######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام ¶ المؤلف : الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# auth: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 75 #META# الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# bkord: 110 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع كتب ورسائل الامام القاسم الرسي عليه السلام #META# comp: 1 #META# bk: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# max: 999 #META# المؤلف: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# authinf: المؤلف: الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي ¶ ترجمة المؤلف: هو الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، أحد أكابر علماء أهل البيت النبوي الطاهر. كان فقيها محدثا، مناظرا، مجاهدا، شاعرا، زاهدا. له مواقف وجولات وصولات مع بني العباس، وله العديد من المؤلفات لا يسع المقام هنا لسردها مزيدا حول ترجمتة انظر: الأعلام (6 /5)، التحق شرح الزلف (39)، معجم المفسرين (1 / 431)، المصابيح لأبي العباس. الحدائق الوردية (خ)، أعيان الشيعة (8 - 435 -436). #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | كتاب العدل والتوحيد # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله على ما أسبغ علينا من نعمه، ومن علينا من إحسانه وكرمه، وبين ~~لنا من الهدى، وأنقذنا من الضلالة والردى، بإقامة حججه، وتواتر رسله، صلوات ~~الله عليهم، ومحكم آياته، وتفصيل بيناته، رحمة لعباده، ودعاء لهم إلى ~~ثوابه، وإخراجا لهم من عقابه: { لئلا يكون للناس على الله حجة } ~~[النساء:165]. و{ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وإن الله ~~لسميع عليم } [الأنفال: 42]. PageV01P239 ### || AUTO [عقائد يجب الإيمان بها] # أما بعد:فإن الذي يجب على العبد أن يكون عاملا بطاعة الله، التي لا يقبل ~~الله عز وجل غيرها من طاعته إلا بأدائها، ولا يكون مؤمنا حتى يفعلها. # أن يؤمن بالله وحده لا شريك له، ولا يتخذ معه إلها، ولا من دونه ربا ولا ~~وليا، وأن يؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، وبالحساب ~~والجنة والنار، وبالجزاء بالأعمال، وأن الآخرة هي دار القرار، لا ينقطع ~~ثوابها، ولا يبيد عقابها، ولا يموت فيها أهلها، وهم في جزائهم خالدون. ~~ويؤمن بوعد الله جل ثناؤه ووعيده، وأخباره، وكل ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، مما أمر به ونهى عنه صلوات الله عليه من العمل بالمفروض ~~بطاعة الله، والإجتناب لمعاصي الله، والولاية لأوليائه، والمعاداة لأعدائه، ~~والرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر الله. فإذا فعل ذلك كان مؤمنا، مسلما ~~محسنا، من المتقين الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون. PageV01P240 ### || AUTO [التوحيد] # ولا يكون العبد مؤمنا حتى يعلم أنه مخلوق مرزوق، وأنه ذليل مقهور، وأن له ~~خالقا قديما، عزيزا حكيما، ليس كمثله شيء في وجه من الوجوه، ولا معنى من ~~المعاني، وأن ما سواه من الأشياء كلها من عرشه، وملائكته، ورسله، وسمواته، ~~وأرضه، وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، مما أخرجه الله جل ثناؤه، من تمكين ~~العباد وأفعالهم، لم يجعل لأحد عليه قدرة ولا استطاعة، ولا عند أحد منهم ~~معرفة في شيء من بدو ذلك وإنشائه، ومن أعمل منهم فكره ليبلغ معرفة شيء من ~~ذلك بقي حسيرا، منقطعا ms01 مبهورا، ولا جعل إلى أحد في شيء منه سبيلا، ولا جعل ~~لأحد فيه محمدة ولا ذما، لأنه جل ثناؤه لم يستعن على إنشاء ما أنشأ بأحد، ~~ولم يشاركه في ملكه أحد، ولم يؤآمر في تدبيره أحدا، فهو الواحد الأحد، الذي ~~لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان. # فهو الدائم بلا أمد، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء: ~~{ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } [الحديد:3]. # وجميع ما أدركته ببصرك ووهمك، ووقع عليه شيء من حوآسك، أو كيفته بتقديرك، ~~أو حددته بتمثيلك، أو شبهته بتشبيهك، أو وقت له وقتا، أو حددت له حدا، أو ~~عرفت له أولا، أو وصفت له آخرا، فهو محدث مخلوق، والله تبارك وتعالى خالق ~~الأشياء، لا من شيء خلقها، ولا على مثال صورها، بل أنشأها وابتدأها، فدبرها ~~بأ حكم تدبير، وقدرها بأحسن تقدير. PageV01P241 # فهو جل ثناؤه، لا يشبه الخلق ولا يشبهه الخلق، لأنه الخلاق الذي: { ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى:11]. لم يخص بذلك شيئا دون شيء، بل ~~عم الأشياء كلها، ما كان منها وما يكون، فلا شبيه له ولا عديل، لا الضياء ~~ولا الأنوار، ولا الظلمات ولا النار. وذلك أن النور والظلمة مخلوقان ~~محدثان، يوجدان ويعدمان، ويقبلان ويدبران، ويذهبان ويجيئان، ويوصفان ~~ويحدان. والخالق جل ثناؤه ليس كذلك، لأن الخالق جل وعز قديم لم يزل، ~~والمخلوق لم يكن، فآثار الصنعة في المخلوق بينة، وأعلام التدبير قائمة، ~~والعجز فيه ظاهر، والحاجة له لازمة، والآفات به نازلة، فأنت تراه مرة ~~ماثلا، ومرة آفلا زائلا. PageV01P242 # فلما كانت هذه صفة كل مخلوق، ولم يجز أن تضاف صفة المخلوق إلى الخالق عز ~~وجهه، لأن الخالق لا يكون في صفة المخلوق، تبارك وتعالى الخالق أن يكون له ~~شبه البشر، هو الحامد نفسه قبل أن يحمده أحد من خلقه. فقال تبارك وتعالى: { ~~الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون } [الأنعام:1]. يقول جل ثناؤه إن الكفار عبدوا إلها ms02 غير الله، ~~فقالوا هو ضياء ونور، ومن جنسه النار والنور، وجعلوا معه إلها آخر، فقالوا: ~~هو ظلمة ومن جنسه كل ظلمة. فعدلوا بالله جل ثناؤه حين شبهوه بالأنوار، ~~وجعلوا معه آلهة من الظلمات، فأكذبهم الله جل ثناؤه إذ قال: { وجعل الظلمات ~~والنور }. تكذيبا لهم إذ شبهوه وعدلوا به، وأكذب جل ثناؤه الذين شبهوه ~~بالإنس من اليهود وغيرهم من المشركين، جهلا به وجرأة عليه، فقال جل ثناؤه ~~مع ما بين لهم في عقولهم من وحدانيته، ونفى شبه الخلق عندما يرون من أدلته ~~وأعلامه، التي تدعوهم إلى معرفته وتوحيده، من خلق السماوات والأرض، وما ~~فيهما وما بينهما، ومن أنفسهم لو أحسنوا النظر، وأعملوا في ذلك الفكر، فقال ~~جل ثناؤه: { قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا ~~أحد } [الإخلاص:1 - 4]. وقال: { ليس كمثله شيء } [الشورى:11]. وقال: { ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا } [المجادلة:7]. # كذلك الله عز وجل شاهد كل نجوى، عالم السر وأخفى، قريب لا بمجاورة، بعيد ~~لا بمفارقة، شاهد كل غائب، آخذ بناصية كل دآبة، وعليه رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها، أقرب إلينا من حبل الوريد، وحائل بيننا وبين قلوبنا لا بتحديد، ~~وهو مع قربه منا مدبر السماوات العلى، وشاهد الأرضين السفلى، وعليم بما ~~فيهن وما بينهن وما تحت الثرى، وهو على العرش استوى، وهو مع كل نجوى، وهو ~~في ذلك لا كشيء من الأشياء. PageV01P243 ### || AUTO [أسباب وعلل التشبيه] # ولقد ضل قوم ممن ينتحل الإسلام من المشبهة الملحدين، الذين شبهوا الله عز ~~ذكره بخلقه، وزعموا أنه على صورة الإنسان، وأنه جسم محدود، وشبح مشهود، ~~واعتلوا بآيات من الكتاب متشابهات، حرفوها بالتأويل، ونقضوا بها التنزيل، ~~كما حرف من كان قبلهم من اليهود والنصارى كلام الله عن مواضعه، وبأحاديث ~~افتعلها الضلال، من بغاة الإسلام، فحملها عنهم الجهال. فيها الإلحاد والكفر ~~بالله، وأحاديث لم يعرفوا حسن تأويلها، ولم يعنوا بتصحيحها، فضلوا وأضلوا ms03 ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. PageV01P244 ### || AUTO [الرؤية] # فكأنما تأولوا قول الله عز وجل: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظره } ~~[القيامة:22]. فقالوا إن الله عز وجل يرى بالأبصار في الآخرة، وينظر إليه ~~جهرة، خلافا لقول الله جل ثناؤه: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ~~[الأنعام:103]. جهلا بمعاني الآية وتأويلها. # فأما أهل العلم والإيمان، ففسروها على غير ما قال أهل التشبيه المنافقون، ~~فقالوا: { وجوه يومئذ ناضرة } يقول: مشرقة حسنة، { إلى ربها ناظره } يقول: ~~منتظرة ثوابه وكرامته ورحمته، وما يأتيهم من خيره وفوائده. وهكذا ذلك في ~~لغات العرب. وبلغاتها ولسانها نزل القرآن، يقولون: إذا جاء الخصب بعد ~~الجدب: قد نظر الله جل ثناؤه إلى خلقه، ونظر لعباده. يريدون أنه أتاهم ~~بالفرج والرخاء. ليس يعنون أنه كان لا يراهم ثم صار يراهم . PageV01P245 # وقال الله جل ذكره وهو يذكر أهل النار: { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران:77]. تأويل ذلك: أنهم ~~لا يرجون من الله جل ثناؤه ثوابا، ولا يفعل بهم خيرا، وأهل الجنة ينظر الله ~~إليهم وينظرون إلى الله جل ثناؤه، ومعنى ذلك أنهم يرجون من الله خيرا، ~~ويأتيهم منه خير ويفعله بهم، وليس معنى ذلك أنهم ينظرون إليه جهرة ~~بالأبصار، عز ذو الجلال والإكرام، وكيف يرونه بالأبصار، وهو لا محدود ولا ~~ذو أقطار، كذلك جل ثناؤه لا تدركه الأبصار، ومن أدركته الأبصار فقد أحاطت ~~به الأقطار، ومن أحاطت به الأقطار، كان محتاجا إلى الأماكن، وكانت محيطة ~~به، والمحيط أكبر من المحاط به وأقهر بالإحاطة، فكل من قال إنه ينظر إليه ~~جل ثناؤه على غير ماوصفنا من انتظار ثوابه وكرامته، فقد زعم أنه يدرك ~~الخالق، ومحال أن يدرك المخلوق الخالق جل ثناؤه بشيء من الحوآس، لأنه خارج ~~من معنى كل محسوس وحآس، فكذلك نفى الموحدون عن الله جل ثناؤه درك الأبصار، ~~وإحاطة الأقطار، وحجب الأستار، فتعالى الله عن صفة المخلوقين، علوا كبيرا ~~لا إله إلا هو رب العالمين . PageV01P246 ### || AUTO [شبه المشبهة] # وتأولت أيضا المشبهة قول ms04 الله تبارك وتعالى: { خلقت بيدي } [ص:75]. ~~وقوله: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه } ~~[الزمر:67]. وقوله: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [الفجر:22]. وقوله: { وكلم ~~الله موسى تكليما } [النساء:164]. وقوله: {سميع بصير } [الحج:61، لقمان:28، ~~المجادلة:1].