######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | المكنون PageV02P291 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [دعاء] # أستعصم الله بعصمته التي لا تهتك ، وأسترشده إلى السبيل (1) التي ينجو ~~بها من الردى من هلك ، وأستوهبه التوفيق لهدايته ، والحظ الوافر من طاعته ، ~~وأرغب إليه في إلهام حكمته ، واجتناب معصيته. ### | [توحيد الله] # إن الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لا كفؤ له موجود ، ولا والد ولا ~~مولود ، تعالى من أن يتخونه (2) أبد ، أو يقع عليه عدد ، فطر الأرض والسماء ~~، وابتدع الأشياء ، وأنشأ المخلوقين إنشاء ، بلا معين يشاركه في التدبير ، ~~ولا ظهير يؤازره على ما أبرم من الأمور ، ولم يمسسه في ذلك كلال ، ولم ~~يتخرمه (3) نصب ولا زوال ، ولم تتوهقه (4) عن محكم الصنعة العوائق ، ولم ~~يشتبه عليه ما أتقنه علمه السابق ، بل نفذ بمشيئته ما أبرم ، ومضى في ~~خليقته ما علم ، بلا اختلاج (5) اشتبهت عليه فيه الآراء ، ولا توهم تفاوتت ~~عليه فيه الأشياء ، فتعالى عما يقول فيه (6) الظالمون ، وعز وتقدس مما (7) ~~يتفوه به العادلون ، جعل الأنام شعوبا وقبائل متعارفين ، وفيما تنازعهم ~~إليه الأنفس غير مؤتلفين ، مختلفة هممهم ، لا يشتبه تصرفهم ، وكل يعمل على ~~شاكلته ، ويسلك سبيل طبقته (8). PageV02P293 # والعقول حظوظ متقسمة ، والأخلاق غرائز (1) مستحكمة ، فالحازم مغتبط بما ~~ألهم ، جذل (2) بما قسم ، والمفرط متأس (3) على ما حرم ، يقرع سنه من الندم ~~، فإن قهر نفسه على تعوض (4) ما فرط ، أورده صغر الهمم في أعظم الورط ، وإن ~~تمادى في التقصير ، دحض (5) دحضة الحسير. # وإني لما زايلت (6) قلة الآثام ، وخضت في أفانين الكلام ، وناسمت (7) ~~كثيرا من علماء الأنام ، أطللت (8) على مكنون (9) من العلم جسيم ، واستدللت ~~على نبأ من ضمائر القلوب عظيم ، لأن صحيح الجهر ، يدل على كثير من مكنون السر. ### | [صفات العالم الرباني] # واطلعت على ذلك بخصال أوتيتها ، وأخر تجنبتها ، فأما اللواتي أوتيت فذكاة ~~(10) الفطنة ، وقلة المشاحة (11) في المحنة ، والإصغاء لأهل الافتنان ، ~~(12) والقبول من ذوي الأسنان ، (13) وكثرة الاقتباس من أولي (14) الحكم ~~والأذهان ، والزهادة في الزائل الفان ، PageV02P294 # وصحة الناحية ، (2) وتكافئ السريرة والعلانية ، وسلامة القلب ، وحضور ~~اللب ، فافهموا يا بني. # وأما اللواتي اجتنبتها (3)، فمهازلة الحمقاء ، ومشاحنة الأدباء ، وترك ~~ما تشره (4) إليه النفس من ms01 عرض الدنيا ، والمكاثرة والحقد ، والظغن والحسد ~~، والاسترزاء للحر والعبد ، والمماكسة (5) فيما يكسب الحمد. # يا بني فبعض هذه الخصال طبعت عليه بالتركيب ، وبعضها استعنت عليه بقبول ~~تأديب الأديب ، والتمثل (6) بالأريب اللبيب ، مع رغبة حداني عليها طلب ~~الازدياد ، مما أرجو به النجاة في المعاد ، والزلفة يوم التناد (7). ### | [فضائل الأعمال] # فلم أر مما أتاه الله العبد شيئا أفضل من التقوى ، ولا أنجع (8) في ~~العقبى من السلو عن الدنيا ، وبيع ما يزول بما يبقى ، ورأيت خير ما ينشأ مع ~~المرء العقل المولود ، (9) والمذهب المحمود ، والفهم العتيد ، وكمح (10) ~~النفس عن الشهوات ، وقصرها عما تدعو إليه من |أيكني إليها وخير الرسول||أعلمهم بنواحي الخبر| # قال في اللسان : إنما يعني علمهم بنواحي الكلام. PageV02P295 # المهلكات. # يا بني فمن ظفر بهذه الخصال ثم عرف فضلها ، وسلك بنفسه سبيلها ، فاز ~~بالظفر ، وأمن من (1) الغير ، ولم يكثر على الفائت تأسفه ، وقل عند النوازل ~~(2) تأففه ، وأبصر ما بين يديه ، ولم تنكصه الشبهات على عقبيه ، ومن (3) لم ~~يقده الفهم إلى العقل ، زل في شبهات الجهل ، ومن لم يلطف النظر في غوامض ~~الأفطان ، (4) كاد أن يدهمه الجديدان ، (5) ومن كثرت حيرته ، ملكته شهوته ، ~~وأردته غرته ، ونظره عدوه بعين الاستقلال ، واستزراه في جميع الأحوال. ### | [صفات الحكيم] # يا بني : ولخير خصال المرء أن يكون على خلاله مستشرفا ولأوده مثقفا ، (6) ~~بما يكون له من غيره متعرفا ، من جميل يومئ به إليه ، أو مذموم خليقة يطعن ~~من أجلها عليه. # يا بني : فكل من لم يفصل بالتمييز ما يعنيه من زمنه ، ويحذر مضلات فتنه ، ~~ويدخر لنفسه من جدته ، ما يحمد غبه (7) في عاقبته ، ويختر الزيادة على ~~النقصان ، والربح على الخسران ، فهو كالماص لثدي أمه ، المخدج (8) قبل تمه. # يا بني : الزمان أنصح المستنصحين ، وأرشد المسترشدين ، وبحسب من صحبه ، ~~أن يعرف تغلبه ، ويقفو آثاره ، ويتصفح أخباره ، ويسير لكل حقبة بسيرتها ، ~~ويلبس لها PageV02P296 # أخصف (1) لبستها ، حتى تستوري (2) نار زنده ، وتستحكم قوى معتقده ، ~~وتتحصحص (3) له طبقات دهره ، ما مد له المهل في عمره ، ثم لا يغتر بساعات ~~الليل والنهار ، ولا يسهو سهو من صحب ms02 الدهر بغير الاختبار ، ولا يلهو عن ~~مصلحته كأهل الاغترار ، فإذا داوم على ذلك فقد كملت خصاله ، وأحاطت بالجميل ~~أفعاله. # يا بني : ولو أن العاقل ساير الأيام طول حياته بغير الاستحكام ، والنقض ~~والإبرام ، لم يكن إلا كالصبي في مهده ، المدخول في خلده (4)، لأن العاقل ~~الذاهل (5) هو الخائض في بحار الظلم ، والمرتطم في الخزاية مع المرتطم ، ~~والمعرفة أسطع نورا من المقباس (6)، وأجلى للقلوب من الهندوان (7) للنحاس. ### | [صفات الغافل] # يا بني : ومن أعجب العجائب ، ذو شيبة (8) مرتد بالنوائب ، متسربل ~~بالمصائب ، يستنكر ريب التصاريف (9)، ويفجر أمامه بالتسويف (10)، وذلك ~~لضعف نحيزته (11)، ونسيانه لما يتصرف من أزمنته ، وكثرة سهوه وغفلته ، عما ~~قد أفهمته خبرته ، وانتظمته PageV02P297 # تجربته. ولو غيب عن (1) العاقل اللبيب ، كل أمر عجيب ، مما فطر عليه ~~المفطورون (2)، وقصر عن الإحاطة بخبره العالمون لكان فيما طبع عليه في ذات ~~نفسه ، وما يمر به في يومه وأمسه ، من الفقر والغناء ، والسراء والضراء ، ~~والشدة والرخاء (3)، والأخذ والإعطاء ، والبذل والإكداء (4) وكثرة السكوت ~~، وطول الصموت ، والاكثار في المنطق ، والهدوء (5) وسرعة القلق ، والجد ~~والهزل ، وغلبة الجهل على العقل له أشغل (6) شاغل عن الفكرة في خلائق ~~الانسان ، وتضاد ما يختلف فيه من الجهل والعرفان ، فالموموق (7) منها معروف ~~، والمقلي منها مشفوف (8). فمن جنح إلى الأقل ، كبح (9) واستوحل ، وذم غب ~~المصدر (10)، وكان من أمره على خطر ، وأندمته آخريته ، لما قد دلته (11) ~~على علمه أوليته ، وليس بحكيم ، من مال إلى الأمر المذموم ، والخيلاء ~~بالفضل ، مجانب لسبيل العقل. ومن جعل غيره لعينه نصبا ، وأظهر على من سواه ~~في شيء من أفعاله عتبا ، وكان الذي فيه لطالب عثرته أعيب ، كان الواجب عليه ~~أن يكون على نفسه أعتب ، لأن من استنكر أمرا من غيره ، يرضى في نفسه بمثله ~~، فقد دل على جهله ، ومن سها عما يعنيه ، كان ما لا يعنيه أجدر أن لا ~~يؤاتيه (12). PageV02P298 # فافهموا يا بني : ما عبرته (1) لكم ، وأوضحته من شأن زمانكم. ### | [صفات الأحمق] # وإن من المنكرات ، فيمن يسم (2) نفسه بميسم الخيرات ، أن يضرب بطرفه ~~صاعدا ، ويكون (3) على غيره واجدا (4)، ولزناده زاندا ، كأنه قد تهذب من ms03 ~~الأدناس ، وأمن من (5) معيبة الناس ، واستقام على سوق الزيادة للمستزيد ، ~~أو ما عرف المعدوم من الموجود ، والحاضر من المفقود ، والخير من الشر ، ~~والنفع من الضر ، والحر من القر (6)، حيث سلك في أحشائه ، واتصل بحواسه ~~وأجزائه ، ثم أدبه (7) الأركان إلى الأركان ، والروح إلى الجثمان ، ثم ~~صرفته تلك العوارض الخاطرة ، والنوازل السائرة ، فاستفزته (8) إلى السخط ~~مرة ، وإلى الرضى أخرى ، فأسرف في الخلتين (9)، ومال عن النجدين ، فأين ~~مستقر القديم منه ، لم يدرأ به عنه ، النوازل الممضة (10)، والآفات ~~العارضة ، ويستدع # أدبه : ملأه. قال كثير عزة : |بلوه فاعطوه المقادة بعد ما||أدب البلاد سهلها وجبالها| # لسان العرب مادة دب. PageV02P299 # لنفسه بدرئه لذلك عاجل (1) السلوة ، وينف عنها بوادر الشقوة ، ويعاود ما ~~يديم له السرور، ويدفع عنه المحذور ، ولو ألهم نفسه أحسن ما يلهم ، لزاح ~~عنه خواطر الهمم ، ولم يعدم محمود العاقبة وعلو الذكر في الفئام (2)، ~~والصوت الرفيع في محافل الأقوام ، ولأقصر عن شقشقته (3)، وشهد بالفضل ~~لمزايل (4) طريقته ، ولكنه لم يحم أنفه ، وقل عن مزايلة ما تهواه نفسه أنفه ~~، فامتشجت (5) الأدواء في آرابه ، واستلبته رصين (6) آدابه ، فابتغى ~~السلامة من غير جهتها ، والراحة بعد فوتها. # كلا لن يكون فرع من غير أصل ، ولا جود إلا ببذل ، ولا زكاء مخلوق إلا ~~بفضل ، يجشم (7) فيه نفسه المجهود ، ويستدعى به لها الثناء المحمود ، ~~ويجنبها الموبقات ، والشهوات المرديات ، وليس من نفس إلا وهي تراود صاحبها ~~على الهوى ، وتدعوه إلى موارد الردى ، فمن (8) أعطاها زمامه ، أركبته ردعه ~~، ومن منعها ما تهوى ، فاز بالرغبى. ففي هذا لكم يا بني : بيان ومعتبر ، ~~ومن لم يستظهر (9)، بالحزم على مذاق (10) الأخلاق ودناءتها ، ويزجر النفس ~~عن شهواتها ، قصر دون رميته ، ولم يدرك الثناء الذي سما إليه بأمنيته. PageV02P300 ### | [مؤهلات القيادة] # ومن أحب أن تخضع له غلب (1) الرقاب ، ويقل في طاعته الارتياب ، وينتهى ~~(2) عند أمره ونهيه ، ويقتدى برأيه ، فليأصر (3) نفسه من ذلك على ما يريده ~~من غيره ، فإن انقادت لأمره ، وازدجرت عند زجره ، فليضمم كفه من غيره ، على ~~إنفاذ أمره. (4) لأن تهذيب المرء بطريقته ، يدعو إلى طاعته ، والمقصر عن ~~طلب ms04 منفعته تزل موعظته من القلوب ، زلول القطر من الصفوان الصليب ، (5) ~~فأوقعوا يا بني الموعظة بقلوبكم. # فيا أيها المبتغي الدرك في العاجل ، والفوز في الآجل ، اجعل لك من نفسك ~~موعدا ، تحظ به اليوم وتفز به غدا ، بصدق لا يشاب بالتفنيد ، (6) ورجاء ~~الموعود وخوف الوعيد ، واسم إلى ما (7) أحببت من ذلك بالعقل العتيد ، (8) ~~والرأي السديد ، وأنا سفيرك (9) فيه بالدرك لما تريد. وإنما أعجز الطلاب ما ~~إليه يسمون ، تعسفهم السبيل التي فيها عن القصد يجورون ، فلم يدركوا ما ~~طلبوا ، ولم ينالوا ما أحبوا ، فعن مواردهم يا بني فازدجروا ، وآثار آبائكم ~~فاتبعوا. # إياك أن تستشهد على نفسك غير معرفتك بها ، ولا تقبل من غيرك تزكيتها ، ~~بما يكذبه فعلك ، ويحيط بضد تزكية المزكي علمك. فإذا توسطت علانيتك ، وصحت ~~سريرتك ، فتيقن بصدق من أطراك بما (10) فيك ، ولا يبهجنك (11) الثناء من ~~المضطر إليك ، PageV02P301 # ولا يسفه (1) بحلمك مملق مذق ، ولا من يستبيه (2) معروفك بالتملق. ### | [مراقبة النفس] # يا بني : فإن أقل الناس عقلا ، وأبينهم جهلا ، من صدق من سواه ، بما ~~تكذبه عيناه ، والعقل آمن أمين ، وأفضل قرين ، فاستأمنه على أحوالك ، وجميع ~~خلالك ، واعرف ما عرفك. وإذا حمدت (3) من أحد مذهبا ، فكن لمثله متسببا ، ~~ولكل ما تستنكره من غيرك مجتنبا ، (4) ولتكثر من مستتر عيوبك وحشتك ، وليقل ~~بخفياتها أنسك ، فإن اكتتامها كالمحرض (5) على أمثالها ، وإذا امتلأ الإناء ~~انكفأ ، وإذا تنوسخ (6) السر فشا. # فكن يا بني : لجميع خلالك (7) متفقدا وداوم على جميل ما به تعرف (8)، ~~ولا ترض من نفسك بما تستقبح من غيرك إذا انكشف ، وأردف جميل غدك ، بجميل ~~يومك ، ولا تغتر بستر الله عليك ، فتتعرض لما يندمك عجبا بما يومى به إليك ~~، وتظن أن سالف الحسنات ، يمحو مؤتنف (9) السيئات. # ومن استصغر سيئته ، فيوشك أن تحبط حسنته ، ولكل نعمة حاسد يدير بها PageV02P302 # الدوائر ، وبحسبك أن يبصرك (1) بالجميل أهل البصائر ، فيشغب (2) حاسدك ، ~~فيما يرجو أن يهدم به ركنك ، ويمعن في الطعن عليك في كل ندي (3) مشهود ، ~~ليقبض (4) المتفوه فيك بكل أمر محمود ، فينقبض انقباض المحسور ، ولا يجد ~~السبيل إلى التغيير. # وأحذرك يا بني ms05 : البغي ، والتهمة والظن ، فإنهما ملصقان ، بكل إنسان ، ~~فلا تجعل لمتهمك إلى تهمتك سبيلا ، ولا تكن في غيرك بما تكره أن يقال فيك ~~قئولا ، وانظر ما كنت به مما يوجد به السبيل إلى الطعن عليك فعولا ، فكن له ~~قاليا وعنه حئولا ، (5) مع نظرك ، لنفسك. وإن أردت أن تظفر من الدنيا ~~بزينتها وزخرفها ، وعزها وشرفها ، وبالبهاء الذي يستنار به في كل مكان ، ~~والثناء الذي تسير به الركبان إلى جميع البلدان ، فعليك يا بني : بالطاعة ~~التي لا تدفع بالعصيان ، والمحبة المنتشرة بكل لسان ، فاجعل المروءة لك ~~شعارا ، والصيانة لنفسك دثارا ، (6) فإن من صابرهما ، وألزم نفسه الصبر ~~عليهما ، تغرنق (7) في الغرانيق العلى ، وتمكن في قلل الشرف القصا ، (8) ~~وإن لم يكن ذا غرض من الدنيا. # يا بني : والمروءة غير مبيعة بثمن ربيز ، (9) ولا حرز حريز ولا مطلب عزيز ~~، ولو لم يدركها الرائمون ، (10) إلا بجزيل ما يطلبها به الطالبون ، لكان ~~ما تعيد وما تبدي ، أجزل منه وأوفر في العواقب والبدي ، (11) ولو كانت لا ~~توجد إلا في أبعد الأمصار ، أو PageV02P303 # في لجج البحار ، بالقناطير المقنطرة (1) من الأمور الكبار ، لكان الواجب ~~على ذوي العلم بخطرها ، (2) والمعرفة بقدرها ، التعلق بأغصانها ، والبذل ~~للنفيس من أثمانها. لكنما اشتملت عليها داياتك ، وحبيت عليها مستكناتك (3) ~~حتى تبثها عنك إذاعتها ، وتشيع لك فضيلتها ، بأن تمسك عن الأمر المردي ، ~~وتعرض عن القبيح الذي لا يغني ، (4) وتملك نفسك فيما ملكت ، من كبار الأمور ~~وصغارها. تم ربع كتاب المكنون بمن الله وعونه ، وحسن توفيقه. ### | [المروءة] # يا بني : ولا تجر عن قصد السداد ، فيما أنت فاعله وتاركه إلى يوم التناد ~~، وكل ما أوجبته عليك الحقوق ، تأديت منه إلى كل عدو وصديق ، فافهم (5)، ~~يا بني : ما أصلت لك من فروع الأدب والحكمة. # ومن زعم أن المروءة لا تصلح إلا بالمال ، فقد أضل في المقال ، لأن ~~المروءة قد تنقاد لذوي الإقلال ، وتصاعب على ذوي الأموال. # وللمال موقع من بعض القلوب ، يكاد أن يخرج صاحبه إلى الأمر المعيب ، حتى ~~تذهب مروءته ، وتغلب عليه حلاوته ، فتنهد ذروته ، وينطمس كرمه وحريته. # وللمروءة في ms06 المال أنصباء ، تتشعب فيه شعبا ، وليست المروءة بمعدومة في ~~أحد إذا جد في طلبها ، وأتاها من بابها ، وليست لها أثمان تباع بها ، إنما ~~هو جميل تقوله ، أو خير تفعله ، أو معروف تبذله ، أو إقصار عن الاكثار إذا ~~لم يكن للكلام موقع ، فهذه خلال PageV02P304 # يكون لك بها في (1) المروءة قدر وموضع ، تستوجبه (2) بها ، إذا لم يمكنك ~~الاستكثار من غيرها ، وكلما ازددت ، أدركت ما طلبت ، وقد أوضحت لك ما تطلب ~~به المروءة بأحسن الإيضاح ، وكنت لك أنصح النصاح ، فإن أخذتها باللين يا ~~بني سلس لك (3) مقودها ، وإن غلظت شسع عنك عتيدها (4)، وصار نحسا عليك ~~سعودها ، فأسعد الأدب يا بني بالحكمة. ### | [الحسد] # وإياك والحسد فإن للحسد نفرة على صاحبه مضرة ، فأبرده عند اضطرام تسعره ، ~~بكثرة التبكيت ، وتعريفه صغر صاحبه الممقوت. # يا بني فإن الحاسد لا يدرك في حسده نقيرا ، ولو أزيح عن المحسود ما حسده ~~عليه لم يظفر منه قطميرا ، (5) وليس من أحد من المخلوقين إلا وعليه من الله ~~نعمة ظاهرة أو مكتتمة ، أصناف مقتسمة ، صغير ما يولي الله العبد منها ~~ويبليه ، ويهب له ويعطيه ، من (6) صحته ، وطول عافيته ، وما يصرف عنه (7) ~~من البلوى ، خير له من ما بين الأرض والسماء. يا بني: وكم من ذي نعمة ~~متجددة ، يحسده من دونه على نعمة منتكدة ، ولو أشعر نفسه ما يجب عليه من ~~شكر المنعم ، كان ذلك أزيد للنعم وأصرف للملم (8). # وفي الحسد ست خصال : # * طول الاغتمام بما لا يجدي. PageV02P305 # * وكثرة الاهتمام بما لا يغني. # * وتكدير المعاش. # * والخساسة عند الأخيار والأوباش. # * وحرقة القلب. # * ومضادة الرب. # واعلم يا بني : أن البغي داء لا دواء له ، فمن كثر في المحظوظة (1) تشككه ~~، طال في البغي محكه ، والبغي فرع الحسد الأعظم ، وبه تحل النقم ، وتزلزل ~~القدم ، والباغي مخذول ، مفلول ، (2) والمبغي عليه بالخبر (3) عن الله مؤيد ~~بتعجيل النصرة ، في الدنيا والآخرة ، (4) فإياك والبغي أن تلهج به فتكون ~~صريعه الذي لا ينتشع ، (5) وقتيله الذي لا يمتنع. ### | [مفردات أخلاقية] # وأحذرك يا بني : العجلة وإياك أن تكون عجولا ، فيما تجد إلى التثبت فيه ms07 ~~سبيلا ، وتبين في صدور أمورك من (6) قبل أن تبدو لك عواقبها ، وتنكشف لك ~~(7) معايبها. # والمحك : التمادي في اللجاجة ، والمشارة والمنازعة في الكلام. وقد ~~استفرغت وسعي في الكشف والبيان ، فلم أجد إلا هذا. والله أعلم. PageV02P306 # واعلم يا بني أنك المشار إليه عند عجلتك ، بما تسمعه أذنك ، فيمن قل ~~تثبته ، وذم على ما تكسبه عجلته! فأكثر من العجلة التقية ، وعلى نفسك من ~~قبح القالة البقية ، وإياك أن يوردك الغضب موارد العطب ، ويشعلك إشعال ~~النار للحطب ، فادفعه بالاحتمال قبل أن يضطرم ، فيهريق الدم ويصم العظم ~~ويسل (1) اللحم ، فأخمده قبل أن يتلظى ، فإنه إن استعر بهظك (2) بهظا ، ثم ~~دفن ما كنت تذكر به من المحاسن ، وأعلن ما كنت تكتمه من المقارن (3). # واعلم