######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006230 #META# 000.BookURI :: #0243.HarithMuhasibi.Makasib #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله (المتوفى: 243هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 243 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المكاسب والورع والشبهة وبيان مباحها ومحظورها واختلاف الناس في طلبها والرد على الغالطين فيه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: بحوث ومسائل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006230 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6230 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6230 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: نور سعيد #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1992 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر اللبناني - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### | عونك اللهم # قال أبو عبد الله الحارث بن أسد بن عبد الله المحاسبي رحمه الله # الحمد لله القاهر بقدرته الظاهر بعزته الغالب بجبروته الذي بدأ خلق ما ~~خلق من غير سبق بل هو الأول قبل الأبد والآخر إلى غير أمد المنشئ لما شاء ~~بمشيئته لما سبق ذلك من علمه واستتر في خفي غيبه فكان أمره جل ثناؤه {إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} بمحكم من الصنعة وإتقان من الحكمة بتفصيل ~~عقائد أحكمها بتدبيره وأجراها بعلمه وأبقاها بقدرته على ما أراد من ذلك في ~~اختلاف الأزمنة وتقلب الدهور ليبدو المغيب المعلوم عند أوانه ويزول الكائن ~~الموقوت لأجله # فسبحان من {بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} # وله الحمد جل ثناؤه وتقدست أسماؤه على ما يستحق من ذلك على خلقه وكما هو ~~أهل لذلك في كبريائه وعظمته وجلاله # جل المخبر عن نظر خلقه لما كان عن العقول غائبا وعن الأوهام في غيبه ~~محتجبا ليدل الخلق بذلك على نفسه وإلى إثبات توحيده # PageV01P011 # وينبههم بذلك على معرفته ليعرفوه بالقدرة ويفردوه بالأمر كله وليعلموا ~~أنما هو إله واحد لا إله إلا هو سبحانه فقال جل ثناؤه في محكم ناطق من ~~التنزيل {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب} # وقال جل ثناؤه {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير ~~العزيز العليم} # وقال جل ثناؤه {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا} # فأخبر جل ثناؤه عن بدء خلق السماوات والأرض وما فيهن من بدائع الصنعة ~~وعجائب التركيب واختلاف الألسنة والألوان المتشابهة والصور ms01 المتباينة ~~وافتراق عظيم ما أنشأ جل ثناؤه من جليل خلقه ودقيقه وكبيره وصغيره من خلق ~~السماوات في عظيم خلقتها وارتفاع بنائها وكثيف أطباقها وثخن سمكها وسعة ~~بسطها من غير عمد تراها العيون ولا تدركها الظنون # PageV01P012 # وما فيها من ساكنيها من الملائكة الذين لا يفترون تسبيحا وتقديسا وتهليلا ~~وتعظيما وسجودا وركوعا على ما استعبدوا به من فنون العبادة ودائم سرمد ~~الخدمة # وكذلك الأرضون بما فيها من وحشيها وإنسيها ورواسي جبالها وعميق بحارها ~~وبرها وطيرها وهوامها باختلاف اللغات المعبرة لكل صنف عن مراد معقول عند ~~جنسه مجهول عند ضده من معجم الألسنة ومعربها بمقادير مفوضة وأرزاق مقدرة ~~وأقوات مقسطة وآجال مؤجلة # أحاط بذلك كله جل ثناؤه علما وأحصاه عددا فلن يتأخر شيء منها عن وقته ولم ~~ينقص شيئا منها من رزقه ثم دعاهم جل ثناؤه إلى النظر في عجائب ما خلق فقال ~~جل وعز {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى ~~أن يكون قد اقترب أجلهم} # وقال جل وعز {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب} # حسن دلالة منه سبحانه لهم على النظر في آياته والفكر في عجائب صنعه وفي ~~ذلك سبيل لهم إلى معرفته وإلى العلم بأنه الخالق الرازق لا إله إلا هو ~~الواحد سبحانه وأن من دونه له خلق وأن الخلق كلهم مألهون مستعبدون # لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا # PageV01P013 # ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا # ثم دعاهم بعد ذلك إلى النظر في أنفسهم فقال جل وعز {فلينظر الإنسان مم ~~خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر} # وقال سبحانه {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله ~~من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة قليلا ما تشكرون} # وقال سبحانه {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من ~~تراب ثم من نطفة ثم من علقة ms02 ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في ~~الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} # فبين جل جلاله بدء خلق الإنسان بمحكم من البيان ليعلموا بذلك كيف أنشأهم ~~وعلى أية هيئة هيأهم ليعترفوا بالعجز ويقروا بالضعف ويفردوه جل ثناؤه ~~بالأمر حتى تكون لهم معرفة أنفسهم دليلا على خالقهم وسببا إلى معرفة صانعهم # وأعلمهم جل ثناؤه أنه بدأ خلق الإنسان من طين ومن سلالة من ماء مهين خلقا ~~ضعيفا في أصله ثم قليلا في عينه حقيرا في رؤيته # ثم نقله جل جلاله وثناؤه بعد هذه المهانة إلى أن صيره علقة # PageV01P014 # يعاف عن رؤيتها ويتنزه عن لمسها # ثم صيره مضغة منقولة عن بدء خلقها ثم نقلها عن هيئة المضغة فصيرها بحكم ~~تدبيره وخفي تقديره عظما ثم كساه تعالى لحما # ثم صوره بأحسن صورة فشق سمعه وبصره وجعله بإنفاذه لما خلق منه متصلا ~~موصولا ذا لسان وشفتين ويدين ورجلين # ثم نفخ فيه من روحه ثم جعل الأرحام له مسكنا والبطن له منزلا حيث لا ~~تدركه العيون فتصف كيفيته فيها في ظلم الأرحام ومكنون الأحشاء وما اضطمت ~~عليه جوانح البطن # وساق إليه في خفي مكانه الرزق وأدى إليه على غامض موضعه الغذاء وحفظه من ~~الآفات ودفع عنه المكروهات حيث لا يملك ذلك الآباء والأمهات ليبلغ سابق ~~العلم فيه ويجري قديم الحكم عليه # ثم نقله جل وعز من هذا الحال إلى دار الزوال بعد أن كتب له عمله وضرب له ~~أجله وقسم له رزقه # فسبحان من تقدم علمه بما الخلق عاملون وإلى ما هم إليه صائرون سبحانه من ~~حكيم عليم لا شريك له في ملكه ولا مقاوم له في عزه ولا مانع له في أمره ~~الفرد المتفرد بالأمر كله جل ثناؤه الملك الخبير العالم القدير الذي بفضله ~~دل الخلق على نفسه وبكرمه دعاهم إلى عبادته وبرأفته خوفهم من عقوبته الغني ~~عن عبادة العالمين وعن طاعة المطيعين الذي عطف برأفته ms03 على الخلق ودعاهم إلى ~~عبادته ليثيبهم على ذلك بعطيته ويكرمهم بالموافقة لجنته # سبحانه وبحمده فقد علم جل ثناؤه أن جوامع عقول الخلق من # PageV01P015 # أصل سماواته وأرضه ومنافع نهايات صفات ألسنتهم وغايات عقائد محكم معرفتهم ~~لو جعلت في عبد واحد من عبيده ثم مثل عطاء ذلك العبد في سائر خلقه ثم ~~أضعفوا وأضعف لهم العطية وقسم ذلك بينهم بالسوية ثم أديم ذلك لهم عطاء ~~وعددا كأسرع ما أدركته الصفة في دائم أبد الأبد على بقاء الخلد الذي ليس له ~~أمد ثم أوقفوا ليبلغوا بذلك ما يجب له لعجزوا عن القيام بذلك ولرجعوا إليه ~~بالصغر مقرين وبالعجز معترفين # فسبحان من هذه صفته على قدر إدراك ما بلغت العقول وأومت إليه المعرفة ~~فكيف بما غاب عن الخلق من العلم بصفاته سبحانه # وإنما بلغت لهم عظمته وأدركت أيدي الظفر منهم بهيبته على قدر الخلق وما ~~تحتمل من ذلك عقولهم وتقوم له أرواحهم وتنهض به أبدانهم # ولو كشف سبحانه عن بعض ما ستره عنهم لساخت بذلك أرضه ولتمزقت سماواته ~~ولتلف سائر خلقه فسبحان الحكيم الخبير الذي لطف بخلقه بما ستر عنهم من أمره ~~ورحمهم بما غيب عنهم من قدرته ليتم أمره في خلقه وتنفذ مشيئته عليهم ويمضي ~~قديم علمه فيهم # فكان مما دبرهم به الحكيم سبحانه أن جعلهم أجسادا لا تقوم إلا بالأغذية ~~ولا يدوم بقاؤها إلا بالأطعمة فضرب الآجال وقسم الأرزاق وختم أمر الدنيا ~~بالفناء # فقال جل ثناؤه {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات} # PageV01P016 # وقال تعالى {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم} # وقال تعالى {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين} # وقال سبحانه {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم} # وقال عز وجل {وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق ~~مثل ما أنكم تنطقون} # فأخبر جل ثناؤه بقسمة الرزق بين خلقه وتولية ذلك في مواضع من كتابه جل ~~وعز كثيرة ثم ms04 دعا الخلق سبحانه إلى التوكل عليه بعد أن أعلمكم بكفالته لهم ~~وتقسيمه بينهم فقال سبحانه {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} # وقال {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} # فأوجب جل وعز التوكل وفرضه على الخلق لئلا يتشاغلوا عن العبادة بما ~~يحتاجون إليه من ذلك فكفاهم بذلك المؤنة وأثبت به عليهم الحجة وفرض عليهم ~~فرائض أحكمها وبين لهم ما # PageV01P017 # استعبدهم فيها من عددها وأوقاتها وأحكامها من الصلاة والصوم والزكاة ~~والحج والجهاد وحدود ما أحل وحرم # ففرض ذلك وبينه بمحكم من كتابه وبيان من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~كثيرا # PageV01P018 ### | - باب بيان فرض التوكل الذي يجمع فيه خواص الخلق وعوامهم مع الحركات في احتباس الرزق وتركه # فالذي يجب على الناس في جملتهم من التوكل المفترض عليهم التصديق لله عز ~~وجل فيما أخبر من قسم وضمان الكفاية وكفالتها من سياقه الأرزاق إليهم ~~واتصال الأقوات التي قسمها في الأوقات التي وقتها بتصديق تقوم الثقة به في ~~قلوبهم وتنتفي به الشكوك عنهم والشبهات ويصفو به اليقين وتثبت به حقائق ~~العلم أنه الخالق الرازق المحيي المميت المعطي المانع المتفرد بالأمر كله # فإذا صح هذا العلم في القلوب وكان ثابتا في عقود الإيمان تنطق به الألسنة ~~إقرارا منها بذلك لسيدها وترجع إلى ذلك بالعلم عند تذكرها وقع الاسم عليها ~~بالتوكل # فإن فارقت القلوب اعتقاد هذه الصفات وفارقتها الألسنة بالإقرار ووقع بها ~~في شيء من ذلك شك وارتياب فارقت الاسم المحمود وقع بها ما يحل عنها عقدتها ~~وحل بها ما أوجب لها الاسم المذموم # وذلك أن الذي أوجب لها