######OpenITI# #META# المؤلف: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ #META# bkid: 33775 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: البخلاء ¶ المؤلف: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ¶ دار النشر: دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت - 1422 ه - 2001 م ¶ تحقيق: أحمد العوامري بك - علي الجارم بك ¶ عدد الأجزاء / 2 ¶ [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: الجاحظ #META# Lng: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ #META# max: 394 #META# دار النشر: دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت - 1422 ه - 2001 م #META# bk: البخلاء للجاحظ - العلمية #META# authinf: (163 - 255 ه = 780 - 869 م) ¶ عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ: كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة. ¶ مولده ووفاته في البصرة. ¶ فلج في آخر عمره. وكان مشوه الخلقة. ¶ ومات والكتاب على صدره. قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه. ¶ له تصانيف كثيرة، منها : ¶ «الحيوان - ط» أربعة مجلدات، و «البيان والتبيين - ط» و «سحر البيان - خ» و «التاج - ط» ويسمى أخلاق الملوك، و «البخلاء - ط» و «المحاسن والأضداد - ط» و «التبصر بالتجارة - ط» رسالة نشرت في مجلة المجمع العلمي العربي، و «مجموع رسائل - ط» اشتمل على أربع، هي: المعاد والمعاش، وكتمان السر وحفظ اللسان، والجد والهزل، والحسد والعداوة. ¶ وله «ذم القواد - ط» رسالة صغيرة، و «تنبيه الملوك - خ» في 440 ورقة، و «الدلائل والاعتبار على الخلق والتدبير - ط» و «فضائل الأتراك - ط» و «العرافة والفراسة - خ» و «الربيع والخريف - ط» و «الحنين إلى الأوطان - ط» رسالة. ¶ و «النبي والمتنبي» و «مسائل القرآن» و «العبر والاعتبار في النظر في معرفة الصانع وإبطال مقالة أهل الطبائع - خ» و «فضيلة المعتزلة» و «صياغة الكلام» و «الأصنام» و «كتاب المعلمين» ¶ و «الجواري» و «النساء» و «البلدان» و «جمهرة الملوك» و «الفرق في اللغة - خ» في تذكرة النوادر، و «البرصان والعرجان والعميان والحولان - ط» و «القول في البغال - ط» و «كتاب المغنين» و «الاستبداد والمشاورة في الحرب». ¶ ولأبي حيان التوحيدي كتاب في أخباره سماه «تقريظ الجاحظ» اطلع عليه ياقوت. ¶ وجمع محمد جبار المعيبد العراقي، ما ظفر به متفرقا من شعره، في «رسالة - ط» 13 صفحة، كما في أخبار التراث 76 صفحة 5. ¶ ولشفيق جبري «الجاحظ معلم العقل والأدب - ط» ولحسن السندوبي «أدب الجاحظ - ط» ولفؤاد أفرام البستاني «الجاحظ - ط» ومثله لحنا الفاخوري ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ndata: بسم الله524C2FDFن اللئام #META# bkord: 7996 #META# archive: 25 #META# الكتاب: البخلاء #META# authno: 787 #META# ad: 255 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 255 #META# cat: الأدب والبلاغة #META# iso: البخلاء للجاحظ العلميه #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# تحقيق: أحمد العوامري بك - علي الجارم بك #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO الكتاب : البخلاء # المؤلف : أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ # دار النشر : دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت - 1422 ه - 2001 م # تحقيق : أحمد العوامري بك - علي الجارم بك # عدد الأجزاء / 2 # [ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] PageV01P016 ~~"""""" صفحة رقم 17 """""" # المقدمة # رب أنعمت فزد تولاك الله بحفظه وأعانك على شكره ووفقك لطاعته وجعلك من ~~الفائزين برحمته ذكرت - حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار ~~وفي تفصيل حيل سراق الليل وأنك سددت به كل خلل وحصنت به كل عورة وتقدمت بما ~~أفادك من لطائف الخدع ونبهك عليه من غرائب الحيل فيما عسى ألا يبلغه كيد ~~ولا يحوزه مكر وذكرت أن موقع نفعه عظيم وأن التقدم في درسه واجب وقلت : ~~اذكر لي نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء وما يجوز من ذلك في باب الهزل وما ~~يجوز منه في باب الجد لأجعل الهزل مستراحا والراحة جماما فإن للجد كدا يمنع ~~من معاودته ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته . PageV01P017 # """""" صفحة رقم 18 """""" # وذكرت ملح الحزامي واحتجاج الكندي ورسالة سهل بن هارون وكلام ابن غزوان ~~وخطبة الحارثي وكل ما حضرني من أعاجيبهم ولم سموا البخل صلاحا والشح ~~اقتصادا ولم حاموا على المنع ونسبوه إلى الحزم ولم نصبوا للمواساة وقرنوها ~~بالتضييع ولم جعلوا الجود سرفا والأثرة جهلا ولم زهدوا في الحمد وقل ~~احتفالهم بالذم ولم استضعفوا من هش للذكر وارتاح للبذل ولم حكموا بالقوة ~~لمن لا يميل إلى ثناء ولا ينحرف عن هجاء ولم احتجوا بظلف العيش على لينه ~~وبحلوه على مره ولم لم يستحيوا PageV01P018 ~~"""""" صفحة رقم 19 """""" # من رفض الطيبات في رحالهم مع استهتارهم بها في رحال غيرهم ولم تتايعوا في ~~البخل ولم اختاروا ما يوجب ذلك الاسم مع أنفتهم من ذلك الاسم ولم رغبوا في ~~الكسب مع زهدهم في الإنفاق ولم عملوا في الغنى عمل الخائف من زوال الغنى ~~ولم يفعلوا في الغنى عمل الراجي لدوام الغنى ولم وفروا نصيب الخوف وبخسوا ~~نصيب الرجاء مع طول السلامة وشمول العافية ms001 والمعافى أكثر من المبتلى وليست ~~الحوائج أقل من الفوائد . فكيف يدعوا إلى السعادة من خص نفسه بالشقوة بل ~~كيف ينتحل نصيحة العامة من بدأ بغش الخاصة ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما ~~أجمعت الأمة على تقبيحه ولم فخروا مع اتساع معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه ~~وكيف يفطن عند الاعتلال له ويتغلغل عند PageV01P019 ~~"""""" صفحة رقم 20 """""" # الاحتجاج عنه إلى الغابات البعيدة والمعاني اللطيفة ولا يفطن لظاهر قبحه ~~وشناعة اسمه وخمول ذكره وسوء أثره على أهله وكيف وهو الذي يجمع له بين الكد ~~وقلة المرفق وبين السهر وخشونة المضجع وبين طول الاغتراب وطول قلة الانتفاع ~~ومع علمه لأن وارثه أعدى له من عدوه وأنه أحق بما له من وليه أو ليس لو ~~أظهر الجهل والغباوة وانتحل الغفلة والحماقة ثم احتج بتلك المعاني الشداد ~~وبالألفاظ الحسان وجودة الاختصار وبتقريب المعنى وبسهولة المخرج وإصابة ~~الموضع لكان ما ظهر من معانيه وبيانه مكذبا لما ظهر من جهله ونقصانه ولم ~~جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض ويعيا عن القريب الجليل PageV01P020 ~~"""""" صفحة رقم 21 """""" # وقلت : فبين لي ما الشيء الذي خبل عقولهم وأفسد أذهانهم وأغشى تلك ~~الأبصار ونقض ذلك الاعتدال وما الشيء الذي له عاندوا الحق وخالفوا الأمم ~~وما هذا التركيب المتضاد والمزاج المتنافي وما هذا الغباء الشديد الذي إلى ~~جنبه فطنة عجيبة وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح وأدرك به الدقيق ~~الغامض وقلت : وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل وأبدى صفحته للذم ولم يرض ~~من القول إلا بمقارعة الخصم ولا من الاحتجاج إلا بما رسم في الكتب ولا عجبي ~~من مغلوب على عقله مسخر لإظهار عيبه كعجبي ممن قد فطن لبخله وعرف إفراط شحه ~~وهو في ذلك PageV01P021 ~~"""""" صفحة رقم 22 """""" # يجاهد نفسه ويغلب طبعه . ولربما ظن أن قد فطن له وعرف ما عنده فموه شيئا ~~لا يقبل التمويه ورقع خرقا لا يقبل الرقع . فلوا أنه كما