######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007610 #META# 000.BookURI :: #0240.IbnYahyaKinani.Hida #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن عبد العزيز بن يحيى بن مسلم بن ميمون الكناني المكي (المتوفى: 240هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 240 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007610 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7610 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7610 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي بن محمد بن ناصر الفقهي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1423هـ/2002م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وعلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (3/أ) # ذكر ما جرى بين عبد العزيز بن يحيى رحمه الله وبين بشر المريسي # قرأت على أبي عمر أحمد بن خالد في ربيع الآخر عام اثنين وخمسين ~~وثلاثمائة، حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله بن السماك قال ثنا ~~أبو بكر محمد بن الحسن بن أزهر بن حسين القطايعي، قال: حدثني أبو عبد الله ~~العباس ابن محمد بن فرقد، قال: حدثني أبي محمد بن فرقد بهذا الكتاب من أوله ~~إلى آخره، قال: قال عبد العزيز بن مسلم الكناني1: # اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهره بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق ~~القرآن، ودعائه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير ~~المؤمنين المأمون وعامة الناس وما قد دفع الناس إليه من المحنة، والأخذ في ~~الدخول في هذا الكفر2 والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته، وإحجامهم ~~عن الرد عليه بما يكسرون به قوله، ويدحضون به حجته ويبطلون به مذهبه، ~~واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجمعات والجماعات، وهريهم من بلد ~~إلى بلد، خوفا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس ~~لبشر على مذهبه وكفره وضلالته، والدخول في بدعته، والانتحال لمذهبه، رغبة ~~في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه. # قال عبد العزيز بن يحي: فأزعجني ذلك وأقلقني وأسهر ليلي وأطال غمي ~~PageV01P021 # وهمي فخرجت من بلدي متوجها إلى ربي عزوجل أسأله سلامتي وتبليغي، حتى قدمت ~~بغداد فشاهدت من غلظ الأمر واحتداده أضعاف ما كان يصل إلي، ففزعت إلى ربي ~~أدعوه وأتضرع إليه راغبا وراهبا، واضعا له خدي، وباسطا إليه يدي، أسأله ~~إرشادي وتسديدي، وتوفيقي ومعونتي، والأخذ بيدي وأن لا يسلمني ولا يكلني إلى ~~نفسي، وأن يفتح لفهم كتابه قلبي، وأن يطلق لشرح بيانه لساني، وأخلصت لله ~~عزوجل نيتي ووهبت له نفسي، فعجل تبارك وتعالى إجابتي، وثبت عزمي، وشجع وفتح ~~لفهم كتابه قلبي، وأطلق به لساني، وشرح به ms01 صدري، فأبصرت رشدي بتوفيقه إياي، ~~وأنست إلى معونته ونصره وتأييده ولم أسكن إلى مشاورة أحد من خلق الله في ~~أمري، وجعلت أستر أمري وأخفي خبري عن الناس جميعا ((خوفا)) من أن يشيع ~~خبري، ويعلم بمكاني، فأقتل قبل أن تسمع كلامي، فأجمع رأي على إظهار نفسي ~~وإشهار قولي ومذهبي على رؤوس الخلائق والأشهاد، والقول بمخالفة أهل الكفر ~~والضلال والردة عليهم وذكر كفرهم وتبيين ضلالتهم، وأن يكون ذلك في مسجد ~~الجامع في يوم الجمعة، وأيقنت أنهم لا يحدثوا علي حادثة، ولا يعجلون علي ~~بقتل وغيره من العقوبة بعد إشهاري نفسي، والنداء بمخالفتهم على رؤوس ~~الخلائق إلا بعد مناظرتي والاستماع مني. (وكان ذلك كله بتوفيق الله عز وجل ~~لي، ومعونته إياي) . # قال عبد العزيز بن يحي: "وكان الناس في ذلك الزمان وذلك الوقت في أمر ~~عظيم، قد منع الفقهاء والمحدثون والمذكرون والداعون من القعود في الجامعين ~~ببغداد وفي غير هما من سائر المواضع، إلا بشر المريسي وابن الجهم، ومن كان ~~موافقا لهما على مذهبهما، فإنهم كانوا يقعدون يعني (الجهم بن صفوان الذي به ~~تعرف الجهمية،1 يجتمع الناس إليهم فيعلمونهم الكفر والضلال، وكل من ~~PageV01P022 # أظهر مخالفتهم، وذم مذهبهم، أو اتهم بذلك أحضر، فإن وافقهم ودخل في ~~كفرهم، وأجابهم إلى ما يدعونه إليه وإلا قتلوه سرا، وحملوه من بلد إلى بلد، ~~فكم من قتيل لم تعلم به، وكم فين مضروب قد ظهر أمره وكم ممن قد أجابهم ~~واتبعهم على قولهم من العلماء خوفا على أنفسهم لما عرضوا على السيف والقتل ~~أجابوا كرها، وفارقوا الحق عيانا، وهم يعلمون لما حذروا، من بأسهم والوقوع ~~بهم. # قال عبد العزيز: فلما كان في الجمعة التي اعتزمت فيها على إظهار نفسي، ~~وإشهار قولي، واعتقادي، صليت الجمعة بالمسجد الجامع بالرصافة من الجانب ~~الشرقي بحيال القبلة والمنبر بأول صف من صفوف العامة، فلما سلم الإمام من ~~صلاة الجمعة، وثبت قائما على رجلي ليراني الناس وسمعوا كلامي، ولا تخفى ~~عليهم مقالتي، وناديت بأعلى صوتي لابني، وكنت قد أقمت ابني بحيالي عند ~~الاسطوانة الأخرى، ms02 فقلت له: يا ابني ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير ~~مخلوق".. # قال عبد العزيز: "فلما سمع الناس كلامي، ومسألتي لابني وجوابه إياي، ~~هربوا على وجوههم خارجين من المسجد إلا يسير من الناس خوفا على أنفسهم، ~~وذلك أنهم سمعوا ما لم يكونوا يستمعون، وظهر لهم ما كانوا يخفون ويكتمون، ~~فلم يستتم ابني الجواب حتى أتاني أصحاب السلطان، واحتملوني وابني فأوقفوني ~~بين يدي عمرو بن مسعدة1 وكان قد جاء ليصلي الجمعة، فلما نظر إلى وجهي، وكان ~~قد سمع كلامي ومسألتي لابني، وجواب ابني إياي، فلم يحتج أن يسألني عن ~~كلامي، فقال لي: أمجنون أنت؟ قلت،: لا. قال: فموسوس أنت؟ قلت: لا. قال: ~~أفمعتوه أنت؟ قلت: لا. إني لصحيح العقل جيد الفهم ثابت المعرفة والحمد لله ~~كثيرا. قال: فمظلوم أنت؟ قلت: لا. فقال لأصحابه ورجاله: مروا بهما إلى ~~منزلي". # قال عبد العزيز: "فحملنا على أيد الرجال حتى أخرجنا من المسجد ثم جعلوا ~~يتعادون بنا سحبا شديدا وأيدينا في أيد الرجال يمنة ويسرة، وسائر أصحابه ~~خلفنا وقدامنا، حتى صرنا إلى منزل عمرو بن مسعدة على تلك الحال PageV01P023 # العنيفة الغليظة، فوقفنا على بابه حتى دخل، وأمر بنا فأدخلنا عليه وهو ~~جالس في صحن داره على كرسي حديد، ووسادة عليه، فلما صرنا بين يديه، أقبل في ~~فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، فقال: ما حملك على ما فعلت بنفسك"؟ ~~قلت: "طلب القربة إلى الله عز وجل وطلب الزلفة لديه". قال: "فهلا فعلت ذلك ~~سرا من غير نداء ولا إظهار لمخالفة أمير المؤمنين، أطال الله بقاه. ولكنك ~~أردت الشهرة والرياء والتسوق لتأخذ أموال الناس. فقلت: ما أردت من هذا ~~شيئا، ولا أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه لا غير ~~ذلك. فقال: أو تفعل ذلك؟ قلت: نعم. ولذلك قصدت وبلغت بنفسي ما ترى بعد ~~خروجي من بلدي وتغريري بنفسي مع سلوكي البراري أنا وولدي، رجاء تأدية حق ~~الله عز وجل فيما استودعني من الفهم والعلم وما أخذ علي وعلى العلماء من ms03 ~~البيان". فقال: "إن كنت إنما جعلت هذا سببا لغيره إذا وصلت إلى أمير ~~المؤمنين فقد حل دمك بمخالفتك أمير المؤمنين". فقلت له: "إن تكلمت في شيء ~~غير هذا، أو جعلت هذا ذريعة إلى غيره فدمي حلال لأمر المؤمنين". # قال عبد العزيز: "فوثب عمرو قائما على رجليه، وقال: أخرجوه بين يدي إلى ~~أمير المؤمنين. قال: فأخرجت، وركب من الجانب الغربي وأنا بين يديه وولدي ~~يعدي بنا على وجوهنا، وأيدينا في أيدي الرجال حتى صار إلى أمير المؤمنين من ~~الجانب الشرقي، فدخل وأنا في. الدهليز قائم على رجلي، فأطال عند أمير ~~المؤمنين، ثم خرج فقعد في حجرة له، وأمر بي فأدخلت عليه، فقال لي: قد أخبرت ~~أمير المؤمنين أطال الله بقاه بخبرك وما فعلت، وما قلت وما سألت من الجمع ~~بينك وبين مخالفيك من المناظرة بين يديه، وقد أمر أطال الله بقاه، بإجابتك ~~إلى ما سألت وجمع المناظرين عن هذه المقالة إلى مجلسه أعلاه الله في يوم ~~الاثنين الآتي وتحضر معهم ليناظروا بين يديه أيده الله ويكون هو الحاكم ~~بينكم. # قال عبد العزيز: فأكثرت حمد الله على ذلك وشكرته وأظهرت الشكر والدعاء ~~لأمير المؤمنين، فقال لي عمرو بن مسعدة: أعطنا كفيلا بنفسك حتى تحضر معهم ~~يوم الاثنين وليس بنا حاجة إلى حبسك". # فقلت له: "أعزك الله أنا رجل غريب ولست أعرف في هذا البلد أحدا ولا ~~يعرفني من أهله أحد، فمن أين لي من يكفلني، وخاصة مع إظهار مقالتي # PageV01P024 # لو كان الخلق يعرفوني لتبرؤا مني، وهربوا من قربي وأنكروا معرفتي، قال: ~~فنوكل بك من يكون معك حتى يحضرك في ذلك اليوم، وتنصرف فتصلح من شأنك وتفكر ~~في أمرك فلعلك أن ترجع عن غيك وتتوب من فعلك فيصفح أمير المؤمنين عن جرمك، ~~فقلت ذلك إليك أعزك الله فافعل ما رأيت". # قال عبد العزيز: "فوكل بي من يكون معي في منزلي وانصرفت". # قال عبد العزيز: "فلما كان يوم الاثنين، صليت الغداة في مسجدي الذي كان ~~على باب منزلي، فلما فرغت من الصلاة إذ بخليفة ms04 عمرو بن مسعدة قد جاء ومعه ~~خلق كثير من الفرسان والرجال فحملوني مكرما على دابة حتى صاروا بي على باب ~~أمير المؤمنين فأوقفوني حتى جاء عمرو بن مسعدة فدخل فجلس في حجرته التي كان ~~يجلس فيها، ثم أذن لي بالدخول عليه فدخلت.. فلما صرت بين يديه أجلسني" ثم ~~قال لي: "أنت مقيم على ما كنت عليه"، أو قد رجعت عنه، فقلت: "بل مقيم على ~~ما كنت وقد ازددت بتوفيق الله إياي بصيرة في أمري"، فقال لي عمرو: "أيها ~~الرجل قد حملت نفسك على أمر عظيم وبلغت الغاية في مكروهها وتعرضت لما لا ~~قوام لك به، من مخالفة أمير المؤمنين أطال الله بقاه، وادعيت ما لا يثبت لك ~~به حجة على مخالفيك ولا لأحد غيرك، وليس وراءك بعد الحجة عليك إلا السيف، ~~فانظر لنفسك وبادر أمرك قبل أن تقع المناظرة، وتظهر عليك الحجة، فلا تنفعك ~~الندامة، ولا تقبل لك معذرة، ولا تقال لك عثرة، فقد رحمتك وأشفقت عليك مما ~~هو نازل بك، وأنا استقبل أمير المؤمنين أطال الله بقاه وأسأله الصفح عن ~~جرمك وعظيم ما كان منك، إن أظهرت الرجوع عنه، والندم على ما كان منك، وآخذ ~~لك الأمان منه أيده الله والجائزة، وإن كانت لك ظلامة أزلتها عنك، وإن كانت ~~لك حاجة قضيتها لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت ~~على ما أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله على يدي من عظيم ما أوقعت بنفسك ~~فيه"، فقلت له: "ما ندمت أعزك الله ولا رجعت، ولا خرجت عن بلدي، وغررت ~~بنفسي إلا في طلب هذا اليوم، وهذا المجلس رجاء أن يبلغني الله ما أؤمل من ~~إقامة الحق فيه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل". # PageV01P025 # قال محمد بن الحسن1 سمعت أبا عبد الله2 يقول: قال لي أبي3 جاء عبد العزيز ~~إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهو في الحبس فقال: "إن هذا ~~الأمر الذي أنت فيه ليس تطيقه ms05 على دقته، فاذكرني فبعث إليه أبو عبد الله ~~أنا قد وقعت، وأخاف أن أذكرك فأشيط بدمك، فيكون قتلك على يدي، فأقتل أنا ~~أحب إلي، فانصرف بسلام". # قال عبد العزيز: "فقام عمرو بن مسعدة على رجليه، وقال: "قد حرصت في كلامك ~~جهدي، وأنت حريص مجتهد في سفك دمك وقتل نفسك، فقلت له: معونة الله أعظم، ~~والله عزوجل ألطف من أن يسلمني ويكلني إلى نفسي، وعدل أمير المؤمنين أطال ~~الله بقاه أوسع من أن يقصر عني، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم". # قال عبد العزيز: "وأمر بي فأخرجت إلى الدهليز الأول، ومعي جماعة موكلون ~~بي، وكان قد تقدم إلى سائر بني هاشم ممن يحضر مجلس أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاه، أن يركبوا ووجه إلى الفقهاء والقضاة والموافقين لهم على مذهبهم. ~~وسائر المتكلمين، والمناظرين أن يحضروا دار أمير المؤمنين، فأمر القواد ~~والأمراء أن يركبوا في السلاح كل ذلك ليرهبوني بهم. ومنع الناس من الانصراف ~~إلى أن ينقضي المجلس، فلما اجتمع الناس وتأهبوا ولم يتخلف منهم أحد ممن ~~يعرفون بالكلام والجدال، أذن لي في الدخول، فلم أزل أنقل من دهليز إلى ~~دهليز حتى صرت إلى الحاجب "صاحب " الستر الذي على باب الصحن، فلما رآني ~~أمربي فأدخلت إلى حجرته، ودخل معي فقال لي: إن احتجت إلى أن تجدد طهرا ~~فافعل، فقلت: لا حاجة لي بذلك، فقال: صل ركعتين قبل دخولك، فصليت أربع ~~ركعات ودعوت الله وتضرعت إليه، فلما فرغت، أمر من كان بحجرته فخرج من ~~الحجرة، ثم تقدم إلي فقال لي وهو يسارني: يا هذا إن أمير المؤمنين بشر مثلك ~~رجل من ولد PageV01P026 # آدم، وكذلك كل من يناظرك بحضرته فهو بشر مثلك، فلا تتهيبهم، واجمع فهمك ~~وعقلك لمناظرتهم، وإياك والجزع، واعلم علما يقينا أنه إن ظهرت حجتك عليهم ~~انكسروا وانقطع كلامهم عنك، وأذللتهم وغلبتهم ولم يقدروا على ضر ولا مكروه ~~وصار أمير المؤمنين أطال الله بقاه وسائر الأولياء والرعية معك عليهم، وإن ~~ظهرت حجتهم عليك أذلوك وقتلوك وأشهروك وجعلوك للخلق عبرة، ms06 فاجمع همتك ~~ومعرفتك ولا تدع شيئا مما تحسنة وتحتاج إليه أن تتكلم به خوفا من أمير ~~المؤمنين أو من أحد غيره وتوكل على الله واستخر الله، وقم فادخل". # فقلت له: "جزاك الله خيرا فقد أديت النصيحة وسكنت الروعة وآنست الوحشة، ~~وخرج، وخرجت معه إلى باب الصحن". # قال عبد العزيز: "فشال الستر، وأخذ الرجال بيدي وعضدي وجعل أقوام يتعادون ~~بي، وأيديهم في ظهري وعلى عنقي، فجعلت أسمع أمير المؤمنين وهو يقول: خلو ~~عنه خلو عنه، وكثر الضجيج من الحجاب والأولياء بمثل ذلك، فخلي عني وقد كاد ~~عقلي أن يتغير من شدة الجزع وعظيم ما رأيت في ذلك الصحن من السلاح والرجال، ~~وقد انبسطت الشمس عليهم، وملأ الصحن صفوفا، وكنت قليل الخبرة بدار أمير ~~المؤمنين، ما رأيتها قبل ذلك ولا دخلتها، فلما صرت على باب الإيوان، وقفت ~~هناك فسمعته يقول: قربوه قربوه، فلما دخلت من باب الإيوان وقعت عيني عليه، ~~وقبل ذلك لم أتبينه لما كان على باب الإيوان من الحجاب والقواد، فقلت: ~~السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: أدن مني، فدنوت ~~منه، ثم قال: أدن مني زاده تكرارا، وأنا أدنو منه خطوة خطوة، حتى صرت في ~~الموضع الذي يجلس فيه المناظرون، ويسمع كلامهم، والحاجب معي يقدمني، فلما ~~انتهيت إلى الموضع. قال لي المأمون: اجلس فجلست". # قال عيد العزيز: "فسمعت رجلا من جلسائه يقول وقد دخلت من الإيوان": # يا أمير المؤمنين يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، لا والله ما أريت خلق الله ~~قط أقبح وجها منه، فسمعته يقول هذا وفهمت كلامه كله ورأيت شخصه على ما بي ~~من الروعة والجزع والخوف، وجعل ينظر إلي وأنا أرتعد وأنتفض، فأحب أن # PageV01P027 # يؤنسني وأن يسكن عني ما قد لحقني وأن ينشطني، فجعل يكثر كلام جلسائه ~~ويكلم خليفته عمرو بن مسعدة، ويتكلم بأشياء كثيرة مما لا يحتاج أن يتكلم ~~بها يريد بذلك كله إيناسي، وجعل يطيل النظر إلى الإيوان، ويدير طرفه فيه، ~~فوقعت عينه على موضع من نقش الجص قد انتفخ، فقال: ms07 يا عمرو أما ترى هذا الذي ~~قد انتفخ من هذا النقش، وسيقع فبادره في يومنا هذا، فقال عمرو: قطع الله يد ~~صانعه، فإنه قد استحق العقوبة على عمله هذا. # قال عبد العزيز: "ثم أقبل علي المأمون فقال لي: "الاسم"، فقلت: "عبد ~~العزيز". فقال لي: "ابن من"؟ فقلت: "ابن يحي"قال: "ابن من"؟ قلت: "ابن عبد ~~العزيز"، قال لي: "ابن من"؟ قلت: "ابن مسلم." قال: "ابن من"؟ قلت: "ابن ~~ميمون الكناني". قال: "وأنت من كنانة". قلت: "نعم،" يا أمير المؤمنين، ~~فتركني ولم يكلمني هنيهة، ثم أقبل علي فقال: "من أين الرجل"، قلت: "من ~~الحجاز"، قال: "من أي الحجاز"، قلت: "من مكة"، قال: "ومن تعرف من أهلهاط، ~~قلت: "يا أمير المؤمنين كل من بها من أهلها أعرفه إلا رجلا ضوى إليها وجاور ~~بها من الغرباء فإني لا أعرفه، قال: فهل تعرف فلانا، هل تعرف فلانا حتى عد ~~جماعة من بني هاشم كلهم أعرفهم حق معرفتهم، فجعلت أقول: نعم أعرفه، وسألني ~~عن أولادهم وأنسابهم فأخبره من غير حاجة به إلى شيء من ذلك، ولا مما تقدم ~~من مسألتي وإنما يريد به إيناسي وبسطي للكلام، وتسكين روعتي وجزعي، فذهب ~~عني ما كان لحقني من الجزع، وجاءت المعونة من الله عزوجل، فقوى بها ظهري، ~~واشتد بها قلبي، واجتمع بها فهمني، وعلا بها جدي، وانشرح بها صدري، وانطلق ~~بها لساني، ورجوت بها النصر على عدوي". # قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: "يا عبد العزيز إنه اتصل بي ما ~~كان منك في قيامك في المسجد الجامع، وقولك إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ~~وبحضرة الخلق على رؤوس الأشهاد، ومسألتك بعد ذلك الجمع بينك وبين مناظريك ~~على هذه المقالة بحضرتي وفي مجلسي، والاستماع منك ومنهم، وقد جمعتك ~~والمخالفين لك لتتناظروا بين يدي وأكون آنا الحكم فيما بينكم فإن تكن لك ~~الحجة والحق معك تبعناك، وإن تكن لهم الحجة عليك والحق معهم عاقبناك. ثم ~~أقبل المأمون على بشر المريسي" فقال: "يا بشر قم إلى عبد العزيز نناظره ~~وأنصفه". # PageV01P028 # قال ms08 عبد العزيز: "فوثب إلي بشر من موضعه الذي كان فيه كالأسد يثب إلى ~~فريسته، فجاء فانحط علي، فوضع فخذه الأيسر على فخذي الأيمن، فكاد أن ~~يحطمها، واعتمد علي بقوته كلها. فقلت له: مهلا فإن أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاه لم يأمرك بقتلي ولا بظلمي، وإنما أمرك بمناظرتي وإنصافي، فصاح به ~~المأمون تنح عنه، وكرر ذلك عليه حتى باعده مني". # قال عبد العزيز: "ثم أقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز ناظره على ما ~~تريد واحتج عليه، ويحتج عليك، وسله ويسألك، وتناصفا في كلامكما، وتحفظا ~~ألفاظكما، فإني مستمع إليكما ويحفظ ألفاظكما". # قال عبد العزيز: "فقلت السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، ولكني أقول شيئا ~~فإن رأى أمير المؤمنين أبقاه الله تعالى أن يأذن لي في ذلك فعلت. فقال: قل ~~ما تريد. فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك إني رجل عربي، وفي كلامي ~~دقة، ولم يسمع أمير المؤمنين أطال الله بقاه من كلامي شيئا قبل هذا الوقت، ~~فجليل كلامي في سمع أمير المؤمنين دقيق، وبشر يا أمير المؤمنين كثير سماع ~~أمير المؤمنين دقيق كلامه، فصار في سمع أمير المؤمنين جليلا، فإن رأى أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاه أن يأذن لي فأقدم شيئا من كلامي في هذا المجلس ~~ليقيس ما يدق بعده من كلامي على ما تقدم، ويعرف مذهبي في كلامي، ثم يجمعني ~~ومن أحب لمناظرتي بعد هذا في أي وقت شاء". # قال المأمون: "أنا مشغول عن هذا بما يلزمني من أمر المسلمين، وإنما جمعتك ~~ومخالفيك لما أظهرت من مخالفتك إياهم وذمك لمذهبهم، وادعائك الرد عليهم، ~~ومسألتك الجمع "بينك " وبينهم ولست أجمعك وإياهم بعد هذا المجلس إلا عن ~~مناظرة تجري بينك وبينهم فتحتاجون إلى عودة لاستمام ما بقي عليكما من ~~المناظرة فأجمعكما لذلك". # قال عبد العزيز: "فقلت في نفسي، هذا الذي سألت الله عز وجل أن يبلغنيه ~~وعاهدته لأن بلغني لأقومن بحقه ولأذبن عن دينه بما يلهمني بتوفيقه صابرا ~~محتسبا وإن عرضت على السيف والقتل حتى إذا بلغني الله ما أملته وأعطاني ما ms09 ~~سألته، وأيدني بالمعونة، وكفاني المؤونة وعطف قلوب عباده علي، وصرف عتي ما ~~كنت أحاذر من سوء بادرة تكون قبل قيامي بحق الله تعالى، أأنقض عهده، وأخلف # PageV01P029 # وعده، وأكفر نعمه، فيسخط علي ويخذلني ويكلني إلى نفسي، والله والله لا ~~فعلت ولو تلفت نفسي". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنة إني لم أتهيب المناظرة ولم أعجز ~~عنها، وإنما أحببت أن أقدم في هذا المجلس شيئا من كلامي ليقف من بحضرة أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاه ومن في مجلسه على معنى كلامي ودقته فلا يخفى عليهم ~~بعض ما يجري بيننا". # قال: فقال أمير المؤمنين المأمون لبشر: "ناظر صاحبك على ما تريد". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك إن رأيت أن تأذن ~~لي أن أتكلم بشيء قد شغل قلبي قبل مناظرتي لبشر. فقال لي: تكلم بما شئت فقد ~~أذنت لك". # فقلت: "أسألك بالله يا أمير المؤمنين من بلغك إنه كان أجمل ولد آدم صلى ~~الله عليه وسلم. فأطرق مليا، ثم رفع رأسه" فقال: "يوسف عليه السلام". فقلت: ~~"صدقت يا أمير المؤمنين- فوالله ما أعطي يوسف على حسن وجهه بعرتين، ولقد ~~سجن وضيق عليه من أجل حسن وجهه بعد أن وقف على براءته بالشاهد الذي أنطقه ~~الله عز وجل بتصديقه وبيان قوله وبعد إقرار امرأة العزيز إنها هي راودته عن ~~نفسه فاستعصم فحبس بعد ذلك كله لحسن وجهه، قال الله تعالى: {ثم بدا لهم من ~~بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} 1 فدل بقوله عز وجل إنه سجن بغير ذنب ~~لعلة حسن وجهه وليغيبوه عنها وعن غيرها، فطال في السجن حبسه حتى إذا عثر ~~الرؤيا ووقف الملك على علمه ومعرفته اشتاق إليه، ورغب في صحبته فقال عز ~~وجل: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} 2 فكان هذا القول من الملك ~~عندما وقف عليه من علم يوسف ومعرفته قبل أن يسمع كلامه، فلما دخل عليه وسمع ~~كلامه وحسن عبارته صيره على خافي خزائن الأرض، وفوض إليه PageV01P030 # الأمور كلها وتبرأ منها وصار ms10 كأنه من تحت يده، فكان هذا الذي بلغه يوسف ~~عليه السلام بكلامه وعلمه لا بجماله، قال عز وجل: {فلما كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين، قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} 1 ولم يقل إني ~~حسن جميل، قال الله عز وجل: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث ~~يشاء} 2 فوالله يا أمير المؤمنين ما أبالي إن وجهي أقبح مما هو، وإني أحسن ~~من الفهم والعلم أكثر مما أحسن". # قال عبد العزيز: "فقال لي المأمون وأي شيء أردت بهذا القول، وما الذي ~~دعاك إلى ذكر هذا؟ فقلت سمعت بعض من هاهنا يقول لأمير المؤمنين: يفيك من ~~كلامه قبح وجهه، فما يضرني قبح وجهي مع ما رزقني الله عزوجل من فهم كتابه، ~~والعلم بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فتبسم المأمون حتى وضع يده على فيه، ~~ثم قلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك فقد رأيتك تنظر إلى هذا النقش ~~وانتفاخ الجص وتذكره، وسمعت عمرا يعيب ذلك ويدعو على صانعه، ولا يعيب الجص، ~~ولا يدعو عليه، فقال المأمون: العيب لا يقع على الشيء المصنوع، وإنما يقع ~~العيب على الصانع. قال: قلت: صدقت يا أمير المؤمنين، ولكن هذا يعيب ربي لم ~~خلقني قبيحا فازداد تبسما حتى ظهرت (ثناياه) ". # قال عبد العزيز: "فأقبل علي المأمون" وقال: يا عبد العزيز: "ناظر صاحبك ~~فقد طال المجلس بغير مناظرة"، فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، كل ~~متناظرين على غير أصل يكون بينهما يرجعان إليه إذا اختلفا في شيء من ~~الفروع، فهما كالسائر على غير الطريق، لا يعرف الحجة فيتبعها ويسلكها وهو ~~لا يعرف الموضع الذي يريد فيقصده، ولا يدري من أين جاء فيرجع يطلب الطريق ~~فهو على ضلال أبدا. # ولكننا نؤصل بيننا أصلا، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى ~~الأصل، فإن وجدناه فيه وإلا رمينا به ولم نلتفت إليه". # قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: "نعم ما قلت، فاذكر الأصل الذي تريد أن ~~يكود بينكما، ويذكر أيضا هو مثله ms11 حتى تتفقا على الأصل فتؤصلاه بينكما". ~~PageV01P031 # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك: أو أصل بيني ~~وبينه ما أمرنا الله به واختاره لنا وأدبنا به وعلمنا ودلنا عليه عند ~~التنازع والاختلاف، ولم يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى اختيارنا". # فقال المأمون: "وذلك موجود عن الله عز وجل"؟ قلت: "نعم يا أمير المؤمنين ~~قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} 1 # وهذا تعليم الله عز وجل وتأديبه واختياره لعباده المؤمنين وهو خير وأحسن ~~ما أصله المتنازعون بينهم، وقد تنازعت أنا وبشر يا أمير المؤمنين فنحن نؤصل ~~بيننا كتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمرنا فإن اختلفنا ~~في شيء من الفروع رددناه إلى كتاب الله عز وجل، فإن وجدناه فيه وإلا رددناه ~~إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن وجدناه فيها وإلا ضربنا به الحائط ولم ~~نلتفت إليه". # فقال بشر: "وأين أمرنا الله أن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتاب الله وإلى ~~سنة نبيه صلى الله عليه وسلم" قلت: "كأنك لم تسمع ما جرى وما ابتدأت به، ~~قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} 2. قال بشر: "فإنما أمر الله أن ~~يرد إليه وإلى الرسول، ولم يأمرنا أن نرده إلى كتابه العزيز وإلى سنة نبيه ~~عليه السلام". # قال عبد العزيز: "هذا مالا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم إن رددناه ~~إلى الله فهو إلى كتاب الله، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته رددناه إلى ~~سنته، وإنما يشك في هذا الملحد لأن، وقد روى هذا بهذا اللفظ عن ابن عباس3 ~~وعن جماعة من الأئمة4 الذين اخذ العلم عنهم رحمة الله عليهم". # قال عبد العزيز: "فقال لي المأمون: فافعلا وأصلا بينكما يا عبد العزيز ~~أصلا واتفقا عليه وأنا الشاهد ms12 بينكما إن شاء الله تعالى". PageV01P032 # قال عبد العزيز. فقلت يا أمير المؤمنين: "إنه من الحد في كتاب الله عز ~~وجل جاحدا أو زائدا لم يناظر بالتأويل، ولا بالتفسير، ولا بالحديث". # فقال المأمون: "وبأي شيء تناظره"، قلت: "بنص التنزيل كما قال الله عزوجل ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو ~~عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وإليه متاب} 1 وقال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} 2 وقال ~~حين ادعت اليهود تحريم أشياء لم تحرم عليهم: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن ~~كنتم صادقين} 3 وقال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وأن أتلو القرآن ~~فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} 4. # فإنما أمر الله نبيه بالتلاوة، ولم يأمره بالتأويل، وإنما يكون التأويل ~~لمن أقر بالتنزيل، وأما من الحد في التنزيل فكيف يناظر بتأويله. فقال لي ~~المأمون: ويخالفك في التنزيل؟ قلت: نعم ليخالفني، أو ليدع قوله ومذهبه ~~ويوافقني". # قال عبد العزيز: "ثم أقبلت على بشر فقلت: يا بشر ما حجتك إن القرآن ~~مخلوق، وانظر إلى أحذ سهم في كنانتك فارمني به، ولا تحتاج إلى معاودتي ~~بغيره. فقال: تقول القرآن شيء أم غير شيء، فإن قلت إنه شيء أقررت إنه مخلوق ~~إذ كانت الأشياء مخلوقة بنص التنزيل، وإن قلت إنه ليس بشيء فقد كفرت لأنك ~~تزعم أنه حجة الله على خلقه وإن حجة الله ليس بشيء". # قال عبد العزيز: "فقلت لبشر ما رأيت أعجب من هذا تسألني وتجيب نفسك عني ~~وتكفرني ولم تسمع كلامي ولا قولي فإن كنت سألت لأجيبنك، فاسمع مني فإني ~~أحسسن أن أجيب عن نفسي وأحتج عن مقالتي ومذهبي، وإن كنت إنما تريد أن ~~تخطئني وتتكلم لتدهشني وتنسيني حجتي فلن أزداد بتوفيق الله إياي إلا بصيرة ~~وفهما، وما أحسبك إلا وقد تعلمت شيئا أو سمعت قائلا يقول هذه المقالة التي ~~قلتها أو قرأتها في كتاب فأنت تكره أن تقطعها حتى تأتي على ms13 آخرها". ~~PageV01P033 # قال عبد العزيز: فأقبل المأمون: على بشر فقال: "صدق عبد العزيز، اسمع منه ~~جوابه ورد عليه بعد ذلك بما شئت من الكلام، ثم قال لي: تكلم يا عبد العزيز ~~وأجب عما سألك عنه". # قال عبد العزيز: "سألت عن القرآن أهو شيء أم غير شيء، فإن كنت تريد هو ~~شيء إثباتا للوجود ونفيا للعدم1 فهو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم له ~~وأنه كالأشياء فلا". # فقال بشر: "ما أدري ما تقول ولا أفهمه ولا أعقله ولا أسمعه، ولابد من ~~جواب يفهم ويعقل أنه شيء يعقل أو غير شيء". # قال عبد العزيز: "صدقت إنك لا تفهم ولا تعقل ولا تسمع ما أقول ولقد وصفت ~~نفسك بأقبح الصفات، واخترت لها أذم الاختيارات، ولقد ذم الله عز وجل في ~~كتابه من قال مثل ما قلت: أو كان بمثل ما وصفت به نفسك، فقال الله عز وجل: ~~{إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} 2 وقال عزوجل لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} 3 وقال عز ~~وجل: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا ~~مهتدين} ... إلى قوله {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} 4. ومثل هذا في القرآن ~~كثير جدا، ولقد امتدح الله عز وجل في كتابه أقواما بحسن الاستماع وأثنى ~~عليهم أحسن الثناء فقال: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب} 5 وقال عز وجل: {وإذا سمعوا ما أنزل ~~إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} 6 وقالت عز وجل: ~~{وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} 7 وقال عز وجل: ~~PageV01P034 # {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من ~~بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق ms14 وإلى طريق مستقيم} 1 ومثل هذا ~~في القرآن كثير، فما اخترت لنفسك ما اختاره الرسول، ولا ما اختاره ~~المؤمنون، ولا ما اختاره أهل الكتاب، ولا ما اختاره الجن لأنفسهم. # قال عبد العزيز: قال المأمون: دع هذا يا عبد العزيز وارجع إلى ما كنت ~~فيه، وبين ما كنت فيه، واشرحه، واحتج لنفسك، فقلت: يا أمير المؤمنين: إن ~~الله عز وجل أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه إذ كان كلامه من صفاته فلم ~~يتسم بالشيء ولم يجعل الشيء اسما من أسمائه ولكنه دل على نفسه أنه شيء ~~وأكبر الأشياء إثباتا للوجود ونفيا للعدم2، وتكذيبا منه للزنادقة، ~~والدهرية، ومن تقدمهم ممن جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم فقال عز ~~وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم} 3 فدل على نفسه أنه شيء ليس كالأشياء، وأنزل في ذلك خبرا خاصا ~~مفردا لعلمه السابق أن جهما وبشرا ومن قال بقولهما سيلحدون في أسمائه ~~ويشبهون على خلقه، ويدخلونه وكلامه في الأسماء المخلوقة، قال عزوجل: {ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير} 4 فأخرج نفسه وكلامه وصفاته من الأشياء ~~المخلوقة بهذا الخبر تكذيبا لمن الحد في كتابه، وافترى عليه، وشبهه بخلقه، ~~قال عزوجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون} 5 ثم عدد أسماءه في كتابه ولم يتسم بالشيء ولم ~~يجعله اسما من أسمائه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله تعالى ~~تسعة وتسعين اسما من أحضاها دخل الجنة" 6 ثم عدها فلم نجده جعل الشيء اسما ~~لله عزوجل، ثم ذكر جل ذكره كلامه كما ذكر نفسه ودل عليه بمثل ما دل على ~~نفسه ليعلم الخلق أنه من ذاته وأنه صفة من صفاته، فقال الله. PageV01P035 # عز وجل: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ~~قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} 1 فذم الله اليهودي ~~حين نفى ms15 أن تكون التوراة شيئا، وذلك أن رجلا من المسلمين ناظر رجلا من ~~اليهود بالمدينة، فجعل المسلم يحتج على اليهودي من التوراة بما علم من صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر نبوته فيها حتى أثبت نبوته صلى الله عليه ~~وسلم من التوراة فضحك اليهودي وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل ~~الله عز وجل تكذيبه، وذم قوله، وأعظم فريته حين جحد أن يكون كلام الله ~~شيئا، ودل بذلك على أن كلامه شيء ليس كالأشياء، كما دل على نفسه أنه شيء ~~ليس كالأشياء ثم قال في موضع آخر: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} 2 فدل بهذا الخبر أيضا على أن الوحي شيء ~~بالمعنى، وذم من جحد أن كلام الله شيء، فلما أظهر الله عزوجل اسم كلامه لم ~~يظهره باسم الشيء فيلحد الملحدون في ذلك ويدخلونه في جملة الأشياء ~~المخلوقة، ولكنه أظهره عز وجل باسم الكتاب والنور والهدى ولم يقل قل من ~~أنزل الشيء الذي جاء به موسى، فيجعل الشيء اسما لكلامه، وكذلك سمى كلامه ~~بأسماء ظاهرة يعرف بها، فسمى كلامه نورا وهدى، وشفاء، ورحمة، وحقا، وقرآنا، ~~وأشباه ذلك لعلمه السابق في جهم وبشر ومن يقول بقولهما إنهم سيلحدون في ~~أسمائه وصفاته التي هي من ذاته وسيدخلونها في الأشياء المخلوقة". # فقال بشر: "يا أمير المؤمنين قد أقر عبد العزيز إنه شيء، وإنه لا ~~كالأشياء فليأت بنص التنزيل كما أخذ علي وعلى نفسه، أنه ليس كالأشياء، وإلا ~~فقد بطل ما ادعاه وصح قولي إنه مخلوق، إذ كنا قد أجمعنا واتفقنا إنه شيء، ~~وقلت أنا هو شيء كالأشياء وداخل في الأشياء، وقال هو ليس هو شيء كالأشياء ~~ولا داخل لا الأشياء، فليأت بنص التنزيل على ما ادعاه، وإلا فقد ثبتت الحجة ~~عليه بخلقه إذ كان الله عز وجل قد أخبرنا بنص التنزيل إنه خالق كل شيء". # قال عبد العزيز: "فقال لي المأمون هذا يلزمك يا عبد العزيز، وجعل محمد بن ~~الجهم وغيره ms16 يصيحون "يقولون " ظهر أمر الله وهم كارهون، جاء الحق وزهق ~~PageV01P036 # الباطل وطمعوا في قتلي، وجثا بشر على ركبتيه وجعل يقول: أقر والله يا ~~أمير المؤمنين بخلق القرآن، فأمسكت فلم أتكلم حتى قال لي المأمون: مالك لا ~~تتكلم يا عبد العزيز فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، قد تكلم بشر ~~وطالبني بنص التنزيل على ما قلت وهو المناظر لي فضجيج هؤلاء أي شيء هو وأنا ~~لم أنقطع ولم أعجز عن الجواب وإقامة الحجة بنص التنزيل كما طالبني ولست ~~أتكلم في هذا المجلس ويتكلم فيه غير بشر إلا أن ينقطع بشر عن الحجة فيعتزل ~~ويتكلم غيره في مكانه، فصاح المأمون بمحمد بن الجهم وغيره فأمسكوا". # قال عبد