الاسم المحمود إقرار الألسنة والعلم القائم الذي ~~يزيل الشكوك والشبهة وإنما كان معها من ذلك الإقرار والعلم ما إذا زال ~~اليسير منه عن القلوب خرجت إلى ضد الشيء الذي كانت به مقرة وله معتقدة # PageV01P021 # والضد من ذلك أن تكون مكذبة بما صدقت أو شاكة فيما أيقنت أو مبطلة لما ~~حققت فإذا وقع بها شيء من هذه الأضداد التي تخرج بها من الأسماء المحمودة ~~خرجت إلى مذموم الأسماء وفارقت الإيمان بالله عز وجل ms05 والتوكل عليه # والذي سلبها التوكل على الله ما وصفناه والاعتقاد له بالقلوب # فمن صفات عوام الناس في فرض التوكل وبدئه وما استحقوا به الاسم من ذلك أن ~~تكون معهم العجلة في القلب والاضطراب عند المنع والارتياب فيه بشيء من ~~مصابه عندهم والوقوف مع الأسباب والنظر إليها والمحبة للكثرة والادخار ~~بالرغبة والشره والاغتمام على الفوت والسرور بالظفر # وذلك كله والعقود كما وصفنا في الإيمان قائمة والإقرار به ثابت والدليل ~~على ذلك أنهم إذا خرجوا بالذكر في وقت الطلب من الله أذعنوا بالقلوب ~~والألسنة أنهم لا يصلون إلى شيء من ذلك بالحيلة وأن الحركة غير زائدة لهم ~~في أنفسهم ولا موصلة لهم إلى الزيادة وإنما كانت هذه الحركات الموجودة منهم ~~بحركات الطبع الذي عليه البينة # وذلك ان الله سبحانه وصف الخلق في جملتهم فقال {زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث} # وقال سبحانه {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} # PageV01P022 # وقال تعالى {وكان الإنسان عجولا} # فأخبر سبحانه وجل ثناؤه بما في طبع الإنسان والخلائق من ذلك وأن هذه ~~الصفات قائمة في البشرية فالمؤمنون في جملتهم موصوفون بالتوكل على الله ~~تعالى بما اعتقدوا مما وصفنا وإن كانت هذه الحركات من الطبع معهم # والدليل على ما قلنا أن المؤمنين في جملتهم يسلم لهم عقد الإيمان بالله ~~تعالى والتوكل عليه كما وصفنا من اعتقادات القلوب وإقرار الألسنة بأن الله ~~تعالى قال {وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون} # فأقسم جل ثناؤه بنفسه أنه قسم الأرزاق بين الخلق وأمضى الضمان بالكفاية ~~لهم فكان على الخلق تصديقه فيما أخبر وأقسم # فمن صدق في ذلك كان بتصديقه وإيمانه مؤمنا متوكلا # ومن كذب أو شك كان بذلك معاندا كافرا بما قص علينا جل ثناؤه في كتابه # وإن لم تزل حركات الطباع وما في الخليقة من محبة الكثرة وتعجيل الوقت ~~والتسبب إليه بالأسباب فلم يزل الله سبحانه عنهم اسم التوكل إذ كانت العقود ~~على ما ms06 وصفنا ثابتة في القلوب وكانت الموافقة لهم في حركات الطباع متبعة ~~لأن ما في الطباع من الحركة لا يخرجهم مما أوجبنا من التصديق لهم لأن الله ~~تعالى لم يستعبدهم بإزالتها وإنما استعبدهم بإقامة الطاعة وأخذ الشيء من ~~حيث أباح أخذه # فإذا أقاموا ذلك وكانوا للموافقة لله عز وجل في الحركات # PageV01P023 # متعبين فلا تضرهم صفات الخلقة وما في تركيب الطباع إلا أن يجاوزوا في ذلك ~~حدود الله عز وجل فيأخذوا الشيء من حيث حظره الله عليهم فيكونوا عصاة لله ~~عز وجل بذلك العلم ولا يخرجوا من الاسم المحمود إلا بحل العقود التي وصفنا ~~أو جحدها بالألسنة # فإذا كان الاعتراف لله تعالى ثابتا والألسنة به مقرة فلما جاوزوا الحدود ~~نقص اسم التوكل فيكون توكلهم لذلك ناقصا وفرائضه غير تامة لأن الله جل ~~ثناؤه أباح للخلق الحركة في الطلب ولم يكلفهم إزالة ما في الطبع # والدليل على ذلك أن الله جل وعز قال {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حلالا طيبا} # وقال عز وجل {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} # فأباح لهم الحركة ومنعهم التعدي لحدوده جل ثناؤه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أطيب ما أكل المؤمن من كسبه) # فكان دليلا على ما وصفنا من إباحة الحركة في طلب الرزق وأن المتحرك في ~~طلبه لا يخرج من فرض التوكل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وما كان عليه أكابر أصحابه رضي الله عنهم # وقد زعم قوم أن التوكل لا يثبت لأهله إلا بترك الحركة في طلب الرزق ~~والقعود عن الاضطراب فمنعوا أن يكون في ذلك إباحة من كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله عليه السلام # فجهلوا ما أخبرنا من # PageV01P024 # إسماعيل بن إبراهيم عن الأعمش عن إبراهيم عن عائشة رضي الله عنها قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل ما أكل الرجل من كسبه) # وهذا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدفعه أهل العلم والنقل ولا ~~أعلمهم يختلفون فيه # وقد روي عن ms07 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما بعث الله نبيا إلا رعى ~~الغنم) قيل ولا أنت يا رسول الله قال (كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط) # وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في بدء أمره يريد الشام للتجارة # وقال الله جل ثناؤه في قصة موسى عليه السلام {وما تلك بيمينك يا موسى قال ~~هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} # وقال في قصة شعيب وموسى عليهما السلام {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ~~هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق ~~عليك} # وقال في قصة داود عليه السلام {وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في ~~السرد واعملوا صالحا} # فهذا في قصص الأنبياء عليهم السلام موجود وهم صفوة الله من # PageV01P025 # خلقه مما قد كفينا به مما كان عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضي الله عنهم # وأنا واصف لك بعض ما كانوا عليه من ذلك إن شاء الله تعالى # PageV01P026 ### | - باب الحركة في الكسب لطلب الرزق واختلاف ذلك من محموده ومذمومه # فأما المذموم من الحركة بعد اعتقاد ما وصفنا من العقود التي توجب لأهلها ~~إذا ثبتت العقود بها اسم التوكل ويدخلون بها في جملة فرضه فهو التعدي لما ~~أمر الله والتجاوز لحدوده في الحركات والأخذ والإعطاء # وذلك أن الله سبحانه لما فرض التوكل على خلقه وأباح لهم الحركة في ذلك ~~ولما غيب عنهم التفرس من محبة تعجيله حد للخلق حدودا في الحركة وفرض عليهم ~~فروضا أحكمها وبينها في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال تعالى {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من ~~أموال الناس بالإثم} # وقال جل ثناؤه {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} # وقال سبحانه {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} # PageV01P029 # وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم) # فبين الله تعالى الفرض في ذلك على الخلق في كتابه وفي سنة نبيه عليه ~~السلام ms08 وفيما اجتمع عليه أهل العلم وهو أن يوافقوه في الحركة فإن خالفوا ~~ذلك ثبتت عليهم بخلافة الحجة # فمن كانت حركاته في طلب الرزق على ما وصفنا من إقامة الحق الوقوف على ~~تجاوز الحدود وتصحيح الورع في المتجر وفي الصناعات وفي كل المضطرب فيه كان ~~لله جل وعز بذلك مطيعا محمودا عند أهل العلم # ومن خالف شيئا مما وصفنا فتعدى في الحركة وتخلف عما يجب عليه من الصدق ~~كان بذلك مذموما قد نقص بذلك توكله ولم يؤد فرضه ولم يقع عليه الاسم الذي ~~يقع بإقامة الحق على غيره # وذلك أن المذموم بتعدي الحد خالف ما أمر به من إقامة الحق ومعه الاعتراف ~~بخطأ فعله والتوبيخ لنفسه عند الرجوع إلى الفكرة في أمره مقر بأن ذلك الفعل ~~معصية لربه والعقود قائمة بما وصفنا بما أثبت له الاسم ولن يزول عنه ما ~~أوجب له عقد القلوب والاعتراف بالألسنة إلا بالإنكار لذلك والخروج منه ~~بالجحد له والشك فيه وقد بينا هذا في أول الكتاب # فهذه صفات المذموم في حركته # وأما المحمود من الحركة فأولها ما وصفنا من إقامة الطاعة لله # PageV01P030 # سبحانه في الحركة وتحري الموافقة لله سبحانه بما فيها والوقوف عند تجاوز ~~الحدود حتى يكون موصوفا في ذلك بإحكام الورع وشدة الحذر وإقامة التقوى فإذا ~~قام بذلك على شرائطه كانت هذه أول الحركات المحمودة التي أباحها الله عز ~~وجل له # ومن الحركات المحمودة مما هي أرفع في الدرجة وأعلى في الرتبة ما وصف الله ~~سبحانه به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم من المقامات فيه وجلة ~~التابعين من بعدهم وخواص المؤمنين في سائر الأزمنة والدهور الذين بانوا ~~بفضل الخصوص في التوكل وفي سائر المنازل على عوام الخلق فكان فضلهم بذلك ~~على غيرهم معروفا ومقامهم عند الله رفيعا وهو حقيقة التوكل ومحكمه والتعالي ~~في ذروة ما أقيم فيه الأنبياء والصديقون وخواص المؤمنين # وبعد إحكامهم لفرض التوكل في أصله بانوا بفضل المعرفة على غيرهم والزيادة ~~في العمل بها لله جل ثناؤه من طهارة القلوب وإدامة ms09 الذكر وكثرة التقرب إلى ~~الله سبحانه بالنوافل وبذل الطاقة والجهد نصيحة لأنفسهم وطلبا للحظوة عند ~~سيدهم # فكانت هذه الأخلاق الغالبة عليهم مانعة من الحركة التي أبيحت لهم وقد ~~حظرت عنهم لقلة ما فيها من الذكر للسيد الكريم وإيثارا منهم لما يقرب إليه ~~من ذلك لما بان لهم من فضل العمل لله جل وعز بطاعته وإيثارا منهم لما ندب ~~إليه من ترك الشهوات والتجافي عن دار الآفات # فكانوا بذلك عن حركات الطبع متجافين متشاغلين وبكل داع يدعوهم إلى غيره ~~مستثقلين وعن كل فترة تميل بهم إلى الراحة نافرين # PageV01P031 # وإلى كل حاد يحدوهم إلى الزيادة ساكنين وعلى العمل المقرب لهم إلى الله ~~عاكفين # قد جمعت لهم الطاعة مرادتهم فيها على قدر الإقبال عليها وأوضحت لهم سبل ~~الرشاد فيها فلم يريدوا بما أدركت أيدي الظفر منهم بدلا ولم يبغوا عن شيء ~~من ذلك حولا # وأصبحوا في ذلك توفيقا من سيدهم ومعونة قائمة بالكفاية لهم وخفي لطف غير ~~مقطع عنهم فدام لهم الحال وزكت الأعمال ووجدوا الظفر بالآمال ولم يجدوا عند ~~ذلك هوى غالبا ولا عدوا مطالبا ولا أملا في النفوس كاذبا # أمات العلم بالله لهم أهواءهم وغلب لهم أعداءهم وجمع لهم شملهم وأحكمهم ~~لهم أمرهم وكان التوفيق لهم صباحا وخفي اللطف من الله دائما والتأييد لهم ~~من سيدهم مرشدا # فكانت هذه صفاتهم وهي في التعالي في ذلك على قدر أقدارهم وما أداهم فضل ~~العلم بالله تعالى إلى سبيل العمل له بالاشتغال