######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3477, 3478 #META# المؤلف: القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# المحقق: عبدالكريم أحمد جدبان #META# الناشر: دار الحكمة اليمانية للتجارة والتوكيلات العامة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٩٧ #META#Header#End# ### | [سياسة النفس] PageV02P331 # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا أبو محمد ، عبد الله بن أحمد ، قال : أخبرني أبي رحمه الله أحمد ، ~~(1) بن محمد ، بن الحسين ، بن سلام قال : أنفذ إلينا أبو محمد ، القاسم بن ~~إبراهيم ، بن إسماعيل ، بن إبراهيم ، بن الحسن ، بن الحسن ، بن علي أمير ~~المؤمنين صلوات الله عليه وعلى أهله الأئمة الأكرمين ، أول ما أنفذ إلينا ~~من كتبه ، كتابا يقال له : (سياسة النفس). # قال أبي رحمه الله : فلما قرأنا الكتاب وكنا لا نرحل إليه ، ونرحل إلى ~~غيره من أهل البيت عليهم السلام ، فأسفنا على ما فاتنا منه ، وقلنا : ليس من ~~حق علوي يحسن أن يقول مثل هذا ، إلا أن نكون جواب كتابه. فرحلنا إليه ، ~~فأقمنا عنده في أول رحلتنا إليه سنة ، ثم بعد ذلك كنا نرحل إليه في الأوقات ~~، ثم سمعنا منه هذا الكتاب ، وأوله : # بسم الله الرحمن الرحيم. بالله أستعين # الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما. ~~ونسأل الله ولي نعمة الابتداء ، ومسهل سبيل قصد الاهتداء ، أن يمن علينا ~~وعليكم بشكر نعمه في ابتدائه ، ويحسن إلينا وإليكم بعونه على سلوك سبيل ~~أوليائه ، التي أرجو أن تكون أنفسكم (2) لها وفيها ، ولما أنتم عليه لله من ~~التمسك بها والقصد إليها من الأنفس التي أذن الله بعمارتها ، ورمى (3) ~~إليها بأسباب حياتها ، فقد عقد الله لكم لذلك (4) لدينا عقد الخلة والاخاء ~~، ووكد بذلك لكم علينا أخوة الخاصة والأولياء ، فأيقنوا أنه لم يوصل سبب من ~~الأسباب بين المتواصلين ، ولم تعقد خلة من الخلل بين المتخالين ، من PageV02P333 # الأولين من خلق الله لا (1) ولا من الآخرين ، بغير ما يرضي الله سبحانه ~~من التقوى ، ويستحقه جل ثناؤه من الطاعة له والرضى ، إلا كانت وصلة حسرة ~~وانقطاع ، وندم غدا واسترجاع ، يدعو أهلها فيها بالويل والعويل ، ويصيرون ~~بها في الآخرة إلى خزي طويل ، ذلك قوله جل ثناؤه : ( @QUR@07 الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) (67) [الزخرف : 67]. وقوله تعالى عن القائل ~~غدا : ( @QUR@07 يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) @QUR@011 لقد ~~أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ms01 وكان الشيطان للإنسان خذولا ) (29) [الفرقان : ~~28 29]. # ونحن نرجو وليكم (2) الله أن يكون وصلة ما بيننا ، وما عقد الله فله ~~الحمد عليه خلتنا ، سببا عقده الله بالإيمان ، وأسسه منه على رضوان ، فمن ~~أحق بالتعظيم منا لما كانت الأبرار تعظمه ، ومن خير ما قدمناه فيه ما كانت ~~الأتقياء تقدمه ، من كل ما كان لهم على بغيتهم من النجاة دليلا ، وإلى ما ~~يلتمسون من فوز حياة الخلد عند الله سبيلا ، من التذكير من بقاء (3) الآخرة ~~وفناء الدنيا بما ذكر ، والأمر في عاجل هذه الدنيا من التقوى له بما به أمر. # فافهموا ذلك فهمنا الله وإياكم سبيل الخير ، ونفعنا ونفعكم فيها بمنافع ~~التذكير ، فإنه يقول سبحانه : ( @QUR@05 وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) ~~(55) [الذاريات : 55]. والدنيا وإن كان أمرها قصيرا ، وبقاء أهلها فيها ~~قليلا يسيرا ، فاعلموا رحمكم الله أنها وإن كانت كذلك في البلوى ، فإنها ~~متجر لأرباح فوائد التقوى ، ومكسب غنم لمن كسبها فيها ، ومحل مخصب لمن تزود ~~إليها منها ، ومعبر لمن تبلغ بها عند ظفره بكسبها ، إلى دار مقام ، ومحل ~~دوام ، ليس عنها لمن نزلها انتقال ، ولا منها بعد طولها زوال (4)، والدنيا ~~فإنما خلقها الله سبحانه لعبادته ، وأمر خلقه فيها بطاعته ، ونعاها إليهم PageV02P334 # قبل فنائها ، وأخبرهم جل ثناؤه بقصر مدتها وبقائها ، فقلل (1) بأحق ~~الحقائق في أعينهم ما يستكثرونه من كثيرها ، وقصر في كتابه الناطق عندهم ما ~~يستطيلونه من تعميرها ، فقال : ( @QUR@049 ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ~~أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لو ~~لا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا ~~تظلمون فتيلا (77) @QUR@036 أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج ~~مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) (78) ~~[النساء : 77 78]. وقال سبحانه : ( @QUR@05 إنما أنت منذر من يخشاها (45) ~~@QUR@09 كأنهم يوم ms02 يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) (46) [النازعات : ~~45 46]. وقال تبارك وتعالى : ( @QUR@020 ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ~~ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا ~~مهتدين ) (45) [يونس : 45]. وقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه : ( @QUR@027 ~~فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ) ~~(35) [الأحقاف : 35]. ### | [الدنيا الغرور] # فالدنيا أحق منزل بأن لا تمل مكاسب غنمه ، ولا يغفل في حث ولا جد ولا ~~اجتهاد عن تغنمه ، (2) ولا يذم سعي من عمل له ، واغتنم فيه مدته وأجله ، بل ~~المستحق للذم فيها من أوطنها ، على يقين العلم بالنقلة منها ، (3) وسعى ~~للنيل فيها ، مع يقينه PageV02P335 # بفنائها ، فأصبح مشغولا بالفراغ مما شغله ، فارغا من الشغل الذي فرغ له ، ~~مصيخا (1) إلى الغرة ، موطنا لدار النقلة ، لا جاهلا فيعذر ، ولا ناسيا ~~فيذكر ، فكأن الموصوف المفتون بما يسمع ويرى ، ليس بموقن بزوال الدنيا ، بل ~~كأنه لم يوقن بمواعيد ربه غدا إذ تأخر (2) ذلك عنه ، ولم يصدق بما حذر (3) ~~إذ قصر به دنوه منه ، بل كأنه نسي أن الدنيا جعلت دار بلوى ، ولم تجعل لأحد ~~من ساكنيها دار مثوى ، وجعلت إلى غيرها معبرا ، ولم تجعل لساكنيها مستقرا ، ~~وأنها لأهلها ممر سبيل ، ومنزل نقلة وترحيل ، وأن كل من فيها إلى دار قراره ~~غير لبيث ، (4) ومن الآخرة في السير حثيث ، فلو كان يصير من فيها بعد موته ~~إلى غير معاد ولا مصير ، لما وسعه إن نظر أو عقل ففكر أن يركن إلى ما يزول ~~، وينصب لما يفنى فلا يدوم ، (5) وكيف وهو مبعوث ومحاسب ، وموقوف غدا ~~للحساب فمعاتب ، فيما أفنى من عمره ، بل في كل أمره ، من صغير (6) محصوله ، ~~وجميع فعله وقوله ، يحضر له كله يوم البعث في الحساب ، ويجد ما كان فيه من ~~خطأ أو صواب. # فيا ويله أما سمع قول الله تبارك وتعالى فيه ، وما حكم الله به (7) من ~~عدل حكمه عليه ، إذ يقول سبحانه : ( @QUR@08 ووجدوا ما عملوا ms03 حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا ) (49) [الكهف : 49]. # فبادروا رحمكم الله لعظيم المغنم ، وأجدوا في الهرب من أسف الندم ، ~~واتقوا صفقة الخسار ، فإنها بين الجنة والنار ، ولا تبغوا من الراحة ما ~~يفضي بأهله إلى النصب الدائم ، ولا من النيل إلى ما يؤدي إلى حرمان الغنائم ~~، وأكثروا ذكر السقم والوفاة ، وما رأيتم PageV02P336 # فيهما وبهما من البغتات والفجآت ، فكم قد رأيتم بهما من مبتغت وصريع ، ~~وكم سمعتم عنهما من خبر هائل فضيع ، ولا تؤثروا ما لم تخلقوا له على ماله ~~خلقتم ، ولا تكثروا تشاغلكم بطلب الرزق فقد رزقتم ، قديما في ظلم الأرحام ، ~~وبعد (1) إلى حين أوان الفطام ، ثم مذ كنتم في الناس شيئا مذكورا ، فكفى ~~بذلكم على كفاية الله دليلا ونورا. # فاعرفوا كفايته لكم بما عرفتم ، وقوموا من ذلك كله بما كلفتم ، واضربوا ~~عن طلب الدنيا عنكم بفادح الأثقال ، وتكلف ما أنتم فيه لطلبها من الأشغال. # أفلستم بموقنين ، ببت يقين ، لستم بمرتابين ، أن الحظ من الدنيا إلى نفاد ~~، وأنكم من الموت على ميعاد ، فما بالكم لا تنظرون في عاقبة الدنيا ، ولا ~~تتأهبون إن كنتم موقنين (2) لدار المثوى ، أترون ذلك زلفا (3) عند ربكم ، ~~وليست لكم أم بوسيلة وليست معكم ، (4) أم بحسن عمل ولم تقدموه ، أم بعظيم ~~الرجاء ولم تحققوه. # فيا أيها الراكن إلى الدنيا وزخرفها ، والآمن (5) لنوائب تصرفها ، ~~والمغتر في معاشها ومكالبتها في طلبها ، والمؤثر لها على ربها ، والمشغول ~~بما كفى منها ، والجاهل بخبر الله عنها ، هبك لم توقن بما دعا الله إليه من ~~ثوابه! ولم تخف سطواته فيما حذرك من عقابه! ألم تك ذا عقل فتفهم عن الدنيا ~~خبرها؟! وتسمع منها موعظتها؟! فلعمرها ما قصرت في موعظة ، ولا تركت لذي عقل ~~فيها من علة ، لقد أخبرتك عن القرون ، بما أحلت به من المنون ، فخربت ~~الديار ، وعفت الآثار ، هبك أصم في هذا كله عن سماع موعظتها ، وما كشفت لك ~~بذلك عنه من سوآتها ، ألم ترك (6) عيانا فيمن معك من نوازل مناياها؟! وما ~~أوصلت إليك في فقد الأحبة من رزاياها؟! أو لم تكن في طول ما ms04 PageV02P337 # جربت من أسقامها؟ وما حل بك خاصة في نفسك من آلامها؟ وما علمت من استدعاء ~~القليل من موجودها ، للكثير الجم من مفقودها ، حتى في كل أمرها ، بل في ~~خطرات ذكرها ، فهي فقر لا غناء معه ، وشره (1) لا قناعة له ، وحرص لا توكل ~~فيه ، وطلب لا انقضاء للميعاد منه ، وغدر وختر (2) وكذب وخيانة ، ليس فيها ~~صدق ولا وفاء ولا أمانة. # أفما كان في ذلك ما يدعوك إلى الزهد فيها ، والتنزه بعده من الميل إليها ~~، وإدخال الراحة على نفسك من الشغل بها ، وما حملك الشره من أحمال ثقلها؟! ~~فكيف وأنت زعمت أنك موقن بمواعيد ربك ، وذلك فما لا يتم إلا به إيمانك ، ~~(3) فكيف وقد فهمت من الدنيا خبرها ، وعلمت يقينا موعظتها ، وأيقنت أنه لا ~~يدوم لك فيها خلود محبة ، ولا يتم لك فيها سرور بمعجبة ، ولا يتبعك منها ~~(4) تراث تركته ، والموت فسبيل كأن قد سلكته ، فكل هذا منها فأنت منها (5) ~~في منهج وسبيل ، مع أن الذي هو فيها وأدل عليها من كل دليل ، خبر الله ~~سبحانه عنها ، وما وصفه من صدق الخبر منها. # فاسمعوا لذلك من الله فيها ، وتفهموا عن الله دلالته سبحانه عليها ، بفهم ~~من قلوبكم مضي (6)، وعقل من ألبابكم حيي ، فإنه يقول سبحانه : ( @QUR@013 ~~وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ~~) (32) [الأنعام : 32]. ويقول سبحانه: ( @QUR@015 يا أيها الناس إن وعد ~~الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) (5) [فاطر : 5]. # ثم قال سبحانه : ( @QUR@014 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) @QUR@07 أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا PageV02P338 # @QUR@09 النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) (16) [هود : ~~15 16]. # ثم قال سبحانه : ( @QUR@018 من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) @QUR@012 ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) (19) [الإسراء : ~~18 19]. # وقال سبحانه : ( @QUR@015 أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى إنما يتذكر ms05 أولوا الألباب (19) @QUR@07 الذين يوفون بعهد الله ولا ~~ينقضون الميثاق (20) @QUR@013 والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ~~ربهم ويخافون سوء الحساب (21) @QUR@019 والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ~~وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة ~~أولئك لهم عقبى الدار (22) @QUR@015 جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) @QUR@07 سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) @QUR@023 والذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار (25) @QUR@016 الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ~~وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) (26) [الرعد ~~: 19 26]. فحياة الدنيا وعمرانها عند من يعقل عن الله خراب وبور ، وكل ما ~~في الدنيا من غير طاعة الله فلا يغتر به إلا هالك مغرور. # وفي فروع هذا كله وأصوله ، وما نزل الله فيه من بيانه وقوله ، فقد رأيتم ~~ما قال الله سبحانه عيانا ، وسمعتم نداه إعلانا ، وكلا (1) لو رأيتم لعمركم ~~إذا لأبصرتم ، ولو أبصرتم إذا لاغتنمتم ، ولكنكم نظرتم بأعين عمية ، وسمعتم ~~القول فيه بآذان دوية (2)، ودبرتم الأمر فيه بقلوب سقيمة ، غير برية من ~~أدواء الأهواء ولا سليمة ، فآثرتم ذميم ما PageV02P339 # حضركم ، على كريم ما غاب عنكم ، وما عجل إليكم ولكم ، على ما قصر علمه ~~دونكم ، كما قال الله تبارك وتعالى : ( @QUR@010 يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) (7) [الروم : 7]. وكذلك فلم يزل العتاة ~~(1) الجاهلون ، أما لو نظرتم إليه بأعيان جلية ، وسمعتم القول فيه بآذان ~~سوية ، ودبرتم الأمر فيه بقلوب حيية ، لعلمتم أنكم من الدنيا في إدبار حثيث ~~، ومن الآخرة في إقبال غير مكيث ، (2) فكأن ليلكم ونهاركم في مرورهما بكم ، ~~وكرورهما عليكم ، قد وقفا بكم على آجالكم ، وأفرادكم عن غرور آمالكم ، ~~وكشفا عنكم أغطية أبصاركم ، فحسر (3) رأيكم إن لم يرحمكم ربكم. ### | [الانسان المغرور] # فيا ويل المغرور من نفسه ، المخطئ لسبيل حظه ، من أي يوميه يشغل؟! بل من ~~أي حاليه يغفل؟! أيوم رجوعه إن عمر إلى ms06 أرذل عمره؟! وحاله حين يصير عيال ~~عياله وأسير منزله وداره ، أم عن يوم وروده دارا لم يتخذ بها منزلا؟! ولم ~~يقدم إليها من صالح عملا ، أم لأي يوميه يفرغ أليوم حبرة ، (4) يتبعها ~~عبرة؟! وفرحة ، يعقبها ترحة ، (5) وزخرف يعود حطاما ، وفخر يحول (6) بوارا ~~، أم ليوم شغل لما فرغ منه؟! وتفرغ لما أمر بالاعراض عنه ، واحتقار لما نعي ~~إليه فراقه ، وحرص على لزوم ما هو مفارقه ، كأنه لا يستحيي من حمده لمذموم ~~، وركونه (7) من الدنيا إلى ما لا يدوم ، واستبطائه لغير دار خلوده ، ~~وتكذيبه بفعله لما يزعم من محموده. PageV02P340 # فيا عجبا كل العجب كيف ركن إلى ما ذم (1) مختبره؟! وكيف استفرغه الفرح ~~بجمع ما هو شاخص عنه؟! وكيف تعقبه الأسف على فوات ما لا يدوم له؟! وكيف يثق ~~بما ينفد على ما يبقى؟! وكيف يغفل بما هو فيه من النصب لمؤاتاة (2) دنياه ~~ما يلقى؟! مع علمه ويقينه بأنه لا يبلغ منها غاية إلا دعته إلى غايات ، ~~فمتى إن لم يرفض (3) الدنيا يستريح من حاجة فيها تدعو إلى حاجات؟! ومتى ~~يقضي شغلا إذا هو فرغ منه فقضاه؟! عرض له أكبر منه فطلبه وابتغاه. # ففكروا رحمكم الله وانظروا ، تعلموا إن شاء الله وتبصروا ، أنه ليس لكم ~~من سراء دنياكم ، وإن طالت صحبتها إياكم ، (4) إلا كطرف العيون ، فهي ~~للجاهل المغبون ، من ذي دناءة أو لوم ، أو فاجر عمي ملعون ، قد صارت الدنيا ~~كلها له ، فليس يأخذ أحد منها إلا فضله ، فقدرته وإن لؤم (5) ودنا ، وكان ~~فاجرا معلنا ، على كثير من كرائم النساء ، ونفيس المراكب والكساء قدرة ~~الأبرار ، وأبناء الأحرار. # والدنيا أعانكم الله فيما خلا ، وإذ (6) كانت تضرب لفساد أهلها مثلا ، ~~وإنما كان يمسخ أهلها وأنسها ، فمسخت الدنيا اليوم نفسها ، فلم نترك والله ~~المستعان من ذكرنا لها زينة ولا بهجة ، وعادت الدنيا كلها غرقا ولجة ، ~~فأمورها اليوم كلها عجائب ، وكل أهلها في مكالبتها فمغتر دائب. # وقد بلغني أن عيسى بن مريم صلى الله عليه ، كان يقول لمن يحضره ولحوارييه ~~: (بحق أقول لكم أنه لا يصلح حب ms07 ربين ، وما جعل الله لرجل في جوفه من قلبين ، لا # والمواتاة : المطاوعة. PageV02P341 # يصلح حب الله وحب الدنيا في قلب ، كما لا تصلح العبادة إلا لرب)، (1) ~~وكان يقول صلى الله عليه (بحق أقول لكم : إن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، ~~وكذلك فحب الله ولا قوة إلا بالله فعاصم لأهله من كل سيئة) (2). # أفيرجو من آثر الدنيا؟! على الله أن يكون مع ذلك لله وليا ، هيهات هيهات ~~أطال من آثر الدنيا ، عنان عمله الغي والهوى ، فجمحت به نوازغ الغي المردي ~~، وعتت به مطايا الهوى المضل المغوي ، حتى أحلته دار الندامة ولات حين مندم ~~، ثم أسلمته من الحيرة إلى شر مسلم ، فما ينكشف عنه قناع غرة ، ولا يتيقظ ~~من نوم سكرة ، رانت على قلبه بوادر أعمال السيئة ، وفتن دهره المضلة ~~المعمية ، فقاده أهل الدنيا ، وأعنق (3) به قائد الهوى ، ومنته نفسه ~~بالاغترار طول البقاء ، وأسرعت الغفلة في أيامه بالفناء ، وكذبته نفسه في ~~أي (4). حين وأوان ، وفي أي حال رحمكم الله ومكان ، حين لا رجعة ينالها ، ~~ولا إقالة يقالها ، وعند معاينته الأهوال ، وما لم يخطر له ببال ، من هتك ~~ستور السوءات ، وهو في حال أحوج الحاجات ، إلى ما كان تركه فقرا وبلاء ، ~~وغيره هو الخفض والغناء : ( @QUR@014 يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر ~~كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) (18) [غافر: 18]. ( @QUR@09 ~~يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) @QUR@011 ~~يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) (25) ~~[النور : 24 25]. يوم خافته رجال فمدحهم الله وزكاهم ، وأحسن على مخافتهم ~~له ثوابهم وجزاهم ، فقال سبحانه فيهم ، وفي حسن ثنائه بمخافتهم له عليهم : ~~( @QUR@018 رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب PageV02P342 # @QUR@01 والأبصار (37) @QUR@014 ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من ~~فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ) (38) [النور : 37 38]. ويقول سبحانه : ~~( @QUR@023 يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون ) (158) [الأنعام ms08 : 158]. ~~ويقول سبحانه : ( @QUR@06 يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) @QUR@06 إلا من ~~أتى الله بقلب سليم (89) @QUR@03 وأزلفت الجنة للمتقين (90) @QUR@03 وبرزت ~~الجحيم للغاوين ) (91) [الشعراء : 88 91]. ( @QUR@05 يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين ) (6) [المطففين : 6]. ( @QUR@06 إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ) ~~(106) [الأنبياء : 106]. # فرحم الله امرأ ، أحسن لنفسه نظرا ، فرفع عن الوناء (1) ذيله ، واغتنم من ~~الله سبحانه تمهيله ، فحسر (2) عن ذراع ، وشمر بإجماع (3)، وانتبه عن وسن ~~غفلة الغافلين وإن لم يشعروا ، وتيقظ من نوم جهل الجاهلين وإن لم (4) ~~يسهروا ، فعلم أن من رحمة الله بنا ، وحسن معونته لنا على أنفسنا ، أن ~~جعلنا نسقم ونتغير ونبتلى ، بمثل ما يرى من تغير أحوال الدنيا ، في فناء ~~ليلها ونهارها ، وما يغتذى به في برها وبحارها ، من كل مأكول ، أو لباس نسج ~~معمول ، أو غير ذلك من ألوان فتونها ، وما سخر الله من ضروب ماء عيونها ، ~~فنبهنا بذلك كله ، وبما أرانا من تغيره وتبدله ، من قصر مدة آجالنا ، وعلى ~~أنه لا بقاء ولا دوام لنا ، ولو جعلنا ندوم أبدا أو نبقى ، لما جعل بين ~~الدنيا والآخرة فرقا ، ولكان من عتا الخليق (5) ببقائه بادعاء أخبث الدعوى ~~، ولما امتنع من العاتين ممتنع من سهو ولا هوى. PageV02P343 ### | [النفس] # ولكنه سبحانه عرفنا أنفسنا وفناها ، وألهم كل نفس منها فجورها وتقواها ، ~~فجعل فجورها غيا وتقواها هدى ، وجعلنا تبارك وتعالى نموت ونفنى ، لنستدل ~~بالموت وتصاريف طبائع الخلق ، على حكمة تدبيره لنا في الفطرة والصنع ، ~~وليدعونا خوف الفناء ، إلى طلب حياة البقاء ، وجعلنا (1) تبارك وتعالى من ~~جزءين اثنين نفس وجسد ثم ألف بينهما بلطيف تدبيره ، وأحكم تركيبهما بأحسن ~~تصويره ، فجعلهما بعد تباينهما شخصا واحدا مكملا ، وجعل لبقائه وأيام حياته ~~مدة وأجلا ، ثم أمره بعد كموله فيه ، برشده وحضه عليه. # فإن نفسه سمعت له وأطاعت ، وأجابت إلى ما دعا إليه فسارعت ، رشد عند الله ~~واهتدى ، وفاز من الله بثوابه غدا ، وإن نفسه عصته والتوت عليه وأبت ، ما ~~دعي إليه من الرشد فغوت ، ولم تعتصم بالله ، ولم تذكر (2) رحمة من الله ، ~~ضل عند الله فعطب ، (3) وهلك في القيامة وعذب ، فنفس المرء ms09 إذا لم ترشد (4) ~~له فشر صاحب ، ودعاة إلى كل هلكة ومعايب ، لأنها لو لا عصمة الله لها في ~~خطاياها أبدا كرارة ، ولصاحبها إلى ما حرم الله أمارة ، كما قال يوسف صلى ~~الله عليه : ( @QUR@015 وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي إن ربي غفور رحيم ) (53) [يوسف : 53]. وكما قال شعيب صلى الله عليه في ~~توفيق الله ومعونته له على عبادته ، وحسن نظره وعصمته ، ولما كان عليه من ~~رعاية حق الله وأمره من إرادته (5): ( @QUR@014 إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) (88) [هود : 88]. # فمن خالف نفسه في خطاياها ، ومال مع الحق عليها ، لم يضرره لها هوى ولا أمر ، PageV02P344 # ولم (1) يدخل عليه منها خطأ ولا ضرر ، ومن قبل عن نفسه ما تأمره به من ~~سوء ، كانت نفسه له أعدى من كل عدو. # وقد بلغني أن بعض الصالحين كان يقول : محاربة المرء لنفسه بمخالفته ، (2) ~~يثبت فيها طلب ثواب الله وطاعته. ### | [الصبر] # واعلم أنه ليس يسلك سبيل مرضات الله إلا من أيده الله بروح الهدى ، وأن ~~ليس يوصل إلى سبيل مرضاته جل ثناؤه بالمنى ، دون أن يحمل النفس عليها ، ~~ويصبر لأمر الله وحكمه فيها ، كما قال الله سبحانه : ( @QUR@020 ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا ) (123) [النساء : 123]. وقال سبحانه : ( @QUR@030 أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب ) (214) [البقرة : 214]. ويقول سبحانه : ( @QUR@013 أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) (142) [آل ~~عمران : 142]. وفي مثل ذلك من ابتلاء القائلين ، ما يقول رب العالمين : ( ~~@QUR@01 الم (1) @QUR@010 أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون (2) @QUR@011 ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين ) (3) [العنكبوت : 1 3]. ### | [التقوى] # فتأهبوا رحمكم للبلوى ، وانتهوا إلى ما أمرتم به من التقوى ، ونقوا ~~قلوبكم ms10 من دنس الدنيا وإيثارها على الله كيما تنقى ، وطيبوها بالبر والتقوى ~~وكونوا مع من بر PageV02P345 # واتقى ، فمتى ما تكونوا مع أولئك ، تنجوا بإذن الله من المهالك ، ويكن ~~(1) الله جل ثناؤه معكم كما قال لقوم يسمعون : ( @QUR@08 إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون ) (128) [النحل : 128]. ### | [التفكير] # واعلموا وليكم الله أن من أبواب التقوى ومفاتحها ، وأقوى ما تقوى به من ~~رشد بإذن الله على قبول نصائحها ، حسن الفكر في الدنيا وفنائها ، وتقلب ~~سرائها وضرائها ، وفي حال جميع من فيها من ملوك الأمم خاصة ، ومن دونهم من ~~الخلق جميعا عامة ، فإنكم رحمكم الله إن تفكرتم فتروا ، بعين الفكر وتبصروا ~~تعلموا أنهم جميعا منها وإن اختلفت أحوالهم في السراء والضراء ، في مضامير ~~بأقدار أحوالهم فيها من السعادة والشقاء. # وقد ينبغي لمن سلك سبيل مرضات الله وآثرها ، وعظمها بما عظمها الله به من ~~رضوانه فوقرها ، أن يتحفظ من نفسه فيها ، ويجمع كل أشغاله ولا قوة إلا ~~بالله إليها ، فإنه لو تفرغ لخدمة بعض ملوك الدنيا ، لحق عليه الاجتهاد في ~~بلوغ الغاية القصوى ، فكيف بمالك الملوك إذا برز لعبادته ، ونابذ في