يا بني : أن آفة السلطان ، الجور والتجبر على الانسان ، إياك إن ~~كنت سلطانا أن تستظهر ذنوب (4) المذنبين ، أو تعاقبهم عقوبة المغضبين ، وإن ~~كنت سوقة فما ذا يضرك (5) مما يلمزك به الناس من المنطق فيما ترجو به ~~الرفعة ، والعلو بعد الضعة ، وإياك أن تغضب على من دونك ، أو تستصغر من ~~فوقك ، وجد بالفضل على من ناواك ، وبالصفح عمن (6) عاداك. # واعلم أنه لا بد للمكارم أن تعلو ، وللمحاسن أن تفشو ، من ناشر لها يلبسك ~~هيبتها وجلالها ، ونبلها وجمالها ، حتى ينسم عليك روحها ، (7) ويشيع لك ~~حمدها ، ويتجلى بها عنك الغماليل ، ويرد بها من (8) قلبك الغليل. # يا بني : عليك بالحلم فإنه ليس يسمى الرجل حليما حتى يملك نفسه عند الغضب ، # السليل هو : الذي تخدد لحمه وقل. # يقال للرجل عند الغضب : قد استقرنت وأردت ان تتفقأ علي. من أقرن الدمل. PageV02P307 # ولا جوادا حتى يفيد إذا ازلأم الأزب. (1) وإنما يوصف بالنجدة ، من باشر ~~أهل البأس والشدة. وللمحاسن والمحامد بوآد معتمدة ، تطلع (2) إليها الأفئدة ~~، ثم يبذل فيها الغالي من الأثمان ، وتنضا بها العيس إلى (3) جميع البلدان ~~، فمن سره أن يشهر بالجميل والاحسان ، فليشهد التي منها يتناقلان ، ثم ~~ليظهر منهما ما يسير به في الآفاق خبره ، ويعظم به في الناس خطره ، ثم ~~ليقوم من نفسه بحسن التعاهد أودها ، (4) وليأخذ منها ms08 لها ما يزين به غدها ، ~~فإن الأخلاق إذا سمحت ، (5) والعلانية والسريرة إذا صحت ، كانت غنائم يرتحل ~~إليها المرتحلون ، وأحاديث حسنة ينقلها الناقلون ، وتبجيلا لصاحبها في ~~العالمين ، وغبطة يغتبط بها يوم الدين. ### | [الخلق والمال] # والواجب في الأخلاق أكثر من الواجب في الأموال ، وأفضل في جميع الأحوال ، ~~وإنما يعظم ذو المال ما كان موئلا ، فإذا تخرم ماله عاد دحيرا قليلا!! ~~والأخلاق لا يبلى جديدها ، ولا يطيش سديدها ، وفضل صاحبها باق في حياته ، ~~وبعد وفاته ، والمال ثوب تخلق جدته ، وتسمل سداه ولحمته (6). # وأحق الأشياء بالصون العرض الصحيح ، والحسب الصريح ، ومن آتاه الله قلبا ~~ذكيا ، وزنادا (7) وريا ، وخلقا مرضيا ، وسخاء مذكورا وعقلا زكيا ، وفهما ~~مرضيا ، وعلما بتقلب الأحوال ، وتصرف الأيام والليال ، ولسانا يؤدي إليه ~~معرفة خلف (8) PageV02P308 # الأزمان ، ويمتهنه فيما يعود عليه نفعه كل الامتهان ، ثم زم نفسه عن ~~الكبرة ، (1) واعتاض من التجبر حسن العشرة ، وقل افتخاره عند مناظرته ، ولم ~~يستدع نظيره إلى مباحثته ، ولم يجار (2) المجاري له من طبقاته ، في طريق ~~مساواته. ولم يخرج من القول إلى ما لا يعلم ، ولا من الفعل إلى ما يستعظم ، ~~فقد شرى لنفسه محمدة الحاضر والباد ، واجتهد في مصلحته أشد الاجتهاد ، ~~واستحق التعظيم من جميع من ضمته أقطار البلاد ، واجتمعت له الطرائق (3) ~~السمحة ، وزاحت عنه المذاهب المستقبحة ، وجرى عليه اسم الخيرة ، ونظرته ~~بالنواظر المبجلة كل عين مبصرة ، وجاز حد الأكفاء ، واعترف له بالفضل ~~النظراء. # ولا بد أن في كل منفوس ، (4) آلة تطلع إليها النفوس ، ويفتقر إليها حاجة ~~المفتقرون ، ويتشوف إليها المشوفون. فمن قصر (5) عن علمها ، عظم في نفسه ~~صاحبها ، وجل في عينه بحسب ما يدله ، عليه عقله ، وحاول أن يكون له على ~~أمره ظهيرا ، وارتفعت عنده درجته من أن يكون له نظيرا ، ومن اتسع بدده ، ~~(6) لضده ونده ، كان على قدر ذلك عظم شأنه ، وارتفاع مكانه. # وكم من جامع لمال! يجود به لينال هذا المنال ، ويستدعي من الجميع محبتهم ~~، وينفي به حسايفهم ، (7) فلا يدرك من ذلك ما يريد ، ولا يؤديه إلى ما يؤمل ~~من العوام ماله الممدود. PageV02P309 ### | [العلم والمال] ms09 # وذو المال يا بني مذموم ومحمود ، وذو العلم موموق (1) مودود ، وفي ~~العظماء معدود ، وعند التباس الخطوب معمود (2) مشهود ، وبعد الوفاة مفقود ، ~~ومن أتي إليه ما يستنكر (3) في الملأ ، فتغمد ذلك بصبر وعزاء ، فقد نال من ~~الشرف منالا ، محمودا في الآخرة والأولى. ### | [الصفح الجميل] # ومن اعتذر إليه ، من أساء في (4) المقال والفعال عليه ، فأسرع في القبول ~~، والعطف عليه بالجميل ، فقد أبدى جهل متناوله (5) بصفحه ، وخسرانه (6) ~~بزيادته ، وركاكته بركانته ، وطيشه (7) بحلمه ، وسخافته (8) بتكرمه ، وجوره ~~بعدله ، واستطارته (9) بعقله ، وعجلته ، بمهلته ، وباء المعتذر إليه ، بسوء ~~الصنيع لديه ، وأفاده خير الفوائد ، وألبسه عند من كان به جاهلا ثوب ~~المحامد ، وأعلن (10) من نبله ما كان مستترا عن الغائب والشاهد ، وأظهر ~~إعزازه وتطوله ، بما كان من تذلله له ، وجثوه بين يديه ، متنصلا إليه ، ~~ملحا في مسألته ، كالعبد المعترف بزلته ، يبذل له من نفسه الصبر ، ويعطيه ~~التوبة إلى PageV02P310 # آخر الدهر. # فيا ويح معتذر أسلكته في مضايق الذل عجلته!! وألبسته ثوب الخضوع ~~والاستكانة هفوته ، وأعلنت لصاحبه عليه يدا ، أكسبته حمدا ما كان الأبد ~~أبدا ، ولرب مغتبط بمنال شريف الثناء ، لو لا ما لا يأمنه (1) من قلة ~~الاغتفار للأذى ، لرغب إلى الله فيه في كل صباح ومساء ، لتعظم باحتماله عند ~~الناس حظوته ، (2) وتكبر عندهم منزلته ، ومن نزغت به (3) النزغات فيما بينه ~~، وبين صنو له ، كان بمودته ضنينا ، (4) وله على ملمات دهره معينا ، فعزم ~~على مقاطعته ، وباينه مباينة أهل عداوته ، وحاول به الغدر والمكر ليقطع من ~~أسبابه (5) أسبابه ، وفجع به أحبابه ، ثم لم يدفع غضبه بالرضى ، وصدوده ~~بالوفاء ، ونزغة الشيطان بالحياء ، ويرجع إلى ما هو به أولى ، من محض (6) ~~الصفاء ، وخالص الإخاء ، ويميز ما مني به من الأمور المؤلمات ، وما كان قد ~~أضحك (7) به سنه وأطال به سروره في الليالي