######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | العدل والتوحيد PageV01P581 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله على ما أسبغ علينا من نعمه ، ومن علينا من إحسانه وكرمه ، وبين ~~لنا من الهدى ، وأنقذنا من الضلالة والردى ، بإقامة حججه ، وتواتر رسله ، ~~صلوات الله عليهم ، ومحكم آياته ، وتفصيل بيناته ، رحمة لعباده ، ودعاء لهم ~~إلى ثوابه ، وإخراجا لهم من عقابه : ( @QUR@06 لئلا يكون للناس على الله ~~حجة ) [النساء : 165]. و ( @QUR@014 ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة وإن الله لسميع عليم ) [الأنفال : 41]. ### | [عقائد يجب الإيمان بها] # أما بعد : فإن الذي يجب على العبد أن يكون عاملا بطاعة الله ، التي لا ~~يقبل الله عز وجل غيرها من طاعته إلا بأدائها ، ولا يكون مؤمنا حتى يفعلها. # أن يؤمن بالله وحده لا شريك له ، ولا يتخذ معه إلها ، ولا من دونه ربا ~~ولا وليا ، وأن يؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله ، والبعث بعد الموت ، ~~وبالحساب والجنة والنار ، وبالجزاء بالأعمال ، وأن الآخرة هي دار القرار ، ~~لا ينقطع ثوابها ، ولا يبيد عقابها ، ولا يموت فيها أهلها ، وهم في جزائهم ~~خالدون. ويؤمن بوعد الله جل ثناؤه ووعيده ، وأخباره ، وكل ما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، مما أمر به ونهى عنه صلوات الله عليه من العمل ~~بالمفروض بطاعة الله ، والاجتناب لمعاصي الله ، والولاية لأوليائه ، ~~والمعاداة لأعدائه ، والرضى بقضاء الله ، والتسليم لأمر الله. فإذا فعل ذلك ~~كان مؤمنا ، مسلما محسنا ، من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ### | [التوحيد] # ولا يكون العبد مؤمنا حتى يعلم أنه مخلوق مرزوق ، وأنه ذليل مقهور ، وأن ~~له خالقا قديما ، عزيزا حكيما ، ليس كمثله شيء في وجه من الوجوه ، ولا معنى ~~من المعاني ، وأن ما سواه من الأشياء كلها من عرشه ، وملائكته ، ورسله ، ~~وسماواته ، وأرضه ، PageV01P583 # وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ، مما أخرجه الله جل ثناؤه ، من تمكين ~~العباد وأفعالهم ، لم يجعل لأحد عليه قدرة ولا استطاعة ، ولا عند أحد منهم ~~معرفة في شيء من بدو ذلك وإنشائه ، ومن أعمل منهم فكره ليبلغ معرفة شيء من ~~ذلك بقي حسيرا ، منقطعا مبهورا ms01 ، ولا جعل إلى أحد في شيء منه سبيلا ، ولا ~~جعل لأحد فيه محمدة ولا ذما ، لأنه جل ثناؤه لم يستعن على إنشاء ما أنشأ ~~بأحد ، ولم يشاركه في ملكه أحد ، ولم يؤامر في تدبيره أحدا ، فهو الواحد ~~الأحد ، الذي لا من شيء كان ، ولا من شيء خلق ما كان. # فهو الدائم بلا أمد ، الأول الذي ليس قبله شيء ، والآخر الذي ليس بعده ~~شيء : ( @QUR@09 هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3)) ~~[الحديد : 3]. # وجميع ما أدركته ببصرك ووهمك ، ووقع عليه شيء من حواسك ، أو كيفته ~~بتقديرك ، أو حددته بتمثيلك ، أو شبهته بتشبيهك ، أو وقت له وقتا ، أو حددت ~~له حدا ، أو عرفت له أولا ، أو وصفت له آخرا ، فهو محدث مخلوق ، والله ~~تبارك وتعالى خالق الأشياء ، لا من شيء خلقها ، ولا على مثال صورها ، بل ~~أنشأها وابتدأها ، فدبرها بأحكم تدبير ، وقدرها بأحسن تقدير. # فهو جل ثناؤه ، لا يشبه الخلق ولا يشبهه الخلق ، لأنه الخلاق الذي : ( ~~@QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [الشورى : 11]. لم يخص بذلك ~~شيئا دون شيء ، بل عم الأشياء كلها ، ما كان منها وما يكون ، فلا شبيه له ~~ولا عديل ، لا الضياء ولا الأنوار ، ولا الظلمات ولا النار. وذلك أن النور ~~والظلمة مخلوقان محدثان ، يوجدان ويعدمان ، ويقبلان ويدبران ، ويذهبان ~~ويجيئان ، ويوصفان ويحدان. والخالق جل ثناؤه ليس كذلك ، لأن الخالق جل وعز ~~قديم لم يزل ، والمخلوق لم يكن ، فآثار الصنعة في المخلوق بينة ، وأعلام ~~التدبير قائمة ، والعجز فيه ظاهر ، والحاجة له لازمة ، والآفات به نازلة ، ~~فأنت تراه مرة ماثلا ، ومرة آفلا زائلا. # فلما كانت هذه صفة كل مخلوق ، ولم يجز أن تضاف صفة المخلوق إلى الخالق عز ~~وجهه ، لأن الخالق لا يكون في صفة المخلوق ، تبارك وتعالى الخالق أن يكون ~~له شبه البشر ، هو الحامد نفسه قبل أن يحمده أحد من خلقه. فقال تبارك ~~وتعالى : ( @QUR@012 الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا PageV01P584 # @QUR@02 بربهم يعدلون (1)) [الأنعام : 1]. يقول جل ثناؤه إن الكفار ~~عبدوا إلها غير الله ms02 ، فقالوا هو ضياء ونور ، ومن جنسه النار والنور ، ~~وجعلوا معه إلها آخر ، فقالوا : هو ظلمة ومن جنسه كل ظلمة. فعدلوا بالله جل ~~ثناؤه حين شبهوه بالأنوار ، وجعلوا معه آلهة من الظلمات ، فأكذبهم الله جل ~~ثناؤه إذ قال : ( @QUR@03 وجعل الظلمات والنور ). تكذيبا لهم إذ شبهوه ~~وعدلوا به ، وأكذب جل ثناؤه الذين شبهوه بالإنس من اليهود وغيرهم من ~~المشركين ، جهلا به وجرأة عليه ، فقال جل ثناؤه مع ما بين لهم في عقولهم من ~~وحدانيته ، ونفى شبه الخلق عند ما يرون من أدلته وأعلامه ، التي تدعوهم إلى ~~معرفته وتوحيده ، من خلق السماوات والأرض ، وما فيهما وما بينهما ، ومن ~~أنفسهم لو أحسنوا النظر ، وأعملوا في ذلك الفكر ، فقال جل ثناؤه : ( ~~@QUR@04 قل هو الله أحد (1) @QUR@02 الله الصمد (2) @QUR@04 لم يلد ولم ~~يولد (3) @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد (4)) [الإخلاص : 1 4]. وقال : ( ~~@QUR@03 ليس كمثله شيء ). وقال : ( @QUR@025 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا ) [المجادلة : 7]. # كذلك الله عز وجل شاهد كل نجوى ، عالم السر وأخفى ، قريب لا بمجاورة ، ~~بعيد لا بمفارقة ، شاهد كل غائب ، آخذ بناصية كل دابة ، وعليه رزقها ويعلم ~~مستقرها ومستودعها ، أقرب إلينا من حبل الوريد ، وخائل بيننا وبين قلوبنا ~~(1) لا بتحديد ، وهو مع قربه منا مدبر السماوات العلى ، وشاهد الأرضين ~~السفلى ، وعليم بما فيهن وما بينهن وما تحت الثرى ، وهو على العرش استوى ، ~~وهو مع كل نجوى ، وهو في ذلك لا كشيء من الأشياء. ### | [أسباب وعلل التشبيه] # ولقد ضل قوم ممن ينتحل الإسلام من المشبهة الملحدين ، الذين شبهوا الله ~~عز ذكره بخلقه ، وزعموا أنه على صورة الإنسان ، (2) وأنه جسم محدود ، وشبح ~~مشهود ، PageV01P585 # واعتلوا بآيات من الكتاب متشابهات ، حرفوها بالتأويل ، ونقضوا بها ~~التنزيل ، كما حرف من كان قبلهم من اليهود والنصارى كلام الله عن مواضعه ، ~~وبأحاديث افتعلها الضلال ، من بغاة الإسلام ، فحملها عنهم الجهال. فيها ~~الإلحاد والكفر بالله ، وأحاديث لم يعرفوا حسن تأويلها ، (1) ولم يعنوا ~~بتصحيحها ، (2) فضلوا وأضلوا كثيرا ms03 وضلوا عن سواء السبيل. ### | [الرؤية] # فكأنما تأولوا قول الله عز وجل : ( @QUR@03 وجوه يومئذ ناضرة (22) @QUR@03 ~~إلى ربها ناظرة (23)) [القيامة : 22 23]. فقالوا إن الله عز وجل يرى ~~بالأبصار في الآخرة ، وينظر إليه جهرة ، خلافا لقول الله جل ثناؤه : ( ~~@QUR@06 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) [الأنعام : 103]. (3) جهلا ~~بمعاني الآية وتأويلها. # أخرجه الطبراني في الكبير 12 / 340 (01358)، وابن أبي عاصم في السنة / ~~229. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. سبحان رب العزة عما يصفون. # «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بأعرابي وهو يدعو في صلاته وهو يقول : # «يا من لا تراه العيون ، ولا تخالطه الظنون ، ولا يصفه الواصفون ، ولا ~~تغيره الحوادث ولا يخشى الدوائر ، يعلم مثاقيل الجبال ، ومكاييل البحار ، ~~وعدد قطر الأمطار ، وعدد ورق الأشجار ، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه ~~النهار ، وما تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ، ولا بحر ما في قعره ، ولا ~~جبل ما في وعره ، اجعل خير عمري آخره ، وخير عملي خواتيمه ، وخير أيامي يوم ~~ألقاك فيه. # فوكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأعرابي رجلا ، فقال : إذا صلى ~~فائتني به ، فلما صلى أتاه ، وقد كان أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذهب من بعض المعادن ، فلما أتاه الأعرابي وهب له الذهب ، وقال : ممن أنت يا ~~أعرابي؟ قال : من بني عامر بن صعصعة يا رسول الله ، قال : هل تدري لم وهبت ~~لك الذهب؟ قال : للرحم بيننا وبينك يا رسول الله ، قال : إن للرحم حقا ، ولكن PageV01P586 # فأما أهل العلم والإيمان ، ففسروها على غير ما قال أهل التشبيه المنافقون ~~، فقالوا : ( @QUR@03 وجوه يومئذ ناضرة ) يقول : مشرقة حسنة ، ( @QUR@03 ~~إلى ربها ناظرة ) يقول : منتظرة ثوابه وكرامته ورحمته ، (1) وما يأتيهم من ~~خيره وفوائده. وهكذا ذلك في لغات العرب. وبلغاتها ولسانها نزل القرآن ، ~~يقولون : إذا جاء الخصب بعد الجدب : قد نظر الله جل ثناؤه إلى خلقه ، ونظر ~~لعباده. يريدون أنه أتاهم بالفرج والرخاء. ليس يعنون أنه كان لا يراهم ثم ~~صار يراهم. # وقال الله جل ذكره وهو يذكر أهل النار ms04 : ( @QUR@013 لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) [آل عمران : 77]. ~~تأويل ذلك : أنهم لا # قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (10 / 158): رواه الطبراني في ~~الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد أبو عبد الرحمن الأذرمي ~~وهو ثقة. # وأخرج ابن أبي حاتم ، والعقيلي ، وابن عدي ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، ~~عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( لا تدركه ~~الأبصار ). قال : لو أن الإنس والجن والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن ~~فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ( لا تدركه الأبصار ) قال : لا يحيط بها أحد بالله. # وأخرج عبد بن حميد ، وأبو الشيخ ، عن قتادة ( لا تدركه الأبصار ) قال : ~~هو أجل من ذلك وأعظم أن تدركه الأبصار. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار ) يقول : لا يراه شيء وهو يرى الخلائق. الدر المنثور 3 / 335. # أخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله : ( ~~إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب من ربها. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي ~~الله عنه في قوله : ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر منه الثواب. الدر ~~المنثور 8 / 360. # وهو المروي عن علي والحسن وسعيد بن جبير والضحاك. رواه الطوسي في مجمع ~~البيان 6 / 128. PageV01P587 # يرجون من الله جل ثناؤه ثوابا ، ولا يفعل بهم (1) خيرا ، وأهل الجنة ينظر ~~الله إليهم وينظرون إلى الله جل ثناؤه ، ومعنى ذلك أنهم يرجون من الله خيرا ~~، ويأتيهم منه خير ويفعله بهم ، وليس معنى ذلك أنهم ينظرون إليه جهرة ~~بالأبصار ، عز ذو الجلال والإكرام ، وكيف يرونه بالأبصار ، وهو لا محدود ~~ولا ذو أقطار ، كذلك جل ثناؤه لا تدركه الأبصار ، ومن أدركته الأبصار فقد ~~أحاطت به الأقطار ، ومن أحاطت به الأقطار ، كان محتاجا إلى الأماكن ، وكانت ~~محيطة به ، والمحيط أكبر من المحاط به وأقهر بالإحاطة ، فكل من قال إنه ~~ينظر إليه جل ثناؤه على غير ms05 ما وصفنا من انتظار ثوابه وكرامته ، فقد زعم ~~أنه يدرك الخالق ، ومحال أن يدرك المخلوق الخالق جل ثناؤه بشيء من الحواس ، ~~لأنه خارج من معنى كل محسوس وحاس ، فكذلك نفى الموحدون عن الله جل ثناؤه ~~درك الأبصار ، وإحاطة الأقطار ، وحجب الأستار ، فتعالى الله عن صفة ~~المخلوقين ، علوا كبيرا لا إله إلا هو رب العالمين. ### | [شبه المشبهة] # وتأولت أيضا المشبهة قول الله تبارك وتعالى : ( @QUR@02 خلقت بيدي ) [ص : ~~62]. وقوله : ( @QUR@08 والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه ) [الزمر : 67]. وقوله : ( @QUR@05 وجاء ربك والملك صفا صفا (22)) ~~[الفجر : 22]. وقوله : ( @QUR@04 وكلم الله موسى تكليما ) [النساء : 164]. ~~وقوله : ( @QUR@02 سميع بصير ) [الحج / 61 ، لقمان / 28 ، المجادلة / 1]. ~~وقوله : ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) [آل عمران : 28 ، 30]. وقوله: ( ~~@QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88]. ففسروا ذلك على ما توهموا من ~~أنفسهم ، وبأنه عز وجل عندهم في ذلك كله على معنى المخلوقين ، وصفاتهم في ~~هيئاتهم وأفعالهم ، فكفروا بالله العظيم ، وعبدوا غير الله الكريم. # وتأويل ذلك كله عند أهل الإيمان والتوحيد : أن الله عز وجل ليس كمثله شيء ، PageV01P588 # فأما قوله تبارك وتعالى : ( @QUR@02 خلقت بيدي ) [ص : 62]. يعني : بقدرتي ~~وعلمي. يريد أني على ذلك قادر وبه عالم ، توليت ذلك بنفسي لا شريك لي في ~~تدبيري وصنعي ، لا أن قدرتي وعلمي ونفسي غيري ، بل أنا الواحد الذي لا شيء ~~مثلي. وقد بين معنى هذه الآية في آية أخرى ، فقال : ( @QUR@015 إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59)) [آل عمران : ~~59]. وقال جل ذكره : ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون (40)) [النحل : 40] يريد إذا كونا شيئا كان. وقال تبارك وتعالى : ( ~~@QUR@012 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون ~~(71)) [يس : 71]. يقول : مما عملت أنا بنفسي. # وقال جل ثناؤه : ( @QUR@06 بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) [المائدة : ~~58] ، وتأويل ذلك عند أهل العلم : بل نعمتاه مبسوطتان على خلقه ، نعمة ~~الدنيا ونعمة الآخرة. # وقيل في تأويله : بل رزقاه (1) مبسوطان على خلقه ، رزق موسع ، ورزق مضيق ~~، ( @QUR@03 ينفق كيف يشاء ). أي : يفعل من ms06 (2) ذلك ما هو أصلح لعباده. ~~كذلك قال جل ثناؤه : ( @QUR@02 بيده الملك ) [الملك : 1]. يعني : له الملك. ~~وكذلك تقول العرب : الملك بيد فلان. وقد قبض فلان الملك والأرض. وذلك في ~~قبضته وبيمينه. يعنون : في قدرته وملكه. كذلك السماوات والأرض وما بينهما ~~وما فيهما في قبضة الله وبيمينه. يعني : في قدرته وملكوته وسلطانه ، اليوم ~~ويوم القيامة وفي كل وقت. كما قال جل ثناؤه : ( @QUR@03 والأمر يومئذ لله ) ~~[الانفطار : 1]. فالأمر يومئذ واليوم بيده. وقال تبارك وتعالى لمن عصاه وهو ~~يساق إلى النار : ( @QUR@04 ذلك بما قدمت يداك ) [الحج : 10]. و «بما كسبت ~~يداك» (3). يريد : بما كسبت أنت بقولك وفعلك ، ليس يعني : يده دون بدنه ~~وجوارحه. # وقال جل ثناؤه لنبيه ، صلوات الله عليه وعلى أهله : ( @QUR@04 إلا ما ~~ملكت أيمانكم ) [النساء : 24]. يعني : ما ملكتم أنتم ، وتقول العرب : أسلم ~~فلان على يدي فلان. يريدون : PageV01P589 # بقوله وأمره. ويقولون : # ............................... %~% بيد الله أمرنا والفناء (1) # يريدون : بالله عمرنا والفناء. ويقولون : نواصينا بيد الله ، ونحن في ~~قبضة الله. يريدون في هذا كله : أنا في قدرته وملكه ، ليس يذهبون إلى يد ~~كيد الإنسان أو غيره من الخلق. # ومعنى قوله : ( @QUR@05 وجاء ربك والملك صفا صفا (22)) [الفجر : 22]. ~~يقولون : جاء الله جل ثناؤه بآياته العظام في مشاهد القيامة ، وجاء بتلك ~~الزلازل والأهوال ، وجاء بالملائكة الكرام ، فتجلت الظلم ، وانكشفت عن ~~المرتابين البهم ، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. وليس قوله : ( ~~@QUR@02 وجاء ربك ). أنه جاء من مكان ، ولا أنه زائل ولا حائل ، (2) أو ~~منتقل من مكان إلى مكان ، أو جاء من مكان إلى مكان ، تبارك الله وتعالى عن ~~ذلك. بل هو شاهد كل مكان ، ولا يحويه مكان ، وهو عالم كل نجوى ، وحاضر كل ملأ. # كذلك قوله : ( @QUR@010 هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) ~~[البقرة : 210]. كما قال جل ثناؤه : ( @QUR@08 ما ينظرون إلا صيحة واحدة ~~تأخذهم وهم يخصمون (49)) [يس : 49]. وكذلك قال جل ثناؤه : ( @QUR@05 فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد ) [النحل : 26]. وقال : ( @QUR@06 فأتاهم الله من ~~حيث لم يحتسبوا ) [الحشر : 2]. يعني بذلك كله : أنه أتاهم بعذابه وأمره. ~~ليس أنه أتاهم بنفسه ms07 زائلا ، وكان في مكان فكان عنه منتقلا. وكذلك يقول ~~القائل للرجل إذا جاء بأمر عجيب : لقد أتى فلان أمرا عجيبا. يريدون : أنه ~~فعل شيئا أعجبه. فذلك تأويل المجيء من الله جل ثناؤه. لا هو بالانتقال ولا ~~بالزوال ، لأن الزائل مدبر محتاج ، لو لا حاجته إلى الزوال لم يزل. فلذلك ~~نفى الموحدون عن الله جل ثناؤه الزوال والانتقال. PageV01P590 ### | [القرآن كلام الله مخلوق] # وقوله : ( @QUR@04 وكلم الله موسى تكليما ) [النساء : 164]. فذهبت ~~المشبهة إلى أن الله تعالى عما قالوا علوا كبيرا : تكلم بلسان وشفتين ، ~~وخرج الكلام منه كما خرج الكلام من المخلوقين ، فكفروا بالله العظيم حين ~~ذهبوا إلى هذه الصفة. # ومعنى كلامه جل ثناؤه لموسى صلوات الله عليه عند أهل الإيمان والعلم : ~~أنه أنشأ كلاما خلقه كما شاء ، فسمعه موسى صلى الله عليه وفهمه ، وكل مسموع ~~من الله جل ثناؤه فهو مخلوق. لأنه غير الخالق له وإنما ناداه الله جل ثناؤه ~~، فقال : ( @QUR@05 إني أنا الله رب العالمين ) [القصص : 30]. والنداء غير ~~المنادي ، والمنادي بذلك هو الله جل ثناؤه ، والنداء غير الله ، وما كان ~~غير الله مما يعجز عنه الخلائق فمخلوق ، لأنه لم يكن ثم كان بالله وحده لا ~~شريك له. # وكذلك عيسى صلوات الله عليه كلمة الله وروحه ، وهو مخلوق كما قال الله في ~~قوله : ( @QUR@015 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ~~كن فيكون (59)) [آل عمران : 59]. وكذلك قرآن الله وكتب الله كلها ، قال ~~الله جل ثناؤه : ( @QUR@04 إنا جعلناه قرآنا عربيا ) [الزخرف : 3]. يريد : ~~خلقناه. كما قال : ( @QUR@08 خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ) ~~[الزمر : 6]. يقول : خلق منها زوجها. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@09 ما يأتيهم ~~من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه ) [الأنبياء : 2]. وقال تبارك وتعالى : ( ~~@QUR@05 فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ) [القلم : 44]. وقال سبحانه : ( ~~@QUR@04 أو يحدث لهم ذكرا ) [طه : 99]. فكل محدث من الله جل ثناؤه فمخلوق ، ~~لأنه لم يكن فكان بالله وحده لا شريك له ، فالله أول لم يزل ولا يزول. # وأما قوله : ( @QUR@02 سميع بصير ) (1). فمعنى ذلك : أنه لا تخفى عليه ms08 ~~الأصوات ولا اللهوات ، ولا غيرها من الأعيان ، أين ما كانت وحيث كانت ، في ~~ظلمات الأرض PageV01P591 # والبر والبحر. ليس يعني : أنه سميع بصير بجوارح أو بشيء سواه ، فيكون ~~محدودا ، أو يكون معه غيره موجودا ، تعالى الله عن ذلك. # وأما قوله : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88]. وقوله : ( ~~@QUR@03 ويبقى وجه ربك ) [الرحمن : 27]. فإنما يعني : إياه لا غيره. يقول : ~~كل شيء هالك إلا هو. وقوله : ( @QUR@03 ويبقى وجه ربك ) ليس يعني بذلك : ~~وجها في جسد ، ولا جسدا إذا وجه ، تعالى الله عن هذه الصفات ، التي هي في ~~المخلوقين موجودات. # وأما قوله : ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) [آل عمران : 30 ، 28]. يريد : ~~يحذركم الله إياه لا غيره. وقوله تعالى : ( @QUR@09 تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك ) [المائدة : 116]. يريد : تعلم أنت ما أعلم ولا أعلم أنا ~~ما تعلم إلا ما علمتني. ليس يعني : أن له نفسا غيره بها يقوم. تعالى عن ~~ذلك. وقد يقول القائل : هذا نفس الحق ، ونفس الطريق ، وكذلك : هذا وجه ~~الكلام ، ووجه الحق ، يريدون بذلك كله : هو الحق ، وهذا هو الكلام ، وهذا ~~هو الطريق. ليس يذهبون إلى شيء غير ذلك. فتعالى الله عن صفات المخلوقين ~~علوا كبيرا ، هو الذي لا كفؤ له ولا نظير له ، ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ) [الشورى : 11]. # فكل من وصف الله جل ثناؤه بهيئات خلقه ، أو شبهه بشيء من صنعه ، أو توهمه ~~صورة أو جسما ، أو شبحا ، (1) أو أنه في مكان دون مكان ، أو أن الأقطار ~~تحويه ، أو أن الحجب تستره ، أو أن الأبصار تدركه ، أو (2) أنه لم يخلق ~~كلامه وكتبه ، والقرآن وغيره من كلامه وأحكامه ، أو أنه كشيء مما خلق ، أو ~~أن شيئا من خلقه يدركه ، مما كان أو يكون ، بجارحة أو حاسة ، فقد نفاه وكفر ~~به وأشرك به. فافهموا ذلك ، وفقنا الله وإياكم لإصابة الحق ، وبلوغ الصدق. PageV01P592 ### | [العدل] # وعلى العبد : إذا وحد الله جل ثناؤه ، وعرف أنه ليس كمثله شيء ، أن يتقيه ~~في سره وعلانيته ، ويرجوه ويخافه ، ويعلم أنه عدل كريم ، رحيم حكيم ، لا ~~يكلف عباده إلا ms09 ما يطيقون ، ولا يسألهم إلا ما يجدون ، ولا يجازيهم إلا بما ~~يكسبون ويعملون. وهكذا جل ثناؤه قال ، يدل بذلك على رحمته لنا : ( @QUR@06 ~~لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) [البقرة : 286] ، و ( @QUR@04 ... إلا ما ~~آتاها ) [الطلاق : 7]. وقال : ( @QUR@09 ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا ) [آل عمران : 97]. فلم يكلف الرحيم الكريم أحدا من عباده ما لا ~~يستطيع ، بل كلفهم دون ما يطيقون ، ولم يكلفهم كل ما يطيقون. وعذرهم عند ما ~~فعل بهم من الآفات التي أصابهم بها ، ووضع عنهم الفرض فيها ، فقال لا شريك ~~له : ( @QUR@012 ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~) [النور : ، الفتح : 1761]. لأنهم لا يقدرون أن يؤدوا ما فرض الله عليهم ، ~~ولم يقل جل ثناؤه : ليس على الكافر حرج ، ولا على الزاني حرج ، ولا على ~~السارق حرج. وذلك أنه لم يفعل ذلك بهم ، ولم يدخلهم فيه ، ولم يقض ذلك ولم ~~يقدره ، لأنه جور وباطل ، والله جل ثناؤه لا يقضي جورا ولا باطلا ولا فجورا ~~، لأن المعاصي كلها باطل وفجور ، والله تعالى أن يكون لها قاضيا ومقدرا ، ~~بل هو كما وصف نفسه ، جل ثناؤه إذ يقول : ( @QUR@09 إن الحكم إلا لله يقص ~~الحق وهو خير الفاصلين ) [الأنعام : 57]. بل قضاؤه فيها كلها النهي عنها ، ~~والحكم على أهلها بالعقوبة والنكال في الدنيا والآخرة ، إلا أن يتوبوا فإنه ~~يقبل التوبة ويعفو عن السيئات. # أليس قال جل ثناؤه في الصيام : ( @QUR@018 ومن كان مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [البقرة : 185]. (1) ~~فوضع عن المرضى الصيام ، لأنهم لا يقدرون عليه ، ووضعه عن المسافر وإن كان ~~يقدر عليه ، يخبرهم أنه إنما يفعل ذلك لأنه يريد بهم اليسر ، ولا يريد بهم ~~العسر ، ووضع عنه الصلاة قائما إذا لم يقدر على القيام ، وأباح له أن يصلي ~~جالسا ، وإن لم يقدر على الصلاة PageV01P593 # جالسا ، صلى مضطجعا أو مستقبلا ، فإن لم يقدر على ذلك بشيء من جوارحه فلا ~~شيء عليه. فعل ذلك رحمة ونعمة ونظرا لعباده. # ومن لم ms10 يكن له مال فلا زكاة عليه ، وإن كان ذا مال فحال (1) عليه الحول ~~وهو مائتا درهم فعليه خمسة دراهم ، فإن نقص من مائتي درهم شيء ، (2) قل أو ~~كثر فلا شيء عليه فيها ، وكل أمر لا يستطيقه العبد فهو عنه موضوع ، وكلف ~~مما يستطيع اليسير. يريد لله جل ثناؤه بذلك التخفيف عن (3) عباده تصديقا ~~لقوله : ( @QUR@08 يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28)) ~~[النساء : 28]. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@07 وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ~~[الحج : 78]. يقول : من ضيق. # وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@06 ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) [الأنعام : ~~164]. فلم يؤت أحد من قبل الله تبارك وتعالى في دينه ، وإنما يؤتى العبد من ~~نفسه بسوء نظره ، وإيثار هواه وشهوته ، ومن قبل الشيطان عدوه ، يوسوس في ~~صدره ويزين له سوء عمله ، ويتبعه فيضله ويرديه ، ويهديه إلى عذاب السعير. # وقال الله جل ثناؤه يحذر عباده الشيطان : ( @QUR@011 يا بني آدم لا ~~يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) [الأعراف : 23]. وقال تبارك ~~وتعالى : ( @QUR@05 الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ) [البقرة : ~~265]. وقال سبحانه : ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6)) [فاطر : 6]. أعاذنا الله وإياكم ~~من ذلك. # وعلى العبد أن يعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم ~~الحليم ، وأن الله جل ثناؤه عالم ما العباد عاملون ، وإلى ما هم صائرون ، ~~وأنه أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ، وأنه لم يجبر أحدا على معصية ~~، ولم يحل بين أحد وبين الطاعة ، فالعباد العاملون والله جل ثناؤه العالم ~~بأعمالهم ، والحافظ لأفعالهم ، والمحصي لأسرارهم وآثارهم ، وهو بما يعملون خبير. PageV01P594 ### | [الهدى والضلال] # وعلى العبد أن يعلم أن الله جل ثناؤه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، وأنه ~~لا يضل أحدا حتى يبين لهم ما يتقون ، فإذا بين لهم ما يتقون ، وما يأتون ~~وما يذرون ، فأعرضوا عن الهدى ، وصاروا إلى الضلالة والردى ، أضلهم ~~بأعمالهم الخبيثة حتى ضلوا ، كذلك قال جل ثناؤه : ( @QUR@03 ويضل الله ~~الظالمين ) [إبراهيم : 27]. وقال سبحانه : ( @QUR@05 وما يضل به إلا ~~الفاسقين (26) @QUR@07 الذين ms11 ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) [البقرة : 26 ~~27]. وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@05 فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) [الصف : ~~5]. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@05 بل طبع الله عليها بكفرهم ) [النساء : 155]. # وقد يجوز أيضا أن يكون معنى يضل : أن سماهم ضلالا ، وشهد عليهم بالضلال ~~ووصفهم به ، من غير أن يدخلهم في الضلالة ويقسرهم عليها ، فإن رجعوا عن ~~الضلالة وتابوا ، وصاروا إلى الهدى ، سماهم مهتدين ، وأزال عنهم اسم الضلال ~~والفسق. ولم يبتدئ ربنا جل ثناؤه أحدا بالضلالة من عباده ، ولا وصف بها ~~أحدا من قبل أن يستحقها ، وكيف يبتدئ أحدا من عباده بالضلالة؟! كما قال ~~القدريون الكافرون الكاذبون على الله. والله جل ثناؤه ينهى عباده عنها ، ~~ويحذرهم إياها. ويقول : ( @QUR@05 يبين الله لكم أن تضلوا ) [النساء: 176]. ~~يعني لئلا تضلوا. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@016 الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1)) ~~[إبراهيم : 1]. وقال سبحانه : ( @QUR@010 إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم ) [الرعد : 11]. ولو ابتدأهم بالضلالة كان قد غير ما بهم ~~من النعمة قبل أن يغيروا ، سبحانه هو (1) أرحم الراحمين ، وخير الناصرين. ~~يريد بذلك وصف نفسه. # وأمن (2) الخلق أن يكون لهم ظالما ، أو بغير ما عملوا مجازيا ، فقال جل ~~ثناؤه : ( @QUR@011 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ~~) [النساء : 123]. PageV01P595 # وقال سبحانه : ( @QUR@011 ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا ) [الإسراء : 15] وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@06 فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره (7) @QUR@06 ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)) [الزلزلة : 7 ~~8]. وقال عز ذكره : ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56)) ~~[الذاريات : 56]. فللعبادة خلقهم ، وبطاعته أمرهم ، ومن ظلمه أمنهم ، ~~وبنعمته ابتدأهم ، بما جعل لهم من العقول والأسماع والأبصار ، وسائر ~~الجوارح والقوى ، التي بها يصلون إلى أخذ ما أمرهم به ، وترك ما نهاهم عنه ~~، ثم ابتدأهم جل ثناؤه بالنعمة في دينهم ، بأن بين لهم ما يأتون وما يذرون ~~، ثم أمرهم بما يطيقون. أراد بذلك إكرامهم ، ومن المهالك إخراجهم ، بين ذلك ~~بقوله في الإنسان : ( @QUR@04 ألم نجعل له عينين (8) @QUR@02 ولسانا ms12 وشفتين ~~(9) @QUR@02 وهديناه النجدين (10)) [البلد : 8 10]. هما : الطريقان ، ~~الخير والشر فيما سمعنا. يقول الله سبحانه : بينا له الطريقين ، ليسلك طريق ~~الخير ويجتنب طريق الشر. وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@05 ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى ) [النجم : 23]. وقال عز وجل : ( @QUR@03 إن علينا للهدى (12)) ~~[الليل : 12]. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@03 الذي قدر فهدى (3)) [الأعلى : ~~3]. وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@06 وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ) ~~[النحل : 9] (1). وقال سبحانه : ( @QUR@07 وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى ) [فصلت : 17]. وقال لنبيه صلوات الله عليه وعلى آله : ( ~~@QUR@016 قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه ~~سميع قريب (50)) [سبأ : 50]. فأمر نبيه صلى الله عليه أن ينسب ضلاله (2) ~~إن كان منه إلى نفسه ، والهدى إلى ربه تبارك وتعالى ، وقد علم الله جل ~~ثناؤه أن لا يكون من نبيه ضلالة أبدا ، وأن لا يكون منه إلا الهدى ، وإنما ~~أمر بذلك تأديبا لخلقه ، وأن ينسبوا ضلالتهم إلى أنفسهم ، وينزهوا منها ~~ربهم ، وأن PageV01P596 # ينسبوا هداهم إلى ربهم الذي به اهتدوا ، وبعونه وتوفيقه رشدوا. ### | [القدرة قبل الفعل] # والقدريون المفترون يكرهون أن ينسبوا الضلالة إلى أنفسهم والفواحش ، ولا ~~يقرون أن الله جل ثناؤه ابتدأ عباده بالهدى ولا بالتقوى ، قبل أن يصيروا ~~إلى هدى أو تقوى ، خلافا لقوله ، وردا لتنزيله ، وإبطالا لنعمه ، وهو يقول ~~جل ثناؤه : ( @QUR@04 فاتقوا الله ما استطعتم ) [التغابن : 10]. يأمرهم ~~بالتقوى إذ (1) كانوا لها مستطيعين ، فلو لم يكن لهم عليها استطاعة لما ~~أمرهم بها ، ولو كانت استطاعة لغيرها لم يجز أن يقول : «اتقوا ما الله ~~استطعتم» ، إذ كانت الاستطاعة لغير التقوى. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@07 خذوا ~~ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ) [الأعراف : 171]. ( @QUR@05 يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة ) [مريم : 12]. فقد أمرهم أن يأخذوا لأن الأخذ فعلهم ، والأمر ~~والقوة فعل ربهم ، فلم يأمرهم جل ثناؤه أن يأخذوا ، حتى قواهم على ذلك قبل ~~أن يأخذوا. # وكذلك قال في الصيام : ( @QUR@04 وعلى الذين يطيقونه فدية ) [البقرة : ~~184]. يعني : على الذين يطيقون الصيام ولا يصومون فدية ، ونحو ذلك مما في ~~القرآن. وذلك كله دليل على أن القوة قبل الفعل ، إذ كان ms13 الفعل لا يكون إلا ~~بالقوة ، وكلما كان بشيء يكون ، أو به يقوم ، فالذي يكون الشيء أو يقوم به ~~فهو قبله ، كذلك الأشياء كلها بالله جل ثناؤه كانت وبه قامت ، وهو قبلها. ~~فكذلك القوة فينا قبل فعلنا ، إذ كان فعلنا لا يكون ولا يقوم ولا يتم إلا ~~بها ، وكذلك يقول الناس : بقوة الله فعلنا. لا كما تقول القدرية المشبهون : ~~إن الله جل ثناؤه لم يبتدئ العباد بالقوة! فأنعم عليهم بها قبل فعلهم! ~~ولكنها كانت منه مع فعلهم. # ففيما وضعناه دليل وبرهان ، أن القوة من الله جل ثناؤه في عباده قبل ~~فعالهم ، إذ كان بطاعته لهم آمرا ، وعن معصيته لهم ناهيا ، نعمة أنعم بها ~~الله عليهم ، وأحسن بها PageV01P597 # إليهم. والقوة عندنا على الأعمال هي الصحة والسلامة من الآفات في النفس ~~والجوارح ، وكل ما يوصل (1) به إلى الأفاعيل ، إذ كانت الصحة والسلامة تثبت ~~الفرض ، وإذا زالت زال الفرض ، ذلك موجود في العقول ، وفي أحكام الله جل ~~ثناؤه ، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي إجماع الأمة. لا يعرفون غير ~~ذلك ، ولا يدينون إلا بذلك. # فليتق الله عبده ، وليعلم أن الله جل ذكره يبتدئ العباد بالنعم والبيان ، ~~ولا يبتدئهم بالضلال والطغيان ، صدق ذلك قوله لا شريك له : ( @QUR@06 وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [الإسراء : 8]. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@013 ~~وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) [التوبة : 112]. PageV01P598 ### | [المعاصي فعل الإنسان وتزيين الشيطان] # فمن أحسن فليحمد الله جل ثناؤه ، إذ أمره بالخير وأعانه عليه ، ومن أساء ~~فليذم نفسه فهي أولى بالذم ، (1) وليضف المعصية (2) إذ كانت منه إلى نفسه ~~الأمارة بالسوء ، وإلى الشيطان إذ كان بها آمرا ولها مزينا ، كما أضافها ~~الله جل ثناؤه إليه ، (3) وأضافها الأنبياء صلوات الله عليهم والصالحون حين ~~عصوا الله إلى أنفسهم ، قال آدم وحواء صلوات الله عليهما حين عصيا في أكل ~~الشجرة : ( @QUR@011 ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين (23)) [الأعراف : 23]. فأخبر سبحانه أن الشيطان دلاهما بغرور ، ~~ثم حذر أولادهما من بعدهما إعذارا ms14 إليهم ، وتفضلا عليهم ، فقال : ( ~~@QUR@011 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) ~~[الأعراف : 27]. # وقال موسى صلوات الله عليه حين قتل النفس : ( @QUR@08 هذا من عمل الشيطان ~~إنه عدو مضل مبين ) [القصص : 15]. وقال : ( @QUR@06 رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي # فأجابه أحدهم : لا أعرف فيه إلا ما قاله أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ~~وهو قوله عليه السلام : (أتظن أن الذي نهاك دهاك ، إنما دهاك أسفلك وأعلاك ، ~~وربك بري من ذاك). # وأجابه الثاني فقال : لا أعرف فيه إلا ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وهو قوله عليه السلام : (أتظن أن الذي فسح لك الطريق ، ~~لزم عليك المضيق). # وأجابه الثالث فقال : لا أعرف إلا ما قاله علي عليه السلام وهو قوله كرم ~~الله وجهه : (إذا كانت المعصية حتما ، كانت العقوبة ظلما). # وأجابه الرابع فقال : لا أعرف فيه إلا ما قاله علي عليه السلام وهو قوله ~~كرم الله وجهه : (ما حمدت الله عليه فهو منه ، وما استغفرت الله منه فهو ~~منك). فلما بلغ ذلك الحجاج بن يوسف قال : قاتلهم الله لقد أخذوها من عين ~~صافية. ينابيع النصيحة / 157 158. PageV01P599 # @QUR@06 فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16)) [القصص : 16]. # وقال يونس صلوات الله عليه وهو في بطن الحوت تائبا من ظلمه لنفسه ، ومقرا ~~بذنبه: ( @QUR@09 لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) [الأنبياء : ~~82]. وقال غيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم نحو ذلك ، وقال الصالحون نحو ~~ذلك عند زلتهم. فنقول كما قال أنبياؤه ورسله صلوات الله عليهم ، وكما قال ~~الصالحون من عباده ، فنضيف المعاصي إلى أنفسنا ، وإلى الشيطان عدونا ، كما ~~أمرنا ربنا ، ولا نقول كما قال القدريون المفترون : أن الله جل ثناؤه قدر ~~المعاصي على عباده ، ليعملوا بها وأدخلهم فيها ، وأرادها منهم وقلبهم فيها ~~كما تقلب الحجارة ، وشاءها لهم وقضاها عليهم حتما ، لا يقدرون على تركها. ~~وأنه في قولهم يغضب مما قضى ، ويسخط مما أراد ، ويعيب ما قدر ، ويعذب طفلا ~~بجرم والده ، وأنه يحمد العباد ويذمهم بما لم يفعلوا ، ويجزيهم بما ms15 صنع بهم ~~، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (1). # هذا مع زعمهم أن أفعال العباد كلها طاعتها ومعصيتها صنعه وخلقه ، هو تولى ~~خلقها وإحداثها ، خلافا لقول الله تعالى : ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ~~(24)) [الواقعة : 24]. ( @QUR@07 وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون (72)) [الزخرف : 61]. وقوله لأهل المعاصي : ( @QUR@04 لبئس ما ~~كانوا يعملون ) [المائدة : 62]. و ( @QUR@04 ساء ما كانوا يعملون ) [التوبة ~~/ 9 ، المجادلة / 15 ، المنافقون / 2]. و ( @QUR@05 إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون ) [الطور / 16 ، التحريم / 7]. فكفروا بالله كفرا لم يكفر به أحد من ~~العالمين ، لعظيم فريتهم على ربهم جل ثناؤه ، ورميهم إياه بجميع جرمهم ، ~~تعالى الله عن إفكهم علوا كبيرا! وتقدس وجل ثناؤه!! أليس في كتابه ، وفي ~~حجة عقول خلقه ، عدله عليهم وإحسانه ، وبراءته من ظلمهم؟! إذ قال جل ثناؤه ~~: ( @QUR@017 * إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90)) [النحل : 90]. # فو الله لو لم ينزل على عباده إلا هذه الآية في عدله لكان فيها البيان ~~والنور ، وهي PageV01P600 # آية محكمة مجملة (1) تأتي على جميع الأمر بالطاعة ، والنهي عن المعصية. # وفي أمر الله جل ثناؤه عباده بالطاعة ، دليل لمن كان له عقل أن الله جل ~~ثناؤه أرادها وشاءها وأحبها ، إذ كان بها آمرا وعليها حامدا ، ولأهلها ~~مواليا ، ولهم مثيبا. وفي نهيه عن المعصية دليل أنه لم يردها ولم يشأها ولم ~~يحبها ، إذ كان عنها ناهيا ، وعليها ذاما ، ومن أهلها بريئا ، ولهم معاقبا. # فلا هو أرادها جل ثناؤه ، ولا هو عز وجل عصي مغلوبا ، ولكنه الحليم تأنى ~~بخلقه وأمهلهم وحلم عنهم ، ولم يعجل عليهم بالانتقام منهم ، ليرجعوا ~~فيتوبوا ، فاغتروا بحلمه عنهم ، حتى افتروا عليه ، فزعموا أنه أمر بما لا ~~يريد ، ونهى عما يريد ، وأن رسله صلوات الله عليهم خالفوه فيما أراد ، (2) ~~وأن إبليس عليه غضب الله وافقه فيما أراد. وذلك أنهم زعموا أنه أراد الكفر ~~من كثير من عباده ، وأرسل إليهم رسله يدعونهم إلى الإيمان وهو خلاف ما أراد ~~من الكفر ، وأن إبليس دعاهم إلى الكفر وهو ما أراد منهم ، فكان إبليس في ~~قولهم ms16 لله جل ثناؤه فيما أراد موافقا ، (3) وكان رسول الله صلى # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول : إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي أين خصماء الله؟ فيقومون ~~مسودة وجوههم ، مزرقة عيونهم ، مائلا شفاههم ، يسيل لعابهم ، يقذرهم من ~~رآهم ، فيقولون : والله يا ربنا ما عبدنا من دونك شمسا ولا قمرا ولا حجرا ~~ولا وثنا. قال ابن عباس رضي الله عنهما : لقد أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون ~~، ثم تلا ابن عباس ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ، ~~ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ). هم والله القدريون. ثلاث ~~مرات. الدر المنثور 7 / 686. # وعن ابن عمر : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين خصماء الله عز وجل ؟ ~~فتقوم القدرية. أخرجه أبو القاسم الجرجاني في تاريخه 1 / 336 (618)، ~~والدارقطني في العلل 2 / 70 (115)، وابن الجوزي في PageV01P601 # الله عليه فيما أراد من ذلك مخالفا ، (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) (1). ### | [الطاعة والمعصية فعل العبد] # والدليل على أن ما فعلوا من طاعة الله ومعصيته فعلهم ، وأن الله جل ثناؤه ~~لم يخلق ذلك ، إقبال الله تبارك وتعالى عليهم بالموعظة ، والمدح والذم ~~والمخاطبة ، والوعد والوعيد ، وهو قوله جل ثناؤه : ( @QUR@04 فما لهم لا ~~يؤمنون (20)) [الانشقاق : 20]. وقوله : ( @QUR@08 وما ذا عليهم لو آمنوا ~~بالله واليوم الآخر ) [النساء : 39]. ولو كان هو الفاعل لأفعالهم الخالق ~~لها ، لم يخاطبهم ولم يعظهم ، ولم يلمهم على ما كان منهم من تقصير ، ولم ~~يمدحهم على ما كان منهم من جميل وحسن ، كما لم يخاطب المرضى فيقول : لم # ولله در القائل : |المجبرون يجادلون بباطل||وخلاف ما يجدون في القرآن| |كل مقالته الإله أظلني||وأراد ما قد كان عنه نهاني| |أيقول ربك للخلائق أسلموا||جهدا ويجبرهم على العصيان| |إن صح ذا فتعوذوا من ربكم||وذروا تعوذكم من الشيطان| # ولمزيد من الاطلاع على العلاقة الوثيقة بين القدرية المجبرة وبين زعيمهم ~~الشيطان الرجيم يرجع إلى كتاب رسالة إبليس إلى إخوانه المناحيس للحاكم ~~الجسمي البيهقي وهو ms17 مطبوع متداول. # وأخرج السمان في أماليه عن الحسن : قدم رجل من فارس على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : رأيتهم ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم!! فإذا ~~قيل : لم تفعلون!؟ قالوا : قضاء الله وقدره. # فقال صلى الله على وآله وسلم : أما إنه سيكون قوم من أمتي يقولون مثل ~~ذلك. ورواه الأمير الحسين في ينابيع النصيحة / 164 ، والزمخشري في الفائق. # ولقد أبطل مذهبهم الإمام الهادي حفيد الإمام القاسم عليهما السلام بكلمتين ~~وذلك عند ما سأله النقوي : ما تقول يا سيدنا في المعاصي؟ فقال الإمام : ومن ~~العاصي؟ فسكت فلامه أصحابه. فقال : ويحكم إن قلت : الله ، كفرت. وإن قلت : ~~العبد ، تركت مذهبي. ثم تاب وتابع الإمام الهادي عليه السلام . PageV01P602 # مرضتم؟ ولم يخاطبهم على خلقهم فيقول : لم طلتم؟ ولم قصرتم؟ وكما لم يمدح ~~ويحمد الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب في مجراهن ومسيرهن. وإنما لم ~~يمدحهن ، ويحمدهن لأنه جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهن ، وهو مصرفهن ومجراهن ~~وهو منشؤهن. وكان في ذلك دليل أنه لم يخاطب هؤلاء وخاطب الآخرين ، (1) ~~فعلمنا أنه خاطب من يعقل ، ويفهم ويكسب ، وإنما خاطبهم إذ هم مخيرون ، وترك ~~مخاطبة الآخرين إذ هم غير مخيرين ولا مختارين ، فهذه الحجة ، وهذا الدليل ~~على فعله من فعل خلقه. # والدليل على أن المعاصي ليست بقضائه ولا بقدره ، ما أنزل في كتابه من ذكر ~~قضائه بالحق ، وأمره بالعدل ، وتعبده عباده بالرضى بقضائه وقدره ، وإجماع ~~الأمة كلها على أن جميع المعاصي والفواحش جور وباطل وظلم ، وأن الله جل ~~ثناؤه لم يقض الجور والباطل ، ولم يكن منه الظلم ، وأنهم مسلمون لقضاء الله ~~، منقادون لأمر الله ، فإذا نزلت بهم الحوادث من الأسقام والموت والجدب ~~والمصائب من الله جل ثناؤه ، قالوا هذا بقضاء الله ، رضينا وسلمنا ، ولا ~~يسخطه منهم أحد ، ولا ينكره منكر ، وإن سخطه منهم ساخط ، كان عندهم من ~~الكافرين ، وإذا ظهرت منهم الفواحش وانتهكت فيهم المحارم ، كانوا لها ~~كارهين ، وعلى أهلها ساخطين ، ولهم معاقبين ، يتبرءون منهم ويلعنونهم ، ~~ويذمونهم وأعمالهم. ففي ذلك دليل أن ذلك ليس فعله. وقضاء الله ms18 لا يكون جورا ~~ولا فاحشا ، ولا قبيحا ولا باطلا ولا ظلما ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~وقد وصفنا حجج الله في عدله ، وما بين من ذلك لخلقه. ### | [شبه القدرية] # فإن اعتلت القدرية السفهاء ببعض الآيات المتشابهات ، نحو قوله جل ثناؤه : ~~( @QUR@06 يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) [النحل : 93 ، فاطر : 8]. وقوله : ( ~~@QUR@04 ختم الله على قلوبهم ) [البقرة : 7]. ( @QUR@05 بل طبع الله عليها ~~بكفرهم ) [النساء : 155]. ونحو ذلك من متشابه الآيات ، وتأولوها على غير ~~تأويلها ، فإن كسر مقالتهم يسير ، والحجة عليهم PageV01P603 # بينة. وذلك أن الله عز وجل أخبر أن الشيطان وجنوده من الجن والإنس يضلون ، ~~وإنما (1) إضلالهم للعبد إنما هو من طريق