######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام ¶ المؤلف : الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# auth: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 75 #META# الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# bkord: 110 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع كتب ورسائل الامام القاسم الرسي عليه السلام #META# comp: 1 #META# bk: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# max: 999 #META# المؤلف: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# authinf: المؤلف: الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي ¶ ترجمة المؤلف: هو الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، أحد أكابر علماء أهل البيت النبوي الطاهر. كان فقيها محدثا، مناظرا، مجاهدا، شاعرا، زاهدا. له مواقف وجولات وصولات مع بني العباس، وله العديد من المؤلفات لا يسع المقام هنا لسردها مزيدا حول ترجمتة انظر: الأعلام (6 /5)، التحق شرح الزلف (39)، معجم المفسرين (1 / 431)، المصابيح لأبي العباس. الحدائق الوردية (خ)، أعيان الشيعة (8 - 435 -436). #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | الدليل الكبير # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وبه نستعين، وصلواته على خير خلقه أجمعين، سيدنا محمد وأهل ~~بيته الطاهرين، وسلم تسليما. # قال الحسين بن القاسم بن إبراهيم: سألت أبي يوما رحمة الله عليه، عن ما ~~يقال للزنادقة والملحدين، فيما يسألون عنه من الدليل على الله رب العالمين، ~~تقدست أسماؤه، وجل ثناؤه ؟! # فقال: سألت يا بني عن أكرم مسائل السائلين، وعن ما بجهله هلك أكثر قدماء ~~الأولين، فتخبط فيه منهم - عماية - من تخبط، وأفرط بجهله فيه منهم من أفرط، ~~بغير ما حجة ولا برهان لمنكرهم في إنكاره، ولا عدم دليل مبين فيما هلك به ~~من احتياره، إلا ما اتبعوا من مضل أهواء الأنفس، وضلوا به لتقليد أسلافهم ~~من غواة الجن والإنس. # وحجج الله عليهم تبارك وتعالى في العلم به قائمة ظاهرة، وشواهد معرفته ~~سبحانه لكل من خالفها بإنكار أو احتيار غالبة قاهرة. فالحمد لله ذي الغلبة ~~والسلطان القاهر، ولمعرفته والعلم به الحجة والبرهان الزاهر. PageV01P012 ### || AUTO [دليل الحكمة والإتقان] # فدليل العلم بالله يا بني وأعصم أسبابه، وأقرب ما جعل للعلم به من مداخل ~~أبوابه، ما أظهر في الأشياء سبحانه من آثار الحكمة المتقنة، التي لا تكون ~~إلا من مؤثر متقن، وأبان في الأشياء من شواهد التدبير الحسنة المحكمة، التي ~~لا تكون إلا من حكيم محسن، كما قال سبحانه: {ذلك عالم الغيب والشهادة ~~العزيز الرحيم، الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} [السجدة:32]. فكل ما ذكره سبحانه ~~فجعائل لابد لها من جاعل، وفعائل لا تقوم أبدا إلا بفاعل، ولن يوجد جاعلها ~~وفاعلها إلا الله سبحانه ذو الأسماء الحسنى، البريء من مشابهة الجعائل ~~والفعائل في كل معنى. # ومن أسباب العلم به ودلائله، بعد الذي أبان من أثر التدبير في جعائله، ~~أوثق وثائق الأسباب، مما فطر عليه بنية الألباب، من العلم البت، واليقين ~~المثبت، الذي لا يعتري فيه - بحقيقة ms01 - شك ولا مرية، ولا تعترض فيما جعل من ~~بصائره شبهة معشية، من أن لكل ما أحس أو عقل، مما أثر سبحانه وجعل، خلاقا ~~متيقن معلوم، لا تدركه الحوآس ولا الوهوم. يعقل ويعرف بخلاف ما عقلت به ~~الأشياء وعرفت، فتخالفه ويخالفها بغير ما به في نفسها اختلفت. فهذان أصلان ~~مجملان، لمعرفة الله عز وجل ثابتان، وشاهدان عدلا ن، على العلم بالله بآتان. PageV01P013 ### || AUTO [وسائل المعرفة] # ولن يخلو العلم بالله، والوصول إلى المعرفة بالله، من أن يكون مدركا: # 1 بمباشرة حس فيكون كمحسوس، # 2 أو يدرك بمباشرة نفس فيكون كبعض ما يدرك من النفوس. # وليعلم من وصل إليه كتابنا هذا في ذكر درك النفس أن فلاسفة الروم، ~~يزعمون: أن للنفس دركا ليس بدرك الحوآس ولا درك الوهوم. ولا سيما عندهم إذا ~~كانت النفس معرآة من الأجسام، ومبرأة مما هي عليه من أوعية الأجرام . # 3 أو يدرك من وهم جائل، فيكون كمتوهم بالمخايل . # 4 أو يكون دركه سبحانه بظن، فيكون دركه كالمتظنن، الذي يصيب فيه الظن مرة ~~ويخطي، ويسرع المتظنن بظنه فيه ويبطي. # 5 أو يدرك من دليل مبين، فيكون مدلولا عليه ببت يقين. # 6 أو يكون مدركا سبحانه بحال واحدة دون أحوال، أو بما يمكن اجتماعه من كل ~~ما وصفنا من الخلال. # 7 أو مدركا بجميع ما قلنا وحددنا، ووصفنا من الأمور كلها وعددنا. # 8 أو مدركا سبحانه بخلافه لكل محسوس الأشياء ومعقولها، في جميع ما يدرك ~~من فروع الأشياء وأصولها. # وهذا الباب من خلافه سبحانه لأجزاء الأشياء كلها، فيما يدرك من فروع ~~الأشياء جميعا وأصلها، فما لا يوجد أبدا إلا بين الأشياء وبينه، ولا يوصف ~~بها أبدا غيره سبحانه. وهي الصفة التي لا يشاركه عز وجل فيها مشارك، ولا ~~يملكها عليه تعالى مالك. # ولا يعم جميع الأشياء ما يقع من الاختلاف، فلن يوجد واقعا إلا بين ذوات ~~الأوصاف. وكل واحد منها وإن خالف غيره في صفة فقد يوافقه في صفة أخرى، كان ~~مما يعقل أو كان مما يلمس أو يرى. فإن ms02 اختلف محسوسان في لون أو طعم، اتفقا ~~فيما لهما من حدود الجسم، وإن اختلف معقولان في فعال أو همة، اتفقا فيما ~~يعقل من أصولهما المتوهمة. كالملائكة والإنس والشياطين التي أصولها في ~~النفسانية واحدة متفقة، وهممها وأفعالها مختلفة مفترقة. PageV01P014 # فهمم الملائكة الاحسان والتسبيح، وهمم الشياطين العصيان والقبيح، وهمم أنفس ~~الانس فمختلقة كاختلافها، في قصدها وإسرافها، فتحسن مرة وتبر، وتسيء تارة وتشر . # وكل خلق من الملائكة والانس والشياطين فقد جعل الله له صفة متممة ذاتية، ~~بها بان بعضهم من بعض وكانت لكل من جعلها الله له خآصة صنفية، فهي لهم ~~وبينهم ولهم اختلاف، وكلهم بها وبما جعل الله منها أصناف، بعضهم غير بعض، ~~كما السماء غير الأرض. # وليس من وراء ما قلنا في الدرك لمعرفة الله والوصول إلى العلم بالله قول، ~~ولا بعد الذي عددنا وحددنا في أصول المعارف بالله أصل معقول. # ولابد من النظر لمن أراد يقين المعرفة بالله، في تصحيح كل ما وصفنا صفة ~~بعد صفة في معرفة الله، ليأتي المعرفة بالله من بابها، وليسلم بذلك من شكوك ~~النفس وارتيابها، فإنه لن تزكو نفس ولن تطيب، ولن يهتدي امرؤ ولن يصيب، ~~اعتلج في صدره بالله ريب مريب، ولا كان فيه لشك في الله نصيب. # فنستعين بالله على معرفته ويقينها، ونرغب إليه في يقين أوليائه ودينها، ~~فان ذلك ما لا يثبت لمن ادعاه بدعوى غير ذات بينة ولا أصل، فضلا عن من كذب ~~دعواه في ذلك من العامة سوء الفعل، فقال: أعرف الله بلسانه، وكذب ما ادعى ~~من المعرفة له بكبير عصيانه . # فإذا قيل له: بم عرفت ما تزعم، ومن أين علمت ما تقول إنك تعلم ؟! # قال: يا سبحان الله! ومن يجهل الله ؟! وهل يسأل أحد عن معرفة الله ؟! PageV01P015 # وليس عنده من وجوه المعارف التي عددنا كلها وجه! ولا له في الجهل بالله ~~لفاحش عصيانه مثل ولا شبه، يقول أبدا فيكذب، ويخوض أبدا ويلعب، فقوله خوض ~~وزور، وفعاله فساد وبور، ولا يصدق قوله بفعال، ولا يقوم دعواه إلا بمحال، ~~لا يفهمه ms03 عنه لبيب، ولا يصوب مذهبه فيه مصيب، كالبهيمة المهملة الراتعة، ~~التي لا همة لها إلا في مأكل أو متعة، كما قال الله جل جلاله، عن أن يحويه ~~قول أو يناله: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى ~~لهم} [محمد:12]. وقال سبحانه: { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون } [الأعراف :179]. وقال سبحانه: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم ~~الأمل فسوف يعلمون } [الحجر:3]. # فنعوذ بالله يا بني من مثل حالهم، ونرغب إليه في السلامة من سوء فعالهم، ~~وحسبنا الله في معرفته دليلا وداعيا، وموفقا سبحانه للعلم به وهاديا. PageV01P016 ### || AUTO [تفصيل طرق المعرفة] # فأول باب: وصفناه من دركه سبحانه بمباشرة الحس، والباب الثاني: من دركه ~~سبحانه بمباشرة النفس، ففاسد أن يكون الله سبحانه بواحد منهما مدركا أو ~~معروفا، لأنه إن عرف أو أدرك بما أدركا به أو عرفا كان بصفتهما موصوفا، ~~يجري عليه ما يجري عليهما، ويضاف إليه تعالى ما يضاف إليهما، من تجزئة الكل ~~والأبعاض، وألم به ما يلم بهما من الآلام والأعراض. # لأن ما يدرك من كل محسوس، وإن كان خلافا لما يعقل من النفوس، فلن يخلو من ~~أن يكون خليطين خلطا فامتزجا فتوحدا، أو أخلاطا كثيرة عدن مزاجا واحدا، ~~فتبدلن عن حالهن الأولى، وصرن كونا من الأكوان التي تبلى، وما كان كونا ~~لزمه ما يلزم الأكوان، ولم يتقدم الحركة ولا الأزمان، وكان فيهما محظورا، ~~وبما حصرهما من الحدث محصورا. # وحدث الحركة والزمان، وقرائنهما من الجسم والصورة والمكان، فما لا ينكره ~~إلا بمكابرة لعقله، أو فاحش مستنكر من جهله من سلمت من الخبل نفسه، ونجت ~~من نقص الآفات حوآسه. # وكل نفس فذات قوى شتى مختلفة، كل صفة منها فسوى غيرها من كل صفة، واختلاف ~~قوى كل نفس فمعروف غير منكر، منها التوهم والفكر، وغيرهما من التذكر والخطر . # وقوى كل نفس فمتممة لها، لا يمكن أن تزايلها، لأنها إن زايلتها قوة من ~~قواها المتممة لكونها، وما وصفناه من محدود كمال شؤونها، كان في ذلك من ~~زواله زوالها، وزال عن النفس بزواله ms04 عنها كمالها، وفنيت النفس بفنائه، ولم ~~تبق النفس بعد بلائه. PageV01P017 # ألا ترى أن قوى النفس المتممة لكونها، ومحدود كمال شؤونها، كحر الشمس ~~ونورها، وغيرهما مما لا قوام للشمس دونه من أمورها، وكذلك قوى النار في ~~إحراقها وحرها، كقوى النفس في توهمها وذكرها، فإن فني حر الشمس أو نورها ~~فنيت، وإن بلي إسخان النار أو إحراقها بليت، وكذلك النفس إن زايلها، ما ~~جعله الله من القوى لها، فزال فكرها عنها، أو فني توهمها منها، فنيت ~~بفنائه، وبليت مع بلائه. # وفي ذلك، إذا كان كذلك، دليل مبين، وعلم ثابت صحيح يقين، أن النفس كثيرة ~~عددا، وأنها ليست شيئا واحدا، فكل نفس فغير واحدة، ولكنها كثيرة ذات عدة، ~~والله تبارك وتعالى فواحد فرد، وقوته فمفردة ليس لها حد، ومن لم يكن واحدا ~~فردا، ونهاية في الدرك صمدا، كان متحآدا معدودا، وأشتاتا متناهيا محدودا. # والباب الثالث: من دركه سبحانه بمخايل الأوهام، ففاسد لتشبيهه فيه بمتوهم ~~مخايل الأجسام. # والباب الرابع: من دركه سبحانه بالظن فقد يمكن ويكون، إذ كانت قد تخطئ ~~وتصيب الظنون. # فصواب الظن في أنه قد يصيب فيه سبحانه، وخطأ الظن فيه فمنحى عنه مقطوعة ~~الأسباب فيما بينها وبينه. # والباب الخامس: من دركه سبحانه بالدلالة فموجود لا يعنف، وصحيح ثابت في ~~الألباب لا يختلف. # والباب السادس: من دركه سبحانه بحال واحدة مما عددنا، ففاسد فيه تبارك ~~وتعالى بما أفسدنا. # والباب السابع: من دركه سبحانه بكل ما عددنا وحددنا من الخلال، فأحول ما ~~يتوهم من وجوه المحال، لما يجمع مما لا يجتمع في حس ولا عقل ولا وهم، وفي ~~ذلك أن يكون كذلك أعدم العدم !! PageV01P018 # والباب الثامن: معرفته سبحانه بخلاف الأشياء كلها فلباب كل لباب، وأصح ما ~~يدركه به سبحانه من خلقه أولو الألباب، لأنه إذا صح أنه غير مدرك