######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | كتاب المسترشد PageV01P443 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي لا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به الأقطار ، الذي لم تهجم ~~(1) عليه العقول بفكرها ، ولا الفكر بمحالها (2) ولا الألباب بتدبيرها ، ~~الذي لم ينفصل من المخلوقين فيكون منهم بعيدا ، ولم يتصل بهم فيكون لهم ~~مخالطا. # إن سأل سائل ذو حيرة (3) عن قول الله عز وجل : ( @QUR@07 إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [فاطر : 4]. وتوهم أن الله تبارك وتعالى ارتفع ~~في مكان دون الأماكن!! وعاب من قال : إن الله بكل مكان ، وقال : أيصعد من ~~الله إلى الله!! إذ (4) قال إنه في السماء وفي الأرض. # فجوابنا في ذلك أن الله تبارك وتعالى في الأماكن كلها ، مدبر لها حافظ ~~قائم عليها ، لم تحوه ولم تحط به ، ولا نقول يصعد منه إليه ، فنصفه بالغاية ~~والتحديد ، وأنه سبحانه في مكان دون مكان ، ولكنا نقول : إن الله تبارك ~~وتعالى خلق ملائكته ، وتعبدهم بما شاء ، فكلف بعضهم نقلة (5) الأخبار من ~~السماء إلى الأرض ، ونقلة الأخبار من الأرض إلى السماء ، وأنه خلق السماء ~~فأسكنها ملائكته لعبادته (6) بعضهم ينسخ أعمال الآدميين ، ووكل بعضهم رقيبا ~~وحافظا على الملائكة التي وكلت بنسخ أعمال الآدميين ، وكذلك قالت الملائكة ~~صلوات الله عليهم (7): ( @QUR@06 وما منا إلا له مقام معلوم (164)) ~~[الصافات : 164]. أي : ما وكلوا به من صنوف التعبد ، وقوله : ( @QUR@07 ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [فاطر : 4]. معناه في الآية ~~الأخرى ، مثل قول إبراهيم الخليل عليه السلام : ( @QUR@05 إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين ) (99) PageV01P445 # [الصافات : 77]. ولم يبرح الأرض في حال ذهابه إلى ربه ، وقد كان الله معه. # وقد قال لكليمه موسى وأخيه (1) هارون صلى الله عليهما : ( @QUR@04 إنني ~~معكما أسمع وأرى ) [طه : 38]. وذهاب إبراهيم صلى الله عليه إلى ربه ، في ~~الحالة التي ربه معه فيها ، وإنما معناه في ذهابه إلى ربه ، توجهه إليه ~~بعبادته ، وتشاغله عما (2) سواه. # وكذلك توجيه الملائكة بصعود أعمال العباد إلى الموضع من السماء الذي (3) ~~تعبدت به ، ولتصعد بأعمال العباد إليه ، وإنما توجهت بتلك العبادة إلى الله ~~، كما ذهب إبراهيم إلى ربه ، بمعنى توجهه بعبادته إليه. # ووجه آخر ms01 في الصعود ، هو القبول (4) لذلك ، لأنك تقول لا يصعد إلى الله ~~هذا الكفر ، ويقال : قد نسخت الملائكة أعمال الكافرين ، وصعدت بها إلى الله ~~، وهو لا يقبلها ، ولا تصعد إليه أعمالهم ، بمعنى لا يقبلها ، وكذلك قال ~~الله عز وجل : ( @QUR@03 والعمل الصالح يرفعه ) بمعنى إنما يقبل الله الكلام ~~الطيب بالعمل الصالح. # فإن لج (5) السائل بالشغب فقال (6) أيصعد من الله إلى الله؟! # قيل له لا. (7) ولكن يصعد الكلم الطيب من المكان الذي لا يخلو منه الله ، ~~(8) إلى السماء التي فيها الله. PageV01P446 ### | [معاني «في» ] # والله على العرش استوى ، وهو عنه غير غائب وهو في السماوات العلى ، وفي ~~الأرض ولم يغب عنه نجوى ، كذلك (1) قال في كتابه : ( @QUR@011 أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16)) [الملك : 16]. فأخبر أنه في ~~السماء ، وكذلك قال : ( @QUR@08 وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) ~~[الزخرف : 84]. وكذلك قال : ( @QUR@06 وهو الله في السماوات وفي الأرض ) ~~[الأنعام : 3]. # و (في): لها معان تختلف في اللغة ، ليس شيء في شيء (2) إلا وهو لا يخلو من أحد هذه المعاني التي نحن ذاكروها ~~إن شاء الله. # 1 إما أن تكون فيه ، بمعنى قول القائل : الناس في عامهم هذا مخصبون. # 2 أو يكون الشيء في الشيء محويا كاللبن في وعائه. # 3 أو يكون الشيء في الشيء كالحي في حياته. # 4 ويكون الشيء في الشيء كالأبيض في بياضه. # 5 ويكون الشيء في الشيء كالعبد في سلطان مولاه. # 6 ويكون الشيء في الشيء كالمرابط في رباطه ، والغازي في غزاته ، والباني ~~في بنائه. # فاعرف هذه اللغات ، كيف تتصرف في معانيها ، وتتوجه في تصاريفها. # 7 وقد يكون أيضا معنى (3) (في): إنما هو مع. وفي القرآن مثل ذلك قول ~~الله سبحانه : ( @QUR@010 ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس ) ~~[الأعراف : 38]. فمعنى قوله : ( @QUR@03 ادخلوا في أمم ) أي مع أمم. وكذلك ~~قال : ( @QUR@06 الذين حق عليهم القول في أمم ) [الأحقاف : 18] ، يعني : مع ~~أمم. ( @QUR@03 وأدخلني برحمتك في PageV01P447 # @QUR@02 عبادك الصالحين ) [النمل : 14]. أي : مع عبادك الصالحين. وقال ~~سبحانه : ( @QUR@03 في تسع آيات ) [النمل : 12] أي ms02 : مع تسع آيات. وقال : ( ~~@QUR@04 وجعل القمر فيهن نورا ) [نوح : 16] بمعنى : معهن. # 8 ومعنى آخر من تأويل (في): يكون تفسيره على ما قال الله تبارك : ( ~~@QUR@04 ولأصلبنكم في جذوع النخل ) [طه : 71] يعني : على جذوع النخل (1). ~~وقال : ( @QUR@07 فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ) [الكهف : 35]. يعني : ~~عليها. وقال : ( @QUR@03 يمشون في مساكنهم ) [طه : 128 الأحزاب : 26]. يعني ~~: يمرون على قراهم. # 9 ومعنى آخر من معاني (في): يكون تفسيره إلى. وذلك قوله عز وجل : ( @QUR@07 ~~ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) [النساء : 97]. يعني : إليها. # 10 وقد يتجه تفسير (في): إلى معنى آخر ، قال الله سبحانه في كتابه : ( ~~@QUR@011 ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72)) ~~[الإسراء : 72]. أي : عن هذه (2) النعمة ، وعن ذكر آياتي ، فهو في الآخرة ~~أعمى (3). # 11 وقد يتجه على معنى آخر ، في قول الله فيما (4) أخبر عن فرعون ، وقوله ~~لموسى عليه السلام : ( @QUR@05 ولبثت فينا من عمرك سنين ) [الشعراء : 1] أي ~~: عندنا ، وقال : ( @QUR@04 إنا لنراك فينا ضعيفا ) [هود : 91]. بمعنى (5) ~~: عندنا. # وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@05 وهو معكم أين ما كنتم ) [الحديد : 4]. ~~فالمعنى في ذلك كله على المشاهدة والتدبير لا على أنه في شيء يحويه ، ولا ~~على أنه مع شيء ملازق له PageV01P448 # ولا (1) أنه على شيء ، كما الانسان على السرير ، وعلى السطح ، وقد خلا ~~منه ما هو أسفل من ذلك. # ومن ذلك قول الشاعر : # وصرنا خاليين وليس معنا %~% سوى رب البنية والمقام (2) # فمن أنكر ذلك وزعم أن ربه في مكان دون مكان! سئل في أي مكان هو؟! فإن قال ~~: على العرش. # قيل له : أو ليس العرش غير السماوات والأرض؟! فقوله : نعم. # فيقال له (3): كيف. قلت هو في السماء ، وقد زعمت أنه على العرش ، والعرش ~~غير السماوات والأرض؟! وفي هذا رد لقول الله سبحانه : ( @QUR@06 وهو الله ~~في السماوات وفي الأرض ) [الأنعام : 3]. # وإن قالوا : إن العرش ليس في السماوات ، ولكنه فوقها ، عطلوا السماوات من ~~العرش ، وفي تعطيلهم (4) السماوات من العرش تعطيل ما قالوا هو العرش دون ما سواها. # * * * PageV01P449 ### | (الرد على من قال إن لله نفسا كنفس الإنسان) # إن ms03 سأل سائل ذو حيرة (1) عن قول الله عز وجل : ( @QUR@09 تعلم ما في نفسي ~~ولا أعلم ما في نفسك ) [المائدة : 116]. وعن قوله سبحانه : ( @QUR@04 كتب ~~على نفسه الرحمة ) [الأنعام: 12]. وتوهم أن لله عز وجل نفسا كنفس الانسان ، ~~وأنها جزء الجسم ، وأنها جوهر يقيم الأعراض؟ # قيل له : إن معنى قول الله سبحانه في كتابه : ( @QUR@09 تعلم ما في نفسي ~~ولا أعلم ما في نفسك ) [المائدة : 114] ، أي : تعلم ما أعلم ولا أعلم الذي ~~تعلم ، وكذلك قال عز وجل : ( @QUR@04 كتب على نفسه الرحمة )، فالكاتب (2) ~~هو المكتوب عليه ، وهو الله عز وجل ، الكاتب والمكتوب عليه. # وإن زعم أن النفس معنى غير ذاته ، وزعم أنه شخص (3). # سئل عما في النفس ، أهي النفس أم غير النفس؟! # فإن زعم أنها غير النفس ، زعم أن في ربه غير ربه ، وإن زعم أن الذي في ~~النفس هي النفس! زعم أنه لا معنى لقوله ( @QUR@02 في نفسي )!! # ويسألون هل كانت النفس وفيها ذلك الذي هو غيرها؟! # فإن زعموا أنه لم يزل ، جحدوا قول الله : ( @QUR@02 هو الأول ) [الواقعة ~~: 77]. وإن زعموا أنها كانت ، وليس فيها ذلك الذي في النفس ، وأن ذلك محدث ~~، جحدوا أن يكون: كان عالما لم يزل. # واعلم أن للنفس في لغة (4) العرب معاني ، فمنها ما يجوز على الله تبارك ~~وتعالى ، PageV01P451 # ومنها ما لا يجوز عليه. # فأما ما لا يجوز عليه : (1) فمعنى النفس التي هي الروح ، وما ذكر الله ~~تعالى من قوله: ( @QUR@03 وإذا النفوس زوجت (7)) [التكوير : 7]. فهذه ~~النفوس هي أجزاء الإنسان التي هي أرواحهم. وقد قيل في اللغة [في] ذكر هذه ~~النفس : فاضت نفس فلان ، يعنون : خروج روحه ، (2) وهذا المعنى عن الله ~~عز وجل منفي. # وقال الله عز وجل في كتابه ، يذكر النفس بغير هذا المعنى : ( @QUR@04 ~~خلقكم من نفس واحدة ) [النساء : 1 ، الأعراف : 189 ، الزمر : 6] يعني : من ~~آدم عليه السلام ، فسماه نفسا ، ولم يرد به روحه ، وقال : ( @QUR@04 يا ~~أيتها النفس المطمئنة (27) @QUR@01 ارجعي ) [الفجر : 27 28]. يعني : يا ~~أيها الإنسان ، ولم يرد النفس التي هي الروح فقط ، وإنما أراد الحي الذي هو ~~الإنسان ، وكذلك قوله : ( @QUR@05 كل ms04 نفس بما كسبت رهينة (38)) [المدثر : ~~38]. أي : كل إنسان بما كسب رهين ، وقال : ( @QUR@08 يا حسرتى على ما فرطت ~~في جنب الله ) [الزمر : 48]. يعني : أن يقول الانسان وقال : ( @QUR@02 ~~النفس بالنفس ) [المائدة : 42]. يريد : الانسان. وقال : ( @QUR@04 كل نفس ~~ذائقة الموت ) [آل عمران : 185 الأنبياء : 35 ، العنكبوت : 57]. يعني : أن ~~كل إنسان ميت. # والنفس في كلام العرب على وجوه : # فمنها نفس منفوسة مجسمة مروحة. # ومنها مجسمة غير مروحة. تعالى الله عن هذين علوا كبيرا. # ومنها نفس بمعنى إثبات الذات ، كما نقول في الكلام : هذا نفس الأمر ، ~~نريد إثبات الأمر ، لا أن له نفسا منفوسة ، أو جسما مروحا ، فعلى هذا ~~المعنى يقال في الله سبحانه : إنه نفس. لا أن له نفسا منفوسة أو جسما ~~مروحا. وقد قيل في قوله عز وجل : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ). ~~أي : تعلم ما أكنه وأسره ولا علم لي بما تستره عني وتغيبه ، ومثل هذا قول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي). أي : حيث لا ~~يعلم به أحد ولا يطلع عليه أحد. الأسماء والصفات / 286. PageV01P452 # والعرب قد تقول للشيء الذي لا روح (1) له ولا شخص ، هذا نفس كلامك ، وهذا ~~النور بنفسه. # وقال الشاعر : # قالت له النفس إني لا أرى طمعا %~% وإن مولاك لم يسلم ولم يصد # وقال آخر : # وهل نحن إلا أنفس مستعارة %~% تمر بها الروحات والغدوات # يعني هل نحن إلا أناسي مستعارون ، ولو أراد بذكر النفس معنى الروح لما ~~(2) جاز أن يسمى كله نفسا ، لأنه بدن ونفس. # وقال آخر : # وقد وفدت إليك بذات نفسي %~% قصائد يعترفن بما نشاء # يعني بقوله بذات نفسي ، أي : بي كما أنا. كما قيل في اللغة : جئتك بنفسي ~~، ولم يريدوا بقولهم معنى ثانيا ، هو غير جئتك ، لأنه إذا قيل : جئتك دل ~~على الجائي تاما ، ولما قال بنفسي لم يرد معنى ثانيا هو غير المعنى الذي هو جئتك. # وقال آخر : # ....................... %~% وما لام نفسي مثلها لي لائم (3) # قال الله عز وجل : ( @QUR@09 فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا ms05 وأنفسكم ) [آل عمران : 53]. يعني : نحن وأنتم ، وقال الله ~~: ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) [آل عمران : 28]. فالمحذر : هو : المحذر ~~منه ، يعني يحذركم PageV01P453 # الله أي : يعذبكم ، كما قال : ( @QUR@04 كتب على نفسه الرحمة ) [الأنعام ~~: 12]. وليس الكاتب غير المكتوب عليه. # * * * PageV01P454 ### | (الرد على من زعم أن الله نور كالأنوار المخلوقة) # إن بعض الملحدين توهم (1) أن الله عز وجل نور كالأنوار المنبسطة ، وتوهم ~~آخرون منهم أنه نور كالأنوار الكثيفة الساترة ، تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا ، وقد رأينا مثل المعنيين اللذين توهموا من النور المنبسط ، والنور ~~الكثيف الساتر ، فأما النور الكثيف الساتر ، فالبدر إذا هو كهر ، (2) وكثف ~~، ستر من السماء عن أبصارنا بقدر استدارته ، ورأينا قرص الشمس كثيفا ساترا ~~يستر الأبصار من السماء بقدر استدارته ، فأما النور المنبسط ، الذي تنفذه ~~الأبصار فقد رأيناه ، (3) من ذلك ضوء النهار ، ونور القمر ، وشعاع الشمس ~~يدخل من الكوة ، فلا يستر (4) أبصارنا لانبساطها ، ولا يكون ذلك ساترا ~~لأبصارنا عما خلفه. # وأعلام العبودية في هذه الأنوار التي ذكرنا كلها بينة ، وذلك (5) لأن ~~النور الكثيف الساتر ضعيف لا يقدر على الزيادة في نفسه ، ولا الانتقاص لها ~~، ولا تقدر على الامتناع من العيون أن تدركها ، (6) فالضعف لكل ما ذكرنا ~~لازم ، وكذلك الضعف بين في الأنوار المنبسطة ، إذ لم يحجب الأبصار عن نفذها ~~ومجاوزتها إلى ما خلفها ، فالضعف لكل ما ذكرنا لازم ، والله فيتعالى (7) عن ~~هذه المعاني ، أن يكون بشيء منها موصوفا ، لأنها مخلوقة ، وكل ما أشبه ~~المخلوق فهو مخلوق ، وليس الخالق للشيء ، كالمخلوق في جميع المعاني كلها. # وأعلم أن النور له في الكتاب وفي (8) اللغة معان ، يجري على الله عز وجل ~~بعضها ، PageV01P455 # ولا يجري عليه بعضها ، فالذي يجري عليه منها ، هو ما قال الله في كتابه : ~~( @QUR@05 * الله نور السماوات والأرض ) [النور : 32]. # يعني : الله ينير لعباده (1) دلائله التي يهتدون إليه بها ، لأن يعرفوه ~~بما أبان ، ويعلمون أنه الحق بآياته المنيرة ، وأن يميزوا بها بين الخالق ~~وخلقه ، والله نور الأنوار ، وهو منير لما (2) نور من دلائله ، فهو نورها ~~لأنه أضاء لنا (3) الأشياء وأبانها ، وجلا عنها ظلمة الشبهة ، فأزال ms06 عنها ~~الشكوك والريب ، بتجليتها للعقول ، أنه الحق المبين ، وأنه نور كل شيء ، ~~وليس كمثله شيء. وكذلك (4) أمرنا أن نصفه ، وبذلك دلنا على نفسه ، من غير ~~أن نجاهر الله فتدركه الأبصار ، فاستنار لنا بتدبيره ، من غير مشاهدة منا ~~له ، ولا إحاطة به ، ولا إدراك من حواسنا له ، فهو نور السماوات والأرض ، ~~ونور من فيهما ، بمعنى : (5) الذي ذكرنا أن الحق من عنده ، وأن العباد به ~~استناروا ، وبه استضاءوا ، وبه أبصروا ، إذ استضاء لهم سبحانه بنوره الذي ~~عاينوا من خلق أنفسهم ، وتدبيره في ملكوت السماوات والأرض. # ومن لطائف الآيات التي لا يكون معها ريب ، ولا تدانيها الشكوك ، ولا ~~تعتريها الفترات (6)، ولا تكون معها الغفلات ، فرأوا ربهم بتدبيره ونوره ~~وعلاماته ، لا بمجاهرة منهم له ، ولا بالمشاهدة والملاقاة ، تقدس الله عن ~~ذلك ، وجل جلالا عظيما. وكذلك الله نور السماوات والأرض ومن فيها ، لأن ~~عباده الذين هم سكان أرضه ، استناروا وعلموه بما عاينوه من نوره ، إذ دبر ~~الأرض ، وخلق فيها ما به أنار لهم ، إنه الله سبحانه ، PageV01P456 # فاستنار نوره بغير تحديد ، وعرفوه من غير تخيل ، ووحدوه معروفا بغير (1) ~~تشبيه ، بل عرفوا الله بعجيب آياته ، وبأثر دلالاته. # ومعنى آخر في تأويل قوله نور (2)، قد علم العالمين ، أن الأشياء تدرك ~~بحقائقها ، وتعلم بالاستيقان وإن كانت غائبة. (3) فالله يعلم ويعرف ويميز ~~(4) بين ما يدرك بالمجاهرة ، وبين ما لا يدرك بها ، كالخشونة واللين ، ~~والحمرة والبياض ، وما لا يدرك بالمجاهرة ، بالسمع والبصر والعقل [ك] الري ~~(5) والظمأ ، والشبع والسغب (6)، وما أشبه ذلك مما غيب عن حواسنا ، وإن ~~كنا قد أدركناه ، لعلمنا بما صرفنا منه ربنا ، فيما أخبرنا عما غاب عنا من ~~ملكوته. # واعلموا أن الله سبحانه وصف الآية التي هي نور ، مخبرا لعباده أن الله ~~سبحانه لم يرد نفسه بقوله : ( @QUR@03 كمشكاة فيها مصباح ) [النور : 35]. ~~ولم يمثل بالقنديل نفسه ، ولا بالمصباح تعالى عن ذلك ، وأي فضل في القنديل ~~، ليس في النجم الذي هو الزهرة ، فكيف يمثل نفسه بالقنديل ، ويترك ما هو ~~أنور من القنديل وأحسن ، بل أي فضل (7) في القنديل ليس في در ms07 الجنان! كيف ~~(8) يمثل نفسه بالقنديل؟! وهو يتعالى عن الزهرة ودر الجنان! # بل كيف يضرب الله لنفسه أمثالا مفضولة (9) دون الفاضلة ، تعالى عن ~~التمثيل والأشباه ، وتقدس عن ذلك. لكن الله سبحانه نور السماوات والأرض بما ~~أبان لهم عن نفسه ، بخلقه لهم ، وبما له فيهم من التدبير ، الدال عليه ، ~~فاستضاء عباده به إذ أضاء لهم PageV01P457 # نفسه بخلقه لهم ، فلم يضل في مضلات الشبهة ، من استضاء بربه ، واستنار به ~~، فبانت الأعلام الهادية ، لمن استبان بها عن ربها ، فبان الله بها لمن ~~استنار بها ، وكان الله نوره إذ اهتدى به ، وأحيا لنا القلوب بعد موتها ~~بنوره ، إذ أنار لها فاهتدينا بها (1) إليه. # ومعنى آخر من معاني النور ، وهو مما لا يجوز على الله ، وهو ما ذكرنا من ~~معنى الشمس الساترة ، وشعاعها المنبسط الذي ليس بساتر. ومعنى من معاني ~~النور ، وهي النيران الكثيفة ، وهي في معاني قرص الشمس والقمر (2). ومعنى ~~من معاني النور ، وهو الإيمان (3)، لأن الإيمان نور ، وكذلك القرآن نور ، ~~وقد سمى الله القمر نورا والشمس سراجا ، والإيمان نورا ، وقال : ( @QUR@05 ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) [الأحزاب : 43 ، الحديد : 9]. # فهذه المعاني من الأنوار التي ذكرنا مميزة للعقول ، إذا ما نظروا إليها ~~بها ، فأجروا على الله منها ما يجوز عليه ، وما جرى على العباد منها ، فعنه ~~عز وجل نزهوا الله ولم ينسبوه (4) إليه. # وأما تأويل : ( @QUR@03 مثل نوره كمشكاة ) [النور : 32] فقد يجوز أن يكون ~~عنى بذلك القرآن (5) في غياهب (6) الوساوس نيرا مضيئا ، وبه يبطل كيد إبليس ~~اللعين ، # وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن ~~مردويه ، والحاكم ، وصححه عن أبي بن كعب : ( الله نور السماوات والأرض ، ~~مثل نوره ). قال : هو المؤمن الذي جعل الإيمان والقرآن في صدره فيضرب الله ~~مثله. الدر المنثور 6 / 197. # وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن الحسن رضي الله عنه ( الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره ). قال : مثل هذا القرآن في القلب ( كمشكاة ). ~~قال الكوة. الدر المنثور 6 / 199. PageV01P458 # وتوهيمه وخدعه ، فالقرآن في هذه الأماكن الموحشة ، كالمشكاة التي هي ~~الكوة ms08 والمصباح في القنديل ينير (1) لما حوله ، ويضيء لمن دنا منه (2). # وقد يجوز أن يكون الله عنى بقوله مثل نور النبي (3) صلى الله عليه كهذا ~~المعنى (4) الذي وصفنا به القرآن ، والمعنى : أن النبي صلى الله عليه أضاء ~~لنفسه بنبوته ورسالة ربه ، وأضاء لمن دنا منه أو سمع به في الأخبار. # وقد يتجه أن يكون الله أراد به قلب المؤمن أيضا ، والإيمان الذي فيه ، ~~فمثل قلب المؤمن وكون الإيمان فيه (5) مثل القنديل في المشكاة ، فالإيمان ~~يضيء للمؤمن عن كل ظلمة ، كما أن القنديل يضيء في الكوة ، وتضمحل به ~~الغياهب المدلهمات (6) من الريب ، والإيمان يتوقد ويضيء بالحكمة توقدا يظهر ~~شعاع الحكمة ، ونورها في كلامه وفعاله ، وعلى جوارحه ، وهو بعلمه بربه (7) ~~علمه له نور على نور. # واعلم