وقوله: { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران:28 - 30]. وقوله: { كل ~~شيء هالك إلا وجهه } [القصص:88]. ففسروا ذلك على ما توهموا من أنفسهم، ~~وبأنه عز وجل عندهم في ذلك كله على معنى المخلوقين، وصفاتهم في هيئآتهم ~~وأفعالهم، فكفروا بالله العظيم، وعبدوا غير الله الكريم . # وتأويل ذلك كله عند أهل الإيمان والتوحيد: أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، ~~فأما قوله تبارك وتعالى: { خلقت بيدي }. يعني: بقدرتي وعلمي. يريد أني على ~~ذلك قادر وبه عالم، توليت ذلك بنفسي لا شريك لي في تدبيري وصنعي، لا أن ~~قدرتي وعلمي ونفسي غيري، بل أنا الواحد الذي لاشيء مثلي. وقد بين معنى هذه ~~الآية في آية أخرى، فقال: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون } [آل عمران:59]. وقال جل ذكره: { إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون } [النحل:40]. يريد إذا كونا شيئا كان . وقال ~~تبارك وتعالى: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها ~~مالكون } [يس:71]. يقول: مما عملت أنا بنفسي. # وقال جل ثناؤه: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [المائدة:64]، وتأويل ~~ذلك عند أهل العلم: بل نعمتاه مبسوطتان على خلقه، نعمة الدنيا ونعمة ~~الآخرة. PageV01P247 # وقيل في تأويله: بل رزقاه مبسوطان على خلقه، رزق موسع، ورزق مضيق، { ينفق ~~كيف يشاء }. أي: يفعل من ذلك ما هو أصلح لعباده. كذلك قال جل ثناؤه: { بيده ~~الملك } [الملك:1]. يعني: له الملك. وكذلك تقول العرب: الملك بيد فلان. وقد ~~قبض فلان الملك والأرض. وذلك في قبضته وبيمينه. يعنون: في قدرته وملكه. ~~كذلك السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما في قبضة الله وبيمينه. يعني: في ~~قدرته وملكوته وسلطانه، اليوم ويوم القيامة وفي كل وقت. كما قال جل ثناؤه: ~~{ والأمر يومئذ لله } [الإنفطار:19]. فالأمر يومئذ ms05 واليوم بيده. وقال تبارك ~~وتعالى لمن عصاه وهو يساق إلى النار: { ذلك بما قدمت يداك } [الحج:10]. و{ ~~بما كسبت يداك }. يريد: بما كسبت أنت بقولك وفعلك، ليس يعني: يده دون بدنه ~~وجوارحه . # وقال جل ثناؤه لنبيه، صلوات الله عليه وعلى أهله: { إلا ما ملكت أيمانكم ~~} [النساء:24]. يعني: ما ملكتم أنتم، وتقول العرب: أسلم فلان على يدي فلان. ~~يريدون: بقوله وأمره. ويقولون: # ................. بيد الله أمرنا والفناء # يريدون: بالله عمرنا والفناء. ويقولون: نواصينا بيد الله، ونحن في قبضة ~~الله. يريدون في هذا كله: أنا في قدرته وملكه، ليس يذهبون إلى يد كيد ~~الإنسان أو غيره من الخلق. # ومعنى قوله: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [الفجر:22]. يقولون: جاء الله ~~جل ثناؤه بآياته العظام في مشاهد القيامة، وجاء بتلك الزلازل والأهوال، ~~وجاء بالملائكة الكرام، فتجلت الظلم، وانكشفت عن المرتابين البهم، وبدالهم ~~من الله ما لم يكونوا يحتسبون. وليس قوله: { وجاء ربك }. أنه جاء من مكان، ~~ولا أنه زائل ولا حائل، أو منتقل من مكان إلى مكان، أو جاء من مكان إلى ~~مكان، تبارك الله وتعالى عن ذلك. بل هو شاهد كل مكان، ولا يحويه مكان، وهو ~~عالم كل نجوى، وحاضر كل ملأ. PageV01P248 # كذلك قوله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ضلل من الغمام } ~~[البقرة:210]. كما قال جل ثناؤه: { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون } [يس:49]. وكذلك قال جل ثناؤه: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ~~[النحل:26]. وقال: { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } [الحشر:2]. يعني بذلك ~~كله: أنه أتاهم بعذابه وأمره. ليس أنه أتاهم بنفسه زائلا، وكان في مكان ~~فكان عنه منتقلا. وكذلك يقول القائل للرجل إذا جاء بأمر عجيب: لقد أتى فلان ~~أمرا عجيبا. يريدون: أنه فعل شيئا أعجبه. فذلك تأويل المجيء من الله جل ~~ثناؤه. لا هو بالانتقال ولا بالزوال، لأن الزائل مدبر محتاج، لولا حاجته ~~إلى الزوال لم يزل. فلذلك نفى الموحدون عن الله جل ثناؤه الزوال والإنتقال . PageV01P249 ### || AUTO [القرآن كلام الله مخلوق] # وقوله:{ وكلم الله موسى تكليما } [النساء:164]. ms06 فذهبت المشبهة إلى أن ~~الله تعالى عما قالوا علوا كبيرا: تكلم بلسان وشفتين، وخرج الكلام منه كما ~~خرج الكلام من المخلوقين، فكفروا بالله العظيم حين ذهبوا إلى هذه الصفة. # ومعنى كلامه جل ثناؤه لموسى صلوات الله عليه عند أهل الإيمان والعلم: أنه ~~أنشأ كلاما خلقه كما شاء، فسمعه موسى صلى الله عليه وفهمه، وكل مسموع من ~~الله جل ثناؤه فهو مخلوق. لأنه غير الخالق له وإنما ناداه الله جل ثناؤه، ~~فقال: { إني أنا الله رب العالمين } [القصص:30]. والنداء غير المنادي، ~~والمنادي بذلك هو الله جل ثناؤه، والنداء غير الله، وما كان غير الله مما ~~يعجز عنه الخلائق فمخلوق، لأنه لم يكن ثم كان بالله وحده لا شريك له. # وكذلك عيسى صلوات الله عليه كلمة الله وروحه، وهو مخلوق كما قال الله في ~~قوله: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ~~[آل عمران:59]. وكذلك قرآن الله وكتب الله كلها، قال الله جل ثناؤه: { إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا } [الزخرف:3]. يريد: خلقناه. كما قال: { خلقكم من نفس ~~واحدة ثم جعل منها زوجها } [الزمر:6]. يقول: خلق منها زوجها. وقال جل ~~ثناؤه: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه } [الأنبياء:2]. وقال ~~تبارك وتعالى: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } [القلم:44]. وقال سبحانه: { ~~أو يحدث لهم ذكرى } [طه:113]. فكل محدث من الله جل ثناؤه فمخلوق، لأنه لم ~~يكن فكان بالله وحده لا شريك له، فالله أول لم يزل ولا يزول. # وأما قوله: { سميع بصير }. فمعنى ذلك: أنه لا تخفى عليه الأصوات ولا ~~اللهوات، ولا غيرها من الأعيان، أين ما كانت وحيث كانت، في ظلمات الأرض ~~والبر والبحر. ليس يعني: أنه سميع بصير بجوارح أو بشيء سواه، فيكون محدودا، ~~أو يكون معه غيره موجودا، تعالى الله عن ذلك. PageV01P250 # وأما قوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } [القصص:88]. وقوله: { ويبقى وجه ربك } ~~[الرحمن:27]. فإنما يعني: إياه لا غيره. يقول: كل شيء هالك إلا هو. وقوله: ~~{ ويبقى وجه ربك } ليس يعني ms07 بذلك: وجها في جسد، ولا جسدا إذا وجه، تعالى ~~الله عن هذه الصفات، التي هي في المخلوقين موجودات. # وأما قوله: { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران:28-30]. يريد: يحذركم الله ~~إياه لا غيره. وقوله تعالى: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } ~~[المائدة:116]. يريد: تعلم أنت ما أعلم ولا أعلم أنا ما تعلم إلا ما ~~علمتني. ليس يعني: أن له نفسا غيره بها يقوم. تعالى عن ذلك. وقد يقول ~~القائل: هذا نفس الحق، ونفس الطريق، وكذلك: هذا وجه الكلام، ووجه الحق، ~~يريدون بذلك كله: هو الحق، وهذا هو الكلام، وهذا هو الطريق. ليس يذهبون إلى ~~شيء غير ذلك. فتعالى الله عن صفات المخلوقين علوا كبيرا، هو الذي لا كفؤ له ~~ولا نظير له، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى:11]. # فكل من وصف الله جل ثناؤه بهيئآت خلقه، أو شبهه بشيء من صنعه، أو توهمه ~~صورة أو جسما، أو شبحا، أو أنه في مكان دون مكان، أو أن الأقطار تحويه، أو ~~أن الحجب تستره، أو أن الأبصار تدركه، أو أنه لم يخلق كلامه وكتبه، والقرآن ~~وغيره من كلامه وأحكامه، أو أنه كشيء مما خلق، أو أن شيئا من خلقه يدركه، ~~مما كان أو يكون، بجارحة أو حآسة، فقد نفاه وكفر به وأشرك به. فافهموا ذلك، ~~وفقنا الله وإياكم لإصابة الحق، وبلوغ الصدق . PageV01P251 ### || AUTO [العدل] # وعلى العبد : إذا وحد الله جل ثناؤه، وعرف أنه ليس كمثله شيء، أن يتقيه ~~في سره وعلانيته، ويرجوه ويخافه، ويعلم أنه عدل كريم، رحيم