######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام ¶ المؤلف : الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# auth: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 75 #META# الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# bkord: 110 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع كتب ورسائل الامام القاسم الرسي عليه السلام #META# comp: 1 #META# bk: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# max: 999 #META# المؤلف: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# authinf: المؤلف: الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي ¶ ترجمة المؤلف: هو الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، أحد أكابر علماء أهل البيت النبوي الطاهر. كان فقيها محدثا، مناظرا، مجاهدا، شاعرا، زاهدا. له مواقف وجولات وصولات مع بني العباس، وله العديد من المؤلفات لا يسع المقام هنا لسردها مزيدا حول ترجمتة انظر: الأعلام (6 /5)، التحق شرح الزلف (39)، معجم المفسرين (1 / 431)، المصابيح لأبي العباس. الحدائق الوردية (خ)، أعيان الشيعة (8 - 435 -436). #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | الدليل الصغير # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو محمد الحسن بن القاسم رضي الله عنه: # سألت أبي رضي الله عنه عن الحجة على من ألحد في الله تمردا، وجهل المعرفة ~~بالله حيرة وتلددا، فظن أنه موقن بمعرفة رب الأرباب، وهو من ظنه لذلك في ~~مرية وحيرة وارتياب، فكثير أولئك، ومن هو كذلك، وإن هو لم يظهر ما في قلبه، ~~من الحيرة والجهل بربه، جل جلاله وسلطانه، وظهر دليل الإيقان به وبرهانه ؟! # فقال: إنما يستدل يا بني: على إيقان الموقنين، بمعرفة رب العالمين، ~~بطاعتهم لله وتقواهم، فبهما يعرف يقينهم بالله وهداهم. # ولذلك يا بني وفيه، من الدلائل عليه، قول الله سبحانه ( لرسوله، صلى الله ~~عليه وآله: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } ~~[التوبة:105]. وقوله سبحانه: ) { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } ~~[الحجرات:15]. وقوله سبحانه: { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا ~~سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ~~ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون } [السجدة:15 - 16]. وآياته سبحانه ~~فهي وحيه وتنزيله، وشواهد الإيقان به ودليله، والإيمان فمن الإيقان، وهو ~~الأمان من كبائر العصيان. وأكبر الكبائر عند الله، وعند الصالحين من خلق ~~الله، فهو الإنكار لله، والإلحاد في الله، والارتياب في معرفة الله. # وفي ارتياب المرتابين، وصفة الله للمؤمنين، ما يقول أرحم الراحمين: { لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهو في ريبهم يترددون } [التوبة:44 - 45]. PageV01P078 # وفي الحيرة والمرية والشك والارتياب، ما يقول سبحانه لأهل إضاعة طاعته ~~والغفلة والتقصير والألعاب : { رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين، لا إله إلا هو يحي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين، بل هم في شك ~~يلعبون } [الدخان:7 - 9]. فأخبر تبارك وتعالى بلعبهم، عن شكهم في ربهم، ودل ~~بذلك على أن من اشتغل عن طاعة الله بلعبه، فليس من الموقنين مع ذلك ~~بالمعرفة ms01 بالله ربه. PageV01P079 ### || AUTO [التفكير طريق المعرفة بالله] # وفي قلة اليقين بالغيب، وما يعرض للجاهلين فيه من الريب، ما يقول الله ~~سبحانه فيما قص من نبإ قوم نوح وعاد وثمود وآدم وقوم لوط وأصحاب الأيكة، ~~وما أحل بهم بعد ما أراهم من الآيات والدلالات البينات من التدمير والهلكة، ~~{ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ~~[الشعراء :190-191]. ففي كل ما قص الله من ذلك لمن يعقل فيوقن بيان من الله ~~فيما ذكرنا من قلة اليقين وتعريف وتفهيم، واليقين بالغيب فإنما يكون، بما ~~يدركه الفكر لا بما تدركه العيون، فمن لم يفكر بقلبه فيما غاب عنه، لم يؤمن ~~أبدا بشيء منه. PageV01P080 # والآية في كل ما كانت من الأشياء فيه، فهي الدلالة البينة المستدل بها ~~عليه، ومن استدل بالآيات على ما غاب صح له به يقينه، وإن لم يره ولم يبصره ~~لغيبته عنه، وكان أصح عنده صحة، وأوضح له ضحة، من كل ما وضح من الأمور كلها ~~فاستنار، وأيقن به كما يوقن بالليل والنهار، بل كان أصح عنده في الإيقان، ~~من كل ما أدركه برؤية أو عيان، لفضل درك اليقين، على درك الرؤية والعين، ~~ومن لم يفكر، لم يؤمن ولم يبصر، وإنما يوقن من فكر، ويبصر من نظر، كما قال ~~سبحانه: { أولم يتفكروا } [الروم:8]. { أولم ينظروا } [الأعراف: 185]. { ~~أولم يروا } [يس: 71]. تنبيها من الله بذلك كله لهم على أن يوقنوا فلا ~~يمتروا، فيما عرفهم الله سبحانه من نفسه بآياته، ودلهم على معرفته من غيب ~~أموره بدلالاته، فليس يوصل إلى معرفته واليقين به، وما احتجب عن العباد من ~~غيبه، إلا بما جعل من الدلالات، وأرى من الآيات، كما قال سبحانه: { سنريهم ~~آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه ~~على كل شيء شهيد، ألآ إنهم في مرية من لقاء ربهم ألآ إنه بكل شيء محيط } ~~[فصلت: 53 - 54]. ولقاؤهم لربهم فهو مصيرهم ومرجعهم إليه، وليس بلقاء رؤية ~~ولا عيان ولا يمكن شيء من ذلك ms02 فيه، لبعده سبحانه في ذلك وغيره من مماثلة ~~الناس وغير الناس، وبقدسه وتعاليه عن أن ينال أو يدرك بحآسة من الحواس، ~~وإنما تدرك معرفته وتنال له القدس والكبرياء والجلال بما بين من الدلائل ~~والآيات لقوم يعقلون، كما قال سبحانه: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } ~~[البقرة:118]. فليس بعد تبيين الله بيان، يكون به معرفة ولا إيقان. # والحمد لله على ما بين من آياته، وأوضح من دلالاته، ونستعين بالله على ~~اليقين بمعرفته، ونعوذ بالله من الإلحاد في