######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021799 #META# 000.BookURI :: #0243.HarithMuhasibi.Tawahhum #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله (المتوفى: 243هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 243 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التوهم في وصف أحوال الآخرة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021799 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21799 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21799 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة التراث الإسلامي، حلب #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الواحد القهار، العظيم الجبار، الكبير المتعال، الذي جعلنا ~~للبلوى (1) والاختبار، وأعد لنا الجنة والنار، فعظم لذلك الخطر، وطال لذلك ~~الحزن لمن عقل وادكر، حتى يعلم أين المصير، وأين المستقر، لأنه قد عصى الرب ~~وخالف المولى، وأصبح وأمسى بين الغضب والرضا، لا يدري أيهما قد حل ووقع له، ~~فعظم لذلك غمه، وطال لذلك حزنه، واشتد كربه، حتى يعلم كيف عند الله حاله. ~~فإلى الله فارغب في التوفيق، وإياه فسل العفو عن الذنوب، وبه فاستعن في كل ~~الأمور. # فعجبت كيف تقر عينك، أو كيف يزايل الوجل والإشفاق قلبك، وقد عصيت ربك ~~واستوجبت بعصيانك غضبه وعقابه، والموت لا محالة نازل بك، بكربه وغصصه ونزعه ~~وسكراته، فكأنك قد نزل بك وشيكا سريعا. # فتوهم نفسك وقد صرعت للموت صرعة لا تقوم منها إلا إلى PageV01P005 # الحشر إلى ربك، فتوهم نفسك في نزع الموت وكربه وغصصه وسكراته وغمه وقلقه، ~~وقد بدأ الملك يجذب روحك من قدمك، فوجدت ألم جذبه من أسفل قدميك، ثم تدارك ~~الجذب واستحث النزع، وجذبت الروح من جميع بدنك، فنشطت من أسفلك متصاعدة إلى ~~أعلاك، حتى إذا بلغ منك الكرب منتهاه، وعمت آلام (1) الموت جميع جسمك، ~~وقلبك وجل محزون مرتقب منتظر للبشرى (2) من الله عز وجل بالغضب أو الرضا، ~~وقد علمت أنه لا محيص لك دون أن تسمع إحدى البشريين من الملك الموكل بقبض ~~روحك (3) . # فبينا أنت في كربك وغمومك وألم الموت بسكراته وشدة حزنك لارتقابك إحدى ~~البشريين من ربك، إذ نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت بأحسن الصورة أو بأقبحها، ~~ونظرت إليه مادا يده إلى فيك ليخرج روحك من بدنك، فذلت نفسك لما عاينت ذلك ~~وعاينت وجه ملك الموت، وتعلق قلبك بماذا يفجأك من البشرى منه (4) ، # إذا سمعت صوته بنغمته: أبشر يا ولي الله برضا الله وثوابه، أو أبشر يا ~~عدو الله بغضبه وعقابه، فتستيقن حينئذ بنجاتك وفوزك، ويستقر الأمر في قلبك، ~~فتطمئن إلى (5) الله نفسك، أو تستيقن بعطبك وهلاكك، PageV01P006 # ويحل الإياس قلبك، وينقطع من الله عز ms01 وجل رجاؤك وأملك، فيلزم حينئذ غاية ~~الهم والحزن أو الفرح والسرور قلبك، حين انقضت من الدنيا مدتك، وانقطع منها ~~أثرك، وحملت إلى دار من سلف من الأمم قبلك. # فتوهم نفسك حين استطار قلبك فرحا وسرورا، أو ملئ حزنا وعبرة، بفترة القبر ~~وهول مطلعه، وروعة الملكين وسؤالهما فيه عن إيمانك بربك، فمثبت من الله جل ~~ثناؤه بالقول الثابت أو متحير شاك مخذول. # فتوهم أصواتهما حين يناديانك لتجلس لسؤالهما إياك ليوقفاك على مسائلتهما، ~~فتوهم جلستك في ضيق لحدك، وقد سقطت أكفانك على حقويك (1) ، والقطنة من ~~عينيك عند قدميك (2) . # فتوهم ذلك ثم شخوصك ببصرك إلى صورتهما وعظم أجسامهما، فإن رأيتهما بحسن ~~الصورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة، وإن رأيتهما بقبح الصورة أيقن قلبك ~~بالهلاك والعطب. # فتوهم أصواتهما وكلامهما بنغماتهما وسؤالهما، ثم هو تثبيت الله إياك إن ~~ثبتك، أو تحييره (3) إن خذلك. PageV01P007 # فتوهم جوابك باليقين أو بالتحير أو بالتلديد (1) والشك، وتوهم إقبالهما ~~عليك إن ثبتك الله عز وجل بالسرور وضربهما بأرجلهما جوانب قبرك بانفراج ~~القبر عن النار بضعفك. ثم توهم النار وهي تتأجج (2) بحريقها، وإقبالها عليك ~~بالقول، وأنت تنظر إلى ما صرف الله عنك فيزداد لذلك قلبك سرورا وفرحا، ~~وتوقن بسلامتك من النار بضعفك. # ثم توهم ضربهما بأرجلهما جوانب قبرك (3) ، وانفراجه عن الجنة بزينتها ~~ونعيمها وقولهما لك: يا عبد الله، انظر إلى ما أعد الله لك، فهذا منزلك ~~وهذا مصيرك (4) . # فتوهم سرور قلبك وفرحك بما عاينت من نعيم الجنان وبهجة ملكها، وعلمك أنك ~~صائر إلى ما عاينت من نعيمها وحسن بهجتها. # وإن تكن الأخرى فتوهم خلاف ذلك كله من الانتهار لك، ومن معاينتك الجنة ~~وقولهما لك (5) : انظر إلى ما حرمك الله عز وجل، ومعاينتك النار وقولهما ~~لك: انظر إلى ما أعد الله لك، فهذا منزلك ومصيرك (6) . # فأعظم بهذا خطرا، وأعظم به عليك في الدنيا غما وحزنا، حتى تعلم أي ~~الحالتين في القبر حالك، ثم الفناء والبلاء بعد ذلك، حتى تنقطع الأوصال، ~~فتفنى عظامك، ويبلى (7) بدنك، ولا يبلى الحزن أو الفرح من PageV01P008 # روحك، متطلعا للقيام عند ms02 النشور إلى غضب الله عز وجل وعقابه، أو إلى رضا ~~الله عز وجل وثوابه، وأنت مع توقع ذلك معروضة روحك على منزلك من الجنة أو ~~مأواك من النار، فيا حسرات روحك وغمومها، ويا غبطتها وسرورها. # حتى إذا تكاملت عدة الموتى، وخلت من سكانها الأرض والسماء، فصاروا خامدين ~~بعد حركاتهم، فلا حس يسمع، ولا شخص يرى (1) ، وقد بقي الجبار الأعلى (2) ~~كما لم يزل أزليا واحدا منفردا بعظمته وجلاله، ثم لم يفجأ روحك إلا بنداء ~~المنادي لكل الخلائق معك للعرض على الله عز وجل بالذل والصغار منك ومنهم ~~(3) . # فتوهم كيف وقع الصوت في مسامعك وعقلك، وتفهم بعقلك بأنك تدعى (4) إلى ~~العرض على الملك الأعلى (5) ، فطار فؤادك وشاب رأسك للنداء، لأنها صيحة ~~واحدة بالعرض على ذي الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء. # فبينا أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك، فوثبت مغبرا من قرنك ~~إلى قدمك بغبار قبرك، قائما على قدميك، شاخصا ببصرك نحو النداء، وقد ثار ~~الخلائق كلهم معك ثورة واحدة وهم مغبرون (6) من غبار الأرض التي طال ~~PageV01P009 # فيها بلاؤهم (1) . # فتوهم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم. فتوهم نفسك بعريك ومذلتك ~~وانفرادك بخوفك وأحزانك وغمومك وهمومك في زحمة الخلائق، عراة حفاة، وهم ~~صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة، فلا تسمع إلا همس أقدامهم ~~والصوت لمدة المنادي، والخلائق مقبلون نحوه، وأنت فيهم مقبل نحو الصوت، ساع ~~(2) بالخشوع والذلة. حتى إذا وافيت الموقف ازدحمت الأمم كلها من الجن ~~والإنس عراة حفاة، قد نزع الملك من مملوك الأرض ولزمتهم الذلة والصغار، فهم ~~أذل أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدرا بعد عتوهم وتجبرهم على عباد الله عز وجل ~~في أرضه (3) . # ثم أقبلت الوحوش من البراري (4) وذرى (5) الجبال منكسة رؤوسها (6) لذل ~~يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق، ذليلة ليوم النشور لغير بلية ~~نابتها ولا خطية أصابتها. فتوهم إقبالها بذلها في اليوم العظيم ليوم العرض ~~والنشور. وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها، منكسة رؤوسها (7) ذليلة ليوم ~~القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والانكسار للملك الجبار. ~~وأقبلت الشياطين ms03 بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه، ~~فسبحان PageV01P010 # الذي جمعهم بعد طول البلاء، واختلاف خلقهم وطبائعهم، وتوحش بعضهم من بعض، ~~قد أذلهم البعث وجمع بينهم النشور. # حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها ~~وأنعامها وهوامها، واستووا جميعا في موقف العرض والحساب، تناثرت (1) # نجوم السماء من فوقهم، وطمست الشمس والقمر، وأظلمت الأرض بخمود سراجها ~~وإطفاء نورها. فبينا أنت والخلائق على ذلك إذ صارت السماء الدنيا من فوقهم، ~~فدارت بعظمها من فوق رؤوسهم (2) وذلك بعينك تنظر إلى هول ذلك، ثم انشقت ~~بغلظها خمسمائة عام فيا هول صوت انشقاقها في سمعك، ثم تمزقت وانفطرت بعظيم ~~هول يوم القيامة، والملائكة قيام على أرجائها وهى حافات ما يتشقق ويتفطر، ~~فما ظنك بهول تنشق فيه السماء بعظمها، فأذابها ربها حتى صارت كالفضة ~~المذابة تخالطها صفرة لفزع يوم القيامة، كما قال الجليل الكبير: {فكانت ~~وردة كالدهان} (3) و {يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن} (4) . # (قال المفسرون: إن المهل هي الفضة المذابة يخالطها صفرة، وإن العهن هو ~~الصوف المنفوش. وقوله: {وردة كالدهان} كلون الفرس الورد) . # فبينا ملائكة السماء الدنيا على PageV01P011 # حافتها إذ انحدروا محشورين إلى الأرض للعرض والحساب، وانحدروا من حافتيها ~~بعظم أجسامهم وأخطارهم وعلو أصواتهم بتقديس الملك الأعلى الذي أنزلهم ~~محشورين إلى الأرض بالذلة والمسكنة للعرض عليه والسؤال بين يديه. # فتوهم تحدرهم (1) من السحاب بعظيم أخطارهم وكبير أجسامهم وهول أصواتهم ~~وشدة فرقهم، منكسين لذل العرض على الله عز وجل. ### | 1- # حدثني يحيى بن غيلان الأسلمي قال: حدثنا رشدين بن سعد [عن] (2) أبي السمح ~~عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " لله ملك ما بين مواقي (3) عينيه إلى آخر (4) شفره (5) مسيرة ~~مائة عام " (6) . ### | 2- # حدثني يحيى بن غيلان قال: حدثنا رشدين بن سعد [عن ابن عباس ابن ميمون ~~اللخمي] (7) عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " لله عز وجل ملك ما ms04 بين شفري عينيه مائة عام " (8) . # فيا فزعك وقد فزع الخلائق مخافة أن يكونوا أمروا بهم، ومسألتهم إياهم: ~~أفيكم ربنا؟ ففزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لمليكهم أن يكون فيهم، فنادوا ~~بأصواتهم تنزيها لما توهمه أهل الأرض: سبحان ربنا ليس هو بينا ولكنه آت من ~~بعد، حتى أخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسين رؤوسهم (9) لذل يومهم. # فتوهمهم، وقد تسربلوا بأجنحتهم ونكسوا رؤوسهم (10) في عظم خلقهم بالذل ~~والمسكنة والخشوع لربهم، ثم كل شيء على ذلك، وكذلك إلى السماء السابعة، كل ~~أهل سماء PageV01P012 # مضعفين بالعدد، وعظم الأجسام، وكل أهل سماء محدقين بالخلائق صفا واحدا. # حتى إذا وافى (1) الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حر ~~عشر سنين، وأدنيت من رؤوس (2) الخلائق قاب قوس أو قوسين، ولا ظل لأحد إلا ~~ظل عرش رب العالمين، فمن بين مستظل بظل العرش، وبين مضحو بحر الشمس، قد ~~صهرته بحرها، واشتد كربه وقلقه من (3) وهجها، ثم ازدحمت الأمم وتدافعت، ~~فدفع بعضها بعضا، وتضايقت فاختلفت الأقدام، وانقطعت الأعناق من العطش، ~~واجتمع حر الشمس ووهج أنفاس الخلائق وتزاحم أجسامهم، ففاض العرق منهم سائلا ~~حتى استنقع على وجه الأرض ثم على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ~~الله عز وجل بالسعادة والشقاء، حتى إذا بلغ من بعضهم العرق كعبيه، وبعضهم ~~حقويه (4) ، وبعضهم إلى شحمة أذنيه، ومنهم من قد (5) كاد أن يغيب في عرقه، ~~ومن قد توسط العرق من دون ذلك منه. ### | 3- # عن [سعيد بن عمير] (6) # قال: جلست إلى ابن عمر وأبي سعيد الخدري، وذلك يوم الجمعة، فقال أحدهما ~~لصاحبه: [إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " أين يبلغ] (7) ~~العرق من ابن آدم يوم القيامة؟ فقال أحدهم: شحمة PageV01P013 # أذنيه، وقال الآخر: يلجمه (1) ، فقال ابن عمر: هكذا، وخط من فيه إلى شحمة ~~أذنيه، فقال: ما أرى ذلك إلا سواء (2) (3) . # 4*- عن خيثمة عن عبد الله قال: (الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ~~ورائها يرون كواعبها وأكوابها، والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليفيض ~~عرقا حتى يسيح في الأرض قامته، ثم يرتفع ms05 حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب) . ~~قال: فقالوا: مم ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: فقال: مما يرى الناس يلقون ~~(4) . ### | 5- # عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الرجل (وقال ~~علي مرة: إن الكافر) ليقوم يوم القيامة في بحر رشحه (5) إلى أنصاف أذنيه من ~~طول القيام " (6) . ### | 6- # عن عبد الله رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الكافر يلجم ~~بعرقه يوم القيامة من طول ذلك اليوم ". (وقال علي: من طول القيام. قالا ~~جميعا:) " حتى يقول: رب أرحني ولو إلى النار " (7) . # وأنت لا محالة أحدهم. # فتوهم نفسك لكربك، وقد علاك العرق وأطبق عليك الغم، وضاقت نفسك في صدرك ~~من شدة العرق والفزع والرعب، والناس معك منتظرون (8) لفصل القضاء إلى دار ~~السعادة أو إلى دار الشقاء. # حتى إذا بلغ المجهود منك ومن الخلائق منتهاه وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ~~ينظرون (9) في أمورهم، فما ظنك بوقوفهم PageV01P014 # ثلاثمائة عام لا يأكلون فيه أكلة ولا يشربون فيه شربة، ولا يلفح وجوههم ~~روح ولا طيب نسيم، ولا يستريحون من تعب قيامهم ونصب وقوفهم، حتى بلغ الجهد ~~منهم ما لا طاقة لهم به. # 7**- عن قتادة أو كعب، قال: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} (1) قال: ~~(يقومون مقدار ثلاثمائة عام) . # 8**- قال: سمعت الحسن يقول: (ما ظنك بأقوام قاموا لله عز وجل على أقدامهم ~~مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة، حتى إذا ~~انقطعت أعناقهم من العطش، واحترقت أجوافهم من الجوع، انصرف بهم إلى النار، ~~فسقوا من عين آنية قد آن (2) حرها واشتد نفحها (3) ، فلما بلغ المجهود منهم ~~ما لا طاقة لهم به كلم بعضهم بعضا في طلب من يكرم على مولاه أن يشفع لهم في ~~الراحة من مقامهم وموقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى (4) النار من وقوفهم، ~~ففزعوا إلى آدم ونوح ومن بعده إبراهيم، وموسى وعيسى من بعد إبراهيم، كلهم ~~يقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، ~~فكلهم يذكر شدة غضب ms06 ربه عز وجل وينادي بالشغل بنفسه فيقول: نفسي نفسي، ~~فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لاهتمامه بنفسه وخلاصها) . وكذلك ~~PageV01P015 # يقول الله عز وجل: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} (1) . # فتوهم أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم، منفرد كل واحد منهم بنفسه ~~ينادي: (نفسي نفسي) ، فلا تسمع إلا قول: (نفسي نفسي) . # فيا هول ذلك وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك ~~وعقابه، فما ظنك بيوم ينادي فيه المصطفى آدم (2) ، والخليل إبراهيم، ~~والكليم موسى، والروح والكلمة عيسى مع كرامتهم على الله عز وجل وعظم قدر ~~منازلهم عند الله عز وجل، كل ينادي: (نفسي نفسي) ، شفقا من شدة غضب ربه، ~~فأين أنت منهم في إشفاقك في ذلك اليوم واشتغالك بحزنك وبخوفك؟ # حتى إذا أيس الخلائق من شفاعتهم لما رأوا (3) من اشتغالهم بأنفسهم، أتوا ~~النبي محمدا (4) - صلى الله عليه وسلم - فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم ~~إليها، ثم قام إلى ربه عز وجل واستأذن عليه، فأذن له ثم خر لربه عز وجل ~~ساجدا، ثم فتح عليه من محامده والثناء عليه لما هو أهله، وذلك كله بسمعك ~~وأسماع الخلائق، حتى أجابه ربه عز وجل إلى PageV01P016 # تعجيل عرضهم، والنظر في أمورهم. # فبينما أنت مع الخلائق في هول القيامة وشدة كربها منتظرا متوقعا لفصل ~~القضاء والحلول في دار النعيم أو الحزن، إذ سطع نور العرش، وأشرقت الأرض ~~بنور ربها، وأيقن قلبك بالجبار، وقد أتى لعرضك عليه حتى كأنه لا يعرض عليه ~~أحد سواك، ولا ينظر إلا في أمرك. # 9**- عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل يدعى (1) يوم القيامة إلى ~~الحساب فيقال: يا فلان ابن فلان هلم إلى الحساب، حتى يقول: ما يراد أحد ~~غيري مما يحضر به من الحساب. # ثم نادى: يا جبريل ائتني بالنار (2) . فتوهمها وقد أتى (3) جبريل فقال ~~لها: يا جهنم أجيبي. فتوهم اضطرابها وارتعادها بفرقها أن يكون الله عز وجل ~~خلق خلقا يعذبها به، فتوهمها حين اضطربت وفارت وثارت، ونظرت إلى الخلائق من ~~بعد مكانها، فشهقت إليهم وزفرت نحوهم، ms07 وجذبت خزانها متوثبة على الخلائق ~~غضبا لغضب ربها على من خالف أمره وعصاه. # فتوهم صوت زفيرها وشهيقها، وترادف قصبتها، وقد امتلأ منه سمعك، وارتفع له ~~فؤادك وطار فزعا ورعبا، ففر الخلائق هربا PageV01P017 # من زفيرها على وجوههم، وذلك يوم التنادي، لما سمعوا بدوي زفيرها ولوا ~~مدبرين، وتساقطوا على ركبهم جثاة حول جهنم فأرسلوا الدموع من أعينهم. # فتوهم اجتماع أصوات بكاء الخلائق عند زفيرها وشهيقها، وينادي الظالمون ~~بالويل والثبور، وينادي كل مصطفى وصديق ومنتخب وشهيد ومختار وجميع العوام: ~~(نفسي نفسي) . # فتوهم أصوات الخلائق من الأنبياء فمن دون، كل عبد منهم ينادي: (نفسي ~~نفسي) ، وأنت قائلها، فبينا أنت مع الخلائق في شدة الأهوال ووجل القلوب إذ ~~زفرت الثانية فيزداد رعبك ورعبهم وخوفك وخوفهم، ثم زفزت الثالثة فتساقط ~~الخلائق لوجوههم (1) وتشخص بأبصارهم ينظرون من طرف خاشع خفي خوفا أن تلفهم ~~فتأخذهم بحريقها، وانتصفت عند ذلك قلوب الظالمين فبلغت لدى (2) الحناجر ~~كاظمين، فكظموا عليها وقد غصت في حلوقهم، وطارت الألباب، وذهلت العقول من ~~السعداء والأشقياء أجمعين، فلا يبقى رسول ولا عبد صالح مختار إلا ذهل لذلك ~~عقله. # فأقبل الله عز وجل عند PageV01P018 # ذلك على رسله وهم أكرم الخلائق عليه وأقربهم إليه، لأنهم الدعاة إلى الله ~~عز وجل والحجة على عباده، وهم وأقرب الخلائق إلى الله عز وجل في الموقف ~~وأكرمهم عليه، فيسألهم عما أرسلهم به إلى عباده وماذا ردوا عليهم من الجواب ~~فقال لهم: {ماذا أجبتم} (1) فردوا عليه الجواب عن عقول ذاهلة غير ذاكرة ~~فقالوا: {لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} (2) فأعظم به من هول تبالغ من ~~رسل الله عز وجل في قربهم منه وكرامتهم، حتى أذهل عقولهم، فلم يعلموا بماذا ~~أجابتهم أممهم. # 10*- عن أبي الحسن الدمشقي قال: قلت لأبي قرة الأسدي: كيف صبر قلوبهم على ~~أهوال يوم القيامة؟ قال: إنهم إذا بعثوا خلقوا خلقة يقوون عليها. قال أبو ~~الحسن: قلت لإسحاق بن خلف: قول الله عز وجل للرسل: {ماذا أجبتم قالوا لا ~~علم لنا} ، أليس قد علموا ما رد عليهم في الدنيا؟ قال: ms08 من عظم هول السؤال ~~حين يسألون (3) طاشت عقولهم، فلم يدروا أي شيء أجيبوا في الدنيا، فهم ~~صادقون حتى تجلى (4) عنهم بعد، فعرفوا ما أجيبوا. قال: فحدثت به أبا سليمان ~~فقال: صدق إسحاق، هم في ساعتهم تلك صادقون، حتى تجلى (5) عنهم فعرفوا ما ~~أجيبوا، فقال PageV01P019 # أبو سليمان: إذا سمعت الرجل يقول لصاحبه: بيني وبينك الصراط فاعلم أنه لا ~~يعرف الصراط، ولو عرفه ما اشتهى (1) أن يتعلق بأحد، فلا يتعلق أحد. # 11**- عن مجاهد في قوله {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} (2) قال: ~~فيفزعون فيقولون: {لا علم لنا} (3) . # عن مجاهد في قول الله عز وجل {وترى كل أمة جاثية} (4) أي مستوفزين على ~~الركب. ### | 12- # قال: سمعت عبد الله يقول: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كأني ~~أراكم جاثين بالكوم دون جهنم " (5) . ### | 13- # قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ {إذا الشمس كورت} (6) " (7) . # 14** - وعن عمر بن ذر قال: من غدا يلتمس الخير وجد الخير، أعلي تحملون ~~جمود أعينكم وقسوة قلوبكم؟ احملوا العي علي إن لم أسمعكم اليوم واعظا من ~~كتاب الله عز وجل، ثم قرأ: {إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا ~~الجبال سيرت} (8) حتى إذا بلغ: {علمت نفس ما أحضرت} (9) (أو قال: حتى ~~ختمها) ، قال: ثم قال: اسمعوا إلي يا عرض الدنيا، فأين أنت منهم في ذلك ~~الموقف؟ هل تطمع أن يبلغ بك الهول ما بلغ منهم، بل أعظم مما بلغ منهم ما لا ~~يطيقه قلبك فلا يقوم به بدنك، فهذه عقولهم PageV01P020 # ذاهلة في ذلك الموقف، فكيف بعقلك وما حل بك، وأنت الخاطئ العاصي المتمادي ~~فيما يكره ربك عز وجل؟ # فتوهم نفسك لذلك الخوف والفزع والرعب والغربة والتحير إذا تبرأ منك الولد ~~والوالد والأخ والصاحب والعشائر، وفررت أنت (1) منهم أجمعين، فكيف خذلتهم ~~وخذلوك، ولولا عظم هول ذلك اليوم ما كان من الكرم والحفاظ أن تفر من أمك ~~وأبيك وصاحبتك وبنيك وأخيك، ولكن عظم الخطر، واشتد الهول فلا تلام ms09 على ~~فرارك منهم، ولا يلامون (2) ، ولم تخصهم بالفرار دون الأقرباء لبغضك إياهم، ~~وكيف تبغضهم (3) أو يبغضونك، وكيف خصصتهم بالفرار منهم، أتبغضهم (4) وإنهم ~~لهم الذين كانوا في الدنيا مؤانسيك وقرة عينك وراحة قلبك، ولكن خشيت أن ~~يكون لأحد عندك منهم تبعة فيتعلق بك حتى يخاصمك عند ربك عز وجل، ثم لعله أن ~~يحكم له عليك فيأخذ منك ما ترجو (5) أن تنجو (6) به من حسناتك فيفرقك منها ~~فتصير بذلك إلى النار. # فبينما أنت في ذلك إذا ارتفعت عنق من النار فنطقت بلسان فصيح بمن وكلت ~~PageV01P021 # بأخذهم من الخلائق بغير حساب، ثم أقبل ذلك العنق فيلتقطهم لقط الطير ~~الحب، ثم انطوت عليهم فألقتهم في النار فابتلعتهم، ثم خنست بهم في جهنم ~~فيفعل ذلك بهم، ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم ~~الحمادون لله على كل حال، فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم يفعل ذلك بأهل ~~قيام الليل، ثم بمن لم يشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر مولاه حتى إذا ~~دخلت هذه الفرق من أهل الجنة (1) والنار، تطايرت الكتب في الأيمان والشمائل ~~ونصبت الموازين. # فتوهم الميزان بعظمه منصوبا، وتوهم الكتب المتطايرة وقلبك واجف متوقع أين ~~يقع كتابك في يمينك أو في شمالك. ### | 15- # عن الحسن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان رأسه في حجر عائشة ~~فنعس، فتذكرت الآخرة فبكت، فسالت دموعها على خد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فاستيقظ بدموعها، فرفع رأسه فقال: " ما يبكيك يا عائشة؟ فقالت: يا رسول ~~الله تذكرت الآخرة، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال: " والذي نفسي بيده ~~في ثلاث مواطن فإن أحدا لا يذكر إلا نفسه: إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال ~~حتى ينظر ابن آدم أيخف PageV01P022 # ميزانه أم يثقل، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله، وعند ~~الصراط " (1) . # 16*- وعن أنس بن مالك قال: (يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتي ~~الميزان ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوته يسمع الخلائق: سعد ~~فلان ابن فلان سعادة لا يشقى (2) بعدها أبدا، وإن ms10 خف ميزانه نادى (3) الملك ~~بصوته يسمع الخلائق: شقى فلان ابن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا) . # فبينا أنت واقف مع الخلائق إذ نظرت إلى الملك وقد أمر أن يحضر بالزبانية، ~~فأقبلوا بأيديهم مقامع من حديد، عليهم ثياب من نار، فلما رأيتهم فهبتهم طار ~~قلبك فزعا ورعبا، فبينا أنت كذلك إذ نودي باسمك فنوديت على رؤوس (4) ~~الخلائق الأولين والآخرين: أين فلان ابن فلان؟ هلم إل (5) ى العرض على الله ~~عز وجل، وقد وكل الملائكة بأخذك حتى يقربوك (6) إلى ربك، فلم يمنعها اشتباه ~~الأسماء باسمك أن تعرفك لما ترى بك (7) أنك المراد بالدعاء المطلوب . قال: ~~حدثنا طلحة بن عمرو قال: قال لي عطاء بن أبي رباح: (يا طلحة، ما أكثر ~~الأسماء على اسمك، وما أكثر الأسماء على اسمي، فإذا كان يوم القيامة قيل: ~~يا فلان، فقام الذي يعنى لا يقوم غيره لما لزم PageV01P023 # قلبك من العلم) فوثبت على (1) قدميك، ترتعد فرائصك وتضطرب جوارحك، متغيرا ~~لونك فزعا مرعوبا مرتكضا قلبك في صدرك بالخفقان، فلما عاينتك الملائكة ~~الموكلون بأخذك قد حل بك الاضطراب بالارتعاد (2) والمخافة علمت أنك أنت (3) ~~المراد من العباد، فأهوت إليك بأيديها فقبضت عليك بعنفها ثم جذبتك إلى ربك ~~عز وجل كما تجذب الدواب المنقادة، تتخطى (4) بك الصفوف محثوثا إلى العرض ~~على الله عز وجل والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت ~~مجذوب إلى ربك عز وجل فيما بينهم. # فتوهم حين وقفت بالاضطراب والارتعاد يرعد قلبك، وتوهم مباشرة أيديهم على ~~عضديك، وغلظ أكفهم حين أخذوك، فتوهم نفسك محثوثة في أيديهم، وتوهم تخطيك ~~الصفوف، طائرا فؤادك مختلعا قلبك، فتوهم نفسك في أيديهم كذلك حتى انتهوا بك ~~إلى عرش الرحمن، فقذفوا بك من أيديهم، وناداك الله عز وجل بعظيم كلامه: ادن ~~مني يا ابن آدم فغيبك في نوره، فوقفت بين يدي رب عظيم جليل كبير كريم بقلب ~~خافق محزون، وجل PageV01P024 # مرعوب، وطرف خائف، خاشع ذليل، ولون متغير، وجوارح مرتعدة مضطربة، كالحمل ~~الصغير حين تلده أمه، ترتعد بيدك صحيفة محبرة لا تغادر بلية ms11 كسبتها ولا ~~مخبأة أسررتها، فقرأت ما فيها بلسان كليل وحجة داحضة وقلب منكسر، فكم لك من ~~حض وخجل وجبن من المولى الذي لم يزل إليك محسنا، وعليك ساترا (1) فبأي لسان ~~تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك وعظيم جرمك، وبأي قدم تقف غدا بين يديه، وبأي ~~نظر تنظر إليه، وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل ومساءلته وتوبيخه؟ # فتوهم نفسك بصغر جسمك، وارتعاد جوارحك، وخفقان قلبك، وقد سمعت كلامه ~~بتذكير ذنوبك، وإظهار مساوئك، وتوقيفك وتقريرك بمخبآتك. # فتوهم نفسك بهذه الهيئة، والأهوال بك محدقة من خلفك، فكم من بلية قد (2) ~~نسيتها قد ذكركها؟ وكم من سريرة قد كنت كتمتها قد أظهرها وأبداها؟ وكم من ~~عمل قد ظننت أنه قد خلص لك وسلم بالغفلة منك إلى ميل الهوى عما يفسده قد ~~رده في ذلك الموقف عليك وأحبطه بعد ما كان تأملك فيه عظيما؟ فيا حسرات قلبك ~~وتأسفك على ما فرطت في PageV01P025 # طاعة ربك. حتى إذا كرر عليك السؤال بذكر كل بلية ونشر كل مخباة، فأجهدك ~~الكرب، وبلغ منك الحياء منتهاه، لأنه الملك الأعلى (1) فلا حياء يكون من ~~أحد أعظم من الحياء منه، لأنه القديم الأول الباقي الذي ليس له مثل، المحسن ~~المتعطف المتحنن الكريم الجواد المنعم المتطول. # فما ظنك بسؤال من هو هكذا، وقد أبان عن مخالفتك إياه، وقلة هيبتك له، ~~وحيائك منه، ومبارزتك له، فما ظنك بتذكيره إياك مخالفته وقلة اكتراثك في ~~الدنيا بالطاعة له، ونظرك إليه إذ يقول: يا عبدي، أما أجللتني، أما استحييت ~~مني، استخففت بنظري إليك، ألم أحسن إليك، ألم أنعم عليك، ما غرك مني، شبابك ~~فيم أبليته، وعمرك فيم أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته، وعملك ~~ماذا عملت فيه؟ . ### | 17- # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما منكم من أحد إلا سيسأله ~~رب العالمين، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان " (2) . ### | 18- # وقال: سمعت عدي بن حاتم قال: شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~حديث له: " ليقفن أحدكم بين يدي الله تبارك وتعالى ليس بينه وبينه حجاب ms12 ~~يحجبه، ولا بينه وبينه ترجمان يترجم عنه، فيقول: ألم أنعم عليك، ألم آتك ~~مالا؟ فيقول: بلى، فيقول: PageV01P026 # ألم أرسل إليك رسولا؟ فيقول: بلى، ثم ينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ~~ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن ~~لم يجد فبكلمة طيبة " (1) . # 19*- وقال: سمعت عبد الله بن مسعود بدأ باليمين قبل الحديث، فقال: (ما ~~منكم من أحد إلا سيخلو (2) الله عز وجل به، كما يخلو (3) أحدكم بالقمر ليلة ~~البدر، ثم يقول: يا ابن آدم ما غرك بي، يا ابن آدم ما عملت فيما علمت، يا ~~ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟) (4) . # 20*- وعن ابن مسعود أنه بدأ باليمين، فقال: (والله ما منكم من أحد إلا ~~سيخلو (5) به الله عز وجل كما يخلو (6) أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: ~~يا ابن آدم ما غرك بي، يا ابن آدم ما عملت لي، يا ابن آدم ما استحييت مني، ~~يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين، يا ابن آدم ألم أكن رقيبا على عينيك (7) ~~وأنت تنظر بهما إلى ما لا يحل لك؟ ألم أكن رقيبا على أذنيك وأنت تستمع بهما ~~إلى ما لا يحل لك؟ ألم أكن رقيبا على لسانك وأنت تنطق بما لا يحل لك؟ ألم ~~أكن رقيبا على يديك وأنت تبطش بهما إلى ما لا يحل لك؟ ألم أكن رقيبا على ~~رجليك وأنت تمشى بهما إلى ما لا يحل لك؟ ألم أكن رقيبا على قلبك وأنت تهم ~~بما لا يحل لك؟ أم أنكرت قربي منك وقدرتي عليك؟) (8) . # وأنت يا ابن آدم بين خطرين عظيمين: إما أن يتلاقاك برحمته ويتطول عليك ~~بجوده، PageV01P027 # وإما أن يناقشك الحساب، فيأمر بك إلى الهاوية وبئس المصير. # 21**- عن مجاهد قال: (لا يزول قدم عبد يوم القيامة من بين يدي الله عز ~~وجل حتى يسأله عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن عمله ما عمل فيه، وعن ~~جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) . # فما ظنك بنفسك وضعف قلبك، ms13 والله عز وجل يكرر عليك ذكر إحسانه إليك، ~~ومخالفتك له، وقلة حيائك (1) منه، فأعظم به موقفا، وأعظم به من سائل لا ~~تخفى عليه خافية، وأعظم بما يداخلك من الحزن والغم والتأسف على ما فرطت في ~~طاعته وركوبك معصيته. فإذا تبالغ فيك الجهد من الغم والحزن والحياء بدا لك ~~(2) منه أحد الأمرين: الغضب أو الرضا عنك والحب لك. فإما أن يقول: يا عبدي ~~أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فقد غفرت لك كبير جرمك ~~وكثير سيئاتك، وتقبلت منك يسير إحسانك، فيستطير بالسرور والفرح قلبك فيشرق ~~لذلك وجهك. # فتوهم نفسك حين قالها لك، فابتدأ إشراق السرور ونوره في وجهك بعد كآبته ~~وتكسفه من الحياء من السؤال، والحسرة من ذكر مساوئ فعلك، فاستبدلت ~~PageV01P028 # بالكآبة والحزن سرورا في قلبك، فأسفر وجهك وابيض لونك. # فتوهم رضاه عنك حين سمعته منه، فثار في قلبك فامتلأ سرورا وكدت أن تموت ~~فرحا وتطير سرورا، ويحق لك، فأي سرور أعظم من السرور والفرح برضا الله عز ~~وجل؟ ! فو الله تعالى لو أنك مت فرحا في الدنيا حين توهمت رضاه في الآخرة ~~لكنت بذلك حريا، وإن كنت لم تستيقن برضاه في الآخرة، ولكن آملا لذلك، فكيف ~~بك مستيقنا له في الآخرة، ولو توهمت نفسك، وقد بدا لك منه الرحمة والمغفرة ~~كنت حقيقا أن تطير روحك من بدنك فرحا، فكيف أن لو قد سمعت من الله عز وجل ~~الرضا عنك والمغفرة لك، فأمن خوفك، وسكن حذرك وتحقق أملك ورجاؤك بخلود ~~الأبد، ولأيقنت بفوزك ونعيمك أبدا [لا يفنى] (1) ولا يبيد بغير تنقيص ولا ~~تكذيب. # فتوهم نفسك بين يدي الله عز وجل وقد بدا لك منه الرضا، وطار قلبك فرحا، ~~وابيض وجهك وأشرق وأنار وأحال عن خلقته، فصار كأنه القمر ليلة البدر. ثم ~~خرجت على الخلائق مسرورا بوجه محبور قد حل به أكمل الجمال والحسن، يسطع ~~نورا مشرقا بتلألئه، PageV01P029 # تتخطاهم بالجمال والحسن والنور والضياء، كتابك بيمينك، أخذ بضبعيك ملك ~~ينادي على رؤوس (1) الخلائق: هذا فلان ابن فلان سعد سعادة لا ms14 يشقى (2) ~~بعدها أبدا. لقد شهرك ربك عز وجل بالرضا عنك عند خلقه، ولقد حقق حسن ظن ~~الظانين، وأبطل تهم المتهمين لك، وإن في هذه المنزلة غدا على رؤوس الخلائق ~~لعوضا من المنزلة عند العباد بطاعته والتصنع لهم زهدا في المنزلة عندهم، ~~والتعظيم عندهم بطاعة ربه عز وجل بصدق معاملته وحده لا شريك له، عوضك ~~المنزلة الكبرى على رؤوس الخلائق، فشهرك برضاه عنك وموالاته إياك. # فتوهم نفسك وأنت تتخطى (3) الخلائق، وكتابك في يمينك بجمال وجهك ونوره، ~~وفرح قلبك وسروره، وقد شخصت أبصارهم إليك غبطة لك وتأسفا على أن ينالوا من ~~الله عز وجل ما نلت، فليعظم من الله عز وجل في طلب ذلك أملك ورجاؤك، فإنه ~~عز وجل إن تفضل عليك نلت ذلك. # فهذا أحد الأمرين الذي أنت بينهما على خطر. ### | 22- # عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد عبد الله بن عمر، فأتاه رجل فقال: ~~كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى؟ PageV01P030 # فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الله عز وجل ~~يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه يستره من الناس، فيقول: يا عبدي ~~أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب، ثم يقول: يا عبدي أتعرف ذنب كذا ~~وكذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: إني قد سترتها ~~عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى (1) كتاب حسناته، وأما ~~الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله ~~على الظالمين} (2) " (3) . ### | 23- # قال: بينا عبد الله بن عمر يطوف بالبيت إذ عارضه رجل فقال: يا أبا عبد ~~الرحمن، كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى؟ فذكر ~~مثله (4) . # 24**- وقال سعيد: قال قتادة: (لم يحزن يومئذ أحد فخفي حزنه على أحد من ~~الخلائق) (5) . # 25*- وعن ابن مسعود أنه قال: (ينشر الله عز وجل كنفه يوم القيامة على ~~عبده المؤمن، ويبسط كفه لظهرها، فيقول: يا ابن آدم هذه حسنة قد عملتها في ~~يوم ms15 كذا وكذا قد (6) قبلتها، وهذه خطيئة قد عملتها في يوم كذا وكذا قد ~~غفرتها لك، فيسجد، فيقول الناس: طوبى (7) لهذا العبد الصالح الذي لم يجد في ~~صحيفته إلا حسنة أو قال: في PageV01P031 # كتابه) . # 26*- وعن عبد الله بن حنظلة قال: (إن الله عز وجل يقف عبده يوم القيامة ~~فيبدي (1) حسناته في ظهر صحيفته فيقول له: أنت عملت هذا؟ فيقول: نعم أي رب، ~~فيقول: إني لن أفضحك به اليوم وإني قد غفرت لك اليوم فيقول عندها: {هآؤم ~~اقرأوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه} (2) حين نجا من فضيحة يوم ~~القيامة) . # وأما الأمر الآخر: فإما أن يقول لك: عبدي أنا غضبان عليك فعليك لعنتي، ~~فلن أغفر لك عظيم ما آتيت، ولن أتقبل منك ما عملت، فيقول لك ذلك عند بعض ~~ذنوبك العظيمة: أتعرفها؟ فتقول: نعم وعزتك، فيغضب عليك فيقول (3) : وعزتي ~~لا تذهب بها مني، فينادي الزبانية فيقول: خذوه. فما ظنك بالله عز وجل ~~يقولها بعظيم كلامه وهيبته وجلاله. # فتوهم إن لم يعف عنك، وقد سمعتها من الله عز وجل بالغضب، وأسند إليك ~~الزبانية بفظاظتها وغلظ أكفها، مستضفرة بأزمة من النيران غضابا لغضب (4) ~~الله عز وجل بالعنف عليك والغلظ والتشديد، فلم تشعر حين قالها إلا ومجسة ~~غلظ أكفهم في فقاك وعنقك. فتوهم غلظ أكفهم حين قبضوا على عنقك بالعنف، ~~يتقربون إلى الله عز وجل بعذابك PageV01P032 # وهوانك. # فتوهم نفسك مستجذبا ذليلا موقنا بالهلاك وأنت في أيديهم وهم ذاهبون بك ~~إلى النار، مسودا وجهك، تتخطى الخلائق بسواد وجهك، وكتابك في شمالك تنادي ~~بالويل والثبور، والملك آخذ بضبعيك ينادي: هذا فلان ابن فلان شقى شقاء لا ~~يسعد بعده أبدا. # لقد شهرك بالغضب والسخط عليك، ولقد تمت فضيحتك عند خلقه، فأخلف حسن ظن ~~الظانين بك، وحقق تهم المتهمين لك، ولعله إن فعل ذلك بك فعله بتصنعك لطاعته ~~عند عباده بطلب المنزلة عندهم بسقوط المنزلة والجاه عنده، ففضحك عند من ~~آثرته عليه في المعاملة، ورضيت بحمده على طاعة ربك عز وجل عوضا من حمده ~~إياك تبارك وتعالى. # فتوهم ذلك، ms16 ثم توهمه، واذكر هذا الخطر، وكن مفكرا حذرا أي الأمرين يرتفع ~~بك وأي الأمرين قد أعد لك. # 27**- عن كعب قال: إن الرجل ليؤمر به إلى النار فيبتدره مائة ألف ملك. # قال أبو عبد الله: وقد بلغني أنه إذا وقف العبد بين يدي الله عز وجل فطال ~~وقوفه، تقول الملائكة: ما لك من عبد # PageV01P033 # عليك لعنة الله، أبكل هذا بارزت الله عز وجل وقد كنت تظهر في الدنيا ~~علانية حسنة. # قال: أبو عبد الله: ولقد بلغني أيضا أنه إذا حوسب فوبخ بكثرة أعماله ~~الخبيثة، تقول الملائكة: ما لك من آدمي عليك لعنة الله، أبكل هذا بارزت ~~الله عز وجل، وقد كنت تظهر الحسن في الدنيا؟ # قال: من تحبب إلى الناس بما لا يحب الله عز وجل، وبارز الله عز وجل بما ~~يكره، لقي الله عز وجل وهو عليه ساخط وله ماقت. # ثم قال أبو عبد الله وهو يحدث: (والله عز وجل ما أمسيت آسفا علي وعليكم ~~ومع ذلك الجسر بدقته وزلله وهوله وعظيم خطره قدامك) . # فتوهم ما حل من الوجل بفؤادك حين رفعت طرفك فنظرت إليه مضروبا على جهنم ~~بدقته ودحوضه، وجهنم تخفق بأمواجها من تحته، فيا له من منظر ما أفظعه ~~وأهوله، وقد علمت أنك راكب فوقه، وأنت تنظر إلى سواد جهنم من تحته، وتسمع ~~قصيف أمواجها وجلبة ثورانها من أسفلها، والملائكة تنادي (1) : ربنا من تريد ~~أن تجيزه على هذا؟ وتنادي (2) : ربنا ربنا سلم سلم. PageV01P034 # فبينا أنت تنظر إليه بفظاعة منظره إذ نودي مروا الساهرة، فلم تشعر إلا ~~وقد رفعت الأرض من تحتك وتحت الخلائق لأن تبدل، ثم بدلت بأرض من فضة، فإذا ~~الخلائق منثورون على أرض من فضة بيضاء (1) ، ثم قيل لك وأنت تنظر إلى الجسر ~~بفظاظته وقيل للخلق معك: اركبوا الجسر. # فتوهم خفقان فؤادك وفزعه، وقد قيل لك: اركب الجسر، فطار عقلك رعبا وفزعا، ~~ثم رفعت إحدى قدميك لتركبه فوجدت بباطن قدميك حدته ودقته، فطار قلبك فزعا، ~~ثم ثنيت الأخرى فاستويت عليه راكبا وقد أثقلتك أوزارك وأنت حاملها ms17 على ~~ظهرك، ثم صعدت عليه بطيران قلبك حتى بلغت ذروته، والخلائق من بين يديك ومن ~~ورائك (2) عرف واحد يضطرب بهم خفقان جهنم تحته، فتهافت الناس من بين يديك ~~ومن ورائك. # فتوهم صعودك بضعفك عليه، وقد نظرت إلى الزالين والزالات من بين يديك ومن ~~خلفك، وقد تنكست هاماتهم، وارتفعت على الصراط أرجلهم، وأخذت الملائكة بلحى ~~(3) الرجال وذوائب النساء من PageV01P035 # الموحدين، إذ الأغلال في أعناقهم، وثارت النار بطلبتها وفارت وشهقت على ~~هاماتهم، ورمتهم الملائكة بالكلابيب فجذبتهم، وثارت إليهم النار بطلبتها ~~وحريقها، وزفرت وشهقت على هاماتهم، وبادرت شرر النار إلى هاماتهم فتناولتها ~~ثم جذبت هاماتهم إلى جوفها، وهم ينادون ويصرخون وقد أيسوا من أنفسهم، وهم ~~لاجتذاب النار لهاماتهم فيها ينحدرون، وهم بالويل ينادون، وأنت تنظر إليهم ~~مرعوبا خائفا أن تتبعهم، فتزل قدمك فتهوى (1) من الجسر وتنكسر قامتك وترتفع ~~على الصراط رجلاك. # فتوهم ذلك في الدنيا بعقل فارغ وشفقة على ضعف بدنك، مخفف في الدنيا ~~للمرور عليه، فإن أهوال يوم القيامة إنما تخفف على أولياء الله عز وجل ~~الذين توهموها (2) في الدنيا (3) بعقولهم، فعظم خطر النجاة عندهم، فتحملوا ~~من ثقل همومها في الدنيا على قلوبهم وشدة خوفها على نفوسهم، فخففها في ~~القيامة بذلك عليهم مولاهم، فالزم قلبك توهمها والخوف منها والغم بها، لأنه ~~يخففها عليك بذلك ويهونها، لأنه آلى على نفسه ألا يجمع على أوليائه الخوف ~~في الدنيا والآخرة. PageV01P036 # فتوهم ممرك على الجسر بشدة الخوف وضعف البدن، وإن يكن مغضوبا عليك غير ~~معفي (1) عنك، ولم تشعر إلا وقد زلت (2) قدمك عن الصراط. # فتوهم (3) نفسك إن لم يعف عنك أن زلت رجلك عن الصراط، فقلت في نفسك مع ~~ذلك: ذهبت أبدا، هذا الذي كنت أحاذر وأخاف، وطار عقلك. ثم زلت الأخرى ~~فتنكست هامتك، وارتفعت عن الصراط رجلاك فلم تشعر إلا والكلوب قد دخل في ~~جلدك ولحمك، فجذبت به، وبادرت إليك النار ثائرة غضبانة لغضب مولاها، فهي ~~تجذبك وأنت تهوى من الجسر وتنادي حين وجدت مس نفحها: ويلي ويلي، وقد غلب ~~على قلبك الندم والتأسف، ألا ms18 كنت أرضيت الله عز وجل فرضي عنك، وأقلعت عما ~~يكره قبل أن تموت فغفر لك، حتى إذا صرت في جوفها التحمت عليك بحريقها، ~~وقلبك قد بلغ غاية حرقته ومضيضه، فتورمت في أول ما ألقيت فيها، ونادى (4) ~~الله عز وجل النار وأنت مكبوب على وجهك تنادي بالويل والثبور، فناداها {هل ~~امتلأت} (5) ؟ فسمعت نداءه وسمعت إجابتها له: {هل من مزيد} ؟ يقول: هل من ~~سعة؟ وأنت PageV01P037 # في قعرها، وهي تتلهب في بدنك، لها قصيف في جسدك، ثم لم يلبث أن تقطر بدنك ~~وتساقط لحمك، وبقيت عظامك، ثم أطلقت النار على ما في جوفك فأكلت ما فيه. # فتوهم كبدك والنار تداخل فيها، وأنت تنادي فلا ترحم، وتبكي وتعطي الندم ~~إن رددت ألا تعود، فلا تقبل توبتك، ولا يجاب نداؤك (1) . # فتوهم نفسك وقد طال فيها مكثك وألح العذاب، فبلغت غاية الكرب، واشتد بك ~~العطش، فذكرت الشراب في الدنيا، ففزعت إلى الجحيم، فتناولت الإناء من يد ~~الخازن الموكل بعذابك، فلما أخذته نشبت كفك فيه، وتفسخت لحرارته ووهيج ~~حريقه، ثم قربته إلى فيك فشوى وجهك، ثم تجرعته فسلخ حلقك، ثم وصل إلى جوفك ~~فقطع أمعاءك، فناديت بالويل والثبور، وذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته. ثم ~~أقلعت (2) عن الحريق، فبادرت إلى حياض الحميم لتبرد بها كما تعود في الدنيا ~~الاغتسال والانغماس في الماء إذا اشتد عليك الحر، فلما انغمست في الحميم ~~تسلخ من قرنك إلى قدمك، فبادرت إلى PageV01P038 # النار رجاء أن تكون هي أهون عليك، ثم اشتد عليك حريق النار فرجعت إلى ~~الحميم وأنت تتطوف بينها وبين حميم آن، وهو الذي قد انتهى حره، وتطلب الروح ~~فلا روح بين الحميم وبين النار، تطلب الروح فلا روح أبدا. # فلما اشتد بك الكرب والعطش وبلغ منك المجهود ذكرت الجنان فهاجت غصة من ~~فؤادك إلى حلقك أسفا على جوار الله عز وجل، وحزنا على نعيم الجنة، ثم ذكرت ~~شرابها وبرد مائها وطيب عيشها، فتقطع قلبك حسرة لحرمان ذلك، ثم ذكرت أن ~~فيها (1) بعض القرابة من أب أو أم أو أخ، وغيرهم من ms19 القرابة، فناديتهم بصوت ~~مخزون من قلب محترق قلق: يا أماه أو يأبتاه أو يا أخاه أو يا خالاه أو يا ~~عماه أو يا أختي شربة من ماء، فأجابوك بالخيبة فتقطع قلبك حسرة (2) بما ~~خيبوا من أملك، وبما رأيت من غضبهم عليك لغضب ربك عز وجل، ففزعت إلى الله ~~بالنداء بالمرجع والعتبى أن يردك إلى الدنيا، فمكث عنك دهرا طويلا لا يجيبك ~~هوانا بك وأن صوتك عنده ممقوت، وجاهك عنده ساقط، ثم ناداك بالخيبة منه أن ~~{اخسئوا فيها ولا تكلمون} (3) . # فلما سمعت كلامه بنداء جلاله PageV01P039 # بالتخسئة لك ابتداء، فمثلك لا يجاب، ومناخرك وفيك ملجومة (1) بلجام، فبقى ~~نفسك مترددا في جوفك لا مخرج له، فضاقت نفسك في صدرك وبقيت قلقا تزفر لا ~~تطيق الكلام ولا يخرج منك (2) نفس. # ثم أراد أن يزيدك إياسا وحسرة، فأطبق أبواب النار عليك وعلى أعدائه فيها. ~~فما ظنك إن لم يعف عنك، وقد سمعت رجوف بابها قد أغلق؟ فيا إياسك ويا إياس ~~سكان جهنم حين سمعوا وقع أبوابها تطبق عليهم فعلموا عند ذلك أن الله عز وجل ~~إنما أطبقها لئلا يخرج منها أحد أبدا، فتقطعت قلوبهم إياسا وانقطع الرجاء ~~منهم ألا فرج أبدا ولا مخرج منها ولا محيص لهم من عذاب الله عز وجل أبدا، ~~خلود فلا موت، وعذاب لا زوال له عن أبدانهم، ودوام حرق قلوبهم ومضيضها، فلا ~~روح ولا راحة تعلق بهم أبدا، أحزان لا تنقضي، وغموم لا تنفد، وسقم لا يبرأ، ~~وقيود لا تحل، وأغلال لا تفك أبدا، وعطش لا يرون بعده أبدا، وكرب لا يهدأ ~~أبدا، وجوع لا يشبعون بعده أبدا إلا بالزقوم ينشب في حلوقهم فيستغيثون ~~بالشراب ليسوغوا به غصصهم فيقطع أمعاءهم، وحسرة فوت رضوان PageV01P040 # الله عز وجل في قلوبهم، وكمد حرمان جوار الله عز وجل يتردد (1) في ~~صدورهم. لا يرحم بكاؤهم، ولا يجاب دعاؤهم، ولا يغاثون (2) عند تضرعهم، ولا ~~تقبل توبتهم ولا تقال عثرتهم. غضب الله عز وجل عليهم فلا يرضى عنهم أبدا إذ ~~أبغضهم ومقتهم، وسقطوا من عينه (3) ، وهانوا عليه ms20 فأعرض عنهم. # فلو رأيتهم وقد عطشوا وجاعوا فنادوا من أهل الجنة الأقرباء فقالوا جميعا: ~~يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، خرجنا من قبورنا ~~عطاشا، وأوقعنا بين يدي الله عز وجل عطاشا، وأمر بنا إلى النار عطاشا، ~~أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. فأجابوهم بالتخسئة، فتراجع في ~~قلوبهم الحسرة والندامة فهم فيها يتقلقون لا ينفح وجوههم (4) روح أبدا، ولا ~~يذوقون منها بردا أبدا، ولا يطبقون جفونهم على غمض نوم أبدا، فهم في عذاب ~~دائم وهوان لا ينقطع. فمثل نفسك بهذا الوصف إن لم يعف عنك. فلو رأيت ~~المعذبين في خلقهم، وقد أكلت النار لحومهم، ومحت محاسن وجوههم، واندرس ~~تخطيطهم، فبقيت العظام مواصلة محترقة مسودة، وقد قلقوا واضطربوا في قيودهم ~~وأغلالهم، وهم PageV01P041 # ينادون بالويل والثبور، ويصرخون بالبكاء والعويل، إذن لذاب قلبك فزعا من ~~سوء خلقهم، وتضعفت من رائحة نتنهم، ولما بقى روحك في بدنك من شدة وهج ~~أبدانهم وحرارة أنفاسهم. # فكيف بك إن نظرت إلى نفسك فيها وأنت أحدهم، وقد زال من قلبك الأمل ~~والرجاء، ولزمه القنوط والإياس، وعطفت على بدنك فتقحمت النار في الحدقتين، ~~فسمعت تفضيضهما انتقاما، وبدلا من نظرك إلى ما لا يحب ولا ويرضى، ودخلت ~~النار في مسامعك فتسمع لها قصيفا وجلبة، والتحفت عليك فنفضت منك العظام ~~ودوبت اللحام، واطلعت إلى الجوف فأكلت الكبد والأحشاء، فغلبت على قلبك ~~الحسرة (1) والندامة والتأسف. # فتوهم ذلك بعقل فارغ، رحمة لضعفك، وارجع عما يكره مولاك (2) ، وترضى ربك ~~عسى أن يرضى عنك، وأعذ به بعقلك واستقله يقلك عثراتك، وابك من خشيته عسى أن ~~يرحمك ويقيل عثراتك فإن الخطر عظيم، وإن البدن ضعيف، والموت منك قريب، ~~والله جل جلاله مع ذلك مطلع يراك وناظر PageV01P042 # لا يخفى (1) عليه منك سر ولا علانية، فاحذر نظره (2) بالمقت والبغضة ~~والغضب والقلاء، وأنت لا تشعر فرحا أو قرير العين. # فاحذر الله عز وجل وخفه واستح منه وأجله، ولا تستخف بنظره، ولا تتهاون ~~باطلاعه، وأجل مقامه عليك، وعلمه بك، وافرقه واخشه قبل أن يأخذك بغتة، ولير ms21 ~~أثر مصيبة مخالفتك له ليعلم ما قد بلغ منك خلافه، فيعظم حزنك ويشتد غمك ~~بمخالفته، وليعلم أنه قد بلغ إليك خلافه، فإن علم ذلك منك صفح عنك وعفا ~~عنك، فلا تتعرض لله عز وجل، فإنه لا طاقة لك بغضبه ولا قوة لعذابه، ولا صبر ~~لك على عقابه، ولا صبر عندك عن جواره، فتدارك نفسك قبل لقائه، فكأنك بالموت ~~قد نزل بك بغتة. # فتوهم ما وصفت لك، فإنما وصفت بعض الجمل، فتوهم ذلك بعقل فارغ موقن عارف ~~بما قد جنيت على نفسك وما استوجبت بجنايتك، وفكر في مصيبتك في دينك، ولير ~~الله عز وجل عليك أثر المصيبة لعله أن يرحمك فيتجاوز عنك لمغفرته وعفوه، إن ~~كنت من أهل العفو والتجاوز. # فتوهم إن تفضل الله عز وجل عليك بالعفو PageV01P043 # والتجاوز ممرك على الصراط، ونورك معك يسعى بين يديك وعن يمينك، وكتابك ~~بيمينك، مبيض وجهك، وقد فصلت من بين يدي الله عز وجل، وأيقنت برضاه عنك، ~~وأنت على الصراط مع زمر العابدين، ووفود المتقين، والملائكة تنادي: سلم ~~سلم، والوجل مع ذلك لا يفارق قلبك ولا قلوب المؤمنين، تنادي وينادون: {ربنا ~~أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} (1) فتدبر حين رأوا ~~المنافقين طفئ نورهم، وهاج الوجل في قلوبهم، فدعوا بتمام النور والمغفرة. # فتوهم نفسك وأنت تمر خفيفا مع الوجل، فتوهم ممرك على قدر خفة أوزارك ~~وثقلها، فتوهم نفسك وقد انتهيت إلى آخره، فغلب على قلبك النجاة وعلا عليك ~~الشفق، وقد عاينت نعيم الجنان، وأنت على الصراط، فتطلع قلبك إلى جوار الله ~~عز وجل، واشتاق إلى رضا الله، حتى إذا صرت إلى آخره خطوت بإحدى رجليك إلى ~~العرصة (2) التي بين آخر الجسر وبين باب الجنة فوضعتها على العرصة التي بعد ~~الصراط، وبقيت القدم الأخرى على PageV01P044 # الصراط، والخوف والرجاء قد اعتليا في قلبك وغلبا عليك، ثم ثنيت بالأخرى ~~فجزت الصراط كله واستقرت قدماك على تلك العرصة، وزلت عن الجسر ببدنك، ~~وخلفته وراء ظهرك، وجهنم تضطرب من تحت من يمر عليها، وتثب على من ms22 زل عنه ~~مغتاظة تزفر عليه وتشهق إليه. ثم التفت إلى الجسر فنظرت إليه باضطراب، ~~ونظرت إلى الخلائق من فوقه وإلى جهنم من تحته تثب وتزفر على الذين زلزلوا ~~عن الصراط لها في رؤوسهم (1) وأنحائهم قصيف، فطار قلبك فرحا إذ رأيت عظيم ~~ما نجاك الله منه، فحمدت الله وازددت له شكرا، إذ نجوت بضعفك من النار. ~~وخلفت النار وجسرها من وراء ظهرك متوجها إلى جوار ربك. ثم خطوت آمنا إلى ~~باب الجنة قد امتلأ قلبك (2) سرورا وفرحا، فلا تزل في ممرك بالفرح والسرور ~~حتى توافي أبوابها (3) فإذا وافيت بابها (4) استقبلك بحسنه، فنظرت إلى حسنه ~~ونوره وحسن صورة الجنة وجدرانها، وقلبك مستطير فرح مسرور متعلق بدخول الجنة ~~حين وافيت بابها أنت وأولياء الرحمن. # فتوهم نفسك في ذلك الموكب، وهم أهل كرامة الله PageV01P045 # ورضوانه، مبيضة وجوههم، مشرقة برضا الله، مسرورون فرحون مستبشرون، وقد ~~وافيت باب الجنة بغبار قبرك، وحر المقام، ووهج تعب (1) ما مر بك، فنظرت إلى ~~العين التي (2) أعدها الله لأوليائه وإلى حسن مائها، فانغمست فيها مسرورا ~~لما وجدت من برد مائها وطيبه، فوجدت له بردا وطيبا فذهب عنك بحزن المقام، ~~وطهرك من كل دنس وغبار، وأنت مسرور لما وجدت من طيب مائها لما باشرته، وقد ~~أفلت من وهج الصراط وحره، لأنه قد يوافي بابها من أحرقت النار بعض جسده ~~بلفحها، وقد بلغت منه، فما ظنك وقد انفلت من حر المقام ووهج أنفاس الخلائق، ~~ومن شدة توهج حر الصراط، فوافيت باب الجنة بذلك، فلما نظرت إلى العين قذفت ~~بنفسك فيها. # فتوهم فرحة فؤادك لما باشر برد مائها بدنك بعد حر الصراط ووهج القيامة، ~~وأنت فرح لمعرفتك أنك إنما تغتسل لتتطهر لدخول الجنة والخلود فيها، فأنت ~~تغتسل منها دائبا ولونك متغير حسنا، وجسدك يزداد نضرة وبهجة ونعيما، ثم ~~تخرج منها في أحسن الصور وأتم النور. # فتوهم فرح قلبك حين خرجت منها، فنظرت PageV01P046 # إلى كمال جمالك ونضارة وجهك وحسنه، وأنت عالم موقن بأنك تتنظف للدخول إلى ~~جوار ربك. # ثم تقصد إلى العين الأخرى فتتناول ms23 من بعض آنيتها، فتوهم نظرك إلى حسن ~~الإناء وإلى حسن الشراب، وأنت مسرور بمعرفتك أنك إنما تشرب هذا الشراب ~~لتطهر جوفك من كل غل، وجسدك ناعم أبدا حتى إذا وضعت الإناء على فيك ثم ~~شربته وجدت طعم شراب لم تذق مثله ولم تعود شربه، فيسلس من فيك إلى جوفك، ~~فطار قلبك سرورا لما وجدت من لذته، ثم نقى جوفك من كل آفة فوجدت لذة طهارة ~~صدرك من كل طبع كان فيه ينازعه إلى الغموم والهموم والحرص والشدة والغضب ~~والغل. فيا برد طهارة صدرك، ويا روح ذلك على فؤادك. حتى إذا استكملت طهارة ~~القلب والبدن، واستكمل أحباء الله ذلك معك، والله مطلع يراك ويراهم، أمر ~~مولاك الجواد المتحنن خزان الجنة من الملائكة الذين لم يزالوا مطيعين ~~خائفين منه مشفقين وجلين من عقابه إعظاما له وإجلالا وهيبة له وحذرا من ~~نقمه، وأمرهم أن يفتحوا باب جنته لأوليائه، فانحدروا من دارها وبادروا من ~~ساحاتها وأتوا باب الجنة فمدوا # PageV01P047 # أيديهم ليفتحوا أبوابها، وأيقنت بذلك فطار قلبك سرورا وامتلأت فرحا، ~~وسمعت حسن صرير أبوابها، فعلاك السرور وغلب على فؤادك، فيا سرور قلوب ~~المفتوح لهم باب جنة رب العالمين. # فلما فتح لهم بابها هاج نسيم طيب الجنان وطيب جري مائها، فنفح وجهك وجمع ~~بدنك، وثارت أراييح الجنة العبقة الطيبة، وهاج ريح الأذفر، وزعفرانها ~~المونع، وكافورها الأصفر، وعنبرها الأشهب، وأرياح طيب ثمارها وأشجارها وما ~~فيها من نسيمها فتداخلت تلك الأراييح في مشامك حتى وصلت إلى دماغك، وصار ~~طيبها في قلبك وفاض من جميع جوارحك، ونظرت بعينك إلى حسن قصورها وتأسيس ~~بنيانها من طرائق الجندل الأخضر (1) من الزمرد والياقوت الأحمر والدر ~~الأبيض قد سطع منه نوره وبهاؤه وصفاؤه، فقد أكمله الله في الصفاء والنور ~~ومازجه نور ما في الجنان، ونظرت إلى حجب الله وفرح فؤادك لمعرفتك أنك إذا ~~دخلتها فإن لك فيها الزيادات والنظر إلى وجه ربك، فاجتمع طيب (2) أراييح ~~الجنة وحسن بهجة منظرها وطيب PageV01P048 # نسيمها وبرد جوها، وذلك أول روح وطيب نفح وجهك. # فتوهم نفسك مسرورا بالدخول ms24 لعلمك أنها يفتح بابها لك والذين معك أولياء ~~الله، وفرحك بما تنظر إليه من حسن بهجتها، وما وصل إلى فؤادك من طيب ~~رائحتها، وما باشر وجهك وبدنك من طيب جوها وبرد نسيمها. # فتوهم نفسك أن تفضل الله عليك بهذه الهيئة، فلو مت فرحا لكان ذلك يحق لك ~~إذا فتحوا بابها أقبلوا عليك ضاحكين في وجهك ووجوه أولياء الله معك، ثم ~~رفعوا أصواتهم يحلفون بعزه ما ضحكنا قط منذ خلقنا إلا إليكم، ونادوكم {سلام ~~عليكم} (1) فتوهم حسن نغماتهم وطيب كلامهم وحسن تسليمهم في كمال صورهم وشدة ~~نورهم، ثم أتبعوا السلام بقولهم: {طبتم فادخلوها خالدين} (2) فأثنوا عليهم ~~بالطيب والتهذيب من كل دنس ودرن وغل وغش وكل آفة في دين أو دنيا، ثم أذنوا ~~لهم على الله بالدخول في جواره، ثم أخبروهم أنهم باقون فيها أبدا، فقالوا ~~{طبتم فادخلوها خالدين} . فلما PageV01P049 # سمعت الأذن، وأولياء الله معك، بادرتم الباب بالدخول فكظت الأبواب من ~~الزحام كما قال عتبة بن غزوان (1) . ### | 28- # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لانقضاضهم على باب الجنة أهم إلي من ~~شفاعتي " (2) . # فكظ من الزحام - فما ظنك بأبواب مسيرة أربعين عاما كظيظة من زحام أولياء ~~الرحمن، فأكرم بهم من مزدحمين مبادرين إلى ما قد عاينوا من حسن القصور من ~~الياقوت والدر. # فتوهم نفسك أن عفا (3) الله عنك في تلك الزحمة، مبادرا مع مبادرين، ~~مسرورا مع مسرورين، بأبدان قد طهرت، ووجوه قد أشرقت وأنارت فهى كالبدر قد ~~سطع من أعراضهم كشعاع الشمس. فلما جاوزت بابها وضعت قدميك على تربتها وهى ~~مسك أذفر ونبت الزعفران المونع، والمسك مصبوب على أرض من فضة، والزعفران ~~نابت حولها، فذلك أول خطوة خطوتها في أرض البقاء بالأمن من (4) العذاب ~~والموت. فأنت تتخطى في ترب المسك ورياض الزعفران، وعيناك ترمقان حسن بهجة ~~الدر من حسن أشجارها وزينة تصويرها. فبينا أنت تتخطى في عرصات الجنان، في ~~رياض الزعفران وكثبان المسك، إذ نودي في أزواجك وولدانك وخدامك وغلمانك ~~PageV01P050 # وقهارمتك: إن فلان قد أقبل، فأجابوا واستبشروا لقدومك كما يبشر أهل ~~الغائب في الدنيا ms25 بقدومه كما قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه. # فبينما أنت تنظر إلى قصورك إذ سمعت جلبتهم وتبشيشهم فاستطرت لذلك فرحا، ~~فبينما أنت [فرح مسرور] (1) بغبطتهم لقدومك لما سمعت أجلابهم فرحا بك، إذ ~~ابتدرت القهارمة إليك، وقامت الولدان صفوفا لقدومك، فبينما أتت القهارمة ~~مقبلة (2) إليك، إذ استخف أزواجك للعجلة فبعثت كل واحدة منهن بعض خدمها ~~لينظر إليك مقبلا ويسرع بالرجوع إليها بقدومك لتطمئن إليه فرحا، وتسكن إلى ~~ذلك سرورا، فنظر إليك الخدم قبل أن تلقاك قهارمتك، ثم بادر رسول كل واحدة ~~منهن إليها، فلما أخبرها بقدومك قالت كل واحدة منهن لرسولها: أنت رأيته؟ من ~~شدة فرحها بذلك، ثم أرسلت كل واحدة منهن رسولا آخر، فلما جاءت البشارات ~~بقدومك إليهن لم يتمالكن أنفسهن فرحا، فأردن الخروج إليك مبادرات إلى لقائك ~~لولا أن الله كتب القصر لهن في الخيام إلى قدومك، كما قال مليكك {حور ~~مقصورات في الخيام} (3) ، فوضعن أيديهن على عضائد أبوابهن PageV01P051 # وأذرعهن برؤوسهن (1) ينظرن متى تبدو (2) لهن صفحة وجهك فيسكن طول حنينهن ~~وشدة شوقهن إليك وينظرن إلى قرير أعينهن ومعدن راحتهن وأنسهن إلى ولي ربهن ~~وحبيب مولاهن. # فبينا أنت ترفل في كثبان المسك ورياض الزعفران وقد رميت ببصرك إلى حسن ~~بهجة قصورك، إذ استقبلك قهارمتك بنورهم وبهائهم، فاستقبلك أول قهرمان لك ~~فأعظمت شأنه وظننت أنه من ملائكة ربك، فقال لك: يا ولي الله، إنما أنا ~~قهرمانك وكلت بأمرك ولك سبعون ألف قهرمان سواي، ثم تتابعه القهارمة ببهائهم ~~ونورهم كل يعظمك ويسلم عليك بالتعظيم لك. # فتوهم قلبك في الجنان وقد قامت بين يديك قهارمتك معظمين لك، ثم الوصفاء ~~والخدام فاستقبلوك كأنهم اللؤلو المكنون، فسلموا عليك، ثم أقبلوا بين يديك. # فتوهم تبخترك في موكب من قهارمتك وخدامك يزفونك زفا إلى قصورك وما أعد لك ~~مولاك ومليكك. فلما أتيت باب قصرك فتحت الحجاب أبوابك، ورفعت لك الستور، ~~وهم قيام على أقدامهم لك معظمين، فتوهم ما عاينت حين فتحت PageV01P052 # أبواب قصورك ورفعت ستوره، من حسن بهجة مقاصيره، وزينة أشجاره، وحسن ~~رياضه، وتلألؤ صحنه، ms26 ونور ساحاته. # فبينا أنت تنظر إلى ذلك إذ بادرت البشرى من خدامك ينادون أزواجك: هذا ~~فلان ابن فلان قد دخل باب قصره، فلما سمعن نداء البشراء بقدومك ودخولك ~~توثبن من الفرش على الأسرة في الحجال، وعينك ناظرة إليهن في جوف الخيام ~~والقباب، فنظرت إلى وثوبهن مستعجلات قد استخفهن الفرح والشوق إلى رؤيتك. # فتوهم تلك الأبدان الرخيمة الرعبوبة (1) # الخريدة الناعمة يتوثبن بالتهادي والتبختر. فتوهم كل واحدة منهن حين وثبت ~~في حسن حللها وحليتها، بصباحة وجهها، وتثني بدنها بنعمته. فتوهم انحدارها ~~مسرعة بكمال بدنها، نازلة عن سريرها إلى صحن قبتها وقرار خيمتها، فوثبن حتى ~~أتين أبواب خيامهن وقبابهن، ثم أخذن بأيديهن عضائد أبواب خيامهن للقصر الذي ~~ضرب عليهن إلى قدومك، فقمن آخذات بعضائد أبوابهن، ثم خرجن [برؤوسهن ~~ووجوههن] (2) ينحدرن من أبواب قبابهن، متطلعات ينظرن إليك، مقبلات قد ملئن ~~منك فرحا وسرورا. PageV01P053 # فتوهم نفسك بسرور قلبك وفرحه، وقد رمقتهن ببصرك، ووقع ناظرك على حسن ~~وجوههن وغنج أعينهن، فلما قابلت وجوههن حار طرفك، وهاج قلبك بالسرور، فبقيت ~~كالمبهوت الذاهل من عظيم ما هاج في قلبك من سرور ما رأت عيناك، وسكنت إليه ~~نفسك. # فبينما أنت ترفل إليهن إذ دنوت من أبواب الخيام، فأسرعن مبادرات قد ~~استخفهن العشق، مسرعات يتثنين من نعيم الأبدان ويتهادين من كمال الأجسام، ~~ثم نادتك كل واحدة منهن: يا حبيبي ما أبطاك علينا؟ فأجبتها بأن قلت: يا ~~حبيبة ما زال الله عز وجل يوقفني على ذنب كذا وكذا حتى خشيت أن لا أصل ~~إليكن، فمشين نحوك في السندس والحرير، يثرن المسك ويحركن نبت الزعفران ~~بأذيال حللهن وخلاخيلهن استعجالا إليك وشوقا وعشقا لك، فأول من [تقدمت ~~منهن] (1) إليك مدت إليك بنانها ومعصمها وخاتمها، كما قال النبي عليه ~~السلام (2) . # فتوهم حسن بنان أنشئ من الزعفران والكافور، ونعم في الجنان الألف من ~~الدهور، فتوهمه حين مدته إليك يتلألأ نورا ويضئ إشراقا، فلما وضعت بنانها ~~في بنانك، وجدت مجسة PageV01P054 # لينة بنعيمه، وكاد أن ينسل من يديك للينه، [وكاد] (1) عقلك أن يزول فرحا ~~بما وصل إلى ms27 قلبك من طيب مسيس بنانها، ثم مددت يدك إلى جسمها الرخيم ~~الناعم، فضمتك إلى نحرها، فانثنيت عليها بكفك وساعدك حتى وضعته على قلائدها ~~من حلقها، ثم ضممتها إليك. # فتوهم نعيم بدنها لما ضمتك إليها، وكاد أن يداخل بدنك بدنها من لينه ~~ونعيمه. فتوهم ما باشر صدرك من حسن نهودها ولذة معانقتها، ثم شممت طيب ~~عوارضها فذهب قلبك من كل شيء سواها حتى غرق في السرور وامتلأ فرحا لما وصل ~~إلى روحك من طيب مسيسها ولذة روائح عوارضها. # فبينا أنت كذلك، إذ تمايعن عليك فانكببن عليك يلثمنك ويعانقنك، فملأن ~~وجهك بأفواههن ملتثمات، وملأن صدرك بنهودهن، فأحدقن بك بحسن وجوههن، وغطين ~~بدنك وجللنه بذوائبهن، واستجمعت في مشامك أراييح طيب عوارضهن. # فتوهم نفسك وهن عليك منكبات، بفيك ملتثمات متشممات، عليك متثنيات بنعيم ~~أبدانهن، لهن استراحة عند ضمك إليهن لشدة العشق وطول الشوق إليك، متشبثات ~~بجسمك، ومتنعمات بنسيم PageV01P055 # أراييح عوارضك. # فلما استمكنت خفة السرور من قلبك، وعمت لذة الفرح جميع بدنك، وموعد الله ~~عز وجل في سرورك، فناديت بالحمد لله الذي صدقك الوعد وأنجز لك الموعد. ثم ~~ذكرت طلبك إلى ربك إياهن بالدؤوب (1) والتشمير. فأين أنت في عاقبة ذلك ~~العمل الذي استقبلته وأنت تلثمهن وتشم عوارضهن {لمثل هذا فليعمل العاملون} ~~(2) ، ثم أثنين عليك وأثنيت عليهن، ثم رفعن أصواتهن ليؤمنك بذلك من المعرفة ~~لهن بحوادث الأزمان، وتنغيص عيشك بأخلاقهن، فنادين جميعا بأصواتهن: نحن ~~الراضيات فلا نسخط أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ونحن الخالدات فلا ~~نبيد أبدا، ونحن الناعمات فلا نبؤس أبدا طوباك أنت لنا ونحن لك. # ثم مضيت معهن، فيا حسن منظرك وأنت في موكبك من حورك وولدانك وخدامك، حتى ~~انتهيت إلى بعض خيامك، فنظرت إلى خيمة من درة مجوفة مفصصة بالياقوت ~~والزمرد، فنظرت إلى حسن أبوابها وبجهة ستورها، ثم رميت ببصرك إلى داخلها ~~فنظرت إلى فرشها ونجدها وزرابيها وحسن تأسيس بنيانها (3) ، قد بنيت (4) ~~طرائق على جنادل PageV01P056 # الدر والياقوت، ثم نظرت إلى سريرك في ارتفاعه وعليه فرشه من الحرير ~~والإستبراق بطائنهن قد علا ظواهرهن ms28 من النور المتكثف، وعلى أطرافهن من فوق ~~الحرير والديباج، وحسن الرفرف الأخضر، وهي فصول المجالس. فلما تأملت تلك ~~الفرش بحسنها وفوقها المرافق قد ثنتها، حار طرفك فيها. ثم نظرت إلى حجلتها ~~من فوق سريرها قد أحدقت بالعرش من فوقها. # فتوهم حسن الأبواب، وحسن الستور، وحسن (1) عرصة القبة بحسن فرشها، وحسن ~~السرير وحسن قوائمه وارتفاعه، وحسن الفرش فوقه والمرافق فوق فرشه، والحجلة ~~المضروبة من فوق ذلك كله، فتأملت (2) ذلك كله ببصرك، فلما دنوت من فرشك ~~تطأمنت (3) سريرك فارتفعت الحوراء وارتقت عليه. # فتوهم صعودها عليه بعظيم بدنها ونعيمه حتى استوت عليه جالسة، ثم ارتقيت ~~على السرير فاستويت عليه معها فقابلتك وأنت مقابلها، فيا حسن منظرك إليها ~~جالسة في حللها وحليها، بصباحة وجهها ونعيم جسمها. الأساور في معاصمها، ~~والخواتم في أكفها، والخلاخيل PageV01P057 # في أسواقها، والحقاب (1) في حقوها (2) ، والوشاح قد تنظر نهديها وجال ~~بخصرها، والقلائد في عنقها، والأكاليل من الدر والياقوت على قصتها وجبينها، ~~والتاج من فوق ذلك على رأسها، والذوائب من تحت التاج قد حل من مناكبها وبلغ ~~أردافها وأنعالها، ترى (3) وجهك في نحرها وهي تنظر إلى وجهها في نحرك، وقد ~~أحدق الولدان بقبتك، وقد قام الرهط بين يديك ويديها، وقد تدلت (4) الأشجار ~~بثمارها من جوانب حجلتك، واطردت الأنهار حول قصرك، واستعلى (5) الجداول على ~~خيمتك بالخمر والعسل واللبن والسلسبيل. وقد كمل حسنك وحسنها، وأنت لابس ~~الحرير والسندس، وأساور الذهب واللؤلؤ على كل مفصل من مفاصلك، وتاج الدر ~~والياقوت منتصب فوق رأسك، وأكاليل الدر مفصصة بالنور على جبينك. # وقد أضاءت الجنة وجميع قصورك من إشراق بدنك ونور وجهك وأنت تعاين من صفاء ~~قصورك جميع أزواجك وخدمك وجميع أبنية مقاصيرك. وقد تدلت عليك ثمار أشجارك، ~~واطردت أنهارك من الخمر واللبن من تحتك، والماء والعسل من فوقك، وأنت جالس ~~PageV01P058 # مع زوجاتك على أريكتك، وقد فتحت مصاريع أبوابك وأرخيت عليك حجال خيمك، ~~وحفت الخدام والولدان بقبتك، وسمعت زجلهم بالتقديس لربك، وقد اطلعوا على ~~ضمير قلبك فسارعوا إلى كل ما حدثت به نفسك من أنواع كرامتك وسرورك وأمانيك، ms29 ~~فأتوك بكل أمنيتك. وأنت وزوجك بأكمل الهيئة وأتم النعمة، وقد حار فيها طرفك ~~تنظر إليها متعجبا من جمالها وكمالها، طرب قلبك بملاحتها، وأنس قلبك بها من ~~حسنها، فهى منادمة لك على أريكتك تنازعك وتعاطيك الخمر والسلسبيل والتسنيم ~~في كأسات الدر وأكاويب قوارير الفضة. # فتوهم الكأس من الياقوت والدر في بنانها، وقد قربت إليك ضاحكة بحسن ~~ثغرها، فسطع نور بنانها في الشراب مع نور وجهها ونحرها ونور الجنان ونور ~~وجهك وأنت مقابلها، واجتمع في الكأس الذي في بنانها نور الكأس ونور الشراب ~~ونور وجهها ونور نحرها ونور ثغرها، فما ظنك بذوائب شاب أمرد، كامل الخلق، ~~أنور الوجه، أبيض الجسم، أنضر الثياب، أصفر الحلي من ذهب الجنان يشوبه حمرة ~~الياقوت وبياض الدر وحسن العقيان (1) . فيا لك من عروس ويا تلك عروس طفلة ~~أنيسة عربوبة (2) كامل خلقها، ويا جمال وجهها، ويا بياض نهودها وتثني ~~جسمها، يكسوها التأنيث، ويلينها PageV01P059 # النعيم، تنظر إليك بغنج الحور، وتكلمك بملاحة المنطق، وتداعبك بالدلائل، ~~وتلاعبك بالعشق والطرب، بيدها كأس در لا ظل له، أو ياقوت لا شبه له من ~~صفائه ورقة جسمه، قد جملته بحسن كفها وزمردها ونور خواتمها فيه. # فتوهم حسن الكأس مع بياضه مع بياض الشراب مع بياض كفيها وحسنه. # فتوهم كأس الدر والياقوت أو الفضة في صفاء ذلك في بنانها الكامل، وقد ~~اقتربت إليك ضاحكة بحسن ثغرها، وسطع نور بنانها في الشراب مع نور وجهها ~~ونحرها، وأنت مقابلها فضحكت أيضا إليها، فاجتمع في الكأس الذي في بنانها ~~نورك مع نورها مع نور الكأس ونور الشراب ونور وجهها ونور نحرها ونور ثغرها ~~ونور الجنان. # فتوهمه بهذه الأنوار في ضيائه، يلمع بصفائه في كفها، وقد مدت به إليك ~~يدها بخواتمها، وأساورها في معاصمها، فناولتك الكأس بكفها، فيا حسن ~~مناولتها ويا حسنها من يد، ثم تعاطتك كأسات الخمر في دار الأمن واللذات ~~والسرور، فتناولته منها ثم وضعته على فيك ثم سلسلته في فيك، فسار سروره في ~~قلبك وعمت لذته جوارحك، فوجدت منه طعما أطيب طعما وألذه فشربته، والولدان # PageV01P060 # قيام ms30 بين يديك. # فتوهم ذلك وقد شربت الكأس من يدها، ثم ناولتها من يدك، فتناولته بحسن ~~كفها وهى ضاحكة، فيا حسن مضحكها، فشربته من يدك، حتى إذا تعاطيتما الكأس ~~ودار فيما بينكما، وشاع نور الشراب في وجنتيها، ورفعتما أصواتكما بالتحميد ~~والتقديس لمولاكما وسيدكما، ورفعت الولدان والخدام أصواتهم تسبيحا وتهليلا ~~مجاوبة لكما، فيا حسن تلك الأصوات بتلك النغمات في تلك القصور وتلك ~~الخيمات. # فبينما أنتما في لذاتكما وسروركما، وقد مضت الأحقاب من الدهور وما تشعران ~~من اشتغال قلوبكما بنعيمكما، إذ هجمت الملائكة بالسلام عليك، وأتتك بالتحف ~~والألطاف من عند