حكيم، لايكلف ~~عباده إلا ما يطيقون، ولا يسألهم إلا ما يجدون، ولا يجازيهم إلا بما يكسبون ~~ويعملون. وهكذا جل ثناؤه قال، يدل بذلك على رحمته لنا: { لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها } [البقرة:286]، و{ .... إلا ما آتاهما } [الطلاق:7]. وقال: { ~~ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران:97]. فلم يكلف ~~الرحيم الكريم أحدا من عباده مالا يستطيع، بل كلفهم دون ما يطيقون، ولم ~~يكلفهم كل ما يطيقون. وعذرهم عند ما ms08 فعل بهم من الآفات التي أصابهم بها، ~~ووضع عنهم الفرض فيها، فقال لا شريك له: { ليس على الأعمى حرج ولا على ~~المريض حرج } [النور:61]. لأنهم لا يقدرون أن يؤدوا ما فرض الله عليهم، ولم ~~يقل جل ثناؤه: ليس على الكافر حرج، ولا على الزاني حرج، ولا على السارق ~~حرج. وذلك أنه لم يفعل ذلك بهم، ولم يدخلهم فيه، ولم يقض ذلك ولم يقدره، ~~لأنه جور وباطل، والله جل ثناؤه لا يقضي جورا ولا باطلا ولا فجورا، لأن ~~المعاصي كلها باطل وفجور، والله تعالى أن يكون لها قاضيا ومقدرا، بل هو كما ~~وصف نفسه، جل ثناؤه إذ يقول: { إن الحكم إلا لله يقضي بالحق وهو خير ~~الفاصلين } [الأنعام:75]. بل قضاؤه فيها كلها النهي عنها، والحكم على أهلها ~~بالعقوبة والنكال في الدنيا والآخرة، إلا أن يتوبوا فإنه يقبل التوبة ويعفو ~~عن السيئات . PageV01P252 # أليس قال جل ثناؤه في الصيام: { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة:185]. فوضع عن المرضى ~~الصيام، لأنهم لا يقدرون عليه، ووضعه عن المسافر وإن كان يقدر عليه، يخبرهم ~~أنه إنما يفعل ذلك لأنه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، ووضع عنه ~~الصلاة قائما إذا لم يقدر على القيام، وأباح له أن يصلي جالسا، وإن لم يقدر ~~على الصلاة جالسا، صلى مضطجعا أو مستقبلا، فإن لم يقدر على ذلك بشيء من ~~جوارحه فلاشيء عليه. فعل ذلك رحمة ونعمة ونظرا لعباده. # ومن لم يكن له مال فلا زكاة عليه، وإن كان ذا مال - فحال عليه الحول -، ~~وهو مائتا درهم فعليه خمسة دراهم، فإن نقص من مائتي درهم شيء، قل أو كثر ~~فلاشيء عليه فيها، وكل أمر لا يستطيقه العبد فهو عنه موضوع، وكلف مما ~~يستطيع اليسير. يريد لله جل ثناؤه بذلك التخفيف عن عباده تصديقا لقوله: { ~~يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } [النساء:28]. وقال جل ثناؤه: ~~{ وما جعل عليكم في الدين من حرج } [الحج:78]. يقول: من ms09 ضيق. # وقال تبارك وتعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } [الأنعام:164]. فلم ~~يؤت أحد من قبل الله تبارك وتعالى في دينه، وإنما يؤتى العبد من نفسه بسوء ~~نظره، وإيثار هواه وشهوته، ومن قبل الشيطان عدوه، يوسوس في صدره ويزين له ~~سوء عمله، ويتبعه فيضله ويرديه، ويهديه إلى عذاب السعير. # وقال الله جل ثناؤه يحذر عباده الشيطان: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ~~كما أخرج أبويكم من الجنة } [الأعراف:27]. وقال تبارك وتعالى: { الشيطان ~~يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء } [البقرة:268]. وقال سبحانه: { إن الشيطان ~~لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } [فاطر:6]. ~~أعاذنا الله وإياكم من ذلك . PageV01P253 # وعلى العبد أن يعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم ~~الحليم، وأن الله جل ثناؤه عالم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وأنه ~~أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، وأنه لم يجبر أحدا على معصية، ولم ~~يحل بين أحد وبين الطاعة، فالعباد العاملون والله جل ثناؤه العالم ~~بأعمالهم، والحافظ لأفعالهم، والمحصي لأسرارهم وآثارهم، وهو بما يعملون خبير . PageV01P254 ### || AUTO [الهدى والضلال] # وعلى العبد أن يعلم أن الله جل ثناؤه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه لا ~~يضل أحدا حتى يبين لهم ما يتقون، فإذا بين لهم ما يتقون، وما يأتون وما ~~يذرون، فأعرضوا عن الهدى، وصاروا إلى الضلالة والردى، أضلهم بأعمالهم ~~الخبيثة حتى ضلوا، كذلك قال جل ثناؤه: { ويضل الله الظالمين } ~~[إبراهيم:27]. وقال سبحانه: { وما يضل به إلا الفاسقين، الذين ينقضون عهد ~~الله من بعد ميثاقه } [البقرة: 26 - 27]. وقال تبارك وتعالى: { فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم } [الصف:5]. وقال جل ثناؤه: { بل طبع الله عليها بكفرهم } ~~[النساء:155]. # وقد يجوز أيضا أن يكون معنى يضل: أن سماهم ضلالا، وشهد عليهم بالضلال ~~ووصفهم به، من غير أن يدخلهم في الضلالة ويقسرهم عليها، فإن رجعوا عن ~~الضلالة وتابوا، وصاروا إلى الهدى، سماهم مهتدين، وأزال عنهم اسم الضلال ~~والفسق. ولم يبتدئ ربنا جل ثناؤه أحدا بالضلالة من عباده، ولا وصف ms10 بها أحدا ~~من قبل أن يستحقها، وكيف يبتدئ أحدا من عباده بالضلالة ؟! كما قال القدريون ~~الكافرون الكاذبون على الله. والله جل ثناؤه ينهى عباده عنها، ويحذرهم ~~إياها . ويقول: { يبين الله لكم أن تضلوا } [النساء:176]. يعني لئلا تضلوا. ~~وقال جل ثناؤه :{ ألر، كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } [إبراهيم:1]. وقال سبحانه :{ ذلك بأن ~~الله لم يك مغيرا ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الرعد:11]. ولو ابتدأهم ~~بالضلالة كان قد غير ما بهم من النعمة قبل أن يغيروا، سبحانه هو أرحم ~~الراحمين، وخير الناصرين. يريد بذلك وصف نفسه. PageV01P255 # وأمن الخلق أن يكون لهم ظالما، أو بغير ما عملوا مجازيا، فقال جل ثناؤه: { ~~ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوأ يجز به } [النساء:123]. ~~وقال سبحانه: { ولاتزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا }. ~~[الإسراء:15]وقال تبارك وتعالى :{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } [الزلزلة:7 - 8]. وقال عز ذكره: { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات:56]. فللعبادة خلقهم، وبطاعته أمرهم، ومن ~~ظلمه أمنهم، وبنعمته ابتدأهم، بما جعل لهم من العقول والأسماع والأبصار، ~~وسائر الجوارح والقوى، التي بها يصلون إلى أخذ ما أمرهم به، وترك ما نهاهم ~~عنه، ثم ابتدأهم جل ثناؤه بالنعمة في دينهم، بأن بين لهم ما يأتون وما ~~يذرون، ثم أمرهم بما يطيقون. أراد بذلك إكرامهم، ومن المهالك إخراجهم، بين ~~ذلك بقوله في الإنسان: { ألم نجعل له عينين، ولسانا وشفتين، وهديناه ~~النجدين } [البلد:9 - 11]. هما: الطريقان، الخير والشر فيما سمعنا. يقول ~~الله سبحانه: بينا له الطريقين، ليسلك طريق الخير ويجتنب طريق الشر. وقال ~~تبارك وتعالى: { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } [النجم:23]. وقال عز وجل: { إن ~~علينا للهدى } [الليل:12]. وقال جل ثناؤه: { الذي قدر فهدى } [الأعلى:3]. ~~وقال تبارك وتعالى: { وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر } [النحل:9]. وقال ~~سبحانه: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } [فصلت:17]. وقال ~~لنبيه صلوات الله عليه وعلى آله: { قل إن ضللت فإنما ms11 أضل على نفسي وإن ~~اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب } [سبأ:50]. فأمر نبيه صلى الله ~~عليه أن ينسب ضلاله إن كان منه إلى نفسه، والهدى إلى ربه تبارك وتعالى، وقد ~~علم الله جل ثناؤه أن لا يكون من نبيه ضلالة أبدا، وأن لا يكون منه إلا ~~الهدى، وإنما أمر بذلك تأديبا لخلقه، وأن ينسبوا ضلالتهم إلى أنفسهم، ~~وينزهوا منها ربهم، وأن ينسبوا PageV01P256 هداهم إلى ربهم الذي به اهتدوا، وبعونه وتوفيقه رشدوا. PageV01P257 ### || AUTO [القدرة قبل الفعل] # والقدريون المفترون يكرهون أن ينسبوا الضلالة إلى أنفسهم والفواحش، ولا ~~يقرون أن الله جل ثناؤه ابتدأ عباده بالهدى ولا بالتقوى، قبل أن يصيروا إلى ~~هدى أو تقوى، خلافا لقوله، وردا لتنزيله، وإبطالا لنعمه، وهو يقول جل ~~ثناؤه: { فاتقوا الله ما استطعتم } [التغابن:16]. يأمرهم بالتقوى إذ كانوا ~~لها مستطيعين، فلو لم يكن لهم عليها استطاعة لما أمرهم بها، ولو كانت ~~استطاعة لغيرها لم يجز أن يقول { اتقوا الله ما استطعتم }، إذ كانت ~~الإستطاعه لغير التقوى. وقال جل ثناؤه: { خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه } [البقرة:63]. {يا يحيى خذ الكتاب بقوة } [مريم:12]. فقد أمرهم أن ~~يأخذوا لأن الأخذ فعلهم، والأمر والقوة فعل ربهم، فلم يأمرهم جل ثناؤه أن ~~يأخذوا، حتى قواهم على ذلك قبل أن يأخذوا. # وكذلك قال في الصيام: { وعلى الذين يطيقونه فدية } [البقرة:184]. يعني: ~~على الذين يطيقون الصيام ولا يصومون فدية، ونحو ذلك مما في القرآن. وذلك ~~كله دليل على أن القوة قبل الفعل، إذ كان الفعل لا يكون إلا بالقوة، وكلما ~~كان بشيء يكون، أو به يقوم، فالذي يكون الشيء أو يقوم به فهو قبله، كذلك ~~الأشياء كلها بالله جل ثناؤه كانت وبه قامت، وهو قبلها. فكذلك القوة فينا ~~قبل فعلنا، إذ كان فعلنا لا يكون ولا