######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام ¶ المؤلف : الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# auth: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 75 #META# الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# bkord: 110 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع كتب ورسائل الامام القاسم الرسي عليه السلام #META# comp: 1 #META# bk: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# max: 999 #META# المؤلف: الإمام القاسم الرسي عليه السلام #META# authinf: المؤلف: الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي ¶ ترجمة المؤلف: هو الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، أحد أكابر علماء أهل البيت النبوي الطاهر. كان فقيها محدثا، مناظرا، مجاهدا، شاعرا، زاهدا. له مواقف وجولات وصولات مع بني العباس، وله العديد من المؤلفات لا يسع المقام هنا لسردها مزيدا حول ترجمتة انظر: الأعلام (6 /5)، التحق شرح الزلف (39)، معجم المفسرين (1 / 431)، المصابيح لأبي العباس. الحدائق الوردية (خ)، أعيان الشيعة (8 - 435 -436). #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | الرد على الزنديق ابن المقفع اللعين. # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله خالق كل معبود، المستوجب للحمد في كل موجود، الذي لا يقصر عنه ~~بالحمد من رشيد خلقه حامد، الصمد الذي ليس من ورائه غاية يصمدها صامد. # دليل من استدل بالحقائق، فيما فطر سبحانه من مختلف الخلائق، التي يوجد من ~~اختلافها، وما خالف بينه من أصنافها، ما يوجد من اختلاف الظلم والأنوار، ~~وفرقة ما بين الليل والنهار، بل أكثر في الفرقة بيانا، وأوضح في التباين ~~فرقانا، لتفاوت ما فيها من اختلاف الألوان والطعوم، ولضروب ما فيها من كل ~~محسوس ومعلوم، دلالة منه سبحانه بمتفاوتها، ومختلف ما بين حالاتها، على ~~الأول الأحد، السابق لكل عدد، الذي لا يكون ثان إلا من بعده، ولا يثبت ~~الثاني إلا من بعد عده، البعيد من مساواة الأنداد، المتعالي عن مناواة ~~الأضداد. # نحمده على ما هدانا إليه، ودل برحمته من توحيده عليه، ونسأله أن يصلي على ~~ملائكته المصطفين، وعلى جميع رسله والنبيين، وأن يخص محمدا في ذلك من ~~صلواته، بأفضل ما خص به أهل كراماته، ونستعينه لا شريك له على شكر نعمته، ~~فيما وهب لنا من أبوة محمد عليه السلام وولادته، والحمد لله رب العالمين، ~~ونعوذ به من عماية العمين. PageV01P133 ### || AUTO [الرد على ماني] # ثم إن فرقة من الكفرة قادها عصيانها، ونعق بقادتها في الكفر والعمى ~~شيطانها، إمهامها المقدم، وسيدها المعظم، (ماني) الكافر بأنعم الله اللعين، ~~الذي لم يبلغ كفره قط بالله الشياطين، ابتدع من القول زورا لم يسبقه إليه ~~سابق من الأولين، ولم يقل به قبله قط أحد من قدماء الخالين، مع افتراق ~~مللهم، ومختلف سبلهم، فزعم أن الأشياء كلها شيئان، وقد يوجد خلاف زعمه ~~بالعيان، فلا يوجد بين ما ذكر من النور والظلمة فرقة، إلا وجدت الأشياء ~~كلها بمثله لهما مفارقة، إلا أن الفرقة بين الأشياء أوجد، ومن الأشياء ~~للنور والظلمة أوكد، مكابرة لعقول أطفال الأنام، وتجاهلا بما تجهله بهيمة ~~الأنعام. # ثم قال تحكما، وافترى زعما، أن الأشياء كلها من النور والظلمة مزاج، وأنه ms01 ~~لم يكن بينهما فيما خلا من دهرهما امتزاج، سفها من القول وتعبثا، ومجانة في ~~السفه وخبثا، فثبت بينهما شبه الاستواء، وحكم عليها حكم السواء، في حالين ~~يجمعانهما عنده معا، وفعالين يتساويان فيهما جميعا، فقال في أولاهما لم ~~يمتزجا، ثم قال في أخراهما امتزجا، فجمعهما - عنده في الامتزاج وخلافه - ~~الحالان، واشتراكهما فيما كان من إسآءة وإحسان، وليس في أنهما هما الأصلان، ~~دليل واضح به يثبتان، أكثر من تحكم العماة في الدعوى، والاعتساف منهم فيهما ~~للعشوى، وما ذا يرون قولهم، لو عارضهم مبطل في الدعوى كهم. # فقال: بل النور والظلمة مزاجان، ومن ورائهما فلهما أصلان، هل يوجد من ذلك ~~لهم، إلا ما يوجد لمن خالفهم ؟! PageV01P134 # فإن قالوا: الدليل على ذلك نفع النور، فربما ضرنا النور في أكثر حوادث ~~الأمور، ولما يوجد من نفع قليل غيره، أنفع مما يوجد من أكثر كثيره، لتمرة ~~أنفع في الغذاء لأكلها، من الأنوار في الغذاء كلها، ولئن كانت الدلالة من ~~الدآل على المنكر ضرا، يعود عندهم شرا، إن النور لأدل على طلبات الأشرار، ~~وأكشف لهم عن خفيات ما يبغون من الأسرار، التي عنها تجلى نورهم، وبه كثرت ~~في الضر شرورهم. # وإن كان دليل عماة الظلمة، على ما بينوه أصلا في الظلمة، ضر الظلمة في ~~بعض أمورها، لربما منعت كثيرا من الشرور بستورها، فلم يجد لمنعها بسواتر ~~ظلامها، الأثمة سبيلا إلى تناول آثامها، ولسنا نجد عيانا نورهم من المضآر ~~معرى، ولا ظلامهم في جميع الأحوال مضرا، إلا أن يكون نورهم عندهم غير النور ~~المعقول، فيصيروا بعد إثبات أصلين إلى إثبات أصول، ويحكموا على غائب لا ~~يرى، بحكم لا يتيقن ولا يمترى، يتبين به عند أنفسهم قصرة عماهم، ويصح لهم ~~بله غيرهم فيه خطاهم. # ثم يقال لهم أيضا: حدثونا عن نور الشمس، وما يباشر أبصار المبصرين منه ~~عند شروقه باللمس، أليس نافعافي نفسه، وعند مباشرة لمسه ؟! # فإن قالوا: بلى، وكلما تلألأ؛ لأنه يتلألأ فيشرق وينير، وكذا الأمر به كل ~~نور إما قليل وإما كثير. # قيل: فما باله يعشي أبصار ms02 الناظرين ويؤذيها ؟! وما بال بعض الحيوان لا ~~تبصر مع ضوء الشمس وتلاليها ؟! # فإن قالوا: لعلة أن النور إذا أشرق على ناظر الانسان، وغيره مما يبصرمع ~~ضوء الشمس من الحيوان، رد مع شروقه ما في النواظر، من الظلمة إلى الناظر، ~~فلم ير فيه، ولم يطق النظر إليه. # قيل: فالظلمة في قولهم تستر، فكيف مع مكانها في الناظر تبصر، وقد ترى ~~الأبصار، إذا أشرقت الأنوار، تبصر حينئذ الأشياء، وترى الظلمة والضياء، فلو ~~كانت الظلمة لها سترة، لما أبصرت ما ترونها له مبصرة. PageV01P135 # فإن قالوا: الحرارة هي التي فعلت ذلك بالأبصار؛ لأن النور من شأنه دفعها ~~إلى ما هي فيه من محجر القرار. # قيل: فالحرارة عندكم يا هؤلاء من شأنها الإحراق، وقد يرى الناظر يديم ~~النظر إلى شروق الشمس فلا يحرق ناظره الإشراق! وقد يزعمون أن الحرارة في ~~الظلمة أوكد، وفي سوسها وكونها أوجد، ثم يديم الناظر إليها نظره، فلا يعشيه ~~ولا يحرق بصره! فأي دليل أدل على تلعبهم، وأوضح برهانا على سفه مذهبهم ؟! ~~من هذا عند من ذاق من المعارف ذوقا، وعقل بين مفترقات الأشياء فروقا!!. # وأخرى يا هؤلاء فافهموها، تدل فيها على غير الأوهام التي توهموها، أن ~~الشديد الرمد يجد في الظلمة راحة وفترة، وأنه يجد في النور عند مقاربته له ~~مضرة منكرة، فلا نرى الظلمة إلا تفعل خيرا، ولا النور إلا يفعل شرا كبيرا. # وهذا فقد يبين أيضا بوجه آخر، يدل على خلاف ما قالوا في الخير والشر. # وهو أن يقال لهم في الماء، إذ زعموا أنه مزاج من النور والظلماء: ما بال ~~قليله ينفع وكثيره يضر ؟! # فإن قالوا من قبل أن المزاج يقل ويكثر. # قيل: فما بال كثير نوره، في الكثير من بحوره، لا يمنع ضر كثير ظلمته، كما ~~منع قليل نفعه قليل مضرته ؟! # أم تزعمون أن قليل النور أقوى من كثيره، فهذا من القول هو المحال بعينه، ~~أن يكون قليل من شيء هو أقوى من كثير، كان منيرا أو غير منير! # ومما - أيضا - يدخل عليهم، أن يقال إن ms03 شاء الله لهم: حدثونا يا هؤلاء عن ~~الثور ما باله يفر عن الحر إذا أحرقه إلى البرد والضلال، ويفر من البرد إذا ~~آذاه إلى الصلاء والنار، وهما في زعمكم جميعا ظلمة مضرة، ليس لأحد فيهما ~~منفعة ولا مسرة! ولن يخلو عندكم أن يكونا من سوسه فينفعاه، أو مما زعمتم من ~~خلافه فيضراه ؟! # فإن قلتم بما فيهما من مزاج النور انتفع ؟ # قيل لكم: فإلى أيهما فر ونزع ؟! # فإن قالوا: إلى أكثرهما نورا، وأقلهما من المزاج شرورا. PageV01P136 # قيل: لئن كان من الشر إلى الخير صار بفراره، لقد أدركه الشر منهما في مقره ~~وقراره، وإن ذلك لما لا ينمي أبدا، ولا يكون حيث كان إلا ضدا. # ثم يقال لهم: هل الظلمة مضآدة للنور ؟ # فإن قالوا نعم. # قيل: أبمثل ما يعقل من تضآد الأمور ؟ # فإن قالوا: نعم. # قيل: إن الضد لا يجامع أبدا ضدا، إلا أفناه فكان له عند المجامعة مفسدا، ~~ولا تكون المضآدة من الشيئين واقعة، إلا لم تجمعها بعد تضآدهما جامعة، إلا ~~مع بطلان موجود أعيانهما، أو تبدلهما باجتماعهما عن معهود شأنهما، كبطلان ~~الثلج والنار عند اعتلاجهما، أو كتبدل اللونين أو الطعمين في امتزاجهما. # فكيف يصح لما زعموا من الأصلين الاجتماع ؟! أو يوجد منهما بعد المزاج ~~إضرار أو انتفاع ؟! وهما لا يكونان إلا متنافرين، أو مزاجا فيكونا متغيرين، ~~كتغير الممتزجات عند مزاجها إلى فعال واحد، يجده منها بدرك الحوآس أو بعضها ~~كل واحد. # لا كما قال ( ماني ) المكابر لدرك حسه، المخالف فيما قال ليقين نفسه، ~~المتلعب في مذهبه، السفيه بمتلعبه. # وهذا أيضا يكذب قولهم، أن يقال لهم: حدثونا ممن موجود الضحك والبكاء ؟ # فإن قالوا: هما من الظلماء. لم يصح أن يكونا وهما متضآدان من واحد غير ~~متضآد. وكذلك إن قالوا من النور لم يصح أن يكونا منه وهو واحد غير ذي تضآد. # وكذلك الجوع والشبع، والصبر والجزع، والفرح والحزن، والجرأة والجبن، وهذا ~~كله، وفرعه وأصله، عندهم شر مذموم، وفي كل حال مقبح ملوم؛ لأنه قد يضحك ~~ويبكي، ويصح في هذا الدار ويشتكي، ms04 ويجوع ويشبع، ويصبر ويجزع، ويفرح ويحزن، ~~ويجترئ ويجبن، من يكون ذلك كله منه عندهم في بعض الحال شرا، فكفى بهذا لمن ~~أنصف الحق من نفسه منهم معتبرا. PageV01P137 # فهذا أصل قول ( ماني )النجس الرجيس، الذي لم يسبق قوله فيه قول إبليس، ولم ~~يعب على الله بمثله قط عات، ولم يقصر بمعتقده عن غايات الضلالات، وعلى هذا ~~- من قوله، وما وصفنا فيه من أصوله - مات ماني لعنه الله لعنا كثيرا، وزاده ~~إلى ناره سعيرا. PageV01P138 ### || AUTO [الرد على بن المقفع] # ثم خلف من بعد ماني أبي الحيرة والهلكات، خلف سوء استخلفه إبليس على ما ~~خلف ماني من الضلالات، يسمى ابن المقفع، لعنه الله بكل مرأى ومسمع، فورث عن ~~ماني في كفره ميراثه، وحاز عن أبيه ماني فيه تراثه، فعقد بعنقه من ضلالاته ~~أرباقها، وشد على نفسه من هلكاته أطواقها، فنشأ في الغواية منشأه، وافترى ~~على الله ورسله إفترآءه، فوضع كتابا أعجمي البيان، حكم فيه لنفسه بكل زور ~~وبهتان، فقال من عيب المرسلين، وافترى الكذب على رب العالمين، بما تقوم له ~~ذوائب الرؤوس، وتضطرب لوحشته أركان النفوس، ووصل إلينا في ذلك كتابه، وما ~~جمحت به فيه من الإفك ألعابه. # فرأينا في الحق أن نضع نقضه، بعد أن وضعنا من قول ماني بعضه، إذ كان ماني ~~العمي له فيما قال من الضلال إماما، فأما النقض على ماني فسنضع له إن شاء ~~الله كتابا تآما . # زعم ابن المقفع اللعين عماية وفرطا، أنه لا يرى من الأشياء كلها إلا ~~مزاجا مختلطا. كذلك زعم النور والظلمة، اللذان هما عنده الجهل والحكمة . # فاعرفوا إن شاء الله هذا من أصله، فإنا إنما وضعناه لنكشف به عن جهله، ~~وبالله نستعين في كل حال، كانت منا في قول أو فعال . # كان أول ما افتتح به كتابه، ما أكذب به نفسه وأصحابه، أن قال: # بسم النور الرحمن الرحيم # فإن كان النور هو الذي فعل اسمه(فلا اسم له، وإن لم يكن فعل اسمه فمن ~~فعله، فإن هم ثبتوا له اسما غيره لم يكن إلا ms05 مفعولا، وإن كان هو اسمه )كانت ~~أسمآؤه ممن سماه فضولا، والفضول عندهم من كل شيء فمذمومة، وأسماؤه إذا كلها ~~شرور ملومة، فهل يبلغ هذا من القول، إلا كل أحمق أو مخبول. # وقال: الرحمن الرحيم، فلمن زعم ألنفسه أم للأصل الذميم ؟! فإن كان عنده ~~رحمانا