صفته. PageV01P081 # وفي مدحة الله سبحانه للأبرار، بما آمنوا به مما غاب عن الأبصار، واستدلوا ~~عليه بالنظر والأفكار، عن غيب المعرفة بالله وإيقانه، وما لا يدرك أبدا من ~~الله برؤيته جهرا ولا عيانه، وما لا يصاب فيه أبدا حقيقة العلم واليقين، ~~إلا بما جعل الله عليه من الشواهد والدليل المبين، هو أحق حقيقة، وأوثق ~~وثيقة، وأثبت يقينا، وأنور تبيينا، من كل معاينة كانت أو تكون أو رؤية، ~~أو درك حاسة ضعيفة أو قوية، ما يقول الله سبحانه: { الم ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب } [البقرة:1 - 2]. تبرئة من الله لهم ~~فيما غاب عنهم في جميع أموره من كل شك وريب. PageV01P082 ### || AUTO [استدلال إبراهيم على وجود الله] # وفي الاستدلال على الله، بما يرى ويبين من آيات الله، ما يقول أبوك ~~إبراهيم خليل الله: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا } ~~[الأنعام:79]، احتجاجا على قومه في غيبه بما يرون من فطرة الله في سمواته ~~وأرضه وتوقيفا. ويقول صلى الله عليه: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، ~~والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين } ~~[الشورى:76 - 81]. فكل ما ذكر صلى الله عليه وعدد من خلق الله له وهداه، ~~وإطعام الله له وسقيه إياه، وإبراء الله له من مرضه وشفائه، وإماتة الله له ~~وإحيائه، فبدائع موجودة، وأفعال بينة معدودة، لا ينكر موجودها، ولا يجهل ~~معدودها، من المدركين لها من أحد، ألحد ms03 فيها أو لم يلحد، وإنما ينكر من ~~أنكر صنعها، ويجهل من جهل بدعها، فأما العدد لها والوجود، فبين فيها محدود، ~~لا ينكره منكر، ولا يتحير فيه متحير. # وكل ذي عدد، وكل ما حد بحد، فالدليل على صنعه تعديده، وعلى أنه محدث ~~تجديده، وإذ كان ذلك كذلك وجد الصانع المبدع عند وجوده، والمحدد له المحدث ~~بما بان فيه من حدوده، لأنه لا يكون أبدا حدث إلا من محدث موجود، ولا يكون ~~حد أبدا إلا من مفرق محدود، كما قد رأينا في ذوات الحدود، من كل مفترق ~~موجود، لا يمتنع من درك ذلك ويقينه وعلمه، إلا من كان مكابرا فيه لحسه ووهمه. PageV01P083 # وإنما أراد إبراهيم صلى الله عليه بما عدد من ذلك وذكر، ما ابتدع من ذلك ~~كله وصنع وافتطر، مما لا صنع فيه لصانع مع الله، وما لم يوجد شيء فيه قط ~~إلا من الله، فأما ما يصنع العباد بعد صنع الله من أخذ وعطاء، وما يدور في ~~ذلك بينهم من الأشياء، فلم يرده إبراهيم صلى الله عليه، ولم يعدده ولم يذهب ~~إليه، وكل ما كان من العباد في ذلك من الصنائع، فغير صنع الله في الابتداء ~~والبدائع، صنع الله سبحانه فابتداع، وصنع العباد فاحتيال واصطناع، وصنع ~~الصانع، غير صنع الطبائع، صنع الطبائع صنيعة مبتدعة مطبوعة، وصنع الصانع ~~فصنيعة معتملة مصنوعة، والصنعة لا تكون إلا في مصنوع، والطبيعة لا تكون إلا ~~في مبدوع، فما طبع من غير شيء، وكان من غير أصل ولا بدي، وذلك كله وأمثاله، ~~فما لا يصنعه إلا الله جل جلاله، ولا يدركه أبدا ولا يناله، صنع الخلق ولا ~~احتياله. # ولو كان - ما صنع وابتدع تبارك وتعالى، من ذلك من الأرضين والسماوات ~~العلى، وجعل من الليل والنهار، وما مزج بقدرته من البحار، وما أرسى من ~~الجبال، صنع أكف واحتيال - إذا لما قدر بذلك على صنع أقله، فضلا عن صنع ~~جميعه وكله، في وقت من الأوقات وإن طال أبدا، بل إن كان الوقت منه ممتدا ~~سرمدا، ولكنه تبارك وتعالى ms04 صنعه وأنشاه، فابتدعه كله وفطره فطرة واحدة ~~فبراه، كما قال سبحانه: { بديع السموات والأرض، وإذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون } [البقرة:117]. { فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ~~[الشورى:11]. وفي أقل ما ذكر الله من ذلك وجعل، لمن فكر ونظر فاستدل، دليل ~~مبين، وعلم يقين. PageV01P084 # وأي دليل على الله ؟! وعلى اليقين بالله ؟! من افتطار الله للسماوات ~~والأرض، وما جعل منا ومن الأنعام أزواجا بعضها لبعض، فجعل سبحانه ما ذكر من ~~الأزواج أصولا، أنسل منها بقدرته نسولا، لا يحصيها أبدا غيره، ولا يمكن ~~فيها إلا تدبيره، فأي دليل أدل ؟ لمن فكر فاستدل، على اليقين بالله ؟! مما ~~يراه عيانا من صنع الله، للأزواج المجعولة المحدثة، وما خولف به في ذلك ~~بينها من الذكورة والأنوثة، فجعل ذكور الأزواج غير إناثها، دلالة بذلك على ~~جعلها وإحداثها، وكان ما عوين بعدها من ذرو نسلها وتكثيره، دليلا على حكمة ~~صانعها وتدبيره، وآية أبانها منيرة مضية، ودلالة بينة جلية، لمن فكر ونظر - ~~فأحسن - بقلبه، على الله خالقه وربه، فأيقن لفكره فيما يراه ببصره، وما ~~يدركه بمشاعره بالله مقدره ومدبره، فظفر باليقين والهدى، وسلم من الحيرة ~~والردى، فاستراح ووثق واطمأن، واعتقد المعرفة بالله وأيقن، فخرج بيقينه من ~~الظلمة والمرية والشك، إذا أيقن بالله مليك كل ذي ملك. # وفي مثل ذلك من الخلق والإحداث، لما ذكر الله من صنعه للذكور والإناث، ما ~~يقول سبحانه: { لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما } ~~[الشورى:49 - 50]. فملك جميعهما، وما يرى من بديعهما، فمعاين موجود لا يخفى ~~ولا يتوارى، عن كل من يعقل ويبصر فيرى، وكل ملك صح دركه رؤية وإيقانا، فلا ~~بد من درك مالكه باليقين وإن لم ير جهرة عيانا. وكل مفترق في الخلقة والصنع ~~والفطور، مما ذكر سبحانه من الإناث والذكور، فوجد كما وجد افتراقه، وبان ~~فطرة صنعه وفطرته واختلاقه، فلا ms05 بد له اضطرارا، إذ وجد كذلك جهارا، من مميز ~~فارق، ومفتطر خالق، لا يشك في ذلك ولا يجهله، إلا من لا عقل له. PageV01P085 # فلخلق الله تبارك وتعالى لما شاء، فرق بين ما خلق من الذكور والإناث وأنشأ، ~~فوهب لمن يشاء إناثا ووهب لمن شاء ذكورا، وجعل كلا على حياله خلقا مفطورا، ~~غير مشبه بعضه لبعض، كما السماء غير مشبهة للأرض، ووهب لمن شاء ذكورا ~~وإناثا معا، فجمع ذلك له بموهبته فيه جميعا، وجعل من شاء من الرجال والنساء ~~عقيما لا يلد ولدا، ولا