن البعث إنسان واحد. # وخرج أبو بكر رضي الله عنه يشيع أسامة والمسلمين، فلما ركب أسامة من ~~الجرف في أصحابه- وهم ثلاثة آلاف رجل وفيهم ألف فرس- فسار أبو بكر رضي الله ~~عنه إلى جنب أسامة ساعة، ثم قال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، ~~إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيك، فانفذ لأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه، وإنما أنا منفذ لأمر أمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج سريعا فوطئ بلادا هادئة لم يرجعوا عن ~~الإسلام- جهينة وغيرها من قضاعة- فلما نزل وادي القرى قدم عينا له من بني ~~عذرة يقال له حريث، فخرج على صدر راحلته أمامه مغذا [ (1) ] حتى انتهى إلى ~~أبنى، فنظر إلى ما هناك وارتاد الطريق، ثم رجع سريعا حتى لقي أسامة على ~~مسيرة ليلتين من أبنى، فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم، ms834 وأمره أن يسرع ~~السير قبل أن تجتمع [ (2) ] الجموع، وأن يشنها غارة. # قال: فحدثني هشام بن عاصم، عن المنذر بن جهم قال: قال بريدة لأسامة: يا ~~أبا محمد، إني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصى PageV03P1122 ~~أباك أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أطاعوه خيرهم، وإن أحبوا أن يقيموا في ~~دارهم ويكونوا كأعراب المسلمين، ولا شيء لهم في الفيء ولا الغنيمة إلا أن ~~يجاهدوا مع المسلمين، وإن تحولوا إلى دار الإسلام كان لهم ما للمهاجرين ~~وعليهم ما على المهاجرين. قال أسامة: هكذا وصية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأبي، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني، وهو آخر عهده إلي، أن ~~أسرع السير وأسبق الأخبار، وأن أشن الغارة عليهم بغير دعاء، فأحرق وأخرب. ~~فقال بريدة: سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فلما انتهى إلى أبنى فنظر إليها منظر العين عبأ أصحابه وقال: اجعلوها ~~غارة ولا تمعنوا في الطلب ولا تفترقوا، واجتمعوا وأخفوا الصوت، واذكروا ~~الله في أنفسكم، وجردوا سيوفكم وضعوها فيمن أشرف لكم. ثم دفع عليهم الغارة، ~~فما نبح كلب ولا تحرك أحد، وما شعروا إلا بالقوم قد شنوا عليهم الغارة ~~ينادون بشعارهم: يا منصور أمت!. فقتل من أشرف له، وسبى من قدر عليه، وحرق ~~في طوائفهم [ (1) ] بالنار، وحرق منازلهم وحرثهم [ (2) ] ونخلهم، فصارت ~~أعاصير من الدخاخين [ (3) ] . وأجال الخيل في عرصاتهم، ولم يمعنوا في ~~الطلب، أصابوا ما قرب منهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة، ما أصابوا من ~~الغنائم. وكان أسامة خرج على فرس أبيه التي قتل عليها أبوه يوم مؤتة كانت ~~تدعى سبحة، وقتل قاتل أبيه فى الغارة، خبره به بعض PageV03P1123 ~~من سبى، وأسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما، وأخذ لنفسه مثل ذلك. ~~فلما أمسوا أمر الناس بالرحيل، ومضى الدليل أمامه، حريث العذري، فأخذوا ~~الطريق التي جاء منها، ودانوا ليلتهم حتى انتهوا بأرض بعيدة، ثم طوى البلاد ~~حتى انتهى إلى وادي القرى في تسع ليال، ثم قصد بعد في السير فسار [ (1) ] ~~إلى المدينة، وما أصيب من المسلمين أحد. ms835 فبلغ ذلك هرقل وهو بحمص، فدعا ~~بطارقته فقال: هذا الذي حذرتكم، فأبيتم أن تقبلوه مني. ~~قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر تغير عليكم، ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم. ~~قال أخوه: سأقوم [ (2) ] فأبعث رابطة [ (3) ] تكون بالبلقاء [ (4) ] . ~~فبعث رابطة واستعمل عليهم رجلا من أصحابه، فلم يزل مقيما حتى قدمت البعوث ~~إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. # قالوا: واعترض لأسامة في منصرفه قوم من أهل كثكث- قرية هناك- قد كانوا ~~اعترضوا لأبيه في بدأته فأصابوا من