######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_007061 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Bukhala #META# 010.AuthorAKA :: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ #META# 010.AuthorNAME :: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ #META# 011.AuthorBORN :: 159هـ #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البخلاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الطرائف والقصص :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: 2×1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: البخلاء #META# 030.LibURI :: JK_007061 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أحمد العوامري بك - علي الجارم بك #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: لبنان/ بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1422هـ - 2001م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | 1 ( المقدمة ) 1 # رب أنعمت فزد تولاك الله بحفظه وأعانك على شكره ووفقك لطاعته وجعلك من ~~الفائزين برحمته ذكرت - حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار ~~وفي تفصيل حيل سراق الليل وأنك سددت به كل خلل وحصنت به كل عورة وتقدمت بما ~~أفادك من لطائف الخدع ونبهك عليه من غرائب الحيل فيما عسى ألا يبلغه كيد ~~ولا يحوزه مكر وذكرت أن موقع نفعه عظيم وأن التقدم في درسه واجب وقلت : ~~اذكر لي نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء وما يجوز من ذلك في باب الهزل وما ~~يجوز منه في باب الجد لأجعل الهزل مستراحا والراحة جماما فإن للجد كدا يمنع ~~من معاودته ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته . PageV01P017 وذكرت ملح ~~الحزامي واحتجاج الكندي ورسالة سهل بن هارون وكلام ابن غزوان وخطبة الحارثي ~~وكل ما حضرني من أعاجيبهم ولم سموا البخل صلاحا والشح اقتصادا ولم حاموا ~~على المنع ونسبوه إلى الحزم ولم نصبوا للمواساة وقرنوها بالتضييع ولم جعلوا ~~الجود سرفا والأثرة جهلا ولم زهدوا في الحمد وقل احتفالهم بالذم ولم ~~استضعفوا من هش للذكر وارتاح للبذل ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل إلى ثناء ~~ولا ينحرف عن هجاء ولم احتجوا بظلف العيش على لينه وبحلوه على مره ولم لم ~~يستحيوا PageV01P018 من رفض الطيبات في رحالهم مع استهتارهم بها في رحال ~~غيرهم ولم تتايعوا في البخل ولم اختاروا ما يوجب ذلك الاسم مع أنفتهم من ~~ذلك الاسم ولم رغبوا في الكسب مع زهدهم في الإنفاق ولم عملوا في الغنى عمل ~~الخائف من زوال الغنى ولم يفعلوا في الغنى عمل الراجي لدوام الغنى ولم ~~وفروا نصيب الخوف وبخسوا نصيب الرجاء مع طول السلامة وشمول العافية ~~والمعافى أكثر من المبتلى وليست الحوائج أقل من الفوائد . فكيف يدعوا إلى ~~السعادة من خص نفسه بالشقوة بل كيف ينتحل نصيحة العامة من بدأ بغش الخاصة ~~ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما أجمعت الأمة على تقبيحه ولم فخروا مع اتساع ~~معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه وكيف ms001 يفطن عند الاعتلال له ويتغلغل عند ~~PageV01P019 الاحتجاج عنه إلى الغابات البعيدة والمعاني اللطيفة ولا يفطن ~~لظاهر قبحه وشناعة اسمه وخمول ذكره وسوء أثره على أهله وكيف وهو الذي يجمع ~~له بين الكد وقلة المرفق وبين السهر وخشونة المضجع وبين طول الاغتراب وطول ~~قلة الانتفاع ومع علمه لأن وارثه أعدى له من عدوه وأنه أحق بما له من وليه ~~أو ليس لو أظهر الجهل والغباوة وانتحل الغفلة والحماقة ثم احتج بتلك ~~المعاني الشداد وبالألفاظ الحسان وجودة الاختصار وبتقريب المعنى وبسهولة ~~المخرج وإصابة الموضع لكان ما ظهر من معانيه وبيانه مكذبا لما ظهر من جهله ~~ونقصانه ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض ويعيا عن القريب الجليل ~~PageV01P020 وقلت : فبين لي ما الشيء الذي خبل عقولهم وأفسد أذهانهم وأغشى ~~تلك الأبصار ونقض ذلك الاعتدال وما الشيء الذي له عاندوا الحق وخالفوا ~~الأمم وما هذا التركيب المتضاد والمزاج المتنافي وما هذا الغباء الشديد ~~الذي إلى جنبه فطنة عجيبة وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح وأدرك ~~به الدقيق الغامض وقلت : وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل وأبدى صفحته ~~للذم ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم ولا من الاحتجاج إلا بما رسم في ~~الكتب ولا عجبي من مغلوب على عقله مسخر لإظهار عيبه كعجبي ممن قد فطن لبخله ~~وعرف إفراط شحه وهو في ذلك PageV01P021 يجاهد نفسه ويغلب طبعه . ولربما ظن ~~أن قد فطن له وعرف ما عنده فموه شيئا لا يقبل التمويه ورقع خرقا لا يقبل ~~الرقع . فلوا أنه كما فطن لعيبه وفطن لمن فطن لعيبه فطن لضعفه عن علاج نفسه ~~وعن تقويم أخلاطه وعن استرجاع ما سلف من عاداته وعن قلبه أخلاقه المدخولة ~~إلى أن تعود سليمة لترك تكلف ما لا يستطيعه ولربح الإنفاق على من يذمه ولما ~~وضع على نفسه الرقباء ولا أحضر مائدته الشعراء ولا خالط برد الآفاق ولا ~~لابس الموكلين بالأخبار ولا استراح من كد الكلفة ودخل في غمار الأمة . ~~PageV01P022 وبعد فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه ms002 ولا يفطن لعيب نفسه ~~إذا أطعمهم وإن كان عيبه مكشوفا وعيب من أطعمه مستورا ولم سخت نفس أحدهم ~~بالكثير من التبر وشحت بالقليل من الطعم وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ~~ما بذل وأنه لو شاء أن يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به كان ذلك ~~عتيدا ويسيرا موجودا وقلت : ولا بد من أن تعرفني الهنات التي نمت على ~~المتكلفين ودلت على حقائق المتموهين وهتكت عن أستار الأدعياء وفرقت بين ~~الحقيقة والرياء وفصلت بين البهرج المتزخرف والمطبوع المبتهل لتقف - زعمت - ~~عندها ولتعرض نفسك عليها ولتتوهم مواقعها وعواقبها . فإن نبهك التصفح لها ~~على عيب قد أغفلته عرفت مكانه فاجتنبته . فإن كان عتيدا ظاهرا معروفا عندك ~~نظرت : فأن كان احتمالك فاضلا على بخلك دمت على إطعامهم وعلى اكتساب المحبة ~~بمؤاكلتهم وإن كان اكترائك غامر الاجتهاد PageV01P023 سترت نفسك وانفردت ~~يطيب زادك ودخلت مع الغمار وعشت عيش المستورين . وإن كانت الحروب بينك وبين ~~طباعك سجالا وكانت أسبابكما أمثالا وأشكالا أجبت الحزم إلى ترك التعرض ~~وأجبت الاحتياط إلى رفض التكلف ورأيت أن من حصل السلامة من الذم فقد غنم ~~وأن من آثر الثقة على التغرير فقد حزم . وذكرت أنك إلى معرفة هذا الباب ~~أحوج وأن ذا المروءة إلى هذا العلم أفقر وأنى إن حصنت من الذم عرضك بعد أن ~~حصنت من اللصوص مالك فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار ولا أم رءوم . وسألت ~~أن أكتب لك علة أن الرجل أحق ببيته من الغريب وأولى بأخيه من البعيد وأن ~~البعيد أحق بالغيرة والقريب أولى بالأنفة وأن الاستزادة في النسل ~~كالاستزادة PageV01P024 في الحرث إلا أن العادة هي التي أوحشت منه والديانة ~~هي التي حرمته ولأن الناس يتزيدن أيضا في استعظامه وينتحلون أكثر مما عندهم ~~في استشناعه . وعلة الجهجاه في تحسين الكذب بمرتبة الصدق في مواضع وفي ~~تقبيح الصدق في مواضع وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق وفي حط الصدق إلى موضع ~~الكذب وأن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه وتذكر مثالبه ويحابون الصدق ms003 ~~بتذكر منافعه وبتناسي مضاره وإنهم لو وازنوا بين مرافقهما وعدلوا بين ~~خصالهما لما فرقوا بينهما هذا التفريق ولما رأوهما بهذه العيون . ومذهب ~~صحصح في تفضيل النسيان على كثير من الذكر وأن الغباء في الجملة أنفع من ~~الفطنة في الجملة وأن عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس من عيش العقلاء ~~وإنك لو أسمنت بهيمة ورجلا ذا مروءة أو امرأة ذات عقل وهمة وأخرى ~~PageV01P025 ذات غباء وغفلة لكان الشحم إلى البهيمة أسرع وعن ذات العقل ~~والهمة أبطأ . ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام ولأن الغباء مقرون بفراغ ~~البال والأمن فلذلك البهيمة تقنو شحما في الأيام اليسيرة . ولا تجد ذلك لذي ~~الهمة البعيدة . ومتوقع البلاء في البلاء وإن سلم منه . والعاقل في الرجاء ~~إلى أن يدركه البلاء . ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصورة في ~~كتابي الذي سمي كتاب المسائل لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب . فأما ما ~~سألت من احتجاج الأشحاء ونوادر أحاديث البخلاء فسأوجدك ذلك في قصصهم - إن ~~شاء الله تعالى - مفرقا وفي احتجاجاتهم مجملا فهو أجمع لهذا الباب من وصف ~~ما عندي دون ما انتهى إلى من أخبارهم على وجهها وعلى أن الكتاب أيضا يصير ~~أقصر ويصير العار فيه أقل . PageV01P026 ونبتدىء برسالة سهل بن هارون ، ثم ~~بطرف أهل خراسان ، لإكثار الناس في أهل خراسان . ولك في هذا الكتاب ثلاثة ~~أشياء : تبين حجة طريفة أو تعرف حيلة لطيفة أو استفادة نادرة عجيبة . وأنت ~~في ضحك منه إذا شئت وفي لهو إذا مللت الجد . وأنا أزعم أن البكاء صالح ~~للطبائع ومحمود المغبة إذا وافق الموضع ولم يجاوز المقدار ولم يعدل عن ~~الجهة ودليل على الرقة والبعد من القسوة . وربما عد من الوفاة وشدة الوجد ~~على الأولياء . وهو من أعظم ما تقرب به العابدون واسترحم به الخائفون . ~~وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبي له : لا تجزع فإنه أفتح لجرمه ~~وأصح لبصره . وضرب عامر بن قيس بيده على عينه فقال : جامدة شاخصة لا تندى ! ~~وقيل لصفوان بن محرز عند طول ms004 بكائه وتذكر أحزانه : إن طول البكاء يورث ~~العمى . فقال : ذلك لها شهادة . فبكى حتى عمى . PageV01P027 وقد مدح ~~بالبكاء ناس كثير : منهم يحيى البكاء وهيثم البكاء . وكان صفوان بن محرز ~~يسمى البكاء . وإذا كان البكاء الذي ما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء - وربما ~~أعمى البصر وأفسد الدماغ ودل على السخف وقضى على صاحبه بالهلع وشبه بالأمة ~~اللكعاء وبالحدث الضرع - ولو كان الضحك قبيحا من الضاحك وقبيحا من المضحك ~~لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبنى : كأنه يضحك ضحكا . وقد قال ~~الله جل ذكره : { وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا } . فوضع الضحك ~~بحذاء الموت . وإنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح ولا يمن على خلقه بالنقص ~~. وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما ومن مصلحة الطباع كبيرا وهو شيء ~~في أصل الطباع وفي أساس التركيب . لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي . وقد ~~تطيب PageV01P028 نفسه وعليه ينبت شحمه ويكثر دمه الذي هو علة سروره ومادة ~~قوته . ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضحاك وببسام وبطلق ~~وبطليق . وقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم ومزح . وضحك الصالحون ومزحوا . ~~وإذا مدحوا قالوا : هو ضحوك السن وبسام العشيات وهش إلى الضيف وذو أريحية ~~واهتزاز . وإذا قالوا : هو عبوس وهو كالح وهو قطوب وهو شتيم المحيا وهو ~~مكفهر أبدا وهو كريه ومقبض الوجه وحامض الوجه وكأنما وجهه بالخل منضوح ! ~~وللمزح موضع وله مقدار متى جازها أحد وقصر عنهما أحد صار الفاضل خطلا ~~والتقصير نقصا . PageV01P029 ومتى أريد بالمزح النفع وبالضحك الشيء الذي له ~~جعل الضحك صار المزح جدا والضحك وقارا . وهذا كتاب لا أغرك منه ولا أستر ~~عنك عيبه . لأنه لا يجوز أن يكمل لما تريده ولا يجوز أن يوفى حقه كما ينبغي ~~له : لأن هاهنا أحاديث كثيرة متى أطلعنا منها حرفا عرف أصحابها وإن لم ~~نسمهم ولم نرد ذلك بهم . وسواء سميناهم أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم . منهم ~~الصديق والولي والمستور والمتجمل . وليس يفي حسن الفائدة لكم بقبح الجناية ~~عليهم ms005 . فهذا باب يسقط البتة ويختل به الكتاب لا محالة . وهو أكثرها بابا ~~وأعجبها منك موقعا - وأحاديث أخر ليس لها شهرة ولو شهرت لما كان فيها دليل ~~على أربابها ولا هي مفيدة أصحابها . PageV01P030 وليس يتوفر أبدا حسنها إلا ~~بأن تعرف أهلها وحتى تتصل بمستحقها وبمعادنها واللائقين بها . وفي قطع ما ~~بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط نصف الملحة وذهاب شطر النادرة . ولو أن ~~رجلا ألزق نادرة بأبي الحارث جمين والهيثم بن مطهر وبمزيد وابن الأحمر ثم ~~كانت باردة لجرت على أحسن ما يكون . ولو ولد نادرة حارة في نفسها مليحة في ~~معناها ثم أضافها إلى صالح بن حنين وإلى ابن النواء وإلى بعض البغضاء لعادت ~~باردة ولصارت فاترة فإن الفاتر شر من البارد . وكما أنك لو ولدت كلاما في ~~الزهد وموعظة للناس ثم قلت : هذا من كلام بكر بن عبد الله المزني وعامر بن ~~عبد قيس العنبري ومورق العجلي ويزيد الرقاشي لتضاعف PageV01P031 حسنه ~~ولأحدث له ذلك النسب نضارة ورفعة لم تكن له . ولو قلت : قالها أبو كعب ~~الصوفي أو عبد المؤمن أو أبي نواس الشاعر أو حسين الخليع لما كان لها إلا ~~مالها في نفسها . وبالحرى أن تغلط في مقدارها فتبخس من حقها . وقد كتبنا لك ~~أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها إما ~~بالخوف منهم وإما بالإكرام لهم . ولولا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلفته ~~ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة . فإن كانت لائمة أو عجز فعليك وإن عذر ~~فلي دونك . PageV01P032 رسالة سهل بن هارون أبي محمد بن راهبون إلى عمه من ~~آل راهبون حين ذموا مذهبه في البخل وتتبعوا كلامه في الكتب : بسم الله ~~الرحمن الرحيم أصلح الله أمركم وجمع شملكم وعلمكم الخير وجعلكم من أهله ! ~~قال الأحنف بن قيس : يا معشر بني تميم لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس ~~إلى القتال أقلهم حياء من الفرار . وقد كانوا يقولون : إذا أردت أن ترى ~~العيوب جمة فتأمل عيابا فإنه يعيب بفضل ما فيه من العيب . وأول ms006 العيب أن ~~تعيب ما ليس بعيب . وقبيح أن تنهى عن مرشد أو تغري بمشفق . وما أردنا بما ~~قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم وإلا إصلاح فسادكم وإبقاء النعمة عليكم ولئن ~~أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم . ~~PageV01P033 ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا ~~قبلكم وشهرنا به في الآفاق دونكم . فما أحقكم في تقديم حرمتنا بكم أن ترعوا ~~حق قصدنا بذلك إليكم وتنبيهنا على ذكر العيوب برا وفضلا لرأينا أن في ~~أنفسنا عن ذلك شغلا . وإن من أعظم الشقوة وأبعد من السعادة أن لا يزال ~~يتذكر زلل المعلمين ويتناسى سوء استماع المتعلمين ويستعظم غلط العاذلين ولا ~~يحفل بتعمد المعذولين . عبتموني بقولي لخادمي : أجيدي عجنه خميرا كما أجدته ~~فطيرا ليكون أطيب لطعمه وأزيد في ريعه . وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه ورحمه - لأهله : أملكوا العجين فإنه أريع الطحنتين . PageV01P034 وعبتم ~~على قولي : من لم يعرف مواقع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواقع ~~الاقتصاد في الممتنع الغالي : فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل حجمها على ~~مبلغ الكفاية وأشف من الكفاية . فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء ~~وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء وجدت في الأعضاء فضلا على الماء فعلمت ~~أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله ورغبت عن التهاون به في ابتدائه لخرج ~~آخره على كفاية أوله ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر . فعبتموني بذلك ~~وشنعتموه بجهدكم وقبحتموه . وقد قال الحسن عند ذكر السرف : إنه ليكون في ~~الماعونين الماء والكلإ . فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلإ . وعبتموني ~~حين ختمت على سد عظيم وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة غريبة على ~~عبدنهم وصبي جشع وأمة لكعاء وزوجة خرقاء . وليس من أصل الأدب PageV01P035 ~~ولا في ترتيب الحكم ولا في عادات القادة ولا في تدبير السادة أن يستوي في ~~نفيس المأكول وغريب المشروب وثمين الملبوس وخطير المركوب والناعم من كل فن ~~واللباب من كل شكل التابع والمتبوع والسيد والمسود . كما لا تستوي ms007 مواضعهم ~~في المجلس ومواقع أسمائهم في العنوانات وما يستقبلون به من التحيات . وكيف ~~وهم لا يفقدون من ذلك ما يفقد القادر ولا يكترثون له اكتراث العارف من شاء ~~أطعم كلبه الدجاج المسمن وأعلف حماره السمسم المقشر ! فعبتموني بالختم وقد ~~ختم بعض الأئمة على مزود سويق . وختم على كيس فارغ وقال : طينة وعبتموني ~~حين قلت للغلام : إذا زدت في الرق فزد في الإنضاج لتجمع بين التأدم باللحم ~~والمرق ولتجمع مع الإرتفاق بالمرق الطيب . وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء فإن لم يصب أحدكم لحما أصاب مرقا ~~) . PageV01P036 وعبتموني بخصف النعال وبتصدير القميص وحين زعمت أن ~~المخصوفة أبقى وأوطأ وأوقى وأنفى للكبر وأشبه بالنسك وأن الترقيع من الحزم ~~وأن الاجتماع مع الحفظ وأن التفرق مع التصنيع . وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخصف نعله ويرقع ثوبه . ولقد لفقت سعدى بنت عواف إزار طلحة وهو ~~جواد قريش وهو طلحة الفياض . وكان في ثوب عمر رقاع أدم . وقال : من لم ~~يستحى من الخلال خفت مؤنته وقل كبره . وقالوا : لا جديد لمن لا يلبس الخلق ~~. وبعث زياد رجلا يرتاد له محدثا واشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسددا . ~~فأتاه به موافقا . فقال : أكنت ذا معرفة به قال : لا ولا رأيته قبل ساعته . ~~قال : أفناقلته PageV01P037 الكلام وفاتحته الأمور قبل أن توصله إلي قال : ~~لا . قال : فلم اخترته على جميع من رأيته قال : يومنا يوم قائظ ولم أزل ~~أتعرف عقول الناس بطعامهم ولباسهم في مثل هذا اليوم . ورأيت ثياب الناس ~~جددا وثيابه لبسا فظننت به الحزم . وقد علمنا أن الخلق في موضعه مثل الجديد ~~في موضعه . وقد جعل الله عز وجل لكل شيء قدرا وبوأ له موضعا كما جعل لكل ~~دهر رجالا ولكل مقام مقالا . وقد أحيا بالسم ومات بالغذاء وأغص بالماء وقتل ~~بالدواء . فترقيع الثوب يجمع مع الإصلاح التواضع . وخلاف ذلك يجمع مع ~~الإسراف التكبر . وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين كما زعموا أن قلة ~~العيال أحد اليسارتين . وقد ms008 جبر الأحنف يد عنز . وأمر بذلك النعمان . وقال ~~عمر : من أكل بيضة فقد أكل دجاجة . وقال رجل لبعض السادة : أهدي إليك دجاجة ~~فقال : إن كان لا بد فاجعلها بياضة . وعد أبو الدرداء العراق حر البهيمة . ~~PageV01P038 وعبتموني حين قلت : لا يغترن أحد بطول عمره وتقيس ظهره ورقة ~~عظمه ووهن قوته أن يرى أكرومته ولا يحرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه ~~وتحويله إلى ملك غيره وإلى تحكيم السرف فيه وتسليط الشهوات عليه فلعله أن ~~يكون معمرا وهو لا يدري وممدودا له في السن وهو لا يشعر . ولعله أن يرزق ~~الولد على اليأس أو يحدث عليه بعض مخبآت الدهور مما لا يخطر على البال ولا ~~تدركه العقول فيسترده ممن لا يرده ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه أضعف ما ~~كان عن الطلب واقبح ما يكون به الكسب . فعبتموني بذلك وقد قال عمرو بن ~~العاص : اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدأ واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا . ~~وعبتموني حين زعمت أن التبذير إلى أن التبذير إلى مال القمار ومال الميراث ~~وإلى مال الالتقاط وحباء الملوك أسرع وأن الحفظ إلى المال المكتسب والغنى ~~المجتلب وإلى ما يعرض PageV01P039 فيه لذهاب الدين واهتضام العرض ونصب ~~البدن واهتمام القلب أسرع وأن من لم يحسب ذهاب نفقته لم يحسب دخله ومن لم ~~يحسب الدخل فقد أضاع الأصل وأن من لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر وطاب ~~نفسا بالذل . وزعمت أن كسب الحلال مضمن بالإنفاق في الحلال وأن الخبيث ينزع ~~إلى الخبيث وأن الطيب يدعو إلى الطيب وأن الإنفاق في الهوى حجاب دون الحقوق ~~وأن الإنفاق في الحقوق حجاز دون الهوى . فعبتم على هذا القول . وقد قال ~~معاوية : لم أر تبذيرا قط إلا وإلى جانبه حق مضيع . وقد قال الحسن : إذا ~~أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله فانظروا في أي شيء ينفقه فإن الخبيث ينفق ~~في السرف . وقلت لكم بالشفقة مني عليكم وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم ~~ولما PageV01P040 يجب في جواركم وفي ممالحتكم وملابستكم : أنتم في دار ms009 ~~الآفات والجوائح غير مأمونات . حنيفة من طريق فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم ~~يرجع إلى بقية فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة حنيفة من طريق فإن البلية لا ~~تجري في الجميع إلا مع موت الجميع . وقد قال عمر رضي الله عنه في العبد ~~والأمة وفي ملك الشاة والبعير وفي الشيء الحقير اليسير : فرقوا بين المنايا ~~. وقال ابن سيرين لبعض البحريين : كيف تصنعون بأموالكم قال : نفرقها في ~~السفن فإن عطب بعض سلم بعض . ولولا أن السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في ~~البحر . قال ابن سيرين : تحسبها خرقاء وهي صناع . وقلت لكم عند إشفاقي ~~عليكم : إن للغنى سكرا وإن للمال لنزوة . فمن لم يحفظ الغنى من سكر العنى ~~فقد أضاعه ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله . فعبتموني بذلك . وقال ~~زيد بن جبلة : ليس أحد أفقر من غني أمن الفقر . وسكر الغنى أشد من سكر ~~الخمر . PageV01P041 وقلتم : قد لزم الحث على الحقوق والتزهيد في الفضول ~~حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره بعد رسائله وفي خطبه بعد سائر كلامه . فمن ~~ذلك قوله في يحيى بن خالد : عدو تلاد المال فيما ينوبه منوع إذا ما منعه ~~كان أحزما ومن ذلك قوله في محمد بن زياد : وخليقتان تقى وفضل تحرم وإهانة ~~في حقه للمال وعبتموني حين زعمت أني أقدم المال على العلم لأن المال به ~~يغاث العالم وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضيلة العلم وأن الأصل أحق ~~بالتفضيل من الفرع وأني قلت : وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس فإنا بالكفاية ~~نستبين وبالخلة نعمى . وقلتم : وكيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدم ~~الأدباء : آلعلماء أفضل أم الأغنياء قال : بل العلماء . قيل : فما بال ~~العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء قال : ~~لمعرفة العلماء بفضل الغنى ولجهل الأغنياء بفضل العلم . PageV01P042 فقلت : ~~حالهما هي القاضية بينهما . وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه وشيء يغي ~~بعضهم فيه عن بعض وعبتموني حين قلت : إن فضل الغني على القوت إنما هو كفضل ~~الآلة حنيفة الدار إن احتيج ms010 إليها استعملت وإن استغنى عنها كانت عدة . وقد ~~قال الحضين بن المنذر : وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء . قيل : ~~فما ينفعك من ذلك قال : لكثرة من يخدمني عليه . وقال أيضا : عليك بطلب ~~الغنى فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عز في قلبك وذل في قلب غيرك لكان الحظ فيه ~~جسيما والنفع فيه عظيما . ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب ~~الحكماء لأصحاب الأهواء : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء ~~باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج . وقال : درهمك لمعاشك ودينك لمعادك . ~~PageV01P043 فقسموا الأمور كلها على الدين والدنيا . ثم جعلوا أحد قسمي ~~الجميع الدرهم . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : إني لأبغض أهل البيت ~~ينفقون رزق الأيام في اليوم . وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين . وكان هشام ~~يقول : ضع الدرهم على الدرهم يكون مالا . ونهى أبو الأسود الدؤلي وكان ~~حكيما أديبا وداهيا أريبا عن جودكم هذا المولد وعن كرمكم هذا المستحدث . ~~فقال لابنه : إذا بسط الله لك الرزق فابسط وإذا قبض فاقبض . ولا تجاود الله ~~فإن الله أجود منك . وقال : درهم من حل يخرج في حق خير من عشرة آلاف قبضا . ~~وتلقط عرندا من بزيم فقال : تضيعون مثل هذا وهو قوت امرئ مسلم يوما إلى ~~الليل ! وتلقط أبو الدرداء حبات حنطة فنهاه بعض المسرفين . فقال : ليهن ابن ~~العبسية ! إن مرفقة المرء رفقه في معيشته . PageV01P044 فلستم علي تردون ~~ولا رأي تفندون . فقدموا النظر قبل العزم . وتذكروا ما عليكم قبل أن تذكروا ~~ما لكم . والسلام . نبدأ بأهل خراسان لإكثار الناس في أهل خراسان . ونخص ~~بذلك أهل مرو بقدر ما خصوا به . قال أصحابنا : يقول المروزي للزائر إذا ~~أتاه وللجليس إذا طال جلوسه : تغذيت اليوم فإن قال : نعم قال : لولا أنك ~~تغديت لغديتك بغداء طيب . وإن قال : لا قال : لو كنت تغديت لسقيتك خمس ~~أقداح . فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير . وكنت في منزل ابن أبي ~~كريمة وأصله من مرو . فرآني أتوضأ من كوز خزف ms011 فقال : سبحان الله تتوضأ ~~بالعذب والبئر لك معرضة ! قلت : ليس بعذب إنما هو من ماء البئر . قال : ~~فتفسد علينا كوزنا بالملوحة ! فلم أدر كيف أتخلص منه وحدثني عمرو بن نهيوي ~~قال : تغديت يوما عند الكندي . فدخل عليه رجل كان له جارا وكان لي صديقا . ~~فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل . وكان أبخل من خلق الله . قال : فاستحييت ~~منه فقلت : سبحان الله لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل ! قال : قد والله ~~PageV01P045 فعلت . فقال الكندي : ما بعد الله شيء ! قال عمر : فكتفه والله ~~كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا وتركه . ولو مد يده لكان كافرا ولو مد ~~يده لكان كافرا أو لكان قد جعل مع الله - جل ذكره - شيئا ! وليس هذا الحديث ~~لأهل مرو ولكنه من شكل الحديث الأول . وقال ثمامة : لم أر الديك في بلدة قط ~~فلا وهو لاقط يأخذ الحبة بمنقاره ثم يلفظها قدام الدجاجة فلا ديكة مرو فإني ~~رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب ! قال : فعلمت أن بخلهم ~~شيء في طبع البلاد وفي جواهر الماء . فمن ثم عتم جميع حيوانهم . فحدثت بهذا ~~الحديث أحمد بن رشيد فقال : كنت عند شيخ من أهل مرو وصبي له صغير يلعب بين ~~يديه فقلت له إما عابثا وإما ممتحنا : أطعمني من خبزكم قال : لا تريده هو ~~مر ! فقلت : فاسقني من مائكم قال : لا تريده هو مالح ! قلت : هات من كذا ~~وكذا قال : لا تريده هو كذا وكذا ! إلى أن عددت أصنافا كثيرة . كل ذلك ~~يمنعنيه ويبغضه PageV01P046 إلي ! فضحك أبوه وقال : ما ذنبنا هذا من علمه ~~ما تسمع ! يعني أن البخل طبع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم . وزعم أصحابنا أن ~~خراسانية ترافقوا في منزل وصبروا عن الإرتفاق بالمصباح ما أمكن الصبر ثم ~~إنهم تناهدوا وتخارجوا . وأبى واحد منهم أن يغينهم وأن يدخل في العزم معهم ~~. فكانوا إذا جاء المصباح شدوا عينيه بمنديل ! ولا يزال ولا يزالون كذلك ~~إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح . فإذا أطفئوا أطلقوا عينيه ! ورأيت أنا ~~حمارة منهم ms012 زهاء خمسين رجلا يتغدون على مباقل بحضرة قرية الأعراب في طريق ~~الكوفة وهم حجاج . فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معا وهم في ذلك ~~متقاربون يحدث بعضهم بعضا . وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس . ~~حدثني مويس بن عمران قال رجل منهم لصاحبه وكانا إما متزاملين وإما مترافقين ~~: لم لا نتطاعم فإن لم نتطاعم فإن يد الله مع الجماعة وفي الاجتماع البركة ~~. وما زالوا يقولون : PageV01P047 طعام الإثنين يكفي ثلاثة وطعام الثلاثة ~~يكفي الأربعة . فقال له صاحبه : لولا أني أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا ~~الكلام في باب النصيحة . فلما كان الغد وأعاد عليه القول قال له : يا عبد ~~الله معك رغيف ومعي رغيف . ولولا أنك تريد أكثر ما كان حرصك على مؤاكلتي ! ~~تريد الحديث والمؤانسة اجعل الطبق واحدا ويكون رغيف كل منا قدام صاحبه . ~~وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك ونصف رغيفي ستجده مباركا ! غنما كان ينبغي أن ~~أكون أجده أنا لا أنت . وقال خاقان بن صبيح : دخلت على رجل من أهل خراسان ~~ليلا وإذا هو قد أتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الدقة وإذا هو قد ألقى في ~~دهن المسرجة شيئا من ملح وقد علق على عمود المنارة عودا بخيط وقد حز فيه ~~حتى صار فيه مكان للرباط . فكان المصباح إذا كاد ينطفئ أشخص رأس الفتيلة ~~بذلك . قال : فقلت له : ما بال العود مربوطا قال : PageV01P048 هذا عود قد ~~تشرب الدهن . فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان . فإذا كان هذا دأبنا ~~ودأبه ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة . قال : فبينا أنا أتعجب في ~~نفسي وأسأل الله - جل ذكره - العافية والستر إذ دخل شيخ من أهل مرو فنظر ~~إلى العود فقال : يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شبيه به . أما تعلم أن ~~الريح والشمس تأخذان من سائر الأشياء أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء ~~السراج أروى وهو عند إسراجك الليلة أعطش قد كنت أنا جاهلا مثلك حتى وفقني ~~الله إلى ms013 ما هو أرشد . - عافاك الله ! - بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة . ~~وعلى أن العود والخلال والقصبة ربما تعلقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا ~~سويناها بها فتشخص معها . وربما كان ذلك سببا لانطفاء السراج . والحديد ~~أملس . وهو مع ذلك غير نشاف . قال خاقان : ففي تلك الليلة عرفت فضل أهل ~~خراسان على سائر الناس وفضل أهل مرو على أهل خراسان ! PageV01P049 قال مثنى ~~بن بشير : دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان وإذا هو قد ~~استصبح في مسرجة خزف من هذه الخزفية الخضر . فقال له الشيخ : لا يجيء والله ~~منك أمر صالح أبدا ! عاتبتك في مسارج الحجارة فأعتبتني بالخزف . أو علمت أن ~~الخزف والحجارة يحسوان الدهن حسوا قال : جعلت فداك ! دفعتها إلى صديق لي ~~دهان فألقاها في المصفاة شهرا حتى رويت من الدهن ريا لا تحتاج معه أبدا إلى ~~شيء . قال : ليس هذا أريد هذا دواؤه يسير . وقد وقعت عليه . ولكن ما علمت ~~أن موضع النار من المسجة في طرف الفتيلة لا ينفك من إحراق النار وتجفيفه ~~وتنشيف ما فيه ومتى ابتل بالدهن وتسقاه عادت النار عليه فأكلته . هذا ~~دأبهما . فلو قست ما يشرب ذلك المكان من الدهن بما يستمده طرف الفتيلة منه ~~لعلمت أن ذلك أكثره . وبعد هذا فإن ذلك الموضع من الفتيلة والمسرجة لا يزال ~~سائلا جاريا . ويقال : إنك متى وضعت مسرجة فيها مصباح وأخرى لا مصباح فيها ~~لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى PageV01P050 ترى السفلى ملآنة دهنا . ~~واعتبر أيضا ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة والنخالة التي توضع هناك ~~لتسويتها وتصويبها كيف تجدهما ينعصران دهنا . وهذا كله خسران وغبن لا ~~يتهاون به إلا أصحاب الفساد . على أن المفسدين غنما يطعمون الناس ويسقون ~~الناس وهم على حال يستخلفون شيئا وإن كان روثا . وأنت إنما تطعم النار ~~وتسقي النار . ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاما للنار ! قال ~~الشيخ : فكيف أصنع جعلت فداك ! قال : تتخذ قنديلا . فإن الزجاج أحفظ من ~~غيره . والزجاج لا يعرف الرشح ولا ms014 النشف ولا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا ~~بالدلك الشديد أو بإحراق النار . وأيهما كان فإنه يعيد المسرجة إلى العطش ~~الأول . وازجاج أبقى على الماء والتراب من الذهب الإبريز . وهو مع ذلك ~~مصنوع والذهب مخلوق . فإن فضلت الذهب بالصلابة فضلت الزجاج بالصفاء . ~~والزجاج مجل والذهب ستار . ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه فلا تحمي جوانبه ~~بوهج PageV01P051 المصباح كما تحمي بموضع النار من المسرجة . وإذا وقع شعاع ~~النار على جوهر الزجاج صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا ورد الضياء كل ~~واحد منهما على صاحبه . واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة أو ~~على وجه الماء أو على الزجاجة ثم انظر كيف يتضاعف نوره . وإن كان سقوطه على ~~عين إنسان أعشاه وربما أعماه . وقال جل ذكره : # | 7 ( { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء } ) 7 # . PageV01P052 والزيت في الزجاجة نور على نور وضوء على ضوء مضاعف . هذا ~~مع فضل حسن القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف . وأبو عبد الله هذا كان ~~من أطيب الخلق وأملحهم بخلا وأشدهم أدبا . دخل على ذي اليمينين طاهر بن ~~الحسن وقد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام . فقال له : منذ كم أنت مقيم ~~بالعراق يا أبا عبد الله فقال : أنا بالعراق منذ عشرين سنة . وأنا أصوم ~~الدهر منذ أربعين سنة . قال : فضحك طاهر وقال : سألناك يا أبا عبد الله عن ~~مسألة وأجبتنا عن مسألتين ! ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشايخنا على ~~وجه الدهر . وذلك أن رجلا من أهل مرو كان لا يزال يحج ويتجر وينزل على رجل ~~من أهل العراق فيكرمه ويكفيه مؤنته . ثم كان كثيرا ما يقول لذلك العراقي : ~~ليت أني رأيتك بمرو حتى أكافئك لقديم إحسانك وما تجدد لي من البر في كل ~~قدمة . فأما هاهنا فقد أغناك الله عني . قال : فعرضت ms015 لذلك العراقي بعد دهر ~~طويل حاجة في تلك الناحية . فكان مما هون عليه مكابدة السفر ووحشة الاغتراب ~~مكان المروزي هناك . فلما قدم مضى نحوه في ثياب سفره وفي عمامته وقلنسوته ~~وكسائه ليحط رحله عنده كما يصنع الرجل بثقته وموضع أنسه . PageV01P053 فلما ~~وجده قاعدا في أصحابه أكب عليه وعانقه . فلم يره أثبته وسأل به سؤال من رآه ~~قط . قال العراقي في نفسه : لعل إنكاره إياي لمكان القناع . فرمى بقناعته ~~وابتدأ مسألته . فكان له أنكر . فقال : لعله أن يكون إنما أتي من قبل ~~العمامة فنزعها . ثم انتسب وجدد مسألته فوجده أشد ما كان إنكارا . قال : ~~فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة . وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به ~~المتغافل والمتجاهل . قال : لو خرجت من جلدك لم أعرفك ! . وزعموا أنهم ربما ~~ترافقوا وتزاملوا فتناهدوا وتلازقوا في شراء اللحم . وإذا اشتروا اللحم ~~قسموه قبل الطبخ وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة أو بخيط ثم أرسله في ~~خل القدر والتوابل . فإذا طبخوا تناول كل إنسان خيطه وقد علمه بعلامة . ثم ~~اقتسموا المرق . ثم لا يزال أحدهم يسل من الخيط القطعة بعد القطعة حتى يبقى ~~الحبل لا شيء فيه . ثم يجمعون خيوطهم . فإن أعادوا الملازقة أعادوا تلك ~~الخيوط لأنها قد تشربت الدسم ورويت . وليس تناهدهم من طريق الرغبة في ~~المشاركة ولكن لأن بضاعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ ~~وحده ولأن المؤنة تخف أيضا في الحطب والخل PageV01P054 والثوم والتوابل . ~~ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر . فإنما يختارون ~~السكباج لأنه أبقى على الأيام وأبعد من الفساد . حدثني أبو إسحاق إبراهيم ~~بن سيار النظام قال : قلت مرة لجار كان لي من أهل خراسان : أعرني مقلاكم ~~فإني أحتاج إليه . قال : قد كان لنا مقلى ولكنه سرق . فاستعرت من جار لي ~~آخر فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش اللحم في المقلى وشم الطباهج . فقال لي ~~كالمغضب : ما في الأرض أعجب منك : لو كنت خبرتني أنك خبرتني أنك تريده ms016 للحم ~~أو لشحم لوجدتني أسرع ! إنما خشيتك تريده للباقلى . وحديد المقلى يحترق إذا ~~كان الذي يقلى فيه ليس بدسم . وكيف لا أعيرك إذا أردت الطباهج والمقلى بعد ~~الرد من وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام : دعانا جار لنا فأطعمنا ~~تمرا وسمنا سلاء ونحن على خوان ليس عليه إلا ما ذكرت والخراساني معنا يأكل ~~. فرايته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك . فقلت لرجل إلى جنبي : ما ~~لأبي فلان يضيع سمن القوم ويسيء المؤاكلة ويغرف فوق الحق قال : وما عرفت ~~علته قلت : لا والله ! قال : الخوان PageV01P055 خوانه فهو يريد أن يدسمه ~~ليكون كالدبغ له . ولقد طلق امرأته وهي أم أولاده لأنه رآها غسلت خوانا له ~~بماء حار . فقال لها : هلا مسحته ! وقال أبو نواس : كان معنا في السفينة ~~ونحن نريد بغداد رجل من أهل خراسان . وكان من عقلائهم وفهمائهم . وكان يأكل ~~وحده فقلت له : لم تأكل لوحدك قال : ليس علي في هذا الموضع مسألة . إنما ~~المسألة على من أكل مع الجماعة لأن ذلك هو التكلف . وأكلي وحدي هو الأصل . ~~وأكلي مع غيري زيادة في الأصل . وحدثني إبراهيم بن السندي قال : كان على ~~ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل خراسان . وكان مصححا بعيدا من الفساد ومن ~~الرشا ومن الحكم بالهوى . وكان حفيا جدا . وكذلك كان في إمساكه وفي بخله ~~وتدنيقه في نفقاته وكلن لا يأكل إلا ما لابد منه ولا يشرب إلا ونشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله لابد منه . غير أنه كان في غداة كل جمعة يحمل معه منديلا ~~فيه جردقتان وقطع لحم سكباج مبرد وقطع جبن وزيتونات وصرة فيها ملح وأخرى ~~فيها أشنان وأربع بيضات ليس منها بد . ومعه خلال . PageV01P056 ويمضي وحده ~~حتى يدخل بعض بساتين الكرخ . ويطلب موضعا تحت شجرة وسط خضرة وعلى ماء جار . ~~فإذا وجد ذلك جلس وبسط بين يديه المنديل وأكل من هذا مرة ومن هذا مرة . فإن ~~وجد قيم ذلك البستان رمى إليه بدرهم ثم قال : اشتر لي بهذا أو أعطني بهذا ~~رطبا إن ms017 كان في زمان الرطب أو عنبا إن كان في زمان العنب . ويقول له : إياك ~~إياك أن تحابيني ولكن تجود لي فإنك إن فعلت لم آكله ولم أعد إليك . واحذر ~~الغبن فإن المغبون لا محمود ولا مأجور . فإن أتاه به أكل كل سيء معه وكل ~~شيء أتى به . ثم تخلل وغسل يديه . ثم يمشي مقدار مائة خطوة . ثم يضع جنبه ~~فينام إلى وقت الجمعة . ثم ينتبه فيغتسل ويمضي إلى المسجد . هذا كان دأبه ~~كل جمعة . قال إبراهيم : فبينا هو يوما من أيامه يأكل في بعض المواضع إذ مر ~~به رجل فسلم عليه فرد السلام . ثم قال : هلم - عافاك الله ! فلما نظر إلى ~~الرجل قد انثنى راجعا يريد أن يطفر الجدول أو يعدي النهر قال له : مكانك ~~فإن العجلة من عمل الشيطان ! فوقف الرجل PageV01P057 فأقبل عليه الخراساني ~~وقال : تريد ماذا قال : أريد أن أتغدى . قال : ولم ذلك وكيف طمعت في هذا ~~ومن أباح لك مالي قال الرجل : أو ليس قد دعوتني قال : ويلك ! لو ظننت أنك ~~هكذا أحمق ما رددت عليك السلام . الآيين فيما نحن فيه أن نكون إذا كنت أنا ~~الجالس وأنت المار تبدأ أنت فتسلم . فأقول أنا حينئذ مجيبا لك : وعليكم ~~السلام . فإن كنت لا آكل شيئا أنا وسكت أنتن ومضيت أنت وقعدت أنا على حالي ~~! وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر : وهو أن أبدأ أنا فأقول : هلم وتجيب أنت ~~فتقول : هنيئا . فيكون كلام بكلام . فأما كلام بفعال وقول بأكل فهذا ليس من ~~الإنصاف ! وهذا يخرج علينا فضلا كثيرا ! قال : فورد على الرجل شيء لم يكن ~~في حسابه . فشهر بذلك في تلك الناحية وقيل له : قد أعفيناك من السلام ومن ~~تكلف الرد . قال : ما بي إلى ذلك حاجة . إنما هو أن أعفي أنا نفسي من هلم ~~وقد استقام الأمر ! PageV01P058 ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير ~~عن وال كان بفارس إما أن يكون جالدا أخا مهرويه أو غيره . قال : بينا هو ~~يوما في مجلس وهو مشغول بحسابه وأمره ms018 وقد احتجب جهده إذ نجم شاعر من بين ~~يديه فأنشده شعرا مدحه فيه وقرظه ومجده . فلما فرغ قال : قد أحسنت . ثم ~~أقبل على كاتبه فقال : أعطه عشرة آلاف درهم . ففرح الشاعر فرحا قد يستطار ~~له . فلما رأى حاله قال : وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع ~~اجعلها عشرين ألف درهم . وكاد الشاعر يخرج من جلده ! فلما رأى فرحه قد ~~تضاعف قال : وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول ! أعطه يا فلان أربعين ~~ألفا . فكاد الفرح يقتله . فلما رجعت إليه نفسه قال له : أنت - جعلت فداك ! ~~- رجل كريم . وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحا زدتني في الجائزة . ~~وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر له ! ثم دعا له وخرج . قال : فأقبل ~~عليه كاتبه فقال : سبحان الله ! هذا كان يرضى منك بأربعين درهما تأمر له ~~بأربعين ألف درهم ! قال : ويلك ! وتريد أن تعطيه شيئا قال : ومن إنفاذ أمرك ~~بد قال : يا أحمق إنما هذا رجل سرنا بكلام ! هو حين زعم أني أحسن من القمر ~~وأشد من الأسد وأن لساني أقطع من السيف وأن أمري أنفذ من السنان ~~PageV01P059 جعل في يدي من هذا شيئا أرجع به إلى شيء نعلم أنه قد كذب ولكنه ~~قد سرنا حين كذب لنا . فنحن أيضا نسره بالقول ونأمر له بالجوائز وإن كان ~~كذبا . فيكون كذب بكذب وقول بقول . فأما أن يكون كذب بصدق وقول ويقال إن ~~هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة العوام من قولهم : ينظر إلي شزرا كأني ~~أكلت اثنين وأطعمته واحدا إنما هو لأهل مرو . قال : وقال المروزي : لو لا ~~أنني أبني مدينة لبنيت آريا لدابتي . قال : وقلت لأحمد بن هشام وهو يبني ~~داره ببغداد : إذا أراد الله ذهاب مال رجل سلط عليه الطين والماء . قال : ~~لا بل إذا أراد الله ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف ! والله ما أهلك الناس ~~ولا أقفر بيوتهم ولا ترك دورهم بلاقع إلا الإيمان بالخلف ! وما رأيت جنة قط ~~أوقى من اليأس ! PageV01P060 قال ms019 : وسمع رجل من المراوزة الحسن وهو يحث ~~الناس على المعروف ويأمر بالصدقة ويقول : ما نقص مال قط من زكاة ويعدهم ~~سرعة الخلف . فتصدق بماله كله فافتقر . فانتظر سنة وسنة . فلما لم ير شيئا ~~بكر على الحسن فقال : حسن ما صنعت بي ! ضمنت لي الخلف فأنفقت على عدتك . ~~وأنا اليوم مذ كذا وكذا سنة أنتظر ما وعدت لا أرى منه قليلا ولا كثيرا ! ~~هذا يحل لك آللص كان يصنع بي أكثر من هذا والخلف يكون معجلا ومؤجلا . ومن ~~تصدق وتشرط الشروط استحق الحرمان . ولو كان هذا على ما توهمه المروزي