يقوم ولا يتم إلا بها، وكذلك يقول ~~الناس: بقوة الله فعلنا. لاكما تقول القدرية المشبهون: إن الله جل ثناؤه لم ~~يبتدئ العباد بالقوة! فأنعم عليهم بها قبل فعلهم! ولكنها كانت منه مع فعلهم. PageV01P258 # ففيما ms12 وضعناه دليل وبرهان، أن القوة من الله جل ثناؤه في عباده قبل فعالهم، ~~إذ كان بطاعته لهم آمرا، وعن معصيته لهم ناهيا، نعمة أنعم بها الله عليهم، ~~وأحسن بها إليهم. والقوة عندنا على الأعمال هي الصحة والسلامة من الآفات في ~~النفس والجوارح، وكل ما يوصل به إلى الأفاعيل، إذ كانت الصحة والسلامة تثبت ~~الفرض، وإذا زالت زال الفرض، ذلك موجود في العقول، وفي أحكام الله جل ~~ثناؤه، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي إجماع الأمة . لا يعرفون ~~غير ذلك، ولا يدينون إلا بذلك. # فليتق الله عبده، وليعلم أن الله جل ذكره يبتدئ العباد بالنعم والبيان، ~~ولا يبتدئهم بالضلال والطغيان، صدق ذلك قوله لا شريك له: { وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا } [الإسراء:15]. وقال جل ثناؤه: { وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } [التوبة:115]. PageV01P259 ### || AUTO [المعاصي فعل الإنسان وتزيبن الشيطان] # فمن أحسن فليحمد الله جل ثناؤه، إذ أمره بالخير وأعانه عليه، ومن أساء ~~فليذم نفسه فهي أولى بالذم، وليضف المعصية إذ كانت منه إلى نفسه الأمارة ~~بالسوء، وإلى الشيطان إذ كان بها آمرا ولها مزينا، كما أضافها الله جل ~~ثناؤه إليه، وأضافها الأنبياء صلوات الله عليهم والصالحون حين عصوا الله ~~إلى أنفسهم، قال آدم وحواء صلوات الله عليهما حين عصيا في أكل الشجرة: { ~~ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } ~~[الأعراف:23]. فأخبر سبحانه أن الشيطان دلاهما بغرور، ثم حذر أولادهما من ~~بعدهما إعذارا إليهم، وتفضلا عليهم، فقال: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ~~كما أخرج أبويكم من الجنة } [الأعراف:27]. # وقال موسى صلوات الله عليه حين قتل النفس: { هذا من عمل الشيطان إنه عدو ~~مضل مبين } [القصص:15]. وقال: { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو ~~الغفور الرحيم } [القصص:16]. # وقال يونس صلوات الله عليه وهو في بطن الحوت تائبا من ظلمه لنفسه، ومقرا ~~بذنبه { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } [الأنبياء:87]. وقال ~~غيرهم من الأنبياء ms13 صلوات الله عليهم نحو ذلك، وقال الصالحون نحو ذلك عند ~~زلتهم. فنقول كما قال أنبياؤه ورسله صلوات الله عليهم، وكما قال الصالحون ~~من عباده، فنضيف المعاصي إلى أنفسنا، وإلى الشيطان عدونا، كما أمرنا ربنا، ~~ولا نقول كما قال القدريون المفترون: أن الله جل ثناؤه قدر المعاصي على ~~عباده، ليعملوا بها وأدخلهم فيها، وأرادها منهم وقلبهم فيها كما تقلب ~~الحجارة، وشاءها لهم وقضاها عليهم حتما، لا يقدرون على تركها. وأنه في ~~قولهم يغضب مما قضى، ويسخط مما أراد، ويعيب ما قدر، ويعذب طفلا بجرم والده، ~~وأنه يحمد العباد ويذمهم بما لم يفعلوا، ويجزيهم بما صنع بهم، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P260 # هذا مع زعمهم أن أفعال العباد كلها طاعتها ومعصيتها صنعه وخلقه، هو تولى ~~خلقها وإحداثها، خلافا لقول الله تعالى: { جزاء بما كانوا يعملون } ~~[الواقعة:24]. { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } ~~[الأعراف:43]. وقوله لأهل المعاصي: { لبئس ما كانوا يعملون } [المائدة:62]. ~~و{ ساء ما كانوا يعملون } [التوبة:9، المجادلة:15، المنافقون:2]. و{ إنما ~~تجزون ما كنتم تعملون } [الطور:16، التحريم:7]. فكفروا بالله كفرا لم يكفر ~~به أحد من العالمين، لعظيم فريتهم على ربهم جل ثناؤه، ورميهم إياه بجميع ~~جرمهم، تعالى الله عن إفكهم علوا كبيرا! وتقدس وجل ثناؤه!! أليس في كتابه، ~~وفي حجة عقول خلقه، عدله عليهم وإحسانه، وبرآءته من ظلمهم ؟! إذ قال جل ~~ثناؤه: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } [النحل:90]. # فوالله لو لم ينزل على عباده إلا هذه الآية في عدله لكان فيها البيان ~~والنور، وهي آية محكمة مجملة تأتي على جميع الأمر بالطاعة، والنهي عن ~~المعصية . # وفي أمر الله جل ثناؤه عباده بالطاعة، دليل لمن كان له عقل أن الله جل ~~ثناؤه أرادها وشاءها وأحبها، إذ كان بها آمرا وعليها حامدا، ولأهلها ~~مواليا، ولهم مثيبا. وفي نهيه عن المعصية دليل أنه لم يردها ولم يشأها ولم ~~يحبها، إذ كان عنها ناهيا، وعليها ذآما، ومن أهلها بريئا، ولهم معاقبا. PageV01P261 # فلا هو ms14 أرادها جل ثناؤه، ولا هو عز وجل عصي مغلوبا، ولكنه الحليم تأنى ~~بخلقه وأمهلهم وحلم عنهم، ولم يعجل عليهم بالانتقام منهم، ليرجعوا فيتوبوا، ~~فاغتروا بحلمه عنهم، حتى افتروا عليه، فزعموا أنه أمر بما لا يريد، ونهى ~~عما يريد، وأن رسله صلوات الله عليهم خالفوه فيما أراد، وأن إبليس عليه غضب ~~الله وافقه فيما أراد. وذلك أنهم زعموا أنه أراد الكفر من كثير من عباده، ~~وأرسل إليهم رسله يدعونهم إلى الإيمان وهو خلاف ما أراد من الكفر، وأن ~~إبليس دعاهم إلى الكفر وهو ما أراد منهم، فكان إبليس في قولهم - لله جل ~~ثناؤه فيما أراد - موافقا، وكان رسول الله صلى الله عليه فيما أراد من ذلك ~~مخالفا، ( تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ). PageV01P262 ### || AUTO [الطاعة والمعصية فعل العبد] # والدليل على أن ما فعلوا من طاعة الله ومعصيته فعلهم، وأن الله جل ثناؤه ~~لم يخلق ذلك، إقبال الله تبارك وتعالى عليهم بالموعظة، والمدح والذم ~~والمخاطبة، والوعد والوعيد، وهو قوله جل ثناؤه: { فمالهم لا يؤمنون } ~~[الإنشقاق:20]. وقوله: { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر } ~~[النساء:39]. ولو كان هو الفاعل لأفعالهم الخالق لها، لم يخاطبهم ولم ~~يعظهم، ولم يلمهم على ما كان منهم من تقصير، ولم يمدحهم على ما كان منهم من ~~جميل وحسن، كما لم يخاطب المرضى فيقول: لم مرضتم ؟ ولم يخاطبهم على خلقهم ~~فيقول: لم طلتم ؟ ولم قصرتم ؟ وكمالم يمدح ويحمد الشمس والقمر والنجوم ~~والرياح والسحاب في مجراهن ومسيرهن. وإنما لم يمدحهن، ويحمدهن لأنه جل ~~ثناؤه هو الفاعل ذلك بهن، وهو مصرفهن ومجريهن وهو منشؤهن. وكان في ذلك دليل ~~أنه لم يخاطب هؤلاء وخاطب الآخرين، فعلمنا أنه خاطب من يعقل، ويفهم ويكسب، ~~وإنما خاطبهم إذ هم مخيرون، وترك مخاطبة الآخرين إذ هم غير مخيرين ولا ~~مختارين، فهذه الحجة، وهذا الدليل على فعله من فعل خلقه. PageV01P263 # والدليل على أن المعاصي ليست بقضائه ولا بقدره، ما أنزل في كتابه من ذكر ~~قضائه بالحق، وأمره بالعدل، وتعبده عباده بالرضى بقضائه وقدره، وإجماع ~~الأمة كلها على ms15 أن جميع المعاصي والفواحش جور وباطل وظلم، وأن الله جل ~~ثناؤه لم يقض الجور والباطل، ولم يكن منه الظلم، وأنهم مسلمون لقضاء الله، ~~منقادون لأمر الله، فإذا نزلت بهم الحوادث من الأسقام والموت والجدب ~~والمصائب من الله جل ثناؤه، قالوا هذا بقضاء الله، رضينا وسلمنا، ولا يسخطه ~~منهم أحد، ولا ينكره منكر، وإن سخطه منهم ساخط، كان عندهم من الكافرين، ~~وإذا ظهرت منهم الفواحش وانتهكت فيهم المحارم، كانوا لها كارهين، وعلى ~~أهلها ساخطين، ولهم معاقبين، يتبرأون منهم ويلعنونهم، ويذمونهم وأعمالهم. ~~ففي ذلك دليل أن ذلك ليس فعله. وقضاء الله لا يكون جورا ولا فاحشا، ولا ~~قبيحا ولا باطلا ولا ظلما، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد وصفنا حجج ~~الله في عدله، وما بين من ذلك لخلقه. PageV01P264 ### || AUTO [شبه القدرية] # فإن اعتلت القدرية السفهاء ببعض الآيات المتشابهات، نحو قوله جل ثناؤه :{ ~~يضل من يشاء ويهدي من يشاء } [النحل:93]. وقوله :{ ختم الله على قلوبهم } ~~[البقرة:7]. { بل الله طبع عليها بكفرهم } [النساء:155]. ونحو ذلك من ~~متشابه الآيات، وتأولوها على غير تأويلها، فإن كسر مقالتهم يسير، والحجة ~~عليهم بينة. وذلك أن الله عز وجل أخبر أن الشيطان وجنوده من الجن والإنس ~~يضلون، وإنما إضلالهم للعبد إنما هو من طريق الصد عن الطاعة، بالغرور ~~والكذب والخداع والتزيين للقبيح الذي قبحه الله، والتقبيح لما زين الله ~~وحسنه، فذلك معنى إضلال الشيطان وأوليائه. والله جل ثناؤه يضل لا من طريق ~~أولئك، لأنه تعالى عن الكذب والصد، وإنما معنى إضلاله جل ثناؤه للعباد ~~الذين يضلون عن سبيله، عند كثير من أهل العلم: التسمية لهم بالضلالة، ~~والشهادة عليهم بها. كما يقال: فلان كفر فلانا، وفلان عدل فلانا، وفلان جور ~~فلانا. يريدون: أنه سماه بذلك، لما هو عليه من ذلك، فكذلك يقال أضل الله ~~الفاسقين، وطبع على قلوب الكافرين، معنى ذلك عند كثير من أهل العلم: أنه ~~شهد عليهم بسوء أعمالهم، ونسبهم إلى أفعالهم، مسميا لهم بذلك، وحاكما عليهم ~~به كذلك، لما كان منهم، فذلك تأويل الآيات المتشابهات في ms16 هذا المعنى، عند ~~من وصفنا من أهل العلم . PageV01P265 # فعلى العبد أن يتقي الله، وينظر لنفسه، وأن لا يقبل ما تأولته