بدوام الأعمال على قدر ~~الرفعة في الحال # وكانت هذه الحركات هي الغالبة عليهم دون غيرها من الحركة وكان الغالب على ~~قلوبهم محبتهم للموافقة وتحريهم للموصل إلى الله سبحانه من الأعمال دون ذكر ~~ما كفاهم وضمن لهم من الأرزاق وغيرها # فلم يكونوا للأوقات مضيعين ولا باستجلاب ما كفوا متشاغلين ولا لما أحب ~~الخلق من الاستثكار محبين # إلا أن يكون لسيدهم في ذلك أمر جعل لهم الفضل فيه وندبهم إلى القيام به ~~مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم (كفى بالمرء شرا أن يضيع ms10 من # PageV01P032 # يعول) وقوله عليه السلام (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) # فالرجل راع لما استرعى يجب عليه القيام بأمرهم من أمر الدين والدنيا ~~وكذلك من أوجب الله تعالى عليه عيلته وفرض عليه القيام بأمره من الآباء ~~والأمهات والأزواج وصغار الأولاد الذين لم يختلف المسلمون في أن أمورهم ~~واجبة وأن تركهم معصية إذا كانوا في حال الحاجة # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (كفى بالمرء شرا أن يضيع من يعول) # ولا يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء شرا) وهو لا يجب عليه ~~عيلتهم ولا حينما تكون عيلتهم تطوعا منه يتطوع به لأن الشر بلاء واقع ~~وعقوبة نازلة والله جل ثناؤه لا يعاقب على ترك ما لا يجب وإنما أخبرنا أن ~~وعيده وعقوبته واقعة على من عصاه وخالف أمره # فسعيهم في الأمور تحر منهم للموافقة ورغبة منهم في الطاعة وليس سعيهم في ~~ذلك كسعي من أراد الكثرة لما بانوا به من الاشتغال بما هو أولى بهم وآثر في ~~نفوسهم فإن وجب شيء من ذلك وسعوا فيه كان سعيهم والقلوب إلى الله جل وعز في ~~ذلك ناظرة وإليه فيه ساكنة بدوام ذكر مباشر لقلوبهم ودوام معرفة مغشية لهم ~~واستجابة لله متصلة بهم # قد نفرت القلوب لذلك من أسباب الخليقة وانقطعت من مطامع الريبة وأعتقت من ~~ربقة الأسباب ورق أهل الدنيا وتفردت في كل # PageV01P033 # حال بوليها والقائم عليها بما كسبت والعالم بها في مكنون ضميرها # لا يفترون في سعيهم عن مواصلته ولا يقصرون عن شيء أمر به من حيث بلغته ~~العقول المذكاة بفطن الفهم عنه وأوصل إليه غليان العلم والمعرفة به # وكان سعيهم في الكسب على وصفنا من أفضل القرب إلى سيدهم وأخص الأعمال في ~~حال منازلهم # فكانت إقامة الشغل به عليهم آثر عندهم من التشاغل بغيره لما بان من فضل ~~موافقته فيما دعا إليه وأمر به # فهذه صفة سعيهم ولم يكن السعي في ذلك قادحا في صفاء الذكر القائم لهم ولا ~~منقصا ما خصوا به من حال قرب القلوب ms11 ومراتبها وحال المنازل المرجوة لهم من ~~السيد الكريم فهذه صفات حركات الصديقين والأولياء في المكسب # والدليل على ذلك فعل أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين وعلي ~~بن أبي طالب وأكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المختارين لصحبته ~~المنتخبين لمعونته سرج الأرض ومصابيحها وزهرة الدنيا وزينتها المقدمين ~~بالفضل على خواص الأمم السالفة والسابقين غدا بالطاعة في الآخرة خلف ~~الأنبياء عليهم السلام وأئمة الحق وحملة العلم ومعادن الحكمة ومناهل التقوى ~~والقوام بنوائب الدين وشرائعه الذين بين الله عز وجل فضلهم بباطن الحكمة ~~على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل {محمد رسول الله والذين معه ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~سيماهم في وجوههم من أثر السجود} # PageV01P034 # وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} # وقال تعالى {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} # وقال عز وجل {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} # فمدح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة من كتابه وهم ~~أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء عليهم السلام وأعمالهم أفضل الأعمال وأشرفها ~~ومقاماتهم أرفع المقامات وأعلاها ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (لو ~~أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (خير أمتي أولها) # وقال صلى الله عليه وسلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم) # وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله اختار أصحابي على جميع الأمم) # PageV01P035 # وقال صلى الله عليه وسلم (خير الناس القرن الذين بعثت فيهم) # وهذا يكثر في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأول ما نبدأ بذكره ونحتج بفعله الصديق رضوان الله عليه صدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين كذب وأنفق عليه ماله حين منع وأنيسه في الغار حين ~~أوذي وجليسه في ms12 العريش يوم بدر حين حورب وأول من اتبعه وصدقه ومن فعائله ~~تكثر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ومن أجمع له المسلمون بالفضل بعد ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم ورضوا به خليفة بعد رسولهم لما رأوا من تقديمه ~~صلى الله عليه وسلم له في صلاتهم وفي عظيم أمر دينهم # فاحتذى في الأمر سبيل المصطفى وسلك فيه منهاج المرتضى وقام بأمر الله ~~قيام الأنبياء فجمع من الإسلام شمله حين تفرق وقام بأوده حين وهى ومنع ~~حريمه حين اخترم ورتق بالحق خلله حين انفتق جتى عاد بعد الافتراق مثقفا ~~وبعد الوهن قويا وبعد الخلل متسقا # وأجمع له المسلمون بالصواب في فعله وبالعدل في جميع حكمه أشد الخلق بعد ~~نبيه في دينه وأقومه بأمره رضوان الله عليه ورحمته ولم يزل على سبيله ~~المتين وقصده الواضح حتى توفاه الله عز وجل حميدا # وكان من فعله لما استخلف وأجمع المسلمون على أمره أن رأى الكسب على عياله ~~أفضل الأعمال وأوصل القربة وأعلى الطاعة فمضى إلى السوق متكسبا عليهم ~~فأدركه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في السوق فقالوا له يا ~~خليفة رسول الله أمر المسلمين # PageV01P036 # فقال لهم (لا يقر ذنبي على عيالي افرضوا لي فرضا) وكان المخاطب له في ذلك ~~عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ففرضوا له فرضا رضي به ورجع ~~إلى أمورهم بعد أن أحكم أمر عياله رضي الله عنه # وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الفضل وفي شدة الإسلام والقيام ~~بأوده فكان يأخذ قوته وقوت عياله وكذلك روي عنه رضي الله عنه أنه قال ~~(أتدرون ما استحل من هذا المال ثوبين للشتاء والقيظ وظهرا أحج عليه وقوت ~~رجل من قريش ليس بأوضعهم ولا بأرفعهم) # ثم رجع إلى الإشفاق على المسلمين فقال (والله ما أدري أيحل لي أم لا) # وكذلك كان عثمان بن عفان رضي الله عنه بعدهما في الفضل والقيام بالأمر ~~والمجتمع عليه في العدل # وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله ms13 عنه بعدهم في الفضل والدين والعلم والحلم ~~كان يستسقي دلوا بتمرة بعدهم وكان له ناضحان ينقل عليها الإذخر يستعين به ~~على تزويج فاطمة رضي الله عنها # وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين قيس بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف ~~فقال قيس لعبد الرحمن هذا شطر مالي ولي امرأتان أنزل لك عن واحدة وكان مال ~~قيس المال الصامت الذي يرغب في مثله # PageV01P037 # فقال عبد الرحمن لا حاجة لي بذلك دلني على السوق فمضى إلى السوق متكسبا ~~على نفسه فعاد وقد أصاب شيئا من سمن وإقط وذلك لما عند عبد الرحمن من فضل ~~الكسب وفضل الحركة لطلب الثواب # وكذلك يروى للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أطيب ما أكل الرجل من ~~كسبه) # فآثر عبد الرحمن الكسب على مال طيب هو مال رجل من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا شك في أمره ولا في النفس منه شبهة عرض عليه من غير مسألة ~~ولا إشراف من نفس # فهذه حجتنا في الحركة من الكتاب والسنة وفعل أكابر أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # وكذلك كان التابعون من بعدهم ممن يجب علينا تقليدهم والأخذ عنهم وهم ~~الذين ألزم عز وجل الخلق طاعتهم والاقتداء بهم فقال جل وعز {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} # وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من صالحي العلماء والأخيار ~~في هذا والاحتجاج بها يكثر # وفيما أوردنا وذكرنا من ذلك كفاية إن شاء الله # ونسأل الله جل وعز خير التوفيق لإصابة الحق # PageV01P038 ### | - باب ترك الحركة في الكسب وما في ذلك من محموده ومذمومه # وقد ترك الحركة في الكسب أقوام على أمور مختلفة وأنا واصف بعضها إن شاء ~~الله تعالى # فمن ذلك ما زعم شقيق واتبعه على ذلك أقوام زعم شقيق فيما يروى عنه أنه ~~كان يقول إن الحركة في الكسب معصية # وذلك أنه قال لما ضمن الله تعالى الرزق والكفاية كانت الحركة شكا فيما ~~ضمن فحمل الأمر في ذلك على رأيه وقال فيه ms14 بزلله فخالف الكتاب والسنة وما ~~عليه أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلة التابعين من بعدهم # وجلس أقوام تعرضوا للكسب قبل جلوسهم فلم يمكنهم إقامة الحق في كسبهم ~~وضاقت عليهم المطالب في ذلك فجلسوا فطعنوا في المتكسبين وجعلوا ضعفهم عن ~~القيام بالحق فيما جعل الفضل فيه لأهله إذا قاموا بأحكامه # وأخذوا من كسب المخلطين والمقدمين على الشبهة وجعلوا الأخذ من أهل هذه ~~الصفة أفضل عندهم من التحري في المكسب وأخذ الأمر حتى يبلغهم الإجهاد # PageV01P041 # فكان مقامهم في ذلك مقام من تنزه عن شيء من كسبه وأخذ من كسب غيره ما هو ~~أشر منه وأخبث في الطعمة فغلطوا فيما أقاموه دينا # أما الحجة على شقيق وأصحابه فمن كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام ~~والنبيين من قبله وخيار أصحابه من بعده رضي الله عنهم # فأما الحجة من كتاب الله فإن الله تعالى قال {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم} # وقال سبحانه {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم} # وقال جل ثناؤه {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} فمدح إقامتهم ~~لذكر الله في وقت التجارة # وقال عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع} # فأمرهم بترك البيع في وقت محدود يوم الجمعة # وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} # فعلمهم