أنه قد يجوز أن يكون معنى قوله : ( @QUR@03 نور على نور ) [النور : ~~35]. أي : نور مع نور ، لأن كلامه نور مع عمله (8)، وعمله مع علمه ، فهذا ~~نور على نور ، أي مع نور. ( @QUR@05 يهدي الله لنوره من يشاء ) [النور : ~~35]. لا من يشاء غيره يهدي ، ولو كانت البرية كلها لمن لا يريد هدايته ~~ظهيرا لما اهتدى المرء أدنى الهداية ، إلا أن يشاء الله. PageV01P459 # وقد يتجه أن يكون الله سبحانه شبه نبيه صلى الله عليه وسلم ، كما شبه القرآن ~~والإيمان بالمعنى الذي وصفناه. # ومعنى قوله : ( @QUR@08 زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ) ~~[النور : 35] ، فهذه شجرة منبتها في مكان تطلع (1) الشمس عليه ولا تزول ~~عنها حتى تغيب ، وهي الشمس الضاحية ، وهو أنضج لثمرها ، تكاد أن (2) ترى في ~~الزيتونة التي هي ثمرها وجهك من ودكها (3) من نقائه وصفائه (4)، فإذا وقد ~~القنديل من زيت هذه الزيتونة ، كان أنور للمصباح ، وهذه أمثال ضربها الله ~~للناس لعلهم يتفكرون. # وقال بعضهم : إن معنى : ( @QUR@05 زيتونة لا شرقية ولا غربية ). أنه : ~~محمد صلى الله عليه يصلي لا للمشرق ولا للمغرب ، ولكن لكعبة الله البيت ~~الحرام (5). # * * * PageV01P460 ### | (الرد على من أنكر من الجهمية (1) أن يكون الله سبحانه شيئا) # الحمد لله الذي علا على الخلائق ، فلم يغب عنه خفيات الأمور ، وكل شيء ms09 ~~عنده بمقدار ، المنشئ لما أنشأه (2)، فشيأه شيئا كما شاء ، وجعله متناهيا ~~محدودا ، آثار الصنعة له لازمة ، وأعلام العبودية فيه بينة ، فأنشأ ما أنشأ ~~نحوين : أحدهما مبتدأ لا من شيء. # والثاني منقول من شيء إلى شيء ، ومحول من حال إلى حال ، ومن طبيعة إلى ~~طبيعة ، كالمضغة تقلب من نطفة إلى علقة ، والعلقة حولت مضغة ، ثم جسدها (3) ~~لحما وأنشأها إنسانا (4)، فصيره بشرا مخالفا للبهائم ، في الشكل والهيئة ، ~~احتجاجا من الله على خلقه ، بما أراهم من آياته فيهم. # وأن الله تبارك وتعالى وسم المعاني بأن قال : هي شيء ، لإخراجه لها من ~~العدم إلى الوجود لا أنه (5) وصفها بهذه الصفة بمعنى ، ولا فرق بينها وبين ~~شيء ، إذ قال لها : إنها أشياء ، لأنه أخبرنا أنه خالق كل شيء ، فكل شيء ~~سواه هو (6) خلق شيء ، وكل خلق شيء ، فقد خلق النار والثلج ، فالثلج شيء ، ~~والنار شيء ، وليس أحدهما بالآخر شبيها في لون ولا طبيعة ولا فعل ، وإنما ~~تماثلا في الشيئية ، وقد اختلفا في الصفات ، وإنما سميت الأشياء بأن قيل ~~لهذا : شيء وهذا شيء ، لإثبات الأشياء بأنها موجودة ، وأنها ليست بعدم ، ~~وقد قال الله في كتابه : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88]. ~~ذلك دليل على أن الله شيء لا كالأشياء ، إذ الأشياء تهلك ، وهو المهلك لما ~~يشاء منها ، وقد قال الله في كتابه : ( @QUR@07 قل أي شيء أكبر شهادة قل ~~الله ) [الأنعام : 19]. فأخبر أنه PageV01P461 # شيء أكبر الأشياء ، ولو قال قائل : أي (1) الملائكة أفضل؟ لم يجز أن يقال ~~: بعض المؤمنين من الآدميين هو أفضل ، لأن الآدميين (2) ليسوا ممن ذكر في ~~المسألة. # كذلك قال : ( @QUR@04 أي شيء أكبر شهادة ). علمنا أنه أجرى على نفسه ~~الذكر أنه شيء ليس كالأشياء. # فإن سأل من الجهمية سائل : فقال : هل الله شيء؟ # قيل له : نعم. الله شيء لا يشبه بالأشياء ، الأشياء مشيأة ، وهو سبحانه ~~شيء لا مشيأ. # فإن قال : أنت شيء؟ # قيل له : نعم. أنا شيء مشيأ لا أني غير مشيأ ، والله شيء لا مشيأ ، بل ~~الله مشيئ الأشياء لا يشبهه ما شيأه. وليس في ms10 قولي : أنا شيء والله شيء ~~تشبيه ، لما فصلناه من معنى الشيء والمشيأ ، وأن قولي أيضا شيء اسم لازم ~~للجميع ، وجار على كل معنى ، وثابت على كل موجود مشيأ ، كان أو يكون ، ولا ~~يقضي بإيقاعه على المسمين مفردا ائتلاف ولا اختلاف ، وذلك أنك تقول : الفيل ~~شيء ، والذرة شيء ، وهما غير مشتبهين في قولك : هذا شيء وهذا شيء ، وكذلك ~~تقول : الإنسان شيء ، والشيطان شيء ، وهما لا يتماثلان ، وقد أوقعت على كل ~~واحد منهما أنه شيء ، وكذلك تقول : آدم صلى الله عليه شيء ، وربنا شيء ، ~~وهما غير متماثلين. # فإن قال : أليس آدم مخلوقا والذرة مخلوقة؟! # قيل له : بلى. # فإن قال : هل يتماثلان في أنهما خلق لله؟ # قيل له : نعم. # فإن قال : ما فرق ما بين شيء وشيء وخلق وخلق؟ PageV01P462 # قيل له : إن الخلق اسم له خلاف ، وخلافه خالق ، ولو قال القائل : الخالق ~~مخلوق كذب ، ولو قال القائل : الخالق شيء لم يكذب ، والخالق هو خلاف ~~المخلوق ، ولا يوجد لشيء خلاف إلا شيء مثله موجود ، ولا شيء إلا موجود ، ~~ولا موجود لا يكون لا خلاف ولا يكون خلافا. # فإن قال قائل : إن لا شيء خلاف شيء. # قيل له : قد أنبأناك أن الشيء خلاف شيء ، ولا يكون شيء خلاف لا شيء ، ولا ~~يكون لا شيء له خلاف ، ولا يجوز أن يقال : للا شيء اتفاق ولا اختلاف ، لأن ~~هذا عدم لا يتوهم. # فإن قالوا : لم أجزت أن تقول : شيء وشيء وهما لا يشتبهان؟ # قيل : من قبل أني ثبتهما ونفيت عنهما العدم ، وأخرجتهما من التعطيل. # فإن قال : لم قلت لا شيء؟ # قلت : لنفي إثباته ، وقلت : لا شيء لإخراجه من الوجود ، وليس قولي هذا ~~شيء ولا شيء تشبيه ولا غير تشبيه ، وقول القائل : هذا شيء ، وهذا شيء لا ~~يجب به تشبيه ، لأن التشبيه لا يجوز إلا على ضد أو مثل. # واعلم أن الضد هو غير الخلاف ، وبيان ذلك أن كل ضد خلاف ، وليس كل خلاف ~~ضدا ، والضد هو المضاد ، والخلاف هو الغير الذي ليس بمضاد ، وذلك لأنك تقول ~~: هذا ms11 خلاف الله ، ولا تقول : هذا ضد الله. # فإن قال قائل : ما بالك إذا قلت : لا شيء لا يقع اتفاق ولا اختلاف؟ # قيل له : من قبل أن لا شيء عدم والعدم (1) ليس بموجود ، ولا هو موهوم ، ~~ما هو فيكون له شبيه ، والشيء إثبات ووجود وموهوم إذا قلت : شيء ما هو ، ~~وأي الأشياء هو؟ إلا رب العالمين ، فإنه شيء خالق الأشياء ، وليس كالأشياء. ~~وإنما قلت : إنه هو شيء لأثبته موجودا ، وقولي : شيء ليس فيه تشبيه ، لأني ~~إنما أشيئه بقولي : شيء ، وقد PageV01P463 # يشتبه قول شيء وشيء (1)، ولا يشتبه المسمى ، إلا أن أوقع عليه من أي ~~الأشياء هو وما هو؟ فحينئذ يشتبه المسميان ، (2) فأما شيء وشيء فليس فيه ~~اشتباه المعاني ، وإن استوى قول شيء وشيء. # وقد يقال : الخنزير شيء ، والكلب شيء ، والانسان شيء ، وليس [في] هذا ~~الاسم ، الذي هو إثبات الشيء (3) منهم مدح ولا تهجين ، إذا كانت التسمية ~~مبهمة مفردة في الذكر ، ولذلك لم يقع به تشبيه إذا قلنا : إن الله شيء ، ~~والإنسان شيء. # فإن قال : فإذا سميت الله شيئا فقد سميته بما لا مدحة له فيه. # قلت : إني إذا سميته شيئا ذكرته سبحانه بكلام آخر أصله به ، فيكون مديحا ~~، لقولنا : الله شيء واحد كريم ، والله شيء واحد عزيز ، والله شيء ليس ~~كالأشياء ، فيكون ذلك مدحة ، ولا يذكر العبد التقي ربه إلا وهو فيما ذكر من ~~أسمائه مادح ، فإذا سمى الله العبد بأنه شيء لم يفرده ، حتى يقول : الله ~~شيء لا كالأشياء ، فيكون الكلام كله مقرونا بكلام آخر على ما ذكرنا ، كان ~~كله مديحا ، وقول القائل للشيء هذا شيء ، كلام مرسل غير مقرون بما يتجلى به ~~(4) المعنى ، فليس بذم ولا مدح ، لقولك عرفت شيئا ، ولا يكون المعروف عندك ~~مذموما ولا ممدوحا ، حتى تقرنه بكلام آخر ، فتقول : عرفت شيئا هو صالح ، ~~وعرفت شيئا هو فاسد ، فيكون هنالك الذم والمدح ، فلا يدرك بقولك هذا شيء ~~وهذا شيء ائتلاف ولا اختلاف ، فلا يرسل القول على الله بأنه شيء إلا مقرونا ~~بكلام آخر ، فيقول : هو شيء ليس كالأشياء ms12 ، فيكون قولك : هو شيء بالصلة ~~المقرونة مديحا ، فكذلك يقول القائل : هذا الثوب شيء حسن أفضل من غيره ، ~~فيكون بما أجرى به الثوب مديحا ، وإذا كان مرسلا لم يكن له مدحا ولا ذما. PageV01P464 ### | (الرد على من أنكر أن يكون الله واحدا ليس بذي أبعاض) # الحمد لله الذي عن شبه كل شيء تعالى ، وشاهد كل ملاء وهو في السموات ~~العلى ، على العرش استوى ، ولا يخفى عليه النجوى ، وهو يرى ولا يرى ، ~~سبحانه ، فليس عليه شيء يخفى ، وليس كمثله شيء ، وهو الواحد الصمد الباري ~~المصور ، وليس بصورة بل هو مصور الصورة ، وهو السميع العليم ، قال الله ~~عز وجل : ( @QUR@04 إنما هو إله واحد ) [الأنعام : 19]. يخبر بوحدانيته في ~~آي كثير. # والواحد في اللغة له معان : # أحدها : البائن بالفضل والسؤدد. # ومعنى آخر يقول الناس : هذا شيء واحد ليس له نظير في الشبه. # ويقال : هذا وهذا واحد يراد أنهما متماثلان ، وقد يقول المرء : قولي ~~وقولك واحد ، أي مثله ، ويقال : لأقل قليل القلة هذا شيء واحد ، يراد ثباته ~~وتعطيل الثاني ، بمعنى ليس له نظير ولا شبيه ، بمعنى أنه ليس فيه اختلاف ، ~~وهذا معنى قولنا الله واحد ليس من عدد ، ولا هو عدد ، كما الانسان واحد عدد ~~، كما أن الإنسان أعضاء وكل عضو يقال إنه واحد ، فإذا اجتمعت الأعضاء قيل ~~واحد ، فهو واحد عدد آحاد ، وهو من عدد آحاد مثله ، لأنك تقول : هذا إنسان ~~واحد ، وتقول الآخر واحد فصاعدا ، فكل واحد منهما واحد من عدد ، وليس الله ~~سبحانه واحدا من عدد ، على معنى ما ذكرنا من معاني الواحد من غيره. # وقد قالت العرب : إن فلانا واحد قومه أي : سيدهم ، وهو واحد القوم ، وإن ~~كان له الاتباع والعبيد والأموال. # ويقال : إن فلانا واحد الناس. أي : ليس له نظير ، يعنون في السؤدد ~~والكرم. # واعلم أن الله واحد في الربوبية والعز والكبرياء ، واحد بنفسه لا بغيره ، ~~وهو واحد لا ثاني معه ، ولا مثل له في صفة ولا ذات ، ولا في قول ولا في فعل ~~، ولا في معنى من المعاني كلها ، ولا له ms13 مثل في صفة ولا في معنى شرف وفضل ، ~~ولا يزول