######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام ¶ المؤلف : الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# auth: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 75 #META# الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# bkord: 110 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع كتب ورسائل الامام القاسم الرسي عليه السلام #META# comp: 1 #META# bk: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# max: 999 #META# المؤلف: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# authinf: المؤلف: الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي ¶ ترجمة المؤلف: هو الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، أحد أكابر علماء أهل البيت النبوي الطاهر. كان فقيها محدثا، مناظرا، مجاهدا، شاعرا، زاهدا. له مواقف وجولات وصولات مع بني العباس، وله العديد من المؤلفات لا يسع المقام هنا لسردها مزيدا حول ترجمتة انظر: الأعلام (6 /5)، التحق شرح الزلف (39)، معجم المفسرين (1 / 431)، المصابيح لأبي العباس. الحدائق الوردية (خ)، أعيان الشيعة (8 - 435 -436). #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | كتاب المسترشد # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأقطار، الذي لم تهجم ~~عليه العقول بفكرها، ولا الفكر بمحالها ولا الألباب بتدبيرها، الذي لم ~~ينفصل من المخلوقين فيكون منهم بعيدا، ولم يتصل بهم فيكون لهم مخالطا. # إن سأل سائل ذو حيرة عن قول الله عز وجل :{ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} [فاطر: 10]. وتوهم أن الله تبارك وتعالى ارتفع في مكان دون ~~الأماكن !! وعاب من قال: إن الله بكل مكان، وقال: أيصعد من الله إلى الله ~~!! إذ قال إنه في السماء وفي الأرض. # فجوابنا في ذلك أن الله تبارك وتعالى في الأماكن كلها، مدبر لها حافظ ~~قائم عليها، لم تحوه ولم تحط به، ولا نقول يصعد منه إليه، فنصفه بالغاية ~~والتحديد، وأنه سبحانه في مكان دون مكان، ولكنا نقول: إن الله تبارك وتعالى ~~خلق ملائكته، وتعبدهم بما شاء، فكلف بعضهم نقلة الأخبار من السماء إلى ~~الأرض، ونقلة الأخبار من الأرض إلى السماء، وأنه خلق السماء فأسكنها ~~ملائكته لعبادته بعضهم ينسخ أعمال الآدميين، ووكل بعضهم رقيبا وحافظا على ~~الملائكة التي وكلت بنسخ أعمال الآدميين، وكذلك قالت الملائكة صلوات الله ~~عليهم :{وما منا إلا له مقام معلوم} [الصافات: 164]. أي: ما وكلوا به من ~~صنوف التعبد، وقوله :{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}. معناه ~~في الآية الأخرى، مثل قول إبراهيم الخليل عليه السلام :{إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين} [الصفات: 99]. ولم يبرح الأرض في حال ذهابه إلى ربه، وقد كان الله معه. # وقد قال لكليمه موسى وأخيه هارون صلى الله عليهما :{إنني معكما أسمع ~~وأرى} [طه: 46]. وذهاب إبراهيم صلى الله عليه إلى ربه، في الحالة التي ربه ~~معه فيها، وإنما معناه في ذهابه إلى ربه، توجهه إليه بعبادته، وتشاغله عما سواه. PageV01P293 # وكذلك توجيه الملائكة بصعود أعمال العباد إلى الموضع من السماء الذي تعبدت ~~به، ولتصعد بأعمال العباد إليه، وإنما توجهت بتلك العبادة إلى الله، كما ~~ذهب إبراهيم إلى ربه، بمعنى توجهه بعبادته إليه. # ووجه آخر في ms01 الصعود، هو القبول لذلك، لأنك تقول لا يصعد إلى الله هذا ~~الكفر، ويقال: قد نسخت الملائكة أعمال الكافرين، وصعدت بها إلى الله، وهو ~~لا يقبلها، ولا تصعد إليه أعمالهم، بمعنى لا يقبلها، وكذلك قال الله عز وجل ~~:{والعمل الصالح يرفعه} بمعنى إنما يقبل الله الكلام الطيب بالعمل الصالح. # فإن لج السائل بالشغب فقال أيصعد من الله إلى الله ؟! # قيل له لا.ولكن يصعد الكلم الطيب من المكان الذي لا يخلو منه الله، إلى ~~السماء التي فيها الله. PageV01P294 ### || AUTO [معاني في] # والله على العرش استوى، وهو عنه غير غائب وهو في السماوات العلى، وفي ~~الأرض ولم يغب عنه نجوى، كذلك قال في كتابه :{أأمنتم من في السماء أن يخسف ~~بكم الأرض فإذا هي تمور} [الملك: 16]. فأخبر أنه في السماء، وكذلك قال ~~:{وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [الزمر: 84]. وكذلك قال :{وهو ~~الله في السموات وفي الأرض} [الأنعام: 3]. # و(في): لها معان تختلف في اللغة، ليس شيء في شيء إلا وهو لا يخلو من أحد ~~هذه المعاني التي نحن ذاكروها إن شاء الله. # 1- إما أن تكون فيه، بمعنى قول القائل: الناس في عامهم هذا مخصبون. # 2- أو يكون الشيء في الشي محويا كاللبن في وعائه. # 3- أو يكون الشيء في الشيء كالحي في حياته. # 4- ويكون الشيء في الشيء كالأبيض في بياضه. # 5- ويكون الشيء في الشيء كالعبد في سلطان مولاه. # 6- ويكون الشيء في الشيء كالمرابط في رباطه، والغازي في غزاته، والباني ~~في بنائه. # فاعرف هذه اللغات، كيف تتصرف في معانيها، وتتوجه في تصاريفها. # 7- وقد يكون أيضا معنى (في): إنما هو مع. وفي القرآن مثل ذلك قول الله ~~سبحانه :{ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس} [الأعراف: 38]. ~~فمعنى قوله :{ادخلوا في أمم} أي مع أمم. وكذلك قال :{الذين حق عليهم القول ~~في أمم}، يعني: مع أمم. {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} [النمل: 19]. ~~أي: مع عبادك الصالحين. وقال سبحانه:{في تسع آيات} [النمل: 12] أي: مع تسع ~~آيات. وقال :{وجعل القمر فيهن نورا} [نوح: 16] بمعنى: معهن. ms02 # 8- ومعنى آخر من تأويل (في): يكون تفسيره على ما قال الله تبارك ~~:{ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] يعني: على جذوع النخل. وقال :{فأصبح ~~يقلب كفيه على ما أنفق فيها} [الكهف: 42]. يعني: عليها. وقال :{يمشون في ~~مساكنهم} [طه: 28]. يعني: يمرون على قراهم. PageV01P295 # 9- ومعنى آخر من معاني (في): يكون تفسيره إلى. وذلك قوله عز وجل :{ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} [النساء: 97]. يعني: إليها. # 10- وقد يتجه تفسير (في): إلى معنى آخر، قال الله سبحانه في كتابه :{ومن ~~كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} [الإسراء: 72]. أي: عن هذه ~~النعمة، وعن ذكر آياتي، فهو في الآخرة أعمى. # 11- وقد يتجه على معنى آخر، في قول الله فيما أخبر عن فرعون، وقوله لموسى ~~عليه السلام :{ولبثت فينا من عمرك سنين} [الشعراء: 12] أي: عندنا، وقال ~~:{إنا لنراك فينا ضعيفا} [هود: 91]. بمعنى: عندنا. # وقال تبارك وتعالى :{وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 4]. فالمعنى في ذلك ~~كله على المشاهدة والتدبير لا على أنه في شيء يحويه، ولا على أنه مع شيء ~~ملازق له ولا أنه على شيء، كما الانسان على السرير، وعلى السطح، وقد خلا ~~منه ما هو أسفل من ذلك. # ومن ذلك قول الشاعر: # وصرنا خاليين وليس معنا .... سوى رب البنية والمقام # فمن أنكر ذلك وزعم أن ربه في مكان دون مكان ! سئل في أي مكان هو ؟! # فإن قال: على العرش. # قيل له: أو ليس العرش غير السماوات والأرض ؟! فقوله: نعم. # فيقال له: كيف قلت هو في السماء، وقد زعمت أنه على العرش، والعرش غير ~~السماوات والأرض ؟! وفي هذا رد لقول الله سبحانه :{وهو الله في السموات وفي ~~الأرض} [الأنعام: 3]. # وإن قالوا: إن العرش ليس في السماوات، ولكنه فوقها، عطلوا السماوات من ~~العرش، وفي تعطيلهم السماوات من العرش تعطيل ما قالوا هو العرش دون ما سواها. PageV01P296 ### || AUTO ( الرد على من قال إن لله نفسا كنفس الإنسان ) # إن سأل سائل ذو حيرة عن قول الله عز وجل :{تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما ~~في ms03 نفسك} [المائدة: 116]. وعن قوله سبحانه :{كتب على نفسه الرحمة} ~~[الأنعام: 12]. وتوهم أن لله عز وجل نفسا كنفس الانسان، وأنها جزء الجسم، ~~وأنها جوهر يقيم الأعراض ؟ # قيل له: إن معنى قول الله سبحانه في كتابه :{تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما ~~في نفسك}، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم الذي تعلم، وكذلك قال عز وجل :{كتب ~~على نفسه الرحمة}، فالكاتب هو المكتوب عليه، وهو الله عز وجل، الكاتب ~~والمكتوب عليه. # وإن زعم أن النفس معنى غير ذاته، وزعم أنه شخص. # سئل عما في النفس، أهي النفس أم غير النفس ؟! # فإن زعم أنها غير النفس، زعم أن في ربه غير ربه، وإن زعم أن الذي في ~~النفس هي النفس ! زعم أنه لا معنى لقوله {في نفسي} !! # ويسألون هل كانت النفس وفيها ذلك الذي هو غيرها ؟! # فإن زعموا أنه لم يزل، جحدوا قول الله :{هو الأول} [الحديد:3]. وإن زعموا ~~أنها كانت، وليس فيها ذلك الذي في النفس، وأن ذلك محدث، جحدوا أن يكون:كان ~~عالما لم يزل. # واعلم أن للنفس في لغة العرب معاني، فمنها ما يجوز على الله تبارك ~~وتعالى، ومنها ما لا يجوز عليه. # فأما ما لا يجوز عليه: فمعنى النفس التي هي الروح، وما ذكر الله تعالى من ~~قوله :{وإذا النفوس زوجت} [التكوير: 7]. فهذه النفوس هي أجزاء الإنسان التي ~~هي أرواحهم. وقد قيل في اللغة [في] ذكر هذه النفس: فاضت نفس فلان، يعنون: ~~خروج روحه، وهذا المعنى عن الله عز وجل منفي. PageV01P297 # وقال الله عز وجل في كتابه، يذكر النفس بغير هذا المعنى :{خلقكم من نفس ~~واحدة} [النساء: 10] يعني: من آدم عليه السلام، فسماه نفسا، ولم يرد به ~~روحه، وقال :{يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي} [الفجر: 27]. يعني: يا أيها ~~الإنسان، ولم يرد النفس التي هي الروح فقط، وإنما أراد الحي الذي هو ~~الإنسان، وكذلك قوله :{كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 28]. أي: كل إنسان ~~بما كسب رهين، وقال :{أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت} [الزمر: 56]. ~~يعني: أن يقول ms04 الانسان وقال :{النفس بالنفس} [المائدة: 45]. يريد: الانسان ~~. وقال :{كل نفس ذائقة الموت} [العنكبوت: 57]. يعني: أن كل إنسان ميت. # والعرب قد تقول للشيء الذي لا روح له ولا شخص، هذا نفس كلامك، وهذا النور بنفسه. # وقال الشاعر: # قالت له النفس إني لا أرى طمعا .... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد # وقال آخر: # وهل نحن إلا أنفس مستعارة .... تمر بها الروحات والغدوات # يعني هل نحن إلا أناسي مستعارون، ولو أراد بذكر النفس معنى الروح لما جاز ~~أن يسمى كله نفسا، لأنه بدن ونفس. # وقال آخر: # وقد وفدت إليك بذات نفسي .... قصائد يعترفن بما نشاء # يعني بقوله بذات نفسي، أي: بي كما أنا. كما قيل في اللغة: جئتك بنفسي، ~~ولم يريدوا بقولهم معنى ثانيا، هو غير جئتك، لأنه إذا قيل: جئتك دل على ~~الجائي تاما، ولما قال بنفسي لم يرد معنى ثانيا هو غير المعنى الذي هو جئتك. # وقال آخر: # ............... وما لام نفسي مثلها لي لائم # قال الله عز وجل :{قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونسآءنا ونسآءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم} [آل عمران: 61]. يعني: نحن وأنتم، وقال الله :{ويحذركم ~~الله نفسه} [آل عمران: 28]. فالمحذر: هو: المحذر منه، يعني يحذركم الله أي: ~~يعذبكم، كما قال :{كتب على نفسه الرحمة} [الأنعام: 12]. وليس الكاتب غير ~~المكتوب عليه. PageV01P298 ### || AUTO ( الرد على من زعم أن الله نور كالأنوار المخلوقة ) # إن بعض الملحدين توهم أن الله عز وجل نور كالأنوار المنبسطة، وتوهم آخرون ~~منهم أنه نور كالأنوار الكثيفة الساترة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقد ~~رأينا مثل المعنيين اللذين توهموا من النور المنبسط، والنور الكثيف الساتر، ~~فأما النور الكثيف الساتر، فالبدر إذا هو كهر، وكثف، ستر من السماء عن ~~أبصارنا بقدر استدارته، ورأينا قرص الشمس كثيفا ساترا يستر الأبصار من ~~السماء بقدر استدارته، فأما النور المنبسط، الذي تنفذه الأبصار فقد رأيناه، ~~من ذلك ضوء النهار، ونور القمر، وشعاع الشمس يدخل من الكوة، فلا يستر ~~أبصارنا لانبساطها، ولا يكون ذلك ساترا لأبصارنا عما خلفه. # وأعلام العبودية في هذه الأنوار التي ذكرنا ms05 كلها بينة، وذلك لأن النور ~~الكثيف الساتر ضعيف لا يقدر على الزيادة في نفسه، ولا الانتقاص لها، ولا ~~تقدر على الامتناع من العيون أن تدركها، فالضعف لكل ما ذكرنا لازم، وكذلك ~~الضعف بين في الأنوار المنبسطة، إذ لم يحجب الأبصار عن نفذها ومجاوزتها إلى ~~ما خلفها، فالضعف لكل ما ذكرنا لازم، والله فيتعالى عن هذه المعاني، أن ~~يكون بشيء منها موصوفا، لأنها مخلوقة، وكل ما أشبه المخلوق فهو مخلوق، وليس ~~الخالق للشيء، كالمخلوق في جميع المعاني كلها. # واعلم أن النور له في الكتاب وفي اللغة معان، يجري على الله عز وجل ~~بعضها، ولا يجري عليه بعضها، فالذي يجري عليه منها، هو ما قال الله في ~~كتابه :{الله نور السموات والأرض} [النور: 35]. PageV01P299 # يعني: الله ينير لعباده دلائله التي يهتدون إليه بها، لأن يعرفوه بما أبان، ~~ويعلمون أنه الحق بآياته المنيرة، وأن يميزوا بها بين الخالق وخلقه، والله ~~نور الأنوار، وهو منير لما نور من دلائله، فهو نورها لأنه أضاء لنا الأشياء ~~وأبانها، وجلا عنها ظلمة الشبهة، فأزال عنها الشكوك والريب، بتجليتها ~~للعقول، أنه الحق المبين، وأنه نور كل شيء، وليس كمثله شيء. وكذلك أمرنا أن ~~نصفه، وبذلك دلنا على نفسه، من غير أن نجاهر الله فتدركه الأبصار، فاستنار ~~لنا بتدبيره، من غير مشاهدة منا له، ولا إحاطة به، ولا إدراك من حواسنا له، ~~فهو نور السماوات والأرض، ونور من فيهما، بمعنى: الذي ذكرنا أن الحق من ~~عنده، وأن العباد به استناروا، وبه استضاءوا، وبه أبصروا، إذ استضاء لهم ~~سبحانه بنوره الذي عاينوا من خلق أنفسهم، وتدبيره في ملكوت السماوات ~~والأرض. # ومن لطائف الآيات التي لا يكون معها ريب، ولا تدانيها الشكوك، ولا ~~تعتريها الفترات، ولا تكون معها الغفلات، فرأوا ربهم بتدبيره ونوره ~~وعلاماته، لا بمجاهرة منهم له، ولا بالمشاهدة والملاقاة، تقدس الله عن ذلك، ~~وجل جلالا عظيما . وكذلك الله نور السماوات والأرض ومن فيها، لأن عباده ~~الذين هم سكان أرضه، استناروا وعلموه بما عاينوه من نوره، إذ دبر الأرض، ~~وخلق فيها ms06 ما به أنار لهم، إنه الله سبحانه، فاستنار نوره بغير تحديد، ~~وعرفوه من غير تخيل، ووحدوه معروفا بغيرتشبيه، بل عرفوا الله بعجيب آياته، ~~وبأثر دلالاته. PageV01P300 # ومعنى آخر في تأويل قوله نور، قد علم العالمين، أن الأشياء تدرك بحقائقها، ~~وتعلم بالاستيقان وإن كانت غائبة. فالله يعلم ويعرف ويميز بين ما يدرك ~~بالمجاهرة، وبين ما لا يدرك بها، كالخشونة واللين، والحمرة والبياض، وما لا ~~يدرك بالمجاهرة، بالسمع والبصر والعقل [ك]الري والظمأ، والشبع والسغب، وما ~~أشبه ذلك مما غيب عن حوآسنا، وإن كنا قد أدركناه، لعلمنا بما صرفنا منه ~~ربنا، فيما أخبرنا عما غاب عنا من ملكوته. # واعلموا أن الله سبحانه وصف الآية التي هي نور، مخبرا لعباده أن الله ~~سبحانه لم يرد نفسه بقوله :{كمشكاة فيها مصباح} [النور: 35]. ولم يمثل ~~بالقنديل نفسه، ولا بالمصباح تعالى عن ذلك، وأي فضل في القنديل، ليس في ~~النجم الذي هو الزهرة، فكيف يمثل نفسه بالقنديل، ويترك ما هو أنور من ~~القنديل وأحسن، بل أي فضل في القنديل ليس في در الجنان! كيف يمثل نفسه ~~بالقنديل ؟! وهو يتعالى عن الزهرة ودر الجنان! # بل كيف يضرب الله لنفسه أمثالا مفضولة دون الفاضلة، تعالى عن التمثيل ~~والأشباه، وتقدس عن ذلك. لكن الله سبحانه نور السماوات والأرض بما أبان لهم ~~عن نفسه، بخلقه لهم، وبما له فيهم من التدبير، الدآل عليه، فاستضاء عباده ~~به إذ أضاء لهم نفسه بخلقه لهم، فلم يضل في مضلات الشبهة، من استضاء بربه، ~~واستنار به، فبانت الأعلام الهادية، لمن استبان بها عن ربها، فبان الله بها ~~لمن استنار بها، وكان الله نوره إذ اهتدى به، وأحيا لنا القلوب بعد موتها ~~بنوره، إذ أنار لها فاهتدينا بها إليه. # ومعنى آخر من معاني النور، وهو مما لا يجوز على الله، وهو ما ذكرنا من ~~معنى الشمس الساترة، وشعاعها المنبسط الذي ليس بساتر. # ومعنى من معاني النور، وهي النيران الكثيفة، وهي في معاني قرص الشمس ~~والقمر. PageV01P301 # ومعنى من معاني النور، وهو الإيمان، لأن الإيمان نور، وكذلك القرآن نور، ms07 ~~وقد سمى الله القمر نورا والشمس سراجا، والإيمان نورا، وقال :{يخرجكم من ~~الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43]. # فهذه المعاني من الأنوار التي ذكرنا مميزة للعقول، إذا ما نظروا إليها ~~بها، فأجروا على الله منها ما يجوز عليه، وما جرى على العباد منها، فعنه عز ~~وجل نزهوا الله ولم ينسبوه إليه. # وأما تأويل :{مثل نوره كمشكاة} [النور: 35] فقد يجوز أن يكون عنى بذلك ~~القرآن في غياهب الوساوس نيرا مضيئا، وبه يبطل كيد إبليس اللعين، وتوهيمه ~~وخدعه، فالقرآن في هذه الأماكن الموحشة، كالمشكاة التي هي الكوة والمصباح ~~في القنديل ينير لما حوله، ويضيء لمن دنا منه. # وقد يجوز أن يكون الله عنى بقوله مثل نور النبي صلى الله عليه كهذا ~~المعنى الذي وصفنا به القرآن، والمعنى: أن النبي صلى الله عليه أضاء لنفسه ~~بنبوته ورسالة ربه، وأضاء لمن دنا منه أو سمع به في الأخبار. # وقد يتجه أن يكون الله أراد به قلب المؤمن أيضا، والإيمان الذي فيه، فمثل ~~قلب المؤمن وكون الإيمان فيهمثل القنديل في المشكاة، فالإيمان يضيء للمؤمن ~~عن كل ظلمة، كما أن القنديل يضيء في الكوة، وتضمحل به الغياهب المدلهمات من ~~الريب، والإيمان يتوقد ويضيء بالحكمة توقدا يظهر شعاع الحكمة، ونورها في ~~كلامه وفعاله، وعلى جوارحه، وهو بعلمه بربه علمه له نور على نور. # واعلم أنه قد يجوز أن يكون معنى قوله :{نور على نور}. أي: نور مع نور، ~~لأن كلامه نور مع عمله، وعمله مع علمه، فهذا نور على نور، أي مع نور. {يهدي ~~الله لنوره من يشاء}. لا من يشاء غيره يهدي، ولو كانت البرية كلها لمن لا ~~يريد هدايته ظهيرا لما اهتدى المرء أدنى الهداية، إلا أن يشاء الله. # وقد يتجه أن يكون الله سبحانه شبه نبيه صلى الله عليه وسلم، كما شبه ~~القرآن والإيمان بالمعنى الذي وصفناه. PageV01P302 # ومعنى قوله :{زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء}، فهذه شجرة ~~منبتها في مكان تطلعالشمس عليه ولا تزول عنها حتى تغيب، وهي الشمس الضاحية، ~~وهو أنضج لثمرها، تكاد ms08 أن ترى في الزيتونة التي هي ثمرها وجهك من ودكهامن ~~نقائه وصفائه، فإذا وقد القنديل من زيت هذه الزيتونة، كان أنور للمصباح، ~~وهذه أمثال ضربها الله للناس لعلهم يتفكرون. # وقال بعضهم: إن معنى :{زيتونة لا شرقية ولا غربية}. أنه: محمد صلى الله ~~عليه يصلي لا للمشرق ولا للمغرب، ولكن لكعبة الله البيت الحرام. PageV01P303 ### || AUTO ( الرد على من أنكر من الجهمية أن يكون الله سبحانه شيئا ) # الحمد لله الذي علا على الخلائق، فلم يغب عنه خفيات الأمور، وكل شي عنده ~~بمقدار، المنشئ لما أنشأه، فشيأه شيئا كما شاء، وجعله متناهيا محدودا، آثار ~~الصنعة له لازمة، وأعلام العبودية فيه بينة، فأنشأ ما أنشأ نحوين: أحدهما ~~مبتدأ لا من شيء. # والثاني منقول من شيء إلى شيء، ومحول من حال إلى حال، ومن طبيعة إلى ~~طبيعة، كالمضغة تقلب من نطفة إلى علقة، والعلقة حولت مضغة، ثم جسدها لحما ~~وأنشأها إنسانا، فصيره بشرا مخالفا للبهائم، في الشكل والهيئة، احتجاجا من ~~الله على خلقه، بما أراهم من آياته فيهم. # وأن الله تبارك وتعالى وسم المعاني بأن قال: هي شيء، لإخراجه لها من ~~العدم إلى الوجود لا أنه وصفها بهذه الصفة بمعنى، ولا فرق بينها وبين شيء، ~~إذ قال لها: إنها أشياء، لأنه أخبرنا أنه خالق كل شيء، فكل شيء سواه هو خلق ~~شيء، وكل خلق شيء، فقد خلق النار والثلج، فالثلج شيء، والنار شيء، وليس ~~أحدهما بالآخر شبيها في لون ولا طبيعة ولا فعل، وإنما تماثلا في الشيئية، ~~وقد اختلفا في الصفات، وإنما سميت الأشياء بأن قيل لهذا: شيء وهذا شيء، ~~لإثبات الأشياء بأنها موجودة، وأنها ليست بعدم، وقد قال الله في كتابه: {كل ~~شيء هالك إلى وجهه} [القصص: 88]. ذلك دليل على أن الله شيء لا كالأشياء، إذ ~~الأشياء تهلك، وهو المهلك لما يشاء منها، وقد قال الله في كتابه :{قل أي ~~شيء أكبر شهادة قل الله} [الأنعام: 19]. فأخبر أنه شيء أكبر الأشياء، ولو ~~قال قائل: أي الملائكة أفضل ؟ لم يجز أن يقال: بعض المؤمنين من ms09 الآدميين هو ~~أفضل، لأن الآدميين ليسوا ممن ذكر في المسألة. # كذلك قال :{أي شيء أكبر شهادة}. علمنا أنه أجرى على نفسه الذكر أنه شيء ~~ليس كالأشياء. # فإن سأل من الجهمية سائل: فقال: هل الله شيء ؟ PageV01P304 # قيل له: نعم. الله شيء لا يشبه بالأشياء، الأشياء مشيأة، وهو سبحانه شيء لا مشيأ. # فإن قال: أنت شيء ؟ # قيل له: نعم. أنا شيء مشيأ لا أني غير مشيأ، والله شيء لا مشيأ، بل الله ~~مشيء الأشياء لا يشبهه ما شيأه. وليس في قولي: أنا شيء والله شيء تشبيه، ~~لما فصلناه من معنى الشيء والمشيأ، وأن قولي أيضا شيء اسم لازم للجميع، ~~وجار على كل معنى، وثابت على كل موجود مشيأ، كان أو يكون، ولا يقضي بإيقاعه ~~على المسمين - مفردا - ائتلاف ولا اختلاف، وذلك أنك تقول: الفيل شيء، ~~والذرة شيء، وهما غير مشتبهين في قولك: هذا شيء وهذا شيء، وكذلك تقول: ~~الإنسان شيء، والشيطان شيء، وهما لا يتماثلان، وقد أوقعت على كل واحد منهما ~~أنه شيء، وكذلك تقول: آدم صلى الله عليه شيء، وربنا شيء، وهما غير ~~متماثلين. # فإن قال: أليس آدم مخلوقا والذرة مخلوقة ؟! # قيل له: بلى. # فإن قال: هل يتماثلان في أنهما خلق لله ؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: ما فرق ما بين شيء وشيء وخلق وخلق ؟ # قيل له: إن الخلق اسم له خلاف، وخلافه خالق، ولو قال القائل: الخالق ~~مخلوق كذب، ولو قال القائل: الخالق شيء لم يكذب، والخالق هو خلاف المخلوق، ~~ولا يوجد لشيء خلاف إلا شيء مثله موجود، ولا شيء إلا موجود، ولا موجود لا ~~يكون لا خلاف ولا يكون خلافا. # فإن قال قائل: إن لا شيء خلاف شيء. # قيل له: قد أنبأناك أن الشيء خلاف شيء، ولا يكون شيء خلاف لا شيء، ولا ~~يكون لا شيء له خلاف، ولا يجوز أن يقال: للا شيء اتفاق ولا اختلاف، لأن هذا ~~عدم لا يتوهم. # فإن قالوا: لم أجزت أن تقول: شيء وشيء وهما لا يشتبهان ؟ # قيل: من قبل أني ثبتهما ونفيت ms10 عنهما العدم، وأخرجتهما من التعطيل. # فإن قال: لم قلت لا شيء ؟ PageV01P305 # قلت: لنفي إثباته، وقلت: لا شيء لإخراجه من الوجود، وليس قولي هذا شيء ولا ~~شيء تشبيه ولا غير تشبيه، وقول القائل: هذا شيء، وهذا شيء لا يجب به تشبيه، ~~لأن التشبيه لا يجوز إلا على ضد أو مثل. # واعلم أن الضد هو غير الخلاف، وبيان ذلك أن كل ضد خلاف، وليس كل خلاف ~~ضدا، والضد هو المضآد، والخلاف هو الغير الذي ليس بمضآد، وذلك لأنك تقول: ~~هذا خلاف الله، ولا تقول: هذا ضد الله. # فإن قال قائل: ما بالك إذا قلت: لا شيء لا يقع اتفاق ولا اختلاف ؟ # قيل له: من قبل أن لا شيء عدم والعدم ليس بموجود، ولا هو موهوم، ما هو ~~فيكون له شبيه، والشيء إثبات ووجود وموهوم إذا قلت: شيء ما هو، وأي الأشياء ~~هو ؟ إلا رب العالمين، فإنه شيء خالق الأشياء، وليس كالأشياء . وإنما قلت: ~~إنه هو شيء لأثبته موجودا، وقولي: شيء ليس فيه تشبيه، لأني إنما أشيئه ~~بقولي: شيء، وقد يشتبه قول شيء وشيء، ولا يشتبه المسمى، إلا أن أوقع عليه ~~من أي الأشياء هو وما هو ؟ فحينئذ يشتبه المسميان، فأما شيء وشيء فليس فيه ~~اشتباه المعاني، وإن استوى قول شيء وشيء. # وقد يقال: الخنزير شيء، والكلب شيء، والانسان شيء، وليس [في] هذا الاسم، ~~الذي هو إثبات الشيء منهم مدح ولا تهجين، إذا كانت التسمية مبهمة مفردة في ~~الذكر، ولذلك لم يقع به تشبيه إذا قلنا: إن الله شيء، والإنسان شيء. # فإن قال: فإذا سميت الله شيئا فقد سميته بما لا مدحة له فيه. PageV01P306 # قلت: إني إذا سميته شيئا ذكرته سبحانه بكلام آخر أصله به، فيكون مديحا، ~~لقولنا: الله شيء واحد كريم، والله شيء واحد عزيز، والله شيء ليس كالأشياء، ~~فيكون ذلك مدحة، ولا يذكر العبد التقي ربه إلا وهو فيما ذكر من أسمائه ~~مادح، فإذا سمى الله العبد بأنه شيء لم يفرده، حتى يقول: الله شيء لا ~~كالأشياء، فيكون الكلام كله مقرونا ms11 بكلام آخر على ما ذكرنا، كان كله مديحا، ~~وقول القائل للشيء هذا شيء، كلام مرسل غير مقرون بما يتجلى به المعنى، فليس ~~بذم ولا مدح، لقولك عرفت شيئا، ولا يكون المعروف عندك مذموما ولا ممدوحا، ~~حتى تقرنه بكلام آخر، فتقول: عرفت شيئا هو صالح، وعرفت شيئا هو فاسد، فيكون ~~هنالك الذم والمدح، فلا يدرك بقولك هذا شيء وهذا شيء ائتلاف ولا اختلاف، ~~فلا يرسل القول على الله بأنه شيء إلا مقرونا بكلام آخر، فيقول: هو شيء ليس ~~كالأشياء، فيكون قولك: هو شيء بالصلة المقرونة مديحا، فكذلك يقول القائل: ~~هذا الثوب شيء حسن أفضل من غيره، فيكون بما أجرى به الثوب مديحا، وإذا كان ~~مرسلا لم يكن له مدحا ولا ذما. PageV01P307 ### || AUTO ( الرد على من أنكر أن يكون الله واحدا ليس بذي أبعاض ) # الحمد لله الذي عن شبه كل شيء تعالى، وشاهد كل ملاء وهو في السموات ~~العلى، على العرش استوى، ولا يخفى عليه النجوى، وهو يرى ولا يرى، سبحانه، ~~فليس عليه شيء يخفى، وليس كمثله شيء، وهو الواحد الصمد الباري المصور، وليس ~~بصورة بل هو مصور الصورة، وهو السميع العليم، قال الله عز وجل :{إنما هو ~~إله واحد} [الأنعام: 19]. يخبر بوحدانيته في آي كثير. # والواحد في اللغة له معان: # أحدها: البائن بالفضل والسؤدد. # ومعنى آخر يقول الناس: هذا شيء واحد ليس له نظير في الشبه. # ويقال: هذا وهذا واحد يراد أنهما متماثلان، وقد يقول المرء: قولي وقولك ~~واحد، أي مثله، ويقال: لأقل قليل القلة هذا شيء واحد، يراد ثباته وتعطيل ~~الثاني، بمعنى ليس له نظير ولا شبيه، بمعنى أنه ليس فيه اختلاف، وهذا معنى ~~قولنا الله واحد ليس من عدد، ولا هو عدد، كما الانسان واحد عدد، كما أن ~~الانسان أعضاء وكل عضو يقال إنه واحد، فإذا اجتمعت الأعضاء قيل واحد، فهو ~~واحد عدد آحاد، وهو من عدد آحاد مثله، لأنك تقول: هذا إنسان واحد، وتقول ~~الآخر واحد فصاعدا، فكل واحد منهما واحد من عدد، وليس الله سبحانه واحدا من ms12 ~~عدد، على معنى ما ذكرنا من معاني الواحد من غيره. # وقد قالت العرب: إن فلانا واحد قومه أي: سيدهم، وهو واحد القوم، وإن كان ~~له الاتباع والعبيد والأموال. # ويقال: إن فلانا واحد الناس. أي: ليس له نظير، يعنون في السؤدد والكرم. PageV01P308 # واعلم أن الله واحد في الربوبية والعز والكبرياء، واحد بنفسه لا بغيره، وهو ~~واحد لا ثاني معه، ولا مثل له في صفة ولا ذات، ولا في قول ولا في فعل، ولا ~~في معنى من المعاني كلها، ولا له مثل في صفة ولا في معنى شرف وفضل، ولا ~~يزول عنه هذا المعنى الذي هو شرف في كل معنى، إذ لا شيء يشبهه، ولا هو شيء ~~يشبه شيئا، ولو جاز أن يكون له مثل في معنى، وكان ذلك يكون شرفا لجاز أن ~~يكون مثل غيره بكل معنى، ويكون ذلك له شرفا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # ومعنى من معاني الواحد هو الأول الفرد، ذلك في الحساب والعدد بين، إذ لا ~~يكون العدد إلا به، لأنك تقول: واحد واثنان، فالثاني بالواحد كان، ولولا ~~الواحد الذي هو أول الثاني، ما كان الثاني قبل الأول، كان واحدا، أكثر ~~العدد الذي لا يحصى، وهو المكثر لكل معدود، العدد الواحد يستزيد وبه يزاد، ~~ولولا هو ما كانت الزيادة، وكل ما زاد الحساب فبالواحد زاد، والواحد هو ~~المفرد لما سواه، وهو أقدم من كل ما به ازداد، وكثرة العدد تزداد به، وتنقص ~~به، فالواحد الذي به يزداد العدد وهو مقيم لكثرته، وبه يكون النقصان، وبه ~~استوى الحساب، وبه يقل الكثير، ويكثر القليل، ويفرق بين الكثير والقليل. # فكذلك يقال الله واحد: بمعنى أول الأشياء، وبه كان كل شيء، وهو مشيئها، ~~ومدبرها، بنفسه لا بغيره، ولا يتغير لتكثيرها ولا لتقليلها، ولا عند ~~بطلانها، ولا يختلف سبحانه عند شيء من اختلافها، وهو سبحانه القائم ~~بإنشائها، لا يتغير ولا يدخل في التغيير، بل التغيير داخل على ما أنشأ، ولم ~~يزل الله قبل أن يكون الشيء شيئا، ثم إنه أراد إنشاء ms13 ما أنشأ، فأنشأ ما ~~أراد إنشاءه على ما شاء، واضطر المنشأ إلى التغيير والزوال، والحطوط والنقص ~~والنماء. PageV01P309 # والله سبحانه واحد في معناه، لا في معاني ما أنشأه وهو الواحد لا من عدد، ~~ولا فيه عدد به تجزأ، وليس شيء يقال: إنه واحد في الحقيقة غير الله، وكل ~~واحد سوى الله فهو ذو عدد مجزأ ومن عدد، وذلك أنك تقول للواحد من الخلق: ~~إنه له فوق وتحت وأمام وخلف وشمال ويمين، وكل واحد كما ذكرنا غير الآخر، ~~فهذا غير واحد مما يضمه اسم الواحد، وهذا الواحد هو العدد، ومن عدد كثير من ~~اللون وغير ذلك، هو من عدد له أشباه، والله واحد ليس بشيء من هذه المعاني ~~المنقوصة شبيها، لأنه ليس له نظير. # فإن قال قائل: لم لا يكون قولك واحد تشبيها، وقد قلت لغير الله واحد ؟! # قيل له: إنا لم نقل لغير الله واحد، بمعنى ما قلت إن الله واحد، وليس ~~واحد كالله في ربوبيته ووحدانيته، وليس من هو واحد في الحقيقة ليس بجزء ولا ~~باثنين سوى الله، وكل ما سوى الله فقد يقال واحد وهو أكثر من اثنين إذا حدد ~~على وجه ما فسرنا من الحدود التي تلزم الخلائق، وذلك لأن كل واحد مما سوى ~~الله فمسدس، وهو أكثر من اثنين. وإن قيل : إنه واحد على ذكرنا، فليس الله ~~بواحد كمعنى الآحاد المعدودة، وإنما هو إله واحد، ليس له ند ولا له شبيه، ~~تعالى عما يقول المشبهون علوا كبيرا. # ومعنى من معاني الواحد إذا أرادوا به دفع الاختلاف وحذف الجميع، كما قال ~~الكميت بن زيد الأسدي: # فضم قواصي الأحياء منهم فقد رجعوا كحي واحدينا # فإن قال قائل: فإذا قلت: إن الواحد من الحساب في جميع العدد، فكذلك يقول ~~الله في كل شيء. PageV01P310 # قيل له: إن الله تبارك وتعالى في كل شيء مدبره، لا محوي ومع كل شيء رقيب لا ~~يحاط به، وليس هو في شيء من الأشياء، بمعنى كون الشيء في الشيء ولا شيء مع ~~الشيء، كما الله في ms14 الأشياء، ومع الأشياء على غير الإحاطة، ولا يعزب الله ~~فيها ولا هي تعزب عن الله، وذلك لأن كل ما كان في فعله لم يقطعه، فالعرب ~~تقول: إنه في فعله، كذلك الأشياء فعل الله ولم يقطع تدبيره منها، فلذلك ~~قلنا: إن الله بكل مكان، فهو في كل شيء ليس بغائب عن شيء، وقد حقق الله ~~مقالتنا في كتابه بقوله :{وما كنا غائبين} [الأعراف: 7]. وقوله :{إنني ~~معكما أسمع وأرى} [طه: 46]. وكذلك :{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~...الآية} [المجادلة:7]. # ألم تر إلى المرء يصبح صائما ثم يقوم مصليا وهو في ثغر، فيقال: إن فلانا ~~في صلاته وصيامه ورباطه، ويقال له ذلك في حال أقل قليل كونه في أفعاله، ~~وأفعاله أفعال مختلفات بعضها غير بعض، ليس فعل يشغله عن الآخر، وهو في ~~الوقت الذي هو في هذا الفعل فاعل للفعل الآخر، وليس فعله له بحاو، ولا فعله ~~أيضا فيه محوي، فالله أقرب من الأشياء من الشيء إلى نفسه، وهو بكل شيء أنظر وألطف. # فإن مجن السائل من أهل التشبيه، وذكر الأكبال والقيود، وقال: هل الله فيها. PageV01P311 # قيل له تقدس الله وجل أن نذكره بكلام فيه تهجين، ولا يجوز أن نذكر أن الله ~~في شيء ذكره تصغير بالمذكور، من أجل أن الله أخذ علينا في ميثاق الكتاب أن ~~لا نذكره إلا بالأسماء الحسنى، ومن الأسماء الحسنى كل اسم لا يكون معناه ~~عند السامع محتمل التهجين، وقول القائل: ربه في السلاسل والكبول تصغير بذكر ~~الله وتهجين، تعالى الله عز وجل، وارتفع عن ذلك وعن أن نذكره به، لأن ~~المذكور بهذا مذكور بالإحاطة والقلة، والله عن ذلك يتعالى، وإذا ذكر الرب ~~بالاسم العام كان له تعظيما، وإذا ذكر بالاسم الخاص كان له تهجينا، ولا ~~يعرف الرب من ذكره بهجنة، وقد دللنا على معنى صحيح، إذ قلنا إن الله في ~~الأشياء مبثوثة، وإن خص السائل ذكر شيء هو بالمذكور تصغير وتهجين، ويذكر ما ~~يكون حواء وإحاطة لم يجز الجواب فيه بنعم! # فإن سأل السائل ما ms15 الله تبارك وتعالى إذا قلتم: هو الواحد ؟! # قلنا: معنانا أن الله واحد أي: لا واحد سواه، إلا وله شبيه، والله واحد ~~ليس له شبيه، وهو يقيم الأشياء، وهو القائم بها لا بغيره قامت الأشياء، ~~وليس الله بذي أعضاء، بعضها لبعض مؤيد ولا ممسك، بل الله واحد ليس سواه ~~واحد في معناه، وليس واحد سوى الله إلا وقيامه بغيره، وذلك أن