رحيما، لمن لم يزل عنده شرا مليما، إن هذا لهو أجل الجهل، والرضى ~~عما ذم من الأصل، وإن كان إنما هو رحيم رحمان، لما هو من نفسه إحسان، فهذا ~~أحول المحال، وأخبث متناقض الأقوال. PageV01P139 # ثم قال: أما بعد: فتعالى النور الملك العظيم، فليت شعري أي تعال يثبت لمن ~~هو في أسفل التخوم!! ومن هو مختلط عنده بكل مذموم، من الأنتان القذرة، ~~والبول والعذرة، وبكل ظلمة هائلة، وأوساخ سائلة، مرتبط في الأسافل، مزلزل ~~فيها بأمواج الزلازل، لا يطيب منها نتنا، ولا يعيد قبيحا حسنا، ولا هائلا ~~أنسا، ولا سائل بول يبسا. # أي ملك لمن لا يملك إلا نفسه وحدها ؟! ولا يستطيع رشدا إلا رشدها! ولا ~~يتخلص من مرتبط عدو! ولا يقدر على النجاة من سو! وأي عظمة تحق لمناوئ ضده ~~بالمباشرة ؟! ولم يعل عدوه بغلبة - له عن مباشرته - قاهرة، ومن فرقته ~~المناوآة أعضاء ؟! ومزقته المحاربة أجزاء ؟! ومن حطه حربه من أعالي العلى ~~؟! إلى بطون الأرض السفلى ؟!! # ثم قال زعم: الذي بعظمته وحكمته ونوره عرفه أولياؤه. فليت شعري أنور ~~أولئك عنده أم ظلمة ؟! فإن كانوا نورا فهم أجزاؤه، أو ظلمة فتلك - زعم - ~~أعداؤه، فهو الذي لا ولي له في قوله، ولم يؤمن عليه الفناء بعد زواله، عما ~~كان معهودا من حاله، ومع ما صار إليه من انتقاله، عن دار أودآئه، إلى دار ~~أعدائه . # فيا ويل ابن المقفع، أي مشسع عن الحق شسع، وأي متطوح من الضلالة تطوح، ~~وإلى أي طحية من العماية تروح. PageV01P140 # فافهموا أيها السامعون عجيب أنبائه، وتدبروا من قوله معيب أهوائه، إذ زعم ~~أن بعظمة نوره، وحكمة ما ذكر من زوره، كانت أولياؤه - زعم - عارفة، كأنه ~~يثبت أنها كانت به جاهلة، ومع تثبيت هذا من القول ms06 في أموره، ثبت عمى الجهل ~~والشر في نوره، ثم نسب عظمة إلى عظيم، وثبت حكمة لحكيم، فأضاف نورا إلى ~~منير، ولا يخلوذلك من أن يكون قليلا من كثير، فيكون كثير ذلك أفضل من ~~قليله، فيكون مقصرا بالقليل عن الكثير وتفضيله، والتقصير نقص والنقص عنده ~~شر من شروره، والشر - زعم - لا يكون أبدا في نوره. فاسمعوا لقول التناقض، ~~وزور حجج التداحض، ففي واحدة مما عددنا، وأصغر ما من قوله أفسدنا، كفاية ~~نور كافية، وأشفية من الضلالة شافية، لمن أنصف فاعتبر، واعتبر فادكر. # فإن زعم أن عظمته ونوره وحكمته هن هو، زال عنه بزواله عنهن إذ هواهن ~~الارتفاع والعلو، إلا أن يزعموا أنه ليس في الأرض للنور عظمة، ولا في دار ~~هذه الدنيا من حكمه حكمة، فيكون هذا ترك قولهم كله، والخروج من معهود فرعهم ~~فيه وأصله. # ثم قال زعم: والذي اضطرت عظمته أعداءه، الجاهلين له، والعامين عنه، إلى ~~تعظيمه - كما زعم - لا يجد الأعمى بدا مع قلة نصيبه من النهار أن يسميه ~~نهارا مضيئا. PageV01P141 # وجهله بما بين العامين والعمين من الفرق في اللسان، أوقعه بحيث وقع من جهله ~~بمخارج القرآن، والعامي فإنما هو ما نسب إلى أعوام الزمان، والعمي فإنما هو ~~أحد العميان، فكيف ويله مع جهله لهذا ومثله، يقدم على تعنيف وحي كتاب الله ~~ومنزله، الذي نزله على رسله، سبحان الله ما يبلغ العمى بأهله!! فثبت العظمة ~~من نوره جزءا، وجعلها من أعضائه عضوا، ونسب إليها بعد فعلا، زالت به عن عدو ~~النور جهلا، ورفعت به عن العمين - زعم - عماهم، والعمون فلا يكونون عنده ~~إلا ظلماهم، فلا نرى عظمتهم عندهم، وإن كابروا في ذلك جهدهم، إلا وقد أولت ~~الظلمة خيرا كثيرا، وأحدثت للجهل والعمى تغييرا، وهو يزعم في قوله، أنه لا ~~تغير في شيء من أصوله، والأعمى فلم ينكر قط نهارا، ولم يستصغر نهاره ~~احتقارا، ولم يعارضه به جهل، ولم يكن له عما فيه تبدل، وأعداء نوره به - ~~زعم - جاهلة، وعن مذهبه فيه ضآلة مضلة، فكيف يصح تمثيله لهم بالأعمى ms07 ؟ إن ~~هذا لصمم من ابن المقفع وعمى!! # ثم قال: ومسبح ومقدس النور. النور الذي - زعم - من جهله لم يعرف شيئا ~~غيره، ومن شك فيه - زعم - لم يستيقن بشيء بعده. # فاسمعوا في هذا القول من أعاجيبه! وما استحوذ عليه فيه من ألاعيبه!! قال ~~ومسبح فمن تأويله مسبحه، إذ ليس إلا هو وعدوه الذي لا يسبحه، فإن كان إنما ~~يسبح نفسه، فإنما يسبح جنس جنسه، فما في ذلك له من المدح! وما يحق بهذا من ~~مسبح وغير مسبح، وإن كان إنما سبحه جزء من أجزائه، فإنما سبح الجزء نفسه ~~وغيره نظيره من أكفائه، وقد يحق له يا هؤلاء على الأكفاء، من تسبيحه ما يحق ~~لها عليه بالسواء، وهو مسبح ومسبح، ومادح وممتدح، فليس له من مسبحه إلا ما ~~عليه مثله من تسبيحه، ولا له من مادحه إلا ما عليه من مديحه، وكل هذا أعجب ~~عجيب! وقول متناقض وتكذيب!! PageV01P142 # قال: ومقدس وإنما مقدس مفعل ومعناه فمبرك، فمن يبركه وهو عنده يبرك ولا ~~يبرك، وليس معه إلا عدوه، الذي لا سو إلا سوه، فنفسه تبركه، فقد كان إذا ~~ولا بركة له. فسبحان الله ما أفحش خطاهم! وأبين جهلهم وعماهم !! # فإن قال قائل منهم فبهذا فقد قلتم، وقد يدخل لهم عليكم ما أدخلتم!! # قلنا أما مسبح فنقولها، وأما مقدس فأنت تقولها، ونحن لا من طريق ما كفرت، ~~فقد نقولها في النور الذي ذكرت، لأن الله تبارك وتعالى بارك فيه، وفطره من ~~البركة على ما فطره عليه، فينفع بقدره، في بعض أمره، فدل بذلك على بركته، ~~وإحسان ولي فطرته، ولكنا نقول في الله: الملك القدوس كما قال، إذ كان كل ~~شيء فبقدسه نال من قدس البركة ما نال . # ومسبح فقد نقولها، إذ نجدها له ونعقلها، من كل ما هو سواه مفطورا، ظلمة ~~كان ذلك أو نورا، فأما هذيان التعبث، وقول التناقض والتنكث، فهو بحمد الله ~~مالا نقول، مما لا يقارب قول أهل العقول، فأما قوله: الذي من جهله لم يعرف ~~شيئا غيره، فافهموا فيه هذيانه وهذره، ms08 فلعمر أبيه، ولعمر مغويه، لقد يعرف - ~~الطب والصناعات، وأنواع ما تفرق فيه الناس من البياعات - من لا يعرف نوره، ~~ولا يتوهم أموره، يعرف ذلك يقينا من نفسه ابن المقفع، ويرى منه بيانا بكل ~~مرأى ومسمع، كم ترون من طبيب طلب منه ابن المقفع الدواء ؟! أو موصل من ~~العوام أوصل إليه سراء أو ضراء ؟! توقن نفسه أن طبيبه يداويه، وأنه لا ينجع ~~فيه بغير يقين تداويه. # وكذلك من أوصل إلى ابن المقفع ضرآءه فقد يعلم أنها غير سرآئه، أو أوصل ~~إليه سرآءه فقد يوقن بتا أنها غير ضرآئه، وهذا من تكذيبه فيما قال فأتم ~~موجود، كثير بين الناس في كل ساعة معهود، لا يشك في يقينه أهل الطب ~~والصنائع، ولا العآمة فيما تدبر من المضآر بينها والمنافع، وكلهم لا يوقن ~~بشيء مما زعم في نوره، بل يزعم أن الجهل في كل ما هو عليه من أموره . PageV01P143 # ثم ابن المقفع فقد يعلم بتا يقينا، أن الناس لا يثبتون لشيطانه فعلا ولا ~~عينا، فأي أمر أعمه عمها ؟! أو ضلالة أقل شبها ؟! من ضلالة دخلت بأهلها، في ~~مثل هذا السبيل من جهلها ! فنعوذ بالله من خزي الأضاليل، ونعتصم به من لهو ~~الأباطيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم ~~تسليما كثيرا طيبا مباركا فيه . # وأما ما بعد هذا من حشو كتابه، فإنا قصرنا - لضعفه - عن جوابه. ثم قال ~~وتلعب في بعض كلامه، وجوز ما حكم به لنفسه من أحكامه: فقد يبصر المبصرون - ~~زعم - أن من الأمور محمودا، وأن منها مذموما. فقال منها ولم يقل كلها، وسقط ~~عنه بعضها وفضلها، وإذا كان لأيها كان بعض وكل، كان لكلها يقينا على بعضها ~~فضل، وإذا ثبت بين النور التفاضل، ثبت لبعضه على بعض فضائل، وإذا كان النور ~~فاضلا ومفضولا، فقد عاد النور بعد أصل أصولا، إذ الفاضل والمفضول اثنان، ~~والفضل والنقص منهما شيئان، والفاضل فخير حالا، والمفضول أسفل سفالا، فكل ~~جزأين من أجزائه، فهما خير من جزو، وكل عضو من أعضائه، فهو في ms09 الشر كعضو، ~~وهما إذا اجتمعا، خير منهما إذا انقطعا، فمرة فيهما خير عند الاجتماع، ومرة ~~فغيرهما خير منهما عند الانقطاع. # وكذلك أيضا فقد يدخل عليهم في الظلمة وتفاضلها، ما يصيرهم إلى أن شر ~~البعض منهما أقل من شر كلها، إذ شر كلها أكثر من شر بعضها، وإذ الشر من ~~أقلها ليس هو أكثر من شر كلها، فالنور في نفسه واسمه شر ضرار، ونافع شرار، ~~وذلك أنه يقل والقلة عنده شر فيعود نوره ضرا، ويقصر عن قدر مبلغ كماله ~~والتقصير عنده ضر فيعود ضرا، والظلمة فخير عندهم وشر، ونفع وضر، إذ قليلها ~~مقصر في الشر، عن مبلغ كثيرها في مواقعه من الضر، وبعضها كذلك مع كلها، ~~فرعها فيه ليس كأصلها. PageV01P144 # فأي عدوان أعدى ؟! أو طريقة أقل هدى ؟! مما تسمع من أمورهم أيها السامع، ~~فلتنفعك في بيان قبائحه المنافع، وأيا ما - ويله - رأى من الأشياء، من كل ~~ظلمة أو ضياء، يحمد أو يذم في الناس دائبا، وليس في الحمد والذم عندهم ~~متقلبا، ألم ير أن الظلمة ربما نفعت فحمدت، وذلك إذ استترت الأبرار بها عن ~~ظلم الظالمين فسلمت، وطلبت فيها وبها، البردفأدركته في طلبها، فهذا منها ~~نفع ظاهر في دنيا ودين، يراه بينا من أمرها كل ذي عين وقلب رصين، ثم تعود ~~منافعها مضآرا، إذا أعطت هذا منها أشرارا، وكذلك أحوال النور، في جميع ما ~~يرى من الأمور، ربما نفع فيها، ثم عاد بالضر عليها، وقد ذكرنا من ذلك في ~~صدر كتابنا طرفا، فيه لمن أنصف في النظر ما كفى. # وقال في كتابه زعم لبعض من دعاه: إن الذي دعاه إليه رجاؤه فيه للهدى. فمن ~~ياوله رجا، الظلمة التي لا ترجا، ولا يكون منها أبدا إلا الأذى، ولا ~~يفارقها أبدا عنده العمى ؟ أم النور الذي لا يخشى ولا يعمى ؟! ولا يكون منه ~~أبدا عنده إلا الرضى ؟! بل ليت - ويله - شعري، فلا يشك- زعم - ولا يمتري، ~~من الذي يدعوه إلى الإحسان من الإسآء ؟! ومن الذي ينادي به إلى الصواب عن ~~الخطأ ؟! أهو النور الذي ms10 لا يسي ؟! والمصيب الذي لا يخطي ؟! فلا حاجة له ~~إلى دعائه وندائه، وهو لا يسيء أبدا فيكون كأعدائه، أم المسيء الذي لا يحسن ~~؟! والمخطئ الذي يشتم ويلعن ؟! كان يا ويله إليه دعاؤه، وبه كان ندآؤه، ~~فأنى يجيبه وليس بمجيب ؟! وأنى يصيب من ليس أبدا بمصيب ؟! PageV01P145 # إن ابن المقفع ليكابر يقين علم نفسه، وإن به لطائفا من لمم الشيطان ومسه، ~~بل مثل ابن المقفع يقينا، وما مثله الله به تبينا، ما ذكر الله جل ثناؤه، ~~وتباركت بقدسه أسماؤه، حيث يقول: { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون } [الأعراف :179]. يقول الله سبحانه: { ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعلمون } ~~[الأعراف :180] . ثم قال سبحانه: { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ~~} [الأعراف: 181]. فلعمر الحق وأهله، ما وفق ابن المقفع فيه لعدله، ألم ~~يسمع ويله، قول الله لا شريك له: { أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ~~وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده ~~يؤمنون، من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون } [الأعراف : ~~185- 186]. فيا ويل ابن المقفع لقد أداه عتهه وعماه في الأمور، إلى أجهل ~~الجهل فيما وصف من الظلمة والنور، وليس علته فيما أحسب من ضلاله، ولا علة ~~من تبعه عليه من جهاله، إلا قلة علمهم بما شرع الله به دينه ونزل به كتابه ~~من الحكمة، لاعن شبهة دخلت عليه ولا عليهم فيما وصفوا من النور والظلمة، ~~فلما - عموا عن حكمالله في ذلك ورسله، وما حكم به فيه سبحانه من أحكام ~~عدله، ورأوا فيه ما ظنوه تناقضا، ورأوا كل أهل ادعائه فيه متباغضا، ولم ~~يلجأوا إلى الله في جهله باستسلام، ولا عصمهم فيه من صالح عمل بعروة ~~اعتصام، ولم يلقوا - فيما اشتبه منه - من جعلهم الله معدنه، فيكشفوا لهم ~~الأغطية عن محكم نوره، ويظهروا لهم الأخفية من مشتبه أموره، الذين جعلهم ~~الله الأمناء عليها، ومن عليهم بأن جعلهم الأئمة فيها، ولم يجدوا عند علماء ms11 ~~هذه العامة فيما اشتبه عليهم منه شفاء، ولم يرجوا منهم في مسألة لو كانت ~~لهم عنه اكتفاء - ازدادوا بذلك إلى