الصد عن الطاعة ، بالغرور والكذب ~~والخداع والتزيين للقبيح الذي قبحه الله ، والتقبيح لما زين الله وحسنه ، ~~فذلك معنى إضلال الشيطان وأوليائه. والله جل ثناؤه يضل لا من طريق أولئك ، ~~لأنه تعالى عن الكذب والصد ، وإنما معنى إضلاله جل ثناؤه للعباد الذين ~~يضلون عن سبيله ، عند كثير من أهل العلم : التسمية لهم بالضلالة ، والشهادة ~~عليهم بها. كما يقال : فلان كفر فلانا ، وفلان عدل فلانا ، وفلان جور ~~فلانا. يريدون : أنه سماه بذلك ، لما هو عليه من ذلك ، فكذلك يقال أضل الله ~~الفاسقين ، وطبع على قلوب الكافرين ، معنى ذلك عند كثير من أهل العلم : أنه ~~شهد عليهم بسوء أعمالهم ، ونسبهم إلى أفعالهم ، مسميا لهم بذلك ، وحاكما ~~عليهم به كذلك ، لما كان منهم ، فذلك تأويل الآيات المتشابهات في هذا ~~المعنى ، عند من وصفنا من أهل العلم. # فعلى العبد أن يتقي الله ، وينظر لنفسه ، وأن لا يقبل ما تأولته القدرية ~~المجبرة ، مما لا يجوز على الله جل ثناؤه في الثناء ، وأدنى ما عليه أن ~~يحسن الظن بربه ، ويأمنه على نفسه ودمه ، ويعلم أنه أنظر له من جميع خلقه ، ~~وليرجع إلى المحكمات من الآيات ، التي وصف الله جل ثناؤه فيها نفسه جل وجهه ~~بالعدل والإحسان ، والرحمة بخلقه ، والغنى عنهم ، والأمر بالطاعة ، والنهي ~~عن المعصية ، فيعمل بتلك الآيات ويكون عليها ، ويؤمن بالمتشابهات ، ولا يظن ~~أنها وإن جهل تأويلها وحرفت ms19 عن تفسيرها أنها تنقض المحكمات ، فإن كتاب الله ~~(لا ينقض بعضه بعضا ، ولا يخالف بعضه بعضا ، وقد قال) (2) الله عز وجل : ( ~~@QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) [النساء : ~~82]. فنفى أن يكون في كتابه اختلاف. # فليتق الله عبد ولينظر لنفسه ، وليحذر هذه الطائفة من القدرية والمجبرة ، ~~فإنهم كفار بالله ، لا كفر أعظم من كفرهم ، لما وصفنا من فريتهم على الله ~~جل ثناؤه ، في كتابنا هذا. لأنهم شهدوا لجميع الكفار أن الله أدخلهم في ~~الكفر شاءوا أو أبوا ، فشهدوا PageV01P604 # للفساق وجميع العصاة ، أنهم إنما أتوا في ذلك كله من ربهم ، ولذلك (1) ~~(هم مجوس هذه الأمة) (2). ### | [المرجئة] # وليحذر العبد أيضا هذه الطائفة من المرجئة فإن قولهم من شر قول وأخبثه ، ~~وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (صنفان من أمتي لعنوا على لسان ~~سبعين نبيا القدرية والمرجئة ، قيل : من القدرية والمرجئة يا رسول الله؟ ~~فقال : أما # وأخرج ابن عساكر من طريق البختري بن عبيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال ~~: " قال رجل يا رسول الله : ما العاديات ضبحا؟ فأعرض عنه ثم رجع إليه من ~~الغد فقال : ما الموريات قدحا؟ فأعرض عنه ، ثم رجع إليه الثالثة فقال : ما ~~المغيرات صبحا؟ فرفع العمامة والقلنسوة عن رأسه بمخصرته فوجده مقرعا رأسه ~~فقال : لو وجدتك حالقا رأسك لوضعت الذي فيه عيناك. ففزع الملأ من قوله ، ~~فقالوا يا نبي الله ولم؟ قال : إنه سيكون أناس من أمتي يضربون القرآن بعضه ~~ببعض ليبطلوه ، ويتبعون ما تشابه ويزعمون أن لهم في أمر ربهم سبيلا ، ولكل ~~دين مجوس ، وهم مجوس أمتي وكلاب النار" فكأنه يقول : هم القدرية. الدر ~~المنثور 6 / 604. # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا ~~فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم. الحاكم في المستدرك 1 / 159 (286)، ~~وأبو داود 4 / 222 (4691)، والبيهقي 10 / 203 (20058)، والطبراني في مسند ~~الشاميين 1 / 322 (566)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 7 / 52 (296)، ~~وابن عدي في الضعفاء 2 / 137 (336)، 3 / 211 ms20 (709)، وفي الكامل 6 / 313 ~~(1799)، والخطيب في تاريخه 14 / 113 (7453)، ورواه ابن قتيبة في تأويل ~~مختلف الحديث / 77. وبلفظ : القدرية مجوس أمتي. البخاري في التاريخ الكبير ~~12 / 341 (2681)، والصغير 2 / 271 (2567)، وابن حجر في اللسان 2 / 332 ~~(1365)، 4 / 85 (115)، 6 / 222 (784)، 256 / (903)، وابن عدي في ~~الضعفاء 2 / 207 (394)، والكامل 7 / 77 (1999)، والعقيلي في الضعفاء 3 / ~~98 (1072)، والدارقطني في العلل 8 / 289 (1576)، ورواه الخطيب في الكفاية ~~في علم الرواية / 120 ، وذكره ابن الأثير في النهاية 4 / 229. PageV01P605 # القدرية فالذين يعلمون بالمعاصي ويقولون : هي من عند الله وهو قدرها ~~علينا ، وأما المرجئة فهم الذين يقولون : الإيمان قول بلا عمل) (1). # فهذان قولان فيهما ذهاب الإسلام كله ، ووقوع كل معصية ، وذلك أن القدرية ~~زعمت أن الله جل ثناؤه أدخل العباد في المعاصي ، وحملهم عليها وقدرها عليهم ~~وخلقها فيهم ، فهم لا يمتنعون منها ولا يستطيعون تركها. # وأما المرجئة فرخصوا في المعاصي وأطمعوا أهلها في الجنة بلا رجوع ولا ~~توبة ، وشككوا الخلق في وعيد الله ، وزعموا أن كل من ركب كبيرة من معاصي ~~الله فهو # أخرجه الطبراني في مسند الساميين 1 / 224 (400)، وفي المعجم الكبير 20 / ~~117 (232)، وابن حجر في لسان الميزان 4 / 381 (1146)، 6 / 276 (969)، ~~وابن عدي في الكامل 6 / 228 (1773)، وابن حبان في المجروحين 1 / 362 (478) ~~، والخطيب البغدادي في تاريخه 14 / 319 (7639)، وأبو القاسم الجرجاني في ~~تاريخه بلفظ قريب موقوف على ابن عمر 1 / 336 (618)، وغيرهم كثير. # وأخرجه بلفظ : صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي القدرية والمرجئة قلت يا ~~رسول الله ما المرجئة؟ قال : قوم يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل. ابن حبان ~~في المجروحين 1 / 336 (423)، 2 / 112 (690)، وابن فلانة في الوضع في ~~الحديث 1 / 257 ، والكناني في التنزيه 1 / 311 ، والجويني في جنة المرتاب 1 ~~/ 47. وغيرهم. # وبلفظ : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب. # الترمذي في السنن 4 / 454 (2149)، وابن ماجة 1 / 24 (62)، 1 / 28 (73) ~~، والطبراني في الكبير 8 / 281 (8079)، 11 / 262 (11682)، والأوسط 2 / ~~372 (1648)، وعبد بن حميد في المنتخب 201 (579)، والمزي في تهذيب ms21 الكمال ~~16 / 104 (3553)، 21 / 155 (4143)، ورواه ابن حجر في تهذيب التهذيب 4 / ~~251 (503)، والذهبي في التذكرة 3 / 1200 (1032)، وابن عدي في الكامل 1 / ~~288 (126)، وابن معين في تاريخه 4 / 385 (4906)، وابن حبان في المجروحين ~~1 / 336 (423)، والعقيلي في الضعفاء 2 / 123 (206)، والبغدادي في تاريخه ~~5 / 367 (2893)، والجرجاني في تاريخه 1 / 502 (1020)، والدارقطني في ~~العلل 1 / 281 (72)، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث / 77 ، والبخاري في ~~الكبير 4 / 133 (2223). PageV01P606 # مؤمن كامل الإيمان عند الله ، بعد أن يكون مقرا بالتوحيد ، (1) وأن جميع ~~أعمال المؤمنين من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك ليس من الإيمان ، ~~ولا من دين الله ، مع أشياء كثيرة تقبح من قولهم ، فكان في قولهم انتهاك ~~حرمات الله سبحانه ، وتعدي حدوده ، وقتل أوليائه، وخفر ذمته ، واستخفاف ~~بحقه ، والفساد في أرضه ، والعمل بالظلم في عباده وبلاده ، فهذان قولان مما ~~أهلك العباد والبلاد بهما ، فنعوذ بالله منهما ، ونبرأ إلى الله من أهلهما ~~، ونسأله فرجا عاجلا ، إنه قريب مجيب. ### | [فرائض الله ونواهيه] # فإذا أقر العبد بما وصفنا من توحيد الله وعدله وعرفه ، فعليه بعد ذلك أن ~~يؤدي ما افترض الله عليه (2) من الصلاة والزكاة والصوم والحج ، إذا كان ~~لذلك مطيقا ، والجهاد في سبيله لجميع أعدائه من الكافرين والفاسقين ، إذا ~~أمكنه ذلك واحتيج فيه إليه ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا لزمه ذلك ~~بنفسه ، ومع غيره إذا أمكنه ذلك ، ويؤدي ما PageV01P607 # افترض الله جل ثناؤه عليه من شرائع دينه. # وعليه أن يتجنب ما نهى الله عنه من معاصيه كلها من الكفر كله ، وقتل ~~النفس التي حرم الله بغير الحق ، وأخذ أموال الناس مسلميهم ومعاهديهم بغير ~~حقها ، والظلم لهم ، والعدوان عليهم ، وأكل أموال اليتامى ظلما ، وأكل ~~الربا ، والسرقة ، والزنا ، وقذف المحصنات والمحصنين ، وشرب الخمر ، وإتيان ~~الذكران من العالمين ، والفرار من الزحف في المواطن التي لا ينبغي له ~~الفرار فيها ، إذا كان في ذلك اصطلام (1) المسلمين ، وهلاكهم ، وعقوق ~~الوالدين المسلمين ، وإن كانا عاصيين صاحبهما (2) معروفا ، وكل معصية ~~يعلمها الله معصية ، وكل ما عليه أن يعلم أنه ms22 لله معصية فلا يعمله ولا ~~يقربه ، فإن الله تبارك وتعالى قد نهى عن الذنوب كلها ، كبيرها وصغيرها ، ~~كبيرها فيه الوعيد ، وصغيرها هو موهوب لمن اجتنب الكبير ، وذلك قول الله : ~~( @QUR@012 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا ~~كريما (31)) [النساء : 31]. # فليتق الله عبد ولا يقدم على معصية ربه وهو يعلمها ، ولا يعتقدها متأولا ~~ولا متدينا بها ، (3) وقد جعل الله له السبيل إلى معرفتها وتركها ، وليكن ~~أبدا متحرزا متحفظا ، وبأمر ربه متيقظا ، فإن الله عز وجل وصف المتقين ، من ~~عباده المؤمنين ، فقال جل ثناؤه : ( @QUR@012 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ~~من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201)) [الأعراف : 201]. ولم يقل فإذا ~~هم مصرون ، ثم أخبر تبارك وتعالى عن إخوان الشيطان فقال جل ثناؤه : ( ~~@QUR@07 وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202)) [الأعراف : 202]. ~~فالمؤمن أبدا متيقظ متحفظ ، راج خائف ، يرجو الله لما هو عليه من الإحسان ، ~~ولما يكون منه من ذلك رجاء لا قنوط فيه ، ويخافه على الإساءة الموبقة إن ~~فعلها خوفا لا طمع فيه ، إلا بتوبة منها ، فالخوف والرجاء لا يفارقانه ، ~~بذلك وصف الله جل ثناؤه المؤمنين من عباده، فقال : ( @QUR@011 أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته PageV01P608 # @QUR@02 ويخافون عذابه ) [الإسراء : 57]. وهكذا صفة المؤمنين ، وليس أحد ~~يقدر أن يؤدي كلما استحق الله جل ثناؤه من عباده من شكر نعمه ، وإحسانه ~~بالكمال والتمام حتى لا يبقي مما يحق له جل ثناؤه عليه شيئا إلا أداه. ~~هيهات!! فكيف وهو يقول تبارك وتعالى : ( @QUR@06 وإن تعدوا نعمت الله لا ~~تحصوها ) [إبراهيم : 34 ، النحل : 18]. فكيف يؤدي شكر ما لا يحصى؟! ولم ~~يفترض جل ثناؤه على خلقه ذلك ، ولا يسأل كلما له عليهم ، مما يستحق لديهم ، ~~لعلمه بضعفهم ، وأن في بعض ذلك استفراغ جهدهم ، وما تعجز عنه أنفسهم ، ~~وأنهم لا يقدرون على ذلك ، ويقصرون عن بلوغ ذلك ، فتبارك الله جل ثناؤه عن ~~الاستقصاء عليهم. ولم يسألهم كل ماله عليهم ، وغفر لهم صغير ذنوبهم كله ، ~~إذا اجتنبوا كبيره ، رحمة بهم ونظرا لهم. # فأما من رجا ms23 