######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | مناظرة مع ملحد PageV01P291 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [مدخل إلى المناظرة] # قيل : كان وافى (1) مصر رجل من الملحدين فكان يحضر مجالس فقهائها ، ~~ومتكلميها ، فيسألهم (2) عن مسائل الملحدين ، وكان بعضهم يجيب عنها جوابا ~~ركيكا ، وبعضهم يزجره ويشتمه ، فبلغ خبره القاسم بن إبراهيم عليه السلام ، ~~وكان بمصر متخفيا (3)، في بعض البيوت فبعث صاحب منزله ليحضره عنده ، ~~فأحضره ، فلما دخل عليه قال له القاسم رضي الله عنه : إنه بلغني أنك تعرضت ~~لنا ، وسألت : أهل نحلتنا (4)، عن مسائلك ، ترجو أن تصيد أغمارهم (5) ~~بحبائلك (6)، حين رأيت ضعف علمائهم عن القيام بحجج الله ، والذب عن دينه ، ~~ونطقت على لسان شيطان رجيم لعنه الله : ( @QUR@06 وقال لأتخذن من عبادك ~~نصيبا مفروضا ) (118) [النساء : 114]. # فقال الملحد : أما إذا عبت أولئك ، وعيرتهم بالجهل فإني سائلك ، وممتحنك ~~، فإن أجبت عنهم فأنت زعيمهم (7)، وإلا فأنت إذا مثلهم. # فقال القاسم عليه السلام : سل عما بدا لك ، وأحسن الاستماع ، وعليك ~~بالنصفة (8)، وإياك والظلم (9)، ومكابرة العيان ، ودفع الضرورات (10)، ~~والمعقولات ، أجبك عنه ، وبالله أستعين ، وعليه أتوكل ، وهو حسبي ونعم ~~الوكيل. PageV01P293 ### | [إثبات وجود الصانع وحدوث العالم] # فقال الملحد عند ذلك : حدثني ما الدلالة على إنية الصانع؟ (1) # قال القاسم عليه السلام : الدلالة على ذلك قوله في كتابه عز وجل : ( ~~@QUR@070 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ~~ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ~~ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة ~~فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) @QUR@013 ~~ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) @QUR@012 ~~وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7)) [الحج : 5 7]. # ووجه الدلالة في هذه الآية فهو : كون الإنسان ترابا ، ثم نطفة ، ثم علقة ~~، لا تخلو هذه الأحوال من خلتين : # إما أن تكون محدثة ، أو ms01 قديمة ، فإن كانت محدثة فهي إذا من أدل الأدلة ~~على وجود إنيته ، لعلل : # منها : أن المحدث متعلق في العقل بمحدثه ، كما كانت الكتابة متعلقة في ~~العقل (2) بكاتبها ، والنظم بناظمه. إذ لا يجوز وجود كتابة لا كاتب لها ، ~~ووجود أثر لا مؤثر له في الحس ، والعقل. # ومنها : أن المحدث هو ما لم يكن فكون ، فهو في حال كونه (3) لا يخلو من أحد PageV01P294 # أمرين : # إما أن يكون هو كون نفسه ، أو غيره كونه (1)!! # فإن كان هو الذي كون نفسه لم يخل أيضا من أحد أمرين : # إما أن يكون كون نفسه وهو معدوم ، أو كونها وهو موجود! فإن كان كونها وهو ~~معدوم ، فمحال أن يكون المعدوم أوجد نفسه وهو معدوم. وإن كونها وهو موجود ، ~~فمحال أن يكون الموجود أوجد نفسه وهو موجود. إذ وجود نفسه قد أغناه عن أن ~~يكونها ثانيا. فإذا بطل هذا ثبت أن الذي كونه غيره ، وأنه قديم ليس بمحدث ، ~~إذ (2) لو كان محدثا كان حكمه حكم المحدثات. # وإن كانت الأحوال قديمة فذلك يستحيل ، لأنا نراها تحدث شيئا بعد شيء في ~~حين واحد ، في نفس واحدة ، فلو كانت (3) كلها مع اختلافها في أنفسها ~~وأوقاتها قديمة ، لكانت الترابية نطفة مضغة دما علقة عظما لحما إنسانا ، في ~~حالة واحدة ، إذ القديم هو الذي لم يكن ، ولم يزل (4) وجوده ، وإذا لم يزل ~~وجود هذه الأحوال ، كان على ما ذكرت وقلت ، من كونه ترابا مضغة لحما عظما ~~إنسانا ، في حالة واحدة ، إذ الأحوال لم يسبق بعضها بعضا ، لأنها قديمة ، ~~ولأن كل واحد منها (5) في باب القدم سواء ، فإذا استحال وجود هذه الأحوال ~~معا في حين واحد ، في حالة واحدة ، وثبت (6) أن الترابية سابقة للنطفية ، ~~والنطفية (7) سابقة للحال ، التي بعدها (8)، صح الحدوث ، وانتفى عنها PageV01P295 # القدم (1)، وإذا صح الحدوث فقد قلنا بديا : إن المحدث متعلق في العقل ~~بمحدثه. # قال الملحد : وما أنكرت أن تكون (2) الأحوال حديثة ، وأن العين التي هي ~~الجسم قديمة. # قال القاسم عليه السلام : أنكرت ذلك من حيث لم أره منفكا عن هذه الأحوال ms02 ~~بتة ، ولا جاز أن ينفك (3) (فلما لم أره منفكا من هذه الأحوال ولا جاز أن ~~ينفك)، كان (4) حكم العين كحكم الأحوال في الحدوث. # قال الملحد : ولم؟ # قال القاسم عليه السلام : من قبل أنها أعني العين إذا كانت قديمة وكانت ~~الأحوال محدثة ، فهي لم تزل تحدث فيها الأحوال ، وإذا قلت لم تزل تحدث فيها ~~ناقضت ، لأن قولك : لم تزل خلاف قولك : تحدث. والكلام إذا اجتمع فيه إثبات ~~شيء ونفيه في حال واحد استحال. وذلك أنها إذا لم تزل تحدث فيها ، فقد ~~أثبتها قديمة (5) لم تزل تحدث فيها ، وإذا كان هذا هكذا فهي لم تسبق الحدث ~~، فقد صار الحدث قديما ، لأنه صفة الجسم الذي هو قديم ، وإذا كانت صفته ~~استحال أن تكون صفة القديم الذي لا يخلو (6) منها ولا يزول عنها محدثة (7) ~~، وهذا محال بين الإحالة ، لأن فيه تثبيت المحدث قديما ، والقديم محدثا. # قال الملحد : فما أنكرت أن تكون هذه الأعيان هي التي فعلت الأحوال؟ # قال القاسم عليه السلام : بمثل ما أنكرت زيادتك الأولى ، لأنه لا فرق بين أن PageV01P296 # تكون هي الفاعلة ، وهي لم (1) تسبق فعلها ، أو تكون هي قديمة وهي لم تسبق ~~صفاتها (2)، لأن الفاعل سابق لفعله متقدم له ، وكذلك القديم الذي لم يزل ، ~~سابق للذي لم يكن ، لأن في إثبات الفعل له إثبات حدث فعله ، وإذا لم يسبق ~~فعله فقد جمعت بينهما في حال واحد ، وثبت للشيء الواحد القدم والحدوث في ~~حالة واحدة ، وهذا محال بين الإحالة. ### | [نظرية الهيولى والصورة وحدوث الأشياء من بعضها] # قال [الملحد] : فإني لم أر كون شيء إلا من شيء ، فما أنكرت أن تكون ~~الأشياء لم تزل يتكون بعضها من بعض؟ وما أنكرت أن يكون الشيء الذي هو الأصل قديما؟ # قال القاسم عليه السلام : أنكرت ذلك أشد الإنكار ، وذلك أن الشيء الذي هو ~~الأصل لا يخلو من أن يكون فيه من الأحوال والهيئات والصفات مثل ما في فرعه ~~، أو ليس كذلك؟! فإن كان فيه مثل ما في فرعه ، فحكمه في الحدث كحكمه ، وقد ~~تقدم (3) الكلام في ms03 هذا المعنى بما فيه كفاية ، على أنا نجد الصور والألوان ~~والهيئات والصفات بعد أن لا نجدها فيه (4)، ووجود الشيء بعد عدمه هو أدل ~~الدلالة على حدثه!! # فحدثني عن الصورة (5) من أي أصل حدثت (6)؟ فإن قلت إنها قديمة أحلت ، ~~وذلك أنها لا تخلو من أمور. PageV01P297 # أحدها : أن الصورة لو كانت قديمة لكانت في هذا المصور (1) الذي ظهرت فيه ~~الصورة ، أو في عنصره الذي تسمونه" هيولى" (2)، فإن كان في هذا المصور بان ~~فساد قولكم ودعواكم ، إذ قد نجده بخلاف (3) هذه الصورة ، وإن كانت في الذي ~~تسمونه" هيولى" ، فلا بد إذا ظهرت في هذا المصور أن تكون قد انتقلت عنه إلى ~~هذا (4) فإن قلت : انتقلت. أحلت ، لأن الأعراض (5) لا يجوز عليها الانتقال ~~، على أن في الصورة ما يرى بالعيان ، فإن كانت منتقلة فما بالها خفيت عند ~~الانتقال ، وظهرت عند اللبث؟! # وفيه خلة أخرى وهي : أنها (6) لو كانت في الأصل (7)، ثم انتقلت عنه إلى ~~فرعها (8)، فقد جعلت لانتقالها غاية ونهاية ، وإذا جعلت لها غاية ونهاية ~~(9) فقد صح حدث (10) الذي انتقلت عنه هذه الأحوال (11). # فإن قلت : لم تزل تنتقل. كان الكلام عليك في هذا المعنى ، كالكلام الذي ~~قدمناه آنفا في" باب لم تزل تحدث". PageV01P298 # وفيه معنى آخر وهو : أنك إذا جعلت الأشياء في وهمك شيئين ، إذا أفردت كل ~~واحد من صاحبه نقص ، وانتهى إلى حد ما وقل ، وإذا جمعت كل واحد إلى صاحبه ~~زاد ، وانتهى إلى حد ما وكثر ، أفليس (1) إذا انتهى في حال ، وزاد فكثر أو ~~نقص فقل ، فالنقص والزيادة يخبران بالنهاية عنه (2)؟! وإذا ثبت فيه ~~النهاية ، ثبت فيه الحدوث (3)!!! ### | [نظرية الكمون والظهور] # قال الملحد : ما أنكرت أن تكون صورة التمرة والشجرة كامنة في النواة ، ~~فلما وجدت ما شاكلها ظهرت؟! # قال القاسم عليه السلام : إن هذا يوجب التجاهل ، وذلك أنا لو تتبعنا أجزاء ~~النواة لم نجد فيها ما زعمت. # وشيء آخر وهو : أنه لو جاز هذا لجاز أن يكون الإنسان كامنة فيه (4) صورة ~~الخنزير ، والحمار ، والكلب ، وإذا كان ذلك كذلك ، كان (5) الإنسان إنسانا ~~في ms04 الظاهر ، كلبا ، حمارا ، خنزيرا ، فيلا ، في الباطن!! فإن قلت ذلك ، ~~لحقت بأصحاب سوفسطاء (6). PageV01P299 # فإن شئت تكلمنا فيه. على أنه قد ظهر من حمقهم لأهل العقول ما يزعهم (1) ~~عن القول بمقالتهم. # قال الملحد : وكيف يجوز أن يكون الإنسان إنسانا في الظاهر ، وكلبا حمارا ~~خنزيرا فيلا (2)، في الباطن؟! قال القاسم عليه السلام : كما جاز أن تكون ~~صورة التمرة والنخلة كامنة في النواة!! # قال الملحد : فإن بين التمرة والنخلة والنواة مشاكلة ، وليس بين الإنسان ~~والكلب مشاكلة. # قال القاسم عليه السلام : لو كان بين التمرة والنخلة والنواة مشاكلة مع ~~اختلاف الصورة ، لجاز أن يكون بين الإنسان والكلب مشاكلة!! # قال الملحد : فإن النواة إذا انتقلت من صورتها ، انتقلت إلى صورة النخلة (3). # قال القاسم عليه السلام : وكذلك الإنسان إذ تفرقت أجزاؤه جاز أن يكون كلبا ~~في الطبع والقوة والهيولية عندك ، فمهما أتيت به فيه من شيء (4) تريد الفرق ~~بينهما فهو لي عليك ، أو مثله. # ووجه آخر وهو : أن الصورة لو كانت في الأصل نفسه ، لكان الأصل نفسه هو ~~التمرة ، لأن التمرة إنما بانت من (5) سائر المصورات ، وعرفت من غيرها ~~بالصورة ، فعلى هذا يجب أن يكون أصلها التمرة ، وهذا مكابرة العقول ، لأنه ~~لو كان هذا هكذا ، لكان PageV01P300 # ظهورها في نواتها أقرب وأشهر وأعم ، ولم يستحل وجود صورتين معا (1) في ~~حين واحد. # قال الملحد : إن النواة هي تمرة بالقوة الهيولية ، أعني أنها إذا انتقلت ~~لم تنتقل إلا إلى شجرتها ، ثم إلى ثمرتها ، ثم تعود إلى أصلها ، ثم تصير ~~نواة في وسطها. # قال القاسم عليه السلام : لو كان هذا هكذا ، لكانت الطبيعة (2) التي هي ~~الأصل تمرة بالقوة الهيولية ، إن كنت ممن يقول بالدهر ، وإن كنت ثنويا ~~فالنور والظلمة ، وما أصلت من أصل فيجب على هذا أن يكون ذلك الأصل تمرة ~~بالقوة ، لأنها إذا انتقلت انتقالاتها صارت تمرة ، وهذه مكابرة (3) واضحة ، ~~وذلك يوجب عليك أن الأصل البحت : تمرة ، نواة ، خوخة ، باذنجانة ، لأنه ~~جائز عندك الانتقال من صورة إلى صورة. وإن (4) كان حكم الأصول في الهيئات ~~(5) خلاف حكم الفروع فسنقول فيه ms05 قولا شافيا إن شاء الله. # قال الملحد : إن صححت أن (6) حكم الأصول حكم الفروع (7)، تركت مذهبي ، ~~فإنه قد عظمت علي الشبهة في هذا الموضع. # قال القاسم عليه السلام : اعلم أن طرق العلم بالأشياء مختلفة. # فمنها : ما يعرف بالحس. # ومنها : ما يعرف بالنفس. # ومنها : ما يعرف بالعقل. # ومنها : ما يعرف بالظن والحسبان. PageV01P301 # فأما الذي يعرف بالحس فطرقه خمس : # سمع ، بصر ، شم ، ذوق ، لمس. # فالسمع طريق الأصوات ، والكلام. # والبصر طريق الألوان ، والهيئات. # والذوق طريق المطعوم. # والشم طريق الأراييح (1). # واللمس طريق اللين والخشونة. # وما يعرف بالنفس فالخجل ، والوجل ، والسرور ، والحزن ، والصبر ، والجزع ، ~~واللذة ، والكراهية ، وما أشبه ذلك من التوهم ، وغيره. # وأما ما يعرف بالعقل فشيئان : أحدهما : يدرك (2) ببديهته مثل تحسين الحسن ~~، وتقبيح القبيح ، وحسن التفضل ، وشكر المنعم ، ومثل تقبيح كفر المنعم ، ~~والجور ، وما يجانسه من علم بدائه العقول. # والوجه الثاني هو : الاستنباط ، والاستدلال ، الذي هو نتيجة العقول (3) كمعرفة الصانع ، ~~وعلم التعديل ، والتجوير ، والعلم بحقائق الأشياء. # وأما ما يعرف بالظن والحسبان فهو : القضاء (4) على الشيء ، بغير دليل ، ~~فهذا ربما يصيب ، وربما يخطي ، وإنما لخصت لك هذا كله ، ليكون عونا لنا ~~فيما تأخر من كلامنا ، ويكون أحد (5) المقدمات التي نرجع إليها ، فكل (6) ~~شيء من هذه العلوم لا يصاب إلا من طريقه ، ولو حاولته من غير طريقه لتعسر ~~عليك ، وكنت كمن طلب PageV01P302 # علم الألوان بالسمع ، وعلم الذوق بالعين. # فأما أحوال (1) الأجسام فإن (2) طريق المعرفة بها من جهة البصر ، والبصر ~~لا يؤدي إلى الإنسان إلا الأجسام ، لأن الأجسام لا يجوز أن (3) تخلو من هذه ~~الصفات ، فيتوهمه ويمثله (4) في نفسه خاليا منها ، فإذا لم يجز ذلك ، ثبت ~~أن الأجسام لا تخلو من هذه الصفات ، وأنه لا يكون حكم أصولها إلا كحكم ~~فروعها. ### | [علة وجود الأشياء وفسادها] # قال الملحد : إنهم يزعمون أن علة كون الأشياء ، وفسادها حركات الفلك ، ~~وسير الكواكب ، وبعضهم يقول : إن علتها تمازج الطبيعتين ، أعني النور ~~والظلمة ، وبعضهم يقول غير ذلك. # قال القاسم عليه السلام : الدليل على فساد