######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | الرد على النصارى PageV01P387 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي لم يزل ولا يزال ، وله الكبرياء بديا والجلال ، البري من ~~كل تغير وزوال ، وتبدل وحركة وانتقال ، أو فناء أو احتيال ، المتعالي عن أن ~~يكون لشيء أصلا متأصلا ، أو عنصرا من عناصر الأشياء كلها متحللا ، فيكون ~~كواحد منها ، أو كما بان من فروعها عنها ، فكثر من قلته بتفرع بعد قلة ، أو ~~عز بكثرته بتجمع من ذلة ، ولو أن ذلك ، كان فيه كذلك ، لعاد غيره له ندا ~~ومثلا ، إذ كان له سبحانه محتدا (1) وأصلا ، ولكان حينئذ لكل ما كان منه ، ~~ووجد من فروعه وعنه ، ما كان من التوالد له ، إذ كان المتولد منه مثله. ### | [مشابهة الفروع للأصول] # وكذلك يوجد لكل فرع كان من أصل ، ما يوجد لأصله من التوالد مثلا بمثل ، ~~كفرع ما يرى من الأشياء كلها ، التي تتولد يقينا عيانا من نسلها ، مثل ما ~~يتولد غير مرية من أصلها ، كما يرى من ولادة الأبناء ، لمثل ما يتولد من ~~الآباء ، سواء ذلك كله سواء. # وكذلك ما يرى من متولد الشجر وغير الشجر ، فكالأنثى في ذلك أجمع والذكر ، ~~يتولد في ذلك كله من أولاده (2)، ما يتولد سواء من والده ، فكل شيء أبدا ~~كان ممكنا في أصل ووالد كون وجوده ، فمثله ممكن سواء في نسله ومولوده ، لا ~~يمتنع مما قلنا به في ذلك وقبوله ، إلا مكابر في ذلك لعلمه ومعقوله. ولذلك ~~وما فيه من الامكان ، وما يدخل به على أهله من النقصان ، ما تقدس الله عنه ~~، وجل وتطهر منه ، فلم تمكن فيه منه سبحانه ممكنة في فكر ولا مقال ، وكان ~~القول عليه جل جلاله بذلك أحول محال ، إذ في أن يكون شيء له ولدا ، وأن ~~يكون لشيء أصلا ومحتدا ، إبطال الإلهية والربوبية ، PageV01P389 # وزوال الأزلية والوحدانية ، وإذ لا يكون واحدا من كان له ولد أبدا ، ولا ~~يكون أزليا من كان أبا أو والدا ، (1) لأن الابن ليس لأبيه برب ، وكذلك ~~الرب فليس لمربوب بأب ، إذ كان الابن في الذات هو مثله فكلاهما من الربوبية ~~قاص متبعد ms01 ، إذ ليس منهما من هو بها متفرد متوحد. لأن الربوبية لا تمكن ~~أبدا إلا لواحد ، ليس بأصل لشيء ولا ولد ولا والد. # ولكل ولد في (2) ذاته ، ما للوالد من صفاته ، وكذلك والده فله في الذات ، ~~مثل ما للولد في ذلك من الصفات ، كالانسانية التي للابن منها ما لأمه وأبيه ~~، وفي الأبوين منها ومن كمالها مثل ما فيه ، فليس له من الانسانية وحدودها ~~، ولا مما يوجد فيه وفيهما من موجودها ، أكثر مما لهما منها ، وكل واحد ~~منهما فغير مقصر عنها ، ولتمامهما جميعا فيها ، وفطرة الله لهما عليها ، ~~كان الابن ولدا لهما ونسلا ، وكانا له بها محتدا وأصلا ، وفي ذلك ما يقول ~~الله سبحانه ، لعيسى صلوات الله عليه ورضوانه ، فيما نزل من الكتاب ، في ~~يوم البعث والحساب ، توقيفا وتعريفا له وللعباد ، على أنه قد يجب للوالد في ~~الذات ما يجب للأولاد ، وتوبيخا لمن أفرده دون أمه في العبودية والإلهية ، ~~وحالهما في الذات حال واحدة مستوية ، فعبدوه عماية وجهلا دونها ، وهم ~~يعلمون أنه ابنها ومنها ، ويوقنون فلا يشكون أن أباها أبوه ، فهي وآباؤها ~~أولى منه بما أعطوه ، إذ كان لو لا وجودهم لم يوجد ، ولو لا ولادتهم له لم يولد. # فكيف يعبدونه دونهم ، ولم يكن قط إلا منهم ، فهو في الذات كهم ، إلا أن ~~يفرقوا بينه وبينهم ، بحال يخصونه بها دونهم ، أو بغير ذلك من فعل من ~~الأفعال ، هو سوى ما يجمعهم وإياه في الذات من الحال ، فكيف وذلك غير قولهم ~~، وما يبنون عليه من أصلهم. ### | [عيسى بشر] # فاسمعوا لقول الله في ذلك وبيانه ، وما بين فيه جل جلاله من تفصيله ~~وفرقانه ، إذ PageV01P390 # يقول له صلى الله عليه ، في ذلك من غير ما سخطة منه عليه ولا لوم فيه (1) ~~: ( @QUR@042 يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116)) [المائدة ~~: 116] ، فسبح ms02 الله جل جلاله إكبارا له عن أن يقول في ذلك على الله علام ما ~~كان وما يكون بقول إفك مفتر مكذوب ، لا يصح فيه أبدا قول في فطرة ، ولا ~~يقوم في سليم عقل ولا فكرة. # وقال صلى الله عليه : ( @QUR@029 ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا ~~الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117)) [المائدة : 117] ، فأنبأهم صلى الله ~~عليه أنه عبد الله (2) كما هم كلهم جميعا عبيد ، (3) وأخبر الله سبحانه من ~~قوله في ذلك بما لا تنكره النصارى كلها وإن اختلفت في أديانها ، وفرقتها ~~البلدان في كل مفترق من أوطانها ، لما رأوا منه عيانا ، وأيقنه من غاب منهم ~~إيقانا ، من عبادته عليه السلام لله واجتهاده في طاعة الله ، وكان في ما ~~عاينوا (4) من مشابهته لهم في الخلقة دليل مبين على أنه عبد الله ، يجري ~~عليه من حكم الله في أنه عبد لله ما جرى عليهم ، بما (5) بان من أثر تدبير ~~الله وصنعه فيه وفيهم. # وفيما قلنا من ذلك ومثله ، في أن (6) الفرع من الشيء له ما لأصله ، ما ~~يقول الله سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وعلى آله : ( @QUR@08 قل إن كان ~~للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81)) [الزخرف : 74]. يخبر جل جلاله عن أنه ~~قد يجب للولد ما يجب PageV01P391 # للوالدين (1) في كل ما يجب لهم بالطبيعة والذات ، لا فيما يجب من ذلك ~~بالأعراض المحدثات. # ولو كان عيسى صلى الله عليه كما قالوا ربا وإلها ، وعن أنه لله عبد أو ~~صنع معظما في ذاته (2) منزها ، لكان لأمه من ذلك ما له ، إذ كانت في الذات ~~مثله ، بل لكان ينبغي لمن ولده أن يكون أعلى من ذلك منزلة منه ، إذ كان ~~وجوده صلى الله عليه به وعنه. # وليس أحد من النصارى يثبت لمريم ما يثبت لابنها من الإلهية ، بل كلهم ~~يقول : إنها أمة من إماء الله محدثة غير قديمة ولا أزلية ، وقد يلزمهم ~~صاغرين فيها ، من إضافة الإلهية إليها ، ما قال ms03 الله تبارك وتعالى فيهما ، ~~إذ الحكم واقع بالاشتباه (3) في الذات عليهما ، فهي في ذلك كله كولدها ، إذ ~~روحه من روحها وجسده من جسدها. # فإن لم يكن ذلك ، فيهما كذلك ، زالت البنوة عنه منها ، وزال أن تكون له ~~أما عنها ، فلم تكن له أما ولم يكن لها ابنا ، إذ لم تكن إلا موضعا له ~~ومكانا ، إلا أن يجعلوا الأماكن أمهات لما كان فيها ، فيقع ما قالوا من ~~أنها أم له عليها. # فأما إن جعلوها (4) من طريق ما يعقل أما له ، فقد جعلوها في الطبيعة لا ~~محالة مثله. # وإذا كان ذلك ، فيهما كذلك ، جعلوه صاغرين كأمه إنسانا لا ربا ولا إلها ، ~~وكان الناس كلهم إذ هو مثلهم في ذلك له أمثالا وأشباها ، لا افتراق بينه ~~وبينهم في الإنسية ، ولا تفاوت بينه وبين جميعهم في الجنسية ، ولذلك كان ~~يطعم صلى الله عليه كما يطعمون ، ويألم مما يؤلمهم كما يألمون ، ويقيمهم ~~كما يقيمهم الشراب والطعام ، ويعرض له الحزن والغموم والاهتمام. # والنصارى كلها فقد تقر بطعمه وحزنه واغتمامه ، وتحمده بما كان من صبره PageV01P392 # وآلامه ، التي كانت وصلت إليه عندهم في الضرب والصلب ، وما كان يلقى في ~~سياحته وأمره ونهيه من الدؤب والتعب ، وفيما (1) جعل الله من طعمه وأكله من ~~الآيات البينة الجلية، ما يبطل ما قالت به النصارى فيه من الأقوال الكاذبة ~~المفترية الردية ، وفي نسبة الله له المعقولة في الدنيا والآخرة إلى أمه ، ~~ما يدل والحمد لله من رشد على أنها من أصله وجرمه ، (2) وأنه في ذلك كله ~~كمثلها ، إذ هو منها ومن نسلها ، آباؤها آباؤه ، وغذاؤها غذاؤه. # فليفهم هذا من أمره وأمرها ، وعند ذكره في النسب وذكرها من يفهم ويعقل ، ~~ولا يتجاهل منه ما لا يجهل. وليعلم أن قول الله سبحانه كثير في كتابه : ابن ~~مريم ، وترديده في ذلك لذكره بها صلى الله عليه وسلم ، فيه من تيقن الثلج ، ~~(3) وغوالب الحجج ، التي يثلج (4) بها كل قلب ، ويغلب فلا يعلى بغلب ، إذ ~~تقرر من ولادتها له ما لا ينكره من النصارى ولا غيرها منكر ms04 ، ولا يتحير فيه ~~من (5) كل من عرفه بها ولا بما كان له من ولادتها متحير ، إذ جعله الله ~~سبحانه ابنها ، وجوده منها وعنها ، منها (6) كونه وفصوله ، وأصولها كلها ~~أصوله ، وكل ما لزم فرع شيء من تغيير أو فناء لزم أصله ، وكذلك كل ما كان ~~من ذلك للأصل فهو له ، لا يأبى ذلك ولا يكابره ، إلا فاسد العقل حائره (7). # وفيما قلنا به والحمد لله من ذلك ، وأن (8) عيسى صلى الله عليه كذلك ، ما ~~يقول الله سبحانه : ( @QUR@023 ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر PageV01P393 # @QUR@02 أنى يؤفكون (75)) [المائدة : 71] ، فأي آية أدل لهم على أنه ~~مثلهم من أكله للطعام لو كانوا يعقلون ، فلقد جهلوا من هذا ويلهم ما لم ~~يجهل قوم نوح إذ يقولون : ( @QUR@012 ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ~~منه ويشرب مما تشربون ) [المؤمنون : 33]. ### | [مصادر عقائد النصارى] # ومن قبل ما قالت به النصارى في المسيح بن مريم ما قال بمثل قولهم ~~المشركون ، فزعموا أن ملائكة الله المقربين ، ولد وبنات لله رب العالمين. # ومنهم ما (1) قبلت النصارى أقوالها ، وحذت في الاشراك بالله منهم مثالها ~~، وهو قول كان يقول به في الأوائل الروم والقبط وأهل الجاهلية ، من كان ~~يقول في النجوم السبعة بتثبيت الربوبية لها والإلهية ، وكانوا يزعمون أن ~~النجوم السبعة ملائكة لله ناطقة ، وأنها آلهة مع الله لما تم بها (2) كونه ~~خالقة ، وأن الله سبحانه صنعهن منه صنعا ، ولم يبتدعهن لا من شيء بدعا ، ~~فلما أكملهن تبارك وتعالى وتم تمامهن ، كن كلهن به وعنه قال لهن : # أنتن آلهة الإلهية بكن عقد كل معقود وحل كل محلول ، وزعموا أن بهن وعنهن ~~كانت من الحيوان المائت (3) جعله كل مجعول ، بهن كان وجوده وقوامه (4)، ~~ومنهن كان صنعه وتمامه ، وأنهن (5) علة واسطة بين الله وبين الأشياء ، وأن ~~الله الصانع لهن ولغيرهن به ماتت (6) الأحياء ، وكان الله لا شريك له إله ~~الآلهة العلي الذي لا يمثلونه بشيء ، والأول القديم الذي لم ms05 يزل تبارك ~~وتعالى من غير أول ولا بدي ، وأنه هو المبتدئ (7) PageV01P394 # الصانع للنجوم السبعة ، المتعالي عن مشابهة كل مصنوع كان أو يكون وكل صنعة. # وكذلك قالت النصارى : إن الله خلق الأشياء بابنه نفسه ، وحفظها ودبرها ~~بروح قدسه ، وإن الابن خلق الخلق وفطره ، وإن روح القدس حفظ الخلق ودبره ، ~~وزعموا أن قوة الخلق غير قوة الحفظ والتدبير ، وأن الأب لم ينفرد من ذلك ~~كله بقليل ولا بكثير ، وأن حال الأب والابن وروح القدس في الإلهية واحدة ، ~~وأن عبادة كل واحد منهم (1) عليهم واجبة. # وكذلك زعم المشركون من أصحاب النجوم أن الله خلق الحيوان الميت ودبره ~~بالنجوم السبعة ، وأن بهن وبما جعل الله من القوة فيهن كانت من ذلك كل ~~بريته وكل صنعة ، فأقوالهم كلهم (2) في أن لله ولدا واحدة (3) غير مفترقة ، ~~وفريتهم جميعا في ذلك على الله فكاذبة غير مصدقة ، إذ شبهوا بالله غيره ، ~~فجعلوه ولده ونظيره. # وفي القول بالولادة والاشتباه ، (4) إبطال من قائله لكل إله ، لأنهما إذا ~~تماثلا واشتبها ، لم يكن كل واحد منهما إلها ، لأنه لا يقدر مع تشابههما ~~أحدهما على إبطال الآخر ، وإذا لم يقدر على إبطاله كان عاجزا غير قادر ، ~~ومن كان في شيء من الأشياء كلها عاجزا ، كان عجزه له (5) عن الربوبية ~~والإلهية حاجزا. # وإن قال قائل كان (6) كل واحد منهما قادرا على إبطال نظيره ، ففي ذلك أدل ~~الدلائل على نقص كل واحد منهما وتقصيره ، وإذا كان كل واحد منهما منقوصا ~~مقصرا ، (7) لم يكن من الأشياء كلها لشيء صانعا مدبرا ، ليس له كفؤ من ~~الأشياء كلها ولا مثل ولا نظير ، ولم يوجد في السماء ولا في الأرض ولا فيما ~~بينهما صنع ولا تدبير ، PageV01P395 # والصنع