######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | عظات بالغة PageV02P475 # بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وبه أستعين # أما بعد : فإن الدنيا دار غرور ، لا يدوم فيها سرور ، ولا يؤمن فيها ~~محذور ، جديدها يبلى ، وخيرها يفنى ، من وثق بها خدعته ، ومن اطمأن إليها ~~صرعته ، ومن أكرمها أهانته ، أفراحها تعقب أحزانا ، ولذاتها تورث أشجانا. # أما بعد : فإن أعمار الدنيا قصيرة ، ورحاها مديرة ، وسهامها قاصدة ، ~~وحتوفها راصدة ، والمغرور من اغتر بها ، والمخدوع من ركن إليها ، من زهد ~~فيها كفيها ، ومن رغب عنها وطيها ، قد غرت القرون الماضية ، وهي على ~~الباقين آتية ، فيا بؤسا للباقين ، لا يعتبرون بالماضين ، يجمعون للوارثين ~~، ويقيمون في محلة المتجبرين. # أما بعد : فاقنع باليسير ، وبادر بالتشمير ، وإياك والتغرير ، وانظر إلى ~~ما تصير ، فليس الأمر بصغير ، وهيئ زادك للمسير ، فقد أتاك النذير. # أما بعد : فقد وضح لك الطريق ، فلا تحيدن عن إطاره إلى المضيق ، فقد مضت ~~الأيام ، وذهبت الأعوام ، وفنيت الأعمار ، وأحصيت الآثار ، وعن قليل تدعى ~~فتجيب ، وتصعق فتغيب ، فعجبا (1) لقلبك كيف لا يتصدع؟! وعجبا لركنك كيف لا ~~يتضعضع؟! وعجبا لجسمك كيف لا يتزعزع؟! # أما بعد : فإنه ليس لحي في الدنيا من مقام ، وعما قليل يأتيك الحمام ، ~~وكل خلق تفنيه الأيام ، فلا تكن كالغافل النوام ، فإنما الدنيا إلى انصرام ~~، ولن يرى فيها دوام. # أما بعد : فاتقوا الله ، عباد الله ، فيما تقدم إليكم ، واحتج به عليكم ، ~~من قبل اللهف والندم ، ومن قبل الأخذ بالكظم (2)، وانقطاع المدة ، ~~واستكمال العدة ، ومن قبل التلاقي واللزام ، والأخذ بالنواصي والأقدام ، ~~فكأن قد نزلت بكم نازلة الفناء ، وأخرجتكم إلى دار البقاء ، وكشف عنكم ~~الغطاء ، وتجرعتم سكرات الموت ، وخضتم غمرات PageV02P477 # الآخرة (1)، وأتاكم ما كنتم توعدون ، وعاينتم ما كنتم تحذرون. # أما بعد : فإنه لا عذر لمن هلك بعد المعرفة والبيان ، ولا حجة لمن ركن ~~إلى دار الفناء والحدثان ، ولا ندم يغني عند وقوع العيان ، ولا حيلة تنفع ~~عند فوت الزمان ، وعند السياق وكلول اللسان ، لا ولد ينفع ، ولا أهل يمنع ، ~~في مصرع هائل ، وشغل شاغل ، يدعا فلا يسمع ، وينادى فلا يجيب ، في غصص ~~الموت وسكراته ، وتجرع زفراته ms01 ، وغمومه وحسراته ، قد علاك الأنين ، وأتاك ~~الأمر اليقين ، فلا عذر فتعتذر ، ولا ردة فتزدجر ، قد عاينت نفسك حقائق ~~الأمور ، وحللت (2) في مساكن أهل القبور في لحد محدور (3)، قد افترشت ~~اللبن بعد لين الوطاء ، وسكنت بين الموتى ، بعد مساكنة الأحياء ، فالنجاء ~~النجاء ، قبل حضور الفناء. # أما بعد : فإن الدنيا أيام قلائل ، وكل ما فيها ذاهب زائل ، فتعز بالصبر ~~عن الشهوات ، وتناء (4) بالحذر عن اللذات ، وفكر فيما اقترفت على نفسك من ~~الذنوب ، وفيما قد ستر الله عليك