######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | الهجرة للظالمين PageV02P239 # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # الحمد لله ، ولا قوة إلا بالله ، الذي جل عن كل ذكر ذكره ، وعز في كل أمر ~~أمره ، فلم يدل له سبحانه أمر بتناقض ولا اختلاف ، ولم يصغر له ذكر عن جليل ~~ولا كبير (2) من كرائم الأوصاف ، بل كل عنه جل ثناؤه كريم الصفات ، وأمور ~~من خالفه فلم يحكم بحكمه فهن المختلفات ، اللاتي لا يعدل بهن حيف عن ميل ، ~~ولا يهتدى منهن (3) إلى حق بدليل ، بل الهدى منهن ممنوع ، وكل ضلال فهو ~~فيهن مجموع ، لا يأوي إليهن هدى ، ولا يقين (4) من ردى ، بل كلهن (5) ظلمة ~~، وصمم وعمى وبكمة ، كما قال سبحانه في أهلهن ، ومن كان مؤثرا من العماة ~~لهن ، ( @QUR@06 صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) (18) [البقرة : 18]. # فسبحان من خذل أعداءه فأصمهم وأعماهم ، ونصر وتولى (6) أولياءه فأعزهم ~~وهداهم ، فلم يذل له وليا ، ولم يجعله عميا ، ولم يره في عاجل ولا آجل من ~~ذل سوءا ، ولم يوال له قط عدوا ، بل حكم جل ثناؤه ، وعزت (7) بعزته أولياؤه ~~لأوليائه بالمحبة والموالاة والمقاربة والإدناء ، وخصهم في كل حكمة لهم في ~~هذه العاجلة بكل حسنى ، من البر والصلة والمجاورة والرضى ، وكد (8) بذلك ~~كله لهم على عباده فرضا ، لا يسع محجوجا منهم إضاعته ، ولا يتم منهم (9) ~~لله إلا بأدائه طاعته. PageV02P241 ### | [صفات أولياء الله] # فسبب أولياء الله من الله بكل كرامة موصول ، وعملهم بولايتهم لله في كل ~~خير عند الله مقبول ، لا يحبط مع زكي عملهم لهم بر ولا عمل ، ولا يلم بهم ~~بعد ولاية الله لهم صغر ولا ذل ، بل لهم مع ما (1) حكم الله به لهم على ~~العباد من البر والمحبة ، ما ذكر الله سبحانه من (2) الفلاح والفوز والنصر ~~والغلبة ، فاسمعوا هديتهم لذكر الله في ذلك ، وخبره فيهم عن أنه كذلك ، إذ ~~يقول سبحانه : ( @QUR@03 قد أفلح المؤمنون (1) @QUR@05 الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون (2) @QUR@05 والذين هم عن اللغو معرضون (3) @QUR@04 والذين هم ~~للزكاة فاعلون (4) @QUR@04 والذين هم لفروجهم حافظون (5) @QUR@010 إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) @QUR@07 فمن ابتغى وراء ~~ذلك فأولئك ms01 هم العادون (7) @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) ~~@QUR@05 والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) @QUR@03 أولئك هم الوارثون (10) ~~@QUR@06 الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) (11) [المؤمنون : 1 11]. ~~ويقول سبحانه : ( @QUR@010 ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون ) (52) [النور : 52] ، ويقول جل جلاله ، عن أن يحويه قول أو يناله ~~: ( @QUR@010 ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (62) [يونس ~~: 62]. ويقول سبحانه في إعزازه في الدنيا لأوليائه ، وما من به عليهم فيه ~~من نصره وإعلانه : ( @QUR@03 إنهم لهم المنصورون (172) @QUR@04 وإن جندنا ~~لهم الغالبون ) (173) [الصافات : 172 173]. وفي ذلك ما يقول الله تعالى : ( ~~@QUR@08 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) (8) ~~[المنافقون : 8]. وقال فيما وصفهم به من الإخاء والولاء : ( @QUR@03 إنما ~~المؤمنون إخوة ) [الحجرات : 10] ، فثبتت بينهم (3) بتثبيت الله في الله ~~ولله الموالاة والأخوة ، فهم الإخوة المتبارون ، والأولياء المتناصرون ، ~~والمؤمنون بمن الله عليهم من كبائر العصيان ، (وبإيمانهم (4) استحقوا عند ~~الله اسم PageV02P242 # الإيمان ، فسماهم به ودعاهم) (1)، وبإيمانهم من كبائر عصيانه أعطوا ~~هداهم ، كما قال الله الذي (2) لا إله إلا هو : ( @QUR@06 والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) (17) [محمد : 17] ، وبتقوى الله التي هي خشية ~~الله وإكباره ، وإجلال الله عن العصيان وإعظامه ، تمت من الله عليهم النعم ~~، وثبت عند الله لهم الكرم ، فقال سبحانه : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ) [الحجرات : 12] ، فاتقوا الله فقد علمكم وهداكم ، واطلبوا النجاة ~~والكرم بتقواه ، فبها كرم عنده (3) ونجا من آتاه هداه ، فلن يوجد البر ~~والتقوى أبدا إلا في كريم ، ولا الفجور والعصيان (4) ما بقيت الدنيا إلا في لئيم. # وفي الفريقين ما يقول الله تعالى في كتابه الحكيم : ( @QUR@04 إن الأبرار ~~لفي نعيم (13) @QUR@04 وإن الفجار لفي جحيم ) (14) [الانفطار : 13 14] ، ~~وفي المؤمنين الأتقياء الأبرار ، بعد الذي وصفهم الله به من التحاب والتبار ~~، ما يقول الله : ( @QUR@024 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) (71) [التوبة : 71] ، فجعل ~~دار المؤمنين والأبرار ، خير محل ومنزل ودار ، جعلها سبحانه دار أمن وإيمان ~~، ظاهر (5) فيها كل بر وإحسان ، يؤمر فيها بما ms02 يرضي الله سبحانه من التقوى ~~والبر والمعروف ، بغير ما تقية فيها للظالمين ولا رهبة ولا مراقبة ولا خوف ~~، وينهى فيها عما يسخط الله من المنكر والطغيان (6)، وما لا يحبه الله من ~~الفسوق والعدوان. PageV02P243 ### | [وجوب الإنكار أو الهجرة] # فما بال من أبر وأطاع فلم يعص ، وحلول دار كل ظالم متعد لص ، لا يؤمن ~~ليله ولا نهاره ، ولا تستر عمن حاله أسراره ، في عصيان الله (1) ومشاقته ، ~~ولا يخفى عنه ولا يتوارى ، مجاورا لمن (2) أسخط الله فيها لما يراه (3) ~~قاهرا ظاهرا ، لا ينكره منه بلسان ولا يد ، ولا يقوم لله فيه بدفاع ولا رد ~~، ذليلا بين أظهرهم وفي جورهم ، محكما لهم على نفسه في فجورهم ، (4) إن ~~كذبهم في افترائهم على الله كذب ، وإن باينهم بمخالفة (5) في الله صلب أو ~~عذب ، غير ممتنع منهم بغلب ولا معازة ، ولا مهاجر (6) عنهم إلى دار عز أو ~~مفازة ، من فلاة ولا جبل وعر ، أو بعد أو مهرب أو مستتر ، (7) يستره عنهم ~~ومنهم ، ويفرق ما بينه وبينهم ، مع ما وسع الله لمن صدقت إرادته لله من ~~المهارب ، وما جعل الله في أرضه لمن هاجر في سبيله من المذاهب ، التي فيها ~~لمن (8) ظلم وتعدى مساءة وإرغام ، ولمن أسلم نفسه إلى الله هدى وإسلام ، ~~كما قال الله سبحانه : ( @QUR@031 ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض ~~مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ~~فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) (100) [النساء : 100]. ### | [التمييز بين أولياء الله وأعداءه] # فكل ما ذكرنا من الجوار والمقاربة ، والإكرام والتواد والمحابة ، والنصر ~~والولاء ، PageV02P244 # والبر والإخاء ، فحكم الله جل ثناؤه في أوليائه ، ثم حكم الله سبحانه (1) ~~بعد في أعدائه ، بخلاف ما حكم به للأولياء ، (2) تفريقا بين مفترق الأشياء ~~، كما قال جل جلاله فيما نزل من الفرقان : ( @QUR@013 أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) (28) [ص : ~~28] ، وقال سبحانه : ( @QUR@03 أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) @QUR@04 ما ~~لكم كيف تحكمون ) (36) [القلم : 35 36] ، وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@08 ~~أفمن كان مؤمنا كمن ms03 كان فاسقا لا يستوون ) (18) [السجدة : 18] ، فلم يسو ~~بينهم عند ذي علم ، في اسم منه لهم (3) ولا حكم ، وكان حكمه تبارك وتعالى ~~على أعدائه ما (4) لا يجهله ذو علم ، من لعنته وإخزائه ، ومقته لهم وإقصائه ~~(5)، وما حكم به من هجرتهم على أوليائه ، وما وكد على العباد من فرضه ، في ~~مجانبه كل مجرم وبغضه ، وما أوجب الله على الأبرار ، من الهجرة للظالمين في ~~المحل والدار ، وما ألزم الظالمين من الصغار والذل ، وما حكم به على بعضهم ~~في ظلمه من القتل ، وعلى بعضهم من القطع والصلب ، وعلى بعضهم من السجن ~~وألوان النكال والضرب ، وما أوجب الله على الظالمين من الخزي في الظلم ، ~~وما حكم به عليهم في ذلك من الحكم ، فما لا يعمى عنه من نور الله قلبه في ~~معرفة الحق بضياء ، ولا يخفى على محجوج من الخلق (6) فيما يخفى عليه من ~~الأشياء ، ولا يحق لمن جهله حقيقة الإيمان ، ولا يتم لمن عطله مثوبة ~~الإحسان ، بل يحيط الله عمله ، بما جهل منه وعطله. PageV02P245 ### | [التحذير من موالاة أعداء الله] # ومن صار لعدو من أعداء الله ، إلى محبة أو موالاة ، أو مسالمة أو مراضاة ~~، أو مؤانسة أو موادة أو مداناة ، أو مقاعدة أو مجاورة أو اقتراب ، فضلا عن ~~تواد أو تحاب ، فقد باء صاغرا راغما من الله جل ثناؤه بسخطه ، وهلك في ذلك ~~بهلكة عدو الله وتورط من الهلكة في متورطه ، وكان في الإساءة والجرم مثله ، ~~وأحله الله في العداوة له محله ، وجعله الله لموالاته لمن عاداه ، ولم يصر ~~إلى ما أمره الله به من تقواه (1)، ونسبه لموالاته لهم إليهم ، وحكم عليه ~~بما حكم به من السخط واللعنة عليهم ، فرحم الله امرأ ، أحسن (2) لنفسه نظرا ~~، فسمع في ذلك عن الله وقيله (3)، واتبع ما نزله الله في ذلك من تنزيله ، ~~فإنه يقول سبحانه: ( @QUR@05 ومن أصدق من الله قيلا ) (122) [النساء : 122] ~~، ويقول أيضا في الكتاب : ( @QUR@02 ونزلناه تنزيلا ) [الإسراء : 106] ، ~~وقد قال سبحانه في فريضته هذه بعينها ، وما نزل به سبحانه (4) كتابة من ~~تبيينها : ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ms04 اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين ) (51) [المائدة : 51] ، فأخبر سبحانه أنه من والى من الفريقين من ~~عادى ، فليسوا ممن (5) وهبه الله ولا أعطاه الهدى ، لجهلهم بحكم الله في ~~ذلك عليهم ، وجعلهم بموالاتهم (6) لهم منهم ونسبهم إليهم ، ودعاهم ~~بموالاتهم (7) لهم كما دعاهم ظالمين ، فتبارك الله أحكم الحاكمين ، الذي لا ~~يعتريه وهم ولا جور في حكمه ، ولا يحاط إلا بما شاء من علمه، ( @QUR@010 لا ~~إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له PageV02P246 # @QUR@03 الحكم وإليه ترجعون ) (85) [القصص : 