قولهم : قول الله تبارك وتعالى ~~: ( @QUR@09 ومنكم من يتوفى ومنكم ms06 من يرد إلى أرذل العمر ) [الحج : 5] ، ~~وقوله : ( @QUR@07 ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون ) (68) [يس : 55]. # فلو كان علة كونه ما ذكروا (5) لكان الإنسان لا يتوفى في طفوليته ، ولا ~~يفسد كونه ، مع وجود علة كونه ، اللهم إلا أن يقروا بحدوث علة الفساد ، ~~فيكونوا حينئذ تاركين لمذهبهم ، فإن قالوا : بل علة كونه وفساده قديم. ~~فالشيء (6) إذا كان فاسدا في حال ، كان فيها صالحا ، إذ عللهما موجودة ، ~~ومحال أن تكون عللهما موجودة ويتوفى PageV01P303 # هذا في الطفولية ، ويرد هذا إلى أرذل العمر ، وينكس هذا في الخلق. إذ ~~يعمر (1)؛ إن هذا لعمري لعكس العقول. # قال الملحد : لو لزمهم ذلك ، للزمك حين زعمت : أن الله علة كون الأشياء ~~وفسادها ، مثل ما ألزمت خصومك. # قال القاسم عليه السلام : ولا سواء! وذلك أنا لا نزعم أن الله علة كون ~~الأشياء وفسادها ، بل نزعم : إن الله تعالى هو الذي كون الشيء ، وأفسده من ~~غير ما (2) اضطرار. والدليل على أن الله عز وجل ليس بعلة فعله (3) ذلك ؛ أن ~~أفعاله مختلفة الأحوال ، منتقلة الصفات. فلو كان هو العلة لما زال شيء عن ~~صفته ، لأنه عز ذكره قديم ، والقديم لو كان علة شيء ، لم يزل معلوله ، كما ~~لم يزل هو في ذاته ، وزوال الأشياء عن صفاتها يدل على أن الله عز وجل ليس ~~بعلة ولا معلول. # فقال الملحد حينئذ (4): بارك الله فيك ، وفي من ولدك ، فقد أوضحت ما كان ~~ملتبسا علي ؛ وإني سائلك عن غيرها ، فإن أجبتني عنها كما أجبت أسلمت. # قال القاسم عليه السلام : إن أسلمت فخير لك ، وإن أصررت فلن يضر الله ~~إصرارك! سل عما بدا لك. ### | [توحيد الخالق] # قال الملحد : ما الدلالة على أن صانع العالم واحد؟ # قال القاسم عليه السلام : لأنه لو كان أكثر من واحد ، لم يخل من أن يكون ~~كل واحد من الصانعين حيا ، قادرا. أو ليس كذلك؟! فإذا (5) كان كل واحد ~~منهما حيا PageV01P304 # قادرا ، لم يكن محالا متى أراد هذا خلق شيء ، أن يمنعه الآخر من خلقه ~~لذلك الشيء بعينه ، ولو منعه صاحبه من ذلك ms07 ، كان الممنوع عاجزا ، ودلك عجزه ~~على حدثه! وإن تمانعا ، وتكافأت قواهما ، وقع الفساد ، ولم يتم لواحد منهما ~~خلق شيء ، ودخل على كل واحد منهما العجز ، إذ لم يقدر كل واحد منهما على ~~مراده. فلما وجدنا العالم منتظما ، متسق التدبير ، دلنا على (1) أن صانع ~~ذلك ليس باثنين ، ولا فوق ذلك. # قال الملحد : ما أنكرت أن يتفقا ، ويصطلحا؟ # قال القاسم عليه السلام : إن الاتفاق والاصطلاح يدلان على حدث من تعمدهما ~~، لأنهما لا يتفقان إلا عن ضرورة ، والمضطر فمحدث لا محالة. # قال الملحد : إنهم يقولون : إن صانع الخير لا يأتي بالشر أبدا ، وكذلك ~~صانع الشر لا يأتي بالخير أبدا (2). # قال القاسم عليه السلام : إن هذا مكابرة العقول. # قال الملحد : وكيف ذلك؟ # قال القاسم عليه السلام : لأن ذلك يدعو إلى القول بأن أحدا لم يذنب قط ، ~~ثم اعتذر من ذنبه (3)؛ وإلى القول بأن إنسانا واحدا لم يصدق ولم يكذب ، ~~ولم يضل ولم يهتد (4)، ألا ترى أنهم (5) يزعمون أن انتحالهم حق ، وأنه ~~واجب على الناس الرجوع إلى مذهبهم ، فإن كان الشيء الواحد لا يأتي بالخير ~~والشر ، فحدثني من يدعون إلى مذهبهم؟ فإن قالوا : الخير. قيل : فإن الخير ~~لا يضل أبدا. وإن قالوا : الشر. فالشر لا PageV01P305 # يهتدي أبدا. فليت شعري من هذا (1) الذي يدعونه إلى مذهبهم. # قال الملحد : لعمري لقد ألطفت (2) في الاستخراج على القوم ، ولعمري إن ~~هذا مما يقطع شغبهم ، ولكنهم يقولون : لما كان في العالم خير وشر ، دلنا ~~ذلك على أنهما من أصلين قديمين. # قال القاسم عليه السلام : أما وجود الخير والشر في العالم ، فإنا نجده ؛ ~~إلا أن هذا يدلنا على أن صانع العالم واحد. # والدليل على ذلك : أن الخير والشر ، معتقبان على الخير والشرير ، ~~ووجدناهما محدثين ، وقد قدمنا الكلام في هذا المعنى بما فيه كفاية ، وبينا ~~أن العالم أصله وفرعه محدث ، وأن المحدث يقتضي المحدث ، (فإن كان حكم فاعله ~~كحكمه ، أوجب ذلك حدوث صانع العالم ، ويقتضي المحدث) (3)، فإن كان هذا ~~هكذا ، فلكل صانع صانع ، إلى ما لا نهاية له ، وقد بينا فساده آنفا