######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009201 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Bukhala #META# 010.AuthorAKA :: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ #META# 010.AuthorNAME :: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ #META# 011.AuthorBORN :: 159هـ #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البخلاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الطرائف والقصص :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: البخلاء #META# 030.LibURI :: JK_009201 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أحمد العوامري بك - علي الجارم بك #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: لبنان/ بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1422هـ - 2001م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # رب أنعمت فزد # تولاك الله بحفظه ، وأعانك على شكره ، ووفقك لطاعته ، وجعلك من الفائزين ~~برحمته ذكرت - حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار ، وفي ~~تفصيل حيل سراق الليل ، وأنك سددت به كل خلل ، وحصنت به كل عورة ، وتقدمت ~~بما أفادك من لطائف الخدع ، ونبهك عليه من غرائب الحيل ، فيما عسى ألا ~~يبلغه كيد ، ولا يحوزه مكر وذكرت أن موقع نفعه عظيم ، وأن التقدم في درسه ~~واجب وقلت : اذكر لي نوادر البخلاء ، واحتجاج الأشحاء ، وما يجوز من ذلك في ~~باب الهزل ، وما يجوز منه في باب الجد ، لأجعل الهزل مستراحا ، والراحة ~~جماما ؛ فإن للجد كدا يمنع من معاودته ، ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته ~~. PageV01P017 # وذكرت ملح الحزامي ، واحتجاج الكندي ، ورسالة سهل بن هارون ، وكلام ابن ~~غزوان ، وخطبة الحارثي ، وكل ما حضرني من أعاجيبهم ، ولم سموا البخل صلاحا ~~، والشح اقتصادا ، ولم حاموا على المنع ، ونسبوه إلى الحزم ، ولم نصبوا ~~للمواساة ، وقرنوها بالتضييع ، ولم جعلوا الجود سرفا ، والأثرة جهلا ، ولم ~~زهدوا في الحمد ، وقل احتفالهم بالذم ، ولم استضعفوا من هش للذكر ، وارتاح ~~للبذل ، ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل إلى ثناء ، ولا ينحرف عن هجاء ؛ ولم ~~احتجوا بظلف العيش على لينه ، وبحلوه على مره ؛ ولم لم يستحيوا PageV01P018 ~~من رفض الطيبات في رحالهم ، مع استهتارهم بها في رحال غيرهم ، ولم تتايعوا ~~في البخل ؛ ولم اختاروا ما يوجب ذلك الاسم ، مع أنفتهم من ذلك الاسم ؛ ولم ~~رغبوا في الكسب ، مع زهدهم في الإنفاق ؛ ولم عملوا في الغنى ، عمل الخائف ~~من زوال الغنى ، ولم يفعلوا في الغنى ، عمل الراجي لدوام الغنى ، ولم وفروا ~~نصيب الخوف ، وبخسوا نصيب الرجاء ، مع طول السلامة وشمول العافية ، ~~والمعافى أكثر من المبتلى ، وليست الحوائج أقل من الفوائد . # فكيف يدعوا إلى السعادة من خص نفسه بالشقوة ، بل كيف ينتحل نصيحة العامة ~~من بدأ بغش الخاصة ؟ ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما أجمعت الأمة على تقبيحه ~~، ولم فخروا مع اتساع معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه ؟ وكيف يفطن عند ~~الاعتلال ms001 له ، ويتغلغل عند PageV01P019 الاحتجاج عنه إلى الغابات البعيدة ، ~~والمعاني اللطيفة ، ولا يفطن لظاهر قبحه ، وشناعة اسمه ، وخمول ذكره ، وسوء ~~أثره على أهله ؟ وكيف وهو الذي يجمع له بين الكد وقلة المرفق ، وبين السهر ~~وخشونة المضجع ، وبين طول الاغتراب وطول قلة الانتفاع ، ومع علمه لأن وارثه ~~أعدى له من عدوه ، وأنه أحق بما له من وليه ؟ أو ليس لو أظهر الجهل ~~والغباوة ، وانتحل الغفلة والحماقة ، ثم احتج بتلك المعاني الشداد ، ~~وبالألفاظ الحسان ، وجودة الاختصار ، وبتقريب المعنى ، وبسهولة المخرج ، ~~وإصابة الموضع ، لكان ما ظهر من معانيه وبيانه ، مكذبا لما ظهر من جهله ~~ونقصانه ؟ ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض ، ويعيا عن القريب الجليل ؟ ~~PageV01P020 وقلت : فبين لي ما الشيء الذي خبل عقولهم ، وأفسد أذهانهم ، ~~وأغشى تلك الأبصار ، ونقض ذلك الاعتدال ؟ وما الشيء الذي له عاندوا الحق ، ~~وخالفوا الأمم ؟ وما هذا التركيب المتضاد ، والمزاج المتنافي ؟ وما هذا ~~الغباء الشديد الذي إلى جنبه فطنة عجيبة ؟ وما هذا السبب الذي خفي به ~~الجليل الواضح ، وأدرك به الدقيق الغامض ؟ وقلت : وليس عجبي ممن خلع عذاره ~~في البخل ، وأبدى صفحته للذم ، ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم ، ولا ~~من الاحتجاج إلا بما رسم في الكتب ؛ ولا عجبي من مغلوب على عقله ، مسخر ~~لإظهار عيبه ، كعجبي ممن قد فطن لبخله ، وعرف إفراط شحه ، وهو في ذلك ~~PageV01P021 يجاهد نفسه ، ويغلب طبعه . ولربما ظن أن قد فطن له ، وعرف ما ~~عنده ، فموه شيئا لا يقبل التمويه ، ورقع خرقا لا يقبل الرقع . # فلوا أنه كما فطن لعيبه ، وفطن لمن فطن لعيبه ، فطن لضعفه عن علاج نفسه ، ~~وعن تقويم أخلاطه ، وعن استرجاع ما سلف من عاداته ، وعن قلبه أخلاقه ~~المدخولة إلى أن تعود سليمة ، لترك تكلف ما لا يستطيعه ، ولربح الإنفاق على ~~من يذمه ، ولما وضع على نفسه الرقباء ، ولا أحضر مائدته الشعراء ، ولا خالط ~~برد الآفاق ، ولا لابس الموكلين بالأخبار ، ولا استراح من كد الكلفة ، ودخل ~~في غمار الأمة . PageV01P022 # وبعد فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه ، ولا يفطن لعيب ms002 نفسه إذا ~~أطعمهم ، وإن كان عيبه مكشوفا ، وعيب من أطعمه مستورا ؟ ولم سخت نفس أحدهم ~~بالكثير من التبر ، وشحت بالقليل من الطعم ، وقد علم أن الذي منع يسير في ~~جنب ما بذل ، وأنه لو شاء أن يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به ، ~~كان ذلك عتيدا ، ويسيرا موجودا ؟ وقلت : ولا بد من أن تعرفني الهنات التي ~~نمت على المتكلفين ، ودلت على حقائق المتموهين ، وهتكت عن أستار الأدعياء ، ~~وفرقت بين الحقيقة والرياء ، وفصلت بين البهرج المتزخرف ، والمطبوع المبتهل ~~؛ لتقف - زعمت - عندها ، ولتعرض نفسك عليها ، ولتتوهم مواقعها وعواقبها . ~~فإن نبهك التصفح لها على عيب قد أغفلته ، عرفت مكانه فاجتنبته . فإن كان ~~عتيدا ظاهرا معروفا عندك نظرت : فأن كان احتمالك فاضلا على بخلك ، دمت على ~~إطعامهم ، وعلى اكتساب المحبة بمؤاكلتهم ، وإن كان اكترائك غامر الاجتهاد ~~PageV01P023 سترت نفسك ، وانفردت يطيب زادك ، ودخلت مع الغمار ، وعشت عيش ~~المستورين . وإن كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالا ، وكانت أسبابكما ~~أمثالا وأشكالا ، أجبت الحزم إلى ترك التعرض ، وأجبت الاحتياط إلى رفض ~~التكلف ، ورأيت أن من حصل السلامة من الذم فقد غنم ، وأن من آثر الثقة على ~~التغرير فقد حزم . # وذكرت أنك إلى معرفة هذا الباب أحوج ، وأن ذا المروءة إلى هذا العلم أفقر ~~، وأنى إن حصنت من الذم عرضك ، بعد أن حصنت من اللصوص مالك ، فقد بلغت لك ~~ما لم يبلغه أب بار ، ولا أم رءوم . # وسألت أن أكتب لك علة أن الرجل أحق ببيته من الغريب ، وأولى بأخيه من ~~البعيد ، وأن البعيد أحق بالغيرة ، والقريب أولى بالأنفة ، وأن الاستزادة ~~في النسل كالاستزادة PageV01P024 في الحرث ، إلا أن العادة هي التي أوحشت ~~منه ، والديانة هي التي حرمته ، ولأن الناس يتزيدن أيضا في استعظامه ، ~~وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه . # وعلة الجهجاه في تحسين الكذب بمرتبة الصدق في مواضع ، وفي تقبيح الصدق في ~~مواضع ، وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق ، وفي حط الصدق إلى موضع الكذب ؛ وأن ~~الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه ، وتذكر مثالبه ، ويحابون الصدق بتذكر ~~منافعه ، وبتناسي ms003 مضاره ، وإنهم لو وازنوا بين مرافقهما ، وعدلوا بين ~~خصالهما ، لما فرقوا بينهما هذا التفريق ، ولما رأوهما بهذه العيون . # ومذهب صحصح في تفضيل النسيان على كثير من الذكر ، وأن الغباء في الجملة ~~أنفع من الفطنة في الجملة ، وأن عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس من عيش ~~العقلاء ، وإنك لو أسمنت بهيمة ورجلا ذا مروءة ، أو امرأة ذات عقل وهمة ، ~~وأخرى PageV01P025 ذات غباء وغفلة ، لكان الشحم إلى البهيمة أسرع ، وعن ذات ~~العقل والهمة أبطأ . ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام ، ولأن الغباء ~~مقرون بفراغ البال والأمن ، فلذلك البهيمة تقنو شحما في الأيام اليسيرة . ~~ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة . ومتوقع البلاء في البلاء وإن سلم منه . ~~والعاقل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء . # ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصورة في كتابي الذي سمي كتاب ~~المسائل ، لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب . # فأما ما سألت من احتجاج الأشحاء ، ونوادر أحاديث البخلاء ، فسأوجدك ذلك ~~في قصصهم - إن شاء الله تعالى - مفرقا ، وفي احتجاجاتهم مجملا ، فهو أجمع ~~لهذا الباب من وصف ما عندي ، دون ما انتهى إلى من أخبارهم على وجهها ؛ وعلى ~~أن الكتاب أيضا يصير أقصر ، ويصير العار فيه أقل . PageV01P026 # ونبتدئ برسالة سهل بن هارون ، ثم بطرف أهل خراسان ، لإكثار الناس في أهل ~~خراسان . # ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء : تبين حجة طريفة ، أو تعرف حيلة لطيفة ، ~~أو استفادة نادرة عجيبة . وأنت في ضحك منه إذا شئت ، وفي لهو إذا مللت الجد ~~. # وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع ، ومحمود المغبة ، إذا وافق الموضع ، ~~ولم يجاوز المقدار ، ولم يعدل عن الجهة ، ودليل على الرقة والبعد من القسوة ~~. وربما عد من الوفاة ، وشدة الوجد على الأولياء . وهو من أعظم ما تقرب به ~~العابدون ، واسترحم به الخائفون . # وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبي له : لا تجزع ، فإنه أفتح ~~لجرمه ، وأصح لبصره . # وضرب عامر بن قيس بيده على عينه ، فقال : جامدة شاخصة لا تندى ! وقيل ~~لصفوان بن محرز ، عند طول بكائه وتذكر أحزانه ms004 : إن طول البكاء يورث العمى . ~~فقال : ذلك لها شهادة . فبكى حتى عمى . PageV01P027 # وقد مدح بالبكاء ناس كثير : منهم يحيى البكاء ، وهيثم البكاء . وكان ~~صفوان بن محرز يسمى البكاء . وإذا كان البكاء الذي ما دام صاحبه فيه فإنه ~~في بلاء - وربما أعمى البصر ، وأفسد الدماغ ، ودل على السخف ، وقضى على ~~صاحبه بالهلع ، وشبه بالأمة اللكعاء ، وبالحدث الضرع - كذلك ، فما ظنك ~~بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور ، إلى أن ينقطع عنه سببه ؟ ولو ~~كان الضحك قبيحا من الضاحك ، وقبيحا من المضحك ، لما قيل للزهرة والحبرة ~~والحلي والقصر المبنى : كأنه يضحك ضحكا . وقد قال الله جل ذكره : ' وأنه هو ~~أضحك وأبكى ، وأنه هو أمات وأحيا ' . فوضع الضحك بحذاء الموت . # وإنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح ، ولا يمن على خلقه بالنقص . # وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما ، ومن مصلحة الطباع كبيرا ، وهو ~~شيء في أصل الطباع ، وفي أساس التركيب . لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي . ~~وقد تطيب PageV01P028 نفسه ، وعليه ينبت شحمه ، ويكثر دمه الذي هو علة ~~سروره ، ومادة قوته . ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضحاك ~~وببسام وبطلق وبطليق . وقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم ومزح . وضحك ~~الصالحون ومزحوا . وإذا مدحوا قالوا : هو ضحوك السن ، وبسام العشيات ، وهش ~~إلى الضيف ، وذو أريحية واهتزاز . # وإذا قالوا : هو عبوس ، وهو كالح ، وهو قطوب ، وهو شتيم المحيا ، وهو ~~مكفهر أبدا ، وهو كريه ، ومقبض الوجه ، وحامض الوجه ؛ وكأنما وجهه بالخل ~~منضوح ! وللمزح موضع ، وله مقدار ، متى جازها أحد ، وقصر عنهما أحد ، صار ~~الفاضل خطلا ، والتقصير نقصا . # فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر ، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر . ~~PageV01P029 # ومتى أريد بالمزح النفع ، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك ، صار المزح ~~جدا ، والضحك وقارا . # وهذا كتاب لا أغرك منه ، ولا أستر عنك عيبه . لأنه لا يجوز أن يكمل لما ~~تريده ، ولا يجوز أن يوفى حقه كما ينبغي له : لأن هاهنا أحاديث كثيرة متى ~~أطلعنا منها حرفا عرف أصحابها ، وإن لم نسمهم ، ولم ms005 نرد ذلك بهم . وسواء ~~سميناهم أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم . منهم الصديق والولي والمستور ~~والمتجمل . وليس يفي حسن الفائدة لكم بقبح الجناية عليهم . فهذا باب يسقط ~~البتة ، ويختل به الكتاب لا محالة . وهو أكثرها بابا ، وأعجبها منك موقعا - ~~وأحاديث أخر ليس لها شهرة ؛ ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها ، ولا ~~هي مفيدة أصحابها . PageV01P030 # وليس يتوفر أبدا حسنها إلا بأن تعرف أهلها ، وحتى تتصل بمستحقها ، ~~وبمعادنها واللائقين بها . وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط ~~نصف الملحة ، وذهاب شطر النادرة . # ولو أن رجلا ألزق نادرة بأبي الحارث جمين ، والهيثم بن مطهر ، وبمزيد ، ~~وابن الأحمر ، ثم كانت باردة ، لجرت على أحسن ما يكون . ولو ولد نادرة حارة ~~في نفسها ، مليحة في معناها ، ثم أضافها إلى صالح بن حنين ، وإلى ابن ~~النواء ، وإلى بعض البغضاء ، لعادت باردة ، ولصارت فاترة ، فإن الفاتر شر ~~من البارد . # وكما أنك لو ولدت كلاما في الزهد ، وموعظة للناس ، ثم قلت : هذا من كلام ~~بكر بن عبد الله المزني ، وعامر بن عبد قيس العنبري ، ومورق العجلي ، ويزيد ~~الرقاشي ، لتضاعف PageV01P031 حسنه ، ولأحدث له ذلك النسب نضارة ورفعة لم ~~تكن له . ولو قلت : قالها أبو كعب الصوفي ، أو عبد المؤمن ، أو أبي نواس ~~الشاعر ، أو حسين الخليع ، لما كان لها إلا مالها في نفسها . وبالحرى أن ~~تغلط في مقدارها ، فتبخس من حقها . # وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها ، وأحاديث كثيرة غير مضافة ~~إلى أربابها ؛ إما بالخوف منهم ، وإما بالإكرام لهم . ولو لا أنك سألتني ~~هذا الكتاب لما تكلفته ، ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة . فإن كانت ~~لائمة أو عجز فعليك ، وإن عذر فلي دونك . PageV01P032 # رسالة سهل بن هارون # أبي محمد بن راهبون ، إلى عمه من آل راهبون ، حين ذموا مذهبه في البخل ، ~~وتتبعوا كلامه في الكتب : بسم الله الرحمن الرحيم أصلح الله أمركم ، وجمع ~~شملكم ، وعلمكم الخير ، وجعلكم من أهله ! قال الأحنف بن قيس : يا معشر بني ~~تميم ، لا تسرعوا إلى الفتنة ، فإن أسرع الناس ms006 إلى القتال ، أقلهم حياء من ~~الفرار . وقد كانوا يقولون : إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عيابا ، ~~فإنه يعيب بفضل ما فيه من العيب . وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب . وقبيح ~~أن تنهى عن مرشد ، أو تغري بمشفق . # وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم ، وإلا إصلاح فسادكم ، وإبقاء ~~النعمة عليكم ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم ، فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما ~~بيننا وبينكم . PageV01P033 ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد ~~اخترناه لأنفسنا قبلكم ، وشهرنا به في الآفاق دونكم . فما أحقكم في تقديم ~~حرمتنا بكم ، أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم ، وتنبيهنا على ذكر العيوب برا ~~وفضلا ، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلا . وإن من أعظم الشقوة ، وأبعد من ~~السعادة ، أن لا يزال يتذكر زلل المعلمين ، ويتناسى سوء استماع المتعلمين ، ~~ويستعظم غلط العاذلين ، ولا يحفل بتعمد المعذولين . # عبتموني بقولي لخادمي : أجيدي عجنه خميرا ، كما أجدته فطيرا ، ليكون أطيب ~~لطعمه ، وأزيد في ريعه . وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ورحمه - ~~لأهله : أملكوا العجين ، فإنه أريع الطحنتين . PageV01P034 # وعبتم على قولي : من لم يعرف مواقع السرف في الموجود الرخيص ، لم يعرف ~~مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي : فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل ~~حجمها على مبلغ الكفاية ، وأشف من الكفاية . فلما صرت إلى تفريق أجزائه على ~~الأعضاء ، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء ، وجدت في الأعضاء فضلا على ~~الماء ، فعلمت أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله ، ورغبت عن التهاون به في ~~ابتدائه ، لخرج آخره على كفاية أوله ، ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر ~~. فعبتموني بذلك ، وشنعتموه بجهدكم ، وقبحتموه . وقد قال الحسن عند ذكر ~~السرف : إنه ليكون في الماعونين الماء والكلإ . فلم يرض بذكر الماء حتى ~~أردفه بالكلإ . # وعبتموني حين ختمت على سد عظيم ، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ، ومن ~~رطبة غريبة ، على عبدنهم ، وصبي جشع ، وأمة لكعاء ، وزوجة خرقاء . وليس من ~~أصل الأدب ، PageV01P035 ولا في ترتيب الحكم ، ولا في عادات القادة ، ولا ~~في تدبير السادة ، أن ms007 يستوي في نفيس المأكول ، وغريب المشروب ، وثمين ~~الملبوس ، وخطير المركوب ، والناعم من كل فن ، واللباب من كل شكل ، التابع ~~والمتبوع ، والسيد والمسود . كما لا تستوي مواضعهم في المجلس ، ومواقع ~~أسمائهم في العنوانات ، وما يستقبلون به من التحيات . وكيف وهم لا يفقدون ~~من ذلك ما يفقد القادر ، ولا يكترثون له اكتراث العارف ؟ من شاء أطعم كلبه ~~الدجاج المسمن ، وأعلف حماره السمسم المقشر ! فعبتموني بالختم ، وقد ختم ~~بعض الأئمة على مزود سويق . وختم على كيس فارغ ، وقال : طينة خير من ظنة . ~~فأمسكتم عمن ختم على لا شيء ، وعبتم من ختم على شيء . # وعبتموني حين قلت للغلام : إذا زدت في الرق فزد في الإنضاج ، لتجمع بين ~~التأدم باللحم والمرق ، ولتجمع مع الإرتفاق بالمرق الطيب . وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ' إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء فإن لم يصب أحدكم ~~لحما أصاب مرقا ' . PageV01P036 # وعبتموني بخصف النعال ، وبتصدير القميص ، وحين زعمت أن المخصوفة أبقى ~~وأوطأ وأوقى ، وأنفى للكبر ، وأشبه بالنسك ، وأن الترقيع من الحزم ، وأن ~~الاجتماع مع الحفظ ، وأن التفرق مع التصنيع . وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخصف نعله ، ويرقع ثوبه . ولقد لفقت سعدى بنت عواف إزار طلحة ، وهو ~~جواد قريش ، وهو طلحة الفياض . وكان في ثوب عمر رقاع أدم . وقال : من لم ~~يستحى من الخلال خفت مؤنته ، وقل كبره . وقالوا : لا جديد لمن لا يلبس ~~الخلق . # وبعث زياد رجلا يرتاد له محدثا ، واشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسددا ~~. فأتاه به موافقا . فقال : أكنت ذا معرفة به ؟ قال : لا ، ولا رأيته قبل ~~ساعته . قال : أفناقلته PageV01P037 الكلام ، وفاتحته الأمور قبل أن توصله ~~إلي ؟ قال : لا . قال : فلم اخترته على جميع من رأيته ؟ قال : يومنا يوم ~~قائظ ، ولم أزل أتعرف عقول الناس بطعامهم ولباسهم في مثل هذا اليوم . ورأيت ~~ثياب الناس جددا ، وثيابه لبسا ، فظننت به الحزم . # وقد علمنا أن الخلق في موضعه ، مثل الجديد في موضعه . وقد جعل الله عز ~~وجل لكل شيء قدرا ، وبوأ له موضعا ؛ كما جعل لكل دهر ms008 رجالا ، ولكل مقام ~~مقالا . وقد أحيا بالسم ، ومات بالغذاء ، وأغص بالماء ، وقتل بالدواء . ~~فترقيع الثوب يجمع مع الإصلاح التواضع . وخلاف ذلك يجمع مع الإسراف التكبر ~~. وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين ، كما زعموا أن قلة العيال أحد ~~اليسارتين . وقد جبر الأحنف يد عنز . وأمر بذلك النعمان . وقال عمر : من ~~أكل بيضة فقد أكل دجاجة . وقال رجل لبعض السادة : أهدي إليك دجاجة ؟ فقال : ~~إن كان لا بد فاجعلها بياضة . وعد أبو الدرداء العراق حر البهيمة . ~~PageV01P038 وعبتموني حين قلت : لا يغترن أحد بطول عمره ، وتقيس ظهره ، ~~ورقة عظمه ، ووهن قوته ، أن يرى أكرومته ، ولا يحرجه ذلك إلى إخراج ماله من ~~يديه ، وتحويله إلى ملك غيره ، وإلى تحكيم السرف فيه ، وتسليط الشهوات عليه ~~؛ فلعله أن يكون معمرا وهو لا يدري ، وممدودا له في السن وهو لا يشعر . ~~ولعله أن يرزق الولد على اليأس ، أو يحدث عليه بعض مخبآت الدهور ، مما لا ~~يخطر على البال ، ولا تدركه العقول ، فيسترده ممن لا يرده ، ويظهر الشكوى ~~إلى من لا يرحمه ، أضعف ما كان عن الطلب ، واقبح ما يكون به الكسب . ~~فعبتموني بذلك ، وقد قال عمرو بن العاص : اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدأ ، ~~واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا . # وعبتموني حين زعمت أن التبذير إلى أن التبذير إلى مال القمار ، ومال ~~الميراث ، وإلى مال الالتقاط ، وحباء الملوك ، أسرع ؛ وأن الحفظ إلى المال ~~المكتسب ، والغنى المجتلب ، وإلى ما يعرض PageV01P039 فيه لذهاب الدين ، ~~واهتضام العرض ، ونصب البدن ، واهتمام القلب أسرع ؛ وأن من لم يحسب ذهاب ~~نفقته ، لم يحسب دخله ، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل ؛ وأن من لم يعرف ~~للغنى قدره ، فقد أذن بالفقر ، وطاب نفسا بالذل . # وزعمت أن كسب الحلال مضمن بالإنفاق في الحلال ؛ وأن الخبيث ينزع إلى ~~الخبيث ؛ وأن الطيب يدعو إلى الطيب ، وأن الإنفاق في الهوى حجاب دون الحقوق ~~؛ وأن الإنفاق في الحقوق حجاز دون الهوى . فعبتم على هذا القول . وقد قال ~~معاوية : لم أر تبذيرا قط إلا وإلى جانبه حق مضيع . وقد قال ms009 الحسن : إذا ~~أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله ، فانظروا في أي شيء ينفقه ؟ فإن الخبيث ~~ينفق في السرف . # وقلت لكم بالشفقة مني عليكم ، وبحسن النظر لكم ، وبحفظكم لآبائكم ، ولما ~~PageV01P040 يجب في جواركم ، وفي ممالحتكم وملابستكم : أنتم في دار الآفات ~~، والجوائح غير مأمونات . حنيفة من طريق فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع ~~إلى بقية ؛ فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة ؛ حنيفة من طريق فإن البلية لا ~~تجري في الجميع إلا مع موت الجميع . وقد قال عمر رضي الله عنه في العبد ~~والأمة ، وفي ملك الشاة والبعير ، وفي الشيء الحقير اليسير : فرقوا بين ~~المنايا . وقال ابن سيرين لبعض البحريين : كيف تصنعون بأموالكم ؟ قال : ~~نفرقها في السفن ، فإن عطب بعض سلم بعض . ولولا أن السلامة أكثر لما حملنا ~~خزائننا في البحر . قال ابن سيرين : تحسبها خرقاء وهي صناع . # وقلت لكم عند إشفاقي عليكم : إن للغنى سكرا ، وإن للمال لنزوة . فمن لم ~~يحفظ الغنى من سكر العنى فقد أضاعه ، ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد ~~أهمله . فعبتموني بذلك . وقال زيد بن جبلة : ليس أحد أفقر من غني أمن الفقر ~~. وسكر الغنى أشد من سكر الخمر . PageV01P041 # وقلتم : قد لزم الحث على الحقوق ، والتزهيد في الفضول ، حتى صار يستعمل ~~ذلك في أشعاره بعد رسائله ، وفي خطبه بعد سائر كلامه . فمن ذلك قوله في ~~يحيى بن خالد : # عدو تلاد المال فيما ينوبه . . . منوع إذا ما منعه كان أحزما # ومن ذلك قوله في محمد بن زياد : # وخليقتان تقى وفضل تحرم . . . وإهانة في حقه للمال # وعبتموني حين زعمت أني أقدم المال على العلم ، لأن المال به يغاث العالم ~~، وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضيلة العلم ، وأن الأصل أحق بالتفضيل من ~~الفرع ، وأني قلت : وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس ، فإنا بالكفاية نستبين ~~، وبالخلة نعمى . # وقلتم : وكيف تقول هذا ؟ وقد قيل لرئيس الحكماء ، ومقدم الأدباء : ~~آلعلماء أفضل أم الأغنياء ؟ قال : بل العلماء . قيل : فما بال العلماء ~~يأتون أبواب الأغنياء ، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء ؟ قال : ~~لمعرفة العلماء بفضل ms010 الغنى ، ولجهل الأغنياء بفضل العلم . PageV01P042 # فقلت : حالهما هي القاضية بينهما . وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه ~~، وشيء يغي بعضهم فيه عن بعض ؟ وعبتموني حين قلت : إن فضل الغني على القوت ~~، إنما هو كفضل الآلة حنيفة الدار ، إن احتيج إليها استعملت ، وإن استغنى ~~عنها كانت عدة . وقد قال الحضين بن المنذر : وددت أن لي مثل أحد ذهبا ، لا ~~أنتفع منه بشيء . قيل : فما ينفعك من ذلك ؟ قال : لكثرة من يخدمني عليه . ~~وقال أيضا : عليك بطلب الغنى ، فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عز في قلبك ، وذل ~~في قلب غيرك ، لكان الحظ فيه جسيما ، والنفع فيه عظيما . ولسنا ندع سيرة ~~الأنبياء ، وتعليم الخلفاء ، وتأديب الحكماء ، لأصحاب الأهواء : كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ ~~الدجاج . وقال : ' درهمك لمعاشك ، ودينك لمعادك ' . PageV01P043 # فقسموا الأمور كلها على الدين والدنيا . ثم جعلوا أحد قسمي الجميع الدرهم ~~. وقال أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه : إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق ~~الأيام في اليوم . وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين . # وكان هشام يقول : ضع الدرهم على الدرهم يكون مالا . ونهى أبو الأسود ~~الدؤلي ، وكان حكيما أديبا ، وداهيا أريبا ، عن جودكم هذا المولد ، وعن ~~كرمكم هذا المستحدث . فقال لابنه : إذا بسط الله لك الرزق فابسط ، وإذا قبض ~~فاقبض . ولا تجاود الله ، فإن الله أجود منك . وقال : درهم من حل يخرج في ~~حق خير من عشرة آلاف قبضا . # وتلقط عرندا من بزيم ، فقال : تضيعون مثل هذا ، وهو قوت امرئ مسلم يوما ~~إلى الليل ! وتلقط أبو الدرداء حبات حنطة ، فنهاه بعض المسرفين . فقال : ~~ليهن ابن العبسية ! إن مرفقة المرء رفقه في معيشته . PageV01P044 # فلستم علي تردون ، ولا رأي تفندون . فقدموا النظر قبل العزم . وتذكروا ما ~~عليكم ، قبل أن تذكروا ما لكم . والسلام . # نبدأ بأهل خراسان ، لإكثار الناس في أهل خراسان . ونخص بذلك أهل مرو ، ~~بقدر ما خصوا به . # قال أصحابنا : يقول المروزي للزائر إذا أتاه ، وللجليس إذا طال جلوسه : ~~تغذيت اليوم ؟ فإن قال : نعم ، قال ms011 : لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب . ~~وإن قال : لا ، قال : لو كنت تغديت لسقيتك خمس أقداح . فلا يصير في يده على ~~الوجهين قليل ولا كثير . # وكنت في منزل ابن أبي كريمة ، وأصله من مرو . فرآني أتوضأ من كوز خزف ، ~~فقال : سبحان الله ، تتوضأ بالعذب والبئر لك معرضة ! قلت : ليس بعذب ، إنما ~~هو من ماء البئر . قال : فتفسد علينا كوزنا بالملوحة ! فلم أدر كيف أتخلص ~~منه ؟ وحدثني عمرو بن نهيوي قال : تغديت يوما عند الكندي . فدخل عليه رجل ~~كان له جارا ، وكان لي صديقا . فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل . وكان أبخل ~~من خلق الله . قال : فاستحييت منه ، فقلت : سبحان الله ، لو دنوت فأصبت ~~معنا مما نأكل ! قال : قد والله PageV01P045 فعلت . فقال الكندي : ما بعد ~~الله شيء ! قال عمر : فكتفه والله كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا ، ~~وتركه . ولو مد يده لكان كافرا ، ولو مد يده لكان كافرا ، أو لكان قد جعل ~~مع الله - جل ذكره - شيئا ! وليس هذا الحديث لأهل مرو ، ولكنه من شكل ~~الحديث الأول . # وقال ثمامة : لم أر الديك في بلدة قط فلا وهو لاقط ، يأخذ الحبة بمنقاره ~~، ثم يلفظها قدام الدجاجة ، فلا ديكة مرو ، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ~~ما في مناقيرها من الحب ! قال : فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد ، وفي ~~جواهر الماء . فمن ثم عتم جميع حيوانهم . # فحدثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد ، فقال : كنت عند شيخ من أهل مرو ، وصبي ~~له صغير يلعب بين يديه ، فقلت له إما عابثا وإما ممتحنا : أطعمني من خبزكم ~~، قال : لا تريده ، هو مر ! فقلت : فاسقني من مائكم ، قال : لا تريده ، هو ~~مالح ! قلت : هات من كذا وكذا ، قال : لا تريده ، هو كذا وكذا ! إلى أن ~~عددت أصنافا كثيرة . كل ذلك يمنعنيه ويبغضه PageV01P046 إلي ! فضحك أبوه ، ~~وقال : ما ذنبنا ؟ هذا من علمه ما تسمع ! يعني أن البخل طبع فيهم ، وفي ~~أعراقهم وطينتهم . # وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل ، وصبروا عن الإرتفاق بالمصباح ~~، ما أمكن الصبر ms012 ، ثم إنهم تناهدوا وتخارجوا . وأبى واحد منهم أن يغينهم ، ~~وأن يدخل في العزم معهم . فكانوا إذا جاء المصباح شدوا عينيه بمنديل ! ولا ~~يزال ولا يزالون كذلك إلى أن يناموا ، ويطفئوا المصباح . فإذا أطفئوا ~~أطلقوا عينيه ! ورأيت أنا حمارة منهم ، زهاء خمسين رجلا ، يتغدون على مباقل ~~بحضرة قرية الأعراب ، في طريق الكوفة ، وهم حجاج . فلم أر من جميع الخمسين ~~رجلين يأكلان معا ، وهم في ذلك متقاربون ، يحدث بعضهم بعضا . وهذا الذي ~~رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس . # حدثني مويس بن عمران ، قال رجل منهم لصاحبه ، وكانا إما متزاملين ، وإما ~~مترافقين : لم لا نتطاعم ، فإن لم نتطاعم ، فإن يد الله مع الجماعة ؟ وفي ~~الاجتماع البركة . وما زالوا يقولون : PageV01P047 طعام الإثنين يكفي ثلاثة ~~، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة . فقال له صاحبه : لولا أني أعلم أنك آكل مني ~~لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة . فلما كان الغد وأعاد عليه القول ، ~~قال له : يا عبد الله ، معك رغيف ومعي رغيف . ولولا أنك تريد أكثر ، ما كان ~~حرصك على مؤاكلتي ! تريد الحديث والمؤانسة ؟ اجعل الطبق واحدا ، ويكون رغيف ~~كل منا قدام صاحبه . وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك ونصف رغيفي ستجده مباركا ! ~~غنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا لا أنت . # وقال خاقان بن صبيح : دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا ، وإذا هو قد ~~أتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الدقة ، وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة ~~شيئا من ملح ، وقد علق على عمود المنارة عودا بخيط ، وقد حز فيه ، حتى صار ~~فيه مكان للرباط . فكان المصباح إذا كاد ينطفئ أشخص رأس الفتيلة بذلك . قال ~~: فقلت له : ما بال العود مربوطا ؟ قال : PageV01P048 هذا عود قد تشرب ~~الدهن . فإن ضاع ولم يحفظ ، احتجنا إلى واحد عطشان . فإذا كان هذا دأبنا ~~ودأبه ، ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة . # قال : فبينا أنا أتعجب في نفسي ، وأسأل الله - جل ذكره - العافية والستر ~~، إذ دخل شيخ من أهل مرو ، فنظر إلى العود ، فقال : يا أبا فلان ms013 ، فررت من ~~شيء ووقعت في شبيه به . أما تعلم أن الريح والشمس تأخذان من سائر الأشياء ؟ ~~أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى ، وهو عند إسراجك الليلة أعطش ~~؟ قد كنت أنا جاهلا مثلك ، حتى وفقني الله إلى ما هو أرشد . - عافاك الله ! ~~- بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة . وعلى أن العود والخلال والقصبة ربما ~~تعلقت بها الشعرة من قطن الفتيلة ، إذا سويناها بها ، فتشخص معها . وربما ~~كان ذلك سببا لانطفاء السراج . والحديد أملس . وهو مع ذلك غير نشاف . # قال خاقان : ففي تلك الليلة عرفت فضل أهل خراسان على سائر الناس ، وفضل ~~أهل مرو على أهل خراسان ! PageV01P049 قال مثنى بن بشير : دخل أبو عبد الله ~~المروزي على شيخ من أهل خراسان ، وإذا هو قد استصبح في مسرجة خزف من هذه ~~الخزفية الخضر . فقال له الشيخ : لا يجيء والله منك أمر صالح أبدا ! عاتبتك ~~في مسارج الحجارة ، فأعتبتني بالخزف . أو علمت أن الخزف والحجارة يحسوان ~~الدهن حسوا ؟ قال : جعلت فداك ! دفعتها إلى صديق لي دهان ، فألقاها في ~~المصفاة شهرا ، حتى رويت من الدهن ريا لا تحتاج معه أبدا إلى شيء . قال : ~~ليس هذا أريد ، هذا دواؤه يسير . وقد وقعت عليه . ولكن ما علمت أن موضع ~~النار من المسجة في طرف الفتيلة لا ينفك من إحراق النار ، وتجفيفه وتنشيف ~~ما فيه ؟ ومتى ابتل بالدهن وتسقاه ، عادت النار عليه فأكلته . هذا دأبهما . ~~فلو قست ما يشرب ذلك المكان من الدهن ، بما يستمده طرف الفتيلة منه ، لعلمت ~~أن ذلك أكثره . # وبعد هذا ، فإن ذلك الموضع من الفتيلة والمسرجة لا يزال سائلا جاريا . ~~ويقال : إنك متى وضعت مسرجة فيها مصباح ، وأخرى لا مصباح فيها ، لم تلبث ~~إلا ليلة أو ليلتين حتى PageV01P050 ترى السفلى ملآنة دهنا . واعتبر أيضا ~~ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة ، والنخالة التي توضع هناك ، لتسويتها ~~وتصويبها ، كيف تجدهما ينعصران دهنا . وهذا كله خسران وغبن ، لا يتهاون به ~~إلا أصحاب الفساد . على أن المفسدين غنما يطعمون الناس ويسقون الناس ، وهم ~~على حال ms014 يستخلفون شيئا ، وإن كان روثا . وأنت إنما تطعم النار وتسقي النار ~~. ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاما للنار ! قال الشيخ : فكيف ~~أصنع ؟ جعلت فداك ! قال : تتخذ قنديلا . فإن الزجاج أحفظ من غيره . والزجاج ~~لا يعرف الرشح ولا النشف ، ولا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا بالدلك ~~الشديد ، أو بإحراق النار . وأيهما كان ، فإنه يعيد المسرجة إلى العطش ~~الأول . وازجاج أبقى على الماء والتراب من الذهب الإبريز . وهو مع ذلك ~~مصنوع ، والذهب مخلوق . فإن فضلت الذهب بالصلابة ، فضلت الزجاج بالصفاء . # والزجاج مجل ، والذهب ستار . ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه ، فلا تحمي ~~جوانبه بوهج PageV01P051 المصباح ، كما تحمي بموضع النار من المسرجة . وإذا ~~وقع شعاع النار على جوهر الزجاج صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا ، ورد ~~الضياء كل واحد منهما على صاحبه . واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه ~~المرآة ، أو على وجه الماء ، أو على الزجاجة ، ثم انظر كيف يتضاعف نوره . ~~وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه ، وربما أعماه . وقال جل ذكره : ' الله ~~نور السموات والأرض . مثل نوره كمشكاة فيها مصباح . المصباح في زجاجة . ~~والزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية . ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار . نور على نور . يهدي الله لنوره من يشاء ~~' . PageV01P052 # والزيت في الزجاجة نور على نور ، وضوء على ضوء مضاعف . هذا مع فضل حسن ~~القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف . # وأبو عبد الله هذا كان من أطيب الخلق وأملحهم بخلا ، وأشدهم أدبا . دخل ~~على ذي اليمينين طاهر بن الحسن ، وقد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام . فقال ~~له : منذ كم أنت مقيم بالعراق يا أبا عبد الله ؟ فقال : أنا بالعراق منذ ~~عشرين سنة . وأنا أصوم الدهر منذ أربعين سنة . قال : فضحك طاهر وقال : ~~سألناك يا أبا عبد الله عن مسألة ، وأجبتنا عن مسألتين ! ومن أعاجيب أهل ~~مرو ما سمعناه من مشايخنا على وجه الدهر . وذلك أن رجلا من أهل مرو كان لا ~~يزال يحج ويتجر ، وينزل على رجل ms015 من أهل العراق ، فيكرمه ويكفيه مؤنته . ثم ~~كان كثيرا ما يقول لذلك العراقي : ليت أني رأيتك بمرو ، حتى أكافئك لقديم ~~إحسانك ، وما تجدد لي من البر في كل قدمة . فأما هاهنا فقد أغناك الله عني ~~. # قال : فعرضت لذلك العراقي بعد دهر طويل حاجة في تلك الناحية . فكان مما ~~هون عليه مكابدة السفر ، ووحشة الاغتراب ، مكان المروزي هناك . فلما قدم ~~مضى نحوه في ثياب سفره ، وفي عمامته وقلنسوته وكسائه ، ليحط رحله عنده ، ~~كما يصنع الرجل بثقته ، وموضع أنسه . PageV01P053 # فلما وجده قاعدا في أصحابه أكب عليه وعانقه . فلم يره أثبته ، وسأل به ~~سؤال من رآه قط . قال العراقي في نفسه : لعل إنكاره إياي لمكان القناع . ~~فرمى بقناعته وابتدأ مسألته . فكان له أنكر . فقال : لعله أن يكون إنما أتي ~~من قبل العمامة ، فنزعها . ثم انتسب وجدد مسألته ، فوجده أشد ما كان إنكارا ~~. قال : فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة . # وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل . قال : لو ~~خرجت من جلدك لم أعرفك ! . # وزعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا ، فتناهدوا وتلازقوا في شراء اللحم . ~~وإذا اشتروا اللحم قسموه قبل الطبخ ، وأخذ كل إنسان منهم نصيبه ، فشكه ~~بخوصة أو بخيط ، ثم أرسله في خل القدر والتوابل . فإذا طبخوا تناول كل ~~إنسان خيطه وقد علمه بعلامة . ثم اقتسموا المرق . ثم لا يزال أحدهم يسل من ~~الخيط القطعة بعد القطعة ، حتى يبقى الحبل لا شيء فيه . ثم يجمعون خيوطهم . ~~فإن أعادوا الملازقة أعادوا تلك الخيوط ، لأنها قد تشربت الدسم ورويت . # وليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة ، ولكن لأن بضاعة كل واحد منهم ~~لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده ، ولأن المؤنة تخف أيضا في الحطب ~~والخل PageV01P054 والثوم والتوابل . ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر ~~كل واحد منهم على قدر . فإنما يختارون السكباج ، لأنه أبقى على الأيام ، ~~وأبعد من الفساد . # حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام ، قال : قلت مرة لجار كان لي من ~~أهل خراسان : أعرني مقلاكم ، فإني أحتاج إليه . قال ms016 : قد كان لنا مقلى ~~ولكنه سرق . # فاستعرت من جار لي آخر ، فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش اللحم في المقلى ~~، وشم الطباهج . فقال لي كالمغضب : ما في الأرض أعجب منك : لو كنت خبرتني ~~أنك خبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع ! إنما خشيتك تريده ~~للباقلى . وحديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم . وكيف لا ~~أعيرك إذا أردت الطباهج ، والمقلى بعد الرد من الطباهج أحسن حالا منه وهو ~~في البيت ! وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام : دعانا جار لنا ، ~~فأطعمنا تمرا وسمنا سلاء ، ونحن على خوان ليس عليه إلا ما ذكرت ، ~~والخراساني معنا يأكل . فرايته يقطر السمن على الخوان ، حتى أكثر من ذلك . ~~فقلت لرجل إلى جنبي : ما لأبي فلان يضيع سمن القوم ، ويسيء المؤاكلة ، ~~ويغرف فوق الحق ؟ قال : وما عرفت علته ؟ قلت : لا والله ! قال : الخوان ~~PageV01P055 خوانه ، فهو يريد أن يدسمه ، ليكون كالدبغ له . ولقد طلق ~~امرأته ، وهي أم أولاده ، لأنه رآها غسلت خوانا له بماء حار . فقال لها : ~~هلا مسحته ! وقال أبو نواس : كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد رجل من ~~أهل خراسان . وكان من عقلائهم وفهمائهم . وكان يأكل وحده ، فقلت له : لم ~~تأكل لوحدك ؟ قال : ليس علي في هذا الموضع مسألة . إنما المسألة على من أكل ~~مع الجماعة ؛ لأن ذلك هو التكلف . وأكلي وحدي هو الأصل . وأكلي مع غيري ~~زيادة في الأصل . # وحدثني إبراهيم بن السندي ، قال : كان على ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل ~~خراسان . وكان مصححا ، بعيدا من الفساد ، ومن الرشا ، ومن الحكم بالهوى . ~~وكان حفيا جدا . وكذلك كان في إمساكه ، وفي بخله وتدنيقه في نفقاته ، وكلن ~~لا يأكل إلا ما لابد منه ، ولا يشرب إلا ونشهد أن محمدا عبده ورسوله لابد ~~منه . # غير أنه كان في غداة كل جمعة يحمل معه منديلا فيه جردقتان ، وقطع لحم ~~سكباج مبرد ، وقطع جبن ، وزيتونات ، وصرة فيها ملح ، وأخرى فيها أشنان ، ~~وأربع بيضات ، ليس منها بد . ومعه خلال . PageV01P056 # ويمضي وحده ، حتى يدخل بعض ms017 بساتين الكرخ . ويطلب موضعا تحت شجرة ، وسط ~~خضرة ، وعلى ماء جار . فإذا وجد ذلك جلس ، وبسط بين يديه المنديل ، وأكل من ~~هذا مرة ، ومن هذا مرة . فإن وجد قيم ذلك البستان رمى إليه بدرهم ، ثم قال ~~: اشتر لي بهذا ، أو أعطني بهذا رطبا ، إن كان في زمان الرطب ، أو عنبا ، ~~إن كان في زمان العنب . ويقول له : إياك إياك أن تحابيني ، ولكن تجود لي ، ~~فإنك إن فعلت لم آكله ، ولم أعد إليك . واحذر الغبن ، فإن المغبون لا محمود ~~ولا مأجور . # فإن أتاه به أكل كل سيء معه ، وكل شيء أتى به . ثم تخلل وغسل يديه . ثم ~~يمشي مقدار مائة خطوة . ثم يضع جنبه ، فينام إلى وقت الجمعة . ثم ينتبه ~~فيغتسل ، ويمضي إلى المسجد . هذا كان دأبه كل جمعة . # قال إبراهيم : فبينا هو يوما من أيامه يأكل في بعض المواضع ، إذ مر به ~~رجل فسلم عليه ، فرد السلام . ثم قال : هلم - عافاك الله ! فلما نظر إلى ~~الرجل قد انثنى راجعا ، يريد أن يطفر الجدول ، أو يعدي النهر ، قال له : ~~مكانك ، فإن العجلة من عمل الشيطان ! فوقف الرجل PageV01P057 فأقبل عليه ~~الخراساني وقال : تريد ماذا ؟ قال : أريد أن أتغدى . قال : ولم ذلك ؟ وكيف ~~طمعت في هذا ؟ ومن أباح لك مالي ؟ قال الرجل : أو ليس قد دعوتني ؟ قال : ~~ويلك ! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام . الآيين فيما نحن فيه ~~أن نكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار ، تبدأ أنت فتسلم . فأقول أنا حينئذ ~~مجيبا لك : وعليكم السلام . فإن كنت لا آكل شيئا أنا ، وسكت أنتن ومضيت أنت ~~، وقعدت أنا على حالي ! وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر : وهو أن أبدأ أنا ، ~~فأقول : هلم ، وتجيب أنت ، فتقول : هنيئا . فيكون كلام بكلام . فأما كلام ~~بفعال ، وقول بأكل ، فهذا ليس من الإنصاف ! وهذا يخرج علينا فضلا كثيرا ! ~~قال : فورد على الرجل شيء لم يكن في حسابه . فشهر بذلك في تلك الناحية ، ~~وقيل له : قد أعفيناك من السلام ومن تكلف الرد . قال : ما بي إلى ms018 ذلك حاجة ~~. إنما هو أن أعفي أنا نفسي من هلم وقد استقام الأمر ! PageV01P058 ومثل ~~هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير ، عن وال كان بفارس ، إما أن يكون ~~جالدا أخا مهرويه أو غيره . قال : بينا هو يوما في مجلس ، وهو مشغول بحسابه ~~وأمره ، وقد احتجب جهده ، إذ نجم شاعر من بين يديه ، فأنشده شعرا مدحه فيه ~~وقرظه ومجده . فلما فرغ قال : قد أحسنت . ثم أقبل على كاتبه فقال : أعطه ~~عشرة آلاف درهم . ففرح الشاعر فرحا قد يستطار له . فلما رأى حاله قال : ~~وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع ؟ اجعلها عشرين ألف درهم . وكاد ~~الشاعر يخرج من جلده ! فلما رأى فرحه قد تضاعف قال : وإن فرحك ليتضاعف على ~~قدر تضاعف القول ! أعطه يا فلان أربعين ألفا . فكاد الفرح يقتله . فلما ~~رجعت إليه نفسه قال له : أنت - جعلت فداك ! - رجل كريم . وأنا أعلم أنك ~~كلما رأيتني قد ازددت فرحا زدتني في الجائزة . وقبول هذا منك لا يكون إلا ~~من قلة الشكر له ! ثم دعا له وخرج . قال : فأقبل عليه كاتبه فقال : سبحان ~~الله ! هذا كان يرضى منك بأربعين درهما ، تأمر له بأربعين ألف درهم ! قال : ~~ويلك ! وتريد أن تعطيه شيئا ؟ قال : ومن إنفاذ أمرك بد ؟ قال : يا أحمق ، ~~إنما هذا رجل سرنا بكلام ! هو حين زعم أني أحسن من القمر ، وأشد من الأسد ، ~~وأن لساني أقطع من السيف ، وأن أمري أنفذ من السنان ، PageV01P059 جعل في ~~يدي من هذا شيئا أرجع به إلى شيء ؟ نعلم أنه قد كذب ؟ ولكنه قد سرنا حين ~~كذب لنا . فنحن أيضا نسره بالقول ، ونأمر له بالجوائز ، وإن كان كذبا . ~~فيكون كذب بكذب ، وقول بقول . فأما أن يكون كذب بصدق ، وقول بفعل ، فهذا هو ~~الخسران الذي ما سمعت به ! ويقال إن هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة ~~العوام من قولهم : ينظر إلي شزرا ، كأني أكلت اثنين وأطعمته واحدا ، إنما ~~هو لأهل مرو . # قال : وقال المروزي : لو لا أنني أبني مدينة لبنيت آريا لدابتي . # قال ms019 : وقلت لأحمد بن هشام ، وهو يبني داره ببغداد : إذا أراد الله ذهاب ~~مال رجل سلط عليه الطين والماء . قال : لا ، بل إذا أراد الله ذهاب مال رجل ~~جعله يرجو الخلف ! والله ما أهلك الناس ، ولا أقفر بيوتهم ، ولا ترك دورهم ~~بلاقع إلا الإيمان بالخلف ! وما رأيت جنة قط أوقى من اليأس ! PageV01P060 ~~قال : وسمع رجل من المراوزة الحسن وهو يحث الناس على المعروف ، ويأمر ~~بالصدقة ، ويقول : ما نقص مال قط من زكاة ، ويعدهم سرعة الخلف . فتصدق ~~بماله كله ، فافتقر . فانتظر سنة وسنة . فلما لم ير شيئا بكر على الحسن ~~فقال : حسن ما صنعت بي ! ضمنت لي الخلف ، فأنفقت على عدتك . وأنا اليوم مذ ~~كذا وكذا سنة أنتظر ما وعدت ، لا أرى منه قليلا ولا كثيرا ! هذا يحل لك ؟ ~~آللص كان يصنع بي أكثر من هذا ؟ والخلف يكون معجلا ومؤجلا . ومن تصدق وتشرط ~~الشروط ، استحق الحرمان . ولو كان هذا على ما توهمه المروزي لكانت المحنة ~~فيه ساقطة ، ولترك الناس التجارة ، ولما بقي فقير ، ولذهبت العبادة . # أصبح ثمامة شديد الغم حين احترقت داره . وكان كلما دخل عليه إنسان قال : ~~الحريق سريع الخلف ! فلما كثر ذلك القول منهم قال : فلنستحرق الله ! اللهم ~~إني أستحرقك ، فأحرق كل شيء لنا ! . # وليس هذا الحديث من حديث المراوزة ، ولكنا ضممناه إلى ما يشاكله . ~~PageV01P061 # قال سجادة ، وهو أبو سعيد سجادة : إن من المراوزة إذا لبسوا الخفاف في ~~الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم ، يمشون على صدور أقدامهم ثلاثة ~~أشهر ، مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب . # وحكى أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام عن جاره المروزي ، أنه كان لا ~~يلبس خفا ولا نعلا ، إلى أن يذهب النبق اليابس ، لكثرة النوى في الطريق ~~والأسواق . # قال : ورآني مرة مصصت قصب سكر ، فجمعت ما مصصت ماءه لأرمي به . فقال : إن ~~كنت لا ينور لك ولا عيال ، فهبه لمن تنور وعليه عيال . وإياك أن تعود نفسك ~~هذه العادة في أيام خفة ظهرك ؛ فإنك لا تدري ما يأتيك من العيال . # | قصة أهل البصرة ms020 من المسجديين # قال أصحابنا منة المسجديين : اجتمع ناس في المسجد ممن ينتحل الاقتصاد في ~~النفقة ، والتنمية للمال ، من أصحاب الجمع والمنع . وقد كان هذا المذهب صار ~~عندهم كالنسب الذي يجمع على التحاب ، وكان الذي يجمع على التناصر . وكانوا ~~إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب ، وتطارحوة وتدارسوه . PageV01P062 # فقال شيخ منهم : ماء بئرنا - كما قد علمتم - ملح أجاج لا يقربه الحمار ، ~~ولا تسيغه الإبل ، وتموت عليه النخل . والنهر منا بعيد . وفي تكلف العذب ~~علينا مؤنة . فكنا نمزج منه للحمار ، فاعتل عنه ، وانتفض علينا من أجله . ~~فصرنا بعد ذلك نسقيه العذب صرفا . وكنت أنا والنعجة كثيرا ما نغتسل بالعذب ~~، مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار . فكان ذلك الماء ~~العذب الصافي يذهب باطلا . # ثم انفتح لي باب من الإصلاح ، فعمدت إلى ذلك المتوضأ ، فجعلت في ناحية ~~منه حفرة ، وصهرجتها وملستها ، حتى صارت كأنها صخرة منقورة . وصوبت إليها ~~المسيل . فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء إليها صافيا ، لم يخالطه شيء . ~~والحمار أيضا لا تقزز له منه . وليس علينا حرج في سقيه منه . وما علمنا أن ~~كتابا حرمه ، ولا سنة نهت عنه . فربحنا هذه منذ أيام ، وأسقطنا مؤنة عن ~~النفس والمال ، مال القوم . وهذا بتوفيق الله ومنه . فأقبل عليهم شيخ فقال ~~: هل شعرتم بموت مريم الصناع ؟ فإنها كانت من ذوات PageV01P063 الاقتصاد ، ~~وصاحبة إصلاح . قالوا : فحدثنا عنها . قال : نوادرها كثيرة ، وحديثها طويل ~~. ولكني أخبركم عن واحدة فيها كفاية . قالوا : وما هي ؟ قال : زوجت ابنتها ~~، وهي بنت اثنتي عشرة ، فحلتها الذهب والفضة ، وكستها المروى والوشي والقز ~~والخز ، وعلقت المعصفر ، ودقت الطيب ، وعظمت أمرها من قدرها عند الأحماء . # فقال لها زوجها : أنى هذا يا مريم ؟ قالت : هو من عند الله . قال : دعي ~~عنك الجملة ، وهاتي التفسير . والله ما كنت ذات مال قديما ، ولا ورثته ~~حديثا . وما أنت بخائنة في نفسك ، ولا في مال بعلك . إلا أن تكوني قد وقعت ~~على كنز ! وكيف دار الأمر فقد أسقطت عني مؤنة ، وكفيتني هذه النائبة . # قالت : اعلم أني ms021 منذ يوم ولدتها إلى أن زوجتها ، كنت أرفع من دقيق كل ~~عجنة حفنة . وكنا - كما قد علمت - نخبز في كل يوم مرة . فإذا اجتمع من ذلك ~~مكوك بعته . PageV01P064 # قال زوجها : ثبت الله رأيك وأرشدك ! ولقد أسعد الله من كنت له سكنا ، ~~وبارك لمن جعلت له إلفا ! ولهذا وشبهه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~من الذود إلى الذود إبل . وإني لأرجو أن يخرج ولدك على عرقك الصالح ، وعلى ~~مذهبك المحمود . # وما فرحي بهذا منك بأشد من فرحي بما يثبت الله بك في عقبي من هذه الطريقة ~~المرضية . # فنهض القوم بأجمعهم إلى جنازتها ، وصلوا عليها . ثم انكفؤا إلى زوجها ، ~~فعزوه على مصيبته ، وشاركوه في حزنه . # ثم اندفع شيخ منهم فقال : يا قوم ، لا تحقروا صغار الأمور ، فإن كل كبير ~~صغير . ومتى شاء الله أن يعظم صغيرا عظمه ، وأن يكثر قليلا كثره . وهل بيوت ~~الأموال إلا درهم إلى درهم ؟ وهم الذهب إلا قيراط إلى جنب قيراط ؟ وليس ~~كذلك رمل عالج وماء البحر ؟ وهل اجتمعت أموال بيوت إلا بدرهم من هاهنا ~~ودرهم من هاهنا ؟ PageV01P065 فقد رأيت صاحب سفط قد اعتقد مائة جريب في أرض ~~العرب ، ولربما رأيته يبيع الفلفل بقيراط ، الحمص بقيراط ، فأعلم أنه لم ~~يربح في ذلك الفلفل إلا الحبة والحبتين من خشب الفلفل . فلم يزل يجمع من ~~الصغار الكبار ، حتى اجتمع ما اشترى به مائة جريب ! . # ثم قال : اشتكيت أياما صدري من سعال كان أصابني ، فأمرني قوم بالفانيذ ~~السكري . # وأشار على آخرون بالحريرة تتخذ من النشاستج والسكر ودهن اللوز ، وأشباه ~~ذلك . فاستثقلت المؤنة ، وكرهت الكلفة ، ورجوت العافية . فبينا أنا أدافع ~~الأيام ، إذ قال لي بعض الموفقين : عليك بماء النخالة فاحسه حارا . فحسوت ، ~~فإذا هو طيب جدا ، وإذا هو يعصم : فما جعت ولا اشتهيت الغذاء في ذلك اليوم ~~إلى الظهر . ثم ما فرعت من غدائي وغسل يدي حتى قاربت العصر . فلما قرب وقت ~~غدائي من وقت عشائي طويت العشاء ، وعرفت قصدي . # فقلت للعجوز : لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة ms022 ؟ فإن ماءها جلاء ~~للصدر ، وقوتها غذاء وعصمة ؛ ثم تجففين بعد النخالة ، فتعود كما كانت . ~~فتبيعين إذا الجميع بمثل الثمن الأول ، PageV01P066 ونكون قد ربحنا فضل ما ~~بين الحالين ! قالت : أرجو أن يكون الله قد جمع بهذا السعال مصالح كثيرة ، ~~لما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك معاشك ! وما أشك أن تلك ~~المشهورة كانت من التوفيق ! قال القوم : صدقت ، مثل هذا لا يكتسب بالرأي ، ~~ولا يكون إلا سماويا . ! ثم أقبل عليهم شيخ فقال : كنا نلقي من الحراق ~~والقداحة جهدا ، لأن الحجارة كانت إذا انكسرت حروفها واستدارت ، كلت ولم ~~تقدح قدح خير ، وأصلدت فلم تور ، وربما أعجلنا المطر والوكف . وقد كان ~~الحجر أيضا يأخذ من حروف القداحة ، حتى يدعها كالقوس . فكنت أشتري ~~المرقشيتا بالغلاء ، والقداحة الغليظة بالثمن الموجع . # وكان علينا أيضا في صنعة الحراق وفي معالجة القطنة مؤنة ، وله ريح كريهة ~~. والحراق لا يجيء من الحرق المصبوغة ، ولا من الحرق الوسخة ، ولا من ~~الكتان ، ولا من الخلقان . PageV01P067 # فكنا نشتريه بأغلى الثمن . فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو والأعراب ، ~~وقدحهم النار بالمرخ والعفار . فزعم لنا صديقنا الثوري وهو - ما علمت - أحد ~~المرشدين ، أن عراجين الأعذاق تنوب عن ذلك أجمع . وعلمني كيف تعالج . ونحن ~~نؤتى بها من أرضنا بلا كلفة . فالخادم اليوم لا تقدح ولا توري إلا بالعرجون ~~. قال القوم : قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة . ولهذا قال الأول : مذاكرة ~~الرجال تلقح الألباب . ثم اندفع شيخ منهم فقال : لم أرى في وضع الأمور في ~~مواضعها ، وفي توفيتها غاية حقوقها ، كمعاذة العنبرية . قالوا : وما شان ~~معاذة هذه ؟ قال : أهدى إليها العام ابن عم لها أضحية . فرأيتها كئيبة ~~حزينة ، مفكرة مطرقة . فقلت لها : مالك يا معاذة ؟ قالت : أنا امرأة أرملة ~~، وليس لي قيم . ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي . وقد ذهب الذين كانوا ~~يدبرونه ويقومون بحقه . وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة . ولست أعرف وضع ~~جميع أجزائها في أماكنها . وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا غيرها شيئا ~~لا منفعة فيه . ولكن المرء ms023 يعجز لا محالة . ولست أخاف من تضييع القليل ، ~~إلا أنه يجر تضييع الكثير . PageV01P068 # أما القرن فالوجه فيه معروف ، وهو أن يجعل كالخطاف ، ويسمر في جذع من ~~جذوع السقف ، فيعلق عليه الزبل والكيران ، وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل ~~والسنانير ، وبنات وردان والحيات ، وغير ذلك . وأما المصران فإنه لأوتار ~~المندفة . وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة . وأما قحف الرأس واللحيان وسائر ~~العظام ، فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق ، ثم يطبخ . فما ارتفع من الدسم كان ~~للمصباح وللإدام وللعصيدة ، ولغير ذلك . ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها . ~~فلم يرى الناس وقودا قط أصفى ولا أحسن لهبا منها . وإذا كانت كذلك فهي أسرع ~~في القدر ، لقلة ما يخالطها من الدخان . وأما الإهاب فالجلد نفسه حراب . ~~وللصوف وجوه لا تدفع . وأما الفرث والبعر فحطب إذا جفف عجيب . # ثم قالت : بقي الآن علينا الانتفاع بالدم . وقد علمت أن الله عز وجل لم ~~يحرم من PageV01P069 الدم المسفوح إلا أكله وشربه ، وأن له مواضع يجوز فيها ~~ولا يمنع منها . وإن أنا لم أقع على علم ذلك ، حتى يوضع موضع الانتفاع به ، ~~صار كية في قلبي ، وقدي في عيني ، وهما لا يزال يعاودني . # فلم ألبث أن رأيتها قد تطلقت وتبسمت . فقلت : ينبغي أن يكون قد انفتح لك ~~باب الرأي في الدم . قالت : أجل ، ذكرت أن عندي قدورا شامية جددا . وقد ~~زعموا أنه ليس شيء أدبغ ولا أزيد في قوتها ، من التلطيخ بالدم الحار الدسم ~~. وقد استرحت الآن ، إذ وقع كل شيء موقعه ! قال : ثم لقيتها بعد ستة أشهر ، ~~فقلت لها : كيف كان قديد تلك الشاة ؟ قالت : بأبي أنت ! لم يجيء وقت القديد ~~بعد ! لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعروق وغير ذلك معاش ! ولكل ~~شيء إبان ! فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى ، ثم ضرب بها الأرض ~~. ثم قال : لا تعلم أنك من المسرفين ، حتى تسمع بأخبار الصالحين ! . ~~PageV01P070 # | قصة زبيدة بن حميد # وأما زبيدة بن حميد الصيرفي ، فإنه استلف من بقال كان على باب داره ~~درهمين وقيراطا ms024 . فلما قضاه بعد ستة أشهر ، قضاه درهمين وثلاث حبات شعير . ~~فاغتاظ البقال ، فقال : سبحان الله ! أنت رب مائة ألف دينار ، وأنا بقال لا ~~أملك مائة فلس ، وإنما أعيش بكدي ، وباستفضال الحبة والحبتين . صاح على ~~بابك حمال ، والمال لم يحضرك ، وغاب وكيلك ، فنقدت عنك درهمين وأربع شعيرات ~~. فقضيتني بعد ستة أشهر درهمين وثلاث شعيرات . فقال زبيدة : يا مجنون ! ~~أسلفتني في الصيف ، فقضيتك في الشتاء . وثلاث شعيرات شتوية ندية ، أرزن من ~~أربع شعيرات يابسة صيفية . وما أشك أن معك فضلا ! وحدثني أبو الأصبغ ، بن ~~ربعي ، قال : دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم ، فقلت له : ما هذا الضرب ~~المبرح ؟ وهذا الخلق السيء ؟ هؤلاء غلمان ، ولهم حرمة وكفاية وتربية . ~~وإنما هم ولد . هؤلاء كانوا إلى غير هذا أحوج . قال : إنك لست تدري أنهم ~~أكلوا كل جوارشن كان عندي ! PageV01P071 قال أبو الأصبغ : فخرجت إلى رئيس ~~غلمانه ، فقلت : ويلك ! مالك وللجوارشن ؟ وما رغبتك فيه ؟ قال : جعلت فداك ~~! ما أقدر أن أكلمك من الجوع إلا وأنا متكئ ! الجوارشن ! ما أصنع به ؟ هو ~~نفسه ليس يشبع ، ولا نحتاج إلى الجوارشن ، ونحن الذين إنما نسمع بالشبع ~~سماعا من أفواه الناس ! ما نصنع بالجوارشن ؟ واشتد على غلمانه في تصفية ~~الماء ، وفي تبريده وتزميله لأصحابه وزواره . فقال له غازي أبو مجاهد : ~~جعلت فداك ! مر بتزميل الخبز وتكثيره ، فإن الطعام قبل الشراب . # وقال مرة : يا غلام ، هات خوان النرد ، وهو يريد تحت النرد ، فقال له ~~غازي : نحن إلى خوان الخبز أحوج . وسكر زبيدة ليلة فكسا صديقا له قميصا . ~~فلما صار القميص على النديم خاف البدوات ، وعلم أن ذلك من هفوات السكر . ~~فمضى من ساعته إلى منزله ، فجعله بركانا لامرأته . PageV01P072 # فلما أصبح سأل عن القميص وتفقده ، فقيل له : إنك قد كسوته فلانا . فبعث ~~إليه ، ثم أقبل عليه ، فقال : ما علمت أن هبة السكران وشراءه وبيعه وصدقته ~~وطلاقه لا يجوز ؟ وبعد ، فإني أكره ألا يكون لي حمد ، وأن يوجه الناس هذا ~~مني السكر . فرده علي ، حتى أهبه لك صاحيا عن طيب نفس ؛ فإني ms025 أكره أن يذهب ~~شيء من مالي باطلا . # فلما رآه قد صمم ، أقبل عليه فقال : يا هناه ! إن الناس يمزحون ويلعبون ، ~~ولا يؤاخذون بشيء من ذلك . فرد القميص ، عافاك الله ! قال له الرجل : إني ~~والله قد خفت هذا بعينه ؛ فلم أضع جنبي إلى الأرض حتى جيبته لامرأتي . وقد ~~زدت في الكمين ، وحذفت المقاديم . # فإن أردت بعد هذا كله أن تأخذه فخذه . فقال : نعم آخذه ، لأنه يصلح ~~لامرأتي كما يصلح لامرأتك . قال : فإنه عند الصباغ . قال : فهاته . قال : ~~ليس أنا أسلمته إليه . # فلما علم أنه قد وقع قال : بأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث ~~يقول : جمع السر كله في بيت عليه ، فكان مفتاحه السكر . PageV01P073 # قصة ليلى الناعطية # وأما ليلى الناعطية ، صاحبة الغالية من الشيعة ، فإنها ما زالت ترقع ~~قميصا لها وتلبسه ، حتى صار القميص الرقاع ، وذهب القميص الأول . ورفت ~~كساءها ولبسته ، حتى صارت لا تلبس إلا الرفو ، وذهب جميع الكساء . وسمعت ~~قول الشاعر : # البس قميصك ما اهتديت لجيبه . . . فإذا أضلك جيبه فاستبدل # فقالت : إني إذا الخرقاء ! أنا والله أحوص الفتق ، وأرقع الخرق وخرق ~~الخرق ! ومضيت أنا وأبو إسحاق النظام وعمرو بن نهيوي ، نريد الحديث في ~~الجبان ، ولنتناظر في شيء من الكلام . فمررنا بمجلس وليد القرشي ، وكان على ~~طريقنا . فلما رآنا تمشى معنا . PageV01P074 # فلما جاوزنا الخندق جلسنا في فناء حائطه . وله ظل شديد السواد ، بارد ~~ناعم . وذلك لثخن الساتر ، واكتناز الأجزاء ، ولبعد مسقط الشمس من أصل ~~حائطه . فطال بنا الحديث ، فجرينا في ضروب من الكلام . فما شعرنا إلا ~~والنهار قد انتصف ، ونحن في يوم قائظ . # فلما صرنا في الرجوع ، ووجدت مس الشمس وقعها على الرأس ، أيقنت بالبرسام ~~. فقلت لأبي إسحاق ، والوليد إلى جنبي يسمع كلامي : الباطنة منا بعيدة ، ~~وهذا يوم منكر ، ونحن في ساعة تذيب كل شيء . والرأي أن نميل إلى منزل ~~الوليد ، فنقيل فيه ، ونأكل ما حضر ، فإنه يوم تخفيف . فإذا أبردنا تفرقنا ~~، وإلا فهو الموت ليس دونه شيء . # قال الوليد رافعا صوته : أما على هذا الوجه الذي أنكرته ms026 علينا - رحمك ~~الله ؟ هل ها هنا إلا الحاجة والضرورة ؟ PageV01P075 قال : إنك أخرجته مخرج ~~الهزء . وقلت : وكيف أخرجه مخرج الهزء وحياتي في يدك ، مع معرفتي بك ؟ فغضب ~~، ونتر يده من أيدينا ، وفارقنا . ولا والله ما اعتذر إلينا مما ركبنا به ~~إلى الساعة . ولم أر من يجعل الأسى حجة في المنع إلا هو ، وإلا من أبي مازن ~~إلى جبل الغمر . # وكان جبل خرج ليلا من موضع كان فيه ، فخاف الطائف ، ولم يأمن المستقفي ، ~~فقال : لو دققت الباب على أبي مازن ، فبت عنده في أدنى بيت ، أو في دهليزه ~~، ولم ألزمه من مؤنتي شيئا . حتى إذا انصدع عمود الصبح ، خرجت في أوائل ~~المدلجين . فدق عليه الباب دق واثق ، ودق مدل ، ودق من يخاف أن يدركه ~~الطائف ، أو يقفوه المستقفي ، وفي قلبه عز الكفاية ، والثقة بإسقاط المؤنة ~~. PageV01P076 # فلم يشك أبو مازن أنه دق صاحب هدية . فنزل سريعا . فلما فتح الباب وبصر ~~بجبل ، بصر بملك الموت ! فلما رآه جبل واجما ، لا يحير كلمة ، قال له : إني ~~خفت معرة الطائف ، وعجلة المستقفي ، فملت إليك لأبيت عندك . فتساكر أبو ~~مازن ، وأراه أن وجومه إنما كان بسبب السكر . فخلع جوارحه ، وخبل لسانه ، ~~وقال : سكران والله ، أنا والله سكران ! قال له جبل : كن كيف شئت . نحن في ~~أيام الفصل ، لا شتاء ولا صيف . ولست أحتاج إلى سطح ، فأغم عيالك بالحر ، ~~ولست أحتاج إلى لحاف ، فأكلفك أن تؤثرني بالدثار . وأنا كما ترى ثمل من ~~الشراب ، شبعان من الطعام . ومن منزل فلان خرجت ، وهو أخصب الناس دخلا . ~~وإنما أريد أن تدعني أغفي في دهليزك إغفاءة واحدة ، ثم أقوم في أوائل ~~المبكرين . قال أبو مازن ، وأرخى عينيه وفكيه ولسانه ، ثم قال : سكران ~~والله ! أنا سكران ! لا والله ما أعقل أين أنا ! والله إن أفهم ما تقول ! ~~ثم أغلق الباب في وجهه ، ودخل لا يشك أن عذره قد وضح ، وأنه قد ألطف النظر ~~، حتى وقع على هذه الحيلة ! PageV01P077 وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا ، أو ~~كلاما غير معرب ، ولفظا معدولا عن جهته ، فاعلموا ms027 أنا إنما تركنا ذلك ، لأن ~~الإعراب يبغض هذا الباب ، ويخرجه من حده . إلا أن أحكي كلاما من كلام ~~متعاقلي البخلاء ، وأشحاء العلماء ، كسهل بن هارون وأشباهه . # | قصة أحمد بن خلف # ومن طياب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي . # ترك أبوه في منزله يوم مات ألفي ألف درهم ، وستمائة ألف درهم ، وأربعين ~~ومائة ألف دينار . فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه . وأخذ أحمد وحده ألف ~~ألف وثلثمائة ألف درهم ، وسبعين ألف دينار ، ذهبا عينا ، مثاقيل وازنة ~~جيادا ، سوى العروض . # فقلت له وقد ورث هذا المال كله : ما أبطأ بك الليلة ؟ قال لا والله ، إلا ~~أني تعيشت البارحة في البيت ! فقلت لأصحابنا : لولا أنه بعيد العهد بالأكل ~~في بيته ، وأن ذلك غريب منه ، لما احتاج إلى هذا الاستثناء ، وإلى هذه ~~الشريطة . وأين يتعشى الناس إلا PageV01P078 في منازلهم ؟ وإنما يقول الرجل ~~عند مثل هذه المسألة : لا والله ، إلا أن فلانا حبسني ، ولا والله ، إلا أن ~~فلانا عزم علي . فأما ما يستثنى ويشترط ، فهذا ما لا يكون إلا على ما ~~ذكرناه قبل . # وقال لي مبتدئا مرة عن غير مشورة ، وعن غير سبب جرى : انظر أن تتخذ ~~لعيالك في الشتاء من هذه المثلثة ؛ فإنها عظيمة البركة ، كثيرة النزل . وهي ~~تنوب عن الغداء . ولها نفخة تغني عن العشاء . وكل شيء من الأحساء ، فهو ~~يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء . # ومن تحسى الحار عرق . والعرق يبيض الجلد ، ويخرج من الجوف . وهي تملأ ~~النفس ، وتمنع من التشهي . وهي أيضا تدفئ ، فتقوم لك في أجوافهم مقام فحم ~~الكانون من خارج . وحسو طار يغني عن الوقود ، وعن لبس الحشو . # والوقود يسود كل شيء وييبسه . وهو سريع في الهضم ، وصاحبه معرض للحريق ، ~~ويذهب في ثمنه المال العظيم . وشر شيء فيه أن من تعوده لم يدفئه شيء سواه . ~~PageV01P079 # فعليك يا أبا عثمان بالمثلثة ! واعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة ~~وأصحاب التجربة . فخذها من حكيم مجرب ، ومن ناصح مشفق . # وكان لا يفارق منازل إخوانه . وإخوانه مخاصيب مناويب ، أصحاب نفح وترف . ~~وكانوا يتحفونه ms028 ويدللونه ، ويفكهونه ويحكمونه . ولم يشكوا أنه سيدعوهم مرة ~~، وأن يجعلوا بيته نزهة ونشوة . فلما طال تغافله ، وطالت مدافعته ، وعرضوا ~~له بذلك فتغافل ، صرحوا له . فلما امتنع قالوا : اجعلها دعوة ليس لها أخت . # فلما بلغ منه ومنهم المجهود ، اتخذ لهم طعيما خفيفا ، شهيا مليحا ، لا ~~ثمن له ولا مؤنة فيه . # فلما أكلوا وغسلوا أيديهم ، أقبل عليهم فقال : أسألكم بالله الذي لا شيء ~~أعظم منه ، أنا الساعة أيسر وأغنى ، أو قبل أن تأكلوا طعامي ؟ قالوا : ما ~~نشك أنك حين كنت والطعام في ملكك ، أغنى وأيسر . قال : فأنا الساعة أقرب ~~PageV01P080 إلى الفقر ، أم تلك الساعة ؟ قالوا : بل أنت الساعة أقرب إلى ~~الفقر . قال : فمن يلومني على ترك دعوة قوم قربوني من الفقر ، وباعدوني من ~~الغنى ، وكلما دعوتهم أكثر كنت من الفقر أقرب ، ومن الغنى أبعد ؟ وفي قياسه ~~هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء ، أو تناول من حائطه لبنة ، ~~ومن خليط دابته عودا . # ومر بأصحاب الجداء ، وذلك في زمان التوليد . فأطعمه الزمان في الرخص ، ~~وتحركت شهوته على قدر إمكانه عنده . فبعث غلاما له يقال له ثقف ؛ وهو معروف ~~، ليشتري له جديا . فوقف غير بعيد . فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر ، وهو ~~يشير بيده ، ويومئ برأسه : أن اذهب ولا تقف . فلم يبرح . فلما دنا منه قال ~~: ويلك ، تهزأ بي كأني مطلوب ! قال : هذا أطرفه ! الجدي بعشرة ! أنت من ذي ~~البابة ؟ مر الآن ، مرمر ! فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة ~~دراهم ! والجدي بعشرة PageV01P081 إنما ينكر عندنا بالبصرة ، لكثرة الخير ، ~~ورخص السعر . فأما في العساكر ، فإن أنكر ذلك منكر ، فإنما ينكره من طريق ~~رخصه ، وقلة ثمنه ، لا لغير ذلك . # ولا تقولوا الآن : قد والله أساء أبو عثمان إلى صديقه ، بل تناوله بالسوء ~~حتى بدأ بنفسه . ومن كانت هذه صفته ، وهذا مذهبه ، فغير مأمون على جليسه . ~~وأي الرجال المهذب ؟ هذا والله الشيوع والتبوع ، والبذاء وقلة الوفاء . ~~اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا موافقته ، وطلب رضاه ومحبته . ~~ولقد ms029 خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من قبله ، وكمينا من كمائنه . ~~وذلك أن أحب PageV01P082 الأصحاب إليه أبلغهم قولا في إياس الناس مما قبله ~~، وأجودهم حسما لأسباب الطمع في ماله . # على أني إن أحسنت بجهدي ، فسيجعل شكري موقوفا . وإن جاوز كتابي هذا حدود ~~العراق شكر ، وإلا أمسك . لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا الإقليم ، قد ~~أغنته عن التنويه والتنبيه على مذهبه . وكيف وهو يرى أن سهل بن هارون ~~وإسماعيل بن غزوان كانا من المسرفين ، وأن الثوري والكندي يستوجبان الحجر . # وبلغني أنه قال : لو لم تعرفوا من كرامة الملائكة على الله إلا أنه لم ~~يبتلهم بالنفقة ، ولا بقول العيال : هات ، لعرفتم حالهم ومنزلتهم . # وحدثني صاحب لي قال : دخلت على فلان بن فلان ، وإذا المائدة موضوعة بعد ، ~~وإذا القوم قد أكلوا ورفعوا أيديهم . فمددت يدي لآكل ، فقال : أجهز على ~~الجرحى ، ولا تتعرض للأصحاء ! يقول : اعرض للدجاجة التي قد نيل منها ، ~~وللفرخ المنزوع الفخذ . فأما الصحيح فلا تتعرض له . وكذلك الرغيف الذي قد ~~نيل منها ، وللفرخ المنزوع الفخذ . فأما الصحيح فلا تتعرض له . وكذلك ~~الرغيف الذي قد نيل منه ، وأصابه بعض المرق . PageV01P083 # وقال لي الرجل : أكلنا عنده يوما ، وأبوه حاضر ، وبني له يجيئ ويذهب . ~~فاختلف مرارا . كل ذلك يرانا نأكل . فقال الصبي : كم تأكلون ؟ لا أطعم الله ~~بطونكم ! فقال أبوه ، وهو جد الصبي : ابني ورب الكعبة ! وحدثني صاحب مسلحة ~~باب الكرخ ، قال : قال لي صاحب الحمام : ألا أعجبك من صالح بن عفان ؟ كان ~~يجئ كل سحر ، فيدخل الحمام . فإذا غبت عن إجانة النورة مسح أرفاغه . ثم ~~يتستر بالمئزر . ثم يقوم فيغسله في غمار الناس . ثم يجئ بعد في مثل تلك ~~الساعة ، فيطلي ساقيه وبعض فخذيه . ثم يجلس ويتزر بالمئزر . فإذا وجد غفلة ~~غسله . ثم يعود في مثل ذلك الوقت ، فيمسح قطعة أخرى من جسده . فلا يزال ~~يطلي في كل سحر ، حتى ذهب مني بطلية . # قال : ولقد رأيته وإن في زيق سراويله نورة . # وكان لا يرى الطبخ في القدور الشامية ، ولا تبريد ms030 الماء في الجرار ~~المذارية ؛ لأن هذه ترشح ، وتلك تنشف . PageV01P084 # حدثني أبو الجهجاه النوشرواني ، قال : حدثني أبو الأحوص الشاعر ، قال : ~~كنا نفطر عند الباسياني . فكان يرفع يديه قبلنا ، ويستلقي على فراشه ، ~~ويقول : ' إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ' . # | حديث خالد بن يزيد # وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة . هو خالويه المكدى . وكان قد بلغ في ~~البخل والتكدية ، وفي كثرة المال ، المبالغ التي لم يبلغها أحد . # وكان ينزل في شق بني تميم فلم يعرفوه . فوقف عليه ذات يوم سال ، وهو في ~~مجلس من مجالسهم . فأدخل يده في الكيس ليخرج فلسا ، وفلوس البصرة كبار . ~~فغلط بدرهم بغلى . فلم يفطن ، حتى وضعه في يد السائل . فلما فطن استرده ~~وأعطاه الفلس . فقيل له : هذا لا نظنه يحل . وهو بهد قبيح ! قال : قبيح عند ~~من ؟ إني لم أجمع هذا المال بعقولكم ، PageV01P085 فأفرقه بعقولكم ! ليس ~~هذا من مساكين الدراهم . هذا من مساكين الفلوس ! والله ما أعرفه إلا ~~بالفراسة . # قالوا : وإنك لتعرف المكدين ؟ قال : وكيف لا أعرفهم ! لم يبق في الأرض ~~مخطراني ، ولا مستعرض الأقفية ، ولا شحاذ ولا كاغاني ، ولا بانوان ، ولا ~~قرسي ولا عواء ، ولا مشعب ، ولا مزيدي ، ولا إسطيل ، إلا وقد كان تحت يدي . ~~ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة . ولم يبق في الأرض كعبي ولا مكد إلا وقد ~~أخذت العرافة عليه . # وإنما أراد بهذا أن يؤيسهم من ماله ، حين عرف حرصهم وجشعهم وسوء جوارهم . ~~PageV01P086 وكان قاصا متكلما ، بليغا داهيا . وكان أبو سليمان الأعور وأبو ~~سعيد المدائني القاصان من غلمانه . # وهو الذي قال لابنه عند موته : إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته ، وما ~~لا تأكله إن ضيعته . ولما ورثتك من العرف الصالح ، وأشهدتك من صواب التدبير ~~، وعودتك من عيش المقتصدين ، خير لك معين من هذا المال . وقد دفعت إليك آلة ~~لحفظ المال عليك بكل حيلة . ثم إن لم يكن لك معين من نفسك ، ما انتفعت بشيء ~~من ذلك . بل يعود ذلك النهي كله إغراء لك ، وذلك المنع تهجينا لطاعتك . # قد بلغت ms031 في البر منقطع التراب ، وفي البحر أقصى مبلغ السفن . فلا عليك ~~ألا ترى ذا القرنين . PageV01P087 # ودع عنك مذاهب ابن شرية ، فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر . ولو رآني تميم ~~الداري لأخذ عني صفة الروم . ولا أنا أهدى من القطا ، ومن دعيميص ، ومن ~~رافع المخش . # إني قد بت بالقفز مع الغول ، وتزوجت السعلاة ، وجاوبت الهاتف ، ورغت عن ~~الجن إلى الجن ، واصطدت الشق ، وجاوبت النسناس ، وصحبني الرئي . وعرفت خدع ~~الكاهن ، PageV01P088 وتدسيس العراف ، وإلام يذهب الخطاط والعياف ، وما ~~يقول أصحاب الأكتاف . وعرفت التنجيم ، والزجر ، والطرق ، والفكر . # إن هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدية ، ومن احتيال النهار ، ومكابدة ~~الليل . ولا يجمع مثله أبدا إلا من معاناة ركوب البحر ، ومن عمل السلطان ، ~~أو من كيمياء الذهب والفضة . # قد عرفت الرأس حق معرفته ، وفهمت كسر الإكسير على حقيقته . PageV01P089 # ولولا علمي بضيق صدرك ؟ ولولا أن أكون سببا لتلف نفسك ، لعلمتك الساعة ~~الشيء الذي بلغ بقارون ، وبه تبنكت خاتون . # والله ما يتسع صدرك عندي لسر صديق ، فكيف ما لا يحتمله عزم ، ولا يتسع له ~~صدر ؟ وحرز سر الحديث ، وحبس كنوز الجواهر ، أهون من خزن العلم . # ولو كنت عندي مأمونا على نفسك لأجريت الأرواح في الأجساد ، وأنت تبصر ما ~~كنت لا تفهمه بالوصف ، ولا تحقه بالذكر . ولكني سألقي عليك علم الإدراك ، ~~وسبك الرخام ، وصنعة الفسيفساء ، وأسرار السيوف القلعية ، وعقاقير السيوف ~~اليمانية ، وعمل الفرعوني ، وصنعة التلطيف على وجهه ، إن أقامني الله من ~~صرعتي هذه . PageV01P090 # ولست أرضاك وإن كنت فوق البنين ، ولا أثق بك وإن كنت لاحقا بالآباء ، ~~لأني لم أبالغ في محبتك . # ني قد لابست السلاطين والمساكين ، وخدمت الخلفاء والمكدين ، وخالطت ~~النساك والفتاك ، وعمرت السجون ، كما عمرت مجالس الذكر ، وحلبت الدهر أشطره ~~، وصادفت دهرا كثير الأعاجيب . # فلولا أني دخلت من كل باب ، وجريت مع كل ريح ، وعرفت السراء والضراء ، ~~حتى مثلت لي التجارب عواقب الأمور ، وقربتني من غوامض التدبير ، لما أمكنني ~~جمع ما أخلفه لك ، ولا حفظ ما حبسته عليك . ولم أحمد نفسي على جمعه ، كما ~~حمدتها على حفظه ms032 ، لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم والكيس . # قد حفظته عليك من فتنة الأبناء ، ومن فتنة النساء ، ومن فتنة الثناء ، ~~ومن فتنة الرياء ، ومن أيدي الوكلاء ، فإنهم الداء العياء . PageV01P091 # ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك ، ولكن لفضل بغضي للقاضي : إن الله - جل ~~ذكره - لم يسلط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد ؛ لأن أباه إن ~~كان غنيا قادرا ، أحب أن يريه غناه وقدرته ، وإن كان فقيرا عاجزا ، أحب أن ~~يستريح من شينه ، ومن حمل مؤنته . وإن كان خارجا من الحالتين ، أحب أن ~~يستريح من مداراته . # فلا هم شكروا من جمع لهم ، وكفاهم ووقاهم وغرسهم ، ولا هم صبروا على من ~~أوجب الله حقه عليهم . والحق لا يوصف عاجله بالحلاوة ، كما لا يوصف عاجل ~~الباطل بالمرارة . # فإن كنت فالقاضي لك . وإن لم تكن منهم فالله لك . # فإن سلكت سبيلي ، صار مال غيرك وديعة عندك ، وصرت الحافظ على غيرك . وإن ~~خالفت سبيلي ، صار مالك وديعة عند غيرك ، وصار غيرك الحافظ . وإنك يوم تطمع ~~أن تضيع مالك ويحفظه غيرك ، لجشع الطمع ، مخذول الأمل . PageV01P092 # احتال الآباء في حبس الأموال على أولادهم بالوقف ، فاحتالت القضاة على ~~أولادهم بالإستحجار . ما أسرعهم إلى إطلاق الحجر ، وإلى إيناس الرشد ، إذا ~~أرادوا الشراء منهم ! وأبطأهم عنهم ، إذا أرادوا أن تكون أموالهم جائزة ~~لصنائعهم ! يا بن الخبيثة ! إنك وإن كنت فوق أبناء هذا الزمان ، فإن ~~الكفاية قد مسختك ، ومعرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك . وزاد في ذلك أن كنت ~~بكرى وعجزة أمك . # أنا لو ذهب مالي لجلست قاصا ، أو طفت في الآفاق - كما كنت - مكديا : ~~اللحية وافرة بيضاء ، والحلق جهير طل ، والسمت حسن ، والقبول على واقع ! إن ~~سألت عيني PageV01P093 الدمع أجابت . والقليل من رحمة الناس خير من المال ~~الكثير . وصرت محتالا بالنهار ، واستعملت صناعة الليل ؛ أو خرجت قاطع طريق ~~؛ أو صرت للقوم عينا ولهم مجهرا . # سل عني صعاليك الجبل ، وزواقيل الشام ، وزط الآجام ، ورؤس الأكراد ، ~~ومردة الأعراب ، وفتاك نهر بط ، ولصوص القفص ! وسل عني القيقانية والقطرية ~~. وسل عني المتشبهة ، وذباجي الجزيرة ms033 : كيف بطشي ساعة البطش ، وكيف حيلتي ~~ساعة الحيلة ، وكيف أنا عند الجولة ، وكيف ثبات جناني PageV01P094 عند رؤية ~~الطليعة ، وكيف يقظتي إذا كنت ربيئة ، وكيف كلامي عند السلطان إذا أخذت ، ~~وكيف صبري إذا جلدت ، وكيف قلة ضجري إذا حبست ، وكيف رسفاني . في القيد إذا ~~أثقلت ! فكم من ديماس قد نقبته ، وكم من مطبق قد أفضيته ، وكم من سجن قد ~~كابدته . # وأنت غلام لسانك فوق عقلك ، وذكاؤك فوق حزمك . لم تعجمك الضراء ، ولم تزل ~~في السراء . والمال واسع ، وذرعك ضيق . وليس شيء أخوف عليك عندي من حسن ~~الظن بالناس ؛ فإنهم شمالك على يمينك ، وسمعك على بصرك . وخف عباد الله على ~~حسب PageV01P095 ما ترجو الله ؛ فأول ما وقع في روعي أن مالي محفوظ علي ، ~~وأن النماء لازم لي ، وأن الله سيحفظ عقبي من بعدي . # إني لما غلبتني يوما شهوتي ، وأخرجت يوما درهما لقضاء وطري ، ووقعت عني ~~على سكت وعلى اسم الله المكتوب عليه ، قلت في نفسي : إني إذا لمن الخاسرين ~~الضالين : لئن أنا أخرجت من يدي ومن بيتي شيئا عليه لا إله إلا الله ، أخذت ~~بدله شيئا ليس عليه شيء ! والله إن المؤمن لينزع خاتمه للأمر يريده ، وعليه ~~، حسبي الله ، أو توكلت على الله ، فيظن أنه قد خرج من كنف الله - جل ذكره ~~- حتى يرد الخاتم في موضعه ! وإنما هو خاتم واحد . وأنا أريد أن أخرج في كل ~~يوم درهما عليه الإسلام كما هو ! إن هذا لعظيم ! . # ومات من ساعته . وكفنه ابنه ببعض خلقانه ، وغسله بماء البئر ، ودفنه من ~~غير أن يصرخ له ، أو يلحد له ، ورجع . # فلما صار في المنزل ، نظر إلى جرة خضراء معلقة . قال : أي شيء في هذه ~~الجرة ؟ قالوا : ليس اليوم فيها شيء . قال : فأي شيء فيها قبل اليوم ؟ ~~قالوا : سمن . قال : PageV01P096 وما كان يصنه به ؟ قالوا : كنا في الشتاء ~~نلقي له في البرمة شيئا من دقيق نعمله له ، فكان ربما برقه بشيء من سمن . ~~قال : تقولون ولا تفعلون ! السمن أخو العسل . وهل أفسد الناس أموالهم إلا ~~في السمن ms034 والعسل ؟ والله إني لولا أن للجرة ثمنا لما كسرتها إلا على قبره ! ~~قالوا : فخرج فوق أبيه ، وما كنا نظن أن فوقه مزيدا ! المخطراني الذي يأتيك ~~في زي ناسك ، ويريك أن بابك قد قور لسانه من أصله ، لأنه كان مؤذنا هناك . ~~ثم يفتح فاه ، كما يصنع من تثاءب ، فلا ترى له لسانا البتة ! ولسانه في ~~الحقيقة كلسان الثور ! وأنا أحد من خدع بذلك . ولابد للمخطراني أن يكون معه ~~واحد يعبر عنه ، أو لوح أو قرطاس قد كتب فيه شأنه وقصته . # والكاغاني الذي يتجنن ، ويتصارع ، ويزبد ، حتى لا يشك أنه مجنون ، لا ~~دواء له ، لشدة ما ينزل بنفسه ، وحتى يتعجب من بقاء مثله على مثل علته . # والبانوان الذي يقف على الباب ، ويسل الغلق ويقول : بانوا ! وتفسير ذلك ~~بالعربية : يا مولاي ! PageV01P097 والقرسي الذي يعصب ساقه وذراعه عصبا ~~شديدا ، ويبيت على ذلك ليلة . فإذا تورم واختنق الدم ، مسحه بشيء من صابون ~~ودم الأخوين ، وقطر عليه شيئا من سمن ، وأطبق عليه خرقة ، وكشف بعضه . فلا ~~يشك من رآه أن به الإكلة ، أو بلية شبه الإكلة . # والمشعب الذي يحتال للصبي حين يولد : بأن يعميه ، أو يجعله أعسم ، أو ~~أعضد ؛ ليسأل الناس به أهله . وربما جاءت به أمه وأبوه ، ليتولى ذلك منه ~~بالغرم الثقيل . لأنه يصير حينئذ عقدة وغلة : فإما أن يكتسبا به ، وإما أن ~~يكرياه بكراء معلوم . وربما أكروا أولادهم ممن يمضي إلى إفريقية ، فيسأل ~~بهم الطريق أجمع ، بالمال العظيم . فإن كان ثقة مليئا ، وإلا أقام بالأولاد ~~والأجرة كفيلا . # والعواء الذي يسأل بين المغرب والعشاء . وربما طرب ، إن كان له صوت حسن ، ~~وحلق شجي . PageV01P098 # والإسطيل هو المتعامي : إن شاء أراك أنه منخسف العينين ، وإن شاء أراك أن ~~بهما ماء ، وإن شاء أراك أنه لا يبصر ، للخسف ، ولريح السبل . # والمزيدي الذي يعارضك ، وهو ذو هيئة ، وفي ثياب صالحة . وكأنه قد هاب من ~~الحياء ، ويخاف أن يراه معرفة ! ثم يعترضك اعتراضا ، ويكلمك خفيا . # والمعدس الذي يقف على الميت يسأل في كفنه ، ويقف في طريق مكة على الحمار ~~الميت ms035 ، والبعير الميت ، يدعى أنه كان له ، ويزعم أنه قد أحصر ؛ وقد تعلم ~~لغة الخراسانية واليمانية والإفريقية ، وتعرف تلك المدن والسكك والرجال . ~~وهو متى شاء كان من إفريقية ، ومتى شاء كان من أهل فرغانة ، ومتى شاء كان ~~من أي مخاليف اليمن شاء ! PageV01P099 والمكدى صاحب الكداء . # والكعبي أضيف إلى أبي كعب الموصلي ، وكان عريفهم بعد خالويه سنة على ماء ~~. # والزكوري هو خبز الصدقة ، كان على سجني أو على سائل . # هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط . وهم أضعاف ما ذكرنا في العدد . ولم يكن ~~يجوز أن نتكلف شيئا ليس من الكتاب في شيء . رفع يحيى بن عبد الله بن خالد ~~بن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد رغيفا من خوانه بيده ، ثم رطله والقوم ~~يأكلون . ثم قال : يزعمون أن خبزي صغار . أي ابن . . . يأكل من هذا الخبز ~~رغيفين ؟ PageV01P100 وكنت أنا وأبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام ، وقطرب ~~النحوي ، وأبو الفتح مؤدب منصور ابن زياد ، على خوان فلان بن فلان . ~~والخوان من جزعة . والغضار صيني ملمع ، أو خلنجية كيماكية . والألوان طيبة ~~شهية ، وغذية قدية . وكل رغيف في بياض الفضة ، كأنه البدر ، وكأنه مرآة ~~مجلوة . ولكنه على قدر عدد الرءوس . # فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة . ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم . ولم يغدوا ~~بشيء فيتموا أكلهم . والأيدي معلقة . وإنما هم في تنقير وتنتيف ! فلما طال ~~ذلك عليهم ، أقبل الرجل على أبي الفتح ، وتحت القصعة رقاقة ، فقال : يا أبا ~~الفتح ، خذ ذلك الرغيف فقطعه وقسمه على أصحابنا . فتغافل أبو الفتح . فلما ~~أعاد PageV01P101 عليه القول الرابعة قال : مالك - ويلك ! - لا تقطعه بينهم ~~؟ قطع الله أوصالك ! قال : يبتلي على يدي غيري ، أصلحك الله ! فخجلناه مرة ~~، وضحكنا مرة ، وما ضحكنا صاحبنا ولا خجل . # وزرته أنا والمكي . وكنت أنا على حمار مكار ، والمكي على حمار مستعار . ~~فصار الحمار إلى أسوأ ، من حال المذود ! فكلم المكي غلمانه ، فقال : لا ~~أريد منكم التبن فما فوقه . اسقوه ماء فقط . فسقوه ماء بئر ، فلم يشربه ~~الحمار ، وقد مات عطشا . # فأقبل المكي عليه فقال ms036 : أصلحك الله ! إنهم يسقون حماري ماء بئر ، ومنزل ~~صاحب الحمار على شارع دجلة ، فهو لا يعرف إلا العذب . قال : فامزجوه له يا ~~غلام ! فمزجوه فلم يشربه . فأعاد المسألة ، فأمكنه من أذن من لا يسمع إلا ~~ما يشتهي . # وقال لي مرة : يا أخي ، إن ناسا من الناس يغمسون اللقمة إلى أصبارها في ~~المري . فأقول : هؤلاء قوم يحبون الملوحة ، ولا يحبون الحامض ! فما ألبث أن ~~أرى أحدهم يأخذ PageV01P102 حرف الجردقة ، فيغمسها في الخل الحاذق ، ~~ويغرقها فيه ! وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل بعد التغريق ساعة ، فأقول : ~~هؤلاء قوم يجمعون حب الحموضة إلى حب الملوحة . ثم لا ألبث أنة أراهم يصنعون ~~مثل ذلك بالخردل ، والخردل لا يرام ! قل لي : أي شيء طبائع هؤلاء ؟ وأي ضرب ~~هم ؟ وما دواؤهم ؟ وأي شيء علاجهم ؟ فلما رأيت مذهبه وحمقه ، وغلبة البخل ~~عليه ، وقهره له ، قلت : ما لهم عندي علاج هو أنجع فيهم من أن يمنعوا ~~الصباغ كله ! لا والله ، إن هو غيره ! وصديق كنا قد ابتلينا بمؤاكلته . وقد ~~كان ظن أنا قد عرفناه بالبخل على الطعام . وهجس ذلك في نفسه ، وتوهم أنا قد ~~تذاكرناه أمره . فكان يتزيد في تكثير الطعام ، وفي إظهار الحرص على أن يؤكل ~~. حتى قال : من رفع يده قبل القوم غرمناه دينارا . فترى بغضه إن غرمناه ~~دينارا . وظاهر لا ئمته محتمل في رضا قلبه ، وما يرجو من نفع ذلك له . # ولقد خبرني خباز لبعض أصحابنا ، أنه جلده على إنضاج الخبز ، وأنه قال له ~~: أنضج خبزي الذي يوضع بين يدي ، واجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين ~~المقدارين . وأما PageV01P103 خبز العيال والضيف فلا تقربنه من النار إلا ~~بقدر ما يصير العجين رغيفا ، وبقدر ما يتماسك فقط ! فكلفه العويص . فلما ~~أعجزه ذلك ، جلده حد الزاني الحر ! فحدثت بهذا الحديث عبد الله العروضي ، ~~فقال : ألم تعرف شأن الجدي ؟ ضرب الشواء ثمانين سوطا لمكان الإنضاج ! وذلك ~~أنه قال له : ضع الجدي في التنور حين تضع الخوان ، حتى أستبطئك أنا في ~~إنضاجه . وتقول أنت : بقي قليل ! ثم تجيئنا ms037 به ، وكأني قد أعجلتك ! فإذا ~~وضع بين أيديهم غير منضج ، احتسبت عليهم بإحضار الجدي . فإذا لم يأكلوه ~~أعدته إلى التنور ، ثم أحضرتناه الغد باردا . فيقوم الجدي الواحد مقام ~~جديين ! فجاء به الشواء يوما نضيجا ، فعمل فيه القوم . فجلده ثمانين جلدة ، ~~جلد القاذف الحر ! وحدثني أحمد بن المثنى عن صديق لي وله ، ضخم البدن ، ~~كثير العلم ، فاشي الغلة ، عظيم الولايات ، أنه إذا دعا على مائدته بفضل ~~دجاجة ، أو بفضل رقاق ، أو غير ذلك ، رد الخادم مع الخباز إلى القهرمان ، ~~حتى يصك له بذلك إلى صاحب المطبخ ! PageV01P104 ولقد رأيته مرة وقد تناول ~~دجاجة ، فشقها نصفين ، فألقى نصفها إلى الذي عن يمينه ، ونصفها إلى الذي عن ~~شماله . ثم قال : يا غلام ! جئني بواحدة رخصة ، فإن هذه كانت عضلة جدا . ~~فحسبت أن أقل ما عند الرجلين ألا يعودا إلى مائدته أبدا . فوجدتهما قد فخرا ~~علي بما حباهما به من ذلك دوني ! وكانوا ربما خصوه ، فوضعوه بين يديه ~~الدراجة السمينة ، والدجاجة الرخصة . فانطفأت الشمعة في ليلة من تلك ~~الليالي . فأغار على الأسواري على بعض ما بين يديه ، واغتنم الظلمة . وعمل ~~على أن الليل أخفى للويل ! ففطن له ، وما هو بالفطن إلا في هذا الباب . ~~وقال : كذلك الملوك كانت لا تأكل مع السوقة ! وحثني أحمد بن المثنى أنهم ~~كانوا يعمدون إلى الجرادق التي ترفع عن مائدته : فما كان منها ملطخا ، دلك ~~دلكا شديدا ، وما كان منها قد ذهب جانب منه ، قطع بسكين من ترابيع ~~PageV01P105 الرغيف مثل ذلك ، لئلا يشك من رآه أنهم قد تعمدوا ذلك . وما ~~كان من الأنصاف والأرباع جعل بعضه للثريد ، وقطع بعضه كالأصابع ، وجعل مع ~~بعض القلايا . # ولقد رأيت رجلا ضخما ، فخم اللفظ ، فخم المعاني ، تربية في ظل ملك ؛ مع ~~علوهم ، ولسان عضب ، ومعرفة بالغامض من العيوب ، والدقيق من المحاسن ؛ مع ~~شدة تسرع إلى أعراض الناس ، وضيق صدر بما تعرف من عيوبهم . # وإن ثريدته لبلقاء ، إلا أن بياضها ناصع ، ولونها الآخر أصهب ! ما رأيت ~~ذلك مرة ولا مرتين . # وكنت قد هممت قبل ذلك ms038 لأن أعاتبه على الشيء يستأثر به ، ويختص به ، وأن ~~أحتمل ثقل تلك النصيحة وبشاعتها ، في حظه وفي النظر له . ورأيت أن ذلك لا ~~يكون PageV01P106 إلا من حاق الإخلاص ، ومن فرط الإخاء من الإخوان . فلما ~~رأيت البلقة هان علي التحجيل والغرة . ورأيت أن ترك الكلام أفضل ، وأن ~~الموعظة لغو . # وقد زعم أبو الحسن المدائني أن ثريدة مالك بن المنذر كانت بلقاء . ولعل ~~ذلك أن يكون باطلا . وأما أنا فقد رأيت بعيني من هذا الرجل ما لا أخبرك به ~~، وهو شيء لم أره إلا فيه ، ولا سمعت به في غيره . # ولسنا من تسمية الأصحاب المتهتكين ، ولا غيرهم من المستورين في شيء . أما ~~الصاحب فإنا لا نسميه لحرمته ، وواجب حقه . والآخر لا نسميه ليستر الله ~~عليه ، ولما يجب لمن كان في مثل حاله . وإنما نسمي من خرج من هاتين ~~الحالتين . ولربما سمينا الصاحب إذا كان ممن يمازج بهذا ، ورأيناه يتظرف ، ~~ويحمل ذلك الظرف سلما إلى منع شينه . PageV01P107 # | قصة أبي جعفر # ولم أر مثل أبي جعفر الطرسوسي : زار قوما فأكرموه وطيبوه ، وجعلوا في ~~شاربه وسبلته غالية . فحكته شفته العليا ، فأدخل إصبعه فحكها من باطن الشفة ~~، مخافة أن تأخذ إصبعه من الغالية شيئا ، إذا حكها من فوق ! وهذا وشبهه ~~إنما يطيب جدا إذا رأيت الحكاية بعينك ، لأن الكتاب لا يصور لك كل شيء ، ~~ولا يأتي لك على كنهه ، وعلى حدوده وحقائقه . # | قصة الحزامي # وأما أبو محمد الحزامي ، عبد الله بن كاسب ، كاتب مويس ، وكاتب داود بن ~~أبي داود ، فإنه كان أبخل من برأ الله ، وأطيب من برأ الله . وكان له في ~~البخل كلام . وهو أحد من ينصره ويفضله ، ويحتج له ، ويدعو إليه . # وإنه رآني مرة في تشرين الأول ، وقد بكر البرد شيئا . فلبست كساء لي ~~قومسيا خفيفا ، قد نيل منه . فقال لي : ما أقبح السرف بالعاقل ، وأسمج ~~الجهل بالحكيم ! ما ضننت أن إهمال النفس وسوء السياسة بلغ بك ما أرى ! ~~PageV01P108 قلت : وأي شيء أنكرت منا مذ اليوم ؟ وما كان هذا قولك فينا ~~بالأمس . فقال : لبسك ms039 هذا الكساء قبل أوانه . قلت : قد حدث من البرد ~~بمقداره . ولو كان هذا البرد الحادث في تموز وآب لكان إبانا لهذا الكساء . ~~قال : إن كان ذلك كذلك ، فاجعل بدل هذه المبطنة جبة محشوة ؛ فإنها تقوم هذا ~~المقام ، وتكون قد خرجت من الخطأ . فأما لبس الصوف اليوم ، فهو اليوم غير ~~جائز . # قلت : ولم ؟ قال : لأن غبار آخر الصيف يتداخله ، ويسكن في خلله . فإذا ~~أمطر الناس ، وندى الهواء ، وابتل كل شيء ، ابتل ذلك الغبار . وإنما الغبار ~~تراب ، إلا أنه لباب التراب . وهو مالح ، ويتقبض عند ذلك عليه الكساء ~~ويتكرش ؛ لأنه صوف ، فينضم أجزاؤه عليه ، فيأكله أكل القادح ، ويعمل فيه ~~عمل السوس . ولهو أسرع فيه من الأرضة في الجذوع النجرانية ! PageV01P109 ~~ولكن أخر لبسه ؛ حتى إذا أمطر الناس ، وسكن الغبار ، وتلبد التراب ، وحط ~~المطر ما كان في الهواء من الغبار ، وغسله وصفاه ، فالبسه حينئذ على بركة ~~الله ! وكان يقع إلى عياله بالكوفة كل سنة مرة ، فيشتري لهم من الحب مقدار ~~طبيخهم ، وقوت سنتهم . فإذا نظر إلى حب هذا ، وإلى حب هذا ، وقام على سعر ، ~~اكتال من كل واحد منها كيلة معلومة ، ثم وزنها بالميزان ، واشترى أثقلها ~~وزنا . وكان لا يختار على البلدي والموصلي شيئا ، إلا أن يتقارب السعر . ~~وكان على كل حال يفر من الميساني ، إلا أن يضطر إليه ، ويقول : هو ناعم ~~ضعيف ، ونار المعدة شيطان ! فإنما ينبغي لنا أن نطعم الحجر وما أشبه الحجر ~~! وقلت له مرة : أعلمت أن خبز البلدي ينبت عليه شيء شبيه بالطين والتراب ~~والغبار المتراكم ؟ قال : حبذا ذلك من خبز ! وليته قد أشبه الأرض بأكثر من ~~هذا المقدار ! وكان إذا كان جديد القميص ومغسوله ، ثم أتوه بكل بخور في ~~الأرض ، لم يتبخر ، مخافة أن يسود دخان العود بياض قميصه . فإن اتسخ فأتى ~~بالبخور ، لم يرض بالتبخر PageV01P110 واستقصاء ما في العود من القتار ، ~~حتى يدعو بدهن ، فيمسح به صدره وبطنه وداخلة إزاره . ثم يتبخر ، ليكون أعلق ~~للبخور ! وكان يقول : حبذا الشتاء ، فإنه يحفظ عليك رائحة البخور ، ولا ~~يحمض فيه النبيذ ms040 إن ترك مفتوحا ، ولا يفسد فيه مرق إن بقي أياما . # وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه . فإذا كان في الصيف ، دعا بثيابه ~~فلبسها على قميصه ، لكيلا يضيع من البخور شيء . # وقال مرة : إن للشيب سهكة . وبياض الشعر هو موته ، وسواده حياته : ألا ~~ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت إلا أبيض ! والناس لا يرضون منا في ~~هذا العسكر إلا بالعناق واللثام ، والطيب غال ، وعادته رديئة ! وينبغي لمن ~~كان أيضا عنده أن يحرسه ويحفظه من عياله . وإن العطار ليختمه على أخص ~~غلمانه به . PageV01P111 # فلست أرى شيئا هو خير من اتخاذ مشط صندل ؛ فإن ريحه طيبة . والشعر سريع ~~القبول منه ! وأقل ما يصنع أن ينفي سهك الشيب . فصرنا في حال لنا ولا علينا ~~. # فكان عطر الحزامى إلى أن فارق الدنيا مشط صندل ، إلا أن يطيبه صديق . # واستلف منه على الأسواري مائة درهم . فجاءني وهو حزين منكسر . فقلت له : ~~إنما يحزن من لا يجد بدا من إسلاف الصديق ، مخافة ألا يرجع إليه ماله ، ولا ~~يعد ذلك هبة منه ؛ أو رجل يخاف الشكية ، فهو إن لم يسلف كرما ، أسلف خوفا . ~~وهذا باب الشهرة فيه قرة عينك . وأنا واثق باعتزامك وتصميمك ، وبقلة ~~المبالاة بتخيل الناس لك . فما وجه انكسارك واغتمامك ؟ قال : اللهم غفرا ! ~~ليس ذاك بي . إنما في أني قد كنت أظن أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني ، ~~وآيسة مني ، وأني قد أحكمت هذا الباب وأتقنته ، وأودعت قلوبهم اليأس ، ~~وقطعت أسباب الخواطر . فأراني واحدا منهم ! إن من أسباب إفلاس PageV01P112 ~~المرء طمع الناس فيه ؛ لأنهم إذا طمعوا فيه احتالوا له الحيل ، ونصبوا له ~~الشرك . وإذا يئسوا منه فقد أمن . وهذا المذهب من على استضعاف شديد . وما ~~أشك أني عنده غمر ، وأني كبعض من يأكل ماله ، وهو مع هذا خليط وعشير . # وإذا كان مثله لم يعرفني ، ولم يتقرر عنده مذهبي ، فما ظنك بالجيران ؟ بل ~~ما ظنك بالمعارف ؟ أراني أنفخ في غير فحم ، وأقدح بزند مصلد ! ما أخوفني أن ~~أكون قد قصد إلي بقول ! ما ms041 أخوفني أن يكون الله في سمائه قد قصد إلى أن ~~يفقرني ! قال : ويقولون : ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك ! فما يقولون إن ~~كان أقصر مني ؟ أليس يتخيل في قميصي ؟ وإن كان طويلا جدا ، وأنا قصير جدا ~~فلبسه ، أليس يصير آية للسابلين ؟ فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة ~~للناس ؟ ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي . ومتى يتفق هذا ، ~~وإلى ذلك محيى وممات . PageV01P113 وكان يقول : أشتهي اللحم الذي قد تهرأ ، ~~وأشتهي أيضا الذي فيه بعض الصلابة . # وقلت له مرة : ما أشبهك بالذي قال : أشتهي لحم دجاجتين . قال : وما تصنع ~~بذلك القائل ؟ هو ذا أنا أشتهي لحم دجاجتين ، واحدة خلاسية مسمنة ، وأخرى ~~خوامزكه رخصة . # وقلت له مرة : قد رضيت بأن يقال : عبد الله بخيل ؟ قال : لا أعدمني الله ~~هذا الاسم ! قلت : وكيف ؟ قال : لا يقال : فلان بخيل إلا وهو ذو مال . فسلم ~~إلى المال ، وادعني بأي اسم شئت ! قلت : ولا يقال أيضا : فلا سخي إلا وهو ~~ذو مال . فقد جمع هذا الاسم الحمد والمال ، واسم البخل يجمع المال والذم . ~~فقد أخذت أخسهما وأوضعهما . # قال : وبينهما فرق . قلت : فهاته . قال : في قولهم : بخيل ، تثبيت لإقامة ~~المال في ملكه . وفي قولهم : سخي ، إخبار عن خروج المال من ملكه . واسم ~~البخيل اسم فيه حفظ وذم ، واسم السخي اسم فيه تضييع وحمد . والمال زاهر ~~نافع ، مكرم لأهله معز . # والحمد ريح وسخرية ، واستماعك له ضعف وفسولة . وما أقل غناء الحمد والله ~~عنه ، إذا جاع بطنه ، وعري جلده ، وضاع عياله ، وشمت به من كان يحسده ! ~~PageV01P114 وكنا عند داود بن أبي داود بواسط ، أيام ولايته كسكر ! فأتته ~~من البصرة هدايا فيها زقاق دبس . فقسمها بيننا . فكل ما أخذ منها الحزامى ~~أعطى غيره . فأنكرت ذلك من مذهبه ، ولم أعرف جهة تدبيره . فقلت للمكي : قد ~~علمت أن الحزامى إنما يجزع من الإعطاء ، وهو عدو . فأما الأخذ فهو ضالته ~~وأمنيته ! وإنه لو أعطى أفاعى سجستان ، وثعابين مصر ، وحيات الأهواز ، ~~لأخذها ، إذا كان اسم الأخذ واقعا عليها ! فعساه ms042 أراد التفضيل في القسمة . ~~قال : أنا كاتبه ، وصداقتي أقدم . وما ذلك به . هاهنا أمرا ما نقع عليه . ~~فلم يلبث أن دخل علينا . فسألته عن ذلك . فتعصر قليلا . ثم باح بسره . قال ~~: وضيعته أضعاف ربحه . وأخذه عندي من أسباب الإدبار . قلت : أول وضائعه ~~احتمال السكر . قال : هذا لم يخطر لي قط على بال . قلت : فهات إذا ما عندك ~~. PageV01P115 # قال : أول ذلك كراء الحمال . ثم هو على خطر حتى يصير إلى المنزل . فإذا ~~صار إلى المنزل ، صار سببا لطلب العصيدة والأرز والبستندود . فإن بعته ~~فرارا من هذا صيرتموني شهرة ، وتركتموني عنده آية . وإن أنا حبسته ذهب في ~~العصائد وأشباه العصائد . وجذب ذلك شراء السمن ، ثم جذب السمن غيره ، وصار ~~هذا الدبس أضر علينا من العيال . # وإن أنا جعلته نبيذا ، احتجت إلى كراء القدور ، وإلى شراء الحب ، وإلى ~~شراء الماء ، وإلى كراء من يوقد تحته ، وإلى التفرغ له . فإن وليت ذلك ~~الخادم اسود ثوبها ، وغرمنا ثمن الأشنان والصابون ، وازدادت في الطمع ، على ~~قدر الزيادة في العمل . فإن فسد ذهبت النفقة باطلا ، ولم نستخلف منها عوضا ~~، بوجه من جميع الوجوه . لأن خل الداذي يخضب اللحم ، ويغير الطعم ، ويسود ~~المرق ، ولا يصلح إلا للاصطباغ . وهذا إذا استحال خلا . وأكثر ذلك أن يحول ~~عن النبيذ ، ولا يصير إلى الخل . وإن سليم - وأعوذ بالله ! - وجاد وصفا ، ~~لم نجد بدا من شربه ، ولم تطب أنفسنا بتركه . PageV01P116 # فإن قعدت في البيت أشرب منه ، لم يمكن إلا بترك سلاف الفارسي المعسل ، ~~والدجاج المسمن ، وجداء كسكر ، وفاكهة الجبل ، والنقل الهش ، والريحان الغض ~~، عند من لا يغيض ماله ، ولا تنقطع مادته ، وعند من لا أبالي على أي قطرية ~~سقط ؛ مع فوت الحديث المؤنس ، والسماع الحسن . # وعلى أني إن جلست في البيت أشربه ، لم يكن لي بد من واحد . وذلك الواحد ~~لابد له من دريهم لحم ، ومن طسوج نقل ، وقيراط ريحان ؛ ومن أبزار للقدر ، ~~ومن حطب للوقود . وهذا كله غرم . وهو بعد هذا شؤم وحرفة ، وخروج من العادة ~~الحسنة . # فإن كان ذلك النديم ms043 غير موافق ، فأهل الحبس أحسن حالا مني . وإن كان - ~~وأعوذ بالله ! - موافقا ، فقد فتح الله على مالي بابا من التلف ؛ لأنه ~~حينئذ يسير في مالي كسيري في مال من هو فوقي . # وإذا علم الصديق أن عندي داذيا أو نبيذا ، دق الباب دق المدل . فإن ~~حجبناه فبلاء ، وإن أدخلناه فشقاء . وإن بدا لي في استحسان حديث الناس كما ~~يستحسن PageV01P117 مني من أكون عنده ، فقد شاركت المسرفين ، وفارقت إخواني ~~من المصلحين ، وصرت من ألوان الشياطين . # فإذا صرت كذلك ، فقد ذهب كسبي من مال غيري ، وصار غيري يكتسب مني . وأنا ~~لو ابتليت بأحدهما لم أقم له ، فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ ! أعوذ ~~بالله من الخذلان بعد العصمة ، ومن الحور بعد الكور ! لو كان هذا في ~~الحداثة كان أهون . # هذا الدوشاب دسيس من الحرفة ، وكيد من الشيطان ، وخدعة من الحسود ! وهو ~~الحلاوة التي تعقب المرارة ! ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد مل منادمتي ، ~~فهو يحتال لي الحيل ! وكنا مرة في موضع حشمة ، وفي جماعة كثيرة ، والقوم ~~سكوت ، والمجلس كبير ، وهو بعيد المكان مني . وأقبل على المكي وقال ، ~~والقوم يسمعون ، فقال : يا أبا عثمان ، من أبخل PageV01P118 أصحابنا ؟ قلت ~~: أبو الهذيل . قال : ثم من ؟ قلت : صاحب لنا لا أسميه . قال الحزامي من ~~بعيد : إنما يعنيني ! ثم قال : حسدتم للمقتصدين تدبيرهم ، ونماء أموالهم ، ~~ودوام نعمتهم . فالتمستم تهجينهم بهذا اللقب ، وأدخلتم المكر عليهم بهذا ~~النبز . تظلمون المتلف لماله باسم الجود ، إدارة له عن شينه ، وتظلمون ~~المصلح لماله باسم البخل ، حسدا منكم لنعمته . فلا المفسد ينجو ، ولا ~~المصلح يسلم . # قال أبو عبيدة : بلغ خالد بن عبد الله القسري أن الناس يرمونه بالبخل على ~~الطعام . فتكلم يوما ، فما زال يدخل كلاما في كلام ، حتى أدخل الاعتذار من ~~ذلك في عرض كلامه . فكان مما احتج به في شدة رؤية الأكيل عليه ، وفي نفوره ~~منه ، أن قال : نظر خالد المهزول في الجاهلية يوما إلى ناس يأكلون ، وإلى ~~إبل تجتر . فقال لأصحابه : أتروني بمثل هذه العين التي أرى بها الناس ms044 ~~والإبل ؟ قالوا : نعم . فحلف بإلهه ألا يأكل بقلا ، وإن مات هزالا . ~~PageV01P119 # وكان يغتذى اللبن ، ويصيب من الشراب . فأضمره ذلك وأيبسه . فلما دق جسمه ~~، واشتد هزاله ، سمي المهزول . # ثم قال خالد : هأنذا مبتلي بالمضغ ، ومحمول على تحريك اللحيين ، ومضطر ~~إلى مناسبة البهائم ، ومحتمل ما في ذلك من السخف والعجز . ما أبالي ! ~~احتمله فيمن ليس لي منه بد ، ولي عنه مذهب . ليأكل كل امرئ في منزله ، وفي ~~موضع أمنه وأنسه ، ودون ستره وبابه . # هذا ما بلغنا عن خالد بن عبد الله القسري واحتجاجه . # فأما خالد المهزول فهو أحد الخالدين . وهما سيدا بني أسد . وفيه وفي خالد ~~بن نضلة يقول الأسود بن يعفر : وقبلك مات الخالدان كلاهما . عميد بني جحوان ~~وابن المضلل . PageV01P120 # | قصة الحارثي # وقيل الحارثي بالأمس : والله إنك لتضع الطعام فتجيده ، وتعظم عليك النفقة ~~، وتكثر منه . وإنك لتغالي بالخباز والطباخ والشواء والخباص ، ثم أنت مع ~~هذا كله لا تشهده عدوا لتغمه ، ولا وليا فتسره ، ولا جاهلا لتعرفه ، ولا ~~زائر لتعظمه ، ولا شاكرا لتثبته . وأنت تعلم أنه حين يتنحى من بين يديك ، ~~ويغيب عن عينيك ، فقد صار نهبا مقسما ، ومتوزعا مستهلكا . فلو أحضرته من ~~ينفع شكره ، ويبقي على الأيام ذكره ، ومن يمتعك بالحديث الحسن والاستماع ، ~~ومن يمتد به الأكل ، ويقصر به الدهر - لكان ذلك أولى بك ، وأشبه بالذي ~~قدمته يدك . # وبعد فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك ؟ ومن إن حمدك لم يحسن أن يحمدك ~~؟ ومن لا يفضل بين الشهي الغذى ، وبين الغليظ الزهم ؟ PageV01P121 قال : ~~يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك . قالوا : ومن أبو الفاتك ؟ قال : قاضي ~~الفتيان . وإني لم آكل مع أحد قط إلا رأيت منه بعض ماذمه ، وبعض ما شنعه ~~وقبحه . # فشيء يقبح بالشطار ، فما ظنك به إذا كان في أصحابه المروءات وأهل ~~البيوتات ؟ قالوا : فما قال أبو الفاتك ؟ قال : قال أبو فاتك : الفتى لا ~~يكون نشافا ، ولا نشالا ، ولا مرسالا ، ولا لكاما ، ولا مصاصا ، ولا نفاضا ~~، ولا دلاكا ، ولا مقورا ، ولا مغربلا ، ولا محلقما ، ولا مسوغا ، ولا ~~مبلعما ، ولا ms045 مخضرا . # فكيف لو رأى أبو الفاتك اللطاع ، والقطاع ، والنهاش ، والمداد ، والدفاع ~~، والمحول ! والله إني لأفضل الدهاقين حين عابوا الحسو ، وتقززوا من التعرق ~~، وبهرجوا صاحب التمشيش ، وحين أكلوا بالبارجين ، وقطعوا بالسكين ، ولزموا ~~عند الطعام السكتة ، وتركوا الخوض ، واختاروا الزمزمة . PageV01P122 # أنا والله أحتمل الضيف والضيفن ، ولا أحتمل اللعموظ ولا الجردبيل . ~~والواغل أهون على من الراشن . # ومن يشك أن الوحدة خير من جليس السوء ؟ وأن جليس السوء خير من أكيل السوء ~~؟ لأن كل أكيل جليس ، وليس كل جليس أكيلا . # فإن كان لابد من المؤاكلة ، ولابد من المشاركة ، فمع من لا يستأثر علي ~~بالمخ ، ولا ينتهز بيضة البقيلة ، ولا يلتهم كبد الدجاجة ، ولا يبادر إلى ~~دماغ رأس السلاءة ، ولا يختطف كلية الجدي ، ولا يزدرد قانصة الكركي ، ولا ~~ينتزع شاكلة الحمل ، ولا يقتطع سرة الشصر ، ولا بعرض لعيون الرءوس ، ولا ~~يستولي على صدور الدجاج ، ولا يسابق PageV01P123 إلى أسقاط الفراخ ، ولا ~~يتناول إلا ما بين يديه ، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره ، ولا يتشهى الغرائب ، ~~ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة ، ولا يهتك أستار الناس : بأن يتشهى ما ~~عسى ألا يكون موجودا . # وكيف تصلح الدنيا ، وكيف يطيب العيش ، مع من إذا رأى جزورية التقط ~~الأكباد والأسنمة ؟ وإذا عاين بقرية استولى على العرق والقطنة ؟ وإن أتوا ~~بجنب شواء اكتسح كل شيء عليه ؟ لا يرحم ذا سن لضعفه ، ولا يرق على حدث لحدة ~~شهوته ، ولا ينظر للعيال ، ولا يبالي كيف دارت بهم الحال - وإن كان لابد من ~~ذلك ، فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي . وأشد من كل ما وصفنا ، ~~وأخبث من كل ما عددنا ، أن الطباخ ربما أتى باللون الطريف ، وربما قدم ~~الشيء الغريب ، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص ، PageV01P124 ~~صغير الحجم ، وليس كالطفيشلية ، ولا كالهريسة ، ولا كالفجلية ، ولا ~~كالكرنبية . وربما عجل عليه ، فقدمه حارا ممتنعا . وربما كان من جوهر بطيء ~~الفطور ، وأصحابي في سهولة ازدراد الحار عليهم في طباع النعام ، وأنا في ~~شدة الحار على في طباع السباع . فإن انتظرت إلى ms046 أن يمكن ، أتوا على آخره . ~~وإن بدرت مخافة الفوت ، وأردت أن أشاركهم في بعضه لم آمن ضرره . والحار ~~ربما قتل ، وربما أعقم ، وربما أبال الدم . # ثم قال : هذا علي الأسواري أكل مع عيسى بن سلمان بن علي . فوضعت قدامكم ~~سمكة عجيبة ، فائقة السمن . فحاط بطنها لحظة ، فإذا هو يكتنز شحما ، وقد ~~كان غص بلقمة ، وهو لمستسق ، ففرغ من الشراب ، وقد غرف من بطنها كل إنسان ~~منهم بلقمته غرفة . وكان عيسى ينتخب الأكلة ، ويختار منهم كل منهوم فيه ، ~~ومفتون به . PageV01P125 # فلما خاف على الأسواري الإخفاق ، وأشفق من الفوت ، وكان أقربهم إليه عيسى ~~، استلب من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي وانحدار العقاب ، من غير أن ~~يكون أكل عنده قبل مرته . فقيل له : ويحك ! استلبت لقمة الأمير من يده ، ~~وقد رفعها غليه ، وشحا لها فاه ، من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة ! . # قال : لم يكن الأمر كذلك . وكذب من قال ذلك ! ولكنا أهوينا أيدينا معا ، ~~فوقعت يدي في مقدم الشحمة ، ووقعت يده في مؤخر الشحمة معا ، والشحم ملتبس ~~بالأمعاء . فلما رفعنا أيدينا معا ، كنت أنا أسرع حركة ، وكانت الأمعاء ~~متصلة غير متباينة . فتحول كل شيء كلن في لقمته بتلك الجذبة إلى لقمتي ، ~~لاتصال الجنس ، والجوهر بالجوهر . # وأنا كيف أؤاكل أقواما يصنعون هذا الصنيع ، ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج ~~؟ ثم قال : إنكم تشيرون علي بملابسة شرار الخلق ، وأنذال الناس ، وبكل عياب ~~متعتب ، ووثاب على أعراض الناس متسرع . وهؤلاء لم يرضوا إلا أن يدعوهم ~~الناس ، ولا يدعوا الناس ، وأن يأكلوا ، ولا يطعموا ، وأن يتحدثوا عن غيرهم ~~، ولا يبالون أن يتحدث عنهم وهم شرار الناس . PageV01P126 # ثم قال : أجلس معاوية ، وهو في مرتبة الحلافة ، وفي السطح من قريش ، وفي ~~نبل الهمة ، وإصابة الرأي ، وجودة البيان ، وكمال الجسم ، وفي تمام النفس ~~عند الجولة ، وعند تقصف الرماح ، وتقطع السيوف - رجلا على مائدته ، مجهول ~~الدار ، غير معروف النسب ، ولا مذكور بيوم صالح . فأبصر في لقمته شعرة ، ~~فقال : خذ الشعرة من لقمتك . ولا وجه لهذا القول إلا محض النصيحة والشفقة ms047 . ~~فقال الرجل : وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة ! لا جلست لك على ~~مائدة ما حييت ، ولا حكيتها عنك ما بقيت ! فلم يدر الناس أي أمري معاوية ~~كان أحسن وأجمل : تغافله عنه ، أم شفقته عليه ؟ فكان هذا جزاءه منه ، وشكره ~~له . # ثم قال : وكيف أطعم من إن رأيته يقصر في الأكل ، فقلت له : كل ولا تقصر ~~في الأكل ، قال : يفطن لفضل ما بين التقصير وغيره ! وإن قصر فلم أنشطه ولم ~~أحثه ، قال : لولا أنه وافق هواه ! PageV01P127 ثم قال : ومد رجل من بني ~~تميم يده إلى صاحب الشراب يستسقيه ، وهو على خوان المهلب ، فلم يره الساقي ~~، فلم يفطن له . ففعل ذلك مرارا ، والمهلب يراه ، وقد أمسك عن الأكل ، إلى ~~أن يسيغ لقمته بالشراب . فلما طال ذلك على المهلب ، قال : اسقه يا غلام ما ~~أحب من الشراب . فلما سقاه استقله ، وطلب الزيادة منه . وكان المهلب أوصاهم ~~بالإقلال من الماء ، والإكثار من الخبز . قال التميمي : إنك لسريع إلى ~~السقي ، سريع إلى الزيادة ! وحبس يده عن الطعام . فقال المهلب : أله عن هذا ~~إليها الرجل ، فإن هذا لا ينفعك ولا يضرنا ! أردنا أمرا وأردت خلافه . # وقد علمت أني دون معاوية ، ودون المهلب بن أبي صفرة ، وأنهم إلى أسرع ، ~~وفي لحمي أرتع . PageV01P128 # ثم قال : وفي الجارود بن أبي سبرة لكم واعظ ، وفي أبي الحارث جمين زاجر ؛ ~~فقد كانا يدعيان إلى الطعام وإلى الإكرام ، لظرفهما ، وحلاوتهما ، وحسن ~~حديثهما ، وقصر يومهما . وكانا يتشهيان الغرائب ، ويقترحان الطرائف ، ~~ويكلفان الناس المؤن الثقال ، ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد . فكان ~~جزاؤهم من إحسانهم ما قد علمتم . قال : ومن ذلك أن بلال بن أبي بردة كان ~~رجلا عيابا ، وكان إلى أعراض الأشراف متسرعا . فقال للجارود : كيف طعام عبد ~~الله بن أبي عثمان ؟ قال : يعرف وينكر . قال : فكيف هو عليه ؟ قال يلاحظ ~~اللقم ، وينتهر السائل . قال : فكيف طعام سلم بن قتيبة ؟ قال : طعام ثلاثة ~~، وإن كانوا أربعة جاعوا . قال : فكيف طعام تسنيم بن الحواري ؟ قال : نقط ~~العروس . قال : فكيف طعام المنجاب بن أبي عيينة ms048 ؟ قال : يقول : لا خير في ~~ثلاث أصابع PageV01P129 في صفحة - حتى أتى على عامة أهل البصرة ، وعلى من ~~كان يؤثره بالدعوة ، وبالأنسة والخاصة ، ويحكمه في ماله . فلم ينج منه إلا ~~من كان يبعده ، كما لم يبتل به إلا من كان يقربه ! وهذا أبو شعيب القلال في ~~تقريب موبس له ، وأنسه به ، وفي إحسانه إليه ، مع سخائه على المأكول ، وغض ~~طرفه عن الأكيل ، وقلة مبالاته بالحفظ ، وقلة احتفاله بجمع الكثير - سئل ~~عنه أبو شعيب ، فزعم أنه لم ير قط أشح منه على الطعام . قيل : وكيف ؟ قال : ~~يدلك على ذلك أنه يصنعه صنعة ، ويهيئه تهيئة من لا يريد أن يمس ، فضلا على ~~غير ذلك ! وكيف يجترئ الضرس على إفساد ذلك الحسن ، ونقض ذلك النظم ، وعلى ~~تفريق ذلك التأليف ! وقد علم أن حسنه يحشم ، وأن جماله يهيب منه . فلو كان ~~سخيا لم يمنع منه بهذا السلاح ، ولم يجعل دونه الجنن . فحول إحسانه إساءة ~~وبذله منعا ، واستدعاءه إليه نهيا . PageV01P130 # قال : ثم قيل لأبي الحارث جمين : كيف وجه محمد بن يحيى على غدائه ؟ قال : ~~أما عيناه فعينا مجنون ! وقال فيه أيضا : لو كان في كفه كر خردل ، ثم لعب ~~الأبلى بالأكرة ، لما سقطت من بين أصابعه حبة واحدة ! وقيل له أيضا : فكيف ~~سخاؤه على الخبز خاصة ؟ قال : والله لو ألقي إليه من الطعام بقدر ما إذا ~~حبس نزف السحاب ، ما تجافي عن الرغيف ! وكان أبو نواس يرتعي على خوان ~~إسماعيل بن نيبخت ، كما ترتعي الإبل في الحمض بعد طول الخلة ! ثم كان جزاؤه ~~منه أنه قال : # خبز إسماعيل كالوش . . . ي إذا ما شق يرفي PageV01P131 # وقال : # وما خبزه إلا كليب بن وائل . . . ليالي يحمى عزه منبت البقل # وكان أبو الشمقمق يعيب في طعام جعفر بن أبي زهير ، وكان له ضيفا . وهو مع ~~ذلك يقول : # رأيت الخبز عز لديك حتى . . . حسبت الخبز في جو السحاب . # وما روحتنا لتذب عنا . . . ولكن خفت مرزئة الذباب . # وقيل للجماز : رأيناك في دهليز فلان ، وبين يديك قصعة وأنت تأكل . فمن أي ~~شيء كانت ms049 القصعة ؟ وأي شيء كان فيها ؟ قال : قيء كلب في قحف خنزير ! وقيل ~~لرجل من العرب قد نزلت بجميع الفبائل فكيف رأيت خذاعة قال : جوع وأحاديث . # ونزل عمرو بن معد يكرب برجل من بني المغيرة ، وهم أكثر قريش طعاما . ~~فأتاه بما حضر . وقد كان فيما أتاه به فضل . فقال لعمر بن الخطاب ، وهم ~~أخواله : لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين ! قال : وكيف ؟ قال نزلت بهم ~~فما قروني غير قرنين وكعب ثور . PageV01P132 # قال عمر : إن ذلك لشبعة . # وكم رأينا من الأعراب من نزل برب صرمة ، فأتاه بلبن وتمر وحيس وخبز وسمن ~~سلاء . فبات ليلته ، ثم أصبح يهجوه : كيف لم ينحر له - وهو لا يعرف - بعيرا ~~من ذوده ، أو من صرمته ! ولو نحر هذا البأس لكل كلب مر به بعيرا ، من مخافة ~~لسانه ، لما دار الأسبوع إلا وهو يتعرض للسابلة ، يتكفف الناس ، ويسألهم ~~العلق ! وسأل زياد عن رجل من أصحابه ، فقيل : إنه لملازم ، وما يغب غداء ~~الأمير . فقال زياد : فليغبه ، فإن ذلك مما يضر بالعيال . فألزموه الغب . ~~فعابوا زيادا بذلك . وزعموا أنه استثقل حضوره في كل يوم ، وأراد أن يزجر به ~~غيره ، فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤنة عظيمة . PageV01P133 # وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات ، وكما ينظر الراعي للرعية ~~، وعلى مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ' وقد قال الحسن : تشبه زياد ~~بعمر فأفرط ، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس ' - فجعلتم ذلك عنتا منه . # وقال يوسف بن عمر لقوام موائده : أعظموا الثريدة ، فإنها لقمة الدرداء : ~~فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه ، والصبي الذي لم ينبت فمه . ~~وأطعموه ما تعرقون ؛ فإنه أنجع وأشفى للقوم . # فقلتم : إنما أراد العجلة والراحة بسرعة الفراغ ، وأن يكيدهم بالثريد ، ~~ويملأ صدورهم بالعراق . PageV01P134 وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: سيد الطعام الثريد ، ومثل عائشة في النساء مثل الثريد في الطعام وليعظم ~~صنعة الثريد في أعين قريش سموا عمرو بن عبد مناف حتى غلب عليه الاسم المشتق ~~له من ذلك . # وقال عوف بن القعقاع لمولاه ms050 : اتخذ لنا طعاما يشبع فضله أهل الموسم . # قلتم : فلما رأى الخبز الرقاق والغلاظ والشواء والألوان ، واستطراف الناس ~~للون بعد اللون ، ودوام أكلهم لدوام الطرف ، وأن ذلك لو كان لونا واحدا ~~لكان اقل لأكلهم ، قال : فهلا فعلته طعام يد ، ولم تجعله طعام يدين ! فقلتم ~~: اتسع ثم ضاق ، حين أراد إطعامهم الثريد والحيس ، وكل ما يؤكل بيد دون ~~يدين . # والقعقاع عربي كره لمولاه أن يرغب عن طعام العرب ، إلى طعام العجم . ~~وأراد دوام PageV01P135 قومه على مثل ما كانوا عليه ، وعلى أن الثروة ~~تفنخهم وتفسدهم ، وأن الذي فتح عليهم من باب الترفه ، أشد عليهم مما غلق ~~عليهم من باب فضول اللذة . # وقد فعل عمر من جهة التأدب أكثر من ذلك ، حين دعى إلى عرس ، فرأى قدرا ~~صفراء ، وأخرى حمراء ، وواحدة مرة ، وأخرى حلوة ، وواحدة محمضة . فكازها ~~كلها في قدر عظيمة ، وقال إن العرب إذا أكلت هذا قتل بعضها بعضا . # | تفسير كلام أبي فاتك # أما قوله : الفتى لا يكون نشالا ، فالنشال عنده الذي يتناول من القدر ، ~~ويأكل قبل النضج ، وقبل أن تنزل القدر ويتتام القوم . # والنشاف : الذي يأخذ حرف الجردقة فيفتحه ، ثم يغمسه في رأس القدر ، ~~ويشربه الدسم ، يستأثر بذلك دون أصحابه . PageV01P136 # والمرسال : رجلان : أحدهما إذا وضع في لقمة هريسة أو ثريدة أو حيسة أو ~~أرزة ، أرسلها في جوف حلقه إرسالا . والرجل الآخر : هو الذي إذا مشى في أشب ~~من فسيل أو شجر ، قبض على رأسه السعفة ، أو على راس الغصن ، لينحيها عن ~~وجهه . وإذا قضى وطره أرسلها من يده . فهي لا محالة تصك وجه صاحبه الذي ~~يتلوه ، لا يحفل بذلك ، ولا يعرف ما فيه . # وأما اللكام : فالذي في فيه اللقمة ، ثم يلكمها بأخرى ، قبل إجادة مضغها ~~أو ابتلاعها . والمصاص الذي بمص جوف قصبة العظم ، بعد أن استخرج مخه ، ~~واستأثر به دون أصحابه . # وأما النفاض : فالذي إذا فرغ من غسل يده في الطست ، نفض يديه من الماء ، ~~فنضح على أصحابه . # وأما الدلاك : فالذي لا يجيد تنقية يديه بالأشنان ، ويجيد دلكهما ~~بالمنديل . وله أيضا تفسير ms051 آخر - وليس هو الذي نظنه - وهو مليح . وسيقع في ~~موضعه ، إن شاء الله . PageV01P137 # والمقور : الذي يقور الجرادق . # والمغربل : الذي يأخذ وعاء الملح ، فيديره غدارة الغربال ، ليجمع أبازيره ~~، يستأثر به دون أصحابه ، لا يبالي أن يدع ملحهم بلا أبزار . # والمحلقم : الذي يتكلم واللقمة قد بلغت حلقومه . نقول لهذا : قبيح ! دع ~~الكلام إلى وقت إمكانه . # والمسوغ : الذي يعظم اللقم ، فلا يزال قد غص ، ولا يزال يسيغه بالماء . # والمبلعم : الذي يأخذ حروف الرغيف ، أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه ، ليحملا ~~له من الزبد والسمن ، ومن اللبإ واللبن ، ومن البيض النيم برشت ، أكثر . # والمخضر : الذي يدلك يده بالأشنان من الغمر والودك ، حتى إذا اخضر وأسود ~~من الدرن ، دلك به شفته . # هذا تفسير ما ذكر الحارثي من كلام أبي فاتك . PageV01P138 # فأما ما ذكره هو ، فإن اللطاع : معروف ، وهو الذي يلطع إصبعه ، ثم يعيدها ~~في مرق القوم أو لبنهم أو سويقهم ، وما أشبه ذلك . # والقطاع : الذي يعض على اللقمة ، فيقطع نصفها ، ثم يغمس النصف الآخر في ~~الصباغ . والنهاش : وهو معروف . وهو الذي ينهش اللحم كما ينهش السبع . # والمداد : الذي ربما عض على العصب التي لم تنضج ، وهو يمدها بفيه ، ويده ~~توترها له . فربما قطعها بنترة ، فيكون لها انتضاح على ثوب المؤاكل . وهو ~~الذي إذا أكل مع أصحابه الرطب ، أو التمر ، أو الهريسة ، أو الأرزة ، فأتى ~~على ما بين يديه ، مد ما بين أيديهم إليه . # والدفاع : الذي إذا وقع في القصعة عظم فصار مما يليه ، نحاه بلقمته من ~~الخبز ، حتى تصير مكانه قطعة من لحم ، وهو في ذلك كأنه يطلب بلقمته تشريب ~~المرق ، دون إراغة اللحم . # والمحول : هو الذي إذا رأى كثرة النوى بين يديه ، احتال له حتى يخلطه ~~بنوى صاحه . # وأما ما ذكره من الضيف والضيفن ، فإن الضيفن ضيف الضيف . PageV01P139 # وأنشد أبو زيد : # إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن . . . فأودى بما يقرى الضيوف الضيافن # وأما قوله : الواغل أهون علي من الراشن ، فإنه يزعم أن طفيلي الشراب أهون ~~علي من طفيلي الطعام . وقول الناس : فلا طفيلي ، ليس من ms052 أصول كلام العرب : ~~ليس كالرأشن واللعموظ . وأهل مكة يسمونه البرقي . # وكان بالكوفة رجل من بني عبد الله بن غطفان يسمى طفيلا . كان أبعد الناس ~~نجعة في طلب الولائم والأعراس . فقيل له لذلك : طفيل العرائس ، وصار ذلك ~~نبزا له ولقبا ، لا يعرف بغيره . فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له : ~~طفيلي . # هذا من قول أبي اليقظان . PageV01P140 # ثم قال الحارثي : وأعجب من كل عجب ، وأطرف من كل طريف ، أنكم تشيرون علي ~~بإطعام الأكلة ، ودفعي إلى الناس مالي ، وأنتم أترك لهذا مني . فإن زعمتم ~~أني أكثر مالا ، وأعد عدة ، فليس من حالي وحالكم في التقارب ، أن أطعم أبدا ~~، وأنتم تأكلون أبدا . # فإذا أتيتم في أموالكم من البدل والإطعام على قدر احتمالكم ، عرفت بذلك ~~أن الخير أردتم ، وإلى تربيي ذهبتم . وإلا فإنكم إنما تحلبون حلبا لكم شطره ~~. بل أنتم كما قال الشاعر : # يحب الخور من مال الندامى . . . ويكره أن يفارقه الفلوس # ثم قال : والله إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم إلا لسوء رعة على ~~الأسواري لتركته . وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرقا ، فبلغ ضرسه وهو لا ~~يعلم ! فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب ، مولى سليمان . PageV01P141 وكان ~~إذا أكل ذهب عقله ، وجحظت عينه ، وسكر ، وسدر ، وانبهر ، وتربد وجهه ، وعصب ~~، ولم يسمع ولم يبصر ! فلما رأيت ما يعتريه ، وما يعتري الطعام منه ، صرت ~~لا آذن له إلا ونحن نأكل التمر والجوز والباقلى . # ولم يفجأني قط وأنا آكل تمرا إلا استفه سفا ، وحساه حسوا ، وذرابه ذروا ؛ ~~ولا وجده كثيرا إلا تناول القصعة كجمجمة الثور ؛ ثم يأخذ بحضنيها ، ويقلها ~~من الأرض ! ثم لا يزال ينهشها طولا وعرضا ، ورفعا وخفضا ، حتى يأتي عليها ~~جميعا ! ثم لا يقع غضبه إلا على الأنصاف والأتلاف ! ولم يفصل تمرة قط من ~~تمرة . وكان صاحب جمل ، ولم يكن يرضى بالتفاريق ؛ ولا رمى بنواة قط ، ولا ~~نزع قمعا ، ولا نفى عنه قشرا ، ولا نتشه مخافة السوس والدود ! PageV01P142 ~~ثم ما رأيته قط ، إلا وكأنه طالب ثأر ، وشحشحان صاحب طائلة ! وكأنه عاشق ~~مغتلم ، أو ms053 جائع مقرور ! والله يا إخوتي لو رأيت رجلا يفسد طين الردغة ، ~~ويضيع ماء البحر ، لصرفت عنه وجهي ! فإذا كان أصحاب النظر ، وأهل الديانة ~~والفلسفة ، هذه سيرتهم ، وهكذا أدبهم ، فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون ، ولا ~~يبلغ من الأدب حيث يبلغون ! # | قصة الكندي # حدثني عمرو بن نهيوي ، قال : كان الكندي لا يزال يقول للساكن ، وربما قال ~~للجار : إن في الدار امرأة حمل . والوحمى ربما أسقطت من ريح القدر الطيبة ! ~~فإذا طبختم PageV01P143 فردوا شهوتها ، ولو بغرفة أو لعقة ، فإن النفس ~~يردها اليسير ! فإن لم تفعل ذلك بعد إعلامي إياك ، فكفارتك - إن أسقطت - ~~غرة : عبد أو أمة ، ألزمت ذلك نفسك أم أبيت ! قال : فكان ربما يوافى إلى ~~منزله من قصاع السكان والجيران ما يكفيه الأيام ، وإن كان أكثرهم يفطن ~~ويتغافل . # وكان الكندي يقول لعياله : أنتم أحسن حالا من أرباب هذه الضياع : إنما ~~لكل بيت منهم لون واحد . وعندكم ألوان ! قال : وكنت أتغدى عنده يوما ، إذ ~~دخل عليه جار له . وكان الجار لي صديقا . فلم يعرض عليه الغداء . فاستحييت ~~أنا منه . فقلت : لو أصبت معنا مما نأكل ! قال : قد والله فعلت . قال ~~الكندي : ما بعد الله شيء ! قال : فكتفه والله - يا أبا عثمان - كتفا لا ~~يستطيع معه قبضا ولا بسطا ، وتركه ! ولو أكل لشهد عليه بالكفر ، ولكان عنده ~~قد جعل مع الله شيئا ! PageV01P144 قال عمرو : بينا أنا ذات يوم عنده ، إذ ~~سمع صوت انقلاب جرة من الدار الأخرى . فصاح : أي قصاف ! فقالت مجيبة له : ~~بئر وحياتك ! فكانت الجارية في الذكاء ، أكثر منه في الاستقصاء . # قال معبد : نزلنا دار الكندي أكثر من سنة ، نروج له الكراء ، ونقضي له ~~الحوائج ، ونفى له بالشرط . قلت : قد فهمت ترويج الكراء ، وقضاء الحوائج ، ~~فما معنى الوفاء بالشرط ؟ قال : في شرطه على السكان أن يكون له روث الدابة ~~، وبعر الشاة ، ونشوار العلوفة ، وألا يخرجوا عظما ، ولا يخرجوا كساحة ، ~~وأن يكون له نوى التمر ، وقشور الرمان ، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في ~~بيته ! وكان في ذلك يتنزل عليهم . فكانوا ms054 لطيبه ، وإفراط بخله ، وحسن حديثه ~~، يحتملون ذلك . PageV01P145 قال معبد : فبينا أنا كذلك ، إذ قدم ابن عم لي ~~ومعه ابن له ، إذا رقعة منه قد جاءتني : ' إن كان مقام هذين القادمين ليلة ~~أو ليلتين احتملنا ذلك ، وإن كان إطماع السكان في الليلة الواحدة يجر علينا ~~الطمع في الليالي الكثيرة ' . # فكتبت إليه : ' ليس مقامهما عندنا إلا شهرا أو نحوه ' . # فكتب إلى : ' إن دارك بثلاثين درهما . وأنتم ستة ، لكل رأس خمسة . فإذ قد ~~زدت رجلين ، فلابد من زيادة خمستين . فالدار عليك من يومك هذا بأربعين ! ' ~~. # فكتبت إليه : ' وما يضرك من مقامهما ، وثقل أبدانهما على الأرض التي تحمل ~~الجبال ، وثقل مؤنتهما على دونك ؟ فاكتب إلي بعذرك لأعرفه ' . # ولم أدر أني أهجم على ما هجمت ، وأني أقع منه فيما وقعت ! فكتب إلي : ' ~~الخصال التي تدعوا إلى ذلك كثيرة . وهي قائمة معروفة : من ذلك سرعة امتلاء ~~البالوعة ، وما تنقيتها من شدة المؤنة . ومن ذلك أن الأقدام إذا كثرت ، كثر ~~المشي على ظهور السطوح الطينة ، وعلى أرض البيوت المجصصة ، والصعود على ~~الدرج الكثيرة : فينقشر لذلك الطين ، وينقلع الجص ، وينكسر العتب ، مع ~~انثناء الأجذاع ، لكثرة الوطء ، وتكسرها لفرط الثقل ! ' . PageV01P146 # ' وإذا كثر الدخول والخروج ، والفتح والإغلاق ، والإقفال وجذب الأقفال ، ~~تهشمت الأبواب ، وتقلعت الرزات ' . # ' وإذا كثر الصبيان ، وتضاعف البوش ، نزعت مسامير الأبواب ، وقلعت كل ضبة ~~، ونزعت كل رزة ، وكسرت كل جوزة ، وحفر فيها آبار الددن ، وهشموا بلاطها ~~بالمداحي . هذا مع تخريب الحيطان بالأوتاد ، وخشب الرفوف ' . # ' وإذا كثر العيال والزوار ، والضيفان والندماء ، احتيج من صب الماء ، ~~واتخاذ الحببة القاطرة ، والجرار الراشحة ، إلى أضعاف ما كانوا عليه . فكم ~~من حائط قد تأكل أسفله ، وتناثر أعلاه ، واسترخى أساسه ، وتداعى بنيانه ، ~~من قطر حب ، ورشح جر ، ومن فضل ماء البئر ، ومن سوء التدبير ' . # ' وعلى قدر كثرتهم يحتاجون من الخبيز والطبيخ ، ومن الوقود والتسخين . ~~والنار لا تبقي ولا تذر . وإنما الدور حطب لها . وكل شيء فيها من متاع فهو ~~أكل لها . فكم من PageV01P147 حريق قد أتى على أصل الغلة ، فكلفتم أهلها ~~أغلظ النفقة . وربما كان ms055 ذلك عند غاية العسرة ، وشدة الحال . وربما تعدت ~~تلك الجناية إلى دور الجيران ، وإلى مجاورة الأبدان والأموال ' . # ' فلو ترك الناس حينئذ رب الدار وقدر بليته ، ومقدار مصيبته ، لكان عسى ~~ذلك أن يكون محتملا . ولكنهم يتشاءمون به ، ولا يزالون يستثقلون ذكره ، ~~ويكثرون من لائمته وتعنيفه ! ' . # ' نعم ، ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور السطوح ، وإن كان في أرض ~~الدار فضل ، وفي صحنها متسع ؛ مع ما في ذلك من الخطار بالأنفس ، والتغرير ~~بالأموال ، وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد ، وهجومهم مع ذلك على سر ~~مكتوم ، وخبئ مستور ، من ضيف مستخف ، ورب دار متوار ، ومن شراب مكروه ، ومن ~~كتاب متهم ، ومن مال جم PageV01P148 أريد دفنه ، فأعجل الحريق أهله عن ذلك ~~فيه ، ومن حالات كثيرة ، وأمور لا يحب الناس أن يعرفوا بها ' . # ' ثم لا ينصبون التنانير ، ولا يمكنون للقدور ، إلا على متن السطح ، حيث ~~ليس بينها وبين القصب والخشب إلا الطين الرقيق ، والشيء لا يقي . هذا مع ~~خفة المؤنة في أحكامها ، وأمن القلوب من المتالف بسببها ' . # ' فإن كنتم تقدمون على ذلك منا ومنكم وأنتم ذاكرون ، فهذا عجب ! وإن كنتم ~~لم تحفلوا بما عليكم في أموالنا ، ونسيتم ما عليكم في أموالكم ، فهذا أعجب ~~! ' . # ' ثم إن كثيرا منكم يدافع بالكراء ، ويماطل بالأداء . حتى إذا جمعت أشهر ~~عليه ، فر وخلى PageV01P149 أربابها جياعا ، يتندمون على ما كان من حسن ~~تقاضيهم وإحسانهم . فكان جزاؤهم وشكرهم اقتطاع حقوقهم ، والذهاب بأقواتهم ' ~~. # ' ويسكنها الساكن حين يسكنها وقد كسحناها ونظفناها ، لتحسن في عين ~~المستأجر ، وليرغب فيها الناظر . فإذا خرج ترك فيها مزبلة وخرابا ، لا ~~تصلحه إلا النفقة الموجعة ' . # ' ثم لا يدع مترسا إلا سرقه ، ولا سلما إلا حمله ؛ ولا نقصا إلا أخذه ، ~~ولا برادة إلا مضى بها معه . ولا يدع دق الثوب ، والدق في الهاون والميجان ~~، في أرض الدار ' . # ' ويدق على الأجذاع والحواضن والرواشن ' . PageV01P150 ' وإن كانت الدار ~~مقرمدة ، أبو بالأجر مفروشة ، وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة ، ~~ليكون الدق عليها ، ولتكون واقية دونها ، دعاهم التهاون والقسوة ، والغش ~~والفسولة ، إلى أن يدقوا ms056 حيث جلسوا ، وإلى ألا يحفلوا بما أفسدوا ! لم يعط ~~قط لذلك أرشا ، ولا استحل صاحب الدار ، ولا استغفر الله منه في السر ! ' ' ~~ثم يستكثر من نفسه في السنة إخراج عشرة دراهم ، ولا يستكثر من رب الدار ألف ~~دينار في الشراء . يذكر ما يصير إلينا مع قلته ، ولا يذكر ما يصير إليه مع ~~كثرته ! ' ' هذا والأيام التي تنقض المبرم ، وتبلى الجدة ، وتفرق الجميع ~~المجتمع ، عاملة في الدور ، كما تعمل في الصخور ، وتأخذ من المنازل ، كما ~~تأخذ من كل رطب ويابس ، وكما تجعل الرطب يابسا هشيما ، والهشيم مضمحلا ' . # ' ولا نهدام المنازل غاية قريبة ، ومدة قصيرة . والساكن فيها هو كان ~~المتمتع بها ، والمنتفع بمرافقها . وهو الذي أبلى جدتها وتحلاها . وبه هرمت ~~وذهب عمرها ، لسوء تدبيره ' . PageV01P151 # ' فإذا قسمنا الغرم عند انهدامها بإعادتها ، وبعد ابتنائها ، وغرم ما بين ~~ذلك من مرمتها وإصلاحها ؛ ثم قابلنا بذلك ما أخذنا من غلاتها ، وارتفقنا به ~~من إكرائها ، خرج على المسكن من الخسران ، بقدر ما حصل للساكن من الربح . ~~إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة كانت جملة ، والتي أخذناها على جهة ~~الغلة جاءت مقطعة ' . # ' وهذا مع سوء القضاء ، والإحواج إلى طول الاقتضاء ، ومع بغض الساكن ~~للمسكن ، وحب المسكن للساكن ؛ لأن المسكن يحب صحة بدن الساكن ، ونفاق سوقه ~~، إن كان تاجرا ، وتحرك صناعته ، إن كان صانعا ؛ ومحبة الساكن أن يشغل الله ~~عنه المسكن كيف شاء : إن شاء شغله بعينه ، وإن شاء بزمانه ، وإن شاء بحبس ، ~~وإن شاء بموت ! ' ' ومدار مناه أن يشغل عنه . ثم لا يبالي كيف كان ذلك ~~الشغل ! إلا أنه كلما كان أشد كان أحب إليه ، وكان أجدر أن يأمن ، وأخلق ~~لأن يسكن . وعلى أنه إن فترت سوقه ، أو كسدت PageV01P152 صناعته ، ألح في ~~طلب التخفيف من أصل الغلة ، والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة . وعلى أنه إن ~~أتاه الله بالأرباح في تجارته ، والنفاق في صناعته ، لم ير أن يزيد قيراطا ~~في ضريبته ، ولا أن يعجل فلسا قبل وقته ' . # ' ثم إن كانت الغلة صحاحا ، دفع أكثرها مقطعة . وإن كانت ms057 أنصافا وأرباعا ~~، دفعها قراضة مفتتة . ثم لا يدع مزأبقا ، ولا مكحلا ، ولا زائفا ، ولا ~~دينارا بهرجا ، إلا دسه فيه ، ودلسه عليه ، واحتال بكل حيلة ، وتأتي له بكل ~~سبب . فإن ردوا عليه بعد ذلك شيئا ، حلف بالغموس إنه ليس من دراهمه ، ولا ~~من ماله ، ولا رآه قط ، ولا كان في ملكه ' . # ' فإن كان الرسول جارية رب الدار أفسدها . وإن كان غلاما خدعه . هذا مع ~~PageV01P153 الإشراف على الجيران ، والتعرض للجارات ، ومع اصطياد طيورهم ، ~~وتعريضنا لشكايتهم ! ' ' وربما استضعف عقولهم ، وطمع في فسادهم وغبنهم . ~~فلا يزال يضرب لهم بالأسلاف ، ويغريهم بالشهوات ، ويفتح لهم أبوابا من ~~النفقات ، ليغبنهم ، ويربح عليهم . حتى إذا استوثق منهم ، أعجلهم ، وحزق ~~بهم ، حتى يتقوه ببيع بعض الدار ، أو باسترهان الجميع ، ليربح مع الذهاب ~~بالأصل السلامة - مع طول مقامه - من الكراء . وربما جعله بيعا في الظاهر ، ~~ورهنا في الباطن . فحينئذ يفظ بهم دون المهلة ، ويدعيها قبل الوقت ! ' ~~PageV01P154 ' وربما بلغ من استضعافه ، واستثقاله لأداء الكراء ، أن يدعي ~~أن له شقيصا ، وأن له يدا ، ليصير خصما من الخصوم ، ومنازعا غير غاصب ' . # ' وربما اكترى المنزل وفيه مرمة ، فاشترى بعض ما يصلحها . ثم يتوخى عاملا ~~جيد الكسوة ، وجيرانا آنية وآلة . فإذا شغل العامل وغفل ، اشتمل على كل ما ~~قدر عليه ، وتركهم يتسكعون ! ' ' وربما استأجر إلى جنبسجن ، لينقب أهله ~~إليه ، وإلى جنب صراف لينقب عليه ، طلبا لطول المهلة والستر ، ولطول المدة ~~والأمن ' . # وربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار المسكن : بأن يقتل قتيلا ، أو يجرح ~~شريفا . PageV01P155 فيأتي السلطان الدار ، وأربابها إما غيب ، وإما أيتام ~~، وإما ضعفاء ؛ فلا يصنع شيئا دون أن يسويها بالأرض ! ' ' وبعد فالدور ~~ملقاة ، وأربابها منكوبون وملقون . وهم أشد الناس اغترارا بالناس ، وأبعدهم ~~غاية من سلامة الصدور . وذلك أن من دفع داره ونقضها وساجها وأبوابها ، مع ~~حديدها وذهب سقوفها ، إلى مجهول لا يعرف ، فقد وضعها في مواضع الغرر ، وعلى ~~أعظم الخطر . وقد صار في معنى المودع ، وصار المكتري في موضع المودع . ثم ~~ليست الخيانة وسوء الولاية إلى شيء من الودائع أسرع منها إلى ms058 الدور ' . # ' وأيضا ، إن أصلح السكان حالا من إذا وجد في الدار مرمة ، ففوضوا إليه ~~النفقة ، وأن يكون ذلك محسوبا له عند الأهلة ، يشفف في البناء ، ويزيد في ~~الحساب ' . PageV01P156 # ' فما ظنك بقزم هؤلاء أصلحهم ، وهم خيارهم ! ' ' وأنتم أيضا إنما اكتريتم ~~مستغلات غيرنا بأكثر مما اكتريتموها منا . فسيروا فينا كسيرتكم فيهم ، ~~وأعطونا من أنفسكم ، مثل ما تريدونه منا ' . # ' وربما بنيتم في الأرض . فإذا صار البناء بنيانكم ، وإن كانت الأرض ~~لغيركم ، ادعيتم الشركة ، وجعلتموه كالإجارة ، وحتى تصيروه كتلاد مال ، أو ~~موروث سلف ' . # ' وجرم آخر : وهو أنكم أهلكتم أصول أموالنا ، وأخربتم غلاتنا ، وحططتم ~~بسوء معاملتكم أثمان دورنا ومستغلاتنا ، حتى سقطت غلات الدور من أعين ~~المياسير وأهل الثروة ، ومن أعين العوام والحشوة ؛ وحتى يدافعوكم بكل حيلة ~~، وصرفوا أموالهم في كل وجه ؛ وحتى قال PageV01P157 عبيد الله بن الحسن ~~قولا أرسله مثلا ، وعاد علينا حجة وضررا . وذلك أنه قال : غلة الدار مسكة ، ~~وغلة النخل كفاف . وإنما الغلة غلة الزرع والنسولتين ' . # ' وإنما جر ذلك علينا حسن اقتضائنا ، وصبرنا على سوء قضائكم ، وأنتم ~~تقطعونها علينا ، وهي عليكم مجملة ، وتلووننا بها ، وهي عليكم حالة . فصارت ~~لذلك غلات الدور - وإن كانت أكثر ثمنا ودخلا - أقل ثمنا وأخبث أصلا من سائر ~~الغلات ' . # ' وأنتم شر علينا من الهند والروم ، ومن الترك والديلم ، إذ كنتم أحضر ~~أذى ، وأدوم شرا ' . # ' ثم كانت هذه صفتكم وحليتكم ومعاملتكم ، في شيء لابد لكم منه ؛ فكيف ~~كنتم لو امتحنكم بما لكم عنه مندوحة ، والوجوه لكم فيه معرضة ، وأنتم فيها ~~بالخيار ، وليس عليكم طريق الاضطرار ؟ ' PageV01P158 ' وهذا مع قولكم : إن ~~نزول دور الكراء ، أصوب من نزول دور الشراء . وقلتم : لأن صاحب الشراء قد ~~أغلق رهنه ، وأشرط نفسه ، وصار بها ممتحنا ، وبثمنها مرتهنا ' . # ' ومن اتخذ دارا فقد أقام كفيلا لا يخفر ، وزعيما لا يغرم . وإن غاب عنها ~~حن إليها . وإن أقام فيها ألزمته المؤن ، وعرضته للفتن ، إن أساءوا جواره ، ~~وأنكر مكانه ، وبعد مصلاه ، ومات عنه سوقه ، وتفاوتت حوائجه ، ورأى أنه قد ~~أخطأ في اختيارها على سواها ، وأنه لم يوفق لرشده حين آثرها ms059 على غيرها . ~~وإن من كان كذلك فهو عبد داره ، وخول جاره ' . PageV01P159 # ' وإن صاحب الكراء الخيار في يده ، والأمر إليه : فكل دار هي له متنزه ، ~~إن شاء ، ومتجر ، إن شاء ، ومسكن ، إن شاء . لم يحتمل فيها اليسير من الذل ~~، ولا القليل من الضيم ؛ ولا يعرف الهوان ، ولا يسام الخسف ، ولا يحترس من ~~الحساد ، ولا يداري المتعللين ' . # ' وصاحب الشراء يجرع المرار ، ويسقى بكأس الغيظ ، ويكد لطلب الحوائج ، ~~ويحتمل الذلة ، وإن كان ذا أنفة . إن عفا عفا على كظم . ولا يوجه ذلك منه ~~إلا إلى العجز . وإن رام المكافأة ، تعرض لأكثر مما أنكره . قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : الجار قبل الدار ، والرفيق قبل الطريق ' . # ' وزعمتم أن تسقط الكراء أهون ، إذ كان شيئا بعد شيء ، وأن الشدائد إذا ~~وقعت جملة جاءت غامرة للقوة . فأما إذا تقطع وتفرق ، فليس يكترث لها إلا من ~~يفقدها ويذكرها ' . PageV01P160 # ' ومال الشراء يخرج جملة ، وثلمته في المال واسعة ، وطعنته نافذة . ليس ~~كل خرق يرقع ، ولا كل خارج يرجع ' . # ' وأنه قد أمن من الحرق والغرق ، وميل أسطون ، وانقصاف سهم ، واسترخاء ~~أساس ، وسقوط سترة ، وسوء جوار ، وحسد مشاكل ' . # ' وإنه إما لا يزال في بلاء ، وإما أن يكون متوقعا لبلاء ' . # ' وقلتم : إن كان تاجرا ، فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح ، ~~وتحويله في أصناف البياعات أكيس . وإن لم يكن تاجرا ، ففيما وصفناه له ناه ~~، وفيما عددنا له زاجر ' . # ' فلم يمنعكم حرمة المساكنة ، وحق المجاورة ، والحاجة إلى السكنى ، ~~وموافقة المنزل ، PageV01P161 أن أشرتم على الناس بترك الشراء ! وفي كساد ~~الدور فساد لأثمان الدور ، وجراءة للمستأجر ، واستحطاط من الغلة ، وخسران ~~في أصل المال ' . ' وزعمتم أنكم قد أحسنتم إلينا حين حثثتم الناس على ~~الكراء ، لما في ذلك من الرخاء والنماء ! فأنتم لم تريدوا نفعنا بترغيبهم ~~في الكراء ، بل إنما أردتم أن تضرونا بتزهيدكم في الشراء ! ' ' وليس ينبغي ~~أن يحكم على كل قوم إلا بسبيلهم ، وبالذي يغلب عليهم من أعمالهم . فهذه ~~الخصال المذمومة كلها فيكم ، وكلها حجة عليكم ، وكلها داعية تهمتكم ، وأخذ ~~الحذر منكم . وليست لكم ms060 خصلة محمودة ، ولا خلة فيما بيننا وبينكم مرضية ! ' ~~' وقد أريناكم أن كم النازلين كحكم المقيمين ، وأن كل زيادة فلها نصيب من ~~الغلة ' . # ' ولو تغافلت لك - يا أخا أهل البصرة - عن زيادة رجلين ، لم أبعدك - على ~~قدر ما رأيت منك - أن تلزمني ذلك - فيما يتبين - حتى يصير كراء الواحد ~~ككراء الألف ، وتصير الإقامة كالظعن ، والتفريغ كالشغل ! ' PageV01P162 ' ~~وعلى أني لو كنت أمسكت عن تقاضيك ، وتغافلت عن تعريفك ما عليك ، لذهب ~~الإحسان إليك باطلا ، إذ كنت لا ترى للزيادة قدرا ' . # ' وقد قال الأول : # والكفر مخبثة لنفس المنعم . # وقال الآخر : # تبدلت بالمعروف نكرا وربما . . . تنكر للمعروف من كان يكفر ' . # ' أنت تطالبني ببغض المعتزلة للشيعة ، وبما بين أهل الكوفة والبصرة ، ~~وبالعداوة التي بين أسد وكندة ، وبما في قلب الساكن من استثقال المسكن ! ~~وسيعين الله عليك . والسلام ' . PageV01P163 # قال إسماعيل بن غزوان : لله در الكندي ! ما كان أحكمه ، وأحضر حجته ، ~~وأنصح جيبه ، وأدوم طريقته ! رأيته وقد أقبل على جماعة ، ما فيها إلا مفسد ~~، أو من يزين الفساد لأهله : من شاعر بوده أن الناس كلهم قد جازوا حد ~~المسرفين ، إلى حدود المجانين ! ومن صاحب تنقيع واستئكال ، ومن ملاق متقرب ~~. # فقال : تسمون من منع المال من وجوده الخطأ ، وحصنه خوفا من الغيلة ، ~~وحفظه إشفاقا من الذلة ، بخيلا ! تريدون بذلك ذمه وشينه ! وتسمون من جهل ~~فضل الغني ، ولم يعرف ذلة الفقر ، وأعطى في السرف ، وتهاون بالخطأ ، وابتذل ~~النعمة ، وأهان نفسه بإكرام غيره ، جوادا ! تريدون بذلك حمده ومدحه ! ~~فاتهموا على أنفسكم من قدمكم على نفسه ؛ فإن من أخطأ على نفسه ، فهو أجدر ~~أن PageV01P164 يخطئ على غيره ؛ ومن أخطأ في ظاهر دنياه ، وفيما يوجد في ~~العين ، كان أجدر أن يخطئ في باطن دينه ، وفيما يوجد بالعقل . فمدحتم من ~~جمع صنوف الخطإ ، وذممتم من جمع صنوف الصواب ! فاحذروهم كل الحذر ، ولا ~~تأمنوهم على حال ! قال إسماعيل : وسمعت الكندي يقول : إنما المال لمن حفظه ~~، وإنما الغني لمن تمسك به . ولحفظ المال بنيت الحيطان ، وغلقت الأبواب ، ~~واتخذت الصناديق ، وعملت الأقفال ، ونقشت الرسوم والخواتيم ، ويعلم الحساب ms061 ~~والكتاب . # فلم تتخذون هذه الوقايات دون المال ، وأنتم آفته ؟ وأنتم سوسه وقادحه ؟ ~~وقد قال الأول : احرس أخاك إلا من نفسه . # ولكن احسب أنك قد أخذته في الجواسق ، وأودعته الصخور ، ولم يشعر به صديق ~~، PageV01P165 ولا رسول ولا معين ، من لك بألا تكون أشد عليه من السارق ، ~~وأعدى عليه من الغاصب ؟ واجعلك قد حصنته من كل يد لا تملكه ، كيف لك من أن ~~تحصنه من اليد التي تملكه ، وهي عليه أقدر ، ودواعيها أكثر ؟ وقد علمنا أن ~~حفظ المال أشد من جمعه . وهل أتى الناس إلا من أنفسهم ، ثم ثقاتهم ؟ والمال ~~لمن حفظه ، والحسرة لمن أتلفه . وإنفاقه هو إتلافه ، وإن حسنتموه بهذا ~~الاسم ، وزينتموه بهذا اللقب ! وزعمتم أنما سمينا البخل صلاحا ، والشح ~~اقتصادا ، كما سمى قوم الهزيمة انحيازا ، والبذاء عارضة ، والعزل عن ~~الولاية صرفا ، والجائر على أهل الخراج مستقصيا ! PageV01P166 بل أنتم ~~الذين سميتم السرف جودا ، والنفج أريحية ، وسوء نظر المرء لنفسه ولعقبه ~~كرما ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ابدأ بمن تعول ' . وأنت تريد ~~أن تغني عيال غيرك بإفقار عيالك ، وتسعد الغريب بشقوة القريب ، وتنفصل على ~~من لا يعدل عنك ، ومن لو أعطيته أبدا ، لأخذ أبدا ! قد علمتم ما قال صاحبنا ~~لأخي تغلب ، فإنه قال : ' يا أخا تغلب ، إني والله كنت أجري ما جرى هذا ~~الغيل ، وأجري وقد انقطع النيل . إني والله لو أعطيتك لما وصلت إليك حتى ~~أتجاوز من هو أحق بذلك منك . إني لو أمكنت الناس من مالي لنزعوا داري طوبة ~~طوبة ! إنه والله ما بقي معي منه إلا ما منعته الناس ' . ولكني أقول : ~~والله إن لو أمكنت الناس من نفسي ، لادعوا رقي بعد سلب نعمتي . قال إسماعيل ~~: وسمعته يقول : عجبت لمن قلت دراهمه ، كيف ينام ! ولكن لا يستوي من لم ينم ~~سرورا ، ومن لم ينم غما . PageV01P167 # ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصية المرء يوم فقره ~~وحاجته ، وقبل أن يغرغر : ' الثلث . والثلث كثير ' . - فاستحسنت الفقهاء ، ~~وتمنى الصالحون أن ننقص من الثلث شيئا ، لاستكثار رسول الله ms062 صلى الله عليه ~~وسلم الثلث ، ولقوله : ' إنك إن تدع عيالك أغنياء ، خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس ' . # ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرحم عيالنا إلا بفضل رحمته لنا . فكيف ~~تأمروني أن أوثر أنفسكم على نفسي ، وأقدم عيالكم على عيالي ، وأن أعتقد ~~الثناء بدلا من الغنى ، وأن أكنز الريح ، وأصطنع السراب ، بدلا من الذهب ~~والفضة ! قال إسماعيل : وسمعته يقول لعياله وأصحابه : اصبروا عن الرطب عند ~~ابتدائه وأوائله ، وعن باكورات الفاكهة ؛ فإن للنفس عند كل طارف نزوة ، ~~وعند كل هاجم نزوة . PageV01P168 # وللقادم حلاوة وفرحة ، وللجديد بشاشة وغرة ؛ فإنك متى رددتها ارتدت ، ~~ومتى ردعتها ارتدعت . # والنفس عزوف ، ونفور ألوف . وما حملتها احتملت ، وإن أهملتها فسدت . فإن ~~تكف جميع دواعيها ، وتحسم جميع خواطرها ، في أول ردة ، صارت أقل عددا ، ~~وأضعف قوة . # فإذا أثر ذلك فيها ، فعظها في تلك الباكورة بالغلاء والقلة ؛ فإن ذكر ~~الغلاء والقلة حجة صحيحة ، وعلة عاملة في الطبيعة . # فإذا أجابتك في الباكورة ، فسمها مثل ذلك في أوائل كثرتها ، واضرب نقصان ~~الشهوة ونقصان قوة الغلبة ، بمقدار ما حدث لها من الرخص والكثرة . فلست ~~تلقى على هذا الحساب من معالجة الشهوة عندك ، إلا مثل ما لقيت منها في نومك ~~؛ حتى تنقضي أيام الفاكهة ، وأنت على مثل ابتداء حالك ، وعلى أول مجاهدتك ~~لشهوتك ! PageV01P169 ومتى لم تعد أيضا الشهوة فتنة ، والهوى عدوا ، اغتررت ~~بهما ، وضعفت عنهما ، وأتمنتهما على نفسك . وهما أحضر عدو ، وشر دخيل . # فاضمنوا لي النزوة الأولى ، أضمن لكم تمام الصبر ، وعاقبة اليسر ، وثبات ~~العز في قلوبكم ، والغنى في أعقابكم ، ودوام تعظيم الناس لكم ؛ فإنه لو لم ~~يكن من منفعة الغني إلا أنك لا تزال معظما عند من لم ينل منك قط درهما ، ~~لكان الفضل في ذلك بيتا ، والربح ظاهرا . # ولو لم يكن من بركة الثروة ، ومن منفعة اليسر ، إلا أن رب المال الكثير ~~لو اتصل بملك كبير ، في جلسائه من هو أوجب حرمة ، وأقدم صحبة ، وأصدق محبة ~~، وأمتع إمتاعا ، وأكثر فائدة وصوابا ، إلا أنه خفيف الحال ، قليل ذات اليد ~~، ثم ms063 أراد ذلك الملك أن يقسم مالا ، أو يوزع بينهم طرفا ، لجعل حظ الموسر ~~أكثر ، وإن كان في كل شيء دون أصحابه ، وحظ المخفف أقل ، وإن كان في كل شيء ~~فوق أصحابه . PageV01P170 # قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون ، ومذهب الحزامى ، وقصص الكندي ، وأحاديث ~~الحارثي ، واحتجاجهم ، وطرائف نحلهم ، وبدائع حيلهم . # | قصة محمد بن أبي المؤمل # قلت لمحمد بن أبي المؤمل : أراك تطعم الطعام وتتخذه ، وتنفق المال وتجود ~~به . وليس بين قلة الخبز وكثرته كثير ربح . والناس يبخلون من قل عدد خبزه ، ~~ورأوا أرض خوانه . وعلى أني أرى جماجم من يأكل معك أكثر من عدد خبزك . # وأنت لو لم تتكلف ، ولم تحمل على مالك بإجادته ، والتكثير منه ، ثم أكلت ~~وحدك لم يلمك الناس ، ولم يكثروا لذلك منك ، ولم يقضوا عليك بالبخل ، ولا ~~بالسخاء ، وعشت سليما موفورا ، وكنت كواحد من عرض الناس . # وأنت لم تنفق الحرائب ، وتبذل المصون ، إلا وأنت راغب في الذكر والشكر ، ~~وإلا لتخزن الأجر . PageV01P171 # فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء ، نرضى لك من الغنيمة بالإياب ، ~~ومن غنم الحمد والشكر ، بالسلامة من الذم واللوم ! فزد في عدد خبزك شيئا ؛ ~~فإن بتلك الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكرا ، وذلك الذم حمدا . # أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالما ، لا لك ولا ~~عليك ؟ فانظر في هذا الأمر ، رحمك الله ! قال : يا أبا عثمان ، أنت تخطئ ، ~~وخطأ العاقل أبدا يكون عظيما ، وإن كان في العذر قليلا ؛ لأنه إذا أخطأ ~~أخطأ بتفقه وإحكام . فعلى قدر التفكر والتكلف يبعد من الرشاد ، ويذهب عن ~~سبيل الصواب . وما أشك أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك . ولكن خف ما خوفتك ، ~~وإنه مخوف ! بل الذي أصنع أدل على سخاء النفس بالمأكول ، وأدل على الاحتيال ~~ليبالغوا ؛ لأن الخبر إذا كثر على الموائد ، ورث ذلك النفس صدودا ؛ ولأن كل ~~شيء من المأكول وغير المأكول ، إذا ملأ العين ملا الصدر . وفي ذلك موت ~~الشهوة ، وتسكين الحركة ! PageV01P172 ولو أن رجلا جلس على بيدر تمر فائق ، ~~وعلى كدس كمثرى منعوت ms064 ، وعلى مائة قنو موز موصوف ، لم يكن أكله إلا قدر ~~استطرافه ، ولم يكن أكله إلا على قدر أكله ، إذا أتي بذلك في طبق نظيف ، مع ~~خادم نظيف ، عليه منديل نظيف . وبعد فأصحابنا آنسون ، واثقون مسترسلون ، ~~يعلمون أن الطعام لهم اتخذ ، وأن أكلهم له أوفق من تمزيق الخدم والأتباع له ~~. ولو احتاجوا لدعوا به ، ولم يحتشموا منه ، ولكان الأقل منهم أن يجربوا ~~ذلك المرة والمرتين ، وألا يقضوا علينا بالبخل دون أن يروه . فإن كانوا ~~محتشمين وقد بسطناهم ، وساء ظنهم بنا ، مع ما يرون من الكلفة لهم ، فهؤلاء ~~أصحاب تجن وتسرع . وليس في طاقتي إعتاب المتجني ، ولا رد المتسرع . ~~PageV01P173 # قلت له : إني قد رأيت أكلهم في منازلهم ، وعند إخوانهم ، وفي حالات كثيرة ~~، ومواضع مختلفة . ورأيت أكلهم عندك ، فرأيت شيئا متفاوتا ، وأمرا متفاقما ~~. فاحسب أن البخل عليهم غالب ، وان الضعف لهم شامل ، وأن سوء الظن يسرع ~~إليهم خاصة . ثم لا تداوي هذا الأمر بما لا مؤنة فيه ؟ وبالشيء الذي لا قدر ~~له ؟ أو تدع دعاءهم ، والإرسال إليهم ، والحرص على إجابتهم ؟ . # والقوم ليس يلقون أنفسهم عليك . وإنما يجيئونك بالاستحباب منك . فإن ~~أحببت أن تمتحن ما أقول ، فدع مواترة الرسل والكتب ، والتغضب عليهم إذا ~~أبطئوا . ثم انظر . # قال : فإن الخبز إذا كثر على الخوان ، فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من ~~التلطخ والتغمير . والجردقة الغمرة ، والرقاقة المتلطخة ، لا أقدر أن أنظر ~~إليها . وأستحيي أيضا من إعادتها . فيذهب ذلك الفضل باطلا . والله لا يحب ~~الباطل ! PageV01P174 قلت : فإن ناسا يأمرون بمسحه ، ويجعلون الثريدة منه . ~~فلو أخذت بزيهم ، وسلكت سبيلهم ، أتى ذلك لك على ما تريد ونريد . # قال : أفلست أعلم كيف الثريد ؟ ومن أي شيء هي ؟ - وكيف أمنع نفسي التوهم ~~، وأحول بينها وبين التذكير ؟ ولعل القوم الحواري المتلطخ مقام الخشكار ~~النظيف . وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما تعلق به الدسم . # قال : عيالي - يرحمك الله ! - عيالان : واحد أعظمه عن هذا وأرفعه عنه ، ~~وىخر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواري ! قلت : فاجعل إذا جميع خبزك الخشكار ، ~~فإن فضل ما بينه ms065 وبين الحواري في الحسن والطيب ، لا يقوم بفضل ما بين الحمد ~~والذم . PageV01P175 # قال : فهاهنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها : وهو أنا نحضر هذه الزيادة من ~~الخبز على طبق ، ويكون قريبا حيث تناله اليد ، فلا يحتاج أحد مع قربه منه ~~إلى أن يدعو به ؛ ويكون قربه من يده كثرة على مائدته . # قلت : فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله . فأطعني وأخرج هذه الزيادة ~~من مالك كيف شئت . # واعلم أن هذه المقايسة ، وطول هذه المذاكرة ، أضر علينا مما نهيتك عنه ، ~~وأردتك على خلافه . # فلما حضر وقت الغداء صوت بغلامه - وكان ضخما ، جهير الصوت ، صاحب تقعير ، ~~وتفخيم وتشديق ، وهمز وجزم : يا مبشر ! هات من الخبز تمام عدد الرءوس ! ~~PageV01P176 قلت : ومن فرض لهم هذه الفريضة ؟ ومن جزم عليهم هذا الجزم ؟ ~~أرأيت إن لم يشبع أحدهم رغيفه ، أليس لا بد له من أن يعول على رغيف صاحبه ، ~~أو يتنحى وعليه بقية ، أو يعلق يده منتظرا للعادة ؟ فقد عاد الأمر ، وبطل ~~ما تناظرنا فيه . # قال : لا أعلم إلا ترك الطعام البتة أهون علينا من هذه الخصومة ! قلت : ~~هذا ما لا شك فيه . وقد علمت عندي بالصواب ، وأخذت لنفسك بالثقة ، إن وفيت ~~بهذا القول . # وكان أكثر ما يقول : يا غلام ، هات شيئا من قليلة ، وأقل منها ، وأعد لنا ~~ماء باردا ، وأكثر منه ! وكان يقول : قد تغير كل شيء من أمر الدنيا ، وحال ~~عن أمره وتبدل ، حتى المؤاكلة . قاتل الله رجالا كنا نؤاكلهم : ما رأيت ~~قصعة قط رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل ! PageV01P177 وكانوا يعلمون أن ~~إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين الموائد الرفعية ؛ وإنما جعل كالعاقبة ~~والخاتمة ، وكالعلامة للبسر والفراغ ، وأنه لم يحضر للتمزيق والتخريب ، وأن ~~أهله لو أرادوا به السوء لقدموه قبل كل شيء ، لتقع الحدة به . بل ما أكل ~~منه إذا جيء به إلا العابث ، وإلا الذي لو لم يره لقد كان يرفع يده ، ولم ~~ينتظر غيره ! ولذلك قال أبو الحارث جمين ، حين رآه لا يمس : هذا المدفوع ~~عنه ! ولولا أنه على ذلك ms066 شاهد الناس لما قال ما قال . # ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة ، ويدعها كل واحد منهم لصاحبه ؛ حتى إن ~~القصعة لقد كنت وإن البيض خاصة لعلي حاله . وأنت اليوم إذا أردت أن تمتع ~~عينك بنظرة واحدة منها ، ومن بيض السلاءة ، لم تقدر على ذلك ! لا جرم لقد ~~كان تركه ناس كثير ، ما بهم إلا أن يكونوا شركاء من ساءت رعته . ~~PageV01P178 # وكان يقول : الآدام أعداء للخبز ، وأعداها له المالح . فلولا أن الله ~~انتقم منه ، وأعان عليه بطلب صاحبه الماء وإكثاره منه ، لظننت أنه سيأتي ~~على الحرث والنسل ! وكان مع هذا يقول : لو شرب الناس الماء على الطعام ما ~~اتخموا . وأقلهم عليه شربا أكثرهم عنه تخما . وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ~~ما أكل حتى ينال من الماء . وربما كان شبعان وهو لا يدري . فإذا ازداد على ~~مقدار الحاجة بشم . وإذا نال من الماء شيئا بعد شيء ، عرفه ذلك مقدار ~~الحاجات ، فلم يزد إلا بقدر المصلحة . # والأطباء يعلمون ما أقول حقا . ولكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي ~~لتعطلوا ، ولذهب المكسب ! وما حاجة الناس إلى المعالجين إذا صحت أبدانهم ؟ ~~وفي قول جميع الناس : إن ماء دجلة أمرأ من الفرات ، وإن ماء مهران أمرأ من ~~ماء نهر بلخ ؛ وفي قول العرب : هذا ماء نمير يصلح عليه المال ، دليل على أن ~~الماء يمرئ ؛ PageV01P179 حتى قالوا : إن الماء الذي يكون عليه النفاطات ~~أمرأ من الماء الذي يكون عليه القيارات . # فعليكم بشرب الماء على الغداء ، فإن ذلك أمرأ . # وكان يقول : ما بال الرجل إذا قال : يا غلام ، أسقني ماء ؛ أو أسق فلانا ~~ماء ، أتاه بقلة على قدر الري ؟ فإذا قال : أطعمني شيئا ، أو قال : هات ~~لفلان طعاما ، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة ، والطعام والشراب أخوان ~~متحالفان ومتآزران ؟ وكان يقول : لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا على ~~الخبز ، وزهدوا في الماء . والناس أشد شيء تعظيما للمأكول إذا كثر ثمنه ، ~~أو كان قليلا في أصل منبته ، وموضع عنصره . هذا الجزر الصافي ، وهذا ~~الباقلى الأخضر العباسي ، أطيب ms067 من كمثرى خراسان ، ومن الموز البستاني ! ~~ولكنهم لقصر همتهم لا يتشهون إلا على قدر الثمن ، ولا يحنون إلى الشيء إلا ~~على PageV01P180 قدر القلة . وهذه العوام في شهوات الأطعمة إنما تذهب مع ~~التقليد ، أو مع العادة ، أو على قدر ما يعظم عندها من شأن الطعام . # وأنا لست أطعم الجزر المسلوق بالخل والزيت والمري ، دون الكمأة بالزبد ~~والفلفل ، لمكان الرخص ، أو لموضع الاستفضال ، ولكن لمكان طيبه في الحقيقة ~~، ولأنه مالح الطبيعة ؛ علم ذلك من علم ، وجهل ذلك من جهل ! وكان في منزله ~~فربما دخل عليه الصديق له ، وقد كان تقدمه الزائر أو الزائران - وكان ~~يستعمل على خوانه من الخدع والمكايد والتدبير ، ما لم يبلغ بعضه قيس بن ~~زهير ، والمهلب PageV01P181 ابن أبي صفرة ، وخازم بن أبي خزيمة ، وهرثمة بن ~~أعين . وكان عنده فيه من الاحتيال ما لا يعرفه عمرو بن العاص ؛ ولا المغيرة ~~بن شعبة . وكان كثيرا ما يمسك الخلال بيده ، ليؤيس الداخل عليه من غدائه ! ~~- فإذا دخل عليه الصديق له ، وقد عزم على إطعام الزائر والزائرين قبله ، ~~وضاق صدره بالثالث وإن كان قد دعاه وطلب إليه - أراد أن يحتال له ، أو ~~الرابع ، إن ابتلي كل واحد منهما بصاحبه . # فيقول عند أول دخوله ، وخلع نعله ، وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع : ~~هات يا مبشر لفلان شيئايطعم منه ! هات له شيئا ينال منه ! هات له شيئا ! ~~اتكالا ! على خجله أو غضبه أو أنفته ؛ وطمعا في أن يقول : قد فعلت ! ~~PageV01P182 فإن أخطأ ذلك الشقي ، وضعف قلبه وحصر ، وقال : قد فعلت ، وعلم ~~أنه قد أحرزه وحصله ، وألقاه وراء ظهره ، لم يرض أيضا بذلك حتى يقول : بأي ~~شيء تغذيت ؟ فلا بد له من أن يكذب ، أو ينتحل المعاريض . فإذا استوثق منه ~~رباطا ، وتركه لا يستطيع أن يترمرم ، لم يرض بذلك حتى قول في حديث له : كنا ~~عند فلان ، فدخل عليه فلان ، فدعاه إلى غدائه فامتنع . ثم بدا له فقال : في ~~طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها ؟ ثم تناول ، فلا يزال في وثاقه ، وفي سد ~~الأبواب عليه ، وفي منعه البدوات . حتى ms068 إذا بلغ الغاية قال : يا مبشر ، أما ~~إذ تغدى فلان واكتفى ، فهات لنا شيئا نبعث به ؟ فإذا وضعوا الطعام ، أقبل ~~على أشهدهم حياء ، أو على أكلا ، فسأله عن حديث حسن ، أو عن خبر طويل ! ولا ~~يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه إلى الإشارة باليد أو الرأس ! كل ذلك ليشغله ! ~~PageV01P183 فإذا هم أكلوا صدرا ، أظهر الفتور والتشاغل والتنقر ، كالشعبان ~~الممتلئ ، وهو في ذلك غير رافع يده ، ولا قاطع أكله ! إنما هو النتف بعد ~~النتف ، وتعليق اليد في خلل ذلك ؟ فلا بد من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده . ~~وربما شمل ذلك جماعتهم . فإذا علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم ، حتى يقلعهم ~~من مواضعهم من حوال الخوان ، ويعيدهم إلى مواضع من مجالسهم ، ابتدأ الأكل ، ~~فأكل أكل الجائع المقرور ! وقال : إنما الأكل تارات ، والشرب تارات . # وكان كثيرا ما يقول لأصحابه ، إذا بكروا عليه : لم لا نشرب أقداحا على ~~الريق ، فإنها تقتل الديدان ، وتحفش لأنفسنا قليلا ؛ فإنها تأتي على جمبع ~~الفضول ، وتشتهي الطعام بعد ساعة ؟ PageV01P184 وسكره أطيب من سكر الكظة . ~~والشراب على المليلة بلاء . وهو بعد ذلك دليل على أن نبيذي خالص . ومن لم ~~يشرب على الريق فهو نكس في الفتوة ، ودعى في أصحاب النبيذ ! وإنما يخاف على ~~كبده من سورة الشراب على الريق من بعد عهده باللحم . وهذه الصبحة تغسل عنكم ~~الأوضار ، وتنفي التخم . وليس دواء الخمار ، إلا الشرب بالكبار . # والأعشى كان أعلم به حيث يقول : # وكأس شريت على لذة . . . وأخرى تداويت منها بها PageV01P185 # وهذا - حفظك الله - هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة واحدة ، ولا ~~يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة ! وهو يوم سروره التام ؛ لأنه قد ربح ~~المرزئة ، وتمتع بالمنادمة ! واشترى مرة شبوطة وهو ببغداد ، وأخذها فائقة ~~عظيمة . وغالى بها ، وارتفع في ثمنها . # وكان قد بعد عهده بأكل السمك ، وهو بصري لا يصبر عنه . فكان قد أكبر أمر ~~هذه السمكة لكثرة ثمنها ، ولسمنها وعظمها ، ولشدة شهوته لها ! فحين ظن عند ~~نفسه أنه قد خلا بها ، وتفرد بأطايبها ، وحسر عن ذراعيه ms069 ، وصمد صمدها ، ~~هجمت عليه ومعي السدري ! فلما رآه رأى الموت الأحمر ، والطاعون الجارف ، ~~ورأى الحتم المقضي ، ورأى قاصمة الظهر ، وأيقن بالشر ، وعلم أنه قد ابتلي ~~بالتنين ! فلم يلبثه السدري حتى قور السرة بالمبال ! PageV01P186 فاقبل علي ~~فقال لي : يا أبا عثمان ، السدري يعجبه السرر ! فما فصلت الكلمة من فيه حتى ~~قبض على القفا ، فانتزع الجانبين جميعا ! فأقبل علي فقال : والسدري يعجبه ~~الأقفاء ! فما فرغ من كلامه إلا والسدري قد اجترف المتن كله ! فقال : يا ~~أبا عثمان ، والسدري يعجبه المتون ! ولم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب ~~الشبوط وعذوبة لحمه . وظن أنه سيسلم له . وظن معرفة ذلك من الغامض . فلم ~~يدر إلا والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعا ! ولولا أن السدري أبطره ، ~~وأثقله ، وأكمده ، وملأ صدره ، وملاه غيظا ، لقد كان أدرك معه طرفا ؛ لأنه ~~كان من الأكلة . ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه . # فلما أكل السدري جميع أطايبها ، وبقي هو في النظارة ، ولم يبق في يده مما ~~كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد ، والغرم الثقيل ، ظن أن في سائر ~~السمكة ما يشبعه ، ويشفي من كرمه . فبذلك كان عزاؤه . وذلك هو الذي كان ~~يمسك بأرماقه ، وحشاشات نفسه ! فلما رأى السدري يفري الفري ، ويلتهم ~~التهاما ، قال : يا أبا عثمان ، السدري يعجبه كل شيء ! PageV01P187 فتولد ~~الغيظ في جوفه ، وأقلقته الرعدة ، فخبثت نفسه . فما زال يقئ ويسلح ! ثم ~~ركبته الحمى ! وصحت توبته ، وثم عزمه في ألا يؤاكل رغيبا أبدا ، ولا زهيدا ~~، ولا يشتري سمكة أبدا ، رخيصة ولا غالية ، وإن أهدوها إليه ألا يقبلها ، ~~وإن وجدها مطروحة لا يمسها . # فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمل . وقد مات . عفا الله عنا وعنه ~~! PageV01P188 | # | المجلد الثاني # # | قصة أسد بن جاني # فأما أسد بن جاني فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشر ؛ لأن البراغيث ~~تزلق عن ليط القصب ، لفرط لينه وملاسته . وكان إذا دخل الصيف ، وحر عليه ~~بيته ، أثاره حتى يغرق المسحاة . ثم يصب عليه جرارا كثيرة من ماء البئر . ~~ويتوطؤه حتى يستوي ms070 . فلا يزال ذلك البيت باردا ما دام نديا . PageV02P003 # فإذا امتد به الندى ، ودام برده بدوامه ، اكتفى بذلك التبريد صيفته . وإن ~~جف قبل انقضاء الصيف ، وعاد عليه الحر ، عاد عليه بالإثارة والصب . # وكان يقول : خيشتي أرض ، وماء خيشتي من بئري ، وبيتي أبرد ، ومؤنتي أخف . ~~وأنا أفضلهم أيضا بفضل الحكمة وجودة الآلة . # وكان طبيبا فأكسد مرة ، فقال له قائل : السنة وبئة ، والأمراض فاشية ، ~~وأنت عالم ، ولك صبر وخدمة ، ولك بيان ومعرفة . فمن أين تؤتى في هذا الكساد ~~؟ قال : أما واحدة فإني عندهم مسلم ، وقد اعتقد القوم قبل أن أتطيب ، لا بل ~~قبل أن أخلق ، أن المسلمين لا يفلحون في الطب ! واسمي أسد ، وكان ينبغي أن ~~يكون اسمي صليبا ، ومرايل ، ويوحنا ، وبيرا ، وكنيتي أبو الحارث ، وكان ~~ينبغي أن تكون أبو عيسى ، PageV02P004 وأبو زكريا ، وأبو إبراهيم . وعلى ~~رداء قطن أبيض ، وكان ينبغي أنت يكون رداء حرير أسود . ولفظي لفظ عربي ، ~~وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور . # قال الخليل السلولي : أقبل علي يوما الثوري ، وكان يملك خمسمائة جريب ، ~~ما بين كرسي الصدقة إلى نهر مرة . ولا يشتري إلا كل غرة ، وكل أرض مشهورة ~~بكريم التربة ، وشرف الموضع ، والغلة الكثيرة . قال : فأقبل علي يوما فقال ~~لي : هل اصطبغت بماء الزيتون قط ؟ قال : قلت : لا والله لو فعلته ما نسيته ~~! قال : قلت : أجل ، إني والله لو فعلته لما نسيته ! وكان يقول لعياله : لا ~~تلقوا نوى التمر والرطب ، وتعودوا ابتلاعه ، وخذوا حلوقكم بتسويغه ؛ فإن ~~النوى يعقد الشحم في البطن ، ويدفئ الكليتين بذلك الشحم ! واعتبروا ~~PageV02P005 ذلك ببطون الصفايا وجميع ما يعتلف النوى ! والله لو حملتم ~~أنفسكم على البزر والنوى ، وعى قضم الشعير ، واعتلاف القت ، لوجدتموها ~~سريعة القبول ! وقد يأكل الناس القت قداحا ، والشعير فريكا ونوى البسر ~~الأخضر ، ونوى العجوة . # فإنما بقيت الآن عليكم عقبة واحدة : لو رغبتم في الدفإلا لتمستم الشحم . ~~وكيف لا تطلبون شيئا يغنيكم عن دخان الوقود ، وعن شناعة العكر ، وعن ثقل ~~الغرم ؟ والشحم يفرح القلب ، ويبيض الوجه . والنار تسود الوجه . أنا أقدر ~~أن أبتلع ms071 النوى ، وأعلفه النساء . ولكني أقول ذلك بالنظر مني لكم . ~~PageV02P006 # وكان يقول : كلوا الباقلي بقشوره ، فإن الباقلي يقول : من أكلني بقشوري ~~فقد أكلني ، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي أكله ! فما حاجتكم إلى أن ~~تصيروا طعاما لطعامكم ، وأكلا لما جعل أكلا لكم ؟ وكان يعين مالا عظيما . ~~ولم يكن له وارث . فكان يسخر ببعضهم ، فيقول عند الإشهاد : قد علمتم أن لا ~~وارث لي . فإذا مت فهذا المال لفلان ! فكان قوم كثير يحرصون على مبايعته ~~لهذا . # وقد رأيته أنا زمانا من الدهر ، ما رأيته قط إلا ونعله في يده ، أو يمشي ~~طول نهاره في نعل مقطوعة العقب ، شديدة على صاحبها ! قال : فهو ذا المجوس ، ~~يرتعون البصرة وبغداد وفارس والأهواز والدنيا كلها ، بنعال سندية . ~~PageV02P007 فقيل له : إن المجوسي لا يستحل في دينه المشركة ، فأنت لا تجده ~~أبدا إلا حافيا ، أو لابسا نعلا سندية . وأنت مسلم ، ومالك كثير . # قال : فمن كان ماله كثيرا ، فلابد له من أن يفتح كيسه للنفقات وللسراق ؟ ~~قالوا : فليس هاتين منزلة ؟ قال الخليل : جلس الثوري إلى حلقة المصلحين في ~~المسجد . فسمع رجلا من مياسيرهم يقول : بطنوا كل شيء لكم ، فإنه أبقى . ~~ولأمر جعل الله دار الآخرة باقية ، ودار الدنيا فانية . ثم قال : ربما رأيت ~~المبطنة الواحدة تقطع أربعة أقمصة ، والعمامة الواحدة تقطع أربعة أزر ؛ ليس ~~ذلك إلا لتعاون الطي ، وترافد الأثناء . فبطنوا البواري ؛ وبطنوا الحصر ، ~~وبطنوا البسط ، وبطنوا الغداء بشربة باردة ! ل فقال الثوري : لم افهم مما ~~قلت إلا هذا الحرف وحده ! PageV02P008 قال الخليل : حم الثوري وحم عياله ~~وخادمه ، فلم يقدروا مع شدة الحمى على أكل الخبز . فربح كيلة تلك الأيام من ~~الدقيق ، ففرح بذلك ، وقال : لو كان منزلي سوق الأهواز ، أو نطاة خيبر ، أو ~~وادي الجحفة ، لرجوت أن أستفضل كل سنة مائة دينار ! فكان لا يبالي أن يحم ~~هو وأهله أبدا ، بعد أن يستفضل كفايتهم من الدقيق ! وكان يقول : أول ~~الإصلاح - وهو من الواجب - خصف النعل ، واستجادة الطراق ، وتشحيمها في كل ~~الأيام ، وعقد ذؤابة الشراك ، من زي النساك ، لكيلا يطأ ms072 عليه إنسان ~~PageV02P009 فيقطعه . ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسخت ، ~~وغسلها من اتساخها بعد القلب . واجعلها حبرة ، فإنها مما له مرجوع ! ومن ~~ذلك اتخاذ قميص الصيف جبة في الشتاء ، واتخاذ الشاة اللبون إذا كان عندك ~~حمار . # واتخاذ الحمار الجامع خير من غلة ألف دينار : لأنه لرحلك ، وبه يدرك ~~البعيد من حوائجك ، وعليه يطحن ، فتستفضل عليه ما يربحه عليك الطحان . ~~وينقل عليه حوائجه وحوائجك ، حتى الحطب . ويستقي عليه الماء . وهذه كلها ~~مؤن إذا اجتمعت كانت في السنة مالا كثيرا ثم قال : أشهد إن الرفق يمن ، وإن ~~الخرق شؤم . # واشتريت ملاءة مذارية ، فلبستها ما شاء الله رداء وملحفة . ثم احتجت إلى ~~طيلسان ، فقطعتها - يعلم الله ! - فلبسته ما شاء الله . ثم احتجت إلى جبة ~~فجعلته - يعلم الله ! - PageV02P010 ظهار ، جبة محشوة ، فلبستها ما شاء ~~الله . ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح ، فجعلته مخاد ، وجعلت قطنها ~~للقناديل . ثم جعلت ما دون خرق المخاد للقلائس . ثم عمدت إلى أصح ما بقي ، ~~فبعته من أصحاب الصينيات والصلاحيات . وجعلت السقاطات ، وما قد صار كالخيوط ~~وكالقطن المندوف ، صمائم لرؤوس القوارير . # وقد رأيته وسمعت منه في البخل كلاما كثيرا . وكان من البصريين ، ينزل في ~~بغداد مسجد ابن رغبان . ولم أر شيخا ذا ثروة اجتمع عنده وإليه من البخلاء ~~ما اجتمع له : منهم إسماعيل بن غزوان ، وجعفر بن سعيد ، وخاقان بن صبيح ، ~~وأبو يعقوب الأعور ، وعبد الله العروضي ، والحزامي عبد الله بن كاسب . ~~PageV02P011 # وأبو عبد الرحمن هذا شديد البخل ، شديد العارضة ، عضب اللسان . وكان يحتج ~~للبخل ، ويوصي به ، ويدعو إليه . وما علمت أن أحدا جرد في ذلك كتابا إلا ~~سهل بن هارون . # وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال لابنه : أبي بني ، إن إنفاق القراريط ، ~~يفتح عليك أبواب الدوانيق ، وإنفاق الدوانيق ، يفتح عليك أبواب الدراهم ، ~~وإنفاق الدراهم ، يفتح عليك أبواب الدنانير . والعشرات تفتح عليك أبواب ~~المئين ، والمئون تفتح عليك أبواب الألوف ، حتى يأتي ذلك على الفرع والأصل ~~، ويطمس على العين والأثر ، ويحتمل القليل والكثير ! أي بني ، إنما صار ~~تأويل ms073 الدرهم : دار لهم ، وتأويل الدينار : يدني إلى النار الدرهم إذا خرج ~~إلى غير خلف ، وإلى غير بدل ، دار لهم على دوانق مخرجة . وقيل : إن الدينار ~~يدني إلى النار ، لأنه إذا أنفقته في غير خلف ، وأخرج إلى غير دل ، بقيت ~~مخفقا PageV02P012 معدما وققيرا مبلطا . فيخرج الخارج ، وتدعو الضرورة إلى ~~المكاسب الردية ، والطعم الخبيثة . والخبيث من الكسب يسقط العدالة ، ويذهب ~~بالمروءة ، ويوجب الحد ، ويدخل النار . # وهذا تأويل الذي تأوله للدرهم والدينار ليس له ، إنما هذا شيء كان يتكلم ~~به عبد الأعلى إذا قيل له : لم سمي الكلب قليطا ؟ قال : لأنه قل ولطى ! ~~وإذا قيل له : لم سمي الكلب سلوقيا ؟ قال : لأنه يستل ويلقي ! وإذا قيل له ~~: لم سمي العصفور عصفورا ؟ قال : لأنه عصى وفر ! PageV02P013 وعبد الأعلى ~~هذا هو الذي كان يقول في قصصه : الفقير . . . مرفقته سلبة ، وجردقته فلقة ، ~~وسمكته سلته ؛ في طيب له كثير . # وبعض المفسرين يزعم أن نوحا النبي عليه السلام ، إنما سمي نوحا ، لأنه ~~كان ينوح على نفسه ؛ وأن آدم سمي آدم ، لأنه حذي من أديم الأرض - وقالوا : ~~كان لونه في أدمته لون الأرض - وأن المسيح سمي المسيح لأنه مسح بدهن البركة ~~. وقال بعضهم : لأنه كان لا يقيم في البلد الواحد . وكان كأنه ماسح يمسح ~~الأرض . # ثم رجع الحديث إلى أعاجيب أبي عبد الرحمن : وكان أبو عبد الرحمن : وكان ~~أبو الرحمن يعجب بالرءوس ، ويحمدها ويصفها . وكان لا يأكل اللحم إلا يوم ~~PageV02P014 أضحي ، أو من بقية أضحيته ، أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة . ~~وكان سمى الرأس عرسا ، لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة . وكان يسميه مرة ~~الجامع ، ومرة الكامل . # وكان يقول : الرأس شيء واحد . وهو ذو ألوان عجيبة ، وطعوم مختلفة . وكل ~~قدر وكل شواه فإنما هو شيء واحد . والرأس فيه الدماغ ، فطعم الدماغ على حدة ~~. وفيه العينان ، وطعمهما شيء على حدة . وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ~~ومؤخر العين ، وطعمها على حدة . على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ ، ~~ونعم من الزبد ، وأدسم من السلاء . وفي الرأس اللسان ms074 ، وطعمه شيء على حدة . ~~وفيه الخيشوم ، والغضروف الذي في الخيشوم ، وطعمهما شيء على حدة . وفيه لحم ~~الخدين ، وطعمه شيء على حدة - حتى يقسم أسقاطه الباقية . PageV02P015 # ويقول : الرأس سيد البدن : وفيه الدماغ ، وهو معدن العقل ، ومنه يتفرق ~~العصب الذي فيه الحس ، وبه قوام البدن . وإنما القلب باب العقل - كما أن ~~النفس هي المدركة ، والعين هي باب الألوان ، والنفس هي السامعة الذائقة ، ~~وإنما الأنف والأذن بابان . # ولولا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه . # وفي الرأس الحواس الخمس . # وكان ينشد قول الشاعر : # إذا ضربوا رأسي وفي الرأس أكثري . . . وغودر عند الملتقى ثم سائري # وكان يقول : الناس لم يقولوا : هذا رأس الأمر ، وفلان رأس الكتيبة ، وهو ~~رأس القوم ، وهم رؤوس الناس وخراطيمهم وأنفهم ، ويستقوا من الرأس الرياسة ، ~~والرئيس ، - وقد رأس القوم فلان - ، إلا والرأس هو المثل ، وهو المقدم . # وكان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف ، وإلى الجبين ، فوضعه بقرب ~~بيوت النمل PageV02P016 والذر . فإذا اجتمعت فيه أخذه فنفضه في طست فيها ~~ماء . فلا يزال يعيد ذلك في تلك المواضع ، حتى يقلع أصل النمل والذر من ~~داره . فإذا فرغ من ذلك ألقاه في الحطب ، ليوقد به سائر الحطب . # وكان إذا كان يوم الرءوس ، أقعد ابنه معه على الخوان . إلا أن ذلك بعد ~~تشرط طويل ، وبعد أن يقف به على ما يريد ! وكان فيما يقول له : إياك ونهم ~~الصبيان ، وشره الزراع ، وأخلاق النوائح . ودع عنك خبط الملاحين والفعلة ، ~~ونهش الأعراب والمهنة . وكل ما بين يديك ؛ فإنما حقك الذي وقع لك ، وصار ~~أقرب إليك . PageV02P017 # وأعلم أنه إذا كان في الطعام شيء طريف ، ولقمة كريمة ، ومضغة شهية ، ~~فإنما ذلك للشيخ المعظم ، والصبي المدلل . ولست واحدا منهما . فأنت قد تأتي ~~الدعوات والولائم ، وتدخل منازل الإخوان ، وعهدك باللحم قريب ، وإخوانك أشد ~~قرما إليه منك . وإنما هو رأس واحد . فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضا ~~. وأنا بعد أكره لك الموالاة بين اللحم ، فإن الله يبغض أهل البيت اللحمين ~~. # وكان يقول : إياكم وهذه المجازر ، فإن ms075 لها ضراوة ، كضراوة الخمر . # وكان يقول : مدمن اللحم كمدمن الخمر . PageV02P018 # وقال الشيخ ورأى رجلا يأكل اللحم ، فقال : لحم يأكل لحما ! أف لهذا عملا ~~! وذكر هرم بن قطبة اللحم ، فقال : وإنه ليقتل السباع . # وقال المهلب : لحم وارد على غير قاوم ، هذا الموت الأحمر . # وقال الأول : أهلك الرجال الأحمران : اللحم والخمر ، وأهلك النساء ~~الأحمران : الذهب والزعفران . # أي بني ، عود نفسك الأثرة ، ومجاهدة الهوى والشهوة . ولا تنهش نهش ~~الأفاعي ، ولا تخضم PageV02P019 خضم البراذين ، ولا تدم الأكل إدامة النعاج ~~، ولا تلقم لقم الجمال ، قال أبو ذر لمن بذل من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : يخضمون ونقضم ، والموعد الله . # إن الله قد فضلك . فجعلك إنسانا ؛ فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا . واحذر ~~سرعة الكظة ، وسرف البطنة . وقد قال بعض الحكماء : إذا كنت بطينا فعد نفسك ~~في الزمني . # وقال الأعشى : ' والبطنة مما تسفه الأحلاما ' . # واعلم أن الشبع داعية البشم ، وأن البشم داعية السقم ، وأن السقم داعية ~~الموت . ومن مات هذه الميتة ، فقد مات ميتة لئيمة . وهو قاتل نفسه ، وقاتل ~~نفسه ألوم من قاتل غيره . PageV02P020 وأعجب ، إن أردت العجب ! وقد قال ~~الله جل ذكره : ' ولا تقتلوا أنفسكم ' . - وسواء قتلنا أنفسنا ، أو قتل ~~بعضنا بعضا ، كان ذلك للآية تأويلا . # أي بني ، إن القاتل والمقتول في النار . ولو سألت حذاق الأطباء لأخبروك ~~أن عامة أهل القبور إنما ماتوا بالتخم . واعرف خطأ من قال : أكلة وموتة ! ~~وخذ بقول من قال : رب أكلة تمنع أكلات . وقد قال الحسن : يا بن آدم كل في ~~ثلث بطنك ، واشرب في ثلث بطنك ، ودع الثلث للتفكر والتنفس . وقال بكر بن ~~عبد الله المزني : ما وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص بالكظة ، وحتى لم ~~ألبس من ثيابي ما يستخدمني ، وحتى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه . # يا بني ، والله ما أدى حق الركوع ، ولا وظيفة السجود ذو كظة ، ولا خشع ~~الله ذو بطنة . والصوم مصحة ، والوجبات عيش الصالحين . PageV02P021 # ثم قال : لأمر ما طالت أعمار الهند ، وصحت أبدان الأعراب . لله در الحارث ~~ابن ms076 كلدة ، حين زعم أن الدواء هو الأزم ، وأن الداء هو إدخال الطعام في أثر ~~الطعام ! أي بني لم صفت أذهان العرب ؟ ولم صدقت أحساس العرب ؟ ولم صححت ~~أبدان الرهبان ، مع طول الإقامة في الصوامع ؟ وحتى لم تعرف النقرس ، ولا ~~وجع المفاصل ، ولا الأورام ، إلا لقلة الرزق من الطعام ، وخفة الزاد ، ~~والتبلغ باليسير . # أي بني ، إن نسيم الدنيا وروح الحياة أفضل من أن تبيت كظيظا ، وأن تكون ~~لقصر العمر حليفا . وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن ، وذكاء الذهن ~~، وصلاح المعى ، وكثرة المال ، والقرب من عيش الملائكة ؟ PageV02P022 أي ~~بني ، لم صار الضب أطول شيء عمرا إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم ؟ ولم زعم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصوم وجاء إلا ليجعل الجوع حجازا دون ~~الشهوات . # افهم تأدب الله ؛ فإنه لم يقصد به إلا مثلك . # أي بني ، قد بلغت تسعين عاما ما نقص لي سن ، ولا تحرك لي عظم ، ولا انتشر ~~لي عصب ، ولا عرف دنين أذن ، ولا سيلان عين ، ولا سلس بول ! ما لذلك علة ~~إلا التخفيف من الزاد . # فإن كنت تحب الحياة ، فهذه سبيل الحياة ، وإن كنت تحب الموت ، فلا يبعد ~~الله إلا من ظلم . # هذه كانت وصيته في يوم الرءوس وحده ! فلم يكن لعياله إلا التقمم ومص ~~العظم ! PageV02P023 وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر ، لمكان زيادة ~~الدماغ . وكان لا يشتري إلا راس فتي ، لوفارة الدماغ ؛ لأن دماغ الفتي أوفر ~~، ويكون مخه أنقص ، ومخ المسن أوفر ، ودماغه أنقص . # ويزعمون أن للأهلة والمحاق في الأدمغة والماء عملا معروفا ، وبينها في ~~الربيع والخريف فضلا بينا . # وتزعم الأعراب والعرب أن النطفة إذا وقعت في الرحم في أول الهلال ، خرج ~~الولد قويا ضخما ، وإذا كان في المحاق خرج ضئيلا شختا . # وأنشد قول الشاعر : # لقحت في الهلال عن قبل الطه . . . ر وقد لاح للصباح بشير PageV02P024 # ثم نمى ولم ترضع فلوا . . . ورضاع المحج عيب كبير # وكان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رءاسي بغداد ، إلا من رءاسي ~~مسجد ابن ms077 رغبان . وكان لا يشتريه إلا يوم سبت . واختلط عليه الأمر قيما بين ~~الشتاء والصيف . فكان مرة يشتريه في هذا الزمان ، ومرة يشتريه في هذا ~~الزمان . # وأما زهده في رءوس مسجد ابن رغبان ، فإن البصريين يختارون لحم الماعز ~~الخصي على الضأن كله . ورءوس الضأن أشحم وألحم ، وأرخص رخصا وأطيب . ورأس ~~التيس أكثر لحما من رأس الخصي ؛ لأن الخصي من الماعز يعرق جلده ، ويقل لحم ~~رأسه . ولا يبلغ جلده ، وإن كان ماعزا ، في الثمن ، عشر ما يبلغ جلد التيس ~~. ولا يكون رأسه إلا دونا . ولذلك تخطاه إلى غيره . PageV02P025 # وأما اختياره شراء الرءوس يوم السبت ، فإن القصابين يذبحون يوم الجمعة ~~أكثر ، فتكثر الرءوس يوم السبت ، على قدر الفضل فيما يذبحون ؛ ولأن العوام ~~والتجار والصناع لا يقومون إلى أكل الرءوس يوم السبت ، مع قرب عهدهم بأكل ~~اللحم يوم الجمعة ؛ ولأن عامتهم قد بقيت عنده فضلة ، فهي تمنعه من الشهوة ؛ ~~ولأن الناس لا يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرءوس واللحم . وأما ~~اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين الشتاء والصيف ، فوجه ذلك أن العلل كانت ~~تتصور له ، وتعرض له الدواعي على قدر قرمه ، وحركة شهوته ، صيفا وافق ذلك ~~أم شتاء . # فإن اشتراه في الصيف ، فلأن اللحم في الصيف ارخص . والرءوس تابعة للحم ؛ ~~ولأن الناس في الشتاء لها آكل ، وهم لها في القيظ أترك . فكان يختار الرخص ~~على حسن الموقع . # فإذا قويت دواعيها في الشتاء قال : راس واحد شتوي كرأسين صيفيين ! ~~PageV02P026 لأن المعلوفة غير الراعية . وما أكل الكسب في الحبس موثقا ، ~~غير ما أكل الحشيش في الصحراء مطلقا . # وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء ، مع صحته وبدنه ، وفي شك من ~~استبقائه في الصيف . ولنقصان شهوات الناس للرءوس في الصيف ، كان يخاف جريرة ~~تلك البقية ، وجناية تلك الفضلة ، وكان يقول : إن أكلتها بعد الشبع لم آمن ~~العطب ، وإن تركتها لهم في الصيف ولم يعرفوا العلة ، طلبوا ذلك مني في ~~الشتاء . # حثني المكي قال : كنت يوما عند العنبري ، إذ جاءت جارية أمه ومعها كوز ~~فارغ ms078 . فقالت : قالت أمك : بلغني أن عندك مزملة ، ويومنا يوم حار . فابعث ~~إلي بشربة منها في هذا الكوز . # قال : كذبت ! أمي اعقل من أن تبعث بكوز فارغ ، ونرده ملآن ! اذهبي ~~فاملئيه من ماء حبكم ، وفرغيه في حبنا . ثم املئيه من ماء مزملتنا ، حتى ~~يعود شيء بشيء ! PageV02P027 قال المكي : فإذا هو يريد أن تدفع جوهرا بجوهر ~~، وعرضا بعرض ، حتى لا تربح أمه إلا صرف ما بين العرضين ، الذي هو البرد ~~والحر . فأما عدد الجواهر والأعراض فمثلا بمثل . # وقال المكي : دخلت عليه يوما ، وإذا عنده جلة تمر ، وإذا ظئره جالسة ~~قبالته . فلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها ، فأخذتها فمصتها ساعة ثم عزلتها ~~. # فقلت للمكي : أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئا ؟ قال : والله لقد ~~رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتها ، فصاح بها صيحة لو كانت قتلت قتيلا ما ~~كان عنده أكثر من ذلك ؟ ! وما كانت إلا في أن تناول الأعراض ، وتسلم إليه ~~الجوهر . وكانت تأخذ حلاوة النواة ، وتودعها ندوة الريق . PageV02P028 # قال الخليل : كان أبو قطبة يستغل ثلاثة آلاف دينار . وكان من البخل يؤخر ~~تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد ، وسيل المثاعب ، ليكتري رجلا واحدا ~~فقط ، يخرج ما فيها ويصبه في الطريق ، فيجترفه السيل ، ويؤديه إلى القناة ! ~~وكان بين موضع بئره والصب قدر مائتي ذراع . فكان لمكان زيادة درهمين ، ~~يحتمل الانتظار شهرا أو شهرين ، وإن هو جرى في الطريق ، وأوذي به الناس ! ~~وقال : ونظر يوما إلى الكساحين ، وهو معنا جالس في رجال من قريش ، وهم ~~يخرجون ما في بالوعته ، ويرمون به في الطريق ، وسيل المثاعب يحتمله ، فقال ~~: أليس البط والجداء والدجاج والفراخ والدراج ، وخبز الشعير والصحناء ~~والكراث والجواف جميعا ، يصير إلى ما ترون ؟ فلم يغالي بشيء بصير هو ~~والرخيص في معنى واحد ؟ قال : وهم ثلاثة إخوة : أبو قطبة والطيل وبابي ، من ~~ولد عتاب بن أسيد - واحد منهم PageV02P029 كان يحج عن حمزة ، ويقول : ~~استشهد قبل أن يحج . والآخر كان يضحي عن أبي بكر وعمر ، ويقول : أخطأ السنة ~~في ترك الضحية . وكان الآخر يفطر ms079 عن عائشة أيام التشريق ، ويقول : غلطت - ~~رحمها الله - في صومها أيام العيد . فمن صام عن أبيه وأمه ، فأنا أفطر عن ~~عائشة . # حدثتني امرأة تعرف الأمور ، قالت : كان في الحي مأتم اجتمع فيه عجائز من ~~عجائز الحي . فلما رأين أن أهل المأتم قد أقمن المناحة ، اعتزلن وتحدثن . ~~فبينا هن في حديثهن ، إذ ذكرن بر الأبناء بالأمهات ، وإنفاقهم عليهن . ~~وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها ابنها . # فقالت واحدة منهن ، وأم فيلويه ساكتة - وكانت امرأة صالحة ، وابنها يظهر ~~النسك ، ويدين بالبخل ، وله حانوت في مقبرة بني حصين ، يبيع فيها الأسقاط . ~~- قالت : فأقبلت على أم فيلويه قلت لها : ما لك لا تحدثين معنا عن ابنك كما ~~يتحدثن ؟ وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه ؟ قالت : كان يجري علي في كل ~~أضحى درهما ! فقالت : PageV02P030 وقد قطعه أيضا ! قالت : ما كان يجري علي ~~إلا ذاك . ولقد ربما أدخل أضحى ! فقالت : فقلت : يا أم فيلويه ، وكيف يدخل ~~أضحى في أضحى ؟ قد يقول الناس : إن فلانا أدخل شهرا في شهر ، ويوما في يوم ~~. فأما أضحى في أضحى ، فهذا لا يشركه فيه أحد ! # | قصة تمام بن جعفر # كان تمام بن جعفر بخيلا على الطعام ، مفرط البخل . وكان يقبل على كل من ~~أكل خبزه بكل علة ، ويطالبه بكل طائلة ، وحتى ربما استخرج عليه أنه لابن ، ~~جلاد الدم . # وكان إن قال له نديم له : ما في الأرض أحد أمشي مني ، ولا على ظهرها أحد ~~أقوى على الحضر مني ! قال : وما يمنعك من ذلك ، وأنت تأكل أكل عشرة ؟ وهل ~~يحمل الرجل إلا البطن ؟ لا حمد الله من يحمدك ! فإن قال : لا والله إن أقدر ~~أن أمشي ، لأني أضعف الخلق عنه ، وإني لأنبهر من مشى PageV02P031 ثلاثين ~~خطوة ! قال : وكيف تمشي وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمالا ! وهل ينطلق ~~الناس إلا مع خفة الأكل ؟ وأي بطين بقدر على الحركة ؟ وإن الكظيظ ليعجز عن ~~الركوع والسجود ، فكيف بالمشي النكير ! فإن شكا ضرسه وقال : ما نمت البارحة ~~مع وجعه وضربانه ، قال : عجبت كيف اشتكيت واحدا ms080 ، وكيف لم تشتك الجميع ! ~~وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكة ! وأي ضرس يقوى على الدرس والطحن ! والله ~~إن الأرحاء السورية لتكل ، وإن الميجان الغليظ ليتعبه الدق ! ولقد استبطأت ~~لك هذه العلة ! ارفق ، فإن الرفق يمن ، ولا تخرق بنفسك ، فإن الخرق شؤم ! ~~وإن قال : لا والله ، إن اشتكيت ضرسا لي قط ، ولا تجلجل لي سن عن موضعه منذ ~~عرفت نفسي ، قال : يا مجنون ! لأن كثرة المضغ تشد العمور ، وتقوي الأسنان ، ~~وتدبغ PageV02P032 اللثة ، وتغدو أصولها . وإعفاء الأضراس من المضغ يريحها ~~. وإنما الفم جزء من الإنسان . وكما الإنسان نفسه إذا تحرك وعمل قوى ، وإذا ~~طال سكونه تفتخ واسترخى ، فكذلك الأضراس . ولكن رفقا ! فإن الإتعاب ينقص ~~القوة . ولكل شيء مقدار ونهاية . فهذا ضرسك لا تشتكيه ، بطنك أيضا لا ~~تشتكيه ؟ فإن قال : والله إن أروى من الماء . وما أظن أن في الدنيا أحدا ~~أشرب مني للماء ، قال : لابد للتراب من ماء ، ولابد للطين من ماء يبله ويرو ~~. أوليست الحاجة على قدر كثرته وقلته ؟ والله لو شربت ماء الفرات ما ~~استكثرته لك ، مع ما أرى من شدة أكلك ، وعظم لقمتك ! تدري ما قد تصنع ؟ أنت ~~والله تلعب ! أنت لست ترى نفسك ! فسل عنك من يصدقك ، حتى تعلم أن ماء دجلة ~~يقصر عما في جوفك ! فإن قال : ما شربت اليوم ماء البتة ، وما شربت أمس ~~بمقدار نصف رطل ، وما في الأرض إنسان أقل شربا مني للماء ، قال : لأنك لا ~~تدع لشرب الماء موضعا ! PageV02P033 ولأنك تكنز في جوفك كنزا لا يجد الماء ~~معه مدخلا ! والعجب لا تتخم ؛ لأن من لا يشرب الماء على الخوان لا يدري ~~مقدار ما أكل ، ومن جاوز مقدار الكفاية كان حريا بالتخمة . # فإن قال : ما أنام الليل كله ، وقد أهلكني الأرق ، قال : وتدعك الكظة ~~والنفخة والقرقرة أن تنام ؟ والله لو لم يكن إلا العطش الذي ينبه الناس لما ~~نمت . ومن شرب كثيرا بال كثيرا . ومن كان الليل كله بين شرب وبول كيف يأخذه ~~النوم ؟ فإن قال : ما هو إلا أن أضع رأسي ، فإنما ms081 أنا حجر ملقى إلى الصبح ، ~~قال : ذلك لأن الطعام يسكن ويخدر ويحير ، ويبل الدماغ ، ويبل العروق ، ~~ويسترخي عليه جميع البدن . ولو كان في الحق ، لكان ينبغي أن تنام الليل ~~والنهار ! فإن قال : أصبحت وأنا لا أشتهي شيئا ، قال : إياك أن تأكل قليلا ~~ولا كثيرا ؛ فإن أكل القليل على غير شهوة ، أضر من الكثير مع الشهوة . قال ~~الخوان : ويل لي ممن قال : لا أريد ! وبعد ، وكيف تشتهي الطعام اليوم ، ~~وأنت قد أكلت بالأمس طعام عشرة ! وكان كثيرا ما يقول لندمائه : إياكم ~~والأكل على الخمار ، فإن دواء الخمار الشراب . PageV02P034 # الخمار تخمة . والمتخم إذا أكل مات لا محالة . وإياكم والإكثار في عقب ~~الحجامة والفصد والحمام . وعليكم بالتخفيف في الصيف كله . واجتنبوا اللحم ~~خاصة . # وكان يقول : ليس يفسد الناس إلا الناس : هذا الذي يتكلم بالكلام البارد ، ~~وبالطرف المستنكرة ، لو لم يصب من يضحك له ، وبعض من يشكره ويتضاحك له - ~~أوليس هو عنده إلا أن يظهر العجب له ؟ - لما تكلف النوادر . ألا أهلك قول ~~الناس للأكول النهم ، وللرغيب الشره : فلان حسن الأكل ! هو الذي أهلكه ، ~~وزاد في رغبته ، حتى جعل ذلك صناعة ، وحتى ربما أكل - لمكان قولهم وتقريبهم ~~وتعجبهم - ما لا يطيقه فيقتل . فلا يزال قد هجم على قوم ، فأكل زادهم ، ~~وتركهم بلا زاد ! فلو قالوا بدل قولهم : فلان حسن الأكل : فلان أقبح الناس ~~أكلا ، كان ذلك صلاحا لفريقين . PageV02P035 # ولا يزال البخيل على الطعام قد دعا الرغيب البطن ، واتخذ له الطعام الطيب ~~، لفي عن نفسه المقالة ، وليكذب عن نفسه تلك الظنون . # ولو كان شدة الضرس يعد في المناقب ، ويمدح صاحبه في المجالس ، لكان ~~الأنبياء آكل الخلق ، ولخصهم الله - جل ذكره - من الرغب بما لم يعطه أحدا ~~من العالمين . وكيف ؟ وفي مأثور الحديث : ' إن المؤمن يأكل في معي واحد ، ~~وإن المنافق يأكل في سبعة أمعاء ' . # أولسنا قد نراهم يشتمون بالنهم ، وبالرغب ، وبكثرة الأكل ؛ ويمدحون ~~بالزهادة ، وبقلة الطعام ؟ أوليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من ~~أدله على الحسناء القتين ؟ وقد ساب رجل أيوب ابن سليمان ms082 بن عبد الملك ، ~~فقال في بعض ما يسبه : ماتت أمك بغرا ، وأبوك بشما ! PageV02P036 وبعد ، ~~فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه ، فقال : أنا ابن آكل العرب ؟ بل قد ~~رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يتمدحون بكثرة الشرب ، كما يتمدحون بقلة الرزق ~~. ولذلك قالت العرب : قال الشاعر : # تكفيه فلذة كبد إن ألم بها . . . من الشواء ويروي شربه الغمر # وقال : # لا يتأرى لما في القدر يطلبه . . . ولا تراه أمام القوم يقتفر # وقال : # لا يغمز الساق من أين ولا وصم . . . ولا يعض على شرسوفه الصفر # والصفر هي حيات البطون ، إنما تكون من الفضول والتخم ، ومن الفساد والبشم ~~. وشرب مرة نبيذ ، وغناه المغنى ، فشق قميصه من الطرب . فقال لمولى له له ~~يقال له المحلول ، وهو إلى جنبه : شق أيضا أنت - ويلك - قميصك ! - والمحلول ~~هذا من الآيات - PageV02P037 قال : لا والله ، لا أشقه ، وليس لي غيره . ~~قال : فشقه وأنا أكسوك غدا . قال : فأنا أشقه غدا . قال : أنا ما أصنع بشقك ~~له غدا ؟ قال : وأنا ما أرجو من شقه الساعة ؟ فلم أسمع بإنسان يقايس ويناظر ~~في الوقت الذي إنما يشق فيه القميص من غلبة الطرب ، غيره وغير مولاه محلول ~~. # دخل على الأعمى على يوسف بن كل خير ، وقد تغدى . فقال : يا جارية ، هاتي ~~لأبي الحسن غداء . قالت : لم يبق عندنا شيء . قال : هاتي - ويلك ! - ما كان ~~، فليس من أبي الحسن حشمة ! ولم يشك على أنه سيؤتي برغيف ملطخ ، وبرقاقة ~~ملطخة ، وبسكر ، وبقية مرق ، وبعرق ، وبفضلة شواء ، وببقايا ما يفضل في ~~الجامات والسكرجات . # فجاءت بطبق ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل ، لا شيء غيره . # فلما وضعوا الخوان بين يديه فأجال يده فيه ، وهو أعمى ، فلم يقع إلا على ~~ذلك الرغيف ، PageV02P038 وقد عل أن قوله : ليس منه حشمة لا يكون إلا مع ~~القليل . فلم يظن أن الأمربلغ ذلك . # فلما لم يجد غيره قال : ويلكم ! ولأكل هذا بمره رفعتم الحشمة كلها ؟ ~~والكلام لم يقع إلا على هذا ؟ حدثني محمد بن حسان الأسود ، قال : أخبرني ~~زكريا القطان ، قال : كان للغزال قطعة أرض ms083 قدام حانوتي ، فأكرى نصفها من ~~سماك يسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء . # قال : وكان الغزال أعجوبة في البخل . وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في ~~كمه . فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم . فإذا أعيا عليه الأمر ، أخذ من ساكنه ~~جوافة بحبة ، وأثبت عليها فلسا في حسابه ! فإذا أراد أن يتغدى أخذ الجوافة ~~فمسحها على وجه الرغيف ، ثم عض عليه ! وربما فتح بطن الجوافة ، فيطر جنبيها ~~وبطنها باللقمة بعد اللقمة ! فإذا خاف أن ينهكها ذلك ، وينضم PageV02P039 ~~بطنها ، طلب من ذلك السماك شيئا من ملح السمك ، فحشا جوفها لينفخها ، ~~وليوهم أن هذا هو ملحها الذي ملحت به ! ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أنفها ~~، وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته ! وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخر ~~لقمة ، ليطيب فمه بها ! ثم يضعها في ناحية . # فإذا اشترى من امرأة غزلا أدخل تلك الجوافة في ثمن الغزل ، من طريق إدخال ~~العروض ، وحسبها عليها بفلس ، فيسترجع رأس المال ، ويفضل الأدم . # وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع ، قال : كان ابن جذام الشيء يجلس إلي ~~. وكان ربما انصرف معي إلى المنزل ، فيتغذى معنا ، ويقيم إلى أن يبرد . # وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال . فألح علي في الاستزارة ، وصممت عليه ~~في الامتناع . فقال : جعلت فداك ! أنت تظن أني ممن يتكلف ، وأنت تشفق علي ! ~~لا والله ! إن هي إلا كسيرات يابسة وملح وماء الحب ! فظننت أنه يريد ~~اختلابي بتهوين PageV02P040 الأمر عليه . وقلت : إن هذا كقول الرجل : يا ~~غلام ، أطعمنا كسرة ، وأطعم السائل خمس تمرات . ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ ~~عليه . # وما أظن أن أحدا يدعو مثلي إلى الحربية من الباطنة ، ثم يأتيه بكسرات ~~وملح . # فلما صرت عنده وقربه إلي ، إذ وقف سائل بالباب ، فقال : أطعمونا مما ~~تأكلون ، أطعمكم الله من طعام الجنة ! قال : بورك فيك ! فأعاد الكلام ، ~~فأعاد عليه مثل ذلك القول . # فأعاد عليه السائل ، فقال : اذهب - ويلك ! - فقد ردوا عليك . فقال السائل ~~: سبحان الله ! ما رأيت كاليوم أحدا يرد من لقمة ، والطعام بين ms084 يديه ! قال ~~: اذهب - ويلك ! - وإلا خرجت إليك والله ، فدققت ساقيه ! فقلت للسائل : ~~اذهب وأرح نفسك ، فإنك لو تعرف من صدق وعبده مثل الذي أعرف ، لما وقفت طرفة ~~عين بعد رده إياك ! وكان أبو يعقوب الذقنان يقول : ما فاتني اللحم منذ ملكت ~~المال . # وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم ، واشترى بصلا بدانق ، ~~وباذنجانا بدانق ، PageV02P041 وقرعة بدانق . فإذا كان أيام الجزر فجزر ~~بدانق ! وطبخه كله سكباجا . فأكل وعياله يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر ، ~~وما ينقطع في القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم . ~~فإذا كان يوم السبت ثردوا خبزهم في المرق . فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل ~~. فإذا كان يوم الاثنين أكلوا الجزر . فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع . ~~فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان . فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم ~~. # فلهذا كان يقول : ما فاتني اللحم منذ ملكت المال ! قال أصحابنا : نزلنا ~~بناس من أهل الجزيرة ، وإذا هم في بلاد باردة ، وإذا حطبهم شر حطب ، وإذا ~~الأرض كلها غابة واحدة طرفاء . فقلنا : ما في الأرض أكرم من الطرفاء . ~~قالوا : هو كريم ، ومن كرمه نفر . فقلنا : وما الذي تفرون منه ؟ قالوا : ~~دخان الطرفاء يهضم الطعام ، وعيالنا كثير ! PageV02P042 وقد عاب ناس أهل ~~المازح والمديبر بأمور : منها أن خشكانهم من دقيق شعير ، وحشوه الذي فيه من ~~الجوز والسكر ، من دقيق خشكار . # وأهل المازج لا يعرفون بالبخل . ولكنهم أسوأ الناس حالا . فتقديرهم على ~~قدر عيشهم . وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر ، وبين ~~خصب البلاد وعيش أهل الجدب . فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق ~~، فليس سبيله سبيل القوم . # قال المكي : كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري . سمى بذلك لكثرة ماله . ~~وكان يقربني وأنا صبي إلى أن بلغت . ولم يهب لي مع ذلك التقريب شيئا قط . ~~وكان قد جاوز في ذلك حد البخلاء . # فدخلت عليه يوما ، وإذا قدامه قطع دار صيني لا تسوى قيراطا . فلما نال ~~حاجته منها ، مددت يدي لآخذ منها قطعة . فلما ms085 نظر إلي قبضت يدي ! فقال : لا ~~تنقبض PageV02P043 وانبسط واسترسل . وليحسن ظنك ، فإن حالك عندي على ما تحب ~~! فخذه كله ، فهو لك بزوبره وبحذافيره ! وهو لك جميعا ! نفسي بذلك سخية ! ~~والله أعلم أني مسرور بما وصل إليك من الخير ! فتركته بين يديه ، وقمت من ~~عنده ، وجعلت وجهي كما أنا إلى العراق ! فما رأيته وما رآني حتى مات . # وقال المكي : سمعني سليمان وأنا أنشد شعر امرئ القيس : # لنا غنم نسوقها غزار . . . كأن قرون جلتها العصي # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا . . . وحسبك من غنى شبع وروي # قال : لو كان الذي قال ليحيى بن خالد حين نقب في أبي قبيس ، وزاد في داره ~~: عمدت إلى شيخ الجبال فزعزعته ، وثلمت فيه . PageV02P044 # وقال حين عوتب في قلة الضحك ، وشدة القطوب : إن الذي يمنعني من الضحك أن ~~الإنسان أقرب ما يكون من البذل ، إذا ضحك ، وطابت نفسه ! صحبني محفوظ ~~النقاش من مسجد الجامع ليلا . فلما صرت قرب منزله - وكان منزله أقرب إلى ~~مسجد الجامع من منزلي - سألني أن أبيت عنده . وقال : أين تذهب في هذا المطر ~~والبرد ، ومنزلي منزلك ، وأنت في ظلمة ، وليس معك نار ؟ وعندي لبا لم ير ~~الناس مثله ، وتمر ناهيك به جودة ، لا تصلح إلا له ! فملت معه ، فأبطأ ساعة ~~. ثم جاءني بجام لبإ وطبق تمر . # فلما مددت قال : يا أبا عثمان ، إنه لبإ وغلظه ! وهو الليل وركوده ! ثم ~~ليلة مطر ورطوبة ، وأنت رجل قد طعنت في السن . ولم تزل تشكو من الفالج طرفا ~~. وما زال الغليل يسرع إليك . وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء ! PageV02P045 ~~فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ ، كنت لا آكلا ولا تاركا ؛ وحرشت طباعك . ثم قطعت ~~الأكل أشهى ما كان إليك . وإن بالغت ، بتنا في ليلة سوء من الاهتمام بأمرك ~~، ولم نعد لك نبيذا ولا عسلا . # وإنما قلت هذا الكلام لئلا تقول غدا : كان وكان ! والله وقد وقعت بين ~~نابي أسد ! لأني لو لم أجئك به وقد ذكرته لك ، قلت : بخل به ، وبدا له فيه ~~. وإن جئت به ولم أحذرك منه ، ولم ms086 أذكرك كل ما عليك فيه ، قلت : لم يشفق ~~علي ولم ينصح . فقد برئت إليك من الأمرين جميعا . وإن شئت فأكلة وموتة ! ~~وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على سلامة ! فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة . ~~ولقد أكلته جميعا ، فما هضمه إلا الضحك والنشاط والسرور ، فيما أظن . ولو ~~كان معي من يفهم طيب ما تكلم به ، لأتى على الضحك ، أو لقضى علي . ولكن ضحك ~~من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب . PageV02P046 # وقال أبو القماقم : أول الإصلاح ألا يرد ما صار في يدي لك ؛ فإن كان ما ~~صار في يدي لي فهو لي ، وإن لم يكن لي فأنا أحق به ممن صيره في يدي ! ومن ~~أخرج من يده شيئا إلى يد غيره من غير ضرورة ، فقد أباحه لمن صيره إليه ! ~~وتعريفك إياه مثل إباحته . # وقالت له امرأة : ويحك يا أبا القماقم ! إني قد تزوجت زوجا نهاريا ، ~~والساعة وقته . وليست على هيئته . فاشتر لي بهذا الرغيف أسا ، وبهذا الفلس ~~دهنا ، فإنك تؤجر ! فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه ، فيرزقني على يدك ~~شيئا أعيش به ، فقد والله ساءت حالي ، وبلغ المجهود مني - فأخذهما ، وجعله ~~وجهه ! فرأته بعد أيام فقالت : سبحان الله ! أما رحمتني مما صنعت بي ! قال ~~: ويحك ! سقط والله مني الفلس ، فمن الغم أكلت الرغيف ! وتعشق واحدة ، فلم ~~يزل يتبعها ويبكي بين يديها ، حتى رحمته . وكانت مكثرة ، وكان مقلا . ~~فاستهداها هريسة ، وقال : أنتم أحذق بها ! فلما كان بعد أيام تشهى عليها ~~رءوسا . فلما كان PageV02P047 بعد قليل ، طلب منها حيسة . فلما كان بعد ذلك ~~، تشهى عليها طفيشلية . قالت المرأة : رأيت عشق الناس يكون في القلب وفي ~~الكبد وفي الأحشاء . وعشقك أنت ليس يجاوز معدتك ! وقال أبو الأصبغ : ألح ~~أبو القماقم على قوم عند الخطبة إليهم ، يسأل عن مال امرأة ويحصيه ، ويسأل ~~عنه . فقالوا : قد أخبرناك بما لها ، فأنت أي شيء مالك ؟ قال : وما سؤالكم ~~عن مالي ؟ الذي لها يكفيني ويكفيها ! سمعت شيخا من مشايخ الأبلة يزعم أن ~~فقراء أهل البصرة ، أفضل من ms087 فقراء أهل الأبلة . قلت : بأي شيء فضلتم ؟ قال ~~: هم أشد تعظيما للأغنياء ، وأعرف بالواجب . # ووقع بين رجلين أبليين كلام ، فأسمع أحدهما صاحبه كلاما غليظا ، فرد عليه ~~مثل كلامه . فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكارا شديدا ، ولم أر لذلك سببا . فقلت ~~: لم أنكرتم أن يقول له مثل ما قال ؟ قالوا : لأنه أكثر منه مالا . وإذا ~~جوزنا هذا له ، جوزنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا ، ففي هذا الفساد كله ! ~~وقال حمدان بن صباح : كيف صار رياح يسمعني ولا أسمعه ؟ أفهو أكثر مالا مني ~~؟ ثم سكت . PageV02P048 # قال : ويكون الزائر من أهل البصرة عند الأبلى مقيما مطمئنا . فإذا جاء ~~المد قالوا : ما رأينا مدا قط ارتفع ارتفاعه . وما أطيب السير في المد ! ~~والسير في المد إلى البصرة ، أطيب من السير في الجزر إلى الأبلة ! فلا ~~يزالون به حتى أن من الرأي أن يغتنم ذلك المد بعينه ! كان أحمد الخاركي ~~بخيلا ، وكان نفاجا . وهذا أغيظ ما يكون . وكان يتخذ لكل جبة أربعة أزرار ، ~~ليرى الناس أن عليه جبتين ، ويشتري الأعذاق والعراجين والسعف من الكلاء ؛ ~~فإذا جاء الحمال إلى بابه تركه ساعة ، يوهم الناس أن له من الأرضين ما ~~يحتمل أن يكون ذلك كله منها . # وكان يكتري قدور الخمارين التي تكون للنبيذ ، ثم يتحرى أعظمها ، ويهرب من ~~الحمالين بالكراء ؛ كي يصيحوا بالباب : يشترون الداذي والسكر ، ويحبسون ~~الحمالين بالكراء ! وليس في منزله رطل دبس ! PageV02P049 وسمع قول الشاعر : # رأيت الخبز عز لديك حتى . . . حسبت الخبز في جو السحاب # وما روحتنا عنا . . . ولكن خفت مرزئة الذباب # فقال : ولم ذب عنهم ؟ لعنه الله ! ما أعلم إلا أنه شهى إليهم الطعام ، ~~ونظف لهم القصاع ، وفرغهم له ، وسخرهم عليه ! ثم ألا تركها تقع في قصاعهم ، ~~وتسقط على آنافهم وعيونهم ! هو والله أهل لما هو أعظم من هذا ! كم ترون من ~~مرة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة ، حتى ~~يتقزز بعضهم ، ويكفي الله شره ! قال : وأما قوله : رأيت الخبز عز لديك حتى ~~قال : فإن لم أعز هذا الشيء الذي هو قوام ms088 أهل الأرض ، وأصل الأقوات ، وأمير ~~الأغذية ، فأي شيء أعز ؟ إي والله ، إني أعزه وأعزه وأعزه وأعزه ، مدى ~~النفس ، ما حملت عيني الماء . # وبلغ من نفجه مع ذلك ، ما أخبرني به إبراهيم بن هانئ ، قال : كنت عنده ~~يوما إذ مر به بعض الباعة ، فصاح الخوخ الخوخ ! فقلت : وقد جاء الخوخ بعد ؟ ~~قال : نعم ، قد جاء وقد أكثرنا منه . فدعاني الغيظ عليه إلى أن دعوت البياع ~~، وأقبلت على ابن الخاركي ، فقلت : ويحك ! نحن لم نسمع به بعد ، وأنت قد ~~أكثرت منه ! وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك ! PageV02P050 ثم أقبلت على ~~البياع فقلت : كيف تبيع الخوخ ؟ فقال : ستة بدرهم ، قلت : أنت ممن يشتري ست ~~خوخات بدرهم ، وأنت تعلم أنه بياع بعد أيام مائتين بدرهم ؟ ثم تقول : وقد ~~أكثرنا منه ، وهذا يقول : ستة بدرهم ؟ قال : وأي شيء أرخص من ستة أشياء ~~بشيء ؟ كان غلام صالح بن عفان يطلب منه لبيت الحمار بالليل . فكان يعطيه كل ~~ليلة ثلاثة أفلس - والفلوس أربعة طسوج - ويقول : طسوج يفضل وحبة تنقص ، ~~وبينهما يرمي الرامي ! وكان يقول لابنه : تعطي صاحب الحمام وصاحب المعبر ~~لكل واحد منهما طسوجا ، وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردك ؟ قال ~~أبو كعب : دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في شهر رمضان . ~~وكنت فيهم . فلما صلينا المغرب ، ونجز ابن جناح ، أقبل علينا ثم قال : لا ~~تعجلوا ، فإن العجلة من الشيطان . وكيف لا تعجلون وقد قال الله جل ذكره : ~~وكان الإنسان عجولا ، وقال : خلق الإنسان من عجل ؟ - اسمعوا ما أقول ، فإن ~~فيما أقول حسن المؤاكلة ، والبعد من الأثرة ، PageV02P051 والعاقبة الرشيدة ~~، والسيرة المحمودة . وإذا مد أحدكم يده إلى الماء فاستسقى - وقد أتيتم ~~ببهطة ، أو بجوذابة ، أو بعصيدة ، أو ببعض ما يجري في الحلق ولا يساغ ~~بالماء ، ولا يحتاج فيه إلى مضغ ، وهو طعام يد لا طعام يدين ، وليست على ~~أهل اليد منه مؤنة ، وهو مما يذهب سريعا - فأمسكوا ، حتى يفرغ صاحبكم ؛ ~~فإنكم تجمعون عليه خصالا : منها ، أنكم تنغصون عليه بتلك السرعة ، إذا ms089 علم ~~أنه لا يفرغ إلا مع فراغكم . ومنها ، أنكم تخنقونه ولا يجد بدا من مكافأتكم ~~؛ فلعله أن يتسرع إلى لقمة حارة فيموت وأنتم ترونه . وأدنى ذلك أن تبعثوه ~~على الحرص ، وعلى عظم اللقم . ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له : لم تبدأ ~~بأكل اللحم الذي فوق الثريد ؟ قال : لأن اللحم ظاعن ، والثريد مقيم ! وأنا ~~وإن كان الطعام فإني كذلك أفعل . فإذا رأيتم فعلي مخالف قولي ، فلا طاعة لي ~~عليكم . # قال أبو كعب : فربما نسي بعضنا ، فمد يده إلى القصعة ، وقد مد يده صاحبه ~~إلى الماء ، فيقول له موسى : يدك يا ناسي ! ولولا شيء لقلت لك : يا متغافل ~~! PageV02P052 قال : وأتانا بارزة . ولو شاء إنسان أن يعد حبها لعده ، ~~لتفرقه ولقلته . قال : فنثروا عليها ليلة من ذلك مقدار نصف سكرة . فوقعت ~~ليلتئذ في قطعة ، وكنت إلى جنبه ، فسمع صوتها حين مضغتها ، فضرب يده على ~~جنبي ، ثم قال : اجرش يا أبا كعب اجرش ! قلت : ويلك ! أما تتقي الله ! كيف ~~أجرش جزءا لا يتجزأ ؟ . # | قصة ابن العقدى # كان ابن العقدى ربما استزار أصحابه إلى البستان . وكنت لا أظنه ممن يحتمل ~~قلبه ذلك على حال . فسألت ذات يوم بعض زواره ، فقلت : احك لي أمرك . قال : ~~وتستر علي ؟ قلت : نعم ، ما دمت بالبصرة . # قال : يشتري لنا أرزا بقشره ، ويحمله معه ، ليس معه شيء مما خلق الله إلا ~~ذلك الأرز ! فإذا صرنا إلى أرضه ، كلف أكاره أن يجشه في مجشة له ، ثم ذراه ~~، ثم غربله ، ثم جش الواش منه . فإذا فرغ من الشراء والحمل ، ثم من الجش ، ~~ثم من التذرية ، ثم من الإدارة والغربلة ، ثم من جش الواش ، ثم من تذريته ، ~~ثم من إدارته وغربلته ، كلف PageV02P053 الأكار أن يطحنه على ثوره وفي رحاه ~~. فإذا طحنه ، كلفه أن يغلي له الماء ، وأن يحتطب له . ثم يكلفه العجن ؛ ~~لأنه بالماء الحار أكثر نزلا . ثم كلف الأكار أن يخبزه . # وقبل ذلك ما قد كلفهم أن ينصبوا له الشصوص للسمك ، ويسكروا الدرياجة على ~~صغار السمك ، لا يدخلوا في السواقي ، فيدخلوا أيديهم ms090 في حجرة الشلابي ~~والرمان . فإن أصبنا من السمك شيئا جعله كبابا على نار الخبز تحت الطابق ، ~~حتى لا يحتاج من الحطب إلى كثير . # فلا نزال منذ غدوة إلى الليل في كد وجوع وانتظار . ثم لا يكون عشاؤنا إلا ~~خبز أرز أسود غير منخول - بالشلابي . ولو قدر على غير ذلك فعل . # قلت له : فلم لا يتخذ موضع مذار من بعض دقاق أرضه ، فيذري لكم الأرز ؟ ثم ~~يكون الخيار في يده ، إن أراد أن يعجل عليكم الطعام أطعمكم الفرد ، أو إن ~~أحب أن يتأنى ليطعمكم الجوهري . PageV02P054 # قال : والله لئن سمع هذا وعرفه ليتكلفه . الله الله فينا ، فإنا قوم ~~مساكين ! ولو قدرنا على شيء لم نحتمل هذا البلاء ! حدثني المكي قال : بت ~~عند إسماعيل بن غزوان . وإنما بيتني عنده حين علم أني تعشيت عند مويس ، ~~وحملت معي قربة نبيذ . فلما مضى من الليل أكثره ، وركبني النوم ، جعلت ~~فراشي البساط ، ومرفقتي يدي ، وليس في البيت إلا مصلى له ومرفقة ومخدة . ~~فأخذ المخدة فرمى بها إلي ، فأبيتها ورددتها عليه . وأبى وأبيت . فقال : ~~سبحان الله ! يكون أن تتوسد مرفقك ، وعندي فضل مخدة ؟ فأخذتها فوضعتها تحت ~~خدي ، فمنعني من النوم إنكاري للموضع ، ويبس فراشي . # وظن أني قد نمت . فجاء قليلا قليلا ، حتى سل المخدة من تحت رأسي . فلما ~~رأيته قد مضى بها ضحكت ، وقلت : قد كنت عن هذا غنيا ! قال : إنما جئت لأسوي ~~رأسك ! قلت : إني لم أكلمك حتى وليت بها . قال : كنت لهذا جئت ، فلما صارت ~~المخدة في يدي نسيت ما جئت له ! والنبيذ - ما علمت - والله يذهب بالحفظ ~~أجمع ! وحدثني الحزامي والمكي والعروضي ، قالوا : سمعنا إسماعيل يقول : ~~أوليس قد أجمعوا على أن البخلاء في الجملة ، أعقل من الأسخياء في الجملة ؟ ~~ها نحن أولاء عندك جماعة ، فينا من PageV02P055 يزعم أنه سخي ، وفينا من ~~يزعم أنه بخيل . فانظر أي الفريقين أعقل ؟ هأنذا وسهل بن هارون وخاقان بن ~~صبيح وجعفر بن سعيد والحزامي والعروضي وأبو يعقوب الخريمي ، فهل معك إلا ~~أبو إسحاق ؟ وحدثني المكي ، قال : قلت لإسماعيل مرة ms091 : لم أر أحدا قط أنفق ~~على الناس من ماله ، فلما احتاج إليهم آسوه . قال : لو كان ما يصنعون لله ~~رضا ، وللحق موافقا ، لما جمع الله لهم الغدر واللؤم من أقطار الأرض . ولو ~~كان هذا الإنفاق في حقه لما ابتلاهم الله - جل ذكره - من جميع خلقه . # حدثني تمام بن أبي نعيم ، قال : كان لنا جار وكان له عرس . فجعل طعامه ~~كله فالوذقا . # فقيل له : إن المؤنة تعظم ، قال : أحتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة ، لعن ~~الله النساء ! ما أشك أن من أطاعهن شر منهن . PageV02P056 # وحديث سمعناه على وجه الدهر : زعموا أن رجلا قد بلغ في البخل غايته ، ~~وصار إماما ، وأنه كان إذا صار في يده الدرهم ، خاطبه وناجاه ، وفداه ~~واستنبطه . # وكان مما يقول له : كم من أرض قد قطعت ! وكم من كيس قد فارقت ! وكم من ~~خامل رفعت ! ومن رفيع قد أخملت ! لك عندي ألا تعرى ولا تضحي ! - ثم يلقيه ~~في كيسه ، ويقول له : اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا تزعج ~~منه ! - وأنه لم يدخل فيه درهما قط فأخرجه ، وأن أهله ألحوا عليه في شهوة ، ~~وأكثروا عليه في إنفاق درهم ، فدافعهم ، ما أمكن ذلك . ثم حمل درهما فقط . ~~فبينا هو ذاهب إذ رأى حواء قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه . فقال في ~~نفسه : أتلف شيئا تبذل فيه النفس ، بأكلة أو شربة ؟ والله ما هذا إلا موعظة ~~لي من الله ! فرجع إلى أهله ، ورد الدرهم إلى كيسه - فكان أهله منه في بلاء ~~. وكانوا يتمون موته والخلاص بالموت أو الحياة . PageV02P057 فلما مات ~~وظنوا أنهم قد استراحوا منه ، قدم ابنه فاستولى على ماله وداره . ثم قال : ~~ما كان أدم أبى ؟ فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام . قالوا : كان يأتدم ~~بجبنة عنده . قال : أرونيها . فإذا فيها حز كالجدول ، من أثر مسح اللقمة ! ~~قال : ما هذه الحفرة ؟ قالوا : كان لا يقطع الجبن ، وإنما كان يمسح على ~~ظهره فيحفر ، كما ترى ! قال : فبهذا أهلكني ، وبهذا أقعدني هذا المقعد ! لو ~~علمت ذلك ms092 ما صليت عليه ! قالوا : فأنت كيف تريد أن تصنع ؟ قال : أضعها من ~~بعيد ، فأشير إليها باللقمة ! ولا يعجبني هذا الحرف الأخير ؛ لأن الإفراط ~~لا غاية له . وإنما نحكي ما كان في الناس ، وما يجوز أن يكون فيهم ، أو حجة ~~أو طريقة . فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره . وأما سائر حديث هذا الرجل ~~فإنه من البابة . # قال ابن جهانة الثقفية : عجبت ممن يمنع النبيذ طالبه ؛ لأن النبيذ إنما ~~يطلب ليوم فصد ، أو يوم حجامة ، أو يوم زيارة زائر ، أو يوم أكل سمك طري ، ~~أو يوم شربة دواء . ولم نر أحدا طلبه وعنده نبيذ ، ولا ليدخره ويحتكره ، ~~ولا لبيعه ويعتقد منه . وهو شيء يحسن طلبه ، وتحسن PageV02P058 هبته ، ~~ويحسن موقعه . وهو في الأصل كثير رخيص ، فما وجه منعه ؟ ، ما يمنعه عندي ~~إلا من لاحظ له في أخلاق الكرام ! وعلى أني لست أوجل - بما أهب منه - على ~~نبيذي النقصان ؛ لأني إذا احتجت عن ندمائي بقدر ما أخرجت من نبيذي ، رجع ~~إلى نبيذي على حاله ، وكنت قد تحمدت بما لا يضرني ؛ فمن ترك التحمد بما لا ~~يضره ، كان من التحمد بما يضره أبعد . # فذكر ابن جهانة ماله من الكرم بهبة نبيذه ، ولم يذكر ما عليه من اللؤم ~~بحجب ندمائه . # قال الأصمعي أو غيره : حمل بعض الناس مدينيا على برذون ، فأقامه على ~~الارى . فانتبه من نومه ، فوجده يعتلف . ثم نام فانتبه ، فوجده يعتلف . ~~فصاح بغلامه : يا بن أم ! بعه ، وإلا فهبه ، وإلا فرده ، وإلا فاذبحه ! ~~أنام ولا ينام ! يذهب بحر مالي ! ما أراد إلا استئصالي ! قال أبو الحسن ~~المدائني : كان بالمدائن تمار ، وكان بخيلا . وكان غلامه إذا دخل الحانوت ~~يحتال ؛ فربما احتبس . فاتهمه بأكل التمر ، فسأله يوما فأنكر . فدعا بقطنة ~~بيضاء ، ثم قال : امضغها . فمضغها . فلما أخرجها وجد فيها حلاوة وصفرة ، ~~قال : هذا دأبك كل يوم وأنا لا أعلم ! أخرج من داري ! PageV02P059 وكان ~~عندنا رجل من بني أسد ، إذا صعد ابن الأكار إلى نخلة له ليلقط له رطبا ، ~~ملأ فاه ماء . فسخروا به ، وقالوا له ms093 : إنه يشربه ، ويأكل شيئا على النخلة ~~. فإذا أراد أن ينزل بآل في يده ، ثم أمسكه في فيه ! والرطب أهون على أولاد ~~الأكرة ، وعلى أولاد غير الأكرة ، من أن يحتمل فيه أحد شطر هذا المكروه ولا ~~بعضه . قال : فكان بعدها يملأ فاه من ماء أصفر أو أحمر أو أخضر ، لكي لا ~~يقدر على مثله في رءوس النخل ! وحدثني المصري ، وكان جار الداردريشي ، ~~وماله لا يحصى . قال : فانتهر سائلا ذات يوم وأنا عنده . ثم وقف عليه آخر ~~فانتهره ، إلا أن ذلك بغيظ وحنق . قال : فأقبلت عليه فقلت له : ما أبغض ~~إليك السؤال ! قال : أجل ، عامة من ترى منهم أيسر مني . قال : فقلت : ما ~~أظنك أبغضتهم لهذا . قال : كل هؤلاء لو قدروا على داري لهدموها ، وعلى ~~حياتي لنزعوها ! أنا لو طاوعتهم فأعطيتهم كما سألوني كنت قد صرت مثلهم منذ ~~زمان ! فكيف تظن بغضي يكون لمن أرادني على هذا ؟ PageV02P060 وكان أخوه ~~شريكه في كل شيء . وكان في البخل مثله . فوضع أخوه في يوم جمعة بين أيدينا ~~، ونحن على بابه ، طبق رطب يساوي بالبصرة دانقين . فينا نحن نأكل إذ جاء ~~أخوه ، فلم يسلم ولم يتكلم ، حتى دخل الدار . فأنكرنا ذلك . وكان يفرط في ~~إظهار البشر ، ويجعل البشر وقاية دون ماله . وكان يعلم أنه إن جمع بين ~~المنع والكبر قتل . # قال : ولم نعرف علته ، ولم يعرفها أخوه . فلما كان الجمعة الأخرى ، دعا ~~أيضا أخوه بطبق رطب . فبينا نحن نأكل ، إذ خرج من الدار ولم يسلم ولم يقف . ~~فأنكرنا ذلك ، ولم ندر أيضا ما قصته . فلما أن كان في الجمعة الثالثة ، ~~ورأى مثل ذلك ، كتب إلى أخيه : يا أخي ! كانت الشركة بيني وبينك حين لم ~~يكثر الولد ، ومع الكثرة يقع الاختلاف . # ولست آمن أن يخرج ولدي وولدك إلى مكروه . وها هنا أموال باسمي ولك شطرها ~~، وأموال باسمك ولي شطرها ، وصامت في منزلي ، وصامت في منزلك ، لا نعرف فضل ~~بعض ذلك على بعض . وإن طرقنا أمر الله ، ما ركدت الحرب بين هؤلاء الفتية ، ~~وطال الصخب بين هؤلاء النسوة ms094 . فالرأي أن تتقدم اليوم فيما يحسم منهم هذا ~~السبب . # فلما قرأ أخوه كتابه تعاظمه ذلك وهاله ، وقلب الرأي ظهرا لبطن ، فلم يزده ~~التقليب إلا جهلا . فجمع ولده وغلظ عليهم ، وقال : عسى أن يكون أحد منكم قد ~~أخطأ بكلمة واحدة ، أو يكون هذا البلاء من جرائر النساء . PageV02P061 # فلما عرف براءة ساحة القوم ، تمشى إليه حافيا راجلا ، فقال : ما يدعوك ~~إلى القسمة والتمييز ؟ أدع صلحاء أهل المسجد الساعة ، حتى أشهدهم بأني وكيل ~~لك في هذه الضياع ، وحول كل شيء في منزلي إلى منزلك ، وجرب ذلك مني الساعة ~~. فإن وجدتني أروغ وأعتل فدونك - فحاجتي الآن أن تخبرني بذنبي . قال : مالك ~~من ذنب ، وما من القسمة من بد . فأقام عنده يناشده إلى نصف النهار . ثم ~~أقام يومه ذلك إلى نصف الليل يناشده ، ويطلب إليه . # فلما طال عليه الأمر ، وبلغ منه الجهد ، قال له : حدثني عن وضعك أطباق ~~الرطب ، وبسطك الحصر في السكك ، وإحضارك الماء البارد ، وجمعك الناس على ~~بابي في كل جمعة ! كأنك ظننت أنا كنا عن هذه المكرمة عميا ! إنك إذا ~~أطعمتهم اليم البرني ، أطعمتهم غدا السكر ، وبعد غد الهلبات . ثم يصير ذلك ~~أيام الجمع ، في سائر أيام الأسبوع . ثم يتحول الرطب إلى الغداء ، ثم يؤدي ~~الغداء إلى العشاء . ثم تصير إلى الكساء ، ثم الأجداء ، PageV02P062 ثم ~~الحملان ، ثم اصطناع الصنائع ! والله إني لأرثي لبيوت الأموال لخراج ~~المملكة من هذا ، فكيف بمال تاجر جمعه من الحبات والقراريط والدوانيق ، ~~والأرباع والأنصاف ؟ قال : جعلت فداك ! تريد ألا آكل رطبة أبدا ، فضلا على ~~غير ذلك ؟ فلا والله لا كلمتهم أبدا ! قال : إياك أن تخطئ مرتين : مرة في ~~إطماعهم فيك ، ومرة في اكتساب عداوتهم . أخرج من هذا الأمر على حساب ما ~~دخلت فيه ، وتسلم تسلم . # كان أبو الهذيل أهدى إلى مويس دجاجة . وكانت دجاجته التي أهداها دون ما ~~كان يتخذ لمويس . ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجب من سمنها وطيب لحمها ~~. وكان يعرف بالإمساك الشديد . فقال : وكيف رأيت يا أبا عمران تلك الدجاجة ~~؟ قال : كانت عجبا من العجب ms095 ! فيقول : وتدري ما جنسها ؟ وتدري ما سنها ؟ ~~فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسن . وتدري بأي شيء كنا نسمنها . - فلا ~~يزال في هذا ، والآخر يضحك ضحكا نعرفه نحن ، ولا يعرفه أبو الهذيل . وكان ~~أبو الهذيل أسلم الناس صدرا ، وأوسعهم خلقا ، وأسهلهمسهولة . فإن ذكروا ~~دجاجة ، قال : أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة ؟ فإن ذكروا بطة أو ~~عناقا أو جزورا PageV02P063 أو بقرة ، قال : فأين كانت هذه الجزور في الجزر ~~، من تلك الدجاجة في الدجاج ؟ وإن استسمن أبو الهذيل شيئا من الطير ~~والبهائم ، قال : لا والله ، ولا تلك الدجاجة ! وإن ذكروا عذوبة الشحم ، ~~قال : عذوبة الشحم في البقر والبط وبطون السمك والدجاج ، ولا سيما ذلك ~~الجنس من الدجاج . وإن ذكروا ميلاد شيء أو قدوم إنسان ، قال : كان ذلك بعد ~~أن أهديتها لك بسنة ؛ وما كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة إلا ~~يوم . # وكانت مثلا في كل شيء ، وتاريخا في كل شيء ! وأقبل مرة على محمد بن الجهم ~~، وأنا وأصحابنا عنده ، فقال : إني رجل منخرق الكفين ، لا أليق شيئا . ويدي ~~هذه صناع في الكسب ، ولكنها في الإنفاق خرقاء ! كم تظن من مائة ألف درهم ~~قسمتها على الإخوان في مجلس ؟ أبو عثمان يعلم ذلك ! أسألك بالله يا أبا ~~عثمان هل تعلم ذلك ؟ فقلت : يا أبا الهذيل ، ما نشك فيما تقول - فلم يرض ~~باحتضاري هذا الكلام حتى استشهدني ، ولم يرض باستشهادي حتى استحلفني . # وكان أبو سعيد المدائني إماما في البخل عندنا بالبصرة . وكان من كبار ~~المغتنين ومياسيرهم . # وكان شديد العقل ، شديد العارضة ، حاضر الحجة ، بعيد الروية . ~~PageV02P064 # وكنت أتعجب من تفسير أصحابنا لقول العرب في لؤم اللئيم الراضع : قال ~~أصحابنا : كل لئيم بخيل ، وليس كل بخيل لئيما ، لأن اسم اللئيم يقع على ~~البخل ، وعلى قلة الشكر ، وعلى مهانة النفس ، وعلى أن له في ذلك عرفا ~~متقدما . # قال أبو زيد : هو لئيم وملائم . فاللئيم ما فسرت ، والملام الذي يقوم ~~بعذر اللئيم . فأما اللئيم الراضع ، فالذي لا يحلب في الإناء ، ويرضع الخلف ~~، مخافة أن يضيع من ms096 اللبن شيء . # قال ثوب بن شحمة العنبري في امرأته الهمدانية : # وحديث لا مجة التي حدثتني . . . تدع الإناء تشربا للقادم # القادمان : الخلفان المقدمان . # فلما بلغه ذلك عنها طلقها . فلما طلقها قيل له : إن البخل إنما يعيب ~~الرجال ، ومتى سمعت بامرأة هجيت في البخل ؟ قال : ليس ذلك بي . أخاف أن تلد ~~لي مثلها . # قال رافع بن هريم : # . . . . . . . . . تحلب قاعدا . . . وتلمج أحيانا وقبعك حاضر PageV02P065 # يدعوا الله أن يجعله صاحب شاء ، ولا يجعله صاحب إبل ، وأن يرتضع من الخلف ~~، وإن كان معه إناء . والعربي يماري على صاحبه فيقول : إن كنت كاذبا ، ~~فاحتلبت قاعدا : أي أبدلك الله بكرم الإبل لؤم الغنم . # فكيف يتعجب من لؤم الراضع ، وصنع أبو سعيد المدائني أعظم من ذلك ؟ اصطبغ ~~من دون خل ، وهو قائم حتى فني ، ولم يخرج منه قليلا ولا كثيرا . # وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب الغنية والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح . ~~فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الحربية في كل يوم ، ليقتضي رجلا هناك خمسة دراهم ~~فضلت عليه ، وقالوا : هذا خطأ عظيم ، وتضييع كثير . وإنما الحزم أن يتشدد ~~في غير تضييع . وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه بضروب من البلاء . # فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ له ، والاستفادة منه . قالوا : نراك تصنع ~~شيئا لا نعرفه ، والخطأ منك أعظم منه من غيرك . قد أشكل علينا هذا الأمر ، ~~فأخبرنا عنه ؛ فقد ضاقت صدورنا به : خبرنا عن مضيك إلى الحربية ، لتقتضي ~~خمسة دراهم فواحدة : PageV02P066 أنا لا نأمن عليك انتقاض بدنك ، وقد خلا ~~ما خلا من سنك ، وأن تعتل ، فتدع التقاضي الكثير بسبب القليل . وثانية : ~~أنك إن تنصب هذا النصب ، فلا بد لك من أن تزداد في العشاء إن كنت ممن يتعشى ~~، أو تتعشى إن كنت ممن لا يتعشى . وهذا إذا اجتمع كان أكثر من خمسة دراهم . # وبعد ، فإنك تحتاج أن تشق وسط السوق وعليك ثيابك ، والحمولة تستقبلك . ~~فمن هاهنا نترة ، ومن هاهنا جذبة ؛ فإذا الثوب قد أودى . ومن ذلك أن نعلك ~~تنقب وترق ، وساق سراويلك تتسخ وتبلى ، ولعلك أن تعثر في نعلك فتقدها ms097 قدا ، ~~ولعلك أن تهرتها هرتا . # وبعد ، فاقتضاء القليل أدلى بك إلى هذا لو بلغت منه شيئا . وإنك أفضل ؛ ~~إلا أنا نحب أنك تجاى عن الأمر بشيء ؛ فليس كلنا يثق لك بالصواب في كل شيء ~~. قال أبو سعيد : أما ما ذكرتم من انتفاض البدن ، فإن الذي أخاف على بدني ~~من الدعة ومن قلة الحركة أكثر . وما رأيت أصح أبدانا من الحمالين والطوافين ~~. والقوم قبلى إن يموتوا ، لم يكن لهم تلك عادة . أو ليس يقول الناس : ~~والله لفلان أصح من الجلاوزة ؟ - يعني اختلاف PageV02P067 الجلاوزة في ~~العدو - . ولربما أقمت في المنزل لبعض الأمر ، فأكثر الصعود والنزول ، خوفا ~~من قلة الحركة . # وأما التشاغل بالبعيد عن القريب ، فإني لا أعرض للبعيد ، حتى أفرغ من ~~القريب . # وأما ما ذكرتم من الزيادة في الطعام ، فقد أيقنت نفسي ، واطمأن قلبي ، ~~على أنه ليس لنفسي عندي إلا ما لها ، وأنها إن حاسبتني أيام النصب ، ~~حاسبتها أيام الراحة ؛ فستعلم حينئذ أين أيام الحربية من أيام ثقيف ؟ وأما ~~ما ذكرتم من تلقى الحمولة ، ومن مزاحمة أهل السوق ، ومن النتر والجذب ، ~~فأنا أقطع عرض السوق من قبل أن يقوم أهل السوق لصلاتهم . ثم يكون رجوعي على ~~ظهر السوق . # وأما ما ذكرتم من شأن النعل والسراويل ، فإني من لدن خروجي من منزلي ، ~~إلى أن أقرب من باب صاحبي ، فإنما نعلي في يدي وسروايلي في كمي ! فإذا صرت ~~إليه لبستهما ! فإذا فصلت من عنده خلعتهما ! فهما في ذلك اليوم أودع أبدانا ~~، وأحسن حالا ! بقي الآن لكم مما ذكرتم شيء ؟ قالوا : لا . قال : فها هنا ~~واحدة تفي بجميع ما ذكرتم . قالوا : وما هي ؟ إذا علم القريب الدار ، ومن ~~لي عليه ألوف الدنانير ، شدة مطالبتي للبعيد الدار ، ومن ليس لي عليه إلا ~~الفلوس ، أتي بحقي ، ولم يطمع نفسه في مالي . وهذا تدبير PageV02P068 يجمع ~~لي إلى رجوع مالي طول راحة بدني . ثم أنا بالخيار في ترك الراحة ؛ لأني ~~أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت . وأخرى ، أن هذا القليل لو لم يكن فضلة ~~من كثير ، وموصلا بدين لي ms098 مشهور ، لجاز أن أتجافى عنه . فأما أن أدع شيئا ~~يطمع في فضول ما يبقي على الغرماء ، فهذا ما لا يجوز . # فقاموا وقالوا بأجمعهم : لا والله ، لا سألناك عن مشكلة ! حدثني أحمد ~~المكي ، أخو محمد المكي - وكان متصلا بأبي سعيد - نسيت القنية ، ونسيت صنعة ~~المال ، لأعاجيب أبي سعيد وحديثه ، قال أحمد : قلت له مرة : والله إنك ~~لكثير المال ، وإنك لتعرف ما نجهل ، وإن قميصك وسخ ، فلم لا تأمر بغسله ؟ ~~قال : فلو كنت قليل المال ، وأجهل ما تعرف ، كيف كان قولك ، لي ؟ إني قد ~~فكرت في هذا منذ ستة أشهر ، فما وضح لي بعد الأمر فيه . أقول مرة : الثوب ~~إذا اتسخ أكل البدن ، كما يأكل الصدأ الحديد ، والثوب إذا ترادفه العرق وجف ~~، وتراكم عليه الوسخ ولبد ، أكل السلك ، وأحرق الغزل . هذا مع نتن ريحه ، ~~وقبح منظره . PageV02P069 # وبعد ، فإني رجل آتي أبواب الغرماء ، وغلمان غرمائي جبابرة . فما ظنك بهم ~~إذا رأوني في أطمار وسخة ، وأسمال درنة ، وحال حداد ؟ جبهوا مرة ، وحجبوا ~~مرة ، فيرجع ذلك علينا بمضرة . من إصلاح المال أن ينفي عنه كل ما أعان على ~~حبسه ، مع ما يدخل من الغيظ ، ويلقي من كان كذلك من المكروه . # فإذا اجتمعت هذه الخواطر هممت نغسلها ، فإذا همت به ، عارضني معارض ~~يوهمني أنه أتاني من جهة الحزم ، ومن قبل العقل ، فقال : أول ذلك الغرم ~~الذي يكون ، في الماء والصابون . والجارية إذا ازدادت عناء ، ازدادت أكلا . ~~والصابون نورة ، والنورة تأكل الثوب . وإن انحزق ، لا يزال الثوب على خطر ، ~~حتى يسلم إلى العصر والدق . ثم إذا ألقي على الرسن ، فهو بعرض الجذبة ~~والنترة والعلق . # ولابد من الجلوس يومئذ في البيت . ومتى جلست في البيت ، فتحوا علينا ~~أبوابا من النفقة ، وأبوابا من الشهوات . والثياب لابد لها من دق . فإن نحن ~~دققناها في المنزل PageV02P070 قطعناها . وإن نحن أسلمناها إلى القصار ، ~~فغرم على غرم . وعلى أنه ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشد . وما جلست في ~~المنزل قط إلا أرجف بي الغرماء ، وادعوا على الأمراض والأحداث . وفي ذلك ~~لهم ms099 فساد والتواء ، وطمع لم يكن عندهم . # فإذا أنا لبستها ، وقد ابيضت وحسنت وخفت وطابت ، تبينت عند ذلك وسخ جسدي ~~، وكثرة شعري ، وقد كان بعض ذلك موصولا ببعض ، فعرفته ، فاستبان لي ما لم ~~يكن يستبين ، واكترثت لما لم أكن اكترثت له ؛ فيصير ذلك مدعاة إلى دخول ~~الحمام . فإن دخلته فغرم ثقيل ، مع المخاطرة بالثياب . ولي امرأة جميلة ~~شابة . فإذا رأتني قد أطليت وغسلت رأسي وبيضت ثوبي ، عارضتني بالتطيب ، ~~وتلبس أحسن ثيابها ! مع أمور كثيرة ، نسي بعضها أحمد ، وبعضها أنا . وكان ~~أبو سعيد هذا مع بخله أشد الناس نفسا ، وأحماهم أنفا . بلغ من أمره في ذلك ~~، ومن بلوغه فيه ، أنه أتى رجلا من ثقيف يقتضيه ألف دينار ، وقد حل عليه ~~المال . فكان ربما أطال عنده الجلوس . ويحضر عنده الغداء ، فيتغدى معه . ~~وهو في ذلك يقتضيه . # فلما طال عليه المطل ، قال له يوما ، وهو على خوانه : إن لهذا المال زكاة ~~مؤداة ، وقد علمنا أنا حين أخرجنا هذا المال من أيدينا أنه معرض للذهاب ، ~~وللمنازعة الطويلة ، ولأن يقع PageV02P071 في الميراث . ثم رضينا منك ~~بالريح اليسير ؛ بالذي ظنناه بك من حسن القضاء . ولولا ذلك لم نرض بهذا ~~المال . وهذا المال إذا كان شرطه أن يرجع بعد سنة ، فرفهت عنك بحسن ~~المطالبة شهرا أو شهرين ، ثم مكث عندي إلى أن أصبت له مثلك ، شهرا أو شهرين ~~، سحق فضله ، وخرج علينا فضل . ومثلك يكتفي بالقليل . وقد طال اقتضائي ، ~~وطال تغافلك . # يقول هذا الكلام ، وهو في ذلك لا يقطع الأكل - فأقبل عليه رجل من ثقيف ، ~~فعرض له بأنه لو أراد التقاضي محضا ، لكان ذلك في المسجد ، ولم يكن في ~~الموضع الذي يحضر فيه الغداء . فقطع الأكل ، ثم نزا في وجهه الدم ، ونظر ~~إليه نظر الجمل الصول ، ثم كاد يطير ! ثم أقبل عليه فقال : لا أم لك ! أنا ~~إنما اصطبغت من دن خل حتى فني ، من حسن العقل . وأحببت الغنى ، بفضل بغضي ~~للفقر ، وأبغضت الفقر ، بفضل أنفتي من احتمال الذل . تعرض لي - لا أم لك ! ~~- بأني أرغب في غدائه ms100 ؟ . والله ما أكلت معه إلا ليستحي من حرمة المؤاكلة ، ~~وليصير كرمه سببا لتعجيل الحاجة . # ثم نهض بالصك وعليه طينته ، فاعترض بها الحائط حتى كسرها . ثم تفل في ~~الكتاب ، وحك بعضه ببعض . ثم مزقه ورمى به . ثم قال لكل من شهد المجلس : ~~هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان ، اشهدوا جميعا أني قد قبضت منه ، وأنه ~~برئ من كل شيء أطالبه . ثم نهض . PageV02P072 فلما صنع ما صنع ، أقبل ~~الغريم على صاحبه فقال : ما دعاك إلى هذا الكلام ؟ ثم تقول لهذا الرجل على ~~مائدتي ! وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف كيف موقع الأمور منه ؟ وبعد ؟ ~~فقد والله أردت مطله إلى أن أبيع الثمر ، ورجونا حلاوته . فقد أحسنت إليه ، ~~وأسأت إلينا ، وعجلت عليه ماله . اذهب يا غلام ، فاضرب بذلك الثمر السوق ~~فيعه بما بلغ ! فأخذ ماله كملا . ثم ركب إليه ، فأبى أن يأخذه . فلما كثر ~~الأمر في ذلك قال : أظن الذي دعا صاحبك إلى ما قال أنه عربي وأنا مولى . ~~فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال ، وإن لم تفعل فإني لا آخذه . ~~فجمع الثقفي كل شعوبي بالبصرة ، حتى طلبوا إليه ، حتى أخذ المال . # وكان أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار ، وأمرها أن تجمعها ~~من دور السكان ، وتلقيها على كساحتهم . فإذا كان في الحين ، جلس وجاءت ~~الخادم ومعها زبيل ، فعزلت بين يديه من الكساحة زبيلا ، ثم فتشت واحدا ~~واحدا . فإن أصاب قطع دراهم ، وصرة فيها نفقة ، والدينار ، أو قطعة حلي - ~~فسبيل ذلك معروف . وأما ما وجد فيه من الصوف ، فكان وجهه PageV02P073 أن ~~يباع - إذا اجتمع - من أصحاب البراذع . وكذلك قطع الأكسية . وما كان من خرق ~~الثياب فمن أصحاب الصينيات والصلاحيات . وما كان من قشور الرمان فمن ~~الصباغين والدباغين . وما كان من القوارير فمن أصحاب الزجاج . وما كان من ~~نوى التمر فمن أصحاب الحشوف . وما كان من نوى الخوخ فمن أصحاب الغرس . وما ~~كان من المسامير وقطع الحديد فللحدادين . وما كان من القراطيس فللطراز . ~~وما كان من الصحف ms101 فلرءوس الجرار . وما كان من قطع الخشب فللا كافين . وما ~~كان من قطع العظام فللوقود . وما كان من قطع الخرق فللتنانير الجدد . وما ~~كان من إشكنج فهو مجموع للبناء ؛ ثم يحرك ويثار ويخلل حتى يجتمع قماشه . ثم ~~يعزل للتنور . وما كان من قطع القار بيع من القيار . وإذا بقي التراب خالصا ~~، وأراد أن يضرب منه PageV02P074 اللبن للبيع وللحاجة إليه ، لم يتكلف ~~الماء ، ولكن يأمر جميع من في الدار ألا يتوضئوا ولا يغتسلوا إلا عليه . ~~فإذا ابتل ضربه لبنا ! وكان يقول : من لم يتعرف الاقتصاد تعرفي فلا يتعرض ~~له . # وذهب من ساكن له شيء ، كبعض ما يسرق من البيوت . فقال لهم : اطرحوا ~~الليلة ترابا ، فعسى أن يندم من أخذه فيلقيه في التراب . ولا ينكر مجيئه ~~إلى ذلك المكان ، لكثرة من يجيء لذلك . فاتفق أن طرح ذلك الشيء المسروق في ~~التراب - وكانوا يطرحونه على كناسته - فرآه قبل أن يراه المسروق منه . فأخذ ~~منه كراء الكساحة ! فهذا حديث أبي سعيد ! # | قصة الأصمعي # تمشى قوم إلى الأصمعي مع تاجر كان اشترى ثمرته بخسران كان ناله ، وسأله ~~حسن النظر والحطيطة . فقال الأصمعي : أسمعتم بالقسمة الضيزى ؟ هي والله ما ~~تريدون شيخكم عليه ! اشترى مني على أن يكون الخسران علي والربح له ! هذا ~~وأبيكم تجارة أبي العنبس ! اذهبوا فاشتروا على طعام العراق على هذا الشرط ! ~~على أني والله ما أدري أصادق هو أم كاذب . PageV02P075 # وها هنا واحدة ، وهي لكم دوني ، ولابد من أن أحتمل لكم ، إذ لم تحتملوا ~~لي . والله ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقه ، وتوجبون رفده . لو كنت ~~أوجب له مثل ما توجبون ، لقد كنت أغنيته عنكم . وأنا لا أعرفه ، ولا يصريني ~~بحق . فهلموا نتوزع هذه الفضلة بيننا بالسوية . هذا أحسن ممن احتمل حقا لا ~~يجب عليه ، في رضا من يجب ذلك عليه . # فقاموا ولم يعودوا . فخرج إليه التاجر من حقه ، وأيس مما قبله . # حدثني جعفر ابن أخت واصل ، قال : قلت لأبي عيينة : قد أحسن الذي سأل ~~امرأته عن اللحم ، فقالت : أكله السنور . فوزن ms102 السنور ، ثم قال : هذا اللحم ~~، فأين السنور ؟ قال : كأنك تعرض بي ! قال : قلت : إنك والله أهل ذلك : شيخ ~~قد قارب المائة ، وعليه فاضلة ، وعياله قليل ، ويعطي الأموال على مذاكرة ~~العلم ، والعلم لذته وصناعته . ثم يرقي إلى جوف PageV02P076 منزله ! وأنت ~~رجل لك في البستان ، ورجل في أصحاب الفسيل ، ورجل في السوق ، ورجل في ~~الكلاء : تطلب من هذا وقر جص ، ومن هذا وقر آجر ، ومن هذا قطعة ساج . ومن ~~هذا هكذا ! ما هذا الحرص ؟ وما هذا الكد ؟ وما هذا الشغل ؟ لو كنت شابا ~~بعيد الأمل ، كيف كنت تكون ؟ ولو كنت مدينا كثير العيال ، كيف كنت تكون ؟ ~~وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار ، وتمشي حافيا نصف النهار - قال : ثم ~~أجمجم . # بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ ، فألححت في المسألة عنها ، فقيل لك : أكلها ~~السنور . فرميت بباقي القطعة قدام السنور ، لتمتحن صدقهم من كذبهم ! فلما ~~لم يأكله غرمتهم ثمن البطيخة كما هي ! قالوا لك : كان الليل . فإن لم تكن ~~التي أكلته من سنانير الجيران ، PageV02P077 وكان الذي أكله سنورنا هذا ، ~~فإنك رميت إليه بالقطعة وهو شبعان منه . فأنظرنا ولا تغرمنا ، نمتحنه في ~~حال غير هذه . فأبيت إلا إغرامهم ! قال : ويلك ! إني والله ما أصل إلى ~~منعهم من الفساد ، إلا ببعض . وقد قال زياد في خطبته : إني والله ما أصل ~~منكم إلى أخذ الحق ، حتى أخوض الباطل إليكم خوضا . وأما ما لمتني عليه ~~اتفاقا ، فإنما ذهبت إلى قوله : لو أن في يدي فسيلة ، ثم قيل لي : إن ~~القيامة تقوم الساع ، لبادرتها فغرستها . وقد قال أبو الدرداء في وجعه الذي ~~مات فيه : زوجوني ، فإني أكره أن ألقي الله عزبا . والعرب تقول : من إلى ~~دماغه في الصيف ، غلت قدرته في الشتاء . # قال مكرز : العجز فراش وطئ ، لا يستوطئه إلا الفشل الدثور . وقال عبد ~~الله بن وهب : حب الهويني يكسب النصب . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ~~إياكم والراحة ، فإنها غفلة . وقال : لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت ~~أيهما أركب . وقال : تمعددوا واخشوشنوا ، PageV02P078 واقطعوا الركب ، ~~واركبوا الخيل نزوا ms103 . وقال لعمرو بن معد يكرب حين شكا إليه الحقاء : كذبت ~~عليك الظهائر . وقال : احتفوا ، فإنكم لا تدرون متى تكو الحفلة . وقال : إن ~~يكن الشغل مجهدة ، فإن الفراغ مفسدة . وقال لسعيد بن حاتم : احذر النعمة ~~كحذرك من المعصية ، ولهي أخوفهما عليك عندي . وقال : أحذركم عاقبة الفراغ ، ~~فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل . وقال أكثم بن صيفي : ما أحب أني مكفي ~~كل أمر الدنيا . قالوا : وإن أسمنت وألبنت ؟ قال : نعم ، أكره عادة العجز . # أفتراني أدع وصايا الأنبياء ، وقول الخلفاء ، وتأديب العرب ، وآخذ بقولك ~~؟ PageV02P079 وتغدى محمد بن الأشعث عند يحيى بن خالد . فتذاكروا الزيت ~~وفضل ما بينه وبين السمن ، وفضل ما بين الأنفاق وزيت الماء . فقال محمد : ~~عندي زيت لم ير الناس مثله . قال يحيى : لا تؤتي منه بشيء ؟ فدعا يحيى ~~غلامه . فقال : إذا دخلت الخزانة فانظر الجرة الرابعة عن يمينك إذا دخلت ، ~~فجئنا منه بشيء . قال يحيى : ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه . # وقرب خباز أسد بن عبد الله إليه ، وهو على خراسان ، شواء قد أنضجه نضجا ، ~~وكان يعجبه ما رطب من الشواء . فقال لخبازه : أتظن أن صنيعك يخفى علي ؟ إنك ~~لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه ، ولكن تستحلب جميع دسمه ، فتنتفع بذلك منه ! ~~فبلغت أخاه ، فقال : رب جهل خير من علم ! PageV02P080 وكان رجل يغشى طعام ~~الجوهري ، وكان يتحرى وقته ولا يخطئ . فإذا دخل والقوم يأكلون ، وحين وضع ~~الخوان ، قال : لعن الله القدرية ! من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل الطعام ~~، وقد كان في اللوح المحفوظ أني سآكله ؟ فلما أكثر من ذلك ، قال له رياح : ~~تعال بالعشي أو بالغداة . فإن وجدت شيئا فالعن القدرية ، والعن آباءهم ~~وأمهاتهم ! وجاء غلام إلى خالد بن صفوان بطبق خوخ - إما أن يكون هدية ، ~~وإما أن غلامه جاء به من البستان - فلما وضعه بين يديه قال : لولا أني أعلم ~~أنك قد أكلت منه لأطعمتك واحدة ! وقال رمضان : كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية ~~. وكنت في الذنب ، وكان في الصدر . فلما جاء وقت الغداء ، أخرج من سلة له ms104 ~~دجاجة ، وفرخا واحدا مبردا . وأقبل يأكل ويتحدث ، ولا يعرض علي . وليس في ~~السفينة غيري وغيره ! فرآني أنظر إليه مرة ، PageV02P081 وإلى ما بين يديه ~~مرة . فتوهم أني أشتهيه واستبطئه . فقال لي : لم تحدق النظر ؟ من كان عنده ~~، أكل مثلي ، ومن لك يكن عنده ، نظر مثلك ! . # قال : ثم نظر إلي وأنا أنظر إليه ، فقال : يا هناه ، أنا رجل حسن الأكل ، ~~لا آكل إلا طيب الطعام . وأنا أخاف أن تكون عينك مالحة ، وعين مثلك سريعة . ~~فاصرف عني وجهك . # قال : فوثبت عليه ، فقبضت على لحيته بيدي اليسرى ، ثم تناولت الدجاجة ~~بيدي اليمنى . فما زلت أضرب بها رأسه ، حتى تقطعت في يدي ! ثم تحول إلى ~~مكاني فمسح وجهه ولحيته . ثم أقبل علي فقال : قد أخرتك أن عينك مالحة ، ~~وأنك ستصيبني بعين ! قلت : وما شبه هذا من العين ؟ قال إنما العين مكروه ~~يحدث . فقد أنزلت بنا عينك أعظم المكروه ! فضحكت ضحكا ما ضحكت مثله . ~~وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحا ، وحتى كأني لم أفرط عليه . # هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا ، وما رأينا بعيوننا . فأما أحاديث ~~الأصمعي وأبي عبيدة وأبي الحسن ، فإني لم أجد منها ما يصلح لهذا الموضع ، ~~إلا ما قد كتبته في هذا الكتاب ، وهي بضعة عشر حديثا . PageV02P082 # قالوا : كان للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي ، وهو على الكوفة ، ~~جدي يوضع على مائدته بعد الطعام . ولم يكن أحد يمسه ، إذ كان هو لا يمسه ! ~~فأقدم عليه أعرابي يوما ، ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه ، فلم يرض بأكل لحمه ، ~~حتى تعرق عظمه . فقال له المغيرة : يا هذا ! تطالب عظام هذا الجدي بذحل ؟ ~~هل نطحتك أمه ؟ وكان الأصمعي يقول : إنما قال : يا هذا ! تطالب عظام هذا ~~البائس بذحل ؟ هل نطحتك أمه ؟ . # قال : وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق ، فقال لرجل من الشرط : إن ~~أقدمت على جدي الأمير أسقطت عنك نوبة سنة . فبلغه ذلك ، فشكاه إلى الحجاج ، ~~فعزله ، وولي مكانه زياد بن جديد . فكان أثقل عليه من عبد الرحمن . ولم ~~يقدر على عزله ، إذ كان من ms105 قبل الحجاج . فكان المغيرة إذا خطب قال : يا أهل ~~الكوفة ! من بغاكم الغوائل ، وسعى بكم إلى أميركم ، فلعنه الله ، ولعن أمه ~~العوراء ! وكانت أم زياد عوراء . فكان الناس يقولون : ما رأينا تعريضا قط ~~أطيب من تعريضه ! . PageV02P083 # قالوا : وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسه ، ولا يمسه أحد ! فعشي في شهر ~~رمضان قوما فيهم أشعب . فعرض أشعب للجدي من بينهم . فقال زياد : أما لأهل ~~السجن إمام يصلي بهم ؟ قالوا : لا . قال : فليصل بهم أشعب . فقال أشعب : أو ~~غير هذا - أصلح الله الأمير - قال : وما هو ؟ قال : أحلف بالمحرجات ألا آكل ~~لحم جدي أبدا ! قالوا : دعا عبد الملك بن قيس الذئبي رجلا من أشراف أهل ~~البصرة . وكان عبد الملك بخيلا على الطعام ، جوادا بالدراهم . فاستصحب ~~الرجل ساكنا . فلما رآه عبد الملك ضاق به ذرعا . فأقبل عليه فقال له : ألف ~~درهم خير لك من احتباسك علينا ! واحتمل غرم ألف درهم ، ولم يحتمل أكل رغيف ~~! وتناول أعرابي من بين يدي سليمان بن عبد الملك دجاجة ، فقال له : يكفيك ~~ما بين يديك وما يليك . قال الأعرابي : ومنها شيء حمى ؟ قال : فخذها لا ~~بورك لك فيها ! PageV02P084 قال : وكان معاوية تعجبه القبة . وتغدى معه ذات ~~يوم صعصعة بن صوحان ، فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية . قال معاوية : إنك ~~لبعيد النجعة ! قال صعصعة : من أدب انتجع ! وقال : دخل هشام بن عبد الملك ~~حائطا له ، فيه فاكهة وأشجار وثمار ، ومعه أصحابه . فجعلوا يأكلون ويدعون ~~بالبركة ! فقال هشام : يا غلام ! اقلع هذا ، واغرس مكانه الزيتون ! قال : ~~وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي يأكل تمرا هو وأصحابه . ~~فانطفأ السراج . وكانوا يلقون النوى في طست . فسمع صوت نواتين ، فقال : من ~~هذا الذي يلعب بكعبين ؟ وقالوا : باع حويطب بن عبد العزى دارا من معاوية ~~بخمسة وأربعين ألف دينار . فقيل له : أصبحت كثير المال . قال : وما منفعة ~~خمسة وأربعين ألفا مع ستة من العيال ؟ PageV02P085 وقالوا : سأل خالد بن ~~صفوان رجل فأعطاه درهما ، فاستقله السائل ، فقال : يا أحمق ! إن الدرهم عشر ~~العشرة ، وإن ms106 العشرة عشر المائة ، وإن المائة عشر الألف ، وإن الألف عشر ~~العشرة الآلاف . أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية مسلم ! قالوا : كان بلال ~~بن أبي بردة قد خاف الجذام ، وهو والي البصرة . فوصفوا له الاستنقاع في ~~السمن . # وكان يفطر الناس في شهر رمضان . فكانوا يجلسون حلقا ، وتوضع لهم الموائد ~~. # فإذا أقام المؤذن ، نهض بلال إلى الصلاة ، ويستحي الآخرون . فإذا قاموا ~~إلى الصلاة ، جاء الخبازون فرفعوا الطعام ! قال : واحتقن عمر بن يزيد ~~الأسدي بحقنة فيها أدهان . فلما أدهان . فلما حركته بطنه كره أن يأتي ~~الحلاء ، فتذهب تلك الأدهان . فكان يجلس في الطست ، ويقول : صفوا هذا ، ~~فإنه يصلح للسراج ! PageV02P086 قال : وخبرنا جار له قال : رأيته يتخلل من ~~الطعام بخلال واحد شهرا ، كلما تغدى حذف من رأسه شيئا ، ثم تخلل به ، ثم ~~وضعه في مجرى دواته . # وقالوا : كان ذراع الذراع مع خالد بن صفوان . فوضعوا بين يديه دجاجة ، ~~وبين يديه شيء من زيتون . فجعل يلحظ الدجاجة . فقال : كأنك تهم بها ! قال : ~~ومن يمنعني ؟ قال : إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء ! قال : ومد يده أبو ~~الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرة السعدي ، فقال : إذا أفردت بشيء فلا ~~تعترض لغيره . # قالوا : ومات وعليه للدقاق وحده ثمانون ألف درهم ، لكثرة طعامه ! وقالوا ~~: كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملا للحجاج على البصرة . واستعمل على العرق ~~جرير بن بيهس المازني ، ولقب جرير العطرق . فخرج الحكم يتنزه ، وهو ~~باليمامة . فدعا العطرق PageV02P087 إلى غدائه . فكل معه ، فتناول دراجة ~~كانت بين يديه . فعزله ، وولي مكانه نويرة المازني . فقال نويرة ، وهو ابن ~~عم العطرق : # قد كان في العرق صيد لو قنعت به . . . فيه غنى لك عن دراجة الحكم # وفي عوارض لا تنفك تأكلها . . . لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم ! # وفي وطاب مملاة مثممة . . . فيها الصريح الذي يشفي من القرم # ولما ولي مكانه نويرة ، بلغه أنه ابن عم له فعزله . فقال نويرة : # أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي . . . ونصحي إذا ما بعتني بالمحلق # ولا ساق سراق العراقة صالح . . . بني ms107 ولا كلفت ذنب العطرق # وتناول رجل من قدام أمير كان لنا ، ضخم ، بيضة ، فقال : خذها فإنها بيضة ~~العقر . فلم يزل محجوبا حتى مات . PageV02P088 # وأتي ضيعة له يتنزه إليها ، ومعه خمسة رجال من خاصته ، وقد حملوا معه ~~طعام خمسمائة وثقل عليه أن يأكلوا معه ، واشتد جوعه ، فجلس على مشارة بقل . ~~فأقبل ينتزع الفجلة فيطوي جزرتها بعرقها ، ثم يأكلها ، من غير أن تغسل ، من ~~كلب الجوع ، ويقول لواحد منهم كان أقرب الخمسة إليه مجلسا : لو ذهب هؤلاء ~~الثقلاء لقد أكلنا ! قالوا : وأكل عبد الرحمن بن أبي بكرة على خوان معاوية ~~، فرأى لقم عبد الرحمن . # فلما كان بالعشي ، وراح إليه أبو بكرة ، قال : ما فعل ابنك التلقامة ؟ ~~قال : اعتل . قال : مثله لا يعدم العلة ! وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي ~~، فرأى له لقما منكرا ، وهاله ما يصنع . قال له : ما اسمك ؟ قال لقمان . ~~قال : صدق أهلك ، أنت لقمان ! قالوا : وكان له دكان لا يسع إلا مقعده ، ~~وطبيقا يوضع بين يديه ، وجعله مرتفعا ، ولم يجعل له عتبا ، كي لا يرتقي ~~إليه أحد . قالوا : فكان أعرابي يتحين وقته ، ويأتيه على فرس ، PageV02P089 ~~فيصير كأنه معه على الدكان . فأخذ دبة وجعل فيها حصى ، واتكأ عليها . فإذا ~~رأى الأعرابي قد أقبل ، أراه كأنه يحول متكأه . فإذا قعقعت الدبة بالحصى ~~نفر الفرس . # قالوا : فلم يزل الأعرابي يدينه ، ويقعقع هو به ، حتى نفر منه فصرعه . ~~فكان لا يعود بعد ذلك إليه . # # | رسالة أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي # إلى الثقفي # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن جلوسك إلى الأصمعي ، وعجبك بسهل بن ~~هارون ، واسترجاحك إسماعيل بن غزوان ، وطعمك على مويس بن عمران ، وخلطتك ~~بابن مشارك ، واختلافك إلى ابن التوأم ، وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه ، ~~والقيام عليه واصطناعه ، وإطنابك في وصف النرويج PageV02P090 والتثمير ، ~~وحسن التعهد والتوفير - دليل على خبئ سوء ، وشاهد على عيب وإدبار ؛ بعد أن ~~كنت تستثقل ذكرهم ، وتستشنع فعلهم ، وتتعجب من مذهبهم ، وتسرف في ذمهم . # وليس يلهج بذكر الجمع ، إلا من قد عزم على الجمع ms108 ، ولا يأنس بالبخلاء ، ~~إلا المستوحش من الأسخياء . # وفي تحفظك قول سهل بن هارون : ' في الاستعداد في حال المهلة ، وفي الأخذ ~~بالثقة ، وأن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة ، وأن الحزم كل الحزم ، ~~والصواب كل الصواب ، أن يستظهر على الحدثان ، وأن يجعل ما فضل عن قوام ~~الأبدان ، ردءا دون صروف الزمان ، وأنا لا نسب إلى الحكمة ، حتى نحوط أصل ~~النعمة ، بأن نجعل دون فضولها جنة ' - شاهد على عجبك بمذهبه ، وبرهان على ~~ميلك إلى سبيله . # وفي استحسانك رواية الأصمعي في ' أن أكثر أهل النار النساء والفقراء ، ~~وأن أكثر أهل الجنة البله والأغنياء ، وأن أرباب الدثور ، هم الذين ذهبوا ~~بالأجور ' - برهان على صحة حكمنا عليك ، ودليل على صواب رأينا فيك . ~~PageV02P091 # وفي تفضيلك كلام ابن غزوان ، حين قال : ' تنعمتم بالطعام الطيب ، ~~وبالثياب الفاخرة ، وبالشراب الرقيق ، وبالغناء المطرب ؛ وتنعمنا بعز ~~الثروة ، وبصواب النظر في العاقبة ، وبكثرة المال ، والأمن من سوء الحال ، ~~ومن ذل الرغبة إلى الرجال ، والعجز عن مصلحة العيال - فتلك لذتكم ، وهذه ~~لذتنا . وهذا رأينا في التسلم من الذم ، وذاك رأيهم في التعرض للحمد . ~~وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال ، ويسر باللذات الصحيح الصادق الحس ~~. فأما الفقير فما أغناه عن الحمد ، وأفقره إلى ما به يجد طعم الحمد ! ~~والطعام الذي آثرتموه يعود رجيعا ، والشراب يصير بولا ، والبناء يعود نقضا ~~. والغناء ريح هابة ، ومسقط للمروءة ، وسخافة تفسد ، ورنة تسير . فلذتكم ~~فيما حوى لكم الفقر ، ونقض المروءة ؛ ولذتنا فيما حوى لنا الغنى ، وبنى ~~المروءة . فنحن في بناء ، وأنتم في هدم ؛ ونحن في إبرام ، وأنتم في نقض ؛ ~~ونحن في التماس العز الدائم ، مع فوت بعض اللذة ، وأنتم في التعرض للذل ~~الدائم ، مع فوت كل مروءة ' . # وقد فهمنا معنى حكايتك ، وما لهجت به من روايتك . والدليل على انتقاض ~~طباعك ، وإدباز أمرك ، استحسانك ضد ما كنت تستحسن ، وعشقك لما لم تزل تمقت ~~. فبعدا وسحقا ! ولا يبعد الله إلا من ظلم ! PageV02P092 والشاعر أبصر بكم ~~حيث يقول : # فإن سمعت بهلك للبخيل فقل : . . . بعدا وسحقا له من هالك مودى ! # تراثه جنة ms109 للوارثين إذا . . . أودى ، وجثمانه للتراب والدود # وقال آخر : # تبلى محاسن وجهه في قبره . . . والمال بين عدوه مقسوم # والحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك وكيلا في مالك ، وأجيرا لوارثك . # وأما أنت فقد تعجلت الفقر قبل أوانه ، وصرت كالمجلود في غير لذة . # وهل تزيد حال من أنفق جميع ماله ، ورأى المكروه في عياله ، وظهر فقره ، ~~وشمت به عدوه ، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه ، وعلى بغض عياله ، وعلى ~~خشونة الملبس ، وخشونة المأكل ؟ وهذا كله مجتمع في مسك البخيل ، ومصبوب على ~~هامة الشحيح ، ومعجل للئيم ، وملازم للمنوع ؛ ألا إن المنفق قد ربح المحمدة ~~، وتمتع بالنعمة ، ولم يعطل المقدرة ، ووفى كل خصلة من هذه حقها ، ووفر ~~عليها نصيبها ؛ والممسك معذب بحصر نفسه ، وبالكد لغيره ؛ مع لزوم الحجة ، ~~وسقوط الهمة ، والتعرض للذم والإهانة ، ومع تحكيم المرة السوداء في نفسه ، ~~وتسلطيها على عرضه ، وتمكينها من عيشه وسرور قلبه . PageV02P093 # ولقد سرى إليك عرق ، ولقد دخل أعراقك جور ، ولقد عمل فيها قادح ، ولقد ~~غالها غول ؛ وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف ، ولا من شيم أعرقت فيها ~~قريش . ولقد عرض إقراف ، ولقد أفسدتك هجنة . ولقد قال معاوية : من لم يكن ~~من بني عبد المطلب جوادا فهو دخيل ، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو ~~لزيق ، ومن لم يكن من بني المغيرة تياها فهو سنيد . وقال سلم بن قتيبة : ~~إذا رأيت الثقفي يعز من غير طعام ، ويكسب لغير إنفاق ، فبهرجه ثم بهرجه . ~~وقال بلال بن أبي بردة : لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال . ~~إن الله جواد لا يبخل ، وصدوق لا يكذب ، ووفي لا يغدر ، وحليم لا يعجل ، ~~وعدل لا يظلم . وقد أمرنا بالجود ، ونهانا عن البخل ، وأمرنا بالصدق ، ~~ونهانا عن الكذب ، وأمرنا بالحلم ، ونهانا عن العجلة ، وأمرنا بالعدل ، ~~ونهانا عن الظلم ، وأمرنا بالوفاء ، ونهانا عن الغدر . PageV02P094 # فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسه ، ولم يزجرنا إلا عما لم يرضه لنفسه . ~~وقد قالوا بأجمعهم : إن الله أجود الأجودين ، وأمجد الأمجدين ؛ كما قالوا : ~~أرحم الرحمين ، وأحسن الخالقين ms110 . وقالوا في التأديب لسائليهم ، والتعليم ~~لأجوادهم : لا تجاودوا الله ، فإن الله - جل ذكره - أجود وأمجد . وذكر نفسه ~~- جل جلاله ، وتقدست أسماؤه - فقال : ' ذو الفضل العظيم ' و ' ذي الطول ، ~~لا إله إلا هو ' . وقال : ' ذو الجلال والإكرام ' . # وذكروا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لم يضع درهما على درهم ، ولا ~~لبنة على لبنة . وملك جزيرة العرب ، فقبض الصدقات ، وجبيت له الأموال ، ما ~~بين غدران العراق إلى شحر عمان ، إلى أقصى مخاليف اليمن . ثم توفي وعليه ~~دين ، ودرعه مرهونة . ولم يسأل حاجة قط فقال : لا . وكان إذا سئل أعطى ، ~~وإذا وعد أو أطمع كان وعده كالعيان ، وإطماعه كالإنجاز . # ومدحته الشعراء بالجود ، وذكرته الخطباء بالسماح . ولقد كان يهب للرجل ~~الواحد الضاجعة من الشاء ، والعرج من الإبل - وكان أكثر ما يهب الملك من ~~العرب مائة بعير ، فيقال : وهب هنيدة . وإنما يقال ذلك ، إذا أريد بالقول ~~غاية المدح - ولقد وهب لرجل ألف بعير . فلما رآها تزدحم في الهوادي قال : ~~أشهد أنك نبي . وما هذا مما تجود به الأنفس . PageV02P095 # وفخرت هاشم على سائر قريش فقالوا : نحن أطعم الطعام ، وأضرب للهام . ~~وذكرها بعض العلماء فقالوا : أجواد أمجاد ، ذوو السنة حداد . وأجمعت الأمم ~~كلها بخيلها وسخيها وممزوجها ، على ذم البخل ، وحمد الجود ؛ كما أجمعوا على ~~ذم الكذب وحمد الصدق . وقالوا : أفضل الجود ، الجود بالمجهود . وحتى قالوا ~~في جهد المقل ، وفيمن أخرج الجهد وأعطى الكل . وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه ، ~~فضيلة على من جاد بماله ، فقال الفرزدق : # على ساعة لو كان في القوم حاتم . . . على جوده ضنت به نفس حاتم # ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة ، وقد جاد ~~بحوبائه عند المصافنة . فما رأينا عربيا سفه حلم حاتم لجوده بجميع ماله ، ~~ولا رأينا أحدا منهم سفه حلم PageV02P096 كعب على جوده بنفسه ، بل جعلوا ~~ذلك من كعب لإياد مفخرا . وجعلوا ذلك من حاتم طيئ مأثرة لقحطان على عدنان ، ~~ثم للعرب على العجم ، ثم لسكان جزيرة العرب ولأهل تلك البرية على سائر ~~الجزائر والترب . # فمن أراد أن ms111 يخالف ما وصف اله - جل ذكره - به نفسه ، وما منح من ذلك نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة ، والأمم كافة ، لم ~~يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه . # ولم نر الأمة أبغضت جوادا قط ، ولا حقرته ، بل أحبته وأعظمته ، بل أحبت ~~عقبه وأعظمت من أجله رهطه . ولا وجدناهم أبغضوا جوادا ، لمجاوزته حد الجود ~~إلى السرف ، ولا حقرته . بل وجدناهم يتعلمون مناقبه ، ويتدارسون محاسنه . ~~وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله ، ونحلوه من غرائب الكرم ما ~~لم يكن يبلغه . ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف ، كما تضاعف الحسنات ~~في الآخرة . نعم ، وحتى أضافوا إليه كل مديح شارد ، وكل معروف مجهول الصاحب ~~. ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل ، على ضد هذه الصفة ، PageV02P097 وعلى ~~خلاف هذا المذهب : وجدناهم يبغضونه مرة ويحقرونه مرة ، ويبغضون بفضل بغضه ~~ولده ، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه ، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما ~~لم يبلغه ، ومن غرائب البخل ما لم يفعله . وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء ~~، بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء . # وعلى أنا لا نجد الجوائح إلى أموال الأسخياء ، أسرع منها إلى أموال ~~البخلاء ، ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقل . # والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط ، فقد يستحق عندهم اسم ~~البخيل ، ويستوجب الذم ، من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه ، ولا حاجة إلا ~~قضاها ، ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايته . وإنما يقع عليه اسم البخيل ، ~~إذا كان زاهدا في كل ما أوجب الشكر ، ونوه بالذكر ، وادخر الأجر . وقد يعلق ~~البخيل على نفسه من المؤن ، ويلزمها من الكلف ، ويتخذ من الجواري والخدم ، ~~ومن الدواب والحشم ، ومن الآنية العجيبة ، ومن البزة الفاخرة . والشارة ~~الحسنة ، ما يربى على نفقة السخي المثري ، ويضعف على جود الجواد الكريم . ~~فيذهب ماله وهو PageV02P098 مذموم ، ويتغير حاله وهو ملوم . وربما غلب عليه ~~حب القيان ، واستهتر بالخصيان . # وربما أفرط في حب الصيد ، واستولى عليه حب المراكب . وربما كان إتلافه في ~~العرس والخرس ms112 والوليمة ، وإسرافه في الإعذار وفي العقيقة والوكيرة . وربما ~~ذهبت أمواله في الوضائع والودائع . # وربما كان شديد البخل ، شديد الحب للذكر ، ويكون بخله أوشج ، ولؤمه أقبح ~~؛ فينفق أمواله ويتلف خزائنه ، ولم يخرج كفافا ، ولم ينج سليما . # كأنك لم تر بخيلا مخدوعا ، وبخيلا مضعوفا ، وبخيلا مضياعا ، وبخيلا نفاجا ~~، وبخيلا ذهب ماله في البناء ، وبخيلا ذهب ماله في الكيمياء ، وبخيلا أنفق ~~ماله في طمع كاذب ، وعلى أمل خائب ، وفي طلب الولايات ، والدخول في ~~القبالات ؛ وكانت فتنته بما يؤمل من الإمرة ، فوق فتنته بما قد حواه من ~~الذهب والفضة . PageV02P099 # قد رأيناه ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كل يوم ، وعنده في كل يوم ~~عرس ؛ ولأن يطعن طاعن في الإسلام ، أهون عليه من أن يطعن طاعن في الرغيف ~~الثاني ، ولشق عصا الدين ، أهون عليه من شق رغيف . لا يعد الثلمة في عرضه ~~ثلمة ، ويعدها في ثريدته من أعظم الثلم . # وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع ، والجوائح عليهم أكلب ؛ لأنهم ~~أقل توكلا ، وأسوأ بالله ظنا . والجواد إما أن يكون متوكلا ، وإما أن يكون ~~أحسن بالله ظنا . # وهو على كل حال بالمتوكل أشبه ، وإلى ما أشبهه أنزع . وكيفما دار أمره ، ~~ورجعت الحال به ، فليس ممن يتكل على حزمه ، ويلجأ إلى كيسه ، ويرجع إلى ~~جودة احتياطه ، وشدة احتراسه . # واعتلال البخيل بالحدثان ، وسوء الظن بتقلب الزمان ، إنما هو كناية عن ~~سوء الظن بخالق الحدثان ، وبالذي يحدث الأزمان ، وأهل الزمان . وهل تجري ~~الأحداث إلا على تقدير المحدث لها ؟ وهل تختلف الأزمنة إلا على تصريف من ~~دبرها ؟ أولسنا ، وإن جهلنا أسبابها ، فقد أيقنا بأنها تجري إلى غاياتها ؟ ~~PageV02P100 والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر ، وأن الجمع والمنع إما أن ~~يكون عادة منهم ، أو طبيعة فيهم ، أنك قد تجد الملك بخيلا ، ومملكته أوسع ، ~~وخرجه أدر ، وعدوه أسكن . وتجد أحزم منه جوادا ، وإن كانت مملكته أضيق ، ~~وخرجه أقل ، وعدوه أشد حركة . # وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس مرة وروية ، وأذهلهم عن معرفة العاقبة . ~~فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدهم ، وتكون ms113 الروم أبخل من الصقالبة ؛ وكان ~~ينبغي في الرجال في الجملة ، وكان ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلا ؛ أعقل ~~من أشد الأجواد عقلا ؛ وكان ينبغي للكلب - وهو المضروب به المثل في اللؤم - ~~أن يكون أعرف بالأمور من الديك ، المضروب به المثل في الجود . # قالوا : ' هو أسخى من لا فظة ' و ' الأم من كلب على جيفة ' و ' الأم من ~~كلب على عرق ' . وقالوا : ' أجع كلبك يتبعك ' ، و ' نعم كلب في بؤس أهله ' ~~PageV02P101 و ' سمن كلبك يأكلك ' ، و ' أحرص من كلب على عقي صبي ' ، و ' ~~أجوع من كلبة حومل ' ، و ' لهو أبذأ من كلب ' ، ' حش فلان من خرء الكلب ' ، ~~و ' اخسأ ! ' ، كما يقال للكلب ، و ' كالكلب في الآرى : لا هو يعتلف ، ولا ~~هو يترك الدابة تعتلف ' . # وقال الشاعر : # سرت ما سرت من ليلها ثم عرست . . . على رجل بالعرج ألأم من كلب # وقال الله جل ذكره : ' فمثله كمثل الكلب ، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه ~~يلهث ' . # وكان ينبغي في هذا القياس أن يكون المراوزة أعقل البرية ، وأهل خراسان ~~أدرى البرية . # ونحن لا نجد الجواد يفر من اسم السرف إلى الجود ، كما نجد البخيل يفر من ~~اسم البخل إلى الاقتصاد . ونجد الشجاع يفر من اسم المنهزم ، والمستحي يفر ~~من اسم الخجل . ولو قيل PageV02P102 لخطيب ثابت الجنان : وقاح ، لجزع - فلو ~~لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون ~~اسم تلك الفضلة - إلا الجواد ، لقد كان في ذلك ما يبين قدره ، ويظهر فضله . # المال فاتن ، والنفس راغبة ، والأموال ممنوعة ، وهي على ما منعت حريصة . ~~وللنفوس في المكاثرة علة معروفة ؛ لأن من لا فكرة له ولا روية ، موكل ~~بتعظيم ذي الثروة ، وإن لم تكن منه منالة . وقد قال الأول : وزادها كلفا ~~بالحب أن منعت . . . أحب شيء إلى الإنسان ما منعا # وفي بعض كتب الفرس : كل عزيز تحت القدرة فهو ليل . وقالت معاذة العدوية : ~~كل مقدور عليه فمقلي أو محقور . PageV02P103 # ولو كانوا لأولادهم يجمعون ، ولهم يكدون ، ومن أجلهم يحرصون ، لجعلوا لهم ~~كثيرا مما يطلبون ms114 ، ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون . وهذا بعض ما بغض ~~بعض المورثين إلى الوارثين ، وزهد الأخلاف في طول عمر الأسلاف . # ولو كانوا لأولادهم يمهدون ، ولهم يجمعون ، لما جمع الخصيان الأموال ، ~~ولما كنز الرهبان الكنوز ، ولاستراح العاقر من ذل الرغبة ، ولسلم العقيم من ~~كد الحرص . وكيف ؟ ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتل به ، والذي من ~~أجله كان يجمع ، على حاله في الطلب والحرص ، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع ~~والمنع . # والعامة لم تقصر في الطلب والحكرة ، والبخلاء لم يحدوا شيئا من جهدهم ، ~~ولا أعفوا بعد قدرتهم ، ولا قصروا في شيء من الحرص والحصر ؛ لأنهم في دار ~~قلعة ، وبعرض نقلة . حتى لو كانوا بالخلود موقنين ، لأغفلوا تلك الفضول . ~~PageV02P104 # فالبخيل مجتهد ، والعامي غير مقصر . فمن لم يستعن على ما وصفنا بطبيعة ~~قوية ، وبشهوة شديدة ، وبنظر شاف ، كان إما عاميا ، وإما بخيلا شقيا - ففيم ~~اعتلالهم بأولادهم ، واحتجاجهم بخوف التلون من أزمنتهم ؟ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لوافد كذب عنده كذبة ، وكان جوادا : لولا خصلة ومقك الله ~~عليها ، لشردت بك من وافد قوم . وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هل لك في ~~بيض النساء وأدم الإبل ؟ قال : ومن هم ؟ قال : بنو مدلج . قال : يمنعني من ~~ذاك قراهم الضيف ، وصلتهم الرحم . وقال لهم أيضا : إذا نحروا ثجوا ، وإذا ~~لبوا عجوا . وقال للأنصار : من سيدكم ؟ قالوا : الحر بن قيس ، على أنه يزن ~~فينا ببخل ، فقال : وأي داء أدوأ من البخل ؟ ثم جعله من أدوإ الداء . وقال ~~للأنصار : أما والله ما علمتكم إلا لتكثرون عند PageV02P105 الفزع ، وتقلون ~~عند الطمع . وقال : كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر . وقال : لو أن لابن آدم ~~واديين من مال لابتغى ثالثا ، ولا يشبع ابن آدم إلا التراب ؛ ويتوب الله ~~على من تاب . وقال : السخاء من الحياء ، والحياء من الإيمان . وقال : إن ~~الله جواد يحب الجود . وقال : أنفق يا بلال ، ولا تخش من ذي العرش إقلالا . ~~وقال : لا توكي فيوكي عليك . وقال : لا تحص فيحصى عليك . وقالوا : لا ينفعك ms115 ~~من زاد ما تبقى . # ولم يسم الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن يضع من أقدارهما ، ومن ~~فتنة الناس بهما . وقال لقيس بن عاصم : إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت ، ~~وما لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت . وما سوى ذلك فللوارث . PageV02P106 # وقال النمر بن تولب : # وحثت على جمع ومنع ونفسها . . . لها في صروف الدهر حق كذوب # وكائن رأينا من كريم مرزإ . . . أخي ثقة طلق اليدين وهوب # شهدت وفاتوني . وكنت حبستني . . . فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي # أعاذل إن يصبح صداي بقفرة . . . بعيدا نآني صاحبي وقريبي # ترى أن ما أبقيت لم أك ربه . . . وأن الذي أمضيت كان نصيبي # وذي إبل يسعى ويحسبها له . . . أخي نصب في رعيها ودءوب # وذي وغدا رب سواه يسوقها . . . وبدل أحجار وجال قليب PageV02P107 # وقال أيضا : # قامت تباكي أن سبأت لفتية . . . زقا وخابية بعود مقطع # وقريت في مقري قلائص أربعا . . . وقريت بعد قرى قلائص أربع # أتبكيا من كل شيء هين ؟ . . . سفه بكاء العين ما لم تدمع # فإذا أتاني إخوتي فدعيهم . . . يتعللوا بالعيش أو يلهوا معي # لا تطرديهم عن فراشي ؛ إنه . . . لابد يوما أن سيخلو مضجعي # هلا سألت بعادياء وبيته . . . والخيل والخمر التي لم تمنع # وقال الحارث بن حلزة : # بينا الفتى يسعى ويسعى له . . . تاح له من أمره خالج PageV02P108 # يترك ما رقح من عيشه . . . يعبث فيه همج هامج # لا تكسع الشول بأغبارها . . . إنك لا تدري من الناتج # وقال الهذلي : # إن الكرام مناهبو . . . نعم ، المجد كلهم فناهب # أخلف وأتلف ؛ كل شي . . . ء ذرعته الريح ذاهب # وقالت امرأة : أنت وهبت الفتية السلاهب . . . وإبلا يحار فيها الحالب # وغنما مثل الجراد الهارب . . . متاع أيام ، وكل ذاهب # وقال تميم بن مقبل : # فأخلف وأتلف ؛ إنما المال عبارة . . . وكله مع الدهر الذي هو آكله # وقال أبو ذر : لك في مالك شريكان : الوارث والحدثان . PageV02P109 # وقال الخطيئة : # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه . . . لا يذهب العرف بين الله والناس # وجاء في الأثر : إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة . وفي ~~المثل : اصنع الخير ولو إلى كلب : وقال ms116 في الحث على القليل ، فضلا على ~~الكثير : قال الله جل ذكره : ' فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره ' . وقالت عائشة في حبة عنب : إن فيها لمثاقيل ذر . ~~ولذلك قالوا في المثل : من حقر حرم . وقال سلم بن قتيبة : يستحي أحدهم من ~~تقريب القليل من الطعام ، ويأبى أعظم منه . وقال : جهد المرء أكثر من عفوه ~~. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جهد المقل على عفو المكثر ، وإن كان ~~مبلغ جهده قليلا ، ومبلغ عفو المكثر كثيرا . وقالوا : لا يمنعك من معروف ~~صغره . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : اتقوا النار ولو بشق تمرة . وقال : ~~لا تحقروا اللقمة ؛ فإنها تعود كالجبل العظيم ، لقول الله جل ذكره : ' يمحق ~~الله الربا ويربي الصدقات ' . وقال : لا تردوه ولو بصلة حبل . PageV02P110 # وقالت العرب : أتاكم أخوكم يستتمكم ، فأتموا له . وقالوا : مانع الإتمام ~~ألوم . # وقالوا : البخيل إن سأل ألحف ، وإن سئل سوف . وقالوا : إن سئل جحد ، وإن ~~أعطى حقد . وقالوا : يرد قبل أن يسمع ، ويغضب قبل أن يفهم . وقالوا : ~~البخيل إذا سئل ارتز ، وإذا سئل الجواد اهتز . وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' ينادي كل يوم مناديان من السماء : يقول أحدهما : اللهم عجل لمنفق ~~خلفا ، ويقول الآخر : اللهم عجل لممسك تلفا ' . وقالوا : شر الثلاثة المليم ~~، يمنع دره ودر غيره . وقال الله جل ذكره : ' الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ' . وقالوا في المثل - إن ألجأك الدهر إلى بخيل : شر ما ألجأك إلى ~~مخة عرقوب . وقال : النبي صلى الله عليه وسلم : ' قل العدل ، وأعط الفضل ' ~~. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' أنهاكم عن عقوق الأمهات ، ووأد البنات ~~، ومنع وهات ' . وقال الله عز وجل : ' ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا ' . وقال : ' لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ' . وقال ~~: ' ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . ومن يوق شح PageV02P111 نفسه ~~فأولئك هم المفلحون ' . وقالوا في الصبر على النائبة ، وفي عاقبة الصبر : ~~عند الصباح يحمد القوم السري . وقالوا : الغمرات ثم ينجلين . # وقال الخريمي : # ودون الندى في كل ms117 قلب ثنية . . . بها مصعد حزن ومنحدر سهل # وود الفتى في كل نيل ينيله إذا ما انقضى لو أن نائله جزل # وقالوا : خير الناس ، خير الناس للناس ؛ وشر الناس ، شر الناس للناس . ~~وقالوا : خير مالك ما نفعك . وقالوا عجبا لفرط الكبرة ، مع شباب الرغبة ! ~~وقال الزاجر : # كلنا يأمل مدا في الأجل . . . والمنايا هي آفات الأمل # وقال عبيد الله بن عكراش : زمن خون ، ووارث شفون ، وكاسب زون . ~~PageV02P112 فلا تأمن الخون ، وكن وارث الشفون . وقال : يهرم ابن آدم ويشب ~~معه خصلتان : الحرص والأمل . # وكانوا يعيبون من يأكل وحده ، وقالوا : ما أكل ابن عمر وحده قط . وقالوا ~~: ما أكل الحسن وحده قط . وسمع مجاشع الربعي قولهم : الشحيح أعذر من الظالم ~~، فقال : أخزى الله أمرين خيرهما الشح . وقال بكر بن عبد الله المزني : لو ~~كان هذا المسجد مفعما بالرجال ، ثم قيل لي : من خيرهم ؟ لقلت : خيرهم لهم . ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا ~~رسول الله . قال : من نزل وحده ، ومنع رفده ، وجلد عبده ' . وقالت امرأة ~~عند جنازة رجل : أما والله ما كان مالك لبطنك ، ولا أمرك لعرسك . # فلما بلغت الرسالة ابن التوأم ، كره أن يجيب أبا العاص ، لما في ذلك من ~~المناقشة والمباينة ، وخاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك . فكتب هذه وبعث ~~بها إلى الثقفي : PageV02P113 # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد ، فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا ~~، وتنويهه بأسمائنا ، وتشنيعه علينا . وليس يمنعنا من جوابه إلا أنه إن ~~أجابنا لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني ، أحق بالترك من جوابنا له على ~~قوله الأول . فإن نحن جعلنا لابتدائه جوابا ، وجعلنا لجوابه الثاني جوابا ، ~~خرجنا إلى التهاتر وصرنا إلى التخابر . ومن خرج إلى ذلك فقد رضي باللجاج ~~حظا ، وبالسخف نصيبا . # وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى . ومن وقاه الله سوء ~~التكفي وسخفه ، وعصمه من سوء التصميم ونكده ، فقد اعتدلت طباعه ، وتساوت ~~خواطره . ومن قامت أخلاطه على الاعتدال ، وتكافأت خواطره في الوزن ms118 ، لم ~~يعرف من الأعمال إلا الاقتصاد ، ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير ~~والإفراط ؛ لأن الموزون لا يولد PageV02P114 إلا موزونا ، كما أن المختلف ~~لا يولد إلا مختلفا . فالمتابع لا يثنيه زجر ، وليست له غاية دون التلف . ~~والمتكفي ليس له مأتى ولا جهة ، ولا له رقية ، ولا فيه حيلة . وكل متلون في ~~الأرض فمنحل العقد ، ميسر لكل ريح . # فدع عنك خلطة الإمعة ، فإنه حارص لا خير فيه ؛ واجتنب ركوب الجموح ذي ~~النزوات ، فإن غايته القتل الزؤاف ؛ ولا في الحرون ذي التصمم . والمتلون شر ~~من المصمم ، إذ كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها ، ولا جهة يعمل عليها . ~~ولذلك صار العاقل يخدع العاقل ، ولا يخدع الأحمق ؛ لأن أبواب تدبير العاقل ~~وحيلة معروفة ، وطرق خواطره مسلوكه ، ومذاهبه محصورة معدودة . وليس لتدبير ~~الأحمق وحيله جهة واحدة من أخطأها كذب . والخبر الصادق عن الشيء الواحد ~~واحد . والخبز الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد ، ولا يوقف منه على ~~حد . والمصمم قتله بالإجهاز ، والمتلون قتله بالتعذيب . فإن قلنا ، فليس ~~إليه نقصد ، وإن احتججنا ، فليسنا عليه نرد . ولكنا إليك نقصد بالقول ، ~~وإليك نريد بالمشورة . PageV02P115 # وقد قالوا : احفظ سرك ، فإن سرك من دمك . وسواء ذهاب نفسك ، وذهاب ما به ~~يكون قوام نفسك . قال المنجاب العنبري : ' ليس بكبير ما أصلحه المال ' . ~~وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور . ولهذا قالوا في الإبل : ' ~~لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم ' - فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير ~~الإبل أحق بالصون . وقد قضوا بأن حفظ المال أشد من جمعه . ولذلك قال الشاعر ~~: # وحفظك مالا قد عنيت بجمعه . . . أشد من الجمع الذي أنت طالبه # ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها ، حين قال له البائع : دفعتها إليك بطيئة ~~الإجابة ، عظيمة المؤنة . - قال : دفعتها إليك بطيئة الاجتماع ، سريعة ~~التفرق . # والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا . واعلم أن التخلص من نزوات ~~الدرهم وتقلبه - من سكر الغنى - وتفلته شديد . فلو كان إذ تفلت ، كان حارسه ~~صحيح العقل ، PageV02P116 سليم الجوارح ، لرده في عقاله ms119 ، ولشده بوثاق . ~~ولكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه ، بقدر قلقه في يده . # ولا تغتر يقولهم : مال صامت ؛ فإنه أنطق من كل خطيب ، وأنم من كل نمام . ~~فلا تكترث بقولهم : هذين الحجرين ، فتتوهم جمودهما وسكونهما ، وقلة ظعنهما ~~، وطول إقامتهما ؛ فإن عملهما ، وهما ساكنان ، ونقضهما للطبائع ، وهما ~~ثابتان ، أكثر من صنيع السم الناقع ، والسبع العادي . فإن كنت لا تكتفي ~~بصنيعه حتى تمده ، ولا تحتال فيه حتى يحتال له ، فالقبر خير لك من الفقر ، ~~والسجن خير لك من الذل . # وقولي هذا مرة يعقب حلاوة الأبد . فخذ لنفسك بالثقة . فقولك الماضي ، حلو ~~يعقب مرارة الأبد . فخذ لنفسك بالثقة . ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب ~~العود أحزم منك ؛ فإن الشاعر يقول : # أني أتيح لها حرباء تنضبة . . . لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا ~~PageV02P117 # واحذر أن تخرج من مالك درهما ، حتى ترى مكانه خيرا منه . ولا تنظر إلى ~~كثرته ؛ فإن رمل عالج فلو أخذ منه ولم يرد عليه ، لذهب عن آخره . إن القوم ~~قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله ، وفي ذكر الكرم وتشريفه ، وسموا السرف ~~جودا ، وجعلوه كرما . وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنفج ؟ وكيف ~~، والعطاء لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق ، وليس وراء الحق إلى الباطل ~~كرم . وإذا كان الباطل كرما كان الحق لؤما . والسرف - حفظك الله - معصية . ~~وإذا كانت معصية الله كرما ، كانت طاعته لؤما . ولئن جمعهما اسم واحد ، ~~وشملهما حكم واحد ، ومضادة الحق للباطل ، كمضادة الصدق للكذب ، والوفاء ~~للغدر ، والجور للعدل ، والعلم للجهل ، ليجمعن هذه الخصال اسم واحد ، ~~وليشملنها حكم واحد . # وقد وجنا الله عاب السرف ، وعاب الحمية ، وعاب المعصية . ووجدناه خص ~~السرف بما لم يخص به الحمية ؛ لأنه ليس حب المرء لرهطه من المعصية ، ولا ~~أنفقته من الضيم من حمية الجاهلية . وإنما المعصية ما جاوز الحق ، والحمية ~~المعيبة ما تعدى القصد . فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محمودا ومذموما ، وما ~~وجدنا اسم المعصية ، ولا اسم السرف يقع أبدا إلا مذموما . PageV02P118 # وإنما يسر باسم السرف جاهل لا علم له ، أو رجل إنما ms120 يسر به ، لأن أحدا لا ~~يسميه مسرفا حتى يكون عنده قد جاوز حد الجود ، وحكم له بالحق ، ثم أردفه ~~بالباطل . فإن سر من غير هذا الوجه ، فقد شارك المادح في الخطإ ، وشاكله في ~~وضع الشيء في غير موضعه . # وقد أكثروا في ذكر الكرم . وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم ~~يعدمها بعض الذم . وليس شيء يخلوا من بعض النقص والوهن . وقد زعم الأولون ~~أن الكرم يسبب الغبا ، وأن الغبا يسبب البله ، وأنه ليس وراء البله إلا ~~العته . وقد حكوا عن كسرى أنه قال : ' احذروا صولة الكريم إذا جاع ، ~~واللئيم إذا شبع ' - وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف ، أم جاع وكذب وضرع وأسف . ~~وسواء جاع فظلم غيره ، أم جاع فظلم نفسه . # والظلم لؤم . وإن كان الظلم ليس بلؤم ، فالإنصاف ليس بكرم . فالجود إذا ~~كان لله كان شكرا له ، والشكر كرم . ولن يكون الجود - إذا كان معصية - كرما ~~. فكيف يتكرم من PageV02P119 يتوصل بأياديك إلى معصيتك ؟ وبنعمتك إلى سخطك ~~؟ فليس الكرم إلا الطاعة . وليس اللؤم إلا المعصية ، وليس بجود ما جاوز ~~الحق ، وليس بكرم ما خالف الشكر . ولئن كان مجاوز الحق كريما ، ليكونن ~~المقصر دونه كريما . # فإن قضيتم بقول العامة ، فالعامة ليست بقدوة . وكيف يكون قدوة من لا ينظر ~~ولا يحصل ، ولا يفكر ولا يمثل ؟ وإن قضيتم بأقاويل الشعراء ، وما كان عليه ~~أهل الجاهلية الجهلاء ، فما قبحوه مما لا يشك في حسنه ، أكثر من أن نقف ~~عليه ، أو نتشاغل باستقصائه . # على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر ، كما أنه ليس ببخل إلا ما أوجب ~~اللؤم . ولن تكون العطية نعمة على المعطى ، حتى تراود بها نفس ذلك المعطى . ~~ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد . # وكل من كان جوده يرجع إليه ، ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك ، ولو تهيأ ~~له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك - فإنما جعلك معبرا لدرك حاجته ، ~~ومركبا لبلوغ محبته . ولولا بعض القول ، لوجب لك عليه حق يجب به الشكر . ~~فليس يجب لمن كان كذلك شكر ، وإن ms121 انتفعت بذلك منه ، إذا كان لنفسه عمل ، ~~لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك ، لما تخطاه إليك . PageV02P120 # وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ، ويشكر على النفع في حجة العقل - الذي إن ~~جاد عليك ، فلك جاد ، ونفعك أراد ، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من ~~المنافع ، على جهة من الجهات ، وهو الله وحده لا شريك له . # فإن شكرنا للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم ، فإنما هو لأمرين : ~~أحدهما التعبد ، وقد نعبد الله بتعظيم الوالدين ، وإن كانا شيطانين ، ~~وتعظيم من هو أسن منا ، وإن كنا أفضل منه . والآخر ، لأن النفس ما لم تحصل ~~الأمور وتميز المعاني ، فالسابق إليها حب من جرى لها على يده خير ، وإن كان ~~لم يردها ، ولم يقصد إليها . ووجدنا عطية الرجل لصاحبه لا تخلوا أن تكون ~~لله ، أو لغير الله . فإن كانت لله ، فثوابه على الله . وكيف يجب علي في ~~حجة العقل شكره ، وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني ؟ - وإما ~~أن يكون إعطاؤه إياي للذكر . فإذا كان الأمر كذلك ، فإنما جعلني سلما إلى ~~تجارته ، وسببا إلى بغيته ؛ أو يكون إعطاؤه إياي من طريق الرحمة والرقة ، ~~ولما يجد في فؤاده من الغصة والألم ، فإن كان لذلك أعطى ، فإنما داوى نفسه ~~من دائه ، وكان كالذي رفه من خناقه . وإنه كان إنما أعطاني من خوف يدي أو ~~لساني ، أو اجترار معونتي ونصرتي ، فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصلنا . ~~PageV02P121 # فلاسم الجود موضعان : أحدهما حقيقة ، والآخر مجاز . فالحقيقة ما كان من ~~الله ، والمجاز المشتق له من هذا الاسم . وما كان لله كان ممدوحا ، وكان ~~لله طاعة . فإذا لم تكن العطية من الله ولا لله ، فليس يجوز هذا فيما سموه ~~جودا ، فما ظنك بما سموه سرفا ؟ أفهم ما أنا مورده عليك ، وواصفه لك : إن ~~التربح والتكسب والإستئكال بالخديعة والطعم الخبيثة فاشيةغالبة ، ومستفيضة ~~ظاهرة . على أن كثيرا ممن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرم ، وغلى الصيانة ~~والتوقي ، ليأخذ من ذلك بنصيب واف . فما ظنك بدهماء الناس وجمهورهم ؟ بل ms122 ما ~~ظنك بالشعراء والخطباء الذين إنما تعلموا المنطق لصناعة التكسب ؟ وهؤلاء ~~قوم بودهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حد السلامة غلى الغفلة ، حتى لا يكون ~~للأموال حارس ، ولا دونها مانع . # فاحذرهم ، ولا تنظر إلى بزة أحدهم ، فإن المسكين أقنع منه ، ولا تنظر غل ~~موكبه ، فإن السائل أعف منه . واعلم أنه مسك مسكين ، وإن كان في ثياب جواد ~~، وروحه روح نذل ، وإن كان في جرم ملك . وإن اختلفت وجوه مسألتهم ، واختلفت ~~أقدار مطالبهم ، فهو مسكين . إلا أن واحدا يطلب العلق ، وآخر يطلب الخرق ، ~~وآخر PageV02P122 يطلب الدوانيق ، وآخر يطلب الألوف . فجهة هذا هي جهة هذا ~~، وطعمة هذا هي طعمة هذا . وإنما يختلفون في أقدار ما يطلبون ، على قدر ~~الحذق والسبب . فأحذر رقاهم وما نصبوا لك من الشرك ، واحرس نعمتك وما دسوا ~~لها من الدواهي . واعمل على أن سحرهم يسترق الذهن ، ويختطف البصر . قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا . وسمع عمر بن عبد ~~العزيز رجلا يتكلم في حاجة فقال : هذا والله سحر الحلال . وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : لا خلابة - واحذر احتمال مديحهم ، فإن محتمل ~~المديح في وجهه ، كمادح نفسه . # إن مالك لا يسع مريديه ، ولا يبلغ رضا طالبيه . ولو أرضيتهم بإسخاط مثلهم ~~، لكان ذلك خسرانا مبينا . فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى ؟ وهجاء الساخط أضر ~~من فقد مديح الراضي . وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم ، وتداولوك بسهامهم ، ~~لم تر ممن أرضيته بإشخاطهم أحدا يناضل عنك ، ولا يهاجي شاعرا دونك . بل ~~يخليك غرضا لسهامهم ، ودريئة لنبالهم . ثم يقول : وما كان عليه لو أرضاهم ! ~~فكيف يرضيهم ورضا الجميع شيء لا ينال ؟ وقد قال الأول : وكيف يتفق رضا ~~المختلفين ؟ وقالوا : منع الجميع أرضى للجميع . PageV02P123 # إني أحذرك مصارع المخدوعين ، وأرفعك عن مضاجع المغبونين . إنك لست كمن لم ~~يزل يقاسي تعذر الأمور ، ويتجرع مرارة العيش ، ويتحمل ثقل الكد ، ويشرب ~~بكأس الذل ، حتى كان يمرن على ذلك جلده ، ويسكن عليه قلبه . وفقر مثلك ~~مضاعف الألم ، وجزع من لم يعرف الألم أشد ms123 . ومن لم يزل فقيرا فهو لا يعرف ~~الشامتين ، ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين ، ولا يلام على فقره ، ولا ~~يصير موعظة لغيره وحديثا يبقى ذكره ، ويلعنه بعد الممات ولده . # ودعني من حكايات المستأكلين ، ورقي الخادعين ؛ فما زال الناس يحفظون ~~أموالهم من مواقع السرف ، ويخبئونها من وجوه التبذير . ودعني مما لا نراه ~~إلا في الأشعار المتكلفة ، والأخبار المولدة ، والكتب الموضوعة . فقد قال ~~بعض أهل زماننا : ذهبت المكارم إلا من الكتب ! فخذ فيما تعلم ، ودع نفسك ~~مما لا تعلم . هل رأيت أحدا قط أنفق ماله على قوم كان غناهم سبب فقره ، أنه ~~سلم عليهم حين افتقر ، فردوا عليه - فضلا على غير ذلك ؟ أولست قد رأيتهم ~~بين محمق ، ومحتجب عنه ، وبين من يقول : فهلا أنزل حاجته بفلان الذي كان ~~يفضله ويقدمه ويؤثره ويخصه ؟ - ثم لعل بعضهم أن يتجنى عليه ذنوبا ، ليجعلها ~~عذرا PageV02P124 في منعه ، وسببا إلى حرمانه . قال الله جل ذكره : ' يوم ~~يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ' . # فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر ، والأمر والنهي ؛ وأنت سالم العقل ~~والعرض وافر المال ، حسن الحال . فاتق أن أقوم غدا على رأسك بالتقريع ~~والتعبير ، والتوبيخ والتأنيب ، وأنت عليل القلب ، مختل العرض . عديم من ~~المال ، سيئ الحال . # ليس جهد البلاء مد الأعناق ، وانتظار وقع السيوف ؛ لأن الوقت قصير ، ~~والحس مغمور . ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة ، وتطول المدة ، وتعجز الحيلة ~~؛ ثم لا تعدم صديقا مؤنبا ، وابن عم شامتا ، وجارا حاسرا ، ووليا قد تحول ~~عدوا ، وزوجة مختلعة ، وجارية مستبيعة ، وعبدا يحقرك ، وولدا ينتهرك . # فانظر أين موقع فوت الثناء ، من موقع ما عددنا عليك من البلاء ؟ على أن ~~الثناء طعم ، ولعلك ألا تطعمه ، والحمد أرزاق ، ولعلك ألا تحرمه . ~~PageV02P125 # وما يضيع من إحسان الناس أكثر . وعلى أن الحفظ قد ذهب بموت أهله . ألا ~~ترى أن الشعر لما كسد أفحم أهله ، ولما دخل النقص على كل شيء أخ الشعر منه ~~بنصيبه ، ولما تحولت الدولة في العجم - والعجم لا ms124 تحوط الأنساب ، ولا تحفظ ~~المقامات - لأن من كان في الريف والكفاية ، وكان مغمورا بسكر الغنى ، كثر ~~نسيانه ، وقلت خواطره . ومن احتاج تحركت همته ، وكثر تنقيره . # وعيب الغني أنه يورث البلادة ، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر . وإن أنت ~~صحبت الغني بإهمال النفس ، أسكرك الغني . وسكر الغني سبة المستأكلين ، ~~وتهمة الخداعين . وإن كنت لا ترضى بحظ النائم ، وبعيش البهائم ، وأحببت أن ~~تجمع مع تمام نفس المثري ، ومع عز الغني وسرور القدرة ، فطنة المخف ، ~~وخواطر المقل ، ومعرفة الهارب ، واستدلال الطالب - اقتصدت في الإنفاق ، ~~وكنت معدا للحدثان ، ومحترسا من كل خداع . PageV02P126 # لست تبلغ حيل لصوص النهار ، وحيل سراق الليل ، و حيل طراق البلدان ، وحيل ~~أصحاب الكيمياء ، وحيل التجار في الأسواق ، والصناع في جميع الصناعات ، ~~وحيل أصحاب الحروب ، وحيل المستأكلين والمتكسبين ولو جمعت الخبر والسحر ~~والتمائم و السم ، لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلا ، وأعرض ، وأسرى في عمق ~~البدن ، وأدخل إلى سويداء القلب ، وإلى أم الدماغ ، وإلى صميم الكبد ولهي ~~أدق مسلكا ، وأبعد غاية من العرق الساري ، والشبه النازع ، ولو اتخذت ~~الحيطان الرفيعة الثخينة ، والأقفال المحكمة الوثيقة ؛ ولو اتخذت الممارق ~~والجواسق ، والأبواب الشداد ، والحرس المتناوبين بأغلظ المؤن ، وأشد الكلف ~~، وتركت التقدم فيما هو أحضر ضررا وأدوم شرا ، ولا غرم عليك في الحراسة فيه ~~، ولا مشقة عليك في التحفظ منه . PageV02P127 # إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سم الخياط جعلوا فيه نهجا ، ولقي رحبا . ~~فأحكم بابك ، بل أدم إصفاقه ، فهو أولى بك ، بل إن قدرت على مصمت لا حيلة ~~فيه ، فذلك أشبه بحزمك . # ولو جعلت الباب مبهما والقفل مصمتا ، لتسوروا عليك من فوقك . ولو رفعت ~~سمكة إلى العيوق ، لنقبوا عليك من تحتك . قال أبو الدرداء : نعم صومعة ~~المؤمن بيته . وقال ابن سيرين : العزلة عبادة . # حلاوة حديثهم تدعو إلى الاستكثار منهم ، وتدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم . ~~فمن ذلك قول بعضهم لبعض أصحابه : كل رخلة ، واشرب مشعلا ، ثم تجشأ واحدة ، ~~لو أن عليها رحى لطحنت ! ومن ذلك قول الآخر ، حين دخل على قوم وهم يشربون ، ~~وعندهم قيلن ، فقالوا ms125 : اقترح أي صوت شئت ، قال : أقترح نشيش مقلي ! ~~PageV02P128 ومن ذلك قول المديني : من تصبح بسبع موزات ، وبقدح من لبن ~~الأوراك ، تجشأ بخور الكعبة . # ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء وقدامهم خبيص : أيما أطيب ؟ هذا أو الفالوذج ~~أواللوزينج ؟ قال : لا أقضي على غائب . ومن ذلك كلام الجارود بن أبي سبرة ، ~~لبلال بن أبي بردة ، حين قال له : صف لي عبد الأعلى وطعامه . قال : يأتيه ~~الخباز فيمثل بين يديه ، فيقول : ما عندك ؟ فيقول : عندي جدي كذا ، وعناق ~~كذا ، وبطة كذا - حتى يأتي على جميع ما عنده . قال : وما يدعوه إلى هذا ؟ ~~قال : ليقتصر كل امرئ في الأكل ؛ حتى إذا أتي بالذي يشتهي ، بلغ منه حاجته ~~. قال : ثم ماذا ؟ قال : ثم يؤتى بالمائدة فيتضايقون ، حتى يخوي تخوية ~~الظليم . فيجدون ويهزل ؛ حتى إذا فتروا أكل أكل الجائع المقرور . ~~PageV02P129 # وقال آخر : أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل ، ورقطاء من الحمص ، ذات جفافين ~~من اللحم ، لها جناحان من العراق ، أضرب فيها ضرب اليتيم عند وصي السوء ! ~~وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام ، وما قسم لكل قوم منه ، فقال : ذهبت ~~الروم بالجشيم والحشو ، وذهبت فارس بالبارد والحلو . وقال عمر : لفارس ~~الشفارج والحموض . فقال دوسر المديني : لنا الهرائس والقلايا ، ولأهل البدو ~~اللبأ والسلاء ، والجراد والكمأة ، والخبزة في الرائب ، والتمر بالزبد . # وقد قال الشاعر : # ألا ليت خبزا قد تسربل رائبا . . . وخيلا من البرني فرسانها الزبد # ولهم البرمة والخلاصة والحيس والوطيئة . PageV02P130 # وقال أعرابي : أتينا ببر كأفواه البعران ، فخبزنا منه خبزة زيت في النار ~~، فجعل الجمر يتحدر عنها تحدر الحشو عن البطان . ثم ثردناها ، فجعل الثريد ~~يجول في الإهالة جولان الضبعان في الضفرة . ثم أتينا بتمر كأعيان الورلان ، ~~يوحل في الضرس . # ونعت السويق بأنه من عدد المسافر ، وطعام العجلان ، وغذاء المبكر ، وبلغة ~~المريض . يشد فؤاد الحزين ، ويرد من نفس المحدود . وحيد في السمين ، ومنعوت ~~في الطيب . قفاره يجلو البلغم ، ومسمونه يصفي الدم ، إن شئت كان ثريدا ، ~~وإن شئت كان خبيصا ، وإن شئت كان طعاما ، وإن شئت كان شرابا . # وقيل لبعض هؤلاء اللعامظة ms126 والمستأكلين والسفافين المقفعين ، ورئي سمينا : ~~ما أسمنك ؟ قال : أكلي الحار ، وشربي القار ، والاتكاء على شمالي ، وأكلي ~~من غير مالي . PageV02P131 # وقد قال الشاعر : # وإن امتلأ البطن في حسب الفتى . . . قليل الغناء وهو في الجسم صالح # وقيل لآخر : ما أسمنك ؟ قال : قلة الفكرة ، وطول الدعة ، والنوم على ~~الكظة . # وقال الحجاج للغضبان بن القبعثري : ما أسمنك ؟ قال : القيد والرتعة . ومن ~~كان في ضيافة الأمير سمن . # وقيل لآخر : إنك لحسن السمنة . قال : آكل لباب البر ، وصغار المعز ، ~~وأدهن بخام البنفسج ، وألبس الكتان . # والله لو كان من يسأل يعطى ، لما قام كرم العطية بلؤم المسألة . ومدار ~~الصواب على طيب المكسبة ، والاقتصاد في النفقة . وقد قال بعض العرب : اللهم ~~إني أعوذ بك من بعض الرزق ، حين رأى نافجة من ماله من صداق أمه . # وأي سائل كان ألحف مسألة من الخطيئة وألأم ؟ ومن ألأم من جرير بن الخطفي ~~وأبخل ؟ ومن أمنع من كثير ؟ وأشح من ابن هرمة ؟ ومن كان يشق غبار ~~PageV02P132 ابن أبي حفصة ؟ ومن كان يصطلي بنار أبي العتاهية ؟ ومن كأبي ~~نواس في بخله ؟ أو كان كأبي يعقوب الخريمي في دقة نظره وكثرة كسبه ؟ ومن ~~كان أكثر نحرا لجزرة لم تخلق من ابن هرمة ، وأطعن برمح لم ينبت ، وأطعم ~~لطعام لم يزرع من الخريمي ؟ فأين أنت عن ابن يسير ؟ وأين تذهب عن ابن أبي ~~كريمة ؟ ولم تقصر في ذكر الرقاشي ، ولم تذكر سره ؟ إن الأعرابي شر من ~~الحاضر ، سائل جبار ، وثابة ملاق ؛ إن مدح كذب ، وإن هجا كذب ، وإن سب كذب ~~، وإن طمع كذب . لا يعرفه إلا نطف أو أحمق ، ولا يعطيه غلا من يحبه ، ولا ~~يحبه غلا من هو في طباعه . PageV02P133 # ما أبطأكم عن البذل في الحق ! وأسرعكم إلى البذل في الباطل ! فإن كنتم ~~الشعراء تفضلون ، وإلى قولهم ترجعون ، فقد قال الشاعر : # قليل المال تصلحه فيبقى . . . ولا يبقى الكثير على الفساد # وقد قال الشماخ بن ضرار : # لمال المرء يصلحه فيغني . . . مفاقره أعف من القنوع # وقال أحيحة بن الجلاح : # استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ms127 . . . من ابن عم ولا عم ولا خال # إني أكب على الزوراء أعمرها . . . إن الكريم على الأقوام ذو مال # وقال أيضا : # استغن عن كل ذي قربى وذي رحم . . . إن الغني من استغنى عن الناس # والبس عدوك في رفق وفي دعة . . . لباس ذي إربة للدهر لباس # ولا يغرنك أضغان مزملة . . . قد يضرب الدبر الدامي بأحلاس وقال سهل بن ~~هارون : # إذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي . . . من أن يراني غنيا عنه بالياس ~~PageV02P134 # فلا يراني إذا لم يرع آصرتي . . . مستمر يا دررا منه بإبساس # لا أطلب المال كي أغني بفضلته . . . ما كان مطلبه فقرا إلى الناس # وقال أبو العتاهية : # أنت ما استغنيت عن صا . . . حبك الدهر أخوه # فإذا احتجت إليه . . . ساعة مجك فوه # وقال أحيحة بن الجلاح : # فلو أني أشاء نعمت بالا . . . وباكرني صبوح أو نشيل # ولاعبني على الأنماط لعس . . . على أنيابهن الزنجبيل # ولكني خلقت إزاء مال . . . فأبخل بعد ذلك أو أنيل # وقال آخر : # أبا مصلح أصلح ولا تك مفسدا . . . فإن صلاح المال خير من الفقر # ألم تر أن المرء يزداد عزة . . . على قومه أن يعلموا أنه مثري ؟ # وقال عروة بن الورد : # ذريني للغنى أسعى فإني . . . رأيت الناس شرهم الفقير PageV02P135 # وأبعدهم وأهونهم عليهم . . . وإن أمسى له نسب وخير # ويقصى في الندى وتزدريه . . . حليلته وينهره الصغير # وتلقى ذا الغنى وله جلال . . . يكاد فؤاد صاحبه يطير # قليل ذنبه والذنب جم . . . ولكن الغني رب غفور # وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : # تلك عرساي تنطقان على عم . . . د لي اليوم قول زور وهتر # سالتاني الطلاق أن رأتا مالي قليلاقد جئتماني بنكر # فلعلي أن يكثر المال عندي . . . ويعرى من المغارم ظهري # ويرى أعبد لنا وأواق . . . ومناصيف من خوادم عشر # وتجر الأذيال في نعمة زو . . . ل ، تقولان : ضع عصاك لدهر # وى كأن من يكن له نشب يح . . . بب ، ومن يفتقر يعش عيش ضر # ويجنب سر النجى ولكن . . . أخا الفقر محضر كل شر PageV02P136 # وقال آخر : # وللمال مني جانب لا أضيعه . . . وللهو مني والبطالة جانب # وقال الأخنس بن شهاب ms128 : # وقد عشت دهرا والغواة صحابتي . . . أولئك إخواني الذين أصاحب # فأديت عني ما استعرت من الصبا . . . وللمال مني اليوم راع وكاسب # وقال ابن أذينة الثقفي : # أطعت العرس في الشهوات حتى . . . أعادتني عسيفا عبد عبد # إذا ما جئتها قد بعت عتقا . . . تعانق أو تقبل أو تفدى # فمن وجد الغنى فليصطنعه . . . ذخيرته ويجهد كل جهد # وقال : # من يجمع المال ولا يثبه . . . ويترك العام لعام جدبه # يهن على الناس هوان كلبه # وقد قيل في المثل : الكد قبل المد ، وقال لقيط : الغزو أدر للقاح ، وأحد ~~للسلاح . PageV02P137 # وقال أبو المعافى : # وإن التواني أنكح العجز بنته . . . وساق إليها حين زوجها مهرا # فراشا وطيئا ، ثم قال لها : اتكيفقصركما لابد أن تلدا الفقرا # وقال عثمان بن أبي العاص : ساعة لدنياك ، وساعة لآخرتك . وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : أنهاكم عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال . ~~وقال : خير الصدقة ما أبقى غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ ~~بمن تعول . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' الثلث . والثلث كثير ؛ إنك ~~إن تدع ولدك أغنياء ، خير من أن يتكففوا الناس ' . وقال ابن عباس : وددت أن ~~الناس غضوا من الثلث شيئا ، لقول النبي عليه السلام : الثلث . والثلث كثير ~~. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت . # وأنتم ترون أن المجد والكرم أن أفقر نفسي بإغناء غيري ، وأن أحوط عيال ~~غيري بإضاعة عيالي ! وقال في ذلك ابن هرمة : # كتاركة بيضها بالعراء . . . وملبسة بيض أخرى جناحا PageV02P138 # وقال آخر : # كمفسد أدناه ومصلح غيره . . . ولم يأتمر في ذاك أمر صلاح # وقال آخر : # كمرضعة أولاد أخرى وضيعت . . . بنيها ولم ترقع بذلك مرقعا # وقال الله تبارك وتعالى : ' ولا تبذر تبذيرا ، إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين ' . وقال : ' ويسألونك ماذا ينفقون ، قل العفو ' . فأذن في العفو ~~ولم يأذن في الجهد ، وأذن في الفضول ولم يأذن في الأصول . وأراد كعب بن ~~مالك أن يتصدق بماله . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك مالك ~~. فالنبي صلى الله عليه وسلم يمنعه من إخراج ms129 ماله في الصدقة ، وأنتم ~~تأمرونه بإخراجه في السرف والتبذير ! وخرج غيلان بن سلمة من جميع ماله ، ~~فأكرهه عمر على الرجوع فيه ، وقال : لو مت لرجمت قبرك ، كما يرجم قبر أبي ~~رغال . # وقال الله جل وعز : ' لينفق ذو سعة من سعته . ومن قدر عليه رزقه فلينفق ~~مما آتاه الله ' . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يكفيك ما بلغك المحل . وقال : ما قل ~~وكفى ، خير مما PageV02P139 كثر وألهى . وقال الله تبارك وتعالى : ' والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ، وكان بين ذلك قواما ' . وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : إن المنبت لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى . وقال الله جل ~~ذكره : ' ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا ' . # ولذلك قالوا : خير مالك ما نفعك ، وخير الأمور أواسطها ، وشر السير ~~الحقحقة ، والحسنة بين السيئتين . وقالوا : دين الله بين المقصر والغالي . ~~وقالوا حنيفة المثل : بينهما يرمى الرامي . وقالوا : عليك بالسداد ~~والاقتصاد ، ولا وكس ولا شطط . وقالوا : بين الممخة والعجفاء . وقالوا : لا ~~تكن حلوا فتبتلع ، ولا مرا فتلفظ . وقالوا في المثل : ليس الري عن التشاف . ~~وقالوا : يا عاد اذكر حلا . وقالوا : الرشف أنقع للظمآن . وقالوا : القليل ~~الدائم أكثر من الكثير PageV02P140 المنقطع . وقال أبو الدرداء : إني ~~لأستجم نفسي ببعض الباطل ، كراهة أن أحمل عليها من الحق ما ملها . # وقال الشاعر : # وإني لحلو تعتريني مرارة . . . وإني لصعب الرأس غير جموح # وقالوا في عدل المصلح ولائمة المقتصد : الشحيح أعذر من الظالم . وقالوا : ~~ليس من العدل سرعة العذل . وقالوا : لعل له عذرا وأنت تلوم . وقالوا : رب ~~لائم مليم . وقال الأحنف : رب ملوم لا ذنب له . وقال : إعطاء السائل تضرية ~~، وإعطاء الملحف مشاركة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تصلح المسألة ~~إلا في ثلاث : فقر مدقع ، وغرم مفظع ، ودم موجع . # وقال الشاعر : # الحر يلحى والعصا للعبد . . . وليس للملحف غير الرد # وقالوا : إذا جد السؤال ، جد المنع . وقالوا : احذر إعطاء المخدوعين ، ~~وبذل المغبونين ، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور . ولذلك قالوا : لا تكن ~~أدنى ms130 العيرين إلى السهم . يقول : PageV02P141 إذا أعطيت السائلين مالك ، ~~صارت مقاتلك أظهر لأعدائك من مقاتلهم . وقالوا : الفرار بقراب أكيس . وقال ~~أبو الأسود : ليس من العز أن تتعرض للذل ، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم . ~~ومن أخرج ماله من يده افتقر ، ومن افتقر فلا بد له من أن يضرع ، والضرع لؤم ~~. وإن كان الجود شقيق الكرم ، فالأنفة أولى بالكرم . وقد قال الأول : اللهم ~~لا تنزلي ماء سوء ، فأكون امرأ سوء . # وقد قال الشاعر : # واخط مع الدهر إذا ما خطا . . . واجر مع الدهر كما يجري # وقد قال الآخر : # يا ليت لي نعلين من جلد الضبع . . . وشركا من ثغرها لا تنقطع # كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع # وقد صدق قول القائل : من احتاج اغتفر ، ومن اقتضى تجوز . وقيل لريسيموس : ~~PageV02P142 تأكل في السوق ؟ قال : إن جاع ريسيموس في السوق ، أكل في السوق ~~. وقال : من أجدب انتجع ، ومن جاع جشع . وقال : احذروا نفار النعمة ، فإنها ~~نوار ؛ وليس كل شارد بمردود ، ولا كل ناد بمصروف ، وقال علي بن أبي طالب : ~~قلما أدبر شيء فأقبل . وقالوا : رب أكلة تمنع أكلات ، ورب عجلة تهب ريثا . ~~وعابوا من قال : أكلة وموتة . وقالوا : لا تطلب أثرا بعد عين . وقالوا : لا ~~تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن . فانظر كيف ~~تخرج الدرهم ؟ ولم تخرجه ؟ . وقالوا : شر من المررئة سوء الخلف . # وقال الشاعر : # إن يكن ما به أصبت جليلا . . . فذهاب العزاء فيه أجل # ولأن تفتقر بجائحة نازلة ، خير لك من أن تفتقر بجناية مكتسبة . ومن كان ~~سببا لذهاب وفره ، لم تعدمه الحسرة من نفسه ، واللائمة من غيره ، وقلة ~~الرحمة ، وكثرة الشماتة ، مع الإثم PageV02P143 الموبق ، والهوان على ~~الصاحب . وذكر عمر بن الخطاب فتيان قرش ، وسرفهم في الإنفاق ، ومسابقتهم في ~~التبذير ، فقال : لخرقة أحدهم أشد علي من عيلته يقول : إن إغناء الفقير ، ~~أهون علي من إصلاح الفاسد . ولا تكن على نفسك أشأم من خوتعة ، وعلى أهلك ~~أشأم من البسوس ، وعلى قومك أشأم من عطر مشم . ومن سلط الشهوات على ماله ، ~~وحكم ms131 الهوى في ذات يده ، فبقي حسيرا ، فلا يلومن إلا نفسه . وطوبى لك يوم ~~تقدر على قديم تنتفع به . # وقال بعض الشعراء : # أرى كل قوم يمنعون حريمهم . . . وليس لأصحاب النبيذ حريم # أخوفهم إذا ما دارت الكأس بينهم . . . وكلهم رث الوصال سئوم # فهذا بياني ، لم أقل بجهالة . . . ولكنني بالفاسقين عليم # وقد كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد . فأما اليوم فقد استوى الناس . ~~PageV02P144 # قال الأضبط بن قريع ، لما انتقل في القبائل فأساءوا جواره ، بعد أن تأذى ~~ببني سعد : بكل وا بنو سعد . # خذ بقولي ، ودع قول أبي العاص . وخذ بقول من قال : عش ولا تغتر ؛ وبقول ~~من قال : لا تطلب أثرا بعد عين ؛ وبقول من قال : املأ حبك من أول مطرة ، ~~ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك . أخوك من صدقك ، ومن أتاك من جهة عقلك ، ولم ~~يأتك من جهة شهوتك . وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك ، ولم تأمن لائمته ~~إياك في غدك . # وقال الآخر : # إن أخاك الصدق من لن يخدعك . . . ومن يضير نفسه لينفعك # وقال عبيد بن الأبرص : # واعلمن علما يقينا أنه . . . ومن يرجى لك من ليس معك PageV02P145 # ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك ، وعين من عقلك على طباعك ؛ أو ما ~~كان لك أخ نصيح ، ووزير شفيق . والزوجة الصالحة عون صدق . والسعيد من وعظ ~~بغيرة . # فإن أنت لم ترزق من هذا الخصال صل واحدة ، فلابد لك من نكبة موجعة ، يبقى ~~أثرها ، ويلوح لك ذكرها . ولذلك قالوا : خير مالك ما نفعك . ولذلك قالوا : ~~لم يذهب من مالك ما وعظك . # إن المال محروص عليه ، ومطلوب في قعر البحار ، وفي رءوس الجبال ، وفي دغل ~~الغياض ؛ ومطلوب في الوعورة كما يطلب في السهولة . وسواء فيها بطون الأودية ~~، وظهور الطرق ، ومشارق الأرض ومغاربها . فطلبت بالعز ، وطلبت بالذل ، ~~وطلبت بالوفاء ، وطلبت بالغدر ؛ وطلبت بالنسك ، كما طلبت بالفتك ، وطلبت ~~بالصدق ، كما طلبت بالكذب ؛ وطلبت بالبذاء ، وطلبت بالملق - فلم تترك فيها ~~حيلة ولا رقية ؛ حتى طلبت بالكفر بالله ، كما طلبت بالإيمان . وطلبت بالسخف ~~، كما طلبت ms132 بالنبل . فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع ، ونصبوا الشرك بكل ربع . ~~وقد طلبك من لا يقصر دون الظفر . وحسدك من لا ينام دون الشفاء . # وقد يهدأ الطالب الطوائل ، والمطلوب بذات نفسه ، ولا يهدأ الحريص . يقال ~~إنه ليس في الأرض بلدة واسطة ، ولا بادية شاسعة ، ولا طرف من الأطراف ، إلا ~~وأنت واجد بها PageV02P146 المديني والبصري والحيري . وقد ترى شنف الفقراء ~~للأغنياء ، وتسرع الرغبة إلى الملوك ، وبغض الماشي للراكب ، وعموم الحسد في ~~المتفاوتين . # وإن لم تستعمل الحذر ، وتأخذ بنصيبك من المداراة ، وتتعلم الحزم ، وتجالس ~~أصحاب الاقتصاد ، وتعرف الدهور - ودهرك خاصة - وتمثل لنفسك الغير ، حتى ~~تتوهم نفسك فقيرا ضائعا ، وحتى تتهم شمالك على يمينك ، وسمعك على بصرك ، ~~ولا يكون أحد أتهم عند نفسك من ثقتك ، ولا أولى بأخذ الحذر منه من أمينك - ~~اختطفت اختطافا ، واستلبت استلابا ، وذوبوا مالك وتحيفوه ، وألزموه السل ~~ولم يداووه . وقد قالوا : بلي المال ربه ، وإن كان أحمق . فلا تكونن دون ~~ذلك الأحمق . وقالوا : لا تعدم صناع ثلة . فلا تكونن دون تلك الصناع . وقد ~~قال الأول في المال المضيع المسلط عليه شهوات العيال : ليس لها راع ، ولكن ~~حلبة . # وليس مالك المال المعفى من الأضراس ، فيقال فيه : مرعى ولا أكولة ، وعشب ~~ولا بعير . فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم ببطنك وبحوائجك وبما ينوبك . ولا ~~بقاء للمال على قلة الرعي ، وكثرة الحلب . PageV02P147 # فكس في أمرك ، وتقدم في حفظ مالك ؛ فإن من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين . ~~والأكرمان : الدين والعرض . وقد قيل : للرمي يراش السهم ، وعند النطاح تغلب ~~القرناء . # وإذا رأت العرب مستأكلا وافق غمرا قالت : ليس عليك نسجه ، فاسحب وخرق . ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الناس كلهم سواء كأسنان المشط ، ~~والمرء كثير بأخيه ' ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك ما يرى لنفسه . فتعرف ~~شأن أصحابك ، ومعنى جلسائك . فإن كانوا في هذه الصفة فاستعمل الحزم ، وإن ~~كانوا في خلاف ذلك عملت على حسب ذلك . إني لست أمرك إلا بما أمرك به القرآن ~~. ولست أوصيك إلا بما أوصاك به الرسول ms133 . ولا أعظك إلا بما وعظ به الصالحون ~~بعضهم بعضا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' اعقلها وتوكل ' . وقال ~~مطرف بن الشخير : من نام تحت صدف مائل ، وهو ينوي التوكل ، فليرم بنفسه من ~~طمار ، وهو ينوي التوكل ! فأين التوقي الذي أمر الله به ؟ وأين التغرير ~~الذي PageV02P148 نهى عنه ؟ ومن طمع في السلامة من غير تسلم ، فقد وضع ~~الطمع في موضع الأماني . وإنما ينجز الله الطمع ، إذا كان فيما أمر به ، ~~وإنما يحقق من الأمل ، ما كان هو المسبب له . # وفر عمر من الطاعون ، فقال له أبو عبيدة : أتفر من قدر الله ؟ قال نعم ، ~~إلى قدر الله وقيل له : هل ينفع الحذر من القدر ؟ فقال : لو كان الحذر لا ~~ينفع ، لكان الأمر به لغوا . # فإبلاء العذر هو التوكل . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل قال في ~~خصومة : حسبي الله : أبل الله عذرا ، فإذا أعجزك أمر فقل : حسبي الله . # وقال الشاعر : # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا . . . من المال يطرح نفسه كل مطرح # ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجة . . . ومبلغ نفس عذرها مثل منجح # وقال الآخر : # فإن لم يكن القاضي قضى غير عادل . . . فبعد أمور لا ألوم لها نفسي # وقال زهير البابي : إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالي أيقنت بالخلف ، ~~وجعلت الخلف مالا يرجع في كيسي ، ومتى ما لم أحفظه أيقنت بأنه محفوظ ، فإني ~~أشهدكم أني لم أتوكل قط . إنما التوكل أن تعلم أنك متى أخذت بأدب الله أنك ~~تتقلب في الخير ، فتجزى بذلك PageV02P149 إما عاجلا وإما آجلا - ثم قال : ~~فلم تجر أبو بكر ؟ ولم تجر عمر ؟ ولم تجر عثمان ؟ ولم تجر الزبير ؟ ولم تجر ~~عبد الرحمن ؟ ولم علم عمر الناس يتجرون ، وكيف يشترون ويبيعون ؟ ولم قال ~~عمر : إذا اشتريت جملا فاجعله ضخما ، فإن لم يبعه الخبر باعه المنظر ؟ ولم ~~قال عمر : فرقوا بين المنايا ، واجعلوا الرأس رأسين . ولم قال عثمان حين ~~سئل عن كثرة أرباحه ، قال : لم أرو من ربح قط . ولم قيل : لا تشتر عيبا ولا ~~شيبا ms134 ؟ وهل حجر علي بن أبي طالب على ابن أخيه عبد الله بن جعفر إلا في ~~إخراج المال في غير حقه ، وإعطائه في هواه ؟ وهل كان ذلك إلا في طلب الذكر ~~والتماس الشكر ؟ وهل قال أحد : إن إنفاقه كان في الخمور والقمار ، وفي ~~الفسولة والفجور ؟ وهل كان إلا فيما تسمونه جودا ، وتعدونه كرما ؟ ومن رأى ~~أن يحجر على الكرام لكرمهم ، رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم . وأي إمام ~~بعد أبي بكر تريدون ؟ وبأي سلف بعد علي تفتدون ؟ . PageV02P150 # وكيف نرجو الوفاء ، والقيام بالحق ، والصبر على النائبة ، من عند لعموظ ~~مستأكل ، وملاق مخادع ، ومنهوم بالطعام شره ، لا يبالي بأي شيء أخذ الدرهم ~~؟ ومن أي وجه أصاب الدينار ؟ ولا يكترث للمنة ، ولا يبالي أن يكون أبدا ~~منهوما ، منعوما عليه ؛ وليس يبالي - إذا أكل - كيف كان ذلك الطعام ؟ وكيف ~~كان سببه ؟ وما حكمه ؟ فإن كان مالك قليلا ، فإنما هو قوام عيالك ، وإن كان ~~كثيرا فاجعل الفاضل لعدة نوائبك . ولا يأمن الأيام إلا المضلل ، ولا يغتر ~~بالسلامة إلا المغفل . فأحذر طوارق البلاء ، وخدع رجال الدهاء . سمنك في ~~أديمك ، وغثك خير من سمين غيرك ، لو وجدته ، فكيف ودونه أسل حداد ، وأبواب ~~شداد ؟ قالت امرأة لبعض العرب : إن تزوجتني كفيتك فأنشأ يقول : # إذا لم يكن لي غير مالك ، مسني . . . خصاص ، وبان الحمد مني والأجر # وما خير مال ليس نافع أهله . . . وليس لشيخ الحي في أمره أمر # وقال المعلوط القريعي : # أبا هانئ لا تسأل الناس والتمس . . . بكفيك ستر الله فالله واسع # فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا . . . إذا قلت : هاتوا ، أن يملوا فيمنعوا ~~PageV02P151 # ثم رجع إلى أحاديث البخلاء ، وإلى طرف معانيهم وكلامهم . # قال ابن حسان : كان عندنا رجل مقل ، و كان له أخ مكثر وكان مفرط البخل ، ~~شديد النفح فقال له يوما أخوه : ويحك ! أنا فقير معيل ، وأنت غني خفيف ~~الظهر ، لا تعينني على الزمان ، و لا تواسيني ببعض مالك ، و لا تتفرج لي عن ~~شيء ! و الله ما رأيت قط ولا سمعت أنحل منك ! قال : ويحك ! ليس الأمر كما ms135 ~~تظن ، ولا المال كما تحسب ، ولا أنا كما تقول في البخل ولا في اليسر والله ~~لو ملكت ألف ألف درهم ، لوهبت لك خمسمائة ألف درهم . يا هؤلاء فرجل يهب في ~~ضربة واحدة خمسمائة الف درهم يقال له : بخيل ! وأما صاحب الثريدة البلقاء ، ~~فليس عجبي من بلقة ثريدته ، وسائر ما كان يظهر على خوانه ، كعجبي من شيء ~~واحد ، وكيف ضبطه وحصره وقوي عليه ؛ مع كثرة أحاديثه ، وصنوف مذاهبه ؟ وذلك ~~أني في كثرة ما جالسته ، وفي كثرة ما كان فيه يفنن من الأحاديث ، لم أره ~~خبر أن رجلا وهب لرجل درهما واحدا ! فقد كان يفنن في الحزم والعزم ، وفي ~~الحلم والعلم ، وفي جميع المعاني ، إلا ذكر الجود ، فإني لم أسمع هذا الاسم ~~منه قط : خرج هذا الباب من لسانه ، كما خرج من قلبه ! PageV02P152 ويؤكد ما ~~قلت ما حدثني به طاهر الأسير ، فإنه قال : ومما يدل على أن الروم أبخل ~~الأمم ، أنك لا تجد للجود في لغتهم اسما . يقول : إنما يسمى الناس ما ~~يحتاجون إلى استعماله . ومع الاستغناء يسقط التكلف . # وقد زعم ناس أن مما يدل على غش الفرس ، أنه ليس للنصيحة في لغتهم اسم ~~واحد يجمع المعاني التي يقع عليها هذا الاسم . وقول القائل : نصيحة ، ليس ~~يراد به سلامة القلب ؛ فقد يكون أن يكون الرجل سليم الصدر ، ولم يحدث سبب ~~من أجله يقصد إلى المشورة عليك بالذي هو أرد عليك - على حسب رأيه فيك - ~~وجها لنفعك . ففي لغتهم اسم للسلامة ، واسم لإرادة الخير ، وحسن المشورة ، ~~وحملك بالرأي على الصواب . فللنصيحة عندهم أسماء مختلفة ، إذا اجتمعت دلت ~~على ما يدل عليه الاسم الواحد في لغة العرب . فمن قضى عليهم بالغش من هذا ~~الوجه فقد ظلم . # وحدثني إبراهيم بن عبد العزيز قال : تغديت مع راشد الأعور ، فأتونا بجام ~~فيه بيان سبخي ، الذي يقال له الدراج فجعلت آخذ الواحدة فأقطع رأسها ثم ~~أعزله ، ثم أشقها PageV02P153 باثنين من قبل بطنها ، فآخذ شوكة الصلب ~~والأضلاع فأعزلها ، وأرمي بما في بطنها ، وبطرف الذنب والجناح . ثم أجمعها ~~في لقمة ms136 واحدة وآكلها . # وكان راشد يأخذ البياحة ، فيقطعها قطعتين ، فيجعل قطعة في لقمة ، لا يلقي ~~رأسا ولا ذنبا - فصبر لي على لقم عدة . فلما بلغت المجهود منه قال : أي بني ~~، إذا أكلت الطعام فكل خيره بشره ! قال : وكان يقول : لم أنتفع بأكل التمر ~~إلا مع الزنج وأهل أصبهان . فأما الزنجي فإنه لا يتخير ، وأنا أتخير . وأما ~~الأصبهاني فإنه يقبض القبضة ، ولا يأكل من غيرها ، ولا ينظر إلى ما بين ~~يديه ، حتى يفرغ من القبضة . # وهذا عدل . والتخير قرفة وجور . لا جرم أن الذي يبقى من التمر لا ينتفع ~~به العيال ، إذا كان قدام من يتخير . # وكان يقول : ليس من الأدب أن تجول يدك في الطبق ، وإنما ، هو تمر وما ~~أصاب . # وزعم سري بن مكرم ، وهو ابن أخي موسى بن جناح ، قال : كان موسى يأمرنا ~~ألا نأكل ما دام أحد منا مشغولا بشرب الماء وطلبه . فلما رآنا لا نطاوعه ~~دعا ليلة بالماء ، ثم خط بإصبعه خطا في أرزة كانت بين أيدينا ، فقال : هذا ~~نصيبي ، لا تعرضوا له حتى أنتفع بشرب الماء ! وأحاديثه في صدر هذا الكتاب . ~~وهذا منها . PageV02P154 # وقال المكي لبعض من كان يتعشى ويفطر عند الباسياني : ويحكم ! كيف تسيغون ~~طعامه ، وأنتم تسمعونه يقول : ' إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ~~ولا شكورا ' . # ثم ترونه لا يقرؤها إلا وأنتم على العشاء ، ولا يقرأ غير هذه الآية . ~~أنتم والله ضد الذي قال : # ألبان إبل تعلة بن مسافر . . . ما دام يملكها على حرام # وطعام عمران بن أوفى مثله . . . ما دام يسلك في البطون طعام # إن الذين يسوغ في أعناقهم . . . زاد يمن عليهم للئام # قال : فمتى تعجب أعجب من خمسين رجلا من العرب ، فيهم أبو رافع الكلابي ، ~~وهو شاعر ندى ، يفطرون عند أبي عثمان الأعور . فإفطاري من طعام نصراني أشد ~~من إفطاري من طعام مسلم يقرأ القرآن ويقول الحق . # وحدثني أبو المنجوف السدوسي قال : كنت مع أبي ومعنا شيخ من موالي الحي . ~~فمررنا بناطور على نهر الأبلة ، ونحن تعبون . فجلسنا إليه . فلم يلبث أن ms137 ~~جاءنا بطبق عليه رطب سكر وجيسوان أسود ، فوضعه بين أيدينا . فأكل الشيخ ~~الذي كان معنا . فلما رأيت أبي PageV02P155 لا يأكل لم آكل ، وبي إلى ذلك ~~حاجة . فأقبل الناطور على أبي فقال : لم لا تأكل ؟ قال : والله إني لأشتهيه ~~. ولكن لا أظن صاحب الأرض أباح لك طعام الناس من الغريب . فلو جئتنا بشيء ~~من السهريز والبرني لأكلنا . فقال مولانا ، وهو شيخ كبير السن : ولكني أنا ~~لم أنظر في شيء من هذا قط . قال المكي : دخل إسماعيل بن غزوان إلى بعض ~~المساجد يصلي . فوجد الصف تاما ، فلم يستطع أن يقوم وحده . فجذب ثوب شيخ في ~~الصف ليتأخر فيقوم معه . فلما تأخر الشيخ ورأى الفرج ، تقدم فقام في موضع ~~الشيخ ، وترك الشيخ قائما خلفه ينظر في قفاه ، ويدعو الله عليه . # وكان ثمامة يحتشم أن يقعد على خوانه من لا يأنس به . ومن رأيه أن يأكل ~~بعض غلمانه معه . فحبس قاسم التمار يوما على غدائه بعض من يحتشمه . فاحتمل ~~ذلك ثمامة في نفسه . ثم عاد بعد ذلك إلى مثلها ، ففعل ذلك مرارا ، حتى ضج ~~ثمامة واستفرغ صبره . # فأقبل عليه فقال : ما يدعوك إلى هذا ؟ لو أردتم لكان لساني مطلقا ، وكان ~~رسولي يؤدي عني . فلم تحبس على طعامي من لا آنس به ؟ قال : إنما أريد أن ~~اسخيك ، فأنفي عنك التبخيل وسوء الظن . PageV02P156 # فلما أن كان بعد ذلك ، أراد بعضهم الانصراف ، قال له قاسم : أين تريد ؟ ~~قال : قد تحرك بطني فأريد المنزل . قال : فلم لا تتوضأ هاهنا ؟ فإن الكنيف ~~خال نظيف ، والغلام فارغ نشيط ، وليس من أبي معن حشمة ، ومنزله منزل إخوانه ~~! فدخل الرجل فتوضأ . فلما كان بعد أيام حبس آخر . فلما كان بعد ذلك حبس ~~آخر ! فاغتاظ ثمامة ، وبلغ في الغيظ مبلغا لم يكن على مثله قط . ثم قال : ~~هذا يحبسهم على غدائي ، لأن يسخيني بحبسهم ، على أن يخرءوا عندي ! لمه ؟ ~~لأن من لم يخرأ الناس عنده فهو بخيل على الطعام ! وقد سمعتهم يقولون : فلان ~~يكره أن يؤكل عنده . ولم أسمع أحدا قط قال : فلان ms138 يكره أن يخرأ عنده ! وكان ~~قاسم شديد الأكل ، شديد الخبط ، قذر المؤاكلة . وكان أسخى الناس على طعام ~~غيره ، وأبخل الناس على طعام نفسه . وكان يعمل عمل رجل لم يسمع بالحشمة ولا ~~بالتجمل قط . فكان لا يرضى بسوء أدبه على طعام ثمامة ، حتى يجر معه ابنه ~~إبراهيم . وكان بينه وبين إبراهيم ابنه في القذر ما بينه وبين جميع ~~العالمين ! فكانا إذا تقابلا على خوان ثمامة ، لم يكن لأحد على أيمانهما ~~وشمائلهما حظ في الطيبات ! فأتوه يوما بقصعة ضخمة فيها ثريدة كهيئة الصومعة ~~، مكللة بإكليل من عراق ، بأكثر ما يكون من العراق . فأخذ قاسم الذي ~~يستقبله ، ثم أخذ يمنة ، وأخذ ما بين يدي من كان بينه وبين ثمامة ، حتى لم ~~يدع إلا عرقا قدام ثمامة . ثم مال على جانبه الأيسر ، فصنع مثل ذلك ~~PageV02P157 الصنيع . وعارضه ابنه وحاكاه ! فلما أن نظر ثمامة إلى الثريدة ~~مكشوفة القناع ، مسلوبة عارية ، واللحم كله بين يديه وبين يدي ابنه إلا ~~قطعة واحدة بين يديه ، تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه ، ولم يدفعها . ~~واحتسب بها في الكرامة والبر . فقال قاسم لما فرغ من غدائه : أما رأيتم ~~إكرام ثمامة لابني ؟ وكيف خصه ؟ فلما حكى هذا لي ، قلت : ويلك ! ما أظن أن ~~في الأرض عرقا أشام على عيالك منه ! فلما حكى هذا لي ، قلت : ويلك ! ما أظن ~~أن في الأرض عرقا أشأم على عيالك منه ! هذا أحرجه الغيظ ، وهذا الغيظ لا ~~يتركه حتى يتشفى منك . فإن قدر لك على ذنب فقد والله هلكت . وإن لم يقدر ~~أقدره لك الغيظ . وأبواب التجني كثيرة . وليس أحد إلا وفيه ما إن شئت جعلته ~~ذنبا . فكيف وأنت ذنوب من قرنك إلى قدمك ! وكان ثمامة يفطر أيام كان في ~~أصحاب الفساطيط ناسا . فكثروا عليه ، وأتوه بالرقاع والشفاعات . وفي حشوة ~~المتكلمين أخلاق قبيحة ، وفيهم على أهل الكلام وعلى أرباب الصناعات محنة ~~عظيمة . # فلما رأى ثمامة ما قد دهمه ، أقبل عليهم وهم يتعشون فقال : إن الله عز ~~وجل لا يستحيي من الحق . كلكم واجب الحق . ومن لم تجئنا ms139 شفاعته ، فأكرمه ~~كمن تقدمت شفاعته . كما أنا لو استطعنا أن نعمكم بالبر ، لم يكن بعضكم أحق ~~بذلك من بعض . PageV02P158 # فكذلك أنتم إذا أعجزنا أو بدا لنا ، فليس بعضكم أحق بالحرمان من بعض ، أو ~~بالحمل عليه ، أو بالاعتذار إليه ، من بعض . ومتى قربتكم ، وفتحت بابي لكم ~~، وباعدت من هو أكثر منكم عددا ، وأغلقت بابي دونهم ، لم يكن في إدخالي ~~إياكم عذر لي ، ولا في منع الآخرين حجة . فانصرفوا ولا تعودوا ! قال أبو ~~محمد العروضي : وقعت بين قوم عربدة ، فقام المغني يحجز بينهم ، وكان شيخا ~~معيلا بخيلا . فمسك رجل بحلقه فعصره ، فصاح : معيشتي ! معيشتي ! فتبسم ~~وتركه . وحثني ابن كريمة قال : وهبوا للكناني المغني خابية فارغة . فلما ~~كان عند انصرافه وضعوها له على الباب . ولم يكن عنده كراء حمالها . وأدركه ~~ما يدرك المغنين من التيه ، فلم يحملها . فكان يركلها ركلة ، فتدحرج وتدور ~~بمبلغ حمية الركلة . ويقوم من ناحية كي لا يراه إنسان ويرى ما يصنع . ثم ~~يدنو منها ، ثم يركلها أخرى ، فتدحرج وتدور ، ويقف من ناحية . فلم يزل يفعل ~~ذلك إلى أن بلغ بها المنزل ! قالوا : كان عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد ~~الله بن الحسن قد استخفى بالبصرة في عبد القيس ، من أمير المؤمنين أبي جعفر ~~وعماله . وكان في غرفة قدامها جناح . وكان PageV02P159 لا يطلع رأسه منها . ~~فلما سكن الطلب شيئا ، وثبت عنده حسن جوار القوم ، صار يجلس في الجناح ، ~~يرضى بأن يسمع الصوت ولا يرى الشخص ، لما في ذلك من الأنس عند طول الوحشة . ~~فلما طالت به الأيام ، ومرت أيام السلامة ، جعل في الجناح خرقا بقدر عينه . ~~فلما طالت الأيام ، صار ينظر من شق باب كان مسمورا . ثم ما زال يفتحه الأول ~~فالأول ، إلى أن صار يخرج رأسه ويبدي وجهه . فلما لم ير شيئا يريبه ، قعد ~~في الدهليز . فلما زاد في الأنس ، جلس على باب الدار ! ثم صلى معهم في ~~مصلاهم ودخل . ثم صلى بعد ذلك وجلس . والقوم عرب . وكانوا يفيضون في الحديث ~~، ويذكرون من الشعر الشاهد والمثل ، ومن الخبر الأيام ms140 والمقامات . وهو في ~~ذلك ساكت ، إذا أقبل عليه ذات يوم فتى منهم ، خرج عن أدبهم ، وأغفل بعض ما ~~راضوه به من سيرتهم ، فقال له : يا شيخ إنا قوم نخوض في بعض ضروب ، فربما ~~تكلمنا بالمثلبة ، وأنشدنا الهجاء . فلوا أعلمتنا ممن أنت ، تجنبنا كل ما ~~يسوءك . ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كلها ، وأخبار المثلب بأسرها ، لم نأمن ~~أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك . فلو عرفتنا نسبك ، كفيناك ~~سماع ما يسوءك من هجاء قومك ، ومن مديح عدوك . # فلطمه شيخ منهم ، وقال : لا أم لك ! محنة كمحنة الخوارج ، وتنقير كتنقير ~~العيابين ؟ ولم لا تدع ما يريبك إلى مالا يريبك ؟ فتسكت إلا عما توقن بأنه ~~يسره . PageV02P160 # قال : وقال عبد النور : ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر . فتحولت إلى شق ~~بني تميم فنزلت برجل فأخذته بالثقة ، وأكمنت نفسي إلى أن أعرف سبيل القوم . ~~وكان للرجل كنيف إلى جانب داره ، يشرع في طريق لا ينفذ . إلا أن من مر في ~~ذلك الشارع رأى مسقط الغائط من خلاء ذلك الجناح . وكان صاحب الدار ضيق ~~العيش ، فاتسع بنزولي عليه . فكان القوم إذا مروا به ينظرون إلى موضع الزبل ~~والغائط ، فلا يذهب قلبي إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه . # فبينا أنا جالس ذات يوم إذا أنا بأصوات ملتفة على الباب ، وإذا صاحبي ~~ينتفي ويعتذر ، وإذا الجيران قد اجتمعوا ، إليه وقالوا : ما هذا الثلط الذي ~~يسقط من جناحك ، بعد أن كنا لا نرى إلا شيئا كالبعر ، من يبس الكعك ؟ وهذا ~~ثلط يعبر عن أكل غض ! ولولا أنك انتجعت على بعض من تستر وتواري لأظهرته . ~~وقد قال الأول : # الستر دون الفاحشات ولا . . . يلقاك دون الخير من ستر # ولولا أن هذا طلبة السلطان ، لما توارى . فلسنا نأمن من أن يجر على الحي ~~بلية . ولست تبالي - إذا حسنت حالك في عاجل أيامك - إلام يفضي بك الحال ، ~~وما تلقى عشيرتك . فإما أن تخرجه إلينا ، وإما أن تخرجه عنا . قال عبد ~~النور : فقلت : هذه والله القيافة ، ولا قيافة بني مدلج ! إنا لله ! خرجت ms141 ~~من الجنة إلى النار ! وقلت : هذا وعيد . PageV02P161 وقد اعذر من انذر . ~~فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء ، ولا ظننت أن الكرم يبلغ ما رأيت ~~من أولئك ! شهدت الأصمعي يوما ، وأقبل على جلسائه يسألهم عن عيشهم ، وعما ~~يأكلون ويشربون . فأقبل على الذي عن يمينه فقال : أبا فلان ، ما أدمك ؟ قال ~~: اللحم . قال : أكل يوم لحم ؟ قال : نعم . قال : وفيه الصفراء والبيضاء ، ~~والحمراء والكدراء ، والحامضة والحلوة والمرة ؟ قال : نعم . قال : بئس ~~العيش هذا ! ليس هذا عيش آل الخطاب . كان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ~~ورضوانه يضرب على هذا . وكان يقول : مد من اللحم ، كمد من الخمر . ثم سأل ~~الذي يليه قال : أبا فلان ، ما أدمك قال : الآدام الكثير ، والألوان الطيبة ~~. قال : أفي آدامك سمن ؟ قال : نعم . قال فتجمع السمن والسمين على مائدة ؟ ~~قال : نعم . قال : ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب رحمة الله عله ~~ورضوانه يضرب على هذا . وكان إذا وجد القدور المختلفة الطعوم كدرها في قدر ~~واحدة ، وقال : إن العرب لو أكلت هذا لقتل بعضها بعضا . # ثم يقبل على الآخر فيقول : أبا فلان ، ما أدمك ؟ قال : اللحم السمين ، ~~والجداء الرضع . قال : فتأكله بالحوارى ؟ قال : نعم . قال : ليس هذا عيش آل ~~الخطاب . كان ابن الخطاب PageV02P162 يضرب على هذا . أو ما سمعته يقول : ~~أتروني لا أعرف الطعام الطيب ؟ لباب البر بصغار المعزى . ألا تراه كيف ~~ينتفي من أكله وينتحل معرفته ؟ ثم يقبل على الذي يليه فيقول : أبا فلان ، ~~ما أدمك ؟ فيقول : أكثر ما نأكل لحوم الجزور ، ونتخذ منها هذه القلايا ، ~~ونجعل بعضها شواء . قال : أفتأكل من أكبادها وأسمنتها ، وتتخذ لك الصباغ ؟ ~~قال : نعم . قال : ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب يضرب على هذا . ~~أو ما سمعته يقول : أتروني لا أقدر أتخذ أكبادا وأفلاذا وصلائق وصنابا ؟ ~~ألا تراه كيف ينكر أكله ، ويستحسن معرفته ؟ ثم يقول للذي يليه : أبا فلان ، ~~ما أدمك ؟ فيقول : الشبارقات والأخبصة والفالوذجات . قال : طعام العجم ، ~~وعيش كسرى ، ولباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ms142 - حتى أتى على آخرهم . كل ~~ذلك يقول : بئس العيش هذا ! ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب يضرب ~~على هذا . # فلما انقضى كلامه ، أقبل عليه بعضهم فقال : يا أبا سعيد ، ما أدمك ؟ قال ~~: يوما لبن ، ويوما زيت ، ويوما سمن ، ويوما تمر ، ويوما جبن ، ويوما قفار ~~، ويوما لحم . عيش آل الخطاب . PageV02P163 # ثم قال : قال أبو الأشهب : كان الحسن يشتري لأهله كل يوم بنصف درهم لحما ~~. فإن غلا ، فبدرهم . فلما حبس عطاؤه كانت مرقته بشحم . # ونبئت عن رجل من قريش أنه كان يقول : من لم يحسن يمنع ، لم يحسن يعطى ؛ ~~وأنه قال لابنه : أي بني ، إنك إن أعطيت في غير موضع الإعطاء ، أوشك أن ~~تستعطي الناس فلا تعطي . # ثم أقبل علينا فقال : هل علمتم أن اليأس أقل من القناعة وأعز . إن الطمع ~~لا يزال طمعا ، وصاحب الطمع لا ينتظر الأسباب ، ولا يعرف الطمع الكاذب من ~~الصادق . والعيال عيالان : شهوة مفسدة ، وضرس طحون . وأكل الشهوة أثقل من ~~أكل الضرس . وقد زعموا أن العيال سوس المال ، وأنه لا مال لذي عيال . وأنا ~~أقول : إن الشهوة تبلغ ما لا يبلغ السوس ، وتأتي على ما يقصر دونه العيال . ~~وقد قال الحسن : ما عال أحد قط عن قصد . وقيل ليشخ من أهل البصرة : مالك لا ~~ينمي لك مال ؟ قال : ' لأني اتخذت العيال قبل المال ، واتخذ الناس المال ~~قبل العيال ' . وقد رأيت من تقدم عياله ماله ، فجبره الإصلاح ، ورفده ~~الاقتصاد ، وأعانه حسن التدبير . وقال : أر لشهواني تدبيرا ، ولا لشره صبرا ~~. وقال إياس بن معاوية : إن الرجل يكون عليه ألف فينفق ألفا ، فيصلح ، ~~فتصلح له الغلة . ويكون عليه ألفان ، PageV02P164 فينفق ألفين ، فيصلح ، ~~فتصلح له الغلة . ويكون عليه ألفان ، فينفق ثلاثة آلاف ، فيتبع العقار في ~~فضل النفقة . # وذكر الحديث عن أبي لينة ، قال : كنت أرى زيادا وهو أمير ، يمر بنا على ~~بغلة في عنقها حبل من ليف مدرج على عنقها . # وكان سلم بن قتيبة يركب بغلة وحده ، ومعه أربعة آلاف رابطة . ورآه الفضل ~~بن عيسى على حمار وهو أمير ms143 ، فقال : بذلة نبي وقعود جبار ! ولو شاء أبو ~~سيارة أن يدفع بالعرب على جمل مهري أو فرس عتيق لفعل . ولكنه أراد هدى ~~الصالحين . # وحمل عمر على برذون ، فهملج تحته . فنزل عنه . فقال لأصحابه : جنبوني هذا ~~الشيطان . ثم قال لأصحابه : لا تطلبوا العز بغير ما أعزكم الله به . # قد كنت أعجب من بعض السلف حيث قال : ما أعرف شيئا مما كان الناس عليه إلا ~~الأذان . وأنا أقول ذلك . ولم يزل الناس في هبوط ما ترفعوا بالإسراف ، وما ~~رفعوا البنيان PageV02P165 للمطاولة . وإن من أعجب ما رأيت في هذا الزمان ، ~~أو سمعت ، مفاخرة مويس بن عمران لأبي عبيد الله بن سليمان في أيهما كان ~~أسبق إلى ركوب البراذين ! وما للتاجر وللبرذون ؟ وما ركوب التاجر للبراذين ~~إلا كركوب العرب للبقر ! ولو كانوا إذا جلسوا في الخيوش ، واتخذوا الحمامات ~~في الدور ، وأقاموا وظائف الثلج والريحان ، واتخذوا القيان والخصيان ، ~~استرد الناس ودائعهم ، واسترجعت القضاة أموال الأيتام والحشرية منهم ، ~~لعادوا إلى دينهم وعيشهم واقتصادهم . وإذا رآهم أصحاب الغلات ، وأهل الشرف ~~والبيوتات ، أنفوا أن يكونوا دونهم في البزة والهيئة . فهلكوا وأهلكوا . # زعم أبو يعقوب الخريمي أن جعفر بن يحيى أراد يوما حاجة كان طريقه إليها ~~على باب الأصمعي ، وأنه دفع إلى خادم له كيسا فيه ألف دينار ، وقال له : ~~سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي . وسيحدثني ويضحكني . فإذا رأيتني قد ضحكت فضع ~~الكيس بين يديه . PageV02P166 # فلما دخل فرأى حبا مقطوع الرأس ، وجرة مكسورة العروة ، وقصعة مشعبة ، ~~وجفنة أعشارا ، ورآه على مصلى بال ، وعليه بركان أجرد - غمز غلامه بعينه ~~ألا يضع الكيس بين يديه ، ولا يدفع إليه شيئا . # فلم يدع الأصمعي شيئا مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده عليه ، فما ~~تبسم فقال له إنسان : ما أدري من أي أمر يك أعجب ؟ أمن صبرك على الضحك ، ~~وقد أورد عليك ما لا يصبر على مثله ، أم من تركك إعطاءه ، وقد كنت عزمت على ~~إعطائه ؟ وهذا خلاف ما أعرفك به ! قال : ويلك ! من استرعى الذئب فقد ظلم . ~~ومن زرع سبخة حصد الفقر . إني ms144 والله لو علمت أنه يكتم المعروف بالفعل ، لما ~~ارتفقت بنشره له باللسان . وأين يقع مديح اللسان ، من مديح آثار الغنى على ~~الإنسان ؟ فاللسان قد يكذب ، والحال لا تكذب . لله در نصيب حيث يقول : # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله . . . ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ~~PageV02P167 # أعلمت أن ناووس أبرويز أمدح له من شعر زهير لآل سنان بن أبي حارثة ؟ لأن ~~الشاعر يكذب ويصدق ، وبنيان لا يكذب مرة ويصدق مرة . فلست بعائد إلى هذا ~~بمعروف أبدا . # كان الأصمعي يتعوذ بالله من الاستقراض والاستقراض . فأنعم الله عليه ، ~~حتى صار هو المستقرض منه ، والمستفرض ما عنده . فاتفق أن أتاه في يوم واحد ~~رجلان . وكان أحدهما يطلب الفرض ، والآخر يطلب القرض . هجما عليه معا ، ~~فأثقله ذلك وملأ صدره ! ثم أقبل على صاحب السلف فقال : ' تتبدل الأفعال ، ~~بتبدل الحال . ولكل زمان تدبير ، ولكل شيء مقدار ، والله في كل يوم في شأن ~~. كان الفقيه يمر باللقطة ، فيتجاوزها ولا يتناولها ؛ كي يمتحن بحفظها سواه ~~، إذ كان جل الناس في ذلك الدهر يريدون الأمانة ، ويحوطون اللقطة . فلما ~~تبدلوا وفسدوا ، وجب على الفقيه إحرازها والحفظ لها ، وأن يصبر على ما نابه ~~من المحنة ، واختبر به من الكلفة ' . # ' وقد بلغني أن رجلا أتي صديقا له يستقرض منه مالا ، فتركه بالباب ، ثم ~~خرج إليه مؤتزرا . فقال له : مالك ؟ قال : جئت للقتال والطام ، والخصومة ~~والصخب . قال : ولم ؟ PageV02P168 قال : لأنك في أخذ مالي بين حالين : إما ~~أن تذهب به . وإما أن تمطلني به . فلو أخذته على طريق البر والصلة ، ~~لاعتددت عليك بحق ، ولوجب عليك به شكر . وإذا أخذته من طريق السلف كانت ~~العادة في الديون ، والسيرة في الأسلاف ، الرد أو التقاضي . وإذا تقاضيتك ~~أغضبتك ، وإذا أغضبتك أسمعتني ما أكره ، فتجمع على المطل وسوء اللفظ ، ~~والوحشة وإفساد اليد في الأسلاف ، وأنت أظلم ؛ فأغضب كما غضبت . فإذا ~~نقلتني إلى حالك فعلت فعلك ، وصرت أنا وأنت كما قال العربي : أنا تئق ~~وصاحبي مئق - فما ظنك بمئق من الغيظ ، مملوء من الغضب ، لاقى متأقا من ~~الموق ، مملوءا من الكفران ms145 ؟ - ولكني أدخل إلى المنزل ، فأخرج إليك مؤتزرا ~~، فأعجل لك اليوم ما أخرته إلى غد . وقد علمت أن ضرب الموعظة ، دون ضرب ~~الحقد والسخيمة ، فتربح صرف ما بين الألمين ، وفضل ما بين الشتمين ' . # ' وبعد فأنا أضن بصداقتي لك ، وأشح على نصيبي منك ، من أن أعرضه للفساد ، ~~وأن أعينك على القطيعة . فلا تلمني على أن كنت عندي واحدا من أهل عصرك . ~~فإن كنت عند نفسك فوقهم ، وبعيدا من مذهبهم ، فلا تكلف الناس علم الغيب ~~فتظلمهم ' . PageV02P169 # ثم قال : ' وما زالت العارية مؤداة ، والوديعة محفوظة . فلما قالوا : أحق ~~الخيل بالركض المعار ، بعد أم كان يقال : أحق الخيل بالصون المعار ؛ وبعد ~~المؤمنين قيل لبعضهم : ارفق به ، قال : إنه عارية ، وقال الآخر : فاقتل ! - ~~فسدت العارية ، واستد هذا الباب . # ولما قالوا : # شمر قميصك واستعد لنابل . . . واحك جبينك للقضاء بثوم # واخفض جناحك إن مشيت تخشعا . . . حتى تصيب وديعة ليتيم ' ' وحين أكلت ~~الأمانات الأمناء والأوصياء ، ورتع فيها المعدلون والصارفون ، وجب حفظها ~~ودفنها ، وكان أكل الأرض لها خيرا من أكل الخئون الفاجر ، واللئيم الغادر . # وهذا مع قول أكثم بن صيفي في ذلك الدهر : لو سئلت العارية : أين تذهبين ، ~~قالت : أكسب أهلي ذما ' . # ' وأنا اليوم أنهي عن العارية والوديعة ، وعن القرض والفرض ، وأكره أن ~~يخالف قولي فعلي . أما القرض فما أنبأتك ، وأما الفرض فليس يسعه إلا بيت ~~المال . ولو وهبت لك PageV02P170 درهما واحدا ، لفتحت على مالي بابا لا ~~تسده الجبال والرمال ، ولو استطعت أن أجعل دونه ردما كردم ياجوج ومأجوج ' . # ' إن الناس فاغرة أفواههم نحوه من عنده دراهم ؛ فليس يمنعهم من النهس إلا ~~اليأس . # وإن طعموا لم تبق راغية ولا ثاغية ، ولا سبد ولا لبد ، ولا صامت ولا ناطق ~~، إلا ابتلعوه والتهموه ! أتدري ما تريد بشيخك ؟ إنما تريد أن تفقره . فإذا ~~أفقرته فقد قتلته . وقد تعلم ما جاء في قتل النفس المؤمنة ' ! فلم أشبه قول ~~الأصمعي لهذا الرجل ، حين قال : ' أنا أضن بك ، وأشح على نصيبي منك من أن ~~أعرضه للفساد ' ، إلا بقول ثمامة ، حين قال لابن سافري : ' بالنظر مني أقول ms146 ~~لك ، والشفقة مني أسبك ' . وذلك أنه ندم ، فرأى أن هذا القول يجعل ذلك منه ~~يدا ونعمة . # وشهدت ثمامة وقد أتاه رجل ، قال : لي إليك حاجة ، فقال ثمامة : ولي إليك ~~أيضا حاجة . قال : وما حاجتك ؟ قال : لست أذكرها لك ، حتى تضمن لي قضاءها . ~~قال : نعم . قال : فحاجتي ألا تسألني هذه الحاجة . قال : إنك لا تدري ما هي ~~؟ قال : بلى ، قد دريت . قال : فما هي ؟ قال : هي حاجة . وليس يكون الشيء ~~حاجة ، إلا وهي تخرج إلى شيء من الكلفة . قال : فقد رجعت عما أعطيتك . قال ~~: لكني لا أرد ما أخذت . PageV02P171 فأقبل عليه آخر فقال : لي حاجة إلى ~~منصور بن النعمان . قال : قل . لي حاجة إلى ثمامة بن أشرس ؛ لأني أنا الذي ~~أقضي لك الحاجة ؛ ومنصور يقضيها لي . فالحاجة أنا أقضيها لك ، وغيري يقضيها ~~لي . # ثم قال : فأنا لا أتكلم في الولايات ، ولا أتكلم في الدراهم ؛ لأن ~~الدراهم من قلوب الناس ، ولأن الحوائج تنقض . فمن سألته اليوم أن يعطيك ، ~~سألني غدا أن أعطي غيرك . فتعجيلي تلك العطية لك أروح لي . ليس عندي دراهم ~~، ولو كان عندي دراهم ، لكانت نوائبي القائمة الساعة تستغرقها . ولكن أؤنب ~~لكم من شئتم . علي لكم من التأنيب كل ما تريدون ! قلت له فإذا أتيت رجلا في ~~أمر لم تتقدم فيه بمسألة ، كيف يكون جوابه لك ؟ فضحك حتى استند إلى الحائط ~~. # وجاء مرة أبو همام المسوط ، يكلمه في مرمة داره التي تطوع ببنائها في ~~رباط عبادان ، فقال : ذكرتني الطعن وكنت ناسيا . قد كنت عزمت على هدمها ، ~~حين بلغني أن الجبرية PageV02P172 قد نزلتها . قال : سبحان الله ! تهدم ~~مكرمة ودارا قد وقفتها للسبيل ؟ قال : فتعجب من ذا ؟ قد أردت أن أهدم ~~المسجد الذي كنت بنيته ليزيد بن هاشم ، حين ترك أن يبنيه في الشارع ، وبناه ~~في الرائغ ، وحين بلغني أنه يخلط في الكلام ، ويعين البشرية على المعتزلة . ~~فلو أراده أبو همام ، وجد من ثمامة مربدا جميع مساحة الأرض ! وكان حين يسوي ~~لك اللفظ ، لا ينظر في صلاح المعاني من فسادها . # وتمشى رجل ms147 إلى الغاضري ، قال : إن صديقك القادمي قد قطع عليه الطريق . ~~قال : فأي شيء تريد ؟ قال : أن تخلف عليه . قال : فليس عليه قطع الطريق ، ~~بل على قطع ! وأتى ابن سكاب الصيرفي صديق له يستلف منه مالا ، فقال : لو ~~شئت أن أقول لقلت ، وأن أعتل اعتللت ، وأن أستعير بعض كلام من يستلف منه ~~إخوانه فعلت . وليس PageV02P173 أرى شيئا خيرا من التصحيح وقشر العصا ، ~~وليس أفعل . فإن التمست لي عذرا ، فهو أروح لقلبك ، وإن لم تفعل ، فهو شر ~~لك . # وضاق الفيض بن يزيد ضيقا شديدا ، فقال : والله ما عندنا من شيء نعول عليه ~~، وقد بلغ السكين العظم . والبيع لا يكون إلا مع طول المدة . والرأي أن ~~ننزل هذه النائبة بمحمد بن عباد ، فإنه يعرف الحال ، وصحة المعاملة ، وحسن ~~القضاء ، وما لنا من السبب المنتظر فلو كتبت إليه كتابا لسره ذلك ، ولسد ~~منا هذه الخلة القائمة الساعة . # فتناول القلم والقرطاس ليكتب إليه كتاب الواثق المدل ، لا يشك أنه سيتلقى ~~حاجته ، بمثل ما كان هو المتلقي لها منه - ومضى بعض من كان في المجلس إلى ~~محمد بن عباد ، ليبشره بسرعة ورود حاجة الفيض إليه . فأتاه أمر لا يقوم به ~~. فأمر بالكتابة إليه ليشغله بحاجته إليه ، عن حاجته إليه . PageV02P174 # فكتب إليه : مالي يضعف ، والدخل قليل ، والعيال كثير ، والسعر غال . ~~وأرزاقنا من الديوان قد احتبست . وقد تفتحت علينا من أبواب النوائب في هذه ~~الأيام ، ما لم يكن لنا في حساب . فإن رأيت أن تبعث إلي بما أمكنك فعجل به ~~، فإن بنا إليه أعظم الحاجة فورد الكتاب على الفيض قبل نفوذ كتابه إليه . ~~فلما قرأه استرجع ، وكتب إليه : يا أخي ، تضاعفت على المصيبة ، حتى جمعت ~~خلة عيالك إلى خلة عيالي . وقد كنت على الاحتيال لهم . وسأضطرب في وجوه ~~الحيل غير هذا الاضطراب . وسأتحرك في بيع ما عندي ، ولو ببعض الطرح . فلما ~~رجع الكتاب على ابن عباد سكن ، وألقي صاحبه في أشد الحركة ، وأتعب التعب . # وكان رجل من أبناء الحربية ، له سخاء وأريحية . وكان يكثر استزارة ابن ~~عباد ، ويتلف ms148 عليه من الأموال ، من طريق الرغبة في الأدباء ، وفي مشايخ ~~الظرفاء . وكان يظن بكرمه أن زيارته ابن عباد في منزله زيادة في المؤانسة . ~~وقد كان بلغه إمساكه ، ولكنه لم يظن أنه لا حيلة في سببه . فأتاه يوما ~~متطرئا ، قال : جئتك من غير دعاء . وقد رضيت بما حضر . قال : فليس يحضر شيء ~~. وقولك : بما حضر ، لا بد من أن يقع على شيء ! قال : فقطعة مالح ، قال : ~~PageV02P175 وقطعه مالح ليس هي شيء ؟ قال بلى فنحن نشرب على الريق ؟ قال : ~~لو كان عندنا نبيذ كنا في عرس . قال : فأنا أبعث إلى نبيذ . قال : فإذا صرت ~~إلى تحويل النبيذ ، فحول أيضا ما يصلح للنبيذ ! قال : ليس يمنعني من ذلك ، ~~ومن إحضار النقل والريحان ، إلا أن أحتسب لك هذه الزورة بدعوة . وليس يجوز ~~ذلك إلا بأن يكون لك فيها أثر . # فقال محمد : فقد انفتح لي باب لكم فيه صلاح ، وليس على فيه فساد : في هذه ~~النخلة زوج ورشان . ولهما فرخان مدركان . فإن نحن وجدنا إنسانا يصعدها - ~~فإنها سحيقة منجردة - ولم يطيرا - فإنهما قد صارا ناهضين - جعلنا الواحد ~~طباهجة والآخر جردناجا ، فإنه يوم جردناج ! فطلبوا في الجيران إنسانا يصعد ~~تلك النخلة ، فلم يقدروا عليه . فدلوهم على أكار لبعض أهل الحربية . فما ~~زال الرسول يطلبه حتى وقع عليه . فلما جاء ونظر إلى النخلة قال : هذه لا ~~تصعد ولا يرتقي عليها إلا بالتبليا والبربند . فكيف أرومها أنا بلا سبب ؟ ~~فسألوه أن يلتمس لهم ذلك . فذهب فغبر مليا . ثم أتاهم به . فلما صار في ~~أعلاها ، طار أحدهما ، وأنزل الآخر . فكان هو الطباهج والجردناج ، وهو ~~الغداء ، وهو العشاء ! PageV02P176 وكتب إبراهيم بن سيابة إلى صديق له ~~يساويه في الأدب ، ويرتفع عليه في الحال - وكان كثير المال ، كثير الصامت - ~~يستسلف منه بعض ما يرتفق به ، إلى أن يأتيه بعض ما يؤمل . فكتب إليه صديقه ~~هذا يعتذر ويقول : إن المال مكذوب له وعليه . والناس يضيفون إلى الناس في ~~هذا الباب ما ليس عندهم . وأنا اليوم مضيق ، وليست الحال كما نحب . وأحق من ~~عذر ms149 ، الصديق العاقل . # فلما ورد كتابه على ابن سبابة ، كتب إليه : إن كنت كاذبا ، فجعلك الله ~~صادقا ، وإن كنت ملوما ، فجعلك الله معذورا . # قال عمرو الجاحظ : احتجنا عند التطويل ، وحين صار طويلا كبيرا ، إلى أن ~~يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم ، وما يتمادحون به ، وما يتهاجون به ~~، شيء وإن قل ؛ ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب . ولولا أن يخرج من ~~مقدار شهوة الناس ، لكان الخبر عن العرب والأعراب ، أكثر من جميع هذا ~~الكتاب . # الطعام ضروب . والدعوة اسم جامع . وكذلك الزلة . ثم منه العرس والخرس ~~والإعذار والوكيرة والنقيعة . والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات . ~~PageV02P177 # قال الشاعر : # نحن في المشتاة ندعو الجفلى . . . لا ترى الآدب فينا ينتقر # وجاء في الحديث : القرآن مأدبة الله . وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة ، ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن : أولم ولو بشاة . وكان ابن عوف ~~والأصمعي من بعده يذمان عمرو بن عبيد ، ويقولون : لا يجيب الولائم ، يجعلان ~~طعام الإملاك والأعراس والسبوع والختان وليمة . والعرس معروف . إلا أن ~~المفضل الضبي زعم أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم : لا عطر بعد عروس . وكان ~~الأصمعي يجعل العروس رجلا بعينه ، كان بنى على أهله فلم تتعطر له . فسمى ~~بعد ذلك كل بان على أهله بذلك الاسم . ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في ~~الشعر ، ويظهر في الخبر . PageV02P178 وأما الخرس فالطعام الذي يتخذ صبيحة ~~الولادة للرجال والنساء . وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة . والخرسة ~~طعام النفساء . قالت جارية ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما ~~يمارس للنفساء : تخرسي ، لا مخرسة لك . # وفي الخرسة يقول مساور الوراق : # إذا أسدية ولدت غلاما . . . فبشرها بلؤم في الغلام # تخرسها نساء بني دبير . . . بأخبث ما يجدن من الطعام # وقال ابن قميئة : # شركم حاضر وخيركم د . . . ر خروس من الأرانب بكر # فالخروس هي صاحبة الخرسة . # والأعذار طعام الختان . يقال : صبي معذور ، وصبي معذر ، جميعا . وقال بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يريد تقاربهم في ms150 الأسنان : كنا إعذار ~~عام واحد . # وقال النابغة : # فنكحن أبكارا وهن بإمة . . . أعجلنهن مظنة الإعذار # فزعموا أنهم سموا طعام الإعذار بالإعذار ، للملابسة والمجاورة . ~~PageV02P179 # كان الأصمعي يقول : قد كان للعرب كلام على معان . فإذا ابتدلت تلك ~~المعاني ، لم تتكلم بذلك الكلام . فمن ذلك قول الناس اليوم : ساق إليها ~~صداقها . وإنما كان هذا يقال حين كان الصداق إبلا وغنما . وفي قياس قول ~~الأصمعي أن أصحاب التمر الذين كان التمر دياتهم ومهورهم ، كانوا لا يقولون ~~: ساق فلان صداقه . قال : ومن ذلك قول الناس اليوم : ' قد بنى فلان البارحة ~~على أهله ' . وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة ~~قبته وخيمته . وذلك هو بناؤه . # ولذلك قال الأول : # لو نزل الغيث أبنين امرأ . . . كانت له قبة ، سحق بجاد # وكان الأصمعي يعد من هذا أشياء ليس لذكرها هاهنا وجه . # ومن طعامهم الوكيرة . وهو طعام البناء . كان الرجل يطعم من يبني له . ~~وإذا فرغ من بنائه تبرك بإطعام أصحابه ودعائهم . # ولذلك قال قائلهم : # خير طعام شهد العشيرة . . . العرس والإعذار والوكيرة PageV02P180 # ويسمون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم النقيعة . # قال الشاعر : # إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم . . . ضرب القدار نقيعة القدام # والعقيقة دعوة على لحم الكبش الذي يعق عن الصبي . والعقيقة اسم للشعر ~~نفسه . والأشعار هي العقائق . وقولهم : عقوا عنه ، أي احلقوا عقيقته . ~~ويقولون : عق عنه ، وعق عليه . فسمى الكبش - لقرب الجوار وسبب المتلبس - ~~عقيقة . ثم سموا ذلك الطعام باسم الكبش . # وكان الأصمعي يقول : لا يقولن أحدكم : أكلت ملة ، بل يقول : أكلت خبزة ~~وإنما الملة موضع الخبزة . وكذلك يقول في الراوية والمزادة ، يقول : ~~الراوية هو الجمل . وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ذلك . # فأما الدعاء إلى هذه الأصناف ، فمنه المذموم ، ومنه الممدوح . فالمذموم ~~النقرى ، والممدوح الجفلى . وذلك أن صاحب المأدبة وولى الدعوة ، إذا جاء ~~رسوله ، والقوم في أحويتهم وأنديتهم ، PageV02P181 فقالوا : أجيبوا إلى ~~طعام فلان . فجعلهم جفلة واحدة ، وهي الجفالة . فذلك هو المحمود . وإذا ~~انتقر فقال : قم أنت يا فلان ، وقم أنت يا فلان ؛ فدعا بعضا ms151 وترك بعضا ، ~~فقد انتقر . # قال الهذلي : # وليلة يصطلى بالفرث جازرها . . . يخص بالنقرى المثرين داعيها # يقول : لا يدعوا فيها أصحاب الثروة وأهل المكافأة . وهذا قبيح . # وقال في ذلك بعض ظرفائنا : # آثر بالجدي وبالمائدة . . . من كان يرجو عنده الفائدة # لو كان مكوكان في كفه . . . من خردل ما سقطت واحدة # وقال طرفة بن العبد : # نحن في المشتاة ندعو الجفلى . . . لا ترى الآدب فينا ينتقر # ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي ، وأثبته عاصم بن ~~خليفة الضبي ، شد عليه فطعنه وهو يقول : # وهذا وفي الجفلة لا يدعوني PageV02P182 # ويروى : في الحفلة لا يدعوني . كأنه حقد عليه ، حين كان يدعو أهل المجلس ~~ويدعه . # والطعام المذموم عندهم ضربان : أحدهما طعام المجاوع والحطمات ، والضرائك ~~والسباريت ، واللئام والجبناء ، والفقراء والضعفاء . من ذلك : الفث والدعاع ~~والهبيد والقرامة والقرة والعسوم ومنقع البرم والقصيد والقد والحيات . فأما ~~الفظ فإنه وإن كان شرابا كريها ، فليس يدخل في هذا الباب . وكذلك المجدوح . ~~فأما الفظ ، فإنه عصارة الفرث ، إذا أصابهم العطش في المفارز . وأما ~~المجدوح ، فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود ، نحروا الإبل ، وتلقوا ~~ألبابها بالجفان ، كي لا يضيع من دمائها شيء . فإذا برد الدم ضربوه بأيديهم ~~، وجدحوه بالعيدان جدحا حتى ينقطع ، فينعزل ماؤه من ثقله ، كما يخلص الزبد ~~بالمخيض ، والجبن بالأنفحة ، فيتصافنون ذلك الماء ، ويتبلغون به ، حتى ~~يخرجوا من المفازة . PageV02P183 # وقال الشاعر : # لم تأكل الفث والدعاع ولم . . . تجن هبيدا بجنبة مهتبد # وقال أمية بن أبي الصلت : # ولا يتنازعون عنان شرك . . . ولا أقوات أهلهم العسوم # ولا قرن يقزز من طعام . . . ولا نصب ولا مولى عديم # وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي في الفترة ، وهو يعير بني أسد وناسا من ~~هوازن ، وهما ابنا القملية : # ألم تر جرما أمجدت وأبوكم . . . مع الشعر في قص الملبد شارع # إذا قرة جاءت يقول : أصيب بها . . . سوى القمل ؛ إني من هوازن ضارع ~~PageV02P184 # والقرامة نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها . والعلهز القردان ؛ ~~ترض وتعجن بالدم . والقرة الدقيق المختلط بالشعر . كان الرجل منهم لا يحلق ~~رأسه إلا وعلى رأسه قبضة من ms152 دقيق ، للأكل . فهو معيب . # وفي أكل الحيات بقوله ابن مناذر : # فإياكم والريف لا يقربنه . . . فإن لديه الحيف والموت قاضيا # وهم طردوكم عن بلاد أبيكم . . . وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا # وقال القطامي في أكلهم القد : # تضيفت في طل وريح تلفني . . . وفي طرمساء غير ذات كواكب # إلى حيزبون توقد النار بعد ما . . . تلفعت الظلماء من كل جانب # فسلمت ، والتسليم ليس يسرها . . . ولكنه حق على كل جائب # فلما تنازعنا الحديث سألتها . . . من الحي ؟ قالت : معشر من محارب ~~PageV02P185 # ومن المشتوين القد في كل شتوة . . . وإن كان ريف الناس ليس بناضب # وقال الراعي : # بكى منذر من أن يضاف وطارق . . . يشد من الجوع والإزار على الحشا # إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها . . . وقد تكرم الأضياف والقد يشتوي # وقد يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ ، في المغازي والأسفار ؛ فيمدحون ~~من آثر صاحبه ، ولا يذمون من أخذ حقه منه . وهو ماء المصافنة . والمصافنة ~~مقاسمة هذا الماء بعينه . وذلك أن الماء إذا نقص عن الري ، اقتسموه بالسواء ~~. ولم يكن للرئيس ولا لصاحب المرباع والصفي وفضول المقاسم فضل على أخس ~~القوم . وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء . # قال الفرزدق : # فلما تصافنا الإداواة أجهشت . . . إلى غضون العنبري الجراضم # على ساعة لو أن في القوم حاتما . . . على جوده ضننت به نفس حاتم ~~PageV02P186 # وبذلك المذهب من الأثرة ، مدح الشاعر كعب بن يمامة ، حين آثر بنصيبه ~~رفيقه النمري ، فقال : # ما كان من سوقة أسقى على ظمإ . . . خمرا بماء إذا ناجودها بردا # من ابن مامة كعب ، ثم عي به . . . زو المنية ، إلا حرة وقدى # أو في على الماء كعب ، ثم قيل له : . . . رد كعب ، إنك وراد ، فما وردا # وفي المصافنة يقول الأسدي : # كأن أطيطا يا بنة القوم لم ينخ . . . قلائص يحكيها الحني المنقح # ولم يسق قوما فارسي على الحصى . . . صباب الأداوي والمطيات جنح # ويزعمون أن الحصاة التي إن غمرها الماء في الإناء كانت نصيب احدهم ، تسمى ~~المقلة . وهذا الحرف سمعته من البغداديين . ولم أسمعه من أصحابنا . وقد ~~برئت إليك منه . PageV02P187 # وقال ابن جحوش في المصافنة ms153 : # ولما تعاورنا الإداوة أجهشت . . . إلى الماء نفس العنبري الجراضم # وآثرته لما رأيت الذي به . . . على النفس ، أخشى لاحقات الملاوم # فجاء بجلمود له مثل رأسه . . . ليشرب حظ القوم بين الصرائم وقد يصيب ~~القوم في باديتهم ومواضعهم ، من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم ، ولا ~~في ناحية من النواحي . وإن أحدهم ليجوع حتى يشد على بطنه الحجارة ، وحتى ~~يعتصم بشده معاقد الإزار ، وينزع عمامته من رأسه ، فيشد بها بطنه ، وإنما ~~عمامته تاجه . # والأعرابي يجد في رأسه من البرد إذا كان حاسرا ما لا يجده أحد ، لطول ~~ملازمته العمامة ، ولكثرة طيها وتضاعف أثنائها . ولربما اعتم بعمامتين . ~~ولربما كانت على قلنسوة حدرية . # وقال مصعب بن عمير الليثي : # سيروا فقد جن الظلام عليكم . . . فباست امرئ يرجو القرى عند عاصم ~~PageV02P188 # دفعنا إليه وهو كالذيخ خاطيا . . . نشد على أكبادنا بالعمائم # وقال الراعي في ذلك : # يشب لركب منهم من ورائهم . . . فكلهم أمسى إلى ضوئها سرى # إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها . . . وقد تكرم الأضياف والقد يشتوى # فلما أناخوا واشتكينا إليهم . . . بكوا وكلا الخصمين مما به بكى # بكى منذر من أن يضاف ، وطارق . . . يشد من الجوع الإزار على الحشا # ومما يدل على ما هم فيه من الجهد ، وعلى امتداحهم بالأثرة قول الغنوي : # لقد علمت قيس بن عيلان أننا . . . نضار ، وأنا حيث ركب عودها # إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضه . . . ببعض ، ويبلى شح نفس وجودها # وأنا مقار حين يبتكر الغضى . . . إذا الأرض أمست وهي جدب جنودها ~~PageV02P189 # وقال في ذلك العجير السلولي : # من النهديات الماء بالماء بعد ما . . . رمى بالمقاري كل قار ومعتم # وقال آخر في مثل هذا : # لنا إبل يروين يوما عيالنا . . . ثلاث ، فإن يكثرن يوما فأربع # يمدهم بالماء لا من هوانهم . . . ولكن إذا ما قل شيء يوسع # على أنها يغشى أولئك بيتها . . . على اللحم حتى يذهب الشر أجمع # وقال أبو سعيد الخدري : أخذت حجرا فعصبته على بطني من الجوع ، وأتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم أسأله . فلما سمعته وهو يخطب : من يستعف يعفه ~~الله ، ومن يستعن ms154 يعنه الله ، رجعت ولم أسأله . # قال أعرابي : جعت حتى سمعت من مسامعي دويا . فخرجت أريغ الصبد ، فإذا ~~بمغارة ، وإذا هو جرو ذئب . فذبحته وأكلته ، وادهنت واحتذيت . PageV02P190 # ولما قدم المغيرة القادسية على سعد بسبعين من الظهر ، وعند سعد ضيق شديد ~~من الحال ، نحروها وأكلوا لحومها ، وادهنوا بشحومها ، واحتذوا جلودها . # وذكر الأصمعي عن عثمان الشحام ، عن أبي رجاء العطاردي ، قال : لما بلغنا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ في القتل ، هربنا فاشتوينا فخذ أرنب ~~دفينا ، وألقينا عليها جمالنا . فلا أنسى تلك الأكلة ! وكان الأصمعي إذا ~~حدث بهذا الحديث قال : نعم الإدام الجوع ، ونعم شعار المسلمين التخفيف . # وذكروا عن عبد الملك بن عمير ، عن رجل من بني عذرة ، قال : خرجت زائرا ~~لأخوال لي بهجر . فإذا هم في برث أحمر بأقصى هجر ، في طلوع القمر . فذكروا ~~أن أتانا تعتاد نخلة ، فترفع يديها ، وتعطو بفيها ، وتأخذ الحلقان ~~والمنسبتة والمنصفة والمعوة . PageV02P191 # فتنكبت قوسي ، وتقلدت جفيري . فإذا قد أقبلت . فرميتها ، فخرت لفيها . ~~فأدركت ، فقورت سرتها ومعرفتها . فقدحت ناري ، وجمعت حطي ثم دفنتها . ثم ~~أدركني ما يدرك الشباب من النوم . فما استيقظت إلا بحر الشمس في ظهري . ثم ~~كشفت عنها . فإذا لها غطيط من الودك كتداعي طيء وغطيف وغطفان . ثم قمت إلى ~~الرطب وقد ضربه برد السحر . فجنيت المعوة والحلقان . فجعلت أضع الشحمة بين ~~الرطبتين ، والرطبة بين الشحمتين ، فأظن الشحمة سمنة ثم سلاءة ، وأحسبها من ~~حلاوتها شهدة أحدرها من الطور . # وأنا أتهم هذا الحديث ، لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف مذاهب ~~العرب . وهو من أحاديث الهيثم . PageV02P192 # وقال مديني لأعرابي أي شيء تدعون ، وأي شيء تأكلون ؟ قال : نأكل ما دب ~~ودرج ، إلا أم حبين . فقال المديني : لتهن أم حبين العافية . وقال الأصمعي ~~: تعرق أعرابي عظما . فلما أراد أن يلقيه - وله بنون ثلاثة - قال له أحدهم ~~: أعطينه . قال : وما تصنع به ؟ قال : أتعرقه حتى لا تجد فيه ذرة مقيلا . ~~قال : ما قلت شيئا ! قال الثاني : أعطينه . قال : وما تصنع به ؟ قال أتعرقه ~~حتى لا ms155 تدري ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله . قال : ما قلت شيئا ! قال ~~الثالث : أعطينه . قال : وما تصنع به ؟ قال أجعله مخة إدام . قال : أنت له ~~! وقال الآخر : # فإنك لم تشبه لقيطا وفعله . . . وإن كنت أطعمت الأرز مع التمر # وقال الآخر : # إذا انغاص منها بعضها لم تجد لها . . . دويا لما قد كان منها مدانيا # وإن حاولوا أن يشبعوها رأيتها . . . على الشعب لا تزداد إلا تداعيا ~~PageV02P193 # معوذة الإرحال لم توف مرقبا . . . ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا # ولا اجترعت من نحو مكة سقة . . . إلينا ولا جازت بها العيس واديا # ولكنها في أصلها موصلية . . . مجاورة فيضا من البحر جاريا # أتتنا تزيجها الجاذيف نحونا . . . وتعقب فيما بين ذاك المراديا # فقلت : لمن هذي القدور التي أرى . . . تهيل عليها الريح تربا وسافيا ؟ # فقالوا : وهل يخفى على كل ناظر . . . قدور رقاش ، إن تأمل رائيا ؟ # فقلت : متى باللحم عهد قدوركم ؟ . . . فقالوا : إذا ما لم يكن عواريا # من أضحى إلى الأضحى ، وإلا فإنها . . . تكون بنسج العنكبوت كما هيا # فلما استبان الجهد لي في وجوههم . . . وشكواهم أدخلتهم في عياليا ~~PageV02P194 # فكنت إذا ما استشرفوني مقبلا . . . أشاروا جميعا لجة وتداعيا # ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم مما أنا كاتبه لك . وهم وإن ~~كانوا في بلاد جدب ، فإنهم أحسن الناس حالا في الخصب . فلا تظنن أن كل ما ~~يصفون به قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل . # وحثني الأصمعي قال : سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية ، فقال : ربما ~~رأيت الكلب يتخطى الخلاصة - وهي له معرضة - شبعا . # وقال الأفوه الأودي : # تهنا لثعلبة بن قيس جفنة . . . يأوي إليها في الشتاء الجوع # ومذانب لا تستعار وخيمة . . . سوداء عيب نسيجها لا يرقع # وكأنما فيها المذانب حلقة . . . ودم الدلاء على دلوج ينزع PageV02P195 # وقال معن بن أوس ، وهو يذكر قدر سعيد بن العاص ، في بعض ما يمدحه : # أخو شتوات لا تزال قدوره . . . تحل على أرجائها ثم ترحل # إذا ما امتطاها الموقدون رأيتها . . . لو شك قراها وهي بالجزل تشعل # سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت . . . كهدر الجمال رزما حين تجفل ms156 # ترى البازل الكوماء فيها بأسرها . . . مقبضة في قعرها ما تجلجل # كأن الكهول الشهب في حجراتها . . . تغطرش في تيارها حين يحفل # إذا التطمت أمواجها فكأنها . . . غوائب دهم في المحلة قبل PageV02P196 # إذا احتدمت أمواجها فكأنما . . . يزعزعها من شدة الغل أفكل # تظل رواسيها ركودا مقيمة . . . لمن نابه فيها معاش ومأكل # وضاف الفرزدق أبا السحماء سحيم بن عامر أحد بني عمرو بن مرثد ، فأحمده ، ~~وذكر في إحماده قدره ، فقال : # سألنا عن أبي السحماء حتى . . . أتينا خير مطروق لسارى # فقلنا : يا أبا السحماء إنا . . . وجدنا الأزد أبعد من نزار # فقام يجر من عجل إلينا . . . أسابي العناس مع الإزار # وقام إلى سلافة مسلحب . . . رثيم الأنف مربوب بقار # تدور عليهم والقدر تغلي . . . بأبيض من سديف الكوم وارى # كأن تطلع الترعيب فيها . . . عذارى يطلعن إلى عذارى PageV02P197 # وقال الكميت في صفة القدر : # إوز تغمس في لجة . . . تغيب مرارا وتطفو مرارا # كأن الغطامط من غليها . . . أراجيز أسلم تهجو غفارا # وأما ما ذكروا من صفات القدور من تعير بعضهم بعضا ، فهو كما أنشدني محمد ~~بن يسير ، قال : لما قال الأول : إن لنا قدرا ذراعان عرضها . . . وللطول ~~منها أذرع وشبار # قال الآخر : وما هذه ؟ أخزى اله هذه قدرا ! ولكني أقول : # بوأت للورى فوضعتها . . . برابية من بين ميث وأجرع # جعلت لها هضب الرجام وطخفة . . . وغولا أثافي دونها لم تنزع # بقدر كأن الليل شحنة قعرها . . . ترى الفيل طافيا لم يقطع PageV02P198 # يعجل للأضياف وارى سديفها . . . ومن يأتها من سائر الناس يشبع # قال أبو عبيدة : ولما قال الفرزدق : # وقدر كحيزوم النعامة أحمشت . . . بأجذال خشب زال عنها هشيمها # قال ميسرة أبو الدرداء : وما حيزوم النعامة ؟ والله ما تشبع هذه الفرزدق ~~. ولكني أقول : # وقدر كجوف الليل أحمشت غليها . . . ترى الفيل طافيا لم يفصل # وقال عبد الله بن الزبير يمدح أسماء بن خارجة : # ألم تر أن المجد أرسل يبتغي . . . حليف صفاء قابلا لا يزايله # تخير أسماء بن حصن فبطنت . . . بفعل العلا أيمانه وشمائله # ومما يجوز في هذا الباب ، وإن لم يكن فيه صفة قدر ، قول الفرزدق في ~~العذافر ابن ms157 زيد ، أحد بني تميم اللات بن ثعلبة : # لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها . . . بأكثر خيرا من خوان العذافر # ولو ضافه الدجال يلتمس القرى . . . وحل على خبازه بالعساكر # بعدة يأجوج ومأجوج جوعا . . . لأشبعهم شهرا غداء العذافر PageV02P199 # وقال ابن عبدل في بشر بن مروان بن الحكم : # ولو شاء بشر كان من دون بابه . . . طماطم سود أو صقالبة حمر # ولكن بشرا أسهل الباب للتي . . . يكون لبشر عندها الحمد والأجر # بعيد مراد العين ما رد طرفه . . . حذار الغواشي باب دار ولا ستر # وقالوا في مناقضات أشعارهم في القدور ، قال الرقاشي : # لنا من عطاء الله دهماء جونة . . . تناول بعد الأقربين الأقاصيا # جعلنا ألالا والرجام وطففة . . . لها ، فاستقلت فوقهن أثافيا # مؤدية عنا حقوق محمد . . . إذا ما أتانا بائس الحال طاويا # أتى ابن يسير كي ينفس كربه . . . إذا لم يرح وافي مع الصبح غاديا # فأجابه ابن يسير فقال : # وثرماء ثلماء النواحي ولا يرى . . . بها أحد عيبا سوى ذاك باديا ~~PageV02P200 # ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي . . . ألا أبشروا هذا اليسيري جائيا # وقال ابن يسير في ذلك : # قدر الرقاشي لم تنقر بمنقار . . . مثل القدور ولم تفتض من غار # لكن قدر أبي حفض إذا نسبت . . . يوما ربيبة آجام وأنهار # فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن هانئ الحكمي ، يذكر قدر الرقاشي بالهجاء ~~أيضا ، فقال : # ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت . . . مركبة الآذان أم عيال # يغص بحيزوم البعوضة صدرها . . . وتنزلها عفوا بغير جعال # ولو جئتها ملأى عبيطا مجزلا . . . لأخرجت ما فيها بعود خلال # هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل . . . ربيع اليتامى عام كل هزال # وقال فيها أيضا : # رأيت قدور الناس سودا من الصلى . . . وقدر الرقاشيين زهراء كالبدر # ولو جئتها ملأى عبيطا مجزلا . . . لأخرجت ما فيها على طرف الظفر # يثبتها للمعتفي بفنائهم . . . ثلاث كحظ الثاء من نقط الحبر PageV02P201 # تبين في محراثها أن عوده . . . سليم صحيح لم يصبه أذى الجمر # تروح على حي الرباب ودارم . . . وسعد وتعروها قراضبة الفزر # وللحي عمرو نفحة من سجالها . . . وتغلب والبيض اللهاميم من بكر # إذا ما تنادوا بالرحيل سعى بها . . . أمامهم ms158 الحولى من ولد الذر # وقال بعض التميميين وهو بهجو ابن جبار : # لو أن قدرا بكت من طول ما حبست . . . على الحفوف بكت قدر ابن جبار # ما مسها دسم مذ فض معدنها . . . ولا رأت بعد نار القين من نار والشعوبية ~~والآزاد مردية ، المبغضون لآل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ممن فتح ~~الفتوح ، وقتل المجوس ، وجاء بالإسلام ، تزيد في خشونة عيشهم ، وخشونة ~~ملبسهم ، وتنقص من نعيمهم ، ورفاغة عيشهم . وهم أحسن الأمم حالا مع الغيث ، ~~وأسوئهم حالا إذا خفت PageV02P202 السحاب . حتى ربما طبق الغث الأرض باكلإ ~~والماء . فعند ذلك يقول المصرم والمقتر : مرعى ولا أكولة ، وعشب ولا بعير ، ~~وكلا تيجع له كبد المصرم . # ولذلك قال شاعرهم : # فجنبك الجيوش أبا زنيب . . . وجاد على مسارحك السحاب # وإذا نظرت في أشعارهم ، علمت أنهم قد أكلوا الطيب وعرفوه ، لأن الناعم من ~~الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش . فقال زياد بن فياض يذكر ~~الدرمك ، وهو الحواري : # ولا قد فتى قيس بن عيلان ماجدا . . . إذا الحرب هرتها الكماة الفوارس # فقام إلى البرك الهجان بسيفه . . . وطارت حذار السيف دهم قناعس # فصادف حد السيف قباء جلعدا . . . فكاست ، وفيها ذو غرارين نايس # فأطعمها شحما ولحما ودرمكا . . . ولم يثننا عنه النسيم الحنادس # وقال : # تظل في درمك وفاكهة . . . وفي شواء ما شئت أو مرقه PageV02P203 # وقال جرير : # تكلفني معيشة آل زيد . . . ومن لي بالمرقق والصناب # وقال النمر بن تولب : # لها ما تشتهي ، عسل مصفى . . . وإن شاءت فحواري بسمن # ومن أشرف ما عرفوه من الطعام - ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام ، إلا ~~عبد الله بن جدعان - وهو الفالوذق . مدحه بذلك أمية بن أبي الصلت ، فقال : # إلى ردح من الشيزى عليها . . . لباب البر يلبك بالشهادة # ولهم الثريد . وهو في أشرافهم عام . وغلب على هاشم حين هشم الخبز لقومه . ~~وقد مدح به في شعر مشهور ، وهو قوله : # عمرو العلا هشم الثريد لقومه . . . ورجال مكة مسنتون عجاف # ومن الطعام الممدوح الحيس . وتزعم مخزوم أن أول من حارس الحيس سويد بن ~~هرمى . # وقال الشاعر : # وإذا ms159 تكون شديدة أدعى لها . . . وإذا يحاس الحيس يدعى جندب PageV02P204 # والخبز عندهم ممدوح . وكان عبد الله بن حبيب العنبري أحد بني سمرة ، يقال ~~له آكل الخبز ؛ لأنه كان لا يأكل التمر ، ولا يرغب في اللبن . وكان سيد بني ~~العنبر في زمانه . وهم إذا فخروا قالوا : منا آكل الخبز ، ومنا مجير الطير ~~يعني ثوب بن شحمة العنبري . # وهم يقدمون اللحم على التمر ، ألا تراه يقول : # قرتني عبيد تمرها وقريتها . . . سنام مصراة قليل ركوبها # فهل يستوي شحم السنام إذا شتا . . . وتمر جواثي حين يلقى عسيبها # وليس يكون فوق عقر الإبل وإطعام السنام شيء . والعقر هو النجدة ، واللبن ~~هو الرسل . # قال الهذلي : # لو أن عندي من قريم رجلا . . . لمنعوني نجدة ورسلا # وقال الهزلي : # ألا إن خير الناس رسلا ونجدة # وقال المرار بن سعيد الفقعسي : # لهم إبل لا من ديات ولم تكن . . . مهورا ولا من مكسب غير طائل ~~PageV02P205 # ولكن حماها من شماطيط غارة . . . خلال العوالي فارس غير مائل # مخيسه في كل رسل ونجدة . . . ومعروفة ألوانها في المعاقب # وقد وصفوا الثريد ، فقال الراعي : # فباتت تعد النجم في مستحيرة . . . سريع على أيدى الرجل جمودها # وقال آخر : # ثريد كأن السمن في حجراته . . . نجوم الثريا أو عيون الضياون # وقال ابن هرم : # إلى أن أتاهم بشيزية . . . تعد كواكبها الشبك # وقال كامل بن عكرمة : # فقرب بينهم خبزا ركودا . . . كساها الشحم ينهمر إنهمارا # يدف بها غلاماه جميعا . . . تردهما إلى الأرض انهصارا # فأصبح سورهم فيها وعلمن . . . لو أن العلم صنفها شيارا # فهذا في صفة الثريد . PageV02P206 # وقال بشر بن أبي خازم : # ترى ودك السديف على لحاهم . . . كلون الرار لبده الصقيع # وقال الآخر : # جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه . . . وطيب الدهان رأسه فهو أنزع # إذا النفر السود اليمانون حاولوا . . . له حوك برديه أرقوا وأوسعوا # وقال الزبير بن عبد المطلب : فإنا قد خلقنا إذ خلقنا . . . لنا الحبراة ~~والمسك الفتيت # ولولا الحمس لم يلبس رجال . . . ثيابا غرة حتى يموتوا # ثيابهم شمال أو عباء . . . بها دنس كما دنس الحميت # فميز - كما ترى بين لباس الأشراف وأهل الثروة وغيرهم ms160 . # وقال الأعشى : # والمشرف العود فأكنافه . . . ما بين حمران فينصوب PageV02P207 # خير لها إن خشيت جحرة . . . من ربها زيد بن أيوب # متكئا تقرع أبوابه . . . يسعى عليه العبد بالكوب # وقال أبو الصلت بن ربيعة : # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا . . . في رأس غمدان دارا منك محلالا # وليس هذا من باب الإفراط كقول جران العود ، حين وصف نفسه وعشيقته فقال : # فأصبح في حيث التقينا غنيمة . . . سوار وخلخال ومرط ومطرف # ومنقطعات من عقود تركنها . . . كجمر الغضى في بعض ما تتخطرف # ومن ذلك قول عدي بن زيد : # يا لبينى أوقدي النار . . . إن من تهوين قد حارا # رب نار بت أرقبها . . . تقضم الهندي والغاران PageV02P208 # وقال الآخر : # أرى في الهوى نارا لظبية أوقدت . . . يشب ويذكى بعد وهن وقودها # تشب بعيدان اليلنجوج موهنا . . . وبالرند أحينا ، فذاك وقودها # قد ذكرنا الطعام الممدوح ما هو ، وذكرنا أحد صنفي الطعام المذموم . # والصنف الآخر الجزيرة ، التي تعاب مجاشع بن درام ، وكنحو السخينة التي ~~تعاب بها قريش . # قال خداش بن زهير : # يا شدة ما شددنا غير كاذبة . . . على سخينة لولا الليل والحرم # وقال عبد الله بن همام : # إذا لضربتهم حتى يعودوا . . . بمكة يلعقون بها السخينا # وقال جرير : # وضع الخزير فقيل : أين مجاشع ؟ . . . فشحا جحافله هجف هبلع # والخزير لم يكن من طعامهم . وله حديث . والسخينة كانت من طعام قريش . ~~PageV02P209 # وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة ، وكل من كان يقرب النخل - بأكل التمر . # فقال الفرزدق : # لست بسعد على فيه حبرة . . . ولست بعبد حقيبته التمر # وتهجا أسد بأكل الكلاب ، وبأكل لحوم الناس . والعرب إذا وجدت رجلا من ~~القبيلة قد أتى قبيحا ، ألزمت ذلك القبيلة كلها . كما تمدح القبيلة بفعل ~~جميل ، وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها : فتهجوا قريشا بالسخينة ، وعبد ~~القيس بالتمر ، وذلك عام في الحيين جميعا . وهما من صالح الأغذية والأقوات ~~. كما تهجو بأكل الكلاب والناس ، وإن كان ذلك إنما كان من رجل واحد ، فلعلك ~~إذا أردت التحصيل تجده معذورا . # قال الشاعر : # يا فقعسي لما أكلته لمه . . . لو خافك الله عليه حرمه # فما أكلت لحمه ولا دمه ms161 # وقال في ذلك مساور بن هند : # إذا أسدية ولدت غلاما . . . فبشرها بلؤم في الغلام # تخرسها نساء بني دبير . . . بأخبث ما يجدن من الطعام # ترى أظفار أعقد ملقات . . . براثنها على وضم الثمام PageV02P210 # وقال : # بني أسد عن يمحل العام فقعس . . . فهذا إذا دهر الكلاب وعامها # وقال الفرزدق : # إذا أسدى جاع يوما ببلدة . . . وكان سمينا كلبه فهو آكله # وتهجى أسد وهذيل والعنبر وبأهلة بأكل لحوم الناس . # قال الشاعر في هذيل : # وأنتم أكلتم سحفة ابن مخدم . . . زمانا فما يأمنكم أحد بعد # تداعوا له من بين خمس وأربع . . . وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد # وقال حسان فيهم : # إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له . . . فأت الرجيع وسل عن دار لحيان # قوم تواصوا بأكل الجار بينهم . . . فالشاة والكلب والإنسان سيان # وهجا شاعر بلعنبر ، وهو يريد ثوب بن شحمة . وفيه حديث : # عجلتم ما صدكم علاجي . . . من العنوق ومن النعاج # حتى أكلتم طفلة كالعاج PageV02P211 # ولما عير ثوب بن شحمة بأكل الفتى العنبري لحم المرأة سكت إلى أن نزل هو ~~من الجبل فقال : # يا بنت عمى ما أدراك ما حسبي . . . إذ لا تجن خبيث الزاد أضلاع # إني لذو مرة تخشى بوادره . . . عند الصباح بنصل السيف قراع فهجا ثوب بن ~~شحمة بأكل لحوم المرأة . وكان ثوب هذا أكرم نفسا عندهم من أن يطعم طعاما ~~خبيثا ، ولو مات عندهم جوعا . وله قصص . ولقد أسر حاتما الطائي ، وظل عنده ~~زمانا . # وقال الشاعر يهجوا بأهلة بمثل ذلك : # إن عفاقا أكلته باهله . . . تمششوا عظامه وكاهله # وأصبحت أم عفاق ثاكله # وهجيت بذلك أسد جميعا ، بسبب رملة بنت فائد بن حبيب بن خالد بن نضلة ، ~~حين أكلها زوجها وأخوها أبو أرب . وقد زعموا أن ذاك إنما كان منهما من طريق ~~الغيظ والغيرة . # فقال ابن دارة ينعى ذلك عليهم : # أفي أن رويتم واحتلبتم شكيكم . . . فخرتم ، وفيم الفقعسي من الفخر ؟ # ورملة كانت زوجة لفريقكم . . . وأخت فريق ، وهي مخزية الذكر # أبا أرب كيف القرابة بينكم . . . وإخوانكم من لحم أكفالها العجر ؟ ~~PageV02P212 # وقال : # عدمت نساء بعد رملة فائد بني فقعس تأتيكم بأمان ms162 # وباتت عروسا ثم أصبح لحمها . . . جلا في قدور بينكم وجفان # وقال البراء بن ربيعي ، أخو مضرس بن ربعي يعير صلتا - وهو أخوه - فقال : # يا صلت إن محل بيتك منتن . . . فارحل فإن العود غير صليب # وإذا دعاك إلى المعاقل فائد . . . فاذكر مكان صدارها المسلوب # والآن فادع أبا رجال ، إنها . . . شنعاء لاحقة بأم حبيب # وأبو رجال هذا عمها . # وقال في ذلك معروف الدبيري : # إذا ما ضفت ليلا قفعسيا . . . فلا تطعم له أبدا طعاما # فإن اللحم إنسان فدعه . . . وخير الزاد ما منع الحراما # وهذا الباب يكثر ويطول . وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف ~~الحالات . فإن أردته مجموعا فاطلبه في كتاب الشعوبية ، فإنه هناك مستقصى . # والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير نارا نبح ، فيجاوبه الكلب ، فيتبع صوته ~~. # ولذلك قال الشاعر : # ومسنتنبح أهل الثرا يطلب القرى . . . إلينا وممساه من الأرض نازح ~~PageV02P213 # وقال الآخر : # عوى حدس والليل مستحلس الندى . . . لمستنبح بين الرميثة والحصر # ويدلك على أنه ينبح وهو على راحلته لينبحه الكلب ، قول حميد الأرقط : # وعاو عوى والليل مستحلس الندى . . . وقد زحفت للغور تالية النجم # فمنهم من يبرز كلبه ليجيب ، ومنهم من يمنعه ذلك . قال زياد الأعجم ، وهو ~~يهجو بني عجل : # وتكلم كلب الحي من خشية القرى . . . وقدرك كالعذراء من دونها ستر # وقال آخر : # نزلنا بعمار فأشلي كلابه . . . علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل # فقلت لأصحابي أسر إليهم : . . . إذا اليوم أم يوم القيامة أطول # وقال آخر : # أعددت للضيفان كلبا ضاريا . . . عندي وفضل هراوة من أرزن # وقال أعشى بن تغلب : # إذا حلت معاوية بن عمرو . . . على الأطواء خنقت الكلابا PageV02P214 # وأنشدني ابن الأعرابي ، وزعم أنه من قول المجنون : # ونار قد رفعت لغير خير . . . رجاه لمن تأوبني الرعا # تأوبني طويل الشخص منهم . . . يجر ثقاله يرجو العشا # فكان عشاءه عندي خزير . . . بتمر مهينة فيه النوى # وقال في خلاف ذلك حسان بن ثابت : # أولاد جفنة حول قبر أبيهم . . . قبر ابن مارية الكريم المفضل # يغشون حتى ما تهر كلابهم . . . لا يسألون عن السواد المقبل # وقال المرار الحماني في كلبه : # ألف ms163 الناس فما ينبحهم . . . من أسيف يبتغي الخير وحر # وقال عمران بن عصام : # لعبد العزيز على قومه . . . وغيرهم منن غامره # فبابك ألين أبوابهم . . . ودارك مأهولة عامرة # وكلبك آنس بالمعتفين . . . من الأم بابنتها الزائره PageV02P215 # وكفك حين ترى السائلي . . . ن أندى من الليلة الماطرة # وفي أنس الكلاب بالناس لطول الرؤية لهم شعر كثير . # وقال الشاعر : # يا أم عمرو أنجزي الموعودا . . . وارعي بذاك أمانة وعهودا # ولقد طرقت كلاب أهلك بالضحا . . . حتى تركت عقورهن رقودا # يضربن بالأذناب من فرج بنا . . . متوسدات أذرعا وخدودا # وقال ذو الرمة : رأتني كلاب الحي حتى ألفني . . . ومدت نسوج العنكبوت على ~~رحلي # وقال الآخر : # بات الحويرث والكلاب تشمه . . . وسرت بأبيض كالهلال على الطوى # هذا البيت يدخل في هذا الباب . # وقال الآخر : # لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم . . . لم ينكر الكلب أني صاحب الدار # لكن أتيت وريح المسك تفغمني . . . والعنبر الورد أذكيه على النار ~~PageV02P216 # فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني . . . وكان يعرف ريح الزق والقار # وقال هلال بن خثعم : # إني لعف عن زيارة جارتي . . . وإني لمشنوء إلى اغتيابها # إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها . . . زءورا ولم تأنس إلى كلابها # وما أنا بالداري أحاديث بيتها . . . ولا عالم في أي حوك ثيابها # وقال ابن هرمة في فرح الكلب بالضيف لعادة النحر : # وفرحة من كلاب الحي يتبعها . . . محض يزف به الراعي وترعيب # وقال ابن هرة : # ومستنبح نبهت كلبي لصوته . . . فقلت له : قم باليفاع فجاوب # فجاء خفي الشخص قد رامه الطوى . . . بضربة مسنون الغرارين قاضب # فرحبت واستبشرت حين رأيته . . . وتلك التي ألقى بها كل ثائب # وفي منع الكلب من النباح يقول الراعي في الحطيئة : # إلا قبح الله الحطيئة إنه . . . على كل ضيف ضافه فهو سالح PageV02P217 # دفعت إليه وهو يخنق كلبهألا كل كلب لا أبا لك ! نابح # بكيت على مذق خبيث قريته . . . ألا كل عبسي على الزاد نائح # وقد قالوا في صفة أبواب أهل المقدرة والثروة ، إذا كانوا يقومون بحق ~~النعمة . قال الرجز : # إن الندى حيث ترى الضغاطا # وقال الآخر : # يزدحم الناس على بابه . . . والشرع السهل كثير ms164 الزحام # وقال الآخر : # وإذا افتقرت رأيت بابك خاليا . . . وترى الغني يهدي لك الزوارا # وليس هذا من الأول ، إنما هذا مثل قوله : # ألم تر بيت الفقر يهجر أهله . . . وبيت الغني يهدي له ويزار # وهذا مثل قوله : # إذا ما قل مالك كنت فردا . . . وأي الناس زوار المقل # والعرب تفضل الرجل الكسوب ، والغر الطلوب ؛ ويذمون المقيم الفشل ، والدثر ~~والكسلان . ولذلك قال شاعرهم وهو يمدح رجلا : # شتى مطالبه ، بعيد همه . . . جواب أودية ، برود المضجع PageV02P218 # ومدح آخر نفسه فقال : # فإن تأتيني في الشتاء وتلمسا . . . مكان فراشي فهو بالليل بارد # وقال آخر : # إلى ملك لا ينقض النأي عزمه . . . خروج تروك للفراش الممهد # وقال الآخر : # فذاك قصير الهم يملأ عزمه . . . من النوم إذ ملقى فراشك بارد # وقال الآخر : # أبيض بسام برود مضجعه . . . اللقمة الفرد مرارا تشبعه # وهم يمدحون أصحاب النيران ، ويذمون أصحاب الإخماد . # قال الشاعر : # له نار تشب بكل ريع . . . إذا الظلماء جللت اليفاعا # وما إن كان أكثرهم سواما . . . ولكن كان أرحبهم ذراعا # وقال مزرد بن ضرار : # فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت . . . بعلياء نشر للعيون النواظر # جعلها شقراء ، ليكون أضوء لها . وكذلك النار إذا كان حطبها يابسا كان أشد ~~لحمرة ناره . وإذا كثر دخانه قل ضوءه . PageV02P219 # وقال الآخر : # ونار كسجر العود يرفع ضوءها . . . مع الليل هبات الرياح الصوارد # وكلماكان موضع النار أشد ارتفاعا ، كان صاحبها أجود وأمجد ، لكثرة من ~~يراها من البعد . ألا ترى النابغة الجعدي حين يقول : # منع الغدر فلم أهمم به . . . وأخو الغدر إذا هم فعل # خشية الله وأني رجل . . . إنما ذكرى كنار بقبل # وقالت الخنساء السلمية : # وإن صخرا لتأتم الهداة به . . . كأنه علم في رأسه نار # وليس يمنعني من تفسير كل ما يمر إلا اتكالي على معرفتك . وليس هذا الكتاب ~~نفعه إلا لمن روى الشعر والكلام ، وذهب مذاهب القوم ، أو يكون قد شدا منه ~~شدوا حسنا . PageV02P220 # ومما يدل على كرم القوم أيمانهم الكريمة ، وأقسامهم الشريفة . قال معدان ~~بن جواس الكندي : # إن كان ما بلغت عني فلامني . . . صديقي وحزت من يدي الأنامل وكفنت وحدي ~~منذرا ms165 في ردائه . . . وصادف حوطا من أعادي قاتل # وقال الأشتر ، مالك بن الحارث في مثل ذلك أيضا : # بقيت وحدي وانحرفت عن العلا . . . ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن حرب غارة . . . لم تخل يوما من نهاب نفوس # خيلا كأمثال السعالي شذبا . . . تغدو ببيض في الكريهة شوس # حمى الحديد عليهم فكانت . . . لمعان برق أو شعاع شموس # وقال ابن سيحان : # حرام كنتي مني بسوء PageV02P221 # لقد أحرمت ود بني مطيع . . . حرام الدهن للرجل الحرام # وحرهم الذي قد ستروه . . . ومجلسهم بمعتلج الظلام # وإن جنف الزمان مددت حبلا . . . متينا من حبال بنى هشام # وريق عودهم أبدا رطيب . . . . إذا ما أغبر عيدان اللئام | PageV02P222 ms166