القدرية ~~المجبرة، مما لا يجوز على الله جل ثناؤه في الثناء، وأدنى ما عليه أن يحسن ~~الظن بربه، ويأمنه على نفسه ودمه، ويعلم أنه أنظر له من جميع خلقه، وليرجع ~~إلى المحكمات من الآيات، التي وصف الله جل ثناؤه فيها نفسه - جل وجهه - ~~بالعدل والإحسان، والرحمة بخلقه، والغنى عنهم، والأمر بالطاعة، والنهي عن ~~المعصية، فيعمل بتلك الآيات ويكون عليها، ويؤمن بالمتشابهات، ولا يظن أنها ~~وإن جهل تأويلها وحرفت عن تفسيرها أنها تنقض المحكمات، فإن كتاب الله ( لا ~~ينقض بعضه بعضا، ولا يخالف بعضه بعضا، وقد قال) الله عز وجل :{ ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [النساء:82]. فنفى أن يكون في ~~كتابه اختلاف . # فليتق الله عبد ولينظر لنفسه، وليحذر هذه الطائفة من القدرية والمجبرة، ~~فإنهم كفار بالله، لا كفر أعظم من كفرهم، لما وصفنا من فريتهم على الله جل ~~ثناؤه، في كتابنا هذا. لأنهم شهدوا لجميع الكفار أن الله أدخلهم في الكفر ~~شاءوا أو أبوا، فشهدوا للفساق وجميع العصاة، أنهم إنما أتوا في ذلك كله من ~~ربهم، ولذلك ( هم مجوس هذه الأمة ). PageV01P266 ### || AUTO [المرجئة] # وليحذر العبد أيضا هذه الطائفة من المرجئة فإن قولهم من شر قول وأخبثه، ~~وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( صنفان من أمتي لعنوا على ~~لسان سبعين نبيا القدرية والمرجئة، قيل: من القدرية والمرجئة يا رسول الله ~~؟ فقال: أما القدرية فالذين يعملون بالمعاصي ويقولون: هي من عند الله وهو ~~قدرها علينا، وأما المرجئة فهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل ). # فهذان قولان فيهما ذهاب الإسلام كله، ووقوع كل معصية، وذلك أن القدرية ~~زعمت أن الله جل ثناؤه أدخل العباد في المعاصي، وحملهم عليها وقدرها عليهم ~~وخلقها فيهم، فهم لا يمتنعون منها ولا يستطيعون تركها. # وأما المرجئة فرخصوا في المعاصي وأطمعوا أهلها في الجنة بلا رجوع ولا ~~توبة، وشككوا الخلق في ms17 وعيد الله، وزعموا أن كل من ركب كبيرة من معاصي الله ~~فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله، بعد أن يكون مقرا بالتوحيد، وأن جميع ~~أعمال المؤمنين من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك ليس من الإيمان، ~~ولا من دين الله، مع أشياء كثيرة تقبح من قولهم، فكان في قولهم انتهاك ~~حرمات الله سبحانه، وتعدي حدوده، وقتل أوليائه، وخفر ذمته، واستخفاف بحقه، ~~والفساد في أرضه، والعمل بالظلم في عباده وبلاده، فهذان قولان مما أهلك ~~العباد والبلاد بهما، فنعوذ بالله منهما، ونبرأ إلى الله من أهلهما، ونسأله ~~فرجا عاجلا، إنه قريب مجيب . PageV01P267 ### || AUTO [فرائض الله ونواهيه] # فإذا أقر العبد بما وصفنا من توحيد الله وعدله وعرفه، فعليه بعد ذلك أن ~~يؤدي ما افترض الله عليه من الصلاة والزكاة والصوم والحج، إذا كان لذلك ~~مطيقا، والجهاد في سبيله لجميع أعدائه من الكافرين والفاسقين، إذا أمكنه ~~ذلك واحتيج فيه إليه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا لزمه ذلك بنفسه، ~~ومع غيره إذا أمكنه ذلك، ويؤدي ما افترض الله جل ثناؤه عليه من شرائع دينه. # وعليه أن يتجنب ما نهى الله عنه من معاصيه كلها من الكفر كله، وقتل النفس ~~التي حرم الله بغير الحق، وأخذ أموال الناس مسلميهم ومعاهديهم بغير حقها، ~~والظلم لهم، والعدوان عليهم، وأكل أموال اليتامى ظلما، وأكل الربا، ~~والسرقة، والزنا، وقذف المحصنات والمحصنين، وشرب الخمر، وإتيان الذكران من ~~العالمين، والفرار من الزحف في المواطن التي لا ينبغي له الفرار فيها، إذا ~~كان في ذلك اصطلام المسلمين، وهلاكهم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإن كانا ~~عاصيين صاحبهما معروفا، وكل معصية يعلمها الله معصية، وكل ما عليه أن يعلم ~~أنه لله معصية فلا يعمله ولا يقربه، فإن الله تبارك وتعالى قد نهى عن ~~الذنوب كلها، كبيرها وصغيرها، كبيرها فيه الوعيد، وصغيرها هو موهوب لمن ~~اجتنب الكبير، وذلك قول الله :{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } [النساء:31]. PageV01P268 # فليتق الله عبد ولا يقدم على معصية ربه وهو يعلمها، ولا يعتقدها متأولا ms18 ولا ~~متدينا بها، وقد جعل الله له السبيل إلى معرفتها وتركها، وليكن أبدا متحرزا ~~متحفظا، وبأمر ربه متيقظا، فإن الله عز وجل وصف المتقين، من عباده ~~المؤمنين، فقال جل ثناؤه: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طآئف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون } [الأعراف:201]. ولم يقل فإذا هم مصرون، ثم أخبر ~~تبارك وتعالى عن إخوان الشيطان فقال جل ثناؤه: { وإخوانهم يمدونهم في الغي ~~ثم لا يقصرون } [الأعراف:202]. فالمؤمن أبدا متيقظ متحفظ، راج خائف، يرجو ~~الله لما هو عليه من الإحسان، ولما يكون منه من ذلك رجاء لا قنوط فيه، ~~ويخافه على الإساءة الموبقة إن فعلها خوفا لا طمع فيه، إلا بتوبة منها، ~~فالخوف والرجاء لا يفارقانه، بذلك وصف الله جل ثناؤه المؤمنين من عباده، ~~فقال: { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه } [الإسراء:57]. وهكذا صفة المؤمنين، وليس أحد يقدر أن يؤدي ~~كلما استحق الله جل ثناؤه من عباده من شكر نعمه، وإحسانه بالكمال والتمام ~~حتى لا يبقي مما يحق له جل ثناؤه عليه شيئا إلا أداه. هيهات !! فكيف وهو ~~يقول تبارك وتعالى: { وإن تعدوا نعمة الله تعالى لا تحصوها } [إبراهيم:34]. ~~فكيف يؤدي شكر ما لا يحصى ؟! ولم يفترض جل ثناؤه على خلقه ذلك، ولا يسأل ~~كلما له عليهم، مما يستحق لديهم، لعلمه بضعفهم، وأن في بعض ذلك استفراغ ~~جهدهم، وما تعجز عنه أنفسهم، وأنهم لا يقدرون على ذلك، ويقصرون عن بلوغ ~~ذلك، فتبارك الله جل ثناؤه عن الاستقصاء عليهم. ولم يسألهم كل ماله عليهم، ~~وغفر لهم صغير ذنوبهم كله، إذا اجتنبوا كبيره، رحمة بهم ونظرا لهم. # فأما من رجا الرحمة وهو مقيم على الكبيرة، فقد وضع الرجاء في غير موضعه، ~~واغتر بربه، واستهزأ بنفسه، وخدعه وغره من لا دين له، إلا أن يتوب فيغفر له ~~بالتوبة. PageV01P269 # فأما الإقامة على الكبائر فلا. بل قد وصف الله جل ثناؤه الراجين لرحمته، ~~وكيف وضعوا الرجاء موضعه، فقال: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون ms19 رحمة الله والله غفور رحيم } [البقرة:218]. فهكذا ~~يكون الرجاء. وذلك أن الجنة والنار طريقان، فطريق الجنة طاعة الله المجردة ~~من الكبائر من معاصي الله، وطريق النار معصية الله، وإن لم تكن مجردة من ~~بعض طاعات الله، لأنا قد نجد العبد يؤمن بكتاب الله، ويكفر ببعضه فلا يكون ~~مؤمنا، ولا بما آمن به منه من النار ناجيا، يصدق ذلك قول الله عز وجل :{ ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في ~~الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة:85].فلم يسموا ~~بما آمنوا به مؤمنين، بل سموا بما كفروا به منه كله كافرين. # وعلى هذه الطريق في من لم يكفر به من الفاسقين، أهل الكبائر العاصين، فمن ~~كان على المعصية الكبيرة مقيما فهو على طريق النار. فكيف يرجو البلوغ إلى ~~الجنة، وهو يسلك ذلك الطريق. كرجل توجه إلى طريق خراسان فسلكه وهو يقول أنا ~~أرجو أن أبلغ الشام، وهو على طريق خراسان. وذلك ما لا يكون إلا أن يتحول ~~طريق الشام. فهذا مثل من وضع الرجاء في غير موضعه. # فإن اعتل معتل بقول الله عز وجل :{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء } [النساء:48، 116]. فأطمع من فعل فعالا دون الشرك من ~~الكبائر في المغفرة بهذه الآية. # قيل له: إن الله عز وجل قد قال في موضع آخر من كتابه، لنبيه صلوات الله ~~عليه وآله: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } [الزمر:53]. ففي هذه ~~الآية إطماع لجميع المؤمنين والمشركين وغيرهم، وليست تلك الآية بأوضح في ~~الغفران من هذه الآية، فيطمع للمشركين فيها. PageV01P270 # فإن قال قائل لا أطمع للمشركين لإجماع المسلمين، بطل الاعتلال بالآية. وقيل ~~له: إن الأمة لم تجمع إلا من قبل خبر الله. وكذلك أثبتنا نحن وعيد الله على ~~الفاسقين من قبل خبر الله بقوله :{ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا ms20 فيها وله عذاب مهين } [النساء:14]. ونحو ذلك من الآيات. فكل من ~~مات على معاصي الله مصرا غير تائب إلى الله، فهو من أهل وعيد الله وعقابه. # ومعنى قوله :{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء }. ~~أنه يغفر للمجتنبين الصغير، إذ أخرج الكبير من أن يكون مغفورا بقوله:{ ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } [غافر:18]. وبغير ذلك من الوعيد، وبين ~~أنه يعد بالمغفرة الصغير قوله:{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } [النساء:31]. وقد يغفر الكبير لمن تاب منه، ~~فيكون قوله:{ لمن يشاء }. أي: لمن تاب من الكبائر. PageV01P271 ### || AUTO [موالاة المؤمنين] # وعلى العبد أن يوالي أولياء الله حيث كانوا وأين كانوا، أحياءهم وأمواتهم ~~وذكورهم وإناثهم. ويكون أحبهم إليه وأكرمهم