فطن لعيبه وفطن ~~لمن فطن لعيبه فطن لضعفه عن علاج نفسه وعن تقويم أخلاطه وعن استرجاع ما ms002 سلف ~~من عاداته وعن قلبه أخلاقه المدخولة إلى أن تعود سليمة لترك تكلف ما لا ~~يستطيعه ولربح الإنفاق على من يذمه ولما وضع على نفسه الرقباء ولا أحضر ~~مائدته الشعراء ولا خالط برد الآفاق ولا لابس الموكلين بالأخبار ولا استراح ~~من كد الكلفة ودخل في غمار الأمة . PageV01P022 # """""" صفحة رقم 23 """""" # وبعد فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه ولا يفطن لعيب نفسه إذا ~~أطعمهم وإن كان عيبه مكشوفا وعيب من أطعمه مستورا ولم سخت نفس أحدهم ~~بالكثير من التبر وشحت بالقليل من الطعم وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ~~ما بذل وأنه لو شاء أن يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به كان ذلك ~~عتيدا ويسيرا موجودا وقلت : ولا بد من أن تعرفني الهنات التي نمت على ~~المتكلفين ودلت على حقائق المتموهين وهتكت عن أستار الأدعياء وفرقت بين ~~الحقيقة والرياء وفصلت بين البهرج المتزخرف والمطبوع المبتهل لتقف - زعمت - ~~عندها ولتعرض نفسك عليها ولتتوهم مواقعها وعواقبها . فإن نبهك التصفح لها ~~على عيب قد أغفلته عرفت مكانه فاجتنبته . فإن كان عتيدا ظاهرا معروفا عندك ~~نظرت : فأن كان احتمالك فاضلا على بخلك دمت على إطعامهم وعلى اكتساب المحبة ~~بمؤاكلتهم وإن كان اكترائك غامر الاجتهاد PageV01P023 ~~"""""" صفحة رقم 24 """""" # سترت نفسك وانفردت يطيب زادك ودخلت مع الغمار وعشت عيش المستورين . وإن ~~كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالا وكانت أسبابكما أمثالا وأشكالا أجبت ~~الحزم إلى ترك التعرض وأجبت الاحتياط إلى رفض التكلف ورأيت أن من حصل ~~السلامة من الذم فقد غنم وأن من آثر الثقة على التغرير فقد حزم . وذكرت أنك ~~إلى معرفة هذا الباب أحوج وأن ذا المروءة إلى هذا العلم أفقر وأنى إن حصنت ~~من الذم عرضك بعد أن حصنت من اللصوص مالك فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار ~~ولا أم رءوم . وسألت أن أكتب لك علة أن الرجل أحق ببيته من الغريب وأولى ~~بأخيه من البعيد وأن البعيد أحق بالغيرة والقريب أولى بالأنفة وأن ~~الاستزادة في النسل ms003 كالاستزادة PageV01P024 ~~"""""" صفحة رقم 25 """""" # في الحرث إلا أن العادة هي التي أوحشت منه والديانة هي التي حرمته ولأن ~~الناس يتزيدن أيضا في استعظامه وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه . وعلة ~~الجهجاه في تحسين الكذب بمرتبة الصدق في مواضع وفي تقبيح الصدق في مواضع ~~وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق وفي حط الصدق إلى موضع الكذب وأن الناس ~~يظلمون الكذب بتناسي مناقبه وتذكر مثالبه ويحابون الصدق بتذكر منافعه ~~وبتناسي مضاره وإنهم لو وازنوا بين مرافقهما وعدلوا بين خصالهما لما فرقوا ~~بينهما هذا التفريق ولما رأوهما بهذه العيون . ومذهب صحصح في تفضيل النسيان ~~على كثير من الذكر وأن الغباء في الجملة أنفع من الفطنة في الجملة وأن عيش ~~البهائم أحسن موقعا من النفوس من عيش العقلاء وإنك لو أسمنت بهيمة ورجلا ذا ~~مروءة أو امرأة ذات عقل وهمة وأخرى PageV01P025 ~~"""""" صفحة رقم 26 """""" # ذات غباء وغفلة لكان الشحم إلى البهيمة أسرع وعن ذات العقل والهمة أبطأ . ~~ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن ~~فلذلك البهيمة تقنو شحما في الأيام اليسيرة . ولا تجد ذلك لذي الهمة ~~البعيدة . ومتوقع البلاء في البلاء وإن سلم منه . والعاقل في الرجاء إلى أن ~~يدركه البلاء . ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصورة في كتابي الذي ~~سمي كتاب المسائل لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب . فأما ما سألت من ~~احتجاج الأشحاء ونوادر أحاديث البخلاء فسأوجدك ذلك في قصصهم - إن شاء الله ~~تعالى - مفرقا وفي احتجاجاتهم مجملا فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي ~~دون ما انتهى إلى من أخبارهم على وجهها وعلى أن الكتاب أيضا يصير أقصر ~~ويصير العار فيه أقل . PageV01P026 # """""" صفحة رقم 27 """""" # ونبتدىء برسالة سهل بن هارون ، ثم بطرف أهل خراسان ، لإكثار الناس في أهل ~~خراسان . ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء : تبين حجة طريفة أو تعرف حيلة ~~لطيفة أو استفادة نادرة عجيبة . وأنت في ضحك منه إذا شئت وفي لهو إذا مللت ~~الجد . وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع ومحمود ms004 المغبة إذا وافق الموضع ~~ولم يجاوز المقدار ولم يعدل عن الجهة ودليل على الرقة والبعد من القسوة . ~~وربما عد من الوفاة وشدة الوجد على الأولياء . وهو من أعظم ما تقرب به ~~العابدون واسترحم به الخائفون . وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء ~~صبي له : لا تجزع فإنه أفتح لجرمه وأصح لبصره . وضرب عامر بن قيس بيده على ~~عينه فقال : جامدة شاخصة لا تندى وقيل لصفوان بن محرز عند طول بكائه وتذكر ~~أحزانه : إن طول البكاء يورث العمى . فقال : ذلك لها شهادة . فبكى حتى عمى . PageV01P027 # """""" صفحة رقم 28 """""" # وقد مدح بالبكاء ناس كثير : منهم يحيى البكاء وهيثم البكاء . وكان صفوان ~~بن محرز يسمى البكاء . وإذا كان البكاء الذي ما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء ~~- وربما أعمى البصر وأفسد الدماغ ودل على السخف وقضى على صاحبه بالهلع وشبه ~~بالأمة اللكعاء وبالحدث الضرع - ولو كان الضحك قبيحا من الضاحك وقبيحا من ~~المضحك لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبنى : كأنه يضحك ضحكا . ~~وقد قال الله جل ذكره : ) وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا ( . فوضع ~~الضحك بحذاء الموت . وإنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح ولا يمن على خلقه ~~بالنقص . وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما ومن مصلحة الطباع كبيرا ~~وهو شيء في أصل الطباع وفي أساس التركيب . لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي ~~. وقد تطيب PageV01P028 ~~"""""" صفحة رقم 29 """""" # نفسه وعليه ينبت شحمه ويكثر دمه الذي هو علة سروره ومادة قوته . ولفضل ~~خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضحاك وببسام وبطلق وبطليق . وقد ضحك ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومزح . وضحك الصالحون ومزحوا . وإذا مدحوا ~~قالوا : هو ضحوك السن وبسام العشيات وهش إلى الضيف وذو أريحية واهتزاز . ~~وإذا قالوا : هو عبوس وهو كالح وهو قطوب وهو شتيم المحيا وهو مكفهر أبدا ~~وهو كريه ومقبض الوجه وحامض الوجه وكأنما وجهه بالخل منضوح وللمزح موضع وله ~~مقدار متى جازها أحد وقصر عنهما أحد صار الفاضل خطلا والتقصير نقصا . PageV01P029 # """""" صفحة ms005 رقم 30 """""" # ومتى أريد بالمزح النفع وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك صار المزح جدا ~~والضحك وقارا . وهذا كتاب لا أغرك منه ولا أستر عنك عيبه . لأنه لا يجوز أن ~~يكمل لما تريده ولا يجوز أن يوفى حقه كما ينبغي له : لأن هاهنا أحاديث ~~كثيرة متى أطلعنا منها حرفا عرف أصحابها وإن لم نسمهم ولم نرد ذلك بهم . ~~وسواء سميناهم أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم . منهم الصديق والولي والمستور ~~والمتجمل . وليس يفي حسن الفائدة لكم بقبح الجناية عليهم . فهذا باب يسقط ~~البتة ويختل به الكتاب لا