######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | الدليل الصغير PageV01P257 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو محمد الحسن بن القاسم رضي الله عنه : # سألت أبي رضي الله عنه عن الحجة على من ألحد في الله تمردا ، وجهل ~~المعرفة بالله حيرة وتلددا ، فظن أنه موقن بمعرفة رب الأرباب ، وهو من ظنه ~~لذلك في مرية وحيرة وارتياب ، فكثير أولئك ، ومن هو كذلك ، وإن هو لم يظهر ~~ما في قلبه ، من الحيرة والجهل بربه ، جل جلاله وسلطانه ، وظهر دليل ~~الإيقان به وبرهانه؟! # فقال : إنما يستدل يا بني : على إيقان الموقنين ، بمعرفة رب العالمين ، ~~بطاعتهم لله وتقواهم ، فبهما يعرف يقينهم بالله وهداهم. # ولذلك يا بني وفيه ، من الدلائل عليه ، قول الله سبحانه (لرسوله ، ~~صلى الله عليه وآله : ( @QUR@07 وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ~~) [التوبة : 105]. وقوله سبحانه :) (1) ( @QUR@018 إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون (15)) [الحجرات : 15]. وقوله سبحانه : ( @QUR@015 إنما ~~يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون (15) @QUR@011 تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~ومما رزقناهم ينفقون ) (16) [السجدة : 15 16]. وآياته سبحانه فهي وحيه ~~وتنزيله ، وشواهد الإيقان به ودليله ، والإيمان فمن الإيقان ، وهو الأمان ~~من كبائر العصيان. وأكبر الكبائر عند الله ، وعند الصالحين من خلق الله ، ~~فهو الإنكار لله ، والإلحاد في الله ، والارتياب في معرفة الله. # وفي ارتياب المرتابين ، وصفة الله للمؤمنين ، ما يقول أرحم الراحمين : ( ~~@QUR@014 لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) @QUR@014 إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) (45) [التوبة : ~~44 45]. # وفي الحيرة والمرية والشك والارتياب ، ما يقول سبحانه لأهل إضاعة طاعته ~~والغفلة PageV01P259 # والتقصير والألعاب (1): ( @QUR@08 رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (7) @QUR@010 لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم ~~الأولين (8) @QUR@05 بل هم في شك يلعبون ) (9) [الدخان: 7 9]. فأخبر (2) ~~تبارك وتعالى بلعبهم ، عن شكهم في ربهم ، ودل بذلك على أن من اشتغل عن طاعة ~~الله بلعبه ، فليس من الموقنين ms01 مع ذلك بالمعرفة بالله ربه. ### | [التفكير طريق المعرفة بالله] # وفي قلة اليقين بالغيب ، وما يعرض للجاهلين فيه من الريب ، ما يقول الله ~~سبحانه فيما قص من نبإ (3) قوم نوح وعاد وثمود وآدم وقوم لوط وأصحاب الأيكة ~~، وما أحل بهم بعد ما أراهم من الآيات والدلالات البينات من التدمير ~~والهلكة ، ( @QUR@08 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) @QUR@05 ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (191) [الشعراء : 190 191]. ففي كل ما قص الله ~~من ذلك لمن يعقل فيوقن بيان من الله فيما ذكرنا من قلة اليقين وتعريف ~~وتفهيم ، واليقين بالغيب فإنما يكون ، بما يدركه (4) الفكر لا بما تدركه ~~العيون ، فمن لم يفكر بقلبه فيما غاب عنه ، لم يؤمن أبدا بشيء منه. # والآية في كل ما كانت من الأشياء فيه ، فهي الدلالة البينة المستدل بها ~~عليه ، ومن استدل بالآيات على ما غاب صح له به (5) يقينه ، وإن لم يره ولم ~~يبصره لغيبته عنه ، وكان أصح عنده صحة ، وأوضح له ضحة (6)، من كل ما وضح ~~من الأمور كلها فاستنار ، وأيقن به كما يوقن بالليل (7) والنهار ، بل كان ~~أصح عنده في الإيقان ، من كل ما أدركه برؤية أو عيان ، لفضل درك اليقين ، ~~على درك الرؤية والعين ، ومن لم PageV01P260 # يفكر ، لم يؤمن ولم يبصر ، وإنما يوقن من فكر ، ويبصر من نظر ، كما قال ~~سبحانه: ( @QUR@02 أولم يتفكروا ) [الأعراف : 184 ، الروم : 8]. ( @QUR@02 ~~أولم ينظروا ) [الأعراف : 185]. ( @QUR@02 أولم يروا ) [النحل : 48]. ~~تنبيها من الله بذلك كله لهم على أن يوقنوا فلا يمتروا ، فيما عرفهم الله ~~سبحانه من نفسه بآياته ، ودلهم على معرفته من غيب أموره بدلالاته ، فليس ~~يوصل إلى معرفته واليقين به ، وما احتجب عن (1) العباد من غيبه ، إلا بما ~~جعل من (2) الدلالات ، وأرى من الآيات ، كما قال سبحانه : ( @QUR@019 ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك ~~أنه على كل شيء شهيد (53) @QUR@012 ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه ~~بكل شيء محيط ) (54) [فصلت : 53 54]. ولقاؤهم لربهم فهو مصيرهم ومرجعهم ~~إليه ، وليس بلقاء رؤية ولا عيان ولا ms02 يمكن شيء من ذلك فيه (3)، لبعده ~~سبحانه في ذلك وغيره من مماثلة الناس وغير الناس ، وبقدسه وتعاليه عن أن ~~ينال أو يدرك بحاسة من الحواس ، وإنما تدرك معرفته وتنال له القدس ~~والكبرياء والجلال بما بين من الدلائل والآيات لقوم يعقلون ، كما قال ~~سبحانه : ( @QUR@05 قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) [البقرة : 118]. فليس بعد ~~تبيين الله بيان ، يكون به معرفة ولا إيقان. # والحمد لله على ما بين من آياته ، وأوضح من دلالاته (4)، ونستعين بالله ~~على اليقين بمعرفته ، ونعوذ بالله من الإلحاد في صفته. # وفي مدحة الله سبحانه للأبرار ، بما آمنوا به مما غاب عن الأبصار ، ~~واستدلوا عليه بالنظر والأفكار ، عن (5) غيب المعرفة بالله وإيقانه ، وما ~~لا يدرك أبدا من الله برؤيته جهرا (6) ولا عيانه ، وما لا يصاب فيه أبدا ~~حقيقة العلم واليقين ، إلا بما جعل الله عليه PageV01P261 # من الشواهد والدليل المبين ، هو أحق حقيقة ، وأوثق وثيقة ، وأثبت يقينا ، ~~وأنور تبيينا ، من كل معاينة كانت أو تكون أو رؤية ، أو درك حاسة ضعيفة أو ~~قوية ، ما يقول الله سبحانه : ( @QUR@07 ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ~~(2) @QUR@03 الذين يؤمنون بالغيب ) [البقرة: 2 3]. تبرئة من الله لهم فيما ~~غاب عنهم في جميع أموره من كل شك وريب. ### | [استدلال إبراهيم على وجود الله] # وفي الاستدلال على الله ، بما يرى ويبين (1) من آيات الله ، ما يقول أبوك ~~إبراهيم خليل الله : ( @QUR@08 إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا ) [الأنعام : 74] ، احتجاجا على قومه في غيبه (2) بما يرون من فطرة ~~الله في سماواته وأرضه وتوقيفا. ويقول صلى الله عليه : ( @QUR@05 قال ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) @QUR@03 أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) @QUR@06 ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) @QUR@04 الذي خلقني فهو يهدين (78) ~~@QUR@04 والذي هو يطعمني ويسقين (79) @QUR@04 وإذا مرضت فهو يشفين (80) ~~@QUR@04 والذي يميتني ثم يحيين ) (81) [الشعراء : 75 81]. فكل ما ذكر صلى ~~الله عليه وعدد من خلق الله له وهداه ، وإطعام الله له وسقيه إياه ، وإبراء ~~الله له من مرضه وشفائه ، وإماتة الله له وإحيائه ، فبدائع موجودة ، وأفعال ~~بينة معدودة ، لا ينكر موجودها ، ولا يجهل معدودها ، من ms03 المدركين (3) لها ~~من أحد ، ألحد فيها أو لم يلحد ، وإنما ينكر من أنكر صنعها ، ويجهل من جهل ~~بدعها ، فأما (4) العدد لها والوجود ، فبين فيها محدود ، لا ينكره منكر ، ~~ولا يتحير فيه متحير. # وكل ذي عدد ، وكل ما حد بحد ، فالدليل على صنعه تعديده ، وعلى أنه محدث PageV01P262 # تجديده ، وإذ (1) كان ذلك كذلك وجد الصانع المبدع عند وجوده ، والمحدد له ~~المحدث بما بان فيه من حدوده ، لأنه لا يكون أبدا حدث إلا من محدث موجود ، ~~ولا يكون حد (2) أبدا إلا من مفرق محدود ، كما قد رأينا في ذوات الحدود ، ~~من كل مفترق موجود ، لا يمتنع من درك ذلك ويقينه وعلمه (3)، إلا من كان ~~مكابرا فيه لحسه ووهمه. # وإنما أراد إبراهيم صلى الله عليه بما عدد من ذلك وذكر ، ما ابتدع من ذلك ~~كله وصنع وافتطر ، مما لا صنع فيه لصانع مع الله ، وما لم يوجد شيء فيه قط ~~إلا من الله ، فأما ما يصنع العباد بعد صنع الله من أخذ وعطاء ، وما يدور ~~في ذلك بينهم من الأشياء ، فلم يرده إبراهيم صلى الله عليه ، ولم يعدده ولم ~~يذهب إليه ، وكل ما كان من العباد في ذلك من الصنائع ، فغير صنع الله في ~~الابتداء والبدائع ، صنع الله سبحانه فابتداع ، وصنع العباد فاحتيال (4) ~~واصطناع ، وصنع الصانع ، غير صنع الطبائع ، صنع الطبائع (5) صنيعة مبتدعة ~~مطبوعة ، وصنع الصانع فصنيعة معتملة مصنوعة ، والصنعة لا تكون إلا في مصنوع ~~، والطبيعة لا تكون إلا في مبدوع ، فما طبع من غير شيء ، وكان من غير أصل ~~ولا بدي ، وذلك كله وأمثاله ، فما لا يصنعه إلا الله جل جلاله ، ولا يدركه ~~أبدا ولا يناله ، صنع الخلق ولا احتياله. # ولو كان ما صنع وابتدع تبارك وتعالى ، من ذلك من (6) الأرضين والسماوات ~~العلى ، وجعل من الليل والنهار ، وما مزج بقدرته من البحار ، وما أرسى من ~~الجبال ، صنع أكف واحتيال إذا لما قدر بذلك على صنع أقله ، فضلا عن صنع ~~جميعه وكله ، في وقت من الأوقات وإن طال أبدا ، بل إن كان الوقت منه ms04 ممتدا ~~سرمدا (7)، ولكنه PageV01P263 # تبارك وتعالى صنعه وأنشأه ، فابتدعه كله وفطره فطرة واحدة فبراه (1)، ~~كما قال سبحانه : ( @QUR@011 بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون ) (117) [البقرة : 117]. ( @QUR@019 فاطر السماوات والأرض ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ) (11) [الشورى : 11]. وفي أقل ما ذكر الله من ذلك وجعل ، ~~لمن فكر ونظر فاستدل (2)، دليل مبين ، وعلم يقين. # وأي دليل على الله؟! وعلى اليقين بالله؟! من افتطار الله للسماوات والأرض ~~، وما جعل منا ومن الأنعام أزواجا بعضها لبعض ، فجعل سبحانه ما ذكر من ~~الأزواج أصولا ، أنسل منها بقدرته نسولا ، لا يحصيها أبدا غيره ، ولا يمكن ~~فيها إلا تدبيره ، فأي دليل أدل؟ لمن فكر فاستدل ، على اليقين بالله؟! مما ~~(3) يراه عيانا من صنع الله ، للأزواج المجعولة المحدثة ، وما خولف به في ~~ذلك بينها من الذكورة والأنوثة ، فجعل ذكور الأزواج غير إناثها ، دلالة ~~بذلك على جعلها وإحداثها ، وكان ما (4) عوين بعدها من ذرو نسلها وتكثيره ، ~~دليلا على حكمة صانعها وتدبيره ، وآية أبانها منيرة مضية ، ودلالة بينة ~~جلية ، لمن فكر ونظر فأحسن بقلبه ، على الله خالقه وربه ، فأيقن لفكره فيما ~~يراه ببصره ، وما يدركه بمشاعره بالله (5) مقدره ومدبره ، فظفر باليقين ~~والهدى ، وسلم من الحيرة والردى ، فاستراح ووثق واطمأن ، واعتقد المعرفة ~~بالله وأيقن ، فخرج (6) بيقينه من الظلمة والمرية والشك (7)، إذا أيقن ~~بالله مليك كل ذي ملك. # وفي مثل ذلك من الخلق والإحداث ، لما ذكر الله من صنعه للذكور والإناث ، ما PageV01P264 # يقول سبحانه : ( @QUR@015 لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن ~~يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) @QUR@08 أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما ) [الشورى : 49 50]. فملك جميعهما ، وما يرى من ~~بديعهما (1)، فمعاين موجود لا يخفى ولا يتوارى ، عن كل من يعقل ويبصر فيرى ~~، وكل ملك صح دركه رؤية وإيقانا ، فلا بد من درك مالكه باليقين وإن لم ير ~~جهرة عيانا. وكل مفترق في الخلقة والصنع والفطور ، مما ذكر سبحانه من ~~الإناث والذكور ، فوجد كما وجد (2) افتراقه ms05 ، وبان فطرة صنعه وفطرته ~~واختلاقه ، فلا بد له اضطرارا ، إذ وجد كذلك (3) جهارا ، من مميز فارق ، ~~ومفتطر خالق ، لا يشك في ذلك ولا يجهله ، إلا من لا عقل له. # فلخلق الله تبارك وتعالى لما شاء ، فرق بين ما خلق من الذكور والإناث ~~وأنشأ ، فوهب لمن يشاء إناثا ووهب لمن شاء ذكورا ، وجعل كلا على حياله خلقا ~~مفطورا ، غير مشبه بعضه لبعض ، كما السماء غير مشبهة للأرض ، ووهب لمن شاء ~~ذكورا وإناثا معا ، فجمع ذلك له بموهبته فيه جميعا ، وجعل من شاء من الرجال ~~والنساء عقيما لا يلد ولدا ، ولا يكون (4) منه ولد أبدا ، إلا بعد تبديله ~~الإعقام وتغييره ، وبحادث (5) يحدثه في ذلك من صنعه وتدبيره ، (6) كما فعل ~~سبحانه في امرأة زكريا ، وما وهب لهما (7) من يحيى ، صلى الله عليهما وعليه ~~، وما من به عليهما من ذلك وفيه. وما وهب لإبراهيم صلى الله عليه من الولد ~~بعد يأسه منه ، وكبره صلى الله عليه عنه (8)، وفي ذلك ما يقول عليه السلام ~~ذكرا ، وحمدا وشكرا ، بما وهب له تبارك وتعالى ، في ذلك من الموهبة ~~والنعماء : ( @QUR@011 الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي PageV01P265 # @QUR@02 لسميع الدعاء (39)) [إبراهيم : 39]. # وفي محاجة الملك ، بالمكابرة والإفك ، لإبراهيم (1) خليل الله ، إذ يقول ~~عليه صلوات الله (2): ( @QUR@04 ربي الذي يحيي ويميت ) فقال الملك ~~بالمكابرة والكذب : ( @QUR@04 قال أنا أحيي وأميت ) [البقرة : 258]. وإنما ~~قال إبراهيم عليه السلام من ذلك صدقا ، ونطق به (3) في محاجته للملك بما نطق ~~حقا ، لا شك فيه ولا مرية ، ولا شبهة