فقد (1) يرى بالعيان في ذلك كله قائما موجودا ، فكفى بذلك دليلا ~~بينا على أن لهذا الصنع العجيب صانعا لا والدا ولا مولودا. # ووجود (2) صانعه أبين وأوجد من وجود كل موجود وجودا ، وأنه واحد صمد ليس ~~والدا ولا مولودا ، ولن يجد ذلك أحد أبدا ، إلا الله الذي لم يتخذ صاحبة ~~ولا ولدا ، ولم ms06 يزل تبارك وتعالى واحدا صمدا ، ليس من ورائه أزلي مصمود ، ~~ولا أولي من الأشياء موجود ، فيكون متقدما أولا قبله ، فلا يكون الله هو ~~الخالق له ، بل هو الله الخالق الأول القديم ، الذي ليس لغيره (3) عليه ~~أولية ولا تقديم ، ولكن كل ما سواه ، فخلق ابتدعه وأبداه ، فوجد بالله خلقا ~~بديا بعد عدمه ، بريا من مشاركة الله في قدرته وقدمه ، بينة آثار الصنع ~~والتدبير فيه ، شاهدة أقطاره بالحدث والصنع عليه ، مختلف مؤلف ، ضعيف مصرف ~~، مجسم محدود ، متوهم معدود ، قد ناهاه قطره وحده ، وأحصاه مقداره وعده ، ~~فهو كثير أشتات ، له نعوت وصفات ، كثيرة متفاوتات ، كذلك الحيوان منه ~~والموات. # فليس يوجد أبدا الواحد الأزلي ، الذي ليس له مثل ولا نظير ولا كفي ، (4) ~~إلا الله تقدست أسماؤه ، وجل ذكره وثناؤه ، وفي ذلك وبيانه ، ومن حججه ~~وبرهانه ، ما يقول الله جل جلاله ، عن أن يحويه قول أو يناله ، فيما نزل من ~~كتابه المجيد ، في سورة الإخلاص والتوحيد : ( @QUR@04 قل هو الله أحد ) (1) ~~[الإخلاص : 1]. والأحد فمن ليس له والد ولا ولد ، ( @QUR@02 الله الصمد ) ~~(2) [الإخلاص : 2] والصمد فهو الغاية في كل خير والمعتمد ، الذي ليس من ~~ورائه ، من يسمى بأسمائه ، فيستحق منها كما استحق الله شيا ، فيكون لله ~~فيما يسمى به منها كفيا ، كما قال الله سبحانه في كتابه ، وما نزل من PageV01P396 # البيان (1) على عباده ، فيما كان لله (2) تبارك وتعالى من أسمائه الحسنى ~~متسميا : ( @QUR@012 رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته ~~هل تعلم له سميا ) (65) [مريم : 65]. # وفيما نزل سبحانه من أنه ليس له كفؤ ولا نظير ، ما يقول : ( @QUR@06 ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير ) [الشورى : 11]. و ( @QUR@09 لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)) [الأنعام : 103]. # وفي أنه ليس له شبيه ولا كفي ، (3) ولا مثيل ولا بدي ، ما يقول الله ~~سبحانه : ( @QUR@04 لم يلد ولم يولد (3) @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد (4)) ~~[الإخلاص : 3 4]. وكيف يولد من لم يزل واحدا أولا؟! أو يلد من جل أن يكون ~~عنصرا متحللا؟! (4) لا كيف والحمد لله أبدا! يكون الله والدا أو ولدا! ~~فنحمد الله ms07 على ما من به علينا في ذلك من البيان والهدى ، ونعوذ بالله في ~~الدين والدنيا من الضلالة والردى. # فليسمع من قال بالولد على الله ، من كل من أشرك فيه بالله ، من اليهود ~~والنصارى ، والملل الباقية الأخرى حجج الله المنيرة في ذلك عليهم ، ففي أقل ~~من ذلك بمن الله ما يشفيهم ، من سقم كل عمى عارضهم فيه أو داء ، ويكفيهم في ~~كل قصد أرادوه أو اهتداء ، ففي ذلك ما يقول الله سبحانه لهم كلهم جميعا ، ~~ولكل من كان من غيرهم لقوله فيه سميعا ، ممن لم يعم عن قول الله فيه عماهم ~~، ولم يعتد على الله فيه اعتداءهم : ( @QUR@04 وقالوا اتخذ الله ولدا ) ~~[البقرة : 116] ، فقال الله إنكارا لقولهم فيه وردا : ( @QUR@010 سبحانه بل ~~له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) @QUR@011 بديع السماوات ~~والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) (117) [البقرة : 116 117]. PageV01P397 # وفي ذلك وتبيينه ، وفي افترائهم فيه بعينه ، ما يقول الله سبحانه : ( ~~@QUR@015 وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون (100) @QUR@018 بديع السماوات والأرض أنى يكون له ~~ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) @QUR@016 ذلكم ~~الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) ~~@QUR@09 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)) ~~[الأنعام : 100 103]. ومعنى خرقوا ، فهو : افتروا واخترقوا ، باطلا وبهتانا ~~، وعماية وجهلا وطغيانا. # وتأويل «سبحن» ومعناها ، فليعرف ذلك من قراها : إنما هو بعد الله وتعاليه ~~، عما قالوا به (1) من اتخاذ الولد فيه ، وقول القائل سبحان ، إنما معناه : ~~بعدان ، كما يقال بينك وبين ما تريد ، سبح يا هذا بعيد ، فالسبح هو البعيد ~~(2) الممتنع ، والأمر المتعالي المرتفع. # فما الذي هو أمنع وأبعد ، من أن يكون الله والدا أو يولد ، وهذا فهو قول ~~متناقض ، محال داحض ، لا يقوم أبدا في فكرة ولا وهم ، ولا يصح به كلام من متكلم. # ولذلك من محاله ، وتناقضه وإبطاله ، ما يقول الله سبحانه تعاليا عن قولهم ~~وبعدا : ( @QUR@04 وقالوا اتخذ الله ms08 ولدا ) [البقرة : 116] ، والمتخذ عند ~~كل أحد فهو المستحدث المصطنع ، وما اتخذ فاصطنع (3) فهو يقينا المحدث ~~المبتدع ، والوالد كما قد بينا في صدر هذا الكتاب كالمولود ، في مالهما ~~بالذات والطبيعة من (4) الخاصية والحدود ، فجعلوا الإله البديع كالمبدوع ، ~~والرب الصانع للأشياء كالمصنوع ، وكلهم يزعم أن الله صانع غير مصنوع ، ~~ومبتدع لجميع البدائع غير مبدوع ، وإذا صح أن السماوات والأرض وما فيهن لله ~~، وأن قيام ذلك ووجوده وصنعه بالله ، وما قضى من أمر فإنما قضاؤه له ، بأن PageV01P398 # يبتدع صنعه وفعله ، لا بنصب ولا علاج ، (1) ولا أداة ولا معاناة ولا ~~احتياج ، (2) ولكنه يتم كونه وصنعه ، إذا هو أراده وشاءه. # وإذا قيل أمر الله في خلقه وقضى ، فإنما هو من الله بمعنى أراد الله وشاء ~~، وما ذكر من قنوت الأشياء لله ، فإنما هو قيامها ووجودها بالله ، وتأويل ~~قوله : ( @QUR@08 له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ) (116)، إنما هو ~~كل به ومن أجله كائنون. # وسواء في هذا الباب ، وفيما ذكر منه (3) في الكتاب ، قلت : له ، وبه (4) ~~ومن أجله ، وكما يقال : فعلت ذلك بك ولك ، وكذلك يقال : فعلت ذلك بك ومن أجلك. # ولما أن صح بأحق الحقائق ، وأوجد ما يكون من الوثائق ، أن السماوات ~~والأرض ومن (5) فيهن لا تكون أبدا إلا من واحد ، صح أن ذلك لا يكون أبدا من ~~مولود ولا والد ، فكان القول مع صحة هذا ونحوه وأمثاله ، بما قالوا به في ~~الولد من أخبث القول وأحول محاله!! وأي تناقض في مقال يقال أقبح؟! أو محال ~~بتناقض (6) فاحش أوضح؟! من قولهم اتخذ الله ولدا فجعلوه (7) متخذا مولودا! ~~وهم يقولون مع قولهم ذلك أن الولد لم يزل قديما موجودا ، لم يفقد قط ولم ~~يزل ، ولم يتغير حاله ولم يتبدل ، فمن أين يكون مع (8) هذا القول منهما ولد ~~ووالد؟! وأمرهما جميعا في القدم والأزلية واحد! وكيف يكون متخذا حدثا من لم ~~يزل موجودا قديما ، وإنما يكون المتخذ المستحدث من كان قبل أن يتخذ مفقودا ~~عديما. فقالوا جميعا كلهم : هو الله (9) وولده ، ثم زعموا مع PageV01P399 # ذلك أنه ابنه ms09 يسبحه ويعبده ، والمولود (1) عندهم في الإلهية والأزلية ~~كالوالد ، فصيروا الرب المعبود في ذلك كله كالمربوب العابد ، فهل وراء ما ~~قالوا به من التناقض في ذلك على الرب؟! من مزيد في تناقض أو محال أو إبطال ~~أو إفساد أو كذب ، يقول به قائل مناقض محيل ، ويضل (2) في مثله إلا تائه ~~ضليل ، قد عظم في المحال والتناقض إسرافه ، وقل في المقام بالباطل لنفسه ~~إنصافه ، فهو يلعب في حيرته ساهيا ، ويخوض في غمرته لاهيا. # وفيه والحمد لله وفي أمثاله ، ممن قال على الله بمقاله ، ما يقول الله ~~تعالى : ( @QUR@08 سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) ~~@QUR@08 فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) (83) [الزخرف ~~: 82 83]. وفي ذلك ما يقول سبحانه : ( @QUR@010 ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) @QUR@013 قالوا سبحانك أنت ولينا ~~من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) (41) [سبأ : 40 41]. # وفي إحالة قول من قال بالولد ، من أهل الكتاب ومن كل ملحد ، ما يقول ~~سبحانه: ( @QUR@04 لقد جئتم شيئا إدا (89) @QUR@09 تكاد السماوات يتفطرن ~~منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) @QUR@04 أن دعوا للرحمن ولدا (91) ~~@QUR@06 وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) @QUR@010 إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) @QUR@04 لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) ~~@QUR@05 وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95)) [مريم : 89 95]. والإد من ~~الأمور والأقاويل ، فما امتنع امكانه في العقول ، فلم يطق له أحد احتمالا ، ~~وكان في نفسه فاسدا محالا ، وهو كما قال الله سبحانه : ( @QUR@02 وما ينبغي ~~). وذلك فما ليس بممكن ولا متأتي (3). # فأي ممتنع من الأمور أبعد إمكانا (4)؟! مما قالوا به في الولد على الله ~~بهتانا ، وهل PageV01P400 # يمكن السماوات والأرض في عقل أو لب ، أن تكون من ابن أبدا أو (1) أب ، ~~وهل الابن إلا كالأبناء ، وكذلك الأب فكالآباء ، فإن لم يكن كهم زال أن ~~يكون أبا أو ابنا ، ولم يكن ذلك أبدا في الأوهام ممكنا ، لأنه إن لم يكن أب ~~وابن كأب وابن في الأبوة والبنوة مثله ، زالت الأبوة والبنوة واسمها كلها ~~عنه ، وإن كان الابن للابن مثلا ms10 ، كان مثله خلقا مجتبلا ، ومتى (2) جعلوا ~~المسيح ابنا وولدا ، كان مثل الأبناء لله عبدا مخلوقا متعبدا ، ومتى أنكروا ~~أنه كغيره من الأبناء عبد (3) لله ، أنكروا صاغرين أن يكون كما قالوا ابنا ~~لله ، أفليس هذا من القول هو المحال بعينه؟! وما يحتاج أحد يعقل إلى ~~تبيينه!! # إذ يثبتون من ذلك في حال واحدة ما ينفون ، وينفون من مقالهم في حال واحدة ~~ما يثبتون. # ولله تبارك وتعالى من الحجة والرد ، في كتابه على من قال عليه بالولد ، ~~ما يكثر عن الله عن أن نحصيه أو نعدده ، أو يدرك مدرك سوى الله (4) أمده ، ~~وكفى بما ذكرنا والحمد لله حجة وردا ، على من زعم أن لله تبارك وتعالى ولدا ~~، من فرق النصارى واليهود ، (5) وأهل الفرية على الله والجحود ، ممن جعل ~~لله سبحانه ندا أو ضدا ، وجعله والدا (6) أو ولدا ، فليفهم حجج الله في ذلك ~~كله من كان لله موحدا ، وليتفقد تناقض قولهم فيه وفساده ، وإحالته واختلافه ~~، يجد قولا محالا فاسدا ، متناقضا مختلفا. # وفيه ما يقول الله سبحانه ، لنبيه صلى الله عليه وآله ورفع شأنه : ( @QUR@06 ~~وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) @QUR@016 ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5) @QUR@011 فلعلك ~~باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6)) [الكهف : 4 6]. فأخبر PageV01P401 # سبحانه بأسف رسوله ، صلى الله عليه وآله ، من قولهم على الله سبحانه بالفاسد ~~المحال ، وبأخبث ما يقال من متناقض الأقوال ، ونبأ الله جميع عباده ، ~~بجهلهم لقولهم فيه وفساده ، بقوله سبحانه: ( @QUR@016 ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) (5)، ووجدنا ما ~~قال الله من كذبهم فيه وقلة علمهم لازما واجبا ، وكان ذلك على ما قال به من ~~أهل الكتاب ، أوكد لما (1) يقولون به من ربوبية رب الأرباب ، فكلهم يثبت ~~لله الربوبية ، ويصحح له الوحدانية ، وجميعهم وإن زعم أن لله ولدا يقر ~~بربوبيته ووحدانيته ، ويشهد له بدوامه وأزليته ، التي لا يصح لهم أبدا ما ~~يقولون به منها ، إلا ms11 بتركهم لمقالتهم في الولد والرجوع عنها ، ولن يرجعوا ~~عن ذلك مصارحة أبدا ، وإن هم قالوا أن قد اتخذ الله ولدا ، لأن في رجوعهم ~~عن القول لله بالوحدانية والأزلية ، لحوقهم عند أنفسهم بقول (2) أهل ~~الجاهلية ، من عبدة الأوثان ، والنجوم والنيران ، وذلك فما لن يقولوه ، وإن ~~لم يعرفوا الله وجهلوه ، لفساد ذلك عندهم وشناعه ، وبعد إمكان ذلك في الله ~~وامتناعه ، ولذلك ما يقول جل جلاله ، عن أن يصح عليه تشبيه شيء (3) أو ~~يناله ، في أزلية قديمة أو ذات ، أو صفة ما كانت من صفات ، إذ في ذلك ، لو ~~كان كذلك ، إشراك (4) غيره معه في الإلهية ، إذ كان شريكا له في القدم ~~والأزلية. # فتبارك الله الذي ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [الشورى : ~~11] ، وجل ربنا عن أن يكون له في شيء كفؤ أو نظير! وأنى وكيف يكون خلق ~~كخالقه؟! وهل يصح من ناطق بهذا لناطقه؟! لا ولو تظاهر الخلق جميعا عليه ، ~~لما صح لهم والحمد لله أبدا منطق فيه. PageV01P402 ### | [أدب الحوار] # وبعد : فلا بد لمن أنصف خصما في منازعته له ومجادلته ، من ذكر ما يرى ~~الخصم أن له فيه حجة من مذهبه ومقالته ، فإذا ذكر ذلك كله ، بان ما فيه ~~عليه وله ، فكان ذلك لباطله أقطع ، وفي الجواب له أبلغ وأجمع. # والنصارى فهم خصماؤنا في الله ، فلا بد من تبيين ما افتروا فيه على الله ~~، وهم ممن قال الله فيهم : ( @QUR@04 والذين يحاجون في الله ) [الشورى : ~~16]. ومن الذين قال فيهم : ( @QUR@05 *هذان خصمان اختصموا في ربهم ) [الحج ~~: 16]. فهم في ذلك كغيرهم من كفرة الأمم. # فليفهم من قرأ كتابنا هذا ما نصف فيه من قولهم كله فسنصفه ، بما يعلمه ~~علماء كل فرقة منهم إن شاء الله ويعرفه ، وسنستقصي لهم في كله ما استقصوا ~~لأنفسهم من المقال ، ثم نجادلهم فيه على الحق بالتي هي أحسن وأبلغ في ~~الجدال ، وندعوهم إلى سبيل ربنا وربهم بالحكمة والبينة ، ونعظهم إن شاء ~~الله بالمواعظ البليغة الحسنة ، فإن الله سبحانه يقول لرسوله ، صلى الله ~~عليه وعلى آله : ( @QUR@022 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ms12 والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~) (125) [النحل: 125] ، فنستعصم الله في ذلك كله بعصمة الهداة المسترشدين. (1) ### | [مذاهب النصارى المتفق عليها] # وهذا كتاب ما حددت النصارى من قولها ، قد استقصينا فيه جميع أصولها ، ~~فليفهم ذلك إن شاء الله منها ، من أراد فهمه من الأمم عنها. # زعمت النصارى كلها : أن الله سبحانه ثلاثة أشخاص مفترقة ، وأن تلك ~~الأشخاص الثلاثة كلها طبيعة واحدة متفقة ، وقالوا : تلك الثلاثة في درك ~~يقين النفس ، PageV01P403 # أب وابن وروح قدس. # قالوا : فالأب غير مولود ، والابن فابن وولد مولود ، وروح القدس فلا والد ~~ولا مولود، وكل واحد من الثلاثة بما قلنا فموجود. # وقالوا : إن هذه الأشخاص الثلاثة لم تزل جميعا معا ، لم يسبق بعضها في ~~الوجود بعضا ، وإن ما ذكروا (1) من الأب والروح والولد ، لم يزالوا كلهم في ~~اللاهوت وملك واحد ، ليس بين الثلاثة كلها تفاوت في الإلهية ، ولا في قدم ~~ولا قدرة ولا ملك ولا مشية ، وإن الثلاثة كلها واحد في الطبيعة والذات ، ~~(2) وإن هذا الواحد في الطبيعة ثلاثة في الأشخاص المفترقات ، (3) وذلك ~~كالشمس ، فيما يدرك منها بالحس ، التي هي شمس واحدة في كمالها وذاتها ، ~~وثلاثة متغايرة في حالها وصفاتها ، كل واحد منها غير الآخر في شخصه وصفته ، ~~وإن كان هو هو في ذاته وطبيعته. # فمن ذلك زعموا أن الشمس في عينها كالأب ، وضوءها فيها كالابن ، وحرها ~~منها كالروح ، ثم هي بعد وإن كانت لها هذه العدة ، فشمس لا يشك فيها أحد ~~واحدة ، لأن الشمس إن فارقها ضوءها لم تدع شمسا ، وكذلك إن فارقها حرها لم ~~تدع أيضا شمسا ، وإنما تسمى شمسا وتدعا ، إذا كان هذا كله فيها مجتمعا. # وكذلك الانسان فإنه وإن كان في الانسانية واحدا ، فإنا قد نراه وترونه ~~أشياء كثيرة عددا ، منها نفسه وجسده ، وحياته ومنطقه ، فجسده غير نفسانيته ~~، ومنطقه غير حياته ، لأنه ليس يقدر أحد أن يزعم أن الحياة هي المنطق ، ولا ~~أنهما جميعا واحد متفق ، لأن كثيرا من الأحياء لا يتكلم ولا ينطق. ms13 # قالوا : ولسنا نريد بالمنطق القول الذي يسمع سماعا ، ولكنا نريد الفكر ~~الذي جعله الله في الانسان غريزة وطباعا ، فطرة (4) خاصة في الانسان ، لا ~~في غيره من الحيوان ، PageV01P404 # كالحيوان الذي جعل (1) من البهائم وغيرها ، من نوابت الأرض وشجرها ، ولو ~~كانت الحياة هي المنطق ، لكان كل حي من الأشياء ينطق ، فنطق جميع البهائم ، ~~كما ينطق بنو آدم. # قالوا : فلما لم يكن الأمر كذلك ، دل على ما قلنا به من ذلك ، فالأب ~~والابن وروح القدس ، كان دركهم بعقل أو حس ، فقد (2) صاروا في الذات ~~والطبيعة واحدا فردا ، وفي الأقانيم التي هي الأشخاص ثلاثة عددا ، فالطبيعة ~~تجمعهم وتوحدهم ، والأقانيم تفرقهم وتعددهم ، فالأب ليس بالابن والابن فليس ~~بالروح ، وما قلنا به من هذا فبين مشروح ، فهم كلهم بالطبيعة والذات واحد ، ~~وهم في الأقانيم ثلاثة روح وابن وأب والد ، لأن الأب والد غير مولود والابن ~~فمولود غير والد ، والروح فثالث موجود ، لا والد ولا مولود. # قالوا : ثم إن هذه الأقانيم الثلاثة لم تزل جميعا معا ثلاثة عددا ، لم ~~يسبق في الوجود والأزلية والقدم واحد منها واحدا ، أنزل واحد منها وهو ~~الابن إلى الأرض رأفة بالبشر والإنس ، عن (3) غير مفارقة منه للأب ولا لروح ~~القدس ، إلى مريم العذراء ، فاتخذ منها حجابا وسترا ، فتجسد منها بجسد كامل ~~في جميع إنسانيته ، فتبدى به وظهر فيه لأعين الناظرين عند معاينته ، فأكل ~~كما يأكل الإنسان وشرب ، وساح على قدميه ودأب وتعب ، وأسلم نفسه رأفة ورحمة ~~بالبشر للصلب ، ولما صار إليه لكرمه وحلمه من الأذى والنصب. ### | [مذاهب النصارى المختلفة] # ثم اختلفت النصارى (4) بعد في الابن والولد ، وما كان من تجسده بما زعموا ~~من الجسد. PageV01P405 # الأولى : الملكانية ، وهم أقدم فرق النصارى مذهبا ، وقد قالوا بأن الله ~~تعالى ، واحد بالجوهرية ثلاثة بالأقنومية ، وان الاتحاد لعيسى عليه السلام ، ~~ما كان من حيث أنه انسان معين ، بل إنما وقع الاتحاد بالانسان الكلي. # الثانية : اليعقوبية ، وهم القائلون بأن الاتحاد إنما كان من حيث الذات ، ~~حتى قالوا : المسيح جوهر من جوهرين ، وأقنوم من أقنومين ، ناسوتي ولاهوتي ، ~~وأنهما امتزجا ms14 حتى صار منهما شيء ثالث ، كما تمتزج النار بالفحمة ، فيصير ~~منهما شيء ثالث وهو الجمرة. # الثالثة : النسطورية ، وهم القائلون بأن الاتحاد إنما كان من جهة المشيئة ~~، وقال بعضهم معنى الاتحاد هو : # إن الكلمة جعلته هيكلا وادرعته ادراعا ، وكذلك قالوا : المسيح جوهران ~~أقنومان. # الرابعة : هؤلاء الأرمنوسية ، فإنهم زعموا أن عيسى عليه السلام ، كان عبد ~~الله تعالى اصطفاه ، ولكنه اتخذه ابنا له على سبيل التشريف ، هذا ما ذكره ~~الإمام يحيى عليه السلام من بيان فرقهم. # قال : واشتهر على ألسنة المتكلمين أن النصارى يقولون : إن الله واحد ~~بالجوهرية ثلاثة بالأقنومية. فأما وصفهم الله تعالى بالجوهرية ، فالخلاف ~~فيه ليس إلا من جهة اللفظ ، لأنهم متفقون على أن الله ليس بمتحيز ، وأنه ~~تعالى منزه عن المكان والجهة ، ومعنى وصفه بكونه جوهرا عندهم ، أنه قائم ~~بنفسه ليس بمفتقر إلى غيره. # وأما الأقنوم فهو : اسم سرياني. ومعنى الأقنوم عندهم : الشيء المتفرد ~~بالعدد. والأقانيم عندهم ثلاثة : أقنوم الأب ، وهذا ذات الباري تعالى. ~~وأقنوم الابن ، وهو الكلمة. وأقنوم روح القدس ، وهو الحياة. وقد تخبط الناس ~~في معرفة مقاصدهم ، بهذه الأقانيم ، فذهب بعضهم إلى أن هذه الأقانيم ذوات ~~قائمة بأنفسها ، وكل أقنوم منها مستقل بنفسه ، وذهب آخرون منهم إلى أنها ~~أشخاص. وقال قائلون : إنها وجوه وصفات ، إلى غير ذلك من التفرق والخلاف. # قال : وكلامهم في هذه الأقانيم في غاية الخبط والاضطراب ، لا تستقر له ~~قاعدة ، ولا يعقل له حقيقة. # قال : واعلم : أن الأشبه عند التحقيق أن مراد النصارى من هذه الأقانيم ~~التي زعموها هو هذه المعاني التي يثبتها هؤلاء الأشعرية ، وبيانه أن ~~النصارى يعتبرون في تقرير مذهبهم وقولهم ، بهذه الأقانيم شرائط ثلاث : # الأولى : وحدة الذات ، فإن عندهم أن الله تعالى ، واحد بالجوهرية. # الثانية : أن الصحيح من مذهبهم أن هذه الأقانيم عندهم ذوات مستقلة ~~بأنفسها ، ليست من قبل الأحوال والصفات ، بل ذوات على حيالها منفردة. # الثالثة : أن هذه الأقانيم متعددة في أنفسها ، وأعدادها ثلاثة كما سبق ، ~~وهذه الشرائط الثلاث لا توجد PageV01P406 # فقالت فيه الروم ، وهو قولها المعلوم : إن الأقنوم (1) الإلهي الذي ms15 لم ~~يزل موجودا ، ومن قبل الدهور من الأب مولودا ، أنزل إلى مريم العذراء فأخذ ~~منها طبيعة بغير أقنوم فكان لطبيعتها أقنوما ، فعمل (2) بطبيعتها التي أخذ ~~منها كل ما كان لها في طبيعتها معلوما ، فنام كما كانت تنام نومها ، وإن لم ~~يكن أقنومه أقنومها ، وفعل من أفعال طباعها فعلها ، وإن لم يكن أصله في ~~الناسوت أصلها. قالوا : فعمل بطبيعتها فكان المسيح إنسانا تاما بطبيعتين ، ~~وإن كان أقنوما واحدا لا اثنين ، والمسيح فهو ابن الله الأزلي المولود ، ~~وعمل الطبيعتين جميعا فهو فيه موجود. قالوا : فإذا سر أو بكى ، أو ضحك أو ~~اشتكى ، وكلهم يقر ولا يشك ، أن قد كان يبكي ويضحك فكل ما # قال : وقد فسر بعض النقلة من أهل المقالات كلام النصارى وقولهم بالأب ، ~~والابن ، وروح القدس ، بما تقوله الفلاسفة من أنه تعالى عقل وعاقل ومعقول ، ~~فهو من حيث أنه عقل لذاته أقنوم الأب ، ومن حيث أنه عاقل لذاته أقنوم الابن ~~، ومن حيث أنه معقول لذاته أقنوم روح القدس. # قال : واتفقت آراء الفرق النصرانية على القول بالاتحاد ، ثم اختلفوا في ~~كيفيته ، فقال بعضهم : إن الاتحاد كان بامتزاج الذاتين. # وقال بعضهم : الاتحاد بالحلول. # وزعم بعضهم : أن الاتحاد كان بالانسان الكلي. # وبعضهم قال : الاتحاد بالانسان الجزئي ، إلى غير ذلك من التفرق والنزاع ، ~~تعالى الله عن سخيف نحو هذه المقالات ، التي أذعنت لها السماء بالانفطار ، ~~والأرض بالتشقق ، والجبال بالانحدار ( أن دعوا للرحمن ولدا ، وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا ، إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ). PageV01P407 # كان من ذلك كله وما (1) أشبهه مما في طبائع (2) الإنس فمن عمل الطبيعة ~~الانسانية ، وما كان من إحيائه الموتى وإبرائه للكمه والبرص ومثله فمن عمل ~~الطبيعة الإلهية. # وقالت اليعقوبية (3): إن الابن الذي لم يزل ، زال من السماء إلى الأرض ونزل ، # التأسيس وأبرز الشخصيات : # زكريا عليه السلام : كان واحدا من أنبياء بني إسرائيل ، كرس نفسه لخدمة ~~الهيكل المقدس في فلسطين ، وقد اختير ليكون كافلا لمريم ، وقد وهبه الله ~~تعال على الكبر يحيى عليه السلام . # يحيى (يوحنا): ms16 واحد من أنبياء بني إسرائيل ، كان يقوم بتعميد الناس في ~~نهر الأردن ليطهرهم من الخطايا والذنوب ، وقد قام هو نفسه بتعميد عيسى ~~عليه السلام ، مات مقتولا بأمر من ملك اليهود بفلسطين (هيردوس) بسبب معارضته ~~إياه في زواجه من ابنة أخيه. # مريم ابنة عمران : عمران هو أحد عظماء بني إسرائيل ، وقد كانت زوجته ~~عاقرا فرزقها الله بمريم ، فنذرتها لخدمة الهيكل والعبادة فيه ، أما مريم ~~فقد كانت صالحة وطاهرة ، وقد اصطفاها الله على نساء العالمين. # عيسى عليه السلام : ولد في بيت لحم من أمه مريم ، من غير أب ، إذ نفخ الله ~~فيها من روحه فكان ميلاده حدثا عجيبا على هذا النحو ، ليلقي بذلك درسا على ~~بني إسرائيل الذين غرقوا في الماديات وفي ربط الأسباب بالمسببات ، بعث عيسى ~~عليه السلام نبيا إلى بني إسرائيل مؤيدا من الله بعدد من المعجزات الدالة ~~على نبوته ، فمن ذلك. # أنه كان يخلق لهم