######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037473 #META# 000.BookURI :: #0213.IbnHisham.Tijan #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ) يرويه عن أسد بن موسى عن أبي إدريس ابن سنان عن جده لأمه وهب بن منبه رضي الله عنهم #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 213 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التيجان في ملوك حمير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037473 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37473 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37473 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، first #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، صنعاء - الجمهورية العربية اليمنية #META# 044.EdPLACE ::صنعاء Sanaa #META# 045.EdYEAR :: 1347 هـ / 1928-1929 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: 506 #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها على الوفاء والكمال والحمد لله على كل حال PageV01P323 # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله حمد الشاكرين وسبحانه تعداد الأيام والسنين وصلى الله على ~~رسوله خاتم النبيين وخيرته من خلقه الأمين وعلى آله الطاهرين ورحمته ~~وسلامه. # حدثنا عبيد بن شرية الجرهمي عن البرقي يرفع الحديث: أن معاوية بن ~~أبي سفيان، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عشر سنين ووليها لعثمان أيضا ~~عشرا، ثم وليها بنفسه عشرين سنة، ودانت له المشارق والمغارب ونال رفاعة ~~الملك - وهو أول من تملك واتخذ المقصورة ووقف على رأسه إذا سجد وجمع ~~الأموال - وكانت أفضل لذاته في آخر عمره المسامرة وأحاديث من مضى. فقال له ~~عمرو بن العاص: لو بعثت إلى الجرهمي الذي بالرقة من بقايا من مضى فانه أدرك ~~ملوك الجاهلية وهو أعلم من بقي اليوم في أحاديث العرب وأنسابها، وأوصفه لما ~~مر عليه من تصاريف الدهر. فبعث إليه معاوية، فأتى في محمل بعد أيام كثيرة ~~وشدة شوق من معاوية إليه، فدخل عليه شيخ كبير السن صحيح البدن ثابت PageV01P325 # العقل منتبه ذرب اللسان كأنه الجذع فسلم على معاوية بالخلافة، فرحب به ~~معاوية وقال له: أني أردت اتخاذك مؤدبا لي وسميرا ومقوما، وانا باعث إلى ~~أهلك وأنقلهم إلى جواري وكن لي سميرا في ليلي ووزيرا في أمري. قال: يا أمير ~~المؤمنين (رأيتني ورأيت رحلي) فأرسلها مثلا في العرب، قال له معاوية: فذلك ~~أخف لمئونتك وأحلى للزومك. فأمر به معاوية فأنزله في قربه وأخدمه وأمر من ~~يجري وضيفته ووسع عليه وألطفه. فإذا كان ذلك في وقت السمر فهو سميره في ~~خاصته من أهل بيته وكان يقصر عليه ليله ويذهب عنه همومه وأنساه على كل سمير ~~كان قبله ولم # يخر على قلبه شيء قط إلا وجد عنده فيه شيئا وفرحا ومرحا. فإذا به كان ~~يحدثه وقائع العرب وأشعاره وأخباره أمر أهل ديوانه وكتابه أن يوقعوه ويدونه ~~في الكتب. فبينما هو ذات يوم في مجلس لمعاوية وفيه عمرو ms001 بن العاص وجماعة من ~~قريش - وقد أخذوا في الحديث وعبيد بن شرية يحدثهم - قال له معاوية: كما أتى ~~عليك من العمر يا عبيد؟ قال: كثيرا يا أمير المؤمنين، كفاك إنه لم يبق ~~جرهمي غيري أتى علي مائة سنة وخمسون سنة. قال له معاوية: هل شهدت دخول ~~الحبشة ورجمها البيت الحرام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. إنما كان ذلك ~~بالأمس، ولقد أدركت عامة ملوك لخم وكندة وحمير وغسان. قال له معاوية: حدثني ~~يا عبيد كيف كانت الجاهلية باليمن ولم يكن لبنى معد بن عدنان معهم ذكر ولم ~~يظفروا منها طائل؟ قال: يا أمير المؤمنين، ومثلك يجهل هذا إنما كانت مضر ~~بالأمس وكانت اليمن وملكت ولم يكن مضر ولا معد ولا عدنان ولا إسماعيل، إنما ~~اليمن من ولد هود واسمه بالسريانية عابر وبينه وبين PageV01P326 # إبراهيم عليه السلام ثمانمائة سنة وعاش صلوات الله عليه مائتي سنة وقيذار ~~عاش مائة سنة وأربعين سنة ومضر من ولد قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم فكيف ~~حتى ولد عدنان ومعد ونزار ومضر وكيف حتى شعبت الآثار وانتشروا في البلاد؟ ~~فالله معاوية: صدقت وبررت. أخبرني عنك مالك إذا ذكرت إبراهيم لم تملك أن ~~تصلي عليه، وقد ذكرت والدكم هودا نبي الله فلم تصل عليه وهو نبي الله! قال: ~~يا أمير المؤمنين والله لهو أحب إلي من أبي الذي حملني في صلبه وأحب ألي من ~~أمي التي أرضعتني ولا أعدل بخليل الرحمن أحدا ولا محمدا صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولا هودا صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء. قال له معاوية: انك لمنصف ~~فخذ في حديثك يرحمك الله عن ملوك اليمن. وقد بلغني عن حمير وسيرها في ~~البلاد وملكها في مشارق الأرض ومغاربها وكيف كان ذلك تسخر العرب والعجم؟ ~~وعن # افتراق السنة الناس وعن أهل بابل؟ ومتى كان ذلك؟ وكيف كان ذلك؟ وسألتك ~~الاتمر بشعر تحفظه فيما قاله أحد إلا ذكرته؟ قال: يا أمير المؤمنين لك في ~~غير هذا الحديث ما يقصر ليلك وتلذ به في نهارك فإن فيه ما ms002 تهوى وما لا تهوى ~~ومغضبة وشغفا للملوك! ونعش المودة. قال: عزمت عليك إلا اتبعت هواي وحدثتني ~~ما علمت مما أسألك عنه فأنت في جوار الله وذمته وآمان مني ومن غضبي ونعش ~~مودتي. قال جميع جلساء معاوية: ولك منا ذلك من جميعنا. وأمر معاوية كتابه ~~أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شرية في كل مجلس سمر قيه مع معاوية. قال ~~عبيد: سل يا أمير المؤمنين، قال معاوية: فمن العرب العاربة ومن العرب ~~المستعربة؟ قال: يا معاوية أتعلم أنت وغيرك من أولى العلم إنما هي عاد ~~وثمود وسم وجديس وأرم والعماليق ورهم وقحطان بن هود، فهم PageV01P327 # كانوا أوائل الناس منهم يعرب الذي تكلم بالعربية كل أخذه من يعرب ابن ~~قحطان بن هود وإليه تنسب العربية. فقيل: عربي لأن يعرب أول من نطق بها وليس ~~أحد غيره تكلم قبله بها، فهذه الأجناس التي سميت لك تكلمت بكلام يعرب بن ~~قحطان بن هود، النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان إسماعيل ونقله أبوه ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم من بلاده فأنزله بمكة فكنا نحن جرهم أهل البلد ~~الحرام فنشأ إسماعيل فينا وتكلم بكلام العربية وتزوج منا. فجميع ولد ~~إسماعيل من بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وأبوه وإسماعيل منا. وأنتم يا قريش ~~منا، والعرب بعضها من بعض. ألم تعلموا أنكم من ولد إسماعيل بن إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم، وإبراهيم ونحن ولدنا وأبوه آزر واسمه تارخ بن ناحور بن ~~ارغو بن شارخ بن فالغ بن عابر - وهو هود - فهو أبونا وأبوكم فنحن ولدناكم ~~وأنتم منا ونحن منكم قليل في كثير - قال معاوية: كانك تحدث عن حديث ~~الجاهلية! قال عبيد: يا أمير المؤمنين لك في الإسلام ما يغنيك عن ذلك، فقد ~~محق الإسلام ما كان قبله - كما محق # الشمس ضوء القمر - قال: عزمت عليك إلا حدثتني عما أسألك عنه؟ قال: يا ~~أمير المؤمنين كان من خبر أهل بابل وافتراق السنة الناس، إنه لما كثر ولد ~~سام ويافث وحام - أولاد نوح - في بلاد الله وأراد الله ms003 أن يفرقهم في ~~البلدان ويخالف بين ألسنتهم، فبعث عليهم الأرواح الأربع، قال معاوية: ما ~~هذه الأرواح الأربعة؟ قال: الشمال والجنوب والصبا والدبور، فضمتهم الأرواح ~~الأربع من أربع جوانب من كل ناحية كانوا بها ساقتهم فجمعتهم ببابل وكانوا ~~بها، ثم مكثوا بها ثلاثة أيام يموج بعضهم في بعض وعلموا أن ذلك أمر من ~~السماء ولا يدرون ما يراد بهم غير أنهم لا يشكون أن الله PageV01P328 # الذي فعل بهم ذلك، والله مظهر إرادته. فلما كان اليوم الرابع سمعوا من ~~قبل السماء صوتا ينادي: إلا أن الله مفرق بين ألسنتكم ومسكنكم أطراف الأرض ~~فأيما قوم توجهوا وجها فكلامهم ولسانهم واحد. قال معاوية: وما كان اللسان ~~يومئذ؟ قال عبيد: سرياني أوله وآخره وهو لسان أبينا آدم عليه السلام ونوح ~~وإدريس. قال معاوية: كيف اختصت أرض بابل باجتماع الناس فيها؟ قال عبيد: هي ~~سرة الأرض في فضلها وأراد الله ذلك بها. قال معاوية: ومن أول من انطقه الله ~~غير السريانية، وأول من توجه من بابل؟ قال: أول من توجه من بابل يعرب بن ~~قحطان ابن عابر - وهو هود النبي عليه السلام - بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن ~~نوح توجه من بابل بجميع ولده ومن اتبعه، ثم نادى إني سائر في بلاد الله فمن ~~تبعني فله ما لي وعليه ما علي. قال معاوية: بالعربية أم بالسريانية؟ قال ~~عبيد: لم ينطق بغير اللسان السرياني حتى استقر به قراره في بلد سوى بابل. ~~قال معاوية: سألتك إلا أخبرتني بما تكلم يعرب أو ما تكلم؟ قال: يا أمير ~~المؤمنين ذكر اسم ربه عند نزوله بالعربية وتكلم شعرا وتكلم بها بعده ولده. ~~قال معاوية: أذكر الشعر الذي قاله يعرب. قال عبيد قال يعرب: # أنا ابن قحطان الهمام الأقيل ... لست بنكال ولا مؤمل # والمبتدئ باللسان المسهل ... بالمنطق إلا بين غير المشكل # برزت والأمة في تبلبل ... نحو يمين الشمس في تمهل # ونقهر الأمة في تفضل ... قد جاءنا نوح بقول فيصل # ونوح جد للجدود الأول ... لابد في عقب الزمان الأطول PageV01P329 # نميركم ينطق ms004 بالمرسل ... بالنحو والإعراب والتنزل # وكل خير ما روى الرواة لي ... من الآلة ذي الجلال المفضل # قال معاوية: فأين توجه؟ قال عبيد: لما خرج يعرب بجميع ولده - وكان أقوى ~~ولد سام بن نوح - وأعظمهم شأنا لم يقصر حتى نزل بأرض اليمن التي هم بها ~~اليوم. قال معاوية: فمن شخص بعد يعرب؟ قال: عاد ابن عوص بن ارم بن سام بن ~~نوح حتى جاوره. قال معاوية: فما صار إليه شأنه وبما أنطقه الله؟ قال عبيد: ~~لما توجه إلى ما قبل يعرب تكلم بكلام يعرب. قال: فهل نطق بشيء من الشعر؟ ~~قال: نعم كثير. قال: فاذكر بعض ما ذكره فانا نرويه، قال عبيد: سأذكر لك من ~~كل شيء سببا. قال عبيد: لما استقر باد قراره أنشأ يقول: # إني أنا عاجد الطويل النادي ... ذو العز والقوة والسداد # والبطش والموال والأولاد ... يا قوم أجيبوا صوت ذا المنادى # فقد سمعتموه إذ ينادي ... من غير ما شخص ترون بادي # ففيه عبرة لذي السداد ... فسرت بالطارف والتلاد # حتى حللت بالهمام عادي ... قد قال نوح خيركم أولادي # عاد المعادي غالب الأعادي ... من ولد عوص الغر ذي الميعاد # وحل عاد بالأحقاف، ثم شخص بعده ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح في ~~وادي صنعاء ليعرب حتى حل في جهتهم وتكلم بكلامهم - وبعض ما قال حين نزل ~~مضاهيا لقول بني أعمامه: # يا قوم سيروا واعلموا القعودا ... لعلنا ندرك ذا الوفودا PageV01P330 # ويعرب المتوج الصنديدا ... وخلفوا الأرذال والوغودا # والمعشر الأنذال والعبيدا ... قد مات نوح راشدا محمودا # وقال إن خيركم ثمودا ... وسوف بعدي يوصفون جودا # ويبعث الله لكم وليدا نبي صدق راحما ودودا # ونزل هؤلاء الحجر إلى قرح وهو نجو وادي القرى بين الشام والحجاز، قال ~~ثمود أيضا يدعو آخاه جديسا ويرغبه في إتباعه إياه: # أيا جديس يا جديس ويحكا ... أخوك لا تؤثر عليه عمكا # ولا تصر من منه حبلكا ... ويعرب الهمام بادر مجدكا # وعاد ما عاد فاوطا الملكا ... لا تكثرون في المقام رأيكا # قال: فلما انتهى قوله إلى جديس رحل في ms005 طلبهم بجميع ولده ومن اتبعه معهم ~~فنزل بقربهم ونطق بكلامهم لام يعرب - وبعض ما قال له جديس: # أيا ثمود قد أجبت صوتك ... وقد عرفت أن المجد مجدك # فدتك نفسي يا ثمود أنك ... دعوتني فما عصيت أمرك # وكيف صبري يا ثمود بعدك ... وبعد عاد لا عدمت قربك # ثم شخص بعده عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح متوجها في أثرهم حتى حل ~~بقربهم بجميع ولده ومن ينسب إليه فتكلم بلسانهم وهو كلام يعرب. قال معاوية: ~~سألتك إلا شددت حديثك ببعض ما قالوا من الشعر ولو ثلاثة أبيات؟ قال عبيد: ~~في بعض ما قال عمليق: # لما رأيت الناس في تبلبل ... وسار مناخيرنا في أول # خير الملوك يعرب المفضل ... بالسادة الغر ذوي التجمل # أهل الحجا والنبل والتبتل ... وسار عاد ذو القوام الأطول # فجد منا في لحاق المعقل ... بمورد الحزم بأمر فيصل # فقلت سيروا غير ما تخزل ... فسرت طردا بلا سوام النقل PageV01P331 # فقلت يا طسم إلي فأعجل ... إني أنا عمليق غير مشكل # أريد أرضا ذات ملك أطول ... لعلنا نحل دار العدمل # ثم اتبعه طسم بن لاوذ بن ارم بنسام بن نوح حتى لحق آخاه عمليقا فتكلم ~~بكلام يعرب قال: # إني أنا طسم شبيه سام ... ووالدي لاوذ بن أرم # لما رأيت من بني أعمامي ... وإخوتي الرحيل باعتزام # قد اقتدوا بيعرب الهمام ... كرهت بعد أخوتي مقامي # وكيف صبري بعد آل سام ... عمليق ثم عاد ذي القوام # ويعرب ذي العزم والإقدام ... وخلفنا يافث وآل حام # قال معاوية: هؤلاء أجمع ولد سام بن نوح؟ قال عبيد: نعم لم يرحل معهم ~~سواهم. قال معاوية: فنزلوا جميعا أم شتاتا؟ قال: كل ذلك يا أمير المؤمنين ~~لما ناداهم الصوت ببابل كل قوم توجهوا ناحية واحدة وكلامهم واحد، توجه يعرب ~~أول من توجه بولده ولحق به ولد سام فتكلموا جميعا بالعربية نزلوا جهة ~~واحدة: فنزل يعرب وولده باليمن ونزل عاد بالأحقاف، ونزل ثمود مما يليهم على ~~الساحل وجاور بعضهم بعضا، وبقي ببابل ولد يافث وولد حام. قال معاوية: فلم ~~صار ms006 أمرهم إليه؟ قال: يأتي عليك في الحديث حتى أخبرك خبرا يغنيك، إنه لما ~~كثر ولد يعرب وولد عاد وثمود وطسم وعمليق وجديس ضاقت بهم أرضهم، فأول من ~~رحل منهم عمليق وولده حتى أتوا الحرم فنزلوا به كافة. قال معاوية: وهم ~~يعلمون إنه حرم الله؟ قال عبيد: نعم قد كانوا لمعلمون أن آدم وإدريس ونوحا ~~كانوا يعظمونه. قال عاوية: فمن قال في نزولهم PageV01P332 # الحرم شعرا. قال: نعم قد قال أصغر # بن الحارث بن يعفر بن عمليق: # أنا ابن مأمون الجوار الأصعر ... الحارث المفضال نجل يعفر # وجدي السيار غير المنكر ... عمليق إذ سار بجيش مشهر # لما رأيت الدهر ذا غير ... فسرت سيرا بالجموع البهر # من آل عمليق الكريم المفخر ... إلى حريم الأرض أرض المحشر # من أرض سام جدنا الموثر # فلما رأى ذلك ولد جديس رحلوا بأجمعهم حتى نزلوا بأرض اليمامة فاتسعوا ~~بها. فلما رأى ذلك جميع ولد طسم لم يهنئهم المقام بعد ولد جديس وضاق بهم ~~المقام وقد بلغهم عن بني جديس سعة بلادهم فرحلوا حتى حلوا بهم وقال في ذلك ~~الأعجب بن مهراق بن سلام بن جديس: # غرنا الدهر بطول للبقا ... ورمى الدهر فأودى إذ رمى # فلقد أخنى علينا كلكلا ... مهد القوة منا والقوى # رحلت طسم إلينا للقضا ... بعدما ضاقت بها الأرض الفضا # فقبلناها على ما كان من ... حدث الدهر وقلنا مرحبا # ليس عيش دونكم يصفو لنا ... كل عيش بعد طسم لا صفا # ابلغا يعرب عنا لما ... دارت الشمس وأوفت بالسما # يا خليلي سلاما دائما ... من عشير بهم شط النوى # ليت شعري كيف أنتم بعدنا ... يا بني يعرب يا أهل الحجا # يا بني يعرب أنتم سادة ... كنتم من آل سام في الذرى # ولقد فضلكم خالقكم ... بلسان فيه نور وسنا # فجميع الناس طوعا لكم ... كلهم فلا عز فيكم والسنا PageV01P333 # وبنو عاد جميعا غلبوا ... من يناويهم بعزوبها # وبني عمليق منا فاذكروا ... وبني طسم وكل قربا # إنما ابكي لنأتي عنهم ... وبحق يسأل منا من بكى # ذل من أصبح من أخيارنا ... نازح الدار وأمسى موهنا ms007 # لست أنساه إذا نادى بنا ... يوم نادانا بلا شخص يرى # فانصرفنا إلى أوطاننا ... بكلام غير سر بيننا # بعدما كان لسانا واحدا ... صار اثنين وسبعين سوا # قال: فما صنع من بقي ببابل من ولد حام ويافث وقد سبقهم ولد سام إلى أفضل ~~البلدان؟ قال: فسار طسم بن لاوذ بن يافث بن نوح راغبا عن مسير ابن عمه حتى ~~دخل أرض فارس، فيقال ان جميع أجناس الفرس منولده، فلما رآهم جميع ولد يافث ~~بن نوح قد رحلوا، بأجمعهم حتى حلوا بين المشرق والمغرب من ناحية الجربياء - ~~وهم فيما يقال الترك والصقالبة وياجوج وماجوج وبرجان والروم والأسبان - ~~والروم ولد ياوار بن يافث بن نوح وولد ياجوج وماجوج بن يافث بننوح، الترك ~~وأجناسهم وماشج بن يافث بننوح وبرجان من بني يافث بن نوح، والصقالبة ولد ~~اشميل بن يافث بن نوح، ثم سار جميع ولد كوش بن حام ابن نوح وأجناسهم حتى ~~حلوا أطواف المشارق والمغارب. وأما ولد كنعان ابن حام بن نوح فهم ولد كنعان ~~بن كوش بن حام - وهم البربر - فسار حتى جاز بفلسطين وبيت المقدس وفي أطراف ~~الأرضين وأتوا بها حتى بعث الله نبيه داود وهو الذي أسس بيت المقدس وسليمان ~~بن داود معه ولقد بلغني أن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم سأل الله أن ~~لا يدخل PageV01P334 # بيت المقدس مؤمن بالله ورسله وكبه إلا أخرجه الله من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه فأعطاه الله ذلك ولم تسخر الريح بعده لأحد ولا الشياطين ولا العفاريت ~~ولا الطير، وبلغني إنه لم يملك أحد ملكه. فدعا داود البربر إلى الله فكذبوه ~~وقاتلوه كما سمعت في كتاب الله {وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك # والحكمة} وبلغني عن هذه الآية {إن فيها قوما جبارين} أنهم أولاد بربر ابن ~~كنعان بن كوش بن حام، فقتلهم بعد ذلك يوشع بن نون، فلم يزل يقاتلهم حتى ~~نقلهم إلى أطراف الأرض ملك من ملوك حمير يقال له افريقيس. # ثم ابرهة ذو المنار بن الرائش كثير الغزو ومغير في الأرض. فلما ms008 دخل أرض ~~أفريقية وباسمه سميت أفريقية، فرأى أرض المغارب يبة خالية طنجة وتنيس ~~فنقلهم إليهما وعمر بهم المغارب وأطراف الأرض. وأما أخوتهم ولد قبط بن ~~مصرايم بن حام فنزلوا بفلوات المغارب ففيهم أنزل الله {إن فيها قوما ~~جبارين} و {قتل داود جالوت} وهم يدعون إلى قيس وكانت البربر ولم تكن قيس ~~قاطنة مصر - وهم ولد سام بن نوح والبربر من ولد حام - فأين الملتقى إلى نوح ~~ولكنهم بالأمس نظروا أهل تنيس إذ كانوا ببيت المقدس ولو دعاهم أحد إلى نسبه ~~أيضا أجابوه ولكنهم ولد بربر بن كنعان بن كوش بن حام، وذو والأحلام منهم ~~يعلمون أن هذا باطل - وهم أقدم من ذلك - وهل يجهل ما وصفت لك أهل العلم ~~منهم - وهم أخوة النوبة - وولد قوط الحبشة، وفيهم ما في ولد حام من عزة ~~النفس والشجاعة والشدة وقلة الرحمة ونساءهم أرحم من رجالهم، وفيهم الجفاء ~~والخلف نرى ثقل أهل الحلم منهم، فنقول: صالحون ما لم يغضبون فإن غضبوا ~~كفروا، دين أحدهم على طرف لسانه أصحاب غدر PageV01P335 # وسحر لا يعرفون المكر من جاء إليهم منعوه كان على الحق أو غيره. ولا ~~ينقادون بعضهم لبعض - تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى - لهم بأس وصبر وقد حرموا ~~النصر يربحون ولا يربحون ولا يدينون وإن قهروا يتبعون أهواءهم ويعصون ~~أمراءهم إلا أن كانوا من غيرهم، حالفهم الخسران ولا ينظرون في النقصان، ~~يكثرون الحجج من غير نية ويحلون في الحمية وأومأت أحدهم على غية، أطوع ~~الناس لمخلوق في معصية الخالق أصحاب لهو وطرب، وأمورهم عجب من العجب لا ~~يوقرون كبيرا ولا يرحمون # صغيرا، يسيغون الأنساب ويتبعون الغراب من جاءهم بالإفك صدقوه، وإن دعاهم ~~أجابوه، ويهينون الأموال ويكثرون الانتقال، يطرحون المودة ويخلفون الصديق، ~~والقسوةمن رجالهم والرحمة من نساءهم. # وبلغني في الحديث يرفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم {إن الملح ~~والشهرة نزعت من بني إسرائيل وجعلت في نساء البربر} وبلغني أن أولاد بربر ~~بن كنعان بن كوش بن حام الذين يزحفون لرجل من ولد فاطمة حتى يردوه إلى ms009 مكة ~~- وهو صاحب العدل في آخر الزمان - وأصحابه يقال لهم الغرباء. # قال له معاوية: قلت الصواب إن شاء الله وإن كلامك طيب وشقاء لما في ~~الصدور، فأخبرني من كان الملك؟ قال عبيد: كان الملك يومئذ فارس بن أرم بن ~~سام بن نوح، وافترقوا في البلدان، ثم ملك يعرب جميع ولد سام وكل جنس ملكهم ~~منهم. قال معاوية: أخبرني عن القبط، من أبوهم وهل ملك منهم أحد؟ قال عبيد: ~~أبوهم مليط بن ماش، وكان ملكهم دارا بن دارا الذي قتله الاسكنر. قال ~~معاوية: فهل ملك القبط؟ PageV01P336 # قال: نعم كان ملكهم نمرود بن كنعان بن كوش بن حام وهو الذي أرسل إليه ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليه قال: قد كان ادعى الربوبية قال: نعم يا ~~معاوية يا سبحان الله لقد رغبته نفسه إلى أمر عظيم. قال عبيد: وقد كان ~~فرعون قال أنا ربكم الأعلى ولم يملك إلا مصر وحدها وقوله: يدلك على ذلك إنه ~~قال {أليس لي ملك مصر وهذه النهار تجري من تحتي أفلا تبصرون} قال معاوية: ~~فما فعل نمرود؟ قال عبيد: لم يزل إبراهيم صلى الله عليه وسلم يدعوه وأهل ~~مملكته فعصى فأهلكه الله ومن معه من الكافرين، فأقام إبراهيم يدعوه ما شاء ~~الله، ثم دعا بالختان فزعموا إنه اختتن وهو ابن عشرين سنة ومائة سنة وعاش ~~بعد ذلك ثمانين سنة وأمر بالمسير إلى بيت الله الحرام ووضع عند البيت ابنه ~~إسماعيل وأم إسماعيل وكان أهل البيت يومئذ العماليق وجرهم وكانت أمور # كثيرة بعد. # قال: يا معاوية كان صالح وهود قبل إبراهيم بمائتي سنة، ولقد بلغني أن بين ~~موت هود وصالح خمسمائة سنة. قال معاوية: كذلك بلغني. قال معاوية: فما الذي ~~أخرج جرهما من دار اليمن إلى الحرم؟ قال: لما تبلبلوا ولد يعرب وكثروا ~~وضيقوا عليهم وتمادوا بأجمعهم على جرهم فرحلوا إلى الحرم. قال معاوية: فكم ~~كانوا ولد قحطان الذين من صلبه خاصة؟ قال عبيد: كان جميع ولد قحطان أكبرهم ~~يعرب وهو أول من تكلم بالعربية وأول من حيي بتحية ms010 الملوك أبيت اللعن وهي ~~تحية الملوك ملوك الجاهلية وهو أول من حيي بها، والحارث بن قحطان وحضر موت ~~بن قحطان ولام بن قحطان والعاص بن قحطان والشمر بن قحطان والملتمس بن قحطان ~~وتحاسم بن قحطان وماعز بن قحطان وتبع بن قحطان والقطام بن قحطان وظالم بن ~~قحطان وجرهم بن قحطان وامهم PageV01P337 # امرأة من ولد عاد وكلهم قد ملك ملكا عظيما غير ظالم كان يسير بالجيوش. ### | حديث هلاك عاد # قال معاوية: فحدثني يا عبيد عن هلاك عاد وكيف كان هلاكهم؟ قال عبيد: يا ~~معاوية. إنه كان عاد بن عوص بن سام بن نوح - وهو الذي أحدث له عشرة من ~~الولد وهم: شداد وهو أول من ملك منهم وطال ملكه وهو الذي عمل أرم ذات ~~العماد، والخلود وهم رهط النبي هود صلى الله عليه وسلم، وتيم بن عاد وبر ~~وبهار والعنود والحقود والصور وهم رهط أبي سعيد المؤمن وصدوهم رهط لقمان بن ~~عاد صاحب النسور، ووفد وثمود ومتاب وهم رهط صاحب السحابات وأس وفد غار ورمل ~~- وكانت عاد عشر قبائل وكانوا عربا، وكانت مساكنهم الأحقاف - وهي الرمال ما ~~بين حضر موت وبحر عدن - وذلك قول الله تعالى: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف}، وكانوا قد كثروا وانتشروا في البلاد من ارض اليمن كلها وما ~~قاربها من البلاد وقسوا في البلاد، وكان الله قد أعطاهم بسطة في الجسم وقوة ~~في الأبدان وسعة في الأرزاق ومهلا في الأعمار لم يعطه أحدا من الخلق من بعد ~~قوم نوح، وذلك قول الله عز وجل: {وزادكم في الخلق بسطة}، وقال سبحانه: ~~{أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون}. فكفروا ربهم وطغوا بما فضل به على غيرهم ~~فافسدوا في الأرض وعتوا عتوا كبيرا واغتروا بجهلهم وقالوا لنبيهم هود: أن ~~هذا إلا خلق الأولين ظن وقال الله عز وجل: {وأما عاد فاستكبروا في الأرض ~~بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة} الآية. فلما كثر PageV01P338 # عتوهم وكفرهم وظهرت فيهم المعاصي بعث الله نبيه هودا صلى الله عليه حجة ~~عليهم لينذرهم وابعثه ms011 إليهم، وكان من أوسطهم بيتا وأكرمهم حسبا وأعزهم رهطا ~~ليمنع من سفاهتهم حتى يبلغ رسالات الله، وقد سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس ~~يقول: إن الله لم يبعث نبيا قط إلى قومه إلا من أوسطهم بيتا وأعزهم ليمتنع ~~من سفاهتهم حتى يبلغ رسالات الله. قال: صدقت يا أخا جرهم، فهل تعرف أحدا من ~~شعر العرب ذكر هودا في شعره؟ وإن في كتاب الله لشفاء من العمى وبيانا من ~~الجهلة ونحب أن نزداد، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~{إن من الشعر لحكمة}؟ قال عبيد: يا معاوية قال فيه حسان بن ثابت الأنصاري ~~حيث يقول: # وإن أخا الأحقاف إذ يعذلونه ... يجاهد في دين النبي ويعذل # قال معاوية: صدقت يا ابن شريه، فحدثني حديثك عن عاد؟ قال: يا معاوية، ~~وكان لعام أصنام يعبدونها دون الله تسمى صداء وبغاء وصمود. قال معاوية: فهل ~~قيل فيها شعر؟ قال عبيد: نعم. قال أبو سعيد المؤمن - وهو من بيت سعيد - حيث ~~قال: # لنا صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والبغاء # قال معاوية: صدقت، فخذ في حديثك عن عاد. قال: فبعث الله إليهم نبيه هودا ~~صلى الله عليه برسالاته وداعيا إلى عباداته فبلغهم الرسالة ونصح لهم ما ~~استطاع. فردوا نصيحته وطرحوا قوله وكرهوا ما جاءهم به وكان من قولهم ما ذكر ~~الله في كتابه في غير آية ولا آيتين: {وقالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين PageV01P339 # أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء}. قد سمعت ابن عمك يقول: أصابك بعض ~~آلهتنا بجنون، قال هود: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من ~~دونه} الآية. وسمعت ابن عمك يقول: إني بريء من آلهتكم الذين تزعمون أنها ~~أصابتني بسوء فأصيبوني بأعظم من ذلك أن أخببتم، وقوله تعالى: {أتبنون بكل ~~ريع آية تعبثون} - يعني بكل نجد - والربع هو النجد مما ينصبون من الحجارة ~~في النجاد وهي للنائي. سمعت ذلك من ابن عمك أيضا. # قال: صدقت ms012 يا عبيد وجئت بالبرهان الواضح، فحدثني عن هود. قال: نصح لهم ~~هود بجهده وآتاهم بالحق من ربه، فلم يزدادوا إلا طغيانا وكفرا وتماديا في ~~معصيته. وأسلم مع هود منهم نفر يسير لا يبلغون أربعين رجلا وأسلم رجل من ~~أشرافهم وساداتهم وذوي أحسابهم يقال له: أبو سعيد بن سعد بن عفير، وكان ~~يكتم إيمانه - وهو رأس الوفود وصاحب البر والتقوى وودها - وقد بلغني يا ~~معاوية إنه كان سائرا ذات يوم إذ مر بجماعة منهم في نادي قومهم فدعاهم إلى ~~الله ووعظهم فحمل عليه رجل من سفهائهم بحجر فأدمى كعبه، فدعا عليهم هود ~~عليه السلام أن يبتليهم الله بالقحط ويحبس القطر عنهم ثلاث سنين، فاستجاب ~~الله له فحبس عنهم المطر وابتلاهم بالقحط ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك. قال ~~معاوية: لله أنت يا عبيد فهل قيل في ذلك شعرا؟ قال عبيد: نعم. قال: فاسمعني ~~ذلك. قال: لما دخلت السنة الأولى عليهم علموا أنها سنة قحط وأزمة فسموها ~~حجرة. فقال # في ذلك رجل من المسلمين - يقال له حماد هذا الشعر: PageV01P340 # قد نزلت بأرض عاد حجره ... لها لهيب وعليها غبره # فأرضهم جادبة مغبرة ... جاحمة وحرثها مصفرة # ليس لها في يومها مسره ... ولا لعين بالنهار قره # حلاوة الإتراف فيها مره ... لطاعة الله وفيها عبره # وفي معاصيه الردى والحسرة ... فقد رأوا منك عظيم القدره # إذ أرضهم يابسة كالصخره ... موحشة دون البلاد قفره # مستبدلين خيره مضره ... إذ لم تزل تربتها مغبره # وصادفت من ربها المعره # فأجابه رجل من المشركين قال: وما أسمه؟ قال: اسمه الخلجان ابن الوهم ~~فأنشأ يقول: # إن السنين حلوه ومره ... فاخرة ولدنة مخضرة # فمرة جدب وخصب مره ... ليست بنكر سنة مغبره # معينهم ليست تدوم العره ... وعاد أولو همة وخبره # محتالة للكسب ذات قدره ... وكلهم ذو وسعة يمره # لهم بعز شوكة مسره ... كأنهم عند اللقاء جمره # وهم معا في الخافقين عبره # قال: فلما دخلت الثانية سموها كحلا. فقال رجل من المسلمين يقال له مبتدع ~~شعرا يقول فيه: # قد نزلت كحل بآل عاد ... من السنين الازم الشداد ms013 # حين بغت عن سنن السداد ... تذل ذا الإتراف والفساد # من في القرى منهم وفي البوادي ... كلوحها على العزيز بادي PageV01P341 # تمنع عادا سنن الإيراد ... عقوبه من ملك العباد # إذ جانبت عاد هدى الرشاد ... ثم طغت في البغي في البلاد # مغترة بأوهن الأجناد ... بعد اصامتنا مع المراد # فأصبحوا في سمة الحساد ... وسلكوا في طرق الفساد # فأجابه رجل من المشركين يقال له جيحون: # إن السنين لم تزل تجاد ... لم تزل السنين في ترداد # لها بروق جمة الإرعاد ... بروقها رائحة غواد # من غير ما وعث ولا فساد ... أمر قضاه ملك العباد # ولا تضر دعوة الأنداد ... وكل أنداد إلى المعاد # إلى العلى الخالق الجواد ... يرجون أمرا حاضر السداد # شفاعة ترجى لآل عاد ... قد علمت جماعة الأوغاد # وكل ذي رأي وذي فؤاد ... من ساكن القرى أو البوادي # بأن عادا صعبة القياد ... قاطنة الأوطان والمهاد # قاهرة الأقران في العناد ... شديدة الأركان والاعضاد # قوية في البطش والعماد ... غالبة جماعة الحساد # تصيب بالمخالب الحداد ... ذا المنعة المغالب المعادي # قال: فلما دخلت السنة الثالثة سموها لح. فقال رجل من المسلمين هذا الشعر: # كيف لعاد بعد كحل بكلح ... بذات قحط وغبار وبلح # تمنع ذات لذات الفرح ... لأن عادا حاربت نهج الفلح PageV01P342 # ولم تطع نبيها حين نصح ... ورام أن تصلح فيمن قد صلح # فأنكرت دين الهدى لما وضح ... وغرها التمهل من رب صفح # فاتبعت من المحارب جمع ... من الصمود ذبحة لما ذبح # فذكره منقطع إذا افتتح ... فخف في ميزانه وما رجح # فأجابه رجل من المشركين يقال له الخلجان أيضا: # إن لعاد قوة لن تفتلح ... وعزها رأس لها أن يقترح # والأمر فيها بينهما أمر صلح ... والعز فيها خالد لا يطرح # وأمر شاويها إذا شاء سرح ... تم لها فيها مناخ منفسخ # عارفة غبوقها والمصطبخ ... نحو الذي يكسب كساب النقح # تذل بالعزة منها من جمح ... ومن بي عمدا عليها أو طمح # وكلهم ذو منعة وذو فرح ... وإن يشا من خرد بيض نكح # قال معاوية: لقد جئت بالبرهان في حديثك يا عبيد فماذا فعلوا؟ قال: يا ms014 ~~معاوية، لما تولت عليهن سنون ب. متها وحطمتها، فاشتد فيها قحطهم وهم في ذلك ~~غير تائبين ولا مطيعين لنبيهم هود صلى الله عليه. ثم قام رجل من أشرافهم ~~وذوي أنسابهم - يقال له زميل بن عنز أخو القيل ابن عنز - وكان القيل رأس ~~عاد وسيدها في زمانه وصاحب السحابات والريح التي أهلكت عادا بإذن الله عز ~~وجل - فقام زميل فنادى قومه، فقال: يا قوم إني فكرت لما نزل بكم من هذا ~~القحط ورأيت رأيا وقلت فيه قولا وأنا عارض ذلك عليكم - أن رأيتم ذلك - ~~فقالت له الجماعة: إن رأيك لأصيل وإن فعلك لجميل فقل نسمع ما تقول. فقام ~~زميل فيهم PageV01P343 # منشدا هذا الشعر حيث يقول: # إلا نزلت بنا حجج ثلاث ... على عاد فما تحتال عاد # فدمعهم يبل الترب منها ... وما يدرون ما بهم يراد # وقد علمت بنو عاد بن عوص ... بأن مشورتي لهم سداد # واني عارض رأيي عليهم ... وما مني به فيه انفراد # بأن يتخيروا وفدا يسيروا ... إلى البت العتيق لهم سداد # من القول السداد إذا آتوه ... وهيمنه لهم فيها اقتصاد # فيستسقوا المليك البرغيثا ... به تحي البرية والعباد # وقد جربتم ذاكم فعرفي ... لديه في بدايته السداد # لأن الله مقتدر حكيم ... غفور رزاق بر جواد # فإن يسمع مقالتنا سقانا ... فقد نزلت بنا أزم شداد # وإن نهلك فأمر الله ماض ... له منا المقادة والقباد # قال: فلما سمعوا مقالته أجمعوا على المسير إلى بيت الله الحرام يستسقون ~~الغيث. قال معاوية: لله أنت يا عبيد وكيف كانوا يطمعون إن الله يستجيب لهم ~~وهم مقيمون على الشرك بالله وعبادة الأصنام؟ قال عبيد: يا معاوية. كان ~~الناس في ذلك الزمان العرب وغيرهم من المشركين، إذا نزل بهم فادحة أو نابهم ~~نائبة أو جهدهم قحط أو غيره فزعوا إلى الله، فيأتوا إلى البلد الحرام ~~يطلبون من الله الفرج، فيطيعون مسائلهم ويعرفون من الله الاستجابة عند بيته ~~الحرام فيجتمع بمكة بشر كثير مختلفة أديانهم يطلبون من الله حوائجهم كلهم ~~عارف بمكة وحرامها فلا يبرحون حتى يعطى السائل سؤاله مما ms015 سأل. PageV01P344 # قال معاوية: فهل كان في ذلك الوقت يعرف موضعه؟ قال عبيد: نعم يا معاوية. ~~قد كان موضعا منذ وضعه الله لآدم إلى أن بناه إبراهيم عليه السلام معروفا ~~مكانه، ولم مبينا يومئذ. فلما أجمعت على المسير إلى مكة ليستسقوا جهزوا من ~~عظمائهم وأشرافهم وذوي أحسابهم سبعين رجلا. ثم وضعوا على السبعين أربعة ~~منهم قيل بن عنز وهو رأسهم وصاحب أمرهم ولقمان بن عاد - هو صاحب النسور - ~~وأبو سعيد مرثد ابن سعد - وهو خير النفر - وجلهمة بن الخيبري. فساروا حتى ~~أتوا مكة - وسكانها يومئذ العماليق - وهم يومئذ ملوك الحجاز وأرضها، فنزلوا ~~على رجل منهم يقال له بكر بن معاوية بن بكر وجميع ولده # وكانت أخت لبكر بن معاوية وهي هزيلة ابنة هزال بن معاوية متزوجة في عاد ~~وزوجها أبو سعيد المؤمن مرثد بن سعد، فولدت عمرا وعامر وعميرا أبناء مرثد ~~بن سعد وهي وولدها التي نجت من العذاب يوم الريح - وبنو أبي سعيد هؤلاء هم ~~عاد الآخرة - فلما قدم وفد عاد إلى الحرم نزلوا على صهرهم بكر بن معاوية ~~وابنه معاوية، وكان منزلهما بظهر مكة خارجا من الحرم ففرحا بالوفد وأكرماهم ~~وأحسنا منزلتهم عند ابن أختهم معاوية ابن بكر. وكان معاوية قد كبر وضعف ~~وكانت الرئاسة لابنه بعده، فأنزل أخواله وحبسهم عنده شهرا يأكلون الخبز ~~واللحم ويشربون الخمر وتغنيهم قينتان يقال لهما الجرادتان - ويقال إنه أول ~~من اتخذ القينات في الأرض للغناء - وكان أكثر العرب مالا في زمانه. فأقبل ~~وفد عاد في اللهو والشراب وتركوا ما جاءوا له. فلما رأى ذلك معاوية بن بكر ~~غمه ذلك PageV01P345 # وقال: لئن تركت أخوالي وأصهاري إنها لهلكتكم وهلك من خلفوا من أهلهم ~~وقومهم في بلادهم - وهم أيضا ضيفي ووجوه قومي - وأنا استحي أن آمرهم ~~بالشخوص لما قاموا له - فلما طال مقامهم ولم ينظروا في ما قدموا له قال ~~شعرا، ثم حفظه لجاريتيه وأمرهما إذا انتشى القوم وأخذ فيهم الشراب أن تقوما ~~على رأس كبيرهم وشريفهم قيل بن عنز وغنياه. فأضاف لهم الطعام والشراب. فلما ms016 ~~انتشوا قامت الجاريان على رأس قيل بن عنز، وأنشأتا تقولان: # إلا يا قيل ويحك قم فهنيم ... لعل الله يصحبنا غما ما # فيسقي آل عاد إن عادا ... قد أضحوا لا يبينون الكلاما # من العطش الشديد فما تراهم ... ولا الشيخ الكبير ولا الغلاما # وإن الوحش تأتيهم نهارا ... فما تخشى لعادي سهاما # وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم أيامي # وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم نياما # فقبح وفدكم من كل وفد ... ولا لقوا التحية والسلاما # قال: فلما قالتا الشعر ووعته أسماعهم فزعوا لذلك وتركوا ما هم فيه من ~~اللهو وحلو الحياة وقال بعضهم: يا قوم إنما بعثكم قومكم لهذا البلاء الذي ~~قد نزل بهم وقد أبطأتم فسرتم شهرا من بلدكم وأهلكم إلى ها هنا ولكم منذ شهر ~~ها هنا فانطلقوا إلى بنية ربكم واطلبوا الغوث من ربكم لقومكم. # فقال أبو سعيد المؤمن: يا قوم هلمكم لأمر أدعوكم إليه تذكرون به PageV01P346 # حاجتكم وتغيثون به قومكم. قالوا: وما ذاك؟ قال: تؤمنون بنبيكم هود عليه ~~السلام تؤمنون بربكم فذلكم خير لكم. قال: فكرهوا قوله وردوا النصيحة. قال ~~معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم. قال في ذلك أبو جلهمة: # أبا سعيد كأنك من قبيل ... سوى عاد وأمك من ثمود # أتأمرنا لنترك دين وفد ... ورمل وآل صد والعنود # أنترك دين أقوام كرام ... ذوي حسب ونتبع دين هود # وإنا لا نعطيك ما حيينا ... ولسنا فاعلمن على عهود # قال: فغضب من ذلك رجل من الوفد من قوم أبي سعيد فأجابه: # فمرثد مخ عاد في ذراها ... وأنت لساقط وغد كنود # نماه يا زنيم إلى المعالي ... من أخوال وأعمام صمود # وأفضل قوم عاد بعد هود ... وخيرهم الكريم أبو سعيد # قال معاوية: فما فعل الوفد يا عبيد؟ قال: إن الوفد لما أرادوا المسير إلى ~~الكعبة سألوا بكرا وابنه أن يحبسا أبا سعيد ففعلا وكلماه في ذلك. فقال: ~~نعم. ووقف عنهم هو ولقمان بن عاد، ومضى سائر الوفد إلى البيت يتقدمهم قيل ~~بن عنز وصف الوفد حوله ولاذ بالكعبة ms017 ودعا وتضرع فسمع مناديا ينادي من ~~السماء يقول: يا قيل بن عنز ما جئت تطلب فاسأل تعط، فقال: جئت أطلب القطر ~~الذي # ينبت الشجر ويكثر الثمر ويحيي به البشر ويصلح به قومي وبلادي. قال: فأنشأ ~~الله ثلاث سحابات بيضاء وحمراء وسوداء، ثم قيل له: اختر أيها شئت، قال: أما ~~البيضاء فجهام ليس فيها مطر ولا لغيثها روي، وأما الحمراء فجهام غير أتى ~~الذي ينفي PageV01P347 # السراء ويأتي بالضراء ولا حاجة لنا فيها، وأما السوداء فكثيرة الماء ~~والروي معقبة لرخاء مبلغة المنى غائطة الأعداء وقد اخترتها لقومي وبلادي. ~~فناداه المنادي رمادا أرمد لا يبقى من عاد بن عوص أحدا لا والد ولا ولدا ~~إلا القبيل الأبعد. # قال معاوية: لله أنت من يعني بقوله إلا القبيل إلا بعد. قال: من ولد ~~عملوق بن لاوذ وهي أخت بكر بن معاوية - يعني هزيلة بنت هزيل العمليقة - وهي ~~أخت بكر بن معاوية، وهي زوجة أبي سعيد المؤمن؟ وقد بلغني يا معاوية أن ~~هزيلة كانت امرأة فاضلة في عقلها وأدبها وكانت محبة لهود عليه السلام ~~وأصحابه وتلطف بهم وتوسع عليهم في مالها وكانت كثيرة المال. وقد كان ~~الإسلام وقع في قلبها وهي تكتم ذلك في قومها فنجاها الله من العذاب وولدها ~~وانصرف وفد عاد إلى منزلهم عند بكر بن معاوية فرحين مسرورين أنهم قد أصابوا ~~الغيث. ولما رجعوا انطلق أبو سعيد المؤمن ولقمان إلى البيت العتيق، فقدم ~~أبو سعيد المؤمن إلى البيت فلاذ بالكعبة ودعا وتضرع وقال: رب إني جئتك في ~~حاجتي فأعطني سؤالي، فسمع مناد من السماء يقول: يا أبا سعيد بن مرثد ما جئت ~~تطلب سل تعط؟ قال: جئت أطلب البر والتقوى، فنودي: إلا قد أوتيتهما ولك بهما ~~الفضل الكبير. # قال معاوية: أقيل في ذلك شعرا؟ قال عبيد: نعم يا معاوية. قد قالت العرب ~~في ذلك أشعارا فإن أحببت انشدتكها وإن شئت في آخر الحديث فإنه أصلح لحديثك. ~~قال معاوية: سمعنيها في آخر الحديث فهو أحسن. قال: ثم تقدم لقمان بن عاد # فلاذ بالكعبة ودعا ms018 وتضرع وقال: اللهم إني لم آتك وافدا إلا لنفسي فأعطني ~~سؤالي، فسمع مناديا من السماء يقول: PageV01P348 # يا لقمان بن عاد ما جئت تطلب وما تريد فاسأل تعط؟ قال: جئت أطلب العمر، ~~قال فنودي: اختر عمر سبعة أنسر حين تنفلق عن الفرخ البيضة أحب إليك إلى أن ~~تبقى كثيرا، فإذا هلك نسر أعقب نسر آخر أو تبقى سبع بقرات سمر من سنوات عفر ~~في جبل وعر لا يمسها قطر؟ فقال لقمان: بل عمر سبعة أنسر. فنودي: أن قد ~~أوتيت سؤالك ولا سبيل إلى الخلود. فانصرف لقمان وأبو سعيد إلى الوفد في ~~منزل بكر وابنه، وأقاموا معا حتى آتاهم هلاك عاد. قال عبيد: وكان هلاك عاد ~~يا معاوية، أن السحابة السوداء التي اختارها قيل بن عنز لقومه جعلها الله ~~سبحانه ريحا عقيما عقوبة من الله وذلك قول الله عز وجل: {وفي عاد إذ أرسلنا ~~عليهم الريح العقيم}. قال: سمعت ابن عباس يقول: إنما عقمت من الرحمة ولقحت ~~بالعذاب. قال الله سبحانه: {بريح صرصر عاتية}. سمعت ابن عباس يقول: عتت ~~يومئذ على خزنتها خزنة الريح خرج منها مثل منخر الثور فيه أهلك الله عادا. ~~قال: وسارت الريح يزجيها أمر الله وقدرته معها جنود الله وملائكته، ملائكة ~~العذاب يقودونها بازمه حتى انتهت إلى بلاد عاد فأتتهم من قبل واد يقال له ~~(مغيث) كان يأتيهم من قبله الغيث. فلما رأوه فرحوا واستبشروا وطمعوا أنها ~~غيث من قبل الله، ولم يعلموا أنها نكال عليهم وعقوبة. قال الله تعالى: ~~{فلما رأوه عارضا مستقبل أليم تدمر كل شيء بأمر ربها} وقولهم لنبيهم هود ~~عليه السلام: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}. سمعت ابن عباس يفسر ~~ذلك. قال: معاوية: صدقت. فماذا قال؟ قال: كان أول ما تبين به إنها ريح PageV01P349 # عقوبة من الله لهم جارية يقال لها مهد فإنها لما رأتها صاحت، ثم صرخت، ثم ~~غشي عليها فاجتمع إليها قومها. فلما استفاقت قامت تنوح وهي تقول: # البلية البلية ... ما جنى الوفد عليه # إن وفد الريح كانوا ... شر وفد ms019 في البرية # أرسلوا يبغون غيثا ... فآتوهم بالبلبه # سخرت ريح عليهم ... تركت عادا خليه # سخرت سبعا عليهم ... لم تدع منهم بقيه # ويقال: يا معاوية. أنها أول نائحة ناحت في الأرض، فقال لها قومها: ويحك ~~ماذا ترين وماذا دهاك؟ قالت: الويل لعاد التي طغت في البلاد فأكثروا فيها ~~الفساد. أي رياحا كأمثال الجبال لها لجم بأيدي رجال كأن في وجوههم شهب ~~النار، والرجال الذين ذكرت ملائكة الله عز وجل مع الريح. قال معاوية: هل ~~قيل فيه شعر؟ قال عبيد: نعم يا معاوية. قد قال أمية بن أبي الصلت أو ~~النابغة الذبياني في ذلك شعرا حيث يقول: # رأت ما رأت مهد فقيل لها ... ماذا ترين فقالت انظر العجبا # أرى رياحا كأمثال الجبال لها ... لجم بأيدي رجال تشبه اللهبا # قال معاوية: خذ في حديثك. قال: فلما تبين لهم إنها ريح عقوبة من الله ~~عليهم، قاموا إلى صعيد واحد ووضعوا العيال والذراري. قال: ثم بنوا عليهم ~~بالأبنية والمتاع كالردم العظيم فوقهم ليقيهم بزعمهم من الريح فاجتمع جميع ~~أولي القوة والجلد والبأس وصفوا بينهم وبين الريح على فم PageV01P350 # وادي وانتدب منهم رجال كالاطواد العظام - وهم عمرو بن خلي والحارث بن أسد ~~والمقدم بن سفر والخلجان بن الوهم وصيد بن سعيد وزميل بن عمرو وزمر بن أسود ~~- فبرزوا دون قومهم وقالوا: نرد هذه الريح عنكم. # قال معاوية: فما كان من أمر هود عليه السلام؟ قال عبيد: أن هودا كان فيهم ~~وكان يدعوهم إلى طاعة الله. فلما رأى أن العذاب قد نزل بهم وعلم أن الله ~~مهلكهم # اعتزل عنهم في ثلاثين رجلا ممن أسلم معه وانطلقوا حتى وقفوا على حظرة على ~~تل قريب من الوادي يسمعون كلامهم وينتظرون ما الله فاعل بهم. فلما انتهت ~~الريح إلى عاد. قام عمرو بن خلي أحد الجبابرة السبعة وهو رأسهم فبرز دون ~~أصحابه يلقى الريح، وأنشأ يقول: # من الذي تحذر عاد أوهنه ... هي الجبال في البلاد الممكنة # الصعبة الشامخة المحصنة ... هي السود الضاريات المكبنة # وكلنا فيها ربية عسونة ... قاسية عند اللقاء محجنة ms020 # من جرب الدهر أراه الونه ... وطنه أكلبه واقفنه # فسمع هود صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه المسلمون قوله: فأجابه رجل منهم ~~وأنشأ يقول: # هل عاد إلا أنفس مضمنة ... إلى مدى آجالها مرهنه # وكبل ليس يحمي مدنه ... من ريب دهر كاد يدفنه # يبعث أيدي أنفس موهنه ... إلى مدى أنفسها مضمنه # وقد أتم آية مبينه ... في أنفس لموتها موطنه PageV01P351 # وقد أتتكم صولة مغلنة ... بعاصف عليكم موطنه # بها أفانين الردى مكونه ... يهلك فيها الأسرة الملونة # يلقى عماها يحيدها في محنه ... من بعدما كانت عليها ممكنه # قال: ثم عصف الريح بعمرو بنخلي فقام مقامه الحارث بن أسد وأنشأ يقول: # يا عاد إن العز فيكم قد رسخ ... وقد نشا فيكم وقد شمخ # كسقرة عتقتها بعد الفتح # فصرعته الريح. قال: ثم قام مقامه المقدم بن السفر وأنشأ يقول: # يا عاد قومي إنما الأمر نزل ... بكم بكم يا عاد والكيد بطل # إني أرى الدهر بحتف قد أطل ... قد شرب الدهر عليه وأكل # أولى لمن أوردنا هذا المحل ... أفا له دهر أو تعسا ونكل # فصرعته الريح. قال: ثم قام مقامه صيد بن سعيد وأنشأ يقول: # يا ويل قيلا ثم يا ويل أمه ... ماذا جنى لنفسه وقومه # والدهر غير معتب من لومه ... من لامه طارت ببيت حومه # وليلة هلاكه في يومه # فصرعته الريح. فقام مقامه زمر بن أسود وأنشأ يقول: # يا ويح عاد كيف أدهاها الزمن ... واغتالها الدهر بذحل واحن # أف له دهرا وتعسا وغبن ... قد احتوى الأهل جميعا والبدن # فصرعته الريح. ثم قام بعده الخلجان بن الوهم وأنشأ يقول: # يا لك يوما غاب عنا شمسه ... يوم شديد لا يؤدب أمسه # لم يبق إلا الخلجان نفسه ... لم يبق إلا سيفه وترسه PageV01P352 # يا خير فرع قد أصيب أسه ... طوبى لمن وارى قرار رمسه # يا من كجذع النخل ثاو حسه ... أمكن مني السد فإن قوسه # من بعد ما كان منيعا مسه ثم صرعته الريح مع أصحابه، فهلكت الجبابرة ~~السبعة بإذن الجبار. # ولقد بلغني يا معاوية أن أحدهم يلقى الجاري بيديه فلا ms021 يجري. ثم عصفت ~~الريح على جماعة آل عاد فأهلكتهم بقدرة الله تعالى، لم تدع منهم عينا تطرف ~~لا صغيرا ولا كبيرا. ثم طفقت الريح تقلب أجسامهم بين السماء والأرض في الجو ~~مصعدين ومنحدرين سبع ليال وثمانية أيام حسوما حتى تركتهم كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية. وذلك قول الله عز وجل: {كأنهم أعجاز نخل خاوية}. وهدمت البيوت ~~وتركتهم كأنهم جذوع النخل اليابسة وخربت القصور والحيطان والبساتين أقلعتها ~~من # أصولها، حتى كأنها لم تكن على وجه الأرض ولم تترك منهم أحد إلا هزيلة بنت ~~هزال العملقية وبينها - وهي امرأة أبي سعيد المؤمن - فإن الله نجاهم من ~~العذاب بإيمان أصحابهم وأمر الله سبحانه وتعالى الريح فحملتهم برفق وشفقة ~~هي وولدها لم تؤذهم ولم تضرهم حتى أتت بهم مكة فألقتهم في منزل بكر بن ~~معاوية الذي فيه وفد عاد وأصحابه. # قال: فبينما القوم في لهوهم ولذتهم إذ أقبلت هزيلة ببنيها حتى هجمت على ~~عمها الشيخ بكر بن معاوية في منزله. فلما رآها فزع منها فزعا شديدا وقال: ~~ويحك ما دهاك وما وراءك ومن قدم معك من أصحابك، فاستعبرت هزيلة باكية ~~وقالت: الخبر أفظع وأوجع واجزع من أن أصفه لك. قال: ويحك خبريني ما ذاك فقد ~~أكثرت وجدي! قالت: وأين PageV01P353 # وفد عاد؟ قال: هم أولاء في منزل ابني معاوية. قالت: ما فعلا؟ قال: فزعوا ~~إلى بيت ربهم فأعطى السائل منهم سؤاله. قالت: كلا ورب الكعبة قد أعطوا ~~الخزي الطويل والذل الذليل. قال: ثكلتك أمك يا هزيلة اخبريني ما ذاك؟ قالت: ~~ما أنا مخبرتك بشيء حتى تحضر إلي جميع الوفد. فأرسل إليهم بكر فأخبرهم ~~بمكان هزيلة، فأقبلوا يبتدرون فزعين مرعوبين. فلما توافوا عندها قالوا لها: ~~ويحك أخبرينا من الذي جاء بك ومن جاء بصحبتك وما وراءك وكيف تركت قومك؟ ~~قالت: بل أخبروني عن مسيركم وأمركم. فأخروها. قالوا: سرنا شهرا وأقمنا شهرا ~~عند عمك وابنه، ثم فزعنا إلى البيت العتيق، فأعطى السائل منا سؤاله، وقد ~~توجهت السحابة نحوكم بالغيث فما عندك من الخبر؟ فقالت هزيلة: إن الخبر أفظع ms022 ~~وأشد وأوجع من أن اسمعكموه قيلا ولكني سأقول شعرا وأرويه الجرادة تسمعكموه، ~~فقالت هزيلة هذا الشعر: # إن عادا آثرت حقا ... على الرشد الصدودا # لم تقل في غيها حين ... عتت قولا سديدا # بل طغت بغيا وقالت ... لن نطيع الدهر هودا # كذبوا عبدا تقيا ... مسلما برا رشيدا # وعصوا ربا عظيما ... قاهر البطش مجيدا # قادرا أمسى له الخل ... ق معاطرا عبيدا # فدعا هود مليكا ... مبديا لهم معيدا # إن يذلهم بأيد ... يقمع العاصي الكنودا # فاستجاب له آله ... عز مقتدرا حميدا # جل ربا ذا اقتدار ... منعما عدلا أبيدا PageV01P354 # كي يتوبوا فأراهم ... ما يرد الصد قودا # من سنين ما اسطاعوا ... للنكال لها ردودا # ازما جاءت ثلاثا ... ما يبل القطر عودا # حجرة تبعث بكحل ... واحتوت كلح السعودا # لم يتوبوا بل تعصوا ... عن ذو الفضل البرودا # عابدين من ضلال ... صنما يدعى الصمودا # يطلبون الغيث منه ... بعدما خروا سجودا # الذي حوي سفاها ... سألوا منه رفودا # أفلوا من حيث طاعوا ... فيه شيطانا مريدا # ثم قال لهم زميل ... بعدما ذاقوا الجهودا # اسمعوا قولي ورأيي ... وابعثوا وفدا جنودا # نحو بيت الله يما ... يسألوا الرب ودودا # أن يغيث الخلق منا ... متهما ثم النجودا # بعثوا سبعين كهلا ... تبعوا قيلا جليدا # ثم أربعة أرادوا ... هم على الوفد شهودا # بعثوا لقمان رأسا ... وأبا سعد مزيدا # وأبا جلهمة القر ... م فتى الحي الحقودا # ثم قيل نجل عنز ... قائد ليس مقودا # ثم ساروا بسواد ... نحو حسداء أسودا PageV01P355 # فاتوا مكة سحا ... بين خزا وبرودا # أحسن الناس اعتدالا ... ووجوها وخدودا # كلهم أكرم عاد ... أمهات وجدودا # نزلوا بالمرء بكر ... وابنه شهرا جديدا # يشربون الخمر صرفا ... لا يملون الركودا # ثم هبوا بعدما هي ... الهم بكر نشيدا # ثم غنتهم بصوت ... قينة تسمى الجرودا # نهضوا إذ سمعوها ... كأنهم كانوا رقودا # فأتوا بيت مليك ... لم يزل للخلق عيدا # فدعوا فاختار لقما ... ن فتى الحي الخلودا # ببقا عمر نسور س ... بعة دهرا أبيدا # أسرا تبقى صحاها ... وخلودا لن تبيدا # وحبا الله أبا سع ... د تقاه والسعودا # فنجا بالبر زادا ... ثم تقوى الله زيدا # وارى قيلا ثلاثا ms023 ... من سحابات فرودا # قطعة بيضاء كانت ... ما بها في الغيث جودا # ثم حمرا لم يردها ... ظنها غيثا ثميدا # فارتضى السودا التي صا ... ورت بها الأقطار سودا # ثم سارت نحو عاد ... كي تذيقهم كؤودا # خيولهم إذ رأوها ... غيمها السود عبيدا # فاكتسوا فرحا وبشرى ... بارزين لها الصعيدا # أبصرت مهد على الر ... يح مطيعين ركودا PageV01P356 # في أكفهم لها لجم ... يخيلين الوقودا # قالت الويل لعاد ... ويلها ويلا جديدا # ليلة حلت به الد ... هر على عاد الصدودا # إن ترى السبعة منهم ... كلهم كانوا حسودا # كل قوم مثل طود ... لابس فيها الحديدا # كير يردوها ومن ذا ... يستطيع لها ردودا # خلفت أجسامهم في ... الجو والقفز بديدا # عذبت سبع ليال ... أمة كانت يهودا # ثم أياما ثمانا ... ما هبوطا ما صعودا # تحسب الأصوات إذ ... يهوون في الجو رعودا # ثم خروا في قصور ... صيرت فلقا بديدا # استباح الدهر صدا ... ومنافا والخلود # وجهارا لم تذره ... وهباء والعنودا # وبنو سرد ورفد ... صادفت دهرا كنودا # فهم كالنخل صرعى ... ليس للضر الخلودا # قيل فانظر أين عاد ... ثم دع عنك السمودا # لن تراهم آخر الدهر ... كما كانوا قعودا # ثم نجاني الهي ... وبني جدي الابيدا # قد تفانوا ثم بادوا ... في ديارهم حصيدا # حملتني وبني ... نحوكم ريح برودا # ونجا هود وأصحا ... ب له خروا سجودا PageV01P357 # للذي نجاهم مم ... ابه أفتى العديدا # معه ثم ثلاثو ... ن يقيمون الحدودا # نزلوا الاحقاف أما ... رين بالعرف الوفودا # سكنوا الأرض على ما ... شكروا الرب الحميدا # ثم نناهين عن المنكر ... من خاف الوعيدا # أعيني جودى بدمع ... ليس يبدو أو جمودا # وابكيا عادا بسجل ... من دموع ثم زيدا # أسعداني بدموع ... من درور ثم جودا # وقال أسد بن ناعض يذكر أمر الوفد والسحابات والتخيير على حديث مرثد بن ~~سعد يقول فيه شعرا: # بعثت عاد إلى الله ... لتسقي الغيث وفدا # ورسول الله فيهم ... رغبة عنه وزهدا # ثم أعطى بعضهم بع ... ضا على الغية عهدا # أنهم لن يتبعوا هو ... د طوال الدهر بدا # أو يتوبوا فيكونوا ... شرعا في الموت حصدا # فاجر هد القوم للغي ... وعافوا الرشد رشدا ms024 # فتوافوا ليردوا ال ... ريح كل جد جدا # غضبا حتى إذا ما ... جعلوه للحديدا # ثم عادوا فتلقو ... ها عناقا يتصدى # فدعا هود وصلى ... ثم عادوا ثم بدا # ودعا القوم آله الناس ... . . . . جهدا PageV01P358 # فأجيبوا إن سلوا ما ... شئتم تعطوه قصدا # فدعا لقمان بالعم ... ر ليعي العمر مدا # فحباه بمناه ... غير أن لم يعط خلدا # ودعا ثم مزيد ... يرتجى برا وحمدا # فحبا بالبر والحم ... د أبا سعد وسعدا # ودعا قيل فقال الغي ... ث يسقي العيش رغدا # دعوة فارق فيها ... قصده وازداد بعدا # فرأى نشء سحاب ... فاصطفى السوداء فردا # أنشئوا منه منو ... يرديهم وتردى # يترك الأقوام صرعى ... ود الصخر خدا # افعمت حي مغيث ... من حيا حير جهدا # سمعوا فيها دويا ... شبهوا ذلك رعدا # ولقد قاموا إليها ... كي يردوها مردا # ولقد قالت مهد ... فعصوا في القول مهدا # إن في الريح لأمرا ... عجبا يا قوم إذا # من احابيش تمد الل ... جم بالأفواه مدا # ورجال كحريق الن ... ار شدوا اللجم شدا # لا يراخون لها اللج ... م تهد الأرض هدا # صدقوا هودا تكونوا ... تصمدوا الخيرات صمدا # وترديهم فردت ... هم عباديد وكندا # جاءت الريح ترقى ... بثبوت الحي ضدا PageV01P359 # أسبلت سعد نساها ... لم تجد من ذاك بدا # أينما كانت عناكم ... ثم سلماكم وهندا # أهلكت زمر أو رفدا ... وأبا سود وصدا # ولقد كانوا عتوا ... وعلى ذا الناس أسددا # كل بار كنود ... مرة للحق جندا # وقال المهيل بناعض المسلم رحمه الله تعالى رحمة واسعة: # لو أن عاد أسمعت من هود ... وقبلت من رأيه الرشيد # وقد دعا بالوعد والوعيد ... ما أصبحت عاثرة الجدود # صرعى على الأنف والخدود ... ما فضله الأجساد بالوطيد # من عصف ريح عوهج سجود ... آتية من الاهاب السود # ما جابه الوفد من الوفود ... على ابن صيد ثم آل سود # ذاهبة كالعمرس الصخود ... يبلى صداها جدة الحديد # أتتهم بالطائر الفقيد ... فغادرتهم كالهشيم المودي # أحدوثة لأبد الابيد # وقالت هزيلة بعد مصيرها إلى عمها حين نظرها تبكي على عاد وهي تقول: # ما جنيتم أيها الوف ... د على القوم الحضور # شرة عمت على عا ... د ms025 أحاطت بالشرور # أهلكت عادا جميعا ... من صغير وكبير # لعلى وفدهم من ... بعدهم ريح الابور # سبقت البلوى إليهم ... بالعذاب القمطرير PageV01P360 # منوه بعد فهالا ... مؤدبي وهرير # خافت الموت فولت ... أمرها قوم الزئير # والاهيين حال ... لغبير أو حمير # يتعارين جميعا ... سرة السر الشرور # لو رأيتم ما رأوا من ... غصة الموت السعير # يوم جرتهم شعوب ... بالفاء المستطير # وشآبيب شآبي ... ب كاهدام الكسير # إنما أهلك عادا ... عهدها يوم الصدور # كرهوا العذر فأمسوا ... حطب النار السعير # كل يوم لهم منه ... اعذاب ذو كرور # سبعة ثم آتاهم ... ثامن بالعنقفير # فتوافوا شرك المو ... ت وصاروا للمصير # قال: فلما سمعوا قولها يا معاوية وعلموا ما انزل الله بقومهم من العذاب ~~والعقوبة ورأى أبو سعيد مرثد بن سعد ما صنع الله له إذ نجى أهله وإذا هم ~~غليه سالمين ازداد إيمانا ويقينا بالله وأظهر إسلامه عند ذلك. وأنشأ يقول: # عصت عاد نبيهم فأمسوا ... عطاشا ما تبلهم السماء # لقد كفروا بربهم جهارا ... فارقهم مع الجوع الظماء # وساروا وفدهم شهرا ليسقوا ... فحل بهم مع القحط البلاء # فقد أمسوا مثل النخل صرعى ... على آثار عاد كم العفاء # إلا قبح الإله حلوم اد ... فإن حلومهم صفر هراء # من الخير الشفاء إذا رأوه ... وما يغني التخبط والبكاء PageV01P361 # فنفسي والبنون وأم ولدي ... لنفسي نبينا هود فداء # آتانا والقلوب مصممات ... على ظلم وقد أزف الضياء # على صم يقال له صمود ... يقابله صداء والبغاء # فأبصره الذين له أنابوا ... وأدك من يكذبه الشقاء # فاني سوف أنحو نحو هود ... وإخوته إذا دخل المساء # وكان لأبي سعيد أخ يقال له جنحوي بن سعج - وكان كافرا غاشا متبعا لعاد ~~ولم يكن رأيه رأي أخيه وكانت له امرأة من قومه - يقال لها جفينة لها منه ~~ابن يقال له عفير وابنة يقال لها عنجهور - فسال أبو سعيد امرأته عن أخيه ~~وأهله فأخبرته بهلاكهم وكيف رأت الريح تفعل بهم فرق لهم عند ذلك، وأنشأ ~~يرثيهم وهو يقول: # كأني الآن أنظر جنحويا ... عليه الريح عاصفة تدور # عليك وأنت في كربات موت ... آتاك بها مليك لا يجور ms026 # تنادي يا جفينة أين يهوى ... عفير والبنية عنجهور # فبينا ذاك إذ هبت شمال ... كما يتقاذف البحر الزخور # فأودى بالرياح وكل حي ... على الدنيا إلى الموتى يصير # بهذي الريح لم تضرر غريبا ... سوى عاد أصابهم النكير # تفرقهم بأفهار صلاب ... وتدمغهم وليس لهم نصير # وقد أمست بلادهم خلاء ... وهم فيها وما قدم المشير # كشبه النخل خاوية جناها ... كذلك فاعلموا هذا الكفور # وقد قال النبي لهم أقيموا ... على الحق المبين ولا تجوروا # فإن الجور يعطب سالكوه ... وفي الحق السلامة والسرور # وأنا لا نطيعك ما بقينا ... وأنت مكذب فينا حقير PageV01P362 # فنادى فاستجاب له مليك ... عظيم لا يجار وقد يجير # فأهلكهم بما كسبوا جهارا ... هو القهار والملك الكبير # قال معاوية: لله درك فقد جئت بالبرهان، فما فعل أبو سعيد، وما كان من هود ~~وأصحابه؟ قال عبيد: يا معاوية، تحمل أبو سعيد بأهله وولده حتى أتى هودا ~~وأصحابه مؤمنا مسلما ووجدهم على ساحل البحر مما يلي أرض عاد فأقاموا جميعا ~~يعبدون الله على أحسن حال. ووهب الله لأبي سعيد المال والولد حتى كان أكثر ~~العرب مالا وولدا في زمانه ذلك. وبلغنا يا معاوية أن عادا الآخرة من نسله. # قال معاوية: وهل عاد غير هذه؟ قال: نعم يا معاوية. فإن أحببت أخذت في ~~الحديث حتى آتي بحديثهم. قال: بل خذ في حديثك. قال عبيد: كان هود وأصحابه ~~يعبدون الله حتى ماتوا وانقرضوا. # وذكر بعض أصحاب السير عن عبيد بن شرية بأمر هود. قال: أخبرني البختري عن ~~محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي عن أبي الطفيل عامر ~~بن واثلة الكناني عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، أن رجلا من حضر موت ~~جاء يسأله العلم فقال له علي عليه السلام: يا حضرمي أرأيت كثيبا أحمر تخلطه ~~مدرة حمراء فيه أراك وسدر في موضع كذا وكذا من بلدك، هل رأيته قط أو تعرفه؟ ~~قال الحضرمي: نعم والله يا أمير المؤمنين. قال علي: فإن فيه قبر النبي هود ~~صلى الله عليه وسلم. PageV01P363 # رجع ms027 الحديث إلى عبيد بن شرية ومعاوية. قال معاوية: يا عبيد أخبرني عن وفد ~~عاد ما فعلوا بعد هلاك قومهم؟ قال عبيد: يا معاوية. إن الوفد لما سمعوا قول ~~هزيلة فيما أصاب قومهم أقبلوا على قيل بن عنز يعذلونه ويلومونه وقالوا: أنت ~~شأمتنا وجررت علينا الهلاك. فقام رجل من أشرافهم - يقال له موت بن يعفر بن ~~عرعر - وهو يقول: # لو أن عادا أرسلت زميلا ... أو تبعت هودا لنالت نيلا # لجاءها الوادي يسيل سيلا ... بالماء يحيي آيله وأيلا # فضلا من الله له وطولا ... لكن عادا أرسلت قييلا # ويلا لعاد ثم ويلا ويلا ... دعوت يا قيل لعاد عيلا # فصادفت دعوتك الضليلا ... فجاءت الريح تجر ذيلا # تقصد أحيانا وحينا سبلا ... تخترم النساء والرحيلا # ولم تدع زرعا ولا بقولا ... كلا ولا تينا ولا نخيلا # إلا رمادا أرمد ضئيلا # وقال موت: يذكر الريح والوادي الذي جاءت منه، ومنه اهلكوا وأنشأ وهو ~~يقول: # أفعمت حي مغيث ... من حيا صير جهدا # سمعوا في الريح صوتا ... شبهوا ذلك رعدا # ولقد قاموا إليها ... كي يردوها مردا # أهلكت عادا وزمرا ... وزميلا ثم صدا # ثم مقداما وحارا ... ثم من بعد الاعدا # خلجانا تركته ... مثل جذع النخل جردا # عين فابكيهم بدمع ... يخضب الخدين وردا PageV01P364 # قال عبيد: ثم إنهم أقاموا بالحرم عند بكر بن معاوية وابنه ما شاءوا ~~ومكثوا على ذلك ما شاء الله. وقد بلغني أنهم أقاموا سبع سنين، ثم أنهم ~~تذكروا الأوطان وحنت نفوسهم إلى البلاد، فأرادوا المسير إلى بلادهم، فأقبل ~~عليهم بكر بن معاوية وابنه وقالا: يا قوم إنا نكره لكم أن تأتوا أرضا قد ~~هلك فيها قومكم فترون مل تكرهون وأنتم هاهنا في حرم الله وأمنه والسعة ~~والرحب، ولكم الأثرة في المال ما بقينا، فامكثوا. فقالوا لهما: إن النفوس ~~قد حنت إلى الأوطان والآثار ولا بد لنا من إتيانها والنظر إليها. فأجمعوا ~~في ذلك. فأرسلوا إلى ركابهم - وكانت في بادية لبكر من بوادي مكة - فأتوا ~~بها سمانا حسنا فقال في ذلك حسان أبو كلهدة هذه الأبيات # وأنشأ يقول: # رعينا السرب ms028 والريان حتى ... إذا ما هاج وامتنع المذاقا # وصار كأنه أصفار نمل ... إلى تيهاء تدفنه دقاقا # أتينا ننقل الأوتار منها ... لنفض الريح غيثا أو دفاقا # قال: ثم ارتحل وفد عاد جميعا سوى أبي سعيد المؤمن ولقمان بن عاد حتى أتوا ~~أرضهم ومنازلهم بالأحقاف فنظروا إليها مقلوبة مهدومة موحشة من الأهل والمال ~~ورأوا ما نزل بقومهم من العقوبة والنكال فدعوا إلى الله عز وجل فقالوا: ~~أللهم ألحقنا بقومنا وانزل بنا ما أنزلت بهم. فأماتهم الله بصاعقة من ~~السماء فدمرتهم، فماتوا إلى النار. فسحقا لأصحاب السعير. # قال معاوية: وأبيك! لقد أتيت وذكرت عجبا من حديثك عن عاد PageV01P365 # وقد علمت أن الشعر ديوان العرب والدليل على أحادثيها وأفعالها والحاكم ~~بينهم في الجاهلية، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول {إن ~~من الشعر لحكمة}. قال: لقد صدقت يا معاوية، ولقد سمعت ابن عمك يذكر عن رسول ~~الله ذلك وأخبرك يا معاوية إنه لما كان من وفد عاد ما كان، وما قد حدثتك ~~عنه وصارت عاد ووفدها أمثالا وأحاديث وقالت العرب فيها أشعارا منها ما ~~حفظنا ومنها ما لم نحفظ. قال معاوية: فهات أسمعني ما حفظت من ذلك. قال: ~~عبيد ان أبا سعيد المؤمن من مرثد بن سعد عند هلاك القوم، قال شعرا: # عجب لعاد وأمثالها ... تحاول بالعز والمكرمات # وحالوا العيال وشدوا القاح ... بأجساد مر أنديات # فقالوا ونحن أولو قوة ... ومن ذا يخاف تبار السنات # فأضحوا وقد همدوا في الديار ... بريح من العاصفات # وأهلك عاد وأصحابه ... بوقع عواصفها المهلكات # بأيد المليك وسلطانه ... وقدرته ذل باغ وعات # وقال في ذلك العباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي وهو يعظ رجلا من قومه - ~~كان ظالما لعشيرته - ويزجره عن الظلم فيها وأنشأ يقول: # أراك امرءا في ظلم قومك جاهدا ... وما لك في ظلم العشيرة من رشد # فالا تدع ظلم العشيرة طائعا ... تلاق أمرا من بعض قومك ذا حقد # من الرجلة الساعين أو تلق فارسا ... على فرس في الخيل أدهم ذي ورد # جواد كنصل السيف أين لقيته ms029 ... فيضربك أو يطعنك طعنا على عمد # ألم تر عادا يف فرق جمعها ... قبيل وقد ما جار عن منهج القصد PageV01P366 # وقالت بنو عاد هلكنا فجهزوا ... خيارهم أهل الرفاعة والمجد # وكان أبو سعد وقيل فعوقبوا ... بلقمان أذرد الحبيب إلى الجعد # فلما أتوا عزف الجرادة اخلدوا ... ثلاثين يوما ثم هبوا على وجد # فقيل لهم أعطيتهم فتخيروا ... مناكم ولكن لا سبيل إلى الخلد # دعاكم قبيل بالمنية ربه ... ولله قيل ذلك من وفد # وقال أضربوا رأسي ولا تتهيبوا ... تجورا من الاطواد ذي أجد صلد # فعاجله وقع الصواعق كالذي ... أراد سفاها والسفاهة قد تردي # وملك لقمان الحياة فردها ... إلى ناهض حرقوا أئمة نهد # وكان يحب الخلد لو حصلت له ... أفاحيص صار ليلة القطر الرعد # وقال أبو سعد الهي فأعطني ... مناي على ما كان أذهب من وجدي # فزوده برا وتقوى كلاهما ... وما كان عن وفد الوفادة من صد # وقال عباس بن مرداس أيضا: # ويل لقوم لقد حاولت بينهم ... في القول لو أن لهم في المجد أحلاما # إلا ثلاثة أحلام فتزجوهم ... فإن في عدم الأحلام إعداما # أني أرى الحلم محمودا عواقبه ... والجهل أفنى من الأقوام أقواما # أمست سراة بني سعد لقومهم ... حربا وكانوا لهم من قبل أعماما # إذ لا يردون للمظلوم مظلمة ... بل يجمعون له لوما وإسلاما # في كل يؤملنا وفد نجرهم ... من حر باحتنا طرا وأجساما # كانوا موفد بني عاد أضلهم ... قيل واتبع من هاماتهم هاما # عند الرادة تسقيهم وتسمعهم ... حتى إذا فدوا مالا وأنعاما # قاموا فلم يجدوا من دار قومهم ... إلا مغانيها وحشا وآراما PageV01P367 # وقال في ذلك عبيد بن الأبرص الأسدي بن نعمان بن المنذر وأنشأ يقول: # يخبرني نعمان في يوم بؤسه ... خصالا اتا في كلها الموت قد برق # كما خيرت عاد من الجو مزنة ... سحابا وما فيها لمختارها انق # وفي ذلك يقول الأعشى بن نصير أعشى بني وائل وأنشأ يقول: # ولو كان حي خالدا ومعمرا ... لكان سليمان البريء من الدهر # براه الهي واصطفاه لخيره ... وملكه ما بين درتا إلى مصر # وسخر من جن الملائك تسعة ms030 ... قياما عليه يعملون على أجر # فأنت الذي ألهيت قيلا بكأسه ... ولقمان إذ خيرت لقمان في العمر # فقيل أما والصار تختار في الصفا ... يكر له الابعار في ظلل القطر # فيبقى بقا أبعارها في كهوفها ... محصنة من قطر سار إذا يسري # لنفسك أن تختار سبعة أنسر ... إذا ما خلا نسر خلوت إلى نسر # فقال نسور حين ظن بأنها ... تدوم وهل بقى النسور على الدهر # وفي ذلك يقول أسد بن ربيعة الكلابي وهم القرون الأولى فأنشأ يقول: # ألم تر إلى حي عاد ... أفناهم الليل والنهار # بادوا فلما مضوا ... باد على أثرهم قدرا # وبعدهم غالت المنايا ... عادا فلم ينجهم حذار # وأهل جو أتت عليهم ... فانتدبت عليهم وباروا # وحل بالحي من جديس ... يوم من الشر مستطار # وأهل غمدان قد أبيدوا ... بالدهر ما يجمع الخيار # فصحبتهم من الدواهي ... جائحة عقابها الدمار # ومر دهر على وبار ... فاضت لها وحشة ونار PageV01P368 # يا ليت شعري فأين ليت ... وهل تدوم لي المغار # وهل يعودون بعد عسر ... على أخي شدة يسار # في ذلك يقول كريم بن معشر التغلبي لبعض قومه في جرهم: # لا تكونوا قومي أحدوثة ... كبني طسم أو الحي أرم # بعثوا قيلا ووفدا كلهم ... طائش الحلم وبئس المدعم # ولقيما ومرثدا ذا التقى ... وسفار أوان عوف والصنم # خرجوا وفدا إلى خالتهم ... حين أبطأ عنهم غيث الديم # بعدما ردوا نبيا مرسلا ... وتتعاطوه بتفخيم الحرم # عجلوا حربا من الله لهم ... لم تدع خفا ولا ذات قدم # قال معاوية: لله درك يا عبيد حدثتنا عجبا من أمر عاد فالحمد لله القادر ~~على ما يشاء من أمره فهات يا ابن شرية فحدثني عن لقمان بن عاد صاحب النسور، ~~وكيف كانت نسوره وكيف يناديه المنادي، وكيف كان يجيبه وما كان عمر نسوره ~~وعمره وما قيل في ذلك من الشعر؟ قال عبيد: يا معاوية. إنه لما وقع من وفد ~~عاد وقتل أصحابه من التشاجر فارقهم مرثد بن سعد المؤمن واعتزلهم لقمان. قال ~~لقمان بن عوص: قال لا يا معاوية، ولكنه لقمان بن عاد بن هزيل بن همل ms031 بن صدر ~~بن عاد بن عوص. قال: صدقت فحدثني حديثك عنه. قال: عبيد: وأنه لما # توجه لقمان مع الوفد حدثتك بحديثه وأنه اختار طول عمره فكان من دعائه حين ~~سأل طول العمر وترك ما وفد له أن قال فيما دعا: # اللهم يا رب البحار الخضر ... والأرض ذات النبت بعد القطر # أسألك عمرا فوق كل عمر PageV01P369 # فنودي أن قد أعطيت ما سألت ولا سبيل إلى الخلود فاختر إن شئت سبع بقرات ~~من ظبيات عفر في جبل وعر لا يمسها قطر وإن شئت بقاء سبعة أنسر سحر، كلما ~~هلك نسر أعقب نسر. فكان اختياره بقاء النسور. ### | النسر الأول # فبينما لقمان يدور ذات يوم في جبل أبي قبيس بمكة سمع مناديا لا يرى شخصه ~~وهو يقول: يا لقمان بن عاد المغرور ببقاء النسور اطلع رأس ثبير ليس يعد ~~وقدرك المقدور، فطلع رأس ثبير فإذا بوكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن ~~فرخيهما فاختار لقمان أحد الفرخين، ثم عقد في رجله سيرا ليعرفه وسماه ~~المصون، ثم قال: المصون الخالص المكنون من بيت المصون ومحذور السنون وغبط ~~العيون والباقي بعد الحصون إلى آخر الدهر الخؤون. # قال معاوية: لله أنت يا عبيد كيف كان اختياره وفرقه بينهما، وهما فرخان ~~لنسر واحد؟ قال عبيد: بلغني إنه كان ينظر إلى أعظمهما رأسا وأجلهما عظما ~~فلا يشك إنه الذكر منهما فيختاره، لأن الذكر أبدى وأقوى وأصلب وأحذر لأن ~~مضغه الطير تشك. قال معاوية: فخذ في حديثك يا ابن شرية. قال عبيد: وكان لا ~~يغفل عن إطعامه حتى تم طائرا مسخرا له يدعوه باسمه للمأكل فيجيبه حتى أدركه ~~الكبر، فضعف فلم يطق أن يطير فبينما لقمان يطعمه لحما قد بضعه له إذ غص ~~ببضعة منه فخر ميتا، فجزع لذلك جزعا شديدا وقال هذا بلاء - وأنشأ يبكي نفسه ~~ويقول شعرا: # موت المصون دل على أنا ... نذوق الحمام حقا يقينا PageV01P370 # أفنى الدين للناس حتى غدا ... لا يلبس المنا والمصونا # فكلانا نبكيه يوما فلم ي ... لق رشدا اختاره بل شجونا # أنسرا تبقى كما ms032 ليس يبقى ... بعرفي الطياح تلقى كنينا # في ذرى ما أن يراه بصير ... حين مد إليه طرفا حصينا # إن كل النفوس من خلق ربي ... للمنايا أمسى وأضحى رهينا # ضل رأيي عند اختياري واني ... خفت من حسرتي عليه جنونا # حين ألقيت تاركا من خطامي ... كيد رشد يراه غير مبينا # فعلى رأيي ابكي وابدي ... بالغنى الردى وبالفضل دونا ### | النسر الثاني # وكان لقمان يومئذ بالطائف، فبينما هو يبكي نفسه، إذ سمع المنادي ينادي: ~~يا لقمان دونك البدل رأس الجبل فوق مرعى الوعل رأس السرماج المعتزل مأمور ~~بطاعتك كالأول. فطلع لقمان حيث وصف له المنادي فإذا بوكر سير ليعرفه، فسماه ~~عوض، ثم قال: أنت العوض المبرأ من تلف العرض وآفات المرض وعواج الجرض وحقك ~~علي أفضل مفترض أوديه كلما عرق نبض. وكان لقمان لا يغفل عن إطعامه حتى نهض ~~طائرا له يدعوه باسمه فيجيبه حتى أدركه الكبر فضعف، فدعاه لقمان ذات يوم ~~تحت شجرة ومعه اللحم قد بضعه له ليطعمه إياه، فأقبل النسر كاسرا بجوزه غصون ~~الشجرة فخر ميتا. فهال لقمان موته هولا عظيما، فأنشد يبكي نفسه ويقول: PageV01P371 # أيقنت أن مايتي تلف ... أصبر للموت والردى عرضا # أرمي بسهميهما على كسر ... أعبطني عبطة المنا مرضا # ما كان لي نعشا مرعيا عمري ... حسبته مبرم العرى نقضا # أسلو وأرجو اليأس في طمع ... ومن رجا ساطع المنا قبضا # هل عمر الباقيات إلا كمن ... عمر منها الأمر صحبتي فمضى # ما لي صبر عن المصون وقد ... عوضت من بعده عوضا # فارقهما الموت من حمامهما ... واخلفا ما رجوت فانرضا # كذاك أفنى حقا كما فنيا ... أجرع كأسا ممزوجة عرضا # كذاك الحمام لن يصد إلى ... تكركر الحفظ بل تمخضا # تخرج نفسي من كل مدخلها ... كم هال من محنة لديه قضى # متى يكون شيء منزله ... منفضا أو مجرعا معضا # وكل من ظن أن مهجته ... تدوم في عيشه فقد دحضا ### | النسر الثالث # قال: وكان لقمان يومئذ بالسراة - فبينما لقمان يبكي نفسه تحت شجرة - إذ ~~سمع مناديا ينادي: يا لقمان بن عاد اطلع الصفا تجد عند العرتون ms033 شرفا تصادف ~~فيه خلفا وشبحا مأمورا يطيعك منصفا لمن تجد عنده خلفا واسمه خلف واقبل ~~بالحياة نصفا. # قال: فطلع لقمان رأس الجبل، فوجد وكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن ~~فرخيهما، فاختار أحد الفرخين، وعقد في رجله سيرا ليعرفه PageV01P372 # به، وسماه خلفا، ثم قال: أنت الخلف كما وصفك من وصف احترازا من التلف ~~وأبقى مما قد سلف ولك عندي أفضل النصف. وكان لا يغفل عن إطعامه حتى نهض ~~طائرا مسخرا له، يدعوه للطعام فيجيبه، حتى إذا أدركه الكبر وضعف ولم يقدر ~~أن يطير، أخذ له لقمان قفصا يحمله فيه حيثما توجه ويطعمه فيه - ويقال إنه ~~يا معاوية أول من حمل طائرا في قفص - فينما لقمان في مجمع عكاظ ومعه نسره ~~ذلك في قفصه، إذا اجتمع إليه من حضر من العرب بعكاظ وطلبوا إليه أن يريهم ~~نسره. فبينما هم # يلبونه وينظرون إليه إذ مات النسر في أيديهم وبينهم، فاغتم لقمان لموته ~~وجزع عليه جزعا شديدا وانحل جسمه وقافي ذلك شعرا: # يا نفسي أبي عليه أن تجدي ... عند اختياري أن عندي لك النصفا # اخترت من هفوتي بلا حدث ... ولا احترام متى لك التلفا # عليك ابكي إذ صرت نصب الردى ... ولست ابكي بعبرتي خلفا # أيقنت أن النفوس لاحقة ... لا شك في ذا كم بمن سلفا # والموت لاشك فيه يطلبني ... وهو مدركي وملحقي قرفا # عيناي لا تبخلا بد معكما ... علي بل فاهطلا به وكفا # وأسعداني بمسيل سرب ... محدرا دانيا ولا تقفا # فمن عليه يجود دمعكما ... بعدي بإدراره وإن نزفا # واستعبرا بالدما بقاءكما ... ولا تضنا به فقد أزفا # موتي فجودا لمهبع درر ... من نهر جرت بالشيخ معترفا # ثلاثة كلهم قد كن لي حزنا ... وصيرت نفسي للردى لها هدفا # فما نجاتي من مدركي هربا ... ومن غلوب علي قد عكفا # فالقلب مني لخوف سطوته ... واحدة في الوقت قد رجفا # والخوف منه أن سوف يلحقني ... في غفلتي سادرا قد التحفا PageV01P373 # وكان عمرو بن نمارة بن لخم ملكا من ملوك العرب في ذلك الزمان - وكان قد ~~شهد عكاظ بجنوده ms034 يوم هلك نسر لقمان بن عاد الذي سماه خلفا - وكان عمرو بن ~~نمارة قد عرف أمر لقمان فقال في شعر له، وهو يعظ قومه يذكر لقمان بن عاد: # أنعم الرأي ليس ذو أرب ... يدعى إلا بما قد رأى # كونوا لدى الحزم والتوكل ما ... لاقاه أتى وإن فلا صبرا # أنتم كلقمان في بينكم ... أمسوا كما يمسي لم يكن صغرا # فمن رأى منكم الملوم ومن ... لاقى سرورا يقول قد ظفرا # في أمر لقمان عبرة لكم ... إذ قال نسرا يختار أو بعر # في كهف طود ولا ترى أبدا ... وطأة وأط ولا ترى مطرا # أو أنسر سبعة لها أمد ... يفنى فقال الشقي بل أنسرا # ففاته الخلد إذ تخيره ... يفنى كفاكم بذاكم عبرا # خير فاختار جاهدا تلفا ... فصار للموت والردى جزرا # من ذا إليه حوى مناه ومن ... عنه بما احتال يصرف القدرا # والخير والشر ملك مقتدر ... كلا بعز وقدرة قهرا ### | النسر الرابع # قال: ثم توجه لقمان يا أمير المؤمنين إلى جبل قريب منهم، فلما دنا من ~~الجبل سمع مناديا ينادي به: يا لفمان بن عاد اطلع إلى الجبل تلق عند السهور ~~ذي الرتب في تلة العرتون المنتصب مغيبا لم يغب من حلول موت PageV01P374 # قد كتب على أهل المشرق والمغرب، فطلع لقمان ذلك الجبل حيث وصف الذي ~~ناداه، فإذا هو بوكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما، فاختار أحد ~~الفرخين وعقد في رجله سيرا ليعرفه به وسماه مغيبا، ثم قال: أنت المغيب - ~~كما سماك من لا يكذب - عيشك معي العيش المخصب ويزاح عنك المكد المخرب وأنا ~~عليك حدب في بقائك مرتقب، فكن أبقى ممن قد ذهب. فكان لقمان لا يغفل عن ~~إطعامه حتى نهض طائرا له يدعوه باسمه للمأكل فيجيبه حتى إذا كبر وضعف ودعاه ~~لقمان ذات يوم من رأس الجبل فلم يجبه، فطلع إليه فوجده ميتا. هاله ذلك من ~~موته هولا شديدا ونزل به كرب عظيم فأنشأ لقمان يبكي نفسه وهو يقول: # أملت ما لا أناله أبدا ... إذ أزم الرأي نال ما طلبا # مرثد ms035 نلت العلي ونلت بلا ... أرعى نسورا بقاؤها عزبا # أرعى نسورا لم يرعها أحد ... قبلي كأني بذاكم نصبا # أن تقبلي واديا فالسدر يقلعها ... كي لا يصد القرى به جدبا # أودين عنا فصرت في عمر ... رث القوى واهيا وما انتصبا # لا مغيب كاسمه فيا عتب ... بل زاد قلبي اقراحه ندبا # أورثتها بالذي كسبت وذا ... اللحوم له غبطة بما كسبا # على شقائي إذ صرت أسفا بما ... خيرت جهلا لا ينقضي عجبا # قد نال منه السرور والفضل في ... أسرابه والشقي قد كتبا ### | النسر الخامس # فبينما لقمان في تلك الحال يبكي نفسه، إذ سمع مناديا يقول: يا PageV01P375 # لقمان بن عاد لك في الجبل اليسر بين منبت الشت والعرعر فوق الشاهق الأغر، ~~فأخرجه منه واستبشر فبطاعتك قد أمر وإلى الموت يصير البشر فطلع لقمان ~~الجبل، فإذا هو بوكر فيه بيضتان تفلقتا عن فرخين فاختار أحد الفرخين وعقد ~~في رجله سيرا ليعرفه - وسماه ميسرة - ثم قال: أنت الميسر الباقي المحبب ~~إليك اليسر انك النسر الباقي بقاه الدهر وكان لقمان لا يغفل عن إطعامه حتى ~~نهض طائرا مسخرا له يدعوه باسمه فيجيبه للمأكل حتى أدرك ذاك النسر الكبر ~~وضعف، فدعاه لقمان ذات يوم ليطعمه فأقبل نحوه كاسرا فوقع على منكبه يصيح ~~ومعه لحمه قد بضعه له، ثم حركه لينهض فلم يطق أن يطير، فذهب لقمان فجمع له ~~عيدانا لينحت له قفصا يجعله فيه فوجده ميتا. فهاله لقمان موته وجزع لذلك ~~جزعا شديدا كادت أن تذهب نفسه فأنشأ يقول: # دنا الموت إذ نشاب موتي شوارع ... إلي بنيران المنايا تسعر # رجوت بأن أبقى وعمر ميسر ... ففات وأودى مفرد إلى ميسر # فصرت أرجي واحدا بعد واحد ... نسور وهل تبقى على الدهر أنسر # فلا تعجبوا بالرأي بعدي فإنني ... جهدت اختيارا حين نادى المخير # فقلت ستبلى بعرة الضأن ذلة ... ولم اك فيما كان مني أفكر # وتبقى نسور سبعة كل واحد ... طيل المدى يوقى الردى ويعمر # ولو عشت أضعاف الذي عشت لم يكن ... من الموت بد ذاك حتم مقدر # وما هو آت قبل ورد ms036 حلوله ... على غفلة مني به لست أشعر # كأني على ما ينقضي من سنيننا ... وطول زمان قد مضى لست أذكر # فما قد مضى ينسى وما هو آتى ... قريب وصافي العيش قد يتكدر PageV01P376 ### | النسر السادس # فبينما لقمان يبكي على نفسه ذات يوم، إذ سمع مناديا يقول: يا لقمان بن ~~عاد اطلع فوق الصفا الأملس مستقبلا مطلع الشمس تجد وقرة كالترس فيها راسخ ~~محترس عن طاعتك لا يحتبس وستموت كل نفس. فطلع لقمان حيث وصف له المنادي، ~~فوجد وكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما، فاختار أحد الفرخين، ثم علق ~~في رجله سيرا ليعرفه وسماه أنسا، ثم قال له: أنت الأنس من روعات الدحس ~~والدهر غير التعس وحياتك ببقاء النفس. وكان لقمان لا يعدل عن إطعامه حتى ~~ينهض طائرا مسخرا له يدعوه باسمه إلى المأكل فيجيبه حتى كبر وضعف. فبينما ~~لقمان سائرا من الطائف إلى مكة ومعه لحم قد بضعه له والنسر يحوم فوقه إذ ~~دعاه لقمان باسمه فأنقض كاسرا نحوه فوقع ميتا. فاغتم لذلك لقمان غما شديدا ~~واشتغل صدره وذهب عقله وبكى عند ذلك وأنشأ لقمان يبكي نفسه وهو يقول: # أمرضني سادس النسور وقد ... جدد حزنا وإن قد درسا # سميته لي لوحشتي أنسا ... أودى لعمري ولم يدم أنسا # شبهت ما قد مضى ومنزلتي ... كنبهة من مسافر نعسا # أخلف ظني وذو طمع بالخلد ... قبلي أخطاه ما حدسا # هل يبتني المبتنى بلا أسس ... الله الباني إذ بنى أسسا # ما عمر الحي غير ما نفس تنام ... إذ لا ترى له نفسا # فإن أمت قد حييت مجتنبا ... للعيب لم اجر سادرا دنسا ### | النسر السابع # فبينما لقمان يبكي نفسه، إذ سمع مناديا يقول: يا لقمان بن عاد لك PageV01P377 # فوق الصفا الأسود حيث الشجر المتلبد خلصة بيت الرشد فرخ به وفاء الموعد ~~مأمور بطاعتك فاصعد. فصعد لقمان رأس ذلك الجبل، فإذا هو بوكر نسر فيه ~~بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما فاختار أحد الفرخين وعقد في رجله سيرا ليعرفه ~~به وسماه لبدا وقال: أنت لبد الباقي المخلد إلى ms037 آخر الأبد عيشك معي رغد ~~ويزاح عنك النكد ويوفق لك الرشد وعمرك لا ينفد - وكان لقمان لا يغفل عن ~~إطعامه - حتى نهض طائرا مسخرا له يدعوه باسمه للمأكل فيجيبه حتى أدركه ~~الكبر وضعف. # وبلغني يا أمير المؤمنين أن رجلا من عاد الآخرة جاء إلى لقمان فقال له: ~~يا عم ما بقي من عمرك غير هذا النسر، فقال: يا ابن أخي هذا لبد. قال ~~معاوية: لله أنت ما اللبد؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين قد علمت أن اللبد في ~~لغة العرب الدهر. سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: ويذكر في كتاب الله ~~عز وجل يقول {أهلكت مالا لبدا} يقول كثيرا. قال معاوية: صدقت فخذ في حديثك. ~~قال عبيد: فلما دنا أجل لقمان وبلغ الميقات، أقبل ذلك النسر لبد حتى وقع ~~على شجرة النتظب فدعاه ليطعمه من لحم قد بضعه. فأراد لبد أن ينهض فلم يطق ~~أن يطير، فأقبل لقمان فزعا مرعوبا حتى قام حتى وقال (انهض لبد أنت الأبد لا ~~يقطع بي الأمد نهضا شدد نهض الملك المجرد الحارث بن ذي شدد). قال معاوية: ~~لله أبوك من الملك المجرد الإرث بن ذي شدد الذي يعني؟ قال عبيد: يا أمير ~~المؤمنين هو الرائش ملك من ملوك حمير باليمن - فإن شئت حدثتك حديثه - قال ~~معاوية: بن # أتم حديثك حتى أسألك عما أريد - إن شاء الله تعالى - قال عبيد: فلم يطق ~~لبد أن ينهض وتفسخ ريشه، فهال ذلك لقمان هولا عظيما ووقع موته موقعا جسيما، ~~فأنشأ لقمان يبكي نفسه ويقول: PageV01P378 # موتي إني أموت اليوم يا لبد ... وحسرتي أن قد تصرم الأبد # فطر كما كنت سالما لبدا ... تحيا ونحيا معا ونحتفد # إني وإياك في تفرقنا ... سيان شقا كالروح والجسد # إن مت لم أبق إنما أجلي ... ما عشت فابق ما أن لك الرشد # ما لي سوى ما بقيت من عمري ... فليس لي من سبيلك السدد # قد هالني ما أرى وأرعبني ... أني واجد فترة كما تجد # أنكرت ظهري وركبي ويدي ... فالبطن والصدر فيهما ويد # قد ms038 غالني كلما أرى نفسي ... والموت آت إذا انقضى لبد # وإن يكن آتيا سأكرهه ... لأنه متعب للمراد يرد # يسل نفسا من المفاصل لا ... يخلف إن جل موعد لقد # ثم سقط لبد ميتا، فجاء لقمان لينهض فاضطربت عروق ظهره وخر ميتا - وكان ~~أمرهما هذا بمرأى من رجل من العمالقة، يقال له المثنى بن عمرو العمليق - ~~والعمالقة يومئذ سكان السراة والحجاز كلها، وكان المثنى شاعرا حافظا، حفظ ~~قول لقمان وشعره وعاين كيف كان هلاك نسره فقال وهو يبكي على لقمان ويرثيه: # فنيت وأفنى الله نسلك من نسر ... هلكت وأهلكت من عاد وما تدري # فمن ذا ينجي بعد لقمان فكره ... يخلصه يا قوم من تلف الدهر # فاسنوا منكم أنفسا ببقائها ... فما لكم في الرأي في ذاك من عذر # وخيرها فاختار لم يك عالما ... محيطا بها إلا على الشك أو نسر # قال: ثم انطلق المثنى إلى ناس من قومه العماليق فأخبرهم بأمر لقمان PageV01P379 # ونسره # فانطلقوا حتى دفنوهما، والمثنى صهر لقمان بن عاد. وبلغني إن موت لقمان ~~كان في زمان ملك فارس. # قال معاوية: لله أنت يا عبيد! أخبرني كم كان عمره؟ قال: بلغني أن عمره ~~كان ألف سنة وسبعمائة سنة وأربعا وستين سنة. قال معاوية: فعمر النسور من ~~ذلك كم؟ قال عبيد: إني سمعت ابن عمك يقول: كان عمر كل نسر مائة سنة وزيد ~~لبد عليها نيفا. وذكر غيره أن أعمارها كانت مختلفة، والله بالصواب أعلم. ~~كان عمر النسور التي متع بها ألف سنة وأربعمائة ونيفا، وكان عمر لقمان قبل ~~النسور ثلاثمائة ونيفا وستين سنة. قال معاوية: لا يفضض الله فاك يا عبيد، ~~لقد حدثت بالعجائب! أخبرني هل قيل فيه شعر؟ قال: نعم يا معاوية، كان لقمان ~~ونسوره مثلا في العرب، فقال لبيد بن ربيعة الكلابي شعرا يقول فيه: # لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالعقير الأعزل # من تحته لقمان يرجو نهضه ... ولقد رأى لقمان إنه لا يأتلي # ولقد جرى لبد فأدرك شأوه ... ريب المنون وكان غير مغفل # غلب الليالي خلف آل محرق ... وكما ms039 فعلن بتبع وبهرقل # وغلبن أبرهة الذي الفنيه ... قد كان يخلد فوق غرفة موكل # والحارث الحراب كانت دراه ... دارا أقام بها ولم يتحمل # تجري مواهبه على من نابه ... جري الفرات على قرار الجدول # وفيه يقول النابغة الذبياني حيث يقول: # أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبلد PageV01P380 # قال معاوية: من أين علمت إنه آخر النسور! وكيف علم ذلك النابغة حيث قال ~~فيه؟ قال: الخبر فيه يا أمير المؤمنين مع الأعشى قد فسر ذلك في شعره. قال ~~معاوية: وكيف قال الأعشى؟: قال يا أمير المؤمنين في شعره الذي يقول فيه: # فلو كان حيا خالدا أو معمرا ... لكان سليمان البريء من الدهر # حتى أتى إلى آخر البيات، وقد ذكرناها في كتابنا هذا. وهذا ما كان من خبر ~~لقمان بن عاد وخبر نسوره وطول عمره من جهة أخباره بعد نسوره، والله أعلم ~~بالغيب. ### | يتلوه حديث عاد الآخرة # قال معاوية: لله أنت يا أخا جرهم، لقد ذكرت من حديثك عجبا فلله الحمد على ~~ما قضى في خلقه، فقد سمعتك ذكرت عاد الآخرة في حديثك فهات حدثني حديثهم؟ ~~قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين، إنه لما هلك عاد الأولى وتوفي هود النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بقي ولد أبي سعيد المؤمن، فكثروا وانتشروا في ~~البلاد وحدثت منهم القرون حتى كثروا وعتوا وبغوا في الأرض بغير الحق، فألقى ~~الله شرهم بينهم وأهلك بعضهم ببعض وأفناهم الله بذلك. قال معاوية: لله أنت ~~يا عبيد! وكيف كان ذلك؟ قال عبيد: كان منهم رجل - يقال له سالم بن هزيمة - ~~أحد بني عفير بن لقيم سادة عاد الآخرة، فكان رأسا في قومه وفيهم العدد ~~والقوة والثروة - وكان سالم بن هزيمة رئيسهم وصاحب أمرهم - ثم أن رجلا من ~~قومه إلا من غير أهل بيته هو من بني لقيم - يقال له لقمان بن PageV01P381 # عاد بن عمرو بن لقيم - تزوج أخت سالم، فمكثا على ذلك دهرا طويلا فلما ~~أراد الله بهم ما أراد من الهلاك ألقى بين أخت سالم وبين ms040 زوجها التشاجر ~~وكان بينهما شر كثير حتى تناولها فضربها وأساء إليها فخرجت المرأة إلى ~~أخيها بأسوأ حال، فغضب سالم مما صنع لقمان بأخته وصرخ في قومه فاجتمعت إليه ~~جماعة منهم، فانطلق بهم حتى أتى صهره لقمان فكلمه فيما صنع بامرأته؟ فرد ~~عليه قولا سيئا، وكانت بينهما منازعة شديدة حتى ساء الحال فيما بينهما ~~والتحمت الحرب بينهم. فاجتمعت قبائل عاد إلى بني عفير بن لقيم، قم إلى سالم ~~بن هزيمة، واجتمعت لنو عمرو بن لقيم إلى لقمان ابن عاد والتقوا فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، فظفر لقمان بن عاد وقومه # بسالم بن هزيمة وقومه من بني عفير وبجميع ما كان مع بني عفير من سائر فرق ~~عاد فقتلوهم جميعا حتى أفنوهم، ولم يتركوا منهم أحدا إلا امرأة - يقال لها ~~صنيعة من بني عمرو بن لقيم، كانت متزوجة في ثمود رجلا من أشرافهم فولدت له ~~رجلين، يقال لهما الوضيع وغانم - ثم أن زوجها مات فرجعت إلى ما بقي من ~~قومها عاد الآخرة - أهل بيت لقمان بن عاد - الذين قتلوا أهل بيتها ومعها ~~ابناها، فأقامت معهم ما شاء الله وشب ابناها فأدركها. قال: فلما كان ذات ~~ليلة إذ نزل بها ضيف من أصهارها من ثمود بينه وبين أبيها قرابة - يقال له ~~حبيب بن جارية - فوثب عليه رجل من عاد - يقال له معاوية بن مرثد بن لقمان ~~بن عاد - فقتله. فلما رأت ذلك منيعة - وكانت امرأة أنفة عارمة، غضبت لقتل ~~ضيفها وجارها فدعت إلى ابنيها - فقالت: اذهبا إلى هذا الفاسق فقد عدا على ~~ضيفكما وابن عمكما فقتله، وقبل ذلك فإن جده وأهل بيته قتلوا جدودي وأهل ~~بيتي فاذهبا إليه فاقتلاه. فانطلق الغلامان حتى أتيا معاوية فقتلاه، ثم ~~انطلقت منيعة PageV01P382 # هاربة في ليلتها بابنيها ونفسها، حتى صارت إلى أختا لها من ثمود - وهم ~~يومئذ أمنع العرب وأعزهم - فاستجارت برجل من ثمود - يقال له غنم ابن عمرو ~~بن مبلغ - فأخبرته خبرها، وأنشأت تقول: # أتيتك يا غنم بن عمرو بن مبلغ ... بنفسي وابني الوضيع وعاديا # فررت إليكم من سفاهة ms041 معشر ... ومن قدرة تعلي علي الافاعيا # وقالوا أأهلكت ابن زيد سفاهة ... فلا صلح فينا بعد قتل معاويا # بنو حرب ولقمان بن عاد عدونا ... وقد كان لقمان زمانا رجائيا # فاخلف لقمان رجائي وذمتي ... بقتلهم جاري حبيب بن جاريا # فلا تسلمني يا بن غنم إليهم ... فتبلغ مني إن فعلت الدواهيا # فأجارها غنم بن عمرو وقام دونها، وطلبها بنو لقمان بن عاد وابنيها ~~ليقتلوها # وابنيها، فمنعهم غنم عن ذلك هو ورهطه، وكادت أن تهيج بينهم حرب حتى أصلح ~~بينهم ردم الطسمي - وكان يومئذ حكم العرب - فاصطلحوا ومكثوا على السلم ما ~~شاء الله، ثم أن رجلا من بني لقمان بن عاد قتل رجلا من غنم بن ثمود، فنهضت ~~عليهم ثمود وغضبوا في قتل صاحبهم غضبا شديدا فحاربوهم وأعطوا عليهم الظفر ~~فقتلوهم جميعهم حتى أفنوهم عن وجه الأرض فلا أعلم لهم اليوم بعقب، والله ~~أعلم. فهذا ما كان من حديث عاد الآخرة يا أمير المؤمنين وأخبارهم. ### | يتلوه حديث ثمود بن عابر بن أرم بن سام # ابن نوح بن ملك بن متوشلخ بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيت ابن آدم - ~~أبي البرية صلى الله عليه وسلم على الطيبين من ذريته الطاهرين PageV01P383 # والأنبياء المنتخبين والأئمة التابعين والأولياء والأصفياء الصالحين. # قال معاوية: تبارك رب العالمين، ثم قال: حدثني عجبا منهم يا عبيد! فحدثني ~~بحديث ثمود قوم صالح صلى الله عليه وسلم وعن أخبارهم وكيف كان سبب هلاكهم ~~وقصص أمورهم؟ قال عبيد: يا معاوية، لما اهلك الله عاد الأولى والآخرة ~~وانقضى أمرهم خلفت ثمود بعدهم، وانتشروا في البلاد وملئوا الأرض وأثاروها ~~وتكبروا وعتوا وطغوا وساروا في الأرض بغير الحق وأكثروا فيها الفساد وعبدوا ~~الأصنام، وكانت منازلهم بالحجر - وهو وادي القرى إلى رملة فلسطين - وهو ~~ثمانية عشر ميلا بين الشام والحجاز. ذلك قول الله عز وجل {ولقد كذب أصحاب ~~الحجر المرسلين}. وكانوا قوما عربا، وكان الله جل جلاله قد أعطاهم فضلا من ~~القوة والأبدان وسعة في الأرزاق وطولا في الأعمار، فلم يزدهم إلا طغيانا، ~~فلما عتوهم على الله ms042 عز وجل، بعث إليهم صالحا - عليه السلام - وكان من ~~أوسطهم بيتا وأكبرهم حسبا وهو صالح بن عمرو ابن وهبة بن كماشخ بن أحقب بن ~~الوذ بن عابر بن أرم بن سام بن نوح - فأرسله حجة عليهم، وكان بعد هود وصالح # إبراهيم خليل الله - عليه السلام - فآتاهم صالح برسالة ربه على ما شاء ~~بأمره، فمكث يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل وترك عبادة الأصنام ويخوفهم عذاب ~~الله ونقمته حتى صار شيخا كبيرا أشمط، وكان من دعائه إياهم وردهم عليه ما ~~ذكر الله تعالى لنبيه في كتابه في آيات كثيرة. فلما ألح صالح على قومه ~~بالدعاء لعبادة الله وترك عبادة الأصنام وحذرهم عذاب الله ونقمته لأعدائه، PageV01P384 # فأخبرهم بما عنده لمن عبد الله من الفضل الكبير الدائم وبما عنده عز وجل ~~لأوليائه، فلم يتبعه إلا القليل المستضعفون في الأرض، فلما طار عليهم ~~دعاؤهم إياهم، اجتمع إليه ذات يوم أشرافهم وذو القوة منهم وذو الرأي منهم. ~~فقالوا: يا صالح قد أكثرت علينا الدعاء وخوفتنا العذاب وأنت بشر مثلنا ~~وذكرت لنا ان الله أرسلك إلينا، ونحن نحب أن تأتينا بآية وترينا آية نعتبر ~~بها ويكون ذلك مصدقا لقولك لعلنا أن نتبعك، وذلك قول الله عز وجل {ما أنت ~~إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين}. فقال لهم صالح: أين تريدون؟ ~~قالوا: تخرج معنا في عيدنا فما سألناك من شيء أو طلبناك فعلته لنا. قال ~~صالح: فإذا فعلت ذلك لكم وفعله لي ربي ما الذي تفعلون أنتم لربكم ولي؟ ~~قالوا: نعبد ألهك ونؤمن به ونتبعك، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق في ~~ذلك وتأكد عليهم أشد تأكيد. وكان لثمود عيد من كل سنة يخرجون فيه إلى بعض ~~نزهاتهم بأوديتهم فيخرجون بالخمر والطعام والاجزار ويخرجون معهم أصنامهم ~~التي يعبدونها من دون الله تعالى فيذبحون لها الذبائح ويقربون لها القرابين ~~ويقيمون هناك أياما يأكلون ويشربون ويلعبون وتضرب لهم القيان بالدفوف ~~والمعازف ويجتمعون لذلك العيد من قراهم كلها في ذلك الموضع لذلك اليوم - ~~وكان رأس ثمود من أشرافهم ms043 وسادتهم، يقال له جندع بن عمرو بن خراش بن الدميل ~~بن عاد بن ثمود، وهو صاحب أمرهم والمطاع فيهم وكان معه أشراف منهم ريان بن ~~صمغة بن خليفة بن خراش وهو كاهنهم وذؤاب بن عمرو # بن لبيد بن خراش - وهو صاحب أوثانهم والجناب وشهاب ابنا خليفة ابن عمرو ~~ولبيد بن خراش وهو صاحب حربهم وبأسهم، وهؤلاء أهل بيت واحد ومعهم أشراف من ~~بني غنم وعبيد بن ثمود ليسوا بدونهم في الشرف والعز، فخرجوا في عيدهم ~~بزينتهم ولهوهم وما احتاجوا إليه من PageV01P385 # صلاحهم، وخرج معهم صالح - صلى الله عليه وسلم - وهو يرجو إسلامهم فأتوا ~~مكان مجمعهم فقضوا ما كانوا يحتاجون إليه يومهم ذلك فاعتزلهم صالح في ناحية ~~قريبا من شجرة كانت يصلي ويعبد الله فلما كان في الغد اجتمعوا إليه ~~باجمعهم، فأتوا صالحا فتحدثوا عنده ما شاء الله، ثم نظروا إلى صخرة عظيمة ~~منفردة في قاع أفيح فأعجبتهم فقالوا: يا صالح إن طلبنا منك أن تخرج لنا في ~~هذه الهضبة - يعنون الصخرة - ناقة حمراء شعراء وبراء مهبرجة، والمهبرج من ~~الإبل: يماشي كل النجب لها ضجيج وعجيج ورغاء شديد تفور لبنا سائغا. فإن ~~فعلت ذلك فعلنا لك ما عاهدناك عليه وإلا علمنا أنك كاذب. وإنما سألوا صالحا ~~ذلك استهزاء به فظنوا إنه لا يفعل ولا يكون منه ذلك ولا يقدر عليه. ولم يكن ~~الله ليحقر نبيه - وهو القادر على ما يشاء - فقال لهم صالح: زيدوا لهم ~~صالح: زيدوا فأعطوني في عهودكم ومواثيقكم على ذلك. فأعطوه ما وثق به، ثم ~~قام صالح فصلى ما شاء الله، ثم رفع رغبة إلى الله ودعاه وتضرع إليه. فسمعت ~~ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: فبنيما هم على ذلك - وهم يدعون أصنامهم أن ~~تحول بين صالح وبين ذلك - وهم ينظرون ما يفعل لصالح الهه وما تفعل لهم ~~أصنامهم إذ نظروا إلى الصخرة تتحرك وترتعد من خشية الله تعالى، ثم اضطربت ~~فنظروها تتمخض كما تمخض المرأة للولد، ثم انصدعت وتغلقت عن ناقة عظيمة على ~~ما سألوا ووصفوا ms044 إلا أن الله عز وجل عظم خلقها على خلق كل دابة في الأرض ~~فكانت كأنها طود عظيم رأسها كأعظم بعير، ثم أقبلت إلى جماعة القوم حتى ظنوا ~~أنها مهلكتهم ونظروا إلى أمر عظيم # هالهم من أمر الله وعزته وقدرته. فلما رأى ذلك رئيسهم جندع بن عمرو خر ~~لله ساجدا وسجد معه بشر كثير من عظمائهم وسفلتهم وأقر الله عين نبيه - عليه ~~السلام - وصدق ظنه PageV01P386 # وكانت العامة من ثمود عند ذلك قد خشوا أن يموتوا تلك الساعة. فقام فيهم ~~نفر من مشايخهم - مشائخ الكفر والضلالة - منهم: ريان بن صر - صاحب كهانتهم ~~- والجناب بن خليفة وذؤاب - صاحب أوثانهم - فكلموا ثمود ونهوهم وزجروهم عن ~~الإسلام. وقول الله عز وجل {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}. ~~يقول: هداهم أراهم آية عظيمة فاهتدوا وأبصروا ثم استحوذ عليهم الشيطان ~~وأطاعوا سادتهم وكبراءهم فارتدوا إلى الكفر وهو العمى. # قال عبيد: سمعت ابن عمك يقول ذلك. قال: صدقت فخذ في حديثك. قال عبيد: ~~وثبت جندع بن عمر رئيسهم وسيدهم على الإسلام وناس معه حتى ماتوا - رحمهم ~~الله وغفر لهم - وكان شهاب بن خليفة بن عمرو قد أسلم مع جندع بن عمرو، ثم ~~رجع عن ذلك مع من رجع وارتد مع ثمود، فدعاه جندع بن عمرو إلى الإسلام فعصاه ~~فكان ممن استحب العمى على الهدى، فخاب. وفي ذلك يقول رجل من المسلمين اسمه ~~مهوش ابن علقمة شعرا فأنشأ يقول: # دعونا عصبة من آل عمرو ... إلى دين الإله دعوا شهابا # عزيز ثمود كلهم جميعا ... فيأبى أن يجيب ولو أجابا # لا صبح آمنا فينا عزيزا ... وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا # ولكن الغواة من آل حجر ... تولوا بعد رشدهم ارتيابا # قال: ومكثت الناقة في أرض ثمود بين أظهرهم ترعى الشجر وتشرب الماء، ثم أن ~~صالحا عليه السلام خشي عليها سفهاء ثمود فزجرهم عنها وأوحى الله إليه بذلك. # قال: يا معشر ثمود {هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض PageV01P387 # الله ولا تمسوها # بسوء فيأخذكم عذاب أليم}. قال: ثم قسم الله الماء ms045 بينها وبينهم. وأوحى ~~إلى صالح نبيه ونبيهم صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى {ونبئهم أن الماء ~~قسمة بينهم كل شرب محتضر} فقال {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} قال: فكان ~~شربها يوما معلوما يقام يوم الأربعاء، فكانت ترد يوم شربها، فإذا وردت وضعت ~~رأسها في الوادي فتستقيه حتى لا تدع قطرة. قال: فترفع رأسها فتقوم فتفجح ~~لهم، ثم تدر فيحلبون ما شاءوا من لبن فيشربون منه ما اشتهوا حليبا ويدخرون ~~منه ما أحبوا يتزودونه في أسقيتهم كما يتزودون الماء، فيكون لبنها لهم خلفا ~~من الماء، ثم تصدر من غير الموضع الذي منه وردت لا تقدر أن ترجع من حيث ~~وردت لضيق ذلك عليها من عظمها - وسموها الهجول - وإذا كان يوم وردهم وشربوا ~~من الماء ما شاءوا وادخروا ما شاءوا ليوم وردها، فكانوا من ذلك في سعة وفضل ~~وحالة حسنة. وكانت الناقة إذا كان الصيف طلعت ظهر الوادي فهربت منها ~~المواشي والدواب من البقر والغنم وغيرها من الوحوش، فهبطت منها المواشي إلى ~~بطن الوادي في برد شديد وحر شديد وجدب ذلك. إن الدواب كانت تنفر منها وتخاف ~~أن تتخطفها، وإذ كان الشتاء والبرد شتت في بطن الوادي ونفرت منها وارتفعت ~~إلى ظهر الوادي في برد شديد وجدب. فاضر ذلك بمواشيهم وذلك للبلاء الذي ~~أراده الله بهم وقدره عليهم وجعلها سببا لهلاكهم وكانت مراعيهم ما بين حسمى ~~إلى وادي القرى. فلما كان ذات يوم أصبحت الناقة في بطن الوادي ومعها سقب ~~لها على مثل خلقها وهيئتها، إلا إنه لم تبلغ، فلما رآها كفار ثمود قالوا: ~~سحر صالح الناقة حتى نتجت سقبا وكذب أعداء الله. فمكثوا على هذه الحالة حتى ~~دنا الوقت الذي أحب الله فيه هلاكهم، فنبغت منهم PageV01P388 # عجوز فاسقة ملعونة يقال لها أم غنم وهي عنيزة أم غنم بن المختار - وهي من ~~بني عبيد بن المهل وهي العجوز الملعونة التي ابتليت بها ثمود - فكانت تحت ~~ابن # عمرو زوجة له، وكانت ذات ماشية كثيرة من ابل وغنم وبقر فألقى الله بغض ~~الناقة ms046 في قلبها لحال ماشيتها، وكانت لها بنات حسان منهن الرباب التي كانت ~~أجمل نساء العرب في زمانها، وكانت لها أخت من نساء أشراف ثمود - يقال لها ~~الصدوف ابنة المحيا بن زهير بن المحيا سيد بني زهير وصاحب كهانتهم وأوثانهم ~~في زمانهم الأول - وكان واديهم يقال له (وادي المحيا) وكانت صدوف ذات جمال ~~وكمال ومال كثير واسع من ابل وبقر وغنم، وكانت هي وعنيزة متواخيتين ~~ملعونتين، وهما كانتا من السباب التي قدر الله عز وجل نقمة لثمود وكانتا من ~~اشد نساء ثمود بغضا لصالح والناقة، وكانتا تحبان عقر الناقة لمكان ~~ماشيتهما، وكانت صدوف تحت رجل - يقال له ضيم - قد أسلم مع صالح وحسن ~~إسلامه، وكانت الصدوف قد فوضته في مالها كما تفوض المرأة زوجها، فكان ضيم ~~ينفقه على من أسلم مع صالح من اتبعه يريد بذلك وجه الله. فلم يزل على ذلك ~~حتى رق المال في يده واطلعت صدوف على إسلامه وما يفعل بالمال فشق ذلك عليها ~~ولامته وعاتبته على فعله. فلما أكثرت عليه أظهر لها إسلامه ودعاها إلى ~~الإسلام ورغبها فيه، فأبت عليه وأظهرت له الشناءة وانتقلت إلى أهلها وأهل ~~بيتها بني عبيد الذي هي منهم وأخذت بنيه وبناته فبعثتهم إلى بني عمها، فقال ~~لها زوجها ضيم: ردي علي ولدي، قالت: لا أردهم حتى أناظرك إلى ضبعان أو مبدع ~~ابني عبيد. فقال لها: لا أناظرك إلى بني مرداس، وذلك أن بني مرداس كانوا قد ~~سارعوا إلى PageV01P389 # الإسلام وأبطأ عنه الآخرون. قالت له الفاسقة: لا أناظرك إلا إلى من دعوتك ~~إليه. فاستعان عليها ببني مرداس فقالوا لها: والله لئن لم تدفعي إليه ولده ~~طائعة لتدفعنهم إليه كارهة ولنقومن من دزنه. فلما رأت الفاسقة ذلك علمت إنه ~~لا طاقة لها ولا لرهطها ببني مرداس، فدفعت إلى ضيم ولده، فذكر ضيم أمر صدوف ~~ومعاتبتها إياه على الإسلام وعلى المال فقال في ذلك شعرا يقول فيه: # تقول كان ضيم لا منبت له ... فقلت ذو رحم منه ومن زال # إن ابن أمي أغواه وأفسده ... فأهلك ms047 المال في أسباب أخوالي # فقلت ويحك إن الله بصرني ... دين الهدى فاشتريت الدين بالمال # وقلت حسبي بدين الله أبلغه ... في آل صالح إدباري وإقبالي # قال معاوية: لله أنت يا لبيد، وما يعني بقوله هذا: قال: يا معاوية. قوله ~~ذو رحم مني ومن زال فكان زال آخاها لأبيها وأمها وهو زال بن المحيا قد اسلم ~~مع صالح، ثم استقام على الهدى. وقوله أغواه وأفسده تقول إن آخاها أفسده ~~زوجها وأغواه حتى أسلم وأفسد المال وهي الغوية لعنها الله ليس هما، وأما ~~أخوالي فهو خال صدوف وخال أخيها ذلك وكان مسلما، وكان ممن أنفق عليه ضيم ~~فهلك في صيحة صالح عليه السلام وذلك قوله: افسد المال أسباب أخوالي، ثم أن ~~الفاسقين لعنهما الله عنيزة وصدوف أجمع رأيهما على عقر ناقة صالح فأخذتا في ~~المكر والحيل لأسباب الشقاء الذي حل بثمود فأتت الصدوف رجلا من قومها - ~~يقال له الجناب ابن خليفة من أشراف ثمود ومترفيها - فدعته إلى عقر الناقة ~~وعرضت عليه نكاحها ومالها فأبى عليها ذلك ونزه نفسه عن طاعتها، فبعثت إلى PageV01P390 # رجال ثمود وأشرافها تدعوهم إلى ذلك، فأبوا عليها حتى أتت ابن عم لها - ~~فاسقا فاجرا ملعونا مقدما على المكاره والشراب يقال له مصدع بن مهرج بن ~~المحيا - فدعته إلى عقر الناقة، ونكاحها إن فعل فأجابها إلى ذلك لما رغب ~~فيه من جمالها وكمالها وسعة مالها، ولما كتب الله سبحانه وتعالى عليهم ~~وانطلقت عنيزة الفاسقة إلى أشراف ثمود ومترفيها تدعوهم إلى عقر الناقة ~~وتبذل مالها وابنتها الرباب لمن يفعل لها ذلك، فلم تجد أحدا يتابعها على ما ~~طلبت حتى أتت المدينة قرح - وهي المدينة التي ذكرها الله تعالى في كتابه، ~~فقال {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} - قال: فكلمت ~~رجالهم حتى أتت إلى رجل # منهم يقال له - قدار بن سالف بن مليف بن جندع، وكان فاسقا فاجرا ملعونا ~~جريا على الله سبحانه وعلى المحارم والفواحش، وكان من صفته إنه كان أحمر ~~أزرق أكسف ولد زنا - ويقال أن أمه ms048 باغية ملعونة، وكانت تفجر برجل من قومها ~~- يقال له ضبعان بن عبيد - وكان قدار شبيها به، فكان قومه يقولون إنه ابنه، ~~ولكنه ولد على فراش سالف فادعاه فالولد لضبعان والاسم لسالف وقدار هو الشقي ~~الذي عقر الناقة وبه شقيت ثمود، وكان قدار - مع حاله هذه - مقدما عزيزا ~~منيعا في قومه. # وذكر محمد بن إسحاق في غير حديث عبيد بن شرية، قال محمد ابن إسحاق، حدثني ~~هشام بن عروة بن الزبير في حديث زمعه بن الأسود ابن المطلب بن أسد بن عبد ~~العزى، إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم يخطب الناس على ~~المنبر فذكر الله وذكر ناقة الله التي عقرت ثمود، والذي عقرها فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: قام PageV01P391 # إليها أحمر أصعر وأزرق منيع عزيز في قومه مثل زمعة بن الأسود في قومه. # رجع الحديث إلى عبيد بن شرية. قال عبيد: فكلمته عنيزة الفاسقة بعقرها ~~وبذلت ابنتها الرباب وأي بناتها شاء، فأجابها عدوالله إلى ذلك - وكان قدار ~~عدو الله محبا للرباب وامقا بها، وكان قد طلبها فلم يجد ليها سبيلا، وكانت ~~الرباب أجمل امرأة في زمانها وأتمها - فلما ذكرتها معا لعدو الله تاقت نفسه ~~إليها فطاوعها، فاجتمع هو ومصدع فتكلما في ذلك، ثم ناديا في ثمود فاستغويا ~~ناسا غواة سفهاء من سفهائهم ومترفيهم من أهل المدينة مدينة قرح فاتبعهما ~~تسعة نفر من أشباههما فكانوا تسعة نفر، وهم الذين ذكر الله تعالى في كتابه ~~{وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون}. وهم: قدار بن سالف ~~- وهو رئيسهم في الشر - ومصدع بن مهرج، ومبلغ بن غنم - وهو خال قدار، وكان ~~عزيزا في قومه - # ودعيم بن حلاوة بن المهل، وذؤاب بن مهرج - أخو مصدع - وأربعة لم تحفظ ~~أسماؤهم، وكلهم من أشراف ثمود وأعزائهم وأهل النعمة منهم - وهم الأذلة عند ~~الله - فتتابعوا وتحالفوا على عقر الناقة، وفي حديث وهب بن منبه: أن اسم ~~الرهط الذين تحالفوا على عقرها قدار بن سالف ومصدع بن مهرج وذؤاب ms049 بن مهرج ~~والهزيل ابن متروك وغنم بن غنم وعفير بن كردم وعاصم بن مخرمة وسليط بن حدقة ~~وبسيط بن نعيق. # رجع الحديث إلى عبيد، قال: فاجتمعوا في بيت الفاسقة عجوز النار PageV01P392 # أم غنم وأختها الصدوف فمالتا عليهم بما شاءوا من الخمر واللحم وعمدت إلى ~~ابنتها الرباب فزينتها وحلتها وألبستها قرفيرا وإزارا وخمارا، وأبرزتها ~~إليهم وأمرتها أن تبدي محاسنها. فلما رآها الفاسق قدار ذهب عقله وتاه حمله، ~~وتبرجت الصدوف لمصدع، فهذبت بعقله - وكان ذلك يوم الأربعاء يوم ورد الناقة ~~- وكانت الفاسقتان اعتمدتا ذلك ولم يدخرا شيئا من الماء ليوم ورد الناقة ~~اعتمادا منهما على ذلك. فبينا هم في أربهم ذلك إذ قل عليهم الماء لمزج ~~الخمر، فطلبوا ماء، فلم يجدوا شيئا، فقالتا لهم الفاسقتان: إذ لم يجدوا ماء ~~لمزج الخمر أن عندنا خمرا كثيرا فلابد له من فراج فاطلبوا لنا الماء، فذهبت ~~التسعة الرهاط بأسيافهم يطلبون الماء فوجدوا الناقة قد شربته جميعا، فلم ~~يقدروا منه على شيء، فرجعوا إلى مجلسهم، وقد جسرهم على عقر الناقة فأكد ~~بعضهم على بعض في عقرها، وطلب قدار ومصدع من المرأتين أنفسهما، فقالتا: ما ~~إلى ذلك سبيل حتى تريحانا من هذه الناقة التي قد أهلكت مواشينا وقطعتنا من ~~الماء. وشاع خبر قدار وأصحابه في قومهم وما هموا به من عقر الناقة، فشق ذلك ~~على عظماء ثمود ومشايخها ورأوا ذلك هولا عظيما، وعلموا أنهم لا طاقة لهم ~~برهط قدار وأصحابه لعزهم ومنعتهم في قومهم. وبلغ ذلك صالحا صلى الله عليه ~~فأتى الرهط، فقال لهم {هذه ناقة الله # لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم}، ~~فلم يزدهم ذلك الكلام - كلام صالح إلا عتوا ونفورا وجرأة على عقرها - وهموا ~~بصالح، فخرج هاربا إلى قومه. ثم أن عدو الله قدار وأصحابه جدوا في عقر ~~الناقة فصقلوا أسيافهم وأخذ قدار معولا فسنه، ثم تقلدوا أسلحتهم، فأخذ قدار ~~معوله PageV01P393 # وساروا يريدون الناقة في يومهم ذلك في يوم وردها، فانطلقت معهم عنيزة ~~الفاسقة معها ابنتها قد زينتا ms050 وألبستها ثوبا معصفرا وقلدتها بدر وياقوت، ~~وسارت معها صدوف على مثل ذلك حتى أتوا على طريق الناقة التي تصدر منها، ~~وكمن لها قدار في أصل شجرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل شجرة. فلما ~~صدرت الناقة من الماء وقف الرجلان عنها وجبنا عن عقرها واستعظما أمرها. ~~فلما رأت ذلك عنيزة وعرفت حالهما أخذت دفها وجاءت بابنتها الرباب حتى وقفت ~~على رأس قدار، وأنشأت تقول: # فدت نفسي لقدار أعز قومي ... ومفزعهم إذا المكروه نابا # به عزت ثمود فإن دعته ... ليكشف كربة عنها أجابا # وكان لها لدى الحدثان حصنا ... يذل من الأولى عز الرقابا # أطاعته ثمود فعز طرا ... وأحصنها كما أوتوا كتابا # فقدم للذي أكدت عهدا ... لعلك في المكاره أن تهابا # ولا تجبن فإن الجبن عار ... وكان أبوك يكره أن يعابا # فقد أشبهته جودا وبأسا ... ولم تشبه صميما ولا ذؤابا # فأنقذ من يحول الشر قومي ... فلست بمتبع فيها عقابا # وطفقت تضرب بدفها وأقبلت صدوف الفاسقة في زينتها حتى وقفت على رأس مصدع ~~وهي تضرب بدفها وتنشد هذا الشعر: # الآن الشعر أحلو لي وطابا ... وودعنا المكاره والتبابا # ونؤتى بالذي نهوى جميعا ... ونهدي نحو مصدعنا الشرابا PageV01P394 # فنفسي قد وهبت وكل مالي ... لمصدع بالذي أهوى ثوابا # فعندي ما اشتهيت فثق بقولي ... ولا تخش لما قلنا انقلابا # فمثلك قد أراح النفس مما ... رأوا منها ينبهم عتابا # فما في ناقة عقرت عقاب ... لآل ثمود قد كانت عذابا # قال: فلما سمعا عدوا الله قول الفاسقتين ابتدرا فحمل عليهما مصدع فمرت به ~~فرماها بسهم فانتظم بالسهم عصبة ساقها وحمل عليها قدار فضرب عرقوبيها ~~بمعوله حتى أبانهما فهرت صريعة لها رغاء شديد، ثم طعن بالسيف في لبتها ~~فنحرها وهرب سقبها فتعلق بجبل يقال له صنو، ولاذ بصخرة - يقال لها الكتانة ~~- ولحقه مصدع وأخوه فامتنع منهما بالصخرة ولم يقدرا عليه وسمع الناس بعقر ~~الناقة وبنحرها فتبادروا إليها فما كان كشيء حتى اقتسموا لحمها. # وذكر محمد بن إسحاق من غير رواية عبيد بن شرية، أنهم قد أصابوا السقب مع ~~أمه، قال: ms051 وتبعه مصدع وأربعة نفر من الذين عقروا الناقة فرماه مصدع في لبته ~~بسهم - وكان أرمى أهل زمانه شلت يده - فانتظم قلبه فجر برجله حتى أنزله ~~فالقوا لحمه مع لحم أمه. # قال ابن إسحاق: فلم يسمع بأن السقب قتل إلا في الحديث واحد عن رجل لم ~~يتابعه على هذا الحديث غيره ولم يقل في ذلك أحد من ثمود ولا من غيرها من ~~العرب شعرا إلا رجل واحد من أصحاب صالح عليه السلام ولا يمكن هذا أن يكون ~~وإنما كانت الصيحة التي أصابتهم من صيحة السقب. # رجع الحديث إلى عبيد بن شرية. قال عبيد: واكب قدار وأصحابه PageV01P395 # على الناقة فذبحوها وجزوا لحمها أعضاء وأتتهم عنيزة والصدوف بالخمر ~~والقدور فنصبوها # وشووا وشربوا وأكلوا وظلوا في ذلك المكان ينعمون ويملون ويقولون الأشعار ~~فكان ما روى لنا مما قالوا هذا الشعر: # قد أصبح صالح فردا حقيرا ... وما يرجو بناقته نصيرا # عقرناها بأيد ثم عز ... ولم نخش لذي ثار نكيرا # وما نلقي لنا فيما فعلنا ... بها إلا الكرامة والسرورا # وأصبح لحمها فينا غريضا ... بلهوجه وطائفة وغيرا # سنطلب صالحا ومصدقيه ... لنلحقه بناقته عقيرا # سنطلبه لنقتله فمن ذا ... يكون له وإن هرب المجيرا # فأجابه رجل آخر من المسلمين وهو يقول: # عصت بغيا ثمود رسول ربي ... أخاهم صالحا وعصوا قديرا # على الأشياء اخرج كي يتوبوا ... لهم من صخرة الوادي بعيرا # كما سألوا نبيهم فكانوا ... لما قد عاينوا من ذلك بورا # سقاهم مثلها ماء معينا ... وأرواهم لها درا عزيرا # فما اعتبروا بها أبدا ولكن ... طغوا وبغوا وغالوها كفورا # وقالوا فاعقروها ثم ملئوا ... لنا من لحمها الوادي قدورا # أطاعوا مصدعا وقدار غيا ... ورهطا سبعة كسبوا الشرورا # فسوف ترى ثمود ومن أطاعت ... عواقب ما أتت حوبا كثيرا # وتعلم حين يأتيها عذاب ... من الجبار من ورا نكيرا # ويعلم مصدع وقدار ماذا ... يجازي إذا عصى الله الكبيرا PageV01P396 # قال: وكان صالح، صلوات الله عليه - نازحا عنهم في دار قومه لا علم له بما ~~فعلوا بالناقة، حتى بلغه الخبر وقيل: هل علمت أن ناقة الله قد ms052 عقرت ويقسم ~~لحمها؟ وغلت بلحمها وشحمها المراجل؟ فخرج نحوهم مسرعا في عصبة من # قومه حتى وقف عليهم، فإذا لحم الناقة عندهم وهم يأكلون ويشربون، فقال لهم ~~صالح أعقرتموها؟ رماكم الله بما لا طاقة لكم به من العذاب وأنتم تنظرون ~~وشتم قومه من ثمود وأوعدهم العذاب الأليم فشتموه. فقام صالح فصلى ودعا إلى ~~الله - وهم يسخرون منه - فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالح عليه السلام إني ~~قد قبلت دعاءك واني مرسل عليهم صيحة تزهق أنفسهم وتهلكهم أجمعين وذلك نازل ~~بهم إلى ثلاثة أيام. فقال صالح: يا رب أعجل من ذلك، فقال الله تبارك ~~وتعالى: إني إذا قضيت أمرا فلا مرد له وإن وعدي غير مكذوب، ثم أقبل صالح ~~على القوم فقال: اجترأتم على الله وانتهكتم حرمته فانتظروا نقمته واعلموا ~~أن العذاب نازل بكم بما فعلتم، فقالوا: - وهم يستهزئون به - ومتى يكون ذلك ~~يا صالح؟ فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، فقالوا: - ~~وهم يسخرون منه - وما علامة ذلك يا صالح؟ فأوحى الخميس مصفرة، ثم تصبح يوم ~~الجمعة محمرة، ثم تصبح يوم السبت وجوههم مسودة، ثم يأتيهم العذاب غداة يوم ~~الأحد مشرقين. # يقال:، قال لهم صالح: إن علامة ذلك أن تصبح وجوهكم غداة مؤنس مصفرة، ثم ~~تصبح في عروبة محمرة، ثم تصبح يوم شيار مسودة، ثم يأتيكم العذاب يوم أول. ~~قال: وكانت العرب تسمي الأيام في الجاهلية الأحد يوم أول والاثنين أهون ~~والثلاثاء جبارا والأربعاء دبارا والخميس PageV01P397 # مؤنسا والجمعة عروبة والسبت شيارا، فذلك الذي عنى بهم صالح، صلوات الله ~~عليه. فلما سمعوا قوله كذبوه واستهزئوا به وتآمروا بقتله وقالوا: هلموا ~~فلنقتل صالحا وأصحابه في ليلتنا هذه ونلحقه بناقته ونستريح منه فإن بك ~~صادقا، فقد عجلناه، وإن يك كاذبا فقد اشتفينا منه. فتعاقدوا على ذلك ~~وتعاهدوا على ذلك عليه واجمعوا على قتله. فانطلق الرهط التسعة قدار وأصحابه ~~حين أمسوا حتى أتوا منزل صالح وهم يريدون أن يغتالوه فوجدوه # وأصحابه المؤمنين قعودا يذكرون الله. فلما طال عليهم ذلك تآمروا فقالوا: ~~هلموا ms053 بنا فلنقتله وأصحابه المؤمنين ولا يعلم أحد من قتلهم، فإن طلبنا أحد ~~من أوليائهم أقسمنا لهم ما شهدنا مهلك أهله ولا لك قول الله عز وجل في ~~كتابه {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قالوا: ~~تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا ~~لصادقون}. # سمعت ابن عمك يقول ذلك يا أمير المؤمنين. ثم وثبوا ليقتحموا البيت على ~~صالح، فبعث الله جل جلاله نفرا من الملائكة معهم حجارة من نار فدمغتهم ~~الملائكة بتلك الحجارة فقتلتهم جميعا، فهلك قدار وأصحابه من آخر ليلتهم ~~وأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا وأنزل بهم نقمته وقدرته قبل قومهم وما ~~أعد لهم من العذاب في الآخرة أشد وأخزى فسحقا لأصحاب السعير. وكان العامة ~~من ثمود وجلهم قد رحلوا مع قدار وأصحابه بعد عقر الناقة وأكلوا لحمها ورضوا ~~بعقرها جميعا والتي منهم يومئذ ما لا يحصى عدده فلما أبطأ قدار وأصحابه عن ~~قومهم انطلقوا إلى منزل صالح وأصحابه في طلبهم، فوجدوهم على بابه موتى قد ~~رموا بحجارة، ولم يكن صالح وأصحابه علموا بشيء من قتل قدار وأصحابه ولا ~~بمجيئهم إليهم، فأخذوا صالحا فقالوا له: أنت فعلت هذا وقتلت أصحابنا هؤلاء ~~قتلوا على بابك. فوثب رهط صالح دونه وقالوا: والله لا وصلتم إليه أو PageV01P398 # نموت دونه عن آخرنا، وقد أخبركم أن العذاب نازل بكم إلى ثلاثة أيام فإن ~~بك صادقا فذاك أعز له وإن يك كاذبا أسلمناه إليكم بما جنى على نفسه من ~~الكذب - وكان رهط صالح أعز بيت وأشرفهم في ثمود وأمنعهم وأكثر عدة وعددا - ~~فرضيت عنهم ثمود بذلك وتركوا صالحا. وأوحى الله إلى صالح بأمر قدار وأصحابه ~~الرهط، قال الله عز وجل {إنا دمرناهم وقومهم أجمعين} - أي بالصيحة التي ~~تأخذهم - قال: فلما رأوا ذلك أيقنوا بالعذاب وعلموا أن صالحا قد صدقتهم ~~وازدادوا كفرا وطغيانا وجرأة # على الله وتعصبا لنبيه صالح واجمعوا على قتله وقتل أصحابه، وقالوا: لسنا ~~ندعه يعيش بعدنا هو وأصحابه، وشغل عنه رهطه بما جاءهم من ms054 الأمر وبلغ صالحا ~~عليه السلام ذلك عنهم، فهرب بنفسه حتى أتى بطنا من ثمود - يقال لهم غنم بن ~~مبلغ، وكانوا أعز بطن في ثمود وأمنعهم منزلا، رئيسهم وسيدهم نفيل، وكان ~~مشركا وكان يكنى بأبي هدب، وهو نفيل بن عمرو بن غنم بن مبلغ وكان هو وقومه ~~مشركين فلجأ إليهم صالح وتحرم بأبي خهدب فآواه وأجاره ومنعه وخفي على ~~المشركين أمر صالح، فلم يقدروا عليه، ولم يعلم به احد، فأخذوا أناسا من ~~أصحابه فعذبوهم أشد العذاب وعرضوهم على القتل ليدلوهم عليه، فقتلوا منهم ~~نفرا - رحمهم الله تعالى - فلما رأى ذلك رجل من المؤمنين - يقال له مبدع ~~ابن هرم الشاعر - انطلق حتى أتى صالحا، فأخبره الخبر وقال له: قد قتلوا منا ~~نفرا وقد خشيت أن يقتل أضعافنا وأحداثنا حتى يدلوهم عليك، فما ترى يا نبي ~~الله؟ قال صالح: دلوهم علي ولا حرج. قال: نحن بحل من ذلك. قال: نعم لا جناح ~~عليكم - غفر الله لكم - فرجع مبدع فأخذه المشركون وقالوا: دلنا على صالح ~~وإلا قتلناك وأصحابك، فأشأ مبدع PageV01P399 # يقول: # فإن يك صالح أمسى مقيما ... ببلدتكم فلن يعدو نفيلا # وإن يك صالح في آل غنم ... فلم تجدوا إلى غنم سبيلا # بنو غنم سراة ثمود طرا ... وإن كانت بنو غنم قليلا # وظني أن يمنعه رجال ... بضرب يترك الأعناق ميلا # أبو هدب وأخوان لهدب ... إذا فزعوا رأيت لهم خيولا # مجردة لدى الهيجاء بلقا ... تجاوب بعضها بعضا صهيلا # أخافوا صالحا لما دعاهم ... فظلوا حول حجرته حلولا # وأشياع هنالك من شباب ... وأشياخ تخليهم فلولا # وقالوا لن تخاف وأنت فينا ... كفاك برغمنا فينا كفيلا # فلا تخش التجبر يا آل قومي ... كفى لكم بذلكم دليلا # فلما سمعوا قوله هذا وعلموا مكان صالح حيث هو كفوا عن المسلمين وانطلقوا ~~بأجمعهم حتى أتوا أبا هدب وقومه فكلموه في صالح. فقال لهم أبو هدب: هو عندي ~~وقد أجرته وآويته فلا سبيل لكم إليه. فقالوا: أتتبع دينه وتترك ديننا؟ قال: ~~لا، ولكن قد أجرته ولن تخفروني في جواري، فتركوه وانصرفوا عنه، وشغلهم ما ms055 ~~نزل بهم من العذاب وجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم من التغير، ثم ~~أصبحوا ووجوههم يوم الخميس مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم ~~أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة. فلما كان ليلة الأحد، خرج صالح من بين ~~أظهرهم ومن معه من المسلمين إلى الشام فنزل إلى رملة فلسطين، وتخلف رجل من ~~أصحاب صالح، صلوات الله عليه يقال له PageV01P400 # مبدع بن هرم، فنزل قرحا - وهو وادي القرى - وبينه وبين الحجر ثمانية عشر ~~ميلا، فنزل على رجل يقال له عمرو بن غنم - وكان سيدهم وكان قد أكل من لحم ~~الناقة ولم يشرك في عقرها - فقال له مبدع: يا عمرو اخرج من هذا البلد، فإن ~~صالحا قد قال: من خرج من هذه البلد نجا ومن أقام بها هلك. فقال عمرو: والله ~~ما شاركت في عقرها ولا رضيت بما صنع بها. وأمسك عنه مبدع، فلما أصبح الأحد ~~ورأوا ما نزل بهم من العذاب اجتمعوا كل قوم في مجلسهم فحفروا لأنفسهم قبورا ~~في بيوتهم ونحتوا ولبسوا أكفانهم - وكانت أكفانهم الانطاع وحنوطهم المر - ~~وجلسوا في حفرهم. فلما ارتفع الضحى أخذتهم الصيحة. فلم يبق منهم أحد لا ~~صغير ولا كبير إلا جارية من ثمود يقال لها العدوى ابنة ينبع وكانت جارية ~~مقعدة وكانت كثيرة العداوة لصالح، فأطلق الله رجليها بعدما أخذ قومها ~~العذاب، فخرجت حتى أتت إلى قرح فأخبرتهم بما رأته من العذاب وبما أصيب به ~~قومها ثمود. ثم هلكت # الجارية حين أخبرتهم. فقال: وقد سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: إن ~~الله تبارك وتعالى بعث جبريل حتى وقف على الفج الذي عقرت فيه الناقة، فصاح ~~فيهم فخرجت أرواحهم من أبدانهم فهلكوا جميعا إلا هذه الجارية المقعدة قد ~~حدثتك حديثها. إلا إنه ذكر أن أسمها الذريعة - وهي كلبة بنت سلق - قال: ~~ونفرت الوحوش والبهائم، فكانت لا تطوف إلا حولها. # قال عبيد: وسمعت ابن عمك يقول: إن الله تبارك وتعالى لما أهلك ثمودا عجل ~~لأهل الحجر العذاب فأخذتهم الصيحة يوم ثالث عقر الناقة ms056 وأهلك أهل قرح من ~~ثمود بعد ذلك لإحدى وعشرين ليلة لإيوائهم صالحا - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~أراد قومه قتله، فذلك قول الله عز وجل {فتلك PageV01P401 # بيوتهم خاوية بما ظلموا} - يعني ساقطة خربة - قال معاوية: لله درك يا ~~عبيد قد حدثت بعجب، فهل قيل في ذلك شعر وذكرهم أحد من العرب في شعره؟ قال ~~عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قد قالوا في ذلك أشعارا. قال بعض شعراء العرب ~~فيهم أيضا. قال معاوية: فهات فأنشدني ما تروي من ذلك؟ قال عبيد: قد قال ~~مبدع بن هرم في شأنه الناقة وأمر عنيزة بنت غنم صدوف هذا الشعر الذي يقول ~~فيه: # أبى الله إلا أن يحل بأرضنا ... من أجل صدوف والعجوز وخرابها # دعت أم غنم شر حلف علمته ... بأرض ثمود كلها فأجابها # ازيرق من فرخ دعته وربما ... دعت أم غنم للقبيح شبابها # فنادت نداء لم تجد لشقائه ... سوى ابن جديع إذ رأته ربابها # وقالت أطع تعط لرباب وأختها ... فدونك أم السقب فاهتك حجابها # فصمم غاو عند ذاك لعقرها ... ونادت صدوف عند ذاك جنابها # فقال جناب إنني غير مائل ... إليك فنادت مصدعا فأجابها # وقال مبدع بن هرم يذكر قدارا وأم غنم في شعره فقال: # دعته عجوز من عبيد غوية ... لتنكحه بنتا لها إذ ترفعا # وقالت له أنت ابن سالف أن تنل ... عقيلة غنم تدرك المجد أجمعا # إذا ما عقرت الناقة اليوم وابنها ... فبنى لك الوسطى وإن شئت سروعا # أختيها الصغرى أحسن من مشى ... وأكرمها ان نلتها الدهر موضعا # من آل ثمود لم تر الدهر مثلها ... ولو طفت حتى تقطع البر اكتعا # أجاب قد أرام غنم وبنتها ... ونادت صدوف عند ذلك مصدعا PageV01P402 # فقام إلى سيف حديث صقاله ... فبت به العرقوب ما أن تورعا # لقد لبثت فينا ومعها فصيلها ... بوادي الجنان يرتعان به معا # قريرة عين ما تخاف فراقه ... وما أن أشاروا نحوها قط إصبعا # وكان قدار أخبث الناس كلهم ... إذا ما دعوا يوما إلى الشر أسرعا # إذا ما دعوه يوم ضر أجابهم ... فلما دعوه للعجوز ms057 تسرعا # فقيل له لا تتبعن ابن سالف ... فانا نراه بابن غنم قد أزمعا # لعقر التي نادى بها المرء صالح ... غداة رأيت الناس بالواد ركعا # ينادون عبرا لا يجيب دعاءهم ... وإذ صالح يدعو الإله تضرعا # إلى الله رغبا أخرج اليوم ناقة ... تكون لنا عذر فأعطه ما دعا # فأخرجها من صخرة لا بن مبلغ ... تؤم وجوه الناس عجلا متبعا # جعلنا له عهدا بان لا نضرها ... بشيء أشهدنا على ذاك جندعا # قد كان يدعو جندع ثم ربه ... بصوت حزين ينزع الدعي من دعا # ينادي إلهي أنزل اليوم رحمة ... علينا لا تشمت بنا الحي متلعا # فانا نخاف اليوم من ظلم قومنا ... من جهلهم بالله أن نتمزعا # وقال رجل من أصحاب صالح وكان مسلما يذكر أم غنم وقولها لرجال بني عدي وهم ~~رهطها الذي هي منهم، حين رأت ما بوجوههم وعرفت صدق ما وعدهم # صالح وأيقنت بالعذاب، فقال هذا الرجل من أصحاب صالح يصف ذلك وأنشأ يقول: # فقالت يوم مؤنس أم غنم ... لضبع والعبيد وآل عرس PageV01P403 # أراكم يا رجال بني عبيد ... كأن وجوهكم خضبت بورس # لما قالت رجال بني هلال ... وما قال النبي لهم بالأمس # بأنكم لناقته حسدتم ... تغيرت الوجوه أبي ونفسي # فداء للمعاشر من عبيد ... وأبناء الدميل بني العمرس # ويوم عروبة احمرت وجوه ... مصفرة ونادوا يال مرس # ويوم شيار اسودت وجوه ... من الحيين قبل طلوع الشمس # فلما كان أول في ضحاء ... أتتهم صيحة عقبت بنحس # وقال مبدع بن هرم كان مسلما يذكر الغرحى عمرو وقد جعل يهزأ به، فقال مبدع ~~في ذلك شعرا، حيث يقول: # يقول ابن غنم لي وقد رمت نصحه ... يعود إلى دين النبيين مبهجا # برئت من الدين الذي تزعمونه ... تكون له يوم القيامة محرجا # تضاحك بي عمرو بن غنم وقال لي ... يسرك أن آتيك بالذئب مسرجا # فتركبه عدوا فتأتي نبيكم ... فتخبره أني تركتك محرجا # بأرض بني كنعان ما بك قوة ... فترجو نجاة أو تجد لك مولجا # وقد أكلوا لحم الفصيل وأمه ... طبخا ومنه ما أضاعوا ملهوجا # فلما رأيت القوم لا خير ms058 فيهم ... ركبت قلوصي ثم يممت مدلجا # إلى صالح حتى أنخت بصالح ... على واضح من دينه ليس أعوجا # وقال مبدع أيضا يذكر بلادهم وما أصابها من العقوبة: # أقمنا بدار الكوش عشرا كواملا ... وخمس سنين بعد عشر وأربعا PageV01P404 # فنادى مناد الحقوا ببلادكم ... فقدما أبان الخصب منها وأمرها # وإن بلاد الحجر أضحت وما ترى ... بها جالسا إلا أهاجيل وقعا # على كل قصر قد تخرب جوفه ... يجاوبن بالأسحار يوما واصوعا # فلما هبطنا أرض حجر وقرحها ... وجدنا بها ماء كثيرا ومرتعا # وقال مبدع أيضا يذكر ثمود ما أصابها: # لعل عدوكم نزل البطاحا ... غدوا كان ذلك أم رواحا # فكانت غارة منهم إليكم ... قبيل الصبح فاعتسفوا اللقاحا # فإن تكن اللقاح ذهبن منكم ... وصار الشيخ يغتبق القداحا # فكانت غارة قدرت عليهم ... أتتهم في ديارهم صباحا # فقلت بلى غدوا حلى صبحا ... مع الإشراق خلناه رياحا # فكانت صيحة لم تبق شيئا ... بوادي الحجر وانشقت رماحا # فخر لصوتها أجيال حجر ... وخرمت الأسافر والصفاحا # وأدركت الوحوش فقبعتها ... ولم تترك لطائرها جناحا # ونجى صالحا في مؤمنسه ... وطحطح كل جبار فطاحا # وقال مبدع أيضا وهو يذكر الذريعة وكانت مقعدة، وهي كلبه ابنه سلق حين ~~خرجت من الحجر لما عينت حتى أتت أهل قرح فأخبرتهم بهلاك ثمود، ثم أصابها ما ~~أصابهم فقال: # نشدتك يا ذريع لتخبريني ... بأي الأرض أدركك المقيل # أبا لوادي فكيف نجوت منه ... وقد هلك الأرامل والكهول # فقالت إن قومي خلفوني ... بحيث أضر بالعلم السبيل # وقالوا إن حسست ذريع شيئا ... فحرزك ذلك الجبل الطويل # فإن غدا يكون هلاك حجر ... ولا يبقى بواديهم رجيل PageV01P405 # فلما إن حسست الصبح أني ... نهضت كأنني هيق جفيل # فقمت خلال أبيات المحيا ... إلى جبل تطوف به الوعول # إلا يا ليت نفسي في أناس ... غداة آتاهم الأمر الجليل # نصبت لهم كمثلي في حياتي ... ولم أفعل كما فعل الجهول # إلا فابكي الأكارم من هلال ... فهم عوني الذين بهم أصول # وهلال، الذي ذكر أخو الذريعة - وبنو هلال بطنها الذين كانت منهم - ومما ~~قال قدار عدو الله بعد عقر الناقة هذا الشعر: # هل ms059 لبطاح الأرض من نازح ... أم هل لفلق الطود من ناطح # أم هل لسقب عقرت أمه ... من آخذ يأخذ من جارح # لا فارقت ساعدها راحة ... لم ترتعش من صيحة الصائح # ما هاله ما هال من قبله ... من باكر منها ومن رائح # لم يخش أن ينظرها صالح ... فاخلف المظنون من صالح # قدار لا تسأل ولا تنتزع ... ولا تزل في العمل الرابح # فأجابه رجل من المسلمين من أصحاب صالح صلى الله عليه فأنشأ وهو يقول: # يا فعلة أردت قدارا وكم ... راح لها من هاتف صائح # جاء قدار وأبوه معا ... على ثمود بالردى الجائح # لا ناقة الله رعوا حقها ... فيهم ولا موعظة الناصح # سما رجال حاولوا عقرها ... من باكر منهم ومن رائح # جاءوا بعوجاء لها عائد ... صارت عليهم شفرة الذابح # يومهم يوم المحيا بما ... لاقوا من اليابس والناصح # قد كان فيهم لكم عبرة ... لو قصدوا المنهج الواضح # فأبصروا اليوم بما قبله ... قد يعرف القابل بالبارح PageV01P406 # من يتق الله يكن رابحا ... لا يبرح الدهر مع الرابح # أضحوا بما قد فعلوا ضحضحا ... فيه العساقيل بلا فادح # حتى يسير الراكب المغتدى ... فيه على البازل والقارح # ويترك الأجيال مأمونة ... جمامة الماء بلا ناصح # ما الله عن ناقته غافل ... يوما ولا عن عبده صالح # ويل قدار بالذي قدمت ... له عجوز الحجر من جارح # وقال حسان بن ثابت يذكر ثمودا وعبد الله: # يكوى إذا رام الهجاء لقومه ... ولاح شهاب من سنا البرق واقد # كأشقى ثمود إذ تناول سيفه ... يريد هلاك الصقب والصقب وارد # فقيل لهم فاستمتعوا في دياركم ... جاءكم ذكر لكم ومواعد # ثلاثة أيام من الدهر لم يكن ... لهم صاريف الذي قال زائد # ذكر محمد بن إسحاق من غير عبيد شرية عن الرواة: أن صالحا - صلى الله عليه ~~وسلم - لما آتاه خبر الناقة اجتمع إليه المؤمنون فقال لهم: توقعوا عذاب ~~الله لقومكم، قالوا: يا صالح ادع ربك إلا ينزل بهم العذاب لعلهم يؤمنون، ~~فقال صالح: أدركوا الصقب، فلعل إن أدركتموه إلا يعذبوا. فانطلقوا ومعهم ~~صالح في طلب الصقب، فإذا الصقب ms060 قد طلع جبلا منيعا أتى صخرة في رأس الجبل، ~~فطلعها فرغا عليها رغاء شديدا واسم الجبل فيما يزعمون ظلم فأتاهم صالح فلما ~~رأى الناقة قد عقرت بكى. ثم قال: انتهكتم حرمة الله تحل بكم نقمته، فلما ~~رأى الصقب - وهو على رأس الجبل - قال صالح: يا أمتاه، فدعا صالح ربه ~~بهلاكهم، فاستجيب له. قال صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ويأتيكم العذاب ~~يوم رابع، فانطلقوا يطلبون الصقب، فلما علا الجبل لم يقدروا PageV01P407 # عليه، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالعذاب. فقال لهم صالح: تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام ويأتيكم العذاب ذلك وعد # غير مكذوب. # ثم رجع الحديث إلى عبيد بن شرية. قال عبيد: يا أمير المؤمنين ومن أشعارهم ~~قول رجل من المسلمين من أصحاب صالح - صلى الله عليه وسلم - يذكر فيه عنيزة ~~والصدوف وقدارا ومصدعا والرهط وعقر الناقة وأنشأ وهو يقول: # خسرت ثمود فعجلت بعذابها ... من شؤمها وعتوها وتبابها # كانت ثمود عزيزة في أرضها ... من سادة شبت وجل شبابها # غوت الغواة وأمعنوا في غيرهم ... كفرت ثمود بربها غلابها # فأباح ساحتها وعجل خزيها ... رب عظيم فلها بعقابها # عقرت ثمود ناقة محبوبة ... عند الاله فصبها بعذابها # فغفوت عنيزة والصدوف ومصدع ... وقدراها الغاوي لب لبابها # هلكوا جميعا فالسباع عليهم ... عصب وآمن من نباح كلابها # كان المبارك صالح يدعوهم ... بطرائق يهديهم لصوابها # فعصوا وقالوا عصبة كذابة ... كذبت ثمود وذاك من كذابها # لو أنهم كانوا أطاعوا صالحا ... فازوا بطاعة صالح وثوابها # بل كذبوا بالحق لما جاءهم ... وصفت رؤوسهم إلى أذنابها # قد كان هود قبلهم في قومه ... يدعو إلى سبل الهدى وطلابها # فعصته عاد بعد كل بصيرة ... سنن الهدى تسن في أثوابها # فأصبن عادا إذ عصته عواصف ... من شمال قطعت قوى أربابها # فعلا ثمود حين لم يتفكروا ... بعذاب عاد قبلها وعذابها PageV01P408 # عصت الإله إلا وقد أودى بها ... غضب الإله وهدها بحرابها # ومن شواهد أخبارهم يا أمير المؤمنين قول أمية بن أبي الصلت يذكر ثمودا ~~والناقة وما أصابهم وأنه لم ينج إلا الذريعة كلبة بنت سلق حين ذهبت إلى قرح ms061 ~~وموتها # حين سقيت عند فراغها من الخبر لما رأت من العذاب الذي نزل بهم، فقال في ~~ذلك أمية بن أبي الصلت: # وثمود الفتاك في الدين وفي ... ناقة ربي إذ غادروها عقيرا # ناقة للإله ترتع في الأرض ... وببنيان ثم حوض مديرا # فآتاها أحيمر كأخ السمع ... بغضب فقال كوني عقيرا # فأصاب العرقوب والساق منها ... ومشت في دمائها مكسورا # فرأى الصقب أمه فارقته ... بعد ألف خلية وظؤرا # فأتى صخرة فقام عليها ... صعبة في السماء تعلو الصخورا # فرغا رغوة وكانت عليهم ... دعوة الصقب صيحها تدميرا # فأصيبوا غير الذريعة فاتت ... من جوار لهم وكانت جزورا # سبعة أرسلت لتخبر عنهم ... أهل قرح أتتهم تغويرا # فسقوها بعد الحديث فماتت ... فانتهى ريها فوافت حفيرا # ثم قال عبيد: يا أمير المؤمنين، هذا ما انتهى إلينا من حديث ثمود ~~وأخبارهم وأشعارهم وما قيل فيهم، والله أعلم بالصواب. # وكذلك حدثنا الأول فالأول. قال معاوية: خليق يا عبيد أن يكون هكذا، فزادك ~~الله علما وفهما، وزادنا بك رغبة وعليك حرصا فانا لا نحصي أياديك، فزادك ~~الله فضلا إلى فضل وهدي إلى هدي، فقد أضاءت نارنا ونار قومك، ثم أطفئوها، ~~فزادك الله خيرا. ثم خبر ثمود والناقة PageV01P409 # وصالح - صلى الله عليه وسلم - وبالله التوفيق. ### | حديث جرهم وخروجهم من اليمن إلى الحرم # قال معاوية: يا عبيد أخبرني عن شخوص جرهم من اليمن إلى الحر وكيف كان ولم ~~فارقوا قومهم؟ قال عبيد: كان من أمر جرهم يا أمير المؤمنين أن الله تبارك # وتعالى لما أهلك عادا وثمودا وانتشر بنو قحطان في البلاد وكثر ولده. قال ~~معاوية: وما كان لقحطان من الولد؟ قال عبيد: كان له يعرب - وهو أول من حيي ~~بتحية الملوك أبيت اللعن - وجبار ابن قحطان وانمار بن قحطان والمعمر بن ~~قحطان والعاص بن قحطان ولاوي بن قحطان وماعز بن قحطان وغاصب بن قحطان ومسعر ~~بن قحطان وجرهم بن قحطان والملتمس بن قحطان والقطامي بن قحطان وظالم بن ~~قحطان والغشيم بن قحطان والمكعفر بن قحطان ونافر بن قحطان. وأمهم امرأة من ~~عاد، وكلهم قد ms062 ملك غير ظالم فلم يملك، وقد كان يسير بالجيوش. فولد يعرب بن ~~قحطان يشجب، فولد يشجب سبأ وهو عبد شمس وأدد بن يشجب - وإنما سمي سبأ لأنه ~~أول من سبي السبايا من ولد قحطان - فولد سبأ بن يشجب حمير بن سبأ بن يشجب ~~بن قحطان - وكان يقال له العرنجج - وهم أهل المدن فيهم وكانت الملوك، ~~وكهلان بن سبأ فملك بعد أخيه حمير حتى ألح به الهرم فرجع الملك إلى ولد ~~حمير، غير أن المشورة كانت في ولد كهلان. فولد حمير بن سبأ الهميسع ومالكا PageV01P410 # وزيدا وعربيا ووائلا ومعدي كرب فولد الهمسيع أيمن وغوثا وزهيرا وتوفين. ~~فولد الغوث بن الهمسيع جرهم بن الغوث وثعلبان وحوس فولد خليجا والهائف ~~وسادما والغوث وجرهمة والديال وحبال ورسال، أمهم قتادة بنت طارف بن جهبذ بن ~~زريق بن مرارة بن منقذ العادية. وولد كهلان زيدا، فولد زيد مالكا، وولد ~~مالك نبتا وعربيا والخيار. فولد نبت بن مالك كهلان بن الغوث. وولد الغوث ~~الأزد والقدر. وولد عريب بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. فولد عريب يشجب. ~~وولد يشجب زيدا. فولد زيد اددا، فولد أدد مالكا - وهو مذحج ومرة والأشعر -. ~~فولد مرة الحارث. وولد الحارث عديا ولخما وجذاما وعاملة وعميرا - وهو أبو ~~كندة - فهؤلاء ولد عدي بن الخارث بن مرة بن ادد. # وولد الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان رئيسا ومالكا ابني الجبار. فولد ~~رئيس # ربيعة. فولد ربيعة أوشلة. وولد أوشلة همدان والهان - فهؤلاء ولد الخيار - ~~ومن ولد الخيار الحارث بن مرة بن ادد بن مالك. فولد ماللك المعافر وعمرو بن ~~مالك لكل وهم خولان بن عمرو بن مالك بن مرة ابن ادد بن يشجب بن عريب بن زيد ~~بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم أن جرهم بن قحطان ولد هزان ~~وذيالا والعاد ومصيارا، وكثروا فوقعت بينهم وبين بعض بني حمير حرب، ولم يبق ~~من ولد حمير فرقة إلا أعانتهم على جرهم حسدا لفضلهم وعقولهم إلا حيا واحدا ~~من بني ms063 حمير - يقال لهم بنو قبطون بن كركر بن حيدان بن PageV01P411 # قطن بن زهير بن عريب بن أيمن بن الهميسع بن حمير - وكانت حمير أكثر عددا ~~وعدة، فنفوا جرهما وبني قيطون من البلاد. فلما رأت ذلك جرهم ومن كان معها ~~وما دخل عليهم وأنه لا طاقة لهم بحمير ساروا عن البلد وملكت بنو جرهم عليهم ~~مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هي بن نبت بن جرهم بن قحطان. وملكوا بنو ~~قبطون عليهم السيمدع بن هوثر بن مازم بن لاوي بن قبطون بن كركر بن حيدان. ~~فساروا حتى حلوا أرض الحرم وأهلها يومئذ العماليق، وهم نزول حوله - وكان ~~موضع الحرم كثير الشجر ممتنعا أن ينزل فيه لكثرة شجره. فأمروا بالشجر فقطع، ~~ونزلت جرهم أعلى مكة، ونزلت بنو قبطون أسفلها في موضع قعقيعان واجياد. قال ~~معاوية: وهل كانوا يعلمون إنه الحرم؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قال: ~~يا عبيد فكيف قطعوا شجره؟ قال عبيد: لم يروا بذلك بأسا لما أرادوا من سكناه ~~وعمارته، وقد قال في ذلك مضاض هذا الشعر الذي يقول فيه: # هذا سبيل كسبيل يعرب ... البادي بالقول المبين المعرب # وعاد عوص ذو القوام الأعجب ... وعمي الخير ثمودا لا سكب # إني إليهم صاح في التقرب ... وهم إلى الدهر في التنسب # مضوا على مهل لأمر معجب ... جرهم جدي وابن عمرو الأهدب # أجلب المأمون ذو التنقب ... يعرب ذو مجد وعز أغلب # بمكر مات وسنا مرتب ... يا قوم سيروا غير فعل الأجنب # قد قال في ذلك خير منجب ... ونوح قد قال بقول أصوب PageV01P412 # أنتم بنو يعرب أهل معرب ... وأهل عز باذخ مهذب # وجرهم في الدهر ذي التشعب ... قوام بيت مكرم مطنب # وزانه الله العلي الأغلب وقال السميدع بن هوثر القطري: # سيروا بني كركر في البلاد ... إني أرى الدهر إلى فساد # قد سار من قحطان ذو الرشاد ... جرهم لما هدها الأعادي # من حمير الحساد للعباد ... فلم يضرني دون أهل الوادي # لكم بني عمرو على المبادي ... بالمقتضيات الصقل الحداد # سيروا بنا الأرض بلا ارتباد ms064 ... سيروا وعزنا بلاد الهادي # خليل رب بادي السداد ... دعوا بني كركر كل عادي # إذ صرحوا المنكر بائتيادي ... وآثروا العبيد بالوداد # على أولي الأرحام والأيادي ... فإن في الأرض لكل عاد # قوام عيش زئاد من زاد # قال معاوية: من أول من ملك من ولد قحطان؟ قال عبيد: كان أول من ملك منهم ~~سبأ بن يشجب بن يعرب واسمه عبد شمس - فهو أول من سبى السبايا - ثم ملك من ~~بعده حمير، وذلك قبل عاد بزمان. قال معاوية: وأني ذلك وحمير أحدث بدهر ~~طويل؟ قال عبيد: كلا يا أمير المؤمنين. أن عادا قد ذكرت حمير في أشعارها. ~~قال معاوية: وكيف قالوا؟ قال عبيد: إن عادا لما بعثت وفدها إلى الحرم وأبطأ ~~الوفد عليها كالذي حدثتك يا أمير المؤمنين، فرأى جنادة بن الأصم رؤيا - ~~وكان # مسلما مع هود النبي PageV01P413 # صلى الله عليه وسلم - أن الوفد قد هلكوا. فقال رجل من المشركين يقال له ~~الخلجان بن الوهم في قوله هذا الشعر الذي يقول فيه: # أفي كل عام بدعة تحدثونها ... ورأي على غير الطريقة تعبروا # فإن لعاد سنة في حفاظها ... سنحيي عليها ما حيينا ونقبر # وللموت خير من طريق تسبنا ... به جرهم والعاد منها وحمير # قال معاوية: صدقت يا عبيد وأتيت بالبرهان، فخذ في حديثك الأول قال: فلم ~~تزل حمير كذلك لا يعدون اليمن حتى صار الملك إلى الحارث بن ذي شدد ابن عمرو ~~بال الملطاط بن عمرو بن قطن بن زهير بن عريب بن أيمن بن الهمسيع بن حمير بن ~~سبأ - فكان الحارث أول من غزا وأصاب الأموال وأدخل اليمن الغنائم، ثم خيرها ~~فسمي بعد ذلك الرائش - قال عبيد: يا أمير المؤمنين هو الذي قال فيه لقمان ~~الأكبر لقمان صاحب النسور - ما قال - وقد حدثتك حديثه في قوله (انهض لبد ~~أنت الأبد نهض الملك المجرد الحارث بن ذي شدد). # قال معاوية: صدقت يا عبيد وجئت بالبرهان، فخذ في حديثك عن ملوك حمير. ~~قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه لما كان يؤتى للحارث وهو الرائش في بلاده ms065 ~~من قبل السند والهند في السفينة من المسك والعنبر وغير ذلك من الأعاجيب من ~~ياقوتها وغيره فتطلعت نفسه إلى غزوها فعبى الجنود وأظهر إنه يريد أرض ~~المغرب بحرا، وأعد السفن حتى إذا رأى إنه قد استمكن قدم رجلا من أهل بيته - ~~يقال له يعفر بن عمرو بن شرحبيل بن عمرو ابن شرحبيل بن عمرو وباثني عشر ~~ألفا، وسار على أثره حتى دخلوا أرض PageV01P414 # الهند، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم الأموال، ثم رحل قافلا إلى اليمن ~~وخلف يعفر في اثني عشر ألفا وأمره ببناء مدينة هناك، ففعل وأقام سنة. قال ~~معاوية: وأي مدينة هي؟ قال عبيد: لا أدري ما اسمها إلا أن ملوكهم بها اليوم ~~واسمها على اسم الرائش. قال معاوية: # كيف ذلك؟ قال عبيد: قال في ذلك رجل من حمير يقال له يونس بن سعد بن عمرو ~~بن زيد ابن علاف بن ذي أنس بن يقدم بن الصوار شعرا يقول في ذلك: # من ذا من الناس له ما لنا ... من عرب الناس ومن أعجم # سار بنا الرائش في جحفل ... مثل مفيض السيل كالأنجم # يؤم أرض الهند غازلها ... يحوي بها الانجوج كالضغيم # ونستبي كل فتاة بها ... ريانة الخدين والمعصم # إن ولي الملك من بعده ... سليل ذا الملك إذا ينتمي # أعني به يعفر إذ جاءها ... يا حبذا ذلك من مقدم # في بحرها السجود يطوى له ... يوم يسير الملك المعلم # فصبح الهند بها وقعة ... هدت ملوك الهند بالصليم # وأقبل الرائش في ملكه ... وآب بالخيرات والأنعم # قال معاوية: فما صنع بعد ذلك؟ قال: أقام يا أمير المؤمنين دهرا أعلى ذلك ~~حتى أتته هدية من قبل أرض بابل. # قال معاوية: وممن كانت الهدية لله درك يا عبيد؟ قال: من ملكها. قال: ولم ~~ذلك وهم في عز ومنعة بأرض بابل؟ قال عبيد: إن الملوك يهادي بعضهم بعضا. ~~قال: مخافة أن يغزوه؟ قال: أظن ذلك، والذي كان PageV01P415 # منه في أرض الهند. قال معاوية: ومن أهل بابل يومئذ؟ قال: بقية من ولد ~~حمير بن يعرب. قال معاوية: خذ ms066 في حديثك وأعلمني ما كانت الهدية؟ قال: بزات ~~بيضاء وسروجا كرمانية وديباجا فاخرا وآنية من متاع الملوك من عمل أهل تلك ~~البلاد. فلما رآها الرائش قال للرسول: أكل ما أرى في بلادكم؟ قال: بعضه ~~أيها الملك وبعضه من بلاد الترك، وهم من أمرائنا من حالهم كيت. فحلف ليغزون ~~تلك البلاد التي خرج منها ما رأى فاستخلف يعفر بن عمرو، وسار هو بنفسه في ~~مائة ألف وبعث الرجال في ابتغاء # الطريق، فلم يجد طريقا خيرا له فيما يذكر من طريق واحدة على جبل طئ حتى ~~خرج ما بين العراق والجزيرة، وقد سألت يا أمير المؤمنين عن ذلك فبلغني إنه ~~خرج على الانبار من أرض العراق. قال معاوية: أو قد كانت أحدثت مدينتها ~~يومئذ؟ فقال عبيد: بل ذلك بدهر طويل، ثم سار حتى نزل الجبل من ارض الموصل، ~~وبعث شمر بن القطاف بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن عملاق بن عمرو بن ذي أنس ~~في مائة ألف حتى دخل عليهم أذربيجان فقتل المقاتلة وسبى الذرية، ثم اقبل ~~فكتب في حجرين أمر مسيرخ، فهما اليوم على جدار أذربيجان. قال معاوية: وما ~~بال أذربيجان لله أنت؟ قال: له أنها كانت من ارض الترك واجتمعوا له. قال: ~~فأين كان ملك بابل عنه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين أنها كانت لأهل اليمن ~~عدة ولحمير بسطة وقوة والله إني لأستحيي من ذكرها وكانت تنزع الأولاد إلى ~~اليمن والأوطان، وكانوا يلجون في السير في البلاد وإن أهدى لبعضهم ملك من ~~الملوك قبل وطاف إلى غيره. قال معاوية: صدقت فهل بلغك ما في الحجرين بأرض ~~أذربيجان؟ قال: ذكر مسيره في شعره قال معاوية: فما قال. قال قوله: PageV01P416 # بني قحطان فانتجعوا وسيروا ... وخطوا البيت في البلد الحرام # قال عبيد: يا أمير المؤمنين ذلك من قول الحارث الرائش. قال معاوية: وكيف ~~قال؟ قال: إنه لما سار إلى الترك - وهو الحارث بن ذي شدد - قال هذا الشعر ~~الذي يقول فيه: # أنا الملك المقدم حين أمضي ... جلبت الخيل من يمن الحمام. # لا ms067 غزوا عبدا جهلوا مكاني ... بأرض الشرق من ديم الغمام # فاحكم في بلادهم بحكم ... سواء لا يجاور في غلام # بنو قحطان فانتجعوا وسيروا ... وخطوا البيت في البلد الحرام # بإذن الله خط وهو كثيب ... تواثه الهمام عن الهمام # دعوا أحرامه لبني أبيكم ... وكونوا مثل يقطان وسام # وكونوا مثل ملطاط بن عمرو ... وذي الأنس الأضافد ذي السنام # فتلك ملوك أخيار تولوا ... ويخف بعدهم شبل الكرام # فشرف منزلي وعلا مكاني ... وملكي فوق أملاك الأنام # فإن اهلك ولم ارجع إليكم ... فقد هلك الملوك من آل لام # ويملك بعدنا منا ملوك ... أولوا عز كعالية الغمام # ويخلف بعدهم منا ملوك ... يرومون العناد لكل رام # فينتشر الاساود ثم عشرا ... عقاب الله في القوم الآثام # ويملك بعدهم رجل عظيم ... بني لا يرخص في الحرام # يسمى أحمدا يا ليت إني ... أؤخر بعد مبعثه بعام # ويملك بعدهم منا ملوك ... ضعيف أمرهم نكل المرام PageV01P417 # ويملك بعده خلف نزور ... ويملك بعدهم أولاد حام # تظهر راية المنصور فيهم ... على رأي ورأي بعد لام # فينشر منطوى ملك طوته ... ثلاث بعد واحدة تمام # فتنبعث الحقوق كما أميتت ... كما يجلى القتام عن الغمام # ويملك بعده رجل ضعيف ... على آبائه أزكى السلام # وهو الذي يقول يا أمير المؤمنين: # إن المكارم والعلياء خص بها ... خير البرية ملطاط بن حيدان # أعني به وائلا والغوث والده ... وعبد شمس آتانا خير إنسان # واذكر به سيد الأملاك ذا أنس ... وابن القماقم عمرو الاصيد الثاني # واذكر عريار تاج الأرض إن نسخت ... معاقل الناس من أولاد قحطان # وخص مني زهيرا وابنه قطنا ... عند الحروب إذا كر الفريقان # وأيمن النازح المشهور رأيته ... بنى لنا المجد من ذا مثله باني # ابن الهميسع في عز ومأثرة ... إني لذكراه ذو بث وأحزان # ذاكم بأني سألت الناس كلهم ... من مثلنا في دهور الأنس والجان # لو كان ذا الدهر يبقى آل مكرمة ... لخص منا به ذاك الكريمان # وحمير وسبأ فاذكر فعالهما ... لكن ذا الدهر يفنى والجديدان # وجرهم هو جدي في أرومته ... وعم خالي نبت وابن هزان # تلك المكارم إن عدت مكارمنا ms068 ... هذا لعمرك مجد ليس بالفاني # فسائلوا الناس هل مثل يشاكلهم ... أو كان مثلي بهذا أمر لقمان # قال معاوية: يا عبيد هل أحد من العرب ذكر الرائش في شعره؟ قال: نعم يا ~~أمير المؤمنين، قال فيه امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي: PageV01P418 # تقول بنية الكندي لما ... عرفت بها الهوى واللهو نالا # أرى الملك الذي قد كان فينا ... يفيد رغائبا ويفيد مالا # ويعطي القينة الحسنا ويروى ... نداماه ويصطنع الثقالا # ويصبح في البطالة مستطيرا ... تحال به إذا وافى هلالا # يبدل بعد جدته شحوبا ... وأصبح شاؤه خلقا مدالا # فقلت لها وقول الحق مما ... يميل لو عدلت به الجبالا # إلا اعتبري فإن الدهر غول ... خؤون العهد يلتهم الرجالا # أزال من الصانع ذا رياش ... وقد ملك السهولة والقلالا # وذو القرنين قد ملك المعالي ... وللرياش قد نصب الحبالا # وانشب في المخالب ذا مقار ... فارداه وسقاه الخبالا # وافرد ذا مقار وكان قدما ... يبالي في سرادقه الشمالا # وفجع كندة الأخيار طرا ... بعمرو واصطفى حجرا فزالا # فبينا المرء في الأحياء حي ... رماه الدهر عن جنب فمالا # وأزد شنوءة الأبطال أرخو لنا ... في العيش أهون اختيالا # فإن يك دار أهل الازد زالت ... فكل الناس ينتظر الزوالا # فإن تهلك شنوءة في كسيري ... فإن هناك في غسان خالا # بعزهم عززت وإن يذلوا ... فذلهم أبا لك قد أنالا # جزى الله السموأل يوم تيما ... ومن شهد الوثيقة والمقالا # وأصحاب العهود بني غنى ... وعمرو الخير من يجري النوالا # قال معاوية: يا عبيد، ما كنا نظن هذا الشعر إلا لذي نواس! قال: يا أمير ~~المؤمنين قرب هذا وبعد الآخر، وكان اسم هذا أهون على الرواة. فأما القول: ~~فوالذي بعث محمدا، لقد رويت هذا الشعر وإن ذا نواس لغلام PageV01P419 # وإن الملك على حمير باليمن لخنيعة ذو شناتر قبل ذي نواس بدهر طويل فقتله ~~ذو نواس. قال معاوية: صدقت، فكم ملك رائش؟ قال: ملك مائتي سنة وخمسا ~~وعشرين. فقال: فمن ملك بعده؟ قال: ابنه أبرهة بن الرائش - وكان يدعى ذا ~~المنار - وكان من أجمل أهل زمانه - فيما يذكر ms069 - فعشقته امرأة من الجن - ~~يقال لها العيوف - ويروى أنها الهيوف بنت الرابع فتزوجها، فولدت له العبد ~~بن أبرهة، فسار أبرهة غازيا نحو المغرب ومعه ابنه العبد فسيره على مقدمته ~~واستخلف على اليمن ابنه أفريقيس ابن أبرهة. فسار أبرهة حتى أوغل في أرض ~~السودان برا وبحرا وأمعن فيها. ثم بدا له المقام فأقام وسرح أبنه العبد بن ~~أبرهة في غربي الأرض في عسكر، انتهى إلى بلاد قوم وجوههم في صدورهم. إذا ~~كان النهار وحرت الشمس استخفوا في الماء، فوضع فيهم السيف حتى أفناهم ورجع ~~إلى أبيه يسبي كثير وأصاب من الأموال شيئا عجيبا وأخذ منهم قوما فلما قدم ~~بهم إلى أبيه ذعر الناس منهم فسمي ذا # الاذعار قال: وإنما سمي العبد بن أبرهة ذا الاذعار لذلك. # قال: نعم. قال معاوية: فاخبرني لم سمي أبرهة ذا المنار؟ قال عبيد: يا ~~أمير المؤمنين، إنه لما رجع أبرهة من غزوته تلك أمر بمنارة فبنيت وشبت فيها ~~النيران ليهتدي بها جيوشه، وكان ذلك المنار يا أمير المؤمنين أول منار ~~وضعته الملوك - فسمي لذلك ذا المنار - قال: ثم رجع إلى اليمن فلم يغز حتى ~~مات. قال معاوية: فهل قيل في ذلك وفي ذي المنار شعر؟ قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين قد قال فيه رجل من حمير من أهل بيته ومن خاصته - يقال له المحموم ~~بن مالك بن يزيد بن غالب بن المنتاب بن PageV01P420 # بن عمرو بن يزيد بن عملاق بن عمرو بن ذي نواس بن يقدم بن الصوار هذا ~~الشعر الذي يقول فيه: # ولقد بلغت من البلاد مبالغا ... يا ذا المنار فما يرام لحاقكا # قدت الجنود فأمعنت في برها ... وحملت منها في السفين كذالكا # حتى وطى الجمعان حيث تبؤات ... أولاد حام ثم جئت بلادكا # أوغلت عبدا فاستقر به النوى ... حيث العجيب بغير خلق جالكا # فأتاك بالنسناس خلق وجوههم ... في الصدر منهم قابض لقناتكا # أنت القهور فما ترام إلى البلا ... نعم الخليفة في مدى أفعالكا # من ذا سيأتي من فعالك خطة ... هيهات ذلك جانح لسنائكا # خضع الملوك ms070 لما رأوا من كيده ... كرما لحمير أن علت بعلائكا # قال معاوية: كم ملك ذو المنار؟ قال: ملك مائة سنة وثمانين سنة. # قال معاوية: استقر الأول، فالأول حتى سألك عما أريد؟ قال عبيد: نعم يا ~~أمير المؤمنين. قال معاوية: فمن ملك بعد ذي المنار؟ قال: ملك بعده أفريقيس ~~بن أبرهة فغزا نحو المغرب عن يمين مسير أبيه في أرض البربر حتى انتهى إلى ~~طليحة الملك فرأى بلادا كثيرة الخير قليلة الأهل، فنقل البربر من بلادهم ~~فلسطين # إلى مصر إلى الساحل. قال معاوية: فإنه يقال أنهم قوم من قيس بن عيلان فهل ~~علمت ذلك؟ قال عبيد: أما هذا فلا علم لي به ولكني أخبرك أن البربر قوم من ~~ولد كنعان بن حام بن نوح وهم بقية من قتل يوشع بن نون قال معاوية: ولم ~~قتلهم يوشع بن نون لله أنت؟ قال: إن يوشع بن نون كان عبدا صالحا مؤمنا ~~مأمورا، فسار إليهم داعيا إلى الله، فتركوا الحق وكرهوا الإسلام وأحبوا ~~المقام على الكفر فقاتلهم فظفر بهم فقتلهم إلا بقايا منهم كانوا على ~~السواحل ومن هرب PageV01P421 # منهم فرجعوا بعد ذلك فقتلهم افريقيس في غزوة إلى أرض البربر فهم بها إلى ~~اليوم. قال معاوية: فكيف تقول قيس أنهم من ولد بربر إلا من قبل شعر قاله ~~افريقيس، وما ذلك؟ قال: قال افريقيس يا أمير المؤمنين هذا الشعر حيث يقول: # بربرت كنعان لما سقتها ... من بلاد الملك للعيش العجب # قد رأت كنعان فيها وهنة ... من بني يعقوب يوسف ذي النهب # ورأت قيس لعمري دارها ... ترتقي عيشا لنا لا يترب # ثم أمسى غير ممسي من مضى ... بين ميت وطريد ذي تعب # فاشكري ضبعان شكرا صادقا ... واحذري مني انتقاما ذا حرب # قال معاوية: خذ فغي حديثك الأول. قال: فلما بلغ افريقيس حيث بلغ، أمر ~~ببناء مدينة بتلك الأرض من افريقية، فبنيت مدينتها - وإنما سميت باسم ~~افريقيس - وكذلك تسميها بربر اليوم، فأما العرب فتقول افريقية أن هذا ~~لشبيه. # قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا ms071 أمير المؤمنين قال السميدع ~~بن عمرو بن عملاق بن مالك بن عمرو بن عملاق بن هزان بن المنتاب بن عمرو بن ~~غالب بن المنتاب شعرا. قال معاوية: وما هو يا عبيد؟ قال: يا أمير المؤمنين ~~هذا الشعر وهو: # سرنا إلى المغرب في جحفل ... فيه لعمري كل شاب همام # بأمر افريقيس لا ينثني ... بكل صهال وعضب حسام # حتى أتينا أرض بطحائها ... من دون بحر غير سهل المرام # نخوض بالفرسان في ما قط ... يكثر فيه ضرب أيد وهام PageV01P422 # بأمر ماض الهم ذي حنكة ... نقهر من شئنا بجيش لهام # نقتل منهم شيخ أملاكهم ... أروع قرم غير وغد كهام # يسكن البربر في قصفص ... كتائب سارت كمثل الغمام # ثم ابتنى البنيان في جوفها ... بغير ما كره لدهر الدوام # قال معاوية: فكم ملك لله أبوك يا عبيد؟ قال: ملك افريقيس مائة سنة وأربعا ~~وستين سنة. قال معاوية: فمن ملك بعده يا عبيد؟ قال: ملك أخوه العبد بن ~~ابرهة ذو الاذعار، فسقط شقه من الفالج، فلم يغز بنفسه وكان يوجه في الغزو ~~سنة ويمكث ثلاث سنين - وكان مهيبا قال: لله درك يا عبيد، ما سمعت برجل من ~~أهل اليمن هم له أكثر ذكرا وبمسيره وإثخانه في الأرض أكثر تعجبا منهم له؟ ~~قال عبيد: ذلك من لا علم له أمير المؤمنين وما كان ذكرهم لذي الاذعار، إلا ~~لما كان أصاب من السبايا معابيه وهدية بلغ بها إلى أبيه فيما بلغنا والله ~~اعلم. قال: فهل قيل في ذي الاذعار شعر سمي فيه ذي الاذعار؟ قال عبيد: نعم، ~~إنه لما مات رثاه رجل مناهل بيته - يقال له المعترف بن وائل بن يعفر بن ~~عمرو - قال عبيد: قال المعترف بن وائل يرثى ذا الاذعار حيث قال: # عجبت للدهر وبلوائه ... وصرف أيام له فانيه # بينا يردينا لباس الهوى ... إذ مال لا يبقى على باقية # لو كان هذا الدهر اذهرنا ... له ود من الأرباب والحاشية # عمرو وذو الاذعار في ملكه ... لكنما الدنيا هي الفانية PageV01P423 # وملك جبارهم أصله ... لم يكن الباقي لدى الداهية # فأكثري ms072 التعويل يا حمير ... على مليك كان بالعاليه # من مجد آباء له ما لهم ... قد قهروا ملك ذوي العاتية # قال معاوية: يا عبيد كم ملك ومن ملك بعده؟ قال: ملك خمسا وعشرين سنة. ثم ~~ملك بعده عامر ذو براش. قال معاوية: ما سمعت بذي براش؟ قال: بلى يا أمير ~~المؤمنين كان ملكا من ملوك حمير، وقد قال فيه الأفطس بن عفيف - وهو رجل من ~~اليمن - شعرا. قال معاوية: وكيف؟ قال عبيد: قال هذا الشعر يا أمير المؤمنين ~~حيث يقول: # قد علا الناس بالفضائل والمجد ... أخو الملك عامر ذو براش # قاد خيلا يريد ارض قباذ ... غار فيها بمصلتين غير حاشي # للمنايا إذا تضرمت الحرب ... بنيرانها الفضاع الغواشي # فهو ليث لها يقود ليوثا ... ليس يثنون عن لقاء الكباش # وهو ليث الحروب في كل حرب ... ذو براش فنعم ليث الهراش # ملك يبرم الأمور بحزم ... غير زميلة ولأمر عاش # فل ساسان عنوة وزبرجا ... غزاهم بجحفل الجياش # بجيوش كأن لمع سناها ... شهب الليل في الدواجي الغطاش # من سيوف مهندات صقال ... مرهفات يردن في الامشاش # جاء بالفيء من سر نديب والاي ... لة حتى أتى بأرض حفاش # من لبيض الخدود في الغرف الش ... م وفي حسن لذة ومعاش # ذاك قيل مملك حميري ... ثار في الملك في اكتهال وناش # غير رعديدة إذا حمى الحر ... ب ولا بيهمومة ولا طياش PageV01P424 # قال معاوية: لله أبوك يا عبيد ما كنت أظن هذا هكذا وما كنت أظنه إلا ذا ~~نواس! قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال معاوية: فكم ملك ومن ملك بعده؟ قال ~~عبيد: ملك # تسعا وستين سنة، ثم ملك من بعده الهدهاد بن شرحبيل - وهو ذو يشرح - فكان ~~قد تزوج امرأة من الجن - يقال لها رواحة بنت السكن - فولدت له بلقيس - ~~وكانت أعقل امرأة سمع بها في ذلك الزمان وأفضل رأيا وعقلا وتدبيرا وعلما، ~~وكانت ذات مشورة على أبيها، حتى عرف ذلك جميع حمير وغيرها منها - فلما ~~حضرته الوفاة بعث إلى رؤساء قومه وأهل الرأي والنبل منهم وأمراء خيارهم، ~~فذكر لهم إنه ms073 استخلف عليهم بلقيس. فقال رجل منهم: أبيت اللعن أيها الملك ~~تدع أهل بيتك وأفاضل قومك وتستخلف علينا امرأة - وإن كانت في المكان الذي ~~هي منك ومنا - قال: يا معاشر حمير قد رأيت الرجال وعرفت أهل الفضل وخبرت ~~ذوي الرأي من المعاشر وشهدت ملوكها الماضين ومن أدركت منها فلا والذي أحلف ~~به ما رأيت مثل بلقيس قط علما ورأيا وحكما، مع أن أنها من الجن وأنا أرجو ~~أن تظهر لكم من أمور الجن ما تنتفعون به بإعانتكم ما كانت الدنيا - لأن ~~أمها من الجن - فاقبلوا نصيحتي فيها فاني مع اختياري إياها مؤدية إلى غيرها ~~من أهل بيتها، واني قد كنت سميت الملك لابن خالي هذا الغلام - وهو غلام له ~~عقل ورأي وهو أولى بالأمر، فإذا بلغ ولي الأمر إما في حياتها وأما بعد ~~موتها - قال: ومن هو؟ قال: ناشر بن عمرو بن يعفر بن عمرو. قالوا: سمعنا ~~وأطعنا وأنت أيها الملك أنظر لنا وأبصر لنا. فوليت بلقيس أمورهم بعد أبيها ~~الهدهاد بن شرحبيل ملك حمير. PageV01P425 # قال معاوية: فاخبرني كم ملك الهدهاد بن شرحبيل؟ قال: ملك مائة سنة. قال ~~معاوية: يا عبيد هل كانت بلقيس تريد الرجال؟ قال عبيد: ما تزوجت قط، ولا ~~نكحها سليمان عليه السلام، إلا وهي بكر. قال: فمن كان خدمها؟ قال عبيد: ~~الرجال. قال: فمن كان يخدمها؟ قال: النساء. قال معاوية: إماء هن أم حرائر؟ ~~قال: بل بنات أشراف حمير. قال: وكان معها فيما بلغني ثلاثمائة وستون جارية، # وكانت تحبس الجارية، حتى إذا بلغت حدثتها حديث الرجال، فإن تغير لونها ~~ونكست رأسها وبدا لها أنها قد أبصرت أمر الرجال، سرحتها إلى أهلها فزوجوها ~~بعض أشراف قومها، وإذا رأتها مستمعة لقولها معظمة لأمرها غير متغيرة اللون ~~ولا مستحية من الحديث عرفت أنها لا تريد فراقها وإن الرجال ليسوا ببالها. # قال معاوية: إن النساء في ذلك أطوار تكون على الوصف الأول وإنها لبعيدة ~~عن الرجال وتكون على الصفة وهي تحتال على ذلك بالخداع والمكر قال عبيد: يا ~~أمير المؤمنين إنه ms074 كان عندها بالأمور علم وكان هذا منها رأيا. قال معاوية: ~~يا عبيد انك لتحدثني عن امرأة أظنها نوارا من النساء! قال عبيد: يا أمير ~~المؤمنين، ومن أين يكون ذلك؟ وقد قالت لنبي الله سليمان بن داود ما قالت ~~رغبة فيه وحرصا على أن تكون زوجة له - ولو كانت نوارا لم تقل ذلك - ولكنها ~~كانت من النساء مكرمة لنفسها ضابطة لرأيها وأمرها غير نزوع إلى المساوئ ولا ~~غافلة عن المكارم. قال معاوية: فما كان قولها لسليمان بن داود؟ قال عبيد: ~~يأتي عليك الحديث يا أمير المؤمنين. قال: افعل. فوالله انك لتحدث لعجبا؟ ~~فكم ملكت حتى جاءها سليمان بن داود. PageV01P426 # قال بلغني يا أمير المؤمنين أنها ملكت تسعين سنة، فلما أراد الله أكرامها ~~بسليمان، خرج مخرجا لا يدري إليها قصد أم إلى غيرها أم مر على بلادها وهو ~~يريد غيرها، وكان إذا ركب من منزله مرعا أتته فقال: نصف النهار بأصطخر من ~~أرض فارس، ثم يتروح فيبيت بكابل فغدوه ورواحه مثل ذلك المسير إلى كل وجه ~~يأخذ إليه. وقول الله أصدق القائلين (غدوها شهر ورواحها شهر). قال معاوية: ~~صدقت، فهل قرأت القرآن؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما حفظته إلا في شهر ~~واحد. قال معاوية: لله أنت يا اخا جرهم، فحدثني عن سليمان وبلقيس. قال: لما ~~أراد الخروج على الريح، فوضع سريره عليها وكرسيه وكراسي جلسائه، ثم جلس # عليه وأجلس الأنس عن يمينه وشماله ومجالسهم من كرامتهم وأجلس الجن من ~~ورائهم على مثل ذلك منهم قائم ومنهم جالس، ثم قال للريح: أقلينا، وللطير ~~أظلينا، فأقلتهم الريح وأظلتهم الطير من الشمس والخيل موقوفة والطباخون في ~~توابيتهم جلوس في أعمالهم، فلما استقروا عليها أمرها سليمان بالمسير، فسارت ~~لا تزيل أحدا منهم عن مجلسه ولا تفسد عليه عملا في يده ولا صانعا بصناعته ~~ولا طابخا ولا خبازا ولا دابة من مربطها ولا أحدا ممن حملته عليها حتى يأذن ~~لها في وضعهم على الأرض فإذا أذن لها بذلك فعلت ذلك في الحال من سكونهم ~~بقدرة الله ms075 عز وجل. ثم أن سليمان سار في أرض العرب، فمر بموضع المدينة، ~~فأمر الرياح فوقفت ثم أعلم أصحابه إن هذا المكان مهاجر نبي يخرج في آخر ~~الزمان من العرب اسمه أحمد وهو خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ثم ~~سار إلى PageV01P427 # مكة فأمر الرياح فوقفت ثم قال: هذا بيت الله الذي ابتناه أبي إبراهيم ~~صلوات الله عليه وهو أول بيت وضع في الأرض أمر الله به أبي آدم عليه السلام ~~فبناه، ثم نزل سليمان فصلى فيه، ثم سار. # قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فمتن كان أهل الحرم يومئذ؟ قال عبيد: نحن ~~يا أمير المؤمنين وسلفنا على الحق يومئذ. قال معاوية: فمن كان يلي البيت مر ~~به سليمان بن داود؟ قال: البشر بن عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو. # قال معاوية: خذ في حديثك. قال عبيد: ثم سار سليمان إلى أرض اليمن، حتى ~~إذا كان على مسيرة ثلاثة أيام من مدينة ملك اليمن أراد سليمان النزول - ~~وكان لا ينزل إلا على ماء - وكان الهدهد الذي يدله على الماء فافتقد سليمان ~~الهدهد حين دخلت عليه الشمس من موضعه - وكان مثل البطة - وذلك قول الله ~~تبارك وتعالى {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} ~~إلى آخر الآية. قال: وما يعني بالعذاب يا عبيد؟ وإنما هو طائر. قال عبيد: ~~يا أمير # المؤمنين سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: إنه النتف حتى لا يطير مع ~~الطير. قال معاوية: فهل تعرف يا عبيد قوله {أو ليأتيني بسلطان مبين} ما هو؟ ~~قال: العذر المبين. قال: فمن أين علمت ذلك؟ قال: من قبل ابن عباس. قال ~~معاوية: فما صنع الهدهد؟ قال عبيد: كان الهدهد قد تقدم فلقي هدهد أرض سبأ، ~~فقال لهدهد سليمان: أخبرني ما هذا الذي أرى ما رأيت ملكا أعجب من هذا راكبا ~~على الريح معه الجنود ما لم أره أو أسمع بمثله! قال له هدهد PageV01P428 # سليمان: هذا سليمان - نبي الله - فمن أين أنت؟ ms076 قال: من أرض سبأ. قال: فمن ~~ملككم؟ قال: ملكنا امرأة لم ير الناس مثلها في فضلها وملكها وحسن رأيها ~~وتدبيرها وكثرة جنودها مع الخير الذي قد أعطيت في بلادها وأمها من الجن مع ~~هذا وهي امرأة من ولد حمير. قال هدهد سليمان: انطلق بي حتى أنظر إليها، ~~فانطلق به حتى رآها وجنودها وما أعطيت في بلادها. ثم رجع إلى سليمان صلى ~~الله عليه وسلم بعد أن مكث غير بعيد كما قال الله عز وجل، قال الهدهد: يا ~~نبي الله أني {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، أني وجدت امرأة ~~تملكهم وأوتيت من كل شيء لها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون. قال سليمان: ~~سننظر أصدقن أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فالقه إليهم، ثم تول عنهم ~~فانظر ماذا يرجعون}. قال معاوية: لم نقرأ القرآن لهذا الحديث، إلا تأتي ~~بالحديث الذي بلغك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين القرآن أصدق من الحديث، ولو ~~لم يكن هذا في كتاب الله لكان الحديث عندي ثقة. قال معاوية: صدقت. قال ~~عبيد: فكتب سليمان كتابا ودفعه إلى الهدهد فأخذه بمنقاره - فيما بلغنا - ~~فانطلق به حتى آتاها وصار بحذاء رأسها وهي على سرير مملكتها تنظر إلى طائر ~~من فوقها فألقى الكتاب في حجرها، فنظرت إليه ونظر الناس إلى طائر رمى إليها ~~بكتاب، فخاضوا الناس في ذلك # وقالوا: رمى إليها الكتاب من السماء تعظيما لقدرها، فبلغها ذلك فبعثت إلى ~~مقاول حمير - وكانت أول من وضع المقاول تستشيرهم وتأخذ من رأيهم - فقالت ~~لهم: ما ذكر الله في كتابه {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من ~~سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم إلا تعلوا علي وآتوني مسلمين}. قال ~~معاوية: يا عبيد فاخبرني عن الكتاب الذي أمر به ما كان PageV01P429 # فيه فيما بلغك؟ قال عبيد: قد قلت لك يا أمير المؤمنين أني لا انطق بشيء ~~ليس بيانه في القرآن، وقول ms077 الله أصدق فكان من جوابهم لها أن قالوا: {نحن ~~أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، فانظري ماذا تأمرين؟ قالت: إن ~~الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون}. ثم ~~قالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} قال عبيد: فبعثت ~~يا أمير المؤمنين وفدا أربعين رجلا من رجالها وبعثت معهم بمائة وصيف ومائة ~~وصيفة ولدوا في شهر واحد لهم ذوائب وقصاص والزى واحد وختمت على سراويلهم ~~وبعثت بمائة فرس نتجت في يوم واحد ألوانها واحدة، وبعثت بحق رصاص فيه من ~~الجواهر والزمرد والياقوت الأحمر والأصفر والأبيض والأسود، ملحم لا يوصل ~~إليه إلا أن ينكسر وبعثت بخرزة غير مثقوبة، وكتبت إليه أن اثقب هذه الخرزة ~~بغير حديد ولا علاج أنس ولا جان، وبعثت إليه بخرزة مثقوبة ثقبا ملويا ~~وسألته أن يدخل فيه خيطا وقالت للوفد: إن قبل الهدية فهو ملك من الملوك فهو ~~أهون علينا محاربته، وإن ردها ولم يقبلها فالرجل نبي. وقد كتبت إليه كتابا، ~~فادفعوه إليه واسألوه عما في الحق، وإن يفصل بين الذكر والأنثى من الوصائف ~~والوصفاء وإن يميز الخيل وأيها نتج قبل صاحبه وعن الولاء وعن قرابة ما بين ~~ذلك. فلما قدم الوفد إلى سليمان قرأ كتابها وما سألت عنه من علم وخبر. فدعا ~~الجن والأنس، ودعا بالوفد فقرأ الكتاب وقال لعلمائه: من يميز الغلمان من ~~الجواري لا ينزع ثيابهم؟ فأعلموه إنه لا علم لهم به واشتد # إعجابه بما جاءه من قبلها وشق عليه بعض ما سألته عنه، فمكث أياما يقلب ~~الأمر ظهرا لبطن حتى علمه الله إياه وأطلعه عليه من حكمته. فدعا بالغلمان ~~والجواري فأمر بطشت فملئ ماء ودعاهم واحدا بعد واحد وقال: اغسلوا أيديكم! ~~فكان الغلمان إذا غسلوا أيديهم حدروا الماء حدرا، PageV01P430 # والجواري يصبن الماء صبا فميزهم على ذلك. ودعا بالخيل، فقال: نتجن في يوم ~~واحد، وقال: هذا خال هذا وهذا عم هذا، وهذا ابن عم هذا وهذا ابن أخ هذا، ~~حتى فرغ منهن والوفد ينظرون إليه في كتابهم والنقش ms078 بعلامتهن. ثم دعا ~~بالخرزة التي لم تثقب فوضعها بين يديه ثم قال لمن حضر: من يثقبها؟ فتكلمت ~~دودة بين يديه فقالت: يا نبي الله أنا أثقبها على أن تجعل رزقي في الخشب. ~~قال: نعم. فلزمت الخرزة الدودة تثقبها حتى خرجت من الجانب الآخر في ثلاثة ~~أيام. ثم انطلقت لرزقها. ثم دعا بالحق فحركه، ثم قال: فيه جوهر عدة الجوهر ~~كذا وكذا والزمرد كذا وكذا والياقوت الأحمر كذا وكذا والياقوت الأصفر كذا ~~وكذا والأبيض كذا وكذا، حتى فرغ من جميع ذلك والوفد ينظرون. ثم دعا بالخرزة ~~الملوي ثقبها، وقال لمن بحضرته: أيكم يأخذ هذه الخرزة الملوي ثقبها فيدخل ~~فيها خيطا؟ فأجابته دودة تكون في القصقصة وقالت: أنا أدخله فيها على أن ~~تجعل رزقي في الخشب. قال سليمان: ذلك لك. فأخذت خيطا فأتقنته في رأسها ~~ودخلت في الخرزة من ثقبها حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم انطلقت إلى رزقها ~~وهو في الخشب. ثم أن سليمان رد جميع ما أمرت به إليه وقال - وقد ذكر الله ~~ذلك في كتابه {أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة ~~وهم صاغرون} - ثم قال سليمان حين ولي الوفد إليها: {أيكم يأتيني بعرشها قبل ~~أن يأتوني مسلمين} يقول: قبل أن تحرم علي أموالهم {قال عفريت من الجن: أنا ~~آتيك به قبل أن تقوم من مقامك هذا واني عليه لقوي أمين}. # قال: وكان سليمان إذا أصبح جلس بجلسائه مجلسا يقضي فيه بين الناس ويأمرهم ~~بأمره، فلا يزال فيه PageV01P431 # حتى يؤذيه حر الشمس فعنى ذلك المقام. قال سليمان: أريد أعجل من هذا، قال ~~رجل من الأنس - يقال له آصف بن برخيا فيما يذكر قد تعلم اسم الله الأكبر - ~~قال معاوية: هبلتك الهبول يا عبيد أو كان آصف يعلم ما تقول والسحر يوم ~~نسبته إلى علمه - وهو الذي كان وضعه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كان آصف ~~فيما بلغنا كاتب سليمان بن داود وكان من ms079 أعلم الناس وأكابرهم عنده وأشدهم ~~إيمانا به، وكان سليمان لا يحجبه عنه إذا كان عند نسائه. فلما فتن سليمان ~~أنكر آصف أعمال ذلك الشيطان الذي فتن سليمان - وهو الذي دخل على نسائه ~~يسألهن عن سليمان، فأخبرنه أن سليمان كان لم يأتهن ولم يقربهن عند المحيض ~~فإذا قلن له: إنا لا نصلي رجع عنهن بعد حرص منه عليهن، فإذا طهران لم يأتهن ~~ولم يقربهن ولم يرنه - وقال آصف - وقد انطرت من قضائه لما أبصرت من عدله ~~وأظهره من جوره فيذكر يا أمير المؤمنين أن ذلك الشيطان أمر بسحب فكتب، ثم ~~دفن تحت كرسي سليمان بن داود واسنده إلى آصف بن برخيا، ثم أخرجه للناس. ~~فلما رجع سليمان إلى ملكه ورد الله نعمته وكرامته، لم يلبث إلا قليلا حتى ~~قبضه الله غليه ولج المجرمون باستعمال ذلك الكتاب وتصديقه. قال معاوية: ~~فكيف لم يعلم آصف بن برخيا أن ذلك الشيطان صنع السحر ودفنه تحت الكرسي ~~وألجأه إليه؟ قال عبيد: دخلت الفتنة يا أمير المؤمنين من ذهاب علمه كما ~~ابتلى به سليمان وهو فتنته لما رأى من سيرته. # قال معاوية: صدقت فخذ في حديثك الأول. قال: فانطلق آصف وتوضأ ثم صلى ~~ركعتين، ثم دعا بالاسم الأعظم، فذكر يا أمير المؤمنين أن السرير بما عليه ~~مثل بين يدي سليمان بن داود وكان في جوف بيت في جوفه سبعة أبيات، على كل ~~بيت باب، ولكل باب قفل حديد، والمفاتيح عندها - فلما رأى سليمان السرير من # ذهب ولؤلؤ وجوهر {قال PageV01P432 # نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون}. قال معاوية: ~~وما تلك النكرة يا عبيد؟ قال: زيدوا فيه وانقصوا منه ننظر أتهتدي يقول: ~~تعرف العرش إذا جاءت أم لا تعرفه؟ قال معاوية: وما يدريك إن هذا كذلك؟ قال: ~~سمعت ابن عباس يا أمير المؤمنين يذكر ذلك. قال: وسألته عن القرآن أيضا فما ~~يفسر من الظاهر شيئا إلا وأنا أعرفه وأعلمه. قال معاوية: أوله باطن. قال: ~~كذلك سمعت ابن عباس يذكر. قال معاوية: ما تركت ms080 شيئا يا أخا جرهم إلا وقد ~~دخلت فيه وطلبت علمه! قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين القرآن أحق ما دخلت ~~فيه وطلبت علمه. قال معاوية: صدقت، فخذ في حديثك. قال: فلما دخل الوفد ~~عليها أمرت بالجهاز وسارت في اثني عشر ألف قيل من رؤوس قومها وخيارهم، وأخذ ~~كل واحد من وجوه أصحابه وجنده وأفاضل أهل بيته وقادة خيوله مائة رجل. فقدمت ~~على سليمان بن داود في اثني عشر ألف قيل ومائة وعشرين ألف فارس غير الرجل. ~~فلما دخلت على سليمان بن داود تركها ثلاثة أيام، فقال لها قومها: ما تقولين ~~في أمر هذا الرجل؟ أتدخلين في طاعته أن تحاربينه؟ أم هل تيقنت إنه نبي؟ ~~قالت: سأعلمكم منه ما تعرفون - أهو نبي أم ملك من هذه الملوك - أنظروا ~~إليه، إذا أنا دخلت عليه، فإن أمرني بالجلوس فهو ملك فإن الملوك لا تجلس ~~عندهم إلا بإذنهم - فما أقل من يجلس عند الملك إلا خاصته - وإنه إن لم ~~ينهني ولم يأمرني فإنه نبي مع إني سأسأله عن ثلاثة أشياء لا أشك فيها. فإن ~~أخبرني بها فإنه نبي وأنا داخلة ولا طاقة لكم به، وإن لم يخبرني فليس بنبي. ~~فلما أراد سليمان دخولها إليه ووصولها إلى ما بين يديه أمر الجن فجعلوا عن ~~يمينه وعن شماله حائطين مموهين بالذهب الأحمر، وبنوا من وراء ذلك مجلسا له ~~ودارا، وجعلوا الدار لبنا مموها بالذهب غير موضع لبنة، PageV01P433 # ثم أذن لها بالدخول، فدخلت الدار فلما مرت بالحائطين نظرت إليهما، ثم ~~دخلت فرأت # أرضا وحيطانها من ذهب فتصعر عندها ملكها ورأت شيئا لا يشبه ملكها الذي ~~كانت فيه وسليمان قاعد في مجلسه في أقصى الدار ومعها لبنة من ذهب تريد إن ~~أمرت بالجلوس أن تجلس عليها فضربت ببصرها فإذا على باب مجلس سليمان موضع ~~لبنة من فرش الدار ليس فيه لبنة فكرهت حين رأت ذلك أن تمضي بما في يديها ~~فيتهمونها باللبنة، فرمت بلبنتها في ذلك الموضع وسليمان ينظر إليها. فلما ~~دخلت عليه سلمت عليه وحيته بتحية الملوك، ms081 ثم قامت بين يديه ساعة لا يأمرها ~~بالجلوس ولا ينهاها عن القيام، حتى إذا طال ذلك عليها رفع سليمان رأسه ~~إليها فقال: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فمن ~~شاء فليجلس ومن شاء فليقم؟ قالت: الآن علمت أنك نبي. قال لها: ومن أين ~~تعلمت ذلك؟ قالت: علمت إنه لا يجلس عند الملوك إلا بإذنهم، وأما القيام ~~فعندهم يقام وما أقل من يجلس عندهم إلا من كان من خاصتهم، ولكنك قلت قول ~~أهل العلم بالله، وقد أتيتك وسألتك عن ثلاثة أشياء فإن أخبرتني بهن دخلت في ~~طاعتك، وإن لم تفعل رأيت رأيي فيما بني وبينك قال سليمان: فاسألي ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. قالت: أخبرني عن ماء روى ليس من ارض ولا سماء، ~~وشبه الولد إذا أشبه أباه وأمه من أين آتاه ذلك؟ وعن لون الرب تبارك ~~وتعالى. فسألته عن ذلك وهي مقابلة له على الكرسي، والأنس والجن عن يمينه ~~وشماله. فقال سليمان للأنس: هل عندكم في هذا شيء؟ قالوا: نعم يا نبي الله ~~مر لنا بخيل نركبها ونجربها حتى تعرق، ثم نحللها فإنه ينصب عرقها فنحن ~~نأتيها من ذلك بماء روي ليس من أرش ولا سماء. قال سليمان: فأيتوني بذلك ~~فجاءوا به قالت: PageV01P434 # هذا قد جئت به فالخصلتين اللتين سألتك عنهما قال: أما شبه الولد فإن ~~النطفة إذا سبقت من الرجل كان الشبه له وإن سبقت من المرأة كان الشبه لها. ~~قال: صدقت. فالخصلة الثالثة: قال: ليس لي علم بالغيب ولكني أرغب إلى الله ~~ربي، فرغب # سليمان في مجلسه ذلك إلى به فأوحى الله إليه إني قد أنسيتها ما سألتك، ~~فاسألها عنه. فسألها فقالت: ما أدري ما سألتك عنه يا نبي الله. فعرض عليها ~~الإسلام فقالت: انظر في ذلك يومي هذا. قال: فقالت الجن فيما بينها قد كنا ~~في نصب من هذا الرجل القليل الغفلة فلا نقدر أن نفعل ما يريد، فكيف إذا ~~اجتمعت هذه في رأيها وعلمها وعون الجن ونبوة سليمان الآن حجب عنا ms082 كب خير ~~ونزل بنا كل شر فتعالوا نزهده فيها فإنه قد طمع فيها إن أسلمت أن يتزوجها؟ ~~فقال لهم عفريت من الجن - يقال له زوبعة -: أنا أكفيكم سليمان. فآتاه فقال ~~له: يا نبي الله بلغني أنك تريد تزوج هذه المرأة وأمها من الجن ولم تلد ~~جنية من الأنس قط ابنا إلا كانت رجلاه مثل حافر الحمار. قال سليمان: وكيف ~~لي أن أنظر إلى ذلك من غير أن تعلم ما نريد بها؟ قال: أنا أكفيك ذلك. قال: ~~فصنع زوبعة لسليمان مجلسا وجعل أرض المجلس لجة فيها ماء وسمك يعني حيتانا. ~~ثم جعل من فوق ذلك صرحا ممردا من قوارير رقيق، ثم قال له: أرسل إليها تدخل، ~~فإنك ترى الذي تريد منها. فبعث إليها وهو على كرسيه ليس في البيت مجلس ~~غيره. فلما رأت ذلك الماء والسمك تجول فيه ضربت ببصرها إلى مكان تجلس فيه، ~~فلم تجده فحسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لتخوض في الماء إلى سليمان. فلما ~~رآها ونظر إلى ساقيها - إذ عليهما شعر أسود في بياض الساقين - فقال لها ~~سليمان: لا تكشفي غن شيء من ساقيك، فإنه صرح ممرد من قوارير. فنظرت فإذا ~~ملكها ليس بشيء مع PageV01P435 # ملك سليمان وإذا بها قد أيقنت إنه نبي. فعند ذلك قالت {رب إني ظلمت نفسي ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}. فلما أسلمت وحسن إسلامها تزوجها ~~سليمان، ودخل بها ثم أظهر لها الكراهة لما رأى من كثرة شعر ساقيها فقالت: ~~يا نبي الله إن الرمانة لا يدرى ما طعمها حتى تذاق. قال سليمان: إنه لا ~~يحلو في الفم ما لا يحلو في العين ثم انصرف. فقال بعض الجن - وكان يحب ما # وافق سليمان: يا نبي الله فهل كرهت منها غير الشعر؟ قال: لا. قال: فاني ~~أعمل شيئا فتطلبه فيتركها لك مثل الفضة البيضاء من غير عيب. فقال: افعل ~~فصنع الجني النورة والزرنيخ، ثم بعث بها إليها وأحدث سليمان لها الحمام، ~~فكانت أول نورة علمها مخلوق وأول حمام عمل لأحد، واتخذ ذلك الشيطان لها ms083 ~~مطاحن الماء وضروب الصناعات وأعجب بها سليمان عجبا شديدا، وولدت له داو بن ~~سليمان وملك سليمان أربعين عاما وسرحها سليمان إلى مملكتها، وكان سليمان ~~يأيتها في كل وقت فيقيم عندها سبعة أيام، ثم يسير في الأرض، وأعانها ~~بالشياطين يعملون لها - فعامة صناعات اليمن من قبل الشياطين - ثم هلك ~~سليمان - صلوات الله عليه - وولي بعده رحبعم بن سليمان، فأقام بعد سليمان، ~~ثم مات واختلفت بعده ينو إسرائيل وماتت بلقيس بعد سليمان بشهر - رحمهما ~~الله تعالى - وبلغنا في حديث آخر أن بلقيس ملكت سبعين سنة. والله أعلم أي ~~ذلك كان. # قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر: قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قال ~~معاوية: كيف الشعر لله أبوك؟ قال: قال رجل من حمير يقال له PageV01P436 # - الأعصم بن عمرو بن سلمة بن زيد بن خيار بن المنتاب بن زيد بن عملاق - ~~هذا الشعر الذي يقول فيه: # إن يكن الدهر أتى عامدا ... لخير أملاك الدهور الخوالي # معتمدا قهرا نبي الهدى ... وخير خلق الله في كل حال # أعني ابن داود سليمان إذ ... علا على الناس بحسن الفعال # ومد في الملك شياعا لنا ... بيوم يمن ليس يوم الشمال # فإن فينا من بني حمير ... فوراس الهيجاء يوم النزال # كنا شر الخير وأعراقه ... ومرغم الملك جزيل النوال # قال معاوية: يا عبيد الله أبوك أخبرني عن بلقيس كيف آتاها الهدهد ~~بالكتاب؟ قال # عبيد: قول الله أصدق وقد أعلمتك لست بمحدث بشيء ليس في القرآن ولست بواصف ~~خبرا بلغني بعدما قال الله تبارك وتعالى، ولكن قد قال في ذلك رجل من أهل ~~اليمن من أهل بيت الملك شعرا - يقال له النعمان بن الأسود بن المعروف بن ~~عمرو بن يعفر - قال معاوية: وما قال عبيد: اسمعني ذلك حتى أعلم، قال عبيد ~~هذا الشعر الذي يقول فيه: # زال دهري وقد أراني سرورا ... دهر من كان بالحمام نذيرا # حمير الخير قد رأيتك قدما ... قبل دهر به سكنتم قبورا # حمير الخير قد نزلت عصارا ... من زمان الدهور ملكا هريرا PageV01P437 # نعما يا لها أناخت ms084 بشرق الأرض ... وغرب البلاد بالخير زورا # وغزوت البلاد عودا وبدأ ... وعلى ملكنا السحاب المطيرا # صاح إن كان ملك حمير أودى ... بعد أن كان قبل صنعا حرورا # فهم اليوم جبأة وزمام ... وأرى من بقي إليهم مجيرا # قرة العين من ذوي أهل عز ... وديار الزمان كفوا إليهم مجيرا # وسما الملك للنبي سليمان ... مع البر واصطفاه قديرا # جاءنا بالكتاب منه رسول ... بعجب لم يأت فيه غرورا # نظرت نعمة من الله حقا ... ببيان الهدى آتاه بشيرا # نظرت في الكتاب بلقيس عجبا ... فرأت منظرا مهيبا نضيرا # أرسلت في مقاول الملك إني ... ناظر في الغداة أمرا منيرا # فأشيروا بمشورة بصواب ... إن منكم لنا صحا ومشيرا # أن يزوروا بلادكم يفسدوها ... وأتوا في البلاد أمرا نكيرا # قال أهل النهاء والقول أنا ... أول الناس نستذل الفجورا # فأليك الأمر منا فامضي ... ما أردت الغداة منا سرورا # قالت اهدي وذلك عندي من الرأي ... وفينا بنو الكرام ظهروا # وبنا في القلوب من كل سوء ... يسيروا من عديد ذاك نظيرا # أرسلت بين عاتق وغلام ... كي يميز من النساء الذكورا # وعناقا من الخيول جيادا ... ملبسات من الملاء حريرا # وزمرد في قعر حق عجيب ... ملحم ما يرون فيه فطورا # مع وفد أعزة ذي بهاء ... قصد خير الأنام حتما وخيرا # قال معاوية: يا عبيد دع عنك هذا وأخبرني عن الملك كيف عاد إلى حمير PageV01P438 # بعد نبي الله سليمان بن داود وبعد ابنه بعد أن خرج من أيديهم وفارقهم من ~~أول من قام منهم؟ قال عبيد: أول من قام منهم يا أمير المؤمنين. ### | ناشر النعم بن عمرو بن يعفر بن عمرو # ابن شرحبيل بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث ابن حيدان ~~بن قطن اجتمعت عليه اليمن وبعث الجيوش إلى كل من ناوأه ووطئ البلاد التي ~~كان آباؤه يطئونها قبله واشتد سلطانه فسماه قومه ناشر النعم. قال معاوية: ~~ولم سماه قومه بهذا الاسم؟ قال عبيد: يا معاوية أنعم عليهم فيما ارتجع من ~~ملكهم وجمع الأمر لهم. قال: ثم سار بنفسه غازيا نحو ms085 المغرب فدوخها ووطئها ~~حتى بلغ وادي الرمل لم يبلغ ذلك الوادي ولا تلك الأرض من أهل بيته غيره. ~~فلما أتى إلى الوادي الذي يسيل رملا لم يجد مخرجا ولا مجازا حتى جاء يوم ~~السبت فلا يجري فلم يجده يسير، وأمر رجلا من أهل بيته يعبر الوادي وكان ~~يقال له عمرو بن زيد بأصحابه، فلم يرجع منهم أحد. فلما رأى ذلك ناشر النعم ~~كف عن العبور، وأمر عند ذلك بصنم من نحاس فنصب على صخرة، ثم كتب على صدر ~~ذلك الصنم بكتاب المسند - وهو كتاب الحميري - أبياتا من شعر كتابا ابتدعته ~~حمير، لأن لا يكتبه غيرهم، يذكر فيه صفته وما بلغوا. قال معاوية: وما ~~الكتاب الذي كتبوا # والشعر؟ قال عبيد: كتب فيه (صنع هذا الصنم الملك الحميري ناشر النعم ~~اليعفري ليس وراء هذا مذهب فلا يتكلف أحد المضي فيعطب) فأما الشعر فأبيات ~~كتبها في الصنم يقول فيها: PageV01P439 # أنا الصنم الذي هيئا مكاني ... نبوءة المقاول والهبول # نصبت فلم أزل صنما مقيما ... لحمير للشباب وللكهول # فما أحد يجاوزني فيحيا ... إلى الجبل المطل على السهول # ليعلم من آتاني من أمامي ... فليس له ورائي من سبيل # قال معاوية: إنك لتخبرنا عجبا! قال: يا أمير المؤمنين إن أمر حمير كان ~~أعجب من ذلك في مسيرها البلاد واستخدامها العباد. قال معاوية: وما ذلك يا ~~عبيد لله أبوك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كانوا في رفاهية من العيش ونعم ~~من ملك دنيا زينوها فكانوا ينزعون إلى دار ملكهم ويدعون ما قد احتووا عليه. ~~فقال معاوية: فهل قيل في ناشر النعم شعر وفي الصنم والوادي الذي انتهى ~~إليه؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. قال علقمة بن زيد بن يعفر بن عمرو ~~شعرا. قال معاوية: ما قال؟ يا عبيد: قال - قال هذا الشعر: # أيا ناشر الأملاك قد نلت خطة ... علت فوق أملاك الملوك القماقم # سلكت غروب الأرض غاز بجحفل ... للاد الأعادي غير أرض الأشاتم # تفض جموعا كالجبال لتنتهي ... إلى مبلغ في البعد غير التهائم # أتيت بنا واد حثيث مسيره ms086 ... برمل تراه كالجبال الرواسم # يسير أنهارا والليالي دائبا ... بأمر إله ليس أمر الأوادم # وأوردته منا أولى الفضل والنهي ... لنعلم من أسبابه كل قادم # فهد جناحي المسقر فجعة ... فذاك ابن عمي وابن عز خضارم # فودعني عمرو عليه تحيني ... وافردني عمرو لهم مراغم # فلا مبلغ في البعد يأتيه معشر ... فيمضي إليه بعد شخص مرائم # بتسطير خط من كتاب ابن حمير ... بأن ليس بعدي من مضي لحازم PageV01P440 # ولا مذهب من خلف ما قد أتيته ... بني حمير خير الأنام الأكارم # قال عبيد: وقد قال يا أمير المؤمنين ابن عمه النعمان بن الأسود بن ~~المعترف فيما كان من مسيره وما ذكر من رد الملك إلى حمير وأنعامه عليهم في ~~ذلك شعرا - يقول فيه: # فأنت أبيت اللعن في كل شارق ... وفزت بملك ذي بقاء إلى الحشر # لعمري لقد جللت حمير نعمة ... وأفضيت من أكتافها الحي من بكر # فأرجعتها الملك الذي كان قد وهى ... فأنت أبيت اللعن ذو النعم الزهر # ولولا سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلا ووخى على قدر # لما كان أنس يبتغي أن يرومها ... ولا الجن إذ نحن إلا قاصم للظهر # ولكن قضاء كان تحويل ملكنا ... إلى ابن نبي الله داود ذي النصر # فذاك سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلا عليه وعن أمر # فنحن ملوك الناس قبل نبيه ... وقبل أبيه الحبر عصرا من الدهر # ونحن ملوك الناس والمقتدى بنا ... إلى أن يصير الملك حينا إلى قهر # يكون نبي أمره غير واهن ... رحيم بذي القربى لطيف بذي الوتر # يكون له منا وأحمد اسمه ... غطاريف صدق في التعاون والنصر # وسوف بطا السودان أرض ابن حمير ... فتعمر عشرا أو قريبا من العشر # فيبتزها الملك الذي كان قد وهى ... شديد مقام الشخص منشرح الصدر # فيسلبها الملك الذي كان قد وهى ... نبي كريم النفس منشرح الصدر # أحمير سيري في البلاد لعزكم ... فإن المعالي لا تنال بلا قهر # قال عبيد: ثم انصرف من غزوته يا أمير المؤمنين، فلم يلبث حتى PageV01P441 # هلك. قال # معاوية: لله أبوك، فكم ملك، ومن ملك ms087 بعده؟ قال عبيد: ملك ناشر النعم مائة ~~سنة وإحدى وثمانين سنة - ثم ملك من بعده. ### | شمر يرعش بن افريقيس بن أبرهة بن الرائش # قال معاوية: ولم سمي يرعش؟ قال: لأنه كان به ارتعاش، وأنه سار بعدما ملك ~~سنين نحو المشرق وسواحل البحر دخل أرض العراق في جمع لا يسمع برجل منهم سار ~~في مثله من الخيل والرجال وكثرة العدد والعدة والقوة، ثم توجه إلى أرض ~~الصين يريدها فكانت طريقه على أرض فارس وسجستان حتى دخل خراسان. فكان يأمر ~~أهل مملكته أن لا يتنحوا عنه ويبعثوا إليه بالهدايا خوفا ويطلبون منه ~~الأمان فيؤمنهم ويبعثون بالأدلاء معه حتى انتهى إلى نهر بلخ فبينما هو يسير ~~كذلك، إذ أقبل إليه ما لا يعلمه إلا الله من تلك الأمم من الأعاجم، وكان قد ~~بلغه مسيره فاجتمعت تلك القبائل من أحياء الأعاجم ليصطلموا ذلك الجند من ~~العرب. فقاتلهم أياما ثم ظفر بهم فمزقهم كل ممزق وتبعهم مسيرة أيام - وكان ~~للقوم مكان فيه سفنهم التي عليها يعبرون - فانتهوا إليها، والعرب في أثرهم ~~حتى قاتلوهم على سفنهم التي عليها يعبرون فأخذوها وعبر من سلم منهم إلى ~~بلادهم. وركب شمر وأصحابه السفن التي أخذوها منهم فعبروا على أثرهم وهم على ~~مهل فاتبعوا القوم إلى بلادهم، فرأوا بلادا كثيرة الخير واسعة المنشر، ~~فحضروا المدائن وافتتحوا الحصون وحووا الأموال حتى أتوا على جمع لهم عظيم ~~بالسغد فقاتلوهم أياما، ثم أن شمر وأصحابه ظفروا بهم فدخلوا مدينة السغد ~~فقتلوا وسبوا وهدموا المدينة - واسمها يومئذ اسم أعجمي، ثم PageV01P442 # سماها الأعاجم بشمر فيقال لها شمر كند - قال معاوية: وما يعنون بشمر كند؟ ~~قال عبيد: يا أمير المؤمنين لأن شمر هدمها فسميت به. قال معاوية: فما بالها ~~اليوم تسمى سمرقند؟ قال عبيد: أن لغة العجم غير لغة العرب. # قال معاوية: صدقت، فماذا صنع شمر؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين بلغنا إنه ~~سار إلى مدينة السغد فنزل بها وأمر بصخرة فكتب فيها بكتاب حميري وهذا الذي ~~يقال له المسند وهو هذا القول: هذا ملك عرب ms088 وعجم شمر يرعش الملك الأشم من ~~بلغ هذا المكان فهو مثلي ومن جاوزه فهو أفضل مني لا أعلم إلا ذلك، فأما ~~الحديث فقد أصبته وهو على ذلك وأنا أرجو أن يظهر الله أمير المؤمنين بذلك ~~الموضع من الأرض فيعلم إني قد أديت إليه من حديثي علما. قال معاوية: أللهم ~~أرنا تصديق قول بن شؤية، فإنه يذكر عجبا وإن شاء ربي فعل ذلك! فبلغني عن ~~الشعبي إنه ذكر عن رجل من حيوان همدان - يقال له عبد الله - قال: بينما نحن ~~بالسغد مع قتيبة بن مسلم الباهلي وافتتح سمرقند إذ نظر إلى حجر ملصق على ~~الباب فيه خطوط كأنها بالعربية وليست بها، قال: والله إني لأظن هذا الكتاب ~~لبعض ملوك حمير اطلبوا إلي منهم رجلا حديث العهد باليمن يعرف كتابة حمير ~~فقيل له: هذا عثمان بن أبي سعيد الحيواني قال: فجاء الرسول وأنا وإياه في ~~خيمة فانطلق به إليه فقرأه على مثل ما ذكره عبيد لمعاوية ورواه عنه من رواه ~~على ذلك. قال معاوية: فما قال قتيبة؟ قال: قال شرا، ثم قال: لو تقدمت ~~سرادقي شيئا؟ قال له الحيواني: ليس القليل بالذي عنى ولكن من ملك أرضا ~~غيرها يتقدم إليها. فاسكت قتيبة وقدم سرادقه وراء ذلك، PageV01P443 # فلم يزل هنالك مقيما حتى انصرف من وجهه ذلك. ثم قال معاوية: هل سمعت في ~~ذلك شعرا يا عبيد؟ قال: نعم، قال الباني بن المننتاب شعرا. قال معاوية: ~~فكيف قال يا عبيد؟ قال: يا أمير المؤمنين قال هذا الشعر: # تقول عرسي حين جد النوى ... حتى متى أنت تريد الثوى # أليس في عيشي قد أوتيتم ... مقام ذي الدهر قصى أو دنا # فقلت إذ قالت فما ضرنا ... إذ نحن لم نسمو لسفك الدما # تأمرني أن أكون جليسا لها ... وأترك الإقدام يوم الوغا # وحمير تسمو بأفعالها ... فيها رئيس القوم يوم اللقا # وشمر الراعش قد قادها ... يريد بالشرق اغتنام النسا # فقد وطئنا الأرض عليانها ... شرقا وغربا كالليوث الضرا # فشمر الراعش إذ قادنا ... بجحفل أرعن يغشى السها # فكان يوما معظما شأنه ms089 ... أورد بالعليا وذاك الشفا # فسائلي عنا لكي تخبري ... في مشرق الأرض إذا الدهر فا # يخبرك العالم عن حمير ... وجمعها بالسغد يوم الردى # أنا أبحنا أرضها كلها ... بقوم حرب كعديد الدبا # حتى أبدناهم بها عنوة ... ثم علوناهم بذبح وحى # وجاءت الفرسان من سيبها ... بكل بيضاء كعفر الضبا # وغودر الحصن بها عنوة ... ومثل الخط بصخر الصفا # يكون للعابر إن رامه ... أمرا عجيبا من ملوك الثرى # ويقال: إن سبب خروج شمر من اليمن إلى المشرق أم ملكا من ملوك بابل - يقال ~~له كيفاؤش بن كتيكة تجبر وبنى صرحا للرقي فيه إلى السماء PageV01P444 # كما فعل فرعون وهامان - فمضى غليه شمر بجنوده فحاربه فظفر به شمر وقفل ~~راجعا به إلى اليمن أسيرا فحبسه في بئر مأرب. ثم أن سعدى بنت شمر سمعت ~~كيفاؤش يجار في تلك البئر فرحمته، فلم تزل تشفع إلى أبيها حتى أطلعته من ~~السجن، وولاه على بلاده ورده إليها على خراج يؤديه في كل سنة. وقيل في ~~رواية أخرى أن شمر لما افتتح سمرقند هدمها، ثم أمر ببنائها، ثم توجه إلى ~~الصين فخافه ملك الصين خوفا عظيما وعلم إنه لا طاقة له به. فجمع ملك الصين ~~وزراءه فاستشارهم وقال: قد أقبل هذا العربي ولا طاقة له به. فجمع ملك الصين ~~وزراءه فاستشارهم # وقال: قد اقبل هذا العربي لا طاقة لنا به فماذا ترون فأتى كل واحد منهم ~~برأي وبقي منهم واحد لم يتكلم. فقال له: ما تقول؟ فقال: أرى أن تظهر الغضب ~~علي وتجدع أنفي وتأخذ دوري وضياعي وأموالي ودوابي وعبيدي حتى يعلم الناس ~~بذلك، فكره ذلك ملك الصين لعظم ذلك الوزير عنده، فلم يعذره ذلك الوزير حتى ~~ساعده وفعل به ما أشار عليه به. فخرج ذلك الوزير من الصين حتى انتهى إلى ~~شمر فأراه جدع أنفه وشكا عليه ما فعل به ملك الصين وأظهر لشمر يرعش النصيحة ~~فجعله شمر يرعش من خاصته، ثم احتاج شمر إلى دليل يدله على الطريق إلى الصين ~~في المفازة العظيمة التي دونه. فقال وزير ملك الصين ms090 لشمر: أنا الدليل ولا ~~تجد أيها الملك من يعرف هذه المفازة ويعرف الطريق فيها مثلي. فنهض شمر يرعش ~~بجنوده - وقيل إنه ترك التفقل الذي له ولجنوده في سمرقند - وسلك خلف ~~الوزير، فسار بهم على غير طريق حتى بعدوا بعدا عظيما وأشرفوا على الهلاك ~~وأيقنوا به ونفذ ما معهم من الماء. فقال شمر: أين الماء؟ فقال: لا ماء ها ~~هنا إلا الموت، أردت أن تهلكنا وتهلك ملكنا وتقتل رجالنا وتسبي ذرارينا، ~~فوهبت نفسي لأهل بلادي فوقيتهم من الهلاك بنفسي وأنت ومن معك أحق بالهلاك ~~من ملكنا PageV01P445 # وأهل بلاده. فأمر به شمر فضربت عنقه، وأيقن شمر بالهلاك وقال لجنده: ~~توجهوا أينما أحببتم، وفرش له درع من حديد فظلل عليه بدرقة من حديد فذكر ~~عند ذلك قول قوم من المنجمين حكموا في ميلاده إنه يموت في بيت شقفه من حديد ~~وفراشه من حديد. وذهب جنده كل منهم لوجهه فهلك أكثرهم في تلك المفازة، ~~وتناشر من جنده ثلاثين ألفا فوقعوا في أرض فيها الشجر والماء والنخيل - وهي ~~بلاد التبت - فملكوها وتوطنوها، وبعدت عنهم أرض اليمن فسكنوا بها إلى ~~اليوم، فزيهم زي العرب وأخلاقهم أخلاق العرب، ولهم ملك منهم قائم بنفسه، ~~وهم معترفون بأنهم من عرب اليمن، وهم يحبون العرب حبا # شديدا - وسمعت يا معاوية في رواية أخرى أن شمر قفل إلى اليمن غانما سالما ~~حتى دخل اليمن وقرب من رثام، ثم هلك بينما الحديد من فوقه الحديد ومن تحته ~~الحديد من حر النهار على ما ذكروا لما أصابه من المرض ثم هلك. والله أعلم ~~أي ذلك كان! قال معاوية: فكم ملك شمر يرعش؟ قال عبيد: ملك مائة سنة وستين ~~سنة. ثم ملك بعده ابنه. ### | تبع الاقرن وهو ذو القرنين # المذكور في القرآن الكريم وسمي الأقرن وذا القرنين لشيب كان فيه وهو على ~~قرنيه - وكان ملكا عظيما عالما حكيما قد اطلع على علم الكتاب وسمع حكومات ~~من ينظر في القرآنات - ويقال إنه القائل: # أنا الملك المتوج ذو العطايا ... جلبت الخيل من أوطان سام # ويقال: إن ms091 أباه شمر الذي قالها. ويقال: بل الحارث الرائش قائلها، والله ~~اعلم. وغزا تبع الاقرن جميع أطراف الأرض، فعاد إلى بلاد الروم PageV01P446 # وأوغل فيها حتى قطعها، ووصف له أن بتلك الناحية واديا فيه الياقوت وإن ~~بالقرب منه عينا يسمى ماؤها ماء الحياة الذي ظفر به الخضر دون ذي القرنين ~~فلما بلغ إلى هذه الناحية أدرك الشتاء هناك، فمات فدفن هنالك، وكر أصحابه ~~راجعين خوف الهلاك في ذلك الموضع - وهو موضع الظلمات - ولا يكون مظلما إلا ~~إذا بعدت الشمس عنه في الشتاء إذا انتهت في الجهة اليمانية، وهو عند دخول ~~الشمس رأس الجدي تصير تلك الأيام ليلا لا نهار فيها، فهلك من قبل أن يدخل ~~في ذلك الوادي. فأرادت حمير أن تحمله إلى اليمن، ثم بدا لهم فقبروه هناك. ~~قال معاوية: فكم كان ملكه يا عبيد؟ وهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: يا أمير ~~المؤمنين ملك مائة سنة وثلاثا وخمسين سنة. فقال فيه التامر بن عمرو بن ~~الغوث بن ذي الادغار - وهو بن عمه - هذا الشعر. قال معاوية: فهات، فأنشأ ~~عبيد يقول: # أن تمس باللحد أبا مالك ... يسفى عليك المور بالحاصب # بدار بعد من وطا مغرب ... بذي ظلام حندس حارب # بين تراب الأرض في مهمة ... قرب مجازو إلى الكارب # فقد رزئنا وسطنا خيرنا ... الاقرن الميمون كالغاصب # يعطي جزيل المال لا ينثني ... فلا لعمري لهف من غائب # ويحمل الفرسان يوم الوغى ... إلى نجاح الموت كالثاقب # عليه أبكي ما اضا كوكب ... في مطلع الآفاق والغارب # ومطلع الشمس إذا أشرقت ... تصح في خلق لها سارب # فحمير الأخيار لا تسامي ... بفارس الأملاك والغالب PageV01P447 # قال معاوية: لله أبوك يا عبيد لتأتي بالعجب من حمير! ولقد جئت من ذلك ~~بشفاء واضح ودليل ناصح من أشعارهم! فإن الشعر ديوان العرب والحكم بينها! ~~قال معاوية: فمن ملك بعد الأقرن؟ قال: ملك ابنه تبع - وقد قال ابنه تبع بعد ~~انصرافه شعرا يتندم فيه على أن لا يكون حمل أباه حين مات إلى اليمن. قال ~~معاوية: وما ذلك الشعر يا عبيد؟ ms092 قال: قال تبع في ذلك هذا الشعر الذي يقول ~~فيه: # قد كان في رأيي وعزم أرومتي ... حمل الهمام إلى محل يماني # أعني ابن شمر حين ودع حميرا ... وابن الملوك وقاتل الفرسان # ذاك الغريب بدار بعد ليتني ... كنت المواسي حيث كان دهاني # ذهب الزمان به وخلف بعده ... أحياء حمير في ردى وهوان # لو كان عدم يوم حمل عاديا ... يلقى عليه الكتب غير هواني # يا لهف نفسي حين ولت حمير ... يوم الرحيل بترك خبر زماني # هلا أقمت لديه يوم أحشه ... تحت التراب فكان ذاك مكاني # قال معاوية: يا عبيد هذا التندم منه؟ قال عبيد: سمعت قبل الإسلام رجلا من # حمير يقول: إنهم حملوه حتى دفنوه في اليمن، ولو كان ذلك كذلك لم يقل فيه ~~ابنه ما قال. قال: لله أبوك يا عبيد، هذا التبع الذي كان - يقال له أبو كرب ~~- قال: لا يا أمير المؤمنين هذا جد ذلك. قال معاوية: وهل كان فيهم تبع غير ~~تبع واحد؟ قال: نعم. كانوا سبعة. ولكن تبع اسعد ملك، فاشتد سلطانه وطال ~~ملكه، فذهب باسم من كان قبله، ونسب إليه من كان منهم بعدهم. وسيأتيك علم ~~ذلك يا أمير المؤمنين في الحديث - إن شاء الله تعالى. PageV01P448 # قال معاوية: فخذ في حديثك يا عبيد. قال: فمكث تبع الرائد بن تبع الأقرن ~~بن شمر يرعش وهو تبع الأكبر - غزوه - وكان يقال له الرائد ثم أقام عشرين ~~سنة لا يغزو فانقضت عليه الترك والخزر. فلما بلغه ذلك أرسل إليهم فامتنعوا ~~منه وحبسوا الهدايا وقتلوا الرسل. فسار إليهم في الوجه الذي كان الرائش ~~يسلك إليهم فيه على جبل طئ حتى خرج على الأنبار، ثم مضى إليهم قدما فلقيهم ~~على الحد من أذربيجان والموصل وقد اجتمعوا ونظروا إلى رايته. فاصطفوا ~~للقتال، فاقتتلوا أياما، ثم إنه هزم الترك فقتل المقاتلة وسبى الذرية، ~~وأقام يخرب بلادهم، ثم رجع إلى بلاده بعد أن وطئهم وأذلهم. # قال معاوية: وما الترك وأذربيجان؟ قال عبيد: هما بلادهم يا أمير ~~المؤمنين. فنحوا مما يليهم ومما يتوجه عدوهم إليهم ms093 - وهي وجه المحاربة لهم ~~- قال معاوية: من أين علمت ذلك يا عبيد؟ وإنهم اقتتلوا هنالك؟ قال عبيد: يا ~~أمير المؤمنين أهمني ذلك فسألت عنه من وقع إلينا من هذه الأعاجم وغزوت أيضا ~~إلى ذلك الثغر، فسألت وفي السؤال شفاء من العي وبيان من العمى، وإذا تقادم ~~الشيء فلم في ذكره ذهب أصله وبطلت حقيقة أمره وماتت شواهده. # قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. وقد ~~قال في ذلك تبع الاقرن في مسيره: # منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى # وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس # تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت بالنفس # لم أدر ما يقضيه حكم غد ... ومضى بفصل قضائه أمس # وعلمت أني إن ظفرت بهمتي ... إلا لا غزو مطلع الشمس PageV01P449 # حرب تواعدني حلفت لأن ... عمرت أو بقيت لها نفسي # لأوجهن عمرا لمهلكهم ... ذا الحزم لا بالخامل النكس # حتى يبقر من بطون نسائهم ... ويذيقهم ما ذاق ذو الرمس # إني إذا هاج الملوك لحربنا ... هيجت أبطالا لذي دعس # قال: فلما رجع إلى اليمن أقام بها دهرا طويلا، وهابته الملوك من الأعاجم ~~وغيرها لما كان من وقعته بالترك، وأتته هدايا من قبل الهند من كتان وحرير ~~ومتاع الصين ومسك وما يكون في بلاد الصين. فقال للرسول الذي بلغ من بلاد ~~الهند: ويحك أكل ما أرى في بلادكم؟ فقال: أبيت اللعن أيها الملك نعم. قال: ~~ورغب الملك في غزو الصين. حتى إلى على غزو الصين قال: فتجهز لغزوها وسار ~~بجيوشه وقومه من أهل اليمن. فسار ساحلا حتى خرج على طريق جده الرائش - الذي ~~كان أخذه نحو المشرق - فلما انتهى إلى خراسان سار عن يمين مسير جده حتى أتى ~~الركائك وأصحاب القلانس السود ودخل الصين فغنمها وأكثر القتل والسبي فيها، ~~فكان مسيره ومقامه ورجوعه من غزوته تلك سبع سنين وعشرة أشهر، ثم رجع وخلف ~~بأرض الصين رجلا من خيار أصحابه - يقال له بأرض بن النبت - في اثني عشر ~~تالف فارس من خيار أصحابه ms094 وفرسانه رابطة مقيمين معه في البلد، ثم إلى تبع ~~أن لا يدع أرضا مما كانت آباؤه قد حوته من أرض الأعاجم وغيرهم إلا ودع فيها ~~رابطة وعسكرا من رجاله، وذلك حين رجع # من أرض الصين. # قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فهل يعرف من خلف بأرض الصين؟ PageV01P450 # قال عبيد: يا أمير المؤمنين هم البينون ترك وأرم، إذا سئلوا أخبروا أنهم ~~من العرب أصلهم، وإن لهم بيتا يعبدون فيه ربهم ويطوفون حوله سبع مرات ~~ويذبحون - وذلك في شهر من السنة - قال: فلما كثرت الأعداء بين بنيان ذلك ~~البيت - فكنا إذا فعلنا ذلك خرجنا إليه تعظيما له اعتزلنا دون - فلما رأى ~~ذلك أولونا جعلوا في بلادهم وموضعهم الذي يسكنونه بيتا مثل ذلك البيت، فنحن ~~اليوم نعظمه ونطوف حوله سبع مرات ونذبح له في شهر من السنة ويعظمه ثلاثة ~~أيام من جاء من الناس. # قال معاوية: يا عبيد وما علمك بذلك؟ قال: غزوت يا أمير المؤمنين أرض ~~الترك من هذه الناحية. قال: من أي؟ قال: من نحو الخرز - فإذا ناس منهم ~~علماء يدينون - فسألتهم عن أنفسهم ومن يليهم، فكان هذا ما ذكروا لي. قال ~~معاوية: لقد أخبرت بهذا الخبر عن ترك تبع ولا أدري أي التبابعة هو ترك ~~الصين قوما من اليمن؟ قال: هذا من تفسير ذلك الحديث. # قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال في ذلك ~~تبع الأكبر: # أنا تبع الأملاك من نسل حمير ... ملكنا عباد الله في الزمن الخالي # ملكناهم قهر أو سارت خيولنا ... لعمري غير نكس وأعزال # فجالت لدى شرق البلاد وغربها ... لهتك ستور نكثة ذات هوال # وعطل منها كل حصن ممنع ... ونقل عنها ما حوت ثم من مال # وتلك شروق الأرض فيها وطئتها ... إلى الصين والأتراك حالا على حال # فابنا جميعا بالسبايا وكلنا ... على كل محبوك من الخيل صهال # بكل فتاة لم تر الشمس وجهها ... أسيلة مجرى الدمع بيضاء مكسال PageV01P451 # صموت البرى غوثى الوشاح كأنها ... من الحسن بد زل عن غيم هطال # أتينا ms095 بها فوق الجمال حواسرا ... بلاد ملج باق عليها وخلخال # تركناهم عزلا تطيح نفوسهم ... بلا ساكن فيهم مقيم ولا وال # فما الناس إلا نحن لا ناس غيرنا ... وما الناس إن وعد القوي بأمثال # قال معاوية: فكم ملك يا عبيد؟ قال: مائة سنة وثلاث وستين سنة. قال ~~معاوية: فمن ملك بعده؟ قال: ملك بعده. ### | ملكي كرب بن أسعد بن تبع الأكبر # بعد أبيه - وكان رجلا ضعيفا لم يكن يغزو أحدا حتى مات ولم يبعث جيشا - ~~فأما أهل اليمن فيزعمون إنه كان يتحرج من الدماء. وأما أهل الرأي والمعرفة ~~والبصر بالأمور فإنهم يقولون: لم يكن ذلك منه إلا عن قلة الترجبة وقلة ~~الأنفة وصغر الهمة لأنه لم يحدث دعوة في ملكه، ولم يعبر عن دين ولا طريقة ~~أحد ممن قبله. قال معاوية: وما تغير حال الملك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين ~~لم يكن يغير من شيء يفعله آباؤه ولا أزال شيئا من جبروت الملك ولا أحدث ~~تواضعا ولا قربا من الناس ولا زال عن تجبره وعتوه وأشد أمره باليمن لا ~~يجاوز أرض اليمن إلى غيرها بلد عرب أو عجم. # قال معاوية: فكيف ملكهم يا عبيد وكيف استقام لهم أمرهم على تلك الحال؟ ~~قال عبيد: لأنهم أحبوا الدعة والسكون وكانوا قد ملوا الغزو والحروب وكثرة ~~المسير في البلدان. قال معاوية: فكم ملكهم على هذه الحال يا عبيد؟ قال: ~~ملكهم خمسا وثمانين سنة. قال معاوية: فمن ملك بعده؟ قال عبيد: ملك ابنه تبع ~~أسعد بن ملك يكرب وهو. ### | أسعد أبو كرب الأوسط # ويزعمون يا أمير المؤمنين إنه لما ملك أكثر الغزو في كل ناحية - وكان ~~رجلا مجربا منجما يعرف السعود من النحوس، ولا يخرج بقومه مخرجا PageV01P452 # حتى ينظر طوالعها، فيخرج بسعودها - وكان يغزو سنة ويقيم سنة. إذا قرب ~~المسير عليهم غزا وبعث، وإذا طال المسير في الغزو غزا بهم ثلاث سنين وقام ~~سنتين، وكان يكثر التوجيه لقواده، فإذا سار بنفسه لم يسر إلا في كل عشر ~~سنين. وإذا خرج لم يترك طريقا إلا سلكه ولا ms096 منهلا إلا ورده ولا بلدا إلى ~~وطئه وما وطئ أحد من آبائه وأجداده من البلدان إلا دخله وقصده ووطئه بنفسه ~~أو بعث إليه عسكره. قال معاوية: فهل قال تبع شعرا فيما ظهر منه يا عبيد؟ ~~قال: نعم يا أمير المؤمنين - قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه: # سيذكر قومي بعد موتي وقائعي ... وما فعلت قومي بقيس أفاعلا # وما دوخت أرض اليمامة بالقنا ... وما صبحت فيها تيميا ووائلا # فكم من ملوك قد قتلنا رجالهم ... وكم من نساء قد تركنا ثواكلا # وكم من أسير ظل في القيد ساقه ... يبيت يراعي غله والسلاسلا # سيذكر قومي نجدتي ومكارمي ... ويدخل باب العز من كان جاهلا # بنيت لهم مجدا مع النجم سمكه ... وصيرته للعالمين معاقلا # فحمير سادات الملوك وخيرها ... وهم من قديم الدهر سادوا القبائلا # فأسكنت أرض الشام منهم قبائلا ... وابتعت غسان الملوك الأفاضلا # وغسان حازوا بلدة الروم كلها ... وفي الصين صيرنا الملوك الاقاولا # ويوم لقينا العجم في أرض فارس ... لقت ضيغما من نسل قحطان باسلا # فدوخت أرض الفرس حتى تركتها ... يبابا مجوبا علوها والأسافلا # ودوخت أملاك العراق ولم أزل ... أحل بهم في كل عام زلازلا # يصبحهم في أول العام جيشنا ... فيمكث فيهم قابلا ثم قابلا # حشوت صخام الملك خيلي ورجلها ... وأجريت من بعد البحار المناهلا # ونلت بلاد السند والهند كلها ... وفي الصين صيرنا نقيبا وعاملا # ونلت بلاد المشرقين كليهما ... ونلت بلاد المغربين وبابلا PageV01P453 # ونحن أثرنا في سمرقند ضحوة ... جحيما لظاها يلفح الدور شاعلا # وجادت لنا في أصبهان سحابة ... بودق يزيغ المذهلات الحواملا # بكل قضيب حادث العهد صقله ... وسهم منير يفتق الدرع داخلا # وتسعين ألفا تحمل البيض والقنا ... دخلنا بهم قصرا درنحا وكابلا # سيوف حداد يضج الناس وقعها ... وتحكم في عدنان حقا وباطلا # ومروا كتبنا المسندين ببابها ... ليعرف عنا القيل من كان غافلا # ومثلي يلدن المحصنات مسودا ... مغيرا إلى الهيجاء للقوم قاتلا # وممسك عرف الخيل في حومة الوغى ... ترى البيض فيه والرماح الذوابلا # وبحرا عريضا للحراب ومعقلا ... وغيثا غزيرا ينبت الزرع عاجلا # ثلاثين بحرا قد غشينا ms097 بجيشنا ... فما رام سيفي ساعدي والأناملا # فلما قضيت الغل من كل بلدة ... توجهت أرضي أعمد الدار قافلا # فأمسيت في غمدان في خير محتد ... منيعا وصنعا من حذاها المآجلا # وريدان قصري في ظفار ومولدي ... بها أس جدي دورنا والمناهلا # على الجنة الخضراء من سهر يحصب ... ثمانون نهرا تدفق الماء سائلا # مآثرنا في الأرض تصديق قولنا ... إذا ما طلبنا شاهدا ودلائلا # وعلمي بملكي سوف يبلى جديده ... ويرجع ملكا كاسف للون ماحلا # وملك جميع الناس يبلى وملكنا ... على الناس باق ذكره ليس زائلا # قال عبيد: فلما فرغ تبع يا أمير المؤمنين عن أرض فارس وما يليها توجه إلى ~~الشام وذكر ما صنع بأرض معد وغيرها من البلاد، فقال في ذلك وأنشأ يقول: PageV01P454 # رب هم مؤرق بعد نوم ... غير ما باطل ولكن بجد # يا بني مازن فوارس معد ... سرني ما فعلتم في معد # إذ أثرتم مع العجاج عجاجا ... وانتضيتم لهم صفائح هند # أسروا ثلثهم وثلثا أبادوا ... ومضى ثلثهم بأتعس جد # منهم راعي المخاض ومنهم ... مالئ للحياض في كل ورد # وبعثنا إلى اليمامة خيلا ... فأتيناهم بحزم وجد # وصرفنا إلى كنانة جندا ... فتوافت إلى كنانة جندي # وتركنا تثقيف تنضح للجن ... د بقهر على هوان وكد # وجعلنا الخرج منزل قيس ... قد أقروا بالخرج من غير عهد # وجعلنا بني نزار هداة ... يرشدون الطريق في كل قصد # وجعلنا نصرا وأحلاف نصر ... خولا بين خادم ومؤدي # وطحنا قرى اليمامة بالخي ... ل زمانا نعيد فيهم ونبدي # وقسمنا بني خزيمة بالحند ... كل عبد لنا وابن عبد # ثم أحدثت بالمشقر أرضا ... وجنانا تحلها الناس بعدي # ثم أنزلت في عمان رجالا ... يستعدون من فوارس أزد # ثم سرنا إلى العراق بجمع ... ملأ الأرض بين غور ونجد # فترى الناس وسطها وعليها ... أسد غابات من كهول ومرد # يتردون باليمانية البيض ... تراها تجر في كل غمد # وبأيديهم مخاصر موف ... وعليهم مسرودة أي سرد # فثووا بالعراق حينا من الدهر ... يدوسونها على غير عهد # ثم دوخت أرض فارس طرا ... وقباذا وأرض هند وسند # ثم أنزلت حميرا جبل الصين ... فذاق الذليل ms098 عز الأشد PageV01P455 # وركضنا الجياد في عرض الرو ... م كفعل الكاشح المتعدي # فإذا الحرب أوقدت أسعروها ... بمساعير بما سناه أشد # ثم أنزلت حيث أنزلت لحما ... وجذاما وهم جناحي ورفدي # ثم أقبلت أقرب الشام قصدا ... برجال على ضوامر جرد # ثم وجهت نحو يثرب خيلا ... لنبيط بها يحلون بعدي # فصدمنا آطام يثرب بالخي ... ل العناجيج بالمقاول تردى # وتركنا بها من الأوس والخز ... رج حسبا من آل بأس ومجد # ثم أقفلت من بها من خيول ... نحو أرضي ونحو قومي وولدي # وإذا سرت رافقتني جبال ... ورجال هم جناحي وجدي # فجبالي إذا أحقت حديد ... ورجالي إذا تأخرت عندي # تقهر الناس والشعاع بخيل ... تحصد الناس في الوغى أي حمد # من سعى مثل سعي حمير سعيا ... من قبيل فقد آتانا بادي # قال معاوية: لله درك يا عبيد زد أنشدني غير هذا فقد أعطى من العز والقوة ~~والملك ما لم يعط أحد غيره. قال: نعم يا أمير المؤمنين قال تبع هذا الشعر ~~الذي يقول فيه: # إن قحطان قد بنى لي بيتا ... لا بطين بني ولا بعمود # ليس مثل الذي بنى الناس بالطين ... وكلس آخر مسرود # أريناه عند السماك نجادا ... رأسه مصعدا برأس السعود # ورسى أسه فلم يستطعه ... أحد رام نقبه بحديد # وكساه الجمال والعز والبهجة ... منه وحفه بالجنود # حفه الخيل والرجال عليها ... كل درع مسرد مسرود PageV01P456 # جعلتها قحطان حصنا ... ورثوا صنعهن من داؤد # جعلوه فوائدا لبناهم ... يعذبون الهياج للمستفيد # إن قومي هم الملوك بحق ... شهد الله وهو خير شهيد # إنني قد ملكت شرقا وغربا ... من قراها وحرب آل عمود # وأخذت العراق من آل مرو ... بسمرقند ثم قرى الاكرود # وجلبت الخيول للصين حتى ... غادرتها كمثل آل ثمود # وأقمنا بها ثلاثين عاما ... وهم بين مقعص وطريد # وأمير مصفد في وثاق ... قد برى ساقه بعض الحديد # وقعت خيلنا بأرض قباذ ... وقعة تستبين في الجلمود # وتركنا ما دون ذاك إلينا ... لم يعد والد على مولود # ومضى حكمنا على كل حي ... ليس حكمي في الناس بالمردود # ومن أسرنا منهم فخير أسير ... أو قتلنا منهم ms099 فخير فقيد # لو رأى جمعنا فذاك الناس جرا ... من أسير يسير سير البريد # وطوت خيلنا الأعادي طيا ... ببلاد أعيت بها بعد بيد # قد براها طول الاناخة والرك ... ض وحر الظهيرة الصيخود # تبع أفضل الملوك حسان ... ليس يوم الهياج بالرعيد # ملك يبرم الأمور معيد ... لم يل الناس رائس كمعيد # أخذ الحرب حين شب لظاها ... يوم هاجت نيرانها للوقود # لم يزل نورها على الزند حتى ... أمكنت من ذرائها المحسود # أيمن الناس طائر أو لقاء ... حين تلقى بالجحفل المشهود # ليس بالطائش الخفيف ولا ال ... واهن عند اللقا ولا المحدود PageV01P457 # حمير قومنا أقاموا بعزم ... حيث حلوا في المجد غير الزهيد # لو جرى الناس للمكارم يوما ... فضلوا كل سائد ومسود # يترعون الجفان شحما ولحما ... وهم مفزع كمثل الأسود # لو يعد الأحياء الأيام قومي ... لم يطيقوا الأيام بالتعديد # هل أقرت لنا البلاد بخرج ... خبرونا فليس حين جحود # أن تقولون لا فزيدوا نردكم ... فلنعم المزيد للمستزيد # ولدينا من الملوك ملوك ... كل ملك مملك صنديد # ولدتني مملكات كبلقيس ... وشمس ومن ليس جدودي # ملكتهم بلقيس سبعين عاما ... آل عز وآل بأس شديد # وبها جنتان أنشأهما الل ... ه ورزق من سدها المسدود # ما يبالي إلا يرى سيل غيث ... جاءها الماء من مكان بعيد # عرشها شرجع ثمانون باعا ... كللته بلؤلؤ وفريد # وبدر قد قيدوه مع اليا ... قوت والجزع أيما تقييد # فلو أن الخلود كان إلينا ... باحتيال وقوة وعديد # أو بملك لما ملكنا لكنا ... من جميع الآنام أهل الخلود # وقال تبع أيضا حين نزل غمدان يذكر آباءه الذين ملكوا قبله وحصونهم التي ~~كانوا ينزلون فيها باليمن. قال معاوية: أنشدني قوله. قال أنشأ يقول: # إلا أن قومي هم حمير ... هم الأصل والمفخر # هم شرفوا حتى انتهى ... فما نال بنيانهم معشر # هم إن هم فخروا برزوا ... لهم شامخ الفخر لا ينكر # أبي ملكي كرب الحميري ... وحمير قومي فما حمير PageV01P458 # لقد كنت فيما مضى لاهيا ... وديني من لهوي المنظر # أزور الغواني ويزورني ... واجتلب الكاعب المعصر # أدير بكفي رحى العالمين ... ويوم الهياج أنا المسعر # نمائي ذو ms100 ماور ذو الندى ... وخيل فهو جانبي الأيسر # وناشر جدي الذي قد بنى ... مكارمه وابنه شمر # ويعسب خالي الذي قد بنى ... وعلهان نهفان قد أذكر # فكان بها مر من بعدهم ... له الحسب الضخم والمعشر # وشمر ما زال خير الملوك ... إذا هو كوبر لا يكبر # وكان إذا السرح اليحصبي ... إذا استحضروه فقد يحضر # وكان معافر عند اللقاء ... يطول لعمري ولا يقصر # وكان صدوقا ولا ينثني ... إذا جنه الدرع والمغفر # وكان به بعد ذو نائل ... لمن طلب العرف لا يدبر # وقد كان يلهب نار الوقود ... للضيف والحرب قد يسعر # وشمر يرعش رأس الملوك ... إليه انتهى مجد من يفخر # وبار أن يهبر لما يكن ... جبان لدى الحرب بل يهبر # وذو المر على فلا تنسه ... وآباؤه فهم المنشر # وفرعان من بيت ذي أصبح ... وبلقيس كان لها منبر # بنو الأنس والجن دانوا لها ... ودان لها البر والأبحر # يذل الأنام لدى ملكنا ... وللجن والأنس قد يقهر # ومن ذي الملاحي لنا مفخر ... وشرف ذاك لنا يعفر PageV01P459 # ومن ذي سحيم وذي فائش ... لنا العدد الأول الأكبر # ومن ذي كلاع ومن ذي رعين ... لي الصلب والرأس والأبهر # ومن ذي رداع فقد كان لي ... لعمرك أصل به أظهر # ومن ذي معاهر بيت العلا ... بآباء صدق إذا عمروا # وقد كان كالسيف في النائبات ... إذا هو ضل فلا يقهر # وقد كان ذا الأمر لا يستقيم ... دعاء به الورد والمصدر # ظفرنا بمنزلنا من ظفار ... وما زال ساكنها يظفر # فكر إلى النقع يدعى له ... فهو بأبوابه أبصر # وما هكر من ديار الملوك ... بدار هوان ولا الاهجر # وبينون مبهمة بالحديد ... وأبوابها الساج والعرعر # وشهران قصر بناه الذي ... بناه ببينون قد يشهر # ومأرب قد نطقت بالرخام ... وفي يدها الذهب الأحمر # وغمدان حصن لنا مشرف ... مآجله حوله تنهر # وكان معسكرنا في أزال ... لنا عسكر دونه عسكر # وغيمان محفوفة بالكروم ... لها بهجة ولها منظر # بها كان يقبر آباؤنا ... وأجدادنا وبها نقبر # إذا ما مقابرنا كشفت ... فحشو مقابرنا العنبر # فإن يفن قومي مناياهم ... وماتوا جميعا فلا أخسر # فكل يموت كذاك ms101 العباد ... ولا بد من قدر يقدر # فلا الناس لو عمروا يخلدون ... ولا الموت من ربنا ينكر # قال معاوية: لله أبوك، لقد حدثتني عجبا! فاخبرني ما صنع تبع PageV01P460 # ما رجع من طول غزوته هذه ورجعته من ظلم الأرض ودوسه البلاد؟ قال عبيد: يا ~~أمير المؤمنين. إن تبعا لما رجح من غزوته تلك مر بالمدينة فخلف فيها ابنه ~~خالدا وترك في كل أرض رابطة من الأجناد، ثم أن أهل المدينة قتلوا ابنه ~~خالدا. فلما بلغ ذلك تبعا قال في ذلك شعرا. قال معاوية: وما قال يا عبيد؟ ~~قال: قال هذا الشعر الذي يقول فيه: # يا ذا المعاهر ما أراك ترود ... أقذى بعينك عارضا أم عود # منع الرقاد فما أغمض ساعة ... نبط بيثرب آمنون قعود # نبط أشاب الرأس مني فعلهم ... لابد أن طريقهم مقصود # لا تسقني بيديك إن لم نلقها ... جرحا كان أساسها مجرود # بسيوف حمير والأقاول وسطها ... والخيل تبدو تارة وتعود # يا ذا الكلاع كأنني مورود ... عن أمر حمير والدوي عنيد # ما بال يثرب غلقت أبوابها ... عني ومثلي للعداة صيود # ما بال يثرب لا يجبني ربها ... وسراة حمير بالسيوف ركود # فلا وقعن بآل يثرب وقعة ... حتى تلاقي حمير ويهود # النازلين حريم خزرج عنوة ... فلهم لدي سلاسل وقيود # أعددتها لهم فكلهم بها ... لو نزلت فحماهم مقصود # ولأهلكتهم كما قد أهلكت ... عاد بريح صرصر وثمود # قهرا كما دانت لنا آباؤهم ... ما صاح في طبق الصياح غريد # ولا تركن بلادهم وحماهم ... ولهم بذلك في البروز شهود # ولقد وليت على هوازن أشهرا ... أيضا فيسبى الوالد المولود # ولقد حطمت حصون فارس حطمة ... يوما أشاب لحربها الصنديد # أبناء فارس قد تركت عليهم ... حيم السباع صوادر وورود PageV01P461 # وتركت سابور الجنود كأنه ... غير الفلاة مشرد مطرود # ولقد ثغرت لقندهار ثعرة ... فهوى لذلك حصنها المعمود # وتركت أرض السغد ليس لجمعها ... ملك يهاب ولا قنا معدود # وتركت بلخا والحصون وكابلا ... تنعى عليهم طيرهم وترود # ولا خضبن سبالهم بدمائهم ... وليصلين معاطس وخدود # والهند والسند اصطليت بنارها ... وبحرها من بعد ذاك جمود # والصين لما ms102 إن أنخت بركبها ... تجبى لشمر ذي الندى وتعود # والروم قد شربت بكأس مرة ... مني وفرق جمعها المعدود # ولقد حويت الأرض من أطرافها ... حتى انتهيت وربنا محمود # نحن الملوك بنو الكرام وعندنا ... تسعون ألفا للطراد شهود # وأسير في عرض البلاد معمما ... بالملك والشرف القديم أقود # حشو الحرير لباسنا في أهلنا ... ولباسنا يوم الهياج حديد # من نسج داؤد النبي ونسجنا ... نسج يشد قتيرها المسرود # نصلي الحروب بكل أبيض صارم ... ما فيهم عند اللقاء خمود # والضاربون الكبش في يوم الوغى ... ورماحنا يوم للقاء بنود # وسيوفنا يقطعن كل خصية ... من صنع يرعش صنعهن حديد # نهب القيان مع الجياد سجية ... كرما وليس لفعلنا موعود # محقوفة أعنابنا بنخيلنا ... للضيف أما يأمنا موجود # لو كان يرعش خالدا في ملكه ... خلدوا وأسعد ذو الندى وسعيد # أو كان حيا خالد في ملكه ... وجذيمة الوضاح والمسعود # من ذا الذي ورث البلاد ولم يمت ... أم هل لحي في الحياة خلود # إني لأعلم في الموطن أنني ... يوما سأهلك والحياة تبيد PageV01P462 # ولقد علمت لئن هلكت وأوحشت ... مني البلاد لأهلكن فقيد # ولتبكين علي كل قرينة ... كانت تضن بدمعها فتجود # يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... للملك تأخذه وأنت جؤود # فإذا ملكنا الملك فاعلم إنه ... حرب فكيف إذا اصطليت تذود # إني وعمرا يوم أطلب نفسه ... غزوا لأحد ملكة تحميد # فاعلم بأنك ميت ومحاسب ... يوما فينجو متق وسعيد # اسمح لقومك بالكرامة أنهم ... أهل لذلك والكريم يسود # قحطان جدي لن يلاقي مثله ... ما عاش ذو روح وأورق عود # قال: ثم أن تبعا سار إلى المدينة ثائرا في ابنه، فلما قرب المدينة نزل ~~على بضر - فسميت بئر الملك - حين نزل عليها فالتقاه مالك بت العجلان ~~الخزرجي فقال له: أيها الملك إن اليهود قد استولوا علينا وبيننا وبينهم حرب ~~فانصرنا عليهم فإنما نحن منك ولك. قال: وكيف أنصركم عليهم وأنتم قتلتم ابني ~~خالد؟ قال: أفسدت أمه بينه وبين امرأته، ثم احتالت له فقتلته. قال تبع: ~~ولعبت الحبة بالكبة أو لعبت الكبة بالطبة فذهبت مثلا - ثم انصرف مالك بن ~~العجلان ms103 إلى أهله فقال لأمه: إن أبا كرب قد وعدني بالنصرة. فقالت أمه: ليت ~~حظنا من أبي كرب أن يسد خيره خبله - فذهبت مثلا - ثم أن تبعا بعث إلى ~~ثلاثمائة من اليهود وثلاثين رجلا فضرب أعناقهم وهم بخراب المدينة فقام إليه ~~رجل من اليهود - يقال له كعب بن PageV01P463 # عمرو - وقد أتى عليه من عمره مائتان وستون سنة فقال له: أيها الملك لا ~~تقبل على الغضب وأمرك أعظم أن يطير بك النزق أو يمسك في قلبك إلحاح وتنزع ~~إلى ما لا يجعل بك، وانك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم ذلك؟ قال: ~~لأنها مهاجر نبي من هذه البنية - يعني مكة - وهو من ولد إسماعيل بن إبراهيم ~~- خليل الله - قال تبع: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعد زمانك بدهر طويل. فلما سمع ~~كلامه سكن وكف عن خرابها. # قال معاوية: لقد بلغني يا عبيد أن اليهود كانوا بها ما كان للخزرج معهم ~~فيها أمر، حتى أن الرجل يتزوج المرأة، فلما يصلها حتى يبدأ بها رجل من ~~اليهود، وكانوا غلبوهم على أمرهم. قال: معاذ الله يا أمير المؤمنين لقد ~~بلغك ما لم يكن، ولقد كانت اليهود بها أذلاء، فكانت الأوس والخزرج أمنع من ~~ذلك وأشد، ولقد أخرجتهم الأوس والخزرج من المدينة حتى سكنوا خيبر، وما كانت ~~امرأة من الخزرج يقدر # عليها رجل من اليهود أبدا! قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: ~~نعم يا أمير المؤمنين قد قال فيه السموآل بن عاديا الغساني - قال أن رجلا ~~من اليهود عاب اليهود في صنعتهم - فأنشأ وهو يقول في ذلك: # عبت اليهود ودينها لك نافع ... أيضا يفوز به الحساب المؤنق # دين ابن عمران ويوشع بعده ... موسى وهارون النبي الموثق # قال معاوية: دع هذا وخذ في حديثك الأول. قال: نعم يا أمير المؤمنين. لما ~~قضى تبع لبانته من يثرب، توجه إلى مكة يريد خرابها فآتاه رجلان من أحبار ~~اليهود لهما علم وعندهما معرفة، فأخبراه بأشياء وعلامات فعجب لهما وأدناهما ~~وقربهما إليه، وقد كان آتاه رجلان من ms104 هذيل في نفر PageV01P464 # من قومهما، فقالوا له: أيها الملك أن هذا البيت الذي تعظمه الناس وتزوره ~~العرب فيه أموال كثيرة وكنوز من الذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر والدر ~~والياقوت ما لا يحصيه أحد ولا يعده، وكانت جرهم تجمعه، وأنت أيها الملك أحق ~~بها مع أن نرى هدمه ونقل حجارته إلى اليمن، فيكون في دار الملك وحيث الريف ~~والخصب فتعظمكم لذلك العرب إلى آخر الدهر يكون مكرمة لك ولآبائك ولقومك ~~ويكون لولدك الطول عليهم بوضعك إياه هنالك. فلما سمع تبع مشورتهم وكلامهم ~~هم بذلك فأخذته الحمى - وكان لا يعرفها، فكانت لا تقره على الأرض - فلما ~~أحس تبع ذلك دعا الحبرين فقال لهما: ما هذا الذي بي؟ قال: هذا شيء سلطه ~~عليك رب هذا البيت. قال: ففزع من ذلك، ثم مضى حتى نزل لرؤيته. ثم عاد فأصبح ~~في الوضع الذي ارتحل منه وأصبح فيه وجع أشد ما أصاب مخلوق. فلما أحس ذلك ~~دعا الحبرين فقال لهما: ما الذي تريان أن أصنع؟ قالا له: أيها الملك إنا قد ~~سمعنا هذين الهذليين وما أشارا عليك به في هذا البيتين وإن الذي تجد في ~~جسدك من الألم حين هممت بقولهم وأجبتهم إلى ما أشار عليك به، فإن أحببت ~~العافية فكف عن هدم البيت وانو له # خيرا، فإنك لا تطيق مبارزة رب العالمين وحدث نفسك بإكرامه وإعظامه. قال: ~~ثم سار حتى قرب إلى الحرم فأصابتهم ريح كادت أن تهلكهم جميعا، ثم دعا ~~بالحبرين فقال: ما هذا؟ فقالا: له سرت إلى حرم الله تهم بهدم بيت الله ~~لتهلكن نفسك. ثم لا يرجع ممن ترى معك عين تطرف وما أراد الهذليون إلا هلاكك ~~وهلاك من معك. قال: فأمر تبع بالهذليين فضرب أعناقهما فقال تبع للحبرين: ~~إني أريد أن أدخل البيت وما أصنع إذا دخلته؟ قالا له: إن أردت أن تدخله ~~فاسلم لربه واحرم وأنحر له فإنه يؤذن لك في دخوله، فسار تبع حتى دخل PageV01P465 # مكة فأسلم وأحرم وطاف بالبيت وحلق ووقف المواقف كلها ونحر البدن وأطعم ~~الناس وكسا البيت ms105 الملاء المعصب والخبرات، وأقام بمكة سبعة أيام. فلما أراد ~~الانصراف إلى اليمن أراد أن يحمل الحجر الأسود إلى اليمن فنهاه الحبران عن ~~ذلك، فتركه وانصرف إلى اليمن. # قال معاوية: يا عبيد فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال ~~فيه رجل من قريش. قال معاوية: وما قال من الشعر؟ قال عبيد: قال هذه ~~الأبيات: # لعمري لنعم المرء حل لديكم ... له المجد والأنعام والعز تبع # آتانا كريم ما جد ذو حفيظة ... أغر كريم الوالدين سميدع # فلم تخش منه إذ أتى البيت زائرا ... ولكنه سمح الخليقة أروع # طلبنا إليه أن يقيم بأرضنا ... لنا الركن إنا حين يؤخذ نجزع # فقال نعم نعمي وأنتم ولاته ... وليس له عن حرها الدهر منزع # مضى رأيه في قومه غير واهن ... فمنه جدود مجدها ليس يدفع # قال معاوية: فأنشدني يا عبيد الشعر الذي قال تبع في قتل ابنه خالد قال: ~~نعم يا أمير المؤمنين. قال هذا الشعر: # ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت اماقيها بسم الأسود # أرقا لما فعل اليهود بيثرب ... فلبثت في غمدان كالمتلبد # وحلفت عهدا تبلغن نخيلهم ... زبر الحديد عشية أو من غد # فجعلت عرصة منزلي في روضة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد # وهنا يثرب روحنا وصدورنا ... تغلي جلائلها بحرب محصد # ولقد ندبت إليهم فأجابني ... من في الحصون إلى مدينة أحمد PageV01P466 # غر كرام لم يدنس عرضهم ... نسب النبيط ولا العلوج الاعبد # ولقد تركنا لابها وسباخها ... كقراقر نبتت بقاع أصلد # ثم انصرفت أريد مكة عامدا ... لخرابها لا كالذي لم أعمد # لما آتاني من هذيل أعبد ... يتنصحون فرمت أمرا لأعبد # قالوا بمكة كنز قوم دائر ... وجواهر من لؤلؤ وزبرجد # بيتا يطاف به وينحر حوله ... بدن لدى حجر وركن أسود # فأردت أمرا حال ربي دونه ... والله يدفع عن خراب المسجد # فرددت ما أملت فيه عليهم ... وتركتهم مثلا لأهل المشهد # ما كنت أحسب أن بيتا طيبا ... لله في بطحاء مكة يعبد # حتى آتاني من قريظة عالم ... حبر له اليهود وتقتدي # قالوا ازدجر عن قرية محجوبة ... لنبي ms106 مكة من قريش مهتدي # فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتها لعقاب يوم سرمد # أعفيتهم لله أرجو عفوه ... ولحفظ ما بيني وبين محمد # فكسوته الريط اليماني رغبة ... وطراز عصب المحكم المتجرد # وجعلت اقليدا لجانب بابه ... وجعلت بابيه صفيح العسجد # أرجو بذلك عند ربي زلفة ... وحذار حر من جحيم موقد # وتركت من قومي بمكة أسرة ... وبيثرب منهم كرام المحتد # قوم يكون النصر في أعقابهم ... وبقية ممن ينبت ويهتدي # فتركتهم أقيالها وملوكها ... وعطفت نحو المستراد ومولدي # من بعد ما دخلت البلاد وجبتها ... وعركتها عرك الاهاب الاجرد # ولقد طحنت الأرض ثم وطئتها ... يجدون قصة أمرنا في المسند # قد كان ذو القرنين خالي مسلما ... طاف البلاد من المكان الابعد PageV01P467 # بلغ المشارق والمغارب بيتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد # فرأى مغار الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد # وبنى على ياجوج حين آتاهم ... رد ما بناه بالحديد المحفد # رد ما بناه إذ بناه مخلدا ... أنشأه دهر للزمان السرمد # ولقد بنت لي عمتي في مأرب ... عرشا على كرسي ملك متلد # فثوت به تسعين عاما قد حوت ... أرض الحجاز إلى مفازه صيهد # يغدو عليها ألف ألف كلهم ... خدم لها يتعاقبون من الغد # عمرت به أزمانها في ملكها ... مقبوضة إذ حان أمر الهدهد # فرأت سبيل الرشد حين تبصرت ... نبأ آتاها قبل يوم الموعد # نزلت عن الملك العظيم لربها ... قبل المذلة أن يقال لها ردى # نحن الملوك فما يرام لهضمنا ... تسمو مقاولنا بنصر مؤيد # قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فهل قال تبع في رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم شعرا حين ذكر له الحبران أمره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: - ~~وهو يذكر خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الشعر، الذي يقول فيه: # شهدت على أحمد إنه ... رسول من الله باري النسم # له أمة سميت في الزبور ... فأمة أحمد خير الأمم # فلو مد دهري إلى دهره ... لكنت وزيرا له وابن عم # وكنت ظهيرا على المشركين ... أسقيهم كاس حرب وهم # إذا ما صناديدهم كذبوا ... أغشيهم ms107 كل صفر هضم # واجعل نفسي له جنة ... وأفرج عن صدره كل غم # ومن نسل قومي له ناصر ... فيؤوونه ثم لا يهتضم PageV01P468 # فويح قريش إذا جاءهم ... وجاش بهم بحرهم ثم طم # نبيهم خير أسلافهم ... يوالي ذوي الدين دون الرحم # نبيهم خاتم الأنبياء ... ولم يعط زرعا وحمر النعم # نبي وجدناه في كتبنا ... به يهتدي وبه يعتصم # يسود الأنام ببرهانه ... وبالرغم يسي ذراري العجم # ومنا قبائل يؤوونه ... إذا حل في الحل بعد الحرم # ويمنعه حد أسيافنا ... ووقع الرماح كوقع الرهم # رجال يقومون من دونه ... ويوفون بالعهد له والذمم # ملكنا الأنام فدانوا لنا ... أذل من النعل تحت القدم # ودانت لنا السند في أرضها ... ودانت لنا الهند بعد الوهم # سموا وسمونا لهم إذ سموا ... وفاضوا وفضنا عليهم بجم # بأبناء قحطان من حمير ... بهاليل أسد طوال اللمم # أبحنا البلاد بأسيافنا ... وبالسمهرية تلظى بسم # وكل جواد من الصافنات ... على ظهره بطسل مستلم # فكم من قبيل سلبناهم ... فأمست بهائمهم تقتسم # من العسجدي وكنز اللجين ... وبز الحرير وبيض الحرم # وسوف إذا غشيتنا البلاد ... يلي الملك بعدي رجال قدم # قال معاوية: يا عبيد فهل قال تبع في الهذليين، حيث كان منهما ما كان حين # عاقبهم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال فيهم هذا الشعر الذي يقول فيه: PageV01P469 # قد أتتني عصابة من هذيل ... آل لؤم ومن قبيل لئام # زعموا أن بيت مكة بيت ... قد بنوه على كنوز عظام # فهممنا بقلعه فأبى الله ... إذ هممنا بقلع بيت حرام # يأمن الناس إن سألت وفيه ... تأمن الطير في وكور الحمام # قال لي الحبر لا ترومن هذا ... ذاك مما يروم أولاد حام # ثم يأتيهم من الله طير ... فترض الرؤوس رض العظام # فرددت الذي أردت على القو ... م بقطع الأكف والأقدام # ثم صلبتهم بصعر نكالا ... مثبت قد زبرت في الأحكام # يحمد الله تبع إذ وقاه ... في ممر الشهور والأعوام # وأراه في كل وجه ... إذ عراه ورده بسلام # ثم أصفناه إنه البس البيت ... الذي أسسه الخليل المحامي # ذاك بيت مطهر لقريش ... أوثروا بالنبي خير الأنام # بنبي يجئ ms108 بعد زمان ... يمنع الناس خدمة الأصنام # قال ذاك الأحبار أن قريشا ... سوف تأتي بأفضل الإسلام # تجدون اسم أحمد في كتا ... ب الله حقا محرما للحرام # ومحلا لما طيب الله ... تروكا للآصر والآثام # لو قضى الله ربنا إن أراه ... كنت منه بمنزل الإبهام # ولظاهرته على كل من رام ... سفاها له يكل مرام # ولذاك النبي منا حماة ... من يرامي عن دينه ويحامي # معشرا وتروا بأحمد قدما ... ببلاد النخيل والآطام # ينصبون الحروب للناس نصبا ... برماح وكل عضب حسام # كلهم ناصر ومن نصر الح ... ق أضاءت له فجاج الظلام PageV01P470 # قال معاوية: لله أبوك يا عبيد حدثني عجبا! فأنشدني الشعر الذي قاله تبع ~~في كسوة البيت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال هذا الشعر، وأنشأ يقول: # جددي الحيل لا تربى الوليدا ... وصليني ولا تخوني العهودا # أن تجدي وصلنا أم عمرو ... ويكفي المتيم المعمودا # فصليني تواصلي أريحيا ... أكرم الناس حين أنسب عودا # لست بالفاحش القطيع وليست ... شيمتي أن أكون باغ حسودا # الصق الخدن ذا الصفاء بودي ... وأرمي العدو حتى يقيدا # وسلي عن مسيرنا إذ غزونا ... كيقباذ والترك والاكرودا # يوم لا تعرف التجارة فينا ... ولنا الملك أن نقود الجنودا # ورث الملك تبع وبنوه ... ورثه عن الحدود جدودا # وسلى عن مسيرنا من ظفار ... بجموع نؤم غورا بعيدا # بجياد جنبتها بسمرقند ... عرايا قب الأياطل قودا # وعلينا سوابغ محكمات ... قد ورثنا أمامها داودا # كل فضفاضة دلاص تثني ... أيهم القين قدرها المرودا # وسيوف قواطع قد جلاها ... صانع كان قبل ذاك مجيدا # وارتدينا بكل عضب حسام ... أحكم القين صنعه تجريدا # ومعي للقاء تسعون ألفا ... قوم حرب مسر بلون الحديدا # وجعلنا للخيل خيلا وللرج ... ل رجالا وللقرود قرودا # وجعلنا على المجنبة اليس ... رى صبورا على اللقاء شديدا # حسن الدين والتحرف والجي ... لة لا طائشا ولا رعديدا PageV01P471 # قد غشينا بخيلنا أرض مرو ... وقتلنا اليهود قتلا عنيدا # وزبرجا وقندهارا وميا ... ركدت فيهم السيوف ركودا # وهزمنا جموع روم وترك ... ومن السند عفرنا الحدودا # وإلى الصين سرت حولا جديدا ... أقتل الكهل ثم أسبي الوليدا # واستبحنا جميع ملك ms109 قباذ ... وجبيناه صاغرا مصفودا # وتركنا جبال كرمان مما ... دعستها الجياد سهلا صعيدا # وقتلنا رجال فارس طرا ... ثم كنا عند اللقاء أسودا # ثم بهران والهرمزان قتلنا ... قم ولى النصيب منا طريدا # ثم من حمير أثرت وتيم ... ثم من يثرب قتلنا اليهودا # فسبينا نساءه وبنيه ... والذي قد حوى فأمسى وحيدا # ثم أخربت بالمشقر أرضا ... وآتاني بها النبيط وفودا # واستبحنا البلاد من كل فج ... وملكنا العباد ملكا حميدا # جبيت نحونا البلاد يصغر ... لم يكن غزونا البلاد وحيدا # وأمرنا الملوك حتى استذلوا ... فترى حولنا الملوك همودا # ثم دسنا بالخيل أرض معد ... وجعلنا لها معدا عتيدا # وتميم عليهم وهس الرم ... ل وتهدي إلى جيوشي القيودا # وبني تغلب جعلت وبكرا ... لبناء المنار طينا وشيدا # وهذيل جعلت للبري والري ... ش وكانوا أقل حي عديدا # وثقيفا لدبغ أسقية الجي ... ش وصنع الحبال فتلا قعودا # ثم ابنا نؤم قصدا سهيلا ... ورقمنا لواءنا المعقودا # وكسونا البيت الذي حرم الله ... ملاء مصعبا وبرودا # ثم طفنا لديه عشرا وعشرا ... وخررنا عند المقام سجودا PageV01P472 # وأقمنا به من الشهر سبعا ... وجعلنا لبابه اقليدا # وأمرنا بأسرة الجرهم ... ين ونواخرهم بحافتيه شهودا # وأمرنا إلى بريق مساوكنا حين ... لونا ولا دما مفصودا # ونحرنا بالشعب تسعين ألفا ... فترى الطير نحوهن ورودا # وصفا ملكنا لنا غير أني ... لست أرجو مع الفناء خلودا # كل ملك يفنى سوى ملك ربي ... فله ملكنا حميدا مجيدا # خلق الخلق فاجرا وتقيا ... وشقيا بسعيه وسعيدا # قاهرا قادرا يميت ويحيي ... خلق الخلق مبديا ومعيدا # حمير أكرم الأنام وقدما ... سادة الماس حقنا أن نسود # قال معاوية: يا عبيد أنشد شعرا غيره. قال: نعم يا أمير المؤمنين أنشأ تبع ~~يمدح قومه ويقول: # أيها الناس لست أعرف قوما ... مثل قومي في سالف الأزمان # نحن كنا إلى المآثر والمج ... د ورثنا العلاء من قحطان # لم تزل حمير لها الفضل في النا ... س عطاء من واهب منان # فهم سادة الملوك وكل النا ... س عبد لنا بسوق هوان # لم نزل نملك البلاد بقهر ... وندوس البلاد بالفرسان # يوم قدنا الخيول نحو معد ... من ms110 ظفار فجانبي غيمان # وأثرنا الجيوش لنا بحقل أزال ... كشيبه الجراد أو دخان # مائتا ألف فارس كل ألف ... في لواء مشهر الألوان PageV01P473 # معهم مثلهم رجال مصا ... ليت ليوث يمشون في البلدان # ثم قدمتهم سوى الألف ألفا ... كلهم ماهر بعطف عنان # يسمع السامعون للأرض منهم ... هدة لا تزال في رجفان # يتركون الفضاء ضيقا بما فيه ... وما دونه من الغيطان # ساقهم من بلادهم لبلاد ... غيرها أسعد أبو حسان # ملك يبرم الأمور بحزم ... غير زميلة ولا متواني # لم يزل يقدم الجيوش بخيل ... وعليها عديدهم للطعان # كل قيل مملك حميري ... ليس بالمنثنى ولا بالجبان # يشرع الرمح في نحور الأعادي ... ويروي القناة بعد السنان # ويشق الصفوف في حومة المو ... ت إلى الموت والرماح دواني # فوطئنا ما بين يثرب والشا ... م بكلب والجمع من غسان # وسددنا ثغر الحجاز بازد ... الصقوا بالحجاز كل هوان # وورثنا عمان قدما بازد ... غير هذا فتلك أزد عمان # ثم وجهت ذارعين بجيش ... من قرى دامغ وأرض الهان # ثم سرحت ذا الكلاع بخيل ... ورجال كالليل من همدان # ثم قدمت ذا معاهر في الآس ... رة من مذحج ومن خولان # ثم أردفتهم بيحصب طرا ... أو بذي فائش وذي بلجان # ثم تبعتهم وسار لوائي ... لست أبغي سوى بني عدنان # فرموهم بجحفل ذي زهاء ... طحنوهم بكلكل وجران # تركوهم مع الضباع يلوذو ... ن من الخيل ثم بالكثبان # فقضيت الأوطار ممن يلينا ... من تميم والحي من عيلان # وأقمنا على ربيعة يوما ... تذهل المرضعات عن ولدان # ثم سرنا إلى اليمامة قد ضا ... ق بنا كل غائط ومكان PageV01P474 # فقتلنا بها جديسا وطمسا ... وقصدنا بالمنبت الخيزران # فأبرنا أهل المشقر قسرا ... ثم رمنا زريحا مع ساسان # وعركنا العراق عركا شديدا ... فمحل الأولى من كرمان # ودخلنا بخيلنا جبل البل ... خ إلى نحو شاطئ الخورجان # فقتلنا ملوكهم واضطمينا ... بعد ذا بالحديد في الهرمزان # ثم أخربت بعد ذاك سمرقند ... ثم من بعدها قرى أصبهان # ثم حدثت أن بالصين ملكا ... وكنوزا من خالص العقيام # وجبالا من اللجين عتيقا ... ثم درا وعسجد المرجان # فتوخيتها بعمروة أخي الي ... أس صبور ms111 اللقاء غير جبان # فدعست البلاد بالخيل حينا ... ثم وجهتها إلى خيزران # فالتقينا العبيد بالخرج والما ... ل فأبعدتها بحي يماني # وشفينا الصدور ثم قفلنا ... بعد أثرنا البلاد بعد زمان # فطحنا يهود خبير حتى ... أصبحوا مثل دارس العلوان # ثم سرنا نؤم مكة بالخي ... ل لنختار عالي البنيان # فأبى الله فعل ذاك فطفنا ... بسبوع العتيق ذي الأركان # وكسوناه خير ما كان يكسى ... وحمينا له من الأوثان # وحبونا سكانه بعطاء ... وكتبنا لهم كتاب أمان # وقضينا الذي أردنا وابنا ... وقصدنا نؤم نحو دلان # وحمدنا الله الذي أحيانا ... ووقانا فوادح الحدثان # لم تطب مهجتي ولم أراني ... نمت حتى اتكأت في غمدان PageV01P475 # وفراشي على الأرائك خز ... ودمقس يعل بالأرجوان # وشربت الرحيق صرفا بمسك ... صافي اللون مترعا في الدنان # قال معاوية: لله أبوك يا عبيد، لقد حدثني عن حمير بالعجب ولقد كانوا في ~~رفاهة عيش من دنياهم وأموال قد اوتوها! فاخبرني ما صنع تبع بعد هذا؟ قال ~~عبيد: يا أمير المؤمنين: كان تبع إذا أراد أن يخرج في الغزو أو في سفر دعا ~~أهل النجوم # وأصحاب العلم والمعرفة فسألهم عن علمهم فيأخذ برأيهم فإذا أمروه أن يسير ~~سار. فكان هو أيضا يعرف النجوم. قال معاوية: يا عبيد فأنشدني ما قال في ~~النجوم. قال: يا أمير المؤمنين قال هذه القصيدة: # اضمحل الطلول من دار نحفا ... فرسوم الديار مثل السطور # أقفرت بعد عامر وأنيس ... من مهاة ومن غزال غرير # ناضر العيش في عمارة ملك ... ونعيم وبهجة وسرور # طال ليلي لما تذكرت نحفا ... ودعاني الهوى نحو المسير # فتململت في الفراش وأجمع ... ت مسيرا المصلتين صقور # برجال إذا هم ركبوا الخي ... ل وساروا في الجحفل الجمهور # تتهادى كأسد غاب عليها ... كل درع مسرد مشهور # قلت لليلة التي طال فيها ... أرقي في قرى ظفار أنيري # فكمشت الجموع كمشا رحيبا ... وارتحلنا بصمة الاحمور # ثم سرنا مسير صدق نؤم الج ... دي في سيرنا بيمن المسير # ثم بالدبر إن دارت رحانا ... بالصناديد كالرحا المستدير # ثم بالهقعة التقينا فكانت ... ليلة كرها لكل مغير # ثم الهنعة ارتحلنا جميعا ms112 ... وقتلنا الوزير بعد الأمير # ثم سرنا وبالذراع نزلنا ... وظللنا بنعمة وحبور PageV01P476 # ثم بالنثر شط مني نوى البع ... د فأغنيت كل بائس وفقير # ثم بالطرف احتملنا وكنا ... آل ملك وثروة ونفير # ثم بالنطح لم نزل ننطح النا ... س بقرن مذلق مطرور # ثم بالدبران خربت أرضا ... من وعيدي وزجرتي ونقيري # ثم بالصرفة ارتفعنا فكنا ... جبهة الرأس فوق عين النظير # ثم بالعواء للأعادي نزلنا ... بقضاء الواحد الكبير القدير # ثم سرنا مع السماك علينا ... كل فضفاضة كماء الغدير # ثم بالغفر سرت بالخيل قدما ... بكماة وكل قرم جسور # ثم بالكوكب الزباني معد ... أزمعت بالعواء بعد الهرير # ثم صبحنا بالإكليل كل عدو ... واجتلينا مخيبات الخدور # ثم بالقلب قلبت هام قوم ... بسيوف مذلقات ذكور # صم سرنا وبالنعام نزلنا ... يوم رهج وصولة وهدير # ثم بالبلدة اعترضت الأعادي ... بجموع وكان ذاك سروري # وبسعد ذبحت أبناء سعد ... ووضعت المدى بها في النحور # وبسعد السعود أسعد جدي ... فاستوى الملك واستقام سريري # وبسعد اصطلمت كل عدو ... ووأدت الأحياء أهل القبور # وبسعد الاخباء أخبيت أرضا ... بعد نهب وقتل قوم كثير # ثم بالفرع مقدم الدلو حولي ... كل قرم متوج محبور # ثم بالفرغ آخر الدلو صرنا ... بعد إيغالنا بخير المصير # ثم بالحوت قد حويت الأعادي ... بالعناجيج والسيوف الذكور # ثم بالسرطان صاحت معد ... من جموعي إلى العلي الكبير # ووطئنا بالبطن أرض معد ... بالعناجيج نعتلي بالزعور # ورجعنا إلى الثريا فسرنا ... يوم نقع وظلمة ديجور PageV01P477 # اجعل الفرقدين والجدي يمنى ... حيث دارت بنا نعش ندور # لا أبالي النسرين حيث استقلا ... وسهيلا إذا أجد مسيري # ثم أممت زهرة الردف قصدا ... لمقامي ونعمتي وحبوري # إنما طيرة النجوم لغيري ... ولنا يمنها بلا تطيير # وفعلنا فعالنا إذ فعلنا ... واستبنا الأمور بعد الأمور # ثم نادوا أن اركبوا فركبنا ... كل شقراء زينة في الهجير # فإذا البأس راح عنا فانا ... آل ملك ونعمة وحبور # وقيان يرفلن في مخمل الخز ... وطورا مظهرات الحرير # فانظري في فعالنا أم عمرو ... ليس هذا والأعمى مثل البصير # هل ثنيت البلاد من بعد طي ... وطويت البلاد صي الحرير # وانظري في البلاد هل ms113 مثل ملكي ... وسلي الناس عن نعالي وسيري # خبري عن فعالنا أم عمرو ... تجدي علم ذاك عند الخبير # تعلمي أننا عصارة ملك ... حبذا طيب عودنا المعصور # نفرغ اللحم للضيوف وشحما ... في جفان سرية وقدور # ليس مثل الذي تعلل بالحنظل ... من جوعه واكل الفطير # اصيحيني وعلليني براح ... أم عمرو فلست بالمجبور # يفزع الخلق ثم يرعد مني ... وأنا الغيث في البلاد المطير # قد كتبنا مساندا في ظفار ... وكتبنا أيامنا في الزبور # وذكرت الذي يكون لحيني ... أن ملكي للباقي المنصور # قال معاوية: فهل قال تبع الأوسط في شعره شيئا يذكر فيه ما وطئ من ~~البلدان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: تبع ملكي كرب يذكر PageV01P478 # مسيره وما وطئه من البلدان، وأنشأ يقول: # أم عمرو فعجلي لي بزاد ... قد بدا لي من الحوادث بادي # أيها الناس رأينا رأي حق ... ومن الرأي سيرنا في البلاد # بالعوالي وبالعناجيج نمشي ... بالبطاريق مشية القواد # وبجيش عرمرم حميري ... جحفل يستجيب صوت المنادي # شهر البلق جانبيه ويزهو ... من ذراها إلينا مثل السوادي # ألف الف كمثل ذاك وخلفي ... موكب فاعلمي شديد المقاد # وإذا سرت سارت الشمس خلفي ... ومعي في الجبال في كل واد # ومعي حمير وحمير قومي ... آل مجد ونجدة وجلاد # لا يرون العدو إلا فسادا ... وكراما ليسوا بأهل فساد # فطويت البلاد طية برد ... وثنيت القفار ثني الوساد # وملكنا ما بين أبين والرس ... وزادت به الجيوش مزاد # ليس للناس في المكارم حظ ... غيرنا إننا بنو الانجاد # ما تركنا للناس في الأرض مالا ... لم نصبه من طرف وتلاد # أو رئيس يرى يقود إلينا ... خيله لم يبت لنا في صفاد # أو رأينا نارا تشب علينا ... لم تعد نارها إلى إخماد # أو حشدنا خيلا لا هلاك قوم ... لم ندعها شدا بلا ايعاد # أو آتانا من البلاد وعيد ... لم نزل فوق ذاك في الميعاد # أو رمانا العدو إلا رمينا ... ه بمشحوذة صلاب شداد # أو سما للعلاء إلا سمونا ... نحو بيت لنا طويل العماد # أو أراد الكبار إلا كبرنا ... من أراد الكبار يوم الحساد PageV01P479 # أو دعا للنهاب ms114 إلا دعونا ... آل خطب يأتون كالرواد # قد شككنا الخيول ما بين نجرا ... ن إلى يحصب فارض مراد # علم الله قد صدقت واني ... لمصيب في كثرة التعداد # ولقد سرت بالمساعدة الغر ... ببيض مأثورة وصعاد # ورجال من المقاول تردى ... فوق جرد من الخيول جياد # جمع قحطان في السنور يعدو ... ومعدا جعلتها لو ساد # حمير معشري وحيدان قومي ... وهم سلوتي وجمع مرداد # كندة الخير عن يمين مسيري ... بالسكون السكاسك الأنجاد # والبهاليل مذحج مسترادي ... أحلس الخيل في عراص البلاد # ومعي من بجلة الغر قوم ... يحسنون الطعان يوم الجلاد # وأسود من خثعم غير ميل ... لا ولا عزل ولا أنكاد # فهم اسرتي وعز رجالي ... وهم مفخري وذكر مقادي # وتوافت إلى همدان تمشي ... مستعدين مثل رجل الجراد # وتناهت إلي طي مع الاز ... د وعبس والحي حي إياد # وبنو الحارث الأسود إذا ما ... ركبوا الخيل كان يوم جلاد # وزبيد والأشعرون وخولا ... ن وعنز توافي جماعة الحساد # وأتت مذحج من الحزن والسه ... ل أبحنا بمذحج كل وادي # فتهاب الليوث حين تراهم ... خلقوا في الكمال خلقة عاد # وإذا ما رأيت حمير خلفي ... وأمامي فذاك يوم الحصاد # ثم أيقن بأن قومي كرام ... آل بأس وهم سمام الأعادي # وجدد يرون بالرياسة والم ... لك وقتل العداة يوم التعادي PageV01P480 # ثم خل الطريق عنك وأيقن ... إنه ليس ذاك يوم شهاد # فهم ينزلون للطعن والضر ... ب إذا كان ذاك حين الوراد # قد بدا لي الغداة أنعت خيلا ... تتعادى بالصيد أي تعادي # فأبيد اللثام آل معد ... أي وأشفى غليل آل إياد # وعنيد في الدهر قدما معد ... ولنا العز في جميع البلاد # وكذا كان من مضى من معد ... من أبينا وسالف الأجداد # ثم سيري أريك منا جلادا ... ترعد الناس وقعة في الأعادي # واريك الليوث يا أم عمرو ... المصاليت كل وارى الزناد # واريك الفياقي الغير فيها ... من سيول الدما كصب المزاد # وأريك النواعم البيض تمشي ... بين قومي كمشي غير تهادي # أم عمرو فلو شهدت انتقالي ... كل حي من حاضرين وبادي # أم عمرو فلو شهدت جلادي ... واحتزاز الأعناق في كل ms115 وادي # لعرفت الكرام يا أم عمرو ... ونسيت اللثام آل الفساد # وجعلنا النبيط لحما عيطا ... وطحنا الأعداء طحن الحراد # سأئلي الترك والصقالب والزنج ... وأهل القريض كيف اجتنادي # وسلي عن ثمود في أرض حجر ... تستبيني أمرا لكل العباد # وسلي آل حام السود عنا ... ثم أولاد يافث والرفاد # وسلي ععن أخي التجارب والبأ ... س رؤوسا فسائليها تنادي # سلي النبط والقرايات عنا ... قد حكمنا في أهلها بالسداد # قومنا حمير المقاديم في الحر ... ب فزوع الأيام يوم التنادي # قال معاوية: ما فيهم أبغى ولا أظلم من هذا في قوله؟ قال عبيد: يا أمير ~~المؤمنين كذلك كان في عنف بغيه وجبروته في زمانه وزاد ما وطئ من PageV01P481 # البلاد من آثار آبائه وأجداده وما انتهى من مسيرهم قوة في نفسه وجبروته. ~~قال معاوية: لله أبوك أنشدني شعرا من شعره. قال: نعم يا أمير المؤمنين - ~~وأنشأ هو يقول: # انعم صباحا أسعد الكامل ... يا ناقا بالثأر والتابل # أثنى على الله بآلائه ... الواحد المقتدر الفاضل # في كل ما أولاك من نعمة ... وكل ما أعطاك من آجل # في العام أعطاك الذي تبتغي ... ثم يزيد الضعف في قابل # سرنا إلى الأعداء في أرضنا ... لم نك نرجو قفل القافل # في جحفل كالليل من حمير ... قد حضروا بالاسل الذابل # ومثلهم أعددت لي موكبا ... مستوسقا مثل الدبا السائل # ومثلهم يقدمنا في الوغى ... إذا دعا النازل بالنازل # كم فيهم من بطل معلم ... من كل ذي ترس وذي نابل # وقد ضاقت الأرض بسرعانها ... من فارس نهد ومن راجل # ما يفقد الغائب من جيشنا ... وعندنا الغائب كالآهل # يا أيها السائل عن خيلنا ... عيت عن المخبر والسائل # تسعون ألفا عددا بلقها ... ودهمها كالعارض الوابل # والكمت والجرد تعادي بنا ... بكل قرم بطل صائل # الطاعن الطعنة يوم الوغى ... يقصم فيها مفصل الكاهل # فحميري قومي وهم معشري ... أهل الندى والحسب الفاضل # هم معشري حقا وهم أسرتي ... أهل القرى المستحشد العاجل # ما فيهم عند اشتباك القنا ... في الروع من نكس ولا خاذل # بل قد يرومون لأعدائهم ... حتفهم في الموكب الهائل # سائل معدا عندها ms116 علمنا ... فليس من يعلم كالجاهل PageV01P482 # ألم نكن يوم لقيناهم ... نقتلهم بالحق والباطل # حتى رفعنا السيف عن قتلهم ... وهم كنبت البلد الماحل # لم ندع في الأرض من أقطارها ... من شائع الذكر ولا خامل # إلا أذقناه بها حتفه ... حتف ثمود كان في العاجل # تراهم صرعى بمبسوطة ... من بين منكب ومن زائل # لم يجدوا من جتفهم مهربا ... إذ يتقي المقتول بالقاتل # وكانوا عناديد فمن هارب ... ومن قتيل مقعس مائل # ومن صريع بين أرماحنا ... مجندل ذي فرس جائل # ومن أسير مصمت قلبه ... ومن جريح ذي جوى داخل # مكت بأعلى خندف تركها ... وأفرغت ذلا على وائل # واستنزلت قيسا وأحلافها ... حتى التقى العالي على السافل # ما برحت قيس لنا طعمة ... نأكلهم بالناب والراول # حتى استجالت خيلنا ... والتوت=تطلب ذحلا في بني باسل # في جبل الديلم ثم انثنت ... بالجد والحزم على كابل # ومن سجستان فما دونها ... فساحة القفر إلى بابل # ومن قرى الشام فما حولها ... في أرض مصر فإلى الساحل # والروم قد أدت لنا خرجها ... من قبل أن يأتيهم عامل # والهند قد صبحهم جيشنا ... بكل نهد ساخط صاهل # وكانت السغد لنا موعدا ... والخيل تعدى في قرى كابل # بجمع قحطان وأتباعهم ... ما فيهم من عاجز خاذل # كم نكحوا كم ذات بعل بلا ... مهر ومن بكر ومن حامل PageV01P483 # تزويج فهو غير ذي طاعة ... قول صدوق قائل فاعل # ومن نكاح رشدة نلبنا ... للغازي المجتاز والقافل # والذهب الأحمر يجي لنا ... إلى ظفار الملك والماجل # والمسك والانجوج يهدي لنا ... والدر في أصدافه الذابل # فكل أهل الأرض عبد لنا ... لا شك من حاف ومن ناعل # إن الذي نالته أرماحنا ... زاد على وصفك للقائل # ما تبع إن قلت ما تبع ... إن نصح المسئول للسائل # هو الذي ينكى أعداءه ... فكلهم في نصب شاغل # ومن يقول الناس أن أمحلوا ... عليكم بالملك الفاضل # النافع الضائر والمرتجى ... للخير والمنعم للواصل # نال الذي نال بإيمانه ... فليس بالنكس ولا الجاهل # قال معاوية: لله أنت يا عبيد! فأين قول تبع الذي قال على الباء: # أرقت وما ذاك بي من طرب ... ولكن تذكر ms117 ما قد ذهب # قال عبيد: يا أمير المؤمنين إنك لتكلفني أقوال أقوام قد ذهبوا، كانوا ~~ملوكا فإذا قالوا صغروا غيرهم لقدرتهم وعظمتهم. قال معاوية: يا عبيد قد غاب ~~ذلك عنا فقل فما جرانا لذلك أن تكن حمير ملكت كما ذكرت فقد أورثنا الله ذلك ~~من ملكهم فهو لنا اليوم وقد انتزعه الله بنبيه محمد - صلى الله عليه وآله ~~وسلم - وهو منا فنحن أسرته وخير الناس بعده، ولولاه لم نكن شيئا وجعل حميرا ~~لنا، والحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وأورثنا أرض PageV01P484 # أعدائه الجبابرة العتاة فقل غير متق شيئا ولا سائب أحدا فأنت في ذمتي ~~وجواري والله لك علي بذلك شاهد. # قال عبيد: يا أمير المؤمنين، ثم أقبل تبع بن ملكي كرب في جموع حمير من ~~اليمن ومعهم عيالهم وأولادهم حتى وقفوا بأرض العراق للذي بلغه من رفاهية ~~عيشها وكثرة خيرها يريد الأعاجم وملكها قباذ. وإن تبعا سار حتى نزل موضع ~~الحيرة اليوم، فعسكر بجموعه بالحيرة إلى الكوفة مما يلي شط الفرات قبل أن ~~تكون الحيرة والكوفة. قال معاوية: الحيرة قبل الكوفة؟ قال عبيد: وقبل ~~البصرة بزمان، والكوفة قبل البصرة بزمان طويل. # قال معاوية: خذ في حديثك عن تبع. قال عبيد: بلغ الأعاجم جمع تبع فاجتمعوا ~~إلى ملكهم قباذ ببابل - ولم يكن تبع يدرك تلك القبائل - فاجمعوا على الحرب، ~~فبعث تبع ابن أخيه شمر ذا الجناح على مقدمة الجيوش وجرد معه الخيول وأمره ~~أن يجد في الطلب حتى يلقى قباذ وأصحابه وجموعه. ورحل تبع في الأثر مجدا # في الطلب فتحير في صحراء الحيرة ثم نظر تبع فإذا هو غير بعيد من مكانه ~~الذي رحل منه قال تبع: إن لهذا المكان نبأ عظيم فخلف العيال وذوي الزمانة ~~والضعفاء والأثقال وخلف معهم عشرة آلاف فارس تحفظهم وسماها تبع (الحيرة) ~~للذي كان من تحيره فيها ومضى تبع حتى واقع قباذ وجموعه ببابل فاقتتلوا ~~قتالا شديدا فانهزم قباذ وجنوده حتى أتى الري فاتبعه شمر ذا الجناح بالري، ~~وقد جمع بها من عسكره جموعا كثيرة ليقاتلهم بها ms118 - فواقعه شمر ذو الجناح ~~فقتل قباذ بالري وفض جموعه بها وأقبل تبع حتى نزل الحيرة بعد هزمه قباذ PageV01P485 # ببابل فخلف بها من أحب أن يخلف مما جرى عليه من الأعاجم، وسار على وجهه ~~ذلك إلى خراسان، وفي ذلك يقول الشعر الذي قال على الباء. قال معاوية: ~~فاسمعني قوله؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فأنشد عبيد عند ذلك: # أرقت وما ذاك بي من طرب ... ولكن تذكر ما قد ذهب # تذكر ما أفت مما مضى ... وهل يطرب الثائر المغتصب # وأمر هممت بإمضائه ... إذا الهم خالطني والنصب # وأوتيت ملكا من الله هاج ... فطم على خلقه والتهب # حباني به الله من عنده ... ولم به صدعنا والشعب # نعم البلاد ونغشى النجاد ... عزيزي المعادة والمنقلب # نهد الحصون ونعلو الحزون ... ونبكي العيون بكاء الحرب # فدان به الناس طر لنا ... وقد خاب من جاءني بالكذب # توارث ذلك آباؤنا ... قديم الزمان أبا بعد أب # لقد رمت أمرا فأمضيته ... ومثلي إذا رام أمرا صلب # أعالج أمرا لإمضائه ... وذو العز همي وذاكم أرب # وخبرت بالصين لي بغية ... ثياب الحرير وكنز الذهب # فسرت إليهم بجيش لهام ... شديد الزهاء كثير اللجب # بأبناء قحطان من حمير ... بهاليل اسد صميم الحسب # بأبطال قومي شم الأنوف ... كرام الجدود السراة النجب # غزوت الأعاجم في أرضها ... فأعطوا القياد وخلوا السلب # ولما هبطنا بلاد السواد ... وفر قباذ سريع الهرب # فاتبعته شمرا ذا الجناح ... فسار حثيثا سريع الطلب PageV01P486 # فكان ببابل يوم لهم ... طويل العناء شديد الكلب # فلما انتهوا عند غيبوبة ... من الشمس كفوا وقل الصخب # فيسقون سما ويسقونه ... بأسياف صدق كمثل الشهب # قفر قباذ وأشياعه ... وكان العزيز بها من غلب # وأضحوا كأن لم يكونوا بها ... كذاك الزمان إذا ما انقلب # وطاروا ومروا أقاضي البلاد ... فزالت همومي وولت كرب # سبقنا البرية في غزونا ... بحمل المزاد ونوط القرب # ولبس الدروع وقود الجياد ... إذا ما قضينا قضاء وجب # فدانت معد لنا عنوة ... وكلهم ما لهم من حسب # فمنهم رعاء لأموالنا ... عليهم خراج لنا مغتصب # نميرا جعلت لحوك البرود ... وحل النعال ووضع اليلب # خزيمة ms119 كان عليها الدباغ ... وقد السيور وفتل السلب # تميما جعلت لبري القداح ... وشحذ النصال ورصف القصب # وقيسا وضعت بأرض الحجاز ... لنسج العباء وخرز القرب # هذيلا جعلت لنحت البرام ... وكانت كنانة فيها القتب # جعلت الرباب لحفر البئار ... وميح الدلاء عليها الكرب # سليما جعلت لسقي الحجيج ... كذاك اليماني إذا ما غضب # جعلت ربيعة تهدي الطريق ... منارا على القصد حيث الشعب # وازدا تركت بأرض عمان ... ليوث المغازي كرام الحسب # إرادة أن يسكنون بها ... وإن يقتلون بها من نصب # ومنهم جعلت بأرض الحجاز ... لمن شذ من أهلها أو هرب # قضاعة منا إذا ينسبون ... وفي غيرنا الدار والمغترب # وحيدان منا وهم معشري ... إذا ما غضبنا أجدوا الغضب PageV01P487 # وخولان سحمانها والذراع ... يشبون إيقادها باللهب # لعمرو أبيهم عقيد اللواء ... إذا رام داهية لم يهب # يشدون بنيان من قد بنى ... على شرف وهو فيهم ذنب # لهم صولة لا يرى مثلها ... إذا ما نأت وإذا تقترب # فمنا السكاسك ثم ثم السكون ... وهمدان منال وطئ العصب # ومنا بجيلة والأشعرون ... ومنا المعافر أهل النجب # وجمع العشيرة في صفنا ... ومذحج طرأ عليها اليلب # وفي صفنا الأزد أخواننا ... كرام الجدود طيال القضب # ومنا الخياصم ما يتثنون ... جذام ولحم وفينا الخطب # كرام المغافر والدارعين ... ففيها العديد وفيها الندب # نعد من الأزد أخواننا ... كراما ليوثا كمثل الشهب # وفي صفنا حمير كلها ... عليهم جواشنهم والزعب # وحمير أرباب أهل البلاد ... وسائل بذلك تنبأ العجب # ومنا المقاول من حضرموت ... كرام نعد بهم من خلب # ففي رأس قحطان من ما مضى ... وفي فرع حيدان لي منتخب # أولئك قوم سموا للعلى ... وحمل السلاح وفضل الحسب # وما منهم كان إلا فتى ... إذا رام داهية لم يهب # نعد بطونا بأسمائها ... وننسى قبائل كانت ذنب # لها كاهل مشرف رأسه ... علي المرام رفيع الرتب # فمن ذا من الناس لم نكبه ... وأخطأه بالقتل يلقى الحرب # قتلنا القبائل في أرضها ... قتلنا فزارة شر العرب # وفارس والروم تجبي لنا ... وفي الصين جيش لنا ذو سلب PageV01P488 # وديلم والترك تجبي لنا ... وكلهم ذاعن مغتصب # وبربر والزج والاحبشون ... فكلهم عندنا في ms120 تعب # لنا الهند والسند والاريسون ... وأهل الشروق وأهل الغرب # وخاقان ألجمته كالحمار ... واقتبته صاغرا بالقتب # فأذعن إذ ذاك تحت الوكاف ... وسمح في ذله بالجنب # فألبسته خشنات المسو ... ح بعد الحرير وخز القصب # وملحان كالبغل أسرجته ... وغيبته عانيا باللبب # ونفير أوثقته بالحديد ... وأدخلته صاغرا بالشرب # ورستم وسابور والهرمزان ... بشر نكال وأقوى نصب # نعذب أرواحهم بالحريق ... ونطليهم بدواء الجرب # وأضحوا جميعا بضر لدي ... وكانوا مجوسا ورغلا سرب # جبوت المجوس وأجناسها ... لخدمة قومي وأهل النصب # وقد كان للروم يوم عصيب ... طويل العناء شديد التعب # وعذبت قنطورة بالسياط ... وأسعته السم فيه النصب # وآزرته بازار الصغار ... وكلفته ثم حمل الحطب # وذاق النجاشي من وقعها ... عذاب ثمود كذاك العقب # صنيع أبي كرب الحميري ... يقول بحق وما إن كذب # فدع ذا ولكن لما يذكروا ... ن من صنع جالوت في المنتخب # فزلت بجالوت ثم النعال ... وخلى بلاد ولاة الكتب # فدانوا ودنا لما يذكرون ... قرأنا الكتاب وزدنا النسب # لطول الحصار غرستا النخيل ... وحتى أكلنا جناه الرطب # وأهل المواشي من بعدهم ... سيعطون ملكا طويل الغلب # ويأتي على الناس من بعدهم ... زمان عصيب كثير الشغب PageV01P489 # يكونون في غمرات العمى ... فيأتيهم رجل منتخب # فيهديهم لسبيل الهدى ... ويكسر أصنامهم والصلب # فو مد دهري إلى دهره ... لكنت نسيبا له في النسب # ويأتي على الناس من بعده ... ولاة يضيمون من لم يرب # وهم يملكون جميع البلاد ... لسفك دمائهم والحرب # وقد قيل أملكهم راهب ... فاني لأعجب كل العجب # لأمر يجيء على معشري ... يرى في جمادين أو في رجب # ويملك من بعدهم ذو التقى ... وأهل القضاء وأهل الحسب # هم الراشدون وأهل الهدى ... أبوهم أخو صالح المنتخب # ويأتي على الناس من بعدهم ... زمان كما قال أهل الكتب # تمنى العجوز لأولادها ... فراق الحياة وترك النصب # وبالشط أجبه من قومنا ... ويستغضب الملك منهم حقب # هو القرم في الأرض مستفتحا ... يكون له الملك بعد الاربعاء # هو الخلف من بعدي المرتجي ... لفض الجموع وجمع العصب # علينا اليلامق والسابغات ... سلبنا الملوك وما نستلب # لنا ملكنا اليوم نقضي به ... ونحكم في ما لنا ما ms121 نحب # نجيز الأمور بسلطاننا ... لنبلغ ملكا به مغتصب # قال معاوية: ويحك يا عبيد من يعني بهذا البيت الذي يغتصب الملك؟ قال: ~~يعني رجلا من ولد قحطان يسمى القحطاني اسمه على ثلاثة أحرف تجمع له الأرض ~~يدعو إلى الله وذلك عند انقضاء ملك قريش. قال معاوية: قال ملكها ليغرب قبل ~~انقضاء الساعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين إذا اختلفت قريش بينها لم يكن ~~شيء حتى يخرج بعدها عيسى بن مريم يطهر PageV01P490 # الحرمين، فعند ذلك يخرج الرجل من ولد قحطان. قال معاوية: خذ في حديثك ~~الأول عن تبع الأوسط أبي كرب وهو اسعد الكامل، واسمعني من بعض أشعاره ما ~~حضرك. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه: # جلبنا الكتائب من منكث ... فجنبني أزال إلى الواعره # كتائب كالليل من حمير ... بأيديهم القضب الباترة # سرابيلهم كل فضاضة ... دلاص مساميرها ظاهره # آتاني بأن معدا تقول ... حمير شرذمة غادره # وأسعد يثأر في عصبة ... عوائر ليست لها ثائره # فلما آتاني كلام العبيد ... أثرت لهم عصبة ثائره # نصبت الحروب فقاسيتها ... ولم أور للخطة الخاسره # فسرت بجيش له أزمل ... يخط به البدو والحاضره # بأبناء قحطان من حمير ... على كل سلهبة ضامره # ففرت ميم وأشياعها ... ومن باليمامة من غاضره # وفرت نمير ومن نمرت ... وكانت قشير هي القاشره # وفارت يسعد قدور لنا ... بأمثالهم لم تزل فاثره # وعاجلت عجلا لدى دارها ... بصاعقة فيهم بائره # صبحنا حنيفة ملمومة ... فأمست جدودهم عاثره # وكرت هذيل إلى أرضها ... وكانت لهم كرة خاسره # وفرت ثقيف وأحلافها ... فرقت ثقيف بنا الفاقره # وجاءت كنانة تبغي الأمان ... هنالك عانية صاغره # تركت ديار بني كاهل ... يبابا معطلة دامره PageV01P491 # وقائع من مضر تسعة ... وفي غيرهم كانت العاشره # فلما عطفتني لهم رحمة ... ولا أصرتني لهم آصره # فكيف رأوا حمير أهل حمت ... لما قالت الفئة الفاخره # حمت عز قحطان من أن يضام ... وكانت لمن رامها قاهره # بخيل تكردس بالدارعين ... وشبه الوعول على الظامره # قال معاوية: أحسنت يا عبيد. فهات أنشدني الشعر الذي قال في الزهد. قال: ~~نعم يا أمير ms122 المؤمنين قد كان تبع حين نظر إلى البيت الحرام وعرف فضله ما ~~ذكر له الحبران أن لله تعالى وتبارك نبيا من قريش وقع ذلك في قلبه وترك ~~عبادة الأصنام فكان فيما قال هذا الشعر الذي يقول فيه زهدا: # أنيبوا للذي وضع الكتابا ... وسوى دونه سبعا صلابا # فسواهن سبعا مشرفات ... عظاما حين تنظرها رعابا # وزين هذه الدنيا نجوما ... تناثر عند مغربها انصيابا # مصابيحا يضئن بكل أفق ... هدى للناس تنسرب انسرابا # علوت فليس فوقك رب شيء ... وما شيء يدانيك اقترابا # علمت الغيب والأسرار منا ... وتعلم من أساء ومن أنابا # نصبت بقدرة حرسا علينا ... ليحصو ما نجيء به كتابا # يرون بما نجئ ولا نراهم ... ولا ذكرا نحس ولا خطابا # نموت ونترك الدنيا لقوم ... ونصبح بعد جدتنا ترابا # فيبعثنا وقد كنا رميما ... فيخلقنا وقد نخرت صلابا # وينشرها فيكسوها لحوما ... ويبعثنا كما كنا شبابا # أعد الله للكفار نارا ... أحاط بهم سرادقها عذابا PageV01P492 # إذا القوا مع القرناء عجوا ... وقد ذاقوا المذلة والتبابا # واعرض دونها حرس شداد ... بعيد رحمهم خلقوا غضايا # بأيديهم مقامع من حديد ... بحر النار تضطرب اضطرابا # إذا قرنوا الشقي وصار فيها ... علوه بالمقامع ثم غابا # وصبوا فوق رؤوسهم جميعا ... وأسقوهم وكان لهم شرابا # ألم تعلم بأن الله ينشي ... سحابا ثم يردفه سحابا # قال معاوية: لله درك يا عبيد انك لتحدثني عجبا ما شفاني عنهم وعن أخبارهم ~~وما كان منهم أحد غيرك. فاخبرني عن قتل أسعد الكامل؟ كيف كان ولم قتله ~~قومه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين إن قوم تبع لما هموا بقتله - وكان سبب ~~ذلك أن حبرين من اليهود من اليمن دخلا عليه فأحب أمرهما وما هما عليه ورأى ~~أن الذي هما عليه أفضل فآمن بالله وصدق بنبيه موسى بن عمران - عليه السلام ~~- وما انزل الله من التوراة. فأمر الحبرين أن يدعوا إلى دينهما في لطف ورفق ~~ففعلا ما أمرهما. فلما رأت ذلك حمير خرجوا إلى نبع فقالوا: لأهلكتنا بالغزو ~~فصبرنا لذلك فأما على ديننا وما كان عليه آباؤنا فلا نصبر لك، فقد فرقتنا ms123 ~~في البلدان فأتعبتنا فاقتل عنا هذين الحبرين. قال: معاذ الله أن أقتلهما ~~وهما مني في ذمة فعليكم بهما فكلموهما وحاكموهما إلى من شئتم. فأجمع رأيهم ~~أن يحاكموهما # إلى النار في اليمن - يقال أنها كانت بصنعاء - فانطلقوا حتى أتوا النار ~~فنحروا عليها الجزر وقربوا القربان، ثم تقرب الحبران فلم يزالا يقرآن كتاب ~~الله من التوراة حتى خرجت لهما فمضيا فيها حتى جاوزا ودعا تبع سادة أهل ~~اليمن فاجتمعوا وأرسلت النار نحوهم فأحرقتهم ونجا الحبران وأمرا النار أن ~~تطفأ فطفأت. قال: فثارت عليه حمير وأرادوا قتله فقال: لا تعجلوا علي حتى ~~أوصيكم وأوصي ابني حسان. فقال طائفة منهم اقتلوه، وقالت طائفة PageV01P493 # منهم: مهلا مهلا فإن في هلكه هلاككم، ولكن اسمعوا منه يتم لكم عزكم فإن ~~عنده علما. قال تبع: أما إذا كنتم قد اجتمعتم على قتلي فادفنوني قائما ليتم ~~لكم عزكم ولا يخرج منكم ملككم، ثم دعا ابنه حسان فأوصاه أن يأتي جبلا ~~باليمن إذا هو ملك، ثم ينظر من يأتيه من ذلك الجبل فيأكل ما أطعم ويشرب ما ~~سقى ويفعل ما أمر. ثم وثبوا على تبع فقتلوه فأرادوا أن يدفنوه قائما فلم ~~يستقر لهم ومكثوا يعالجون ذلك منه حتى ملوا وضجروا وقالوا: أشقيتنا حيا ~~وميتا وندموا على قتله، فدفنوه مضطجعا، ثم ولوا أمرهم حسان بن تبع - وكان ~~ملك تبع ثلاثمائة سنة وعشرين سنة - فلما أراد حسان الخروج إلى الجبل الذي ~~أمره أبوه تبع استخلف آخاه معد يكرب وانطلق حتى أتى الجبل والموضع فلقيته ~~امرأة فرحبت به وقالت: اقعد، فلما أراد القعود إذ هو بدود كثير على فراشه ~~ووساده فأبى أن يقعد، ثم قدمت إليه رؤوس الناس وقالت: كل من هذا فأبى أن ~~يأكل وقال: أقعدتيني وأطعمتيني رؤوس الناس لا حاجة لي في هذا. قالت له: ~~ويحك ما أبعد حظك من حظ أبيك وما أقل ما تملك قومك؟ إذا ما عصيتني فاشرب ما ~~في هذا الإناء فإذا فيه دم فقال: لا حاجة لي في هذا قالت: هذا الذي أوصاك ~~به أبوك وإن ms124 الأمر الذي كان يعمل به أبوك من عندنا أصابه، فأما إذا لم يكن ~~لك نصيب مثل نصيب أبيك فاقتل من أمرك بقتل أبيك وبقاؤك في قومك قليل، ثم ~~رجع فسألته أمه لما ذهب له فقال لها: صنع لي # هكذا وقيل لي هكذا! فقالت: لو أنك جلست على الدود لاستوطأت الملك ومد لك ~~في العمر ولو أكلت الرؤوس دانت لك حمير وذلت لك العرب وأهرقت دماء أهل ~~الأرض. # قال معاوية: لله أبوك يا عبيد، ثم صنع حسان ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، ~~أقام حسان بحمير زمانا لا يغزو بهم، حتى طمع في ملكهم ناس PageV01P494 # من أهل اليمن وجرهم - وكان باليمامة حيان يقال لهما طسم وجديس وهما ابنا ~~لاوذ بن ارم بن سام بن نوح، وهما من العرب العادية، وكان منزلهما باليمامة، ~~وكان اسمها يومئذ جو القرية بنفسها - قال: وكان طسم ظلوما غشوما لا ينهاه ~~شيء عن هواه مع أضراره بجديس وتعديه عليهم وقهره إياهم وإذلاله لهم، فثبت ~~في ذلك عصرا من دهره وقد غير عليهم النعمة وانتهك الحرمة - وكانت بلادهم ~~أفضل البلاد وأهناها وأكثرها خيرا وأقربها مسيرا - ولهم أصناف الثمار من ~~النخيل والأعناب في دار أنيقة وقصور مصطفة، فلم يزل ملكهم على ذلك حتى أتته ~~امرأة من جديس وزوج لها قد كان فارقها فأراد قبض ولده منها فأبت عليه حتى ~~دار بينهما كلام، فارتفعا إلى الملك عمليق - وكان اسم المرأة هزيلة واسم ~~زوجها قاشرا - فلما وقفا بين يدي الملك سألهما عن حججهما فقالت له هزيلة: ~~أيها الملك إني امرأة حملته تسعا وأرضعته سبعا، ولم أر منه نفعا حتى إذا ~~تمت أوصاله واستوى وصله أراد أن يأخذ كرها ويتركني ورهاء. قال زوجها: أخذت ~~المهر كاملا ولم أصب منها طائلا إلا وليدا جاهلا فافعل ما كنت فاعلا. قال: ~~فأمر الملك بالغلام أن يقبض منها وإن يجعل في غلمانه وقال لهزيلة: أبغيه ~~ولدا ولا تنكحي أحدا؟ قال هزيلة: أما النكاح فبالمهر وأما السفاح بالقهر ~~وما لي فيها من أمر! فأمر عمليق عند ذلك أن ms125 تباع هزيلة وزوجها ويرد على ~~زوجها خمس ثمنها ويسترق ويرد على هزيلة عشر ثمن زوجها ويسترق. فقالت هزيلة ~~في ذلك هذا الشعر وهي تقول: # أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فابرم حكما في هزيلة ظالما # لعمري لقد حكمت لا متورعا ... ولا كنت فيما يبرم الحكم عالما # ندمت ولم أندم واني لغرة ... وأصبح بعلي في الحكومة نادما PageV01P495 # فلما بلغ قيلها عمليقا أمر أن لا تتزوج بكر من جديس حتى يبدأ بها ~~فيفترعها قبل أن يتصل بها زوجها. قال: فأصاب القوم من ذلك ذل ذليل فلم يزل ~~ذلك الملك يفعل بهم حتى تزوجت امرأة منهم - يقال لها عفيرة ابنة عفار ~~الجديسية أخت الأسود بن عفار - فلما كانت الليلة التي يهدي بها إلى زوجها ~~انطلقوا بها إلى عمليق ليبدأ بها قبل زوجها ومعها القيان يغنين وهن يقلن: # أبدي بعملاق وقومي فاركبي ... وبادري الصبح لأمر معجب # فسوف تلقين الذي لم تطلبي ... وما لبكر عنده من مهرب # قال: فدخلت العفيرة على عملاق فافترعها وخلى سبيلها وخرجت إلى قومها شاقة ~~ثيابها ودرعها عن دبرها وهي تقول في ذلك: # لا معشر أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس # لكل قرن أشوس عبوس ... عدمتكم يا سقط النفوس # ثم قالت لقومها ويحكم أيرضى بهذا الحر من رجالكم وقد أعطى هذا المهر ~~كاملا والله ليأخذه أهون عليه من أن يفعل هكذا بعرسه وأنشأت العفيرة ابنة ~~عفار تحرض قومها وتذكر ما فعل بهم العملاق وهي تحثهم على الحرب. # أتصبح تمشي في الدماء فتأتيكم ... صبيحة زفت في النساء إلى البعل # فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تغبوا من الكحل # وهادونكم طيب العروس فأنتم ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل # فلو أننا كنا رجالا وأنتم ... نساء لما كنا نقر على الذل # فسعدا وسحقا للذي ليس ناكفا ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل PageV01P496 # فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم ... بضرب تلظى كالظرام من الجزل # وإلا فخلوا بطنها وتحملوا ... إلى بلد قفز وهزل من الهزل # ولا تجزعوا يا قوم للحرب إنما ... يقوم رجال للمعالي على رجل # فيهلك فيها ms126 كل وغد موكل ... ويسلم فيها ذو النجادة والفضل # قال: فلما سمعت جديس قولها استحقموا غضبا وتلضوا كلبا فقام الأسود ابن ~~العفار - وكان فيهم سيدا مطاعا - فقال: يا معشر جديس أطيعوني فيما أمرتكم ~~وأدعوكم إليه فانه عزكم الدهر وذهاب الذل عنكم. قالوا وما ذاك؟ قال: والله ~~لتطيعوني أو لأتكين على سيفي هذا حتى يخرج من صلبي. قالوا: لك الطاعة علينا ~~فما ذلك؟ قال: إني صانع للملك وقومه طعاما، ثم أدعوه إليه فإذا هم أقبلوا ~~يرفلون في حللهم نهضنا إليهم بأسيافنا، ثم أخذ كل رجل منكم جليسه فضربه ~~بسيفه. قالت العفيرة: لا تعذرون يا أخي وباد القوم في ديارهم تظفروا ~~وتقدروا، فأبوا أن يطيعوها. فقالت العفيرة في ذلك شعرا تريد أن تسمع قومها ~~- فأنشأت تقول: # لعمرك ما في الغدر إذ تركبونه ... وفاء ولا عذر وما فيه من حصن # رأيت لواء الغدر في كل مجمع ... من الناس نصبا للمذلة واللعن # ولا خير في الأقوام حتى يكاثروا ... بناهضة الأبطال قرنا إلى قرن # فإن مرام الغدر يا قوم فاعلموا ... صغار بتقصير من الغدر في الأمن # وقالت العفيرة في ذلك أيضا: # لا تغدرون فإن الغدر منقصة ... وكل أمر له غب وإن ظفرا # إن أخاف عليكم مثل تلك غدا ... وفي الأمور بنا عذر لمن نظرا # كروا عليهم كرارا في مضارخة ... فكلكم باسل نرجو له الظفرا PageV01P497 # وباشروا القوم ضربا في ديارهم ... ضربا حتى تهدموا القصرا # فأجابها أخوها الأسود وهو يقول: # أنا لعمرك ما نبدي مناهزة ... نخاف منها صروف الحين إن ظهرا # ففي التحيل للأقوام مدركة ... وكل أمر بها نرجو له الظفر # كفى لديك فلا تبغي لعاقبة ... عن الذي قد رآه الرأي أو خطرا # فليس يمنع رأيا أن ندبره ... زحر الزواجر حتى نركب الخطرا # إني زعيم لطسم حين تحضرنا ... عند الطعام وذاك الرأي إن قدرا # فإن تلاقوا على بغي ومظلمة ... ضربا يبين أكف القوم والقصرا # قال: ثم صنع الأسود طعاما، ثم دعا الملك وقومه من طسم فأقبلوا يرفلون في ~~حللهم، ثم دفنت جديس أسيافهم في الرمل حيث وضعوا الطعام. ms127 فلما أتتهم طسم ~~وثبوا إلى أسيافهم وشدوا على عملاق وأصحابه فقتلوهم حتى أفنوهم جميعا، ~~وأنشأ الأسود يرتجز وهو يقول: # لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس # جاءت تمشي في دم حميس ... كالريح في مسهومة اليبيس # يا طسم ما لاقيت من جديس ... من البلا والعيب والنحوس # وقال الأسود أيضا: # ذوقي مجللة الحرب نافعة ... فقد أتيت لعمري أعجب العجب # إنا انتقمنا فلم ننفك نقتلهم ... والبغي هيج منا سورة الغضب # فلم يعودوا لبغي بعدها أبدا ... ولم يكونوا لذي أنف ولا ذنب # فلو رعيتم لنا قربى مؤكدة ... كما الأقارب قد أرعى لذي النسب PageV01P498 # وقال خزيمة بن المسنتجم الجديسي في ذلك شعرا: # لقد نهيت أخا طسم وقلت له ... لا تذهبن بك الأهواء والمرح # وأخش العقاب فإن الظلم منقصه ... وكل فرحة ظلم بعدها الترح # فقد أطاع لنا أمرا فنعذره ... وذو النصيحة عند الأمر ينتصح # فلم يزل ذاك ينمي من فعالهم ... حتى استفاد والأمر الغي فافتضحوا # فباد أولهم من بعد آخرهم ... ولم يكن عندهم رشد ولا فلحوا # فنحن بعدهم للحق نملكه ... نسقي الغبوق كما يسقي ونصطبح # فتلك طسم على ما كان إذ فسدوا ... كانوا بما فيه من بعدها صلحوا # إذا لكنا لهم بحرا وممنعة ... أنا إذا وزنت أحلامنا رجحوا # وقالت امرأة من طسم - ترثي قومها وتنوحهم - وهي تقول: (1) # <بياض بالأصل بقدر سبعة أسطر> PageV01P500 ms128