85] ، ولا يحكم (1) سبحانه ~~في صغير من الأمور ولا كبير كما يحكم الذين لا يعلمون ، ولكنه يقضي الحق ~~وهو خير الفاصلين ، ولا يغفل في الأشياء كغفلة الغافلين ، فيتناقض حكمه ~~وأمره ، ويسوء بتناقض أو خلاف ذكره. ### | [مرض القلوب] # ثم دل سبحانه على خفي مرض قلوب الموالين ، لمن أمر بمعاداته وهجرته من ~~الظالمين ، فقال سبحانه : ( @QUR@028 فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون ~~فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) (52) [المائدة : 52] ، فنبأ ~~سبحانه بما كانوا يقولون ، وبإحباطه ما (2) كانوا يعملون ، وأنهم بموالاتهم ~~لعدو المؤمنين ليسوا منهم ، وبين الله للمؤمنين ما كانوا يسترون من ذلك ~~عنهم ، فأما ما ذكر الله من مسارعتهم فيهم ، فهو [ما] كان بينا غير مستور ~~يرونه (3) بمعاملتهم لهم ومصيرهم إليهم ، مقبلين في كل وقت ومدبرين عليهم ، ~~ألا تسمعون (4) لقول الله سبحانه ( @QUR@01 فترى )، ولا يرى صلى الله عليه ~~إلا ما كان له معاينا مبصرا ، فأما مرض قلوبهم ، وما (5) كانوا يخفون من ~~عيوبهم ، في الشك والارتياب والحيرة ، وما كانوا عليه للدنيا (6) من الحب ~~والأثرة الكبيرة ، فإنما يتبين عند ما يأتي به الله المؤمنين من النصر ~~والفتح ، فعند ذلك بالحسرة والندامة يفتضح من المرتابين كل مفتضح : ف ( ~~@QUR@015 يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم ~~لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين PageV02P247 # (53)) [المائدة : 53] ، فخسرهم الله أعمالهم ، وصيرهم بموالاتهم لهم ~~مثلهم (1) كافرين ، وقال سبحانه بعد هذا ms05 من أمره كله للمؤمنين ، ( @QUR@038 ~~يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) (54) ~~[المائدة : 54] ، فأخبرنا سبحانه أنه لن يحبه ولن يحب ، ولن (2) يزكو عنده ~~ولم يطب ، من لم يذل لأوليائه ، ويعز على أعدائه. ### | [مجالسة الظالمين مهلكة] # فلعمر أبي من جاور عدو الله من الظالمين ، ما عز عليهم ولكنه كان لهم من ~~الأذلين ، ولعددهم في محلهم من المكثرين ، ولدار ظلمهم بحلولها (3) من ~~العامرين ، فنعوذ بالله من الشقوة في الدين ، والمكابرة لما جاء فيه عن ~~الله من اليقين. # فحذر سبحانه من والاهم ، بمودة أو مجاورة فداناهم الارتداد بذلك من ~~موالاتهم عن دينه ، ومن قبل ذلك ما أخبر بمرض قلبه في يقينه ، وكيف لا يكون ~~من والاهم مرتدا إليهم ، وقد حكم الله عليه بحكمه عليهم ، (4) فكفره ~~بموالاته لهم ككفرهم ، وأمره في الكفر لنعم الله أمرهم ، وكيف لا يكون في ~~الكفر كهم ، وقد جعله تبارك وتعالى مثلهم ، فقال سبحانه : ( @QUR@033 وقد ~~نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ) (140) [النساء : 140] ، فجعلهم الله ~~سبحانه في موالاتهم لهم من المنافقين والكفار ، وأحلهم جميعا كلهم محل أهل ~~النار. وما ذكر الله عنهم ، ولا سخط سبحانه منهم ، PageV02P248 # عند ذكره في الولاية لهم ، سوى ما ذكر من الموالاة ، بالمقاعدة والمداناة ~~، فكيف من رمى إليهم بإخائه ووده؟! وكثر عددهم بشخصه وعدده؟ وعمر ديارهم ~~وأسواقهم ومحافلهم بمحله وابتنائه ، فلعله بذلك أنفع لهم ممن خصهم بوده ~~وإخائه ، فهو عامر لهم ومكثر ، وولي لهم من حيث لا يشعر ، فهم خيرته ~~وأولياؤه ، وفيهم مسكنة وثواؤه (1). # وقد قال الله للمؤمنين جل ثناؤه : ( @QUR@013 إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) @QUR@011 ~~ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ms06 الله هم الغالبون ) (56) ~~[المائدة : 55 56] ، فبرأهم الله (2) عز وجل من ولايته وحزبه ، وولى كل امرئ ~~(3) منهم ما هو أولى به ، كما قال سبحانه : ( @QUR@020 ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا ) (115) [النساء : 115]. # ثم قال سبحانه بعقب ما قدم في الولاية من الآيات ، وأوضح فيما أمر به ~~فيها من البينات ، تكريرا لنهيه عن موالاة الظالمين وترديدا ، وتوكيدا ~~لحكمه في مجانبة دار المعتدين وتشديدا : ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) (57) [المائدة : 57]. # فما ارتكب الظالمون من قتل الأبرار وصلبهم ، أكبر عند الله أضعافا مضاعفة ~~من الاستهزاء بهم ، والتلعب بالأنبياء ، كالتلعب والاستهزاء بما جاءوا به ~~من الأشياء ، وكذلك التلعب بأولياء الله ، كالاستهزاء بالدين عند الله ، ~~ولذلك (4) أخبر الله سبحانه أنهم إن لم يكونوا لمن عاداه من المعادين ، ~~فليسوا لما ينتحلونه من الايمان (5) بمستحقين ، ولا في دعواهم له وتسميتهم ~~به من المصدقين ، ولا فيما أوجبه عليهم من هجرة من PageV02P249 # ظلم وتعدى من المتقين ، بل حالهم في ترك ما حكم عليهم من ذلك حال من جهل ~~واستهزأ ، وأعرض عما أمر به من تقوى الله فيه طغى وتعززا ، كما قال الله ~~سبحانه فيما هو أقل من هذا قلة ، وأصغر عنده قدرا ومنزلة ، من الظلم ~~والاعتداء ، فيما طلق من النساء : ( @QUR@045 وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن ~~يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم ~~وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله ~~بكل شيء عليم ) (231) [البقرة : 231]. # وقال سبحانه فيمن تعزز واعتدى ، وأبى ما دعي إليه من التقوى والهدى : ( ~~@QUR@017 ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في ~~قلبه وهو ألد الخصام (204) @QUR@014 وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ms07 الفساد (205) @QUR@012 وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) (206) [البقرة : 204 ~~206] ، فيكون عند من يعقل مستهزئا ، وظالما في الدين متعديا من أمسك وهو ~~يعول ويمون زوجته وهي [ا] مرأته (1) ضرارا ، ومن قيل له اتق الله فتعزز على ~~قائلها وأدبر نفارا ، أو لا يكون من ترك حكم الله فيما تلونا من الآيات ، ~~من المستهزئين (2) المتعززين المعرضين العتاة؟! كلا لن يكون أبدا ذلك ، إلا ~~عند كل (3) عمي كذلك. # ألا تسمعون لقول الله سبحانه ، فما أوضح حجته وبيانه (4): ( @QUR@033 ~~وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ) (140) [النساء : 140] ، فجعلهم كهم ~~ومثلهم ، ولم يعملوا PageV02P250 # في كل أمر عملهم ، فكيف يكونون مستهزئين كافرين؟! إن لم يكونوا كهم كفرة ~~مستهزئين ، هذا ما لا يجهل والحمد لله (1) بيانه ، من أوضح الله عنده للحق ~~برهانه. # ومن أين يقوم من لم يؤد فريضة الله في هجرة دار الظلم ، بما حكم الله به ~~على الظالمين من الحكم ، في القتل والقتال ، وما يجب عليهم من الانكار في ~~معصية ذي الجلال ، لذلك أعز عليه عزة ، ولهو فيه أكثر معجزة ، (2) والله ~~المستعان فيما يكون وما كان ، ونسأل الله العفو والغفران ، لما مضى من ~~صحبتنا للظلم والطغيان ، بحلول دور أهل الفجور والعدوان. # فمن رأيتم وفقتم وهديتم صحب ما يكره من الأمور ويشنأ ، (3) أو جاور منكم ~~أو من غيركم ما لا يرضى ، وهو يجد منه بدا أو عنه مندوحة ، وله إلى هرب منه ~~سبيلا أو طريقا مفتوحة ، أو تخشون ألا يكون من جاور ورضي بالمقام ، سخط ما ~~يسخط الله جل ثناؤه من الظلم والآثام ، بل (4) يخافون ألا يكون من فعل ذلك ~~وجد مس عدم الاسلام (5)، فهو سليم لتلك ولجهله بها مما مس أهله (6) لعدمه ~~من الآلام. # فنعوذ بالله من الرضى بسخطه ، ومن كل موالاة لمسخطه ، (7) فإنه لا نجاة ~~لأحد مع موالاتهم ، التي منها ما ذكرنا من جوارهم ms08 ومداناتهم. # ولما (8) أراد الله برحمته من نجاة أوليائه ، نهاهم وأكد وردد نهيهم عن ~~موالاة أعدائه ، PageV02P251 # فلم يسهل سبحانه فيها ، ولا فيما نهى عنه منها ، لمؤمن في أبيه ولا أخيه ~~، ولا في أحد من أقربيه (1)، وأزال عمن والى منهم أحدا ، أو منحه في جد أو ~~هزل ودا الإيمان بالله واليوم الآخر ، وجعله بهما وفيهما كالكافر ، فقال ~~سبحانه : ( @QUR@051 لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون ) (22) [المجادلة : 22] ، وقال سبحانه : ( @QUR@020 يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) (23) [التوبة : 23] ، فأنزل سبحانه ~~بتظليمه لهم في ولايتهم إياهم وحيا ، ثم قال تبارك وتعالى بعد للمؤمنين ~~تقدما ونهيا : ( @QUR@027 لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم ~~الله نفسه وإلى الله المصير ) (28) [آل عمران : 28]. فأخبر سبحانه كل بر ~~تقي ، أن من والى من كفر أو ظلم فليس منه في شيء ، لا في ولاية من الله ولا ~~ارتضى ، ولا في بر عند الله ولا تقى. # ثم قال في آخر نهيه للمؤمنين ، عما نهاهم عنه من موالاة الكافرين : ( ~~@QUR@06 ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد ) (30) [آل عمران : 30] فدل ~~سبحانه بقوله : ( @QUR@02 رؤف بالعباد )، على أن موالاة أهل الكفر والفساد ~~، من مساخطه العظام الشداد ، إذ كان الرءوف الرحيم ، لا يسخطه إلا الذنب ~~العظيم. # وقال سبحانه : ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) (144) [النساء ~~: 144]. فأخبر سبحانه أن ذلك منهم إن لم يفعلوه (2) تقاة نفاق ، وأنه منهم ~~ظلم وكفر وشقاق ، وأنهم كهم كفار ، وأن مصيرهم جميعا إلى النار ، لكفرانهم ~~وفسقهم ، وعصيانهم PageV02P252 # ونفاقهم. # ولو كان ms09 المنافقون الذين ذكر الله غيرهم ، لما صيرهم من الدرك الأسفل (1) ~~مصيرهم ، ولما كان في قوله : ( @QUR@07 إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار ) [النساء : 145] ، لهم من موعظة ولا معتبر ولا تحذير ولا ازدجار ، ~~ولكان القول في ذلك ، لو كان القول كذلك ، كالقول في (2) فرعون وهامان ~~وقارون ، هم فجرة ظلمة كافرون ، فما كان يكون في هذا لو كان من نذير ، أو ~~تعبير أو موعظة لأحد أو تذكير. # وكيف ينكر من آمن بالله أن يكونوا كافرين لنعم الله؟! ومنافقين في دين ~~الله ، أو يزال النفاق والكفر عنهم ، وقد جعلهم الله بولايتهم لهم منهم ، ~~ونسبهم في منزل كتابه إليهم ، فاسم النفاق والكفر واقع