لكانت ~~المحنة فيه ساقطة ولترك الناس التجارة ولما بقي فقير أصبح ثمامة شديد الغم ~~حين احترقت داره . وكان كلما دخل عليه إنسان قال : الحريق سريع الخلف ! ~~فلما كثر ذلك القول منهم قال : فلنستحرق الله ! اللهم إني أستحرقك فأحرق كل ~~شيء لنا ! . وليس هذا الحديث من حديث المراوزة ولكنا ضممناه إلى ما يشاكله ~~. PageV01P061 قال سجادة وهو أبو سعيد سجادة : إن من المراوزة إذا لبسوا ~~الخفاف في الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم يمشون على صدور أقدامهم ~~ثلاثة أشهر مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب . وحكى أبو إسحاق إبراهيم ~~بن سيار النظام عن جاره المروزي أنه كان لا يلبس خفا ولا نعلا إلى أن يذهب ~~النبق اليابس لكثرة النوى في الطريق والأسواق . قال : ورآني مرة مصصت قصب ~~سكر فجمعت ما مصصت ماءه لأرمي به . فقال : إن كنت لا ينور لك ولا عيال فهبه ~~لمن تنور وعليه عيال . وإياك أن تعود نفسك هذه العادة في أيام خفة ظهرك ~~فإنك لا تدري ما يأتيك من العيال . # | 1 ( قصة أهل البصرة من المسجديين ) 1 # قال أصحابنا منة المسجديين : اجتمع ناس في المسجد ممن ينتحل الاقتصاد في ~~النفقة والتنمية للمال من أصحاب الجمع والمنع . وقد كان هذا المذهب صار ~~عندهم كالنسب الذي يجمع على التحاب وكان الذي يجمع على التناصر . وكانوا ~~إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب وتطارحوة وتدارسوه . PageV01P062 ~~فقال شيخ منهم : ماء بئرنا ms020 - كما قد علمتم - ملح أجاج لا يقربه الحمار ولا ~~تسيغه الإبل وتموت عليه النخل . والنهر منا بعيد . وفي تكلف العذب علينا ~~مؤنة . فكنا نمزج منه للحمار فاعتل عنه وانتفض علينا من أجله . فصرنا بعد ~~ذلك نسقيه العذب صرفا . وكنت أنا والنعجة كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة أن ~~يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار . فكان ذلك الماء العذب الصافي ~~يذهب باطلا . ثم انفتح لي باب من الإصلاح فعمدت إلى ذلك المتوضأ فجعلت في ~~ناحية منه حفرة وصهرجتها وملستها حتى صارت كأنها صخرة منقورة . وصوبت إليها ~~المسيل . فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء إليها صافيا لم يخالطه شيء . ~~والحمار أيضا لا تقزز له منه . وليس علينا حرج في سقيه منه . وما علمنا أن ~~كتابا حرمه ولا سنة نهت عنه . فربحنا هذه منذ أيام وأسقطنا مؤنة عن النفس ~~والمال مال القوم . وهذا بتوفيق الله ومنه . فأقبل عليهم شيخ فقال : هل ~~شعرتم بموت مريم الصناع فإنها كانت من ذوات PageV01P063 الاقتصاد وصاحبة ~~إصلاح . قالوا : فحدثنا عنها . قال : نوادرها كثيرة وحديثها طويل . ولكني ~~أخبركم عن واحدة فيها كفاية . قالوا : وما هي قال : زوجت ابنتها وهي بنت ~~اثنتي عشرة فحلتها الذهب والفضة وكستها المروى والوشي والقز والخز وعلقت ~~المعصفر ودقت الطيب وعظمت أمرها من قدرها عند الأحماء . فقال لها زوجها : ~~أنى هذا يا مريم قالت : هو من عند الله . قال : دعي عنك الجملة وهاتي ~~التفسير . والله ما كنت ذات مال قديما ولا ورثته حديثا . وما أنت بخائنة في ~~نفسك ولا في مال بعلك . إلا أن تكوني قد وقعت على كنز ! وكيف دار الأمر فقد ~~أسقطت عني مؤنة وكفيتني هذه النائبة . قالت : اعلم أني منذ يوم ولدتها إلى ~~أن زوجتها كنت أرفع من دقيق كل عجنة حفنة . وكنا - كما قد علمت - نخبز في ~~كل يوم مرة . فإذا اجتمع من ذلك مكوك بعته . PageV01P064 قال زوجها : ثبت ~~الله رأيك وأرشدك ! ولقد أسعد الله من كنت له سكنا وبارك لمن جعلت له إلفا ~~! ولهذا وشبهه قال رسول الله صلى ms021 الله عليه وسلم : من الذود إلى الذود إبل ~~. وإني لأرجو أن يخرج ولدك على عرقك الصالح وعلى مذهبك المحمود . فنهض ~~القوم بأجمعهم إلى جنازتها وصلوا عليها . ثم انكفؤا إلى زوجها فعزوه على ~~مصيبته وشاركوه في حزنه . ثم اندفع شيخ منهم فقال : يا قوم لا تحقروا صغار ~~الأمور فإن كل كبير صغير . ومتى شاء الله أن يعظم صغيرا عظمه وأن يكثر ~~قليلا كثره . وهل بيوت الأموال إلا درهم إلى درهم وهم الذهب إلا قيراط إلى ~~جنب قيراط وليس كذلك رمل عالج وماء البحر وهل اجتمعت أموال بيوت إلا بدرهم ~~من هاهنا ودرهم من هاهنا PageV01P065 فقد رأيت صاحب سفط قد اعتقد مائة جريب ~~في أرض العرب ولربما رأيته يبيع الفلفل بقيراط الحمص بقيراط فأعلم أنه لم ~~يربح في ذلك الفلفل إلا الحبة والحبتين من خشب الفلفل . فلم يزل يجمع من ~~الصغار الكبار حتى اجتمع ما اشترى به مائة جريب ! . ثم قال : اشتكيت أياما ~~صدري من سعال كان أصابني فأمرني قوم بالفانيذ السكري . وأشار على آخرون ~~بالحريرة تتخذ من النشاستج والسكر ودهن اللوز وأشباه ذلك . فاستثقلت المؤنة ~~وكرهت الكلفة ورجوت العافية . فبينا أنا أدافع الأيام إذ قال لي بعض ~~الموفقين : عليك بماء النخالة فاحسه حارا . فحسوت فإذا هو طيب جدا وإذا هو ~~يعصم : فما جعت ولا اشتهيت الغذاء في ذلك اليوم إلى الظهر . ثم ما فرعت من ~~غدائي وغسل يدي حتى فقلت للعجوز : لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة ~~فإن ماءها جلاء للصدر وقوتها غذاء وعصمة ثم تجففين بعد النخالة فتعود كما ~~كانت . فتبيعين إذا الجميع بمثل الثمن الأول PageV01P066 ونكون قد ربحنا ~~فضل ما بين الحالين ! قالت : أرجو أن يكون الله قد جمع بهذا السعال مصالح ~~كثيرة لما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك معاشك ! وما أشك ~~أن تلك المشهورة كانت من التوفيق ! قال القوم : صدقت مثل هذا لا يكتسب ~~بالرأي ولا يكون إلا سماويا . ! ثم أقبل عليهم شيخ فقال : كنا نلقي من ~~الحراق والقداحة جهدا لأن الحجارة ms022 كانت إذا انكسرت حروفها واستدارت كلت ولم ~~تقدح قدح خير وأصلدت فلم تور وربما أعجلنا المطر والوكف . وقد كان الحجر ~~أيضا يأخذ من حروف القداحة حتى يدعها كالقوس . فكنت أشتري المرقشيتا ~~بالغلاء والقداحة الغليظة بالثمن الموجع . وكان علينا أيضا في صنعة الحراق ~~وفي معالجة القطنة مؤنة وله ريح كريهة . والحراق لا يجيء من الحرق المصبوغة ~~ولا من الحرق الوسخة ولا من الكتان ولا من الخلقان . PageV01P067 فكنا ~~نشتريه بأغلى الثمن . فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو والأعراب وقدحهم النار ~~بالمرخ والعفار . فزعم لنا صديقنا الثوري وهو - ما علمت - أحد المرشدين أن ~~عراجين الأعذاق تنوب عن ذلك أجمع . وعلمني كيف تعالج . ونحن نؤتى بها من ~~أرضنا بلا كلفة . فالخادم اليوم لا تقدح ولا توري إلا بالعرجون . قال القوم ~~: قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة . ولهذا قال الأول : مذاكرة الرجال تلقح ~~الألباب . ثم اندفع شيخ منهم فقال : لم أرى في وضع الأمور في مواضعها وفي ~~توفيتها غاية حقوقها كمعاذة العنبرية . قالوا : وما شان معاذة هذه قال : ~~أهدى إليها العام ابن عم لها أضحية . فرأيتها كئيبة حزينة مفكرة مطرقة . ~~فقلت لها : مالك يا معاذة قالت : أنا امرأة أرملة وليس لي قيم . ولا عهد لي ~~بتدبير لحم الأضاحي . وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه . وقد خفت ~~أن يضيع بعض هذه الشاة . ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها . وقد علمت ~~أن الله لم يخلق فيها ولا غيرها شيئا لا منفعة فيه . ولكن المرء يعجز لا ~~محالة . ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير . PageV01P068 ~~أما القرن فالوجه فيه معروف وهو أن يجعل كالخطاف ويسمر في جذع من جذوع ~~السقف فيعلق عليه الزبل والكيران وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل ~~والسنانير وبنات وردان والحيات وغير ذلك . وأما المصران فإنه لأوتار ~~المندفة . وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة . وأما قحف الرأس واللحيان وسائر ~~العظام فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق ثم يطبخ . فما ارتفع من الدسم كان ~~للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك . ثم تؤخذ تلك ms023 العظام فيوقد بها . فلم ~~يرى الناس وقودا قط أصفى ولا أحسن لهبا منها . وإذا كانت كذلك فهي أسرع في ~~القدر لقلة ما يخالطها من الدخان . وأما الإهاب فالجلد نفسه حراب . وللصوف ~~وجوه لا تدفع . وأما الفرث والبعر فحطب إذا جفف عجيب . ثم قالت : بقي الآن ~~علينا الانتفاع بالدم . وقد علمت أن الله عز وجل لم يحرم من PageV01P069 ~~الدم المسفوح إلا أكله وشربه وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها . وإن ~~أنا لم أقع على علم ذلك حتى يوضع موضع الانتفاع به صار كية في قلبي وقدي في ~~عيني وهما لا يزال يعاودني . فلم ألبث أن رأيتها قد تطلقت وتبسمت . فقلت : ~~ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم . قالت : أجل ذكرت أن عندي ~~قدورا شامية جددا . وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ ولا أزيد في قوتها من ~~التلطيخ بالدم الحار الدسم . وقد استرحت الآن إذ وقع كل شيء موقعه ! قال : ~~ثم لقيتها بعد ستة أشهر فقلت لها : كيف كان قديد تلك الشاة قالت : بأبي أنت ~~! لم يجيء وقت القديد بعد ! لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعروق ~~وغير ذلك معاش ! ولكل شيء إبان ! فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من ~~حصى ثم ضرب بها الأرض . ثم قال : لا تعلم أنك من المسرفين ، ختى تسمع ~~بأخبار الصالحين . PageV01P070 قصة زبيدة بن حميد : وأما زبيدة بن حميد ~~الصيرفي فإنه استلف من بقال كان على باب داره درهمين وقيراطا . فلما قضاه ~~بعد ستة أشهر قضاه درهمين وثلاث حبات شعير . فاغتاظ البقال فقال : سبحان ~~الله ! أنت رب مائة ألف دينار وأنا بقال لا أملك مائة فلس وإنما أعيش بكدي ~~وباستفضال الحبة والحبتين . صاح على بابك حمال والمال لم يحضرك وغاب وكيلك ~~فنقدت عنك درهمين وأربع شعيرات . فقضيتني بعد ستة أشهر درهمين وثلاث شعيرات ~~. فقال زبيدة : يا مجنون ! أسلفتني في الصيف فقضيتك في الشتاء . وثلاث ~~شعيرات شتوية ندية أرزن من أربع شعيرات يابسة صيفية . وما أشك أن معك فضلا ~~! وحدثني أبو الأصبغ بن ms024 ربعي قال : دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم فقلت ~~له : ما هذا الضرب المبرح وهذا الخلق السيء هؤلاء غلمان ولهم حرمة وكفاية ~~وتربية . وإنما هم ولد . هؤلاء كانوا إلى غير هذا أحوج . قال : إنك لست ~~تدري أنهم أكلوا كل جوارشن كان عندي ! PageV01P071 قال أبو الأصبغ : فخرجت ~~إلى رئيس غلمانه فقلت : ويلك ! مالك وللجوارشن وما رغبتك فيه قال : جعلت ~~فداك ! ما أقدر أن أكلمك من الجوع إلا وأنا متكئ ! الجوارشن ! ما أصنع به ~~هو نفسه ليس يشبع ولا نحتاج إلى الجوارشن ونحن الذين إنما نسمع بالشبع ~~سماعا من أفواه الناس ! ما نصنع بالجوارشن واشتد على غلمانه في تصفية الماء ~~وفي تبريده وتزميله لأصحابه وزواره . فقال له غازي أبو مجاهد : جعلت فداك ! ~~مر بتزميل الخبز وتكثيره فإن الطعام قبل الشراب . وقال مرة : يا غلام هات ~~خوان النرد وهو يريد تحت النرد فقال له غازي : نحن إلى خوان الخبز أحوج . ~~وسكر زبيدة ليلة فكسا صديقا له قميصا . فلما صار القميص على النديم خاف ~~البدوات وعلم أن ذلك من هفوات السكر . فمضى من ساعته إلى منزله فجعله ~~بركانا لامرأته . PageV01P072 فلما أصبح سأل عن القميص وتفقده فقيل له : ~~إنك قد كسوته فلانا . فبعث إليه ثم أقبل عليه فقال : ما علمت أن هبة ~~السكران وشراءه وبيعه وصدقته وطلاقه لا يجوز وبعد فإني أكره ألا يكون لي ~~حمد وأن يوجه الناس هذا مني السكر . فرده علي حتى أهبه لك صاحيا عن طيب نفس ~~فإني أكره أن يذهب شيء من مالي باطلا . فلما رآه قد صمم أقبل عليه فقال : ~~يا هناه ! إن الناس يمزحون ويلعبون ولا يؤاخذون بشيء من ذلك . فرد القميص ~~عافاك الله ! قال له الرجل : إني والله قد خفت هذا بعينه فلم أضع جنبي إلى ~~الأرض حتى جيبته لامرأتي . وقد زدت في الكمين وحذفت المقاديم . فإن أردت ~~بعد هذا كله أن تأخذه فخذه . فقال : نعم آخذه لأنه يصلح لامرأتي كما يصلح ~~لامرأتك . قال : فإنه عند الصباغ . قال : فهاته . قال : ليس أنا أسلمته ~~إليه . فلما علم ms025 أنه قد وقع قال : بأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيث يقول : جمع السر كله في بيت عليه فكان مفتاحه السكر . PageV01P073 قصة ~~ليلى الناعطية : وأما ليلى الناعطية صاحبة الغالية من الشيعة فإنها ما زالت ~~ترقع قميصا لها وتلبسه حتى صار القميص الرقاع وذهب القميص الأول . ورفت ~~كساءها ولبسته حتى صارت لا تلبس إلا الرفو وذهب جميع الكساء . وسمعت قول ~~الشاعر : البس قميصك ما اهتديت لجيبه فإذا أضلك جيبه فاستبدل فقالت : إني ~~إذا الخرقاء ! أنا والله أحوص الفتق وأرقع الخرق وخرق الخرق ! ومضيت أنا ~~وأبو إسحاق النظام وعمرو بن نهيوي نريد الحديث في الجبان ولنتناظر في شيءمن ~~الكلام . فممرنا بمجلس وليد القرشي ، وكان على طريقنا . فلما رآنا تمشى ~~معنا . PageV01P074 فلما جاوزنا الخندق جلسنا في فناء حائطه . وله ظل شديد ~~السواد بارد ناعم . وذلك لثخن الساتر واكتناز الأجزاء ولبعد مسقط الشمس من ~~أصل حائطه . فطال بنا الحديث فجرينا في ضروب من الكلام . فما شعرنا إلا ~~والنهار قد انتصف ونحن في يوم قائظ . فلما صرنا في الرجوع ووجدت مس الشمس ~~وقعها على الرأس أيقنت بالبرسام . فقلت لأبي إسحاق والوليد إلى جنبي يسمع ~~كلامي : الباطنة منا بعيدة وهذا يوم منكر ونحن في ساعة تذيب كل شيء . ~~والرأي أن نميل إلى منزل الوليد فنقيل فيه ونأكل ما حضر فإنه يوم تخفيف . ~~فإذا أبردنا تفرقنا وإلا فهو الموت ليس دونه شيء . قال الوليد رافعا صوته : ~~أما على هذا الوجه الذي أنكرته علينا - رحمك الله هل ها هنا إلا الحاجة ~~والضرورة PageV01P075 قال : إنك أخرجته مخرج الهزء . وقلت : وكيف أخرجه ~~مخرج الهزء وحياتي في يدك مع معرفتي بك فغضب ونتر يده من أيدينا وفارقنا . ~~ولا والله ما اعتذر إلينا مما ركبنا به إلى الساعة . ولم أر من يجعل الأسى ~~حجة في المنع إلا هو وإلا من أبي مازن إلى جبل الغمر . وكان جبل خرج ليلا ~~من موضع كان فيه فخاف الطائف ولم يأمن المستقفي فقال : لو دققت الباب على ~~أبي مازن فبت عنده في أدنى بيت ms026 أو في دهليزه ولم ألزمه من مؤنتي شيئا . حتى ~~إذا انصدع عمود الصبح خرجت في أوائل المدلجين . فدق عليه الباب دق واثق ودق ~~مدل ودق من يخاف أن يدركه الطائف أو يقفوه المستقفي وفي قلبه عز الكفاية ~~والثقة بإسقاط المؤنة . PageV01P076 فلم يشك أبو مازن أنه دق صاحب هدية . ~~فنزل سريعا . فلما فتح الباب وبصر بجبل بصر بملك الموت ! فلما رآه جبل ~~واجما لا يحير كلمة قال له : إني خفت معرة الطائف وعجلة المستقفي فملت إليك ~~لأبيت عندك . فتساكر أبو مازن وأراه أن وجومه إنما كان بسبب السكر . فخلع ~~جوارحه وخبل لسانه وقال : سكران والله أنا والله سكران ! قال له جبل : كن ~~كيف شئت . نحن في أيام الفصل لا شتاء ولا صيف . ولست أحتاج إلى سطح فأغم ~~عيالك بالحر ولست أحتاج إلى لحاف فأكلفك أن تؤثرني بالدثار . وأنا كما ترى ~~ثمل من الشراب شبعان من الطعام . ومن منزل فلان خرجت وهو أخصب الناس دخلا . ~~وإنما أريد أن تدعني أغفي في دهليزك إغفاءة واحدة ثم أقوم في أوائل ~~المبكرين . قال أبو مازن وأرخى عينيه وفكيه ولسانه ثم قال : سكران والله ! ~~أنا سكران ! لا والله ما أعقل أين أنا ! والله إن أفهم ما تقول ! ثم أغلق ~~الباب في وجهه ودخل لا يشك أن عذره قد وضح وأنه قد ألطف النظر حتى وقع على ~~هذه الحيلة ! PageV01P077 وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا أو كلاما غير معرب ~~ولفظا معدولا عن جهته فاعلموا أنا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغض هذا ~~الباب ويخرجه من حده . إلا أن أحكي كلاما من كلام متعاقلي البخلاء وأشحاء ~~العلماء كسهل بن هارون وأشباهه . قصة أحمد بن خلف : ومن طياب البخلاء أحمد ~~بن خلف اليزيدي . ترك أبوه في منزله يوم مات ألفي ألف درهم وستمائة ألف ~~درهم وأربعين ومائة ألف دينار . فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه . وأخذ ~~أحمد وحده ألف ألف وثلثمائة ألف درهم وسبعين ألف دينار ذهبا عينا مثاقيل ~~وازنة جيادا سوى العروض . فقلت له وقد ورث هذا المال ms027 كله : ما أبطأ بك ~~الليلة قال لا والله إلا أني تعيشت البارحة في البيت ! فقلت لأصحابنا : ~~لولا أنه بعيد العهد بالأكل في بيته وأن ذلك غريب منه لما احتاج إلى هذا ~~الاستثناء وإلى هذه الشريطة . وأين يتعشى الناس إلا PageV01P078 في منازلهم ~~وإنما يقول الرجل عند مثل هذه المسألة : لا والله إلا أن فلانا حبسني ولا ~~والله إلا أن فلانا عزم علي . فأما ما يستثنى ويشترط فهذا ما لا يكون إلا ~~على ما ذكرناه قبل . وقال لي مبتدئا مرة عن غير مشورة وعن غير سبب جرى : ~~انظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثة فإنها عظيمة البركة كثيرة ~~النزل . وهي تنوب عن الغداء . ولها نفخة تغني عن العشاء . وكل شيء من ~~الأحساء فهو يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء . ومن تحسى الحار عرق . والعرق ~~يبيض الجلد ويخرج من الجوف . وهي تملأ النفس وتمنع من التشهي . وهي أيضا ~~تدفئ فتقوم لك في أجوافهم مقام فحم الكانون من خارج . وحسو طار يغني عن ~~الوقود وعن لبس الحشو . والوقود يسود كل شيء وييبسه . وهو سريع في الهضم ~~وصاحبه معرض للحريق ويذهب في ثمنه المال العظيم . وشر شيء فيه أن من تعوده ~~لم يدفئه شيء سواه . PageV01P079 فعليك يا أبا عثمان بالمثلثة ! واعلم أنها ~~لا تكون إلا في منازل المشيخة وأصحاب التجربة . فخذها من حكيم مجرب ومن ~~ناصح مشفق . وكان لا يفارق منازل إخوانه . وإخوانه مخاصيب مناويب أصحاب نفح ~~وترف . وكانوا يتحفونه ويدللونه ويفكهونه ويحكمونه . ولم يشكوا أنه سيدعوهم ~~مرة وأن يجعلوا بيته نزهة ونشوة . فلما طال تغافله وطالت مدافعته وعرضوا له ~~بذلك فتغافل صرحوا له . فلما امتنع قالوا : اجعلها دعوة ليس لها أخت . فلما ~~أكلوا وغسلوا أيديهم أقبل عليهم فقال : أسألكم بالله الذي لا شيء أعظم منه ~~أنا الساعة أيسر وأغنى أو قبل أن تأكلوا طعامي قالوا : ما نشك أنك حين كنت ~~والطعام في ملكك أغنى وأيسر . قال : فأنا الساعة أقرب إلى الفقر أم تلك ~~الساعة قالوا : بل أنت الساعة أقرب PageV01P080 إلى الفقر . قال ms028 : فمن ~~يلومني على ترك دعوة قوم قربوني من الفقر وباعدوني من الغنى وكلما دعوتهم ~~أكثر كنت من الفقر أقرب ومن الغنى أبعد وفي قياسه هذا أن من رأيه أن يهجر ~~كل من استسقاه شربة ماء أو تناول من حائطه لبنة ومن خليط دابته عودا . ومر ~~بأصحاب الجداء وذلك في زمان التوليد . فأطعمه الزمان في الرخص وتحركت شهوته ~~على قدر إمكانه عنده . فبعث غلاما له يقال له ثقف وهو معروف ليشتري له جديا ~~. فوقف غير بعيد . فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر وهو يشير بيده ويومئ برأسه ~~: أن اذهب ولا تقف . فلم يبرح . فلما دنا منه قال : ويلك تهزأ بي كأني ~~مطلوب ! قال : هذا أطرفه ! الجدي بعشرة ! أنت من ذي البابة مر الآن مرمر ! ~~فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم ! والجدي بعشرة ~~PageV01P081 إنما ينكر عندنا بالبصرة لكثرة الخير ورخص السعر . فأما في ~~العساكر فإن أنكر ذلك منكر فإنما ينكره من ولا تقولوا الآن : قد والله أساء ~~أبو عثمان إلى صديقه بل تناوله بالسوء حتى بدأ بنفسه . ومن كانت هذه صفته ~~وهذا مذهبه فغير مأمون على جليسه . وأي الرجال المهذب هذا والله الشيوع ~~والتبوع والبذاء وقلة الوفاء . اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا ~~موافقته وطلب رضاه ومحبته . ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من ~~قبله وكمينا من كمائنه . وذلك أن أحب PageV01P082 الأصحاب إليه أبلغهم قولا ~~في إياس الناس مما قبله وأجودهم حسما لأسباب الطمع في ماله . على أني إن ~~أحسنت بجهدي فسيجعل شكري موقوفا . وإن جاوز كتابي هذا حدود العراق شكر وإلا ~~أمسك . لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا الإقليم قد أغنته عن التنويه ~~والتنبيه على مذهبه . وكيف وهو يرى أن سهل بن هارون وإسماعيل بن غزوان كانا ~~من المسرفين وأن الثوري والكندي يستوجبان الحجر . وبلغني أنه قال : لو لم ~~تعرفوا من كرامة الملائكة على الله إلا أنه لم يبتلهم بالنفقة ولا بقول ~~العيال : هات لعرفتم حالهم ومنزلتهم . وحدثني صاحب لي ms029 قال : دخلت على فلان ~~بن فلان وإذا المائدة موضوعة بعد وإذا القوم قد أكلوا ورفعوا أيديهم . ~~فمددت يدي لآكل فقال : أجهز على الجرحى ولا تتعرض للأصحاء ! يقول : اعرض ~~للدجاجة التي قد نيل منها وللفرخ المنزوع الفخذ . فأما الصحيح فلا تتعرض له ~~. وكذلك الرغيف الذي قد نيل منها وللفرخ المنزوع الفخذ . فأما الصحيح فلا ~~تتعرض له . وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه وأصابه بعض المرق . PageV01P083 ~~وقال لي الرجل : أكلنا عنده يوما وأبوه حاضر وبني له يجيئ ويذهب . فاختلف ~~مرارا . كل ذلك يرانا نأكل . فقال الصبي : كم تأكلون لا أطعم الله بطونكم ! ~~فقال أبوه وهو جد الصبي : ابني ورب الكعبة ! وحدثني صاحب مسلحة باب الكرخ ~~قال : قال لي صاحب الحمام : ألا أعجبك من صالح بن عفان كان يجئ كل سحر ~~فيدخل الحمام . فإذا غبت عن إجانة النورة مسح أرفاغه . ثم يتستر بالمئزر . ~~ثم يقوم فيغسله في غمار الناس . ثم يجئ بعد في مثل تلك الساعة فيطلي ساقيه ~~وبعض فخذيه . ثم يجلس ويتزر بالمئزر . فإذا وجد غفلة غسله . ثم يعود في مثل ~~ذلك الوقت فيمسح قطعة أخرى من جسده . فلا يزال يطلي في كل سحر حتى ذهب مني ~~بطلية . قال : ولقد رأيته وإن في زيق سراويله نورة . وكان لا يرى الطبخ في ~~القدور الشامية ولا تبريد الماء في الجرار المذارية لأن هذه ترشح وتلك تنشف ~~. PageV01P084 حدثني أبو الجهجاه النوشرواني قال : حدثني أبو الأحوص الشاعر ~~قال : كنا نفطر عند الباسياني . فكان يرفع يديه قبلنا ويستلقي على فراشه ~~ويقول : # | 7 ( { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } ) 7 # . حديث خالد بن يزيد : وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة . هو خالويه ~~المكدى . وكان قد بلغ في البخل والتكدية وفي كثرة المال المبالغ التي لم ~~يبلغها أحد . وكان ينزل في شق بني تميم فلم يعرفوه . فوقف عليه ذات يوم سال ~~وهو في مجلس من مجالسهم . فأدخل يده في الكيس ليخرج فلسا وفلوس البصرة كبار ~~. فغلط بدرهم بغلى . فلم يفطن حتى وضعه في يد السائل ms030 . فلما فطن استرده ~~وأعطاه الفلس . فقيل له : هذا لا نظنه يحل . وهو بهد قبيح ! قال : قبيح عند ~~من إني لم أجمع هذا المال بعقولكم PageV01P085 فأفرقه بعقولكم ! ليس هذا من ~~مساكين الدراهم . هذا من مساكين الفلوس ! والله ما أعرفه إلا بالفراسة . ~~قالوا : وإنك لتعرف المكدين قال : وكيف لا أعرفهم ! لم يبق في الأرض ~~مخطراني ولا مستعرض الأقفية ولا شحاذ ولا كاغاني ولا بانوان ولا قرسي ولا ~~عواء ولا مشعب ولا مزيدي ولا إسطيل إلا وقد كان تحت يدي . ولقد أكلت ~~الزكوري ثلاثين سنة . ولم يبق في الأرض كعبي ولا مكد إلا وقد أخذت العرافة ~~عليه . وإنما أراد بهذا أن يؤيسهم من ماله حين عرف حرصهم وجشعهم وسوء ~~جوارهم . PageV01P086 وكان قاصا متكلما بليغا داهيا . وكان أبو سليمان ~~الأعور وأبو سعيد المدائني القاصان من غلمانه . وهو الذي قال لابنه عند ~~موته : إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته وما لا تأكله إن ضيعته . ولما ~~ورثتك من العرف الصالح وأشهدتك من صواب التدبير وعودتك من عيش المقتصدين ~~خير لك معين من هذا المال . وقد دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل حيلة . ~~ثم إن لم يكن لك معين من نفسك ما انتفعت بشيء من ذلك . بل يعود ذلك النهي ~~كله إغراء لك وذلك المنع تهجينا لطاعتك . قد بلغت في البر منقطع التراب وفي ~~البحر أقصى مبلغ السفن . فلا عليك ألا ترى ذا القرنين . PageV01P087 ودع ~~عنك مذاهب ابن شرية فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر . ولو رآني تميم الداري ~~لأخذ عني صفة الروم . ولا أنا أهدى من القطا ومن دعيميص ومن رافع المخش . ~~إني قد بت بالقفز مع الغول وتزوجت السعلاة وجاوبت الهاتف ورغت عن الجن إلى ~~الجن واصطدت الشق وجاوبت النسناس وصحبني الرئي . وعرفت خدع الكاهن ~~PageV01P088 وتدسيس العراف وإلام يذهب الخطاط والعياف وما يقول أصحاب ~~الأكتاف . وعرفت التنجيم والزجر والطرق والفكر . إن هذا المال لم أجمعه من ~~القصص والتكدية ومن احتيال النهار ومكابدة الليل . ولا يجمع مثله أبدا إلا ~~من معاناة ركوب البحر ms031 ومن عمل السلطان أو من كيمياء الذهب والفضة . قد عرفت ~~الرأس حق معرفته وفهمت كسر الإكسير على حقيقته . PageV01P089 ولولا علمي ~~بضيق صدرك ولولا أن أكون سببا لتلف نفسك لعلمتك الساعة الشيء الذي بلغ ~~بقارون وبه تبنكت خاتون . والله ما يتسع صدرك عندي لسر صديق فكيف ما لا ~~يحتمله عزم ولا يتسع له صدر وحرز سر الحديث وحبس كنوز الجواهر أهون من خزن ~~العلم . ولو كنت عندي مأمونا على نفسك لأجريت الأرواح في الأجساد وأنت تبصر ~~ما كنت لا تفهمه بالوصف ولا تحقه بالذكر . ولكني سألقي عليك علم الإدراك ~~وسبك الرخام وصنعة الفسيفساء وأسرار السيوف القلعية وعقاقير السيوف ~~اليمانية وعمل الفرعوني وصنعة التلطيف على وجهه إن أقامني الله من صرعتي ~~هذه . PageV01P090 ولست أرضاك وإن كنت فوق البنين ولا أثق بك وإن كنت لاحقا ~~بالآباء لأني لم أبالغ في محبتك . ني قد لابست السلاطين والمساكين وخدمت ~~الخلفاء والمكدين وخالطت النساك والفتاك وعمرت السجون كما عمرت مجالس الذكر ~~وحلبت الدهر أشطره وصادفت دهرا كثير الأعاجيب . فلولا أني دخلت من كل باب ~~وجريت مع كل ريح وعرفت السراء والضراء حتى مثلت لي التجارب عواقب الأمور ~~وقربتني من غوامض التدبير لما أمكنني جمع ما أخلفه لك ولا حفظ ما حبسته ~~عليك . ولم أحمد نفسي على جمعه كما حمدتها على حفظه لأن بعض هذا المال لم ~~أنله بالحزم والكيس . قد حفظته عليك من فتنة الأبناء ومن فتنة النساء ومن ~~فتنة الثناء ومن فتنة الرياء ومن أيدي الوكلاء فإنهم الداء العياء . ~~PageV01P091 ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك ولكن لفضل بغضي للقاضي : إن الله ~~- جل ذكره - لم يسلط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد لأن أباه ~~إن كان غنيا قادرا أحب أن يريه غناه وقدرته وإن كان فقيرا عاجزا أحب أن ~~يستريح من شينه ومن حمل مؤنته . وإن كان فلا هم شكروا من جمع لهم وكفاهم ~~ووقاهم وغرسهم ولا هم صبروا على من أوجب الله حقه عليهم . والحق لا يوصف ~~عاجله بالحلاوة كما لا يوصف عاجل الباطل ms032 بالمرارة . فإن كنت فالقاضي لك . ~~وإن لم تكن منهم فالله لك . فإن سلكت سبيلي صار مال غيرك وديعة عندك وصرت ~~الحافظ على غيرك . وإن خالفت سبيلي صار مالك وديعة عند غيرك وصار غيرك ~~الحافظ . وإنك يوم تطمع أن تضيع مالك ويحفظه غيرك لجشع الطمع مخذول الأمل . ~~PageV01P092 احتال الآباء في حبس الأموال على أولادهم بالوقف فاحتالت ~~القضاة على أولادهم بالإستحجار . ما أسرعهم إلى إطلاق الحجر وإلى إيناس ~~الرشد إذا أرادوا الشراء منهم ! وأبطأهم عنهم إذا أرادوا أن تكون أموالهم ~~جائزة لصنائعهم ! يا بن الخبيثة ! إنك وإن كنت فوق أبناء هذا الزمان فإن ~~الكفاية قد مسختك ومعرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك . وزاد في ذلك أن كنت ~~بكرى وعجزة أمك . أنا لو ذهب مالي لجلست قاصا أو طفت في الآفاق - كما كنت - ~~مكديا : اللحية وافرة بيضاء والحلق جهير طل والسمت حسن والقبول على واقع ! ~~إن سألت عيني PageV01P093 الدمع أجابت . والقليل من رحمة الناس خير من ~~المال الكثير . وصرت محتالا بالنهار واستعملت صناعة سل عني صعاليك الجبل ~~وزواقيل الشام وزط الآجام ورؤس الأكراد ومردة الأعراب وفتاك نهر بط ولصوص ~~القفص ! وسل عني القيقانية والقطرية . وسل عني المتشبهة وذباجي الجزيرة : ~~كيف بطشي ساعة البطش وكيف حيلتي ساعة الحيلة وكيف أنا عند الجولة وكيف ثبات ~~جناني PageV01P094 عند رؤية الطليعة وكيف يقظتي إذا كنت ربيئة وكيف كلامي ~~عند السلطان إذا أخذت وكيف صبري إذا جلدت وكيف قلة ضجري إذا حبست وكيف ~~رسفاني . في القيد إذا أثقلت ! فكم من ديماس قد نقبته وكم من مطبق قد ~~أفضيته وكم من سجن قد كابدته . وأنت غلام لسانك فوق عقلك وذكاؤك فوق حزمك . ~~لم تعجمك الضراء ولم تزل في السراء . والمال واسع وذرعك ضيق . وليس شيء ~~أخوف عليك عندي من حسن الظن بالناس فإنهم شمالك على يمينك وسمعك على بصرك . ~~وخف عباد الله على حسب PageV01P095 ما ترجو الله فأول ما وقع في روعي أن ~~مالي محفوظ علي وأن النماء لازم لي وأن الله سيحفظ عقبي من بعدي . إني لما ~~غلبتني ms033 يوما شهوتي وأخرجت يوما درهما لقضاء وطري ووقعت عني على سكت وعلى ~~اسم الله المكتوب عليه قلت في نفسي : إني إذا لمن الخاسرين الضالين : لئن ~~أنا أخرجت من يدي ومن بيتي شيئا عليه لا إله إلا الله أخذت بدله شيئا ليس ~~عليه شيء ! والله إن المؤمن لينزع خاتمه للأمر يريده وعليه حسبي الله أو ~~توكلت على الله فيظن أنه قد خرج من كنف الله - جل ذكره - حتى يرد الخاتم في ~~موضعه ! وإنما هو خاتم واحد . وأنا أريد أن أخرج في كل يوم درهما عليه ~~الإسلام كما هو ! إن هذا لعظيم ! . ومات من ساعته . وكفنه ابنه ببعض خلقانه ~~وغسله بماء البئر ودفنه من غير أن يصرخ له أو يلحد له ورجع . فلما صار في ~~المنزل نظر إلى جرة خضراء معلقة . قال : أي شيء في هذه الجرة قالوا : ليس ~~اليوم فيها شيء . قال : فأي شيء فيها قبل اليوم قالوا : سمن . PageV01P096 ~~قال : وما كان يصنع به قالوا : كنا في الشتاء نلقي له في البرمة شيئا من ~~دقيق نعمله له فكان ربما برقه بشيء من سمن . قال : تقولون ولا تفعلون ! ~~السمن أخو العسل . وهل أفسد الناس أموالهم إلا في السمن والعسل والله إني ~~لولا أن للجرة ثمنا لما كسرتها إلا على قبره ! قالوا : فخرج فوق أبيه وما ~~كنا نظن أن فوقه مزيدا ! المخطراني الذي يأتيك في زي ناسك ويريك أن بابك قد ~~قور لسانه من أصله لأنه كان مؤذنا هناك . ثم يفتح فاه كما يصنع من تثاءب ~~فلا ترى له لسانا البتة ! ولسانه في الحقيقة كلسان الثور ! وأنا أحد من خدع ~~بذلك . ولابد للمخطراني أن يكون معه واحد يعبر عنه أو لوح أو والكاغاني ~~الذي يتجنن ويتصارع ويزبد حتى لا يشك أنه مجنون لا دواء له لشدة ما ينزل ~~بنفسه وحتى يتعجب من بقاء مثله على مثل علته . والبانوان الذي يقف على ~~الباب ويسل الغلق ويقول : بانوا ! وتفسير ذلك بالعربية : يا مولاي ! ~~PageV01P097 والقرسي الذي يعصب ساقه وذراعه عصبا شديدا ويبيت على ذلك ليلة ~~. فإذا ms034 تورم واختنق الدم مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين وقطر عليه شيئا من ~~سمن وأطبق عليه خرقة وكشف بعضه . فلا يشك من رآه أن به الإكلة أو بلية شبه ~~الإكلة . والمشعب الذي يحتال للصبي حين يولد : بأن يعميه أو يجعله أعسم أو ~~أعضد ليسأل الناس به أهله . وربما جاءت به أمه وأبوه ليتولى ذلك منه بالغرم ~~الثقيل . لأنه يصير حينئذ عقدة وغلة : فإما أن يكتسبا به وإما أن يكرياه ~~بكراء معلوم . وربما أكروا أولادهم ممن يمضي إلى إفريقية فيسأل بهم الطريق ~~أجمع بالمال العظيم . فإن كان ثقة مليئا وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلا ~~. والعواء الذي يسأل بين المغرب والعشاء . وربما طرب إن كان له صوت حسن ~~وحلق شجي . PageV01P098 والإسطيل هو المتعامي : إن شاء أراك أنه منخسف ~~العينين وإن شاء أراك أن بهما ماء وإن شاء أراك أنه لا يبصر للخسف ولريح ~~السبل . والمزيدي الذي يعارضك وهو ذو هيئة وفي ثياب صالحة . وكأنه قد هاب ~~من الحياء والمعدس الذي يقف على الميت يسأل في كفنه ويقف في طريق مكة على ~~الحمار الميت والبعير الميت يدعى أنه كان له ويزعم أنه قد أحصر وقد تعلم ~~لغة الخراسانية واليمانية والإفريقية وتعرف تلك المدن والسكك والرجال . وهو ~~متى شاء كان من إفريقية ومتى شاء كان من أهل فرغانة ومتى شاء كان من أي ~~مخاليف اليمن شاء ! PageV01P099 والمكدى صاحب الكداء . والكعبي أضيف إلى ~~أبي كعب الموصلي وكان عريفهم بعد خالويه سنة على ماء . والزكوري هو خبز ~~الصدقة كان على سجني أو على سائل . هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط . وهم ~~أضعاف ما ذكرنا في العدد . ولم يكن يجوز أن نتكلف شيئا ليس من الكتاب في ~~شيء . رفع يحيى بن عبد الله بن خالد بن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ~~رغيفا من خوانه بيده ثم رطله والقوم يأكلون . ثم قال : يزعمون أن خبزي صغار ~~. أي ابن . . . يأكل من هذا الخبز رغيفين PageV01P100 وكنت أنا وأبو إسحاق ~~إبراهيم بن سيار النظام وقطرب النحوي وأبو الفتح ms035 مؤدب منصور ابن زياد على ~~خوان فلان بن فلان . والخوان من جزعة . والغضار صيني ملمع أو خلنجية ~~كيماكية . والألوان طيبة شهية وغذية قدية . وكل رغيف في بياض الفضة كأنه ~~البدر وكأنه مرآة مجلوة . ولكنه على قدر عدد الرءوس . فأكل كل إنسان رغيفه ~~إلا كسرة . ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم . ولم يغدوا بشيء فيتموا أكلهم . ~~والأيدي معلقة . وإنما هم في تنقير وتنتيف ! فلما طال ذلك عليهم أقبل الرجل ~~على أبي الفتح وتحت القصعة رقاقة فقال : يا أبا الفتح خذ ذلك الرغيف فقطعه ~~وقسمه على أصحابنا . فتغافل أبو الفتح . فلما أعاد PageV01P101 عليه القول ~~الرابعة قال : مالك - ويلك ! - لا تقطعه بينهم قطع الله أوصالك ! قال : ~~يبتلي على يدي غيري أصلحك الله ! فخجلناه مرة وضحكنا مرة وما ضحكنا صاحبنا ~~ولا خجل . وزرته أنا والمكي . وكنت أنا على حمار مكار والمكي على حمار ~~مستعار . فصار الحمار إلى أسوأ من حال المذود ! فكلم المكي غلمانه فقال : ~~لا أريد منكم التبن فما فوقه . اسقوه ماء فقط . فسقوه ماء بئر فلم يشربه ~~الحمار وقد مات عطشا . فأقبل المكي عليه فقال : أصلحك الله ! إنهم يسقون ~~حماري ماء بئر ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة فهو لا يعرف إلا العذب . ~~قال : فامزجوه له يا غلام ! فمزجوه فلم يشربه . فأعاد المسألة فأمكنه من ~~أذن من لا يسمع إلا ما يشتهي . وقال لي مرة : يا أخي إن ناسا من الناس ~~يغمسون اللقمة إلى أصبارها في المري . فأقول : هؤلاء قوم يحبون الملوحة ولا ~~يحبون الحامض ! فما ألبث أن أرى أحدهم يأخذ PageV01P102 حرف الجردقة ~~فيغمسها في الخل الحاذق ويغرقها فيه ! وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل بعد ~~التغريق ساعة فأقول : هؤلاء قوم يجمعون حب الحموضة إلى حب الملوحة . ثم لا ~~ألبث أنة أراهم يصنعون مثل ذلك بالخردل والخردل لا يرام ! قل لي : أي شيء ~~طبائع هؤلاء وأي ضرب هم وما دواؤهم وأي شيء علاجهم فلما رأيت مذهبه وحمقه ~~وغلبة البخل عليه وقهره له قلت : ما لهم عندي علاج هو أنجع فيهم من أن ~~يمنعوا الصباغ ms036 كله ! لا والله إن هو غيره ! وصديق كنا قد ابتلينا بمؤاكلته ~~. وقد كان ظن أنا قد عرفناه بالبخل على الطعام . وهجس ذلك في نفسه وتوهم ~~أنا قد تذاكرناه أمره . فكان يتزيد في تكثير الطعام وفي إظهار الحرص على أن ~~يؤكل . حتى قال : من رفع يده قبل القوم غرمناه دينارا . فترى بغضه إن ~~غرمناه دينارا . وظاهر لا ئمته محتمل في رضا قلبه وما يرجو من نفع ذلك له . ~~ولقد خبرني خباز لبعض أصحابنا أنه جلده على إنضاج الخبز وأنه قال له : أنضج ~~خبزي الذي يوضع بين يدي واجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين المقدارين . ~~وأما PageV01P103 خبز العيال والضيف فلا تقربنه من النار إلا بقدر ما يصير ~~العجين رغيفا وبقدر ما يتماسك فقط ! فكلفه العويص . فلما أعجزه ذلك جلده حد ~~الزاني الحر ! فحدثت بهذا الحديث عبد الله العروضي فقال : ألم تعرف شأن ~~الجدي ضرب الشواء ثمانين سوطا لمكان الإنضاج ! وذلك أنه قال له : ضع الجدي ~~في التنور حين تضع الخوان حتى أستبطئك أنا في إنضاجه . وتقول أنت : بقي ~~قليل ! ثم تجيئنا به وكأني قد أعجلتك ! فإذا وضع بين أيديهم غير منضج ~~احتسبت عليهم بإحضار الجدي . فإذا لم يأكلوه أعدته إلى التنور ثم أحضرتناه ~~الغد باردا . فيقوم الجدي الواحد مقام جديين ! فجاء به الشواء يوما نضيجا ~~فعمل فيه القوم . فجلده ثمانين جلدة جلد القاذف الحر ! وحدثني أحمد بن ~~المثنى عن صديق لي وله ضخم البدن كثير العلم فاشي الغلة عظيم الولايات أنه ~~إذا دعا على مائدته بفضل دجاجة أو بفضل رقاق أو غير ذلك رد الخادم مع ~~الخباز إلى القهرمان حتى يصك له بذلك إلى صاحب المطبخ ! PageV01P104 ولقد ~~رأيته مرة وقد تناول دجاجة فشقها نصفين فألقى نصفها إلى الذي عن يمينه ~~ونصفها إلى الذي عن شماله . ثم قال : يا غلام ! جئني بواحدة رخصة فإن هذه ~~كانت عضلة جدا . فحسبت أن أقل ما عند الرجلين ألا يعودا إلى مائدته أبدا . ~~فوجدتهما قد فخرا علي بما وكانوا ربما خصوه فوضعوه بين يديه الدراجة ms037 ~~السمينة والدجاجة الرخصة . فانطفأت الشمعة في ليلة من تلك الليالي . فأغار ~~على الأسواري على بعض ما بين يديه واغتنم الظلمة . وعمل على أن الليل أخفى ~~للويل ! ففطن له وما هو بالفطن إلا في هذا الباب . وقال : كذلك الملوك كانت ~~لا تأكل مع السوقة ! وحثني أحمد بن المثنى أنهم كانوا يعمدون إلى الجرادق ~~التي ترفع عن مائدته : فما كان منها ملطخا دلك دلكا شديدا وما كان منها قد ~~ذهب جانب منه قطع بسكين من ترابيع PageV01P105 الرغيف مثل ذلك لئلا يشك من ~~رآه أنهم قد تعمدوا ذلك . وما كان من الأنصاف والأرباع جعل بعضه للثريد ~~وقطع بعضه كالأصابع وجعل مع بعض القلايا . ولقد رأيت رجلا ضخما فخم اللفظ ~~فخم المعاني تربية في ظل ملك مع علوهم ولسان عضب ومعرفة بالغامض من العيوب ~~والدقيق من المحاسن مع شدة تسرع إلى أعراض الناس وضيق صدر بما تعرف من ~~عيوبهم . وإن ثريدته لبلقاء إلا أن بياضها ناصع ولونها الآخر أصهب ! ما ~~رأيت ذلك مرة ولا مرتين . وكنت قد هممت قبل ذلك لأن أعاتبه على الشيء ~~يستأثر به ويختص به وأن أحتمل ثقل تلك النصيحة وبشاعتها في حظه وفي النظر ~~له . ورأيت أن ذلك لا يكون إلا من PageV01P106 حاق الإخلاص ومن فرط الإخاء ~~من الإخوان . فلما رأيت البلقة هان علي التحجيل والغرة . ورأيت أن ترك ~~الكلام أفضل وأن الموعظة لغو . وقد زعم أبو الحسن المدائني أن ثريدة مالك ~~بن المنذر كانت بلقاء . ولعل ذلك أن يكون باطلا . وأما أنا فقد رأيت بعيني ~~من هذا الرجل ما لا أخبرك به وهو شيء لم أره إلا فيه ولا سمعت به في غيره . ~~ولسنا من تسمية الأصحاب المتهتكين ولا غيرهم من المستورين في شيء . أما ~~الصاحب فإنا لا نسميه لحرمته وواجب حقه . والآخر لا نسميه ليستر الله عليه ~~ولما يجب لمن كان في مثل حاله . وإنما نسمي من خرج من هاتين الحالتين . ~~ولربما سمينا الصاحب إذا كان ممن يمازج بهذا ورأيناه يتظرف ويحمل ذلك الظرف ~~سلما إلى منع شينه ms038 . PageV01P107 قصة أبي جعفر : ولم أر مثل أبي جعفر ~~الطرسوسي : زار قوما فأكرموه وطيبوه وجعلوا في شاربه وسبلته غالية . فحكته ~~شفته العليا فأدخل إصبعه فحكها من باطن الشفة مخافة أن تأخذ إصبعه من ~~الغالية شيئا إذا حكها من فوق ! وهذا وشبهه إنما يطيب جدا إذا رأيت الحكاية ~~بعينك لأن الكتاب لا يصور لك كل شيء ولا يأتي لك على كنهه وعلى حدوده ~~وحقائقه . قصة الحزامي : وأما أبو محمد الحزامي عبد الله بن كاسب كاتب مويس ~~وكاتب داود بن أبي داود فإنه كان أبخل من برأ الله وأطيب من برأ الله . ~~وكان له في البخل كلام . وهو أحد من ينصره ويفضله ويحتج له ويدعو إليه . ~~وإنه رآني مرة في تشرين الأول وقد بكر البرد شيئا . فلبست كساء لي قومسيا ~~خفيفا قد نيل منه . فقال لي : ما أقبح السرف بالعاقل وأسمج الجهل بالحكيم ! ~~ما ضننت أن إهمال النفس وسوء السياسة بلغ بك ما أرى ! PageV01P108 قلت : ~~وأي شيء أنكرت منا مذ اليوم وما كان هذا قولك فينا بالأمس . فقال : لبسك ~~هذا الكساء قبل أوانه . قلت : قد حدث من البرد بمقداره . ولو كان هذا البرد ~~الحادث في تموز وآب لكان إبانا لهذا الكساء . قال : إن كان ذلك كذلك فاجعل ~~بدل هذه المبطنة جبة محشوة فإنها تقوم هذا المقام وتكون قد خرجت من الخطأ . ~~فأما لبس الصوف اليوم فهو اليوم غير جائز . قلت : ولم قال : لأن غبار آخر ~~الصيف يتداخله ويسكن في خلله . فإذا أمطر الناس وندى الهواء وابتل كل شيء ~~ابتل ذلك الغبار . وإنما الغبار تراب إلا أنه لباب التراب . وهو مالح ~~ويتقبض عند ذلك عليه الكساء ويتكرش لأنه صوف فينضم أجزاؤه عليه فيأكله أكل ~~القادح ويعمل فيه عمل السوس . ولهو أسرع فيه من الأرضة في الجذوع النجرانية ~~! PageV01P109 ولكن أخر لبسه حتى إذا أمطر الناس وسكن الغبار وتلبد التراب ~~وحط المطر ما كان في الهواء من الغبار وغسله وصفاه فالبسه حينئذ على بركة ~~الله ! وكان يقع إلى عياله بالكوفة كل سنة مرة فيشتري لهم من ms039 الحب مقدار ~~طبيخهم وقوت سنتهم . فإذا نظر إلى حب هذا وإلى حب هذا وقام على سعر اكتال ~~من كل واحد منها كيلة معلومة ثم وزنها بالميزان واشترى أثقلها وزنا . وكان ~~لا يختار على البلدي والموصلي شيئا إلا أن يتقارب السعر . وكان على كل حال ~~يفر من الميساني إلا أن يضطر إليه ويقول : هو ناعم ضعيف ونار المعدة شيطان ~~! فإنما ينبغي لنا أن نطعم الحجر وما أشبه الحجر ! وقلت له مرة : أعلمت أن ~~خبز البلدي ينبت عليه شيء شبيه بالطين والتراب والغبار المتراكم قال : حبذا ~~ذلك من خبز ! وليته قد أشبه الأرض بأكثر من هذا المقدار ! وكان إذا كان ~~جديد القميص ومغسوله ثم أتوه بكل بخور في الأرض لم يتبخر مخافة أن يسود ~~دخان العود بياض قميصه . فإن اتسخ فأتى بالبخور لم يرض بالتبخر PageV01P110 ~~واستقصاء ما في العود من القتار حتى يدعو بدهن فيمسح به صدره وبطنه وداخلة ~~إزاره . ثم يتبخر ليكون أعلق للبخور ! وكان يقول : حبذا الشتاء فإنه يحفظ ~~عليك رائحة البخور ولا يحمض فيه النبيذ إن ترك مفتوحا ولا يفسد فيه مرق إن ~~بقي أياما . وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه . فإذا كان في الصيف دعا ~~بثيابه فلبسها على قميصه لكيلا يضيع من البخور شيء . وقال مرة : إن للشيب ~~سهكة . وبياض الشعر هو موته وسواده حياته : ألا ترى أن موضع دبرة الحمار ~~الأسود لا ينبت إلا أبيض ! والناس لا يرضون منا في هذا العسكر إلا بالعناق ~~واللثام والطيب غال وعادته رديئة ! وينبغي لمن كان أيضا عنده أن