يكون منه ولد أبدا، إلا بعد تبديله الإعقام ~~وتغييره، وبحادث يحدثه في ذلك من صنعه وتدبيره، كما فعل سبحانه في امرأة ~~زكريا، وما وهب لهما من يحيى، صلى الله عليهما وعليه، وما من به عليهما من ~~ذلك وفيه. وما وهب لإبراهيم صلى الله عليه من الولد بعد يأسه منه، وكبره ~~صلى الله عليه عنه، وفي ذلك ما يقول عليه السلام ذكرا، وحمدا وشكرا، بما ~~وهب له تبارك وتعالى، في ذلك من الموهبة والنعماء: { الحمد لله الذي وهب لي ~~على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء } [إبراهيم: 37]. # وفي محآجة الملك، بالمكابرة والإفك، لإبراهيم خليل الله، إذ يقول عليه ~~صلوات الله: { ربي الذي يحيي ويميت فقال الملك بالمكابرة والكذب : أنا ~~أحيي وأميت } [البقرة: 258]. وإنما قال إبراهيم عليه السلام من ذلك صدقا، ~~ونطق به في محآجته للملك بما نطق حقا، لا شك فيه ولا مرية، ولا شبهة ولا ~~ظلمة معشية، لأنه لما وجدت الحياة يقينا والموت، وجد بوجودها اضطرارا ~~المحيي المميت. ولما لم يجد الملك - صاغرا لليقين بهما والاضطرار - سبيلا ~~لنفسه بحدثهما إلا المكابرة فيهما والإنكار، كابر لدادا، ومباهتة وجحادا، ~~فقال: { أنا أحيي وأميت {. وكيف يكون محييا أو مميتا، من لا يملك لنفسه ~~حياة ولا موتا ؟! PageV01P086 # وفي مثل ذلك، ومن كان كذلك، ما يقول الله سبحانه: { واتخذوا من دونه آلهة } ~~[الفرقان:3]. وفيما اتخذوا من تلك الآلهة الملائكة المقربون، وعيسى بن مريم ~~عليه السلام وما كان من آلهتهم يعبدون، فقال ms06 تعالى: { آلهة لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا ~~نشورا } [الفرقان: 3 - 4]. فلما كابر الملك إبراهيم عليه السلام من قوله ~~بما كابره به مباهتة وإفكا وزورا، فقال صلوات الله عليه ورضوانه: { فإن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } ~~[البقرة:258]. # وتأويل بهت هو: صمت وسكت عن الإفك والمباهتة والجحود، إذ قرره صلى الله ~~عليه بأمر معاين موجود، لا ينكره إلا بمكابرة فاحشة عقل الملك ولا عقل ~~غيره، لما فيه من بين أثر تدبير الله وتقديره، من تدليل الملك والتسخير، من ~~دؤوب التحرك والمسير، جيئة وذهوبا، وطلعة وغروبا، فهي طالعة وغائبة لا ~~تقصر، وجائية وذاهبة لا تفتر، مختلفابها ما جعل الله من الليل والنهار، وما ~~قدر بمسيرها من الأوقات والأقدار، وبما بان من ذلك وأنار لكل أحد، بهت الذي ~~كفر فلم يكابر ولم يجحد. PageV01P087 ### || AUTO [استدلال موسى على وجود الله] # وكذلك قال موسى عليه السلام إذ قال لفرعون، حين قال له ولأخيه هارون: { ~~فمن ربكما يا موسى، قال ربي الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه:49 - 50]، ~~فدله صلى الله عليه على ربهما بأدل دلائل الهدى، من عطائه سبحانه لخلقه من ~~نعمه ما أعطاهم، وما من به جل ثناؤه من هداهم، لكل رشدفي دينهم ودنياهم. # وفيما ذكر موسى صلى الله عليه من عطية الله لخلقه، ما أعطاهم من هداه لهم ~~ورزقه، ما يقول سبحانه: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: ~~29]. ويقول سبحانه: { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون } [الجاثية: 13]. وفي هدايته لهم ما يقول سبحانه: { ~~والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون } [النحل: 78]. ولفرعون ما يقول موسى عليه السلام إذ ~~قال فرعون { وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين } [الشعراء: 23 - 24]. فلما أن قال له ذلك: { قال لمن حوله ألا ms07 ~~تسمعون } [الشعراء: 25] ؟! يريد ما تقولون ؟ فقالوا لموسى ما قال، وسألوه ~~عما سال، فقال عليه السلام رب العالمين: { ربكم ورب آبائكم الأولين } ~~[الشعراء: 56]، دلالة لهم على أن الله ربهم ورب آبائهم الأولين، بما بين ~~لهم ولغيرهم من تدبيرهم وإنشائهم، الذي لا يمتنعون من وجوده في أنفسهم، وفي ~~كل عضو من أعضائهم، بالنشأة البينة فيهم والتقدير، والهيئة الظاهرة عليهم ~~والتصوير، فلما قطعه وقطعهم، من حجة الله بما أسمعه وأسمعهم، خرج فرعون في ~~المسألة والمجادلة، إلى غير ما كان فيه من الجدال والمقاولة، فقال العمي ~~الملعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } [الشعراء: 27]. فرد عليه ~~موسى عليه السلام قوله، بتبيين الحجة القاطعة له، فقال له ولمن حوله كلهم ~~أجمعين، فيما كانوا يتقاولون أو يتجاهلون ويجهلون، { رب المشرق والمغرب وما بينهما PageV01P088 إن كنتم تعقلون } [الشعراء: 28]، فالمشرق والمغرب وما بينهما كله فمربوب لا ~~يشك فيه إلا الجاهلون، لما يرى فيه، ويتبين عليه، من أثر الصنع والتدبير، ~~والهيئة البينة والمقادير. # فلما وقفه وإياهم على الآيات فلم يقفوا، وعرفهم الدليل والبينات فلم ~~يعرفوا، وأمسكوا عن المسألة والمقال خاسئين محسورين، قال فرعون: { لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } [الشعراء: 29]. قال موسى عليه ~~السلام توقيفا له ولهموتعريفا، وتقريرا للحجةعليهم وتعطيفا: { أولو جئتك ~~بشيء مبين، قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ~~ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين } [الشعراء: 30 - 33]. # وبمثل احتجاج إبراهيم صلى الله عليه وموسى عليه السلام على من ألحد وجحد ~~وأشرك، لم تزل رسل الله تحتج على من تحير في الله أو ارتاب أو شك، وذلك ~~فبين والحمد لله فيما نزل من كتبه كثير، وقولهم في الإحتجاج على من جحد أو ~~ألحد أو أشرك فواضح منير، لا يطفأ له سراج، ولا يشبهه احتجاج، ولا ينكره من ~~الخلق كلهم رشيد، ولا يأبى قبوله من الخلق إلا شيطان مريد. # وما لم يزل الله برحمته وفضله، يدل به من هذا ومثله، في كتبه وعلى ألسن ~~رسله، فكثير عن الذكر له والاستقصاء، والتعديد والإحصاء، ms08 في كتابنا هذا ~~وأمثاله، فنحمد الله على منه فيه وإفضاله، ونسأل الله أن يجعلنا وإياك - ~~بما بصر - من المبصرين، وفيما أمر بالفكر فيه من المفكرين. # اسمع