عليهم ؛ لأن من كان ~~من قوم أو دين أو حكم ، لزمه ما يلزمهم من حكم (3) واسم. # فأما قوله جل ثناؤه في الآيتين (4): ( @QUR@03 من دون المؤمنين ) ~~[النساء : 144] ، فإن من تأويل من دونهم عندي ووجوه فهمه والله أعلم فيهم ، ~~تعريجهم ونزولهم من دون المؤمنين عليهم ، وحلولهم بالمجاورة لهم بين أظهرهم ~~، واختلاطهم في المعاملة بهم ، لما في المعاملة ، من لين التراجع والمقاولة ~~، وما يكون في ذلك ، إذا كانوا كذلك ، من زوال الغلظة ، والاشتغال عن العظة ~~، وقد أمر الله تعالى جده (5)، ووجب في كل حكم حمده ، بالعظة لهم ، ~~والغلظة عليهم ، كما أمر بقتالهم ، والمجانبة لأعمالهم ، فقال سبحانه ~~لرسوله ، (6) صلى الله عليه وعلى آله : ( @QUR@012 يا أيها النبي جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ) (73) [التوبة : ~~73 ، التحريم : 9]. PageV02P253 ### | [مجاورة الظالمين شقاء وفتنة] # وقال سبحانه فيمن تعدى أمره وحكمه : ( @QUR@016 فكيف إذا أصابتهم مصيبة ~~بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) ~~@QUR@016 أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا ) (63) [النساء : 62 63]. ومن الإعراض ما ذكرنا من ~~الهجرة والمصارمة (1)، ومنها أيضا فرفض للمخاطبة والمكالمة ، والغلظة ~~فمنها العظة وهي من يسيرها وقليلها ، لا من كثيرها وجليلها ، فكيف يكون ~~مغالظا؟! من لم يكن لمن ظلم واعظا! وكيف يكون مهاجرا لمن ظلم مجاهدا؟! من ~~كان مؤاكلا له أو ms10 معاملا أو مقاعدا! لا كيف وإن عارض فيه (2) معارض بتحيير ~~أو تشبيه ، أو شبه فيه على جائر بضروب من الحيرة والأماويه ، (3) أما ~~يسمعون لقول الله جل ثناؤه: ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ) (123) ~~[التوبة : 123]. فأمرهم سبحانه بالغلظة في القتال والمقال على الكافرين. # وكيف يعقد لهم سبحانه حرمة الجوار؟! وقد أوجب ما أوجب من حقوق الجار! ~~وأمر بالإحسان إليه ، والإفضال عليه ، فقال : ( @QUR@019 واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ~~ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ) [النساء : 36] ، فلو كان الأمر في ~~هذا (4) كما ظن من يجهل لكان هذا تناقضا في أحكام الرب ، ولكنه سبحانه أوجب ~~عليهم حقوق الجوار ، بعد أن أمرهم (5) بمهاجرة الكفار. # الأماويه : التلبيسات والمخادعات. PageV02P254 # وكيف (1) يؤكد لمن كفر حق الجوار على المؤمنين وحرمه (2)؟! وقد أمر أن ~~يقاتلوا من كفر ويسفكوا دمه ، إن في هذا من الاختلاف والبعد ، لما (3) لا ~~يخفى على من وهبه الله أقل الرشد ، فنعوذ بالله من الحيرة في دينه ، ومن ~~الضلالة بعد هداه وتبيينه ، عمي من (4) خالف حكم الله في هجرة دار الظالمين ~~بهواه ، فأسلمه الله إذ (5) اتبع الهوى إلى عماه. # أو ليس بمعلوم فيما فطر الله من العقول ، وفي أقل ما يوجد بها من فهم كل ~~معقول ، أن من جاور لأحد عدوا فحاله ، فضلا أن يقاعده ويعامله ، فقد أغضبه ~~وأساءه ، (6) وكثر بشخصه أعداءه ، كذلك من جاور أعداء (7) الله ، فهو من ~~المغضبين لله ، بغير ما شك في حجة (8) الألباب ، وقبل ما نزل الله في ذلك ~~من الكتاب. # فكيف بمن اغتر وخدم؟! وجالس وحدث وكلم ، وجاء وذهب ، وأجلب وركب ، وتفقد ~~المجالس والخلوات ، وألم بحواضر الحفوات (9)، فراح وبكر واغتدى ، وظل وبات ~~ساهرا كمدا ، مراقبا في مجالسهم ومقاعدهم للقوت ، قد أغفلته مراقبة ذلك ~~(10) عن كل سقم أو موت ، فكأنه لا يخطر بباله للدنيا زوال ولا فناء ، ولا ~~يتوهم أنه يكون له إلا PageV02P255 # من الظالمين سعة وغناء ، فهو متدله (1) إليهم حران ، متأوه عليهم لهفان ms11 ، ~~قد شغله ما هو فيه من الحسرة ، عما هو سائر إليه (2) من دار الآخرة ، يروح ~~دائبا ويبكر ، ويقبل أبدا ويدبر، في مواكب الظلم والظلمة ، لا يتكلم في ~~إنكار ظلمهم بكلمة ، يضحك معهم إن ضحكوا ، ويتباكى لهم إن بكوا ، غرق (3) ~~في الغفلة غرقهم ، يرى في كل حين فسقهم. # أفيعد هذا لله وليا؟! أو من الظلم لنفسه بريا ، ما يبريه (4) من ذلك ، أو ~~يعده كذلك ، إلا من جهل أمر ربه ، وضلل الله صميم قلبه ، فما جهل بعد توحيد ~~الله أعظم ، ولا جرم في دين الله أجرم ، من جهل من جهل ما حكم به من هجرة ~~الظالمين ، ونهى عنه جل ثناؤه من مجاورة المعتدين ، لما وكد الله من ذلك في ~~وحي الكتاب ، وما أقام به وفيه وعليه من حجة الألباب ، وما هاجر قوما من ~~حالهم في بلدهم ، وكان مكثرا بشخصه فيها لعددهم ، فيأوي منها وفيها مأواهم ~~، ويروح ويغتدي مقبلا ومدبرا مغداهم ، فكلهم في بلد العدوان معه ، قد جمعهم ~~من مأوى الطغيان ما جمعه ، يجمعه من أكثر (5) الأمور فيها ما جمعهم ، (6) ~~منتفع بحلول دار الظالمين بما نفعهم ، عامر لها من الحلول فيها بما عمروا ، ~~ومكثر لعدد أهلها بما فيها كما (7) كثروا ، وبحلول من حلها وأوى إليها ، ~~كثرت معاصي الله سبحانه فيها ، فبلد أهل الطغيان لكلهم بلد ، وجميعهم في ~~حلولها وتبوئها (8) فواحد ، وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ~~(من كثر PageV02P256 # سواد قوم فهو منهم) (1). ومن ذلك حكم الله على المؤمنين بالهجرة ~~للكافرين والزوال عنهم. # فاسمعوا هديتم لما وكد الله من المهاجرة ، التي من قبلها ترك المجاورة ، ~~فقد سمعتم نهيه لرسول الله صلى الله عليه وآله ، عن مقاعدة من خاض في آياته ، ~~مع ما ذكرنا من نهيه للمؤمنين عن مقاعدة من كفر به ، وما أمر الله به رسوله ~~من الاعراض عمن تولى عن ذكر ربه ، والاعراض أوكد وأقل من المقاعدة ~~والمجالسة (2)، لأن من أعرضتم عنه فقد هجرتموه وقطعتم بينكم وبينه كل (3) ~~مؤانسة. # فكيف تسع أحدا المجاورة لهم والمحالة ، هذا ما لا يصح ms12 به في المعقول ~~مقالة ، يقول الله لا شريك له ، لرسوله صلى الله عليه وعلى آله : ( ~~@QUR@023 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) (68) ~~[الأنعام : 68] ، ويقول سبحانه : ( @QUR@011 فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم ~~يرد إلا الحياة الدنيا (29) @QUR@016 ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) (30) [النجم : 29 30]. فكيف يكون ~~معرضا عنهم؟! وهو مجاور لهم والجوار حرمة بينه وبينهم. PageV02P257 ### | [طرد النبي للمتشبهين بالنساء] # فلم يكن صلى الله عليه يساكن ، ولا يجاور ولا يقارن (1)، إلا من آمن ~~بالله ، وكان وليا لله ، ولقد نفى صلى الله عليه غير واحد من أهل ملته ، ~~ممن جاوره بفسوق في محل هجرته ، فمن ذلك مخنث (2) كان في المدينة كان فيه ~~لين وتكسير ، فنفاه من المدينة إلى جبل من جبالها يقال له عير ، (3) فابتنى ~~في ذروة الجبل كنا ، وكان الجبل وعرا خشنا ، فلم يزل ذلك الكن له مسكنا حتى ~~مات رحمه الله (4). وتوفي صلى الله عليه وآله ، فلما حضر موته ، وقد كانت حسنت ~~توبته ، حتى دعي في أيام عثمان ، ولا أحسبه إلا وقد دعي قبل ذلك فيما كان ~~لأبي بكر وعمر من الأيام ، إلى المدينة والتحول إليها وترك |تغترق الطرف وهي لاهية||كأنما شف وجهها نزف| |بين شكول النساء خلقتها||قصد فلا جبلة ولا قضف| # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين سمع كلامه : لقد غلغلت النظر ، ما ~~كنت أحسبك إلا من غير أولي الإربة ، وكان رسول الله (ص) يضحك من كلامه ويظن ~~ذلك نقصا من عقله ، فلما سمع منه ما سمع ، قال لنسائه : لا يدخل هيت عليكن. ~~وأمر أن يسير إلى خارج. فبقي هنالك حتى قبض رسول الله (ص)، فلما ولي أبو ~~بكر كلم فيه فأبى أن يرده ، فلما ولي عمر كلم فيه فأبى أن يرده ، فقيل له : ~~إنه قد كبر وضعف واحتاج ، فأذن أن يدخل كل جمعة. قيل : ويرجع إلى مكانه. # أخرجه ms13 البخاري فتح الباري 9 / 274 ، وأبو داود 2 / 700 رقم (4949). PageV02P258 # المقام ، (1) فكان يقول لكل من قال له (2) ذلك كلا والله ، لا أزول عن ~~موضع صيرني إليه رسول الله ، حتى تنقضي فيه حياتي ، وتحضرني به وفاتي ، ~~فقال له عند الموت بعض الصالحين : يا فلان أتحب أن نحدرك من هذا الجبل ~~الوعر فندفنك مع المسلمين ، فقال : لا تدفنوني والله إلا بحيث صيرني رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقبره ومسكنه الذي كان يسكنه معروفان ~~اليوم بظهر الجبل. # مع ما حكم به صلوات الله عليه من نفي الزاني البكر سنة ، مع ما حكم الله ~~به على المحاربين بالنفي ففي ذلك كله عبرة لمن يعقل بينة ، وقد قال الله ~~سبحانه ، لرسوله صلوات الله عليه ورضوانه : ( @QUR@06 لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا (74) @QUR@012 إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا ) (75) [الإسراء : 74 75] ، وقال : ( @QUR@017 ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) ~~(113) [هود : 113]. # والركون ، فقد يكون السكون ، فأي ركون أركن ، أو سكون أسكن ، بعد الإخاء ~~والمحابة ، من الجوار والمساكنة ، فمن جاور وساكن ، فقد ساكن وراكن ، عند ~~من يعرف لسان العرب ، فضلا عما في ذلك من بيان الرب ، جل ذكره ، وعز أمره. # هذا حكمه جل ثناؤه على رسوله فيمن كفره ، وتعدى أمره ، فلو (3) سهل الله ~~سبحانه لأحد في هذا أو مثله ، لسهل لرسوله صلى الله عليه وعلى آله ، (4) ~~ولكان رسول الله صلى الله عليه أولى بالتخفيف فيه والتسهيل ، فاسمعوا هديتم ~~لما حكم به من الهجرة في الوحي والتنزيل ، على الرسول صلى الله عليه (5) ~~وعلى المؤمنين ، وما PageV02P259 # أمره به وإياهم من مهاجرة الظالمين ، قال الله لا شريك له ، وهو يأمر ~~رسوله صلى الله عليه وعلى أهله ، (1) بالصبر على ما حمله ، وعلى ما يقول ~~أهل الكفر له : ( @QUR@07 واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ) (10) ~~[المزمل : 10] ، فأنزل الله (2) عليه بمهاجرته لهم أمره تنزيلا. # ومن الهجر (3) لهم الجميل ، ما أمر الله به في الوحي والتنزيل ، من ms14 ~~النقلة عنهم ، والبعد والانتياء (4) منهم ، وهو صلى عليه كان فيه أولهم ، ~~وأسبقهم في الهجرة لهم ؛ لأنه