######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام ¶ المؤلف : الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# auth: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 75 #META# الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# bkord: 110 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع كتب ورسائل الامام القاسم الرسي عليه السلام #META# comp: 1 #META# bk: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# max: 999 #META# المؤلف: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# authinf: المؤلف: الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي ¶ ترجمة المؤلف: هو الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، أحد أكابر علماء أهل البيت النبوي الطاهر. كان فقيها محدثا، مناظرا، مجاهدا، شاعرا، زاهدا. له مواقف وجولات وصولات مع بني العباس، وله العديد من المؤلفات لا يسع المقام هنا لسردها مزيدا حول ترجمتة انظر: الأعلام (6 /5)، التحق شرح الزلف (39)، معجم المفسرين (1 / 431)، المصابيح لأبي العباس. الحدائق الوردية (خ)، أعيان الشيعة (8 - 435 -436). #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | العالم والوافد # [امتحان للوافد] # بسم الله الرحمن الرحيم # روي بالإسناد الصحيح أن وافدا (وهو محمد بن الإمام القاسم) وفد على عالم ~~من علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وهو الإمام القاسم)، فلما ~~نظر الوافد إليه رأى رجلا جسمه لا يشبه اسمه: فسلم عليه، فرد السلام، فأطال ~~الوافد الوقوف، وأطال العالم السكوت. # فقال الوافد: إن لكل طالب حاجة. # فقال العالم: ولكل حديث جواب. # فقال الوافد: صدقت، لأن الله تعالى يقول :{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون } [النحل: 43، الأنبياء: 7]. فعلم العالم أن الوافد يريد منه علما. # فقال: إن العلم بحر عميق. # فقال: ولكل بحر سفينة ينجو بها راكبها. # قال العالم: وما سفينة بحر العلوم ؟ # فقال الوافد: المعرفة. # فقال العالم: المعرفة اسم أم رسوم ؟ # فقال الوافد: اسم ورسوم. PageV02P253 ### || AUTO [النفس] # فقال العالم: كم رسوم المعرفة ؟ # قال الوافد: تعرف نفسك، وتعرف ربك، وتعرف دينك، وتعرف دنياك، وتعرف ~~آخرتك، فإذا عرفت ذلك فلا حاجة لك إلى غيرك. # قال العالم : كيف تعرف نفسك ؟ # فقال الوافد : أعرف حدثها، وأعرف ضعفها، وأعرف فاقتها، وأعرف عجزها، ~~فأجهدها في طاعة ربها، وأحملها على الخوف لخالقها، كي أرى خوفها، واحتمال ~~الأذى، وأروضها وأحثها على الطلب لما فيه نجاتها، وأصرفها من الكذب إلى ~~الصدق، ومن الطمع إلى الورع، ومن الشك إلى اليقين، ومن الشرك إلى الإخلاص، ~~وأخرجها من محبوبها في الدنيا، وأريضها في السفر حتى تنال كرامة الله تعالى ~~في الآخرة. PageV02P254 ### || AUTO [معرفة الله] # قال العالم: وكيف تعرف ربك ؟ # قال الوافد: أعرفه بما عرف به نفسه من الوحدانية، ولا أشبهه بشيء من ~~البرية، لا يحد بالحدود، ولا يوصف بالصفات، إذ هو سبحانه وتعالى خالق كل ~~صفة وموصوف. PageV02P255 ### || AUTO [الدين] # قال العالم: وكيف تعرف دينك ؟ # قال: الوافد أعرفه بالشريعة التي سنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وصدقها المحكم من التنزيل، وشهدت لها قرائن العقول. وهي على ثلاثة وجوه: ~~قول وعمل واعتقاد، وسبيلها واضح، وطالبها رابح، قد بهر دليلها، وشهد لها ~~بالصدق من ذوي العلم عقولها، فقد كفونا مؤنة ms01 الطلب بهذا الإحتجاج، وقطعوا ~~عنا علائق الإعوجاج، حتى ما بقي في ذلك شك ولا اختلاج. فقصدت عند ذلك بينة ~~صحيحة حتى عرفت الأصل والفرع، وبحثت بغائص عقلي، فوجدت ذلك واضحا مبينا، ~~وفي كتبهم مشروحا معينا، كلاما مبرهنا، قد حملوا صلوات الله عليهم عبء ذلك ~~وثقله، وأوضحوا فرع ذلك وأصله، حافظين فيه الأمانة، مجتنبين الغش والخيانة، ~~قد شيدوا بنيانه، وعظموا سلطانه، وأثبتوا في العقول برهانه، فليس لأحد من ~~بعدهم مطلب، ولا لمسترشد من دونهم مذهب، ولا عاقل في غير مذهبهم يرغب. PageV02P256 ### || AUTO [الدنيا] # قال العالم : فيكف عرفت دنياك ؟ # قال الوافد: عرفت فناها وتقلبها، وغدرها وخدائعها فحذرتها، ونظرت وميزت، ~~فإذا الدنيا تغر طالبها، وتقتل صاحبها، تفرق ما جمع، وتغير ما صنع، فعرفت ~~أنها تفعل بي مثل ما فعلت بالأولين. PageV02P257 ### || AUTO [الآخرة] # قال [العالم]: فكيف عرفت آخرتك ؟ # قال الوافد: عرفت أنها دار باقية فيها الحساب والعقاب، والمجازاة ~~والثواب، يبلغ أمدها، ويطول أبدها، فريق في الجنة وفريق في السعير، فمن كان ~~في أصحاب الجنة فشآب لا يكبر، وغني لا يفتقر، وقادر لا يعجز، وعزيز لا يذل، ~~وحي لا يموت، في دار قرار ونعيم مقيم، وسرور وقصور، وأبكار راضية، وقطوف ~~دانية، وأنهار جارية، وملك لا تحد سعته، ونعيم لا تحصى صفته. ومن كان من ~~أهل النار فحمل ثقيل، ومقام طويل، وبكاء وعويل، وخشوع ضفيف، وقلب حفيف، في ~~دار جهد وبلية، وغم ورزية، وضيق لا يتسع، وعذاب لا ينقطع، حيث السلاسل ~~والأغلال، والقيود والأكبال، والضرب والنكال، والصياح والأعوال، وأكل ~~الزقوم، وشراب الحميم، ولفحات السموم، وظهور المكتوم، ولباس القطران، ~~وزفرات النيران، والخزي والهوان، داخلها محسور، وواردها مضرور، وساكنها ~~مدحور، وصاحبها مقهور، واللابث فيها مهجور. PageV02P258 ### || AUTO [الجنة والنار] # قال العالم: كيف يصنع من وعد بهذين الدارين ؟ # قال الوافد: ينبغي لمن وعد بهذين الدارين أن ينظر إليهما، ويتصور ما وعد ~~الله فيهما لأهلهما، ثم ينظر إلى الجنة وقصورها، وما وصف الله فيها من ~~النعيم المقيم، والفواكه والأزواج من الحور الحسان، والأكاليل والتيجان، ~~والأنهار الجارية، والأثمار الدانية، والسرر المصفوفة، والزرابي ms02 المبثوثة، ~~وأسبابها ولباسها، وفراشها وحجراتها، وطعامها وشرابها، ونعيمها ودوام ذلك ~~فيها، فيخاف أن لا يكون من أهلها، فهنالك تتتابع زفراته، وتكثر حسراته، ~~وتفيض عبراته، ويطيع ربه ويعصي هواه، ويترك دنياه، ويطلب آخرته، ويعلم ~~يقينا أن إلى الله مصيره. PageV02P259 ### || AUTO [معارف الحكماء] # قال: فلما انتهى الكلام منهما إلى هذا الحد، وعلم العالم أنه ذو فطنة ~~ونباهة ونبالة، ونظر وتمييز، ورغبة في طلب العلم سأله لينظر معرفته. # قال العالم: من أين ؟ # قال الوافد: من فوق الأرض ومن تحت السماء. # قال العالم: كم لك ؟ # قال: كذا وكذا سنة. # قال له العالم: ما ترى ؟ # قال: أرى أرضا وسماء، وما بينهما. # قال: فما ترى في السماء ؟ # قال: أرى شمسا تحرق، وقمرا يشرق، ونجوما تزهر، وماء يمطر، ورياحا تذري، ~~وسحابا يجري، وطيرا يهوي، وليلا ونهارا، وأياما مختلفة. # قال العالم: فما ترى في الأرض ؟ # قال الوافد: أرى برا وبحارا، وسهولا وأوعارا، وترابا وأحجارا، وأثمارا ~~وأشجارا، وأنهارا وقرارا. # قال العالم: فكم الدنيا ؟ # قال الوافد: ليل ونهار. # قال العالم: فكم الخلق ؟ # قال: ذكر وأنثى. # قال العالم: فكم الناس ؟ # قال الوافد: الناس أربعة: واحد فيه خير وشر، والثاني شر بلا خير، والثالث ~~خير بلا شر، والرابع لا خير فيه ولا شر. # قال العالم: فكم الناس وما هم بعد ذلك ؟ # قال الوافد: نبل وسفل، فلا النبل لهم قدر عند السفل، ولا السفل لهم قدر ~~عند النبل. # قال العالم: فكم الكلام ؟ # قال الوافد: أربعة: خطاب، وجواب، وخطأ، وصواب. # قال العالم: ففيم العجب ؟ # قال الوافد: في سبعة. # قال العالم: من هم ؟ # قال الوافد: عبد عرف الله وعصاه، وعرف الشيطان وأطاعه، وعرف الدنيا فجمع ~~لها، وذكر الموت فطابت نفسه، وعرف الآخرة فبغضها، وعرف الجنة فلم يرغب ~~إليها، وعرف النار فلم يرهبها. PageV02P260 ### || AUTO [الإيمان] # قال العالم: فما خير الأشياء ؟ # قال الوافد: خير الأشياء الإيمان بالله، والملائكة، والكتاب، والنبيين. # قال العالم: كم شهود الإيمان ؟ # قال الوافد: أربعة شهود: محكم الكتاب، ومحكم السنة، وحجة العقول، وإجماع الأمة. # قال العالم: وما هو ؟ # قال الوافد: عمل، وقول، واعتقاد. # قال ms03 العالم: وكيف ذلك ؟ # فقال الوافد: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. # قال العالم: فما ضد الصدق ؟ # قال: ضده الكذب. # قال: فما ضد العمل ؟ # قال: ضده النفاق. # قال: فما ضد الإعتقاد ؟ # قال: ضده التشبيه. # قال العالم: فما أعظم الأشياء ؟ # قال: معرفة الله على الحقيقة، وهي: التوحيد والتعديل، والتصديق، وذكر ~~الله على كل حال، في الليل والنهار. # قال العالم: فما أفضل الأشياء ؟ # قال الوافد: أفضل الأشياء: طلب العلم من العلماء، حتى يعرف الطالب الحق ~~فيعمل به، فمن زهر مصباح الهدى في قلبه أخلص العمل والنية الصادقة لربه، ~~وأنطقه الله بالحكمة. # قال العالم: فما أخبث الأشياء ؟ # قال الوافد: الجهل. لأن بالجهل الهلاك والعطب، وأن الجاهل إذا أراد أن ~~يصلح شيئا أفسده بجهله وقلة علمه، وهو يجلب جميع الآفات، ويتولد منه الكبر ~~والطمع والحسد، والحرص والشهوة والبخل والسخرية. # قال العالم: فما أقبح الأشياء ؟ # قال الوافد: اللهو، والغيبة، والنميمة، والخيانة، والكذب، والزنا، ~~والرياء، وحب المدح، وحب الفاسق، وصحبة المنافق، والتهمة وسوء الظن. # قال العالم: فما أدنس الأشياء ؟ # قال الوافد: السؤال للناس، ومقاربة الأنجاس، والثقة بكل الناس، ومفارقة ~~الأكياس. # قال العالم: فما أنفع الأشياء ؟ # قال الوافد: حسنة تكون بعشر أمثالها. # قال العالم: وما هي هذه الحسنة ؟ PageV02P261 # قال الوافد: تطعم أخاك المؤمن من جوع، أو تكسوه من عري، أو تقضي عنه دينا، ~~أو تفرج عنه غما، أو تكشف عنه هما، فمن فعل هذا لأخيه المؤمن جاء يوم ~~القيامة ولوجهه نور يضيء كنور القمر، وتتلقاه الملائكة بالبشارة، وتدخله ~~الجنة آمنا، وأعطاه الله من الثواب ما لا يصفه واصف، ولا يحيط بمعرفته عارف. # قال العالم: فما أضر الأشياء ؟ # قال الوافد: سيئة تتبعها سيئة، ولا يكون عليها ندامة، ولا يرجع صاحبها ~~إلى توبة. # قال العالم: فما أطيب الأشياء ؟ # قال الوافد: العافية مع المعرفة، ووضع الأشياء في مواضعها، وفي مجالسة ~~العلماء، ومدارسة الحكماء، وحضور مجالس الذكر، والتفكر في الصنع، والمبادرة ~~في أعمال البر، وإصلاح ذات البين، والتجهيز للرحلة، والإستعداد للموت. # قال العالم: فما أهول الأشياء وأعظمها فزعا ؟ # قال الوافد: إذا نفخ ms04 في الصور، وبعثر ما في القبور، واجتمعت الخلائق إلى ~~الموقف المتضايق، فهنالك الفزع العظيم، والخطب الجسيم، كل إنسان يقول: نفسي ~~نفسي، لا يسئل ذلك اليوم والد عن ولده، ولا أخ عن أخيه، كل نفس بما كسبت رهينة. PageV02P262 ### || AUTO [نجاح الوافد في الإمتحان] # قال: فلما انتهى الكلام بالعالم والوافد إلى هذا الحد عرف العالم أن ~~الوافد حسن المعرفة، جيد الفطنة، رصين الدين، صحيح اليقين، متين الورع، ~~كثير الفزع، أقبل عليه العالم بوجهه وقال: أيها الوافد الصالح، والتاجر ~~الرابح، والخليل الصالح الناصح: اسأل عما بدا لك يرحمك الله. PageV02P263 ### || AUTO [مكنون الحكمة] # فقال الوافد: أيها العالم الحكيم الناطق، والبر الشفيق الصادق، انشر علي ~~من مكنون حكمتك علما، وزدني من نوادر معرفتك ما أزداد به فهما، فلعل الرين ~~الذي على قلبي أن يخلص ببركتك، وينجلي عني بجود صحبتك. # قال العالم: جر لك الصلاح، ووفق لك الفلاح، ويسر لك النجاح، وعليك بستة ~~أشياء فالزمها واعمل بها، واحرص فيها وحافظ عليها. PageV02P264 ### || AUTO [معرفة الله] # قال الوافد: وما هي بينها لي يرحمك الله ؟ # قال العالم: أولها المعرفة بالمعروف فهو الله عز وجل، والإيمان به، ~~والإسلام، والطاعة، والعلم، والعمل. ثم تعرف المعرفة ما هي إذا صرت عارفا، ~~رددت المعرفة إلى المعرفة فلحقت من المعرفة ما قدرت عليه. ثم تعرف الإيمان ~~ما هو وكيف هو ؟ حتى إذا صرت مؤمنا أسلمت للذي آمنت به، حتى إذا صرت مسلما ~~احتجت أن تطيع للذي أسلمت له، حتى إذا صرت مطيعا احتجت إلى علم تطيع به، ~~وتعرف العلم ما هو وكيف هو، حتى إذا صرت عالما احتجت أن تعمل بما علمت، ثم ~~تعرف العمل ما هو وكيف هو وما ثمرته، وإلى ما يوصلك وما عائدة نفعه. # قال الوافد: أيها العالم بين لي المعرفة ما هي وكيف هي ؟ # قال العالم: أما ما هي فإصابة الأشياء بأعيانها، ووضعها في مواضعها، ~~ومعرفتها على حقائقها، وأما كيف هي فإصابة المعاني، فما من شيء إلا له معنى ~~يرجع إليه، فإصابة الأشياء بالنظر والتفكر والتمييز والسمع والبصر، وإصابة ~~المعاني ms05 بالتفكر والإعتبار والعقل. # قال الوافد: فما معرفة الله تعالى ؟ PageV02P265 # قال العالم: هو أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى واحد أحد فرد صمد، لا تدركه ~~الأبصار ولا يحويه مكان، ولا يحيط به علم، ولا يتوهمه جنان، ولا يحويه ~~الفوق ولا التحت، ولا الخلف ولا الأمام، ولا اليمين ولا الشمال، فتعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا، لا يعلم كيف هو إلا هو. فتعرفه بهذه المعرفة، فما ~~توهمه قلبك فربك بخلافه عز وجل، وذلك قوله في محكم كتابه العزيز لنبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم :{قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحدا} [الإخلاص:1 - 4]. فتقول كما أمرت، وتعمل كما قلت، وتشهد ~~بما علمت، وتعمل كما شهدت، أن الله الواحد القهار الملك الجبار المحيي ~~المميت الحي الذي لا يموت، خالق كل شيء ( ومالك كل شيء، الكائن قبل كل شيء، ~~الباقي بعد فناء كل شيء، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى: 11] ~~). وهو على كل شيء قدير، فهذه معرفة الله تعالى بالذكر. # وأما المعرفة بالتفكر والنظر بالقلوب، والتمييز بالألباب، فهي في عظيم ~~قدرة الله تعالى وارتفاعه، وعلوه وبقائه، ونفاذ أمره، وبيان حكمته، وإحاطة ~~علمه، وكثرة خلقه، وسعة رزقه، وقرب رحمته، وجود كرمه، وكريم تطوله، وبيان ~~حكمه، وحسن رأفته، وجميل ستره، وطيب عافيته، فلله الحمد على ذلك كثيرا. PageV02P266 ### || AUTO [الإيمان] # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: الإيمان بالله والإقرار به، وبما جاءت به الرسل من عند الله ~~تعالى، وتؤمن جوارحك حتى لا تستعملها في شيء مما يكرهه منك خالقها، فتكون ~~قد أمنتها من عذاب النار. ومن الإيمان أن يأمن الناس من يدك ولسانك وظنون ~~قلبك، فإذا فعلت ذلك فأنت مؤمن. ومن الإيمان الرضى بالقضاء، والشكر على ~~العطاء، والصبر على البلاء. ومن الإيمان المحافظة على الفرائض والسنن، ~~والقيام بالنوافل والفضائل. # ومن الإيمان تعلم أن الله حق، وقوله حق، والجنة حق، والنار حق، والبعث ~~حق، والثواب حق، والحشر حق، والقيامة حق، والعرض حق، والحساب حق، وأن الله ~~على ms06 كل شيء قدير، وأنك منتقل من هذه الدار الفانية إلى الآخرة الباقية . ~~مسئول عن أعمالك، موقوف على فعالك وأقوالك، وإقلالك وإكثارك، وإعلانك ~~وإسرارك، فتجد ما فعلت قد أحضر إليك . وأنت اليوم في دار المهلة، ومكان ~~الفسحة، فلا تذهب أيامك سدى، واعمل فيها بطاعة ربك، وعلق قلبك في ملكوت ~~إلهك، واجعل دليلك القرآن، وقرينك الأحزان، وفعلك الإحسان، وطعامك الفكر، ~~وحديثك الذكر، وحليتك الصبر، وقرينك الفكر، وهمك الحساب، وسعيك الثواب، ~~وجليسك الكتاب، وأملك الرجاء، وسريرتك الوفاء، وسيرتك الحياء، وفاقتك ~~الرحمة، وعملك الطاعة، وطلبك النجاة، وسؤالك المغفرة، وسبيلك الرضى، وخوفك ~~العقاب، ورغبتك الثواب، وخلقك العفاف، وعزيمتك الكفاف، فمن سلك هذه الطريق ~~سبق، ومن تكلم بمثل هذه صدق، وهي عروة فمن تعلق بها استوثق، والحمد لله رب ~~العالمين. PageV02P267 ### || AUTO [الإسلام] # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: الإسلام، وهو أن تسلم للذي آمنت به. ومن الإسلام أن تسلم ~~كليتك إلى أعمال الطاعات، فإذا بلغت ذلك سلمت من العقاب، وسلم الخلق منك، ~~ويكون إسلامك بالظاهر والباطن، حتى لا يخالف قولك فعلك ولا فعلك يخالف ~~قولك، فيكون ظاهرك باطنك، وباطنك ظاهرك، وتكون موقنا بالوحدانية، مقرا ~~بالربوبية، معترفا بالعبودية، مجللا بالعظمة، هائبا للجلالة، فرحا ~~بالمكروه، محبا للطاعة، طالبا للرضى، خائفا للبعث، راغبا في الجزاء، راهبا ~~للعذاب، مؤديا للشكر، مداوما على الذكر، معتصما بالصبر، عاملا بالفكر، فهذا ~~عمل الباطن. # وأما عمل الظاهر: فالإجتهاد في أداء الفرائض والسنن والفضائل والنوافل، ~~منها الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر، وقراءة القرآن. # ومن السنن الختان، وصلاة العيدين، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف ~~الإبطين، وقص الشارب، والسواك. # ومن الفضائل صيام رجب، وشعبان، والأيام البيض، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة ~~والإثنين والخميس. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ PageV02P268 # قال العالم: وراء ذلك المواصلة والمعاونة والمؤاساة والمؤاخاة في الله، ~~والمحبة لأولياء الله تعالى، والبغضة لأعداء الله، وصلة الرحم، وبر ~~الوالدين، ورحمة اليتيم، ومعاونة الضعيف، وتعليم الأولاد وتأديبهم، وإنصاف ~~الزوجة فيما تسألك عنه وهي ناظرة إليك، والعناية في تعليمها، والأمر ms07 لها ~~فيما لا بد لها منه، والنهي لها عما لا حاجة لها إليه، ولزومها لمنزلها، ~~وطول الحجاب، وتصفيد الأبواب، وتعليم الحكمة والصواب، مع لزوم العفاف، ~~والرضى بالكفاف، والصيانة لها عن التبرج في الفرج والأبواب، والتشرف إلى ~~أهل الفحش والإرتياب، ومنع الداخلات إلى دار المسلمات، ممن لا يشاركهن في ~~الدين والأحساب، فأولئك هاتكات الستور، ومبيحات كل محظور، والناقلات الكلام ~~الزور، الجالبات للفحشاء والفجور، والمبغضات للنعمة، والمدخلات على ~~المسلمات التهمة، والمفرقات للألفة، والداعيات للكشفة. # ولقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال : أحب إلي أن ~~أجد في منزلي مائة لص يسرقونه أهون علي من أن أجد فيه عجوزا لا أعرفها. ومن ~~ذلك إنصاف الخادم فيما لا يقدر عليه، والنهي له عن مالا حاجة له فيه، ~~والرفق به فيما لا يقدر عليه به، والنظر له فيما لا يدري، ( وصيانة الدآبة ~~فيما تحتاج إليه، والرفق بها فيما لا تقدر عليه )، فهذا الأمر بالمعروف. # وأما النهي عن المنكر: فمن المنكر القول السيء، والقول بالفواحش، والكذب. # ومن الفعل: القتل، والربا، والزنا. # ومن النية: الرياء، والكبر، والحسد، والبغضاء، والشحناء، والفحشاء. # ومن الفعل: أخذ أموال الناس سرا وجهرا، ومن القول الغيبة، والنميمة، ~~وشهادة الزور. فهذا من النهي عن المنكر. PageV02P269 ### || AUTO [مراتب العرفان] # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: تطيع الله الذي أسلمت له. # قال الوافد: وما هي الطاعة بينها لي - يرحمك الله تعالى - حتى أعرفها ~~وأعمل بها ؟ # قال العالم: الطاعة اتباعك لما أمرك الله به، واجتنابك لما نهاك الله ~~عنه، وذلك على وجهين: شيء قد علمته، وشيء لم تعلمه. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: اجتناب ما نهاك الله عنه، وهو على وجهين: شيء قد عرفته، وشيء ~~لم تعرفه، فتعرف مالك وما عليك، فيما نهاك الله عنه، فعليك بما قد علمت به، ~~التوبة والرجوع والإنابة والتضرع، ولك في ذلك المغفرة. فإنك إذا خفت ربك ~~تبت إليه، وتعرف الخوف ما هو وكيف هو. # قال الوافد: ما هو يرحمك الله ms08 ؟ # قال العالم: أما ما هو فمعرفة الذنب، وشهادة الرب. وأما كيف هو: فوجل ~~القلب، ودمع العين. فإن لم تكن كذلك فلست بخائف فيما قد علمت. وأما الذي لم ~~تعلمه فعليك منه الرهبة والتقوى، فإذا اتقيت الله لم يجدك حيث نهاك، وإذا ~~خفته لم يفقدك حيث أمرك، فإن الله يراك، ويعلم سرك ونجواك، ويسمع كلامك، ~~فهنالك ترهبه وتخافه حتى كأنك تراه. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: وراء ذلك التقوى. # قال الوافد: وما التقوى ؟ # قال العالم: تحفظ لسانك وعينك ويدك ورجلك وفرجك وظنون قلبك، فلا تنظر ~~بعينك إلى مالا يحل لك، فإن النظرة الواحدة تزرع في القلب الشهوة، وهي سهم ~~من سهام إبليس، وتحفظ لسانك عن الكلام فيما لا يعنيك، فإن اللسان سبع إذا ~~أطلقته أكلك، وهلاكك في طرف لسانك، فلا تقل مالا يحل لك، ولا تمدد يدك إلى ~~ما لا يحل لك، فإن لم تفعل فما اتقيت الله تعالى، وإن فعلت فقد اتقيت، ولك ~~في ذلك المغفرة والرحمة وذلك قوله سبحانه: { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى } [طه: 82]. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ PageV02P270 # قال العالم: القيام بما أمرك الله به، حتى تعرف عملك، وتضع كل شيء منه في ~~موضعه، وتعرف خطأه وصوابه، ويكون ذلك العمل تابعا للعلم مطابقا له، ويكون ~~فيه الرغبة واليقين والإخلاص والمحبة والحياء والإستقامة، وتعرف الرجاء ما ~~هو، وكيف هو، ومن ترجو. # قال الوافد: بين لي ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: هو أن يكون رجاؤك الله في كل أمورك، لدنياك وآخرتك، ولا يكون ~~رجاؤك للخلق أكثر من رجائك للخالق، فتحبط عملك، ويبطل أجرك، فإن الله تعالى ~~يقول وقوله الحق : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا } [الكهف: 110]. فتقوم بما أمرك الله به ظاهرا وباطنا، ~~فيصح ظاهرك وباطنك، فإن الظاهر الجلي، يدل على الباطن الخفي. ويكون قلبك ~~متعلقا بذكر من ناصيتك بيده، ورزقك عليه، ورجاؤك له وشدتك وعافيتك وبلواك ~~ومحياك ومماتك ودنياك وآخرتك، وترجوه ms09 للشدة كما ترجوه للرخاء، وترجوه ~~للآخرة كما ترجوه للدنيا، وتخافه كما تخاف الفقر. # قال الوافد: فما وراء لك يرحمك الله ؟ # قال العالم : الرغبة، تعرفها ما هي وكيف هي ؟ # قال الوافد: بينها لي يرحمك الله تعالى ؟ # قال العالم: إن الرغبة في التطوع بعد الوفاء بما أمرك الله به، فإنك إذا ~~رغبت ازددت إلى الخير خيرا، وإن لم ترغب لم تزدد وأنت متطوع ولست براغب. ~~وأما كيف هي: فالتضرع عند الدعاء، فإنك إذا رغبت تضرعت، وإذا لم ترغب كان ~~دعاؤك بلا رغبة، وذلك قوله عز وجل: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب ~~المعتدين } [الأعراف: 55]. فمن خاف تضرع، ورحمه الله وأجابه. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: وراء ذلك اليقين. # قال الوافد: وما هو اليقين ؟ # قال العالم: صاحب اليقين ذنبه لا يكتب، وتوبته لا تحجب. # قال الوافد: بين لي ذلك ؟ PageV02P271 # قال العالم: صاحب اليقين يعلم أن العلم متصل بالنية، فكلما خطر خاطر في ~~قلبه، علم أن الله قد علمه فيلحقه الخوف، ويبادر بالتوبة قبل أن يعمل ~~الذنب، فتوبته مقبولة، وذنبه غير مكتوب، وإنما يكتب ذنبه لو أصر عليه ولم ~~يتب منه. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: الإخلاص في الدين، وهو في القول والعمل والإعتقاد، قول خير، ~~وعمل خير، واعتقاد خير، أما سمعت ما قال الله تعالى: { ألا لله الدين ~~الخالص } [الزمر: 3]. # قال الوافد: بين لي ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: هو أن يعلم العبد أنه بين يدي الله عز وجل، يراه ويسمع ~~كلامه، ويعلم ما في نفسه، فيجعله أمله، وتكون الطاعة عمله، ولا يغيب عن ~~مشاهدته، ولا يزول إلى معاندته، زالت الدنيا من عينه، وتعلقت الآخرة في ~~قلبه، فقيامه طاعة، وقوله نفاعة، وكلامه ذكر، وسكوته فكر، قد قطع قوله ~~بعمله، وقطع أمله بأجله، وخرج من الشك إلى اليقين، فقلبه وجل، ودمعه عجل، ~~وصوته ضعيف، وكلامه لطيف، وثقله خفيف، وحركته إحسان، وتقلبه إيمان، وسكوته أمان. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: حب الحق، ms10 وبغض الباطل، وحب من أطاع الله قريبا كان أو بعيدا، ~~وبغض من عصى الله قريبا كان أو بعيدا، فإن حب الباطل يدخل النار، وحب من ~~أحب الله قريبا كان أو بعيدا يدخل الجنة. # قال الوافد: كيف أحب من أطاع الله قريبا كان أو بعيدا ؟ # قال العالم: يسوؤك ما يسوءه، ويضرك مايضره، ويسرك ما يسره، وتدخل السرور ~~عليه، فإن كان أعلم منك تعلمت منه، وإن كنت أعلم منه فعلمه، وحفظته في ~~محضره ومغيبه، وواسيته وأعنته، ورعيت صحبته، وجعلت ذلك لله وفي الله، ولا ~~يكون في ذلك من ولا أذى. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: الحياء من الله. # قال الوافد: بينه لي ؟ # قال العالم: ذلك على ثلاثة وجوه: PageV02P272 # أولهن: أن يعلم العبد أن طاعة الله عليه واجبة، وأن رزقه على الله، أفلا ~~يستحيي العبد من الله أن يراه حريصا على رزقه، كسلانا عن طاعة ربه، يمن على ~~قوم أجسادهم معافاة، وعقولهم ثابتة، وقلوبهم آمنة، ونفوسهم طيبة، قد أحسن ~~الله إليهم، فلا ينظرون إلى شيء من قدرة الله، ولا إلى نعمه عليهم فيشكرون، ~~ولا إلى من كان من قبلهم فيعتبرون، ولا إلى ذنوبهم فيستغفرون، ولا إلى ما ~~وعدهم الله في الآخرة فيحذرون، أفلا يستحيي من آمن بالله أن يراه الله مع ~~أولئك مقيما، لا بثا ساكنا ومؤانسا، حاضرا مجالسا. # وأما الثاني: فإن الله أعطى وقضى يعطي وهو راض، أفلا يستحيي العبد أن ~~يرضى برضى ربه عند عطاه، ولا يرضى برضاه عند القضاء، كما يرضى برضاه عند ~~العطاء. # وأما الثالث: فإن الله يرضى لعبده الجنة، ويأمره بالعمل الصالح لما يصلح ~~له من الخير، فيعمل العبد مالا يرضى الله له، ويكره ما يرضى الله له من ~~الخير، ولا يترك المعاصي والشرور ولا يرضى برضى الله له، ويكون له ولد يحبه ~~ويريد له الدنيا، وربما قبضه الله إليه وهو له ولي، أفلا يرضى العبد برضى ~~الله كما رضي أولا بعطائه، وهو يعلم أن موت ولي الله خير له من حياته في ~~هذه ms11 الدنيا الفانية، المحشوة هموما وغموما ونغصا وغصصا وآفاتا وشرورا. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: وراء ذلك الإستقامة. أما سمعت قول الله عز وجل: { إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم لا هم يحزنون } [الأحقاف: 13]. # قال الوافد: بين لي ذلك يرحمك الله ؟ PageV02P273 # قال العالم: الإستقامة هي: أن ترى الدنيا قيامة، فلا تلتفت فيها إلى كرامة، ~~ولا تبالي فيها بالملامة، والإستقامة تؤدي صاحبها إلى السلامة، والمستقيم ~~صادق، وبالحق ناطق، عمله في خضوع، وقلبه في خشوع، وروحه في رجوع، وسروره في ~~نزوع، وجسمه سقيم، وقلبه سليم، مقيم بلا التفات، مداوم على المراقبات، ~~ملازم للأمر، مدمن على الزجر، طالب للأجر، تارك للهوى، مقيم على الوفاء، ~~حريص على التقى، مجتهد في الصفاء، ليله قائم، ونهاره صائم، إلف مؤآلف، صابر ~~عاكف، تآم الصحبة، دائم المحبة، مجيب، غير مريب، مفوض، غير متعرض، مطيع، ~~غير مريع، طالب راهب، مسلم مستسلم، مقر لا منكر، محتقر لا محتقر، متواضع ~~غير مستكبر، مقبل غير مدبر. # وعلامة المستقيم أن يستقيم به كل معوج، ويسلك به خير منهج، ويكون عالما ~~يهتدى به، ودليلا يقتدى به، ولا يكون م{ من يعبد الله على حرف، فإن أصابه ~~خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو ~~الخسران المبين } [الحج: 11]. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: أما علمت أن الدنيا شدة ورخاء. # قال: بلى. # قال: فليكن حالك في الشدة كحالك في الرخاء. # قال: بين لي ذلك يرحمك الله ؟ # قال: أليس في الرخاء حساب، والشدة ثواب ؟ # قال: بلى. # قال: أيهما أحب إليك الثواب أم الحساب ؟ # قال: بل الثواب. # قال: أما علمت أنك في وقت الشدة ترجو الرخاء، وفي وقت الرخاء تخاف الشدة، ~~وذلك قوله عز وجل: { إن مع العسر يسرا} [الإنشراح: 6]. فتعرف حد الشدة ~~فتكون راجيا، وتعرف حد الرخاء فتكون خائفا، لأن الرخاء والشدة يعتقبان، ~~فاستعد للحالين جميعا. ولست أعني لك شدة الدنيا ولا رخاءها، إنما عنيت بذلك ~~الآخرة، لأن ( الدنيا سجن ms12 المؤمن وجنة الكافر ). # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: الرضى بالقضاء، والصبر على البلاء، والشكر على العطاء. PageV02P274 ### || AUTO [الحمد والشكر] # قال الوافد: وكيف يكون الشكر ؟ # قال العالم: الشكر على سبعة أشياء. # قال: وما هي ؟ # قال: الخلق، والملك، والرزق، والعافية، والعلم، والقدم، والقدرة. فتنظر ~~إلى ثبات عقلك، وتمام خلقك، فتحمد الله العظيم على ذلك كثيرا. # ثم تنظر إلى الملك كم من ذي روح غيره له مالك، والله مالك كل شيء، وأنت ~~لا مالك لك، فتحمد الله على ذلك كثيرا. ثم تنظر إلى مالك وولدك وطعامك ~~وشرابك، ولباسك ونومك وإيقاظك، وتنظر إلى اختلاف الليل والنهار، كيف يقربان ~~البعيد، ويبليان الجديد. ثم تنظر إلى العافية، وإلى كل شيء تخافه على نفسك ~~في ليلك ونهارك، مما تراه ومما لا تراه! فتعلم أنه لا يدفع ذلك ولا يصرفه، ~~ولا يكفيك ما ترى وما لا ترى، إلا الله سبحانه وتعالى، فتحمد الله على ذلك كثيرا. # ثم تنظر إلى المصائب التي تصيب الناس في أبدانهم المركبة عليهم، فتعلم أن ~~في تركيبك مثل ما في تركيبهم، فتحمد الله الذي ستر عليك ما ظهر على غيرك من ~~العلل والآفات. # ثم تنظر إلى من كان من قبلك وإلى من هو كائن من بعدك في دنياك وآخرتك. # ثم تنظر إلى القدم فتعلم أن الله قديم لم يزل ولا يزول. # ثم تنظر إلى القادر فتعلم أن الله قادر لا بقدرة غيره، سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا. # ثم تنظر إلى العلم فتعلم أن الله قد علم ما هو كائن قبل أن يكون. # ثم تنظر إلى ما سخر لك الله من جميع الخلق، وذرأ وبرأ من السماء التي ~~زينها بالكواكب والشمس والقمر، وأجرى ذلك لمنافع الخلق. وما جعل من الرياح ~~والسحاب، وما جعل في الأرض من الحيوان المسخر المجبور المقهور المنقاد إلى ~~المنافع، فتحمد الله على ذلك كثيرا. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: الصبر على قضاء الله سبحانه، فما جاء من عند الله حمدت الله ~~عليه، ms13 ولم تسخط ذلك وسلمت الأمر لله، ورضيت بقضاء الله وحمدت الله على ذلك كثيرا. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ PageV02P275 # قال العالم: تنظر بعد ذلك إلى نفسك، وتعلم أن الله خلق الإنسان من نطفة تقع ~~في رحم مظلم، فتقيم في الرحم ( سبعة أيام، ثم ترجع دما فيكون ذلك الدم علقة ~~) أربعين يوما، ثم يجعلها الله مضغة ذكرا أو أنثى، فيكون فيه الروح لسبعة ~~وسبعين يوما، ثم يخلق الله له العروق والعظام والعصب، ثم يصيره الله تعالى ~~بعد ذلك لتمام مائتين وسبعين يوما، وذلك ستة آلاف وأربع مائة وثمانون ساعة، ~~فجميع حمل الولد لتمام حمل أمه كاملة أشهره وأيامه وساعاته. # فأشهره تسعة أشهر، كل شهر ثلاثون يوما، وأيامه مائتان وسبعون يوما، ~~وساعاته ستة آلاف وأربع مائة وثمانون ساعة، فهذه أيام الولد كاملة، أشهره ~~وأيامه وساعاته. # وفي تركيبه الحرارة والبرودة، واليبوسة واللين. فالدم حآر لين، والمرة ~~الصفراء حآرة يابسة، والمرة السوداء باردة يابسة، والبلغم بارد رطب. # وتركيب الإنسان إثنا عشر وصلة، وله مائتان وثمانية وسبعون عظما، وله ثلاث ~~مائة وستون عرقا، فالعروق تسقي الجسد، والعظام تمسكها، والعصب واللحم يشدها. # ولكل يد أحد وأربعون عظما، فللكف من ذلك خمسة وثلاثون عظما، وللساعد ~~عظمان، وللعضد عظم، وللتراقي ثلاثة أعظم، وكذلك اليد الأخرى، وللرجل ثلاثة ~~وأربعون عظما، للقدم من ذلك خمسة وثلاثون عظما، وللساق عظمان، وللركبة ~~ثلاثة أعظم، وللورك عظمان، وكذلك الرجل الأخرى. # وللصلب ثمانية عشر فقارا، ولكل جنب تسعة أضلع، وللرقبة ثمانية أعظم، ~~وللرأس ستة وثلاثون عظما، وللأسنان من ذلك اثنان وثلاثون عظما. وطول ~~الأمعاء سبعة أذرع. # فسبحان خالق الإنسان {خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو} [الزمر: 6] !! PageV02P276 # حتى إذا حان أوان خروجه من بطن أمه إلى الأرض، لم يقدر أحد على إخراجه ~~أبدا، ولو اجتمعت الإنس والجن ما أحسنوا ذلك، فسبحان من أخرجه سويا لا يعرف ~~أحدا، ولا يسأل رزقا قد أوجد الله له رزقه في صدر أمه لبنا يغذوه به لضعفه ~~وقلة ms14 بطشه. # حتى إذا جل عظمه، وكثر لحمه، وقطع سنه، وطحن ضرسه، وبطشت يده، ومشى على ~~قدميه، وعرف أن الله خالقه، وأنه الذي أفضل عليه رزقه في بطن أمه، وبعد ~~خروجه في مهده، نسي ذلك كله وجحده، وجعل يطلب رزقه من مخلوق مثله، !!! {قتل ~~الإنسان ما أكفره} [عبس: 17]. أما علم أن الذي رزقه في ضعفه هو الذي يرزقه ~~في وقت قوته ؟! أما سمع ما قال الله تعالى في كتابه لنبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم: { لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } [طه: 132]. أما ~~سمعت قول الله تعالى حيث أقسم في كتابه فقال عز من قائل: { وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون } ~~[الذريات: 22 - 23]. # أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال ( لن تموت نفس ~~حتى تستكمل رزقها )، وقال: ( لو أن أحدكم هرب من رزقه كما يهرب من الموت ~~لأدركه رزقه كما يدركه الموت ). وقيل لأمير المؤمنين علي عليه السلام يا ~~أمير المؤمنين: ( من أين يأتي الرزق إلى الإنسان ؟ قال: من حيث يأتيه الموت ) . # قال الوافد: أيها العالم الحكيم أخبرني ما أفضل ما أعطي العبد ؟ # قال: العقل الذي يعرف به نعمة الله ويعينه على شكرها، وقام بخلاف الهوى، ~~حتى عرف الحق من الباطل، والضر من النفع، والحسن من القبيح. # قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ # قال العالم: الإيمان، وحقيقة الإيمان: الإخلاص وصدق النية، حتى إذا عملت ~~عملا صالحا لم تحب أن تذكره، وتعظم من أجل عملك، ولا تطلب ثواب عملك إلا من ~~الله، فهذا هو إخلاص عملك، فإن عملت عملا وأحببت أن تذكر وتعظم من أجله، ~~فقد تعجلت ثوابه من غير الله، ولم يبق لآخرتك منه شيء. PageV02P277 ### || AUTO [المناجاة] # قال الوافد: فما تقول في المناجاة ؟ # قال العالم: لا تكون المناجاة، إلا على الرجاء والمصافاة، بقلب سليم من ~~الآفات، والظنون والغيبات، ثم تقول: إلهي إن لم أكن لحقك راعيا، لم أكن ~~لغيرك داعيا، وإن لم أكن في طاعتك مسابقا، ms15 لم أكن لأعدائك مطابقا، وإن لم ~~أكن لك عابدا، لم أكن لآياتك معاندا، وإن لم أكن لحبك واجدا، لم أكن لغيرك ~~ساجدا، وإن لم أكن إلى الخيرات مسارعا، لم أكن لباب الخطيئات قارعا، وإن لم ~~أكن لحدودك حافظا، لم أكن بكلام السوء لافظا، وإن لم أكن في الصلاة خاشعا، ~~لم أكن لأعدائك خاضعا، وإن لم أكن في سبيلك مجاهدا، لم أكن لدليلك جاحدا. # إلهي كيف يصافيك من لا يأتيك ؟! وكيف يرجوك من لا يتقرب إليك ؟! أنا ~~المتخلف عن أقراني، أنا الضعيف في أركاني، أنا الفريد بحفرتي عن إخواني، ~~أنا الذي لم أحقق إيماني، سيدي قد أتيتك بفاقتي، وجئت إليك لما عدمت طاقتي، ~~أنت العالم بجرمي، المطلع على ظلمي، المحصي لخطيئتي، الشاهد على طويتي، ~~الناظر لي في خلوتي. # إلهي كسدت بضاعتي، وخسرت تجارتي، ولم اتزود من حياتي، وقد أتيتك وقد قربت وفاتي. # إلهي إن لم تقبلني فأين الملجأ، وإن رددتني فأين المنجا، وإن لم تغفر لي ~~فأين الملتجا ؟!!! من للعبد إلا مولاه ؟! ذهبت أيامي، وبقيت آثامي، فلا تذل ~~مقامي، ولا تحجب عني أمامي، يا من ابتدأني بفضله، وأكرمني بتطوله. # ما الحيلة أعضائي ذليلة، ما الحيلة أحزاني طويلة، ما الحيلة حسناتي ~~قليلة، ما الحيلة وليس لي وسيلة. PageV02P278 # لا حيلة لي غير الرجوع، والتضرع والخضوع، والإقبال والإياب، وتعفير الوجه ~~في التراب، والتذلل عند الباب، وقراءة آيات الكتاب، والسجود لرب الأرباب، ~~وترك الإشتغال بالأشغال، والإقبال على مقدر الأرزاق والآجال، وترك ~~المعارضة، ورفض المناقضة، وحنين وحرقات، وأنين وزفرات، وسهر دائم، وليل ~~قائم، ونهار صائم، وقلب هائم، ووعظ لائم، فرار، بلا قرار، فراق كل محبوب، ~~والبين عن كل منسوب. # الحيلة ترك الإستراحة، في طلب الراحة، ودوام النياحة، مع القيام على ~~السياحة، وترك الخطايا، واستعداد المطايا. # الحيلة أن تخضع حتى تسمع، ويخاف القلب ويخشع، وتعبر العين وتدمع، اقرع ~~الباب، يأتيك الجواب. # قال الوافد: قد سمعت لذيذ المناجاة، كيف أصنع في داء قد تمكن في قلبي حتى ~~أقلعه وأحسمه ؟ # قال العالم: من أوجعته علته، أظهر عند الطبيب زلته، ms16 وأبدى إليه شكيته، من ~~عدم مراده، قلق فؤاده، ومن قلق فؤاده، بان منه رقاده، ارفع خواطر القلب إلى ~~الرب، فهو يجلي الكرب، ويغفر الذنب، ارفع حوائجك إلى ربك، كما ترجوه لغفران ~~ذنبك، اكتب قصة الإعتذار، بقلم الإفتقار، امش إلى باب الجبار، بقدم ~~الإضطرار، في وقت الأسحار، وارفع يديك بالإستغفار. PageV02P279 ### || AUTO [البكاء] # قال الوافد: فما تقول في البكاء ؟ # قال العالم: لأن تبكي وأنت سليم، خير من أنت تبكي وأنت سقيم، وفي النار ~~مقيم بين أطباق الجحيم، والشيطان لك قرين خصيم. # واعلم أنك دخلت الدنيا عند خروجك من بطن أمك باكيا عابسا، فاجهد أن تخرج ~~منها ضاحكا مستأنسا، لأن تبكي وأنت في الطريق، خير من أن تبكي وأنت في وسط ~~الحريق، البكاء مع السلامة، خير من البكاء مع الملامة، اليوم ينفعك البكاء ~~لو بكيت ندما، وغدا لا ينفعك البكاء لو بكيت دما، البكاء قبل المعاينة، خير ~~من البكاء يوم المباينة، ابك لضعف فاقتك، ابك لقلة طاقتك، ابك لكثرة ~~معاصيك، ابك لعظم مساويك، ابك لإفلاسك، ابك لعدم إيناسك، ابك لقلة عملك، ~~ابك لقلة حيلتك، ابك لعدم وسيلتك، ابك لكثرة وزرك، ابك لثقل ظهرك، ابك ~~لفساد أمرك، ابك لظلام قبرك، ابك لقسوة قلبك، ابك لخبث سرك، ابك لمضي دهرك، ~~ابك لكشف سترك، ابك لساعة موتك، ابك لانقطاع حياتك، ابك لغربتك في لحدك، ~~ابك لتوديع دارك، ابك لتوقع قرارك، ابك اليوم بوارك، ابك لاستقبال أهوالك. # قال الوافد: كيف أصنع إذا لم أستطع البكاء ولم تدمع العين ؟! # قال العالم: ما جمدت العيون إلا بقساوة القلوب، وما قسات القلوب إلا من ~~كثرة الذنوب، وما كثرة الذنوب إلا برضى للعيوب، وما وقع الرضى بالعيوب إلا ~~بعد الإجتراء على علام الغيوب، جمود العين، من وجود الرين. وقال في ذلك: # تزود من حياتك للممات .... ولا تغتر في طول الحياة # أترقد والمنايا طارقات .... كأنك قد أمنت من البيات # أتضحك أيها العاصي وتلهو .... ونار الله تسعر للعصات # أتضحك يا سفيه ولست تدري .... بأي بشارة يأتيك آت # فيا قلبي فلم تزدد رجوعا .... وتعرض ms17 عن عظات ذوي العظات PageV02P280 ثم قال: أتبغي صفاء الفؤاد، مع بقاء المراد، تضيع الأصول، وترتكب الفضول، ~~ثم تطمع بالوصول، وأنت لا تتبع ما جاء به الرسول، أتطلب الزاد، مع كثرة ~~الرقاد، وقلة الإجتهاد، أتطلب المساعدة مع قلة المجاهدة، إن هذا من علامات ~~المباعدة !!! لن تنال الأماني إلا بترك الفاني، لا بالكسل والتواني، أسهر ~~العيون، تصبح غير مغبون، لن تنال الجنان، إلا بصفاء الجنان، وخالص الإيمان، ~~وقراءة القرآن، وتوحيد الرحمن، وإطعام الطعام، ورحمة الأيتام، وكثرة ~~الصيام، وطول القيام، من طالت مناجاته ارتفعت درجاته، وقلت في القيامة ~~فزعاته. PageV02P281 ### || AUTO [عناصر الإيمان] # قال الوافد: بما ينال العبد جنة الخلود ؟ # قال العالم: بحفظ الحدود، وبذل المجهود، وطاعة المعبود، والوفاء بالعهود، ~~وكثرة الركوع والسجود. من أراد الأمان، فليخلص الإيمان، ويفعل الإحسان، ~~ويقرأ القرآن. لن ينال جنة النعيم، إلا من جاء بقلب سليم، لن تنال من الله ~~المزيد، إلا بصدق التوحيد، وكثرة التمجيد للواحد الحميد، من أراد البر، لم ~~يكتسب الوزر، من أراد العطاء، صبر على الأذى والبلاء. # لن تنال شهوات الآخرة إلا بترك شهوات الدنيا، ( لن تنال النعيم، إلا بترك ~~النعيم، لن تنال معانقة الحور، إلا بصلاح الأمور )، ومجانبة الشرور، ورفض ~~المحذور، لن ينال الشفاعة، إلا من قام لأخيه المؤمن بالنفاعة، وحافظ على ~~صلاة الجماعة، وأطعم الأيتام في المجاعة، من أحب الشرب من حوض الرسول، ~~فليترك كلام الفضول، وتثبت فيما يقول، فإنه لا بد مسؤل. # قال الوافد: صف لي الحياء ؟ # قال العالم: من عمل بالرياء فقد منه الحياء، وحجب منه الضياء، وتكدرت ~~عليه الدنيا، وعاش في الناس يهوديا، وحشر يوم القيامة مجوسيا. # قال الوافد: كيف أنال حلاوة الطاعة ؟ # قال العالم: لا تدرك الحلاوة، إلا بإدمان الفكر في التلاوة، ولا تنال ~~حقائق المعاني إلا بترك الأماني، ولا يتمكن في قلبك الخوف والوجل، إلا برفض ~~الدنيا وقصر الأمل، وإخلاص العمل، وهجران الكسل. PageV02P282 ### || AUTO [الورع] # قال الوافد: صف لي محض الورع ؟ # قال العالم: لن تنال الورع، إلا بكثرة الخوف والفزع، واختيار الجوع على ~~الشبع، وترك الشهوات والطمع، [فإن ms18 فعلت زكى لبك]، وصفا عند ذلك قلبك، ونلت ~~لذيذ السهر والقيام، وقربت من ذي الجلال والإكرام، وملكت نفسك، ووافقت ~~أنسك، ورضي عنك الرب، وغفر لك الذنب. # واعلم أنك لا تنال من الله البر والسلامة، إلا بالصبر والإستقامة، ولا ~~تنال حقائق الرجاء، إلا بالإنقطاع إلى الله والإلتجاء، ولا تنال الكرم ~~والتفضل، إلا بالندم والتذلل، ولا تنال الراحة، إلا بترك الراحة وكثرة ~~البكاء والنياحة، ولا تنال الولاية، إلا بالحراسة والعناية، ولا تنال ~~مجاورة الأبرار في دار القرار، إلا بترك الأوزار، ولا يخشع القلب ويلين، ~~إلا بتفكر وتبيين، ولا تنال الخوف، إلا بترك عسى وسوف، ولا تنال الإتصال، ~~إلا بإهمال الإشتغال، ولا ينقى القلب، مع بقاء شيء من الذنب، ولا تدرك صفاء ~~الفهم، وفي قلبك من الدنيا هم، ولا يزول عنك الهم، ما دام لك في الدنيا ~~خصم، من أنفق مما يحب، فهو حقا المحب، من ترك ما كان يألف، دخل الجنة ~~وثوابه مضاعف، من عمل بما أقول، شفع له الرسول، من عمل بغير ما أقول، لم ~~يكن عمله مقبول، من لم يندم على معصيته، أخذته زبانية النار بناصيته، من ~~قصر في الطاعات، حرم الصالحات، من نافس في الخيرات، ارتقى في أعلا الدرجات، ~~من اغتر بالليل فجع بالنهار، ومن سهى بالنهار فجع بالليل، من ركب الظن، غبن ~~أي غبن، من ركب فرس الأماني، عثر في ميدان التواني، التاجر برأس مال غيره مفلس. PageV02P283 ### || AUTO [جهاد النفس] # قال الوافد: كيف المجاهدة ؟ # قال العالم: المجاهدة في المباعدة والوحدة، والصبر على المحنة والشدة، من ~~لا عبادة له لا زاد له، ومن لا زاد له لا عقبى له، اقرع الباب، يأتيك ~~الجواب، من أمل العظيم، وهب له الجسيم، من أراد الجود، أدام السجود، من لا ~~سجود له لا جود له، من لا ندامة له لا كرامة له، من لا خير فيه، لا خير ~~عنده، خير البضاعة الطاعة، من عمل بالطاعة، نجا من فزعات الساعة، لا بد من ~~سهر الأسحار، وقيام الليل وصيام النهار، إذا أردت الجنة فاسجد وتضرع، ms19 واظمأ ~~وتجوع، واسهر وتطوع، وتذلل وتخشع، وتفرد وتوحد واخضع وتجرد، تنل فضل الواحد ~~الأحد، اترك الآثام تأمن الصولة، واعمل صالحا تكن لك الدولة، واهجر ~~الجرائم، تصل وأنت سالم. من أكثر النحيب، لم يكن عليه رقيب، وما دعا إلا ~~أجيب، وكان له من كل خير نصيب، من رغب إلى الله أعطاه، ومن اكتفى به كفاه، ~~ومن استغنى به أغناه، ومن لجأ إليه آواه. # قال الوافد: كيف أكون ذاكرا وأنا لا أسلم من الغفلة ؟ # قال العالم: لا تقع العلة، إلا فيمن أكثر الغفلة، من غفل، وقع في الزلل، ~~إذا أردت السعادة، فودع الوسادة، وجالس أهل الزهادة، وأكثر العبادة. # عجبا ممن يستريح وقد تاب، ويلهو وقد شاب، ما كان في الله تلفه، كان على ~~الله خلفه، اجتهد تجد، وأخلص تخلص، اتبع الرسول، وأبشر بالوصول، من اتصل، ~~وصل، ومن ترك الجدال، نال خير منال، وكفي الشدة والأهوال، من خالف هواه، ~~كانت الجنة مآواه، ومن ندم، أكرم. # قال الوافد: فما حيلة من دنا من الباب، فمنعه الحجاب، فلم يصل إلى ~~الأحباب ؟ PageV02P284 # قال العالم: حيلته ملازمة القلق والإكتئاب، والحزن والإنتحاب، والفرق ~~والإنتداب، حتى يأذن له الاحباب، ويفتح له الباب، إذا أردت في الجنة ~~الوقوف، فأكثر في المساجد العكوف، فإنك تأمن من كل مخوف. كم من متردد لا ~~يؤذن له ؟! وطارق لا يفتح له، ( وكم من مصروف مطرود، مهان مردود )، وكم من ~~مظهر انتحابه، وهو لا يفتح له بابه، وكم من طامع في ثوابه، هو من أهل عذابه. # قال الوافد: فكيف الوصول ؟ # قال العالم: تصل الليل بالنهار، وتتضرع في غسق الأسحار، وتسبح بالعشي ~~والإبكار، وتتعود الندم والإستغفار، لعل الله يخفف عنك ثقل الأوزار، ويحرم ~~بدنك على النار. PageV02P285 ### || AUTO [الندم والتوبة] # قال الوافد: كنا صبيانا فلعبنا، فصرنا شبابا فسكرنا، فصرنا كهولا فكسلنا، ~~فصرنا شيوخا فعجزنا وضعفنا، فمتى نعبد الله ربنا، عطلنا الشباب بالجهالة، ~~وأذهبنا العمر في البطالة، فأين الحجة والدلالة ؟ # قال العالم: من غفل في وقت شبابه، ندم في وقت خضابه، الشباب لا يصبر على ~~الصواب، ويندم عند ms20 الخضاب، ما أحسن الشاب في المحراب! إلى متى العصيان ؟ ~~إلى متى متابعة الشيطان ؟ إلى متى الجرأة على الرحمن ؟ ألا تحذر لباس ~~القطران، وتهدد مالك الغضبان، وضرب الزبانية والأعوان، ألا تفر من اليوم ~~الفاني، إلى اليوم الباقي، ألا تتزود من هذا اليوم لذلك اليوم، وتتخلص من ~~الهوان واللوم. # أيها المغرور بشبابه، والمسرور بأصحابه، والمختال في أثوابه، أما تحذر ~~أليم عذابه، وتخاف شديد عقابه، كم من وجه صبيح، وخد مليح، وبدن صحيح، ولسان ~~فصيح، أصبح في العذاب يصيح، بين أطباق النار لا يستريح. # كم من شاب ينتظر المشيب، عاجله الموت وأحل به النحيب، كم من مسرور ~~بشبابه، عاجله الموت من بين أحبابه، إلى قبره وترابه. # أيها الشاب الجهول، إنك في التراب منقول، وعلى النعش محمول، وعن أعمالك ~~مسئول. مالك لا ترجع ؟! مالك لا تفزع ؟! مالك لا تخضع ؟! مالك لا تخشع ؟! ~~آه من يوم يقول فيه المولى: عبدي شبابك فيم أبليته ؟! وعمرك فيما أفنيته ؟! ~~فلا تنظر إلى الشباب وطراوته، ولا تغتر بحسنه وملاحته، ولكن انظر إلى صرعته ~~وندامته. # ما أحسن الإياب بالشاب! وما أقبح الخضاب لمن قد شاب وما تاب! ما بقاء ~~الشيخ في الدهر، إلا كبقاء الشمس على القصر، في وقت العصر. الشيب داعي ~~الموت، وناعي الفوت، الشيب يؤذن بالفراق، ويخبر بالتلاق، الشيب ظاهره وقار، ~~وباطنه ازدجار، الشيب يكدر المنى، ويكثر العناء، الشيب كسل في كسل، وعلل في ~~علل، وملل في ملل، وخلل في خلل، وآخره كلل، وتقريب الأجل، وقطع الأمل. PageV02P286 # فلما بلغ كلام العالم والوافد إلى هذا الحد قال له العالم: ما أسوأ عبد ~~يقرب منه الأجل، وهو يسيء العمل! ما أسوأ عبد ظهر فيه الخلل، وهو يكثر ~~الزلل! من شابت ذوائبه، جفته حبائبه، أين الإستعداد ؟ أين تحصيل الزاد ؟ ~~وأنت للذنوب تعتاد، وقد ناداك المناد، أين الراجع إلى الله ؟ أين المشتري ~~نفسه من الله ؟ [أين الخائف من] ربه ؟ أين النادم من ذنبه ؟ أين الباكي على ~~أمسه ؟ أين المستعد لرمسه ؟ أين الطالب للثواب ؟ أين الخائف للعذاب ؟ # ألا ترجعون إلى الهدى! ألا تقبلون ms21 إلى الله! ألا تخافون من عذاب الله! ~~ألا تطمعون في ثواب الله! ألا تقتدون بأولياء الله! ألا تتوبون من الذنوب! ~~ألا ترجعون عن العيوب! ألا تندمون على ما أسلفتم! ألا تعترفون بما أقترفتم! ~~ألا تستغفرون لما أجرمتم!! # أما آن للقلوب أن تخضع ؟! أما آن للعيون أن تدمع ؟! أما آن للصدور أن ~~تجزع ؟! أما آن للعاصي أن يفزع من الذنوب ؟! أما آن للخاطئ أن يرجع عن ~~العيوب ؟! أما تعلم أيها العاصي أنه لا تخفى خافية على علام الغيوب ؟! أما ~~تعلم أنك مأخوذ مطلوب ؟! ومتعتع في النار مسحوب ؟! أما تعلم أنك مفارق لكل ~~صديق ودمعك على خديك مسكوب ؟! أما تخاف أن تصبح وأنت عن رحمة الله محجوب ؟! ~~وعلى حر وجهك في النار مكبوب ؟! فياله من جسد متعوب!! ودمع مسكوب!! وقلب ~~مكروب!! وعقل مرعوب!!! # قال الوافد: كيف أحتال في الخلاص ؟ # قال العالم: أما تعتبر ؟! أما تزدجر ؟! أما تستغفر ؟! أما لك فيمن مضى ~~عبرة ؟! أما لك فيمن مثلك فكرة ؟! إلى متى هذه الجفوة والفترة ؟! إني أخاف ~~عليك الشقوة والحسرة ؟! فكم هذه الغفلة الغامرة ؟! والقسوة الحاضرة، أما ~~تغتنم أيامك ؟! أما تمحو آثامك ؟! أما تكفر إجرامك ؟! أما تحذر ما قدامك ؟! ~~أنسيت ما أمامك ؟! أما تنتبه من رقادك ؟! أما تتأهب لمعادك ؟! أنسيت اللحد ~~وضيقه ؟! أنسيت القبر وظلمته ؟! أغفلت عن البعث والنشور ؟! يوم يظهر كل ~~مستور، ويحصل ما في الصدور. PageV02P287 # إلى متى تعلل بالأماني الكاذبة ؟! وتضيع الحقوق الواجبة ؟! دفنت الأحباء ~~فلم تعتبر، وغيبتهم في الثرى فلم تزدجر، ما للناس لا يرجعون ؟! يوعظون فلا ~~يتعظون، ينهون فلا ينتهون، ينادون فلا يسمعون، { استحوذ عليهم الشيطان ~~فأنساهم ذكر الله } [المجادلة: 19]. ( وغشي على قلوبهم الران فالقلوب مسودة ~~متباعدة، والأجسام منافقة متوآدة ). يقولون مالا يفعلون، يأملون مالا ~~يبلغون، { وإذا قيل لهم أركعوا لا يركعون } [المرسلات: 48]. وإذا أمروا ~~بالطاعة لا يطيعون، ويجمعون مالا يأكلون ولا يلبسون، بل هم يكذبون ويسرقون، ~~وينافقون ويحلفون، ويعدون ويخلفون، ويرآؤون ويبخلون، فبأي حديث بعد القرآن ~~يؤمنون ؟! ويجمعون مالا يأكلون، ويمنعون مالا ينفقون، ويبنون مالا يسكنون، ~~ويقطعون ولا يصلون، ينافقون ms22 ولا يخلصون، لا من الله يخافون، ولا منه عند ~~المعاصي يستحيون، ينامون نوم البهائم، ثم نسوا يوما يؤخذ فيه بالجرائم، ~~لاالله يخافون، ولا عقابه يحذرون، يصبحون، على خلاف ما يمسون، هممهم دنية، ~~وأعمالهم ردية، وأحوالهم غير مرضية. PageV02P288 ### || AUTO [المؤمن بين الغافلين] # قال الوافد: كيف يصنع من أصبح مع هؤلاء ؟ # قال العالم: يرضى بالله صاحبا، ويعتزل عنهم جانبا، ويل لمن له ذنب مستور ~~وثناء مشهور، وهو عند الله مثبور، ظاهره بالخير معروف، وباطنه بحب الدنيا ~~مشغوف، وهو عن آيات الله مصروف، وثيابه أبيض من الحليب، وقلبه مثل قلب ~~الذيب، باطنه من التقوى خراب، وهو يطمع في الثواب، وهو في الدنيا سكران من ~~غير شراب، ظاهره فيه سيماء العابدين، وباطنه فيه سيماء الجاحدين، مقالتهم ~~مقال الأبدال، وفعلهم فعال الجهال، ( سيرته سيرة المغترين، وأمله أمل ~~المفتونين، فهذا ) من المطرودين، عن باب رب العالمين. # ( مالي أرى الناس يركبون الشرور ؟! ويدخلون في المحذور ؟! ويضيعون الأيام ~~والشهور ؟! إلى متى ) يسوفون التوبة ويلبسون ثياب الزاهدين ؟! ويضمرون ~~أسرار الظالمين ؟! # ألا وإن أبعد الناس من الله عبد نظر إلى عيب أخيه المسلم، ولم ينظر إلى ~~عيب نفسه، إن رأى لأخيه المسلم حسنة سترها، وإن رأى سيئة نشرها، فذلك جزاؤه ~~جهنم وبئس المصير . من لم يميز بين الحلال والحرام، أسرعت إليه أسهم ~~الإنتقام، من أسف على شيء من الدنيا يفوته، كثر نزاعه عند موته. PageV02P289 ### || AUTO [الهالك] # قال الوافد: صف لي الهالك المتأسف ؟ # قال العالم: هو الذي يتأسف على رزق لم يأته، وينتظر مالا وربما لم ~~يستوفه، يخاف شره، ولا يرجى خيره، يظهر حزنه، ويكتم شره، فهو مرتبط ~~بالنفاق، معاند بالشقاق، سيئ الأخلاق، قرين المحال، قريب الخجال، قليل ~~النوال، قد رضي بالقيل والقال، ولا يسلك سبيل النجاة، ولا يخاف المفاجاة، ~~ظاهره مع أهل الدين، وباطنه مع المنافقين، قد باين الفرقان، وأغضب الرحمن، ~~فقلبه لا يخشع، وعينه لا تدمع، ونفسه لا تشبع، قد آثر العمى على الهدى، ~~وبدل الدين بالدنيا، وفي ذلك أقول، بعد الصلاة على الرسول: # مضى عمري وقد حصلت ذنوب ms23 .... وعز علي أني لا أتوب # نطهر للجمال لنا ثيابا .... وقد صدئت لقسوتها القلوب # وأعربنا الكلام فما لحنا .... ونلحن في الفعال فلا نصيب # قال الوافد: أسأل الله تعالى سلوك طريق الأخيار، ومجانبة طريق الفجار. # قال العالم: إن الله سبحانه وتعالى قد بين لعباده طريق الهدى، وحذرهم ~~المخاوف والردى، بعث إليهم رسولا، وجعل القرآن لهم دليلا، وركب فيهم عقولا، ~~وأمرهم ونهاهم، وخيرهم ومكنهم، وأعد ثوابا، وعقابا، فمن أطاع وفاه ثوابه، ~~ومن عصاه ضمنه عقابه، فإياك والظلم والعدوان، والإقدام على الزور والبهتان، ~~وعليك بالعدل والإنصاف، والبذل والإلطاف، ولا تظلم أحدا فإن الظالم نادم، ~~والظلم يخرب الدار، ويفرد الجار، ( ويثير الغبار، ويسخط الملك الجبار )، ~~ومن أكبر المصائب والحسرات، المأخوذ يوم القيامة بالتبعات، يوم لا شفيع ~~يشفع، ولا دعاء يرفع، ولا عمل ينفع، يوم لا ينفع الظالم ندمه، وقد زلت به ~~قدمه، وقد شهدت عليه جوارحه، فيا حسرة الظالم ويا ويحه!! PageV02P290 ### || AUTO [الاعتبار] # قال الوافد: كيف يكون الإعتبار ؟ # قال العالم: انظر إلى الذين جمعوا كثيرا، وبنوا كثيرا، وأملوا طويلا، ~~وعاشوا قليلا، هل تسمع لهم حسا ؟! أو ترى لهم في القبور أنسا، سكنوا في ~~التراب، واغتربوا عن الأصحاب، ولم يسلموا من العقاب، حملوا ثقيلا، وعاينوا ~~وبيلا، وصارت النار لهم منزلا ومقيلا، وعرضت عليهم جهنم بكرة وأصيلا، لا ~~يطيقون قبيلا، ولا يسمعون جميلا، ولا يرجون تحويلا، ولا يملون عويلا. # أين الذين شيدوا العمران ؟ ! وشرفوا البنيان ؟! وعانقوا النسوان، ؟! ~~وفرحوا بالولدان ؟! وجمعوا الديوان ؟! وتملكوا البلدان ؟! وغلقوا الأبواب ~~؟! وأقاموا الحجاب ؟! # أما رأيت كيف دارت عليهم الدوائر ؟! وخلت منهم المكاثر ؟! وتعطلت منهم ~~المنابر ؟! وضمتهم المقابر ؟! وغيبتهم الحفائر ؟! وتمزقت جلودهم ؟! وتفرقت ~~جنودهم ؟!ورجعت قصورهم خرابا ؟! ودورهم يبابا ؟! وأجسادهم ترابا ؟! أين ~~ملوكهم ؟! أين ديارهم ؟! أين أحبارهم، أين مواكبهم ؟! أين مراكبهم، أين ~~خيلهم، أين مواليهم، أين أنصارهم، أين عددهم، أين وزراؤهم، أين ندماؤهم، ~~أين أمرآوهم، أصبح غنيهم فقيرا، وأميرهم حقيرا !!! # هل بقي الذكر إلا لمن أطاع مولاه، ورفض في رضاء الله دنياه، وخالف من خوف ~~الله هواه ؟ وقدم الخير لعقباه، فدخل دار السرور، وكفاه ms24 الله كل محذور، دار ~~فيها الأمان، والحور الحسان، والأكاليل والتيجان، والوصائف والغلمان، ~~والأنهار الجارية، والأشجار الدانية، والنعمة الوافية، والسرر المصفوفة، ~~والموائد المعروفة، والفرش المرفوعة، والأكواب الموضوعة، والخيام المضروبة، ~~والقصور المنصوبة، تلك دار اليقين، ومحل الصالحين، ومأوى المؤمنين. PageV02P291 # قال في ذلك شعرا: # تنام ولم تنم عنك المنايا .... تنبه للمنية يا ظلوم # وحق الله إن الظلم شؤم .... وما زال المسيء هو الملوم # إلى الديان يوم الدين نمضي .... وعند الله تجتمع الخصوم # سل الأيام عن أمم تفانت .... فتخبرك المنازل والرسوم # تروم الخلد في دار المنايا .... وكم قد رام مثلك ما تروم # وقال في ذلك أيضا: # أعارك ما له لتقوم فيه .... بطاعته وتعرف فضل حقه # فلم تشكر لنعمته ولكن .... قويت على معاصيه برزقه # تبارزه بها يوما وليلا .... وتستحيي بها من شر خلقه # ثم قال: ما أسوأ حال من يصلي ويصوم! ويسهر ويقوم! ثم يحفر بئرا لأخيه! لا ~~يدري أنه يقع فيه. # قال الشاعر: # اغتنم ركعتين زلفى إلى الله .... إذا كنت فارغا مستريحا # وإذا هممت بالزور والبا .... طل فاجعل مكانه تسبيحا # [وقال:] # اغتنم ركعتين عند فراغ .... فعسى أن يكون موتك بغتة # كم صحيح رأيت غير سقيم .... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة PageV02P292 ### || AUTO [التواضع] # قال الوافد: كيف التواضع ؟ # قال العالم: يا عجبا ممن خلقه الله من نطفة!! ورزقه من غير كلفة!! كيف لا ~~يلزم التواضع والعفة ؟! وعجبا ممن خلق من ماء مهين! كيف يغتر بمال وبنين ؟! ~~وعجبا ممن أصله من التراب والطين! كيف لا يتواضع للفقراء والمساكين ؟! كيف ~~يضحك ويعجب ؟! ويلهو ويطرب ؟! ويفتخر ويلعب ؟! والقبر منزله، والتراب ~~وساده، لا يعتبر، ولا يستغفر، أليس بعد الغنى الفقر ؟! وبعد العمارة القبر ~~؟! كيف يتكبر من أوله من تراب ؟ووسطه ريح في جراب ؟! وآخره ميتة في خراب ؟! ~~كيف يفرح بالمنى ؟! من هو عرض للفناء ؟! كيف يطمئن بالسرور ؟! من تعجله ~~المنية للقبور ؟! وكيف يفرح بمضاجعة النواهد ؟! من يضاجع الدود غدا في ~~الملاحد. # أيها المعجب بالدنيا وشبابه، المختال في مراكبه وثيابه، المفتخر بأهله ~~وأصحابه، انظر إلى المنقول من أترابه، إلى ظلمة اللحد وترابه، ms25 أيها المفتخر ~~برجاله وأمواله، المعجب بأحواله وأشغاله، انظر المقبور وتفكر في حاله، أيها ~~المتطاول بعشائره وأحبابه، المسرور بعلومه وآدابه، انظر إلى المغافص في ~~شبابه، المختطف من بين أحبابه، هل منع عنه حجابه، أو تبعه أصحابه. # أيها الجامع أنواع العلوم، هل تعلم ما سبق لك في المعلوم ؟! أتدري أمقبول ~~أنت أم محروم ؟! أمحمود عند ربك أم مذموم ؟! # يا صاحب العلم والإفادة، أمعك خبر من الشقاوة والسعادة، أيها الناظر في ~~الدقائق، ألك أمان من البوائق ؟! هل علمت بالحقائق ؟! حتى رضي عنك الخالق، ~~ما حيلتك إن هتك سترك غدا في مشهد الخلائق ؟! PageV02P293 ### || AUTO [المكين] # قال الوافد: أخبرني من المكين في ذلك اليوم ؟ # قال العالم: المكين في ذلك اليوم، من أخذ من هذا اليوم لذلك اليوم ~~العظيم، المكين من أتى الله بقلب سليم، المكين، من عرف الحق المبين، القوي ~~الشجاع، من عرف الملك المطاع. PageV02P294 ### || AUTO [الحقير] # قال الوافد: فمن الحقير في ذلك اليوم ؟ # قال العالم: الحقير من هو من رحمة الله فقير، الحقير من هو للذنوب أسير، ~~الخاسر البائس، من هو من رحمة الله آيس، السقيم، من هو في النار مقيم، ~~الحزين، من كان له في النار من الشياطين قرين، الهالك، من يسلم إلى مالك. # يا صاحب الحسن والجمال، والفخر والأموال، عند انقطاع الآجال، يبطل الحسن ~~والجمال والأموال. # يا كثير الإشتغال، كأني بك يقلبك الغسال، كم ذا العجز والإذلال ؟! كيف ~~تطيق السلاسل والأغلال ؟! ما أسوأ حالك! إذا لم تقدم مالك! لا تفقر نفسك ~~وتغني عيالك. # يا ذا الأموال الكثيرة، غدا نفسك إليها فقيرة، يا ذا العز والمملكة، كيف ~~بك في دار الهكلة ؟! يا ذا العساكر والجنود، كيف تصنع بنار الوقود. PageV02P295 ### || AUTO [الملك] # قال الوافد: من الملك في ذلك اليوم الهويل ؟ # قال العالم: ( الملك، من رضي عنه الملك، النبيل، من استقام على السبيل، ~~الخليل)، من رضي عنه الجليل، الشريف، من هو عن الحرام عفيف، العاقل، من لم ~~يكن عن الله غافل. # يستقبح من المؤمن كبره، ومن الشيخ كفره، ويستحسن من المؤمن فقره، حقيق ~~بالتواضع من ms26 يموت، وبالبذل من يفوت، المؤمن دنياه فوت، ومعاشه قوت. # وقال في ذلك: # صنيع مليكنا حسن جميل .... فما أرزاقنا عنا تفوت # فيا هذا سترحل عن قريب .... إلى قوم كلامهم السكوت # وقال غيره: # أيها الشامخ الذي لا يرام .... نحن من طينة عليك السلام # إنما هذه الحياة متاع .... ومع الموت تستوي الأقدام # قال الوافد: كيف يهنأنا العيش في هذه الدنيا، وهذه أفعالها في أهلها ؟ # قال العالم: بناؤنا للخراب، وأعمارنا للذهاب، ودهرنا إلى انقلاب، والموت ~~يبدد الأحباب، ويفرق الأصحاب، الموت ينزل الملوك من القصور والقباب، إلى ~~القبور والتراب، كل ما عملنا معدود، وعليه حفظة شهود، أعمالنا محفوظة، ~~وأنفسنا مقبوضة، وسيئآتنا علينا معروضة، لنا من كأس الموت شراب، ولنا من ~~بعده سوء الحساب. # طوبى لمن له في الطاعة اكتساب، حتى ينال في الآخرة الثواب، والويل لمن له ~~العقاب والحساب والعذاب، والموت يدخل كل باب، من أخرجه الموت من دار، لم ~~يكن له إليه إياب. # آه غفلنا من اكتساب الخيرات، ولم نستعد للممات، لا بد لنا من الحساب، لا ~~بد لنا من العرض على الملك الوهاب. # ( ما أغفلنا عن الآخرة!! ما أغفلنا عن الورود في الساهرة !! ) غفلنا عن ~~الإنتحاب، غفلنا عن الإكتئاب، غفلنا عن الآزفة، غفلنا عن الواقعة، غفلنا عن ~~القارعة، لم نكثر الندامة، لم نذكر القيامة، لم نخف الطآمة. PageV02P296 # ( يا من بارز الله في السر والحجاب، وغلق عليه الأبواب، أتظن أن ذلك يخفى ~~على الملك الوهاب، إنك في دينك مصاب، إن العاصي يسقى في النار من الحميم ~~المذاب، هل معك لمالك خازن النار جواب ؟ أم لك عنده خطاب ؟ أترجو من غير ~~الطاعة الثواب ؟ ما أسوأ حالك عند البعث والحساب! ما أغفلنا عن الرحلة )، ~~ما أغفلنا عن الزلزلة، ما أغفلنا عن الصيحة، ما أجرأنا على الخالق! ما ~~أكفرنا بالرازق! يا ويل كل منافق! إنا راجعون، إنا مسؤولون، إنا موقوفون، ~~إنا مهانون، إنا على سفر، بين أيدينا خطر، ما لنا لا نحذر ؟! هل لنا من مفر ~~؟! لا ملجأ من الله ولا وزر، إلى الله المستقر، العاقل من ms27 ترك ما يهوى، لما ~~يخشى . وفي ذلك يقول، بعد الصلاة على الرسول: # سبحان ذي الملكوت أتت ليلة .... محضت بوجه صباح يوم الموقف # لو أن عينا أوهمتها نفسها .... أن المعاد مصور لم تطرف # حتم الفناء على البرية كلهم .... والناس بين مقدم ومخلف PageV02P297 ### || AUTO [الراغب] # قال الوافد: صف لي الراغب ؟ # قال العالم: قل الراغب، وترك الواجب، ما لله طالب، ولا لعذابه راهب، ولا ~~في ثوابه راغب، ولا عن الذنوب تائب، ولا فتى نفسه لله واهب، بل مدعي كاذب، ~~تارك للحق مجانب، مهمل للسنة والواجب، معانق للخلاف مواضب، مشغوف بالدنيا ~~طالب، إن البكاء على أمثالنا واجب، قبل الوقوع في العذاب الواصب، بين ~~الحيات والعقارب، نفس من الباب طريد، وقلب من النشاط شديد، وعمل من المريد ~~بعيد، كأن الفؤاد، صخر أو حديد. # أيها القلب الشديد، أما يكفيك الزجر والتهديد ؟! أما سمعت الوعد والوعيد ~~؟! ليلك عطالة، ونهارك غفلة، ودهرك مهلة. أليس لك من الجهل نقلة ؟ ( أي عذر ~~لك غدا أو أي علة ؟! إلى متى العمل والزلة ؟! والمودة في غير الله والخلة ~~؟!)، أما تخاف موقف الذلة، إذا عرفت عملك كله، وعرضت على عالم التفصيل ~~والجملة، أي ليلة لك وأي يوم ؟! وأي صلاة لك وأي صوم ؟! إلى كم الغفلة ~~والنوم ؟ إلى كم تتبع عادات القوم ؟! إلى كم تحوم في المعاصي حوم ؟! كأني ~~بك وقد وقفت في موقف اللوم ؟! على أي عهد لله أوفيت، على أي وعد لله قمت ؟! ~~على أي توبة نمت، أي صلاح إليه رمت ؟! هل صليت لله مخلصا أو صمت، هل قعدت ~~في رضى الله أو قمت. # كأني بك وقد ندمت على إضاعتك، ( أي معصية لله تركت، أي طاعة لله سلكت، أي ~~هوى لنفسك لله خالفت، أي ليلة سهرت لربك، أي يوم صمت منه خوف ذنبك، هل ~~أعملت في جوف الليل فكرك، قد أذنبت فهل اعتذرت، قد أجرمت فهل ندمت، وقد ~~أضعت فهل أطعت، قد هربت فهل طلبت ؟ تقولت وتخرفت، وتوانيت وسوفت، وبارزت ~~وخالفت، وعصيت وجاهرت )، وتأسفت على ترك طاعتك، وبكيت عند هجوم ساعتك، ~~وخسرت ms28 في تجارتك وبضاعتك، ولم تنتفع بفصاحتك وبراعتك، وذهب ما كان من قوتك ~~وشجاعتك. PageV02P298 ### || AUTO [الرحمة] # قال الوافد: قد وعدنا الله بالرحمة في كتابه ؟ # قال العالم: { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [الأعراف: 56]. إذا عملت ~~بالرضى، عفى عنك ما مضى، وحرم لحمك على لظى، ( وإن لم تعمل بالرضى، أخذك ~~بما بقي وما مضى، وأحرقك بنار لظى )، إذا نظر ستر، وإذا رحم غفر، عظيم ~~فضله، صادق قوله، عليم، رحيم، بالكرم موصوف، وبالرحمة معروف، العبد ينشره، ~~والرب يستره، يكافئ، ويعافي، ويشفي عبده، ويوفي وعده، كم قبيح فعلناه ستره، ~~وكم رزق لنا يسره، اقرع بابه، تجد جوابه، اقرأ كتابه، يبن لك عتابه، ارجع ~~إليه يمن بالقبول، واقرب إليه يحسن بالوصول، ما ضاع من قصده، وما جاع من ~~عبده، ولا خاب من أمله، ولا خسر من عمل له، بابه لا يغلق، وحكمه لا يسبق، ~~وجاره لا يفرق، القلوب من خوفه تفرق، والصدور من هيبته تفلق، والرجاء بعفوه يعلق. # من ناجاه أنجاه، ومن اتقاه وقاه، ( ومن أوفاه وفاه، ومن أطاعه أعطاه )، ~~من التجأ إليه نصره، ومن استغنى به ستره، ومن قصده قبله، ومن وحده أجله، ~~ومن عبده فضله، من تاجره أربحه، ومن أمله فرحه، من سأله منحه، ومن شكره ~~[شكره، ومن ذكره]ذكره، من استهداه وفقه، ومن توكل عليه رزقه، ومن أمله ~~صدقه، ومن تعزز به أعزه، من استغنى به أغناه، ومن سأله أعطاه، ومن تولاه ~~والاه، ومن استأنس بذكره لم يخب، ومن تخلا لطاعته نال ما يحب، إليه المفر، ~~وعنده المستقر، من للفقير إلا الغني، من للضعيف إلا القوي، من للذليل إلا ~~العزيز العلي، من للعبد إلا سيده، وأين يوجد إلا عنده. # قال الوافد: كأني بالقيامة وقد قامت! PageV02P299 # قال العالم: كأني بالشاب المليح، وهو في النار طريح، ثاوي يصيح، بمقامعها ~~جريح، ( يطلب الراحة لا يستريح، بين أطباق العذاب يصيح )، كم من شيخ كبير، ~~في العذاب المستطير، لم ترحم شيبته، ولم تكشف كربته، ولم تقبل معذرته، قد ~~أطعم الضريع، وسقي الحميم، وعري وجرد، وقرب للعذاب ومدد، وضرب ms29 بالمقامع ~~وتهدد، وغلل بالسلاسل وقيد، ونزل في أدراك النار وأفرد، وطرد من الرحمة ~~وأبعد، وبسط له في النار ومهد، وغلظ عليه العذاب وجدد، ( ومزق جلده بالسياط ~~وبدد، وصب عليه العذاب وخدد ). # فالويل له من توابيت النيران، وغضب مالك الغضبان، يقول له: هذا جزاء ما ~~أذنبت وعصيت، وأخطأت وتعديت، وسوفت وتوانيت، لم تنته من العيب، ولم تتعظ ~~بالشيب، ( بالمعاصي جاهرت، وبنفسك خاطرت، والصلاح أظهرت، والفساد والنفاق ~~أسررت )، هذا جزاء من أظهر الصلاح وأضمر الفساد، هذا ( جزاء من أساء وظلم ~~العباد )، هذا جزاء من ترك صلاته وأطال الرقاد، هذا جزاء من كان للمسلمين ~~كثير العناد، ( هذا جزاء من نافق وقسي منه الفؤاد )، هذا جزاء من أضاع ~~الصلاة ولم يهتم بها في الأوقات، هذا جزاء من تركها واتبع الشهوات، هذا ~~جزاء من عصى الله في الخلوات. # قال الوافد: كيف يستريح في الدنيا من وعد بهذه المصائب ؟ # قال العالم: من ارتكب المحارم، واكتسب المآثم، دخل هذه الدار، وخلد في ~~عذاب النار. PageV02P300 # يا من عصى الملك العلام، وخلا بالمعاصي في الظلام، يا من ذنوبه لا تحصى، ~~وعيوبه لا تنسى، وذنبه لا يعفى، وقد برح الخفاء وكثر الجفاء، إخسأ فيها يا ~~مطلوب يا مكروب، يا كثير الذنوب، أفسدت في الدنيا دينك، وضيعت فيها حظك، يا ~~كثير القبائح، يا عظيم الفضائح، يا كثير الرياء، يا قليل الحياء، ( يا ~~مغرور، يا من عطل الأيام والشهور، يا من ركب الشرور، يا من جعل ليله لكسب ~~الذنوب والأوزار، يا من عصى الملك الجبار، يا من بارز الخالق في وقت ~~الأسحار، يا من يصبح عاصيا، ويمسي ناسيا، ويصلي لاهيا، أصبحت من رحمة الله ~~قاصيا )، يا مغبون يا مثبور، يا من اطمأن بدار الغرور، يا من قدم غير ~~معذور، ما حجتك في يوم النشور ؟ ما أتركك لصلاحك! ما أغفلك عن أخذ زادك! ~~مهلا عن التفريط، مهلا عن التخليط، مهلا قبل البين والفراق، يوم تلتف الساق ~~بالساق، قبل مجيء ما لا يطاق. # قال الوافد: يا عجبا من هذه الدنيا ما أمكرها! ما أخدعها، ms30 ما أخورها، ما ~~أدبرها! ما أقل نفعها! ما أكثر ضرها! ( تحلو وتمر، ما للدنيا بقاء، ما ~~للدنيا وفاء، الدنيا بلاء، لا يجمعها ذوتقى، ما أكثر تخليطي، ما أكثر ~~تفريطي )، ما أغفلني عن أعمالي، ما أقبح أفعالي، إلى كم أغتر بآمالي، كم ~~أخوف ولا أخاف، كم أعرف ولا أعرف، كم أصر على الذنوب ولا أنصرف ؟! كم ~~يمهلني ربي ولا أعترف ؟! إلى متى أقول: عسى وسوف ؟! وأدخل الحرام الجوف، ~~أدخلت في قلبي الظلمة، غفلت عن الطاعة، وكفرت بالنعمة، نسيت الجريمة، ~~واستعملت النميمة. PageV02P301 # قال العالم: اعترف بذنبك، وارجع إلى ربك، واندم على فعلك، ولا تستقل ~~القليل، ولا تنم الليل الطويل، فإن أظلم الناس من ظلم نفسه، وأضيع الناس من ~~ضيع يومه وأمسه، وأسرق الناس من سرق من صلاته، وأبخل الناس من امتن بزكاته، ~~أذل الناس من أساء عمله في خلواته، أجلد الناس من غلب شهواته، أغفل الناس ~~من ضيع حياته، أندم الناس من عطل ساعاته، أقوى الناس من مات على التوبة، ~~رأس مالك في الدنيا الطاعة، التقى أفضل بضاعة، من أمل الله أعطاه، من سأل ~~الله بلغه سؤله ومناه، أسلم الناس من خمل ذكره، وكثر شكره، من رضي بالقضاء، ~~سلا عما مضى، كيف لا يهتم ولا يغتم ؟! من لا يدري العمل بما يختم، كيف ~~يهناه رقاده ؟! كيف يتوسد وساده ؟! كيف يسكن نفسه وفؤاده ؟! وهو لا يدري ~~أمن أهل الشقاوة أم من أهل السعادة ؟! ( كيف يسكن إلى الدار والجار ؟! ويقر ~~به القرار ؟! ويأكل في الليل والنهار ؟ من هو موعود بعذاب النار، وغضب ~~الجبار ). # [قال الوافد: ما أعمل كي أنجو من النار] ؟ # قال العالم: لا تقصر في عمل الأخيار، ولا تسلك سبيل الفجار، ولا تكسب ~~الأوزار، وأطع ربك في الليل والنهار، ( ولاتأمن فتغتبن، ولا تجمع فتفتتن )، ~~تجوع ولا تشبع، وتورع ولا تطمع، وخف واحزن، فمنزلك القبر وثوبك الكفن، كيف ~~يلهو بالملاهي ؟! من بين يديه الدواهي، كيف يكتسب الآثام ؟! من وكل به ~~الملائكة الكرام، وكيف يضحك ويفرح ؟! من عليه غدا يصرخ ؟! وللدود والهوآم ~~يطرح، كيف يفرح ms31 ويستر ؟! من يموت ويقبر. PageV02P302 ### || AUTO [محاسبة النفس] # قال الوافد: مالي لا أخفف حملي ؟! مالي لا أخفف شغلي ؟! مالي لا أترك ~~جهلي ؟ مالي لا أتبع عقلي ؟! مالي لا أجتهد ؟! مالي لا أجد ؟! مالي لا أخدم ~~؟! مالي لا أحزم ؟! إلى متى الرقاد ؟! إلى متى السهاد ؟! ( إلى متى أخالف ~~ما أعلم ؟ أما أعلم أني إلى الله أقدم ؟! أين الحزم، أين العزم ؟ أين الجهد ~~؟ أين القصد ؟ ما هكذا يكون العبد )، إلى متى أنقض العهد ؟! ( إلى متى أخلف ~~الوعد ) ؟! إلى متى أقول غدا أو بعد غد ؟! أما أعلم أن مسكني اللحد ؟! ما ~~أقسى فؤادي! أنسيت معادي ؟! ما أقل زادي! قرب سفري! ركبت خطري. # الآن تخلق الجدة، الآن تنتهي المدة، الآن ينزل الموت، الآن يقع الفوت، ~~الآن يسمع الصوت، الآن يغلق الباب، الآن أفارق الأحباب، الآن أنقل إلى ~~التراب، الآن أحضر إلى الحساب، الآن أعاين البلاء، مالي لا أنتهي عن الهوى ~~؟! مالي لا أتبع الهدى ؟! لا بد من سفر، لا بد من خطر، لا بد من موت، لا بد ~~من فوت، لا بد من العرض على الملك الفرد، لا بد من القبر، لا بد من الحشر، ~~لا بد من النشر، لا بد من حسرة، لا بد من عبرة، لا بد من زوال، لا بد من ~~ارتحال، لا بد من الجزاء على الأفعال. # خنت بالعينين، أصغيت بالأذنين، أخذت الحرام باليدين، مشيت إلى المعاصي ~~بالرجلين، حركت بالكذب الشفتين، قطعت الرحم وعققت الوالدين، أعرضت عن مولاي ~~وتبعت هواي، نسيت ما بين يدي، غفلت عما أساق إليه، لم أذكر من أعرض عليه، ( ~~كأني وقد عدمت نظر العينين، وسمع الأذنين، وبطش اليدين، ومشي الرجلين )، ~~كأني وقد منعت الخطاب بلساني، وسلبت القوى من أركاني، ونزع روحي وأدرجت في ~~أكفاني، فويلي من ملائكة يشهدون علي بما صنعت، ويحفظون ما ضيعت، فيا ~~كربتاه، واغمتاه، ويا حزناه، ويا غصتاه، ويا شجناه، ويا غبناه، ويا سوء ~~حالتاه. # وأنشد يقول: PageV02P303 # وصحيح أضحى يعود سقيما .... وهو أدنى للموت ممن يعود # وصبي من بعدهم لحقوهم .... ضل عنهم نزولهم والصعود ms32 # أين أهل الديار من قوم نوح .... ثم عاد من بعدهم وثمود # بين ما هم على النمارق والد يباج .... أفضت إلى التراب الخدود # ثم لم ينقض الحديث ولكن .... بعد ذاك الوعد ثم الوعيد # فأجابه العالم وهو يقول: # أفنيت عمرك إدبارا وإقبالا .... تبغي البنين وتبغي الأهل والمالا # فالموت هول فكن ما عشت ملتمسا .... من هوله حيلة إن كنت محتالا # فلست ترتاح من موت ومن نصب .... حتى تعاين بعد الموت أهوالا # أملت بالجهل عمرا لست تدركه .... والعمر لا بد أن يفنى وإن طالا # كم من ملوك مضى ريب الزمان بهم .... قد أصبحوا عبرا فينا وأمثالا PageV02P304 ### || AUTO [الصلاة معراج المؤمن] # قال الوافد: حد لي الصلاة يرحمك الله ؟ # قال العالم: الصلاة صلة بين العبد والرب، وستر للعيب وكفارة للذنب، ~~الصلاة صلة بلا مسافة، وطهارة كل خطيئة وآفة، الصلاة مواصلة ومصافاة، ~~ومداناة ومناجاة، المصلي يقرع باب الله ويطمع في ثوابه، وهو على بساط الله ~~عز وجل. # إذا كبر العبد تكبيرة الإحرام، تساقط عنه الأوزار والآثام، وإذا توجه ~~العبد إلى القبلة، فقد أبدى من نفسه الخضوع والذلة، واتبع الشرع والملة، ~~إذا أخلص العبد في الصلاة بنيته، كفر الله عنه ذنبه وخطيئته، وأجزل له ~~عطيته، وإذا أخلص العبد القراءة والتلاوة، سطع في قلبه النور والحلاوة، ~~وإذا قرأ الفاتحة، أدرك الصفقة الرابحة، وإذا أتبعها بالسورة، كثر في ~~الآخرة سروره، وكفاه الله محذوره، وإذا انحنى للركوع، فقد أظهر لله الخضوع، ~~وإذا قام للإعتدال، فقد نفى عنه الإشتغال، وإذا هوى للسجود، فقد خرج من ~~الجحود، واستحق من الله الجود، وإذا تشهد على التمام، سلمت عليه الملائكة ~~الكرام، وبشروه بدار السلام. # الصلاة شرح الصدور، وفرج من جميع الأمور، الصلاة نور في الفؤاد، وسرور ~~يوم المعاد، الصلاة للقلوب منهاج، وللأرواح معراج، الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر، وتؤمن صاحبها من نكير ومنكر، الصلاة تغني من الإفلاس، وتلبس العبد ~~الإيناس، الصلاة قرة العين، وجلاء الرين، المصلي على بساط المولى، يناجي ~~الملك الأعلى. # الصلاة ضياء في الصدور، وفسحة في القبور، وبهاء في الحشر والنشور، الصلاة ~~تجوز ms33 على الصراط، وتورث في قلب صاحبها النشاط، الصلاة تنزع قساوة القلوب، ~~وتكفر الذنوب، الصلاة تسهل العسير، وتمحو الذنب الكبير، الصلاة توسع ~~الأرزاق، وتطيب الأخلاق، الصلاة تقرب العبد إلى المولى، وتؤمنه من البلوى . ~~من لزم المحراب قرع الباب، ومن قرع الباب أتاه الجواب، صحة الإرادة، لزوم ~~المساجد للعبادة. PageV02P305 # الصلاة تخفف الأوزار، وتؤمن من النار، أقرب ما يكون إلى ربه من سجد وقام، ~~وزكى وصام، لو علم المصلي من يناجي لما التفت في صلاته، من سهى في صلاته ~~فقد ضيع أشرف أوقاته. # اخضع لربك في الصلاة ذليلا .... واذكر وقوفك في الحساب طويلا # لو علمت بين يدي من تقوم، كنت تلازم بابه وتدوم. # عجبا لمن يناجي القاهر! كيف يخطر في قلبه الخواطر، ليس للمؤمن من صلاته ~~إلا ما عقل، ولا ترفع صلاته إذا غفل، عفر وجهك بالتراب، فلعله يفتح لك ~~الباب، أحضر في الصلاة باطنك، كما أحضرت ظاهرك، طهر قلبك، كما تطهر ثيابك. # عجبا ممن يسأل الخلق! وباب مولاه مفتوح لكل سائل! عجبا ممن يتذلل للعبيد! ~~وله عند سيده ما يريد، من أطال لله القيام، أزال عنه الأوزار والآثام، من ~~أخر الصلاة عن الأوقات، من غير علة من العلات، حرم الخيرات والصالحات، من ~~ترك الصلاة إلى الليل، حل به الذل والويل، من حافظ على الصلوات، تتابعت ~~عليه الخيرات، ورفعت له الدرجات، وصرفت عنه النقمات. # من لم تكن الصلاة من باله وعزمه، لم يبارك له في رزقه وتركه الله بهمه، ~~من ضيع صلاته لم تقبل حسناته، وكثرت عند الموت سكراته، من غفل عن الصلاة ~~والذكر، ضيق عليه في القبر، الصلاة عمود الدين، وتمامها صحة اليقين. PageV02P306 ### || AUTO [قيام الليل] # قال الوافد: ما للذي يقوم الليل ؟ صف لي ثوابه ؟ # قال العالم: من قام الليل وسهر، نجاه الله من الأمر العسر، من خاف ~~البيات، لم تغلبه السيئات، من حذر الحمام، شرد عنه المنام، من اغتنم ~~الليالي والأيام، لم يقطعها بالبطالة والمنام، ( من أطال الرقاد، فقد طمس ~~النور من الفؤاد، من دام رقاده، عدم مراده )، من ألف الوطا ms34 والمهاد، خرج ~~إلى الآخرة بغير زاد، من تعود الوسادة، لم يؤد حق العبادة، من خاف اللحد، ~~لم ينم على الخد، من عصى مولاه، كانت الجحيم مأواه، من فزع من يوم القصاص، ~~تضرع إلى ربه بالإخلاص، من تحقق أن الرب مطلع في المعصية عليه، أسبل الدموع ~~على خديه، من علم أن إلى ربه مرجعه، هجر في الليل نومه ومضجعه، من تحقق أن ~~إلى ربه الرجوع، أكثر من السجود والركوع، ( من تفكر في قبيح الرجوع، شرد عن ~~عينيه الهجوع، وأسبل من مقلتيه الدموع )، من علم أنه مأخوذ مطلوب، كان له ~~في الليل تهجد وهبوب، ( من عرف عصيانه، داوم أحزانه، من داوم أحزانه، لم ~~تنطبق بالليل أجفانه )، من غلب على قلبه الحزن، منع من عينيه الوسن، من ~~تحقق الإفلاس، شرد عنه النعاس، من علم أن الله يدعوه، لم يزل يخافه ويرجوه، ~~فإن الله تعالى يقول: ( هل من داع فأجيب ؟ هل من مطيع فأثيب ؟ هل من متقرب ~~فإني منه قريب ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأفضل عليه، هل من ~~متوكل فأسوق الرزق إليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من مستعين فأعينه ؟ ~~هل من مستجير فأجيره ). # يا أهل الليل أبشروا بالسرور والجمال، يا أهل الليل كفيتم جميع الأهوال، ~~( يا أهل الليل أمنتم الأفزاع والأشغال )، يا أهل الليل تقر أعينكم عند ~~انقضاء الآجال، يا أهل الليل أكثروا التضرع والإبتهال، فقد اطلع عليكم ~~الكبير المتعال، يا أهل القرآن تهجدوا بالقرآن، يا أهل القرآن معكم الدليل ~~والبيان، من سهر الليل وقام، وتجوع بالنهار وصام، كان مقامه في الآخرة خير مقام. PageV02P307 # يا أهل الليل قد أغلقت الملوك أبوابها، وطاف عليها حجابها، وطلبت كل صحبة ~~أصحابها، وأرخى أهل المعاصي أستارها، وأنا الملك الجبار، ( العزيز الغفار ~~الستار، أعطي عبادي، وأزيد أهل ودادي، ومن يختار على مراده مرادي )، أقول: ~~يا عبادي، يا أهل ودادي، أبشروا بودادي، والثواب في معادي. # قال الوافد: ما أجرأ العباد على المعاصي! فلم يخافوا الأخذ بالنواصي. كم ~~تغفل وتنام، وتظلم الأيتام، كأني بك وقد ms35 عافصك الحمام، وأنت غافل في ألذ ~~منام، يا من هو مقيم على القبائح والآثام، أما تخاف انقطاع الأيام، وحلول ~~الحمام، وشهادة الملائكة الكرام ؟! # قال العالم: في الليل يقرع باب الوهاب، في الليل خلوة الأحباب، في الليل ~~تقبل توبة من تاب، في الليل يستغفر من بهت واغتاب، في الليل يعمر القلب ~~الخراب، في الليل يأتي الجواب، الليل لأهل الصلاة والمحراب. # يا أهل الأسحار لكم الأنوار، ( يا أهل الليل خففت عنكم الأوزار، يا أهل ~~الليل أبشروا برضى الجبار، ومرافقة الأبرار، يا أهل الأسحار )، أقبلوا على ~~الإستغفار، في صلاة الليل، النجاة من الويل، في المناجاة نجاة، في الصلاة ~~صلاة، هلموا فهو ذو الإجابة، أقبلوا فهو ذو الإنابة، اعملوا بالصواب، يفتح ~~لكم الأبواب، ( أطيعوا فهو يضاعف لكم الثواب). # سلوا الأمان، يا أهل الإيمان، تضرعوا إلى الحبيب، فهو من المتضرعين قريب، ~~ارجعوا إليه يكن لكم من كل خير نصيب، السهر السهر، يا من هو على سفر، ~~الإدلاج، يا طالب المنهاج، البكور البكور، يا من يريد السرور، الأسحار ~~الأسحار، يا من أكثر الأوزار، ( الضراعة الضراعة، يا من كثر منه الإضاعة). PageV02P308 ### || AUTO [فضل الصيام] # قال الوافد: صف لي فضل الصيام، والإقلال من الطعام ؟! # قال العالم: أكثر الصيام، تسلم من الآثام، أقل من الطعام تسبق إلى ~~القيام، من شبع من الطعام، غلبه المنام، ومن غلبه المنام، قعد عن القيام، ~~الشبع يظلم الروح، ويترك القلب مقروح، الجائع عفيف خفيف، والشابع عاكف على ~~الكنيف، من كان شابعا، كان للشيطان متابعا، الشبع يكسب الوجع، ويذهب الورع، ~~ويكثر الطمع. # ألا إن الصوم جنة من النار، ورضى للجبار، من أطاع ضرسه، أضاع نفسه، ~~التجوع في الفؤاد نور، وفي المعاد سرور، من استعمل القصد، استغنى عن الفصد، ~~من قنع شبع، ومن شبع طمع، من أشفق على نفسه، لم يتبع شهوة ضرسه، من أطاع ~~أسنانه، هدم أركانه، كم من طاعة، نبعت من مجاعة، وكم من قناعة، أتت بخير ~~بضاعة، لا مجاعة مع القناعة. PageV02P309 ### || AUTO [مراقبة الله] # قال الوافد: صف لي المراقبة ؟ # قال العالم: من راقب ms36 الله في الخلوات، أجاب له الدعوات، المراقبة، تورث ~~المحاسبة، راقب مولاك في الليل إذا دجاك، وفي النهار إذا أضاك، يعصمك من ~~هواك، اذكر نظر الله إليك، ولا تنس اطلاعه عليك، أما تعلم أن الرب إليك ~~ناظر ؟! وعليك في كل الأحوال قادر ؟! أما تعلم أن مولاك يراك ؟! ويسمع سرك ~~ونجواك ؟ ويعلم منقلبك ومثواك ؟ أرخيت عليك الأستار، وأخفيت ذنوبك عن ~~الجار، وبارزت الجبار بالمعاصي الكبار، وجمعت الذنوب والأوزار، وشهد عليك ~~الليل والنهار، والملائكة الحضار. # أما تخاف عقوبة الجبار ؟! والخلود في النار ؟ إلى كم تستتر عن أعين ~~الناظرين ؟ وقد شاهدك أقدر القادرين ؟ كم تخاف من المخلوق وتستخفي ؟ ولا ~~تخاف الخالق ولا تستحيي، كم تنقض العهود ؟ وتستخف بالشهود، كم تجتريء على ~~المعبود ؟ ويعود عليك ولا تعود ؟ كم رآك على المعاصي وستر، واطلع منك على ~~القبائح وما نشر، وغطى عليك وما شهر، أما تذكر قبائح أمرك ؟ أنسيت فضائح ~~سرك ؟ أما تخاف من ذنوبك ؟ أما تزدجر عن عيوبك ؟ أغفلت عن الداهية ؟ ولم ~~تخف الهاوية. أأمنت من لا تخفى عليه خافية ؟! وقد اطلع عليك مرارا، وأسبل ~~عليك أستارا، ( وبارزته غير مرة فستر وعفى، ونقضت ما عاهدته عليه ووفى ). # ولو شاء لأمطر عليك الحجارة من الهواء، وسلب منك العطاء، وكشف عنك الغطاء ~~وشهرك لعباده، وضيق عليك بلاده، وبدل اسمك، وغير جسمك، هب أنه ستر عليك في ~~الدنيا، ماذا تعتذر إليه في العقبى ؟ هب أنه تجاوز وعفا، وقد نقضت ما عاهدك ~~عليه ووفى، ألم تستح من خالق الأرض والسماء ؟ ألم تستح من الحفظة الكرام ؟! ~~ألم تخف من لا ينام ولا يضام ؟! يا حياه من قلة الحياء!! # وقال في ذلك : # يا من شكى حافظاه خلوته .... حين خلا والعباد ما فطنوا # لم يهتك الستر إذ خلوت به .... بر لطيف كفاله المنن PageV02P310 ### || AUTO [الانفاق والبخل] # قال الوافد: صف لي فضل الإنفاق وقبح البخل ؟ # قال العالم: ما لك من مالك إلا ما لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت ~~فأبقيت، وسوى ذلك وبال عليك، من صان فلسه، أهان نفسه، من حبس درهمه، جمع ms37 في ~~القلب همه، البخل أدوأ الداء، والكرم أنفع الدواء، ما ثقل في الميزان، مثل ~~الإحسان إلى الإخوان، والنجاة في قراءة القرآن، ما أحبط العمل، بمثل ~~التغافل والنسيان والكسل، من لزم السماحة، لم يعدم الراحة، البخيل في ~~الدنيا مذموم، وفي الآخرة من الخير محروم، تملك البلاد بالفرسان، وقلوب ~~العباد بالإحسان، من بذل ماله، نال آماله، من جاد بكسرته، فقد بالغ في ~~مروءته، من أخرج فضل الأموال، نجا في الآخرة من الأهوال. PageV02P311 ### || AUTO [جهاد النفس] # قال الوافد: كيف أصنع بالنفس حتى ترجع عن شر عادتها ؟ # قال العالم: لا ترجع النفس عن عادتها أبدا، وليس منها إقلاع ولا رجوع، ~~إلا بالقهر والغلبة والجهد والخوف، وبالعلم والمعرفة والزهد تحبس النفس عن ~~شر عادتها، ولا يدرك ذلك منها إلا بصدق الإرادة، والصبر والمعالجة، وكثرة ~~الخوف والعمل بالصواب، فإذا ظفرت بها حتى تردها إلى طاعة الله ورضاه، ووفقت ~~لذلك فاشكر الله، واعترف له بالطاعة إذ جعل ذلك بتوفيقه لك. # فينبغي لك من بعد ذلك أن تقلع عن الهوى، وتصم أذنه، وتخرج التخاليط ~~والآفات من أماكن مزرعها، وتغلب هواك وتحذر النسيان والغفلة، ووسوسة ~~الشيطان، وسرعة العجلة وتأخير الخير، وتحذر التواني والعجز. # واعلم يقينا أنك لا تظفر بذلك من نفسك إلا بالقهر، وتمنعها من الرغبة ~~والحرص والكبر، والرياء والحسد، والرياسة والبخل، وطول الأمل، والتقلب في ~~طلب الشهوات، ومحبة الدنيا، والتصنع للناس والمحمدة منهم، وترك الغش ~~والخيانة، وخوف الفقر، والطلب لما في أيدي الناس، ولا تنس الموت، واترك ~~الغفلة والشح والسفالة والسفاهة. # فإذا نصرت على ذلك وأنفيته عن نفسك، فاشكر الله كثيرا فقد شكر سعيك، فعند ~~ذلك تصح أعمالك، غير أن النفس لا تصلح حتى تكدها، وتقهرها وتجهدها، لأنها ~~أمارة بالسوء والفحشاء، وبالشر والفتنة والآفات مولعة، وهي خزانة إبليس، ~~منها خرج وإليها يعود، وهي تزين لصاحبها تسعة وتسعين بابا من أبواب الطاعات ~~والخير، لتظفر به في كمال المائة، فكيف يسد السبيل العريض من لا يعرف مجراه ~~؟! وكيف يعرف ذلك من لا يعرف عدوه ودنياه ؟ وكيف يعرف عدوه ودنياه من ms38 لا ~~يختلف إلى العلماء ؟ ولا يخالط الحكماء، ولا يجالس الصالحين. PageV02P312 # فإذا أردت النجاة فتعلم العلم من العلماء، وخذ الحكمة من الحكماء، ولا تشد ~~على نفسك مرة وترخي أخرى، ولكن أقبل إليها بعزم صحيح، وورع شحيح، وصبر ~~ثخين، وأمر متين، حتى تمنعها عن شهواتها، وترجعها عن شر عاداتها. # ثم اجمع أطرافك إلى وسطك أعني إلى قلبك وهو أن تحكم القلب على الجوارح، ~~ولا تحكم الجوارح على القلب، ولا يتم لك عمل ولا يخلص لك إلا بهذه الصفة. # فالعين تغمضها عن الحرام، فإنها جاسوس القلب، ثم الأذنان تمنعهما أن ~~يوعيا الشر والخنا والنمائم والكذب، ثم اللسان خاصة، نزهه عن الكذب والغيبة ~~والمجادلة والفضول والمقاولة والشبهات، فإنه معدن قرارة النفس، وهو ترجمان ~~القلب. ثم البطن فاحفظه لا يدخله الحرام والسحت والشبهة والشهوات، فإن نور ~~القلب وصفاه من طيب طعمة البدن وخبثها. وأما الفرج فما دمت حابسا لبطنك من ~~الإمتلاء والشبع، فأنت قادر على حفظه. PageV02P313 ### || AUTO [المريد] # قال الوافد: كيف يكون المريد للعبادة ؟ # قال: يكون قلبه يجول في الملكوت الأعلى، ثم يمنع نفسه من الرجوع إلى شر ~~عادتها وشهوتها، فإن لم يكن كذلك فإنه مغرور فيما هو فيه، وغير مستحق لما ~~يدعي، ومحال أن يطير الطائر في الهوى، وهو مربوط بحجر ثقيل، كذلك القلب ~~محال أن يصعد في الملكوت الأعلى وهو مربوط بالآفات، محفوف بالرغبة في ~~الدنيا، مشغول بالتزين والتنقل في الشهوات، والغفلة عن الطاعات، وقلة الخوف ~~لما هو آت. PageV02P314 ### || AUTO [مقام الأولياء] # واعلم أن مقام أولياء الله، لا يقوم به إلا من عمل عمل الصالحين، وهو ~~الإجتهاد في الطاعات، والإنتهاء عن الشبهات، وترك الشهوات، والتوكل ~~والتفويض، والزهد والتسليم، والإعتبار والتفكر، والورع والذكر، والخوف ~~والخلوة، والقرب والمعرفة، والحب والإخلاص واليقين، والصدق والخشية ~~والرجاء، وجميع ذلك لا يكون إلا من القلب الطيب الصافي الرقيق، التارك ~~لحطام الدنيا وعنائها، فإن الله يقبل على عبده بالجود والعطاء، ما دام ~~العبد مقبلا على صفاء عمله، لا يولي إلى غيره. # فإذا خيلت لك نفسك أنك من الصالحين، فحقق ذلك ms39 بخمسة أشياء، واختبر بها ~~نفسك، وهي: # الأخذ والعطاء. # والفقر والغناء. # والعز والذل. # والمدح والذم. # والموت والحياة. # فإذا وجدت قلبك يميل إلى واحدة منهن دون الأخرى، فاعلم أن الذي أنت تزعم ~~باطل، وهذا من تخيل النفس، وأنت مغتر فيما تدعي، لم تنل شيئا مما ناله ~~البررة الصادقون. # واعلم أن لكل شيء حقيقة، ولكل صدق علامة، فحقيقة المعرفة معرفة النفس، ~~فمن عرف نفسه فقد عرف ربه، وحقيقة الصدق الإنقطاع إلى الله ورفض الدنيا، ~~فمن عرف ربه عبده، ومن عرف الدنيا زهد فيها، فمن عرف الله أحبه، ومن أحبه ~~لم يعصه، وعمل بما يرضيه، وإن نعيم المحب العارف ساعة واحدة أكبر وأجلى ~~وأطيب وأعلا من نعيم أهل الدنيا بنعيمهم، من يوم خلقهم الله إلى أن يفنيهم، ~~وإن الله رفيع الدرجات ذو العرش له الدنيا والآخرة، حبيبهم به يستأنسون، ~~وعلى بساط قربه يتقلبون، وفي جزيل كرمه يتنعمون، وبذكره يتلذذون، وبالوصول ~~إليه يفتخرون، قد وعدهم من جزيل عطائه، وسعة رحمته، ومكنون فضله، ما يعجز ~~عنه الواصف، ورضي عنهم وأرضاهم، أولئك الذين لا يشقى جليسهم، ولا ترد ~~دعوتهم، يدورون مع الحق حيثما دار، والأرض بهم رحيمة، والجبار عنهم راض، ~~جعلهم الله بركة أرضه، ورحمة على عباده، فطوبى لهم وحسن مآب. PageV02P315 ### || AUTO [الصادق المجتهد] # قال الوافد: صف لي الصادق المجتهد ؟ # قال العالم: هو الذي لا يعجز عن الإجتهاد فيما يقربه إلى الله، في تحريكه ~~وسكونه، وكلامه وقعوده وقيامه، ثم يجعل اجتهاده من جميع جوارحه، ثم يجعل ~~تحريك لسانه، وإستماع أذنه، وبطش يده، ومشي رجله، وأخذه وعطاه، ونومه ~~ويقظته، وجميع ما يكون منه في ليله ونهاره، يصدق بعضه بعضا، ( ثم يجعل ~~طعامه وشرابه، ولباسه، وجوعه وعطشه، وقيامه وقعوده، وشبعه وريه، يوافق بعضه ~~بعضا )، ويجعل جميع ذلك صدقا منه، وقصدا إلى ما يوافق إرادته، وليكن ذلك من ~~خالص قلبه، فإن فعل ذلك كان صادقا في إرادته وعبادته، فإن الصادق المحب ~~المستمر في الطاعات، ينبذ الدنيا وراء ظهره، فيظمأ نهاره، ويسهر ليله، ~~ويترك شهوته، ويخالف هواه، ويقصر أمله، ويقرب أجله، ms40 ويخلص عمله من الآفات ~~والتخاليط، ويرتعد بدنه من خوف الله، وقد ترك الدنيا عنه، لما عرف مكرها ~~وخاف مضرتها، لم ينظر إليها بقلبه، ولم يمش إليها بقدمه، ولم يبطش فيها ~~بيده، حذرا من شرها وفتنتها، فهو هارب بنفسه حذرا من أهلها، فقلبه غير غافل ~~عن الله، ومداوم على ذكره، وقد عزل عن نفسه كل شغل يشغله عن الله، وأقبل ~~على قلبه، فعمره بذكر ربه، وجعل ذلك صافيا خالصا لله، فهو خائف وجل مرعوب ~~من عذابه، هارب من الدنيا وأهلها، محافظ على عمله، قائم على نيته، فبذلك ~~يهتدي الضآل، ويسلك الطريق، ويستجيب الله دعاءه، ويملكه الله من قصور ~~الجنة، ويزوجه من حور العين، ويخدمه الولدان، فطوبى له وحسن مآب. PageV02P316 ### || AUTO [الاخلاص] # قال الوافد: صف لي الإخلاص ؟ # قال العالم: إن مثل نور الإخلاص مثل نور الشمس، لو غطى نور الشمس أدنى ~~الغيم والغبار، تكدر من ضوئها على مقدار ذلك الغبار، وإن كانت عين الشمس في ~~ذاتها صحيحة، ذلك مثل الصفا والإخلاص. وكذلك كل عمل يكون أصله لله خآصة فهو ~~له خالص، ثم ربما شابه شيء من الدنس والكدر، فأحبط عليه عمله. # فالآفات التي تحبط العمل سبع: # أولهن: الكبر. # والثاني: الحسد. # والثالث: الحرص. # والرابع: الرياء. # والخامس: العجب. # والسادس: الشهوة. # والسابع: البخل. # فما دخل على المؤمن من هؤلاء فقد نقص عمله وإيمانه. ومثل ذلك مثل الثوب ~~الجديد الأبيض، يصيبه شيء من الدنس والغبار، فيذهب من نوره وصفآئه وبهآئه ~~بقدر ذلك الغبار والدنس، وإن كان الثوب في الأصل جديدا لا عيب فيه. كذلك ~~مثل الإنسان في صلاته يكون في طهارته محكما، ( وفي ركوعه وسجوده محكما، ~~فظاهره طاهر، وباطنه محشو من الآفات والتخاليط، فمن خلط فقد اغتر واستعبده ~~الهوى، وزين له شيطانه، وخيلت إليه نفسه الكذب صدقا، والباطل حقا )، ولم ~~يستحق اسم الإخلاص، ولو أن مؤمنا بلغ من كرامته عند الله أن يطير في الهوى، ~~لم يزده ذلك إلا شدة وخوفا واجتهادا، وما ازداد إلا خشية، ولا ازداد إلا ~~عبادة وهيبة، وما جعل الله للخالص إلى ms41 الرخصة سبيلا، فمن كان لله أعرف، فهو ~~له أخوف، فينبغي لمن أراد الإخلاص في عمله، ألا تسكن روعته، ويكون خائفا ~~وجلا حزينا، وهذا إذا كان الخوف والحزن وافقهما القبول من الله عز وجل. لأن ~~الخوف والحزن ينوران الإخلاص ويزينانه، وكل عمل لم يكن يوجل عليه القلب فقد ~~حفت به الآفات من حيث لا يشعر، لأن لأعمال الطاعات، آفات مختلفات، ليس ~~يعرفها كل مطيع، وذلك أن المطيع ربما هاج منه العجب والرياء والفخر ~~والأمان، من غير أن يعلم بها، فلا يغفل المخلص عن ذلك، في ليله ونهاره، ~~وحركته وسكونه، وذلك مما يدخل عليه من تمويه النفس وتلبيس الهوى. PageV02P317 # قال الوافد: صف لي صحيح الإرادة ؟ # قال العالم: إذا علم الله من قلبك صحة الإرادة، وإخلاص العمل، أوصلك إلى ~~الخير، وهدى قلبك، ويسر أمرك، وجمع شملك، وهون عليك الصعوبة، وقمع عنك ~~الشهوات، وبغض إليك الدنيا، وبصرك عيوبها وأدواءها حتى تعافها، وإذا عرف ~~الله منك الصدق والإجتهاد، وعلم أنك لا تختار عليه غيره، قبل الله سعيك، ~~وشكر عملك، وصار اجتهادك تلذذا وحلاوة، فإذا رآك الله تعمل على الحلاوة ولا ~~تتوانى، ولا تختار عليه الدنيا، ولا تتبع هواك، ولا تطلب شهوتك، قبل الله ~~منك عملك، ونثر عليك من صفاء بره، ونشر عليك من محزون رحمته، وكثر عليك من ~~عطائه، ومنحك من خزائن جوده، وجزيل مواهبه ومعونته، ماتقر به عينك، وما إذا ~~رأيته زادك اجتهادا وخوفا وعزما، ونضر أثر ذلك عليك، وأورث قلبك النور ~~والتقى والهدى، والشبع من الدنيا، وأغناك عمن دونه، وأعطاك من عطائه، مالم ~~يحسن أن تتمنى قبل ذلك، والله كريم يقبل اليسير، ويعطي عليه الثواب الكثير. # قال الوافد: كيف أخلص العمل ؟ # قال العالم: إنك لا تدرك إخلاص العلم إلا بالعزم، ومن كمال العزم قلة ~~التسويف، ولزوم الصدق، وتمام النية، ومن تمام النية إخلاص العمل، ومن إخلاص ~~العمل الصدق، ومن الصدق نقاوة القلب، ومن تمام نقاوة القلب ستة عشر خصلة ~~بعضها على أثر بعض، وهي درجات الصالحين: # - أولها: الإنابة إلى الله سبحانه. # - وترك التزين ms42 من نفسك، وترك التصنع للناس، وترك الحسد. # - ورفض الشهوات. # - والزهد في الحطام. # - والتجافي عن دار الغرور. # - والإستعداد للموت. # - والإنقطاع عن الناس. # - والإقبال إلى الله تعالى. # - والإتصال بالذكر. # - وحسن الخلق. # - والرأفة بالمسلمين. # - والإنس بالله في الخلوات. # - والتشوق إلى الله. # - والمحبة لأولياء الله والمحبة له. # - والرضاء بالمقادير التي من عند الله. # - ثم اليقين فإن الله يعطي العبد على قدر يقينه. PageV02P318 ### || AUTO [الحياة الطيبة] # قال الوافد: صف لي الحياة الطيبة ؟ # قال العالم: اعلم أن الحياة الطيبة لا تدركها إلا بخمسة أشياء: # أولها: العقل. # ثم المعرفة. # ثم اليقين. # ثم العلم. # ثم الغنى بما عند الله. # فهذه الحياة الطيبة. فإذا أردتها فعليك بهذه الخصال، فلك في ذلك كفاية. ~~وإذا أردت أن تكون من أهل الصدق في الحياة الطيبة، فابدأ بنفي العادة ~~الخبيثة، وألبس نفسك الصبر والخلق الحسن، ( وأزل عن قلبك الذكر الرديء، ولا ~~تشغل قلبك بغير ذكر الله وطاعته، وأمت حرارة الشهوة من نفسك، وليكن الموت ~~عندك أحب إليك من الحياة، فإن الصالحين من قبلك تعاهدوا قلوبهم بالحزن ~~الطويل، والجهد الثقيل، يريدون بذلك رضى ربهم، والتقرب إليه، فإن أحببت أن ~~تسلك طريقهم، وتقفو آثارهم، فحول ) نفسك عن الدنيا وزهرتها، وأدب نفسك ~~بالجوع، وأذلها بالفقر، وأنبها بقرب الأجل، وأبصر بعينيك إلى عرصة القيامة، ~~حتى كأنك تحاسب فيها، فحاسب نفسك قبل ورودك إليها، واقطع نيتك عن كل شغل ~~يشغلك عن الله، وتأدب بآداب الصالحين من قبلك، رموا بقلوبهم نحو خالقهم ( ~~وكلما تحولت قلوبهم إلى غيره، حملوا عليها بالزجر، ورجعوا إلى مقامهم، ~~وقصدوا بأبدانهم نحو قلوبهم، جهدا منهم، وأيأسوا أنفسهم عن الدنيا وراحتها ~~)، وعودوا قلوبهم الجهد وكدوها في طاعة خالقهم، حتى عرف الله منهم الصدق ~~فآتاهم الفرج واليسر من عنده، وصرف عنهم العادة الردية الخبيثة . PageV02P319 # ( فإذا أردت أن تكون مثلهم فغمض عينيك عن الدنيا، وأختم أذنيك عن أقاويل ~~أهلها، واصرف قلبك عن زهرات بهجتها )، فانقطع إلى ربك، وأعمر قلبك بذكره، ~~واستعمل لسانك في شكره، واجعل قلبك مملوءا من محبته، وتلذذ بطاعته، فإنه ~~يغنيك عن الخلق، ويهون عليك الصعوبة، ms43 ويخفف عنك المؤنة، وتصير حرا عن ~~عبودية الدنيا إذا أوصلت حبلك بحبل الله عز وجل، ( وتسلم من الأشغال، وتصبح ~~منير القلب، كثير الذكر، لذيذ المناجاة، حريصا على الطاعات، قليل الزلل ~~والخطأ، قليل الغفلة، حسن الفعال، صافي الذكر، قليل الكلام والفضول، واسع ~~الصدر، خلوتك مع الله لا تزول، وأنسك بالله، لا تستوحش إن كنت في القفرة، ~~ويكثر يقينك في قلبك، فبدنك مطيع، ولسانك ذاكر، وكلامك حق، وعملك زين، ~~وسعيك مشكور، وكل شيء منك نور، وكل حركة وسكون منك محمود، قد أعد الله لك ~~النعيم، في جنة النعيم. PageV02P320 ### || AUTO [المتقي العارف] # قال الوافد: صف لي المتقي العارف ؟ # قال العالم: إن من صفات المتقي العارف، أن يكون غذاؤه ذكر الله، ورأس ~~ماله اليقين بالله، ومطيته الهيبة من الله، ولباسه التقوى، وتحريكه التفويض ~~لأمر الله، وعزمه التسليم إلى الله، وخوفه التعظيم لله، وهو محبوس في سجن ~~الرهبة، مقيد بالحياء، متنعم بالمناجاة، قد أمرضه الشوق، وأشغفه الحب، فهو ~~مستأنس بطبيبه، ممكن بحبيبه، وله ) ورع، لا يشوبه طمع، ويقين لا يشوبه طلب، ~~وانتباه لا تشوبه غفلة، وذكر لا يشوبه نسيان، وعزم لا يشوبه تواني، وتعب لا ~~يشوبه عجز، وعلم لا يشوبه جهل، ورجاء لا يشوبه غرة، ودعاء لا يشوبه فترة، ~~وتفكر لا يشوبه توهم، وتوحيد لا يشوبه تشبيه، وتصديق لا يشوبه تكذيب، ~~وتعديل لا يشوبه تجوير. فهذه صفة المتقي العارف. # فعليك بهذه الطريقة فالزمها، وأقبل عليها بقولك وفعلك، ( وحركتك وسكونك، ~~وبصرك وظاهرك وباطنك، ونظرك وتمييزك، فإن الخير والبركة بحذاريفها لمن سلك ~~هذه الطريقة. # واعلم أنك إذا صدقت عليها نيتك، وعلم الله منك المجهود في ذلك، نصرك ~~عليها وظفرك بها)، فمن صبر على هذه الصفة أربعين يوما لا يشوب عمله بالكدرة ~~والتخاليط والآفات، اتقد في قلبه مصباح النور، وانفتح له عينا قلبه، فيبصر ~~بهما إلى جميع الدنيا والآخرة، فيعرف ( عند ذلك مصائب الدنيا، ومصائب ~~الآخرة، فيصبر على مصائب الدنيا، ويخاف من مصائب الآخرة، لأن مصائب الدنيا ~~نعم، ومصائب الآخرة نقم، فإذا ميز بينهما واعتبر، أقبل على خيرهما ms44 عاقبة، ~~وعمل لآخرته بطيبة من نفسه، وانتبه واطمأن، وعرف أن الآخرة خير من الدنيا، ~~وتحصن بذكر الله في دنياه، وعمل لعقباه )، فطوبى له وحسن مآب. # قال الوافد: فما يجب عليه بعد ذلك ؟ PageV02P321 # قال العالم: يجب عليه أن يدعو عباد الله إلى الله، ويعرفهم أنهم من ربهم، ~~فيرغبهم ويردهم إلى مولاهم من بعد هربهم منه، ويحبب إليهم خالقهم، ويعلمهم ~~شرائع دينه، ويعرفهم آلاء الله ومنه ونعمه، ويلقنهم الشكر، ويرغبهم بالذكر ~~في طاعته، ويحذرهم معصيته، ويريهم تقصيرهم، ويخوفهم هجوم الموت عليهم، ~~ويعلمهم التوبة، ويدلهم على الله، ويعلمهم التوحيد حتى يوحدوا الله ويصدقوه ~~ويعدلوه، وينشر العلم فنشره غنيمة، وذلك فعل الأنبياء والصالحين، ولو سكت ~~العالم هلك العالم والمتعلم جميعا. # ومثل العالم والمتعلم مثل نور الشمس ونور العينين. # افهم لو أن رجلا بصير العينين بقي في بيت مظلم قد سد عليه بابه، وهو لا ~~يهتدي إلى شيء فيه مخرجه، أليس يكون متحيرا لا ينتفع ببصر عينيه ما دام ~~البيت مظلما، حتى إذا فتح عليه الباب، وخرج ورأى ضوء الشمس، انتفع ببصر ~~عينيه عند ضوء الشمس. كذلك المتعلم يكون في بيت الجهل موثقا عليه بابه، لا ~~يهتدي إلى الخروج حتى يفتح عليه العالم العارف، لأن المتعلم يستضيء بنور ~~العالم، ويهتدي إلى منار طرقه، ويخرج من ظلمة الجهل إلى نور العلم، فعند ~~ذلك يكون علمه خالصا من الآفات، وإنما الجاهل مثل المكفوف البصر لا ينتفع ~~أبدا بضوء النهار، والليل والنهار في الظلمة عليه سواء. كذلك الجاهل لا ~~يعرف ما هو فيه من ظلمة الجهل وعمى القلب، فلا يميز بين الحق والباطل، ~~والجهل دآء وشين، لا يداويه غير العلم. # والعلم شفاء وزين، لا يدخل معه دآء ولا شين، وليس العلم علم اللسان، ~~المعلق على ظاهر الإنسان، الخالي عن القلب، وإنما مثله كمثل شبكة الصياد ~~التي ينثر عليها الحب للطير، وليس يريد بذلك منفعة الطير، ولكنه يريد أن ~~يصطادها بذلك الحب المنثور على الشبكة. PageV02P322 # كذلك عالم السوء لا يريد بعلمه رضى الله، ولكن يريد رضى نفسه ومنفعتها، وقد ms45 ~~جعل هذا علمه شبكة، ليصطاد حطام الدنيا، وإنما العلم المنجي علم القلوب ~~المنيرة الصافية الخائفة القانعة باليسير، السليمة من الآفات والتخاليط، ( ~~وليس العالم من قد أسكره حب الدنيا، وإنما العالم الذي يعمل للآخرة ~~الباقية، فهو منتظر للنزول والإنتقال، مشغول يخاف أن يفاجئه الموت بحال من ~~الأحوال، فقلبه محزون، وشره مأمون، يجول بقلبه في الجنة أحيانا، وفي النار ~~أحيانا، يخاف أن يكون من أصحاب النار، ولا يكون من أصحاب الجنة، فليس له ~~همة غير تفتيش الآفات، وكثرة الذكر في كل حركة وسكون )، وكثرة الذكر لله في ~~الحركة والسكون. PageV02P323 ### || AUTO [الغافل المتواني] # قال الوافد: صف لي عمل الغافل المتواني ؟ # قال العالم: مثل عمله كمثل الصوف المندوف، تراه عظيما كثيرا، فإذا وزنته ~~وجدته قليلا، كذلك الغافل الجاهل المتواني، يسر بكثرة عدد أعماله، وليس ~~يعرف إخلاصها، وهو يصلي ويصوم ويزكي ويحج، ويذكر ويعبد ولا نور لعلمه ولا ~~تزكية، ولا إخلاص في قلبه، وكيف ينال البركة والنور وهو غافل ساه ؟! إن قام ~~في الصلاة قام فيها بجسده، وغفل عنها بقلبه، وإن صام تكلم بالرفث والغيبة ~~والكذب، وإن زكى ماله كانت زكاته كأنها مغرم يخرجها لا تطيب بها نفسه، وهو ~~مع ذلك رافع رأسه، شامخ بأنفه، متطاول على الناس، يتمنى على ربه الدرجات ~~العلا، وليس معه من الدين قطمير، ولا معه سكينة تمنعه من كثير ما يهوى، ولا ~~له قوة يكظم بها غيظه، ولا حلم يحجزه، ولا ورع يكفه ( ويرده، ولا له إصابة ~~في كثير مما يدخل عليه من الشبهات )، ثم إذا حركته وجدته قليل العقل، أعمى ~~القلب، متزينا في نفسه، متصنعا للناس، يرآئي بأعماله وهو لا يعلم، ( وهو ~~متكبر في عبادته، ويعلو على الناس وهو ) يزعم أنه مخلص، ويزعم أنه متواضع، ~~ثم تراه حريصا راغبا، مكبا على الدنيا، وهو يزعم أنه مأجور على ذلك، قد ~~ارتفع بعمله فوق الخلائق من عجبه به، وربما تراه يتكلم بكلام الخائفين، حتى ~~إذا جربته وحدثته وجدته جاهلا غافلا، فلا يرضى من الخوف بأن يذم نفسه، ~~وربما يعتبر ويتفكر ولا ms46 ينفعه ذلك، لأن ذلك لا ينفعه مع غفلته، ولعله يظن ~~أنه من التوابين منذ دهر طويل، ولعل عنده من الروايات والأخبار ما ليس عند ~~أحد من الناس، ثم ليس هو يعرف من عمله إلا الشبهة والكدرة، والزيادة ~~والنقصان، ولا يميز بين شيء من ذلك، فإنه لو جمع فهمه ونظر إلى نفسه، لعرف ~~خطاياه، ثم لو نظر في مطعمه وملبسه وكسبه وحرصه على دنياه لعرف سوء حاله، ~~ولو حفظ على نفسه سعي بدنه وجوارحه، وكثرة ما يخرج من لسانه، لتبين له ما ~~يرد عليه في يوم واحد، ولعلم PageV02P324 جراحة دينه، ثم لو كان صادقا في توكله وانقطاعه إلى ربه، لترك دنياه وعمل ~~لآخرته، ولكان حريصا على طلب الخير، ولحذر على نفسه من سوء الحساب وكثرة ~~الأهوال. PageV02P325 ### || AUTO [المتوكل] # قال الوافد: صف لي المتوكل الواثق بربه ؟ # قال العالم: عجبا لمن يثق بالمخلوق ولا يثق بالخالق، ومن يهتم بالرزق وقد ~~ضمن به الرازق، ثق بكفاية الله واعتمد عليه، ورد أمورك وأحوالك كلها إليه، ~~من لم يثق بضمان مولاه، وكله إلى خدمة دنياه، إن الله تعالى يقول : { وما ~~من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6]. ما أعجب أمرك! تأمن ما ~~دهيت، وتحزن على ما كفيت، ولا تشكر على ما أعطيت. # إلى كم تأسى على المفقود ؟! وقد ضمن الرزق الملك المعبود، إلى كم الحزن ~~على القوت ؟! وقد ضمن القوت الحي الذي لا يموت، الرزق مقسوم، وطالبه مغموم، ~~والحريص فيه مهموم، ومن جعل بطاعة الله اشتغاله، كفاه الله في الدارين ~~أشغاله، من وكل أموره إلى مولاه، لم يكله إلى أحد سواه، وأغناه وكفاه، ~~وأعطاه وآواه، ومن اعتصم بالله وقاه، ومن استعاذ به أنجاه، ومن أمل إفضاله، ~~لم يحرمه نواله، ومن توكل على الوهاب، لم يخضع لأبناء التراب، من عرف الله ~~بالصدق، ساق إليه الرزق، من أيقن أن الله هو المتفضل، لم يكن إلى غيره ~~متوسل، من علم أن الله هو الجواد، سخا بما في يده وجاد، من عرف أن الله هو ~~المعطي، لم يعصه ms47 أبدا ولا يخطي، ( من عرف أن الله هو الجواد، لم يطلب من ~~غيره المراد، من تيقن أن الله خالق العباد ومالك البلاد، لم يعلق بغيره ~~الفؤاد ). # أتظن أن من غذاك في الصغر ؟ ينساك في الكبر! الذي رفع عنك المؤنة وأنت ~~طفل، يأتيك برزقك وأنت كهل، الذي رزقك وأنت مغيب جنين، كيف لا يرزقك وأنت ~~تضرع وتستكين ؟! هو سبحانه يرزق من جحده، فكيف يضيع من وحده ؟! يرزق الدودة ~~في الصخرة الصماء والطير في الأوكار، والحيتان في البحار، والوحوش في ~~القفار، فكيف يضيع من يذكره في الليل والنهار، ويسبحه بالعشي والإبكار، ~~ويرزق الجنة والناس، إلى انقطاع الأنفاس، عجبا لمن يرفع حوائجه إلى ~~المخلوقين !! PageV02P326 # ولا يطلبها من عند رب العالمين، عجبا ممن يسأل حوائجه من ضعيف لا يسجد له ~~أحد!! ولا يسألها ممن يسجد له كل أحد!! ( عجبا ممن يتذلل لمحتاج فقير!! ولا ~~يتذلل للغني الكبير!! )، عجبا لمن يخضع ويتضعضع للعبد الفقير المحتاج ~~الضرير!! ولا يخضع ويتضعضع للملك القدير!! الذي يعطي الكثير، ويكشف العسير، ~~ويغني الفقير، وهو على كل شيء قدير. # من اتقى الله جعل له من أمره مخرجا، ومن دعاه بين له منهجا وفرجا، أجملوا ~~في الطلب، فما من حكمه مهرب، من أجمل في الطلب، أتاه الرزق بلا تعب، إذا ~~أحرزت رزق غد، فمن يضمن لك بالحياة إلى غد. # لما رأيت الناس يسألون كل معجب، نزهت نفسي عنهم وجعلت حوائجي إلى الرب. # قال الشاعر: # فلا تجزع إذا أعسرت يوما .... فقد أيسرت في الدهر الطويل # ولا تيأس فإن اليأس كفر .... لعل الله يغني عن قليل # ولا تظن بربك ظن سوء .... فإن الله أولى بالجميل # وقال غيره: # لقد علمت وما الإشفاق من خلقي .... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # أسعى إليه فيعنيني تطلبه .... ولو كففت أتاني لا يعنيني # لا خير في طمع يدني إلى طبع .... ورغفة من قليل العيش تكفيني PageV02P327 ### || AUTO [التائب والتوبة] # قال الوافد: ما شرائط التائب وأوصافه ؟ # قال العالم: شرائطه: المحبة والطاعة، والإقبال والضراعة، من أراد الحبيب ~~؟ جاء بقلب منيب، من اعترف ms48 ؟ أقر بما اقترف، واعتذر وأنصف، وبادر وعطف، ~~وتاب وأكثر الإنتحاب، وعمل بالصواب، وتبع آيات الكتاب. # أين التوبة ؟ يا صاحب الحوبة، أين الاستغفار ؟ يا أهل الإصرار، أين الوجل ~~؟ يا أهل الزلل، أين الضراعة ؟ يا أهل الطاعة، توبوا وأنيبوا، ولا تسوفوا ~~فتخيبوا واعتذورا واستغفروا وازدجروا، وتذللوا واعترفوا واعتبروا، واخضعوا ~~وانكسروا، واصبروا على الطاعة، تدركوا الفوز والنفاعة، ارغبوا وتقربوا، ~~واندموا على المعاصي ولا تصروا، { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون } [النور: 31]. # أين المؤمنون ؟ أين الموحدون ؟ أين { العابدون الحامدون السائحون ~~الراكعون الساجدون } [التوبة: 112]. كيف ينامون ولا يشتاقون ؟! { جنة عرضها ~~السموات والأرض } [آل عمران: 33]. قصورها من الذهب والجوهر، والياقوت ~~الأخضر، فيها الحور الحسان، والأكاليل والتيجان، تجري من تحتها الأنهار، ~~لباس أهلها الحرير والسندس والعبقري، ( أين الراغبون ؟ أين المجتهدون ؟ هذه ~~دار لا تخرب ولا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها )، هذه دار المجتهدين ما هم ~~عنها بمخرجين، دار أهلها لا يشقون، ولا يفتقرون ولا يحزنون، ولا يمرضون ولا ~~يموتون، ولا يهرمون ولا يحتاجون. PageV02P328 # أيها الخاطئون العاصون، أيها المفسدون، أيها المذنبون، مالكم لا تتوبون ؟! ~~مالكم لا ترجعون ؟! ( مالكم لا تخافون ؟ أمعكم صبر على النار ؟ ألكم في ذلك ~~اعتذار )، ألا تخافون نار الجحيم ؟! وشراب الحميم ؟! وطعام الزقوم ؟! ولباس ~~القطران ؟! ألا إن جهنم حرها لا يبرد، وعذابها لا ينفذ، ولهبها لا يخمد، ~~إلى كم هذه الغفلة ؟! ( كم تنقضون العهود ؟ كم تعدون الحدود ؟ ) كم تعصون ~~المعبود، ارجعوا إلى الله في وقت المهل، قبل أن ينقطع الأجل ويرفع العمل، ~~فإن الله يقبل التوبة، ويمحو الحوبة. التوبة تمحو عظائم الذنوب، وتقرب ~~العبد إلى علام الغيوب، توبوا إلى الله قبل أن يغلق الباب، ويحصل الحساب، ~~ويقع العذاب، احذروا الله، خافوا الله، راقبوا الله، بادروا بالتوبة قبل ~~الندم، قبل زلة القدم، قبل الأخذ بالكظم. # تب أيها العاصي، قبل أن تصبح من رحمة الله قاصي، قبل الأخذ بالنواصي، ~~ارجعوا إلى الله بالقلوب، من قبل أن يكون الباب محجوب، أي أهل التوحيد، ~~تقربوا إلى الملك الحميد، تنجوا من العذاب الشديد، يا أهل القرآن تقربوا ~~بالقرآن، ms49 إلى الملك الديان، تنجوا به من عذاب النيران، هو الشفيع فيكم، هو ~~الرفيق لكم، هو الشاهد عليكم، هو الدليل، هو السبيل، هو الحجة، هو المحجة، ~~اعرضوا أعمالكم عليه، وردوا أقوالكم إليه، أكثروا قراءته بالليل والنهار، ~~وفي وقت الأسحار، فإن الملائكة معكم عند قراءته قعود، وعلى ما تنطقون به شهود. # لا تخسروا الميزان، لا تحلفوا الأيمان، لا تذكروا البهتان، لا تبخسوا ~~المكيال، لا تشيبوا الأعمال، لا تصحبوا الأنذال، لا تضيعوا الصلاة، لا ~~تغلوا الزكاة، لا تحلوا المحرمات، لا تؤذوا الجيران، لا تطيعوا الشيطان. # أيها المضيعون للصلوات، توبوا إلى المطلع على أعمالكم في الخلوات، أيها ~~الخائن بالعين والفؤاد، تب إلى الملك الجواد، قبل أن يسلط عليك ملائكة غلاظ شداد. PageV02P329 # أيها المؤذي للجيران، تب إلى الملك الديان، قبل سرابيل القطران . # أيها المانعون للزكوات، توبوا إلى الله ( قبل نزول النقمات والسطوات. ~~أيها المتبعون للشهوات، توبوا إلى الله ) من اكتساب السيئات، وتضرعوا إليه ~~بالدعوات. # يا صاحب الكذب والزور، تب إلى الله قبل الويل والثبور. أيها الباهت ~~المغتاب، تب إلى الملك الوهاب، قبل أن تذوق أليم العقاب. أيها الحالف ~~بالأيمان، تب إلى الله قبل نزول النيران. # وقال في ذلك: # أسلفت من عمرك ما قد مضى .... منهمكا في غمرات الخطل # حتى إذا القوة زالت وقد .... أقعدك العجز وحل الفشل # تبت إلينا في صدار الحيا .... مستعجما فيك فنون الخجل # فأنت عندي بمحل الرضى .... وقد غفرنا لك كل الزلل # وقال آخر: # إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا .... ولم ترض مخلوقا فما شئت فاصنع # وقال غيره: # إذا أمسى وسادي من تراب .... وبت مجاور الرب الرحيم # فهنأني أصيحابي وقالوا .... لك البشرى قدمت على كريم PageV02P330 ### || AUTO [صفات التائب] # قال الوافد: صف لي هيئة التائب ؟ # قال العالم: هيئة التائب، العزم على أن لا يعود، إلى عصيان المعبود، ~~ويأسف على ما اقترف، ويندم على ما أسلف، ويرجع مما عرف، يندم بالقلب، على ~~ما قدم من الذنب، يرجع إلى اليقين، ويبكي ويستكين، يكثر الصوم، ويقل النوم. ~~فهو مشفق من عصيانه، مطرق بين إخوانه، ظاهر ms50 خشوعه، متبادر دموعه، منقطع ~~كلامه، قليل منامه، دائم كرمه، مستهام قلبه، يسير أكله، كثير شغله، صحيح ~~قوله، لا ينقض عهده، ولا يخلف وعده، ولا يمنع رفده، يطلب خلاصه، ويعرف ~~انتقاصه، إن طلبته وجدته في فكرته، وإن سألته خاطبك بعبرته، لا تسكن حرقته، ~~ولا تزول رقته، ولا تكف دمعته. من رآه انتبه من غفلته، ومن جالسه تاب من ~~زلته، فهو حقير في نفسه، غريب في أهل جنسه، كريم على ربه، نادم على ذنبه، ~~ملتمس لما به، طامع في ثوابه، رافض لأسبابه، باكي على شبابه، كثير الوجع، ~~عظيم الفزع، متين الورع، ظاهر خشوعه، غزير دموعه، صادق رجوعه، معتبر متفكر، ~~شاكر ذاكر، خجل، وجل، واجد، ساجد، تضيق به البلاد، ويسأم من صحبته العباد، ~~ينتظر المعاد، ويطلب تحقيق الوداد، جهده شديد، وعمله كل يوم يزيد، وحزنه في ~~كل نفس جديد، يتجرع الغصص، ولا يطلب الرخص، دائم الطلب، ملازم الكرب، مواضب ~~على التعب، رافض للطلب، ظاهر الحزن والنصب، ضيق الأوقات، مغتنم الساعات، ~~قليل الإلتفات، حذر من كل الجهات، ماله هدوء ولا سكون، خائف غير أمون، وجل ~~محزون، كأنه مقيد مسجون، لونه أصفر من هيبة الرحمن، ونفسه ذائبة من خوف ~~الهجران، نحيف البدن، خفيف المؤن، سقيم الأركان، سليم الجنان، مستقيم ~~اللسان، حريص على طلب الجنان، لا تصده العوائق، ولا يبالي بالخلائق، منقطع ~~من العلائق، متمسك بالحقائق، فهو في الطلب، إلى أن يصير إلى الطرب، وينجو ~~من التعب. PageV02P331 # قال الوافد: بئس العبد عبد سها ولها، ( بئس العبد عبد طغى وبغى، بئس العبد ~~[عبد] جاوز الحد وتعدى )، بئس العبد عبد ظلم واعتدى. # أيها العالم الحكيم، والسيد الحليم، قد وصفت أهل النجاة، فأبلغت في ~~الصفات، وحذرت مما هو آت، فجزاك الله عني خيرا، وبوأك سرورا. PageV02P332 ### || AUTO [صفات المحب لله] # صف لي المحب لربه ؟ النادم على ذنبه ؟ # قال العالم: أوصاف المحبين: يحبهم الله ( كرما، ويحبونه ألما، يحبهم ~~إرادة، ويحبونه عبادة، يحبهم رحمة، ويحبونه خدمة، يحبهم تفضلا، ويحبونه ~~تذللا )، إذا أحبك سترك، وإذا أحببته قربك وشرفك، إذا أحبك أغناك، وسترك ~~وآواك، ms51 المحب عينه لا تنام، همته الصلاة والصيام، أهل المحبة إذا جنهم ~~الليل أرقوا، وإذا أضاءهم الصبح فرقوا، وإذا قرئ القرآن صاحوا، وإذا ذكروا ~~ذنوبهم ناحوا، ( من كان بالله أعرف، كان من الله أخوف، من رجا طلب، ومن أحب ~~تقرب، ومن خاف هرب، ينام الناس ولا ينام، ويضحك الناس ولا يضحك، المصاب ~~الذي يدعو ولا يجاب، الأحزان تهد الأركان، وتشيد الإيمان )، إن الله يحب كل ~~قلب حزين، الحزن عمارة القلب الخراب، المحزون يفتح له الباب، كلام المحزون ~~في خلوته يقول: كأني بك وقد تجرعت مرارة المذاق، وقيل: إلى ربك المساق، ~~كأني بالغطاء وقد كشف، وبالعطاء وقد صرف، كأني بالوعد وقد اقترب، وبالوعيد ~~وقد وجب، كأني بك في اللحود، مضاجع للدود، كأني بالمظلوم، وقد تعلق ~~بالظالم، كأني بهذا الضياء وقد أظلم، وبهذا العمر وقد انصرم، كأني بالمنادي ~~وقد نادى، وبالليل والنهار وقد بادا، ( كأني بهذا الجسد وقد ذهب عنه ~~النشاط، وطوي من تحته البساط ). # قال الوافد: صف لي التجربة ؟ # قال العالم : تصحب أهل المعرفة، وتحفظ التجارب حتى تكون معلم التجربة، ~~واطلب مرادك بالصدق، لأن ذلك للصادقين المريدين لله. # قلت: فبأي شيء أجد الإرادة ؟ # قال: بالصدق واستماع الحكمة. # قلت: أي حكمة ؟ # قال: حكمة الذين يدعونك إلى رب العالمين. PageV02P333 ### || AUTO [مدارج الأولياء] # قلت: فإذا وجدت الإرادة أي شيء أفعل ؟ # قال: { قم الليل إلا قليلا، نصفه أو أنقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل ~~القرآن ترتيلا } [المزمل: 2 - 4]. # قلت: بأي شيء أفعل ذلك ؟ # قال: بقلة الطعام، وقلة الكلام. # قلت: كيف أصبر على الحق ؟ # قال: بذكر المقام. # قلت: وما المقام ؟ # قال: مقامك بين يدي الله سبحانه يوم القيامة. # قلت: وكيف أصبر عن الكلام ؟ # قال: أكثر ذكر الله حتى تجد حلاوته تلهيك عن كلام الفضول. # قلت: ومن يقدر على ذلك. # قال: الذي يريد أن يصل إلى ربه. # قلت: أو جد لي ما أيسر علي من ذلك ؟ # قال: عليك بكثرة الدعاء والتضرع، حتى تأتيك المعونة من الله سبحانه. # قلت: كيف يصل العبد إلى ربه ؟ # قال: إذا صبر على ms52 ذكره، وأدمن على شكره، ( وصل إليه بقلبه. # قلت بأي شيء ) يصل إلى ربه ؟ # قال: بالجهد الدائم، والدعاء والتضرع، ثم عرف وعلم وأيقن أنه لا يصل إلى ~~ربه إلا به. # قلت: بأي شيء ينجو العبد من عذاب ربه ؟ # قال: بترك الذنوب. # قلت: أرأيت العبد إذا وصل إلى ربه أيسكن عنه الخوف والوجل أم لا ؟ # قال: لا. # قال: لم وهو على يقين من ذلك ؟ # قال: نعم. من اليقين أن يكون خوفه ووجله. # قلت: أو يكون طالبا لرزقه. # قال: نعم يكون شديد الطلب لرزق الآخرة. # قلت: أعني رزق الدنيا. # قال: { من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب } ~~[الشورى: 20]. # قلت: كيف يكون واثقا برزقه موقنا ؟ # قال: كما يكون موقنا بالموت واثقا مصدقا أنه لا بد أن ينزل به. # قلت: ما علامة المحب ؟ # قال: يقرأ القرآن ويكون قرة عينه ولا يشبع من قراءته. # قلت: كيف يخافه ويحبه من قلب واحد ؟ # قال: لأنه محب لواحد، فالخوف منه في حبه له، والحب له في خوفه منه، مثل ~~النار والنور، فالخوف نار، والحب نور، فلا يكون أبدا نور بلا نار. PageV02P334 # ألا ترى إذا علت النار بنور يقع عليه اسم النور، كالسراج في البيت، فيقال ~~في البيت نور، ولا يقال فيه نار، فالنور نار السراج إذا غلب الخوف على ~~العبد يقال له خائف، والمحبة معه، وإذا غلبت المحبة على العبد سمي محبا ~~والخوف معه، فإذا كمل الخائف على ما وصفت لك غلب بنوره ناره، فوقدت منه ~~المصابيح، فنور البيوتات كلها والظلمات كذلك، فكذلك المحب إذا كمل في الخوف ~~كما وصفت لك ونجا من نجاسة نفسه فهو كالمصابيح، كلامه نور وصمته نور، وعمله ~~نور ومدخله نور، فهو نور من رأسه إلى قدمه كالمصابيح، فكل تحركه ( أبدا ~~نور، متصل بنور الملكوت الأعلى، قلبه مع الله بحلاوة حبه، وأحواله نور إلى ~~الله في ذكره، فطوبى له وحسن مآب )، وطوبى لمن رزقه الله ذلك. # ( قال الوافد: صف لي المتقلب في جوعه ؟ ). # قال: العالم: مثل المتقلب في جوعه كالمتشحط ms53 في دمه في سبيل الله، وثوابه الجنة. # قلت: ما علامة العارف ؟ # قال: أن لا يفتر من ذكر ربه، ولا يستأنس بغيره. # قلت: ما أنفع الخوف لي ؟ # قال: ما لم يجريك على المعصية وأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك ~~التفكر فيما تصير إليه في الآخرة . # قلت: ما أنفع الصدق لي ؟ # قال: أن تقر لله بعيوب نفسك، ومساوئ عملك، وتتقي الكذب في مواطن الصدق. # قلت: فما أنفع الإخلاص لي ؟ # قال: ما نفى عنك الرياء والتزين في الجماعات. # قلت: فما أنفع الحياء لي ؟ # قال: أن تستحيي من الله أن تسأله ما تحب وأنت تأتي ما يكره. # قلت: فما أنفع الأعمال لي ؟ # قال: ما سلمت من آفاتها وكانت مقبولة. # قلت: فما أنفع العلم لي ؟ # قال: ما نفى عنك الجهل، وازددت به ورعا وكنت به عاملا. # قلت: ما أنفع التواضع لي ؟ # قال: ما نفى عنك الكبر، وأمات منك الطمع والغضب. # قلت: فأي الجهاد أفضل ؟ # قال: جهاد النفس الأمارة بالسوء حتى تردها إلى قبول الحق. # قلت: فأي المعاصي أضر علي ؟ # قال: عملك الطاعات بالجهل. # قلت: فهو أضر علي من أعمال المعاصي بالجهل ؟ # قال: نعم. PageV02P335 # قلت: وكيف يكون ذلك ؟ # قال: ألست تعلم أن أعمالك بالمعاصي لا ترجو بها من الله ثوابا، وتخاف ~~عليها من الله عقابا ؟ # قلت: بلى. # ( قال: أليس تعلم أن أعمالك بالجهل فاسدة، وأنت تلتمس بها من الله ثوابا، ~~وقد استوجبت عليها من الله عقابا ؟ # قلت: بلى ) . # قال: فكم بين ذنب تخاف فيه العقوبة والخوف طاعة وبين ذنب تأمن فيه ~~العقوبة والأمن معصية. # قلت: فما ترى في الإستئناس بالناس ؟ # قال: إذا وجدت عاقلا مؤمنا قد زهد في الدنيا ورفضها، فاستأنس به، واهرب ~~من سائرهم كهربك من السباع. # قلت: فأي المواضع أخفى لشخصي ؟ # قال: صومعتك وداخل بيتك، وكل موضع لا يلحقك فيه شهرة، ولا تحيط بك فيه فتنة. # قلت: دلني على عمل أسلم به من شر الخلق ويسلمون من شري ؟ # قال: إذا لم يكن في قلبك غل لأحد، وأحببت لهم ما تحب لنفسك، وكرهت لهم ms54 ما ~~تكره لها، سلموا شرك، ولحق بهم خيرك. # قلت: ما علامة مؤثر الدنيا على الآخرة ؟ # قال: هو الذي لا يبالي ما ذهب من دينه إذا سلمت له دنياه. # قلت: ما علامة الكذب في العبد ؟ # قال: كثرة كلامه فيما لا يعنيه. # قلت: فما علامة قلة الكذب. # قال: كراهته لكثرة الحديث. # قلت: أخبرني ما حياة العبد ؟ # قال: الإيمان واليقين حياته، والخوف والتوكل نجاته، وإذا ثبت الإيمان في ~~قلبه، فمنه يهيج ما سألت عنه من الصدق والخوف والتوكل وحسن الظن، وهي أعمال ~~سرائر القلوب. فإذا صح ذلك في القلب ظهر على اللسان والجوارح، وبان منه ~~الصلاح. # قلت: فما الذي ترجو به صلاح قلبي إذا أنا عملت به ؟ # قال: التيقض وخوف انقطاع العمر، ومراقبة الموت، والتفكر فيما تصير إليه ~~من بعد الموت، واحذروا الغفلة وطول الأمل، ونسيان المعاد. # قلت: ما علامة الإخلاص ؟ # قال: الندم والإستقامة على طاعة الله. # قلت: فما علامة الورع ؟ # قال: ترك الشهوات، ورفض الشبهات. # قلت: ما علامة أهل التقوى ؟ # قال: ترك ما فيه بأس ظاهر أو باطن، وسوء الظن بنفسك أنه ليس مأخوذ غيرك. PageV02P336 # قلت: من أي شيء أكثر ذكره ؟ # قال: قراءة القرآن، فهو حصن المؤمن وترسه. # قلت: صف لي مخ الزهد ؟ # قال: قطع الطمع عن القلب، وامتناع السؤال للخلق، وترك مخالطة أبناء ~~الدنيا، والفرار منهم، وصدق الإرادة، وحسن النية، وصحة العزيمة. # قلت: متى أعلم أني مطيع لربي حق الطاعة ؟ # قال: إذا لم يجدك حيث نهاك، ولم يفقدك حيث أمرك، أطاعك لما سألته، لأنه ~~مطيع من أطاعه. # قلت: فما طاعته لي ؟ # قال: يجيب دعوتك ولا يمل من برك. # قلت: كيف أجاهد نفسي ؟ # قال: تجوعها عن طعام الدنيا وتقمعها بالصوم، وتلزمها قيام الليل، وتحرسها ~~عن الرياء والعجب، وتستقل عملها بعد ذلك. # قلت: أي شيء أقرب إلى الله من أفعال القلوب ؟ # قال: اليقين وبعده العلم، وبعده الشكر لله. # قلت: ما عمارة القلب ؟ # قال: الخوف. # قلت: ما طهارته ؟ # قال: الحزن. # قلت: ما حياته ؟ # قال: الذكر والتفكر. # قلت: فما فساده ؟ # قال: الغفلة وطلب الدنيا. # قلت: ms55 فما موته ؟ # قال: حب الشهوات، وأكل الشبهات. # قلت: ما دوآءه ؟ # قال: الجوع سرا عن الناس، وقراءة القرآن مع التفكر في الخلوة، والتضرع ~~إلى الله في أوقات الغفلة، والرغبة في مجالس الذكر، والتجرد عن أشغال ~~الدنيا، والحزن الدائم في القلب مع طول الصمت، وذكر الموت في كل ساعة، ~~وكثرة ذكر الله، والتواضع لله، والنظر في الأموات والإعتبار بهم. # قلت: كيف تكون مراتب التوبة ؟ # قال: رجل تاب من الذنوب ولزم الطاعات، ورجل تاب من الذنوب وترك الدنيا ~~وأقبل على الآخرة، ورجل تاب من الذنوب واختار الله سبحانه على الدنيا ~~والآخرة، وعلى جميع الخلق، فالأول تائب ورع، والثاني تائب زاهد، والثالث ~~تائب صديق عارف متقرب. # قلت: أخبرني عن شر الأشياء ؟ # قال: الكفر بالله. # قلت: أله زوجة ؟ # قال: نعم. البخل. # قلت: ما بعده أشر منه ؟ # قال: النفاق. # قلت: أخبرني ما أفضل ما أعطي العبد ؟ # قال: العقل. # قلت: فما أنفع العقل ؟ PageV02P337 # قال: ما عرفك نعمة الله، وأعانك على شكرها، وقام بخلاف الهوى. # قلت: فما علامة العقل في العبد ؟ # قال: أن يعرف الحق من الباطل، والضآر من النافع، والحسن من القبيح. # قلت: فما أنفع النعم معرفة بعد نعمة العقل ؟ # قال: الإيمان بالله. # قلت: فما حقيقة ذلك ؟ # قال: أداء ما افترض الله عليك. ثم سكت العالم بعد ذلك وافترقا رحمة الله ~~عليهما. PageV02P338 ms56