حيرتهم فيه حيرة، ولم تفدهم أقوال ~~العلماء فيه بصيرة، حتى بلغني PageV01P146 والله المستعان - من تهافت الضعفاء في هذا المذهب العمي، لما رأوا من جهل ~~علماء هذه العامة بما فيه لأهله من الدعاوي ما دعاني إلى وضع أقواله، ~~والكشف عما كشف الله عنه من ضلاله، وإن كان عندنا قديما لحمقه وضعفه، لمما ~~لا أحسب بأحد حاجة إلى كشفه، حتى بلغني عن الحمقى منه انتشار، وتتابعت ~~بانتشاره علي أخبار، ورفعت إلينا منه مسائل عن ابن المقفع، لم آمن أن يكون ~~بمثلها اختدع في مذهبه كل مختدع، فرأيت من الحق علينا جوابها، وقطع ما وصل ~~به من باطله أسبابها، فلينصف فيها، من نظر إليها، وليحكم - فيما يسمع منها ~~نقائضها - حكم الحق، فإنه أعدل الحكم وأرضاه عند من يعقل من الخلق، وما ألف ~~من مسائله هذه وجمع، فهو ما أوقعه من الضلال بحيث وقع، فذكر فيها النور ~~والظلمة تلعبا، وتلعب بذكرهما فيهما كذبا. # فافهموا عنا جواب مسائله، فإن فيه إن شاء الله قطع حبائله، التي لا تصيد ~~صوائدها، ولا تكيد له كوائدها، إلا حمقان الرجال، وموقان الأنذال، كان أول ~~ما بدأ منها، وقال به متحكما عنها: إن سألناك يا هذا فما أنت قائل: أتقول ~~كان الله وحده ولم يكن شيء غيره. # فاعرفوا يا هؤلاء فضول قوله، فإنلم يكن شيء غيره هو من فضوله، التي كثر ~~بها كتابه، وضلل بها أصحابه، ومسألته هذا مما كان جوابه فيه قديما، من كل ~~من أثبت لله من خلقه توحيدا وتعظيما، وفي ذلك من كتب ضعفة الموحدين ~~وعلمائهم، ما فيه اكتفاء لمن نظر في آرائهم، ففي كتبهم فانظروا، ومن نور ~~قولهم فيه فاستنيروا، ففيها لعمري منه ما كفى، وصفوة هدى لمن اصطفى، ومع ~~ذلك فسنجيب مسألته، ونقطع إن شاء الله علته . PageV01P147 # نعم وكذلك يقول في الله فليعقل قولنا فيه من سمعه، ممن لم يتبع ابن المقفع ~~وممن تبعه، فقد ms12 يعلم كل أحد أن الواحد لا يكون واحدا، عند من أثبت له ندا ~~وضدا، وأنه متى كان معه غيره، ضده كان ذلك أو نظيره، زال أن يكون معنى ~~الواحد المعلوم ثابتا، ويعلم كل أحد أنه لا يكون ذو الأجزاء إلا أشتاتا، ~~ولا تكون أبدا الأشتات إلا كثيرا، ولا تكون أجزاء إلا كان بعضها لبعض نظيرا. # أو ليس معلوما معروفا أن من وراء كل غاية غاية، حتى ينتهي المنتهي الذي ~~ليس من ورائه غاية ولا نهاية، وأنه إن كان مع غاية غاية، أو بعد نهاية عند ~~أحد نهاية، فلم تصر بعد إلى غاية الغايات، ولم ينته عقله إلى نهاية ~~النهايات، وأنه يصير بالعظمة عند النظر من عظيم إلى عظيم، حتى يقفه النظر ~~على غاية ليس وراءها مزيد في تعظيم. # وكذلك الأمر في كل معلوم أو مجهول، حتى ينتهي إلى الله الذي لا يدرك إلا ~~بالعقول، فيجده كل عقل سليم، وفكر قلب حكيم، واحدا لا اثنين، وشيئا لا ~~شيئين، عظيم ليس من ورائه عظيم، وعليم ليس فوقه عليم، ذلك الله الرحمن ~~الرحيم، الواحد الأول القديم، القدوس الملك الحكيم، الذي لا تناويه الأعداء ~~بمقاتلة، ولا تكافيه الأشياء بمماثلة، وهو الله الذي لم يلد ولم يولد، ~~والصمد الذي ليس من ورائه مبتغى يصمد، غاية طلب الخيرات، ونهاية النهايات، ~~وإذا صحح حجتنا في هذا صوابنا، فهو لمن سأل عن وحدانية الله جوابنا. # فأما ما ذكر بعد هذا من القيل، فحشو مسربل بهذيان الفضول، ليس له مرجوع ~~نفع، ولا يحتاج له إلى دفع. # أرأيتم حين يقول: انقلب عليه خلقه الذين - زعم - هم عمل يديه، ودعاء ~~كلمته، ونفخة روحه، فعادوه، وسبوه وآسفوه، وأنشأ تعالى يقاتل بعضهم في ~~الأرض، ويحترس من بعضهم في السماء بمقاذفة النجوم، ويبعث لمقاتلتهم ملائكته ~~وجنوده. PageV01P148 # فيا ويل ابن المقفع ما أكذب قيله! وأضل عن سبيل الحق سبيله!! متى قيل له - ~~ويله - ما قال ؟! أو زعم له أن الأمر في الله كذا كان ؟! ومتى - ويله - ~~قلنا له أن من قوتل هو من قذف بالقذف ms13 ؟! وأن الله في نفسه هو المحترس أف ~~لقوله ثم أف!! بل الله هو المانع لأعدائه، من أن يصلوا من العلو إلى مقر ~~أوليائه، تعريفا - بعدل حكمه، وفيما تعلم الملائكة من علمه - بين الشياطين ~~العصاة، وبين الملائكة المصطفاة، ورحمة منه سبحانه للآدميين، وإقصآء عن علم ~~السماء للشياطين، توكيدا به لحجته سبحانه وإحداثا، وإحياء به لموتى الجهالة ~~وانبعاثا، وإكراما منه بذلك لنبيه، وصيانة منه لوحيه. # فمن أين - يا ويله - أنكر من هذا ما كان مستبانا ؟! وما يراه الناس في كل ~~حال عيانا ؟! أو يقول إن ما يرى من هذا لم يزل، وأنه ليس بحادث كان بعد أن ~~لم يكن، فأين كانت مردة قريش عن الرسول به ؟! ودلالتها للعرب فيه على كذبه، ~~وهو يزعم لها أن ما رمي بها عند بعثته، وأن الرمي بها علم من أعلام نبوءته، ~~فلو كانت عند قريش - على ما قال - حالها، لكثرت على الرسول فيه أقوالها، ~~ولما أرادوا من شاهد أكبر بيانا من هذا في إكذابه، ولكن ابن المقفع يأبى في ~~هذا وغيره إلا ما ألف من ألغابه. PageV01P149 # للعرب إذ أكثرها أهل ضواحي وبادية، وقريش فإذ كانت منازلها على جبال عالية، ~~أحدث بالنجوم عهدا، وأشد في الكفر تمردا، من أن يكون أمرها على خلاف ما قال ~~الرسول فيها، ثم لا يكذبونه فيما زعم من اختلاف حاليها، وإلا فالرسول كان ~~في حكمته، وفيما كان له عليه السلام من فضيلة الصدق عند عشيرته، يتقول مثل ~~هذا لعبا، أو يفتريه عندهم كذبا، بل ليت شعري ما أنكر ؟! ولم - ويله - نفر ~~فاستكبر، من أن ترجم الشياطين على علم وحي الله ومنزله، كي لا تسبق به ~~الشياطين إلى أوليائها قبل رسله، فينتشر علمه قبلها في الناس انتشارا، ~~فيزداد مثله يومئذ له إنكارا، ويحكم له فيه ظنونه، ويزيد فتنة به مفتونه، ~~فأيما من هذا أنكر في رحمة الله الرحيم، وفيما خص الله به رسله من التكريم . # فإن قال فما باله إذا أراد إنزاله ؟! لم يطوه حتى لا يناله، شيطان رجيم ~~مريد، ولا مطيع رشيد، ms14 إلا رسوله من بين خلقه وحده، فيكون هو الذي يبث رشده ؟! PageV01P150 # فليعلم أنه لم يصل إلى الأرض من الله حكمة في تنزيل، إلا كانت ملائكة الله ~~أولى فيها بالتفضيل، لأنها صلوات الله عليها أطوع المطيعين وأعلمهم عن الله ~~بحكم التنزيل، وأنها في ذلك متعبدة، وبه لله عز وجل ممجدة، وإنما تعبدها ~~الله سبحانه بالعلم، وفضلها في العبادة للحكم، والتنزيل بعلم العلوم، ~~وبحكمة كل محكوم، وجبلة الجن جبلة، للسمو إلى السماء محتملة، والجن فهم ~~بفضل أهل السماء عالمون، وإلى علم ما عندهم من العلوم متطلعون، فإذا دارت ~~في الملائكة حكمة وحي نزل فيها، أو عدل حكم حكم به في الأمور عليها، استرقت ~~منه الجن ما سمعت في مشاهدها، وما ذكرت أنه لها هناك من مقاعدها. ألم تسمع ~~قولها في ذلك، وخبرها عن مقاعدها هنالك، { وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت ~~حرسا شديدا وشهبا، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا، وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } ~~[الجن: 8- 10]. # وهذا يا هؤلاء فإنما كان منها، ونبأ الله به فيما أدى عنها، بعد أن قالت ~~: { إنا سمعنا - في الأرض - قرآنا عجبا } [الجن:1]، ألا تسمعها تقول بعد: { ~~وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا }. PageV01P151 # وما ابن المقفع بمأمون، من أن يظن أن الحرس شرطيون، لما بلونا من جهله ~~باللسان، وقلة علمه بمخارج القرآن. وإنما الحرس مثل على معنى الحفظ لها، ~~بما جعل من الرجم دونها، فازدادت الجن بما وجدت هنالك، يقينا وإيمانا بذلك. ~~فما ينكر من القذف بالشهب، وغيره ما فيه من التعجب ؟! هل ذلك ممن يقدر ~~عليه، إلا كغيره مما هو فيه، وقد زيد به في هذا من من الجن اهتدى، وتجنب ~~طرق الضلالة والردى، وكان فيه منع لتوكيد كذب الشياطين، ودفع عن الرسول ~~لتصديق أقوال المكذبين، والله يقول لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله، في ~~السورة نفسها، ومع ذكر الشياطين وحرسها، { قل إن أدري أقريب ما توعدون أم ~~يجعل له ms15 ربي أمدا، عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من ~~رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ~~وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } [الجن: 25- 28]. # وأما قوله في القتال: وأنزل ملائكته فإذا غلبوا عدوا قال: أنا غلبته، أو ~~غلب له ولي، قال: أنا ابتليته. # فما أنكر ويله من أنا غلبته ؟! وقد قاتلت معه ملائكته، وقد قذف بالرعب في ~~قلوبهم، وبث الرعب في مرعوبهم، وما ينكر من قتلهم - ويله - بالملائكة، وهل ~~ذلك بهم إلا كغيره من كل هلكة، إلا أن ملائكة الله في ذلك متعبدة مثابة، ~~وأنه منه جل ثناؤه بالملائكة لأعدائه معاقبة، وأنه لأوليائه عز ونصر، ~~ولأعدائه ذل وكسر. # فإن قال:ألآ قتلهم بما هو أوحى !واجتاحهم بغير القتل اجتياحا !! # فهذا إن دخل علينا له دخل في الملائكة، دخل في غيره من كل هلكة، يقال في ~~كل واحده بعينها، ألآ كان الأمر بغيرها ! وكل ما كان به كائن الهلكة، فهو ~~أمره بالملائكة أو غير الملائكة. PageV01P152 # فإن قال: ألآ خلق الناس أبرارا ! ومنعهم أن يكونوا أشرارا ! فمسألة من سأل ~~عن هذا محال، وليس لأحد علينا في هذا مقال، لأنه إنما يكون البر برا، ما ~~فعله فاعله متخيرا، فأما ما جبر عليه صاحبه جبرا، فلا يكون منه خيرا ولا شرا. # وفيما قال:أن يكون الانسان إنسانا لا إنسانا، والاحسان إحسانا لا إحسانا، ~~لأن الانسان لا يكون إنسان إلا وهو مملك مختار، والاحسان لا يكون إحسانا ~~إلا ولم يحمل عليه اضطرار. # وأما قوله (في ظفر أعدائه، في بعض الحالات على أوليائه)، فليس ويله ~~بموجود من قولنا صحيح، يعلمه كل أعجمي منا أو فصيح، أن أوليائه لم تغلب إلا ~~بنصره، ولم تغلب إلا بمخالفتهم أو بعضهم لأمره، والدليل على ذلك أنه لما ~~أمسك عنهم نصره لما كان من عصيانهم، كان ذلك هو بعينه سبب خذلانهم، وأنه من ~~فقد سبب، ما به الغلبة غلب، وأنه غير مستنكر ذلك من فعال حكيم يملكه، أن ~~يعصيه من أعطاه ms16 إياه فيمسكه، فيفقد فيه من نصره ما كان يجد، ويتغير الأمر ~~به إذا عصى عما كان يعهد، فمتى نصر الله له وليا فبرحمته، أو تركه من النصر ~~فبضرب من معصيته، وهذا من الأمر فلا يزول به عن قدير قدرة، ولا تفسد معه ~~لحكيم حكمة، بل الحكمة معه قائمة موجودة، والأفعال فيه منه عدل محمودة . ~~ألم تسمع حكيم الحكماء، وأقدر قادري العظماء، يقول في هذا من نصره وخذله، ~~وقدرته سبحانه وعدله، { إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا ~~الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [آل عمران: 160] . # يخبر عن أنه متى حبس عنهم نصره، حل مع حبسه خذله، فمن لم يخذله سبحانه ~~فأولئك هم المنصورون، ومن خذله فلم ينصره فأولئك هم المبتلون، فما في هذا ~~مما ينكره عقل، أو يفسد فيه من الله فعل، سبحان الله ما أحق في من جهل هذا ~~شبه البهائم ! التي مثلها جل ثناؤه بأهل الجرائم . PageV01P153 # وأما قوله: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الأنفال:17]، فهي فيما أرى ~~والله أعلم، مما قد يجوز في اللسان ويعلم، أنك لم ترم بالرعب في قلوبهم إذ ~~رميت، ولكني أنا الذي به في قلوبهم رميت، وبالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم ~~انهزموا، لا بالرمي بالبطحاء إذ رموا. # ومثل ذلك من الله لا شريك له قوله: { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ~~من صياصيهم فريقا تقتلون وتأسرون فريقا، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ~~وأرضا لم تطئوها، وكان الله على كل شيء قديرا } [الأحزاب: 26 - 28]. فما ~~ينكر من القدير على الأشياء، أن يفعل ما يقدر عليه من الرماء، ما ينكر هذا ~~إلا أحمق، ولا يدفع هذا من الله محق، فالله على هذا وخلافه يقدر، وكذلك ~~قدرته في أن يخذل وينصر، وما صحت في فعله لقادر قدرة، فغير مستنكر أن تكون ~~له وحده مفتعلة، وإلا كان معنى القدرة عليه باطلا، إذ ليس يرى بها القادر ~~طول الدهر فاعلا. # فإن قال قائل : فما تقولون هل يقدر الله على أن لا يدخل ms17 المتقين الجنان ~~؟! ولا من كفر نعمته وأنكره وأنكر رسله النيران ؟ ! # قلنا قديما كان ولم يدخل واحدا من الفريقين مدخله، وإنما القدرة على أن ~~يدخل ولا يدخل فقدما فعله، فقد كانوا قديما ولم يدخلوا، ولابد بعد أن ~~يدخلوا، فقد كان المقدور عليه من لم يدخل، وسيدخل، فافهموا ما قلنا عنا، ~~وضعوا الفهم فيه حكما بيننا . PageV01P154 # وأما قوله: فقتلت أعداؤه أنبياءه ورسله. فما ينكر من قتلهم لهم قاتله الله ~~وقتله، لو لم يقتلوا لم يجب لهم من الكرامة عنده ما أوجبه، ولم يدركوا ثواب ~~ما كان القتل فيه سببه، ولو كان له علينا في قتلهم مطلب لكان في موتهم، ولو ~~دخل علينا بقتلهم وموتهم لدخل علينا في أصل الفطرة لهم، والفطرة لا يكون ~~فيها من الحكمة ما فيها، إلا بموجود البنية التي بنيت عليها، وذلك ما قد ~~فرغنا من الجواب فيه، ودللنا بآثار الله في الحكمة عليه، وفيما وصفنا منه، ~~وأنبأنا به عنه، ما أوضحه، ووضح به فصححه . والحمد لله رب العالمين كثيرا، ~~وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما. # وأما قوله: فأجل عدوه إلى يوم يبعثون. فهو وأصحابه في هذا يلعبون، ولو ~~فسد في التأجيل طول تأخيره، لفسد في ذلك أقصر قصيره! فليت شعري ويله، لم ~~تقابح هذا وأنكره ؟! وهو لو لم يبق لم يعص ولم يطع، ولو لا المعصية والطاعة ~~لم يخلق ولم يصنع ! # وأما قوله: وأمرض خلقه وعذبهم، بما عرض من الأسقام لهم. فلعمري لقد وفاهم ~~سبحانه طبائعهم مفصلة، وسلمها إليهم مكملة، عن هلكات العصيان، وشين معائب ~~النقصان، فما دخلها من سقم بدن، أو فساد متدين، فبعد اعتدال تركيبها، عن كل ~~نقص من معيبها، وما فسد لهم من دين بعصيان، فبعد هدى من الله وبيان، وتخيير ~~في الطاعة وإمكان، فما في الذي ذكر، وفنن فيه فأكثر، مما يدخل له أو لغيره ~~علينا، أو يجد به أحد مقال تعنيف فينا، كأن كلامه، ويله وأحكامه، كلام لم ~~يزل يسمعه من شطار أهل السجون، أو كأنما قبل آدابه عن سفلة ms18 أهل المجون، بل ~~كأنه مجنون مصاب، لا يحق له جزاء ولا عليه عقاب. PageV01P155 # ومتى قيل له، قاتله الله وقتله، ما زعم وقال ؟! وهذى به وهذر إذ سال ؟! أنه ~~أصم خلقه من حيث ظن، وأعماهم كما توهم، أو جبرهم على عصيانه، أو حال بين ~~أحد وبين إيمانه، أو أنه هو أمرضهم، أو عذب بغير ذنب بعضهم، بل نقول هو ~~أسمعهم بالدعاء نداه، ونور أبصارهم بنور هداه. ومن مرض منهم فمن الله يطلب ~~شفاه، وإذا ابتلي ببلاء فهو سبحانه الذي يكشف بلاه، ألم يسمع - ويله، الله ~~تعالى وقوله، عن أيوب نبيئه المبتلى، عليه صلوات الرب الأعلى: { وأيوب إذ ~~نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } [ص: 41]، { إني مسني الضر وأنت ~~أرحم الراحمين } [الأنبياء: 83]. قال الله سبحانه: { فاستجبنا له فكشفنا ما ~~به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين } ~~[الأنبياء: 84]. # أو ما سمع قول إبراهيم، فيما نزل الله به من القرآن الحكيم، فيما ذكر عند ~~الله لمرضه إذا مرض من الشفاء، وأضاف إلى نفسه من الغفلة والخطأ، إذ يقول ~~صلى الله عليه: { الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت ~~فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ~~} [الشعراء: 78 -82]. # وأما قوله: وكل خلقه دمر تدميرا. # فلقد أنكر ويله من تدميرهم ما لم يجعله الله نكيرا .... عصيانهم لله ~~مستحق الطاعة ظلما واعتدا، ومجانبتهم لما جعل الله لهم به النجاة والهدى، ~~هو الذي به هلكوا ودمروا، بعد أن بصرهم الله منجاتهم فلم يبصروا، إلا أن ~~يكون توهم أن الله هو الذي حملهم على العصيان وجبرهم، فكيف يا ويله وهو ~~الله الذي مكنهم فيه وخيرهم ؟! وما أجبر أحدا تعالى على إحسان، فكيف يجبره ~~له على عصيان ؟! ولم يسخط ما قضى، ولا رضي إلا بما فيه الرضى، ولم يغضب له ~~من فعال، ولم يتضآد بحال، ولم يتناول عدوا بقتال، ولم يتمثل في شيء بمثال، ~~وإذا مرض خلقه شفاهم، أو تعاموا عن الهدى أراهم. PageV01P156 # فيا ms19 عجبا ممن جهله! وأنكر حقه وعطله!! لو كان الله سبحانه صاحبا لوجب حقه!! ~~فكيف والخلق خلقه ؟! وهو خالق الخلق ومبتدعه، والمحسن إليه في كل حال ~~ومصطنعه، ومن لم يدبر عنه بإحسانه حتى أدبر، ولم يغير ما به من نعمه حتى ~~كفر، كيف وهو من عصاه استرضاه! ومن استكبر وهو القادر عليه أملاه! ثم كرر ~~عليه في دعواه الهدى نداه، ثم من قبل حظه فيه جازاه، ومن أبى عطيته من ~~الخيرات حرمه، وهو الذي قبح من كل ظالم ظلمه. فيا ويل من جهل إحسانه، وركب ~~في الكفر عصيانه، ماذا جهل من إحسان كثير لا يحصى ؟! ومن عصى إذ إياه عصى، ~~فمن أولى منه جل ثناؤه بالعبادة والتعظيم، فيما دعا إليه من الطاعة له ~~والتسليم، وهو الله الهادي إلى سبيل النجاة، والمنعم بنعمه التي ليست ~~بمحصاة . # فإن قال قائل: ومن أين تدري أن هذه نعمه ؟ وأن محدثها إحسانه وكرمه ؟! # فليعلم أن كل ما يرى منها نعم بين آثار الإنعام فيها، بحكم تصحح أثره ~~العقول عليها، وأنه لابد في فطرة العقول، وما فيها لها من المعقول، من أن ~~يكون لهذه النعم مول أولاها، هو الذي فطرها وأنشاها، وأنه لا ينبغي أن يكون ~~موليها، كهي فيما أبان من أثر الصنعة عليها، وأنه لا يوجد شيء غيرها، إلا ~~وجدت فيه الصنعة وتأثيرها، حتى ينتهي ذلك إلى من لا يشبهه مصنوع، ومن كل ~~الأشياء فمنه بدع مبدوع، وأنه الله الأول القديم، الملك القدوس الحكيم. PageV01P157 # فإذا صح ذلك عند من يعقل بإشهاده، علم أن النجاة من الله لا تكون إلا ~~بإرشاده، الذي نزل فيما أوحى من كتبه، ودل على النجاة فيه بسببه، فالحمد ~~لله ولي النعمة في الأشياء، والمتولي لنجاة من نجا بهداه من الأولياء، الذي ~~ليس له أكفاء فتساويه، ولا شركاء في الملك فتكافيه، المتبري من كل دنآة، ~~المتعالي عن كل إسآة، رب الأنوار المتشابهة في أجزائها، وولي تدبير الظلم ~~وإنشائها، العلي الأعلى، ذي الأمثال العلى، والأسماء الحسنى، شاهد كل نجوى، ~~ومنتهى كل شكوى، والممهل المطيل، ms20 ومن لا يعدل من الأشياء كلها بعديل، فكل ~~ذي خير محمود، أومنسوب إلى كرم أو وجود، فالله مبتدئ فطره محموده، والسابق ~~الأول بما حمد من وجوده. # فأين قولنا ويله، مما ادعاه وتقوله ؟ سبحان الله ما أشد سفهه وجهله! لعنه ~~الله وأضل عقله. ولو لا - أني سمعت الله لا شريك له يقول: { أفنضرب عنكم ~~الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين } [الزخرف: 5]، ويقول سبحانه: { أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } [الأعراف: 179]. ثم لم يترك مع ذلك ~~تذكيرهم، وبعث مع ذلك فيهم نذيرهم، - لما رأيت لمن ذهب مذهبه، وتلعب في ~~القول متلعبه، منازعة ولا إجابة ولا تذكيرا، ولظننتهم إلا ما شاء الله له ~~في العقول بقرا أو حميرا!! # أرأيتم حين يقول: ولا يغلب أحدا إلا بالخيل السلاح. إنه ليطمح في الخطأ ~~-ويله- أي طماح ! أترونه إنما يظن تغالب البهائم، أو غلبة الناس للإبل ~~الجلة الصلادم، وارتباطهم للفيلة بالأمراس، وقرع سواسها لرؤوسها بالأجراس، ~~إنما كان منهم بخيل أو سلاح، ويله إنه ليجمح عن الحق أي جماح ! ولئن كان ~~يظن أن الناس أقوى من الملائكة، إن هذا في الظن لأهلك الهلكة، وقد بينا في ~~جواب ذلك لهم فيهم، ومن غلبة الأولياء لله لعدوهم وظهورهم عليهم، بما فيه ~~بيان كاف، وعبرة واضحة لذي إنصاف . PageV01P158 # وأما قوله: يقاتل على الملك والدنيا. فكيف - ويله - يقاتل على الملك ~~والدنيا، وطلب العز فيها والكبرياء، من كان لباسه فيها مع وجوده لملكها ~~الشعر والوبر والعبآء والصوف، وشعاره فيها والناس شباع آمنون الجوع والظمأ ~~والخوف، وما الملك ممن يظل نهاره وليله خاشعا وباكيا، ويسيح على قدميه في ~~الأرض حافيا، يدعو من هلك من أهلها إلى النجاة، وينادي من مات عن الهدى إلى ~~الحياة، ومن هو أعز ما يكون مفارقا لأحوال ملوك الدنيا وأغنيآئها، ومن لا ~~يرى متكبرا عن مساكين العامة وفقرآئها، يقف عليها، ويرى واقفا فيها، ويأكل ~~معها إذا أكلت، ويجيبها إذا سألت، ويعود مرضاها إذا مرضت، ويشهد موتاها إذا ماتت. # فأين هذا كله، وفرع هذا وأصله، من أحوال الملوك التي ms21 تتكبر عن آبائها، ~~ولا تنظر بخير إلى أبنائها، ما أشبه بعض ابن المقفع ببعض، وما أحسب له في ~~المكابرة نظيرا من أهل الأرض . # وأما قوله قول الزور والباطل: وأخرج - زعم - سلطان الجاهل، الذي يستر ~~عليك الجهالة، ويأمرك أن لا تبحث ولا تطلب، ويأمرك بالايمان بما لا تعرف، ~~والتصديق بما لا تعقل، فإنك - زعم - لو أتيت السوق بدراهمك تشتري بعض ~~السلع، فأتاك الرجل من أصحاب السلع، ودعاك إلى ما عنده، وحلف لك أنه ليس في ~~السوق شيء أفضل مما دعاك إليه لكرهت أن تصدقه، وخفت الغبن والخديعة، ورأيت ~~ذلك ضعفا، وعجزا منك، حتى تختار - زعم - على بصرك، وتستعين بمن رجوت عنده ~~معونة وبصرا. PageV01P159 ### || AUTO [التفكير فريضة إسلامية] # فمن - ياويله - الذي يخاطب ويسأل ؟ ومن الذي يخشى أن يخدع ويجهل ؟ النور ~~الذي لا يجهل - زعم - فيعود شرا، أم الظلمة التي لا تكون إلا خديعة ومكرا ~~؟! سبحان الله ما أشبه أمثاله بعقله! وما أوجد شبهه في الدناءة بفعله !! ~~أمحمد - ويله- صلوات الله عليه، كان يدعو إلى شيء مما كذب عليه فيه ؟! معاذ ~~الله أن تكون تلك كانت قط من آدابه، ومما نزل عليه في كتابه ! أهو - ويله - ~~يحمل على خلاف ما يعرف ؟! وإنما جاء صلى الله عليه وآله يدعو إلى المعارف، ~~أو يأمر صلى الله عليه وآله بالكف عن الطلب والبحث، وهو الكاشف عن أسرار ~~الغيوب لكل متبحث، أو هو يرضى دنآءة الخدع وقبائحها، أو يقارب الأسواء ~~وفضائحها ؟! ولم يقبح أحد من الخلق السيئات بأكثر مما قبح، ولم ينصح في ~~الدلالة على الخيرات أشد مما نصح، ولم يناد بإظهار أمره أحد قط كما نادى، ~~ولم يدع إلى كشف الحق ما إليه دعا . # أما سمعه ويله، ما أكذب قيله! وهو يقول صلوات الله عليه ورضوانه: { يا ~~أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن ~~أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين } [يونس: 104]. ويقول ~~الله تعالى: { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ms22 ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } [آل عمران: 64]، ويقول سبحانه: { قل ~~هل من شركائكم من يهدي إلى الحق، قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق ~~أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون } [يونس: 35]. PageV01P160 # وإن دعوى ابن المقفع هذه فيه، لما لم يدعه قط مدع عليه، لا ممن أجابه ~~فاهتدى، ولا ممن صد عنه واعتدى، ولكني أحسب أن ابن المقفع هذى، وألقى ~~الشيطان على لسانه ما تمنى، فجعل ظنه عليه يقينا، أو كابر من وجد قوله بينا ~~! كيف يا ويله، قاتله الله وقتله، يكون كما افتراه، أو على شيء مما ادعاه، ~~والله يقول سبحانه: { قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم ~~تتفكروا ما بصاحبكم من جنة، إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } [سبأ: ~~46]. ويقول سبحانه: { أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق من شيء ~~وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون } [الأعراف: 185]. ~~ويقول سبحانه: { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون } [يونس: 101]. فهل دعا أحد إلى إخلاص الفكر دعاه، أو حدى ~~أحد من الناس على النظر حداه، ما يبلغ كذب ابن المقفع في الكلام، كذب أضغاث ~~الأحلام، طلب - ويله - في الكتاب من التعنيف، وتكلف في عيبه