من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله. # وكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. # وكان يحيى الموتى بإذن الله. # وكان يخبر الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم بإذن الله. # وقد أيده الله بمائدة من السماء أنزلها عليهم لتكون عيدا لأولهم وآخرهم. # غضب اليهود عليه فأغروا به الحاكم الروماني الذي تجاهلهم أولا ، ثم كذبوا ~~وتقولوا مما جعله يصدر PageV01P408 # ألقى الله شبه عيسى وصورته على رجل من أصحابه يقال : إنه (يهوذا ~~الإسخريوطي) فنفذ الحكم فيه ، أما عيسى فقد توفاه الله بعد ذلك ورفعه إليه. # الحواريون الاثنا عشر كما هم مذكورون في إنجيل متى : |1 سمعان المعروف باسم بطرس|| |2 اندرواس أخو سمعان. |8 متى العشار. | |3 يعقوب بن زبدى. || |4 يوحنا أخو يعقوب. |10 لباوس الملقب تداوس. | ||| |6 برنو لماوس. |12 يهوذا الإسخريوطي. | # وهناك الرسل السبعون الذين يقال بأن المسيح قد اختارهم فأرسلهم ليعلموا ~~المسيحية. # وهناك المائة والعشرون الذين يقال بأن بطرس قد خطب فيهم فامتلئوا بالروح ~~بعده وراحوا يدعون للنصرانية ، وعن طريق هؤلاء اختير بالقرعة بدل ليهوذا ~~فوقعت القرعة على متياس الذي ms17 أكمل الاثنى عشر. # بولس (شاول): لقد كان لهذا اليهودي الخبيث ، الذي دخل النصرانية دور ~~كبير في تحطيم الاتجاهات الصحيحة للمسيحية بإدخاله فكرة التثليث والقول ~~بألوهية المسيح ، وأنه قام من الأموات ، وصعد ليجلس عن يمين أبيه ، كما ~~ابتكر خرافة العشاء الرباني وغفران الذنوب مستمدا ذلك من الفلسفات ~~الإغريقية والوثنية ، ونادى بألوهية الروح القدس ، ودعا إلى عدم ضرورة ~~الختان ، واخترع قصة الفداء ، وهو الذي نقل المسيحية من كونها دينا خاصا ~~ببني إسرائيل إلى جعلها دينا عالميا ، لقد كتب أربعة عشر سفرا تعليميا من ~~أصل إحدى وعشرين رسالة تشكل مجموع الرسائل التي تعد مصدرا تشريعيا في ~~النصرانية. # الأفكار والمعتقدات : # أولا : كتبها وأناجيلها : # التوراة : وهو العهد القديم الذي يعد أصلا للديانة النصرانية. # العهد الجديد : أي الإنجيل ، والأناجيل المعتبرة التي اعترفت بها الكنائس ~~في القرن الثالث الميلادي أربعة هي : # إنجيل متى : وهو أحد التلاميذ الاثنى عشر ، دون الإنجيل باللغة العبرية ~~أو بالسريانية ، وأقدم نسخة عثر عليها كانت باللغة اليونانية ، كما أن هناك ~~خلافا حول من دون الإنجيل ومن ترجمه. # إنجيل مرقص : كاتبه يوحنا الذي اختير من السبعين ، وقد كان رجلا نشيطا في ~~نشر النصرانية في PageV01P409 # إنجيل لوقا : طبيب أو مصور من أصل يهودي ، كان مرافقا لبولس في حله ~~وترحاله ، وهو ليس من تلاميذ المسيح. # إنجيل يوحنا : وهو حواري ابن صياد ، كان المسيح يحبه ، بعضهم يقول بأنه ~~شخصية مجهولة ، انفرد بالقول بالتثليث وبألوهية المسيح في ذلك الوقت المبكر ~~من تاريخ النصرانية. # يلاحظ على الأناجيل الأربعة أنها ليست من إملاء السيد المسيح عليه السلام ~~مباشرة ، وأن كاتبيها ليسوا على مستوى من الأهلية ليكونوا علماء دين ، كما ~~أن أصولها ضائعة ولا تحمل أقل ما توجبه شروط الرواية التي يستلزمها كتاب ~~سماوي ديني. # أما الرسائل : فهي الأسفار التعليمية التي توضح النصرانية المعاصرة أكثر ~~من الأناجيل ، وقد دونها رجال مشهورون ، وهي تعنى بتفسير مظاهر السلوك ~~وأنواع الطقوس في الحياة النصرانية. # إنجيل برنابا : يعرف بابن الواعظ وهو لاوي قبرصي ، طاهر نقي ، وهو خال ~~مرقص ، وأول نسخة اكتشفت منه كانت في مكتبة ms18 سكتس الخامس بروما ، لكنه يختلف ~~عن الأناجيل الأربعة بما يلي : # الذبيح من أبناء إبراهيم إنما هو إسماعيل لا إسحاق. # يبشر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # لا يقول بصلب المسيح بل يؤكد بأن الله قد ألقى الشبه على يهوذا ~~الإسخريوطي. # يحث على الختان. # يعتبر عيسى نبيا لا أكثر. ولهذا فالمسيحيون لا يعترفون بهذا الإنجيل. # هذا وقد تم نقل هذا الإنجيل إلى العربية وطبع بها. # ثانيا : المجامع النصرانية : # هي مجالس شورية تعقد بين الحين والحين لسن القرارات وإصدار الفتاوى ، فهي ~~هيئة تشريعية تحل وتحرم ، ومن أهم هذه المجامع : # مجمع نيقية 325 م : قالوا فيه بأن المسيح إله فقط. # مجمع القسطنطينية الأول 381 م : قرروا فى بأن الروح القدس إله. # مجمع أفسس الأول 431 م : قالوا فيه بأن للمسيح طبيعتين لاهوتية وناسوتية. # مجمع خلقيدونية 451 م : قالوا فيه بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين. # مجمع رومه 1869 م : قرروا فيه بأن البابا معصوم. # تتابعت المجامع ، وما تزال إلى يومنا هذا ، ومن أواخرها مجمع روما 1869 م ~~والمجمع الإقليمي في PageV01P410 # ثالثا : الفرق النصرانية : # الموحدون وهم : # أتباع آريوس الذي كان يقول بأن الأب وحده هو الله ، والابن مخلوق له. # بولس الشمشاطي وأصحابه في أنطاكية : يقولون بأن عيسى عبد الله ورسوله وهو ~~واحد من أنبياء الله عليهم السلام . # النسطوريون : وهم أصحاب نسطور بطريرك الإسكندرية سنة 431 م ، والذي قال ~~بأن مريم لم تلد إلا الإنسان ، فهي بذلك أم لإنسان وليست أما لإله ، ومذهب ~~النساطرة وضع الأساس للقول بطبيعتين في المسيح. # مذهب الكنائس الشرقية : «الأرثوذكس» وهو رد فعل لعقيدة نسطور ، إذ أعلنوا ~~في مجمع عقد بمدينة أفسس بالأناضول سنة 431 م ووافقوا فيه على عقيدة البابا ~~كيرلس بطرس الإسكندرية ، والتي تقضي بأن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة. # مذهب الكاثوليك : وهو مذهب الطبيعتين والمشيئتين متأثر بمذهب النساطرة ، ~~وقد اعتنقت روما هذا المذهب واتخذت به قرارا في مجمع خلقيدونية سنة 451 م. # مذهب اليعاقبة : يقولون بأن للمسيح طبيعة واحدة وهي التقاء اللاهوت ~~بالناسوت. # مذهب الموارنة : وهو مذهب منسوب لرجل ms19 اسمه يوحنا مارون ، الذي دعا سنة ~~667 م إلى أن للمسيح طبيعتين ، ولكن له مشيئة واحدة وذلك لالتقاء الطبيعتين ~~في أقنوم واحد. # مذهب البروتستانت : وتسمى كنيستهم «الإنجيلية» إذ إنهم يتبعون الإنجيل ~~دون غيره ، وفهمه لديهم ليس مقصورا على رجال الكنيسة ، إنها تمثل ثورة في ~~الفكر النصراني ، بدأها آريوس في القديم مرورا بنسطور وانتهاء بالكثيرين ~~الذين من أبرزهم لوثر كنج (1482 1529 م) وهم يستنكرون حق الغفران ~~والاستحالة ومنع الصلاة للموتى وقصر سلطان الكنيسة في الوعظ والارشاد ، ~~ومنع استعمال لغة غير مفهومة في الصلاة. # بعد انعقاد المجمع الثامن 879 م انقسمت الكنائس إلى قسمين رئيسين : # الكنيسة الغربية اللاتينية البطرسية ورئيسها البابا بروما. # الكنيسة الشرقية اليونانية الأرثوذكسية ورئيسها بطريرك القسطنطينية. # وسبب الانقسام هو السؤال التالي : # «هل الروح القدس منبثق عن الأب؟ وهو رأي الكنيسة الشرقية». # «أم أن الروح القدس منبثق عن الأب والابن معا؟ وهو رأي الكنيسة الغربية». PageV01P411 # رابعا : في المعتقدات : # الألوهية والتثليث : يعتقدون بوجود إله خالق عظيم ، لأنهم كتابيون أصلا ~~لكنهم يشركون معه الابن (عيسى)، والروح القدس (جبريل)، وبين الكنائس ~~تفاوت عجيب في تقرير هذه المفاهيم وربط بعضها مع بعض ، مما يسمونه الأقانيم ~~الثلاثة ويفسرونه بأنه وحدانية في تثليث وتثليث في وحدانية. # الدينونة : يعتقدون بأن الحساب في الآخرة سيكون موكولا لعيسى ابن مريم ، ~~لأن فيه شيئا من جنس البشر مما يعينه على محاسبة الناس على أعمالهم. # الصلب : المسيح في نظرهم مات مصلوبا فداء عن الخليقة ، ذلك أن الله لشدة ~~حبه للبشر من ناحية ولعدالته من ناحية أخرى ، فقد أرسل وحيده ليخلص العالم ~~من خطيئة آدم حينما أكل من الشجرة المحرمة ، وأن عيسى قد صلب عن رضى تام ~~فتغلب بذلك على الخطيئة ، وأنه دفن بعد صلبه ، وأنه قام بعد ثلاثة أيام ~~متغلبا على الموت ثم ارتفع إلى السماء. # تقديس الصليب : يعتبر الصليب شعارا لهم ، وهو موضع تقديس الأكثرين ، ~~وحمله علامة على أنهم من أتباع المسيح. # الصوم : هو الامتناع عن الطعام الدسم وما فيه شيء من الحيوان أو مشتقاته ~~، مقتصرين على أكل البقول ms20 ، وتختلف مدته وكيفيته من فرقة إلى أخرى. # الصلاة : ليس لها عدد معلوم مع التركيز على صلاتي الصباح والمساء ، وهي ~~عبارة عن أدعية وتسابيح وإنشاد ، كما أن الانتظام في الصوم والصلاة إنما هو ~~تصرف اختياري لا إجباري. # التعميد : وهو يعني الارتماس في الماء أو الرش به باسم الأب والابن ~~والروح القدس ، تعبيرا عن تطهير النفس من الخطايا والذنوب. # الاعتراف : وهو الإفضاء إلى رجل الدين بكل ما يقترفه المرء من آثام وذنوب ~~، وهذا الاعتراف يسقط عن الانسان العقوبة بل يطهره من الذنب ، إذ يدعون بأن ~~رجل الدين هذا هو الذي يقوم بطلب الغفران له من الله. # العشاء الرباني : يزعمون بأن المسيح قد جمع الحواريين في الليلة التي ~~سبقت صلبه ، وأنه قد وزع عليهم حمرا وخبزا كسره بينهم ليلتهموه ، إذ إن ~~الخمر يشير إلى دمه ، والخبز يشير إلى جسده. # الاستحالة : من أكل الخبز وشرب الخمر من الكنيسة في يوم الفصح ، فإن ذلك ~~يستحيل فيه وكأنه قد أدخل في جوفه لحم المسيح ودمه ، وأنه قد امتزج في ~~تعاليمه بذلك. # يحلون أكل لحم الخنزير مع أنه محرم في التوراة ، ويحرمون الختان مع وجوده ~~في شريعتهم أصلا ، وأباحوا كذلك الربا وشرب الخمرة ، لقد قصروا التحريم في ~~الزنى وأكل المخنوق وأكل الدم وأكل ما ذبح للأوثان. # الأصل في ديانتهم الرهبانية ، وهو العزوف عن الزواج ، لكنهم قصروه على ~~رجال الدين ، وسمح PageV01P412 # الطلاق : لا يجوز للرجل أن يطلق زوجته إلا في حالة الزنى ، وهنا لا يجوز ~~للزوجين الزواج بعده مرة أخرى ، أما الفراق الناشئ عن الموت فإنه يجيز للحي ~~منهما أن يتزوج مرة أخرى ، كما يجوز التفريق إذا كان أحد الزوجين غير ~~نصراني. # التكاثر والنسل : يحثون جماعتهم من النصارى على التكاثر ، ويصبح ذلك أكثر ~~وجوبا في المناطق التي لا يكونون فيها أكثرية. # النواحي الروحية : لقد جاءت النصرانية في الأصل لتربية الوجدان ، وتنمية ~~النواحي العاطفية ، داعية إلى الزهد وعدم محاولة الثأر ، مستنكرة انخراط ~~اليهود في المادية المغرقة ، يقول إنجيلهم (من ضربك على خدك الأيمن فاعرض ~~له الآخر ، ومن أخذ رداءك ms21 فلا تمنعه ثوبك) لوقا 6 / 28 لكن تاريخهم ملئ ~~بالقتل وسفك الدماء. # صكوك الغفران : وهو صك يغفر لمشتريه جميع ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر ، ~~وهو يباع كأسهم الشركات ، وقد يمنح الشخص بناء على هذا الصك أمتارا في ~~الجنة على حسب مقدار المبلغ الذي يقدمه للكنيسة. # الهرطقة ومحاربتها : لقد حاربت الكنيسة العلوم والاكتشافات ، والمحاولات ~~الجديدة لفهم الكتاب المقدس ، وصوبت سهامها إلى كل نقد ، ورمت ذلك كله ~~بالهرطقة ، ومحاربة هذه الاتجاهات بمنتهى العنف والقسوة. # الجذور الفكرية والعقائدية : # أساسها كتاب التوراة الذي يسمونه العهد القديم ، فقد انعكست الروح ~~والتعاليم اليهودية من خلاله ، ذلك أن النصرانية قد جاءت مكملة لليهودية ، ~~وهي خاصة بخراف بني إسرائيل الضالة ، كما تذكر أناجيلهم. # لقد أدخل أمنيوس المتوفى سنة 242 م أفكارا وثنية إلى النصرانية ، بعد أن ~~اعتنق المسيحية وارتد عنها إلى الوثنية الرومانية. # عند ما دخل الرومان في الديانة النصرانية نقلوا معهم إليها أبحاثهم ~~الفلسفية وثقافتهم الوثنية ، ومزجوها بالمسيحية التي صارت خليطا من كل ذلك. # لقد كانت فكرة التثليث التي أقرها مجمع نيقية 325 م انعكاسا للأفلوطنية ~~الحديثة ، التي جلبت معظم أفكارها من الفلسفة الشرقية ، لقد كان لأفلوطين ~~المتوفى سنة 270 م أثر بارز على معتقداتها ، فأفلوطين هذا تتلمذ في ~~الاسكندرية ، ثم رحل إلى