ms08 (4). # ووجه آخر وهو : أن الخير والشر ليس اختلافهما يدل على قدمهما ، ليس ~~اختلافهما بأعظم (5) من اختلاف الصور والهيئات. وقد قلنا : إن اختلافهما ~~يدل على من خالف بينها ، واخترعها (6) مختلفة ، فلو كان الخير والشر وسائر ~~المختلفات قديمة ، لكان فيها دفع الضرورات. # ووجه آخر : ذلك (7) أنا نرى خيرا لمعنى ، وشرا لمعنى آخر ، ونرى الخير والشر PageV01P306 # مجتمعين في حين (1) واحد ، فلا يخلوان في حال اجتماعهما من أمور : إما أن ~~يكونا اجتمعا بأنفسهما ، أو جمعهما غيرهما ، فإن كانا اجتمعا بأنفسهما ~~فمحال (2)، وذلك أنهما ضدان ، والضدان لا يجتمعان بأنفسهما ، لأنا (3) ~~نشاهد نفورهما ، وفرار كل واحد من صاحبه ، فإذ فسد ذلك ، لم يبق إلا أن ~~جامعا جمعهما. # ووجه آخر وهو : أنه لو كان وجود الخير والشر ، دالا على أن لهما أصلين ~~قديمين ، لكان وجود الطبائع الأربع دالا على أن لها أصولا قديمة ، وإذا كان ~~هذا هكذا ، دلنا على أن شاهدهم شاهد زور. ### | [حكمة خلق العالم] # قال الملحد : فإذا لم يكن العالم واحدا قديما ، ولا كان (4) مزاج الاثنين ~~، وكان صنعا من صانع قديم ؛ فحدثني. لم خلق الله هذا العالم؟ # قال القاسم عليه السلام : إن هذا الكلام فرع من أصل ، فإن سلمت لي الأصل ~~كلمتك فيه ، وإلا نازعتك في الأصل. # قال الملحد : وما ذلك الأصل؟ # قال القاسم عليه السلام : هو أن تعلم بالدلائل : أن العالم محدث ، وأن له ~~محدثا ، ثم تعلم: أن محدثه واحد ، قديم ؛ ثم تعلم : أنه قادر ، حي ، حكيم ~~في نفسه ، وفعله. # قال الملحد : قد دللت على الصانع ، وعلى أنه واحد ، فما الدليل على أنه ~~قادر حي حكيم؟ # قال القاسم عليه السلام : الدليل على ذلك أنا وجدنا الفعل المتقن المحكم متعذرا PageV01P307 # إلا على القادر الحي الحكيم العالم ؛ فلما وجدنا الفعل المحكم واقعا ، ~~دلنا ذلك على أن صانعه عالم ، قادر ، حي ، حكيم. # قال الملحد : فهل وجدت الفاعل الحكيم القادر سوى الإنسان؟ # قال [القاسم] : لا. # قال [الملحد] : أفتقول إنه إنسان؟ # قال [القاسم] : إني وإن لم أجد إلا إنسانا ، فلم يقع الفعل منه لأنه ~~إنسان ، إذ قد وجدنا إنسانا ms09 تعذر عليه الفعل ، فلما وجدناه متعذرا عليه ؛ ~~دلنا ذلك على وجود فاعل ليس بإنسان (1). # ألا ترى أنا لما قلنا : إنه لا يجوز كون الفعل إلا من قادر حكيم ، جائز ~~منه ذلك. فكان قولنا فيه مستمرا ؛ ولما لم يستمر القول في ذلك (2) لم نقل به. # (قال الملحد : قد أبلغت في هذا ، فنرجع إن شئت إلى مسألتي. # قال [القاسم] : سل) (3). # قال [الملحد] : لم خلق الله العالم؟ # قال القاسم عليه السلام : قال الله سبحانه : ( @QUR@08 الذي خلق الموت ~~والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) [الملك : 2] ، وقال : ( @QUR@06 وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون ) (56) [الذاريات : 56] ، وقال : ( @QUR@010 وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) [الجاثية : 13]. فأخبر أنه ~~خلقنا للعبادة ، والابتلاء ، وليبلغ بنا إلى أرفع الدرجات ، وأعلى المراتب. PageV01P308 # قال الملحد : فما دعاه إلى خلقنا؟ ألحاجة خلق؟ # قال القاسم عليه السلام : أما قولك : ما دعاه؟ فمحال. # وذلك أنه لم يزل عالما بلا سهو ، ولا غفلة. فقولك : ما دعاه (1)؟ محال. ~~لأن الدعاء ، والتنبيه ، والتذكير ، إنما يحتاج إليها الغافل ؛ فأما الذي ~~لا يجوز أن يغفل ، فمحال أن يدعوه شيء إلى شيء ؛ إذ لا غفلة هناك ، ولا ~~سهو. والدليل (2) على ذلك : أن الغفلة من الدلالة على الحدوث ؛ وقد قامت ~~الدلالة على أنه قديم. وأما قولك : ألحاجة خلق؟ فالحاجة أيضا من صفات ~~المحدثين ، والقديم يتعالى عنها. # قال الملحد : فلم خلق؟! # قال القاسم عليه السلام : أما قولك : لم خلق؟ فقد أجبتك ، وذلك في ~~الجوابين السابقين لهذا. لأن قولك «لم»؟ سؤال. وقولي : «لأن» إجابة. # قال الملحد : فما وجه الحكمة في خلق العالم ، وخلق الممتحنين؟ # قال القاسم عليه السلام : وجه الحكم في ذلك ، أنه إحسان ، أو داع إلى ~~إحسان ، وكل من أحسن ، أو دعا إلى إحسان ، فهو حكيم فيما نعرفه. # قال الملحد : وكيف يكون حكيما من خلق خلقا فآلمه بأنواع الآلام؟ وامتحنه ~~بضروب من الامتحان ، أخبرني عن وجه (3) الحكمة في ذلك ، من الشاهد؟ # قال القاسم عليه السلام : أما قولك : كيف يكون حكيما ، من خلق خلقا ، ~~فآلمه بأنواع الآلام؟ فوجه الحكمة في ذلك من الشاهد ms10 (4)، أنا وجدنا من ~~الآلام في الشاهد ما هو داع إلى الإحسان. من ذلك : ضرب المؤدبين للصبيان ~~(5) ومنه الحجامة ، والفصد (6)، PageV01P309 # وشرب الأدوية الكريهة ؛ كل ذلك داعية إلى الإحسان ، وإلى شيء حسن في ~~العقل ، فإذا كان من الآلام (1) في الشاهد ما هو كذلك ، فكل ما (2) كونه من ~~قبل الله عز وجل ، مثل الموت والمرض والعذاب وغيره ، حكمة في الصنع ، وصواب ~~في التدبير ، إذ كان كل ذلك داعية إلى إحسان. # قال الملحد : ما الدليل على أن ذلك داعية إلى الإحسان؟ # قال القاسم عليه السلام : الدليل على ذلك أنها أفعال الحكيم ، وقد صح أن ~~الحكيم إنما (3) يفعل هذه الأشياء ، التي هي الترغيب في السلامة والصحة ~~والخير ، والترهيب من الغم والشر (4) والسقم. ومن رغب في الخير ، فحكيم في ~~ما نعرفه. # وأما قولك : لم امتحن امتحانات ، عطب (5) أكثرهم عندها؟ # فإنا نقول في ذلك ولا قوة إلا بالله : إن الله سبحانه إنما امتحانه وأمره ~~ونهيه ، داعية له إلى الخير ، فمن عطب فمن قبل نفسه عطب (6)، لأنه لم ~~يأتمر بما أمره الله سبحانه ؛ ولا انتهى عما نهاها عنه ، ولو كان انتهى عما ~~نهاه عنه ، وركب ما أمر به ، لكان يؤديه ذلك إلى الفوز العظيم. # فهو : من قبل نفسه عطب ؛ لا من قبل الله عز وجل . # ومثل (7) ذلك فيما نعرفه : أن حكيما من حكمائنا لو أعطى عبيدا له دراهم ، ~~وقال لهم : اتجروا ، فإن ربحتم ، ولم تفسدوا ، فأنا معطيكم ما يكفيكم ، وإن ~~لم تفعلوا عاقبتكم. فأطاعه منهم قوم ، وعصاه آخرون ، لم ترجع اللائمة عليه ~~، بعصيانهم إياه ؛ ولكنها لا حقة بهم ، حين عصوه ، ولم يخرج دعاء سيدهم ~~إياهم وعطيتهم من الحكمة ؛ PageV01P310 # إذ لم يدعهم به إلا إلى الإحسان ، فلما كان ذلك كذلك ، كان الله حكيما ، ~~بامتحانه وأمره (1) ونهيه. # قال الملحد : إن الله يعلم ما هو صائرون إليه ، ونحن لا نعلم ذلك (2). # قال القاسم عليه السلام : إن الجهل ، والعلم (3)، لا يحسن الحسن ، ولا ~~يقبح القبيح ، وذلك لأنه (4) لو كان حسنا لأن الآمر به يعلم أنه يفعله (5) ~~لكان ذلك قبيحا ، إذا (6) كان الأمر ms11 منا بما يصير إليه المأمور جاهلا ، ~~فلما (7) لم يكن ذلك قبيحا لجهل الآمر منا ، لأنه إنما (8) أمر بالحسن ودعا ~~إلى الحسن ، وإن كان جاهلا بما يصير إليه المأمور [دل ذلك على أنه لا فرق ~~بين أن يكون الآمر بالحسن ، والداعي إلى الحسن ، جاهلا بما يصير إليه ~~المأمور] (9)، أو عالما. # وشيء آخر : وهو أنه لو كان الامتحان قبيحا ، إذا علم أنه يعصى ، لكان لا ~~شيء أقبح من إعطاء العقل ، لأنه إنما يعصى عند وجوده ، ويستحق الذم والمدح ~~به ، فلما كان إعطاء العقل عند الأمم كلها موحدها وملحدها حسنا ، دل ذلك ~~على أن الامتحان والخلق والأمر بالحسن كله حسن ، علم أنه يعصي أو (10) يطيع. # قال الملحد : فلم مزج الخير بالشر ولم صار واحد غنيا ، وواحد فقيرا ، ~~والآخر قبيحا ، والآخر حسنا؟ PageV01P311 # قال القاسم عليه السلام : إن هذه الدار دار امتحان ، ودار ابتلاء ، وحقيقة ~~الامتحان فهو : أن يخلق فيه ، أو يأمره بشيء يثقل على طباعه ؛ فينظر هل ~~يطيع ، أم لا يطيع؟ # ولو خلق الله ما هو خفيف على طباعه ، ثم أمره بالخفيف لكان ذلك لذة له ، ~~وليس بامتحان (1). فلما كانت هذه الدار دار امتحان ، كان الواجب في صواب ~~التدبير ، أن يمزج الخير بالشر ، والنفع بالضر ، والمكروه بالمحبوب ، ~~والحسنة بالسيئة ، والكريه المنظر بالحسن المنظر ، إذ كانت الدار دار ~~امتحان ؛ لأنه (2) لو كان كله محبوبا كان دار الثواب ، ولو كان كله مكروها ~~، كان دار العقاب ، ودار الثواب والعقاب هذه صفتها. # واعلم أنه لو (3) لم تعرف علل ذلك لكان جائزا ، وذلك أنه في بدي الأمر ، ~~إذا أقمت الدلالة على أنه حكيم في نفسه وفعله ، ثم دللت على أن الكل من ~~أفعاله حكمة ، استغنيت عن معرفة علله. # ومثال ذلك من الشاهد : أنا لو هجمنا على آلات من آلات الصانع ، فرأينا ~~اعوجاج المعوجات ، واستواء المستويات ، وصغر بعضها ، وكبر بعضها ، وغلظ ~~بعضها ، ورقة بعضها ، فحكمنا (4) أن صانعها غير حكيم ، لكنا جاهلين بالحكمة ~~، نضع الحكمة في غير موضعها. بل حينئذ الواجب علينا أن نسلم للحكماء حكمتهم ~~، ونعرف أنهم لا يفعلون شيئا ms12 من ذلك إلا لضرب من الحكمة يعرفونه ، ونعلم ~~بأن المعوج والمستوي ، وكل زوج منها يصلح لعمل لا يصلح له الآخر ، فحينئذ ~~وضعنا الحكمة في موضعها. فاعرف ذلك وتبينه ، تجده كما قلنا إن شاء الله تعالى. # فلما (5) كانت أفعال الله كلها إحسانا ، أو داعية إلى الإحسان ، كان ~~تبارك وتعالى PageV01P312 # بفعلها كلها حكيما ، إذ كل ذلك حسن في العقل. # فإن قلت : لم فعل الحسن في العقل؟ # قيل لك : يفعل الحسن لحسنه ، ولو لم يفعل الحسن في العقل لحسنه ، لكان لا ~~يترك القبيح لقبحه في العقل (1)، وكفى بهذا القول قبحا. ### | [إرسال الرسل وحكمة التشريع] # قال الملحد : لقد أبلغت وقد بقيت لي مسائل. # قال القاسم عليه السلام : سل. # قال الملحد : ما الدليل على أن الصانع له رسول؟ # قال القاسم عليه السلام : الدليل على ذلك أن الصانع حكيم ، محسن إلى خلقه ~~، وفي العقل أن شكر المنعم واجب ، فلما كان هذا في عقولنا واجبا ، وكان ~~الله حكيما منعما على خلقه ؛ كان من كمال النعمة أن أرسل إليهم الرسل ، مع ~~دلائل اضطرت العقول إليها ، ليبين لهم كيفية شكره ، لأن كيفية (2) شكره ليس ~~مما يعلم بالعقل ، ولا بالنفس ، ولا بالحس ، ولا بالظن ، وإن كان في العقل ~~جوازه. فحينئذ أقام لهم معهم دلائل ومعجزات ، دل بها على صدقهم. # قال الملحد : كأنك تقول : إن شرائع الأنبياء خارجة عن العقول ، إذ قلت : ~~لا يعلم كيفيتها بها (3). # قال القاسم عليه السلام : أما قولك : إن شرائع الرسل خارجة عن العقول إذ ~~ليس فيها كيفيتها. فإني لم أقل لك (4) ليس فيها كيفيتها بتة ، بل اشترطت لك ~~فقلت لك : إنه PageV01P313 # وإن لم يكن فيها كيفيتها ففيها جواز كونها. # قال الملحد : وكيف ذلك؟ # قال القاسم عليه السلام : هو مثل ما تعرفه في الشاهد ، وذلك لو أن سيدا ~~أمر عبده ببناء دار ، أو قطع شجرة ، أو إعطاء عبد الله ، أو ضرب زيد ، فإنه ~~ليس في العقل أن السيد يأمر به (1)، فإذا أمر به كان في العقل أن الايتمار ~~به حسن ، وأن تركه قبيح ، إذا كانت (2) لأمر سيده ms13 عاقبة محمودة ، ومرجع نفع ~~إلى العبد ، فالعقل (3) يجوز الأمر بكل شيء على حياله ، ولا يوجب شيئا من ~~ذلك دون شيء ، إذا كان ذلك الأمر مما ينتقل حاله في العقل ، وذلك أنه قد ~~يكون المشي إلى موضع ما حسنا في العقل ، إذا كان للمشي معنى حسن ، فأما ~~اللواتي يدرك حكمها في العقل ، فقد أدرك بأن (4) الآمر بها لا يأمره إلا ~~بما هو حسن ، ولا ينهى إلا عن ما هو قبيح عنده. # قال الملحد : فحدثني عن الصلاة والصيام وغيرهما من الشرائع ، هل له أصل ~~في العقل (5) تفرع هذا منه؟ # قال القاسم عليه السلام : أجل ، قد أخبرتك به آنفا ، وهو كالأمر بالمشي ~~إلى موضع ما ، وكضرب زيد ، وإعطاء عبد الله ، ليس له أصل في العقل (6)، ~~أكثر من الايتمار لأمر الحكيم ، ووجه الحكمة فيه أن الآمر إنما يأمر به ~~لينظر هل يأتمر به المأمور فيجازيه لذلك؟ لا سيما إذا كان الآمر مستغنيا ، ~~غير محتاج إلى ما يأمر به ، وإنما يأمرهم ليمتحنهم ، وليظهر بذلك أعمالهم ، ~~فإن الأمر به حسن ، وعلى ذلك سبيل الشرائع كلها. # قال الملحد : خبرني عن كيفية معجزاتهم. # قال القاسم عليه السلام : هو قلب العادات ، وأن لا يترك العادات جارية على PageV01P314 # مجراها ، فإذا جاء أحدهم وقال له قومه : ما الدلالة على صدقك ، قال : ~~الدليل أن الله يقلب عاداتهم ، في كذا ، وكذا ، إلى كذا وكذا ، فحينئذ ~~يعرفون صدقه ، ويضطرون إلى قبول قوله ، وهذه سبيل المعجزات كلها ، وبمثل ~~ذلك (1) يفرق بين النبي والمتنبي ، وبين (2) الصادق والكاذب. ### | [الحكمة من الموت والبعث] # قال الملحد : فإنه (3) بقي في قلبي شبهة ، فأحب أن تقلعها بحسن رأيك ونظرك. # قال القاسم عليه السلام : هاتها لله أبوك! # قال الملحد : أخبرني عن الله عز وجل ، لم يميت الإنسان ، ويصيره ترابا ، ~~بعد أن جعله ينطق بغرائب الحكمة ، وبعد هذه الصورة العجيبة البديعة؟! ولم ~~يفني العالم كله؟! أرأيت لو أن إنسانا بنى بناء فنقضه لا لمعنى ، هل يكون ~~حكيما؟! # قال القاسم عليه السلام : ليس الأمر كما ظننته ، أرأيت لو أن إنسانا بنى ~~بناء للشتاء فلما ms14 جاء وقت الصيف نقضه وبناه للصيف ، هل يكون حكيما؟ # قال [الملحد] : نعم. # قال [القاسم] عليه السلام : ولم؟ # قال [الملحد] : لأن الذي اتخذه للشتاء ، لا يصلح للصيف ، وكذلك الذي ~~اتخذه للصيف لا يصلح للشتاء. # قال القاسم عليه السلام : وكذلك الله عز وجل ، خلق الدنيا وما فيها (4) ~~للابتلاء ، فإذا انتهى إلى أجله وحينه ، أفناها (5)، ويعيدها ثانيا ( ~~@QUR@04 ليجزي الذين أساؤا بما PageV01P315 # @QUR@05 عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31)) [النجم : 31]. ولا يكون ~~ذلك خروجا من الحكمة ، بل الحكمة أن لا يضيع الثواب والعقاب. # قال الملحد : إن التوحيد ، والتعديل ، والرسل ، قد تكلم فيه ناس من أهل ~~الملل (1) وكل يشك في الميت ، هل يحيى أم لا؟ وكل يجيء في ذلك بشيء ، فإن ~~دللت على ثباته ، وكيفيته ، لم تبق لي مسألة ، وحينئذ آمنت بربي. # قال القاسم عليه السلام : أما الدلالة على ثباتها (2) فإني وجدت الله ~~تبارك وتعالى حكيما ، قد امتحن خلقه ، وأمرهم ، ونهاهم ، وكان قول من يقول ~~بإزالة الامتحان ، داعيا (3) إلى الإهمال ، والإهمال داع إلى أن الله غير ~~حكيم ، وإذا (4) جاز أن يكون العالم قديما. لأنه لا فرق بين أن يفعل من (5) ~~ليس بحكيم هذا الصنع العجيب ، وبين أن يقع فعل لا من فاعل ، والأشياء ~~موجودة ، فتكون قديمة أزلية ، لا فاعل لها. # ووجدت (6) هذا القول داعيا إلى التجاهل ، فلما كان ذلك كذلك ، صح أن الله ~~حكيم ، والحكيم لا يهمل خلقه ، وإذا لم يهمل خلقه ، لم يكن بد من أمر ونهي ~~، ولم يكن بد من (7) مؤتمر ، وغير مؤتمر ، وكان من حكم العقل أن يفرق بين ~~الولي ، والعدو ، ووجدنا أولياءه وأعداءه مستوية الأحوال في الدنيا ، لأنه ~~كما أن في الأعداء من هو موسر صحيح ، ففيهم من هو معسر مريض ، وكذلك ~~الأولياء ، فلما كانت في الدنيا أحوالهم مستوية ، ولم يكن بد من التفرقة ~~بينهما (8)، صح أن دارا أخرى فيها يفرق بينهم ، وفيها ينشرون ، إذ قد وجدت ~~هذه الحال قد اشتملت الكل ، الولي والعدو. PageV01P316 # وذلك قوله عز وجل : ( @QUR@013 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28)) [ص : 28]. # وأما ms15 قولك : أخبرني عن كيفيتها؟ فإن الله عز وجل جعل الروح لجسد الإنسان ~~حياة له ، كالأرض إذا اهتزت بالماء ، وتحركت بالنبات ، كذلك الروح إذا صار ~~في الإنسان ، صار حيا متحركا ، إذا امتزج أحدهما بصاحبه. # قال الملحد : وكيف يمتزج الروح بالبدن (1) وقد صار ترابا؟ # قال القاسم عليه السلام : وكيف يمتزج الماء بالأرض الهامدة؟ إذا صارت ~~قاحلة يابسة. # قال الملحد : هو أن يمطر عليها ، أو يجري فيها فيتصل أجزاء الأرض بأجزاء ~~الماء ، بالمشاكلة التي بينهما ، فعندها تهتز وتتحرك. # قال القاسم عليه السلام : وكذلك الروح ، يرسل (2) إلى ذلك التراب ، فيماسه ~~ويمازجه ، فحينئذ يحيى الإنسان ويتحرك. أولا ترى إلى بدء خلق الإنسان ، كيف ~~كان؟! أو ليس (3) تعلم أنه كان ترابا ، فلما جمع الله بينه وبين روحه صار ~~إنسانا ، فأصل خلق الإنسان يدلك على آخره ، أولا تسمع قوله سبحانه : ( ~~@QUR@010 قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) @QUR@011 ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80)) [يس: 79 80]. # قال الملحد : إنه ليس بين الروح والتراب مشاكلة ، فيما يعرف! # قال القاسم عليه السلام : فهل تعلم (4) بين النار والشجر الأخضر مشاكلة؟ # قال الملحد : نعم. وهي أنها مجموعة (5) من الطبائع الأربع إحداهن PageV01P317 # النار (1). قال القاسم عليه السلام : الله أكبر هل تعلم بين النار وبين ~~(2) ثلاثتها مشاكلة؟ # قال الملحد : لا. # قال القاسم عليه السلام : فكيف اجتمعن؟ إنه لما جاز أن تجتمع النار مع ~~الماء ، والأرض والأهوية ، بلا مشاكلة بينهن (3) جاز للروح مثل ذلك. # فقال الملحد عند ذلك : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ~~وأن كل ما جاء به حق ، وتعست أمة ضلت عن مثلك. وأسلم وحسن إسلامه ، وكان ~~يختلف إلى الإمام أمير المؤمنين القاسم عليه السلام ، ويتعلم منه شرائع ~~الإسلام. # تمت المناظرة وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. # * * * PageV01P318 ms16