ربك، حتى إذا انتهت رسل ربك إلي الحجبة الذين دونك ~~والقهارمة الموكلين بك، فطلبوا إليهم الإذن عليك ليوصلوا ما أتوا به من عند ~~مولاك إليك، فقالت عند ذلك حجبتك لملائكة ربك: إن ولي الله مشغول مع أزواجه ~~وإنا لنكره الإذن عليه إعظاما وإجلالا له، وكذلك يقول الله ربك تبارك ~~وتعالى {في شغل فاكهون} (1) وبذلك جاء التفسير. فأعظم به من شغل، وأعظم بك ~~من ملك تستأذن عليك رسل ربك. وكذلك PageV01P061 # يقول الرافع قدر أوليائه في جواره تبارك وتعالى {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما ~~وملكا كبيرا} (1) فقيل في التفسير: إن ذلك استئذان الملائكة عليهم، فقيل ~~له: رسل الله بالباب يا ولي الله لا تدخل عليك (2) إلا بإذن يا ولي الله، ~~فقد نلت من الله الرضا وبلغت غاية الملك والمنى (3) . # فتوهم الملائكة وهى قائلة حين أبت حجابك أن تستأذن لهم عليك: إنا رسل ~~الله إليه بهدايا وتحف من عند ربه، فوثبت عند ذلك حجابك تستأذن لهم عليك. # فتوهم أيدي الحجاب وقد مدوا بها إلى حلق الياقوت المفصص بالدر على صفائح ~~الذهب الأحمر، فقرعوا حلق أبواب قصرك، فلما اصطك حلق الياقوت بأبواب قصرك ~~من الدر والزمرد طنت الحلق على الأبواب بأحسن طنين تلذ به الأسماع وتسر (4) ~~به قلوب المستمعين، فلما سمعت الأشجار طنينها تمايلت ثمارها على بعضها بعضا ~~فهبت بذلك أراييح طيبها ونسيمها، ثم (5) أشرقت من قبتك بجمال وجهك وإشراق ~~نورك، فبادرت الحجبة إليك بالقول مسرعة وهى ms31 مع ذلك PageV01P062 # غاضة أبصارها تعظيما لك، ولما رمق أبصارهم من إشراق نور وجهك: يا ولي ~~الله، رسل الله إليك بالباب ومعهم التحف من عند ربك، فرجعت إليهم بالجواب: ~~أن ائذنوا لرسل مولاي، ففتحت الحجبة عند إذنك لهم أبواب قصرك وأنت متكئ، ~~فدخلوا على أريكتك والولدان قد صفوا بين يديك، فأقبلت الملائكة بحسن صورهم ~~والهدايا تلمع وتسطع نورا في أيديهم، فدخلوا عليك من أبواب متفرقة لينجز لك ~~ربك ما وعدك من كل باب، سلام عليك، فبادروا بالسلام عليكم بحسن نغماتهم من ~~كل أبوابك، ثم أتبعوا تسليمهم: يا ولي الله إن ربك يقول: عليك السلام، وقد ~~أرسل إليك بهذه الهدايا والتحف. # فتوهم سرور قلبك بتحف ربك ولطفه (1) إياك حتى إذا خرجوا من عندك أقبلت ~~على نعمتك مع زوجتك قد حار فيها طرفك، واشتد بها سرورك. # فبينا أنت معها في غاية السرور والحبور إذا أتى (2) النداء بأحسن نغمة ~~وأحلى (3) كلام من بعض ما أعد الله من أزواجك: يا ولي الله أما لنا منك ~~دولة؟ أما آن لك أن PageV01P063 # تنظر إلينا؟ فلما امتلأت (1) مسامعك من حسن كلامها طار قلبك عشقا لحسن ~~نغمتها فأجببتها (2) : ومن أنت بارك الله فيك؟ فردت الجواب إليك: أنا من ~~اللواتي قال الله عز وجل {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} (3) . # فتوهم وثوبك من سريرك إلى صحن قبتك، ثم مشيت مع ولدانك وخدمك، ووفد (4) ~~ولدانها وخدامها يستقبلونك، واستقبلوك ومشوا بين يديك حتى أتيت قبة من ~~ياقوتة حمراء في قصر من در وياقوت، فلما دنوت من باب قصرها قامت قهارمتك ~~وخدامك رافعي ستور قصرك، فدخلته ممتلئا سرورا. # فتوهم باب القصر وحسن الستر وحسن الحجاب والقهارمة والخدام، ثم دخلت قصرك ~~الذي نادتك منه زوجتك، فلما دخلت من بابه وقع بصرك على حسن جدرانه من ~~الزمرد الأخضر، وحسن رياضه، وبهجة بنائه، وإشراق عرصاته، ونظرت إلى قبتك ~~التي فيها زوجتك يتلألأ نور القبة نورا وضوءا وإشراقا بنور وجهك ونور وجه ~~زوجتك، فلما نظرت إليك، نظرت من فرش الحرير والإستبرق والأرجوان، فنزلت عن ms32 ~~سريرها مبادرة، قد استخفها شدة PageV01P064 # الشوق إليك، وأزعجها العشق، فاستقبلتك بالترحيب والتبجيل، ثم عطفت عليك ~~لمعانقتك. # 29*- وكذلك روى أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن ~~الحوراء تستقبل ولي الله فتصافحه " (1) . # فتوهم مجسة لين كفها بحسنها وخواتمها في كفك، وقد شخصت كالمبهوت تعجبا من ~~حسن وجهها ونعيم جسمها وتلألؤ (2) النور من عوارضها، ثم وضعت كفها في كفك ~~حتى أتيتما سريرك مضروبة عليه أريكتك، فارتقيتما جميعا على أريكتك، وأسدلت ~~عليك جلال حجلتك، وعانقت على فرشها زوجتك، فمضت بك الأزمنة الطويلة. ثم ~~أقبلت الولدان (3) بالكاسات والأكواب، فاصطفت قبالتكما، ثم أدرتما الكأس ~~فيما بينكما. # فبينا أنتما قد ملئتما فرحا وسرورا إذ نادتك أخرى من قصر من قصورك: يا ~~ولي الله أما لنا منك دولة؟ أما آن لك أن تشتاق إلينا؟ فأجبتها: ومن أنت ~~بارك الله فيك؟ فرجعت إليك القول: أنا من اللواتي قال الله جل عز {ولدينا ~~مزيد} (4) ، فتحولت إليها، وأنت تنتقل فيما بين أزواجك في قصورك وخدامك ~~وولدانك، في غاية النعيم وكمال السرور، وقد زحزحت عنك كل آفة، وأزيل عنك كل ~~نقص، وطهرت من PageV01P065 # كل دنس، وأمنت فيها الفراق، لأن الله تعالى قد قصد قلبك فقال للهموم: ~~زولي عنه فلا تخطري له أبدا، وقال للسرور: تمكن فيه فلا تزول منه أبدا، ~~وقال للأسقام: زولي عن جسمه فلا تعرضي (1) له أبدا، وقال للصحة: أقيمي في ~~بدنه فلا تبرحي أبدا، وذبح الموت وأنت تنظر إليه، فأمنت الموت فلا تخافه ~~أبدا، ولا زوال ترتقبه، ولا سقم يعتريك أبدا، ولا موت يعرض لك أبدا، قد ~~منحت جوار ربك، ترفل في أذيالك، لا تخاف سخطه أبدا بعد رضاه (2) عنك، فلا ~~تخاف نقمه فيما تتقلب فيه من نعيمه، وأنت عالم بأن الله عز وجل محب لك ~~مسرور بك وبما تتقلب فيه من سرورك، فأعظم بدار الله دارا، وأعظم بجوار الله ~~جوارا (3) ، فالعرش قد أظلك بظله، والملائكة تختلف إليك بالألطاف من عند ~~ربك في حياة لا يزيلها موت، ونعيم لا تخاف له فوتا، آمنا من عذاب ربك، ms33 قد ~~أيقنت برضاه (4) عنك، ووجدت برد عفوه في قلبك، مقيما دائما في الخلود مع ~~الأمان (5) لنوائب الدهر وحوادث الأزمان لك (6) # ولجميع أوليائه، متحدثا بجمعهم تحت ظل طوبى (7) . # فبينا أولياؤه وأنت فيهم تحت ظل طوبى يتحدثون، إذ أمر الله مناديا من ~~ملائكته فنادى (8) أولياءه لينجز لأوليائه ما وعدهم من غاية PageV01P066 # كرامته وعظيم مسرته، بأن يقربهم منه ويناجيهم بترحيبه ويريهم وجهه ~~الكريم، ليبلغوا بذلك أشرف المنازل وغاية السرور ومنتهى الرغبة، فلم تشعر ~~ألا ونداء الملك: أن يا أهل الجنة إن لكم عند الله لموعدا لم تروه، فيرجعون ~~إليه القول استعظاما لما أعطوا، فإنه لا عطية فوق ما أعطوا بعد ذلك، أدخلوا ~~في جواره وأمنوا من عذابه، وأنت قائلها معهم: ألم ينضر وجوهنا؟ ألم يدخلنا ~~الجنة؟ ألم يزحزحنا عن النار؟ فناداهم أن الله يستزيركم فزوروه. # فبينا هم كذلك وقد كادت قلوبهم أن تطير بأرواحهم في أبدانهم فرحا وسرورا، ~~إذا أقبلت الملائكة يقودون نجائب بخت خلقت من الياقوت، ثم نفخ فيها الروح، ~~مزمومة بسلاسل من ذهب كأن وجوههم المصابيح نضارة وحسنا، لا تروث ولا تبول، ~~ذوات أجنحة قد علاها خز من خز الجنة أحمر، ومرعز (1) من مرعزها أبيض مشرق ~~في بياضه على ظهرها خطان حمرة في بياض على هيئة وتر النجائب في الدنيا، لم ~~ينظر الخلائق إلى مثله وحسن لونه. # فتوهم حسن تلك النجائب وحسن صورها، نجائب من PageV01P067 # ياقوت الجنة في حمرته وصفائه، وإشراق نوره وتلألؤه، حين يمشي في تحركه. # فتوهمها بحسنها وحسن وجوه الملائكة وحسن أزمتها بسلاسل من ذهب الجنان، ~~وهى تقودها وتقبل بها إلى أولياء الله وأنت فيهم، معتدلة في خببها بحسن ~~سيرها، لأنها نجب خلقت على حسن السير من غير تعليم من العباد، فهى نجب من ~~غير رياضة، ذلل بسلاسلها، منقادة من غير مهنة. # فتوهم إقبال الملائكة بها إليهم، حتى إذا دنوا من أوليائه أناخوها، فتوهم ~~بروكها في حسنها وهيئة خلقها، وقلبك عارف أنك ستركب بعضها إلى ربك منطلقا ~~في الزائرين (1) له. فلما أناخوها فبركت على كثبان المسك من رياض الزعفران ms34 ~~تحت طوبى ومستراح العابدين، أقبلت الملائكة على أولياء الله فقالوا بحسن ~~نغماتهم: يا أولياء الرحمن، إن الله ربكم يقرئكم السلام ويستزيركم فزوروه، ~~لينظر إليكم وتنظروا إليه ويكلمكم وتكلموه، ويحييكم وتحيوه، ويزيدكم من ~~فضله ورحمته، إنه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم. فلما سمعها أولياء الله، ~~وسمعتها معهم وثبوا مسارعين إلى ركوبها، حبا وشوقا إلى ربهم. # فتوهم سرعة توثبهم، وأنت معهم، بحسن PageV01P068 # وجوههم ونورها وإشراقها، سرورا بقرب ربهم ورؤية حبيبهم. # فتوهم هيبتهم حين رفعوا أيمان أرجلهم إلى ركب الياقوت والزمرد والدر. # فتوهم حسن أقدامهم ونعيمها، إنها (1) أقدام غيرت عن خلقها فأكسيت في ~~الحسن بخلاف ما كانت عليه في دار الدنيا، ثم أكنها الله في جنته من كل آفة ~~فغير خلقتها متخضبة، لها أحقاب الدهور في كثبان المسك ورياض الزعفران. # فتوهم حسن نورها وقد رفعها أولياء الله ركب الياقوت والدر، فتوهمها ~~بحسنها في أحسن ركب نجائب الجنان، ثم ثنوا من غير عنف ولا مشقة حتى استووا ~~على رحائل من الدر والياقوت مفضضة بالعبقري والأرجوان، فيا حسن بياض الدر ~~في حمرة الأرجوان. فلما استووا عليها، واستويت على نجيبك معهم، أثاروا ~~نجائبهم فثارت، فثار عجاج المسك لوثوبها علا (2) ذلك ثيابهم وجمامهم، ثم ~~استوت النجائب صفا واحدا معتدلا فصاروا موكبا معتدلا لا عوج فيه، ولا يتقدم ~~بعضها بعضا، فأعظم به من موكب، وأعظم به من ركبان. # فتوهم امتداد صفهم في اعتداله واصطفاف وجوههم معتدلة في اصطفافها، وعلى ~~جباههم PageV01P069 # الأكاليل، من فوق رؤوسهم (1) تيجان من الدر والياقوت. فما ظنك باجتماع ~~وجوه أهل الجنان كلها، عليهم الأكاليل والتيجان مصطفة متحاذية؟ فما ظنك ~~بأكثر من ألف ألف ألف، وما تقدر القلوب على إحصاء عدده من تيحان الدر ~~والياقوت مطنطنة على وجوههم نضرة ضاحكة فرحة مستبشرة. # فلو توهمت هذا الموكب بنجائبه واعتدال ركبانه واصطفاف تيجانه على وجوه ~~أولياء الله المشرقة الناعمة من تحته، ثم رهقت نفسك اشتياقا لكنت لذلك ~~حقيقا، ولكنت به حريا إن عقلت ذلك شوقا من قلبك إيقانا بإنجاز ما وعد به ~~ربك أولياءه. فلما اعتدل الصف واصطفت ms35 التيجان تبادروا بينهم: سيروا إلى ~~ربنا. # فتوهم النجائب حين أخذت في السير بأخفاف من الياقوت سيرا واحدا بخط (2) ~~واحد لا يتقدم بعضها بعضا، تهتز أجسام أولياء الله عليها من نعيمها، ~~وأكتافهم متحاذية في سيرهم، وأخفاف رواحلهم وركبها متحاذية في خببها، ~~فانطلقوا كذلك تثير رواحلهم المسك بأخفافها، وتهتز رياض الزعفران بأرجلها، ~~فلما دنوا من أشجار PageV01P070 # الجنة رمت الأشجار إليهم من ثمارها فصارت الثمار، وهم يسيرون، في أيديهم، ~~فيا حسن تلك الثمار في أكفهم، وتزحزحت وتنحت الأشجار عن طريقهم لما ألهمها ~~مولاها أن لا يتثلم صفهم فيتعرج بعد استوائه، ويختلف بعد اعتداله، ويفرق ~~بين ولي الله ورفيقه، لأنهم رفقاء في الجنان لتحابهم في الدنيا في ربهم، ~~فالرفقاء مشهورون، كل رفيقين قد شهرا بالمرافقة، وجعل زيهما ولباسهما لونا ~~واحدا، ولون رواحلهما (1) لونا واحدا. # فتوهم نفسك إذ من عليك ربك، وأنت لاصق برفيقك، منكبك بمنكبه، وقد دنوتما ~~من أشجار الجنة فنفضت ثمرها فوقعت الثمار في أيديكما (2) وأيدي أولياء ~~الرحمن، ثم تنحت بأصولها عن طريقهم، فهم يسيرون فرحين، وقد شخصت قلوبهم ~~بالتعلق إلى نظر حبيبهم، فهم يسيرون بالسرور ويلتفت بعضهم إلى بعض ~~يتحادثون، ويضحك بعضهم إلى بعض، يتداعبون في سيرهم، يحمدون ربهم على ما ~~صدقهم، وعلى ما أباح لهم من جواره. فبينا هم في سيرهم إذ دنوا من عرش ربهم، ~~وعاينوا أحسن حجبه PageV01P071 # ونوره، واستحثوا السير شوقا وحبا وفرحا به. # فتوهم نجائبهم تطير في سيرها باعتدال موكبهم وإشراق وجوههم، والملائكة قد ~~أحدقت بالنجائب تزفهم زفا إلى ربهم، حتى انتهوا إلى صفحة عرش مولاهم، فتوهم ~~سعة تلك الصفحة وحسن نورها ببهجتها وزهرتها، وقد وضعت الزرابي والنمارق على ~~كثبان المسك، وعرف كل فتى (1) منهم ما أعد له، والكراسي لأهل صفوته من ~~عباده، وأحبائه من خلقه، لما دنوا إلى ما أعد لهم من المنابر والكراسي ~~والزرابي والنمارق، فثنى رجله الحسنة من الركاب إلى منبر أو كرسي أو ~~[زربية] (2) . # فتوهم تثنيهم أرجلهم إلى كراسيهم، حتى استووا عليها، فتوهم نعيم تلك ~~الأفخاذ والأوراك المرتفعة على الكراسي بالدر والياقوت، فأعظم به ms36 من مقعد ~~وأعظم بولي الله متربعا. # فلما أخذ القوم مجالسهم، واطمأنوا في مقعدهم، والحجب تسطع نورها، فيا لذه ~~أعينهم وقد أصغوا بمسامعهم منتظرين لاستماع الكلام من حبيبهم. # فتوهم في مقعدهم الصدق الذي وعدهم مولاهم ومليكهم في القرب منه على قدر ~~(3) منازلهم، فهم في القرب منه على قدر (4) مراتبهم، فالمحبون له أقربهم ~~إليه قربا PageV01P072 # إذ كانوا له في الدنيا أشد حبا، وأقرب إلى عرشه منهم القائمون بحجته عند ~~خلقه، ثم الأنبياء عليهم السلام، ثم الصديقون على قدر ذلك في القرب من ~~العزيز الرحيم، فأعظم به من مزور، وجل وتكبر من مزور. # فتوهم مجلسهم بحسن كرامتهم وجمال وجوههم (1) وإشراقها، لما رهقها نور ~~عرشه عز وجل وإشراق حجبه (2) فلو صح لك عقلك ثم توهمت مجلسهم وإشراق ~~كراسيهم ومنابرهم وما ينتظرون من رؤية ربهم، ثم طار روحك شوقا إليه، لكنت ~~بذلك حقيقا. فما أعظم ذلك عند عاقل عن الله، مشتاق إلى ربه ورؤيته. # فتوهم ذلك بعقل فارغ لعل نفسك أن تسخى (3) بقطع كل قاطع يقطعك عنه، وترك ~~كل سبب يشغلك عن التقرب فيه إلى ربك. # فلما استوى بهم المجلس واطمأن بهم المقعد، وضعت لهم الموائد ليكرم الله ~~عز وجل زواره بالإطعام والتفكيه لهم، ووضعت الموائد لزوار الله عز وجل ~~وأحبائه من خلقه، قامت الملائكة [على] (4) رؤوسهم (5) معظمين لزوار الرحمن، ~~فوضعت الصحاف من الذهب فيها الأطعمة وطرائف PageV01P073 # الفاكهة مما لم يحسنوا أن يتمنوا، فقدموا أيديهم مسرورين بإكرام ربهم ~~لهم، لأن حقا على كل مزور أن يكرم زائره، فكيف بالمزور الكريم الواحد ~~الجواد الماجد العظيم؟ . # فتوهم وهم يأكلون فرحين مستبشرين بإكرام مولاهم لهم، حتى إذا فرغوا من ~~أكلهم قال الجليل لملائكته: اسقوهم. فأتتهم الملائكة، لا الخدام والولدان، ~~بأكواب الدر وكؤوس (1) الياقوت، فيها الخمر والعسل والماء والألبان. # فتوهم تلك الكأسات وتلك الأكواب بأيدي ملائكة الرحمن، فناولوها أولياء ~~الله فشربوها، فبان أثر حسن الشراب في وجوه الزوار. فلما سقتهم الملائكة ما ~~أمرهم الله به من الأشربة، قال الجليل: اكسوا أوليائي. # فتوهم الملائكة، وقد جاءت بالحلل التي لم يلبسوا ms37 في الجنة مثلها، ثم ~~قاموا على رؤوسهم (2) فألبسوها أهل كرامة الله ورضوانه. # فتوهم وقد صيروها (3) من فوق رؤوسهم حتى صارت على أقدامهم، فأشرقت بحسنها ~~وجوههم. ثم أمر الجليل تبارك وتعالى أن طيبوهم، فارتفعت السحاب بحسنها وشدة ~~ضيائها ونورها لحمل ألوان الطيب من المسك وجميع طيب الجنان، ما لم يجدوا ~~مثل رائحته. # فتوهمها PageV01P074 # تمطر عليهم، والطيب يتساقط عليهم مطرا حتى علا جباههم وثيابهم. # فلما أكلوا وشربوا، وخلعت الملائكة الخلع [وطيب] (1) مطر السحاب، شخصت ~~أبصارهم وتعلقت قلوبهم، ثم رفع الحجب. فبينا هم في ذلك إذ رفعت الحجب، فبدا ~~لهم ربهم بكماله، فلما نظروا إليه وإلى ما لم يحسنوا أن يتوهموه ولا يحسنون ~~ذلك أبدا لأنه القديم الذي لا يشبهه شيء من خلقه، فلما نظروا إليه ناداهم ~~حبيبهم بالترحيب منهم وقال لهم: مرحبا بعبادي، فلما سمعوا كلام الله بجلاله ~~وحسنه غلب على قلوبهم من الفرح والسرور ما لم يجدوا مثله في الدنيا ولا في ~~الجنة، لأنهم يسمعون (2) كلام من لا يشبه شيئا من الأشياء. # فتوهمهم وقد أطرقوا وأصغوا بمسامعهم لاستماع كلامه، وقد علا وجوههم نور ~~السرور لكلام حبيبهم وقرير أعينهم. # فلو توهمت نفسك وقد سمعت قول الله لأوليائه مرحبا بهم، ثم طار روحك فرحا ~~به وحبا له لكان ذلك منه حقيرا وصغيرا عندما توهمته من نفسك عند استماع ~~كلامه. فحياهم بالسلام فردوا عليه: أنت السلام ومنك السلام ولك حق الجلال ~~والإكرام. فمرحبا بعبادي وزواري وخيرتي من خلقي، الذين PageV01P075 # رعوا عهدي، وحفظوا وصيتي، وخافوني في الغيب، وقاموا مني على كل حال ~~مشفقين، وقد رأيت الجهد منهم في أبدانهم (1) أثرة لرضاي عنهم قد رأيت ما ~~صنع بكم أهل زمانكم، فلم يمنعكم جفاء الناس عن حقي، تمنوا علي ما شئتم. # فلو رأيتهم وقد سمعوا ذلك من حبيبهم يذكرهم ما كانوا عليه في دنياهم من ~~رعاية عهده وحفظه ودوام خوفهم منه، وقد استطاروا فرحا لما شكر لهم رعايتهم ~~حقه، وحفظ منهم خوفهم، ورحب بهم محبة لهم، إذ كانوا بذلك إياه في الدنيا ~~يعبدونه، استطارت قلوبهم فرحا وسرورا ms38 إذ لم يفرطوا في طاعته، ولم يقصروا في ~~مخافته، فاغتبطوا لما كانوا به لله في الدنيا يدينون من شدة خوفهم ورعاية ~~حقه وحفظه، فردوا إليه (2) الجواب مع سرور قلوبهم بالقسم لعظمته وجلاله، ~~أنهم قد قصروا عما كان يحق له عليهم إعظماما له واستكثارا، إذ أثابهم جنته ~~وأكرمهم بزيارته وقربه واستماع كلامه، فقالوا عند ذلك: وعزتك وجلالك (3) ~~وعظمتك وارتفاع مكانك ما قدرناك حق قدرك، ولا أدينا إليك كل حقك، فائذن لنا ~~بالسجود، فقال لهم ربهم: إني قد وضعت عنكم مؤونة العبادة وأرحت لكم ~~أبدانكم، PageV01P076 # فطالما أتعبتم الأبدان وأخضعتم لي الوجوه، فالآن أفضتم إلى كرامتي ~~ورحمتي، فتمنوا علي ما شئتم. # وفي بعض الحديث أنهم إذا نظروا إليه خروا (1) ، فيناديهم بكلامه تبارك ~~(2) وتعالى: ارفعوا رؤوسكم (3) ، ليس هذا حين عمل، هذا حين سرور ونظر. # فتوهم بعقلك نور وجوههم وما يداخلهم من السرور والفرح، حين عاينوا ~~مليكهم، وسمعوا كلام حبيبهم، وأنيس قلوبهم، وقرة أعينهم، ورضا أفئدتهم، ~~وسكن أنفسهم، فرفعوا رؤوسهم (4) من سجودهم، فنظروا إلى من لا يشبهه شيء ~~بأبصارهم، فبلغوا بذلك غاية الكرامة ومنتهى (5) الرضا والرفعة. # فما ظنك بنظرهم إلى العزيز الجليل، الذي لا يقع عليه الأوهام، ولا يحيط ~~به الأذهان، ولا تكفيه الفكر، ولا تحده الفطن، الذي لا تأويه الأرحام، ولم ~~تنقله الأصلاب، ولا يبدو (6) فيكون مطبوعا منتقلا، الأزلي القديم، الذي ~~حارت العقول عن إدراكه، فكلت الألسنة عن تمثيله بصفاته، فهو المنفرد بذاته ~~عن شبه الذوات، المتعالي بجلاله على مساواة المخلوقين، فسبحانه لا شيء ~~يعادله، ولا شريك يشاركه، ولا شيء يريده فيستصعب عليه أو يعجزه إنشاؤه، ~~استسلم PageV01P077 # لعظمته الجبارون، وذل لقضائه الأولون والآخرون، نفذ في الأشياء علمه بما ~~كان وبما لا يكون، (وبما لو كان كيف كان يكون (1) ، فأحاط بالأشياء علما، ~~وسمع أصواتها سمعا، وأدرك أشخاصها [ ### | ....... # ] (2) ونفذ فيها إرادته، وأمضى (3) فيها مشيئته، فهي مدبرة [ ### | ..... # ] (4) . وقربها اختراعا فكانت عن إرادته، لم يتقدم منها شيء قبل وقته ~~الذي أراد فيه كونه، [ولم] (5) يتأخر فيه عن نهيه، وكيف يستصعب عليه من لم ~~يكن شيئا مذكورا حتى كونه ms39 سبحانه الواحد القهار. # فلما سر أولياء الله برؤيته وأكرمهم بقربه، ونعم قلوبهم بمناجاته واستماع ~~كلامه، أذن لهم بالانصراف إلى ما أعد لهم من كرامته ونعيمهم ولذاتهم، ~~فانصرفوا على خيل الدر والياقوت، على الأسرة فوقها الحجال، ترف وتطير في ~~رياض الجنان. # فما ظنك بوجوه نظرت إلى الله عز وجل وسمعت كلامه كيف ضاعف حسنها وجمالها؟ ~~وزاد ذلك في أشراقها ونورها، فلم تزل في مسيرها حتى أشرفت على قصورها. # فلما بدت لخدامها وقهارمتها وولدانها بادر كل واحد منهم خدامه وقهارمته ~~وولدانه PageV01P078 # مستقبلة من أبواب قصوره حتى أحدقوا به يزفونه إلى قصوره وخيامه، فلما دنا ~~من باب قصره (1) وخيامه قامت الحجاب رافعي ستور أبواب قصره معظمين مجلين ~~له، وبادرت إليه أزواجه، فلما نظرت زوجته إلى جمال وجهه قد ضوعف في حسنه ~~وإشراقه ونوره، ازدادت له حبا وعشقا، وأشرقت قصوره وقبابه وخيامه وأزواجه ~~من نور وجهه وجماله، وازدادت أزواجه حسنا وجمالا ووجاهة وحشمة، ثم نزلوا عن ~~خيولهم إلى صحون قصورهم، ثم اطمأنوا على فرشهم وعادوا إلى نعيمهم. # واشتاقوا إلى منادمة إخوانهم، فركبوا النجائب والخيل عليها يتزاورون، حتى ~~التقوا على أنهار الجنة (2) ففرشت لهم نمارق الجنان (3) وزاربيها على كثبان ~~المسك والكافور، وتقابل الإخوان على السرور والشراب، فقامت الولدان ~~بالكأسات والأباريق والأكواب يغترفون من أنهار الجنة، أنهارهم الخمر ~~والسلسبيل والتسنيم. # فلما أخذت الولدان الكأسات واغترفوا ليسقوا أولياء الرحمن، لم يشعروا إلا ~~بنداء الله عز وجل: يا أوليائي طالما رأيتكم في الدنيا وقد ذبلت شفاهكم، ~~ويبست حلوقكم من العطش، فتعاطوا اليوم الكأس فيما PageV01P079 # بينكم، وعودوا في نعيمكم، فكلوا واشربوا هنيئا مريئا بما أسلفتم في ~~الأيام الخالية. فلا يقدر الخلائق أن (1) يصفوا سرور قلوبهم حين سمعوا كلام ~~مولاهم يذكر أعمالهم شكرا منه لهم، وغبطة منه لهم، لما ناداهم إلى (2) ~~معاطاة الكأس للمنادمة بينهم بعد معرفتهم في الدنيا [ ### | ..... # ] (3) منادمة أهل الدنيا على خمورهم. فلو رأيت وجوههم (4) وقد أشرقت ~~بسرور كلام مولاهم واغتباطه لما ذكرهم أعمالهم الصالحة من صيامهم، وتركهم ~~منادمة أهل الدنيا لمرضاته، وما عوضهم من المنادمة في جواره، ms40 وما أيقنوا به ~~من سرورهم بمنادمتهم على الخمر والعسل والألبان، فأعظم به من مجلس، وأعظم ~~به من جمع، وأعظم به من منادمين في جوار الرحمن الرحيم. # فكن إلى ربك مشتاقا وإليه متحببا، ولما حال بينك وبينه قاطعا وعنه معرضا، ~~وابتهل في الطلب إلى الله بفضله وإحسانه أن لا يقطع بك عنهم. # وبالله التوفيق وإليه المصير، والجنة مثوى المؤمنين، وثواب المتقين، ~~وسرور المحزونين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### | تم كتاب (التوهم) بحمد الله # وصلى الله على محمد النبي وعلى آله أجمعين # اللهم وفق لمن كتبه و ### | ........ # (5) PageV01P080 ms41