عنه هذا المعنى الذي هو شرف في كل معنى ، إذ لا شيء يشبهه ، ولا ~~هو شيء يشبه شيئا ، ولو جاز PageV01P465 # أن يكون له مثل في معنى ، وكان ذلك يكون شرفا لجاز أن يكون مثل غيره بكل ~~معنى ، ويكون ذلك له شرفا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # ومعنى من معاني الواحد هو الأول الفرد ، ذلك في الحساب والعدد بين ، إذ ~~(1) لا يكون العدد إلا به ، لأنك تقول : واحد واثنان ، فالثاني بالواحد كان ~~، ولو لا الواحد الذي هو أول الثاني ، ما كان الثاني قبل الأول ، كان واحدا ~~، أكثر (2) العدد الذي لا يحصى ، وهو المكثر لكل معدود ، العدد الواحد ~~يستزيد وبه يزاد ، ولو لا هو ما كانت الزيادة ، وكل ما زاد الحساب فبالواحد ~~(3) زاد ، والواحد هو المفرد لما سواه ، وهو أقدم من كل ما به ازداد ، ~~وكثرة العدد تزداد به ، وتنقص به ، فالواحد الذي به يزداد العدد وهو مقيم ~~لكثرته ، وبه يكون النقصان ، وبه استوى الحساب ، وبه يقل الكثير ، ويكثر ~~القليل ، ويفرق بين الكثير والقليل. # فكذلك يقال الله واحد : بمعنى أول الأشياء ، وبه كان كل شيء ، وهو مشيئها ~~، ومدبرها ، بنفسه لا بغيره ، ولا يتغير لتكثيرها ولا لتقليلها ، ولا عند ~~بطلانها ، ولا يختلف سبحانه عند شيء من اختلافها ، وهو سبحانه القائم ~~بإنشائها ، لا يتغير ولا يدخل في التغيير ، بل التغيير داخل على ما أنشأ ، ~~ولم يزل الله قبل أن يكون الشيء شيئا ، ثم إنه أراد إنشاء ما أنشأ ، فأنشأ ~~ما أراد إنشاءه على ما شاء ، واضطر المنشأ إلى التغيير والزوال ، والحطوط ~~(4) والنقص والنماء. # والله سبحانه واحد في معناه ، لا في معاني ما أنشأه (5) وهو الواحد لا من ~~عدد ، ولا فيه عدد به تجزأ ، وليس شيء يقال : إنه واحد في الحقيقة غير الله ~~، وكل واحد سوى الله فهو ذو عدد مجزأ ومن عدد ، وذلك أنك تقول للواحد من ~~الخلق : إنه له فوق PageV01P466 # وتحت وأمام (1) وخلف وشمال ويمين ، وكل واحد كما ذكرنا غير الآخر ، فهذا ms14 ~~غير واحد مما يضمه (2) اسم الواحد ، وهذا الواحد هو العدد ، ومن عدد كثير ~~من اللون وغير ذلك ، هو من عدد له أشباه ، والله واحد ليس بشيء من هذه ~~المعاني المنقوصة شبيها ، لأنه ليس له نظير. # فإن قال قائل : لم لا يكون قولك واحد تشبيها ، وقد قلت لغير الله واحد؟! # قيل له : إنا لم نقل لغير الله واحد ، بمعنى ما قلت إن الله واحد ، وليس ~~واحد كالله في ربوبيته ووحدانيته ، وليس من هو واحد في الحقيقة ليس بجزء ~~ولا باثنين سوى الله ، وكل ما سوى الله فقد يقال واحد وهو أكثر من اثنين ~~إذا حدد على وجه ما فسرنا من الحدود التي تلزم الخلائق ، وذلك لأن كل واحد ~~مما سوى الله فمسدس ، وهو أكثر من اثنين. وإن قيل : إنه واحد على ذكرنا ، ~~فليس (3) الله بواحد كمعنى الآحاد المعدودة ، وإنما هو إله واحد ، ليس له ~~ند ولا له شبيه ، تعالى عما يقول المشبهون علوا كبيرا. # ومعنى من معاني الواحد إذا أرادوا به دفع الاختلاف وحذف الجميع ، كما قال ~~الكميت (4) بن زيد الأسدي : # فضم قواصي الأحياء منهم %~% فقد رجعوا كحي واحدينا # فإن قال قائل : فإذا قلت : إن الواحد من الحساب في جميع العدد ، فكذلك يقول # أشهر شعره الهاشميات ترجمت إلى الألمانية ، يقال إن شعره أكثر من خمسة ~~آلاف بيت. والبيت من قصيدة له تسمى المذهبة التي مطلعها : |لنا قمر السماء وكل نجم||تشير إليه أيدي المهتدينا| # هجى بها أهل اليمن تعصبا لمضر. PageV01P467 # الله في كل شيء. # قيل له : إن الله تبارك وتعالى في كل شيء مدبره ، لا محوي ومع كل شيء ~~رقيب لا يحاط به ، وليس هو في شيء من الأشياء ، بمعنى كون الشيء في الشيء ~~ولا شيء مع الشيء ، كما (1) الله في الأشياء ، ومع الأشياء على غير الإحاطة ~~، ولا يعزب الله فيها ولا هي تعزب عن الله ، وذلك لأن كل ما كان في فعله لم ~~يقطعه ، فالعرب تقول : إنه في فعله ، كذلك الأشياء فعل الله ولم يقطع ~~تدبيره منها ، فلذلك قلنا : إن ms15 الله بكل مكان ، فهو في كل شيء ليس بغائب عن ~~شيء ، وقد حقق الله مقالتنا في كتابه بقوله : ( @QUR@03 وما كنا غائبين ) ~~[الأعراف : 7]. وقوله : ( @QUR@04 إنني معكما أسمع وأرى ) [طه : 46]. ~~وكذلك: ( @QUR@08 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ... ) الآية ~~[المجادلة : 7]. # ألم تر إلى المرء يصبح صائما ثم يقوم مصليا وهو في ثغر (2)، فيقال : إن ~~فلانا في صلاته وصيامه ورباطه ، ويقال له ذلك في حال أقل قليل كونه في ~~أفعاله ، وأفعاله أفعال مختلفات بعضها غير بعض ، ليس فعل يشغله عن الآخر ، ~~وهو في الوقت الذي هو في هذا الفعل فاعل للفعل الآخر ، وليس فعله له بحاو ، ~~ولا فعله أيضا فيه محوي ، فالله (3) أقرب من الأشياء من الشيء (4) إلى نفسه ~~، وهو بكل شيء أنظر وألطف. # فإن مجن (5) السائل من أهل التشبيه ، وذكر الأكبال (6) والقيود ، وقال : ~~هل الله فيها. # قيل له تقدس الله وجل أن نذكره بكلام فيه تهجين (7)، ولا يجوز أن نذكر ~~أن الله في شيء ذكره تصغير بالمذكور ، من أجل أن الله أخذ علينا في ميثاق ~~الكتاب أن لا PageV01P468 # نذكره إلا بالأسماء الحسنى ، ومن الأسماء الحسنى كل اسم لا يكون معناه ~~عند السامع محتمل التهجين ، وقول القائل : ربه في السلاسل والكبول تصغير ~~بذكر الله وتهجين ، تعالى الله عز وجل ، وارتفع عن ذلك وعن أن نذكره به ، ~~لأن المذكور بهذا مذكور بالإحاطة والقلة ، والله عن ذلك يتعالى ، وإذا ذكر ~~الرب بالاسم العام كان له تعظيما ، وإذا ذكر بالاسم الخاص كان له تهجينا ، ~~ولا يعرف الرب من ذكره بهجنة ، وقد دللنا على معنى صحيح ، إذ قلنا إن (1) ~~الله في الأشياء مبثوثة ، وإن خص السائل ذكر شيء هو بالمذكور تصغير وتهجين ~~، ويذكر ما يكون حواء وإحاطة لم يجز الجواب فيه بنعم! # فإن سأل السائل ما الله تبارك وتعالى إذا قلتم : هو الواحد؟! # قلنا : معنانا (2) أن الله واحد أي : لا واحد سواه ، إلا وله شبيه (3)، ~~والله واحد ليس له شبيه ، وهو يقيم الأشياء ، وهو القائم بها لا بغيره قامت ~~الأشياء ، وليس الله بذي أعضاء ، بعضها لبعض ms16 مؤيد ولا ممسك ، بل الله واحد ~~ليس سواه واحد في معناه ، وليس واحد سوى الله إلا وقيامه بغيره ، وذلك أن ~~الحركة لا تقوم في وقتها إلا بمتحرك ، كذلك اللون لا يقوم إلا بملون ، ~~والطول لا يقوم إلا بمطول ، لأن ما ذكرنا كلها أجزاء ، وإنما يقوم بعضها ~~بعضا ، ولا يكون الجميع إلا باتصال الأبعاض ، ولما كان على الجميع الأجزاء ~~، جاز أن يكون مع الجميع ثان ، وجاز أن يقال : هذا كان غير هذا. كذلك لا ~~يقوم شيء مما ذكرنا من الخلق إلا في زمان ومكان ، والله القائم بنفسه لا ~~تجري عليه الأزمنة ، ولا تحويه الأمكنة (4). # واعلم أن العدد من الحساب أصله وجوب الغير ، ولا يقع الغير إلا على اثنين ~~فصاعدا ، فإن كان الاثنان جنسين مختلفين ، جاز أن يقال : هذا غير هذا ، فإن ~~كانا مؤتلفين قيل : هذا وهذا واحد ، وهذا واحد وهذا واحد ، وكان كل واحد ~~منهما غير الآخر. PageV01P469 # وقد يقال للمؤتلفين الذين هما واحد : إن أحدهما غير الآخر ، كعملي غير ~~عملك ، وإذا كان عملهما دينا قال : هذا وهذا واحد ، وكل ما ذكرنا يحتمل ~~التضعيف والزيادة ، ويحتمل التضعيف أضعافا ، وكل ما احتمل الزيادة لم يكمل ~~أبدا ، فقد يحتمل النقصان ، وكل ما احتمل النقصان أمكن أن يبيد ، وهو أبدا ~~منقوص من صفة الكامل ، والله واحد لا بهذا المعنى ، ولكنه واحد في معناه ~~الذي ليس يشبه (1) معاني البشر ولا الحساب ، وهو إسقاط الثاني ، وليس ثان ~~مع الله ، ولا واحد غيره في معناه كهو ، وإثباته واحدا تعطيل الثاني ، وفي ~~تعطيل الثاني توحيد الأول ، والواحد الباقي الذي ما سواه فان. # * * * PageV01P470 ### | (الرد على من زعم أن لله وجها كوجه الإنسان) # الحمد لله الذي كل شيء هالك إلا وجهه ، الذي به قامت سماواته وأرضه ، ~~واستوى على عرشه ، فلا شيء في استوائه يماثله ، لأنه عن شبه كل شيء تعالى ، ~~وهو لكلنا شاهد ولنا باري ، وكلنا عليه لا يخفى سامع النجوى ، والعالم بما ~~في الضمير وأخفى. # اعلموا رحمكم الله أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه محمد صلى الله ~~عليه كلامه ms17 ، لسانا عربيا مبينا ، أوجز البلاغات وأبلغه إيجازا ، وليس ~~للأميين (1) في اللغة أن يتأولوا في الكتاب ما لا يدركه المتأولون من رباني ~~(2) اللغة والكتاب ، وقد علم رباني اللغة أن لها تصاريف المذاهب وفنون ~~الجهات ، وأنها ذات قيم (3) وأمواج وأطناب ولطائف ودقائق في بيان. # وإن فرقة من البدعية (4) استعجمت في كتاب الله ، وسارعت في تأويله من غير ~~فصاحة بالتأويل ، ولا فهم في التنزيل ، ولا آلة في العلم باللغات ، فتأولت ~~بالعجمة إذ تأولته ، ولما سمعوا كلام الله وما فيه من قول المطعمين : ( ~~@QUR@04 إنما نطعمكم لوجه الله ) [الإنسان : 9] ، وقوله : ( @QUR@05 كل شيء ~~هالك إلا وجهه ) [القصص : 85] ، وقوله : ( @QUR@04 كل من عليها فان (26) ~~@QUR@06 ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27)) [الرحمن : 26 27]. إن PageV01P471 # لله تعالى عز عن ذلك وجها كوجه الإنسان. # ونحن سائلوهم وبالله نستعين ، ما ذا أراد الله بقوله : ( @QUR@06 ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) (27) شيء منه دون شيء؟ أم هو الله تبارك ~~وتعالى يبقى؟! لأنه ليس بذي جوارح متفاوتة ، فإن رجعوا إلى النظر ، وتصفية ~~الجواب ، علموا أن الله أراد بقوله : ( @QUR@03 ويبقى وجه ربك )، يعني : ~~يبقى ربك ، وإن كان شيء غيره فان ، لأن الله ليس مبعضا يبقى وجهه دون ~~أبعاضه ، تعالى الله عن التبعيض. # فإن تقحم (1) ذو حيرة غمرات الكفر ، وزعم أن له أبعاضا أحدها وجه!! # قيل له : أخبرنا عن تلك الأبعاض التي أحدها وجه تفنى دون الوجه؟! # فإن زعم أنها تفنى دون الوجه صرح بشركه ، وإن زعم أن الأبعاض التي هي غير ~~الوجه تبقى مع الوجه! # قيل له : من أين قلت إن كلها تبقى؟! وقد قال الله عز وجل في كتابه : ( ~~@QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه )، والأبعاض التي هي غير الوجه هي شيء ، وقد ~~قال الله : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه )، ولن تجدوا حجة (2) تدفعون ~~بها الفناء عن الأبعاض التي هي سوى الوجه ، إلا أن ترجعوا إلى قولنا. وقد ~~قال الله في كتابه : ( @QUR@010 وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون (39)) [الروم : 39]. وقوله : ( @QUR@04 إنما نطعمكم لوجه الله ~~) [الإنسان : 9] ، فليس على الأوهام الطالبة إليه للحق ms18 في تأويل هذا مئونة ~~، إذا نظرت بصافي عقلها استبان أن معنى قوله : ( @QUR@03 تريدون وجه الله ) ~~أي تريدون الله وثوابه ، وقوله : ( @QUR@04 إنما نطعمكم لوجه الله ) أي لله ~~، وقوله : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ). # وللوجه في القرآن معان في اللغة. # قال بعض العرب : PageV01P472 أعوذ بوجه من تعنو الوجوه له %~% بالله ليس له شبيه (1) # ومعنى تعنو الوجوه ، أي : تستأسر (2) النفوس ، وكل امرؤ أسير يرى على أنه ~~لله مستأسر ، وإنما أراد بوجهه ذاته ، فلما أن قال : أعوذ بوجه من تعنو ~~الوجوه له ، ثم قال بالله ، علمنا أنه إنما استعاذ بالله في قوله : أعوذ ~~بوجه من تعنو الوجوه له. # وقال آخر : # إني بوجه الله من شر البشر أعوذ %~% من لم يعذ الله دمر (3) # وقال آخر : # إلهي لا رب لنا غير وجهه %~% وليس له من صاحب لا ولا ند (4) # دليل على أنه أراد بذكره وجه الله أي : الله ، ولم يرد بذكره وجهه ، إنه ~~بعض دون أبعاض ، لأن الله سبحانه ليس بذي أبعاض. # قال ذو الرمة (5): # أقمت لها وجه المطي فما درى %~% أجائرة أعناقها أم قواصد # ألا أيها الربع الذي غير البلى. أنظر ديوانه. PageV01P473 # فجعل للمطي وجها ، وليس ذلك الوجه على ما يعقل من وجه الإنسان. # وقال آخر : # أعوذ بوجه الله من شر معقل %~% إذا معقل راح البقيع وهجرا (1) # وهذا دليل على أنه استعاذ بالله. # وقال آخر : # وتطلب المعروف في كل وجهة %~% تخطى إلى المعروف نحو ابن عامر (2) # ويقال في اللغة : أخبرنا بالخبر على وجهه ، ولا يتوهم للخبر وجه على ما ~~يعقل من وجوه البشر ، وقال الله سبحانه : ( @QUR@02 ولكل وجهة ) [البقرة : ~~148]. أي لكل قبلة (3). # وقال آخر في تأويلها : ولكل ملة. # ويتأول بعض أهل العلم : ( @QUR@05 من قبل أن نطمس وجوها ) [النساء : 47]. ~~أي ملة نمسخهم (4) يعني أهل الملل ، وإنما صارت الملة وجها ، لأن صاحبها ~~يتوجه إلى الرب بها. # وقال الشاعر : # درست وجوههم فكل آخذ %~% غير الطريق وكلهم متحير (5) PageV01P474 # فهذا دليل على أن الله أراد بقوله : (من قبل أن نطمس وجوها) أي : مللا. # وقال آخر : # أضحت وجوههم شتى فكلهم %~% لوجهته ms19 فضلا على الملل (1) # وقال عباس (2) بن مرداس السلمي : # أكليب ما لك كل يوم ظالما %~% والظلم أنكد وجهه ملعون # وقال الله عز وجل : ( @QUR@05 بلى من أسلم وجهه لله ) [البقرة : 112]. أي ~~من أخلص دينه لله (3) فجعل للدين وجها. # وقال الشاعر : # وأسلمت وجهي لمن أسلمت %~% لأرض تحمل صخرا ثقالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له %~% المزن تحمل عذبا زلالا (4) # وفي ذلك دليل على أنه أراد بالوجه الدين ، وقال الله سبحانه : ( @QUR@03 ~~فأقم وجهك للدين ) [الروم : 43 ، 30]. ولم يرد الوجه دون القلب وسائر ~~الأبعاض ، وإنما تأويل أقم وجهك ، أي : أقم نفسك للدين ، وتأويل أقم نفسك ~~للدين إنما هو : بالدين ، وقال الله سبحانه : ( @QUR@015 وقالت طائفة من ~~أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ) ~~[آل عمران : 72]. يعني : صدر النهار. وقال PageV01P475 # بعض أهل العلم : أول النهار (1). فذكر الله للنهار وجها ، ولم يرد به ~~وجها من الوجوه التي أمر بغسلها عند الوضوء ، وقد يجوز في اللغة القول بأن ~~(2) هذا وجه المتاع ، وهذا وجه القوم وفاضلهم ، وهذا وجه الدار ، وهذا وجه ~~الكلام ، هذا وجه العمل ، معنى قولهم هذا وجه الكلام ، أي : صدقه وبيانه ، ~~ووجه العمل أي : العمل به صواب. وقال الله تعالى : قال تعالى : ( @QUR@07 ~~ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) [المائدة : 108] أي : يأتوا بها ~~على صدقها (3). # وتأويل قول الله : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) له معان : # منها ما أريد به وجه الله من العمل الطيب ، والقول الحسن (4). # ومعنى آخر في : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ). إلا هو (5). ومن ~~أراد هذا المعنى قرأ وجهه مرفوعا ، وله سوى هذا أيضا ، (6) من أراده قرأه ~~مفتوحا ، والمعنى فيه : ثواب الله عز وجل . # وقال الله عز وجل في كتابه : قال تعالى : ( @QUR@02 فاغسلوا وجوهكم ) ~~[المائدة : 6]. فمعنى هذا الوجه معنى واحد ، وهو الوجه الذي في الناس ، ~~وذلك عن الله عز وجل منفي ، وقوله : قال تعالى : ( @QUR@03 فثم وجه الله ) ~~[البقرة : 115]. دليل على أنه الله ، لأن الشرقي والغربي بين المشرق ~~والمغرب لا يكون جهتهم جميعا تلقاء وجه الله ، لأن وجهه : الذي هم مقابلون ~~دون ms20 ما سواه ، فبطل قولهم في تأويلهم : ( @QUR@03 فثم وجه الله ). # وهو قول مجاهد. انظر تفسير سفيان الثوري / 194. PageV01P476 # وزعموا أن وجهتهم جميعا تلقاء وجه الله ، وبطل قولهم : (خلق آدم على صورة ~~وجه الله) (1)، لأن الصورة وجه ، وهي لا تواجه إلا ما كان تلقاءها ، ومما ~~يبطل به قولهم في # الحديث أخرجه البخاري (فتح 11 / 3). ومسلم (4 / 2017 رقم 115). في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة بلفظ (خلق الله آدم على صورته). ومثل هذا موجود ~~في التوراة ، فقد جاء في القسم الأول من الفصل الخامس من سفر التكوين : ~~(لما خلق الله آدم ، خلقه على صورة الله). وهذا الحديث باطل مردود إن لم ~~يمكن حمله على وجه صحيح. قال الحافظ ابن حجر (قوله : خلق الله آدم على ~~صورته). تقدم بيانه في بدء الخلق ، واختلف إلى ما ذا يعود الضمير ، فقيل : ~~إلى آدم ، أي : خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط ، وإلى أن مات ~~، دفعا لتوهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى. أو ابتدأ خلقه ~~كما وجد لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة. وقيل : للرد ~~على الدهرية أنه لم يكن إنسان إلا من نطفة ولا تكون نطفة إنسان إلا من ~~إنسان ، ولا أول لذلك. فبين أنه خلق من أول الأمر على هذه الصورة. وقيل : ~~للرد على الطبائعيين الزاعمين أن الإنسان قد يكون من فعل الطبع وتأثيره. ~~وقيل للرد على القدرية الزاعمين أن الإنسان يخلق فعل نفسه. (قلت يريد أن ~~القائلين بأن الإنسان مخير في فعله قدرية ، وهم يعتقدون أن الانسان مسير لا ~~مخير. وهذه عقيدة المجبرة وقد أبطلها الإمام القاسم عليه السلام بكتاب الرد ~~على المجبرة ، من هذا المجموع). ثم قال ابن حجر : وقيل إن لهذا الحديث سببا ~~حذف من هذه الرواية ، وأن أوله قصة الذي ضرب عبده ، فنهاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وقال له : الله خلق آدم على صورته. انتهى كلام ~~ابن حجر فتح الباري (11 / 3). # قلت : وتلك القصة التي أشار ms21 إليها الحافظ مروية في مسند أحمد (2 / 434). ~~ورواها البخاري بنحوه في الأدب المفرد (73). وابن أبي عاصم في سننه (228 ~~برقم (516) (521). والبيهقي في الأسماء والصفات (291). بتحقيق الكوثري. ~~وذكرها الحافظ ابن حجر نفسه في الفتح (5 / 139). وهي بلفظ (لا تقولن قبح ~~الله وجهك ووجه من أشبه وجهك. فإن الله خلق آدم على صورته). أي : صورة ~~المقول له قبح الله وجهك ... ويؤكد هذا ما أخرجه مسلم في صحيحه (4 / 2017). ~~من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (إذا قاتل أحدكم ~~فليتق الوجه ، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته). تأمل!! وأما المشبهة : ~~فإنهم يحملونه على معناه الظاهري ، ويعتقدون أن لله وجها وصورة ، بل قد ~~وضعوا في ذلك كتبا مثل : عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن. ~~للتويجري. PageV01P477 # زعمهم ، أن الله على العرش دون ما سواه ، وأن الملائكة يسبحون من حول ~~العرش ، فقد أحاط المسبحون بالمسبح ، إذ هم حوله ، ولا يكون توجيههم ~~وتسبيحهم تلقاء وجه الله. وإن قالوا : إن جهتهم جميعا ، وإن الله هو (1) ~~أينما تولوا ، رجعوا إلى التوحيد الأول. # * * * PageV01P478 ### | (الرد على من زعم أن الله تدركه الأبصار وتحيط به الأعين # تعالى عن ذلك) # الحمد لله الذي يدرك الأبصار ، ولا تدركه الأبصار (1)، وهو الواحد ~~المتكبر ، العزيز القهار : قال تعالى : ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير ) [الشورى : 11]. زعم قوم من أهل الجهل أن العباد غدا يعاينون ربهم ~~جهرة ، ينظرون إليه كما ينظر بعضهم بعضا ، محاطا به محدودا ، وتأولوا قول ~~الله عز وجل : قال تعالى : ( @QUR@03 وجوه يومئذ ناضرة (22) @QUR@03 إلى ~~ربها ناظرة ) (23) [القيامة : 22 23]. وقوله تعالى : ( @QUR@04 * للذين ~~أحسنوا الحسنى ) (2) وزيادة [يونس : 26]. وقوله : قال تعالى : ( @QUR@05 ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) (15) [المطففين : 15] ، وقوله : يخبر عن ~~موسى عليه السلام : قال تعالى : ( @QUR@04 رب أرني أنظر إليك ) [الأعراف : ~~143] ، ونحن مقرون بالنظر من أولياء الله في جنته على غير تحديد ولا إحاطة ~~، جل الله وعز وتعالى علوا كبيرا. # والنظر له في لغة العرب معان : # «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بأعرابي وهو يدعو ms22 في صلاته وهو ~~يقول : «يا من لا تراه العيون ، ولا تخالطه الظنون ، ولا يصفه الواصفون ، ~~ولا تغيره الحوادث ولا يخشى الدوائر ، يعلم مثاقيل الجبال ، ومكاييل البحار ~~، وعدد قطر الأمطار ، وعدد ورق الأشجار ، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق ~~عليه النهار ، وما تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ، ولا بحر ما في قعره ~~، ولا جبل ما في وعره ، اجعل خير عمري آخره ، وخير عملي خواتيمه ، وخير ~~أيامي يوم ألقاك فيه. # فوكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأعرابي رجلا ، فقال : إذا صلى ~~فائتني به ، فلما صلى أتاه ، وقد كان أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذهب من بعض المعادن ، فلما أتاه الأعرابي وهب له الذهب ، وقال : ممن أنت يا ~~أعرابي؟ قال : من بني عامر بن صعصعة يا رسول الله ، قال : هل تدري لم وهبت ~~لك الذهب؟ قال : للرحم بيننا وبينك يا رسول الله ، قال : إن للرحم حقا ، ~~ولكن وهبت لك الذهب بحسن ثنائك على الله عز وجل )). # قال الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد) في (10 / 158): رواه الطبراني في ~~الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد أبو عبد الرحمن الأذرمي ~~وهو ثقة. PageV01P479 # أحدها : أن يلاقي الشيء جهرا ، ويحيط به بالعيان بإدراك وتحديد ، فيقال ~~نظر إليه ، وعوين وأدرك وأبصر وجوهر. # ومعنى آخر : من معاني النظر لا بالعيان من بصر البصر ، ولكن ينظر إليه ~~بأفعاله ، ومن ذلك قول العرب : انظر إلى شرائع الدين ما أحسنها ، انظر إلى ~~كلام عبد الله ما أفصحه وأبينه ، انظر إلى ما صنع الله بعباده ، وانظر إلى ~~الذين جابوا الصخر بالواد ما ذا صاروا إليه ، فتجيب العقول له قد (1) نظرت ~~إلى ذلك كله ورأيته ، لا بعيان البصر. # ويقال : إنه قد نظر في لغة العرب وما ينظر فلان إلا إلى الله ، ثم إلى ~~محمد ، ويقول: ما ينظر إلا إلى عبد الله ، وعبد الله (2) غائب. ومن ذلك ~~النظر إلى الشيء بأفعاله وآياته لا بروحه وشخصه ، وتقول : رأيت نفس زيد حين ~~خرجت لا تريد بذلك نظر العين ms23 للروح ، ويقال : رأيت عقل زيد صحيحا ، ونظرت ~~إلى عقله ، فرأيت عقلا حسنا. # والعقل روحاني لا يرى بالعيون ، لأنه ليس بشبح (3) ولا لون ولا جسم ، ~~ويقال : أحسنت النظر وأسأت النظر. # ومن ذلك قول الشاعر : # لا يزال وإن كانت له سعة %~% إلى الذي راه لم يظفر به نظر (4) # ولذلك تقول : رأيت حلم زيد وعقل عبد الله ، وإنما رأيت الحلم والعقل ~~بأفعال لهما ، مع أشياء كثيرة ، مما يجوز في اللغة ، كقولك انظر إلى شدة ~~غضبه ، وانظر إلى شدة فرحه ، وانظر إلى عمه وعداوته ، وهذه كلها روحانيات ~~خفيات لا تدرك بأنفسها وقد تدرك بأفعالها ، ويقال : رأينا غضبه ورضاه وما ~~أشبه ذلك. # وقال الله : قال تعالى : ( @QUR@06 ألم تر كيف فعل ربك بعاد ) (6) [الفجر ~~: 6] ، والذي قيل له : ألم تر هو النبي صلى الله عليه ، وإنما النبي بعد ~~قرون قبلها عاد ، فرأى كيف فعل PageV01P480 # ربه سبحانه بعاد (1)، ولم ير ذلك بعيان جهرة. وقال : قال تعالى : ( ~~@QUR@07 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) [الفرقان : 45]. وقال إبراهيم الخليل ~~صلى الله عليه : قال تعالى : ( @QUR@05 رب أرني كيف تحي الموتى ) [البقرة : ~~260]. وقد رأى كيف أحياه الله من نطفة ، ولكنه أراد أن يريه الله كيف يحيي ~~الموتى من وجه من الوجوه ، الذي عاين من إحياء الله سبحانه الأجسام الميتة ~~من النطف وغير النطف. # وكذلك سأل موسى صلى الله عليه ربه فقال : ( @QUR@04 رب أرني أنظر إليك ) ~~[الأعراف : 143]. ومعناه ومعنى الخليل صلى الله عليهما في نفس النظر سواء ، ~~لأنهما أرادا أن يعاينا بأبصارهما من معالم الله وآياته ما لم يزل الله ~~يملك من العالم والآيات ، إلا أن موسى صلى الله عليه عاص فيما سأل من قبل ~~أنه (2) سأل الله آية ليست من آيات الدنيا ، ولم يكن له أن يسأل تلك الآية. ~~وسأل إبراهيم ربه آية من آيات الدنيا ، فلذلك لم يكن في سؤال الله عاصيا ، ~~وإبراهيم وموسى في سؤالهما وقولهما لم (3) يسألا ربهما أن يرياه جهرة لمعنى ~~ما يرى البشر البشر ، لأن ذلك شرك ، ولم يكن إبراهيم وموسى صلى الله عليهما ~~بمشركين ، والله لا ms24 تدركه الأبصار ، وقد علما (4) ذلك ، وكان موسى أعلم ~~بالله من أن يسأل ربه أن يعاينه جهرة ، بل أراد : أن ينظر إليه بآية يحدثها ~~له فيراه ، ليست من آيات الدنيا ، ثم يكون له آية مرتجحة لا يحتملها الناس ~~لو شاهدوها في الدنيا ، إلا أن يزاد في قوى حواسهم. # فقيل لموسى : إن بنيتك لا تحتمل ما سألت ، واعرف ذلك بهذا الجبل فإنه ~~أعظم منك خلقا ، وأشد منك قوة ، وأشمخ منك طولا وعرضا ، انظر إليه كيف يعجز ~~عن إدراك ما سألت مثله (5)، ولم يكن الجبل بذي عقل ، والله تبارك وتعالى ~~لا يتجلى إلا PageV01P481 # بالتجلي الذي به يدرك ، ولن يدرك من ربنا إلا جلالته وآياته وتدبيره ~~وصرفه ، فبذلك يتجلى الله ، وذلك بأنه (1) سبحانه ليس بشخص. أحدث في الجبل ~~عقلا يدرك به ما يتجلى له ، فإن (2) الله تبارك وتعالى أحدث آية فتجلى الله ~~للجبل وجعلها آية سماوية ولم تكن أرضية. وقال بعض العلماء (3) أبرز بعض ~~العرش للجبل ، رواه يوسف بن الأسباط (4)، عن الثوري ، وذلك قوله : قال ~~تعالى : ( @QUR@06 فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) [الأعراف : 143]. فعرف ~~الجبل ربه بتجلي الرب له بما أظهر له ، فعظم الجبل الله فبلغ من تعظيم ~~الجبل لله أن تقطع وساخ وذهب. (5) وإن الله جعل ذلك موعظة للقلوب القاسية ~~لتلين ، والقلوب الناكرة لتسترشد ، ولئن (6) ترجع القلوب إلى ربها بشدة ~~الفكر والتعظيم لله العظيم (7). # فقال لموسى : قال تعالى : ( @QUR@02 لن تراني ) [الأعراف : 143] من وجه ~~ما سألت ، لأن التجلي إنما يكون من وجه يدرك من المتجلي. فتجلى (8) الأشخاص ~~للأبصار ، ولا تجلى لغير الأدوات من الأسماع والآذان والملامس ، وقد تجلى ~~الأصوات للأسماع ، وإنما يتجلى المتجلي من وجه ما يدرك به ، فقد يقول ~~السامع للكلام ، قد تجلى لي هذا الكلام ، ولا PageV01P482 # يراد به عيان البصر. # والله تعالى ليس بشخص فتجاهره الأبصار ، ولا هو صوت فتوعيه الأسماع ، ولا ~~رائحة فتشمه المشام ، ولا حار ولا باد ، ولا خشن ولا لين ، فتذوقه اللهوات ~~، ولا تلمسه الأيدي ، لأنه سبحانه خلق الأسماع وما أدركت ، والأبصار وما ~~جاهرت ، والمشام وما شمت ، واللهوات وما ms25 ذاقت ، والأيدي وما لمست ، فهذه ~~الخمس المدركات ، والخمس المدركات (1) كلها محدثات مخلوقات ، والله سبحانه ~~لا يشبه شيئا منها ولا فيها شيء يشبه الله ، وكذلك لا يتجلى الله من وجه ما ~~تتجلى هي ، لأنها مخلوقات ، وإنما يتجلى من وجه ما يجوز من صفته ، يتجلى ~~بآياته وتدبيره على خلاف تجلي ما سواه ، وقد تجلى الله سبحانه في كتابه ~~بكلامه لنا في وحيه وآياته ، فهذا معنى من معاني تجليه عز وجل . # وقد يقول القائل : أرى عقلك صحيحا ، ويقول : إني أحب أن أرى عقلك وأمتحنه ~~بتدبيرك ، فإن أحسن التدبير قال له صاحبه : قد رأيت عقلك حسنا. # وأما قول الله عز وجل : قال تعالى : ( @QUR@03 وجوه يومئذ ناضرة (22) ~~@QUR@03 إلى ربها ناظرة ) (23) [القيامة : 22 23] ، فقد روى الناس عن سلفنا ~~أنهم قالوا : هو النظر إلى ما يأتيهم من أمر الله (2). وقال بعضهم : هو ~~الانتظار لثواب الله (3). ولا يرى الله أحد ، (4) وكلا # وقد رواه عن علي وابن عباس الربيع بن حبيب في مسنده ، وعزاه إلى مجاهد ~~ومكحول وإبراهيم والزهري ، وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ص 226 ، 228 ، ~~ورواه في مجمع البيان والاحتجاج للطبرسي عن علي عليه السلام . # وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : ( إلى ربها ناظرة ) قال ~~: تنتظر منه الثواب. الدر المنثور 8 / 360. وهو في تفسير الإمام زيد في ~~سورة القيامة. PageV01P483 # القولين جائز. # ولسنا ننكر أن يكون أولياء الله في الجنة يرون ربهم لا بتحديد ولا إدراك ~~إحاطة ، وكذلك كان معنى قول مجاهد في أن لا يرى الله أحد ، أي : لا يراه ~~أحد بتحديد ولا إحاطة ، ولكن يراه أولياؤه وينظرون إليه ، نظر مخلوقين إلى ~~خالق ، ينتظرون ثوابه ، ويرون تدبيره ، لا كنظر مخلوقين إلى مخلوق ، لأنه ~~ليس كالمخلوقين. ويجوز أن يقال : نظر إلى من ليس كالمخلوق كما ينظر إلى ~~المخلوق ، وفي الخلق ما لا يرى وهو الروح والعقل ، وما أشبههما ، فلا يقال ~~: إن شيئا من ذلك يرى كما ترى الأشخاص ، فكيف يقال : إنه يرى الله كما يرى الشخص. # وإذا ابتعث الله أولياءه من الأجداث أرسل ms26 إليهم ملائكته ليبشرهم بالجنة ~~وينادونهم : قال تعالى : ( @QUR@07 أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون ) [الأعراف : 43]. وذلك قبل أن يدخلوها وهم ينظرون إلى أن ينيلهم ما ~~وعدهم وما به بشرهم ، فوجوههم يومئذ ناضرة بهجة مشرقة حسنة ناعمة ، تنظر ~~إلى ربها بالحب له والرضى عنه والرغبة إليه ، ينظرون ما يأتيهم منه ما ~~بشرهم به الملائكة ، وإن الله عز وجل ينظر إليهم نظر الخالق إلى المخلوق ~~المطيع الحبيب ، وينظرون إليه بالرغبة فيما لديه نظر مخلوقين محبين إلى ~~خالقهم المحبوب عندهم المنعم عليهم ، نظر معرفة ، لا نظر تحديد وإحاطة ، ~~والله ينظر إليهم ، وقد كان يراهم في الدنيا ، إلا أن نظره هذا نظر ثواب ~~ورحمة ووفاء بما وعدهم ، والمزيد لهم من كل كرامة إذ أدخلهم الجنة ، فلا ~~يزالون ينظرون إليه في جنته بالرضى عنه ، والاستزادة مما عنده من فوائد ~~النعم ، وتحف الكرامات ، مع ما قال لهم عز وجل : قال تعالى : ( @QUR@02 ~~ولدينا مزيد ) (1) [ق : 35] ، أي # وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن عباس أيضا قال في الآية : أنا أول ~~من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك. الدر المنثور 3 / 547. وأما عن مجاهد فقد ~~سبقت الرواية عنه في تفسير قوله تعالى : ( إلى ربها ناظرة ). PageV01P484 # مزيد (1) من ربهم ، لا تنقطع التحف والخيرات الحسان من ربهم أبدا عنهم ، ~~وينظرون إلى ربهم في الجنة بمقعدهم ، وما هم فيه من الازدياد من نعيمهم ~~والإحسان إليهم ، وإنما يوصف الله سبحانه بنظر أوليائه إليه ، بهذه المعاني ~~التي ذكرنا ولا ينظر إلى الله أحد من أعدائه يوم القيامة بمعنى ما ينظر ~~أولياؤه. # ويقال في اللغة : إنما ينظر العبد إلى سيده ، وإنما ينظر إلى الله ثم ~~إليك ، يريدون بذلك ما يأتي من المنظور ، وعلى هذا المعنى قول الناس. # وقال الله تبارك وتعالى يخبر عن أعدائه ، إنه لا ينظر إليهم ولا يكلمهم ~~(2) فيها وفي الحالة التي لا ينظر إليهم الله يراهم ، وقوله : قال تعالى : ~~( @QUR@03 لا يكلمهم الله ) [البقرة : 174 آل عمران : 77] ، أي لا يسألهم ، ~~وقد كلمهم بما فيه حزنهم ، وإن العالمين بالرب علم اليقين عاينوا ms27 بيقينهم ~~(3) القيامة ، وأبصروا وجوها مسودة ، وقد علاها القتر والعبوس ، جزاء بما ~~كانوا يصنعون ، فراعهم ما أبصروا بيقينهم من تلك المفضعات ، فحذروا أن # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسرها بغرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة ~~أبواب. وهو مروي عن علي عليه السلام . # وعن ابن عباس ، والحسين ، وعلقمة : أن الزيادة مضاعفة الحسنة إلى عشر ~~أمثالها. # وعن الحسن ومجاهد أنها مغفرة من الله ورضوان. # وعن محمد بن كعب ما يزيدهم الله من الكرامة والثواب. # انظر الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب 3 / 232 ط مكتبة الاستقامة ، ~~وتفسير ابن جرير 11 / 75 ، 76 ط. دار الباز. وتفسير الغريب للإمام زيد بن ~~علي عليهما السلام . # وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن علقمة بن قيس قال : ~~الزيادة العشر (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها). وهو مروي عن الحسن أيضا. ~~الدر المنثور 4 / 360. PageV01P485 # يكونوا : من الذين قال الله : قال تعالى : ( @QUR@02 وجوههم مسودة ) ~~[الزمر : 60] و: قال تعالى : ( @QUR@02 ترهقها قترة (41)) [عبس : 41] (1) ~~فلم يكذبوا على ربهم إذ سمعوه عز وجل يقول : قال تعالى : ( @QUR@03 لا تدركه ~~الأبصار ) [الأنعام : 103] ، وهذه مدحة لله وحسن ثناء عليه وتعظيم له ، ~~فاستيقنوا أن الثناء والمدح عن الله غير حائل في الدنيا ولا في الآخرة ، ~~وأبصروا بيقينهم في القيامة إلى وجوه ابيضت ، فهي ناضرة مستبشرة ضاحكة ~~مسفرة ، إلى ربها ناظرة في روح وجنات عالية ، يخبرون فيها بصدقهم عن الله ~~في القول والعمل له ، والموافقة له في الأيام الخالية ، فلذلك وضع القوم ~~كلامهم من ربهم حيث وضع الرب ، ولم يقولوا بغير ما قال الله لهم ، وقالوا : ~~كما قال لهم ربهم إلى ثواب ربها ناظرة ، ولم يقولوا لربها مجاهرة. # وإنما الشيء إذا جوهر نظر إليه بالعيان لا بالوجه ، لأن الوجه غير العين ~~، ولو كان ما قالوا على ما ادعوا لقال الله في كتابه أعين إلى ربها ناظرة ، ~~لأن الوجه لا يرى ولا يبصر ، وإنما البصر للرؤية والعينين اللتين في الوجه ~~، فهذه معان لطيفة مفصلات في النظر. # وقد قال إبراهيم الخليل ، لابنه إسماعيل ، صلى الله ms28 عليهما : ( @QUR@010 ~~إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى ) [الصافات : 102]. وليس ذلك ~~رؤية حس ، ثم قال : انظر ما ذا ترى ، ولم يرد إدراك العين ولا إحاطة البصر ~~، في قوله : ما ذا ترى في الذبيح أن يسلم لربه نفسه ، ويجود له بها ، فرأى ~~موافقة أبيه في طاعة ربه بما أمره ، فأمكنه من ذبحه واستسلم لربه ، وليس ~~ذلك النظر بالعين ورؤيتها. # وكان مما احتج به القوم أن قالوا : إن موسى صلى الله عليه سأل ربه فقال : ~~( @QUR@04 رب أرني أنظر إليك )، وقد بينا ما أراد موسى بقوله : ( @QUR@04 ~~رب أرني أنظر إليك )، ولم يكن ذلك سؤالا للنظر الذي هو رأي العين ، ~~بالإحاطة والتحديد جهرة ، وقد رأينا الله عز وجل : ذكر في كتابه حدث موسى في ~~قتله القبطي ، وما أخبرنا سبحانه عن آدم صلى الله عليه في معصيته بأكل ~~الشجرة ، وسمعناه عز وجل يذكر في كتابه أحداث PageV01P486 # أنبيائه معيبا لأحداثهم ، ولم يكن ما عاب من أحداثهم عند الله موبقا ولا ~~كبيرا ، بل كانت أحداث أنبيائه صغائر ، ولم تكن بكبائر ، وكان الله عز وجل ~~يأخذهم في عاجل الدنيا من أجل أحداثهم التي لم تكن بكبائر ، حبس بعضهم في ~~الظلمات في جوف الحوت (1)، وبمعان ذكر الله عز وجل في كتابه وكيف صنع ببني ~~إسرائيل ، ولم ينجهم من الله إلا النقلة عن صغائرهم والاستغفار بالإنابة ~~والندم ، وقد سأل قوم موسى فقالوا : ( @QUR@05 أرنا الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة ) [النساء : 153] ، ليكون في ذلك مزدجر للآخرين ، وليحذروا مصارع ~~الذين سألوا رؤية الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ، فزجر الله العباد عن السؤال ~~عما يضاهي ما سأل القوم نبيهم صلى الله عليه من رؤية الله جهرة (2). # فكيف يتوهم أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم ، سأل ربه مسألة القوم الذين ~~أخذوا بالنقم ، لأجل تلك المسألة التي سألوا موسى أن يريهم الله جهرة ، وقد ~~علم موسى أن سؤالهم عن ذلك شرك ، وقد نهى موسى قومه عن معاني الشرك كلها ، ~~ولم يكن صلى الله عليه ليخالفهم إلى ما نهاهم عنه ، لأن مسألة القوم له كفر ms29 ~~، ولا يجوز أن يتوهم على موسى أن يسأل الله مسألة هي كفر ، ولو كانت مسألة ~~موسى على ما يتوهم المشبهون لنزلت به من العقوبة مثل ما نزل بغيره ، ولغلظ ~~الله عليهم تغليظا يعلم العباد أنه أكبر من الصغائر ، وفي تكفير الله عز وجل ~~الذين قالوا : ( @QUR@03 أرنا الله جهرة ) إخراج مسألة موسى من معنى رؤية ~~الجهرة ، وإخراجه من جهل القوم بالله. # ويقال لهم : هل يدرك البصر إلا شخصا أو لونا؟ # فإن قالوا : لا. # قيل لهم : أخبرونا عن ربكم ، أتقولون إنه لون؟! فإن قالوا : نعم. PageV01P487 # قيل لهم : فمن أين قلتم ذلك وما بينتكم عليه؟! ولن تجدوا سبيلا إلى إثبات ~~اللون إلا من وجه الرواية ، فيعارضون بأضداد رواياتهم فإن جعلوا الرواية ~~حجة لم يصح لهم دعوى ولا لنا ، لأنهم رووا خلاف ما روينا وروينا خلاف ما ~~رووا ، ولا بد أن يكون أحدنا محقا والآخر مبطلا ، وفي إبطال قول أحدنا ~~إبطال أحد الأثرين ، وفي إبطال أحد الأثرين إخراج الأثر الشاذ من الحجة ، ~~لأن الشاذ من الأثر لا يكون مثل كتاب الله ولا سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، مع ما يدخل عليهم من التناقض في إثبات اللون ~~لمعبودهم ، من وجه ما ذكرنا من (1) إيجاد العجز عليه وإلزام النصب ، لأن ~~لون الحدقة غير لون اللسان ، ولون اللسان غير لون الوجه ، وفي الغير وجوب ~~الاثنين فصاعدا ، لأن اللسان غير العين ، والعين مخالفا للسان ، وكذلك كل ~~جزء غير ما يليه ، وهو مقصر عن صفة غيره. # فإن قالوا : ليس لونا. # قيل لهم : كيف ترى العيون ما ليس يكون لونا ، والعيون لا ترى في العقول ~~إلا ملونا؟! # وإن لجئوا إلى أن يقولوا : إن الله يعطيهم حاسة سادسة في القيامة (2) بها ~~يدركون ربهم إدراك (3) الجهر ، يسألون عن الذي يدركون ربهم به ، أليس قد ~~نال ثوابا لم ينل الجزء الذي كان في الدنيا له ناصبا عاملا؟! فيكون الثواب ~~لمن لم يطع ، ولا ثواب إلا لمن أطاع (4). PageV01P488 # ويقال لهم : كيف يسمى المطيع مدركا وليس هو المعاين؟! وإنما المعاين هو ~~السادس ms30 المحدث لهم في الآخرة. # ويسألون هل يجوز أن يعطوا سابعا يدركون به لمسه أو ذوقه أو شمه ، كما ~~جوزتم السادسة التي بها تكون الرؤية ، ليكون ذلك أتم لنعيمهم إذا لمسوا ما ~~عاينوا وصافحوه وذاقوه وشموه؟! فإن جوزوا ذلك جعلوه منفصلا بائنا بعيدا ~~مبعضا ، وفي الانفصال والبينونة والبعض والبعد وجود العجز والنقص ، والعاجز ~~الناقص ليس بالكامل التام القوي القادر ، وليس العاجز الناقص بإله ، فتعالى ~~الله عن العجز والنقص. # وقد أجمع المصلون معنا أن إلهنا عز وجل لا تدركه الأبصار إلا فرقة من ~~الروافض ووافقتهم الحشوية فقالوا : إن النبي صلى الله عليه رأى ربه أبيض ~~مجمم الشعر. # ورووا من وجه آخر أنه رؤي في صورة الشاب المراهق مقصصا (1). # فعزم بعضهم أن هذه الرواية كانت بالقلب (2)، وزعم آخرون أنها كانت بعيان ~~النظر (3). وقد رووا بخلاف ذلك : أن ثلاثا من قال واحدة منهن فقد أعظم ~~الفرية على # وابن حجر في تهذيب التهذيب (10 / 95). # وعن ابن عباس : رآه بقلبه. مسلم 1 / 158 (284) و (285). PageV01P489 # الله (1)، ومن زعم أن محمدا رأى ربه ، وفي هذا انتقاض الخبر ، وإذا ~~تناقض الشيء لم يكن بحجة ، وأولاهما بحجة العقل أشبههما بكتاب الله. # ويقال لهم جميعا : أخبرونا إذ زعمتم أن النبي صلى الله عليه حين رأى ربه ~~، هل كان يقدر عقل النبي على (2) صفة ما رأى؟! # فإن قالوا : نعم. # قيل : فكان يقدر أن يخيل ما عاين؟! # فإن قالوا : نعم جوزوا القدرة على صفة الله وإحاطته والتفكير فيه ، والله ~~عز وجل يقول: ( @QUR@04 ولا يحيطون به علما ) [طه : 110]. # وإن قالوا : لا يقدر على تخييله بقلبه. # قيل لهم : فكيف يدرك ما لا يتخيل ولا يحيط به العقل؟! ، وهذا محال بين ؛ ~~لأن الإدراك أكثر من التخيل ، وإذا بطل التخيل لم يصح الإدراك. # ويقال لهم : أخبرونا إذا جوزتم أن يكون النبي صلى الله عليه رآه ، فما ~~يشعركم لعله أسر إلى بعض أصحابه صفة تحديد ، فورث ذلك الصاحب علم التحديد ~~من بعده # وأخرج مسلم عن مسروق قال : كنت متكئا عند عائشة فقالت : يا أبا عائشة ~~ثلاث من تكلم ms31 بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية ، قلت ما هن؟ قالت : من ~~زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، وقال : وكنت متكئا فجلست ~~فقلت : يا أم المؤمنين ، أنظريني ولا تعجلي ، ألم يقل الله عز وجل : ( ولقد ~~رآه بالأفق المبين )، ( ولقد رآه نزلة أخرى ). فقالت : أنا أول هذه الأمة ~~سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنما هو جبريل ، لم أره على ~~صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم ~~خلقه ما بين السماء إلى الأرض ، فقالت : أولم تسمع أن الله يقول : ( لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ... ). صحيح مسلم 3 / 8 ~~بشرح النووي. PageV01P490 # إلى يوم القيامة فيكونوا لم يدركوه كما أدركه. # فإن قالوا : فقد يمكن أن يكون ذلك فقد عبدتم ما لا تعرفون. # ويقال لهم : أليس قد يمكن أن يكون وارث ذلك يصفه بصفة تحديد ، ويخيله ~~بقلبه على غير ما تخيله ذلك العالم بصفته ، فقد عبدتم خلاف ما عبد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ؟! # فإن احتج القوم بقول الله تبارك وتعالى : ( @QUR@05 الذين يظنون أنهم ~~ملاقوا ربهم ) [البقرة: 46]. كان جوابنا أن الذين يظنون ، أي : يوقنون أنهم ~~مبعوثون بعد الموت للثواب والعقاب. # وكذلك تأويل قوله : ( @QUR@08 فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~) [الكهف : 110]. وقوله : ( @QUR@09 من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله ~~لآت ) [القصص : 85 ، العنكبوت : 5]. أي من كان يؤمن بالبعث فإن وعد الله ~~ووعيده اللذين هما الجنة والنار لآت ، وليس ذلك اللقاء رؤية ، ولو كان لقاء ~~رؤية لقال : من كان يرجو لقاء ربه فإن الله يلاقى. # ويسألون عن الذين كفروا بلقاء ربهم [هل يلقونه] (1) فإن قالوا : نعم ، لم ~~يفرقوا بين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم في الآخرة ، وبين الذين كفروا ~~بلقاء ربهم ، لأن هؤلاء لاقوه. # وإذا زعموا أن اللقاء عندهم الرؤية ، فما الفرق بين الولي والعدو ، إذا ~~كانا يلقيان ربهما واللقاء رؤية ، والرؤية عندهم أفضل الثواب. # وإن زعموا أنهم لا مؤمنون ولا مصدقون بتكذيب الكافرين ms32 من لقاء ربهم ، ~~جحدوا قول الله سبحانه : ( @QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه ) (6) [الانشقاق : 6]. وقوله : ( @QUR@07 فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ~~إلى يوم يلقونه ) PageV01P491 # [التوبة : 77]. فقد أخبر أنهم منافقون وأنهم يلقونه ، وإذا زعموا أن ~~اللقاء رؤية ، فالمنافق والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يريانه بزعمهم ، إذ كان ~~اللقاء عندهم رؤية ، فما فضل ثواب النبي صلى الله عليه على عقاب المنافق؟! # بل لا فضل بينهما إذا اشتركا في أفضل الثواب وهو الرؤية ، وفساد هذا ~~المعنى بين ، وذلك لأنهم تأولوا لقاء الله تحديدا بالإحاطة ، وزعموا أيضا ~~أن النبيين عليهم السلام يشتبهون في لقاء الله الذي هو رؤيته ، إلا أن ~~يزعموا أن اللقاء غير الرؤية فيصيروا إلى قولنا. # وإن هم سألوا عن التأويل للقاء الله؟ # قلنا لهم : إن الأعداء والأولياء كلهم ملاقوا ربهم ، ولقاؤهم انبعاثهم ~~(1) من أجداثهم ، ومصيرهم إلى معادهم يوم محشرهم ، (2) ويوم إلى الله ~~مرجعهم. # وتأويل ما سألوا عنه من قول الله سبحانه : ( @QUR@05 إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون ) [المطففين : 15] ، وذلك أن الله عز وجل لا ينالهم برحمته وهم عن ~~ربهم محجوبون ، وترجمت (3) هذه الآية آية أخرى قوله : ( @QUR@08 لا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) [آل عمران: 77]. أي : نظره إلى أوليائه ~~برحمته ، ولا يسمعهم كلاما لهم فيه سرور ولا فرح ، ولا ينظر إليهم أي : لا ~~ينيلهم رحمة ولا يأتيهم بفرح. # وقد أجمع أهل الصلاة أن الله لا ينظر إلى أعدائه ، وهو يراهم في الحالة ~~التي لا ينظر إليهم فيها ، وفي ذلك دليل أن أولياءه ينظر إليهم أي : يرحمهم ~~، وهو يراهم وينظر إليهم برحمته ، ونظره إلى أوليائه رحمته ، وذلك نظره ~~الذي كان لأوليائه ولم يكن لأعدائه ، وكذلك ينظر أولياؤه إليه لا بمعنى ~~جهرة وإحاطة منهم به ، ولكن ينظرون إليه على خلاف التحديد والإحاطة ، وقد ~~قالت العرب : ما ننظر إلا إلى سيدنا. PageV01P492 # وأجمع المسلمون على الدعاء إلى الله أن قالوا : اللهم انظر إلينا ، ~~والدعاء على عدوهم أن قالوا : لا ينظر الله إليهم ، وليس ذلك سؤالا منهم له ~~أن لا يراهم ، وذلك أنهم يعلمون ms33 أن الله عز وجل يراهم ، ولم يعلموا أن الله ~~ينظر إليهم نظر رحمة ورضى ، وقد علموا أن الله عز وجل يراهم ويرى كل شيء ، ~~وأن الأشياء كلها له جهرة ، وإنما أراد المسلمون بدعائهم الله أن ينظر ~~إليهم : أن يكرمهم ويجود برحمته عليهم. # واعلم أن الله عز وجل إذا مدح نفسه بمدحة لم يزلها عن نفسه في آخرة ولا ~~دنيا ، كذلك قال الله سبحانه : ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) [الأنعام : ~~103]. فالله لا يزيل مدائحه. # وزعم العماة أن محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى (1) ربه حين أسري ~~به تكذيبا للقرآن ، وردا على الرحمن ، واحتجوا بقول الله عز وجل : ( @QUR@04 ~~ولقد رآه نزلة أخرى (13) @QUR@03 عند سدرة المنتهى (14)) [النجم : 13 14]. ~~فظنوا أنه رأى ربه ، وإنما ذلك جبريل (2) صلى الله عليه ، رآه نبي الله على ~~خلقته التي عليها جبل ، ولم يره النبي صلى الله عليهما على تلك الخلقة قط ~~إلا مرتين ، جعل الله ذلك آية بينه وكرامة شريفة عالية ، وذلك قوله عز وجل : ~~( @QUR@06 لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18)) [النجم : PageV01P493 # 18]. فأين الله عز وجل من آياته؟! فكيف يتوهم أن النبي صلى الله عليه رأى ~~الله ، والله يقول : ( @QUR@05 رأى من آيات ربه الكبرى )، وليس الله ~~سبحانه بالحواس مدركا. # وتوهموا أن تجلي الرب سبحانه للجبل هو أن بدا (1) للجبل وبرز له بذاته ، ~~من غير أن يكون للجبل من المقام في طاعته ، والمنزلة الرفيعة ، ما لموسى ~~صلى الله عليه ، مع ما اختص الله به موسى بكلامه تكليما ، واستخلاصه إياه ~~بالرسالة ، ثم سأل موسى ومسألته لله أن يراه بزعمهم ذلك ، وكان ذلك منه ~~دليلا ، ثم اختص الجبل الذي لم يكن الله كلمه تكليما ، ولا اصطفاه برسالته ~~فبدا له بذاته وبرز له متجليا ، وخصه بكرامة لم يجعلها لجبريل ولا لميكائيل ~~ولا للملائكة المقربين ، ولا للمرسلين (2)، وقد قال الله عز وجل : إن ~~أولياءه غدا ينظرون إليه في جواره ، ليس ذلك النظر إحاطة ولا تحديدا ، بل ~~ينظرون إليه من غير (3) تحديد ، وذلك النظر أفضل من دركهم. # والدرك دركان ، فدرك هو المشاهدة والملاقاة جهرة. ms34 # والدرك الثاني ما يرد على القلب ، وقد أدرك المؤمنون في الدنيا ربهم ~~وعرفوه بقلوبهم ، فلذلك أطاعوه ، وذلك لما أحبوه (4). ولهم في هذا الدرك ~~سرور ولا نعيب (5) PageV01P494 # عليهم في السرور الذي نالوه من معرفة الدرك لله ، والمؤمنون يتفاضلون في ~~الدرك لله ، وذلك بين فيما يرى منهم في اتصال السرور بالمعرفة ، على حسب ~~اتصال المعرفة بالقلب ، وكلما ترقى العارف في معارج المعرفة ترقى في معارج ~~السرور. # وقد ترى جمهور أمتنا (1) يعلمون أن الله عالم بعلمهم ، أن الله عالم ، ~~دركا به عرفوا الله ، فهذا الدرك هو درك العلماء بالله ، فإذا نزل بهم ~~تفصيل معاني دقائق مسائل تدخل في الكلام في العلم ، كان (2) ذلك دركا هو ~~عند العالمين بالله ، الذين هم في معاني درجات العارفين بالله ، (3) فإذا ~~أخذوا في ذلك العلم وجدوا في ذلك سرورا. # فالناس لا يستوون في درك الله في الدنيا في تفاضلهم ، وكذلك يتفاضلون غدا ~~في إدراك الله ، للمعنى الذي ليس هو تحديد الله ، (4) فيكون الله يعطيهم من ~~ذلك العلم ما لا يخطر على قلب بشر في الدنيا ، مما فيه السرور والتنعم ~~للعالمين بالله في الدنيا ، ما لا يعطي كثيرا من سواهم من العلماء الذي هم ~~دونهم ، وقد عرفنا درك المؤمنين في الدنيا كيف هو. وأما درك المؤمنين في ~~المعاد ، فإنا لا نعلم كيف هو ، لأنا لم نره وهو في الآخرة ثواب ، والثواب ~~مؤجل ، وكلما كان من ثواب الله في الجنة فلا يعلم كيف هو إلا الله ، إلا ~~أنا نعلم أن معنى الدرك له في الجنة ليس بتحديد ولا إحاطة ، فاعرف معاني ~~الدرك واعرف (5) فضل الدرك الذي يكون في الآخرة ، على فضل الدرك الذي يكون ~~في الدنيا. # ولو أمد الله عز وجل الأبصار بالمعونة ، حتى تدرك أقل قليل نقطة من القطر ~~في مدلهم ليل عاتم (6) تحت الأرض السفلى ، من أبعد غايات السماوات العلى ، ~~ما أدركت PageV01P495 # الأبصار الله ، وكذلك لو أمدت الحواس كلها بالمعونات حتى تدرك كل محسوس ~~ما هجم (1) منها شيء على الله سبحانه ، تبارك وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # تم ms35 كتاب المسترشد والحمد لله كثيرا وصلى الله على سيدنا محمد النبي وأهله ~~الطاهرين وسلم تسليما. # * * * PageV01P496 ms36