من التكاليف، ~~ما لم تطقه قبله عفاريت الشياطين، فكيف به وإنما هو مجنون من المجانين !! ~~أما سمع قول رب العالمين: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } [الإسراء: 88]. وقوله ~~سبحانه: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين } [يونس: 38]. # أما قوله: فلا نعلم دينا مذ كانت الدنيا - زعم - إلى هذا الزمان الذي حان ~~فيه انقضاؤها، أخبث زبدة كلما مخض، وأسفه في ذلك التمخيض أهلا، والبتر ~~أصلا، وأمر ms23 ثمرا وأسوأ أثرا، على أمته، والأمم التي ظهر عليها، وأوحش سيرة، ~~وأغفل عقلا، وأعبد للدنيا، وأتبع للشهوات من دينكم. # وقد قال: ويله في هذا من أصول ديننا وفروعه، ومفرق حكم دين الله ومجموعه، ~~بما لا يخفى كذبه فيه، عمن حكم بأقل الحق عليه. PageV01P161 # وأي دين أحسن نظاما، وأعدل أحكاما، وأقل تناقضا، وأرضى رضى، من دين قامت ~~دعائمه، واعتدلت قوائمه، على الأمر فيه بالعدل والاحسان، ونهت نواهيه عن كل ~~فحشاء وعدوان، فلم يترك لمحسن ثوابا، ولم يضع عن مسيء فيه عقابا، بمقادير ~~من قسط عادلة، وموازين من عدل غير مائلة، لولاه لفسدت الأرض خرابا، وعدمت ~~الصالحات ذهابا. PageV01P162 ### || AUTO [إسلام السلاطين] # ولكني أراه ظن ديننا، وتوهم أحكام ربنا، أحكام معاوية بن أبي سفيان، وما ~~سن بعد معاوية ملوك بني مروان، من تناقض أحكامها، وجورها في أقسامها، ~~وأولئك فأعداء ديننا، وحكم أولئك فغير حكم ربنا، وحكم ديننا فالحكم الذي لم ~~يخالطه قط جور، وأموره من الله فالأمور التي لا يشبهها أمور، ويحق بذلك أمر ~~وليه أحكم الحاكمين، وحكم جاء من رب العالمين . # وأما قوله: رجل من أهل تهامة. فإنما هو ضرب من العجامة، وما في هذا ويله، ~~ما أشد عتوه وكفره، تهاميا كان عليه السلام أوشاميا، أومغربيا كان من الناس ~~أو مشرقيا، هل هو إلا بشر آدمي، بعثه إلى كل فصيح وأعجمي، كما قال سبحانه، ~~أجزل الله كرامته ورضوانه: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد فهل أنتم مسلمون } [فصلت: 6]. هل هو إلا رسول الله صلى الله عليه ~~بعثه الله إلى الانسان، وإحسان من الله وهبه الله عباده لا كالاحسان، أرسله ~~سبحانه بهداه مبتديا، إلى أولآء الخلق بأن يكون مهتديا، إلى الملأ من ~~عشيرته، وفي ولد إبراهيم وذريته، وإلى أبناء قحطان من خيرته، وهم الذين ~~كانوا في كفرهم أوفى أهل الكفر لمن عاهدوا عهدا، وأكرمهم لمن وآد ودا، ~~وأحسنهم لمن تحرم بهم تحرما، وأحفظهم لجوار من جاورهم تكرما، وأشدهم للكذب ~~إنكارا، وعن كل دناءة خلق استكبارا، وأشدهم لله إعظاما، ms24 ولحرم بيته إكراما، ~~والذين يقول عنهم، فيما ذكر عنهم، في عبادة ما كانوا يعبدون معه من ~~الأوثان، تقربا بعبادتهم لذلك إلى الرحمن، { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى } [الزمر: 3]. أما سمعت قول الله فيهم، وفيما ذكر لعباده من ~~تمنيهم، { وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين، لكنا عباد الله ~~المخلصين } [الصافات: 169]. ويقول سبحانه عنهم خاصا دون الخلق، في تمنيهم ~~دون أهل الأرض لدين الحق، { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم PageV01P163 } [فاطر: 42]. # وأما قوله: عليه اللعنة في آيات المرسلين، وتمثيله لها بسحر الساحرين، ~~فغير بدع بحمد الله منه وقبله، ما قال إخوانه من الكافرين فيها قوله، أما ~~سمعتم قول فرعون وملائه، عندما رأوا من نور الحق وضيائه، { إن هذان لساحران ~~} [طه: 63] فبينا هو يقول أيها الساحر إذ قال إنك لمسحور، وبينا قريش تقول ~~لمحمد صلى الله عليه ما هذا إلا سحر إذ قالوا إنك لمجنون، ولعمري لو كان ~~موسى ومحمد صلى الله عليهما ساحرين عندهم وفيهم، لكان ذلك بينا جليا لديهم ~~لا يخفى منه شيء عليهم، كما كان يتبين لهم سحر السحرة والكهان، يوقنونه ~~منهم بحقيقة الايقان، ولا يدعون سحرهم جنونا، ولا ساحرهم مسحورا، غلطا ~~وعتها، وعماية وعمها . # هذا ليعلم أن قولهم فيه لم يكن إلا كذبا وافتراء، وأن السحر لم يكن عندهم ~~ما يشك فيه ولا يمترى. # كيف ويله وويل أسلافه، ومن تبعه بعده من أخلافهم وأخلافه، يسمى سحرا أو ~~جنونا ؟ ما يملأ بطونا وعيونا! وترى آثاره اليوم إلى الدهر الأطول دائمة، ~~ومواقعه في بطون الآكلين والشاربين من الظمأ والجوع باقية، ما هذه بطريقة ~~السحر المعروف، ولا يعرف السحر بوصف من هذه الو صوف، إلا أن يكون في مومه ~~وعماه، وشدة تباعده عن هداه، يبصر اليوم من السحر ما لم يكونوا يبصرون، أو ~~يظهر السحرة اليوم له منهم ما لم يكونوا يومئذ يظهرون، والسحر يومئذ فيهم ~~ظاهر منشور، وصاحبهم إذ ذاك عندهم مكرم محبور، ومن أظهر اليوم السحر، لم ~~يكن له ms25 عند الأمة عقوبة إلا القتل، ما أوضح الأمور، وأبين الساحر والمسحور، ~~وليس في هذا شغل، لأحد ممن يعقل، مع أنك لم تر قط أحدا يسحر، إلا وهو يعبث ~~في سحره ويسخر، ولم تره وإن سحر إلا مسترذلا، وسفلة دنيا نذلا . PageV01P164 # وأما قوله: نافر الله الإنسان فقال :{ فليدع ناديه، سندع الزبانية } ~~[العلق: 18]. ثم افتخر بغلبته - زعم - لقرية أو لأمة أهلكها من الأمم ~~الخالية. فما في هذا ويله من نافر وافتخر، لا ولكنه أوعد وحذر، بما فيه لمن ~~عقل مزدجر، وعبرة كافيه ومد كر، وهذه من لفظاته الأولى، وشبيهتهن في ~~الدناءة والعمى، فيا ويله ما أغلب عليه قول السفال والبهتان، وأجهله بما ~~يدور بين أهله من هذا اللسان، الذي لا يصاب إلا به تأويل القرآن، ولا يتبين ~~بغيره من الألسن ما يتبين به من البيان، فليقبل من أراده قبل تعلمه، ولا ~~يحكم على القرآن بوهمه، فإن ابن المقفع إنما استعار أحرفه، فأما معناها ~~فجهله وحرفه، يسمع منا في ذكر الله لفظا، فوعاه كما سمع حفظا، ثم ثبته إلى ~~نوره وضلالته كذبا، فأنشأ يمدح به غير الممدوح تلعبا، والمعاني منه ~~فأعجمية، والأسماء التي سمى فعربية. # وأما قوله: انقلب وأنشأ. فكلمتان ليس لهما في الله معنى، لقبح مخرجهما، ~~وضلال منهجهما، عن كلام أهل القدر والنهى، وإنما قبلهما من الناس عنالطبقة ~~السفلى! # ومن قال له ياويله انقلب عليه خلقه ؟! وأنه أنشأ سبحانه يقاتله ويغالبه ~~؟! هذا ويله فما لم يقل به في الله قط، منذ كانت الدنيا مقتصد ولا مفرط. # وأما قوله: عمل يديه، ودعاء كلمته، ونفخة روحه. فكله منه على ما توهمه ~~زور وبهتان، وأكثر قوله فيه هذر وهذيان، وليس فيما فنن في هذا من قوله، لا ~~في قصره ولا في طوله، أكثر من أن الله أحدث صنعا، وأبدع لا شريك له بدعا. # فإن قال قائل ولم أوجد صنعه ؟! وما العلة التي لها أبدع بدعه ؟! فهي ~~الاختيار فيما أنشأ، وإظهار حكمته فيما أبدى، جودا منه وكرما لا يشوبه حسد، ~~ولا يجب به إلا له فيه ms26 حمد، وكفى بهذه لصنعه علة، وفيما سأل عنه جوابا ~~ومسألة. PageV01P165 # فإن سأل سائل، أو قال قائل، فما باله إذا كان الجود عندكم من علة صنعه ~~وبريته، والجود فلم يزل عندكم من ذاته، لم يحدث الصنع قبل إحداثه ؟! فهذا ~~ضرب من غلط السؤال وأعياثه! إذ كان الصنع كيف ما كان حدثا، وكان الله له في ~~ذلك محدثا، فهذا جوابنا له فيما سال، إذ كان في مسألته قد أحال. والحمد لله ~~رب العالمين، وأول من أنعم من المنعمين. # وأما قوله: فصارت الغلبة للشيطان بأن تبعه الخلائق على ضلالته إلا أقلهم. # فيا ويله ما في هذا من غلبته، بل هبهم تبعوه على ضلالته، فإنما بأهوائهم، ~~وأطاعوه لعدائهم، لاعن غلبة منه لهم، فوالله ما غلبهم، فكيف يغلب خالقه ~~وخالقهم ؟!، ومتى غالب الله الشيطان فغلب أو غلب ؟! يأبى ابن المقفع - ويله ~~- إلا اللعب، لئن كان الشيطان غلب الله بكثرة أتباعه، لقد غلب الشر نوره ~~بكثرة أشياعه!. ويله إنما يتبع الشيطان من أطاع هواه، وعمي عن الله مثل ~~عماه، وسبله إلى الله لو أرادها ذلل، وطريق نجاته بالحق له مسهل، ولم يعص ~~من عصى غلبة ولا قهرا، ولم تطع نفس على طاعتها جبرا، إنما خلق الثقلان، ~~مخيرين بين الطاعة والعصيان، لتكون الطاعة بالاختيار إحسانا، والمعصية ~~للانسان عصيانا. # وأما قوله عليه اللعنة: أدخلوا عليه الأسف والحسرة والغيظ. # فكذب عدو الله لا يقال لله تحسر ولا غيظ، ولكن يقال لهم آسفوا، إذا عصوا ~~الله فأسرفوا، ولا يقال تحسر الله ولا اغتاظ، وليس سبحانه مما يغاظ، يأبى ~~ابن المقفع إلا عجمة اللسان، ومظلمة كذب البهتان، متى وجد الله سبحانه عما ~~يقول، زعم مما لا تقبله العقول، أظنه ذهبت به ذواهب استعجام الحيرة، فيما ~~ذكر عن الله سبحانه من الغيظ والحسرة، إلى قول الله سبحانه: { يا حسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } [يس: 30]، فهذه إنما هي ~~حسرة على العباد لا عليه، وتحسر فيهم على الهدى لا فيه. PageV01P166 # وأما قوله سبحانه: { فلينظر هل يذهبن كيده ما ms27 يغيظ } [الحج: 15]. وهذا أيضا ~~فإنما كان لماهو لهم من أمر الله مغيظ. يقول سبحانه أما من امرؤ غاظه، فليس ~~يذهبه اغتياظه، وأما { آسفونا }. فهو أفرطوا في عصياننا، فوجب عليهم بذلك ~~تعجيل انتقامنا، لا على ما توهم من حرقة الأسف، التي لا تحل إلا بكل ~~مستضعف، ولقد كان له في هذا بيان واضح لو تبين، ويقين علم صادق لو تيقن، ~~لقول الله جل ثناؤه، وتباركت بقدسه أسماؤه، :{ ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير } [الشورى: 11]. وأن الذي توهم لتمثيل هو التمثيل، فسبحان من لا تصل ~~إليه الآلام، ولا يعرض له نوم ولا نسيان، ومن ليس كمثل ما خلق من الإنسان، ~~ذلك الله رب الأرباب، وولي مجازاة العدل في الثواب والعقاب. # وأما قوله: فجعل الله السبيل سبيلين. # فوا عجبا لمحال قوله في هذا التكثير والتفنين! وكيف - ويله - يكون سبيلان ~~سبيلا ؟! ما أحسب كلامه بهذا ومثله إلا خبلا وتضليلا!! فسبيل - زعم - ~~للطاغوت وحزبه، وسبيل تفرد الله به، وإنما يكون سبيلهم لهم سبيلا غيا، ~~إذاكان كل أحد سواهم منه بريا، وإنما يكون السبيل لله سبحانه سبيلا، إذا ~~كان إليه داعيا وعليه دليلا، فهذا - ويله - وجه السبيلين، لا ما قال به من ~~محال الشيئين. PageV01P167 # وقال: هل تعلم يا هذا لم خلق الخلق ؟! فنعم نعلم، إذ علم وفهم، ومن ما نزل ~~من ذلك وبين، أما الجن والإنس فلما قال تعالى من عبادته، إذ العبادة له ~~واجبة على أهل النعمة في محمدته، وأما ماسوى الثقلين فلهما خلقه، وبه استحق ~~عليهما من الشكر ما استحقه، فذلك قوله جل ثناؤه، وتباركت بقدسه أسماؤه: { ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } [الذاريات: 56- 58]. ومن ذلك ~~قوله سبحانه: { وسخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا } [الجاثية: ~~12- 13]. فسبحان الله مستحق الرضى، ممن أطاع أو عصى، بأحق حقائق الاستحقاق، ~~وما يحق للخالق الرزاق . # فأما قوله: فما ms28 أراد بخلقه الخير أم الشر ؟! # فالخير أراد بهم جميعا سبحانه معجلا، وثواب المحسن منهم أراد جل ثناؤه ~~مؤجلا، فأراد سبحانه الخير في كلهم إرادة تعجيل، أتمها فأكملها أفضل تكميل، ~~لا كما يريد من لم تتم إرادته، ولا تحق على غيره عبادته، وأما إرادته في ~~التأجيل، فإرادة خلافها يستحيل، إذ لا يكون بنية أهل الدين، إلا بنية تمليك ~~وتمكين، وأنه متى كان غير ذلك لم تكن البنية بمحكمة، ولم ير فيها ما يرى من ~~آثار الحكمة، وكانت مواتا لا تفعل، وشيئا من الأشياء لا يعقل، فليعقل ~~-ويله- أسباب حكم الله المترافدة، وليعلم تعالي الله عن بنية أعيان الأشياء ~~المتضآدة، التي لا تقوم بحال في وهم الأصحاء، ولا توجد بفهم في جهلاء ولا علماء. # وأما قوله لعنه الله: إن ربهم على كرسيه قاعد، وإنه تدلى فكان قاب قوسين ~~أو أدنى. PageV01P168 # فيال عباد الله من أعطاه، قاتله الله ما أعظم فراه، أنه جلس فقعد، أو تدلى ~~أو صعد، من حيث ظن، أو توهم، وما يبالي ما قال علينا كذبا، وادعاه