فارس والهند ، وعاد بعدها وفي جعبته مزيج من ألوان ~~الثقافات ، فمن ذلك قوله : بأن العالم في تدبيره وتحركه يخضع لثلاثة أمور : # المنشئ الأزلي الأول. PageV01P413 # رأفة منه ورحمة بالانسان ، وتعطفا منه على البشر بالاحسان ، فأخذ من مريم ~~العذراء جسدا ، فتجسد به فصارا جميعا واحدا ، وقالوا : ألا ترون الانسان من ~~روح وجسد ، ثم هو يدعا إنسانا باسم واحد ، فترونهما وإن سميا بالإنسان ، ~~فليس يقال لهما : إنهما في الانسانية اثنان ، ولكن يقال : إنه إنسان واحد ، ~~وهو كما تعلمون روح وجسد. قالوا # العقل المنبثق عنه. # الروح التي هي مصدر تتشعب منه الأرواح جميعا. # وهو يضع بذلك أساسا للتثليث ، إذ إن المنشئ هو الله ، والعقل هو الابن ، ~~والروح هو الروح القدس. # تأثرت النصرانية بديانة متراس التي كانت موجودة ms22 في بلاد فارس قبل الميلاد ~~بحوالي ستة قرون ، والتي تتضمن تعاليمها قصة مثيلة لقصة العشاء الرباني. # الهندوسية فيها تثليث وأقانيم وصلب للتكفير عن الخطيئة ، وزهد ورهبنة ~~وتخلص من المال للدخول في ملكوت السموات ، والإله لديهم له ثلاثة أسماء فهو ~~(فشنو) أي الحافظ. وسيفا (المهلك). وبراهما (الموجد). وكل ذلك انتقل إلى ~~النصرانية بعد تحريفها. # البوذية التي سبقت النصرانية بخمسة قرون انتقلت بعض معتقداتها وأفكارها ~~إلى المسيحية ، وإن علم مقارنة الأديان يكشف تطابقا عجيبا بين شخصية بوذا ~~وبين شخصية المسيح عليه السلام (انظر محمد أبو زهرة : محاضرات في ~~النصرانية). # عقيدة البابليين القديمة خالطت النصرانية ، إذ أن هناك محاكمة لبعل إله ~~الشمس ، تماثل وتطابق محاكمة المسيح عليه السلام . # نستطيع أن نقول بأن النصرانية قد أخذت من معظم الديانات والمعتقدات التي ~~كانت موجودة قبلها ، مما أفقدها شكلها وجوهرها الأساسي الذي جاء به عيسى ~~عليه السلام من لدن رب العالمين. # الانتشار ومواقع النفوذ : # تنتشر النصرانية اليوم في معظم بقاع العالم ، وقد أعانها على ذلك ~~الاستعمار والتنصير ، الذي تدعمه مؤسسات ضخمة عالمية ذات إمكانات هائلة. # لقد انتشرت الكاثولوكية بشكل كبير في إيطاليا وبلجيكا وفرنسا وأسبانيا ~~والبرتغال. # أما الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية فمعظم انتشارها في روسيا والبلقان ~~واليونان ، ومقرها الأصلي في القسطنطينية ، ويتبعها عدد من الكنائس الشرقية ~~المستقلة. # أما الكنيسة البروتستانتية فمركز انتشارها ألمانيا وانجلترا والدانمرك ~~وهولندا وسويسرا والنرويج وأمريكا الشمالية. الموسوعة الميسرة / 499. PageV01P414 # وكذلك المسيح الذي هو اجتماع اللاهوت والناسوت (1) يسمى مسيحا ، وهو ابن ~~الله الذي لم يزل أفما ترون هذا قولا فيما ذكرنا وقسنا بينا صحيحا. # وقالت النسطورية : إن الابن الذي لم يزل بمحبته نزل رأفة وكرما ، فتجسد ~~من مريم عند نزوله جسدا كاملا تاما ، بطبيعة وقنومية ، (2) من إنسانية ~~وآدمية ، فكان المسيح طبيعتين وقنومين ، بعد تجسده بالجسد تآمين. وقالوا : ~~فنحن إذا رأيناه يأكل ويشرب ، ويجيء في الأرض ويذهب ، وينصب ويشتكي ، ويضحك ~~ويبكي ، جعلنا ذلك كله ، وما رأينا منه ومثله ، من الناسوت وإذا (3) نحن ~~رأيناه يحيي الموتى ، ويبرئ المرضى ، ويمشي على الماء ، جعلنا ذلك للاهوت. ### | [المذهب الجامع للنصارى] ms23 # وقالت فرق النصارى كلها مع اختلافها ، وافتراق قولها في أوصافها ، (4) إن ~~سبب نزول الابن الإلهي الذي نزل من السماء ، رحمة للبشر ومحافظة على الرسل ~~والأنبياء ، قالوا من أجل خطيئة آدم فإنه لما أن (5) أخطأ ، وأكل من الشجرة ~~التي نهاه الله عنها فعصى ، تبرأ الله تبارك وتعالى منه ، وأسلمه إلى ~~الشيطان باتباعه له. قالوا فكان في حيز الشيطان ودار ملكه ، وكذلك زعموا ~~كان معه فيها جميع ولده ، يحكم فيهم الشيطان بما أحب من حكمه ، قالوا وكان ~~فيما ملك الشيطان من آدم ونسله ، أنفس كثيرة من أنبياء الله ورسله ، فمن ~~تلك الأنفس نفس نوح ونفس إبراهيم ، وغيرهما من أنفس الرسل والنبيين ، قالوا ~~فتلطف الابن واحتال لاستخراج تلك الأنفس من يد الشيطان ، فلبس لذلك ومن ~~أجله جسدا آدميا ، ليكون بما لبس منه عن الشيطان خفيا ، فتنكر PageV01P415 # الابن بذلك له ، لكي لا يحترس الشيطان منه ، فلا ينفذ فيه مكره. # قالوا : فلما غلبت (1) على الناس الخطية ، وحلت بها (2) فيهم البلية ، ~~واستبان لآدم زعموا ما فعل الشيطان به ، وما كان من غروره إياه وخديعته له ~~، خدع عند تلك (3) الابن الشيطان بمكره ، فبلغ فيه ما أراد من أمره ، ~~فاستخرج آدم وجميع ولده ، من سلطان الشيطان ويده. قالوا وذلك كله فإنما كان ~~الابن يبذل نفسه للصلب ، ولما لقي من الأذى قبله والنصب ، إحسانا من الابن ~~(4) إلينا وكرما ، ورأفة من الابن بنا ورحما (5). # قالوا : فاشترى الابن البشر من أبيه ، بما وصل (6) من الأذى والصلب إليه ~~، وذلك زعموا أن أباه لم يكن في حكمه وعدله ، أن يظلم الشيطان ما جعل له من ~~آدم وولده ، إن صاروا إلى طاعة الشيطان وأمره ، لأنه قال للشيطان فيما ~~يزعمون من المقال : كل من اتبعك فهو لك. # قالوا : فلذلك اشترانا الابن من أبيه بالعدل ، وغلب الشيطان على ما كان ~~في يده منا بالمكر. فلما استخرج آدم ونفوس الرسل والأنبياء ، صعد بعد فراغه ~~من معاملة الشيطان إلى السماء ، بعد أربعين (7) يوما مرت به ، بعد الذي كان ~~من صلبه. قالوا : فجلس عن يمين أبيه تاما بكليته وجسده ms24 وجميع ما فيه من ~~اللاهوت والناسوت ، وكل ما كان فيهما ولهما من النعوت. # قالوا : وسينزل أيضا مرة أخرى ، فيدين الأحياء والأموات عند فناء الدنيا. ~~قالوا : ولذلك آمنا بالأب والابن وروح القدس. قالوا : والأب فهو الذي خلق ~~الأشياء بابنه ، PageV01P416 # وحفظها بروح قدسه. # فهذا فليعلمه من أراد علمه جماع قول النصارى وما لبسوا من اللبس ، في ~~الأب والابن وروح القدس ، وفي (1) الأقانيم والطبيعة ، وما لهم في ذلك من ~~المقالة البديعة ، التي لم يقل بها قبلهم قائل ، ولم يتنازع (2) فيها مجيب ~~ولا سائل ، وقولهم إن الثلاثة في موضع يوحدون ، وفي موضع بعد التوحيد ~~يثلثون ، وفي سبب نزول الابن زعموا من أجل (3) خطيئة آدم ، وما قالوا به في ~~ذلك من خلاف جميع الأمم ، فلم نترك لهم بعد هذا من قول ، يجهله منهم (4) ~~إلا كل جهول. ### | [نقض مذاهب النصارى] # ونحن إن شاء الله مبتدئون فرادون ، لباب فباب بما يقولون ويحددون ، ~~فليفهم ذلك من يريد مجادلتهم من أهل التوحيد والدعوة ، فإنا مقدمون إن شاء ~~الله من ذلك باب الأبوة والبنوة. # فقائلون لهم ، جميعا جوابهم (5): أخبرونا عن هذه الأسماء التي سميتم؟ ~~وادعيتم من خرافات القول فيها ما ادعيتم؟! من أب زعمتم وابن روح قدس ، لم ~~يدل على شيء منه قياس ولا حاسة من الحواس الخمس ، ما هذه الأسماء أسماء ~~طبيعية ذاتية جوهرية؟! أم هي أسماء شخصية قنومية (6)؟! أم تقولون هي أسماء ~~حادثة عرضية؟! فإنكم إن كنتم إنما (7) سميتم الأب عندكم أبا ، لأنه ولد ~~بزعمكم ولدا وابنا ، فليس هذه الأسماء طبيعية PageV01P417 # ذاتية ، ولا أسماء أيضا قنومية (1) شخصية ، ولكنها حادثة عرضية ، عرضت ~~(2) عند حدوث أولاد ، بين الوالدين والأولاد ، ولسن (3) بأسماء طبيعية ولا ~~أقنوم ، لا في الروم ولا في غير الروم. # والطبيعية فإنما تسمى بذاتها وطباعها ، (4) وبما يكمل ذلك كله لها من ~~اجتماعها ، لأنا بالأسماء المعلقة بالعلة المشتقة من الأفعال المعتملة أعرف ~~، (5) لأن اسم الطبيعة غير اسم الأقنوم ، واسم القنوم (6) غير اسم الفعل ~~المعلوم ، واسم الطبيعة ثابت ، لا اختلاف فيه ولا تفاوت ، إنما هو اسم لها ~~محدود موقف ، (7) لا ينصرف ms25 فيها ولا يختلف ، فيدل على قنوم ، (8) ولا فعل ~~مفعول ، ولكنه اسم الشيء نفسه ، يدل عليه لا على جنسه ، كالأرض والسماء ، ~~والنار والماء ، وأشباه ذلك من الأسماء ، التي تدل (9) على أعيان الأشياء ، ~~فهذه هي أسماء (10) الذات والطبائع ، لا أسماء الأقانيم والصنائع. # فأما أسماء القنومية ، التي ليست بطبيعية ولا عرضية ، فمثل إبراهيم وموسى ~~، وداود وعيسى ، وليس في الأسماء الطبيعية ، ولا في الأسماء الشخصية ~~القنومية ، أبوة ولا بنوة ، ولا فعال (11) ولا قوة ، إنما هي أسماء تدل على ~~الأعيان ، كالانسانية التي تدل على الانسان. # وفيما بينا والحمد لله من تحديدنا الذي حددنا في الأسماء ، حجة لا يدفعها في PageV01P418 # التسمية عندهم إلا من كان من أهل الجهل والعمى ، لأن الأسماء عندهم ~~للأشياء ثلاثة أسماء: # اسم جوهر كالأرض والسماء. # واسم قنوم ، كفلان المعلوم. # واسم ثالث من عرض وحدث ، يسمى به كل عارض (1) محدث. # وزعمت الفرق الثلاث من النصارى فنعوذ بالله من الجهل بالله (2) أنها تجد ~~فيما في أيديها من كتب الأنبياء أن المسيح بن مريم هو الله ، وأنه هو ابن ~~(3) الله ، فجعلوا في قولهم هذا الابن أباه ، ثم رجعوا فجعلوا الأب هو إياه ~~، (4) غفلة وسهوا واختلافا ، وعماية وتخرصا واعتسافا ، تصديقا لقول الله ~~فيهم وفي أمثالهم ، ومن كان يقول من أهل الجهالة بمقالتهم ، ( @QUR@04 إنكم ~~لفي قول مختلف (8) @QUR@04 يؤفك عنه من أفك (9) @QUR@02 قتل الخراصون (10) ~~@QUR@05 الذين هم في غمرة ساهون ) (11) [الذاريات : 8 11]. # وإنما أخذت النصارى وقبلت ، هذه الكتب فيما زعمت وقالت ، عند ما صلب ~~عندهم المسيح صلى الله عليه من اليهود ، وليس أحد من خاصتهم ولا عامتهم عند ~~النصارى بعدل ولا محمود ، ولا تقبل شهادته على يهودي مثله ، فكيف تقبل ~~شهادتهم على الله تعالى وعلى رسله. # مع أن لما قالت النصارى من ذلك كله مخارج عندنا في التأويل صحيحة ، لا ~~يعمى عنها ولا عما بين الله منها إلا من لم يقبل فيها من الله بيانا ولا ~~نصيحة ، ولكن النصارى تأولت تلك الكتب بآرائها ، (5) وعلى قدر موافقة ~~أهوائها ، فضلت في ذلك وما تأولت منه بعمى التأويل ، وأضلت من اتبعها عليه ms26 ~~عن سواء السبيل. PageV01P419 # فيقال إن شاء الله لهم فيما تأولوه من ذلك وادعوا ، وافتروا في ذلك على ~~كتب الأنبياء وابتدعوا ، مما لم يسبقهم إليه أحد ، ولم يقل به قبلهم مفتر ~~ولا ملحد : إنا لم ندرك نحن ولا أنتم الأنبياء ولا المسيح بن مريم ، ~~صلى الله عليه وسلم ، ولم ندرك نحن ولا أنتم أحدا من حواريه ، فنسأل من أدركنا ~~منهم عما اختلفنا نحن وانتم فيه ، فتكتفوا (1) بمن أدركتم من الأنبياء ~~عليهم السلام في التأويل ، ونجتمع نحن وأنتم على الحق فيما اختلفنا فيه من ~~الأقاويل. ### | [قواعد للحوار] # ولا بد لنا ولكم من الانصاف ، فيما وقع بيننا وبينكم من الاختلاف ، فإن ~~نحن تناصفنا ائتلفنا ، وإن فارقنا التناصف اختلفنا ، ثم لم نعد أبدا ~~للائتلاف ، (2) إلا بعودة منا إلى الانصاف. والتناصف هو الحكم العدل بعد ~~الله بين المختلفين ، والشفاء الشافي الذي لا شفاء أبدا في غيره للمتناصفين ~~، فأنصفوا الحق من أنفسكم ، تخرجوا بإذن الله بإنصافكم من لبسكم ، وارفضوا ~~للحق أهواءكم ، تسعدوا في دينكم ودنياكم ، وأقيموا ما أنزل إليكم (3) من ~~التوراة والإنجيل ، واتركوا الافتراء على الله فيها (4) بعمى التأويل ، ~~تهتدوا إن شاء الله لقصد سبلكم ، وتأكلوا كما قال الله من فوقكم ومن تحت ~~أرجلكم ، وافهموا قول العزيز الوهاب ، فيكم وفي غيركم من أهل الكتاب : ( ~~@QUR@024 ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) (66) ~~[المائدة : 66] ، فكفى بهذا بيانا من الله في أهل الكتاب لقوم يعقلون. PageV01P420 # وليعلم من فهم منهم ، أو من غيرهم ، أن (1) فيما ذكر الله لهم من المأكل ~~ومثله ، آية عجيبة ظاهرة لمن يفهمها بعقله ، تدل على أنه لم ينزلها إلا ~~علام الغيوب ، الذي لا يخفى عليه شيء من سرائر القلوب ، لا