من العيوب ، أما علمت حين عصيته لم يكن ~~بينك وبينه ، ستر يواريك منه. # أما استحييت من مولاك؟! وقد علمت (5) أنه يراك ، أما خفت العقوبة حين ~~آثرت على تقواه هواك؟! # أما بعد : فيا بؤسا لك من مخالف خاسر ، وخائن غادر!! أما إنك عن قليل ، ~~تهجم على البلاء الطويل ، فتدارك نفسك إذ عرضتها للمهالك ، واسلك بها طريق ~~الواضح من المسالك ، ولا تطمعها في راحتها ، أيام حياتها ، واستطرف لها ~~النصب (6)، واحملها على التعب ، لما ترجو أن تصير إليه من الراحة غدا ، ~~فكأنك قد دعيت فأجبت ، فاعمل PageV02P478 # لنفسك ما دمت في مهلة ، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى (1). # أما بعد : فاحذر على نفسك ختر الدنيا ومكرها ، وخدعها وغدرها ، فإنها ~~متبرجة لطلابها ، فاحذرها ولا تكن لها قتيلا ، والتمس لنفسك للنجاة (2) ~~منها سبيلا ، فانظر لنفسك أيام مكثك فيها ، واعلم أنها مرحلة سكانها ، وأن ~~متاعها قليل ، وخطبها جليل ، ونعيمها زائل ، وخيرها مائل. # أما بعد : فكن في سفرك مرتادا ، وهيئ عدة وزادا ، قد خرجت من روح الدنيا ~~، إلى ضيق اللحد وخشونة المتكأ (3)، فتيقظ من نومة الغافلين ، وانتبه من ~~وسنة (4) الجاهلين ، وانظر بعينك إلى مصارع المغترين ، ومضاجع المستكبرين ، ~~أليس ديارهم خالية (وأجسادهم بالية ، ومساكنهم مقفرة ، وعظامهم نخرة ، ~~وعروقهم بالية) (5) وأيامهم فانية؟! # أما بعد : فإنك لو رأيت يسير ما بقي من عمرك وأجلك ، لزهدت في طول ما ~~ترجو من أملك ، ورغبت في الزيادة من عملك ، فإنك إنما تلقى غدا في حفرتك ، ~~وتخلى في وهدتك (6)، ويتبرأ منك القريب ، ويتسلى منك الحبيب ، فلا أنت إلى ~~أهلك راجع ms02 ، ولا في عملك زائد شارع ، فاعمل ليوم القيامة ، قبل الحسرة ~~والندامة. # أما بعد : فلا يمل بك الأمل الكاذب ، ولا تكن كالشاهد الغائب ، فإنك ~~والقوم على بساط واحد ، والموت يأتي على كل صادر ووارد ، فلا يذهبن قولي ~~عنك صفحا ، فإني لم آلك حظا ونصحا ، فإن تقبل نصيحتي فأنت بذلك أسعد ، وبها ~~أعلى غنيى (7) وأرشد ، وعن قليل يأتيك الخبر ، فالحذر الحذر ، فإنه يأتي ~~أسرع من لمح البصر. PageV02P479 # أما بعد : فإن الدنيا بحر عميق ، ولنيرانها لهب وحريق ، ولطرقها مفاوز ~~(1) ومضيق ، فالحذر إذا لبعد مفاوزها ومضيقها ، فأعد عدة سير تزحزح به عن ~~لهبها وحريقها ، واتخذ سفينة تنجو بها من عميقها ، وقرب عليك الأجل لا ~~تخدعنك بآمالها ومكرها ، وقد عرفتك نفسها ، وأوضحت لك لبسها (2)، فلا تعم ~~وأنت بصير ، ولا تأمن وأنت بتحذير ، فإن الذي بقي من عمرك قليل ، فإما ~~الثواب الجزيل وإما البلاء الطويل ، فكن بعملك منتفعا ، وللموت متوقعا ، ~~فإنك لا تدري على أي حال يأتيك ، وفي أي وقت يفاجيك ، فعجبا لك يا مكنون ~~(3) الأجل ، كيف تغتر بطول الأمل ، فابك على نفسك إن كنت باكيا ، وتيقظ من ~~غفلتك إن كنت لاهيا. # أما بعد : فكأنك قد أخرجت من روح