من القول ~~فينا تلعبا، إن الذي قال من قعد وتدلى وانقلب، وجزع وافتخر وأنشأ وغلب، ~~فأكثر فيه من هذا القول علينا كذبا وقرفا وخلفا، لشيء ما علمت أن مليا ولا ~~ذميا يعقل ما قال منه قط حرفا، وبلى، ولعله وعسى، أن يكون ظن قوله: { استوى ~~}، فلا لم يعن الله بها ما عنى، وما لله سبحانه من ذلك، لو عنى به ما ظن ~~هنالك، من المدح المعظم، والتعظيم المكرم. # أما علم إنما يراد بالاستواء، الاجلال لله والاعلاء بملكه لما فوق ~~السموات العلى، وأن استواءه على ذلك كاستوائه على الأرض السفلى، وأن استوى ~~في هذا كلمة من الكلام، جائز معناها بين الخوآص والعوآم، تقول العرب إذا ~~ظفرت بأحد، وغلبت على بلد: لقد صرت إليها، واستويت عليها، تريد غلب سلطاني ~~فيها، فهذا وجه قوله جل ثناؤه: {استوى } [الأعراف: 54]. لاما يذهب إليه فيه ~~من العمى. # وأما ما جهل من قول الله تبارك وتعالى: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ms29 ~~ثمانية } [الحاقة: 17]، فقد يمكن أن يكون ثمانية أصناف، أو ثمانية آلاف، أو ~~ثمانية معان، ليس مما يدرك بعيان، وأن لا يكون كما ظنوا ملائكة، وأن أقل ما ~~في ذلك إذلم يأتهم فيه عن الله فيه بيان أن تكون قلوبهم فيه ممترية شآكة، ~~لأن ذلك قد يخرج في اللسان، ويتوجه في فهم أهله بإمكان، وإن في ذلك لعلما ~~عند أهله مخزونا، وإن فيه لله لغيبا مكنونا، يدل على عجائب خفية، ويتجلى ~~إذا كشف عنه تجلية مضية، وليس معنى: { فوقهم } ما يذهب إليه الجهلة من ~~الرقاب، ولا ما يتوهمون فيه من تشبيه رب الأرباب. والثمانية فقد يمكن فيها، ~~غير ما قال به الجهلة عليها. PageV01P169 # وأما قول الله لا شريك له:{ وترى الملائكة حآفين من حول العرش } [الزمر: ~~75]. فقد يحتمل حآفين، أن يكون مكبرين مجلين. ويحتمل أن يكونوا بأمره ~~عاملين؛ لأن الاحفاف قد يحتمل ذلك في لسان العرب أبين الاحتمال، لأنهم ~~يقولون إن قوم فلان لمحفون به في الاجلال. # فإن قال قائل: فما وجه قوله، فيما ذكر من إحفافهم به من حوله ؟ فقد ~~يكونون حآفين وإن كانوا من تحته كما يقال: إنهم بفلان لحآفون، وإن كان من ~~علا لي منازله بحيث لا يبصرون، ذلك كقوله سبحانه فيما أرى، لاما توهم في ~~حمل وأحف واستوى: { وانشقت السماء فهي يؤمئذ واهية، والملك على أرجائها } ~~[الحآقة:16]. فإذا انشقت السماء للفناء والبلاء، تحوزت الملائكة لشقها إلى ~~الأرجاء، وهي النواحي، وصارت حينئذحآفة حول العرش الباقي، والعرش فإنما هو ~~السقف الأعلى، والأسفل ففناؤه قبل فناء الأعلى، فليعقل هذا من المعنى، من ~~أراد حقيقة ما عنى، وليعلم أن سقف أعلى ما فيه الملائكة من السماوات، غير ~~مسكون بشيء من البريات. # فإن قال قائل: أفيكون، مكان غير مسكون ؟! قيل: نعم سقف ما تناهى من بناء ~~السماوات العلى، لأنه لا يكون سفل أبدا إلا بأعلى، فأما أن العرش هو السقف ~~فموجود في اللسان، كثير ما يتكلم به بين العرب والعجمان. # وقد يمكن أن يكون معنى: { الذين يحملونه }، إنما يراد به الذين يلونه، ms30 إذ ~~ليس بينهم وبينه شي، فتعالى الملك العلي. # وقد تقول العرب في المنزل تنزله، أوفي الأمر تحمله: إنه ليحملنا إذا كان ~~عليهم واسعا، وبمرافقه لهم ممتعا، وليس يريدون حمله لهم بيد ولا عنق، أفما ~~في اختلاف هذا ما وقف عن تشبيه الخالق بالخلق ؟!! PageV01P170 # فأما الخداع والمكر والكيد، لمن كان يمكر ويخدع ويكيد، فقد نقوله عنه، ~~ونصفه سبحانه منه، لأنه خير الماكرين، وذو الكيد المتين، وخادع من خادعه من ~~الكافرين، وكل ذلك منه فليس كفعال الخاسرين. والمكر والخدع والكيد، فإنما ~~هو إخفاء ما يريد من ذلك المريد، وما عند الله مما يريد بأعدائه، فأخفى ما ~~يحتال في إخفائه . # وأما حربه فإنما هو حرب أوليائه عن أمره، هذا وجه ما ذكر سبحانه من حربه ~~وكيده ومكره، الصحيح معناه، لاما شد به ابن المقفع جهله وكفره وعماه. # وأما ما سمعه من الله سبحانه إذ يقول: { وقد مكر الذين من قبلهم فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد فخر علهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون } [النحل: 26]. أفترى أن أحدا يعقل أو لا يعقل يتوهم أن هنالك سقف ~~بناء مسقوف، أو أن { فخر عليهم }. إنما هو تمثيل ما يعرف من سقوط السقوف، ~~ما يتوهم هذا أحد، ولا يضل فيه من ذي لب قصد، وهو أيضا وتوجهه من تنزيل ~~الله في كتابه، بهذه الوجوه كلها في فهمه وإعرابه، يدل على غير ما توهم ~~فيما ذكر كله، إلا أن يأبى ذلك مكابرة لعقله. PageV01P171 # وقوله في الكيد استدرجهم سبحانه من حيث لا يعلمون، وقوله في المنافقين: { ~~يخادعون الله وهو خادعهم } [النساء: 124]. وقوله سبحانه في الإستهزاء: { ~~الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، فإنما يريد تركه ~~لهم وتأخيره إياهم وهم عاصون، لاما ظنه ابن المقفع بالله كذبا، ولا استهزاء ~~يكون من الله لعبا، كقول قوم موسى إذ قال لهم، صلى الله عليه وسلم: { إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، قالوا أتتخذنا هزؤا قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين } [البقرة: 67]. فهذا الاستهزاء إذا كان كذبا، وقول ms31 الخادع فإذا ~~كان لعبا، فإلى المخلوق يضاف وينسب، لا أنه هو الذي يلهو ويلعب، فهذا وجه ~~الاستهزاء منه والخداع والمكر، لاما يذهب إليه كل عمي ضيق العلم والصدر. ~~وإذا قيل له سبحانه يرضى أو يحب، أو يأسف أو يسخط أو يغضب، فإنما ذلك إخبار ~~عن أقدار الطاعة والعصيان، وجزاء الإساءة عنده والاحسان، لا يتوهم مع ذلك ~~ضمير مسكون، ولا حركة منه في رضى ولا سخط ولا سكون، وكيف يكون عندنا غير ~~هذا وهو عندنا - ويله - { الله لا إله إلا هو ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير } [الشورى: 11]. { الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ~~ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } [الحشر: 24]. # وأما قوله: فما باله جزع في غير كنهه من عمل يديه. # فهي أخوات قوله: انقلب وافتخر وانشأ التي لا تخرج إلا من بين جنبيه، ومتى ~~زعم - ويله - أنا أخبرناه أنه جزع، أو سخط أو كره أو عاب شيئا مما صنع ؟! # وأما قوله: ابتدع الأشياء مما كان هاذيا فيه. # وهذا من قوله في الأشياء، فقول فاسد ليس يقرأ، إلا أنا أديناه عنه لحفظه، ~~وكرهنا تبديله إذ حكيناه عن لفظه. PageV01P172 # ثم قال عذبه الله، وأدام العذاب عليه: وتجاوز رضاه إلى سخطه، ومحآبه إلى ~~مكارهه، والخير لعباده إلى الشر لهم، والرحمة لهم إلى العذاب عليهم، ثم ~~افتخر -زعم - وامتدح بأنه غلبهم وقهرهم وإنما هم لاشيء ومن لاشيء. # افهموا قوله: وإنما هم لاشيء. فكيف - ويله - يكون هم لا هم، وشيء لاشيء، ~~متى يبلغ مثل هذا هذيان المجانين ؟ ولا جنون أقوال الهاذين . # فأما قوله: إذا غلبهم افتخر وامتدح. # فهما من أخوات انقلب، وهو فيهما يلعب كما كان يلعب . # ثم عمد إلى سر أسرار الفرقان، وأعجب عجيب سر القرآن، من الرآئيات ~~والحواميم، وما ذكر فيه من (ق) و(آلم) و(طسم)، فعد علمها جهلا، وظن مصون ~~عجيبها مبتذلا، وأراد - ويله - علم سر أنبائها، وما طواه الله إلا عن ~~الأصفياء في إيحائها. وكلا لم يجعله لعلمها أهلا، ولم يجعل قلبه العمي لها ~~محلا، بل أخفاه الله ms32 وزمله، ولم يعطه إلا أهله، فإن كان علمه يصير المعلوم ~~مجهولا، فقد يوجد كثير مما هو عنده علم مجهولا، وليس من جهل لذي فضل ~~فضيلته، ولا من رأى أمرا فلم يدر علته، يسلب ذا فضل فضله، ولا يزيل عن ذي ~~علل علله، وقد يرى - ويله - هو آلات الصناعات، وأشياء كثيرة من أنحاء ~~الأمتعات، فلا يدري لم ذلك وأهله به دارون، ولا يشعر بما فيه من المنافع ~~وهم يشعرون. PageV01P173 # فأين - ويله - كان من إحضار هذا وهمه، أولا - ويله - حكم بما رأى من هذا ~~وأشباهه حكمه، ولكنه يأبى إلا تحكيم العمى، والاعتداء والمكابرة في العلم ~~للعلماء، وإلا فلم لم يفكر، إن كان ذا فطنة وينظر، إن كان من أهل النظر ~~فيما يستدل به أهل الكتاب والعرب، من هذه الأحرف على ضمائر كل مغيب، فكانت ~~هي الدليل لهم على الكتاب، والسبب لعلمه دون جميع الأسباب. أفما رأى - ويله ~~- سر عجائبها، فيما تنبئ عن محجوب غيبها، من سرائر قلوب المتكاتبين بها، ~~ويدور من الأنباء في التعبد بسببها، اكتفاء منهم في أنباء الأمور، من كل ~~مشاهدة بين المخبرين أو حضور، فهذا وأشباهه فليس لمثله فيه مدخل تعنيف، ولا ~~يشتغل منه ولا من مثله فيه بمنازعة في تحريف، مع أن لهذه الوجوه في ~~التأويل، ما لو سقط عنا علمها في التنزيل، لكان علينا أن نعلم أن لها مخارج ~~عند الحكيم، ووجوها صحاحا في علم التعليم. # ولو كان جهلنا بها يزيل صحتها، أو يبطل عن الحكيم حكمتها، لما ثبتت ~~للحكماء حكمة، ولا في علم العلماء معلمة، إذ توجد العآمة لا تعلم علمها، ~~ولا تعرف للحكماء حكمها، ولو لم يثبت العلم لعالمه، ولا حكم الحكمة لحاكمه، ~~إلا بأن يعلم غيره منه ما علم، أو يحكم في الأمور كما حكم، لما كان في ~~الأرض من أهلها جاهل، ولما وجدت بين الناس في العلم فضائل! وما -ويله- في ~~جهله لحكمة الكتاب، وما جعل الله فيه من عجائب الأسباب، مما يلحق بالله ~~جهلا، أو يزيل عن كتابه فضلا، ماله لعنه الله تأبى ms33 ؟! به عماياته إلا تبابا ~~؟!، لقد كابر من فرق ما بين الجهلاء والعلماء، ما لا يكابره ذو العمى، ~~يقينا منها به وعلما، ومرمى منها إلى غير ما رمى. PageV01P174 # والتبيان في هذا بيننا وبينه، وما ينبغي أن يشتغل به منه، فإنما هو في ~~تثبيت الصانع ورسوله، لا فيما أنكر وفنن فيه من هذيان قيله، فإذا ثبتت ~~الحجة فيهما، وأقمنا دليل الحق عليهما، علم بعد إقامة الدليل، أن الحكمة ~~ثابتة موجودة في التنزيل، جهل ذلك أو علم، أو توهم فيه أولم يتوهم. فدليل ~~معرفة الله الذي لا يكابر، وشاهد العلم بالله الذي لا يناكر، ما أرى وأوضح ~~مما تراه أعين الناظرين، وتحيط بالتحديد فيه أفكار المفكرين، من الأشياء ~~كلها في تأثير مؤثرها، وتصوير صور مصورها، وتناهي أقطار موجودها، وظاهر ~~افتطار محدودها، وما ذكره منها ذاكر ووصفه واصف، أو تصرف بوصفه من الواصفين ~~لها متصرف. # ففيه لمن نظر وأنصف، وعدل في النظر فلم يحف، دليل على حدوث الأشياء مبين، ~~وشاهد ثابت - لا يدفع - مكين، إذ الأشياء كلها محدودة، والآثار في قائمها ~~موجودة، ومعلوم بأن التحديد إذا وجد لا يكون إلا من محدد غير محدود، ولا ~~أثر إذا عوين إلا من مؤثر موجود، ولا تصوير مصور إلا من مصور، ولا فطرة ~~مفطور إلا من مفتطر، كما لايكون كتاب وجد إلا من كاتب، ولا تركيب إذا كان ~~إلا من مركب، ولا فعل ما كان إلا لفاعل، ولا مقال قيل إلا من قائل، فالله ~~تعالى مؤثر كل مؤثر، والفاطر جل ثناؤه لكل مفتطر، لا ينكره إلا مناكر، ~~ولايأبى الاقرار به إلا مكابر، والمناكر فغير منكر، والمكابر فغير مستنكر . # فلمن أنهج إلى معرفته السبيل، وأوضح بمنته الدليل، الشكر على إبانة ~~التعريف، ووضوح دلالة التأليف، التي لا يضل عنها إلا متضالل، ولايجهل ~~معلومها إلا متجاهل، ولا يبور على الله فيها إلا خاسر، ولا يجور عن قصدها ~~إليه إلا جائر . PageV01P175 # وإذا ثبت تأثير الأشياء كما قلنا، واستدل امرؤ عليه من حيث استدللنا، ~~فمعلوم أن المؤثر بعيد الشبه عن مؤثره، وأن ms34 من ولي تصوير المصور متعال عن ~~مساواة مصوره، وأنه إن قرب من الشبه منه، أولم يفرق بينه - جل ثناؤه - ~~وبينه، في كل معنى من معانيه، وفيما جل أو دق مما فيه، جعل كهو في عجزه ~~ومقاديره، وذل ضعفه وتأثيره، وعاد المؤثر مؤثرا، ومصور الأشياء مصورا، ~~فأثبتوا على المؤثر سمة المؤثرين، وأضافوا إلى الله تعالى ذلة تصوير ~~المصورين، وكان في قولهم، وما سلكوا من سبيلهم، المؤثر مؤثرا، ومصور ~~الأشياء مصورا، وصانعها