سيما في النصارى ~~(2) من أهل الكتاب ، وما هم عليه من الحرص والكد والاكتساب ، فإنا لم نر ~~أمة من أهل الكتاب أرغب في المأكل والمشرب ، واكتناز الفضة والذهب ، منهم ~~خاصة دون غيرهم ، معلوم ذلك من غنيهم وفقيرهم ، ولذلك ما يقول ms27 الله سبحانه ~~فيهم ، وفي بيان ما قلنا به من ذلك عليهم : ( @QUR@025 إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) (34) [التوبة ~~: 34]. فرهبانهم إلا القليل وشمامستهم ، (3) تعولهم أبدا أقوياؤهم وضعفتهم. ~~وليس من الرهبان ولا الشمامسة من تكلف في مطعمه ولا مشربه ولا كسوته ولا ~~مصلحته كلفة ، ومن كفاهم ذلك من عوامهم وضعفتهم فقد يرى ذلك قربة له عند من ~~يعبدون وزلفة. # فأول ما يقال إن شاء الله لمن أراد الانصاف لنفسه منهم ، وعند من تجري ~~المجادلة فيما ادعوا من الكتب بين أحد من أهل التوحيد وبينهم (4)، يا ~~هؤلاء : أنصفونا فيما ادعيتم من شهادات الكتب من أنفسكم ، فلا تدعوا فيها ~~ولا تأولوا فيها تأويلا ملتبسا يزيدكم لبسا على لبسكم ، فإن شئتم تأولتم ~~الكتب وتأولنا ، على ما قد قلتم وقلنا ، ولنا من التأويل. مثل مالكم ، ~~وقولنا فيه يخالف أقوالكم. فإن كان ذلك أحب إليكم ، فافهموا فيه ما يدخل ~~عليكم ، فلسنا ندخل عليكم فيه ، إلا ما نجمع نحن وأنتم عليه. # أجمعنا نحن وأنتم جميعا كلنا ، قولكم مما قلنا به من ذلك قولنا ، على أن ~~أصدق الشهادات كلها وأعدلها ، خمس شهادات يلزمنا وإياكم أن نقبلها : PageV01P421 # فأولها : زعمنا وزعمتم شهادة الله ، # والثانية : فشهادة ملائكة الله. # والثالثة : فقول المسيح وشهادته. # والرابعة : فما شهدت به أمه ووالدته. # والخامسة : فشهادة الحواريين وما كانوا يقولون. فهذه خمس شهادات ليس منها ~~ما تنكرون ، وكلها فنحن وأنتم بها راضون ، فيما ندعي في المسيح وتدعون. # فقد وجدنا ووجدتم في الأناجيل الأربعة شهادات مختلفة ، كلها فيما عندنا ~~وعندكم فقد (1) أحطتم بها وأحطنا معرفة ، فيما في الأناجيل الذي يدعا عندكم ~~إنجيلا مثل ما لا تنكرون من قوله ، في أول ما وضع من إنجيله : (هذا ميلاد ~~يسوع المسيح بن داود) (2)، فهذه شهادته وهو من الحواريين على أن أبا ~~المسيح داود ، وأن المسيح ابنه وهو منه مولود ، ولهذه الشهادة في الأناجيل ~~الأربعة نظائر كثيرة ، وفي ذلك حجة عليكم لا تدفع ظاهرة ms28 منيرة. # ومنها شهادة المسيح صلى الله عليه لحواريه أنهم بنو الأب جميعا ، (3) وأن ~~الله أبوهم كلهم معا ، وهذا يدل على أن تأويل الأبوة والبنوة ، غير ما قلتم ~~به فيها من الدعوة. # ومنها : شهادة المسيح أن الحواريين إخوانه (4) فإن شئتم فقولوا في نسب أو ~~غير نسب ، فلهم بذلك ماله بعد شهادته صلى الله عليه زعمتم أنه ابن الأب. # ومنها : شهادة أمه صلى الله عليها ، على أنه ابن يوسف جدها وأبيها (5). PageV01P422 # ومنها قول فيلبس لسائل سأله ، (1) إذ قال له عند مسألته عنه ، هو ذلك ~~الذي ذكره موسى في التوراة ، ونسبه صلى الله عليه فيها وسماه ، فقال : يسوع ~~بن يوسف (2)، يعرف هذا منكم كل عارف. # ومنها أيضا : شهادة يحيى التي تدل على أن معنى البنوة والولادة ، إنما هو ~~معنى المحبة والولاية والعبادة ، إذ يقول : أما أولئك الذين قبلوا قوله ، ~~وسلموا فيما سمعوا منه له ، فلم يولدوا من اللحم والدم ، ولا من مزاج المرة ~~والبلغم ، ولكنهم زعم من الله ولدوا ، وأعطوا من كرامة الله ما رضوا ~~وحمدوا. (3) فتأويل هذا ومثله إن كان صدق فيه ، فإنما هو على ما يصح أن ~~يكون عليه ، لا على ما يستحيل في الألباب والعقول ، ويفسد ويتناقض من القول ~~في التأويل ، من أن يكون الرب عبدا ، والوالد مع ولادته ولدا ، وذلك أجهل ~~الجهل ، وفي ذلك المكابرة للعقل. # أما سمعوا قول الملائكة لمريم ، صلى الله عليهم وعليها وسلم ، عند ما ~~صاروا به من البشارة بولادتها ، للمسيح ابنها : (تلدين ابنا) (4) ولم ~~يقولوا : تلدين ابن الله ، وقالوا : (يدعا PageV01P423 # يسوع ويكون عليا عظيما بالله ، ويرث كرسي أبيه داود) (1) فلو كان كما ~~يقولون لقالت الملائكة : تلدين ابن الله ويكون منك مولودا ، فكان أعظم في ~~القدر والخطر ، من أن يقال: ابن البشر. # وكذلك قال الملك ليوسف زعمتم بعلها ، عند ما أراد لما ظهر من حملها ، من ~~تطليقه لها وتخليته لسبيلها : (يا يوسف بن داود لا تخل سبيل امرأتك فإن ~~الذي بها من روح الله ، وهو يدعا يسوع ، وبه يحيي الله شعبه من خطاياهم ~~بإذن الله) (2). # ومما ms29 زعموا فاعرفوه أنه دلهم ، وشهد على ما ادعوا لهم ، واعتقدوا من ضلال ~~أقاويلهم ، قول الله زعموا في إنجيلهم ، في المسيح بن مريم ، ~~صلى الله عليه وسلم : (هذا ابني الحبيب الصفي) (3). وقول سمعان (4) الصفا له ~~: (أنت ابن الله الحق) (5). # وما ذكروا من هذا إن صح ومثله ، مما يدعون على الله وعلى رسله ، فقد يوجد ~~له تأويل ، لما قالوا مبطل مزيل ، لا ينكرونه ولا يدفعونه ، ولا يكذبون من ~~خالفهم فيه ولا ينازعونه. PageV01P424 # فمن ذلك ما هم عليه وغيرهم مجمعون ، لا يختلفون فيه كلهم ولا يتنازعون ، ~~من أن ملائكة الله ، ومن مضى من رسل الله ، لم يسبح المسيح قط ولم يعبده ، ~~(1) ولم يزعم أحد منهم أن الله ولده. # ومن تأويل ما ذكروا من الولد والابن ، في زمن المسيح وكل زمن ، أن الناس ~~لم يزالوا يدعون ابنا وولدا من تبنوا وأحبوا وحظي عندهم ، وإن لم يكن على ~~طريق التناسل ولدهم ، ثم لم يزل ذلك لديهم معروفا ، قديما وحديثا ، ولا ~~سيما في القدماء ، من أهل العلم والحكماء ، فكان الحكيم منهم يقول : يا بني ~~لمن علمه ، ويدعو المتعلم باسم الأبوة معلمه ، فيقول : قد قلت وقلنا يا ~~أبانا ، وربما قال أحدهم : يا أبت أما ترانا. # قال بعضهم : # آباء أرواحنا الذين هم هم %~% أخرجونا من منزل التلف من علم العلم كان خير أب %~% ذاك أبو الروح لا أبو النطف (2) # وذلك والحمد لله في الأمم كلها فأوجد موجود ، يقوله الرحيم منهم لمن ليس ~~بابن له مولود (3). # ومن ذلك ما كان يقول المسيح صلى الله عليه ، كثيرا لا تنكره النصارى ~~لحوارييه : (إذ هبوا بنا إلى أبينا ، وقولوا : يا أبانا أنزل من سمائك ~~طعامك علينا) (4). ومن ذلك قوله لهم ، صلى الله عليه وعليهم : (قولوا : يا ~~أبانا تقدس اسمك ، لتنزل في PageV01P425 # الأرض ملكوتك وحكمك) (1). # فهل يتوهم أحد أنه أب من الآباء يلد وينسل ويتغير ويتغذى؟! أو يصل إليه ~~صلب أو نصب أو أذى؟! لا بحمد الله وكلا! وتبارك ربنا عن ذلك وتعالى! ولكنه ~~أرحم بنا وألطف ، وأعطف علينا وأرأف ، من الآباء كلهم ms30 والأمهات ، ومن ~~أنفسنا فيما يهمنا من المهمات. # وقد ذكر عن بعض الحكماء ، ممن مضى من أوائل القدماء ، أنه كان إذا أخذ في ~~التسبيح لله والذكر ، قال : الله الذي هو في ذاته محب للبشر. وإنما يراد ~~بالمحبة لهم ، الرأفة والرحمة بهم. # وكذلك قال الرحمن الكريم : ( @QUR@05 إن الله بالناس لرؤف رحيم ) [البقرة ~~: 143]. فمن أرأف بهم وأرحم؟! وأعطف عليهم وأكرم؟! ممن خلقهم مبتدئا ~~فسواهم؟! وأعطاهم من نعمه ما أعطاهم؟! ثم دلهم تعالى على الهدى ، (2) وبين ~~لهم الغي والردى. لا من بحمد الله وفضله! فنستمتع (3) الله بالنعم في ذلك كله. # ومما يحتج به على من كفر منهم بربه جهلا ومجانة ، (4) قول المسيح بن مريم ~~لهم فيما زعموا من إنجيلهم أبانه (5): (أنا ابنه وهو أبي) (6) وقوله : ~~(جئتكم من عند أبي ، وما سمعت عنده فهو ما أكلمكم به ، وأنتم لو كنتم منه ~~لقبلتم ما جئتكم به من أمره ، ولكنكم من الشيطان وأنتم بنوه ، ولذلك قبلتم ~~قوله فلم تخالفوه ، وإنما أنتم بنو الخطيئة والشيطان أبوها ، وأنتم صاغرون ~~لطاعتكم له فبنوها. فقالوا : نحن بنو إبراهيم ، ورموه PageV01P426 # بالبهتان العظيم. فقال : لستم بولد إبراهيم ولا بنيه ، لو كنتم ولده ~~لعملتم بما يرضيه ، ولكنكم بنو الشيطان والخطيئة. # أخبروني هل منكم من يرتجي الله لمعصيته؟ فعلام تريدون قتلي؟! ولم لا ~~تقبلون قولي؟! لو عملتم بطاعة الله ، إذن لكنتم أبناء الله (1). # فجعل كما ترون الله أبا لمن أطاعه وأرضاه ، وجعل الشيطان أبا لمن أطاعه ~~واتبع هواه ، فكفى بهذا حجة دامغة ، وشهادة قاطعة بالغة ، على من تأول من ~~النصارى الأبوة والبنوة على ما تأولوها عليه ، وما قلنا به من هذا كله فهم ~~كلهم مقرون به في إنجيلهم لا يختلفون فيه (2). # فإن لم تكن الأبوة والبنوة إلا على ما قالوا ، لزمهم أن يتأولوا كل ما في ~~إنجيلهم من الأبوة والبنوة بما تأولوا ، فقد يقرون كلهم من ذلك في إنجيلهم ~~، بما سنذكره مع ما ذكرنا إن شاء الله من أقاويلهم. # زعموا أن فيها ، وفيما يضيفونه إليها : ((أن المسيح خرج من القرى وتنحى ، ~~وصام في البرية أربعين ms31 صباحا ، لم يأكل فيها طعاما ، ولم يشرب فيها شرابا ، فجاءه PageV01P427 # إبليس في صومه ومنتحاه ، فعرض عليه جميع زهرة الدنيا وأراها إياه ، فلما ~~رأى المسيح ذلك كله ، سأله إبليس أن يسجد له سجدة واحدة ، على أن يعطيه من ~~ذلك كل ما أراه ، فلعنه المسيح وأخزاه ، وقال : لا يصلح السجود لغير الله ، ~~اخس (1) إليك يا عدو الله ، قال إبليس زعموا له ، عند ما جرى من القول بينه ~~وبينه فاليوم لك أربعون يوما ، لم تشرب شرابا ولم تطعم طعاما ، فادع الله ~~إن كنت له حبيبا ، أن يجعل لك هذه الحجارة فضة وذهبا ، فقال له : ألم تعلم ~~يا لعين أن كلام الله يكفي من اكتفى به من أحب كل طعام وشراب» (2). # ومن كلام الله الذي ذكر صلى الله عليه ما نزل لا شريك له من كل كتاب ، ~~وزعموا في أناجيلهم أن الله أوحى إلى يوسف بعل مريم ، بعد ولادتها للمسيح ~~بما الله به أعلم ، «أن انطلق بالصبي وأمه إلى مصر فأقم بها أنت ومريم ~~وابنها حتى أبين لك موت هيردوس وهو ملك من ملوك الروم كان ملكا على بني ~~إسرائيل فإنه يريد قتل عيسى ودماره ، فرحل يوسف بمريم وابنها ليلا ، وأتم ~~الله زعموا بما كان من ذلك من أمره ببعض ما أوحى إليه من (3) كتب رسله إذ ~~يقول سبحانه : من مصر دعوت صفيي (4). PageV01P428 # وقالوا في إنجيلهم : (فلما مات هيردوس أوحى الله إلى يوسف أن قد مات ~~فانطلق بعيسى وأمه إلى أرض إسرائيل) (1) وزعموا أن هذا كله موجود عندهم ~~فيما في أيديهم من الإنجيل ، وأنه لما قدم بهما يوسف سمع أن كيلادوس ملك من ~~اليهود بعد أبيه ، ما كان يملك أبوه ، ففزع لعيسى وأشفق عليه ، فأوحى الله ~~تبارك وتعالى إليه : (أن امض إلى جبل الجليل فكن فيه ، فخرج حتى نزل منه في ~~مدينة يقال لها : ناصرة). تصديقا لما أوحى الله به قديما في بعض كتبه. # وفيما ذكر من عيسى وأمره في أنه : «يكون ويدعا ناصريا» ، (2) وبذلك يرى ~~ويدعا كل من تنصر نصرانيا. # فلما كبر عيسى ms32 وظهر (3) في أيام يحيى ، وكان يحيي صلى الله عليهما ممن ~~أجابه وصار إليه ، فأمره بالتطهر (4) والاغتسال في نهر الأردن ، وكان ذلك ~~تطهرة من الخطايا لمن تاب وآمن ، فقال فيما زعموا من إنجيلهم : (أنا أطهركم ~~كما ترون بالماء والذي يأتيكم على أثري ، هو (5) أكرم على الله مني ، وهو ~~الذي يجعل الله به (6) المذراة ، فلا يودع خزائنه إلا الحبوب المطيبة ~~المنقاة ، وما بقي بعد ذلك من الغرابلة والتبن ، وما PageV01P429 # ليس بذي قيمة ولا ثمن ، يحرق بالنار التي لا تخمد ، حيث يبقى التحريق ~~ويخلد) (1). # فلما سمع عيسى بأخبار يحيى صلى الله عليهما وعلى جميع النبيين ، وما يصنع ~~من تطهيره للمؤمنين ، (أقبل إلى يحيى من جبل الخليل (2) ليصبغه بالماء ~~ويطهره ، فكره يحيى عليه السلام مجيئه لذلك زعموا (3) وأمره ، وقال له يحيى ~~عليه السلام : بي إليك فاقة ، وتجيء إلي أنت تطلب الطهارة ، فقال عيسى ، صلى ~~الله عليه وعلى أخيه يحيى : دعنا الآن من هذا فإنه هكذا ينبغي لنا أن نستتم ~~خلال البر كلها ، أو كل ما قدرنا