محالة . وهو أكثرها بابا وأعجبها منك موقعا - ~~وأحاديث أخر ليس لها شهرة ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها ولا هي ~~مفيدة أصحابها . PageV01P030 # """""" صفحة رقم 31 """""" # وليس يتوفر أبدا حسنها إلا بأن تعرف أهلها وحتى تتصل بمستحقها وبمعادنها ~~واللائقين بها . وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط نصف الملحة ~~وذهاب شطر النادرة . ولو أن رجلا ألزق نادرة بأبي الحارث جمين والهيثم بن ~~مطهر وبمزيد وابن الأحمر ثم كانت باردة لجرت على أحسن ما يكون . ولو ولد ~~نادرة حارة في نفسها مليحة في معناها ثم أضافها إلى صالح بن حنين وإلى ابن ~~النواء وإلى بعض البغضاء لعادت باردة ولصارت فاترة فإن الفاتر شر من البارد ~~. وكما أنك لو ولدت كلاما في الزهد وموعظة للناس ثم قلت : هذا من كلام بكر ~~بن عبد الله المزني وعامر بن عبد قيس العنبري ومورق العجلي ويزيد الرقاشي لتضاعف PageV01P031 ~~"""""" صفحة رقم 32 """""" # حسنه ولأحدث له ذلك النسب نضارة ورفعة لم تكن له . ولو قلت : قالها أبو ~~كعب الصوفي أو عبد المؤمن أو أبي نواس الشاعر أو حسين الخليع لما كان لها ~~إلا مالها في نفسها . وبالحرى أن تغلط في مقدارها فتبخس من حقها . وقد ~~كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى ~~أربابها إما بالخوف منهم وإما بالإكرام لهم . ولولا أنك سألتني هذا الكتاب ~~لما تكلفته ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة . فإن ms006 كانت لائمة أو عجز ~~فعليك وإن عذر فلي دونك . PageV01P032 # """""" صفحة رقم 33 """""" # رسالة سهل بن هارون أبي محمد بن راهبون إلى عمه من آل راهبون حين ذموا ~~مذهبه في البخل وتتبعوا كلامه في الكتب : بسم الله الرحمن الرحيم أصلح الله ~~أمركم وجمع شملكم وعلمكم الخير وجعلكم من أهله قال الأحنف بن قيس : يا معشر ~~بني تميم لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من ~~الفرار . وقد كانوا يقولون : إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عيابا فإنه ~~يعيب بفضل ما فيه من العيب . وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب . وقبيح أن ~~تنهى عن مرشد أو تغري بمشفق . وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم ~~وإلا إصلاح فسادكم وإبقاء النعمة عليكم ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما ~~أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم . PageV01P033 # """""" صفحة رقم 34 """""" # ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم وشهرنا ~~به في الآفاق دونكم . فما أحقكم في تقديم حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا ~~بذلك إليكم وتنبيهنا على ذكر العيوب برا وفضلا لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك ~~شغلا . وإن من أعظم الشقوة وأبعد من السعادة أن لا يزال يتذكر زلل المعلمين ~~ويتناسى سوء استماع المتعلمين ويستعظم غلط العاذلين ولا يحفل بتعمد ~~المعذولين . عبتموني بقولي لخادمي : أجيدي عجنه خميرا كما أجدته فطيرا ~~ليكون أطيب لطعمه وأزيد في ريعه . وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~ورحمه - لأهله : أملكوا العجين فإنه أريع الطحنتين . PageV01P034 # """""" صفحة رقم 35 """""" # وعبتم على قولي : من لم يعرف مواقع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف ~~مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي : فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل ~~حجمها على مبلغ الكفاية وأشف من الكفاية . فلما صرت إلى تفريق أجزائه على ~~الأعضاء وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء وجدت في الأعضاء فضلا