يا بني: فقد سألت أرشدك الله للهدى، وجعلك رشيدا مرشدا، عن أولى ما ~~سأل عنه سائل أراد لنفسه أو لغيره رشدا وهدى، أو لمبطل كان فيما سألت عنه ~~متحيرا أو ملحدا متمردا. PageV01P089 # فجعلنا الله وإياك فيما سألت عنه، من القائلين بما يرضى منه، ووهبنا من ~~البصائر بدلائله وآياته، ما وهب للقائلين في ذلك من محبته ومرضاته، فانه لن ~~يصيب في ذلك هداه، إلا من أرشده وهداه، ولن يظفر فيه ببغيته وطلبته، إلا من ~~كان متحريا لإرادة الله فيه ومحبته. # وبعد: # فاعلم يا بني: نفعك الله بعلمك فكم من علم غير نافع، ومنادى له وإن كان ~~صحيحا سمعه غير سامع، وناطق في عداد البكم، إذ ينطق بغير رشد في الهدى ولا ~~علم، وكم من ناظر لا يبصر ولا يرى، كما قال الله سبحانه وتعالى: { وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } [الأعراف: ~~198]. وقال سبحانه: { صم بكم عمي فهم لا يعقلون } [البقرة: 171]. فليس كل ~~من علم انتفع ولا اتبع، ولا كل من نودي به سمع ولا استمع، ولا كل من نطق ~~فكر، ولا كل من نظر أبصر، ولا كل من له قلب فقه ولا عقل، إذا هو أعرض وترك وغفل. # وفي أولئك، ومن هو كذلك، ما يقول سبحانه: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } [الأعراف: 179]، ~~فكفى رحمك الله بما نرى من هذا ومثله في كثير من الناس بيانا وآيات لقوم ~~يعقلون. PageV01P090 ### || AUTO [عظة بليغة] # وكيف لا يكون عند من يعلم أو يعقل كالأنعام، من لا يهتم إلا بما لها من ~~الهم والإهتمام، في مأكل أو منكح، أو لعب أو متمرح، فعلمه علمها، وهمته ~~همتها، فهو مكب عليها، ms09 لا يرغب إلا فيها، ولا تنازعه نفسه إلا إليها، فلها ~~يجتهد ويشقى، وبها يدعو ويدعى، غافلا عما شيب بمحآبه فيها من الأذى ~~والمكاره، غير متعظ بشيء ولا معتبر ولا متنبه، وقد يوقن إيقانا، ويرى بعينه ~~عيانا، أن ما يحب من دنياه وحياتها مشوب بموتها، وما يشوبه من دركها مقرون ~~بفوتها، فكم من مدرك من بعد دركه فايت، وحي بعد حياته مايت، قد تبدد شمله، ~~وأعرض عنه أهله، الذين كان يعدهم له أحبابا، ويكد لهم في حياته بجهده ~~اكتسابا، بما حل من المكاسب أو حرم، أو حمد من المطالب أو ذم، وكم قبل موته ~~عنهم، كان من مسخط له منهم، قليل له شكره، سيء له ذكره، ورثه ما جمع غير ~~شاكر ولا حامد، يقول: لقد كان فلان غير مهتد ولا راشد، كما يقول أعدى ~~الأعداء، وأبعد البعداء، يعجب بعض من يجالس بعد موت سخصه، بما كان يرى من ~~كده قبل موته وحرصه، وكم كان له قبل موته من خليل حبيب مقارن، أسلمه عند ~~وفاته لموته إسلام البعيد المباين، ولهى بعده، بخليل جدده ! فكأن لم يكن ~~لمن مات خدينا ! ولم يعده بعد موته قرينا ! بل كم من أب والد، أو ولد حبيب ~~واحد، تعزى فسلا، عمن مات وتولى، واشتغل من بعده بأشغاله، وأقبل على ما ~~يعنيه من حاله، وقال هلك أبي ومات ! أو ذهب ابني وفات ! فما عسيت أن أصنع ~~؟! وهل لي في الجزع منتفع ؟! تسهيلا في مصابه لما دهاه، وتفرغا بمقاله ~~لدنياه، فهذا في الوالد والولد، وهما سلالة النفس والجسد، كما تعلم وترى، ~~فكيف بغيره من الأمور الأخرى، من المال والأثاث، والفكاهات والأعباث ؟! PageV01P091 # وفي الولد رحمك الله وفي المال، ما يقول ذو الكبرياء والجلال، لمحمد عبده ~~ورسوله، صلى الله عليه وآله: { ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } [التوبة: ~~85]. فجعل سبحانه المال والولد لهم عذابا في حياتهم وهما عندهم آثر ما ~~يؤثرون، وما قال سبحانه من ذلك فقد رأيناه يقينا، ms10 وأدركناه فيهم ظاهرا ~~مبينا، لا يشك فيما ذكر الله منه سبحانه ولا يمتري، ولا يجهله منا إلا من ~~لا يعقل ولا يدري!! أو ليس قد علمنا أن العذاب، ألم ونصب وأتعاب، وقد رأينا ~~من نصب أهل الأموال والأولاد فيهما، وبشفقتهم ومحافظتهم عليهما، ما يكثر به ~~السهر والسهاد، ويقل معه الخفض والرقاد، فأي ألم أوجع لفؤاد أو جسم، أو ~~أدعى لمرض أو سقم، من السهر والنصب والاهتمام ؟! وقد ينزك له كثير من ~~الشراب والطعام !! # والمال والولد فإنما هما كما قال الله سبحانه فتنة، والفتنة قد يعلم كل ~~ذي لب أنها ابتلاء وتمحيص ومحنة، وفي الأزواج رحمك الله والأولاد، وهما أحب ~~الأشياء إلى جهلة العباد، ما يقول رب العالمين، لمن قال له من المؤمنين: { ~~يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم، واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ~~والله عنده أجر عظيم } [التغابن: 14- 15]. فكل ما تسمع آيات بينات، ودلائل ~~على الله متيقنات، فليس لمن يعقل الحياة الدنيا وحال أهلها وسكانها، مع ما ~~وصفنا من حال أحبائها وقرنائها وخلانها، أنس ولا ثقة، ولا توكل ولا حقيقة، ~~إلا بالله وحده، وبالرغبة فيما عنده، وليس يأنس أبدا بالله، إلا من صح ~~يقينه ومعرفته لله، ولا يعرف الله جل ثناؤه فيوقنه، إلا من يجد أنسه بالله ~~وأمنه، فيكون عليه جل جلاله، معتمده واتكاله، فتقر عينه، ويسلم دينه، ويعز ~~فلا يرى خزياولا ذلا، ما كان على الله سبحانه متوكلا. PageV01P092 ### || AUTO [التوكل على الله] # ولما جعل الله من ذلك في التوكل عليه، أمر رسوله عليه السلام به ودعاه ~~إليه، فقال سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى وآله: { فإن تولوا فقل حسبي ~~الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } [التوبة: 129]. ~~والعرش العظيم فهو السلطان والملك، الذي ليس لأحد مع الله فيه نصيب ولا شرك. # والتوكل فهو الاعتماد عليه والثقة به، وأصل توكل كل متوكل فهو اليقين ~~والمعرفة بربه. # وفي التوكل على الله وذكره، وما عظم ms11 الله من التوكل عليه وقدره، ما يقول ~~تبارك وتعالى لقوم يؤمنون: { الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } [التغابن : 13] . ( وفي التوكل على الله، ما يقول رسل الله : { ~~ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى ~~الله فليتوكل المتوكلون } [إبراهيم:12] ) فمن