الدنيا ومساكنها ، وأبدت أهلك لغيرك ~~سكنها ومحاسنها (4)، ونسيت ما كان لها من كدك ، وتغيرت عما كانت لك عليه ~~من بعدك (5)، فتنعموا بمالك ، ولم يعبئوا بحالك لمن لا يرثى لك غدا من بعد ~~صرعتك ، ولا يؤنسك (6) في وحشتك ، فلا تبع يا مسكين بدنياك آخرتك ، ولا ~~تجزع لها فتركبك رقبتك ، عليك بنفسك أكرم الأنفس عليك ، وأحب الأنفس إليك ، ~~واعلم أنك مسئول ، ومحاسب ومعاقب ، فارغب في الثواب ، واهرب من العقاب. # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على محمد وآله وسلم. PageV02P480 ### | [موعظة] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله ، وعلى محمد وعلى أهله أفضل الصلاة والتسليم. # وبعد : يا أخي فأعاذني الله وإياك من مهلك غفلة الغافلين ، وسلمني ~~[وإياك] بمنه ورحمته من مضل جهالة الجاهلين ، الذي حسبوا وظنوا إذ تاهوا ~~وتمنوا قصير آجالهم طويلا ، فأفنوا أيام حياتهم بالغفلى منى ms03 وتأميلا ، حتى ~~عاينوا نازل الموت ، بكل حسرة وفوت ، فأيقنوا عند نزوله بباطل المنى ، إذا ~~ذاقوا الموت والفناء ، وعلموا أن قد كان قصيرا ما استطالوا من حالهم ، ~~وغرورا وخداعة ما كانوا فيه من مناهم وآمالهم. # يا أخي : واعلم أن الأجل حثيث الفناء ، ليس لأحد معه والله المستعان من ~~بقاء ، لا يقف والحمد لله من أهله على من استوقفه ، ولا يغفل لمحاذرة سرعة ~~انقطاعه من عرفه ، وكيف يغفله عارف به ، أو موقن بمعاده إلى ربه؟! مع ما ~~يرى من مره وحثه ، وقلة تعريجه ولبثه ، فهو دائب الحث ، غير ذي إبطاء ولا ~~لبث ، يقطع منه ساعاته الليالي والأيام ، ويقطع أيامه ولياليه منه الشهور ~~التوام ، وكذلك جعل الله شهوره ، تقطع بمرها سنيه ودهوره ، فدهره قصير ، ~~وعمره يسير ، لا يطرف أحد من أهله طرفا ، إلا اقترب من فناء مدته زلفا ، ~~فأنفاسه ولحظاته تطويه ، وساعاته وأوقاته تفنيه ، يقظان كان أو نائما ، ~~ومقيما كان أو ظاعنا ، تحثه جدا ، وتدعوه بنداء ، ساعات نهاره وليله ، بل ~~أنفاس عمره وتأجيله ، فهو ظاعن سائر ، وإن كان به غير شاعر ، (1) وكأن قد ~~أفضت أسفاره ، فيما يسير به ليله ونهاره ، فورد محلة مثواه ومقامه ، وفنيت ~~مدة أجله وأيامه ، فأقام فيه مخلدا ، وبقي بعد سرمدا ، في حبرة ونعيم ، أو ~~عذاب أليم ، وقد قر في أيهما صار إليه قراره ، وانقطعت فيه عنه ظنونه ~~واغتراره ، لا يزداد من أعماله في حسنة زكية ، ولا يستعتب في حسنة ولا خطية ~~، قد لزمته سعادته وشقاؤه ، ودام في أيهما كان خلده وبقاؤه. # فوا عجبا لمن كان بهذا موقنا!! بل لمن ظنه وإن لم يوقن به ظنا!! كيف لعب PageV02P481 # ولها؟! وغفل فيها ، ولقد اكتفى الله سبحانه في ذلك لمن لم يوقن بنفسه ، ~~ولم يدن لله فيه بحقيقة دينه بالظن ، فقال سبحانه : ( @QUR@05 ألا يظن ~~أولئك أنهم مبعوثون (4) @QUR@02 ليوم عظيم (5) @QUR@05 يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين ) (6) [المطففين : 4 6]. اكتفاء لهم بالظن لو ظنوا من حقائق ~~اليقين ، وتذكيرا فيه لهم بما يمكن كونه يوم الدين. # وفيما كان به المؤمنون في دنياهم يوقنون ، من لقاء ربهم ms04 ويظنون ، ما يقول ~~سبحانه : ( @QUR@08 الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ) (46) ~~[البقرة : 46]. فذكر الله سبحانه ظنهم بلقائه ، ومرجعهم إليه وإلى جزائه ، ~~فكان عملهم واجتهادهم في دينهم ، على قدر حقيقة ظنونهم ، فكيف يكون مثلهم؟ ~~+ من يدعي يقينهم وفضلهم ، وهو غافل لاعب ، وقائل كاذب ، يقول ما لا يفعل ، ~~ويقر بما لا يعمل. # وفي مقت الله سبحانه ، لمن آمن ففكر فذكر الله إيمانه ، وعلمه بالإيمان ~~لله وبالله وإيقانه ، ما يقول تبارك وتعالى اسمه : ( @QUR@09 يا أيها الذين ~~آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) @QUR@09 كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما ~~لا تفعلون ) (3) [الصف : 2 3]. ويقول سبحانه لمن ادعا الصدق والوفاء ، ~~وإتيان ما يحب الله ويرضى : ( @QUR@016 وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) ~~(105) [التوبة : 105]. # يا أخي فلا تغفل عن الموت والبعث غفلة من يرى من أشباه الحمير ، فإن ~~بغفلتهم عن الموت والبعث بعدوا كما رأيت من النجاة والفوز والحبور ، فعموا ~~عما كان ممكنا في حياتهم من الهدى والرشاد ، وشقوا بعمايتهم في المرجع إلى ~~الله والمعاد ، فدام شقاؤهم وتبارهم ، وأقام ندمهم وخسارهم ، ثم بكوا فلم ~~يرحموا بالبكاء ، ودعوا فلم يجابوا في الدعاء ، ( @QUR@06 ونادوا يا مالك ~~ليقض علينا ربك ) و ( @QUR@01 قال ) مالك : ( @QUR@02 إنكم ماكثون ) (77) ~~[الزخرف : 77]. # وفي ذلك ما يقول الله سبحانه : ( @QUR@016 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) (12) ~~[السجدة : 12]. وعند تلك وفيها ، وعند ما صاروا إليها ، قالوا : ( @QUR@07 ~~ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) @QUR@07 ربنا أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون ) (107) [المؤمنون : 106 107] ، فما كان جوابهم عند ~~قولهم وطلبهم ، PageV02P482 # وعند ما أحل من سخط الله المخلد بهم ، إلا أن قال : ( @QUR@04 اخسؤا فيها ~~ولا تكلمون ) (108) [المؤمنون : 108]. # يا أخي فاسمع ما تسمع سماع متبع ، ولا تسمعه سماع مستمع ، فرب مستمع غير ~~سميع ، وسامع مطيع ، كما قال الله سبحانه : ( @QUR@06 وإن تدعوهم إلى الهدى ~~لا يسمعوا ) تأويل ذلك : لم يطيعوا ولم يعوا ( @QUR@06 وتراهم ينظرون إليك ~~وهم لا يبصرون ) (198) [الأعراف : 198]. وتأويل ذلك : لا ms05 يبصرون من الهدى ~~ما تبصرون. وفيمن سمع بالسمع ، ولم يسمع ولم يطع ، ما يقول الله تبارك ~~وتعالى في التنزيل ، للعصاة من بني إسرائيل: ( @QUR@014 وإذ أخذنا ميثاقكم ~~ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا ) ~~[البقرة : 