الحركة لا ~~تقوم في وقتها إلا بمحترك، كذلك اللون لا يقوم إلا بملون، والطول لا يقوم ~~إلا بمطول، لأن ما ذكرنا كلها أجزاء، وإنما يقوم بعضها بعضا، ولا يكون ~~الجميع إلا باتصال الأبعاض، ولما كان على الجميع الأجزاء، جاز أن يكون مع ~~الجميع ثان، وجاز أن يقال: هذا كان غير هذا . كذلك لا يقوم شيء مما ذكرنا ~~من الخلق إلا في زمان ومكان، والله القائم بنفسه لا تجري عليه الأزمنة، ولا ~~تحويه الأمكنة. PageV01P312 # واعلم أن العدد من الحساب أصله وجوب الغير، ولا يقع الغير إلا على اثنين ~~فصاعدا، فإن كان الاثنان جنسين مختلفين، جاز أن يقال: هذا غير هذا، فإن ~~كانا مؤتلفين قيل: هذا وهذا واحد، وهذا واحد وهذا واحد، وكان كل واحد منهما ~~غير الآخر. # وقد يقال للمؤتلفين الذين هما واحد: إن أحدهما غير الآخر، كعملي غير ~~عملك، وإذا كان عملهما دينا قال: هذا وهذا واحد، وكل ما ذكرنا يحتمل ~~التضعيف والزيادة، ويحتمل التضعيف أضعافا، وكل ما احتمل الزيادة لم يكمل ~~أبدا، فقد يحتمل النقصان، وكل ما احتمل النقصان أمكن أن يبيد، وهو أبدا ~~منقوص من صفة الكامل، والله واحد لا بهذا المعنى، ولكنه واحد في معناه الذي ~~ليس يشبه معاني البشر ولا الحساب، وهو إسقاط الثاني، وليس ثان مع الله، ولا ~~واحد غيره في معناه كهو، وإثباته واحدا تعطيل الثاني، وفي تعطيل الثاني ~~توحيد الأول، والواحد الباقي الذي ما سواه فان. PageV01P313 ### || AUTO ( الرد على من زعم أن لله وجها كوجه الإنسان ) # الحمد لله الذي كل شيء هالك إلا وجهه، الذي به قامت سماواته وأرضه، ~~واستوى على عرشه، فلا ms16 شيء في استوائه يماثله، لأنه عن شبه كل شيء تعالى، ~~وهو لكلنا شاهد ولنا باري، وكلنا عليه لا يخفى سامع النجوى، والعالم بما في ~~الضمير وأخفى. # اعلموا رحمكم الله أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه محمد صلى الله ~~عليه كلامه، لسانا عربيا مبينا، أوجز البلاغات وأبلغه إيجازا، وليس للأميين ~~في اللغة أن يتأولوا في الكتاب ما لا يدركه المتأولون من ربانياللغة ~~والكتاب، وقد علم رباني اللغة أن لها تصاريف المذاهب وفنون الجهات، وأنها ~~ذات قيم وأمواج وأطناب ولطائف ودقائق في بيان. # وإن فرقة من البدعية استعجمت في كتاب الله، وسارعت في تأويله من غير ~~فصاحة بالتأويل، ولا فهم في التنزيل، ولا آلة في العلم باللغات، فتأولت ~~بالعجمة إذ تأ ولته، ولما سمعوا كلام الله وما فيه من قول المطعمين :{إنما ~~نطعمكم لوجه الله} [الإنسان: 9] وقوله :{كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] ~~وقوله :{كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} [الرحمن: 26 - ~~27]. إن لله تعالى عز عن ذلك وجها كوجه الإنسان. # ونحن سائلوهم وبالله نستعين، ماذا أراد الله بقوله :{ويبقى وجهك ربك ذي ~~الجلال والإكرام} شيء منه دون شيء ؟ أم هو الله تبارك وتعالى يبقى ؟! لأنه ~~ليس بذي جوارح متفاوتة، فإن رجعوا إلى النظر، وتصفية الجواب، علموا أن الله ~~أراد بقوله :{ويبقى وجه ربك}، يعني: يبقى ربك، وإن كان شيء غيره فان، لأن ~~الله ليس مبعضا يبقى وجهه دون أبعاضه، تعالى الله عن التبعيض. # فإن تقحم ذو حيرة غمرات الكفر، وزعم أن له أبعاضا أحدها وجه!! # قيل له: أخبرنا عن تلك الأبعاض التي أحدها وجه تفنى دون الوجه ؟! # فإن زعم أنها تفنى دون الوجه صرح بشركه، وإن زعم أن الأبعاض التي هي غير ~~الوجه تبقى مع الوجه ! PageV01P314 # قيل له: من أين قلت إن كلها تبقى ؟! وقد قال الله عز وجل في كتابه :{كل شيء ~~هالك إلا وجهه}، والأبعاض التي هي غير الوجه هي شيء، وقد قال الله :{كل شيء ~~هالك إلا وجهه}، ولن تجدوا حجة تدفعون بها ms17 الفناء عن الأبعاض التي هي سوى ~~الوجه، إلا أن ترجعوا إلى قولنا . وقد قال الله في كتابه :{وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39]. وقوله :{إنما ~~نطعمكم لوجه الله}، فليس على الأوهام الطالبة إليه للحق في تأويل هذا مؤنة، ~~إذا نظرت بصافي عقلها استبان أن معنى قوله :{يريدون وجه الله} أي تريدون ~~الله وثوابه، وقوله :{إنما نطعمكم لوجه الله} أي لله، وقوله :{كل شيء هالك ~~إلا وجهه}. # وللوجه في القرآن معان في اللغة. # قال بعض العرب: # بالله ليس له شبيه # أعوذ بوجه من تعنو الوجوه له # ومعنى تعنو الوجوه، أي: تستأسر النفوس، وكل امرؤ أسير يرى على أنه لله ~~مستأسر، وإنما أراد بوجهه ذاته، فلما أن قال: أعوذ بوجه من تعنو الوجوه له، ~~ثم قال بالله، علمنا أنه إنما استعاذ بالله في قوله: أعوذ بوجه من تعنو ~~الوجوه له. # وقال آخر: # من لم يعذ الله دمر # إني بوجه الله من شر البشر أعوذ # وقال آخر: # وليس له من صاحب لا ولا ند # إلهي لا رب لنا غير وجهه # دليل على أنه أراد بذكره وجه الله أي: الله، ولم يرد بذكره وجهه، إنه بعض ~~دون أبعاض، لأن الله سبحانه ليس بذي أبعاض. # قال ذو الرمة: # أجائرة أعناقها أم قواصد # أقمت لها وجه المطي فما درى # فجعل للمطي وجها، وليس ذلك الوجه على ما يعقل من وجه الإنسان. # وقال آخر: # إذا معقل راح البقيع وهجرا # أعوذ بوجه الله من شر معقل # وهذا دليل على أنه استعاذ بالله. # وقال آخر: # تخطى إلى المعروف نحو ابن عامر # وتطلب المعروف في كل وجهة PageV01P315 ويقال في اللغة: أخبرنا بالخبر على وجهه، ولا يتوهم للخبر وجه على ما يعقل ~~من وجوه البشر، وقال الله سبحانه :{ولكل وجهة} [البقرة : 148]. أي لكل قبلة. # وقال آخر في تأويلها: ولكل ملة. # ويتأول بعض أهل العلم :{من قبل أن نطمس وجوها} [النساء: 47]. أي ملة ~~نمسخهم يعني أهل الملل، وإنما صارت الملة وجها، لأن صاحبها يتوجه إلى الرب بها. ms18 # وقال الشاعر: # درست وجوههم فكل آخذ .... غير الطريق وكلهم متحير # فهذا دليل على أن الله أراد بقوله: (من قبل أن نطمس وجوها) أي: مللا. # وقال آخر: # أضحت وجوههم شتى فكلهم .... يرى لوجهته فضلا على الملل # وقال عباس بن مرداس السلمي: # أكليب مالك كل يوم ظالما .... والظلم أنكد وجهه ملعون # وقال الله عز وجل :{بلى من أسلم وجهه لله} [البقرة: 112]. أي من أخلص ~~دينه لله فجعل للدين وجها. # وقال الشاعر: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت .... له الأرض تحمل صخرا ثقالا # وأسلمت وجهي لمن أسلمت .... له المزن تحمل عذبا زلالا # وفي ذلك دليل على أنه أراد بالوجه الدين، وقال الله سبحانه :{فأقم وجهك ~~للدين} [الروم: 30]. ولم يرد الوجه دون القلب وسائر الأبعاض، وإنما تأويل ~~أقم وجهك، أي: أقم نفسك للدين، وتأويل أقم نفسك للدين إنما هو: بالدين، ~~وقال الله سبحانه :{وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النار واكفروا آخره} [آل عمران: 72]. يعني: صدر النهار . وقال ~~بعض أهل العلم: أول النهار. فذكر الله للنهار وجها، ولم يرد به وجها من ~~الوجوه التي أمر بغسلها عند الوضوء، وقد يجوز في اللغة القول بأن هذا وجه ~~المتاع، وهذا وجه القوم وفاضلهم، وهذا وجه الدار، وهذا وجه الكلام، هذا وجه ~~العمل، معنى قولهم هذا وجه الكلام، أي: صدقه وبيانه، ووجه العمل أي: العمل ~~به صواب. وقال الله تعالى :{ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} ~~[المائدة: 108] أي: يأتوا بها على صدقها. PageV01P316 # وتأويل قول الله :{كل شيء هالك إلا وجهه} له معان: # منها ما أريد به وجه الله من العمل الطيب، والقول الحسن. # ومعنى آخر في :{كل شيء هالك إلا وجهه}. إلا هو. ومن أراد هذا المعنى قرأ ~~وجهه مرفوعا، وله سوى هذا أيضا، من أراده قرأه مفتوحا، والمعنى فيه: ثواب ~~الله عز وجل. # وقال الله عز وجل في كتابه :{فاغسلوا وجوهكم} [المائدة : 6]. فمعنى هذا ~~الوجه معنى واحد، وهو الوجه الذي في الناس، وذلك عن الله عز وجل منفي، ~~وقوله :{فثم وجه ms19 الله} [البقرة: 115]. دليل على أنه الله، لأن الشرقي ~~والغربي بين المشرق والمغرب لا يكون جهتهم جميعا تلقاء وجه الله، لأن وجهه: ~~الذي هم مقابلون دون ما سواه، فبطل قولهم في تأويلهم :{ثم وجه الله}. ~~وزعموا أن وجهتهم جميعا تلقاء وجه الله، وبطل قولهم: (خلق آدم على صورة وجه ~~الله)، لأن الصورة وجه، وهي لا تواجه