عليه، أفضلهم عنده، وأتقاهم ~~لربه، وأكثرهم طاعة له. # والمؤمنون هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في كتابه، وبين أحكامهم في سنة ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال :{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } ~~[الأنفال:2]. وقال جل ثناؤه :{ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم ~~لفروجهم حافظون } [المؤمنون:1 - 4]. فوصفهم بأعمالهم الصالحة حتى قال جل ~~ثناؤه :{ أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } ~~[المؤمنون:10 - 11]. وقال تبارك وتعالى :{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون } [الحجرات:15]. فقد دخل في هذه الصفة كل طاعة، لأن الجهاد في ~~سبيل الله يأتي على كل طاعة، فمن أطاع الله في أداء فرائضه، واجتناب ~~محارمه، فهو مجاهد بنفسه لربه، في إتباع أمره، وترك هوى نفسه، فلا جهاد ~~أفضل من مجاهدة النفس، ليردها من هواها فيما يرديها، ومن مجاهدة الشيطان ~~عدو الرحمن. فمن عمل ذلك فهو مؤمن، لأن الإيمان طاعة لله. # وللمؤمنين يقول الله جل ثناؤه:{ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ms21 ~~كبيرا } [الأحزاب:47]. وقال جل ثناؤه :{ وكان بالمؤمنين رحيما، تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما } [الأحزاب:43 - 44]. فهذا ما وصفهم الله ~~به في كتابه، وحكم لهم فيه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وبالولاية لهم ثبوت عدالتهم وشهادتهم، وحسن الظن بهم، والنصيحة لهم، ~~والإحسان إليهم، والثناء عليهم. PageV01P272 ### || AUTO [معاداة الكافرين] # وعلى العبد أن يعادي أعداء الله الكافرين، أين كانوا وحيث كانوا، أحياءهم ~~وأمواتهم، وذكورهم وإناثهم، وقد وصفهم الله جل ثناؤه وبين أحكامهم كلهم، ~~أهل الكتابين والمجوس والصابئين، وغيرهم من المشركين والملحدين، والمصرين ~~والمرتدين والمنافقين، فأمر بقتل بعضهم، وترك قتل بعضهم، وأخذ الجزية، وترك ~~نكاح نسائهم، وترك أكل ذبائحهم . # وأما - غيرهم من أهل الأديان، من العرب والعجم، والمرتدين عن الإسلام إلى ~~هذه الأديان المنصوصات من الكفر، أو إلى الإلحاد، أو إلى صفة الله بالتشبيه ~~له بخلقه، والإفتراء عليه بالتظليم له في عباده، بأن كلفهم ما لا يطيقون، ~~وعذب أطفالهم بما لا يكسبون، إذ خرجوا مما عليه الأمة مجمعون من سنة نبيهم ~~صلوات الله عليه وعلى آله، إذ أجمعوا أن الخارج منها كافر، فهؤلاء كلهم ~~يستتابون من كفرهم - فإن تابوا وإلا قتلوا، لا يقبل منهم غير ذلك، ولا تؤكل ~~ذباؤحهم، ولا تنكح نساؤهم إن كن كفارا، ويفرق بينهم وبين نسائهم إذا أسلمن، ~~من حرائرهن وإمائهن، ولا يرثون، ويرث المؤمنون أموالهم. # هذا حكم المرتدين منهم، وبهذا حكم الله جل ثناؤه في جميع الكافرين، ماخلا ~~من كان منهم له عهد من رسلهم، ودخل بأمان إلى المسلمين في دارهم، أو كان ~~بينه وبينهم صلح وعقد، فهؤلاء يوفى لهم بعهدهم، ولا ينقض شيء من عهدهم. PageV01P273 ### || AUTO [معاداة الفاسقين] # وعلى العبد أن يعادي أعداء الله الفاسقين، الذين أقروا ثم فسقوا، من ~~كانوا وحيث كانوا، أحياءهم وأمواتهم، وذكورهم وإناثهم، الذي يسعون في الأرض ~~فسادا، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويركبون كبائر الإثم والفواحش، ~~أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار، ونلعنهم كما لعنهم الله ونتبرأ منهم، من ~~كانوا وحيث كانوا، من قريب أو بعيد. وهكذا ms22 قال تبارك وتعالى :{ لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } [المجادلة:22]. فكل من ~~أتى كبيرة من الكبائر، أو ترك شيئا من الفرائض المنصوصة، على الإستحلال ~~لذلك فهو كافر مرتد، حكمه حكم المرتدين. ومن فعل شيئا من ذلك إتباعا لهواه، ~~وإيثارا لشهواته، كان فاسقا فاجرا ما قام على خطيئته، فإن مات عليها غير ~~تائب منها، كان من أهل النار، خالدا فيها وبئس المصير. يبين ذلك قول الله ~~تبارك وتعالى :{ إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم ~~الدين، وما هم عنها بغائبين } [الإنفطار:13 - 16]. ومن لم يغب من النار ~~فليس منها بخارج، ومن لزمه الفسق والفجور من كان فهو من أهل النار، إلا أن ~~يتوب، لقول الله جل ثناؤه: { سأريكم دار الفاسقين } [الأعراف:145]. وقوله: ~~{ وإن الفجار لفي جحيم } [الإنفطار: 14]. PageV01P274 ### || AUTO [الفاسق] # ومن أتى كبيرة فهو فاجر فاسق. يبين ذلك قول الله جل ثناؤه :{ والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا ~~لهم شادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } [النور:4]. وقال تبارك وتعالى:{ إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب ~~عظيم } [النور:23]. فإذا كان قاذف المحصنة فاسقا ملعونا، فالزاني بالمحصنة ~~أعظم جرما، والسارق، وقاتل النفس، بغير الحق، وآكل أموال اليتامى ظلما، ~~وغير ذلك من كبائر الذنوب. وكذلك من فعل ذنبا من الكبائر فهو فاسق في إجماع ~~الأمة. والفاسق - لله جل ثناؤه - عدو، حكم الله فيه ما أنزل من حدوده. من ~~قتله إذا قتل ظلما، أو أفسد في الأرض بغيا، وقطع يده إذا كان سارقا، وجلده ~~إذا زنا، وإن زنا وهو محصن قتل بالحجارة رجما، وإذا قذف المؤمنين والمؤمنات ~~جلد الحد، وغير ذلك من النكال. لما يكون منه من ms23 الفعال، { ذلك له خزي في ~~الدنيا وله في الآخرة عذاب عظيم}. مع ما نهى الله عز وجل عنه من ولايته، ~~وأمر به من جرح عدالته، وإبطال شهادته، وسوء الظن به، والحجر عليه في ماله ~~إذا أنفقه في معاصي ربه، حتى يؤنس رشده، وغير ذلك من الأحكام عليه، من سوء ~~الثناء، وإلزامه القبيحة من الأسماء، فليس هو من المؤمنين في أسمائهم، ولا ~~رضي أفعالهم، لمجانبة المؤمنين في أعمالهم وطيبهم. ولا من الكافرين ولا ~~يسمى بأسمائهم، لمخالفته الكافرين في جحدهم، وفريتهم على ربهم، واستحلالهم ~~لما حرم الله عليهم. ولا هو من المنافقين لاستسرار المنافقين الكفر في ~~قلوبهم، ولكنه فاسق. ذلك اسمه، وعليه حكمه. PageV01P275 # وقد بين الله جل ثناؤه أن الفاسق اسم من أسماء الذنوب، لقوله :{ بئس الاسم ~~الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } [الحجرات:11]. ومن لم ~~يتب من فسقه وظلمه، فهو من أهل النار ليس بخارج منها، ولكنه وإن كان في ~~النار فليس عذابه كعذاب الكافر، بل الكافر أشد عذابا. # فلا يغتر مغتر، ولا يتكل متكل، على قول من يقول- من الكاذبين على الله ~~وعلى رسوله، صلوات الله عليه وعلى أهله - أن قوما يخرجون من النار بعد ما ~~يدخلونها، يعذبون بقدر ذنوبهم. هيهات أبى الله جل ثناؤه ذلك !! وذلك أن ~~الآخرة دار جزاء، والدنيا دار عمل وبلوى، فمن خرج من دار البلوى إلى دار ~~الجزاء، على طاعة أو معصية، فهو صائر إلى ما أعد الله له خالدا فيها أبدا. # فالله الله في أنفسكم بادروا وجدوا، وتوبوا قبل أن تحجبوا عن التوبة. ومع ~~ذلك فإن الأمة مجمعة على أن أهل الوعيد من أهل النار. # قال بعض الناس: إنما عنى بالوعيد المستحلين، وتواعد به المذنبين، ليزجرهم ~~عن أعمال الفاسقين. # فقيل لهم: أفيجوز على أحكم الحاكمين، أن يوعد بعقوبة الكافرين، من ليس ~~منهم من المذنبين، وهو يعلم أنه لا يوقع بهم ذلك يوم الدين ؟! # فهل يكون من الكذب، والهزل من القول ؟! إلا ما وصفهم به أرحم الراحمين، ~~إذ كان يوعد قوما بعقوبة قوم ms24 آخرين، لم يكونوا لمثل أعمالهم التي أوجب الله ~~لهم العقوبة عليها عاملين. # وقال بعضهم: إن قوما يخرجون من النار بعد ما يدخلونها. # فقيل لهم إذا اجتمعتم أنتم وأهل الحق على الدخول، ثم خالفتموهم في ~~الخروج، فالحق ما اجتمعتم عليه من الدخول، والباطل ما ادعيتموه - بلا إجماع ~~ولا حجة - من الخروج. والأمة مجمعة على أن من أتى كبيرة، أو ترك طاعة فريضة ~~كالصلاة والزكاة والصيام، من أهل الملة فهو فاسق.