93]. فنسأل الله أن يمن بالسماع النافع عليك وعلينا ، فإنا من ~~الصمم والحيرة والظلم في البحر الزاخر ، واللج الغامر ، فلا ينجو من غمره ~~إلا من نجاه الله ، ولا يلجأ من غرقه إلا من أنجاه ، والله المستعان ، ~~وعليه التكلان. # بسم الله الرحمن الرحيم # وبعد : فاعلم يا أخي ، أنا وإياك في بحر من بحور العمى عميق ، لا يصل معه ~~أحد إلى هدى إلا أن يرشده الله ويهديه إلى ملجأ وثيق ، فكر أهله سقيمة ~~مدخولة ، وعبر من فيه فعظيمة مجهولة ، لا يعتبر بها منهم معتبر ، ولا يفكر ~~فيها منهم مفكر ، فقلوب من يسمعها منهم ويراها ، مقفلة والله المستعان على ~~هداها ، فهدانا الله يا أخي وهداك ، بما أرانا الله منها وأراك ، ونفعنا ~~ونفعك ، بما أسمعنا وأسمعك ، فكم رأينا وسمعنا من عبر لا نحصيها ولو جهدنا ~~كل جهد ، وفي الاعتبار بأقلها أهدى الهدى وأرشد الرشد ، (1) فمنهم ما نرى ~~بالعيان ، ونسمعه في كل حين بالآذان ، من موت وفناء ، يذهب دائبا بالأحياء ~~، تراه عيانا كل عين ، وتسمع به في كل حين ، وكم رأينا عيانا من جار ومعارف ~~، وقرين محال مؤالف ، قد دهاه من حمام الموت وفاته ما دهاه ، واغتره ما كان ~~فيه من حياة دنياه ، ولحق بدار الموت والبلاء ، وصار إلى محلة الموت ~~والفناء ، فمات PageV02P483 # بموته أمره وشأنه ، ونسيه إذ مات أوداده وأخدانه ، ولها عنه أهله ، وهجر ~~بعده محله ، فلم ير منهم واقف عليه ، ولم يلتفت منهم ملتفت إليه ، وكم ~~عاينت من أولئك؟! ورأيت من ذلك!! # بل كيف رأيت يا أخي رحمك الله من مختطف ، بسقم ممض (1) أو موت متلف ، قطع ~~به دون مناه وآماله ، وما أنعم الله عليه من نظرته وإمهاله ، فتلهف على ما ~~فاته من طاعة ربه حين لا ينفع التلهف ، وتأسف عند ما لا يغني عنه ولو ms06 كثر ~~التأسف ، على ما فرط فيها من إمكان نجاته ، وما خسره من أيام حياته ، فذهب ~~بندمه وحسرته ، وآل بهما إلى معاده وآخرته ، فبقي في الحسرة مخلدا ، وفي ~~الندامة مقيما أبدا ، وكان عند تلك وفيها ومعها من مقاله ، نحو ما ذكر الله ~~عند مجيء الساعة من مقال أمثاله ، إذ يقول سبحانه : ( @QUR@021 حتى إذا ~~جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم ~~على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) @QUR@013 وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ~~وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) (32) [الأنعام : 31 32]. وقال ~~تعالى ذكره : ( @QUR@08 حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) ~~@QUR@016 لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم ~~برزخ إلى يوم يبعثون (100) @QUR@010 فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون (101) @QUR@06 فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ~~(102) @QUR@010 ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ~~(103) @QUR@06 تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) @QUR@08 ألم تكن ~~آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ) (105) [المؤمنون : 99 105] (2). ~~فأنكص النكوص عن الآيات ، ترك ما أمر الله به من الحسنات ، وارتكاب ما نهى ~~الله عنه من السيئات. # يا أخي فحتى متى وإلى متى؟! دوام الغفلة والحيرة والعمى! ألسنا بربنا PageV02P484 # مؤمنين؟! وبيوم البعث موقنين؟! فما لنا يا سبحان الله من أمر الله ~~معرضين؟! ولانتقام الله بالخلاف عليه في أمره متعرضين؟ من بعد الإيمان ~~واليقين ، والعلم بشرائع الدين. # فرحم الله من عباده عبدا ، أيقن أن له إلى الله معادا ، فجد وشمر في طلب ~~نجاته ، قبل نزول الموت ومفاجأته ، فكم رأينا من مفاجأ مبغوت ، بما لم ~~يتوقعه من وفاة وموت ، أخذ في غمرته ، وعلى حين غرته ، فتبرأ منه قبيله ~~وأحباؤه ، وأسلمه للموت أهله وأقرباؤه ، فلم ينصره أهل ولا عشير ، ولم يكن ~~له منهم نصير ، بكاه من بكاه منهم قليلا ، ثم هجره وجفاه طويلا ، فكأن لم ~~يره قط حيا ، ولم يكن له في حياته صفيا! # فأبصر يا أخي وبادر ، واعتبر بما ترى وحاذر ، فرب مبصر لا يبصر ، ومعتبر ms07 ~~بما ترى لا يعتبر ، يستر بالأشجان والأحزان ، ويغر بالرجاء والأماني ، وهو ~~دائب في قطع عمره وأجله ، مغتر بمناه ورجاه وأمله ، لا يتنفس نفسا ، ولا ~~يطرف طرفا ، إلا قطع به من أجله ناحية وطرفا ، لا يغفل عنه وإن غفل ، ولا ~~يؤخر لما رجاء وأمل ، قد جد به المسير ، واختدعه الأمل والتسويف والتأخير ، ~~فأمله خدعة وغرور ، وأجله متعة وبور. # يا أخي فالعجل العجل ، فقد ترى المسير إلى الموت والترحل ، لا يقلع زاحله ~~وسائره ، ولا يريع (1) على أوائله أواخره ، يلحق المتأخر بالسائر الأول ، ~~والمقيم من أهله بالظاعن الراحل ، لا يخلف من العباد جميعا متخلفا ، بل ~~يختطف نفوسهم خطفا ، يأخذ الصغير أخذه للكبير ، ويلحق بعضهم بعضا في الموت ~~والمصير. فنسأل الله أن يبارك لنا في حلوله وموافاته ، وأن يجعلنا ممن ~~أسعده في يوم مماته ، ونستغفر الله خير الغافرين ، ونضرع إليه في عصمتنا من ~~هلكات الجائرين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. ### | [موعظة] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله حمدا دائما مقيما ، وصلى الله على محمد وأهله وسلم تسليما ، نستهدي PageV02P485 # الله للهدى ، ونعوذ به من الضلالة والردى ، فكم من ضال مغتر؟! ورد (1) ~~مدمر ، قد غر حياته بالأمل والمنى ، وهو يرى في كل حين الموت والفناء ، ~~يتمنى من بقائه كثيرا ، وقد رأى من أخذ غريرا ، مما لا يحصيه بعد ، ولو جهد ~~كل جهد ، فكم رأى في غرته من مأخوذ! وميت بالعراء منبوذ!! يتخالس الطير ~~لحمه تخالسا ، وتتناهشه سباع الوحش تناهشا ، وكم سمع به من ملقى في بحر من ~~البحور للموت؟ يأكل لحمه من ملقى من البحر ما قاربه من حوت ، وكم رأى في ~~الثراء من ملحود؟ متناثرة أوصاله وعظامه بالدود ، وقد نسيه بعد الذكر ~~أهلوه!! وقطعه بعد مودته مواصلوه ، فأغفلوا ذكره فلا يذكرونه إلا قليلا ، ~~وكلهم فقد كان له أهلا وخليلا ، فكأن لم يروه قط حيا في الأحياء معهم!! ولم ~~ينالوا منه ومن كده عليهم ما نفعهم!! # فيا ويل من سقط هذا عن ضمير قلبه! وأصر مقيما على الخطيئة بعد علمه به! ~~كيف خسر ms08 دينه ودنياه؟! وآثر ضلالته في الحياة على هداه؟! فهلك هلاك الأبد ~~وقد رأى في حياته منجاه ، ودل فيها على نجاته ورداه. # فنعوذ بالله لنا ولك من العماية عن الهدى ، ونعتصم بالله لنا ولك من ~~الهلكة والردى ، فما يردى بعد هداية الله ويهلك بما حذره الله من المهالك ، ~~إلا كل شقي من الخلق هالك!! فنستجير بالله من الهلكة والشقاء ، بعد من الله ~~علينا بالهداية والتقى! # فكم من مهدي لقصده ورشده؟! قد ضل بعد هدايته عن قصده! # وكم من مستمع ومبصر لا يسمع ولا يرى؟! كما قال الله تبارك وتعالى : ( ~~@QUR@012 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ~~) (198) [الأعراف : 198]. وقال سبحانه : ( @QUR@06 صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون ) (18) [البقرة : 18]. # يا أخي فانظر فيما ذكرت واستمع ، تسعد وتنج بإذن الله وتنتفع ، ولا تك ~~كالذين هلكوا وهم يرون ، أولئك فهم المعترفون بالله المقرون ، الذين رضوا ~~من حياتهم ، بالتمني في المعاد لنجاتهم ، بما تمنوا غرورا مهلكا ، فقالوا ~~إذ اقترفوا كذبا وإفكا ، وإن كانوا قد PageV02P486 # أقروا ، لا كما فعل من نحن وأنت فيه من العذاب (1) من كبائر العصيان ، ثم ~~ادعوا النجاة بعد الإقرار بالعذاب دعوى بغير ما حجة ولا برهان. # ولفي ذلك ، وأولئك ، وهم بنوا إسرائيل عليه السلام ، وذرية إبراهيم خليل ~~الرحمن ، ما يقول سبحانه : ( @QUR@020 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ~~(23) @QUR@015 ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في ~~دينهم ما كانوا يفترون (24) @QUR@012 فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ~~ووفيت كل نفس ما كسبت ) [آل عمران : 23 25]. وقال سبحانه : لهذه (2) الأمة ~~، فيما نزل من آياته المحكمة : ( @QUR@020 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) (123) ~~[النساء : 123] ، فكفى يا أخي بما يسمع السامعون من هذا ومثله بيانا ~~وتبصيرا! نفعنا الله ونفعك بتبصيره ، وما من به علينا وعليك من تذكيره. ### | [رسالة إلى بعض بني عمه عن ms09 الدنيا والزهد فيها] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم. # متعك الله من نعمه وحوطها ، ومنعك من مذموم الأمور ومسخوطها ، بما أمتع ~~به أهل رحمته ونعمته ، ومنع به من المكاره أهل توفيقه وعصمته ، ومن عليك من ~~تقوى الله وإيثارها ، ورفض الدنيا واحتقارها ، بما من به على من آثره ، ~~وأجل أمره فوقره ، فإن ما أمر الله به من رفض