كيف يصنعون في متاجرهم وبصرهم في مكاسبهم # وأما الحجة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P042 # (أفضل ما أكل الرجل من كسبه) # وقد ذكرنا ما كان عليه أكابر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا آيات ~~كثيرة من كتاب الله وأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة وفي ~~أقل مما ذكر يتبين خطأ هذه المقالة # وأما المقالة الثانية فإن الحجة عليهم في ذلك أخذهم الذي تركوه من أيدي ~~غيرهم ms15 فإن كان أخذهم لذلك من أيدي الأقوياء الذين كسبوا الشيء عندهم على ~~حكم كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فقد سقط عنهم العذر في ~~القعود وعليهم طلب الشيء من حيث طلبه هؤلاء # وإن كان الأمر عندهم لضعف عن القيام بأحكامه غيرهم فقد أخذوا ما تركوا من ~~أيدي أقوام يمكن عليهم التعدي في الطلب والتجاوز للحد من الكسب # فأي الحالتين كانت حالهم فهو خطأ والله أعلم # وجلس قوم آخرون وزعموا أن الجلوس عن الطلب أفضل عندهم من الحركة # واحتجوا في ذلك بأن قالوا لما ضمن الله للخلق أرزاقهم وتولى في ذلك ~~كفايتهم وأخبر بقسم الشيء في الأوقات التي قدر إيصالها إليهم فيها كان ~~انتظار الوقت وترك الحركة أفضل وكانت الحركة إباحة لضعفاء الخلق # والحجة عليهم في ذلك بينة بما بينا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~كان أكابر الصحابة عليه وذلك أن الله جل ثناؤه جعل رسوله في أعلى الدرجات ~~وأرفع المنازل وأتم المعارف وأكمل العلم وخصه من جزيل خصوصيته ورفيع هباته ~~وسني عطاياه ما بين به فضله على # PageV01P043 # أكبر الأولياء وكذلك حركاته وسائر أعماله جعلها الله على قدر الموضع الذي ~~جعله فيه # وكانت أصحابه رضوان الله عليهم على فضلهم وما ذكر من تقدمتهم كانت ~~أعمالهم على قدر مواضعهم # وفيما وصفنا من ذلك واحتججنا به ما يتبين منه خطأ أصحاب هذه المقالة # وكان ما احتجت به هذه الطائفة التي زعمت أن القعود عن الحركة أفضل عندهم ~~وإنما الحركة في ذلك رخصة لضعفاء الخلق عن القعود حتى يكون الوقت عليهم ~~وأراد بما في أنفسهم فقدموا أنفسهم بخطأ التأويل وبزلل الهوى والرأي على ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعلى سيرة المرسلين وأقاموا الأكابر مثل أبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم مقام الضعف والوهن تقديما منهم ~~لأنفسهم وإيمانا منهم بخطأ منهم بصحة رأيهم بلا خبر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا آية من كتاب الله عز وجل # وهذا قول قد تبين خطؤه من ms16 وجوه شتى # فأما أولها فما بين الله عز وجل من ذلك في كتابه فأمر المؤمنين أن يكون ~~مأكلهم من طيبات ما يكسبون # وأما المعنى الثاني فما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن (أطيب ما ~~أكل الرجل من كسبه) # وأما الوجه الثالث فما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأكابر أصحابه ~~رضي الله عنهم # PageV01P044 # وأما الوجه الرابع فما دل عليه العلم وثبتت عليه المعرفة وذلك أن الله جل ~~ثناؤه لما دعا إلى الثقة به والتوكل عليه بين العلم عما أراده من ذلك والذي ~~بين العلم عنه من ذلك من معنى الثقة أن تكون القلوب لله عز وجل مصدقة وتكون ~~بوعده موقنة وتكون إليه في كل حال ساكنة قد أغناها بضمانه عن النظر إلى شيء ~~دونه # فإذا ملك خاصة القلوب ذلك وأقرت به الألسنة وحذره العلم بالله تعالى ~~والمعرفة به جل وعز من أن يميل إلى شيء دونه فأمنت القلوب في التوكل في ~~حقيقة من حقائقه وفي مقام شريف من مقاماته # فإن أوجدها الله جل ثناؤه فضلا منه في سعي جارحه أو دلها الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عليها وأنها إلى الله تعالى مقربة وفي حال السعي بسعيها زائدة ~~بما تعبدت به أو ندبت إليه أسرعت إلى ذلك لما ملكها من موافقة سيدها وجل ~~عندها من قدر ما أشار إليه مما يقرب منه فكان السعي عن تمكن الرغبة في ~~الطاعة الجامعة للقلوب من غير سآمة منها لما شمل فاقتها من خالص الموهبة ~~وجزيل سناء الخصوصية وكان السعي في ذلك لصفاء ما في القلوب من تمكن السكينة ~~وحقائق الثقة # وكانت القلوب بسعي الجوارح في ذلك زائدة بسعيها متمكنة في مرتبتها ولا ~~ينقص السعي عليها حالها ولا يجرها ذلك إلا إلى ما يقدح في ذكرها فكان هذا ~~السعي على ما وصفنا زائدة لها في مواصلتها في القرب إلى علو الدرجات في ~~قربها وكان السعي على ما بين الله ورسوله من فضل السعي على ما وصفنا مما ~~افترض على الخلق وندبوا ms17 إليه على معاني # أحدها أن يكون السعي بالجوارح بعدما وصفنا من قيام الثقة في القلوب وتمكن ~~السكينة منغصا عليها حال القلب موجدا لها النزول عن مرتبتها فيكون تركها ~~للسعي لما تجد من النقص # فهذه حال دون حال الأقوياء الذين سعوا في ذلك وهم يجدون # PageV01P045 # في ذلك الزيادات والتعالي في الحالات وهذا ضعف بين في الحال # وإما أن يكون ما وصفنا من حال القلوب ثابتا وهم فيه متمكنون والسعي زائد ~~لهم في أحوالهم فيكون الترك لهم بذلك لأن حال الفضل فيهم لم تثبت عندهم ~~وحال القربة في ذلك لم تبلغهم # فهذا تقصير في العلم # أو تكون الحال قد ثبتت عندهم والعلم بالفضل في السعي قد بلغهم وهم يؤثرون ~~القعود # فهذا حال تكلف وخلاف لما بين الله تعالى من الفضل ودل عليه الكتاب والسنة ~~وكان عليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما بينه العلم ودلت عليه المعرفة # فقد تبين فضل السعي والحركة على ما وصفنا وهي أعلى الدرجات في كل حال ~~عندنا والله أعلم # فإذا أردت أن تأتي سوقك أو شيئا لمعاشك أو صنعة أو وكالة أو غير ذلك لطلب ~~الحلال والاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وللثواب في نفسك وعيالك ~~والاكتساب عليهم والاستغناء عن الناس والتعطف على الأخ والجار وأداء الزكاة ~~وكل حق واجب فأمل في ذلك أن تلقى الله عز وجل ووجهك كالقمر ليلة البدر # كما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من طلب حلالا ~~استعفافا عن المسألة وكدا على عياله وتعطفا على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ~~ليلة البدر) # وتنوي الورع في سوقك وأن تدع كل ربح أو أجر أو إصابة تعرض لك فيه ولو ~~كانت الدنيا كلها إن عرض لك فيها ما كره الله تعالى # PageV01P046 # وتنوي الإخلاص في ورعك في تجارتك ومن تشتري منه أو تعامله في صنعة أو ~~وكالة # وتنوي عون المسلم في تجارتك إذا استعان بجاهل أو بنصرك أو غير ذلك # وأن تذكر الله تعالى في سوقك محتسبا كما ms18 جاء في الحديث (إن الله عز وجل ~~تعجب من الذي يذكره في السوق) # PageV01P047 ### | - باب صفة الورع # قلت رحمك الله ما الورع # قال المجانبة لكل ما كره الله عز وجل من مقال أو فعل بقلب أو جارحة ~~والحذر من تضييع ما فرض الله عز وجل عليه في قلب أو جارحة # قلت وبماذا ينال قال بالمحاسبة قلت وما المحاسبة قال التثبت في جميع ~~الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير أو الفعل بالجارحة حتى يتبين له ~~ما يترك وما يفعل فإن تبين له ما كره الله عز وجل جانبه بعقد ضمير قلبه وكف ~~جوارحه عما كره الله عز وجل ومنع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض وسارع إلى ~~أدائه # قلت وما يترك وما يجانب قال أربعة أشياء شيئان واجب تركهما وشيئان ترك ~~أحدهما استبراء خوف أن # PageV01P051 # يكون مما كره الله عز وجل والآخر يترك احتياطا وتحرزا # فأما الشيئان الواجب تركهما # فأحدهما ما نهى الله عز وجل من العقد بالقلب على الضلال والبدع والغلو في ~~القول عليه بغير الحق ولا يعتقد إلا الصواب # والآخر ما نهى الله عز وجل عنه من الأخذ والترك من الحرام بالضمير ~~والجوارح # وأما أحد الشيئين الآخرين فترك الشبهات خوف مواقعة الحرام وهو لا يعلم ~~استبراء لذمته لتمام الورع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (من ترك ~~الشبهات استبرأ لذمته ودينه وعرضه من واقع الشبهات فكأنما واقع الحرام) # وقال زكريا عن الشعبي عن النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم زاد عليه ~~غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم (فقد واقع الحرام كالراعي حول الحمى ~~يوشك أن يقع فيه) # وأما الشيء الرابع فترك بعض الحلال الذي يخاف أن يكون سببا وذريعة إلى ~~الحرام كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يكون العبد من ~~المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس) # وذلك كتركه فضول الكلام لئلا يخرجه ذلك إلى الكذب والغيبة وغيرهما مما ~~حرم الله تعالى القول به ويترك بعض المكاسب ms19 مما تقل # PageV01P052 # فيه السلامة للمكتسبين ويدع طلب الإكثار من المال خوفا ألا يقوم بحق الله ~~جل وعز فيه إذا عزت فيه أسباب الحلال وقل العاملون بالورع والتقوى وترك ~~مجالسة من قد جرب أنه لا يسلم معه وفراره من الشبهة خوفا ألا يسلم ويقل من ~~معرفة الناس خوفا ألا يسلم ويغض عن بعض المطعم إذا أحس من نفسه أن ذلك ~~يبطرها # فهذه الخلة عون على الورع لا واجب عليها تركها ومجانبتها # وكما قال عون بن عبد الله قال بعض الحكماء دع أن تحلف صادقا وهو لك حلال ~~مخافة أن تعود لسانك اليمين فتحلف كاذبا ودع النصرة ممن ظلمك مخافة أن ~~تعتذر # وقال الله عز وجل {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن} فقد ~~سمى العفو حسنة والنصرة للنفس سيئة فما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا ~~الكثير من الحلال مخافة الحرام # وأهدى رجل لابن عمر أثوابا مروية فردها وقال ما رددناها عليك إلا مخافة ~~الكبر # وكان ابن عمر رضي الله عنه يسرع المشي ويقول هو أبعد لي من الزهو # وعمر رضي الله عنه طلق امرأته وكانت أحب الناس إليه حين ولي الخلافة ~~مخافة أن يطيعها في غير العدل فلما قواه الله عز وجل أرسل يخطبها فوجدها ~~الرسول قد ماتت وغير ذلك تركنا ذكره لكثرته # واعلم أن أصل أمورك كلها وتمامها والذي يرتفع به العمل ويزكو هو أصلان # PageV01P053 # أحدهما سلامة الصدر لجميع المسلمين # والثاني إصلاح الكسرة والمعرفة من أين قرصتك # والآثار في تصحيح هذين الأصلين تروى من طرق شتى كثيرة ولكن أردنا ~~الاختصار فتجار هذا الزمان كأنهم لا