الخاليات ، فإذا أوضح له ~~التمييز تطاول الحسنات على السيئات ، فأداسها بقدمه ، ولم يصفح عن صنوه وعن ~~جرمه ، فليس من أهل الحكم ، ولا السامين إلى (8) مراتب الهمم ، وعما قليل ~~سيئول إلى الندم ، إذا تحاماه الإخوان ، وطرقه الزمان ، بما ليس له عليه أعوان. ms10 # وإن سل من قلبه السخائم ، (9) وجرى في ميدان المكارم ، ولم يأت أمرا يكره أن PageV02P311 # يؤتى إليه مثله ، سكن غليله ، (1) وصفت له عيشته ، وطالت سلوته ، وكثرت ~~راحته ، ورسخت في القلوب محبته ، ونقيت من صدره ضغينته ، وأشرقت بالفضل ~~صفحته ، وعادت له من صنوه مودته ، وتأكدت في رقبته منته. ولعله إن طال ~~تمعزه ، (2) أن يكثر عما يروم به عجزه ، فيريه (3) الغيظ والحرد ، ويغلغله ~~(4) الحزن والكمد. # تم نصف كتاب المكنون والحمد لله رب العالمين. # ألا وإن أحمد الناس مذاهب ، وأكملهم ضرائب ، (5) وأحسنهم فعلا ، وأرسخهم ~~في اللب أصلا ، من تجافى عن هفوات إخوانه ، ووادع (6) أيام زمانه ، وصاحب ~~بالمسالمة خدينه ، (7) وبالمناصفة قرينه ، ورضي من دهره بالموجود في غيره ، ~~وساير الناس كلا على ما طبع عليه في عصره ، فإن أعظم النوائب ، وأقبح ~~النواكب ، أن يسكن قلبك البغضة لمن كنت له وامقا ، (8) وتقل ثقتك بمن كنت ~~به واثقا ، وتستوحش ممن كان لك نصيحا ، وكنت إليه حين تحزبك (9) الأمور ~~مستريحا. # واعلم يا بني : أن الحقد والحسد والغضب إذا اعتلجت في قلب أوقدته ، ~~وأعمدته (10) وأقلقته ، فربما تهيج من ذلك الداء المستكن (11) فاستوحش له ~~البدن ، وأظهر من غوامض الأوجاع ما بطن ، فتغيرت لذلك الطبيعة ، واستدعيت ~~القطيعة. PageV02P312 # فالواجب على الأريب (1) العاقل ، أن يسلو فيما نزل به سلو الذاهل ، (2) ~~وأن (3) يتسبب لدفع ما ألظ به من (4) محاورة الأوداد ، بالملاينة وترك ~~البعاد ، وإخماد ما يتشبب (5) بالأحقاد ، ويتطلف للمسالمة والراحة ، وما ~~فيه عائدة المصلحة ، حتى يعود إلى ما تعود من السرور في قديم العهد ، ويبعد ~~عنه خواطر البال أشد البعد ، ويدفع عنه طول (6) الحمية ، وبعد أهل الجاهلية ~~، فإن الضمائر المذمومة أشر (7) ذخيرة ، ادخرها أهل المكرمة والبصيرة ، ~~وليس تنجع (8) المواعظ إلا في ذوي العقول ، وأهل الرأي الأصيل (9). # يا بني : فأما ذوو الأذهان المستلبة ، الممنوعون حسن النظر في العاقبة ، ~~فغير سادين (10) ببصيرة ولا فكرة ، في أمر (11) دنيا ولا آخرة. # فصاحب الناس بحسن المعاشرة ، وألبس كلا بالمساترة ، ولا تثقن بكل أحد ~~فتعجز ، وكن هينا لينا كثير التحرز. ### | [واجبات الأخوة] # وآخ من آخيت بالستر لعورته ، والإقالة لعثرته ، ولا تطل ms11 معاتبته إذا هفا ، ولا PageV02P313 # جفوته إذا جفا ، ولا تأخذه بالغاية القصوى ، فإن زل فأقل ، وإن قصر ~~فاحتمل ، وإن كملت عندك بصدق المعرفة خلالك ، وتيقنت أنك لا تجد كفؤا لك في ~~مثل أخلاقك ، فلا تمحض مودتك لمن يكون بمعزل ، عما لست عنه فيه بذاهل ، ~~واطرح عنك ثقل مئونته ، وأدرج (1) له في مثل مودته ، فإن للناس مذاهب ~~مختلفة ، وأخلاقا غير مؤتلفة. # يا بني : فإن الكامل (2) في جميع الحالات ، المعدود في أهل المروءات ، لا ~~يكلف الأخلاء ما يعدم في الطبع الذي ركبت عليه الأجسام ، ولا يحملهم ما ~~تقصر عن بلوغه الأفهام ، فلا تراود أحدا على ما لا يوجد في خليقته ، فتكون ~~قد ظلمته بمراودتك له على معنى لا تناله مقدرته. # يا بني : وخالق الناس بالبشر والبشاشة ، واللين والطلاقة ، وسلامة ~~الضمائر ، واستدعاء ما إليه يشخصون في الظاهر. # يا بني : وكن سهل الجناب (3) تحمد ، وأكثر التبذل (4) ترشد وتسعد ، ومن ~~عاشرته من الناس يا بني فعاشره على قدر عقله ، ثم سائره على حسب ساعات ~~نهاره وليله ، واجر مع كل يوم كما يجري ، فإن الأيام تقلب المرء أطوارا وإن ~~كان لا يدري ، فلا يذهب بك القياس ، إلى ما كان عليه في أمسك الذاهب الناس ~~، فإن لكل يوم وليلة ممرا ، (5) يحول فيه عن سالف خلائقه المرء ، فإن من ~~(6) سعى مع يومه بغير ما يوافقه ، وخالقه بغير خلقه ، طالت (7) معتبته على ~~الصديق ، وكان كالسائر في غير الطريق ، فلا تذهب نفسك بالحسرات ، في طلب ~~الوفاء ممن ليس لك بالموات ، (8) ولا تشغل قلبك PageV02P314 # بالتفكر فيمن يخيس (1) بعهدك ، فإنك إن عثرت لك قدم ، أو نزل بك ملم ، ~~(2) صرف وجهك عما كنت تشخص إليه منه باليأس ، وأخلفك حسن الظن فيه كما أخلف ~~من كان قبلك من الناس ، فاقطع عنك هذا الطمع الكاذب ، ولا تسلك بين جوانحك ~~الرجاء الخائب ، واقبل ما به حبيت ، (3) وإليه دعيت ، بالرأي الجازم ، ~~والعزم اللازم ، فإنك خليق عند القبول ، والعمل بما أقول ، أن لا تنقطع ~~مروءتك (4) حين يصد عنك الخليل إذا أسلمك عند النازل بك ، وأفردك بما يسكن ~~جوى (5) الأحزان ms12 في قلبك. # فتأدب يا بني : بأدب آبائك ، واطرح عنك صفحا من يمزج لك من لسانه العسل ، ~~ليوهمك بغروره (6) أنك تحل منه في أرفع المحل (7). # يا بني : إياك والطمأنينة إلى من قد حبيت (8) على النكث جوانحه ، (9) ~~وركبت على الغدر جوارحه ، فكن لأوليائك متهما ، ومنهم متسلما ، وباليأس من ~~(10) من وفائهم عالما ، فإذا صار ذلك في صدرك مستحكما ، فانظر ما كنت تطمع ~~به منهم ، فكن أنت على مثله لغيرهم ، تضرب إلى بابك القلائص ، وتشخص (11) ~~إليك عند النوائب العيون الشواخص ، وتصير كهفا للاجئين ، ومعتمدا للقاصين ، ~~وزينا للأقربين. # إياك يا بني : أن تستن بسنن أهل الاختيال ، أو تعمل بعمل يستقبح من ~~الأعمال ، PageV02P315 # وإن كان ذلك في الناس كثيرا ، وفي غيرك مشهورا ، فإنما يستحق اسم السؤدد ~~، (1) عند كل أحد ، من قل اختياله ، واستحسنت أعماله ، وجاد بالمعروف ، ~~وعطف بالفضل على الضعيف ، وطبع (2) نفسه بطابع المروءة ، وصانها عن الأخلاق ~~المذمومة ، ومن صح عنده كرمه ، وظهرت على غيره نعمه ، وزال (3) لمزايلة ما ~~تهواه نفسه ذمه ، برز في السبق ، وصار محمودا عند الخلق ، وبان عن سواه ، ~~وتكاملت (4) أسبابه ، وليس كل عاقل مفضل بعقله ، (5) حتى يحتمل من عاذله ~~كثرة عذله ، فلا تؤدب العاقل بما يستثقل ، (6) ولا تحمله ما لا يحتمل ، فإن ~~مداوي الجرحى ، قد يحميهم ما لا يحمي منه الأصحاء. وليس بطبيب ولا برفيق ، ~~من أمر (7) من الدواء بما ليس له المأمور بالمطيق. ومن ادعى المعرفة ~~بالتفرس قبل الامتحان ، فقد سبح في الغمر (8) الذي ليس له به يدان (9). ### | [أصناف الناس] # يا بني : الناس رجلان ، فرجل ذو عين باكية ، على ممر أيامه الخالية ، ~~متأسن على أخدان له سلفوا ، وآلاف (10) له انقرضوا ، يشرق (11) بغصته ، ~~ويأخذه الشجا (12) في PageV02P316 # حنجرته ، فلا يتهنأ بطعم ، ولا يتلذذ بنوم ، فقدا لسالف معاشريه ، وتوجعا ~~على ما فاته من قديم عهده بمؤالفيه ، حتى (1) كأن لم يفارق مصافيا ، ولم ~~يعدم مؤاخيا ، إلا في ذلك الحين الذي هو به ، (2) فحرقته لا تنجلي عن قلبه ~~، فذلك المواسي عند حلول النوازل ، الجواد بمهجته في الخطوب الجلائل ، الذي ~~لا يلهيه عن الاحتيال فيما يحل بأخدانه ms13 ، من (3) نوائب أزمانه ، حتى تنجلي ~~بهمتها ، (4) وتنكشف كربتها ، فذلك الرقيق قلبه ، المداوم على الحفيظة إربه ~~، (5) فاشدد به يدك ، (6) تقر عينك ، من غير أن تترك الاحتراس ، لتقلب ~~الأيام بالكثير من الناس. # وآخر ساه عن ذكر من تولى ، كثير السلو عند نزول القضاء ، طويل الغفلة عما ~~يلظ (7) بالأخلاء والأقرباء ، دائم الجفوة والقسوة ، إذا انقضت ساعته ، ~~انجلت غمته ، وبردت حرقته ، فذلك الذي لا يرنق (8) صفوه كدر ، ولا يثق ~~بوفائه بشر. # يا بني : ومن أحب أن يصلح خلقه ، وتسدد إلى الخيرات طرقه ، فليصحب الكرام ~~، وليقل فيما يعود وبالا عليه الكلام ، وليصن لسانه عن مفاكهة اللئام ، ~~ونفسه عن مخالطة الكهام. (9) وليس من مخلوق إلا وله دليل يستدل به عليه ، ~~وسائس يشرع (10) بالأبصار إليه ، فصن نفسك يا بني عن موضع الريب ، ومهازلة ~~الحمقاء. # واعلم يا بني : أن مخالة الرعاع والأوباش والأوغاد ، (11) ربما آل بالطبع ~~الحسن إلى PageV02P317 # الفساد ، غير أن المغرس إذا كان كريما ، والفرع محضا صميما ، (1) أيقظ ~~المرء عن سنته ، ورده إلى أوليته ، ومحض من العلل درن غريزته ، ومن ريض (2) ~~ولا غريزة له بأدب سلس ثم رجع إلى الحران (3) ودحض به عن الاستقامة القدمان ~~، وقلما انفردت غريزة من (4) عقل ولا عقل من غريزة ، فمن طبع على واحد ~~منهما كان الآخر له لاحقا ، ومن خلا من واحد منهما كان الآخر له مفارقا ، ~~ومن ألان جناحه للمخاشن ، (5) وجعل وجهه بسطا (6) للملائن ، وألقى مقوده ~~إلى المحاسن ، فقد ارتقى في ذروة المكارم ، واستعين به على العظائم ، ~~واقترف الحمد من المباعد والملائم (7). ### | [مكارم الأخلاق] # يا بني : فتعود القول الجميل ، وأصبر على ذلك نفسك صبر الحازم البهلول ، ~~(8) وآس (9) من رآك لحاجته أهلا بالكثير والقليل ، ولا تشخص بطرفك ، إلى ~~مكافأة الممتاح (10) لعرفك ، فيذهب (11) صنيعك ضياعا ، وتكون بمنزلة من ~~أعطى صاعا ليأخذ PageV02P318 # صاعا ، وإياك ومذاقة الأخلاء ، (1) والاستطالة بالغناء ، والاستقصاء في ~~شيء من الأشياء. # وألزم نفسك يا بني (2): الكرم والتذمم ، (3) وقلة التعظم ، وأعظم شأنك ~~بالتصمامم (4) عن اللغو المنكر ، وبالتغافل عن الأمر المصغر. # يا بني وكن للراغب إليك وصولا ، وللضعيف الطارئ عليك منيلا ، (5) بذات ~~يدك إن ms14 أمكنك ، أو بجاهك (6) إن أعجزك ما أمل منك ، ولا تتبع عورات الجيران ~~والجارات ، ولا تبحث عما استتر عنك من العثرات ، وتغط بستر الله عليك قبل ~~أن يهتك بحثك عن أستارك ، فينكشف ما استتر من عوارك (7). ### | [الكذب] # وتهذب من الكذب ، فإنه مسخطة للرب ، مفسدة للقلب ، ضعة للنبيل ، (8) نقص ~~لذوي العقول ، وهو ضرب من الفحشاء ، وشيمة من شيم الحمقاء ، ورأس مال أصحاب ~~المنى ، وربما استحلت به الدماء ، وركب به الدهماء ، (9) واستبيحت به القرى ~~، وعظمت به البلوى. # فكن يا بني لعرضك منه (10) صئونا فإنه إذا تضمنته الأحشاء ، جاشت .. PageV02P319 # (1) به إلى الصدور الحوباء ، ثم تلقلق (2) به اللسان ، وفشى منه الكتمان ~~، وفارت به الشفتان ، فوران المرجل بوقود (3) النيران. # يا بني : وإذا تمكن من قلب خرب ، وغلب عليه كل الغلب ، وكاد لا يفارقه ~~آخر الحقب. وكم من صاحب له يريد انتزاحه (4) منه فلا ينتزح ، وإصلاح لسانه ~~منه فلا يصلح ، لكثر غلبته ، وشدة ضراوته ، (5) والكذب مجانب للحق ، مكذب ~~من عرف به في الصدق. ### | [قواعد أخلاقية] # فتأدب يا بني : بأحسن أدب المتأدبين ، واقتد بهدى الصالحين ، واستغش (6) ~~بثوب السلامة ، ولا تدرع سرابيل الملامة ، وتودد للخاصة والعامة ، وأجمل ~~البشر (7) في اللقاء ، للعدو ولذي الصفاء ، وابذل له الانصاف في كثرة ~~الاصغاء (8) لكلامه ، والاستماع لحديثه ، ولطف الاجابة له على مقالته ، ~~والمكافأة بما ترضيه في عشرته ، واستبرز (9) في حديثه ، ولا تستطل ريثه ، ~~(10) فإن لكل واحد في نفسه قدرا ، كبيرا كان أو صغيرا ، وأكثر تبسطه (11) ~~إليك ، وقاربه ليألف ما لديك ، واستعمل عقلك في كل زمان بما PageV02P320 # يصلح له من الأدب ، واسع مع أهله في كل عدو وخبب ، يفر (1) لك عرضك ، ~~وتستوطئ (2) بك أرضك ، ويستحكم لذلك إبرامك ونقضك ، ويستتر عنك مدعي بغضك. # ولا تحمل الحقد على أترابك ، ولا تحملنك المماحكة (3) في الأحكام ، على ~~ملادة (4) ذوي الأحلام ، فربما أورث المحك الشحنا ، وأبان لك من خليلك ما ~~كان عنك مستكنا (5). # تم الجزء الثالث من المكنون والحمد لله رب العالمين. # واقبل نصيحة من حباك بنصيحته ، واتعظ لموعظته ، لا تجانب السداد ، واحتمل ~~قوارع (6) الفؤاد ، واسل عما كنت له آلفا ms15 ، حتى تظفر بما صرت (7) له ~~مستأنفا ، وتصرف (8) لك نفسك تصرف الذلول في زمامك ، (9) وتكون عيوبك أمامك ~~، ترمقها بعين العيافة، (10) حتى تعود إلى ما به أمرت من المؤالفة ، وإياك ~~أن تكون على ما لا تمقه (11) من غيرك مقيما ، فتكون عند الناس مذموما ، ولا ~~تدع إصلاح ما يذمه منك غيرك ، باجتنابك له ما مد لك عمرك. # يا بني : فإن عجزت عن استئصاله ، فحل به بالتحلق عن محاله (12). PageV02P321 ### | [الكبر] # يا بني : واجتنب الكبر فإنه رداء الجبار ، والمعطل للديار ، والمحل ~~لصاحبه دار البوار ، والمغير للانعام ، والمعجل للانتقام ، وعليك بتحصيل ~~الأشياء وفحصها ، وقرع أبواب زيادتها ونقصها ، وتصريفها على جهتها ، وقلة ~~العجلة في التبصر بها ، حتى تتضح لك آثارها ، وتسفر لك أوجهها ، ثم ~~استقبلها في أوان العنفوان ، (1) ولا تنقد بالهوى إلى الوخم (2) من الأعطان ~~، فتجرحك الأوهام ، ويصرعك (3) ما ليس لك عليه قوام ، فقد عاينت جرحى ~~الأيام ، وقلة رأفتها بالكرام ، وكثرة رجوع صرعاها على أنفسهم بالملام. ### | [شهادة الليل والنهار] # واعلم يا بني : أن الليل والنهار ينقرضان ثم لا يعودان ، وبالحسن والقبيح ~~يمران ، وعلى كل صغير وكبير أفعاله يثبتان. # يا بني فإن قدرت أن تدفع (4) في كل ساعة تمر بك موبق (5) السيئات ، بصالح ~~الحسنات ، وتبني مكرمة تحظى (6) بها يوم القيامة ، وتنجو بها من الندامة ، ~~ويثلج بها في الدنيا صدرك. ويفسح لك بها قبرك ، فافعل وعجل ثم عجل ، وأنت ~~في حين (7) المهل ، ولا تكثر التسويف فيطول عتبك ، وينقضي بخطل (8) يومك ، ~~فإن في ساعات الليل PageV02P322 # والنهار سجلات مطوية ، تؤدي ما استودعت بصدق الروية ، (1) فضمنها الجميل ~~تؤد عنك باقيا ، كنت أو فانيا ، كحسب ما أدت من الودائع ، في الليالي ~~الخوالع ، (2) من مكارم الكرام ، ومثالب اللئام ، ثم لم ينطمس ذلك مع ~~الرسوم (3) الطوامس باقيا ما بقيت الدهارير ، (4) حتى تحيط بالعالمين ملمات ~~المقادير. # وكل من لم يسمك (5) على ما بنت له الجدود ، بناء يعلو له فيه التشييد ، ~~فالمحامد منه بعيد ، وركن الشرف الذي اعتمد عليه مهدود ، لأن الساكن في غير ~~ما يحوي فهو (6) منه خارج ، يا بني : ومن لم يشرفه فعاله فليس في ms16 شرف سلفه ~~بوالج ، (7) إذا لم يزين الشرف التليد ، (8) بالفعال الحميد!! لأن السلف ~~الماضين ، إنما شرفوا في الخلف الباقين ، بالمكارم المعدودة ، والخلائق ~~المحمودة. ### | [رقابة الناس] # يا بني ومن أسس له أولوه أركانا ، ثم لم يعل عليها بنيانا ، فهو بمعزل ~~مما أسسوا ، خلو عن رباب (9) ما اغترسوا!! ومن أحيا بعز أيامه أيام الآباء ~~والأجداد ، فاش ذكره كما فاش (10) ذكرهم في العباد والبلاد ، فلا تكذب نفسك ~~الخبر ، فإنه سيمحض منك PageV02P323 # المختبر ، (1) عيون جساسون ، عيانون بحاثون ، ولخطئك (2) محصون ، ولما ~~يكون منك حافظون ، فجنب قدمك مواضع الدحضات ، (3) ولا تسع بها في مهايع (4) ~~المنكرات ، فإن الناس ، حفظة على الناس ، ما يأتون وما يذرون ، فربما ذكروا ~~(5) المرء في الأحيان ، بسالف ما ذهل عنه بالنسيان ، (6) وأتاه عنهم ما قد ~~غيب عن فكر (7) الأذهان ، فليطل منهم حذرك ، وليكثر لهم قهرك ، بتنزيه نفسك ~~عما يتطلعون (8) إليه من سقطتك ، ويبتغون هده من ذروتك ، وليكن الترقي (9) ~~في ذرى الشرف من همتك. ولا تشب الشك باليقين ، ولا المعرفة بسوء الظنون ، ~~فينتقض ما أبرمت ، ويتغير ما عليه عزمت ، ويلحقك الضعف ، فتقف عن العمل ~~وقوف المغلول من (10) الكف. ### | [القناعة] # يا بني : وإياك وكثرة الحرص ، فإن التخلق به يرجع بك إلى النقص ، ويذهب ~~عن صاحبه الهيبة ، وتكثر له من (11) الناس الغيبة. PageV02P324 # يا بني : ألزم نفسك التجمل بترك السؤال ، ما وجدت البلغة (1) بما قل من ~~المال ، فإن رزقك في كل يوم ، يمر بك مقسوم ، والالحاف (2) في السؤال أمر ~~مذموم ، وبهجة (3) البهاء معه لا تستقيم ، ولا مروءة لمن لم يكن الصبر له ~~غالبا ، والاحتساب (4) له صاحبا ، فادخر لنفسك القنوع بما يبلغك المحل وإن ~~قل ، فإن ذلك من شمائل أهل الفضل ، حتى تنغلق عنك أبواب العسرة ، وتنفتح لك ~~بما تحب أبواب الميسرة ، فإن ذا القناعة قد يمنح من الله النصرة ، في ~~الدنيا والآخرة. وأخلق (5) بذي التأني أن يظفر بحاجته ، وأن يعطيه الله ~~أفضل أمنيته ، مع ما يتطول به عليه (6) من عونه وكفايته!! ولرب ملهوف عجل ~~له غواثه ، (7) وقل عليه ارتياثه (8). ولربما أدب الله عبده بالفقر ~~وابتلاه بالعسر اختبارا ، ليجعل ms17 له في عاقبة ذلك خيارا ، يعلي له به ذكرا ~~في الحظ من لدنه ، وهو في ذلك راض عنه! فلا تقطف ثمرة لم يبد لك صلاحها ، ~~ولا تطلب حاجة لم يأن لك نجاحها ، فإنك تذوق معسول الثمرة في إبانها (9)، ~~وتظفر بحاجتك عند بلوغ أوانها ، والمنفرد لخليقته (10) بالتدبير ، أعلم ~~بالمدة التي يصلح فيه التقدير ، (11) فاستخر اللطيف الخبير ، يخر لك في ~~جميع الأمور. # يا بني ولا تجعل الدهر يوما واحدا ، فإن مع اليوم غدا ، واطلب حوائجك ~~بددا ، (12) PageV02P325 # ولا تطلب جميع حوائج عمرك في يومك ، فيكثر قنطك ويتغلغل (1) صدرك. # يا بني : خاش الجديدين ، (2) في كلتا الحالتين ، تظفر بإحدى الحسنيين ، ~~اصحبهما بأجمل ما به يصحبان ، وامرر معهما كما يمران ، ولا تصاعبهما ~~فيصاعباك ، ولا