سبحانه ~~بدرك هذه الأشياء وأوصافها، وكان لابد لمن أدرك هذه الأشياء دركا صحيحا من ~~أن يكون مدركا بصحة لخلافها، بيقين من دركه لها مبتوت، كدرك الحياة ~~وخلافها من الموت، ودرك الصحة وخلافها من السقم، ms05 ودرك الشباب وخلافه من ~~الهرم، وغير ذلك من اختلاف الأشياء كلها، وما يوجد لها من الاختلاف في ~~فرعها وأصلها، وإذا كان ذلك كذلك، وصح ما ذكرنا في النفوس من ذلك، كان ~~واجبا وجوب اضطرار، وثابتا من النفوس في أثبت قرار، دركه سبحانه ووجده عند ~~دركها ووجودها، إذ هو خلاف سبحانه لكل ما يوجد من موجودها. # فإن قال قائل: فلم لا تجعل خلاف الأشياء كلها العدم ؟! فقد يحيط بخلافه ~~للأشياء كلها الوهم ؟!. # قلنا: إن العدم ليس بمعنى موجود، وليس مما له إنية ولا حدود، وإنما ~~مطلبنا فيما قلنا، للخلاف بين ما قد عقلنا، من ذوات الإنية الموجودة ~~الثابتة بالحس، أو الشهادة البآتة من درك النفس، أو ما يدرك خلافا لهما ~~جميعا، فيوجد أثر تدبيره بينا فيهما معا. PageV01P019 # فأما ما ليس بذي أيس، ولا يدرك درك محسوس، ولا يعرف بفرع ولا سوس، ولا ~~يبين عن نفسه بأثر من تدبير، ولا يستدل على وجوده بدليل منير فليس فيه لنا ~~مطلب، ولا لنا إليه بحمد الله مذهب، وإنما قولنا في العدم، إنه خلاف في ~~الوهم، لا في حقيقة للعدم موجودة، ولا عين منه قائمة ولا محدودة، وإنما ~~يطلب خلاف الأشياء كلها في حقائق الأعيان، بما يدرك في العقل والعلم من ~~الاختلاف ببت الايقان، وكذلك وجدنا الاختلاف الصحيح اليقين يكون، بين ما ~~يحس أو يعقل من الأشياء التي لها كون، فأما العدم الذي هو ليس، والذي لم ~~يتوهم له قط أيس، فليس في بعده من أن يقال: مختلف بحقيقة أو مؤتلف وهم، ~~وليس لأحد علينا والحمد لله في اختلاف منه ولا ائتلاف متكلم، هو غير ذي شك ~~عدم الأعدام، ولا يرتفع عنه إلا بعبارة المنطق نطق الكلام. PageV01P020 ### || AUTO [دلالة الآيات الكونية على وجود الله] # والحمد لله على ما جعل لنا من السبيل بما قلنا وغيره إلى معرفته، ودلنا ~~عليه في محكم القرآن منا وإحسانا من صفته، فقال سبحانه فيما عرفنا، منه ~~وثبت لنا، من أنه يعرف بالأعلام القائمة الدآلة، والشهادات القاطعة ~~العادلة، التي لم تبرح ms06 في الأنفس والآفاق شاهدة مشهودة، ولم تزل في ~~السماوات والأرض وما بينهما من سالف الأحقاب قائمة موجودة، تشير إلى معرفته ~~بكف وبنان، وتومئ إلى العلم بالله لكل من له قلب وعينان، كما قال الله ~~سبحانه: { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ~~[يوسف :105]. وقال سبحانه: { وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون، وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون } [الذريات :20 23]. وقال سبحانه: { سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } ~~[فصلت:53]. فمن شهادته سبحانه لها أنه لما كان منها مدبر مريد، ثم قرر لنا ~~سبحانه شهادة دلائله، بما أظهر في السماوات والأرض والأنفس من أثر جعائله، ~~بتوقيف منبه لكل بصير حي، وتعريف لا يجهل بعده إلا كل ضليل عمي، فقال ~~سبحانه في توقيفه، وما نبه من تعريفه: { إن الله فالق الحب والنوى يخرج ~~الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون، فالق الاصباح ~~وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم، وهو الذي ~~جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلما ت PageV01P021 البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون، وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ~~فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون، وهو الذي أنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية ~~وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا ~~أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } [الأنعام:95-99]. ففلق الحب يا ~~بني والنوى والاصباح، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي بأوضح الايضاح، ~~وما جعل من الليل سكنا، ولباسا مكنا، ومن الشمس والقمر حسبانا معدودا، وما ~~جعل في النجوم للسارين من الهدى، وإنشاء البشر من نفس واحدة، فما لا تنكره ~~فرقة ملحدة ولا غير ملحدة. وما استودع منهم في الأرحام والأصلاب، وما استقر ~~_ منهم في قرار ms07 الأرض وعلى متن التراب، وما أنزل من الماء، من جو السماء، ~~وما أخرج به من خضر الألوان المختلفة، وأصناف الحبوب المتراكبة المتصنفة، ~~وما أخرج به من النخل وطلعها، وقنوانها الدانية عند ينعها، وما أخرج به من ~~جنات الأعناب ذوات الألوان، وما تشابه أو لم يتشابه من الزيتون والرمان _ ~~فمعاين كله بما قال الله فيه مشهود، بين فيه كله أثر صنع الله موجود، لا ~~يقدر أحد له بحجة على إنكار، ولا يمتنع حكيم على الله فيه من إقرار. PageV01P022 # ومن توقيفه سبحانه المكرم، وتعليمه تبارك وتعالى المحكم، قوله: {قل من ~~يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون!! فذلكم الله ربكم الحق فماذا ~~بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون!! } [يونس:31-32]. # وكل ما ذكر الله سبحانه من هذا كله فقد علمنا بيقين، وأدركنا بقلب وعين، ~~أنه مرزوق غير رازق، ومخلوق ليس لنفسه بخالق، ومملوك غير مالك من نفسه ~~بشيء، ومخرج ومحيا غير مخرج لنفسه ولا محيي، وكل أمر السماء والأرض فقد ~~يعاين مدبرا غير مدبر، ويرى أثرا بأبين شواهد التأثير من مؤثر، فلا بد ~~ببت اليقين من رازق ما يرى من الأرزاق، ومدبر ما يعاين من أثر التدبير في ~~السماوات والآفاق، ومالك ما يرى مملوكا غير مالك من السمع والأبصار، ومخرج ~~الحي من الميت والميت من الحي بمواقيت وأقدار، ولا بد من مدبر الأمر الأعم ~~الكلي، ولن يوجد ذلك إلا الله الأعلى فوق كل علي. PageV01P023 # ومن ذلك أيضا فقوله تبارك وتعالى: { أفرأيتم ما تمنون، أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون ؟! } [الواقعة:58- 59]. فالله سبحانه هو الخالق ونحن الممنون، ~~ليس لنا في ذلك غير إمناء المني من صنع، ولا نقدر بعده لما قدر بيننا من ~~الموت على منع، فتقدير صنعنا كله وتدبيره، وتبديل خلقنا إن شاء خالقنا ~~وتغييره، إلى من تولاه دوننا، وكان منه لا منا، كما قال سبحانه: { نحن ~~قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين، على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما ~~لاتعلمون، ms08 ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } [الواقعة:60- 62]. فقرر ~~سبحانه بمعلوم غير مجهول، وذكر بما لا ينكره سليم العقول، من نشأة الصنع ~~الأولى، فتبارك الله العلي الأعلى. PageV01P024 # ثم قال سبحانه: { أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ؟! } ~~[الواقعة:63- 64]. فالله هو الزارع ونحن الحارثون. ليس لنا في الزرع سوى ~~حرثه من حيلة موجودة ولا معدومة، ولا نقدر بعد الحرث له على إنشاء منه ~~لسنبلة محمودة ولا مذمومة، وقدرتنا فإنما هي على الحرث والاعتمال، وعلى ~~خلافهما من الترك والاغفال، وكذلك فلله من القدرة بعد على إبطال الزرع ~~وبلائه، مثل الذي كان له من القدرة قبل على تثميره وإنمائه، ولا يقدر على ~~أمر إلا من يقدر على خلافه، وعلى فعل كل ما كان من نوعه وأصنافه، فمن لم ~~يكن كذلك، وتصح صفته بذلك، كان بريا من القدرة عليه، وكان العجز في ذلك ~~منسوبا إليه، كما قال سبحانه، في الزرع بعد إكماله: { لو نشاء لجعلناه ~~حطاما فظلتم تفكهون، إنا لمغرمون، بل نحن محرومون } [الواقعة:65- 67]. ~~وكذلك إعذاب الماء، وما يعاين من تنزيله من جو السماء، فلا يقدر على إعذاب ~~الماء وإنزاله، إلا من يقد على إيجاجه وإقلاله، كما قال الله سبحانه: { ~~أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو ~~نشاء جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون } [الواقعة:68- 70]. وكل فعل فرع لا يتم ~~إلا بأصله، ففاعل الأصل أولى بفعل فرع أصله، كشجرة النار، وأصول الأشجار، ~~التي هي من الأرض والماء، والجو والسماء. PageV01P025 # فصنع هذه الفروع لمن كان له صنع الأصول، لا ينكر ذلك منكر ولا يدفعه إلا ~~بمكابرة فطر العقول، كما قال الله سبحانه: { أفرأيتم النار التي تورون، ~~أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين } ~~[الواقعة:71- 73]. فكل ما نبه به من هذا ودل عليه، فداع من معرفته سبحانه ~~إلى ما دعا إليه. # ومن ذلك أيضا، فقوله تبارك وتعالى: { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد ~~موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون } [الحديد:17]. فإذا كانت حياة ~~الأرض بعد موتها موجودة، وميتتها التي كانت تعلم قبل ms09 حياتها مفقودة، فلا بد ~~اضطرارا ثابتا، ويقينا لا تدفعه النفوس بآتا، من إثبات مميتها ومحييها، إذ ~~بان أثر تدبيره فيها، بأكثر مما يعقل من الآثار، وأكبر مما تعرفه النفوس من ~~الأقدار، مما لم ير له في الحياة قط مؤثر، ولم يوجد له من المدبرين قط ~~مدبر، إلا من يزعم أنه من الله لا منه، ومن يقر أنه منه يقر أنه من الله ~~دونه، مثل المسيح بن مريم، وغيره ممن أعطيه من ولد آدم. # ومن تعريفه القريب، وتوقيفه العجيب، قوله سبحانه: { قل لمن الأرض ومن ~~فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون } [المؤمنون:84- 85]. ~~فلما كانت الأرض مملوكة ومن فيها، بما تبين من أثر الملك عليها، ثبت مالكها ~~عند معاينتها غير مدفوع، ووجد صانعها باضطرار غير مصنوع. # ومن توقيفه، أيضا وتعريفه، قوله سبحانه: { قل من رب السماوات السبع ورب ~~العرش العظيم } [المؤمنون:86]. فلما وجد ما وقف الله سبحانه عليه من ذلك ~~مربوبا غير متمنع، بما تبين فيه من شواهد كل مربوب متخشع، وجد ربها كلها ~~بيقين مبتوت عند وجودها، وشهد له بالربوبية ما شهد بالصنع عليها من شهودها. PageV01P026 # ثم قال سبحانه لتوقيفه وتعريفه مرددا، وعليهم بما لا تدفعه النفوس من ~~الشهود مستشهدا : { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون } [المؤمنون:88]. فلما كان كل شيء يحس بحس، أو يعقل إن لم يكن ~~محسوسا بنفس، في قبضة محيطة به من قدرة وملكوت، بما لا يدفعه عن نفسه من ~~بلاء أو موت، كان مليك الملكوت للأشياء كلها معلوما باضطرار، من يجير ولا ~~يجار عليه إذ الملكوت كلها له غير ممتنعة منه بجار. # ومما يقظ به سبحانه لمعرفته، ودل منه بأوضح دليل على ربوبيته، وما تفرد ~~به من صنع البدائع، وتوحد بابتداعه من بدع الصنائع، قوله سبحانه: { والله ~~خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك ms10 على الله يسير ~~} [فاطر:11]. # فلما أن كان خلق أبينا، الذي هو أول إنشائنا، وهو آدم، الأب المقدم، مما ~~ذكر الله تبارك وتعالى أنه ابتدأه منه من التراب، كنا مخلوقين مما خلق منه ~~وإن نحن جرينا بعده نطفا في الأصلاب. # والدليل البت اليقين، الشاهد العدل المبين، على أن آدم عليه السلام بدئ ~~من التراب وخلق، مصير نسله ترابا إذا بلي وفرق، وكل مركب انتقض من الأشياء، ~~فعاد إلى شيء عند تنقضه بالفرقة والبلى، فمنه ركب وخلق غير شك ولا امتراء، ~~كالثلج والجليد، والبرد الشديد، الذي يعود كل واحد منهما إذا انتقض وفرق، ~~إلى ما ركب منه من المياه