يؤمنون بيوم الحساب من الدخول في كل ما ~~لا يجوز والتسارع إلى كل مأثم وإلى كل ما لا يجوز من المكاسب وترك ما ~~تعهدوا به وركوب ما نهوا عنه لا يتورعون عن مكاسب أموال الظالمين ولا ~~يجانبون أهل الرياء ولا أهل قطع الطريق والسلب # ولو قيل لهم هل لكم في الدنيا حراما وتعذبون عليها في الآخرة وتنغص عليكم ~~عيشتكم في الدنيا بالهموم والأحزان ms20 والآلام بعد أن تكونوا مكثرين منها ~~لرضوا بعد أن تكون الدنيا عليهم موسعة إلا من شاء الله منهم فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون # فإذا رأوا رجلا ترك ما أقبلوا عليه من هذه الفنون توجوه وأكرموه وهذا فعل ~~العقلاء منهم وأما الحمقاء فإنهم يزدرونه ويؤنبونه # وإذا مدحه أهل العقل منهم ورفعوا قدره أحب الثناء فهلك وهو لا يعلم # فكن حذرا متيقظا في جميع أمورك واستعن بالله في طلب السلامة واسأل الله ~~العافية من فتنته وبليته # وقال ثلاث خلال تلزمها قلبك # الخلة الأولى اليقين بأن المقدور يأتيك وإن لم يقدر لا يأتي فمن أيقن ~~بذلك أورث الله جل وعز قلبه خصلتين # PageV01P054 # إحداهما أن يأمن قلبه من أن يفوته ما قدر له # والثانية أن ييأس من أن ينال ما لم يقدر له # فمن لزم قلبه الأمن ألا يفوته رزقه وإلا يأس من أن ينال ما لم يقدر له قل ~~همه وغمه وخضوعه للخلق والمدارة لهم لأن ينال بهم منفعة فهذا الغنى بالله ~~عز وجل # والخلة الثانية ذكر اطلاع الله عز وجل على ضميره وجوارحه فإن ذلك يورث له ~~الحياء # فإذا عرض له شيء مما يكره الله عز وجل ذكر النظر وخاف المقت إن ركن إلى ~~ذلك # وإن عرض له ما فيه النقص وإن لم يكن محرما استحيى من الله تعالى أن يراه ~~مقصرا عما يحب مولاه مع ما قد استودعه من العلم وعرفه من عظيم قدره وكبرياء ~~جلاله جل وعز # وجملة ذلك أن تغدو إلى سوقك وأن تكون في جميع أحوالك في سوق كنت أو في ~~غيرها فتلزم قلبك اليقين والحذر وتذكر الاطلاع بالنظر # فباليقين تستريح وبالحذر تتيقظ وبذكر النظر تستحيي من الناظر الأعلى ~~تبارك وتعالى # PageV01P055 ### | - باب مذاهب السلف في الورع # سألت أبا جعفر عن الورع فقال فيه ثلاثة أقاويل # أحدهما ترك ما حاك في الصدور من جميع الحكايات والقول # والثاني الوقوف عند كل شبهة إذا لم يتبين فيها الحلال من الحرام # والقول الثالث ما رواه عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه ms21 وسلم (تكون ~~حقيقة من المتقين حتى تدع ما لا بأس به مخافة ما به البأس) # وهذه الثلاثة الأقاويل قد قصد إليها وإلى معانيه أصناف من العلماء وأهل ~~الحديث والقراء والمتصوفة # فأما ترك ما حاك في الصدور فهو مذهب أبي عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق ~~بن منذر الثوري وإبراهيم بن أدهم ووهيب بن # PageV01P059 # الورد ومحمد بن يوسف الأصبهاني ويوسف بن أسباط وعبد الله بن الوليد ~~المدني وشعيب بن حرب # والقول الثاني يذهب إليه جماعة من أصحاب الحديث وناس صلحاء ممن سكن الثغر ~~منهم مخلد بن الحسين وعلي بن بكار وقد رواه عن الأوزاعي ويقال أنه فتيا ابن ~~المبارك بالمصيصة ومذهب طوائف من أهل البصرة وقد ذكر ذلك عن عبد الله بن ~~داود وهو مذهب محمد بن مقاتل بعبادان وكثير من المتفقهة في سائر الأمصار # والقول الثالث قد ذكر عن طاوس ومحمد بن سيرين وأيوب وابن عون ويونس بن ~~عبيد وواصل مولى ابن عيينة # PageV01P060 # وهو مذهب عمرو بن مرة وقد ذهبت إليه أناس بأطراف الثغور فلم يأخذوا منها ~~شيئا لا من حلالها ولا من حرامها ولا من شبهاتها إلا خرقا تستر العورة ~~وفلقا تسد الجوعة # ثم تفرقت بهم الطرق للآخرة في اختيار المآكل والملابس # فذهبت طائفة إلى الرخصة ورأت طريق الفقر والتقلل فيما لم يكن حراما إما ~~نصا في التنزيل وإما ثابتا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع ~~المسلمين وصاروا إلى الرخصة فيه # واختارت طائفة من القراء والمتصوفة التقلل من كد اليد وعرق الجبين والسعي ~~في طلب الأسباب ليأخذوا الكسرة واجتهدوا في طلب ذلك مع أهل الثغور خوفا أن ~~يكونوا من أعوان الظالمين # واحتجوا في ذلك بآيات من التنزيل منها قوله عز وجل {ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان} # وأخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم (فمن أعانهم وصدقهم فلست منه ولم يرد ~~على الحوض) # وذهبت طائفة من أهل الفقه إلى أنه لا بأس بمعاونتهم إذا لم يكن ظلما ~~بعينه وذلك أنهم تأولوا الحديث على معنى من أعانهم ms22 على ظلمهم فمن لم يعنهم ~~على الظلم وأعانهم على سوى ذلك فهو مطلق حلال عندهم # وذهبت طائفة إلى ترك المعونة لهم والمباينة لهم واحتجوا بأخبار كثيرة في ~~المباينة # من ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لعنت الخمر وبائعها ومبتاعها # PageV01P061 # وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها) # واحتجوا بأن سعد أحرق كرمه وقال بئس الشيخ أنا إن أنا بعت الخمرة # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة الذين خلفوا عن كلامهم وعن ~~مبايعتهم وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم ولم يكن التخلف منهم على نفاق وإنما كان ~~ذنبا حتى أنزل الله جل وعز توبتهم # وقالت فرقة المعونة لهم حرام في كل مكان لهم فيه منفعة وهو مذهب طائفة من ~~المتصوفة معهم جهل كبير وغلظة # وقالت طائفة بيع السلاح والكراع منهم معصية وما سوى ذلك فترك المعونة لهم ~~وترك متابعتهم أفضل # وهم طوائف النساك والقراء ممن ينتحل مذهب أبي عبد الله سفيان بن سعيد ~~الثوري والفضيل بن عياض والمعافى بن عمران ووكيع بن الجراح وأبي إسحاق ~~الفزاري وعيسى بن يوسف ويوسف بن أسباط وابن المبارك وإبراهيم بن أدهم وعباد ~~بن عتبة الخواص ومخلد بن الحسين # PageV01P062 # وعلي بن بكار وسليمان الخواص وقاسم بن يزيد الجرمي وزيد بن أبي الزرقاء ~~وابن أبي ذئب وأحمد بن محمد بن حنبل وبشر بن الحارث الحافي وعبد الوهاب ~~الوراق ومن سلك مسلكهم وسبيلهم من أصحاب الحديث مما يحسن في قراءته # وساعدهم على ذلك طوائف من المتصرفة بمكة واليمن وسواحل الشام وعبادان ~~وذلك أنهم يقولون لا بد من أمارة برة أو فاجرة والدار لا تصلح إلا بإمام ~~يصلى خلفه وترفع إليه الأحكام وتصلح الطرق وتعبد الجسور وتعمر المساجد ~~العظام وتبنى المنائر للحراس بالثغور وتعقد الأولوية على الصوائف وغيرهم ~~ويقيم الحج ويعطي الفيء ويقسم الغنيمة ويجبي الخراج ويفرض الأعطية ويدون ~~الدواوين ويعول الفقراء ويعطي الغارمين # فإذا أحسن واتقى كان صلاحا للرعية وإذا أساء وفجر كان فساده جورا في ~~الرعية والصبر على الإقامة معه وترك مفارقة الجماعة في الخروج من ms23 إقامته ~~والمعاملة في الشراء والبيع والتجارة والصنائع في دولته جائز ويكون بينك ~~وبينه ستر حتى إذا رأيت حليتهم على أحد إجتنبته بعينه # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن ضربت أو ظلمت فاصبر # PageV01P063 # وقال حذيفة ليس من السنة أن تشهر السلاح في وجه السلطان # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (سترون بعدي فتنا وأثرة) قيل فما تأمرنا ~~به يا رسول الله قال (أعطوا الحق الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم) # وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام رواه الأعمش ومنصور عن يزيد بن وهب ~~عن عبد الله بن مسعود # PageV01P064 ### | - باب مذاهب السلف في المطاعم والملابس # وقد تكلم طوائف من الفرق بمذاهب في المجانية وصفاء المطعم والملبس ~~يختلفون ويتقاربون # فمنهم من اختار العزلة عن الأئمة والسلطان وأعوانهم بأعيانهم # وفرقة قد جانبت كل من اتصل بهم وهذه الطائفة عند جماعة من العلماء ركبت ~~الغلو في الدين # وطائفة اعتزلت الفرق واحتجت بما حدثنا به عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا ~~أبو أسامة قال حدثنا شعبة قال سمعت أبا التياح يخبر عن أبي زرعة عن أبي ~~هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هلاك أمتي على أيدي أغلمة من ~~قريش) قال قائل يا رسول الله مما تأمرنا لو قد وردت علينا قال (لو أن الناس ~~اعتزلوهم) # وروى جماعة عن الوليد بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبد الله ~~عن أبي إدريس الخولاني عن حذيفة قالت قلت يا رسول الله إن أدركني رفاق ليس ~~له إمام ولا جماعة قال (فاعتزل تلك الفرق حتى تموت على ذلك) # PageV01P067 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار (أنكم سترون بعدي فتنا وأثرة ~~فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) # وقال عليه السلام لأبي ذر حيث قال له كيف أنت إذا رأيت حجارة الزيت قد ~~غرقت في الدم (اصبر حتى تلحق بمن أنت معه) # والأخبار في هذا كثيرة # وأما الأكياس فإنهم أخذوا القوت قصدا ورفضوا ما سوى ذلك وقد كان الأوزاعي ~~يقول اشتبهت الأمور فليس نأخذ ms24 غير القوت # وقال الحسن إن المكاسب قد فسدت خذوا منها القوت # وقال أبو وائل ومسروق إن أهل بيت الكوفة يوجد على مائدتهم رغيف من حلال ~~لأهل بيت غرباء # ويقال إن الله عز وجل ليحجب الدعاء بالطعمة أو بالكسرة يأكلها المرء من ~~غير حلها # وفي إجماعهم من طاب مطعمه صفت أعماله واستجيبت دعوته ثم قصدت طوائف من ~~القراء والمتصوفة والنساك إلى مذاهب في الكسب فطائفة اختارت المباح من ~~الجبال والأودية والرمال من ورق الأثل ولقط البذر والحشائش التي لها ثمن ~~إذا ادخرت فجمعوا منها لصيفهم في شتائهم # PageV01P068 # وطائفة اختارت ما ألقته الرياح وما ظهر من الحشيش والكلأ على وجه الأرض ~~من كلأ الصحراء إذا اشتد بهم الجوع # وطائفة اختارت المنبوذ المطروح الملقي واحتجوا لذلك بما رواه هشام عن ~~قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهوي إلى التمرة الملقاة فلولا أنه ~~يخشى أن تكون من تمر الصدقة لأخذها وأن أبا أمامة أخذ كسرة من مسجد حمص ~~فأكلها # وكان أويس القرني يأخذ الشيء من المزابل وغيرها # وطائفة اختارت المسألة لأخذ القوت منها كما سأل الخضر موسى عليهما السلام ~~عند الحاجة واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (رب أشعث أغبر ذي طمرين ~~يدفع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) وذلك حين اشتدت عليهم مذاهب