يحرسه ~~ويحفظه من عياله . وإن العطار ليختمه على أخص غلمانه به . PageV01P111 فلست ~~أرى شيئا هو خير من اتخاذ مشط صندل فإن ريحه طيبة . والشعر سريع القبول منه ~~! وأقل ما يصنع أن ينفي سهك الشيب . فصرنا في حال لنا ولا علينا . واستلف ~~منه على الأسواري مائة درهم . فجاءني وهو حزين منكسر . فقلت له : إنما يحزن ~~من لا يجد بدا من إسلاف الصديق مخافة ألا يرجع إليه ماله ولا يعد ذلك هبة ~~منه ms040 أو رجل يخاف الشكية فهو إن لم يسلف كرما أسلف خوفا . وهذا باب الشهرة ~~فيه قرة عينك . وأنا واثق باعتزامك وتصميمك وبقلة المبالاة بتخيل الناس لك ~~. فما وجه انكسارك واغتمامك قال : اللهم غفرا ! ليس ذاك بي . إنما في أني ~~قد كنت أظن أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني وآيسة مني وأني قد أحكمت هذا ~~الباب وأتقنته وأودعت قلوبهم اليأس وقطعت أسباب الخواطر . فأراني واحدا ~~منهم ! إن من أسباب إفلاس PageV01P112 المرء طمع الناس فيه لأنهم إذا طمعوا ~~فيه احتالوا له الحيل ونصبوا له الشرك . وإذا يئسوا منه فقد أمن . وهذا ~~المذهب من على استضعاف شديد . وما أشك أني عنده غمر وأني كبعض من يأكل ماله ~~وهو مع هذا خليط وعشير . وإذا كان مثله لم يعرفني ولم يتقرر عنده مذهبي فما ~~ظنك بالجيران بل ما ظنك بالمعارف أراني أنفخ في غير فحم وأقدح بزند مصلد ! ~~ما أخوفني أن أكون قد قصد إلي بقول ! ما أخوفني أن يكون الله في سمائه قد ~~قصد إلى أن يفقرني ! قال : ويقولون : ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك ! فما ~~يقولون إن كان أقصر مني أليس يتخيل في قميصي وإن كان طويلا جدا وأنا قصير ~~جدا فلبسه أليس يصير آية للسابلين فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة ~~للناس ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي . ومتى يتفق هذا وإلى ~~ذلك محيى وممات . PageV01P113 وكان يقول : أشتهي اللحم الذي قد تهرأ وأشتهي ~~أيضا الذي فيه بعض الصلابة . وقلت له مرة : ما أشبهك بالذي قال : أشتهي لحم ~~دجاجتين . قال : وما تصنع بذلك القائل هو ذا أنا أشتهي لحم دجاجتين واحدة ~~خلاسية مسمنة وأخرى خوامزكه رخصة . وقلت له مرة : قد رضيت بأن يقال : عبد ~~الله بخيل قال : لا أعدمني الله هذا الاسم ! قلت : وكيف قال : لا يقال : ~~فلان بخيل إلا وهو ذو مال . فسلم إلى المال وادعني بأي اسم شئت ! قلت : ولا ~~يقال أيضا : فلا سخي إلا وهو ذو مال . فقد جمع هذا الاسم الحمد والمال ms041 واسم ~~البخل يجمع المال والذم . فقد أخذت أخسهما وأوضعهما . قال : وبينهما فرق . ~~قلت : فهاته . قال : في قولهم : بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه . وفي ~~قولهم : سخي إخبار عن خروج المال من ملكه . واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم ~~واسم السخي اسم فيه تضييع وحمد . والمال زاهر نافع مكرم لأهله معز . والحمد ~~ريح وسخرية واستماعك له ضعف وفسولة . وما أقل غناء الحمد والله عنه إذا جاع ~~PageV01P114 وكنا عند داود بن أبي داود بواسط أيام ولايته كسكر ! فأتته من ~~البصرة هدايا فيها زقاق دبس . فقسمها بيننا . فكل ما أخذ منها الحزامى أعطى ~~غيره . فأنكرت ذلك من مذهبه ولم أعرف جهة تدبيره . فقلت للمكي : قد علمت أن ~~الحزامى إنما يجزع من الإعطاء وهو عدو . فأما الأخذ فهو ضالته وأمنيته ! ~~وإنه لو أعطى أفاعى سجستان وثعابين مصر وحيات الأهواز لأخذها إذا كان اسم ~~الأخذ واقعا عليها ! فعساه أراد التفضيل في القسمة . قال : أنا كاتبه ~~وصداقتي أقدم . وما ذلك به . هاهنا أمرا ما نقع عليه . فلم يلبث أن دخل ~~علينا . فسألته عن ذلك . فتعصر قليلا . ثم باح بسره . قال : وضيعته أضعاف ~~ربحه . وأخذه عندي من أسباب الإدبار . قلت : أول وضائعه احتمال السكر . قال ~~: هذا لم يخطر لي قط على بال . قلت : فهات إذا ما عندك . PageV01P115 قال : ~~أول ذلك كراء الحمال . ثم هو على خطر حتى يصير إلى المنزل . فإذا صار إلى ~~المنزل صار سببا لطلب العصيدة والأرز والبستندود . فإن بعته فرارا من هذا ~~صيرتموني شهرة وتركتموني عنده آية . وإن أنا حبسته ذهب في العصائد وأشباه ~~العصائد . وجذب ذلك شراء السمن ثم جذب السمن غيره وصار هذا الدبس أضر علينا ~~من العيال . وإن أنا جعلته نبيذا احتجت إلى كراء القدور وإلى شراء الحب ~~وإلى شراء الماء وإلى كراء من يوقد تحته وإلى التفرغ له . فإن وليت ذلك ~~الخادم اسود ثوبها وغرمنا ثمن الأشنان والصابون وازدادت في الطمع على قدر ~~الزيادة في العمل . فإن فسد ذهبت النفقة باطلا ولم نستخلف منها عوضا بوجه ~~من جميع الوجوه . لأن ms042 خل الداذي يخضب اللحم ويغير الطعم ويسود المرق ولا ~~يصلح إلا للاصطباغ . وهذا إذا استحال خلا . وأكثر ذلك أن يحول عن النبيذ ~~ولا يصير إلى الخل . وإن سليم - وأعوذ بالله ! - وجاد وصفا لم نجد بدا من ~~شربه ولم تطب أنفسنا بتركه . PageV01P116 فإن قعدت في البيت أشرب منه لم ~~يمكن إلا بترك سلاف الفارسي المعسل والدجاج المسمن وجداء كسكر وفاكهة الجبل ~~والنقل الهش والريحان الغض عند من لا يغيض ماله ولا تنقطع مادته وعند من لا ~~أبالي على أي قطرية سقط مع فوت الحديث المؤنس والسماع الحسن . وعلى أني إن ~~جلست في البيت أشربه لم يكن لي بد من واحد . وذلك الواحد لابد له من دريهم ~~لحم ومن طسوج نقل وقيراط ريحان ومن أبزار للقدر ومن حطب للوقود . وهذا كله ~~غرم . وهو بعد هذا شؤم وحرفة وخروج من العادة الحسنة . فإن كان ذلك النديم ~~غير موافق فأهل الحبس أحسن حالا مني . وإن كان - وأعوذ بالله ! - موافقا ~~فقد فتح الله على مالي بابا من التلف لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال ~~من هو وإذا علم الصديق أن عندي داذيا أو نبيذا دق الباب دق المدل . فإن ~~حجبناه فبلاء وإن أدخلناه فشقاء . وإن بدا لي في استحسان حديث الناس كما ~~يستحسن PageV01P117 مني من أكون عنده فقد شاركت المسرفين وفارقت إخواني من ~~المصلحين وصرت من ألوان الشياطين . فإذا صرت كذلك فقد ذهب كسبي من مال غيري ~~وصار غيري يكتسب مني . وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له فكيف إذا ابتليت ~~بأن أعطي ولا آخذ ! أعوذ بالله من الخذلان بعد العصمة ومن الحور بعد الكور ~~! لو كان هذا في الحداثة كان أهون . هذا الدوشاب دسيس من الحرفة وكيد من ~~الشيطان وخدعة من الحسود ! وهو الحلاوة التي تعقب المرارة ! ما أخوفني أن ~~يكون أبو سليمان قد مل منادمتي فهو يحتال لي الحيل ! وكنا مرة في موضع حشمة ~~وفي جماعة كثيرة والقوم سكوت والمجلس كبير وهو بعيد المكان مني . وأقبل على ~~المكي وقال والقوم يسمعون ms043 فقال : يا أبا عثمان من أبخل PageV01P118 أصحابنا ~~قلت : أبو الهذيل . قال : ثم من قلت : صاحب لنا لا أسميه . قال الحزامي من ~~بعيد : إنما يعنيني ! ثم قال : حسدتم للمقتصدين تدبيرهم ونماء أموالهم ~~ودوام نعمتهم . فالتمستم تهجينهم بهذا اللقب وأدخلتم المكر عليهم بهذا ~~النبز . تظلمون المتلف لماله باسم الجود إدارة له عن شينه وتظلمون المصلح ~~لماله باسم البخل حسدا منكم لنعمته . فلا المفسد ينجو ولا المصلح يسلم . ~~فتكلم يوما فما زال يدخل كلاما في كلام حتى أدخل الاعتذار من ذلك في عرض ~~كلامه . فكان مما احتج به في شدة رؤية الأكيل عليه وفي نفوره منه أن قال : ~~نظر خالد المهزول في الجاهلية يوما إلى ناس يأكلون وإلى إبل تجتر . فقال ~~لأصحابه : أتروني بمثل هذه العين التي أرى بها الناس والإبل قالوا : نعم . ~~فحلف بإلهه ألا يأكل بقلا وإن مات هزالا . PageV01P119 وكان يغتذى اللبن ~~ويصيب من الشراب . فأضمره ذلك وأيبسه . فلما دق جسمه واشتد هزاله سمي ~~المهزول . ثم قال خالد : هأنذا مبتلي بالمضغ ومحمول على تحريك اللحيين ~~ومضطر إلى مناسبة البهائم ومحتمل ما في ذلك من السخف والعجز . ما أبالي ! ~~احتمله فيمن ليس لي منه بد ولي عنه مذهب . ليأكل كل امرئ في منزله وفي موضع ~~أمنه وأنسه ودون ستره وبابه . هذا ما بلغنا عن خالد بن عبد الله القسري ~~واحتجاجه . فأما خالد المهزول فهو أحد الخالدين . وهما سيدا بني أسد . وفيه ~~وفي خالد بن نضلة يقول الأسود بن يعفر : وقبلك مات الخالدان كلاهما . عميد ~~بني جحوان وابن المضلل . PageV01P120 قصة الحارثي وقيل الحارثي بالأمس : ~~والله إنك لتضع الطعام فتجيده وتعظم عليك النفقة وتكثر منه . وإنك لتغالي ~~بالخباز والطباخ والشواء والخباص ثم أنت مع هذا كله لا تشهده عدوا لتغمه ~~ولا وليا فتسره ولا جاهلا لتعرفه ولا زائر لتعظمه ولا شاكرا لتثبته . وأنت ~~تعلم أنه حين يتنحى من بين يديك ويغيب عن عينيك فقد صار نهبا مقسما ومتوزعا ~~مستهلكا . فلو أحضرته من ينفع شكره ويبقي على الأيام ذكره ومن يمتعك ~~بالحديث الحسن والاستماع ومن ms044 يمتد به الأكل ويقصر به الدهر - لكان ذلك أولى ~~بك وأشبه بالذي قدمته يدك . وبعد فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك ومن إن ~~حمدك لم يحسن أن يحمدك ومن لا يفضل بين الشهي الغذى وبين الغليظ الزهم ~~PageV01P121 قال : يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك . قالوا : ومن أبو ~~الفاتك قال : قاضي الفتيان . وإني لم آكل مع أحد قط إلا رأيت منه بعض ماذمه ~~وبعض ما شنعه وقبحه . فشيء يقبح بالشطار فما ظنك به إذا كان في أصحابه ~~المروءات وأهل البيوتات قالوا : فما قال أبو الفاتك قال : قال أبو فاتك : ~~الفتى لا يكون نشافا ولا نشالا ولا مرسالا ولا لكاما ولا مصاصا ولا نفاضا ~~ولا دلاكا ولا مقورا ولا مغربلا ولا محلقما ولا مسوغا ولا مبلعما ولا مخضرا ~~. والله إني لأفضل الدهاقين حين عابوا الحسو وتقززوا من التعرق وبهرجوا ~~صاحب التمشيش وحين أكلوا بالبارجين وقطعوا بالسكين ولزموا عند الطعام ~~السكتة وتركوا الخوض واختاروا الزمزمة . PageV01P122 أنا والله أحتمل الضيف ~~والضيفن ولا أحتمل اللعموظ ولا الجردبيل . والواغل أهون على من الراشن . ~~ومن يشك أن الوحدة خير من جليس السوء وأن جليس السوء خير من أكيل السوء لأن ~~كل أكيل جليس وليس كل جليس أكيلا . فإن كان لابد من المؤاكلة ولابد من ~~المشاركة فمع من لا يستأثر علي بالمخ ولا ينتهز بيضة البقيلة ولا يلتهم كبد ~~الدجاجة ولا يبادر إلى دماغ رأس السلاءة ولا يختطف كلية الجدي ولا يزدرد ~~قانصة الكركي ولا ينتزع شاكلة الحمل ولا يقتطع سرة الشصر ولا بعرض لعيون ~~الرءوس ولا يستولي على صدور الدجاج ولا يسابق PageV01P123 إلى أسقاط الفراخ ~~ولا يتناول إلا ما بين يديه ولا يلاحظ ما بين يدي غيره ولا يتشهى الغرائب ~~ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة ولا يهتك أستار الناس : بأن يتشهى ما ~~عسى ألا يكون موجودا . وكيف تصلح الدنيا وكيف يطيب العيش مع من إذا رأى ~~جزورية التقط الأكباد والأسنمة وإذا عاين بقرية استولى على العرق والقطنة ~~وإن أتوا بجنب شواء اكتسح كل شيء عليه ms045 لا يرحم ذا سن لضعفه ولا يرق على حدث ~~لحدة شهوته ولا ينظر للعيال ولا يبالي كيف دارت بهم الحال - وإن كان لابد ~~من ذلك فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي . وأشد من كل ما وصفنا ~~وأخبث من كل ما عددنا أن الطباخ ربما أتى باللون الطريف وربما قدم الشيء ~~الغريب والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص PageV01P124 صغير ~~الحجم وليس كالطفيشلية ولا كالهريسة ولا كالفجلية ولا كالكرنبية . وربما ~~عجل عليه فقدمه حارا ممتنعا . وربما كان من جوهر بطيء الفطور وأصحابي في ~~سهولة ازدراد الحار عليهم في طباع النعام وأنا في شدة الحار على في طباع ~~السباع . فإن انتظرت إلى أن يمكن أتوا على آخره . وإن بدرت مخافة الفوت ~~وأردت أن أشاركهم في بعضه لم آمن ضرره . والحار ربما قتل وربما أعقم وربما ~~أبال الدم . ثم قال : هذا علي الأسواري أكل مع عيسى بن سلمان بن علي . ~~فوضعت قدامكم سمكة عجيبة فائقة السمن . فحاط بطنها لحظة فإذا هو يكتنز شحما ~~وقد كان غص بلقمة وهو لمستسق ففرغ من الشراب وقد غرف من بطنها كل إنسان ~~منهم بلقمته غرفة . وكان عيسى ينتخب الأكلة ويختار منهم كل منهوم فيه ~~ومفتون به . PageV01P125 فلما خاف على الأسواري الإخفاق وأشفق من الفوت ~~وكان أقربهم إليه عيسى استلب من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي وانحدار ~~العقاب من غير أن يكون أكل عنده قبل مرته . فقيل له : ويحك ! استلبت لقمة ~~الأمير من يده وقد رفعها غليه وشحا لها فاه من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة ~~! . قال : لم يكن الأمر كذلك . وكذب من قال ذلك ! ولكنا أهوينا أيدينا معا ~~فوقعت يدي في مقدم الشحمة ووقعت يده في مؤخر الشحمة معا والشحم ملتبس ~~بالأمعاء . فلما رفعنا أيدينا معا كنت أنا أسرع حركة وكانت الأمعاء متصلة ~~غير متباينة . فتحول كل شيء كلن في لقمته بتلك الجذبة إلى لقمتي لاتصال ~~الجنس والجوهر بالجوهر . وأنا كيف أؤاكل أقواما يصنعون هذا الصنيع ثم ~~يحتجون له بمثل ms046 هذه الحجج ثم قال : إنكم تشيرون علي بملابسة شرار الخلق ~~وأنذال الناس وبكل عياب متعتب ووثاب على أعراض الناس متسرع . وهؤلاء لم ~~يرضوا إلا أن يدعوهم الناس ولا يدعوا الناس وأن يأكلوا ولا يطعموا وأن ~~يتحدثوا عن غيرهم ولا يبالون أن يتحدث عنهم وهم شرار الناس . PageV01P126 ~~ثم قال : أجلس معاوية وهو في مرتبة الحلافة وفي السطح من قريش وفي نبل ~~الهمة وإصابة الرأي وجودة البيان وكمال الجسم وفي تمام النفس عند الجولة ~~وعند تقصف الرماح وتقطع السيوف - رجلا على مائدته مجهول الدار غير معروف ~~النسب ولا مذكور بيوم صالح . فأبصر في لقمته شعرة فقال : خذ الشعرة من ~~لقمتك . ولا وجه لهذا القول إلا محض النصيحة والشفقة . فقال الرجل : وإنك ~~لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة ! لا جلست لك على مائدة ما حييت ولا ~~حكيتها عنك ما بقيت ! فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان أحسن وأجمل : ~~تغافله عنه أم شفقته عليه فكان هذا جزاءه منه وشكره له . ثم قال : وكيف ~~أطعم من إن رأيته يقصر في الأكل فقلت له : كل ولا تقصر في الأكل قال : يفطن ~~لفضل ما بين التقصير وغيره ! وإن قصر فلم أنشطه ولم أحثه قال : لولا أنه ~~وافق هواه ! PageV01P127 ثم قال : ومد رجل من بني تميم يده إلى صاحب الشراب ~~يستسقيه وهو على خوان المهلب فلم يره الساقي فلم يفطن له . ففعل ذلك مرارا ~~والمهلب يراه وقد أمسك عن الأكل إلى أن يسيغ لقمته بالشراب . فلما طال ذلك ~~على المهلب قال : اسقه يا غلام ما أحب من الشراب . فلما سقاه استقله وطلب ~~الزيادة منه . وكان المهلب أوصاهم بالإقلال من الماء والإكثار من الخبز . ~~قال التميمي : إنك لسريع إلى السقي سريع إلى الزيادة ! وحبس يده عن الطعام ~~. فقال المهلب : أله عن هذا إليها الرجل فإن هذا لا ينفعك ولا يضرنا ! ~~أردنا أمرا وأردت خلافه . PageV01P128 ثم قال : وفي الجارود بن أبي سبرة ~~لكم واعظ وفي أبي الحارث جمين زاجر فقد كانا يدعيان إلى الطعام وإلى ~~الإكرام لظرفهما وحلاوتهما وحسن ms047 حديثهما وقصر يومهما . وكانا يتشهيان ~~الغرائب ويقترحان الطرائف ويكلفان الناس المؤن الثقال ويمتحنان ما عندهم ~~بالكلف الشداد . فكان جزاؤهم من إحسانهم ما قد علمتم . قال : ومن ذلك أن ~~بلال بن أبي بردة كان رجلا عيابا وكان إلى أعراض الأشراف متسرعا . فقال ~~للجارود : كيف طعام عبد الله بن أبي عثمان قال : يعرف وينكر . قال : فكيف ~~هو عليه قال يلاحظ اللقم وينتهر السائل . قال : فكيف طعام سلم بن قتيبة قال ~~: طعام ثلاثة وإن كانوا أربعة جاعوا . قال : فكيف طعام تسنيم بن الحواري ~~قال : نقط العروس . قال : فكيف طعام المنجاب بن أبي عيينة قال : يقول : لا ~~خير في ثلاث أصابع PageV01P129 في صفحة - حتى أتى على عامة أهل البصرة وعلى ~~من كان يؤثره بالدعوة وبالأنسة والخاصة ويحكمه في ماله . فلم ينج منه إلا ~~من كان يبعده كما لم يبتل به إلا من كان يقربه ! وهذا أبو شعيب القلال في ~~تقريب موبس له وأنسه به وفي إحسانه إليه مع سخائه على المأكول وغض طرفه عن ~~الأكيل وقلة مبالاته بالحفظ وقلة احتفاله بجمع الكثير - سئل عنه أبو شعيب ~~فزعم أنه لم ير قط أشح منه على الطعام . قيل : وكيف قال : يدلك على ذلك أنه ~~يصنعه صنعة ويهيئه تهيئة من لا يريد أن يمس فضلا على غير ذلك ! وكيف يجترئ ~~الضرس على إفساد ذلك الحسن ونقض ذلك النظم وعلى تفريق ذلك التأليف ! وقد ~~علم أن حسنه يحشم وأن جماله يهيب منه . فلو كان سخيا لم يمنع منه بهذا ~~السلاح ولم يجعل دونه الجنن . فحول إحسانه إساءة وبذله منعا واستدعاءه إليه ~~نهيا . PageV01P130 قال : ثم قيل لأبي الحارث جمين : كيف وجه محمد بن يحيى ~~على غدائه قال : أما عيناه فعينا مجنون ! وقال فيه أيضا : لو كان في كفه كر ~~خردل ثم لعب الأبلى بالأكرة لما سقطت من بين أصابعه حبة واحدة ! وقيل له ~~أيضا : فكيف سخاؤه على الخبز خاصة قال : والله لو ألقي إليه من الطعام بقدر ~~ما إذا حبس نزف السحاب ما تجافي عن الرغيف ! وكان أبو نواس ms048 يرتعي على خوان ~~إسماعيل بن نيبخت كما ترتعي الإبل في الحمض بعد طول الخلة ! ثم كان جزاؤه ~~منه أنه قال : خبز إسماعيل كالوش ي إذا ما شق يرفي PageV01P131 وقال : وما ~~خبزه إلا كليب بن وائل ليالي يحمي عزه منبت البقل وكان أبو الشمقمق يعيب في ~~طعام جعفر بن أبي زهير وكان له ضيفا . وهو مع ذلك يقول : رأيت الخبز عز ~~لديك حتى حسبت الخبز في جو السحاب . وما روحتنا لتذب عنا ولكن خفت مرزئة ~~الذباب . وقيل للجماز : رأيناك في دهليز فلان وبين يديك قصعة وأنت تأكل . ~~فمن أي شيء كانت القصعة وأي شيء كان فيها قال : قيء كلب في قحف خنزير ! ~~وقيل لرجل من العرب قد نزلت بجميع الفبائل فكيف رأيت خذاعة قال : جوع ~~وأحاديث . ونزل عمرو بن معد يكرب برجل من بني المغيرة وهم أكثر قريش طعاما ~~. فأتاه بما حضر . وقد كان فيما أتاه به فضل . فقال لعمر بن الخطاب وهم ~~أخواله : لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين ! قال : وكيف قال نزلت بهم فما ~~قروني غير قرنين وكعب ثور . PageV01P132 قال عمر : إن ذلك لشبعة . وكم ~~رأينا من الأعراب من نزل برب صرمة فأتاه بلبن وتمر وحيس وخبز وسمن سلاء . ~~فبات ليلته ثم أصبح يهجوه : كيف لم ينحر له - وهو لا يعرف - بعيرا من ذوده ~~أو من صرمته ! ولو نحر هذا البأس لكل كلب مر به بعيرا من مخافة لسانه لما ~~دار الأسبوع إلا وهو يتعرض للسابلة يتكفف الناس ويسألهم العلق ! وسأل زياد ~~عن رجل من أصحابه فقيل : إنه لملازم وما يغب غداء الأمير . فقال زياد : ~~فليغبه فإن ذلك مما يضر بالعيال . فألزموه الغب . فعابوا زيادا بذلك . ~~وزعموا أنه استثقل حضوره في كل يوم وأراد أن يزجر به غيره فيسقط عن نفسه ~~وعن ماله مؤنة عظيمة . PageV01P133 وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر ~~للعيالات وكما ينظر الراعي للرعية وعلى مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ~~وقد قال الحسن : تشبه زياد بعمر فأفرط وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس - ~~فجعلتم ms049 ذلك عنتا منه . وقال يوسف بن عمر لقوام موائده : أعظموا الثريدة ~~فإنها لقمة الدرداء : فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه والصبي الذي ~~لم ينبت فمه . وأطعموه ما تعرقون فإنه أنجع وأشفى للقوم . فقلتم : إنما ~~أراد العجلة والراحة بسرعة الفراغ وأن يكيدهم بالثريد ويملأ صدورهم بالعراق ~~. PageV01P134 وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيد الطعام الثريد ~~ومثل عائشة في النساء مثل الثريد في الطعام وليعظم صنعة الثريد في أعين ~~قريش سموا عمرو بن عبد مناف حتى غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك . وقال ~~عوف بن القعقاع لمولاه : اتخذ لنا طعاما يشبع فضله أهل الموسم . قلتم : ~~فلما رأى الخبز الرقاق والغلاظ والشواء والألوان واستطراف الناس للون بعد ~~اللون ودوام أكلهم لدوام الطرف وأن ذلك لو كان لونا واحدا لكان اقل لأكلهم ~~قال : فهلا فعلته طعام يد ولم تجعله طعام يدين ! فقلتم : اتسع ثم ضاق حين ~~أراد إطعامهم الثريد والحيس وكل ما يؤكل بيد دون يدين . والقعقاع عربي كره ~~لمولاه أن يرغب عن طعام العرب إلى طعام العجم . وأراد دوام PageV01P135 ~~قومه على مثل ما كانوا عليه وعلى أن الثروة تفنخهم وتفسدهم وأن الذي فتح ~~عليهم من باب الترفه أشد عليهم مما غلق عليهم من باب فضول اللذة . وقد فعل ~~عمر من جهة التأدب أكثر من ذلك حين دعى إلى عرس فرأى قدرا صفراء وأخرى ~~حمراء وواحدة مرة وأخرى حلوة وواحدة محمضة . فكازها كلها في قدر عظيمة وقال ~~إن العرب إذا أكلت هذا قتل بعضها بعضا . تفسير كلام أبي فاتك : أما قوله : ~~الفتى لا يكون نشالا فالنشال عنده الذي يتناول من القدر ويأكل قبل النضج ~~وقبل أن تنزل القدر ويتتام القوم . والنشاف : الذي يأخذ حرف الجردقة فيفتحه ~~ثم يغمسه في رأس القدر ويشربه الدسم يستأثر بذلك دون أصحابه . PageV01P136 ~~والمرسال : رجلان : أحدهما إذا وضع في لقمة هريسة أو ثريدة أو حيسة أو أرزة ~~أرسلها في جوف حلقه إرسالا . والرجل الآخر : هو الذي إذا مشى في أشب من ~~فسيل أو شجر قبض ms050 على رأسه السعفة أو على راس الغصن لينحيها عن وجهه . وإذا ~~قضى وطره أرسلها من يده . فهي لا محالة تصك وجه صاحبه الذي يتلوه لا يحفل ~~بذلك ولا يعرف ما فيه . وأما اللكام : فالذي في فيه اللقمة ثم يلكمها بأخرى ~~قبل إجادة مضغها أو ابتلاعها . والمصاص الذي بمص جوف قصبة العظم بعد أن ~~استخرج مخه واستأثر به دون أصحابه . وأما النفاض : فالذي إذا فرغ من غسل ~~يده في الطست نفض يديه من الماء فنضح على أصحابه . وأما الدلاك : فالذي لا ~~يجيد تنقية يديه بالأشنان ويجيد دلكهما بالمنديل . وله أيضا تفسير آخر - ~~وليس هو الذي نظنه - وهو مليح . وسيقع في موضعه إن شاء الله . PageV01P137 ~~والمقور : الذي يقور الجرادق . والمغربل : الذي يأخذ وعاء الملح فيديره ~~غدارة الغربال ليجمع أبازيره يستأثر به دون والمحلقم : الذي يتكلم واللقمة ~~قد بلغت حلقومه . نقول لهذا : قبيح ! دع الكلام إلى وقت إمكانه . والمسوغ : ~~الذي يعظم اللقم فلا يزال قد غص ولا يزال يسيغه بالماء . والمبلعم : الذي ~~يأخذ حروف الرغيف أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه ليحملا له من الزبد والسمن ~~ومن اللبإ واللبن ومن البيض النيم برشت أكثر . والمخضر : الذي يدلك يده ~~بالأشنان من الغمر والودك حتى إذا اخضر وأسود من الدرن دلك به شفته . هذا ~~تفسير ما ذكر الحارثي من كلام أبي فاتك . PageV01P138 فأما ما ذكره هو فإن ~~اللطاع : معروف وهو الذي يلطع إصبعه ثم يعيدها في مرق القوم أو لبنهم أو ~~سويقهم وما أشبه ذلك . والقطاع : الذي يعض على اللقمة فيقطع نصفها ثم يغمس ~~النصف الآخر في الصباغ . والنهاش : وهو معروف . وهو الذي ينهش اللحم كما ~~ينهش السبع . والمداد : الذي ربما عض على العصب التي لم تنضج وهو يمدها ~~بفيه ويده توترها له . فربما قطعها بنترة فيكون لها انتضاح على ثوب المؤاكل ~~. وهو الذي إذا أكل مع أصحابه الرطب أو والدفاع : الذي إذا وقع في القصعة ~~عظم فصار مما يليه نحاه بلقمته من الخبز حتى تصير مكانه قطعة من لحم وهو في ~~ذلك كأنه يطلب بلقمته ms051 تشريب المرق دون إراغة اللحم . والمحول : هو الذي إذا ~~رأى كثرة النوى بين يديه احتال له حتى يخلطه بنوى صاحه . وأما ما ذكره من ~~الضيف والضيفن فإن الضيفن ضيف الضيف . PageV01P139 وأنشد أبو زيد : إذا جاء ~~ضيف جاء للضيف ضيفن فأودى بما يقرى الضيوف الضيافن وأما قوله : الواغل أهون ~~علي من الراشن فإنه يزعم أن طفيلي الشراب أهون علي من طفيلي الطعام . وقول ~~الناس : فلا طفيلي ليس من أصول كلام العرب : ليس كالرأشن واللعموظ . وأهل ~~مكة يسمونه البرقي . وكان بالكوفة رجل من بني عبد الله بن غطفان يسمى طفيلا ~~. كان أبعد الناس نجعة في طلب الولائم والأعراس . فقيل له لذلك : طفيل ~~العرائس وصار ذلك نبزا له ولقبا لا يعرف بغيره . فصار كل من كانت تلك طعمته ~~يقال له : طفيلي . هذا من قول أبي اليقظان . PageV01P140 ثم قال الحارثي : ~~وأعجب من كل عجب وأطرف من كل طريف أنكم تشيرون علي بإطعام الأكلة ودفعي إلى ~~الناس مالي وأنتم أترك لهذا مني . فإن زعمتم أني أكثر مالا وأعد عدة فليس ~~من حالي وحالكم في التقارب أن أطعم أبدا وأنتم تأكلون أبدا . فإذا أتيتم في ~~أموالكم من البدل والإطعام على قدر احتمالكم عرفت بذلك أن الخير أردتم وإلى ~~تربيي ذهبتم . وإلا فإنكم إنما تحلبون حلبا لكم شطره . بل أنتم كما قال ~~الشاعر : يحب الخور من مال الندامى ويكره أن يفارقه الفلوس ثم قال : والله ~~إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم إلا لسوء رعة على الأسواري لتركته . ~~وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرقا فبلغ ضرسه وهو لا يعلم ! فعل ذلك عند ~~إبراهيم بن الخطاب مولى سليمان . PageV01P141 وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت ~~عينه وسكر وسدر وانبهر وتربد وجهه وعصب ولم يسمع ولم يبصر ! فلما رأيت ما ~~يعتريه وما يعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل التمر والجوز ~~والباقلى . ولم يفجأني قط وأنا آكل تمرا إلا استفه سفا وحساه حسوا وذرابه ~~ذروا ولا وجده كثيرا إلا تناول القصعة كجمجمة الثور ثم يأخذ بحضنيها ms052 ويقلها ~~من الأرض ! ثم لا يزال ينهشها طولا وعرضا ورفعا وخفضا حتى يأتي عليها جميعا ~~! ثم لا يقع غضبه إلا على الأنصاف والأتلاف ! ولم يفصل تمرة قط من تمرة . ~~وكان صاحب جمل ولم يكن يرضى بالتفاريق ولا رمى بنواة قط ولا نزع قمعا ولا ~~نفى عنه قشرا ولا نتشه مخافة السوس والدود ! PageV01P142 ثم ما رأيته قط ~~إلا وكأنه طالب ثأر وشحشحان صاحب طائلة ! وكأنه عاشق مغتلم أو جائع مقرور ! ~~والله يا إخوتي لو رأيت رجلا يفسد طين الردغة ويضيع ماء البحر لصرفت عنه ~~وجهي ! فإذا كان أصحاب النظر وأهل الديانة والفلسفة هذه سيرتهم وهكذا أدبهم ~~فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون ولا يبلغ من الأدب حيث يبلغون ! قصة الكندي : ~~حدثني عمرو بن نهيوي قال : كان الكندي لا يزال يقول للساكن وربما قال للجار ~~: إن في الدار امرأة حمل . والوحمى ربما أسقطت من ريح القدر الطيبة ! فإذا ~~طبختم PageV01P143 فردوا شهوتها ولو بغرفة أو لعقة فإن النفس يردها اليسير ~~! فإن لم تفعل ذلك بعد إعلامي إياك فكفارتك - إن قال : فكان ربما يوافى إلى ~~منزله من قصاع السكان والجيران ما يكفيه الأيام وإن كان أكثرهم يفطن ~~ويتغافل . وكان الكندي يقول لعياله : أنتم أحسن حالا من أرباب هذه الضياع : ~~إنما لكل بيت منهم لون واحد . وعندكم ألوان ! قال : وكنت أتغدى عنده يوما ~~إذ دخل عليه جار له . وكان الجار لي صديقا . فلم يعرض عليه الغداء . ~~فاستحييت أنا منه . فقلت : لو أصبت معنا مما نأكل ! قال : قد والله فعلت . ~~قال الكندي : ما بعد الله شيء ! قال : فكتفه والله - يا أبا عثمان - كتفا ~~لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا وتركه ! ولو أكل لشهد عليه بالكفر ولكان عنده ~~قد جعل مع الله شيئا ! PageV01P144 قال عمرو : بينا أنا ذات يوم عنده إذ ~~سمع صوت انقلاب جرة من الدار الأخرى . فصاح : أي قصاف ! فقالت مجيبة له : ~~بئر وحياتك ! فكانت الجارية في الذكاء أكثر منه في الاستقصاء . قال معبد : ~~نزلنا دار الكندي أكثر من سنة نروج له الكراء ونقضي ms053 له الحوائج ونفى له ~~بالشرط . قلت : قد فهمت ترويج الكراء وقضاء الحوائج فما معنى الوفاء بالشرط ~~قال : في شرطه على السكان أن يكون له روث الدابة وبعر الشاة ونشوار العلوفة ~~وألا يخرجوا عظما ولا يخرجوا كساحة وأن يكون له نوى التمر وقشور الرمان ~~والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى وكان في ذلك يتنزل عليهم . فكانوا لطيبه ~~وإفراط بخله وحسن حديثه يحتملون ذلك . PageV01P145 قال معبد : فبينا أنا ~~كذلك إذ قدم ابن عم لي ومعه ابن له إذا رقعة منه قد جاءتني : إن كان مقام ~~هذين القادمين ليلة أو ليلتين احتملنا ذلك وإن كان إطماع السكان في الليلة ~~الواحدة يجر علينا الطمع في الليالي الكثيرة . فكتبت إليه : ليس مقامهما ~~عندنا إلا شهرا أو نحوه . فكتب إلى : إن دارك بثلاثين درهما . وأنتم ستة ~~لكل رأس خمسة . فإذ قد زدت رجلين فلابد من زيادة خمستين . فالدار عليك من ~~يومك هذا بأربعين ! . فكتبت إليه : وما يضرك من مقامهما وثقل أبدانهما على ~~الأرض التي تحمل الجبال وثقل مؤنتهما على دونك فاكتب إلي بعذرك لأعرفه . ~~ولم أدر أني أهجم على ما هجمت وأني أقع منه فيما وقعت ! فكتب إلي : الخصال ~~التي تدعوا إلى ذلك كثيرة . وهي قائمة معروفة : من ذلك سرعة امتلاء ~~البالوعة وما تنقيتها من شدة المؤنة . ومن ذلك أن الأقدام إذا كثرت كثر ~~المشي على ظهور السطوح الطينة وعلى أرض البيوت المجصصة والصعود على الدرج ~~الكثيرة : فينقشر لذلك الطين وينقلع الجص وينكسر العتب مع انثناء الأجذاع ~~لكثرة الوطء وتكسرها لفرط PageV01P146 وإذا كثر الدخول والخروج والفتح ~~والإغلاق والإقفال وجذب الأقفال تهشمت الأبواب وتقلعت الرزات . وإذا كثر ~~الصبيان وتضاعف البوش نزعت مسامير الأبواب وقلعت كل ضبة ونزعت كل رزة وكسرت ~~كل جوزة وحفر فيها آبار الددن وهشموا بلاطها بالمداحي . هذا مع تخريب ~~الحيطان بالأوتاد وخشب الرفوف . وإذا كثر العيال والزوار والضيفان والندماء ~~احتيج من صب الماء واتخاذ الحببة القاطرة والجرار الراشحة إلى أضعاف ما ~~كانوا عليه . فكم من حائط قد تأكل أسفله وتناثر أعلاه واسترخى أساسه وتداعى ms054 ~~بنيانه من قطر حب ورشح جر ومن فضل ماء البئر ومن سوء التدبير . وعلى قدر ~~كثرتهم يحتاجون من الخبيز والطبيخ ومن الوقود والتسخين . والنار لا تبقي ~~ولا تذر . وإنما الدور حطب لها . وكل شيء فيها من متاع فهو أكل لها . فكم ~~من PageV01P147 حريق قد أتى على أصل الغلة فكلفتم أهلها أغلظ النفقة . ~~وربما كان ذلك عند غاية العسرة وشدة الحال . وربما تعدت تلك الجناية إلى ~~دور الجيران وإلى مجاورة الأبدان والأموال . فلو ترك الناس حينئذ رب الدار ~~وقدر بليته ومقدار مصيبته لكان عسى ذلك أن يكون نعم ثم يتخذون المطابخ في ~~العلالي على ظهور السطوح وإن كان في أرض الدار فضل وفي صحنها متسع مع ما في ~~ذلك من الخطار بالأنفس والتغرير بالأموال وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل ~~الفساد وهجومهم مع ذلك على سر مكتوم وخبئ مستور من ضيف مستخف ورب دار متوار ~~ومن شراب مكروه ومن كتاب متهم ومن مال جم PageV01P148 أريد دفنه فأعجل ~~الحريق أهله عن ذلك فيه ومن حالات كثيرة وأمور لا يحب الناس أن يعرفوا بها ~~. ثم لا ينصبون التنانير ولا يمكنون للقدور إلا على متن السطح حيث ليس ~~بينها وبين القصب والخشب إلا الطين الرقيق والشيء لا يقي . هذا مع خفة ~~المؤنة في أحكامها وأمن القلوب من المتالف بسببها . فإن كنتم تقدمون على ~~ذلك منا ومنكم وأنتم ذاكرون فهذا عجب ! وإن كنتم لم تحفلوا بما عليكم في ~~أموالنا ونسيتم ما عليكم في أموالكم فهذا أعجب ! . ثم إن كثيرا منكم يدافع ~~بالكراء ويماطل بالأداء . حتى إذا جمعت أشهر عليه فر وخلى PageV01P149 ~~أربابها جياعا يتندمون على ما كان من حسن تقاضيهم وإحسانهم . فكان جزاؤهم ~~وشكرهم اقتطاع حقوقهم والذهاب بأقواتهم . ويسكنها الساكن حين يسكنها وقد ~~كسحناها ونظفناها لتحسن في عين المستأجر وليرغب ثم لا يدع مترسا إلا سرقه ~~ولا سلما إلا حمله ولا نقصا إلا أخذه ولا برادة إلا مضى بها معه . ولا يدع ~~دق الثوب والدق في الهاون والميجان في أرض الدار . ويدق على الأجذاع ~~والحواضن والرواشن ms055 . PageV01P150 وإن كانت الدار مقرمدة أبو بالأجر مفروشة ~~وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة ليكون الدق عليها ولتكون واقية ~~دونها دعاهم التهاون والقسوة والغش والفسولة إلى أن يدقوا حيث جلسوا وإلى ~~ألا يحفلوا بما أفسدوا ! لم يعط قط لذلك أرشا ولا استحل صاحب الدار ولا ~~استغفر الله منه في السر ! ثم يستكثر من نفسه في السنة إخراج عشرة دراهم ~~ولا يستكثر من رب الدار ألف دينار في الشراء . يذكر ما يصير إلينا مع قلته ~~ولا يذكر ما يصير إليه مع كثرته ! هذا والأيام التي تنقض المبرم وتبلى ~~الجدة وتفرق الجميع المجتمع عاملة في الدور كما تعمل في الصخور وتأخذ من ~~المنازل كما تأخذ من كل رطب ويابس وكما تجعل الرطب يابسا هشيما والهشيم ~~مضمحلا . ولا نهدام المنازل غاية قريبة ومدة قصيرة . والساكن فيها هو كان ~~المتمتع بها والمنتفع بمرافقها . وهو الذي أبلى جدتها وتحلاها . وبه هرمت ~~وذهب عمرها لسوء تدبيره . PageV01P151 فإذا قسمنا الغرم عند انهدامها ~~بإعادتها وبعد ابتنائها وغرم ما بين ذلك من مرمتها وإصلاحها ثم قابلنا بذلك ~~ما أخذنا من غلاتها وارتفقنا به من إكرائها خرج على المسكن من الخسران بقدر ~~ما حصل للساكن من الربح . إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة كانت ~~جملة والتي أخذناها على جهة الغلة جاءت مقطعة . وهذا مع سوء القضاء ~~والإحواج إلى طول الاقتضاء ومع بغض الساكن للمسكن وحب المسكن للساكن لأن ~~المسكن يحب صحة بدن الساكن ونفاق سوقه إن كان تاجرا وتحرك صناعته إن كان ~~صانعا ومحبة الساكن أن يشغل الله عنه المسكن كيف شاء : إن شاء شغله بعينه ~~وإن شاء بزمانه وإن شاء بحبس وإن شاء بموت ! ومدار مناه أن يشغل عنه . ثم ~~لا يبالي كيف كان ذلك الشغل ! إلا أنه كلما كان أشد كان أحب إليه وكان أجدر ~~أن يأمن وأخلق لأن يسكن . وعلى أنه إن فترت سوقه أو كسدت PageV01P152 ~~صناعته ألح في طلب التخفيف من أصل الغلة والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة . ~~وعلى أنه إن أتاه الله ms056 بالأرباح في تجارته والنفاق في صناعته لم ير أن يزيد ~~قيراطا في ضريبته ولا أن يعجل فلسا قبل وقته . ثم إن كانت الغلة صحاحا دفع ~~أكثرها مقطعة . وإن كانت أنصافا وأرباعا دفعها قراضة مفتتة . ثم لا يدع ~~مزأبقا ولا مكحلا ولا زائفا ولا دينارا بهرجا إلا دسه فيه ودلسه عليه ~~واحتال بكل حيلة وتأتي له بكل سبب . فإن ردوا عليه بعد ذلك شيئا حلف ~~بالغموس إنه ليس من دراهمه ولا من ماله ولا رآه قط ولا كان في ملكه . فإن ~~كان الرسول جارية رب الدار أفسدها . وإن كان غلاما خدعه . هذا مع ~~PageV01P153 الإشراف على الجيران والتعرض للجارات ومع اصطياد طيورهم ~~وتعريضنا لشكايتهم ! وربما استضعف عقولهم وطمع في فسادهم وغبنهم . فلا يزال ~~يضرب لهم بالأسلاف ويغريهم بالشهوات ويفتح لهم أبوابا من النفقات ليغبنهم ~~ويربح عليهم . حتى إذا استوثق منهم أعجلهم وحزق بهم حتى يتقوه ببيع بعض ~~الدار أو باسترهان الجميع ليربح مع الذهاب بالأصل السلامة - مع طول مقامه - ~~من الكراء . وربما جعله بيعا في الظاهر ورهنا في الباطن . فحينئذ يفظ بهم ~~دون المهلة ويدعيها قبل الوقت ! PageV01P154 وربما بلغ من استضعافه ~~واستثقاله لأداء الكراء أن يدعي أن له شقيصا وأن له يدا ليصير خصما من ~~الخصوم ومنازعا غير غاصب . وربما اكترى المنزل وفيه مرمة فاشترى بعض ما ~~يصلحها . ثم يتوخى عاملا جيد الكسوة وجيرانا آنية وآلة . فإذا شغل العامل ~~وغفل اشتمل على كل ما قدر عليه وتركهم يتسكعون ! وربما استأجر إلى جنبسجن ~~لينقب أهله إليه وإلى جنب صراف لينقب عليه طلبا لطول المهلة والستر ولطول ~~المدة والأمن . وربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار المسكن : بأن يقتل ~~قتيلا أو يجرح شريفا . PageV01P155 فيأتي السلطان الدار وأربابها إما غيب ~~وإما أيتام وإما ضعفاء فلا يصنع شيئا دون أن يسويها بالأرض ! وبعد فالدور ~~ملقاة وأربابها منكوبون وملقون . وهم أشد الناس اغترارا بالناس وأبعدهم ~~غاية من سلامة الصدور . وذلك أن من دفع داره ونقضها وساجها وأبوابها مع ~~حديدها وذهب سقوفها إلى مجهول لا يعرف فقد ms057 وضعها في مواضع الغرر وعلى أعظم ~~الخطر . وقد صار في معنى المودع وصار المكتري في موضع المودع . ثم ليست ~~الخيانة وسوء الولاية إلى شيء من الودائع أسرع منها إلى الدور . وأيضا إن ~~أصلح السكان حالا من إذا وجد في الدار مرمة ففوضوا إليه النفقة وأن يكون ~~ذلك محسوبا له عند الأهلة يشفف في البناء ويزيد في الحساب . PageV01P156 ~~فما ظنك بقزم هؤلاء أصلحهم وهم خيارهم ! وأنتم أيضا إنما اكتريتم مستغلات ~~غيرنا بأكثر مما اكتريتموها منا . فسيروا فينا كسيرتكم فيهم وربما بنيتم في ~~الأرض . فإذا صار البناء بنيانكم وإن كانت الأرض لغيركم ادعيتم الشركة ~~وجعلتموه كالإجارة وحتى تصيروه كتلاد مال أو موروث سلف . وجرم آخر : وهو ~~أنكم أهلكتم أصول أموالنا وأخربتم غلاتنا وحططتم بسوء معاملتكم أثمان دورنا ~~ومستغلاتنا حتى سقطت غلات الدور من أعين المياسير وأهل الثروة ومن أعين ~~العوام والحشوة وحتى يدافعوكم بكل حيلة وصرفوا أموالهم في كل وجه وحتى قال ~~PageV01P157 عبيد الله بن الحسن قولا أرسله مثلا وعاد علينا حجة وضررا . ~~وذلك أنه قال : غلة الدار مسكة وغلة النخل كفاف . وإنما الغلة غلة الزرع ~~والنسولتين . وإنما جر ذلك علينا حسن اقتضائنا وصبرنا على سوء قضائكم وأنتم ~~تقطعونها علينا وهي عليكم مجملة وتلووننا بها وهي عليكم حالة . فصارت لذلك ~~غلات الدور - وإن كانت أكثر ثمنا ودخلا - أقل ثمنا وأخبث أصلا من سائر ~~الغلات . وأنتم شر علينا من الهند والروم ومن الترك والديلم إذ كنتم أحضر ~~أذى وأدوم شرا . ثم كانت هذه صفتكم وحليتكم ومعاملتكم في شيء لابد لكم منه ~~فكيف كنتم لو امتحنكم بما لكم عنه مندوحة والوجوه لكم فيه معرضة وأنتم فيها ~~بالخيار وليس عليكم طريق الاضطرار PageV01P158 وهذا مع قولكم : إن نزول دور ~~الكراء أصوب من نزول دور الشراء . وقلتم : لأن صاحب الشراء قد أغلق رهنه ~~وأشرط نفسه وصار بها ممتحنا وبثمنها مرتهنا . ومن اتخذ دارا فقد أقام كفيلا ~~لا يخفر وزعيما لا يغرم . وإن غاب عنها حن إليها . وإن أقام فيها ألزمته ~~المؤن وعرضته للفتن إن أساءوا جواره وأنكر ms058 مكانه وبعد مصلاه ومات عنه سوقه ~~وتفاوتت حوائجه ورأى أنه قد أخطأ في اختيارها على سواها وأنه لم يوفق لرشده ~~حين آثرها على غيرها . وإن من كان كذلك فهو عبد داره وخول جاره . ~~PageV01P159 وإن صاحب الكراء الخيار في يده والأمر إليه : فكل دار هي له ~~متنزه إن شاء ومتجر إن شاء ومسكن إن شاء . لم يحتمل فيها اليسير من الذل ~~ولا القليل من الضيم ولا يعرف الهوان ولا يسام الخسف ولا يحترس من الحساد ~~ولا يداري المتعللين . وصاحب الشراء يجرع المرار ويسقى بكأس الغيظ ويكد ~~لطلب الحوائج ويحتمل الذلة وإن كان ذا أنفة . إن عفا عفا على كظم . ولا ~~يوجه ذلك منه إلا إلى العجز . وإن رام المكافأة تعرض لأكثر مما أنكره . قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق ) . ~~وزعمتم أن تسقط الكراء أهون إذ كان شيئا بعد شيء وأن الشدائد إذا وقعت جملة ~~جاءت غامرة للقوة فأما إذا تقطع وتفرق ، فليس يكثرت لها إلا من يفقدها ~~ويذكرها . PageV01P160 ومال الشراء يخرج جملة وثلمته في المال واسعة وطعنته ~~نافذة . ليس كل خرق يرقع ولا كل خارج يرجع . وأنه قد أمن من الحرق والغرق ~~وميل أسطون وانقصاف سهم واسترخاء أساس وسقوط سترة وسوء جوار وحسد مشاكل . ~~وإنه إما لا يزال في بلاء وإما أن يكون متوقعا لبلاء . وقلتم : إن كان ~~تاجرا فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح وتحويله في أصناف البياعات ~~أكيس . وإن لم يكن تاجرا ففيما وصفناه له ناه وفيما عددنا له زاجر . فلم ~~يمنعكم حرمة المساكنة وحق المجاورة والحاجة إلى السكنى وموافقة المنزل ~~PageV01P161 أن أشرتم على الناس بترك الشراء ! وفي كساد الدور فساد لأثمان ~~الدور وجراءة للمستأجر واستحطاط من الغلة وخسران في أصل المال . وزعمتم ~~أنكم قد أحسنتم إلينا حين حثثتم الناس على الكراء لما في ذلك من الرخاء ~~والنماء ! فأنتم لم تريدوا نفعنا بترغيبهم في الكراء بل إنما أردتم أن ~~تضرونا بتزهيدكم في الشراء ! وليس ينبغي أن يحكم على كل قوم إلا ms059 بسبيلهم ~~وبالذي يغلب عليهم من أعمالهم . فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم وكلها حجة ~~عليكم وكلها داعية تهمتكم وأخذ الحذر منكم . وليست لكم خصلة محمودة ولا خلة ~~فيما بيننا وبينكم مرضية ! وقد أريناكم أن كم النازلين كحكم المقيمين وأن ~~كل زيادة فلها نصيب من الغلة . ولو تغافلت لك - يا أخا أهل البصرة - عن ~~زيادة رجلين لم أبعدك - على قدر ما رأيت منك - أن تلزمني ذلك - فيما يتبين ~~- حتى يصير كراء الواحد ككراء الألف وتصير الإقامة كالظعن والتفريغ كالشغل ~~! PageV01P162 وعلى أني لو كنت أمسكت عن تقاضيك وتغافلت عن تعريفك ما عليك ~~لذهب الإحسان إليك باطلا إذ كنت لا ترى للزيادة قدرا . وقد قال الأول : ~~والكفر مخبثة لنفس المنعم . وقال الآخر : تبدلت بالمعروف نكرا وربما تنكر ~~للمعروف من كان يكفر . أنت تطالبني ببغض المعتزلة للشيعة وبما بين أهل ~~الكوفة والبصرة وبالعداوة التي بين أسد وكندة وبما في قلب الساكن من ~~استثقال المسكن ! وسيعين الله عليك . والسلام . PageV01P163 قال إسماعيل بن ~~غزوان : لله در الكندي ! ما كان أحكمه وأحضر حجته وأنصح جيبه وأدوم طريقته ~~! رأيته وقد أقبل على جماعة ما فيها إلا مفسد أو من يزين الفساد لأهله : من ~~شاعر بوده أن الناس كلهم قد جازوا حد المسرفين إلى حدود المجانين ! ومن ~~صاحب تنقيع واستئكال ومن ملاق متقرب . فقال : تسمون من منع المال من وجوده ~~الخطأ وحصنه خوفا من الغيلة وحفظه إشفاقا من الذلة بخيلا ! تريدون بذلك ذمه ~~وشينه ! وتسمون من جهل فضل الغني ولم يعرف ذلة الفقر وأعطى في السرف وتهاون ~~بالخطأ وابتذل النعمة وأهان نفسه بإكرام غيره جوادا ! تريدون بذلك حمده ~~ومدحه ! فاتهموا على أنفسكم من قدمكم على نفسه فإن من أخطأ على نفسه فهو ~~أجدر أن PageV01P164 يخطئ على غيره ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في ~~العين كان أجدر أن يخطئ في باطن دينه وفيما يوجد بالعقل . فمدحتم من جمع ~~صنوف الخطإ وذممتم من جمع صنوف الصواب ! فاحذروهم كل الحذر ولا تأمنوهم على ~~حال ! قال إسماعيل : وسمعت الكندي يقول : إنما المال ms060 لمن حفظه وإنما الغني ~~لمن تمسك به . ولحفظ المال بنيت الحيطان وغلقت الأبواب واتخذت الصناديق ~~وعملت الأقفال ونقشت الرسوم فلم تتخذون هذه الوقايات دون المال وأنتم آفته ~~وأنتم سوسه وقادحه وقد قال الأول : احرس أخاك إلا من نفسه . ولكن احسب أنك ~~قد أخذته في الجواسق وأودعته الصخور ولم يشعر به صديق PageV01P165 ولا رسول ~~ولا معين من لك بألا تكون أشد عليه من السارق وأعدى عليه من الغاصب واجعلك ~~قد حصنته من كل يد لا تملكه كيف لك من أن تحصنه من اليد التي تملكه وهي ~~عليه أقدر ودواعيها أكثر وقد علمنا أن حفظ المال أشد من جمعه . وهل أتى ~~الناس إلا من أنفسهم ثم ثقاتهم والمال لمن حفظه والحسرة لمن أتلفه . ~~وإنفاقه هو إتلافه وإن حسنتموه بهذا الاسم وزينتموه بهذا اللقب ! وزعمتم ~~أنما سمينا البخل صلاحا والشح اقتصادا كما سمى قوم الهزيمة انحيازا والبذاء ~~عارضة والعزل عن الولاية صرفا والجائر على أهل الخراج مستقصيا ! ~~PageV01P166 بل أنتم الذين سميتم السرف جودا والنفج أريحية وسوء نظر المرء ~~لنفسه ولعقبه كرما ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) ابدأ بمن تعول ( ~~وأنت تريد أن تغني عيال غيرك بإفقار عيالك وتسعد الغريب بشقوة القريب ~~وتنفصل على من لا يعدل عنك ومن لو أعطيته أبدا قد علمتم ما قال صاحبنا لأخي ~~تغلب فإنه قال : يا أخا تغلب إني والله كنت أجري ما جرى هذا الغيل وأجري ~~وقد انقطع النيل . إني والله لو أعطيتك لما وصلت إليك حتى أتجاوز من هو أحق ~~بذلك منك . إني لو أمكنت الناس من مالي لنزعوا داري طوبة طوبة ! إنه والله ~~ما بقي معي منه إلا ما منعته الناس . ولكني أقول : والله إن لو أمكنت الناس ~~من نفسي لادعوا رقي بعد سلب نعمتي . قال إسماعيل : وسمعته يقول : عجبت لمن ~~قلت دراهمه كيف ينام ! ولكن لا يستوي من لم ينم سرورا ومن لم ينم غما . ~~PageV01P167 ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصية المرء يوم ~~فقره وحاجته وقبل أن ms061 يغرغر : ) الثلث والثلث كثير ( . - فاستحسنت الفقهاء ~~وتمنى الصالحون أن ننقص من الثلث شيئا لاستكثار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الثلث ولقوله : ) إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس ( . ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرحم عيالنا إلا بفضل ~~رحمته لنا . فكيف تأمروني أن أوثر أنفسكم على نفسي وأقدم عيالكم على عيالي ~~وأن أعتقد الثناء بدلا من الغنى وأن أكنز الريح وأصطنع السراب بدلا من ~~الذهب والفضة ! قال إسماعيل : وسمعته يقول لعياله وأصحابه : اصبروا عن ~~الرطب عند ابتدائه وأوائله وعن باكورات الفاكهة فإن للنفس عند كل طارف نزوة ~~وعند كل هاجم نزوة . PageV01P168 وللقادم حلاوة وفرحة وللجديد بشاشة وغرة ~~فإنك متى رددتها ارتدت ومتى ردعتها ارتدعت . والنفس عزوف ونفور ألوف . وما ~~حملتها احتملت وإن أهملتها فسدت . فإن تكف جميع دواعيها وتحسم جميع خواطرها ~~في أول ردة صارت أقل عددا وأضعف قوة . فإذا أثر ذلك فيها فعظها في تلك ~~الباكورة بالغلاء والقلة فإن ذكر الغلاء والقلة حجة صحيحة وعلة عاملة في ~~الطبيعة . فإذا أجابتك في الباكورة فسمها مثل ذلك في أوائل كثرتها واضرب ~~نقصان الشهوة ونقصان قوة الغلبة بمقدار ما حدث لها من الرخص والكثرة . فلست ~~تلقى على هذا الحساب من معالجة الشهوة عندك إلا مثل ما لقيت منها في نومك ~~حتى تنقضي أيام الفاكهة وأنت على مثل ابتداء حالك وعلى أول مجاهدتك لشهوتك ~~! PageV01P169 ومتى لم تعد أيضا الشهوة فتنة والهوى عدوا اغتررت بهما وضعفت ~~عنهما وأتمنتهما على نفسك . وهما أحضر عدو وشر دخيل . فاضمنوا لي النزوة ~~الأولى أضمن لكم تمام الصبر وعاقبة اليسر وثبات العز في قلوبكم والغنى في ~~أعقابكم ودوام تعظيم الناس لكم فإنه لو لم يكن من منفعة الغني إلا أنك لا ~~تزال معظما عند من لم ينل منك قط درهما لكان الفضل في ذلك بيتا والربح ~~ظاهرا . ولو لم يكن من بركة الثروة ومن منفعة اليسر إلا أن رب المال الكثير ~~لو اتصل بملك كبير في جلسائه من هو أوجب حرمة وأقدم ms062 صحبة وأصدق محبة وأمتع ~~إمتاعا وأكثر فائدة وصوابا إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد ثم أراد ذلك ~~الملك أن يقسم مالا أو يوزع بينهم طرفا لجعل حظ الموسر أكثر وإن كان في كل ~~شيء دون أصحابه وحظ المخفف أقل وإن كان في كل شيء فوق أصحابه . PageV01P170 ~~قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون ومذهب الحزامى وقصص الكندي وأحاديث الحارثي ~~واحتجاجهم وطرائف نحلهم وبدائع حيلهم . قصة محمد بن أبي المؤمل : قلت لمحمد ~~بن أبي المؤمل : أراك تطعم الطعام وتتخذه وتنفق المال وتجود به . وليس بين ~~قلة الخبز وكثرته كثير ربح . والناس يبخلون من قل عدد خبزه ورأوا أرض خوانه ~~. وعلى أني أرى وأنت لو لم تتكلف ولم تحمل على مالك بإجادته والتكثير منه ~~ثم أكلت وحدك لم يلمك الناس ولم يكثروا لذلك منك ولم يقضوا عليك بالبخل ولا ~~بالسخاء وعشت سليما موفورا وكنت كواحد من عرض الناس . وأنت لم تنفق الحرائب ~~وتبذل المصون إلا وأنت راغب في الذكر والشكر وإلا لتخزن الأجر . ~~PageV01P171 فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء نرضى لك من الغنيمة ~~بالإياب ومن غنم الحمد والشكر بالسلامة من الذم واللوم ! فزد في عدد خبزك ~~شيئا فإن بتلك الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكرا وذلك الذم حمدا . ~~أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالما لا لك ولا عليك ~~فانظر في هذا الأمر رحمك الله ! قال : يا أبا عثمان أنت تخطئ وخطأ العاقل ~~أبدا يكون عظيما وإن كان في العذر قليلا لأنه إذا أخطأ أخطأ بتفقه وإحكام . ~~فعلى قدر التفكر والتكلف يبعد من الرشاد ويذهب عن سبيل الصواب . وما أشك ~~أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك . ولكن خف ما خوفتك وإنه مخوف ! بل الذي أصنع ~~أدل على سخاء النفس بالمأكول وأدل على الاحتيال ليبالغوا لأن الخبر إذا كثر ~~على الموائد ورث ذلك النفس صدودا ولأن كل شيء من المأكول وغير المأكول إذا ~~ملأ العين ملا الصدر . وفي ذلك موت الشهوة وتسكين الحركة ! PageV01P172 ولو ~~أن رجلا جلس ms063 على بيدر تمر فائق وعلى كدس كمثرى منعوت وعلى مائة قنو موز ~~موصوف لم يكن أكله إلا قدر استطرافه ولم يكن أكله إلا على قدر أكله إذا أتي ~~بذلك في طبق نظيف مع خادم نظيف عليه منديل نظيف . وبعد فأصحابنا آنسون ~~واثقون مسترسلون يعلمون أن الطعام لهم اتخذ وأن أكلهم له أوفق من تمزيق ~~الخدم والأتباع له . ولو احتاجوا لدعوا به ولم يحتشموا منه ولكان الأقل ~~منهم أن يجربوا ذلك المرة والمرتين وألا يقضوا علينا بالبخل دون أن يروه . ~~فإن كانوا محتشمين وقد بسطناهم وساء ظنهم بنا مع ما يرون من الكلفة لهم ~~فهؤلاء أصحاب تجن وتسرع . وليس في طاقتي إعتاب المتجني ولا رد المتسرع . ~~PageV01P173 قلت له : إني قد رأيت أكلهم في منازلهم وعند إخوانهم وفي حالات ~~كثيرة ومواضع مختلفة . ورأيت أكلهم عندك فرأيت شيئا متفاوتا وأمرا متفاقما ~~. فاحسب أن البخل عليهم غالب وان الضعف لهم شامل وأن سوء الظن يسرع إليهم ~~خاصة . ثم لا تداوي هذا الأمر بما لا مؤنة فيه وبالشيء الذي لا قدر له أو ~~تدع دعاءهم والإرسال إليهم والحرص على إجابتهم . والقوم ليس يلقون أنفسهم ~~عليك . وإنما يجيئونك بالاستحباب منك . فإن أحببت أن تمتحن ما قال : فإن ~~الخبز إذا كثر على الخوان فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من التلطخ والتغمير . ~~والجردقة الغمرة والرقاقة المتلطخة لا أقدر أن أنظر إليها . وأستحيي أيضا ~~من إعادتها . فيذهب ذلك الفضل باطلا . والله لا يحب الباطل ! PageV01P174 ~~قلت : فإن ناسا يأمرون بمسحه ويجعلون الثريدة منه . فلو أخذت بزيهم وسلكت ~~سبيلهم أتى ذلك لك على ما تريد ونريد . قال : أفلست أعلم كيف الثريد ومن أي ~~شيء هي - وكيف أمنع نفسي التوهم وأحول بينها وبين التذكير ولعل القوم ~~الحواري المتلطخ مقام الخشكار النظيف . وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما ~~تعلق به الدسم . قال : عيالي - يرحمك الله ! - عيالان : واحد أعظمه عن هذا ~~وأرفعه عنه وى خر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواري ! قلت : فاجعل إذا جميع ~~خبزك الخشكار فإن فضل ما بينه وبين الحواري ms064 في الحسن والطيب لا يقوم بفضل ~~ما بين الحمد والذم . PageV01P175 قال : فهاهنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها ~~: وهو أنا نحضر هذه الزيادة من الخبز على طبق ويكون قريبا حيث تناله اليد ~~فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى أن يدعو به ويكون قربه من يده قلت : فالمانع ~~من طلبه هو المانع من تحويله . فأطعني وأخرج هذه الزيادة من مالك كيف شئت . ~~واعلم أن هذه المقايسة وطول هذه المذاكرة أضر علينا مما نهيتك عنه وأردتك ~~على خلافه . فلما حضر وقت الغداء صوت بغلامه - وكان ضخما جهير الصوت صاحب ~~تقعير وتفخيم وتشديق وهمز وجزم : يا مبشر ! هات من الخبز تمام عدد الرءوس ! ~~PageV01P176 قلت : ومن فرض لهم هذه الفريضة ومن جزم عليهم هذا الجزم أرأيت ~~إن لم يشبع أحدهم رغيفه أليس لا بد له من أن يعول على رغيف صاحبه أو يتنحى ~~وعليه بقية أو يعلق يده منتظرا للعادة فقد عاد الأمر وبطل ما تناظرنا فيه . ~~قال : لا أعلم إلا ترك الطعام البتة أهون علينا من هذه الخصومة ! قلت : هذا ~~ما لا شك فيه . وقد علمت عندي بالصواب وأخذت لنفسك بالثقة إن وفيت بهذا ~~القول . وكان أكثر ما يقول : يا غلام هات شيئا من قليلة وأقل منها وأعد لنا ~~ماء باردا وأكثر منه ! وكان يقول : قد تغير كل شيء من أمر الدنيا وحال عن ~~أمره وتبدل حتى المؤاكلة . قاتل الله رجالا كنا نؤاكلهم : ما رأيت قصعة قط ~~رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل ! PageV01P177 وكانوا يعلمون أن إحضار ~~الجدي إنما هو شيء من آيين الموائد الرفعية وإنما جعل كالعاقبة والخاتمة ~~وكالعلامة للبسر والفراغ وأنه لم يحضر للتمزيق والتخريب وأن أهله لو أرادوا ~~به السوء لقدموه قبل كل شيء لتقع الحدة به . بل ما أكل منه إذا جيء به إلا ~~العابث وإلا الذي لو لم يره لقد كان يرفع يده ولم ينتظر غيره ! ولذلك قال ~~أبو الحارث جمين حين رآه لا يمس : هذا المدفوع عنه ! ولولا أنه على ذلك ~~شاهد الناس لما قال ما ms065 قال . ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة ويدعها كل ~~واحد منهم لصاحبه حتى إن القصعة لقد كنت وإن البيض خاصة لعلي حاله . وأنت ~~اليوم إذا أردت أن تمتع عينك بنظرة واحدة منها ومن بيض السلاءة لم تقدر على ~~ذلك ! لا جرم لقد كان تركه ناس كثير ما بهم إلا أن يكونوا شركاء من ساءت ~~رعته . PageV01P178 وكان يقول : الآدام أعداء للخبز وأعداها له المالح . ~~فلولا أن الله انتقم منه وأعان عليه بطلب صاحبه الماء وإكثاره منه لظننت ~~أنه سيأتي على الحرث والنسل ! وكان مع هذا يقول : لو شرب الناس الماء على ~~الطعام ما اتخموا . وأقلهم عليه شربا أكثرهم عنه تخما . وذلك أن الرجل لا ~~يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء . وربما كان شبعان وهو لا يدري . فإذا ~~ازداد على مقدار الحاجة بشم . وإذا نال من الماء شيئا بعد شيء عرفه ذلك ~~مقدار الحاجات فلم يزد إلا بقدر المصلحة . والأطباء يعلمون ما أقول حقا . ~~ولكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي لتعطلوا ولذهب المكسب ! وما حاجة ~~الناس إلى المعالجين إذا صحت أبدانهم وفي قول جميع الناس : إن ماء دجلة ~~أمرأ من الفرات وإن ماء مهران أمرأ من ماء نهر بلخ وفي قول العرب : هذا ماء ~~نمير يصلح عليه المال دليل على أن الماء يمرئ PageV01P179 حتى قالوا : إن ~~الماء الذي يكون عليه النفاطات أمرأ من الماء الذي يكون عليه القيارات . ~~فعليكم بشرب الماء على الغداء فإن ذلك أمرأ . وكان يقول : ما بال الرجل إذا ~~قال : يا غلام أسقني ماء أو أسق فلانا ماء أتاه بقلة على قدر الري فإذا قال ~~: أطعمني شيئا أو قال : هات لفلان طعاما أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة ~~والطعام والشراب أخوان متحالفان ومتآزران وكان يقول : لولا رخص الماء وغلاء ~~الخبز لما كلبوا على الخبز وزهدوا في الماء . والناس أشد شيء تعظيما ~~للمأكول إذا كثر ثمنه أو كان قليلا في أصل منبته وموضع عنصره . هذا الجزر ~~الصافي وهذا الباقلى الأخضر العباسي أطيب من كمثرى خراسان ومن الموز ms066 ~~البستاني ! ولكنهم لقصر همتهم لا يتشهون إلا على قدر الثمن ولا يحنون إلى ~~الشيء إلا على PageV01P180 قدر القلة . وهذه العوام في شهوات الأطعمة إنما ~~تذهب مع التقليد أو مع العادة أو على قدر ما يعظم وأنا لست أطعم الجزر ~~المسلوق بالخل والزيت والمري دون الكمأة بالزبد والفلفل لمكان الرخص أو ~~لموضع الاستفضال ولكن لمكان طيبه في الحقيقة ولأنه مالح الطبيعة علم ذلك من ~~علم وجهل ذلك من جهل ! وكان في منزله فربما دخل عليه الصديق له وقد كان ~~تقدمه الزائر أو الزائران - وكان يستعمل على خوانه من الخدع والمكايد ~~والتدبير ما لم يبلغ بعضه قيس بن زهير والمهلب PageV01P181 ابن أبي صفرة ~~وخازم بن أبي خزيمة وهرثمة بن أعين . وكان عنده فيه من الاحتيال ما لا ~~يعرفه عمرو بن العاص ولا المغيرة بن شعبة . وكان كثيرا ما يمسك الخلال بيده ~~ليؤيس الداخل عليه من غدائه ! - فإذا دخل عليه الصديق له وقد عزم على إطعام ~~الزائر والزائرين قبله وضاق صدره بالثالث وإن كان قد دعاه وطلب إليه - أراد ~~أن يحتال له أو الرابع إن ابتلي كل واحد منهما بصاحبه . فيقول عند أول ~~دخوله وخلع نعله وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع : هات يا مبشر لفلان ~~شيئا يطعم منه ! هات له شيئا ينال منه ! هات له شيئا ! اتكالا ! على خجله ~~أو غضبه أو أنفته وطمعا في أن يقول : قد فعلت ! PageV01P182 فإن أخطأ ذلك ~~الشقي وضعف قلبه وحصر وقال : قد فعلت وعلم أنه قد أحرزه وحصله وألقاه وراء ~~ظهره لم يرض أيضا بذلك حتى يقول : بأي شيء تغذيت فلا بد له من أن يكذب أو ~~ينتحل المعاريض . فإذا استوثق منه رباطا وتركه لا يستطيع أن يترمرم لم يرض ~~بذلك حتى قول في حديث له : كنا عند فلان فدخل عليه فلان فدعاه إلى غدائه ~~فامتنع . ثم بدا له فقال : في طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها ثم تناول فلا ~~يزال في وثاقه وفي سد الأبواب عليه وفي منعه البدوات . حتى إذا بلغ الغاية ~~قال : يا مبشر أما إذ ms067 تغدى فلان واكتفى فهات لنا شيئا نبعث به فإذا وضعوا ~~الطعام أقبل على أشهدهم حياء أو على أكلا فسأله عن حديث حسن أو عن خبر طويل ~~! ولا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه إلى الإشارة باليد أو الرأس ! كل ذلك ~~ليشغله ! PageV01P183 فإذا هم أكلوا صدرا أظهر الفتور والتشاغل والتنقر ~~كالشعبان الممتلئ وهو في ذلك غير رافع يده ولا قاطع أكله ! إنما هو النتف ~~بعد النتف وتعليق اليد في خلل ذلك فلا بد من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده . ~~وربما شمل ذلك جماعتهم . فإذا علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم حتى يقلعهم من ~~مواضعهم من حوال الخوان ويعيدهم إلى مواضع من مجالسهم وقال : إنما الأكل ~~تارات والشرب تارات . وكان كثيرا ما يقول لأصحابه إذا بكروا عليه : لم لا ~~نشرب أقداحا على الريق فإنها تقتل الديدان وتحفش لأنفسنا قليلا فإنها تأتي ~~على جمبع الفضول وتشتهي الطعام بعد ساعة PageV01P184 وسكره أطيب من سكر ~~الكظة . والشراب على المليلة بلاء . وهو بعد ذلك دليل على أن نبيذي خالص . ~~ومن لم يشرب على الريق فهو نكس في الفتوة ودعى في أصحاب النبيذ ! وإنما ~~يخاف على كبده من سورة الشراب على الريق من بعد عهده باللحم . وهذه الصبحة ~~تغسل عنكم الأوضار وتنفي التخم . وليس دواء الخمار إلا الشرب بالكبار . ~~والأعشى كان أعلم به حيث يقول : وكأس شريت على لذة وأخرى تداويت منها بها ~~PageV01P185 وهذا - حفظك الله - هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة ~~واحدة ولا يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة ! وهو يوم سروره التام لأنه ~~قد ربح المرزئة وتمتع بالمنادمة ! واشترى مرة شبوطة وهو ببغداد وأخذها ~~فائقة عظيمة . وغالى بها وارتفع في ثمنها . وكان قد بعد عهده بأكل السمك ~~وهو بصري لا يصبر عنه . فكان قد أكبر أمر هذه السمكة لكثرة ثمنها ولسمنها ~~وعظمها ولشدة شهوته لها ! فحين ظن عند نفسه أنه قد خلا بها وتفرد بأطايبها ~~وحسر عن ذراعيه وصمد صمدها هجمت عليه ومعي السدري ! فلما رآه رأى الموت ~~الأحمر والطاعون الجارف ورأى ms068 الحتم المقضي ورأى قاصمة الظهر وأيقن بالشر ~~وعلم أنه قد ابتلي بالتنين ! فلم يلبثه السدري حتى قور السرة بالمبال ! ~~PageV01P186 فاقبل علي فقال لي : يا أبا عثمان السدري يعجبه السرر ! فما ~~فصلت الكلمة من فيه حتى قبض على القفا فانتزع الجانبين جميعا ! فأقبل علي ~~فقال : والسدري يعجبه الأقفاء ! فما فرغ من كلامه إلا والسدري قد اجترف ~~المتن كله ! فقال : يا أبا عثمان والسدري يعجبه المتون ! ولم يظن أن السدري ~~يعرف فضيلة ذنب الشبوط وعذوبة لحمه . وظن أنه سيسلم له . وظن معرفة ذلك من ~~الغامض . فلم يدر إلا والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعا ! ولولا أن ~~السدري أبطره وأثقله وأكمده وملأ صدره وملاه غيظا لقد كان أدرك معه طرفا ~~لأنه كان من الأكلة . ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه . فلما أكل ~~السدري جميع أطايبها وبقي هو في النظارة ولم يبق في يده مما كان يأمله في ~~تلك السمكة إلا الغيظ الشديد والغرم الثقيل ظن أن في سائر السمكة ما يشبعه ~~ويشفي من كرمه . فبذلك كان عزاؤه . وذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه وحشاشات ~~نفسه ! PageV01P187 فتولد الغيظ في جوفه وأقلقته الرعدة فخبثت نفسه . فما ~~زال يقئ ويسلح ! ثم ركبته الحمى ! وصحت توبته وثم عزمه في ألا يؤاكل رغيبا ~~أبدا ولا زهيدا ولا يشتري سمكة أبدا رخيصة ولا غالية وإن أهدوها إليه ألا ~~يقبلها وإن وجدها مطروحة لا يمسها . فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي ~~المؤمل . وقد مات . عفا الله عنا وعنه ! PageV01P188 # | 1 ( قصة أسد بن جاني ) 1 # فأما أسد بن جاني فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشر لأن البراغيث ~~تزلق عن ليط القصب لفرط لينه وملاسته . وكان إذا دخل الصيف وحر عليه بيته ~~أثاره حتى يغرق المسحاة . ثم يصب عليه جرارا كثيرة من ماء البئر . ويتوطؤه ~~حتى يستوي . فلا يزال ذلك البيت باردا ما دام نديا . PageV02P003 فإذا امتد ~~به الندى ودام برده بدوامه اكتفى بذلك التبريد صيفته . وإن جف قبل انقضاء ~~الصيف وعاد عليه الحر عاد عليه ms069 بالإثارة والصب . وكان يقول : خيشتي أرض ~~وماء خيشتي من بئري وبيتي أبرد ومؤنتي أخف . وأنا أفضلهم أيضا بفضل الحكمة ~~وجودة الآلة . وكان طبيبا فأكسد مرة فقال له قائل : السنة وبئة والأمراض ~~فاشية وأنت عالم ولك صبر وخدمة ولك بيان ومعرفة . فمن أين تؤتى في هذا ~~الكساد قال : أما واحدة فإني عندهم مسلم وقد اعتقد القوم قبل أن أتطيب لا ~~بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب ! واسمي أسد وكان ينبغي أن ~~يكون اسمي صليبا ومرايل ويوحنا وبيرا وكنيتي أبو الحارث وكان ينبغي أن تكون ~~أبو عيسى PageV02P004 وأبو زكريا وأبو إبراهيم . وعلى رداء قطن أبيض وكان ~~ينبغي أنت يكون رداء حرير أسود . ولفظي لفظ عربي وكان ينبغي أن تكون لغتي ~~لغة أهل جنديسابور . قال الخليل السلولي : أقبل علي يوما الثوري وكان يملك ~~خمسمائة جريب ما بين كرسي الصدقة إلى نهر مرة . ولا يشتري إلا كل غرة وكل ~~أرض مشهورة بكريم التربة وشرف الموضع والغلة الكثيرة . قال : فأقبل علي ~~يوما فقال لي : هل اصطبغت بماء الزيتون قط قال : قلت : لا والله لو فعلته ~~ما نسيته ! قال : قلت : أجل إني والله لو فعلته لما نسيته ! وكان يقول ~~لعياله : لا تلقوا نوى التمر والرطب وتعودوا ابتلاعه وخذوا حلوقكم بتسويغه ~~فإن النوى يعقد الشحم في البطن ويدفئ الكليتين بذلك الشحم ! واعتبروا ~~PageV02P005 ذلك ببطون الصفايا وجميع ما يعتلف النوى ! والله لو حملتم ~~أنفسكم على البزر والنوى وعى قضم الشعير واعتلاف القت لوجدتموها سريعة ~~القبول ! وقد يأكل الناس القت قداحا والشعير فريكا ونوى البسر الأخضر ونوى ~~العجوة . فإنما بقيت الآن عليكم عقبة واحدة : لو رغبتم في الدفإلا لتمستم ~~الشحم . وكيف لا تطلبون شيئا يغنيكم عن دخان الوقود وعن شناعة العكر وعن ~~ثقل الغرم والشحم يفرح القلب ويبيض الوجه . والنار تسود الوجه . أنا أقدر ~~أن أبتلع النوى وأعلفه النساء . ولكني أقول ذلك بالنظر مني لكم . ~~PageV02P006 وكان يقول : كلوا الباقلي بقشوره فإن الباقلي يقول : من أكلني ~~بقشوري فقد أكلني ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي أكله ms070 ! فما حاجتكم إلى أن ~~تصيروا طعاما لطعامكم وأكلا لما جعل أكلا لكم وكان يعين مالا عظيما . ولم ~~يكن له وارث . فكان يسخر ببعضهم فيقول عند الإشهاد : قد علمتم أن لا وارث ~~لي . فإذا مت فهذا المال لفلان ! فكان قوم كثير يحرصون على مبايعته لهذا . ~~وقد رأيته أنا زمانا من الدهر ما رأيته قط إلا ونعله في يده أو يمشي طول ~~نهاره في نعل مقطوعة العقب شديدة على صاحبها ! قال : فهو ذا المجوس يرتعون ~~البصرة وبغداد وفارس والأهواز والدنيا كلها بنعال سندية . PageV02P007 فقيل ~~له : إن المجوسي لا يستحل في دينه المشركة فأنت لا تجده أبدا إلا حافيا أو ~~لابسا نعلا سندية . وأنت مسلم ومالك كثير . قال : فمن كان ماله كثيرا فلابد ~~له من أن يفتح كيسه للنفقات وللسراق قالوا : فليس هاتين منزلة قال الخليل : ~~جلس الثوري إلى حلقة المصلحين في المسجد . فسمع رجلا من مياسيرهم يقول : ~~بطنوا كل شيء لكم فإنه أبقى . ولأمر جعل الله دار الآخرة باقية ودار الدنيا ~~فانية . ثم قال : ربما رأيت المبطنة الواحدة تقطع أربعة أقمصة والعمامة ~~الواحدة تقطع أربعة أزر ليس ذلك إلا لتعاون الطي وترافد الأثناء . فبطنوا ~~البواري وبطنوا الحصر وبطنوا البسط وبطنوا الغداء بشربة باردة ! ل فقال ~~الثوري : لم افهم مما قلت إلا هذا الحرف وحده ! PageV02P008 قال الخليل : ~~حم الثوري وحم عياله وخادمه فلم يقدروا مع شدة الحمى على أكل الخبز . فربح ~~كيلة تلك الأيام من الدقيق ففرح بذلك وقال : لو كان منزلي سوق الأهواز أو ~~نطاة خيبر أو وادي الجحفة لرجوت أن أستفضل كل سنة مائة دينار ! وكان يقول : ~~أول الإصلاح - وهو من الواجب - خصف النعل واستجادة الطراق وتشحيمها في كل ~~الأيام وعقد ذؤابة الشراك من زي النساك لكيلا يطأ عليه إنسان PageV02P009 ~~فيقطعه . ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسخت وغسلها من ~~اتساخها بعد القلب . واجعلها حبرة فإنها مما له مرجوع ! ومن ذلك اتخاذ قميص ~~الصيف جبة في الشتاء واتخاذ الشاة اللبون إذا كان عندك حمار . واتخاذ ~~الحمار الجامع خير من غلة ms071 ألف دينار : لأنه لرحلك وبه يدرك البعيد من ~~حوائجك وعليه يطحن فتستفضل عليه ما يربحه عليك الطحان . وينقل عليه حوائجه ~~وحوائجك حتى الحطب . ويستقي عليه الماء . وهذه كلها مؤن إذا اجتمعت كانت في ~~السنة مالا كثيرا ثم قال : أشهد إن الرفق يمن وإن الخرق شؤم . واشتريت ~~ملاءة مذارية فلبستها ما شاء الله رداء وملحفة . ثم احتجت إلى طيلسان ~~فقطعتها - يعلم الله ! - فلبسته ما شاء الله . ثم احتجت إلى جبة فجعلته - ~~يعلم الله ! - PageV02P010 ظهار جبة محشوة فلبستها ما شاء الله . ثم أخرجت ~~ما كان فيها من الصحيح فجعلته مخاد وجعلت قطنها للقناديل . ثم جعلت ما دون ~~خرق المخاد للقلائس . ثم عمدت إلى أصح ما بقي فبعته من أصحاب الصينيات ~~والصلاحيات . وجعلت السقاطات وما قد صار وقد رأيته وسمعت منه في البخل ~~كلاما كثيرا . وكان من البصريين ينزل في بغداد مسجد ابن رغبان . ولم أر ~~شيخا ذا ثروة اجتمع عنده وإليه من البخلاء ما اجتمع له : منهم إسماعيل بن ~~غزوان وجعفر بن سعيد وخاقان بن صبيح وأبو يعقوب الأعور وعبد الله العروضي ~~والحزامي عبد الله بن كاسب . PageV02P011 وأبو عبد الرحمن هذا شديد البخل ~~شديد العارضة عضب اللسان . وكان يحتج للبخل ويوصي به ويدعو إليه . وما علمت ~~أن أحدا جرد في ذلك كتابا إلا سهل بن هارون . وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي ~~قال لابنه : أبي بني إن إنفاق القراريط يفتح عليك أبواب الدوانيق وإنفاق ~~الدوانيق يفتح عليك أبواب الدراهم وإنفاق الدراهم يفتح عليك أبواب الدنانير ~~. والعشرات تفتح عليك أبواب المئين والمئون تفتح عليك أبواب الألوف حتى ~~يأتي ذلك على الفرع والأصل ويطمس على العين والأثر ويحتمل القليل والكثير ! ~~أي بني إنما صار تأويل الدرهم : دار لهم وتأويل الدينار : يدني إلى النار ~~الدرهم إذا خرج إلى غير خلف وإلى غير بدل دار لهم على دوانق مخرجة . وقيل : ~~إن الدينار يدني إلى النار لأنه إذا أنفقته في غير خلف وأخرج إلى غير دل ~~بقيت مخفقا PageV02P012 معدما وققيرا مبلطا . فيخرج الخارج وتدعو الضرورة ~~إلى المكاسب ms072 الردية والطعم الخبيثة . والخبيث من الكسب يسقط وهذا تأويل ~~الذي تأوله للدرهم والدينار ليس له إنما هذا شيء كان يتكلم به عبد الأعلى ~~إذا قيل له : لم سمي الكلب قليطا قال : لأنه قل ولطى ! وإذا قيل له : لم ~~سمي الكلب سلوقيا قال : لأنه يستل ويلقي ! وإذا قيل له : لم سمي العصفور ~~عصفورا قال : لأنه عصى وفر ! PageV02P013 وعبد الأعلى هذا هو الذي كان يقول ~~في قصصه : الفقير . مرفقته سلبة وجردقته فلقة وسمكته سلته في طيب له كثير . ~~وبعض المفسرين يزعم أن نوحا النبي عليه السلام إنما سمي نوحا لأنه كان ينوح ~~على نفسه وأن آدم سمي آدم لأنه حذي من أديم الأرض - وقالوا : كان لونه في ~~أدمته لون الأرض - وأن المسيح سمي المسيح لأنه مسح بدهن البركة . وقال ~~بعضهم : لأنه كان لا يقيم في البلد الواحد . وكان كأنه ماسح يمسح الأرض . ~~ثم رجع الحديث إلى أعاجيب أبي عبد الرحمن : وكان أبو عبد الرحمن : وكان أبو ~~الرحمن يعجب بالرءوس ويحمدها ويصفها . وكان لا يأكل اللحم إلا يوم أضحي ~~PageV02P014 أو من بقية أضحيته أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة . وكان سمى ~~الرأس عرسا لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة . وكان يسميه مرة الجامع ومرة ~~الكامل . وكان يقول : الرأس شيء واحد . وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة . ~~وكل قدر وكل شواه فإنما هو شيء واحد . والرأس فيه الدماغ فطعم الدماغ على ~~حدة . وفيه العينان وطعمهما شيء على حدة . وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ~~ومؤخر العين وطعمها على حدة . على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ ونعم من ~~الزبد وأدسم من السلاء . وفي الرأس اللسان وطعمه شيء على حدة . وفيه ~~الخيشوم والغضروف الذي في الخيشوم وطعمهما شيء على حدة . وفيه لحم الخدين ~~وطعمه شيء على حدة - حتى يقسم أسقاطه الباقية . PageV02P015 ويقول : الرأس ~~سيد البدن : وفيه الدماغ وهو معدن العقل ومنه يتفرق العصب الذي فيه الحس ~~وبه قوام البدن . وإنما القلب باب العقل - كما أن النفس هي المدركة والعين ~~هي باب الألوان ms073 والنفس هي السامعة الذائقة وإنما الأنف والأذن بابان . ~~ولولا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه . وفي الرأس الحواس ~~الخمس . وكان ينشد قول الشاعر : وكان يقول : الناس لم يقولوا : هذا رأس ~~الأمر وفلان رأس الكتيبة وهو رأس القوم وهم رؤوس الناس وخراطيمهم وأنفهم ~~ويستقوا من الرأس الرياسة والرئيس - وقد رأس القوم فلان - إلا والرأس هو ~~المثل وهو المقدم . وكان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف وإلى الجبين ~~فوضعه بقرب بيوت النمل PageV02P016 والذر . فإذا اجتمعت فيه أخذه فنفضه في ~~طست فيها ماء . فلا يزال يعيد ذلك في تلك المواضع حتى يقلع أصل النمل والذر ~~من داره . فإذا فرغ من ذلك ألقاه في الحطب ليوقد به سائر الحطب . وكان إذا ~~كان يوم الرءوس أقعد ابنه معه على الخوان . إلا أن ذلك بعد تشرط طويل وبعد ~~أن يقف به على ما يريد ! وكان فيما يقول له : إياك ونهم الصبيان وشره ~~الزراع وأخلاق النوائح . ودع عنك خبط الملاحين والفعلة ونهش الأعراب ~~والمهنة . وكل ما بين يديك فإنما حقك الذي وقع لك وصار أقرب إليك . ~~PageV02P017 وأعلم أنه إذا كان في الطعام شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهية ~~فإنما ذلك للشيخ المعظم والصبي المدلل . ولست واحدا منهما . فأنت قد تأتي ~~الدعوات والولائم وتدخل منازل الإخوان وعهدك باللحم قريب وإخوانك أشد قرما ~~إليه منك . وإنما هو رأس واحد . فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضا . ~~وأنا بعد أكره لك الموالاة بين اللحم فإن الله يبغض أهل البيت اللحمين . ~~وكان يقول : إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر . وكان يقول : ~~مدمن اللحم كمدمن الخمر . PageV02P018 وقال الشيخ ورأى رجلا يأكل اللحم ~~فقال : لحم يأكل لحما ! أف لهذا عملا ! وذكر هرم بن قطبة اللحم فقال : وإنه ~~ليقتل السباع . وقال المهلب : لحم وارد على غير قاوم هذا الموت الأحمر . ~~وقال الأول : أهلك الرجال الأحمران : اللحم والخمر وأهلك النساء الأحمران : ~~الذهب والزعفران . أي بني عود نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة . ولا ~~تنهش نهش الأفاعي ولا ms074 تخضم PageV02P019 خضم البراذين ولا تدم الأكل إدامة ~~النعاج ولا تلقم لقم الجمال قال أبو ذر لمن بذل من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : يخضمون ونقضم والموعد الله . إن الله قد فضلك . فجعلك ~~إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا . واحذر سرعة الكظة وسرف البطنة . وقد ~~قال بعض الحكماء : إذا كنت بطينا فعد نفسك في الزمني . واعلم أن الشبع ~~داعية البشم وأن البشم داعية السقم وأن السقم داعية الموت . ومن مات هذه ~~الميتة فقد مات ميتة لئيمة . وهو قاتل نفسه وقاتل نفسه ألوم من قاتل غيره . ~~PageV02P020 وأعجب إن أردت العجب ! وقد قال الله جل ذكره : { ولا تقتلوا ~~أنفسكم } . - وسواء قتلنا أنفسنا أو قتل بعضنا بعضا كان ذلك للآية تأويلا . ~~أي بني إن القاتل والمقتول في النار . ولو سألت حذاق الأطباء لأخبروك أن ~~عامة أهل القبور إنما ماتوا بالتخم . واعرف خطأ من قال : أكلة وموتة ! وخذ ~~بقول من قال : رب أكلة تمنع أكلات . وقد قال الحسن : يا بن آدم كل في ثلث ~~بطنك واشرب في ثلث بطنك ودع الثلث للتفكر والتنفس . وقال بكر بن عبد الله ~~المزني : ما وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص بالكظة وحتى لم ألبس من ~~ثيابي ما يستخدمني وحتى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه . يا بني والله ما ~~أدى حق الركوع ولا وظيفة السجود ذو كظة ولا خشع الله ذو بطنة . والصوم مصحة ~~والوجبات عيش الصالحين . PageV02P021 ثم قال : لأمر ما طالت أعمار الهند ~~وصحت أبدان الأعراب . لله در الحارث ابن كلدة حين زعم أن الدواء هو الأزم ~~وأن الداء هو إدخال الطعام في أثر الطعام ! أي بني لم صفت أذهان العرب ولم ~~صدقت أحساس العرب ولم صححت أبدان الرهبان مع طول الإقامة في الصوامع وحتى ~~لم تعرف النقرس ولا وجع المفاصل ولا الأورام إلا لقلة الرزق من الطعام وخفة ~~الزاد والتبلغ باليسير . أي بني إن نسيم الدنيا وروح الحياة أفضل من أن ~~تبيت كظيظا وأن تكون لقصر العمر حليفا . وكيف لا ترغب في ms075 تدبير يجمع لك صحة ~~البدن وذكاء الذهن وصلاح المعى وكثرة المال والقرب من عيش الملائكة ~~PageV02P022 أي بني لم صار الضب أطول شيء عمرا إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم ~~ولم زعم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصوم وجاء إلا ليجعل الجوع حجازا ~~دون الشهوات . افهم تأدب الله فإنه لم يقصد به إلا مثلك . أي بني قد بلغت ~~تسعين عاما ما نقص لي سن ولا تحرك لي عظم ولا انتشر لي عصب ولا عرف دنين ~~أذن ولا سيلان عين ولا سلس بول ! ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد . فإن ~~كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة وإن كنت تحب الموت فلا يبعد الله إلا من ~~ظلم . هذه كانت وصيته في يوم الرءوس وحده ! فلم يكن لعياله إلا التقمم ومص ~~العظم ! PageV02P023 وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر لمكان زيادة ~~الدماغ . وكان لا يشتري إلا راس فتي لوفارة الدماغ لأن دماغ الفتي أوفر ~~ويكون مخه أنقص ومخ المسن أوفر ودماغه أنقص . وتزعم الأعراب والعرب أن ~~النطفة إذا وقعت في الرحم في أول الهلال خرج الولد قويا ضخما وإذا كان في ~~المحاق خرج ضئيلا شختا . وأنشد قول الشاعر : لقحت في الهلال عن قبل الطه ر ~~وقد لاح للصباح بشير PageV02P024 ثم نمى ولم ترضع فلوا ورضاع المحج عيب ~~كبير وكان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رءاسي بغداد إلا من ~~رءاسي مسجد ابن رغبان . وكان لا يشتريه إلا يوم سبت . واختلط عليه الأمر ~~قيما بين الشتاء والصيف . فكان مرة يشتريه في هذا الزمان ومرة يشتريه في ~~هذا الزمان . وأما زهده في رءوس مسجد ابن رغبان فإن البصريين يختارون لحم ~~الماعز الخصي على الضأن كله . ورءوس الضأن أشحم وألحم وأرخص رخصا وأطيب . ~~ورأس التيس أكثر لحما من رأس الخصي لأن الخصي من الماعز يعرق جلده ويقل لحم ~~رأسه . ولا يبلغ جلده وإن كان ماعزا في الثمن عشر ما يبلغ جلد التيس . ولا ~~يكون رأسه إلا دونا . ولذلك تخطاه إلى غيره . PageV02P025 وأما اختياره ms076 ~~شراء الرءوس يوم السبت فإن القصابين يذبحون يوم الجمعة أكثر فتكثر الرءوس ~~يوم السبت على قدر الفضل فيما يذبحون ولأن العوام والتجار والصناع لا ~~يقومون إلى أكل الرءوس يوم السبت مع قرب عهدهم بأكل اللحم يوم الجمعة ولأن ~~عامتهم قد بقيت عنده فضلة فهي تمنعه من الشهوة ولأن الناس لا يكادون يجمعون ~~على خوان واحد بين الرءوس واللحم . وأما اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين ~~الشتاء والصيف فوجه ذلك أن العلل كانت تتصور له وتعرض له الدواعي على قدر ~~قرمه وحركة شهوته صيفا وافق ذلك أم شتاء . فإن اشتراه في الصيف فلأن اللحم ~~في الصيف ارخص . والرءوس تابعة للحم ولأن الناس في الشتاء لها آكل وهم لها ~~في القيظ أترك . فكان يختار الرخص على حسن الموقع . فإذا قويت دواعيها في ~~الشتاء قال : راس واحد شتوي كرأسين صيفيين ! PageV02P026 لأن المعلوفة غير ~~الراعية . وما أكل الكسب في الحبس موثقا غير ما أكل الحشيش في الصحراء ~~مطلقا . وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء مع صحته وبدنه وفي شك من ~~استبقائه في الصيف . ولنقصان شهوات الناس للرءوس في الصيف كان يخاف جريرة ~~تلك البقية وجناية تلك الفضلة وكان يقول : إن أكلتها بعد الشبع لم آمن ~~العطب وإن تركتها لهم في الصيف ولم يعرفوا العلة طلبوا ذلك مني في الشتاء . ~~حثني المكي قال : كنت يوما عند العنبري إذ جاءت جارية أمه ومعها كوز فارغ . ~~فقالت : قالت أمك : بلغني أن عندك مزملة ويومنا يوم حار . فابعث إلي بشربة ~~منها في هذا الكوز . قال : كذبت ! أمي اعقل من أن تبعث بكوز فارغ ونرده ~~ملآن ! اذهبي فاملئيه من ماء حبكم وفرغيه في حبنا . ثم املئيه من ماء ~~مزملتنا حتى يعود شيء بشيء ! PageV02P027 قال المكي : فإذا هو يريد أن تدفع ~~جوهرا بجوهر وعرضا بعرض حتى لا تربح أمه إلا صرف ما بين العرضين الذي هو ~~البرد والحر . فأما عدد الجواهر والأعراض فمثلا بمثل . وقال المكي : دخلت ~~عليه يوما وإذا عنده جلة تمر وإذا ظئره جالسة قبالته ms077 . فلما أكل تمرة رمى ~~بنواتها إليها فأخذتها فمصتها ساعة ثم عزلتها . فقلت للمكي : أكان يدع على ~~النواة من جسم التمر شيئا قال : والله لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن ~~مصتها فصاح بها صيحة لو كانت قتلت قتيلا ما كان عنده أكثر من ذلك ! وما ~~كانت إلا في أن تناول الأعراض وتسلم إليه الجوهر . وكانت تأخذ حلاوة النواة ~~وتودعها ندوة الريق . PageV02P028 قال الخليل : كان أبو قطبة يستغل ثلاثة ~~آلاف دينار . وكان من البخل يؤخر تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد وسيل ~~المثاعب ليكتري رجلا واحدا فقط يخرج ما فيها ويصبه في الطريق فيجترفه السيل ~~ويؤديه إلى القناة ! وكان بين موضع بئره والصب قدر مائتي ذراع . فكان لمكان ~~زيادة درهمين يحتمل الانتظار شهرا أو شهرين وإن هو جرى في الطريق وأوذي به ~~الناس ! وقال : ونظر يوما إلى الكساحين وهو معنا جالس في رجال من قريش وهم ~~يخرجون ما في بالوعته ويرمون به في الطريق وسيل المثاعب يحتمله فقال : أليس ~~البط والجداء والدجاج والفراخ والدراج وخبز الشعير والصحناء والكراث ~~والجواف جميعا يصير إلى ما ترون فلم يغالي بشيء بصير هو والرخيص في معنى ~~واحد قال : وهم ثلاثة إخوة : أبو قطبة والطيل وبابي من ولد عتاب بن أسيد - ~~واحد منهم PageV02P029 كان يحتج عن حمزة ويقول : استشهد قبل أن يحج . ~~والآخر كان يضحي عن أبي بكر وعمر ويقول : أخطأ السنة في ترك الضحية . وكان ~~الآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق ويقول : غلطت - رحمها الله - في صومها ~~أيام العيد . فمن صام عن أبيه وأمه فأنا أفطر عن عائشة . حدثتني امرأة تعرف ~~الأمور قالت : كان في الحي مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي . فلما رأين ~~أن أهل المأتم قد أقمن المناحة اعتزلن وتحدثن . فبينا هن في حديثهن إذ ذكرن ~~بر الأبناء بالأمهات وإنفاقهم عليهن . وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها ابنها ~~. فقالت واحدة منهن وأم فيلويه ساكتة - وكانت امرأة صالحة وابنها يظهر ~~النسك ويدين بالبخل وله حانوت في مقبرة بني حصين يبيع فيها الأسقاط . - ~~قالت ms078 : فأقبلت على أم فيلويه قلت لها : ما لك لا تحدثين معنا عن ابنك كما ~~يتحدثن وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه قالت : كان يجري علي في كل أضحى ~~درهما ! فقالت : PageV02P030 وقد قطعه أيضا ! قالت : ما كان يجري علي إلا ~~ذاك . ولقد ربما أدخل أضحى ! فقالت : فقلت : يا أم فيلويه وكيف يدخل أضحى ~~في أضحى قد يقول الناس : إن فلانا أدخل شهرا في شهر ويوما في يوم . فأما ~~أضحى في أضحى فهذا لا يشركه فيه أحد ! قصة تمام بن جعفر كان تمام بن جعفر ~~بخيلا على الطعام مفرط البخل . وكان يقبل على كل من أكل خبزه بكل علة ~~ويطالبه بكل طائلة وحتى ربما استخرج عليه أنه لابن جلاد الدم . وكان إن قال ~~له نديم له : ما في الأرض أحد أمشي مني ولا على ظهرها أحد أقوى على الحضر ~~مني ! قال : وما يمنعك من ذلك وأنت تأكل أكل عشرة وهل يحمل الرجل إلا البطن ~~لا حمد الله من يحمدك ! فإن قال : لا والله إن أقدر أن أمشي لأني أضعف ~~الخلق عنه وإني لأنبهر من مشى PageV02P031 ثلاثين خطوة ! قال : وكيف تمشي ~~وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمالا ! وهل ينطلق الناس إلا مع خفة الأكل ~~وأي بطين بقدر على الحركة وإن الكظيظ ليعجز عن الركوع والسجود فإن شكا ضرسه ~~وقال : ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه قال : عجبت كيف اشتكيت واحدا وكيف ~~لم تشتك الجميع ! وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكة ! وأي ضرس يقوى على ~~الدرس والطحن ! والله إن الأرحاء السورية لتكل وإن الميجان الغليظ ليتعبه ~~الدق ! ولقد استبطأت لك هذه العلة ! ارفق فإن الرفق يمن ولا تخرق بنفسك فإن ~~الخرق شؤم ! وإن قال : لا والله إن اشتكيت ضرسا لي قط ولا تجلجل لي سن عن ~~موضعه منذ عرفت نفسي قال : يا مجنون ! لأن كثرة المضغ تشد العمور وتقوي ~~الأسنان وتدبغ PageV02P032 اللثة وتغدو أصولها . وإعفاء الأضراس من المضغ ~~يريحها . وإنما الفم جزء من الإنسان . وكما الإنسان نفسه إذا تحرك وعمل قوى ms079 ~~وإذا طال سكونه تفتخ واسترخى فكذلك الأضراس . ولكن رفقا ! فإن الإتعاب ينقص ~~القوة . ولكل شيء مقدار ونهاية . فهذا ضرسك لا تشتكيه بطنك أيضا لا تشتكيه ~~فإن قال : والله إن أروى من الماء . وما أظن أن في الدنيا أحدا أشرب مني ~~للماء قال : لابد للتراب من ماء ولابد للطين من ماء يبله ويرو . أوليست ~~الحاجة على قدر كثرته وقلته والله لو شربت ماء الفرات ما استكثرته لك مع ما ~~أرى من شدة أكلك وعظم لقمتك ! تدري ما قد تصنع أنت والله تلعب ! أنت لست ~~ترى نفسك ! فسل عنك من يصدقك حتى تعلم أن ماء فإن قال : ما شربت اليوم ماء ~~البتة وما شربت أمس بمقدار نصف رطل وما في الأرض إنسان أقل شربا مني للماء ~~قال : لأنك لا تدع لشرب الماء موضعا ! PageV02P033 ولأنك تكنز في جوفك كنزا ~~لا يجد الماء معه مدخلا ! والعجب لا تتخم لأن من لا يشرب الماء على الخوان ~~لا يدري مقدار ما أكل ومن جاوز مقدار الكفاية كان حريا بالتخمة . فإن قال : ~~ما أنام الليل كله وقد أهلكني الأرق قال : وتدعك الكظة والنفخة والقرقرة أن ~~تنام والله لو لم يكن إلا العطش الذي ينبه الناس لما نمت . ومن شرب كثيرا ~~بال كثيرا . ومن كان الليل كله بين شرب وبول كيف يأخذه النوم فإن قال : ما ~~هو إلا أن أضع رأسي فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح قال : ذلك لأن الطعام ~~يسكن ويخدر ويحير ويبل الدماغ ويبل العروق ويسترخي عليه جميع البدن . ولو ~~كان في الحق لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار ! فإن قال : أصبحت وأنا لا ~~أشتهي شيئا قال : إياك أن تأكل قليلا ولا كثيرا فإن أكل القليل على غير ~~شهوة أضر من الكثير مع الشهوة . قال الخوان : ويل لي ممن قال : لا أريد ! ~~وبعد وكيف تشتهي الطعام اليوم وأنت قد أكلت بالأمس طعام عشرة ! وكان كثيرا ~~ما يقول لندمائه : إياكم والأكل على الخمار فإن دواء الخمار الشراب . ~~PageV02P034 الخمار تخمة . والمتخم إذا أكل مات لا محالة . وإياكم ms080 والإكثار ~~في عقب الحجامة والفصد والحمام . وعليكم بالتخفيف في الصيف كله . واجتنبوا ~~اللحم خاصة . وكان يقول : ليس يفسد الناس إلا الناس : هذا الذي يتكلم ~~بالكلام البارد وبالطرف المستنكرة لو لم يصب من يضحك له وبعض من يشكره ~~ويتضاحك له - أوليس هو عنده إلا أن يظهر العجب له - لما تكلف النوادر . ألا ~~أهلك قول الناس للأكول النهم وللرغيب الشره : فلان حسن الأكل ! هو الذي ~~أهلكه وزاد في رغبته حتى جعل ذلك صناعة وحتى ربما أكل - لمكان قولهم ~~وتقريبهم وتعجبهم - ما لا يطيقه فيقتل . فلا يزال قد هجم على قوم فأكل ~~زادهم وتركهم بلا زاد ! فلو قالوا بدل قولهم : فلان حسن الأكل : فلان أقبح ~~الناس أكلا كان ذلك صلاحا لفريقين . PageV02P035 ولا يزال البخيل على ~~الطعام قد دعا الرغيب البطن واتخذ له الطعام الطيب لفي عن نفسه المقالة ~~وليكذب عن نفسه تلك الظنون . ولو كان شدة الضرس يعد في المناقب ويمدح صاحبه ~~في المجالس لكان الأنبياء آكل الخلق ولخصهم الله - جل ذكره - من الرغب بما ~~لم يعطه أحدا من العالمين . وكيف وفي مأثور الحديث : ( إن المؤمن يأكل في ~~معي واحد وإن المنافق يأكل في سبعة أمعاء ) . أولسنا قد نراهم يشتمون ~~بالنهم وبالرغب وبكثرة الأكل ويمدحون بالزهادة وبقلة الطعام أوليس قد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : من أدله على الحسناء القتين وقد ساب رجل أيوب ~~ابن سليمان بن عبد الملك فقال في بعض ما يسبه : ماتت أمك بغرا وأبوك بشما ! ~~PageV02P036 وبعد فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه فقال : أنا ابن آكل ~~العرب بل قد رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يتمدحون بكثرة الشرب كما يتمدحون ~~بقلة الرزق . ولذلك قالت العرب : قال الشاعر : تكفيه فلذة كبد إن ألم بها ~~من الشواء ويروي شربه الغمر وقال : لا يتأرى لما في القدر يطلبه ولا تراه ~~أمام القوم يقتفر وقال : لا يغمز الساق من أين ولا وصم ولا يعض على شرسوفه ~~الصفر والصفر هي حيات البطون إنما تكون من الفضول والتخم ومن الفساد والبشم ~~. وشرب مرة نبيذ ms081 وغناه المغنى فشق قميصه من الطرب . فقال لمولى له له يقال ~~له المحلول وهو إلى جنبه : شق أيضا أنت - ويلك - قميصك ! - والمحلول هذا من ~~الآيات - PageV02P037 قال : لا والله لا أشقه وليس لي غيره . قال : فشقه ~~وأنا أكسوك غدا . قال : فأنا أشقه غدا . قال : أنا ما أصنع فلم أسمع بإنسان ~~يقايس ويناظر في الوقت الذي إنما يشق فيه القميص من غلبة الطرب غيره وغير ~~مولاه محلول . دخل على الأعمى على يوسف بن كل خير وقد تغدى . فقال : يا ~~جارية هاتي لأبي الحسن غداء . قالت : لم يبق عندنا شيء . قال : هاتي - ويلك ~~! - ما كان فليس من أبي الحسن حشمة ! ولم يشك على أنه سيؤتي برغيف ملطخ ~~وبرقاقة ملطخة وبسكر وبقية مرق وبعرق وبفضلة شواء وببقايا ما يفضل في ~~الجامات والسكرجات . فجاءت بطبق ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل لا شيء غيره . ~~فلما وضعوا الخوان بين يديه فأجال يده فيه وهو أعمى فلم يقع إلا على ذلك ~~الرغيف PageV02P038 وقد علم أن قوله : ليس منه حشمة لا يكون إلا مع القليل ~~. فلم يظن أن الأمربلغ ذلك . فلما لم يجد غيره قال : ويلكم ! ولأكل هذا ~~بمره رفعتم الحشمة كلها والكلام لم يقع إلا على هذا حدثني محمد بن حسان ~~الأسود قال : أخبرني زكريا القطان قال : كان للغزال قطعة أرض قدام حانوتي ~~فأكرى نصفها من سماك يسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء . قال : وكان ~~الغزال أعجوبة في البخل . وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه . فكان أكثر ~~دهره يأكله بلا أدم . فإذا أعيا عليه الأمر أخذ من ساكنه جوافة بحبة وأثبت ~~عليها فلسا في حسابه ! فإذا أراد أن يتغدى أخذ الجوافة فمسحها على وجه ~~الرغيف ثم عض عليه ! وربما فتح بطن الجوافة فيطر جنبيها وبطنها باللقمة بعد ~~اللقمة ! فإذا خاف أن ينهكها ذلك وينضم PageV02P039 بطنها طلب من ذلك ~~السماك شيئا من ملح السمك فحشا جوفها لينفخها وليوهم أن هذا هو ملحها الذي ~~ملحت به ! ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أنفها وأخذ من طرف الأرنبة ms082 ما يسيغ ~~به لقمته ! وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخر لقمة ليطيب فمه بها ! ثم يضعها ~~في ناحية . فإذا اشترى من امرأة غزلا أدخل تلك الجوافة في ثمن الغزل من ~~طريق إدخال العروض وحسبها عليها بفلس فيسترجع رأس المال ويفضل الأدم . وروى ~~أصحابنا عن عبد الله بن المقفع قال : كان ابن جذام الشيء يجلس إلي . وكان ~~ربما انصرف معي إلى المنزل فيتغذى معنا ويقيم إلى أن يبرد . وكنت أعرفه ~~بشدة البخل وكثرة المال . فألح علي في الاستزارة وصممت عليه في الامتناع . ~~فقال : جعلت فداك ! أنت تظن أني ممن يتكلف وأنت تشفق علي ! لا والله ! إن ~~هي إلا كسيرات يابسة وملح وماء الحب ! فظننت أنه يريد اختلابي بتهوين ~~PageV02P040 الأمر عليه . وقلت : إن هذا كقول الرجل : يا غلام أطعمنا كسرة ~~وأطعم السائل خمس تمرات . ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه . وما أظن أن ~~أحدا يدعو مثلي إلى الحربية من الباطنة ثم يأتيه بكسرات وملح . فلما صرت ~~عنده وقربه إلي إذ وقف سائل بالباب فقال : أطعمونا مما تأكلون أطعمكم الله ~~من طعام الجنة ! قال : بورك فيك ! فأعاد الكلام فأعاد عليه مثل ذلك القول . ~~فأعاد عليه السائل فقال : اذهب - ويلك ! - فقد ردوا عليك . فقال السائل : ~~سبحان الله ! ما رأيت كاليوم أحدا يرد من لقمة والطعام بين يديه ! قال : ~~اذهب - ويلك ! - وإلا خرجت إليك والله فدققت ساقيه ! فقلت للسائل : اذهب ~~وأرح نفسك فإنك لو تعرف من صدق وعبده مثل الذي أعرف لما وقفت طرفة عين بعد ~~رده إياك ! وكان أبو يعقوب الذقنان يقول : ما فاتني اللحم منذ ملكت المال . ~~وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم واشترى بصلا بدانق وباذنجانا ~~بدانق PageV02P041 وقرعة بدانق . فإذا كان أيام الجزر فجزر بدانق ! وطبخه ~~كله سكباجا . فأكل وعياله يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر وما ينقطع في ~~القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم . فإذا كان يوم ~~السبت ثردوا خبزهم في المرق . فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل . فإذا كان ~~يوم الاثنين أكلوا الجزر ms083 . فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع . فإذا كان ~~يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان . فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم . فلهذا ~~كان يقول : ما فاتني اللحم منذ ملكت المال ! قال أصحابنا : نزلنا بناس من ~~أهل الجزيرة وإذا هم في بلاد باردة وإذا حطبهم شر حطب وإذا الأرض كلها غابة ~~واحدة طرفاء . فقلنا : ما في الأرض أكرم من الطرفاء . قالوا : هو كريم ومن ~~كرمه نفر . فقلنا : وما الذي تفرون منه قالوا : دخان الطرفاء يهضم الطعام ~~وعيالنا كثير ! PageV02P042 وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور : منها ~~أن خشكانهم من دقيق شعير وحشوه الذي فيه من الجوز والسكر من دقيق خشكار . ~~وأهل المازج لا يعرفون بالبخل . ولكنهم أسوأ الناس حالا . فتقديرهم على قدر ~~عيشهم . وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر وبين خصب ~~البلاد وعيش أهل الجدب . فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق ~~فليس سبيله سبيل القوم . قال المكي : كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري . ~~سمى بذلك لكثرة ماله . وكان يقربني وأنا صبي إلى أن بلغت . ولم يهب لي مع ~~ذلك التقريب شيئا قط . وكان قد جاوز في ذلك حد البخلاء . فدخلت عليه يوما ~~وإذا قدامه قطع دار صيني لا تسوى قيراطا . فلما نال حاجته منها مددت يدي ~~لآخذ منها قطعة . فلما نظر إلي قبضت يدي ! فقال : لا تنقبض PageV02P043 ~~وانبسط واسترسل . وليحسن ظنك فإن حالك عندي على ما تحب ! فخذه كله فهو لك ~~بزوبره وبحذافيره ! وهو لك جميعا ! نفسي بذلك سخية ! والله أعلم أني مسرور ~~بما وصل إليك من الخير ! فتركته بين يديه وقمت من عنده وجعلت وجهي كما أنا ~~إلى العراق ! فما رأيته وما رآني حتى مات . وقال المكي : سمعني سليمان وأنا ~~أنشد شعر امرئ القيس : لنا غنم نسوقها غزار كأن قرون جلتها العصي فتملأ ~~بيتنا أقطا وسمنا وحسبك من غنى شبع وروي قال : لو كان الذي قال ليحيى بن ~~خالد حين نقب في أبي قبيس وزاد في داره : عمدت إلى شيخ الجبال فزعزعته ~~وثلمت فيه . PageV02P044 وقال ms084 حين عوتب في قلة الضحك وشدة القطوب : إن الذي ~~يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون من البذل إذا ضحك وطابت نفسه ! ~~صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلا . فلما صرت قرب منزله - وكان منزله ~~أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي - سألني أن أبيت عنده . وقال : أين تذهب في ~~هذا المطر والبرد ومنزلي منزلك وأنت في ظلمة وليس معك نار وعندي لبا لم ير ~~الناس مثله وتمر ناهيك به جودة لا تصلح إلا له ! فملت معه فأبطأ ساعة . ثم ~~جاءني بجام لبإ وطبق تمر . فلما مددت قال : يا أبا عثمان إنه لبإ وغلظه ! ~~وهو الليل وركوده ! ثم ليلة مطر ورطوبة وأنت رجل قد طعنت في السن . ولم تزل ~~تشكو من الفالج طرفا . وما زال الغليل يسرع إليك . وأنت في الأصل لست بصاحب ~~عشاء ! PageV02P045 فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ كنت لا آكلا ولا تاركا وحرشت ~~طباعك . ثم قطعت الأكل أشهى ما كان إليك . وإن بالغت بتنا في ليلة سوء من ~~الاهتمام بأمرك ولم نعد لك نبيذا ولا عسلا . وإنما قلت هذا الكلام لئلا ~~تقول غدا : كان وكان ! والله وقد وقعت بين نابي أسد ! لأني لو لم أجئك به ~~وقد ذكرته لك قلت : بخل به وبدا له فيه . وإن جئت به ولم أحذرك منه ولم ~~أذكرك كل ما عليك فيه قلت : لم يشفق علي ولم ينصح . فقد برئت إليك من ~~الأمرين جميعا . وإن شئت فأكلة وموتة ! وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على ~~سلامة ! فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة . ولقد أكلته جميعا فما هضمه إلا ~~الضحك والنشاط والسرور فيما أظن . ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به لأتى ~~على الضحك أو لقضى علي . ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة ~~الأصحاب . PageV02P046 وقال أبو القماقم : أول الإصلاح ألا يرد ما صار في ~~يدي لك فإن كان ما صار في يدي لي فهو لي وإن لم يكن لي فأنا أحق به ممن ~~صيره في يدي ! ومن أخرج من ms085 يده شيئا إلى يد غيره من غير ضرورة فقد أباحه ~~لمن صيره إليه ! وتعريفك إياه مثل إباحته . وقالت له امرأة : ويحك يا أبا ~~القماقم ! إني قد تزوجت زوجا نهاريا والساعة وقته . وليست على هيئته . ~~فاشتر لي بهذا الرغيف أسا وبهذا الفلس دهنا فإنك تؤجر ! فعسى الله أن يلقي ~~محبتي في قلبه فيرزقني على يدك شيئا أعيش به فقد والله ساءت حالي وبلغ ~~المجهود مني - فأخذهما وجعله وجهه ! فرأته بعد أيام فقالت : سبحان الله ! ~~أما رحمتني مما صنعت بي ! قال : ويحك ! سقط والله مني الفلس فمن الغم أكلت ~~الرغيف ! وتعشق واحدة فلم يزل يتبعها ويبكي بين يديها حتى رحمته . وكانت ~~مكثرة وكان مقلا . فاستهداها هريسة وقال : أنتم أحذق بها ! فلما كان بعد ~~أيام تشهى عليها رءوسا . فلما كان PageV02P047 بعد قليل طلب منها حيسة . ~~فلما كان بعد ذلك تشهى عليها طفيشلية . قالت المرأة : رأيت عشق الناس يكون ~~في القلب وفي الكبد وفي الأحشاء . وعشقك أنت ليس يجاوز معدتك ! وقال أبو ~~الأصبغ : ألح أبو القماقم على قوم عند الخطبة إليهم يسأل عن مال امرأة ~~ويحصيه ويسأل عنه . فقالوا : قد أخبرناك بما لها فأنت أي شيء مالك قال : ~~وما سؤالكم عن مالي الذي لها يكفيني ويكفيها ! سمعت شيخا من مشايخ الأبلة ~~يزعم أن فقراء أهل البصرة أفضل من فقراء أهل الأبلة . قلت : بأي شيء فضلتم ~~قال : هم أشد تعظيما للأغنياء وأعرف بالواجب . ووقع بين رجلين أبليين كلام ~~فأسمع أحدهما صاحبه كلاما غليظا فرد عليه مثل كلامه . فرأيتهم قد أنكروا ~~ذلك إنكارا شديدا ولم أر لذلك سببا . فقلت : لم أنكرتم أن يقول له مثل ما ~~قال قالوا : لأنه أكثر منه مالا . وإذا جوزنا هذا له جوزنا لفقرائنا أن ~~يكافئوا أغنياءنا ففي هذا الفساد كله ! وقال حمدان بن صباح : كيف صار رياح ~~يسمعني ولا أسمعه أفهو أكثر مالا مني ثم PageV02P048 قال : ويكون الزائر من ~~أهل البصرة عند الأبلى مقيما مطمئنا . فإذا جاء المد قالوا : ما رأينا مدا ~~قط ارتفع ارتفاعه . وما أطيب السير في المد ! والسير ms086 في المد إلى البصرة ~~أطيب من السير في الجزر إلى الأبلة ! فلا يزالون به حتى أن من الرأي أن ~~يغتنم ذلك المد بعينه ! كان أحمد الخاركي بخيلا وكان نفاجا . وهذا أغيظ ما ~~يكون . وكان يتخذ لكل جبة أربعة أزرار ليرى الناس أن عليه جبتين ويشتري ~~الأعذاق والعراجين والسعف من الكلاء فإذا جاء الحمال إلى بابه تركه ساعة ~~يوهم الناس أن له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ذلك كله منها . وكان يكتري ~~قدور الخمارين التي تكون للنبيذ ثم يتحرى أعظمها ويهرب من الحمالين بالكراء ~~كي يصيحوا بالباب : يشترون الداذي والسكر ويحبسون الحمالين بالكراء ! وليس ~~في منزله رطل دبس ! PageV02P049 وسمع قول الشاعر : رأيت الخبز عز لديك حتى ~~حسبت الخبز في جو السحاب وما روحتنا عنا ولكن خفت مرزئة الذباب فقال : ولم ~~ذب عنهم لعنه الله ! ما أعلم إلا أنه شهى إليهم الطعام ونظف لهم القصاع ~~وفرغهم له وسخرهم عليه ! ثم ألا تركها تقع في قصاعهم وتسقط على آنافهم ~~وعيونهم ! هو والله أهل لما هو أعظم من هذا ! كم ترون من مرة قد أمرت ~~الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة حتى يتقزز بعضهم ~~ويكفي الله شره ! قال : وأما قوله : رأيت الخبز عز لديك حتى قال : فإن لم ~~أعز هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض وأصل الأقوات وأمير الأغذية فأي شيء ~~أعز إي والله إني أعزه وأعزه وأعزه وأعزه مدى النفس ما حملت عيني الماء . ~~وبلغ من نفجه مع ذلك ما أخبرني به إبراهيم بن هانئ قال : كنت عنده يوما إذ ~~مر به بعض الباعة فصاح الخوخ الخوخ ! فقلت : وقد جاء الخوخ بعد قال : نعم ~~قد جاء وقد أكثرنا منه . فدعاني الغيظ عليه إلى أن دعوت البياع وأقبلت على ~~ابن الخاركي فقلت : ويحك ! نحن لم نسمع به بعد وأنت قد أكثرت منه ! وقد ~~تعلم أن أصحابنا أترف منك ! PageV02P050 ثم أقبلت على البياع فقلت : كيف ~~تبيع الخوخ فقال : ستة بدرهم قلت : أنت ممن يشتري ست خوخات بدرهم وأنت تعلم ~~أنه بياع ms087 بعد أيام مائتين بدرهم ثم تقول : وقد أكثرنا منه وهذا يقول : ستة ~~بدرهم قال : وأي شيء أرخص من ستة أشياء بشيء كان غلام صالح بن عفان يطلب ~~منه لبيت الحمار بالليل . فكان يعطيه كل ليلة ثلاثة أفلس - والفلوس أربعة ~~طسوج - ويقول : طسوج يفضل وحبة تنقص وبينهما يرمي الرامي ! وكان يقول لابنه ~~: تعطي صاحب الحمام وصاحب المعبر لكل واحد منهما طسوجا وهو إذا لم ير معك ~~إلا ثلاثة أفلس لم يردك قال أبو كعب : دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ~~ليفطروا عنده في شهر رمضان . وكنت فيهم . فلما صلينا المغرب ونجز ابن جناح ~~أقبل علينا ثم قال : لا تعجلوا فإن العجلة من الشيطان . وكيف لا تعجلون وقد ~~قال الله جل ذكره : وكان الإنسان عجولا وقال : خلق الإنسان من عجل - اسمعوا ~~ما أقول فإن فيما أقول حسن المؤاكلة والبعد من الأثرة PageV02P051 والعاقبة ~~الرشيدة والسيرة المحمودة . وإذا مد أحدكم يده إلى الماء فاستسقى - وقد ~~أتيتم ببهطة أو بجوذابة أو بعصيدة أو ببعض ما يجري في الحلق ولا يساغ ~~بالماء ولا يحتاج فيه إلى مضغ وهو طعام يد لا طعام يدين وليست على أهل اليد ~~منه مؤنة وهو مما يذهب سريعا - فأمسكوا حتى يفرغ صاحبكم فإنكم تجمعون عليه ~~خصالا : منها أنكم تنغصون عليه بتلك السرعة إذا علم أنه لا يفرغ إلا مع ~~فراغكم . ومنها أنكم تخنقونه ولا يجد بدا من مكافأتكم فلعله أن يتسرع إلى ~~لقمة حارة فيموت وأنتم ترونه . وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم ~~اللقم . ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له : لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق ~~الثريد قال : لأن اللحم ظاعن والثريد مقيم ! قال أبو كعب : فربما نسي بعضنا ~~فمد يده إلى القصعة وقد مد يده صاحبه إلى الماء فيقول له موسى : يدك يا ~~ناسي ! ولولا شيء لقلت لك : يا متغافل ! PageV02P052 قال : وأتانا بارزة . ~~ولو شاء إنسان أن يعد حبها لعده لتفرقه ولقلته . قال : فنثروا عليها ليلة ~~من ذلك مقدار نصف سكرة . فوقعت ليلتئذ في قطعة وكنت ms088 إلى جنبه فسمع صوتها ~~حين مضغتها فضرب يده على جنبي ثم قال : اجرش يا أبا كعب اجرش ! قلت : ويلك ~~! أما تتقي الله ! كيف أجرش جزءا لا يتجزأ . # | 1 ( قصة ابن العقدى ) 1 # كان ابن العقدى ربما استزار أصحابه إلى البستان . وكنت لا أظنه ممن يحتمل ~~قلبه ذلك على حال . فسألت ذات يوم بعض زواره فقلت : احك لي أمرك . قال : ~~وتستر علي قلت : نعم ما دمت بالبصرة . قال : يشتري لنا أرزا بقشره ويحمله ~~معه ليس معه شيء مما خلق الله إلا ذلك الأرز ! فإذا صرنا إلى أرضه كلف ~~أكاره أن يجشه في مجشة له ثم ذراه ثم غربله ثم جش الواش منه . فإذا فرغ من ~~الشراء والحمل ثم من الجش ثم من التذرية ثم من الإدارة والغربلة ثم من جش ~~الواش ثم من تذريته ثم من إدارته وغربلته كلف PageV02P053 الأكار أن يطحنه ~~على ثوره وفي رحاه . فإذا طحنه كلفه أن يغلي له الماء وأن يحتطب له . ثم ~~يكلفه العجن لأنه بالماء الحار أكثر نزلا . ثم كلف الأكار أن يخبزه . وقبل ~~ذلك ما قد كلفهم أن ينصبوا له الشصوص للسمك ويسكروا الدرياجة على صغار ~~السمك لا يدخلوا في السواقي فيدخلوا أيديهم في حجرة الشلابي والرمان . فإن ~~أصبنا من السمك شيئا جعله كبابا على نار الخبز تحت الطابق حتى لا يحتاج من ~~الحطب إلى كثير . فلا نزال منذ غدوة إلى الليل في كد وجوع وانتظار . ثم لا ~~يكون عشاؤنا إلا خبز أرز أسود غير منخول - بالشلابي . ولو قدر على غير ذلك ~~فعل . قلت له : فلم لا يتخذ موضع مذار من بعض دقاق أرضه فيذري لكم الأرز ثم ~~يكون الخيار في يده إن أراد أن يعجل عليكم الطعام أطعمكم الفرد أو إن أحب ~~أن يتأنى ليطعمكم الجوهري . PageV02P054 قال : والله لئن سمع هذا وعرفه ~~ليتكلفه . الله الله فينا فإنا قوم مساكين ! ولو قدرنا على شيء لم نحتمل ~~هذا البلاء ! حدثني المكي قال : بت عند إسماعيل بن غزوان . وإنما بيتني ~~عنده حين علم أني تعشيت عند ms089 مويس وحملت معي قربة نبيذ . فلما مضى من الليل ~~أكثره وركبني النوم جعلت فراشي البساط ومرفقتي يدي وليس في البيت إلا مصلى ~~له ومرفقة ومخدة . فأخذ المخدة فرمى بها إلي فأبيتها ورددتها عليه . وأبى ~~وأبيت . فقال : سبحان الله ! يكون أن تتوسد مرفقك وعندي فضل مخدة فأخذتها ~~فوضعتها تحت خدي فمنعني من النوم إنكاري للموضع ويبس فراشي . وظن أني قد ~~نمت . فجاء قليلا قليلا حتى سل المخدة من تحت رأسي . فلما رأيته قد مضى بها ~~ضحكت وقلت : قد كنت عن هذا غنيا ! قال : إنما جئت لأسوي رأسك ! قلت : إني ~~لم أكلمك حتى وليت بها . قال : كنت لهذا جئت فلما صارت المخدة في يدي نسيت ~~ما جئت له ! والنبيذ - ما علمت - والله يذهب بالحفظ أجمع ! وحدثني الحزامي ~~والمكي والعروضي قالوا : سمعنا إسماعيل يقول : أوليس قد أجمعوا على أن ~~البخلاء في الجملة أعقل من الأسخياء في الجملة ها نحن أولاء عندك جماعة ~~فينا من PageV02P055 يزعم الناس أنه سخي وفينا من يزعم أنه بخيل . فانظر أي ~~الفريقين أعقل هأنذا وسهل بن هارون وخاقان بن صبيح وجعفر بن سعيد والحزامي ~~والعروضي وأبو يعقوب الخريمي فهل معك إلا أبو إسحاق وحدثني المكي قال : قلت ~~لإسماعيل مرة : لم أر أحدا قط أنفق على الناس من ماله فلما احتاج إليهم ~~آسوه . قال : لو كان ما يصنعون لله رضا وللحق موافقا لما جمع الله لهم ~~الغدر واللؤم من أقطار الأرض . ولو كان هذا الإنفاق في حقه لما ابتلاهم ~~الله - جل ذكره - من جميع خلقه . حدثني تمام بن أبي نعيم قال : كان لنا جار ~~وكان له عرس . فجعل طعامه كله فالوذقا . فقيل له : إن المؤنة تعظم قال : ~~أحتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة لعن الله النساء ! ما أشك أن من أطاعهن شر ~~منهن . PageV02P056 وحديث سمعناه على وجه الدهر : زعموا أن رجلا قد بلغ في ~~البخل غايته وصار إماما وأنه كان إذا صار في يده الدرهم خاطبه وناجاه وفداه ~~واستنبطه . وكان مما يقول له : كم من أرض قد قطعت ! وكم من كيس ms090 قد فارقت ! ~~وكم من خامل رفعت ! ومن رفيع قد أخملت ! لك عندي ألا تعرى ولا تضحي ! - ثم ~~يلقيه في كيسه ويقول له : اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا ~~تزعج منه ! - وأنه لم يدخل فيه درهما قط فأخرجه وأن أهله ألحوا عليه في ~~شهوة وأكثروا عليه في إنفاق درهم فدافعهم ما أمكن ذلك . ثم حمل درهما فقط . ~~فبينا هو ذاهب إذ رأى حواء قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه . فقال في ~~نفسه : أتلف شيئا تبذل فيه النفس بأكلة أو شربة والله ما هذا إلا موعظة لي ~~من الله ! فرجع إلى أهله ورد الدرهم إلى كيسه - فكان أهله منه في بلاء . ~~وكانوا يتمون موته والخلاص بالموت أو الحياة . PageV02P057 فلما مات وظنوا ~~أنهم قد استراحوا منه قدم ابنه فاستولى على ماله وداره . ثم قال : ما كان ~~أدم أبى فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام . قالوا : كان يأتدم بجبنة ~~عنده . قال : أرونيها . فإذا فيها حز كالجدول من أثر مسح اللقمة ! قال : ما ~~هذه الحفرة قالوا : كان لا يقطع الجبن وإنما كان يمسح على ظهره فيحفر كما ~~ترى ! قال : فبهذا أهلكني وبهذا أقعدني هذا المقعد ! لو علمت ذلك ما صليت ~~عليه ! قالوا : فأنت كيف تريد أن تصنع قال : أضعها من بعيد فأشير إليها ~~باللقمة ! ولا يعجبني هذا الحرف الأخير لأن الإفراط لا غاية له . وإنما ~~نحكي ما كان في الناس وما يجوز أن يكون فيهم أو حجة أو طريقة . فأما مثل ~~هذا الحرف فليس مما نذكره . وأما سائر حديث هذا الرجل فإنه من البابة . قال ~~ابن جهانة الثقفية : عجبت ممن يمنع النبيذ طالبه لأن النبيذ إنما يطلب ليوم ~~فصد أو يوم حجامة أو يوم زيارة زائر أو يوم أكل سمك طري أو يوم شربة دواء . ~~ولم نر أحدا طلبه وعنده نبيذ ولا ليدخره ويحتكره ولا لبيعه ويعتقد منه . ~~وهو شيء يحسن طلبه وتحسن PageV02P058 هبته ويحسن موقعه . وهو في الأصل كثير ~~رخيص فما وجه منعه ما يمنعه عندي إلا ms091 من لاحظ له في أخلاق الكرام ! وعلى ~~أني لست أوجل - بما أهب منه - على نبيذي النقصان لأني إذا احتجت عن ندمائي ~~بقدر ما أخرجت من نبيذي رجع إلى نبيذي على حاله وكنت قد تحمدت بما لا يضرني ~~فمن ترك التحمد بما لا يضره كان من التحمد بما يضره أبعد . فذكر ابن جهانة ~~ماله من الكرم بهبة نبيذه ولم يذكر ما عليه من اللؤم بحجب ندمائه . قال ~~الأصمعي أو غيره : حمل بعض الناس مدينيا على برذون فأقامه على الارى . ~~فانتبه من نومه فوجده يعتلف . ثم نام فانتبه فوجده يعتلف . فصاح بغلامه : ~~يا بن أم ! بعه وإلا فهبه وإلا فرده وإلا فاذبحه ! أنام ولا ينام ! يذهب ~~بحر مالي ! ما أراد إلا استئصالي ! قال أبو الحسن المدائني : كان بالمدائن ~~تمار وكان بخيلا . وكان غلامه إذا دخل الحانوت يحتال فربما احتبس . فاتهمه ~~بأكل التمر فسأله يوما فأنكر . فدعا بقطنة بيضاء ثم قال : امضغها . فمضغها ~~. فلما أخرجها وجد فيها حلاوة وصفرة قال : هذا دأبك كل يوم وأنا لا أعلم ! ~~أخرج من داري ! PageV02P059 وكان عندنا رجل من بني أسد إذا صعد ابن الأكار ~~إلى نخلة له ليلقط له رطبا ملأ فاه ماء . فسخروا به وقالوا له : إنه يشربه ~~ويأكل شيئا على النخلة . فإذا أراد أن ينزل بآل في يده ثم أمسكه في فيه ! ~~والرطب أهون على أولاد الأكرة وعلى أولاد غير الأكرة من أن يحتمل فيه أحد ~~شطر هذا المكروه ولا بعضه . قال : فكان بعدها يملأ فاه من ماء أصفر أو أحمر ~~أو أخضر لكي لا يقدر على مثله في رءوس النخل ! وحدثني المصري وكان جار ~~الداردريشي وماله لا يحصى . قال : فانتهر سائلا ذات يوم وأنا عنده . ثم وقف ~~عليه آخر فانتهره إلا أن ذلك بغيظ وحنق . قال : فأقبلت عليه فقلت له : ما ~~أبغض إليك السؤال ! قال : أجل عامة من ترى منهم أيسر مني . قال : فقلت : ما ~~أظنك أبغضتهم لهذا . قال : كل هؤلاء لو قدروا على داري لهدموها وعلى حياتي ~~لنزعوها ! أنا لو طاوعتهم فأعطيتهم كما ms092 سألوني كنت قد صرت مثلهم منذ زمان ! ~~فكيف تظن بغضي يكون لمن أرادني على هذا PageV02P060 وكان أخوه شريكه في كل ~~شيء . وكان في البخل مثله . فوضع أخوه في يوم جمعة بين أيدينا ونحن على ~~بابه طبق رطب يساوي بالبصرة دانقين . فينا نحن نأكل إذ جاء أخوه فلم يسلم ~~ولم يتكلم حتى دخل الدار . فأنكرنا ذلك . وكان يفرط في إظهار البشر ويجعل ~~البشر وقاية دون ماله . وكان يعلم أنه إن جمع بين المنع والكبر قتل . قال : ~~ولم نعرف علته ولم يعرفها أخوه . فلما كان الجمعة الأخرى دعا أيضا أخوه ~~بطبق رطب . فبينا نحن نأكل إذ خرج من الدار ولم يسلم ولم يقف . فأنكرنا ذلك ~~ولم ندر أيضا ما قصته . فلما أن كان في الجمعة الثالثة ورأى مثل ذلك كتب ~~إلى أخيه : يا أخي ! كانت الشركة بيني وبينك حين لم يكثر الولد ومع الكثرة ~~يقع الاختلاف . ولست آمن أن يخرج ولدي وولدك إلى مكروه . وها هنا أموال ~~باسمي ولك شطرها وأموال باسمك ولي شطرها وصامت في منزلي وصامت في منزلك لا ~~نعرف فضل بعض ذلك على بعض . وإن طرقنا أمر الله ما ركدت الحرب بين هؤلاء ~~الفتية وطال الصخب بين هؤلاء النسوة . فالرأي أن تتقدم اليوم فيما يحسم ~~منهم هذا السبب . فلما قرأ أخوه كتابه تعاظمه ذلك وهاله وقلب الرأي ظهرا ~~لبطن فلم يزده التقليب إلا جهلا . فجمع ولده وغلظ عليهم وقال : عسى أن يكون ~~أحد منكم قد أخطأ بكلمة واحدة أو يكون هذا البلاء من جرائر النساء . ~~PageV02P061 فلما عرف براءة ساحة القوم تمشى إليه حافيا راجلا فقال : ما ~~يدعوك إلى القسمة والتمييز أدع صلحاء أهل المسجد الساعة حتى أشهدهم بأني ~~وكيل لك في هذه الضياع وحول كل شيء في منزلي إلى منزلك وجرب ذلك مني الساعة ~~. فإن وجدتني أروغ وأعتل فدونك - فحاجتي الآن أن تخبرني بذنبي . قال : مالك ~~من ذنب وما من القسمة من بد . فأقام عنده فلما طال عليه الأمر وبلغ منه ~~الجهد قال له : حدثني عن وضعك أطباق الرطب ms093 وبسطك الحصر في السكك وإحضارك ~~الماء البارد وجمعك الناس على بابي في كل جمعة ! كأنك ظننت أنا كنا عن هذه ~~المكرمة عميا ! إنك إذا أطعمتهم اليم البرني أطعمتهم غدا السكر وبعد غد ~~الهلبات . ثم يصير ذلك أيام الجمع في سائر أيام الأسبوع . ثم يتحول الرطب ~~إلى الغداء ثم يؤدي الغداء إلى العشاء . ثم تصير إلى الكساء ثم الأجداء ~~PageV02P062 ثم الحملان ثم اصطناع الصنائع ! والله إني لأرثي لبيوت الأموال ~~لخراج المملكة من هذا فكيف بمال تاجر جمعه من الحبات والقراريط والدوانيق ~~والأرباع والأنصاف قال : جعلت فداك ! تريد ألا آكل رطبة أبدا فضلا على غير ~~ذلك فلا والله لا كلمتهم أبدا ! قال : إياك أن تخطئ مرتين : مرة في إطماعهم ~~فيك ومرة في اكتساب عداوتهم . أخرج من هذا الأمر على حساب ما دخلت فيه ~~وتسلم تسلم . كان أبو الهذيل أهدى إلى مويس دجاجة . وكانت دجاجته التي ~~أهداها دون ما كان يتخذ لمويس . ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجب من ~~سمنها وطيب لحمها . وكان يعرف بالإمساك الشديد . فقال : وكيف رأيت يا أبا ~~عمران تلك الدجاجة قال : كانت عجبا من العجب ! فيقول : وتدري ما جنسها ~~وتدري ما سنها فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسن . وتدري بأي شيء كنا ~~نسمنها . - فلا يزال في هذا والآخر يضحك ضحكا نعرفه نحن ولا يعرفه أبو ~~الهذيل . وكان أبو الهذيل أسلم الناس صدرا وأوسعهم خلقا وأسهلهمسهولة . فإن ~~ذكروا دجاجة قال : أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة فإن ذكروا بطة أو ~~عناقا أو جزورا PageV02P063 أو بقرة قال : فأين كانت هذه الجزور في الجزر ~~من تلك الدجاجة في الدجاج وإن استسمن أبو الهذيل شيئا من الطير والبهائم ~~قال : لا والله ولا تلك الدجاجة ! وإن ذكروا عذوبة الشحم قال : عذوبة الشحم ~~في البقر والبط وبطون السمك والدجاج ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج . وإن ~~ذكروا ميلاد شيء أو قدوم إنسان قال : كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة وما ~~كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة إلا يوم . وكانت مثلا ms094 في كل ~~شيء وتاريخا في كل شيء ! وأقبل مرة على محمد بن الجهم وأنا وأصحابنا عنده ~~فقال : إني رجل منخرق الكفين لا أليق شيئا . ويدي هذه صناع في الكسب ولكنها ~~في الإنفاق خرقاء ! كم تظن من مائة ألف درهم قسمتها على الإخوان في مجلس ~~أبو عثمان يعلم ذلك ! أسألك بالله يا أبا عثمان هل تعلم ذلك فقلت : يا أبا ~~الهذيل ما نشك فيما تقول - فلم يرض باحتضاري هذا الكلام حتى وكان أبو سعيد ~~المدائني إماما في البخل عندنا بالبصرة . وكان من كبار المغتنين ومياسيرهم ~~. وكان شديد العقل شديد العارضة حاضر الحجة بعيد الروية . PageV02P064 وكنت ~~أتعجب من تفسير أصحابنا لقول العرب في لؤم اللئيم الراضع : قال أصحابنا : ~~كل لئيم بخيل وليس كل بخيل لئيما لأن اسم اللئيم يقع على البخل وعلى قلة ~~الشكر وعلى مهانة النفس وعلى أن له في ذلك عرفا متقدما . قال أبو زيد : هو ~~لئيم وملائم . فاللئيم ما فسرت والملام الذي يقوم بعذر اللئيم . فأما ~~اللئيم الراضع فالذي لا يحلب في الإناء ويرضع الخلف مخافة أن يضيع من اللبن ~~شيء . قال ثوب بن شحمة العنبري في امرأته الهمدانية : وحديث لا مجة التي ~~حدثتني تدع الإناء تشربا للقادم القادمان : الخلفان المقدمان . فلما بلغه ~~ذلك عنها طلقها . فلما طلقها قيل له : إن البخل إنما يعيب الرجال ومتى سمعت ~~بامرأة هجيت في البخل قال : ليس ذلك بي . أخاف أن تلد لي مثلها . قال رافع ~~بن هريم : . . . . . . . . . تحلب قاعدا وتلمج أحيانا وقبعك حاضر ~~PageV02P065 يدعوا الله أن يجعله صاحب شاء ولا يجعله صاحب إبل وأن يرتضع من ~~الخلف وإن كان معه إناء . والعربي يماري على صاحبه فيقول : إن كنت كاذبا ~~فاحتلبت قاعدا : أي أبدلك الله بكرم الإبل لؤم الغنم . فكيف يتعجب من لؤم ~~الراضع وصنع أبو سعيد المدائني أعظم من ذلك اصطبغ من دون خل وهو قائم حتى ~~فني ولم يخرج منه قليلا ولا كثيرا . وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب الغنية ~~والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح . فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الحربية في ms095 كل ~~يوم ليقتضي رجلا هناك خمسة دراهم فضلت عليه وقالوا : هذا خطأ عظيم وتضييع ~~كثير . وإنما الحزم أن يتشدد في غير تضييع . وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه ~~بضروب من البلاء . فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ له والاستفادة منه . ~~قالوا : نراك تصنع شيئا لا نعرفه والخطأ منك أعظم منه من غيرك . قد أشكل ~~علينا هذا الأمر فأخبرنا عنه فقد ضاقت صدورنا به : خبرنا عن مضيك إلى ~~الحربية لتقتضي خمسة دراهم فواحدة : PageV02P066 أنا لا نأمن عليك انتقاض ~~بدنك وقد خلا ما خلا من سنك وأن تعتل فتدع التقاضي الكثير بسبب القليل . ~~وثانية : أنك إن تنصب هذا النصب فلا بد لك من أن تزداد في العشاء إن كنت ~~ممن يتعشى أو تتعشى إن وبعد فإنك تحتاج أن تشق وسط السوق وعليك ثيابك ~~والحمولة تستقبلك . فمن هاهنا نترة ومن هاهنا جذبة فإذا الثوب قد أودى . ~~ومن ذلك أن نعلك تنقب وترق وساق سراويلك تتسخ وتبلى ولعلك أن تعثر في نعلك ~~فتقدها قدا ولعلك أن تهرتها هرتا . وبعد فاقتضاء القليل أدلى بك إلى هذا لو ~~بلغت منه شيئا . وإنك أفضل إلا أنا نحب أنك تجاى عن الأمر بشيء فليس كلنا ~~يثق لك بالصواب في كل شيء . قال أبو سعيد : أما ما ذكرتم من انتفاض البدن ~~فإن الذي أخاف على بدني من الدعة ومن قلة الحركة أكثر . وما رأيت أصح ~~أبدانا من الحمالين والطوافين . والقوم قبلى إن يموتوا لم يكن لهم تلك عادة ~~. أو ليس يقول الناس : والله لفلان أصح من الجلاوزة - يعني اختلاف ~~PageV02P067 الجلاوزة في العدو - . ولربما أقمت في المنزل لبعض الأمر فأكثر ~~الصعود والنزول خوفا من قلة الحركة . وأما التشاغل بالبعيد عن القريب فإني ~~لا أعرض للبعيد حتى أفرغ من القريب . وأما ما ذكرتم من الزيادة في الطعام ~~فقد أيقنت نفسي واطمأن قلبي على أنه ليس لنفسي عندي إلا ما لها وأنها إن ~~حاسبتني أيام النصب حاسبتها أيام الراحة فستعلم حينئذ أين أيام الحربية من ~~أيام ثقيف وأما ما ذكرتم من تلقى الحمولة ms096 ومن مزاحمة أهل السوق ومن النتر ~~والجذب فأنا أقطع عرض وأما ما ذكرتم من شأن النعل والسراويل فإني من لدن ~~خروجي من منزلي إلى أن أقرب من باب صاحبي فإنما نعلي في يدي وسروايلي في ~~كمي ! فإذا صرت إليه لبستهما ! فإذا فصلت من عنده خلعتهما ! فهما في ذلك ~~اليوم أودع أبدانا وأحسن حالا ! بقي الآن لكم مما ذكرتم شيء قالوا : لا . ~~قال : فها هنا واحدة تفي بجميع ما ذكرتم . قالوا : وما هي إذا علم القريب ~~الدار ومن لي عليه ألوف الدنانير شدة مطالبتي للبعيد الدار ومن ليس لي عليه ~~إلا الفلوس أتي بحقي ولم يطمع نفسه في مالي . وهذا تدبير PageV02P068 يجمع ~~لي إلى رجوع مالي طول راحة بدني . ثم أنا بالخيار في ترك الراحة لأني ~~أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت . وأخرى أن هذا القليل لو لم يكن فضلة من ~~كثير وموصلا بدين لي مشهور لجاز أن أتجافى عنه . فأما أن أدع شيئا يطمع في ~~فضول ما يبقي على الغرماء فهذا ما لا يجوز . فقاموا وقالوا بأجمعهم : لا ~~والله لا سألناك عن مشكلة ! حدثني أحمد المكي أخو محمد المكي - وكان متصلا ~~بأبي سعيد - نسيت القنية ونسيت صنعة المال لأعاجيب أبي سعيد وحديثه قال ~~أحمد : قلت له مرة : والله إنك لكثير المال وإنك لتعرف ما نجهل وإن قميصك ~~وسخ فلم لا تأمر بغسله قال : فلو كنت قليل المال وأجهل ما تعرف كيف كان ~~قولك لي إني قد فكرت في هذا منذ ستة أشهر فما وضح لي بعد الأمر فيه . أقول ~~مرة : الثوب إذا اتسخ أكل البدن كما يأكل الصدأ الحديد والثوب إذا ترادفه ~~العرق وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد أكل السلك وأحرق الغزل . هذا مع نتن ريحه ~~وقبح منظره . PageV02P069 وبعد فإني رجل آتي أبواب الغرماء وغلمان غرمائي ~~جبابرة . فما ظنك بهم إذا رأوني في أطمار وسخة وأسمال درنة وحال حداد جبهوا ~~مرة وحجبوا مرة فيرجع ذلك علينا بمضرة . من إصلاح المال أن ينفي عنه كل ما ~~أعان على حبسه مع ما ms097 يدخل من الغيظ ويلقي من كان كذلك من المكروه . فإذا ~~اجتمعت هذه الخواطر هممت نغسلها فإذا همت به عارضني معارض يوهمني أنه أتاني ~~من جهة الحزم ومن قبل العقل فقال : أول ذلك الغرم الذي يكون في الماء ~~والصابون . والجارية إذا ازدادت عناء ازدادت أكلا . والصابون نورة والنورة ~~تأكل الثوب . وإن انحزق لا يزال الثوب على خطر حتى يسلم إلى العصر والدق . ~~ثم إذا ألقي على الرسن فهو بعرض الجذبة والنترة والعلق . ولابد من الجلوس ~~يومئذ في البيت . ومتى جلست في البيت فتحوا علينا أبوابا من النفقة وأبوابا ~~من الشهوات . والثياب لابد لها من دق . فإن نحن دققناها في المنزل ~~PageV02P070 قطعناها . وإن نحن أسلمناها إلى القصار فغرم على غرم . وعلى ~~أنه ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشد . وما جلست في المنزل قط إلا أرجف ~~بي الغرماء وادعوا على الأمراض والأحداث . وفي ذلك لهم فساد والتواء وطمع ~~لم يكن عندهم . فإذا أنا لبستها وقد ابيضت وحسنت وخفت وطابت تبينت عند ذلك ~~وسخ جسدي وكثرة شعري وقد كان بعض ذلك موصولا ببعض فعرفته فاستبان لي ما لم ~~يكن يستبين واكترثت لما لم أكن اكترثت له فيصير ذلك مدعاة إلى دخول الحمام ~~. فإن دخلته فغرم ثقيل مع المخاطرة بالثياب . ولي امرأة جميلة شابة . فإذا ~~رأتني قد أطليت وغسلت رأسي وبيضت ثوبي عارضتني بالتطيب وتلبس أحسن ثيابها ! ~~مع أمور كثيرة نسي بعضها أحمد وبعضها أنا . وكان أبو سعيد هذا مع بخله أشد ~~الناس نفسا وأحماهم أنفا . بلغ من أمره في ذلك ومن بلوغه فيه أنه أتى رجلا ~~من ثقيف يقتضيه ألف دينار وقد حل عليه المال . فكان ربما أطال عنده الجلوس ~~. ويحضر عنده الغداء فيتغدى معه . وهو في ذلك يقتضيه . فلما طال عليه المطل ~~قال له يوما وهو على خوانه : إن لهذا المال زكاة مؤداة وقد علمنا أنا حين ~~أخرجنا هذا المال من أيدينا أنه معرض للذهاب وللمنازعة الطويلة ولأن يقع ~~PageV02P071 في الميراث . ثم رضينا منك بالريح اليسير بالذي ظنناه بك من ~~حسن ms098 القضاء . ولولا ذلك لم نرض بهذا المال . وهذا المال إذا كان شرطه أن ~~يرجع بعد سنة فرفهت عنك بحسن المطالبة شهرا أو شهرين ثم مكث عندي إلى أن ~~أصبت له مثلك شهرا أو شهرين سحق فضله وخرج علينا فضل . ومثلك يكتفي بالقليل ~~. وقد طال اقتضائي وطال تغافلك . يقول هذا الكلام وهو في ذلك لا يقطع الأكل ~~- فأقبل عليه رجل من ثقيف فعرض له بأنه لو أراد التقاضي محضا لكان ذلك في ~~المسجد ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء . فقطع الأكل ثم نزا في ~~وجهه الدم ونظر إليه نظر الجمل الصول ثم كاد يطير ! ثم أقبل عليه فقال : لا ~~أم لك ! أنا إنما اصطبغت من دن خل حتى فني من حسن العقل . وأحببت الغنى ~~بفضل بغضي للفقر وأبغضت الفقر بفضل أنفتي من احتمال الذل . تعرض لي - لا أم ~~لك ! - بأني أرغب في غدائه . والله ما أكلت معه إلا ليستحي من حرمة ~~المؤاكلة وليصير كرمه سببا لتعجيل الحاجة . ثم نهض بالصك وعليه طينته ~~فاعترض بها الحائط حتى كسرها . ثم تفل في الكتاب وحك بعضه ببعض . ثم مزقه ~~ورمى به . ثم قال لكل من شهد المجلس : هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان ~~اشهدوا جميعا أني قد قبضت منه وأنه برئ من كل شيء أطالبه . ثم نهض . ~~PageV02P072 فلما صنع ما صنع أقبل الغريم على صاحبه فقال : ما دعاك إلى هذا ~~الكلام ثم تقول لهذا الرجل على مائدتي ! وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف ~~كيف موقع الأمور منه وبعد فقد والله أردت مطله إلى أن أبيع الثمر ورجونا ~~حلاوته . فقد أحسنت إليه وأسأت إلينا وعجلت عليه ماله . اذهب يا غلام فاضرب ~~بذلك الثمر السوق فيعه بما بلغ ! فأخذ ماله كملا . ثم ركب إليه فأبى أن ~~يأخذه . فلما كثر الأمر في ذلك قال : أظن الذي دعا صاحبك إلى ما قال أنه ~~عربي وأنا مولى . فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال وإن لم تفعل ~~فإني لا آخذه . فجمع الثقفي كل ms099 شعوبي بالبصرة حتى طلبوا إليه حتى أخذ المال ~~. وكان أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار وأمرها أن تجمعها من ~~دور السكان وتلقيها على كساحتهم . فإذا كان في الحين جلس وجاءت الخادم ~~ومعها زبيل فعزلت بين يديه من الكساحة زبيلا ثم فتشت واحدا واحدا . فإن ~~أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلي - فسبيل ذلك معروف . ~~وأما ما وجد فيه من الصوف فكان وجهه PageV02P073 أن يباع - إذا اجتمع - من ~~أصحاب البراذع . وكذلك قطع الأكسية . وما كان من خرق الثياب فمن أصحاب ~~الصينيات والصلاحيات . وما كان من قشور الرمان فمن الصباغين والدباغين . ~~وما كان من القوارير فمن أصحاب الزجاج . وما كان من نوى التمر فمن أصحاب ~~الحشوف . وما كان من نوى الخوخ فمن أصحاب الغرس . وما كان من المسامير وقطع ~~الحديد فللحدادين . وما كان من القراطيس فللطراز . وما كان من الصحف فلرءوس ~~الجرار . وما كان من قطع الخشب فللا كافين . وما كان من قطع العظام فللوقود ~~. وما كان من قطع الخرق فللتنانير الجدد . وما كان من إشكنج فهو مجموع ~~للبناء ثم يحرك ويثار ويخلل حتى يجتمع قماشه . ثم يعزل للتنور . وما كان من ~~قطع القار بيع من القيار . وإذا بقي التراب خالصا وأراد أن يضرب منه ~~PageV02P074 اللبن للبيع وللحاجة إليه لم يتكلف الماء ولكن يأمر جميع من في ~~الدار ألا يتوضئوا ولا يغتسلوا إلا عليه . فإذا ابتل ضربه لبنا ! وكان يقول ~~: من لم يتعرف الاقتصاد تعرفي فلا يتعرض له . وذهب من ساكن له شيء كبعض ما ~~يسرق من البيوت . فقال لهم : اطرحوا الليلة ترابا فعسى أن يندم من أخذه ~~فيلقيه في التراب . ولا ينكر مجيئه إلى ذلك المكان لكثرة من يجيء لذلك . ~~فاتفق أن طرح ذلك الشيء المسروق في التراب - وكانوا يطرحونه على كناسته - ~~فرآه قبل أن يراه المسروق منه . فأخذ منه كراء الكساحة ! فهذا حديث أبي ~~سعيد ! تمشى قوم إلى الأصمعي مع تاجر كان اشترى ثمرته بخسران كان ناله ~~وسأله حسن النظر والحطيطة . فقال الأصمعي : أسمعتم ms100 بالقسمة الضيزى هي والله ~~ما تريدون شيخكم عليه ! اشترى مني على أن يكون الخسران علي والربح له ! هذا ~~وأبيكم تجارة أبي العنبس ! اذهبوا فاشتروا على طعام العراق على هذا الشرط ! ~~على أني والله ما أدري أصادق هو أم كاذب . PageV02P075 وها هنا واحدة وهي ~~لكم دوني ولابد من أن أحتمل لكم إذ لم تحتملوا لي . والله ما مشيتم معه إلا ~~وأنتم توجبون حقه وتوجبون رفده . لو كنت أوجب له مثل ما توجبون لقد كنت ~~أغنيته عنكم . وأنا لا أعرفه ولا يصريني بحق . فهلموا نتوزع هذه الفضلة ~~بيننا بالسوية . هذا أحسن ممن احتمل حقا لا يجب عليه في رضا من يجب ذلك ~~عليه . فقاموا ولم يعودوا . فخرج إليه التاجر من حقه وأيس مما قبله . حدثني ~~جعفر ابن أخت واصل قال : قلت لأبي عيينة : قد أحسن الذي سأل امرأته عن ~~اللحم فقالت : أكله السنور . فوزن السنور ثم قال : هذا اللحم فأين السنور ~~قال : كأنك تعرض بي ! قال : قلت : إنك والله أهل ذلك : شيخ قد قارب المائة ~~وعليه فاضلة وعياله قليل ويعطي الأموال على مذاكرة العلم والعلم لذته ~~وصناعته . ثم يرقي إلى جوف PageV02P076 منزله ! وأنت رجل لك في البستان ~~ورجل في أصحاب الفسيل ورجل في السوق ورجل في الكلاء : تطلب من هذا وقر جص ~~ومن هذا وقر آجر ومن هذا قطعة ساج . ومن هذا هكذا ! ما هذا الحرص وما هذا ~~الكد وما هذا الشغل لو كنت شابا بعيد الأمل كيف كنت تكون ولو كنت مدينا ~~كثير العيال كيف كنت تكون وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار وتمشي حافيا نصف ~~النهار - قال : ثم أجمجم . بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ فألححت في المسألة ~~عنها فقيل لك : أكلها السنور . فرميت بباقي القطعة قدام السنور لتمتحن ~~صدقهم من كذبهم ! فلما لم يأكله غرمتهم ثمن البطيخة كما هي ! قالوا لك : ~~كان الليل . فإن لم تكن التي أكلته من سنانير الجيران PageV02P077 وكان ~~الذي أكله سنورنا هذا فإنك رميت إليه بالقطعة وهو شبعان منه . فأنظرنا ولا ~~تغرمنا نمتحنه في حال غير ms101 هذه . فأبيت إلا إغرامهم ! قال : ويلك ! إني ~~والله ما أصل إلى منعهم من الفساد إلا ببعض . وقد قال زياد في خطبته : إني ~~والله ما أصل منكم إلى أخذ الحق حتى أخوض الباطل إليكم خوضا . وأما ما ~~لمتني عليه اتفاقا فإنما ذهبت إلى قوله : لو أن في يدي فسيلة ثم قيل لي : ~~إن القيامة تقوم الساع لبادرتها فغرستها . وقد قال أبو الدرداء في وجعه ~~الذي مات فيه : زوجوني فإني أكره أن ألقي الله قال مكرز : العجز فراش وطئ ~~لا يستوطئه إلا الفشل الدثور . وقال عبد الله بن وهب : حب الهويني يكسب ~~النصب . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إياكم والراحة فإنها غفلة . ~~وقال : لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما أركب . وقال : تمعددوا ~~واخشوشنوا PageV02P078 واقطعوا الركب واركبوا الخيل نزوا . وقال لعمرو بن ~~معد يكرب حين شكا إليه الحقاء : كذبت عليك الظهائر . وقال : احتفوا فإنكم ~~لا تدرون متى تكو الحفلة . وقال : إن يكن الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة . ~~وقال لسعيد بن حاتم : احذر النعمة كحذرك من المعصية ولهي أخوفهما عليك عندي ~~. وقال : أحذركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل . وقال ~~أكثم بن صيفي : ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا . قالوا : وإن أسمنت وألبنت ~~قال : نعم أكره عادة العجز . أفتراني أدع وصايا الأنبياء وقول الخلفاء ~~وتأديب العرب وآخذ بقولك PageV02P079 وتغدى محمد بن الأشعث عند يحيى بن ~~خالد . فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه وبين السمن وفضل ما بين الأنفاق وزيت ~~الماء . فقال محمد : عندي زيت لم ير الناس مثله . قال يحيى : لا تؤتي منه ~~بشيء فدعا يحيى غلامه . فقال : إذا دخلت الخزانة فانظر الجرة الرابعة عن ~~يمينك إذا دخلت فجئنا منه بشيء . قال يحيى : ما يعجبني السيد يعرف موضع ~~زيته وزيتونه . وقرب خباز أسد بن عبد الله إليه وهو على خراسان شواء قد ~~أنضجه نضجا وكان يعجبه ما رطب من الشواء . فقال لخبازه : أتظن أن صنيعك ~~يخفى علي إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه ولكن تستحلب جميع دسمه فتنتفع ms102 ~~بذلك منه ! فبلغت أخاه فقال : رب جهل خير من علم ! PageV02P080 وكان رجل ~~يغشى طعام الجوهري وكان يتحرى وقته ولا يخطئ . فإذا دخل والقوم يأكلون وحين ~~وضع الخوان قال : لعن الله القدرية ! من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل ~~الطعام وقد كان في اللوح المحفوظ أني سآكله فلما أكثر من ذلك قال له رياح : ~~تعال بالعشي أو بالغداة . فإن وجدت شيئا فالعن القدرية والعن آباءهم ~~وأمهاتهم ! وجاء غلام إلى خالد بن صفوان بطبق خوخ - إما أن يكون هدية وإما ~~أن غلامه جاء به من البستان - فلما وضعه بين يديه قال : لولا أني أعلم أنك ~~قد أكلت منه لأطعمتك واحدة ! وقال رمضان : كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية . ~~وكنت في الذنب وكان في الصدر . فلما جاء وقت الغداء أخرج من سلة له دجاجة ~~وفرخا واحدا مبردا . وأقبل يأكل ويتحدث ولا يعرض علي . وليس في السفينة ~~غيري وغيره ! فرآني أنظر إليه مرة PageV02P081 وإلى ما بين يديه مرة . ~~فتوهم أني أشتهيه واستبطئه . فقال لي : لم تحدق النظر من كان عنده أكل مثلي ~~ومن لك يكن عنده نظر مثلك ! . قال : ثم نظر إلي وأنا أنظر إليه فقال : يا ~~هناه أنا رجل حسن الأكل لا آكل إلا طيب الطعام . وأنا أخاف أن تكون عينك ~~مالحة وعين مثلك سريعة . فاصرف عني وجهك . قال : فوثبت عليه فقبضت على ~~لحيته بيدي اليسرى ثم تناولت الدجاجة بيدي اليمنى . فما زلت أضرب بها رأسه ~~حتى تقطعت في يدي ! ثم تحول إلى مكاني فمسح وجهه ولحيته . ثم أقبل علي فقال ~~: قد أخرتك أن عينك مالحة وأنك ستصيبني بعين ! قلت : وما شبه هذا من العين ~~قال إنما العين مكروه يحدث . فقد أنزلت بنا عينك أعظم المكروه ! فضحكت ضحكا ~~ما ضحكت مثله . وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحا وحتى كأني لم أفرط عليه . ~~هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا وما رأينا بعيوننا . فأما أحاديث ~~الأصمعي وأبي عبيدة وأبي الحسن فإني لم أجد منها ما يصلح لهذا الموضع إلا ~~ما قد كتبته في هذا الكتاب وهي ms103 بضعة عشر حديثا . PageV02P082 قالوا : كان ~~للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي وهو على الكوفة جدي يوضع على ~~مائدته بعد الطعام . ولم يكن أحد يمسه إذ كان هو لا يمسه ! فأقدم عليه ~~أعرابي يوما ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه فلم يرض بأكل لحمه حتى تعرق عظمه . ~~فقال له المغيرة : يا هذا ! تطالب عظام هذا الجدي بذحل هل نطحتك أمه وكان ~~الأصمعي يقول : إنما قال : يا هذا ! تطالب عظام هذا البائس بذحل هل نطحتك ~~أمه . قال : وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق فقال لرجل من الشرط : إن ~~أقدمت على جدي الأمير أسقطت عنك نوبة سنة . فبلغه ذلك فشكاه إلى الحجاج ~~فعزله وولي مكانه زياد بن جديد . فكان أثقل عليه من عبد الرحمن . ولم يقدر ~~على عزله إذ كان من قبل الحجاج . فكان المغيرة إذا خطب قال : يا أهل الكوفة ~~! من بغاكم الغوائل وسعى بكم إلى أميركم فلعنه الله ولعن أمه العوراء ! ~~وكانت أم زياد عوراء . فكان الناس يقولون : ما رأينا تعريضا قط أطيب من ~~تعريضه ! . PageV02P083 قالوا : وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسه ولا يمسه ~~أحد ! فعشي في شهر رمضان قوما فيهم أشعب . فعرض أشعب للجدي من بينهم . فقال ~~زياد : أما لأهل السجن إمام يصلي بهم قالوا : لا . قال : فليصل بهم أشعب . ~~فقال أشعب : أو غير هذا - أصلح الله الأمير - قال : وما هو قال : أحلف ~~بالمحرجات ألا آكل لحم جدي أبدا ! قالوا : دعا عبد الملك بن قيس الذئبي ~~رجلا من أشراف أهل البصرة . وكان عبد الملك بخيلا على الطعام جوادا ~~بالدراهم . فاستصحب الرجل ساكنا . فلما رآه عبد الملك ضاق به ذرعا . فأقبل ~~عليه فقال له : ألف درهم خير لك من احتباسك علينا ! واحتمل غرم ألف درهم ~~ولم يحتمل أكل رغيف ! وتناول أعرابي من بين يدي سليمان بن عبد الملك دجاجة ~~فقال له : يكفيك ما بين يديك وما يليك . قال الأعرابي : ومنها شيء حمى قال ~~: فخذها لا بورك لك فيها ! PageV02P084 قال : وكان معاوية تعجبه القبة . ~~وتغدى معه ذات يوم صعصعة بن ms104 صوحان فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية . قال ~~معاوية : إنك لبعيد النجعة ! قال صعصعة : من أدب انتجع ! وقال : دخل هشام ~~بن عبد الملك حائطا له فيه فاكهة وأشجار وثمار ومعه أصحابه . فجعلوا يأكلون ~~ويدعون بالبركة ! فقال هشام : يا غلام ! اقلع هذا واغرس مكانه الزيتون ! ~~قال : وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي يأكل تمرا هو وأصحابه . ~~فانطفأ السراج . وكانوا يلقون النوى في طست . فسمع صوت نواتين فقال : من ~~هذا الذي يلعب بكعبين وقالوا : باع حويطب بن عبد العزى دارا من معاوية ~~بخمسة وأربعين ألف دينار . فقيل له : أصبحت كثير المال . قال : وما منفعة ~~خمسة وأربعين ألفا مع ستة من العيال PageV02P085 وقالوا : سأل خالد بن ~~صفوان رجل فأعطاه درهما فاستقله السائل فقال : يا أحمق ! إن الدرهم عشر ~~العشرة وإن العشرة عشر المائة وإن المائة عشر الألف وإن الألف عشر العشرة ~~الآلاف . أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية مسلم ! قالوا : كان بلال بن أبي ~~بردة قد خاف الجذام وهو والي البصرة . فوصفوا له الاستنقاع في السمن . وكان ~~يفطر الناس في شهر رمضان . فكانوا يجلسون حلقا وتوضع لهم الموائد . فإذا ~~أقام المؤذن نهض بلال إلى الصلاة ويستحي الآخرون . فإذا قاموا إلى الصلاة ~~جاء الخبازون فرفعوا الطعام ! قال : واحتقن عمر بن يزيد الأسدي بحقنة فيها ~~أدهان . فلما أدهان . فلما حركته بطنه كره أن يأتي الحلاء فتذهب تلك ~~الأدهان . فكان يجلس في الطست ويقول : صفوا هذا فإنه يصلح للسراج ! ~~PageV02P086 قال : وخبرنا جار له قال : رأيته يتخلل من الطعام بخلال واحد ~~شهرا كلما تغدى حذف من وقالوا : كان ذراع الذراع مع خالد بن صفوان . فوضعوا ~~بين يديه دجاجة وبين يديه شيء من زيتون . فجعل يلحظ الدجاجة . فقال : كأنك ~~تهم بها ! قال : ومن يمنعني قال : إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء ! قال : ~~ومد يده أبو الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرة السعدي فقال : إذا أفردت ~~بشيء فلا تعترض لغيره . قالوا : ومات وعليه للدقاق وحده ثمانون ألف درهم ~~لكثرة طعامه ! وقالوا : كان ms105 الحكم بن أيوب الثقفي عاملا للحجاج على البصرة ~~. واستعمل على العرق جرير بن بيهس المازني ولقب جرير العطرق . فخرج الحكم ~~يتنزه وهو باليمامة . فدعا العطرق PageV02P087 إلى غدائه . فكل معه فتناول ~~دراجة كانت بين يديه . فعزله وولي مكانه نويرة المازني . فقال نويرة وهو ~~ابن عم العطرق : قد كان في العرق صيد لو قنعت به فيه غنى لك عن دراجة الحكم ~~وفي عوارض لا تنفك تأكلها لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم ! وفي وطاب مملاة ~~مثممة فيها الصريح الذي يشفي من القرم ولما ولي مكانه نويرة بلغه أنه ابن ~~عم له فعزله . فقال نويرة : ولا ساق سراق العراقة صالح بني ولا كلفت ذنب ~~العطرق وتناول رجل من قدام أمير كان لنا ضخم بيضة فقال : خذها فإنها بيضة ~~العقر . فلم يزل محجوبا حتى مات . PageV02P088 وأتي ضيعة له يتنزه إليها ~~ومعه خمسة رجال من خاصته وقد حملوا معه طعام خمسمائة وثقل عليه أن يأكلوا ~~معه واشتد جوعه فجلس على مشارة بقل . فأقبل ينتزع الفجلة فيطوي جزرتها ~~بعرقها ثم يأكلها من غير أن تغسل من كلب الجوع ويقول لواحد منهم كان أقرب ~~الخمسة إليه مجلسا : لو ذهب هؤلاء الثقلاء لقد أكلنا ! قالوا : وأكل عبد ~~الرحمن بن أبي بكرة على خوان معاوية فرأى لقم عبد الرحمن . فلما كان بالعشي ~~وراح إليه أبو بكرة قال : ما فعل ابنك التلقامة قال : اعتل . قال : مثله لا ~~يعدم العلة ! وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي فرأى له لقما منكرا وهاله ~~ما يصنع . قال له : ما اسمك قال لقمان . قال : صدق أهلك أنت لقمان ! قالوا ~~: وكان له دكان لا يسع إلا مقعده وطبيقا يوضع بين يديه وجعله مرتفعا ولم ~~يجعل له عتبا كي لا يرتقي إليه أحد . قالوا : فكان أعرابي يتحين وقته ~~ويأتيه على فرس PageV02P089 فيصير كأنه معه على الدكان . فأخذ دبة وجعل ~~فيها حصى واتكأ عليها . فإذا رأى الأعرابي قد أقبل أراه كأنه يحول متكأه . ~~فإذا قعقعت الدبة بالحصى نفر الفرس . قالوا : فلم يزل الأعرابي يدينه ~~ويقعقع هو به ms106 حتى نفر منه فصرعه . فكان لا يعود بعد ذلك إليه . # | 1 ( رسالة أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي إلى الثقفي ) ~~1 # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن جلوسك إلى الأصمعي وعجبك بسهل بن ~~هارون واسترجاحك إسماعيل بن غزوان وطعمك على مويس بن عمران وخلطتك بابن ~~مشارك واختلافك إلى ابن التوأم وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه والقيام عليه ~~واصطناعه وإطنابك في وصف النرويج PageV02P090 والتثمير وحسن التعهد ~~والتوفير - دليل على خبئ سوء وشاهد على عيب وإدبار بعد أن كنت تستثقل ذكرهم ~~وتستشنع فعلهم وتتعجب من مذهبهم وتسرف في ذمهم . وليس يلهج بذكر الجمع إلا ~~من قد عزم على الجمع ولا يأنس بالبخلاء إلا المستوحش من وفي تحفظك قول سهل ~~بن هارون : في الاستعداد في حال المهلة وفي الأخذ بالثقة وأن أقبح التفريط ~~ما جاء مع طول المدة وأن الحزم كل الحزم والصواب كل الصواب أن يستظهر على ~~الحدثان وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان ردءا دون صروف الزمان وأنا لا نسب ~~إلى الحكمة حتى نحوط أصل النعمة بأن نجعل دون فضولها جنة - شاهد على عجبك ~~بمذهبه وبرهان على ميلك إلى سبيله . وفي استحسانك رواية الأصمعي في أن أكثر ~~أهل النار النساء والفقراء وأن أكثر أهل الجنة البله والأغنياء وأن أرباب ~~الدثور هم الذين ذهبوا بالأجور - برهان على صحة حكمنا عليك ودليل على صواب ~~رأينا فيك . PageV02P091 وفي تفضيلك كلام ابن غزوان حين قال : تنعمتم ~~بالطعام الطيب وبالثياب الفاخرة وبالشراب الرقيق وبالغناء المطرب وتنعمنا ~~بعز الثروة وبصواب النظر في العاقبة وبكثرة المال والأمن من سوء الحال ومن ~~ذل الرغبة إلى الرجال والعجز عن مصلحة العيال - فتلك لذتكم وهذه لذتنا . ~~وهذا رأينا في التسلم من الذم وذاك رأيهم في التعرض للحمد . وإنما ينتفع ~~بالحمد السليم الفارغ البال ويسر باللذات الصحيح الصادق الحس . فأما الفقير ~~فما والطعام الذي آثرتموه يعود رجيعا والشراب يصير بولا والبناء يعود نقضا ~~. والغناء ريح هابة ومسقط للمروءة وسخافة تفسد ورنة تسير . فلذتكم فيما حوى ~~لكم الفقر ms107 ونقض المروءة ولذتنا فيما حوى لنا الغنى وبنى المروءة . فنحن في ~~بناء وأنتم في هدم ونحن في إبرام وأنتم في نقض ونحن في التماس العز الدائم ~~مع فوت بعض اللذة وأنتم في التعرض للذل الدائم مع فوت كل مروءة . وقد فهمنا ~~معنى حكايتك وما لهجت به من روايتك . والدليل على انتقاض طباعك وإدباز أمرك ~~استحسانك ضد ما كنت تستحسن وعشقك لما لم تزل تمقت . فبعدا وسحقا ! ولا يبعد ~~الله إلا من ظلم ! PageV02P092 والشاعر أبصر بكم حيث يقول : فإن سمعت بهلك ~~للبخيل فقل : بعدا وسحقا له من هالك مودى ! تراثه جنة للوارثين إذا أودى ~~وجثمانه للتراب والدود وقال آخر : تبلى محاسن وجهه في قبره والمال بين عدوه ~~مقسوم والحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك وكيلا في مالك وأجيرا لوارثك . ~~وهل تزيد حال من أنفق جميع ماله ورأى المكروه في عياله وظهر فقره وشمت به ~~عدوه على أكثر من انصراف المؤنسين عنه وعلى بغض عياله وعلى خشونة الملبس ~~وخشونة المأكل وهذا كله مجتمع في مسك البخيل ومصبوب على هامة الشحيح ومعجل ~~للئيم وملازم للمنوع ألا إن المنفق قد ربح المحمدة وتمتع بالنعمة ولم يعطل ~~المقدرة ووفى كل خصلة من هذه حقها ووفر عليها نصيبها والممسك معذب بحصر ~~نفسه وبالكد لغيره مع لزوم الحجة وسقوط الهمة والتعرض للذم والإهانة ومع ~~تحكيم المرة السوداء في نفسه وتسلطيها على عرضه وتمكينها من عيشه وسرور ~~قلبه . PageV02P093 ولقد سرى إليك عرق ولقد دخل أعراقك جور ولقد عمل فيها ~~قادح ولقد غالها غول وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف ولا من شيم أعرقت ~~فيها قريش . ولقد عرض إقراف ولقد أفسدتك هجنة . ولقد قال معاوية : من لم ~~يكن من بني عبد المطلب جوادا فهو دخيل ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو ~~لزيق ومن لم يكن من بني المغيرة تياها فهو سنيد . وقال سلم بن قتيبة : إذا ~~رأيت الثقفي يعز من غير طعام ويكسب لغير إنفاق فبهرجه ثم بهرجه . وقال بلال ~~بن أبي بردة : لولا شباب ms108 ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال . إن الله ~~جواد لا يبخل وصدوق لا يكذب ووفي لا يغدر وحليم لا يعجل وعدل لا يظلم . وقد ~~أمرنا بالجود ونهانا عن البخل وأمرنا بالصدق ونهانا عن الكذب وأمرنا بالحلم ~~ونهانا عن العجلة وأمرنا بالعدل ونهانا عن الظلم وأمرنا بالوفاء ونهانا عن ~~الغدر . PageV02P094 فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسه ولم يزجرنا إلا عما لم ~~يرضه لنفسه . وقد قالوا بأجمعهم : إن الله أجود الأجودين وأمجد الأمجدين ~~كما قالوا : أرحم الرحمين وأحسن الخالقين . وقالوا في التأديب لسائليهم ~~والتعليم لأجوادهم : لا تجاودوا الله فإن الله - جل ذكره - أجود وأمجد . ~~وذكر نفسه - جل جلاله وتقدست أسماؤه - فقال : { ذو الفضل العظيم } و { ذي ~~الطول لا إله إلا هو } . وقال : { ذو الجلال والإكرام } . وذكروا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا : لم يضع درهما على درهم ولا لبنة على لبنة . وملك ~~جزيرة العرب فقبض الصدقات وجبيت له الأموال ما بين غدران العراق إلى شحر ~~عمان إلى أقصى مخاليف اليمن . ثم توفي وعليه دين ودرعه مرهونة . ولم يسأل ~~حاجة قط فقال : لا . وكان إذا سئل أعطى وإذا وعد أو أطمع كان وعده كالعيان ~~وإطماعه كالإنجاز . ومدحته الشعراء بالجود وذكرته الخطباء بالسماح . ولقد ~~كان يهب للرجل الواحد الضاجعة من الشاء والعرج من الإبل - وكان أكثر ما يهب ~~الملك من العرب مائة بعير فيقال : وهب هنيدة . وإنما يقال ذلك إذا أريد ~~بالقول غاية المدح - ولقد وهب لرجل ألف بعير . فلما رآها تزدحم PageV02P095 ~~وفخرت هاشم على سائر قريش فقالوا : نحن أطعم الطعام وأضرب للهام . وذكرها ~~بعض العلماء فقالوا : أجواد أمجاد ذوو السنة حداد . وأجمعت الأمم كلها ~~بخيلها وسخيها وممزوجها على ذم البخل وحمد الجود كما أجمعوا على ذم الكذب ~~وحمد الصدق . وقالوا : أفضل الجود الجود بالمجهود . وحتى قالوا في جهد ~~المقل وفيمن أخرج الجهد وأعطى الكل . وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على ~~من جاد بماله فقال الفرزدق : على ساعة لو كان في القوم حاتم على جوده ضنت ~~به نفس حاتم ولم يكن الفرزدق ms109 ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة وقد ~~جاد بحوبائه عند المصافنة . فما رأينا عربيا سفه حلم حاتم لجوده بجميع ماله ~~ولا رأينا أحدا منهم سفه حلم PageV02P096 كعب على جوده بنفسه بل جعلوا ذلك ~~من كعب لإياد مفخرا . وجعلوا ذلك من حاتم طيئ مأثرة لقحطان على عدنان ثم ~~للعرب على العجم ثم لسكان جزيرة العرب ولأهل تلك البرية على سائر الجزائر ~~والترب . فمن أراد أن يخالف ما وصف اله - جل ذكره - به نفسه وما منح من ذلك ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وما فطر على تفضيله العرب قاطبة والأمم كافة لم ~~يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه . ولم نر الأمة أبغضت جوادا قط ولا ~~حقرته بل أحبته وأعظمته بل أحبت عقبه وأعظمت من أجله رهطه . ولا وجدناهم ~~أبغضوا جوادا لمجاوزته حد الجود إلى السرف ولا حقرته . بل وجدناهم يتعلمون ~~مناقبه ويتدارسون محاسنه . وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله ~~ونحلوه من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه . ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا ~~يضاعف كما تضاعف الحسنات في الآخرة . نعم وحتى أضافوا إليه كل مديح شارد ~~وكل معروف مجهول الصاحب . ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضد هذه الصفة ~~PageV02P097 وعلى خلاف هذا المذهب : وجدناهم يبغضونه مرة ويحقرونه مرة ~~ويبغضون بفضل بغضه ولده ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه ويضيفون إليه من ~~نوادر اللؤم ما لم يبلغه ومن غرائب البخل ما لم يفعله . وحتى ضاعفوا عليه ~~من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء . وعلى أنا لا نجد ~~الجوائح إلى أموال الأسخياء أسرع منها إلى أموال البخلاء ولا رأينا عدد من ~~افتقر من البخلاء أقل . والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط ~~فقد يستحق عندهم اسم البخيل ويستوجب الذم من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه ولا ~~حاجة إلا قضاها ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايته . وإنما يقع عليه اسم ~~البخيل إذا كان زاهدا في كل ما أوجب الشكر ونوه وقد يعلق البخيل ms110 على نفسه ~~من المؤن ويلزمها من الكلف ويتخذ من الجواري والخدم ومن الدواب والحشم ومن ~~الآنية العجيبة ومن البزة الفاخرة . والشارة الحسنة ما يربى على نفقة السخي ~~المثري ويضعف على جود الجواد الكريم . فيذهب ماله وهو PageV02P098 مذموم ~~ويتغير حاله وهو ملوم . وربما غلب عليه حب القيان واستهتر بالخصيان . وربما ~~أفرط في حب الصيد واستولى عليه حب المراكب . وربما كان إتلافه في العرس ~~والخرس والوليمة وإسرافه في الإعذار وفي العقيقة والوكيرة . وربما ذهبت ~~أمواله في الوضائع والودائع . وربما كان شديد البخل شديد الحب للذكر ويكون ~~بخله أوشج ولؤمه أقبح فينفق أمواله ويتلف خزائنه ولم يخرج كفافا ولم ينج ~~سليما . كأنك لم تر بخيلا مخدوعا وبخيلا مضعوفا وبخيلا مضياعا وبخيلا نفاجا ~~وبخيلا ذهب ماله في البناء وبخيلا ذهب ماله في الكيمياء وبخيلا أنفق ماله ~~في طمع كاذب وعلى أمل خائب وفي طلب الولايات والدخول في القبالات وكانت ~~فتنته بما يؤمل من الإمرة فوق فتنته بما قد حواه من الذهب والفضة . ~~PageV02P099 قد رأيناه ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كل يوم وعنده ~~في كل يوم عرس ولأن يطعن طاعن في الإسلام أهون عليه من أن يطعن طاعن في ~~الرغيف الثاني ولشق عصا الدين وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع ~~والجوائح عليهم أكلب لأنهم أقل توكلا وأسوأ بالله ظنا . والجواد إما أن ~~يكون متوكلا وإما أن يكون أحسن بالله ظنا . وهو على كل حال بالمتوكل أشبه ~~وإلى ما أشبهه أنزع . وكيفما دار أمره ورجعت الحال به فليس ممن يتكل على ~~حزمه ويلجأ إلى كيسه ويرجع إلى جودة احتياطه وشدة احتراسه . واعتلال البخيل ~~بالحدثان وسوء الظن بتقلب الزمان إنما هو كناية عن سوء الظن بخالق الحدثان ~~وبالذي يحدث الأزمان وأهل الزمان . وهل تجري الأحداث إلا على تقدير المحدث ~~لها وهل تختلف الأزمنة إلا على تصريف من دبرها أولسنا وإن جهلنا أسبابها ~~فقد أيقنا بأنها تجري إلى غاياتها PageV02P100 والدليل على أنه ليس بهم خوف ~~الفقر وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة منهم أو ms111 طبيعة فيهم أنك قد تجد ~~الملك بخيلا ومملكته أوسع وخرجه أدر وعدوه أسكن . وتجد أحزم منه جوادا وإن ~~كانت مملكته أضيق وخرجه أقل وعدوه أشد حركة . وقد علمنا أن الزنج أقصر ~~الناس مرة وروية وأذهلهم عن معرفة العاقبة . فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال ~~حدهم وتكون الروم أبخل من الصقالبة وكان ينبغي في الرجال في الجملة وكان ~~ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلا أعقل من أشد الأجواد عقلا وكان ينبغي للكلب ~~- وهو قالوا : هو أسخى من لا فظة و الأم من كلب على جيفة و الأم من كلب على ~~عرق . وقالوا : أجع كلبك يتبعك و نعم كلب في بؤس أهله ونشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله PageV02P101 سمن كلبك يأكلك و أحرص من كلب على عقي صبي و أجوع من ~~كلبة حومل و لهو أبذأ من كلب حش فلان من خرء الكلب و اخسأ ! كما يقال للكلب ~~و كالكلب في الآرى : لا هو يعتلف ولا هو يترك الدابة تعتلف . وقال الشاعر : ~~سرت ما سرت من ليلها ثم عرست على رجل بالعرج ألأم من كلب وقال الله جل ذكره ~~: { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } . وكان ينبغي في ~~هذا القياس أن يكون المراوزة أعقل البرية وأهل خراسان أدرى البرية . ونحن ~~لا نجد الجواد يفر من اسم السرف إلى الجود كما نجد البخيل يفر من اسم البخل ~~إلى الاقتصاد . ونجد الشجاع يفر من اسم المنهزم والمستحي يفر من اسم الخجل ~~. ولو قيل PageV02P102 لخطيب ثابت الجنان : وقاح لجزع - فلو لم يكن من ~~فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك ~~الفضلة - إلا الجواد لقد كان في ذلك ما يبين قدره ويظهر فضله . المال فاتن ~~والنفس راغبة والأموال ممنوعة وهي على ما منعت حريصة . وللنفوس في المكاثرة ~~علة معروفة لأن من لا فكرة له ولا روية موكل بتعظيم ذي الثروة وإن لم تكن ~~منه منالة . وقد قال الأول : وزادها كلفا بالحب أن منعت أحب شيء إلى ~~الإنسان ما ms112 منعا وفي بعض كتب الفرس : كل عزيز تحت القدرة فهو ليل . وقالت ~~معاذة العدوية : كل مقدور عليه فمقلي أو محقور . PageV02P103 ولو كانوا ~~لأولادهم يجمعون ولهم يكدون ومن أجلهم يحرصون لجعلوا لهم كثيرا مما يطلبون ~~ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون . وهذا بعض ما بغض بعض المورثين إلى ~~الوارثين وزهد الأخلاف في طول عمر الأسلاف . ولو كانوا لأولادهم يمهدون ~~ولهم يجمعون لما جمع الخصيان الأموال ولما كنز الرهبان الكنوز ولاستراح ~~العاقر من ذل الرغبة ولسلم العقيم من كد الحرص . وكيف ونحن نجده بعد أن ~~يموت ابنه الذي كان يعتل به والذي من أجله كان يجمع على حاله في الطلب ~~والحرص وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع . والعامة لم تقصر في الطلب ~~والحكرة والبخلاء لم يحدوا شيئا من جهدهم ولا أعفوا بعد قدرتهم ولا قصروا ~~في شيء من الحرص والحصر لأنهم في دار قلعة وبعرض نقلة . حتى لو PageV02P104 ~~فالبخيل مجتهد والعامي غير مقصر . فمن لم يستعن على ما وصفنا بطبيعة قوية ~~وبشهوة شديدة وبنظر شاف كان إما عاميا وإما بخيلا شقيا - ففيم اعتلالهم ~~بأولادهم واحتجاجهم بخوف التلون من أزمنتهم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لوافد كذب عنده كذبة وكان جوادا : لولا خصلة ومقك الله عليها لشردت بك ~~من وافد قوم . وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هل لك في بيض النساء وأدم ~~الإبل قال : ومن هم قال : بنو مدلج . قال : يمنعني من ذاك قراهم الضيف ~~وصلتهم الرحم . وقال لهم أيضا : إذا نحروا ثجوا وإذا لبوا عجوا . وقال ~~للأنصار : من سيدكم قالوا : الحر بن قيس على أنه يزن فينا ببخل فقال : وأي ~~داء أدوأ من البخل ثم جعله من أدوإ الداء . وقال للأنصار : أما والله ما ~~علمتكم إلا لتكثرون عند PageV02P105 الفزع وتقلون عند الطمع . وقال : كفى ~~بالمرء حرصا ركوبه البحر . وقال : لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى ~~ثالثا ولا يشبع ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . وقال : السخاء ~~من الحياء والحياء من الإيمان . وقال ms113 : إن الله جواد يحب الجود . وقال : ~~أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا . وقال : لا توكي فيوكي عليك . ~~وقال : لا تحص فيحصى عليك . وقالوا : لا ينفعك من زاد ما تبقى . ولم يسم ~~الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن يضع من أقدارهما ومن فتنة الناس ~~بهما . وقال لقيس بن عاصم : إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت وما لبست ~~فأبليت أو أعطيت فأمضيت . وما سوى ذلك فللوارث . PageV02P106 وقال النمر بن ~~تولب : وحثت على جمع ومنع ونفسها لها في صروف الدهر حق كذوب وكائن رأينا من ~~كريم مرزإ أخي ثقة طلق اليدين وهوب شهدت وفاتوني . وكنت حبستني فقيرا إلى ~~أن يشهدوا وتغيبي أعاذل إن يصبح صداي بقفرة بعيدا نآني صاحبي وقريبي ترى أن ~~ما أبقيت لم أك ربه وأن الذي أمضيت كان نصيبي وذي إبل يسعى ويحسبها له أخي ~~نصب في رعيها ودءوب وذي وغدا رب سواه يسوقها وبدل أحجار وجال قليب ~~PageV02P107 وقال أيضا : قامت تباكي أن سبأت لفتية زقا وخابية بعود مقطع ~~وقريت في مقري قلائص أربعا وقريت بعد قرى قلائص أربع أتبكيا من كل شيء هين ~~سفه بكاء العين ما لم تدمع لا تطرديهم عن فراشي إنه لابد يوما أن سيخلو ~~مضجعي هلا سألت بعادياء وبيته والخيل والخمر التي لم تمنع وقال الحارث بن ~~حلزة : بينا الفتى يسعى ويسعى له تاح له من أمره خالج PageV02P108 يترك ما ~~رقح من عيشه يعبث فيه همج هامج لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من ~~الناتج وقال الهذلي : إن الكرام مناهبو نعم المجد كلهم فناهب أخلف وأتلف كل ~~شي ء ذرعته الريح ذاهب وقالت امرأة : أنت وهبت الفتية السلاهب وإبلا يحار ~~فيها الحالب وغنما مثل الجراد الهارب متاع أيام وكل ذاهب وقال تميم بن مقبل ~~: PageV02P109 وقال الخطيئة : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف ~~بين الله والناس وجاء في الأثر : إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في ~~الآخرة . وفي المثل : اصنع الخير ولو إلى كلب : وقال في ms114 الحث على القليل ~~فضلا على الكثير : قال الله جل ذكره : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره } . وقالت عائشة في حبة عنب : إن فيها لمثاقيل ذر . ~~ولذلك قالوا في المثل : من حقر حرم . وقال سلم بن قتيبة : يستحي أحدهم من ~~تقريب القليل من الطعام ويأبى أعظم منه . وقال : جهد المرء أكثر من عفوه . ~~وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جهد المقل على عفو المكثر وإن كان مبلغ ~~جهده قليلا ومبلغ عفو المكثر كثيرا . وقالوا : لا يمنعك من معروف صغره . ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : اتقوا النار ولو بشق تمرة . وقال : لا ~~تحقروا اللقمة فإنها تعود كالجبل العظيم لقول الله جل ذكره : { يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات } . وقال : لا تردوه ولو بصلة حبل . PageV02P110 وقالت ~~العرب : أتاكم أخوكم يستتمكم فأتموا له . وقالوا : مانع الإتمام ألوم . ~~وقالوا : البخيل إن سأل ألحف وإن سئل سوف . وقالوا : إن سئل جحد وإن أعطى ~~حقد . وقالوا : يرد قبل أن يسمع ويغضب قبل أن يفهم . وقالوا : البخيل إذا ~~سئل ارتز وإذا سئل الجواد اهتز . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ينادي ~~كل يوم مناديان من السماء : يقول أحدهما : اللهم عجل لمنفق خلفا ويقول ~~الآخر : اللهم عجل لممسك تلفا ) . وقالوا : شر الثلاثة المليم يمنع دره ودر ~~غيره . وقال الله جل ذكره : { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } . ~~وقالوا في المثل - إن ألجأك الدهر إلى بخيل : شر ما ألجأك إلى مخة عرقوب . ~~وقال : النبي صلى الله عليه وسلم : ( قل العدل وأعط الفضل ) . وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( أنهاكم عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات ) . ~~وقال الله عز وجل : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } . ~~وقال : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } . وقال : { ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح PageV02P111 نفسه فأولئك هم المفلحون ~~} . وقالوا في الصبر على النائبة وفي عاقبة الصبر : عند الصباح يحمد القوم ~~السري . وقالوا : الغمرات ثم ينجلين . وقال الخريمي : ودون الندى في كل قلب ms115 ~~ثنية بها مصعد حزن ومنحدر سهل وود الفتى في كل نيل ينيله - إذا ما انقضى - ~~لو أن نائله جزل وقالوا : خير الناس خير الناس للناس وشر الناس شر الناس ~~للناس . وقالوا : خير مالك ما نفعك . وقالوا عجبا لفرط الكبرة مع شباب ~~الرغبة ! كلنا يأمل مدا في الأجل والمنايا هي آفات الأمل وقال عبيد الله بن ~~عكراش : زمن خون ووارث شفون وكاسب زون . PageV02P112 فلا تأمن الخون وكن ~~وارث الشفون . وقال : يهرم ابن آدم ويشب معه خصلتان : الحرص والأمل . ~~وكانوا يعيبون من يأكل وحده وقالوا : ما أكل ابن عمر وحده قط . وقالوا : ما ~~أكل الحسن وحده قط . وسمع مجاشع الربعي قولهم : الشحيح أعذر من الظالم فقال ~~: أخزى الله أمرين خيرهما الشح . وقال بكر بن عبد الله المزني : لو كان هذا ~~المسجد مفعما بالرجال ثم قيل لي : من خيرهم لقلت : خيرهم لهم . وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بشراركم قالوا : بلى يا رسول الله قال : ~~من نزل وحده ومنع رفده وجلد عبده ) . وقالت امرأة عند جنازة رجل : أما ~~والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك . فلما بلغت الرسالة ابن التوأم ~~كره أن يجيب أبا العاص لما في ذلك من المناقشة والمباينة وخاف أن يترقى ~~الأمر إلى أكثر من ذلك . فكتب هذه وبعث بها إلى الثقفي : PageV02P113 بسم ~~الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا وتنويهه ~~بأسمائنا وتشنيعه علينا . وليس يمنعنا من جوابه إلا أنه إن أجابنا لم يكن ~~جوابنا إياه على قوله الثاني أحق بالترك من جوابنا له على قوله الأول . فإن ~~نحن جعلنا لابتدائه جوابا وجعلنا لجوابه الثاني جوابا خرجنا إلى التهاتر ~~وصرنا إلى التخابر . ومن خرج إلى ذلك فقد رضي باللجاج حظا وبالسخف نصيبا . ~~وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى . ومن وقاه الله سوء ~~التكفي وسخفه وعصمه من سوء التصميم ونكده فقد اعتدلت طباعه وتساوت خواطره . ~~ومن قامت أخلاطه على الاعتدال وتكافأت خواطره في الوزن لم يعرف من ms116 الأعمال ~~إلا الاقتصاد ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير والإفراط لأن الموزون لا ~~يولد PageV02P114 إلا موزونا كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفا . فالمتابع ~~لا يثنيه زجر وليست له غاية دون التلف . والمتكفي ليس له مأتى ولا جهة ولا ~~له رقية ولا فيه حيلة . وكل متلون في الأرض فمنحل العقد ميسر لكل ريح . فدع ~~عنك خلطة الإمعة فإنه حارص لا خير فيه واجتنب ركوب الجموح ذي النزوات فإن ~~غايته القتل الزؤاف ولا في الحرون ذي التصمم . والمتلون شر من المصمم إذ ~~كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها ولا جهة يعمل عليها . ولذلك صار العاقل ~~يخدع العاقل ولا يخدع الأحمق لأن أبواب تدبير العاقل وحيلة معروفة وطرق ~~خواطره مسلوكه ومذاهبه محصورة معدودة . وليس لتدبير الأحمق وحيله جهة واحدة ~~من أخطأها كذب . والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد . والخبز الكاذب عن ~~الشيء الواحد لا يحصى له عدد ولا يوقف منه على حد . والمصمم قتله بالإجهاز ~~والمتلون قتله بالتعذيب . فإن قلنا فليس إليه نقصد وإن احتججنا فليسنا عليه ~~نرد . ولكنا إليك نقصد بالقول وإليك نريد بالمشورة . PageV02P115 وقد قالوا ~~: احفظ سرك فإن سرك من دمك . وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك . ~~قال المنجاب العنبري : ليس بكبير ما أصلحه المال . وفقد الشيء الذي به تصلح ~~الأمور أعظم من الأمور . ولهذا قالوا في الإبل : لو لم يكن فيها إلا أنها ~~رقوء الدم - فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون . وقد قضوا ~~بأن حفظ المال أشد من جمعه . ولذلك قال الشاعر : وحفظك مالا قد عنيت بجمعه ~~أشد من الجمع الذي أنت طالبه ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها حين قال له ~~البائع : دفعتها إليك بطيئة الإجابة عظيمة المؤنة . - قال : دفعتها إليك ~~بطيئة الاجتماع سريعة التفرق . والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا ~~. واعلم أن التخلص من نزوات الدرهم وتقلبه - من سكر الغنى - وتفلته شديد . ~~فلو كان إذ تفلت كان حارسه صحيح العقل PageV02P116 سليم الجوارح لرده في ~~عقاله ولشده بوثاق . ولكنا ms117 وجدنا ضعفه عن ضبطه بقدر قلقه في ولا تغتر ~~يقولهم : مال صامت فإنه أنطق من كل خطيب وأنم من كل نمام . فلا تكترث ~~بقولهم : هذين الحجرين فتتوهم جمودهما وسكونهما وقلة ظعنهما وطول إقامتهما ~~فإن عملهما وهما ساكنان ونقضهما للطبائع وهما ثابتان أكثر من صنيع السم ~~الناقع والسبع العادي . فإن كنت لا تكتفي بصنيعه حتى تمده ولا تحتال فيه ~~حتى يحتال له فالقبر خير لك من الفقر والسجن خير لك من الذل . وقولي هذا ~~مرة يعقب حلاوة الأبد . فخذ لنفسك بالثقة . فقولك الماضي حلو يعقب مرارة ~~الأبد . فخذ لنفسك بالثقة . ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك ~~فإن الشاعر يقول : أني أتيح لها حرباء تنضبة لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا ~~PageV02P117 واحذر أن تخرج من مالك درهما حتى ترى مكانه خيرا منه . ولا ~~تنظر إلى كثرته فإن رمل عالج فلو أخذ منه ولم يرد عليه لذهب عن آخره . إن ~~القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله وفي ذكر الكرم وتشريفه وسموا السرف ~~جودا وجعلوه كرما . وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنفج وكيف ~~والعطاء لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق وليس وراء الحق إلى الباطل كرم . ~~وإذا كان الباطل كرما كان الحق لؤما . والسرف - حفظك الله - معصية . وإذا ~~كانت معصية الله كرما كانت طاعته لؤما . ولئن جمعهما اسم واحد وشملهما حكم ~~واحد ومضادة الحق للباطل كمضادة الصدق للكذب والوفاء للغدر والجور للعدل ~~والعلم للجهل ليجمعن هذه الخصال اسم واحد وليشملنها حكم واحد . وقد وجنا ~~الله عاب السرف وعاب الحمية وعاب المعصية . ووجدناه خص السرف بما لم يخص به ~~الحمية لأنه ليس حب المرء لرهطه من المعصية ولا أنفقته من الضيم من حمية ~~الجاهلية . وإنما المعصية ما جاوز الحق والحمية المعيبة ما تعدى القصد . ~~فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محمودا ومذموما وما وجدنا اسم المعصية ولا اسم ~~السرف يقع أبدا إلا مذموما . PageV02P118 وإنما يسر باسم السرف جاهل لا علم ~~له أو رجل إنما يسر به لأن أحدا ms118 لا يسميه مسرفا حتى يكون عنده قد جاوز حد ~~الجود وحكم له بالحق ثم أردفه بالباطل . فإن سر من غير هذا الوجه فقد شارك ~~المادح في الخطإ وشاكله في وضع الشيء في غير موضعه . وقد أكثروا في ذكر ~~الكرم . وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم يعدمها بعض الذم . ~~وليس شيء يخلوا من بعض النقص والوهن . وقد زعم الأولون أن الكرم يسبب الغبا ~~وأن الغبا يسبب البله وأنه ليس وراء البله إلا العته . وقد حكوا عن كسرى ~~أنه قال : احذروا صولة الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع - وسواء جاع فظلم ~~وأحفظ وعسف أم جاع وكذب وضرع وأسف . وسواء جاع فظلم غيره أم جاع فظلم نفسه ~~. والظلم لؤم . وإن كان الظلم ليس بلؤم فالإنصاف ليس بكرم . فالجود إذا كان ~~لله كان شكرا له والشكر كرم . ولن يكون الجود - إذا كان معصية - كرما . ~~فكيف يتكرم من PageV02P119 يتوصل بأياديك إلى معصيتك وبنعمتك إلى سخطك فليس ~~الكرم إلا الطاعة . وليس اللؤم إلا المعصية وليس بجود ما جاوز الحق وليس ~~بكرم ما خالف الشكر . ولئن كان مجاوز الحق كريما ليكونن المقصر دونه كريما ~~. فإن قضيتم بقول العامة فالعامة ليست بقدوة . وكيف يكون قدوة من لا ينظر ~~ولا يحصل ولا يفكر ولا يمثل وإن قضيتم بأقاويل الشعراء وما كان عليه أهل ~~الجاهلية الجهلاء فما قبحوه مما لا يشك في حسنه أكثر من أن نقف عليه أو ~~نتشاغل باستقصائه . على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر كما أنه ليس ببخل ~~إلا ما أوجب اللؤم . ولن تكون العطية نعمة على المعطى حتى تراود بها نفس ~~ذلك المعطى . ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد . وكل من كان جوده ~~يرجع إليه ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك ولو تهيأ له ذلك المعنى في سواك ~~لما قصد إليك - فإنما جعلك معبرا لدرك حاجته ومركبا لبلوغ محبته . ولولا ~~بعض القول لوجب لك عليه حق يجب به الشكر . فليس يجب لمن كان كذلك شكر وإن ~~انتفعت بذلك منه إذا ms119 كان لنفسه عمل لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك لما ~~تخطاه إليك . PageV02P120 وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على النفع في ~~حجة العقل - الذي إن جاد عليك فلك جاد ونفعك أراد من غير أن يرجع إليه جوده ~~بشيء من المنافع على جهة من الجهات وهو الله وحده لا شريك له . فإن شكرنا ~~للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم فإنما هو لأمرين : أحدهما التعبد ~~وقد نعبد الله بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين وتعظيم من هو أسن منا وإن ~~كنا أفضل منه . والآخر لأن النفس ما لم تحصل الأمور وتميز المعاني فالسابق ~~إليها حب من جرى لها على يده خير وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها . ووجدنا ~~عطية الرجل لصاحبه لا تخلوا أن تكون لله أو لغير الله . فإن كانت لله ~~فثوابه على الله . وكيف يجب علي في حجة العقل شكره وهو لو صادف ابن سبيل ~~غيري لما حملني ولا أعطاني - وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر . فإذا كان ~~الأمر كذلك فإنما جعلني سلما إلى تجارته وسببا إلى بغيته أو يكون إعطاؤه ~~إياي من طريق الرحمة والرقة ولما يجد في فؤاده من الغصة والألم فإن كان ~~لذلك أعطى فإنما داوى نفسه من دائه وكان كالذي رفه من خناقه . وإنه كان ~~إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني أو اجترار معونتي ونصرتي فسبيله سبيل جميع ~~ما وصفنا وفصلنا . PageV02P121 فلاسم الجود موضعان : أحدهما حقيقة والآخر ~~مجاز . فالحقيقة ما كان من الله والمجاز المشتق له من هذا الاسم . وما كان ~~لله كان ممدوحا وكان لله طاعة . فإذا لم تكن العطية من الله ولا لله فليس ~~يجوز هذا فيما سموه جودا فما ظنك بما سموه سرفا أفهم ما أنا مورده عليك ~~وواصفه لك : إن التربح والتكسب والإستئكال بالخديعة والطعم الخبيثة فاشية ~~غالبة ومستفيضة ظاهرة . على أن كثيرا ممن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرم ~~وغلى الصيانة والتوقي ليأخذ من ذلك بنصيب واف . فما ظنك بدهماء الناس ~~وجمهورهم بل ما ظنك بالشعراء ms120 والخطباء الذين إنما تعلموا المنطق لصناعة ~~التكسب وهؤلاء قوم بودهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حد السلامة غلى الغفلة ~~حتى لا يكون للأموال حارس ولا دونها مانع . فاحذرهم ولا تنظر إلى بزة أحدهم ~~فإن المسكين أقنع منه ولا تنظر غل موكبه فإن السائل أعف منه . واعلم أنه ~~مسك مسكين وإن كان في ثياب جواد وروحه روح نذل وإن كان في جرم ملك . وإن ~~اختلفت وجوه مسألتهم واختلفت أقدار مطالبهم فهو مسكين . إلا أن واحدا يطلب ~~العلق وآخر يطلب الخرق وآخر PageV02P122 يطلب الدوانيق وآخر يطلب الألوف . ~~فجهة هذا هي جهة هذا وطعمة هذا هي طعمة هذا . وإنما يختلفون في أقدار ما ~~يطلبون على قدر الحذق والسبب . فأحذر رقاهم وما نصبوا لك من الشرك واحرس ~~نعمتك وما دسوا لها من الدواهي . واعمل على أن سحرهم يسترق الذهن ويختطف ~~البصر . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا . وسمع عمر ~~بن عبد العزيز رجلا يتكلم في حاجة فقال : هذا والله سحر الحلال . وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خلابة - واحذر احتمال مديحهم فإن محتمل ~~المديح في وجهه كمادح نفسه . إن مالك لا يسع مريديه ولا يبلغ رضا طالبيه . ~~ولو أرضيتهم بإسخاط مثلهم لكان ذلك خسرانا مبينا . فكيف ومن يسخط أضعاف من ~~يرضى وهجاء الساخط أضر من فقد مديح الراضي . وعلى أنهم إذا اعتوروك ~~بمشاقصهم وتداولوك بسهامهم لم تر ممن أرضيته بإشخاطهم أحدا يناضل عنك ولا ~~يهاجي شاعرا دونك . بل يخليك غرضا لسهامهم ودريئة لنبالهم . ثم يقول : وما ~~كان عليه لو أرضاهم ! فكيف يرضيهم ورضا الجميع شيء لا ينال PageV02P123 إني ~~أحذرك مصارع المخدوعين وأرفعك عن مضاجع المغبونين . إنك لست كمن لم يزل ~~يقاسي تعذر الأمور ويتجرع مرارة العيش ويتحمل ثقل الكد ويشرب بكأس الذل حتى ~~كان يمرن على ذلك جلده ويسكن عليه قلبه . وفقر مثلك مضاعف الألم وجزع من لم ~~يعرف الألم أشد . ومن لم يزل فقيرا فهو لا يعرف الشامتين ولا يدخله المكروه ~~من سرور الحاسدين ولا ms121 يلام على فقره ولا يصير موعظة لغيره وحديثا يبقى ذكره ~~ويلعنه بعد الممات ولده . ودعني من حكايات المستأكلين ورقي الخادعين فما ~~زال الناس يحفظون أموالهم من مواقع السرف ويخبئونها من وجوه التبذير . ~~ودعني مما لا نراه إلا في الأشعار المتكلفة والأخبار المولدة والكتب ~~الموضوعة . فقد قال بعض أهل زماننا : ذهبت المكارم إلا من الكتب ! فخذ فيما ~~تعلم ودع نفسك مما لا تعلم . هل رأيت أحدا قط أنفق ماله على قوم كان غناهم ~~سبب فقره أنه سلم عليهم حين افتقر فردوا عليه - فضلا على غير ذلك أولست قد ~~رأيتهم بين محمق ومحتجب عنه وبين من يقول : فهلا أنزل حاجته بفلان الذي كان ~~يفضله ويقدمه ويؤثره ويخصه - ثم لعل بعضهم أن يتجنى عليه ذنوبا ليجعلها ~~عذرا PageV02P124 في منعه وسببا إلى حرمانه . قال الله جل ذكره : { يوم ~~يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد ~~كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } . فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر ~~والأمر والنهي وأنت سالم العقل والعرض وافر المال حسن الحال . فاتق أن أقوم ~~غدا على رأسك بالتقريع والتعبير والتوبيخ والتأنيب وأنت عليل القلب مختل ~~العرض . عديم من المال سيئ الحال . ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع ~~السيوف لأن الوقت قصير والحس مغمور . ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة وتطول ~~المدة وتعجز الحيلة ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عم شامتا وجارا حاسرا ~~ووليا قد تحول عدوا وزوجة مختلعة وجارية مستبيعة وعبدا يحقرك وولدا ينتهرك ~~. فانظر أين موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك من البلاء على أن ~~الثناء طعم ولعلك ألا تطعمه والحمد أرزاق ولعلك ألا تحرمه . PageV02P125 ~~وما يضيع من إحسان الناس أكثر . وعلى أن الحفظ قد ذهب بموت أهله . ألا ترى ~~أن الشعر لما كسد أفحم أهله ولما دخل النقص على كل شيء أخ الشعر منه بنصيبه ~~ولما تحولت الدولة في العجم - والعجم لا تحوط الأنساب ولا تحفظ المقامات - ~~لأن من كان في الريف والكفاية وكان مغمورا بسكر الغنى ms122 كثر نسيانه وقلت ~~خواطره . ومن احتاج تحركت همته وكثر تنقيره . وعيب الغني أنه يورث البلادة ~~وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر . وإن أنت صحبت الغني بإهمال النفس أسكرك ~~الغني . وسكر الغني سبة المستأكلين وتهمة الخداعين . وإن كنت لا ترضى بحظ ~~النائم وبعيش البهائم وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثري ومع عز الغني ~~وسرور القدرة فطنة المخف وخواطر المقل ومعرفة الهارب واستدلال الطالب - ~~اقتصدت في الإنفاق وكنت معدا للحدثان ومحترسا من كل خداع . PageV02P126 لست ~~تبلغ حيل لصوص النهار وحيل سراق الليل و حيل طراق البلدان وحيل أصحاب ~~الكيمياء وحيل التجار في الأسواق والصناع في جميع الصناعات وحيل أصحاب ~~الحروب وحيل المستأكلين والمتكسبين ولو جمعت الخبر والسحر والتمائم و السم ~~لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلا وأعرض وأسرى في عمق البدن وأدخل إلى ~~سويداء القلب وإلى أم الدماغ وإلى صميم الكبد ولهي أدق مسلكا وأبعد غاية من ~~العرق الساري والشبه النازع ولو اتخذت الحيطان الرفيعة الثخينة والأقفال ~~المحكمة الوثيقة ولو اتخذت الممارق والجواسق والأبواب الشداد والحرس ~~المتناوبين بأغلظ المؤن وأشد الكلف وتركت التقدم فيما هو أحضر ضررا وأدوم ~~شرا ولا غرم عليك في الحراسة فيه ولا مشقة عليك في التحفظ منه . ~~PageV02P127 إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سم الخياط جعلوا فيه نهجا ولقي ~~رحبا . فأحكم بابك ولو جعلت الباب مبهما والقفل مصمتا لتسوروا عليك من فوقك ~~. ولو رفعت سمكة إلى العيوق لنقبوا عليك من تحتك . قال أبو الدرداء : نعم ~~صومعة المؤمن بيته . وقال ابن سيرين : العزلة عبادة . حلاوة حديثهم تدعو ~~إلى الاستكثار منهم وتدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم . فمن ذلك قول بعضهم ~~لبعض أصحابه : كل رخلة واشرب مشعلا ثم تجشأ واحدة لو أن عليها رحى لطحنت ! ~~ومن ذلك قول الآخر حين دخل على قوم وهم يشربون وعندهم قيلن فقالوا : اقترح ~~أي صوت شئت قال : أقترح نشيش مقلي ! PageV02P128 ومن ذلك قول المديني : من ~~تصبح بسبع موزات وبقدح من لبن الأوراك تجشأ بخور الكعبة . ومن ذلك قولهم ~~لبعض هؤلاء وقدامهم خبيص : أيما أطيب ms123 هذا أو الفالوذج أواللوزينج قال : لا ~~أقضي على غائب . ومن ذلك كلام الجارود بن أبي سبرة لبلال بن أبي بردة حين ~~قال له : صف لي عبد الأعلى وطعامه . قال : يأتيه الخباز فيمثل بين يديه ~~فيقول : ما عندك فيقول : عندي جدي كذا وعناق كذا وبطة كذا - حتى يأتي على ~~جميع ما عنده . قال : وما يدعوه إلى هذا قال : ليقتصر كل امرئ في الأكل حتى ~~إذا أتي بالذي يشتهي بلغ منه حاجته . قال : ثم ماذا قال : ثم يؤتى بالمائدة ~~فيتضايقون حتى يخوي تخوية الظليم . فيجدون ويهزل حتى إذا فتروا أكل أكل ~~الجائع المقرور . PageV02P129 وقال آخر : أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل ~~ورقطاء من الحمص ذات جفافين من اللحم لها جناحان من العراق أضرب فيها ضرب ~~اليتيم عند وصي السوء ! وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام وما قسم لكل ~~قوم منه فقال : ذهبت الروم بالجشيم والحشو وذهبت فارس بالبارد والحلو . ~~وقال عمر : لفارس الشفارج والحموض . فقال دوسر المديني : لنا الهرائس ~~والقلايا ولأهل البدو اللبأ والسلاء والجراد والكمأة والخبزة في الرائب ~~والتمر بالزبد . وقد قال الشاعر : ألا ليت خبزا قد تسربل رائبا وخيلا من ~~البرني فرسانها الزبد ولهم البرمة والخلاصة والحيس والوطيئة . PageV02P130 ~~وقال أعرابي : أتينا ببر كأفواه البعران فخبزنا منه خبزة زيت في النار فجعل ~~الجمر يتحدر عنها تحدر الحشو عن البطان . ثم ثردناها فجعل الثريد يجول في ~~الإهالة جولان الضبعان في ونعت السويق بأنه من عدد المسافر وطعام العجلان ~~وغذاء المبكر وبلغة المريض . يشد فؤاد الحزين ويرد من نفس المحدود . وحيد ~~في السمين ومنعوت في الطيب . قفاره يجلو البلغم ومسمونه يصفي الدم إن شئت ~~كان ثريدا وإن شئت كان خبيصا وإن شئت كان طعاما وإن شئت كان شرابا . وقيل ~~لبعض هؤلاء اللعامظة والمستأكلين والسفافين المقفعين ورئي سمينا : ما أسمنك ~~قال : أكلي الحار وشربي القار والاتكاء على شمالي وأكلي من غير مالي . ~~PageV02P131 وقد قال الشاعر : وإن امتلأ البطن في حسب الفتى قليل الغناء ~~وهو في الجسم صالح وقيل لآخر : ما أسمنك قال : قلة الفكرة ms124 وطول الدعة ~~والنوم على الكظة . وقال الحجاج للغضبان بن القبعثري : ما أسمنك قال : ~~القيد والرتعة . ومن كان في ضيافة الأمير سمن . وقيل لآخر : إنك لحسن ~~السمنة . قال : آكل لباب البر وصغار المعز وأدهن بخام البنفسج وألبس الكتان ~~. والله لو كان من يسأل يعطى لما قام كرم العطية بلؤم المسألة . ومدار ~~الصواب على طيب المكسبة والاقتصاد في النفقة . وقد قال بعض العرب : اللهم ~~إني أعوذ بك من بعض الرزق حين رأى نافجة من ماله من صداق أمه . وأي سائل ~~كان ألحف مسألة من الخطيئة وألأم ومن ألأم من جرير بن الخطفي وأبخل ومن ~~أمنع من كثير وأشح من ابن هرمة ومن كان يشق غبار PageV02P132 ابن أبي حفصة ~~ومن كان يصطلي بنار أبي العتاهية ومن كأبي نواس في بخله أو كان كأبي يعقوب ~~الخريمي في دقة نظره وكثرة كسبه ومن كان أكثر نحرا لجزرة لم تخلق من ابن ~~هرمة وأطعن برمح لم ينبت وأطعم لطعام لم يزرع من الخريمي فأين أنت عن ابن ~~يسير وأين تذهب عن ابن أبي كريمة ولم تقصر في ذكر الرقاشي ولم تذكر سره إن ~~الأعرابي شر من الحاضر سائل جبار وثابة ملاق إن مدح كذب وإن هجا كذب وإن سب ~~كذب وإن طمع كذب . لا يعرفه إلا نطف أو أحمق ولا يعطيه غلا من يحبه ولا ~~يحبه غلا من هو في طباعه . PageV02P133 ما أبطأكم عن البذل في الحق ! ~~وأسرعكم إلى البذل في الباطل ! فإن كنتم الشعراء تفضلون وإلى قولهم ترجعون ~~فقد قال الشاعر : قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير على الفساد وقد ~~قال الشماخ بن ضرار : وقال أحيحة بن الجلاح : استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ~~من ابن عم ولا عم ولا خال إني أكب على الزوراء أعمرها إن الكريم على ~~الأقوام ذو مال وقال أيضا : استغن عن كل ذي قربى وذي رحم إن الغني من ~~استغنى عن الناس والبس عدوك في رفق وفي دعة لباس ذي إربة للدهر لباس ولا ~~يغرنك أضغان مزملة قد ms125 يضرب الدبر الدامي بأحلاس وقال سهل بن هارون : إذا ~~امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي من أن يراني غنيا عنه بالياس PageV02P134 فلا ~~يراني إذا لم يرع آصرتي مستمر يا دررا منه بإبساس لا أطلب المال كي أغني ~~بفضلته ما كان مطلبه فقرا إلى الناس وقال أبو العتاهية : أنت ما استغنيت عن ~~صا - حبك الدهر أخوه فلو أني أشاء نعمت بالا وباكرني صبوح أو نشيل ولاعبني ~~على الأنماط لعس على أنيابهن الزنجبيل ولكني خلقت إزاء مال فأبخل بعد ذلك ~~أو أنيل وقال آخر : أبا مصلح أصلح ولا تك مفسدا فإن صلاح المال خير من ~~الفقر ألم تر أن المرء يزداد عزة على قومه أن يعلموا أنه مثري وقال عروة بن ~~الورد : ذريني للغنى أسعى فإني رأيت الناس شرهم الفقير PageV02P135 وأبعدهم ~~وأهونهم عليهم وإن أمسى له نسب وخير ويقصى في الندى وتزدريه حليلته وينهره ~~الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جم ~~ولكن الغني رب غفور وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : فلعلي أن يكثر ~~المال عندي ويعرى من المغارم ظهري ويرى أعبد لنا وأواق ومناصيف من خوادم ~~عشر وتجر الأذيال في نعمة زو ل تقولان : ضع عصاك لدهر وى كأن من يكن له نشب ~~يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر ويجنب سر النجى ولكن أخا الفقر محضر كل شر ~~PageV02P136 وقال آخر : وللمال مني جانب لا أضيعه وللهو مني والبطالة جانب ~~وقال الأخنس بن شهاب : وقد عشت دهرا والغواة صحابتي أولئك إخواني الذين ~~أصاحب فأديت عني ما استعرت من الصبا وللمال مني اليوم راع وكاسب وقال ابن ~~أذينة الثقفي : أطعت العرس في الشهوات حتى أعادتني عسيفا عبد عبد إذا ما ~~جئتها قد بعت عتقا تعانق أو تقبل أو تفدى من يجمع المال ولا يثبه ويترك ~~العام لعام جدبه يهن على الناس هوان كلبه وقد قيل في المثل : الكد قبل المد ~~وقال لقيط : الغزو أدر للقاح وأحد للسلاح . PageV02P137 وقال أبو المعافى : ~~وإن التواني أنكح ms126 العجز بنته وساق إليها حين زوجها مهرا فراشا وطيئا ثم قال ~~لها : اتكي فقصركما - لابد - أن تلدا الفقرا وقال عثمان بن أبي العاص : ~~ساعة لدنياك وساعة لآخرتك . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهاكم عن ~~قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال . وقال : خير الصدقة ما أبقى غنى واليد ~~العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ( الثلث . والثلث كثير إنك إن تدع ولدك أغنياء خير من أن يتكففوا الناس ) ~~. وقال ابن عباس : وددت أن الناس غضوا من الثلث شيئا لقول النبي عليه ~~السلام : الثلث . والثلث كثير . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : كفى ~~بالمرء إثما أن يضيع من يقوت . وأنتم ترون أن المجد والكرم أن أفقر نفسي ~~بإغناء غيري وأن أحوط عيال غيري بإضاعة عيالي ! كتاركة بيضها بالعراء ~~وملبسة بيض أخرى جناحا PageV02P138 وقال آخر : كمفسد أدناه ومصلح غيره ولم ~~يأتمر في ذاك أمر صلاح وقال آخر : كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بنيها ولم ترقع ~~بذلك مرقعا وقال الله تبارك وتعالى : { ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين } . وقال : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } . فأذن في ~~العفو ولم يأذن في الجهد وأذن في الفضول ولم يأذن في الأصول . وأراد كعب بن ~~مالك أن يتصدق بماله . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك مالك ~~. فالنبي صلى الله عليه وسلم يمنعه من إخراج ماله في الصدقة وأنتم تأمرونه ~~بإخراجه في السرف والتبذير ! وخرج غيلان بن سلمة من جميع ماله فأكرهه عمر ~~على الرجوع فيه وقال : لو مت لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبي رغال . وقال الله ~~جل وعز : { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } ~~. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يكفيك ما بلغك المحل . وقال : ما قل ~~وكفى خير مما PageV02P139 كثر وألهى . وقال الله تبارك وتعالى : { والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } . وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : إن المنبت لا أرضا ms127 قطع ولا ظهرا أبقى . وقال الله جل ذكره ~~: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~} . ولذلك قالوا : خير مالك ما نفعك وخير الأمور أواسطها وشر السير الحقحقة ~~والحسنة بين السيئتين . وقالوا : دين الله بين المقصر والغالي . وقالوا ~~حنيفة المثل : بينهما يرمى الرامي . وقالوا : عليك بالسداد والاقتصاد ولا ~~وكس ولا شطط . وقالوا : بين الممخة والعجفاء . وقالوا : لا تكن حلوا فتبتلع ~~ولا مرا فتلفظ . وقالوا في المثل : ليس الري عن التشاف . وقالوا : يا عاد ~~اذكر حلا . وقالوا : الرشف أنقع للظمآن . وقالوا : القليل الدائم أكثر من ~~الكثير PageV02P140 المنقطع . وقال أبو الدرداء : إني لأستجم نفسي ببعض ~~الباطل كراهة أن أحمل عليها من الحق ما ملها . وقال الشاعر : وإني لحلو ~~تعتريني مرارة وإني لصعب الرأس غير جموح وقالوا في عدل المصلح ولائمة ~~المقتصد : الشحيح أعذر من الظالم . وقالوا : ليس من العدل سرعة العذل . ~~وقالوا : لعل له عذرا وأنت تلوم . وقالوا : رب لائم مليم . وقال الأحنف : ~~رب ملوم لا ذنب له . وقال : إعطاء السائل تضرية وإعطاء الملحف مشاركة . ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تصلح المسألة إلا في ثلاث : فقر مدقع ~~وغرم مفظع ودم موجع . وقال الشاعر : الحر يلحى والعصا للعبد وليس للملحف ~~غير الرد وقالوا : إذا جد السؤال جد المنع . وقالوا : احذر إعطاء المخدوعين ~~وبذل المغبونين فإن المغبون لا محمود ولا مأجور . ولذلك قالوا : لا تكن ~~أدنى العيرين إلى السهم . يقول : PageV02P141 إذا أعطيت السائلين مالك صارت ~~مقاتلك أظهر لأعدائك من مقاتلهم . وقالوا : الفرار بقراب أكيس . وقال أبو ~~الأسود : ليس من العز أن تتعرض للذل ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم . ومن ~~أخرج ماله من يده افتقر ومن افتقر فلا بد له من أن يضرع والضرع لؤم . وإن ~~كان الجود شقيق الكرم فالأنفة أولى بالكرم . وقد قال الأول : اللهم لا ~~تنزلي ماء سوء فأكون امرأ سوء . وقد قال الشاعر : واخط مع الدهر إذا ما خطا ~~واجر مع الدهر كما يجري وقد قال الآخر : يا ليت لي نعلين من جلد ms128 الضبع ~~وشركا من ثغرها لا تنقطع وقد صدق قول القائل : من احتاج اغتفر ومن اقتضى ~~تجوز . وقيل لريسيموس : PageV02P142 تأكل في السوق قال : إن جاع ريسيموس في ~~السوق أكل في السوق . وقال : من أجدب انتجع ومن جاع جشع . وقال : احذروا ~~نفار النعمة فإنها نوار وليس كل شارد بمردود ولا كل ناد بمصروف وقال علي بن ~~أبي طالب : قلما أدبر شيء فأقبل . وقالوا : رب أكلة تمنع أكلات ورب عجلة ~~تهب ريثا . وعابوا من قال : أكلة وموتة . وقالوا : لا تطلب أثرا بعد عين . ~~وقالوا : لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن . ~~فانظر كيف تخرج الدرهم ولم تخرجه . وقالوا : شر من المررئة سوء الخلف . ~~وقال الشاعر : إن يكن ما به أصبت جليلا فذهاب العزاء فيه أجل ولأن تفتقر ~~بجائحة نازلة خير لك من أن تفتقر بجناية مكتسبة . ومن كان سببا لذهاب وفره ~~لم تعدمه الحسرة من نفسه واللائمة من غيره وقلة الرحمة وكثرة الشماتة مع ~~الإثم PageV02P143 الموبق والهوان على الصاحب . وذكر عمر بن الخطاب فتيان ~~قرش وسرفهم في الإنفاق ومسابقتهم في التبذير فقال : لخرقة أحدهم أشد علي من ~~عيلته يقول : إن إغناء الفقير أهون علي من إصلاح الفاسد . ولا تكن على نفسك ~~أشأم من خوتعة وعلى أهلك أشأم من البسوس وعلى قومك أشأم من عطر مشم . ومن ~~سلط الشهوات على ماله وحكم الهوى في ذات يده فبقي حسيرا فلا يلومن إلا نفسه ~~. وطوبى لك يوم تقدر على قديم تنتفع به . وقال بعض الشعراء : أرى كل قوم ~~يمنعون حريمهم وليس لأصحاب النبيذ حريم أخوفهم إذا ما دارت الكأس بينهم ~~وكلهم رث الوصال سئوم فهذا بياني لم أقل بجهالة ولكنني بالفاسقين عليم وقد ~~كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد . فأما اليوم فقد استوى الناس . ~~PageV02P144 قال الأضبط بن قريع لما انتقل في القبائل فأساءوا جواره بعد أن ~~تأذى ببني سعد : بكل وا بنو سعد . خذ بقولي ودع قول أبي العاص . وخذ بقول ~~من قال : عش ولا تغتر وبقول من قال ms129 : لا تطلب أثرا بعد عين وبقول من قال : ~~املأ حبك من أول مطرة ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك . أخوك من صدقك ومن ~~أتاك من جهة عقلك ولم يأتك من جهة شهوتك . وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في ~~حظك ولم تأمن لائمته إياك في غدك . إن أخاك الصدق من لن يخدعك ومن يضير ~~نفسه لينفعك وقال عبيد بن الأبرص : واعلمن علما يقينا أنه ومن يرجى لك من ~~ليس معك PageV02P145 ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك وعين من عقلك ~~على طباعك أو ما كان لك أخ نصيح ووزير شفيق . والزوجة الصالحة عون صدق . ~~والسعيد من وعظ بغيرة . فإن أنت لم ترزق من هذا الخصال صل واحدة فلابد لك ~~من نكبة موجعة يبقى أثرها ويلوح لك ذكرها . ولذلك قالوا : خير مالك ما نفعك ~~. ولذلك قالوا : لم يذهب من مالك ما وعظك . إن المال محروص عليه ومطلوب في ~~قعر البحار وفي رءوس الجبال وفي دغل الغياض ومطلوب في الوعورة ا يطلب في ~~السهولة . وسواء فيها بطون الأودية وظهور الطرق ومشارق الأرض ومغاربها . ~~فطلبت بالعز وطلبت بالذل وطلبت بالوفاء وطلبت بالغدر وطلبت بالنسك كما طلبت ~~بالفتك وطلبت بالصدق كما طلبت بالكذب وطلبت بالبذاء وطلبت بالملق - فلم ~~تترك فيها حيلة ولا رقية حتى طلبت بالكفر بالله كما طلبت بالإيمان . وطلبت ~~بالسخف كما طلبت بالنبل . فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع ونصبوا الشرك بكل ربع ~~. وقد طلبك من لا يقصر دون الظفر . وحسدك من لا ينام دون الشفاء . وقد يهدأ ~~الطالب الطوائل والمطلوب بذات نفسه ولا يهدأ الحريص . يقال إنه ليس في ~~الأرض بلدة واسطة ولا بادية شاسعة ولا طرف من الأطراف إلا وأنت واجد بها ~~PageV02P146 المديني والبصري والحيري . وقد ترى شنف الفقراء للأغنياء وتسرع ~~الرغبة إلى الملوك وبغض الماشي للراكب وعموم الحسد في المتفاوتين . وإن لم ~~تستعمل الحذر وتأخذ بنصيبك من المداراة وتتعلم الحزم وتجالس أصحاب الاقتصاد ~~وتعرف الدهور - ودهرك خاصة - وتمثل لنفسك الغير حتى تتوهم نفسك فقيرا ضائعا ~~وحتى تتهم شمالك ms130 على يمينك وسمعك على بصرك ولا يكون أحد أتهم عند نفسك من ~~ثقتك ولا أولى بأخذ الحذر منه من أمينك - اختطفت اختطافا واستلبت استلابا ~~وذوبوا مالك وتحيفوه وألزموه السل ولم يداووه . وقد قالوا : بلي المال ربه ~~وإن كان أحمق . فلا تكونن دون ذلك الأحمق . وقالوا : لا تعدم صناع ثلة . ~~فلا تكونن دون تلك الصناع . وقد قال الأول في المال المضيع المسلط عليه ~~شهوات العيال : ليس لها راع ولكن حلبة . وليس مالك المال المعفى من الأضراس ~~فيقال فيه : مرعى ولا أكولة وعشب ولا بعير . فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم ~~ببطنك وبحوائجك وبما ينوبك . ولا بقاء للمال على قلة الرعي وكثرة الحلب . ~~PageV02P147 فكس في أمرك وتقدم في حفظ مالك فإن من حفظ ماله فقد حفظ ~~الأكرمين . والأكرمان : الدين والعرض . وقد قيل : للرمي يراش السهم وعند ~~النطاح تغلب القرناء . وإذا رأت العرب مستأكلا وافق غمرا قالت : ليس عليك ~~نسجه فاسحب وخرق . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الناس كلهم ~~سواء كأسنان المشط والمرء كثير بأخيه ) ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك ما ~~يرى لنفسه . فتعرف شأن أصحابك ومعنى جلسائك . فإن كانوا في هذه الصفة ~~فاستعمل الحزم وإن كانوا في خلاف ذلك عملت على حسب ذلك . إني لست أمرك إلا ~~بما أمرك به القرآن . ولست أوصيك إلا بما أوصاك به الرسول . ولا أعظك إلا ~~بما وعظ به الصالحون بعضهم بعضا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~اعقلها وتوكل ) . وقال مطرف بن الشخير : من نام تحت صدف مائل وهو ينوي ~~التوكل فليرم بنفسه من طمار وهو ينوي التوكل ! فأين التوقي الذي أمر الله ~~به وأين التغرير الذي PageV02P148 نهى عنه ومن طمع في السلامة من غير تسلم ~~فقد وضع الطمع في موضع الأماني . وإنما ينجز الله الطمع إذا كان فيما أمر ~~به وإنما يحقق من الأمل ما كان هو المسبب له . وفر عمر من الطاعون فقال له ~~أبو عبيدة : أتفر من قدر الله قال نعم إلى قدر الله وقيل له ms131 : هل ينفع ~~الحذر من القدر فقال : لو كان الحذر لا ينفع لكان الأمر به لغوا . فإبلاء ~~العذر هو التوكل . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل قال في خصومة : ~~حسبي الله : أبل الله عذرا فإذا أعجزك أمر فقل : حسبي الله . وقال الشاعر : ~~ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا من المال يطرح نفسه كل مطرح ليبلي عذرا أو ~~ليبلغ حاجة ومبلغ نفس عذرها مثل منجح وقال الآخر : فإن لم يكن القاضي قضى ~~غير عادل فبعد أمور لا ألوم لها نفسي وقال زهير البابي : إن كان التوكل أن ~~أكون متى أخرجت مالي أيقنت بالخلف وجعلت الخلف مالا يرجع في كيسي ومتى ما ~~لم أحفظه أيقنت بأنه محفوظ فإني أشهدكم أني لم أتوكل قط . إنما التوكل أن ~~تعلم أنك متى أخذت بأدب الله أنك تتقلب في الخير فتجزى بذلك PageV02P149 ~~إما عاجلا وإما آجلا - ثم قال : فلم تجر أبو بكر ولم تجر عمر ولم تجر عثمان ~~ولم تجر الزبير ولم تجر عبد الرحمن ولم علم عمر الناس يتجرون وكيف يشترون ~~ويبيعون ولم قال عمر : إذا اشتريت جملا فاجعله ضخما فإن لم يبعه الخبر باعه ~~المنظر ولم قال عمر : فرقوا بين المنايا واجعلوا الرأس رأسين . ولم قال ~~عثمان حين سئل عن كثرة أرباحه قال : لم أرو من ربح قط . ولم قيل : لا تشتر ~~عيبا ولا شيبا وهل حجر علي بن أبي طالب على ابن أخيه عبد الله بن جعفر إلا ~~في إخراج المال في غير حقه وإعطائه في هواه وهل كان ذلك إلا في طلب الذكر ~~والتماس الشكر وهل قال أحد : إن إنفاقه كان في الخمور والقمار وفي الفسولة ~~والفجور وهل كان إلا فيما تسمونه جودا وتعدونه كرما ومن رأى أن يحجر على ~~الكرام لكرمهم رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم . وأي إمام بعد أبي بكر ~~تريدون وبأي سلف بعد علي تفتدون . PageV02P150 وكيف نرجو الوفاء والقيام ~~بالحق والصبر على النائبة من عند لعموظ مستأكل وملاق مخادع ومنهوم بالطعام ~~شره لا يبالي بأي شيء أخذ ms132 الدرهم ومن أي وجه أصاب الدينار ولا يكترث للمنة ~~ولا يبالي أن يكون أبدا منهوما منعوما عليه وليس يبالي - إذا أكل - كيف كان ~~ذلك الطعام وكيف كان سببه وما حكمه فإن كان مالك قليلا فإنما هو قوام عيالك ~~وإن كان كثيرا فاجعل الفاضل لعدة نوائبك . ولا يأمن الأيام إلا المضلل ولا ~~يغتر بالسلامة إلا المغفل . فأحذر طوارق البلاء وخدع رجال الدهاء . سمنك في ~~أديمك وغثك خير من سمين غيرك لو وجدته فكيف ودونه أسل حداد وأبواب شداد ~~قالت امرأة لبعض العرب : إن تزوجتني كفيتك فأنشأ يقول : وما خير مال ليس ~~نافع أهله وليس لشيخ الحي في أمره أمر وقال المعلوط القريعي : أبا هانئ لا ~~تسأل الناس والتمس بكفيك ستر الله فالله واسع فلو تسأل الناس التراب ~~لأوشكوا إذا قلت : هاتوا أن يملوا فيمنعوا PageV02P151 ثم رجع الحديث إلى ~~البخلاء وإلى طرف معانيهم وكلامهم . قال ابن حسان : كان عندنا رجل مقل و ~~كان له أخ مكثر وكان مفرط البخل شديد النفح فقال له يوما أخوه : ويحك ! أنا ~~فقير معيل وأنت غني خفيف الظهر لا تعينني على الزمان و لا تواسيني ببعض ~~مالك و لا تتفرج لي عن شيء ! و الله ما رأيت قط ولا سمعت أنحل منك ! قال : ~~ويحك ! ليس الأمر كما تظن ولا المال كما تحسب ولا أنا كما تقول في البخل ~~ولا في اليسر والله لو ملكت ألف ألف درهم لوهبت لك خمسمائة ألف درهم . يا ~~هؤلاء فرجل يهب في ضربة واحدة خمسمائة الف درهم يقال له : بخيل ! وأما صاحب ~~الثريدة البلقاء فليس عجبي من بلقة ثريدته وسائر ما كان يظهر على خوانه ~~كعجبي من شيء واحد وكيف ضبطه وحصره وقوي عليه مع كثرة أحاديثه وصنوف مذاهبه ~~وذلك أني في كثرة ما جالسته وفي كثرة ما كان فيه يفنن من الأحاديث لم أره ~~خبر أن رجلا وهب لرجل درهما واحدا ! فقد كان يفنن في الحزم والعزم وفي ~~الحلم والعلم وفي جميع المعاني إلا ذكر الجود فإني لم أسمع هذا الاسم ms133 منه ~~قط : خرج هذا الباب من لسانه كما خرج من قلبه ! PageV02P152 ويؤكد ما قلت ~~ما حدثني به طاهر الأسير فإنه قال : ومما يدل على أن الروم أبخل الأمم أنك ~~لا تجد للجود في لغتهم اسما . يقول : إنما يسمى الناس ما يحتاجون إلى ~~استعماله . ومع الاستغناء يسقط التكلف . وقد زعم ناس أن مما يدل على غش ~~الفرس أنه ليس للنصيحة في لغتهم اسم واحد يجمع المعاني التي يقع عليها هذا ~~الاسم . وقول القائل : نصيحة ليس يراد به سلامة القلب فقد يكون أن يكون ~~الرجل سليم الصدر ولم يحدث سبب من أجله يقصد إلى المشورة عليك بالذي هو أرد ~~عليك - على حسب رأيه فيك - وجها لنفعك . ففي لغتهم اسم للسلامة واسم لإرادة ~~الخير وحسن المشورة وحملك بالرأي على الصواب . فللنصيحة عندهم أسماء مختلفة ~~إذا اجتمعت دلت على ما يدل عليه الاسم الواحد في لغة العرب . فمن قضى عليهم ~~بالغش من هذا الوجه فقد ظلم . وحدثني إبراهيم بن عبد العزيز قال : تغديت مع ~~راشد الأعور فأتونا بجام فيه بيان سبخي الذي يقال له الدراج فجعلت آخذ ~~الواحدة فأقطع رأسها ثم أعزله ثم أشقها PageV02P153 باثنين من قبل بطنها ~~فآخذ شوكة الصلب والأضلاع فأعزلها وأرمي بما في بطنها وبطرف الذنب والجناح ~~. ثم أجمعها في لقمة واحدة وآكلها . وكان راشد يأخذ البياحة فيقطعها قطعتين ~~فيجعل قطعة في لقمة لا يلقي رأسا ولا ذنبا - فصبر لي على لقم عدة . فلما ~~بلغت المجهود منه قال : أي بني إذا أكلت الطعام فكل خيره بشره ! قال : وكان ~~يقول : لم أنتفع بأكل التمر إلا مع الزنج وأهل أصبهان . فأما الزنجي فإنه ~~لا يتخير وأنا أتخير . وأما الأصبهاني فإنه يقبض القبضة ولا يأكل من غيرها ~~ولا ينظر إلى ما بين يديه حتى يفرغ من القبضة . وهذا عدل . والتخير قرفة ~~وجور . لا جرم أن الذي يبقى من التمر لا ينتفع به العيال إذا كان قدام من ~~يتخير . وكان يقول : ليس من الأدب أن تجول يدك في الطبق وإنما هو تمر وما ~~أصاب . وزعم ms134 سري بن مكرم وهو ابن أخي موسى بن جناح قال : كان موسى يأمرنا ~~ألا نأكل ما دام أحد منا مشغولا بشرب الماء وطلبه . فلما رآنا لا نطاوعه ~~دعا ليلة بالماء ثم خط بإصبعه خطا وأحاديثه في صدر هذا الكتاب . وهذا منها ~~. PageV02P154 وقال المكي لبعض من كان يتعشى ويفطر عند الباسياني : ويحكم ! ~~كيف تسيغون طعامه وأنتم تسمعونه يقول : { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا } . ثم ترونه لا يقرؤها إلا وأنتم على العشاء ولا يقرأ ~~غير هذه الآية . أنتم والله ضد الذي قال : ألبان إبل تعلة بن مسافر ما دام ~~يملكها على حرام وطعام عمران بن أوفى مثله ما دام يسلك في البطون طعام إن ~~الذين يسوغ في أعناقهم زاد يمن عليهم للئام قال : فمتى تعجب أعجب من خمسين ~~رجلا من العرب فيهم أبو رافع الكلابي وهو شاعر ندى يفطرون عند أبي عثمان ~~الأعور . فإفطاري من طعام نصراني أشد من إفطاري من طعام مسلم يقرأ القرآن ~~ويقول الحق . وحدثني أبو المنجوف السدوسي قال : كنت مع أبي ومعنا شيخ من ~~موالي الحي . فمررنا بناطور على نهر الأبلة ونحن تعبون . فجلسنا إليه . فلم ~~يلبث أن جاءنا بطبق عليه رطب سكر وجيسوان أسود فوضعه بين أيدينا . فأكل ~~الشيخ الذي كان معنا . فلما رأيت أبي PageV02P155 لا يأكل لم آكل وبي إلى ~~ذلك حاجة . فأقبل الناطور على أبي فقال : لم لا تأكل قال : والله إني ~~لأشتهيه . ولكن لا أظن صاحب الأرض أباح لك طعام الناس من الغريب . فلو ~~جئتنا بشيء من السهريز والبرني لأكلنا . فقال مولانا وهو شيخ كبير السن : ~~ولكني أنا لم أنظر في شيء من هذا قط . قال المكي : دخل إسماعيل بن غزوان ~~إلى بعض المساجد يصلي . فوجد الصف تاما فلم يستطع أن يقوم وحده . فجذب ثوب ~~شيخ في الصف ليتأخر فيقوم معه . فلما تأخر الشيخ ورأى الفرج تقدم فقام في ~~موضع الشيخ وترك الشيخ قائما خلفه ينظر في قفاه ويدعو الله عليه . وكان ~~ثمامة يحتشم أن يقعد على خوانه من ms135 لا يأنس به . ومن رأيه أن يأكل بعض ~~غلمانه معه . فحبس قاسم التمار يوما على غدائه بعض من يحتشمه . فاحتمل ذلك ~~ثمامة في نفسه . ثم عاد بعد ذلك إلى مثلها ففعل ذلك مرارا حتى ضج ثمامة ~~واستفرغ صبره . فأقبل عليه فقال : ما يدعوك إلى هذا لو أردتم لكان لساني ~~مطلقا وكان رسولي يؤدي عني . فلم تحبس على طعامي من لا آنس به قال : إنما ~~أريد أن اسخيك فأنفي عنك التبخيل وسوء الظن . PageV02P156 فلما أن كان بعد ~~ذلك أراد بعضهم الانصراف قال له قاسم : أين تريد قال : قد تحرك بطني فأريد ~~المنزل . قال : فلم لا تتوضأ هاهنا فإن الكنيف خال نظيف والغلام فارغ نشيط ~~وليس من أبي معن حشمة ومنزله منزل إخوانه ! فدخل الرجل فتوضأ . فلما كان ~~بعد أيام حبس آخر . فلما كان بعد ذلك حبس آخر ! فاغتاظ ثمامة وبلغ في الغيظ ~~مبلغا لم يكن على مثله قط . ثم قال : هذا يحبسهم على غدائي لأن يسخيني ~~بحبسهم على أن يخرءوا عندي ! لمه لأن من لم يخرأ الناس عنده فهو بخيل على ~~الطعام ! وقد سمعتهم يقولون : فلان يكره أن يؤكل عنده . ولم أسمع أحدا قط ~~قال : فلان يكره أن يخرأ عنده ! وكان قاسم شديد الأكل شديد الخبط قذر ~~المؤاكلة . وكان أسخى الناس على طعام غيره وأبخل الناس على طعام نفسه . ~~وكان يعمل عمل رجل لم يسمع بالحشمة ولا بالتجمل قط . فكان لا يرضى بسوء ~~أدبه على طعام ثمامة حتى يجر معه ابنه إبراهيم . وكان بينه وبين إبراهيم ~~ابنه في القذر ما بينه وبين جميع العالمين ! فكانا إذا تقابلا على خوان ~~ثمامة لم يكن لأحد على أيمانهما وشمائلهما حظ في الطيبات ! فأتوه يوما ~~بقصعة ضخمة فيها ثريدة كهيئة الصومعة مكللة بإكليل من عراق بأكثر ما يكون ~~من العراق . فأخذ قاسم الذي يستقبله ثم أخذ يمنة وأخذ ما بين يدي من كان ~~بينه وبين ثمامة حتى لم يدع إلا عرقا قدام ثمامة . ثم مال على جانبه الأيسر ~~فصنع مثل ذلك PageV02P157 الصنيع . وعارضه ابنه وحاكاه ms136 ! فلما أن نظر ثمامة ~~إلى الثريدة مكشوفة القناع مسلوبة عارية واللحم كله بين يديه وبين يدي ابنه ~~إلا قطعة واحدة بين يديه تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه ولم يدفعها . ~~واحتسب بها في الكرامة والبر . فقال قاسم لما فرغ من غدائه : أما رأيتم ~~إكرام ثمامة لابني وكيف خصه فلما حكى هذا لي قلت : ويلك ! ما أظن أن في ~~الأرض عرقا أشام على عيالك منه ! فلما حكى هذا لي قلت : ويلك ! ما أظن أن ~~في الأرض عرقا أشأم على عيالك منه ! هذا أحرجه الغيظ وهذا الغيظ لا يتركه ~~حتى يتشفى منك . فإن قدر لك على ذنب فقد والله هلكت . وإن لم يقدر أقدره لك ~~الغيظ . وأبواب التجني كثيرة . وليس أحد إلا وفيه ما إن شئت جعلته ذنبا . ~~فكيف وأنت ذنوب من قرنك إلى قدمك ! وكان ثمامة يفطر أيام كان في أصحاب ~~الفساطيط ناسا . فكثروا عليه وأتوه بالرقاع والشفاعات . وفي حشوة المتكلمين ~~أخلاق قبيحة وفيهم على أهل الكلام وعلى أرباب الصناعات محنة عظيمة . فلما ~~رأى ثمامة ما قد دهمه أقبل عليهم وهم يتعشون فقال : إن الله عز وجل لا ~~يستحيي من الحق . كلكم واجب الحق . ومن لم تجئنا شفاعته فأكرمه كمن تقدمت ~~شفاعته . كما أنا لو PageV02P158 فكذلك أنتم إذا أعجزنا أو بدا لنا فليس ~~بعضكم أحق بالحرمان من بعض أو بالحمل عليه أو بالاعتذار إليه من بعض . ومتى ~~قربتكم وفتحت بابي لكم وباعدت من هو أكثر منكم عددا وأغلقت بابي دونهم لم ~~يكن في إدخالي إياكم عذر لي ولا في منع الآخرين حجة . فانصرفوا ولا تعودوا ~~! قال أبو محمد العروضي : وقعت بين قوم عربدة فقام المغني يحجز بينهم وكان ~~شيخا معيلا بخيلا . فمسك رجل بحلقه فعصره فصاح : معيشتي ! معيشتي ! فتبسم ~~وتركه . وحثني ابن كريمة قال : وهبوا للكناني المغني خابية فارغة . فلما ~~كان عند انصرافه وضعوها له على الباب . ولم يكن عنده كراء حمالها . وأدركه ~~ما يدرك المغنين من التيه فلم يحملها . فكان يركلها ركلة فتدحرج وتدور ~~بمبلغ حمية الركلة . ويقوم من ناحية كي ms137 لا يراه إنسان ويرى ما يصنع . ثم ~~يدنو منها ثم يركلها أخرى فتدحرج وتدور ويقف من ناحية . فلم يزل يفعل ذلك ~~إلى أن بلغ بها المنزل ! قالوا : كان عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله ~~بن الحسن قد استخفى بالبصرة في عبد القيس من أمير المؤمنين أبي جعفر وعماله ~~. وكان في غرفة قدامها جناح . وكان PageV02P159 لا يطلع رأسه منها . فلما ~~سكن الطلب شيئا وثبت عنده حسن جوار القوم صار يجلس في الجناح يرضى بأن يسمع ~~الصوت ولا يرى الشخص لما في ذلك من الأنس عند طول الوحشة . فلما طالت به ~~الأيام ومرت أيام السلامة جعل في الجناح خرقا بقدر عينه . فلما طالت الأيام ~~صار ينظر من شق باب كان مسمورا . ثم ما زال يفتحه الأول فالأول إلى أن صار ~~يخرج رأسه ويبدي وجهه . فلما لم ير شيئا يريبه قعد في الدهليز . فلما زاد ~~في الأنس جلس على باب الدار ! ثم صلى معهم في مصلاهم ودخل . ثم صلى بعد ذلك ~~وجلس . والقوم عرب . وكانوا يفيضون في الحديث ويذكرون من الشعر الشاهد ~~والمثل ومن الخبر الأيام والمقامات . وهو في ذلك ساكت إذا أقبل عليه ذات ~~يوم فتى منهم خرج عن أدبهم وأغفل بعض ما راضوه به من سيرتهم فقال له : يا ~~شيخ إنا قوم نخوض في بعض ضروب فربما تكلمنا بالمثلبة وأنشدنا الهجاء . فلوا ~~أعلمتنا ممن أنت تجنبنا كل ما يسوءك . ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كلها ~~وأخبار المثلب بأسرها لم نأمن أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك ~~. فلو عرفتنا نسبك كفيناك سماع ما يسوءك من هجاء قومك ومن مديح عدوك . ~~فلطمه شيخ منهم وقال : لا أم لك ! محنة كمحنة الخوارج وتنقير كتنقير ~~العيابين ولم لا تدع ما يريبك إلى مالا يريبك فتسكت إلا عما توقن بأنه يسره ~~. PageV02P160 قال : وقال عبد النور : ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر . ~~فتحولت إلى شق بني تميم فنزلت برجل فأخذته بالثقة وأكمنت نفسي إلى أن أعرف ~~سبيل القوم . وكان للرجل كنيف إلى جانب داره ms138 يشرع في طريق لا ينفذ . إلا أن ~~من مر في ذلك الشارع رأى مسقط الغائط من خلاء ذلك الجناح . وكان صاحب الدار ~~ضيق العيش فاتسع بنزولي عليه . فكان القوم إذا مروا به ينظرون إلى موضع ~~الزبل والغائط فلا يذهب قلبي إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه . فبينا أنا ~~جالس ذات يوم إذا أنا بأصوات ملتفة على الباب وإذا صاحبي ينتفي ويعتذر وإذا ~~الجيران قد اجتمعوا إليه وقالوا : ما هذا الثلط الذي يسقط من جناحك بعد أن ~~كنا لا نرى إلا شيئا كالبعر من يبس الكعك وهذا ثلط يعبر عن أكل غض ! ولولا ~~أنك انتجعت على بعض من تستر وتواري لأظهرته . وقد قال الأول : الستر دون ~~الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر ولولا أن هذا طلبة السلطان لما توارى ~~. فلسنا نأمن من أن يجر على الحي بلية . ولست تبالي - إذا حسنت حالك في ~~عاجل أيامك - إلام يفضي بك الحال وما تلقى عشيرتك . فإما أن تخرجه إلينا ~~وإما أن تخرجه عنا . قال عبد النور : فقلت : هذه والله القيافة ولا قيافة ~~بني مدلج ! إنا لله ! خرجت من الجنة إلى النار ! وقلت : هذا وعيد . ~~PageV02P161 وقد اعذر من انذر . فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء ~~ولا ظننت أن الكرم يبلغ ما رأيت من أولئك ! شهدت الأصمعي يوما وأقبل على ~~جلسائه يسألهم عن عيشهم وعما يأكلون ويشربون . فأقبل على الذي عن يمينه ~~فقال : أبا فلان ما أدمك قال : اللحم . قال : أكل يوم لحم قال : نعم . قال ~~: وفيه الصفراء والبيضاء والحمراء والكدراء والحامضة والحلوة والمرة قال : ~~نعم . قال : بئس العيش هذا ! ليس هذا عيش آل الخطاب . كان عمر بن الخطاب ~~رحمة الله عليه ورضوانه PageV02P162 يضرب على هذا . وكان يقول : مد من ~~اللحم كمد من الخمر . ثم سأل الذي يليه قال : أبا فلان ما أدمك قال : ~~الآدام الكثير والألوان الطيبة . قال : أفي آدامك سمن قال : نعم . قال ~~فتجمع السمن والسمين على مائدة قال : نعم . قال : ليس هذا عيش آل الخطاب . ~~كان ابن الخطاب رحمة ms139 الله عله ورضوانه يضرب على هذا . وكان إذا وجد القدور ~~المختلفة الطعوم كدرها في قدر واحدة وقال : إن العرب لو أكلت هذا لقتل ~~بعضها بعضا . ثم يقبل على الآخر فيقول : أبا فلان ما أدمك قال : اللحم ~~السمين والجداء الرضع . قال : فتأكله بالحوارى قال : نعم . قال : ليس هذا ~~عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب يضرب على هذا . أو ما سمعته يقول : أتروني ~~لا أعرف الطعام الطيب لباب البر بصغار المعزى . ألا تراه كيف ينتفي من أكله ~~وينتحل معرفته ثم يقبل على الذي يليه فيقول : أبا فلان ما أدمك فيقول : ~~أكثر ما نأكل لحوم الجزور ونتخذ منها هذه القلايا ونجعل بعضها شواء . قال : ~~أفتأكل من أكبادها وأسمنتها وتتخذ لك الصباغ قال : نعم . قال : ليس هذا عيش ~~آل الخطاب . كان ابن الخطاب يضرب على هذا . أو ما سمعته يقول : أتروني لا ~~أقدر أتخذ أكبادا وأفلاذا وصلائق وصنابا ألا تراه كيف ينكر أكله ويستحسن ~~معرفته ثم يقول للذي يليه : أبا فلان ما أدمك فيقول : الشبارقات والأخبصة ~~والفالوذجات . قال : طعام العجم وعيش كسرى ولباب البر بلعاب النحل بخالص ~~السمن - حتى أتى على آخرهم . كل ذلك يقول : بئس العيش هذا ! ليس هذا عيش آل ~~الخطاب . كان ابن الخطاب يضرب على هذا . فلما انقضى كلامه أقبل عليه بعضهم ~~فقال : يا أبا سعيد ما أدمك قال : يوما لبن ويوما زيت ويوما سمن ويوما تمر ~~ويوما جبن ويوما قفار ويوما لحم . عيش آل الخطاب . PageV02P163 ثم قال : ~~قال أبو الأشهب : كان الحسن يشتري لأهله كل يوم بنصف درهم لحما . فإن غلا ~~فبدرهم . فلما حبس عطاؤه كانت مرقته بشحم . ونبئت عن رجل من قريش أنه كان ~~يقول : من لم يحسن يمنع لم يحسن يعطى وأنه قال لابنه : أي بني إنك إن أعطيت ~~في غير موضع الإعطاء أوشك أن تستعطي الناس فلا تعطي . ثم أقبل علينا فقال : ~~هل علمتم أن اليأس أقل من القناعة وأعز . إن الطمع لا يزال طمعا وصاحب ~~الطمع لا ينتظر الأسباب ولا يعرف الطمع الكاذب من الصادق . والعيال ms140 عيالان ~~: شهوة مفسدة وضرس طحون . وأكل الشهوة أثقل من أكل الضرس . وقد زعموا أن ~~العيال سوس المال وأنه لا مال لذي عيال . وأنا أقول : إن الشهوة تبلغ ما لا ~~يبلغ السوس وتأتي على ما يقصر دونه العيال . وقد قال الحسن : ما عال أحد قط ~~عن قصد . وقيل ليشخ من أهل البصرة : مالك لا ينمي لك مال قال : لأني اتخذت ~~العيال قبل المال واتخذ الناس المال قبل العيال . وقد رأيت من تقدم عياله ~~ماله فجبره الإصلاح ورفده الاقتصاد وأعانه حسن التدبير . وقال : أر لشهواني ~~تدبيرا ولا لشره صبرا . وقال إياس بن معاوية : إن الرجل يكون عليه ألف ~~PageV02P164 فينفق ألفا فيصلح فتصلح له الغلة . ويكون عليه ألفان فينفق ~~ألفين فيصلح فتصلح له الغلة . ويكون عليه ألفان فينفق ثلاثة آلاف فيتبع ~~العقار في فضل النفقة . وذكر الحديث عن أبي لينة قال : كنت أرى زيادا وهو ~~أمير يمر بنا على بغلة في عنقها حبل من ليف مدرج على عنقها . وكان سلم بن ~~قتيبة يركب بغلة وحده ومعه أربعة آلاف رابطة . ورآه الفضل بن عيسى على حمار ~~وهو أمير فقال : بذلة نبي وقعود جبار ! ولو شاء أبو سيارة أن يدفع بالعرب ~~على جمل مهري أو فرس عتيق لفعل . ولكنه أراد هدى الصالحين . وحمل عمر على ~~برذون فهملج تحته . فنزل عنه . فقال لأصحابه : جنبوني هذا الشيطان . ثم قال ~~لأصحابه : لا تطلبوا العز بغير ما أعزكم الله به . قد كنت أعجب من بعض ~~السلف حيث قال : ما أعرف شيئا مما كان الناس عليه إلا الأذان . وأنا أقول ~~ذلك . ولم يزل الناس في هبوط ما ترفعوا بالإسراف وما رفعوا البنيان ~~PageV02P165 للمطاولة . وإن من أعجب ما رأيت في هذا الزمان أو سمعت مفاخرة ~~مويس بن عمران لأبي عبيد الله بن سليمان في أيهما كان أسبق إلى ركوب ~~البراذين ! وما للتاجر وللبرذون وما ركوب التاجر للبراذين إلا كركوب العرب ~~للبقر ! ولو كانوا إذا جلسوا في الخيوش واتخذوا الحمامات في الدور وأقاموا ~~وظائف الثلج والريحان واتخذوا القيان والخصيان استرد الناس ودائعهم ms141 ~~واسترجعت القضاة أموال الأيتام والحشرية منهم لعادوا إلى دينهم وعيشهم ~~واقتصادهم . وإذا رآهم أصحاب الغلات وأهل الشرف والبيوتات أنفوا أن يكونوا ~~دونهم في البزة والهيئة . فهلكوا وأهلكوا . زعم أبو يعقوب الخريمي أن جعفر ~~بن يحيى أراد يوما حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعي وأنه دفع إلى خادم ~~له كيسا فيه ألف دينار وقال له : سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي . وسيحدثني ~~ويضحكني . فإذا رأيتني قد ضحكت فضع الكيس بين يديه . PageV02P166 فلما دخل ~~فرأى حبا مقطوع الرأس وجرة مكسورة العروة وقصعة مشعبة وجفنة أعشارا ورآه ~~على مصلى بال وعليه بركان أجرد - غمز غلامه بعينه ألا يضع الكيس بين يديه ~~ولا يدفع إليه شيئا . فلم يدع الأصمعي شيئا مما يضحك الثكلان والغضبان إلا ~~أورده عليه فما تبسم فقال له إنسان : ما أدري من أي أمر يك أعجب أمن صبرك ~~على الضحك وقد أورد عليك ما لا يصبر على مثله أم من تركك إعطاءه وقد كنت ~~عزمت على إعطائه وهذا خلاف ما أعرفك به ! قال : ويلك ! من استرعى الذئب فقد ~~ظلم . ومن زرع سبخة حصد الفقر . إني والله لو علمت أنه يكتم المعروف بالفعل ~~لما ارتفقت بنشره له باللسان . وأين يقع مديح اللسان