تكاشفهما (3) فيكاشفاك ، بمكروههما ، (4) وأقلل من ~~معاتبتهما ، وأكثر موادعتهما ، وأطل بالرضى مسالمتهما ، يثلج (5) من الهموم ~~صدرك ، ويصف لك بلذيذ العيش عصرك ، واحذر عسفهما فإنهما إن عسفاك عجزت ولم ~~تنتصر ، ولم يدافعهما عنك أحد من البشر. # يا بني : ومن كثرت مراقبته ، طالت نعمته ، والنعم أسرع شيء زوالا عن ~~البطر ، (6) وليس لها عنده مستقر ، وليس يدركها ذو الفظاظة والغلظة إلا ~~بالمحتوم من المقادير. # يا بني : وربما حبي (7) القاسي الذي ليست من شكله منها بالسرور ، وقد ~~يكون استدراجا للنحرير ، (8) وسببا للحسرة والوبال ، على المهذب (9) من ~~الرجال ، فاحجب بينك وبين المحبوب بستر لا تنهتك أطنابه ، (10) ولا تنبتك ~~(11) أسبابه ، وعليك بالصبر عند نفاره ، لكيلا تفجعك فرقته عند إدباره ، ~~لحادث يصرفه عنك ، ويستنزعه (12) منك ، فإن PageV02P326 # من لم تحسن بديهته عند نائبته ، (1) ويغلب جميل عزائه (2) جليل مصيبته ، ~~قبل أن تدور الدوائر بفجيعته عيل (3) صبره ، وامتلأ بالرزايا (4) صدره ، ~~إذا هجم عليه غائبها ، وبرك بكلاكله (5) على كاهله نائبها. # يا بني : رب النعم بالشكر فإن النعم أقسام ، تقسمها الأيام ، ثم تضرب لها ~~أجلا ، وتجعلها بين الخلائق دولا ، تمتع بها قوما وتعدمها (6) آخرين ، ثم ~~تسلبها بالكلية من الناس أجمعين ، وليس عليها شرائط للمستفيدين ، ~~يستوجبونها دون الآخرين ، (7) ما كانوا في الأحياء المرزوقين ، ويستحيل أن ~~يكون ذلك في أمل الآملين ، وإنما هي بلاغ وعارية إلى حين. ms18 ### | [المبادرة إلى الخير] # يا بني : وما كان لأوله ابتداء ، فلآخره انقضاء ، ولا بد أن يجري عليه ~~عند نهايته الفناء ، وإذا أوجبت العطية فأسرع بها البدار ، (8) وأنجز موعدك ~~لأهل الاضطرار ، قبل أن يذهب نشاطك ، وينقبض انبساطك ، وعجل بالمعروف ، كي ~~يتجدد لك شكر الملهوف ، وإذا أردت إنعاما وإتحافا فلا ترد بذلك مطلا ، وكن ~~عند نفسك لما دعتك إليه من ذلك أهلا ، ولا تكدره بالتأخير ، ولا تستدع الذم ~~فيه بضرب المعاذير ، فإن ذلك منقصة لك عند الصغير والكبير. # يا بني : ارع سالف الحرمة وأد حقها ، وسدد طرقها ، ولا تنس ذمتها ، ولا تمل PageV02P327 # طول صحبتها ، فيعود ذو الثقة بك (1) من وفائك يائسا ، ويظهر لك بعد ~~الاسفار (2) وجها عابسا ، وأرفد (3) من أتاك مسترفدا ، وكن له بما يمكنك ~~مستعدا ، (4) فإن عجزت عن رفده ، فاردد عليه ماء وجهه بما يحسن من رده ، مع ~~بشر تبسطه ، وتحل من ورطه ، فإن ضربت له عذرا عذر ، (5) وإن أوليته وأنلته ~~معروفا شكر ، وعد القليل مع الانبساط كثيرا ، والكثير مع الجبروت (6) حقيرا. ### | [نصائح سياسية] # يا بني : وإذا وجدت للرخاء موضعا منفسحا ، لم تكثر به إلى الطماح مرحا ، ~~(7) وإن كنت ممن يصحب الملوك ، فاصحبهم بالجلال والتعظيم يكرموك ، ولا ~~يحملك كثرة الأنس بهم ، على الحرص فيما ينقصك من مودتهم ، وأكثر الهيبة لهم ~~، فإنهم إنما أطالوا الحجاب ، وصفدوا (8) دون العوام الأبواب ، لتملأ ~~القلوب هيبتهم ، وترعد الفرائص سلطنتهم ، (9) فعلى حسب هذا فاصحبهم ، (10) ~~وإلا فأقصر عن الاتصال بهم. # يا بني : ولا يكثر من دهرك يأسك ، ولا عند تثبطه بأملك إبلاسك ، (11) فإن ~~جميع من يحسد على ما أفضى (12) إليه ، لم يدركه إلا بعد تأبيه وتعذره عليه. PageV02P328 ### | [التأمل] # يا بني : وأكثر التأمل فيما يشخص إليه طرفك ، وتمناه (1) نفسك ، مما ~~أوتيه من هو أجل منك قدرا ، وأكثر منك يسرا ، إلى ما تؤول إليه العواقب ، ~~وما ذا تديره عليه النوائب ، فربما كان ذو الاقلال ، أنعم بالا وأحسن حالا ~~من صاحب الأموال ، ومن سقته الدنيا من صفو لذاتها (2) كأسا ملأ ، جرعته من ~~كريه مرارتها ما يعود عليه وبالا ، لأن صفوها ممزوج بالكدر ms19 ، وأملها متنكد ~~بالغير ، وعلى كل رائق (3) منها للناظرين ، رقباء غير غافلين ، يستلبون ~~المهج ، ويدرسون بهجة المنهج ، (4) مع كثرة الإعراض ، وسرعة الإنعاض ، ~~وتضييق الغلاصم ، (5) بخفي العظائم ، والحفظ بعيد عمن غلظ طبعه ، وضاق خلقه. # واعلم يا بني : أن العاقبة ، نعمة كاملة ، وإن أعطي الانسان (6) من دهره ~~المنى ، وأتحف منه بالرضى. ومن كثرت دعته ، (7) وحسن خلقه ومروءته ، فقد ~~استكمل الفضل ، وحاز بفوزه الخصل (8). # يا بني : ولو شري الخلق الحسن بجميع الدنيا لكان رخيصا ، وكان شاريه وإن ~~بقي فقيرا بالظفر مخصوصا. ### | [حوادث الأيام] # واعلم يا بني : أن الأيام نبل مسمومة ، والخلق أهداف مرمية ، والزمان لهم ~~مرشق يرميهم في كل يوم بنافرة ، وتدور على الكواهل بأدمع دائرة ، حتى يدع ~~اللحم عريضنا ، PageV02P329 # والعظم مهيضا ، (1) ويستغرق كل يوم من أجزاء الانسان جزوا ، يصيره به ~~نضوا ، (2) فما ذا يبقي من الأجسام ممر الليالي والأيام ، وكم ذا يكون ~~صبرها على نوافر (3) السهام ، فيا أيها ذا الذي دلاه (4) الغرور بالغرور ، ~~وزين له ما يستقبح في عواقب الأمور ، لو هتكت لك مسدلات الأستار ، عما ~~يخترم (5) منك الليل والنهار ، وما يكر به لينجز (6) ما بقي منك العشي ~~والإبكار ، لأمضك (7) الجزع وقل منك الاصطبار ، ولأوحشك من الساعات التكرار ~~، ولكن تدبير من بيده الأقدار ، يعزب عن أن يعلم كنهه بالاعتبار (8). # يا بني : فاسل بكثير غوائل (9) الدنيا عنها ، وخذ ما صفي منها ، فإن ~~ضجيعها مغبون ، والراكن إليها مفتون ، والوافر الحظ منها فيها (10) محزون ، ~~وهي أقل من كل قليل سماه المسمون ، وقد عجز عن وصف عيوبها الواصفون ، وقصر ~~عن علم عجائبها العالمون. # تم كتاب المكنون بحمد الله ومنه وتوفيقه ، وحسن إعانته. # والحمد لله كثيرا بكرة وأصيلا. # * * * PageV02P330 ms20