وخلق، وكمركب الأشجار والحبوب وغيرهما من ضروب ~~الأغذية، التي تعود عند بلائها إلى ما ركبت منه من الأرضين والمياه ~~والنيران والأهوية. PageV01P027 # وآدم عليه السلام في أنه من تراب - وإن كان كمالا وأبا - كأولاده، يجري ~~عليه في أنه من تراب ما يجري على أجزائه وآحاده، وما يعاين من معاد أنساله، ~~التي هي أجزآؤه من كماله، إلى الرفات الجامد، والتراب الهامد، يلحق به ~~مثله، إذ هم جزؤه ونسله، وما لحق بالأجزاء، من الموت والبلاء، فلاحق لا ~~محالة بالكمال، والكمال والأجزاء فجارية منه على مثال، إذ كانت أشباها ~~متماثلة، وأمثالا لا يجهل تماثلها متعادلة! وأما يقين خلقه إيانا سبحانه من ~~نطفة، وما جعل منا أزواجا مختلفة، في الخلقة غير مؤتلفة، فمعاين فينا ~~معلوم، لا تدفعه العيان ولا الحلوم. ألا ترى أن النطفة لو لم تكن لما كنت، ~~ولو عدمت إذن لعدمت. وما كان إذا عدم عدمت، فمنه غير شك خلقت وقومت. ألا ~~ترى أن كون المرعى والأشجار، مما ينزل الله لها من المياه والأمطار، فإذا ~~عدم الماء والمطر، هلك المرعى والشجر، أولا ترى أن كل ثمرة فمن شجراتها، ~~فإذا عدمت الشجرات عدمت ثمراتها. # وما عجب الله به سبحانه من صنعه في تكثيره منه للقليل المفرد، ونشره ~~تبارك وتعالى للكثير من واحد العدد، فأعجب عجاب، عجب له من خلقه أولو ~~الألباب، بينا نحن تراب ميت إذ أحيانا، ms11 ونطفة واحدة إذ كثرنا فأثرانا، فجعل ~~سبحانه منا بنطفة تمنى، ذكرا يعاين وأنثى، حكمة منه سبحانه لا عبثا، كما ~~قال تبارك وتعالى: { أيحسب الانسان أن يترك سد ى، ألم يك نطفة من مني يمنى، ~~ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى } [القيامة 36 40]. # فصرفنا بعد خلق خلقا، ترابا ثم نطفة ثم تارة علقا، تصاريف لا يدعي على ~~الله فيها مدع دعوى، فيعلن بدعواه فيها ولا يسر بها نجوى، تبريا إلى الله ~~الخالق منها، وتضآؤلا في جميع الأشياء عنها. PageV01P028 # وكل هذه التصاريف فلا بد لها من مصرف، وما عدد من شتيت الأصناف فلا بد لها ~~من مصنف، لا تدفع الألباب وجوده، ولا يكذب إلا كاذب شهوده. # وما ذكر سبحانه من حمل كل أنثى ووضعها بعلمه، فما لا ينكره أحد وهبه الله ~~حكمة من حكمه، وما لا يأباه منقوص بعد التقرير إلا بمكابرة منه لعقله، مع ~~الاقرار منه لنا صاغرا راغما بمثله، وإذا كان بمثله مقرا، كان بإنكاره له ~~مكابرا، بل يعطى فيأبى، إلا مجانة وألعابا، إنما هو أصغر صغرا، وأيسر ~~أضعافا قدرا، من حمل الأنثى ووضعها، وتأليف أعضاء الولدان وجمعها، وما فيها ~~من حسن التصوير، وداخل معها في لطيف التدبير، لا يقوم معتدلا، ولا يبقى ~~متصلا، طرف عين، بأيقن يقين، إلا بعلم من عليم، وتدبير متقن من حكيم، لا ~~تلم به سنة ولا نوم، ولا تنازعه الأشغال ولا الهموم. PageV01P029 # وكذلك تعمير المعمر، وما ينقص له من عمر، فلا يكون أبدا إلا في كتاب، إذ ~~كانت الأيام والليالي بحساب، ولا يكون نقص العمر وزيادته، إلا لمن به قوامه ~~ومآدته، ممن يدبر الأيام والليالي، ولن يوجد ذلك إلا عن الله الكبير ~~المتعالي، ولا يكون كتاب ذلك الذي هو علمه على من وسع الأشياء كلها ~~تدبيرا، إلا خفيفا لا يؤوده حفظه عليه تبارك وتعالى كما قال: يسيرا، ثم ~~أخبر سبحانه صدقا، ونبأ في كتابه حقا، بقدرته على أن يخلق من الأشتات ~~المختلفة، واحدا غير ms12 مختلف في الصفة، لأنه من قدر على خلق الأشتات من ~~المؤتلف الذي لا يختلف، قدر على خلق الواحد المشتبه من الأشتات التي لا ~~تأتلف، كخلقه سبحانه لأحدان، ما خلق من الدر واللحمان، من مختلف البحار ~~وأشتاتها، بأبين اختلاف من أجاجها وفراتها. فجعل سبحانه منها، مع خلافه ~~بينها، لحما واحدا مشتبها طريا، ولباسا واحدا من الدر حسنا بهيا، وحمل ~~سبحانه على ظهورها، مع خلافه بينها في أمورها، الفلك المشحون السائر، وردها ~~بعد التفريغ فيه مواخر، ليعلم من عجيب تدبير أمرها، واختلاف الحال في ~~مسيرها، إذ تسير شاحنة مالية، كما تسير ماخرة خالية، وإذ تسير بحاليها ~~جميعا في أجاج البحار، كما تسير بهما في فرات الأنهار أن لها لمسيرا لا ~~تختلف في قوته الأشياء، ومدبرا قويا لا تساويه الأقوياء، وأن تسييرها مقبلة ~~ومدبرة، وشاحنة في البحرين وماخرة، إلى من يدبر ما سارت به من مختلف الرياح ~~المسيرات، ومن يملك ما جرت فيه من الماء الأجاج والفرات، ومن له ملك ما ~~لولا هو لم تكن الرياح الجاريات، ولم يوجد الملح من المياه ولا الفرات. PageV01P030 # ومن إيلاجه سبحانه الليل في النهار، وما قدر بهما من المواقيت والأقدار، ~~وتسخيره سبحانه للشمس والقمر، اللذين بهما دبر مسير الفلك في البحار كل ~~مدبر، كان لتدبيره في المسير بهما في بحر حكمة، أو فيهما لفلك بعد الله ~~من نجاة عصمة، لما جعل سبحانه فيهما من الضياء، وبصر بهما في المسير من ~~القصد للأشياء، وبصر تبارك وتعالى بغيرهما، إذ فقد في ظلم الليل ما جعل من ~~البصر بتسخيرهما، من النجوم السير التي جعلها الله هدى للسارين في الظلمات، ~~سروا في البحار أو كان سراهم في الفلوات. كما قال الله سبحانه: { وهو الذي ~~جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلما ت البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم ~~يعلمون } [الأنعام:97]. PageV01P031 # وتسخير ما ذكر الله سبحانه من الشمس والقمر، وتسخيره لغيرهما من النجوم ~~السير، فظاهر بحمد الله غير متوار ولا خفي، يبصره عيانا كل ذي عقل حيي، لما ~~فيها من آيات التسخير، ms13 وبين ما معها من دليل التدبير، بتفاوت نورها، وغيره ~~من أمورها، في السرعة والابطاء، والظهور والخفاء، والرجوع والتحير، والدأب ~~في التدور، فهي راجعة في المسير ومتحيرة، ومقبلة بالدؤوب ومدبرة، فهذه حال ~~المسخر غير مرية ولا شك، جرى بها فلكها أو كانت جارية بأنفسها في الفلك. ~~والتفاوت بينها في الضياء، فكغيره من التفاوت بين الأشياء، ولا يقع حكم ~~التفاوت، أبدا بين متفاوت، إلا كان له وفيه، من فاوت بينه في حاليه، وكان ~~مملوكا اضطرارا غير مالك، وكان ملكه لمن أسلكه من التفاوت في تلك المسالك. ~~وكذلك حال تفاوت هذه النجوم، يجري من الله فيه بحكم محكوم، ولله سبحانه من ~~ملك كل نجم وفلك ماله من ملك كل مملوك، والحمد لله إله الآلهة وملك الملوك، ~~ومدبر كل نجم وغيره، بما لا يخفى من أثر تدبيره، في الهيئة والتصوير، ~~والمقام والتحيير والتيسير، ذلك قوله سبحانه فيما وصفنا من قدرته على خلق ~~الواحد المشتبه من شتيت الأصناف، وخلقه للكثير المختلف من الواحد الذي ليس ~~بذي اختلاف، وما ولي الله سبحانه من تدبير النجوم وتسخيرها، وإجراء الفلك ~~في مختلف البحار وتسييرها، وإيلاجه سبحانه الليل في النهار، وتقديره لذلك ~~كله بأحسن الأقدار، { وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح ~~أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر ~~فيه لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } [فاطر12-13]. فصدق الله تبارك وتعالى، ~~ذو الملك والقدرة والأمثال العلا، إنه لهو الله PageV01P032 ربنا، ومنا منه كان خلقنا وتركيبنا، له الملك ومنه عجيب التدبير، ومن دعي ~~معه أو دونه فما يملك من قطمير، والقطمير: فأصغر ما يملكه متفرد به مالك، ~~أو يشرك مليكا في ملكه مشارك. # فكل ما ذكر الله من هذه الأمور، فنير بين غير مستور، يشاهده ويحضره، ~~ويعاينه ويبصره، من آمن بالله شكرا، أو صد عن ms14 الله كفرا. # أو لا تسمع قوله سبحانه: {أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا ~~رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون، وجعلنا في الأرض ~~رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون، وجعلنا السماء ~~سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون } [الأنبياء 30 -33]. ففتق السماوات والأرض فيهن ~~ظاهر لا يتوارى، يراه ويعاينه كل ذي عين ترى، وما يعاين فيهن ويرى فتقا، ~~فشاهد على أنهن كن قبله رتقا، إذ لا يكون فتق إلا لمرتتق، كما لا يكون رتق ~~إلا لمفتتق، ولا فتح إلا لمنغلق. ولا بد يقينا لكل مفتوق من فاتقه، كما ~~لابد لكل مفتوح من فاتح أغلاقه، وما جعل الله من الماء من الحيوان، فموجود ~~ما ذكر الله منه بالعيان؛ لأن كل شجرة حية قائمة، أو دآبة ناطقة أو بهيمة، ~~فمن الماء جعلتها، وبه قامت جبلتها. # ألا ترى أن الشجرة إذا فقدت من الماء غذآءها، وفارق الماء قلبها ولحاها، ~~يبست فماتت، وانحطمت فتهافتت، فذلك الدليل على أن من الماء جعلت، إذ كانت ~~إذا عد م الماء عدمت. # أولا ترى أن لولا مياه الذكران والإناث التي هي النطف، إذا لما وجد من ~~البشر والبهائم طارف يطرف، فذلك الدليل على أنهم من الماء جعلوا، إذ كان ~~الماء إذا عدم عدموا، وذلك قوله سبحانه: { فلينظر الانسان مما خلق، خلق من ~~ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب } [الطارق 5 - 7]. وقوله: { وهو الذي ~~خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا } [الفرقان 5:4]. PageV01P033 ### || AUTO [حكمة خلق الجبال] # وما جعل الله سبحانه في الأرض من رواسي الجبال، وغيرها مما ثقلها به من ~~الأثقال، كيلا تميد بمن عليها من الانسان، وغيره من أنواع الحيوان، الذي لا ~~بقاء له ولا قوام مع الميدان، فموجود بأيقن الايقان، إذ توجد بالعيان ~~الأفلاك تمر من تحت الأرض دائرة، وتخفى بممرها تحتها وتظهر عليها سائرة، ~~ولا يمكن أن يكون مسيرها، تحتها ومقبلها ومدبرها، إلا في خلاء ms15 أو عراء، أو ~~هواء أو ماء، وأي ذلك ما كان مسيرها مقبلها ومدبرها فيه، احتاج من على ~~الأرض من ساكنها إلى ما جعلهم محتاجين إليه، من تثقيل قرارهم بما ثقله الله ~~من رواسي الجبال، وغيرها مما ثقلها به سبحانه مما عليها من الأثقال، لكيما ~~تكون كما قال الله: قرارا، ولما جعله الله خلالها انهارا، ولو لم تكن سكنا ~~قآرا، لما احتملت من أنهارها نهرا، ولو مادت لاضطربت غير مستقرة ولا هادية، ~~ولو لم تستقر وتهدأ لكانت أنهارها متفجرة غير جارية، لا ينفع ما جعل الله ~~حاجزا وبرزخا، وحبسا ثابتا مرسخا، بين منسبح عذب مياهها وملحه، ومفسد ~~أمورها ومصلحه، فاختلط فراتها بأجاجها، وبطل ما جعل فيها من سبل منهاجها، ~~حتى لا يكون لفلك فيها سبيل مسير، ولا لطامي جم مياهها صوت خرير، ولو كان ~~ذلك، فيها كذلك، لكان فيها من فساد التدبير، وجفاء الفعل في حسن التقدير، ~~ما لا يجهل ولا يخفى، لكنه تبارك وتعالى ألطف في التدبير لطفا، وأعلم ~~بالأمور كلها علما، من أن يدبر إلا محكما. ألم تسمع لقوله سبحانه: { أمن ~~جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } [النمل:61]. # فإن قال قائل: فما جعل من الأثقال عليها والجبال لا يزيدها إلا ثقلا، وكل ~~ما ازداد ثقلا هوى وذهب سفلا، فنحن إذن نهوي سافلين، وقد نرانا بالعيان ~~عالين، فهذا من القول تناقض واختلاف، لا يصح لذي لب به إقرار ولا اعتراف ؟! PageV01P034 # قلنا: قد قيل فيما تحت الأرض وما يحملها، ويمسكها بحيث هي ويقلها، أقوال ~~كثيرة غير واحدة، قالتها فرق ملحدة وغير مخلدة. # فمنهم من قال تحت الأرض خلاء، ومنهم من قال تحتها هواء، ومنهم من قال ~~تحتها لج ماء، ومنهم من قال ليس تحتها شيء من الأشياء، وهي غاية الثقل ~~ومنتهاه، وكل ثقيل فإليها انتهاه، فليس لجرم من الأجرام