إلا ما كان تلقاءها، ومما يبطل به ~~قولهم في زعمهم، أن الله على العرش دون ما سواه، وأن الملائكة يسبحون من ~~حول العرش، فقد أحاط المسبحون بالمسبح، إذ هم حوله، ولا يكون توجيههم ~~وتسبيحهم تلقاء وجه الله . وإن قالوا: إن جهتهم جميعا، وإن الله هو أينما ~~تولوا، رجعوا إلى التوحيد الأول. PageV01P317 ### || AUTO (الرد على من زعم أن الله تدركه الأبصار وتحيط به الأعين تعالى ~~عن ذلك) # الحمد لله الذي يدرك الأبصار، ولا تدركه الأبصار، وهو الواحد المتكبر، ~~العزيز القهار :{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. زعم قوم ~~من أهل الجهل أن العباد غدا يعاينون ربهم جهرة، ينظرون إليه كما ينظر بعضهم ~~بعضا، محاطا به محدودا، وتأولوا قول الله عز وجل :{وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة} [القيامة: 22]. وقوله :{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: ~~16]. وقوله :{إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 14] وقوله: يخبر عن ~~موسى عليه السلام :{رب أرني أنظر إليك} [الأعراف: 43]، ونحن مقرون بالنظر ~~من أولياء الله في جنته على غير تحديد ولا إحاطة، جل الله وعز وتعالى علوا كبيرا. # والنظر له في لغة العرب معان: # أحدها: أن يلاقي الشيء جهرا، ويحيط به بالعيان بإدراك وتحديد، فيقال نظر ~~إليه، وعوين وأدرك وأبصر وجوهر. # ومعنى آخر: من معاني النظر لا بالعيان من بصر البصر، ولكن ينظر إليه ~~بأفعاله، ومن ذلك قول العرب: انظر إلى شرائع الدين ما أحسنها، انظر إلى ~~كلام عبد الله ما أفصحه وأبينه، انظر إلى ما صنع الله بعباده، وانظر إلى ~~الذين جابوا الصخر بالواد ماذا صاروا إليه، فتجيب العقول له قد نظرت إلى ~~ذلك كله ورأيته، لا بعيان البصر. # ويقال: إنه ms20 قد نظر في لغة العرب وما ينظر فلان إلا إلى الله، ثم إلى ~~محمد، ويقول: ما ينظر إلا إلى عبد الله، وعبد الله غائب . ومن ذلك النظر ~~إلى الشيء بأفعاله وآياته لا بروحه وشخصه، وتقول: رأيت نفس زيد حين خرجت لا ~~تريد بذلك نظر العين للروح، ويقال: رأيت عقل زيد صحيحا، ونظرت إلى عقله، ~~فرأيت عقلا حسنا . # والعقل روحاني لا يرى بالعيون، لأنه ليس بشبح ولا لون ولا جسم، ويقال: ~~أحسنت النظر وأسأت النظر. # ومن ذلك قول الشاعر: # لا يزال وإن كانت له سعة .... إلى الذي راه لم يظفر به نظر PageV01P318 ولذلك تقول: رأيت حلم زيد وعقل عبد الله، وإنما رأيت الحلم والعقل بأفعال ~~لهما، مع أشياء كثيرة، مما يجوز في اللغة، كقولك انظر إلى شدة غضبه، وانظر ~~إلى شدة فرحه، وانظر إلى همه وعداوته، وهذه كلها روحانيات خفيات لا تدرك ~~بأنفسها وقد تدرك بأفعالها، ويقال: رأينا غضبه ورضاه وما أشبه ذلك. # وقال الله :{ألم تر كيف فعل ربك بعاد} [الفجر: 7] والذي قيل له: ألم تر ~~هو النبي صلى الله عليه، وإنما النبي بعد قرون قبلها عاد، فرأى كيف فعل ربه ~~سبحانه بعاد، ولم ير ذلك بعيان جهرة. وقال :{ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} ~~[التوبة: 45]. وقال إبراهيم الخليل صلى الله عليه :{رب أرني كيف تحيي ~~الموتى} [البقرة: 200]. وقد رأى كيف أحياه الله من نطفة، ولكنه أراد أن ~~يريه الله كيف يحيي الموتى من وجه من الوجوه، الذي عاين من إحياء الله ~~سبحانه الأجسام الميتة من النطف وغير النطف. # وكذلك سأل موسى صلى الله عليه ربه فقال :{رب أرني أنظر إليك} [الأعراف: ~~43]. ومعناه ومعنى الخليل صلى الله عليهما في نفس النظر سواء، لأنهما أرادا ~~أن يعاينا بأبصارهما من معالم الله وآياته ما لم يزل الله يملك من العالم ~~والآيات، إلا أن موسى صلى الله عليه عاص فيما سأل من قبل أنه سأل الله آية ~~ليست من آيات الدنيا، ولم يكن له أن يسأل تلك الآية. وسأل إبراهيم ربه آية ms21 ~~من آيات الدنيا، فلذلك لم يكن في سؤال الله عاصيا، وإبراهيم وموسى في ~~سؤالهما وقولهما لم يسألا ربهما أن يرياه جهرة لمعنى ما يرى البشر البشر، ~~لأن ذلك شرك، ولم يكن إبراهيم وموسى صلى الله عليهما بمشركين، والله لا ~~تدركه الأبصار، وقد علما ذلك، وكان موسى أعلم بالله من أن يسأل ربه أن ~~يعاينه جهرة، بل أراد: أن ينظر إليه بآية يحدثها له فيراه، ليست من آيات ~~الدنيا، ثم يكون له آية مرتجحة لا يحتملها الناس لو شاهدوها في الدنيا، إلا ~~أن يزاد في قوى حواسهم . PageV01P319 # فقيل لموسى: إن بنيتك لا تحتمل ما سألت، واعرف ذلك بهذا الجبل فإنه أعظم ~~منك خلقا، وأشد منك قوة، وأشمخ منك طولا وعرضا، انظر إليه كيف يعجز عن ~~إدراك ما سألت مثله، ولم يكن الجبل بذي عقل، والله تبارك وتعالى لا يتجلى ~~إلا بالتجلي الذي به يدرك، ولن يدرك من ربنا إلا جلالته وآياته وتدبيره ~~وصرفه، فبذلك يتجلى الله، وذلك بأنه سبحانه ليس بشخص. أحدث في الجبل عقلا ~~يدرك به ما يتجلى له، فإن الله تبارك وتعالى أحدث آية فتجلى الله للجبل ~~وجعلها آية سماوية ولم تكن أرضية . وقال بعض العلماء أبرز بعض العرش للجبل، ~~رواه يوسف بن الأسباط، عن الثوري، وذلك قوله :{فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا} [الأعراف: 143]. فعرف الجبل ربه بتجلي الرب له بما أظهر له، فعظم ~~الجبل الله فبلغ من تعظيم الجبل لله أن تقطع وساخ وذهب. وإن الله جعل ذلك ~~موعظة للقلوب القاسية لتلين، والقلوب الناكرة لتسترشد، ولئن ترجع القلوب ~~إلى ربها بشدة الفكر والتعظيم لله العظيم. # فقال لموسى :{لن تراني} [الأعراف: 143] من وجه ما سألت، لأن التجلي إنما ~~يكون من وجه يدرك من المتجلي. فتجلى الأشخاص للأبصار، ولا تجلى لغير ~~الأدوات من الأسماع والآذان والملامس، وقد تجلى الأصوات للأسماع، وإنما ~~يتجلى المتجلي من وجه ما يدرك به، فقد يقول السامع للكلام، قد تجلى لي هذا ~~الكلام، ولا يراد به عيان البصر . PageV01P320 # والله تعالى ليس بشخص فتجاهره الأبصار، ولا ms22 هو صوت فتوعيه الأسماع، ولا ~~رائحة فتشمه المشام، ولا حار ولا باد، ولا خشن ولا لين، فتذوقه اللهوات، ~~ولا تلمسه الأيدي، لأنه سبحانه خلق الأسماع وما أدركت، والأبصار وما جاهرت، ~~والمشام وما شمت، واللهوات وما ذاقت، والأيدي وما لمست، فهذه الخمس ~~المدركات، والخمس المدركات كلها محدثات مخلوقات، والله سبحانه لا يشبه شيئا ~~منها ولا فيها شيء يشبه الله، وكذلك لا يتجلى الله من وجه ما تتجلى هي، ~~لأنها مخلوقات، وإنما يتجلى من وجه ما يجوز من صفته، يتجلى بآياته وتدبيره ~~على خلاف تجلي ما سواه، وقد تجلى الله سبحانه في كتابه بكلامه لنا في وحيه ~~وآياته، فهذا معنى من معاني تجليه عز وجل. # وقد يقول القائل: أرى عقلك صحيحا، ويقول: إني أحب أن أرى عقلك وأمتحنه ~~بتدبيرك، فإن أحسن التدبير قال له صاحبه: قد رأيت عقلك حسنا. # وأما قول الله عز وجل:{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة:22] ~~فقد روى الناس عن سلفنا أنهم قالوا: هو النظر إلى ما يأتيهم من أمر الله . ~~وقال بعضهم: هو الانتظار لثواب الله. ولا يرى الله أحد، وكلا القولين جائز. # ولسنا ننكر أن يكون أولياء الله في الجنة يرون ربهم لا بتحديد ولا إدراك ~~إحاطة، وكذلك كان معنى قول مجاهد في أن لا يرى الله أحد، أي: لا يراه أحد ~~بتحديد ولا إحاطة، ولكن يراه أولياؤه وينظرون إليه، نظر مخلوقين إلى خالق، ~~ينتظرون ثوابه، ويرون تدبيره، لا كنظر مخلوقين إلى مخلوق، لأنه ليس ~~كالمخلوقين. ويجوز أن يقال: نظر إلى من ليس كالمخلوق كما ينظر إلى المخلوق، ~~وفي الخلق ما لا يرى وهو الروح والعقل، وما أشبههما، فلا يقال: إن شيئا من ~~ذلك يرى كما ترى الأشخاص، فكيف يقال: إنه يرى الله كما يرى الشخص. PageV01P321 # وإذا ابتعث الله أولياءه من الأجداث أرسل إليهم ملائكته ليبشرهم بالجنة ~~وينادونهم :{أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} [الأعراف: 43]. وذلك ~~قبل أن يدخلوها وهم ينظرون إلى أن ينيلهم ما وعدهم وما به بشرهم، فوجوههم ~~يومئذ ناضرة بهجة مشرقة حسنة ms23 ناعمة، تنظر إلى ربها بالحب له والرضى عنه ~~والرغبة إليه، ينظرون ما يأتيهم منه ما بشرهم به الملائكة، وإن الله عز وجل ~~ينظر إليهم نظر الخالق إلى المخلوق المطيع