الرحمة وهو مقيم على الكبيرة ، فقد وضع الرجاء في غير موضعه ~~، واغتر بربه ، واستهزأ بنفسه ، وخدعه وغره من لا دين له ، إلا أن يتوب ~~فيغفر له بالتوبة. # فأما الإقامة على الكبائر فلا. بل قد وصف الله جل ثناؤه الراجين لرحمته ، ~~وكيف وضعوا الرجاء موضعه ، فقال : ( @QUR@016 إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (218)) ~~[البقرة : 218]. فهكذا يكون الرجاء. وذلك أن الجنة والنار طريقان ، فطريق ~~الجنة طاعة الله المجردة من الكبائر من معاصى الله ، وطريق النار معصية ~~الله ، وإن لم تكن مجردة من بعض طاعات الله ، لأنا قد نجد العبد يؤمن بكتاب ~~الله (1)، ويكفر ببعضه فلا يكون مؤمنا ، ولا بما آمن به منه من النار ~~ناجيا ، يصدق ذلك قول الله عز وجل : ( @QUR@027 أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم ~~القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) [البقرة : 85]. ~~فلم يسموا بما آمنوا به مؤمنين ، بل سموا بما كفروا به منه كله كافرين. # وعلى هذه الطريق في من لم يكفر به من الفاسقين ، أهل الكبائر العاصين ، فمن PageV01P609 # كان على المعصية الكبيرة مقيما فهو على طريق النار. فكيف يرجو البلوغ إلى ~~الجنة ، وهو يسلك ذلك الطريق. كرجل توجه إلى طريق خراسان فسلكه وهو يقول ~~أنا أرجو أن أبلغ الشام ، وهو على طريق خراسان. وذلك ما لا يكون إلا أن ~~يتحول (1) طريق الشام. فهذا مثل من وضع الرجاء في غير موضعه. # فإن اعتل معتل بقول الله عز وجل : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [النساء : 48 ، 116]. فأطمع من فعل فعالا دون ~~الشرك من الكبائر في المغفرة بهذه الآية. # قيل له : إن الله عز وجل قد قال في موضع آخر من كتابه ، لنبيه صلوات الله ~~عليه وآله : ( @QUR@022 * قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53)) ~~[الزمر ms24 : 53]. ففي هذه الآية إطماع لجميع المؤمنين والمشركين وغيرهم ، ~~وليست تلك الآية بأوضح في الغفران (2) من هذه الآية ، فيطمع للمشركين فيها. # فإن قال قائل لا أطمع (3) للمشركين لإجماع المسلمين ، بطل الاعتلال ~~بالآية. وقيل له : إن الأمة لم تجمع إلا من قبل خبر الله. وكذلك أثبتنا نحن ~~وعيد الله على الفاسقين من قبل خبر الله بقوله : ( @QUR@013 ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14)) [النساء : ~~14]. ونحو ذلك من الآيات. فكل من مات على معاصي الله مصرا غير تائب إلى ~~الله ، فهو من أهل وعيد الله وعقابه. # ومعنى قوله : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء ) أنه يغفر للمجتنبين الصغير ، (4) إذ أخرج الكبير من أن يكون ~~مغفورا بقوله : ( @QUR@01 ما PageV01P610 # @QUR@06 للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) [غافر : 18]. وبغير ذلك من ~~الوعيد ، وبين أنه يعد بالمغفرة الصغير قوله : ( @QUR@012 إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31)) [النساء : 31]. ~~وقد يغفر الكبير لمن تاب منه ، فيكون قوله : ( @QUR@02 لمن يشاء ). أي : ~~لمن تاب من الكبائر. ### | [موالاة المؤمنين] # وعلى العبد أن يوالي أولياء الله حيث كانوا وأين كانوا ، أحياءهم ~~وأمواتهم وذكورهم وإناثهم. ويكون أحبهم إليه وأكرمهم عليه ، أفضلهم عنده ، ~~وأتقاهم لربه ، وأكثرهم طاعة له. # والمؤمنون هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في كتابه ، وبين أحكامهم في سنة ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : ( @QUR@017 إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون (2)) [الأنفال : 2]. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@03 قد أفلح المؤمنون ~~(1) @QUR@05 الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) @QUR@05 والذين هم عن اللغو ~~معرضون (3) @QUR@04 والذين هم للزكاة فاعلون (4) @QUR@04 والذين هم لفروجهم ~~حافظون (5)) [المؤمنون : 1 5]. فوصفهم بأعمالهم الصالحة حتى قال جل ثناؤه ~~: ( @QUR@03 أولئك هم الوارثون (10) @QUR@06 الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون (11)) [المؤمنون : 10 11]. وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@018 إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15)) [الحجرات : 15]. فقد دخل في هذه ~~الصفة كل ms25 طاعة ، لأن الجهاد في سبيل الله يأتي على كل طاعة ، فمن أطاع الله ~~في أداء فرائضه ، واجتناب محارمه ، فهو مجاهد بنفسه لربه ، في إتباع أمره ، ~~وترك هوى نفسه ، فلا جهاد أفضل من مجاهدة النفس ، ليردها من هواها فيما ~~يرديها ، ومن مجاهدة PageV01P611 # الشيطان عدو الرحمن. فمن عمل ذلك فهو مؤمن ، لأن الإيمان طاعة لله. # وللمؤمنين يقول الله جل ثناؤه : ( @QUR@08 وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا (47)) [الأحزاب : 47]. وقال جل ثناؤه : ( @QUR@03 وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) @QUR@08 تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما ~~(44)) [الأحزاب : 43 44]. فهذا ما وصفهم الله به في كتابه ، وحكم لهم فيه ~~، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وبالولاية لهم ثبوت عدالتهم ~~وشهادتهم ، وحسن الظن بهم ، والنصيحة لهم ، والإحسان إليهم ، والثناء عليهم. # * * * PageV01P612 ### | [معاداة الكافرين] # وعلى العبد أن يعادي أعداء الله الكافرين ، أين كانوا وحيث كانوا ، ~~أحياءهم وأمواتهم ، وذكورهم وإناثهم ، وقد وصفهم الله جل ثناؤه وبين ~~أحكامهم كلهم ، أهل الكتابين والمجوس والصابئين ، وغيرهم من المشركين ~~والملحدين ، والمصرين والمرتدين والمنافقين ، فأمر بقتل بعضهم ، وترك قتل ~~بعضهم ، وأخذ الجزية ، وترك نكاح نسائهم ، وترك أكل ذبائحهم. # وأما غيرهم من أهل الأديان ، من العرب والعجم ، والمرتدين عن الإسلام إلى ~~هذه الأديان المنصوصات من الكفر ، أو إلى الإلحاد ، أو إلى صفة الله ~~بالتشبيه له بخلقه ، والافتراء عليه بالتظليم له في عباده ، بأن كلفهم ما ~~لا يطيقون ، وعذب أطفالهم بما لا يكسبون ، إذ خرجوا مما عليه الأمة مجمعون ~~من سنة نبيهم صلوات الله عليه وعلى آله ، إذا أجمعوا أن الخارج منها كافر ، ~~فهؤلاء كلهم يستتابون من كفرهم فإن تابوا وإلا قتلوا ، لا يقبل منهم غير ~~ذلك ، ولا تؤكل ذبائحهم ، ولا تنكح نساؤهم إن كن كفارا ، ويفرق بينهم وبين ~~نسائهم إذا أسلمن ، من حرائرهن وإمائهن ، ولا يرثون ، ويرث المؤمنون ~~أموالهم. # هذا حكم المرتدين منهم ، وبهذا حكم الله جل ثناؤه في جميع الكافرين ، ما ~~خلا من كان منهم له عهد من رسلهم ، ودخل بأمان إلى المسلمين في دارهم ، أو ~~كان بينه وبينهم صلح وعقد ، فهؤلاء يوفى ms26 لهم بعهدهم ، ولا ينقض شيء من عهدهم. ### | [معاداة الفاسقين] # وعلى العبد أن يعادي أعداء الله الفاسقين ، الذين أقروا ثم فسقوا ، من ~~كانوا وحيث كانوا ، أحياءهم وأمواتهم ، وذكورهم وإناثهم ، الذي يسعون في ~~الأرض فسادا ، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، ويركبون كبائر الإثم ~~والفواحش ، أولئك لهم اللعنة PageV01P613 # ولهم سوء الدار ، ونلعنهم كما لعنهم الله (1) ونتبرأ منهم ، من كانوا ~~وحيث كانوا ، من قريب أو بعيد. وهكذا قال تبارك وتعالى : ( @QUR@051 لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22)) ~~[المجادلة : 22]. فكل من أتى كبيرة من الكبائر ، أو ترك شيئا من الفرائض ~~المنصوصة ، على الاستحلال لذلك فهو كافر مرتد ، حكمه حكم المرتدين. ومن فعل ~~شيئا من ذلك اتباعا لهواه ، وإيثارا لشهواته ، كان فاسقا فاجرا ما قام على ~~خطيئته ، فإن مات عليها غير تائب منها ، كان من أهل النار ، خالدا فيها ~~وبئس المصير. يبين ذلك قول الله تبارك وتعالى : ( @QUR@04 إن الأبرار لفي ~~نعيم (13) @QUR@04 وإن الفجار لفي جحيم (14) @QUR@03 يصلونها يوم الدين ~~(15) @QUR@04 وما هم عنها بغائبين (16)) [الانفطار : 13 16]. ومن لم يغب ~~من النار فليس منها بخارج ، ومن لزمه الفسق والفجور من كان فهو من أهل ~~النار ، إلا أن يتوب ، لقول الله جل ثناؤه : ( @QUR@03 سأريكم دار الفاسقين ~~) [الأعراف : 145]. وقوله : ( @QUR@04 وإن الفجار لفي جحيم (14)) . ### | [الفاسق] # ومن أتى كبيرة فهو فاجر فاسق. يبين ذلك قول الله جل ثناؤه : ( @QUR@019 ~~والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4)) [النور : 4]. وقال تبارك ~~وتعالى : ( @QUR@013 إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في ~~الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23)) [النور : 23]. فإذا كان قاذف المحصنة ~~فاسقا ملعونا ، فالزاني بالمحصنة أعظم جرما ، والسارق ، وقاتل النفس ، بغير ~~الحق ، وآكل أموال اليتامى ظلما ، وغير ذلك من ms27 كبائر الذنوب. وكذلك من فعل ~~ذنبا من الكبائر فهو فاسق في إجماع الأمة. PageV01P614 # والفاسق لله جل ثناؤه عدو ، حكم الله فيه (1) ما أنزل من حدوده. من قتله ~~إذا قتل ظلما ، أو أفسد في الأرض بغيا ، وقطع يده إذا كان سارقا ، وجلده ~~إذا زنا ، وإن زنا وهو محصن قتل بالحجارة رجما ، وإذا قذف المؤمنين ~~والمؤمنات جلد الحد ، وغير ذلك (2) من النكال ، لما يكون منه من الفعال ، ( ~~@QUR@010 ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) [المائدة : ~~33]. (3) مع ما نهى الله عز وجل عنه من ولايته ، وأمر به من جرح عدالته ، ~~وإبطال شهادته ، وسوء الظن به ، والحجر عليه في ماله إذا أنفقه في معاصي ~~ربه ، حتى يؤنس رشده ، وغير ذلك من الأحكام عليه ، من سوء الثناء ، وإلزامه ~~القبيحة من الأسماء ، فليس هو من المؤمنين في أسمائهم ، ولا رضي أفعالهم ، ~~لمجانبة المؤمنين في أعمالهم وطيبهم. ولا من الكافرين ولا يسمى بأسمائهم ، ~~(4) لمخالفته الكافرين في جحدهم ، وفريتهم على ربهم ، واستحلالهم لما حرم ~~الله عليهم. ولا هو من المنافقين لاستسرار المنافقين الكفر في قلوبهم ، ~~ولكنه فاسق. ذلك اسمه ، وعليه حكمه. # وقد بين الله جل ثناؤه أن الفاسق اسم من أسماء الذنوب ، لقوله : ( ~~@QUR@011 بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) ~~[الحجرات : 5]. ومن لم يتب من فسقه وظلمه ، فهو من أهل النار ليس بخارج ~~منها ، ولكنه وإن كان في النار فليس عذابه كعذاب الكافر ، بل الكافر أشد عذابا. # فلا يغتر مغتر ، ولا يتكل متكل ، على قول من يقول من الكاذبين على الله ~~وعلى رسوله ، صلوات الله عليه وعلى أهله أن قوما يخرجون من النار بعد ما ~~يدخلونها ، يعذبون بقدر ذنوبهم. (5) هيهات أبى الله جل ثناؤه ذلك!! وذلك أن ~~الآخرة دار جزاء ، PageV01P615 # والدنيا دار عمل وبلوى ، فمن خرج من دار البلوى إلى دار الجزاء ، على ~~طاعة أو معصية ، فهو صائر إلى ما أعد الله له خالدا فيها أبدا. # فالله الله في أنفسكم بادروا وجدوا ، وتوبوا قبل أن تحجبوا عن التوبة. ~~ومع ذلك فإن ms28 (1) الأمة مجمعة على أن أهل الوعيد من أهل النار. # قال (2) بعض الناس : إنما عنى بالوعيد المستحلين ، وتواعد به المذنبين ، ~~ليزجرهم عن أعمال الفاسقين. # فقيل لهم : أفيجوز على أحكم الحاكمين ، أن يوعد بعقوبة الكافرين ، من ليس ~~منهم من المذنبين ، وهو يعلم أنه لا يوقع بهم ذلك يوم الدين؟! # فهل يكون من الكذب ، والهزل من القول؟! إلا ما وصفهم به أرحم الراحمين ، ~~إذ كان يوعد قوما بعقوبة قوم آخرين ، لم يكونوا لمثل أعمالهم التي أوجب ~~الله لهم العقوبة عليها عاملين. # وقال بعضهم : إن قوما يخرجون من النار بعد ما يدخلونها. # فقيل لهم إذا اجتمعتم أنتم وأهل الحق على الدخول ، ثم خالفتموهم في ~~الخروج ، فالحق ما اجتمعتم عليه من الدخول ، والباطل ما ادعيتموه بلا إجماع ~~ولا حجة من الخروج. والأمة مجمعة على أن من أتى كبيرة ، أو ترك طاعة فريضة ~~كالصلاة والزكاة والصيام ، من أهل الملة فهو فاسق. (فكلهم قد أقر (3) بأنه ~~فاسق) (4) (وهي مختلفة في غير ذلك من أسمائه. # فقال بعضهم : هو مشرك فاسق منافق. وقال بعضهم : هو فاسق كافر. PageV01P616 # وقال بعضهم : فاسق منافق. فكلهم قد أقر بأنه فاسق) (1) واختلفوا في غير ~~ذلك من أسمائه. فالحق ما أجمعوا عليه من تسميتهم إياه بالفسق ، والباطل ما ~~اختلفوا فيه. ففي إجماعهم الحجة والبرهان ، نسأل الله التسديد والتوفيق ، ~~لما يحب ويرضى. # والأسماء في الدين والأحكام ، عند ذي الجلال والإكرام ، ليس لأحد من ~~المخلوقين أن يضع اسما وحكما على أحد من العالمين ، فيما هم به مأمورون ~~وعنه منهيون ، فمن استحل شيئا من ذلك برأيه ، عن غير كتاب الله جل ثناؤه ، ~~وسنة رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو من الضالين إذ كان عند الله ~~كبيرا. لأن الحكم في ذلك كله لرب العالمين ، لقوله جل ثناؤه : ( @QUR@09 إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) [الأنعام : 57]. # وعلى العبد أن يتجنب (2) الفاسقين ، والمعونة لهم على فسقهم ، والمجالسة ~~لهم على لهوهم ومعاصيهم ، وعليه أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، لأن ~~على كل مؤمن إذا رأى منكرا مما يجوز ms29 أن يغيره هو ، أن يغيره بكل ما يقدر ~~عليه ويحل له ، وإن كان مما لا يجوز أن يغيره (إلا لإجماع المؤمنين ~~بالتعاون ، فعليهم وعليه أن يغيروا) (3) بكل إمكانهم ، بالسيف إن لم يجز ~~إلا بالسيف ، وبما دون السيف إذا اكتفي به ، وأدنى ذلك النهي باللسان. فإن ~~لم يمكنه ذلك لتعبه لتخوفه (4) الهلاك أو تقية ، فإنكار ذلك بالقلب ، ~~والعزم على التغيير إذا أمكن الأمر. ولا يترك صاحب المنكر حتى يتوب منه ، ~~أو يقام فيه حكم رب العالمين ، ويدارى أهل المنكر ، ويوعظون بأرق الوجوه ، ~~فإن أبوا إلا المقام على المنكر ، فإن قدر على إزالتهم عنه فلا يؤخر ذلك ، ~~وإن لم يقدر على إزالتهم جونبوا بمجانبة جميلة ، وقطعت الولاية عنهم ، ولا ~~يدعا لهم بخير حتى يتوبوا إلى ربهم ، إنه ( @QUR@010 يقبل التوبة عن عباده ~~ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون ) [الشورى : 25]. PageV01P617 ### | [التوبة] # وعلى العبد أن يتقي الله في سر أمره وعلانيته ، ويستغفر الله ويتوب إلى ~~الله من ذنوبه ، فإنه يقبل التوبة عن عباده ، بذلك وصف نفسه جل ثناؤه ، ~~فقال : ( @QUR@09 وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82)) [طه ~~: 82]. ثم دعا عباده إلى التوبة ، ثم أخبرهم أنه يقبلها ، فقال : ( @QUR@09 ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90)) [هود : 90]. وقال : ( ~~@QUR@08 وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) [النور : 31]. # فمن تاب إلى الله قبل توبته ، وإن كانت ذنوبه عدد الرمل ، (1) وأكثر من ~~ذلك ، لأنه كريم ، وهو بعباده رءوف رحيم ، يقبل التوبة ويقيل العثرة ، ~~ويقبل المعذرة ، ويغفر الخطيئة ، إذا صحت من العبد التوبة. وقال جل ثناؤه : ~~( @QUR@022 والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) @QUR@08 يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) @QUR@016 إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70)) ~~[الفرقان : 68 70]. ومن تاب من ذنبه ، قبل الله توبته وأحبه ، كذلك قال جل ~~ثناؤه : ( @QUR@06 إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) [البقرة : 222]. ~~يعني : المتطهرين من ms30 الذنوب. فمن أحبه الله لم يعذبه ، وكان من أولياء الله ~~الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وكان من أهل الجنة لا شك فيه. وكذلك ~~أخبر تبارك وتعالى عن ملائكته : ( @QUR@027 الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) @QUR@011 ربنا ~~وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم PageV01P618 # @QUR@01 وذرياتهم ) [غافر : 7 8]. والله جل ثناؤه لا يخلف الميعاد. ### | [التوبة من حقوق الله] # فالتوبة لها وجوه وتفسير ، فكل ذنب بين الله وبين عباده وإمائه نحو الزنا ~~، وشرب الخمر ، وإتيان الذكران بعضهم بعضا ، وإتيان النساء بعضهن بعضا ، ~~واستماع محارم اللغو واللهو والعكوف عليها ، وقول الزور ، وقذف أهل الإحصان ~~من الرجال والنساء بالرفث والخناء والفجور ، والكذب ، والمرح ، والخيلاء ، ~~والكبرياء ، والرياء ، والعجب ، وعقوق الوالدين ، وقطيعة الرحم ، والنظر ~~إلى ما لا يحل من العورات ، وغيرها ، والفرار من الزحف لا ينحرف إلى قتال ~~ولا يتحيز إلى فئة ، والكذب ، (1) والغيبة ، والنميمة ، وما أشبه ذلك من ~~الذنوب ، ومعاداة أولياء الله ، وموالاة أعداء الله ، فالتوبة من ذلك كله ~~بالندم على ما مضى ، والاستغفار بالقلب واللسان بلا إصرار ، والعزم أن لا ~~يعود إلى شيء من ذلك أبدا ، قليلا كان أو كثيرا. ### | [التوبة من حقوق المخلوقين] # وأحب إلينا أن ينظر إلى ما كان أذى لمسلم أو معاهد ، فيستحله ويعتذر إليه ~~منه ويرضيه ، وكل ذنب كان بين العبد وبين الناس مسلمهم ومعاهدهم ، من سرقة ~~، أو ربا في أموالهم ، أو أخذ مال بغير حق في جناية ، أو غصب ، أو إدخال ~~ضرر عليهم في الأبدان كالقتل ، والجراحات كالضرب الشديد ، (كان إذا قدر على ~~ذلك وكان له مال) (2) فإن لم يكن مال جعله دينا عليه ، وعزم على أن يرده ~~إلى أهله إذا قدر عليه ، أو على ذريتهم إن كان أهله ماتوا. ويندم على أخذه ~~وحبسه ، ويستغفر الله ، ويعطي من PageV01P619 # نفسه أن لا يعود إلى مثل ذلك أبدا ، ولا تجزيه التوبة من الأخذ حتى يرد ~~إذ (1) كان ms31 حابسا ، وإن استوهبه منهم ووهبوه له بطيبة أنفس (2) منهم ، كان ~~ذلك له (3) حلالا ، بعد الإقرار لهم على أجمل الوجوه. وإن صالحوه وأخذوا ~~بعضا وتركوا بعضا ، على غير اقتسار لهم كان ذلك جائزا. # وإن لم يعرف أصحاب المال الذي أخذ منهم المال وأيس أن يعرفهم ، أو يعرف ~~ورثتهم ، تصدق بمقدار ما أخذ منهم على المساكين ، فإن جاءوا بعد ذلك إليه ~~أخبرهم أنه قد تصدق بذلك عنهم ، فإن رضوا لم يكن عليه شيء ، وإن أرادوا ~~حقهم رده عليهم ، إذا قدر عليه ، وكانت صدقته له. وإن كان محتاجا إليه ~~فأنفقه على نفسه ، وجعله دينا عليه لأهله ، فإن تاب قبل القدرة على أدائه ~~إليهم من غصبه المال ، وإنفاقه إياه على نفسه ، كانت توبته مقبولة عند الله ~~جل ثناؤه ، وكان المال له لازما حتى يعينه الله على قضائه. # وإن كان الذي أخذ أموالهم غائبا في بعض البلدان ، فلم يقدر على الخروج ~~إليهم به لعلة مرض ، أو علة حائلة بينه وبين ذلك ، أوصى أن يبعث به إليهم ، ~~لأن عليه أن يوصل إليهم حقوقهم حيث كانوا ، ويستحلهم من أخذه وإنفاقه وغصبه ~~، ثم لا شيء لهم عليه بعد ذلك. وتوبته مقبولة فيما بينه وبين الله جل ثناؤه. # وإن لم يكن يدر كم المال الذي أخذ من أموال الناس ، متفرقهم ومجتمعهم ~~ونسي ، وكثر ذلك عليه ، فليتحر ما لكل واحد على قدر مبلغ علمه ورأيه ، ~~ويحتط لنفسه ، ويزيد على نفسه حتى يكون الغالب عليه في حكمه (4) ورأيه ، أن ~~قد استغرق جميع حقوقهم ، وأدى إليهم أموالهم وزاد ، فإن النفقة له في ذلك. ~~فإن زاد كان له أجره ، وإن نقص قليلا لم يضره ، بعد أن يتعمد الوفاء. وذلك ~~كله توبته إلى الله جل ثناؤه مما كان منه في ذلك ، من أخذ وحبس عن أهله ، ~~وهو عنده بندم واستغفار ، وعزم على أن لا PageV01P620 # يعود إلى مثل ذلك أبدا. # فإن كان صار إليه مال من ناحية ظالم غاصب ، وهو به عالم بسبب معونة له في ~~ظلمه ، ودخول معه في غصبه ، وأخذ ذلك هبة منه ms32 ، وهو يعلم أن ذلك ظلم وغصب ~~لغيره ، فالتوبة مما أخذ من ذلك أن يخرجه من عنده ، فيرده على أهله ~~المغصوبين إياه ، ولا يحل له أن يرد شيئا من ذلك إلى الغاصب ، لأنه ليس له. # وإن كان أنفقه وليس عنده شيء منه ، كان ضامنا لرده إذا أمكنه على أهله ، ~~ويتوب إلى الله جل ثناؤه من إنفاقه. # وأما ما كان من الربا فالتوبة منه ما وصفنا من الندم والاستغفار ، (1) ~~ويخرج كل فضل فوق رأس ماله ، فيرده على ما وصفنا من رده على أهله إن عرفهم ~~، وإلا فعلى ما وصفنا من رده ، لكل ما لزمه رده. ### | [التوبة من القتل والجراحات] # وأما ما كان من قتل فلا توبة لقاتل المؤمن حتى يندم على القتل ، ويستغفر ~~الله منه ، ويعزم على أن لا يعود إلى قتل أحد أبدا ظلما ، ويمكن أولياء ~~المقتول المؤمن من نفسه صابرا محتسبا ، يقول لهم : إنه قتل صاحبهم ظلما ~~وعمدا وعدوانا. فإن فعل ذلك فهو تائب لا شيء عليه من إثم القتل ، فإن قتلوه ~~تائبا بحق هو لهم فلا تبعة لهم عليه ، ولا للمقتول لديه حق ، وإن عفوا عنه ~~فلهم أن يعفوا عنه ، لأن الحق بعد المقتول لأولياء المقتول. ويعوض الله جل ~~ثناؤه المقتول إذا كان مؤمنا صابرا. ألم تسمع إلى قوله جل ذكره كيف يقول : ~~( @QUR@07 ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) [الإسراء : 33]. فقد ~~سلط الله جل ثناؤه أولياء المقتول على القاتل ، إن شاءوا قتلوه ، وإن شاءوا ~~عفوا وأخذوا الدية. # وإن تاب فيما بينه وبين الله ، ولم يمكن أولياء المقتول من نفسه ، لم ~~يسعه ذلك ولم PageV01P621 # تقبل توبته ، فإن لم يعرف أولياء المقتول عزم القاتل على أن يمكن من نفسه ~~أولياء المقتول متى عرفهم. يصنعون به ما لهم عليه من القتل ، أو الدية ~~والعفو ، ولا يدفع نفسه إلى سلطان ، ولا إلى غيره ، ولا يدفع نفسه إلا إلى ~~أولياء المقتول. # وإن لم يتب إلى ربه جل ثناؤه ، ويمكن أولياء المقتول من نفسه ، كان كما ~~قال الله جل ثناؤه : ( @QUR@016 