######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001900 #META# 000.BookURI :: #0420.KhatibIskafi.MicyarWaMuwazana #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو جعفر الإسكافي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 220 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المعيار والموازنة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث السنية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001900 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1900_المعيار-والموازنة-أبو-جعفر-الإسكافي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الشيخ محمد باقر المحمودي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1402 - 1981 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم / 2 / وبه ثقتي الحمد لله رب العالمين [الذي] ليس ~~كمثله شئ وهو السميع البصير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وعلى ~~جميع المرسلين. # وبعد، فإن الله قد عظم حق أوليائه ووصل محبتهم بمحبته وولايتهم بولايته ~~فمحبتهم علينا واجبة على قدر تفاضلهم في طاعته إذ جرى حكمه بأن الحب فيه من ~~أفضل ما يتقرب به إليه، فقد عظم حرمة نبيه وحرمة وصيه وحرمة المؤمن من أعظم ~~الحرم، إذ عظم حرمة ماله (1) ودمه ونفسه، وأمر [با] لاستغفار له والقيام ~~بنصرته. # فمن وصل ذلك من الله بمعرفة أوليائه و [البراءة] من أعدائه، كملت معرفته ~~ووجب له العصمة بإصابة الولاية من الله. # ومن قطع ذلك من الله أقعدته جهالته ولم تتم معرفته وثوته قلة (2) عمله عن ~~استكمال # PageV00P015 # الطاعة، ودخل في حزب أهل الضلالة، وفي ذلك يقول الله: * (قل من كان عدوا ~~لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) * [98 / البقرة: ~~2]. # وقال: * (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) * [67 / الزخرف: ~~43]. # وقال: * (إنما المؤمنون إخوة) * [10 / الحجرات: 49]. # وقال: * (لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم) * [13 / ~~المجادلة 58] فرزقنا الله وإياكم الاعتصام بحبله والقيام بحقه في ولاية ~~أوليائه ومعاداة أعدائه فإنه يقول: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) * الآية 22 المجادلة: 58]. # ونحن بعد الثناء على ربنا والصلاة على نبينا مبتدؤن فيما سألتم عنه من ~~الجواب فيما وقع فيه الناس من الاختلاف في الصحابة وإبانة الحق وكشف ~~[الصواب في] ما ذهبوا إليه بما فيه الشفاء والسلامة والقوة بالله. ~~PageV00P016 # [كان سبب انحراف الناس عن علي هو الحقد والضغينة، والعداوة الطائفية، ~~والحمية الجاهلية]. # ثم اعلموا - سلمكم الله من الهلكة وأيدكم بالاستقامة والصواب في المقالة ~~- إن هذا باب قد كثر قول القائلين فيه وطال اختلافهم وتشعبت أهواؤهم وتوغرت ~~من أجله صدورهم واختلفت فيه ائتلافهم (1) وذلك لأن أوله كان على الضغن ~~والعداوة والعصبية والحمية، ولم يكن القول فيه على طريق الخطأ من أجل شبهة ms001 ~~دخلت أو لبس حدث فاتصلت أسبابه على ذلك وانشعبت فروعه على حسب ما ذكرنا [ه] ~~من حدوث أصوله فزرعت في القلوب الهوى والميل، فتكلم كل إنسان على قدر هواه ~~وميله وما سبق إلى قلبه فنصر رأيه وناظر في تقوية قوله، فتاهوا على طول ~~الأيام وألفوا الخطأ والضلال وتعدى ذلك إلى العوام من النساء والرجال فعظم ~~فيه الخطب وكثر القيل والقال وتوارثوا تلك الأضغان والأحقاد حتى ظل الراجع ~~عن خطائه المبين لرشده منهم (2) مشتوما قد نبذوه بالألقاب ورموه بالبدعة ~~والضلال! وحتى أن الجماعة قد [كانت] تجتمع فيتناظرون في أبواب الاختلاف ~~وفنون من الكلام فيصغى المستمعون ويتكلم المتكلمون على سبيل إنصاف وطريق ~~حسن حتى إذا شرعوا في الكلام في هذا الباب كثر شغبهم وتكلم ساكتهم وارتفعت ~~أصواتهم وعظم لغطهم، وانقلبوا عن طبعهم وتجبروا في مقالهم، وأحالوا في ~~أنفسهم مقالهم، لشدة ما دخلهم من الغصب والتعصب. # [و] هذا قد يكون [يقع] من أهل الأدب منهم والمتقدمين في الكلام والنظر. # وقد [كان] يجري ما وصفنا بين قوم ليس لهم أول يدعو إلى العصبية ولا لهم ~~تقدم يوجب الحمية. # هذا مع قولهم: إن هذا الباب ليس الخلاف فيه بعظيم ولا الخطأ فيه بكبير ~~ولا # PageV00P017 # القول فيه كالقول في العدل والتوحيد. # [وإنما مهدنا ذلك] لتعلموا أن آفة القوم فيه واحدة، وأن العلة فيه قائمة. # فأما أهل الحشو / 2 / من أصحاب الحديث (1) وسائر العوام فعندهم من التعسف ~~في هذا الباب، والعناية به والانكماش فيه على قدر جهلهم بأوله وآخره وعلى ~~حسب ما عندهم من قلة المعرفة بالنظر والتمييز [بين] السنة والفريضة والشرع ~~إلى التقليد والقول بما دعت إليه ملوك بني أمية. # وإن ملوك بني أمية وإن كانت قد بادت فإن عامتها وشيعتها فينا اليوم ظاهرة ~~متعلقة بما ورثوه من ملوكهم الطاغية وأسلافهم الباغية (2). # PageV00P018 # فبلغ من عنايتهم بخطئهم في هذا الباب أن أخذوا معلميهم (1) بتعليم ~~الصبيان في الكتاتيب لينشئوا عليه صغيرهم ولا يخرج من قلب كبيرهم وجعلوا ~~لذلك رسالة يتدارسونها بينهم ويكتب لهم مبتدأ الأئمة أبو بكر بن ms002 أبي قحافة ~~(2) وعمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، حتى أن أكثر ~~العامة منهم ما يعرف علي بن أبي طالب ولا نسبه، ولا يجري على لسان أحد منهم ~~ذكره. # ومما يؤكد هذا ما يؤثر عن محمد بن الحنفية [عن] يوم الجمل، قال: حملت على ~~رجل فلما غشيته برمحي، قال: أنا على دين عمر بن أبي طالب!!! قال: فعلمت أنه ~~يريد عليا؟!!! فأمسكت عنه (3). # PageV00P019 # [أرجحية القول بتفضيل علي اتباعا لروايات أكابر الصحابة، على القول ~~بمفضولية علي تقليدا لابن عمر، ثم نقض رواية المنحرفين عن علي بعلة تكلم ~~نذر يسير من ضعفاء الصحابة فيه، بمردودية قولهم بتقريض جم غفير من عظماء ~~الصحابة إياه. ثم معارضتهم بأن من تكلم من أعاظم الصحابة في عثمان كان أكثر ~~ممن تكلم في علي عليه السلام من أصاغر الصحابة فما بال المنحرفين لم ~~يتأثروا بكلام أشراف الصحافة في عثمان، وتأثروا بكلام الأنذال في علي عليه ~~السلام؟!!!]. # ومما يدلك [على] أن العامة مخدوعة متحيرة بفقد العلم والمعروفة، مغرورة ~~في هذا الباب. أنهم جميعا يشهدون أن أبا بكر أفضل من عمر ويسندون تفضيل أبي ~~بكر على علي إلى [حديث] عبد الله بن عمر (4) فيقلدونه الخبر. # وقد جاءهم الإسناد في تفضيل علي وتقديمه [على كافة الناس] عن محمد بن أبي ~~بكر وسلمان وعمار بن ياسر، وما كان من شهرة قيامهم مع علي بن أبي طالب. # فلم يلتفتوا إلى ذلك. # فإن كانوا مالوا إلى تصديق عبد الله بن عمر لأنه أفضل وأعبد وأخير - وإن ~~لم يكن عندنا على ذلك - فتقليد علي بن أبي طالب ومن ذكرناه [ه] أولى لأنه ~~خير من عبد الله بن عمر وأفضل لا يشكون في ذلك ولا يمترون. # PageV00P020 # وإن كانوا مالوا إلى عبد الله بن عمر لأن أباه كان إماما فاضلا، فالميل ~~إلى محمد ابن أبي بكر أوجب لتقديمهم لأبي بكر على عمر وتفضيلهم إياه [عليه] ~~ولا أجد لهم في ذلك علة يوجبها التميز والنظر غير ما ذكرنا [ه] من الخديعة ~~وتقليد الخبر. # وأبين ms003 من هذا في جهل الأنعام الضالة والحمر المستنفرة أن عائشة عندهم في ~~أزواج النبي صلى الله عليه أشهر وهي عندهم أفضل من بنت أبي سفيان، وأكثر في ~~الشهرة والمعرفة، فإذا ذكر [أحد] معاوية بسوء غضبوا وأنكروا ولعنوا [من ~~ذكره بسوء] وعلتهم أنه خال المؤمنين!! # وإذا ذكر محمد بن أبي بكر بسوء رضوا وأمسكوا ومالوا مع ذاكره، وخؤولته ~~ظاهرة بائنة. # وقد نفرت قلوبهم من علي بن أبي طالب لأنه حارب معاوية وقاتله، وسكنت ~~قلوبهم عند قتل عمار ومحمد بن أبي بكر وله حرمة الخؤلة، وهو أفضل من معاوية ~~وأبوه خير من أبي معاوية. # [فتدبروا فيما ذكرناه] لتعلموا أن علة القوم الخديعة والجهالة وإلا فما ~~بالهم لا يستنكرون قتل محمد بن أبي بكر، ولا يذكرون خؤولته للمؤمنين؟ ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون. # وقد مالوا عن إمامة علي بن أبي طالب وضعفوها، وبعضهم نفاها بما كان من ~~خلاف عائشة وطلحة والزبير، وقعود ابن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد، ~~وهؤلاء النفر الذين أوجبوا الشك في علي عندهم وضعفوا إمامته بقولهم [هم]، ~~الذين طعنوا على عثمان وألبوا عليه وذكروه بالتبديل والاستيثار، [و] أولهم ~~[بادرة عليه كانت] عائشة [كانت] تخرج إليه قميص رسول الله وهو على المنبر ~~وتقول: يا عثمان هذا قميص رسول الله صلى الله عليه لم يبل وقد أبليت سنته ~~(1). # فوالله ما قدح الشك في قلوبهم في عثمان بقولهم ولا قصروا عن تفصيله / 4 / ~~وتقديمه # PageV00P021 # بطعنهم ولا أثر ذلك في صدورهم!! # وعللهم في استنكارهم على عثمان مأثورة مذكورة مشهورة. # فلما قعدوا عن علي جعلتهم قعودهم حجة وطعنهم علة [ظ] في الشك والتنقيص ~~وصرف الإمامة عنه، من غير أن يذكروا علة تبديل ولا استيثار ولا تغيير أكثر ~~من نكثهم وطعنهم. # وقد رويتم أن عثمان نفى أبا ذر، وقد عرفتم تقدم أبي ذر (1) وسابقته، و ~~[أقررتم] ما صنع [عثمان] بابن مسعود وغيره من أكابر أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه (2). # ولا تجدون أحدا مد علي بن أبي طالب إليه يده قبل أن يبدأه بالبغي ~~والخلاف، ms004 ولا ذكر عنه استيثار ولا خيانة ولا خطأ وجدوه عليه. # على أنا نوجدكم لكل من ذكرتم معارضين في دعواهم مخطئين لهم في خلافهم ~~وقعودهم. # أما عائشة فقد عارضتها أم سلمة بالخلاف عليها والتخطئة لها بحجج أوردتها ~~لم تستطع إنكارها. # وأما عبد الله بن عمر فقد عارضه عبد الله بن عباس وهو أكبر منه علما ~~وفضلا. # وأما طلحة والزبير فقد أقرا بالبيعة، ونكثا وهما أول من بايع [عليا عليه ~~السلام]. # وأما محمد بن مسلمة فأكبر منه سلمان. # وأما أسامة بن زيد فأفضل منه عمار بن ياسر. # فلم ملتم مع من ذكرنا وقد عارضهم من وصفنا؟ # PageV00P022 # وزاد عليهم سبعون بدريا وسبع مائة من المهاجرين والأنصار (1) منهم ~~المقداد بن الأسود، وأبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأبو الهيثم ابن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وغيرهم من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وكيف تمت بيعة أبي بكر عندكم بأبي عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب مع ~~خلاف سعد وامتناعه من البيعة، وخلاف الأنصار، وأبو بكر [هو] الساعي إليها ~~والداعي لها؟! ولم تتم بيعة علي بن أبي طالب بالمهاجرين والأنصار والسابقين ~~إلى الإيمان وهم الطالبون له والمجتمعون عليه وليس له نظير في زمانه يشاكله ~~ويعادله. # أف لهذا من مقال ما أبين تناقضه وأقل حياء الداين به!! فخلاف من لم يبايع ~~[أبا بكر] حتى مات أكثر في تضعيف الإمامة من خلاف من نكث البيعة وادعى بعد ~~الاقرار. # فإن قلتم: إن الأنصار اتفقت بعد خلافها، لا يمكنكم ادعاء ذلك في سعد بن ~~عبادة وما تروونه من قول سلمان (2). # و [لا يمكنكم إنكار] إقرار طلحة والزبير [بالبيعة لأمير المؤمنين عليه ~~السلام ثم نكثهما بيعته بلا عذر مقبول في الدين بل ولا عند العقلاء ~~المستقيمين ممن لا يتدين بدين] وإن كان رجوعهما [عن بيعتهما] يدل [بزعمكم] ~~على خطائهما في بدء الأمر (3). # PageV00P023 # وأكبر منه بكاء عائشة وندامتها (1) وتلهف ابن عمر على ذلك، حتى دعا ابن ~~عمر ما استبان [له] من تقصيره إلى الغلو والإفراط ms005 في مبايعة الحجاج بن يوسف ~~واعتل بأنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من مات ولا إمام مات ~~ميتة جاهلية (2) فهذا يدل على أنه قد اعتقد إمامة علي بن أبي طالب لأن من ~~اعتقد إمامة الحجاج لم يذهب عن إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # فما رأيت خطأ أعظم ولا تقصيرا أبين من فعل ابن عمر المغفل مع روايتكم عنه ~~أنه قال: ما آسي إلا على ثلاث: منها إني لم أكن قاتلت هذه الفئة الباغية ~~(3). # PageV00P024 # [المقايسة بين ما صنعه أمير المؤمنين من الصفح والرجاحة، وما أتى به من ~~تقدمه من الخفة والشراسة]. # وقد رويتم من توخي أمير المؤمنين للحق وتركه لأعمال الهوى وصبره على كظم ~~الغيظ ما لا خفاء به عن [كل] ذي عقل. # بلغ عثمان أن أبا ذر يتكلم في الشام فسيره إلى المدينة، وتكلم بالمدينة ~~فنفاه إلى الربذة. وتكلم عمار فصنع به ما بلغكم، و [فعل] بابن مسعود ما ~~رويتم، وتكلم سعد ابن عبادة، فقال عمر: اقتلوا سعدا قتله الله، حتى عارضه ~~قيس بمثل ما تكلم فأمسك. # [ما دار بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين من خالفه بعد مبايعتهم إياه، ~~وما جرى بين أم المؤمنين أم سلمة وعائشة]. # وتكلم طلحة والزبير بعد البيعة فبلغ ذلك عليا فدعا بهما فأنكرا فلم يعجل ~~عليهما واستأذناه إلى مكة فلم يحبسهما [وكان] يعمل المراقبة في أمرهما ولا ~~يمضي على التهمة حتى ينكشف الغطاء، فلما خرجا جعلا لا يلقيان أحدا إلا قالا ~~له: ما له علينا طاعة ولا بايعناه / 5 / إلا مكرهين. # وانتهى الخبر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فتلا هذه الآية: # " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق، أيديهم فمن نكث ~~فإنما ينكث على نفسه PageV00P025 # [10 / الفتح: 48]. ثم قال: ما العمرة يريدان ولقد أتياني بوجهي فاجرين ~~وخرجا من عندي بوجهي غادرين (1) ناكثين [والله] لا ألقاهما [بعد] إلا في ~~كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما، فما خفي أمرهما عليه، ولقد أصاب الرأي ~~فيهما وأعمل الحق ms006 في تخليتهما حتى كشفا قناعهما، وأبرزا صفحتهما للحق. # فأما عائشة، فقد علمتم توبتها ورجوعها (2) وذلك لأن الله أمرها بلزوم ~~بيتها، ونهاها ألا تتبرج بقوله: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى " [33 / الأحزاب: 33] وقد وقفتها أم سلمة على ما فيه رشدها وصلاحها، ~~وذكرتها وصية النبي صلى الله عليه وسلم لها، وأم سلمة لم تقل ما قالت في ~~علي لقرابتها القريبة منه، ولا لهوى وميل إليه بغير الحق، وقد كانت مخزومية ~~غير أن الدين والتقوى والورع والرغبة في الحق دعاها إلى القول بفضل علي ~~والصدع به. # PageV00P026 # [ما خطته أم المؤمنين عائشة ونقضته أم المؤمنين أم سلمة سلام الله ~~عليها]. # وفيما يؤثر عنها: أن عائشة لما لقيتها بمكة قالت لها: يا بنت أبي أمية ~~كنت أول ضعينة هاجرت، وكنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقسم لنا من بيتك، وكان جبريل أكثر شئ تعبدا في بيتك (1). # قالت أم سلمة: يا بنت أبي بكر لأمر ما تقولين هذا القول؟! قالت عائشة: إن ~~ابني وابن أختي (2) أخبراني أن القوم استتابوا الرجل حتى إذا تاب قتلوه - ~~يعني عثمان - وأخبراني: أن ابن عامر أخبرهم أن بالبصرة مائة ألف يغضبون ~~لقتله ويطلبون بدمه وقد خشيت أن يكون بين الناس حربا ودما، فهل لك أن أسير ~~أنا وأنت لعل الله أن يصلح هذا الأمر على أيدينا؟ قالت لها أم سلمة: يا بنت ~~أبي بكر: أبدم عثمان تطلبين؟ فوالله إن كنت لأشد الناس عليه وما كنت تدعينه ~~إلا نعثلا! أم على علي ابن أبي طالب تنقمين وقد بايعه المهاجرون والأنصار، ~~أذكرك الله وخمسا (3) سمعتهن أنا وأنت من رسول الله صلى الله عليه وآله! ~~قالت: وما هن؟ قالت: # [أتذكرين] يوم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن معه حتى إذا هبط ~~من " قديد " مال الناس ذات اليمين وذات الشمال، فأقبل هو وعلي بن أبي طالب ~~يتناجيان، فأقبلت على جملك [عليهما] فنهيتك، وقلت: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع ابن عمه ولعل لهما حاجة، ms007 فعصيتيني، فهجمت عليهما فلم تلبثي أن رجعت ~~تبكين، فقلت لك: # PageV00P027 # قد نهيتك، فقلت: والله ما جرأني على ذلك إلا أنه يومي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فقلت لك: ما أبكاك؟ فقلت: هجمت عليهما فقلت: يا علي إنما ~~لي من رسول الله صلى الله عليه من تسعة أيام يوم، فلا تدعني ويومي؟ فأقبل ~~علي رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبانا محمرا وجهه، فقال: والله لا يبغضه ~~أحد من أهل بيتي وغيرهم إلا خرج من الإيمان، وإنه مع الحق والحق معه! ~~أتذكرين هذا؟ قالت: نعم! # قالت: ويوم كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تغسلين ~~رأسه وأنا أحيس [له] حيسا (1) وكان يعجبه فرفع رأسه إلي فقال: يا بنت أبي ~~أمية أعيذك بالله أن تكوني منبحة كلاب الحوأب، وأنت يومئذ ناكبة عن الصراط. ~~فرفعت يدي من الحيس فقلت: أعوذ بالله وبرسوله من ذلك. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن إحداكن يفعل هذا (2) أتذكرين هذا؟ قالت: نعم! # قالت: ويوم كنا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة بنت عمر ~~فتبذلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولبست كل امرأة منا ثياب صاحبتها ~~فأقبل رسول الله / 6 / صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلى جنبك وكنت تعجبينه ~~فقال: وضرب بيده على ظهرك: أترين يا حميراء أني لا أعرفك إن لأمتي منك يوما ~~مرا. أتذكرين هذا؟ قالت: نعم (3). # قالت: ويوم كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ~~وكان علي يتعاهد ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعله، فإذا رأى ثوبه ~~قد توسخ # PageV00P028 # غسله، وإذا رأى نعله قد نقبت أو رثت خصفها، فأقبل علي يوما فأخذ نعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فخصفها في ظل سمرة، فأقبل أبوك وعمر فاستأذنا ~~فقمنا إلى الحجاب فدخلا ثم قالا: يا رسول الله إنا والله ما ندري ما قدر ما ~~تصحبنا، أفلا تعلمنا خليفتك فينا فيكون مفزعنا إليه؟ فقال رسول الله ms008 صلى ~~الله عليه وسلم: أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لنفرتم عنه كما نفرت بنو ~~إسرائيل عن هارون بن عمران. # فلما أن خرجا، خرجت أنا وأنت فقلت له: - وكنت جريئة عليه -: يا رسول الله ~~من كنت مستخلفا عليهم،؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خاصف النعل، ~~قال: فنظرت إلى علي بن أبي طالب فقلت: يا رسول الله ما أرى إلا علي بن أبي ~~طالب. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو ذاك. أتذكرين هذا؟ قالت: نعم (1). # قالت: ويوم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه عند موته. فقال: يا ~~نسائي! اتقين الله وقرن في بيوتكن ولا يستفزنكن أحد. أتذكرين هذا؟ قالت: ~~نعم. # فخرجت من عندها وقد ضعفت عزيمتها، وفترت عن الخروج، وأمرت مناديها فنادى ~~بمكة: ألا إن أم المؤمنين قد بدا لها من الخروج. # فاجتمع عليها طلحة والزبير، ومروان بن الحكم و عبد الله بن الزبير، ~~فقلبوا رأيها وموهوا الأمور عليها، واستغلطوها واستغفلوها، وقالوا لها: ~~تخرجين وتصلحين بين الناس فلعل الله أن يدفع بك الفتنة فهو أعظم لأجرك؟!! ~~فردوا رأيها وقووا عزمها (2). # PageV00P029 # [كتاب أم المؤمنين أم سلمة رضوان الله عليها إلى أمير المؤمنين عند مسير ~~طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة وإعلامها أمير المؤمنين بمسير القوم وبعثها ~~ابنها عمر بن أبي سلمة لمعاضدة أمير المؤمنين عليه السلام]. # فلما ساروا إلى البصرة ذكروا أن أم سلمة كتبت إلى علي بن أبي طالب: يا ~~أمير المؤمنين! إنه والله لولا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ~~نقر في بيوتنا لخرجت معك، ولكنني باعثة معك سمعي وبصري عمر بن أبي سلمة ~~ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أخيك فأغذه بالعلم ورشحه ~~بالمروءة. واحفظ منه ما تحفظ من ابني الحسن والحسين. # فلما زحف علي للمسير دعت أم سلمة ابنها، وكان له فضل وفقه وعبادة، فقالت ~~له: يا بني إلحق بعلي بن أبي طالب فإذا لقيت الخيل فاطعن واضرب واعلم أني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه ms009 وسلم يقول: في علي قولا لا يحل لك [بعده] أن ~~تتخلف [عنه] ولا يحل لي أن أحبسك. # فمضى إلى علي حتى لحق به وقاتل معه. PageV00P030 # [ذكر أصناف المخالفين والمعادين للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~عليه السلام] ونحن راجعون إلى ذكر أصناف المخالفين، ثم نأتي إلى الرد عليهم ~~بما فيه إيضاح الحق وقمع الباطل، فاستمعوا لما نحن ذاكروه، وأحضرونا ~~أفهامكم، والتمسوا الإنصاف بترك الميل يتبين لكم الحق بدلائله الواضحة ~~وأسبابه الجلية. # قد علمتم أن أقوى الخطأ في هذا الباب - والذي أشكل على أهل النظر - من ~~علماء المرجئة والمعتزلة [هو جهلهم بأول هذا الأمر وآخره، وقلة معرفتهم ~~بالنظر والتمييز بين السنة والفريضة، وتشريعهم التقليد بما دعت إليه ملوك ~~بني أمية] (1) فبعضهم قدم أبا بكر على علي، وبعضهم أمسك ودان بالوقف. # وأفضح من هذا خطأ موازنة علي بطلحة والزبير، والوقوف عندهم، وهو ما تعلقت ~~به خاصة العامة. # وأعظم من هذا جهلا وعمى موازنة علي بمعاوية وهو ما ذهب إليه بعض العامة ~~المتحيرة وطغام الحشوية البائنة. # فإذا بدأنا بالقول الأول وبينا باطله، وأوضحنا خطأه وضح ما بعده وبان. # ولعلي بن أبي طالب رضي الله عنه (2) عند اختلاف الناس فيه مثل من عيسى بن ~~مريم صلى الله عليه وسلم، فاختلفت الأمة / 7 / في علي أصنافا كما اختلفت ~~أمة عيسى صلى الله عليه فيه أصنافا، وأفرط فيه قوم فعبدوه، وقصر فيه قوم ~~فشتموه وقذفوه. # PageV00P031 # فمنزلة النصارى في الافراط، منزلة الروافض في الافراط (1) ومنزلة المرجئة ~~في النصب والتقصير في علي منزلة اليهود في التقصير وشتم عيسى بن مريم صلى ~~الله عليه. # وفي ذلك ما يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي: يهلك فيك ~~رجلان محب مفرط، ومبغض مفرط (2). # وأول ما [يجب] في هذا الباب من التنبيه على الحق قبل التلخيص والتفسير: ~~أنكم تعلمون أن بلدان النصب والمقصرين على فضل علي بن أبي طالب الشام والري ~~والبصرة. # وأما البصرة، فإن الأمور لما انكشفت ورجع الناس - بعد الذي كان - إلى ~~النظر استبصروا وأبصروا وشيعوا ms010 وزادوا، وكذلك أهل الشام والري (3). # [و] ليعلم أن أموره تنكشف على طول الأيام، وأن الحق يعلو عند النظر بما ~~ترادف من قوارع الحجج، فيمل الناس الجهل والتعصب والخطأ (4). # وأخرى أيضا أنك لم تر شيعيا قط رجع القهقرى بل يزداد في الافراط، ويغلو ~~في القول ولا يرجع إلى التقصير حتى يصير بالإفراط رافضيا كبيرا!!! # ولذلك قال بعض الناس: أرني شيعيا صغيرا أريك رافضيا كبيرا. # PageV00P032 # وعلة ذلك أنه إذا قال بالتشيع اتسعت عليه الفضائل وكثرت المناقب وترد ~~عليه عند النظر من فضائل صاحبه، وتقدمه دلائل تبهر وتلوح كالقمر الأزهر ~~وكالنجوم المضيئة فيضيق عليه المخرج، فلا يكون عنده من الورع وحزم التوقي ~~ولطافة النظر والعلم بالمخرج ما يمنعه من الغلو ويقعده من الافراط والتقدم، ~~فعندها ترفض. # وأفرط [قوم في بغضه ومقته فلعنه] وشتم وكفر (1) وقال قوم بنبوته. وقال ~~آخرون فيه بمثل مقالة النصارى في عيسى بن مريم. # ولا تجد أحدا قال ذلك في أبي بكر وعمر. بل قد نجد القائلين بتقديم أبي ~~بكر وعمر قد يرجعون إلى ترك المذهب، ويميلون إلى الاعتقاد الحسن، والصواب ~~في اعتقاد التشيع. # ولسنا نجعل إفراط من أفرط وشتم من شتم حجة في تقديم علي بن أبي طالب على ~~أبي بكر وعمر، وإنما جعلنا ذلك تنبيها قبل النظر لتعلموا أن التمييز ~~والمعرفة في تقديمه يحثان على الفحص والنظر، ولأن قوما دعاهم التعصب والحمق ~~إلى أن جعلوا إفراط من أفرط فيه، وخلاف من خالفه تنقصا لأبي الحسن صلوات ~~الله عليه، فأريناهم أن ذلك في الفضل أولى من النقص، وعلى التقديم أدل منه ~~على التقصير كما قلنا في عيسى بن مريم. # [وبلغ التوهم إلى حد] حتى دعا قوما إلى أن زعموا أن كثرة الخلاف عليه في ~~عسكره وما حدث من نكث الناكثين عليه يدل على أنه لم يكن له نفاذ في التدبير ~~ولا كان معه من حسن التأليف ورجاحة السياسة ما كان مع غيره على ما زعموا. # وهذا غاية ما يكون من التعدي في القول والإفراط في ترك قلة الإنصاف وذلك ms011 ~~بأنهم لم يوقفونا من سوء تدبيره وخطأ سياسته على أمر معروف ولا على حديث في ~~ذلك مأثور ومشهور، و [إنما] أرادوا أن يوجهوا ذلك بالقياس قصدا منهم إلى ~~نصرة الخطأ وميلا إلى العصبية والحما. # PageV00P033 # وهيهات أن ينالوا في علي ما قصدوا إليه، ولو كان ما ذهبوا إليه صوابا ~~قلنا (1): # فارتداد العرب قاطبة، واجتماعها على الردة في أيام أبي بكر أعظم وأدل على ~~الخطأ في الرأي، والغلط في السياسة، لأن الفتنة كانت أعظم في أيامه وكذلك ~~فتنتهم أيام عثمان أشد، واختلافهم [عليه] أكبر وأجل، فما قلتم / 8 / على ~~عثمان أوجب ومن أبي حسن أبعد لأن الخلاف عليه كان هو سببه وعلته وذلك مأثور ~~مشهور في [كتب] العامة فكيف في [كتب] الخاصة. وذلك أن القوم خالفوه لما ظهر ~~من ضعفه وعواره، ولما حدث عندهم من نهمته ودعوى من ادعى عليه تبديل السنن ~~واستيثار الفئ، وإيواء الطريد (2) ورجوعه [عن رأيه] مرة بعد أخرى، ومن شئ ~~بعد شئ، وإخراج أبي ذر رضي الله عنه (3). # فهذا عليكم في عثمان قد وجب، وفي علي قد بطل، فالحمد لله على تعريفه بهت ~~من كفر، وقمع من عاند. # ومتى اعتل أهل الحيرة في تنقيص أبي حسن بما حدث في زمانه من الخلاف ~~والفتن، فذلك عليهم في أبي بكر أوجب ولعثمان ألزم. # ومتى صوبوا رأي عثمان في كفه عن الحرب وخطأوا عليا في إقدامه على القتال ~~لزمهم تخطئة أبي بكر في محاربته لمن منع الزكاة أ [ن] يلزموه الضلال والخطأ ~~إذ زعم أنه يسفك الدماء ويقتل الأنفس من أجل عقال لو منعوه. # ومتى صوبوا أبا بكر في رأيه، خطأوا عثمان في كفه عن الدفع عن نفسه ودينه. # فأين المذهب والمفر وقد أحاطت بكم الحجج لولا المعاندة والتعصب. # وأبين من هذا أن أسامة بن زيد لما سئل عن علة قعوده (4) عن نصرة أمير ~~المؤمنين على أعدائه أنه قال: حلفت أيام النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ~~أقاتل من قال: لا # PageV00P034 # إله إلا الله. وذلك إنه كان في سرية في ms012 بعض محاربة المشركين فقتل رجلا ~~بعد أن قال: # أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله: قتلته وهو يشهد أن لا إله إلا ~~الله؟ فعاهد [أسامة] رسول الله صلى الله عليه أن لا يقاتل أحدا يشهد ~~الشهادتين. # فأخطأ في أول مرة في الحكم في قتل الكفرة، وغلط في حكم الله في محاربة ~~أهل القبلة، لأن الكافر إنما وجبت محاربته لإنكاره الشهادة، وأهل الصلاة لم ~~يجب قتالهم لإقرارهم (1) وإنما وجب قتالهم لبغيهم، فالحكم في أهل الصلاة أن ~~يكف عن قتلهم إذا رجعوا عن بغيهم، وفاؤا إلى أمر ربهم كما أن الحكم في أهل ~~الكفر أن لا يقاتلوا إذا رجعوا عن كفرهم. # فلم يسلم [أسامة] من الخطأ في إقدامه ولم يدرك الصواب في إمساكه، فغلط ~~أسامة الضعيف في الحكمين [جميعا]. # على أن هذا من قول أسامة يدل على تخطئة أبي بكر في رأيه، لأن أبا بكر قد ~~رأى محاربة من أقر بالشهادة وصلى القبلة. # والعجب أن الخلاف على أبي بكر كان في هذا الرأي أكثر، لأن عامة أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أسندوا رأيهم في خلاف أبي بكر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: سمعنا النبي صلى الله عليه يقول: أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله. # فكان هذا من قولهم أكبر في الخلاف، وأعظم في الشبهة مما رواه محمد بن ~~مسلمة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأيت فتنة فاتخذ سيفا من ~~خشب واضرب بسيفك الحائط (1). # مع روايتكم الظاهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " علي مع الحق ~~والحق # PageV00P035 # مع علي " (1) فكيف تكون فتنة [حرب] قائدها ودليلها علي بن أبي طالب؟!. # مع روايتكم المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن وليتموها ~~أبا بكر وجدتموه ضعيفا في بدنه قويا في دين الله، وإن وليتموها عمر وجدتموه ~~قويا في بدنه قويا في دين الله، وإن وليتموها عليا يهدكم طريق ms013 الحق ويسلك ~~بكم المحجة البيضاء (2). # فقبلوا هذا الرأي من أبي بكر من غير أن يسنده لهم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولا يستشهد عليه أحدا من طريق الأثر، وشكوا في مثله، ولم يصوبوا ~~/ 9 / نظيره في [علي في] محاربته من بغى ونكث وشق العصا واستأثر بالفئ (3) ~~مع إسناد # PageV00P036 # علي [فعله] إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: " إنه لعهد النبي ~~صلى الله (5) عليه إلي أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ". وشهادة ~~المهاجرين والأنصار له بما قال [و] فيهم عمار بن ياسر، وأبو أيوب الأنصاري، ~~وأهل الفضل والسابقة. # [وإنما قدمنا هذه المقدمة] لتعلموا أن شأن من ذهب عن فضل أمير المؤمنين ~~[ليس إلا] المعاندة واتباع الهوى دون الحجة. # PageV00P037 # [بيان بدء بيعة أبي بكر، وبيانه وإبانته عن نفسيته وشخصيته]. # فارجعوا الآن إلى النظر في بدء بيعة أبي بكر، وكيف كان السبب لتعلموا أن ~~القوم لم يميلوا إليه تفضيلا له على علي بن أبي طالب، ولا جعلوا ذلك علة ~~للتقدمة. # ولسنا نحتج عليكم بما روته الرافضة من أن بيعته كانت على المغالبة والقهر ~~دون الاجتماع والرفق (1) والذي رويتم أن القوم لما بلغهم اجتماع الأنصار ~~وتأميرهم سعدا، مضوا وبادروا بالبيعة عن غير شورى ولا اجتماع ولا نظر. # فالتمسنا طلب المخرج، وتأولنا ما رويتم تأويلا حسنا، فقلنا: إن القوم لما ~~بلغهم اجتماع الأنصار، وما بدأوا به من الخلاف بادروا بالبيعة لأبي بكر ~~مخافة الانتشار والاختلاف وفساد القوم (2) ولذلك قال عمر: كانت بيعة أبي ~~بكر فلتة وقاه الله شرها. # [وإنما أنطقه الله بذلك] لتعلموا أن القوم لم يميلوا إلى أبي بكر ~~بالتقديم، ولا وجبت [له] الإمامة بالتفضيل، ولا ادعى ذلك له أحد علمناه ~~وإنما كانت علتهم في ذلك دفع قول الأنصار [وبيان حق] القرابة من رسول الله ~~صلى الله عليه [و] أن الإمامة في قريش محصورة، وعلى غيرهم محظورة. # PageV00P038 # ولسنا نحتج عليكم إلا بسلاحكم، ولا نأخذكم إلا بما رويتم لتعلموا أن الحق ~~قوي، وأن الباطل وهي. # وما يحقق ما قلنا ويصدقه قول أبي بكر: ms014 " وليتكم ولست بخيركم " فقد أبان ~~عن نفسه بخلاف ما قلتم، وكذبكم نصا في مقالتكم (1). # فإن زعم قوم أن قوله: " وليتكم ولست بخيركم " معناه: [لست بخيركم] نسبا. ~~كان هذا من التأويل خطأ، لأن الخبر متى خرج مرسلا عاما، وحمل على الخصوص ~~بطلت حجية الأخبار، وسقط الاحتجاج بالآثار فلم ينتج (2) علم أخبار الله في ~~القرآن وسقطت المناظرة وتعلق كل مبطل بمثل هذه العلة وجعل العام خاصا، ~~والخاص عاما، ولو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في الخبر، لو جاء عن أبي بكر: ~~وليتكم ولست بخيركم (3). # فإن قال قائل: لو قال هذا لم يكن للتأويل مساغ. قلنا: بلي. يقول: لست، ~~بخيركم دينا فيما مضى ولست بخيركم دينا في نفس الولاية، فإنما كنت خيركم ~~دينا بنفس السبق والهجرة. ومعنى قوله: لست بخيركم دينا، يريد أني لم أكن ~~خيركم دينا من أجل ولايتكم. # وهذا أشد [خطأ] من الأول لأنه ذكر الولاية في كلامه ولم يذكر النسب، ~~والكلام على عمومه يلزمكم مخرجه وظاهره، فمن ادعى الخصوص ادعى أمرا معينا ~~لا يوصل إلى علمه إلا بأمر ظاهر أو خبر منصوص، وقائل هذا لم يذهب إلى معنى ~~[يدل عليه ظاهر الكلام، أو خبر منصوص يبين المراد منه] غير أن ضيق الباطل ~~يدعو صاحبه إلى مثل هذا التأويل. # وذلك لأن نسب أبي بكر كان معروفا عند القوم غير مجهول، ولم يكن بينهم # PageV00P039 # مشاجرة في النسب، ولا شبهة فيحتاج أبو بكر إلى ذكره ونعته فهذا من قوله ~~محال، وقد علموا جميعا أن أبا بكر ليس بخيرهم نسبا، ولا معنى لهذا التأويل ~~أكثر من التلطف إلى الحيلة، وإنما قال أبو بكر ذلك عندنا على جهة الإبانة ~~[عن نفسه]. # فإن بعض الناس (1) توهم أن الولاية كانت لأبي بكر على جهة التفضيل ~~والتقدمة، فأبان عن نفسه، ونفى غلط الناس في ذلك وخطأهم وتعديهم وردهم إلى ~~الحق، ووقفهم عليه لأن هذا كان طريقه ومذهبه / 10 / أن يحمل الناس على ~~الصواب فيه وفي غيره، ويبين لهم الحق عند تركه والذهاب عنه، فقال: وليتكم ~~ولست بخيركم فلا ms015 تجعلوا ولايتي سببا لغلطكم وقولكم: أني أفضل وأحق من غيري. # وقد احتال قوم أيضا لهذه الكلمة حيلة أخرى، فقالوا: إنما كان ذلك منه على ~~حد التواضع والنصفة، وترك التزكية، لأن المؤمن لا يمدح نفسه ولا يزكيها على ~~لسانه لقول الله تعالى: " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " [32 / ~~النجم: 53]. # وهذا في التأويل أوضح خطأ من الأول مع ما يلزم قائله من النقص وذلك لأن ~~التواضع لا يكون في الكذب ولا الإنصاف يكون على نفي مصير الحق، لأن هذا ~~القول من غير أبي بكر كذب، وكيف يكون من غيره كذبا ومنه تواضعا؟ ولا يجوز ~~أن يقول المؤمن: " لست بمؤمن " تواضعا وقد علمتم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان أكثر الخلق تواضعا وإنصافا، ولا يجوز أن يقول: " أرسلت إليكم ولست ~~بخيركم " على التواضع والنصفة، وليس من التواضع أن يقول الزكي: لست بزكي ~~(2) والمؤمن لست بمؤمن، والصالح لست بصالح، والفاضل لست بفاضل، وإنما ~~التواضع يكون بالإمساك عن ذكر نفسه ومدحه لها وحسن المحاورة والمساواة، ~~بحسن العشرة. # ثم نرجع إلى المقدمين لأبي بكر على أبي حسن بالمسألة، فنقول (3): ما ~~حجتكم # PageV00P040 # في تفضيله على علي بن أبي طالب؟ فإن لجأوا إلى اجتماع الناس على أبي بكر ~~وهي من أكبر عللهم قلنا لهم: إن تقديم الناس له قد شرحنا سببه، وإن ~~اختيارهم له لا يوجب له الفضل على غيره، وإنما سألناكم عن إبانة فضله على ~~غيره قبل الاختيار له، وإلا فإن لم يكن قبل الاختيار فاضلا مقدما على علي ~~بن أبي طالب لم يكن لقولكم: " اختاروه لأنه أفضل معنى يثبت النسب؟ # وإن زعمتم أن باختيارهم [له] كان فاضلا لفعل غيره، لأن اختيارهم له ~~فعلهم. و [الجواب إنه لو كان باختيارهم فاضلا مقدما، لكان قبل الأخيار ~~منقوصا مؤخرا، فأرونا فضله على علي وتقدمه عليه بفضيلة مشهورة [كي يكون] ~~لاختيارهم بذلك مستحقا، وبالإمامة أولا، وإلا فلم نسلم لكم ما ادعيتم أبدا. ~~فإن قالوا: قد كانت له فضائل لا يعرف عليها، وعلي لا يعرفها، غير أنا نعلم ms016 ~~أن اختيارهم له [كان] عن تقديم وتفضيل. يقال لهم فما الفرق بينكم وبين من ~~قال: أجمعوا على أبي بكر لعلة لا أقف عليها، إلا أني أعلم أنهم لم يجمعوا ~~عليه لأنه كان أفضل، ولو كان قبل الاختيار أفضل من علي لبان ذلك وشهر، ~~ولكان ظاهرا غير مكتم، ولو كان اختيارهم لعلة تفضيله وكانت إمامة المفضول ~~غير جائزة لما جاز للأنصار أن يقولوا: منا أمير ومنكم أمير، ولكان حراما ~~على أبي بكر أن يمد يده إلى عمر وأبي عبيدة ويقول: أنا أبايع أيكم شاء ~~فليمد يده. فإن قالوا: الدليل على ما قلنا: صلاته بالناس أيام حياة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: مري أبا ~~بكر يصلي بالناس. # قلنا: هذا خبر جاء عن عائشة لم تقم حجته ولم تلقه الأمة بالقبول، على أنا ~~متى سلمنا لكم الحديث لم يجب به تقدمة لأبي بكر على علي، ومتى نظرنا في آخر ~~الحديث احتجنا إلى أن نطلب للحديث مخرجا من النقص والتقصير وذلك أن في ~~آخره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجد إفاقة وأحس بقوة خرج حتى ~~أتى المسجد، وتقدم فأخذ بيد أبي بكر فنحاه عن مقامه وقام في موضعه. # فقالت الرافضة: هذا من فعله يدل على أن ذلك لم يكن عن أمره ودليل على ~~تهمة PageV00P041 # الخبر بل يوجب اليقين والعلم بأن الأمر له بالصلاة لو كان تلقيا (1) عن ~~الرسول صلى الله عليه لم يخرج بالمبادرة مع الضعف / 11 / والعلة حتى نحاه ~~وصار في موضعه، ولو كان ذلك عن أمره لتركه وصلى خلفه كما صلى خلف عبد ~~الرحمن بن عوف. # وقد شهدتم جميعا أن صلاته خلف عبد الرحمان بن عوف لا توجب له تقديما على ~~علي بن أبي طالب. مع ما يدخل حديثكم من الوهن والضعف والشذوذ. # وقد عارضتكم الرافضة في حديثكم، فقالت: كيف قبلتم قول عائشة في الصلاة ~~وجعلتموها حجة، ولم تقبلوا قول فاطمة في فدك، وشهادة أم أيمن لها وعلي بن ~~أبي طالب ms017 رضي الله عنه، وقد شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. # فإن قلتم: إن الحكم في الأصول لا تجب بشهادة امرأة! # قلنا لكم: وكذلك الحجة في الدين لا يثبت بقول امرأة، ولئن كانت صلاة أبي ~~بكر بالناس توجب له التقدم على من صلى خلفه، فصلاة عمرو بن العاص بأبي بكر ~~وعمر توجب له التقدم عليهما، ولعمرو مع الصلاة الولاية الجامعة للصلاة ~~وغيرها وهذا الخبر مجمع عليه، فلم يكن عند أحد منهم علة يدعيها في تقديم ~~أبي بكر على علي رضي الله عنه. # فلجأ بعض أهل النظر إلى القياس، فقال: لو جاز أن يولى المفضول على الفاضل ~~لجاز أن يرسل مفضول إلى فاضل، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون في زمن الرسل من هو ~~أفضل منهم، فرجع هذا بعد إلى فعل الناس فجعله حجة من طريق القياس. # فقلنا له: إن جوابك هذا قد انتقض من وجوه: # أولها: إن الإمامة لا تشبه النبوة، وهي بالإمارة أشبه (2) لأن الإمام لا ~~يشهد على # PageV00P042 # غيبه، وقد يجوز عليه التبديل والتغيير، والنبي صلى الله عليه وسلم قد ~~يشهد على غيبه ويؤمن تبديله وتغييره، فهل يجوز لقائل أن يقول: لو جاز أن ~~يولى إمام لا يشهد على غيبه لجاز أن يرسل رسولا يشهد على نفسه (1). # ولو أمكن أن يكون إمام لا يؤمن تبديله وتغييره، أمكن أن يرسل الله رسولا ~~لا يؤمن تبديله وتغييره، فهذا عندهم قياس منتقض فاسد، والإمامة لا تقاس ~~بالنبوة، وقياس الإمامة الإمارة لأن الإمام ليس له أن يتعدى حكم الله وعليه ~~الاتباع، وتلك منزلة الأمير والأمير لا يشهد على نفسه كما لا يشهد على غيبه ~~[ظ] الإمام، والإمام قد يولى ويعزل ويصلي وتلك منزلة الأمير. # قلنا: فهل يجوز تولية المفضول على الفاضل؟ وذلك في الدين جائز صحيح ومن ~~اختيار الأمة غير فاسد على حسب ما كان من اختيار النبي صلى الله عليه وسلم ~~عمرو ابن العاص وتوليته على أبي بكر وعمر في غزوة ذات السلاسل، ولم يوجب ~~تجويزه بعثة رسول الله صلى الله ms018 عليه وسلم مفضولا إلى من هو أفضل منه، ~~قياسا على إمارة المفضول على الفاضل، ولو كان ما قلتم جائزا لكان هذا لكم ~~ألزم لأن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم إلى اختيار الله أقرب وأولى من ~~اختيار الناس باختيار الله. # فإن قالوا: فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأن عمرو بن العاص متى بدل ~~وغير رجع أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بعد موته غير جائز. # قلنا: تولية الإمام المفضول جائزة من اختيار الأمة لأنه متى بدل وغير رجع ~~أمره إلى الأمة في عزله وتولية غيره، ولو كانت تولية المفضول جائزة أيام ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه متى غير المولى رجع أمره إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذ كان حيا لكان هذا في إرسال الله نبيا إلى الفاضل أوكد، لأنه ~~متى عصى وغير رجع أمره إلى الله إذا كان حيا لا يموت. # انقضى القول في إمامة المفضول. # PageV00P043 # [طريقة انعقاد الإمامة بنظر المؤلف، ووصف بيعة الناس لأمير المؤمنين عليه ~~السلام، وإنها كانت أقوى بيعة أركانا وأعظمها حجة وأوضحها سنة وأوكدها سببا ~~وأقومها طريقة]. # ونحن / 12 / واصفون (1) إمامة علي و [أنها] كيف كان سببها لتعلموا أن ~~إمامته كانت أقوى إمامة سببا وأثبتها قوة وأقواها أركانا، وأوضحها سنة، ~~وأعدلها سبيلا، وأعظمها حجة. # إن سبيل الإمامة وسببها أن تكون برأي أهل الفضل والسابقة ومن بمثلهم يزول ~~التهمة والريبة، وتثبت الحيطة والنصيحة. # وسنة الإمامة أن تكون شورى بين أهل الفضل والعدالة والعلم والمعرفة بحكم ~~الكتاب والسنة لقول الله تبارك وتعالى: " وأمرهم شورى بينهم " [38 / ~~الشورى: 42]. # وسنة الإمامة أن لا يكون الناظرون فيها يظهر كل إنسان منهم لنفسه الطلب ~~لها والرغبة فيها لأن هذا المعنى يدعو إلى الاختلاف ويوجب الظنة والتهمة، ~~ويكون سببا للانتشار والفتنة. # ومن سببها أن يكون متى بدأ بعقدها لرجل وتولاها جماعة موصوفون بالستر ~~والعدالة معروفون بالخير غير متهمين أن يسلم الباقون إلا أن يكون عندهم حجة ~~في أن المولى لا يستحقها، وأن غيره أولى بها، فمتى لم ms019 يظهر منهم طعن عليه ~~[ولم] تتبين حجة أو # PageV00P044 # دليل واضح كان عليهم الرضا والتسليم. # فانظر [وا] هذه الشرائط فيمن اجتمعت لتعلموا صحة ما نقول. # وقد وصفنا لكم بيعة أبي بكر وكيف كان سببها وإنها كانت على العجلة دون ~~الانتظار والمشورة، وأن الذي تولى عقدها رجلان في البدء: عمر وأبو عبيدة، ~~وأنهم سعوا فيها وطلبوها بعد أن كان العقد للأنصار وما كان من خلاف سعد ~~ويمينه (1) وقول سلمان وغيره (2). # وروي أن علي بن أبي طالب لم يبايع أشهرا من غير أن يظهر إنكارا ولا سخطا ~~(3). # PageV00P045 # [في أن عقد الخلافة لعمر إنما كان من أبي بكر خاصة، كما كان عمر عقدها ~~لأبي بكر في يوم السقيفة، فجلبها كل واحد منهما للآخر تداولا وتشاطرا]. # ثم كانت بعده بيعة عمر فعقدها [له] أبو بكر، كما عقدها هو لأبي بكر - وفي ~~هذا مقال يسبق إلى القلب يدفع بلطيف الحجج والمخرج (1) - فأظهر المسلمون ~~الانكار لذلك والتسخط وقالوا: وليت علينا فظا غليظا!! فقال: وليتهم يا رب ~~خير أهلك. # وعلي في ذلك الوقت ساكت، ولو كان ممن يرغب في الإمامة على غير طريقها، ~~وبغير حقها (2) و [كان] يحب - كما قال الجاهلون - الفتنة لكان لهذا الموضع # PageV00P047 # بعينه، ولكان [يظهر منه] ما كان [ظهر] من الأنصار من محبته [لها والتصدي ~~لطلبها] فلم يكف عن ذلك إلا طلب السلامة وانتظارا لرجوع القوم إلى الحق ~~ومجتمع الكلمة (1). # ثم جعلها عمر شورى بين ستة فوجهت إلى عثمان بما قد عرفتم. # فهذا موضع الكلام والشبه، وموضع النكت الغامضة، لا ما تعلقتم به من ~~التفضيل والتقدمة. # PageV00P048 # [إسراع الناس بعد قتل عثمان إلى الإمام علي بن أبي طالب، وتداكهم عليه ~~وإلحاحهم به لأن يبسط يده ليبايعوه، وتقريضهم إياه بتعينه للإمامة ~~والخلافة، وإبائه عن ذلك، ثم ازدحام الناس عليه، ثم إتمامه الحجة على طلحة ~~والزبير، ثم شرطه على الناس أن يبايعوه في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، ثم مبايعة الناس إياه في المسجد]. # وهو رضي الله عنه [كان] على طريقة واحدة في الكف والرضا عند ms020 اجتماع ~~الكلمة. # فلما قتل عثمان وقد كان علي قبل ذلك معتزلا له لما كان منه في أبي ذر ~~وغيره - كأنه رضي الله عنه مطبوع على الصواب، مؤيد بملك يجنبه طرق الخطأ و ~~[يثبته على] لزوم الاستقامة والصحة لا يقدر أحد أن يرينا في فضله تناقضا، ~~ولا في قوله اختلافا، فبيض الله وجهه وأعلى في الآخرة درجته -. # فلما قتل عثمان تداك الناس على علي بن أبي طالب بالرغبة والطلب له بعد أن ~~أتوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). # PageV00P049 # وحضر المهاجرون والأنصار وأجمع رأيهم على علي بن أبي طالب بالإجماع منهم ~~أنه أولى بها من غيره، وأنه لا نظير له في زمانه فقاموا إليه حتى استخرجوه ~~من منزله. # ومضى علي بن أبي طالب إلى طلحة بن عبيد الله، فقال له: إن الناس قد ~~اجتمعوا على أن يبايعوا لي ولا حاجة لي في بيعتهم، فابسط يدك يبايعك الناس ~~على كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال له طلحة: أنت أولى بذاك ~~مني، وأحق به لفضلك وسابقتك وقرابتك، وقد استجمع لك من هؤلاء الناس ما قد ~~تفرق علي / 13 / قال له علي: إني أخاف أن تغدر بي وتنكث بيعتي، قال: لا ~~تخافن ذلك فوالله لا تؤتى من قبلي بشئ تكرهه، قال: الله عليك بذلك كفيل؟ ~~قال: الله علي به كفيل. # فأتى الزبير، فقال له مثل ذلك، ورد عليه مثل طلحة. # فمضى علي بن أبي طالب إلى منزله إرادة التأني والتوكيد. # فرجع الناس إليه وهم متوافرون مجتمعون فاستخرجوه من داره، وقالوا له: # ابسط يدك نبايعك؟ فقبضها ومدوها، ولما رأى تداكهم عليه، واجتماعهم، قال: # لا أبايعكم إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا، فإن كرهني قوم ~~لم أبايع. # فأتى المسجد وخرج الناس إلى المسجد، ونادى مناديه. # فيروى عن ابن عباس أنه قال: إني والله لمتخوف أن يتكلم بعض السفهاء، أو ~~من قتل علي أباه أو أخاه في مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: لا ~~حاجة لنا بعلي بن ms021 أبي طالب فيمتنع من البيعة. # قال: فلم يتكلم أحد إلا بالتسليم والرضا. # ثم قال في بعض كلامه رضي الله عنه. # كنت والله كارها للحكومة بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم (1) حتى ~~أكرهتموني # PageV00P050 # عليها، ودخلت منزلي فاستخرجتموني، وقبضت يدي وبسطتموها، وتداككتم علي ~~كتداك الإبل عند ورودها، حتى خشيت أن يقتل بعضكم بعضا، وخفت أن لا يسعني ~~عند الله ردكم حين اجتمع إلي ملأكم، فبايعتموني طائعين غير مكرهين، ثم ~~خالفني منكم مخالفون، ونكث ناكثون، على غير حدث أحدثته، وقد سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ما من وال ولي من أمر أمتي شيئا إلا جاء يوم القيامة ~~حتى يوقف به على حد الصراط، ثم ينشر كتابه فتقرأه الملائكة، فإن كان عادلا ~~نجا، وإن كان جائرا هوى، ثم ينتفض به الصراط انتفاضة إلى الدرك الأسفل من ~~النار. # فإن أنتم معاشر أمة محمد صلى الله عليه وسلم سمعتم قولي وأطعتم أمري، ~~أقمتم على المحجة البيضاء، وإن أبيتم عاقبتكم بسيفي هذا حتى يحكم الله بيني ~~وبينكم وهو خير الحاكمين (1). # فأول من بايعه طلحة والزبير، ثم المهاجرون والأنصار، ثم قام فخطب الخطبة ~~المعروفة بالفضل على الخطب والكلام الذي لا يعرف مثله لأحد (2) فلما فرغ ~~[أمير المؤمنين] من خطبته، قام خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، ثم ~~قال: # أيها الناس: إنا قد تشاورنا واخترنا لديننا ودنيانا رجلا اختاره لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، ولو استوى عباد الله ذهب النعم، ولو ~~اتبع الهوى ذهبت الشورى ولو جاز التنازع ذهب التسليم، إن المدينة دار ~~الإيمان والهجرة، وبها الحكام على الناس ولسنا من أمر عثمان في شئ. # وقام أبو الهيثم ابن التيهان (3) - وكان عقبيا بدريا - فقال: قد عرفتم # PageV00P051 # رأيي لكم ونصحي إياكم، ومكاني [الذي] كان [لي] من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقد جعلنا هذا الأمر إلى أولاكم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأقدمكم إسلاما، وأكثركم علما، وأفقهكم في دين الله، وأنصحكم للأمة، ~~وأعرفكم بالسنة، وعسى الله أن يجمع به الألفة، ويحقن به ms022 الدماء، ويصلح به ~~ذات البين، ويظهر به ما درس الظالمون. فقالوا جميعا: قد أجبنا إليه وعرفنا ~~فضله. # فلما بلغه خبر من تخلف عن بيعته، قال: إنهم لم يعرفوا الحق فيسارعوا ~~إليه، ولم يعرفوا الباطل فيخذلوا من آتاه (1). # فخلى سبيلهم ولم يكره أحدا على بيعته. # PageV00P052 # [خطبة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لما بلغه مسير طلحة والزبير ~~وعائشة إلى البصرة وإخباره عن نفسيتهم ومآل أمرهم وقصة نباح كلاب الحوأب ~~على عائشة واضطرابها] فلما بلغه رضي الله عنه وعن جميع المؤمنين مسير طلحة ~~والزبير وعائشة إلى البصرة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على / 14 ~~/ محمد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # قد سارت عائشة والزبير وطلحة، وكل يدعي الأمر دون صاحبه، يطلبه طلحة لأنه ~~ابن عم عائشة، ولا يرى الزبير إلا أنه أحق بالخلافة لأنه ختن عائشة!! # فوالله لئن ظفروا بما يريدون - ولا يرون ذلك أبدا - ليضربن طلحة عنق ~~الزبير، والزبير عنق طلحة! تنازعا (1) شديدا على الملك!! # والله إن راكبة الجمل لا تصعد عقبة (2) ولا تنزل منزلا إلا إلى معصية ~~الله وسخطه حتى تورد نفسها ومن معها متالف الهلكة، يقتل ثلثهم (3) ويهزم ~~ثلثهم، ويتوب ثلثهم، # PageV00P053 # والله لتنبحنها كلاب الحوأب، فهل يعتبر معتبر أو يتفكر متفكر؟ # والله إن طلحة والزبير ليعلمان أنهما مخطئان وما يجهلان، ولرب عالم قتله ~~جهله وعلمه معه لا ينفعه. # فتدبروا رحمكم الله هذه الأنباء ففيها التبيان والشفاء، وتفهموا ما يرد ~~عليكم من الهدى، ولا يذهبن عنكم صفحا لتعلموا أن أموره مبنية على يقين ~~متقدم، وعلم ثاقب وحجة بالغة. لا يهن عند الشدائد ولا يفتر عند النوازل، ~~أمره في التقدم والبصيرة أمر واحد لا يضجع في القول، ولا يفتر عند الإقدام، ~~ولا يفرق بين حاله أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وبين هذه الحال في الجهد ~~والاجتهاد، والقوة والعزم والبصيرة في جميع أموره [فلاحظوا أحواله] لتعلموا ~~أن أعماله مبنية على أساس اليقين، وأموره ماضية على البصيرة في الدين، وأن ~~هذه الأفعال لا يبينها إلا علم نافذ و ms023 [أن] أموره لا تتسق ولا تتفق إلا لمن ~~اعتمد على الثقة والمعرفة، وأيد بالنصر من الله والملائكة. # ثم قوله [عليه السلام] على المنبر: " إنه لم ير إلا قتالهم أو الكفر بما ~~أنزل الله " (1). # لا يجترئ من خالفه أن يدعي مثل هذه ولا يقدم أحد على تكذيبه، فأين هذه ~~إلا له. # ثم نتبع هذا الكلام بأن نقول: [إنه كان يقول]: " إنه لعهد النبي صلى الله ~~عليه # PageV00P054 # وسلم إلي أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين " (1) فهل تجد لمن خالفه ~~مثل هذه الدعوى قبل النظر في الحجة؟ وما تجد لهم إلا عللا ملفقة ينكرها من ~~سمعها، ويستدل على ريبة القوم بها وضعفهم عند ذكرها، فمرة يطلب بدم عثمان، ~~ومرة بايعنا مكرهين!! ومرة جئنا لنصلح بين الناس!! مع ما يرد عليهم من ~~الاحتجاج، ممن رأى الاختلاف في قولهم والتناقض في منطقهم، وما تروون من ~~تلون عائشة، وروايتكم عنها مرة: أخرج للإصلاح، ومرة تعزم على الرجوع عند ~~تذكر الخطأ، وعند التوقيف لها [كذا]. # هذه روايتكم ظاهرة مكشوفة في ماء الحوأب [بأسانيدكم] عن الشعبي، عن ابن ~~عباس، قال: طرقت عائشة وطلحة والزبير ماء الحوأب ومن معهم ليلا - وهو ماء ~~لبني عامر بن صعصعة، فنبحتهم كلاب الحوأب، فنفرت صعاب إبلهم، فقال قائل: ~~لعن الله أهل الحوأب ما أكثر كلابهم. # قالت عائشة: أي ماء هذا؟ فقال محمد بن طلحة و عبد الله بن الزبير: هذا ~~ماء الحوأب، فقالت عائشة: والله لا صحبتكم ردوني ردوني، إني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " كأني بكلاب ماء يدعى الحوأب قد نبحت على امرأة ~~من نسائي وهي في فئة باغية، ثم قال: لعلك أنت يا حميراء، قالت: ثم دعا عليا ~~فناجاه بما شاء " ردوني. # PageV00P055 # فقال لها الزبير: مهلا يرحمك الله، يراك الناس والمسلمون فيصلح الله ذات ~~بينهم. # وقال طلحة: ليس هذا بحين رجوع. # ثم جاء عبد الله بن الزبير، فقال: ليس هذا ماء الحوأب، وحلف لها على ذلك، ~~قالت: وهل من شاهد يشهد على أن هذا ليس ماء الحوأب؟ فأقاموا خمسين ms024 رجلا من ~~الأعراب يشهدون أنه ليس ماء الحوأب، وجعلوا لهم جعلا، وكانت أول شهادة زور ~~أقيمت في الإسلام (1). # فليعتبر من به حياة، وليذكر من كان له قلب!! واعلموا أن مثل هذه الأخبار ~~لا تكون مفتعلة، وكيف أفتعل مثل هذه الأخبار في عائشة ولم يفتعل مثلها في ~~علي [وإنما مهدنا ذلك] لتعلموا أنه لو كان سبيلها التخرص والتقول لجاز لمن ~~خالفه عليه مثلها، وهذه روايتكم لا تدفعونها / 15 / والكذب من علي ~~والمهاجرين والأنصار أبعد، ومن الأعراب والطغام، وجند المرأة أقرب. # يقول علي رضي الله عنه وهو بالمدينة: " ستنبحها كلاب الحوأب " وتقول هي - ~~لما رأت لما ونبحتها كلاب الحوأب -: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم " ~~[وذكرت] ما ذكرناه آنفا، [ثم قالت]: " ثم دعا بعلي فناجاه ". # هل يكون بيان أوضح [من هذا] من أن عليا لم يقدم ولم يحجم، ولم يقل، ولم ~~يسكت إلا بأمر من الرسول الله صلى الله عليه وسلم. # ثم قوله: " لئن ظفرا بالأمر - يعني الزبير وطلحة - ليضربن بعضهم بعضا ~~(2). # وقد كان من تشاحهما على الصلاة وقتالهما عليها ما يحقق قوله رضي الله ~~عنه. # PageV00P056 # [استقبال الصحابي الكبير عمران بن حصين الخزاعي وأبي الأسود الدئلي أم ~~المؤمنين عائشة بقرب البصرة ونصيحتهما لها ووعظهما إياها]. # وذكروا أن عائشة لما قربت من البصرة، لقيها عمران بن حصين الخزاعي صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو الأسود الدئلي، فلما دخلا عليها قالا ~~لها: يا أم المؤمنين! أبعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من بيتك؟ # ألم يبايع الناس لابن عم نبيهم ووصي رسولهم وخير من تعلمون؟ فتركت بلد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأتيت البصرة؟!! قالت جئنا نطلب بدم ~~عثمان!! # فقال لها عمران بن حصين: ليس بالبصرة أحد من قتلة عثمان. قالت: لكنهم مع ~~عل‍ بن أبي طالب، فجئنا لنقاتلهم فيمن تبعنا من أهل البصرة وغيرهم!! غضبنا ~~لكم من السوط والعصا على عثمان، ولا نغضب لعثمان من السيف؟ فقالا لها: وما ~~أنت من سيفنا وسوطنا وسوط عثمان وعصاه؟ إنما ms025 أنت حبيسة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد أمرك الله أن تقري في بيتك، وتذكري ما يتلى فيه من آيات ربك، ~~فتركت ذلك وجئت تضربين الناس بعضهم ببعض؟ ولست من طلب الدماء وحضور القتال ~~في شئ؟ # وعلي أولى بعثمان منك! فقالت: وهل أحد يقاتلني؟! قال: إي والله قتالا ~~أهونه الشديد، قالت: إنما جئت مصلحة ألم ولا أشعث، وأجمع ولا أفرق!!. # فقال لها عمران بن حصين: اتقي الله يا أم المؤمنين فإن الله إنما عظمك ~~وشرفك في أعين الناس ببني هاشم، فاتقي الله واحفظي قرابة علي من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وحبه إياه. PageV00P057 # قد بايع الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك، فرضي وسلم ولم ~~يخالف ولم ينكث (1) ثم جعله عمر سادس ستة فرضي وسلم. ثم كان من أحداث ~~عثمان، وأمر الناس فيه ما قد علمت، وكنت أنت أشد الناس فيه قولا، وأكثرهم ~~عليه تحرضا. # ثم بايعه طلحة والزبير والناس، وأتتنا كتبهم بذلك فرضينا وبايعنا، فما ~~الذي بدا لكم؟! # فلم يكن عندها شئ أكثر من أن قالت لهما: القيا طلحة فهذا كلام من خالفه ~~[وهو] يدل على تهمة قائله وخطئه، من قولها: " أتينا نصلح بين الناس " ~~والناس على هدوء وسكون، وسبيل استقامة وطاعة في مصرهم وما بينهم، فلما ~~دخلوا المصر، أوغروا الصدور، وشتتوا الكلمة وعصبوا القبائل، ودعوا إلى خلاف ~~ابن أبي طالب، وقتلوا السبابجة وغيرهم من أهل السوابق والفضل. # فتدبروا أفاعيلهم تجدوها ناقضة لأقاويلهم، منبهة لهم على مرادهم وبغيتهم. # فهذه أحوالهم قد كانت مكشوفة لأهل الفطنة والمعرفة، ثم انكشفت لأهل ~~التقليد والحيرة ممن لم يكن له معرفة عند انكشاف الحق، وحين وضعت الحرب ~~أوزارها ازداد أهل الإيمان والمقتدون بالإمام بصيرة ويقينا، ورجع المفرطون ~~إلى التلهف والأسف والندامة، وارتهن الماضي منهم بعمله، وتبرأ الذين اتبعوا ~~من الذين اتبعوا، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب / 16 / ينقلبون. # فارجعوا رحمكم الله إلى الأخذ بما تعرفون، واعرفوا للفاضل فضله، وللمحق ~~حقه، تكونوا في حزبه، فاتقوا الله ms026 وكونوا مع الصادقين. # PageV00P058 # فلو أردنا أن نذكر لكم كل ما في هذه الأبواب بالتقصي لطال ذلك، ولكنا ~~نذكر من كل باب جملة كافية وصفات شافية. # ثم انظروا في سير أمير المؤمنين وحروبه، فاعتبروا بفعله وقوله، فإنكم ~~تجدونه أوفى الناس بذمة، وأعدلهم سيرة، وأحسنهم عفوا عند المقدرة، وأدعاهم ~~إلى النصفة، وأصبرهم على محنة، وأصدعهم بأمر الله. PageV00P059 # [كتاب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى واليه على البصرة عثمان بن ~~حنيف الأنصاري لما صح عنده مسير طلحة والزبير إلى البصرة وأمره إياه ~~بالحسنى. وبعض مكارم أخلاقه مع أصحاب الجمل]. # كتب (1) [عليه السلام] عندما صح عنده من مسير القوم إلى البصرة - ونكثهم ~~وخروجهم من طاعته - إلى واليه بالبصرة: # بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عثمان بن ~~حنيف أما بعد فإن النكثة لما عاهدوا الله [عليه] نكثوا. ثم توجهوا إلى ~~مصرك، وسائقهم الشيطان يريدون ما لا يرضى الله به، والله أشد بأسا وأشد ~~تنكيلا، فإن قدموا مصرك فادعهم إلى الحق والرجوع إلى الوفاء بعهد الله ~~والميثاق الذي بايعوا عليه، فإن فعلوا فأحسن جوارهم، ومرهم بالانصراف إلى ~~المكان الذي أقبلوا منه، وإن أبوا وتمسكوا بحبل النكث فقاتلهم حتى يحكم ~~الله بينك وبينهم (2). # ثم إن عليا رضي الله عنه ظفر بهم فلم يجهز على جريحهم، ولم يفتح منازلهم، ~~ولم يتبع المولي منهم، ولم يغنم أموالهم، يتبع حكم الله فيهم في الأحوال ~~كلها. # ثم دعا بمحمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر، وأمرهما بأن يكونا قريبا من ~~عائشة فإذا انكشف القوم دنوا منها، ودفعوا الناس عنها، ويستروها، لأن لا ~~يبدو للناس من أمرها ما لا يحل حفظا لها ورفقا بها. # ثم أخرى قد تعلمونها لا يمكنكم دفعها، ولا يقبل قلوبكم غيرها، أن الرجل ~~القاسي # PageV00P060 # القلب، المنهمك في الشر إذا نزل به ملك الموت رق قلبه، واستغفر ربه من ~~معصية إن عملها، أو شبهة إن كانت. # قد علمتم أن عمر بن الخطاب قد ندم في مرضه على أمور كثيرة، ودعا علي بن ms027 ~~أبي طالب، فسأله عن رضائه عنه، وقال: إن بقيت صرت إلى التسوية بين الناس. # وهذا أبو بكر يقول في بعض كلامه: إذا أنا زللت فقوموني فإن لي شيطان ~~يعتريني فإذا غضبت فتنحوا عني، لا أوثر في أشعاركم ولا أبشاركم (1). # و [هذا] عمر يقول: أنشدكم بالله هل تعرفوني عدلا؟ يقولها ثلاثا. # وهذا الزبير وما كان من نصرته عند توقيف علي له (2). # وذكروا أن رجلا قال لعلي - رضي الله عنه وعن جميع المؤمنين - عندما اشتدت ~~الحرب، وبلغت [ما بلغت] من القوم: يا أمير المؤمنين أي فتنة أعظم من هذه؟ # إن البدريين يمشي بعضهم إلى بعض بالسيف!!؟ # فقال له علي رضي الله عنه: أفتنة هذه ويحك وأنا قائدها وأميرها؟! # والذي أكرم محمدا بالحق صلى الله عليه وسلم، ما كذبت ولا كذبت، ولا ضللت ~~ولا ضل بي، ولا زللت ولا زل بي، وإني لعلى بينة من ربي، بينها الله لرسوله ~~وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم لي، وليكفرن عني ذنوبي ما أنا فيه من ~~قتالهم. # وهذه عائشة وما تظهر من ندامتها وبكائها، وقولها: لوددت أن الله أماتني ~~قبل ذلك بعشرين سنة. # هذا مع قولها في عمار: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الجنة ~~تشتاق # PageV00P061 # إلى أربعة: أحدهم عمار بن ياسر (1). # فقال لها رجل من ثقيف: كيف كنت صانعة يا أم المؤمنين لو أنه قتل عند ~~جملك؟! # وما يؤثر عن طلحة وإقراره بالخطأ، وقوله عند الموت: ما رأيت شيخا أخطأ ~~مني، وقد عنا الله [بنا] بهذه الآية: " أو اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة " [25 / الأنفال: 8]. # وعلي مستبشر بما فعل، جاد مجتهد مسرور بما رزقه الله من الصبر على جهاد ~~من بغى عليه، مبشر لأصحابه مرغب. # تلك حاله في السراء والضراء، شاكر ذاكر صابر، محتسب حتى / 17 / لقي الله ~~مفقودا شهيدا صلوات الله عليه صلاة تامة زاكية مرضية، وألحقه بنبيه محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم تسليما. # [و] قد قلنا في الإمامة بما فيه البيان والكفاية، والحمد لله على منه ~~وإحسانه ms028 حمدا كثيرا، وشكرا أبدا سرمدا # PageV00P062 # [البيان التفصيلي لأفضلية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام على جميع ~~البشر بعد الأنبياء والرسل، لاحتوائه على أصول المكارم، واشتماله على أساس ~~المحاسن مما قد تفرق في غيره، واستغنائه عن غيره، واحتياج غيره إليه]. # وبعد فمن سألنا من أصناف أهل النظر في تقديم علي بن أبي طالب على جميع ~~البشر بعد النبيين والمرسلين (1) وقال: قد طعنتم فيما قلنا (5) فأثبتوا ~~قولكم بحجج لا يمكن دفعها، وأبينوا صاحبكم بفضيلة يكون بها على غيره مقدما. # قلنا: ذلك لكم علينا، ونحن ذاكرون - وبالله نستعين - من أموره أمورا ~~مكشوفة لا تدفع، وحججا قوية لا ترد، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا، ~~وإياه نسأل تأييدنا. # فقد عرفتم أن فضل الفاضل، ومنزلة المتقدم، إنما يكون بفضل وتفضل باجتماع ~~مناقب الخير فيه، واحتوائه على الفضائل، فيجتمع فيه ما يتفرق في غيره، فلا ~~يكون له مساو فيما جمع، ولا نظير فيما حوا NoteV00P063N05. # وتفسير المناقب والخصال التي بها يجب فضل الفاضل ما لا ينكرونه أمور ~~أولها: # العلم بالله وبدينه، والذب عن توحيده، والقيام بحجته على من عند عنه، وفي ~~تحقيق ذلك يقول الله: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " [9 / ~~الزمر: 39] (2) # PageV00P063 # وقال: " أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ~~أولوا الألباب " [19 / الرعد: 13] وقال: إنما يخشى الله من عباده العلماء " ~~[28 / فاطر: 35]. # ثم بعده التقدم في الإسلام، وفي تحقيق ذلك يقول الله: " لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، ~~وكلا وعد الله الحسنى " [10 / الحديد: 57]. # ثم جهاد العدو، وفيه يقول [الله تعالى]: " فضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما " [95 / النساء: 4] وقال: " إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله (1) فيقتلون ويقتلون ~~وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله؟ ~~فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " [111 / التوبة: ~~9]. # ثم الصبر على ms029 البأساء والضراء، وكظم الغيظ، وفيه يقول الله تبارك وتعالى: ~~" والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم ~~المتقون " [177 / البقرة: 2]. # وقال: " [يا أيها الذين آمنوا] اصبروا وصابروا ورابطوا [واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون " [200 / آل عمران: 3]. # [وقال تعالى:] " وبشر الصابرين [الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم وأولئك هم المهتدون] " (2). # PageV00P064 # [وقال جلا وعلا:] " واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل " [35 / الأحقاف: # 46]. # [وقال عز شأنه:] " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس " [134 / آل عمران: # 3]. # ثم العبادة بالزهد والصوم والصلاة والمسارعة في أعمال البر. # فهذه مناقب الفضل، ومنازل الخير، فهي مذكورة في القرآن بالجملة والتفسير، ~~فمن حازها وجمعها فهو المتقدم بها [على] الناس باجتماعها. PageV00P065 # [أفضلية علي عليه السلام من غيره من جهة سبقه إلى الإسلام، واعتناقه به ~~حيثما كان غيره يعبد الأصنام]. # فنبتدئ بذكر تقدمه في الإسلام فإن الناس مختلفون (1) في أبي بكر وعلي، ~~وقد أجمعوا أن عليا أسلم قبله (2) إلا أنهم زعموا أن إسلامه كان وهو طفل ~~فقد وجب تصديقنا في أنه أسلم قبله. ودعواهم في أنه كان طفلا غير مقبول إلا ~~بحجة (3). # فإن قالوا: وقولكم: إنه أسلم وهو بالغ، دعوى مردودة. # قلنا: الإسلام قد ثبت له، وحكمه قد وجب بالدعوة والإقرار ولو كان طفلا ~~لكان في الحقيقة غير مسلم، لأن أسماء الإسلام والإيمان، وأسماء الكفر ~~والضلال والطاعة # PageV00P066 # والمعصية، إنما يقع على العقلاء البالغين دون الأطفال [والمجانين] (1). # وحجة [أخرى] أيضا: إن الله لم يرسل رسولا إلى الأطفال والمجانين، فلما ~~رأيناه قد قصد صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب فدعاه إلى الإسلام، ~~وأمره بالإيمان وبدأ به قبل الخلق علمنا أنه عاقل بالغ، وأن الأمر له لازم. # فإن قالوا: وما تنكرون أن يكون ذلك منه بالتأديب كما يكون / 18 / ذلك منا ~~إلى أطفالنا على جهة التعليم. # قلنا: ذلك من قولكم غير جائز وإنما ذلك يكون منا عند تمكن الإسلام بأهله ~~وعند ظهوره والنشوء والولادة عليه، فأما في دار الشرك والحرب ms030 فليس يجوز ~~ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليدع ما أرسل به ويقصد إلى دعاء ~~الأطفال والدار دار شرك وكفر، فيشتغل بالتطوع قبل أداء الفرض [و] ذلك عنه ~~منفر صلى الله عليه وسلم. # وما باله لم يدع طفلا غير علي بن أبي طالب؟! وليس في السنة أن يدعى أطفال ~~المشركين إلى الإسلام، ويفرق بينهم وبين آبائهم قبل أن يبلغوا الحلم. # وحجة [أخرى] أيضا. إن منزلة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في بدء الدعوة ~~منزلة ضيق ووحدة وغربة وشدة، وهذه منازل لا ينتقل إليها إلا من قد تمكن ~~الإسلام عنده بحجته، ودخل اليقين قلبه بالعلم والمعرفة، وشأن الطفل اتباع ~~أهله، وتقليد قرابته، والمضي على منشئه ومولده، وأن لا يدخل فيما تزعجه ~~المعرفة، وتميل إليه النفس باليقين والعلم والعاقبة (2). # PageV00P067 # فإن قالوا: إن عليا قد كان يألف النبي صلى الله عليه وسلم، فوافقه على ~~طريق المساعدة. # قلنا لهم: وإن كان يألفه، فلم يكن إلفه [به] بأكثر من [إلفه] أبويه ~~وإخوته وعمومته وأهل بيته (1) ولم يكن الألف مما يخرجه عما نشأ عليه وغذي ~~به، ولم يكن الإسلام مما غذي به، وكثر على سمعه. # ووجه آخر: إن الإسلام لا يكون إلا بخلع الأنداد والأصنام، وكل معبود من # PageV00P068 # دون الله والبراءة ممن أشرك بالله وهذا لا يجتمع في اعتقاد طفل، بل قد ~~يشتد اجتماع ذلك عند العقلاء البالغين إلا من آثر الحجة، ورغب في العاقبة، ~~وخاف عذابا لا طاقة له به. # وإن قالوا: فكيف أوجبتم له حكم البلوغ وحكم النبي صلى الله عليه وسلم في ~~البلوغ كان في خمس عشرة سنة، ولم تكن هذه سن علي بن أبي طالب؟ وذلك أن حكمه ~~كان يوم الخندق في إجازته من أتت عليه خمس عشرة سنة (1). # قلنا لهم: إن آخر حد البلوغ هو [إكمال] خمسة عشر سنة، ولآخر حد البلوغ ~~آخر وأوسط يعلمه الله ويعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الحكم في خمس ~~عشرة سنة جعله الله حكما وقف العباد عليه، لأن أقل الخلق عقلا ms031 وأنقصهم طبعا ~~في القوة على المعرفة يتم بلوغه في خمس عشرة سنة. # وفي الناس تفاضل في سرعة البلوغ وكمال العقول فأول حد البلوغ هي منزلة ~~علي ابن أبي طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاث عشرة سنة، وآخر حد ~~البلوغ هي منزلة عبد الله بن عمر وهو خمس عشرة سنة، وبين ذلك وقت البلوغ ~~على قدره لتفاضل الناس في العقول وذلك معروف في التعارف والعادة وما عليه ~~الصغار والكبار من التفاضل في الحفظ والعلم والفطن والبلوغ من الاحتلام ~~والحيض وذلك أيضا معروف في صفة الصبيان في الكتاتيب والصناعات [فإنهم] ~~مختلفون في حفظهم وقوتهم على التعليم، وقد يوظف المعلم على كل صبي ما ~~يحتمله حفظه، وتضبطه معرفته. # ولله أحكام كثيرة هي مثال ما قلنا [ه] في البلوغ، في أن البلوغ حد له أول ~~وآخر # PageV00P069 # وواسط، كما حكم صلى الله عليه وسلم في وقت صلاة الظهر أن أوله أن يكون ظل ~~كل شئ مثله، وآخره أن يكون ظل كل شئ مثليه، وقال صل الله عليه وسلم: ما بين ~~هذين وقت لأمتي. وكذلك ما وقت في صلاة العصر على هذا المثال. # قلنا: فقد أبان الله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن جميع المؤمنين في ~~عقله فجعله أول الناس بلوغا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأقدمهم إسلاما، ~~وكان في سن الأطفال، وعقول البالغين، فبان عقله وتقدم في إسلامه وتكليفه. # وأنتم قد تعلمون أن منزلة النبي صلى الله عليه وسلم في البلوغ / 19 / ~~والعقل ليست كمنزلة الخلق، كذلك كان في صغر سنه يعرف بالوقار والحلم ~~والوفاء والصدق والرجاحة في علمه. # [وإنما أطلنا الكلام] ليعلموا أن حكم البلوغ يختلف، وأن الناس يتفاضلون ~~فيه، فمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم لم يلحقها أحد، ومنزلة علي دونها لم ~~يلحقها أحد. ليعلموا أن أموره عند الفكرة فيها والاستنباط لها منزلة على ~~البينونة من الناس والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم لذلك استحق أن يكون ~~منه بمنزلة هارون من موسى - صلوات الله على محمد ms032 وعلى من تقدمه من الأنبياء ~~- وقد رويتم أنه اصطفاه لإخوته، وقال: # علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (1). # وقد رويتم ما قلنا [ه] في الأثر: ذكروا أن عليا دخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم وخديجة يصليان، فلما فرغ قال له ~~علي: ما هذا الذي رأيتك فعلت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا دين الله ~~- يا علي - الذي بعثني به فأدخل فيه. فقال له علي بن أبي طالب: انظرني حتى ~~أتفكر فيه الليلة. # PageV00P070 # فأنظره، ثم أصبح مسلما بعد الروية والفكرة. # فليس هذا فعل طفل ولا جوابه، ولا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم دعاء ~~طفل. # ويروى عن زيد بن علي عليه السلام، أن عليا أتى بغلام قد سرق فقال: حلوا ~~مئزره وانظروا إليه. فنظروا فلم يجدوا شيئا، فقال خلوا سبيله، وقال: الغلام ~~إذا أتت عليه اثنتا عشر سنة جرى عليه الحكم وله فيما بينه وبين الله، ~~والجارية إذا أتت عليها عشر سنين جرى عليها [الحكم] ولها فيما بينها وبين ~~الله، وإذا بدت العانات جرت الحدود. # فهذا في الأثر قد أتى وإن كان ما قلنا [ه] قد وجب بحجة الخبر، ودللنا على ~~معرفته بالقياس وحسن النظر. # وفي مثله وتحقيقه يؤثر عن أسماء بنت عميس، قالت: كنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأسند ظهره إلى قبة ثم قال: لأقولن اليوم كما قال أخي موسى صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم اغفر لي ذنبي، واشرح لي صدري، واجعل لي وزيرا من ~~أهلي عليا أخي اشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك ~~كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا (1). # فأشهد أن الله قد أجابه وشفع مسألته، ثم أمره بأن يشهر ذلك لأمته في حجة ~~الوداع تأكيدا وإظهارا لأمر الله، لتقوم بذلك الحجة على الخليقة، وينقطع ~~عذر الناصبة النابتة والمرجئة، فقام خطيبا فقال: ألست أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم؟ قالوا: اللهم نعم. # فقال: ألست أولى بكل مؤمنة من نفسها؟ (2) قالوا: اللهم نعم. فأخذ بيد ms033 علي ~~وقال: # PageV00P071 # من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. # فهذا يصدق من قلته من الرواية، ويقطع علة كل معتل يلتمس إدخال شبهة من ~~أهل الكلام والنابتة والمرجئة، لأن هذا خبر قد بانت حجته، وثبتت أسبابه ~~وأركانه، وما قلنا [ه] من طريق النظر فقد تقصينا بما فيه كفاية مما لا يمكن ~~للمخالف أن يدخل في ذلك شبهة، وثبت ذلك بحجة واضحة بغاية ما يكون للمخالفين ~~من الدحل - فنحمد الله على ما أعطى وأنعم - ففضيلة السبق في الإسلام قد ~~ثبتت [لعلي] وصحت. # وفي الإسلام فضيلة أخرى [لعلي] تتلو ما تقدم، وهو أن إسلام أبي بكر كان ~~عن كفر تقدم، وإسلام علي عن غير خطأ وزلل (1) فكيف لا تكون هذه فضيلة ثابتة ~~وقد بانت بها الرسل قبله، تكون معها الرسالة، كيف لا تكون لعلي فضيلة لأنها ~~من معاني الطهارة، وزوال التهم، وازدياد في الحجج. # فإن قال قائل: فأنت أفضل من أبي بكر / 20 / لأنك أسلمت لا عن كفر، وأسلم ~~أبو بكر عن كفر. # قلنا: ليس ما قلت قياسا [صائبا] لأن أبا بكر وعليا كانا في زمن واحد بين ~~قوم مشركين، أحدهما قد نشأ وعقل فبعد (2) وقصد وأشرك وكفر - ولله عليه في ~~تلك الحال حجج من قبل الرسل قائمة -. # وعلي في تلك الحال قد نشأ في دار الشرك والكفر كما نشأ أبو بكر، فلا ~~قرعته الحجة أسلم ولم يجحد، وآمن ولم يكفر ومنزلتي مخالفة لهذه المنازل، ~~لأني إنما نشأت في دار الإسلام والإيمان، وولدت # PageV00P072 # على ذلك، وتلك منزلة الأب والأم [و] ليس بتلك المنزلة علي بن أبي طالب ~~وأبو بكر [لأنهما] استويا في الولادة في دار الشرك، وفي كفر الأب والأم، ثم ~~اختلفا في الإسلام، فخلص له الفضل على أبي بكر، إذ اتفقت العلل والأسباب، ~~واختلفا في الكفر والإيمان. # وفرق [آخر] أيضا فيما سألتم عني وعن أبي بكر وذلك لأن أبا بكر قد بان مني ~~بأمور كثيرة لا أقاس أنا به، وأكون بهذه الخصلة مقدما عليه، لو كنت له ms034 ~~مساويا في الأمور كلها خلاف هذه الخصلة لكنت منه باينا. # وأمور على كلها تؤكد تقدمه عليه وفضيلته في الخصلة التي ذكرناها. # فإن قال قائل: قد نجد لأبي بكر فضيلة في السبق ليست لعلي (1) بدلالة ~~الآية: # [10 / من سورة الحديد] وهي قوله: " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى " لأنه أسلم أبو بكر وهو ذو مال فأنفقه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين حتى قال: لقد نفعنا مال أبي بكر. # قلنا: إن الله لم يذكر إنفاق المال مفردا، وإنما قرن معها (2) فضيلة بان ~~بها علي على أبي بكر وهو سبق علي إلى القتال فلما قرن الله الإنفاق مع ~~القتال وكان لأبي بكر الإنفاق (3) دون القتال حصلت الفضيلة لعلي بن أبي ~~طالب بالقتال. # PageV00P073 # فإن قال قائل: ولم جعلت فضيلة القتال لعلي إذ تفرد بها ولا تجعل فضيلة ~~الإنفاق لأبي بكر إذ تفرد بها؟ # قلنا: لأن الله قد ندبهما جميعا إلى القتال ولم يندبهما إلى الإنفاق فلا ~~يلزم عليا التقصير في الإنفاق لأن الله لم يندبه إليه، ووجب على أبي بكر ~~التقصير في فضيلة القتال لأنه مندوب إليه، وعلي غير مندوب إلى الإنفاق، ولو ~~كان لهما جميعا مال قد ندبا إلى الإنفاق منه، فأنفق أحدهما ولم ينفق الآخر ~~كان صاحب الإنفاق أفضل، كما أنهما PageV00P074 # لما اتفقا في ندبة القتال فقاتل أحدهما ولم يقاتل الآخر كان صاحب القتال ~~أفضل. # فهذا في الحجة مؤكد لما تقدم، وعلى مثال ما قلنا، بل أدل وأبين وقد استوت ~~حاله فيما يمكن به القتال مع وجوب الأمر عليهما، ففضل من أقدم عن منزلة من ~~منزلة من أنفق إذ كان معدما والآخر موجدا فقد استوت حالهما في الأمر في ~~القتال وقد مكنا، واختلفت حالهما في المال في العدم والوجود، فالذي قاتل قد ~~فضل على من لم يقاتل إذ كانا جميعا قد ندبا إلى القتال ولم يكونا جميعا ~~مندوبين إلى الإنفاق، فلم يفضل من أنفق ms035 على من لم ينفق، إذ لم يكن ~~[الإنفاق] مأمورا به. # فتفهموا ما قلنا، والطفوا في النظر فما بقيت لكم غاية في النقض إلا وقد ~~ذكرتها فصرت من المسألة إلى آخرها وحد الكلام فيها ولم أغتنم تقصيركم عن ~~غايتها وعجزكم عن القيام بها وتوليت من أموركم كلما سبق إلى قلبي أنه يجري ~~في عللكم وألزمت نفسي الصدق فيما لي ولكم، وجانبت الهوى في الميل عليكم ~~ففعلت ذلك لخلال. # أولها: أداء ما يجب لله [علي] من المبالغة في الطلب والاجتهاد في النظر. # والثانية: لأن ينقطع العلل والقال ممن يدعي النظر فلا يقول: أغفل وقصر. ~~PageV00P075 # والثالثة: أردت أن أحاشيكم إلى مثل هذه الطريقة الواسطة / 21 / المثلى ~~لنكون نحن وأنتم عليها في النظر فيما اختلفنا فلا نتعدى في المقال، ولا ~~نتعسف الكلام بالدعوى دون الحجة والبيان وترك الإنصاف. # وبالله لقد صدقتكم عن نفسي ومحضت لكم نصحي، ولم أبق لكم علة في مبلغ ~~اجتهادي، وبالله عصمتي وتوفيقي. # ومتى جعلتم الدعوى حجة وسلحتم بالتعسف والمكابرة، تركناكم والرافضة، فقد ~~يقصر دعواكم عند دعواها، وتقلون عن مناظرتها، وتضطركم إلينا فأعينونا على ~~نصحكم بالإنصاف وحسن التفهم، وسأزيدكم في فضيلة السبق شرحا يزيد في إيضاح ~~الحق تبيانا فأحضرونا أفهامكم. # قد تعلمون أن الله امتحن عباده بالشدة والرخاء والنعمة والبلاء ليبلوهم ~~أيهم أحسن عملا. # فمما امتحن به عباده الفقر والغنى فمنزلة علي الفقر، في إسلامه، ومنزلة ~~أبي بكر الغنى في إيمانه. فالغنى نعمة قد أوجب الله الشكر عليها، وفي الشكر ~~عليها منازل: # منها أداء الفرض، ومنها التطوع بأبواب البر، فالفرض على الغني الزكاة في ~~ماله، والتطوع في الغنى فالنفقة في أبواب البر، وسد الخلة، ومواساة أهل ~~الحاجة. # والفقر بلية امتحن الله بها الفقير [و] قد أوجب الله الصبر عليها، وللصبر ~~(1) منازل: # منها فرض، ومنها تطوع. # قلنا: فأبو بكر قد جاز في منزلة الشكر حد الفرض، وصار إلى التنفل بماله، ~~والتطوع بإنفاقه (2). # PageV00P076 # وكذلك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قد جاز بالصبر حد الفرض وبلغ من ~~صبره بأن احتمل ما لم ms036 يحتمله غيره، وبذل من نفسه ما لم يكلفه، وستذكر ~~تفسيره في موضعه إن شاء الله. # قلنا: فأسلم أبو بكر غنيا شكورا، وأسلم علي بن أبي طالب رحمه الله فقيرا ~~صبورا، فأنى يكون أبو بكر في إنفاقه المال مقدما؟!. # على أن بينهما فرقا لطيفا يوجب للصابر ما للشاكر، ولا يوجب للشاكر ما ~~للصابر لأنه قد يقال للصابر على البلاء: أحمد الله واشكره على ما ابتلاك ~~به، ولا يقال لصاحب العافية: أحمد الله والصبر على الغنى والعافية. # وبمثل هذا قد يفرق بين الأنصاري والمهاجري، إن معنى الأنصاري قد دخل في ~~فعل المهاجري بالنصرة لله والرسول صلى الله عليه وسلم، فالنصرة لله ورسوله ~~داخل (1) في فعل المهاجري، والهجرة لا تدخل في فعل الأنصاري، [و] لذلك فإن ~~المهاجرين أفضل من الأنصار وارفع منزلة. # ففضل إسلام علي مع فقره على أبي بكر مع غناه كفضل المهاجرين على الأنصار ~~لأن محنة الفقراء أعظم من محنة الأغنياء، كما أن محنة الهجرة أعظم من ~~غيرها، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر ممتحنا. # فأسلم علي بن أبي طالب مع فقره، ونابذ قومه مع فاقته، وخلع الدنيا [عن ~~نفسه] مع حداثته وحاجته، وكثرة دواعيه ونوازعه، فقمع الشهوة بصحة العزيمة، ~~وأزال الوحشة بالانقطاع إلى الله، واعتصم بالتقوى، وتقوى بالتوكل (2) وفارق ~~القرابة، واستبدل بها الأنس بالله، وكابد المشقة بحسن الفكرة، واستعمل ~~الصبر بيقين القلب. # قلنا: فالفقر محنة عظيمة قد افتتن بها الخلق عامة، وهتكت ستر أكثر ~~الخاصة، # PageV00P077 # وبخاصة فقر من خرج من السعة إلى الضيق، ومن الجماعة إلى الوحدة، ومن ~~الكفاية إلى من هو في مثل حاله في فقره، وقلة ذات يده. # نعم ثم [كان] ينتقص بالفقر، ويعير به في وقت قد عم تمكن الإسلام واعتدل ~~بأهله، وقوي بظهوره حين خطب النبي صلى الله عليه وسلم لعلي فاطمة عليهما ~~السلام، عيرته قريش بالفقر، وقلة المال، وألقوا ذلك إلى فاطمة عليها ~~السلام، حتى شكت / 22 / إلى أبيها، وقالت: " زوجتني أحدثهم سنا، وأقلهم ~~مالا " (1) فقال لها: إن الله زوجك [منه] (2) من ms037 السماء، ولو علم خيرا منه ~~لزوجك منه. # فهيهات هيهات، من يصبر على محنة الفقر أيام حياته، ويقاسي عدم الكفاية ~~أيام بقائه؟ إلا من قلت الدنيا في عينه، وباشر من حقائق الصبر ما سره، وقوى ~~من قمع [هوى] النفس وزمها، وحسن تأديبها على ما قوي عليه، رضي الله عنه ~~وبيض وجهه. # فلذلك أجرى الله على لسانه ينابيع الحكمة، وعرفه داء الدنيا ودواءها، وما ~~يحل بأهلها من أجل طلبها. # فتدبروا كلامه، وتفهموا صفاته لتعلموا أن المعرفة الثابتة أدته إلى هذه ~~المنزلة [و] هو القائل في صبر العلماء، وما يلقون من مصائب الدنيا في بعض ~~كلامه لكميل بن زياد. # PageV00P078 # باب [في بعض] ما [ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام من ينابيع الحكم] ذكر ~~عن كميل بن زياد رحمه الله أنه قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، فأخرجني إلى الصحراء، فلما أصحرنا، تنفس الصعداء، ثم ~~قال: # يا كميل بن زياد، إن أول من أسس بنيان العمى وأدام توثب الجهل (1) تعسفا ~~فظن أنه ظفر، وجاز عن دليل إحكام الحق، فتداكت عليه الأمور، وتقحم في ~~المهالك، [و] يحسب أنه قد أحسن صنعا، فتداولته الشبهات، وتعاورته الجهالات، ~~فهو في ظلما [ت] إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورا، فما ~~له من نور، فرام إبطال حق تولى الله إثباته، وقامت العلماء [با] لله بحججه ~~وبراهينه، يمنعون عنه الظلم، وزحاريف أهل الهوى، وأباطيل أهل الخطاء، فأخر ~~ما قدم الله، وقدم ما أخر الله، ونقض الميثاق، وفرق الجماعات فأرعد وأبرق. # ثم قال [عليه السلام] (2): # يا كميل إن هذه القلوب أوعية، وخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أوصيك به، ولا ~~تبغ بوصيتي بدلا: # PageV00P079 # الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ~~ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. # يا كميل العلم خير لك من المال، العلم حاكم والمال محكوم عليه، والعلم ~~يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم يزكو على الإنفاق، والمال ms038 تنقصه النفقة. # يا كميل محبة العلم دين يدان به، العلم يكسب به الطاعة في حياته، وجميل ~~الأحدوثة بعد وفاته. # يا كميل هلك خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، عيونهم ~~مفقودة، وأمثالهم في الناس موجودة، ثابتة راسخة (1) قال: ثم قال: أوه أوه ~~وأومأ بيده إلى صدره [ثم قال:] إن ها هنا لعلما جما لو أجد له حملة؟! بلى ~~قد أجد لقنا غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا، أو مستظهرا بنعم ~~الله على أوليائه، وبحججه على كتابه، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في ~~أحنائه. يقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة (2) - فلا ذا، ولا ذا، ولا ذا ~~- ومنهم من هو منهوم باللذة، سلس القياد للشهوة (3) أو منهوم بالجمع ~~والادخار، ليسوا من رعاة الدين والعلم في شئ، أقرب شبها بهم الأنعام ~~السائمة (4) كذلك يموت العلم بموت حامله، وموت حامله الترك لاستعماله، # PageV00P080 # لأن من عصى الله أموات غير أحياء، وما يشعرون (1). # [اللهم] بلى لا تخلو الأرض من قائم لك بحجة يقوم بالحق والصدق إما ظاهرا ~~معلوما، وإما خائفا مقهورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم وعسى؟ وأين؟ # أولئك الأقلون عددا، والأعظمون عند الله قدرا، بهم يحفظ الله حججه ~~وبيناته حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم ~~على حقيقة البصيرة (2) فباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعر منه ~~المترفون / 23 / واستأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا أيام ~~حياتهم، وقلوبهم معلقة بالمحل الأعلى (3). # ثم قال: يا كميل اطلبهم. قلت: يا أمير المؤمنين وأين أطلبهم؟! قال: ~~اطلبهم في أطراف الأرض [تجدهم] قد اتخذوا الأرض بساطا، والماء طيبا، ~~واليقين زادا، والقرآن شعارا. # [تجدهم] رمص العيون، دنس الثياب، يقرضون الدنيا قرضا قرضا. # إن غابوا لم يتفقدوا (4) وإن حضروا لم يعرفوا، وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن ~~قالوا استهدف بكلامهم. # PageV00P081 # أولئك عباد الله حقا حقا [و] خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه (1). # ثم قال (2): قد أصبحتم في عمياء مظلمة سوداء مزبدة، تقلبكم [من] فينة إلى ~~فينة (3) قد تعلقت عليكم ms039 أبوابها، وذهبت ألباؤها، وليس لكم فيها سبيل هدى، ~~ولا تعرفون فيها سبيل نجاة، فأعلام دينكم طامسة، وآثار نبيكم دارسة، ~~والمنكرات فيكم فاشية، زالت عنكم النعم، بترككم الطاعة، والميل مع أهل ~~الضلالة، والركون إلى العاجلة. # فلو شكرتم الله على ما استخلفكم عليه من نصر دينه، والذب عن كتابه، ~~لوفاكم نعيم الدنيا، وثواب الآخرة. # ثم قال (4): سلوني قبل أن تفقدوني. # فقام إليه رجل وهو صعصعة بن صوحان، فقال له: يا صعصعة (5) اعقد أصابعك ~~إذا أضاع الناس الأمانة، وأكلوا الربا، وشيدوا البناء، وسفكوا الدماء، ~~واستعملوا السفهاء على الأحكام، وكان الحليم ضعيفا، والظالم مقتدرا، ~~والأمراء فجرة، والقراء فسقة، وظهر الجورة، وكثر الطلاق، وقول البهتان، ~~وحليت المصاحف، وزخرفت # PageV00P082 # المساجد، وحربت القلوب، وتقطعت العهود، وعملت المعازف، وشربت الخمور، ~~وركبت [ذات] الفروج السروج، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وكان ~~السلام للمعرفة والشهادة من غير أن يستشهد [و] لبسوا جلود الضأن على قلوب ~~الذئاب، [و] قلوبهم أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، والتمس طمع الدنيا، ~~بعمل الآخرة، وتفقه (1) لغير الدين، فالنجا النجا [و] الجد الجد هربا من ~~الناس، نعم المسكن يومئذ عبادان (2) النائم فيها كالمجاهد في سبيل الله، من ~~رابط فيها أربعين يوما وليلة فقد أدى ما يجب عليه، ومن أشركني في رباط ~~أربعين يوما وليلة، أشركته في صحبتي محمدا صلى الله عليه وسلم، وعلى ~~الأخيار من آله. # ثم قال: لما رأينا التدبير (3) متصلا والتقدير معتدلا، علمنا أن للأشياء ~~صانعا حكيما، وأستغفر الله لي ولك إذا شئت يا كميل [فانصرف]. # فعلى هذه الجملة كان رضي الله عنه. # وذكر عنه أيضا، رضي الله عنه أنه قال: # إن لله خالصة من عباده، ونجباء من خلقه، وصفوة من بريته، صحبوا الدنيا ~~بأبدان أرواحها معلقة بالملكوت الأعلى، أولئك أشباه الروحانيين في الدنيا ~~أمثالهم فينا قليل. أولئك نجباء الله من عباده وأمناؤه في بلاده، والدعاة ~~إلى معرفته، والوسيلة إلى دينه، هيهات هيهات بعدوا وفاتوا، ووارتهم بطون ~~الأرض وفجاجها. # على أنه لم يخل الأرض من حجة لله على خلقه، لأن لا تبطل حجج الله ms040 ~~وبيناته. # هيهات هيهات أولئك قوم اصطفاهم الله لمعرفته، فحجبهم عن عيون خلقه، # PageV00P083 # وقطع بهم عن امتحان الصبر، وحاد بهم عن آفات الدنيا وفتنتها، ألا وهم ~~الذين قطعوا أودية الشكوك باليقين، وجازوا ظلم الاشتباه بنور البصائر (1) ~~واستعانوا على أعمال الفرائض بالعلم، واستدلوا على فساد العمل بالمعرفة (2) ~~فهربوا عن وحشة الغفلة عما خلقوا له بالتنقل، وتسربلوا العلم باتقاء الجهل، ~~واحتجزوا عن غرة الاضطراب بخوف الوعيد، وجدوا في صدق الأعمال لإدراك ~~الثواب، وخلو عن الطمع / 24 / الكاذب مع معانقة الهوى، وقطعوا منها ~~الارتياب بروح اليقين، واستضاؤا بنور الآخرة في ظلم الدنيا [ظ] وأدحضوا حجج ~~المبتدعين باتباع السنن، وبادروا بالانتقال عن المكروه قبل فوات الإمكان، ~~وسارعوا في الاحسان تعرضا للعفو عن الإساءة، وتلقوا النعم بالشكر استجلابا ~~للمزيد، وصيروه نصب أعينهم عند خواطر الهمم، وحركات الجوارح. # عملوا [ظ] فأخلصوا فادخروا ما عملوا ليوم الجزاء، ولم يبدلوه بالثمن ~~الوكس في الدنيا، والطمع الكاذب، فلجأوا بهذه الأدوات إلى معاقل الإيمان، ~~وتحصنوا من مكائد الشيطان، ومردة الإنس بحصن التوحيد، وتجردوا من سوء ضمائر ~~الأنفس بأعمال الإخلاص، واحتجبوا من تقلب الهوى بلزوم الحق، فوسمهم ذلك ~~بسيماء المتقين، وشواهد الصالحين. # أولئك قوم قطعوا الدنيا بالقوت من الحلال، ودافعوها بالراح، للتجربة ~~والبلاغ لنفاد المدة وانقطاع الأكل، وأحسنوا صحبتها بحسن السيرة منهم في ~~الأخلاق والآداب واصطفوا نور بهجتها، وتلألي زينتها، بحسن وصف الآخرة. # أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا، والماء طيبا، وبقاع الأرض مساجد، ومساجدها ~~بيوتا، وبيوتها كمنازل الأضياف. # PageV00P084 # أولئك قوم نزع الله ما في قلوبهم من غل وطهرهم تطهيرا، وسلم قبولهم من ~~الريب والشك فأنقاها، فأصبحوا وبطونهم خميصة من أموال الناس، وأيديهم نقية، ~~وظهورهم خفيفة " يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاما، ~~وإذا مروا باللغو مروا كراما " (1). # أولئك قوم عرفوا الناس ولم يعرفوهم، بل عرفهم الله منه برضوان، فجعلهم ~~مصابيح الهدى، وجلا بهم كل فتنة مضلة (2). # أولئك قوم عرفوا الدنيا بأبصار عيونهم، وصحبوها بأبدانهم، وعرفوا الآخرة ~~بأبصار قلوبهم، وصحبوها بأرواحهم، فعاينوا بأبصار قلوبهم من ملك الآخرة، ~~كبهجة ما عاينوا بأبصار ms041 عيونهم من زينة الدنيا، فزهدوا في الدنيا عيانا، ~~ورغبوا فيما عاينوا بأبصار قلوبهم من ملك الآخرة، فأكلوا قصدا، وقدموا ~~فضلا، وأحرزوا ذخرا، وشمروا في طلب البغية، بالسير الحثيث، والأعمال ~~الزكية، وهم يظنون - بل لا يشكون - أنهم مقصرون! وذلك لأنهم عقلوا حتى ~~آمنوا، ثم آمنوا حتى أيقنوا، ثم أيقنوا حتى تعلموا، ثم تعلموا حتى علموا، ~~ثم علموا حتى غنموا، ثم أشفقوا حتى تفكروا ثم تفكروا حتى أبصروا، فلما ~~أبصروا تسورت عليهم طوارق أحزان الآخرة، وقطع بهم الحزن عن حركات الألسن ~~للكلام، وكلت ألسنتهم من غير عي من محاسن الوصف بالحكمة خوف التزين به ~~فيسقطوا عند الله فأمسكوا، وإن حاجة أحدهم لتتلجلج في صدره، ما يأذن لنفسه ~~في إظهارها خوفا من شر نفسه، فأصبحوا - والله يا أخي مع حسن هذا الوصف - في ~~الدنيا مقهورين، وأمسوا فيها محزونين، مع عقول صحيحة، ويقين ثابت، وقلوب ~~شاكرة، وألسن ذاكرة، وأنفس ذليلة، وأبدان صابرة، وأنفس مقهورة، وجوارح ~~مطيعة، وأهواء معلقة بالملكوت الأعلى، معلقة أمرا عظيما. # PageV00P085 # تراهم إلى ذلك أهل دين، وشكر وسلامة، وتوكل ورضى، وإيمان، ويقين. # عقلوا عن الله مواعظه، فشغلوا الأدوات منهم فيما أمروا به وخلقوا له، ~~وقطعوا الدنيا بالصبر على لزوم الحق، وهجروا الهوى به لآلات عقولهم، ~~وتمسكوا بحصن التنزيل، وشريعة السنة، فصارت الدنيا لهم سجنا، وذلك إن ~~المسجون مصيره إلى راحة (1). # ثم خرجوا من الدنيا مغبوطين مغتبطين، فواها لوصفهم، بل واها لرؤيتهم / 25 ~~/ بل واها للمنية معهم، فما شئ على الله العزيز بأكرم منهم. # رجع الكلام إلى حديث كميل بن زياد بينه وبين أمير المؤمنين، فقال كميل: ~~كان والله أمير المؤمنين رأس أهل هذه الصفات الجميلة، فلذلك استلان عنده كل ~~شديدة في جنب الله، فآنس عند كل وحشة ثقة منه بالله، ولذلك حفظ الله به ~~بيناته وحججه حتى زرعها في قلوب أتباعه وأوليائه، وباشر روح اليقين بما من ~~الله عليه. # PageV00P086 # [تقسيم مخالفي أمير المؤمنين عليه السلام على طبقات ثلاث خاسرة هالكة]. # وأما صفة من خالفه فعلى طبقات ثلاث: من منقاد للشهوة - وهم الذين ms042 بايعوه، ~~فلما أملوا أن ينيلهم من الدنيا شيئا فلم يفعل، رجعوا إلى نكث البيعة، وطلب ~~الدنيا، وتشتت الكلمة - أو منقاد لأهل الحق لا بصيرة له وهم الذين تخلفوا ~~عن بيعته رضي الله عنه (1) قدح الشك في قلوبهم لأول عارض من شبهة، فلا هم ~~نصروا الحق وكانوا مع أهله (2) ولا هم تعمدوا الخطأ بالمعاندة، فهم في ~~منزلة الوقف، أقعدهم الشك لأول عارض من شبهة. # [أو منهوم وحريص بالجمع والادخار] وأتباعهم كالأنعام السائمة [التابعة] ~~لكل ناعق، أتباع لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. # فارجعوا وفقكم الله إلى تفهم ما قلنا [ه] فقد بان القول في منزلة المتقدم ~~في الإسلام ووضحت فضيلته، وأن محنة الفقراء أعظم من محنة الأغنياء، لذلك ~~يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الفقراء يدخلون الجنة قبل ~~الأغنياء بأربعين عاما. # ورويتم عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو شئت أن أكفر الناس لكفرتهم؟! # قالوا: وكيف ذلك؟ قال: أمنعهم حقوقهم، فيكفرون، لأن الصبر على الفقير ~~شديد. # PageV00P087 # [فضيلة علي خاصة وبني هاشم عامة على سائر المؤمنين بما ابتلوا وتحملوا في ~~أيام حصر النبي في شعب أبي طالب من الضنك الشديد والحرج البالغ أقصى حده] ~~وله في بدء إسلامه فضيلة شريفة اكتسبها، ومحن عظام اختص بها [وكان] أبو بكر ~~منها بمعزل، فتدبروا رحمكم الله ما نحن واصفون، وارفضوا الميل والتعصب، ~~واستعملوا الإنصاف بحسن التقهم، فقد بان تنقيصكم وتقصيركم فيما يجب من حقه ~~ومعرفة فضله، وبان ذلك في قولكم إذ دان بعضكم بالوقف في حروبه وإمامته. # وبعضكم زعم أن تولية أبي بكر كانت لتفضيل منه عليه، لذلك كان أولى ~~بالإمامة منه. # ثم فكروا فيما امتحن به علي بن أبي طالب من حصار الشعب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وما رأى من الذل في نفسه وقرابته، فبان صبره، وخرج حميدا محمودا ~~رضي الله عنه، وأبو بكر مع أهله في أمن وسعة. # فهذه فضيلة في بدء إسلامهم، ليس لأبي بكر مثلها، وهي من أعظم المصائب ~~كانت على بني هاشم، ms043 لأن العرب تعاقدت وتحالفت أن لا يبايعوهم، ولا يأمنوا ~~فيهم حتى يدفعوا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه. # وكان علي رضي الله عنه يحمل إليهم الطعام مسارقة [كانوا] يمنعون من ~~المبايعة. # فقد بان [فضله] في فضيلة السبق إلى الإسلام على جميع السابقين. ~~PageV00P088 # [أفضلية علي عليه السلام على كافة المؤمنين في منازل الجهاد وميادين بذل ~~النفس والتفادي في سبيل الله] ونحن ذاكرون بعد السبق إلى الإسلام منازل ~~الجهاد: # قلنا: وفضيلة الجهاد تكون بآلات مجتمعة وأسباب معروفة، منها: الشدة في ~~البدن، والشجاعة في النفس، والعلم بالثقافة، والحذر والفروسية. فالشرف في ~~منزلة الجهاد يكون باستعمال الآلة، ولقاء الأبطال، وضرب الأقران، والتغرير ~~بالنفس، وإلقائها بين الأسنة، والأهوال والمخاطرة وفاءا لله بعهده، ~~واستئناسا ببيعته (1). # فالمذكور من أهل الشجاعة والنجدة علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب ~~والزبير بن العوام، وأبو دجانة الأنصاري، وخالد بن الوليد، ليس / 26 / أحد ~~يعد أبا بكر ولا عمر مع المذكورين بالحرب والشجاعة، والطعن بالأسنة (2) ~~فنظرنا في أحواله، وأموره في حروبه، فإذا هو بائن ممن ذكرنا [ه] جامع ~~لأسباب الجهاد، متقدم في الآلة والفعل، فاجتمع الفضل فيه على حسب اجتماع ~~أسبابه وآلاته. # وحمزة بن (3) عبد المطلب وإن كان رجلا شجاعا مقداما حمولا، فقد كان للحذر # PageV00P089 # مضيعا، ولم يكن بالثقافة موصوفا. # وكان أبو دجانة رجلا يقاتل بالسيف دون الرمح، ولم يكن بالفروسية مذكورا. # وكان الزبير فارسا، ولم يكن كذلك راجلا. # وكان أبو الحسن لهذه الأمور جامعا، وكان بالسيف ضروبا، وبالرمح طعانا، ~~وبالفراسة والشجاعة موصوفا، وبالشدة معروفا، وللحذر مستعملا ويدلك على ذلك ~~[ما و] صفه [به] وحشي [حيث] إنه قال: لما وقفت نفسي " بعير " (1) قريبا من ~~أحد أردت النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو لا تناله الأيدي. # ثم أقبل علي بيده سيف يفري، وخيل إلي أن في كل جارحة من جوارحه عينا تنظر ~~إلي، فلما نظرت إلى من هذه حاله قلت: تراكها تراكها، لست من هذا ولا هذا ~~مني. # ثم أقبل حمزة كأنه فحل يهشم بليسا (2) يقاتل بسيفين وهو يقول: ms044 أنا أسد ~~الله وأسد رسوله. فاهتبلتها فدفعت حربة كانت في يدي فوقعت في ثنته وقضى، ~~فوالله ما أغسل عنى عارها. # ثم كانت نكايته في أكثر الحروب، وبأسه أشد ممن ذكرنا [ه] من أهل النجدة. # فهذه فعله مشهور يوم بدر، كان عدد القتلى [فيه] نيفا وأربعين كان له ~~عشرون [خاصا] وشاركهم في البقية. # وهذا يوم الخندق خرج عمرو بن عبد ود [و] دعا إلى البراز فأحجم الناس عنه ~~في كل ذلك يقوم إليه علي رضي الله عنه فيكفه النبي صلى الله عليه. # PageV00P090 # وما كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم إلا دلالة على علي ليظهر ويكشف ~~فضيلته على غيره للناس إذ لم يقدم عليه غيره، والدليل على ذلك كفه له ثم ~~إذنه له بعد أن أحجم الناس. # ومما يحقق ذلك أيضا من فعل الرسول صلى الله عليه قوله يوم بدر: قوموا يا ~~بني هاشم فقاتلوا عن دينكم. وكان يقدمهم قبل الناس في الحروب. # فلما كان يوم الخندق فعل بعلي ما رأيتم بكفه عن المبادرة إلى عمرو، فلما ~~بان إمساك الناس عنه، وتخلفهم عن الإقدام عليه، قام علي بن أبي طالب صلوات ~~الله عليه في المرة الثالثة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا علي إنه ~~عمرو بن عبد ود - تأكيدا لما قلنا [ه] وتنبيها لمن كان له قلب أنه أراد ~~بذلك الدلالة على تقدم علي وتفضيله - فقال له علي: وأنا علي بن أبي طالب يا ~~رسول الله. # فعممه بيده، وقلده سيفه ذا الفقار، فخرج إليه والمسلمون مشفقون، قد ~~اقشعرت جلودهم، وزاغت أبصارهم، وبلغت الحناجر قلوبهم، وظن قوم بالله الظنون ~~(1) والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو له بالنصر، ملح في ذلك، مستغيث بربه ~~ففرج الله به تلك الكرب، وأزال الظنون، وثبت اليقين بعلي بن أبي طالب، وقتل ~~عمرو بن عبد ود، وقبل ذلك ما زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن بالله ~~الظنون، وزلزل المؤمنون زلزالا شديدا، وقال المنافقون: ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا. # وفي ذلك يؤثر عن حذيفة بن ms045 اليمان أنه قال: لقد أيد الله تبارك وتعالى ~~رسوله والمؤمنين بعلي بن أبي طالب في موقفين، لو جمع جميع أعمال المؤمنين ~~لما عدل بهما يوم بدر ويوم الخندق (2) ثم قص قصته فيهما # PageV00P091 # فهذه أحواله مكشوفة، ومناقبه في الحروب معروفة، وفي الآثار مأثورة، وفي ~~السير مذكورة، وفي العامة ظاهرة مشهورة. # شهد [مع] النبي صلى الله عليه وسلم في جميع حروبه ومغازيه، فمرة يأخذ ~~الراية قدامه، ومرة يتمشى بسيفه بين يديه، ينفس الكرب عن وجه نبيه صلى الله ~~عليه [وسلم] وينصر الله في قتل أعدائه / 27 /. # فكم من مبارز قد قتله [وقد] أعي المبارزين قتله، وكم من قرن قد أكثر ~~المسلمون مقامه، وضاقت أنفسهم عنده، كفاهم ابن أبي طالب مؤنته، وسقاه الموت ~~بيده. # وتقدمه على المذكورين في الجهاد بين وفضله على المشاركين له في حروب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قائم. # وقال بعض المكابرين مقالة يعجب لها (1) من كانت فيه [أدنى] معرفة. # زعم أن فضيلة أبي بكر في الحروب أكثر، وفعله في الجهاد أعلا وأكبر!!! # قلنا وما هو؟ قال: تدبيره في الحروب ووقوفه مع النبي صلى الله عليه وسلم. # قلنا: أما وقوفه فلم يدفع أن يكون وقوف ناظر. فإن قلتم: كان وقوفه وقوف ~~محارب مقدم عند دنو المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإحاطتهم به ~~فأرونا فيه أثرا في تلك الحال، يجوز لقائل يقول: قد كان في موضع الكن ~~والحمل (2) فلذلك أصيب يده، أو شج رأسه، أو أصيب بدنه أو جوارحه، أو ~~[هاتوا] رواية في أنه أصاب # PageV00P092 # أحدا من قرب أو بعد فيكون علة للدعوى، وسببا لمن لم يتحر الحق يبصره أهل ~~الهدى (1) هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أدمي ساقه وكسرت رباعيته، ~~وطاعن بيده، وكان أبو بكر في هذه الحال معه يصنع ماذا؟ فإن قلتم [كان] ~~واقفا يتمنى بقلبه عز الإسلام، ويدعو ربه بالنصرة، ويفرح بظهور الدين ~~والظفر بالعدو، فتلك منزلة لا ندفعها بل نوجبها ونحققها لأبي بكر وهذه ~~منزلة حسان بن ثابت [المعروف بالجبن]. # فإن قالوا: ms046 إن ما قلتم فيه يوجب التنقص لأبي بكر، وهذا مذهب الرافضة في ~~عيبه. # قلنا لهم: ليس ما ذكرنا من ضعفه على الإقدام تنقصا له ولا عيبا لأنه قد ~~كان من صحة العزيمة والمحبة لعلو الدين وعز الإيمان ما لا يكون ضعفه عن ~~الشجاعة والإقدام عيبا ولا تنقصا. # وقد رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن وليتموها أبا بكر تجدوه ~~ضعيفا في بدنه قويا في أمر الله (2) فلم يكن ضعف بدنه عما قوي عليه قلب علي ~~تنقيصا ولا عيبا. # وأما ما ذكرتم من تدبيره ورأيه الذي لا أجد له علة في دعواكم، فقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قائما بحروبه متوليا لتدبيره بفضل رأيه ورجاحة ~~علمه، فبعض التدبير [كان] يتلقاه عن وحي الله، وبعض يستشير فيه أصحابه ~~تألفا واستعطافا، ثم يرجع بعد ذلك إلى رأيه وعزمه، فأرونا لأبي بكر تدبيرا ~~أو رأيا تروونه أنتم دون غيركم وتعلمونه في روايتكم دون رواية من خالفكم، ~~قد يروى أنه صلى الله عليه وسلم نزل منزلا في بعض حروبه، فقالت له الأنصار: ~~أبرأي منك يا رسول الله أم وحي؟ فقال: برأي، فأشاروا عليه بغيره فقبله، ~~فأرونا لأبي بكر مثل هذا الرأي وحده فنقبله ثم نعارضه بما هو أكبر منه!! # ثم العجب من عظم الغفلة وإعمال الهوى كيف يعمي صاحبه؟ وقد زعمتم أن # PageV00P093 # النبي صلى الله عليه وسلم ولي عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر ليس لفضله ~~عليهما في الدين ولكن لفضله عليهما في الرأي والتدبير، فكيف يفضل على علي ~~بن أبي طالب من فضله عمرو في تدبيره ورأيه؟ [وكيف] يكون معينا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم في الرأي والتدبير من هو المولى عليه لنقصان تدبيره (1) ولو ~~كانت كذلك لم يجعل عليه أمير. # ثم أنتم وغيركم تروون أن الردة لما حدثت في عهد أبي بكر أراد الخروج ~~بنفسه، فقال له علي: إنك إن خرجت إلى القوم لم يكن للمسلمين فئة يلجأون ~~إليها (2) فتخلف أنت ووجه إليهم لتكون لهم فئة من ورائهم، فعلم ms047 صواب رأيه، ~~ورجاحة ما دبره [ظ] فتخلف وقبل رأيه فحمد عاقبته. # PageV00P094 # [بيان أشعات من أنوار الآراء العلوية الصائبة، وإيراد قبسات من الأقوال ~~والتدابير المرتضوية الشامخة]. # فإن قالوا: فدلونا على فضل علي في الرأي والتدبير كما دللتم في فضله في ~~الشجاعة والجهاد، وقد تعلمون أن قريشا طعنت عليه في رأيه، وضعفته / 28 / في ~~تدبيره!! # قلنا لهم: أما تضعيف قريش له في تدبيره ورأيه، فبالعداوة والعصبية، لا ~~بحق طعنوا، ولا حجة [على دعواهم أقاموا] وإلا فليوقفونا من رأيه على غلط أو ~~خطأ. # والدليل على فضل رأيه ورجاحة تدبيره أنه لم يولى عليه [قط] أحد في جيش في ~~حروب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان من ضعف التدبير على ما ادعيتم ومن ~~الشجاعة على ما أقررتم كان في الرأي وصلاح الحروب أن يكون مأمورا في الحروب ~~ولا يكون أميرا فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم في أمره وتوليته دليل ~~واضح على ما قلنا ونفي ما قلتم. # وقد بلغه ما قالت قريش فكذبه وتعجب من قولها، وقال: لله أبوهم، وهل أحد ~~كان أشد مراسا لها مني؟ والله لقد نهضت فيها وأنا ابن عشرين، وها أنا ذا قد ~~نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (1). # ولذلك تمثل عند تركهم لرأيه بقول دريد بن الصمة (2): # PageV00P095 # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد وقد كان ~~رحمة الله عليه يترك الشئ من الرأي والتدبير عن معرفة، يمنعه من ذلك الخوف ~~من الله لأنه محرم في الدين، ويستعمله من خالفه كالغدر والخديعة والكذب ~~ونقض العهد والغارة والبيات وما أشبه ذلك فيظن الجاهل أن ذلك منه قلة معرفة ~~به، وأن من خالفه إنما صار إلى ذلك بفضل رأيه وقد ذكر ذلك في بعض كلامه ~~فمدح الوفاء، وعاب الغدر وانتهاز الفرصة بما لا يحل فقال رحمة الله عليه ~~وذكر الوفاء: # ذاك والله توأم الصدق، وما أعلم جنة أوقى منها، وما غدر من علم كيف ~~العواقب، وأيم الله لقد أصبحنا في زمن اتخذه أكثر ms048 أهله كيسا ونسبهم أهله ~~إلى حسن الحيلة ما لهم خيبهم الله قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها ~~حاجز من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين وبعد قدرة عليها، وينتهز فرصتها من ~~لا حريجة له في الدين (1). # نعم، ويجد على ذلك أعوانا غير مستبصرين، وما يرتاب في مثل هذا إلا ~~الجاهلون. # ولعمري أن عمرو بن العاص ومعاوية الغادر قد كان [كل واحد منهما] يعمل ~~رأيه إذا شرعت له الفرصة لا يحجزه عن ذلك خوف من الله وأمره فيحنث ويكذب ~~ويغير ويغدر. # فارتاب بمثل هذا من فعلهم من لا بصيرة له. وما ظنك بقوم لما انتبهوا عند ~~قتل عمار بن ياسر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن سمية تقتلك الفئة ~~الباغية (2) قال لهم معاوية: إنما قتله من أخرجه. فوجد قوما طغاما لا علم ~~لهم بكفر من إيمان ولا هدى من ضلال، أصحاب جفاء وجهل وارتياب فجاز عندهم ~~هذا الكلام، وظنوا أنه قد خرج من هذا السؤال، وأن قاتل عمار بن ياسر هو علي ~~دون معاوية. # PageV00P096 # فلما بلغ هذا من قوله علي بن أبي طالب قال للجفاة الطغام وأشباه الأنعام: ~~لو كنت أنا قتلت عمارا لأني أخرجته لكان رسول الله قتل حمزة وجميع من قتل ~~في حربه لأنه هو المخرج لهم. # فتؤازر معاوية وعمرو واستعانوا على علي بالمكيدة والغدر، واستعان عليه ~~آخرون بالتمويه والشبه وكلهم يعتل بطلب الدم، وإن كان بعضهم أجرى من بعض، ~~وأقدم على الفجور والإثم. ولقد ذكر أمير المؤمنين بيض الله وجهه بعد رجوعه ~~من البصرة من قعد عنه [وأنبهم] فقام إليه صاحب شرطته مالك بن حبيب ~~اليربوعي، فقال: إن التأنيب والهجر [لهم] لقليل، فمرنا بقتلهم، فوالله لئن ~~أمرتنا لنقتلنهم. فقال علي: سبحان الله يا مالك جزت المدى وعدوت الحكم، ~~وأغرقت في النزع. فقال: يا أمير المؤمنين لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من ~~مداهنة الأعادي. فقال علي: ليس هذا قضاء الله يا مالك، إنما النفس بالنفس، ~~فما بال ذكرك الغشم وقد قال الله / 29 / تبارك وتعالى: ms049 " ومن قتل مظلوما ~~فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " [33 / الإسراء: ~~17] والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك، فقد نهى الله عن ذلك، وذلك هو ~~الغشم الذي نهى الله عنه فتدبروا سيرته، وتصفحوا سياسته لتعلموا فضله في ~~رأيه وتدبيره وفضله في شجاعته وإسلامه وفضله عند الشدائد في صبره ويقينه. ~~وسنتكلف لكم جمع ذلك لتخف المؤنة عليكم، ونأتي من بيان ذلك بما فيه الشفاء ~~لكم. # ومما يؤثر عنه في صواب رأيه وتحقيق ما ذكرنا [ه] من توقيه وإيثاره الصواب ~~في اختياره [ما رواه أهل النقل]: # قالوا: لما بلغه قول الزبير وطلحة وتعريضهما [له] بالنكث، دعا بعبد الله ~~بن عباس وقال له: يا أبا العباس أما بلغك قول هذين الرجلين؟ قال: بلى. # قال: فما ترى؟ قال: أرى أن ينصفا حتى يذاقا، ولن يذاقا حتى يعملا، فول ~~طلحة PageV00P097 # البصرة، والزبير الكوفة فإنهما متى يليا ويبسطا أيديهما وألسنتهما استحقا ~~العزل واستوجبا البغض. # فضحك علي وقال: يا أبا العباس إن العراق بها الرجال والأموال، ومتى ~~يملكان رقاب الناس، يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء ويقويا ~~(1) على البغي بالسلطان!! ولو كنت مستعملا أحدا لنفعه أو لضره في يومه أو ~~غده، استعملت معاوية على الشام! ولولا ما ظهر لي من حرصهما كان لي فيهما ~~رأي. # فأي الرأيين عندكم أبلغ وأولى بالصواب وأوفق وأجمعهما للدنيا والدين؟ وقد ~~تعلمون فضل ابن عباس في رأيه، وأن عمر قد كان يستعين به على أمره. # فلم يؤت [علي] رضي الله عنه في أموره لسوء تدبير كان منه أو لغلط (2) في ~~رأي، غير أنه كان يؤثر الصواب عند الله في مخالفة الرأي ولا يؤثر الرأي في ~~مخالفة رضا ربه. # وقد كانت له خاصة من أهل البصائر واليقين من المهاجرين والأنصار، مثل ابن ~~عباس وعمار والمقداد وأبي أيوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت وأبي الهيثم بن ~~التيهان وقيس بن سعد [بن عبادة الأنصاري] ومن أشبه هؤلاء من أهل البصيرة ~~والمعرفة، فأفنتهم الحروب واخترمهم الموت. # وحصل معه من العامة قوم لم ms050 يتمكن العلم من قلوبهم، تبعوه مع ضعف البصيرة ~~واليقين، ليس لهم صبر المهاجرين، ولا يقين الأنصار، فطالت بهم تلك الحروب ~~واتصلت بعضها ببعض، وفني أهل البصيرة واليقين، وبقي من أهل الضعف في النية؟ # وقصر المعرفة من قد سئموا الحرب، وضجروا من القتل، فدخلهم الفشل، وطلبوا ~~الراحة، وتعلقوا بالأعاليل، فعندها قام فيهم خطيبا فقال: # [أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم ~~الصلاب، # PageV00P098 # وفعلكم يطمع فيكم الأعداء، تقولون في المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال ~~قلتم: حيدي حياد (1) ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، ~~أعاليل بأضاليل، وسألتموني التطويل دفاع ذي الدين المطول]. # [وقال:] ليتني لم أعرفكم معرفة جرت ندما [وأعقبت سدما] (2). # [وقال:] و [لقد] ملأتم قلبي غيظا (3) وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان ~~[حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب]. # وقد كانت هذه الأحوال مع النبي صلى الله عليه وسلم - وقد ظهرت أسباب ~~العزة (4) وقد جاءهم من الله اليقين - من ارتياب قوم وشك آخرين، وضعف قوم، ~~وتخلف قوم وانهزام قوم خلوا مراكزهم وولوا العدو أدبارهم، وفيهم يقول الله ~~تبارك وتعالى: # " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم " [153 / آل ~~عمران: 3]. # وفي المتخلفين يقول الله: " فاقعدوا مع الخالفين " [46 / التوبة: 9]. # وقال: " وإن منكم لمن ليبطأن فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله علي إذ ~~لم أكن معهم شهيدا " الآية: [72 / النساء: 4] فهذه الأحوال التي يذكرونها ~~في حروب علي عليه السلام، قد كانت في حروب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ~~جعلتموها علة للنقص، والخطأ في الرأي لولا الحيرة؟! # والنبي صلى الله عليه وسلم [كان] ينزل عليه الوحي ويعينه الله بالملائكة ~~[ومع # PageV00P099 # ذلك] فقد زاغت الأبصار من قوم / 30 / عند محنة كانت وضاقت صدورهم وظنوا ~~بالله الظنون فإن كنتم صادقين - ولا أخالكم إلا متعمدين - فاذكروا لنا رأيا ~~من رأيه، وغلظة من غلطاته، ضعفتم أمير المؤمنين رضي الله عنه في رأيه لولا ~~المعاندة. # [و] قد تعلمون شدة مقاساته للحروب ms051 (1) واضطلاعه بها، وما مني به من تراكم ~~المحن عليه، واجتماع أهل النكث والبغي على حرية [و] هو المتولي للاصطلاء ~~بحرها والقائم بلم شعثها، والداعي إلى الاجماع عليها منفردا بذلك ليس له ~~نظير يعينه - كما تعرفون لمن كان قبله - يكتب الكتائب، ويجند الجنود، ويبعث ~~البعوث، ويعبي العساكر، ويؤمر الأمراء، ويقوم بالخطب تحريضا وبيانا ~~وتأنيبا، ويوضح السنة ويتولى محاجة من حاجه. # فكم من شبهة قد أوضحها، وكربة قد كشفها، وضلالة قد محقها، وضال قد هداه، ~~ونفس قد أحياها: # فهل يقوى قلب أحد على ما ذكرنا [ه] إلا من نور اليقين قلبه، وعرف ما له ~~عند ربه، وعلم أن بمثل ما فعل ينال رضاه، ويباعد من سخطه. # ففضيلته في الجهاد قد بانت أيام النبي صلى الله عليه وسلم على من كان ~~بحضرته، ومن قدمتموه عليه بدلالة القرآن. # وتقدمه في الإسلام قد وضح بما خص به من المحن الشداد، ومحن الحروب قد ~~خصته بالمكاره (2) وما يشيب عند مثلها الذوائب، والعلم بسببها في قتال ~~الكافرين # PageV00P100 # والمحلين عند أحدوثة اقتدى فقهاؤكم (1) وبالعلم والصبر على الحرب بمحض ~~اليقين هو البائن عن الخلق. والعفو عند القدرة هو المذكور به عند علماء ~~السيرة والدعاء بالرفق في كلامه مشهور. والبلاغة في القول ما ينكره من عرف ~~كتبه ورسائله. وسأذكر من فضل رأيه في الحرب، وحسن سيرته، وقوة تدبيره، ~~ووضوح حجته ما لا يمتنع من قبوله قلب من ألقى السمع وهو شهيد. # PageV00P101 # [ذكر قبسات من حججه البالغة وكتبه المنيرة وسيرته الميمونة ورأيه الصائب ~~وتدبيره الباهر]. # ذكروا أن رجلا قام إليه يقال له: أبو بردة - وكان ممن تخلف عنه يوم الجمل ~~- فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة والزبير؟ بم قتلوا؟ ~~قال: بمن قتلوا من شيعي وعمالي، وقتلهم أخا ربيعة العبدي رحمة الله عليه في ~~عصابة من المسلمين قالوا: لا ننكث كما نكثتم، ولا نغدر كما غدرتم. فقتلوهم، ~~فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني منهم، أقتلهم بهم، ثم كتاب الله بيني ~~وبينهم حكم، فأبوا وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي، ودماء قريب ms052 من ألف إنسان من ~~المسلمين من شيعتي، فقاتلتهم بهم، أوفي شك أنت من ذلك؟ فقال: قد كنت في شك، ~~فأما الآن فقد عرفت واستبان لي خطأ القوم، وأنك المهتدي المصيب. # فشهد معه [وقعة] صفين. # وذكر [وا] أنه كتب إلى معاوية [بن أبي سفيان] (1): # من [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب إلى معاوية، أما بعد، فإن الله أنزل ~~[علينا] كتابه فلم يدعنا في شبهة، ولا عذر لمن ركب ذنبا بجهالة، والتوبة ~~مبسوطة، ولا تزر # PageV00P102 # وازرة وزر أخرى، وأنت أول من شرع الخلاف، متماديا في غره الأمل، مختلف ~~العانية والسريرة، رغبة في العاجل، وتكذيبا بعد في الآجل، وكأنك قد تذكرت ~~ما مضى منك، فهم تجد إلى الرجوع سبيلا. # وكتب أيضا إلى عمرو بن العاص: # من [عبد الله أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب إلى عمرو بن العاصي (1) أما ~~بعد، فإن الذي أعجبك مما تلويت (2) من الدنيا، ووثقت به منها منفلت (3) ~~منك، فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة، ولو اعتبرت بما مضى حذرت ما بقي، ~~وانتفعت منها بما وعظت به، ولكن أتبعت هواك وآثرته، ولولا ذلك لم تؤثر على ~~ما دعوناك إليه لأنا أعظم الرجاء (4) وأولى بالحجة والسلام. # ثم كتب [عليه السلام] إلى أمراء الجنود وأمراء الخراج (5): # بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى [أصحاب] ~~المسالح / 31 / أما بعد فإنه حق على الوالي أ [ن] لا يغيره عن رعيته (6) ~~فضل ناله، ولا فضل مرتبة خص بها (7) وأن يزيده ما قسم الله له دنوا من ~~عباده وعطفا عليهم (8). # PageV00P103 # ألا وإن لكم عندي أ [ن] لا أحتجز دونكم سرا إلا سرا في حرب، ولا أطوي ~~دونكم أمرا إلا في حكم، ولا أؤخر النعمة بكم عن محله (1) وأن تكونوا عندي ~~في الحق سواء، فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة و [لي عليكم] الطاعة، ~~وأن لا تنكصوا عن دعوة، ولا تفرطوا في صلاح، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ~~فإن أنتم لم تسمعوا لي على ذلك، لم يكن أحد أهون علي ممن فعل ms053 ذلك منكم، ثم ~~أعظم فيه عقوبته، ولا يجدي عندي فيها رخصة، فخذوا هذا من أمرائكم وأعطوا من ~~أنفسكم هذا يصلح الله لكم أمركم والسلام. # PageV00P104 # [خطبة أمير المؤمنين عليه السلام لما بلغه أن المعرضين عن الحق تخلفوا ~~عنه، ثم دعوته إياهم وتكلمه معهم وعتابه لهم بمرأى ومسمع من الناس، ~~والمهاجرين والأنصار]. # وذكروا أنه لما بلغه تخلف ابن عمر عن بيعته، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن ~~مسلمة، قام رضي الله عنه خطيبا في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أهل بيته ثم قال: # أيها الناس إنكم بايعتموني على ما كان بويع عليه من كان قبلي، وإنما ~~الخيار للناس قبل البيعة، فإذا بايعوا فلا خيار لهم. # ألا وإن على الإمام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة، من ~~ردها رغب عن دين المسلمين، واتبع غير سبيلهم (1). # ألا وإنه لم تكن بيعتكم إياي فلتة، ولا عليها لبس [ظ] [ليس] أمري وأمركم ~~واحدا، إنما أريد كم لله وأنتم تريدوني لأنفسكم. # وأيم الله لأنصحن الخصم، ولأنصفن المظلوم (2) وقد بلغني عن ابن عمر وسعد # PageV00P105 # ابن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة، أمور كرهتها، والحق بيني وبينهم في ذلك ~~(1). # ثم نزل [عن المنبر] رضي الله عنه، وبعث إليهم فأتوه، وجمع الناس ثم قال ~~لهم: بلغني عنكم أمور كرهتها، ألا وإني لست أكرهكم على القتال بعد بيعتي، ~~فأخبروني ما الذي بطأ بكم عما دخل فيه المسلمون؟ وما الذي تكرهون من القتال ~~معي؟ أليس قد بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان؟ قالوا: بلى. قال: فأخبروني لو أن ~~ابن أبي سفيان وعمرو بن العاص قاتلا أحدا من الخلفاء، أكنتم تقاتلونهما ~~معهم؟ قالوا: نعم. قال: # فلم تكرهون القتال معي وقد تشاورتم (2) في بيعتي ثلاثة أيام ولياليهن، ~~وقد علمتم أني لست دون خلفائكم، فأخبروني عنكم هل تخرجون (3) من بيعتي؟ ~~قالوا: لا والله ولكنا نكره معك قتال أهل الصلاة! قال علي رحمه الله: فإن ~~أبا بكر قد استحل قتال أهل الصلاة، وقد رأى عمر مثل ذلك. # فقال مالك ms054 بن الحارث الأشتر: يا أمير المؤمنين إنا وإن لم يكن لنا من ~~القدم ما لهم، فإنهم ليسوا بأولى مما شاركناهم فيه منا، وهذه بيعة عامة، ~~الخارج منها طاعن، والمنثني عنها مستعتب، فلا يتبعن الناس أهواءهم، فإن ~~أدبهم اليوم باللسان وغدا بالسيف وليس من يتثاقل عنك كمن خف معك. # وذكروا أن عبد الله بن عمر قال: [يا] أبا الحسن أنشدك الله والرحم أن ~~تدخلني فيما لا أعرف، إنما أنا حمل رداح لا غدو له ولا رواح (4). # PageV00P106 # [استئذان عمار بن ياسر من أمير المؤمنين عليه السلام في أن يتكلم مع ابن ~~عمر ومحمد بن مسلمة. # ثم كلام أمير المؤمنين عليه السلام في المتخلفين عنه]. # ثم انصرف القوم. فذ كروا أن عمار بن ياسر رحمة الله، قال: يا أمير ~~المؤمنين إئذن لي في كلام ابن عمر. فأذن له. # فقال له عمار: يا ابن عمر إنه قد بايع عليا من المهاجرين والأنصار من إن ~~فضلناه عليك لم يغضبك، وإن فضلناك عليه لم يرضك وقد أنكرت السيف في قتال ~~أهل الصلاة، وقد علمنا وتعلم أن القاتل عليه القتل، والمحصن عليه الرجم، ~~فهذا يقتل بالسيف، وهذا يرجم بالحجارة، ألا وإن عليا لم يقاتل أحدا من أهل ~~الصلاة حتى يلزمه من حكم القتال ما يلزم هؤلاء. # قال: فضحك ابن عمر وقال: يا أبا اليقظان، إن عمر جمع أهل الشورى من قريش، ~~وهم الذين قبض رسول الله وهو عنهم راض، فكان أحقهم في نفس ابن عمر / 32 / ~~علي بن أبي طالب، وهو اليوم على ما كان عليه أمس، وهذه البيعة كبيعة عثمان، ~~غير أنه جاء أمر فيه السيف فضعفت عنه، ولكن الله يا أبا اليقظان، ما أحب أن ~~الدنيا وما فيها لي، وإني أظهرت عداوة علي بن أبي طالب يوما، أو أضمرت بغضه ~~ساعة. # قال: فضحك عمار وقال: يعلمون ولا يعملون، ويقولون ما لا يفعلون. # فرجع [عمار] إلى علي رحمة الله عليه، ثم استأذنه في أمر محمد بن مسلمة ~~PageV00P107 # [فأذن له] فلما لقيه عمار قال له محمد: مرحبا ms055 يا أبا اليقظان على فرقة ~~بيني وبينك، إنه والله لولا ما في يدي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لبايعت [عليا على القتال] ولو أن الناس استمالوا المسلمين (1) ومال علي ~~جانبا لكنت معه، ولكن سقط إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الرأي. # فقال له عمار: حسبك يا ابن مسلمة، أخبرني كيف قال لك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ [أقال لك] إذا رأيت أهل الصلاة يقتتلون؟ أو إذا رأيت المسلمين ~~يقتتلان؟ # فوالله لا ترى مسلمين يقتتلان أبدا، وإن كان قال [لك: إذا رأيت] أهل ~~الصلاة [يقتتلون] فمن سمع هذا معك؟ فإنما أنت أحد الشاهدين، وعندنا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قول بعد قولك [قاله في] يوم حجة الوداع، أنه قال: ~~دماؤكم عليكم حرام إلا بحدث. [وهل كان] فيقول: يا محمد لا تقاتل المحدثين؟ ~~ألا ومن كذب على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] متعمدا فليتبؤا مقعده من ~~النار. # فقال محمد: حسبك يا أبا اليقظان يرحمك الله. # وذكروا أن عليا قال لعمار بن ياسر: دع عنك هؤلاء الرهط الثلاثة، أما ابن ~~عمر فضعيف في دينه، وأما سعد بن أبي وقاص فحسود، وأما محمد بن مسلمة فذنبي ~~إليه أني قتلت قاتل أخيه مرحبا يوم خيبر. # PageV00P108 # [خطبة أمير المؤمنين عليه السلام لما أخبره أكابر أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بأن طلحة والزبير التقيا ببني أمية ممن كان منهم ~~بمدينة، فأجمع رأيهم على نقض ببعتك]. # وذكروا أن عليا رضي الله عنه لما قسم بينهم بالسوية، وأعطى الأسود ~~والأحمر (1) عطية واحدة، أنكر ذلك من فعله قوم ووجدوا من ذلك، ومشى بعضهم ~~إلى بعض بالعتب والطعن. # فبلغ ذلك أصحابه من المهاجرين والأنصار، فاجتمع أبو الهيثم بن التيهان ~~وخزيمة ابن ثابت ذو الشهادتين، وعمار بن ياسر، ورفاعة بن رافع، وأبو حية ~~وخالد بن زيد وسهل بن حنيف، فتشاوروا، فاجتمع رأيهم على أن يركبوا إلى علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه، ويخبروه أن طلحة والزبير ومن كان من ms056 بني أمية ~~بالحجاز قد اجتمع رأيهم واشتملت (2) عداوتهم، وهم مصرون على أمر لا نأمنهم ~~عليه. # فركبوا إلى علي بن أبي طالب، فقالوا: يا أمير المؤمنين انظر في أمرك، ~~وعاتب قومك هذا الحي من قريش، فإنهم قد نقضوا عهدك، وأخلفوا وعدك، وقد ~~دعونا في السر إلى رفضك، هداك الله لرشدك، وذلك لأنهم فقدوا الأثرة، وكرهوا ~~الأسوة، فلما استتب (3) بينهم وبين الأعاجم، أنكروا، واستشاروا عدوك، ~~فاجتمع رأيهم # PageV00P109 # على أن يطلبوا بدم عثمان، فرقة للجماعة، وائتلافا لأهل الجهالة!. فرأيك. # فأقبل علي راكبا بغلة رسول الله الشهباء، فدخل المسجد، فركب المنبر مغضبا ~~[و] عليه عمامة خز سوداء، مرتديا بطاق، متزرا ببرد قطري، متوشحا سيفا، ~~متوكئا على قوس، فقال: # أما بعد أيها الناس، فإنا نحمد الله ربنا وإلهنا وولي النعمة علينا، الذي ~~أصبحت نعمه علينا ظاهرة وباطنة، بغير حول منا ولا قوة إلا امتنانا علينا، ~~وفضلا ليبلونا أنشكر أم نكفر، فمن شكر زاده ومن كفر عذبه. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحدا صمدا. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه رحمة للعباد والبلاد والبهائم ~~والأنعام، نعمة أنعم به علينا ومنا وفضلا صلى الله عليه وسلم. # فأفضل الناس - أيها الناس - عند الله منزلة، وأعظمهم شرفا، وأقربهم من ~~رسول الله قربا، وأعظمهم عند الله خطرا أطوعهم لأمر الله، وأعلمهم بطاعة ~~الله، أعملهم وأتبعهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحياهم لكتاب ~~الله، فليس / 33 / لأحد ممن خلق الله عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة رسوله ~~واتباع كتابه وسنة نبيه عليه السلام. # هذا كتاب الله بين أظهركم، وعهد نبي الله وسيرته فينا لا يجهلها إلا جاهل ~~معاند عن الحق، يقول الله في كتابه: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم " (1) ~~فمن أتقى فهو الشريف المكرم المحب. وكذلك أهل طاعة الله وطاعة رسوله، لقول ~~الله في كتابه: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " الآية: [31 / ~~آل عمران: 3]. # PageV00P110 # ويقول [الله]: " [و] أطيعوا الله وأطيعوا ms057 الرسول فإن توليتم فإن الله لا ~~يحب الكافرين " (1). # ثم صاح بأعلى صوته: يا معشر المهاجرين، يا معشر الأنصار، يا معشر ~~المسلمين أتمنون على الله ورسوله بإسلامكم؟ ولله ولرسوله المن عليكم إن ~~كنتم صادقين. # ثم نادى: ألا إنه من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أجرينا عليه أحكام القرآن، ~~وأقسام الإسلام ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله وطاعته، جعلنا الله ~~وإياكم من المتقين، وأوليائه وأحبابه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # ثم قال: ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تطلبونها، وترغبون فيها، وأصبحت ~~تغضبكم وترضيكم، ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له، ولا الذي دعيتم ~~إليه. # ألا وإنها ليست بباقية لكم، ولا تبقون عليها، ولا تغرنكم فقد حذرتموها، ~~ووصفت لكم وجربتموها، فأصبحتم لا تحمدون عواقبها. # فسابقوا إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها، فهي العامرة التي لا تخرب ~~أبدا [و] الباقية التي لا تنفد، وهي التي رغبكم الله فيها، ودعاكم إليها، ~~وجعل لكم الثواب فيها. # فانظروا يا معشر المهاجرين والأنصار وأهل دين الله ما وصفتم به في كتاب ~~الله ونزلتم به عند رسول الله (2) وجاهدتم عليه فبم فضلتم؟ أبحسب أو نسب؟ ~~أو بعمل وطاعة؟ فاستتموا نعم الله عليكم يرحمكم الله بالصبر لأنفسكم على ~~طاعة الله، والذل لحكم الله، والمسارعة في رضوان الله، والمحافظة على ما ~~استحفظكم الله من كتابه # PageV00P111 # ألا وإنه لا يضركم تضييع شئ من دنياكم بعد حفظكم وصية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # ألا و [إنه] لا ينفعكم شئ حافظتم عليه من دنياكم بعد تضييع ما أمرتم به ~~من التقوى. # عليكم عباد الله بتقوى الله، والتسليم لأمره، والرضا بقضائه والصبر على ~~بلائه. # فأما هذا الفئ، فليس لأحد على أحد فيه أثره قد فرغ الله من قسمه، فهو مال ~~الله، وأنتم عباد الله المسلمون. # وهذا كتاب الله به أقررنا، وعليه شهدنا وله أسلمنا، وعهد نبينا عليه ~~السلام بين أظهرنا. # فسلموا رحمكم الله لأمر الله، فمن ms058 لم يرض بهذا فليتبوأ حيث شاء وكيف شاء، ~~فإن العامل بطاعة الله، والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه، أولئك حزب الله لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأولئك هم المفلحون. # نسأل الله ربنا وإلهنا أن يجعلنا وإياكم من أهل طاعته، وأن يجعل رغبتنا ~~ورغبتكم فيما عنده، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم (1). # ثم نزل عن المنبر وصلى ركعتين، وبعث بعمار إلى طلحة والزبير وهما في ~~ناحية من المسجد، فقاما فجلسا إليه، فقال لهما (2): # أنشد كما الله، هل جئتماني تبايعاني طائعين، ودعوتماني إليها وأنا كاره؟ ~~قالا: # PageV00P112 # اللهم نعم. قال: غير مجبورين ولا مقسورين فأسلمتما لي بيعتكما، ~~وأعطيتماني عهد كما؟ قالا: اللهم نعم. فقال علي: الحمد لله رب العالمين على ~~ذلك. # ثم قال لهما: فما عدا مما بدا (1)؟ قالا: أعطيناك بيعتنا على أن لا تقطع ~~الأمر دوننا وأن تستشيرنا / 34 / في الأمور، ولا تستبد بها عنا، ولنا من ~~الفضل على غيرنا ما قد علمت! فأنت تقسم القسوم، وتقطع الأمور، وتمضي ~~الأحكام بغير مشاورتنا، ولا رأينا ولا علمنا. # فقال علي رحمه الله: لقد نقمتما يسيرا، وأرجئتما كثيرا، استغفر الله لي ~~ولكم. # ثم قال [لهما]: ألا تخبراني أفي شئ لكما فيه حق دفعتكما عنه؟ أم في قسم ~~استأثر [ت] به عليكما؟ قالا: معاذ الله. قال: ففي حق رفعه إلي أحد من ~~المسلمين ضعفت عنه أو جهلته، أو حكم أخطأت فيه (2)؟ قالا: اللهم لا. # قال: ففي أمر دعوتماني إليه من أمر عامة عامة المسلمين فقصرت عنه ~~وخالفتكما فيه؟ # قالا: اللهم لا. # قال: فما الذي كرهتما من أمري، ونقمتما من تأميري، ورأيتما من خلافي؟ ~~قالا: # خلافك عمر بن الخطاب وأئمتنا وحقنا في الفئ (3) جعلت حقنا في الإسلام كحق ~~غيرنا، وسويت بيننا وبين من أفاء الله به علينا بسيوفنا ورماحنا وأوجفنا ~~عليه بخيلنا وظهرت عليه دعوتنا، وأخذناه قسرا [ممن] لم يأتوا الإسلام إلا ~~كرها. # فقال علي - رحمة الله عليه - الله أكبر الله أكبر اللهم إني أشهدك ~~عليهما، وأشهد من حضر مجلسي هذا اليوم عليهما. # PageV00P113 # ثم قال: ms059 أما ما احتججتما به علي من أمر الاستشارة فوالله ما كانت لي في ~~الولاية رغبة، ولا لي فيها محبة (1) ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني ~~عليها، وأنا كاره فخفت أن تختلفوا وأن أردكم عن جماعتكم. فلما أفضت إلي ~~نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمر بالحكم فيه (2) وما قسم واستن النبي ~~عليه السلام فأمضيته وابتعته، فلم أحتج إلى رأيكما ولا دخولكما معي، ولا ~~غيركما، ولم يقع حق جهلته فأثق برأيكما فيه وأستشيركما وإخواني من ~~المسلمين، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما إذا كان أمر ليس في ~~كتاب الله بيانه وبرهانه، ولم يكن فيه سنة من نبينا عليه السلام ولم يمض ~~فيه أحكام من إخواننا ممن يقتدى برأيه ويرضى بحكمه. # وأما ما ذكرتما من الأسوة. فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه ولم أقسمه، قد ~~وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما قد فرغ الله ~~من قسمته (3) وأمضى فيه حكمه. # وأما قولكم جعلت لهم فيئنا وما أفاءت رماحنا وسيوفنا فقدما ما سبق إلى ~~الإسلام قوم لم يضرهم في شئ من الأحكام إذا استؤثر عليهم، ولم يضرهم حين ~~استجابوا لربهم والله موفيهم يوم القيامة أعمالهم. ألا وإنا مجرون عليهم ~~أقسامهم فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا عتبا (4). # أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر. # ثم قال: رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه، أو رأى جورا فرده، وكان عونا ~~للحق على صاحبه. # PageV00P114 # [بعث أمير المؤمنين ابنه الحسن وعمار بن ياسر - صلوات الله عليهما - إلى ~~الكوفة ليستنفرا أهلها لما أراد أن يذهب إلى البصرة لإخماد فتنة طلحة ~~والزبير وأم المؤمنين عائشة]. # ثم إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعث بالحسن وعمار بن ~~ياسر حين خف للمسير إلى أهل الكوفة يستنفرهم، وكان أبو موسى قد حول الناس ~~عن علي. # فقام عمار بن ياسر خطيبا في أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه وقال: # أيها الناس هذا أخو نبيكم ms060 وابن عمه يستنصركم ويستنفركم لنصر دين الله. # وقد ابتليتم بحق أمكم (1) وحق ربكم أوجب عليكم، وحرمته أعظم. # ثم أقبل على أبي موسى فقال: أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # إنها ستكون فتنة بعدي الماشي فيها خير من الساعي، والقاعد فيها خير من ~~الماشي؟!! # قال أبو موسى: هذه يدي بما قلت. فقال له عمار: إن كنت صادقا إنك سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك فإنما عناك بذلك وحدك وأنت كذلك، ~~واتخذ بذلك عليك الحجة فإن كنت صادقا فالزم بيتك ولا تدخل في شئ من هذه ~~الأمور. # PageV00P115 # فافهموا هذه الأقاويل ممن خالف أمير المؤمنين كيف يضعف ويتناقض عند كلام ~~المحقين! لأن الذي أتى به أبو موسى / 35 / إن كان المراد فيه ما ذهب إليه ~~فلم يأت ببيان ولا حجة ولا رأي يعتمد عليه و [لا سيما أنه] سكت [بعدما قرعه ~~عمار بالحجة] فقد صار [من أجل] سكوته [عن جواب عمار] حائرا وفي أشر ~~الطائفتين رأيا. PageV00P116 # [خطبة الصحابي الكبير عمار بن ياسر رفع الله مقامه في أهل الكوفة. وحثه ~~إياهم على اللحوق بأمير المؤمنين عليه السلام]. # ثم أقبل عمار بوجهه فقال: أيها الناس إنا إنما خشينا على هذا الدين أن ~~يتعرى أديمه، وأن يهن من جوانبه، وقد نظرنا لأنفسنا، ورضينا بعلي بن أبي ~~طالب لنا خليفة وإماما ودليلا ومؤدبا، فنعم الخليفة ونعم الدليل، مؤدبا لا ~~يؤدب، وفقيها لا يعلم، وصاحب بأس لا ينكل، وسابقة في الإسلام ليست لأحد، ~~فانهضوا إليه رحمكم الله فإن عصابة من الناس حالفوا عليه فتوجهوا إلى ~~البصرة عاصين له باغين عليه، حاسدين له، ولو قد حضرتموهم تبين لكم أنهم ~~ظالمون. # وهذا ابن بنت نبيكم قد أتاكم يستنفركم. # أيها الناس إنكم بين منظر ومسمع من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم والله ما درست المصاحف ولا عفا الأثر ولا قدم العهد ولا بالسنن ~~والأحداث التي حدثت من خفاء فيجهل جاهل أو يقول قائل: # وقد سمعتم ما قال صاحبكم والذي نهاكم عنه من ms061 الشخوص إلى هذين الجمعين، ~~ولعمري ما صدق فيما قال، ولا رضي الله من عباده بالذي ذكره لقد أنزل الله ~~علينا قرآنا بين فيه طاعته من معصيته، وحكم فيها أحكامه ولم يدع ملة من ~~الملل إلا وقد حكم فيها بالجهاد حتى يفيئوا إلى أمر الله، فحكم على ~~المشركين أن يقاتلوا حتى يدخلوا في PageV00P117 # الإسلام فقال: " واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [66 / التوبة: 9] (1). # وقال: " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم " [14 / التوبة]. # وقال في ملة أهل الكتاب: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله (2) ولا يدينون دين الحق من الذين ~~أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " [28 / التوبة: 9]. # فجعل غاية أمرهم أن يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ~~أو يقتلوا أو تسبى ذراريهم ويؤخذ أموالهم. # وقال في أهل القبلة: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~(3) فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ~~[فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين] ". # وقال في الآية الأخرى: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله ~~" [39 / الأنفال: 8]. # فلم يرض الله من أهل طاعته من عباده أن يجلسوا في بيوتهم، وأن يخلوا بين ~~الناس يسفك بعضهم دماء بعض، فسيروا بنا رحمكم الله إلى هذين الجمعين ~~فاستمعوا من حججهم، ثم انظروا من أولى بالعهد والنصر فيما افترض الله عليكم ~~فإن أصلح # PageV00P118 # الله أمرهم رجعتم مأجورين وقد قضيتم حق الله عليكم، وإن بغى بعضهم على ~~بعض نظرتم في الفئة الباغية وعرفتموها كما أمركم الله وافترض عليكم. # فلما سمع الناس قول عمار بن ياسر عرجوا عن أبي موسى وقالوا: يا أبا ~~اليقظان إنك كنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي تعلم فنسألك ~~بحق الله وحق رسوله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر هذه الفتنة؟ ~~فقال عمار: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بقتال الناكثين ~~والقاسطين، وأمرنا بقتال المارقين من ms062 أهل النهروان بالطرقات (1) وسمعنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: علي مع الحق والحق مع علي لا يفترقان ~~حتى يردا علي الحوض يوم القيامة (2). # فقبل الناس قول عمار بن ياسر واستجابوا له. # فانظروا رحمكم الله في أمر من خالف عليا وحاربه كيف كشف ضعفه وبغيه؟! # و [كيف] يظهر الانتشار في قوله وفعله. ويقر على نفسه قبل قيام الحجة ~~عليه. # هذا أبو موسى يبايع لعلي بن أبي طالب في أول الأمر، فلما بلغه أن عليا ~~ناقم عليه وأن رأيه أن يبعث بغيره [مكانه] غير كلامه وخذل الناس عنه. # قالوا: ثم قام [ظ] الحسن بن علي فتكلم وحرض الناس على الجهاد. # PageV00P119 # [خطبة زيد بن صوحان العبدي رفع الله مقامه في أهل الكوفة، وتقريضه عليا ~~عليه السلام. ثم حثه أهل الكوفة باللحوق به وائتمارهم بأمره]. # ثم قام زيد بن صوحان فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم قال: # أيها الناس ما في الله ولا في نبيه من شك ولا بالحق / 36 / والباطل من ~~خفاء (1) وإنكم على أمر جدد وصراط قيم، إن بيعة علي بيعة مرضية لا تقبض ~~عنها يد موقن ولا يبسط إليها مخطئ كفه. # [أيها الناس] هل تعلمون لأمير المؤمنين علي من خلف؟ هل تنقمون له سابقة؟ # أو تذمون له لاحقة؟ أو ترون به أودا؟ أو تخافون منه جهلا؟ أليس هو صاحب ~~المواطن التي من فضلها لا تعدلون به؟ فمن عمود هذا الأمر ونظامه إلا هو؟ ~~[و] قد جاءنا أمر الله، وسمعناه قبل مجيئه ولا بد له من أن يتم كأني أنظر ~~إليه. # ثم رفع صوته ينادي: عباد الله إني لكم ناصح، وعليكم مشفق، أحب أن ترشدوا ~~ولا تغووا، وإنه لا بد لهذا الدين من وال ينصف الضعيف من الشديد، ويأخذ ~~للمظلوم بحقه من الظالم، ويقيم كتاب الله، ويحيي سنة محمد صلى الله عليه ~~وسلم (2). # ألا وإنه ليس أحد أفقه في دين الله، ولا أعلم بكتاب الله، ولا أقرب من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms063 من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فانفروا ~~إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وسيروا على اسم الله فإنا سائرون " ألم ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " [1 / العنكبوت: 29]. # PageV00P120 # [كلام حجر بن عدي رفع الله مقامه في تقريض الإمام الحسن وحث الناس على ~~اللحوق بأمير المؤمنين عليه السلام والجهاد معه]. # [ثم] قام حجر بن عدي (1) فقال: أيها الناس هذا الحسن بن علي أحد أبويه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر من ليس له عديل من أمة محمد ولا ~~شبيه، هذا سيد شباب أهل الجنة، سيد شباب العرب والعجم في الدنيا والآخرة، ~~وهو رسول أبيه إليكم يدعوكم إلى الحق والنصر لدين الله، فالسعيد من وازره، ~~والشقي من تخلف عنه، فانفروا رحمكم الله خفافا وثقالا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم لعلكم تفلحون. # فتهيأ الناس للمسير وأجابوا مسارعين والحمد لله رب العالمين. # PageV00P121 # [كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أصحاب الخراج]. # وذكروا أيضا أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتب إلى ~~أصحاب الخراج: # من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج سلام عليكم (1). # أما بعد فإنه من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم لنفسه ما يحررها ومن ~~اتبع هواه وانقاد له وآثر ذلك على ما يعرف أهلك نفسه وعما قليل ليصبحن ~~نادمين. # ألا وإن أسعد الناس في الدنيا من عدل عما يعرف ضره، وإن أشقاهم من اتبع ~~هواه. فاعتبروا واعلموا أن لكم ما قدمتم من خير وما كان مما سوى ذلك، وددتم ~~لو أن بينكم وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد. ~~واعلموا أن عليكم وبال ما فرطتم فيه، وأن الذي كلفتم ليسير، وأن ثوابه ~~لكبير. # ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف، كان ثوابه ما ~~لا # PageV00P122 # عذر لأحد بترك طلبه، فارحموا ترحموا، ولا تعذبوا خلق الله، ولا تكلفوهم ~~فوق طاقتهم، وأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية. # ولا تتخذوا حجابا، ولا تحبسوا ms064 أحدا عن حاجته، ولا تأخذوا أحدا بأحد إلا ~~كفيلا عمن كفل عنه (1) واصبروا أنفسكم على ما فيه اغتباطكم. # وإياكم وتأخير العمل بالتواني والعلل، ودفع الخير بالكسل، فإن في ذلك ~~حرمان الأبد. # وخذوا على أيدي سفهائكم، واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا ~~فيرد علينا وعليكم دعاؤنا، ولذلك قال [الله]: " قل ما يعبأ بكم ربي لولا ~~دعاؤكم " [77 / الفرقان: 25] وإن الله إذا مقت قوما أهلكهم، فلا تدخروا ~~أنفسكم خيرا، ولا الجند حسن سيرة، ولا الرعية معونة، ولا دين الله قوة، ~~وأبلوا قوتكم في سبيله ما استوجب عليكم فإن الله قد اصطنع عندنا وعندكم ~~فيحب أن نشكره جهدنا وأن ننصره ما بلغت قوتنا (2) ولا قوة إلا بالله. # PageV00P123 # [كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عماله لما عزم على المسير إلى الفئة ~~الباغية وإخوة الناكثين والمارقين معاوية وأتباعه القاسطين]. # فلما أراد [أمير المؤمنين] المسير كتب إلى عماله نسخة واحدة: # بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن جهاد من صدف عن الحق رغبة عنه، ودب ~~في نفس العمى والضلال (1) اختيارا له، فريضة على / 37 / العارفين بأمره. # إن الله تبارك وتعالى يرضى عمن أرضاه ويسخط على من عصاه، وإنا قد هممنا ~~بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أمر الله، ~~واستأثروا بالفئ، وعطلوا الحدود، وأماتوا الحق، وأظهروا الفساد في الأرض، ~~واتخذوا الفاسقين وليجة دون المؤمنين، فإذا ظالم تابعهم على ظلمهم أحبوه ~~وأدنوه وآثروه، وإذا ولي الله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه، فقد ~~أصروا على الظلم، وأجمعوا على الخلاف، وقعدوا عن الحق، وتعاونوا على الإثم ~~وكانوا ظالمين. # فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أفضل أصحابك في نفسك وأقبل إلينا ~~لعلك تلقى معنا هذا العدو المحل فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجامع ~~المحق وتباين المبطل فإنه لا غنى بنا وبك عن أجر الجهاد، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والسلام. # وبعث بها إلى عماله، وبعث بها إلى عبد الله بن عباس بالبصرة، فاستخلف عبد ~~الله ms065 على البصرة أبا الأسود الدئلي وقدم على علي. # PageV00P124 # [قيام أمير المؤمنين عليه السلام في الناس ومشاورته إياهم للمسير إلى حرب ~~معاوية، ثم حثه إياهم على قتال أهل الشام لما وافاه أصحابه. ومن كتب إليه ~~بالقدوم عليه من عماله] فلما توافي أصحابه قام في الناس يحرضهم على قتال ~~أهل الشام، فقال: # أيها الناس سيروا إلى أعداء الإسلام، سيروا إلى [من] حارب محمدا قديما ~~وجماع طغام (1) سيروا إلى المؤلفة قلوبهم كيما تكفوا عن المسلمين بأسهم ~~فطال والله ما صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجا، وتحالفوا وتحاربوا ~~على رسول الله عليه السلام والمسلمين، وجعلوا لهم المراصد، ووضعوا لهم ~~المسالح، ورموهم بالمناسر والكتائب، وصدوا رسول الله عليه السلام والمسلمين ~~عن المسجد الحرام، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، وجدوا في إطفاء ~~نور الله حتى أظهره الله وهم له كارهون. # وأيم الله ما زلنا لهم على الإسلام متهمين ولأحداثهم فيه خائفين، حتى ~~نجمت منهم هذه الأمور التي ترون. # فأشيروا علي فإنكم ميامين الرأي راجحي العقل مقاويل بالحق، مباركي الفعل ~~والأمر (2). # فقام إليه الأشتر فقال: إن جميع من ترى من الناس شيعتك وليسوا يرغبون ~~بأنفسهم # PageV00P125 # عن نفسك وإذا شئت فسر بنا إلى عدوك، فوالله ما ينجو من الموت من خافه، ~~ولا يعطى البقاء من أحبه، ولا يعيش بالأمل إلا الأشقياء، وإنا لعلى يقين من ~~ربنا أن نفسا لن تموت حتى يأتي أجلها. بل كيف لا نقاتل قوما هم كما وصف ~~أمير المؤمنين، والله ما ازدادوا للإسلام إلا غشا ولا لأهله إلا بغضا، ولقد ~~وليت عصابة منهم على طوائف من المسلمين فأسخطوا الرب، وأظلمت بأعمالهم ~~الأرض، وأماتوا السنة، وأحيوا البدعة، وباعوا خلاقهم بعرض من الدنيا يسير ~~(1) فعجل النهوض بنا إليهم نحاكمهم إلى الله فيما اختلفنا فيه حتى يحكم ~~الله وهو خير الحاكمين. # ثم قعد. # فقام عدي بن حاتم الطائي فقال: يا أمير المؤمنين ما قلت إلا بعلم ولا ~~دعوت إلا إلى الحق، وما أمرت إلا برشد فإن رأيت أن تستأني هؤلاء القوم ~~وتستديمهم حتى يقدم عليهم ms066 رسلك، ويقدم عليهم كتبك فعلت، فإن يقبلوا يصيبوا ~~رشدهم، والعافية أوسع لنا ولهم، وإن يتمادوا في غيهم، ولم ينزعوا عن شقاقهم ~~القانا ذلك (2) وقد تقدمنا إليهم بالعذر ودعوناهم إلى ما في أيدينا من ~~الحق. # ولعمري لهم أهون علينا من قوم قاتلناهم أمس بناحية البصرة لما جهر [ت] ~~لهم الحق فتركوه ناجزناهم القتال حتى رأينا فيهم ما نحب، وبلغ الله فيهم ~~رضاه. # فقام زيد بن حصين الطائي - وكان من / 38 / أصحاب البرانس - فقال: # لعمري لئن كنا في شك من قتال من خالفنا [و] لا تصلح لنا النية في قتالهم ~~حتى نستأنيهم ونستديمهم (3) ما الأعمال إلا في تباب ولا السعي إلا في ضلال ~~ووالله - وبنعمة ربي # PageV00P126 # أحدث، وببلائه الحسن الجميل أنبئ - ما ارنبت طرفة عين في غي من يبتغون ~~دمه (1) فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم القليل في الإسلام حظهم أعداء الحق ~~وأعوان الظلم [و] مشددي أساس العدوان، ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا ~~التابعين بإحسان. # فقام إليه رجل من طي فقال: يا زيد أكلام سيدنا عدي تهجن؟ # فقال: إنكم والله ما أنتم أعرف بحق عدي مني، ولا أدع الحق وإن سخط الناس. # فقال عدي: الطريق مشترك والناس في الحق سواء، ومن اجتهد رأيه ونصيحته ~~للعامة فقد قضى ما عليه وله (2). # قالوا: ثم قام عمار بن ياسر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير ~~المؤمنين إن استطعت فلا تقم يوما واحدا، أشخص بنا قبل استعار [نار] حرب ~~الفجرة، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة، فادعهم إلى حظهم ورشدهم فإن ~~قبلوا سعدوا، وإن أبوا إلا حربنا ناجزناهم فوالله إن سفك دمائهم والجد في ~~جهادهم (3) لقربة من الله وكرامة منه. # ثم قعد. # فقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين انكمش إلى ~~عدونا ولا تعرج (4) فوالله إن جهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم ~~لإدهانهم في دين الله واستذلالهم أولياء الله من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآله والتابعين بإحسان إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو ~~سيروه أو حرموه، ms067 وفيئنا [لهم] في أنفسهم حلال. # PageV00P127 # فقام يزيد بن قيس الأرحبي فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس على جهاز ~~وعدة، وأكثرهم أهل قوة، ومن ليس به ضعف (1) وليست به علة، فمر مناديك أن ~~ينادي فليخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة فإن أخا الحرب ليس بالسئوم ولا النؤم، ~~ولا الذي إذا أمكنته الفرص أملى لها واستشار فيها، ولا الذي يؤخر عمل الحرب ~~في اليوم إلى غد وبعد غد. # فقال زياد بن النضر الحارثي: يا أمير المؤمنين [لقد] نصح لك يزيد بن قيس ~~وقال ما عرفناه، فسر على بركة الله إلى عدوك راشدا معانا، فإن يرد الله بهم ~~خيرا لا يدعوك رغبة عنك إلى من ليس مثلك في السابقة مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم والقدم في الإسلام والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإ [ن] ~~لا ينيبوا ويقبلوا ويأبوا إلا حربنا (2) يجدوا بهم علينا هوانا ورجونا أن ~~يصرعهم الله إلى مصارع إخوانهم بالأمس. # فقال عبد الله بن بديل الخزاعي: إن القوم والله لو كانوا يريدون الله أو ~~لله يعملون [ما خالفونا] ولكن القوم إنما يقاتلونا فرارا من الأسوة وحبا ~~للأثرة، وضنا بسلطانهم وكراهية لفراق دنياهم التي في أيديهم وغلا ووحرا في ~~صدورهم وعداوة يجدونها في أنفسهم. # وكيف يبايع معاوية عليا وقد قتل أخاه وخاله وجده، والله ما أظن أن يفعل ~~دون أن تقصد فيهم المران وتقطع على هامهم السيوف، وتنثني حواجبهم بعمد ~~الحديد (3) فتكون أمور جمة بين الفريقين. # فخرج علي رضي الله عنه فعسكر بالنخيلة، فلما توافي أصحابه بالنخيلة قام ~~رجل # PageV00P128 # يقال له جندب بن زهير الأزدي والحارث الأعور الهمداني فقالا: قد آن للذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق أن يؤبوا فيغيروا، وللمظلومين والمحرومين أن ~~ينتصروا (1) وللمنكرين الجور بقلوبهم أن ينطقوا. ألا إن المؤمنين استذلوا ~~فقهروا، وقلوا فستروا، وأخرجوا من أموالهم وأخلوا عن أبنائهم ونسائهم (2) ~~فصلحاء من عباد الله بالمشرق منفيون إلى المغرب، وصلحاء أسلافنا السابقين ~~بالخيرات منفيون / 39 / من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوار ~~الوحش والسباع بمنزلة ms068 الغربة والوحدة والوحشة، فالحدود معطلة والولاة فجرة، ~~ودين الله مفقود، وكتابه ممزق وعهده منبوذ فما تنتظرون عباد الله من جهاد ~~قوم لا يكفون عن الظلم، ولا يعطون حق الرب، ولا يحكمون بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون. # فقال الحارث بن عبيد الأعور في عراص كلام حدب كالمستجيب لقوله والمحرض ~~معه: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله - وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ~~وأموالنا - الذين يشربون الخمور ويلبسون الحرير، ويفترشون الديباج، ويزعمون ~~أن فيئنا لهم حلال. # ثم قام عمرو بن الحمق فقال: يا أمير المؤمنين والله ما بايعتك ولا أجبتك ~~على عرض من الدنيا تؤتنيه، ولا التماس سلطان ترفع ذكري به، ولكني أجبتك ~~لخصال خمس: إنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى الناس بالمؤمنين ~~بالله (3) وزوج سيدة [نساء] الأمة [فاطمة] بنت رسول الله عليه السلام، وأبو ~~الذرية التي بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعظم رجل من ~~المهاجرين والأنصار (4) سهما في الإسلام، فوالله لو كلفت نقل الجبال ~~الرواسي ونزح البحار الطوامي أبدا حتى # PageV00P129 # يأتي علي يومي في شئ أوهن به عدوك وأقوي به وليك، ويعلي الله كعبك، ويفلج ~~الله علي به حجتك، ما ظننت أني أديت كل الذي [يحق] علي من حقك. # فقال علي: اللهم نور قلبه باليقين، واهده الصراط المستقيم ليت في جندي ~~مائة مثلك. # ثم قام حجر بن عدي فقال، يا أمير المؤمنين نحن أبناء الحرب وأهلها الذين ~~لم نزل نلقحها وننتجها وقد ضرستنا الحرب وضرسناها ومارسناها (1) ولنا إخوان ~~ذو صلاح وعشيرة ذات عدد ورأي مجرب، وبأس محمود، ولله علينا النعماء والطول ~~فأزمتنا (2) منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، ~~وما هويت من أمر فعلنا. # فقال علي: أكل قومك على مثل رأيك؟ فقال: ما يظهرون إلا حسنا وهذه يدي على ~~قومي بحسن الطاعة والإجابة. # فدعا له أمير المؤمنين بخير. # وذكروا أنه قدم عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى الأنبار وأتبعه ~~كتابا منه (3) [وهذا نصه]: # من عبد الله علي ms069 أمير المؤمنين إلى عبد الله بن بديل سلام عليك. # أما بعد، فإنه بدا لي المقام بشاطئ الفرات لحمام عبد الله فليجيئني عبد ~~الله بن عباس بمن معه وحريث بن جابر. # PageV00P130 # وانظر جندك فأقم بهم بالمكان الذي أنت به، وإياك ومواقعة أحد من خيل ~~العدو حتى أتقدم عليك (1) وأذك العيون نحوهم (2) وليكن مع عيونك من السلاح ~~ما يباشرون به القتال، ولتكن عيونك الشجعان من جندك، فإن الجبان لا يأتيك ~~بصحة الأمر. # وانته إلى أمري ومن قبلك بإذن الله والسلام. # فلما أراد المسير قام في الناس فقال: الحمد لله غير مفقود بالنعم، ولا ~~مكافأ بالإفضال (3). # وأشهد أن لا إله إلا الله ونحن على ذلك من الشاهدين، وأشهد أن محمدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # أما بعد ذلكم فإني قدمت مقدماتي وأمرتهم بلزوم هذا المكان حتى يأتيهم ~~أمري (4) وقد أردت أن أقطع هذه النطفة إلى شرذمة موطنين أكناف دجلة فأنهضهم ~~معكم إلى عدوكم إن شاء الله. # وقد أمرت على مصركم عقبة بن عمرو الأنصاري، ولم الكم ولا نفسي نصحا ~~فإياكم والتخلف والتربص فإني قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي [وأمرته أن لا ~~يترك متخلفا إلا ألحقه بكم عاجلا إن شاء الله] (5). # ثم دعا بدابته فجاء بها قنبر، فلما ركب أخذ مالك بعنانها فقال: يا أمير ~~المؤمنين # PageV00P131 # أتخرج بالمسلمين فيصيبوا أجر الجهاد والقتال وتخلفني في حشر / 40 / الناس ~~(1)؟ فقال: # يا مالك إنهم لن يصيبوا من الأجر شيئا إلا كنت شريكهم فيه، وأنت هاهنا ~~أعظم غناء عنهم منك لو كنت معهم. فقال مالك: فسمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. # فسار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسار أمامه الحر بن سهم ~~بن طريف التميمي وهو يقول: # يا ناق سيري بي وأمي الشاما (2) * وقطعي الآحاد والآكاما (3) ونابذي من ~~خالف الإماما * إني لأرجو إن لقيت العاما جمع بني أمية الطغاما * أن يقتل ~~العاصي والهماما وأن نزيل من رجال هاما فلما انتهى الحر إلى آثار الكسرى ~~وقف ينظر إليها ويتمثل بقول الأسود بن يعفر: # جرت ms070 الرياح على محل ديارهم * وكأنما كانوا على ميعاد فقال له علي رضي ~~الله عنه: فلولا قلت: " كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم " [26 / ~~الدخان: 44] إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين. # إن هؤلاء لم يشكروا النعم فسلبوها بالمعصية، فإياكم وكفر النعم لا تحل ~~بكم النقم (3). # [ثم قال] انزلوا بنا هذه الفجوة (4). # ثم أمر الحارث الأعور فنادى في أهل المدائن: أن وافوا أمير المؤمنين صلاة ~~العصر. # فوافوه فحمد الله وأثنى عليه [ثم] قال: # PageV00P132 # أما بعد فإني قد عجبت لتخلفكم عن إخوانكم وانقطاعكم عن مصركم في [هذه] ~~المساكن الظالم أهلها، أكثر سكانها لا معروف يأمرون به ولا منكر ينهون عنه ~~(1). # فقالوا: يا أمير المؤمنين كنا ننتظر أمرك. # فخرج ثم نزل الأنبار فاستقبله دهقان من رؤسائها يقود البراذين [في جمع من ~~الدهاقنة] وقد اتخذوا له ولأصحابه طعاما وعلفا [فلما استقبلوه ترجلوا له ~~واشتدوا بين يديه] (2) فقال لهم: ما هذه الدواب التي معكم، وما أردتم بهذا ~~الذي صنعتم: # فقالوا: أما [ما] صنعنا فإنه. شئ كنا نعظم به الأمراء، وأما هذه البراذين ~~فأهديناها لك، وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاما، وهيئنا لدوابكم علفا. # فقال [علي] رضي الله عنه: أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به ~~الأمراء، فوالله ما ينفع ذلك الأمراء، وإنكم لتشقون (3) على أنفسكم ~~وأبدانكم فلا تعودوا له وأما دوابكم هذه فإن أحببتم أخذناها منكم وحسبناها ~~لكم من خراجكم، وأما الذي صنعتم من الطعام والعلف، فإنا نكره أن نأكل من ~~أموالكم شيئا إلا بثمن. # فقالوا: يا أمير المؤمنين إن لنا من العرب موالي ومعارف أفتمنعنا أن نهدي ~~لهم؟ # وتمنعهم أن تقبلوا هديتنا؟ فقال عليه السلام: وكل العرب لكم موالي ~~ومعارف، ليس أحد من العرب بأحق منكم من أحد، ولست أمنعكم أن تهدوا لمعرفة، ~~ولا لأحد من المسلمين أن يقبل هدية، وإن غصبكم أحد فأعلمونا. فقالوا: إنا ~~نحب يا أمير المؤمنين أن تقبل كرامتنا، فقال: ويحكم نحن أغنى منكم. # PageV00P133 # [نزول أمير المؤمنين عليه السلام في مسيره] إلى الشام على جانب دير ~~البليخ ب‍ ms071 " الرقة " ونزول صاحب الدير إليه وعرضه عليه الكتاب الذي كتبه ~~بعض أصحاب عيسى بن مريم عليهما السلام في البشارة ببعث النبي العربي ومرور ~~وصيه بجيشه على دير البليخ، ثم التوصية بالإيمان به ومصاحبة وصيه] فمضى ~~[علي] ثم نزل إلى جانب الفرات فأتاه قيم كان هنالك (1) فقال: يا أمير ~~المؤمنين إنه كان عند أبي كتاب قديم كتبه بعض أصحاب عيسى صلى الله عليه ~~وسلم، وكنا أهل بيت نتوارثه فإن شئت أتيتك به؟ فقال: قد شئت، فأتاه به ~~فقرأه عليهم، وإذا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى، وسطر فيما سطر وكتب فيما كتب، ~~أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويدلهم على سبيل ~~الجنة، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سحاب في الأسواق (2) ولا يجزي السيئة ~~بالسيئة. # ولكن يعفو ويصفح، وأمته المجاهدون الحمادون، الذين يحمدون الله في كل ~~هبوط # PageV00P134 # وعلى كل شرف وصعود، تدلل ألسنتهم بالتكبير والتهليل، وتنصر نبيهم على من ~~ناوأه، وإذا توفاه الله اختلفت أمته ثم اجتمعت فتلبث ما شاء الله ثم تختلف ~~فيمر من أمته رجل يجر الجيش بشاطئ هذا البحر مقبل / 41 / بأهل المشرق يريد ~~أهل المغرب وهو أولى أهل ذلك الزمان بالنبي في القرابة والدين، فينزل إلى ~~جانب هذا الدير يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضي بالحق ولا يرتشي في ~~الحكم، الدنيا أهون عليه من الرماد حين تعصف به الريح والموت أيسر عليه في ~~جنب الله من الماء العذب على الظمأ، يخاف الله في السر وينصح له في ~~العلانية، ولا تأخذه في الله لومة لائم. # فمن أدرك ذلك الرسول من أهل هذه البلاد فآمن به، فإن ثواب ذلك رضوان الله ~~والجنة. # ومن أدرك ذلك العبد الصالح فليتبعه فإن القتل معه شهادة. # فقال علي: الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيا، والحمد لله الذي ذكرني عنده ~~في كتب الأبرار. # فقال ذلك القيم: لما بعث الله نبيه أسلمت، ولما مررت بنا اتبعتك وأنا ~~مصاحبك ولن أفارقك حتى يصيبني ما أصابك. # فقال حرمة بن حوبة العرني ms072 (1) فكان ذلك الراهب رفيقي فلما لقينا عدونا ~~أصيب، فلما دفن كل قوم قتلاهم طلبه علي فوجده فصلى عليه واستغفر له ودفنه ~~وقال: هذا منا أهل البيت. # PageV00P135 # [كلام الصحابي العظيم عمار بن ياسر رفع الله مقامه وكشفه عن إخلاصه ~~وتقربه إلى الله تعالى بالتفادي في سبيله ومحاربته الفئة الباغية]. # وذكروا أن عمارا لما توجه إلى صفين قال: اللهم لو أعلم أنه أرضى لك أن ~~أرمي بنفسي من فوق هذا الجبل لرميت بها، ولو أعلم أنه أرضى لك أن أوقد ~~لنفسي نارا عظيمة فأقع فيها لفعلت، وإني لا أقاتل أهل الشام إلا وأنا أريد ~~بذلك وجهك، وأنا أرجو أن لا تخيبني، وأنا أريد وجهك (1). # قالوا: وكان عمار يحب عليا، كلما قام خطيب من أهل العراق يدعو أهل الشام، ~~قام عمار في أثره فقال: إنا والله ما نجد إلا قتال أهل الشام أو ندخل ~~النار. # فتدبروا رحمكم الله هذه السيرة، وتصفحوا هذه الآثار، واعتبروا بما يرد ~~عليكم من هذه الأنباء والأخبار لتعلموا أي الفريقين أولى سبيلا، وأحق أن ~~يتبع، وأيهم أعدل سيرة وأسلك لطريق الطاعة، وأرغب في ثواب الله والدار ~~الآخرة. # فارجعوا إلى النظر في ذلك، وتدبروه، فقد كان لكم في الطعن أئمة، وقد ~~سبقكم إلى الخطأ والشك قوم انكشفت الأمور عند التماس الشأن والحجة، فأعقبهم ~~تخلفهم حسرة وندامة، لأن الأمور قد تنكشف لمن لا بصيرة له صادرة ولا يعرفها ~~مقبلة. # PageV00P136 # [تحذير أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه من اعتياد السب واللعن وكراهته ~~لهم أن يكونوا سبابين ولعانين]. # وكان رضي الله عنه من مبالغته في الدعاء وحسن سيرته في الكف عن الأذى، ~~ودعائه بالتي هي أحسن - اقتداء بأدب الله وطلبا لما هو أصلح - أنه لما بلغه ~~عن أصحابه أنهم يكثرون شتم مخالفيهم باللعن والسب، أرسل إليهم أن كفوا عما ~~بلغني [عنكم] من الشتم والأذى. # فلقوه، فقالوا: يا أمير المؤمنين ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالوا: ومن ~~خالفنا مبطلون؟ قال: بلى، قالوا: فلم منعتنا من شتمهم؟ فقال: كرهت أن ~~تكونوا سبابين ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم ms073 حالهم كان أصوب في القول، ~~وأبلغ في العذر، و [لو] قلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، ~~وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي ~~من الغي والعدوان من لهج به، فهذا من الكلام أحب إلي لكم. فقالوا: قد أصبت ~~(1). # وكتب [عليه السلام] إلى معاوية: # من [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك ~~(2). # PageV00P137 # أما بعد، فإن الله جعل الدنيا لما بعدها (1) وابتلى أهلها فيما لينظر كيف ~~يعملون، وأيهم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، وابتلاني بك وابتلاك بي فجعل ~~أحدنا حجه على الآخر تمحيصا (2) فعبرت على طلب الدنيا بتأويل القرآن (3) ~~وطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني، وعصيتني أنت وأهل الشام / 42 / ألب ~~عالمكم جاهلكم، ولبستم عليه الحق سفها بغير علم (4) وأتيتم بهتانا وإثما ~~مبينا، وتوليت من ذلك إثم ما حاولت، وأنت عارف بوصول ضره إليك في عاجل ~~الدنيا وآجل الآخرة (5). # فاتق الله يا معاوية في نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فإن الدنيا منقطعة ~~[عنك] وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (6). # فتفكر فيما لك وعليك من هذا الأمر يوضح لك سبله، واستعن بما أعناك الله ~~ولا تجاهل فإنك عالم فتدارك نفسك ولما يحدث يجعل الله لك ولسلطانك سبيلا ~~والسلام. # ولما هم بالمسير إلى معاوية كتب إلى جميع عماله يأمرهم بالقدوم وليشهدوا ~~قتال عدوهم ويخلفوا من يقوم مقامهم. # PageV00P138 # [خطبة ابن عباس في أهل البصرة وحثه إياهم على حرب معاوية لما بلغه كتاب ~~أمير المؤمنين عليه السلام في أن يقدم هو وجند البصرة إليه للذهاب إلى ~~الشام]. # وكتب إلى عبد الله بن عباس وكان واليه على البصرة. # فلما وصل الكتاب إلى عبد الله قرأه على أهل البصرة، فلما فرغ منه حمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس استعدوا للمسير إلى إمامكم وانفروا ~~خفافا وثقالا، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، و [أيقنوا] أنكم ~~تقاتلون المحلين القاسطين - الذين لا يقرأون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب، ~~ولا يدينون دين الحق - مع ms074 أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والصادع بالحق، والقائم بالهدى، ~~والحاكم بما في الكتاب لا يرتشي في الحكم، ولا يداهن الفجار، ولا تأخذه في ~~الله لومة لائم. PageV00P139 # [وصية أمير المؤمنين عليه السلام لزياد بن النضر الحارثي لما أمره على ~~مقدمته وسيره إلى هشام وقدمه أمامه]. # فلما تهيأ [أمير المؤمنين] عليه السلام للمسير (1) جعل زياد بن النضر ~~الحارثي وشريح ابن هانئ على مقدمته، ثم قال: # يا زياد بن النضر اتق الله في كل ممسى ومصبح، وخف على لسانك الدنيا ~~الغرور ولا تأمنها على حال من البلاء (2) واعلم أنك إن لم تردع نفسك على ~~كثير مما تحب مخافة مكروهه، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضر فكن لنفسك ~~مانعا رادعا عن البغي والظلم فإني قد وليتك هذا الجند فلا تستذلهم، ولا ~~تسلطن عليهم فإن خيركم أتقاكم (3). # تعلم من عالمهم، وعلم جاهلهم، واحلم عن سفيههم، فإنما يدرك الخير بالحلم ~~وكف الأذى والجهل. # فقال زياد: يا أمير المؤمنين أوصيت [إيصاء] كافيا [ونحن نكون] حافظا ~~لوصيتك، متأدبا بأدبك، يرى الرشد في أمرك، والغي في تضييع عهدك. # PageV00P140 # [كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ لما ~~بلغه اختلافهما]. # فمضى زياد بن النضر وشريح بن هانئ، وأتبعهما [أمير المؤمنين عليه السلام] ~~بكتاب منه، وذلك لأنه بلغه خلاف كان بينهما، فكتب: # من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ سلام ~~عليكما. # أما بعد، فقد وليتك يا زياد مقدمتي وأمرتك عليها، وشريح على طائفة منها ~~أمير، فإذا اجتمعتما فأنت يا زياد الأمير على الناس وإن افترقتما فكل واحد ~~منكما أمير الطائفة التي وليته. # واعلما أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، فإذا أنتما خرجتما ~~من بلادكما ودنوتما من بلاد عدوكما فلا تسأما من توجيه الطلائع في كل ~~ناحية، ومن نفض الشعاب والخمر في كل جانب لئلا يغيركما عدو ويكون لهم كمين ~~(1). # ولا تسيرن الكتائب والقبائل والرجال من لدن الصباح إلى المساء ms075 إلا على ~~تعبئة، فإن دهمكم [أمر] أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم لهم في التعبئة. # PageV00P141 # وإذ نزلتم بعدو أو نزل بكم [عدو] فليكن منزلكما قبال الأشراف أو سفاح ~~الجبال أو أثناء الأنهار كيما يكون ذلك لكم رداء، وتكون مقاتلتكم من وجه ~~واحد أو اثنين (1). # واجعلوا الرقباء في صياصي الجبال.، وبأعلى الأشراف، وبمناكب الأنهار ~~يربأون لكم (2) لأ [ن لا] يأتيكم عدوكم من مكان مخافة أو أمن. # وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، فإذا / 43 / غشيكم الليل ~~فحفوا عسكركم بالرماح والترسة، واجعلوا رماتكم تلي أترستكم ورماحكم، وما ~~أقمتم فكذلك فافعلوا لكيلا تصاب لكم غرة، ولا تلفوا منكم غفلة (3) فإن قوما ~~ما حفوا عسكرهم برماحهم وأترستهم في ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون ~~(4). # واحرسا عسكركما بأنفسكما، وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا أو ~~مضمضة. ثم ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتى تنتهيا إلى عدوكما. # وليكن عندي في كل يوم خبركما ورسول منكما، فإني حثيث السير في أثركما إن ~~شاء الله تعالى. # وعليكما في حربكما بالتوءدة، وإياكما والعجلة إلا أن تمكنكما فرصة. # ولا تقاتلا حتى تبديا إلا أن يأتيكما أمري (5). # PageV00P142 # فتصفحوا هذا التدبير وتفهموه تجدوه لما قلتم مكذبا ولما قلنا مصدقا، وهل ~~ترون فيه خللا؟ وهل ترون من وراء ما وصفنا عنه رأيا هو أصوب مما أمر به؟ ~~وأغمض مما أوصى به وامتثله؟ وقد يتبع هذا من تدبيره ما يكثر في القول، ~~ويغمض قي علم التدبير. # ومما يؤكد ما قلنا ويحققه من أن الانتشار عليه لم يكن هو سببه أن عليا ~~فيما ذكر أهل العلم نزل يوم صفين في عاقول (1) من الفرات لم يكن بطبعه أحد، ~~فحسده معاوية على منزله ذلك فطرح في عسكره كتابا: # من عبد الله الناصح، أما بعد، فإن معاوية يريد أن يرتحل ويشق عليكم الماء ~~فخذوا حذركم ". # فقال الناس لعلي: ارتحل فاسبقه إلى ذلك المكان فإنا نخاف أن يشق علينا ~~الماء (2). # فقال لهم علي: إن هذا من معاوية مكيدة لأنه قد حسدكم على هذا المنزل ~~فغلبو [ه ms076 على] رأيه حتى ارتحل منه، فلما ارتحل منه جاء معاوية حتى نزله! ~~فقال لهم علي: # ألم أخبركم أنه مكر من معاوية؟! # وإنما أذكر لكم من أموره وسيرته جملا تزيل العمى وتوضح سبيل الصواب من ~~الخطأ، ولتعلموا عند تفهم ما ذكرنا [ه] والنظر فيما عنه أتا [نا] أنه سيف ~~من سيوف الله حدب للدوائر (3) حارب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شابا ~~ماضيا في التماس ثواب الله قدما حتى صار شيخا، لم تكن له صبوة ولا نبوة ~~[كان] يخوض في جنب الله الغمرات، ويهتك بحجته ستر الشبهات. # PageV00P143 # [خطبة عبد الله بن عباس في أهل العراق لما التقوا بصفين مع أهل الشام، ~~وتقريضه عليا عليه السلام وحثه على قتال معاوية وأصحابه]. # قالوا: ولما التقى أصحابه ومعاوية أمر أصحابه بالكف، وأن لا يبدأوهم ~~بالحرب حتى يبالغ في الدماء، ويدعوهم إلى الله جهرا، وأن يجعلوا كتاب الله ~~بينهم قاضيا. # فقام عبد الله بن عباس خطيبا - وهو ممن لا ينكرون فضله وتقدمه في العلم - ~~فقال: الحمد لله رب العالمين دحا تحتنا سبعا ورفع فوقنا سبعا، وخلق فيما ~~بينهما خلقا وأنزل لهم فيها رزقا، ثم جعل كل شئ يبلى، ويبقى وجهه الحي ~~القيوم (1). # ثم إن الله بعث أنبياءا ورسلا فجعلهم حججا على عباده وعذرا ونذرا، لا ~~يطاع إلا بعلمه وإذنه، فمن بطاعته على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها، ~~يعصى بعلمه (2) ويعفو عن العظيم، ويغفر الكثير بحلمه، أحصى كل شئ عددا ~~وأحاط بكل شئ علما. # ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ~~صلى # PageV00P144 # الله عليه وسلم إمام الهدى والنبي المصطفى. # ثم [إنه] قد ساقنا قضاء الله وقدره إلى ما ترون حتى كان فيما اضطرب من ~~حبل هذه الأمة أن ابن آكلة الأكباد وجد من طغام الناس أعوانا على علي بن ~~أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، وأول ذكر صلى معه، ~~بدري قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ms077 كل مشهد / 44 / الفضل (1) ~~ومعاوية وأبو سفيان مشركان بالله يعبدان الأصنام. # ثم اعلموا والله الذي توحد بالملك لقد قاتل علي (2) مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلي يقول: صدق الله ورسوله. ومعاوية وأبو سفيان يقولان: ~~كذب الله ورسوله. فما معاوية في هذا (3) بأبر وأتقى، ولا أرشد ولا أصوب منه ~~في ذلك. # فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر، فوالله إنكم لعلى الحق، وإن ~~القوم لعلى الباطل، ولا يكونن عدوكم أولى بالجد في باطلهم منكم في حقكم فقد ~~كلمت (4) والحمد الله إن الله سيعذبهم بأيديكم أو [بأ] يدي غيركم. ربنا ~~أعزنا ولا تخذلنا، وانصرنا على عدونا، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت ~~خير الفاتحين وأستغفر الله لي ولكم. # ثم إن أصحاب علي بن أبي طالب بعثوا بغلمانهم يستقون لهم فمنعهم من شرب ~~الماء معاوية يزداد بذلك بغيا على بغيه جرأة على الله في منعه. # فليعتبر معتبر، وليحسن النظر ناظر إذا فكر في سيرة علي بن أبي طالب ومن ~~خالفه # PageV00P145 # من أصحاب صفين والجمل كيف يبدأون بالبغي والنكث، ويتبعون ذلك بما هو أقبح ~~في سيرتهم. # واجتمع أصحاب علي إليه وقالوا: قد منعنا الماء، وقد متنا عطشا. فأرسل ~~[علي] إلى معاوية صعصعة بن صوحان، فأتاه صعصعة فقال: إن أمير المؤمنين يقول ~~لك: # إن خيلك قد حالت بيننا وبين الماء فإن شئت صرفت عنا خيلك حتى نستقي من ~~الماء ونرى من رأينا وترى من رأيك فيما سرنا إليه وسرت إليه. # فقال له الفاسق في كتاب الله، الوليد بن عقبة: أرى أن نقتلهم عطشا فلم ~~تأذن لهم في شرب الماء. وجمع خيله على الماء ومنعهم منه. # فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أمر أصحابه بقتال القوم حتى يخلوا لهم عن ~~الماء، فقاتلوهم حتى صار الماء في أيدي أهل الحق وانكشف عنه أهل البغي وغلب ~~أهل الحق عليه. # فبعث إليهم معاوية [أن] خلوا عن الماء ليكون بيننا وبينكم فقال أصحاب ~~علي: # قد طلبنا هذا منك أول مرة فأبيت علينا فأما الآن فلا. # فبلغ ذلك علي ms078 بن أبي طالب فأرسل إلى أصحابه أن خلوا بينهم وبين الماء ~~نعدل وإن ظلم وإن بغى وإن غدر (1) وننصف وإن منع النصف، ونعفو إذا قدر ~~[نا]. # وأقبل رجل من أهل الشام يقال له: حوشب ذو ظليم وكان له قدر - إلى علي ابن ~~أبي طالب فقال له: ألا ترى يا علي أنه قد قسم الله لك قسما حسنا فخذه بشكر: # إن لك قدما في الإسلام (2) وسابقة وقرابة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصهرا وتجربة وسببا، فإن تلق بيننا غدا فإنه لبوار العرب [كذا] وضيعة ~~الحرمات (3) ولكن # PageV00P146 # انصرف راشدا وخل بيننا وبين شامنا وتحقن دماءنا ودماء أصحابك. # فقال له علي بن أبي طالب: إنك لم تأل عن النصيحة بجهدك، ولو علمت أنه ~~يسعني في ديني [المداهنة] أجبتك ولكان أهون علي في المؤنة ولكن الله لم يرض ~~لأهل القرآن أن يعمل [الناس] بمعاصي الله في أكناف الأرض وهم سكوت (1) لا ~~يأمرون ولا ينهون. واعلم يا حوشب أني (2) قد ضربت الأمر ظهره وبطنه وأنفه ~~وعينيه حتى لقد منعني من نوم الليل فما وجدت يسعني إلا قتالهم أو الكفر بما ~~جاء به محمد وكانت معالجة القتال أهون علي من معالجة الأغلال وكانت مؤنات ~~الدنيا أهون علي من النار (3). # فوالله ما أجد يقدر مخالف ولا ناصب [أن] يقول: إن عليا قاتل القوم واحتمل ~~تلك المكاره وصبر على المحن العظام لغير ما ذكرنا [ه]. # وكيف يمكن ذلك ويدعي عليه مخالف طلب دنيا أو رغبة فيما رغب فيه أهل ~~الشقاق والردى، وأموره / 45 / قد انكشفت للعامة والخاصة في سيرته وزهده ~~وتقلله في مأكله وملبسه في أيام خلافته، بل مناقشته لنفسه في هذا الحال ~~أكبر، ومباعدته لها من المطامع ومما يقرب من التهم والتلذذ والتنعم أغلب ~~وأشهر. # يختم على جراب سويقه، ويقطع ما فضل عن [أ] كمامه! ويطعم أصحابه أطيب ~~طعامه، ويقدمهم في الدنيا على نفسه [وإنما ذكرنا معدودة من قبسات سيرته] ~~لتعلموا أن الذي [كان] يسعى له ويطلبه ويجتهد في إحرازه، غير ما طلب الفرقة ~~الباغية ms079 من الملك والدنيا ومن أشبههم من الراغبين في البيضاء والصفراء، وأن ~~الذي كان فيه [هو] تجارة للآخرة، وسعي للعاقبة ورغبة عن الآجلة (4) فنهى ~~النفس عن هواها، # PageV00P147 # وجاذب الشيطان قيادها حتى تمكن من بغاتها ومارقتها وناكثتها. # فهنيئا لك أبا الحسن لقد شرف ابتداؤك، وطاب منشؤك، وقوي صبرك، وعدلت ~~سيرتك، وسخت نفسك ببذلها لربك فظفرت يدك بربح تجارتك، وقدمت على خالقك، ~~فتلقتك بشارته وحياك بملائكته يقولون: سلام عليك تحية من الله لك بجوار ~~المصطفى وأخيك المرتضى وحبيبك محمد قد أكرمك الله بجواره وجعلك في دار ~~قراره وسقاك بكأسه. # اللهم فمن علينا باقتفاء آثاره والعمل بسيرته ومعاداة أعدائه، وأحشرنا في ~~زمرته فقد جاهد فيك حق الجهاد وامتحن في حبك بمحن شداد، وقام من نصيحة ~~الخلق في تلك الأهوال بما لم يقم به مخلوق ولم ينله طالب ولم يدركه مجتهد. # ببغضه عرف المنافق (1) وبفعله اشتد ظهر المؤمن، وبه وضحت أعلام السبل عند ~~إحاطة الفتن، وبه بان الحق عند ارتداد الخلق، وبه قامت السنن عندما ~~اعتورتها الشبه واللبس حتى صفي الحق من كدره، وخلصه بصفوة أعلامه، فانقطع ~~عنه ألسن المعاندين (2) واضمحلت [منه] شبه الحائرين. # فله فضيلة البيان، والسبق في مجاهدة الأقران، سبق في فضيلة الجهاد على ~~آيات التنزيل (3) وكشف الله به تلك الكرب عند ظهور الإسلام حتى نودي من ~~السماء: # لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار ثم ختم الله به - مع سوابق قديمة ~~[و] فضائل [جمة] - عند انقضاء عمره من محاربة من بغي الدين عوجا، وطغى على ~~الإسلام فسقا وتمردا، فجاهد بيده ولسانه في إثبات حق التأويل كما جاهد مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات حق التنزيل وذلك من قوله وفعله ~~مشهور يوم صفين [و] ليلة الهرير. # PageV00P148 # [خطبته عليه السلام في لوم أصحابه لما انهزموا في بعض أيام صفين في بداية ~~الأمر من عسكر معاوية ثم كروا عليهم فأزالوهم عن موقفهم وهزموهم]. # قالوا (1) لما اشتد البأس وعظم المصاب، وتضعضعت الأركان من الفريقين ورأى ~~من أصحابه بعض الانحياز قام فيهم ms080 فقال: # إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم تحوزكم الجفاة الطغام وأعراب أهل ~~الشام وأنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم، وعمار الليل بتلاوة القرآن، وأهل ~~دعوة الحق إذ ضل الخاطئون، فلولا إقباكم بعد إدباركم، وكركم بعد انحيازكم ~~لوجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين، فلقد شفى ~~بعض سقمي وأحاح نفسي إني رأيتكم أخيرا حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن ~~مصافهم (2) كما أزالوكم تحوسونهم بالسيف، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطر ~~[و] دة الهيم (3). # [فالآن] فاصبروا، نزلت عليكم السكينة، وثبتكم الله باليقين. # PageV00P149 # [و] ليعلم الفار منكم أنه لا يزيد في عمره ولا يرضي ربه [و] أن في الفرار ~~سخطا عليه، والذل اللازم لأهله، والعار الباقي، وفساد العيش عليه، فيموت ~~المرء محقا خير من الحياة على الفرار بهذه الخصال (1). # ثم قال: والذي / 46 / بعث محمدا بالحق لقد قاتلت معاوية وأباه على تنزيل ~~الكتاب، وأنا اليوم أقاتله وأشياعه على تأويل الكتاب. وإن البصيرة في ~~الأمرين جميعا لواحدة بالعلم بما نحن عليه من الهدى والحمد الله. # ثم حمل على أعداء الله فما انثنى حتى قتل خمسمائة رجل، كلما قتل رجلا كبر ~~تكبيرة حتى يسمعه عامة أهل عسكره، وذكروا أن ذلك كان من أول الصبح إلى أن ~~غاب الشفق، وما كانت صلاته يومئذ وأصحابه إلا التبكير لكل ركعة تكبيرة. # وكان إذا قتل رجلا قال: اللهم إنه قاتل مع عدوك ليطفئ نورك جرأة عليك، ~~وتغيير [ا] لما جاء به نبيك اللهم فاصل وجهه النار. # قالوا: ثم أقبل رجل من أهل الشام يقال له: الزبرقان به الحكم (2) وكان ~~سيد أهل الشام [فطلب البراز] فخرج إليه الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال له ~~الزبرقان: # من أنت؟ قال: أنا الحسن بن علي. فقال له: انصرف يا بني فوالله لقد نظرت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا من ناحية " قبا " يسير على ناقة له ~~وإنك يومئذ لقدامه، فما كنت لألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدمك. # فانصرف الزبرقان [كذا]. # PageV00P150 # فلما بلغ ذلك عليا قال ms081 لأصحابه: أملكوا عني هذا الغلام (1) - يعني ابنه ~~[الحسن] - لا يهدني [فقده]. فأسرعت إليه خيل من أصحاب علي فردوا الحسن. # وانصرف الزبرقان وهو يقول: إني أخاف الله في ابن فاطمة، وإن ذا الكلاع ~~حدثني أنه سمع جهما يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن حسنا ~~وحسينا سيدا شباب أهل الجنة (2). # PageV00P151 # [كلام أمير المؤمنين عليه السلام لأصحابه لما مر بجمع من أهل الشام وهم ~~يشتمونه] ثم إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دفع إلى جماعة من أصحابه ~~يقاتلون قتالا شديدا، والآخرون [من أهل الشام] يلعنون عليا ويشتمونه (1) ~~فقال: من هؤلاء؟ فقالوا: [جماعة فيهم] الوليد بن عقبة فقال: انهدوا إليهم ~~وعليكم السكينة وسيماء الصالحين ووقار الإسلام، فوالله لا أقرب بقوم من ~~الجهل بالله [قوم] قائدهم ومؤدبهم معاوية (2) وابن النابغة - يعني عمرو - ~~وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر المجلود حدا في الإسلام [و] ~~ها هم يقومون فيقصبوني (3) ويشتموني وقبل اليوم ما قابلوني وشتموني، وأنا ~~أدعوهم إذ ذاك إلى الإسلام وهم يدعوني إلى عبادة الأوثان، الحمد لله [و] ~~قديما عاداني الفاسقون فبعدهم الله (4) ألم تعجبوا أن هذا هو الخطب الجليل، ~~أن فساقا كانوا عندنا غير مرضيين، وعلى الإسلام وأهله متخوفين، خدعوا شطر ~~هذه الأمة، وأشربوا قلوبهم حب الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان ~~[و] قد نصبوا لنا الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله. # PageV00P152 # اللهم فاردد الحق، وافضض جمعهم، وشتت كلمتهم وأبلسهم بخطاياهم (1) فإنه ~~لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت. # ثم نهد إليهم فضاربهم حتى أزالهم عن مكانهم وكان رضي الله عنه في تلك ~~الأحوال يباشر الحروب بنفسه، ويقومها برأيه، ويجبر صدعها ببأسه، ويقوي ~~ضعيفها بكلامه، ويشجع جبانها بالبشارة والحجة، ويدور على الرايات، فيقوم ~~أودها، ويقاتل مع المتأخر عنها حتى تلحق مكانها. # [وكان يتحمل تلك الشدائد لله] ليعلموا أن منافسته في طلب ثواب الله في ~~هذه الحال كمنافسته أيام النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعاوية - لعنه الله - على سريره بعيد من عسكره، حوله الحرس والشرط، ~~متشبها بالجبابرة وأبناء ms082 ملوك العجم، يقول ما لا يفعل، ويرغب فيما فيه زهد، ~~ويتخلف عما أمر حرصا على الدنيا، وحدوا منه بما طلب (2). # PageV00P153 # [توجيه النفوس إلى الحق والحقيقة بذكر لمعات من أنوار ما بثته حواري أمير ~~المؤمنين عليه السلام وإيراد بعض ما كان عليه مخالفيهم من حواري معاوية]. # ثم التمسوا علم [سيرة] أهل البصيرة من أصحابه لتعلموا أنهم قد حذوا ~~أمثاله، وفقهم بعلمه، وغذاهم بعدله حتى / 47 / قربت بصيرتهم من بصيرته. # هذا عمار بن ياسر ينادي بأعلى صوته: الرواح إلى الجنة، تزينوا للحور ~~العين. # وكبر عندما شرب [ضياح] اللبن وروى لهم حديثا سمعه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال له: آخر زادك ضياح من لبن ثم تلقاني. # وقال: لو [ضربونا حتى] بلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنهم على الباطل وأنا ~~على الحق (1). # وكان عمرو بن العاصي قد أخرج ابنيه في ذلك اليوم عبد الله ومحمد، وحمل ~~أبو اليقظان بمن معه من الرجالة وأهل النجدة فنظر عمرو إلى غبار ساطع فقال: ~~على من # PageV00P154 # الغبار؟ فقالوا: على ابنيك عبد الله ومحمد فصاح [عمرو] بأصحابه أن قدموا ~~الراية. # فقال له معاوية إنه ليس على ابنيك بأس فلا تنقض الصف. فقال له عمرو: إنك ~~لم تلدهما يا معاوية (1). # [قال ذلك وأصر على الدفاع عن ابنيه] حرصا منه على البقاء، ودلالة على ~~معرفته بخطأ ما هم فيه. # وذكروا أن سعيد بن قيس قال: الحمد لله على ما كرهنا وأحببنا وقد اختصنا ~~الله منه بنعمة منه لا نستطيع أداء شكرها: إن أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم المصطفين الأبرار معه في حزبنا. # فوالله الذي هو بعباده (2) خبير بصير لو كان قائدنا حبشيا مجدعا إلا أن ~~معنا من البدريين سبعين رجلا لكان ينبغي لنا أن نحسن بصائرنا ونطيب أنفسنا ~~كيف ورئيسنا ابن عم نبينا صدقه أولا (3) وصلى مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صغيرا وجاهد مع نبيكم كبيرا، ومعاوية طليق بن طليق من وثاق الإسار ~~[إلا أنه أغوى جفاة فأوردهم النار وأورثهم العار، والله محل بهم ms083 الذل ~~والصغار ألا [و] إنكم ستلقون عدوكم غدا] [ف‍] عليكم بتقوى الله والجد ~~والحزم والصبر فإن الله مع الصابرين. # PageV00P155 # قالوا (1): وخرج رجل من خثعم من أهل الشام [يقال له: شمر بن عبد الله] ~~وخرج [إليه] رجل من خثعم من أصحاب علي [يقال له أبو كعب وهو رأس خثعم ~~العراق] فقتله الشامي وانصرف وهو يبكي ويقول: رحمك الله لقد قتلتك في طاعة ~~قوم أنت أمس بي رحما منهم وأحب إلى نفسا، ولكن والله ما أدري ما أقول إلا ~~أن الشيطان قد قتلنا ولا أرى قريشا إلا قد لعبوا بنا (2). # [وإنما ذكرنا هذا وأمثاله] لتعلموا أن من خالفه إنما كان (3) يقاتله على ~~الحمية والعصبية والشبهة لا على ثقة ومعرفة. # وذكروا أن كعبا المرادي (4) كان رجلا من أصحاب علي بن أبي طالب، فلما صرع ~~يوم صفين مر به الأسود بن قيس المرادي، فقال له كعب: يا ابن قيس. قال لبيك. # فعرفه وهو بآخر رمق فقال له ابن قيس: عز علي بمصرعك، أما والله لو شهدتك ~~لآسيتك ولدافعت عنك، ولو علمت الذي أسعرك وأبغضك (5) لأحببت أن لا نتزايل ~~حتى أقتله أو ألحق بك. ثم نزل إليه فقال: أما والله إن كان جارك لآمنا ~~لبوائقك وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا، فأوصني يرحمك الله. # فقال أوصيك بتقوى الله، وأن تناصح أمير المؤمنين، وتقاتل معه المحلين حتى # PageV00P156 # يظفر أو تقتل!! وأبلغه عني السلام، وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها ~~خلف ظهرك، فإنه من أصبح من وراء المعركة كان الظافر. # ثم لم يلبث أن مات، وأقبل ابن قيس إلى علي فأخبره، فقال [على] رحمه الله ~~قاتل معنا عدونا في الحياة، ونصح لنا عند الوفاة. PageV00P157 # [شأنه عليه السلام في حروبه مع أعدائه، ثم وصيته عليه السلام وتحريضه ~~لأصحابه عند دنوهم من عدوهم للمناوشة والمقاتلة]. # وقالوا: إنه كان رضي الله عنه لا يبدأ عدوه بقتال حتى يبدأوه، ولا ~~يحاربهم حتى ينابؤهم، فلما ناباهم يوم صفين وأنظرهم فلم يدعوا و [لم] ~~يرجعوا أمر مناديه فنادى في أهل الشام. # ألا ms084 إني قد استدمتكم واستأنيتكم لترجعوا إلى الحق وتنثنوا إليه، واحتججت ~~[عليكم] بكتاب الله ودعوتكم إليه فلم تناهوا عن طغيانكم، ولم تجيبوا إلى ~~حق. ألا وإني قد نبذت إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (1). # ثم تقدم إلى مقدمته أن قفوا ولا تقدموا عليهم إقدام من يريد أن ينشب ~~حربا، ولا تأخروا عنهم تأخر من يهاب البأس، ولا يحملنكم سبابهم [إياكم] على ~~قتالهم قبل أن تدعوهم وتعذروا إليهم (2). # [وإنما كان يأتي بهذا وأمثاله] ليعلموا أن شأنه / 48 / وبغيته ومراده ~~اتباع حكم الله وإصابة الحق في قتالهم. # ثم أقبل على أصحابه لما هموا بلقاء عدوهم [و] حرضهم [وهو] يقول لهم: # عباد الله اتقوا الله وغضوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، ~~ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمحاولة والمحافظة والمعانقة والمكادمة، ~~واثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين. # اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر (3). # PageV00P158 # [كلام الشهيد عقبة المرادي يوم صفين في هوان الدنيا وغلاء الدار الآخرة، ~~وحث الناس على قتال معاوية وجنده ثم خروجه مع أخوته إلى البراز واستشهادهم ~~رضي الله عنهم]. # وذكروا أن عقبة بن جرير المرادي (1) - وهو من أصحاب علي - قال يوم صفين: # إن مرعى الدنيا أصبح هشيما وأصبح شجرها حصيدا (2) وجديدها سملا، وحلوها ~~مر المذاق. # ألا وإنني أنبئكم نبأ امرئ صادق، بأني قد سئمت الدنيا وعزفت [نفسي] عنها، ~~وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيش أو غارة، فأبى الله إلا أن ~~يبلغ (3) هذا اليوم، ألا وإني متعرض لها [من] ساعتي هذه، وقد طمعت فيها. # فما تنتظرون عباد الله في جهاد أعداء الله؟ أخوفا من اليوم القادم عليكم ~~(4) الذاهب # PageV00P159 # بأنفسكم لا محالة؟ أو [من] ضربة كف بالسيف تستبدلون الدنيا بالآخرة، ~~ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار؟ ما هذا ~~بالرأي [السديد]. # ثم مضى وقال: يا إخواني إني قد بعت هذه الدار الدنيا بالدار الآخرة التي ~~أمامها وهذا وجهي إليها فلا تبرح وجوهكم ولا يقطع الله رجاءكم. # فتبعه ms085 إخوته وقالوا: لا نطلب رزقا بعدك قبح الله العيش بعدك، اللهم إنا ~~نحتسب عندك أنفسنا. فاستقدموا فقاتلوا، فقتلوا رحمهم الله. # وذكروا أن رجلين تخاصما عند معاوية لعنه الله في قتل عمار فقال أحدهما: # أنا قتلته. وقال الآخر: أنا قتلته. فقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: ~~إنما تختصمان أيكما يدخل النار!! سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قاتل ~~عمار في النار (1). # وذكروا أن غلاما من أهل الشام قاتل يوم صفين قتالا شديدا (2) فقال له بعض ~~أصحاب علي: يا فتى هل أهمك أمر هذا الدين قط؟ وأمر هذه الأمة؟ فقال: لا ~~والله لا أقول باطلا ما أهمني. قال: فعلام تقاتل؟ قال: إن أصحابي يخبروني ~~أن صاحبكم لا يصلي! قال له: وكيف يقولون ذلك وهو أول من صلى وأجاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الهدى وأصحابه الفقهاء والقراء. فرجع الفتى إلى ~~أصحابه وخرق الصف، فقال له أصحابه: خدعك العراقي؟ قال: لا والله ولكن نصح ~~لي. # فقد تعلمون عند التدبر في أمور من خالفه (3) أنها موضوعة على الكذب ~~والغدر وطلب الدنيا وتعمد الخطاء. # PageV00P160 # [خدعة عمرو بن العاص ومعاوية صبيحة ليلة الهرير برفع المصاحف على الرماح ~~وصياح الشاميين بأمرهما في أهل العراق وقولهم لهم: بيننا وبينكم كتاب الله: ~~وانخداع أهل العراق بهذا النداء، ثم خطبة أمير المؤمنين فيهم وتحذيره إياهم ~~عن الركون إلى هذا المكر، ثم ما جرى بينه وبين النوكى من القراء وممن كان ~~في قلبه مرض من قواد العراق]. # ولما عضت الحرب القوم وقرب أصحاب علي من الفتح قال عمرو بن العاص ~~لمعاوية: # ها هنا حيلة توجب الاختلاف بينهم والفرقة، وذاك أن عليا وأصحابه أصحاب ~~ورع ودين فإذا أصبحنا رفعنا المصاحف وقلنا: بيننا وبينكم كتاب الله. # فلما أصبحوا رفعوا المصاحف وقالوا: بيننا وبينكم كتاب الله، الله الله في ~~البقية. # واستقبلوا علي بن أبي طالب بالمصاحف. # فقال علي: والله ما الكتاب يريدون، وإن هذا منهم لمكيدة، فاتقوا الله ~~عباد الله وامضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوكم، فإن معاوية وعمرا وابن أبي ms086 ~~معيط، وابن مسلمة وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعرف بهم ~~منكم، قد صحبناهم أطفالا ورجالا، فكانوا شر أطفال وشر رجال. إنهم والله ما ~~رفعوها ليعملوا بها وما رفعوها إلا خديعة ووهنا ومكيدة لكم (1). # فنفرق عند ذلك أصحابه واختلف قولهم، ورأى أكثرهم طلب الصلح والموادعة. # فإن قال قائل: فقد نرى ما قلتم وما يؤثر عن علي بن أبي طالب يوجب عليه ~~الخطأ # PageV00P162 # وأنه معتمد لترك الصواب لأنه أشار بقتال القوم عند رفع المصاحف وأخبر ~~أنها منهم خديعة ثم رجع / 49 / عن هذا من رأيه إلى محاكمتهم وموادعتهم وهذا ~~نفس ما نقمته الخوارج وادعت خطأ علي فيه. # قلنا لهم: لسنا نبعد قلة معرفتكم بما ذكرنا [ه] وبعد وهمكم عنه إذ ذهبتم ~~عما هو أوضح منه إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنما أشار على القوم ~~بقتالهم وأن لا يكفوا من حربهم لأن القوم الذين رفعوا المصاحف قد علم أنهم ~~لم يرفعوها لشبهة دخلت [عليهم] وأن رفعها عند قرب الفتح والظفر بهم خديعة، ~~وعلم أن الذين رفعوها قد قامت عليهم الحجة وعرفوا حقه فتركوه بالمعاندة، ~~ولو مضى أصحابه على بصيرتهم ويقينهم [و] لم تدخل عليهم الشبهة، و [لم] ~~تختلف الكلمة لكان سيمضي علي أمره في محاربتهم لأنه قد أعذر إليهم وأقام ~~حجته عليهم، وكان رأيه رضي الله عنه صوابا في تحريك أصحابه في محاربتهم و ~~[قد] أعلمهم أن الذي كان منهم خديعة ليمضوا على بصائرهم. فلما دخلت أصحابه ~~الشبهة، وجاء أمر احتاج إلى إزالته بحجة أمسك عن القوم حتى ينكشف لأهل ~~الضعف خطأؤهم فيزول عنهم شكهم إذا اعلموا أن القوم لم يطلبوا الحق برفع ~~المصاحف، فيرجع بعد إلى مناجزتهم وقتالهم. # فقالوا له أرسل إلى الأشتر فرده. فأرسل إلى الأشتر أن أقبل إلي. فأرسل ~~إليه الأشتر: # ليس هذه ساعة ينبغي أن تزيلني فيها عن موضعي إني قد رجوت أن يفتح الله ~~[علي] فلا تعجلن. # فارتفعت الريح، وعلت الأصوات من ناحية الأشتر، فقال القوم: والله ما نراك ~~إلا قد ms087 أمرته يقاتل!! فقال علي رضي الله عنه: من أين ينبغي لكم أن تروا ~~ذلك؟ # هل رأيتموني ساررت الرسول؟ ألم أكلمه على رؤسكم علانية وأنتم تسمعون؟! ~~(1). # PageV00P163 # فجاء من أمرهم أمر عجيب وخرجوا عند الشك إلى تهمته والادعاء عليه! فأرسل ~~علي إلى الأشتر أن أقبل الساعة فقد وقعت الفتنة. # فإن قال قائل: فهلا (1) ترك الأشتر يمضي على بصيرته؟ # قلنا: لو فعل ذلك ازدادوا شكا وحيرة ولدعاهم ذلك إلى قتله وقد تهددوه ~~بذلك. # فرجع الأشتر [عن ساحة القتال وخاطب رسول أمير المؤمنين] فقال: الرفع هذه ~~المصاحف دعوتموني؟ قالوا: نعم. قال: أما والله لقد ظننت إذ رفعت أنها ستلقي ~~اختلافا وفرقة!! أما إنها من مشورة ابن النابغة. # ثم قال [لرسول أمير المؤمنين]: ألا ترى الفتح، أما ترى ما يلقون؟ أيسعني ~~أن أنصرف عن هذا وأدعه، وقد صنع الله لنا ونصرنا (2). # فقال [له] بعض القوم: أتحب أنك ظفرت ها هنا وأمير المؤمنين بمكانه يتفرق ~~عنه ويسلم إلى عدوه أو يقتل؟ قال: سبحان الله لا والله. قال: فإنهم قد ~~قالوا: لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلك كما قتلنا ابن عفان!! # فأقبل عليهم الأشتر فقال: يا أهل العراق يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم ~~القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعوكم إلى ما فيها، وقد والله ~~تركوا ما أمر [ه] الله [به] فيها، وتركوا سنة من أنزل عليه الكتاب، مهلا ~~[لا] تجيبوهم وأمهلوني فإني قد أحسست بالفتح. فأبوا عليه! قال: فأمهلوني ~~عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر. # فقالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك. قال: فحدثوني عنكم - وقد قتل أماثلكم ~~وبقي أراذلكم - متى كنتم محقين؟ أحين كنتم تقاتلون، وخياركم مقتولون؟ فأنتم ~~الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون؟ أم أنتم الآن محقون وقتلاكم الذين كنتم ~~لا تنكرون # PageV00P164 # فضلهم، وكانوا خيرا منكم في النار (1). # فقالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله، وندع قتالهم لله، إنا لسنا ~~نطيعك ولا صاحبك ما حيينا (2) قال: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع ~~الحرب فأجبتم (3) يا أصحاب / 50 / الجباه السود كنا نظن ms088 صلاتكم هذه [زهادة] ~~في الدنيا وشوقا إلى الله، فلا أرى فراركم من الموت [إلا] إلى الدنيا!!! ~~ألا فقبحا [لكم يا أشباه النيب الجلالة] (4) ما أنتم برائين بعدها عزا ~~أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. # فضربوا وجه دابته بسياطهم وضرب وجوه دوابهم بسوطه!! وصاح بهم علي [أن] ~~كفوا. فكفوا. # وكان ما كان من علي في إجابة القوم لشك أصحابه واختلافهم، وما دخلهم من ~~الجهل وحلول الشبهة، ليس [من أجل] أنه لم يكن في أمر معاوية وعمرو على ~~بصيرة أو أنه ذهب عنه أن ذلك منهم مكيدة وخديعة. # فلما رأى الشك قد وقع وجبت المناظرة، ولم يجد بدا من الموادعة، ولو لم ~~يفعل ذلك لازداد في غيه الجاهل، وقويت دعوى المخالف، وكان في ذلك تهمة، ~~وأنه فرار من حكم الله. # PageV00P165 # وليس أحد يدعي أن ما فعل القوم ذهب عنه وأن القوم استغفلوه بالمكيدة، ~~ولقد قام رضي الله عنه فقال: # والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يفجر ويغدر، ولولا كراهة الغدر (1) كنت ~~من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به ~~يوم القيامة. # PageV00P166 # [كلمات بعض رؤساء أهل العراق وقواد جند أمير المؤمنين عليه السلام لما ~~رفع الفئة الباغية القرآن على الرماح، وادعوا مكرا وحيلة انقيادهم لحكم ~~القرآن، فخدع العراقيون فاختلفوا]. # ثم قام حصين بن المنذر فقال: أيها الناس إنما بني هذا الدين على التسليم، ~~فلا ترفعوه بالقياس، ولا تهدموه بالشبهة (1) فإنا والله لو أنا لا نقبل من ~~الأمور إلا ما نعرف لأصبح الحق في أيدينا قليلا، ولو ركبنا الهوى لأصبح ~~الباطل في أيدينا كثيرا (2) وإن لنا لراعيا قد أحمدنا ورده وصدره، وهو ~~المصدق على ما قال، والمأمون على ما قعل، فإن قال: لا. قلنا: لا. وإن قال: ~~نعم. قلنا: نعم (3). # وتكلم ابن عباس فقال: يا قوم إنه من مكر معاوية فلا تختلفوا (4). # ثم قام سفيان بن ثور (5) فقال: أيها الناس إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب ~~الله فردوه [علينا] فقاتلناهم، وإنهم دعونا إلى كتاب الله فإن رددناه ms089 عليهم ~~حل لهم منا ما حل # PageV00P167 # لنا منهم [و] لسنا نخاف أن يحيف الله علينا ورسوله وقد أكلتنا الحرب ولا ~~نرى البقاء إلا في الموادعة. # وتكلم عامة الناس مثل كلامه (1). # فلما رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الاختلاف قد شمل عسكره وشك في ~~حربهم عامة أصحابه أجاب القوم إلى ما سألوا [ه]. # فإن قال قائل: أرأيت لو أن أصحابه لم يختلفوا عليه كان يحبذ قتالهم (2) ~~وقد دعوه إلى حكم الكتاب، وأمسكوا عن حربه؟ وإنما حل قتالهم في البدء لأنهم ~~أبوا حكم الكتاب. # قلنا له: إنما دعاهم أولا ليدينوا بحكم الكتاب وليرجعوا إلى ما أمر [هم] ~~الله [به] والدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار وعلى الشاك منهم أن يجئ ~~مجئ مستفهم متعلم لا مجئ مستطيل محارب. # على أنه [عليه السلام] لم يستحل قتالهم أولا حتى أقام عليهم الحجة ودلهم ~~على بغيهم وباطلهم، فلا يرفع عنهم السيف بعد إقامة الحجة إلا بالإنابة ~~والتوبة. # وليس قولهم في هذا الحال: " قد رضينا بحكم الكتاب " إلا خديعة ظاهرة ~~ومكيدة مكشوفة، فلا معنى لقولهم هذا مع الإقامة على التعبئة وتهيئة الحرب، ~~فإن كانوا طلبوا الحجة وكشف البينة، فقد قامت في البدء ووضحت. # فإن قالوا: قد رضينا بحكم الكتاب على الندم والرجوع والإنابة فعلامة ~~دعواهم # PageV00P168 # على سبيل الطلب وسببه فلم يعرف لقولهم علة إلا الخديعة، ولو وجب رفع ~~السيف عنهم متى دعوا إلى كتاب الله لم يقم بهذا دين، ولم يغلب فاسق لأنه ~~متى دعا إلى الكتاب عند شدة الحرب ومخافة الظفر به وجبت إجابته، فإذا حوكم ~~فأبى بعد الحكومة، ثم دعا إلى المحاربة فالت به الحرب أيضا إلى مثل حاله ~~الأولى، فدعا إلى حكم الكتاب ثانية وجب أيضا إجابته والكف عنه وإن كانت ~~إجابته غير جائزة بعد الحكومة لقيام الحجة والبيان وكان / 51 / قوله: " قد ~~رضيت بحكم الكتاب " قولا مردودا دون الإنابة والرجوع فكذلك حكمه في حالة ~~الأولى، أن إجابته لا يجوز لأن الحجة قد قامت والبيان قد وجب، وهم لم ~~يستحلوا في ms090 البدء قتال معاوية حتى أقام عليه الحجة وعرفوا معاندته وتعمده ~~للخطأ وهم القائلون في البدء: إنما جعل [معاوية] الطلب بدم عثمان علة وسببا ~~للفتنة والتمويه على الضعفة. # فإن قالوا: فنرى إجابة علي له خطأ عندكم. # قلنا: ذلك رأيتموه بعين الظن والشك دون اليقين والعلم لأن علي بن أبي ~~طالب لم يجب القوم لطلبهم (1) ولا لأنهم دعوا إلى حكم الكتاب، وإنما أجابهم ~~لعلة انتشار أصحابه عليه واختلاف كلمتهم. # فإن قالوا: أوليس الذي كان من أصحابه خطأ عنده مع من دفع الحرب وطلب ~~الموادعة؟. # قلنا: نعم. فإن قالوا: فكأنكم قلتم: أجابهم إلى خطأ من أجل خطأ آخر حدث ~~في عسكره. # قلنا لهم: إن أصحابه وإن كانوا قد أخطأوا، و [لكن] لم يكن خطأهم بالتعمد ~~منهم، وإنما كان خطأهم لشبهة دخلت، وشك وجب، وقد كانوا أصحاب دين وورع فلم ~~يكونوا عندهم في شكهم أقل من أهل الشام في بغيهم، ولم يكونوا في خطائهم على # PageV00P169 # غير التعمد أكثر من خطأ معاوية على التعمد، وكان ترك القتال واستنقاذ ~~أصحابه من هذه الفتنة أمثل، ومناظرتهم لإحيائهم وكشف الحق لهم أصوب عنده، ~~فوادع القوم واشتغل بمناظرة أصحابه، وإلا فقد علم أن هذه من القوم خديعة، ~~وإنما قاتلهم (1) ليدينوا بحكم الكتاب، لا ليدعوا إليه، والدينونة بحكم ~~الله هو أن يفيئوا إلى أمر الله وقال لهم رضي الله عنه: وإنما قاتلناهم ~~لأنهم عصوا الله فيما أمر [ه] ونسوا عهده ونبذوه وراء ظهورهم، فامضوا على ~~حقكم وصدقكم، فإنهم غير الحق يريدون (2). # فلما أبوا عليه وتمكن منهم الشك، واعتقدوه دينا يدعون إليه، وإن عليا ~~[لو] قاتلهم في هذه الحال كان حكمه حكمهم في الظلم والبغي [لما] رأى أن ~~الاشتغال بمناظرة أصحابه أوجب. # ألا ترون أنه لما ناظر أيضا الخوارج فأقام عليهم الحجة فلم يقبلوا [ما] ~~استخار الله في قتالهم ومحاربتهم، ولم يلتفت إلى قولهم: " لا حكم إلا الله ~~". وقال: كلمة حق يراد بها باطل. # وشك الخوارج أكثر في الشبهة، ومعاوية وعمرو عنده على يقين ومعرفة لما هم ~~عليه من الباطل والبغي، ms091 لأن معاوية إنما اعتل بطلب دم عثمان وطلبه ليس هو ~~إلى معاوية، وإنما يطلب بدمه أولياؤه وهم ولده، وليس لهم أن يطلبوا حقهم ~~بوضع الحرب ونصبها، لأن طلب الحقوق على غير هذا السبيل يكون، وإنما يكون ~~بالتقدم إلى الإمام بالإجلال والتعظيم. # فإن قالوا: إن حقهم الذي ادعوه إنما ادعوه على الإمام. # قلنا: إذا كانت دعواهم على غير الإمام لا تقبل فهي على الإمام الذي قد ~~وجبت عدالته وطهارته ونزاهته أولى أن ترد [وا] عليهم أن يأتوا الإمام حتى ~~ينصفهم من نفسه بمحضر # PageV00P170 # جماعة من المسلمين. # على أنهم جميعا [كانوا] يعلمون أن معاوية كان بالشام وعلي بالمدينة أيام ~~قتل عثمان بن عفان، وعلى أنهم جميعا [كانوا] يعلمون أن عليا لم يدخل دار ~~عثمان بن عفان، وعلى أنهم جميعا يعلمون أن معاوية ادعى [على] علي رضي الله ~~عنه التهمة، ثم ادعى القتل، ثم ادعى أن إمامته لا تجب. # ينتقل عن دعوى إلى دعوى ينقضها على ما يشاهد من احتمال القوم له، وقبولهم ~~لدعوته. # وعلي ينكر قتل عثمان ولا ينسبه إلى نفسه، فلما أنكر [كونه قاتل عثمان] ~~قالوا له: آويت قتلته؟ فادفعهم إلينا! فقال: # قد ضربت الأمر، وفكرت في ذلك فلم يسعني دفعهم إليكم (1). # وذلك من قوله رضي الله عنه حق لا يدفعه أحد، علم الحق وعقل أحكام الرب ~~لأن أولياء المقتول / 52 / لم يأتوه يطلبون ذلك كما يطلب الحقوق، وعليهم أن ~~يقيموا البينة على رجل بعينه أنه هو المتولي لقتله، أو على جماعة، والبينة ~~لا تكون من أهل الدعوى والخصومة لأن كل من أظهر دعواه، وكشف خصومته خرج من ~~حكم الشهود ودخل في معنى الخصوم. # فإن قالوا: إن البينة إنما تقام إذا أنكر القاتل، فأما وقتلته مقرون ~~[فلا] هذا عمار ابن ياسر يقر بذلك ويقول: قتلناه كافرا. # قلنا: متى صح قولكم [هذا] على عمار وجب أن عثمان لم يقتل مظلوما لأن ~~شهادة النبي لعمار: " إنه من أهل الجنة " أثبت وأشهر وأظهر من ادعائكم على ~~عمار # PageV00P171 # هذا الاقرار، فمتى أوجبتم ذلك من إقرار ms092 عمار بطلت دعواكم وعلتكم. # وقد قلنا في تصويب علي رضي الله عنه وعدله - في قوله وفعله وخطأ المدعين ~~عليه، والشاكين في صوابه، والطاعنين عليه في أحكامه - ما فيه أشفى الشفاء ~~وأعدل المقال. # فإن قال قائل: قد فهمنا ما قلتم في رفعه السيف وإجابة القوم إلى الحكومة، ~~فما معنى تحكيمه الرجال في دين الله؟ والحكومة في الدين ساقطة! لأنه متى ~~حكم الحاكم بغير الحق لم يقبل منه، ومتى حكم بالحق وخالفه صاحبه عادت ~~البينة خدعة وكانت القصة واحدة. # قلنا: هو رضي الله عنه كان أعرف بدين الله من أن يحكم الرجال، لأن الرجال ~~قد يمكن منهم الانتقال والتقية والتغيير، فلم يحكم الرجال وإنما حكم ~~الكتاب، إذ كان الكتاب لا يتبدل حكمه ولا يشهد بغير الحق لأن حكمه واحد. # فإن قالوا: فلم حكم أبا موسى وقد عرف رأيه وقد سقطت عنده عدالته بقعوده ~~عنه، وزالت ولايته بتثبيطه الناس عنه (1). # قلنا: لم يبعث هو بأبي موسى، ولم يرض بحكومته، وإنما أدخله في ذلك الأشعث ~~ابن قيس مع أهل اليمن، فقال لهم علي: أبعث مع عمرو بعبد الله بن عباس، فقال ~~الأشعث: أميرنا مضري وأميرهم مضري، وحكمنا مضري وحكمهم مضري ما نرى لنا في ~~الأمر نصيبا! # فأبوا وقالوا: ابعث منا يمانيا وإلا لم يدم معك يماني بسهم أبدا. # فقال لهم: قد رموكم بحجر الأرض فدعوني أصكهم بغلام من قريش. فأبوا # PageV00P172 # عليه، ولم يكن في الرأي إذ رآهم قد أعملوا العصبية واللجاج (1) إلا ~~مداراتهم فيما يحل ولا يدخل على الدين ضررا. # فإن قالوا: [أليس] يكون من الدخول فيما عاب، ومن الضرر أكثر من الرضى (2) ~~بأبي موسى المخدوع المغفل؟ # قلنا: لم نوجب رضاه بأبي موسى، وإن ما قلناه كان من أمر القوم على مداراة ~~[منه لهم و] لا يلزمه تقصير في دين (3) ولكن لما قالوا: لا نرضى إلا بيماني ~~قال: فإني أبعث بالأشتر فهو يماني، ولم يسمع أحد منه الرضى بأبي موسى. فقال ~~الأشعث: حكومة الأشتر طرحتنا فيما نرى، ابعث أبا موسى وإلا لم يرم معك ms093 ~~يماني بسهم. فقال علي رضي الله عنه: كيف أبعث رجلا ليس على رأينا ولا أمرنا ~~وقد خذل الناس عنا. # ثم أقبل رجل من بني يشكر على فرس فقال: يا علي أكفر بعد إسلام، ونقض عهد ~~بعد توكيده وردا بعد معرفة؟! أنا ممن أقر بالحكومة ترى؟. # ثم حمل على أصحاب معاوية فقتل مهم إنسانا ثم انصرف إلى عسكر علي. # فتكلم عند الخلاف من كان يرى التقليد، واجترأ الصغير والكبير على القال ~~والقيل بعد إن كانوا أتباعا، كل يتكلم على قدر هواه ورأيه. # ثم قام عدي بن حاتم الطائي فقال: يا أمير المؤمنين إنه وإن كان أهل ~~الباطل لا يقومون لأهل الحق (4) فإنه لم يصب منا عميد إلا وقد أصيب منهم ~~مثله وكل مقروح، ولكنا أمثل بقية، وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما ~~نحب، فناجز القوم. # ثم قام الأشتر [فقال:] يا أمير المؤمنين إن معاوية لا خلف له من رجاله ~~ولك # PageV00P173 # بحمد الله الخلف (1) ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا بصرك، ~~إقرع الحديد بالحديد واستعن بالله. # فقام الأشعث مغضبا فقال: إنا / 53 / لك اليوم على ما كنا عليه أمس، ولسنا ~~ندري كيف يكون غدا، فقد والله كل الحد وكلت البصائر، وما آخر أمرنا كأوله، ~~وما القوم الذين كلموك بأحما للعراق، ولا أوثر للشام مني، فأجب القوم إلى ~~كتاب الله فأنت أحق به منهم وقد أحب الناس البقاء فانظر فيه للعامة (2). # وقام فيما ذكروا عبد الله بن عمرو بن العاص بين الصفين وقال: يا أهل ~~العراق إنه قد كانت بيننا وبينكم أمور (3) للدين [أ] والدنيا؟ فإن تكن ~~للدين فقد والله أعذرنا وأعذرتم، وإن تكن للدنيا فقد أسرفنا وأسرفتم، وقد ~~دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه أجبناكم، فإن يجمعنا [وإياكم] الرضا به ~~فذاك من الله، وإلا فاغتنموا هذه الفرصة التي لعله (4) أن يعيش بها الأحياء ~~وينسى فيها القتلى [فإن بقاء المهلك بعد الهالك قليل]. # وقد تعلمون أن هذا الكلام إذا صادف قلوبا قد ضعفت، ونيات قد فترت، ms094 وشبهة ~~قد وقعت وقع من القلوب موقعا عجيبا وزاد في القلوب أضعاف ما بها من المرض ~~والنكول، وهذه من حيل معاوية وعمرو بن العاص أرادوا بها اللبس والتمويه. # فقام سعيد بن قيس في أثر هذا الكلام فقال: يا أهل الشام إنه قد كانت ~~بيننا وبينكم أمور حامينا فيها على الدين والدنيا سميتموها غدرا [أ] وسرفا ~~وقد دعوتمونا # PageV00P174 # [اليوم] إلى ما قاتلناكم عليه [بالأمس] ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى ~~عراقهم ولا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل من أن يحكم بما أنزل الله (1) ~~والأمر في أيدينا دونكم وإلا فنحن نحن وأنتم أنتم. # فتكافأ فيه (2) كلام عبد الله بن عمرو وسعيد ممن قد عرفتم نجدته وبلاءه ~~ويقينه فما ظنكم بغيره. # فتكلم علي رضي الله عنه فقال: أيها الناس إنه لم يزل بي في أمري ما أحب ~~حتى نهكتكم الحرب (3) وقد والله أخذت منكم وتركت وهي لعدوكم أنهك، ولقد كنت ~~أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا، وكنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منهيا، وقد ~~أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون. # فتفهموا أمور المؤيد بالحق، وتدبروا قول المنصور بالتأييد من الرب كيف ~~يتخلص إلى الصواب عند اعتراض هذه الآراء وكيف يسلم من اتباع هذه الأهواء، ~~وكيف اتبع الحق عند إحاطة هذه الفتن، لتعلموا أنه لا نظير له بعد النبيين، ~~ولا يداني فضله أحد من المؤمنين. # ثم قام رفاعة بن شداد البجلي فقال: أيها الناس إنه لا يفوتنا شئ من حقنا ~~[إن أجبناهم إلى ما] قد دعونا في آخر أمرهم إلى ما دعوناهم إليه في أوله، ~~وقد قبلوه من حيث لم يعقلوه، فإن يتم الأمر على ما نريد فبعد بلاء وقتل ~~وإلا أثرناها جذعة (4) وقد رجع إلينا جدنا. # PageV00P175 # ومشت العشائر إلى العشائر، والقبائل إلى القبائل، فأبى الناس إلا أبا ~~موسى الأشعري والرضى به. # وأقبل أبو موسى مع القراء وأصحاب البرانس وقد حفوا به (1). # فقام الأشتر فقال: يا معشر القراء وأصحاب البرانس، اجعلوا أمركم إلى ~~صاحبكم فليبعث من أحب فوالله ما أصبحنا على ضلال، ms095 ولم يصب قلوبنا إلى اتباع ~~معاوية، وإن قتيلنا لشهيد وإن حينا لثائر. # فقام أبو أيوب الأنصاري [فقال] (2) نحن على ما خرجنا عليه، عدونا أهل ~~الشام ورأس حربنا معاوية، ونحن نرد الأمر إلى أمير المؤمنين إن قادنا ~~أتبعناه، وإن دعانا أجبناه. # وكان هذا قول من ثبتت بصيرته / 54 / ولم تضعف يقينه وهم قليل لا يبلغون ~~ما ينفذ به رأي أمير المؤمنين. # PageV00P176 # فقال علي رضي الله عنه: إني لست أحكم الرجال ولكن أحكم الكتاب فإن حكموا ~~بالكتاب قبلت منهم، فإن الكتاب يحكم أني أولى من معاوية، وإن لم يحكموا ~~بالكتاب لم أقبل. # فإن قال قائل: فما بال الأشتر لم يرض بما فعل، وحلف أن لا يكتب اسمه في ~~الصحيفة، ولا يوادع، فقد خالف رأيه رأي علي بن أبي طالب، فقد خرج من حزبه ~~وقطع العصمة منه. # قلنا: هذا هو رأي علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وهذا من رأي الأشتر ~~ليس بخطأ، وذلك إن الأشتر ليس بإمام فيجب عليه تآلف القوم واستعطافهم ~~والانتقال عن هذا الرأي إلى غيره على جهة التآلف والاستعطاف كما فعل علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه، ولو كان رأي الباقين مثل رأي الأشتر لكان رأي علي ~~له موافقا، ولكن لما كان الأشتر ليس هو في موضع المداراة جاز له المقام على ~~رأيه. # ولما رأى علي رضي الله عنه خلاف الناس على الأشتر وميلهم إلى الموادعة لم ~~يحب (1) أن يقيم على مثل ما رآه الأشتر فيحمل الناس على كشفه والنصب له، ~~ويجعلهم أعداءا وله في الحق سعة يكون به إلى التي هي أصلح فهو رضي الله عنه ~~يؤثر الرأي والرغبة في الألفة بالتآلف لأصحابه ما وجد في الحق سعة، فإذا ~~ضاق عليه الحق وبلغت به الحال إلى أمر متى تركه دخل في الباطل، وما لا يحل ~~له آثر الله على الخلق جميعا ولم يأخذه في الله لومة لائم، وانقطع إلى الله ~~وإن ذهب الناس عنه، وكذلك فعل حين استنفرهم أخيرا بعد انقضاء الموادعة، ~~وحينما فل الناس عنه ms096 (2) وتخاذلوا عن نصرته [كما يرى ذلك ملموسا من سيرته، ~~وكثير من كلماته عليه السلام، منها جوابه عليه السلام لكتاب أخيه عقيل]. # PageV00P177 # [كتاب عقيل إلى أخيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لما خذله الكوفيون ~~في أواخر أيامه الميمونة]. # وكتب إليه عقيل به أبي طالب رضي الله عنه (1) يعرض نفسه عليه فكتب إليه: # أما بعد، فإن الله جارك من كل سوء، وعاصمك من المكروه، وإني خرجت معتمرا ~~فلقيت عبد الله بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء، فقلت ~~لهم - وعرفت المنكر في وجوههم -: يا أبناء الطلقاء أبمعاوية تلحقون؟ عداوة ~~- والله - لنا منكم غير مستنكرة قديما تريدون بها إطفاء نور الله وتغيير ~~أمره؟! فأسمعني القوم وأسمعتهم. # ثم قدمت مكة وأهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة واحتمل من ~~أموالها شيئا، ثم انكفأ راجعا، فأف لحياة في دهر جرأ عليك الضحاك، وما ~~الضحاك إلا فقع قرقرة. # وقد ظننت أن أنصارك خذلوك، فاكتب إلي يا ابن أمي برأيك، فإن كنت الموت ~~تريد تحملت إليك ببني أبيك وولد أخيك، فعشنا ما عشت ومتنا معك، فوالله ما ~~أحب أن أبقى بعدك فواقا، وأقسم بالله الأعز الأجل أن عيشا أعيشه بعدك في ~~الدنيا غير هنئ ولا نجيع. # PageV00P179 # فأجابه علي بن أبي طالب رضي الله عنه (1): أما بعد كلانا الله وإياك ~~كلاءة من يخشاه بالغيب، إنه حميد مجيد. # قدم علي عبد الرحمن بن عبيد الأزدي بكتابك تذكر أنك لقيت ابن أبي سرح ~~مقبلا من " قديد " في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء متوجهين حيث ~~توجهوا. (2) وإن ابن أبي سرح طال ما قد كاد الله ورسوله وكتابه فصد عن ~~سبيله وبغاها عوجا. # فدع ابن أبي سرح عنك ودع قريشا وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، ~~فإن قريشا قد أجمعت على حرب أخيك إجماعها على حرب رسول الله قبل اليوم، ~~فأضحوا قد جهلوا حقه (3) وجحدوا فضله وبادروه العداوة ونصبوا له الحرب، ~~وجهدوا عليه الجهد، وساقوا [إليه] الأمرين. # اللهم فأجز قريشا عني الجوازي / 55 / فقد ms097 قطعت رحمي، وتظاهروا علي!! # فأحمد الله على كل حال. # وأما ما سألت أن أكتب إليك برأيي فإن رأيي قتال المحلين حتى ألقى الله. # لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة، لأني محق والله مع ~~الحق وأهله وما أكره الموت مع الحق لأني محق، وما الخير كله إلا بعد الموت ~~لمن كان محقا. # وأما ما عرضت علي من مسير بني أبيك وولدا أخيك فلا حاجة لي في ذلك، فأقم ~~راشدا مهديا فوالله ما أحب أن يهلكوا معي إن هلكت، ولا تحسبن ابن أبيك [و] ~~لو أسلمه الناس - متضرعا متخشعا، ولكني كما قال أخو بني سليم: # PageV00P180 # فإن تسأليني كيف أنت فإنني * صبور على ريب الزمان صليب يعز علي أن ترى بي ~~كآبة * فيشمت عاد أو يساء حبيب فهذا يؤكد ما قلنا [ه] ويحققه من أنه وادع ~~القوم لا من ضعف فيه (1) ولا دخول في خطأ، ولكنه - شرف الله مقامه - أعمل ~~التآلف والمداراة إذ وجد في الحق سعة، وأجابهم إلى الموادعة ليحكموا بكتاب ~~الله، فإن خالف لم يرض بحكمه. # وله علة أخرى في الموادعة، وهو أنه نظر إلى من حصل معه من أهل البصيرة ~~والمعرفة فإذا هم قليل تعدو عنهم العين لا يقوون بمن خالفهم فوادعهم لتكثر ~~أنصاره وليقووا على من خالفهم، وذلك معروف فيما يؤثر عن سليمان بن صرد: # قالوا: ثم أقبل [إلى] علي بن [أبي طالب] سليمان بن صرد يوم صفين عند كلام ~~الناس في الموادعة مضروبا وجهه بالسيوف فنظر إليه علي فقال له: " فمنهم من ~~قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا " (2) فأنت ممن ينتظر، وممن لم ~~يبدل، فقال له سليمان بن صرد: والله لقد مشيت في العسكر لأن ألتمس أعوانا ~~ولأن يعودوا إلى أمرهم الأول فما وجدت إلا قليلا، وما في الناس خير. # فهذه أيضا من العلل التي كان علي بالموادعة فيها مصيبا. # وله علة [أخرى] أيضا تؤثر عنه [و] لولاها لمضى على بصيرته وجده وإن أسلمه ~~الناس جميعا: # PageV00P181 # [رجوع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ms098 من صفين إلى الكوفة، وكلامه مع ~~عبد الله بن وديعة الأنصاري، واستفساره منه عن قول الناس فيما جرى بينه ~~وبين معاوية] ذكروا أنه لما رجع من صفين وقرب من الكوفة (1) لقيه عبد الله ~~بن وديعة الأنصاري فدنا منه وسايره، ثم قال له علي: ما سمعت الناس يقولون ~~في أمرنا هذا؟ قال: منهم المعجب به، ومنهم الكاره له، والناس كما قال الله: ~~ولا يزالون مختلفين " [118 / هود: 11]. فقال علي: فما قول ذوي الرأي ~~[منهم؟]. قال: أما قول ذوي الرأي فيقولون: إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه، ~~وكان في حصن حصين فهدمه [و] حتى متى يبني ما قد هدم؟ ويجمع ما قد فرق؟ فلو ~~أنه مضى بمن تبعه وأطاعه - حين عصاه من عصاه - فقاتل حتى يظفر أو يهلك كان ~~ذلك [هو] الحزم. # فقال له علي: أنا هدمت أمرهم أم هم هدموا؟! أم أنا فرقتهم أم هم تفرقوا؟! # وأما قولهم: لو أنه كان مضى بمن أطاعه - إذ عصاه من عصاه - فقاتل حتى ~~يظفر أو يهلك إذا كان ذلك الحزم. فوالله ما غني عني ذلك وإن كنت لسخيا ~~بنفسي عن الدنيا طيبة نفسي بالموت (2) ولقد هممت بالإقدام على القوم فنظرت ~~إلى هذين قد ابتدراني، يعني الحسن والحسين، ونظرت إلى هذين قد استقدماني - ~~يعني عبد الله # PageV00P182 # ابن جعفر ومحمد بن علي (1) - فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسب محمد صلى ~~الله عليه من هذه الأمة فكرهت / 56 / وأشفقت على هذين أن يهلكا - يعني عبد ~~الله ابن جعفر ومحمد بن علي - ولولا مكاني لم يستقدما، وأيم الله لئن ~~لقيتهم بعد يومي هذا لألقينهم وليسوا [هما معي] في عسكر ولا دار (2) ~~فاجتمعت له هذه العلل في الموادعة وفي كلها له المخرج، وما ذهب عليه من ~~أقاويل الناس شئ [إلا] ولقد أخطره على قلبه وأعمل فيه النظر، وقدم العذر ~~واختار التي هي أولى وأحسن. # فليجتهد مجتهد [هل] يقدر أن يأتي بشئ ينفذ فيه الحجة منه، ولم ير له بعلة ~~لا تدفع. # وقد قيل له فيما سألتم عنه ms099 من رأي مالك الأشتر لما كتب الصحيفة: إن ~~الأشتر لا يرضى بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم. فقال: ولا أنا ~~والله رضيت ولا أحببت أن ترضوا. # وأما ما ذكرتم من خلافه علي، وتركه أمري، فليس من أولئك، ولست أخافه # PageV00P183 # على ذلك، وليت فيكم مثله اثنان، يا ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوكم مثل ~~رأيه إذا لخفت (1) علي مؤونتكم، ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم. # وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: # وهل أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد ألا ترى أن رأي ~~الأشتر كان قتالهم، فلما لم يقاتل معه أحد كف عنه. # فكذلك قد كان رأي علي قتالهم فلما اختلف أصحابه كف [عنهم اضطرارا ولكن ~~حصن لهم حصون الدفاع ومهد لهم سبل الظفر والنجاح إذا أفاقوا من سكرتهم ~~وانتبهوا من نومتهم] فرأي الأشتر لهذا موافق [لرأيه] نعرفه من الكف. # ولقد قال للناس يومئذ وعرفهم رأيه في كلام كثير يحكى عنه وقد ذكرنا بعضه. # وذكروا أنه قال لهم يوم تكلموا وطلبوا الموادعة: لقد فعلتم فعلة ضعضعت ~~قوة وأسقطت منة، وأورثت وهنا وذلة، ولما كنتم الأعلين وخاف عدوكم الاجتياح ~~واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح ورفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ~~فلفتوكم عنها ليقطعوا الحرب بينهم وبينكم، وتربصوا بكم ريب المنون خديعة ~~ومكيدة. فما لبثتم أن جامعتموهم على ما أحبوا، وأجبتموهم إلى ما سألوا، وقد ~~أعلمتكم ما يريدون فما لبثتم إلا أن تدهنوا وتجوروا. # وأيم الله ما أظنكم بعدها موافقين رشدا ولا مصيبين باب حزم. # والله لقد كنا مع النبي صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأعمامنا ~~وأبناءنا وإخواننا ثم ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما، ومضيا على أمض ~~الألم وجد على جهاد العدو، # PageV00P184 # واستقلالا بمبارزة الأقران. # [و] لقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان ~~أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس الموت. # فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله منا صدقا وصبرا أنزل ms100 ~~بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر. # ولعمري لو كنا نأتي [مثل] الذي أتيتم (1) ما قام الدين و [لما] عز ~~الإسلام. # وأيم الله لتحلبنها دما فاحفظوا ما أقول [لكم] (2). # فهذا بيانه رضي الله عنه وهذا جده واجتهاده بيض الله وجهه - وهذه علله ~~واعتذاره، وهذا تحذيره وتحريضه، أترون بعده غاية؟ وهل بقي لأحد عليه حجة ~~إلا وقد أزاحها، ولا شبهة إلا وقد كشفها. # أعلى الله في الأعلين درجته، فما شبهت محنته إلا بمحنة الأنبياء، يمتحن ~~في بدء الإسلام عند القلة والوحدة بالبيات على الفراش - كما امتحن بالذبح ~~إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام - لما دعاه النبي صلى الله عليه وآله حين ~~تألبت عليه قريش وأوقدت له نيرانها، وانقطع رجاؤه من تجادلها، وأجمعوا على ~~الايقاع به / 57 /. # فعندها دعا [النبي] بأوثق الناس عنده، وأبذلهم لنفسه دونه، وأصبرهم على ~~شديدة عند أمره فقال له: يا علي إن قريشا قد تحالفت وتعاقدت أن يبيتوني ~~الليلة، فامض إلى فراشي وتلفف ببردي ليروا أني لم أبرح فلا يجدون في طلبي. # فوالله ما تلكأ، ولقد أجاب سامعا مطيعا كما أجاب ذبيح الله أباه إبراهيم ~~صابرا عند قوله: " يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ ~~قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " [102 / ~~الصافات: 37]. # PageV00P185 # وعلى مثل ذلك كان جواب الصديق الأكبر وسرعة طاعته عندما دعاه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فمضى حتى تلفف ببرده لا يظن إلا أن القوم سيقعون به ~~فسمحت نفسه بذلك كما سمحت نفس ذبيح الله للإجابة، ودفع الله عنهما جميعا ~~وسلمهما من التلف عندما امتحنا، وعظم الثواب والأجر لهما على ما قصدا ~~ونويا. # فهذه محنة لم نعرف لها شبها إلا في محن الأنبياء عليهم السلام، وفي ذلك ~~نزلت: # " وإذا يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر ~~الله والله خير الماكرين " [54 / آل عمران: 3] وكان علي مكر الله في تلك ~~الليلة. # ثم محنته يوم الجمل ويوم صفين، وما ذكرنا من تفرق أصحابه عند بعد ms101 ليلة ~~الهرير، وما دخل عليهم من الشك والارتياب بمكيدة الملاعين أشباه السامري لم ~~يعرف لها مثلا إلا ما امتحن الله به هارون نبي الله مع بني إسرائيل عند ~~تمويه السامري لهم باتخاذ العجل وما أدخل عليهم من اللبس بما سمعوا [من ~~العجل] من الخوار، فتفرقوا عند ذلك عن هارون صلى الله عليه، وأقبلوا عليه ~~يعكفون فقالوا: هذا إلهنا وإله موسى. كفرا بعد إيمان وشكا بعد يقين عند ~~مخالفتهم لموسى وهارون، وتركهم لهارون مفردا وحيدا وهارون يناديهم: " يا ~~قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري. قالوا لن نبرح ~~عليه عاكفين " [91 / طه: 20]. # وعلى مثل ذلك دعاهم الصديق علي بن أبي طالب الشهيد لما تفرق أصحابه يوم ~~صفين عندما ظهر من مكيدة أشباه السامري [فقال لهم]: إنكم يا قوم قد فتنتم ~~وخدعتم برفع المصاحف فاتقوا الله ولا تعصوني في أمري فإنكم إن فعلتم لم ~~تروا عزا أبدا (1) ولتلقون بعدي ذلا شاملا، وسيفا قاتلا، وأثرة يتخذها ~~الظالمون فيكم سنة. # فأبوا عليه إلا مضيا مع الشبهة، ولم يطيعوا أمره انقيادا للخدعة. # PageV00P186 # فهذه محنته يوم صفين مشبهة لمحنة هارون مع بني إسرائيل. # [فهذا الموجز يكفيكم] لتعلموا أنه رحمه الله باستحقاق كانت منزلته من ~~النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة هارون من موسى المصطفى صلى ~~الله عليه بالاسم والمعنى. # فتدبروا ما نحن واصفون من مناقب أمير المؤمنين معاشر المسلمين، لتعلموا ~~فضله على جميع العالمين، وأنه قد برز على جميع الصديقين، وفضل على جميع ~~المجاهدين. # ومتى قال قائل: قد كان ينبغي له يوم صفين أن يمضي بمن أطاعه إذ علم أن ~~تلك مكيدة من القوم، ويحمل بنفسه قدما على بصيرته ولا يجيبهم إلى الموادعة، ~~فلهذا من القول معارض في خلافه أقوى منه في وجه الرأي وباب الحزم، لأنه لو ~~فعل ذلك فقتل وقتل من معه، لقال قائل: قد كان ينبغي إذا اختلف أصحابه وبقي ~~وحده مع عصابة قليلة أن لا يعجل عليهم فيغرر بنفسه ويعرض / 58 / من معه ومن ~~يرى رأيه للتلف ms102 والهلكة ويعز العدو بهذا من فعله ولو وادع العدو كان أبلغ ~~في الرأي ليقوى الضعيف ويتثبت الشاك ويكثر الأنصار، ويحقن الدماء فإن أجاب ~~القوم إلى متابعته وإلا انكفأ عليهم راجعا وقد قوي جده واستبصر أصحابه وكثر ~~أنصاره وانكشف للناس ظلم من خالفه، وأنه لم يرد الله بما دعا إليه من ~~الحكومة (1). # فهذان الرأيان في القول قد وقعا، وأبلغهما وأقواهما في باب الحزم [هو] ما ~~فعل رضي الله عنه، لأن الأمة كانت إليه أحوج، وصلاحها في بقائه أوضح لأنه ~~هاديها وغياثها وقائدها إلى ما فيه رشدها. # ولا أظن أحدا يتوهم أنه فعل ما فعل هيبة للحرب وخوفا من الموت ومحبة ~~للبقاء، ولكنه آثر النظر للدين وحيطة الإيمان، وما هو أصلح للعباد. فلم يرض ~~الناس إلا أبا موسى الأشعري، واتفقت كلمة أكثرهم عليه. # PageV00P187 # فلم يلبث أن جاء أبو موسى وعليه برنس مع أصحاب البرانس والقراء والناس ~~معه. # فقال لهم علي: إن أطعتموني بعثتم غيره. قالوا: لا يذهب غيره. قال لهم: ~~فلست أحكم إلا بكتاب الله فمتى خالفه لم أرض بحكمه. # فقام الأحنف إلى أبي موسى فقال: يا أبا موسى إنك تسير إلى أمر عظيم، إنما ~~يبعثك أهل العراق لتأخذ من عدوهم، وتأخذ لهم بحقهم، فأعرض على أهل الشام أن ~~يختار أهل العراق من قريش الشام من شاؤوا، وأن يختار أهل الشام من قريش ~~العراق من شاؤوا (1). # وإما أراد الأحنف أن يعرف ما في نفس أبي موسى بهذا الكلام [لعلي كي] يقول ~~له أبو موسى مجيبا له: أجل. [و] قال له الأحنف: يرى الله منك أنك منطلق على ~~كل حال وقد أبى الناس غيرك فاحفظ عني ثلاثا: فإذا لقيته فلا تبدأه بالسلام ~~فإن السلام أمانة، ولا تصافحه بيدك فإن المصافحة خدعة، ولا يقعد بك على صدر ~~الفراش فإن ذلك سخرية. # واحذر أن يضمك وإياه بيت تتوارى فيه عنك عيون الرجال فإنه من قد علمت، ~~وخاصم القوم بكتاب الله فإن عليا أحق بهذا الأمر، وأن معاوية من أبناء ~~الطلقاء فاعقل ما يقال لك. # PageV00P188 # وكتبوا ms103 الكتاب ودفن الناس قتلاهم وانصرف [أهل العراق] (1) متباغضين ~~متعادين يشتم بعضهم بعضا بعد أن كانوا إخوانا. # ثم وجه معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام إلى دومة الجندل. # وبعث علي أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ وبعث معهم عبد الله بن عباس ~~على الصلاة ومعهم أبو موسى. # وما فعل علي أيضا من تأميره لشريح على الجند، وبعثه ابن عباس على الصلاة، ~~والنظر في أمور الناس دليل على ما قلنا [ه] من أنه لم يرض بحكم أبي موسى ~~وتوليته في حال من الحال [كذا]. # وإنما ولى ابن عباس الصلاة لئلا يصلي بهم أبو موسى، فهذا يدل على أن بعثة ~~أبي موسى إنما كانت من قبل أهل اليمن ومن تابعهم فتركهم على ذلك لما ذكرنا ~~[ه] من الانتشار وقلة موافقيه. # فلما اجتمع أبو موسى وعمرو بن العاص ترك النظر في الكتاب وما بعث له، ~~وجلس مع عمرو يعمل الرأي والهوى فأداره عمرو على أن يجعل الأمر لابنه عبد ~~الله بن عمرو، وأداره هو لعبد الله بن عمر، وقال له: هل لك أن نحيي بذلك ~~[سنة عمر ونولي ابن] عمر؟! فأبى ذلك عليه عمرو، وقال: هو ضعيف وهذا الأمر ~~لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم، فلما أبى كل واحد منهما على صاحبه ~~رأيه قال له أبو موسى: فأشر رأيك (2) فقال له عمرو: أرى أن نخلع / 59 / ~~هذين الرجلين # PageV00P189 # ثم نجعل الأمر شورى بين المسلمين فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا. [ف‍] ~~قال له: # فإن الرأي ما رأيت. # فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، وفيهم ابن عباس فقال عمرو: يا أبا موسى ~~أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق. فقال أبو موسى إن رأيي ورأي هذا قد اتفق ~~على أمر نرجو أن يصلح الله به هذه الأمة. فقال عمرو. صدق وبرر أبا موسى (1) ~~تقدم. فتقدم الضعيف المغفل ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال له: ويحك والله إني ~~لأظنه قد خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه ليتكلم بذلك الأمر قبلك ~~ثم تكلم أنت ms104 به بعده، فإن عمرو رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا ~~بأمر فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك. فقال [أبو موسى له]: إنا ~~قد اتفقنا. # ثم تقدم أبو موسى المخدوع، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنا ~~قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر شيئا هو أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من ~~ألا نتبتر أمورها (2) [و] قد اجتمع رأيي ورأي صاحبي عمرو على خلع علي ~~ومعاوية، وتستقبل الأمة هذا الأمر فيكون شورى بينهم يولون من أحبوا عليهم. # ثم تنحى. # وقام عمرو فحمد الله ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا ~~أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي عثمان بن عفان، والطالب ~~بدمه، وأحق الناس بمقامه!! # فقال له أبو موسى: لا وفقك الله غدرت وفجرت إنما مثلك كمثل الكلب إن # PageV00P190 # تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث!!! # فقال له عمرو: إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا. # وقام شريح [بن هانئ] رضي الله عنه فقنع عمرو بن العاص بالسوط. # وطلب أهل الكوفة أبا موسى فوجدوه قد مضى. # [ومن هذا وكثير من أشباهه يستفاد قطعيا أن المنحرفين على علي كانوا] ~~يعملون - كما ترى الخديعة في أمرهم كله ولا يحجزهم من ذلك خوف ولا مراقبة. # ورجع القوم إلى رأي الموفق المسدد وتصويبه، وإلى التلهف والندامة [عما ~~خالفوه قبل] فقال بعضهم: كفرنا. وكفرت إفراطا بعد تقصير، وإغراقا في النزع ~~بعد الضعف والوهن. PageV00P191 # [كلام أمير المؤمنين عليه السلام مع صالح بن سليم، وحارث بن شرحبيل عندما ~~رجع من صفين وأشرف على الكوفة]. # ذكروا أن عليا رضي الله عنه لما جاز النخيلة (1) وقرب من الكوفة، إذا هو ~~بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر مرض، فأقبل إليه فسلم عليه فرد ردا حسنا، ~~فقال له علي: أرى وجهك منكفأ مم ذلك؟ أمن مرض؟ قال: نعم. قال: فلعلك كرهته؟ # قال: ما أحب أن يكون بغيري. قال: أليس احتسابا للخير فيما أصابك منه؟ ~~قال، بلى. قال: فأبشر ms105 برحمة ربك وغفران ذنبك، من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا ~~صالح ابن سليم. قال: ممن؟ قال: أما الأصل فمن سلمان طي (2) وأما الدعوة ففي ~~بني سليم ابن منصور. قال: سبحان الله ما أحسن اسمك واسم أبيه واسم أجدادك ~~واسم من اعتزيت إليه، هل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ قال: لا والله ما شهدتها ~~ولقد أردتها ولكن ما ترى من إلحاح الحمى (3) خذلني عنها. قال: " ليس على ~~الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا ~~لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم " [91 التوبة: 9]. # PageV00P192 # [ثم] قال له: ما قول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام؟ # قال: فيهم المسرور بما كان بينك وبينهم، وأولئك أغشاء الناس لك، وفيهم ~~المكتئب الآسف (1) بما كان من ذلك. فأولئك نصحاء الناس. # فقال: صدقت جعل الله ما كان من شكواك حظا لسيئاتك، فإن المرض لا أجر فيه ~~ولكن لا يدع على المرء ذنبا إلا حطه، وإنما الأجر في القول باللسان والعمل ~~باليد والرجل، فإن الله ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة / 60 / عالما ~~الجنة (2). # ثم مضى فدخل الكوفة، فسمع البكاء والأصوات، فقيل له: هذا البكاء على قتلى ~~صفين. فقال: أما إني أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة. # ثم مر فسمع الأصوات، وسمع وجبة شديدة، فوقف، فخرج إليه حارث بن شرحبيل ~~فقال له علي. [أ] تغلبكم نساؤكم؟ ألا تنهونهن على هذا الرنين؟ # فقال [حارث]: يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ~~ذلك، ولكنه قتل من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل، وليس فيها دار إلا وفيها ~~بكاء، فأما نحن معاشر الرجال فإنا لا نبكي، ولكنا نفرح لهم بالشهادة. # فقال علي: رحم الله (3) قتلاكم وموتاكم. وأقبل الرجل يمشي معه وعلي راكب ~~[وهو راجل] فقال له علي: إرجع. فوقف فقال له: إرجع فإن مشي مثلك مع مثلي ~~فتنة للوالي ومذلة للمؤمن. # ثم مضى، فلم يزل يذكر الله حتى دخل القصر. # PageV00P193 # [مفارقة النوكي والضلال من الخوارج عن ms106 قطب الحق الإمام أمير المؤمنين ~~عليه السلام، وإعلانهم بتكفير أصحابه، وبالمشاقة له]. # ولم يدخل [القصر] معه أصحاب البرانس، واعتزلوه وأتوا حروراء فنزل بها ~~منهم اثنا عشر ألفا ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي (1) وأمير ~~الصلاة ابن الكواء والأمر بعد الفتح شورى والبيعة لله، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. # ثم قالوا لأصحاب علي: إنكم استبقتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان!! # بايع أهل الشام معاوية على ما أحبوا وكرهوا. وبايعتم أنتم عليا على أنكم ~~أولياء من والا [ه] وأعداء من عادا [ه] فقال لهم زياد بن النضر: والله ما ~~بسط علي يده فبايعناه إلا على كتاب الله وسنة نبيه، ولكنكم لما خالفتموه جا ~~[ءت إليه] شيعته فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت ونحن كذلك، ~~لأنه على الحق والهدى، ومن خالفه ضال مضل. # وبعث علي رضي الله عنه بعبد الله بن عباس إلى الخوارج وقال له: لا تعجل ~~إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك. # فخرج [إليهم] ابن عباس، فلما لقيهم جعلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى سألهم ~~فقال لهم: كيف نقمتم عليه الحكمين وقد قال الله: " فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما # PageV00P194 # من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " [35 / النساء: 4]. # فزعموا أن الخوارج قالت: كلما جعل الله حكمه إلى الناس وأمره بالنظر فيه ~~فهو إليهم، وما نفذ حكم الله فيه فليس لهم رده وعليهم إمضاؤه، وكذلك عليهم ~~الامضاء على محاربة أهل البغي (1). # فقال لهم ابن عباس: وأنتم الذين وادعتم وشككتم دوننا. # وليس ما قالوا في الزاني شبيه للحكمين، وذلك لأن الزاني لا شبهة فيه على ~~أحد أقر بالصلاة (2) وليس يجب حد الزنا إلا على من عرف الزنا، وتحريمه بذلك ~~وجبت بالسنة، ونحن على أنه يقام الحد [على] من يجهل تحريم الزنا [أ] وادعى ~~فيه شبهة (3) وليس ذلك حكم الله في أهل البغي عندنا وعندهم، ولو أن الزاني ~~امتنع من الحد بحرب نصبها وادعى عندها شبهة اختلفت عندها الأمة كما فعل ~~معاوية لم يكن ذلك أيضا قياسا للحكومة يوم صفين ms107 لأن الزاني إذا أنكر الحد ~~لغير علة كان مرتدا. فإن أنكر الحد وزعم أنه ليس بزان لشبهة دخلها أنكر من ~~أجلها أن يكون زانيا كما أنكر معاوية أن يكون باغيا لشبهة أحدثها (4) كان ~~الفريقان في الأمرين واحد [ا] والحكم متفقا (5). # وذكروا أن ابن عباس قال لهم: فإن الله يقول: " يحكم به ذوا عدل منكم " ~~[95 / المائدة: 54] فقالت الخوارج: فعدل عمرو عندك وأبو موسى؟ هذه الآية ~~بيننا، فإن كان عمرو عدلا فنحن غير عدول!! # PageV00P195 # فقال لهم ابن عباس فقد قال الله: " فابعثوا حكما / 61 / من أهله وحكما من ~~أهلها " [35 / النساء: 4] أرأيتم إن كانت المرأة يهودية أليس قد دارت حكومة ~~أهلها وهم غير عدول؟ # وأما قولهم في الموادعة، فإن الله إنما أزال الموادعة عند ظهور الإسلام ~~وعلو أهله [على] عدوهم (1) وقد كانت الموادعة قبل الهجرة، والدعوة غير ~~ظاهرة وأنصار الدين بهم قلة، فالموادعة زائلة متى وجبت القوة وكان المسلمون ~~على الكثرة والقوة والعدة التي من أجلها زالت الموادعة، ومتى اختلفت الكلمة ~~ورجع أهل الحق إلى قلة، وكان أهل الباطل أكثر رجعت الموادعة إلى علتها قبل ~~الهجرة ووجب حكمها بوجوب علتها، وقد تعلمون أن المشركين من سائر الملة ومن ~~أقر بالصلاة من أهل البغي من الأمة قد أوجب الله قتالهم على حد معروف وفرض ~~موصوف تخفيف من الله (2) بعد فرض كان أشد في المحنة منه فقال: " الآن خفف ~~الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مأتين، وإن ~~يكن منكم ألف يغلبون ألفين " [66 / الأنفال: 8] فهذا تحديد في الفرض خفف ~~الله به عن الخلق في محنة الحرب بعد أن كان الفرض على المائة محاربة الألف. # قلنا: فمتى نقص من هذا التحديد من عدة المؤمنين، وكان المشركون أكثر من ~~العدد الذي حدد الله في قتالهم حلت للمؤمنين الموادعة، ووسعهم الكف حتى ~~يصيروا إلى الحد الذي ذكره الله تعالى، فقد جعل الله للموادعة حدا وهو (3) ~~حكم الله بين عباده أبدا في محاربة العدو، ولم يحصل من علي بن أبي طالب ms108 يوم ~~صفين عند الفرقة واختلاف الكلمة إلا قليل، وإنما تراجع الناس إليه بعد ~~الحكمين حين انكشف للناس غدر عمرو # PageV00P196 # ابن العاص وضعف أبي موسى المغفل واستعماله هواه ورأيه، فأنابوا (1) إلى ~~علي واعتزلت الخوارج. # فأما يوم صفين، فكان أهل الحق ممن ثبت على بصيرته قليل تعدوهم العين، فقد ~~وجبت الموادعة عند القلة مع من كفر بالله فكيف لا يجب مع أهل القبلة، وذلك ~~حكم الله في الموادعة إلى يوم القيامة. # PageV00P197 # [خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في الاحتجاج على الخوارج بعد ما فارقوه ~~فأرسل إليهم ابن عباس ثم لحقه ودخل معسكرهم]. # وذكروا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (1) خرج إلى الخوارج فأتى فسطاط ~~يزيد بن قيس فدخله فتوضأ فيه وصلى ركعتين ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم ~~يخاصمون ابن عباس، فقال علي لابن عباس: انته عن كلامهم، ألم أنهك رحمك ~~الله؟ ثم تكلم علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # إن هذا مقام من فتح الله له فيه كان أولى بالفتح يوم القيامة (2) ومن نطف ~~فيه وأوعب فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. # ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء. قال علي: فما أخرجكم من ~~حكمنا؟ # قالوا: حكومتكم يوم صفين. قال: نشدتكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا ~~المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله. قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم ~~[إنهم] ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، فإني قد صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا ~~فكانوا شر أطفال وشر رجال، امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم لكم هذه ~~المصاحف خديعة ووهنا ومكيدة # PageV00P198 # فرددتم علي رأيي وقلتم: لا بل نقبل منهم. فقلت لكم: اذكروا قولي ومعصيتكم ~~إياي فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا [ه] ~~القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف ~~حكم من حكم بما في الكتاب، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء. فهل قام إلي منكم ~~رجل فقال: يا علي إن هذا الأمر أمر الله فلا تعطه القوم؟ قالوا: لا. ms109 قالوا: ~~فأخبرنا أتراه / 62 / عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ قال: إنا لسنا الرجال ~~حكمنا، وإنما حكمنا القرآن وهو خط مسطور بين لوحين لا ينطق حتى يتكلم به ~~الرجال (1) وأنتم حكمتم أبا موسى وجئتموني وأتيتموني به (2) مبرنسا، وقلتم: ~~لا نرضى إلا به. ومعاوية حكم عمرو. # [ثم قال:] وأخبرني عنك يا ابن الكواء متي سمي أبو موسى حكما؟ أحين أرسل ~~أم حين حكم؟ قال: حين حكم. قال: فقد سار وهو مسلم وأنت ترجو أن يحكم بما ~~أنزل الله؟ قال: نعم. قال: فلا أرى الضلال في إرساله إذ كان عدلا. # قالوا: فخبرنا عن الأجل لما جعلته بيننا وبينهم؟ قال: ليتعلم الجاهل (3) ~~ويتثبت العالم، ولعل الله أن يصلح في تلك المدة بين الأمة. # ثم قال علي: أرأيتم لو أن رسول الله عليه السلام أرسل رجلا مؤمنا يدعو ~~قوما مشركين إلى كتاب الله فارتد على عقبه كافرا كان يضر النبي صلى الله ~~عليه شيئا؟ قالوا: # لا قال: فما ذنبي إن ضل أبو موسى ولم أرض بحكومته إذ حكم، ولا بقوله إذ ~~قال. # PageV00P199 # قالوا: أفرأيت كتابك باسمك واسم أبيك وتركك اسمك الذي سماك الله به بإمرة ~~المؤمنين. # قال علي: على [يدي] دار [مثل] هذا الحديث كتب النبي عليه السلام (1): هذا ~~كتاب من محمد رسول الله. وقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: لا نقر ولا نعرف ~~[أنك رسول الله] لقد ظلمنا [ك] إذا إن شهدنا أنك رسول الله ثم قاتلناك، ~~ولكن اكتب باسمك واسم أبيك. فقال رسول الله [صلى الله عليه وآله]: اكتب من ~~محمد بن عبد الله فإن ذلك لا يضر نبوتي شيئا، فكتبها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لآبائهم، وكتبتها [أنا] لأبنائهم. # قالوا: صدقت. [ولكن] بقيت خصلة: إنا قد علمنا أنك لم ترض بحكمهم حتى شككت ~~وكتبت في كتابك: إن جرني كتاب الله إليك تبعتك، وإن جرك إلي تبعتني. تعطي ~~هذا القول وقد أحصا (2) خيلنا في دمائهم؟ وما فعلت هذا حتى شككت. # فقال علي: نبئني أنت ومن معك أولى بأن لا تشكوا في دينكم ms110 أم المهاجرون ~~والأنصار؟ # أم أنا أولى بالشك أم معاوية وأهل الشام (3)؟ # قال ابن الكواء: النبي عليه السلام أولى باليقين منك، وأهل الشام خير من ~~مشركي قريش، والمهاجرون والأنصار خير منا. # قال: أفرأيت الله حين يقول لرسوله: " قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما أتبعه إن كنتم صادقين " [49 / القصص: 28] أشك النبي عليه السلام فيما ~~هو عليه حين يقول هذا؟ أم أعطاهم إنصافا؟ # قال ابن الكواء: خصمتنا ورب الكعبة وأنت أعلم منا بما صنعت. # فقال علي رضي الله عنه: ادخلوا مصركم رحمكم الله. # PageV00P200 # فلم يبرح علي رضي الله عنه حتى تفرقوا ودخلوا معه وقلبوا أترستهم. # فتفهموا معاشر المقصرين، وتكفروا يا أصحاب الوقف، واعتبروا يا أولي ~~الأبصار ما يظهر من بيان الله وحجته من تقديم أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب على جميع العالمين يقتل في الله القاسطين بسيفه، ويحيي في الله ~~الشاكين بحجته. # فهذه علل الخوارج مجموعة عليها مدار كلامهم كله قد أوضح لبسها، وأزال ~~شبهها، وكشف حيرتها بما لا مرد له من كتاب الله (1) وحجته فأي الأمرين ~~عندكم أصوب؟ # وأي المنزلتين أشرف في الدين والرأي؟ أن يدع الناس في حيرتهم ويترك ~~أصحابه في شبهتهم فيكونوا له حربا، ويزيدهم بإقدامه شبهة، ويمضي وحده حتى ~~يقاتل بعصابة معه، فلا ينكأ في عدوه (2) ولا يبلغ فيهم الأمنية، فيكون في ~~ذلك تلفه وتلف من معه وتقوية (3) لمن خالفه / 63 / ويكون في ذلك جهل للسنة ~~في الموادعة، وإطفاء لما أحيا من حجة الله فيكفر الجهل ذلك من جهله وافتتن ~~به. # أم يوادع القوم في حال القلة، ويستعمل بأصحابه [الرفق] في وقت تفرقهم، ~~ودخول الشبهة [عليهم [ليحيي ضالهم، ويستنقذ متحيرهم، ويقوي ضعيفهم، ويثبت ~~عالمهم (4) أي الأمرين أولى بالهدى وأبعد من الخطأ، والله يقول: " من ~~أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا " [32 / ~~المائدة: 5] # PageV00P201 # والنبي عليه السلام يقول له: يا علي لأن تستنقذ نفسا من ضلالتها خير لك ~~من الدنيا وما طلعت عليه الشمس (1). # وتعلمون أن عليا لو أصيب في تقدمه ms111 لم يعرف أحد سنة الموادعة وجواز ~~الحكومة، ولكانت تلك شبهة باقية في الناس إلى يوم القيامة لا يهتدي إلى ~~الحجة فيها ولا يقدر أحد أن يبين (2) فيها ما أبان من سبيلها مع استنقاذه ~~اثني عشر ألفا من ضلالة قد كانت شملتهم، وحيرة قد كانت ركبتهم، فلا شك أن ~~ما فعل من ذلك أولى بالصواب، وأرجح في الدين وأرضى لله وأبعد من الخطأ في ~~حكمه. # فدخلت الخوارج الكوفة وأقبل عليهم صعصعة بن صوحان فقال: أنشدكم الله أن ~~تكونوا بعد اليوم عارا على من يقرأ القرآن. # ثم إن عليا أمر بالمسير إلى أهل الشام وفي ذلك يقول شاعرهم: # أيها الشامتون إن عليا * لم يحكم في دينه مخلوقا إنما حكم القرآن وقد كان ~~* بتحكيمه القرآن خليقا أعلم الناس بالكتاب وبالسنة * والله يلهم التوفيقا ~~حاكم القوم في الحروب إلى الله * و [هو] فيها مهاجرا صديقا فهذه محنته ~~وسيرته في حروبه [و] قد بان بها من الخليفة أجمع وتقدم فيها على من صام ~~وصلى لا يقدرون أن يدعوا ما اتفق منها لأبي بكر أكثرية ما يدعونه لأبي بكر ~~محنته أيام الردة، أين قيامه بالردة وهي مكشوفة ظاهرة ومحنة القوم جميعا ~~فيها واحدة من محنة علي بعائشة، وقد شبهت الأمور وأطاعها الناس، ومحنته ~~بالزبير # PageV00P202 # وله الصحبة المعروفة والشجاعة المذكورة، ومحنته بطلحة واستمالة الناس ~~بخطبه، والتمويه عليهم بسابقته مع من أشبههم من الخاصة والعامة ثم ما ذكرنا ~~بعدهم. # وأبو بكر لم ينفرد بمحنة الردة، ولقد كان علي له معينا وشريكا، ولقد أشار ~~عليه بما ذكرنا. # وأين محنة أبي بكر - وقد أطاعه القوم جميعا بعد الخلاف - من محنة علي مع ~~أهل الخلاف عليه، وأبو بكر يتخلف من عسكره فلا يباشر حربا بنفسه، ويعبنه ~~علي على تدبيره، فلم يباشر حرب ما حدث في زمانه فيكون له فضيلة ولا تفرد ~~بالتدبير والرأي فينسب ذلك إليه ويتقدم به، وعلي في عسكره يتولى تدبيره ~~بنفسه، ويخوض تلك الحروب ببأسه، ويقوم أود تلك العساكر برأيه، ليس له نظير ~~يعينه، ولا وزير يشاركه. # فمهلا ms112 رحمكم الله فإلى كم تلجون في الخطأ، وتعتلون بالشك والوقف معاشر ~~المرجئة والمعتزلة. # فأما أنتم أيها المنسوبون إلى الرواية، والمحصون للآثار عن رسول الله، ~~فقد علمنا أنه لاحظ لكم في استنباط المعرفة، ولا رأي فيدعوكم إلى المحاجة، ~~ولا نظر فتدعوا في العلم رساخة، ولستم باللذين تدعون إلى عدل المقايسة، ~~فتقولون نحن أصوب منكم مقالة، وكيف يمكنكم ذلك ومتى ذكر لكم النظر كنتم ~~كالحمر / 64 / المستنفرة، فأنتم إذا رفعنا منزلتكم في المثل كالصيادلة ~~الذين لا يعرفون إلا أسماء الأدوية [وهم] جهال بالدواء والعلة، أو كتاجر ~~ليس له بالصرف معرفة. # وأهل النظر في المثل هم الأطباء والصيارفة العارفون (1) معاني الأدواء ~~والأدوية و [ذوو] البصر بالذهب والفضة فإن عرضتم علينا ما في أيديكم من ~~الرواية للنظر في خطائها من صوابها أصبتم وجه بالرأي في التعلم، ولم تلبثوا ~~إلا ريث ما حتى ينكشف لكم الحق فيما عنه تسألون، وكان مثلكم # PageV00P203 # كتاجر لا بصر له بالذهب والفضة، فإن صار في يده من ذلك ما لا علم له به ~~عرضه على البصير يسلم في تجارته وأضعف رأس ماله، وإن أهملتم أنفسكم وجمح ~~بكم سوء النظر، وقلد بعضكم بعضا الخبر كنتم كمن تعسف تجارته وقل نظره ~~لنفسه، ولم يعرض ما وقع في يده من فضته وذهبه على البصراء به وقلد من هو في ~~مثل حاله في أمره ونهيه وجهله، ولم يلبث إلا ريثما حتى أفقر نفسه وذهب رأس ~~ماله. # وقد يأثرون (1) عن النبي صلى الله عليه في تحقيق ما قلنا أنه قال: " رب ~~حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " (2) وأنتم المعنيون ~~بهذا الحديث، والمرادون به إذا كانت معرفتكم به أسماء الرجال وعددهم. # وعنه يؤثر صلى الله عليه أنه قال: " يحمل هذا العلم من كل خلف من أهل ~~بيتي عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ~~(3). # وكيف ينفي ذلك من لا علم له بالمقايسة وجمع الأشباه؟ ومن هو عن النظر ~~بمعزل؟ # ومن دينه السكوت؟! وترك الفكرة والتدبير للجمع بين ما ms113 صح وفسد، لبحق الحق ~~ويبطل الباطل. # [وقد كشفنا الستار عن الحق] لتعلموا أن القوم الذين عنوا بالفقه والتمييز ~~والتدبير هم أهل الحق والنظر، فأما من لا تمييز عنده بين باطل من حق كيف ~~يعلم من أفرط وغلا، وتأويل من قصر وأخطأ؟! وفي كل ذلك يؤثر عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إذا أتاكم عني حديث فاحملوه على أحسن وجوهه وظنوا به الذي هو أزكى ~~وأهدى وأتقى ". # فكيف يحمله على أحسن وجوهه من لا يخطر الفكرة فيه على قلبه؟ ومن قد حرم # PageV00P204 # النظر على نفسه وشأنه تصحيح الخبر لسماعه؟!!! # فهذه هي الفرقة الحاملة للفقه إلى من هو أفقه منها، وقلدت الخبر رهبانها، ~~وانقادت لكبرائها وفي أشباههم يقول الله: " كمثل الحمار يحمل أسفارا " [5 / ~~الجمعة: 62] " واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا " [31 / التوبة: 9]. أي: ~~بالطاعة لهم والانقياد لقولهم وهم الذين قالوا: " أطعنا سادتنا وكبراءنا ~~فأضلونا السبيلا " [67 / الأحزاب:]. # فارجعوا إلى النظر عن قريب ما دمتم في فسحة التمكين، وفكروا في فضائل ~~أمير المؤمنين تجدوا ما قلنا بينا، ولا تؤثروا الغفلة، وتميلوا إلى ~~الجهالة، فإن بالمعرفة يعبد الله، وإلى النظر والتدبر دعا الله عز وجل ~~[حيث] قال: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " [24 / محمد: 47]. ~~وقال: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم " [83 / النساء: 4]. فقد مدح الله الاستنباط، وعلة الاستنباط التدبر ~~والنظر، فمن لم يتدبر لم يستنبط، ومن لم يستنبط لم يعلم، ومن لم يعلم لم ~~يوفق، ومن لم يوفق شك وجهل، ومن جهل لم يخش ربه، لأنه لا يخشاه إلا من عرفه ~~لقوله: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " [28 / فاطر 35]. # ونحن قابلون لما في أيديكم من الرواية، وراضون بما أسندتم من مشهور / 65 ~~/ الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي وأبي بكر، لتعلموا أن ~~علة ما قلتموه الهوى لا الأثر، والبدعة لا السنة. PageV00P205 # [تفنيد المصنف بعض مفتريات شيعة آل أبي سفيان في شأن الشيخين]. # قد قلتم: إن من السنة تفضيل أبي بكر ms114 وعمر!!! فأي سنة قامت بأنهما عن علي ~~ابن أبي طالب أفضل (1)؟ والجماعة في هذا مضطربة، فأوقفونا على شهادة ~~معروفة، وأوضحوا دعوى هذه السنة التي بانت بالبدعة. # فإن قلتم: [منها] قول النبي صلى الله عليه وسلم: " سيدا كهول [أهل الجنة] ~~". # قلنا: فقد عارض هذا من خبركم ما هو أقوى [منه] في المعنى، وأسلم من خطأ ~~التأويل وهو قوله في الحسن والحسين: " [هما] سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما ~~خير منهما " (2). # فنظرنا في الحديث الأول فوجدنا للشبهة فيه مساغا، ولخطأ التأويل [فيه] ~~مدخلا لأنه ليس في الجنة كهل. # وهذا لا يدخل فيما قلنا في قوله في الحسن والحسين إذ كان أهل الجنة ~~[كلهم] شبابا، فإذا ثبت أن أهل الجنة شباب دون كهول فقد قدمهما على [كل] من ~~في الجنة تقديما واضحا. # PageV00P206 # واستثناؤه أباهما يوجب أن الخبر عام ولو أراد به الخصوص لم يكن للاستثناء ~~معنى. # فإن قلتم: لم يرد بقوله: سيدا كهول أهل الجنة إخبارا بأنه يكون في الجنة ~~كهول ولكن لما كانا في وقت القول كهلين جاز أن يقول: سيدا كهول أهل الجنة ~~مجازا. # قلنا: فهذا خبر يدخل فيه من كان في ذلك الوقت كهلا فيكون قد دخل فيه كهول ~~من بالحضرة دون من لم يكن في ذلك الوقت كهلا، فعلي بن أبي طالب لم يكن في ~~ذلك الوقت كهلا فيكون في الخبر داخلا (1). # هذا قد يجب عليكم متى سلمنا دعواكم وتركنا الاستقصاء عليكم في خبركم، ~~فنحن إذا نظرنا فيما ذكرتم احتجتم إلى التأويل فيما رويتم في أبي بكر وعمر. ~~فأما تأولتم فسلمنا لكم التأويل أو هدناكم أنه ليس فيه على قولكم دليل. # فقد ثبت بما شرحنا ووصفنا أن قوله: سيدا شباب أهل الجنة " أدل على ~~التفضيل وأوفى بالعموم مما يدخله الطعن عند القياس، واحتجتم في تصحيحه إلى ~~استعمال التأويل. # PageV00P207 # [بيان إجمالي في مؤاخات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين ~~والأنصار، ثم بينه وبين علي صلوات الله عليهما]. # ثم فكروا في حديث المؤاخات وما فيه من الدلالة الواضحة، إذ ms115 ميزهم على قدر ~~منازلهم، ثم آخا بينهم على حسب مفاضلتهم (1) فلم يكن أحد أقرب من فضل أبي ~~بكر من عمر فلذلك آخا بينهما، وأشبه طلحة الزبير (2) وقربت منازلهما، لذلك ~~فآخا بينهما، وكذلك فعل بعبد الرحمن بن عوف آخا بينه وبين عثمان. # ثم قال لعلي: إنما أخرتك لنفسي أنت أخي وصاحبي. # فلم يكن فيهم أحد أشبه بالنبي عليه السلام من علي، ولا أولى بمؤاخات ~~النبي منه، فاستحق بمؤاخات النبي عليه السلام لتقدمه على القوم، وكانت ~~مؤاخات علي أفضل من مؤاخات غيره لفضله على غيره. # PageV00P208 # [حديث الغدير المتواتر بين المسلمين، أو قطعة من خطبة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ب‍ " غدير خم " في إعلام الناس بمنزلة علي علي عليه السلام ~~من رسول الله ونصبه علما للناس ومفزعا لهم بعد وفاته صلى الله عليه وآله]. # ثم قوله [صلى الله عليه وآله] له في " غدير خم ": " من كنت مولاه فعلي ~~مولاه " [يكون] إبانة له منهم، وتقريبا له من نفسه، ليعلموا أنه لا منزلة ~~أقرب إلى النبي صلى الله عليه من منزلته. # فإن قال قائل: إنما قال ذلك النبي عليه السلام في ولاء النعمة، ومعنى ~~الحديث في زيد بن حارثة لأنهما قد كانت بينهما مشاجرة، فادعى علي بن أبي ~~طالب ولاء زيد ابن حارثة، وأنكر ذلك زيد (1) فبلغ ذلك النبي عليه السلام ~~فقال: " من كنت مولاه # PageV00P210 # فعلي مولاه " [فيكون ذلك إذا] في ولاء العتق (1). # قلنا: ليس لما ذهبتم إليه معنى يصح لأن أول الحديث وآخره يبطل / 66 / ما ~~ذكرتم، لأنه ذكر في أول الحديث [أنه صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس] ~~فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ و [من] كل مؤمن ومؤمنة؟ قالوا: اللهم ~~بلى. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. # فلا يكون من البيان في نفي ما قلتم أوضح من هذا، لأنه قد نص على المؤمنين ~~جميعا بقوله، ودل على إبانة علي من الكل بمولويته (2) على كل مؤمن ومؤمنة، ~~ثم أقامه في # PageV00P211 # التقديم عليهم مقامه، وأعلمهم أن تلك لعلي فضيلة عليهم ms116 كما كانت له صلى ~~الله عليه وسلم فضيلة تأكيدا وبيانا لما أراد من قيام الحجة، ونفي تأويل من ~~تأول بغير معرفة. # ولو كان ذلك من النبي عليه السلام على طريق الولاء والملك لكان العباس ~~بذلك أولى من علي لأنه أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منه. # وآخر الحديث [أيضا] يدل على أن ذلك لم يكن لما ذكروه من العلة وهو قوله: # " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " وهذا كله يدل على ما قلنا [ه] من ~~تقدمه [على الناس] في الدين، وتفضيله على العالمين، و [أن النبي صلى الله ~~عليه وآله إنما] اختاره [لعلمه] بأنه لا يكون منه تغيير ولا تبديل، وأن ~~حاله واحدة، متصلة عداوته بعداوة الله، وولايته بولايته، كما اتصل ذلك من ~~النبي عليه السلام (1). # [وقد ذكرنا من مدلول الحديث ما يلفت نظركم إلى الحق] لتعلموا أن النظر في ~~الحديث يوجب أن النبي إنما أراد بهذا الحديث إبانه علي رضي الله عنه من ~~المؤمنين جميعا، وإعلامهم أن منزلته في التفضيل عليهم، والتقدم لهم بمنزلة ~~عليه السلام (2). # ففكروا في هذا الحديث فما أبين دلائله، وأوضح حجته وتأكيده، وما أعجب ~~قوته عند النظر فيه من جميع أسبابه ومعانيه. # و [فكروا أيضا في] قول عمر - له عندما سمع [من النبي صلى الله عليه وآله] ~~هذا الحديث: بخ بخ [لك] يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. # فهذا حديث يؤكد بعضه بعضا، ويشهد بشهادة واحدة، وينفي تحريف الشاكين ~~والمقصرين، ويوجب قول أهل العلم واليقين. # PageV00P212 # وقد قال قوم (2): إن معنى الحديث إنما هو في الولاية، فمعنى قوله: " من ~~كنت # PageV00P213 # مولاه فعلي مولاه ": من كنت وليه فعلي وليه. ويدل (1) على ذلك قول الله: ~~" ذلك بأن # PageV00P214 # الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم " [11 / محمد: 47] فإنما ~~أراد الله بهذه الولاية فخص علي بن أبي طالب بهذه الكلمة [لأنه أراد منها ~~الرئاسة والإمارة، ولو كان يريد منها غير الرئاسة والإمارة من مثل المحبة ~~والنصرة] و [كان] المؤمنون جميعا في معنى ms117 الولاية [بهذا التفسير] داخلون ~~لأنهم لله ولرسوله موالون [لم يكن وجه لتخصيصه عليا بها] كما خصت الأنصار ~~باسم النصرة، والمؤمنون جميعا في معنى النصرة [لله] ولرسوله داخلون (1). # [قال أبو جعفر الإسكافي]: وهذا أيضا خطأ من التأويل (2) بدلالة أول ~~الحديث لأن قوله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وبكل مؤمن ومؤمنة؟ " ~~[وهذا] يدل # PageV00P215 # [على] أنه لم يرد بذلك الولاية لأن هذا المعنى لا يجوز أن يكون لهم لأن ~~الوليين كل واحد منهما مولى صاحبه (2). # وقوله: " ألست أولى بكل مؤمن ومؤمنة؟ وأولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " إيجاب ~~أن للنبي عليه السلام عليهم في ذلك ما ليس لهم في التقدمة، وكذلك علي ~~مولاهم أنه أولى بهم من جهة التقدمة لأن آخر الكلام على أوله مردود، فمن ~~أراد أن يدخل في آخر الحديث معنى يزيل ما قلنا [ه] نفاه أول الحديث، ومن ~~أراد أن يدخل في أوله معنى غير ما وصفنا [ه] نفاه آخر الحديث، فالحديث يشهد ~~بعضه لبعض بما قلنا، ويوجب الحجة الواضحة بما إليه ذهبنا (2). # PageV00P216 # فإن قال قائل: فإذا كنتم قد أبطلتم من معنى الحديث ولاية الدين (1) ~~والولاء في العتق، فليس لما ذهبتم إليه معنى. # قلنا لهم: قد أوضحنا لكم معنى ثالثا لو فهمتم لأن أول الحديث فيه ذكر كل ~~مؤمن ومؤمنة، فيعلم أنه لم يرد بذلك زيد بن حارثة إلا بدخوله في اسم ~~الإيمان، وما في آخره من ذكر العداوة والولاية. # ولم يرد بقوله: " ألست أولى بكل مؤمن ومؤمنة " / 67 / الولاية لأن هذه ~~منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ليست لأحد من المؤمنين (2) والولاية لهم هم ~~بها موصوفون، فتلك منزلة علي بن أبي طالب. # فإن قال قائل: وبما استحق علي بن أبي طالب هذه المنزلة؟ # قلنا له: إن قولكم: بما استحق علي بن أبي طالب هذه المنزلة بعد ما [أ] ~~وقفناكم وعرفتم أن النبي عليه السلام أنزله هذه المنزلة وأبانه بهذه ~~الفضيلة تهمة وسوء ظن بالنبي عليه السلام، لأن الذي فعل [به] النبي عليه ~~السلام [ذلك] قمن بذلك (3) لم يفعله [به] إلا بالاستحقاق، ms118 ولأن النبي عليه ~~السلام لم يكن بالذي يتقدم بين يدي الله فيبين # PageV00P217 # علي بن أبي طالب هذه البينونة ويشهره هذه الشهرة إلا بأمر من الله، فهذا ~~من قولكم تهمة فإن أقمتم عليه بعد البينة كفرتم. # فإن قالوا: فدلونا على قوله: " من كنت مولاه فعلي مولاه " يحتمل ما قلتم ~~من التقدمة والإبانة في اللغة، قلنا: ذلك ما لا يستنكر في كلامهم وتعاملهم، ~~قد يقول الرجل للرجل إذا أراد تقديمه وتفضيله على نفسه، فلان مولاي يريد ~~بذلك أنه سيدي والمتقدم علي والبائن مني. # والمولى قد يكون في اللغة على طريق الولاية وعلى طريق الولاء في العتق ~~وعلى طريق السؤدد والإبانة في الفضل، واحتمل [اللفظ] هذه الوجوه الثلاثة ~~فبطل الوجهان (1) من الحديث وثبت الثالث وهو ما قلنا. # على إنا قد بينا استحقاق علي لهذه المنزلة من النبي عليه السلام بما قد ~~ذكرنا من مناقبه وفضائله، فله علي جميع المؤمنين التقدمة في السؤدد، والفضل ~~بما له عليهم من النعمة والمنة والشرف (2) وذلك لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مولى المؤمنين جميعا بالسؤدد لأن به تخلصوا من الضلال ودخلوا في نعمة ~~الإسلام حتى استنقذهم بدعائه وأمره وقيامه وصبره في ساعات الخوف والضيق من ~~شفا الحفرة ومعاطب الهلكة. # ولعلي الفضل عليهم بذبه عنهم بسيفه، وقيامه بالاصطلاء بحروب عدوهم منة ~~ونعمة استحق بها عليهم السؤدد والتقدم، لأنه قوى بذلك عزائمهم، وأزال ~~الشكوك بفعله عنهم، وثبت يقينهم، وحاما عن أنفسهم وأموالهم في مواقف مشهورة ~~قد ذكرنا بعضها. # ثم حفظه لما جاء به النبي عليه السلام من الدين والسبق، وعنايته بذلك ~~ينبه عاقلهم ويعلم جاهلهم، ويقيم الحجة على معاندهم، وسنذكر فضله عليهم في ~~العلم في موضعه. # PageV00P218 # [حديث المنزلة، وإعطاء رسول الله صلى الله عليه وآله جميع ما له من شموخ ~~المقام وعلو المنزلة لعلي غير النبوة والرسالة فإنها مقصورة عليه، ومنتهية ~~إليه، ولاحظ لعلي فيها، فإنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم]. # ثم [فكروا في] قوله [صلى الله عليه وآله] في غزوة تبوك: " أنت مني ms119 بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " (1) فمنازل هارون من موسى معروفة، ~~أولها أنه شريكه في # PageV00P219 # النبوة، والثانية [أنه] أخوه في النسب، والثالثة: أنه المقدم عند موسى ~~على جميع البشر، وهذه هي التي وجبت لعلي بن أبي طالب، وهي منزلته من النبي ~~عليه السلام (1). # فإن قال قائل: إن النبي عليه السلام خلف عليا في بعض غزواته، فقال [له:] ~~أنت مني بمنزلة هارون من موسى في الخلافة، ولم يرد بهذه التقدمة. # قلنا لهم: لا يكون لهذا الكلام معنى إن لم يكن معه التفضيل والتقدمة، ولو ~~أمكن أن يعني بهذا الخلافة التي [لا] تدل على التفضيل والتقدمة، أمكن أن ~~يعني الولاية والإنسانية، فيقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى في الولاية، ~~أي: إنك وليي، # PageV00P220 # وإنك إنسان مثلي كما كان ذلك في هارون وموسى، وهذا ما لا يحتمل هذا ~~الكلام. # ولا يعنيه من له معرفة بما يقول لأن قائلا لو قال لرجل أنت مني بمنزلة ~~الني عليه السلام يريد في الولاية واسم الإيمان، لكان مخطئا لأنه أتى ~~بالكلام الدال على الفضل دون الولاية والإيمان، وكذلك لو أن رجلا قال ~~لصاحبه أنت عندي بمنزلة ولدي، علمنا أنه يريد في الفضل والمحبة، ولا يجوز ~~أن يقول: أنت عندي بمنزلة في أن / 68 / أدخلك منزلي لأنه قد يدخل منزله من ~~لا يعرف عبده من أبيه، وهذا الكلام دال على قرب المنزلة والتقدم في المحبة ~~(1). # قلنا: فقد بان خطأ تأويلكم، ومما يؤكد خطاؤه، ويوجب ما قلنا [ه] قول ~~النبي عليه السلام. # وإنما ذكرنا من الحديث ما لا تدفعونه ولا تنكرونه لأنه جاء مجئ السنن ~~التي لا يمكن دفعها، فقامت حجته ظاهرة، وبلغت صحته واستقامته عند النظر في ~~أسبابه [بارزة] وتلك آية الحق، وعلامته أنه يزداد عند النظر والتفتيش قوة ~~وبيانا كما يزداد الذهب عند الحمى جودة وحسنا. # فأين هذه الأحاديث التي ذكرنا [ها] من الأحاديث التي رويتم في أبي بكر ~~وعمر فيما أوجبتم التقدم لهما على الصديق الأكبر. # PageV00P221 # [إبطال بعض ما اختلقه شيعة بني أمية ms120 في شأن أبي بكر وعمر، ثم تعقيبه بذكر ~~لمع من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام التي بثتها لسان النبوة، وأجرى ~~الله لذكرها أقلام الجماعة] ورويتم عن النبي عليه السلام أنه قال: " وضعت ~~في كفة، ووضعت أمتي في كفة فرجحت، ثم وضع أبو بكر فرجح، ثم وضع عمر فرجح ~~ورجح ". # فأوجبتم لعمر بهذا الحديث الرجحان على أبي بكر ومحمد صلى الله عليه لأنه ~~رجح مرتين؟؟! فهذا من الحديث الذي يعلم باطله عند سماعه. # ورويتم عن النبي صلى الله عليه أنه قال: " لو لم أبعث فيكم لبعث عمر ". # فليس من حكم الله أن يبعث نبيا قد أشرك وكفر. # وقلتم: " لو نزل فيكم عذاب لم ينج إلا عمر " فأوجبتم له التقدمة على علي ~~بأمر قد تقدم فيه على أبي بكر والنبي عليه السلام. # وقلتم: إن النبي عليه السلام قال ذلك تصويبا لرأيه في أسرى بدر، وقد رأى ~~عبد الله ابن رواحة مثل رأيه. # وقد رويتم في حديث آخر ما ينقض هذا مع ما فيه من وضوح الخطأ: # ورويتم أن النبي عليه السلام شبة أبا بكر في رأيه بعيسى بن مريم وإبراهيم ~~عليهما وكيف يأخذ العذاب من أشبه عيسى وإبراهيم عليهما السلام؟ و [كيف قلتم ~~PageV00P222 # وصدقتم أن] جميع الرأيين صواب؟ # ورويتم عن النبي عليه السلام أنه قال: " اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن ~~هشام، أو بعمر بن الخطاب " فسبقت الدعوة لعمر!!! # وهذا غير جائز كالأول لأنه في العقول مستنكر، وفي حكم الله باطل، لأن من ~~حكم الله أن لا يستنصر كافرا (1) ولا يستغفر لمشرك، لقوله: " إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا " [54 / غافر: 40]. وقال: " ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى " [113 / ~~التوبة: 9]. # ولا نعلم أحدا بلغ من عداوه الله ورسوله والكفر بالله ما بلغه أبو جهل، ~~وتلك حاله كانت إلى أن مات، فكيف يدعو له النبي عليه السلام بهذه الدعوة، ~~ويبدأ به قبل عمر؟! وهو ممن استحق من الله اللعنة والخذلان؟!. # أم كيف يتقدم النبي عليه ms121 السلام فيدعو لمشرك بمثل هذا الدعاء من غير أمر ~~من الله؟ وإن كان ذلك بأمر [ه] فكيف والله يعلم أن أبا جهل ممن يزداد على ~~طول الأيام كفرا ولا يراقب الله، ولا يتوب أبدا؟! فكيف يأمره الله بالدعاء ~~له نصا؟ (2) ومن حكم الله أن ينصر من نصره، ويعز من أطاعه. # فهذا من الحديث الذي لا شبهة في خطائه، وأنه تقول على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فأين هذه الأحاديث من الأحاديث التي رويتم في علي بن أبي طالب صلوات الله ~~عليه في الشهرة والدلالة، ومضيها عند النظر على الاستقامة والصحة؟؟!. # PageV00P223 # فأين [هذه] مما رويتم من قوله عليه السلام: " من آذى عليا فقد آذاني ومن ~~آذاني فقد آذى الله " (1) " ومن فارقني فقد فارق الله ومن فارق عليا فقد ~~فارقني (2). # وقوله في ذي الثدية: " يقتله خير أمتي بعدي " (3). # وحديث الطير: " اللهم جئني بأحب خلقك إليك يأكل معي [من هذا الطائر] " ~~فجاء علي [فأكل معه] (4). # PageV00P224 # ولو آثرنا أن نذكر جميع ما في الآثار من مناقبه وفضائله الدالة على ~~تقديمه لطال ذلك وكثر، وإنما ذكرنا من ذلك جملا، تنبيها لكم على خطائكم ~~واتباعكم أهواءكم بغير علم ولا حجة. # فإن أردتم معرفة الهدى فيما قلنا - دون ما قلتم من الرواية - فالتمسوا ~~ذلك بالتدبر / 69 / لما رويتم [في شأن علي] وإن التمستم معرفة ذلك بالنظر ~~والجواب والمسألة كان في بعض ما ذكرنا [ه] كفاية وحجة. PageV00P225 # [في أن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان قد فاق ~~العالمين زهدا وصبرا وعبادة، وكان أزهدهم في الزخارف الدنيوية وأصبرهم عند ~~الهزاهز والشدائد وأعبدهم في ساحات المناجاة مع الله ومقام العبودية] ثم ~~ارجعوا إلى النظر في الزهد، ودرجته لتعلموا أن علي بن أبي طالب قد برز على ~~الزاهدين بزهده وصبره، وسبق العابدين بعبادته (1). # فكان ممن يطعم الطعام على حب الله مسكينا ويتيما وأسيرا (2) # PageV00P226 # وكان من المؤثرين على أنفسهم وإن كانت بهم خصاصة (1). # وكان من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس. # وكان من الصابرين على البأساء والضراء. # وكان ms122 ممن قسم بالسوية، وعدل في الرعية، ولم يرزأ شيئا من مال الله (2) ~~ولم تدع # PageV00P227 # عليه زلة، ولا تهمة ولا تكبر ولا حمية، وفيه نزلت: " إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " [55 / ~~المائدة: 5] تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كنت مولاه ~~فعلي مولاه " إذ قرن الله ولايته بولاية رسوله. (1) وفيه نزلت: " أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا؟ لا يستوون، أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم ~~جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون، وأما الذين فسقوا فمأواهم النار " [20 ~~/ السجدة: 32]. # وكان إذا اجتمع عنده مال من مال المسلمين [أنفقه عليهم ثم] قال: # هذا جناي وخياره فيه * وكل جان يده إلى فيه # PageV00P228 # [ذكر أعمدة من شوامخ علوه وعظمته وكظمه الغيظ وصبره] وبلغ من كظمه الغيظ ~~ما رأيتم من صبره على الخليفتين، وما كان من مشاركته لهم في الأمر، ~~ومؤازرتهم على الرأي [حينما كانا يراجعان إليه عند ضيق خناقهم وعجزهم عن ~~تدبير ما ابتليا به]. # وقد علمتم أنهما لم يشاوراه في عقد الخلافة، ولم يقطعاه قطيعة، ولا ولياه ~~ولاية. # فقد تعلمون ما ظهر من حرص قوم على الولاية، وما كان [برز لهم] من الرغبة ~~الشاملة (1) [وإنما أذكركم بهذه الحقائق] لتعلموا أن علي بن أبي طالب لم ~~يكن غضبه ولا رضاه إلا لله تعالى، يغضب إذا عصي ربه، ويرضى إذا أطيع الله، ~~ويسلم ما دامت له الألفة، ويعين على اجتماع الكلمة، ويكظم ما سوى ذلك مما ~~يناله في نفسه خاصة، دون الدين. # فقد نازعت زوجته [أبا بكر وعمر] في فدك، وشهد علي [على] دعواها فلم # PageV00P229 # يفد ذلك [في استرجاع فدك إليها] فصبر على مر الحق (1) عندما ظهر [من أبي ~~بكر وعمر] من [الحرص البالغ والعزم القاطع على] الحكم [عليها] ثم ولي الأمر ~~فأمضى ذلك على ما لم يزل (2). # PageV00P230 # [ذكر صفحة من صفحات صبره، وتحمله عن حاسديه ومعانديه وعدم تعرضه لهم]. # وبلغ من صبره أنه قعد عن خلافته قوم فلم يحبسهم ولم يكرههم، وتكلموا فلم ~~يعاقبهم، ولم ms123 ينفهم، وولاهم ما تولوا ولم يفعل بهم كما فعل من ذكرتم بسعد ~~بن عبادة (1)، وكما رويتم من نفي عثمان بن عفان لأبي ذر إلى الربذة، وما ~~فعل بعمار وابن مسعود وغيرهم. # PageV00P232 # [ذكر نبذة من عوالم عفوه وغفرانه، وغضه عمن أساء إليه وظلمه]. # وبلغ من عفوه أنه يوم الحكمين كان في يده أسرى من أهل الشام فخلى سبيلهم. # ومنعوه الماء ولم يمنعهم. # ونادى يوم الجمل عند الطعن: أن لا تقحموا منازلهم، ولا تغنموا أموالهم، ~~ولا تتبعوا المولي منهم (1). # PageV00P234 # [ذكر أشعة من أنوار إفضاله على المعدمين، وإيثاره إياهم على نفسه وأهل ~~بيته الطاهرين]. # وبلغ من تفضله وإيثاره على نفسه، أن عمر سأله سهمه من الفئ - وهو سهم ذي ~~القربى - ليعود به على المسلمين فجادلهم به تفضلا وكرما (1). # PageV00P235 # ومما يحقق ذلك ما يؤثر عنه من حديث المقداد: ذكروا أن عليا قال يوما ~~لفاطمة: # هل عندك شئ تطعميني؟ قالت: لا والله يا أبا الحسن ما عندنا منذ ثلاث، شئ ~~إلا شئ أوثرك به على نفسي وعلى ابني! قال لها: فهلا أعلمتيني؟ قالت: إني ~~لأستحيي من ربي أن أكلفك ما لا تقدر عليه!! # PageV00P236 # فخرج [علي] من عندها فتحمل دينارا أخذه قرضا فتلقاه المقداد نصف النهار، ~~وقد وضع المقداد كمه على رأسه من شدة الحر، فقال له علي: ما أخرجك في هذه ~~الحال وأراك كالحيران؟ قال: خلني ولا تسألني. قال: لتخبرني. قال: خلني يا ~~أبا الحسن ولا تكشفني. قال: يا أخي إنه لا يسعني أن أخليك، ولا يسعك أن ~~تكتمني. قال / 70 / خرجت من منزلي هاربا على وجهي وذلك لأني رأيت صبياني ~~ينضاغون جوعا (1) فلم يقو على ذلك صبري. # فأخرج علي الدينار فدفعه إليه، ثم قال: ما أخرجني إلا ما أخرجك. ثم مضى ~~علي إلى المسجد. # فلما فرغ رسول الله عليه السلام من صلاة المغرب خرج من المسجد، وركض عليا ~~برجله وأتبعه علي فوقف على باب المسجد، فلما لحقه قال له النبي عليه ~~السلام: هل عندك عشاء؟ قال علي: فكرهت أن أقول نعم. وقد علمت أني ms124 لم أخلف ~~في منزلي شيئا، واستحييت أن أقول: لا. فقال لي: إما [أن] تقول: نعم، فنمضي ~~معك، وإما أن تقول: لا فندعك. قال: فقلت: نمضي يا رسول الله. فمضى هو وعلي ~~إلى منزل فاطمة، فلما دخل قال النبي عليه السلام: هاتي ما عندك يا فاطمة. ~~قال: فأخرجت إليه مائدة عليها طعام طيب لم أر أحسن منه لونا، ولا أطيب ~~ريحا. فنظر إليها علي نظرا وأحد النظر، فقالت: ما أشد نظرك يا أبا الحسن. ~~قال: وكيف لا يكون كذلك وقد زعمت أنه لا شئ عندك. فقالت: والله ما كذبتك. ~~فقال له النبي عليه السلام: # هذا رزق من الله بدل دينارك، الحمد لله الذي جعلك مثلا لزكريا عليه ~~السلام، وجعلها مثلا لمريم: " كلمات دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من شاء ~~بغير حساب " [37 / آل عمران:] (2). # PageV00P237 # وبلغ من صبره ما إن كان الجوع إذا اشتد به وأجهده خرج حتى يؤجر نفسه في ~~سقي الماء بكف تمر لا يسد جوعته ولا خلته، فإذا أعطى أجرته لم يستبده به ~~وحده حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه من الجوع مثل ما به، ~~فيشتركان جميعا في أكله (1). # فأين مثل هذه إلا له؟ [ظ] قيمة قميصه ثلاثة دراهم، ونفقته في كفه! ولقد ~~أخرج يوما سيفه فقال: من يشتري هذا مني، فلو كان عندي إزار ما بعته (2). # PageV00P238 # فهل ترون أحدا من الصحابة بلغ هذه المنزلة؟ # ولما فرغ من حرب الجمل دعا بالعرفاء، فقالوا: قتلهم؟ ودعا بالوكلاء ~~فقالوا: # قتلتهم؟ فقال: بالله تخوفوني؟ هذا قميصي من نسج أهلي، وهذه نفقتي في كمي، ~~والله إن خرجت بغير ما دخلت إني إذا لمن الظالمين (3) # PageV00P239 # [ثواقب شواهد زهده وتواضعه وكلامه عليه السلام في نعت الكملين من الشيعة ~~وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله. وبيان مالية ما خلفه من ثيابه]. # ويروى أن قوما تذاكروا أزهد أصحاب النبي عليه السلام عند عمر بن عبد ~~العزيز ms125 فقال قوم: عمر. وقال قوم: أبا ذر. فقال عمر بن عبد العزيز: [أزهد ~~الناس] علي بن أبي طالب (1). # وكيف لا يكون كذلك، وقد قام فيهم يوما خطيبا فقال: ما رزأت من أموالكم ~~شيئا إلا هذه القارورة أهداها إلي دهقان (2). # وكان يجمع [الفقرأ] فيعطيهم الطعام ويجعلهم الرفقاء، فإذا أخذوا أمكنتهم ~~جاء إلى رفقة منها فقال: هل أنتم موسعون؟ فيقولون: نعم. فيجلس فيأكل معهم ~~(3). # PageV00P240 # فمن بلغ هذه المنزلة؟ في تواضعه وزهده، يخدمهم بنفسه، ويقدمهم قبله، ~~ويكون دونهم في منازلهم. # وكان ربما حضرت الصلاة، وقد غسل قميصه، فلا يكون عنده غيره فيلبسه قبل أن ~~يجف، فيجففه وهو يخطب (1). # فمن بلغ هذه المنزلة في لباسه؟ # وذكروا أنه كرم الله وجهه خرج يوما، فإذا قوم جلوس فقال: من أنتم؟ ~~فقالوا: # نحن شيعتك يا أمير المؤمنين. فقال: سبحان الله فما لي لا أرى عليكم سيماء ~~الشيعة؟ # قالوا: يا أمير المؤمنين وما سيماء الشيعة؟ قال: عمش العيون من البكاء، ~~خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على ~~وجوههم غبرة الخاشعين (2). # وذكروا أنه صلى يوما صلاة الفجر / 71 / فلما سلم انفتل عن يمينه، ثم مكث ~~ساعة كان عليه الكآبة، ثم قلب يده، ثم قال (3): # والله لقد رأيت أصحاب محمد عليه السلام، فما أرى اليوم إنسانا يشبههم، ~~لقد رأيتهم يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم أمثال ركب المعزي، قد باتوا ~~لله سجدا وقياما، يتلون كتاب ربهم، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا ~~أصبحوا فذكروا الله جل ثناؤه مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت ~~أعينهم حتى تبل ثيابهم. # PageV00P241 # والله لكان القوم باتوا غافلين. ثم نهض. # [وإنما ذكرنا من سيرته الميمونة أشعات، ومن كلامه الجاذب بأعناق العباد ~~إلى الله قبسات] لتعلموا أن بالاعتبار والفكرة نال هذه المنازل الرفيعة، ~~وأنه يزداد على طول الأيام جدا وتشميرا لا يقصر ولا يتوانى. # وكان رضي الله عنه إذا أتي بغلة ماله من ينبع اشترى الزيت والعجوة ~~واللحم، فيتخذ لنفسه ثريدا يأتدمه (1) ويطعم الناس اللحم [و] ذلك معروف منه ~~أيام ms126 كان بالكوفة. # وذكروا أنهم قوموا ما خلف من الثياب فبلغ ثمنها تسعة دراهم. # PageV00P242 # [عيادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة العلاء بن زياد الحارثي ~~وكلامه معه ومع أخيه عاصم بن زياد]. # وذكروا أنه لما قدم البصرة دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده (1) ~~فلما رأى سعة داره قال: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا [و] أنت ~~إليها في الآخرة أحوج.؟ # وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتؤدي ~~فيها الحقوق، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة. # قال [العلاء] يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. # قال: وما له؟ قال: لبس العبا وتخلى عن الدنيا. قال: علي به. فأتي به، ~~فقال [له]: يا عدو نفسه أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى الله أحل لك الطيبات، ~~وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك. # قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك، وجشوبة مأكلك؟ # قال: ويحك! إني لست كأنت، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم ~~بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره (2). # PageV00P243 # فتفهموا عباد الله وتدبروا ما ذكرنا [ه] من أمور الطاهر الزكي العدل ~~الرضي، سيد المؤمنين، وراحم المساكين، وقوة المستضعفين، وشريك الفقراء، ~~وأمين الضعفاء، وجابر الكسير، ومغني اليتيم، والمساوي بعدله بين القريب ~~والبعيد، [وهو] تعب نصب في جنب الله أيام حياته، منقطع القرين في زمانه، في ~~كل مذكور من فضائله، هو كالأب الرحيم بمن وليه، يغذوهم صغارا، ويعدل عليهم ~~كبارا، ويوردهم المناهل العذبة، يكلؤهم بعينه، ويقدمهم على نفسه في أيام ~~حياته، PageV00P244 # [وصية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عند إشرافه على الخلاص من دار ~~التعب والعناء ولحوقه بالملأ الأعلى] (1). # فلما احتضر وأيقن بمفارقة الدنيا، والقدوم على ربه، جمع ولده وأهله ثم ~~أقبل على الحسن ابنه فقال: # يا بني أنت أولى بالأمر بالدم بعدي، فإن عفوت فلك، وإن قتلت، فضربة مكان ~~ضربة ولا تمثل. # ثم قال: أكتب يا بني: # هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد ms127 أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون صلى الله على محمد وعلى أهل بيته. # إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت ~~وأنا من المسلمين. # ثم إني أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه / 72 / كتابي [هذا] # PageV00P245 # من المؤمنين بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: صلاح ذات ~~البين أفضل من عامة الصلاة والصوم. # وانظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب. # والله الله في اليتامى فلا تغبوا أفواههم (1) ولا يضيعوا بحضرتكم، فإني ~~سمعت نبي الله عليه السلام يقول: من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله له ~~بذلك الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار. # والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم. # والله الله في جيرانكم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بهم. # والله الله في الفقراء والمساكين فشاركوهم في معيشتكم. # والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، فإنما يجاهد في ~~سبيل الله رجلان: إمام مهدي أو مطيع لله مقتد بهداه (2). # والله الله في ذرية نبيكم (3) عليه السلام، لا تظلمن بين أظهركم وأنتم ~~تقدرون على الدفع عنهم. # PageV00P246 # والله الله في الضعيفين، النساء وما ملكت أيمانكم، لا تخافن في الله لومة ~~لائم، يكفكم الله من أرادكم وبغى عليكم، قولوا الناس حسنا كما أمركم الله. # لا تتركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله الأمر شراركم، ثم ~~تدعون فلا يستجاب لكم. # عليكم يا بني: بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، ~~تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب. # حفظكم الله أهل البيت، وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم ~~السلام. # ثم لم ينطق إلا ب‍ " لا إله إلا الله " حتى قبضه الله إليه، بيض الله ~~وجهه وشرف مقامه، فقد اجتهد ms128 في مرضاة الله نفسه، وقام بوصية الله في حياته ~~وعند موته. # فقام الحسن ابنه خطيبا صبيحة قتل أبوه في العشر الأواخر من رمضان، فقال: # لقد قتلتم رجلا ما سبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون. # وجعل خاتمه في إصبعه السبابة، ثم قال: # إن عليا والله ما ورثنا درهما ولا دينارا ولا فضة ولا ذهبا إلا شيئا في ~~خاتمي هذا ما عدا (1) ثلاثمائة درهم بقيت من عطائه ادخرها ليتصدق بها يوم ~~فطره، فما هي لنا (2). # فهذه حاله في زهده، وما لم أذكره أكثر. # PageV00P247 # [لمعات من عدله عليه السلام في أهله ورعيته، وقبسات من أقواله وأعماله في ~~جذب النفوس إلى الله تعالى، وإيصال الحقوق إلى أهلها ووضعها في موضعها]. # ثم عدله في سيرته وإشرافه على عياله يسوي بينهم في عطائه، ويواسي بينهم ~~بماله. # وذكروا أنه ولي رجلا من ثقيف " عكبرا " فقال له: بين يدي أهل الأرض الذين ~~[كان] عليهم [الخراج: لتستوفي خراجهم ولا يجدون فيك رخصة] ولا يجدون فيك ~~ضعفا (1). # ثم قال له: عد إلي عند الظهر قال: فلما رحت إليه دخلت عليه وليس بيني ~~وبينه حجاب، وإذا [في] جنبه كوز فيه ماء وقدح، قال: ودعا بطينة مختومة (2) ~~فأتي بها، فقلت عند نفسي: كل هذا قد نزلت عند أمير المؤمنين يريني جوهرا، ~~وظننت # PageV00P248 # أن فيها جوهرا، فكسر الخاتم ثم صب الماء (1) في القدح، فإذا سويق فشرب، ~~ثم سقاني ولم أصبر أن قلت: يا أمير المؤمنين أبالعراق تصنع هذا؟ العراق ~~أكثر خيرا وأكثر طعاما؟! فقال لي: إني لست لشئ أحفظ مني لما ترى إذا خرج ~~عطائي ابتعت منه ما يكفيني، وأكره أن يفنى فيزاد فيه من غيره، وأكره أن ~~أدخل بطني إلا طيبا ثم أمر بها فختمت ثم رفعت. # ثم أقبل علي فقال: إني لم أقل لك الذي قلت بين يدي أهل الأرض، إلا أنهم ~~قوم خدع / 73 / فإذا قدمت على القوم (2) فانظر ما أمرك به، فإن خالفتني ~~وأخذك الله به دوني (3) وإن بلغني خلاف ما آمرك به عزلتك إن شاء الله إذا ~~قدمت على ms129 القوم فلا تبغين فيهم كسوة شتاء ولا صيف، ولا درهما ولا دابة، ولا ~~تضربن رجلا سوطا لمكان درهم ولا تقمه على رجليه (4). # قال: قلت: يا أمير المؤمنين إذن أرجع كما ذهبت؟ قال: وإن رجعت فإنا لم ~~نؤمر أن نأخذ منهم إلا العفو (5). # قال: فرجعت فما بقي علي درهم إلا أديته. # PageV00P249 # [دخول أبي صالح بيت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وإحضارهم الطعام ~~له، وقوله لهم: أتطعموني هذا الطعام وأنتم الأمراء]. # وذكروا أن رجلا يكنى أبا صالح دخل على أم كلثوم بنت علي فقالت: إئتوا أبا ~~صالح بطعام. قال: فأتوني ب‍ (مرقة) فيها حبوب فقلت: أتطعموني هذا وأنتم ~~الأمراء؟ # قالت: فكيف لو رأيت أمير المؤمنين عليا وأتي بأترج فأخذ الحسن أترجة منها ~~فانتزعها من يده وقسمها بين المسلمين (1). # وكان [عليه السلام] يؤتى بالرمان فيقسمه في المساجد (2). # وكانت له امرأتين، فإذا كان يوم أحدهما اشترى [لها] بنصف درهم لحما (3) ~~وكان يقول رحمه الله: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر ~~علمك، ويعظم حلمك، وتباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن ~~أسأت، استغفرت الله. # ولا خير في الدنيا إلا لرجلين، رجل أذنب ذنوبا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو # PageV00P250 # رجل يسارع في الخيرات (1). # ولا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل (2). # وكان يقول رضي الله عنه: أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة (3). # وكان رضي الله عنه يقسم ما في بيت المال، ثم يكنسه ويصلي فيه رجاء أن ~~تشهد له عند الله يوم القيامة (4). # وكان يدعو اليتامى، فيطعمهم العسل، وما حضر حتى قال بعضهم: لوددت أنني ~~كنت يتيما (5). # و [كان] يقول: قد تأتينا أشياء نستكثرها إذا جاءتنا، ونستقلها إذا ~~قسمناها، وإنا لنقسم القليل والكثير. # ولقد رئي عليه إزأر مرقوع، فعوتب في لباسه فقال رضي الله عنه: يخشع به ~~القلب # PageV00P251 # ويقتدي به المؤمن. # وكان إذا ورد عليه المال يقول: أيها الناس هلموا إلى مالكم فخذوه، فإنما ~~أنا لكم خازن. # ثم يقسمه على الأحمر والأسود حتى لا يبقى شئ. # ولقد بلغني أنه ms130 كان يقسم بين المسلمين الابزار يصرها لهم صررا (1). # فهذه منازله في زهده، وسيرته في عدله، وما لم يذكر من أموره أكثر وأشهر. # فهل تذكرون لأحد ممن قدمتموه عليه مثل ما ذكرنا [ه] عنه؟ فعمر وإن كان ~~زاهدا فلم يبلغ هذه الغاية، ولم يصر إلى هذه المنزلة، وقد قسم على غير ~~السوية، وعزم في مرضه على السوية، وكان عليه دين فادح. # و [أما] أبو بكر فلم يمتحن بكثرة الأموال، ولم يظهر منه هذه السير ~~والأحكام. # فإن قال قائل: إنما شاع ذلك من فعل علي بن أبي طالب لأنه عمر وبقي فظهرت ~~منه هذه السير والمناقب، وأبو بكر لم يعمر ولم يبق. # قلت: القائل هذا إن كان معتزليا عدليا [نقول له:] ليس لما قلتم معنى يجوز ~~في مقالك، والذي تعلقت به فاسد عندك لأن من قولك: إن الله لا يخترم عبدا ~~يعلم أنه يزداد عند البقاء خيرا، ولا يقطعه عن أمر يعلم أنه لو بلغ إليه ~~شرفت حاله وأضعفت طاعته، فما قلت ناقض لقولك. # وإن كان قائل هذا مجبرا فالحجة عليه قائمة لأنه لا يدري أن لو بقي في أي ~~المنزلتين كانت تكون حاله، ولا يدري لعله لو بقي لكفر!!! لأنه جائز في عدل ~~الله عنده # PageV00P252 # أن يبتديه بالخذلان والشر، وينقله أن لو بقي من الإيمان إلى الكفر. على ~~أنه لو كان ممن يزداد على البقاء طاعة وفضلا ثم لم يبلغه لم تكن منزلته ~~منزلة من بقي حتى فعله وناله، وليس بجائز أن يكون فاضلا بما لم يفعله ولم ~~يبق إليه، فلأمر ما دفع الله / 74 / عن علي ابن أبي طالب ووقاه بلطفه من ~~تلك المحن، وصرف عنه تلك المصائب حتى خلصت له سوابق المهاجرين الأولين ~~وآثار السابقين، وأكمل الله له فضائل التابعين، فأعز الله به الدين في ~~الأول والآخر هاديا مهديا طاهرا زكيا. # ففي فضل هذا يقصر؟ ومثل علي بن أبي طالب يؤخر؟ وعليه يقدم؟ # فوالله لو ترك الهوى والتعصب، وأعمل الإنصاف والنظر لم يخف على طالب فضل ~~علي بن أبي ms131 طالب على البشر. # ووالله لو ترك الهوى من لم ينظر، وقلد الحبر لم يقدم [أحد] على علي بن ~~أبي طالب، لكثرة مناقبه المشهورة في الحديث والأثر. # أوليس من العجب أن لا يعلم تقدمه على البشر بمؤاخات رسول الله إياه دون ~~الناس؟ # أيظنون أن رسول الله عليه السلام أخر لنفسه من لا يقرب من منزلته؟ وقصر ~~في الاختيار؟! # بأي الوجهين كان؟ إما بالبعد وإما بالغفلة إذا اصطفى لنفسه من غيره أولى ~~به منه، وأفضل عند الله ممن اختاره؟! # وكيف لا يقنع الناظرون بهذه الجملة، ولا إشكال فيها ولا شبهة، ويكلفوننا ~~تفسير ذلك الجواب والمسألة ليكشف لهم أن أخوة النبي عليه السلام لعلي بن ~~أبي طالب كانت لفضله على غيره، وأن منزلته عنده منزلة هارون من موسى ليس ~~على التقديم له. # ما أوضح خطأ من كلفنا الجواب في هذا والمسألة [واضحة] قد فرغته الأخبار و ~~[كشفها من] التمس علم الآثار (1). # PageV00P253 # [فضيلة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام على جميع البشر بعد خاتم ~~الأنبياء صلى الله عليه وآله من جهة العلم، وتقدمه فيه من جميع الجهات على ~~العالمين، وذكر نماذج من علومه عليه السلام وخطبه، منها خطبته الموسومة ~~بالزهراء]. # ونحن ذاكرون بعد هذا تقدمه في العلم وفضله فيه على الخلق أجمعين بعد ~~النبيين. # وللعلم أصل وفروع، وجملة وتفسير، وفيه تطوع وفرض، وذلك على صنوف شتى، ~~وأبواب كثيرة. # فأصل العلم، العلم بالله وهو أصل الدين والإسلام، فأعلم الخلق بالله ~~أذبهم عن توحيده، وأحسنهم عبارة عنه، وأوصفهم لحدوده وأحكامه، وأقومهم ~~بمحاجة من ألحد في الله بالجواب والمسألة، فالتمسوا علم ذلك في خطبة ~~لتعلموا أنه منقطع القرين في علمه وأنه نسيج وحده: # وهو القائل في بعض خطبه وهي خطبته الزهراء: [المعروفة: # الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه. # الأول لا شئ قبله، والآخر لا غاية له، علا فدنا، ودنا فعلا، لا تقع ~~الأوهام له على صفة، ولا تعقد القلوب منه على كيفية، ولا تحيط له بذات، ولا ~~يناله التجزئة ولا يدركه التبعيض. # PageV00P254 # الذي لا ms132 من شئ كان، ولا من شئ خلق ما كان. قدرة بان (1) بها من الأشياء ~~وبانت الأشياء منه. فليست له صفة تنال، ولا حد تضرب له فيه الأمثال. # كل دون صفاته تحبير اللغات، وضل فيما هنالك تصاريف الصفات، وحار في ~~ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، ~~وحال دون غيبه المكنون حجب الغيوب (2) وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول ~~(3). # فتبارك الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن، وتعالى الذي ليس له ~~وقت معدود، ولا أجل ممدود، ولا نعت محدود (4). # وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ، ولا غاية منتهى، ولا آخر يفنى، سبحانه هو ~~كما وصف نفسه. # حد الأشياء كلها عند خلقه إياها إبانة لها من شبهة، وإبانة له منها، فلم ~~يحلل فيها فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال [هو] منها بائن، ولم ~~يخل عنها فيقال له: أين؟ # ولكنه سبحانه أحاط بها علمه، وأتقنها صنعه وأحصاها حفظه، فلم يعزب عنه # PageV00P255 # خفيات غيوب الهواء، ولا غامضات سرائر مكنون ظلم / 75 / الدجا (1) ولا ما ~~في السماوات العلى والأرضين السفلى لكل شئ منها حافظ ورقيب، وكل شئ منها ~~بكل شئ محيط، والمحيط بما أحاط به منها (2) الله الواحد الأحد الصمد الذي ~~لا تغيره صروف سوالف الأزمان، ولم يتكأده صنع شئ (3) كان أن قال لما شاء أن ~~يكون " كن " فكان. # فابتدع ما خلق بلا مثال ولا تعب ولا نصب. # وكل صانع شئ فمن شئ صنع والله لا من شئ خلق ما خلق. # وكل عالم فبعد جهل تعلم، والله لم يجهل سبحانه ولم يتعلم (4). # فسبحان من لم يؤده خلق من ابتدأ، ولا تدبير ما برأ، ولكن قضاء متقن وعلم ~~محكم، وأمر مبرم، توحد فيه بالربوبية، وخص نفسه فيه بالوحدانية، واستخلص ~~المجد والسناء واستكمل الحمد والثناء فتفرد بالتوحيد، وتوحد بالتمجيد وتمجد ~~بالتحميد. فجل سبحانه عن الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء. فليس له فيما خلق ~~ند، ولا فيما ملك ضد، ولم يشركه فيما ملكه أحد، له الأسماء الحسنى والأمثال ~~العليا (5) # PageV00P256 # ثم ms133 قال [عليه السلام]: # سبحانك اللهم ما أعظم ما نرى من خلقك (1) وما أصغر عظمه في [جنب] قدرتك، ~~وما أعظم ما نرى من ملكوتك، وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من ملكك، وما أسبغ ~~نعمتك في الدنيا وما أقلها في جنب نعمتك في الآخرة. وما عسى أن نصف من ~~قدرتك وسلطانك في قدر ما غاب عنا من ذلك، وقصرت أبصارنا عنه وانتهت عقولنا ~~دونه. # فمن أعمل طرفه وقرع سمعه وأجهد فكره كيف ذرأت خلقك وكيف أقمت عرشك وكيف ~~علقت في الهواء سماواتك وكيف مددت أرضك رجع طرفه حسيرا وعقله والها وسمعه ~~مبهورا وفكره متحيرا (2). # فكيف لا يعظم شأنك عند من عرفك وهو يرى من عظيم خلقك ما يملأ قلبه ويذهل ~~عقله. فلا إله غيرك ولا شريك لك في ملكك، ليس كمثلك (3) شئ وأنت السميع ~~البصير (4). # فتفهموا صفته للتوحيد، هل تجدون ما قال [إلا] أصلا أخذ المتكلمون [به ~~وبنوا] عليه، وافتقروا إليه؟ وهل تجدون أحدا أبلغ من صفة التوحيد ما [أ] ~~بلغه؟ وذكر من عظمة الله وقدرته ما ذكره؟ وهل تعلمون أحدا احتج في إثبات ~~الربوبية واستدل # PageV00P257 # على الوحدانية إلا ببعض ما ذكرنا من كلامه؟. # [فتدبروا كلمه] لتعلموا أن المتكلمين عيال عليه في صفة التوحيد والاحتجاج ~~على الملحدين، وأن الخطباء عليه معولهم، وبكلامه استعانوا على خطبهم. # فقد بان [علوه] في علم التوحيد من الخلق أجمعين فله فضيلة الاستنباط ~~والرسوخ في علم القرآن، وفضل التعليم وأجور المتعلمين. PageV00P258 # [كلامه عليه السلام في جواب يهودي سأله: متى كان ربنا؟]. # ولقد قام إليه بعض اليهود فقال له: متى كان ربنا؟ فقال له: لم يكن ربنا ~~فكان [و] إنما يقال: " متى كان؟ " لشئ لم يكن فكان [و] هو كائن بلا كينونة ~~كائن، كان لم يزل، ليس له قبل فهو قبل القبل وقبل الغاية، انقطعت الغايات ~~عنده فهو غاية كل غاية (1). # فهذه جملة مما قال في التوحيد، قد بان بها من جميع أهل الكلام والعلماء ~~بالتوحيد. # PageV00P259 # [كلامه عليه السلام في نعت الإسلام وعظم قواعده وأركانه]. # ثم وصف الإسلام ms134 [ب‍] ما انقطعت عنه ألسن الناطقين، وعجز عنه وصف القائلين ~~عند مسألة السائل له: ما الإسلام؟ فقال: # الحمد لله الذي شرع الإسلام فسهل شرائعه لمن ورده، وأعز أركانه على من ~~حاربه، فجعله عزا لمن والاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وزينة لمن ~~تحلى به، وعصمة لمن اعتصم به، وحبلا لمن تمسك به، وبرهانا لمن تكلم به، ~~ونورا لمن استضاء به وشاهدا لمن / 36 / خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وعلما ~~لمن وعى، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى، وحلما لمن جرب، ولبا لمن تدبر، ~~وفهما لمن تفطن، ويقينا لمن عقل وتبصرة لمن عزم، وآية لمن توسم، وعبرة لمن ~~اتعظ، ونجاة لمن صدق، ومودة من الله لمن أصلح، وزلفى لمن ارتقب، وثقة لمن ~~توكل، وراحة لمن فوض، وجنة لمن صبر. # فذلك الحق سبيله الهدى، وصفته الحسنى، ومأثرته المجد.. # فهو أبلج المنهاج، مشرق المنار، مضئ المصابيح، رفيع الغاية، يسير ~~المضمار، جامع الحلبة، متنافس السبقة، أليم النقمة، كريم الفرسان. # التصديق منهاجه، والصالحات مناره، والفقه مصابيحه، والموت غايته، والدنيا ~~مضماره، والقيامة حلبته، والجنة سبقته (1) والنار نقمته، والتقوى عدته، ~~والمحسنون فرسانه. # PageV00P260 # فبالإيمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه، وبالفقه يرهب ~~الموت، وبالموت تختم الدنيا، وبالدنيا تحرز القيامة (1) وبالقيامة تزلف ~~الجنة للمتقين، وتبرز الجحيم للغاوين. # والإيمان على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهادة والترقب. # فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ~~ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات. # واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وعبرة وسنة وآية ~~وموعظة (2). # فمن تبصر في الفطنة تبين الحكمة، ومن تبين الحكمة عرف العبرة، ومن عرف ~~العبرة فكأنما كان في الأولين. # والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم، وغمرة العلم (3) وزهرة الحكم، ~~وروضة الحلم. # PageV00P261 # فمن فهم فسر جمل العلم، ومن علم صدر عن شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط في ~~أمره، وعاش في الناس حميدا. # والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف والنهي عن ms135 المنكر، والصدق في ~~المواطن، وشنآن الفاسقين. # فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف الكافر، ومن ~~صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له. # فذلك الإيمان وشعبه ودعائمه. # قال: فقام السائل إليه فقبل رأسه (1). # فهذا العلم بالتوحيد قد بان به، وهو أشرف العلوم منزلة وأعلاها مرتبة، ~~سبق فيه العلماء، وتقدم فيه على الخطباء، وجعله رسما للمتعلمين وحجة على ~~المنكرين. # فهذه صفته للإيمان مجملة ومفسرة [فهل] ترون أحدا جمعها وبلغها؟! # ثم فكروا في صفته للزهد، وترغيبه فيه، وذكره الدنيا وما ذكر من عبرها ~~ومواعظها لتعلموا أنه قد جمع العلم بالزهد والعمل، وأنه استنبط هذه العلوم ~~بالبحث الثاقب، والنظر النافذ، والاعتبار الشافي [و] اجتهد في ذلك طريق ~~الأنبياء. # PageV00P262 # [كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مع نوف البكالي في تقريض الزهاد، ~~والترغيب في اتباعهم واقتفاء آثارهم]. # وذكروا عن نوف [البكالي] أنه قال: بايت عليا ليلة فأكثر (1) الدخول ~~والخروج والنظر إلى السماء، ثم قال لي: أنائم أنت يا نوف أم رامق؟ قال: ~~قلت: بل رامق أرمقك بعيني منذ الليلة يا أمير المؤمنين. قال: [ثم] قال لي: # يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة أولئك قوم / 77 / ~~اتخذوا أرض الله بساطا وترابها فراشا وماؤها طيبا والقرآن شعارا (2) ~~والدعاء دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح. # يا نوف إن الله أوحى إلى عبده المسيح أن قل لبني إسرائيل أن لا يدخلوا ~~بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وأعلمهم أني لا ~~أجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي قبله مظلمة. # يا نوف إن داود نبي الله عليه السلام خرج في [مثل] هذه الساعة من الليل ~~فقال: # إن هذه ساعة لا يدعو فيها داع إلا استجاب الله له إلا أن يكون شاعرا أو ~~عاشرا أو شرطيا أو عريفا أو بريدا، أو صاحب كوبة - وهي الطبل - أو صاحب ~~عرطبة وهي الطنبور (3). # PageV00P263 # [كلامه عليه السلام في التحذير عن الدنيا وعدم الاغترار بإقبالها وعدم ms136 ~~الأسف على إدبارها]. # ثم قال [عليه السلام]: # أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وتحببت ~~بالعاجلة وعمرت بالآمال وتزينت بالغرور فلا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها، ~~غرارة ضرارة زائلة نافذة نابذة (1) أكالة غوالة لا تعدو إذا هي تناهت إلى ~~أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قال الله: " كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ ~~مقتدرا " [45 / الكهف: 18]. # مع أن امرأ لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ولم يلق من سرائها ~~بطنا إلا محته من ضرائها] ظهرا (2) ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا وهتنت عليه ~~مزنة بلاء (3) وحري إذا هي أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة، وإن جانب ~~منها اعذوذب واحلولى أمر عليه منها جانب فأوبى (4) وإن لبس امرؤ من غضارتها ~~رغبا أرهقته من # PageV00P264 # نوائبها تعبا ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح في أخوف مخوف (1). # غرارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، لا خير في شئ من زادها إلا ~~التقوى (2). # من أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها لم يدم له (3) وزال عما ~~قليل عنه. # كم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي خدع قد خدعته ~~وذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة فيها قد ردته جائعا فقيرا (4) وذي ~~تاج قد كبته لليدين وللفم (5). # سلطانها دول وعيشها رنق، وعذبها أجاج وحلوها صبر وغذاؤها سمام وأسبابها ~~رمام وقطافها سلع (6) وحيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض ~~اهتضام، وملكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وآمنها منكوب، وجارها محروب. # ثم من وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم ~~العدل " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " [31 / ~~النجم: 53]. # أولستم في مساكن من كان [قبلكم ممن كان] أطول منكم أعمارا، وأعز آثارا ~~وأعد # PageV00P265 # منكم عديدا، وأكثف منكم جنودا، وأشد منكم عنودا (1). # تعبدوا للدنيا أي تعبد (2) وآثروها أي إيثار ثم ظعنوا ms137 عنها بالصغار (3). # فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية (4) أو أغنت عنهم فيما قد ~~أهلكتهم به بخطب، بل أوهنتهم بالقوارع، وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر ~~(5) وأعانت عليهم ريب المنون. # فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها حتى ظعنوا عنها لفراق ~~الأبد (6) وإلى آخر المسند (7) هل زودتهم إلا السغب أو أحلتهم إلا الضنك / ~~78 / أو نورت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا النار (8)؟! # أفهذه تؤثرون؟ أم على هذه تحرصون؟ أم إليها تطمئنون؟ قال الله: " من كان ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون " [15 / # PageV00P266 # هود: 12]. فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها. # واعلموا - وأنتم - تعلمون أنكم تاركوها لا بد فإنما هي كما نعت الله: " ~~لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد " [20 / الحديد: ~~575]. # فاتعظوا فيها باللذين كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون ويتخذون مصانع ~~لعلهم يخلدون (1) وبالذين قالوا من أشد منا قوة). # واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم ولا يدعون ركبانا ~~وأنزلوا [الأجداث] ولا يدعون ضيفانا (2) وجعل لهم من الضريح أكنان (3) ومن ~~التراب أكفان، ومن الرفات جيران. # فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما ولا يبالون مندبة (4) ولا ~~يقترفون سيئا ولا حسنا، لا يزورون ولا يزارون. # حلماء قد بادت أضغانهم، جهلاء قد ذهبت أحقادهم لا يخشى فجعهم ولا يرجى ~~دفعهم، وهم كمن لم يكن وكما قال الله: " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا وكنا نحن الوارثين " [58 / القصص: 28]. # استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيقا وبالأهل غربة وبالنور ظلمة وجاؤها # PageV00P267 # كما فارقوها حفاة عراة، قد ظعنوا منها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى ~~خلود الأبد يقول الله: " كما بدانا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا ~~فاعلين " [104 / الأنبياء: 24] [كلامه عليه السلام في نعت الدنيا عندما سمع ~~من يذمها]. # ثم قال في خلاف ذلك - من صفة الدنيا قولا ms138 عجيبا وصدق عليها في الحالين ~~جميعا - بكلام غريب وقول بليغ، وحكمة بالغة ومعرفة راسخة، ويقين ثاقب وعلم ~~بارع وذكر نافع [وإنما نبهتكم على ذلك] لتعلموا أنه في جميع العلوم بائن، ~~وفي [كل] مناقب الخير مقدم. # [فقال عليه السلام:] (1) وقد سمع بعض الناس يدم الدنيا تعسفا ويعيبها ~~متعديا، فصرخ به ثم قال: # أيها الذام للدنيا أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك؟! (2) فقال: بل ~~أنا يا أمير المؤمنين المجترم عليها!! # قال: ويحك فبم تذمها؟! أليست منزل صدق لمن صدقها؟ ودار غنى لمن تزود ~~منها؟ ودار عافية لمن فهم عنها؟ مسجد أحباء الله ومصلى أنبيائه ومليكته (3) ~~ومهبط # PageV00P268 # وحيه ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة. # فمن ذا يذمها وقد أذنت ببينها ونادت بانقطاعها، فمثلت لهم ببلائها البلاء ~~[ظ] وشوقت بسرورها إلى السرور (1) راحت بفجيعة وابتكرت بعافية، فذمها رجال ~~يوم الندامة، وحمدها آخرون (2) حدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا (3). # فأيها الذام للدنيا، المعتل بغرورها متى استذمت إليك؟ بل متى غرتك؟ ~~أبمصارع آبائك من البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بيدك؟ وكم ~~مرضت بكفك (4) تلتمس له الشفاء، وتستوصف له الأطباء لم تنتفع [فيه] ~~بشفاعتك، ولم تسعف [فيه] بطلبتك (5) مثلت لك الدنيا - ويحك - مضجعك حين لا ~~يغني عنك بكاؤك، ولا ينفع أحباؤك (6). # PageV00P269 # [كلامه عليه السلام في سوق أولي الألباب إلى الله تعالى وتحضيضهم على ~~اغتنام الفرصة من الأيام، وإكثارهم من صالحات الأعمال والادخار من متاع دار ~~الفناء ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون]. # وكان رضي الله عنه ينادي في كل ليلة بصوت رفيع له: # تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل وأقلوا العرجة على الدنيا (1) ~~وانقلبوا بصالح ما يحضركم من / 79 / الزاد (2) فإن أمامكم عقبة كؤدا ومنازل ~~مخوفة مهولة لا بد من الممر عليها والوقوف عندها (3) فإما برحمة من الله ~~نجوتم من فظاعتها وشدة مخبرها وكراهة منظرها [ظ] وإما بهلكة ليس بعدها ~~انجبار. # فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة أو تؤديه أيامه إلى ~~شقوة (4). # PageV00P270 # فاتركوا هذه الدنيا ms139 التاركة لكم وإن لم تكونوا تحبون تركها والمبلية لكم ~~وإن كنتم تحبون تجديدها فإنما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا فكأنهم قد ~~قطعوه، وأموا علما فكأنهم قد بلغوه (1). # جعلنا الله وإياكم ممن لا تبطره نعمة ولا تقصر به عن طاعة ربه رغبة ولا ~~تحل به بعد الموت شقوة [ولا] حسرة فإنما نحن له وبه. # PageV00P271 # [كلامه عليه السلام في تعليم الناس كيفية الصلوات على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم]. # وكان رضي الله عنه يعلم الناس الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيقول: # قولوا: # اللهم داحي المدحوات وبارئ المسموكات وجبار القلوب على فطرتها (1) شقيها ~~وسعيدها. # اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحيتك، على محمد عبدك ورسولك ~~الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات ~~الأباطيل (2) كما حمل فاضطلع (3) قائما بأمرك في طاعتك مستوفرا في مرضاتك ~~غير نأكل في قدم ولا واه في عزم (4) واعيا لوحيك حافظا لعهدك، ماضيا على ~~نفاذ أمرك حتى أورى كل قبس لقابس (5) آلاء الله يصل بأهله أسبابه (6) به ~~هديت القلوب بعد # PageV00P272 # خوضات الفتن والآثام بموضحات الأعلام ومنيرات الإسلام ونائرات الأحكام ~~(7) فهو أمينك المأمون وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين وبعيثك نعمة ~~ورسولك بالحق رحمة وخير البرية طفلا، وخيرها شابا وكهلا أطهر الطاهرين ~~شيمة، وأجود المستمطرين ديمة (8) لا يبلغ المقرظون مدحته ولا يلامون على ما ~~ذكروا من فضله. # اللهم افسح له مفسحا في عدلك واجزه مضاعفات الخير من فضلك له مهنات غير ~~مكدرات من فوز ثوابك المحلول وجزيل عطائك المعلول. # اللهم أعل على بناء البانين بناءه وأكرم لديك مثواه ونزله وأتمم له نوره، ~~واجزه من ابتغائك له مقبول الشهادة مرضي المقالة، ذا منطق عدل وخطة فصل ~~وحجة وبرهان عظيم. (9) # PageV00P273 # [كلامه عليه السلام في تأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم ~~جواز المداراة مع الفساق والمنافقين والطغاة]. # وقال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء إلى محاربة أهل البغي: # أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحذركم الدنيا وما فيها من الغضارة والبهاء ~~والكرامة والبهجة ms140 التي ليست بخلف مما زين الله به العلماء وبما أعطوا (1) ~~من العقبى الدائمة والكرامة الباقية، ذلك بأن العاقبة للمتقين والحسرة ~~والندامة والويل الطويل على الظالمين. # فاعتبروا بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول: " ~~لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم " [63 / المائدة]. وقال: " ~~لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم " (2) ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ~~" [78 / 89 / المائدة]. # وإنما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم ~~(3) الأمر المنكر من الفساد في بلادهم فلا ينهون عن ذلك رغبة فيما كانوا ~~ينالون منهم # PageV00P274 # ورهبة مما كانوا يحذرون (1) والله يقول: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها / 80 / النبيون الذين أسلموا [للذين هادوا والربانيون ~~والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء] فلا تخشوا الناس ~~واخشون " (2). # وقال: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر " [71 / التوبة: 9] فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فريضة منه (3) لعلمه بأنها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلها هينها ~~وصعبها ذلك بأن الأمر بالمعروف والنهي [عن المنكر] دعاء إلى الإسلام مع رد ~~المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفئ والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ~~ووضعها في حقها. # ثم أنتم أيتها العصابة عصابة بالعلم مشهورة وبالخير مذكورة وبالنصيحة ~~معروفة وبالله في أنفس الناس لكم مهابة، يهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف ~~ويؤثركم من لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده تشفعون بالحوائج إذا امتنعت ~~من طلابها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر. # أليس كل ذلك إنما نلتموه لما يرجى عندكم من قيام بحق الله (4) وإن كنتم ~~عن أكثر حقه مقصرين واستخففتم بحق الأئمة. فأما حق الله وحق الضعفاء فضيعتم ~~(5) وأما حقكم بزعمكم فطلبتم فكنتم كحراس مدينة أسلموها وأهلها للعدو [و] ~~بمنزلة الأطباء الذين استوفوا ثمن الدواء وعطلوا المرضى (6). # PageV00P275 # فلا مال بذلتموه [للذي رزقه] (1) ولا نفسا خاطرتم بها للذي خلقها، ولا ~~عشيرة ms141 عاديتموها في ذات الله. ثم أنتم تمنون على الله جنته ومجاورة رسله ~~والبراءة والفرار من أعدائه، والاستئثار بالكرامة من الله عند ملاقاة ~~الملائكة. # لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على الله أن تحل بكم نقمة من نقماته لأنكم ~~بلغتم من كرامة الله منزلة فضلتم بها، ومن يعرف بالله لا تكرمون وأنتم ~~بالله في عباده تكرمون (2). # وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون وأنتم لنقض دمم آبائكم تفزعون، ~~وذمة رسوله مخفرة والعمي والبكم والزمني (3) في المدائن مهملون لا ترحمون ~~وأنتم [لا] في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تعينون (4) وبالإدهان ~~والمصانعة أراكم عند الظلمة تأمنون (5) كل ذلك مما أمركم الله به من النهي ~~والتناهي وأنتم عنه غافلون. # فأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليله من منازل العلماء لو كنتم ~~تشعرون، وذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله في كتابه ~~يكون هم الأمناء على حلاله وحرامه (6) فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما ~~سلبتم ذلك إلا بنفوركم عن الحق واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة. # ولو صبرتم على الأذى، وتحملتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم ~~ترد # PageV00P276 # وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنكم مكنتم الظلمة من أزمتكم (1) وأسلمتم ~~أمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات، سلطهم على ذلك ~~(2) فراركم من الموت، وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم (3) فأسلمتم ~~الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستعبد ومقهور، ومن بين مستضعف على معيشته ~~مغلوب، يتقلبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم اقتداء ~~بالأشرار، وجرأة على الجبار (4). # في كل بلد منهم على منبره خطيب مصقع والأرض لهم شاغرة (5) وأيديهم فيها ~~مبسوطة وأيدي القادة عنهم مكفوفة، وسيوفهم عليهم مسلطة، وسيوفكم عنهم مسنمة ~~(6) [و] [و] الناس لهم خول لا يدفعون يد لامس فمن / 81 / بين جبار عنيد وذي ~~سطوة على الضعفة، شديد مطاع لا يعرف المبدئ المعيد (7). # فيا عجبا وما لي لا أعجب والأرض مشحونة من غاش غشوم، ومتصدق ظلوم، وعامل ~~على المؤمنين بهم غير رحيم فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه ~~فيما شجر بيننا. # اللهم ms142 إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان [منا] تنافسا في سلطان ولا التماس شئ ~~من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في بلادك، ويأمن # PageV00P277 # المظلوم من عبادك (1) ويعمل بفرائضك وسنتك وأحكامك (2). # ألا إن لكل دم ثائرا يوما، وإن الثائر في دمائنا والحاكم في حق نفسه وحق ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الله الذي لا يعجزه ما طلب، ولا ~~يفوته من هرب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (3). # فنضر الله وجه عبد سمع حكما فوعى ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد ~~فنجا (4). # ألا إن أبصر الأبصار ما بعد في الخير مذهبه، وأسمع الأسماع ما وعى ~~التذكير وانتفع به، وأسلم القلوب ما طهر من الشبهات (5). # أيها الناس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ ناصح، وامتاحوا من مهيأ عين قد ~~روقت من الكدر، وامتاروا من طرف الياقوت الأحمر (6). # عباد الله لا تركنوا إلى جهالكم، ولا تنقادوا لأهوائكم، والله الله أن ~~تشكوا إلى من لا يبكي شجوكم (7) ومن ينقض برأيه ما قد أبرم لكم، ويصدع ~~بجهله ما شعب لكم # PageV00P278 # ويهدم بحمقه ما قد بني لكم. # اللهم فأيما عبد من عبيدك سمع مقالتنا هذه العادلة غير الجائرة، والمصلحة ~~في الدين والدنيا غير المفسدة فأبى بعد سمعه لها إلا الابطاء عن نصرتك وترك ~~الإعزاز لدينك (1) فإنا نشهدك عليه يا أكبر الشاهدين شهادة (2) فإنكم إن لا ~~تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة علينا، وعملوا في إطفاء نور الله بيننا، ~~وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير. # فتدبروا هذا الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا البيان ~~والتحريص والحجة البينة لتعلموا أن كل من دعا إلى هذا السبيل ونحا هذا ~~الطريق فبكلام أمير المؤمنين اهتدى وبسيرته اقتدى ومن عمله اقتبس، ومن ~~معرفته أبصر، وبقوله أنطق. # PageV00P279 # [كلامه عليه السلام في نعت الإمام العادل وبيان وظائفه الخاصة به، وما له ~~وما عليه، وأنه حجة على الرعية، وأن للرعية حجة على الإمام إذا مال عن الحق ~~وضل عن محجة العدالة]. # ثم وصف [عليه السلام] ما على الإمام ms143 العادل وما له فقال: # واعلموا عباد الله إن لكل إمام عادل حجة على رعيته ولكل رعية حجة على ~~إمامها إذا جار عليها. # ألا فتمسكوا من الإمام العادل بحجزته، وخذوا ممن يهديكم ولا يضلكم فإنه ~~العروة الوثقى. # أيها الناس إنه ليس على الإمام إلا ما حمل من أمر ربه: إبلاغ في الموعظة، ~~واجتهاد في النصيحة وإحياء السنة، وإقامة الحدود، وإصدار السهمان على أهلها ~~(1) وإظهار الحجة في العهود والبر والرأفة بجميع المسلمين، فإذا فعل ذلك ~~فقد شكر ما أبلاه الله من الحسنى وبرأ إلى الله فيما كان من حدث عماله كما ~~برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل خالد بن الوليد. # يا قوم اقتبسوا ما بين لكم / 82 / من الحق وكفوا عما لم يأتكم نبؤه، ~~واستنجزوا # PageV00P280 # موعد الرب جل ثناؤه بالتفقه في دينه قبل أ [ن] لا تفقهوا ومن قبل أن ~~تشغلوا بأنفسكم عن مستثار العلم من عند أهله (1) ومن قبل أن يشتبه عليكم ~~الباطل وإن كان قد أولى ثم أولى " واعتصموا بحبل الله جميعا " فإنه لا ~~سلطان لإبليس على من اعتصم بحبل الله واهتدى بهديه واستمسك بالعروة الوثقى. # وأنا أقسم بالله قسما حقا أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. # أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن أفضل ما توسل إليه المتوسلون (2) ~~الإيمان بالله والجهاد في سبيله، وإقام الصلاة فإنها الملة وإيتاء الزكاة ~~فإنها فريضة من فرائضه، وصوم شهر رمضان فإنه جنة حصينة من عذابه، وحج البيت ~~فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب، وصلة الرحم فإنها تدفع ميتة السوء وتقي ~~مصارع الهول (3) وصدقة السر فإنها تكفر الخطايا وتطفئ غضب الرب. # أفيضوا في ذكر الله كثيرا فإنه أحسن الذكر، وارعبوا فيما وعد المتقون فإن ~~وعد الله أصدق الوعد، واهتدوا بهدي محمد عليه السلام فإنه أحسن الهدي ~~واستنوا بسنته فإنها أعظم السنن، وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث واستشفوا ~~بنوره فإنه أشفى لما في الصدور وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص وإذا تلي ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. # عباد الله! إن العالم العامل بغير ms144 علمه كالجاهل الذي لا يستفيق عن جهله ~~بل الحجة أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا ~~الجاهل المتحير # PageV00P281 # في جهله، وكلاهما حائر ثائر مضلل مثبور (1) ألا لا ترخصوا لأنفسكم في ترك ~~الحق فتدهنوا ولا تدهنوا في الحق فتخسروا. # وإن من الحزم أن تتفقهوا، وإن من الفقه أن لا تغتروا وإن أنصحكم لنفسه ~~أطوعكم لربه، وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه. # من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعصه يخف ويندم. # سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية. # ألا إن أفضل الأمور عوازمها (2)، وإن شرها محدثاتها، وكل محدثة بدعة وما ~~أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة المغبون [من غبن] دينه والمغبوط من حسن ~~نفسه. (3) إياكم ومجالسة اللهو فإن اللهو ينسي القرآن ويحضره الشيطان ~~ويدعوا إلى كل غي وعدوان. # ومحادثة النساء تزيغ القلوب وهي من مصائد الشيطان. # ألا فاصدقوا فإن الله مع من صدق، وجانبوا الكذب فإنه مجانب للإيمان فإن # PageV00P282 # الصادق على شفا منجاة وكرامة، وإن الكاذب على شرف هوان وهلكة. # قولوا الحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله. # أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على ~~من حرمكم. # وإذا عاهدتم ففوا، وإذا حكمتم فاعدلوا، ولا تفاخروا بالآباء، ولا تنابزوا ~~بالألقاب ألا ولا تمادحوا ولا تمازحوا ولا تباغضوا. # وأفشوا السلام بينكم، وردوا التحية على أهلها بأحسن منها، وارحموا ~~الأرملة واليتيم، وأعينوا الضعيف والمظلوم وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا / 83 / الله إن الله شديد العقاب. # ألا وإن الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع، ألا وإن الآخرة قد أقبلت وأذنت ~~باطلاع. # ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا. # ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار. # ألا وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل (1) فمن عمل في أيام مهله ~~قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضره أمله، ومن لم يعمل في أيام مهله قبل حضور ~~أجله ضره أمله ولم ينفعه عمله (2). # PageV00P283 # ألا وإن الأمل يسهي العقل ويورث الغفلة ويأتي بالحسرة. # ألا فاعزبوا ms145 عن الأمل كأشد ما أنتم عن شئ عازبون، فإنه غرور وصاحبه ~~مغرور. # وافزعوا إلى قوام دينكم بالجد في أموركم فإني لم أر كالجنة نام طالبها ~~ولا كالنار نام هاربها. # وتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم (1) واعملوا خيرا ليوم ~~يفوز بالخير من قدمه، وانتفعوا بما وعظكم الله به، واذكروا بلاه عندكم. # فسبحان الرحيم بخلقه، الرؤوف بعباده على غناه عنهم وفقرهم إليه قريب ~~الرحمة واسع المغفرة قوة كل ضعيف ومفزع كل ملهوف. # فنحمده على ما أخذ وأعطى، وعلى ما أبلى وابتلى فسبحانك. خالقا ومعبودا ~~(2) وسبحانك بحسن بلائك عند خلقك محمودا. # سبحانك خلقت دارا وجعلت [فيها] مأدبة مطعما ومشربا وأزواجا وخدما وقصورا ~~وعيونا، ثم أرسلت داعيا يدعو إليها، فلا الداعي أجابوا ولا فيما رغبت رغبوا ~~ولا إلى ما شوقت اشتاقوا، أقبلوا على حيفة يأكلون ولا يشبعون، افتضحوا ~~بأكلها واصطلحوا على حبها فأعمت أبصار صالحي زمانها، ففي قلوب فقهائهم من ~~عشقها مرض ومن عشق شيئا أغشى بصره وغطى على عورته ما في قلبه من حبه، فهو ~~ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة خرقت الشهوات عقله وأماتت ~~الدنيا قلبه فهو عبد لها وعبد لمن في يديه شئ منها حيثما زالت الدنيا زال ~~إليها، وحيثما أقبلت الدنيا أقبل عليها، لا ينزجر من الله بزاجر، ولا يتعظ ~~من الله بواعظ. # PageV00P284 # فسبحان الله كيف فارقوا الدور ونزل بهم من الله المحذور، وصاروا إلى ~~القبور واحتبروا دواهي تلك الأمور (1) فعلم كل عبد منهم أنه كان مغرورا، ~~فغير موصوف ما نزل بقلوبهم (2) اجتمعت عليهم خلتان: سكرة الموت وحسرة ~~الفوت، فاغبرت لها وجوههم وتغيرت لها ألوانهم، وفترت لها أطرافهم، وحركوا ~~لمخرج أرواحهم أيديهم وأرجلهم، وعرقت لها جباههم. # ثم ازداد الموت فيهم فحيل بين أحدهم ومنطقه وإنه ليدير بصره في أهله يبصر ~~ببصره ويسمع بسمعه، وإنه على صحة من عقله قد منع كلامه (3) يفكر بعقله فيما ~~أفنى عمره وفيما ذهبت أيامه ويتذكر أموالا جمعها (4) أغمض في مطالبها قد ~~لزمه وبالها، وأشرف على فراقها، تبقى لمن وراءه فيكون ms146 المهنئ لغيره، والمرء ~~قد علقت بها رهونه، فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت وزهدا فيما ~~كان يرغب فيه في حياته [و] يتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها أنها ~~كانت له دونه. # ثم لم يزل الموت يربده (5) ويبالغ في جسده حتى خالط الموت سمعه فصار / 84 ~~/ بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه، يردد طرفه في النظر في وجوههم ~~يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع كلامهم فما زال يزيده حتى خالط عقله فصار لا ~~يعقل بعقله. ثم زاده الموت حتى خالط بصره فذهبت من الدنيا معرفته وهتكت عند ~~ذلك حجته (6). # PageV00P285 # فما زال الموت كذلك حتى بلغت النفس الحلقوم ثم زاده الموت حتى أخرج الروح ~~من جسده فصار [جيفة] بين أهله قد أوحشوا من جانبه [وتباعدوا من قربه] لا ~~يسعد باكيا ولا يجيب داعيا (1). # ثم أخذوا في غسله فنزعوا عنه ثياب أهل الدنيا ثم كفنوه فلم يزروه ولكن ~~أدرجوه فيه إدراجا (2) ثم ألبسوه قميصا لم يكفؤا [عليه] أسفله (3) ثم حنطوه ~~وحملوه حتى أثوا به القبر [فأدخلوه] ثم انصرفوا عنه وخلوه (4). # فخلا في ظلمة القبر وضيقه ووحشته، فذلك مثواه حتى يبلى جسده ويصير رفاتا ~~ورميما. # حتى إذا بلغ [الكتاب أجله] والأمر إلى مقاديره، ألحق آخر الخلق بأوله ~~وجاء من أمر الله ما يريد [ه] من تجديد خلقه أمر بصوت من سماواته أمار ~~السماء (5) فشقها وفطرها وأفزع من فيها وبقي ملائكتها على أرجائها. # ثم وصل الأمر إلى الأرضين والخلق لا يشعرون فأرج أرضهم وأرحفها بهم ~~وزلزلها وقلع جبالها من أصولها ونسفها ودك بعضها بعضا من هيبة جلاله (6) ثم ~~كانت كالعهن المنفوش دكها هي وأرضها دكة واحدة فأخرج من فيها وجددهم بعد ~~[إ] بلائهم (7) # PageV00P286 # وجمعهم بعد تفرقهم لما يريد من توقيفهم ومساءلتهم عن الأعمال فمن أحسن ~~منهم يجزيه بإحسانه [ومن أساء منهم يجزيه بإساءته]. (1) ثم ميزهم فجعلهم ~~فريقين فريقا في ثوابه وفريقا في عقابه. ثم خلدهم لا بد دائم خيره مع ~~المطيعين، وشره مع العاصين. # فأثاب أهل الطاعة بجواره ms147 وبخلوده في داره وعيش رغد، وخلود أبد، ومجاورة ~~رب كريم ومرافقة محمد صلى الله عليه وآله حيث لا يطعن النزال ولا تغير بهم ~~الحال ولا تصيبهم الأفزاع ولا تنوبهم الفجائع ولا تصيبهم الأسقام ولا ~~الأحزان (2)، قد أمنوا الموت فلا يخافون الفوت صفا لهم العيش ودامت لهم ~~النعمة والكرامة في أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ~~وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ~~ومغفرة من ربهم. # على فرش منضدة وأزواج مطهرة وحور عين كأنهن بيض مكنون، وكأنهن الياقوت ~~والمرجان. # في فاكهة دائمة غير مقطوعة ولا ممنوعة، تدخل عليهم الملائكة من كل باب ~~سلام عليكم بما صبرتم فنعمى عقبى الدار مع التحية من العزيز الجبار سلام ~~قولا من رب رحيم، وبرزت الجحيم للغاوين. # ونزل بأهل معصيته سطوة مجتاحة وعقوبة متاحة وقربت الجحيم بالسواطع من ~~اللهب وتغيظ وزفير ووعيد، قد تأجج جحيمها وغلا حميمها وتوقد سمومها وحمى ~~زقومها لا يخبأ سعيرها ولا ينقطع زفيرها ولا يموت خالدها ولا يظعن مقيمها ~~ولا يفادى # PageV00P287 # أسيرها ولا يفصم كبولها. # معهم ملائكة الرب يبشرونهم بنزل من حميم وتصلية [من] جحيم وطعام من زقوم ~~[وهم] عن الله عز وجل محجوبون، ومن رحمته آيسون، ولأوليائه مفارقون حتى إذا ~~أدركوا فيها جميعا - نعوذ بالله منها ومما قرب إليها من قول أو عمل / 85 / ~~أو هوى " قالوا: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين " (1) وهي ترميهم بشرر كالقصر كأنه جمالة (2) صفر. ثمن يناديهم ~~مالك: لكم الويل الطويل والحسرة والندامة أما وعزة ربي وجلاله: لأذيقنكم ~~أليم عذابه، والأيدي منهم مغلولة إلى الأعناق وقد قرن النواصي بالأقدام ~~وألبست الأبدان القطران وقطعت لهم فيها مقطعات من نيران في عذاب أبد حديد ~~يزيد ولا يبيد، لا مدة للدار فتفنى ولا أجل للقوم فيقضى (3) فنعوذ بالله من ~~النار وما قرب إليها من قول أو عمل (4). # PageV00P288 # [كلامه عليه السلام في قدح المتنسكين من الجهال والمواظبين على بعض ~~العبادات ms148 المستهينين بشأن العلماء الربانيين]. # وقال [عليه السلام] في ذم الحشوية والجهال وأصحاب الرواية [الفاقدين ~~للدراية] والمستهينين بالعلماء بعد أن حمد الله وأثنى عليه فقال: # ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم أن من صرحت له العبر عما بين يديه من ~~المثلات حجزته التقوى عن تقحم الشبهات. وليس يهيج على التقوى نسج أصل (5) ~~ولا يظمأ على اليقين زرع قوم وإن الخير [كله] فيمن عرف قدره، وكفى بالمرء ~~جهلا أن لا يعرف قدره. # وإن من أبغض الرجال إلى الله لعبد وكله الله إلى نفسه جائزا عن قصد ~~السبيل سائرا بغير علم ولا دليل مشغوف بكلام فتنة (6) أو رجل [وضع] علما في ~~غمار من الناس أوباش عشوة غار مخدوع بأغباش فتنة قد لهج فيها بالصوم ~~والصلاة، فهو فتنة لمن افتن بعبادته صاد عن هدى من كان قبله مضل لمن اقتدى ~~به من بعده. # سماه أشباه الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما، بكر واستكثر مما قل ~~منه خير مما # PageV00P289 # كثر حتى إذا ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل قعد بين الناس مفتيا قاضيا ~~ضامنا لتخليص ما ورد عليه إن قاس شيئا بشئ لم يكذب نفسه كبلا يقال لا يعلم ~~وإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ حشوا من رأيه ثم قطع بالشبهات خياط عشوات ~~(1) وركاب جهالات فهو من رأيه على مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، ~~لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ولم يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم يذروا ~~الرواية ذرو الريح الهشيم، تصرخ منه المواريث وتبكي عنه الدماء ويستحل ~~بقضائه الفرج الحرام، غير ملئ والله بإصدار ما ورد عليه، ولا أهل لما فرظ ~~به (2) فأولئك الذين حلت عليهم النياحة أيام حياتهم (3). # PageV00P290 # [كلامه عليه السلام في مبدئ الفتن وأصل الانحراف عن الحق والحقيقة والشرع ~~والشريعة]. # وقال [عليه السلام] في الفتن: # [إن] بدء [وقوع] الفتن أن تقع أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب ~~الله ويتولى عليها رجال رجالا بغير دين الله، فلو أن الباطل خلص من مزاج ~~الحق لم ms149 يخف على المرتادين و [لو أن] الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ~~[أ] لسن المعاندين (2) ولكن يؤخذ من كل ضغث فيمزجان [و] هنالك استولى ~~الشيطان على حزبه (3) ونجى الذين سبقت لهم من الله الحسنى. # PageV00P291 # [كلامه عليه السلام في أكثرية المبطلين من المحقين في أكثر الأزمان، ~~وغلبة الأقلية المحقة على المبطلين في بعض الأحيان]. # حق وباطل ولكل أهل فلئن أمر الباطل لقديما ما فعل، ولئن قل الحق لربما ~~ولعل (1) ولقد خاب من افترى وهلك من ادعى إن الله أدب هذه الأمة بالسيف ~~والسوط فليس لأحد [عند الإمام] فيهما هوادة (2) فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا ~~ذات بينكم والتوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحق هلك. # فاعتبروا / 86 / أيها الواقفون وتدبروا معاشر المقصرين ما ذكرنا من سوابق ~~أمير المؤمنين وما نحن ذاكرون من فضائله في كل مذكور من الخير، فوالله لو ~~لم يكن إلا ما ذكرنا في كتابنا هذا لكان بائنا من الخلق كلهم ولكان مقدما ~~على جميعهم فكيف وما تركنا أكثر مما ذكرنا. # وكيف لا تتخلفون عن مناقبه وتقفون في أمره وقد ملتم إلى العصبية فحفظتم ~~فضائل غيره وأعرضتم عن فضائله، وإذا ذكرت أموره لم تصغوا إليها وتوليتم ~~عنها ونبزتم ذاكرها # PageV00P292 # بالألقاب (1). # ولقد فعلت اليهود والنصارى دون هذا فلم يذكروا لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فضيلة ولا وقفوا من عجائب آياته على علامة ولا دلالة، لتركهم سبيل الإنصاف ~~وطريق النظر في معرفة محمد عليه السلام. # PageV00P293 # [في أن عامة كلم أمير المؤمنين عليه السلام قد حلى بها المتكلمون كتبهم ~~وتزين بها الوعاظ والقصاص مجالسهم ولكن انتحلوها ونسبوها إلى أنفسهم]. # وأعجب من هذا! أن عامة ما ذكرنا من كلامه - وما لم نذكره من خطبه في ~~التوحيد والثناء على الله وتذكيره ومواعظه - قد تحلى بها أكثر المتكلمين ~~وتزين بها الواعظون وتكسب بها القصاص وتكثر بها في مجالسهم أهل الذكر ~~وأوهموكم أن ذلك من كلامهم فنسبتم ما سمع من ذلك إليهم كمنصور بن عمار ومن ~~أشبهه من القصاص، قلة عناية منكم بما صدر عنه، وجهلا بما يؤدى ms150 إليكم من ~~علمه وخطبه وقلة تمييز لما يرد عليكم من كلام غيره. # وجميع ما ذكرنا وما لم نذكره من كلامه فهو مشهور مذكور عند أهل الرواية، ~~وبالأسانيد المذكورة عند أهل المعرفة معروف (1). # فأين التخلف عن فضله وقد بزغت مناقبه؟ وما العلة في تقصير ما يجب من أداء ~~حقه؟ # بعد الذي شرحنا من أموره وذكرنا من فضائله [و] ليس بعد هذا علة فيدعيها ~~الواقف، ولا شبهة فيلجأ إليها المقصر، لأن كل الذي وصفنا إن لم يكن سببا ~~إلى الافراط والغلو لم يجد الناظر فيه سبيلا إلى منزلة التقصير والوقوف، ~~فانظروا في ذلك نظر من يلتمس الصواب ويقتديه ويكره الخطأ ويزهد فيه. # PageV00P294 # فأبو بكر وإن كان فاضلا فقد كان في بدنه ضعيفا ولم يكن على أكناف أهل ~~العداوة في الحروب ثقيلا، ولا كان في ذلك مقدما، ولا لعلي مدانيا، وإن كان ~~في منزلة السبق سابقا فلم يكن في شدائد امحن السبق داخلا ولا كان بالحصار ~~ممتحنا وبالفراش مخصوصا وعلي في كل ذلك عليه مقدم. # وأبو بكر وإن كان بالله عالما (1) فلم يبلغ من الرساخة في العلم والذب عن ~~الله بالمحاجة في العلم والدين والرد على الملحدين ما يقرب من منزلة علي ~~(2) في علم التوحيد، وأبو بكر وإن كان خطيبا بليغا (3) فلم يكن في خطبه ~~متسعا ولا في بلاغته مسحنفرا (4) ولا للمعاني الدالة على لطافة العلم بغائص ~~الفهم ولطافة الفكر مستخرجا. # وإن كان أبو بكر هذا صبورا فلم يبلغ من زهده زهد من قاسى الفقر في أوله، ~~وقاسى عدم الكفاية في أيامه، وسعى في طلب قوته بمؤاجرة نفسه، وعف عن مال ~~الله عند إقبال الدنيا عليه وحين أفضت الخلافة إليه. # ولم يمتحن أبو بكر بالاستئثار عليه ولا امتحن في زمانه بحدوث / 87 / ~~الفتن المتراكمة # PageV00P295 # والشبهات الحادثة من بغى من بغا عليه ونكث من نكث عليه وشبه الأمور ولبس، ~~و [من] تخلف من تخلف [عنه] ممن افتتن الناس بتخلفه واقتدى الجاهل بقعوده. # ولقد امتحن أبو بكر بالردة في زمانه وكان لعلي في تلك الحال ms151 الفضيلة لأنه ~~هو المشير على أبي بكر بالقيام بحرب الردة (5). # ففي كل ما ذكرنا علي بن أبي طالب المخصوص به القائم بحق الله فيه الفال ~~لتلك العساكر بحده والمدبر للأمور بفضل رأيه والداعي في ذلك الساعات إلى ~~أوضح المحجة بأصدق نية وأبلغ مقالة وأنجح حجة وأهدى سبيل وأحسن هدى وأبلغ ~~منطق وأحد حد وأشد بأس، وأخمد لهب الفتنة، وهتك ستر الشبهة بعمود السنة، ~~وبقر الباطل فأخرج الحق من غضارته (1) وخلصه من لبس المعاندين له، مكدودا ~~دوما في ذات الله لا كليل الحد ولا وإن الضريبة، لم تصرفه عن طاعة ربه ~~رغبة، ولم يفتر (2) عند الكريهة والشديدة مضى على منهاج صاحبه وأخيه يقفوا ~~أثره ويسير سيرته في عدوه ووليه، فباشر من حقائق الصبر ما لم يباشره أحد ~~فصبر على مر الحق ومحنة الفقر صبرا استلان [له] ما صعب على المترفين، وأنس ~~بما استوحش منه الجاهلون (3) وصحب الدنيا بعفاف # PageV00P296 # صادق، وعدل ظاهر، ونزاهة نفس وخطة فصل ومنطق عدل، ففتح الله به ما أغلق، ~~وأعلن به ما كتم، ودمغ به الباطل في غير نكل في قدم ولا واه في عزم. # اللهم فأكرم لديك مثواه ونزله وتمم له نوره واجزه كما حمل، فاضطلع بأمرك ~~مستوفزا في مرضاتك، حافظا لعهدك ماضيا على نفاذ أمرك. # اللهم فاجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة مرضي المقالة، شريف المنزلة، من ~~فوز ثوابك المحلول، وجزيل عطائل المعلول. PageV00P297 # [أجوبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن أسئلة ابن الكواء عن آيات من ~~القرآن الكريم وعن أجلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي ذيل ~~الكلام بيان منزلته عليه السلام عند رسول الله، ثم قوله حول اختلاف ~~الأحاديث المروية عن رسول الله، وأن المعتمد منها هو ما اقتبسه عنه صلى ~~الله عليه وآله وأما غيره فلا بد من التثبت فيه] وذكروا أن ابن الكواء لما ~~سمع عليا يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني فإن العلم يقبض قبضا، سلوني ~~فإن بين الجوانح [مني] علما جما. # فقام إليه ابن الكواء فقال: [أنا] أسألك ms152 يا أمير المؤمنين؟ فقال: سل ~~تفقها ولا تسل تعنتا، وسل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك. قال: يا أمير ~~المؤمنين: ما " الذاريات ذروا "؟ (1) قال: تلك الرياح. قال: فما " الحاملات ~~وقرأ "؟ (2) قال: تلك السحاب. قال: # فما " الجاريات يسرا " (3) قال: تلك السفن. قال: فما " المقسمات أمرا "؟ ~~(4) قال: # تلك الملائكة. # PageV00P298 # قال: فحدثني عن [قول الله: و] " البيت المعمور والسقف المرفوع " [4 - 5 / ~~الطور: 52]. قال: ذلك الضراح بيت في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك. # قال: فحدثني عن ذي القرنين! أني أم ملك؟! قال: ليس واحد منهما ولكن كان ~~عبدا نصح الله فنصح الله له، وأحب الله فأحبه. # قال: فأخبرني فيمن نزلت هذه الآية: " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ~~كفرا وأحلوا قومهم دار البوار " [28 / إبراهيم: 14] قال: هم الأفجران من ~~قريش: # بنو أمية وبنو المغيرة (1)، فأما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر، ~~وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. # قال: فحدثني عن قوله: " قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " [103 / الكهف: 18]. قال: # هم أهل حروراء. # قال: يا أمير المؤمنين فحدثني عن هذه المجرة ما هي؟ قال: هذه أسراج ~~السماء ومنها هبط من السماء / 88 / الماء المنهمر (2). # قال: يا أمير المؤمنين فحدثني عن قوس قزح؟ قال: لا تقل قوس قزح ولكنها ~~قوس الله وأمان من الغرق. # قال: فحدثني عن هذا المحق الذي (3) في القمر ما هو؟ قال: قال الله: " ~~فمحونا # PageV00P299 # آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " [12 / الإسراء: 17] كان ضوء القمر ~~مثل ضوء الشمس فمحاه الله. # قال: فحدثني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: سل عمن أحببت. ~~قال: عبد الله بن مسعود؟ قال: قرأ القرآن وقام عنده. # قال: فحدثني عن أبي ذر الغفاري. قال: عالم شحيح على علمه. # قال: فعن حذيفة بن اليمان [حدثني؟] قال: عرف المنافقين وسأل عن المعضلات ~~ولو سألتموه وجدتموه بها خبيرا. # قال: فحدثني عن سلمان الفارسي؟ قال: علم علم الأول والعلم الآخر وهو بحر ~~لا ms153 ينزح، ويحك ومن لك بلقمان الحكيم وهو منا أهل البيت. # قال: فحدثني عن عمار بن ياسر قال: خالط الإيمان شعره وبشره ولحمه ودمه ~~وعصبه وعظامه وهو محرم على النار، كيف زال الحق زال معه عمار. # قال: فحدثني عن نفسك قال: قال الله: " فلا تزكوا أنفسكم "! قال: وقد قال: ~~" وأما بنعمة ربك فحدث " [11 / الضحى] قال: ويحك! # كنت أول داخل على [النبي] وآخر خارج [من عنده] وكنت إذا سألت أعطيت وإذا ~~سكت أبتديت، وكنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم دخلة ~~وفي كل ليلة [دخلة] وربما كان ذلك في بيتي يأتيني رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام أكثر من ذلك في منزلي فإذا دخلت عليه في بعض منازله أخلا بي وأقام ~~نساءه فلم يبق [عنده] غيري، وإذا أتاني لم يقم فاطمة ولا أحدا من ولدي، ~~فإذا سألته أجابني، وإذا سكت عنه ونفدت مسائلي ابتدأني. # فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية من القرآن إلا أقرأنيها ~~وأملاها علي وكتبتها بخطي فدعا الله أن يفهمني ويعطيني، فما نزلت آية من ~~كتاب الله إلا حفظنها PageV00P300 # وعلمني تأويلها. # وما تركت شيئا من حلال ولا حرام إلا وقد حفظته وعلمني تأويله، لم أنس منه ~~حرفا واحدا منذ وضع يده صلى الله عليه وسلم على صدري فدعا الله أن يملأ ~~قلبي فهما وعلما وحكما ونورا (1). # وفي تحقيق ذلك: ما تأثرونه من روايتكم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لعلي: إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك ولا أجفوك، فحقيق ~~علي أن أعلمك وحقيق عليك أن تعي (2). # وذكروا أن سائلا سأله عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف ~~الخبر فأقبل على السائل فقال له: قد سألت فافهم الجواب (3). # PageV00P301 # إن في أيدي الناس حقا وباطلا وصدقا وكذبا وناسخا ومنسوخا وعاما وخاصا ~~ومحكما متشابها وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~عهده حتى قام خطيبا فقال: # من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده ms154 من النار. # وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس: # رجل منافق مظهر للإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج (1) يكذب على ~~رسول الله متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ~~ولكنهم قالوا: هذا صاحب رسول الله / 89 / صلى الله عليه وسلم ورآه وسمع ~~منه. فيأخذون عنه (2) وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ووصفهم بما ~~وصفهم به، ثم بقوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم فتقربوا إلى أئمة الضلالة ~~والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب ~~الناس وأكلوا بهم الدنيا (3) وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم ~~الله. # فهذا أحد الأربعة. # PageV00P302 # ورجل سمع من رسول الله عليه السلام شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه (1) ~~ولم يتعمد كذبا، فهو في يديه يعمل به ويرويه ويقول: أنا سمعته [من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله] قلو علم المسلمون أنه وهم [فيه] لم يقبلوه (2) ~~ولو علم هو أنه وهم لرفضه (3). # ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يأمر به ثم نهى عنه ~~وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، حفظ المنسوخ ولم ~~يحفظ الناسخ فلو يعلم (4) أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه ~~أنه منسوخ لرفضوه. # وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله مبغض للكذب خوفا [من] الله ~~وتعظيما لرسول الله ولم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على ما سمعه لم ~~يزد فيه ولم ينقص منه وحفظ الناسخ والمنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ (5) ~~وعرف الخاص من العام فوضع كل شئ موضعه وعرف المتشابه بمحكمه (6) # PageV00P303 # وقد كان يكون من رسول الله الكلام له وجهان: # فكلام خاص وكلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به ولا ما عنى به ~~رسوله فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من ~~أجله. # وليس كل أصحاب رسول الله [من] كان يسأله ms155 ويستفهمه حتى [أن] كانوا ليحبون ~~أن يجئ الأعرابي أو الطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا (1). # وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألت عنه وحفظته. # فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم (2). # انتهى كلامه عليه السلام (3). # PageV00P304 ms156