( فكلهم قد أقربأنه فاسق ) ~~( وهي مختلفة في غير ذلك من أسمائه. # فقال بعضهم: هو مشرك فاسق منافق. وقال بعضهم: هو فاسق كافر. PageV01P276 # وقال بعضهم: فاسق منافق. فكلهم قد أقر بأنه فاسق ) واختلفوا في غير ذلك من ~~أسمائه. فالحق ما أجمعوا عليه من تسميتهم إياه بالفسق، والباطل ما اختلفوا ~~فيه. ففي إجماعهم الحجة والبرهان، نسأل الله التسديد والتوفيق، لما يحب ويرضى. # والأسماء في الدين والأحكام، عند ذي الجلال والإكرام، ليس لأحد من ~~المخلوقين أن يضع اسما وحكما على أحد من العالمين، فيما هم به مأمورون وعنه ~~منهيون، فمن استحل شيئا من ذلك برأيه، عن غير كتاب الله جل ثناؤه، وسنة ~~رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو من الضآلين إذ كان عند الله ~~كبيرا. لأن الحكم في ذلك كله لرب العالمين، لقوله جل ثناؤه :{ إن الحكم إلا ~~لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } [الأنعام:57]. # وعلى العبد أن يتجنب الفاسقين، والمعونة لهم على فسقهم، والمجالسة لهم ~~على لهوهم ومعاصيهم، وعليه أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لأن على كل ~~مؤمن إذا رأى منكرا مما يجوز أن يغيره هو، أن يغيره بكل ما يقدر عليه ويحل ~~له، وإن كان مما لا يجوز أن يغيره( إلا لإجماع المؤمنين بالتعاون، فعليهم ~~وعليه أن يغيروا ) بكل إمكانهم، بالسيف إن لم يجز إلا بالسيف، وبما دون ~~السيف إذا اكتفي به، وأدنى ذلك النهي باللسان. فإن لم يمكنه ذلك لتعبه ~~لتخوفه الهلاك أو تقية، فإنكار ذلك بالقلب، والعزم على التغيير إذا أمكن ~~الأمر. ولا يترك صاحب المنكر حتى ms25 يتوب منه، أو يقام فيه حكم رب العالمين، ~~ويدارى أهل المنكر، ويوعظون بأرق الوجوه، فإن أبوا إلا المقام على المنكر، ~~فإن قدر على إزالتهم عنه فلا يؤخر ذلك، وإن لم يقدر على إزالتهم جونبوا ~~بمجانبة جميلة، وقطعت الولاية عنهم، ولا يدعا لهم بخير حتى يتوبوا إلى ~~ربهم، إنه { يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } ~~[الشورى:25]. PageV01P277 ### || AUTO [التوبة] # وعلى العبد أن يتقي الله في سر أمره وعلانيته، ويستغفر الله ويتوب إلى ~~الله من ذنوبه، فإنه يقبل التوبة عن عباده، بذلك وصف نفسه جل ثناؤه، فقال ~~:{ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } [طه:82]. ثم دعا عباده ~~إلى التوبة، ثم أخبرهم أنه يقبلها، فقال :{ استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ~~ربي رحيم ودود } [هود:90]. وقال :{ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون } [النور:31]. # فمن تاب إلى الله قبل توبته، وإن كانت ذنوبه عدد الرمل، وأكثر من ذلك، ~~لأنه كريم، وهو بعباده رؤوف رحيم، يقبل التوبة ويقيل العثرة، ويقبل ~~المعذرة، ويغفر الخطيئة، إذا صحت من العبد التوبة. وقال جل ثناؤه :{ والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه ~~مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~وكان الله غفورا رحيما } [الفرقان:68 -70]. ومن تاب من ذنبه، قبل الله ~~توبته وأحبه، كذلك قال جل ثناؤه :{ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } ~~[البقرة:222]. يعني: المتطهرين من الذنوب. فمن أحبه الله لم يعذبه، وكان من ~~أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، وكان من أهل الجنة لاشك فيه. ~~وكذلك أخبر تبارك وتعالى عن ملائكته :{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ~~فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ربنا وأدخلهم جنات عدن ~~التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ms26 } [غافر:7 - 8]. والله جل ~~ثناؤه لا يخلف الميعاد. PageV01P278 ### || AUTO [التوبة من حقوق الله] # فالتوبة لها وجوه وتفسير، فكل ذنب بين الله وبين عباده وإمائه نحو الزنا، ~~وشرب الخمر، وإتيان الذكران بعضهم بعضا، وإتيان النساء بعضهن بعضا، واستماع ~~محارم اللغو واللهو والعكوف عليها، وقول الزور، وقذف أهل الإحصان من الرجال ~~والنساء بالرفث والخناء والفجور، والكذب، والمرح، والخيلاء، والكبرياء، ~~والرياء، والعجب، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والنظر إلى ما لا يحل من ~~العورات، وغيرها، والفرار من الزحف لا ينحرف إلى قتال ولا يتحيز إلى فئة، ~~والكذب، والغيبة، والنميمة، وما أشبه ذلك من الذنوب، ومعاداة أولياء الله، ~~وموالاة أعداء الله، فالتوبة من ذلك كله بالندم على ما مضى، والإستغفار ~~بالقلب واللسان بلا إصرار، والعزم أن لا يعود إلى شيء من ذلك أبدا، قليلا ~~كان أو كثيرا. PageV01P279 ### || AUTO [التوبة من حقوق المخلوقين] # وأحب إلينا أن ينظر إلى ما كان أذى لمسلم أو معاهد، فيستحله ويعتذر إليه ~~منه ويرضيه، وكل ذنب كان بين العبد وبين الناس مسلمهم ومعاهدهم، من سرقة، ~~أو ربا في أموالهم، أو أخذ مال بغير حق في جناية، أو غصب، أو إدخال ضرر ~~عليهم في الأبدان كالقتل، والجراحات كالضرب الشديد، ( كان إذا قدر على ذلك ~~وكان له مال ) فإن لم يكن مال جعله دينا عليه، وعزم على أن يرده إلى أهله ~~إذا قدر عليه، أو على ذريتهم إن كان أهله ماتوا. ويندم على أخذه وحبسه، ~~ويستغفر الله، ويعطي من نفسه أن لا يعود إلى مثل ذلك أبدا، ولا تجزيه ~~التوبة من الأخذ حتى يرد إذ كان حابسا، وإن استوهبه منهم ووهبوه له بطيبة ~~أنفس منهم، كان ذلك له حلالا، بعد الإقرار لهم على أجمل الوجوه. وإن صالحوه ~~وأخذوا بعضا وتركوا بعضا، على غير اقتسار لهم كان ذلك جائزا. # وإن لم يعرف أصحاب المال الذي أخذ منهم المال وأيس أن يعرفهم، أو يعرف ~~ورثتهم، تصدق بمقدار ما أخذ منهم على المساكين، فإن جاءوا بعد ذلك إليه ~~أخبرهم أنه قد تصدق بذلك عنهم، فإن رضوا لم ms27 يكن عليه شيء، وإن أرادوا حقهم ~~رده عليهم، إذا قدر عليه، وكانت صدقته له. وإن كان محتاجا إليه فأنفقه على ~~نفسه، وجعله دينا عليه لأهله، فإن تاب قبل القدرة على أدائه إليهم من غصبه ~~المال، وإنفاقه إياه على نفسه، كانت توبته مقبولة عند الله جل ثناؤه، وكان ~~المال له لازما حتى يعينه الله على قضائه. # وإن كان الذي أخذ أموالهم غائبا في بعض البلدان، فلم يقدر على الخروج ~~إليهم به لعلة مرض، أو علة حائلة بينه وبين ذلك، أوصى أن يبعث به إليهم، ~~لأن عليه أن يوصل إليهم حقوقهم حيث كانوا، ويستحلهم من أخذه وإنفاقه وغصبه، ~~ثم لاشيء لهم عليه بعد ذلك. وتوبته مقبولة فيما بينه وبين الله جل ثناؤه. PageV01P280 # وإن لم يكن يدر كم المال الذي أخذ من أموال الناس، متفرقهم ومجتمعهم ونسي، ~~وكثر ذلك عليه، فليتحر ما لكل واحد على قدر مبلغ علمه ورأيه، ويحتط لنفسه، ~~ويزيد على نفسه حتى يكون الغالب عليه في حكمه ورأيه، أن قد استغرق جميع ~~حقوقهم، وأدى إليهم أموالهم وزاد، فإن النفقة له في ذلك. فإن زاد كان له ~~أجره، وإن نقص قليلا لم يضره، بعد أن يتعمد الوفاء. وذلك كله توبته إلى ~~الله جل ثناؤه مما كان منه في ذلك، من أخذ وحبس عن أهله، وهو عنده بندم ~~واستغفار، وعزم على أن لا يعود إلى مثل ذلك أبدا. # فإن كان صار إليه مال من ناحية ظالم غاصب، وهو به عالم بسبب معونة له في ~~ظلمه، ودخول معه في غصبه، وأخذ ذلك هبة منه، وهو يعلم أن ذلك ظلم وغصب ~~لغيره، فالتوبة مما أخذ من ذلك أن يخرجه من عنده، فيرده على أهله المغصوبين ~~إياه، ولا يحل له أن يرد شيئا من ذلك إلى الغاصب، لأنه ليس له. # وإن كان أنفقه وليس عنده شيء منه، كان ضامنا لرده - إذا أمكنه - على ~~أهله، ويتوب إلى الله جل ثناؤه من إنفاقه. # وأما ما كان من الربا فالتوبة منه ما وصفنا من الندم والإستغفار، ويخرج ~~كل ms28 فضل فوق رأس ماله، فيرده على ما وصفنا من رده على أهله إن عرفهم، وإلا ~~فعلى ما وصفنا من رده، لكل ما لزمه رده. PageV01P281 ### || AUTO [التوبة من القتل والجراحات] # وأما ما كان من قتل فلا توبة لقاتل المؤمن حتى يندم على القتل، ويستغفر ~~الله منه، ويعزم على أن لا يعود إلى قتل أحد أبدا ظلما، ويمكن أولياء ~~المقتول المؤمن من نفسه صابرا محتسبا، يقول لهم:إنه قتل صاحبهم ظلما وعمدا ~~وعدوانا. فإن فعل ذلك فهو تائب لا شيء عليه من إثم القتل، فإن قتلوه تائبا ~~- بحق هو لهم - فلا تبعة لهم عليه، ولا للمقتول لديه حق، وإن عفوا عنه فلهم ~~أن يعفوا عنه، لأن الحق بعد المقتول لأولياء المقتول. ويعوض الله جل ثناؤه ~~المقتول إذا كان مؤمنا صابرا. ألم تسمع إلى قوله جل ذكره كيف يقول :{ ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } [الإسراء:33]. فقد سلط الله جل ثناؤه ~~أولياء المقتول على القاتل، إن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية. # وإن تاب فيما بينه وبين الله، ولم يمكن أولياء المقتول من نفسه، لم يسعه ~~ذلك ولم تقبل توبته، فإن لم يعرف أولياء المقتول عزم القاتل على أن يمكن من ~~نفسه أولياء المقتول متى عرفهم. يصنعون به مالهم عليه من القتل، أو الدية ~~والعفو، ولا يدفع نفسه إلى سلطان، ولا إلى غيره، ولا يدفع نفسه إلا إلى ~~أولياء المقتول. # وإن لم يتب إلى ربه جل ثناؤه، ويمكن أولياء المقتول من نفسه، كان كما قال ~~الله جل ثناؤه :{ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } [النساء:93]. PageV01P282 # وأما ما كان من جراحات سوى القتل، مما يجب فيه القصاص، فإنه يتوب إلى الله ~~جل ثناؤه - منها بالندم عليها، والعزم على أن لا يعود، ويمكن من نفسه - بعد ~~التوبة إلى الله جل ثناؤه من فعله به، وإن اقتص منه فلاشيء عليه، وإن عفا ~~عنه فذلك إليه، وإن كانت جراحات قد برأ منها أصحابها، ولم يكن أمكنهم ms29 ~~القصاص من نفسه، فلم يعلم مقدارها لبرء فلا قصاص عليه فيها، لأنه لا يعلم ~~قدر ذلك، وعليه أرش الجراحات يقيمه عدل، يتوخى في ذلك الصواب، فيدفع ذلك ~~إلى أصحاب الجراحات. # فإن لم يعرف أصحابها، دفع ذلك إلى ورثتهم الذين يقومون بذلك. # وإن كان لا يعرف أصحاب الحقوق، دفع ذلك القدر إلى المساكين، إذا قدر على ذلك. # وما كان من الجراحات مما لا قصاص فيه مما يكون فيه حكومة عدل، دفع إلى من ~~صنع به ذلك إن كانوا أحياء، وإن كانوا أمواتا دفع ذلك إلى ورثتهم، فإن لم ~~يعرفهم ولا ورثتهم دفع ذلك إلى المساكين، إذا قدر على ذلك. # ويفعل في كفارة الخطأ كما أمره الله جل ثناؤه في