إحياء ~~الحلال وخافوا من الوقوع في الحرام # وطائفة بالثغر ونواحي الشام اختارت ان تجمع من اللقاط خلف الحصادين من ~~القمح والشعير وترى أن ذلك دليل قاصر بتتبع الحصادين فالذين لا يشكون في ~~أنه حلال ليس ينبغي قولهم في عصرنا هذا # وطائفة منهم تجنبت اللقاط وراء الحصادين في أرض اشتريت بمال الظالمين أو ~~من خط قطائع اختطها السلطان لأوليائه ومن القبالات من الأرضين التي أخرج ~~أهلها منها # وطائفة فتشت الورع فاختارت كد اليد أو ضرب السيف في سبيل الله على اللقاط ~~والحصاد وقالوا ليس للقاط أصل متقدم في # PageV01P069 # عهد الأئمة الماضيين وهم على ذلك يجمعون على أن ضرب السيف تحت كل راية مع ~~كل أمير بر أو فاجر ms25 ماض في كل عصر وفي كل زمان لا يتخلف عن ذلك إلا مخطئ أو ~~جاهل وطائفة اختارت الرباط إلا أن يكون لأهل الإسلام حاجة من إظهار العدو ~~وطلبهم ودخولهم إلى دار الإسلام فأوجبوا ضرب السيف في هذا الحال حتى إذا ~~استغنت الأمة عن ذلك رجعوا إلى ما اعتقدوه من الرباط واحتجوا بأن ذلك في ~~آخر الزمان أفضل ورووا في ذلك أحاديث واستعملوا لها مقاييس وهذه الطائفة ~~غلطها كثير # وأكثر العلماء والأغلب في جميع الأمصار يرون الغزو والحج والشراء والبيع ~~والمعاملات والوكالات والصنائع ماضية أبدا مذ كان أول الإسلام إلى آخر ~~عصابة يقاتلون الدجال لا يضر المتقي الحافظ لدينه جور جائر ولا ظلم ظالم ~~إذا مكان فقيها متخلصا في تجارته وصنعته يكابد أن يسلم من أكل الشبهة وغير ~~ذلك يجاهده بالنفقة # والمكاسب لا تفسد بجور الأئمة إنما تفسد بترك استعمال الفقه والعلم # وقد تقدم في صدر هذه الأمة من الفتن والاختلاف والتفرق والناس يشترون ~~ويبيعون وقد قتل أمير المؤمنين عثمان ظلما وعدوانا والناس يتجرون في ~~تجاراتهم بالمدينة وغيرها وفتنة الجمل وصفين وابن الزبير والعراق والجماجم ~~بالبصرة والكوفة وفي جميع العراق وخارجها ونواحي الأطراف والناس يشترون ~~ويبيعون # وبعد فتنة محمد الأمين والمأمون التي قامت بالشام ثماني عشرة سنة ~~وبالعراق أربع سنين وفي سائر البلاد أيضا والفقهاء والعلماء في كل بلد ~~والمحدثون يومئذ متوافرون والناس يبيعون ويشترون لا ينكر ذلك # PageV01P070 # أحد ممن علمناه إلا رجلين هما عند الأمة مخبطين عبد الله بن يزيد وعبدك ~~الصوفيين فإنهما أفسدا وحرما الكسب وأبت الأمة إلا خلاف ما قالا # ثم اختلف الناس في الميراث يكون الرجل يرث المال وأبوه ظالم أو جائر في ~~ولايته أو خالط ماله غصب أو مزج حلالا بحرام # فقالت طائفة من المتفقهة الميراث له حلال والوزر على من اكتسب المال وقد ~~طاب هذا المال لوراثه # وقالت طائفة يحتاط في هذا المال فإن كان يعلم أن أباه كان له مال قبل أن ~~يخالط ماله الظلم أخرج منه ما يعلم أنه قد زاد في مال ms26 أبيه # وقالت طائفة من القراء والمتصوفة انتحلت رأي سفيان الثوري وجعلن دينا ~~الخروج من كله احتياطا لدينه # وقد روى غير واحد أن أباه قد ظلم فعرف أولئك المظلومين فأدى إليهم ~~مظالمهم وساعدهم على ذلك أهل الفقه وهو قول الأوزاعي ومالك بن أنس وبه أفتى ~~أبو إسحاق الفزاري وعبد الله بن إدريس # PageV01P071 ### | - باب مذاهب السلف في الشبهات ومعناها # واختلفت الناس في معنى الشبهة # فقالت طائفة إنما هو الحلال أو الحرام الذي هو ضد الحلال ولا منزلة ثالثة ~~إلا ما حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه فقال (لا تقربوا أو تدنوا من ~~الحرام) # فسمي ذلك شبهة كالذي يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه قالوا فخارج الحمى ~~حلال وداخله حرام # وقالت طائفة الشبهة ساقطة وذلك أن علمها غير مفترض لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم (لا يعلمها كثير من الناس) # وإنما اتقوا العمل بالشبهة مخافة التزكية بأن يكونوا من أولئك القليل ~~الذين يعلمونها # وقالت طائفة العمل بذلك واجب ليطيب للمرء منكحه ومطعمه ومشربه وملبسه ~~وشراؤه وبيعه وهو متعبد يأكل الحلال وإمضائه # قالوا والشبهة هي ما لم يعرف أحلال بعينه أم حرام والوقوف في هذا الموضع ~~فرض # وقالت طائفة ليس علمها بفرض ويأكل منها لأنه فيها حلالا # PageV01P075 # وإنما كان أكله من الحلال # وقالت طائفة التحرز من ذلك أفضل فإذا وجد السبيل إلى غيره لم يحل له أكل ~~الشبهة وهو يجد الحلال المطلق المباح # وقالت طائفة الشبهة ليست تعلم في الأموال لأن المال لا يعلم إلا حلالا أو ~~حراما وإذا اختلط دينار بعشرة دنانير أو مائة دينار في ألف وكذلك الورق ~~فليس عليه إلا أن يخرج دينارا أو درهما إذ لا يمكنه أن يخرج ذلك الدينار ~~بعينه ودرهم مكان درهم ودينار مكان دينار جائز باتفاق الفقهاء # وقد ذهبت طائفة إلى أنه لو خلط دينارا من غصب أو ظلم ومازجه دينار آخر ~~حلال فاكتسب بهما فربح عليهما فله نصف ذلك الربح ويرد على من اغتصبه أو ~~ظلمه ذلك الدينار وما ربح عليه # فإن كان ms27 ذلك الدينار مغمورا في مائة دينار فله بقسط ذلك يؤديه إلى من ~~ظلمه أو إلى وارث من ظلمه أو يتصدق به على المساكين إن لم يجده # وقالت طائفة وأكثر الفقهاء ليس عليه إلا ما ضمن وهذا الدينار في ضمانه # وقالت طائفة الشبهة ما كان أكثرها حلالا وإنما اعترض عليها فدخل فيها ما ~~يظهر أنه حرام فهو يأكل من الشبهة أبدا العلة ما غلب من الحلال # وقالت طائفة الشبهة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم حين ~~قال له أرسل كلبي على الصيد فأجده وقد اختلط معه كلاب فأمره عليه # PageV01P076 # السلام ألا يأكل فلعله قتله غير كلبه وكذلك إذا رمى صيدا ورمى غيره فلا ~~يدري أي الرميتين قتلته بالذكاة أو غير الذكاة وكذلك الصيد يتردى من جبل أو ~~يهوي في بئر فلا يدرى بأيهما كان قتله وكذلك الرجل يطلق إحدى امرأتيه فلا ~~يدرى أيتهما طلق أو يعتق أحد عبديه فلا يدرى أيهما أعتق فالوقوف ها هنا ~~والورع واجب # وقالت فرقة الشبهة في الأموال والنكاح غير ذلك لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خاطبهم بالشبهة وهم يعلمون ذلك # وقد روي هذا الخبر عن الشعبي عن النعمان بن بشير رواه زكريا بن أبي زائدة ~~وإسماعيل بن أبي خالد ومغيرة وأبو السفر ومجاهد ومطرف في جماعة سواهم عن ~~الشعبي وروي عن ابن عمر وجابر رضي الله عنهما نحو ما قاله النعمان بن بشير # وروي عن عبد الله بن مسعود حين أكثر الناس عليه يسألونه فقال الحلال بين ~~والحرام بين وبينهما شبهات # وقال ابن عمر دع ما يريبك إلى ما لا يريبك # وقال ابن مسعود الإثم ما حاك حول القلوب # مع ما قد روي عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال في التمرة الملقاة ~~(لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها) # ونهى عدي بن حاتم عن أكل الصيد إذا اختلطت الكلاب المعلمة وغيرها # وقال صلى الله عليه وسلم في قصة عتبة وعبد بن زمعة فقال عبد بن زمعة هو ms28 ~~أخي ولد على فراش أبي فقال (هو لك يا عبد الولد # PageV01P077 # للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة) للشبه الذي رأى عليه السلام ~~لأنه رأى شبها بينا بعينيه # ونهى صلى الله عليه وسلم عن كسب الأمة حتى يعلم من أين كسبت # وأمر محيصة حين سأله عن كسب غلامه الحجام أن يطعمه الرقيق ويعلف منه ~~الناضح # واختلف الناس فيه فقالت طائفة كسب الحجام خبيث لأنه قد روي في الحديث أنه ~~سحت # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم محيصة أن يأكل من كسب الحجام # وقالت طائفة كسب الحجام حلال واحتجوا بابن عباس وأنس بن مالك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعطى الحجام ولو كان حراما لم يعطه # وقد ذهبت طائفة إلى تأويل حديث محيصة بأن المكاسب بعضها أطيب من بعض ~~وأعلى وفيها أدنى من بعض والمستنصح إذا فزع إلى الناصح أجابه بالنصيحة فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم محيصة بالتنزه عنه حين وجده فقال (أما أنت فلا ~~تأكل ولكن أطعمه الرقيق) ولم يكن يبيح لهم إطعام الرقيق من حرام # PageV01P078 ### | - باب معنى التعاون على الإثم والعدوان # وقد تنازعت طوائف من العلماء في تأويل قوله تعالى {ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} # فقال بعضهم سقي الماء للعاصي وإرشاده إلى الطريق من المعونة # وقد روي عن سفيان الثوري إذا سألك الطريق إلى المسجد فلا تدله لعله يغتال ~~رجلا فيما بينه وبين المسلمين أو يظلمه # وقالت طائفة المعونة على حرام بعينه # وقالت طائفة بيع السكين من السلطان والخشبة ليصلب عليها رجل مسلم والسوط ~~من الجلاد والصليب من النصارى هذا كله حرام # وذهبت طائفة إلى أن ذلك مباح والإثم على الفاعل وهذه الطائفة مخالفة في ~~التأويل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها ~~وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وآكل ثمنها وحاضر مجلسها # PageV01P081 # وقد أحرق سعد كرمه وقال بئس الشيخ أنا إن أنا بعت الخمر # وكره إبراهيم أن يعين النساء على فتل الخيوط للسبحة لأنه كان لا يرى ~~للنساء إلا إشارة عقد ms29 الأصابع بالأنامل # وأبو قتادة في الصيد لم يناوله أصحابه السوط كراهية المعونة له وهم حرم ~~لأن الله عز وجل نهى عن قتل الصيد وهم حرم # وفي المعونة أخبار كثيرة والتاركون لها داخلون في الفضيلة وقد قال الضحاك ~~أدركناهم ما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع # وقال الحسن الورع أفضل العبادة # وقال لا دين إلا الورع ويروى عن الله عز وجل قوله {فأما الورعون فأستحيي ~~أن أعذبهم} # فأول بداية الورع محاسبة النفس عند خواطر القلوب والنفي لدواعي الجهالات ~~والوقوف عند الشبهات والاستبراء بالتقوى والاحتياط عند اختلاف العلماء # وقد غلطت طائفة تأولت قول ابن مسعود في الأكل من اتجار المرابي فقال فلك ~~المهنا وعليه الإثم # وهذا حديث رواه الشيباني عن التميمي عن الحارث بن سويد وجماعة من أصحاب ~~الحديث منهم عبد الرحمن بن مهدي وهو يضعف هذا الحديث وأحمد بن حنبل # وقد تأولت طائفة قول ابن مسعود على أنه لم تجر شهادة السائل أو يكون عبد ~~الله علم من الرجل الذي سأله فقال ابن مسعود كل من حلال ماله # لأنه لو تاب لأمسك ما كان له من الحلال ورفض ما سواه قال الله عز # PageV01P082 # وجل في الربا {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} # وقد