الدنيا واستقصارها ، دليل ممن ~~فعله على إيثار الآخرة وإكبارها ، وإن رفض الدنيا والإعراض عنها ، دليل ممن ~~فعله على الإقبال على الآخرة والاستكثار PageV02P487 # منها. # وكذلك التمسك ببعض الدنيا ومقتها ، دليل ممن فعله على إكرام الآخرة ~~ومحبتها ، وعلى قدر يقين أولياء الله بما عظم من أمر الآخرة وأمورها ، ~~زهدوا في الدنيا فاستقلوا جهدهم من متاع غرورها ، فتبلغوا إلى الله بالعلق ~~(1)، واكتفوا من نعيمها باللعق (2)، إكبارا لما وجدوه فيها إجلالا لله من ~~السخط ، ولما عليه العباد فيها من الإعراض عن أمر الله والفرط ، ولما (3) ~~رأوا الباطل يسمو علوا ، وحق الله فيها معطلا مجفوا ، صحبوا أيام حياتهم ~~بالحرق (4) والزفرات ، وهجروا ما أحل الله لهم فيها من الطيبات ، وأعرضوا ~~من الدنيا عما أعطاهم ، ولم يعطه من أهل الدنيا بتحليله له سواهم ، ولم ~~يجعله حلالا (5) فيها إلا لمن اهتدى إلى الله فيه هداهم ، وأيقن فيها بالله ~~يقينهم ، ودانه في إيثار الحق دينهم ، فحقيق بذلك منهم لسخطهم فيها على من ~~أسخط ذا الجلال والإكرام ، أولا تعلم أغناك الله أن من أسخط لنفسه (6) ~~الآدميين ليشتغل عن كثير من المطعم والمشرب والكلام ، لما هو فيه من الشغل ~~بحرقه وأسفه وسخطه ، حتى ربما ذهب سخط بعضهم في ذلك بعقله لفرطه ، فكيف بمن ~~سخط وغضب لرب الأرباب ومغاضبه؟ أليس ذلك أولى بالقليل في تنعمه ومطاعمه ~~ومشاربه؟ بلى إنه لأولى بذلك ، وأحق ممن كان كذلك ، ولذلك أزكى عند الله ~~وأرضى ، وأوجب في الفرض لو كان من الله فرضا ، ولكنه سبحانه لرحمته ~~بالمؤمنين وإحسانه إليهم ، ورأفته بهم وتحننه (7) عليهم ، جعل ذلك لهم ~~سبحانه تطوعا ونافلة ، وفيما بينهم وبينه فضائل ms10 لهم كاملة ، فقال جل ثناؤه ~~: ( @QUR@05 يا أيها الذين آمنوا لا PageV02P488 # @QUR@013 تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين ) (87) [المائدة : 87]. وقال سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وآله : ( ~~@QUR@021 قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) [الأعراف : 32]. فجعلها ~~لهم في الدنيا وأخلصها لهم في الآخرة ، ولم يجعل معهم فيها حظا للكفرة ولا ~~للفجرة. # وقال سبحانه : ( @QUR@024 ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين ) (93) [المائدة : 93]. فلم يجعلها الله سبحانه ~~إلا لمن اتقى ، وحرمها على من فجر وتعدى ، ولم يكن من أهل الإيمان بالله ~~والهدى ، فاستقل أولياء الله منها ، وأعرضوا لسخطهم لله عنها ، كما جاء في ~~أثر عن عثمان بن مظعون ، فيما كان حرم على نفسه من الأطعمة واللحوم ، (1) ~~جعلنا الله وإياك من أوليائه ، وأسعدنا وأسعدك بطاعته في يوم لقائه. # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلنا وهو رب العرش ~~الكريم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الأكرمين. # * * * PageV02P489 ms11