توكل على الله كفي بالله ~~واستغنى، وعاش في دنياه مسرورا آمنا، غير مشوبة كفايته ولا غناه، بحاجة ولا ~~فقر في آخرته ولا دنياه، ولا مشوب سروره بحزن، ولا أمنه بخوف ولا وهن، كما ~~قال سبحانه: { ألآ إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات ~~الله ذلك هو الفوز العظيم } [يونس : 62 - 64]. # وكيف يخاف أو يحزن ؟! ولا يأنس فيأمن، من كان الله معه! ومن حاطه ومنعه! ~~وإن مكر به الماكرون، وخذله من قرابته الناصرون!! # وفي ذلك ما يقول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وآله: { واصبر وما ~~صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون } [النحل: 127- 128]. وأول التقوى والإيمان، والبر ~~والنهى والإحسان، فهو حقيقة المعرفة بالله والإيقان، فمن أيقن بالله وعرفه ~~أنس واستراح، وجمع بمعرفته لله السرور والأفراح، وقلت وحشته وأحزانه، وعظمت ~~راحته وأمانه. PageV01P093 # ومعرفة الله لمن أبصر سبيلها، واستدل دليلها، فأقرب قريب يرى علانية جهارا، ~~أو يستدل عليه بدليل من دلائله اعتبارا، فالحمد لله الذي قرب إلى معرفته ~~واليقين به السبيل، وأقام فيها وعليها برحمته الآيات والدليل، فسبيلها من ~~الله سهل يسير، ودليلهما والحمد لله فظاهر منير، ينطق بهما البكم الخرس، في ~~كل ما تدركه فكرة أو حس، من كبائر الخلق وصغائره، وعوالن الصنع وسرائره، ~~فلا يتعنت في أوصاف ذلك واصف ولا متعنت، ولا يلتفت إلى شيء منه كله ملتفت، ~~إلا رأى منه عيانا بعينه، أو سمع منه سماعا بإذنه، أو ذاق منه ذوقا بفمه، ~~أو لمس منه لمسا بجسمه، أو شم منه شما بأنفه، ما ms12 يدل على تغيره وتصرفه، ~~وعلى أنه مصنوع في نفسه، لدرك المدرك له بحسه. إذ كل محسوس يحس، من الجن ~~كان أو من الإنس، فمركب لا بد مجموع، وكل مركب فهو لا محالة مصنوع، وصانعه ~~ومدبره ومركبه فغيره، إذ وضح صنعه وتركيبه وتدبيره، وما سوى الإنس والجان، ~~من كل موات أو حيوان، فقد يدرك أيضا بحاسة من الحوآس الخمس، وما يدرك ~~بمباشرة الفكر له من كل نفس، فمركب لا يخفى على من فكر فيه تركيبه، وسواء ~~في الفكر عنده بعيده وقريبه. PageV01P094 ### || AUTO [قوى النفس] # والنفس فالدليل على تركيبها أنها ذات قوى شتى، مختلفة وتبدل وتنقل وتصرف ~~لا تخفى، فمن قواها، وإن كنا لا نراها، بهيئة تبين ولا صورة، أنها ذات ذكر ~~وفكرة، ومفكرها فغير ذاكرها، وإذا ثبت ما ذكرنا من تغايرها، صح بذلك أن لها ~~قوى، كانت لذلك أقساما وأجزاء، وكل ذي قسم وأجزاء متغايرة، مصورة كانت أو ~~غير مصورة، فهو مركب غير شك، ومدبر في قدرة وملك، ولتركيبها تصرفت وتنقلت، ~~فعلمت مرة وجهلت، فتغيرت من جهل وطلاح، إلى علم وصلاح، ومن حزن وترح، إلى ~~سرور وفرح. # وقوى النفس فكثيرة أقسام، ليس للنفس بغيرها تتمة ولا قوام، ولا يزول قسم ~~من أقسام النفس عنها، إلا كان في زواله فناء ما كان موجودا منها، فقوة ~~النفس الأولى فهي القوة الغاذية، وقوة النفس الحآسة فهي قوتها الثانية، ~~وقوتها الثالثة، فهي الناهضة المتقابضة، وقوة النفس الرابعة فهي المالكة من ~~الشهوة والغضب بالفكر لما ملكت، وأي هذه القوى كلها فني من النفس وهلك فنيت ~~النفس بفنائه وهلكت، وكل قوة من هذه القوى، فمقسمة أقساما أجزاء. PageV01P095 # ومن الدلالة على أن قوى النفس غير واحدة، وأنها قوى كثيرة ذوات عدة، ما ~~ذكرنا من اختلاف أحوالها، وتغيرها وانتقالها، وكل متغير، فتركيبه نير، ~~والتركيب فحدث بين، ولا بد لكل حدث من صانع محدث، لا ينكر ذلك إلا كل مكابر ~~متعبث، ولا يكون حدث مصنوع مثل محدثه وصانعه أبدا، ولا مشبها له في شيء من ~~الأشياء ولا ندا، لأنه أبدا ms13 إن أشبه المصنوع الصانع في معنى واحد من ~~معانيه، جرى في ذلك من المعنى على الصانع من الحدث ما يجري عليه، صغر ذلك ~~المعنى أو كبر، وقل فيما يدرك منه أو كثر، ولذلك جل الله سبحانه وتبرأ، من ~~أن يكون مشبها من خلقه لشيء مما يرى أو لا يرى، ألا تسمع كيف يقول سبحانه ~~:{ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]. ~~و{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى: 11]. ويقول جل جلاله: { ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } [البقرة: 255]. ~~فنفى سبحانه من قليل مشابهة خلقه في السنة ما نفى من كثيرها، تقدسا وتعاليا ~~عن صغير المماثلة لخلقه وكبيرها، فتعالى من ليس له مثل يكافيه، ولا ند من ~~الأشياء كلها يساويه، ولا يشك فيه ولا يمتري إلا من جهل نفسه فهي أقرب ~~الأشياء إليه، وما يرى من السماوات والأرض خلفه وبين يديه. PageV01P096 ### || AUTO [الدلائل على الله] # وفي أولئك، ومن كان كذلك، ما يقول رسل الله صلى الله عليهم، لمن أرسله جل ~~ثناؤه إليهم : { أفي الله شك ؟! فاطر السماوات والأرض } [إبراهيم: 10]. ~~تعجبا وإكبارا، وتفحشا وإنكارا، لشك الشاكين، مع ما يرون من فطرة الله في ~~السماوات والأرضين، التي لا تخفى ولا تتوارى، عن كل من يبصر بعين أو يرى، ~~أو يحس بحآسة حسا، أو يتوجس توجسا، لأن كل أحد من الناس، لا يخلو من حس أو ~~إيجاس، والإحساس ما يحس المحس بحوآسه، والتوجس فما يكون بالنفس بالتوهم من ~~إيجاسه، فكل ذي نفس، أو درك يحس بحس، أو بحسوس أثر بالأرض والسماء، وبماله ~~من الأعضاء، ففي إحساسه أو إيجاسه بأقل درك، بغير ما مرية ولا شك، ما دله ~~على الصنع والتركيب، وعلى ما لله في ذلك من التدبير العجيب، الذي لا يكون ~~أبدا أصغره، إلا وهو دليل مبين على من دبره، لا ينكر ذلك أو يجحده، من يحسه ~~ويجده، إلا بمكابرة ليقين نفسه، ومكابرة لدرك حسه، ومن صار إلى تلك من ~~الحال، خرج من حدود ms14 المنازعة والجدال، ولم ينازعه بعد ذلكويجادله، إلا من ~~هو في الجهل مثله. ولذلك ما يقول الله جل ثناؤه لرسوله: { فأعرض عن من تولى ~~عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } [النجم:30]. فأخبر سبحانه أن مبلغ من ~~أعرض عن ذكره وتولى، ولم يرد - كما قال الله جل ثناؤه - إلا