الحبيب، وينظرون إليه بالرغبة ~~فيما لديه نظر مخلوقين محبين إلى خالقهم المحبوب عندهم المنعم عليهم، نظر ~~معرفة، لا نظر تحديد وإحاطة، والله ينظر إليهم، وقد كان يراهم في الدنيا، ~~إلا أن نظره هذا نظر ثواب ورحمة ووفاء بما وعدهم، والمزيد لهم من كل كرامة ~~إذ أدخلهم الجنة، فلا يزالون ينظرون إليه في جنته بالرضى عنه، والاستزادة ~~مما عنده من فوائد النعم، وتحف الكرامات، مع ما قال لهم عز وجل :{ولدينا ~~مزيد} [ق: 35] أي مزيد من ربهم، لا تنقطع التحف والخيرات الحسان من ربهم ~~أبدا عنهم، وينظرون إلى ربهم في الجنة بمقعدهم، وما هم فيه من الإزدياد من ~~نعيمهم والإحسان إليهم، وإنما يوصف الله سبحانه بنظر أوليائه إليه، بهذه ~~المعاني التي ذكرنا ولا ينظر إلى الله أحد من أعدائه يوم القيامة بمعنى ما ~~ينظر أولياؤه. # ويقال في اللغة: إنما ينظر العبد إلى سيده، وإنما ينظر إلى الله ثم إليك، ~~يريدون بذلك ما يأتي من المنظور، وعلى هذا المعنى قول الناس. PageV01P322 # وقال الله تبارك وتعالى يخبر عن أعدائه، إنه لا ينظر إليهم ولا يكلمهم فيها ~~وفي الحالة التي لا ينظر إليهم الله يراهم، وقوله :{لا يكلمهم الله} أي لا ~~يسألهم، وقد كلمهم بما فيه حزنهم، وإن العالمين بالرب علم اليقين عاينوا ~~بيقينهم القيامة، وأبصروا وجوها مسودة، وقد علاها القتر والعبوس، جزاء بما ~~كانوا يصنعون، فراعهم ما أبصروا بيقينهم من تلك المفضعات، فحذروا أن ~~يكونوا: من الذين قال الله :{وجوههم مسودة} [الزمر: 60] و:{عليها قترة} فلم ~~يكذبوا على ربهم إذ سمعوه عز وجل يقول :{لا تدركه الأبصار}، وهذه مدحة لله ~~وحسن ثناء عليه وتعظيم له، فاستيقنوا أن الثناء والمدح عن الله غير حائل في ~~الدنيا ولا في الآخرة، وأبصروا بيقينهم في القيامة إلى وجوه ابيضت، فهي ~~ناضرة مستبشرة ضاحكة مسفرة، إلى ربها ناظرة في روح ms24 وجنات عالية، يخبرون ~~فيها بصدقهم عن الله في القول والعمل له، والموافقة له في الأيام الخالية، ~~فلذلك وضع القوم كلامهم من ربهم حيث وضع الرب، ولم يقولوا بغير ما قال الله ~~لهم، وقالوا: كما قال لهم ربهم إلى ثواب ربها ناظرة، ولم يقولوا لربها ~~مجاهرة. # وإنما الشيء إذا جوهر نظر إليه بالعيان لا بالوجه، لأن الوجه غير العين، ~~ولو كان ما قالوا على ما ادعوا لقال الله في كتابه أعين إلى ربها ناظرة، ~~لأن الوجه لا يرى ولا يبصر، وإنما البصر للرؤية والعينين اللتين في الوجه، ~~فهذه معان لطيفة مفصلات في النظر. # وقد قال إبراهيم الخليل، لابنه إسماعيل، صلى الله عليهما :{إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} [الصافات: 102]. وليس ذلك رؤية حس، ثم ~~قال: انظر ما ذا ترى، ولم يرد إدراك العين ولا إحاطة البصر، في قوله: ما ذا ~~ترى في الذبيح أن يسلم لربه نفسه، ويجود له بها، فرأى موافقة أبيه في طاعة ~~ربه بما أمره، فأمكنه من ذبحه واستسلم لربه، وليس ذلك النظر بالعين ~~ورؤيتها. PageV01P323 # وكان مما احتج به القوم أن قالوا: إن موسى صلى الله عليه سأل ربه فقال :{رب ~~أرني أنظر إليك}، وقد بينا ما أراد موسى بقوله :{رب أرني أنظر إليك}، ولم ~~يكن ذلك سؤالا للنظر الذي هو رأي العين، بالإحاطة والتحديد جهرة، وقد رأينا ~~الله عز وجل: ذكر في كتابه حدث موسى في قتله القبطي، وما أخبرنا سبحانه عن ~~آدم صلى الله عليه في معصيته بأكل الشجرة، وسمعناه عز وجل يذكر في كتابه ~~أحداث أنبيائه معيبا لأحداثهم، ولم يكن ما عاب من أحداثهم عند الله موبقا ~~ولا كبيرا، بل كانت أحداث أنبيائه صغائر، ولم تكن بكبائر، وكان الله عز وجل ~~يأخذهم في عاجل الدنيا من أجل أحداثهم التي لم تكن بكبائر، حبس بعضهم في ~~الظلمات في جوف الحوت، وبمعان ذكر الله عز وجل في كتابه وكيف صنع ببني ~~إسرائيل، ولم ينجهم من الله إلا النقلة عن صغائرهم والاستغفار بالإنابة ~~والندم، وقد ms25 سأل قوم موسى فقالوا :{أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة} ~~[النساء: 153] ليكون في ذلك مزدجر للآخرين، وليحذروا مصارع الذين سألوا ~~رؤية الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، فزجر الله العباد عن السؤال عما يضاهي ما ~~سأل القوم نبيهم صلى الله عليه من رؤية الله جهرة. # فكيف يتوهم أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم، سأل ربه مسألة القوم الذين ~~أخذوا بالنقم، لأجل تلك المسألة التي سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، وقد ~~علم موسى أن سؤالهم عن ذلك شرك، وقد نهى موسى قومه عن معاني الشرك كلها، ~~ولم يكن صلى الله عليه ليخالفهم إلى ما نهاهم عنه، لأن مسألة القوم له كفر، ~~ولا يجوز أن يتوهم على موسى أن يسأل الله مسألة هي كفر، ولو كانت مسألة ~~موسى على ما يتوهم المشبهون لنزلت به من العقوبة مثل ما نزل بغيره، ولغلظ ~~الله عليهم تغليظا يعلم العباد أنه أكبر من الصغائر، وفي تكفير الله عز وجل ~~الذين قالوا :{أرنا الله جهرة} إخراج مسألة موسى من معنى رؤية الجهرة، ~~وإخراجه من جهل القوم بالله. PageV01P324 # ويقال لهم: هل يدرك البصر إلا شخصا أو لونا ؟ # فإن قالوا: لا. # قيل لهم: أخبرونا عن ربكم، أتقولون إنه لون ؟! # فإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فمن أين قلتم ذلك وما بينتكم عليه ؟! ولن تجدوا سبيلا إلى إثبات ~~اللون إلا من وجه الرواية، فيعارضون بأضداد رواياتهم، فإن جعلوا الرواية ~~حجة لم يصح لهم دعوى ولا لنا، لأنهم رووا خلاف ما روينا وروينا خلاف ما ~~رووا، ولا بد أن يكون أحدنا محقا والآخر مبطلا، وفي إبطال قول أحدنا إبطال ~~أحد الأثرين، وفي إبطال أحد الأثرين إخراج الأثر الشاذ من الحجة، لأن الشاذ ~~من الأثر لا يكون مثل كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، مع ما يدخل عليهم من التناقض في إثبات اللون لمعبودهم، من وجه ما ~~ذكرنا من إيجاد العجز عليه وإلزام النصب، لأن لون الحدقة غير لون اللسان، ~~ولون اللسان غير لون الوجه، وفي الغير وجوب الاثنين ms26 فصاعدا، لأن اللسان غير ~~العين، والعين مخالفة للسان، وكذلك كل جزء غير ما يليه، وهو مقصر عن صفة غيره. # فإن قالوا: ليس لونا. # قيل لهم: كيف ترى العيون ما ليس يكون لونا، والعيون لا ترى في العقول إلا ~~ملونا ؟! # وإن لجأوا إلى أن يقولوا: إن الله يعطيهم حآسة سادسة في القيامة بها ~~يدركون ربهم إدراك الجهر، يسألون عن الذي يدركون ربهم به، أليس قد نال ~~ثوابا لم ينل الجزء الذي كان في الدنيا له ناصبا عاملا ؟! فيكون الثواب لمن ~~لم يطع، ولا ثواب إلا لمن أطاع. # ويقال لهم: كيف يسمى المطيع مدركا وليس هو المعاين ؟! وإنما المعاين هو ~~السادس المحدث لهم في الآخرة. PageV01P325 # ويسألون هل يجوز أن يعطوا سابعا يدركون به لمسه أو ذوقه أو شمه، كما جوزتم ~~السادسة التي بها تكون الرؤية، ليكون ذلك أتم لنعيمهم إذا لمسوا ما عاينوا ~~وصافحوه وذاقوه وشموه ؟! فإن جوزوا ذلك جعلوه منفصلا بائنا بعيدا مبعضا، ~~وفي الانفصال والبينونة والبعض والبعد وجود العجز والنقص، والعاجز الناقص ~~ليس بالكامل التام القوي القادر، وليس العاجز الناقص بإله، فتعالى الله عن ~~العجز والنقص. # وقد أجمع المصلون معنا أن إلهنا عز وجل لا تدركه الأبصار إلا فرقة من ~~الروافض ووافقتهم الحشوية فقالوا: إن النبي صلى الله عليه رأى ربه أبيض ~~مجمم الشعر. # ورووا من وجه آخر أنه رؤي في صورة الشاب المراهق مقصصا. # فعزم بعضهم أن هذه الرواية كانت بالقلب، وزعم آخرون أنها كانت بعيان ~~النظر. وقد رووا بخلاف ذلك: أن ثلاثا من قال واحدة منهن فقد أعظم الفرية ~~على الله، ومن زعم أن محمدا رأى ربه، وفي هذا انتقاض الخبر، وإذا تناقض ~~الشيء لم يكن بحجة، وأولاهما بحجة العقل أشبههما بكتاب الله. # ويقال لهم جميعا: أخبرونا إذ زعمتم أن النبي صلى الله عليه حين رأى ربه، ~~هل كان يقدر عقل النبي على صفة ما رأى ؟! # فإن قالوا: نعم. # قيل: فكان يقدر أن يخيل ما عاين ؟! # فإن قالوا: نعم جوزوا القدرة على صفة الله وإحاطته والتفكير فيه، والله ms27 ~~عز وجل يقول :{ولا يحيطون به علما} [طه: 110]. # وإن قالوا: لا يقدر على تخييله بقلبه. # قيل لهم: فكيف يدرك ما لا يتخيل ولا يحيط به العقل ؟!