مصنوعا، ومصنوعها صانعا، وبديعها مبتدعا، ومبتدعها بديعا. # وهذا من قول القائلين، ومعمد جهل الجاهلين، عين متناقض المحال، ونفس ~~متدافع الأحوال، الذي لا يقوم له في الأوهام صورة، ولا من فطر معقولات ~~الأقوال فطرة، وفي ذلك أن تكون الأشياء موجودة لا موجودة، ومفقودة في الحال ~~التي وجدت فيها لا مفقودة، وصار المخلوق لا مخلوقا، والخالق في قولهم لا ~~خالقا، فتعالى - العلي الأعلى، الذي نهج إلى معرفته سبلا ذللا، - عما وصفه ~~به المشبهون، وافترى في التشبيه به المفترون، ونحمده على ما عرفنا به من ~~الفرق، فيما بينه وبين جميع الخلق، ونعوذ به من جهل ما جهل من توحيده، ~~ونستعينه على ما ألهمنا من شكره وتمجيده، والحمد لله رب العالمين، وصلى ~~الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما. PageV01P176 # وأما مذهبه في العاديات وعيبها، لجهله بشاهدها وغائبها، فغير مستنكر منه، ~~قاتله الله ولعنه، فقد تكون العاديات من العدوان والغي، وتكون العاديات من ~~العدو والسعي، ثم لكل ما كان من ذلك وجوه شتى، يرى ما بينها من يعقل ~~متفاوتا، والضبح أيضا فألوان مختلفة، وكل ما ذكر في السورة فله وجوه ~~متصرفة، يعرفها من عرفه الله إياها، ويوجد علمها عند من جعله الله مجتباها، ~~فليقصر من عمي عنها في عماه، فإن العمي لا يعلم الظاهر ولا يراه، كيف يعلم ~~خفي ما بطن من الأسرار، التي جعلها الله أفضل مواهبه للأبرار، أو لا فليسأل ~~عنها، وليطلب ما خفي فيه منها، عند ورثة الكتاب، الذين جعلهم الله معدن علم ~~ما خفي فيه من الأسباب، فإنه يقول سبحانه: { ثم ms35 أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله ذلك هو الفضل الكبير } [فاطر: 32]. ولتكن مسألته منهم للسابقين ~~بالخيرات، فإن أولئك أمناء الله على سرائر الخفيات، من منزل وحي كتابه، وما ~~فيه من خفي عجائبه، فقد سمعت قول الله: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون } [النحل: 43، الأنبياء:7]. فأما من لا فرق عنده بين عامي من عمي، ~~ولا غي في العاديات من سعي، ولا الصور من صور، ولا العمر من عمر، ولا النور ~~من نور، ولا الأمور من أمر، فحقيق أن يتعلم لسان القرآن، الذي صور والصور ~~فيه مفترقان، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله وسلم . # وأما قوله: ثم زعموا أن الله خلق الأشياء كلها بيده من شيء موجود - وزعم ~~- أن اليد لا يتوهم قبضها وبسطها إلا بعد وجود. PageV01P177 # فو اعجبا لجهله بمسائله! وزور كذبه علينا ومقاوله! ومتى ويله زعمنا له أن ~~جميع ما بث من خلقه وأرى، مما ولي خلقه بيده تعالى ؟! إنما قيل ذلك في آدم ~~خاصة دون غيره من الأشياء، إذ تولى سبحانه صنعه بالابتداء، ولم يكن ككون ~~بعض الأشياء من بعض، ولم يتقدمه في خلقه نظير من أهل الأرض. فأما نظرآؤه ~~الذين كانوا بعد من أولاده، فإنما خلقهم سبحانه بالتناسل من بعده، لا على ~~طريق خلقته من الابتداء، ولا بمثل مبتدئه من الأشياء، خلقا عن غير والدين ~~ولداه، ومبتدعا لا على مثال ابتداه . # فأما قوله في قول الله سبحانه: { كن فيكون } [البقرة: 117]، وزعمه أنه لا ~~يقال: كن إلا لما هو كون، فليس - ويله، ويلا يكثر عوله - مذهبنا في ذلك إلى ~~ما توهم، وأنه سبحانه نطق أو تكلم، إنما ذلك للإخبار، عن القوة منه ~~والاقتدار، وأنه لا يفعل ما فعل بمباشرة، وأن سبيل فعله كله سبيل قدرة، لا ~~يعان بكفين، ولا يستعان بمعين. # فأما قوله: لأن كون شيء، لا من شيء، لا يقوم في الوهم له مثال، وما لا ~~يقوم في الوهم مثاله فمحال. # فإنه يقال فيه لمن ms36 قال مقاله، ورضي - فيما قال منه - حاله: أتزعم يا هذا ~~أن الأشياء قديمة ؟! ليس لبعضها على بعض عندك تقدمة ؟! # فمن قوله: نعم، قد ثبت لكلها القدم. # فيقال له: أليس إقرارك لكلها بقدمها، وإثباتك للقدم في توهمها، إقرارا ~~بأنها لا من شي، وأنها أول بدي ؟! # والأول لا يكون أولا إلا لغيره، ولا يثبت أولا لتكريره، فأيهما أولى ~~بالقيام في الوهم ؟ حدوث شيء لا من شيء متقدم ؟! أو شيء لا أول له يعلم ؟! ~~ولانهاية في آخره تتوهم ؟!! # فإن قال شيء لا أول له ولانهاية، أولى بالتوهم منه ولاية. # قيل: فلا يكون هو أولا إلا وهو متوهم، وإذا أجزت في معنى لم يزل التوهم، ~~ثبتت به حينئذ الإحاطة، ولا يحاط إلا بماله نهاية محيطة، والنهاية أقطار، ~~والقطر تحديد وافتطار . PageV01P178 # فإن قلت: ليس نتوهمه على هذا لأن هذا قد استحال، ولكننا نتوهم أنه لم يزل ~~ولن يزال. # قيل: فأنت إنما تريد تتوهم أنك تدرك وتعلم !! فلم أنكرت المحدث وإن لم ~~تعلم له كيفية في الوهم ؟! وقد ثبت معنى لم يزل غير متوهم، فقد يلزمك أن ~~يكونا جميعا عندك في التعجب مشتبهين، فإن قلت: فإني أنفي يا هذا هذين من ~~الوجهين، فالمسألة عليك في نفسك لازمة، والأشياء بعد قائمة !! # يقال لك: أتخلو الأشياء من أن تكون حوادث أو قديمة ؟! إذ الأشياء ليست ~~إلا قديما أو حادثا، لا يتوهم متوهم فيها وجها ثالثا ؟ # فإن قلت: فإني لا أدري أعلى حقائق الأشياء أم لا! لحقت بأصحاب سوفسطاء، ~~وفيما كان من رد الأوائل عليهم غنى كاف، وبيان قد تقدم منهم شاف. والحمد ~~لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله الذين طهرهم تطهيرا . # ومما يقال إن شاء الله لمن قال إنه لا يكون شيء إلا من شيء، وأن كل ما ~~أدركنا بالحوآس كلها فأولي أزلي، وهم فرق شتى متفرقة، فمنهم من يقول: إنما ~~الحدث اجتماع وفرقة. # ومنهم من يقول: إنما هو بتغير العين، باختلاف ما يدخلها من التعيين. # ومنهم من يقول: إنما الحدث كون بعض الأشياء المختلفة المتضآدة من ms37 بعض، ~~كالأرض التي تكون من الماء والماء الذي يكون من الأرض؛ ومن أجل هذا الأصل، ~~قالوا جميعا إن الكل مختلط بالكل، وأن الكل من الكل يكون، وأن هذا هو ~~الحدوث والكون، إلا أنه من صغر أقداره، لا يوجد ولا يحس به، وهو لا منتهى ~~له في عده، وأن كل ضد من الأشياء مختلط بضده، البياض بالسواد، والنامي ~~بالجماد، والعظم باللحم، واللحم بالعظم، ليس شيء منه بخالص وحده، ويرون أن ~~طبيعة الشيء هي الأكثر منه أو مما ضآده. PageV01P179 # يا هؤلاء إنه إنكان الشيء لا منتهى له في نفسه لم يعرفه أبدا عارف، وإن كان ~~لا منتهى له في عدة أو كثرة لم يكن للكمية معارف، وإن كان لا منتهى للشيء ~~في الصورة، كانت الكيفية مجهولة، وإذا كانت الأشياء لا تعرف لأنه لا منتهى ~~لها، فما كان منها فلا يعرف أيضا مثلها، وإنما يعرف ما يدرك، ويسهل لمعرفته ~~المسلك، إذا علم من كم ركب ؟ وأي الأشياء هو إذا تركب، ومضطر أن يكون ما ~~كان من الأشياء لما منه كان نظيرا، قليلا كان منه إذا كان أو كثيرا، وأن ~~الذي يكون عنه، كالكل إذا يكون منه. # فإن كان لا يستقيم أن يكون الحيوان، ولا ما جعل الله له من الأجسام، ولا ~~الأشجار، ولا ما جعل الله له من الثمار، بلا منتهى في عظم ولا صغر، ولا ~~فيما يرى له من قدر، فكذلك الكل - عند من يعقل - ذوات نهاية، إذ هذه ~~الأشياء التي هي أجزاؤه ذوات غاية، ولا تستقيم له ما لم يستقم لأجزائه، ~~وإنما تناهيها من قبل انتهائه. # وإن كان الحيوان والشجر وأجزاؤهما، التي لحق بها في وصفها انتهاؤهما، لسن ~~حوادث مفتعلة، وإنما يريد القائل بحوادث منفصلة. PageV01P180 # وبعضها عندهم فبعض، فالماء منها هو الأرض، والأرض فهي الماء، والماء فهو ~~الهواء، فإن ذلك يصير إلى أن كل موجود فمن موجود، والموجود فلا يصح أن يقال ~~له كن ولا يعود، ! وكيف يكون الكائن ؟ أو يبين شيء من شيء وهو بائن ؟! ~~كقولك: إن الماء ينفصل من ms38 اللحم واللحم ينفصل من الماء كيف والماء فأصل ~~موجود، وإن كان كل جسد ذي حد إذا خرج منه بقدره جسد مثله محدود، فني عندها ~~يقينا، وبطل أن يكون كمينا، فمعروف أنه لا يكون الكل من الكل، ولا يخرج منه ~~في الوزن مثل له بعد مثل، كيف وقد يعلم أن الشيء إذا أخذ منه مثله، فقد فني ~~وذهب كله، وإن كان ما أخذ منه، مقصرا في القدر عنه، نقص منه بقدر ذلك، لا ~~يكون الأمر فيه أبدا إلا كذلك، ولا يستقيم أن يكون لهذا الذي أخذ منه مثله ~~قوام أبدا بلا منتهى، ولو انتقص منه مثل بعضه لكان بذلك قد تناها، الشيء ~~الذي يدوم عظمه وينفى عنه تغيره، ولا يستقيم أن ينفصل منه أبدا غيره، ومن ~~أجل أنه لا يبقى أبدا قدره، وهو يخرج منه أجساد مثله، وبقدرة في الوزن ~~محدودة، مستوية في الوزن بقدرة موجودة، وهو أيضا لا يحد إذا حد بكثرتها، ~~ولا يوصف عند الصفة بصفتها، وإن كان كل جسد من الأجساد إذا أخذ من بعض ~~زنته، لابد أن ينقص من كميته، كيف ما كان في حده، من كبره أو صغره، فمعلوم ~~أنه لا يفصل منه أبدا جسد مثله، إلا انتقصه ما فصل منه كله، وأنه لا يجوز ~~في ألباب الأصحاء، ولا فيما يحمد من قضاء النصحاء، أن يكون يوجد من شيء شيء ~~ثم لا ينقصه ما أخذ منه، وإذا انتقص فالنقص يخبر بالنهاية عنه. PageV01P181 # ويقال أيضا لهم إن كانت الأجساد والأعراض مختلطة، وإنما يفارق بعضها بعضا ~~عندكم فرقة، وهي كلها في قولكم فواحدة، فالإنس والجن بينهما عندكم خلاف، ~~والأعراض والأعيان فقد تجمعهما الأوصاف، ولابد لهذا الخلق من رؤوس أولية، ~~مبتدعة من الله سبحانه بدية، منها برى الله كل برية، ترى من البرايا كلها ~~بعيان، وثبت أن تركيبها شيء أو شيئان، ولا ينبغي لهذه الرؤوس أن يكون بعضها ~~من بعض، بل تكون متضآدة تضآد النار والأرض. # ويقال أيضا إن كانت صور الأشياء لم تزل ولا تزال، والصور فهي الألوان ms39 ~~والهيئآت والأشكال، كان قول القائل- إنه لا يمكن أن يكون شيء لا من شي، ولا ~~يفسد من الأشياء كلها شيء فيعود إلى التلاشي، - قولا من قائله مقبولا، وعد ~~ما زعم فيه قولا. # وإن لم تكن صور الأشياء دائمة، ولا في كل حين موجودة قائمة، أعني بالصور ~~صورة اللحم، وصورة الدم، وصورة العظم، وصورة الأشكال الطبيعية، والألوان ~~كلها الظاهرة منها والخفية. # فلا محالة أنها لم تكن قبل حدوثها، وأنها قد تفنى بعد حدثها، وأن حدوثها ~~استحالتها من ليس إلى أيس، وأن فناءها استحالتها من أيس إلى ليس، كبياض ~~الثلج الذي يحدث عند كون الثلج معا، ويبطل بياضه عند بطلانه فيفنيان جميعا، ~~وهل من فعال في سكون أو زوال يجده واجد، أو يشهد به على فاعله شاهد، إلا ~~وهو محدث ثم كان بعد أن لم يكن، بريء من معنى لم يزل، تعلم كل بهيمة مضي ~~ماضيه، وفراقها في المعنى لمنتظر آتيه، فلا يجهل أحد منه ماضيا، ولا يشبه ~~ماض منه آتيا، إلا أن يزعم متجاهل، أو يكابر عاقل، فيقول: إن كون الحركة ~~والسكون في حال واحدة معا، وإن الحركات والسكون لم تزل قط جميعا، فيلزمه أن ~~تكون أوقاتها كلها وقتا، ونطق ما يعقل ناطقا من الأشياء سكتا، فيعود يومه ~~من أوقاتها أمسا، ومجنوسها عنده لنفسه جنسا، وفرعها أصلا، وآخرها أولا. PageV01P182 # وكفى بهذا من القول محالا، ومن وصف محالات القول مقالا، أن البهائم جميعا ~~في اختلافها، لتنظر ما لم يأتها بعد من أعلافها، فإذا وصل إليها، افترقت ~~مواقعه لديها، فما تنتظره بعد إتيان، ولا تضطرب إليه بجولان، ومن قبل ذلك ~~ما كانت تصهل إليه وتنهق، وتضطرب إليه دآئبة وتقلق، ولكن لم يعد القوم في ~~جهلهم من ذلك لما جهلوا، وضلالتهم عن حقائق الأمور عما ضلوا، ما وصفهم الله ~~به، وذكر من ضلالتهم في محكم كتابه، إذ يقول تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } [الفرقان:44]. فلم ~~يقفهم على مواقف البهائم في الجهل ومناهيها، بل زادهم ms40 في حكم الجهل عليها، ~~فافهموا أدلة هذه الآية المعجبة المتحققة، وما أوجد الله سبحانه منها عيانا ~~في هذه الفرقة، وأن وجودها فيهم، ودلالة الله بها عليهم، آية عظيمة عند من ~~يعقلها في البيان، لا توجد إلا فيما ذكر سبحانه من الضلان، والحمد لله رب ~~العالمين حمدا موفورا، وعلى سيدنا محمد النبي وآله السلام كثيرا. # ثم جعل ابن المقفع النور الذي زعم أنه خير واحد أفانين، ولونه في معناه ~~ألاوين، وجعله بعد توحيده له كثيرا لا يحصى، وعددا جما لا يتناهى، فقال: ~~إنه نور وحكمة، وطيب وبهجة، وخير وبركة، وإحسان وراحة. # وكذا وكذا مما لا يتناهى. وقد تعلمون أن البركة والبهجة، والطيب والحسن ~~والحكمة، أشياء في العدد كثيرة، ومعان لا يشك فيها متغايرة، كل واحد منها ~~غير صاحبه، والسبب منها غير سببه، لا يشك في ذلك ولا يمتريه، إلا من لا ~~يعقل شيئا ولا يدريه. # وكذلك قال في تكثير الظلمة، وما نسب إليها من الشر وخلاف الحكمة، ثم جعل ~~كثيرها واحدا، وزعم أنه لا يكون منها خير أبدا. PageV01P183 # أفليس يا هؤلاء الليل الأدهم، وسواده الذي هو من كل ظلمة أظلم، موجودا فيه ~~ما ذكر الله فيه من السكون ؟! بأوجد معارف ما يعرف من كل كون ؟! والسكون ~~راحة، والراحة فسحة، والفسحة خير كثير، فالظلمة الآن عندهم خير. يقول الله ~~تبارك وتعالى:{ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك ~~لآيات لقوم يسمعون } [يونس: 67]. وقال الله: { أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون } [القصص:72]. # وهل ينكر أن نور الشمس، يدرك ذلك منها بالحس، معشاة لبعض العيون، ومضآر ~~في كثير من الفنون، وهو أفضل النور عندهم فضلا، وأكثره في النور محصلا ؟! ~~أو ليس قليل النهار مقصرا في النور عن كثيره ؟! والتقصير شر فالشر في بعض ~~النهار بتقصيره ؟! فأي محال أوضح! أو مقال إحالة أقبح ؟ من هذا مقالا! ومن ~~محاله محالا! ليس بالأمر من خفاء، ولا على عورة ms41 أهله من غطاء. إلا أن عجمة ~~القلوب، وما فيها من عمه الذنوب، تجول بأهلها كل مجال، وتهلك بمحالها ضعفة ~~الرجال . # ومما قال من هماهم صدره، وزمازم هتره : إن الشيطان - زعم - قد بنى على كل ~~صنف من أهل الأديان حائطا حصينا، وسورا شديدا، حصرهم - زعم - فيه، ووكل بهم ~~شيطانا من شياطينه وجعله عليه، فإن كان الوكيل حفظ السور فهذا أمانة، وإن ~~لم يحفظه وكانت منه لموكله فيه خيانة، كان السور كما لم يكن، ولم يبق فيه ~~أحد ممن سجن. # فاعجبوا أيها السامعون، لما تسمعون، من متناقض هذا القول، الذي لا يقول ~~مثله إلا كل منقوص مرذول. فافهموا ما به وصف شيطانه، وكيف شدد أركانه، إذ ~~جعل له أسوارا وحصونا، وجعل نوره عنده مسجونا، وذو السجن والحصون محتال، ~~والحيلة فلا يعرفها عنده الجهال، لأن المعرفة عنده خير سآر، والجهالة شر ضآر . PageV01P184 # وقال: حصرهم. والحاصر فقوي والقوة فخير فقد عادت الظلمة عندهم خيرا، ~~والمحصور فعاجز والعجز فشر فقد عاد النور عنده شرا. # ومما يقال لهم فيما زعموا من المزاج، وجاروا به من ذلك عن كل منهاج، سلكه ~~سالك، أو فتك فيه فاتك: من أين يا هؤلآء جاء تعادي الممتزجين من المتضآدة ~~؟! بعد أن صارا جميعا في عقدة من المزاج واحدة، كنحو معاداة إنسان لإنسان، ~~أو ضرب آخر سواه من موات أو حيوان، وكيف يكون من الناس - ما كانوا صلحاء - ~~نسل غير صالح ؟! ومن طالحهم - شيئا كانوا أو أشياء - شيء ليس بطالح، ولا ~~يرى صلاح أبيهم أصلحهم، ولا ما في أبيهم من الطلاح أطلحهم، ولايكون منهما ~~وهما اثنان، ولما هو منهما أصلان، إلا أنثى واحدة أو ذكر، لا يوجد لهما ~~سواه بشر، فما بال فرعهما من ولدهما، إذا لا يكون كأحدهما ؟ إما أنثى ~~مفردا، أو ذكرا أبدا، فلو كان الأمر على ما يزعمون، أوفي شيء من طريق ما ~~يتوهمون، كان ولدهما ذكرا أنثى، وأنثى ذكرا، إذ كان عندهم إنما يكون كل شيء ~~من مثله، وكل فرع شيء - زعموا كأصله، والوالدان لولدهما أصل، وكل شيء ms42 فإنما ~~يكون منه ما هو له مثل، والمزاج نفسه فثمرة لا من مثلها، وعقدة المزاج ~~فليست كأصلها، إذ أصلها اثنان وهي واحدة، وإذ هما لها أصل وهي لهما عقدة، ~~فأي مكابرة أوحش، أو محال قول أفحش ؟! مما أدى إلى مثل هذا، وما كان من ~~القول هكذا ؟! # فليعلموا - ويلهم - أن الله هو الذي صنع الأولاد للآباء، وأنه لا يصنع ~~الأكفاء الأكفاء، ولكن الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له ~~كفؤا أحد. PageV01P185 # وكيف يصنع والد ولدا ؟! وإنما كان بالأمس مولودا، إذا يكون الوالد من صنع ~~ولده، كما الولد من صنع والده، لأنهما كفؤان في الميلاد، وولدان كالأولاد، ~~ولكن ذلك كما قال الله الشريك له، وما بينه في كتابه ونزله، { لله ملك ~~السموات والأرض يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير } [الشورى: 49 - 50]. # ويقال إن شاء الله لهم من الناطق الظلمة فالمنطق خلاف الخرس وهو خير ~~زعمتم ؟! أم النور والظلمة جميعا فقد استويا في النطق والإستواء تشابه كما ~~علمتم ؟! أم الناطق النور ؟ فالمنطق خير وشرور، والشر إذا فهو في نوركم، ~~ويلكم ما أبين في هذا شناعة أموركم ! وأشد مجونكم ! وأعظم جنونكم ! وأظهر ~~السفه به وبغيره فيكم ! وأغلب الدنآءة فيه عليكم. # وزعموا أنهما حساسان، فهما لا محالة في الحس مشتبهان، ومشبه الشر لا يكون ~~إلا شرا مؤذيا أليما، ومشبه النور لا يكون عندهم إلا نورا كريما، وفي ~~مشابهة النور بالحس للظلمة نفي ألا يكون (خيرا، وفي مشابهة الشر للنور ~~بالحس نفي أن لا يكون) شرا، فكل منهما خير شر، وشر خير، وهو من القول فأحول ~~ما يكون من المحال، وأخبث ما قيل به في الإحالة من الأقوال. # ومن قولهم إن الأشياء لا تتغير عن جواهرها، وقد ترون أنها تتغير عن ~~صورها، فصورة النور مؤنسة مضية، وصورة الظلمة موحشة ظلمية، فإذا ما هما ~~امتزجا عوين مزاجهما بصورة في المزاج أخرى، ليست بما كان يرى، لا مؤنسا ~~مضيا، ولا موحشا ms43 ظلميا، فمن أين كانت هذه الصورة الثالثة ؟ إلا أن الأمور ~~حادثة، ولكن القوم يلعبون بنفوسهم، ويقولون بخلاف ما يجدون من محسوسهم، ~~وليس ببدع ممن جسر على قول الزور والبهتان، أن يجحد بلسانه ما يدركه بشواهد ~~العيان، فيزعم أن الرطب يبس، وعشر العدد خمس، وإنما التبيان في الحقائق ~~الموجودة، ما يدرك منها بشواهدها المشهودة. PageV01P186 # وزعموا أن الشيء لا يكون أبدا، إلا مثل جوهره مجتمعا ومفردا، وشأن النور ~~العلو والارتفاع، وشأن الظلمة السفول والاتضاع، وكذلك شأن كل ضدين، متى ~~وجدا متضآدين، متى علا هذا، هوى هذا، فهو أبدا يهوي إذا ضده سما، ويسمو إذا ~~ضده هوى، وفي فراق الشيء لشأنه، حقيقة فنائه وبطلانه، كالنار التي من شأنها ~~التسخين، واللين الذي لا يكون إلا وله تليين، فمتى بطل شأنا هما، بطلت لابد ~~عيناهما، لأنه لا حار إلا مسخن، ولا لين أبدا إلا ملين. # وقد زعموا أن النور قد زال عن داره من العلى، وصار إلى هذه الأرض السفلى، ~~وفي ذلك من تغيره، ما قد قيل من بطلان عينه. وكذلك الظلمة في بطلانها، إذا ~~صارت إلى خلاف شأنها، فصارت في منزلها سفلا، إلى ارتفاع ومعتلى، فهما في ~~قولهم قد بطلا، وقد يوجدان بالعيان علوا وسفلا، وهذا نفس متناقض المحال، ~~وعين متدافع الأحوال، إذ في أن يبطلا فقدانهما، وفي أن يوجدا بطلانهما، ~~فعدمهما وجود، وغيبتهما شهود. فأي عجب أعجب ؟! ومتلعب ألعب ؟! ممن رضي بهذا ~~قولا، وكان بمثله معتلا، وفي هذا من أمرهم، وما أوجدنا فيه من ذكرهم، كفاية ~~للناظر المبصر، بل قد يكتفي به غير المفكر، والحمد لله حمدا دائما مقيما، ~~وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما . PageV01P187 # فأما خرافات أحاديثهم، وترهات أعابيثهم، فهزل ليس فيه جد، ولا مما يجب له ~~رد، { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79]. وبأي ~~متلعب قاتلهم الله يتلعبون، ألم يروا أسماءهم التي يسمون، وما منها لا غيره ~~يعظمون . فمنها عندهم: أبو العظمة، وأم الحياة المتنسمة، وحبيب الأنوار، ~~وحراس الخنادق والأسوار، والبشير والمنير، والانسان القديم، وما ms44 ذكروا من ~~الأراكنة. التي عليهم بها من الله ألعن اللعنة، وما قالوا من عمود الشبح، ~~التي بها وبقولهم فيها أقبح ما يستقبح، وأكذب أكاذيب الزور، وأعجب عجائب ما ~~وصفوا من الظلمة والنور، فزعموا أن أسماءهم هذه التي افتروا، وفننوا فيها ~~بأعباثهم وكثروا، هي رد الظلمة - زعموا - عن النور، أفلا ردت عن أنفسها ما ~~هي فيه من الشرور!! # وزعموا أن هؤلاء لأجزاء النور مصطفون، وهم في أنفسهم بالظلمة مختلطون. ~~فيا ويلهم ويلا ويلا، من أقاويلهم قيلا قيلا، في أبي عظمتهم، وأم حياتهم، ~~وحبيب أنوارهم، وبشيرهم ومنيرهم، وعمود شبحهم وإنسانهم، وما يعبثون فيه من ~~أراكنهم، فعظموا منها غير معنى، وسموها كذبا بالأسماء الحسنى، وهم يزعمون ~~عنها - ويلهم - أنها مخالطة في حال للأقذار، ملتبسة فيما زعموا بالأشرار، ~~تنكح في بعض الأحايين نكاحا، وتؤكل في بعضها صراحا، وتقسم تارة وتحدث، ثم ~~تقيم في ذلك وتمكث، فيالعباد الله إن هذا لهو العبث العابث، والمقال الفاسد ~~العايث، الذي لم يقل بمثله سوى أهله قط قائل، ولم يسأل فيه بمثل عجز مسائل ~~ابن المقفع سائل، ولقد - ويله - أكثر في المسألة والمسألة لا تكثر وطغى، ~~حتى هممنا أن لا نجيبه لو لا مخافة أن يكون على ذلك المحق متبعا، وذلك ~~لجهله، بما سقط إلينا من مسائله، وخلط في قوله، ولكذبه أيضا فيما ينحل ~~وينتحل، وكثرة ما يختلف في كل مسألة وينتقل، وما أحسبه جالس قط متكلما، ولا ~~أحسن لمسائله تفهما. PageV01P188 # فليعلم من قرأ كتابنا هذا وفهم ما فيه لهم، جوابنا إن هو كان من غيرهم، عمى ~~مذهبهم وصممه، وإن كان ممن تلبس بضلالتهم فليحذر غير الله ونقمه، فلقد ~~قذفوا قذفا، مسخا وخسفا، وكادت السماوات أن يتفطرن وشوامخ الجبال أن تخر ~~بدون ما قالوا، ولأصغر أضعافا مما نالوا، لأن الذين قالوا قبلهم الأقوال، ~~وجعلوا لله سبحانه الأمثال، أثبتوه سبحانه ولم ينفوا، وإن هؤلاء أنكروا ~~ونفوا، فلا يغترن منهم موخر في الجزاء، بما يرى من استدراجه بالاملاء، فإن ~~الله يقول لا شريك له، وتعالى عن كذب الكاذبين قوله: { ولا يحسبن ms45 الذين ~~كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب ~~مهين } [آل عمران: 178]. ويقول سبحانه: { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } [الأنعام: 44-45]. ~~ويقول سبحانه: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء، ~~وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذي ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب ~~نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال، وسكنتم في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال } ~~[إبراهيم: 42-45]. PageV01P189 # فإن قال قائل منهم يحذرني النار، ويخبرني عن كتابه الأخبار، ولست بهما ~~بموقن، ولا لخبره عنهما بمؤمن. فليعلم أن أقل ما عليه فيما أنذر، وفيما ~~يعقل من يعقل فيما حذر، خوف الممكن المطنون، إذا كان غير مستنكر أن يكون، ~~وإن الناس لو كانوا لا يحذرون إلا ما يعلمه من حذروه، ولا ينذر المنذرون ~~قوما إلا ما عاينوه وأبصروه، لقلت النذر، وفني الحذر، وإنه لو حذر جبارا بل ~~إنسانا ذليلا لارتاع له ارتياعا، ولاستشعر من الخوف لتحذيره وهو هو أفزاعا! ~~فكيف بملك الملوك ؟! ومن له ملك كل مملوك ؟! ذلك الله العلي الجبار، الذي ~~بإرادته كانت الظلم والأنوار، والسلام على من اتبع الهدى، وآثر رضى الرب ~~الأعلى، فرضي من الأشياء مرتضاه، واصطفى من الأمور مصطفاه، فأدى إليه ~~سبحانه في نفسه حقه، وعلم أنه هو الذي فطره وأحسن خلقه، وأن له عليه فرضا ~~واجبا، أن يكون لما أحب محبا، ومن كل ما كره من الأمور قصيا، ولمن والى من ~~خلقه وليا، ولمن عادى سبحانه من أهل الأرض عدوا، فإنه لا يعادي سبحانه إلا ~~مسيئا أو سوا، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وأهله الطاهرين. # تم الرد على ابن المقفع، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. PageV01P190 ms46