ذهبت طائفة من أهل العلم وغيرهم إلى أن ما لم يكن حراما في التنزيل ~~أو نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو في الإطلاق والإباحة حتى تكون آية ~~تمتع أو سنة مأثورة يجب استعمالها أو اتفاق بين أهل الصلاة وذلك أنهم قالوا ~~بإطلاق الآية {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} # وكان ابن عباس رضي الله عنه ومن سلك مسلكه يذهبون إلى الظاهر # وقد روى ابن عباس أنه قال الحلال ما أحله الله عز وجل والحرام ما حرم ~~الله تعالى وسكت عن أشياء عفوا # وقال ذلك سلمان والحسن # وقد روي عن سلمان الفارسي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجبن ~~والسمن # فقال النبي ms30 صلى الله عليه وسلم (الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله ~~وسكت عن أشياء عفوا) # وسأل البراء بن عازب النبي صلى الله عليه وسلم عن الأضاحي فقال إني أكله ~~أن يكون في السن نقص أو في القرن فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما كرهته ~~فدعه ولا تحرمه على غيرك) # ومعنى هذا أنه أراد أن يحتاط لنفسه بترك أشياء اختلف في معنى # PageV01P083 # تأويلها ولا يكون ذلك الشيء حراما لأن القائل حلال وحرام عاص الله تعالى ~~إلا أن يكون بآية من كتاب الله أو سنة أو اتفاق أو دليل على ذلك # فأكل الحرام معصية واعتقاد القول بأن هذا حلال وهذا حرام وليس ببيان أو ~~شاهد من الإجماع فهو افتراء على الله عز وجل وكذب في الدين لأن الله تعالى ~~لام الواصفين لذلك فقال جل ذكره {فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون} # فحرك قلوب السامعين للتلاوة والخوف من الله عز وجل أن يتقدموا على أن ~~يقولوا حراما وحلالا إلا بعلم # وقد سئل عتبة بن فرقد عن شيء فكان لا يقول حلال ولا حرام لكن يقول ~~يستحبون ويكرهون # وقد روى إبراهيم بن أدهم كانوا يكرهون أشياء ولا يقولون حراما # وسئل جابر بن زيد ما تقول في لحوم الحمر الأهلية هل نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنها فقال قد كان يقول ذلك عندنا الحكم الغفاري وأبي ذلك ~~البحر يعني ابن عباس ثم قرأ الآية {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} # وكان الشعبي ومجاهد يسلكان مذهب ابن عباس # PageV01P084 # وقد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبنة مما صنع في فارس فقال (اقطع ~~بالسكين واذكر اسم الله وكل) # وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر وسلمان والحسن وإبراهيم في الجبن فقالوا ~~كل # وقال الحسن ولا تشك # PageV01P085 ### | - باب الورع في جوائز السلطان # ثم اختلف الناس في جوائز السلطان # فكرهت ذلك طائفة ولم تر ms31 طائفة بذلك بأسا وفرقة قالت حلال وفرقة قالت شبهة ~~وفرقة قالت حرام وهذه الفرق مخالفة للسنة وأكثر العلماء نافون لهم لجهلهم ~~فأما الذين قالوا بالكراهية فالذي يخالط الفيء والغنيمة من الظلم والعدوان ~~في الجبايات والقبالات الرحاب وأخذ الرشا والجور والظلم وإصراف المال في ~~غير حقوقه وأخذه من غير وجهه # وأما الذين قالوا لا بأس به فإنهم تأولوا قول علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه بأن ما يدخل في بيت مالهم من الحلال أكثر من الحرام # وأخذ ابن عمر رضي الله عنه من الحجاج وعبد الملك بن مروان وسلمة بن ~~الأكوع وأنس بن مالك وكذلك جماعة من التابعين رضي # PageV01P089 # الله عنهم أخذوا من السلطان منهم الحسن والشعبي وإبراهيم وعطاء ومن بعدهم ~~جماعة أيضا # وقالت طائفة الأخذ منهم شبهة لاختلاف العلماء في ذلك رضي الله عنهم لأن ~~من سوى هؤلاء الأئمة قد خالط مالهم الظلم والعدوان والاعتداء في الأموال ~~إلى عصرنا هذا أو سفك الدماء أو الضرب على الجور بالسوط ويستحل فيه الفيء ~~والغنيمة # وقد ترك الأخذ من أموالهم سعيد بن المسيب وطاوس ومحمد بن سيرين وأيوب ~~وابن عون ويونس بن عبيد وكان مسروق لا يقبل من أحد شيئا ولا يأخذ على ~~الفتيا أجرا وسفيان الثوري وأصحابه لا يرون ذلك # وقد اختلف عن سفيان في كثير من هذه المعاني وأحمد بن حنبل يرى لمن ولي ~~شيئا من أموالهم أن يفرقه كما صنع في الماضيين غير واحد # وقد روى عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنها كانت تأخذ عطاءها اثنى ~~عشر ألفا وترقع رداءها ولا يبيت عندها منه شيء والمختار عن عائشة أنه حلال ~~طيب وأنما فرقته خوفا على نفسها # وقد آثر ترك الأخذ من الأئمة العدول الذين أجمعت الأمة على عدالتهم ~~وفضلهم وطيب مجباهم طائفة منهم حكيم بن حزام وأبو ذر لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم (خير لأحدكم ألا يأخذ من أحد شيئا) فكيف بمن بعدهم وقد خالط ~~المجبي ما خلطه من الفساد # PageV01P090 # ومن قصد ترك أموالهم من الجوائز ms32 والعطيات والهدايا والصلات والسؤال لهم ~~فقد أتى فضلا وقربة تؤديه بلوغ تلك المرتبة إلى أعظم منازل الخواص من ~~المسلمين والدخول في مرتبة أهل الصفوة من العمال # لأنا قد رأينا كثيرا من العلماء ليس معهم السعة في العلم ومعهم ضيق في ~~التفقه في الدين وقلة رواية في الحديث إلا أن المرتبة في الترك جعلت لهم ~~ذكرا عند الخاصة والعامة على فضلهم وأورثتهم هذه المنزلة شدة المباينة ~~وعظيم الحذر من مواقعة الشبهات لما ركب في القلوب الخشية وخوف السؤال عند ~~العرض على الجبار تبارك وتعالى وحملهم الحذر على خوف معالجة الموت لأن أول ~~ما يأكل التراب من ابن آدم لحمه فلا يكون ذلك في نباته إلا من طيب فإن الله ~~عز وجل لا يقبل إلا طيبا # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (تراه أشعث أغبر مطعمه من ~~حرام ومشربه من حرام وملبسه من حرام فأنى يستجاب له) # وقال لسعد (أطب مطعمك تستجب دعوتك) # وقيل لسعد بم تستجاب دعوتك قال بأني لا أدخل بطني إلا شيئا أعرفه # وقال ابن عباس رضي الله عنه لو صلى وفي ثوبه سلك حرام فيها درهم حرام لم ~~يقبل منه # ورأى مثله كذلك عن ابن عمر ومن اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيها درهم حرام ~~لم تقبل له فيها صلاة # والله أعلم ما أراد ابن عمر وابن عباس إلا أن الحديث عن ابن # PageV01P091 # عمر من وجه ضعيف وله تأويل يقول ما دام الحرام في ثوبه يتخوف حتى يخرج من ~~الحرام # إلا أن الإجماع منع من ذلك فأجمعت الأمة كلها على أن الصلاة لا تعاد # وقد غلطت طائفة من القراء والنساك فقالوا الصلاة باطلة بما لبس من الحرام ~~فيها وبذلك قال أصناف من الخوارج وكذلك إذا كان المهر حراما فالنكاح والوطء ~~فاسد # وهذا خروج من قول الأمة كلها ومن قال بهذا القول سمي بذلك عاصيا من أجل ~~أن العقد في النكاح إنما تم بالكلام بقوله تزوجت ويقول هذا زوجت على صداق ~~مسمى أو على التفويض فيكون ms33 لها صداق المثل ويكون عليه الوزر بالصداق الحرام ~~من الذهب والفضة ولا يكون الفرج حراما # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم ~~فروجهن بكلام الله) # وإنما عليه التوبة وأن يبذل درهما مكان درهم ودينارا مكان دينار # وأما من اشترى جارية فتسرى بها من مال حرام من غصب فأكثر العلماء قالوا ~~الوطء فاسد لأنه صار ملكا والملك ليس بحرام وكيف يملكها والمال ليس له وهذه ~~المسألة يطول شرحها # وفي هذا كفاية لمن أراد أن يستدل # وأما الذين حرموا العطايا من السلاطين فقد غلطوا لعله أنه ليس بحرام كله ~~فكيف يجوز أن يقال حرام وفيه درهم حلال # ويلزم الذين حرموا أيضا على قياس قولهم أنه لو كان سكين من أموالهم فذكوا ~~بها # PageV01P092 # لا تكون ذكاة عندهم لسبب الحرام حتى يكون سكينا من حلال ويكون ضامنا لما ~~جنى وكذلك لو اشترى مصحفا من مال حرام وحفظ فيه القرآن لوجب أن ينساه ولا ~~يجزئه أن يقرأ في صلاته بما حفظ من جوائز السلطان ولا أن يعطي المؤذنين ~~والمعلمين كذلك # وهذه الفرقة من المتصوفة جاهلة بالفقه والأخبار وإن كان معها الزيادة # وقد توفي نفر من أهل العلم المطاعم التي لم يأمنوا أن تختلط أو قد اختلط ~~حرام بحلال فيها خوف عسر الحساب وتنزهوا ليدركوا بذلك الصواب وقالوا التحري ~~أصل معمول به وقاسوا على الشاة الذكية والميتة لا يدري أيتهما الذكية ~~بالوقوف وترك أكلها حتى يتبين وكذلك كل ما اختلط فلم يعلم الحلال منه من ~~الحرام وكذلك الأختين الرضيعتين لو طلق إحدى امرأتيه ولا يدري أيتهما طلق # وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب فقال (لا آكله ولا أحرمه) وقال ~~(أمة مسخت) والله أعلم # ولهذا نظائر وشواهد ودلائل # وأما ما احتجوا به على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكان سفيان الثوري ~~وأحمد بن حنبل يقولان العمل على حديث أبي بكر واجب استعماله # والتأويل لحديث أبي بكر أو الغلام إذ قال لأبي بكر رضي الله عنه أني رقيت ~~في الجاهلية ms34 فأعطوني اليوم أجرتي فالرقي حرام والأجرة عليها فاسدة والأكل ~~من الفاسد حرام لفساده بالرقي الذي اكتسبه منها فكذلك في أكل الحرام إذا ~~بان عنده فقدر ألا يقره في جوفه فعل # وجميع أعمال البر من الصلاة والصوم والغزو والحج مع كثير من الطاعات لا ~~تقوم مقام تصفية الخبز لأن زكاة الأعمال كلها بطيب المطعم ومن طيب المطعم ~~تجني ثمرة دواعي الصدق والقليل من # PageV01P093 # العمل مع الاجتهاد في السلامة من التخليط خير من كثير من العمل مع ~~التخاليط وإنما محمود العواقب في السلامة # فإذا صحت الكسرة حتى تسلم من آفات التبعات فلا تكون عليك فيها لله تعالى ~~تبعة ولا لأحد من المخلوقين عليك فيه منه من تعب في بدن وعناء في الرجل وكد ~~في اليد على الدين # وقد كان يقال في الكتب من كانت هذه صفته في حياته فقد طاب حيا وميتا ~~وإنما يثمر الصدق حتى يعتقده القلب فينفي القلب باعتقاده دواعي السعة في ~~الرخصة # وعلى قدر التأديب للنفوس ساعدتهم فرفضوا الشهوات وجانبوا اللذات حيث لم ~~يصلوا من سعة المكسب لما يشبعون به وأخمصوا البطون جوعا حتى يجدوا لها ما ~~يصلحها من الحلال # فإن لم يجدوه وصعب ذلك أخذوا من الشبهات بلغة لساعتهم لا ليومهم ومنعوا ~~النفوس من أن تشبع من خبز الشعير إن قدروا على النفوس وإلا استعانوا بعظيم ~~الخوف عند المساءلة والحساب # PageV01P094 ### | - باب الورع والجوع # وهذا جوع ذهبت إليه طوائف من العلماء إذا وجدوا الحلال