الله ~~عدوه من الجن والإنس بمحاربته ، فليتحرز من سلك سبيل ولاية الله ومرضاته ، ~~ومن يريد القيام بما أوجب الله عليه من فرض حقه وطاعته من السقط والخلل ، ~~وليستيقظ من الغفلة والزلل ، وليتيقظ وليعرف قدر ما يعرض لأهل ذلك من ~~البلوى والفتنة ، وما ينصب له (2) وفيه من المباينة ، وعلم بلواها وفتنها ~~فيجوز (3) في مواطن العزم والشدة ، ولا يصبر عند نزول البلوى المؤكدة ، فإن ~~ذلك ، إذا كان منه كذلك ، فليس له به حول ، ولا لمن صار إليه إلى الله به ~~وصول ، وإنما وصفت لكم هذا فيها ، (4) لكيلا يقدم مقدم عليها ، إلا بعد PageV02P346 # علمه بهذا منها ، وفهمه لهذا (1) من الخبر عنها ، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. # تم نصف الكتاب # واعلموا أن القلوب كالآنية المصدوعة ، فيما (2) تنازع إليه من غرائزها ~~المطبوعة ، فإن لم يرهم (3) مصدوعها ، لم يصح مطبوعها ، على بنية اعتداله ، ~~فيما فطرها الله عليه من كماله ، فزموها (4) بالعلم بكتاب ms11 الله وتنزيله ، ~~والوقوف على محكم تأويله ، ففي ذلك لها تقويم وتعديل ، وهداية ونور ودليل ، ~~على منهاج خالص الطريق المساير (5) لها في حب الله وطاعته ، وما أوجب الله ~~على العباد من أثرته وعبادته ، وبكتاب الله يتجلى عن القلوب ظلم الحيرة ، ~~وبلطيف النظر فيه يدرك حقائق العلم أهل البصيرة ، وبسبل (6) الله فيه ~~المطرقة ، تكون هدايات المتقين في الثقة ، من نيل (7) الغايات القصوى ، ~~وبلوغ الدرجات (8) العلى. # وقد زعم بعض أهل الحيرة والنقص ، ومن لا يعرف عين النجاة والتخلص ، أن ~~الإلطاف في النظر ، يدعو صاحبه إلى الخيلاء والبطر ، وإنما يكون ذلك كذلك ~~عند من يريده للترؤس ، لا لما فيه وما جعله الله عليه من حياة الأنفس ، ~~فانفوا مثل هذا عن ضمائركم ، وسدوا ثلمة عيبه في (9) سرائركم. # واعلموا أن البحر لا يجاز يقينا بتا إلا بمعبر ، وأنه يحتاج الشجاع ~~المحارب السلاح PageV02P347 # في الحرب فكيف بالعي المغتر ، فلا يتعاط أحد سبيل التقوى ، وما قرن الله ~~بها من التمحيص والبلوى ، إلا وقد تحصن بالعلم والبصر والنظر ، (1) الذي ~~ميز الله به بين أهل الخير والشر ، فلا تدعوا رحمكم الله حسن النظر في ~~الأمور ، والاستضاءة في ظلمها بما جعل الله في العلم من النور. # واعلموا أن من أبواب ذلك ومفاتيحه ، وأضوأ ضياء نوره ومصابيحه ، إخلاص ~~العمل لله ، وصدق التوكل على الله ، وسبب الطريق إليها ، وعون من أراد مما ~~(2) فيها ، (حسن الفكر في الدنيا وفنائها ، وتقلب سرائها وضرائها ، وفي حال ~~جميع من فيها من ملوك الأمم خاصة ، ومن دونهم من الخلق جميعا عامة ، فإنكم ~~إن تفكرتم فتروا ، بعين الفكر وتبصروا ، أنهم جميعا منها وإن اختلفت حالهم ~~[في السراء والضراء ، في مضامير بأقدار أحوالهم] فيها من السعادة والشقاء) ~~، (3) فقد غشيهم من همومها كأمثال الجبال ، ورمت بهم (4) من غمومها في مثل ~~لجج البحار ، فالملك في شغل من ملكه ، والمملوك في سطوة مالكه ، والمكثر من ~~إكثاره ، والمقل من إقلاله. ### | [أحوال الخلق في الدنيا] # ولن يحاط بوصف أحزانها ، وأوجاع غموم سكانها ، ويحق (5) بذلك منزل سريع ~~زواله ، قليل ما تمتع بالراحة فيه نزاله ، بأساؤه أبدا ms12 فيه متداركة ، ونجاة ~~أهله فيه مهلكة ، وغمومهم فيه متراكبة ، وهمومهم به مكتسبة ، فلا الغني ~~يخلو من غم الجمع PageV02P348 # وكده ، ولا الفقير ينجو من الكد فيه بجهده ، يسعى الغني فيه خوفا من ~~العدم ، ويكد الفقير طلبا للمغنم ، فجدة الغني فيه فقر ، ومغنم الفقير منه ~~خسر ، يخاطرون لذلك في أهوال البحور ، ويركبون لطلبه كل باب من أبواب ~~الفجور ، فأقرب ما يكونون (1) من السرور به ، أقرب ما يكونون (2) من الغم بسلبه. # فكم في الدنيا من غريق في لجج البحار؟! وكم فيها ولها من مبتلى بقتل أو ~~أسار؟! وكم لطالبها ، وإفراطه في حبها ، من ميت غريب ناء عن الولد والأوطان ~~، بين غتم (3) لا يعرفونه ، وطماطم (4) من السودان ينكرونه ، لم يبكه هنالك ~~ولده ولا قرباه ، ولم تأسف عليه كما أسف عليها دنياه ، بل تخلوا جميعا منه ~~، وأعرضوا سريعا عنه ، فورثوه غير حامدين له فيما جمع ، وأسلموه إذ مات لما ~~عمل وصنع ، ولعل قائلا منهم أن يقول : ما كان أفحش حرصه وإيعاثه ، (5) أو ~~قائلا منهم يقول : ما أقل أو ما أكثر تراثه ، تلعبا بذكره ، وتفكها في أمره. # فأعرضوا هذا رحمكم الله على قلوبكم لأن ينجلي لكم إن شاء الله ما فيها عن ~~الدنيا من العمى ، وانظروا إلى من زالت عنه القدرة من أبناء الملوك ~~والعظماء ، كيف صاروا إلى الضعة بعد الرفعة ، والضيق بعد مضطربهم من السعة ~~، بل انظروا بعد هذا كله ، إلى من كان هذا أكثر شغله ، ألم تروا غلطهم في ~~مسالكهم ، ومرتطمهم في مهالكهم ، فاعتبروا بهم قبل أن تغرقوا في بحرهم ، ~~وتقعوا في مهالك أمرهم ، وآثروا سبيل أحباء الله على كل سبيل ، واستدلوا ~~بما كان لهم على سبيلهم من دليل ، فإن سبيلهم فيه ، وعونهم كان عليه ، ما ~~خالط فكرهم ، وأحيوا به في الفكر ذكرهم ، من نعيم الآخرة الدائم المقيم ، ~~وما أعد الله لمن حاده من العذاب الأليم. # ففكروا رحمكم الله كما فكروا ، تبصروا إن شاء الله من فضل سبيلهم ما PageV02P349 # أبصروا ، وفوضوا أموركم في ذلك كلها إلى الله ، واعتصموا في ذلك كله ~~بالله ، فلا تدعوا ms13 فيه يقظة الجد والاجتهاد ، بعد التوكل على الله ربكم فيه ~~والاعتماد ، وابذلوا لله فيه كل جهد ، وأخلصوا له منكم في كل قصد ، فإنكم ~~إن تفعلوا ذلك له ، (1) وتقصدوا فيه ما يجب فعله تولاكم الله فيه فعصمكم ، ~~وكفاكم به مهمكم ، ولا تحدثوا أنفسكم بعد أن يمن الله عليكم بهذه النعمة ، ~~وبعد الدخول منكم في هذه السبيل المكرمة ، بالخروج ما بقيتم منها ، ولا ~~بالإعراض أبدا ما حييتم عنها ، ولكن وطنوا