عليه السلام هاجر قبلهم ، والبلد يومئذ بلده ، ~~وبها أهله ومولده ، مؤثرا في ذلك كله لله بهجرته ، وصائرا إلى أمر الله له ~~بذلك وخيرته ، وما ذكرنا من أمر الله سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وعلى ~~آله ، بالهجرة للظالمين ، فما لا يجهله والحمد لله علماء المؤمنين ، ولا ~~يحتاج في ذكره إلى تكثير ، لما فيه من الغناء عن كل تفسير ؛ لأنه تنزيل من ~~الله غير تأويل ، فبيانه عند من وفقه الله بيان (5) التنزيل. PageV02P260 ### | [الهجرة واجبة في كل الديانات] # ومن تشديد الله لفريضته في المهاجرة (1) للظالمين وتأكيدها ، أن الله ~~سبحانه لم يجعل للمؤمنين ولاية لمن (2) لم يقم بها ويؤدها ، فقال سبحانه : ~~( @QUR@029 إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) [الأنفال : 72] ، فمنع سبحانه ~~المؤمنين من ولايتهم وإن آمنوا ، إذا أقاموا في دار عدوه فلم ينتقلوا ولم ~~يظعنوا ، وأبى تبارك وتعالى لأوليائه ، أن يوالوا وإن آمن من لم يهاجر دار ~~أعدائه ، نظرا منه سبحانه للأولياء ، وتطهيرا لهم (3) عن مجاورة الأعداء. # وهل رأيتم من يجاور عدوه وهو يجد من جواره بدا؟! إلا أن يكون ممن لم يهبه ~~الله توفيقا ولا رشدا ، وهل رأيتم لبيبا مجاورا للسباع؟! وهو يقدر منها على ~~الامتناع ، أو مقاربا للأفاعي وأولادها ، وله سبيل ومنتدح (4) إلى إبعادها ~~، فبكم ترون من ظلم وتعدى ، أضر وأخبث وأردى ، مقاربة والله المستعان ~~ومجاورة ، وأكثر لمن جاوره نكاية ومضرة ، وإن من ظلم وكفر وفجر ليضرك وإن ~~نحا ، فكيف يحال فيما كان له منزلا وبلدا وملجا ، إن هذا لضلال والحمد لله ~~ما يخفى ، وجفاء في دين الله لا يأتيه إلا من جفا. # ولقد قرأنا مع ما علمنا الله في التنزيل ، ما في أيدي هذه النصارى من ~~الإنجيل. # فإذا فيه : أن طائفة من الأشرار ، أبناء الظلمة والفجار ، جاءوا يطلبون ~~التوبة للرياء (5) إلى يحيى بن ms15 زكريا ، صلى الله عليه ، فقالوا له : طهرنا ~~فقد تبنا إلى رب السماء ، PageV02P261 # بما تطهر به التائبين من الماء ، وكان يحيى صلى الله عليه ، إذا صار إليه ~~، أحد مطيعا لله ومجيبا ، أو تائبا إلى (1) الله منيبا ، أمره بالاغتسال من ~~نهر الأردن ، وكانت تلك سيرته صلى الله عليه فيمن آمن. فقال للذين أتوه ~~كاذبين ، إذ (2) لم يكونوا بالحقيقة تائبين : يا أولاد الأفاعي ائتوا بثمرة ~~، تصلح للتوبة والتطهرة ، (3) فطردهم ولم يرهم أهلا للتطهرة ، فهذا أيضا ~~والحمد لله من دلائل الهجرة. # أو ما سمعتم نهي رب العالمين ، عما ذكرنا من جوار الظالمين ، إذ يقول ~~سبحانه لعباده المؤمنين : ( @QUR@031 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ~~من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما ~~تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) (118) [آل عمران : ~~118]. وتأويل ( @QUR@02 من دونكم )، هو من غيركم ، يقول سبحانه : ( ~~@QUR@03 لا تتخذوا بطانة ) من غير أهل دينكم ، والبطانة في المقارنة (4) هم ~~القرناء ، كما البطانة في المخادنة (5) هم الخدناء ، فمن قارن أحدا في ~~المحل فهو له بالمجاورة بطانة وقرين ، كما أن من خادن أحدا بمحل هو له ~~بالمخادنة بطانة وخدين ، وإنما قيل للبطانة بطانة ؛ لأنها مخاصة (6) ~~ومقارنة ، فنهى الله سبحانه المؤمنين ، أن يتخذوا الظالمين ، أخلاء أو ~~خدناء ، أو جيرة أو قرناء ؛ لأن من لا يدين دينهم لا يألونهم خبالا ، وإن ~~لم يظهروا لهم حربا ولا قتالا (7)؛ لأنهم يرجعون أبدا بهم وفيهم ، عيونا ~~ذاكية (8) لعدو الله عليهم ، يجادلونهم بالباطل PageV02P262 # ليدحضوا به حقهم ودينهم ، ويعارضونهم فيه بزخرف القول ليوهنوا به علمهم ~~ويقينهم ، فبعلم من عليم ، وتقدير من حكيم ، ما نهاهم (1) الله عن موالاتهم ~~ومخالتهم ، ومنعهم من مجاورتهم ومحالتهم. # وفي ترك مقاربتهم (2) وإيجاب مجانبتهم ، وما أمر الله به الرسول صلى الله ~~عليه والمؤمنين من مهاجرتهم ، ما يقول الله سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه ~~وعلى آله : ( @QUR@011 وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة ~~الدنيا وذكر به ) [الأنعام : 70] ، يقول سبحانه بمهاجرتك لهم ، ففيها تذكير ~~لمن يعقل منهم ، إن أبصر هداه ورشده ms16 ، أو كان شيء من الخير عنده ، ولا تجلس ~~معهم ، ولا يجمعك من المقاعدة ما يجمعهم ، إذ كانت مقاعدهم مقاعد لهو ولعب ~~واستهزاء ، فإن ذلك إذا كان كذلك يمنعهم من الذكر لما تذكرهم به من الأشياء ~~، وفي تركك لهم وإعراضك عنهم ، ما فيه تذكير لمن عقل منهم ، ولم يذر ~~الظالمين من جاورهم ، وحل وسكن دارهم. # وفي جدالهم ، وزخرف أقوالهم ، ما يقول سبحانه : ( @QUR@012 ويجادل الذين ~~كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ) (56) ~~[الكهف : 56]. # وفي من ذكر بآيات الله فلم يذكر ، وبصر نورها فلم يبصر ، ما يقول الله لا ~~شريك له: ( @QUR@030 ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت ~~يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ) (57) [الكهف : 57]. ### | [وعيد الله للمعرضين] # ثم أخبر سبحانه عن اغتماده واغتفاره (3) الذي هو احتماله ، وعفوه وتغمده ورأفته PageV02P263 # ورحمته وإفضاله ، في ترك المعاجلة بعذابه ونقماته ، لمن أعرض عما ذكر به ~~من آياته ، فقال سبحانه : ( @QUR@015 لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ~~بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ) (58) [الكهف : 58] ، فمن أشد إعراضا ~~عن آياته؟! وما أوضح بها وفيها من بيناته ، ممن جهل فرض الله عليه فيها ، ~~أو ليس هذا هو الذي لم يلتفت قط إليها؟! بلى (1) إنه لهو ذلك ، وإن لم يكن ~~عند من لا يعقل كذلك. # وقد جهل قوم ما قلنا به في الموالاة ، وما زعمنا أنه منها من القرب ~~والمداناة ، بالجوار والمحالة ، والخلطة والمعاملة ، وقد يقال للقوم إذا ~~تتابعوا جميعا في مجيء ، أو قالوا كلهم قولا واحدا في شيء : إنهم جميعا ~~لمتوالون فيه ، وفي المجيء إلى البلد : إنهم لمتوالون عليه. وإذا جاءوا ~~متتابعين ، قيل : جاءوا متوالين ، وكذلك يقال للقوم إذا دخلوا أرضا ، وكان ~~بعضهم مجاورا فيها بعضا ، إنهم بالجوار لمتوالون فيها ، كما يقال : إذا ~~ساروا إلى الأرض إنهم لمتوالون إليها. وكما يقال للمتاصفين : إنهم أصفياء ~~المودة والصفاء ، كذلك يقال للمتوالين : أولياء في المقاربة والولاء ، وقد ~~قال الله تبارك ms17 وتعالى في أهل الكتاب من اليهود ، إنهم أولياء لأهل الكفر ~~والشرك والجحود. # فاسمعوا لقول الله سبحانه لرسوله في بني إسرائيل ، وما وقفه عليه من ذلك ~~في التنزيل: ( @QUR@019 ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) @QUR@015 ولو ~~كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا ~~منهم فاسقون ) (81) [المائدة : 80 81] ، يقول سبحانه لو كانوا يؤمنون ~~بالنبي الذي كان فيهم ، وبمن صار من أنبياء الله ورسله صلى الله عليهم ~~إليهم ، لما والوا عدوا مشاقا ، ولا أدخلوا (2) عليهم إذ كانوا أعداء للرب ~~مرفقا ، بمخالطة منهم لهم ولا معاملة ، ولا بمجاورة لأحد منهم ولا محالة ، ~~وقد تعلمون أن من ذكره الله سبحانه في هذه الآية بالتولي للكفار من اليهود ~~، وإن كانوا قد نقضوا في أكثر الأمور ما بينهم وبين الله من PageV02P264 # العهود ، فلم ينقضوا أنهم غير متولين للكفار في أديانهم ، ولا راضين ~~بعبادة ما كان الكافرون يعبدون من أوثانهم ، ولا ما كانوا يشرعون في دينهم ~~من الشرائع ، ويفترون على الله فيه من الشنائع ، في أكل الميتة والدم ، وما ~~كانوا يحلون من كل محرم ، بل كانوا لهم في ذلك مخالفين ، ولعملهم فيه من ~~القالين ، ولكنهم كانوا لهم موالين ، وإن لم يكونوا لدينهم قائلين ، وكانوا ~~لهم على دينهم من العائبين ، ولهم في أنفسهم من المعادين ، ولكنهم كانوا ~~أولياء لهم بالنصرة والموادة ، وبما ذكرنا من الجوار والمعاملة والمقاعدة. # أفلا (1) ترون كيف جعلهم رب العالمين ، بموالاتهم لمن ظلم من الظالمين؟! ~~فأثبت سبحانه عليهم في الحكم ، أنهم عنده كهم في الظلم ، وأنهم منهم ~~بموالاتهم لهم ، وإن كانوا برءاء منهم في شرائع دينهم ، وجاهلين بأكثر ~~أقاويلهم ، لا يعملون منها حرفا ، ولا من أوصافهم فيها وصفا ، فلذلك (2) ~~كان من الموالاة ، ما ذكرنا من القرب والمداناة ، التي منها المجاورة ~~والمحالة ، كما منها الإخاء والمخالة. # ومن قارب شيئا ودنا إليه ، فهو غير شك يليه ، وكذلك في المحبة من والاكم ~~، فقد وادكم وآخاكم. ومن ذلك حرم الله سبحانه المجاورة والمداناة ms18 ، إذا ~~كانت بين (3) أهلها مقارنة وموالاة ، ففرض الله على نبيه صلى الله عليه ~~وعلى المؤمنين الهجرة لدار من كفر به ، ولم يصر إلى القبول عنه لما جاء به ~~من (4) ربه ، ولمن هاجر يومئذ من المؤمنين عن الدار ، وما أمر الله بهجرته ~~من الكفار ، وقبلهم وفيهم ، وعندهم ولديهم الأموال والديار العامرة ، ~~والأبناء والأهلون والقرابة الناصرة ، فألزمهم (5) الله لذلك كله الهجرة ، ~~وأوجب عليهم لدينه ولأنفسهم النصرة ، وأبقى الهجرة بعدهم ، لمن سلك قصدهم ، ~~شريعة ثابتة قائمة ، وفريضة للمؤمنين لازمة دائمة. PageV02P265 ### | [الهجرة شرط الإيمان] # ولم يجعل سبحانه للمؤمنين حقا ، وحقيقة في الاسم وصدقا ، ولم يوجب مغفرة ~~ورزقا كريما ، ولم (1) يجعل برحمته فوزا عظيما ، إلا لمن هاجر لله وفيه ، ~~وخرج من بيته مهاجرا إليه. # وفي ذلك ما يقول الله سبحانه (2) في تنزيله ، وما بين به (3) في الهجرة ~~من تفصيله : ( @QUR@018 والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم ) (74) [الأنفال : ~~74] ، ويقول سبحانه : ( @QUR@031 ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض ~~مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ~~فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) (100) [النساء : 100]. فما ~~استحقوا على