شبعوا وآثروا # وإن كان جوعهم عدم لا تكلف فيه لفضيلة وهذا مذهب سفيان الثوري وإبراهيم ~~بن أدهم وشعيب بن حرب والمعافى بن عمران وحذيفة المرعشي وبشر بن الحارث ~~الحافي وقد ذكرت هذه المرتبة عن جماعة كثيرة لا يحصى عددهم # ثم الجوع بعد ذلك على معان قصد لها المتعبدون فمن المعاني التأديب للنفس ~~بالنقلة من حالة إلى حالة وقطع الإلف من دواعي الشبهات وهو مذهب البصريين ~~فمن أخذ بذلك فعنهم أخذه # وجوع آخر وهو إذا هاج من النفوس دواع تتحرك لها الطبائع من الشهوات ~~منعوها بالعقوبات ms35 ما لها من الغذاء ومن حقوقها اللازمة من الغذاء والعشاء ~~ومن مغرب إلى مغرب حتى أخرجوها من وقت إلى وقت ومنعوها عقوبة لها إن دعت ~~إلى ما ليس لها من ذلك # وذكروا أن غزوان الرقاشي نظر إلى ما لا يحل له ففقأ عينه وفتح الموصلي ~~قال لو نظرت عيني إلى شهوة لقلعتها وغير واحد من البصريين فعل ذلك # PageV01P097 # فواصل وأدخل يوما في يوم عقوبة للنفس إذا دعت إلى الشهوات # وقد قال بعض الحكماء إذا دعتك نفسك إلى ما ليس لها فامنعها ما لها # وجوع آخر صاحبة مفوض إلى عز وجل في حالة المنع والعطاء فإن أعطى حمد وشكر ~~وإن منع صبر واحتسب وكذا روي عن جماعة # وقد كان أهل الصفة على الحق من ذلك وهكذا كان جوع أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم إذا أعطوا أكلوا وشكروا وإذا منعوا حمدوا وصبروا فلم يجعلوا ~~الجوع لهم سببا ولا طريقا ولا الشبع لهم منزلة وذلك أنه في الشبع غلظا ~~وصلابة عند الوعد والوعيد وفي الجوع رقة واهتياجا للبر # وقد زعمت طائفة أنه لا مرتبة أعظم من الجوع لأنه سيد أعمال البر وكذلك ~~الجوارح لا تأخذ الصيد حتى تجوع وتهيج على الصيد وكذلك الجوع عندهم وهم ~~طوائف من البصريين فمن أخذ بذلك وأدب نفسه به فعنهم أخذ ولم نتبين في هذه ~~المنزلة مرتبة يبين فيها الفضل من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~(الطاعم الشاكر بمنزلة الجائع الصابر) # وبعد فإن منزلة الجوع وإن ولدت الخشوع فإن الشبع يطردها فأين الخشوع في ~~ذلك الوقت وإنما تحمد المنزلة ما كان لها زيادة # ولكن يجعل الصوم طريقا واصلا إلى الري والشبع يوم الحاجة والفقر إلى الله ~~عز وجل وليس شيء أعظم مرتبة من الفقر إلى الله عز وجل لأن الفقراء قد علموا ~~علم يقين غير شاكين أن الله عز وجل قادر على أن يأمر أرديتهم التي على ~~رقابهم أن تبلغ منهم من المكروه ما إن تعجز النار عن صفة ذلك لعجزت # PageV01P098 # فأفضل الجوع جوع ms36 المنع وجوع التكلف يفتضح بالشبع وإن كان في الصوم جوع ~~فإنما معناه الترهب لله عز وجل والسياحة لذلك وكذلك يروى عن الله عز وجل ~~قال (الصوم لي وأنا أجزي به يدع ابن آدم طعامه وشرابه من أجلي) # وهذا هو الترغيب فمن دعا الناس إلى الجوع فقد عصى الله وهو يعلم أن الجوع ~~قاتل وقد فعل ذلك بخلق كثير من زوال العقل حتى تركوا الفرائض ومنهم من يعمد ~~إلى سكين فيذبح نفسه ومنهم من يتغير طبعه ويسوء خلقه # قال وهب بن منبه إذا صام العبد زاغ البصر وإذا أفطر على الحلوى رجع # ومن دعا إلى الشبع فقد عصى الله ولم يحسن أن يطيعه لأن الشبع ثقل على ~~البدن وصلابة عن وعيد الله في القلب وغلظ في الفهم وفتور في الأعضاء # فبان فضل الجوع للاجئين إلى الله الذين استرهبتهم الخدمة بعظيم قدر ~~المعرفة والله تعالى مانع ومعط إلا أنهم يختارون ذلك ورعا وخوفا وتقية من ~~عسر الحساب فنظروا إلى عناء ما وصل إليهم من الغذاء من مؤمن موفق أو هدية ~~صالحة ممن يعتقد مكافأته لأنه مستبعد بأكل الحلال # وهذا ما وصفنا في الجوع وكله محتاج إلى ورع ليصفوا بذلك طيب المأكل ~~والمشرب من موضع مطلق مباح بالإجماع لا خلاف فيه # PageV01P099 ### | - باب السؤال والتحري # وأما منزلة السؤال فقد اختلف الناس في ذلك فأكثر العلماء وفيهم الأوزاعي ~~وقد روى عن سفيان الثوري وقد ذكر ابن المبارك ذلك وابن إدريس إذا مررت بأرض ~~فلا تسل عنها # وقد قال بعض هؤلاء اشتر وبع فيها # وقال ابن المبارك وابن إدريس إن أردت المقام فاسأل # وأبى ذلك طوائف من أهل الحديث والفقه وقالوا لا تسل إلا أن يغلب على أرض ~~فيها الغصوب والصوافي فإذا ستر فلا تسل وأيضا إن أبا بكر الصديق رضي الله ~~عنه حين سأل إنما سأل ملكا هو له عبد # وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الأمة حتى يعلم من أين كسبت ~~وهذا الواجب على سيد الأمة فالعبد لا بد أن ms37 يعلم ذلك # وقالت طائفة ليس عليه أن يسأل وإن سأل كان أفضل # وقال الأوزاعي ليس هذا زمان سؤال # وقال غير الأوزاعي قد فاض البحر فليس هو إلا الفقر والتقلل لأن الأشياء ~~تقاربت إلا أنه ينبغي لأهل العناية بالدين ومن كان منفردا # PageV01P103 # لا عيال له ولا يحتاج إليه أحد في كسبه أن يطلب الوسيلة والسبق إلى ~~رضوانه بالتقرب في إصلاح الكسرة وإن كان في ذلك حملان على نفسه ومكروه وثقل ~~على بدنه # فإن ذلك أعون على مباشرة الطاعة # وقال يونس بن عبيد لم أر أعز ممن له أخ في الله تعالى يسكن إليه ودرهم من ~~حلال # وقال الأوزاعي ليأتين على الناس زمان يعز فيه درهم من حلال وأخ في الله ~~مؤنس # وقد كان ابن أدهم لا يحصد إلا في الأرض التي اكتربت من الأنباط ولا ينقر ~~في زيتون إلا عمري وكرم في يده نبطي # وقد امتنع وهيب بن الورد من طعام مصر أياما لما قيل له هو من الصوافي ~~فكان إذا أكله يأكله بدموع عينيه ويقول ما آخذه إلا اضطرارا # وكان يوسف بن أسباط يقول قد زاحمنا هؤلاء الخصيان فلنجعلن الغذاء على ~~أنصاف البطون # وأما ذهبوا إليه في أرض الفيء والخراج فالقياس في كل ما فتح عنوة ألا ~~يشتري ولا يباع وقد خاصم عمر بن الخطاب الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن ~~عوف وبلال رضي الله عنهم في أرض السواد فقال عمر رضي الله عنه أنت على سورة ~~الحشر {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان} # وقد روي عنه أنه قاسم مشركا وقد كان أعطاه بحيلة ربع السواد ثم استرده ~~لأنه أقطع قطائع واصطفى صفايا مثل عين التمر ومغيض # PageV01P104 # كسرى وأرض بني صلوبا # وكذلك فتح خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان من ~~أرض دمشق وخثعم وقيس ثم أقرهم على الكنائس وأوجب على الديارات ضيافة من يمر ~~بهم ثلاثة أيام # وأما مصر قلا يشكون أنها فتحت عنوة وفيها صوافي دولة بني أمية ms38 ودولة بني ~~العباس بن عبد المطلب فقد امتنع ناس كثيرون من أكل طعامها # وأما الطائف فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام عليها حتى افتتحها # واختلف الناس في مكة فكان الشافعي رحمه الله يقول فتحت صلحا وأبى ذلك ~~الناس فقالوا عنوة # ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وقيل له أين تنزل فقال (ما ترك لنا ~~عقيل من رباع) يعني أن عقيلا ورث أبا طالب فهذا يدل على قول الشافعي # وقد اتفقت الفرق فكان قولها واحدا أن ما عمله السلطان مثل المساجد ~~الجامعة والحصر فيها فالصلاة عليها عندهم جائزة وكذلك حفر الأنهار والبرك ~~والمصانع والآبار التي لا يمنع منها العام والخاص والمشي على الجسور ~~والعبور على القناطر وفي الظلال وفي الأسواق وفي الطرق التي يصلحها الأمراء # وهذا كله ما وجدنا عالما ولا ناسكا ولا متعبدا ولا متصوفا يجتنب شيئا مما ~~قلنا إلا طائفة غالطة قالت إذا لم يعدل الإمام في الرعية ويقسم الفيء ~~بالسوية ويعطي العطاء ويسوي بين الناس في # PageV01P105 # الأرزاق ويكفي العامة ويفدي الأسير ويجاهد العدو ويقيم لهم الحج ولا ~~يستأثر دونهم بالفيء كان عاصيا وكل من رضي بإمامته كان عاصيا # فهذه فرقة خوارج مرقوا من الدين وخرجوا من حد الإسلام بل قد قال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه لا بد من إمارة برة أو فاجرة # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (سيكون عليكم أمراء يعرفون وينكرون فمن ~~أنكر فقد برئ ولكن من رضي وتابع) # وقال صلى الله عليه وسلم (يكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة فصلوا لوقتها ~~ثم صلوا معهم تكون نافلة) # وقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر أهل الجور من الأمراء ألا ~~ننابذهم فقال (دعوهم ما صلوا للقبلة) # وأجمع أهل العلم على الكف عن الأمراء المسلمين والسمع والطاعة في العسر ~~واليسر وألا ينازع الأمر أهله إلا في معصية الله تعالى ورسوله فلا طاعة لهم ~~في ذلك # وقال أبو بكر رضي الله عنه لا تسبوا السلطان # وقال ابن عمر لو لم تسبوهم لسلط ms39 الله عليهم نارا من السماء ولكن قولوا ~~اللهم آذهم كما آذونا # وقال عمران بن حصين لحكيم بن عمرو الغفاري إنه يذكر يوما أنه قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) قال # PageV01P106 # وقالوا في الصلاة في الغصب إن كان مسجدا في طريق المسلمين وكان له سعة في ~~الطريق فلا بأس به وإن كان في أرض مغصوبة من الدور فكان سفيان يبطل الصلاة ~~فيها # وقال الأوزاعي إن صلى ولم يعلم فصلاته جائزة ولا يعيد # وقال وكيع بن الجراح يعيد ما دام في الوقت فإذا خرج الوقت فلا إعادة عليه # وقد كرة جماعة الصلاة في الغضب إلا أنهم لا يوجبون على المصلى بإعادة ~~منهم الشافعي واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت الأرض مسجدا ~~وطهورا إلا الحمام والمقبرة) وقال صلى الله عليه وسلم (لا تصلوا الى ~~القبور) # ثم طوائف قد كرهوا المشي في أرض الصوافي حتى قال بعضهم إن كان والداه أو ~~أحدهما بعثه في حاجة وكان طريقه فيها لم يطع والديه # وقال بعضهم إن كان طريقا كان يسلك من قبل الغضب أو مسجدا كان يصلي فيه أو ~~في فندق أو خان أو دار من دور التجار فلا بأس بسلوك الطريق والصلاة في ذلك ~~المسجد # وإذا كان روشنا أو ساباطا على طريق ظلما فكان له في غيره منفذ لم يأخذ ~~فيه وأتى ذلك في كثير في العلماء والفقهاء وقالوا لا بأس بالمشي في أسفل ~~الساباط والروش ونحو ذلك # PageV01P108 # وكان محمد بن سيرين يقول ظلال أصحاب السابري من الغش # وكان محمد والحسن يكرهون بيع الحرج في الفتنة # قال أبو عبد الله المحاسبي رحمه الله فقد وصفنا طريق القاصدين إلى الله ~~عز وجل بصفاء المطعم والمشرب والملبس والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~خاتم النبيين محمد وعلى آله وسلم تسليما PageV01P109 ms40