ثقلها، ولا شيء من ~~الأشياء في الثقل مثلها، فهي أثقل الأثقلين، وأسفل الأسفلين، وما كان وهو ~~أخف منها، ms16 فغير شك أنه مرتفع عنها، أو قآر عليها، أو داخل فيها، وقرارها ~~بحيث هي زعموا قرار طبيعي، ومنهم من قال إن قرارها بحيث هي قرار موضعي، ~~وإنها إنما ثبتت بحيث هي من موضعها، واستقرت ثابتة في موقعها، لأنها زعموا ~~معتدلة في الوسط، غير مائلة إلى جهة من الجهات بفرط، مستوية كاستواء كفة ~~الميزان، ممتنعة لاستوائها عن الميلان، يمينا أو شمالا، أو علوا أو سفالا، ~~وقال حشو هذه الأمة المختلف، الذي لا يفقه ولا يتصرف، قرار الأرض زعموا على ~~ظهر حوت، ونعتوا حوتها في ذلك بألوان من النعوت، وأشبه هذه الأقوال عندنا ~~بالحق، وأقرب ما قيل به فيها من الصدق، أن يكون ما تحت الأرض خلاء منفهقا، ~~وهواء من الأهوية منخفقا، ليس فيهما لسالكهما رد يرده، ولا للمقبل والمدبر ~~فيهما صد يصده، لقول الله سبحانه: { وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون } [الأنبياء:33]. PageV01P035 # وليس أحد من هذه الفرق كلها التي وصفنا، وإن قالوا من مختلف الأقوال بما ~~ألفنا، إلا مقر لا يناكر، ومعترف لا يكابر، أن الشمس والقمر يسلكان ~~بأنفسهما، أو يسلك فلكهما بهما، فيما يرى من دورهما، ويعاين في كل حين من ~~مرورهما، من تحت الأرض لا من فوقها، يعرف ذلك بغروب الشمس في كل يوم ~~وشروقها، لا يسلكان يمينا ولا يسارا، ولا يختلف مسلكهما تحتها ليلا ولا ~~نهارا، والشمس والقمر فجسمان، مدركة جسميتهما بالعيان، يذرعان ذرع الأجسام، ~~وينقسمان بأبين الانقسام، لهما أوساط وأطراف، وفيهما كل وأنصاف، والأرض ~~فذات جسم مصمت معلوم، لا يمكن أن يسلكه جسم مثله من النجوم، ولا يمكن أن ~~يسلك جسم إلا في هواء أو خلاء، أو فتق إن سلك في أرض أو ماء، أو في جو من ~~الأجواء، وإن كان مسلكه من الأرض أو الماء، إنما يكون في فتق ففي الخلاء ~~يسلك أو الهواء، وإن هو احتجب عن العيون فلم ير . وإن كان مسلكه في فتق من ~~أرض أو ماء، لا فيما قلنا به من هواء أو خلاء، انتقض ما أجمعوا ms17 عيانا عليه، ~~واجتمعت أقوالهم جميعا فيه، من أن مسلك النجوم، من ورآء قاصية التخوم. PageV01P036 # وما جعل الله في الجبال الرواسي، وغيرها من القنان الشمخ الطوال العوالي، ~~من فجاج السبل، ومن الطرق الذلل، فما لا يمتري في وجود صنعه وتقديره، بما ~~يرى فيه من إحكام الصنع وتدبيره منصف أنصف في نظر لنفسه، قاض على الأمور ~~كلها بحقيقة درك حسه، لأنه قد أدرك بحسه دركا بتا، وأيقن بقلبه إيقانا ~~مثبتا، أن أصغر ما يرى من هذه الفجاج سبيلا، لم يتهيأ لسالكه سلوكه ولم ~~يمكنه حتى ذلل تذليلا، وأن هذه الفجاج التي جعلت سبيلا، وهيئت مع صعوبتها ~~طرقا ذللا، لم تتأت وتتواطأ، سبلا وصرطا، في حزون الجبال الشوامخ، وبطون ~~البيدان الرواسخ، إلا بقوة أيد من قوي شديد، وتدبير رشيد من عزيز حميد، لا ~~يؤوده حفظ شيء ولا صنعه، ولا يمتنع منه قوي وإن عز تمنعه، ذلك الله العزيز ~~الأقوى، ومن لا يماثل في شيء ولا يساوى، فيصعب عليه ما يصعب على الأمثال، ~~من صنع فجاج رواسي الجبال، وما جعل فيها من السبل المسهلة، وما من به في ~~ذلك من النعم المفضلة، التي لا يمن بمثلها مآن، ولا يحتملها سوى إحسان الله ~~إحسان، ولا يدعي المنة فيها مع الله أحد، ولا يقوم بها سوى مجد الله مجد. PageV01P037 # ومن ينكر إلا بمكابرة لنفسه، أو إكذاب لحقائق درك حسه، أن السماء جعلت كما ~~قال الله سبحانه: { سقفا محفوظا } [الأنبياء:20]. وقد يعاين سمكها عيان عين ~~مرفوعا، وآياتها من نجومها دائبة غروبا وطلوعا، ونرى السماء كما قال الله ~~سبحانه محفوظة في مكانها ثابتة غير زائلة، ونرى الشمس والقمر وغيرهما من ~~نجومها مقيمة على هيئة واحدة غير حائلة، ونعلم يقينا، ونوقن تبيينا، أنه ~~مستنكر مدفوع، ومقبح في اللب مشنوع، أن يتوهم حفظ مثل ما ذكرنا، ودوام ما ~~قد عاينا وأبصرنا، دائما ثابتا مقيما، ومن البلاء والزوال سليما، إلا بحافظ ~~عزيز، وحرز من الحفيظ حريز، لا تحيط به الملالات، ولا تلتبس به الغفلات، ~~ذلك الله العزيز الحكيم، المقتدر العليم، ومن ms18 يشك فيما قال الله من إعراض ~~الناس عن آيات السماء، وهم بكل ما فيها من آياتها أجهل الجهلاء، لا يعتبرون ~~من عبرها بظاهر مقيم، لا ولا بسائر دائب مديم، لا يني في مسيره ولا يفتر، ~~يخفى في مسيره مرة ويظهر، مدبر لما يحث حثا، لا يحتمل غفلة ولا عبثا، في ~~رجوع ولا مقام ولا مسير، ولا في شيء مما له من صنع ولا من تدبير. # ومن تنبيهه أيضا قوله تبارك وتعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، ~~وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت } ~~[الغاشية 17- 20]. فخلق الإبل الذي هو صنعها فيه موجود، ورفع السماء معها ~~معاين مشهود، ونصب الجبال أوتادا، وسطح الأرض مهادا، متيقن معلوم، ومعاين ~~مفهوم، وهذه كلها فقد ثبتت صنعا، وثبت كل صنع بدعا، بما بان فيها، وشهد ~~عليها، من دلائل الصنع وتدبيره، ومعالم البدع وتأثيره. PageV01P038 # فأين خالق الإبل وصانعها ؟! وممسك السماء ورافعها ؟! وناصب الجبال وموتدها ~~؟! وساطح الأرض وممهدها ؟! إذ لا بد اضطرارا لكل مصنوع من صانع، ولكل مرفوع ~~من الأشياء كلها من رافع، ولكل منصوب موتد من ناصبه وموتده، ولا بد لكل ~~مسطوح ممهد من ساطحه وممهده، ذلك الله رب العالمين، وصانع الصانعين، الذي ~~جعل الأرض والإبل والجبال صنعا له مصنوعا، والسماء سقفا بحفظه له ثابتا ~~محفوظا مرفوعا. # ومن توقيفه وتفهيمه، وتنبيهه وتعليمه، قوله سبحانه: { أأنتم أشد خلقا أم ~~السماء بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك ~~دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها } [النازعات 27 -33]. فلا ~~بد في كل حس وعقل، لا عند مضرور بخبل، لكل بناء - غاب أو حضر - من بانيه، ~~ولا بد لكل مرفوع ومسوى من رافعه ومسويه، ولا بد لكل ليل مغطش من مغطشه، ~~كما لا بد لكل عرش معروش من معرشه، ولا بد لإخراج الضحى، من مخرج وإن كان ~~لا يرى، ولا بد لدحو الأرض من داحيها، لما تبين من شواهد الدحو عليها، ~~ولابد لمخرج المرعى والماء من مخرجه ومرعيه، ولا بد لما ms19 أرسي من الجبال من ~~مرسيه، لما فيها بينا من علم كل مرسى، وإن كان هذا كله يدرك عقلا وحسا، فلا ~~بد من صانع السماء وبانيها، ورافع سمكها ومسويها، ومغطش ليلها ومخرج ضحاها، ~~ولابد ممن خلق الأرض ودحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، ومن نصب الجبال ~~وأرساها، ثم لابد إذ لم يوجد ذلك شيئا مما وجد بالحوآس الخمس، ولا شيئا مما ~~أدرك بالعقول من كل نفس، أن يثبت بأثبت الثبت، وأيقن اليقين البت، أن صانع ~~ذلك كله، ومن تولى فيه إحكام فعله، خلاف سبحانه لكل محسوس، ولكل ما يعقل من ~~النفوس. PageV01P039 ### || AUTO [استدلال إبراهيم عليه السلام على الله] # ومن ذلك وفيه، ومن الدلائل عليه، قول إبراهيم عليه من الله أفضل الصلاة ~~والسلام، فيما دار بينه وبين قومه في الله من الجدال والخصام، قوله تعالى: ~~{ يا قوم ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ قالوا وجدنا آباءنا لها ~~عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين، قالوا أجئتنا بالحق أم ~~أنت من اللاعبين ؟ قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم ~~من الشاهدين } [الأنبياء 52-56]. فشهد صلى الله عليه شهادة الحق لله رب ~~العالمين، ونبههم بشواهد الله ودلائله، بما قد يرونه رأي عين من صنعه ~~وجعائله. # أو لا يعلم من يعمى ويجهل ؟! فضلا عمن يبصر ويعقل، أن لو كانت - هذه ~~البدائع والأصول، وما تدركه منها عيانا العقول، على ما يقول به فيها ~~الجاهلون أنها كانت وجاءت، كما أرادت وشاءت - لما فضل بعضها أبدا بعضا، ~~ولما كانت الأرض سفلا وأرضا، ولما قصر أوضع الأشياء وأدناها، عن درجة أرفع ~~الأشياء وأعلاها، ولكانت الأشياء جميعا سواء، ولما كان بعضها من بعض أقوى، ~~حتى يكون كلها شيئا واحدا، وحتى لا يوجد شيء لشيء منها ضدا. وقد يوجد ~~باليقين من تضآدها، ويتبين من صلاحها وفسادها، لكل حآسة من الحوآس الخمس . ~~ومن سلمت له حوآسه من جميع الإنس، فقد يستدل بما يرى فيها من الاختلاف ~~والنقائص، على أن لها صانعا خصها بما أبان فيها من ms20 الاختلاف والخصائص، بريء ~~تبارك وتعالى من شبهها في النقص والاختلاف، متعال عما يوجد فيها أو في واحد ~~منها من الأوصاف. فدل سبحانه على صنعه للأشياء كلها، بما أبان فيها من تصرف ~~أحوالها وتنقلها. PageV01P040 # واحتج إبراهيم صلى الله عليه، عند محآجته لقومه فيه، ومنازعته لهم فيما ~~كانوا يعبدون من النجوم معه، وإنما هي صنع من الله صنعه، بأفول النجوم التي ~~كانوا يعبدون والكواكب، ووقفهم على أن كلها صنع الله مغلوب غير غالب، بما ~~أراهم صلى الله عليه من الأفول فيها والزوال، وبما أبان عليها من أثر ~~التبدل والإنتقال، وتصرف ما لا ينكرونه فيها من الأحوال، فلما أراهم أنها ~~من الزائلين، قال لهم: {لا أحب الآفلين } [الأنعام 76]. يقول صلى الله عليه ~~عند أفول الكواكب: { لا أحب الآفلين }. {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ~~فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } [الأنعام77]. ~~وكذلك قال: { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر }. قال الله: { ~~فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } [الأنعام 78-79]. # والفاطر هو: المبتدئ الصانع، والحنيف هو: المخبت الخاشع، فاستدل صلوات ~~الله عليه بدلائل الله من سماواته وأرضه، على أن الله صانع لذلك كله لا ~~لبعضه، وتبرأ صلى الله عليه من شرك كل من أشرك، إذ رأى كل نجم منها إنما ~~يسلك كما أسلك، بما رآه بينا في جميعها، من تدبير بديعها، في الجيئة ~~والطلوع، والذلة الخشوع، وعلم أنه لا يكون ما رأى منها عيانا، وأدركه فيها ~~إيقانا، من الطلعة والأفول، إلا من مصرف ناقل غير منقول، فقال صلى الله ~~عليه: { وما أنا من المشركين }. الذين أشركوا بين المالك والمملوكين، ~~تجاهلا بما يعلمون، ومكابرة لما يرون، من التزايل والفرق، بين الخالق ~~والخلق، والمبتدع والبدائع، والصانع الصنائع. PageV01P041 # وفي الدلالة على الله بدلائله، وبما جعله دليلا عليه من جعائله، ما يقول ~~لهم صلى الله عليه، فيما كانوا من الشرك فيه: { أفرأيتم ما كنتم ms21 تعبدون، ~~أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو ~~يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم ~~يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } [الشعراء 75-82]. فلما ~~رأى صلى الله عليه ما رأى من عالم ومعلوم، وكل ما أدركه وهم من الوهوم، ~~ملكا مربوبا، وصنعا مغلوبا، قال صلى الله عليه: { إلا رب العالمين }. الذي ~~هو رب السموات كلها والأرضين. # ثم ابتدأ احتجاجا عليهم لله في معرفته، بما لا يوجد سبيل إلى دفعه من ~~صفته، وما بان الله به من خصائص الأنعات، التي لا توجد إلا فيما له من ~~الصفات. قال صلى الله عليه: { الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ~~ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر ~~لي خطيئتي يوم الدين }. فهو الله الخالق الذي لا خالق سواه، والهادي