نفوسكم على احتمال صعاب الأمور ~~فيها ، ولا تخافوا ولا قوة إلا بالله تخويف من خوفكم عليها. # واعلموا أنه لن يكون أحد في فعله خلصانيا (2)، ولا فيما تتوق إليه نفسه ~~من ولاية الله وليا ، إلا بعزمه على طاعة الله وإقدامه ، ومحافظته على ما ~~حكم الله به عليه من أحكامه ، فاعزموا على التقوى عزم من يوقن بفضلها ، ~~تكونوا بإذن الله من أوليائها وأهلها ، واصرفوا قلوبكم إلى تقوى الله ، ~~تكونوا من السابقين بالتقوى إلى الله ، فقد نبهكم الله لها وأيقظكم ، ~~وأمركم بما تعملون منها فوعظكم. ### | [الموت] # والموت رحمكم الله فقد أبان النداء ، وداعيه فغير مفتر في الدعاء ، يختطف ~~ملحا دائبا النفوس ، ويميت الكبير والصغير المنفوس ، لا يغفل غافلا وإن غفل ~~، ولا يؤخر مؤملا لما أمل ، بل يكذب الآمال ، ويقطع الآجال ، ويفرق بين ~~الأجساد والأرواح ، وفي (3) أي مساء يأتي أو صباح ، بل في كل حالة وساعة ، ~~فكم من بلية أو منية فجاعة ، تمنع من روح الأنفاس ، وتقطع إلف الإناس ، (4) ~~قد رأيناها عيانا ، وعلمناها إيقانا. PageV02P350 # وإذا وطنتم أنفسكم إن شاء الله على سلوك هذه السبيل ، وهداكم الله إليها ~~بما جعل الله في فضلها لأهلها من الدليل ، فارضوا بالله فيها بدلا من ~~الدنيا ، واقصدوا قصد وجوه البر والتقوى ، واعملوا عمل من يوقن بحصاد ~~مزدرعه وزكائه ، (1) وثقوا من الله فيما عملتم من ذلك بحسن جزائه ، إذ ~~تحملتم له ولأمره طلب الرضى ، وفارقتم لوجهه أهل الدنيا ، وحرمتم على ~~أنفسكم عارض شهواتها عند اشتهائه ، وآثرتم ما أعد الله من الخيرات الباقيات ~~لأوليائه. # واعلموا أنكم إذا أمتم عارض شهواتكم لله ، فقد طبتم ms14 وزكيتم وأشبهتم ~~المصطفين من عباد الله ، وفي غد ما يقول لكم ملائكة رب العالمين : ( ~~@QUR@05 سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ) (73) [الزمر : 73]. # واعلموا أنكم إذا رفضتم غرور زينة الدنيا ، فكأنكم بقلوبكم في السماوات ~~العلى ، فاجعلوا القيامة لكم (2) غرضا ترمونه بصالح الأعمال ، ولا تقتدوا ~~(3) في ذلك بمنتهى سبيل الأخيار فتكونوا بعرض ملال ، يحط من كبار (4) ~~الأعمال إلى صغارها ، ومن تفضيلها إلى احتقارها ، ولكن تناولوا طرفا من ~~الصيام ، وطرفا في (5) الليل من القيام ، وتفهموا ما تتلون فيه من أجزاء ~~القرآن ، وسبحوا لله واذكروه في آناء الليل وأطراف النهار ، فإنه يقول ~~سبحانه: ( @QUR@04 اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) @QUR@03 وسبحوه بكرة وأصيلا ~~) (42) [الأحزاب : 41 42]. ويقول سبحانه : ( @QUR@03 يا أيها المزمل (1) ~~@QUR@04 قم الليل إلا قليلا (2) @QUR@05 نصفه أو انقص منه قليلا (3) ~~@QUR@06 أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ) (4) [المزمل : 1 4]. ويقول ~~سبحانه: ( @QUR@012 ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا ) (79) [الإسراء: 79]. PageV02P351 ### | [جوهر الدين] # واعلموا أن شهوة الشراب والطعام ، (1) والنوم عن التهجد والقيام ، أوقع ~~سرورا (2) للنفس ، وادعى لما في طبائع الأنفس ، من الظمأ والصيام ، ومن ~~التهجد والقيام ، ولن يملك امرؤ ضبط نفسه وفكرته ، ويقوى على ما يفوز به في ~~آخرته ، حتى يقوى على ترك شهوته ، ويؤثر محبة الله على محبته ، وكما لا ~~يضبط صعاب الخيل إلا بثقيل اللجم ، فكذلك لا يقوى على النفس إلا بمنعها من ~~كثير من شهواتها في المشرب والمطعم. # وإذا صمتم فليكن مع صيامكم من المطعم والمشرب ، صيام عن التكبر والعجب ، ~~فإنهما ينتجان الفتنة ويوقدان نار الغضب ، واجعلوا أفكاركم ، وصفاء أذهانكم ~~، في الله ومحل أوليائه ، وفي التماس (3) منازل أحبائه ، ولا ينال (4) ذلك ~~إلا بكلفة متكلفة ، يتقدمها متقدم معرفة. # واعلموا أنه لن يعرفها أحد حق معرفتها ، إلا خف عليه ما يستثقله الجاهلون ~~من كلفتها ، فلا تطلبوا التقوى طلب الجاهل بطلبته ، المغتر بسوء التقدير عن ~~نيل بغيبته ، جهلا بما بينه وبينها ، وما جعل له من العلاج دونها ، فيقل ~~صبركم ، ويعسر عليكم فيها أمركم. ولكن اعرفوا منها ما قصدتم له ، وسلكتم ~~إلى الله عز وجل فيها سبيله ، فإن غلبت ms15 عليكم الغفلة فيها ، أو فترتم بخطيئة ~~عن النهوض إليها ، فهيجوا قلوبكم عليها ، وادعوا أنفسكم إليها ، بأصوات ~~الأحزان ، والبكاء إما بأنفسكم وإما بغيركم من القرآن ، فإن القرآن نور ~~وعبرة لمن اعتبر ، والبكاء والأحزان تذكرة لمن تذكر. # فإن تعسر عليكم في مطالبكم من التقوى مطلب ، أو ضاق عليكم من مذاهبكم ~~مذهب ، فخذوا في غيره مما يقربكم ، ويتسع لكم به من مذهبكم ، ولا تطلبوا ~~الله في كثرة الركوع والسجود ، دون تحقيق الإخلاص لله من قلوبكم باعتماد ~~(5) قصد من PageV02P352 # ضمائرها معمود ، فإنما يراد بذلك كله وفيه ، الوصول بتعظيم الله إليه (1). # وألطفوا نفي الهم عنكم ، وقطع أسباب الغم دونكم ، فإنهما يفسدان الأعمال ~~، ويورثان الملال ، ويفلان (2) عزائم الجد ، ويشغلان عن سلوك القصد ، وإن ~~عرض في نفوسكم ، أو خطر بقلوبكم ، بعض خواطر النفس (3) الدواعي إلى غير ~~البر والتقوى فاحذروا أن يغلب عليكم فيه ، ما يوعر عليكم سبيل ما قصدتم ~~إليه ، وانفوا ما عرض لكم من ذلك كله من أمر الله بما ينفيه ، ففي ذلك ولا ~~قوة إلا بالله ما تقوون عليه ، وانفوا الهم عنكم فيه برجاء الفرج وتأميله ، ~~وبما رأيتم من تغيير أمر الدنيا وتبديله. # واعلموا أن الفرج والسهل بعد الهم والوعر ، والراحة واليسر بعد النصب ~~والعسر ، كما قال الله تبارك وتعالى : ( @QUR@04 فإن مع العسر يسرا (5) ~~@QUR@04 إن مع العسر يسرا ) (6) [الشرح : 5 6]. وقال الرسول عليه السلام ، ~~فيما قد نقلته العوام : (اشتدي أزمة تنفرجي) (4). واستعدوا الصمت عما لا ~~يعنيكم ، فإن ذلك إذا غلب