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ms33 فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93)) [النساء : 93]. # وأما ما كان من جراحات سوى القتل ، مما يجب فيه القصاص ، فإنه يتوب إلى ~~الله جل ثناؤه منها بالندم عليها ، والعزم على أن لا يعود ، ويمكن من نفسه ~~بعد التوبة إلى الله جل ثناؤه من فعله به ، وإن اقتص منه فلا شيء عليه ، ~~وإن عفا عنه فذلك إليه ، وإن كانت جراحات قد برأ منها أصحابها ، ولم يكن ~~أمكنهم القصاص من نفسه ، فلم يعلم مقدارها لبرء فلا قصاص عليه فيها ، لأنه ~~لا يعلم قدر ذلك ، وعليه أرش الجراحات يقيمه عدل ، يتوخى في ذلك الصواب ، ~~فيدفع ذلك إلى أصحاب الجراحات. # فإن لم يعرف أصحابها ، دفع ذلك (1) إلى ورثتهم الذين يقومون بذلك. # وإن كان لا يعرف أصحاب الحقوق ، دفع ذلك القدر إلى المساكين ، إذا قدر ~~على ذلك. # وما كان من الجراحات مما لا قصاص فيه مما يكون فيه حكومة عدل ، دفع إلى ~~من صنع به ذلك إن كانوا أحياء ، وإن كانوا أمواتا دفع ذلك إلى ورثتهم ، فإن ~~لم يعرفهم ولا ورثتهم دفع ذلك إلى المساكين ، إذا قدر على ذلك. # ويفعل في كفارة الخطأ كما أمره الله جل ثناؤه في كتابه ، وكذلك في كفارة ~~الظهار ، فمن لم يقدر على شيء من ذلك ، فالتوبة منه على ما أمر الله جل ثناؤه. # وأما ما كان من ضرب (2) مما لا يكون القصاص فيه ، فالتوبة فيه والاستغفار ~~والندم ، وأن لا يعود إلى مثله أبدا ، ويرضي أصحابها إن عرفهم ويتحللهم. PageV01P622 # وأما ما كان من ظلم الناس نحو اغتياب وتجسس ، أو سوء ظن بمؤمن ، أو سعاية ~~إلى ظالم ، أو كذب عليه ، فالتوبة إلى الله جل ثناؤه من ذلك ، ويتحلل ذلك ~~من أصحابه (1) الذين فعل بهم ، فإنه أحسن وأفضل ، ويكون ذلك على أجمل ~~الوجوه. # فإن لم يمكنه التحلل ، ولم يفعله بعد أن يتوب إلى الله جل ثناؤه ، رجونا ~~أن لا يضره ذلك. # وكذلك إن أساء إلى مماليكه في تقصير في مطعم أو ملبس ، مما لا يحل له أن ms34 ~~يفعله بهم ، أو عاقبهم عقوبة أسرف فيها ، أو شتمهم بما لا يحل له ، فليتب ~~إلى الله جل ثناؤه من ذلك كله ، وليتحلل من مماليكه. # وإن استدان رجل ما لا ينفقه على نفسه وعلى عياله ، بالقصد (2) كما أمره ~~الله جل ثناؤه ، وكان عزمه أن يرده إذا أيسر ، وأمكنه فمات قبل أن يؤديه ، ~~وليس له مال ، ولم يترك وفاء ، فلا شيء عليه فيما بينه وبين الله جل ثناؤه ~~وبين صاحب الدين ، لأن الله العدل ، الذي ( @QUR@06 لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها ) [البقرة : 286] ، و ( @QUR@04 ... إلا ما آتاها ) [الطلاق : 6]. # فإن أخذ دينا ونسي أن ليس عليه لأحد شيء ، فلا شيء عليه عندنا ، إذا لم ~~يكن نسيانه ذلك من تشاغله بمعصية ربه. # فإن أخذ دينا فلم يرده إلى أصحابه ، حتى ماتوا فليؤده إلى ورثتهم ، فإن ~~لم يعرف لهم ورثة وانقطعت آثارهم ، وانقطع ذكرهم ، فليتصدق به على المساكين ~~، وقد سلم من الإثم إذ (3) تاب من حبسه ، وقد كان يقدر على أدائه. # فإن استقرض مالا فأنفقه فيما يحل له ويحرم عليه ، وكان من عزمه أن لا ~~يؤديه إلى أهله (فهو فاسق ، وتوبته في ذلك الاستغفار والندم ، ورده على ~~أهله) (4) إن كان يقدر PageV01P623 # عليه ، وإن كان معسرا عزم على أدائه إليهم إذا قدر عليه ، وأشهد لهم بذلك ~~على نفسه ، إن أرادوا ذلك منه ، فإن ماتوا ولم يكن لهم ورثة تصدق به عنهم ، ~~وإن كان محتاجا أنفقه على نفسه وعياله ، كما يتصدق به على غيرهم هذا إذا ~~كان ضامنا له. # وإن كان أخذ أموال الناس من طريق الدين ، وكان شأنه أن لا يقضي ولا يؤدي ~~، وجحد ذلك ، ثم مات على ذلك ، فأقام أصحاب الدين من بعد موته على ورثته ~~البينة ، أو عرف ذلك الورثة ، فعليهم أن يؤدوه إلى أهله ، والميت من أهل ~~النار ، ولا ينجيه من ذلك أداء ورثته عنه ، لأنه اعتزم (1) على أنه لا ~~يؤديه ، ومات غير تائب مصرا على أخذ أموال الناس ظلما وعدوانا فهو من ~~الفاسقين. وإن لم يكن لهم بينة ، وعرف الورثة أن المال الذي ms35 خلف الميت إنما ~~هو أموال الناس ، وعرفوا ما عليه من الدين ، لم يحل لهم ما أخذوا ، لأنهم ~~أخذوا ما ليس لهم من حقوق الناس. والسنة الماضية أنه لا شيء لوارث حتى يقضى ~~الدين ، فإن لم يقضوه ولم يمكنهم وهم يعرفونه ، كانوا من أهل النار ، إذا ~~(2) ماتوا على ذلك مصرين ظالمين. ### | [الأيمان والتوبة منها والكفارة] # فإن كان رجل حلف بأيمان بالله وهو كاذب متعمد للكذب ، من غير إكراه أو ~~تخوف ، فقد فسق إذا بلغت يمينه كبيرة ، وتوبته من ذلك أن يستغفر الله من ~~ذلك ويندم على ما كان منه ، ولا يعود إلى مثل ذلك أبدا ، وليس عليه كفارة. # وإن كان حلف بما فيه كفارة ثم حنث فعليه كفارة لكل يمين. # والأيمان أربع فيمينان يكفران ، وهو قول القائل : والله لأفعلن كذا وكذا ~~، فلا يفعل. # وقوله : والله لا أفعل كذا وكذا ، ففعل. # واليمينان اللتان لا يكفران قول القائل : والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل. PageV01P624 # وقوله : [والله] لقد فعلت كذا وكذا ، وما فعل. # وكفارة اليمين إذا حنث ، إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يأكل هو وأهله ، ~~أو كسوتهم ثوبا ثوبا ، أو تحرير رقبة. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. فمن لم ~~يقدر على إطعامهم ، وغير ذلك من الكفارة ، فليصم عن كل يمين ثلاثة أيام ، ~~ويستغفر الله من تضييعه ولا يعد (1). # فإن أدركه الموت ولم يكفر عن يمينه من إطعام ، أو كسوة ، ولم يقدر على ~~ذلك ، فليوص أن يطعم عنه المساكين من ماله ، لكفارة أيمانه إن كان له مال ، ~~فإن لم يكن له مال فلا شيء عليه ، لأن الله جل ثناؤه قد عذر من لم يجد. # وإن كان يعرف الأيمان التي عليه كم هي فليكفر عددها ، وإن كان عددها لا ~~يقف عليه فليتوخ قدرا من ذلك ، يكون الغالب عنده أنه قد استغرقها وزاد. ثم ~~نرجو أن (2) لا يضره زاد أو نقص ، إذا لم يتعمد ذلك. وكذلك يوصي بمثل ذلك ، ~~إذا لم يمكنه قضاء ذلك. ### | [التوبة من ترك الصلاة وسائر العبادات] # وإن كان ضيع صلاة ms36 ، أو صياما ، أو حجا ، أو زكاة ، بعد ما وجب ذلك عليه ، ~~بالتواني والاستخفاف ، متعمدا لذلك ، فعليه أن يتوب إلى الله جل ثناؤه من ~~ذلك ، ويقضي ما فاته من الصلوات (3) إن كان يعرف عددها ، ومن الصيام أيضا ~~كذلك ، وإن كان لا يعرف كم هو فليتحر الصواب جهده ، ويزيد حتى يستغرق ذلك ، ~~ثم نرجو أن لا يضره نقص أو زاد ، إذا لم يتعمد ذلك ، ويقضي تلك الصلوات في ~~أي أوقات النهار أو الليل شاء ، فإذا (4) حلت له أوقات صلوات يومه الذي هو ~~فيه صلاها في أوقاتها ، ثم عاد فيقضي ما عليه حتى يفرغ منها ، لا يتشاغل ~~بغيرها. PageV01P625 ### | [الصلاة] # وإن كان ترك صلاة متعمدا فلم يقضها نسيانا جاز ذلك (منه ، ثم ذكرها ~~فليقضها وحدها أيضا ، وإن كان لها ذاكرا فتركها متعمدا) (1) حتى مضت لها ~~أشهر أو سنوات ، فليقضها وليتب مما صنع. # وقد قال بعض العلماء يجزيه قضاؤها وحدها ويتوب من تأخيرها ، وقال بعضهم ~~أسلم له قضاء ما بعدها من الصلوات ، وذلك أنه لا صلاة لمن ضيع صلاة حتى ~~يقضي ما ضيع. ### | [الصوم] # وإن كان ترك صياما من شهر رمضان كله حتى حضر رمضان آخر ، فعليه أن يصوم ~~هذا الذي حضر ، ويعتزم على صيام ما فاته ، فيصوم من بعد ذلك ويتوب مما ضيع. ### | [الزكاة] # وإن كان ضيع زكاة حتى أدركه الموت ، فليتب مما ضيع ويخرج ما عليه منها ، ~~فيؤديه إلى المساكين ، إن كان له مال ، ويوصي بذلك إن لم يمكنه الأداء ، ~~لأنها دين عليه لأهلها الذين سماهم الله جل ثناؤه ، في أي صنف منهم وضعت ~~أجزت عنه ، وإن لم يكن له مال ومات فلا شيء عليه بعد أن يتوب. ### | [الحج] # وإن كان ترك الحج وهو يقدر عليه حتى أدركه الموت ، فليتب إلى الله جل ثناؤه PageV01P626 # من تفريطه ، وليعزم على الحج ، وليحج إن قدر عليه ، وإن (1) لم أوصى أن ~~يحج عنه ، فقد قال بعض العلماء ذلك. وقال بعضهم لا يحج عن أحد كما لا يصلى ~~عن أحد ، ولا يصام عن أحد ، لأن تلك حقوق الله ms37 جل ثناؤه ، أمر عباده أن ~~يتولوها بأنفسهم ، فإن لم يقدروا عليها عذرهم ولم يكلفهم غير هذا. # وأما ما كان من حقوق الناس فيما بينهم في أبدانهم ، وأموالهم ، فعليهم أن ~~يخرج بعضهم إلى بعض منها ، ويعطي عنه إذا قدروا عليها. # وإن أوصى أن يحج عنه فحسن عندنا وهو أحوط. # وعلى المرتدين من الإسلام إذا تابوا مع (2) ما ذكرنا من الظلم للناس في ~~أبدانهم وأموالهم ومن (3) الديون قبل ارتدادهم وفي ارتدادهم ، ثم أسلموا أن ~~يتوبوا إلى الله جل ثناؤه من ذلك كله ، ويؤدوا الحقوق إلى أهلها كما يفعل ~~المقرون ، لأن حكمهم في ذلك غير أحكام أهل الحرب ، لأنه لا قصاص بين أهل ~~الإسلام وأهل الحرب (4). # فعلى العبد مما وصفنا من هذه الذنوب التوبة النصوح ، وقد جعل الله جل ~~ثناؤه لهم إليها السبيل. # التوبة النصوح هي الندم على ما كان من الذنوب ، وتركها والاستغفار منها ~~وترك الإصرار عليها ، والعزم على أن لا يعود أبدا إليها ، فتلك التوبة ~~المقبولة ، يقبلها التواب الرحيم. # فرحم الله عبدا اتقى الله في نفسه ، وتطهر بالتوبة قبل الموت والفوت ، ~~ولم تغره الحياة الدنيا ، ولم يغره بالله الغرور. # وليبادر بالتوبة قبل أن يسألها فلا يجاب إليها ، قال جل ثناؤه : ( ~~@QUR@02 إنما التوبة PageV01P627 # @QUR@018 على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك ~~يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) @QUR@024 وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون ~~وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18)) [النساء: 17 18]. والتوبة ~~قائمة مبذولة مقبولة ، من حيث يواقع العبد الذنب إلى قبل حضور أجله بطرفة ~~عين ، أو أقل. # وحضور الموت هو معاينة ملك الموت والملائكة صلوات الله عليهم ، أو بسبب ~~من أعلام الموت العظيم المهول ، (1) الذي يشاهده العبد في تلك الحالات ، لا ~~يعلمه أحد من البشر غيره ، أو ذهاب (2) عقله ، فحينئذ لا تقبل توبته ، ولا ~~عند نزول العذاب إذا نزل بأهل المعاصي ، ولا عند الحواجب من آيات الله ~~المانعة من الرجوع إلى أحكام الدنيا ، والله جل ms38 ثناؤه بهذا كله وأوقاته ~~أعلم وأحكم تبارك وتعالى. # وعلى العبد أن يكون أبدا مستعدا تائبا. نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في ~~الموت إذا نزل بنا ، وفي العرض على ربنا جل ثناؤه ، ( @QUR@026 يوم تجد كل ~~نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30)) [آل عمران : 30]. # تم الكتاب والحمد لله رب الأرباب ، وصلواته على المصطفى من خير نصاب ، ~~محمد النبي وأهله الطاهرين الأطياب ، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # * * * PageV01P628 ms39