الله سبحانه جزاه ، وإن آمنوا وجاهدوا حتى هاجروا في الله من ~~عاداه ، وزالوا من دار أهل مشاقته وعصيانه ، وخرج كل مهاجر (4) منهم عنهم ~~هاربا إلى الله من أوطانه. # فكيف يرجو النجاة عند الله ، والفوز برضوان الله؟! من لم يهاجر إلى الله ~~كما هاجروا ، أو يؤو وينصر كما آووا ونصروا ، لا كيف إن (5) فهم عن الله أو ~~عقل!! أو علم ما أوحى (6) الله في ذلك ونزل!! # أما سمع (7) قول رب العالمين ، إذ يقول سبحانه للمؤمنين : ( @QUR@015 فما ~~لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله PageV02P266 # @QUR@07 ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) @QUR@028 ودوا لو تكفرون ~~كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ~~فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ms19 منهم وليا ولا نصيرا ) ~~(89) [النساء : 88 89] ، ومن المنافقين ، يومئذ لبعض (1) المؤمنين ، أب ~~وقريب ، وجار وحبيب ، وعون وظهير ، وولي ونصير ، يوالي بعض المؤمنين في ~~حربه ويناصره ، ويعاونه على عدوه ويظاهره. # فلما نزلت على المؤمنين يومئذ البراءة منهم ، ونهوا عن المقاعدة لهم ، ~~وقطع الله الولاية بينهم وبينهم ، وأمروا (2) بالاعراض عنهم ، افترقوا ~~بالرأي فيما حكم به عليهم في المنافقين فرقتين ، وصاروا كما قال الله تبارك ~~وتعالى فيهم طائفتين ، فطائفة تأسى على ما فاتها من نصرهم ، وما كان يدخل ~~عليها من المرافق (3) بهم ، في المداينة والاسلاف ، والمجاورة والائتلاف. ~~وطائفة عرية (4) عنهم ، قد قطعت الآمال منهم ، والتي أسيت من المؤمنين ~~عليهم تمنى لهم الهدى ، والطائفة الأخرى فإنما تراهم حربا وأعدا ، وكل ~~المؤمنين وإن اختلفوا فيهم ، فقد قاموا (5) بحكم الله في العداوة لهم عليهم ~~، لا يعدلون بأمر الله لهم فيهم أمرا ، ولا يتخذون منهم كما قال الله عز وجل ~~وليا ولا نصيرا ، فنهاهم الله سبحانه عنهم ، وجعل من تولاهم منهم ، ومنافقا ~~مثلهم ، بولايته لهم ، ثم أمر سبحانه بقتل الفريقين ، إذ كانا جميعا ~~منافقين ، ومنع سبحانه من آمن به وبكتابه ، وكان قابلا لحكمه وآدابه ، أن ~~(6) لا يتخذوا من الفريقين وليا ولا نصيرا ، أو يستظهروا منهم عونا أو ~~ظهيرا ، تعزيزا منه سبحانه للمؤمنين بأمره ، واكتفاء لهم من غيره بنصره. # وفي ذلك ما يقول الله سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وعلى أهله ، (7) ( ~~@QUR@02 يا أيها PageV02P267 # @QUR@07 النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) (64) [الأنفال : 64] ، ~~فجعل له (1) سبحانه فيمن اتبعه ، وكان في طاعته معه ، كفاية وعزا ، ومنعة ~~وحرزا ، والحمد لله الذي لا يذل أولياءه ، ولا يعز أبدا أعداءه. # وفي الهجرة وذكرها (2)، وما عظم الله من قدرها ، ما يقول سبحانه : ( ~~@QUR@016 إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمت الله والله غفور رحيم ) (218) [البقرة : 218] ، فكأنه لا يرجو رحمة ~~الله ، إلا من هاجر لله وفي الله. # ومن الهجرة وفيها ، ومن الدلائل (3) عليها ، قول الله سبحانه : ( ~~@QUR@011 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين ) [الأحزاب : 6]. فلم يوجب بينهم بالأرحام ms20 ولاء وإن كانوا إخوة ~~وقرباء ، بل وإن كانوا أمهات وآباء ، إلا أن يهاجروا دار من كان لله عدوا ، ~~ولا يتبوءوا معه في محل متبوأ. # ومن ذلك وفيه ، ومن الدلائل عليه ، قول الله سبحانه لرسوله ، صلى الله ~~عليه وعلى آله (4): ( @QUR@028 يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك ~~وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك ) [الأحزاب : 50] ، فلم يحل له ~~من بنات عمه وعماته ، وبنات خاله (5) وخالاته ، إلا من هاجر معه ما (6) ~~هاجر ، وزال عن دار من كفر. # مع التي ليس فيها إحالة ، (7) ولا بعدها لمؤمن ضلالة ، من العلم بهلكة من ~~لم يهاجر دار من أمره الله بمهاجرته ، وأقام مجاورا لمن منعه الله من ~~مجاورته ، ممن اعتذر عند PageV02P268 # حضور وفاته (1) إلى الملائكة ، بالضعف في الأرض التي كانوا فيها وما خشوا ~~من أهلها على أنفسهم من الهلكة ، ففي ذلك أكفى الكفاية ، لمن له في نفسه ~~أدنى عناية ، قال الله سبحانه : ( @QUR@027 إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) (97) [النساء : 97] ~~، فاعتذروا في الجوار لمن ظلم عند (2) مساءلة الملائكة لهم عن أمرهم ، بما ~~لم يقبله الله جل ثناؤه ولا الملائكة صلوات (3) الله عليهم من عذرهم ، وردت ~~عليهم الملائكة في ذلك ردا محكما فصلا ، جعله الله لرضاه (4) به وحيا منزلا ~~، فقالت الملائكة عليهم (5) السلام : ( @QUR@07 ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها ) [النساء : 97] ، وقال الله لا شريك له لهم : ( @QUR@05 ~~فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) [النساء : 97] ، فلم يجعل الله سبحانه ~~لهم في جوار أعدائه عذرا ولا تعذيرا ، وجعل جهنم لهم مصيرا ودارا ، ولم ~~يزدهم عذرهم عنده إلا تبارا ، فأي كفاية أو شفاية أشفى ، لمن أراد شفاء (6) ~~من هذا لمن يسمع ويبصر ويرى (7)، فنحمد الله على ما بين في الهجرة من الحق ~~والهدى ، فأمر به وفرضه من مهاجرة من ظلم وتعدى. # مع ما في سورة الامتحان ، في ms21 الهجرة من التأكيد والبيان ، فقال الله لا ~~شريك له : ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة ) [الممتحنة : 1] ، فإنما كان إلقاء بغير التقاء ولا ~~مقاعدة ، بكتاب كتبه ، فيما قالوا : حاطب ابن أبي بلتعة ، فقال عمر : ~~اتركني يا رسول الله أقتله فقد كفر بمكاتبته ، PageV02P269 # فمنع رسول الله عمر مما أراد بحاطب من القتل لرجعته وتوبته (1)، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه في ذلك (2) بحكم الكتاب ، أعلم من عمر بن الخطاب. # ثم أكد في السورة على المؤمنين أشد تأكيد ، (3) وردد نهيه عن موالاة من ~~كفر ترديدا بعد ترديد ، وأخبرهم أن الأرحام وإن كانت بينهم ، فإنها غير ~~نافعة في يوم القيامة لهم ، وكل (4) محل ودار ، كان أهلها كفارا أو غير ~~كفار ، إذا (5) كانوا أعداء لله وكان الحكم في الدار حكمهم ، وكانت دارا ~~ظاهرا فيها ظلمهم ، فهجرتها مفترضة واجبة ، وحلولها هلكة معطبة ، وبذلك (6) ~~وله ، ولما ذكرنا منه ، هلكت القرون والأمم ، # قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله أنا والزبير والمقداد ، فقال : ~~انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ، ~~فائتوني به ، فخرجنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، فقلنا : أخرجي ~~الكتاب ، قالت : ما معي كتاب ، قلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب ، ~~فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به النبي صلى الله عليه وآله ، فإذا فيه من حاطب ~~بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي ~~صلى الله عليه وآله . فقال النبي صلى الله عليه وآله : ما هذا يا حاطب؟ قال : لا ~~تعجل علي يا رسول الله ، إني كنت امرأ ملصقا من قريش ، ولم أكن من أنفسها ، ~~وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة ، ~~فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يدا يحمون بها قرابتي ، ~~وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني. فقال النبي صلى الله عليه وآله : صدق. ~~فقال عمر : دعني يا رسول الله فأضرب عنقه ، فقال : إنه شهد بدرا وما يدريك ~~لعل الله ms22 اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ونزلت فيه ~~: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~). الدر المنثور 8 / 125. وفي آخر الحديث ما فيه فما أهل بدر وغيرهم في ~~العدل الإلهي إلا سواء ، والعبرة بخاتمة الأعمال وليست بدر حصانة يعمل معها ~~صاحبها ما شاء ، وهي لا شك عمل عظيم يوجب الجنة ، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وآله لكن لمن حافظ عليها ولم يحبطها. PageV02P270 # ودمرت القرى والمدن ، إذ لم يكن فيها إلا ظالم معتد ، (1) ومجاور لمن ظلم ~~غير مهتد ، فلم يستحق الهلكة والتدمير من الفريقين إلا مذنب مجرم ، يستوجب ~~أن ينزل به من الله جل ثناؤه التدمير والنقم. ### | [هلاك جبابرة الأمم] # فاسمعوا لخبر الله عمن دمر بالظلم من القرون والقرى. فإن به عبرة وموعظة ~~شافية لمن يبصر ويسمع ويرى ، قال الله سبحانه : ( @QUR@014 وإذا أردنا أن ~~نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) ~~@QUR@013 وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا ) (17) [الإسراء : 16 17] ، فخص الله مترفيها بالذكر في الفسق ، وإن ~~كان كل أهلها فساقا في حكم الحق ؛ لأن (2) أهلها إنما هم مترف أو جبار ، أو ~~مساكن لهم وجار ، فكلهم فاسق عن أمر ربه ، وكل فإنما أخذ بذنبه. # وفي تذكير الله بإهلاكه للقرى (3)، ما يقول الله سبحانه مذكرا : ( ~~@QUR@027 وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما ~~كانوا يفسقون (163) @QUR@019 وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم ~~أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) @QUR@018 ~~فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ) (165) [الأعراف : 163 165] (4)، فكان أهل ~~القرية ثلاث فرق ، نسبها الله إلى العتا والفسق ، وفرقة من الفرق الثلاث معذرة PageV02P271 # مقصرة ، وفرقة منهن واعظة ناهية مذكرة ، (1) تنهى من عتا ، عن الفسق ~~والعتا ، وتذكر بما يجب ms23 لله (2) من الطاعة والرضى ، فلم يذكر الله تبارك ~~(3) وتعالى في خبره عنهم ، أنه جل جلاله ، عن أن يحويه قول أو يناله ، ~~إنجاء منهم ، إلا من أمر ونهى ، وكان واعظا منبها ، وداعيا لهم إلى الله ~~مسمعا ، ومقبحا لعتاهم مشنعا ، لم يذكر سبحانه عمن خلصه وأنجاه ، أنه أقام ~~مع من وعظه ونهاه ، في محل الفسق والعتا ، ولا أسبت (4) معهم في قريتهم ~~سبتا (5)، ولا استحل فيها لهم جوارا ، ولا