على الماء ~~فعلمت أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله ورغبت عن التهاون به في ابتدائه ~~لخرج آخره على كفاية أوله ولكان ms007 نصيب العضو الأول كنصيب الآخر . فعبتموني ~~بذلك وشنعتموه بجهدكم وقبحتموه . وقد قال الحسن عند ذكر السرف : إنه ليكون ~~في الماعونين الماء والكلإ . فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلإ . ~~وعبتموني حين ختمت على سد عظيم وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة ~~غريبة على عبدنهم وصبي جشع وأمة لكعاء وزوجة خرقاء . وليس من أصل الأدب PageV01P035 ~~"""""" صفحة رقم 36 """""" # ولا في ترتيب الحكم ولا في عادات القادة ولا في تدبير السادة أن يستوي في ~~نفيس المأكول وغريب المشروب وثمين الملبوس وخطير المركوب والناعم من كل فن ~~واللباب من كل شكل التابع والمتبوع والسيد والمسود . كما لا تستوي مواضعهم ~~في المجلس ومواقع أسمائهم في العنوانات وما يستقبلون به من التحيات . وكيف ~~وهم لا يفقدون من ذلك ما يفقد القادر ولا يكترثون له اكتراث العارف من شاء ~~أطعم كلبه الدجاج المسمن وأعلف حماره السمسم المقشر فعبتموني بالختم وقد ~~ختم بعض الأئمة على مزود سويق . وختم على كيس فارغ وقال : طينة وعبتموني ~~حين قلت للغلام : إذا زدت في الرق فزد في الإنضاج لتجمع بين التأدم باللحم ~~والمرق ولتجمع مع الإرتفاق بالمرق الطيب . وقد قال النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : ( إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء فإن لم يصب أحدكم لحما أصاب ~~مرقا ) . PageV01P036 # """""" صفحة رقم 37 """""" # وعبتموني بخصف النعال وبتصدير القميص وحين زعمت أن المخصوفة أبقى وأوطأ ~~وأوقى وأنفى للكبر وأشبه بالنسك وأن الترقيع من الحزم وأن الاجتماع مع ~~الحفظ وأن التفرق مع التصنيع . وقد كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يخصف ~~نعله ويرقع ثوبه . ولقد لفقت سعدى بنت عواف إزار طلحة وهو جواد قريش وهو ~~طلحة الفياض . وكان في ثوب عمر رقاع أدم . وقال : من لم يستحى من الخلال ~~خفت مؤنته وقل كبره . وقالوا : لا جديد لمن لا يلبس الخلق . وبعث زياد رجلا ~~يرتاد له محدثا واشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسددا . فأتاه به موافقا . ~~فقال : أكنت ذا معرفة به قال : لا ولا رأيته قبل ساعته . قال : أفناقلته PageV01P037 ~~"""""" صفحة رقم 38 """""" # الكلام ms008 وفاتحته الأمور قبل أن توصله إلي قال : لا . قال : فلم اخترته على ~~جميع من رأيته قال : يومنا يوم قائظ ولم أزل أتعرف عقول الناس بطعامهم ~~ولباسهم في مثل هذا اليوم . ورأيت ثياب الناس جددا وثيابه لبسا فظننت به ~~الحزم . وقد علمنا أن الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه . وقد جعل الله ~~عز وجل لكل شيء قدرا وبوأ له موضعا كما جعل لكل دهر رجالا ولكل مقام مقالا ~~. وقد أحيا بالسم ومات بالغذاء وأغص بالماء وقتل بالدواء . فترقيع الثوب ~~يجمع مع الإصلاح التواضع . وخلاف ذلك يجمع مع الإسراف التكبر . وقد زعموا ~~أن الإصلاح أحد الكسبين كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارتين . وقد جبر ~~الأحنف يد عنز . وأمر بذلك النعمان . وقال عمر : من أكل بيضة فقد أكل دجاجة ~~. وقال رجل لبعض السادة : أهدي إليك دجاجة فقال : إن كان لا بد فاجعلها ~~بياضة . وعد أبو الدرداء العراق حر البهيمة . PageV01P038 # """""" صفحة رقم 39 """""" # وعبتموني حين قلت : لا يغترن أحد بطول عمره وتقيس ظهره ورقة عظمه ووهن ~~قوته أن يرى أكرومته ولا يحرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه وتحويله إلى ملك ~~غيره وإلى تحكيم السرف فيه وتسليط الشهوات عليه فلعله