أطرافه، فناهضهم أسامة بمن معه، وظفر ~~بهم وحرق عليهم، وساق نعما من نعمهم، وأسر منهم أسيرين فأوثقهما، وهرب من ~~بقي، فقدم بهما المدينة فضرب أعناقهما. # قال: فحدثني أبو بكر بن يحيى بن النضر، عن أبيه، أن أسامة بن زيد بعث ~~بشيره من وادي القرى بسلامة المسلمين، وأنهم قد أغاروا على العدو فأصابوهم، ~~فلما سمع المسلمون بقدومهم خرج أبو بكر رضي الله عنه في المهاجرين، وخرج ~~أهل المدينة حتى العواتق سرورا بسلامة أسامة PageV03P1124 ~~ومن معه من المسلمين، ودخل يومئذ على فرسه سبحة كأنما خرجت من ذي خشب، ~~عليه الدرع، واللواء أمامه يحمله بريدة، حتى انتهى به إلى المسجد، فدخل ~~فصلى ركعتين وانصرف إلى بيته معه اللواء. وكان مخرجه من الجرف لهلال شهر ~~ربيع الآخر سنة إحدى عشرة، فغاب خمسة وثلاثين يوما، عشرون في بدأته، وخمسة ~~عشر في رجعته. # قال: فحدثني محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد، عن أهله، قال: ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسامة ابن تسع عشرة سنة، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زوجه وهو ابن خمس عشرة سنة امرأة من طيء، ففارقها ~~وزوجه أخرى. وولد له في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على بنائه بأهله. # قال: فحدثني أبو الحر عبد الرحمن بن الحر الواقفي، من ولد السائب، عن ~~يزيد بن حصيفة، أن ابنا لأسامة بن زيد بن حارثة رحمه الله دخل به على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms836 في بيت أم سلمة، وهو أسود، فقالت أم سلمة: يا رسول ~~الله، لو كان هذا جارية ما نفقت. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~بلى، إن شاء الله يجعل لها مسكان من ورق، وقرطان [ (1) ] ، ويجعل على ~~المسلمين حلوق، فكأنه ذهب. # قال: حدثني محمد بن حوط، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، قال: كان ~~أسامة بن زيد قد أصابه الجدري أول ما قدم المدينة وهو غلام، مخاطه يسيل على ~~فيه، فتقذر به عائشة رضى الله عنها، فدخل PageV03P1125 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق يغسل وجهه ويقبله. قالت عائشة: ~~أما والله، بعد هذا فلا أقصيه أبدا. # عن محمد بن الحسن، عن حسين بن أبي حسين المازني، عن ابن قسيط، عن محمد بن ~~زيد، قال: سقط أسامة فأصاب وجهه شجة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يمص الدم ويبصقه. # عن ابن جريج، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى ابن جعدة، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة وهي تمسح عن وجه أسامة شيئا، ~~فكأنها تأذت به، فاجتذبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهرها، فقالت: لا ~~أتأذى به أبدا. # قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أن مجزز ~~المدلجي نظر إلى زيد وأسامة، وعليهما قطيفة وهما مضطجعان، قد خمرا رؤوسهما ~~وأرجلهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. ~~فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبه أسامة زيد بن حارثة. # عن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا قط إلا مرة واحدة، جاء زيد بن حارثة ~~من غزوة يستفتح، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فقام عريانا يجر ~~ثوبه فقبله. # قال: حدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الحويرث، ومخرمة بن بكير، عن أبيه، عن ~~عروة بن الزبير، قالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأم كلثوم بنت ~~عقبة: تزوجي زيد ms837 بن حارثة فإنه خير لك. PageV03P1126 ~~فكرهت ذلك، فأنزل الله عز وجل: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا ~~مبينا. ~~صدق الله العظيم. # تم كتاب المغازي بحمد الله ومنه PageV03P1127 ms838