قر (6) معهم فيها بعد العتا قرارا. # وكيف يقيمون معهم في القرية ، مع ما أظهروا لله فيها من المعصية ، يرونها ~~فيها عيانا ، ويوقنون بها إيقانا ، لله كان أجل في صدورهم جلالا ، وأكبر في ~~نفوسهم أمرا وشأنا ، من أن يجاوروا مشاقيه ومعاصيه ، أو يقيموا جيرانا لمن ~~يشاقه ويعصيه ، وهم لو جاورهم (7) جار في أنفسهم بما يسخطون ، أو بكثير من ~~الأذى والمكروه هم له ساخطون ، لا يقدرون له على دفاع ، ولا منه إلى امتناع ~~(8) لما أقاموا ساعة واحدة معه ، ولا سيما إذا كان لا يقدر أحد منهم على أن ~~يدفعه ، فكيف بمساخط الله التي هي في صدورهم (9) أعظم ، ولقلوبهم أحرق وآلم ~~، ما يحل توهم ذلك عليهم ، ولا نسبة (10) شيء منها إليهم ، والحمد لله رب ~~العالمين ، ونعوذ بالله من مجاورة الظالمين. # وفيما ذكرنا من هلكة القرى ، ما يقول (11) الله تبارك وتعالى : ( @QUR@03 ~~فكأين من قرية PageV02P272 # @QUR@011 أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ~~) (45) [الحج : 45] ، فذكر سبحانه إهلاكه لكل من كان في القرية من ضعيف أو ~~شديد ، إذ لم يكن في القرية إلا جبار أو جار ، وكل فقد حقت عليه من الله ~~الهلكة والدمار ؛ لأنهم كلهم لله عصاة ، وعن أمره جل ثناؤه عتاة ، جبارها ~~بتجبره واستكباره ، وجارها بمحالته للظالمين وجواره ، فكل أهلكه الله بكسبه ~~، وأخذه الله بجرمه وذنبه ، كما قال سبحانه : ( @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه ~~فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ~~ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (40) ~~[العنكبوت : 40] ، وقال سبحانه : ( @QUR@018 ولو أن أهل القرى آمنوا ms24 واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ~~(96) @QUR@09 أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) ~~@QUR@09 أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) @QUR@010 ~~أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) (99) [الأعراف : ~~96 99]. # فينبغي لمن كان في قرية من القرى ، غير معمول فيها بما يحب الله ويرضى ، ~~الغالب على أهلها فيها الظلم والعتا ، أن لا يأمن مكر الله وأخذه لأهلها ~~ضحى أو بياتا ، ولا يغفل عما يتوقع من أمر الله فيها ، من حلول نقمه بها ~~وعليها ، وإن أمليت فأطيل لها الإملاء ، فإن بالغفلة يهلك (1) فيها ~~الغفلاء. # وربما أملى الله لقرية (2) فأطال ، وهو يرى فيها الظلم والضلال ، كما قال ~~سبحانه : ( @QUR@011 وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي ~~المصير ) (48) [الحج : 48]. ففي هذا وأقل منه موعظة لمن يعقل ويبصر ، ( ~~@QUR@04 وما يستوي الأعمى والبصير (19) @QUR@04 ولا الظلمات ولا النور (20) ~~@QUR@04 ولا الظل ولا الحرور ) (21) [فاطر : 19 21] ، كما قال العزيز ~~الغفور ، ولعل من عمي قلبه ، وضل فلم يرشد لبه ، كما قال الله سبحانه : ( ~~@QUR@010 فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور PageV02P273 # (46)) [الحج : 46] ، أن لا يبصر ما فصل الله في هذا الباب من الأمور. # فنقول : إنما نزلت نقم الله وعذابه ، وحل تدميره وعقابه ، على من أشرك به ~~، ولم يقر بربه ، فأما نحن فمقرون ، وأولئك كانوا يكفرون ، ففي قول من قال ~~ذلك لمن يعقل عجب العجب ، لما فيه على الله من الافتراء والكذب ، أو لا يرى ~~(1) من زعم ذلك وقاله ، وزين له فيه مقاله ، أن الله سبحانه عذب قرية أهل ~~الاعتداء في سبتهم ، على ما ركبوا فيه وما مسخهم الله به (2) من معصيتهم ، ~~التي لم يخلطها منهم لله ولا لشيء من دينهم إنكار ، ولم يأت لشركهم (3) في ~~مسخ الله لهم بمعصيتهم من الله ذكر ولا إخبار ، بل إنما عظم الله سبحانه ~~(4) عصيانهم ، وذكر في سبتهم عدوانهم ، لإقرارهم فيه على أنفسهم بالتحريم ، ~~ولما كانوا عليه للسبت من التعظيم ، وبتعظيم الله له وتعظيم رسله عندهم في ms25 ~~دينهم عظموه ، وبما حرمت عليهم رسل الله حرموه. # ولو كان لا يهلك ، إلا منكر أو مشرك ، (5) كان ما ذكر الله من إهلاكه ~~للقرى بالعدى والظلم ، (6) تلبيسا شديدا وحيرة (7) في الفهم والعلم ، لا ~~يخاف الهلكة معه ظالم ولا مفسد ، ولا طاغ مقر ولا متمرد ، بل كان كل من فسق ~~وظلم ، وطغى وتعدى وغشم ، آمنا للغير والنقم ، في كل فسق وجرم. # وإنما الشرك ضرب من ضروب الفسق والظلم ، خصه الله بخاصة من الكبر والعظم ~~، كما قال لقمان عليه السلام : ( @QUR@09 يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم ) (13) [لقمان : 13] ، فخصه لقمان بما خصه الله (8) به من ~~التعظيم ، وكل كبيرة PageV02P274 # سوى الشرك من المعاصي فقد خص الله أهلها فيها بالتظليم ، والكبائر وإن ~~اختلفت بأهلها (1) فيها الشئون ، فبالظلم وإن اختلفت (2) هلكت القرى ~~والقرون ، ولذلك وبه ، وما (3) ذكرنا من قدره ، ما يقول الله سبحانه : ( ~~@QUR@08 وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا ) (59) [الكهف : 59]. # وإن فيما ذكر الله لا شريك له في سورة الطلاق ، وما عظم فيها من خلاف ~~أمره حتى في الفراق ، والاشهاد عليه إذ كان بشاهدي عدل ، وما حكم به على ~~المؤمنين في السورة كلها من حكمه (4) الفصل ، وما خوفهم فيها به (5) من ترك ~~أمره وعهده ونهاهم فيها عنه من التقصير ، وذكرهم به في عتو القرى عن أمره ~~من التذكير لدليلا مبينا ، وعلما يقينا ، بأنه يهلك القرى ، إذا أراد وشاء ~~، بالعتو والفسوق والعدوان ، وبكبائر (6) الظلم والعصيان ، إلا أن يدفع (7) ~~ذلك عنهم في الدنيا برحمته ، ويؤخرهم بالعقاب فيه إلى يوم حشره وبعثته (8). # فاسمعوا لقول رب العالمين ، في ذلك للمؤمنين ، بعد الذي أمرهم به ، في ~~السورة من أمره : ( @QUR@014 وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) @QUR@07 فذاقت وبال أمرها ~~وكان عاقبة أمرها خسرا (9) @QUR@017 أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله ~~يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) @QUR@034 رسولا ~~يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ms26 يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا PageV02P275 # (11)) [الطلاق : 8 11] ، فلما كان جميع من في القرية ، لا يخلو من عامة ~~أو خاصة متعدية ، وكان أمر الله وأمر رسوله للعامة ، في الخاصة المتعدية ~~الظالمة ، أن (1) يجاهدوهم إن قووا وانتصفوا ، ويهاجروهم وينتقلوا عنهم إن ~~ضعفوا ، فلم يفعلوا ما أمروا بفعله ، كانت القرية كلها عاتية عن أمر الله ~~وأمر رسله ، فحل عذاب الله بذلك فيهم ، ونزلت نقمات الله فيهم وعليهم ، ~~وكان كلهم ظالما عاتيا فاستحقوا جميعا الهلاك (2) بظلمهم وعتائهم ، ~~وعصيانهم واعتدائهم ، ولو كان الأمر في ذلك كما قال من لم يهد فيه لرشده ، ~~ولم يسدد في القول للهدى وقصده ، لكان في ذلك من التجربة ، لكل نفس متعدية ~~، ما تقل معه لله منهم الطاعة ، ويعظم فيه عليهم الفساد والإضاعة ، ولكن لم ~~يأمر الله سبحانه في السورة كلها وينه ، ولم يكن بما (3) فيها من التذكير ~~والتحذير واعظا منبها ، إلا لمن آمن من المؤمنين به ، ولم يجحد بشيء من ~~رسله ولا كتبه. # فافهموا هديتم قوله سبحانه : ( @QUR@012 آيات الله مبينات ليخرج الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور )، فإنكم إن تفهموا ذلك يبن ~~(4) لكم إن شاء الله ما التبس عليكم في كل ما ذكرنا من الأمور ، وخرجتم ~~ببيان الله فيه من ظلمات الهوى ، إلى نور الحق والبر والتقوى. # وفي قرى الفسق والعتا والظلم ، وما أحل الله بها من الحطم القصم ، ما ~~يقول سبحانه: ( @QUR@010 وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما ~~آخرين (11) @QUR@07 فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) @QUR@010 لا ~~تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون ) (13) [الأنبياء ~~: 11 13] ، فمن تأويل ( @QUR@02 لعلكم تسئلون )، لعلكم (5) تعرفون ، ~~وتقرون أيها المترفون ، PageV02P276 # المساكنون بما كنتم في مساكنكم من الظلم تعملون ، فلما عرف كبراء (1) ~~القرية وضعفاؤها بظلمهم فيها أجمعين ، قالوا : عند الاعتراف والاقرار آسفين ~~متحسرين : ( @QUR@05 يا ويلنا إنا كنا ظالمين ) (14) [الأنبياء : 14] ، قال ~~الله لا شريك له : ( @QUR@08 فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين ~~) (15) [الأنبياء : 15]. # فكم وكم من نقمة ، وقرية منقصمة ، الظلم ms27 من أهلها والعدوان قصمها ، ~~والفسق من ساكنها (2) والعصيان حطمها ، قد نبأكم الرحمن نبأها ، وخبركم في ~~كتابه مهواها ، وما به كانت هلكتها من الظلم ورداها ، لتهاجروا (3) فساقها ~~وفسقها ، ولتجانبوا (4) أخلاقها وطرقها ، ولتحذروا (5) مثل الذي وقع ~~بساكنيها ومجاوريها ، إذ لم ينكروا الظلم من مترفيها وجباريها (6)، فأصبحت ~~الجبابرة مقصومة ، ومدائنها بالهلكة محطومة ، وجيرتها معها مدمرة ، إذ لم ~~تكن لظلمهم مباينة منكرة ، وفي مثل (7) ذلك ما يقول الله سبحانه : ( ~~@QUR@017 وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم ~~إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ) (58) [القصص : 58]. ### | [هجرة الأنبياء والرسل] # ومن ذلك ، ولذلك ، ما يقول الله سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وعلى آله ~~: ( @QUR@06 قل رب إما تريني ما يوعدون (93) @QUR@06 رب فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين ) (94) [المؤمنون : 93 94]. لأن من كان مقيما فيهم ، وصل ~~إليه ما وصل إليهم ؛ لأنه لا يجاور PageV02P277 # أهل الظلم ويقيم فيهم إلا الظالمون الفاجرون ، ولذلك يقول سبحانه : ( ~~@QUR@012 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ~~) (33) [الأنفال : 33] ، يقول سبحانه : يعذبهم وهم يتوبون ويتورعون (1)؛ ~~لأن الاستغفار ، هو التوبة من أهل الكفر والإقصار ، فلم يقم أحد من ~~المرسلين ، بدار من دور