الذي ~~لا يشبه هدى هداه، والمطعم الساقي الذي لا يطعم ولا يشرب إلا من أطعمه ~~وسقاه، والشافي من كل سقم الذي لا يشفى من سقم أبدا إلا من كشف عنه سقمه ~~فشفاه، والمميت المحيي الذي لا يموت أبدا ولا يحيا إلا من أماته وأحياه، ~~والغافر الذي لا يظفر بالمغفرة إلا من وهبها إياه، لا تؤخذ المغفرة منه ~~كرها ولا قسرا، ولا ينالها إلا من كان الله له مغتفرا. PageV01P042 # ألا تسمع كيف يقول صلى الله عليه: { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين }. ويوم الدين ففيه يغفر الله لمن يشاء أن يغفر له من المذنبين، ~~فاستدل صلوات الله عليه ودل بما عدد من هذا كله على رب العالمين، وليس مما ~~دل به صلى الله عليه من دليل صغير ولا كبير، يدل أبدا مستدلا إلا على الله ~~العلي الكبير، فذكر إبراهيم عليه السلام مننا من الله لا يمن بها مآن، ~~وإحسانا من الله لا يمثل به إحسان، منها خلقه لأعضاء الانسان السليمة ~~الظاهرة القوى، التي ليس فيها لمدع من الأولين والآخرين دعوى، والتي كلهم ~~جميعا في ms22 الحاجة إليها سواء، وكيف يصح في ذلك لمدع شيء لو ادعاه ؟! وهو لا ~~يقدر على أن يزيد مثقال ذرة في شيء من خلقه ولا قواه، فكيف يعطي معط شيئا ~~من ذلك أحدا سواه ؟! PageV01P043 # فهذا والحجة البالغة لله فما لا يمكن فيه الكيف، ولا يتوهمه بصحة من الدعوى ~~قوي من الخلق ولا ضعيف، والحمد لله على ما أبان من برهانه وحجته، لإبراهيم ~~صلى الله عليه في محآجته. وفي ذلك ما يقول سبحانه فيه، لإبراهيم صلى الله ~~عليه: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك ~~حكيم عليم } [الأنعام:83]. وما ذكر صلى الله عليه من فعله به في المطعم ~~والمشرب، المشفي من المرض والوصب، والموت والحياة، والمغفرة للخطيئة ~~والإسآة، فما لا يدعيه مدع ولا يدعى له أبدا بصدق ولا كذب، ولا يوجد ما يرى ~~من صنعه وتدبيره أبدا إلا للرب، كما لا يرى صنع الأرض والسماوات، وما ~~بينهما من الفتوق والفجوات، من صانع ولا خالق سوى الله، فكذلك ما ذكر ~~إبراهيم لا يكون إلا من الله، فلولا صنع الله سبحانه للسماء، لما ارتوى أهل ~~الأرض من الماء، ولو لا ما صنع الله منها ومن الأرض والهواء، لما اغتذى أحد ~~أبدا ولا ارتوى، ولخفت كل مغتذ مواتا، ولمات إذا لم يغتذ خفاتا، فاحتج ~~إبراهيم صلى الله عليه في الدعاء إلى الله من صنعه وخلقه، ورزقه وغير رزقه، ~~بما لم تزل أنبياء الله عليهم السلام قبله وبعده، تحتج به لله على كل من ~~أنكره وجحده. PageV01P044 ### || AUTO [استدلال نوح عليه السلام على الله] # فممن كان قبله ممن وهبه الله رسالته، ودل على معرفة الله دلالته، نوح صلى ~~الله عليه، إذ يقول لقومه فيما يدعوهم إليه، من عبادة الله ومعرفته، ويدلهم ~~عليه بالخلق والصنع من صفته: { مالكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم ~~أطوارا، ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا وجعل ~~الشمس سراجا، والله أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا، ~~والله جعل لكم ms23 الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلا فجاجا } [نوح:13-20]. فأبان ~~لهم صلى الله عليه فيما عدد كله أثر صنع الله برهانا واحتجاجا، بخلقه لهم ~~في أنفسهم أطوارا، يريد بالأطوار طبقات ومرارا، مرة من تراب وطين، وطورا من ~~ماء مهين، ومرة مضغة وطورا علقة، يصرفهم سبحانه خلقة بعد خلقة، ثم خلق ~~الانسان عظاما، ثم كسا العظام لحما، ثم أنشأها خلقا آخر بشرا، قد جعل له ~~سمعا وفؤادا وبصرا، كما قال سبحانه: { قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون، قل هو الذي ذرأ كم في الأرض وإليه ~~تحشرون } [الملك:23-24]. ومعنى ذرأكم: فهو كثركم وأنماكم، وكذلك فعل رب ~~العالمين، كما قال: { فتبارك الله أحسن الخالقين } [المؤمنون:14]. PageV01P045 ### || AUTO [استدلال يوسف عليه السلام على الله] # ومن دلائل من كان بعده من رسل الله وأنبيائه، الذين جعلهم من ذرية ~~إبراهيم عليهم السلام وأبنائه. قول يوسف صلى الله عليه، لصاحبي السجن ~~اللذين كانا معه فيه، وهو يدلهما على ما تفرد الله به من الربوبية، وما هو ~~له لا لغيره سبحانه من الوحدانية: { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان } [يوسف39-40]. يقول صلى الله عليه أأرباب الربوبية ~~بينهم، ليست بخالصة لواحد منهم ؟! خير في الربوبية أمرا، وأعلى في الفضيلة ~~قدرا، أم تكون الربوبية لواحد خاصة، ولرب لا لربين اثنين خالصة ؟! فمن ~~يمتنع من الأصحاء، سمع أولم يسمع من النصحاء، أن الربوبية لرب واحد أفضل ~~فضلا، وفي رب واحد أكمل منها في اثنين وبين ربين وأعلى ؟! لأنها لو كانت ~~لاثنين كان كل واحد من الربين منقوصا، وكل إله من الإلهين بالنقص مخصوصا، ~~فإن كانوا وهم أكثر عددا، كان كل واحد منهم أنقص أبدا. PageV01P046 # فكيف يكون المنقوص إلها أو يثبت ربا ؟! وأين الأعلى من الأشياء كلها قدرا ~~ممن له أضداد وأكفاء ؟! وربنا فمعلوم في الألباب غير مجهول، وثابت لا يدفع ~~في العقول، لأن كل اثنين فبينهما تباين لا يخفى ms24 في الأحوال، يبين به أحدهما ~~على صاحبه في الفضل والكمال، وأن أفضلهما أبدا أحوالا، وأكملهما في الفضل ~~كمالا، أولاهما بالأثرة والتقدمة، وأحقهما بالطاعة والتكرمة. وإذا كان ذلك، ~~موجودا في العقل كذلك، لم تصح الربوبية أبدا إلا لرب واحد، وثبتت الحجة في ~~التوحيد وإثبات الإلهية لله على كل ملحد، وانقطع بين الموحد والملحد في ذلك ~~كله التشاغب، وذهب - بصدق الحجة لله في ذلك كله - التكاذب، ونفي الحق من ~~الباطل وتبرأ، فلم يعم عنه إلا من لا يبصر ولا يرى، فلا يجيب إلى الحقائق ~~لله داعيا، ولا يسمع بالدعاء إلى الله مناديا، كما قال سبحانه: { وإن تدعهم ~~إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } [الأعراف :198]. PageV01P047 ### || AUTO [استدلال موسى وهارون عليهما السلام على الله] # ومن مقاول رسل الله بعد يوسف صلى الله عليه وعليهم، واحتجاجهم لله على ~~عباده بدلائله فيهم، قول موسى وهارون، إذ أرسلهما الله إلى فرعون: { إنا ~~رسول رب العالمين } [الشعراء:16]. فقال فرعون: { وما رب العالمين } ~~[الشعراء :23]. قال موسى: { رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } ~~[الشعراء: 24]. يقول صلى الله عليه إن كنتم ممن يوقن في غيب بيقين، أو ~~يستدل فيما غاب عنه بدليل مبين، استدلال ذوي العقول والألباب، على ما غاب ~~عن أبصارهم بتوار واحتجاب . وإنما يدرك ما غاب من الأمور بالفكر واليقين، ~~ويدرك ما حضر منها بالحوآس من العين أو غير العين، وذلك فإنما هو درك ~~البهائم الخرس، التي لا تدرك شيئا إلا بحآسة من الحوآس الخمس، ولا توقن ~~أبدا بغائب غاب عنها، ولا تدرك إلا ما كان شاهدا قريبا منها، فأما أهل ~~الألباب والعقول، فيستدلون موقنين على الجاعل بالمجعول، وعلى الغائب ~~المتواري الخفي، بالحاضر الظاهر الجلي. PageV01P048 # وكل ما عظم من الدلائل وازداد عظما، ازداد به موقنوه يقينا وعلما، فلما ~~كانت السماوات والأرضون، أعظم ما يرون من الدلائل ويبصرون، دلهم بهما على ~~ربهما، وأخبرهم أنهم إن لم يوقنوه بهما، لم يوقنوه بغيرهما، لما فيهما من ~~دلائل اليقين بصنعه وتدبيره، { فقال فرعون لمن حوله ألا تسمعون ms25 } [الشعراء: ~~25]. فسألوا موسى كما سأله الملعون، وارتابوا في قوله كما ارتاب فرعون، ~~فقال موسى صلى الله عليه لهم: { ربكم ورب آبائكم الأولين } [الشعراء: 26]. ~~فأخبرهم أن كلهم وكل من كان قبلهم عبد لله مربوب، إذ كلهم وكل من كان مثلهم ~~مصرف مقهور مغلوب، يسقم ويفنى ويموت، ويحل به السقم والموت، فقال لهم ~~فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } [الشعراء :27]. فقال لهم موسى ~~صلى الله عليه إذ عاودوا يسألون: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون } [الشعراء :28]. فقررهم صلى الله عليه من ذلك بما لا ينكرون، إن ~~كانوا يوقنون بغائب أو يعقلون، ودلهم على الله سبحانه بدليل مبين، فيه لمن ~~أيقن أدل الدلائل وأيقن اليقين. # وكذلك قال الله سبحانه للقوم الذين لا يعلمون، إذ سألوا من رؤيته ما لا ~~يمكن ولا يكون، إذ يقول سبحانه: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله ~~أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا ~~الآيات لقوم يوقنون } [البقرة:118]. فأخبر سبحانه أن بيانه إنما هو للذين ~~يعقلون، ويوقنون من الغيب بما لا يرون ولا يبصرون، فأما أشباه البهائم ~~الذين لا يعلمون، إلا ما يرون ويبصرون، فإن الله سبحانه انتفى من البيان ~~لهم، وتبرأ من ذلك إليهم، وذلك فمما يدل على علم الله وحكمته، ولطيف خبره ~~بأحوال بريته. PageV01P049 # ومن ذلك قوله سبحانه لكفرة قريش والعرب، ولمن كان معهم من كل ذي لسان معرب: ~~{ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب، قالت رسلهم أفي شك ~~فاطر السموات والأرض } [إبراهيم 9-10]. الذي يستدل عليه منهما بكل شيء ~~فيهما من كل أو بعض، فقالت رسلهم في ذلك لهم، ما قالت الرسل لأممهم قبلهم، ~~واحتجوا لله عليهم، بمثل حجج نوح وإبراهيم فيهم، ودلوهم على الله بدلائله، ~~من فطره صنعه وفعائله، وتعجبوا من شكهم !! وما ms26 هم فيه من شركهم !! مع ما ~~يرون من الدلائل في السماء والأرض ويبصرون، مما يوقن بأقله فيما غاب عنهم ~~الموقنون. PageV01P050 ### || AUTO [استدلال محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الله] # ومن ذلك وفيه، ومن الدلائل عليه، قول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه ~~وعلى الطيبين من آله: { ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز } [إبراهيم 19-20]، فنبه ~~سبحانه في ذلك من دلائله على ما فيه لمن اعتصم به من الشك فيه أحرز الحرز ~~الحريز . ثم قال سبحانه في هذه السورة، تكريرا بحججه المنيرة: { الله الذي ~~خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر ~~لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار } [إبراهيم 32- 34]. ~~يقول سبحانه الذي خلق ذلك كله وصنعه، لا صانع فيه غيره ولا صانع له معه، ~~فذلك كله وإن كابروا فما لن يدعوه، وإن لم يأتهم فيه قصص الله ولم يسمعوه، ~~كما قال تبارك وتعالى: { خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي ~~أن تميد بكم وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل ~~زوج كريم، هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال ~~مبين } [لقمان 10-11]. فصدق الله لا شريك له، في أن من لم يعرف هذا كله، ~~صنعا له وخلقا، وحقا يقينا صدقا، فهو في أبين الضلال، وأخبل صاغر الخبال، ~~والحمد لله كثيرا رب العالمين، على ما أبان من حججه على الملحدين. # فكيف - يا ويله - يلحد ملحد ؟! أو يهن أو يضعف لله موحد ؟! ودرك السماوات ~~والأرض وما بينهما من الخلق بالعيان، والعلم بالله سبحانه فمدرك بأوضح من ~~ذلك من العلم والايقان، واليقين بالله فما لا يشاركه ولا يختلط به أبدا شك، ~~وعلم الأبصار والعيان والحوآس فعلم بين الانسان والبهائم مشترك، وقد تعلم ~~البهائم ms27 وتدرك بما جعل الله لها من حوآسها من السمع والبصر، كل ما يدرك ~~مدرك بالحوآس من جميع البشر. PageV01P051 # وكيف - ويلهم - يرتابون أو يلحدون ؟! أو يعتقدون من الشك في الله والشرك ~~بالله ما يعتقدون ؟! والله يقول جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: { ~~الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون، يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } [السجدة: 4-5]. ~~والولي فهو النصير المانع، والشفيع فهو الطالب الشافع. # فأخبر سبحانه أن تدبيره وصنعه من العرش لما بعد عنهم، كتدبيره وصنعه لما ~~قرب في الأرض منهم، وأن بعد ما بين العرش - وهو ذرى السماوات العلى - وبين ~~ما تحتهن مما ترى أعينهم من الأرض الأولى، مقدار ألف سنة كاملة مما يعدون، ~~وأن الأشياء كلها لا تبعد عنه كما يستبعدون، وكيف يبعد عليه سبحانه من ~~الأشياء شيء، وإنما ينشئ منها ما ينشئ، إذا أراد له إبداء أو إعادة، بأن ~~يريده سبحانه إرادة بعد إرادة، كما قال سبحانه: { إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون } [النمل:40]. # وكيف يشك ملحد في صنع الله للأشياء كلها، أو في ما يرى من دق الأشياء أو ~~جلها ؟! وقد يرى كيف أحكمت فاستحكمت، وانقادت للصنعة فتقومت، وذلت على ما ~~فطرت، واضطرت كما اضطرت، فكلها مصرف مضرور، وجميعها بدع مفطور، لا يمتنع من ~~القهر والذلة والخشوع، ولا عن ما أبان الله فيه من أثر صنعة كل مصنوع، لا ~~ينظر منه ناظر إلى طرف، ولا يلتفت إلى كنف، إلا وجد أثر الصنع فيه واضحا ~~بينا، ووجده بصنع الله له مخبرا مبينا. PageV01P052 # ولما ثبت اضطرارا بما لا تدفعه العقول مما لا مرية فيه، وبما جميع العقول ~~كلها مجمعة عليه، أن لكل ما يرى أو يسمع أو يشم، أو يذاق أو يلمس أو يتخيل ~~فيتوهم، مدبرا لا يخفى تدبيره، ومؤثرا بينا - لكل ذي عقل ms28 - تأثيره، ثبت ~~وجود خلاف المدبر مدبرا غير مدبر، ووجود خلاف المؤثر مؤثرا غير مؤثر، لا ~~يمكن غير ذلك علما، ولا يتخيل خلاف لذلك فهما، لأنه لما كان ما وجد من ~~الأشياء كلها مدبرا وصنعا، وخلقا مفتطرا بدعا، احتيج إلى علم مدبره ~~ومفتطره، وثبت يقينا وجود المفتطر المدبر بما وجد من تدبيره ومفتطره، فلا ~~بد كيفما كان النظر في ذلك فارتفع أو لم يرتفع، من أن يثبت مدبر صانع لم ~~يدبر ولم يصنع، وذلك فما لا يوجد أبدا غير الله جل ثناؤه، وتقدست بكل بركة ~~أسماؤه، فهو الله الصانع غير المصنوع، والأول المبتدع غير المبدوع. PageV01P053 # ولما كان - كل عزيز من ذل، إنما يعز في بعض لا في كل، كان العز كلا وبعضا، ~~ولم يوجد العز كله لواحد محضا - أيقنا أن بعض العز مملوك لمليك، وأيقنا أن ~~كل العز لمالك غير ذي شريك، لأنه لو كان له فيه شريك، أو له معه مليك، لكان ~~إنما له، بعضه لا كله، فرجعنا إلى الخطة الأولى، وعاد العز ذلا، إذ كان ~~مشاركا فيه، لأنه إنما له أحد شطريه، وذلك يرده إلى أن يكون عزيزا ذليلا، ~~وأن يكون ما يستكثر من عزه قليلا، لأن نصف العز أقل من ضعفه، وضعف العز ~~أكثر من نصفه، وما ملك غيره من أحد شطري العز، فليس له بملك ولا عز معز، ~~ولكنه لمالكه دونه، ليس له شيء منه، فكلاهما ذليل وإن عز، وغير محرز من ~~العز إلا لما أحرز، وجميعهما قليل عزه، إذ لم يملك العز كله فيحرزه، فليس ~~العزيز الذي لا يذل، إلا من له العز الذي لا يقل، بأن تشاركه فيه الشركاء، ~~أو أن تتقسمه بملكها له الملكاء، وذلك فهو الله العزيز الأعلى، يهب لمن ~~يشاء عزا ويذل من يشاء إذلالا، { بيده الملك وهو على كل شيء قدير } [الملك: ~~1]، كما قال سبحانه: { فنعم المولى ونعم النصير } [الحج:78]. مع ما في ~~القرآن من هذا ومثله، مما يكثر عن أن يحيط كتابنا هذا بتفسيره أو جمله. PageV01P054 ### || AUTO [تنزه الله عن ms29 شبه الخلق] # فأما دلائله لنا سبحانه على أنه خلاف للأشياء، ولكل ما يعقل في جميعها من ~~العجزة والأقوياء، فقوله سبحانه: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ~~[الشورى: 11]. وما ليس كمثله شيء، فهو خلاف لكل شيء، وقوله سبحانه في سورة ~~التوحيد والإفراد، بعد تنزهه فيها سبحانه عن الوالد والأولاد: { ولم يكن له ~~كفوا أحد } [الإخلاص: 4]. ومن لم يكن له كفوا أحد، فهو خلاف لكل أحد، وما ~~كان خلافا للآحاد كلها، كان خلافا اضطرارا لأصلها، لان الأصل في نفسه ~~وتحداده، فهو غير شك جميع آحاده، فالله سبحانه هو خلاف الآحاد المعدودة، ~~وجميع ما يعقل من الأصول الموجودة، وهو الله الصمد الحق الذي ليس من ورائه ~~مصمد يصمد إليه صامد، والله الملك القدوس الذي ليس من ورائه ملك ولا قدوس ~~يجده واجد، والله الأول قبل الأوائل المتقدمة، والعظيم قبل جميع الأشياء ~~المعظمة، فليس قبله أول موجود، ولا بعده معظم معمود، ومن وراء كل عظيم ~~عظيم، حتى ينتهي إلى الله الذي ليس من ورآئه عظيم، وفوق كل ذي علم عليم، ~~حتى ينتهي إلى الله الذي ليس فوقه عليم، والصمد فهو النهاية القصوى في ~~الوجود، وفيما يرغب إليه فيه في الآخرة والدنيا من كل محمود، والأحد فما ~~ليس له قبل ولا بعد يفترقان فيه، وما لا تجري مدد الدهور والأزمان عليه، ~~لأنه إن افترق فيه القبل والبعد، زال من صفة الأحد والصمد، إذ هما فيه ~~اضطرارا مفترقان، فهما عليه بالمقارنة لاشك متداولان، لا خلوة له من ~~أحدهما، يجري عليه من المقارنة ما يجري عليهما من حدهما، ويزول عنه من ~~الوحدانية مازال عنهما، ولا يتوهم أبدا خاليا منهما. PageV01P055 # وكذلك ما جرت عليه مدد الأزمان والدهور، غيرته تغييرها لغيره من الأمور، ~~كما قال الله سبحانه: { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ~~} [الحديد:3]. فأوليته سبحانه آخريته، وباطنيته ظاهريته، لا يختلف من ذلك ~~ما وصف به، كما لا يختلف سبحانه في نفسه. # وكذلك أسماؤه كلها الحسنى، وأمثاله كلها العلى، فأسماء لا تتناهى مرسلة ~~مطلقة، مجتمعة كلها ms30 فيه سبحانه لا مفترقة، ليس لاسم منها حد محظور، ولا ~~لمثل منها حصار محصور، فيكون الحد حينئذ للمحدود ثانيا، وما حضر بالحد من ~~المحدود متناهيا، ولكنه كما قال سبحانه: { فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم ~~له سميا } [مريم: 65]، ولا لن يوجد له سمي إذ لا تجد الألباب له كفيا، ~~كقوله تبارك وتعالى: { وله المثل الأعلى } [النور: 27]، وكذلك هو سبحانه إذ ~~لا تجد له الألباب مثلا، وما قلنا به في هذا من دلالة التفاضل، فموجود ~~والحمد لله لا ينكره عقل عاقل، ومضطرة الألباب إلى علمه لا يدفعه إلا ~~متجاهل، مع ما لا نأتي عليه وإن بلغ تعديدنا، ولا نستقصيه وإن جهد تحديدنا، ~~من لطيف شواهد معرفة الله سبحانه وجلائلها، وما جعل الله من شواهد المعرفة ~~به ودلائلها. # وكفى بما ذكرنا لمعرفة الله عز وجل علما منيفا شامخا، وعلما بالله يقينا ~~في النفوس ثابتا راسخا، لا يدفعه إلا بمكابرة للعقول ملحد، ولا يصدف عن ~~الاقرار به إلا معاند ملد، والحمد لله الذي لا يهتدي للخير أبدا إلا من ~~هداه، ولا يصيب الرشد إلا من آتاه إياه، كما قال سبحانه: { ولقد آتينا ~~إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } [الأنبياء: 51]. وقال: { وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]. PageV01P056 ### || AUTO [الايمان قول وعمل واعتقاد] # فقلب الايمان من كل عصيان اليقين بالله وبعلمه، وإبراء الضمائر من توهمه، ~~فإنه لا تجول أوهام المتوهم، إلا في كل ذي صورة وتجسم، ومن توهم الله جسما، ~~فلم يصب بالله علما، ولم يقارب من اليقين بالله شيئا، ولذلك كان حشو هذه ~~العامة من اليقين بالله براء، ولما التبس بقلوبهم وأنفسهم من ذلك واعتقاده، ~~اقتادهم وليهم إبليس بالمعصية في قياده، فحثوا له بالعصيان لله سراعا عنقا، ~~وآثروا رضاه على رضى الله إذ لم يؤمنوا به فسقا، فبدلوا معالم أموره، وعموا ~~عن ضياء نوره، ثم لم يزدادوا في العمى عن الله إلا تماديا، ولم يجيبوا له ~~إلى الهدى من الهادين إلى الله داعيا، وعدوا إسآءتهم فيما بينهم وبين الله ~~إحسانا، ms31 وكفرهم بالله ورسله وكتبه إيمانا، وجعلوا لله مثل السوء ولهم المثل ~~الأعلى، فتبارك الله عما قالوا به عليه وتعالى، ونسبوا إلى الله سبحانه جور ~~الحكم، وبرأوا أنفسهم من الجور والظلم، وهم بما نسبوا إليه سبحانه من الجور ~~والظلم أولى، وله سبحانه لا لهم المثل الأعلى، ومثل السوء فلهم كما قال ~~سبحانه: وهم كاذبون، { وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم ~~النار وأنهم مفرطون } [النحل: 62]. وقال سبحانه: { للذين لا يؤمنون بالآخرة ~~مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } [النحل: 60]. # ولعمري ما آمن بالآخرة مصدقا، ولا وجد لما حقق الله منها محققا، من أكذب ~~وعدها ووعيدها، وأنكر من جزاء المحسن والمسيء عتيدها، والله يقول سبحانه: { ~~إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزيء الذي آمنوا ~~وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما ~~كانوا يكفرون } [يونس: 4]. PageV01P057 # ويقول سبحانه: { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك ~~مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، ولله ~~ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذي أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى } [النجم 29-30]. # ويقول سبحانه: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ~~ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا } [النساء 123- 124]. # ويقول سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ~~ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا } ~~[النساء 29-30]. # ويقول سبحانه: { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا ~~أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ~~يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا } [الكهف:29]. وعدا من الله ووعيدا، ~~وجزاء من الله ms32 للفريقين عتيدا، لا تكون الآخرة أبدا إلا وهو معها، ومن ~~أنكره ودفعه أنكر الآخرة اضطرارا ودفعها، وله جعلت الآخرة وثبتت، وثبت ~~باقيا معها أبدا ما بقيت، ولو أمكن فناؤه لأمكن فناؤها، وما بقيت الآخرة ~~بقي معها جزاؤها، فبقاء كل بكل معقود، وكل من الله فوعد موعود، لا يدخله ~~أبدا كذب ولا خلف، ولا يزول من أوصاف الله فيه بصدق الوعد وصف. # ولا أكفر بالآخرة وأمرها، وما ذكر الله من بعث الأمم وحشرها، ممن زعم أن ~~الله يحكم يومئذ فيها بغير العدل، فيقضي بين أهلها فيها بغير قضاء الفصل، ~~فيعذب من عذب فيها، بأمور هو حمل المعذب عليها، حتى لم يجد من ارتكابها ~~بدا، ولا عما ارتكب منها مصدا، وإن عمل ما شاء الله فيها وارتضى، وحكم الله ~~به منها وقضى، عذب بألوان العذاب، وعوقب بأشد العقاب. PageV01P058 # فوصفوا الله بإخلاف الميعاد، ونسبوا إليه ما تبرأ منه من ظلم العباد، فقال: ~~{ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~} [النساء:40]. وقال: { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون } [يونس:44]. وقال تبارك وتعالى: { وما أنا بظلام للعبيد } [ق:29]. ~~وقال سبحانه فيما قالوا به عليه من إخلافه في الوعد والوعيد: { وعد الله ~~حقا ومن أصدق من الله قيلا } [النساء:122]. وقال سبحانه: { لكن الذين اتقوا ~~ربهم لهم غرف من