ولا ظلمة مغشية ، لأنه لما وجدت ~~الحياة يقينا والموت ، وجد بوجودها اضطرارا المحيي (4) المميت. ولما لم يجد ~~الملك صاغرا لليقين بهما والاضطرار سبيلا لنفسه بحدثهما إلا المكابرة فيهما ~~والإنكار ، (5) كابر لدادا ، ومباهتة وجحادا ، فقال : ( @QUR@03 أنا أحيي ~~وأميت ). وكيف يكون محييا أو مميتا ، من لا يملك لنفسه حياة ولا موتا؟! # وفي مثل ذلك ، ومن كان كذلك ، ما يقول الله سبحانه : ( @QUR@04 واتخذوا ~~من دونه آلهة ) [الفرقان : 3]. وفيما اتخذوا (6) من تلك الآلهة الملائكة ~~المقربون ، وعيسى بن مريم عليه ms06 السلام وما كان من آلهتهم يعبدون ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@019 آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) (3) [الفرقان : 3]. فلما ~~كابر الملك إبراهيم عليه السلام من قوله بما كابره به مباهتة وإفكا وزورا ، ~~(7) فقال صلوات الله عليه ورضوانه : ( @QUR@013 فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ) [البقرة : 257]. # وتأويل بهت هو : صمت وسكت عن الإفك والمباهتة والجحود ، إذ قرره صلى PageV01P266 # الله عليه بأمر معاين موجود ، لا ينكره إلا بمكابرة فاحشة عقل الملك ولا ~~عقل غيره ، لما فيه من بين أثر تدبير الله وتقديره ، من تدليل (1) الملك ~~والتسخير ، من دءوب (2) التحرك والمسير ، جيئة وذهوبا ، وطلعة وغروبا ، فهي ~~طالعة وغائبة لا تقصر ، وجائية (3) وذاهبة لا تفتر ، مختلفا (4) بها ما جعل ~~الله من الليل والنهار ، وما قدر (5) بمسيرها من الأوقات والأقدار ، وبما ~~بان من ذلك وأنار لكل أحد ، بهت الذي كفر فلم يكابر ولم يجحد. ### | [استدلال موسى على وجود الله] # وكذلك قال موسى عليه السلام إذ قال لفرعون ، حين قال له ولأخيه هارون : ( ~~@QUR@04 فمن ربكما يا موسى (49) @QUR@09 قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى (50)) [طه : 49 50] ، فدله صلى الله عليه على ربهما بأدل دلائل الهدى ~~، من عطائه سبحانه لخلقه من نعمه ما أعطاهم ، وما من به جل ثناؤه من هداهم ~~، لكل رشد (6) في دينهم ودنياهم. # وفيما ذكر موسى صلى الله عليه من عطية الله لخلقه ، ما أعطاهم من هداه ~~لهم ورزقه ، ما يقول سبحانه : ( @QUR@08 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ~~) [البقرة : 29]. ويقول سبحانه : ( @QUR@016 وسخر لكم ما في السماوات وما ~~في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (13) [الجاثية : 13]. ~~وفي هدايته لهم ما يقول سبحانه : ( @QUR@015 والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ~~لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) (78) ~~[النحل : 78]. ولفرعون ما PageV01P267 # يقول موسى عليه السلام إذ ( @QUR@05 قال فرعون وما رب العالمين (23) ~~@QUR@09 قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24)) [الشعراء ~~: 23 24]. فلما ms07 أن قال له ذلك : ( @QUR@05 قال لمن حوله ألا تستمعون (25)) ~~[الشعراء : 25]؟! يريد ما تقولون؟ فقالوا لموسى ما قال ، وسألوه عما سال ، ~~(1) فقال عليه السلام رب العالمين : ( @QUR@04 ربكم ورب آبائكم الأولين ) ~~(26) [الشعراء : 26] ، دلالة لهم على أن الله ربهم ورب آبائهم الأولين ، ~~بما بين (2) لهم ولغيرهم من تدبيرهم وإنشائهم ، الذي لا يمتنعون (3) من ~~وجوده في أنفسهم ، وفي كل عضو من (4) أعضائهم ، بالنشأة البينة فيهم ~~والتقدير ، والهيئة الظاهرة عليهم والتصوير ، فلما قطعه وقطعهم ، من حجة ~~الله بما أسمعه (5) وأسمعهم ، خرج فرعون في المسألة والمجادلة ، إلى غير ما ~~كان فيه من الجدال والمقاولة ، فقال العمي الملعون : ( @QUR@06 إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون ) (27) [الشعراء : 27]. فرد عليه موسى عليه السلام ~~قوله ، بتبيين الحجة القاطعة له ، فقال له ولمن حوله كلهم أجمعين ، فيما ~~كانوا يتقاولون (6) أو يتجاهلون ويجهلون ، ( @QUR@08 رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون (28)) [الشعراء : 28] ، فالمشرق (7) والمغرب وما ~~بينهما كله فمربوب لا يشك فيه إلا الجاهلون ، (8) لما يرى فيه ، ويتبين ~~عليه ، من أثر الصنع (9) والتدبير ، والهيئة البينة والمقادير. # فلما وقفه وإياهم على الآيات فلم يقفوا ، وعرفهم الدليل والبينات فلم ~~يعرفوا ، وأمسكوا عن المسألة والمقال خاسئين محسورين ، قال فرعون : ( ~~@QUR@03 لئن اتخذت إلها PageV01P268 # @QUR@04 غيري لأجعلنك من المسجونين (29)) [الشعراء : 29]. قال موسى ~~عليه السلام توقيفا له ولهم (1) وتعريفا ، وتقريرا للحجة (2) عليهم وتعطيفا ~~: ( @QUR@04 أولو جئتك بشيء مبين (30) @QUR@07 قال فأت به إن كنت من ~~الصادقين (31) @QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) (32) [الشعراء : 30 32]. # وبمثل احتجاج إبراهيم صلى الله عليه وموسى عليه السلام على من ألحد وجحد ~~وأشرك ، لم تزل رسل الله تحتج على من تحير في الله أو ارتاب أو شك ، وذلك ~~(3) فبين والحمد لله فيما نزل من كتبه كثير (4)، وقولهم في الاحتجاج على ~~من جحد أو ألحد أو أشرك فواضح منير ، لا يطفأ له سراج ، ولا يشبهه احتجاج ، ~~ولا ينكره من الخلق كلهم رشيد ، ولا يأبى قبوله من الخلق إلا شيطان مريد. # وما لم يزل الله برحمته وفضله ، (5) يدل به من هذا ومثله ، في كتبه (6) ~~وعلى ألسن رسله ، فكثير عن الذكر ms08 له والاستقصاء ، والتعديد والإحصاء ، في ~~كتابنا هذا وأمثاله ، فنحمد الله على منه فيه وإفضاله ، ونسأل الله أن ~~يجعلنا وإياك بما بصر من المبصرين ، وفيما أمر بالفكر فيه من المفكرين. # اسمع يا بني (7): فقد سألت أرشدك الله للهدى ، وجعلك رشيدا مرشدا ، عن ~~أولى ما سأل عنه سائل أراد لنفسه أو لغيره رشدا وهدى ، أو لمبطل كان فيما ~~سألت عنه متحيرا أو ملحدا متمردا. # فجعلنا الله وإياك فيما سألت عنه ، من القائلين بما يرضى منه ، ووهبنا من ~~البصائر بدلائله وآياته ، ما وهب للقائلين في ذلك من محبته ومرضاته ، فانه ~~لن يصيب في ذلك PageV01P269 # هداه ، إلا من أرشده وهداه ، ولن يظفر فيه ببغيته وطلبته ، إلا من كان ~~متحريا لإرادة (1) الله فيه ومحبته. # وبعد : فاعلم يا بني : نفعك (2) الله بعلمك فكم من علم غير نافع ، ومنادى ~~(3) له وإن كان صحيحا سمعه غير سامع ، وناطق في عداد البكم ، إذ ينطق بغير ~~رشد في الهدى ولا علم ، (4) وكم من ناظر لا يبصر (5) ولا يرى ، كما قال ~~الله سبحانه وتعالى : ( @QUR@012 