الظالمين ، إلا مباينا داعيا ، ومنتظرا فيها (2) ~~لأمر الله مراعيا. # ومن قبل ما حكم الله به من الهجرة على رسوله وعلى المؤمنين ، فقد حكم به ~~على من مضى قبلهم من المرسلين ، ومن تبعهم فكان (3) معهم من عباده الصالحين ~~، فقال في نوح صلى الله عليه ، وما صيره سبحانه من الهجرة إليه : ( ~~@QUR@011 واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (37) @QUR@019 ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال ~~إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ) (38) [هود : 37 38] ، ثم أمره ~~(4) سبحانه أن يحمده على إنجائه له (5) منهم ، وما حكم به عليه من البعد ~~عنهم ، وكانت هجرته لهم قبل غرقهم على ظهر الماء ، وفي الفلك بين الأرض ~~والسماء ، وقال صلى الله عليه : ( @QUR@05 قال رب إن قومي كذبون (117) ~~@QUR@09 فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين ) (118) ~~[الشعراء ms28 : 117 118] ، فقال سبحانه : ( @QUR@06 فأنجيناه ومن معه في الفلك ~~المشحون (119) @QUR@04 ثم أغرقنا بعد الباقين ) (120) [الشعراء: 119 120] ، ~~فأنجاه تبارك وتعالى منهم ، وغرقهم (6) بعد هجرته عليه السلام عنهم ، فهاجر ~~صلى الله عليه أهل الكفر والفسق ، قبل ما أحله الله بهم من الهلكة والغرق ، ~~تأدية لفرض الله عليه في الهجرة لهم ، وقد كان قادرا على أن ينجيه وإن أقام ~~معهم ، ويغرقهم بجرمهم ، وبما ركبوا من PageV02P278 # كفرهم وظلمهم. # وقال إبراهيم صلى الله عليه : ( @QUR@05 إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) (99) ~~[الصافات : 99] ، وقال عليه السلام لأبيه ، إذ أجمع من الهجرة على ما أجمع ~~عليه ، عند الرحيل والزوال ، وعند ما جاءه (1) له من السلام : ( @QUR@010 ~~قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) @QUR@014 وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) (48) [مريم : ~~47 48] ، فلما اعتزلهم وما يعبدون صلى الله عليه وأصنامهم ، وفارق (2) ~~مهاجرا إلى الله دارهم ومقامهم ، وهبه الله من إسحاق ويعقوب ما وهب ، وهداه ~~الله في مذهبه (3) إذ ذهب ، وقال سبحانه : ( @QUR@014 فلما اعتزلهم وما ~~يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) @QUR@09 ~~ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا ) (50) [مريم : 49 50] ، ~~فهاجر إبراهيم عليه السلام لله قومه وبلده ، وفارق في (4) الله وطنه ومولده ~~، وهجر صلى الله عليه أباه فيمن هجر ، وهو صلى الله عليه كان أبر من بر ، ~~فهجر أباه في الله (5) طاعة لله ، وتبرأ منه إلى الله ، إذ تبين له أنه عدو ~~لله ، فقال سبحانه فيه ، صلى الله عليه : ( @QUR@022 وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ~~إن إبراهيم لأواه حليم ) (114) [التوبة : 114] ، والأواه فهو الرحيم : ~~والحليم فهو : الحكيم. # وهاجر لوط صلى الله عليه إذ هاجر معه ، ولم يسعه من الهجرة إلا ما وسعه ، ~~كما قال لا شريك له : ( @QUR@012 فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه ~~هو العزيز الحكيم ) (26) [العنكبوت : 26] ، وهاجر (6) لوط صلى الله عليه ~~بأهله ثانية ، إذ (1) كانت PageV02P279 # القرية التي كان فيها قرية ms29 طاغية ، إذ جاءته ملائكة الله ، فقالوا له عن ~~أمر الله : ( @QUR@014 فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت ~~منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون ) (65) [الحجر : 65]. تأويل لا يلتفت منكم أحد ~~: لا يعرج أحد منكم تلبيثا ، وسيروا كلكم جميعا سيرا حثيثا ، وليس تأويل لا ~~يلتفت ، ما يظن العمي (2) الميت ، من الالتفات في النظر ، إلى ما (3) وراء ~~الظهر أو إلى (4) ما عن الميامن والمياسر ، ولكنه استحثاث واستعجال ، كما ~~يقول المستحث المعجال ، إذا أنذر أحدا أو أرسله ، فاستحثه واستعجله : لا ~~تلتفت إلى شيء ولا تعرج له. # ثم قال من بعد قصة إبراهيم وأبيه رب العالمين ، لرسوله ومن معه من ~~المؤمنين : ( @QUR@020 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) (113) [التوبة : ~~113]. فبين سبحانه أن من والى من عاداه ، فقد ضل عن حقه وهداه ، فمن جاور ~~من ظلم وتعدى ، وهو يجد من جواره بدا ، فقد قاربه بالمجاورة وداناه ، ومن ~~دانى أحدا كما قلنا فقد وليه وتولاه ، والمقاربة كما قلنا فهي ولاية وإن لم ~~تكن مؤاخاة ، ولذلك ما (5) طهر الله أولياءه من أن يجاوروا في دار ومحل ~~أعداه ، فأمر تبارك وتعالى لوطا ، إذ كان (6) من هاجر عنه ظالما مفرطا ، ~~بالخروج عنهم والهجرة لهم ، كما هاجر عن من كان قبلهم. # وقال رب العالمين ، لمن بعد إبراهيم من الرسل والمؤمنين : ( @QUR@028 قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا PageV02P280 # @QUR@04 حتى تؤمنوا بالله وحده ) [الممتحنة : 4] ، وما آمن بالله ولا ~~راقب وعيده ولا وعده ، من والى أعداءه ، وكان متبوؤهم متبوأه ، ولا أناب ~~إلى الله ولا أسلم له ، ولا قبل أمره وقوله : ( @QUR@013 وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) @QUR@016 واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ~~) (55) [الزمر : 54 55] ، إذ من الاسلام والإنابة إليه ، المهاجرة لعدوه ~~فيه ms30 ، كما لا يكون من (1) أتاكم ولا ورد عليكم ، من مشى بعض الطريق إليكم ، ~~فكذلك لا يكون عند الله منيبا مسلما ، من لم يكن للإنابة والاسلام مكملا ~~مستتما (2). # ألا تسمعون لقول إبراهيم صلى الله عليه والذين آمنوا معه ، وكل من آمن به ~~من المؤمنين واتبعه (3): ( @QUR@03 إنا برآؤا منكم )، فقدموا ذكر التبري ~~منهم ، وذكر انقطاع (4) الولاية والمجاورة بينهم ، قبل ذكرهم لأوثانهم ~~ومعبودهم ، وما كفروا لله به فيها من شركهم وجحودهم ، فكما يجب الاعتزال ~~للضلال ، فكذلك (5) يجب الاعتزال للضلال ، وكما تجب الهجرة للكفرة والفجار ~~، فكذلك (6) تحب الهجرة للفجور والكفار ، فرحم الله عبدا اعتزل الضالين ~~وضلالهم ، وهجر لله وفي الله الظالمين وأعمالهم ، فإنه أمر سبحانه (7) ~~باعتزالهم ، كما أمر باعتزال أفعالهم ، ولم يعتزلهم مهاجرا ولا مجانبا ، من ~~كان لهم في دار ظلمهم قرينا أو مصاحبا. # فليحذر امرؤ جاور من ظلم وحاله ، وإن لم يفعل في الظلم أفعاله أخذ الله ~~له وعقابه ، وليذكر حكم الله عليه وكتابه ، فقد سمع ما أنزل الله من ذلك ~~وفيه ، وما حكم PageV02P281 # به من هجرة الظالمين عليه ، ففي أقل من (1) ذلك كفاية وغنى ، ونور لمن ~~هداه الله وضياء ، فقد جاءت من الله في ذلك كله البينة المضية ، ووصلت إليه ~~فيه سنن رسله وأوليائه المقبولة عند الله المرضية ، التي جعلها الله سبحانه ~~(2) من بعدهم صلى الله عليهم تذكرة كافية ، وحجة على كل من آمن بالله ~~وموعظة بليغة شافية. ### | [هجرة المؤمنين السابقين] # وليسمع قول أصحاب الكهف إذ يقولون وهم هاربون ، من قومهم في الله فارون : ~~( @QUR@019 وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) (16) [الكهف : 16] ، فذكر ~~اعتزالهم لأشخاصهم وأبدانهم ، قبل ذكرهم لاعتزال أصنامهم وأوثانهم ، وكانوا ~~معتزلين لهم هاربين منهم إلى كهف (3) الجبل ، مفارقين لله وفي الله الآباء ~~والأهل ، مهاجرين بذلك في الله ، من كان عدوا لله. # وأمر (4) الله سبحانه لبني إسرائيل بالخروج من قرى فرعون ، ففيه بينه ~~ظاهرة جلية في الهجرة لقوم يعقلون ، قال الله لا شريك له لموسى وهارون ~~صلوات الله عليهما ms31 ورضوانه : ( @QUR@07 فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب ~~العالمين (16) @QUR@05 أن أرسل معنا بني إسرائيل ) (17) [الشعراء : 16 17] ~~، وقال سبحانه : ( @QUR@08 وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون ) ~~(52) [الشعراء : 52] ، فأمرهم سبحانه بهجرة عدوه وأخبرهم بأنهم (5) سيتبعون ~~، لتشتد عليهم فيما أمرهم به من ذلك المحنة ، ولتعظم لهم ومنهم به في ~~طاعتهم لله (6) الحسنة ، فلم يمنعهم خوفهم لفرعون وجنوده ، من المضي لما ~~عهد الله إليهم PageV02P282 # في الهجرة من عهوده ، مع ما دخل من الخوف في اتباعه عليهم ، وقال سبحانه ~~بعد فيهم ؛ إذ هاجروا مع هائل الخوف في الله من كان لله عدوا : ( @QUR@04 ~~فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا ) [يونس : 90]. # وقال سبحانه : ( @QUR@08 فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ~~) (61) [الشعراء : 61] ، يعني سبحانه : جماعة بني إسرائيل وجماعة القوم ~~الظالمين ، فلم يمنعهم هول الرؤية والمعاينة ، وما طلبوا عند ذلك (1) من ~~الهلكة والمنازلة ، عن النفاذ على ما أمروا به من المهاجرة ، منطلقين ~~بكليتهم ، ونسائهم وصبيتهم ، (2) لا يلتفتون إلى شيء قد خرجوا ليلا سارين ~~(3)، لظفر فرعون وجنوده خائفين محاذرين. فهذه (4) هديتم عزائم الموقنين ، ~~بالمرجع إلى رب العالمين ، فأما (5) من ضجعه تربصه وارتقابه ، وصرعه شكه ~~وارتيابه ، فما أبعده في الهجرة عن (6) عزمهم!! وما صاروا به إليها من ~~علمهم (7). # وقال موسى صلى الله عليه ، إذ عصته بنوا إسرائيل فيما عهد الله إليهم ~~وإليه ، من دخول الأرض المقدسة ، وما اعتلوا به عليه من خوفهم لمن فيها من ~~الجبابرة المتفرعنة : ( @QUR@012 رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين ) (25) [المائدة : 25] ، سأل الله صلى الله عليه أن ~~يفرق بينه وبينهم ، إذ أجمعوا جميعا كلهم على ما يسخط الله منهم ، إكبارا ~~منه صلى الله عليه للمقام مع معصية الله فيهم ، فكيف (8) يجاور العاصون في ~~أكثر الأحوال أو يصار إليهم؟! # وفي ذلك ومثله ، و[ما] رضي الله به من أهله ، ما يقول الله (9) سبحانه : ~~( @QUR@01 وما PageV02P283 # @QUR@030 لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا ~~من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) (75) [النساء ms32 : 75] ، فكفى بهذا ~~كله وما تلونا منه في وجوب الهجرة بيانا وتنويرا. # وما