فوفها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف ~~الله الميعاد } [الزمر:20]. وقال تبارك وتعالى في حكمه يوم القيامة بين ~~الخلق بعدله، وقضائه يومئذ بين العباد بعدل فصله: { اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب، وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور، والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله ~~هو السميع البصير } [غافر17-20]. وقال سبحانه: { هذا يوم الفصل جمعناكم ~~والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون } [المرسلات 38-39]. يقول تبارك ms33 وتعالى ~~هذا يوم القضاء بالعدل الذي كنتم به تكذبون: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ~~وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم ~~مسئولون، مالكم لا تناصرون ؟! } [الصافات 22-24]. فلعدله سبحانه في الحكم، ~~وتعاليه عن كل ظلم، وقفوا فعرفوا، وبعد المسألة صرفوا، إلى ما استحقوا من ~~الجحيم، واستوجبوا من العذاب الأليم. PageV01P059 # فاستقبل حشو هذه العامة ما بين الله من هذا كله بجحده، وجاهروا الله ~~وأولياءه علانية برده، فكلما دعاهم المهتدون ليهتدوا، استكبروا عن الهدى ~~وصدوا، وكلما ذكروهم بالله ليذكروا، أعرضوا عن تذكيرهم بالله وفروا، فكلهم ~~مصر مستكبر، مول عن الهدى مدبر، كأنهم في ذلك بفعلهم، وما أصروا عليه من ~~جهلهم، قوم نوح إذ يقول فيهم، صلى الله عليه لا عليهم: { رب إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا } [نوح 5-7]. ~~فكلهم عدو للصادقين على الله مكذب، وفؤاد كل امرئ منهم عن الايمان بالحق ~~منقلب، وذلك إذ لم يؤمنوا به أول مرة، وكانوا به إذ سمعوه عند الله من ~~الكفرة، ألم تسمع إلى قوله سبحانه: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون، ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ~~ولكن أكثرهم يجهلون } [الأنعام 110-111]. فقوله سبحانه { يشاء } إنما هو ~~خبر عن قدرته عليهم، وقوة سلطانه تبارك وتعالى فيهم، ولو أنه شاء لمنعهم من ~~المعصية فكانوا به مؤمنين، إذ كان الايمان عندنا إنما هو أمان من عصيان ~~العاصين، ومن منعه الله من المعصية جبرا فمأمون عصيانه، وإذن كان الاحسان ~~في ذلك المنع إحسان الله لا إحسانه، وكان فيما منع منه من المعصية غير مطيع ~~لله، ولا مستوجب لثواب من الله، إذ منع من المعصية بجبر، وحمل على الايمان ~~منه بقسر. PageV01P060 ### || AUTO [أول الواجبات معرفة الله] # فابتدئ يا بني في طلب فعل الصالحات، واكتساب الخيرات، إذا ms34 ابتدأت بطلب ~~اليقين بالله، وحقيقة العلم لله، فإنك إن تفعل اهتديت لكل بركة وخير، وظفرت ~~بالحظ الكبير، وأمنت بإذن الله من العمى، ورويت بمعرفة الله من الظماء، ~~وشاركت الملائكة المقربين في عبادتهم، وازددت مما يمكنك من فعل كل خير مثل ~~زيادتهم، وأنسك يقينك بالله من كل وحشة مرعبة، واكتفيت بصحبة الله من كل ~~صاحب وصاحبة، وخف عليك من عبادة الله عبء الأثقال، فكنت إماما للصالحين في ~~صالح الأعمال، فدانت بالبر أعمالك، وصدق قولك في الخير فعالك، فكنت إلى ~~الله حبيبا مخبتا، وكان سمت الصالحين لك سمتا، ومن والى الله من أوليائه لك ~~وليا، وما رضيه من الأشياء عندك رضيا، ورأيت السوء حيث كان سوا، واتخذت عدو ~~الله عدوا، وكنت من خاصة الله وخلصانه، وأهل العلم بالله وإيقانه، وانفتحت ~~لك بعد اليقين بالله أبواب العلوم، وكنت في الأرض قيما من قومة الحي ~~القيوم، فقرت بالله عينك، وتزيد بالله يقينك، وانشرح بمعرفته صدرك، وعز ~~بأمره سبحانه أمرك، فلم تهب ولم تخش غيره، ولم ترج من الخير إلا خيره، ~~وعلمت أنه سبب الخيرات الأول، وأن بيده الفضل الكبير الأطول، فأمنت بإذن ~~الله مسكنة الفقراء، وامتلأت يداك من الغنائم الكبرى، وكنت على ملوك الدنيا ~~ملكا، ونجوت بإذن الله من هلكة الهلكى. PageV01P061 # ففي طلب اليقين بالله يا بني فادأب، ومن رجوت عنده على اليقين بالله عونا ~~فقارن واصحب، فإنهم ألفاء كل رحمة، وقرناء كل حكمة، لا يرغب لبيب إلا فيهم، ~~ولا تنزع نفس حكيم إلا إليهم، فمن لم يكن منهم فأعرض عنه واتركه، ومن كان ~~منهم فاشدد به يديك وامسكه، فإنه بلغني أن حكيما من الحكماء، قال لبعض من ~~كان له علم كثير من القدماء: يا هذا لا ترين أنك علمت شيئا وإن علمت كل شي، ~~ما لم تكن عالما بالله الأول الحي، الذي هو سبب كل خير كان أو يكون، والذي ~~تعالى عن أن يلحق به حركة أو سكون. ثم قال: يا هذا إني كنت قبل أن أعرف ~~الله أروى وأظمأ بالطباع، ولما عرفت ms35 الله رويت بغير طباع. # نعم روي فشفي بالهدى!! من حر الغلة والصدى ! ولما صار إلى اليقين بالله ~~تبارك وتعالى، الذي هو سبب الخيرات الأول الأعلى، غني بالله غنى الأبد، ~~وصار إلى الغنى الباقي المخلد، وسكن اضطراب نفسه وقلقها، إذ علمت يقينا أن ~~الله هو ربها وخالقها. # وبلغني أن حكيما آخر من حكماء الأولين، كان في أمة تعبد الأصنام من الأمم ~~الخالين، كان يقول: من أيقن بالله إيقانا نقيا، لم يزل بالله في عاجل ~~الدنيا ما بقي غنيا، وأيقن ليقينه بالله بكل حقيقة علم معلومة، وأدرك ~~ليقينه بالله من العلوم كل ذات سر مكتومة، فاطلع بما ينور الله من قلبه على ~~خفي سرها، وأمن أن تتعبده الدنيا برق مسكنتها وفقرها!. # وبلغني أيضا عن بعض من تقدم وخلا، من الأمم السالفة الأولى، أنه كان ~~يقول: لا يشك أحد ولا يمتري، ممن خلا ولا ممن بقي، في أن من جهل الصانع كان ~~للعقوبة مستوجبا مستحقا، نعم ولم يؤمن عندي أن لا يكون ممن يعرف من الحقوق ~~كلها حقا، إلا معرفة فاسدة مختلطة، مقصرة عن التحقيق أو مفرطة، لأن من جهل ~~ما كثرت دلائله وشهوده، ووجد بمتظاهر الآيات فلم يدفع وجوده، حري حقيق، ~~وجدير خليق، أن يكون بكل شيء جاهلا، وأن لا يعتقد من علم شيء طائلا. PageV01P062 # أما رأيت العامة لما هي فيه من الجهل بالله الأعلى، إذ جهلت ما قلنا مما ~~كثر الله على معرفته الأدلاء، كيف قلت بحقائق الأمور علومها، وضلت بعد ~~جهلها بمعرفته حلومها، فقالت في دينها بكل قول متناقض مذموم، لا يصح لفحش ~~تناقضه في الألباب ولا الحلوم، فهي فيه دائبة تخبط كل عشوى، وصادة عن سبيل ~~كل تقوى، ترى معتقد باطلها فيه حقا، وزور قولها فيه على الله صدقا، وقبيحها ~~فيه حسنا جميلا، وجهلها به علما جليلا. PageV01P063 # فمن جهل الله تبارك وتعالى، فلن يدرك بحقيقة من الأشياء إلا شبها أو خيالا، ~~ولن يزال متحيرا في الأمور خباطا، ومقصرا في حقائق العلوم أو مفراطا، لا ~~يقر به قرار علم فيسكن، ms36 ولا يذل لمحق في حجته فيذعن، ولا يزال مفتريا على ~~المحقين كذبا، ومدعيا من الباطل دعوى عجابا، ليس لها من الله سبحانه تصديق، ~~ولا يشهد لها في الألباب من برهان تحقيق، وإن كانت في نفس مدعيها ذات حقيقة ~~وبرهان، فإنها في حقائق الأمور كسراب القيعان، كما قال الله سبحانه: { ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، أو كظلمات في بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم ~~يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } [النور 39-40]. انظر ~~كيف يمثله لإغفاله، فيما يراه حقا من باطله بأمثاله، من ذوي الضمأ، وبمن ~~ينظر في الظلماء، فلا يرى يده ولا يكاد، فكيف يقود أو ينقاد له في الظلماء ~~منقاد، إلا أن يكون مثله عميا، لا يرى لعمى قلبه شيا، فهو ينقاد في ظلمة ~~وعشوى، لمن لا يبصر ولا يرى، ولمن آثر الضلالة على الهدى، فهو متورط في ~~ورطات الردى، يركب بعضه في كل هوة بعضا، رافض لكل حقيقة علم رفضا، لا يسمع ~~لكتاب الله به نداء، ولا يقبل من الله فيه هدى، مخبة به في خبوت الضلال ~~ركائبه، عظيمة عليه في هلكة الدين والدنيا مصائبه، غير متحفظ من هلكاته ~~بحفظ، ولا متعظ من عظات الله بوعظ، غلق بين إطباق خطيئاته، غرق في بحور ~~عماياته، لما عطل من يقين علم الكتاب، ورضي من صحبته بشكوك الارتياب، ~~فبالله يا بني: فعذ من موالاته، والرضى بما رضي به من تعطيل ما عطل من كتاب ~~ربه وآياته. PageV01P064 ### || AUTO [الاصغاء لحديث القرآن] # وإذا أردت أن ترى عجائب الأنباء والأنبياء، وتعلم فضل عدل حكم الله في ~~الأشياء، فاسمع من الكتاب ولا تسمع عليه، واكتف بحكم الله على العباد فيه، ~~فإنك إن تسمع صوتا عنه بأذن واعية، ثم تقبل عليه منك بنفس لحكمته راعية، ~~تسمع منه بالهدى صيتا، وتعرف من ms37 جعله الله حيا ممن جعله ميتا، فلعلك حينئذ ~~عند معرفتك به للأشياء، تهرب من الميتين وتلحق بالأحياء، فتجد طيب طعم ~~الحياة، وتثق بالقرار في محل النجاة، فتنزل يومئذ منازل العابدين، وتأمن ~~الموت حينئذ أمن الخالدين، ففي مثل ذلك فارغب، وله ما بقيت فانصب، فللرغبة ~~فيه، وللحرص عليه، استنزل إبليس أباك آدم فأغواه، وبالخلد في معصيته الله ~~مناه، فقال له، ولزوجه معه: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين } [الأعراف:20]. وفي ذلك: { وقاسمهما إني لكما ~~لمن الناصحين، فدلاهما كما قال الله بغرور } [الأعراف:21-22]. وكذبهما ~~فيما مناهما به من الأمور، فأعقبا برجائهما في المعصية لله ندما، ونسي آدم ~~صلى الله عليه ولم يجد الله له عزما، كما قال سبحانه: { ولقد عهدنا إلى آدم ~~من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه:115]. فلو لم يعص الله للبث فيها أبدا، ~~ولو أطاع الله في الشجرة لبقي فيها مخلدا. # فكذلك يبقى فيها يوم القيامة، وفي الآخرة الباقية الدائمة، من أطاع الله ~~في هذه الحياة الدنيا، وقام بما يجب له عليه فيها من التقوى، فيدوم في ~~الجنة له النعيم والتخليد، ويبقى له ما هو فيه من نعيمها فلا يبيد، فطاعة ~~الله مفتاح الخلد في الجنة، واليقين بالله مفتاح كل طاعة وحسنة، فأيقن ~~بالله تحسن، وأحسن لله تؤمن. PageV01P065 ### || AUTO [صفات المؤمن] # واعلم يا بني أنك لن توقن حتى تعرف الموقنين، ولن تؤمن حتى تؤمن ~~للمؤمنين، ومن الموقنين أبوك إبراهيم خليل الرحمن، والمؤمنون فمن أمن من ~~الكفر وكبائر العصيان، وأعمال الموقنين من البر فدليل على إيقانهم، وترك ~~المؤمنين للكفر وكبائر العصيان فحقيقة إيمانهم، فاسمع يا بني لخبر الله ~~الذي لا خبر كخبره عن يقينهم، وما كانوا يعملون به لله في دينهم، من ~~الصالحات، ويسارعون فيه من الخيرات، فإنه يقول سبحانه: { إن الذين هم من ~~خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا ~~يشركون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، أولئك ~~يسارعون في الخيرات ms38 وهم لها سابقون } [المؤمنون57-61]. # ويقول سبحانه: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم } [الأنفال 2-4]. # ويقول عز وجل: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون ~~بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ~~إن الله غفور رحيم } [النور:62]. PageV01P066 # ويقول سبحانه: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } [الحجرات:15]. ~~وقال عز من قائل: { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ~~وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون } [السجدة 15-16]. # أنظر كيف وصفهم الله سبحانه بالخشوع والدين، بما نسبه مما سكن قلوبهم من ~~حقيقة اليقين، فأولئك هم الذين وصفهم الله