عليكم ، جلا عنكم بإذن الله ما في قلوبكم من ~~العمى ، وإن عين القلب لا تبصر إلا في الضياء وبعد الجلى ، وجلاء القلب ~~صمته عما لا يعنيه ، ونظره فيما له من الله وعليه ، والمرآة ذات الصدى ، لا ~~تري إلا بعد أن تجلى ، وكذلك فلن يصل أحد إلى أن يخلص حبا لله (5) وارتضائه ~~، والسرور بما أعد في دار البقاء لأوليائه ، والعجب بما أراه الله من عظمته ~~، إلا بعد الجلاء للقلب من درن (6) خطيئته ، ولا يقتصر أحد في سلوك هذه ~~السبيل على ترك الطعام ، وإدمان قراءة القرآن ، دون ms16 أن يخلط ذلك بالنظر إلى ~~ما عند (7) الله بقلبه ، ويتفهم في ما PageV02P353 # يقرأ كل (1) ما أمر الله به ، فإنه لا غنم لمن جعل ما هو فيه من صيامه ، ~~ليس إلا تركه لما ترك من طعامه ، ولا من جعل قراءته بالتلاوة شغلا ، ومن ~~فهمه لما فيه عن الله بدلا. # وصحبوا الراسخين في العلم ، فإن فيهم عصمة لمعتصم ، واقتفوا وفقكم الله ~~صلاح آثارهم ، وانفوا الوحشة عنكم (2) بصحبتهم واختيارهم. # ومن سلك هذه السبيل المكرمة الخالصة ، فعارضه فيها من الوساوس المغوية ، ~~ما يوعر عليه سبيلا ، أو يدخل قلبه من فترة دخيلا ، فليذكر أنه في مسلك ~~سبيل أولياء الله الذين اصطفى ، (3) وأنهم باحتمال ما هم فيه من المئونة ~~استحقوا عند الله المنزلة والزلفى ، وبها وصلوا إلى ثواب الله الأكرم ، ~~ومحل أوليائه الأعظم. ### | [مثل طالب الدنيا وطالب الآخرة] # ثم ليقس نفسه فيه ، وفيما يرجو من جزاء الله عليه ، بمن يغوص في لج البحر ~~، لابتغاء الدر ، وهو يوغل في حفر (4) المعادن لابتغاء الذهب ، ويسير له في ~~آفاق الأرض بجهد الطلب ، وينصب نفسه لمقاساة الملك الزائل ، ويقاتل عليه ~~وفيه كل بطل منازل. ومن يطلب ما لا يفنى ويزول ، ولا يغيره مغير من البلاء ~~فيحول ، من الملك الباقي السرمدي ، والنيل الدائم الأبدي ، أيهما أولى ~~بالصبر على التعب ، والاجتهاد بصدق الطلب ، فقد يعلم أنه لا أحد أخسر في ~~صفقته ، ولا أفحش في الحمق من حمقته ، (5) ممن اعتاض زائلا بمقيم ، وبؤسا ~~إن كان عاجلا بنعيم ، فأشعروا انفسكم هذا وذكره ، يسهل عليكم ما وعرت ~~الوساوس أمره. # وإن عرض لكم سوء تفكير ، وشنع عليكم حالا من حال الخير ، يشغل بوسواسه PageV02P354 # ضمائر قلوبكم ، فميزوا بين ذلك وبين ما عرض بصحيح عقولكم ، ولا ترضوا من ~~أنفسكم فيه بغير صحيح أموركم ، فإن أخون الناس لنفسه ، وأجهلهم بيومه وأمسه ~~، من رضي بتشبيه العلانية ، وأنكر صدق السريرة الباطنة. # واعلموا أنكم إن رضيتم ، أو خضعتم في ذلك وأغضيتم ، فتنكم فيه عدوكم ، ~~وسبى بغروره فيه عقولكم ، فاعتصموا بالله عن سبياته ، واستدفعوه لا شريك له ~~لبلياته ، فإنه عز وجل غاية الاعتصام ms17 ، واقصدوا قصد ما برزتم له بالتمام ، ~~فإن كل من نكل (1) عن بغيته ، بعد أن أنصب نفسه في طلبته ، أسوأ في ذلك ~~حالا ، ممن لم ينصب فيها اشتغالا. # واذكروا ما وعدتم من النعيم الدائم المقيم ، وما أوجب الله لمن لم يجب ~~دعاءه من العذاب الهائل الأليم ، ثم (2) اسألوا الله فيما اعتصمتم به بنفي ~~غمكم ، واكتفوا بمعونة الله فيه يقل همكم. ### | [التوبة] # ومن عثر في هذه السبيل بعد سلوكه لها فلا يقطع من الله رجاه ، ولا ييأس ~~مما أعد الله لكل من أخطأ خطاه ، من رحمته التي وهب منها أفضل الموهبة ، ~~وجعلها للخاطئين عند الخطيئة في قبول التوبة ، فإن الله تبارك وتعالى لم ~~يقم للتائبين منهاجا ، ولم يجعل لكل نفس تائبة إليه من العقوبة إخراجا ، ~~إلا لما أحب من بسط (3) العفو والمغفرة ، وتعريف مكان حلمه بالعفو بعد ~~المقدرة ، فإن أنتم زللتم عن طاعته ، فلا تزولوا (4) عن طلب عفوه ومغفرته ، ~~فإنه يبلغكم بسعيكم في طلب عفوه ، منازل (5) الساعين في طلب ثوابه ، وكما ~~أن الله تفضل من ثوابه بأكثر من عمل العاملين ، فكذلك تفضل بالعفو PageV02P355 # على من أناب إليه من الخاطئين ، وكما أن طالب الضالة محب لوجودها وأدائها ~~، والطبيب محب لإبراء المرضى إذا عالجها من أدوائها ، فكذلك الله تبارك ~~وتعالى يحب توبة من دعاه إلى الإنابة من المذنبين ، ولذلك مدح سبحانه إنابة ~~من أناب إليه من المنيبين (1). ### | [حذر النفس والهوى] # واعلموا أن من سقط في البحر ، وألقى بيده في لجج الغمر ، (2)، ولم يتحرك ~~في طلب الحياة ، لم يطمع له يقينا بتا بنجاة. ومن وطن نفسه على الهلكة ، ~~يئس من أن يدركه الله بنجاته المدركة ، ومن يئس من الأسباب المنجية ، لم ~~يتب من قبيح سيئة ، ومن يحسن ظنه بربه ، (3) لا يعدم حسن الجزاء في ظنه به ~~، (4) ومن يسوء ظنه بالله وفيه ، فلا يعرف إحسانه إليه ، ولا يستوجب منه ~~ثوابا ، ولا يأمن له إن عقل عقابا ، وثواب الله على حسن ظن من عبده به ، ~~عوض من جزائه له على حسن عمله. # فالحذر الحذر فإن المنفعة في ms18 الحذر عظيمة ، والاستعانة بمعرفتها حصن ~~وغنيمة ، فاستعينوا بالحذر والتيقظ عن الغفلة ، وما ليس بمأمون أن يعارضكم ~~من الملالة. # واعلموا أن الأنفس تؤثر حب الخفض (5) والراحات ، وكل ما كان لها فيه (6) ~~من عاجل سرور وفرحات ، بغلبة غالبة لها عليها ، وصغو مصغ شديد إليها ، فإن ~~أهملتم أنفسكم أغارت غارة السبع في شهواتها ، وملكتها الغفلة فخالفتكم في ~~أكثر حالاتها ، وإن انتبهتم وحذرتم ، قويتم على بلوغ ما طلبتم ، وإن ونيتم ~~وقصرتم ، وعميتم عما بصرتم ، غلبت عليكم غوالب الحيرة والهوى ، وأسلمكم ~~الله إلى ما آثرتم عليه من غير PageV02P356 # التقوى ، ألم تسمعوا لقول الله تعالى ، فيمن غلب عليه العمى ، وجانب سبيل ~~الهدى : ( @QUR@024 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ) (23) ~~[الجاثية : 23]. فلما اتبعوا أهواءهم أعماهم ، ولما آثروا تقواهم هداهم ، ~~ألم يسمعوا قول الله تبارك وتعالى : ( @QUR@08 أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) @QUR@06 والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ~~تقواهم ) (17) [محمد : 16 17]. # فليكن حذر الهوى من شأنكم الأكبر ، والهرب بالجد من حظكم الأوفر. # فإنه بلغني أن بعض الصالحين كان يقول : النار تلحق ذا الخطو البطيء ، ~~وحديقة العاجز لا تعرى (1) عن الشوك والحلافي ، (2) فكذلك قلوب أهل التقوى ~~إن غلب عليها الوناء والعجز والغفلة ، غلب عليها الخطأ والفساد وهي عنه ذاهلة. # فلا تتكلوا على ما سلف من أعمالكم ، فتضيعوا فيما تستأنفون من بقية ~~آجالكم ، واجعلوا على فكركم من عقولكم رقيبا ، كيلا تجول (3) بكم فيما جعله ~~الله ذنبا ، وكذلك فاجعلوا على ألسنتكم (4) لكيلا تنطق بما يسخطه ، وعلى ~~أسماعكم وأبصاركم لكي تفرغ لما يحبه ، وزنوا فيما بينكم وبين الله جميع ~~أموركم ، وارفضوا الفضول فيها من فعلكم وقولكم ، واقتصروا على بغيتكم ~~تستريحوا ، وتفرغوا لها تنجوا به وتفلحوا. ### | [الاخلاص] # واعلموا أن الزراع الحكيم لا يثق في نفسه بسلامة ما بذر من زرعه فيه ، ~~حتى يستودعه الخزائن فتؤويه ، فلا تثقوا بعملكم قبل الورود عليه. # واعلموا أن ما يعرض من الآفات ، ويدخل على أهله من الغفلات ، في طلب PageV02P357 # الآخرة ms19 أكثر منها في طلب الدنيا ، وذلك لفتن الشيطان بحب المدح والرياء ، ~~واستشعار الكبر والخيلاء ، وغير ذلك من معاريض مكره وكيده ، وما يقاسى فيه ~~من الاخلاص وشدائده ، فإن لم تحترسوا منها ، وتحتجبوا بالله عنها ، عارضتكم ~~فيها الهلكة والتلف ، ثم لم يكن في أيديكم إلا الحسرة والأسف. # فعليكم بقراءة الكتب الدالة على حكم الله وعجائب قدرته ، ولا تقرءوا ما ~~قرأتموه منها للتزين في أعين الناس بقراءته ، وانفوا عنكم تثاقل التلهية ، ~~بذكاء الفكر والنية ، وإذا أعطيتم فاشكروا ، وإن فرحتم فاذكروا ، وإن ~~ابتليتم فاصبروا. # واعلموا أن الصلوات ، ليست بطرب الأصوات ، ولكنها بالباطن الظاهر ، ~~والفكر المنير الزاهر ، والنية الصادقة ، والضمائر المحققة ، فاستعملوا ~~ضمائركم بصحيح الاستعمال ، ولا تميلوا إلى ظاهر المراءاة باللسان ، تكن ~~أعمالكم مطيبة زاكية ، وضمائركم لله خالصة نقية ، (1) ولن يكون الانسان في ~~فعله خلصانيا ، ولا فيما تتوق إليه نفسه من ولاية الله وليا ، إلا بإخلاصه ~~لصلاته وصيامه ، ومحافظته على ما حكم الله به عليه من أحكامه ، فأطيعوا ~~الله (2) ما استطعتم ، وأخلصوا له الطاعة إذا أطعتم ، واصرفوا قلوبكم إلى ~~تقوى الله ، تكونوا من السابقين دون غيركم إلى تعظيم الله ، فقد نبهكم (3) ~~الله لها فأيقظكم ، وأمركم بما تعملون منها فوعظكم. فالعجل العجل والحذر ~~الحذر! والنجا النجا! والوحاء الوحاء! فقد حدانا (4) الرسول على رفض الدنيا ~~وأجهر (5)، وحرك إلى قبول أمر الله فيها فاستنفر ، (6) كل نفس سوية مفكرة ~~، ذات عين صحيحة جلية مبصرة ، فما لأحد من عذر ولا علة ، في وناء ولا تقصير ~~ولا غفلة. # فهل من مستجيب لله في ذلك مدكر؟! وهل من رائح إلى الله أو مبتكر؟! منيب PageV02P358 # إلى الله مستسلم ، ومتعلق بحبل الله معتصم ، فقد أرانا الله من معايب ~~الدنيا ومساويها ما أراه ، ففاز من بادر إلى الله في الإجابة برفضها إذ ~~دعاه ، فوجل من الله وأشفق ، وسارع إلى الله فسبق ، ولم يأخذ منها إلا ما ~~طاب لله وزكا ، ولم يختر على ما جعل الله من الحياة فيها سخطا من الله ~~وهلكا ، ولم يغترر بما (1) أمده الله به من ماله وبنيه ، وبما ظاهره الله ~~من ms20 آلائه ونعمه إليه ، فإنه يقول سبحانه : ( @QUR@07 أيحسبون أنما نمدهم به ~~من مال وبنين (55) @QUR@07 نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) @QUR@07 ~~إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) @QUR@05 والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ~~(58) @QUR@05 والذين هم بربهم لا يشركون (59) @QUR@010 والذين يؤتون ما ~~آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) @QUR@07 أولئك يسارعون في ~~الخيرات وهم لها سابقون (61) @QUR@012 ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ~~ينطق بالحق وهم لا يظلمون ) (62) [المؤمنون : 55 62]. ويقول سبحانه : ( ~~@QUR@05 وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) @QUR@08 وإن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة عن الصراط لناكبون ) (74) [المؤمنون : 73 74]. ويقول سبحانه : ( ~~@QUR@013 وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون (54) @QUR@016 واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم ~~العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) @QUR@015 أن تقول نفس يا حسرتى على ما ~~فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) @QUR@09 أو تقول لو أن الله ~~هداني لكنت من المتقين (57) @QUR@012 أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة ~~فأكون من المحسنين (58) @QUR@010 بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت ~~وكنت من الكافرين ) (59) [الزمر : 54 59]. ويقول سبحانه : ( @QUR@021 ~~استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ ~~وما لكم من نكير ) (47) [الشورى : 47] ، فكفى بتذكير الله عز وجل وأمره فيما ~~ذكرنا به وأمرنا من كل أمر وتذكير ، فأسعدكم الله بقبول تذكيره ، وأيدكم في ~~ذلك بتوفيقه وتبصيره ، PageV02P359 # وبلغكم الله برحمته صالح أعمالكم ، ونستودع الله لنا ولكم ، ولجميع ~~أحوالكم (1). # تم كتاب سياسة النفس والحمد لله كثيرا. # وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم تسليما ، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل ، ونعم المولى ونعم النصير. # * * * PageV02P360 ms21