كان من موسى صلى الله عليه ، عند رجعته إلى قومه (1) في أخيه ، إذ ~~أقام مع العاصين في مكانهم ، وهم مصرون لله على عصيانهم ، ففيه عبرة لمعتبر ~~، وبيان وموعظة لمدكر ، قال الله سبحانه ، لا شريك له : ( @QUR@039 ولما ~~رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم ~~وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ) (150) ~~[الأعراف : 150] ، فأخذ صلى الله عليه برأس أخيه يجره إليه غضبا وأسفا ، ~~وتغيظا وتلهفا ، وإعظاما وإكبارا ، وتقبيحا وإنكارا ، لمقامه معهم وبين ~~أظهرهم ، مع ما صاروا إليه من معصية الله في أمرهم ، وهارون صلى الله عليه ~~مباين لهم فيما هم فيه من عصيانهم وضلالهم ، وما ارتكبوا فيما بينهم وبين ~~الله من سيئ أفعالهم ، يأمرهم دائما بالهدى ، وينهاهم عما هم عليه من ~~الضلالة والردى ، يناديهم في إنكاره ، وتقبيحه وإكباره ، بصوت منه صيت رفيع ~~، يسمعه منهم كل سميع. # فتمسك صلى الله عليه في نفسه ، ومن أطاعه من آله وغيرهم من قومه بعصم ~~الحق والرشد والهدى ، بريء مما هم فيه من الضلالة والردى ، يقول صلى الله ~~عليه (2): ( @QUR@011 يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني ~~وأطيعوا أمري ) (90) [طه : 90] ، فما منعه ذلك كله من سخط موسى عليه ، ولا ~~من وثوبه صلى الله عليه إليه ، (3) يجره بلحيته ورأسه ، وهارون في كرب ~~أنفاسه ، يعتذر في غمة كربه ، PageV02P284 # وفيما نزل منه به ، لما يراه هارون صلى الله عليه له (1) عذرا ، وعدوه من ~~عصاة بني إسرائيل يرى من فعل موسى به ما يرى ، وهارون يعتذر إليه ، صلى ~~الله عليه (2)، فما قبل موسى ذلك منه ، ولكنه نبهه لما (3) غفل عنه ، فقال ~~صلى الله عليهما : ( @QUR@07 يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ) (92) [طه : ~~92] ، قوله (4): ( @QUR@02 أفعصيت أمري ) [طه : 93] ، يدل على أن قد كان ~~أمره ، أن لا يقيم صلى الله عليهما مع من شاق الله وكفره ، وقوله ms33 : ما منعك ~~ألا تتبعني إذ عصوا ما منعك أن لا تتركهم وتلحقني ، ( @QUR@020 قال يا بن ~~أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ~~ترقب قولي ) (94) [طه: 94]. # فهل رأيتم هديتم من قول أشبه بأن يكون عذرا من قول هارون واعتذاره ، مع ~~ما كان من أمره (5) ونهيه وإنكاره ، فلما علم موسى صلى الله عليه ذلك كله ، ~~وأن (6) هارون صلى الله عليهما أتاه وفعله ، وأن جميع ما فعل من ذلك وإن ~~كان إحسانا ، وكان الله تبارك وتعالى رضوانا ، غير مقبول عند الله منه ، ~~وإن مقامه مع الظالمين ذنب يحتاج إلى الله في العفو عنه ، قال موسى بعد ~~اعتذار هارون صلى الله عليهما إليه ، واستعطافه بذكر أمه له عليه ، إذ يقول ~~: ( @QUR@016 ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي ~~الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ) (150) [الأعراف : 150] (7)، فلم ~~يستغفر موسى لهارون ذنبه ، ولم يسأل العفو عنه ربه ، حتى علم (8) هارون أنه ~~قد كان أخطأ في مقامه مع الظالمين ، يرى ويعاين عصيانهم لرب PageV02P285 # العالمين ، فعند ما اعترف هارون بزلته (1) في مقامه معهم ، وتركه لاتباع ~~موسى عند ما رأى منهم ، قال موسى صلى الله عليه : ( @QUR@010 رب اغفر لي ~~ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) (151) [الأعراف : 151] ، وقول ~~(2) موسى لهارون صلى الله عليهما : ( @QUR@02 أفعصيت أمري ) [طه : 93] ، ~~بين أن قد كان أمره وقال له إن رأيت من القوم عمى ، أو ضلالا أو ظلما ، فلم ~~يقبلوا قولك فيه ، وأقاموا مصرين عليه ، فالحقني ، وآتني (3) واتبعني ، ~~فهذا وجه قوله ( @QUR@02 أفعصيت أمري )، يقول فأقمت مع من كفر وظلم ، ~~وجاورت مقيما مع من أجرم. # وفي موسى نفسه صلى الله عليه ومن كان معه وتبعه لميقات الله له (4) من ~~خيار بني إسرائيل ، ما يقول الله تبارك وتعالى فيما نزل على محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله من كتابه الحكيم : ( @QUR@041 واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا ~~بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل ms34 بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) (155) [الأعراف : 155] ، ~~فأخذتهم الرجفة ، وحلت بهم من (5) المعصية المخافة ، وهم هم ، ومع سخطهم ~~لهم ، فوصلت معرة العاصين منهم ، إلى من قد (6) زال عنهم ، فلما أصابتهم ~~الرجفة ، ظنوا أنها الهلكة المتلفة ، ولم تكن تلك الرجفة من الله لهم هلكة ~~مدمرة ، ولكنها كانت من الله لهم ولغيرهم من الأمم موعظة وتذكرة ، نفعهم ~~الله بها وأولياءه ، وذعر بها من الأمم أعصياه ، رحمة من الله للمطيعين ~~والعاصين ، وموعظة للفريقين من رب العالمين ، فتبارك الله فيها أحكم ~~الحاكمين ، والحمد لله بها وفيما كان منها لأرحم الراحمين. PageV02P286 # ومن ذلك وفيه ، فخبر الله جل ثناؤه عن عيسى صلى الله عليه ، بعد الذي كان ~~من إخباره عن موسى صلى الله (1) عليه ، بما قد سمعته عن الله آذانكم ، ~~وأحاط به يقينا إيقانكم ، من مهاجرته صلى الله عليه ، وسياحته مهاجرا على ~~قدميه ، هاربا لسخطه في (2) الله من بني إسرائيل ، إذ لم يعملوا بما في ~~أيديهم من التوراة ولم يقبلوا ما جاء به (3) من الإنجيل ، وأبوا إلا الكفر ~~لنعمة الله ، والمشاقة بعصيانهم على الله ، فلما أحس عيسى صلى الله عليه ~~كفرهم ، (4) وتوجس في إصرارهم على الكفر أمرهم ، كما قال الله سبحانه : ( ~~@QUR@010 فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ) [آل عمران : ~~46] ، يريد : من المهاجر معي إلى (5) الله ، والتابعون لي سياحة في سبيل ~~الله ، ولسياحته في الله ، ونصيحته بها لله ، سماه الله مسيحا ، وكان لله ~~فيها نصيحا. # ولقد (6) قرأنا مما في أيدي النصارى لعنة الله عليها ، في كل ما عندها من ~~أناجيلها : (أن عيسى ابن مريم ، لما وجه في المدائن والأمم ، للدعاء إلى ~~الله حوارييه ، قال لا تزودوا معكم زادا ، ولا تحملوا معكم فضة ولا ذهبا ، ~~وأي (7) مدينة حللتموها ، أو أمة دخلتموها ، فلم تقبل منكم ، ولم يسمع الحق ~~عنكم ، فأقلوا بها وفي أهلها مقامكم ، وانفضوا من غبارها إذا خرجتم عنها ~~أقدامكم ، لكيما تكون شهادة لله عليهم ، (8) وحجة باقية من بعدكم فيهم ، ~~فخرجوا فكانوا يطوفون في المدائن والقرى ms35 ، وينشرون أمر الله فيهم نشرا) (9). PageV02P287 # ومن مثل ذلك وفيه ، ما كان يقول صاحب إنجيلهم صلى الله عليه (1): ~~(للسباع مغار ، وللطير أوكار ، وليس لي مأوى آوي إليه ، ولا بيت أستكن فيه) ~~(2) فأين هذا ومثله؟! وما كانت عليه أنبياء الله منه ورسله ، من جوار من ~~ظلم وفجر ، وساكن وكثر وعمر ، لا أين والحمد لله!! والحجة البالغة فلله ، ~~ونستعين فيما وجب علينا في ذلك بالله. # فالهجرة أمرها عظيم كبير ، وفرضها في كتاب الله مكرر (3) كثير ، لا يجهله ~~إلا جهول ، ولا ينكره إلا مخذول ، إلا أنه قد قطع ذكرها ، وصغر قدرها ، ~~وأمحى (4) عهودها ، وحل عقودها ، تحكم الناس على الله فيها ، وتظاهرهم ~~بالمخالفة لله عليها. # والمقام مع الظالمين في دارهم محرم ، حكم من الله كما ترون أول مقدم ، قد ~~جرت به سنة الله قبلكم في الماضين ، وسار به من قد (5) مضى قبل رسولكم من ~~المرسلين ، صلى الله عليه وعليهم ، في الأمم الذين كانوا فيهم. # فكفى بهذا في وجوب الهجرة ، وما حرم الله من جوار الظالمين والفجرة ، ~~نورا وبرهانا ، وحجة وبيانا ، لمن آثر الله على ما يهوى ، ولم يمل مع هواه ~~على التقوى. # فأما من لا يصبر عما يجمع ديار (6) الظالمين من الشهوة والفكاهات ، وما يأوي # إنجيل متى 228. PageV02P288 # إليها ويجتمع فيها من المجالس الملهيات ، فما (1) أبعده وأصده ، وأدفعه ~~(2) وأرده ، للبيان فيما عطل من هذه الفريضة وبدل ، وافترى في خلافها ~~ومضادتها على الله وتقول ، فإلى الله المشتكى من (3) ذلك وهو المستعان ، ~~فما بعد بيان الله في ذلك بيان ، فيه شفاء لمشتف (4)، ولا اكتفاء من مكتف ~~، وما بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ، ( @QUR@010 كذلك حقت كلمة ربك على ~~الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ) (33) [يونس : 33]. # فاتقوا الله في الهجرة أيها الناس ، فلا يقطعكم عنها الإلف والإناس ، ~~والمعارف والأحباب ، والمجالس والأصحاب ، والفكاهات والألعاب ، والشك فيها ~~والارتياب ، فإن الله وملائكته أنس لمن هاجر إليه ، وقام لله من الهجرة بما ~~يحب عليه ، من كل إلف وأنيس ، وصاحب وجليس ، ورضى الله أرضى من كل رضى ، ~~وفرض الهجرة أوكد الفروض فرضا ، فلا تثقل عليكم ms36 الهجرة فإن من أيقن بالمرجع ~~إلى الله والمعاد ، خف عليه ثقل كل رشد ورشاد ، ومن أيقن بقصر مدته وبقائه ~~، فكان (5) مراقبا لأجله وانقضائه ، لم يغترر بدنياه ، ولم يلهه شيء عما ~~أنجاه ، وكان (6) أبغض الناس إليه ، من شغله عما ينجيه ، (7) أبا كان شاغله ~~عن ذلك أو أخا ، ولم يعد شيئا من دنياه سرورا ولا رخاء ، ولم يرغب فيما هو ~~فيه من الحياة ، إلا لما يطلب من النجاة ، وكانت الدنيا ونعيمها عنده بلاء ~~، وما يستحقه الجاهلون منها ثقلا ، وغرورا كلها وكذبا ، ولهوا في نفسه ~~ولعبا ، كما قال الله سبحانه : ( @QUR@015 وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ~~ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ) (64) [العنكبوت : 64] ~~، فحياة الدنيا عند من يعقل موت ، ودركها وإن أدرك فوت ، وهي كما قال رسول الله PageV02P289 # صلى الله عليه وعلى آله : (الدنيا سجن المؤمن وبلاؤه ، وجنة الكافر ~~ورخاؤه) (1) ليست بدار سرور لمن يعقل ولا أمن ، ولكنها دار الفناء ودار ~~الأذى ودار البلايا ودار الحزن ، لا يغتر بها إلا مغرور ، ولا يأمنها إلا ~~مثبور ، (2) ظالم لنفسه جهول. # تم كتاب الهجرة والحمد لله (3) كما هو أهله ومستحقه. # وصلى الله على رسوله الأمين ، وأهل بيته الأكرمين ، وسلم عليه وعليهم ~~أجمعين. # * * * PageV02P290 ms37