من مديح آثار الغنى ~~على الإنسان فاللسان قد يكذب والحال لا تكذب . لله در نصيب حيث يقول : ~~فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب PageV02P167 ~~أعلمت أن ناووس أبرويز أمدح له من شعر زهير لآل سنان بن أبي حارثة لأن ~~الشاعر يكذب ويصدق وبنيان لا يكذب مرة ويصدق مرة . فلست بعائد إلى هذا ~~بمعروف أبدا . كان الأصمعي يتعوذ بالله من الاستقراض والاستقراض . فأنعم ~~الله عليه حتى صار هو المستقرض منه والمستفرض ما عنده . فاتفق أن أتاه في ~~يوم واحد رجلان . وكان أحدهما يطلب الفرض والآخر يطلب القرض . هجما عليه ~~معا فأثقله ذلك وملأ صدره ! ثم أقبل على صاحب السلف فقال : تتبدل الأفعال ~~بتبدل الحال . ولكل زمان تدبير ولكل شيء مقدار والله في كل يوم في شأن . ~~كان الفقيه ms142 يمر باللقطة فيتجاوزها ولا يتناولها كي يمتحن بحفظها سواه إذ ~~كان جل الناس في ذلك الدهر يريدون الأمانة ويحوطون اللقطة . فلما تبدلوا ~~وفسدوا وجب على الفقيه إحرازها والحفظ لها وأن يصبر على ما نابه من المحنة ~~واختبر به من الكلفة . وقد بلغني أن رجلا أتي صديقا له يستقرض منه مالا ~~فتركه بالباب ثم خرج إليه مؤتزرا . فقال له : مالك قال : جئت للقتال والطام ~~والخصومة والصخب . قال : ولم PageV02P168 قال : لأنك في أخذ مالي بين حالين ~~: إما أن تذهب به . وإما أن تمطلني به . فلو أخذته على طريق البر والصلة ~~لاعتددت عليك بحق ولوجب عليك به شكر . وإذا أخذته من طريق السلف كانت ~~العادة في الديون والسيرة في الأسلاف الرد أو التقاضي . وإذا تقاضيتك ~~أغضبتك وإذا أغضبتك أسمعتني ما أكره فتجمع على المطل وسوء اللفظ والوحشة ~~وإفساد اليد في الأسلاف وأنت أظلم فأغضب كما غضبت . فإذا نقلتني إلى حالك ~~فعلت فعلك وصرت أنا وأنت كما قال العربي : أنا تئق وصاحبي مئق - فما ظنك ~~بمئق من الغيظ مملوء من الغضب لاقى متأقا من الموق مملوءا من الكفران - ~~ولكني أدخل إلى المنزل فأخرج إليك مؤتزرا فأعجل لك اليوم ما أخرته إلى غد . ~~وقد علمت أن ضرب الموعظة دون ضرب الحقد والسخيمة فتربح صرف ما بين الألمين ~~وفضل ما بين الشتمين . وبعد فأنا أضن بصداقتي لك وأشح على نصيبي منك من أن ~~أعرضه للفساد وأن أعينك على القطيعة . فلا تلمني على أن كنت عندي واحدا من ~~أهل عصرك . فإن كنت عند نفسك فوقهم وبعيدا من مذهبهم فلا تكلف الناس علم ~~الغيب فتظلمهم . PageV02P169 ثم قال : وما زالت العارية مؤداة والوديعة ~~محفوظة . فلما قالوا : أحق الخيل بالركض المعار بعد أم كان يقال : أحق ~~الخيل بالصون المعار وبعد المؤمنين قيل لبعضهم : ارفق به قال : إنه عارية ~~وقال الآخر : فاقتل ! - فسدت العارية واستد هذا الباب . ولما قالوا : واخفض ~~جناحك إن مشيت تخشعا حتى تصيب وديعة ليتيم وحين أكلت الأمانات الأمناء ~~والأوصياء ورتع فيها المعدلون والصارفون وجب حفظها ودفنها وكان ms143 أكل الأرض ~~لها خيرا من أكل الخئون الفاجر واللئيم الغادر . وهذا مع قول أكثم بن صيفي ~~في ذلك الدهر : لو سئلت العارية : أين تذهبين قالت : أكسب أهلي ذما . وأنا ~~اليوم أنهي عن العارية والوديعة وعن القرض والفرض وأكره أن يخالف قولي فعلي ~~. أما القرض فما أنبأتك وأما الفرض فليس يسعه إلا بيت المال . ولو وهبت لك ~~PageV02P170 درهما واحدا لفتحت على مالي بابا لا تسده الجبال والرمال ولو ~~استطعت أن أجعل دونه ردما كردم ياجوج ومأجوج . إن الناس فاغرة أفواههم نحوه ~~من عنده دراهم فليس يمنعهم من النهس إلا اليأس . وإن طعموا لم تبق راغية ~~ولا ثاغية ولا سبد ولا لبد ولا صامت ولا ناطق إلا ابتلعوه والتهموه ! أتدري ~~ما تريد بشيخك إنما تريد أن تفقره . فإذا أفقرته فقد قتلته . وقد تعلم ما ~~جاء في قتل النفس المؤمنة ! فلم أشبه قول الأصمعي لهذا الرجل حين قال : أنا ~~أضن بك وأشح على نصيبي منك من أن أعرضه للفساد إلا بقول ثمامة حين قال لابن ~~سافري : بالنظر مني أقول لك والشفقة مني أسبك . وذلك أنه ندم فرأى أن هذا ~~القول يجعل ذلك منه يدا ونعمة . وشهدت ثمامة وقد أتاه رجل قال : لي إليك ~~حاجة فقال ثمامة : ولي إليك أيضا حاجة . قال : وما حاجتك قال : لست أذكرها ~~لك حتى تضمن لي قضاءها . قال : نعم . قال : فحاجتي ألا تسألني هذه الحاجة . ~~قال : إنك لا تدري ما هي قال : بلى قد دريت . قال : فما هي قال : هي حاجة . ~~وليس يكون الشيء حاجة إلا وهي تخرج إلى شيء من الكلفة . قال : فقد رجعت عما ~~أعطيتك . قال : لكني لا أرد ما أخذت . PageV02P171 فأقبل عليه آخر فقال : ~~لي حاجة إلى منصور بن النعمان . قال : قل . لي حاجة إلى ثمامة بن أشرس لأني ~~أنا الذي أقضي لك الحاجة ومنصور يقضيها لي . فالحاجة أنا أقضيها لك وغيري ~~يقضيها لي . ثم قال : فأنا لا أتكلم في الولايات ولا أتكلم في الدراهم لأن ~~الدراهم من قلوب الناس ولأن الحوائج تنقض . فمن سألته اليوم ms144 أن يعطيك سألني ~~غدا أن أعطي غيرك . فتعجيلي تلك العطية لك أروح لي . ليس عندي دراهم ولو ~~كان عندي دراهم لكانت نوائبي القائمة الساعة تستغرقها . ولكن أؤنب لكم من ~~شئتم . علي لكم من التأنيب كل ما تريدون ! قلت له فإذا أتيت رجلا في أمر لم ~~تتقدم فيه بمسألة كيف يكون جوابه لك فضحك حتى وجاء مرة أبو همام المسوط ~~يكلمه في مرمة داره التي تطوع ببنائها في رباط عبادان فقال : ذكرتني الطعن ~~وكنت ناسيا . قد كنت عزمت على هدمها حين بلغني أن الجبرية PageV02P172 قد ~~نزلتها . قال : سبحان الله ! تهدم مكرمة ودارا قد وقفتها للسبيل قال : ~~فتعجب من ذا قد أردت أن أهدم المسجد الذي كنت بنيته ليزيد بن هاشم حين ترك ~~أن يبنيه في الشارع وبناه في الرائغ وحين بلغني أنه يخلط في الكلام ويعين ~~البشرية على المعتزلة . فلو أراده أبو همام وجد من ثمامة مربدا جميع مساحة ~~الأرض ! وكان حين يسوي لك اللفظ لا ينظر في صلاح المعاني من فسادها . وتمشى ~~رجل إلى الغاضري قال : إن صديقك القادمي قد قطع عليه الطريق . قال : فأي ~~شيء تريد قال : أن تخلف عليه . قال : فليس عليه قطع الطريق بل على قطع ! ~~وأتى ابن سكاب الصيرفي صديق له يستلف منه مالا فقال : لو شئت أن أقول لقلت ~~وأن أعتل اعتللت وأن أستعير بعض كلام من يستلف منه إخوانه فعلت . وليس ~~PageV02P173 أرى شيئا خيرا من التصحيح وقشر العصا وليس أفعل . فإن التمست ~~لي عذرا فهو أروح لقلبك وإن لم تفعل فهو شر لك . وضاق الفيض بن يزيد ضيقا ~~شديدا فقال : والله ما عندنا من شيء نعول عليه وقد بلغ السكين العظم . ~~والبيع لا يكون إلا مع طول المدة . والرأي أن ننزل هذه النائبة بمحمد بن ~~عباد فإنه يعرف الحال وصحة المعاملة وحسن القضاء وما لنا من السبب المنتظر ~~فلو كتبت إليه كتابا لسره ذلك ولسد منا هذه الخلة القائمة الساعة . فتناول ~~القلم والقرطاس ليكتب إليه كتاب الواثق المدل لا يشك أنه سيتلقى حاجته بمثل ms145 ~~ما كان هو المتلقي لها منه - ومضى بعض من كان في المجلس إلى محمد بن عباد ~~ليبشره بسرعة ورود حاجة الفيض إليه . فأتاه أمر لا يقوم به . فأمر بالكتابة ~~إليه ليشغله بحاجته إليه عن حاجته إليه . PageV02P174 فكتب إليه : مالي ~~يضعف والدخل قليل والعيال كثير والسعر غال . وأرزاقنا من الديوان قد احتبست ~~. وقد تفتحت علينا من أبواب النوائب في هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب . ~~فإن رأيت أن تبعث إلي بما أمكنك فعجل به فإن بنا إليه أعظم الحاجة فورد ~~الكتاب على الفيض قبل نفوذ كتابه إليه . فلما قرأه استرجع وكتب إليه : يا ~~أخي تضاعفت على المصيبة حتى جمعت خلة عيالك إلى خلة عيالي . وقد كنت على ~~الاحتيال لهم . وسأضطرب في وجوه الحيل غير هذا الاضطراب . وسأتحرك في بيع ~~ما عندي ولو ببعض الطرح . فلما رجع الكتاب على ابن عباد سكن وألقي صاحبه في ~~أشد الحركة وأتعب التعب . وكان رجل من أبناء الحربية له سخاء وأريحية . ~~وكان يكثر استزارة ابن عباد ويتلف عليه من الأموال من طريق الرغبة في ~~الأدباء وفي مشايخ الظرفاء . وكان يظن بكرمه أن زيارته ابن عباد في منزله ~~زيادة في المؤانسة . وقد كان بلغه إمساكه ولكنه لم يظن أنه لا حيلة في سببه ~~. فأتاه يوما متطرئا قال : جئتك من غير دعاء . وقد رضيت بما حضر . قال : ~~فليس يحضر شيء . وقولك : بما حضر لا بد من أن يقع على شيء ! قال : ~~PageV02P175 فقطعة مالح قال : وقطعه مالح ليس هي شيء قال بلى فنحن نشرب على ~~الريق قال : لو كان عندنا نبيذ كنا في عرس . قال : فأنا أبعث إلى نبيذ . ~~قال : فإذا صرت إلى تحويل النبيذ فحول أيضا ما يصلح للنبيذ ! قال : ليس ~~يمنعني من ذلك ومن إحضار النقل والريحان إلا أن أحتسب لك هذه الزورة بدعوة ~~. وليس يجوز ذلك إلا بأن يكون لك فيها أثر . فقال محمد : فقد انفتح لي باب ~~لكم فيه صلاح وليس على فيه فساد : في هذه النخلة زوج ورشان . ولهما فرخان ~~مدركان . فإن ms146 نحن وجدنا إنسانا يصعدها - فإنها سحيقة منجردة - ولم يطيرا - ~~فإنهما قد صارا ناهضين - جعلنا الواحد طباهجة والآخر جردناجا فإنه يوم ~~فطلبوا في الجيران إنسانا يصعد تلك النخلة فلم يقدروا عليه . فدلوهم على ~~أكار لبعض أهل الحربية . فما زال الرسول يطلبه حتى وقع عليه . فلما جاء ~~ونظر إلى النخلة قال : هذه لا تصعد ولا يرتقي عليها إلا بالتبليا والبربند ~~. فكيف أرومها أنا بلا سبب فسألوه أن يلتمس لهم ذلك . فذهب فغبر مليا . ثم ~~أتاهم به . فلما صار في أعلاها طار أحدهما وأنزل الآخر . فكان هو الطباهج ~~والجردناج وهو الغداء وهو العشاء ! PageV02P176 وكتب إبراهيم بن سيابة إلى ~~صديق له يساويه في الأدب ويرتفع عليه في الحال - وكان كثير المال كثير ~~الصامت - يستسلف منه بعض ما يرتفق به إلى أن يأتيه بعض ما يؤمل . فكتب إليه ~~صديقه هذا يعتذر ويقول : إن المال مكذوب له وعليه . والناس يضيفون إلى ~~الناس في هذا الباب ما ليس عندهم . وأنا اليوم مضيق وليست الحال كما نحب . ~~وأحق من عذر الصديق العاقل . فلما ورد كتابه على ابن سبابة كتب إليه : إن ~~كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا . قال عمرو ~~الجاحظ : احتجنا عند التطويل وحين صار طويلا كبيرا إلى أن يكون قد دخل فيه ~~من علم العرب وطعامهم وما يتمادحون به وما يتهاجون به شيء وإن قل ليكون ~~الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب . ولولا أن يخرج من مقدار شهوة الناس لكان ~~الخبر عن العرب والأعراب أكثر من جميع هذا الكتاب . الطعام ضروب . والدعوة ~~اسم جامع . وكذلك الزلة . ثم منه العرس والخرس والإعذار والوكيرة والنقيعة ~~. والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات . PageV02P177 قال الشاعر : ~~نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر وجاء في الحديث : ~~القرآن مأدبة الله . وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعبد الرحمن : أولم ولو بشاة . وكان ابن عوف والأصمعي من بعده ~~يذمان عمرو بن عبيد ويقولون : لا يجيب الولائم يجعلان طعام ms147 الإملاك ~~والأعراس والسبوع والختان وليمة . والعرس معروف . إلا أن المفضل الضبي زعم ~~أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم : لا عطر بعد عروس . وكان الأصمعي يجعل العروس ~~رجلا بعينه كان بنى على أهله فلم تتعطر له . فسمى بعد ذلك كل بان على أهله ~~بذلك الاسم . ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في الشعر ويظهر في الخبر . ~~PageV02P178 وأما الخرس فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء . ~~وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة . والخرسة طعام النفساء . قالت جارية ~~ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء : تخرسي لا ~~مخرسة لك . وفي الخرسة يقول مساور الوراق : إذا أسدية ولدت غلاما فبشرها ~~بلؤم في الغلام تخرسها نساء بني دبير بأخبث ما يجدن من الطعام وقال ابن ~~قميئة : شركم حاضر وخيركم د ر خروس من الأرانب بكر فالخروس هي صاحبة الخرسة ~~. والأعذار طعام الختان . يقال : صبي معذور وصبي معذر جميعا . وقال بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد تقاربهم في الأسنان : كنا إعذار ~~عام واحد . وقال النابغة : فنكحن أبكارا وهن بإمة أعجلنهن مظنة الإعذار ~~فزعموا أنهم سموا طعام الإعذار بالإعذار للملابسة والمجاورة . PageV02P179 ~~كان الأصمعي يقول : قد كان للعرب كلام على معان . فإذا ابتدلت تلك المعاني ~~لم تتكلم بذلك الكلام . فمن ذلك قول الناس اليوم : ساق إليها صداقها . ~~وإنما كان هذا يقال حين كان الصداق إبلا وغنما . وفي قياس قول الأصمعي أن ~~أصحاب التمر الذين كان التمر دياتهم ومهورهم كانوا لا يقولون : ساق فلان ~~صداقه . قال : ومن ذلك قول الناس اليوم : قد بنى فلان البارحة على أهله . ~~وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبته وخيمته . ~~وذلك هو بناؤه . ولذلك قال الأول : لو نزل الغيث أبنين امرأ كانت له قبة ~~سحق بجاد وكان الأصمعي يعد من هذا أشياء ليس لذكرها هاهنا وجه . ومن طعامهم ~~الوكيرة . وهو طعام البناء . كان الرجل يطعم من يبني له . وإذا فرغ من ~~بنائه تبرك بإطعام أصحابه ودعائهم . ولذلك قال ms148 قائلهم : خير طعام شهد ~~العشيرة العرس والإعذار والوكيرة PageV02P180 ويسمون ما ينحرون من الإبل ~~والجزر من عرض المغنم النقيعة . قال الشاعر : والعقيقة دعوة على لحم الكبش ~~الذي يعق عن الصبي . والعقيقة اسم للشعر نفسه . والأشعار هي العقائق . ~~وقولهم : عقوا عنه أي احلقوا عقيقته . ويقولون : عق عنه وعق عليه . فسمى ~~الكبش - لقرب الجوار وسبب المتلبس - عقيقة . ثم سموا ذلك الطعام باسم الكبش ~~. وكان الأصمعي يقول : لا يقولن أحدكم : أكلت ملة بل يقول : أكلت خبزة ~~وإنما الملة موضع الخبزة . وكذلك يقول في الراوية والمزادة يقول : الراوية ~~هو الجمل . وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ذلك . فأما الدعاء إلى هذه ~~الأصناف فمنه المذموم ومنه الممدوح . فالمذموم النقرى والممدوح الجفلى . ~~وذلك أن صاحب المأدبة وولى الدعوة إذا جاء رسوله والقوم في أحويتهم ~~وأنديتهم PageV02P181 فقالوا : أجيبوا إلى طعام فلان . فجعلهم جفلة واحدة ~~وهي الجفالة . فذلك هو المحمود . وإذا انتقر فقال : قم أنت يا فلان وقم أنت ~~يا فلان فدعا بعضا وترك بعضا فقد انتقر . قال الهذلي : وليلة يصطلى بالفرث ~~جازرها يخص بالنقرى المثرين داعيها يقول : لا يدعوا فيها أصحاب الثروة وأهل ~~المكافأة . وهذا قبيح . وقال في ذلك بعض ظرفائنا : لو كان مكوكان في كفه من ~~خردل ما سقطت واحدة وقال طرفة بن العبد : نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ~~ترى الآدب فينا ينتقر ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق ~~الضبي وأثبته عاصم بن خليفة الضبي شد عليه فطعنه وهو يقول : وهذا وفي ~~الجفلة لا يدعوني PageV02P182 ويروى : في الحفلة لا يدعوني . كأنه حقد عليه ~~حين كان يدعو أهل المجلس ويدعه . والطعام المذموم عندهم ضربان : أحدهما ~~طعام المجاوع والحطمات والضرائك والسباريت واللئام والجبناء والفقراء ~~والضعفاء . من ذلك : الفث والدعاع والهبيد والقرامة والقرة والعسوم ومنقع ~~البرم والقصيد والقد والحيات . فأما الفظ فإنه وإن كان شرابا كريها فليس ~~يدخل في هذا الباب . وكذلك المجدوح . فأما الفظ فإنه عصارة الفرث إذا ~~أصابهم العطش في المفارز . وأما المجدوح فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود ~~نحروا الإبل وتلقوا ألبابها بالجفان ms149 كي لا يضيع من دمائها شيء . فإذا برد ~~الدم ضربوه بأيديهم وجدحوه بالعيدان جدحا حتى ينقطع فينعزل ماؤه من ثقله ~~كما يخلص الزبد PageV02P183 وقال الشاعر : لم تأكل الفث والدعاع ولم تجن ~~هبيدا بجنبة مهتبد وقال أمية بن أبي الصلت : ولا يتنازعون عنان شرك ولا ~~أقوات أهلهم العسوم ولا قرن يقزز من طعام ولا نصب ولا مولى عديم وقال ~~معاوية بن أبي ربيعة الجرمي في الفترة وهو يعير بني أسد وناسا من هوازن ~~وهما ابنا القملية : ألم تر جرما أمجدت وأبوكم مع الشعر في قص الملبد شارع ~~إذا قرة جاءت يقول : أصيب بها سوى القمل إني من هوازن ضارع PageV02P184 ~~والقرامة نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها . والعلهز القردان ترض ~~وتعجن بالدم . والقرة الدقيق المختلط بالشعر . كان الرجل منهم لا يحلق رأسه ~~إلا وعلى رأسه قبضة من دقيق للأكل . فهو معيب . وفي أكل الحيات بقوله ابن ~~مناذر : فإياكم والريف لا يقربنه فإن لديه الحيف والموت قاضيا وقال القطامي ~~في أكلهم القد : تضيفت في طل وريح تلفني وفي طرمساء غير ذات كواكب إلى ~~حيزبون توقد النار بعد ما تلفعت الظلماء من كل جانب فسلمت والتسليم ليس ~~يسرها ولكنه حق على كل جائب فلما تنازعنا الحديث سألتها من الحي قالت : ~~معشر من محارب PageV02P185 ومن المشتوين القد في كل شتوة وإن كان ريف الناس ~~ليس بناضب وقال الراعي : بكى منذر من أن يضاف وطارق يشد من الجوع والإزار ~~على الحشا إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها وقد تكرم الأضياف والقد يشتوي وقد ~~يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ في المغازي والأسفار فيمدحون من آثر ~~صاحبه ولا يذمون من أخذ حقه منه . وهو ماء المصافنة . والمصافنة مقاسمة هذا ~~الماء بعينه . وذلك أن الماء إذا نقص عن الري اقتسموه بالسواء . ولم يكن ~~للرئيس ولا لصاحب المرباع والصفي وفضول المقاسم فضل على أخس القوم . وهذا ~~خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء . قال الفرزدق : على ساعة لو أن في القوم ~~حاتما على جوده ضننت به نفس حاتم PageV02P186 وبذلك المذهب من ms150 الأثرة مدح ~~الشاعر كعب بن يمامة حين آثر بنصيبه رفيقه النمري فقال : ما كان من سوقة ~~أسقى على ظمإ خمرا بماء إذا ناجودها بردا من ابن مامة كعب ثم عي به زو ~~المنية إلا حرة وقدى أو في على الماء كعب ثم قيل له : رد كعب إنك وراد فما ~~وردا وفي المصافنة يقول الأسدي : كأن أطيطا يا بنة القوم لم ينخ قلائص ~~يحكيها الحني المنقح ولم يسق قوما فارسي على الحصى صباب الأداوي والمطيات ~~جنح ويزعمون أن الحصاة التي إن غمرها الماء في الإناء كانت نصيب احدهم تسمى ~~المقلة . وهذا الحرف سمعته من البغداديين . ولم أسمعه من أصحابنا . وقد ~~برئت إليك منه . PageV02P187 وقال ابن جحوش في المصافنة : ولما تعاورنا ~~الإداوة أجهشت إلى الماء نفس العنبري الجراضم وآثرته لما رأيت الذي به على ~~النفس أخشى لاحقات الملاوم وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما ~~لم يسمع به في أمة من الأمم ولا في ناحية من النواحي . وإن أحدهم ليجوع حتى ~~يشد على بطنه الحجارة وحتى يعتصم بشده معاقد الإزار وينزع عمامته من رأسه ~~فيشد بها بطنه وإنما عمامته تاجه . والأعرابي يجد في رأسه من البرد إذا كان ~~حاسرا ما لا يجده أحد لطول ملازمته العمامة ولكثرة طيها وتضاعف أثنائها . ~~ولربما اعتم بعمامتين . ولربما كانت على قلنسوة حدرية . وقال مصعب بن عمير ~~الليثي : سيروا فقد جن الظلام عليكم فباست امرئ يرجو القرى عند عاصم ~~PageV02P188 دفعنا إليه وهو كالذيخ خاطيا نشد على أكبادنا بالعمائم وقال ~~الراعي في ذلك : يشب لركب منهم من ورائهم فكلهم أمسى إلى ضوئها سرى إلى ضوء ~~نار يشتوي القد أهلها وقد تكرم الأضياف والقد يشتوى فلما أناخوا واشتكينا ~~إليهم بكوا وكلا الخصمين مما به بكى بكى منذر من أن يضاف وطارق يشد من ~~الجوع الإزار على الحشا ومما يدل على ما هم فيه من الجهد وعلى امتداحهم ~~بالأثرة قول الغنوي : إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضه ببعض ويبلى شح نفس ~~وجودها وأنا مقار حين يبتكر الغضى إذا ms151 الأرض أمست وهي جدب جنودها ~~PageV02P189 وقال في ذلك العجير السلولي : من النهديات الماء بالماء بعد ما ~~رمى بالمقاري كل قار ومعتم وقال آخر في مثل هذا : لنا إبل يروين يوما ~~عيالنا ثلاث فإن يكثرن يوما فأربع يمدهم بالماء لا من هوانهم ولكن إذا ما ~~قل شيء يوسع على أنها يغشى أولئك بيتها على اللحم حتى يذهب الشر أجمع وقال ~~أبو سعيد الخدري : أخذت حجرا فعصبته على بطني من الجوع وأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم أسأله . فلما سمعته وهو يخطب : من يستعف يعفه الله ومن ~~يستعن يعنه الله رجعت ولم أسأله . قال أعرابي : جعت حتى سمعت من مسامعي ~~دويا . فخرجت أريغ الصبد فإذا بمغارة وإذا هو جرو ذئب . فذبحته وأكلته ~~وادهنت واحتذيت . PageV02P190 ولما قدم المغيرة القادسية على سعد بسبعين من ~~الظهر وعند سعد ضيق شديد من الحال وذكر الأصمعي عن عثمان الشحام عن أبي ~~رجاء العطاردي قال : لما بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ في ~~القتل هربنا فاشتوينا فخذ أرنب دفينا وألقينا عليها جمالنا . فلا أنسى تلك ~~الأكلة ! وكان الأصمعي إذا حدث بهذا الحديث قال : نعم الإدام الجوع ونعم ~~شعار المسلمين التخفيف . وذكروا عن عبد الملك بن عمير عن رجل من بني عذرة ~~قال : خرجت زائرا لأخوال لي بهجر . فإذا هم في برث أحمر بأقصى هجر في طلوع ~~القمر . فذكروا أن أتانا تعتاد نخلة فترفع يديها وتعطو بفيها وتأخذ الحلقان ~~والمنسبتة والمنصفة والمعوة . PageV02P191 فتنكبت قوسي وتقلدت جفيري . فإذا ~~قد أقبلت . فرميتها فخرت لفيها . فأدركت فقورت سرتها ومعرفتها . فقدحت ناري ~~وجمعت حطي ثم دفنتها . ثم أدركني ما يدرك الشباب من النوم . فما استيقظت ~~إلا بحر الشمس في ظهري . ثم كشفت عنها . فإذا لها غطيط من الودك كتداعي طيء ~~وغطيف وغطفان . ثم قمت إلى الرطب وقد ضربه برد السحر . فجنيت المعوة ~~والحلقان . فجعلت أضع الشحمة بين الرطبتين والرطبة بين الشحمتين فأظن ~~الشحمة سمنة ثم سلاءة وأحسبها من حلاوتها شهدة أحدرها من الطور . وأنا أتهم ~~هذا الحديث لأن فيه ما ms152 لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف مذاهب العرب . وهو من ~~PageV02P192 وقال مديني لأعرابي أي شيء تدعون وأي شيء تأكلون قال : نأكل ما ~~دب ودرج إلا أم حبين . فقال المديني : لتهن أم حبين العافية . وقال الأصمعي ~~: تعرق أعرابي عظما . فلما أراد أن يلقيه - وله بنون ثلاثة - قال له أحدهم ~~: أعطينه . قال : وما تصنع به قال : أتعرقه حتى لا تجد فيه ذرة مقيلا . قال ~~: ما قلت شيئا ! قال الثاني : أعطينه . قال : وما تصنع به قال أتعرقه حتى ~~لا تدري ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله . قال : ما قلت شيئا ! قال ~~الثالث : أعطينه . قال : وما تصنع به قال أجعله مخة إدام . قال : أنت له ! ~~وقال الآخر : فإنك لم تشبه لقيطا وفعله وإن كنت أطعمت الأرز مع التمر وقال ~~الآخر : إذا انغاص منها بعضها لم تجد لها دويا لما قد كان منها مدانيا وإن ~~حاولوا أن يشبعوها رأيتها على الشعب لا تزداد إلا تداعيا PageV02P193 معوذة ~~الإرحال لم توف مرقبا ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا ولا اجترعت من نحو ~~مكة سقة إلينا ولا جازت بها العيس واديا أتتنا تزيجها الجاذيف نحونا وتعقب ~~فيما بين ذاك المراديا فقلت : لمن هذي القدور التي أرى تهيل عليها الريح ~~تربا وسافيا فقالوا : وهل يخفى على كل ناظر قدور رقاش إن تأمل رائيا فقلت : ~~متى باللحم عهد قدوركم فقالوا : إذا ما لم يكن عواريا من أضحى إلى الأضحى ~~وإلا فإنها تكون بنسج العنكبوت كما هيا فلما استبان الجهد لي في وجوههم ~~وشكواهم أدخلتهم في عياليا PageV02P194 فكنت إذا ما استشرفوني مقبلا أشاروا ~~جميعا لجة وتداعيا ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم مما أنا كاتبه ~~لك . وهم وإن كانوا في بلاد جدب فإنهم أحسن الناس حالا في الخصب . فلا تظنن ~~أن كل ما يصفون به قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل . وحثني الأصمعي قال ~~: سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية فقال : ربما رأيت الكلب يتخطى ~~الخلاصة - وهي له معرضة - شبعا . وقال الأفوه الأودي : تهنا لثعلبة بن قيس ~~جفنة يأوي ms153 إليها في الشتاء الجوع وكأنما فيها المذانب حلقة ودم الدلاء على ~~دلوج ينزع PageV02P195 وقال معن بن أوس وهو يذكر قدر سعيد بن العاص في بعض ~~ما يمدحه : أخو شتوات لا تزال قدوره تحل على أرجائها ثم ترحل إذا ما ~~امتطاها الموقدون رأيتها لو شك قراها وهي بالجزل تشعل سمعت لها لغطا إذا ما ~~تغطمطت كهدر الجمال رزما حين تجفل ترى البازل الكوماء فيها بأسرها مقبضة في ~~قعرها ما تجلجل كأن الكهول الشهب في حجراتها تغطرش في تيارها حين يحفل إذا ~~التطمت أمواجها فكأنها غوائب دهم في المحلة قبل PageV02P196 إذا احتدمت ~~أمواجها فكأنما يزعزعها من شدة الغل أفكل تظل رواسيها ركودا مقيمة لمن نابه ~~فيها معاش ومأكل وضاف الفرزدق أبا السحماء سحيم بن عامر أحد بني عمرو بن ~~مرثد فأحمده وذكر في إحماده قدره فقال : سألنا عن أبي السحماء حتى أتينا ~~خير مطروق لسارى وقام إلى سلافة مسلحب رثيم الأنف مربوب بقار تدور عليهم ~~والقدر تغلي بأبيض من سديف الكوم وارى كأن تطلع الترعيب فيها عذارى يطلعن ~~إلى عذارى PageV02P197 وقال الكميت في صفة القدر : إوز تغمس في لجة تغيب ~~مرارا وتطفو مرارا كأن الغطامط من غليها أراجيز أسلم تهجو غفارا وأما ما ~~ذكروا من صفات القدور من تعير بعضهم بعضا فهو كما أنشدني محمد بن يسير قال ~~: لما قال الأول : إن لنا قدرا ذراعان عرضها وللطول منها أذرع وشبار قال ~~الآخر : وما هذه أخزى اله هذه قدرا ! ولكني أقول : بوأت للورى فوضعتها ~~برابية من بين ميث وأجرع جعلت لها هضب الرجام وطخفة وغولا أثافي دونها لم ~~تنزع بقدر كأن الليل شحنة قعرها ترى الفيل طافيا لم يقطع PageV02P198 يعجل ~~للأضياف وارى سديفها ومن يأيها من سائر الناس يشبع قال أبو عبيدة : ولما ~~قال الفرزدق : وقدر كحيزوم النعامة أحمشت بأجذال خشب زال عنها هشيمها قال ~~ميسرة أبو الدرداء : وما حيزوم النعامة والله ما تشبع هذه الفرزدق . ولكني ~~أقول : وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ترى الفيل طافيا لم يفصل وقال عبد الله ~~بن الزبير ms154 يمدح أسماء بن خارجة : ألم تر أن المجد أرسل يبتغي حليف صفاء ~~قابلا لا يزايله تخير أسماء بن حصن فبطنت بفعل العلا أيمانه وشمائله ومما ~~يجوز في هذا الباب وإن لم يكن فيه صفة قدر قول الفرزدق في العذافر ابن زيد ~~أحد بني تميم اللات بن ثعلبة : لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها بأكثر خيرا ~~من خوان العذافر ولو ضافه الدجال يلتمس القرى وحل على خبازه بالعساكر بعدة ~~يأجوج ومأجوج جوعا لأشبعهم شهرا غداء العذافر PageV02P199 وقال ابن عبدل في ~~بشر بن مروان بن الحكم : ولو شاء بشر كان من دون بابه طماطم سود أو صقالبة ~~حمر ولكن بشرا أسهل الباب للتي يكون لبشر عندها الحمد والأجر وقالوا في ~~مناقضات أشعارهم في القدور قال الرقاشي : لنا من عطاء الله دهماء جونة ~~تناول بعد الأقربين الأقاصيا جعلنا ألالا والرجام وطففة لها فاستقلت فوقهن ~~أثافيا مؤدية عنا حقوق محمد إذا ما أتانا بائس الحال طاويا أتى ابن يسير كي ~~ينفس كربه إذا لم يرح وافي مع الصبح غاديا فأجابه ابن يسير فقال : وثرماء ~~ثلماء النواحي ولا يرى بها أحد عيبا سوى ذاك باديا PageV02P200 ينادي ببعض ~~بعضهم عند طلعتي ألا أبشروا هذا اليسيري جائيا وقال ابن يسير في ذلك : قدر ~~الرقاشي لم تنقر بمنقار مثل القدور ولم تفتض من غار لكن قدر أبي حفض إذا ~~نسبت يوما ربيبة آجام وأنهار فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن هانئ الحكمي ~~يذكر قدر الرقاشي بالهجاء أيضا فقال : ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت مركبة ~~الآذان أم عيال يغص بحيزوم البعوضة صدرها وتنزلها عفوا بغير جعال هي القدر ~~قدر الشيخ بكر بن وائل ربيع اليتامى عام كل هزال وقال فيها أيضا : رأيت ~~قدور الناس سودا من الصلى وقدر الرقاشيين زهراء كالبدر ولو جئتها ملأى ~~عبيطا مجزلا لأخرجت ما فيها على طرف الظفر يثبتها للمعتفي بفنائهم ثلاث كحظ ~~الثاء من نقط الحبر PageV02P201 تبين في محراثها أن عوده سليم صحيح لم يصبه ~~أذى الجمر تروح على حي الرباب ودارم وسعد وتعروها قراضبة ms155 الفزر وللحي عمرو ~~نفحة من سجالها وتغلب والبيض اللهاميم من بكر إذا ما تنادوا بالرحيل سعى ~~بها أمامهم الحولى من ولد الذر وقال بعض التميميين وهو بهجو ابن جبار : لو ~~أن قدرا بكت من طول ما حبست على الحفوف بكت قدر ابن جبار ما مسها دسم مذ فض ~~معدنها ولا رأت بعد نار القين من نار والشعوبية والآزاد مردية المبغضون لآل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ممن فتح الفتوح ورفاغة عيشهم . وهم أحسن ~~الأمم حالا مع الغيث وأسوئهم حالا إذا خفت PageV02P202 السحاب . حتى ربما ~~طبق الغث الأرض باكلإ والماء . فعند ذلك يقول المصرم والمقتر : مرعى ولا ~~أكولة وعشب ولا بعير وكلا تيجع له كبد المصرم . ولذلك قال شاعرهم : فجنبك ~~الجيوش أبا زنيب وجاد على مسارحك السحاب وإذا نظرت في أشعارهم علمت أنهم قد ~~أكلوا الطيب وعرفوه لأن الناعم من الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء ~~وأصحاب العيش . فقال زياد بن فياض يذكر الدرمك وهو الحواري : ولا قد فتى ~~قيس بن عيلان ماجدا إذا الحرب هرتها الكماة الفوارس فقام إلى البرك الهجان ~~بسيفه وطارت حذار السيف دهم قناعس فصادف حد السيف قباء جلعدا فكاست وفيها ~~ذو غرارين نايس فأطعمها شحما ولحما ودرمكا ولم يثننا عنه النسيم الحنادس ~~وقال : تظل في درمك وفاكهة وفي شواء ما شئت أو مرقه PageV02P203 وقال جرير ~~: وقال النمر بن تولب : لها ما تشتهي عسل مصفى وإن شاءت فحواري بسمن ومن ~~أشرف ما عرفوه من الطعام - ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد ~~الله بن جدعان - وهو الفالوذق . مدحه بذلك أمية بن أبي الصلت فقال : إلى ~~ردح من الشيزى عليها لباب البر يلبك بالشهادة ولهم الثريد . وهو في أشرافهم ~~عام . وغلب على هاشم حين هشم الخبز لقومه . وقد مدح به في شعر مشهور وهو ~~قوله : عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف ومن الطعام ~~الممدوح الحيس . وتزعم مخزوم أن أول من حارس الحيس سويد بن هرمى . وقال ~~الشاعر : وإذا تكون شديدة أدعى ms156 لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب PageV02P204 ~~والخبز عندهم ممدوح . وكان عبد الله بن حبيب العنبري أحد بني سمرة يقال له ~~آكل الخبز لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن . وكان سيد بني العنبر ~~في زمانه . وهم إذا فخروا قالوا : منا آكل الخبز ومنا مجير الطير يعني ثوب ~~بن شحمة العنبري . قرتني عبيد تمرها وقريتها سنام مصراة قليل ركوبها فهل ~~يستوي شحم السنام إذا شتا وتمر جواثي حين يلقى عسيبها وليس يكون فوق عقر ~~الإبل وإطعام السنام شيء . والعقر هو النجدة واللبن هو الرسل . قال الهذلي ~~: لو أن عندي من قريم رجلا لمنعوني نجدة ورسلا وقال الهزلي : ألا إن خير ~~الناس رسلا ونجدة وقال المرار بن سعيد الفقعسي : لهم إبل لا من ديات ولم ~~تكن مهورا ولا من مكسب غير طائل PageV02P205 ولكن حماها من شماطيط غارة ~~خلال العوالي فارس غير مائل مخيسه في كل رسل ونجدة ومعروفة ألوانها في ~~المعاقب وقد وصفوا الثريد فقال الراعي : فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع ~~على أيدى الرجل جمودها وقال آخر : وقال ابن هرم : إلى أن أتاهم بشيزية تعد ~~كواكبها الشبك وقال كامل بن عكرمة : فقرب بينهم خبزا ركودا كساها الشحم ~~ينهمر إنهمارا يدف بها غلاماه جميعا تردهما إلى الأرض انهصارا فأصبح سورهم ~~فيها وعلمن لو أن العلم صنفها شيارا فهذا في صفة الثريد . PageV02P206 وقال ~~بشر بن أبي خازم : ترى ودك السديف على لحاهم كلون الرار لبده الصقيع وقال ~~الآخر : جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه وطيب الدهان رأسه فهو أنزع إذا ~~النفر السود اليمانون حاولوا له حوك برديه أرقوا وأوسعوا وقال الزبير بن ~~عبد المطلب : فإنا قد خلقنا إذ خلقنا لنا الحبراة والمسك الفتيت ثيابهم ~~شمال أو عباء بها دنس كما دنس الحميت فميز - كما ترى بين لباس الأشراف وأهل ~~الثروة وغيرهم . وقال الأعشى : والمشرف العود فأكنافه ما بين حمران فينصوب ~~PageV02P207 خير لها إن خشيت جحرة من ربها زيد بن أيوب متكئا تقرع أبوابه ~~يسعى عليه العبد بالكوب وقال أبو الصلت بن ms157 ربيعة : اشرب هنيئا عليك التاج ~~مرتفقا في رأس غمدان دارا منك محلالا وليس هذا من باب الإفراط كقول جران ~~العود حين وصف نفسه وعشيقته فقال : فأصبح في حيث التقينا غنيمة سوار وخلخال ~~ومرط ومطرف ومنقطعات من عقود تركنها كجمر الغضى في بعض ما تتخطرف ومن ذلك ~~قول عدي بن زيد : يا لبينى أوقدي النار إن من تهوين قد حارا رب نار بت ~~أرقبها تقضم الهندي والغاران PageV02P208 وقال الآخر : أرى في الهوى نارا ~~لظبية أوقدت يشب ويذكى بعد وهن وقودها تشب بعيدان اليلنجوج موهنا وبالرند ~~أحينا فذاك وقودها قد ذكرنا الطعام الممدوح ما هو وذكرنا أحد صنفي الطعام ~~المذموم . والصنف الآخر الجزيرة التي تعاب مجاشع بن درام وكنحو السخينة ~~التي تعاب بها قريش . قال خداش بن زهير : يا شدة ما شددنا غير كاذبة على ~~سخينة لولا الليل والحرم وقال عبد الله بن همام : إذا لضربتهم حتى يعودوا ~~بمكة يلعقون بها السخينا وقال جرير : وضع الخزير فقيل : أين مجاشع فشحا ~~جحافله هجف هبلع والخزير لم يكن من طعامهم . وله حديث . والسخينة كانت من ~~طعام قريش . PageV02P209 وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة وكل من كان يقرب ~~النخل - بأكل التمر . فقال الفرزدق : لست بسعد على فيه حبرة ولست بعبد ~~حقيبته التمر وتهجا أسد بأكل الكلاب وبأكل لحوم الناس . والعرب إذا وجدت ~~رجلا من القبيلة قد أتى قبيحا ألزمت ذلك القبيلة كلها . كما تمدح القبيلة ~~بفعل جميل وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها : فتهجوا قريشا بالسخينة وعبد ~~القيس بالتمر وذلك عام في الحيين جميعا . وهما من صالح الأغذية والأقوات . ~~كما تهجو بأكل الكلاب والناس وإن كان ذلك إنما كان من رجل واحد فلعلك إذا ~~أردت التحصيل تجده معذورا . قال الشاعر : يا فقعسي لما أكلته لمه لو خافك ~~الله عليه حرمه فما أكلت لحمه ولا دمه وقال في ذلك مساور بن هند : إذا ~~أسدية ولدت غلاما فبشرها بلؤم في الغلام تخرسها نساء بني دبير بأخبث ما ~~يجدن من الطعام ترى أظفار أعقد ملقات براثنها على وضم ms158 الثمام PageV02P210 ~~وقال : بني أسد عن يمحل العام فقعس فهذا إذا دهر الكلاب وعامها إذا أسدى ~~جاع يوما ببلدة وكان سمينا كلبه فهو آكله وتهجى أسد وهذيل والعنبر وبأهلة ~~بأكل لحوم الناس . قال الشاعر في هذيل : وأنتم أكلتم سحفة ابن مخدم زمانا ~~فما يأمنكم أحد بعد تداعوا له من بين خمس وأربع وقد نصل الأظفار وانسبأ ~~الجلد وقال حسان فيهم : إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له فأت الرجيع وسل عن ~~دار لحيان قوم تواصوا بأكل الجار بينهم فالشاة والكلب والإنسان سيان وهجا ~~شاعر بلعنبر وهو يريد ثوب بن شحمة . وفيه حديث : عجلتم ما صدكم علاجي من ~~العنوق ومن النعاج حتى أكلتم طفلة كالعاج PageV02P211 ولما عير ثوب بن شحمة ~~بأكل الفتى العنبري لحم المرأة سكت إلى أن نزل هو من الجبل فقال : يا بنت ~~عمى ما أدراك ما حسبي إذ لا تجن خبيث الزاد أضلاع إني لذو مرة تخشى بوادره ~~عند الصباح بنصل السيف قراع فهجا ثوب بن شحمة بأكل لحوم المرأة . وكان ثوب ~~هذا أكرم نفسا عندهم من أن يطعم طعاما خبيثا ولو مات عندهم جوعا . وله قصص ~~. ولقد أسر حاتما الطائي وظل عنده زمانا . وقال الشاعر يهجوا بأهلة بمثل ~~ذلك : إن عفاقا أكلته باهله تمششوا عظامه وكاهله وأصبحت أم عفاق ثاكله ~~وهجيت بذلك أسد جميعا بسبب رملة بنت فائد بن حبيب بن خالد بن نضلة حين ~~أكلها زوجها وأخوها أبو أرب . وقد زعموا أن ذاك إنما كان منهما من طريق ~~الغيظ والغيرة . فقال ابن دارة ينعى ذلك عليهم : أفي أن رويتم واحتلبتم ~~شكيكم فخرتم وفيم الفقعسي من الفخر ورملة كانت زوجة لفريقكم وأخت فريق وهي ~~مخزية الذكر أبا أرب كيف القرابة بينكم وإخوانكم من لحم أكفالها العجر ~~PageV02P212 وقال : عدمت نساء بعد رملة فائد - بني فقعس - تأتيكم بأمان ~~وباتت عروسا ثم أصبح لحمها جلا في قدور بينكم وجفان يا صلت إن محل بيتك ~~منتن فارحل فإن العود غير صليب وإذا دعاك إلى المعاقل فائد فاذكر مكان ~~صدارها المسلوب والآن فادع ms159 أبا رجال إنها شنعاء لاحقة بأم حبيب وأبو رجال ~~هذا عمها . وقال في ذلك معروف الدبيري : إذا ما ضفت ليلا قفعسيا فلا تطعم ~~له أبدا طعاما فإن اللحم إنسان فدعه وخير الزاد ما منع الحراما وهذا الباب ~~يكثر ويطول . وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف الحالات . فإن ~~أردته مجموعا فاطلبه في كتاب الشعوبية فإنه هناك مستقصى . والأعرابي إذا ~~أراد القرى ولم ير نارا نبح فيجاوبه الكلب فيتبع صوته . ولذلك قال الشاعر : ~~ومسنتنبح أهل الثرا يطلب القرى إلينا وممساه من الأرض نازح PageV02P213 ~~وقال الآخر : عوى حدس والليل مستحلس الندى لمستنبح بين الرميثة والحصر وعاو ~~عوى والليل مستحلس الندى وقد زحفت للغور تالية النجم فمنهم من يبرز كلبه ~~ليجيب ومنهم من يمنعه ذلك . قال زياد الأعجم وهو يهجو بني عجل : وتكلم كلب ~~الحي من خشية القرى وقدرك كالعذراء من دونها ستر وقال آخر : نزلنا بعمار ~~فأشلي كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي أسر إليهم : إذا ~~اليوم أم يوم القيامة أطول وقال آخر : أعددت للضيفان كلبا ضاريا عندي وفضل ~~هراوة من أرزن وقال أعشى بن تغلب : إذا حلت معاوية بن عمرو على الأطواء ~~خنقت الكلابا PageV02P214 وأنشدني ابن الأعرابي وزعم أنه من قول المجنون : ~~ونار قد رفعت لغير خير رجاه لمن تأوبني الرعا تأوبني طويل الشخص منهم يجر ~~ثقاله يرجو العشا فكان عشاءه عندي خزير بتمر مهينة فيه النوى أولاد جفنة ~~حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم لا ~~يسألون عن السواد المقبل وقال المرار الحماني في كلبه : ألف الناس فما ~~ينبحهم من أسيف يبتغي الخير وحر وقال عمران بن عصام : لعبد العزيز على قومه ~~وغيرهم منن غامره فبابك ألين أبوابهم ودارك مأهولة عامرة وكلبك آنس ~~بالمعتفين من الأم بابنتها الزائره PageV02P215 وكفك حين ترى السائلي ن ~~أندى من الليلة الماطرة وفي أنس الكلاب بالناس لطول الرؤية لهم شعر كثير . ~~وقال الشاعر : يا أم عمرو أنجزي الموعودا وارعي بذاك أمانة وعهودا ولقد ~~طرقت كلاب ms160 أهلك بالضحا حتى تركت عقورهن رقودا رأتني كلاب الحي حتى ألفني ~~ومدت نسوج العنكبوت على رحلي وقال الآخر : بات الحويرث والكلاب تشمه وسرت ~~بأبيض كالهلال على الطوى هذا البيت يدخل في هذا الباب . وقال الآخر : لو ~~كنت أحمل خمرا يوم زرتكم لم ينكر الكلب أني صاحب الدار لكن أتيت وريح المسك ~~تفغمني والعنبر الورد أذكيه على النار PageV02P216 فأنكر الكلب ريحي حين ~~أبصرني وكان يعرف ريح الزق والقار وقال هلال بن خثعم : إني لعف عن زيارة ~~جارتي وإني لمشنوء إلى اغتيابها إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها زءورا ولم ~~تأنس إلى كلابها وما أنا بالداري أحاديث بيتها ولا عالم في أي حوك ثيابها ~~وقال ابن هرمة في فرح الكلب بالضيف لعادة النحر : وفرحة من كلاب الحي ~~يتبعها محض يزف به الراعي وترعيب وقال ابن هرة : فجاء خفي الشخص قد رامه ~~الطوى بضربة مسنون الغرارين قاضب فرحبت واستبشرت حين رأيته وتلك التي ألقى ~~بها كل ثائب وفي منع الكلب من النباح يقول الراعي في الحطيئة : إلا قبح ~~الله الحطيئة إنه على كل ضيف ضافه فهو سالح PageV02P217 دفعت إليه وهو يخنق ~~كلبه ألا كل كلب - لا أبا لك ! نابح بكيت على مذق خبيث قريته ألا كل عبسي ~~على الزاد نائح وقد قالوا في صفة أبواب أهل المقدرة والثروة إذا كانوا ~~يقومون بحق النعمة . قال الرجز : إن الندى حيث ترى الضغاطا وقال الآخر : ~~يزدحم الناس على بابه والشرع السهل كثير الزحام وقال الآخر : وإذا افتقرت ~~رأيت بابك خاليا وترى الغني يهدي لك الزوارا وليس هذا من الأول إنما هذا ~~مثل قوله : ألم تر بيت الفقر يهجر أهله وبيت الغني يهدي له ويزار إذا ما قل ~~مالك كنت فردا وأي الناس زوار المقل والعرب تفضل الرجل الكسوب والغر الطلوب ~~ويذمون المقيم الفشل والدثر والكسلان . ولذلك قال شاعرهم وهو يمدح رجلا : ~~شتى مطالبه بعيد همه جواب أودية برود المضجع PageV02P218 ومدح آخر نفسه ~~فقال : فإن تأتيني في الشتاء وتلمسا مكان فراشي فهو بالليل بارد وقال آخر ms161 : ~~إلى ملك لا ينقض النأي عزمه خروج تروك للفراش الممهد وقال الآخر : فذاك ~~قصير الهم يملأ عزمه من النوم إذ ملقى فراشك بارد وقال الآخر : أبيض بسام ~~برود مضجعه اللقمة الفرد مرارا تشبعه وهم يمدحون أصحاب النيران ويذمون ~~أصحاب الإخماد . قال الشاعر : وما إن كان أكثرهم سواما ولكن كان أرحبهم ~~ذراعا وقال مزرد بن ضرار : فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت بعلياء نشر للعيون ~~النواظر جعلها شقراء ليكون أضوء لها . وكذلك النار إذا كان حطبها يابسا كان ~~أشد لحمرة ناره . وإذا كثر دخانه قل ضوءه . PageV02P219 وقال الآخر : ونار ~~كسجر العود يرفع ضوءها مع الليل هبات الرياح الصوارد وكلماكان موضع النار ~~أشد ارتفاعا كان صاحبها أجود وأمجد لكثرة من يراها من البعد . ألا ترى ~~النابغة الجعدي حين يقول : منع الغدر فلم أهمم به وأخو الغدر إذا هم فعل ~~خشية الله وأني رجل إنما ذكرى كنار بقبل وقالت الخنساء السلمية : وإن صخرا ~~لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار وليس يمنعني من تفسير كل ما يمر إلا ~~اتكالي على معرفتك . وليس هذا الكتاب نفعه إلا لمن PageV02P220 ومما يدل ~~على كرم القوم أيمانهم الكريمة وأقسامهم الشريفة . قال معدان بن جواس ~~الكندي : إن كان ما بلغت عني فلامني صديقي وحزت من يدي الأنامل وكفنت وحدي ~~منذرا في ردائه وصادف حوطا من أعادي قاتل وقال الأشتر مالك بن الحارث في ~~مثل ذلك أيضا : بقيت وحدي وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم ~~أشن على ابن حرب غارة لم تخل يوما من نهاب نفوس خيلا كأمثال السعالي شذبا ~~تغدو ببيض في الكريهة شوس حمى الحديد عليهم فكانت لمعان برق أو شعاع شموس ~~وقال ابن سيحان : حرام كنتي مني بسوء وأذكر صاحبي أبدا بذام PageV02P221 ~~لقد أحرمت ود بني مطيع حرام الدهن للرجل الحرام وحرهم الذي قد ستروه ~~ومجلسهم بمعتلج الظلام وإن جنف الزمان مددت حبلا متينا من حبال بني هشام ~~وريق عودهم أبدا رطيب إذا ما أغبر عيدان اللئام PageV02P222 ms162