، وهذا محال بين؛ ~~لأن الإدراك أكثر من التخيل، وإذا بطل التخيل لم يصح الإدراك. # ويقال لهم: أخبرونا إذا جوزتم أن يكون النبي صلى الله عليه رآه، فما ~~يشعركم لعله أسر إلى بعض أصحابه صفة تحديد، فورث ذلك الصاحب علم التحديد من ~~بعده إلى يوم القيامة فيكونوا لم يدركوه كما أدركه. # فإن قالوا: فقد يمكن أن يكون ذلك فقد عبدتم ما لا تعرفون. PageV01P326 # ويقال لهم: أليس قد يمكن أن يكون وارث ذلك يصفه بصفة تحديد، ويخيله بقلبه ~~على غير ما تخيله ذلك العالم بصفته، فقد عبدتم خلاف ما عبد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ؟! # فإن احتج القوم بقول الله تبارك وتعالى :{الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} ~~[البقرة: 46]. كان جوابنا أن الذين يظنون، أي: يوقنون أنهم مبعوثون بعد ~~الموت للثواب والعقاب. # وكذلك تأويل قوله :{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} [الكهف: ~~110]. وقوله :{فمن كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت} [العنكبوت: 5]. أي ~~من كان يؤمن بالبعث فإن وعد الله ووعيده اللذين هما الجنة والنار لآت، وليس ~~ذلك اللقاء رؤية، ولو كان لقاء رؤية لقال: من كان يرجو لقاء ربه فإن الله يلاقى. # ويسألون عن الذين كفروا بلقاء ربهم [هل يلقونه] فإن قالوا: نعم، لم ~~يفرقوا بين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم في الآخرة، وبين الذين كفروا ~~بلقاء ربهم، لأن هؤلاء لاقوه. # وإذا زعموا أن اللقاء عندهم الرؤية، فما الفرق بين الولي والعدو، إذا ~~كانا يلقيان ربهما واللقاء رؤية، والرؤية عندهم أفضل الثواب. # وإن زعموا أنهم لا مؤمنون ولا مصدقون بتكذيب الكافرين من لقاء ربهم، ~~جحدوا قول الله سبحانه :{يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} ~~[الإنشقاق: 6]. وقوله :{فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه} [التوبة: ~~77]. فقد أخبر أنهم منافقون وأنهم يلقونه، وإذا زعموا أن اللقاء رؤية، ~~فالمنافق والنبي صلى الله ms28 عليه وآله وسلم يريانه بزعمهم، إذ كان اللقاء ~~عندهم رؤية، فما فضل ثواب النبي صلى الله عليه على عقاب المنافق ؟! # بل لا فضل بينهما إذا اشتركا في أفضل الثواب وهو الرؤية، وفساد هذا ~~المعنى بين، وذلك لأنهم تأولوا لقاء الله تحديدا بالإحاطة، وزعموا أيضا أن ~~النبيين عليهم السلام يشتبهون في لقاء الله الذي هو رؤيته، إلا أن يزعموا ~~أن اللقاء غير الرؤية فيصيروا إلى قولنا. PageV01P327 # وإن هم سألوا عن التأويل للقاء الله ؟ # قلنا لهم: إن الأعداء والأولياء كلهم ملاقوا ربهم، ولقاؤهم انبعاثهم من ~~أجداثهم، ومصيرهم إلى معادهم يوم محشرهم، ويوم إلى الله مرجعهم. # وتأويل ما سألوا عنه من قول الله سبحانه :{إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، ~~وذلك أن الله عز وجل لا ينالهم برحمته وهم عن ربهم محجوبون، وترجمت هذه ~~الآية آية أخرى قوله :{لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة} [آل ~~عمران: 77]. أي: نظره إلى أوليائه برحمته، ولا يسمعهم كلاما لهم فيه سرور ~~ولا فرح، ولا ينظر إليهم أي: لا ينيلهم رحمة ولا يأتيهم بفرح. # وقد أجمع أهل الصلاة أن الله لا ينظر إلى أعدائه، وهو يراهم في الحالة ~~التي لا ينظر إليهم فيها، وفي ذلك دليل أن أوليآءه ينظر إليهم أي: يرحمهم، ~~وهو يراهم وينظر إليهم برحمته، ونظره إلى أوليائه رحمته، وذلك نظره الذي ~~كان لأوليائه ولم يكن لأعدائه، وكذلك ينظر أولياؤه إليه لا بمعنى جهرة ~~وإحاطة منهم به، ولكن ينظرون إليه على خلاف التحديد والإحاطة، وقد قالت ~~العرب: ما ننظر إلا إلى سيدنا. # وأجمع المسلمون على الدعاء إلى الله أن قالوا: اللهم انظر إلينا، والدعاء ~~على عدوهم أن قالوا: لا ينظر الله إليهم، وليس ذلك سؤالا منهم له أن لا ~~يراهم، وذلك أنهم يعلمون أن الله عز وجل يراهم، ولم يعلموا أن الله ينظر ~~إليهم نظر رحمة ورضى، وقد علموا أن الله عز وجل يراهم ويرى كل شيء، وأن ~~الأشياء كلها له جهرة، وإنما أراد المسلمون بدعائهم الله أن ينظر إليهم: أن ~~يكرمهم ويجود برحمته عليهم. ms29 # واعلم أن الله عز وجل إذا مدح نفسه بمدحة لم يزلها عن نفسه في آخرة ولا ~~دنيا، كذلك قال الله سبحانه :{لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103]. فالله لا ~~يزيل مدائحه. PageV01P328 # وزعم العماة أن محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه حين أسري به ~~تكذيبا للقرآن، وردا على الرحمن، واحتجوا بقول الله عز وجل :{ولقد رآه نزلة ~~أخرى، عند سدرة المنتهى} [النجم:13 - 14]. فظنوا أنه رأى ربه، وإنما ذلك ~~جبريل صلى الله عليه، رآه نبي الله على خلقته التي عليها جبل، ولم يره ~~النبي صلى الله عليهما على تلك الخلقة قط إلا مرتين، جعل الله ذلك آية بينه ~~وكرامة شريفة عالية، وذلك قوله عز وجل :{لقد رأى من آيات ربه الكبرى} ~~[النجم: 18]. فأين الله عز وجل من آياته ؟! فكيف يتوهم أن النبي صلى الله ~~عليه رأى الله، والله يقول :{رأى من آيات ربه الكبرى}، وليس الله سبحانه ~~بالحوآس مدركا . # وتوهموا أن تجلي الرب سبحانه للجبل هو أن بدى للجبل وبرز له بذاته، من ~~غير أن يكون للجبل من المقام في طاعته، والمنزلة الرفيعة، ما لموسى صلى ~~الله عليه، مع ما اختص الله به موسى بكلامه تكليما، واستخلاصه إياه ~~بالرسالة، ثم سأل موسى ومسألته لله أن يراه بزعمهم ذلك، وكان ذلك منه ~~دليلا، ثم اختص الجبل الذي لم يكن الله كلمه تكليما، ولا اصطفاه برسالته ~~فبدى له بذاته وبرز له متجليا، وخصه بكرامة لم يجعلها لجبريل ولا لميكائيل ~~ولا للملائكة المقربين، ولا للمرسلين، وقد قال الله عز وجل: إن أولياءه غدا ~~ينظرون إليه في جواره، ليس ذلك النظر إحاطة ولا تحديدا، بل ينظرون إليه من ~~غير تحديد، وذلك النظر أفضل من دركهم. # والدرك دركان، فدرك هو المشاهدة والملاقاة جهرة. PageV01P329 # والدرك الثاني ما يرد على القلب، وقد أدرك المؤمنون في الدنيا ربهم وعرفوه ~~بقلوبهم، فلذلك أطاعوه، وذلك لما أحبوه. ولهم في هذا الدرك سرور ولا نعيب ~~عليهم في السرور الذي نالوه من معرفة الدرك لله، والمؤمنون يتفاضلون في ~~الدرك لله، وذلك بين فيما ms30 يرى منهم في اتصال السرور بالمعرفة، على حسب ~~اتصال المعرفة بالقلب، وكلما ترقى العارف في معارج المعرفة ترقى في معارج ~~السرور. # وقد ترى جمهور أمتنا يعلمون أن الله عالم بعلمهم، أن الله عالم، دركا به ~~عرفوا الله، فهذا الدرك هو درك العلماء بالله، فإذا نزل بهم تفصيل معاني ~~دقائق مسائل تدخل في الكلام في العلم، كان ذلك دركا هو عند العالمين بالله، ~~الذين هم في معاني درجات العارفين بالله، فإذا أخذوا في ذلك العلم وجدوا في ~~ذلك سرورا. # فالناس لا يستوون في درك الله في الدنيا في تفاضلهم، وكذلك يتفاضلون غدا ~~في إدراك الله، للمعنى الذي ليس هو تحديد الله، فيكون الله يعطيهم من ذلك ~~العلم ما لا يخطر على قلب بشر في الدنيا، مما فيه السرور والتنعم للعالمين ~~بالله في الدنيا، ما لا يعطي كثيرا من سواهم من العلماء الذي هم دونهم، وقد ~~عرفنا درك المؤمنين في الدنيا كيف هو . وأما درك المؤمنين في المعاد، فإنا ~~لا نعلم كيف هو، لأنا لم نره وهو في الآخرة ثواب، والثواب مؤجل، وكلما كان ~~من ثواب الله في الجنة فلا يعلم كيف هو إلا الله، إلا أنا نعلم أن معنى ~~الدرك له في الجنة ليس بتحديد ولا إحاطة، فاعرف معاني الدرك واعرف فضل ~~الدرك الذي يكون في الآخرة، على فضل الدرك الذي يكون في الدنيا . # ولو أمد الله عز وجل الأبصار بالمعونة، حتى تدرك أقل قليل نقطة من القطر ~~في مدلهم ليل عاتم تحت الأرض السفلى، من أبعد غايات السماوات العلى، ما ~~أدركت الأبصار الله، وكذلك لو أمدت الحوآس كلها بالمعونات حتى تدرك كل ~~محسوس ما هجم منها شيء على الله سبحانه، تبارك وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P330 # تم كتاب المسترشد والحمد لله كثيرا وصلى الله على سيدنا محمد النبي وأهله ~~الطاهرين وسلم تسليما. PageV01P331 ms31