عليه منها ، فتركه يحيى حينئذ فاغتسل ، ~~وعمل في (4) ذلك ما أراد أن يعمل). (5) # (ثم سمع بقتل اليهود ليحيى فانطلق إلى أرض الجليل (6) فسكن في كفر ناحوم ~~يتفيأ من حد زبولون) (7). (وثم أوحى الله زعموا فيه (8) إلى شعيب (9) صلى ~~الله عليه ، في مصير عيسى من زبولون إلى ما صار إليه ، وكان في مصيره إليها ~~ومقامه بها سيارا يسيح في أرض الجليل ، يبشر (10) ويعلم ما يجب لله كل جيل ~~وقبيل ، ويبرئ كل مرض PageV01P430 # ووجع في (1) بني إسرائيل ، حتى سمع بفعاله ، وتبشيره ومقاله ، في كل ~~ناحية وأرض ، وأتي بكل ذي وجع ومرض ، من البرصى والمجانين ، والكمه ~~والمقعدين ، فأبرأهم بإذن الله من أمراضهم المختلفة الهائلة ، وانطلقت على ~~إثره جموع كثيرة من كل قبيلة ، من أرض الجليل، (2) ومن المدائن العشر وأهل ~~بيت المقدس ومن عبر الأردن (3). ### | [وصايا المسيح عليه السلام ] # (فلما رأى عيسى صلى الله عليه تلك الجموع وما اجتمع منها إليه ، صعد على ~~جبل مرتفع فارتفع عليه ، ليسمع قوله كل من اجتمع ms33 فلما علا قعد عليه (4) ~~أدنى منه حوارييه ، ثم قال : طوبى بالروح عند الله غدا للمساكين ذوي التقوى ~~، كيف يكون ثوابهم في ملكوت الله ودار الإقامة والمثوى ، طوبى للمحزونين ~~على خطاياهم في الدنيا ، كيف يغفر الله لهم خطاياهم غدا ، طوبى للمتواضعين ~~لله كيف يرثون أرض الله ، طوبى للجياع العطاش في الله بالبر ، كيف يشبعون ~~ويروون في يوم البعث والحشر ، طوبى للرحماء في الله ، كيف يفوزون برحمة ~~الله ، طوبى للنقية قلوبهم ، إذا نظروا إلى ربهم ، كيف يصنع غدا بهم ، وكيف ~~ينتفعون عنده بكسبهم ، طوبى لعمال السلام لله ، كيف يدعون أصفياء الله ، ~~طوبى للذين يطردون لأعمال البر ، كيف يملكون في ملك السماء إلى آخر الدهر. # ثم قال صلى الله عليه ، لمن أجابه ولحوارييه : طوبى لكم إذا أنتم عيرتم ~~وطردتم في PageV01P431 # وعلي ، وقيل لكم قول السوء والكذب من أجلي ، عندها فليعظم فرحكم لما عظم ~~الله في السماء من نوركم ، وذخر عند الله في الآخرة لكم (1) من أجوركم ، ~~فإن تظلموا فقبلكم ما (2) ظلمت الرسل والأنبياء ، أو يكذب عليكم فمن قبل ما ~~قيل على الله الكذب والافتراء ، أنتم ملح الأرض فإذا أنتن الملح فبم يملح ، ~~فحينئذ لا يصلح إلا أن يرمى به ويطرح ، فيكون شيئا ملقى ، وتراب أرض يوطأ ، ~~أنتم نور العالم (3) الذي لا يخفى على من يبصر ويرى ، وهل تستطيع مدينة ~~ظاهرة على جبل أن تخفى أو تتوارى ، وهل يسرج السراج فيحمل (4) تحت الأغطية ~~، لا ولكن يحمل فوق المنارة العالية ، لكي ينير فيضيء ، ويظهر فلا يختفي ، ~~وكذلك أنتم تنيرون للناس بنوركم المضيء ، لينظروا عيانا إلى عملكم الرضي ، ~~لتحمدوا الله ربكم الذي زكاكم ، وأعطاكم من توفيقه ما أعطاكم ، ألا ولا ~~يظنن أحد أني جئت لدفع التوراة والإنجيل والأنبياء ، ولا لنقض شيء جاء عن ~~الله من جميع الأشياء ، ولكني جئت لتمام ذلك كله ، ولتصديق جميع ما أمر ~~الله فيه ورسله ، (5) بل أقول لكم قولا حقا ، وأنبئكم نبأ فافهموه صدقا ، ~~أنه لا تغير من آيات الله كلها آية ولا تنتقض ، إلى أن تتغير وتفنى ~~السماوات والأرض ، ومن نقض ms34 من آيات الله آية ، أو غير من أصغر وصاياه وصية ~~، فعلمها أحدا من الناس مبدلة مغيرة ، صغيرة كانت الآية والوصية أو كبيرة ، ~~دعي في ملكوت الله خسيسا ناقصا ، ومن علمها كما أنزلت كان في الآخرة تاما خالصا. # وحقا أقول لكم : لئن لم تكونوا من الأبرار ، ويكن بركم أفضل من بر الكتبة ~~والأحبار ، لا تدخلون غدا في ملكوت الله الغفار. ألا وقد سمعتم (6) في ~~التوراة ألا تقتلوا النفس المحرمة ، (7) ومن قتلها فقد استوجب في الدنيا ~~العقوبة المؤلمة ، وأنا فإني أقول PageV01P432 # لكم : إن من قال لأخيه ، كلمة قبيحة تؤذيه ، فقد استوجب العقوبة ، إلا أن ~~يحدث لله منها توبة ، ومن قال لأخيه ليعيره : إنك لأرغل لم تختتن ، فقد ~~استوجب في الآخرة نار جهنم ، بل من قرب منكم قربانه على المذبح وأدناه ~~وقربه (1) ليذبحه ، ثم ذكر أن أخاه واجد عليه فليدع قربانه وليذهب إلى أخيه ~~فيصالحه. # ألا وقد قيل في التوراة : لا تكذبوا إذا حلفتم ، ولكن اصدقوا إذا حلفتم ~~بالله وأقسمتم ، وأنا فإني أقول لكم : لا تحلفوا بشيء من الأشياء ، ولا ~~تقسموا طائعين بقسم ولا إيلاء ، (2) لا تحلفوا بالسماء التي هي (3) مكان ~~كرسي الله ، وفيها يكون ملائكة الله ، ولا بالأرض التي هي منزل رحمة الله ~~وآياته ، (4) ولا بحياة شيء ، ولا برأس آدمي ، ولكن ليكن كلامكم نعم (5) ~~وكلا ، فيما تقولون وبلى ، وما كان سوى ذلك فهو من السوء ، [والقول الباطل] ~~والهزوء ، ومن سأل أحدكم شيا ، فليعطه وإن كان نفيسا عليا (6). # ألا وقد سمعتم أن قيل : أحبوا أولياءكم ، وأبغضوا من الناس أعداءكم ، ~~وأنا أقول لكم أحبوا في الله أعداءكم ، وبركوا منهم على من لعنكم وآذاكم ، ~~وأحسنوا منهم إلى مبغضيكم ، وصلوا منهم من يؤذيكم ، لكي تكونوا من أصفياء ~~الله ، ولتفوزوا بالكرامة والرضا من الله ، الذي يطلع شمسه على المتقين ~~والفجرة ، وينزل أمطاره على الظالمين والبررة ، فإن كنتم إنما تحبون من ~~يحبكم ، فأي أجر حينئذ لكم ، أو ليس المكسة والعشارون ، كذلك فيما بينهم ~~يفعلون. # ألا ولا تراءوا الناس بالصدقة والزكاة ، ولا بما تصلونه لله من الصلاة ، ~~فتحبطوا أعمالكم ms35 في ذلك لله بالرياء ، وتتوفوا أجرها في عاجل هذه الدنيا ، ~~ولكن لتكن PageV01P433 # صدقتكم لله فيما بينكم وبين الله خفية وسرا ، فإن الله ربكم الذي يرى ~~سركم هو يجعلها لكم علانية جهرا ، وإذا كنتم في صلاة لله أو خشوع ، فلا ~~تقوموا بذلك في السكك والجموع ، كالمرائين للناس بما هم فيه لذلك من حالهم ~~، فحقا أقول لكم لقد توفى أولئك جزاء أعمالهم. # وإذا صليتم فلا ترفعوا أصواتكم ودعاءكم طلبا للرياء ، فإن الله يعلم قبل ~~أن تسألوه ما تحتاجون إليه من الأشياء ، ولكن إن صليتم فلله وحده فصلوا ، ~~وإذا حكمتم في أرضه بحكم فاعدلوا ، وقولوا ربنا الذي في السماء تقدس اسمك ~~وحكمتك ، وعظم ملكك وجبروتك ، أظهر حكمك في أرضك كما أظهرته في سمائك ، ~~وارزقنا طعام فاقة يومنا ، واغفر لنا سالف جرمنا ، كما نغفر لمن ظلمنا ، ~~واعف عنا برحمتك وإن أجرمنا ، ولا تبتلنا ربنا بالبلاء ، وخلصنا من مكاره ~~الأسواء ، فإن لك الملك والقدرة ، ومنك الحكم والمغفرة ، أبد الآبدين ، ~~ودهر الداهرين. # واعلموا أنكم إن غفرتم للناس ما بينهم وبينكم ، فإن الله سبحانه يغفر لكم ~~، وإذا صمتم فلا تغيروا وجوهكم ، ليعلم الناس صومكم ، ولكن إذا صمتم ~~فاغسلوا وجوهكم وادهنوا رءوسكم ، لكيما (1) لا يعلم الناس صومكم ، فإن الله ~~الذي صمتم له سرا ، هو يجزيكم بصومكم علانية جهرا. # ألا ولا تخزنوا خزائنكم ، ولا تجعلوا في الأرض ذخائركم ، فإن ما في الأرض ~~يفسده السوس وتأكله الأرضة ، وتعرض له الآفات وتناله السرقة ، ولكن اخزنوا ~~خزائنكم ، واجعلوا ذخائركم في السماوات العلى ، حيث لا يفسد منها شيء ولا ~~يبلى ، بسرقة ولا آفة معترضة ، ولا يناله أكل سوس ولا أرضة ، فحقا أقول لكم ~~: أن حيث تكون خزائنكم وذخائركم ، فهنالك (2) تكون قلوبكم وضمائركم. # واعلموا أن سراج الجسد العين فإن كانت العين نيرة مضيئة كان الجسد نيرا ~~مضيا ، وإن كانت العين عمية مظلمة كان الجسد مظلما عميا ، وإذا كان النور الذي PageV01P434 # فيكم مظلما لا يبصر ولا يعلم ، فكم (1) ترون ظلمة حواسكم وقلوبكم أعمى وأظلم. # واعلموا أن الله لم يجعل لأحد في جوفه من قلبين ، وأنه ms36 لا يستطيع أحد ~~منكم أن يعبد ربين ، لأنه لا بد له من أن يكرم أحدهما ويجله ، فيقصر بالآخر ~~عن الكرامة ويغفله ، أو يهين أحدهما ويحقره ، فيجل الآخر ويكبره. # وكذلك لا تستطيعون أن تعبدوا الله وتعزروه ، وتسعوا للمال فتجمعوه ~~وتكثروه ، ومن أجل ذلك فإني أقول لكم : لا تهتموا بما تأكلون ، ولا بما ~~تشربون ، ولا ما تلبسون ، أليس ما خلق الله لكم من الجوارح والأجسام؟! أكرم ~~وأجل وأكبر من الشراب والطعام! أو ليس ما خلق الله لكم من الأنفس؟! آثر عند ~~الله من الثياب والملبس! # انظروا إلى طير الأرض والسماء ، وما خلق الله من دواب الماء ، التي لا ~~يزرعن زرعا ولا يحصدنه ، ولا يدخرنه في الأهواء ولا يحشدنه ، والله ربكم ~~الذي في السماء ، يرزقهن في كل يوم ما يصلحهن من الغذاء. # وانظروا إلى عشب البرية الذي لم ينسج ولم يغزل ، ولم يعن منه بشيء ولم ~~يعتمل ، كيف يلبسه الله في حينه كل لون زينة تبهجه! أو حسنا أو نورا ، (2) ~~فأنا أقول لكم إن سليمان بن داود في كل ما كان فيه من ملكه وسلطانه ، ما ~~كان يقدر على أن يلبس لونا واحدا مما ألبسه الله العشب من ألوانه ، فإن كان ~~العشب في حين تنويره ذا بهجة ونور ، فعما قليل وبعد يسير ما يجعل وقودا ~~للتنور. # ثم الله تبارك وتعالى اسمه يلبسه من البهجة والنور ما لم يلتمسه فيكم ، ~~فكم ينبغي لكم يا ناقضي الأمانة ألا تهتموا فتشتغلوا ولا تكثروا من القول ~~لأنفسكم ولا لغيركم؟! فتقولوا ما نأكل وما نشرب؟! وما نلبس وأين نذهب؟! ~~كأنكم بما قلت من هذا لا توقنون ، فكل هذه الشعوب التي ترون ، تبتغي ذلك ~~ولا تبتغوا منه ما يبتغون ، فإن ربكم الذي في السماء يعلم ما ينبغي لكم من ~~قبل أن تسألوه إياه ، ولكن ابتغوا PageV01P435 # طاعة الله ورضاه. # فأما ما ذكرت من هذا كله فهو يعطيكموه ويعطيه ، من لا يرضى عليه ، فلا ~~تشتغلوا بغد وما بعده من شغله ، فحسب غد أن يقوم بشغل أهله ، وكفى يومكم في ~~غده ، بما ms37 في غد من كده. # ألا ولا تعسفوا أحدا بظلم فإنكم كما تدينون تدانون ، والمكيال الذي ~~تكيلون به تكتالون ، فما بال أحدكم يرى القذى في عين أخيه؟! ولا يرى ~~السارية الشامخة في عينيه! أم كيف يقول لأخيه : اتركني أنزع من عينك قذاها! ~~والسارية الشامخة التي في عينيه لا يراها! # أيا مخادعا ملقا ، ومخاتلا لغيره مسترقا ، أخرج السارية أولا من عينيك ، ~~ثم التمس بعد إخراجها من عين غيرك. # ألا واسمعوا مني ، وافهموا ما أقول عني : لا ترموا بقدس الصواب ، بين ~~نوابح الكلاب ، ولا تقذفوا بلؤلؤكم المنير ، بين عانات (1) الخنازير ، ~~فلعلهن أن يدنسنه ، وينتن ما ألقيتم بينهن منه ، ألا واسألوا تعطوا ، ~~وابتغوا تجدوا ، واقرعوا يفتح لكم فكل سائل يعطى ، ومبتغ يجد ما ابتغى ، ~~وكل من استفتح يفتح له ، وأي امرؤ منكم يسأله حبيبه أو ابنه برا أو خيرا؟ ~~فيعطيه مكان ما سأله من ذلك حجرا! أو يسأله سمكة؟ فيعطيه حية مهلكة! فإن ~~كنتم وأنتم أنتم في النقص والتقصير ، ومنكم كل ظالم وشرير ، تعطون العطايا ~~الصالحة أبناءكم ، وتجيبون عند الدعاء والمسألة أحباءكم ، فكم ترون لله في ~~ذلك؟! وإذ الأمر كذلك ، من الزيادة عليكم فيه ، للذي تسألونه وترغبون إليه. # وانظروا كما تحبون أن يفعله الناس بكم فافعلوه إليهم ، وكما تريدون العدل ~~من الناس عليكم فكذلك فاعدلوا عليهم ، وإن تلك سنة الرسل والأنبياء ، ~~وميزان عدل الله في الأشياء ، ألا وادخلوا لله وفي الله باب الضيق والمخاوف ~~، فإن باب الأمن والسعة بمعصية الله سبب الهلكة والمتالف ، ولكثير ممن ~~يدخله ويؤثره ، ممن يبصر ذلك ومن لا يبصره ، وما أضيق المدخل والباب! وأغفل ~~السبيل والأسباب! التي تبلغ العباد الحياة ، PageV01P436 # وتوجب للناس النجاة ، وأقل من يجدها! ويسهل له وردها! # ألا واحتفظوا من كذبة أولياء الشيطان ، الذين يراءون الناس بلباس الحملان ~~، وهم مع ذلك ذئاب ضارية ، وقلوبهم مستكبرة عاصية ، فلا تغتروا بظاهر حالهم ~~، ولكن اعرفوهم من قبل أعمالهم ، فهل يخرج من الشوك عنب؟! أو من الحنظل ~~رطب؟! لا لن يكون أبدا ذلك! ولن يوجد كذلك! ولكنه يخرج من كل شجرة طيبة ms38 ~~ثمرة طيبة ، ويخرج من كل شجرة خبيثة ثمرة خبيثة ، وإنما تعرف الشجرة ~~الخبيثة من قبل خبث ثمرها ، فإذا كانت كذلك خبيثة أوقدت النار بها ، وكذلك ~~العمل إذا كان شيئا غيا ، فلا يكون صاحبه إلا مسيئا غويا. # وليس كل من يقول : ربي ربي بإقراري والدعاء! يدخل يوم القيامة في كرامة ~~ملكوت السماء ، إلا أن يكون ممن عمل في دار الدنيا ، بما حكم الله عليه به ~~من التقوى ، ولكثير في ذلك اليوم من يقول ربنا باسمك هدينا وسعينا ، وباسمك ~~أخرجنا من الشياطين ما أخرجنا ، وباسمك أمورا كثيرة من العجائب صنعنا ، ثم ~~يقول الله لهم في ذلك اليوم : تأخروا عني يا عمال الزور. # وقال صلى الله عليه : اعلموا أنه من سمع كلامي ، فعمل بما سمع وقبله عني ~~، فمثله كمثل رجل ذي لب وحكمة ، بنى بيته (1) على أساس من حجر محكمة ، فلما ~~جاءت الأمطار ، وخرت فأعظمت الأنهار ، (2) وتهيجت الرياح الكبار ، جعل ذلك ~~ينطح من كل جدر ، (3) فلم يسقط البيت ولم يخر. # ومثل من سمع (4) كلامي بغير تسليم ولا تقبل ، كمثل رجل ذي حماقة وجهل ~~مضلل ، بنى بيته (5) على جرف منهار ، أو رمل كثير هيال ، فلما جاءت الأمطار ~~ودرت ، وتحركت الأنهار فجرت ، وعصفت الرياح فأعصرت ، خر بيته منقعرا ، وسقط سقوطا PageV01P437 # مفزعا مذعرا. # قالوا فلما فرغ من كلامه هذا كله ، عجب من حضره من حكمته فيه وقوله ، ثم ~~لا سيما الكتبة والأحبار ، فإنهم كانوا أعجبهم به (1). # أنتم نور العالم ، لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل ، ولا يوقدون ~~سراجا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت ، ~~فليضئ نوركم هكذا قدام الناس ، لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي ~~في السماوات ، لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض ~~بل لأكمل ، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض ، لا يزول حرف ~~واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ، فمن نقض إحدى هذه الوصايا ~~الصغرى وعلم الناس هكذا يدعا أصغر في ملكوت السماوات ، وأما من عمل ms39 وعلم ~~فهذا يدعا عظيما في ملكوت السماوات. # فإني أقول لكم إنكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ~~ملكوت السماوات ، قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل ، ومن قتل يكون مستوجب ~~الحكم ، وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب ~~الحكم ، ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع ، ومن قال يا أحمق يكون ~~مستوجب نار جهنم ، فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا ~~عليك ، فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك ، وحينئذ ~~تعال وقدم قربانك. # كن مراضيا لخصمك سريعا ما دمت معه في الطريق ، لئلا يسلمك الخصم إلى ~~القاضي ، ويسلمك القاضي إلى الشرطي فتلقى في السجن ، الحق أقول لك لا تخرج ~~من هناك حتى توفي الفلس الأخير ، سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف ~~للرب أقسامك ، وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة ، لا PageV01P438 # سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن ، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر ، ~~بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا ، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ~~ثوبك فاترك له الرداء أيضا ، ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين ، ومن ~~سألك فأعطه ، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده ، سمعتم أنه قيل تحب قريبك ~~وتبعض عدوك ، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم ، أحسنوا ~~إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ، لكي تكونوا أبناء ~~أبيكم الذي في السماوات ، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ، ويمطر ~~على الأبرار والظالمين ، لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم ، أليس ~~العشارون أيضا يفعلون ذلك؟! وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون ، ~~أليس العشارون أيضا يفعلون هكذا؟! فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي هو ~~في السماوات كامل. # احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم ، وإلا فليس لكم أجر ~~عند أبيكم الذي في السماوات ، فمتى صنعت صدقة فلا تصوت قدامك بالبوق كما ~~يفعل المراءون في المجامع ، وفي الأزقة لكي ms40 يمجدوا من الناس ، الحق أقول ~~لكم : إنهم استوفوا أجرهم ، وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما ~~تفعل يمينك ، لكي تكون صدقتك في الخفاء ، فأبوك الذي يرى في الخفاء هو ~~يجازيك علانية ، ومتى صليت فلا تكن كالمرائين ، فإنهم يحبون أن يصلوا ~~قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس ، الحق أقول لكم : ~~إنهم قد استوفوا أجرهم ، وأما أنت فمتى صليت فادخل في مخدعك واغلق بابك وصل ~~إلى أبيك الذي في الخفاء ، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية ، ~~وحينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم ، فإنهم يظنون أنه بكثرة ~~كلامهم يستجاب لهم ، فلا تتشبهوا بهم ، لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل ~~أن تسألوه ، فصلوا أنتم هكذا : أبانا الذي في السماوات ، ليتقدس اسمك ، ~~ليأت ملكوتك ، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك في الأرض ، خبزنا كفافنا ~~أعطنا اليوم ، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا ، ولا ~~تدخلنا في تجربة ، لكن نجنا من الشرير ، لأن لك الملك والقوة والمجد إلى ~~الأبد ، آمين. # فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي ، وإن لم تغفروا ~~للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم ، ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين ~~كالمرائين ، فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين ، الحق أقول لكم ~~إنهم قد استوفوا أجرهم ، وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك ، لكي لا ~~تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفاء ، فأبوك الذي يرى في الخفاء PageV01P439 # لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ ، وحيث لا ينقب ~~سارقون ويسرقون ، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا ، سراج الجسد هو ~~العين ، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا ، وإن كانت عينك شريرة ~~فجسدك كله يكون مظلما ، فإن كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون؟! # لا يقدر أحد أن يخدم سيدين ، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر ، أو ~~يلازم الواحد ويحتقر الآخر ، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال ، لذلك أقول ~~لكم لا تهتموا لحياتكم ms41 بما تأكلون وبما تشربون ، ولا لأجسادكم بما تلبسون ، ~~أليست الحياة أفضل من الطعام ، والجسد أفضل من اللباس ، انظروا إلى طيور ~~السماء ، إنها لا تزرع ولا تحصد ، ولا تجمع إلى مخازن ، وأبوكم السماوي ~~يقوتها ، ألستم أنتم بالحري أفضل منها ، ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد ~~على قامته ذراعا واحدة ، ولما ذا تهتمون باللباس ، تأملوا زنابق الحقل كيف ~~تنمو ، لا تتعب ولا تغزل ، ولكن أقول لكم إنه ولا سليمان في كل مجده كان ~~يلبس كواحدة منها ، فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور ~~يلبسه الله هكذا ، أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم يا قليلي الايمان ، فلا ~~تهتموا قائلين ما ذا نأكل؟ أو ما ذا نشرب؟ أو ما ذا نلبس؟ فإن هذه كلها ~~تطلبها الأمم ، لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها ، لكن ~~اطلبوا أولا ملكوت الله وبره ، وهذه كلها تزاد لكم ، فلا تهتموا للغد ، لأن ~~الغد يهتم بما لنفسه ، يكفي اليوم شره. # لا تدينوا لكي لا تدانوا ، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون ، ~~وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم ، ولما ذا تنظر القذى الذي في عين أخيك ، ~~وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟! أم كيف تقول لأخيك دعني أخرج ~~القذى من عينك ، وها الخشبة في عينك ، يا مرآئي أخرج أولا الخشبة من عينك ، ~~وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك. # لا تعطوا القدس للكلاب ، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير ، لئلا تدوسها ~~بأرجلها وتلتفت فتمزقكم ، اسألوا تعطوا ، اطلبوا تمجدوا ، اقرعوا يفتح لكم ~~، لأن كل من يسأل يأخذ ، ومن يطلب يجد ، ومن يقرع يفتح له ، أم أي إنسان ~~منكم إذا سأله ابنه خبزا يعطيه حجرا ، وإن سأله سمكة يعطيه حية ، فإن كنتم ~~وأنتم أشرارا تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة ، فكم بالحري أبوكم الذي ~~في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه ، فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم ، ~~افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم ، لأن هذا الناموس والأنبياء. # ادخلوا من الباب الضيق لأنه واسع الباب ورحب ms42 الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك ~~، وكثيرون هم الذين يدخلون منه ، ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى ~~الحياة ، وقليلون هم الذين PageV01P440 # وفي أناجيلهم أنه قال عليه السلام : لحقا أقول لكم أيها الناس والكتبة ~~والأحبار ، إن كثيرا من المشرق والمغرب يجيء يوم القيامة والجزاء ، يتكئ مع ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماء ، وإن كثيرا ممن يزعم أنه ابن لهم ~~يقصى عنهم مع الظلمة في النار ، ثم يكونون مخلدين أبدا في البكاء وتحريق ~~الأستار (1). # وفي أناجيلهم : أن رجلا من الكتبة جاءه فقال : إني أحب أن أتبعك ، وأكون ~~حيث كنت معك ، فقال عليه السلام : لثعالب الوحش مغار ، ولطير السماء أوكار ، ~~وأنا فليس لي منزل ولا قرار أقر إذا قروا فيه ، ولكل مأوى وليس لي مأوى آوي ~~إليه (2). # ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات ، بل الذي يفعل إرادة ~~أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم : يا رب يا رب أليس ~~باسمك تنبأنا ، وباسمك أخرجنا شياطين ، وباسمك صنعنا قوات كثيرة ، فحينئذ ~~أصرح لهم أني لم أعرفكم قط ، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم ، فكل من يسمع ~~أقوالي هذه ويعمل بها ، أشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر ، فنزل المطر ~~وجاءت الأنهار ، وهبت الرياح ، ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط ، لأنه كان ~~مؤسسا على الصخر ، وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها ، يشبه برجل جاهل ~~بنى بيته على الرمل ، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح وصدمت ذلك ~~البيت فسقط ، وكان سقوطه عظيما. فلما أكمل يسوع هذه الأقوال بهتت الجموع من ~~تعليمه ، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان ، وليس كالكتبة. إنجيل متى الإصحاح ~~الخامس / 201 ثم 32 إلى آخر الإصحاح السابع. PageV01P441 # وفي أناجيلهم : أن رجلا من حوارييه قال له : يا معلمي ائذن لي أذهب فأدفن ~~أبي ، فقال له : تعالى اتبعني وكن معي وعلى أثري ، واترك الأموات يدفنون ~~موتاهم ، ففيهم لدفنهم ما كفاهم (1). # تم والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد خاتم النبيين ، وعلى ~~أهله الطيبين ، وسلم عليهم ms43 أجمعين. # * * * PageV01P442 ms44