بالايمان وحلاهم، وسماهم به في ~~كتابه ودعاهم، ولهم أوجب الجنان والرحمة، ومنه استحقوا الرضوان والعصمة، ~~فمن خرج من صفتهم ونعتهم فغير مؤمن ولا نعمى عين، ولا مستوجب من الله ~~الرحمة ولا الرضوان في يوم الدين، وداره غير دار المؤمنين، ومثواه من النار ~~مثوى الظالمين. # وقد زعم غيرنا أن من لم يؤمن كبير عصيانه - فيكون لأحد منه أمان بإيمانه، ~~ممن ذكر الله بالايمان وحلى - أنه ولي لله سبحانه فيمن تولى !! خلافا على ~~الله ومشآقة !! ومجانبة لكتاب الله ومفارقة. # وزعم أن الله لا يعذب من أقر به وبرسله وكتبه بلسانه، وإن ارتكب كل كبيرة ~~من كبائر عصيانه، تمنيا على الله وافتراءا، واستكبارا عن تبيانه واجتراءا !! PageV01P067 # فاسمع يا بني لقول الله في خلافهم، وما وصف فيما زعموا من خلاف أو صافهم، ~~فإنه يقول سبحانه: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } [النساء:65]. فلم ms39 يرض ~~سبحانه منهم له بالتحكيم، دون ما وصف من الرضى والتسليم، فقال سبحانه: { ~~فلا وربك لا يؤمنون }. وقالوا هم: بلى خلافا على الله هم مؤمنون!! والاقرار ~~بالله ورسله، غير الرضى والتسليم لحكمه، فأي خلاف لقائل أو اختلاف، أو فرط ~~عن قول بغير حق أو إسراف أبين مما تسمع وترى، مما قالوه جرأة وافتراء . # ويقول سبحانه: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون ~~بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ~~إن الله غفور رحيم } [النور:62]. واستئذانهم له، غير إقرارهم بالله ~~وبرسوله، فأين ما قالوا في الايمان ووصفوا ؟! مما قال الله به إن أنصفوا !! ~~والله يقول سبحانه: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون } [التوبة ~~44-45]. فالله يقول: لا يؤمنون بالله إن استأذنوا !! وهم يقولون: بلى إن ~~أقروا فقد آمنوا !! PageV01P068 # فأي مجاهرة لله بخلاف، أو مقالة بغير حق في إسراف، أبين على الله خلافا، أو ~~في قول بغير حق إسرافا، من قول هذا مخرجه، وسبيل أهله في القول ومنهجه ؟! ~~أو ما سمعوا لقول الله تبارك وتعالى: { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ~~} [الأنفال:1]. يخبر سبحانه أنهم إن لم يطيعوا أمر رسوله ويقبلوه، ويفعلوا ~~ما يأمرهم به أن يفعلوه، فليسوا مؤمنين به لا ولا بالله ربه، ولا برسل الله وكتبه. # أو ما سمعوا لقوله سبحانه: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله ~~وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ~~} [الأنفال:41]. يقول سبحانه لمن شهد من المهاجرين والأنصار بدرا، وكان له ~~ولرسوله من عدوهما منتصرا، إن كنتم بما وصفت آمنتم، فامضوا ms40 لما به أمرتم، ~~فان لم تمضوه على ما نزلت من حكمه، فلستم بمستحقين لثواب الايمان ولا اسمه. # فأي حجة لمحتج أقوى، أو ضياء نور أضوأ، فيما اختلفنا، ووصفوا وصفنا، مما ~~تلونا جملا لا تأويلا، ووحيا أنزله الله تنزيلا. # فاسمع في ذلك يا بني عن الله تنزيل وحيه، وما نزل فيه صراحا مكشوفا على ~~نبيه، فإنه يقول: { وما أولئك بالمؤمنين } [النور:47]. فالله تبارك وتعالى ~~يقول وما أولئك بالمؤمنين، وهم يقولون بلى إذا كانوا بالله وبما جاء من ~~عنده مقرين !! وإنما أخرجهم الله من الايمان بتوليهم، وبذلك نزل وحيه فيهم، ~~وعليه عاتبهم لا على إنكار، ألا ترى أن قولهم آمنا قول إقرار، لم يدعهم ~~إليه، ولم يعاتبهم فيه. PageV01P069 ### || AUTO [اعرف الحق تعرف أهله] # فاعرف الحق يا بني ومن خالفه، فإنك تعرف حينئذ الحق ومن آلفه، واعلم أن ~~معرفة الحق قسمان معلومان، وجزآن عند المحقين مقسومان: # أحدهما: معرفة الحق في نفسه ونعته، وما أبانه الله به من ضياء بينته. # والآخر: معرفة ما خالفه من الباطل، والبرآءة إلى الله من جهل كل جاهل، ~~فاعرفهما جميعا تعرف الحق وتوقنه، وتعرف قبح كل أمر كان أو يكون وحسنه، ولا ~~تغتر بهما جاهلا، ولاتكن لواحد منهما معطلا، فتجهل بعض الحق أو تعطله، ولا ~~يؤمن أن ترتكب بعض الباطل أو تفعله، ومتى لا تعرف الباطل لا تتبرأ من أهله، ~~ومن لا يتبرأ من المبطل حل من السخط في محله، ومتى تجهل بعض الحق، لا تؤمن ~~من البرآءة من المحق، ومن تبرأ من المحقين تبرأ الله منه، ومن أعرض عنه ~~المحقون - سخطا - أعرض الله عنه، والمحقون من خلق الله فهم المؤمنون، ~~والمؤمنون فهم البررة الرحماء المتحآبون، والمتحآبون فهم المحبون في الله ~~لمن أحبهم وتولاهم، والمعاندون لمن حآد الله ربهم ومولاهم. PageV01P070 # فاسمع يا بني لما ذكر الله في ذلك سبحانه عنهم، وعرف أولياءه في ذلك منهم، ~~إذ يقول لا شريك له: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله أولئك سيرحمهم ms41 الله إن الله عزيز حكيم } [التوبة:71]. ويقول سبحانه: ~~{ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } ~~[المجادلة:22]. ومحآدة الله تبارك وتعالى في حدوده، خلاف المخالفين فيما ~~حدد من أمره وعهوده، فالله يقول سبحانه: { لا تجد } وهم يقولون: بلى هم ~~كثير موجودون، والله يشهد سبحانه ومن قبل وحيه على خلاف ما عليه يشهدون . ~~وما في كتاب الله من بيان خلافهم، وشهادته بغير أوصافهم، فكثير بمن الله ~~جم، يخص من بيان الله فيه ويعم. PageV01P071 ### || AUTO [أئمة الجور من أسباب الضلال] # وليس لقلة ذلك ولا عسره، ولا لملتبس لبس من أمره، ضل القوم عنه ولا ~~تاهوا، ولكن لما سن فيهم ملوك بني أمية وشبهوا، ولقهر بني أمية لهم وغلبة ~~سلطانهم، قوي عليهم فيه سلطان شيطانهم، فألفوه حتى أنسوا به لطول الصحبة، ~~وعز فراقه في أنفسهم لما كان يكون في خلافه من الأنكال المعطبة، ولما كان ~~من جهله يومئذ لديهم منكلا محروما، عاد مجهوله يومئذ فيهم بعد جهله معلوما، ~~ثم خلفت من بعدهم أخلاف السو، التي أتت عداوتها للاسلام من وراء عداوة كل ~~عدو، فكانت أكلف بما سن لها أسلافها كلفا، وأسرف في الاحتجاج للباطل سرفا، ~~فالله المستعان للمحقين عليهم وفيهم، وفيما خالفوهم فيه من حكم ربهم عليهم، ~~فقد أصبحوا وأمسوا عن الحق بكما وصما وعميا، وصاروا هم وأئمتهم من بني أمية ~~لأنفسهم في ذلك داء دويا، لا يقبل شفاء الأدوية، ولا يسوغ فيه ولا ينفع ~~دواء الأشفية، كما لا يسوغ في البكم، ولا في العمى ولا في الصمم، دواء ولا ~~شفاء أبدا، إلا أن يكون الله بشفائه متوحدا، وكذلك داؤهم من الجهل والضلالة ~~والكفر، فلن يشفى منهم إلا بإكراه من الله لهم على الايمان وجبر، وذلك فما ~~لا يكون منه ms42 بعد أن أمرهم، ولأنه لو كان منه بجبر لكان الايمان لمن جبرهم، ~~وإذا كان له لا لهم، وكان فعله لا فعلهم، لأنه منه لا منهم، فالاحسان فيه ~~له دونهم. # فهذا يا بني فاعلمه من أمرهم، ومما هم فيه من جهلهم وكفرهم. PageV01P072 ### || AUTO [الجهل المركب] # واعلم يا بني أن جهل الناس بالله وبدينه، وما هم عليه من العمى عن الله ~~وعن تبيينه، يدعيان جهلا مضعفا، وعمى متبرا متلفا، لا يرجى إلا بالله ~~لأهلهما منهما سلامة، ولا يزدادان على صاحبهما طول الدهر إلا مداومة، وإنما ~~قيل في الجهل إنه مضعف، لأن صاحبه لا يعرف ولا يعرف أنه لا يعرف، فجهله هذا ~~جهلان، وهلكته بجهله هلكتان، بل لو قيل إن جهله هذا جهل مضعف أضعاف ثلاثة ~~متراكبة، لكانت مقالة من قال ذلك في جهله صادقة غيرمكذبة، لأنه جهل فكانت ~~تلك منه جهلا، ثم جهل أنه جاهل فكانت تلك لجهله مثلا، ثم رأى أن جهليه ~~جميعا علما، فكان ذلك منه جهلا ثالثا وظلما. PageV01P073 # وإنما قيل إن عماه عمى متبر متلف، ليس له إلا بالله عنه زوال ولا تكشف، لأن ~~صاحبه لا يألم له ولا يجده، فهو يزيده دائبا ويمده، إذ لا يجد له في نفسه ~~ألما، ولا يعد عماه فيه عمى، فلذلك ما ازداد داؤه، وقل من عماه شفاؤه، ولو ~~وجده فلمسه، أو ألم بألمه فحسه، لطلب له الشفاء، ولما كان متبرا متلفا، ولو ~~طلب - ويله - طب ما به من دائه، عند من جعل الله عنده طبه من أهل الحق ~~وأوليائه، لوجد عندهم من ذلك شفاء له شافيا، ونورا لما عدم من بصره كافيا، ~~ولكنه أصر عن آيات الله مستكبرا، وعد عماه عن الله وعن تبيينه بصرا، فكانت ~~مقالته على الله كاذبة، ونفسه فيما بينه وبين الله للأثام كاسبة، كما قال ~~الله العليم بإصرار المصرين، في أمثاله من الأثمة المستكبرين: { ويل لكل ~~أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها ms43 هزوا أولئك لهم عذاب ~~مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون ~~الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب ~~من رجز أليم (11) الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا ~~من فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } [الجاثية:7-13]. PageV01P074 # فكذلك هو فكما قال وإلا فمن سخره، هل ادعا تسخير ذلك أحد قط أو ذكره ؟! لا ~~ولو ادعاه مدع إذا لكان كذبه مكشوفا، ولكان بكذبه في كل قرن خلا أو بقي من ~~القرون موصوفا، وما ادعا ذلك فرعون في جهله وعتائه ولقد ادعا غيره في ملكه ~~لنظرائه، وما ادعا لهم خلقا ولا صنعا، ولو ادعاه لكان ذلك كذبا مستشنعا، ~~وإنما تأويل قول فرعون: { أنا ربكم الأعلى } [النازعات:29]، أنا سيدكم ~~ومليككم لا ما قال موسى، ولم يرد أنا لكم رب خلاق، ولا أنا لكم إله رزاق، ~~لأن كل رب في لسان العرب فسيد ومليك، ولا سيما إذا كان وليس له عند نفسه ~~فيما ملك شريك. PageV01P075 # أولا تسمع يا بني وترى، أنه لم يزعم أنه رب لغيرهم من أهل القرى، التي لا ~~ملك له عليها، ولا سلطان له فيها، فلما لم يوقن بغيره، ولم يستدل على الله ~~بتدبيره، وكذب من الله بما لم تره عيناه، وكان كل من صدقه مثله لا يوقن إلا ~~بما عاينه ورآه، وما كان لذلك مثلا ونظيرا، قال أنا ربكم ومليككم ولم يدع ~~لهم صنعا ولا تدبيرا، صغرا منه وتضاؤلا عن تلك ودعواها، فلما صغر عنها ~~وتضاءل كان ادعاؤه لسواها، مما يدخل به وفيه غلط وامتراء، وما يمكن في مثله ~~له عندهم الإدعاء، ولو ادعا فيهم خلقا، أو انتحل لهم رزقا، لما اعترتهم في ~~كذبه مع تلك مرية، ولا أعمتهم من الشبهة في أمره معمية، ولكنهم لما لم ~~يوقنوا بالله وتدبيره، ولم يقروا إلا بما رأوا مثله من فرعون وغيره، ~~وأنكروا ما ms44 لم يروا أو يكون مثلا لما رأوا فدفعوه، جاز عندهم لفرعون ولهم ~~في فرعون ما ادعوه، فنحمد الله الذي حسر كل من أيقن أو تحير عن أن يدعي من ~~صنعه وإن جهله صنعا، فيكون فيه لشبهة أو تحير لمبطل مدعا، وإن كان أثر ~~التدبير فيه بأنه صنع مصنوع باديا، وكان هدى الله فيه لمن لم يهتد إليه ~~بالهدى مناديا، فنداؤه بإحداث الله له أعلى من كل علي، وتبديه بأنه صنع لله ~~وتدبير أبدى من كل جلي، فتبارك الله أحسن الخالقين خلقا، وأحق جميع الحقائق ~~متحققا، الذي لم يزل ولا يزال، ومن له الكبرياء والجلال، رب الأرباب ~~المعظمة، وولي كل إحسان ونعمة، الأول الذي ليس كمثله شيء وهو القوي العزيز ~~القهار الغلاب، { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة ~~إنك أنت الوهاب } [آل عمران:8]. وصل على جبريل أمينك وعلى ملائكتك ~~المصطفين، وعلى محمد رسولك وعلى جميع الرسل والنبيين، والحمد لله رب ~~العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خير خلقه أجمعين، وأهله الطاهرين وسلامه. PageV01P076 # تم كتاب الدليل على الواحد الجليل. PageV01P077 ms45