######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | العالم والوافد PageV02P361 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [امتحان قبول] # روي بالإسناد الصحيح أن وافدا وفد على عالم من علماء آل (1) رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (2)، فلما نظر الوافد إليه رأى (3) رجلا جسمه لا يشبه ~~اسمه : فسلم عليه ، فرد السلام ، فأطال الوافد الوقوف ، وأطال العالم ~~السكوت. # فقال الوافد : إن لكل طالب حاجة. # فقال العالم : ولكل حديث (4) جواب. # فقال الوافد : صدقت ، لأن الله تعالى يقول : ( @QUR@07 فسئلوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون ) (43) [النحل : 43 ، الأنبياء : 7]. فعلم العالم أن ~~الوافد يريد منه علما. # فقال : إن العلم بحر عميق. # فقال : ولكل بحر سفينة ينجو بها راكبها. # قال العالم : وما سفينة بحر العلوم؟ # فقال الوافد : المعرفة. # فقال العالم : المعرفة اسم أم رسوم (5)؟ # فقال الوافد : اسم ورسوم. ### | [النفس] # فقال العالم : كم رسوم المعرفة؟ PageV02P363 # قال الوافد : تعرف نفسك ، وتعرف ربك ، وتعرف دينك ، وتعرف دنياك ، وتعرف ~~آخرتك ، فإذا عرفت ذلك فلا حاجة لك إلى غيرك. # قال العالم : كيف تعرف نفسك؟ # فقال الوافد : أعرف حدثها ، وأعرف ضعفها ، وأعرف فاقتها ، وأعرف عجزها ، ~~فأجهدها في طاعة ربها ، وأحملها على الخوف لخالقها ، كي أرى خوفها ، ~~واحتمال الأذى (1)، وأروضها وأحثها على الطلب لما فيه نجاتها ، وأصرفها من ~~الكذب إلى الصدق ، ومن الطمع إلى الورع ، ومن الشك إلى اليقين ، ومن الشرك ~~إلى الإخلاص ، وأخرجها من محبوبها في الدنيا ، وأريضها في السفر (2) حتى ~~تنال كرامة الله تعالى في الآخرة. ### | [معرفة الله] # قال العالم : وكيف (3) تعرف ربك؟ # قال الوافد : أعرفه بما عرف به نفسه من الوحدانية ، ولا أشبهه (4) بشيء ~~من البرية ، لا يحد بالحدود ، ولا يوصف بالصفات ، إذ هو سبحانه وتعالى خالق ~~كل صفة وموصوف. ### | [الدين] # قال العالم : وكيف (5) تعرف دينك؟ # قال : الوافد أعرفه بالشريعة التي سنها الرسول (6) صلى الله عليه وآله وسلم ، PageV02P364 # وصدقها المحكم من التنزيل ، وشهدت لها قرائن العقول. وهي على ثلاثة وجوه ~~: قول وعمل واعتقاد ، وسبيلها واضح ، وطالبها رابح ، قد بهر (1) دليلها ، ~~وشهد لها بالصدق من ذوي العلم عقولها ، فقد كفونا مئونة الطلب بهذا ~~الاحتجاج ، وقطعوا عنا علائق الاعوجاج ، حتى ما بقي ms01 في ذلك شك ولا اختلاج. ~~فقصدت (2) عند ذلك بينة صحيحة حتى عرفت (3) الأصل والفرع ، وبحثت بغائص ~~عقلي (4)، فوجدت ذلك واضحا مبينا ، وفي كتبهم مشروحا معينا ، كلاما مبرهنا ~~، قد حملوا صلوات الله عليهم عبء ذلك وثقله ، وأوضحوا فرع ذلك وأصله ، ~~حافظين فيه الأمانة ، مجتنبين الغش والخيانة ، قد شيدوا بنيانه ، وعظموا ~~سلطانه ، وأثبتوا في العقول برهانه ، فليس لأحد من بعدهم مطلب ، ولا ~~لمسترشد من دونهم مذهب ، ولا عاقل في غير مذهبهم يرغب. ### | [الدنيا] # قال العالم : فكيف عرفت (5) دنياك؟ # قال الوافد : عرفت (6) فناها وتقلبها ، وغدرها وخدائعها فحذرتها (7)، ~~ونظرت وميزت ، فإذا الدنيا تغر طالبها ، وتقتل صاحبها ، تفرق ما جمع ، ~~وتغير ما صنع ، فعرفت أنها تفعل بي مثل ما فعلت بالأولين. PageV02P365 ### | [الآخرة] # قال [العالم] : فكيف عرفت آخرتك (1)؟ # قال الوافد : عرفت أنها (2) دار باقية فيها الحساب والعقاب ، والمجازاة ~~والثواب ، يبلغ أمدها ، ويطول أبدها ، فريق في الجنة وفريق في السعير ، فمن ~~كان في أصحاب الجنة فشاب لا يكبر ، وغني لا يفتقر ، وقادر لا يعجز ، وعزيز ~~لا يذل ، وحي لا يموت ، في دار قرار (3) ونعيم مقيم ، وسرور وقصور ، وأبكار ~~(4) راضية ، وقطوف دانية ، وأنهار جارية ، وملك لا تحد سعته (5)، ونعيم لا ~~تحصى صفته. ومن كان من أهل النار فحمل ثقيل ، ومقام طويل ، وبكاء وعويل ، ~~وخشوع ضفيف ، وقلب حفيف (6)، في دار جهد وبلية ، وغم (7) ورزية ، وضيق لا ~~يتسع ، وعذاب لا ينقطع ، حيث السلاسل والأغلال ، والقيود والأكبال ، والضرب ~~والنكال ، والصياح والأعوال ، وأكل الزقوم ، وشراب الحميم ، ولفحات السموم ~~، وظهور المكتوم ، ولباس القطران ، وزفرات النيران ، والخزي والهوان ، ~~داخلها محسور ، وواردها مضرور ، وساكنها مدحور ، وصاحبها مقهور ، واللابث ~~فيها مهجور. ### | [الجنة والنار] # قال العالم : كيف يصنع من وعد بهذين الدارين؟ PageV02P366 # قال الوافد : ينبغي لمن وعد بهذين الدارين أن ينظر إليهما ، ويتصور ما ~~وعد الله فيهما لأهلهما ، ثم ينظر إلى الجنة وقصورها ، وما وصف الله فيها ~~من النعيم المقيم ، والفواكه والأزواج من الحور الحسان ، والأكاليل ~~والتيجان ، والأنهار الجارية ، والأثمار الدانية ، والسرر المصفوفة ، ~~والزرابي المبثوثة ، وأسبابها ولباسها ، وفراشها وحجراتها ، وطعامها ~~وشرابها ، ونعيمها ودوام ذلك فيها ، فيخاف أن ms02 لا يكون من أهلها ، فهنالك ~~تتتابع زفراته ، وتكثر حسراته ، وتفيض عبراته ، ويطيع ربه ويعصي هواه ، ~~ويترك دنياه ، ويطلب آخرته ، ويعلم يقينا أن إلى الله مصيره (1). ### | [معارف الحكماء] # قال : فلما انتهى الكلام منهما إلى هذا الحد ، وعلم العالم أنه ذو فطنة ~~ونباهة ونبالة ، ونظر وتمييز ، ورغبة (2) في طلب العلم (3) سأله لينظر ~~معرفته. # قال العالم : من أين؟ # قال الوافد : من فوق الأرض ومن تحت السماء. # قال العالم : كم لك؟ # قال : كذا وكذا سنة. # قال له العالم : ما ترى؟ # قال : أرى أرضا وسماء ، وما بينهما. # قال : فما ترى في السماء؟ # قال : أرى شمسا تحرق ، وقمرا يشرق ، ونجوما تزهر ، وماء يمطر (4)، ~~ورياحا تذري ، PageV02P367 # وسحابا يجري ، وطيرا يهوي ، وليلا ونهارا ، وأياما مختلفة (1). # قال العالم : فما ترى في الأرض؟ # قال الوافد : أرى برا وبحارا (2)، وسهولا وأوعارا (3)، وترابا وأحجارا ~~، وأثمارا وأشجارا (4)، وأنهارا وقرارا (5). # قال العالم : فكم الدنيا؟ # قال الوافد : ليل ونهار. # قال العالم : فكم الخلق؟ # قال : ذكر وأنثى. # قال العالم : فكم الناس؟ # قال الوافد : الناس أربعة : واحد فيه خير وشر ، والثاني شر بلا خير ، ~~والثالث خير بلا شر ، والرابع لا خير فيه ولا شر. # قال العالم : فكم الناس وما هم بعد ذلك؟ # قال الوافد : نبل وسفل ، فلا النبل لهم قدر عند السفل ، ولا السفل لهم ~~قدر عند النبل. # قال العالم : فكم الكلام؟ # قال الوافد : أربعة : خطاب ، وجواب ، وخطأ ، وصواب. # قال العالم : ففيم (6) العجب؟ # قال الوافد : في سبعة. PageV02P368 # قال العالم : من هم؟ # قال الوافد : عبد عرف الله وعصاه ، وعرف (1) الشيطان وأطاعه ، وعرف ~~الدنيا فجمع لها ، وذكر الموت فطابت نفسه ، وعرف الآخرة فبغضها ، وعرف ~~الجنة فلم يرغب إليها ، وعرف النار فلم يرهبها. ### | [الإيمان] # قال العالم : فما خير الأشياء؟ # قال الوافد : خير الأشياء الإيمان بالله ، والملائكة ، والكتاب ، ~~والنبيين. # قال العالم : كم شهود الإيمان؟ # قال الوافد : أربعة شهود : محكم الكتاب ، ومحكم السنة ، وحجة العقول ، ~~وإجماع الأمة. # قال العالم : وما هو؟ # قال الوافد : عمل ، وقول ، واعتقاد. # قال العالم : وكيف (2) ذلك؟ # فقال الوافد : قول باللسان ، واعتقاد بالجنان ، وعمل بالأركان. # قال العالم : فما ضد ms03 الصدق؟ # قال : ضده (3) الكذب. # قال : فما ضد العمل؟ # قال : ضده النفاق. PageV02P369 # قال : فما ضد الاعتقاد؟ # قال : ضده التشبيه. # قال العالم : فما أعظم الأشياء؟ # قال : معرفة الله على الحقيقة (1)، وهي : التوحيد والتعديل ، والتصديق ، ~~وذكر الله على كل حال ، في الليل والنهار. # قال العالم : فما أفضل الأشياء؟ # قال الوافد : أفضل الأشياء : طلب العلم من العلماء ، حتى يعرف الطالب ~~الحق فيعمل به ، فمن زهر (2) مصباح الهدى في قلبه أخلص العمل والنية ~~الصادقة لربه ، وأنطقه الله بالحكمة. # قال العالم : فما أخبث الأشياء؟ # قال الوافد : الجهل. لأن بالجهل (3) الهلاك والعطب ، وأن الجاهل إذا أراد ~~أن يصلح شيئا أفسده بجهله وقلة علمه ، وهو يجلب جميع الآفات ، ويتولد منه ~~الكبر والطمع والحسد ، والحرص والشهوة والبخل والسخرية (4). # قال العالم : فما أقبح الأشياء؟ # قال الوافد : اللهو ، والغيبة ، والنميمة ، والخيانة ، والكذب ، والزنا ، ~~والرياء ، وحب المدح ، وحب الفاسق ، وصحبة المنافق ، والتهمة وسوء الظن (5). # قال العالم : فما أدنس الأشياء؟ # قال الوافد : السؤال للناس ، ومقاربة الأنجاس ، والثقة بكل الناس ، ~~ومفارقة الأكياس. PageV02P370 # قال العالم : فما أنفع الأشياء؟ # قال الوافد : حسنة تكون بعشر (1) أمثالها. # قال العالم : وما هي (2) هذه الحسنة؟ # قال الوافد : تطعم أخاك المؤمن من جوع ، أو تكسوه من عري ، أو تقضي عنه ~~دينا ، أو تفرج عنه غما ، أو تكشف عنه هما ، فمن فعل هذا لأخيه المؤمن جاء ~~يوم القيامة ولوجهه نور يضيء كنور القمر ، وتتلقاه الملائكة بالبشارة (3)، ~~وتدخله الجنة آمنا ، وأعطاه الله من الثواب ما لا يصفه واصف ، ولا يحيط ~~بمعرفته عارف. # قال العالم : فما أضر الأشياء؟ # قال الوافد : سيئة تتبعها سيئة ، ولا يكون عليها ندامة ، ولا يرجع صاحبها ~~إلى توبة. # قال العالم : فما أطيب الأشياء؟ # قال الوافد : العافية مع المعرفة ، ووضع الأشياء في مواضعها ، وفي مجالسة ~~العلماء ، ومدارسة الحكماء ، وحضور مجالس الذكر ، والتفكر في الصنع ، ~~والمبادرة في أعمال البر ، وإصلاح ذات البين ، والتجهيز للرحلة ، ~~والاستعداد للموت. # قال العالم : فما أهول الأشياء وأعظمها فزعا؟ # قال الوافد : إذا نفخ في الصور ، وبعثر ما في القبور ، واجتمعت الخلائق ~~إلى الموقف (4) المتضايق ، فهنالك الفزع العظيم ، والخطب ms04 الجسيم ، كل إنسان ~~يقول : نفسي نفسي ، لا يسأل ذلك اليوم والد عن ولده ، ولا أخ عن أخيه ، كل ~~نفس بما كسبت رهينة. PageV02P371 ### | [نجاح الوافد في الامتحان] # قال : فلما انتهى الكلام بالعالم والوافد إلى هذا الحد (1) عرف العالم أن ~~الوافد حسن المعرفة ، جيد الفطنة ، رصين الدين ، صحيح اليقين ، متين الورع ~~، كثير الفزع ، أقبل عليه العالم بوجهه وقال : أيها الوافد الصالح ، ~~والتاجر الرابح ، والخليل الصالح الناصح : اسأل عما بدا لك يرحمك الله. ### | [سؤال وجواب] # فقال الوافد : أيها العالم الحكيم الناطق ، والبر الشفيق الصادق ، انشر ~~علي من مكنون حكمتك علما ، وزدني من نوادر معرفتك ما أزداد به فهما ، فلعل ~~الرين الذي على قلبي أن يخلص ببركتك ، وينجلي عني بجود صحبتك (2). # قال العالم : جر (3) لك الصلاح ، ووفق لك الفلاح ، ويسر (4) لك النجاح ، ~~وعليك بستة (5) أشياء فالزمها واعمل بها ، واحرص فيها وحافظ عليها. ### | [معرفة الله] # قال الوافد : وما هي بينها لي يرحمك الله؟ # قال العالم : أولها المعرفة بالمعروف فهو الله عز وجل ، والإيمان به ، ~~والإسلام ، والطاعة ، والعلم ، والعمل. ثم تعرف المعرفة ما هي إذا صرت ~~عارفا ، رددت (6) المعرفة PageV02P372 # إلى المعرفة فلحقت من المعرفة ما قدرت عليه. ثم تعرف الإيمان ما هو وكيف ~~هو؟ حتى إذا صرت مؤمنا أسلمت للذي آمنت به ، حتى إذا صرت مسلما احتجت أن ~~تطيع للذي أسلمت له (1)، حتى إذا صرت مطيعا احتجت إلى علم تطيع به ، وتعرف ~~العلم ما هو وكيف هو ، حتى إذا صرت عالما احتجت أن تعمل بما علمت ، ثم تعرف ~~العمل ما هو وكيف هو وما ثمرته ، وإلى ما يوصلك وما عائدة نفعه. # قال الوافد : أيها العالم بين لي المعرفة ما هي وكيف هي؟ # قال العالم : أما ما هي فإصابة الأشياء بأعيانها ، ووضعها في مواضعها ، ~~ومعرفتها على حقائقها ، وأما كيف هي فإصابة المعاني ، فما من شيء إلا له ~~معنى يرجع إليه ، فإصابة الأشياء بالنظر والتفكر والتمييز والسمع والبصر ، ~~وإصابة المعاني بالتفكر والاعتبار والعقل (2). # قال الوافد : فما معرفة الله تعالى؟ # قال العالم : هو أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى ms05 واحد أحد فرد صمد ، لا ~~تدركه الأبصار ولا يحويه مكان ، ولا يحيط به علم ، ولا يتوهمه جنان ، ولا ~~يحويه الفوق ولا التحت ، ولا الخلف ولا الأمام ، ولا اليمين ولا الشمال (3) ~~، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، لا يعلم كيف هو إلا هو. فتعرفه بهذه ~~المعرفة ، فما توهمه قلبك فربك بخلافه عز وجل ، وذلك قوله في محكم كتابه ~~العزيز لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@04 قل هو الله أحد (1) @QUR@02 ~~الله الصمد (2) @QUR@04 لم يلد ولم يولد (3) @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد ) ~~(4) [الإخلاص : 1 4]. فتقول كما أمرت ، وتعمل كما قلت ، وتشهد بما علمت ، ~~وتعمل كما شهدت ، أن الله الواحد القهار الملك الجبار المحيي المميت الحي ~~الذي لا يموت ، خالق كل شيء (ومالك كل شيء ، الكائن قبل كل شيء ، الباقي ~~بعد فناء كل PageV02P373 # شيء ، ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) (11) [الشورى : 11] ~~(1)). وهو على كل شيء قدير ، فهذه معرفة الله تعالى بالذكر (2). # وأما المعرفة بالتفكر والنظر بالقلوب ، والتمييز بالألباب ، فهي في عظيم ~~قدرة الله تعالى وارتفاعه ، وعلوه وبقائه ، ونفاذ أمره ، وبيان حكمته ، ~~وإحاطة علمه ، وكثرة خلقه ، وسعة رزقه ، وقرب رحمته ، وجود كرمه ، وكريم ~~تطوله ، وبيان حكمه ، وحسن رأفته ، وجميل ستره ، وطيب عافيته ، فلله الحمد ~~على ذلك كثيرا. ### | [الإيمان] # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : الإيمان بالله والإقرار به ، وبما جاءت به الرسل من عند ~~الله تعالى ، وتؤمن (3) جوارحك حتى لا تستعملها في شيء مما يكرهه منك ~~خالقها ، فتكون قد أمنتها من عذاب النار. ومن الإيمان أن يأمن الناس من يدك ~~ولسانك وظنون قلبك ، فإذا فعلت ذلك فأنت مؤمن. ومن الإيمان الرضى بالقضاء ، ~~والشكر على العطاء ، والصبر على البلاء. ومن الإيمان المحافظة على الفرائض ~~والسنن ، والقيام (4) بالنوافل والفضائل. # ومن الإيمان تعلم أن الله حق ، وقوله حق ، والجنة حق ، والنار حق ، ~~والبعث حق ، والثواب حق ، والحشر حق ، والقيامة حق ، والعرض حق ، والحساب ~~حق ، وأن الله على كل شيء قدير ، وأنك منتقل من هذه الدار الفانية إلى ~~الآخرة الباقية. مسئول عن أعمالك ، موقوف على فعالك ms06 وأقوالك ، وإقلالك ~~وإكثارك (5)، وإعلانك وإسرارك ، PageV02P374 # فتجد ما فعلت قد أحضر إليك. وأنت اليوم في دار المهلة ، ومكان الفسحة ، ~~فلا تذهب أيامك سدى ، واعمل فيها بطاعة ربك (1)، وعلق قلبك في ملكوت إلهك ~~، واجعل دليلك القرآن ، وقرينك الأحزان ، وفعلك الإحسان ، وطعامك الفكر ، ~~وحديثك الذكر ، وحليتك الصبر ، وقرينك الفكر (2)، وهمك الحساب ، وسعيك ~~الثواب ، وجليسك الكتاب ، وأملك الرجاء ، وسريرتك الوفاء ، وسيرتك الحياء ، ~~وفاقتك الرحمة ، وعملك الطاعة ، وطلبك النجاة ، وسؤالك المغفرة ، وسبيلك ~~الرضى ، وخوفك العقاب ، ورغبتك الثواب ، وخلقك العفاف ، وعزيمتك الكفاف ، ~~فمن سلك هذه الطريق سبق ، ومن تكلم بمثل هذه صدق ، وهي عروة فمن تعلق بها ~~استوثق ، والحمد لله رب العالمين. ### | [الإسلام] # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : الإسلام ، وهو أن تسلم للذي آمنت به. ومن الإسلام أن تسلم ~~كليتك (3) إلى أعمال الطاعات ، فإذا بلغت ذلك سلمت من العقاب (4)، وسلم ~~الخلق منك ، ويكون إسلامك بالظاهر والباطن ، حتى لا يخالف قولك فعلك ولا ~~فعلك يخالف قولك ، فيكون ظاهرك باطنك ، وباطنك ظاهرك ، وتكون موقنا ~~بالوحدانية ، مقرا بالربوبية ، معترفا بالعبودية ، مجللا بالعظمة ، هائبا ~~للجلالة ، فرحا بالمكروه (5)، محبا PageV02P375 # للطاعة ، طالبا للرضى (1)، خائفا للبعث ، راغبا في الجزاء (2)... # راهبا للعذاب ، مؤديا للشكر ، مداوما على الذكر ، معتصما بالصبر ، عاملا ~~بالفكر، فهذا عمل الباطن. # وأما عمل (3) الظاهر : فالاجتهاد في أداء الفرائض والسنن والفضائل (4) ~~والنوافل ، منها الصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، والأمر ~~بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وقراءة القرآن. # ومن السنن الختان ، وصلاة العيدين ، وحلق العانة ، وتقليم الأظفار ، ونتف ~~الإبطين، وقص الشارب ، والسواك. # ومن الفضائل صيام رجب ، وشعبان ، والأيام البيض ، ويوم عاشوراء ، ويوم ~~عرفة (5) والاثنين والخميس. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : وراء ذلك المواصلة والمعاونة والمؤاساة والمؤاخاة في الله ، ~~والمحبة (6) لأولياء الله تعالى ، والبغضة (7) لأعداء الله ، وصلة الرحم ، ~~وبر الوالدين ، ورحمة اليتيم ، ومعاونة الضعيف ، وتعليم الأولاد وتأديبهم ، ~~وإنصاف الزوجة فيما تسألك عنه وهي ناظرة إليك ، والعناية في تعليمها ، ~~والأمر لها فيما لا بد لها منه ، والنهي لها عما لا حاجة لها إليه (8)، ~~ولزومها لمنزلها ، وطول الحجاب ، وتصفيد (9) الأبواب ms07 ، وتعليم الحكمة PageV02P376 # والصواب ، مع لزوم العفاف ، والرضى بالكفاف ، والصيانة لها عن التبرج في ~~الفرج (1) والأبواب ، والتشرف إلى أهل الفحش والارتياب ، ومنع الداخلات إلى ~~دار المسلمات ، ممن لا يشاركهن في الدين والأحساب ، فأولئك هاتكات الستور ، ~~ومبيحات كل محظور ، والناقلات الكلام الزور ، الجالبات للفحشاء والفجور ، ~~والمبغضات للنعمة ، والمدخلات على المسلمات التهمة ، والمفرقات للألفة ، ~~والداعيات للكشفة. # ولقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال : أحب إلي أن ~~أجد في منزلي مائة لص يسرقونه أهون علي من أن أجد فيه عجوزا لا أعرفها. (2) ~~ومن ذلك إنصاف الخادم (3) فيما لا يقدر عليه ، والنهي له عن ما لا حاجة له ~~فيه ، والرفق به فيما لا يقدر عليه به ، والنظر له فيما لا يدري ، (وصيانة ~~الدابة فيما تحتاج إليه ، والرفق بها فيما لا تقدر عليه) (4)، فهذا الأمر ~~بالمعروف. # وأما النهي عن المنكر : فمن المنكر القول السيئ ، والقول بالفواحش ، ~~والكذب (5). # ومن الفعل : القتل ، والربا ، والزنا. # ومن النية : الرياء ، والكبر ، والحسد ، والبغضاء ، والشحناء ، والفحشاء. # ومن الفعل : أخذ أموال الناس سرا وجهرا ، ومن القول الغيبة ، والنميمة ، ~~وشهادة الزور. فهذا من النهي عن المنكر. PageV02P377 ### | [مراتب العرفان] # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : تطيع الله الذي أسلمت له. # قال الوافد : وما هي الطاعة بينها لي يرحمك الله تعالى حتى أعرفها وأعمل بها؟ # قال العالم : الطاعة اتباعك لما أمرك الله به ، واجتنابك لما نهاك الله ~~عنه ، وذلك على وجهين : شيء قد علمته ، وشيء لم تعلمه. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : اجتناب ما نهاك الله عنه ، وهو على وجهين : شيء قد عرفته ، ~~وشيء لم تعرفه ، فتعرف ما لك وما عليك ، فيما نهاك الله عنه ، فعليك بما قد ~~علمت به ، التوبة (1) والرجوع والإنابة والتضرع ، ولك في ذلك المغفرة. (2) ~~فإنك إذا خفت ربك تبت إليه ، وتعرف الخوف ما هو وكيف هو. # قال الوافد : ما هو يرحمك الله؟ # قال العالم : أما ما هو فمعرفة الذنب ، وشهادة الرب. وأما كيف هو : فوجل ~~القلب ، ودمع (3) العين. فإن لم ms08 تكن كذلك فلست بخائف فيما قد علمت. وأما ~~الذي لم تعلمه فعليك منه الرهبة والتقوى ، فإذا اتقيت الله لم يجدك حيث ~~نهاك ، وإذا خفته لم يفقدك حيث أمرك ، فإن الله يراك ، ويعلم سرك ونجواك ، ~~ويسمع كلامك ، فهنالك ترهبه وتخافه حتى كأنك تراه. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : وراء ذلك التقوى. PageV02P378 # قال الوافد : وما التقوى؟ # قال العالم : تحفظ (1) لسانك وعينك ويدك ورجلك وفرجك (2) وظنون قلبك ، ~~فلا تنظر بعينك (3) إلى ما لا يحل لك ، فإن النظرة الواحدة تزرع في القلب ~~الشهوة ، وهي سهم من سهام (4) إبليس ، وتحفظ لسانك عن الكلام فيما لا يعنيك ~~، فإن اللسان سبع إذا أطلقته أكلك ، وهلاكك في طرف لسانك ، فلا تقل ما لا ~~يحل لك ، ولا تمدد يدك إلى ما لا يحل لك ، فإن لم تفعل فما اتقيت الله ~~تعالى ، وإن فعلت فقد اتقيت (5)، ولك في ذلك المغفرة والرحمة وذلك قوله ~~سبحانه : ( @QUR@09 وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) (82) ~~[طه : 82]. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : القيام بما أمرك الله به ، حتى تعرف عملك ، وتضع كل شيء منه ~~(6) في موضعه ، وتعرف خطأه وصوابه ، ويكون ذلك العمل تابعا للعلم مطابقا له ~~، ويكون فيه الرغبة واليقين والإخلاص والمحبة والحياء والاستقامة ، وتعرف ~~الرجاء ما هو ، وكيف هو ، ومن ترجو. # قال الوافد : بين لي ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : هو أن يكون رجاؤك الله في كل أمورك ، لدنياك وآخرتك ، ولا ~~يكون رجاؤك للخلق (7) أكثر من رجائك للخالق (8)، فتحبط عملك ، ويبطل أجرك ~~، فإن الله PageV02P379 # تعالى يقول وقوله الحق : ( @QUR@013 فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) (110) [الكهف : 110]. فتقوم بما (1) أمرك ~~الله به ظاهرا وباطنا ، فيصح ظاهرك وباطنك ، فإن الظاهر الجلي ، يدل على ~~الباطن الخفي. ويكون قلبك متعلقا بذكر من ناصيتك بيده ، ورزقك عليه ، ~~ورجاؤك له (2) وشدتك وعافيتك وبلواك ومحياك ومماتك ودنياك وآخرتك ، وترجوه ~~للشدة كما ترجوه للرخاء ، وترجوه للآخرة كما ترجوه للدنيا ، وتخافه كما ~~تخاف الفقر (3). # قال الوافد : فما ms09 وراء لك يرحمك الله؟ # قال العالم : الرغبة ، تعرفها (4) ما هي وكيف هي؟ # قال الوافد : بينها لي يرحمك الله تعالى؟ # قال العالم : إن الرغبة في التطوع بعد الوفاء بما أمرك الله به ، فإنك ~~إذا رغبت ازددت إلى الخير خيرا ، وإن لم ترغب لم تزدد وأنت متطوع ولست ~~براغب. وأما كيف هي : فالتضرع عند الدعاء ، فإنك إذا رغبت تضرعت ، وإذا لم ~~ترغب كان دعاؤك بلا رغبة ، وذلك قوله عز وجل : ( @QUR@08 ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين ) (55) [الأعراف : 55]. فمن خاف تضرع ، و ~~رحمه الله وأجابه (5). # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : وراء ذلك اليقين. # قال الوافد : وما هو اليقين؟ # قال العالم : صاحب اليقين ذنبه لا يكتب ، وتوبته لا تحجب. # قال الوافد : بين لي ذلك؟ PageV02P380 # قال العالم : صاحب اليقين يعلم أن العلم متصل بالنية ، فكلما خطر (1) ~~خاطر في قلبه ، علم أن الله قد علمه فيلحقه الخوف ، ويبادر (2) بالتوبة قبل ~~أن يعمل الذنب ، فتوبته مقبولة ، وذنبه غير مكتوب ، وإنما يكتب ذنبه لو أصر ~~عليه ولم يتب منه. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : الإخلاص في الدين ، وهو في القول والعمل والاعتقاد ، قول ~~خير ، وعمل خير ، واعتقاد خير ، أما سمعت ما قال الله تعالى : ( @QUR@04 ~~ألا لله الدين الخالص ) [الزمر : 3]. # قال الوافد : بين لي ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : هو أن يعلم العبد أنه بين يدي الله (3) عز وجل ، يراه ويسمع ~~كلامه ، ويعلم ما في نفسه ، فيجعله (4) أمله ، وتكون الطاعة عمله ، ولا ~~يغيب عن مشاهدته ، ولا يزول إلى معاندته ، زالت (5) الدنيا من عينه ، ~~وتعلقت الآخرة في قلبه ، فقيامه طاعة ، وقوله نفاعة ، وكلامه ذكر (6)، ~~وسكوته فكر ، قد قطع قوله بعمله ، وقطع أمله بأجله ، وخرج من الشك إلى ~~اليقين ، فقلبه (7) وجل ، ودمعه عجل ، وصوته ضعيف ، وكلامه لطيف ، وثقله ~~خفيف ، وحركته إحسان ، وتقلبه إيمان ، وسكوته أمان. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : حب الحق ، وبغض الباطل ، وحب من أطاع الله قريبا كان أو ~~بعيدا ، PageV02P381 # وبغض من عصى الله قريبا ms10 كان أو بعيدا (1)، فإن حب الباطل يدخل النار ، ~~وحب من أحب الله قريبا كان أو بعيدا يدخل الجنة. # قال الوافد : كيف أحب من أطاع الله قريبا كان أو بعيدا؟ # قال العالم : يسوؤك ما يسوؤه ، ويضرك ما يضره (2)، ويسرك ما يسره ، ~~وتدخل السرور عليه ، فإن كان أعلم منك تعلمت منه ، وإن كنت أعلم منه فعلمه ~~، وحفظته في محضره ومغيبه ، وواسيته وأعنته ، ورعيت صحبته ، وجعلت ذلك لله ~~وفي الله ، ولا يكون في ذلك من ولا أذى. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : الحياء من الله. # قال الوافد : بينه لي؟ # قال العالم : ذلك على ثلاثة وجوه : # أولهن : أن يعلم العبد أن طاعة الله عليه واجبة ، وأن رزقه على الله ، ~~أفلا يستحيي العبد من الله أن يراه حريصا على رزقه ، كسلانا عن طاعة ربه ، ~~يمن على قوم أجسادهم (3) معافاة ، وعقولهم ثابتة ، وقلوبهم آمنة ، ونفوسهم ~~طيبة ، قد أحسن الله إليهم (4)، فلا ينظرون إلى شيء من قدرة الله ، ولا ~~إلى نعمه عليهم فيشكرون ، ولا إلى من كان من قبلهم فيعتبرون ، ولا إلى ~~ذنوبهم فيستغفرون ، ولا إلى ما وعدهم الله في الآخرة فيحذرون ، أفلا يستحيي ~~من آمن بالله أن يراه الله مع أولئك مقيما ، لا بثا ساكنا ومؤانسا ، حاضرا ~~مجالسا. # وأما الثاني (5): فإن الله أعطى وقضى يعطي وهو راض ، أفلا يستحيي العبد أن PageV02P382 # يرضى يرضى ربه عند عطاه ، ولا يرضى برضاه عند القضاء ، كما يرضى برضاه ~~عند العطاء. # وأما الثالث (1): فإن الله يرضى لعبده الجنة ، ويأمره بالعمل الصالح لما ~~يصلح له من الخير ، فيعمل العبد ما لا يرضى الله له ، ويكره ما يرضى الله ~~له من الخير ، ولا يترك (2) المعاصي والشرور ولا يرضى برضى (3) الله له ، ~~ويكون له ولد يحبه ويريد (4) له الدنيا ، وربما قبضه الله إليه وهو له ولي ~~، أفلا يرضى العبد برضى الله كما رضي أولا بعطائه ، وهو يعلم أن موت ولي ~~الله خير له من حياته في هذه الدنيا الفانية ، المحشوة هموما وغموما ونغصا ~~وغصصا وآفاتا وشرورا. # قال الوافد : فما وراء ms11 ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : وراء ذلك الاستقامة. أما سمعت قول الله عز وجل : ( @QUR@013 ~~إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (13) ~~[الأحقاف : 13] (5). # قال الوافد : بين لي ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : الاستقامة هي : أن ترى الدنيا قيامة ، فلا تلتفت فيها (6) ~~إلى كرامة ، ولا تبالي فيها بالملامة ، والاستقامة تؤدي صاحبها إلى السلامة ~~، والمستقيم صادق ، وبالحق ناطق ، عمله (7) في خضوع ، وقلبه في خشوع ، ~~وروحه في رجوع ، وسروره في نزوع (8)، PageV02P383 # وجسمه سقيم ، وقلبه سليم ، مقيم بلا التفات ، مداوم على المراقبات ، ~~ملازم (1) للأمر ، مدمن على الزجر ، طالب للأجر ، تارك للهوى ، مقيم على ~~الوفاء ، حريص على التقى ، مجتهد في (2) الصفاء ، ليله قائم ، ونهاره صائم ~~، إلف مؤالف ، صابر عاكف ، تام الصحبة ، دائم المحبة ، مجيب ، غير مريب ، ~~مفوض ، غير متعرض (3)، مطيع ، غير مريع (4)، طالب راهب ، مسلم مستسلم ، ~~مقر لا منكر ، محتقر لا محتقر ، متواضع غير مستكبر ، مقبل غير مدبر. # وعلامة (5) المستقيم أن يستقيم به كل معوج ، ويسلك به خير منهج ، ويكون ~~عالما (6) يهتدى به ، ودليلا يقتدى به ، ولا يكون (7) م ( @QUR@025 من ~~الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب ~~على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) (11) [الحج : 11]. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : أما علمت أن الدنيا شدة ورخاء. # قال : بلى. # قال : فليكن حالك في الشدة كحالك في الرخاء. # قال : بين لي ذلك يرحمك الله؟ # قال : أليس في الرخاء حساب ، والشدة ثواب؟ # قال : بلى. PageV02P384 # قال : أيهما أحب (1) إليك الثواب أم الحساب؟ # قال : بل الثواب. # قال : أما علمت أنك في وقت الشدة ترجو الرخاء ، وفي وقت الرخاء تخاف ~~الشدة ، وذلك قوله عز وجل : ( @QUR@04 إن مع العسر يسرا ) (6) [الشرح : 6]. ~~فتعرف حد الشدة فتكون راجيا ، وتعرف حد الرخاء فتكون خائفا (2)، لأن ~~الرخاء والشدة يعتقبان ، فاستعد للحالين (3) جميعا. ولست أعني لك شدة ~~الدنيا ولا رخاءها ، إنما عنيت بذلك الآخرة ، لأن (الدنيا سجن المؤمن وجنة ~~الكافر) (4). # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال ms12 العالم : الرضى بالقضاء ، والصبر على البلاء ، والشكر على العطاء. ### | [دلائل الحكمة والرحمة] # قال الوافد : وكيف يكون (5) الشكر؟ # قال العالم : الشكر على سبعة أشياء. # قال : وما هي؟ # قال : الخلق ، والملك (6)، والرزق ، والعافية ، والعلم ، والقدم (1)، ~~والقدرة. فتنظر إلى PageV02P385 # ثبات عقلك ، وتمام خلقك (2)، فتحمد الله العظيم على ذلك كثيرا. # ثم تنظر إلى الملك كم من ذي روح (3) غيره له مالك ، والله مالك كل شيء ، ~~وأنت لا مالك لك ، فتحمد الله على ذلك كثيرا. ثم تنظر إلى مالك وولدك ~~وطعامك وشرابك ، ولباسك ونومك وإيقاظك ، وتنظر (4) إلى اختلاف الليل ~~والنهار ، كيف يقربان البعيد ، ويبليان الجديد. ثم تنظر (5) إلى العافية ، ~~وإلى كل شيء تخافه على نفسك في ليلك ونهارك ، مما تراه ومما لا تراه! فتعلم ~~أنه لا يدفع ذلك ولا يصرفه ، ولا يكفيك ما ترى وما لا ترى ، (6) إلا الله ~~سبحانه وتعالى ، فتحمد الله على ذلك كثيرا. # ثم تنظر إلى المصائب التي تصيب الناس في أبدانهم المركبة عليهم ، فتعلم ~~أن في تركيبك مثل ما في تركيبهم ، فتحمد الله الذي ستر عليك ما (7) ظهر على ~~غيرك من العلل والآفات. # ثم تنظر إلى من كان من (8) قبلك وإلى من هو كائن من بعدك في دنياك ~~وآخرتك. # ثم تنظر إلى القدم فتعلم أن الله قديم لم يزل ولا يزول. # ثم تنظر (9) إلى القادر فتعلم أن الله قادر لا بقدرة غيره ، سبحانه ~~وتعالى عما يقولون (10) علوا كبيرا. # يبدو أنها زيادة. وفي جميع المخطوطات : مما. ولعلها : كما أثبت. PageV02P386 # ثم تنظر إلى العلم فتعلم أن الله قد علم ما هو كائن قبل أن يكون. # ثم تنظر إلى ما سخر لك الله من جميع الخلق (1)، وذرأ وبرأ من السماء ~~التي زينها بالكواكب والشمس والقمر ، وأجرى ذلك لمنافع الخلق. وما جعل من ~~(2) الرياح والسحاب ، وما جعل (3) في الأرض من الحيوان المسخر المجبور ~~المقهور المنقاد إلى المنافع ، فتحمد الله على ذلك كثيرا. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : الصبر على قضاء الله سبحانه ، فما جاء من عند الله حمدت ~~الله عليه ، ولم ms13 تسخط ذلك وسلمت الأمر (4) لله ، ورضيت بقضاء الله وحمدت ~~الله على ذلك كثيرا. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : تنظر بعد ذلك إلى نفسك ، وتعلم أن الله خلق الإنسان من نطفة ~~تقع في رحم مظلم ، فتقيم (5) في الرحم (سبعة أيام ، ثم ترجع دما فيكون ذلك ~~الدم علقة) (6) أربعين يوما ، ثم يجعلها الله مضغة ذكرا أو أنثى ، فيكون ~~فيه الروح لسبعة وسبعين يوما ، ثم يخلق الله له (7) العروق والعظام والعصب ~~، ثم يصيره الله تعالى بعد ذلك لتمام مائتين وسبعين يوما ، وذلك ستة آلاف ~~وأربع مائة وثمانون ساعة (8)، فجميع حمل الولد لتمام PageV02P387 # حمل أمه كاملة (1) أشهره وأيامه وساعاته (2). # فأشهره تسعة أشهر ، كل شهر ثلاثون يوما ، وأيامه مائتان وسبعون يوما ، ~~وساعاته ستة آلاف وأربع مائة وثمانون ساعة ، فهذه أيام الولد كاملة ، أشهره ~~وأيامه وساعاته. # وفي تركيبه الحرارة والبرودة ، واليبوسة واللين. فالدم حار لين ، والمرة ~~الصفراء حارة يابسة ، والمرة السوداء باردة يابسة ، والبلغم بارد رطب. # وتركيب الإنسان اثنا عشر وصلة (3)، وله مائتان وثمانية وسبعون عظما (4) ~~، وله ثلاث مائة وستون عرقا ، فالعروق تسقي الجسد ، والعظام تمسكها ، ~~والعصب واللحم (5) يشدها. # 9* 30 270* 24 6480. ![](https://books.rafed.net/Books/3478_majmu-kotob-varasael-02/images/image003.gif) PageV02P388 # ولكل يد أحد وأربعون عظما ، فللكف (1) من ذلك خمسة وثلاثون عظما ، ~~وللساعد عظمان ، وللعضد عظم ، وللتراقي ثلاثة أعظم ، وكذلك اليد الأخرى (2) ~~، وللرجل ثلاثة وأربعون عظما ، للقدم من ذلك خمسة وثلاثون عظما ، وللساق ~~عظمان ، وللركبة ثلاثة أعظم (3)، وللورك عظمان ، وكذلك الرجل الأخرى. # وللصلب ثمانية عشر فقارا ، (4) ولكل جنب تسعة أضلع ، وللرقبة ثمانية أعظم ~~، وللرأس ستة وثلاثون عظما ، وللأسنان من ذلك اثنان وثلاثون عظما. وطول ~~الأمعاء سبعة أذرع. # فسبحان خالق الإنسان ( @QUR@016 خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ~~ربكم له الملك لا إله إلا هو ) [الزمر : 6]!!!! # حتى إذا حان (5) أوان خروجه من بطن أمه إلى الأرض (6)، لم يقدر أحد على ~~إخراجه أبدا ، ولو اجتمعت الإنس والجن ما أحسنوا ذلك ، فسبحان من (7) أخرجه ~~سويا لا يعرف أحدا ، ولا يسأل رزقا قد أوجد الله له (8) رزقه في صدر أمه ~~لبنا يغذوه به لضعفه ms14 وقلة بطشه. # حتى إذا جل عظمه ، وكثر (9) لحمه ، وقطع سنه ، وطحن ضرسه ، وبطشت يده ، ~~ومشى على قدميه ، وعرف (10) أن الله خالقه ، وأنه الذي أفضل عليه (11) رزقه في بطن PageV02P389 # أمه ، وبعد خروجه في (1) مهده ، نسي ذلك كله وجحده ، وجعل (2) يطلب رزقه ~~من مخلوق مثله ،!!! ( @QUR@04 قتل الإنسان ما أكفره ) (17) [عبس : 17]. أما ~~(3) علم أن الذي رزقه في ضعفه هو الذي (4) يرزقه في وقت قوته؟! أما سمع ما ~~قال الله تعالى في كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@07 لا نسئلك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) (132) [طه : 132]. أما سمعت قول الله ~~تعالى حيث أقسم في كتابه فقال عز من قائل : ( @QUR@05 وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون (22) @QUR@010 فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) ~~(23) [الذاريات : 22 23]. # أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال (لن تموت نفس حتى ~~تستكمل رزقها) (5)، وقال : (لو أن أحدكم هرب من رزقه كما يهرب من الموت ~~لأدركه رزقه كما يدركه الموت) (6). وقيل لأمير المؤمنين علي عليه السلام يا ~~أمير المؤمنين : (من أين يأتي الرزق إلى الإنسان؟ قال : من حيث يأتيه ~~الموت) (7). # قال الوافد : أيها العالم الحكيم أخبرني ما أفضل ما أعطي العبد؟ PageV02P390 # قال : العقل الذي يعرف (1) به نعمة الله ويعينه على شكرها ، وقام بخلاف ~~الهوى ، حتى عرف الحق من الباطل ، والضر من النفع ، والحسن من القبيح. # قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله؟ # قال العالم : الإيمان ، وحقيقة (2) الإيمان : الإخلاص وصدق النية ، حتى ~~إذا عملت عملا صالحا لم تحب أن تذكره ، وتعظم من أجل عملك ، ولا تطلب ثواب ~~عملك إلا من الله ، فهذا هو إخلاص عملك ، فإن عملت عملا وأحببت أن تذكر ~~وتعظم من أجله (3)، فقد تعجلت ثوابه من غير الله ، ولم يبق لآخرتك منه شيء. ### | [المناجاة] # قال الوافد : فما تقول في المناجاة؟ # قال العالم : لا تكون المناجاة ، إلا على (4) الرجاء والمصافاة ، بقلب ~~سليم من الآفات ، والظنون والغيبات ، ثم تقول : إلهي إن لم أكن لحقك راعيا ~~، لم أكن لغيرك داعيا ، وإن لم أكن في طاعتك ms15 مسابقا ، لم أكن لأعدائك ~~مطابقا ، وإن لم أكن لك عابدا ، لم أكن لآياتك معاندا ، وإن لم أكن لحبك ~~واجدا ، لم أكن لغيرك ساجدا ، وإن لم أكن إلى الخيرات مسارعا ، لم أكن لباب ~~الخطيئات (5) قارعا ، وإن لم أكن لحدودك (6) حافظا ، لم أكن بكلام السوء ~~لافظا (7)، وإن لم أكن في الصلاة خاشعا ، لم أكن لأعدائك خاضعا ، وإن لم ~~أكن في سبيلك مجاهدا ، لم أكن لدليلك جاحدا. PageV02P391 # إلهي كيف يصافيك من لا يأتيك؟! وكيف يرجوك من لا يتقرب إليك؟! أنا ~~المتخلف عن أقراني ، أنا الضعيف في أركاني ، أنا الفريد بحفرتي (1) عن ~~إخواني ، أنا الذي لم أحقق إيماني ، سيدي قد أتيتك بفاقتي ، وجئت إليك لما ~~عدمت طاقتي ، أنت العالم بجرمي ، المطلع على ظلمي ، المحصي لخطيئتي ، ~~الشاهد على طويتي ، الناظر لي (2) في خلوتي. # إلهي كسدت بضاعتي ، وخسرت تجارتي ، ولم اتزود من حياتي ، وقد أتيتك وقد ~~قربت (3) وفاتي. # إلهي إن لم تقبلني فأين الملجأ ، وإن رددتني (4) فأين المنجى ، وإن لم ~~تغفر لي فأين الملتجا؟!!! من (5) للعبد إلا مولاه؟! ذهبت أيامي ، وبقيت ~~آثامي ، فلا تذل مقامي ، ولا تحجب عني أمامي ، يا من ابتدأني بفضله (6)، ~~وأكرمني بتطوله. # ما الحيلة أعضائي ذليلة ، ما الحيلة أحزاني طويلة ، ما الحيلة حسناتي ~~قليلة ، ما الحيلة وليس لي وسيلة. # لا حيلة لي (7) غير الرجوع ، والتضرع والخضوع ، والإقبال والإياب ، ~~وتعفير الوجه في التراب ، والتذلل عند الباب ، وقراءة آيات الكتاب ، ~~والسجود لرب الأرباب ، وترك الاشتغال بالأشغال ، والإقبال على مقدر الأرزاق ~~والآجال ، وترك المعارضة ، ورفض المناقضة ، وحنين وحرقات ، وأنين وزفرات ، ~~وسهر دائم ، وليل قائم ، ونهار صائم ، وقلب هائم ، ووعظ لائم ، فرار ، بلا ~~قرار (8)، فراق كل محبوب ، والبين عن كل PageV02P392 # منسوب (1). # الحيلة ترك الاستراحة ، في طلب الراحة ، ودوام النياحة ، مع القيام على ~~السياحة ، وترك الخطايا ، واستعداد المطايا. # الحيلة أن تخضع حتى تسمع ، ويخاف القلب ويخشع ، وتعبر العين وتدمع ، اقرع ~~الباب ، يأتيك (2) الجواب. # قال الوافد : قد (3) سمعت لذيذ المناجاة ، كيف أصنع في داء (4) قد تمكن ~~في قلبي حتى أقلعه وأحسمه؟ # قال العالم : من أوجعته علته ، أظهر عند الطبيب ms16 زلته ، وأبدى إليه شكيته ~~، من عدم مراده ، قلق فؤاده ، ومن قلق فؤاده ، بان منه رقاده ، (5) ارفع ~~خواطر القلب إلى الرب ، فهو يجلي الكرب ، ويغفر الذنب ، ارفع حوائجك إلى ~~ربك ، كما ترجوه لغفران ذنبك ، اكتب قصة الاعتذار ، بقلم الافتقار ، امش ~~إلى باب الجبار ، بقدم الاضطرار ، في وقت الأسحار ، وارفع يديك بالاستغفار. ### | [البكاء] # قال الوافد : فما تقول في البكاء؟ # قال العالم : لأن تبكي وأنت سليم ، خير من أنت تبكي وأنت سقيم ، وفي ~~النار مقيم بين أطباق الجحيم ، والشيطان لك قرين خصيم (6). PageV02P393 # واعلم أنك دخلت الدنيا عند خروجك من بطن أمك باكيا عابسا ، فاجهد (1) أن ~~تخرج منها ضاحكا مستأنسا ، لأن تبكي وأنت في الطريق ، خير من أن تبكي وأنت ~~في وسط الحريق ، البكاء مع السلامة ، خير من البكاء مع الملامة ، اليوم ~~ينفعك (2) البكاء لو بكيت ندما ، وغدا لا ينفعك (3) البكاء لو بكيت دما ، ~~البكاء قبل المعاينة ، خير من البكاء يوم المباينة (4)، ابك لضعف فاقتك ، ~~ابك لقلة طاقتك ، ابك لكثرة معاصيك ، ابك لعظم مساويك ، ابك لإفلاسك ، ابك ~~لعدم إيناسك ، ابك لقلة عملك (5)، ابك لقلة حيلتك ، ابك لعدم (6) وسيلتك ، ~~ابك لكثرة وزرك ، ابك لثقل ظهرك ، ابك لفساد أمرك ، ابك لظلام قبرك ، ابك ~~لقسوة قلبك ، ابك لخبث سرك ، ابك لمضي دهرك ، ابك لكشف سترك ، ابك لساعة ~~موتك ، ابك لانقطاع حياتك ، ابك لغربتك في لحدك ، ابك لتوديع دارك ، ابك ~~لتوقع قرارك ، ابك اليوم بوارك (7)، ابك لاستقبال أهوالك. # قال الوافد : كيف أصنع إذا لم أستطع البكاء ولم تدمع العين؟! # قال العالم : ما جمدت (8) العيون إلا بقساوة القلوب (9)، وما قست القلوب ~~إلا من كثرة الذنوب ، وما كثرة الذنوب إلا برضى للعيوب ، وما وقع الرضى ~~بالعيوب إلا بعد PageV02P394 # الاجتراء على علام الغيوب ، جمود العين ، من وجود الرين. وقال في ذلك (1): # تزود من حياتك للممات %~% ولا تغتر في طول الحياة أترقد والمنايا طارقات %~% كأنك قد أمنت من البيات أتضحك أيها العاصي وتلهو %~% ونار الله تسعر (2) للعصات أتضحك يا سفيه ولست تدري %~% بأي بشارة يأتيك آت فيا قلبي فلم تزدد رجوعا %~% وتعرض ms17 عن عظات ذوي العظات (3) # ثم قال : أتبغي (4) صفاء الفؤاد ، مع بقاء المراد ، تضيع الأصول ، وترتكب ~~الفضول ، ثم تطمع بالوصول (5)، وأنت لا تتبع ما جاء به الرسول ، أتطلب ~~الزاد ، (6) مع كثرة الرقاد ، وقلة الاجتهاد ، أتطلب (7) المساعدة مع قلة ~~المجاهدة ، إن (8) هذا من علامات المباعدة!!! لن تنال الأماني إلا بترك ~~الفاني ، لا بالكسل والتواني ، أسهر (9) العيون ، تصبح غير مغبون ، لن تنال ~~الجنان ، (10) إلا بصفاء الجنان ، وخالص الإيمان ، وقراءة القرآن ، وتوحيد ~~الرحمن ، وإطعام الطعام ، ورحمة الأيتام ، وكثرة الصيام (11)، وطول القيام ، من PageV02P395 # طالت مناجاته ارتفعت درجاته ، وقلت في القيامة (1) فزعاته. ### | [عناصر الإيمان] # قال الوافد : بما ينال العبد جنة الخلود؟ # قال العالم : بحفظ الحدود ، وبذل المجهود ، وطاعة المعبود ، والوفاء ~~بالعهود ، وكثرة الركوع والسجود. من أراد الأمان ، فليخلص الإيمان ، ويفعل ~~الإحسان ، ويقرأ القرآن. لن ينال جنة النعيم ، إلا من جاء بقلب (2) سليم ، ~~لن تنال من الله المزيد ، إلا بصدق (3) التوحيد ، وكثرة التمجيد (4) للواحد ~~الحميد ، من أراد البر ، لم (5) يكتسب الوزر ، من أراد العطاء ، صبر على ~~الأذى (6) والبلاء. # لن تنال شهوات الآخرة إلا بترك شهوات الدنيا ، (لن (7) تنال النعيم ، إلا ~~بترك النعيم ، لن (8) تنال معانقة الحور ، إلا بصلاح الأمور) (9)، ومجانبة ~~الشرور ، ورفض المحذور ، لن (10) ينال الشفاعة ، إلا من قام لأخيه المؤمن ~~بالنفاعة ، وحافظ على صلاة الجماعة ، وأطعم الأيتام في المجاعة ، من أحب ~~الشرب من حوض الرسول ، فليترك كلام الفضول ، وتثبت فيما يقول ، فإنه لا بد مسئول. PageV02P396 # قال الوافد : صف لي الحياء؟ # قال العالم : من عمل بالرياء فقد (1) منه الحياء ، وحجب منه الضياء ، ~~وتكدرت (2) عليه الدنيا ، وعاش في الناس (3) يهوديا ، وحشر يوم القيامة ~~مجوسيا. # قال الوافد : كيف أنال حلاوة الطاعة؟ # قال العالم : لا تدرك الحلاوة ، إلا بإدمان الفكر في التلاوة ، ولا تنال ~~حقائق المعاني إلا بترك الأماني ، ولا يتمكن في قلبك الخوف والوجل ، إلا ~~برفض الدنيا وقصر الأمل ، وإخلاص العمل ، وهجران (4) الكسل. ### | [الورع] # قال الوافد : صف لي محض الورع؟ # قال العالم : لن (5) تنال الورع ، إلا بكثرة الخوف والفزع ، واختيار ~~الجوع على الشبع ، وترك الشهوات والطمع ، [فإن فعلت زكى ms18 لبك] (6)، وصفا ~~عند ذلك قلبك ، ونلت لذيذ (7) السهر والقيام ، وقربت من ذي الجلال والإكرام ~~، وملكت نفسك ، ووافقت أنسك، ورضي عنك الرب ، وغفر لك الذنب. # واعلم أنك لا تنال من الله البر والسلامة ، إلا بالصبر والاستقامة ، ولا ~~تنال حقائق الرجاء ، إلا بالانقطاع إلى الله والالتجاء ، ولا تنال الكرم ~~والتفضل ، إلا بالندم PageV02P397 # والتذلل (1)، ولا تنال الراحة ، إلا بترك الراحة وكثرة البكاء والنياحة ~~(2)، ولا تنال الولاية ، إلا بالحراسة والعناية (3)، ولا تنال مجاورة ~~الأبرار في دار القرار ، إلا بترك الأوزار ، ولا يخشع القلب ويلين ، إلا ~~بتفكر وتبيين ، ولا تنال الخوف ، (4) إلا بترك عسى وسوف ، ولا تنال الاتصال ~~، إلا بإهمال الاشتغال (5)، ولا ينقى القلب ، مع بقاء شيء من الذنب ، ولا ~~تدرك صفاء الفهم ، وفي قلبك من الدنيا هم (6)، ولا يزول عنك الهم ، ما دام ~~(7) لك في الدنيا خصم ، من أنفق مما يحب ، فهو حقا المحب ، من ترك ما كان ~~يألف (8)، دخل الجنة وثوابه مضاعف ، من عمل بما أقول ، شفع له الرسول ، من ~~عمل بغير ما أقول ، لم يكن عمله مقبول (9)، من لم يندم على معصيته ، أخذته ~~زبانية النار بناصيته (10)، من قصر في الطاعات ، حرم الصالحات ، من نافس ~~في الخيرات ، ارتقى في أعلا الدرجات (11)، من اغتر بالليل فجع بالنهار ، ~~ومن سها بالنهار فجع بالليل ، من ركب الظن ، غبن أي غبن ، من ركب فرس ~~الأماني ، عثر في ميدان التواني ، التاجر برأس (12) مال غيره مفلس. # ولعل فيها تصحيفا. PageV02P398 ### | [جهاد النفس] # قال الوافد : كيف المجاهدة؟ # قال العالم : المجاهدة في المباعدة والوحدة ، والصبر على المحنة والشدة ، ~~من لا عبادة له لا زاد له ، ومن لا زاد له لا عقبى له ، اقرع الباب ، يأتيك ~~الجواب ، من أمل العظيم ، وهب له الجسيم ، من أراد الجود ، أدام (1) السجود ~~، من لا سجود له لا جود له ، من لا ندامة له لا كرامة له ، من لا خير فيه ، ~~لا خير عنده ، خير البضاعة الطاعة ، من عمل (2) بالطاعة ، نجا من فزعات ~~الساعة ، لا بد من سهر الأسحار ، وقيام الليل وصيام النهار ، إذا أردت ~~الجنة فاسجد وتضرع ms19 ، واظمأ وتجوع ، واسهر وتطوع (3)، وتذلل وتخشع ، وتفرد ~~وتوحد واخضع وتجرد ، تنل (4) فضل الواحد الأحد ، اترك الآثام تأمن الصولة ، ~~واعمل صالحا تكن لك (5) الدولة ، واهجر الجرائم ، تصل وأنت سالم. من أكثر ~~النحيب ، لم يكن عليه رقيب ، وما دعا إلا أجيب ، وكان له من كل (6) خير ~~نصيب ، من رغب إلى الله أعطاه ، ومن اكتفى به كفاه ، ومن استغنى به أغناه ، ~~ومن لجأ إليه آواه. # قال الوافد : كيف أكون ذاكرا وأنا لا أسلم من الغفلة؟ # قال العالم : لا تقع العلة ، إلا فيمن أكثر الغفلة ، من غفل ، وقع في ~~الزلل ، إذا أردت السعادة ، فودع الوسادة ، وجالس أهل الزهادة ، وأكثر ~~العبادة. # عجبا ممن (7) يستريح وقد تاب (8)، ويلهو وقد شاب ، ما (9) كان في الله ~~تلفه ، كان PageV02P399 # على الله خلفه (1)، اجتهد تجد ، وأخلص تخلص ، اتبع الرسول ، وأبشر ~~بالوصول ، من اتصل ، وصل ، ومن ترك الجدال ، نال خير (2) منال ، وكفي الشدة ~~والأهوال ، من خالف هواه ، كانت الجنة مأواه (3)، ومن ندم ، أكرم. # قال الوافد : فما (4) حيلة من دنا من الباب ، فمنعه الحجاب ، فلم يصل إلى ~~(5) الأحباب؟ # قال العالم : حيلته ملازمة القلق والاكتئاب ، والحزن والانتحاب ، والفرق ~~والانتداب ، حتى (6) يأذن له الاحباب ، ويفتح (7) له الباب ، إذا أردت في ~~الجنة الوقوف ، فأكثر (8) في المساجد العكوف ، فإنك تأمن من كل مخوف. كم من ~~متردد لا يؤذن له؟! وطارق لا يفتح له (9)، (وكم من مصروف مطرود ، مهان ~~مردود) (10)، وكم من مظهر انتحابه ، وهو لا يفتح له بابه ، وكم من طامع في ~~ثوابه ، هو من أهل عذابه (11). # قال الوافد : فكيف (12) الوصول؟ # قال العالم : تصل الليل بالنهار ، وتتضرع (13) في غسق الأسحار ، وتسبح ~~بالعشي والإبكار ، وتتعود الندم والاستغفار ، لعل الله يخفف عنك ثقل ~~الأوزار ، ويحرم PageV02P400 # بدنك (1) على النار. ### | [عظة بالغة] # قال الوافد : كنا صبيانا فلعبنا ، فصرنا شبابا فسكرنا ، فصرنا كهولا ~~فكسلنا ، فصرنا شيوخا فعجزنا وضعفنا ، فمتى نعبد الله ربنا ، عطلنا الشباب ~~بالجهالة ، وأذهبنا العمر في البطالة ، فأين (2) الحجة والدلالة؟ # قال العالم : من غفل في وقت شبابه ، ندم في وقت خضابه ، الشباب (3) لا ~~يصبر على الصواب ، ويندم عند الخضاب ms20 ، ما أحسن الشاب في المحراب! إلى متى ~~العصيان؟ إلى متى متابعة الشيطان؟ إلى متى الجرأة (4) على الرحمن؟ ألا (5) ~~تحذر لباس القطران ، وتهدد مالك الغضبان ، وضرب الزبانية والأعوان ، ألا ~~تفر من اليوم الفاني ، إلى اليوم الباقي ، ألا تتزود من هذا اليوم لذلك ~~اليوم ، وتتخلص من الهوان واللوم. # أيها المغرور بشبابه ، والمسرور بأصحابه ، والمختال في أثوابه ، أما تحذر ~~أليم (6) عذابه ، وتخاف شديد عقابه ، كم من وجه صبيح ، وخد مليح ، وبدن ~~صحيح ، ولسان فصيح ، أصبح في العذاب يصيح ، بين أطباق النار لا يستريح. PageV02P401 # كم من شاب ينتظر المشيب ، عاجله الموت وأحل (1) به النحيب ، كم من مسرور ~~بشبابه ، عاجله الموت من بين أحبابه ، إلى قبره وترابه. # أيها الشاب الجهول ، إنك في التراب منقول ، وعلى النعش محمول ، وعن ~~أعمالك مسئول. ما لك لا ترجع؟! ما لك لا تفزع؟! ما لك لا تخضع؟! ما لك لا ~~تخشع؟! (2) آه من يوم يقول فيه المولى : عبدي شبابك فيم أبليته؟! وعمرك ~~فيما أفنيته؟! فلا تنظر إلى الشباب وطراوته ، ولا تغتر بحسنه وملاحته ، ~~ولكن انظر إلى صرعته وندامته. # ما أحسن الإياب بالشاب! (3) وما أقبح الخضاب لمن (4) قد شاب وما تاب! ما ~~بقاء الشيخ في الدهر ، إلا كبقاء الشمس على القصر ، في وقت العصر. الشيب ~~داعي الموت ، وناعي الفوت ، الشيب يؤذن بالفراق ، ويخبر بالتلاق ، الشيب ~~ظاهره وقار ، وباطنه ازدجار ، الشيب يكدر المنى ، ويكثر العناء ، الشيب كسل ~~في كسل ، وعلل في علل ، وملل في ملل ، وخلل في خلل ، وآخره كلل ، (5) ~~وتقريب الأجل ، وقطع الأمل (6). # فلما بلغ كلام العالم والوافد إلى هذا الحد (7) قال له العالم : ما أسوأ ~~عبد يقرب (8) منه الأجل ، وهو يسيء العمل! ما أسوأ عبد ظهر فيه الخلل ، وهو ~~يكثر الزلل! (9) من شابت ذوائبه ، جفته (10) حبائبه ، أين الاستعداد؟ أين ~~تحصيل الزاد؟ وأنت للذنوب تعتاد ، # والحكل في الفرس : امساح نساه ورخاوة كعبه. # والمكل : اجتماع الماء في البئر. ولعل الكلمة مصحفة. وما أثبت اجتهاد ، ~~والله أعلم بالصواب. PageV02P402 # وقد ناداك المناد ، أين الراجع إلى الله؟ أين المشتري نفسه من الله؟ [أين ~~الخائف من] ms21 ربه؟ (1) أين النادم من ذنبه؟ أين الباكي على أمسه؟ أين المستعد ~~لرمسه؟ أين الطالب للثواب؟ أين الخائف للعذاب؟ # ألا ترجعون إلى الهدى! (2) ألا تقبلون إلى الله! ألا تخافون من عذاب (3) ~~الله! ألا تطمعون في ثواب الله! ألا تقتدون بأولياء الله! ألا تتوبون من ~~الذنوب! ألا ترجعون عن (4) العيوب! ألا تندمون على ما أسلفتم! ألا تعترفون ~~بما اقترفتم! ألا تستغفرون لما أجرمتم!! # أما آن للقلوب أن تخضع؟! أما آن للعيون أن تدمع؟! أما آن للصدور أن ~~تجزع؟! أما آن للعاصي أن يفزع (5) من الذنوب؟! أما آن (6) للخاطئ أن يرجع عن ~~العيوب؟! أما تعلم أيها العاصي أنه لا تخفى خافية على علام الغيوب؟! أما ~~تعلم أنك مأخوذ مطلوب؟! ومتعتع في النار مسحوب؟! أما تعلم أنك مفارق لكل ~~صديق ودمعك على خديك (7) مسكوب؟! أما تخاف أن تصبح (8) وأنت عن رحمة الله ~~محجوب؟! وعلى حر وجهك في النار مكبوب؟! (9) فيا له من جسد متعوب!! ودمع ~~مسكوب!! وقلب مكروب!! وعقل مرعوب!!! # قال الوافد : كيف أحتال (10) في الخلاص؟ PageV02P403 # قال العالم : أما تعتبر؟! (1) أما تزدجر؟! أما تستغفر؟! أما لك فيمن مضى ~~عبرة؟! أما لك فيمن مثلك فكرة؟! (2) إلى متى هذه الجفوة والفترة؟! إني أخاف ~~عليك الشقوة (3) والحسرة؟! فكم (4) هذه الغفلة الغامرة؟! والقسوة الحاضرة ، ~~أما تغتنم (5) أيامك؟! أما تمحو آثامك؟! أما تكفر أجرامك؟! أما تحذر ما ~~قدامك؟! (6) أنسيت ما أمامك؟! أما تنتبه من رقادك؟! أما تتأهب لمعادك؟! ~~أنسيت اللحد وضيقه؟! أنسيت القبر وظلمته؟! (7) أغفلت عن البعث والنشور؟! ~~يوم يظهر كل مستور ، ويحصل ما في الصدور (8). # إلى متى تعلل بالأماني الكاذبة؟! وتضيع الحقوق الواجبة؟! دفنت الأحباء ~~(9) فلم تعتبر ، وغيبتهم في الثرى (10) فلم تزدجر ، ما للناس لا يرجعون؟! ~~يوعظون فلا يتعظون ، ينهون (11) فلا ينتهون ، ينادون فلا يسمعون ( @QUR@06 ~~استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ) [المجادلة : 19]. (وغشي على ~~قلوبهم الران فالقلوب مسودة متباعدة ، والأجسام منافقة متوادة) (12). ~~يقولون ما لا يفعلون ، يأملون ما لا يبلغون ، ( @QUR@06 وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون ) (48) [المرسلات : 48]. وإذا (13) أمروا بالطاعة PageV02P404 # لا يطيعون ، ويجمعون ما لا يأكلون ولا (1) يلبسون ms22 ، بل هم (2) يكذبون ~~ويسرقون ، وينافقون ويحلفون ، ويعدون ويخلفون ، ويراءون ويبخلون ، (3) فبأي ~~حديث بعد القرآن يؤمنون؟! ويجمعون ما لا يأكلون ، (4) ويمنعون ما لا ينفقون ~~، ويبنون ما لا يسكنون ، ويقطعون ولا يصلون ، (5) ينافقون ولا يخلصون ، لا ~~من الله (6) يخافون ، ولا منه (7) عند المعاصي يستحيون ، ينامون نوم ~~البهائم ، ثم نسوا (8) يوما يؤخذ فيه بالجرائم ، لا الله يخافون ، ولا ~~عقابه يحذرون ، يصبحون ، (9) على خلاف ما يمسون ، هممهم دنية ، وأعمالهم ~~ردية ، وأحوالهم غير مرضية. ### | [المؤمن بين الغافلين] # قال الوافد : كيف يصنع من أصبح مع هؤلاء؟ # قال العالم : يرضى بالله (10) صاحبا ، ويعتزل عنهم (11) جانبا ، ويل لمن ~~له ذنب مستور (12) وثناء مشهور ، وهو عند الله مثبور ، ظاهره بالخير معروف ~~، وباطنه بحب PageV02P405 # الدنيا مشغوف ، وهو عن آيات (1) الله مصروف ، وثيابه أبيض من الحليب ، ~~وقلبه مثل قلب الذيب ، باطنه من التقوى خراب ، وهو يطمع في الثواب ، وهو في ~~الدنيا سكران من غير شراب ، ظاهره فيه سيماء العابدين ، (2) وباطنه فيه ~~سيماء الجاحدين ، مقالتهم مقال (3) الأبدال ، وفعلهم فعال (4) الجهال ، ~~(سيرته سيرة المغترين ، وأمله أمل المفتونين ، فهذا) (5) من المطرودين ، عن ~~باب رب العالمين. # (ما لي أرى الناس يركبون الشرور؟! ويدخلون في المحذور؟! ويضيعون الأيام ~~والشهور؟! إلى متى) (6) يسوفون التوبة ويلبسون ثياب الزاهدين؟! (7) ويضمرون ~~أسرار الظالمين؟! # ألا وإن (8) أبعد الناس من الله عبد (9) نظر إلى عيب أخيه المسلم ، (10) ~~ولم ينظر إلى عيب نفسه ، إن رأى لأخيه (11) المسلم حسنة سترها ، وإن رأى ~~سيئة نشرها ، فذلك جزاؤه جهنم وبئس المصير. من لم يميز بين الحلال والحرام ~~، أسرعت إليه أسهم (12) الانتقام ، من أسف (13) على شيء من الدنيا يفوته ، ~~كثر نزاعه (14) عند موته. PageV02P406 ### | [الهالك] # قال الوافد : صف لي الهالك المتأسف (1)؟ # قال العالم : هو الذي يتأسف على رزق لم يأته ، وينتظر مالا وربما لم ~~يستوفه ، يخاف (2) شره ، ولا يرجى خيره ، يظهر حزنه ، ويكتم شره ، (3) فهو ~~مرتبط بالنفاق ، معاند بالشقاق ، سيئ الأخلاق ، قرين المحال ، قريب الخجال ~~، قليل النوال ، (4) قد رضي بالقيل والقال ، ولا يسلك سبيل (5) النجاة ، ~~ولا يخاف المفاجاة ، ظاهره مع أهل الدين ، وباطنه مع المنافقين ، قد باين ~~الفرقان ms23 ، وأغضب الرحمن ، فقلبه لا يخشع ، وعينه لا تدمع ، ونفسه لا تشبع ، ~~قد آثر العمى على الهدى ، وبدل الدين بالدنيا ، وفي ذلك أقول ، بعد الصلاة ~~على الرسول : (6) # مضى عمري وقد حصلت ذنوب %~% وعز علي أني لا أتوب نطهر للجمال لنا ثيابا (7) %~% وقد صدئت لقسوتها القلوب وأعربنا الكلام فما لحنا %~% ونلحن في الفعال فلا نصيب # قال الوافد : أسأل الله تعالى سلوك طريق الأخيار ، ومجانبة طريق (8) ~~الفجار. # قال العالم : إن الله سبحانه وتعالى قد بين لعباده طريق الهدى ، وحذرهم ~~المخاوف PageV02P407 # والردى ، بعث إليهم رسولا ، وجعل القرآن لهم دليلا ، وركب فيهم عقولا ، ~~وأمرهم ونهاهم ، وخيرهم ومكنهم ، وأعد (1) ثوابا ، وعقابا ، فمن أطاع وفاه ~~(2) ثوابه ، ومن عصاه ضمنه عقابه ، فإياك (3) والظلم والعدوان ، والإقدام ~~على الزور والبهتان ، وعليك بالعدل والإنصاف ، والبذل والإلطاف ، ولا تظلم ~~أحدا فإن الظالم نادم ، والظلم (4) يخرب الدار ، ويفرد الجار ، (ويثير ~~الغبار ، ويسخط الملك الجبار)، (5) ومن أكبر المصائب والحسرات ، المأخوذ ~~يوم القيامة بالتبعات ، (6) يوم لا شفيع يشفع ، ولا دعاء يرفع ، ولا عمل ~~ينفع ، يوم لا (7) ينفع الظالم ندمه ، وقد زلت (8) به قدمه ، وقد شهدت عليه ~~جوارحه ، فيا حسرة الظالم ويا ويحه!! ### | [الاعتبار] # قال الوافد : كيف يكون الاعتبار؟ # قال العالم : انظر إلى الذين جمعوا (9) كثيرا ، وبنوا كثيرا ، وأملوا ~~طويلا ، وعاشوا قليلا ، هل تسمع لهم حسا؟! أو ترى لهم (10) في القبور أنسا ~~، سكنوا في التراب ، واغتربوا عن الأصحاب ، (11) ولم يسلموا من العقاب ، ~~حملوا ثقيلا ، وعاينوا وبيلا ، PageV02P408 # وصارت النار لهم منزلا ومقيلا ، وعرضت (1) عليهم جهنم بكرة وأصيلا ، لا ~~يطيقون قبيلا ، ولا يسمعون جميلا ، ولا يرجون تحويلا ، ولا يملون عويلا. # أين الذين شيدوا العمران؟! وشرفوا البنيان؟! وعانقوا النسوان؟! وفرحوا ~~بالولدان؟! وجمعوا الديوان؟! وتملكوا البلدان؟! (2) وغلقوا الأبواب؟! ~~وأقاموا الحجاب؟! # أما رأيت كيف دارت عليهم الدوائر؟! وخلت منهم المكاثر؟! (3) وتعطلت منهم ~~المنابر؟! وضمتهم المقابر؟! وغيبتهم الحفائر؟! (4) وتمزقت جلودهم؟! وتفرقت ~~جنودهم؟! ورجعت قصورهم خرابا؟! ودورهم يبابا؟! وأجسادهم ترابا؟! (5) أين ~~ملوكهم؟! أين ديارهم؟! أين أحبارهم ، (6) أين مواكبهم؟! أين مراكبهم ، أين ~~خيلهم ، أين مواليهم ، (7) أين أنصارهم ، أين عددهم ، أين وزراؤهم ، أين ~~ندماؤهم ، أين ms24 أمراؤهم ، (8) أصبح غنيهم فقيرا ، وأميرهم حقيرا!!! # هل بقي الذكر إلا لمن أطاع مولاه ، ورفض في رضاء (9) الله دنياه ، وخالف ~~من (10) # وفي (ج): البلاد. PageV02P409 # خوف الله هواه؟ وقدم الخير لعقباه ، فدخل (1) دار السرور ، وكفاه الله ~~(2) كل محذور ، دار فيها الأمان ، والحور الحسان ، والأكاليل والتيجان ، ~~والوصائف والغلمان ، والأنهار الجارية ، والأشجار الدانية ، والنعمة ~~الوافية ، والسرر المصفوفة ، والموائد المعروفة ، والفرش المرفوعة ، (3) ~~والأكواب الموضوعة ، والخيام المضروبة ، والقصور المنصوبة ، تلك (4) دار ~~اليقين ، ومحل الصالحين ، ومأوى المؤمنين. # قال في ذلك شعرا : (5) # تنام ولم تنم عنك المنايا %~% تنبه للمنية يا ظلوم وحق الله إن الظلم شؤم %~% وما زال المسيء هو الملوم (6) إلى الديان يوم الدين نمضي %~% وعند الله تجتمع الخصوم سل الأيام عن أمم تفانت %~% فتخبرك المنازل والرسوم تروم الخلد في دار المنايا %~% وكم قد رام مثلك (7) ما تروم # وقال في ذلك أيضا : # أعارك ما له لتقوم فيه %~% بطاعته وتعرف فضل حقه فلم تشكر لنعمته ولكن %~% قويت على معاصيه برزقه تبارزه بها يوما وليلا %~% وتستحيي بها من شر خلقه PageV02P410 # ثم قال : ما أسوأ حال من يصلي ويصوم! ويسهر ويقوم! ثم يحفر بئرا لأخيه! ~~(1) لا يدري أنه يقع فيه. # قال الشاعر : # اغتنم ركعتين زلفى إلى الله %~% إذا كنت فارغا مستريحا وإذا هممت بالزور والبا %~% طل فاجعل مكانه تسبيحا # [وقال : ] # اغتنم ركعتين عند فراغ %~% فعسى أن يكون موتك بغتة كم صحيح رأيت غير سقيم %~% ذهبت نفسه الصحيحة فلتة ### | [التواضع] # قال الوافد : كيف التواضع؟ # قال العالم : يا عجبا ممن خلقه الله من نطفة!! ورزقه من غير كلفة!! كيف ~~لا يلزم التواضع والعفة؟! وعجبا ممن خلق من ماء مهين! كيف يغتر بمال ~~وبنين؟! وعجبا ممن أصله من التراب والطين! كيف لا يتواضع للفقراء ~~والمساكين؟! كيف يضحك ويعجب؟! ويلهو ويطرب؟! ويفتخر ويلعب؟! والقبر منزله ، ~~والتراب وساده ، (2) لا يعتبر ، ولا يستغفر ، أليس (3) بعد الغنى الفقر؟! ~~وبعد العمارة القبر؟! كيف يتكبر (4) من أوله من تراب؟ ووسطه (5) ريح في ~~جراب؟! وآخره ميتة في خراب؟! كيف يفرح PageV02P411 # بالمنى؟! من هو عرض للفناء؟! كيف يطمئن بالسرور؟! من تعجله ms25 (1) المنية ~~للقبور؟! وكيف يفرح بمضاجعة النواهد؟! من يضاجع الدود غدا في الملاحد. # أيها المعجب بالدنيا وشبابه ، (2) المختال في مراكبه وثيابه ، المفتخر ~~بأهله وأصحابه ، انظر إلى المنقول من أترابه ، إلى ظلمة اللحد (3) وترابه ، ~~أيها المفتخر برجاله وأمواله ، المعجب بأحواله وأشغاله ، انظر المقبور ~~وتفكر في حاله ، أيها المتطاول بعشائره وأحبابه ، المسرور بعلومه (4) ~~وآدابه ، انظر إلى المغافص (5) في شبابه ، المختطف من بين أحبابه ، هل منع ~~عنه حجابه ، أو تبعه (6) أصحابه. # أيها الجامع أنواع العلوم ، هل تعلم ما سبق لك في (7) المعلوم؟! أتدري ~~أمقبول أنت أم محروم؟! أمحمود عند ربك أم مذموم؟! # يا صاحب العلم والإفادة ، أمعك خبر من الشقاوة والسعادة ، أيها الناظر في ~~الدقائق ، ألك أمان من البوائق؟! هل علمت بالحقائق؟! حتى رضي عنك الخالق ، ~~ما حيلتك إن هتك سترك غدا في مشهد الخلائق؟! PageV02P412 ### | [المكين] # قال الوافد : أخبرني من (1) المكين في ذلك اليوم؟ # قال العالم : المكين في ذلك اليوم ، من أخذ من هذا اليوم لذلك اليوم ~~العظيم ، المكين من أتى الله بقلب سليم ، المكين ، من عرف الحق المبين ، ~~القوي الشجاع ، (2) من عرف الملك المطاع. ### | [الحقير] # قال الوافد : فمن الحقير في ذلك اليوم؟ # قال العالم : الحقير من هو من رحمة الله فقير ، (3) الحقير من هو للذنوب ~~أسير ، الخاسر البائس ، من هو من رحمة الله آيس ، السقيم ، من هو في النار ~~مقيم ، الحزين ، من كان له في النار من الشياطين (4) قرين ، الهالك ، من ~~يسلم إلى مالك. # يا صاحب الحسن والجمال ، والفخر والأموال ، (5) عند انقطاع الآجال ، يبطل ~~الحسن والجمال والأموال. (6) # يا كثير الاشتغال ، كأني بك (7) يقلبك الغسال ، كم ذا العجز والإذلال؟! ~~(8) كيف تطيق السلاسل والأغلال؟! ما أسوأ حالك! إذا (9) لم تقدم مالك! لا ~~تفقر نفسك وتغني عيالك. PageV02P413 # يا ذا (1) الأموال الكثيرة ، غدا نفسك إليها فقيرة ، يا ذا العز والمملكة ~~، (2) كيف بك في دار الهلكة؟! يا ذا العساكر والجنود ، كيف تصنع (3) بنار ~~الوقود. ### | [الملك] # قال الوافد : من الملك (4) في ذلك اليوم الهويل؟ # قال العالم : (الملك ، من رضي عنه الملك ، النبيل ، من استقام على السبيل ~~، الخليل)، (5) من رضي ms26 عنه الجليل ، الشريف ، من هو عن الحرام عفيف ، (6) ~~العاقل ، من لم يكن عن الله غافل. (7) # يستقبح من المؤمن كبره ، ومن الشيخ كفره ، (8) ويستحسن من المؤمن فقره ، ~~(9) حقيق بالتواضع من يموت ، وبالبذل من يفوت ، المؤمن دنياه فوت ، (10) ~~ومعاشه قوت. # وقال في ذلك : # صنيع مليكنا حسن جميل %~% فما أرزاقنا عنا تفوت فيا هذا سترحل عن قريب (11) %~% إلى قوم كلامهم السكوت PageV02P414 # وقال غيره : # أيها الشامخ الذي لا يرام %~% نحن من طينة عليك السلام إنما هذه الحياة متاع %~% ومع الموت تستوي الأقدام (1) # قال الوافد : كيف يهنأنا العيش (2) في هذه الدنيا ، وهذه أفعالها في أهلها؟ # قال العالم : بناؤنا للخراب ، وأعمارنا (3) للذهاب ، ودهرنا إلى انقلاب ، ~~والموت يبدد الأحباب ، ويفرق الأصحاب ، الموت ينزل الملوك من القصور ~~والقباب ، إلى القبور والتراب ، كل ما عملنا معدود ، وعليه (4) حفظة شهود ، ~~أعمالنا محفوظة ، وأنفسنا مقبوضة ، وسيئاتنا علينا (5) معروضة ، لنا من كأس ~~الموت شراب ، ولنا من بعده سوء الحساب. # طوبى لمن له في الطاعة اكتساب ، حتى ينال في الآخرة الثواب ، والويل (6) ~~لمن له العقاب والحساب والعذاب ، والموت يدخل (7) كل باب ، من أخرجه الموت ~~من دار ، لم يكن له إليه (8) إياب. # آه غفلنا (9) من اكتساب الخيرات ، ولم نستعد للممات ، لا بد لنا من ~~الحساب، (10) PageV02P415 # لا بد لنا من العرض على الملك الوهاب (1). # (ما أغفلنا عن الآخرة!! ما أغفلنا عن الورود في الساهرة!!) (2) غفلنا عن ~~الانتخاب ، غفلنا عن الاكتئاب ، غفلنا عن الآزفة ، غفلنا عن الواقعة ، ~~غفلنا عن القارعة ، لم نكثر (3) الندامة ، لم نذكر القيامة ، لم نخف ~~الطامة. # (يا من بارز الله في السر والحجاب ، وغلق عليه الأبواب ، أتظن أن ذلك ~~يخفى على الملك الوهاب ، إنك في دينك مصاب ، إن العاصي يسقى في النار من ~~الحميم المذاب ، هل معك لمالك خازن النار جواب؟ أم لك عنده خطاب؟ أترجو من ~~غير الطاعة الثواب؟ ما أسوأ حالك عند البعث والحساب! ما أغفلنا عن الرحلة) ~~، (4) ما أغفلنا عن الزلزلة ، ما أغفلنا عن الصيحة ، (5) ما أجرأنا على ~~الخالق! ما أكفرنا بالرازق! يا ويل كل منافق! إنا راجعون ، (6) إنا مسئولون ms27 ~~، إنا موقوفون ، إنا مهانون ، إنا على سفر ، بين أيدينا خطر ، ما لنا لا ~~نحذر؟! هل لنا من مفر؟! لا ملجأ من الله ولا وزر ، إلى الله المستقر ، ~~العاقل من ترك ما يهوى ، لما يخشى (7). وفي ذلك يقول ، بعد الصلاة على ~~الرسول : # سبحان ذي الملكوت أتت ليلة %~% محضت بوجه صباح يوم الموقف لو أن عينا أوهمتها نفسها %~% أن المعاد (8) مصور لم تطرف حتم الفناء على البرية كلهم %~% والناس بين مقدم ومخلف PageV02P416 ### | [الراغب] # قال الوافد : صف لي الراغب؟ # قال العالم : قل الراغب ، وترك الواجب ، ما لله طالب ، ولا لعذابه راهب ، ~~ولا في ثوابه راغب ، ولا عن الذنوب تائب ، (1) ولا فتى نفسه لله واهب ، بل ~~مدعي كاذب ، تارك للحق مجانب ، مهمل للسنة والواجب ، معانق للخلاف (2) ~~مواظب ، مشغوف بالدنيا طالب ، (3) إن البكاء على أمثالنا واجب ، قبل الوقوع ~~في العذاب الواصب ، بين الحيات والعقارب ، نفس من (4) الباب طريد ، وقلب من ~~النشاط شديد ، وعمل من المريد بعيد ، كأن الفؤاد ، صخر (5) أو حديد. # أيها القلب الشديد ، (6) أما يكفيك الزجر والتهديد؟! أما سمعت الوعد ~~والوعيد؟! ليلك عطالة ، ونهارك غفلة ، (7) ودهرك مهلة. أليس لك من الجهل ~~نقلة؟ (أي عذر لك غدا أو أي علة؟! إلى متى العمل والزلة؟! والمودة في غير ~~الله والخلة؟!)، (8) أما تخاف موقف الذلة ، إذا عرفت عملك كله ، وعرضت على ~~عالم التفصيل والجملة ، (9) أي ليلة لك وأي يوم؟! وأي صلاة لك وأي صوم؟! ~~إلى كم الغفلة والنوم؟ إلى كم تتبع عادات القوم؟! إلى كم تحوم في المعاصي ~~حوم (10)؟! كأني بك وقد وقفت في موقف PageV02P417 # اللوم؟! على أي عهد لله أوفيت ، (1) على أي وعد لله (2) قمت؟! على أي ~~توبة نمت ، أي صلاح إليه (3) رمت؟! هل صليت لله (4) مخلصا أو صمت ، هل قعدت ~~في رضى الله أو قمت. # كأني بك وقد ندمت على إضاعتك ، (أي معصية لله تركت ، أي طاعة لله سلكت ، ~~أي هوى لنفسك لله خالفت ، أي ليلة سهرت لربك ، أي يوم صمت منه خوف ذنبك ، ~~هل أعملت في جوف الليل فكرك ، قد أذنبت فهل اعتذرت ، قد ms28 أجرمت فهل ندمت ، ~~(5) وقد أضعت فهل أطعت ، قد هربت فهل طلبت؟ تقولت وتخرفت ، (6) وتوانيت ~~وسوفت ، وبارزت وخالفت ، وعصيت وجاهرت)، (7) وتأسفت على ترك طاعتك ، وبكيت ~~عند هجوم ساعتك ، وخسرت في تجارتك وبضاعتك ، ولم تنتفع بفصاحتك وبراعتك ، ~~وذهب ما كان من (8) قوتك وشجاعتك. ### | [الرحمة] # قال الوافد : قد (9) وعدنا الله بالرحمة في كتابه؟ # قال العالم : ( @QUR@06 إن رحمت الله قريب من المحسنين ) (56) [الأعراف : ~~56]. إذا عملت بالرضى ، عفى عنك ما مضى ، وحرم لحمك على لظى ، (وإن لم تعمل PageV02P418 # بالرضى ، أخذك بما بقي وما مضى ، وأحرقك بنار لظى)، إذا نظر ستر ، (1) ~~وإذا رحم غفر ، عظيم فضله ، صادق قوله ، عليم ، رحيم ، بالكرم موصوف ، ~~وبالرحمة معروف ، العبد ينشره ، والرب يستره ، يكافئ ، (2) ويعافي ، ويشفي ~~عبده ، ويوفي وعده ، كم قبيح فعلناه ستره ، وكم رزق لنا يسره ، اقرع بابه ، ~~تجد (3) جوابه ، اقرأ كتابه ، يبن لك عتابه ، ارجع إليه يمن (4) بالقبول ، ~~واقرب إليه يحسن بالوصول ، (5) ما ضاع من قصده ، وما جاع من عبده ، ولا خاب ~~من أمله ، ولا خسر من عمل له ، بابه لا يغلق ، وحكمه لا يسبق ، وجاره لا ~~يفرق ، (6) القلوب من خوفه تفرق ، (7) والصدور من هيبته تفلق ، (8) والرجاء ~~بعفوه يعلق. # من ناجاه أنجاه ، ومن اتقاه وقاه ، (ومن أوفاه وفاه ، ومن أطاعه أعطاه)، ~~(9) من التجأ إليه نصره ، ومن استغنى به ستره ، ومن قصده قبله ، ومن وحده ~~أجله ، (10) ومن عبده فضله ، من تاجره أربحه ، (11) ومن أمله فرحه ، من ~~سأله منحه ، ومن شكره [شكره ، ومن ذكره] ذكره ، من استهداه وفقه ، ومن توكل ~~عليه رزقه ، ومن أمله صدقه ، (12) ومن تعزز به أعزه ، من استغنى به أغناه ، ~~(13) ومن سأله أعطاه ، ومن تولاه PageV02P419 # والاه ، ومن استأنس بذكره لم (1) يخب ، ومن تخلا (2) لطاعته نال ما يحب ، ~~إليه المفر ، وعنده المستقر ، من للفقير إلا الغني ، من للضعيف إلا القوي ، ~~من للذليل إلا العزيز العلي ، من للعبد إلا سيده ، وأين يوجد إلا عنده. # قال الوافد : كأني بالقيامة وقد قامت! # قال العالم : كأني (3) بالشاب المليح ، وهو في النار طريح ، ثاوي يصيح ، ~~(4) بمقامعها جريح ، (يطلب الراحة لا يستريح ، بين أطباق العذاب ms29 يصيح)، كم ~~من (5) شيخ كبير ، في العذاب المستطير ، لم ترحم شيبته ، ولم تكشف كربته ، ~~ولم تقبل معذرته ، قد أطعم الضريع ، وسقي الحميم ، وعري وجرد ، وقرب للعذاب ~~ومدد ، وضرب بالمقامع وتهدد ، وغلل بالسلاسل وقيد ، (6) ونزل في إدراك ~~النار وأفرد ، وطرد من الرحمة وأبعد ، وبسط له في (7) النار ومهد ، وغلظ ~~عليه العذاب وجدد ، (8) (ومزق جلده بالسياط وبدد ، وصب عليه العذاب وخدد) (9). # فالويل له من توابيت النيران ، وغضب مالك الغضبان ، يقول له : (10) هذا ~~جزاء ما أذنبت وعصيت ، وأخطأت وتعديت ، وسوفت وتوانيت ، لم تنته من العيب ، ~~ولم تتعظ بالشيب ، (بالمعاصي جاهرت ، وبنفسك خاطرت ، والصلاح أظهرت ، ~~والفساد والنفاق أسررت)، (11) هذا جزاء من أظهر الصلاح وأضمر الفساد ، هذا ~~(جزاء من أساء وظلم PageV02P420 # العباد)، هذا جزاء من ترك (1) صلاته وأطال الرقاد ، هذا جزاء من كان ~~للمسلمين كثير العناد ، (2) (هذا جزاء من نافق وقسي منه الفؤاد)، (3) هذا ~~جزاء من أضاع الصلاة ولم يهتم (4) بها في الأوقات ، هذا جزاء من تركها (5) ~~واتبع الشهوات ، هذا جزاء من عصى الله (6) في الخلوات. # قال الوافد : كيف يستريح في (7) الدنيا من وعد بهذه المصائب؟ # قال العالم : من ارتكب المحارم ، واكتسب المآثم ، دخل هذه الدار ، وخلد ~~في عذاب النار. # يا من عصى الملك العلام ، وخلا (8) بالمعاصي في الظلام ، يا من ذنوبه لا ~~تحصى ، وعيوبه لا تنسى ، وذنبه لا يعفى ، وقد برح الخفاء وكثر الجفاء (9)؛ ~~إخسأ فيها يا مطلوب يا مكروب ، يا كثير الذنوب ، أفسدت في الدنيا دينك ، ~~وضيعت فيها حظك ، يا كثير القبائح ، يا عظيم الفضائح ، (10) يا كثير الرياء ~~، يا قليل الحياء ، (يا مغرور ، يا من عطل الأيام والشهور ، يا من ركب ~~الشرور ، يا من جعل ليله لكسب الذنوب والأوزار ، يا من عصى الملك الجبار ، ~~يا من بارز الخالق في وقت الأسحار ، يا من يصبح عاصيا ، ويمسي ناسيا ، ~~ويصلي لاهيا ، أصبحت من رحمة الله قاصيا)، (11) يا مغبون يا PageV02P421 # مثبور ، يا من اطمأن بدار (1) الغرور ، يا من قدم غير معذور ، ما حجتك ~~(2) في يوم النشور؟ ما أتركك لصلاحك! (3) ما أغفلك عن أخذ زادك! مهلا عن ms30 ~~التفريط ، مهلا عن التخليط ، مهلا قبل البين والفراق ، يوم تلتف الساق ~~بالساق ، قبل مجيء (4) ما لا يطاق. # قال الوافد : يا عجبا من هذه الدنيا ما أمكرها! ما أخدعها ، ما أخورها ، ~~(5) ما أدبرها! ما أقل نفعها! ما أكثر ضرها! (تحلو وتمر ، ما للدنيا بقاء ، ~~ما للدنيا وفاء ، الدنيا بلاء ، لا يجمعها ذو تقى ، ما أكثر تخليطي ، ما ~~أكثر تفريطي)، (6) ما أغفلني عن أعمالي ، ما أقبح أفعالي ، إلى كم أغتر ~~بآمالي ، كم أخوف ولا أخاف ، كم أعرف ولا أعرف ، كم أصر على الذنوب ولا ~~أنصرف؟! كم يمهلني ربي ولا أعترف؟! إلى متى أقول : عسى وسوف؟! وأدخل الحرام ~~الجوف ، أدخلت في قلبي الظلمة ، (7) غفلت عن الطاعة ، (8) وكفرت بالنعمة ، ~~نسيت الجريمة ، واستعملت النميمة. # قال العالم : اعترف بذنبك ، وارجع إلى ربك ، واندم على (9) فعلك ، ولا ~~تستقل القليل ، ولا تنم الليل الطويل ، فإن أظلم الناس من ظلم نفسه ، وأضيع ~~الناس من ضيع يومه وأمسه ، وأسرق الناس من سرق من صلاته ، وأبخل الناس من ~~امتن بزكاته ، أذل (10) الناس من أساء عمله في خلواته ، أجلد الناس من غلب ~~شهواته ، (11) أغفل الناس من PageV02P422 # ضيع حياته ، أندم الناس من عطل (1) ساعاته ، أقوى الناس من مات على ~~التوبة ، رأس مالك في الدنيا الطاعة ، التقى أفضل بضاعة ، من أمل الله ~~أعطاه ، من سأل الله بلغه سؤله ومناه ، أسلم الناس من خمل (2) ذكره ، وكثر ~~شكره ، من رضي بالقضاء ، سلا (3) عما مضى ، كيف لا يهتم ولا يغتم؟! من لا ~~يدري العمل (4) بما يختم ، كيف يهنأه رقاده؟! كيف يتوسد وساده؟! كيف يسكن ~~نفسه وفؤاده؟! وهو لا يدري أمن أهل الشقاوة أم من أهل السعادة؟! (كيف يسكن ~~إلى الدار والجار؟! ويقر به القرار؟! ويأكل في الليل والنهار؟ من هو موعود ~~بعذاب النار ، وغضب الجبار) (5). # [قال الوافد : ما أعمل كي أنجو من النار]؟ # قال العالم : لا تقصر في عمل الأخيار ، ولا تسلك سبيل الفجار ، ولا تكسب ~~الأوزار ، وأطع ربك في الليل والنهار ، (ولا تأمن فتغتبن ، ولا تجمع ~~فتفتتن)، تجوع (6) ولا تشبع ، وتورع ولا تطمع ، وخف واحزن ، فمنزلك ms31 القبر ~~وثوبك الكفن ، كيف يلهو بالملاهي؟! من بين يديه الدواهي ، كيف يكتسب (7) ~~الآثام؟! من وكل به الملائكة الكرام ، وكيف يضحك ويفرح؟! من عليه غدا ~~يصرخ؟! (8) وللدود والهوام يطرح ، كيف يفرح ويستر؟! من يموت ويقبر. PageV02P423 ### | [محاسبة النفس] # قال الوافد : ما لي لا أخفف حملي؟! (1) ما لي لا أخفف شغلي؟! (2) ما لي ~~لا أترك جهلي؟ ما لي لا أتبع عقلي؟! ما لي لا أجتهد؟! ما لي لا أجد؟! (3) ~~ما لي لا أخدم؟! (4) ما لي لا أحزم؟! إلى متى الرقاد؟! إلى متى السهاد؟! ~~(إلى متى أخالف ما أعلم؟ أما أعلم أني إلى الله أقدم؟! أين الحزم ، أين ~~العزم؟ أين الجهد؟ أين القصد؟ ما هكذا يكون العبد)، إلى متى أنقض (5) ~~العهد؟! (إلى متى أخلف (6) الوعد)؟! إلى متى أقول غدا أو بعد غد؟! أما أعلم ~~أن مسكني اللحد؟! ما أقسى فؤادي! أنسيت (7) معادي؟! ما أقل زادي! قرب سفري! ~~ركبت خطري. # الآن تخلق الجدة ، الآن تنتهي المدة ، (8) الآن ينزل الموت ، الآن يقع ~~الفوت ، الآن يسمع (9) الصوت ، الآن يغلق الباب ، الآن أفارق الأحباب ، ~~الآن أنقل إلى التراب ، الآن أحضر إلى الحساب ، الآن أعاين البلاء ، ما لي ~~لا أنتهي (10) عن الهوى؟! ما لي لا أتبع الهدى؟! لا بد من سفر ، لا بد من ~~خطر ، (11) لا بد من موت ، لا بد من فوت ، لا بد من العرض على (12) الملك ~~الفرد ، لا بد من ... PageV02P424 # القبر (1) لا بد من الحشر ، لا بد من النشر ، لا بد من حسرة ، لا بد من ~~عبرة ، (2) لا بد من زوال ، لا بد من ارتحال ، لا بد من الجزاء على الأفعال (3). # خنت بالعينين ، أصغيت بالأذنين ، أخذت الحرام باليدين ، مشيت (4) إلى ~~المعاصي بالرجلين ، حركت بالكذب الشفتين ، قطعت الرحم وعققت الوالدين ، ~~أعرضت عن مولاي وتبعت (5) هواي ، نسيت ما بين يدي ، (6) غفلت عما أساق إليه ~~، لم أذكر من (7) أعرض عليه ، (كأني وقد عدمت نظر العينين ، وسمع الأذنين ، ~~وبطش اليدين ، ومشي الرجلين)، (8) كأني وقد منعت الخطاب بلساني ، وسلبت ~~القوى من أركاني ، ونزع (9) روحي وأدرجت في أكفاني ، فويلي (10) من ملائكة ~~يشهدون ms32 علي بما صنعت ، ويحفظون ما ضيعت ، فيا كربتاه ، وا غمتاه ، ويا ~~حزناه ، ويا غصتاه ، ويا شجناه ، ويا غبناه ، ويا سوء حالتاه. (11) # وأنشد يقول : (12) # وصحيح (13) أضحى يعود سقيما (14) %~% وهو أدنى للموت ممن يعود (15) PageV02P425 وصبي من بعدهم لحقوهم %~% ضل عنهم نزولهم والصعود (1) أين أهل الديار من قوم نوح %~% ثم عاد من بعدهم وثمود بين ما هم على النمارق والديباج %~% أفضت إلى التراب الخدود ثم لم ينقض الحديث ولكن %~% بعد ذاك (2) الوعد ثم الوعيد # فأجابه العالم وهو يقول : (3) # أفنيت عمرك إدبارا وإقبالا %~% تبغي البنين (4) وتبغي الأهل والمالا فالموت هول فكن ما عشت ملتمسا %~% من هوله حيلة إن كنت محتالا فلست ترتاح من موت ومن نصب %~% حتى تعاين بعد الموت أهوالا (5) أملت بالجهل عمرا لست (6) تدركه %~% والعمر لا بد أن يفنى وإن (7) طالا كم من ملوك مضى ريب الزمان بهم %~% قد أصبحوا (8) عبرا فينا وأمثالا |واطبا بعدهم لحقوا هم||ضل عنهم سعودهم والبرود| # ولم اهتد فيهما إلى معنى صحيح. PageV02P426 ### | [الصلاة معراج المؤمن] # قال الوافد : حد لي (1) الصلاة يرحمك الله؟ # قال العالم : الصلاة صلة بين العبد والرب ، وستر للعيب وكفارة للذنب ، ~~الصلاة صلة بلا مسافة ، وطهارة كل خطيئة وآفة ، (2) الصلاة مواصلة ومصافاة ~~، ومداناة ومناجاة ، المصلي يقرع باب الله ويطمع في ثوابه ، وهو على بساط ~~الله عز وجل . # إذا كبر العبد تكبيرة الإحرام ، تساقط عنه الأوزار والآثام ، (3) وإذا ~~توجه العبد إلى القبلة ، فقد أبدى (4) من نفسه الخضوع والذلة ، واتبع الشرع ~~والملة ، إذا أخلص العبد في الصلاة بنيته ، كفر الله عنه ذنبه (5) وخطيئته ~~، وأجزل له عطيته ، (6) وإذا أخلص العبد القراءة والتلاوة ، سطع في (7) ~~قلبه النور والحلاوة ، وإذا قرأ الفاتحة ، أدرك الصفقة الرابحة ، وإذا (8) ~~أتبعها بالسورة ، كثر في الآخرة سروره ، وكفاه الله محذوره ، وإذا انحنى ~~للركوع ، فقد أظهر لله الخضوع ، وإذا قام للاعتدال ، فقد نفى عنه الاشتغال ~~، وإذا هوى للسجود ، فقد خرج من الجحود ، واستحق من الله الجود ، وإذا تشهد ~~(9) على التمام ، سلمت عليه الملائكة الكرام ، وبشروه بدار السلام. # الصلاة شرح الصدور ، وفرج من جميع الأمور ، الصلاة نور ms33 في الفؤاد ، وسرور ~~يوم المعاد ، الصلاة للقلوب منهاج ، وللأرواح معراج ، الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ، PageV02P427 # وتؤمن (1) صاحبها من نكير ومنكر ، الصلاة تغني من (2) الإفلاس ، وتلبس ~~العبد الإيناس ، الصلاة (3) قرة العين ، وجلاء الرين ، المصلي على بساط ~~المولى ، يناجي الملك الأعلى. # الصلاة ضياء في الصدور ، وفسحة في القبور ، وبهاء (4) في الحشر والنشور ، ~~الصلاة تجوز (5) على الصراط ، وتورث في قلب صاحبها النشاط ، الصلاة تنزع ~~قساوة القلوب ، وتكفر (6) الذنوب ، الصلاة تسهل العسير ، وتمحو الذنب ~~الكبير ، الصلاة توسع الأرزاق ، وتطيب الأخلاق ، الصلاة تقرب العبد إلى ~~المولى ، وتؤمنه (7) من البلوى. من لزم المحراب قرع الباب ، ومن قرع الباب ~~أتاه (8) الجواب ، صحة الإرادة ، لزوم المساجد للعبادة. # الصلاة تخفف الأوزار ، وتؤمن (9) من النار ، أقرب ما يكون (10) إلى ربه ~~من سجد وقام ، (11) وزكى وصام ، لو علم المصلي من (12) يناجي لما التفت في ~~صلاته ، من سها في صلاته فقد ضيع أشرف أوقاته. # اخضع لربك في الصلاة ذليلا %~% واذكر وقوفك في الحساب طويلا PageV02P428 # لو علمت بين يدي من تقوم ، كنت تلازم بابه (1) وتدوم. # عجبا لمن يناجي القاهر! كيف يخطر في قلبه الخواطر ، ليس للمؤمن (2) من ~~صلاته إلا ما عقل ، ولا ترفع صلاته إذا غفل ، (3) عفر وجهك بالتراب ، فلعله ~~يفتح لك الباب ، أحضر في الصلاة باطنك ، كما أحضرت (4) ظاهرك ، طهر قلبك ، ~~كما تطهر ثيابك. # عجبا ممن (5) يسأل الخلق! وباب مولاه مفتوح لكل سائل! عجبا ممن يتذلل ~~للعبيد! وله عند سيده ما يريد ، من أطال لله القيام ، أزال عنه الأوزار ~~والآثام ، من أخر الصلاة عن الأوقات ، من غير علة من العلات ، حرم الخيرات ~~والصالحات ، من ترك الصلاة إلى الليل ، جل به الذل والويل ، من حافظ على ~~الصلوات ، تتابعت عليه (6) الخيرات ، ورفعت له الدرجات ، وصرفت عنه ~~النقمات. # من لم تكن الصلاة من باله وعزمه ، لم يبارك له (7) في رزقه وتركه الله ~~بهمه ، من ضيع صلاته لم تقبل حسناته ، وكثرت عند الموت سكراته ، من غفل عن ~~الصلاة والذكر ، ضيق عليه في القبر ، الصلاة عمود الدين ، وتمامها صحة ~~اليقين. ### | [قيام الليل] # قال الوافد : ما للذي يقوم ms34 الليل؟ صف لي ثوابه؟ # قال العالم : من قام الليل وسهر ، نجاه الله من الأمر العسر ، من خاف ~~البيات ، (8) لم PageV02P429 # تغلبه السيئات ، من حذر الحمام ، شرد عنه المنام ، من اغتنم الليالي ~~والأيام ، لم يقطعها بالبطالة والمنام ، (من أطال الرقاد ، فقد طمس النور ~~من الفؤاد ، من دام رقاده ، عدم مراده)، (1) من ألف الوطاء والمهاد ، خرج ~~إلى الآخرة بغير زاد ، من تعود الوسادة ، لم يؤد حق العبادة ، من خاف اللحد ~~، لم ينم على الخد ، من عصى مولاه ، كانت الجحيم مأواه ، من فزع من يوم ~~القصاص ، تضرع إلى ربه بالإخلاص ، من تحقق أن الرب مطلع في المعصية عليه ، ~~(2) أسبل الدموع على خديه ، من علم أن إلى ربه مرجعه ، هجر في الليل نومه ~~ومضجعه ، من تحقق أن إلى ربه الرجوع ، أكثر من السجود والركوع ، (3) (من ~~تفكر في قبيح الرجوع ، شرد عن عينيه الهجوع ، وأسبل من مقلتيه الدموع)، ~~(4) من علم أنه مأخوذ مطلوب ، كان له في الليل تهجد وهبوب ، (من عرف عصيانه ~~، داوم أحزانه ، من داوم أحزانه ، لم تنطبق بالليل أجفانه)، (5) من غلب ~~على قلبه الحزن ، منع من عينيه (6) الوسن ، من تحقق الإفلاس ، شرد عنه ~~النعاس ، من علم (7) أن الله يدعوه ، لم يزل يخافه ويرجوه ، فإن الله تعالى ~~(8) يقول : (هل من داع فأجيب؟ هل من مطيع فأثيب؟ هل من متقرب فإني (9) منه ~~قريب؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأفضل عليه ، (10) هل من متوكل ~~فأسوق الرزق (11) إليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل PageV02P430 # من مستعين فأعينه؟ هل من مستجير فأجيره) (1). # يا أهل الليل أبشروا بالسرور والجمال ، يا أهل الليل كفيتم جميع الأهوال ~~، (يا أهل الليل أمنتم الأفزاع والأشغال)، (2) يا أهل الليل تقر أعينكم ~~عند انقضاء الآجال ، يا أهل الليل أكثروا التضرع والابتهال ، فقد اطلع ~~عليكم الكبير المتعال ، يا أهل القرآن تهجدوا بالقرآن ، يا أهل القرآن معكم ~~الدليل والبيان ، من سهر الليل (3) وقام ، وتجوع بالنهار وصام ، كان مقامه ~~في الآخرة (4) خير مقام. # يا أهل الليل قد أغلقت الملوك أبوابها ، وطاف (5) عليها حجابها ، وطلبت ~~كل صحبة ms35 أصحابها ، وأرخى أهل المعاصي أستارها ، وأنا الملك الجبار ، ~~(العزيز الغفار الستار ، أعطي عبادي ، وأزيد أهل ودادي ، ومن يختار على ~~مراده مرادي) (6)، أقول : يا عبادي ، يا أهل ودادي ، أبشروا بودادي ، ~~والثواب في معادي. # قال الوافد : ما أجرأ العباد على المعاصي! فلم (7) يخافوا الأخذ ~~بالنواصي. كم تغفل وتنام ، وتظلم الأيتام ، كأني بك وقد عافصك (8) الحمام ، ~~وأنت غافل في ألذ منام ، (9) يا # معكم النذير. وفي (ج): التنزيل. وفي (أ): بالليل. وفي (ج): في. PageV02P431 # من هو مقيم على القبائح والآثام ، أما تخاف انقطاع الأيام ، وحلول الحمام ~~، وشهادة الملائكة الكرام (1)؟! # قال العالم : في الليل يقرع باب الوهاب ، في الليل خلوة الأحباب ، (2) في ~~الليل تقبل توبة من تاب ، في الليل يستغفر من بهت واغتاب ، في الليل يعمر ~~القلب الخراب ، في الليل يأتي (3) الجواب ، الليل لأهل الصلاة والمحراب. # يا أهل الأسحار لكم الأنوار ، (يا أهل الليل خففت عنكم الأوزار ، يا أهل ~~الليل أبشروا برضى الجبار ، ومرافقة الأبرار ، يا أهل الأسحار)، أقبلوا ~~(4) على الاستغفار ، في صلاة الليل ، النجاة من الويل ، في المناجاة نجاة ، ~~في الصلاة صلاة ، (5) هلموا فهو ذو الإجابة ، أقبلوا فهو ذو الإنابة ، ~~اعملوا بالصواب ، يفتح (6) لكم الأبواب ، (أطيعوا فهو يضاعف لكم الثواب) (7). # سلوا (8) الأمان ، يا أهل الإيمان ، تضرعوا إلى الحبيب ، فهو من (9) ~~المتضرعين قريب ، ارجعوا إليه يكن لكم من كل خير نصيب ، السهر السهر ، يا ~~من هو على سفر ، الإدلاج ، يا طالب (10) المنهاج ، البكور البكور ، يا من ~~يريد السرور ، الأسحار الأسحار ، يا من أكثر (11) الأوزار ، (الضراعة ~~الضراعة ، يا من كثر منه الإضاعة) (12). PageV02P432 ### | [نصائح طبية] # قال الوافد : صف لي فضل الصيام ، والإقلال (1) من الطعام؟! # قال العالم : أكثر الصيام ، تسلم من الآثام ، أقل من الطعام تسبق (2) إلى ~~القيام ، من شبع من الطعام ، غلبه (3) المنام ، ومن غلبه المنام ، قعد عن ~~القيام ، الشبع يظلم الروح ، ويترك القلب مقروح (4)، الجائع عفيف خفيف ، ~~والشابع (5) عاكف على الكنيف ، من كان شابعا ، كان للشيطان متابعا ، الشبع ~~يكسب الوجع ، (6) ويذهب الورع ، ويكثر الطمع. # ألا إن (7) الصوم جنة من النار ، ورضى للجبار ، من أطاع ضرسه ، أضاع ms36 نفسه ~~، التجوع في الفؤاد نور ، وفي المعاد سرور ، من استعمل القصد ، استغنى عن ~~الفصد ، (8) من قنع شبع ، ومن شبع طمع ، من أشفق على نفسه ، لم يتبع شهوة ~~ضرسه ، من أطاع أسنانه ، هدم أركانه ، كم من طاعة ، نبعت من مجاعة ، وكم من ~~قناعة ، أتت بخير بضاعة ، لا مجاعة مع القناعة. ### | [مراقبة الله] # قال الوافد : صف لي المراقبة؟ # قال العالم : من راقب الله في الخلوات ، أجاب له الدعوات ، المراقبة ، تورث # وفي (ج): قل الطعام. وفي (أ): تشتاق القيام. ولعلها تشتق. PageV02P433 # المحاسبة ، (1) راقب مولاك في الليل إذا دجاك ، وفي النهار إذا أضاك ، ~~يعصمك من هواك ، اذكر نظر الله إليك ، ولا تنس اطلاعه عليك ، أما تعلم أن ~~الرب إليك ناظر؟! وعليك في كل الأحوال قادر؟! أما (2) تعلم أن مولاك يراك؟! ~~ويسمع سرك (3) ونجواك؟ ويعلم منقلبك (4) ومثواك؟ أرخيت عليك الأستار ، ~~وأخفيت ذنوبك عن الجار ، وبارزت الجبار (5) بالمعاصي الكبار ، وجمعت الذنوب ~~والأوزار ، وشهد عليك الليل والنهار ، والملائكة الحضار. # أما تخاف عقوبة الجبار؟! (6) والخلود في النار؟ إلى كم تستتر عن أعين ~~الناظرين؟ وقد شاهدك أقدر القادرين؟ كم تخاف من المخلوق وتستخفي؟ (7) ولا ~~تخاف الخالق ولا تستحيي ، كم تنقض العهود؟ وتستخف بالشهود ، (8) كم تجترئ ~~على المعبود؟ ويعود عليك ولا تعود؟ (9) كم رآك على المعاصي وستر ، واطلع ~~منك على القبائح وما نشر ، وغطى عليك وما شهر ، أما تذكر قبائح أمرك؟ أنسيت ~~فضائح سرك؟ (10) أما تخاف من ذنوبك؟ أما تزدجر عن (11) عيوبك؟ أغفلت عن ~~الداهية؟ ولم تخف الهاوية. أأمنت (12) من لا تخفى عليه خافية؟! وقد اطلع ~~عليك مرارا ، وأسبل عليك أستارا ، # وفي (أ): ألم. PageV02P434 # (وبارزته غير مرة فستر وعفى ، ونقضت ما عاهدته عليه ووفى) (1). # ولو شاء لأمطر عليك الحجارة من الهواء ، وسلب منك العطاء ، وكشف عنك ~~الغطاء وشهرك (2) لعباده ، وضيق عليك بلاده ، وبدل اسمك ، وغير جسمك ، هب ~~أنه (3) ستر عليك في الدنيا ، ما ذا تعتذر إليه في العقبى؟ (4) هب أنه ~~تجاوز وعفا ، وقد نقضت ما عاهدك عليه ووفى ، ألم (5) تستح من خالق الأرض ~~والسماء؟ ألم تستح من الحفظة الكرام؟! ألم ms37 تخف من لا ينام ولا يضام؟! يا ~~حياه (6) من قلة الحياء!! # وقال في ذلك : # يا من شكا حافظاه خلوته %~% حين خلا والعباد ما فطنوا لم يهتك الستر إذ خلوت به %~% بر لطيف كفا له المنن ### | [الانفاق والبخل] # قال الوافد : صف لي فضل الإنفاق وقبح البخل؟ # قال العالم : ما لك (7) من مالك إلا ما لبست فأبليت ، أو أكلت فأفنيت ، ~~أو تصدقت فأبقيت ، وسوى ذلك وبال (8) عليك ، من صان فلسه ، أهان نفسه ، من حبس PageV02P435 # درهمه ، جمع في القلب (1) همه ، البخل أدوأ الداء ، والكرم أنفع الدواء ، ~~(2) ما ثقل في الميزان ، مثل الإحسان إلى الإخوان ، والنجاة في قراءة ~~القرآن ، (3) ما أحبط العمل ، بمثل التغافل والنسيان (4) والكسل ، من لزم ~~السماحة ، لم يعدم الراحة ، البخيل في الدنيا مذموم ، وفي الآخرة من الخير ~~محروم ، تملك البلاد بالفرسان ، وقلوب العباد (5) بالإحسان ، من بذل ماله ، ~~نال آماله ، (6) من جاد بكسرته ، فقد بالغ (7) في مروءته ، من أخرج فضل (8) ~~الأموال ، نجا في الآخرة من الأهوال. ### | [جهاد النفس] # قال الوافد : كيف أصنع بالنفس حتى ترجع عن شر عادتها؟ # قال العالم : لا ترجع النفس عن عادتها أبدا ، وليس منها إقلاع ولا رجوع ، ~~إلا بالقهر والغلبة والجهد والخوف ، وبالعلم والمعرفة والزهد تحبس النفس عن ~~شر عادتها (9)، ولا يدرك ذلك منها إلا بصدق الإرادة ، والصبر والمعالجة ، ~~وكثرة الخوف والعمل بالصواب ، فإذا ظفرت بها حتى تردها إلى طاعة الله ورضاه ~~، (10) ووفقت لذلك فاشكر الله ، واعترف له بالطاعة إذ جعل ذلك بتوفيقه لك. PageV02P436 # فينبغي لك من بعد ذلك أن تقلع عن الهوى ، (1) وتصم أذنه ، وتخرج التخاليط ~~والآفات من أماكن مزرعها ، (2) وتغلب هواك وتحذر النسيان والغفلة ، ووسوسة ~~الشيطان ، وسرعة العجلة وتأخير الخير ، وتحذر التواني والعجز (3). # واعلم يقينا أنك لا تظفر بذلك من نفسك إلا بالقهر ، وتمنعها من الرغبة ~~والحرص والكبر ، والرياء والحسد ، والرئاسة والبخل ، وطول الأمل ، والتقلب ~~في طلب الشهوات ، ومحبة الدنيا ، والتصنع للناس والمحمدة منهم ، وترك الغش ~~والخيانة ، وخوف الفقر ، والطلب لما في أيدي الناس ، ولا تنس الموت ، واترك ~~الغفلة (4) والشح والسفالة والسفاهة. # فإذا نصرت (5) على ذلك ms38 وأنفيته عن نفسك ، فاشكر الله كثيرا فقد شكر سعيك ~~، فعند ذلك تصح أعمالك ، (6) غير أن النفس لا تصلح حتى تكدها ، وتقهرها ~~وتجهدها ، لأنها أمارة بالسوء والفحشاء ، (7) وبالشر والفتنة والآفات مولعة ~~، (8) وهي خزانة إبليس ، منها خرج وإليها يعود ، وهي تزين لصاحبها تسعة ~~وتسعين بابا من أبواب الطاعات والخير ، لتظفر به في كمال المائة ، فكيف يسد ~~السبيل العريض من لا يعرف مجراه؟! وكيف يعرف ذلك من لا يعرف عدوه ودنياه؟ ~~وكيف يعرف عدوه ودنياه من لا يختلف إلى العلماء؟ ولا يخالط الحكماء ، ولا ~~يجالس الصالحين. # فإذا أردت النجاة فتعلم العلم من العلماء ، وخذ الحكمة من الحكماء ، ولا تشد PageV02P437 # على نفسك مرة وترخي أخرى ، (1) ولكن أقبل إليها بعزم صحيح ، وورع شحيح ، ~~وصبر ثخين ، وأمر (2) متين ، حتى تمنعها عن شهواتها ، وترجعها عن شر ~~عاداتها (3). # ثم اجمع أطرافك إلى وسطك أعني إلى قلبك وهو أن تحكم القلب على الجوارح ، ~~(4) ولا تحكم الجوارح على القلب ، ولا يتم لك عمل ولا يخلص لك إلا بهذه الصفة. # فالعين تغمضها عن الحرام ، فإنها جاسوس القلب ، ثم الأذنان تمنعهما أن ~~يوعيا (5) الشر والخنا والنمائم والكذب ، ثم اللسان خاصة ، نزهه (6) عن ~~الكذب والغيبة والمجادلة والفضول والمقاولة والشبهات ، فإنه معدن قرارة ~~النفس ، وهو ترجمان القلب. ثم البطن فاحفظه لا يدخله الحرام (7) والسحت ~~والشبهة والشهوات ، فإن نور (8) القلب وصفاه من طيب طعمة البدن وخبثها. (9) ~~وأما الفرج فما دمت حابسا لبطنك من الامتلاء والشبع ، فأنت قادر على حفظه. # وفي (ب): عن الحرام. وفي (ج): فأحفظها أن يدخلها. PageV02P438 ### | [المريد] # قال الوافد : كيف يكون المريد للعبادة؟ # قال : يكون قلبه (1) يجول في الملكوت الأعلى ، ثم يمنع نفسه من الرجوع ~~إلى شر عادتها وشهوتها ، فإن لم يكن كذلك فإنه (2) مغرور فيما هو فيه ، ~~وغير مستحق لما يدعي ، ومحال أن يطير الطائر في الهوى ، وهو مربوط بحجر ~~ثقيل ، كذلك القلب محال أن يصعد في الملكوت الأعلى وهو مربوط بالآفات ، ~~محفوف بالرغبة في الدنيا ، مشغول بالتزين والتنقل في الشهوات ، والغفلة عن ~~الطاعات ، وقلة الخوف لما هو آت (3). ### | [مقام الأولياء] # واعلم ms39 أن مقام أولياء الله ، (4) لا يقوم به إلا من عمل عمل (5) الصالحين ~~، وهو الاجتهاد في الطاعات ، والانتهاء عن الشبهات ، وترك (6) الشهوات ، ~~والتوكل والتفويض ، والزهد والتسليم ، والاعتبار والتفكر ، والورع والذكر ، ~~والخوف والخلوة ، والقرب (7) والمعرفة ، والحب والإخلاص واليقين ، والصدق ~~والخشية والرجاء ، وجميع ذلك لا يكون إلا من القلب الطيب الصافي الرقيق ، ~~التارك لحطام الدنيا وعنائها ، فإن الله يقبل على عبده بالجود والعطاء ، ما ~~دام العبد مقبلا على صفاء عمله ، لا يولي إلى غيره. # وإلى هنا انتهت نسخة (ج) المطبوعة. PageV02P439 # فإذا خيلت لك نفسك أنك من الصالحين ، فحقق ذلك بخمسة أشياء ، واختبر بها ~~نفسك ، وهي : # الأخذ والعطاء. # والفقر والغناء. # والعز والذل. # والمدح والذم. # والموت والحياة. # فإذا وجدت قلبك يميل إلى واحدة منهن دون الأخرى ، فاعلم أن الذي أنت تزعم ~~باطل ، وهذا من تخيل النفس ، وأنت مغتر فيما تدعي ، لم تنل شيئا مما ناله ~~البررة الصادقون. # واعلم أن لكل شيء حقيقة ، ولكل صدق علامة ، فحقيقة (1) المعرفة معرفة ~~النفس ، فمن عرف نفسه فقد عرف ربه ، وحقيقة الصدق (2) الانقطاع إلى الله ~~ورفض الدنيا ، فمن عرف ربه عبده ، ومن عرف الدنيا زهد (3) فيها ، فمن عرف ~~الله أحبه ، (4) ومن أحبه لم يعصه ، وعمل بما يرضيه ، وإن نعيم المحب ~~العارف ساعة واحدة أكبر وأجلى وأطيب وأعلا من نعيم أهل الدنيا بنعيمهم ، من ~~يوم خلقهم الله إلى (5) أن يفنيهم ، وإن الله (6) رفيع الدرجات ذو العرش له ~~الدنيا والآخرة ، حبيبهم به يستأنسون ، وعلى بساط قربه يتقلبون ، وفي جزيل ~~كرمه يتنعمون ، وبذكره يتلذذون ، وبالوصول إليه يفتخرون ، قد وعدهم من جزيل ~~عطائه ، وسعة رحمته ، ومكنون فضله ، ما يعجز عنه الواصف ، PageV02P440 # ورضي عنهم وأرضاهم ، (1) أولئك الذين لا يشقى جليسهم ، ولا ترد دعوتهم ، ~~يدورون مع الحق حيثما (2) دار ، والأرض بهم رحيمة ، والجبار عنهم (3) راض ، ~~جعلهم الله بركة أرضه ، ورحمة على عباده ، فطوبى لهم وحسن مآب. ### | [الصادق المجتهد] # قال الوافد : صف لي الصادق المجتهد؟ # قال العالم : هو الذي لا يعجز عن الاجتهاد فيما يقربه إلى الله ، في ~~تحريكه وسكونه ، وكلامه وقعوده وقيامه ، ثم يجعل اجتهاده من ms40 جميع جوارحه ، ~~(4) ثم يجعل تحريك لسانه ، واستماع أذنه ، وبطش يده ، ومشي رجله ، وأخذه ~~وعطاه ، ونومه ويقظته ، وجميع ما يكون منه في ليله ونهاره ، يصدق بعضه بعضا ~~، (ثم يجعل طعامه وشرابه ، ولباسه ، وجوعه وعطشه ، وقيامه وقعوده ، وشبعه ~~وريه ، يوافق بعضه بعضا) (5) ويجعل جميع ذلك صدقا منه ، وقصدا إلى ما يوافق ~~إرادته ، وليكن ذلك من خالص قلبه ، فإن فعل ذلك كان صادقا في إرادته ~~وعبادته ، فإن (6) الصادق المحب المستمر في الطاعات ، (7) ينبذ الدنيا وراء ~~ظهره ، فيظمأ (8) نهاره ، ويسهر ليله ، ويترك شهوته ، (9) ويخالف هواه ، ~~ويقصر أمله ، ويقرب أجله ، ويخلص عمله من الآفات والتخاليط ، ويرتعد بدنه ~~من خوف الله ، وقد ترك (10) الدنيا عنه ، لما عرف مكرها وخاف مضرتها ، PageV02P441 # لم ينظر إليها بقلبه ، ولم (1) يمش إليها بقدمه ، ولم يبطش فيها بيده ، ~~حذرا من شرها وفتنتها ، (2) فهو هارب بنفسه حذرا من أهلها ، فقلبه غير غافل ~~عن الله ، ومداوم على ذكره ، (3) وقد عزل عن نفسه كل شغل يشغله (4) عن الله ~~، وأقبل على قلبه ، فعمره بذكر ربه ، وجعل ذلك صافيا خالصا لله ، فهو خائف ~~وجل مرعوب (5) من عذابه ، هارب من الدنيا وأهلها ، محافظ على عمله ، قائم ~~على نيته ، (6) فبذلك يهتدي الضال ، ويسلك الطريق ، ويستجيب الله دعاءه ، ~~ويملكه الله من قصور الجنة ، ويزوجه من حور العين ، ويخدمه الولدان ، فطوبى ~~له (7) وحسن مآب. ### | [الاخلاص] # قال الوافد : صف لي الإخلاص؟ # قال العالم : إن (8) مثل نور الإخلاص مثل نور الشمس ، لو غطى نور (9) ~~الشمس أدنى الغيم والغبار ، (10) تكدر من ضوئها على مقدار ذلك الغبار ، وإن ~~كانت عين الشمس في ذاتها صحيحة ، ذلك (11) مثل الصفا والإخلاص. وكذلك كل ~~عمل يكون PageV02P442 # أصله لله خاصة فهو له خالص ، ثم ربما شابه شيء من الدنس والكدر ، (1) ~~فأحبط عليه عمله. # فالآفات التي تحبط العمل سبع : # أولهن : الكبر. # والثاني : الحسد. # والثالث : الحرص. # والرابع : الرياء. # والخامس : العجب. # والسادس : الشهوة. # والسابع : البخل. # فما دخل على المؤمن من هؤلاء فقد نقص عمله وإيمانه. ومثل ذلك مثل (2) ~~الثوب الجديد الأبيض ، يصيبه شيء من الدنس والغبار ، فيذهب من نوره وصفائه ~~وبهائه بقدر ذلك ms41 الغبار والدنس ، وإن كان الثوب في الأصل جديدا لا عيب فيه. ~~كذلك مثل الإنسان في صلاته يكون في طهارته (3) محكما ، (وفي ركوعه وسجوده ~~محكما ، فظاهره طاهر ، وباطنه محشو من الآفات والتخاليط ، فمن خلط فقد اغتر ~~واستعبده الهوى ، وزين له شيطانه ، وخيلت إليه نفسه الكذب صدقا ، والباطل ~~حقا)، (4) ولم يستحق اسم الإخلاص ، ولو أن مؤمنا (5) بلغ من كرامته عند ~~الله أن يطير في الهوى ، لم يزده (6) ذلك إلا شدة وخوفا واجتهادا ، وما ~~ازداد إلا خشية ، ولا ازداد إلا عبادة وهيبة ، وما PageV02P443 # جعل الله للخالص (1) إلى الرخصة سبيلا ، فمن كان لله أعرف ، فهو له (2) ~~أخوف ، فينبغي لمن أراد الإخلاص في عمله ، ألا تسكن روعته ، ويكون خائفا ~~وجلا حزينا ، وهذا (3) إذا كان الخوف والحزن وافقهما القبول من الله عز وجل ~~(4). لأن الخوف والحزن ينوران الإخلاص ويزينانه ، (5) وكل عمل لم يكن يوجل ~~عليه القلب فقد حفت (6) به الآفات من حيث لا يشعر ، لأن لأعمال الطاعات ، ~~آفات مختلفات ، ليس يعرفها كل (7) مطيع ، وذلك أن المطيع ربما هاج منه (8) ~~العجب والرياء والفخر والأمان ، من غير أن يعلم بها ، فلا يغفل المخلص عن ~~ذلك ، في ليله ونهاره ، وحركته وسكونه ، وذلك مما يدخل عليه من تمويه (9) ~~النفس وتلبيس الهوى. # قال الوافد : صف لي صحيح (10) الإرادة؟ # قال العالم : إذا علم الله من قلبك صحة الإرادة ، وإخلاص العمل ، أوصلك ~~إلى الخير ، (11) وهدى قلبك ، ويسر أمرك ، وجمع شملك ، (12) وهون عليك ~~الصعوبة ، وقمع عنك الشهوات ، وبغض إليك الدنيا ، وبصرك عيوبها وأدواءها ~~(13) حتى تعافها ، وإذا عرف الله منك الصدق والاجتهاد ، وعلم أنك لا تختار ~~عليه غيره ، قبل الله سعيك ، PageV02P444 # وشكر عملك ، وصار اجتهادك تلذذا وحلاوة ، فإذا رآك الله تعمل على الحلاوة ~~ولا تتوانى ، ولا تختار عليه الدنيا ، ولا تتبع هواك ، ولا تطلب شهوتك ، ~~قبل الله منك عملك ، ونثر عليك من صفاء بره ، ونشر عليك من محزون رحمته ، ~~وكثر عليك من عطائه ، ومنحك من خزائن جوده ، وجزيل مواهبه ومعونته ، ما تقر ~~به عينك ، وما إذا رأيته زادك اجتهادا وخوفا وعزما ، ونضر أثر ذلك عليك ms42 ، ~~وأورث قلبك النور والتقى والهدى ، والشبع من الدنيا ، وأغناك عمن دونه ، ~~وأعطاك من عطائه ، ما لم يحسن أن تتمنى قبل ذلك ، والله كريم يقبل اليسير ، ~~ويعطي عليه الثواب الكثير (1). # قال الوافد : كيف أخلص العمل؟ # قال العالم : إنك لا تدرك إخلاص العلم إلا بالعزم ، ومن كمال العزم (2) ~~قلة التسويف ، ولزوم الصدق ، وتمام النية ، ومن تمام النية إخلاص العمل ، ~~ومن إخلاص العمل الصدق ، ومن الصدق نقاوة القلب ، ومن تمام نقاوة القلب ستة ~~عشر خصلة بعضها على أثر بعض ، وهي درجات الصالحين : # أولها : الإنابة إلى الله سبحانه. # وترك التزين من نفسك ، وترك التصنع للناس ، وترك الحسد. # ورفض (3) الشهوات. # والزهد في الحطام. # والتجافي عن دار الغرور. # والاستعداد للموت. PageV02P445 # والانقطاع عن الناس. # والإقبال إلى الله تعالى. # والاتصال بالذكر. # وحسن الخلق. # والرأفة بالمسلمين. # والإنس بالله في الخلوات. # والتشوق (1) إلى الله. # والمحبة لأولياء الله والمحبة له. # والرضاء بالمقادير التي من عند الله. # ثم اليقين فإن الله يعطي العبد على قدر يقينه. ### | [الحياة الطيبة] # قال الوافد : صف لي الحياة الطيبة؟ # قال العالم : اعلم أن الحياة الطيبة لا تدركها إلا بخمسة أشياء : # أولها : العقل. # ثم المعرفة. # ثم اليقين. # ثم العلم. # ثم (2) الغنى بما عند الله. PageV02P446 # فهذه الحياة الطيبة. فإذا أردتها (1) فعليك بهذه الخصال ، فلك في ذلك ~~كفاية. وإذا أردت أن تكون من أهل الصدق في الحياة الطيبة ، فابدأ بنفي ~~العادة الخبيثة ، وألبس (2) نفسك الصبر والخلق الحسن ، (وأزل عن قلبك الذكر ~~الرديء ، ولا تشغل قلبك بغير ذكر الله وطاعته ، وأمت حرارة الشهوة من نفسك ~~، وليكن الموت عندك أحب إليك من الحياة ، فإن الصالحين من قبلك تعاهدوا (3) ~~قلوبهم بالحزن الطويل ، والجهد الثقيل ، يريدون بذلك رضى ربهم ، والتقرب ~~إليه ، فإن أحببت أن تسلك طريقهم ، وتقفو آثارهم ، فحول) (4) نفسك عن ~~الدنيا وزهرتها ، وأدب نفسك بالجوع ، وأذلها بالفقر ، وأنبها (5) بقرب ~~الأجل ، وأبصر بعينيك إلى عرصة القيامة ، حتى كأنك تحاسب فيها ، فحاسب نفسك ~~قبل ورودك إليها ، واقطع نيتك عن كل شغل يشغلك عن الله ، وتأدب بآداب ~~الصالحين (6) من قبلك ، رموا بقلوبهم نحو خالقهم (وكلما تحولت ms43 قلوبهم إلى ~~غيره ، حملوا عليها بالزجر ، ورجعوا إلى مقامهم ، وقصدوا بأبدانهم نحو ~~قلوبهم ، جهدا منهم ، وأيأسوا أنفسهم عن الدنيا وراحتها)، (7) وعودوا ~~قلوبهم الجهد وكدوها في طاعة خالقهم ، (8) حتى عرف الله منهم الصدق فآتاهم ~~الفرج واليسر (9) من عنده ، وصرف عنهم العادة الردية الخبيثة (10). # (فإذا أردت أن تكون مثلهم فغمض عينيك عن الدنيا ، وأختم أذنيك عن أقاويل PageV02P447 # أهلها ، واصرف قلبك عن زهرات بهجتها)، (1) فانقطع إلى ربك ، وأعمر قلبك ~~بذكره ، واستعمل لسانك في شكره ، واجعل قلبك مملوءا من محبته ، وتلذذ ~~بطاعته ، (2) فإنه يغنيك عن الخلق ، ويهون عليك الصعوبة ، ويخفف عنك (3) ~~المئونة ، وتصير حرا عن عبودية الدنيا إذا أوصلت حبلك بحبل الله (4) عز وجل ~~، (وتسلم من الأشغال ، وتصبح منير القلب ، كثير الذكر ، لذيذ المناجاة ، ~~حريصا على الطاعات ، قليل الزلل والخطأ ، قليل الغفلة ، حسن الفعال ، صافي ~~الذكر ، قليل الكلام والفضول ، واسع الصدر ، خلوتك مع الله لا تزول ، وأنسك ~~بالله ، لا تستوحش إن كنت في القفرة ، ويكثر يقينك في قلبك ، فبدنك مطيع ، ~~ولسانك ذاكر ، وكلامك حق ، وعملك زين ، وسعيك مشكور ، وكل شيء منك نور ، ~~وكل حركة وسكون منك محمود ، قد أعد الله لك النعيم ، في جنة النعيم. ### | [المتقي العارف] # قال الوافد : صف لي المتقي العارف؟ # قال العالم : إن من صفات المتقي العارف ، أن يكون غذاؤه ذكر الله ، ورأس ~~ماله اليقين بالله ، ومطيته الهيبة من الله ، ولباسه التقوى ، وتحريكه ~~التفويض لأمر الله ، وعزمه التسليم إلى الله ، وخوفه التعظيم لله ، وهو ~~محبوس في سجن الرهبة ، مقيد بالحياء ، متنعم بالمناجاة ، قد أمرضه الشوق ، ~~وأشغفه الحب ، فهو مستأنس بطبيبه ، ممكن (5) بحبيبه ، وله) (6) ورع ، لا ~~يشوبه طمع ، ويقين لا يشوبه طلب ، وانتباه لا تشوبه غفلة ، وذكر لا يشوبه ~~نسيان ، وعزم لا يشوبه تواني ، وتعب لا يشوبه عجز ، وعلم لا يشوبه جهل ، PageV02P448 # ورجاء لا يشوبه غرة ، ودعاء لا يشوبه فترة ، وتفكر لا يشوبه توهم ، ~~وتوحيد لا يشوبه تشبيه ، وتصديق لا يشوبه تكذيب ، وتعديل لا يشوبه تجوير. ~~فهذه صفة المتقي (1) العارف. # فعليك بهذه الطريقة فالزمها ، وأقبل عليها بقولك (2) وفعلك ، (وحركتك ~~وسكونك ، وبصرك وظاهرك ms44 وباطنك ، ونظرك وتمييزك ، فإن الخير والبركة ~~بحذاريفها لمن سلك هذه الطريقة. # واعلم أنك إذا صدقت عليها نيتك ، وعلم الله منك المجهود في ذلك ، نصرك ~~عليها وظفرك بها)، (3) فمن صبر على هذه الصفة أربعين يوما لا يشوب عمله ~~بالكدرة والتخاليط والآفات ، (4) اتقد في قلبه مصباح النور ، وانفتح له ~~عينا قلبه ، (5) فيبصر بهما إلى جميع الدنيا والآخرة ، فيعرف (6) (عند ذلك ~~مصائب الدنيا ، ومصائب الآخرة ، فيصبر على مصائب الدنيا ، ويخاف من مصائب ~~الآخرة ، لأن مصائب الدنيا نعم ، ومصائب الآخرة نقم ، فإذا ميز بينهما ~~واعتبر ، أقبل على خيرهما عاقبة ، وعمل لآخرته بطيبة من نفسه ، وانتبه ~~واطمأن ، وعرف أن الآخرة خير من الدنيا ، وتحصن بذكر الله في دنياه ، وعمل ~~لعقباه) (7)، فطوبى له وحسن مآب. # قال الوافد : فما يجب عليه بعد ذلك؟ # قال العالم : يجب عليه أن يدعو عباد الله إلى الله ، ويعرفهم أنهم من ~~ربهم ، فيرغبهم PageV02P449 # ويردهم إلى مولاهم من بعد هربهم منه ، (1) ويحبب إليهم خالقهم ، ويعلمهم ~~شرائع دينه ، ويعرفهم آلاء الله ومنه ونعمه ، ويلقنهم الشكر ، ويرغبهم ~~بالذكر في طاعته ، ويحذرهم معصيته ، (2) ويريهم تقصيرهم ، ويخوفهم هجوم ~~الموت عليهم ، ويعلمهم التوبة ، ويدلهم على الله ، (3) ويعلمهم التوحيد حتى ~~يوحدوا الله ويصدقوه ويعدلوه ، وينشر العلم فنشره غنيمة ، وذلك فعل ~~الأنبياء والصالحين ، ولو سكت العالم هلك العالم والمتعلم جميعا. # ومثل العالم والمتعلم مثل نور الشمس ونور العينين. # افهم لو أن رجلا بصير العينين بقي في بيت مظلم قد سد (4) عليه بابه ، وهو ~~لا يهتدي إلى شيء فيه مخرجه ، أليس يكون متحيرا لا ينتفع ببصر عينيه (5) ما ~~دام البيت مظلما ، حتى إذا فتح عليه الباب ، وخرج ورأى ضوء الشمس ، انتفع ~~ببصر عينيه عند ضوء الشمس. كذلك المتعلم يكون في بيت الجهل موثقا عليه بابه ~~، لا يهتدي إلى الخروج حتى يفتح عليه العالم العارف ، (6) لأن المتعلم ~~يستضيء بنور العالم ، ويهتدي إلى منار طرقه ، (7) ويخرج من ظلمة الجهل إلى ~~نور العلم ، فعند ذلك يكون علمه (8) خالصا من الآفات ، وإنما الجاهل (9) ~~مثل المكفوف البصر لا ينتفع أبدا بضوء النهار ، والليل والنهار في الظلمة ms45 ~~(10) عليه سواء. كذلك الجاهل لا يعرف ما هو فيه من ظلمة الجهل PageV02P450 # وعمى القلب ، فلا (1) يميز بين الحق والباطل ، والجهل داء وشين ، لا ~~يداويه غير العلم. # والعلم شفاء وزين ، لا يدخل معه داء ولا شين ، وليس العلم علم اللسان ، ~~المعلق على ظاهر الإنسان ، الخالي عن القلب ، وإنما (2) مثله كمثل شبكة ~~الصياد التي ينثر عليها الحب للطير ، وليس يريد بذلك منفعة (3) الطير ، ~~ولكنه يريد أن يصطادها بذلك الحب المنثور على الشبكة. # كذلك عالم (4) السوء لا يريد بعلمه رضى الله ، ولكن (5) يريد رضى نفسه ~~ومنفعتها ، وقد جعل هذا علمه شبكة ، (6) ليصطاد حطام الدنيا ، وإنما العلم ~~المنجي علم القلوب المنيرة الصافية الخائفة القانعة باليسير ، السليمة من ~~الآفات والتخاليط ، (7) (وليس العالم من قد أسكره حب الدنيا ، وإنما العالم ~~الذي يعمل للآخرة الباقية ، فهو منتظر للنزول والانتقال ، مشغول يخاف أن ~~يفاجئه الموت بحال من الأحوال ، فقلبه محزون ، وشره مأمون ، يجول بقلبه في ~~الجنة أحيانا ، وفي النار أحيانا ، يخاف أن يكون من أصحاب النار ، ولا يكون ~~من أصحاب الجنة ، فليس له همة غير تفتيش الآفات ، وكثرة الذكر في كل حركة ~~وسكون)، (8) وكثرة الذكر لله في الحركة والسكون. ### | [الغافل المتواني] # قال الوافد : صف لي عمل الغافل المتواني؟ PageV02P451 # قال العالم : مثل (1) عمله كمثل الصوف المندوف ، تراه عظيما (2) كثيرا ، ~~فإذا وزنته وجدته قليلا ، (3) كذلك الغافل الجاهل المتواني ، (4) يسر بكثرة ~~عدد أعماله ، وليس يعرف إخلاصها ، وهو يصلي ويصوم ويزكي ويحج ، ويذكر (5) ~~ويعبد ولا نور لعلمه ولا تزكية ، (6) ولا إخلاص في قلبه ، وكيف ينال البركة ~~والنور وهو غافل ساه؟! إن قام في الصلاة قام فيها بجسده ، وغفل عنها بقلبه ~~، (7) وإن صام تكلم بالرفث والغيبة والكذب ، وإن زكى ماله كانت زكاته كأنها ~~مغرم يخرجها لا تطيب بها نفسه ، (8) وهو مع ذلك رافع رأسه ، شامخ بأنفه ، ~~(9) متطاول على الناس ، يتمنى على ربه الدرجات العلى ، وليس معه من الدين ~~قطمير ، (10) ولا معه سكينة تمنعه من كثير ما يهوى ، ولا له قوة يكظم بها ~~(11) غيظه ، ولا حلم يحجزه ، ولا ورع يكفه (ويرده ، ولا له إصابة ms46 في كثير ~~مما يدخل عليه من الشبهات)، (12) ثم إذا حركته وجدته قليل العقل ، أعمى ~~القلب ، متزينا في نفسه ، متصنعا للناس ، (13) يرائي بأعماله وهو لا يعلم ، ~~(وهو متكبر في عبادته ، ويعلو على الناس وهو) (14) يزعم أنه مخلص ، ويزعم ~~أنه متواضع ، ثم تراه PageV02P452 # حريصا راغبا ، (1) مكبا على الدنيا ، وهو يزعم أنه مأجور على ذلك ، قد ~~(2) ارتفع بعمله فوق الخلائق من عجبه به ، (3) وربما تراه يتكلم بكلام ~~الخائفين ، حتى إذا جربته وحدثته (4) وجدته جاهلا غافلا ، فلا يرضى من ~~الخوف بأن يذم نفسه ، وربما يعتبر ويتفكر ولا ينفعه ذلك ، لأن ذلك لا ينفعه ~~مع غفلته ، ولعله يظن أنه من التوابين منذ دهر طويل ، ولعل عنده من ~~الروايات والأخبار ما ليس عند أحد من الناس ، ثم ليس هو يعرف من عمله إلا ~~الشبهة والكدرة ، والزيادة والنقصان ، (5) ولا يميز بين شيء من ذلك ، فإنه ~~لو جمع فهمه ونظر إلى نفسه ، لعرف خطاياه ، ثم لو نظر في مطعمه وملبسه ~~وكسبه وحرصه على دنياه لعرف سوء حاله ، ولو حفظ على نفسه سعي بدنه وجوارحه ~~، وكثرة ما يخرج من لسانه ، لتبين له ما يرد عليه في يوم واحد ، ولعلم ~~جراحة دينه ، ثم لو كان صادقا في توكله وانقطاعه إلى ربه ، لترك دنياه وعمل ~~لآخرته ، ولكان حريصا على طلب الخير ، والحذر على نفسه من سوء الحساب وكثرة ~~الأهوال (6). ### | [المتوكل] # قال الوافد : صف لي المتوكل الواثق بربه؟ # قال العالم : عجبا لمن يثق بالمخلوق ولا يثق بالخالق ، ومن (7) يهتم ~~بالرزق وقد PageV02P453 # ضمن به الرازق ، (1) ثق بكفاية الله واعتمد عليه ، ورد أمورك وأحوالك ~~كلها إليه ، (2) من لم يثق بضمان مولاه ، وكله إلى خدمة دنياه ، (3) إن ~~الله تعالى يقول : ( @QUR@09 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) ~~[هود : 6]. ما أعجب أمرك! تأمن ما دهيت ، وتحزن على ما (4) كفيت ، ولا تشكر ~~على ما أعطيت. # إلى كم تأسى على المفقود؟! وقد ضمن الرزق الملك المعبود ، إلى كم الحزن ~~على القوت؟! وقد ضمن القوت الحي الذي لا يموت ، الرزق مقسوم ، وطالبه مغموم ~~، والحريص فيه مهموم ، (5) ومن ms47 جعل بطاعة الله اشتغاله ، كفاه الله (6) في ~~الدارين أشغاله ، من وكل أموره إلى (7) مولاه ، لم يكله إلى أحد سواه ، ~~وأغناه وكفاه ، وأعطاه وآواه ، ومن اعتصم بالله وقاه ، ومن استعاذ به أنجاه ~~، (8) ومن أمل إفضاله ، لم يحرمه نواله ، ومن توكل على الوهاب ، لم يخضع ~~لأبناء التراب ، من عرف الله بالصدق ، ساق إليه الرزق (9) من أيقن أن الله ~~هو المتفضل ، (10) لم يكن إلى غيره متوسل ، (11) من علم أن الله هو الجواد ~~، سخا بما في يده وجاد ، من عرف أن الله هو المعطي ، لم يعصه أبدا ولا يخطي ~~(من عرف أن الله هو الجواد ، لم يطلب من غيره المراد ، من تيقن أن الله ~~خالق العباد PageV02P454 # ومالك البلاد ، لم يعلق بغيره الفؤاد) (1). # أتظن أن من غذاك في الصغر؟ ينساك في الكبر! الذي رفع عنك المئونة وأنت ~~طفل، يأتيك برزقك وأنت كهل ، الذي رزقك وأنت مغيب جنين ، كيف لا يرزقك وأنت ~~تضرع وتستكين؟! هو سبحانه يرزق من جحده ، فكيف يضيع من وحده؟! يرزق (2) ~~الدودة في الصخرة الصماء والطير في الأوكار ، والحيتان في البحار ، والوحوش ~~في القفار ، فكيف يضيع من يذكره (3) في الليل والنهار ، ويسبحه بالعشي ~~والإبكار ، ويرزق (4) الجنة والناس ، إلى انقطاع الأنفاس ، عجبا لمن يرفع ~~حوائجه إلى المخلوقين!! # ولا يطلبها من (5) عند رب العالمين ، عجبا ممن يسأل (6) حوائجه من ضعيف ~~لا يسجد له أحد!! ولا يسألها ممن يسجد له كل أحد!! (عجبا ممن يتذلل لمحتاج ~~فقير!! ولا يتذلل للغني الكبير!!)، (7) عجبا لمن يخضع ويتضعضع للعبد ~~الفقير المحتاج الضرير!! ولا يخضع ويتضعضع للملك القدير!! (8) الذي يعطي ~~الكثير ، ويكشف العسير ، ويغني الفقير ، (9) وهو على كل شيء قدير. # من اتقى الله جعل له من أمره مخرجا ، ومن دعاه بين له منهجا وفرجا ، ~~أجملوا في الطلب ، (10) فما من حكمه مهرب ، من أجمل في الطلب ، أتاه الرزق ~~بلا تعب ، إذا PageV02P455 # أحرزت رزق غد ، فمن يضمن لك بالحياة (1) إلى غد. # لما رأيت الناس يسألون كل معجب ، نزهت نفسي عنهم وجعلت حوائجي إلى الرب (2). # قال الشاعر : # فلا تجزع إذا (3) أعسرت يوما %~% فقد ms48 أيسرت في الدهر الطويل ولا تيأس فإن اليأس كفر %~% لعل الله يغني عن قليل ولا تظن بربك ظن سوء %~% فإن الله أولى بالجميل # وقال غيره : # لقد علمت وما الإشفاق (6) من خلقي %~% أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه (7) فيعنيني تطلبه %~% ولو كففت (4) أتاني لا يعنيني لا خير في طمع يدني إلى طبع %~% ورغفة (5) من قليل العيش تكفيني ### | [التائب والتوبة] # قال الوافد : ما شرائط التائب وأوصافه؟ # قال العالم : شرائطه (8): المحبة والطاعة ، والإقبال ... PageV02P456 # والضراعة (1) من أراد الحبيب؟ جاء بقلب منيب ، من اعترف؟ أقر بما اقترف ، ~~واعتذر وأنصف ، وبادر وعطف ، وتاب وأكثر الانتحاب ، وعمل بالصواب ، وتبع ~~(2) آيات الكتاب. # أين التوبة؟ يا صاحب الحوبة ، أين الاستغفار؟ يا أهل الإصرار ، أين ~~الوجل؟ يا أهل الزلل ، أين الضراعة؟ يا أهل الطاعة ، (3) توبوا وأنيبوا ، ~~ولا تسوفوا فتخيبوا (4) واعتذروا واستغفروا وازدجروا ، وتذللوا واعترفوا ~~(5) واعتبروا ، واخضعوا وانكسروا ، (6) واصبروا على الطاعة ، تدركوا الفوز ~~والنفاعة ، ارغبوا وتقربوا ، واندموا (7) على المعاصي ولا تصروا ، ( ~~@QUR@08 وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) (31) [النور : 31]. # أين المؤمنون؟ (8) أين الموحدون؟ أين ( @QUR@05 العابدون الحامدون ~~السائحون الراكعون الساجدون ) [التوبة : 112] (9). كيف ينامون ولا ~~يشتاقون؟! ( @QUR@04 جنة عرضها السماوات والأرض ) [آل عمران : 133] (10). ~~قصورها من الذهب والجوهر ، والياقوت الأخضر ، فيها الحور الحسان ، ~~والأكاليل والتيجان ، تجري من تحتها الأنهار ، لباس أهلها الحرير والسندس ~~والعبقري ، (أين الراغبون؟ أين المجتهدون؟ هذه دار لا تخرب ولا يفنى شبابها ~~، ولا تبلى ثيابها)، (11) هذه دار PageV02P457 # المجتهدين (1) ما هم عنها بمخرجين ، دار أهلها لا يشقون ، ولا يفتقرون ~~ولا يحزنون ، ولا يمرضون (2) ولا يموتون ، ولا يهرمون ولا يحتاجون. # أيها الخاطئون العاصون ، أيها المفسدون ، (3) أيها المذنبون ، مالكم لا ~~تتوبون؟! مالكم لا ترجعون؟! (مالكم لا تخافون؟ أمعكم صبر على النار؟ ألكم ~~في ذلك اعتذار)، ألا (4) تخافون نار الجحيم؟! وشراب الحميم؟! وطعام ~~الزقوم؟! ولباس القطران؟! ألا إن جهنم حرها لا يبرد ، وعذابها لا ينفذ ، ~~ولهبها (5) لا يخمد ، إلى كم هذه الغفلة؟! (كم تنقضون العهود؟ كم تعدون ~~الحدود؟) (6) كم تعصون المعبود ، ارجعوا إلى الله في وقت المهل ، قبل أن ~~(7) ينقطع الأجل ويرفع العمل ms49 ، فإن الله يقبل التوبة ، ويمحو (8) الحوبة. ~~التوبة تمحو عظائم الذنوب ، وتقرب العبد إلى علام الغيوب ، توبوا إلى الله ~~قبل أن يغلق الباب ، ويحصل الحساب ، ويقع العذاب ، احذروا الله ، خافوا ~~الله ، (9) راقبوا الله ، بادروا بالتوبة قبل الندم ، قبل زلة القدم ، قبل ~~الأخذ بالكظم (10). # تب أيها العاصي ، قبل أن تصبح من رحمة الله قاصي ، قبل الأخذ بالنواصي ، ~~ارجعوا إلى الله بالقلوب ، من (11) قبل أن يكون الباب محجوب ، (12) أي أهل ~~التوحيد ، PageV02P458 # تقربوا إلى الملك الحميد ، (1) تنجوا من العذاب الشديد ، يا أهل القرآن ~~تقربوا بالقرآن ، إلى الملك الديان ، تنجوا به من عذاب النيران ، هو الشفيع ~~فيكم ، هو الرفيق لكم ، هو الشاهد عليكم ، هو الدليل ، هو السبيل ، هو ~~الحجة ، هو المحجة ، اعرضوا أعمالكم عليه ، وردوا (2) أقوالكم إليه ، ~~أكثروا قراءته بالليل والنهار ، وفي وقت الأسحار ، فإن الملائكة معكم (3) ~~عند قراءته قعود ، وعلى ما تنطقون به (4) شهود. # لا تخسروا الميزان ، لا تحلفوا الأيمان ، لا تذكروا البهتان ، لا تبخسوا ~~المكيال ، لا تشيبوا (5) الأعمال ، لا تصحبوا الأنذال ، لا تضيعوا الصلاة ، ~~لا تغلوا الزكاة ، لا تحلوا المحرمات ، لا تؤذوا الجيران ، لا تطيعوا ~~الشيطان. # أيها المضيعون للصلوات ، توبوا إلى المطلع على أعمالكم (6) في الخلوات ، ~~أيها الخائن بالعين والفؤاد ، تب إلى الملك الجواد ، قبل أن يسلط عليك ~~ملائكة غلاظ شداد. # أيها المؤذي للجيران ، تب إلى الملك الديان ، قبل سرابيل القطران (7). # أيها المانعون للزكوات ، توبوا إلى الله (قبل نزول النقمات والسطوات. ~~أيها المتبعون للشهوات ، توبوا إلى الله) من اكتساب السيئات ، وتضرعوا إليه ~~بالدعوات. # يا صاحب الكذب والزور ، تب إلى الله قبل الويل والثبور. أيها الباهت ~~المغتاب ، تب إلى الملك الوهاب ، قبل أن تذوق (8) أليم العقاب. أيها الحالف ~~بالأيمان ، تب إلى الله # وفي (ب): إلى الله الواحد الوهاب. وفي (ب): تذوقوا. PageV02P459 # قبل نزول (1) النيران. # وقال في ذلك : # اسلفت من عمرك ما قد مضى %~% منهمكا (2) في غمرات الخطر حتى إذا القوة زالت وقد %~% أقعدك العجز وحل الفشل (3) نبت إلينا في صدار (4) الحيا %~% مستعجما فيك فنون 5 الخجل فأنت (5) عندي بمحل الرضى %~% وقد غفرنا لك كل ms50 الزلل # وقال آخر : # إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا %~% ولم ترض مخلوقا فما شئت فاصنع # وقال غيره : # إذا أمسى وسادي من تراب %~% وبت مجاور الرب الرحيم فهنأني أصحابي وقالوا %~% لك البشرى قدمت عني ### | [صفات التائب] # قال الوافد : صف لي هيئة التائب؟ # قال العالم : هيئة التائب ، العزم على أن لا يعود ، إلى عصيان المعبود ، ~~ويأسف (6) PageV02P460 # على ما اقترف ، ويندم على ما أسلف ، ويرجع مما عرف ، يندم بالقلب ، على ~~ما قدم من الذنب ، يرجع إلى اليقين ، ويبكي ويستكين ، يكثر الصوم ، ويقل ~~النوم. فهو مشفق من عصيانه ، مطرق بين إخوانه ، ظاهر خشوعه ، متبادر دموعه ~~، منقطع كلامه ، قليل منامه، دائم كرمه ، مستهام قلبه ، يسير أكله ، كثير ~~شغله ، صحيح قوله ، لا ينقض عهده ، ولا يخلف وعده ، ولا يمنع رفده ، يطلب ~~خلاصه ، ويعرف انتقاصه ، (1) إن طلبته وجدته في فكرته ، وإن سألته خاطبك ~~بعبرته ، لا تسكن حرقته ، ولا تزول رقته ، ولا تكف دمعته. من رآه انتبه من ~~غفلته ، ومن جالسه تاب من زلته ، فهو حقير في نفسه ، غريب في أهل جنسه ، ~~كريم على ربه ، نادم على ذنبه ، ملتمس لما به ، طامع في ثوابه ، رافض ~~لأسبابه ، باكي على شبابه ، كثير الوجع ، عظيم الفزع ، متين الورع ، ظاهر ~~خشوعه ، غزير دموعه ، صادق رجوعه ، معتبر متفكر ، شاكر ذاكر ، خجل ، وجل ، ~~واجد ، ساجد ، (2) تضيق به البلاد ، ويسأم من صحبته العباد ، ينتظر المعاد ~~، (3) ويطلب تحقيق الوداد ، جهده شديد، وعمله كل يوم يزيد ، وحزنه في كل ~~نفس جديد ، يتجرع الغصص ، ولا يطلب الرخص ، دائم الطلب ، ملازم الكرب ، ~~مواظب على التعب ، رافض للطلب ، ظاهر الحزن والنصب ، ضيق الأوقات ، مغتنم ~~(4) الساعات ، قليل الالتفات ، حذر من كل الجهات ، ماله هدوء ولا سكون ، ~~(5) خائف غير أمون ، وجل محزون ، كأنه مقيد مسجون ، لونه أصفر من هيبة ~~الرحمن ، ونفسه ذائبة من (6) خوف الهجران ، نحيف البدن ، خفيف المؤن ، سقيم ~~الأركان ، سليم الجنان ، مستقيم اللسان ، حريص على طلب الجنان ، لا تصده ~~العوائق ، ولا يبالي بالخلائق ، (7) منقطع من العلائق ، متمسك بالحقائق ، ~~فهو في الطلب ، إلى أن يصير إلى الطرب ، وينجو من PageV02P461 # التعب. ms51 # قال الوافد : بئس العبد عبد (1) سها ولها ، (بئس العبد عبد طغى وبغى ، ~~بئس العبد [عبد] جاوز الحد وتعدى)، (2) بئس العبد عبد ظلم واعتدى. # أيها العالم الحكيم ، والسيد الحليم ، قد وصفت أهل النجاة ، فأبلغت في ~~(3) الصفات، وحذرت مما هو آت ، فجزاك الله عني خيرا ، وبوأك سرورا. ### | [صفات المحب لله] # صف لي المحب لربه؟ النادم على ذنبه؟ # قال العالم : أوصاف المحبين : يحبهم الله (كرما ، ويحبونه ألما ، يحبهم ~~إرادة ، ويحبونه عبادة ، يحبهم رحمة ، ويحبونه خدمة ، يحبهم تفضلا ، ~~ويحبونه تذللا)، (4) إذا أحبك سترك ، وإذا أحببته قربك وشرفك ، (5) إذا ~~أحبك أغناك ، وسترك وآواك ، المحب عينه لا تنام ، (6) همته الصلاة والصيام ~~، أهل المحبة إذا جنهم الليل أرقوا ، وإذا أضاءهم الصبح (7) فرقوا ، وإذا ~~قرئ القرآن صاحوا ، وإذا ذكروا ذنوبهم ناحوا ، (من كان بالله أعرف ، كان من ~~الله أخوف ، (8) من رجا طلب ، ومن أحب تقرب ، ومن خاف هرب ، ينام الناس ولا ~~ينام ، ويضحك الناس ولا يضحك ، المصاب الذي يدعو ولا يجاب ، الأحزان تهد ~~الأركان ، وتشيد الإيمان)، (9) إن الله يحب كل قلب حزين ، الحزن عمارة القلب PageV02P462 # الخراب ، (1) المحزون يفتح له الباب ، كلام المحزون في خلوته يقول : كأني ~~بك وقد تجرعت مرارة المذاق ، وقيل : إلى (2) ربك المساق ، كأني بالغطاء وقد ~~كشف ، وبالعطاء وقد صرف ، كأني بالوعد وقد اقترب ، وبالوعيد وقد وجب ، كأني ~~بك في اللحود ، مضاجع للدود ، كأني بالمظلوم ، وقد تعلق بالظالم ، كأني ~~بهذا الضياء وقد أظلم ، وبهذا العمر وقد انصرم ، كأني بالمنادي وقد نادى ، ~~وبالليل والنهار وقد بادا ، (كأني بهذا الجسد وقد ذهب عنه النشاط ، وطوي من ~~تحته البساط) (3). # قال الوافد : صف لي التجربة؟ # قال العالم : تصحب (4) أهل المعرفة ، وتحفظ التجارب حتى تكون معلم (5) ~~التجربة ، واطلب مرادك بالصدق ، لأن ذلك للصادقين المريدين لله. # قلت : فبأي شيء أجد الإرادة؟ # قال : (6) بالصدق واستماع الحكمة. # قلت : أي حكمة (7)؟ # قال : حكمة الذين يدعونك إلى رب العالمين. ### | [مدارج الأولياء] # قلت : فإذا وجدت الإرادة أي شيء أفعل؟ # قال : ( @QUR@04 قم الليل إلا قليلا (2) @QUR@05 نصفه أو انقص منه قليلا ~~(3) @QUR@06 أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ) (4) [المزمل : 2 ms52 4] PageV02P463 # قلت : بأي شيء أفعل ذلك؟ # قال : بقلة الطعام ، وقلة الكلام. # قلت : كيف أصبر على الحق؟ # قال : بذكر المقام. # قلت : وما المقام؟ # قال : مقامك بين يدي الله سبحانه يوم القيامة. # قلت : وكيف أصبر عن الكلام؟ # قال : أكثر ذكر الله حتى تجد حلاوته (1) تلهيك عن كلام الفضول. # قلت : ومن يقدر على ذلك. # قال : الذي يريد أن يصل إلى ربه. # قلت : أو جد (2) لي ما أيسر علي من ذلك؟ # قال : عليك بكثرة الدعاء والتضرع ، حتى تأتيك المعونة من الله سبحانه. # قلت : كيف يصل العبد إلى ربه؟ # قال : إذا صبر على ذكره ، وأدمن على شكره ، (وصل إليه بقلبه. # قلت : بأي شيء) يصل إلى ربه؟ # قال (3): بالجهد الدائم ، والدعاء والتضرع ، ثم عرف وعلم وأيقن أنه لا ~~يصل إلى ربه إلا به. # قلت : بأي شيء ينجو العبد من عذاب ربه؟ # قال : بترك الذنوب. PageV02P464 # قلت : أرأيت العبد إذا وصل إلى ربه أيسكن عنه الخوف والوجل أم لا؟ # قال : لا. # قال : لم وهو على يقين من ذلك؟ # قال : نعم. (1) من اليقين أن يكون خوفه ووجله. # قلت : أو يكون (2) طالبا لرزقه. # قال : نعم يكون شديد الطلب لرزق الآخرة. # قلت : أعني رزق الدنيا. # قال : ( @QUR@013 من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب ) (20) [الشورى : 20]. # قلت : كيف يكون واثقا برزقه موقنا؟ # قال : كما يكون موقنا بالموت واثقا مصدقا أنه لا بد أن (3) ينزل به. # قلت : ما علامة المحب؟ # قال : يقرأ القرآن ويكون قرة عينه ولا يشبع من قراءته. # قلت : كيف يخافه ويحبه من قلب واحد؟ # قال : لأنه محب لواحد ، فالخوف (4) منه في حبه له ، والحب له في خوفه منه ~~، مثل النار والنور ، (5) فالخوف نار ، والحب نور ، فلا يكون أبدا نور بلا نار. # ألا ترى إذا علت النار بنور يقع عليه اسم النور ، كالسراج في البيت ، ~~فيقال في البيت نور ، ولا يقال فيه نار ، فالنور (6) نار السراج إذا غلب ~~الخوف على العبد يقال له PageV02P465 # خائف ، والمحبة معه ، وإذا غلبت المحبة على العبد سمي (1) محبا والخوف ~~معه ، فإذا كمل ms53 الخائف على ما وصفت لك (2) غلب بنوره ناره ، فوقدت منه ~~المصابيح ، فنور البيوتات كلها والظلمات كذلك ، فكذلك (3) المحب إذا كمل في ~~الخوف كما وصفت لك (4) ونجا من نجاسة نفسه فهو كالمصابيح ، كلامه نور وصمته ~~نور ، وعمله نور (5) ومدخله نور ، فهو نور من رأسه إلى قدمه (6) كالمصابيح ~~، فكل تحركه (أبدا نور ، متصل بنور الملكوت الأعلى ، قلبه مع الله بحلاوة ~~حبه ، وأحواله (7) نور إلى الله في ذكره ، فطوبى له وحسن مآب)، (8) وطوبى ~~لمن رزقه الله ذلك. # (قال الوافد : صف لي المتقلب في جوعه؟) (9). # قال : العالم : مثل (10) المتقلب في جوعه كالمتشحط في دمه (11) في سبيل ~~الله ، وثوابه الجنة. # قلت : ما علامة العارف؟ # قال : أن لا يفتر من ذكر ربه ، (12) ولا يستأنس بغيره. # وإنما ظنه النساخ تكريرا فحذفوه. PageV02P466 # قلت : ما أنفع الخوف لي (1)؟ # قال : ما لم يجريك على المعصية وأطال منك الحزن على ما فاتك ، وألزمك ~~التفكر فيما تصير إليه في الآخرة. # قلت : ما أنفع الصدق لي؟ # قال : أن تقر لله بعيوب نفسك ، ومساوئ عملك ، وتتقي الكذب في مواطن الصدق. # قلت : فما أنفع الإخلاص لي (2)؟ # قال : ما نفى عنك الرياء والتزين في الجماعات. # قلت : فما أنفع الحياء لي (3)؟ # قال : أن تستحيي من الله أن تسأله ما تحب وأنت تأتي ما يكره. # قلت : فما أنفع الأعمال لي؟ # قال : ما سلمت من آفاتها وكانت مقبولة. # قلت : فما أنفع العلم لي (4)؟ # قال : ما نفى عنك الجهل ، وازددت به ورعا وكنت به عاملا. # قلت : ما أنفع التواضع لي؟ # قال : ما نفى عنك الكبر ، وأمات منك (5) الطمع والغضب. # قلت : فأي الجهاد أفضل؟ # قال : جهاد النفس الأمارة بالسوء حتى تردها إلى قبول الحق. PageV02P467 # قلت : فأي المعاصي أضر علي (1)؟ # قال : عملك الطاعات بالجهل. # قلت : فهو أضر علي من أعمال المعاصي بالجهل؟ # قال : نعم. # قلت : وكيف يكون (2) ذلك؟ # قال : ألست تعلم أن أعمالك بالمعاصي لا ترجو بها من الله (3) ثوابا ، ~~وتخاف عليها من الله عقابا؟ # قلت : بلى. # (قال : أليس تعلم أن أعمالك بالجهل فاسدة ، وأنت تلتمس بها من الله ثوابا ~~، وقد استوجبت ms54 عليها من الله عقابا؟ # قلت : بلى). # قال : فكم (4) بين ذنب تخاف فيه العقوبة والخوف طاعة وبين ذنب تأمن (5) ~~فيه العقوبة والأمن معصية. # قلت : فما ترى في الاستئناس بالناس؟ # قال : إذا وجدت عاقلا مؤمنا (6) قد زهد في الدنيا ورفضها ، فاستأنس به ، ~~واهرب من سائرهم كهربك من السباع. # قلت : فأي المواضع أخفى لشخصي؟ PageV02P468 # قال : صومعتك وداخل بيتك ، وكل موضع لا يلحقك (1) فيه شهرة ، ولا تحيط بك ~~فيه فتنة. # قلت : دلني على عمل أسلم به (2) من شر الخلق ويسلمون من شري؟ # قال : إذا لم يكن في قلبك غل لأحد ، وأحببت لهم ما تحب لنفسك ، وكرهت لهم ~~ما تكره لها ، سلموا شرك ، (3) ولحق بهم خيرك. # قلت : ما علامة مؤثر الدنيا على الآخرة؟ # قال : هو (4) الذي لا يبالي ما ذهب من دينه إذا سلمت له دنياه. # قلت : ما علامة الكذب في العبد؟ # قال : كثرة (5) كلامه فيما لا يعنيه. # قلت : فما علامة قلة الكذب. # قال : كراهته لكثرة الحديث (6). # قلت : أخبرني ما حياة العبد؟ # قال : الإيمان واليقين حياته ، والخوف والتوكل نجاته ، وإذا ثبت الإيمان ~~في قلبه ، فمنه يهيج (7) ما سألت عنه من الصدق والخوف والتوكل وحسن الظن ، ~~وهي أعمال سرائر (8) القلوب. فإذا صح ذلك في القلب ظهر على اللسان والجوارح ~~، وبان منه (9) الصلاح. PageV02P469 # قلت : فما الذي ترجو به (1) صلاح قلبي إذا أنا عملت به؟ # قال : التيقظ وخوف انقطاع العمر ، (2) ومراقبة الموت ، والتفكر فيما تصير ~~إليه من بعد الموت ، واحذروا (3) الغفلة وطول الأمل ، ونسيان المعاد. # قلت : ما علامة الإخلاص؟ # قال : الندم والاستقامة على طاعة الله. # قلت : فما (4) علامة الورع؟ # قال : ترك الشهوات ، ورفض الشبهات (5). # قلت : ما علامة أهل (6) التقوى؟ # قال : ترك ما فيه بأس ظاهر أو باطن ، وسوء (7) الظن بنفسك أنه ليس مأخوذ غيرك. # قلت : من أي شيء أكثر ذكره؟ # قال : قراءة القرآن ، فهو حصن المؤمن (8) وترسه. # قلت : صف لي مخ الزهد؟ # قال : قطع الطمع عن القلب ، وامتناع السؤال للخلق ، (9) وترك مخالطة ~~أبناء الدنيا ، والفرار منهم ، وصدق الإرادة ، وحسن النية ، وصحة العزيمة. PageV02P470 # قلت : متى أعلم أني مطيع لربي ms55 حق الطاعة (1)؟ # قال : إذا لم يجدك حيث نهاك ، ولم يفقدك حيث (2) أمرك ، أطاعك لما سألته ~~، لأنه مطيع من أطاعه (3). # قلت : فما طاعته لي؟ # قال : يجيب دعوتك (4) ولا يمل من برك. # قلت : كيف أجاهد نفسي؟ # قال : تجوعها عن طعام الدنيا وتقمعها (5) بالصوم ، وتلزمها قيام الليل ، ~~وتحرسها عن الرياء والعجب ، وتستقل عملها بعد ذلك. # قلت : أي شيء أقرب إلى الله من أفعال (6) القلوب؟ # قال : اليقين وبعده العلم ، وبعده الشكر لله (7). # قلت : ما عمارة القلب؟ # قال : الخوف. # قلت : ما طهارته؟ # قال : الحزن. # قلت : ما حياته؟ # قال : الذكر والتفكر. PageV02P471 # قلت : فما فساده (1)؟ # قال : الغفلة وطلب الدنيا. # قلت : فما موته؟ # قال : حب الشهوات ، وأكل الشبهات. # قلت : (2) ما دواؤه؟ # قال : الجوع سرا عن الناس ، وقراءة القرآن مع التفكر في الخلوة ، والتضرع ~~إلى الله في أوقات الغفلة ، والرغبة في مجالس الذكر ، (3) والتجرد عن أشغال ~~الدنيا ، (4) والحزن الدائم في القلب مع طول الصمت ، وذكر الموت في كل ساعة ~~، وكثرة ذكر الله ، والتواضع لله ، والنظر في الأموات والاعتبار بهم. # قلت : كيف تكون مراتب التوبة؟ # قال : رجل تاب من الذنوب ولزم الطاعات ، ورجل تاب من الذنوب وترك الدنيا ~~وأقبل على الآخرة ، ورجل تاب من الذنوب واختار الله سبحانه على الدنيا ~~والآخرة ، وعلى جميع الخلق ، (5) فالأول تائب ورع ، والثاني تائب زاهد ، ~~والثالث تائب صديق عارف متقرب (6). # قلت : أخبرني عن شر الأشياء؟ # قال : الكفر بالله. PageV02P472 # قلت : أله زوجة (1)؟ # قال : نعم. البخل. # قلت : ما بعده أشر منه؟ # قال : النفاق (2). # قلت : أخبرني ما أفضل ما أعطي العبد؟ # قال : العقل. # قلت : فما أنفع العقل؟ # قال : ما عرفك نعمة الله ، وأعانك على شكرها ، وقام بخلاف الهوى. # قلت : فما علامة العقل في العبد؟ # قال : أن يعرف الحق من الباطل ، والضار من النافع ، والحسن من القبيح. # قلت : فما أنفع النعم معرفة بعد نعمة العقل؟ # قال : الإيمان بالله. # قلت : فما حقيقة ذلك؟ # قال : أداء ما افترض الله عليك. ثم سكت العالم بعد ذلك وافترقا رحمة الله ~~عليهما. # * * * PageV02P473 ms56