الحياة الدنيا، ~~في فهمه وعلمه بدنياه، وما يريده منها ويرضاه، مبلغ البهائم في علمها ~~بدنياها، وما تريده البهائم فيها من متعتها ومرعاها، ومن أجل ذلك ولذلك، ~~وإذكانوا سواء كذلك، مثلهم الله من البهائم بأمثالهم، وجعلهم أضل من ~~البهائم في ضلالهم، فقال سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله: { أم تحسب ~~أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا، ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } PageV01P097 [الفرقان:44 - 45]. ثم جعل سبحانه الاستدلال عليه بذلك بينا منيرا، فقال ~~تعالى ذكره في قبضه للظل: { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } [الفرقان: 46]. ~~يعني سبحانه تيسيرا هينا، ظاهرا لا يخفى بينا. وقبض الظل فهو فناؤه، وذهابه ~~وانطواؤه، ولا ينقبض ويفنى، ويذهب ويطوى، شيء مما كان أبدا، جميعا كان أو ~~فردا، إلا كان قابضه ومفنيه، ومذهبه وطاويه، موجودا يقينا بلا شك ولا مرية ~~فيه، وشاهدا بصنعه لصانعه، ودليلا عليه مكفيا من علم غيب صانعه، وإن لم ير ~~بدرك اليقين، من درك مشاهدة كل حآسة من عين أو غير عين، وزيادة الظل ومده، ~~فلا يكون إلا بمن يزيده ويمده، وإذا كان زآئده ومآده ومدبره، لا تدركه ~~العيون ولا تبصره، وإنما تقع العيون على صنعه وفطرته، كان أدل على جلاله ~~وقدرته. PageV01P098 # ثم أتبع ما صنع من مده سبحانه للظل وقبضه وتدبيره، بما ذكر وفطر وخلق وجعل ~~من غيره، فقال تعالى: { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل ~~النهار نشورا، وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ~~ماء ms15 طهورا، لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا، ولقد ~~صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ..... وهو الذي مرج ~~البحرين هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا ~~محجورا، وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا } ~~[الفرقان: 47 -54]. فقرر سبحانه بذكر آيات الظل ودلائله، ما يسمع من ذكر ~~آيات خلقه وفطره وجعائله، رحمة منه ورأفة بعباده، وزيادة منه برحمته لهم من ~~إرشاده، للمعرفة به والإيقان، إذ لا يدرك بحآسة ولا عيان، ولا يعرف ماله من ~~الكبرياء والجلال، إلا بالشواهد والآيات والاستدلال، وكان دركه سبحانه بذلك ~~أصح الدرك، وأنفاه لكل مرية وشك، لأن درك الإستدلال واليقين، لا يدخل عليه ~~ولا فيه ما يدخل من الشك في درك العين، لأن العين ربما رأت الشيء شيئين، ~~كالهلال تراه هلالين، كالشيء الصغير إذا بعد تراه كبيرا، وكالكبير إذا كان ~~كذلك تراه صغيرا، ودرك اليقين والاستدلال والأفكار، فدرك بريء من كل شبهة ~~وشك واحتيار، لا يزداد بالنظر والفكر إلا إستيثاقا، ولا يتيقنه فيما أيقن ~~به من الأمور كلها إلا استحقاقا، فدركه الدرك البت اليقين، وعلمه العلم ~~المثبت المبين. PageV01P099 # فمن تفهم يا بني - أرشدك الله - يسيرا قليلا، مما ذكرنا لله من آياته عليه ~~دليلا، اكتفى بقليل ذلك ويسيره، كفاية كافية بإذن الله من كثيره، وكان في ~~اقتصاره على اليسير القليل، كفاية له من التبيين والدليل، ومن ازداد في ذلك ~~من الآيات والدلائل كان له في ذلك من المزيد، أكثر والحمد لله مما يريد ~~في ذلك من كل مزيد، ولم يتقدم في الإستدلال فترا، إلا وجد منه شبرا، ولا في ~~حسن النظر ذراعا، إلا وجد بعدها باعا، بل يجد أبدا سرمدا، زيادة في الدلالة ~~ومددا، يمده بما استمده، ويدله على الله وحده، لما وسع الله في ذلك ~~للمقربين برحمته، ووهب فيه للمستدلين من نعمته. # ألا ترى كيف يقول سبحانه: { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا } ~~[الفرقان: 47]. ولباس الشيء فهو ما غشيه وواراه، ms16 ونوم النائم فهو ما أسبته ~~وأهداه، وكل فقد نعلمه ونراه. PageV01P100 ### || AUTO [الله خالق الكون] # والدليل على أن الله صنعه وأنشاه، أن لا يعلم له صانع ولا منشئ سواه، وأن ~~نشأته بينة، وصنعته نيرة، بما تبين فيه، ويشهد بتا عليه، بالنشأة والتدبير، ~~والصنع والتقدير، من جيئته تارة وذهابه، ومفارقته وإيابه، وكل ما جاء وذهب، ~~وفارق وتأوب، دل ذلك من حاله، على تصريفه واجتعاله، وثبت مصرفه بما ثبت من ~~تصريفه، وبما يرى بينا من اختلافه وتأليفه، ولم يكن مصرف أبدا إلا من مصرف، ~~ولا تأليف ما كان إلا من مؤلف، وكذلك اللباس فلا يكون أبدا إلا من ملبس ~~للباس، ولا النوم والسبات إلا من مسبت منيم بغير ما شبهة ولا التباس، لأن ~~ذلك كله، وآخر ما يدرك من ذلك وأوله، صنع وجعائل، لا تكون إلا من صانع ~~جاعل، وفطرة وفعائل، لا تكون إلا من مفتطر فاعل، وكذلك ما جعل الله سبحانه ~~من النهار نشورا، فلا يكون إلا صنعا مفطورا، لما يرى فيه من أثر الفطرة ~~والصنع، وذلك فدلالة لا تخفى على الصانع المبتدع، وما أرسل تبارك وتعالى من ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته، فلا بد من وجود مرسله وولى فطرته، وما أنزل ~~سبحانه من الماء، من أجواء السماء، فلا بد من منزله، ومعرف رحمته فيه ~~وفضله، لأن التفضيل لا يكون أبدا والرحمة، إلا ممن له من ونعمة. # وفي الماء وإنزاله، وحدره من المزن وإهطاله، ما يقول سبحانه: { أفرأيتم ~~الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون } [الواقعة:68 - 70]. PageV01P101 # وما أحيى بمنزل الماء من موات البلاد، وما أسقاه من الأنعام وكثير العباد، ~~فلا يمتنع فكر عند وجوده كله، من وجود محييه وساقيه ومنزله، وما مرج فحلي ~~من البحرين، فرؤي ممزوجا رأي عين، كل بحر منهما مخلا يمعج، ولا ينقطع بعضه ~~عن بعض ولا يعرج، متصلا جميعا كله، غير منقطع متصله، يسير في قرار موضعه ~~وبين أكنافه، وفيما بين حدوده التي جعلت له وأطرافه، قدر مسير مسافة ms17 شهر ~~وربما كان أشهرا عدة، يعلم ذلك من سمع بخبره أو رآه فأبصره عيانا مشاهدة، ~~فإذا انتهى إلى ما جعل الله له من الحد ووقف عند حده وحاجزه، وما جعل