العزيز: "فقال لي المأمون تكلم يا عبد العزيز فليس يعارضك أحد ~~غير بشر". # قال عبد العزيز: "قال الله عز وجل: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون} 1 وقال عز وجل: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} 2 وقالت عز وجل: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} 3 فدل عز ~~وجل بهذه الأخبار كلها وأشباه لها كثيرة على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه ~~غير الأشياء، وأنه خارج عن الأشياء، وأنه إنما تكون الأشياء بقوله وأمره، ~~ثم ذكر خلق الأشياء كلها فلم يدع منها شيئا إلا ذكره، وأخرج كلامه وقوله ~~وأمره منها ليدل على أن كلامه غير الأشياء وخارج عن الأشياء المخلوقة، فقال ~~عز وجل: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} ~~4. فجمع في هذه اللفظة الخلق كله، ثم قال: والأمر، يعني الأمر الذي كان به ~~هذا الخلق، ففرق عز وجل بين خلقه وبين أمره، فجعل الخلق خلقا والأمر أمرا، ~~وجعل هذا غير هذا، وهذا غير هذا، فقال عز وجل: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح ~~بالبصر} 5 يقول إذا أردت شيئا فإنما هو كلمح PageV01P037 # البصر يقول له كن كما ms17 أريد فيكون كلمح بالبصر، وقال عز وجل: {لله الأمر ~~من قبل ومن بعد} 1 يقول من قبل الخلق ومن بعد الخلق، ثم جمع عزوجل بين ~~الأشياء المخلوقة في آيات كثيرة من كتابه، وأخبر عن خلقهما بقوله وكلامه، ~~وأن كلامه وقوله غيرها وخارج عنها فقال عز وجل: {وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} 2 وقال عز وجل: {وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح ~~الجميل} 3 وقال عز وجل: {خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين} 4 وقال عز وجل: {حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم، ما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} 5 وقال عز وجل: ~~{وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق} 6 ~~وقال عز وجل: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون} 7 وقال ~~عز وجل: {وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا ~~يظلمون} "8. # قال عبد العزيز: فقال لي المأمون بعض هذا يجزيك فاختصره، فقلت: "يا أمير ~~المؤمنين قد أخبرنا الله عز وجل عن خلق السماوات والأرض وما بينهما، فلم ~~يدع شيئا من الخلق إلا ذكره، وأخبر عن خلقه، وأنه إنما خلقه بالحق، وأن ~~الحق قوله وكلامه الذي به خلق الخلق كله، وأنه غير الخلق، وخارج عن الخلق، ~~وهذا نص التنزيل على أن كلام الله غير الأشياء المخلوقة، وليس هو كالأشياء ~~وإنما به تكون الأشياء". PageV01P038 # فقال بشر: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك فقد ادعى أن الأشياء إنما ~~تكون بقوله، ثم جاء بأشياء متباينات متفرقات فزعم أن الله عزوجل يخلق بها ~~الأشياء فأكذب نفسه ونقض قوله ورجع عما ادعاه من حيث لا يدري، وأمير ~~المؤمنين أطال الله بقاه الشاهد عليه الحاكم بيننا". # قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: "يا عبد العزيز قد قال بشر ms18 ~~كلاما قد قلته وتحتاج أن تصحح قولك ولا ينقض بعضه بعضا، وجعل بشر يصيح ~~ويقول: لو تركناه يتكلم لجاءنا بألف لون مما خلق الله عزوجل بها الأشياء". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، ذهبت الحجج ~~وانقطع الكلام، ورضي بشر وأصحابه بالضجيج والترويج إلى الباطل وقطع المجلس ~~وطلب الخلاص ولإخلاص من الله عز وجل. قال: فصاح المأمون: يا بشر أقبل على ~~صاحبك واسمع منه، ودع هذا الضجيج، وكان قد قعد منا مقعد الحاكم من الخصوم". # قال عبد العزيز: "ثم أقبل علي المأمون وقال: تكلم يا عبد العزيز. فقلت: ~~يا بشر زعمت أني قد أتيت بأشياء متباينات متفرقات، فزعمت أن الله خلق بها ~~الأشياء، فما قلت إلا ما قال الله عزوجل في كتابه، وما جئت بشيء غير كلام ~~الله ولا قلت ولا أقول إلا أن "الله " خلق الأشياء بكلامه. # قال بشر: "يا أمير المؤمنين، قد قال إنه خلق الأشياء بقوله وبأمره، ~~وبكلامه، وبالحق، فقال المأمون: بلى قد قلت هذا يا عبد العزيز". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين قد قلت هذا، وما قلته إلا على ~~صحته، ولا خرجت عن كتاب الله عزوجل ولا قلت إلا ما قال الله عزوجل، ولا ~~أخبرت إلا بما أخبر الله عز وجل به أنه خلق "مما" يوافق بعضه بعضا، ويصدق ~~بعضه بعضا، وكل ما ذكر الله عزوجل إنه خلق ويخلق به الأشياء فهو شيء واحد ~~له أسماء، هو كلام الله، هو قول الله، هو أمر الله، وهو الحق، فقول الله هو ~~كلامه وكلامه هو الحق، والحق هو آمره، وأمره هو قوله، وقوله هو الحق، وهي ~~أسماء شتى لشيء واحد، كما سمي كلامه نورا وهدى وشفاء ورحمة وقرآنا، ~~وفرقانا، فهذا مثل ذلك، وذلك مثل هذا، وإنما أجرى الله عز وجل مثل هذا على # PageV01P039 # كلامه، كما أجراه على نفسه لأنه من ذاته، فسمى كلامه بأسماء كثيرة، وهي ~~شيء واحد كما سمى نفسه بأسماء كثيرة وهو واحد أحد صمد فرد، وإنما ينكر بشر ~~هذا وبستعظمه ms19 لقلة فهمه ومعرفته باللغة، ومعنى كلام العرب وألفاظها". # قال بشر: "يا أمير المؤمنين قد أصل بيني وبينه كتاب الله عز وجل وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه لا يقبل إلا نص التنزيل فما لنا ولذكر ~~لغة العرب وغيرها لست أقبل منه إلا نص التنزيل بما قال أن كلام الله هو ~~قوله، وهو أمره، وهو الحق. فقال المأمون: ذلك يلزمك يا عبد العزيز لما عقدت ~~علي نفسك من الشرط". # قال عبد العزيز: فقلت: "صدقت يا أمير المؤمنين إن ذلك يلزمني وعلي أن آتي ~~به من نص التنزيل"، قال: "هاته". # قال عبد العزيز: فقلت: "قال الله عز وجل وقد ذكر كلامه فقال: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} 1 يعني حتى يسمع القرآن، لأنه ~~لا يقدر أن يسمع كلام الله من الله، وإنما غنى القرآن لا خلاف بين أهل ~~العلم واللغة في ذلك. وقال عز وجل: {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ~~لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال ~~الله من قبل} 2 فسمى الله القرآن كلامه، وسماه قوله، وأخبر أن قوله هو ~~كلامه بقوله عز من قائل: {يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم ~~قال الله من قبل} 3 وقال الله عز وجل: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ~~قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم} 4 ~~فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق. وقال عز وجل: {وكذب به قومك وهو الحق قل ~~لست عليكم بوكيل} 5 فأخبر عن القرآن إنه الحق، وقال عز وجل: {فإن كنت في شك ~~مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك ~~فلا تكونن من الممترين} 6 فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق، وقال عز وجل: ~~PageV01P040 # {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ~~ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} 1 ms20 فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق وقال ~~عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ~~فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} 2 وقال عز وجل: {المر تلك آيات الكتاب والذي ~~أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} 3 وقال: {الم تنزيل ~~الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك} 4 ~~وقال عز وجل: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق} 5 وقال عز جل: {وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ~~ربنا} 6، فهذه كلها وأمثالها في القرآن كثير، إخبار الله عن القرآن أنه ~~الحق، فسماه باسم الحق، ثم ذكر عز وجل أن القرآن قوله وأن قوله هو الحق ~~فقال عز وجل: {ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} 7 ~~فهذا خبر الله عن قوله إنه الحق وإن الحق قوله، وقال عز وجل: {ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} 8 وقالت عز وجل: {حتى إذا ~~فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} 9 فهذه أخبار الله كلها عن ~~الحق إنه قوله وان قوله هو الحق، ومثل هذا في القرآن كثير، ثم ذكر أن الحق ~~كلامه وأن كلامه الحق فقال عز وجل: {كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون} 10 فأخبر عن كلام الله أنه الحق، وقال عز وجل: {ويحق الله ~~الحق بكلماته ولو كره المجرمون} 11 فأخبر عز وجل عن الحق أنه كلامه وأن ~~كلامه هو الحق، وقال عز وجل: {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} 12 فهذه ~~أخبار الله عز وجل عن الحق أنه كلامه وإن كلامه هو الحق ثم ذكر عز وجل أن ~~القرآن أمره، وهو كلامه فقال عز وجل: {حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا} 13 ms21 يعني ~~القرآن، فأخبر PageV01P041 # الله أن القرآن أمره، وأن أمره القرآن، وقال عز وجل: {ذلك أمر الله أنزله ~~إليكم} 1 يعني القرآن فهذا خبر الله أن القرآن أمره وأن أمره القرآن، وإن ~~هذه أسماء شتى لشيء واحد، وهو الشيء الذي به خلق الأشياء وهو غير الأشياء، ~~وخارج عن الأشياء، وغيره داخل في الأشياء، ولا هو كالأشياء وبه تكون ~~الأشياء، وهو كلامه، وهو قوله، وهو أمره، وهو الحق. وهذا نص التنزيل بلا ~~تأويل ولا تفسير". # قال عبد العزيز: فقال المأمون: "أحسنت أحسنت يا عبد العزيز." # فقال بشر: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، إنه يحب أن يخطب ويهذي بما ~~لا أعقله، ولا أسمعه، ولا التفت إليه، ولا أتى بحجة، ولا أقبل من هذا شيئا. ~~قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، من لا يعقل عن ~~الله ما خاطب به نبيه صلى الله عليه وسلم، وما علمه لعباده المؤمنين في ~~كتابه، ولا يعلم ما أراد الله بكلامه وقوله، يدعي العلم، ويحتج بالمقالات ~~والمذاهب ويدعو الناس إلى البدع والضلالات"؟. # فقال بشر: "أنا وأنت في هذا سواء، أنت تنتزع بآيات من القرآن لا تعلم ~~تفسيرها ولا تأويلها، وأنا أرد ذلك وأدفعه حتى تأتي بشيء أفهمه وأعقله". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين، قد سمعت كلام بشر وتسويته فيما ~~بيني وبينه، (ولقد فرق الله فيما بيني وبينه) وأخبر أنا على غير السواء، ~~قال: وأين ذلك لك من كتاب الله عز وجل؟ قلت: قال الله عز وجل: {أفمن يعلم ~~أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} 2 فأنا ~~والله يا أمير المؤمنين أعلم أن الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم هو ~~الحق، وأومن به، وبشر يشهد على نفسه إنه لا يعلم ذلك ولا يعقله ولا يقبله ~~ولا هو مما يقوم لي به عليه حجة، فلم يقل كما قال الله عزوجل، ولا كما علم ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوله، ولا كما قال موسى عليه السلام، ms22 ولا كما ~~قالت الملائكة، ولا كما قال المؤمنون، ولا كما قال أهل الكتاب، ولقد أخبر ~~الله عز وجل عن جهله, وأزال عنه التذكرة, وأخرجه عن جملة أولى الألباب، لكن ~~أمير المؤمنين أطال الله بقاه لما خصه الله به من الفضل PageV01P042 # والسؤدد، ورزقه من دقة الفهم وكثرة العلم والمعرفة باللغة عقل عن الله عز ~~وجل قوله، وعرف ما أراد به وما عنى به فقبله واستحسنه ممن انتزعه بين يديه ~~وأظهر قبوله والرضاء بقوله". # فقال بشر: "يا أمير المؤمنين قد أقر بين يديك أن القرآن شيء، فليكن عنده ~~كيف "شاء" فقد اتفقنا على أنه شيء، وقال الله عز وجل بنص التنزيل: إنه ~~{خالق كل شيء} 1 وهذه لفظة لم تدع شيئا إلا أدخلته في الخلق ولا يخرج عنها ~~شيء ينسب إلى الشيء لأنها لفظة استقصت الأشياء وأتت عليها مما ذكر الله ~~تعالى ومما لم يذكرها فصار القرآن مخلوقا بنص التنزيل بلا تأويل ولا ~~تفسير". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين علي أن أكسر قوله وأكذبه فيما ~~قال بنص التنزيل حتى يرجع أو يقف أمير المؤمنين علي كسر قوله وكذبه وبطلان ~~ما ادعاه. فقال: هات ما عندك يا عبد العزيز، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال ~~الله عزوجل: {تدمر كل شيء بأمر ربها} 2 يعني الريح التي أرسلت على عاد، فهل ~~أبقت الريح يا بشر شيئا لم تدمره، قالت: لا لم يبق شيء إلا دمرته، وقد دمرت ~~كل شيء كما أخبر الله تعالى لأنه لم يبق شيء إلا وقد دخل في هذه اللفظة. ~~قلت: قد أكذب الله من قال هذا بقوله: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} 3 فأخبر ~~عنهم أن مساكنهم كانت باقية بعد تدميرهم، ومساكنهم أشياء كثيرة. وقال عز ~~وجل: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} 4 وقد أتت الريح على ~~الأرض والجبال والمساكن والشجر وغير ذلك فلم يصر شيئا منها كالرميم وقال عز ~~وجل: {وأوتيت من كل شيء} 5 يعني بلقيس، فكأن بقولك يا بشر يجب أن لا ms23 يبقى ~~شيء يقع عليه اسم الشيء إلا دخل في هذه اللفظة وأوتيته بلقيس، وقد بقي ملك ~~سليمان وهو مائة ألف ضعف مما أوتيته لم يدخل في هذه اللفظة. فهذا كله مما ~~يكسر قولك ويدحض حجتك، ومثل هذا في القرآن كثير مما يبطل قولك، ولكني أبدأ ~~بما هو أشنع وأظهر فضيحة لمذهبك وأدفع لبدعتك، قال الله عز وجل: {ولا ~~PageV01P043 # يحيطون بشيء من علمه} 1 وقال: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ~~والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} 2 وقال عز وجل: {فإلم يستجيبوا لكم ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} 3 وقال عز وجل: {وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه} 4 فأخبر الله عز وجل بأخبار كثيرة في كتابه، أن له علما أفتقر ~~يا بشر أن لله علما كما أخبرنا أو تخالف التنزيل"؟ # قال عبد العزيز: "فحاد بشر عن جوابي وأبا أن يصرح بالكفر" فيقول: "ليس ~~لله عليم، فيكون قد رد نص التنزيل فتتبين ضلالته وكفره، وأبى أن يقول: إن ~~لله علما، فأسأله عن علم الله هل هو داخل في الأشياء المخلوقة أم لا؟ وعلم ~~ما أريد، وما يلزمه في ذلك من كسر قوله وإبطال حجته، فاجتلب كلاما لم أسأله ~~عنه، فقال: معنى علمه إنه لا يجهل. فأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير ~~المؤمنين لا يكون الخبر عن المعنى قبل الإقرار بالشيء، وإنما يكون الإقرار ~~بالشيء ثم الخبر عن معناه، فليقر بشر أن لله علما كما أخبرنا في كتابه، فإن ~~سألته عن معنى العلم وهذا مما لا أسأله عنه فليجبن أن الله لا يجهل، وقد ~~حاد بشريا أمير المؤمنين عن جوابي". # فقال بشر: "وهل تعرف الحيدة"؟ قلت: "نعم إني أعرف الحيدة في كتاب الله عز ~~وجل وهي سبيل الكفار التي اتبعتها". # فقال لي المأمون: "يا عبد العزيز هل تعرف الحيدة في كتاب الله عز وجل"؟ ~~قلت: "نعم يا أمير المؤمنين وفي سنة المسلمين، وفي لغة العرب". فقال: "وأين ~~هي من كتاب الله عز وجل". فقلت: "قال الله عز وجل ms24 في قصة إبراهيم عليه ~~السلام حين قال لقومه: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون} 5 ~~وإنما قال لهم إبراهيم هذا ليكذبهم فيعيب آلهتهم ويسفه أحلامهم فعرفوا ما ~~أراد بهم، وإنهم بين أمرين: PageV01P044 # إما أن يقولوا نعم يسمعوننا حين ندعو وينفعوننا ويضروننا، فيشهد عليهم ~~بلغة قومهم إنهم قد كذبوا. أو يقولوا لا يسمعوننا حين ندعو ولا ينفعوننا ~~ولا يضروننا فينفوا عن آلهتهم القدرة. وعلموا أن الحجة لإبراهيم عليه ~~السلام في أي القولين أجابوه عليهم قائمة. فحادوا عن كلامه واجتلبوا كلاما ~~من غير ما سألهم عنه فقالوا: {بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} 1 ولم يكن هذا ~~جوابا لمسألة إبراهيم عليه السلام، وأما الحيدة في سنة المسلمين فيروى عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وقد ~~قدم عليه فنظر إليه يكاد يتفقا شحما، فقال: يا معاوية ما هذه الشحمة لعلها ~~من نومة الضحى ورد الخصوم، قال له معاوية: يا أمير المؤمنين رحمك الله ~~علمني وفهمني، ولم يكن هذا جوابا لقول عمر رضي الله عنه إنما حاد عن جوابه ~~لعلمه بما فيه، فاجتلب كلاما غيره فأجاب به. # وأما الحيدة في كلام العرب فقول امرىء القيس: # تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرء القيس فانزل # فقلت لهاسيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل2 # ولم يكن هذا جوابا لكلامها، وإنما حاد عن جوابها واجتلب كلاما غيره"، # قال: "فأقبل المأمون على بشر" فقال: "يأبي عليك عبد العزيز إلا أن تقر أن ~~لله علما فأجبه ولا تحد عن جوابه". فقال بشر: "قد أجبته وأن معنى العلم لا ~~يجهل وهذا جوابه ولكنه يتعنث". # قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين صدق أن الله لا يجهل، ولم تكن ~~مسألتي إياه على هذا، إنما سألته أن يقر بالعلم الذي أخبر الله تعالى عنه ~~في كتابه وأثبته لنفسه ولم أسأله عن الجهل فينفي الجهل عن الله تعالى فليقر ~~أن لله علما، ولينفي أن الله لا يجهل". ms25 # قال عبد العزيز: "ثم التفت إلى بشر فقلت: لابد من أن تقول أن لله علما ~~كما أخبر، أو ترد أخبار الله بنص التنزيل، أو يقف أمير المؤمنين على حيدتك ~~عن PageV01P045 # جوابي، فجعل يقول: يا أمير المؤمنين إن نفي الجهل عنه هو جوابه وهو الذي ~~عناه الله في كتابه وهو والذي يطالبني به واحد إلا أن اللفظين مختلفان". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين إن نفي السوء لا تثبت به ~~المدحة" قال بشر: "وكيف ذلك"؟ قلت: "إن قولي هذه الاسطوانة لا تجهل ليس هو ~~إثبات العلم لها". # قال عبد العزيز: "ثم أقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين إنه لم ~~يمدح الله تعالى في كتابه ملكا ولا نبيا ولا مؤمنا بنمي الجهل ليدل على ~~إثبات العلم، وإنما مدحهم بالعلم فقال عز وجل: {كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون} 1 ولم يقل لا يجهلون، وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {عفا ~~الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} 2 وقال عز ~~وجل: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} 3 ولم يقل الذين لا يجهلون فهذا ~~قول الله تعالى ومدحته للملائكة وللنبي صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين فمن ~~أثبت العلم نفى الجهل، ومن نفى الجهل أيثبت العلم،- وعلى الخلق جميعا أن ~~يثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا عما أمسك الله، فما ~~اختار بشريا أمير المؤمنين من حيث اختار الله لنفسه، ولا من حيث اختار ~~للملائكة، ولا من حيث اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولا من حيث اختار ~~لعباده المؤمنين، فمن أجهل ممن اختار لنفسه غير ما اختار الله لنفسه ~~ولملائكته ولأنبيائه ولعباده المؤمنين". # قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: "فإذا قال بشر إن لله علما وأقر بذلك ~~فيكون ماذا، قلت: اسأله يا أمير المؤمنين عن علم الله هل هو داخل في ~~الأشياء المخلوقة حين احتج بقوله: {خالق كل شيء} 4 فزعم إنه لم يبق شيء إلا ~~وقد أتى عليه هذا الخبر. فإن قال: ms26 نعم فقد دخل في الأشياء المخلوقة فقد شبه ~~الله يا أمير المؤمنين بخلقه الذين أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ~~وكل من تقدم (وجوده) قبل علمه فقد دخل عليه الجهل فيما بين وجوده إلى حدوث ~~PageV01P046 # علمه، وهذه صفة المخلوقين، والله عز وجل أعظم وأجل من أن يوصف بذلك أو ~~ينسب إليه، ومن قال ذلك فقد كفر وحل دمه ووجب على أمير المؤمنين قتله، وإن ~~قال إن علم الله خارج عن جملة الأشياء وغير داخل فيها، كما أن قوله خارج عن ~~الأشياء وغير داخل فيها، فمن ثم ترك قوله وضل يا أمير المؤمنين وثبتت عليه ~~الحجة فيها. فقال المأمون: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز، وإنما فر بشر أن ~~يجيبك في هذه المسألة لهذا. ثم أقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز تقول ~~إن الله عالم. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فتقول: إن الله سميع بصير. ~~قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فتقول إن الله سمعا وبصرا. كما قلت ~~إن له علم، فقلت: لا أطلق هذا هكذا يا أمير المؤمنين. فقال: أي فرق بين ~~هذين؟ فأقبل بشر يقول: يا أمير المؤمنين يا أفقه الناس، ويا أعلم الناس ~~يقول الله عز وجل: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} 1 # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين قد قدمت إليك فيما احتججت به إن ~~على الناس كلهم جميعا أن يثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا ~~عما أمسك الله عنه، فأخبرنا الله عز وجل أن له علما بقوله: {فاعلموا أنما ~~أنزل بعلم الله} 2 فقلت؟ إن له علما كما قال: وأخبرنا إنه سميع بصير بقوله: ~~{وهو السميع البصير} 3 فقلت: إنه سميع بصير كما قال. ولم يخبرنا أن له سمعا ~~وبصرا4، فقلت: كما قال. وأمسكت عند إمساكه. فأقبل عليهم المأمون فقال: ما ~~هو مشبه فلا تكذبوا عليه. فقال بشر: قد زعمت أن لله علما، فأي شيء هو علم ~~الله، ومعنى علم الله فقلت له: هذا مما ms27 تفرد الله بعلمه ومعرفته وحجب عن ~~الخلق جميعا علمه فلم يخبر به ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا علمه أحد ~~قبلي، ولا يعلمه أحد بعدي لأن علم الله أكبر وأوسع وأعظم من أن يعلمه أحد ~~من خلقه، PageV01P047 # ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} 1 ~~وقال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} 2 وقال عز ~~وجل: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما ~~تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في ~~كتاب مبين} 3 وقال: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} 4 أتدري يا بشر ما معنى ~~هذا؟ قال: وأي شيء هذا مما نحن فيه. فقال المأمون: قل يا عبد العزيز أنت ما ~~معنى هذا. قلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك يقول: ولو أن ما في الأرض ~~من جميع الشجر والخشب والقصب أقلام يكتب بها والبحر مداد يمده من بعده سبعة ~~أبحر بالمداد والخلائق كلهم يكتبون بهذه الأقلام من هذا الشجر ما نفدت ~~كلمات الله، فمن يبلغ عقله أو فهمه أو فكره كنه عظمة الله عز وجل وسعة علمه ~~وكثرة كلامه، قال عز وجل: {قل لو كان البحر مدادا PageV01P048 # لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} 1 فمن ~~يحذ هذا أو يصفه أو يدعي علمه؟ وقد عجزت الملائكة المقربون عن علم ذلك ~~واعترفوا بالعجز {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم} 2 وقال عز وجل: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير} 3 فقال بشر: لابد أن تقول أي شيء هو علم الله أو يقف ms28 أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاه على حيدتك عن الجواب فأكون أنا وأنت يا الحيدة ~~سواء. فقلت: إنما تأمرني بما نهاني الله عنه وحرم علي القول به، وتأمرني ~~بما أمرني به الشيطان، ولست أعصى الله وأرتكب نهيه وأطيع الشيطان وأتبع ~~أمره وأمرك إذ قد أمرتماني بمعصية الله وارتكاب نهيه. # قال عبد العزيز: "فاشتد تبسم أمير المؤمنين من كلامي فقال: يا عبد العزيز ~~أمرك بشر بما نهاك الله عنه وحرم عليك القول به، وأمرك بما أمرك به ~~الشيطان"؟ فقلت: "نعم يا أمير المؤمنين، قال: ومن أين لك ذلك؟ قلت: من كتاب ~~الله وكلامه بنص التنزيل. قال: ها ته. قلت: قال الله عز وجل: {إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} 4 فحرم الله على ~~الخلق جميعا بهذا الخبر أن يقولوا على الله مالا يعلمون. وأمرهم الشيطان ~~بضد ذلك، قال عز وجل: {كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} 5 وهذا أمر الشيطان لنا أن نقول مالا نعلم، وقد اتبع يا ~~أمير المؤمنين بشر سبيل الشيطان ووافقه على قوله، وأمرني بما نهيت عنه من ~~أرتكاب نهي الله عز وجل وتحريمه حين قال: لابد أن تقول أي شيء علم الله، ~~وقد أعلمته أني لا أعلمه ولا علمه أحد قبلي ولا يعلمه أحد بعدي". # قال عبد العزيز: "فكثر تبسم المأمون حتى غطى فمه بيده وأطرق ينكث بيده ~~على السرير. PageV01P049 # باب ذكر "علم " الله عز وجل" # فقال لي بشر: "لو ورد عليك اثنان وقد تنازعا في علم الله عز وجل، فحلف ~~أحد هما بالطلاق: إن علم الله هو الله. وخلف الآخر بالطلاق: إن علم الله ~~غير الله، فقالا لك: أفتنا في أيماننا فما كان جوابك لهما. قلت: الإمساك ~~عنهما وتركهما وجهلهما وصرفهما بغير جواب. قال بشر يلزمك ms29 ويجب عليك إذ كنت ~~تدعي العلم أن تجيبهما عن مسألتهما وأن تخرجهما من أيمانهما وإلا فأنت وهما ~~في الجهل سواء. قال عبد العزيز: فقلت لبشرة أو يجب علي أن أجيب كل من سألني ~~عن مسألة لا أجد لها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذكرا ولا علما قد جهل السائل عنها، وحمق الحالف عليها. قال بشر: يجب عليك ~~أن تجيبه عن مسألته فإنه لابد لكل مسألة من جواب". # قال عبد العزيز: فقلت: "هذا جهل من قائله. قال عبد العزيز: ثم أقبلت على ~~المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين سمعت ما قال بشر إنه يجب علي جواب من سألني ~~عن مسألة وفتياه وإخراجه من يمينه بما لا أجده في كتاب الله ولا في سنة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم". # فلو ورد علي يا أمير المؤمنين ثلاثة نفر "قد تنازعوا" في الكوكب الذي ~~أخبير الله عز وجل أن إبراهيم عليه السلام رآه بقوله: {فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} 1 فقال أحدهم: حلفت ~~بالطلاق إنه المشتري وقال الآخر حلفت بالطلاق إنه الزهرة. "وقال الآخر حلفت ~~بالطلاق إنه المريخ " فأفتنا في أيماننا وأجبنا في مسألتنا كان علي أن ~~أجيبهم في مسألتهم وأفتيهم في أيمانهم، وذلك مما لم يخبرنا الله عز وجل به ~~ولا رسوله. # فقال المأمون: ما ذلك عليك بواجب ولا لك بلازم. PageV01P050 # قال عبد العزيز: فقلت له: فلو ورد علي يا أمير المؤمنين ثلاثة نفر قد ~~تنازعوا في الأقلام التي أخبر الله عنها في كتابه بقوله: {إذ يلقون أقلامهم ~~أيهم يكفل مريم} 1 قال أحدهم: حلفت بالطلاق إن هذه الأقلام نحاسا، وقال ~~الآخر: حلفت بالطلاق إنها خشب، وقال الآخر: حلفت بالطلاق إنها قصب، فأجبنا ~~عن مسألتنا، وأجبنا عن أيماننا، وذلك مما لم يخبر الله به ولا رسوله ولا ~~يوجد علمه في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كان في يا ~~أمير المؤمنين أن أجيبهم ms30 عن مسألتهم وأفتيهم في أيمانهم. فقال المأمون: لا ~~ليس عليك إجابتهم ولا فتياهم. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، فلو ورد علي ~~ثلاثة نفر قد تنازعوا المؤذن الذي يؤذن بين أهل الجنة والنار الذي أخبر ~~الله عز وجل بقوله: {فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين} 2 فقال ~~أحدهم: حلفت بالطلاق إن المؤذن من الملائكة. وقال الآخر: حلفت بالطلاق إن ~~المؤذن من الإنس. وقال الآخر: حلفت بالطلاق إن المؤذن من الجن. فأجبنا عن ~~مسألتنا وافتنا في أيماننا، وذلك مما لا أجده في كتاب الله عز وجل ولا في ~~سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا أخبرنا الله به ولا رسوله كان علي يا ~~أمير المؤمنين أن أجيبهم في مسألتهم وأفتيهم في أيمانهم، فقال المأمون لا ~~ليس عليك إجابتهم ولا فتياهم، فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين لا يجوز لي ولا ~~لغيري بأن يقضي بينهم ولا يفتيهم إلا أن يكون الله عز وجل قد أخبر عن ذلك ~~في كتابه أو على لسان نبيه خير، وإذا لم يجز هذا خلق من خلق الله فكيف يجوز ~~الجواب عن علم الله، وهو مما لا يوجد في كتابه ولا في سنة نبيه، ولا أخبرنا ~~الله به ولا رسوله، وقد أكذب الله بشرا على لسان أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاه فيما ادعاه من وجوب الجواب علي وفتوى من جهل يا مسألته وحمق في يمينه، ~~فقال: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز. # فقال بشر: واحدة بواحدة يا أمير المؤمنين، سألني عبد العزيز أن أقول لله ~~علما فلم أجبه، وسألته ما علم الله فلم يجبني فقد استوينا في الحيدة عن ~~الجواب، ونخرج عن هذه المسألة إلى غيرها، وندعها على غير حجة تثبت لأحدنا ~~على صاحبه فيما قال. PageV01P051 # قال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن بشرا قد أفحم ~~وانقطع عن الجواب ودحضت حجته وبقي بلا حجة يقيمها هذا المذهب الذي كان يدعو ~~الناس إليه، فلجأ إلى أن يسألني عن مسألة محال يحتج بها في ليقول: سألني ~~عبد العزيز ms31 عن مسألة فلم أجبه، وسألته عن مسألة فلم يجبني عنها، وقد قال ~~ذلك، وأنا وبشر يا أمير المؤمنين على غير السواء في مسألتنا، لأني سألته ~~عما أخبر الله به وشهد به على نفسه وشهدت له الملائكة به، وتعبد الله عز ~~وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وسائر الخلق بالإيمان به بقوله: {وقل آمنت بما ~~أنزل الله من كتاب} 1 فوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى الخلق جميعا ~~الإيمان بما أنزل الله من كتاب، وبشر يا أمير المؤمنين يأبى أن يؤمن بذلك ~~أو يقر به أو يصدقه. وسألني بشر عن مسألة ستر الله علمها عن الملائكة، وأهل ~~ولايته جميعا، وعني وعن بشر وعن سائر الخلق جميعا، ممن مضى وممن هو آت إلى ~~يوم القيامة فلم يعلمها أحد قبلنا ولا يعلمها أحد بعدنا، فلم يكن لي أن ~~أجيبه عن مسألته، وإنما يدخل النقض علي يا أمير المؤمنين لو كان بشر يعلم ~~ما سألني عنه أو غيره من العلماء، وكنت أنا لا أعلمه، فأما إذا اجتمعنا ~~جميعا أنا وبشر وسائر الخلق في جهل هذه المسألة وقلة العلم بها، فليس الضرر ~~بداخل في دونه، وهذه مسألة لا يحل أن يسأل عنها، ولا يحل لأحد يجيب فيها ~~لأن الله عز وجل حرم ذلك عليه. # قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: أنتما في مسألتكما على غير السواء، وقد ~~صح قولك في هذه المسألة يا عبد العزيز وبان ووضح وظهرت حجتك على بشر فيها. # قال عبد العزيز: ورأيت بشرا قد حار وانقطع وصح ما في يدي واستبان الحق ~~ووضح لأمير المؤمنين ولسائر من بحضرته، فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاءك، أرجع إلى المسألة، وادع العلم فأكسر قول بشر وافضح مذهبه وأبطل قوله ~~واحتجاجه. # فقال لي المأمون: قد أصبت يا عبد العزيز بتركك الكلام فيما قد قطع المجلس ~~من غير ان يرجع إليك عن مسألتك فيه جواب، وقد وقفنا من قولك على ~~PageV01P052 # ما يلزم بشرا في هذه المسألة لو أجابك عن مسألتك، فهات ما عندك ms32 من غير ~~هذا. # قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك على كل من اكتال ~~بمكيال أن يوفي به، قال ذلك يلزمه. فقلت: يا بشر ألست تزعم أن قوله: {خالق ~~كل شيء} 1 لفظه لا يخرج عنها شيء، لأن كل، كلمة تجمع الأشياء فلا تدع شيئا ~~يخرج عنها وكل شيء داخل فيها. فقال بشر: هكذا قلت وهكذا أقول، وهكذا هو عند ~~الخلق ولست أرجع عنه بكثرة خطبك وهذيانك، فقلت: أمير المؤمنين شاهد عليك ~~بهذا. # قال عبد العزيز: ثم قلت له: يا بشر قال الله عز وجل: {واصطنعتك لنفسي} 2 ~~وقال عز وجل: {ويحذركم الله نفسه} 3 وقال جل ذكره: {كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده} 4 وقال عز وجل: {كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده} 5 وقال: ~~{تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} 6 فقد أخبر ~~الله عز وجل في مواضع كثيرة من كتابه أن له نفسا، أفتقر يا بشر أن لله نفسا ~~كما أخبرنا عنها بهذه الأخبار كلها، قال: نعم7. # قال عبد العزيز: فقلت له: قال الله عز وجل. {كل نفس ذائقة الموت} 8 ~~أفتقول أن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت، فصاح ~~المأمون بأعلى صوته وكان جهير الصوت، معاذ الله معاذ الله معاذ الله، فقلت: ~~PageV01P053 # إذا ورفعت صوتي معاذ الله معاذ الله أن يكون كلام الله داخلا في الأشياء ~~المخلوقة، كما إن نفسه ليست بداخلة في الأنفاس الميته، وكلامه خارج عن ~~الأشياء المخلوقة كما إن نفسه خارجة عن الأنفس الميتة. # قال بشر: يا أمير المؤمنين قد سألني فليسمع كلامي وليدع الصياح والضجيج. ~~فقلت له: تكلم بما شئت. فقال: إذا كانت نفس (الله) ضميرا أو توهما، فهي ~~خارجة وليست بداخلة في هذه النفوس. فقلت له: كم ألقي عليك إني أقول بالخبر ~~وأمسك عن علم ما ستر عني، وإنما ms33 قلت إن لله نفسا كما أخبرنا وقد أقررت بذلك ~~فلتكن عندك على أي معنى شئت؟ وقل هي داخلة في هذه النفوس أو لا، ودع عنا ~~كلام الخطرات والوساوس، فقال لي: أنت رجل متعنت تجاب عن مسألتك فتطلب ~~غيرها، وليس عندي جواب غير هذا وانقطع. # قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد كسرت قوله بقوله، ودحضت حجته ~~بحجته وبطل ما كان يدعو إليه من بدعته، وبان لأمير المؤمنين قبح مذهبه وفحش ~~قوله، فأقبل في المأمون فقال. يا عبد العزيز قد وضحت حجتك، وبان قولك، ~~وانكسر قول بشر، وتحتاج أن تشرح هذه الأخبار التي في القرآن ومعانيها وما ~~أراد الله عز وجل بها ليسمع من بحضرتنا، فقد جرت اليوم أشياء كثيرة يحتاج ~~من سمعها إلى معرفتها وفهمها. # قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل شرف العرب وكرمهم ~~بأن أنزل القرآن بلسانهم وجعله مكتتبا على تبيان فقال عز وجل: {إنا أنزلناه ~~قرآنا عربيا} 1 وقال عز وجل: {وإنه لتنزيل رب العالمين.. إلى قوله بلسان ~~عربي مبين} 2 وقال عز وجل: {فإنما يسرناه بلسانك} 3 فخص الله عز وجل العرب ~~بفهمه ومعرفته وفضلهم على غيرهم بعلم أخباره ومعاني ألفاظه وخصوصه وعمومه ~~ومحكمه ومبهمه، وخاطبهم بما عقلوه وعلموه، ولم يجهلوه وقبلوه ولم يدفعوه، ~~وعرفوه فلم ينكروه، إذ كانوا قبل نزوله عليهم يتعاملون بمثل ذلك في خطابهم ~~ولغاتهم وكلامهم، فأنزل الله جل ذكره القرآن على أربعة أخبار PageV01P054 # خاصة، وعامة، فمنها خبر مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى الخصوص، ومنها خبر ~~مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى العموم، فهذان خبران محكمان لا ينصر فان ~~بإلحاد ملحد، ومنها خبر مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى الخصوص، ومنها خبر ~~مخرجه الخصوص ومعناه معنى العموم، ففي هذين الخبرين يا أمير المؤمنين دخلت ~~الشبهة على من لا يعرف خاص القرآن وعامه. # فأما الخبر الذي مخرجه العموم ومعناه معنى العموم، فهو قول عز وجل: {وله ~~كل شيء} 1 فجمع هذا الخبر الخلق والأمر، ولم يبق شيئا إلا وقد أتى عليه، ms34 ~~لأن كل شيء هو له، مما هو مخلوق وغير مخلوق. فهذا خبر مخرجه مخرج العموم ~~ومعناه معنى العموم. # وأما الخبر الذي مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معني الخصوص، فهو قوله عز وجل: ~~{إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين} 2 وقوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين} 3 فكان مخرج ~~الخبر لآدم عليه السلام مخرج الخصوص، ومعناه معنى الخصوص، وكذلك كان مخرج ~~الخبر لعيسى عليه السلام مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى الخصوص. ثم قال: ~~{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم} 4 والناس اسم يجمع آدم وعيسى ومن بينهما ومن ~~بعد هما، فعقل المؤمنون عن الله عز وجل عند نزول هذا الخبر إنه لم يعن آدم ~~وعيسى عليهما السلام في الناس الذين خلقهم من ذكر وأنثى لأنه قد قدم ذلك ~~الخبر الخاص في آدم وعيسى عليهما السلام، وكان مخرج اللفظ عاما بهما وبغير ~~هما ومعناه خاصا بالناس دونهما. # وأما الخبر الذي مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى العموم فهو قوله تعالى: ~~{وأنه هو رب الشعرى} 5 فكان مخرج الخبر خاصا ومعناه عاما. PageV01P055 # وأما الخبر الذي مخرجه مخرج العموم ومعناه الخصوص، فهو قوله تعالى: ~~{ورحمتي وسعت كل شيء} 1 فعقل المؤمنون عن الله عز وجل عند نزول هذا الخبر ~~أنه لم يعن إبليس فيمن تسمعه الرحمة لما قدم فيه من الخبر الخاص قبل ذلك ~~وهو قوله: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} 2 فكان إبليس ومن تبعه ~~خارجين بهذا الخبر الخاص من رحمته التي وسعت كل شيء، فصار معنى ذلك الخبر ~~العام خاصا لخروج إبليس ومن تبعه من رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، ~~فلما أنزل الله عز وجل هذه الأربعة الأخبار، خص العرب بفهمها ومعرفة ~~معانيها وألفاظها وخصوصها وعمومها والخطاب بها، ثم ms35 لم يدعها اشتباها على ~~خلقه فيجد الملحدون السبيل إلى الإلحاد في صفاته والطعن على أخباره ~~والتشبيه علي خلقه من غير العرب الذين لم يعقلوا عنه ما أراد بخطابه حتى ~~جعل فيها بيانا ظاهرا وعلما واضحا لا يخفى على من سمعه وتدبره وتفهمه من ~~غير العرب، لمن لا يعرف الخاص، والعام، واسم، والمبهم، تفضلا منه وتكرما ~~وإحسانا إلى خلقه وإثباتا منه للحجة على من ألحد في كتابه وصفاته وما هو من ~~ذاته، فإذا أنزل الله تبارك وتعالى خبرا مخرج لفظه خاص ومعناه عام، أو خبرا ~~مخرج لفظه عام ومعناه خاص لم يدعه إشكالا على خلقه حتى يجعل أحد بيانين، ~~إما أن يستثني من الجملة شيئا يكون بيانا للناس جميعا، أو يقدم قبله خبرا ~~خاصا، فإذا أنزل بعده خبرا عاما لم يتوهم أحد من العلماء إنه عنى ما خصه في ~~الخبر الذي قدمه قبل نزول العام إذ كان قد خصه ونصه قبل ذلك. # قال عبد العزيز: فأما الخبر الذي ينزل على لفظ العموم ثم يستثني من ~~الجملة ما لم يعنه في العموم فهو قوله عز وجل في قصة نوح عليه السلام: ~~{فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} 3 فعقل المؤمنون عن الله عز وجل حين ~~استثنى الخمسين سنة من الألف إن الألف لم يستكملها نوح في قومه أيام ~~الطوفان قال: فكان ابتداء اللفظ عاما بالألف سنة، ومعناه خاصا بالاستثناء ~~للخمسين سنة، PageV01P056 # من الألف، ومثل هذا في القرآن كثير، ولكني أختصر من كل خبر مسألة واحدة ~~ليقف من بحضرة أمير المؤمنين على ذلك كما أمر. # وأما الخبر الذي ينزله على مخرج العموم وقد قدم قبله خبرا خاصا، فهو قوله ~~عز وجل: {ورحمتي وسعت كل شيء} 1 فكان مخرج الخبر باللفظ عاما، وكان معناه ~~خاصا لما قدم قبله من الخصوص في إبليس ومن تبعه بقوله: {لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين} 2 وقوله: {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك ~~يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم} 3 فعقل المؤمنون عن الله تعالى ms36 أنه ~~لم يعن هؤلاء الذين قدم فيهم الأخبار الخاصة لخروجهم عن الرحمة أنهم ~~معمومون بالرحمة مع غيرهم بهذا الخبر العام، وكذلك قال عز وجل في قصة لوط ~~عليه السلام: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه ~~القرية إن أهلها كانوا ظالمين، قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} 4 وقال في موضع آخر: {إنا ~~منجوك وأهلك إلا امرأتك} 5 فخص عز وجل المرآة بالهلاك وقدم فيها أخبارا ~~خاصة بذلك، ثم أنزل عز وجل خبرا مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى الخصوص ~~فقال: {إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر} 6 فعقل المؤمنون ~~عن الله عز وجل أنه لم يعن امرأة لوط بالنجاة، لما قدم فيها من الأخبار ~~الخاصة بالهلاك، وكذلك حين قدم إلينا عز وجل في نفسه خبرا خاصا إنه حي لا ~~يموت بقوله: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} 7 ثم أنزل خبرا نحرجه مخرج ~~العموم ومعناه معنى الخصوص فقال: {كل نفس ذائقة الموت} 8 عقل المؤمنون عن ~~الله عز وجل أنه لم يعن نفسه مع هذه النفوس الميتة لما قدم إليهم من الخبر ~~الخاص في PageV01P057 # نفسه أنه حي لا يموت وكذلك حين قدم إلينا في كتابه خبرا خاصا فقال عز ~~وجل: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} 1 فدل على قوله ~~باسم معرفة، وعلى الشيء باسم نكرة، فكانا شيئين مفترقين عند العرب وأهل ~~اللغة، فقال: إذا أردناه، ولم يقل إذا أردناهما، (وقال: أن نقول له) ولم ~~يقل أن نقول لهما، ففرق بين القول والشيء المخلوق والذي يقول له كن فيكون ~~بالقول مخلوقا، ثم قال عز وجل: {خالق كل شيء} 2وفعقل المؤمنون عن الله عز ~~وجل عند نزول هذا الخبر العام إنه أيعن كلامه وقوله في الأشياء المخلوقة ~~لما قدم في ذلك من الخبر الخاص أن الأشياء المخلوقة إنما تكون بقوله، وإنما ~~غلط بشر ومن قال بقوله وهلكوا وتاهوا وضلوا لجهلهم بالخاص ms37 والعام في القرآن ~~العظيم، وإنما شرف الله العرب وفضلها بمعرفتها بخاص القرآن وعامه ومجمله ~~ومبهمه. # فقال المأمون: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز. # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين إن بشرا خالف كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى لله عليه سلم وخالف إجماع أصحاب محمد صلى لله عليه وسلم". # فقال لي المأمون: "خالف كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله وإجماع أصحاب محمد ~~صلى لله عليه وسلم قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أوقفك عليه الساعة"، قال: ~~قل. فقلت: يا أمير المؤمنين إن اليهود ادعت تحريم أشياء لم تحرم عليهم في ~~التوراة وزعموا أنها في التوراة محرمة، فقال الله عز وجل لنبيه صلى لله ~~عليه وسلم: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} 3 فإذا أتوا ~~بالتوراة فتليت لم يوجد ما ادعوه محرما عليهم فيها، كان إمساك التوراة عند ~~ذلك مكذبا لقولهم ومبطلا لدعواهم، وكذلك أقول لبشر: أتل قراءنا بما قلت، ~~وإلا فإن إمساك القرآن عما تدعيه مكذب لك مبطل لدعواك. وكذلك ننظر في سنة ~~الرسول عليه السلام فإن كان معه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ~~قال، وإلا فإمساك السنة مكذب لقوله مبطل لدعواه وهما الأصل الذي أصلناه ~~بيننا وأشهدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه على أنفسنا به وشرطنا على ~~أنفسنا إسقاط كل ما لم يوجد في كتاب الله وسنة رسوله صلى لله عليه وسلم. ~~PageV01P058 # أما خلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن أصحابه اختلفوا في الحلال ~~والحرام ومخارج الأحكام، فلم يخطىء بعضهم بعضا، فهم من أن يكفر بعضهم بعضا ~~أبعد. وبشر يا أمير المؤمنين ادعى على الأمة كلمة تأولها بغير علم منه ~~لمعناها وبما أراد الله عز وجل بها ولم يجد لها في كتاب الله عز وجل ما ~~ينصها ولا ما يدل على تأويلها، ثم زعم أن من خالفه عليها كافر حلال الدم ~~فأباح دم الأمة جميعا على ذلك، فهو خارج عن إجماع أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم تسليما وشرف وكرم1. # الكتاب الثاني # بسم الله الرحمن ms38 الرحيم # وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # فقال بشر: "قد خطبت وتكلمت وهذيت وتركتك حتى تفرغ مما ادعيت (من إبطال ~~خلق القرآن) بنص التنزيل، ومعنا من كتاب الله آية لا يتهيأ لك معارضتها ولا ~~دفعها، ولا التشبيه فيها، ولا الخطب عليها، كما فعلت في غيرها، وإنما ~~أخرتها ليكون انقضاء المجلس عليها وسفك دمك بها". # قال عبد العزيز: فقلت له: "فاتها فأنا أشهد أمير المؤمنين على نفسي إني ~~أول من يتبعك عليها ويقول بها، ويرجع عن قوله، ويكذب نفسه ويتوب إلى الله ~~إن كان معك نص التنزيل، وكل من خالف نص التنزيل فهو كافر، والله لو اجتمعت ~~الأنس والجن على ما قلت أن يأتوا به لم يقدروا أن يأتوا به ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا". # قال بشر: "قال الله عز وجل: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} 2 # قال عبد العزيز: فقلت له: "لا أعرف أحدا من المؤمنين إلا وهو يؤمن بهذا ~~ويقول: إن الله جعل القرآن عربيا ولا يخالف ذلك. فأي شيء في هذا من الحجة ~~لك والدليل على خلقه". PageV01P059 # فقال بشر: "وهل في الخليقة أحد يشك في هذا أو يخالف علي فيه إن معنى ~~جعلناه خلقناه". # قال عبد العزيز: "يا أمير المؤمنين هات نص التنزيل الذي قال يأتي به ~~ورجعنا إلى معناه وتأويله". # فقال بشر: "ما هذا تأويل ولا تفسير ولا معنى، ولا هو إلا نص التنزيل". # قال عبد العزيز: "فأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاءك إن القرآن منزل بلسانك وبلسان قومك، وأنت أفهم أهل الأرض بلغة العرب ~~ومعاني كلامها، وبشر رجل من أبناء الأعاجم يتأول كتاب الله على غير ما عناه ~~الله عز وجل ويحرفه عن مواضعه ويبدل معانيه، ويقول ما تنكره العرب ولا ~~تتعارفه في كلامها ولغاتها، وأنت أعلم خلق الله بلغات قومه، وإنما يكفر بشر ~~الناس ويبيح دماءهم بتأويل التنزيل". # فجعل بشر يقول: "جاء الحق وزهق الباطل، تروح يا عبد العزيز إلى الكلام ~~والخطب والاستغاثة بأمير المؤمنين أطال الله بقاه ms39 لينقطع المجلس قال الله ~~عز وجل: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} 1 ثم ضرب ~~بشر يده على فخذي وقال: أقبل علي فقد أتيت بما لا تقدر على دفعه ولا على ~~التشبيه فيه لينقطع المجلس بثبات الحجة عليك وإيجاب العقوبة عليك، فإن يكن ~~عندك شيء تتكلم به، وإلا فقد قطع الله مقالك وأدحض حجتك، وجعل يصيح، فرحناك ~~في أول ما أردت فأين كلامك واحتجاجك إنه انقطع ذاك وجاء ما يخرس اللسان ~~ويذهب العقل ويحل الدم. # قال عبد العزيز: "فأقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز مالك قد أمسكت ~~أجبه إن كان عندك جواب لمسألته، فقلت: ليس يدعني يا أمير المؤمنين أكلمه من ~~ضجيجه وصياحه، فإن أمسك تكلمت وأجبته وكسرت قوله بإذن الله عز وجل، وإن ~~أراد أن يهذي ويروج الكلام إلى قطع المجلس لم أتكلم، وكان أمير المؤمنين ~~PageV01P060 # أطال الله بقاه أعلا عينا بما يراه، فصاح به المأمون أمسك وأسمع الجواب ~~منه عما سألت". # قال عبد العزيز: "فأمسك، فقال لي المأمون: تكلم يا عبد العزيز بما تريد. ~~فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك ما خفي عليك حرف واحد مما جرى ~~اليوم في مجلسك ولنعم الحاكم أنت جزاك الله عن رعيتك أفضل الجزاء، وبشر ~~يقول: ما يخطر بباله من غير علم ولا حقيقة لقوله، فإن رأى أمير المؤمنين أن ~~يتحفظ علينا ألفاظنا وما يجري بيننا في هذه المسألة ويشهد علينا بما نقول ~~ويطالب كل واحد منا صاحبه بإقامة الشاهد على ما يقول، من الكتاب والسنة ~~فعل. فقال: أنا أفعل ذلك منذ اليوم". # قال عبد العزيز: "فأقبلت على بشر فقلت: أخبرني عن جعل هذا حرف محكم لا ~~يحتمل غير الخلق، فقال بشر: نعم هو حرف محكم لا يحتمل معنى غير الخلق وما ~~بين جعل وخلق فرق عندي ولا عند غيري من سائر الناس، ولا عند أحد من العرب، ~~ولا من العجم، ولا يتعارفون الناس ولا يعقلون غير هذا في كلامهم ولغاتهم ~~سواء عندهم قالوا: خلق أو جعل. ms40 # فقلت لبشر: "أخبرني عن نفسك ودع ذكر العرب وسائر الناس فأنا من الناس ومن ~~الخلق ومن العرب أخالفك على هذا وكذلك سائر العرب تخالفك". فقال بشر: "هذا ~~باطل منك ودعوى تدعيها على العرب وغيرهم وليس يخالف في هذا أحد من خلق الله ~~غيرك خوفا على نفسك مما هو نازل بك لا محالة". # قال عبد العزيز: "أخبرني بإجماع الخلق بزعمك على أن جعل وخلق واحد لا فرق ~~بينهما في هذا الحرف وحده أو في سائر القرآن من الجعل، قال. بل في سائر ~~القرآن من ذلك وفي سائر الكلام والأخبار والأشعار". # قال عبد العزيز: "فقلت: حفظ عليك أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ما قلت ~~وشهد به عليك". # فقال بشر: "أنا أعيد هذا القول عليك متى سألتني عنه ولا أخالفه ولا أرجع ~~عنه". # PageV01P061 # قال عبد العزيز: فقلت لبشر: "زعمت أن معنى جعلناه خلقناه قرآنا عربيا، ~~قال: نعم هكذا قلت وهكذا أقول أبدآ" فقلت: "الله عز وجل تفرد بخلقه ولم ~~يشاركه فيه أحد، أو شاركه في خلقه أحد"، قال: "بل الله خلقه وتفرد بخلقه ~~ولم يشاركه في خلقه أحد". # قال عبد العزيز: "أخبرني عمن قال: إن بعض ولد آدم خلقوا القرآن من دون ~~الله أمؤمن هو أم كافر؟ فقال: بل كافر حلال الدم. فقلت: وأنا أقول أيضا ~~هكذا كافر حلال الدم. # قلت: "فأخبرني عمن قال من أن التوراة خلقها اليهود من دون الله تعالى ~~أمؤمن هو أم كافر"؟ قال: "بل كافر حلال الدم"، فقلت: "وأنا أقول أيضا هكذا ~~كافر حلال الدم". قلت: "فأخبرني عمن قال1: إن بني آدم خلقوا الله، وأن الله ~~أخبر بذلك. أمؤمن هو أم كافر"؟ قال: بل كافر حلال الدم قلت: "وأنا أقول ~~أيضا مثل ذلك". # فأخبرني يا بشر أليس الله خلق الخلق كلهم أجمعين؟ قال: بلى. قلت: فهل ~~شاركه في خلقهم أحد؟ قال: لا. قلت: فمن قال إن بعرض بني آدم خلقوا الله ~~أمؤمن هو أم كافر؟ قال: بل كافر حلال الدم. قلت: وأنا هكذا أقول". # قال بشر: "قد قعدت ms41 تمتحنني وتشغلني حتى يؤذن الظهر وينقطع المجلس رجاء أن ~~تنصرف سالما وهو مالا يكون عندك جواب لمسألتي وإلا فقد انقطع الكلام وأي ~~شيء هذه الخرافات". # قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين ليس ينصفني فأمره أن يجيبني عما ~~أسأله عنه، فإن الذي بقي أيسر، ثم أجيبه عن مسألته وعن كلامه، فقال له ~~المأمون أجبه عن كلامه وما يسألك، قال الساعة يؤذن بالصلاة وينقطع المجلس، ~~فقال المأمون: يؤخر الأذان بالصلاة إلى آخر الوقت وإن احتجتما إلى المجلس ~~بعد الصلاة لتمام الكلام جلست لكما حتى تفرغا". # قال عبد العزيز: "ثم أقبل علي المأمون فقال: سله يا عبد العزيز عما تريد ~~ولا PageV01P062 # تدع شيئا مما تحتاج إليه فإني متحفظ عليكما جميع ما يجري بينكما وشاهد ~~عليكما"، فقلت له: "جزاك الله عني يا أمير المؤمنين خاصة وعن رعيتك عامة ~~أفضل الجزاء فقد جلست منا اليوم مجلس الإمام العادل أحسنت إلي حين رأيتني ~~جزعا فسكنت روعتي وآنست وحشتي وبسطت لساني بحجتي وتابعت الحق حين ظهر لك ~~ودافعت وانتصرت له وشهدت لي بثبات الحجة، ودفعت أهل الباطل حين زهق واضمحل، ~~وبانت فضيحته، وشهدت على بطلانه، وأنصفت في مجلسك، وكان ذلك كله منك بتوفيق ~~الله تعالى وتأييده إياك فله الحمد والشكر على ما أولاك وأولى رعيتك فيك ~~يجزيك الله أفضل ما جازى أحدا من الأئمة عن رعيته". # فقال لي المأمون: "قد أبلغت يا عبد العزيز في القول والشكر ولك الزيادة ~~مما ابتدأناك به، فارجع إلى مسألة بشر (واسأله) عما تريد". # قال عبد العزيز: فأقبلت على بشر فقلت: "أخبرني عمن زعم إن بعض بني آدم ~~خلقوا الملائكة من دون الله تعالى أمؤمن هو أم كافر؟ قال: بل كافر حلال ~~الدم. فقلت: وأنا أقول هكذا أيضا. قلت: أخبرني عمن زعم إن بعض بني آدم ~~خلقوا لله شركاء أمؤمن أم كافر؟ قال: بل كافر حلال الدم. قلت: وهكذا أقول ~~أنا أيضا". # قال عبد العزيز: فأقبلت على المأمون فقلت: "يا أمير المؤمنين قد أقر بشر ~~إنه كافر حلال الدم، وكل من ms42 قال بقوله ووافقه على مذهبه، وعلمت إني قد ~~أخطأت، وأطرق المأمون إطراق مغضب، نظر إليه بشر فقال: يا أمير المؤمنين ~~أطال الله بقاءك لم يكفرنا ويحل دماءنا بحضرتك وفي مجلسك بلا حجة ظهرت، ~~وإنما سبب ذلك ليقول هذا". # قال عبد العزيز: "فقلت له: قد شهد عليك أمير المؤمنين بما قلت. فقال لي ~~المأمون: لقد افحشت القول وأعظمته واستشهدتني على ما لم أسمعه ولم أشهد على ~~بشر به ولا على أحد يقول بقوله". # قال عبد العزيز: "يا أمير المؤمنين اسمع قولي فإن "كنت " قلت حقا وإن ~~بشرا قد كفر نفسه ومن قال بمقالته وأحل دمه ودماءهم وانتزعت على كل حرف من ~~كلامي بآية من كتاب الله عز وجل، وإلا فدمي حلال وليأمر أمير المؤمنين بضرب ~~عنقي الساعة على رؤوس الأشهاد وإن أتيت على ما قلت ولفظت به بنص # PageV01P063 # الكتاب والتنزيل في كل لفظة وأقمت الشهادة على بشر من كتاب الله وسعني ~~عدل أمير المؤمنين". قال: "فقال لي: هات ما عندك ولا تطل الكلام بغير حجة". # قال عبد العزيز: فقلت: "قال الله عز وجل: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ~~ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} 1 وقد خلقتم ~~الله عليكم كفيلا، لا معنى لذلك عنده غيره، وإنه ومن قال بقوله ومن خالفه ~~وسائر العرب والعجم يقولون هذا. ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم، ~~وقد كذب في القول الأول، وصدق في قوله إن من قال هذا حلال الدم بإجماع ~~الأمة". # وقال عز وجل: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} 2 ولا تخلقوا الله عرضة ~~لأيمانكم، لا معنى له عنده ولا عند من قال بقوله، ومن خالفه وسائر الخلق ~~جميعا غير هذا أن الله قال لبني آدم، ولا تخلقوا الله، ثم قال: من قال هذا ~~فهو كافر حلال الدم، وأمير المؤمنين يشهد عليه بهذا اللفظ، وقد كذب في ~~قوله، إن معنى ولا تجعلوا ولا تخلقوا، وصدق في قوله، إن من قال هذا فهو ~~كافر حلال الدم بقوله وقولي ms43 وقول الناس جميعا. # فقال المأمون: "ما أقبح هذا وأشنع وأعظم القول به". فقلت: "قال الله ~~سبحانه: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} 3 فزعم بشر يا أمير ~~المؤمنين إن بني آدم يخلقون لله البنات، ويخبر بذلك عن الله عز وجل وإنه هو ~~قاله وشهد به على نفسه، ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم بإجماع ~~الأمة". # قلت: "وقال عز وجل: {وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله} 4 فزعم بشر يا ~~أمير المؤمنين إن معنى وجعلوا وخلقوا، ولا معنى له عنده ولا عند من قال ~~بقوله غير هذا فزعم عن الله عز وجل إنه قال وخلقوا لله أندادا ثم قال: من ~~قال هذا فهو كافر حلال الدم بإجماع الأمة". PageV01P064 # وقال الله عز وجل: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم} 1 وخلقوا له شركاء ~~الجن، لا معنى له عنده ولا عند من يقول بقوله ومن خالفه ولا عند سائر الناس ~~إلا هذا، فزعم بشر أن الله عز وجل أخبر إنهم يخلقون له شركاء الجن، ثم قال: ~~من قال هذا فهو كافر حلال الدم، وقد كذب في قوله إن معنى وجعلوا وخلقوا، ~~وصدق في قوله إن من قال هذا فهو كافر حلال الدم بقوله وقول الناس جميعا. ~~وقوله عز وجل: {وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ~~أم بظاهر من القول} 2 فزعم بشريا أمير المؤمنين إن معنى، وجعلوا، وخلقوا ~~لله شركاء، لا معنى له عنده ولا عند من قال بقوله ولا من خالفه ولا عند ~~العرب والعجم إلا هذا المعنى فزعم أن الله عز وجل أخبرهم، إنهم خلقوا له ~~شركاء وكذب بشر يا أمير المؤمنين وقال الباطل والزور، ولقد نفى الله تعالى ~~ذلك وأبطله، وأخبر إنه لا يعلم من هذا شيئا وأخبر إن من قال ذلك كافر ضال ~~بقوله: "وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبؤونه بما لا يعلم في الأرض أم ~~بظاهر من القول.. " # وكما قال: {بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ms44 ومن يضلل الله فما ~~له من هاد} 3 وقال عز وجل: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} ~~4 لا معنى له عنده ولا عند من قال بقوله وعند الناس جميعا غير هذا، ثم قال: ~~من قال هذا فهو كافر حلال الدم، وكذب في الأول، وصدق في الآخر إنه كافر ~~حلال الدم بإجماع الأمة، وقال عز وجل: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ~~فتشابه الخلق عليهم} 5 فزعم بشر إن معنى أم جعلوا، أم خلقوا، لا معنى له ~~عنده وعند من قال بقوله وعند الناس جميعا غير هذا، وزعم أن من قال هذا كافر ~~حلال الدم، وكذب في قوله الأول وصدق في الآخر إنه حلال الدم كافر بإجماع ~~الأمة.، وقال عز وجل: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا ~~خلقهم ... } 6 فزعم بشر إن معنى قوله، وجعلوا، وخلقوا الملائكة، ~~PageV01P065 # ثم قال: من قال هذا كافر حلال الدم، وكذب في الأول وصدق في الآخر إن من ~~قال هذا فهو كافر حلال الدم بإجماع الأمة، وقال عز وجل: {وما قدروا الله حق ~~قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها ... } 1 فزعم بشر يا أمير ~~المؤمنين إن معنى تجعلونه تخلقونه، يعني أن اليهود خلقوا التوراة، ومعنى ~~خلق التوراة خلق كلام الله عز وجل، فزعم أن اليهود خلقت كلام الله تعالى ~~وأنه لا معنى لذلك عنده ولا عند غيره ومن قال بقوله وعند سائر العرب والعجم ~~غير ذلك، ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم، فكذب في الأول، وصدق في ~~الآخر إنه كافر حلال الدم. ثم قال الله عز وجل: {كما أنزلنا على المقتسمين ~~الذين جعلوا القرآن عضين} 2 فزعم بشر إن معنى قوله الذين جعلوا القرآن ~~عضين، الذين خلقوا القرآن عضين، ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم، ~~وقد كذب في قوله، إن المقتسمين خلقوا القرآن، وصدق في قوله، إن ms45 من قال هذا ~~فهو كافر حلال الدم بإجماع الأمة". # قال عبد العزيز: "فأقبل علي المأمون فقال: حسبك يا عبد العزيز قد أقر بشر ~~على نفسه بالكفر وإحلال الدم وأشهد على نفسه بذلك وقد صدقت في كل ما قلت، ~~ولكنه قال ما قال وهو لا يعقل ولا يعلم ما عليه في ذلك وهذا شيء يلزمه في ~~نفسه خاصة ولا يلزم غيره ممن لا يقر بمثل ما أقربه ولا يحكم به على غيره ~~بمثل ما حكم به بشر على نفسه". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إنما قد خاطبت ~~أمير المؤمنين بما قد حصل في يدي، وأقر بشر به واشهد أمير المؤمنين على ~~نفسه، وعلمت أن أمير المؤمنين قد حفظ عليه كلامه، ولولا ذلك ما اجترأت على ~~ذلك"، فقال لي المأمون: "كنت تقصد بشرا وحده بالكلام والمخاطبة دون سائر ~~الناس"، قلت: "لم يدعني، جعلت أسأله في خاصة نفسه" فيقول: "هذا قولي وقول ~~سائر الناس وقول العرب والعجم، فأجبته على حسب كلامه، وصدق أمير المؤمنين ~~PageV01P066 # هذا يلزم من أقر به دون غيره إلا من قال مثل قوله وأقر بمثل ما أقر به" ~~وهذا الذي عنيت بقولي الأول حين قلت: "ومن قال بقوله" فقال: "قد أحسنت يا ~~عبد العزيز الانتزاع". # قال عبد العزيز: "ثم أقبل علي المأمون" فقال: "يا عبد العزيز تكلم في ~~بيان هذا واذكر الجعل والخلق وفرق بينهما واشرح. ذلك ليقف عليه من بحضرتنا ~~ويعرفه"، فقلت: "نعم يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك، ولكن إن رأيت أن ~~تأذن لي فأقول قبل البيان والشرح أشياء في هذا المعنى مما أكسر به قول بشر ~~وأدحض به حجته وأفضح به مذهبه وأبطل به اعتقاده فقال: لا يطول بنا المجلس ~~فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أدرسه درسا يا أمير المؤمنين، قال: قل ما ~~تريد، ولا تخاطب بشرا أقبل علي ودعه. قلت: قال الله عز وجل لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} 1 وقال في ms46 موضع ~~آخر لنبيه كلفه: {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} ~~2فزعهم بشريا أمير المؤمنين إن الله قال صلى الله عليه وسلم لا تخلق مع ~~الله إلها آخر، فمن أقبح قولا من هذا أو أفحش منه. وقال الله عز وجل لنبيه ~~عليه السلام: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} 3 فزعم ~~بشر إن الله قال لنبيه عليه السلام ولا تخلق يدك مغلولة إلى عنقك، فزعم أن ~~الله خلقه وبعثه رسولا، وليس له يد، ثم خاطبه بعد الرسالة فقال: ولا تخلق ~~يدك، والله سبحانه خلقه خلقا سويا، وما أقبح هذا القول وأشنعه وأبين كسره ~~وقال الله عز وجل: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} 4 فزعم ~~بشريا أمير المؤمنين أن الله عزوجل قال لخلقه: لا تخلقوا دعاء الرسول ~~بينكم، ما أقبح هذا من قول وأدحضه، وقال الله عز وجل: {وأوحينا إلى أم موسى ~~أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه ~~إليك وجاعلوه من المرسلين} 5 فالله يأمرها بعد ولادته والرضاع له أن تلقيه ~~في اليم ويعدها أن يرده إليها ويجعله من المرسلين. وبشر يزعم إنه ~~PageV01P067 # وعدها أن يرده إليها ويخلقه، وهذا مالا يعقله الناس، كيف يخلقه وهو ~~مخلوق، وقال عز وجل: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين} 1 وزعم بشر إنه يريد أن يمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ويخلقهم وهم مخلوقون مستضعفون في الأرض هذا مالا تعقله العرب ولا ~~العجم. وقال عز وجل: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} 2 فخاطبه بعد ~~خلقه وبعد فهمه ومعرفته، وزعم بشر أن الله تعالى قال لداود: إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض، وهذا مما لو خوطب به داود عليه السلام ما عقله، وقال الله ~~عزوجل مخبرا عن دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام حين قالا: ~~{ربنا واجعلنا مسلمين لك} 3 فأخبر أنهما دعيا ربهما وهما مخلوقان، وزعم بشر ~~أنهما ms47 دعيا ربهما إن يخلقهما مسلمين كان قد خلقهما، وقال الله عزوجل مخبرا ~~عن دعاء إبراهيم عليه السلام: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا} 4 ~~وقد كانت مكة مخلوقة قبل آدم عليه السلام وقبل إبراهيم، فكيف يدعو إبراهيم ~~بخلقها وهذا مما لا يعقله الناس، وقال الله عز وجل: {ما جعل الله من بحيرة ~~ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} 5 فأخبر الله أنه ما جعل ذلك كله، وزعم بشر ~~أن الله ما خلق البحيرة ولا السائبة ولا الوصيلة ولا الحام، وإنما خلقهما ~~الكفار من دون الله تعالى ومن قال هذا فقد كفر بالله عزوجل". # قال عبد العزيز: "فأقبل علي المأمون فقال: حسبك يا عبد العزيز فقد ثبتت ~~حجتك في هذه المسألة كثباتها في المسألة الأولى وانكسر قول بشر فيها، وبطل ~~دعواه، فارجع إلى بيان ما قد انتزعت به واشرحه (واذكر) معانيه وما أراد ~~الله به وما هو من الجعل مخلوق وما هو غير مخلوق؟ وبيان الإعلام والشواهد، ~~وما هو مخلوق، وما هو غير مخلوق، وما تتعامل به العرب في لغاتها وما تفرق ~~به بين الجعلين في كلامها، ليسمع من في المجلس ذلك، ويقفوا على مذهب العرب ~~في ذلك وما أراده الله عزوجل بقوله في ذلك". PageV01P068 # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين، إن جعل في كتاب الله عز وجل ~~يحتمل معنيين عند العرب، معنى خلق، ومعنى صير غير خلق، فلما كان خلق حرفا ~~محكما لا يحتمل معنى غير الخلق، ولم يكن من صناعة العباد لم يتعبد الله به ~~العباد فيقول لهم: اخلقوا أو لا تخلقوا، إذ كان الخلق ليس من صناعة ~~المخلوقين وكان من شغل الخالق سبحانه وتعالى". # ولما كان جعل على معنى صير لا على- معنى الخلق خاطب الله به العباد ~~بالأمر والنهي فقال: اجعلوا ولا تجعلوا، ولما كان جعل كلمة تحتمل معنيين، ~~معنى خلق ومعنى صير لم يدع الله في ذلك اشتباها على خلقه ولبسا على عباده ~~فيلحد الملحدون في ذلك ويشبهون على خلقه كما فعل بشر وأصحابه ms48 حتى جعل على ~~كل كلمة علما ودليلا فرق به بين الجعل الذي يكون على معنى الخلق، وبين ~~الجعل الذي يكون على معنى التصيير، فأما الجعل الذي هو على معنى الخلق فإن ~~الله عز وجل جعله من القول المفصل وأنزل القرآن به مفصلا وهو بيان لقوم ~~يفقهون. والقول المفصل يستغني به السامع إذا أخبر"به قبل " أن توصل الكلمة ~~بغيرها من الكلام إذ كانت قائمة بذاتها تدل على معناها، فمن ذلك قول الله ~~عز وجل: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} 1 # فسواء عند العرب قال، وجعل، أو قال وخلق، لأنها قد علمت أنه أراد بهذا ~~اجعل الخلق، لأنه أنزل من القول المفصل، وقال عز وجل: {وجعل لكم من أزواجكم ~~بنين وحفدة} 2 فعقلت العرب عنه أن معنى هذا وخلق لكم إذ كان قولا مفصلا. ~~وقال تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} ، فعقلت العرب عنه أنه عنى ~~بهذا الجعل الخلق، إذ كان من القول المفصل، وسواء عندها قال جعل أو قال ~~خلق، لأنها قد علمت ما أراده وما عنى. ومثل هذا في القرآن كثير جدا، يا ~~أمير المؤمنين، فهذا وما كان على مثاله من القول المفصل الذي يستغني ~~المخاطب به والسامع له بكل كلمة عما بعدها. # وأما جعل الذي هو بمعنى التصيير الذي هو غير خلق فإن الله عزوجل أنزله من ~~القول الموصل الذي لا يدري المخاطب "به " حتى تصل الكلمة بالكلمة التي ~~PageV01P069 # بعدها فيعلم ما أراد بها، وإن تركها مفصلة لم يصلها بغيرها من الكلام لم ~~يعقل السامع لها ما أراد بها ولم يفهمها ولم يقف على معنى ما عنى بها حتى ~~يصلها "بغيرها". # فمن ذلك قول الله عز وجل: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} 1 فلو ~~قال: إنا جعلناك، ولم يصلها بما بعدها لم يعقل داود عليه السلام ولا أحد ~~ممن سمع هذا الخطاب ما أراد الله به. ولا ما عنى بقوله لأنه خاطبه بهذا ~~القول وهو مخلوق، فلما وصلها بخليفة في الأرض، عقل داود ms49 وكل من سمع هذا ~~الخطاب ما أراد الله بقوله وما عنى به، وكذلك حين قال الله عز وجل لأم ~~موسى: {أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا ~~رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} 2 فلو لم يصل جاعلوه بالمرسلين لم تعقل أم ~~موسى ما خاطبها به ولا ما عنى بقوله، إذ كان خلق موسى عليه السلام قد تقدم ~~لرده إليها، فلما وصل الكلمة بالمرسلين عقلت أم موسى ما أراد بخطابها، ~~وكذلك قوله عز وجل: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} 3 وقد كان الجبل قبل أن ~~يتجلى له مخلوقا، فوصل # الجعل بدكا، ولو لم يصله لم يعقل السامع له ما أراد الله بقوله، وكذلك ~~قوله عز وجل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} 4 فلو لم يصل الكلمة وفصلها لم يعقل ~~أحد ممن سمع ما أراد بدعوتهما وقد كانا قبل دعوتهما مخلوقين فلما وصلها ~~بمسلمين علم كل من سمع ذلك ما أراد بدعوتهما، وكذلك قول إبراهيم: {رب اجعل ~~هذا بلدا آمنا} 5 فوصله بآمنا، ولم لم يصله ما عقل أحد ممن سمع ذلك ما عنا ~~بدعوته إذ كان بلد مكة مخلوقا قبل ذلك، فلما وصل بآمنا عقل السامع لذلك ما ~~أراد إبراهيم عليه السلام بدعوته، ومثل هذا كثير في القرآن جدا يا أمير ~~المؤمنين. # والذي تتعارفه العرب وتتعامل به في لغاتها وخطابها ومعنى كلامها ومخارج ~~ألفاظها هو الذي جرت به سنة الله عز وجل في كتابه إذ كان إنما أنزل بلسانها ~~واكتئب على تبيانها فخاطبهم الله عز وجل بما عقلوه وعرفوه ولم ينكروه ولم ~~يكونوا يعرفون سواه وهو القول الموصل والمفصل. PageV01P070 # فأرجع أنا وبشر يا أمير المؤمنين لما اختلفنا فيه من قول الله عز وجل: ~~{إنا جعلناه قرآنا عربيا} 1 إلى سنة الله في كتابه في الجعلين جميعا، وإلى ~~سنة العرب أيضا وما تتعارفه وتتعامل به، فإن كان من القول الموصل فهو كما ~~قلت أنا إن الله جعله قرآنا عربيا، بأن صيره عربيا- أي- أنزله بلغة العرب ~~ولسانها، ولم ms50 يصيره أعجميا فينزله بلغة العجم، وإن كان من القول المفصل فهو ~~كما قال ولن يجد ذلك أبدا، وإنما دخل الجهل على بشر ومن قال بقوله يا أمير ~~المؤمنين لأنهم ليسوا من العرب ولا علم لهم بلغة العرب ومعاني كلامها، ~~فتناولوا القرآن على لغة العجم التي لا تفقه ما تقول، وإنما تتكلم بالشيء ~~كما يجري على ألسنتها، فكل كلامهم ينقض بعضه بعضا لا ينتقدون ذلك من ~~أنفسهم، ولا ينتقده عليهم غيرهم لكثرته". # قال عبد العزيز: "وسمعت الأصمعي عبد الملك بن قريب، وقد سأله رجل أتدغم ~~الفاء في الياء؟ فتبسم الأصمعي وقبض على يدي وكان لي صديقا، فقال لي أما ~~تسمع، ثم أقبل على السائل وهو يتعجب من مسألته وقوله فقال له: "تدغم الفاء ~~يا الياء في لغة إخواننا بني الأنباء- بني ساسان- يقولون: كيصبحت، فيدغمون ~~الفاء في الياء، أما العرب فلا تعرف هذا". # قال عبد العزيز: "فاشتد تبسم المأمون من قوله الأصمعي ووضع يده على فيه". ~~قلت: "وهذا الذي يأتينا به بشر يا أمير المؤمنين من لغة أصحابنا بني ~~الأنباء- بني ساسان". # فقال بشر: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك يذمنا ويكفرنا وبقول إنا ~~نحرف القرآن عن مواضعه، وهو قد وضع قدر القرآن وشأنه وسماه بأنقص اسم ووصفه ~~بأخس صفة وأقلها ولقد خالف بقوله كتاب الله عزوجل وحرفه عن مواضعه لأن الله ~~عز وجل سماه كتابا عزيزا، وسماه كريما، وأخبر عنه إنه تام كامل بقوله: {ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء} 2. وسماه عبد العزيز موصلا ومفصلا، فخالف كتاب ~~الله تعالى وصفته وذم ما مدح الله تعالى الموصل عند العرض والعجم وسائر ~~PageV01P071 # الخلق دون التام الصحيح الكامل، إذ كان الموصل عندهم جميعا الملفق الذي ~~قد وصل بعضه ببعض ولفق بعضه ببعض. فإذا أراد الرجل من العرب وغيرهم أن يضع ~~من قدر الشيء قال: هو موصل وليس هو صحيح، فقد سمي كتاب الله اسما ناقصا ~~وقال فيه إثما وبهتانا عظيما، ولو قلت أنا هذا وما هو دونه لكان قد خطب ~~وكلم واستغاث بأمير المؤمنين وأخرجنا عن ms51 الإسلام وهو يقول العظام ويحيل على ~~العرب، وأمير المؤمنين أطال الله بقاه يحلم عنه بفضله وهو يتقوى بحلمه ~~علينا". # قال عبد العزيز فقلت لبشر: "وهذا أيضا من جهلك بما في كتاب الله عز وجل، ~~تذمني وتزعم إني سميت كتاب الله اسما ناقصا، وتغري بي أمير المؤمنين، وهو ~~أعلم بما قلت وتكلمت مني ومنك وما قلت إلا ما قال الله عزوجل، وما نسبت إلا ~~ما نسبه إليه وارتضاه له، وهو عند العرب الفصحاء كلام جيد صحيح مرتضى، وأنت ~~تزعم أن كلام الله الذي هو من ذاته مخلوق وتشبهه بكلام المخلوقين من الشعر ~~وقول الزور وغيره، وتنكر علي أن سميته يما سماه الله تعالى" # فقال بشر: "وأين سماه الله موصلا ومفصلا. قلت: في كتابه من حيث لا تفهمه ~~ولا تعلمه" فقال: "هاته". # قال عبد العزيز فقلت: "قال الله عز وجل: {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون} 1فهذه تسمية الله عز وجل لكلامه ووصفه له بنص التنزيل لا بتأويل ~~ولا بتفسير وهو الذي اختاره لنفسه ولكلامه وارتضاه له، وقال: {والذين يصلون ~~ما أمر الله به أن يوصل} 2 فامتدحهم بصلة ما وصل وأثنى عليهم في غير آية من ~~كتابه ووعدهم على ذلك أحسن عدة وهي الجنة، وقالت عز وجل: {أولئك لهم عقبى ~~الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} 3 فهذه ~~مدحة الله وهذا ثناء الله، وهذا جزاء الله لمن وصل ما وصل. ولقد ذم الله عز ~~وجل الذين قطعوا ما أمر الله بصلته وذمهم ولعنهم وجعلهم من PageV01P072 # الخاسرين فقال عز وجل: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما ~~أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} 1 ~~فهذا ذم الله لمن قطع ما وصل الله وما أمر بصلته وهو وعيد الله لهم ~~بالنار.، ثم ذكر الله ما في القرآن من المفصل فقال عز وجل: {الر كتاب أحكمت ~~آياته ms52 ثم فصلت من لدن حكيم خبير} 2 وقال عزوجل: {حم تنزيل من الرحمن الرحيم ~~كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} 3 وقال عز وجل: {كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون} 4 وقال: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} 5 فهذا قول ~~الله عز وجل وهذه أخبار الله وهذه تسمية الله وهذه نسبة الله عز وجل لكلامه ~~وهذا اختيار الله عز وجل لكتابه ولكلامه وهذا ما ارتضاه الله ورضي به من ~~قائله". # قال عبد العزيز: "فأقبلت على أمير المؤمنين المأمون فقلت: يا أمير ~~المؤمنين يزعم بشر إني سميت كتاب الله اسما ناقصا مذموما وإني ذهبت بقدره ~~وسميته بما لم يسمه الله عز وجل، وإني أتيت بذلك إثما وبهتانا عظيما ويدعي ~~علي الدعاوى وأنا حاضر معه، وإنما ينبغي له إذا تكلمت بشيء يطالبني بإقامة ~~الحجة والدليل على كل لفظة لفظت بها، فإن لم أفعل ذلك فليتكلم بما شاء ولقد ~~أكذبه الله عز وجل في كتابه وذم قوله وأبطله بما أنزل الله في كتابه من ذكر ~~الموصل والمفصل، وما قصد بشر يا أمير المؤمنين بقوله هذا إلا إلى تنقيص ~~العرب كلها وذم كلامها ولغاتها، وما تتعامل به في خطابها، إذ كانت تسمي ~~كلام الله تعالى موصلا ومفصلا، وتسمي كلامها مفصلا وموصلا، وتختار هذه ~~الأسماء لكلامها وترتضيها، وهي عندنا جميلة حسنة صحيحة المعنى لا خلاف ~~بينهم". # قال بشر: "ما تعرف العرب من هذا شيئا، وما أنت أعرف بلغة العرب مني، ~~PageV01P073 # وكل شيء نسبته إلى العرب فهو مخالف لقولها ولغتها ومذهبها في كلامها". # قال عبد العزيز: "فأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاءك أنت بيت اللغة وأعلم خلق الله بلغة العرب وكلامها وما تتعارفه ~~وتتعامل به في خطابها وأنت الحاكم بيننا فإن أكن تزيدت على العرب منذ اليوم ~~في ما حكيته عن العرب أو نسبته إليهم أو عدلت عن سنتهم أو حدث عنهم وعن ~~مذهبهم وكلامهم وخطابهم ومخارج ألفاظهم فقد استحققت العقوبة من وجهين، ~~أحدهما جرأتي على أمير المؤمنين أطال الله بقاه وقولي ms53 بين يديه، وحكايتي عن ~~قومه ما يعلم خلافه مع علمي إنه أعلم خلق الله بذلك. والأخرى كذبي على سائر ~~العرب وادعائي الباطل عليهم وأمير المؤمنين يشهد علي بكذبي وتزيدي وهو في ~~حل وسعة من دمي ومن كل ما يعاقبني به، إن كان قد وقف على ذلك مني. وإن يكن ~~بشر يا أمير المؤمنين قد تزيد في القول، وادعى علي الباطل كان أمير ~~المؤمنين أعلا عينا بالرد عليه ومنعه من قول الزور والكذب". # فقال المأمون: "ما قلت يا عبد العزيز منذ اليوم إلا ما تقوله العرب وما ~~تتعارفه وتتعامل به، وما خرجت عن مذهبها، ولو عدلت عن ذلك ما سوغت1 لك ~~الكذب عليها". # قال عبد العزيز: فقلت: "الله أكبر الله أكبر كذب بشر والله بشهادة أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه- لي عليه- أفلحت ورب الكعبة أفلحت ورب الكعبة ~~وظهر أمر الله وهم كارهون". # قال عبد العزيز: "فقال بشر وعلى الخلق أن يتعلموا لغة العرب2 وما تعبدنا ~~الله بهذا، كل إنسان يقول بلغته وبقدر معرفته، وما كلف الله الخلق فوق ~~طاقتهم، ولا طالب أولاد العجم بلغة العرب". # قال عبد العزيز: فقلت لبشر: "وكلف الله الخلق أن يتكلموا بما لا يعلمون ~~حيث ادعيت العلم وتكلمت في القرآن العظيم وتأولت كتاب الله على غير ما عناه ~~الله، ودعوت الخلق إلى إتباعك، وكفرت من خالفك وأبحت دمه، والله قد نهى ~~PageV01P074 # الخلق جميعا فلم يحاش نبيا مرسلا ولا صديقا ولا عبدا مؤمنا أن يقولوا ~~مالا يعلمون، فقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} 1 وقال عز وجل لنوح ~~عليه السلام: {فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} 2 ~~فقال نوح معتذرا إلى ربه معترفا بخطيئته مستغفرا منها: {قال رب إني أعوذ بك ~~أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} 3 وقال ~~تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ms54 آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} 4 يذمهم الله بهذا الخبر وذم ~~فعلهم وطريقهم التي سلكوا، فقال بشر: "اخطب حتى تشبع من الكلام ثم أخاطبك". ~~قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين إن بشرا قد تحير في ضلالته، وعمي ~~عن رشده، وبانت فضيحة قوله ومذهبه، وانقطع فما يأتي بحجة". فقال بشر: "ما ~~انقطعت ولا تحيرت ولا بانت فضيحة مذهبي، وأنا على بينة من أمري، وما دعوت ~~الناس ولا أدعوهم إلا إلى سبيل الرشاد ولا أنا ولا هم الأعلى سداد وكل من ~~خالفني فكافر حلال الدم". # قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين ما كان بقي على بشر غير هذا" قد ~~قال كما قال فرعون، ولجأ إلى سبيل فرعون فاتبعها وإلى سبيله فسلكها. # فتبسم المأمون حتى وضع يده على فيه ثم قال: "كيف قلت يا عبد العزيز"؟ ~~فأعدت عليه القول فازداد تبسمه ثم قال: "كيف قال بشر ما قال فرعون ولجأ إلى ~~سبيل فرعون"؟ فقلت له: "لما قرأت على بشر القرآن وأوضحت السبيل والبرهان ~~ودللته على طريق النجاة، ونطقت بالحق الذي أنطقني الله به قال بشر إني لعلى ~~بينة من ربي قال هو ما دعوت الناس إلا إلى سبيل الرشاد، وكذلك قال فرعون ~~PageV01P075 # حين أنطق الله من وفقه لقول الحق قال عز وجل: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون ~~يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن ~~يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من ~~هو مسرف كذاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس ~~الله إن جاءنا} 1 قلت: قال هذا المؤمن الحق الذي أنطق الله به لسانه وسدد ~~به قوله وسمعه فرعون وقومه قال فرعون لقومه: {ما أريكم إلا ما أرى وما ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد} 2 وكذلك بشر يا أمير ms55 المؤمنين حين سمعني أقول الحق ~~وفقني الله إليه وأنطق به لساني، فقال: إني لعلى بينة من ربي وما دعوت ~~الناس إلا إلى سبيل الرشاد فأجاب بمثل ما أجاب به فرعون عند سماع الحق ~~واتبع سبيله وما عدل عنها فبشر مرة يتبع سبيل الشيطان ويأمر بما أمر به ~~الشيطان وقد قال الله عز وجل: {إن كيد الشيطان كان ضعيفا} 3 ومرة يتبع سبيل ~~اليهود في تحريف القرآن عن مواضعه، وقد قال الله عز وجل: {من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه} 4 إلى قوله: {أولئك الذين لعنهم الله} 5وقال: ~~{وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} 6 ومثل هذا كثير، ومرة ~~يتبع سبيل الكفار في التسوية بين الله وبين خلقه في خلق الأشياء، ومرة يتبع ~~سبيل عبدة الأصنام في الحيدة عن الجواب وقد قال الله عز وجل: {وما كيد ~~الكافرين إلا في ضلال} 7 ومرة يتبع سبيل فرعون والقول بمثل قوله وقد قال ~~الله عزوجل: {وما كيد فرعون إلا في تباب} 8 وقال عز وجل: {بل نقذف بالحق ~~على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} 9 وقال عز وجل: {وقل ~~جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} 10. # فقال بشر: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءكم إنما يتكلم ويخطب لينسي ~~خصمه حجته ويشغله بغيرها، ولولا بسط أمير المؤمنين إياه لم يقدر يدير لسانه ~~في فمه ولكنت ظاهرا عليه، ثم أقبل بشر علي" وقال: "لو خطبت إلى غد ما تركت ~~مطالبتك PageV01P076 # بما قلت فدع عنك الهذيان وأقبل علي". قال عبد العزيز: فقلت له: "تكلم بما ~~شئت حتى أجيبك". فقال بشر: "تعبد الله الخلق أن يعرفوا الموصل والمفصل وما ~~يضر الخلق أن لا يعرفوا ذلك ولا يتعلمونه". # فقال له المأمون: "قد رجعنا إلى الكلام الأول". # فقال بشر: "أدهشني بكلامه وخطبه عن تمام الكلام في هذا وهو يتوهم أنه كسر ~~قولي بهذا المفصل والموصل الذي لا يحتاج إلى معرفته (أ/32) ولا يطالب أحد ~~به". قال عبد العزيز: "فقلت لبشر بل ms56 قد تعبد الله الخلق أن يعرفوا ذلك ~~ويتعلمونه لئلا يصلوا ما فصل الله ويفصلوا ما وصل الله عزوجل". # قال: "ما الحجة في ذلك والدليل على صدق قولك". # قال عبد العزيز: "فقلت له أما سمعت ما قرأت عليك من كتاب الله وما تلوت ~~عليك من الآيات المحكمات فيمن وصل ما أمر الله به أن يوصل ومن قطع ما أمر ~~الله به أن يوصل وما وعد الله هؤلاء من حسنى وعقبى الدار، وما توعد الله به ~~هؤلاء من اللعنة والعذاب وسؤ الدار". # فقال بشر: "دع ذكر ما مضى فمالك فيه حجة واحتج الساعة بشيء أفهمه". # قال عبد العزيز: "فقلت له صدقت أنك ما فهمت ما مضى ولو فهمت ما قلت ما ~~قلت، وأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين إن في بعض ما مضى لكفاية ~~وبلاغ ولكن بشر يزعم أنه لم يفهم شيئا مما مضى وأنا أتكلم في ذكر المفصل ~~والموصل من القرآن وأحتج للعرب في صحة لغاتها ومذاهبها في كلامها وخطابها". ~~قال عبد العزيز فقال المأمون: "إن كان بشر لم يفهم ما مضى فكذلك لا يفهم ~~إعادة ما يأتي فدع إعادة شيء قد مضى وظهرت لك الحجة فيه فإن هذا وقت ~~الصلاة". # فقلت: "يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأذن لي أن أتكلم بشيء لم أتكلم به ~~في هذا المعنى أقيم به الحجة على بشر وأرجو أن يستحسنه أمير المؤمنين أطال ~~الله بقاءه من غزير إطالة الكلام". فقال: "تكلم وأوجز". # قال عبد العزيز: "فأقبلت على بشر فقلت: زعمت يا بشر إن الله لم يتعبد # PageV01P077 # الخلق بمعرفة الموصل والمفصل فمن زاد فيه شيئا أو نقص منه كان كافرا". ~~قال بشر: "ما قلت هذا يا أمير المؤمنين وهو يدعيه علي". # فقلت له: "أخبرني عمن قال إن الله عز وجل لم يتعبد الخلق بمعرفة لشيء، من ~~هذا أو غيره أو زاد فيه أو نقصه كان كافرا، أيكون صادقا أو كاذبا"؟ فقال: ~~"كاذبا وإنما أقول كل شيء إذا زيد فيه أو نقص منه أو غير ms57 عما هو عليه كان ~~فاعل ذلك (32/ب) كافرا لأن الله تعبد الخلق، بمعرفته وعلمه". # فقلت له: "قد وافقتني وأجبت نفسك عني وأقررت بما أنكرت". # فقال بشر: "دع الكلام والتشبيه عنك وأقم الشاهد والدليل على ما تقول" قال ~~عبد العزيز فقلت له: "قال الله عز وجل: {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} 1 فأخبر ~~الله عز وجل أنه لا إله إلا هو وشهد بذلك لنفسه وشهدت له الملائكة وأولو ~~العلم بمثل ذلك فلو قال رجل شهد الله أنه لا إله وقطع الكلام والصلة عامدا ~~كان كافرا لأنه زعم أن الله شهد أن لا إله وشهدت له الملائكة وأولو العلم ~~بذلك ومن قال هذا عامدا كان كافرا حلال الدم لأنه أعظ م على الله عز وجل ~~الفرية وأبطل الربوبية وجحد أن يكون الله تعالى الها واستشهد ملائكته وأولو ~~العلم على قوله، فإذا وصل الكلمة كما وصلها الله عز وجل فقال: شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم كان صادقا وكان قد قال ما قال الله عز ~~وجل وشهد به لنفسه وشهدت به الملائكة وأولو العلم وكذلك قوله تعالى: {الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم} 2 وكذلك كل ما في القرآن من التهليل فعلى هذا ~~المعنى من فصله من صلته وزاد فيه أو نقص منه كان كافرا، وقال عز وجل: {إن ~~الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} 3 لو أن رجلا قال: إن الله ~~لا يستحي وقطع الكلام عامدا كان كافرا لأنه زعم أن الله لا يستحي، ومن قال ~~هذا فقد أعظم الفرية إذ أخبر عن الله أنه أخبر عن نفسه أنه ا، يستحي فقد ~~كفر وحل دمه بقوله هذا وكذلك PageV01P078 # قوله في سورة الأحزاب: {والله لا يستحي من الحق} 1 فلو قال رجل: والله لا ~~يستحي وقطع الصلة عامدا كان كافرا حتى يصل ما وصل الله في الحرفين فيقول في ~~الأول أن ms58 يضرب مثلا ويقول في الآخر من الحق فيكون قد وصل ما وصل الله ولم ~~يقطعه وإن لم يصله كان كافرا حلال الدم، وقال الله عز وجل: {وعنده مفاتح ~~الغيب لا يعلمها إلا هو} 2 (33/أ) فلو قال رجل: وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها وقطع الصلة عامدا كان كافرا حلال الدم لأنه زعم أن الله لا يعلم ~~الغيب، ومن زعم هذا فقد رد خبر الله عز وجل ورد قول الله عز وجل بشهادته ~~لنفسه بعلم الغيب بقوله: {عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال} 3 وقوله عز ~~وجل: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} 4 وقوله: ~~{إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور} 5 فمن قال إن ~~الله لا يعلم الغيب فقد كفر وحل دمه، فإذا وصل ما وصل الله عزوجل ولم يقطعه ~~فقال: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو كان صادقا وكان قد قال ما قال ~~الله عز وجل ووصل ما وصل الله عزوجل ومثل هذا في القرآن كثير". # قال المأمون: "أحسنت يا عبد العزيز"، قال عبد العزيز فقلت لبشر: "استمع ~~لما في مسألتك". فقال بشر: هاته، قال عبد العزيز: "وأما المفصل الذي لا ~~يجوز صلته فقول الله عز وجل: (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) هاهنا تم ~~الكلام ثم يبتدي القاري فيقول: {ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} 6 ~~فلو قال رجل لفذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله وقطع الكلام عامدا كان ~~كافرا حلال الدم لأنه زعم أن لله مثل السوء وشبهه جل ذكره بالذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وأدخله معهم في المثل السوء، فإذا فصل الكلام كما فصله الله ولم ~~يصله بما لم يصله الله به فقال: للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء وقطع ~~الكلام كان صادقا وكان PageV01P079 # قد وقف على تمام الكلام وفصل ما فصل الله عزوجل ولم يصل ما فصل الله قال ~~الله عز وجل: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) هاهنا تم الكلام ثم يبتدي ~~القاري فيقرأ: {وكلمة ms59 الله هي العليا} 1 فلو قال رجل: "وجعل كلمة الذين ~~كفروا السفلى وكلمة الله وقطع عامدا كان كافرا حلال الدم لأنه قد أعظم ~~الفرية على الله عز وجل وزعم أن الله قد أخبر أن كلمته سفلى مع كلمة الذين ~~كفروا فشبه (33/ب) الله تعالى بالذين كفروا فإذا فصل الكلام من الصلة فقال ~~وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ووقف على ذلك وقطع الصلة كان صادقا وكان فصل ~~ما قد فصل الله عزوجل". # قال عبد العزيز: "فأقبل علي المأمون" فقال: "أحسنت أحسنت يا عبد العزيز ~~وقد أبلغت فلا تحتاج إلى زيادة، ثم أقبل على بشر" فقال: "يا بشر هل عندك ~~شيء تحتاج تسأل عنه عبد العزيز أو تحتج به عليه فقد ظهرت حجته ووضح قوله ~~عندنا. قال بشر: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك هذا يريد نص التنزيل بكل ~~شيء يتكلم به أو يلفظ به وليس كل ما يتكلم به الناس ويحتجون به يجدونه في ~~نص التنزيل وإنما يجدونه في التأويل وهذا لا يقبل التأويل ويبطل التفسير ~~حتى كأنه كان يشاهد التنزيل وهذا مالا أسوغه أنا للمناظرين ولا أطيقه ~~للمتكلمين إذ كان الناس لا يجدون علم ما يختلفون فيه ويتنازعون من أمر ~~دينهم في كتاب الله عز وجل بنص التنزيل ولو كان هذا كما يقول عبد العزيز ~~لبطل التفسير كله وبقي الناس في حيرة من أمر دينهم والناس جميعا يوافقوني ~~على قولي ويخالفون عبد العزيز". # قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك كل ما يتكلم به ~~الناس من علم دينهم وما يختلفون فيه ويتنازعون فيه فهو موجود في القرآن وفي ~~غيره من كتبه لقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} 2 وقوله: {يا موسى إني ~~اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا ~~له في الألواح من كل شيء} 3 فليس من شيء يحتاج إليه يا أمير المؤمنين إلا ~~وهو موجود في القران عقله من عقله وجهله من جهله". PageV01P080 # قال عبد العزيز: "فجثى محمد بن ms60 الجهم على ركبتيه وقال يا عبد العزيز زعمت ~~أن كل شيء يتكلم به الناس ويحتاجون إلى معرفته موجود في كتاب الله بنص ~~التنزيل بلا تأويل ولا تفسير فأوجدنا أن هذا الحصير مخلوق أو غير مخلوق في ~~كتاب الله تعالى بنص التنزيل ووضع يده على حصير مرمي (34/أ) كان تحتنا ~~مبسوطا في الإيوان" فقلت له: "نعم علي أن أوجدك ذلك". # قال عبد العزيز فأقبلت عليه فقلت له: "أخبرني عن هذا الحصير أليس هو من ~~سعف النخل وجلود الأنعام"؟ # قال: "بلى". قلت: "فهل فيه شيء غير هذا"؟ قال: "لا". فقلت له: "هل هاهنا ~~شيء غير هذا" قال: "لا". فقلت له بل هاهنا شيء صار به حصيرا يجلس عليه". ~~قال: "وما هو"؟ قلت: "الإنسان الذي صنعه وألفه وأحكمه" قال: "نعم". # قال عبد العزيز: "فقلت له قال الله عز وجل وقد ذكر الأنعام فقال: ~~{والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع} 1 وأما السعف فإن الله ذكره فقال: ~~{أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون} 2 وقال: {ولقد خلقنا الأنسان من ~~سلالة من طين} 3 فقد كمل خلق الحصير بنص القرآن بلا تأويل ولا تفسير، فهل ~~عندك مثل هذا في خلق القرآن تذكره وتحتج به وإلا فقد بطل ما تدعونه في خلقه ~~وصح ولم يزل صحيحا أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق من كل جهة. قال ~~فصاح المأمون: يا محمد بن الجهم مالك وللكلام خل بين الرجل وصاحبه حتى ~~يكلمه وأقبل على بشر فقال: يا بشر هل عندك شيء تناظر به عبد العزيز قبل أن ~~نصرفه ونقوم فقد طال المجلس وصليت الظهر. فقال بشر: يا أمير المؤمنين عندي ~~أشياء كثيرة إلا أنه يقول بنص التنزيل وأنا أقول بالنظر والقياس فليدع ~~مطالبتي بنص التنزيل ويناظرني بغيره فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقول بقولي ~~ويقر بخلق القرآن الساعة فدمي حلال". # فقال المأمون: "لهذا مجلس تناظرون فيه". قال عبد العزيز فقلت: "يا أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءك إن رأيت أن تأذن لي فأناظره كما سأل على جهة ms61 ~~النظر PageV01P081 # والقياس وأدع مطالبته بالقرآن ونص التنزيل ويكون أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاءه الشاهد علينا والمحتفظ لكلامنا فإن أقام بشر علي الحجة كما زعم ~~وأقررت بشيء مما قال ورجعت عن شيء مما قلت (34/ب) فدمي حلال كما قال بشر ~~وإن ثبتت الحجة عليه من القياس والنظر كما ثبتت عليه من القران والسنة وشهد ~~عليه أمير المؤمنين بذلك فقد حل دمه بما شرط على نفسه". # قال عبد العزيز: "فقال المأمون أنا الشاهد عليكما والحاكم بينكما فأوجزا ~~واقتصرا ولا تطيلا فيخرج وقت الصلاة. قال عبد العزيز لبشر: أتسألني أم ~~أسألك؟ فقال: سل أنت فطمع في هو وجميع أصحابه وتوهموا أني إذا خرجت عن ~~التنزيل لم أحسن أن أتكلم بشيء غيره. قال عبد العزيز فقلت لبشر: تقول إن ~~كلام الله مخلوق. فقال: إن القرآن مخلوق، قال عبد العزيز فقلت له يلزمك ~~واحدة من ثلاث لابد أن تقول أن الله عز وجل خلق القرآن وهو عندي أنا كلامه ~~في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائما بذاته ونفسه فقل ما عندك". # قال بشر: "أقول إنه مخلوق وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها. قال عبد ~~العزيز فقلت: يا أمير المؤمنين تركنا القرآن والسنن والأخبار عند هربه منها ~~وناظرناه بالقياس والكلام لما ادعاه وذكر أنه يقيم الحجة علي به وإني أقر ~~معه بخلق القرآن، فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب وانقطع الكلام فإن كان ~~يريد مناظرتي على أنه يجيبني عما أسأله عنه وإلا فأمير المؤمنين أعلا عينا ~~في ما يراه في صرفي فإنما يريد بشر أن يقع معه من لا يفهم فيحيد عن دينه ~~ويحتج عليه بما لا يعقله فتظهر حجته عليه فيبيح بذلك دمه". # قال فأقبل عليه المأمون فقال: "أجب عبد العزيز عما سألك فقد ترك قوله ~~ومذهبه وناظرك على مذهبك وما ادعيت أنك تحسنه وتقيم الحجة به عليه". # فقال بشر: "قد أجبته ولكنه يتعنت. فقال له المأمون: يأبى عليك عبد العزيز ~~إلا أن تقول واحدة من ثلاث". # قال: هذا شر من مطالبته ms62 بالتنزيل ما عندي غيرها أجبت به. # قال عبد العزيز: "فأقبل (35/أ) علي المأمون فقال يا عبد العزيز تكلم أنت ~~في شرح هذه المسألة وبيانها ودع بشرا فقد انقطع عن الجواب من كل جهة. # PageV01P082 # فقلت يا أمير المؤمنين سألته عن كلام الله عز وجل أمخلوق هو" قال: "نعم". ~~فقلت له: "ما صح يلزمك في هذا القول وهو واحدة من ثلاث لابد منها أن تقول ~~إن الله خلق كلامه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائما بذاته. فإن قال ~~إن الله خلق كلامه في نفسه فهذا محال لا يجد السبيل إلى القول به من قياس ~~ولا نظر معقول لأن الله عز وجل لا يكون مكانا للحوادث ولا يكون فيه شيء ~~مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء ~~إذا خلقه تعالى أدته عن ذلك وجل وتعاظم. # وإن قال:" خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس أن يمل كلام خلقه الله ~~في غيره هو كلام الله لا يقدر أن يفرق بينهما فيجعل الشعر كلاما لله تعالى ~~ويجعل قول الكفر والفحش وكل قول ذمه الله وذم قائله كلاما لله عز وجل وهذا ~~محال لا يجد السبيل إليه ولا إلى القول به لظهور الشناعة والفضيحة على ~~قائله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا". # وإن قال: "خلقه قائما بنفسه وذاته وهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى ~~القول به سبيلا في قياس ولا نظر ولا معقول لأنه لا يكون الكلام إلا من ~~متكلم كما لا تكون الإرادة إلا من مريد ولا العلم إلا من عالم ولا القدرة ~~إلا من قادر ولا رئي ولا يرى كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته وهذا مالا ~~يعقل ولا يعرف ولا يثبت في نظر ولا قياس ولا غير ذلك فلما استحال من هذه ~~الجهات أن يكون مخلوقا ثبت أنه صفة لله عز وجل وصفات الله عزوجل كلها غير ~~مخلوقة فبطل قول بشر يا أمير المؤمنين من جهة النظر كما بطل من جهة ms63 القرآن ~~والتنزيل". # فقال المأمون: "أحسنت "يا عبد العزيز فقال بشر: "تسأل عن غير هذه المسألة ~~فلعله يخرج بيننا شيء يسمع فقلت نعم أنا أدع هذه المسألة وأسأل عن غيرها ~~(35/ب) " فقال: "سل يا عبد العزيز." # قال عبد العزيز فقلت لبشر: "تقول إن الله كان ولا شيء، وكان ولما يفعل ~~شيئا ولما يخلق شيئا". قال: "بلى". فقلت له: "بأي شيء حدثت الأشياء بعد إذ ~~لم تكن شيئا أهي أحدثت أنفسها أم الله أحدثها"؟ قال: "الله أحدثها". فقلت ~~له: "فبأي شيء أحدثها"؟ قال: "أحدثها بقدرته التي لم تزل". قلت له: "صدقت ~~أحدثها # PageV01P083 # بقدرته أفليس تقول إنه لم يزل قادرا"؟ قال: "بلى. قلت له: فتقول إنه لم ~~يزل يفعل"؟ قال: "لا أقول هذا. قلت له: فلابد من أن يلزمك أن تقول إنه خلق ~~بالفعل الذي كان عن القدرة وليس الفعل هو القدرة لأن القدرة صفة الله ولا ~~يقال لصفة هي الله ولا هي غير الله". # قال بشر: "ويلزمك أيضا أن تقول إن الله أيزل يفعل ويخلق وإذا قلت ذلك فقد ~~أثبت أن المخلوق أيزل مع الله سبحانه وتعالى". # قال عبد العزيز فقلت له: "ليس لك أن تحكم علي وتلزمني مالا يلزمني وتحكي ~~عني ما لم أقل إذ لم أقل إنه لم يزل فاعلا يفعل فيلزمني مثل ما قلت وإنما ~~قلت إنه أيزل الفاعل سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة لله عز وجل ~~يقدر علي ولا يمنعه منه مانع". # قال بشر: "أنا أقول إنه أحدث الأشياء بقدرته فقل أنت ما شئت". # قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء ~~معه وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن الأشياء بقدرته، وقلت أنا إنه أحدثها ~~بأمره وقوله عز وجل عن قدرته فلم يخل يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق ~~خلقه الله بقول قاله أو بإرادة أرادها أو بقدرة قدرها فأي ذلك فقد ثبت إن ~~هاهنا إرادة ومريد وقول وقائل ومقال وقدرة وقادر ومقدور عليه وذلك كله ms64 ~~متقدم قبل الخلق وما كان قبل الخلق فليس هو من الخلق في شيء وكسرت والله يا ~~أمير المؤمنين قول بشر ودحضت حجته بإقراره بلسانه فقد كسرت قوله بالقرآن ~~والسنة واللغة العربية، والنظر والمعقول، ولم يبق إلا القياس، وأنا أكسره ~~بالقياس إن شاء الله تعالى". # قال عبد العزيز: "وكان المأمون قد جلس منا مقعد الحاكم من الخصمين". ~~فقال: "هاته يا عبد العزيز وأوجز"، فقلت: "يا أمير المؤمنين، لو كان لبشر ~~غلامان، وأنا لا أجد عليهما في أحد من الناس إلا من بشر، يقال لأحدنا خالد، ~~وللآخر يزيد، وكان بشر غائبا عني فكتب إلي ثمانية عشر كتابا يقول في كل ~~كتاب منها، ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب. وكتب إلي أربعة وخمسين كتابا ~~"يقول في كل # PageV01P084 # كتاب "1 ادفع إلى يزيد، ولم يقل: يزيد غلامي، هذا الكتاب، ثم كتب إلي ~~كتابا جمعهما فيه فقال: ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب، وإلى يزيد ولم ~~يقل، يزيد غلامي. ثم قدم بشر من سفره، فقال: أليس تعلم أن يزيد هذا غلامي؟ ~~فقلت له: قد كتبت إلي أربعة وخمسين كتابا "تقول في كل كتاب منها"2 ادفع هذا ~~الكتاب إلى يزيد ولم تقل غلامي، ولم أسمعك تقول إنه أحد غلاميك، وأنا لا ~~أجد علمه عن أحد غيرك. وكتبت إلي ثمانية عشر كتابا- تقول في كل واحد منها- ~~ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب فعلمت إنه غلامك، ثم كتبت إلي كتابا ~~جمعتهما فيه فقلت: ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب، وإلى يزيد ولم تقل ~~غلامي، فمن أين أعلم أن يزيدا غلامك وأنت لم تقل لي قبل هذا الوقت إنه ~~كلامك وليس أعلم خبر هما من غيرك". # فقال: "بشر فرطت، فحلفت أنا إن بشرا فرط، وحلف بشر إني أنا فرطت حيث لم ~~أعلم إن يزيدا غلامه من كتبه، فأينا المفرط يا أمير المؤمنين". فقال: "بشر ~~المفرط، فقال بشر وأي شيء هذا مما نحن فيه". # قال عبد العزيز: "إن الله أخبر في كتابه عن خلق الإنسان في ثمانية عشر ~~موضعا، ما ذكره ms65 في موضع منها إلا أخبر عن خلقه. وذكر القرآن في أربعة ~~وخمسين موضعا من كتابه فلم يخبر عن خلقه في موضع منها ولا أشار إليه بشيء ~~من صفات الخلق، ثم جمع بين القرآن والإنسان في موضع واحد وأخبر عن خلق ~~الإنسان، ونفى الخلق عن القرآن. فقال عز وجل: {الرحمن علم القرآن خلق ~~الأنسان} 3 ففرق بين القرآن وبين الإنسان، فزعم بشر يا أمير المؤمنين إن ~~الله عزوجل فرط في الكتاب، وكان يجب عليه أن يخبر عن خلق القرآن، وقال الله ~~عز وجل {ما فرطنا في الكتاب من شيء} 4 فهذا كسر قول بشر لا القياس والحمد ~~لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم". ~~PageV01P085 # قال المأمون: "أحسنت يا عبد العزيز، ثم أمر لي بعشرة ألاف درهم، فحملت ~~بين يدي وانصرفت من مجلسه على أحسن حال وأجملها، قد أعز الله دين الإسلام ~~وعز أهله وأذل الكفر وأهله فلله الحمد والشكر على نعمه كلها وعلى مننه ~~وتوفيقه وتسديده". # قال عبد العزيز: "فسر المسلمون جميعا بما وهبهم الله من إظهار الحق وقمع ~~الباطل، وانكشف عن قلوبهم ما كان قد اكتنفها من الغم والهم والحزن وجعل ~~الناس يجيئون إلي أفواجا حتى أغلقت بابي واحتجبت عنهم خوفا على نفسي وعليهم ~~من مكروه يلحقنا، فقالوا: لابد أن تملى علينا ما جرى لنعرفه ونتعلمه، ~~فتهيبت ذلك، وتخوفت سوء العاقبة، فلما ألحوا علي قلت: أنا أذكر بعض ما جرى ~~مما لا يكون علي حجة في ذكره فرضوا بذلك، فأمليت عليهم أوراقا يسيرة مقدار ~~عشر أوراق مختصرة مما جرى لأقطعهم بها عني وعن ملازمة بابي، ولم يتهيأ لي ~~شرح هذا كله لما تخوفت على نف! حي مما يلحقني بعضه"، وأنا أذكر ما لحقني ~~بعد هذا المجلس وما جرى بسبب تلك الأوراق التي كتبها الناس عني في كتاب ~~مفرد بعد هذا إن شاء الله تعالى1 "آخر كتاب الحيدة". # قال عبد العزيز الكناني: "وكان خلف ظهري وأنا في مجلس أمير المؤمنين ~~المأمون أناظر بشرا المريسي على ms66 ما سأذكره في هذا الكتاب رجل ممن يعرف ~~بالكلام والنظر، فجعل كلما سكت بشر وانقطع يحرضه على الكلام، وإذا أردت أنا ~~أن أتكلم لا يزال يهذي خلفي ويقرب رأسه من أذني ليسمعني ويدهشني ويقطعني ~~بذلك عن حجتي، فشكوت إلى أمير المؤمنين ذلك فصاح به وباعده عني، فلما قلت ~~لبشر: ما من شيء كان أو هو كائن مما يحتاج الناس إلى معرفته وعلمه إلا وقد ~~ذكره الله عز وجل في كتابه عقله من عقله، وجهله من جهله"، فإذا ذلك الرجل ~~يضرب يده على فخذه ويقول: "يا سبحان الله تزعم أن كل ما هو كائن مما يحتاج ~~إليه قد ذكره الله ما أعظم هذا وكيف يعلم ما هو كائن فيذكره"؟ # قال عبد العزيز: "فالتفت إليه فقلت له أنت جهمي قدري أيضا وأنت تهذي ~~دائما، ثم أقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن ~~هذا الذي PageV01P086 # شكوت إليك أذاه منذ اليوم. هو جهمي قدري قد جمع الأمرين من جهتين، ينكر ~~أن يكون الله يعلم ما يكون قبل أن يكون"، فقال المأمون؟ هذا قوله، فقلت له: ~~"إن رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يأذن لي حتى أكذبك وأكسر قوله ~~وأدحض حجته وأبطل مذهبه بنص التنزيل الساعة". # فقال المأمون: "لهذا وقت غير هذا ومجلس غير هذا تتكلم معه ومع غيره في ~~القدر خاصة". # قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين ليس أطول إنما أحتج عليه بآية ~~واحدة. فقال المأمون: قل ما تريد". # قال عبد العزيز فقلت له: "أتنكر أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون". قال: ~~"نعم. أنا أنكر هذا". فقلت: "والله يا أمير المؤمنين لقد علم الله ما لم ~~يكن، ولا يكون أن لو كان كيف كان يكون. فصاح الرجل ما أجرأك على الكذب ~~الحمد لله الذي أخذك بلسانك". # فقال لي المأمون: "أعد هذا الكلام يا عبد العزيز. فقلت له: نعم والله لقد ~~علم الله ما لم يكن ولا يكون أن لو كان كيف كان يكون". # فقال لي المأمون: ms67 "يا عبد العزيز هذا شيء تقوله من نفسك أو شيء تحكيه عن ~~غيرك، فقلت له: هذا شيء أخبرنا الله به في كتابه الذي أنزله على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم"، # فقال لي المأمون: "وأين ذلك من كتاب الله عز وجل". # قال عبد العزيز فقلت له: "قال الله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على النار ~~فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما ~~كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} 1 في ~~قولهم هذا، وهذا ما لم يكن ولا يكون لأنهم لا تردون لا هم ولا غيرهم، فأخبر ~~عز وجل بعلمه السابق فيهم أن لوردوا ما كانوا فاعلين، ولن تردوا أبدا، فهذا ~~ما لم يكن ولا يكون أن لو كان كيف يكون". PageV01P087 # فقال لي المأمون: "أحسنت يا عبد العزيز، وما قلت في يومك هذا أحسن ولا ~~أدق من هذا". فقلت: "قد أكذبت والله أهل هذه المقالة وكسرت قولهم ودحضت ~~حجتهم وأبطلت مذهبهم بنص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير والحمد لله رب ~~العالمين". # تم كتاب الحيدة بعون الله تعالى وتوفيقه وصلى الله على سيدنا ومولانا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب ~~العالمين وكان الفراغ من نسخه أواخر جماد الأولى سنة 1191 واحد وتسعين ~~ومائة وألف. والله ولي التوفيق1. PageV01P088 ms68