كتابه، وكذلك في كفارة ~~الظهار، فمن لم يقدر على شيء من ذلك، فالتوبة منه على ما أمر الله جل ثناؤه. # وأما ما كان من ضرب مما لا يكون القصاص فيه، فالتوبة فيه والإستغفار ~~والندم، وأن لا يعود إلى مثله أبدا، ويرضي أصحابها إن عرفهم ويتحللهم. # وأما ما كان من ظلم الناس نحو اغتياب وتجسس، أو سوء ظن بمؤمن، أو سعاية ~~إلى ظالم، أو كذب عليه، فالتوبة إلى الله جل ثناؤه من ذلك، ويتحلل ذلك من ~~أصحابه الذين فعل بهم، فإنه أحسن وأفضل، ويكون ذلك على أجمل الوجوه. # فإن لم يمكنه التحلل، ولم يفعله بعد أن يتوب إلى الله جل ثناؤه، رجونا أن ~~لا يضره ذلك. # وكذلك إن أساء إلى مماليكه في تقصير في مطعم أو ملبس، مما لا يحل له أن ~~يفعله بهم، أو عاقبهم عقوبة أسرف فيها، أو شتمهم بما لا يحل له، فليتب إلى ~~الله جل ثناؤه من ذلك كله، وليتحلل من مماليكه. PageV01P283 # وإن استدان رجل مالا ينفقه على نفسه وعلى عياله، بالقصد كما أمره الله جل ~~ثناؤه، وكان عزمه أن يرده إذا أيسر، وأمكنه فمات قبل أن يؤديه، وليس له ~~مال، ولم يترك وفاء، فلاشيء عليه فيما بينه وبين الله جل ثناؤه وبين صاحب ~~الدين، لأن الله العدل، الذي ms30 { لا يكلف نفسا إلا وسعها } [البقرة: 286]، و{ ~~... إلا ما آتاها } [الطلاق: 7]. # فإن أخذ دينا ونسي أن ليس عليه لأحد شيء، فلاشيء عليه عندنا، إذا لم يكن ~~نسيانه ذلك من تشاغله بمعصية ربه. # فإن أخذ دينا فلم يرده إلى أصحابه، حتى ماتوا فليؤده إلى ورثتهم، فإن لم ~~يعرف لهم ورثة وانقطعت آثارهم، وانقطع ذكرهم، فليتصدق به على المساكين، وقد ~~سلم من الإثم إذ تاب من حبسه، وقد كان يقدر على أدآئه. # فإن استقرض مالا فأنفقه فيما يحل له ويحرم عليه، وكان من عزمه أن لا ~~يؤديه إلى أهله ( فهو فاسق، وتوبته في ذلك الإستغفار والندم، ورده على ~~أهله) إن كان يقدر عليه، وإن كان معسرا عزم على أدآئه إليهم إذا قدر عليه، ~~وأشهد لهم بذلك على نفسه، إن أرادوا ذلك منه، فإن ماتوا ولم يكن لهم ورثة ~~تصدق به عنهم، وإن كان محتاجا أنفقه على نفسه وعياله، كما يتصدق به على ~~غيرهم هذا إذا كان ضامنا له . PageV01P284 # وإن كان أخذ أموال الناس من طريق الدين، وكان شأنه أن لا يقضي ولا يؤدي، ~~وجحد ذلك، ثم مات على ذلك، فأقام أصحاب الدين من بعد موته على ورثته ~~البينة، أو عرف ذلك الورثة، فعليهم أن يؤدوه إلى أهله، والميت من أهل ~~النار، ولا ينجيه من ذلك أداء ورثته عنه، لأنه اعتزم على أنه لا يؤديه، ~~ومات غير تائب مصرا على أخذ أموال الناس ظلما وعدوانا فهو من الفاسقين. وإن ~~لم يكن لهم بينة، وعرف الورثة أن المال الذي خلف الميت إنما هو أموال ~~الناس، وعرفوا ما عليه من الدين، لم يحل لهم ما أخذوا، لأنهم أخذوا ما ليس ~~لهم من حقوق الناس. والسنة الماضية أنه لاشيء لوارث حتى يقضى الدين، فإن لم ~~يقضوه ولم يمكنهم وهم يعرفونه، كانوا من أهل النار، إذا ماتوا على ذلك ~~مصرين ظالمين. PageV01P285 ### || AUTO [الأيمان والتوبة منها والكفارة] # فإن كان رجل حلف بأيمان بالله وهو كاذب متعمد للكذب، من غير إكراه أو ~~تخوف، فقد فسق إذا بلغت يمينه كبيرة، ms31 وتوبته من ذلك أن يستغفر الله من ذلك ~~ويندم على ما كان منه، ولا يعود إلى مثل ذلك أبدا، وليس عليه كفارة. # وإن كان حلف بما فيه كفارة ثم حنث فعليه كفارة لكل يمين. # والأيمان أربع فيمينان يكفران، وهو قول القائل: والله لأفعلن كذا وكذا، ~~فلا يفعل. # وقوله: والله لا أفعل كذا وكذا، ففعل. # واليمينان اللتان لا يكفران قول القائل: والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل. # وقوله:[والله] لقد فعلت كذا وكذا، وما فعل. # وكفارة اليمين إذا حنث، إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يأكل هو وأهله، أو ~~كسوتهم ثوبا ثوبا، أو تحرير رقبة. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. فمن لم ~~يقدر على إطعامهم، وغير ذلك من الكفارة، فليصم عن كل يمين ثلاثة أيام، ~~ويستغفر الله من تضييعه ولا يعد. # فإن أدركه الموت ولم يكفر عن يمينه من إطعام، أو كسوة، ولم يقدر على ذلك، ~~فليوص أن يطعم عنه المساكين من ماله، لكفارة أيمانه إن كان له مال، فإن لم ~~يكن له مال فلاشيء عليه، لأن الله جل ثناؤه قد عذر من لم يجد. # وإن كان يعرف الأيمان التي عليه كم هي فليكفر عددها، وإن كان عددها لا ~~يقف عليه فليتوخ قدرا من ذلك، يكون الغالب عنده أنه قد استغرقها وزاد. ثم ~~نرجو أن لا يضره زاد أو نقص، إذا لم يتعمد ذلك. وكذلك يوصي بمثل ذلك، إذا ~~لم يمكنه قضاء ذلك . PageV01P286 ### || AUTO [التوبة من ترك الصلاة وسائر العبادات] # وإن كان ضيع صلاة، أو صياما، أو حجا، أو زكاة، بعد ما وجب ذلك عليه، ~~بالتواني والاستخفاف، متعمدا لذلك، فعليه أن يتوب إلى الله جل ثناؤه من ~~ذلك، ويقضي ما فاته من الصلوات إن كان يعرف عددها، ومن الصيام أيضا كذلك، ~~وإن كان لا يعرف كم هو فليتحر الصواب جهده، ويزيد حتى يستغرق ذلك، ثم نرجو ~~أن لا يضره نقص أو زاد، إذا لم يتعمد ذلك، ويقضي تلك الصلوات في أي أوقات ~~النهار أو الليل شاء، فإذا حلت له أوقات ms32 صلوات يومه الذي هو فيه صلاها في ~~أوقاتها، ثم عاد فيقضي ما عليه حتى يفرغ منها، لا يتشاغل بغيرها. PageV01P287 ### || AUTO [الصلاة] # وإن كان ترك صلاة متعمدا فلم يقضها نسيانا جاز ذلك ( منه، ثم ذكرها ~~فليقضها وحدها أيضا، وإن كان لها ذاكرا فتركها متعمدا ) حتى مضت لها أشهر ~~أو سنوات، فليقضها وليتب مما صنع. # وقد قال بعض العلماء يجزيه قضاؤها وحدها ويتوب من تأخيرها، وقال بعضهم ~~أسلم له قضاء ما بعدها من الصلوات، وذلك أنه لا صلاة لمن ضيع صلاة حتى يقضي ~~ما ضيع. PageV01P288 ### || AUTO [الصوم] # وإن كان ترك صياما من شهر رمضان كله حتى حضر رمضان آخر، فعليه أن يصوم ~~هذا الذي حضر، ويعتزم على صيام ما فاته، فيصوم من بعد ذلك ويتوب مما ضيع . PageV01P289 ### || AUTO [الزكاة] # وإن كان ضيع زكاة حتى أدركه الموت، فليتب مما ضيع ويخرج ما عليه منها، ~~فيؤديه إلى المساكين، إن كان له مال، ويوصي بذلك إن لم يمكنه الأداء، لأنها ~~دين عليه لأهلها الذين سماهم الله جل ثناؤه، في أي صنف منهم وضعت أجزت عنه، ~~وإن لم يكن له مال ومات فلا شيء عليه بعد أن يتوب. PageV01P290 ### || AUTO [الحج] # وإن كان ترك الحج وهو يقدر عليه حتى أدركه الموت، فليتب إلى الله جل ~~ثناؤه من تفريطه، وليعزم على الحج، وليحج إن قدر عليه، وإن لم أوصى أن يحج ~~عنه، فقد قال بعض العلماء ذلك. وقال بعضهم لا يحج عن أحد كما لا يصلى عن ~~أحد، ولا يصام عن أحد، لأن تلك حقوق الله جل ثناؤه، أمر عباده أن يتولوها ~~بأنفسهم، فإن لم يقدروا عليها عذرهم ولم يكلفهم غير هذا. # وأما ما كان من حقوق الناس فيما بينهم في أبدانهم، وأموالهم، فعليهم أن ~~يخرج بعضهم إلى بعض منها، ويعطي عنه إذا قدروا عليها . # وإن أوصى أن يحج عنه فحسن عندنا وهو أحوط. # وعلى المرتدين من الإسلام إذا تابوا مع ما ذكرنا من الظلم للناس في ~~أبدانهم وأموالهم ومن الديون قبل ارتدادهم وفي ارتدادهم، ثم أسلموا أن ms33 ~~يتوبوا إلى الله جل ثناؤه من ذلك كله، ويؤدوا الحقوق إلى أهلها كما يفعل ~~المقرون، لأن حكمهم في ذلك غير أحكام أهل الحرب، لأنه لا قصاص بين أهل ~~الإسلام وأهل الحرب. # فعلى العبد مما وصفنا من هذه الذنوب التوبة النصوح، وقد جعل الله جل ~~ثناؤه لهم إليها السبيل. # التوبة النصوح هي الندم على ما كان من الذنوب، وتركها والإستغفار منها ~~وترك الإصرار عليها، والعزم على أن لا يعود أبدا إليها، فتلك التوبة ~~المقبولة، يقبلها التواب الرحيم. # فرحم الله عبدا اتقى الله في نفسه، وتطهر بالتوبة قبل الموت والفوت، ولم ~~تغره الحياة الدنيا، ولم يغره بالله الغرور. # وليبادر بالتوبة قبل أن يسألها فلا يجاب إليها، قال جل ثناؤه :{ إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك ~~أعتدنا لهم عذابا أليما } [النساء:17 - 18]. والتوبة قائمة مبذولة مقبولة، ~~من حيث يواقع العبد الذنب إلى قبل حضور أجله بطرفة عين، أو أقل. PageV01P291 # وحضور الموت هو معاينة ملك الموت والملائكة صلوات الله عليهم، أو بسبب من ~~أعلام الموت العظيم المهول، الذي يشاهده العبد في تلك الحالات، لا يعلمه ~~أحد من البشر غيره، أو ذهاب عقله، فحينئذ لا تقبل توبته، ولا عند نزول ~~العذاب إذا نزل بأهل المعاصي، ولا عند الحواجب من آيات الله المانعة من ~~الرجوع إلى أحكام الدنيا، والله - جل ثناؤه - بهذا كله وأوقاته أعلم وأحكم ~~تبارك وتعالى. # وعلى العبد أن يكون أبدا مستعدا تائبا. نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في ~~الموت إذا نزل بنا، وفي العرض على ربنا جل ثناؤه، { يوم تجد كل نفس ما عملت ~~من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم ~~الله نفسه والله رؤوف بالعباد } [آل عمران:30]. # تم الكتاب والحمد لله رب الأرباب، وصلواته على المصطفى من خير نصاب، محمد ms34 ~~النبي وأهله الطاهرين الأطياب، وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV01P292 ms35