بينه ~~وبين البحر العذب الفرات من برزخه وحواجزه، فلم يعد من حدوده كلها حدا، ولم ~~يجد له معه مطلعا ولا مصعدا، وفيما جعله الله له موضعا، ومقرا رحبا واسعا، ~~يرى طاميا فيه مشرفا، يركب بعضه بعضا ركوبا متعسفا. # فأي عجب أعجب، وأي دليل أقرب، لمن استدل بحقيقة من الحقائق، على ما نرى ~~من الصنع في الخلائق، بين رؤية هذا وعيانه، والعلم به وإيقانه. # وفي ذلك بعينه، وفي دلالة تبيينه، ما يقول الله سبحانه: { أم من جعل ~~الأرض قرار وجعل خلالها انهارا وجعل بين البحرين حاجزا } [النحل:61]. ~~تذكيرا للمقرين بما يقرون، واحتجاجا على المنكرين بما لا ينكرون، إلا ~~بمكابرة وجحد لما يعرفون، من صنع الحاجز بين البحرين، وما بين لهم منه ~~بأوضح التبيين. # ولصنع ذلك وبيان جعله، وما ذكر الله معه من صنع مثله، ما يقول سبحانه: أم ~~من جعل مالا تنكرون جعله، وإن كنتم لا تعرفون الجاعل له، وإذ لا بد عندكم ~~لكل مجعول من جاعله، وكما يعرفون ذلك ولا ينكرونه في كل مجعول وأمثاله، فلا ~~يشكون ولا يمترون، في أن لكل ما ترون من ذلك وتبصرون، جاعلا ببت إيقانا، ~~وإن لم تروه عيانا. PageV01P102 # فمن جاعل الحاجز بين البحرين وفاطره ؟! ومدبر ما يرى من ذلك ومقدره ؟ إلا ~~من ليس له مثل ولا نظير، ومن لا يلغبه تدبير ولا تقدير، كما قال سبحانه: { ~~ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } ~~[ق:38]، وهل يدبر أويفتطر أقل ما يرى من بدائع الله وصنعه سوى الله واهب ~~أو موهوب، كلا لن يفتطره، ويصنعه أبدا ويدبره، سوى الله صانع، معط ومانع، ~~وإنما صنع من سوى الله إذا صنع، أن يعطي أو يمنع، أو يفرق أو يجمع، أو يرفع ~~أو يضع، بعض ما ولي الله ابتداعه صنعا، أو كان من ms18 الله خلقا وبدعا. # وفي امتناع ذلك على المخلوقين، ما يقول رب العالمين: { يا أيها الناس ضرب ~~مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب } [الحج: ~~73]. فأقل بدائع صنع الله تبارك وتعالى فما لا يخلقه ولا يصنعه أبدا غالب ~~من الخلق ولا مغلوب، ثم زاد سبحانه بما ذكر من الآيات في سورة الفرقان من ~~الدلالة والتبيين دلالة وبيانا وتبصيرا، بقوله جل جلاله: { وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا } [الفرقان:54]. والبشر الذين ~~خلقه جل ثناؤه من الماء، فهو مالهم من الذرية والأبناء، ومنهم ولهم، وفيهم ~~وبينهم، جعل سبحانه النسب والصهر لانتساب بعضهم إلى بعض، ومصاهرة بعضهم ~~لبعض، لأن كلهم ينتسب، إلى أم أو إلى أب، وليس آدم عليه السلام بمنسوب إلى ~~نسب، لأنه لم يخرج صلى الله عليه من رحم ولا صلب، ولم يصاهر بصهرأبدا، إذ ~~كان كل البشر له ولدا، والماء الذي خلق الله منه ولده ونسله، فهي النطف ~~التي لم تكن قبله، وفي ذلك كله وتصريفه، وعجيب صنعه وتأليفه، أدل الدلائل ~~على مصرفه، وصانعه ومؤلفه، وكل ما ذكر الله تعالى من ذلك ومعجبه، فدليل على ~~الله والحمد لله لاخفاء به. PageV01P103 # ومن الدليل على معرفة الله، والدواعي لليقين بالله، فمالا يجهله، بعد ~~الإحساس له، إلا جاهل عصي، ولا يحصيه من الخلق كلهم - ولو جهد كل جهد - ~~محصي، من خلق السماء والأرض، وغيرهما من الصنع والخلق، الذي في كل شيء منه ~~على ناحيته وحياله، آية ودلالة نيرة على فطرتة واجتعاله. والفطرة ~~والاجتعال، هما الوصلة والانفصال، وليس من السماء والأرض وما فيهما، ولا من ~~كل ما يضاف من الخلق إليهما، ما يخلو من تفصيل أو توصيل، وفي ذلك على صنعه ~~أدل الدليل. وآيات الله، فهن الدلائل على الله، والدلائل فهن العلامات ~~المنيرات، والعلامات فهن الشواهد الظواهر البينات، وكل آية من آيات الله، ~~فهي علم بين للمعرفةبالله، والدلائل على الله المنيرة ms19 الزاهرة، والآيات ~~فيمعرفة الله البينة الظاهرة، في كل ما تدركه حاسة من الحواس الخمس، من ~~عيان أو سمع أو شم أو ذوق أو لمس، ومن تنزيل الله لذلك وفيه، ومن الشواهد ~~لله عليه، قوله سبحانه :{إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } [البقرة: 164]. PageV01P104 # وفي ذلك ما يقول جل جلاله: { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات ~~لقوم يعلمون } [يونس:5]. فكان كما قال جل ثناؤه، وصدق وعده وأنباؤه، خلق ما ~~خلق في ذلك من الخلق، مما ذكر في خلقه من الحقيقة والحق، وفصل فيه تبارك ~~وتعالى كما قال: { لقوم يعلمون } آياته تفصيلا، فجعل كل شيء منه له آية ~~وعليه دليلا، فما ينكر - شيئامن ذلك بمكابرة ولا يجحده، ولا يكابر الدليل ~~فيه بمناكرة فيرده، - إلا من لا يعقل ولا يعلم ولا يتقي، ولقلة تقواه لله ~~شقي بحيرته فيه من شقي، وإنما يبصر ذلك ويتفكر فيه وينتفع به المتقون، كما ~~قال سبحانه :{ إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون } [يونس:6]. PageV01P105 # ألا ترى أنه ليس من المتحيرين في ذلك ولا من المنكرين، ولا من الجاحدين له ~~المكابرين، من يرى أصغر صنع الصانعين بأكفهم، لوهنهم عن الابتداع وضعفهم، ~~فليمتنع من الإقرار بصنعه وصانعه، وإن كان صانعه بريا عندهم من ابتداعه، ~~ومن أنكر ذلك عنده، وكابر فيه فجحده، خرج بإنكاره لأقله، من العقل وصفة ~~أهله، وقيل: ماله ويله ما أعماه ؟ وأجهله بما لا يجهله أحد صحيح العقل ~~فيما ظنه ورآه ؟! فكيف أنكر وتحير ؟ وأبى مكابرة عن أن يقر ؟ بما يرى من ~~الصنع والتدبير، في أكثر ما يراه أحد من الصنع الكبير، الذي لا خفاء فيه من ~~القدرة والتدبير، والصنعة ms20 البينة والتأثير المنير، مما تقصر عنه الأفكار، ~~وتنحسر فيه الأبصار، من الأرض والسماء، وما بينهما من الأشياء، التي يدل ~~اضطررا دركها، على من يدبرها ويملكها، وعلى أن من صنعها وأنشاها، إنما ~~فطرها وابتداها، فابتدعها صنعا، وخلقها بدعا، يدل على ذلك فيبينه، ويوضح ~~ذلك فينيره، ما يرى من كثرة ذلك وسعة أقداره، وما يعاين من بعد ما بين ~~أطرافه وأقطاره، مع ما فيه من لطيف التقدير والإحكام، وماله من طول البقاء ~~والإقامة والدوام، فكل صنعه ولطيف تدبيره وتقديره وإحكامه، وما ذكرنا من ~~بقائه وإمساكه وإقامته ودوامه، دليل بين على صانعه ومحكمه، وممكسه بحيث هو ~~ومديمه، وذلك الله العزيز الحكيم، والمتقن لما يشاء والممسك المديم، كما ~~قال سبحانه: { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن ~~أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } [فاطر:41]، فكل ذلك فقد جعله ~~الله بحلمه ومغفرته قدرا مقدورا، ولا يكون القدر وهو القدر المقدور، إلا ~~وهو لابد لربنا صنع وخلق مفطور، ولا يجحد ذلك أبدا ولا ينكره، إلا من عمي ~~قلبه وفكره. PageV01P106 # فاسمع يا بني: هداك الله لما بين في ذلك برحمته لما خلقه الله من الآيات ~~الجليات، والدلائل المضيات، ففي أقل استماعه، وفهمه عن الله واتباعه، ما ~~أغنى من فهمه وكفاه، وأبراه من كل داء حيرة وشفاه، كما قال تبارك وتعالى: { ~~يا أيها الناس قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين } [يونس:57]، فإنك يا بني: إن تفهم أقل آياته وما دل به على نفسه ~~في ذلك من دلالته حق فهمه تكن من الموقنين. PageV01P107 # فمن ذلك - فافقه مقالته جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله- { هو الذي ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } [الملك:23]. ~~فأخبرهم سبحانه من إنشائه لهم بما يرون عيانا ويبصرون، ومالا يقدرون على ~~إنكاره إلا بالمكابرة لما يرون، إذ الجعل والإنشاء، إنما هو الزيادة ~~والنماء، ولا خفا عندهم، ولو جهدوا جهدهم، بما يرونه والحمد لله عيانا من ~~زيادتهم، في أنفسهم وسمعهم وأبصارهم ms21 وأفئدتهم، كما قال سبحانه لهم في ذلك، ~~فإنما كانوا على ما وصفهم كذلك، يزيدون وينمون، وينشون ويتمون، حتى عادوا ~~رجالا، بعد أن كانوا أطفالا، وصاروا كثيرا مذكورا، بعد أن كانوا قليلا ~~محقورا، كما قال سبحانه: { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا } [الإنسان:1]. وقد أتى عليه أن كان ترابا ثم نطفة ثم علقة، ثم ~~مضعفة مخلقة وغير مخلقة، وفي ذلك ما يقول الله تعالى ذكره: { يا أيها الناس ~~إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من ~~مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم ~~نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى ~~} [الحج: 5]. كما أحيا الأرض بعد همودها، وكذلك الله لا شريك له فموجود بما ~~ذكر من الخلائق ووجودها، لا ينكر إلا بمكابرة ولا يجحده ولا يدفعه، من دله ~~على صانع من الصانعين ما كان وإن غاب صنعه. PageV01P108 # ألا ترى يا بني: أن من رأى كتابا علم أن له كاتبا، وإن كان من كتبه عنه ~~غائبا، وكذلك من رأى أثرا، أو صورة ما كانت أيقن أن لها مصورا، أو سمع ~~منطقا علم أن له ناطقا، وكذلك ما يرى من هذ الخلق العجيب فقد يوقن من نظر ~~وفكر أن له خالقا، ليس له مثل ولا شبيه، كما ليس بين صنعه وصنع غيره تمثيل ~~ولا تشبيه، كما قال سبحانه: { إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له } [الحج:73]، يخبر تبارك وتعالى أن لن يفعل أحد فعله، وكيف ~~يفعل ذلك من ليس له بمثال، وإنما يكون تشابه الأفعال بين النظراء والأمثال. # وفيما وقف الله تبارك وتعالى عليه الإنسان بيانا، من رؤيته لصنع الله فيه ms22 ~~وخلقه له عيانا، قوله سبحانه { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } ~~[يس:77]. والنطفة فهي: الماء المهين، { فإذا هو } بعد أن كان نطفة وماء ~~مهينا { خصيم مبين }، والمهين فهو المهان، الذي لا قدر له ولا شان، وكذلك ~~النطفة في صغرها، ومهانتها وقذرها. وخلق الله لها فهو تهيئته وتصريفه جل ~~ثناؤه إياها، الذي قد رآه من الناس كلهم من رآها، من نطفة وماء مهين إلى ~~علقة، ومن علقة إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة، وتخليق المضغة فهو تهيئتها، ~~وتقدير الصورة الآدمية لها وتسويتها، التي لا يكون أصغر صغير رؤي منها إلا ~~بخالق مهيء، مقدر حكيم مسوي، لا يشك فيه ولا يمترى، وإن خفي عن العيون فلا ~~يرى، وذلك فهو الله الذي { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ~~الخبير } [الأنعام:103]، وكيف تدرك الأبصار من ليس له مثل ولا ند ولا كفؤ ~~ولا نظير ؟! لا كيف إلا عند جاهل عمي ! شآك في جلال الله ممتري، لا يعرف ما ~~بينه وبين الخلق، من المباينة والفرق. # فكل ما تسمع يا بنى بتعريف، وتبصير وتوقيف وتصريف، من الله الحكيم، ~~الخبير العليم، الرحمن الرحيم، لدرك معرفته، واليقين به، من حجج الفكر ~~والاعتبار، وحجج الرؤية والمعاينة بالأبصار. PageV01P109 # وفي ذلك ما يقول تبارك وتعالى: { ألم يروا كيف يبدؤ الله الخلق ثم يعيده إن ~~ذلك على الله يسير } [العنكبوت:19]. فابتداؤه جل ثناؤه له فهو ابتداعه ~~وزيادته وإنماؤه، وإعادته فهو إلى ما كان عليه وهو محقه وتقليله وإفناؤه، ~~وذلك كله فقد يراه ويعاينه، ويبصره ويوقنه، من كان حيا، مبصرا سويا، كما ~~قال لا شريك له، لا يجهله إلا من تجاهله، ولا يخفى إلى على من أغفله ! ممن ~~لعنه الله وخذله ! أولم تسمع كيف يقول سبحانه: { قل سيروا في الأرض ثم ~~انظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ~~} [العنكبوت: 20]. وتأويل بدأ، فهو كان ونشأ، ونما فصار ناميا زائدا، ثم ~~رجع إلى الفناء عائدا، فقل بعد زيادته، وبلي بعد جدته. فمن يعمى بعد ms23 عيان ~~هذا اليقين بربه، إلا من خذله الله فأسلمه إلى عمى قلبه، فكابر عيانه، ~~وأنكر إيقانه، وهو يرى النور لائحا لا يخفى، والبيان ظاهرا واضحا لا يطفأ. # ومن البيان فيما قلنا من ذلك، ومن الدليل على أنه كذلك، قوله سبحانه: { ~~والله خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ~~يخلق ما يشاء وهو العليم القدير } [الروم:54]، والضعف والشيب فهو الإفناء ~~والتدمير. # تم كتاب الدليل الصغير، وصلواته وسلامه على رسوله سيدنا محمد النبي ~~البشير النذير، وعلى أهله المخصوصين بالمودة والتطهير. PageV01P110 ms24