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ~~ينظرون إليك وهم لا يبصرون )) (198 [الأعراف : 198]. وقال سبحانه : ( ~~@QUR@06 صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171)) [البقرة : 171]. فليس كل من علم ~~انتفع ولا اتبع ، ولا كل من نودي به سمع ولا استمع ، ولا كل من نطق فكر ، ~~ولا كل (6) من نظر أبصر ، ولا كل من له قلب فقه ولا عقل ، إذا (7) هو أعرض ~~وترك وغفل. # وفي أولئك ، ومن هو كذلك ، ما يقول سبحانه : ( @QUR@030 ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ~~آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) (179) ~~[الأعراف : 179] ، فكفى رحمك الله بما نرى من هذا ومثله في كثير من الناس ~~بيانا وآيات لقوم يعقلون. ### | [عظة بليغة] # وكيف لا يكون عند من يعلم أو يعقل كالأنعام ، من لا يهتم إلا بما لها من الهم PageV01P270 # والاهتمام ، في مأكل أو منكح ، أو لعب أو متمرح ، فعلمه علمها ، وهمته ms09 ~~همتها ، فهو مكب عليها ، لا يرغب إلا فيها ، ولا تنازعه نفسه إلا إليها ، ~~فلها يجتهد ويشقى ، وبها يدعو ويدعى ، غافلا عما شيب بمحابه فيها من الأذى ~~والمكاره ، غير متعظ بشيء ولا معتبر ولا متنبه ، وقد يوقن إيقانا ، ويرى ~~بعينه عيانا ، أن ما يحب من دنياه وحياتها مشوب بموتها ، وما يشوبه من ~~دركها مقرون بفوتها ، فكم من مدرك من (1) بعد دركه فائت ، وحي بعد حياته ~~مائت ، قد تبدد شمله ، وأعرض عنه أهله ، الذين كان يعدهم له أحبابا ، ويكد ~~لهم في حياته بجهده اكتسابا ، بما حل من المكاسب أو حرم ، أو حمد من ~~المطالب أو ذم ، وكم قبل موته عنهم ، كان من مسخط له (2) منهم ، قليل له ~~شكره ، سيئ له ذكره ، ورثه ما جمع غير شاكر ولا حامد ، يقول : لقد كان فلان ~~غير مهتد ولا راشد ، كما يقول أعدى الأعداء ، وأبعد البعداء ، يعجب بعض من ~~يجالس بعد موت شخصه ، بما كان يرى من كده قبل موته وحرصه ، وكم كان له قبل ~~موته من خليل حبيب مقارن ، (3) أسلمه عند وفاته لموته إسلام البعيد المباين ~~، ولهى بعده ، بخليل جدده! فكأن لم يكن لمن مات (4) خدينا! ولم يعده بعد ~~موته قرينا! بل كم من أب والد ، أو ولد حبيب واحد ، تعزى فسلا ، عمن مات ~~وتولى ، واشتغل من بعده بأشغاله ، وأقبل على ما يعنيه من حاله ، وقال هلك ~~أبي ومات! أو ذهب ابني وفات! فما عسيت أن أصنع؟! وهل لي في الجزع منتفع؟! ~~تسهيلا في مصابه لما دهاه ، وتفرغا بمقاله لدنياه ، فهذا في الوالد والولد ~~، وهما سلالة النفس والجسد ، كما تعلم وترى ، فكيف بغيره من الأمور الأخرى ~~، من المال والأثاث ، والفكاهات والأعباث؟! # وفي الولد رحمك الله وفي المال ، ما يقول ذو الكبرياء والجلال ، لمحمد ~~عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله : ( @QUR@016 ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ~~إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85)) ~~[التوبة : 80]. فجعل PageV01P271 # سبحانه المال والولد لهم عذابا في حياتهم وهما عندهم آثر ما يؤثرون (1)، ~~وما قال سبحانه من ذلك فقد ms10 رأيناه يقينا ، وأدركناه فيهم ظاهرا مبينا ، لا ~~يشك فيما ذكر الله منه سبحانه ولا يمتري ، ولا يجهله منا إلا من لا يعقل ~~ولا يدري!! أو ليس قد علمنا أن العذاب ، ألم ونصب وأتعاب ، وقد رأينا من ~~نصب أهل الأموال والأولاد فيهما ، وبشفقتهم ومحافظتهم عليهما ، (2) ما يكثر ~~به السهر والسهاد ، ويقل معه الخفض (3) والرقاد ، فأي ألم أوجع لفؤاد أو ~~جسم ، أو ادعى لمرض أو سقم ، من السهر والنصب والاهتمام؟! وقد يترك له كثير ~~من الشراب والطعام!! # والمال والولد فإنما هما كما قال الله سبحانه فتنة ، والفتنة قد يعلم كل ~~ذي لب أنها ابتلاء (4) وتمحيص ومحنة ، وفي الأزواج رحمك الله والأولاد ، ~~وهما أحب الأشياء إلى جهلة العباد ، ما يقول رب العالمين ، لمن قال له من ~~المؤمنين : ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) @QUR@08 ~~إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ) (15) [التغابن : 14 15]. ~~فكل ما تسمع (5) آيات بينات ، ودلائل على الله متيقنات ، فليس لمن يعقل ~~الحياة الدنيا وحال أهلها وسكانها ، مع ما وصفنا من حال أحبائها وقرنائها ~~وخلانها ، أنس ولا ثقة ، ولا توكل ولا حقيقة ، إلا بالله وحده ، وبالرغبة ~~فيما عنده ، وليس يأنس أبدا بالله ، إلا من صح يقينه ومعرفته لله ، ولا ~~يعرف الله جل ثناؤه فيوقنه ، إلا من يجد أنسه بالله وأمنه ، فيكون عليه جل ~~جلاله ، معتمده واتكاله ، فتقر عينه ، ويسلم دينه ، ويعز فلا يرى خزيا (6) ~~ولا ذلا ، ما كان على الله سبحانه متوكلا. PageV01P272 ### | [التوكل على الله] # ولما جعل الله من ذلك في التوكل عليه ، أمر رسوله عليه السلام به ودعاه ~~إليه ، فقال سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وعلى وآله : ( @QUR@015 فإن ~~تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129)) ~~[التوبة : 129]. والعرش العظيم (1) فهو السلطان والملك ، الذي ليس لأحد مع ~~الله فيه نصيب ولا شرك (2). # والتوكل فهو الاعتماد عليه والثقة به ، وأصل توكل كل متوكل فهو اليقين ~~والمعرفة بربه. # وفي التوكل على الله وذكره ms11 ، وما عظم الله من التوكل عليه وقدره ، ما ~~يقول تبارك وتعالى لقوم يؤمنون : ( @QUR@09 الله لا إله إلا هو وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون ) (13) [التغابن : 13] (3). (وفي التوكل على الله ، ما ~~يقول رسل الله (4): ( @QUR@017 وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا ~~سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) (12) ~~[إبراهيم: 12] فمن (5) توكل على الله كفى بالله واستغنى ، وعاش في دنياه ~~مسرورا آمنا ، غير مشوبة كفايته ولا غناه ، بحاجة ولا فقر في آخرته ولا ~~دنياه ، ولا مشوب سروره بحزن ، ولا أمنه بخوف ولا وهن ، كما قال سبحانه : ( ~~@QUR@04 الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) @QUR@015 لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64)) [يونس ~~: 63 64]. # وكيف يخاف أو يحزن؟! ولا يأنس فيأمن ، (6) من كان الله معه! ومن حاطه ~~ومنعه! وإن مكر به الماكرون ، وخذله من قرابته الناصرون!! PageV01P273 # وفي ذلك ما يقول الله سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وآله : ( @QUR@014 ~~واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) ~~@QUR@08 إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) (128) [النحل : 127 ~~128]. وأول التقوى والإيمان ، والبر والنهى (1) والإحسان ، فهو حقيقة ~~المعرفة بالله والإيقان ، فمن أيقن بالله وعرفه أنس واستراح ، وجمع بمعرفته ~~لله السرور والأفراح ، وقلت وحشته وأحزانه ، وعظمت راحته وأمانه. # ومعرفة الله لمن أبصر سبيلها ، واستدل دليلها ، فأقرب قريب يرى علانية ~~جهارا ، أو يستدل عليه بدليل من دلائله اعتبارا ، فالحمد لله الذي قرب إلى ~~معرفته واليقين به السبيل ، وأقام فيها وعليها برحمته الآيات والدليل ، ~~فسبيلها من الله سهل يسير ، ودليلهما (2) والحمد لله فظاهر منير ، ينطق ~~بهما البكم (3) الخرس ، في كل ما تدركه فكرة أو حس ، من كبائر الخلق ~~وصغائره ، وعوالن (4) الصنع وسرائره ، فلا يتعنت (5) في أوصاف ذلك واصف ولا ~~متعنت ، (6) ولا يلتفت إلى شيء منه كله ملتفت ، إلا رأى منه عيانا بعينه ، ~~أو سمع منه سماعا بإذنه ، أو ذاق منه ذوقا بفمه ، أو لمس منه لمسا بجسمه ، ~~أو شم منه شما بأنفه ، ما يدل على تغيره وتصرفه ، وعلى أنه ms12 مصنوع في نفسه ، ~~لدرك المدرك له بحسه. إذ كل محسوس يحس ، من الجن كان أو من الإنس ، فمركب ~~لا بد مجموع ، وكل مركب فهو لا محالة مصنوع ، وصانعه ومدبره ومركبه فغيره ، ~~إذ (7) وضح صنعه وتركيبه وتدبيره ، وما سوى الإنس والجان ، من كل موات أو ~~حيوان ، (8) فقد يدرك أيضا بحاسة من الحواس الخمس ، وما يدرك بمباشرة الفكر ~~له من كل نفس ، PageV01P274 # فمركب لا يخفى على من فكر فيه تركيبه ، وسواء في الفكر عنده بعيده ~~وقريبه. ### | [قوى النفس] # والنفس فالدليل على تركيبها أنها ذات قوى شتى ، مختلفة وتبدل (1) وتنقل ~~وتصرف لا تخفى ، فمن قواها ، وإن كنا لا نراها ، بهيئة تبين ولا صورة ، ~~أنها ذات ذكر وفكرة ، ومفكرها فغير ذاكرها ، وإذا ثبت ما ذكرنا من تغايرها ~~، صح بذلك أن لها قوى ، كانت لذلك أقساما وأجزاء ، وكل ذي قسم وأجزاء ~~متغايرة ، مصورة كانت أو غير مصورة ، فهو مركب غير شك ، ومدبر في قدرة وملك ~~، ولتركيبها تصرفت وتنقلت ، فعلمت مرة وجهلت ، فتغيرت من جهل وطلاح ، إلى ~~علم وصلاح ، ومن حزن وترح ، إلى سرور وفرح. # وقوى النفس فكثيرة أقسام ، ليس للنفس بغيرها تتمة ولا قوام ، ولا يزول ~~قسم من أقسام النفس عنها ، إلا كان في زواله فناء ما كان موجودا منها ، ~~فقوة النفس الأولى فهي القوة الغاذية ، (2) وقوة النفس الحاسة فهي قوتها ~~الثانية ، وقوتها الثالثة ، فهي الناهضة المتقابضة ، وقوة النفس الرابعة ~~فهي (3) المالكة من الشهوة والغضب بالفكر لما ملكت ، وأي هذه القوى كلها ~~فني من النفس وهلك فنيت النفس بفنائه وهلكت ، وكل قوة من هذه القوى ، ~~فمقسمة أقساما أجزاء. # ومن الدلالة على أن قوى النفس غير واحدة ، وأنها قوى كثيرة ذوات عدة ، ما ~~ذكرنا من اختلاف أحوالها ، وتغيرها وانتقالها ، وكل متغير ، فتركيبه نير ~~(4) والتركيب # كقوله تعالى : ( ولا تفرقوا ). أي : تتفرقوا. PageV01P275 # فحدث (1) بين ، ولا بد لكل حدث من صانع محدث ، لا ينكر ذلك إلا كل مكابر ~~متعبث، (2) ولا يكون حدث مصنوع مثل محدثه وصانعه أبدا ، ولا مشبها له في ~~شيء من الأشياء ولا ندا ، لأنه أبدا (3) إن ms13 أشبه المصنوع الصانع في معنى ~~واحد من معانيه ، جرى في ذلك من المعنى على الصانع من الحدث ما يجري عليه ، ~~صغر ذلك المعنى أو كبر ، وقل فيما يدرك منه أو كثر ، ولذلك جل الله سبحانه ~~وتبرأ ، من أن يكون مشبها من خلقه لشيء مما يرى أو لا يرى ، ألا تسمع كيف ~~يقول سبحانه : ( @QUR@09 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ~~الخبير ) (103) [الأنعام : 103]. و ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير (11)) [الشورى : 11]. ويقول جل جلاله : ( @QUR@012 الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ) [البقرة : 253]. فنفى سبحانه من ~~قليل مشابهة خلقه في السنة ما نفى من كثيرها ، تقدسا وتعاليا عن صغير ~~المماثلة لخلقه وكبيرها ، فتعالى من ليس له مثل يكافيه ، ولا ند من الأشياء ~~كلها يساويه ، ولا يشك فيه ولا يمتري (4) إلا من جهل نفسه فهي أقرب الأشياء ~~إليه ، وما يرى من السماوات والأرض خلفه وبين يديه. ### | [الدلائل على الله] # وفي أولئك ، ومن كان كذلك ، ما يقول رسل الله صلى الله عليهم ، لمن أرسله ~~جل ثناؤه إليهم : ( @QUR@06 أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ) [إبراهيم : ~~6]؟. تعجبا وإكبارا ، وتفحشا (5) وإنكارا ، لشك الشاكين ، مع ما يرون من ~~فطرة الله في السماوات PageV01P276 # والأرضين ، التي لا تخفى ولا تتوارى ، عن كل من يبصر بعين أو يرى ، (1) ~~أو يحس بحاسة حسا ، أو يتوجس توجسا ، لأن كل أحد من الناس ، لا يخلو من حس ~~أو إيجاس ، والإحساس ما يحس المحس (2) بحواسه ، والتوجس فما يكون بالنفس ~~(3) بالتوهم من إيجاسه ، (4) فكل ذي نفس ، أو درك يحس بحس ، أو بحسوس أثر ~~بالأرض (5) والسماء ، وبماله (6) من الأعضاء ، ففي إحساسه أو إيجاسه بأقل ~~درك ، (7) بغير ما مرية ولا شك ، ما دله على الصنع (8) والتركيب ، وعلى ما ~~لله في ذلك من التدبير العجيب ، الذي لا يكون أبدا أصغره ، إلا وهو دليل ~~مبين على من دبره ، لا ينكر ذلك أو يجحده ، من يحسه ويجده ، إلا بمكابرة ~~ليقين نفسه ، ومكابرة لدرك حسه ، ومن صار إلى تلك من الحال ، خرج من حدود ~~المنازعة والجدال ms14 ، ولم ينازعه بعد ذلك (9) ويجادله ، إلا من هو في الجهل ~~مثله. ولذلك ما يقول الله جل ثناؤه لرسوله : ( @QUR@011 فأعرض عن من تولى ~~عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) @QUR@016 ذلك مبلغهم من العلم إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) (30) [النجم : 29 30]. ~~فأخبر سبحانه أن مبلغ من أعرض عن ذكره وتولى ، ولم يرد كما قال الله جل ~~ثناؤه إلا الحياة الدنيا ، في فهمه وعلمه بدنياه ، وما يريده منها ويرضاه، ~~(10) مبلغ البهائم في علمها بدنياها ، (11) وما تريده البهائم فيها من ~~متعتها ومرعاها ، ومن أجل ذلك ولذلك ، PageV01P277 # وإذ (1) كانوا سواء كذلك ، مثلهم الله من البهائم بأمثالهم ، وجعلهم أضل ~~من البهائم في ضلالهم ، فقال سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وعلى آله : ( ~~@QUR@015 أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا (44) @QUR@016 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم ~~جعلنا الشمس عليه دليلا (45)) [الفرقان : 44 45]. ثم جعل سبحانه الاستدلال ~~(2) عليه بذلك بينا منيرا ، فقال تعالى ذكره في قبضه للظل : ( @QUR@05 ثم ~~قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) (46) [الفرقان : 46]. يعني سبحانه تيسيرا هينا ، ~~(3) ظاهرا لا يخفى بينا. وقبض الظل فهو فناؤه ، وذهابه وانطواؤه ، ولا ~~ينقبض ويفنى ، ويذهب ويطوى ، شيء مما كان أبدا ، جميعا كان أو فردا ، إلا ~~كان قابضه ومفنيه ، ومذهبه وطاويه ، موجودا يقينا بلا شك ولا مرية فيه ، ~~وشاهدا بصنعه لصانعه ، ودليلا عليه مكفيا من (4) علم غيب صانعه ، وإن لم ير ~~بدرك اليقين ، (5) من درك مشاهدة كل حاسة من عين أو غير عين ، وزيادة الظل ~~ومده ، فلا يكون (6) إلا بمن يزيده ويمده ، وإذا كان زائده وماده ومدبره ، ~~لا تدركه العيون ولا تبصره ، وإنما تقع العيون على صنعه وفطرته ، كان أدل ~~على جلاله وقدرته. # ثم أتبع ما صنع من مده سبحانه للظل وقبضه وتدبيره ، بما ذكر وفطر وخلق ~~وجعل من غيره ، فقال تعالى : ( @QUR@011 وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) @QUR@013 وهو الذي أرسل الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته وأنزلنا ms15 من السماء ماء طهورا (48) @QUR@010 لنحيي به بلدة ~~ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) @QUR@017 ... * وهو الذي ~~مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ~~(53) @QUR@03 وهو الذي خلق PageV01P278 # @QUR@09 من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) @QUR@07 ولو ~~شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) (51) [الفرقان : 47 54]. فقرر سبحانه بذكر ~~آيات الظل ودلائله ، ما يسمع من ذكر آيات خلقه وفطره وجعائله ، رحمة منه ~~ورأفة بعباده ، وزيادة منه برحمته لهم من إرشاده ، للمعرفة به والإيقان ، ~~إذ لا يدرك بحاسة ولا عيان ، ولا يعرف ماله من الكبرياء والجلال ، إلا ~~بالشواهد والآيات والاستدلال ، وكان دركه سبحانه بذلك أصح الدرك ، وأنفاه ~~لكل (1) مرية وشك ، لأن درك الاستدلال واليقين ، لا يدخل عليه ولا فيه ما ~~يدخل من الشك في درك العين ، لأن العين ربما رأت الشيء شيئين ، كالهلال ~~تراه (2) هلالين ، كالشيء الصغير إذا بعد تراه كبيرا ، وكالكبير إذا كان ~~كذلك تراه صغيرا ، ودرك اليقين (3) والاستدلال والأفكار ، فدرك بريء من كل ~~شبهة وشك واحتيار ، لا يزداد بالنظر والفكر إلا استيثاقا ، ولا يتيقنه (4) ~~فيما أيقن به من الأمور كلها إلا استحقاقا ، فدركه الدرك البت اليقين ، ~~وعلمه العلم المثبت (5) المبين. # فمن تفهم يا بني أرشدك الله يسيرا قليلا ، مما ذكرنا (6) لله من آياته ~~عليه دليلا ، اكتفى بقليل ذلك ويسيره ، كفاية كافية بإذن الله من كثيره ، ~~وكان في اقتصاره على اليسير القليل ، كفاية له من (7) التبيين والدليل ، ~~ومن (8) ازداد في ذلك من الآيات والدلائل كان له في ذلك من المزيد ، أكثر ~~والحمد لله مما يريد (9) في ذلك من كل مزيد ، ولم يتقدم في الاستدلال فترا ~~، (10) إلا وجد منه شبرا ، ولا في حسن النظر ذراعا ، PageV01P279 # إلا وجد بعدها باعا ، بل يجد أبدا سرمدا ، زيادة في الدلالة ومددا ، (1) ~~يمده (2) بما استمده ، ويدله على الله وحده ، لما وسع الله في ذلك للمقربين ~~برحمته ، ووهب فيه للمستدلين من نعمته. # ألا ترى كيف يقول سبحانه : ( @QUR@08 وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~والنوم سباتا ) [الفرقان : 47]. ولباس الشيء فهو ما غشيه وواراه ، ونوم ms16 ~~النائم فهو ما أسبته وأهداه (3)، وكل فقد نعلمه ونراه (4). ### | [الله خالق الكون] # والدليل على أن الله صنعه وأنشأه ، أن لا يعلم له صانع ولا منشئ سواه ، ~~وأن نشأته بينة ، وصنعته نيرة ، بما تبين فيه ، ويشهد بتا عليه ، بالنشأة ~~والتدبير ، والصنع (5) والتقدير ، من جيئته تارة وذهابه ، ومفارقته وإيابه ~~، وكل ما جاء وذهب ، وفارق وتأوب ، دل ذلك من حاله ، على تصريفه واجتعاله ، ~~وثبت مصرفه بما ثبت من تصريفه ، وبما يرى بينا من اختلافه وتأليفه ، ولم ~~يكن مصرف أبدا إلا من مصرف ، ولا تأليف ما كان إلا من مؤلف ، (6) وكذلك ~~اللباس فلا يكون أبدا (7) إلا من ملبس للباس ، ولا النوم والسبات إلا من ~~مسبت منيم بغير ما شبهة ولا التباس ، لأن ذلك كله ، وآخر ما يدرك من ذلك ~~وأوله ، صنع وجعائل ، لا تكون إلا من صانع جاعل ، وفطرة وفعائل ، لا تكون ~~إلا من مفتطر فاعل ، وكذلك ما جعل الله سبحانه من النهار نشورا ، PageV01P280 # فلا يكون إلا صنعا مفطورا ، لما يرى فيه من أثر الفطرة والصنع ، وذلك ~~فدلالة لا تخفى على الصانع المبتدع ، وما أرسل تبارك وتعالى من الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته ، فلا بد من وجود مرسله وولى فطرته ، وما أنزل سبحانه من ~~الماء ، من أجواء السماء ، فلا بد من منزله ، ومعرف رحمته فيه وفضله ، لأن ~~التفضيل لا يكون أبدا والرحمة ، إلا ممن له من ونعمة. # وفي الماء وإنزاله ، وحدره من المزن وإهطاله ، ما يقول سبحانه : ( ~~@QUR@04 أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) @QUR@07 أأنتم أنزلتموه من المزن ~~أم نحن المنزلون (69) @QUR@07 لو نشاء جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون ) (70) ~~[الواقعة : 68 70]. # وما أحيى بمنزل الماء من موات البلاد ، وما أسقاه من الأنعام وكثير ~~العباد ، فلا يمتنع فكر عند وجوده كله ، من وجود محييه وساقيه ومنزله ، (1) ~~وما مرج فحلي من البحرين ، فرؤي ممزوجا رأي عين ، كل بحر منهما مخلا يمعج ، ~~(2) ولا ينقطع بعضه عن بعض ولا يعرج ، (3) متصلا جميعا كله ، غير منقطع ~~متصله ، يسير في قرار موضعه وبين أكنافه ، (4) وفيما بين حدوده التي جعلت ~~له وأطرافه ، (5) قدر مسير مسافة ms17 شهر (6) وربما كان أشهرا عدة ، يعلم (7) ~~ذلك من سمع بخبره أو رآه فأبصره عيانا مشاهدة ، فإذا انتهى إلى ما جعل الله ~~له من الحد ووقف عند حده وحاجزه ، وما جعل بينه وبين البحر العذب الفرات من ~~برزخه وحواجزه ، فلم يعد من حدوده كلها حدا ، (8) ولم يجد له معه مطلعا (9) ~~ولا مصعدا ، وفيما جعله الله له موضعا ، ومقرا رحبا واسعا ، يرى طاميا PageV01P281 # فيه مشرفا ، (1) يركب بعضه بعضا (2) ركوبا متعسفا. # فأي عجب أعجب ، وأي دليل أقرب ، لمن استدل بحقيقة من الحقائق ، على ما ~~نرى من الصنع في الخلائق ، (3) بين رؤية هذا وعيانه ، والعلم به وإيقانه. # وفي ذلك بعينه ، وفي دلالة تبيينه ، (4) ما يقول الله سبحانه : ( ~~@QUR@014 أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين ~~البحرين حاجزا ) [النمل : 61]. تذكيرا للمقرين بما يقرون ، (5) واحتجاجا ~~على المنكرين بما لا ينكرون ، إلا بمكابرة وجحد لما يعرفون ، من صنع الحاجز ~~بين البحرين ، وما بين لهم منه بأوضح التبيين. # ولصنع ذلك وبيان جعله ، وما ذكر الله معه من صنع مثله ، ما يقول سبحانه : ~~أم من جعل ما لا تنكرون جعله ، وإن كنتم لا تعرفون الجاعل له ، وإذ (6) لا ~~بد عندكم لكل مجعول من جاعله ، (7) وكما يعرفون ذلك ولا ينكرونه في كل ~~مجعول وأمثاله ، فلا يشكون ولا يمترون ، في أن لكل ما ترون من ذلك وتبصرون ~~، جاعلا ببت (8) إيقانا ، وإن لم تروه عيانا. # فمن جاعل الحاجز بين البحرين وفاطره؟! ومدبر ما يرى من ذلك ومقدره؟ إلا ~~من ليس له مثل ولا نظير ، ومن لا يلغبه (9) تدبير ولا تقدير ، كما قال ~~سبحانه : ( @QUR@013 ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~وما مسنا من لغوب ) (38) PageV01P282 # [ق : 38] ، وهل يدبر أو يفتطر أقل ما يرى من بدائع الله وصنعه سوى الله ~~واهب أو موهوب ، (1) كلا لن يفتطره ، ويصنعه أبدا ويدبره ، سوى الله صانع ، ~~معط ومانع (2) وإنما صنع من (3) سوى الله إذا صنع ، أن يعطي أو يمنع ، أو ~~يفرق أو يجمع ، أو يرفع أو يضع ، بعض ما ولي الله ابتداعه ms18 صنعا ، أو كان من ~~الله خلقا وبدعا. # وفي امتناع ذلك على المخلوقين ، ما يقول رب العالمين : ( @QUR@029 يا ~~أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب (73)) [الحج : 73]. فأقل بدائع صنع الله تبارك وتعالى فما لا ~~يخلقه ولا يصنعه أبدا (4) غالب من الخلق ولا مغلوب ، ثم زاد سبحانه بما ذكر ~~من الآيات في سورة الفرقان من الدلالة والتبيين دلالة وبيانا وتبصيرا ، (5) ~~بقوله جل جلاله : ( @QUR@012 وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ~~وكان ربك قديرا ) (54) [الفرقان : 54]. والبشر الذين خلقه جل ثناؤه من ~~الماء ، فهو ما لهم من الذرية والأبناء ، ومنهم ولهم ، وفيهم وبينهم ، جعل ~~سبحانه النسب والصهر لانتساب بعضهم إلى بعض ، ومصاهرة بعضهم لبعض ، لأن ~~كلهم ينتسب ، إلى أم أو إلى أب ، وليس آدم عليه السلام (6) بمنسوب إلى نسب ، ~~لأنه لم يخرج صلى الله عليه من رحم ولا صلب ، ولم يصاهر بصهر (7) أبدا ، إذ ~~كان كل البشر له ولدا ، والماء الذي خلق الله منه ولده ونسله ، فهي النطف ~~التي لم تكن قبله ، وفي ذلك كله وتصريفه ، وعجيب صنعه وتأليفه ، أدل ~~الدلائل على مصرفه ، وصانعه ومؤلفه ، وكل ما ذكر الله تعالى من ذلك ومعجبه ~~، فدليل على PageV01P283 # الله والحمد لله لا خفاء (1) به. # ومن الدليل على معرفة الله ، والدواعي لليقين بالله ، فما لا يجهله ، بعد ~~الإحساس له ، إلا جاهل عصي ، (2) ولا يحصيه من الخلق كلهم ولو جهد كل جهد ~~محصي ، من خلق السماء والأرض ، وغيرهما من الصنع والخلق ، الذي في كل شيء ~~منه على ناحيته وحياله ، آية ودلالة نيرة على فطرته واجتعاله. والفطرة ~~والاجتعال ، هما (3) الوصلة والانفصال ، وليس من السماء والأرض وما (4) ~~فيهما ، ولا من كل ما يضاف من الخلق إليهما ، ما يخلو من تفصيل أو توصيل ، ~~(5) وفي ذلك على صنعه أدل الدليل. وآيات الله ، (6) فهن الدلائل على الله ، ~~والدلائل فهن (7) العلامات المنيرات ، والعلامات فهن الشواهد الظواهر ~~البينات ، وكل آية من آيات الله ms19 ، فهي علم بين للمعرفة (8) بالله ، ~~والدلائل على الله المنيرة الزاهرة ، والآيات في (9) معرفة الله البينة ~~الظاهرة ، في (10) كل ما تدركه حاسة من الحواس الخمس ، (11) من عيان أو سمع ~~أو شم أو ذوق أو لمس ، ومن تنزيل الله لذلك (12) وفيه ، ومن الشواهد لله ~~عليه ، قوله سبحانه : ( @QUR@028 إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء ~~من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها PageV01P284 # @QUR@015 وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون ) (164) [البقرة : 164]. # وفي ذلك ما يقول جل جلاله : ( @QUR@023 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر ~~نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ~~يفصل الآيات لقوم يعلمون (5)) [يونس : 5]. فكان كما قال جل ثناؤه ، وصدق ~~وعده وأنباؤه ، (1) خلق (2) ما خلق في ذلك من الخلق ، مما ذكر في خلقه (3) ~~من الحقيقة والحق ، وفصل فيه تبارك وتعالى كما قال : ( @QUR@02 لقوم يعلمون ~~) آياته تفصيلا ، فجعل كل شيء منه له آية وعليه دليلا ، فما ينكر شيئا (4) ~~من ذلك بمكابرة ولا يجحده ، ولا يكابر الدليل فيه بمناكرة فيرده ، إلا من ~~لا يعقل ولا يعلم ولا يتقي ، ولقلة تقواه لله (5) شقي بحيرته فيه من شقي ، ~~وإنما يبصر ذلك ويتفكر فيه وينتفع به المتقون ، كما قال سبحانه : ( ~~@QUR@014 إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون ) (6) [يونس : 6]. # ألا ترى أنه ليس من المتحيرين في ذلك ولا من المنكرين ، ولا من الجاحدين ~~له المكابرين ، من يرى (6) أصغر صنع الصانعين بأكفهم ، لوهنهم عن الابتداع ~~وضعفهم ، فليمتنع من الإقرار بصنعه وصانعه ، وإن كان صانعه بريا عندهم من ~~ابتداعه ، ومن أنكر ذلك عنده ، وكابر فيه فجحده ، خرج بإنكاره لأقله ، (7) ~~من العقل وصفة أهله ، وقيل : ماله ويله ما أعماه؟ وأجهله بما لا يجهله (8) ~~أحد صحيح العقل فيما ظنه ورآه؟! PageV01P285 # فكيف أنكر وتحير؟ وأبى مكابرة عن أن يقر؟ بما يرى من الصنع والتدبير ، في ~~أكثر ما يراه أحد ms20 من الصنع الكبير ، (1) الذي لا خفاء فيه من القدرة ~~والتدبير ، والصنعة البينة والتأثير المنير ، مما تقصر (2) عنه الأفكار ، ~~وتنحسر (3) فيه الأبصار ، من الأرض والسماء ، وما بينهما من الأشياء ، التي ~~يدل اضطرار دركها ، على من يدبرها ويملكها ، وعلى أن من صنعها وأنشأها ، ~~إنما فطرها وابتداها ، فابتدعها صنعا ، وخلقها بدعا ، يدل على ذلك فيبينه ، ~~(4) ويوضح ذلك فينيره ، (5) ما يرى من كثرة ذلك وسعة أقداره ، وما يعاين من ~~بعد ما بين أطرافه وأقطاره ، مع ما فيه من لطيف التقدير والإحكام ، وماله ~~من طول البقاء والإقامة والدوام ، فكل صنعه ولطيف (6) تدبيره وتقديره ~~وإحكامه ، وما ذكرنا من بقائه وإمساكه وإقامته ودوامه ، دليل بين على صانعه ~~ومحكمه ، وممكسه بحيث هو ومديمه ، وذلك الله العزيز الحكيم ، والمتقن لما ~~يشاء والممسك المديم ، كما قال سبحانه : ( @QUR@020 * إن الله يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا ) (41) [فاطر : 41] ، فكل ذلك فقد جعله الله بحلمه (7) ومغفرته ~~قدرا مقدورا ، ولا يكون القدر وهو القدر المقدور ، (8) إلا وهو لا بد لربنا ~~(9) صنع وخلق مفطور ، ولا يجحد ذلك أبدا ولا ينكره ، إلا من عمي قلبه وفكره. # فاسمع يا بني : هداك الله لما بين في ذلك برحمته لما خلقه الله من الآيات ~~الجليات ، والدلائل المضيات ، ففي أقل استماعه ، وفهمه عن الله واتباعه ، ~~ما أغنى من PageV01P286 # فهمه وكفاه ، (1) وأبراه من كل داء حيرة وشفاه ، كما قال تبارك وتعالى : ~~( @QUR@015 يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين ) (57) [يونس: 57] ، فإنك يا بني : إن تفهم أقل آياته ~~وما دل به على نفسه في ذلك (2) من دلالته حق فهمه تكن من الموقنين. # فمن ذلك فافقه مقالته جل جلاله ، عن أن يحويه قول أو يناله ( @QUR@012 قل ~~هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) (13) ~~[الملك : 13]. # فأخبرهم سبحانه من إنشائه لهم بما يرون عيانا ويبصرون ، وما لا يقدرون ~~على إنكاره إلا بالمكابرة (3) لما يرون ، إذ الجعل والإنشاء ، إنما هو ~~الزيادة والنماء ، ولا خفا ms21 عندهم ، ولو جهدوا جهدهم ، بما يرونه والحمد لله ~~عيانا من زيادتهم ، في أنفسهم وسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم ، كما قال سبحانه ~~لهم في ذلك ، فإنما كانوا على ما وصفهم كذلك ، يزيدون وينمون ، وينشون ~~ويتمون ، (4) حتى عادوا رجالا بعد أن كانوا أطفالا ، وصاروا كثيرا مذكورا ، ~~بعد أن كانوا قليلا محقورا ، كما قال سبحانه : ( @QUR@011 هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1)) [الإنسان : 1]. وقد أتى ~~عليه أن كان ترابا ثم نطفة ثم علقة ، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة ، وفي ذلك ~~ما يقول الله تعالى ذكره : ( @QUR@063 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير ~~مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم ~~لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من ~~بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء PageV01P287 # @QUR@07 اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) @QUR@08 ذلك بأن الله هو ~~الحق وأنه يحي الموتى ) [الحج : 5 6]. كما أحيا الأرض بعد همودها ، (1) ~~وكذلك الله لا شريك له فموجود بما ذكر من الخلائق ووجودها ، لا ينكر (2) ~~إلا بمكابرة ولا يجحده ولا يدفعه ، من دله على صانع من الصانعين ما كان وإن ~~غاب صنعه. # ألا ترى يا بني : أن من رأى كتابا علم أن له كاتبا ، وإن كان من كتبه عنه ~~غائبا ، وكذلك من رأى أثرا ، أو صورة ما كانت أيقن أن لها مصورا ، أو سمع ~~منطقا علم أن له ناطقا ، وكذلك ما يرى من هذا الخلق العجيب فقد يوقن من نظر ~~وفكر أن له خالقا ، ليس له مثل ولا شبيه ، كما ليس بين صنعه وصنع غيره ~~تمثيل ولا تشبيه ، (3) كما قال سبحانه : ( @QUR@012 إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) [الحج : 73] ، (4) يخبر تبارك ~~وتعالى أن لن يفعل أحد فعله ، وكيف يفعل ذلك من ليس له بمثال ، (5) وإنما ~~يكون تشابه الأفعال ms22 بين النظراء والأمثال. # وفيما وقف الله تبارك وتعالى عليه الإنسان بيانا ، من رؤيته لصنع (6) ~~الله فيه وخلقه له عيانا ، قوله سبحانه : ( @QUR@07 أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة ). والنطفة فهي : الماء المهين ، ( @QUR@02 فإذا هو )، ~~بعد أن كان نطفة وماء مهينا ( @QUR@02 خصيم مبين ) (77) [يس : 77] ، ~~والمهين فهو المهان ، الذي لا قدر له ولا شان ، وكذلك النطفة في صغرها ، ~~ومهانتها وقذرها. وخلق الله لها فهو تهيئته (7) وتصريفه جل ثناؤه إياها ، ~~الذي قد رآه من الناس كلهم من رآها ، من نطفة وماء مهين إلى علقة ، ومن ~~علقة إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة ، وتخليق المضغة فهو تهيئتها ، وتقدير ~~الصورة الآدمية لها وتسويتها ، التي لا PageV01P288 # يكون أصغر صغير رؤي (1) منها إلا بخالق مهيئ ، مقدر حكيم مسوي ، (2) لا ~~يشك فيه ولا يمترى ، وإن خفي عن (3) العيون فلا يرى ، وذلك فهو الله الذي ( ~~@QUR@09 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) (103) ~~[الأنعام : 103] ، وكيف تدرك الأبصار من ليس له مثل ولا ند ولا كفؤ ولا ~~نظير؟! لا كيف إلا عند جاهل عمي! شاك في جلال الله ممتري ، (4) لا يعرف ما ~~بينه وبين الخلق ، من المباينة والفرق. # فكل (5) ما تسمع يا بنى بتعريف ، (6) وتبصير وتوقيف وتصريف ، من الله ~~الحكيم ، الخبير العليم ، الرحمن الرحيم ، لدرك معرفته ، واليقين به ، من ~~حجج الفكر (7) والاعتبار ، وحجج الرؤية والمعاينة بالأبصار. # وفي ذلك ما يقول تبارك وتعالى : ( @QUR@013 أولم يروا كيف يبدئ الله ~~الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19)) [العنكبوت : 19]. فابتداؤه جل ~~ثناؤه له (8) فهو ابتداعه وزيادته وإنماؤه ، وإعادته فهو إلى ما كان عليه ~~وهو محقه وتقليله وإفناؤه ، وذلك كله فقد يراه ويعاينه ، ويبصره ويوقنه ، ~~من كان حيا ، (9) مبصرا سويا ، كما قال لا شريك له ، لا يجهله إلا من ~~تجاهله ، ولا يخفى إلى على من أغفله! ممن لعنه الله وخذله! أو لم تسمع كيف ~~يقول سبحانه : ( @QUR@019 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ~~ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20)) [العنكبوت : 20]. ~~وتأويل بدأ ، (10) فهو كان ونشأ ، ونما فصار ناميا ms23 زائدا ، ثم رجع إلى PageV01P289 # الفناء عائدا ، فقل بعد زيادته ، وبلي بعد جدته. فمن يعمى (1) بعد عيان ~~هذا اليقين بربه ، إلا من خذله الله فأسلمه إلى عمى قلبه ، فكابر عيانه ، ~~وأنكر إيقانه ، (2) وهو يرى النور لائحا لا يخفى ، (3) والبيان ظاهرا واضحا ~~لا يطفأ. # ومن البيان فيما قلنا من ذلك ، ومن (4) الدليل على أنه كذلك ، قوله ~~سبحانه : ( @QUR@024 *الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل ~~من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) (54) [الروم : 54] ~~، والضعف والشيب فهو الإفناء والتدمير. # تم كتاب الدليل الصغير ، وصلواته وسلامه على رسوله سيدنا محمد النبي ~~البشير النذير ، وعلى أهله المخصوصين بالمودة والتطهير. # * * * PageV01P290 ms24