أن يكون معمرا وهو لا ~~يدري وممدودا له في السن وهو لا يشعر . ولعله أن يرزق الولد على اليأس أو ~~يحدث عليه بعض مخبآت الدهور مما لا يخطر على البال ولا تدركه العقول ~~فيسترده ممن لا يرده ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه أضعف ما كان عن الطلب ~~واقبح ما يكون به الكسب . فعبتموني بذلك وقد قال عمرو بن العاص : اعمل ~~لدنياك عمل من يعيش أبدأ واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا . وعبتموني حين زعمت ~~أن التبذير إلى أن التبذير إلى مال القمار ومال الميراث وإلى مال الالتقاط ~~وحباء الملوك أسرع وأن الحفظ إلى المال المكتسب والغنى المجتلب وإلى ما يعرض PageV01P039 ~~"""""" صفحة رقم 40 """""" # فيه لذهاب الدين واهتضام العرض ونصب البدن واهتمام القلب أسرع وأن من لم ~~يحسب ذهاب نفقته لم يحسب ms009 دخله ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل وأن من لم ~~يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر وطاب نفسا بالذل . وزعمت أن كسب الحلال ~~مضمن بالإنفاق في الحلال وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث وأن الطيب يدعو إلى ~~الطيب وأن الإنفاق في الهوى حجاب دون الحقوق وأن الإنفاق في الحقوق حجاز ~~دون الهوى . فعبتم على هذا القول . وقد قال معاوية : لم أر تبذيرا قط إلا ~~وإلى جانبه حق مضيع . وقد قال الحسن : إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ~~ماله فانظروا في أي شيء ينفقه فإن الخبيث ينفق في السرف . وقلت لكم بالشفقة ~~مني عليكم وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم ولما PageV01P040 ~~"""""" صفحة رقم 41 """""" # يجب في جواركم وفي ممالحتكم وملابستكم : أنتم في دار الآفات والجوائح غير ~~مأمونات . حنيفة من طريق فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقية ~~فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة حنيفة من طريق فإن البلية لا تجري في ~~الجميع إلا مع موت الجميع . وقد قال عمر رضي الله عنه في العبد والأمة وفي ~~ملك الشاة والبعير وفي الشيء الحقير اليسير : فرقوا بين المنايا . وقال ابن ~~سيرين لبعض البحريين : كيف تصنعون بأموالكم قال : نفرقها في السفن فإن عطب ~~بعض سلم بعض . ولولا أن السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر . قال ابن ~~سيرين : تحسبها خرقاء وهي صناع . وقلت لكم عند إشفاقي عليكم : إن للغنى ~~سكرا وإن للمال لنزوة . فمن لم يحفظ الغنى من سكر العنى فقد أضاعه ومن لم ~~يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله . فعبتموني بذلك . وقال زيد بن جبلة : ~~ليس أحد أفقر من غني أمن الفقر . وسكر الغنى أشد من سكر الخمر . PageV01P041 # """""" صفحة رقم 42 """""" # وقلتم : قد لزم الحث على الحقوق والتزهيد في الفضول حتى صار يستعمل ذلك ~~في أشعاره بعد رسائله وفي خطبه بعد سائر كلامه . فمن ذلك قوله في يحيى بن ~~خالد : عدو تلاد المال فيما ينوبه منوع إذا ما منعه كان أحزما ومن ذلك قوله ~~في محمد بن زياد : وخليقتان تقى وفضل تحرم وإهانة ms010 في حقه للمال وعبتموني ~~حين زعمت أني أقدم المال على العلم لأن المال به يغاث العالم وبه تقوم ~~النفوس قبل أن تعرف فضيلة العلم وأن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع وأني قلت ~~: وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس فإنا بالكفاية نستبين وبالخلة نعمى . ~~وقلتم : وكيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدم الأدباء : آلعلماء أفضل ~~أم الأغنياء قال : بل العلماء . قيل : فما بال العلماء يأتون أبواب ~~الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء قال : لمعرفة العلماء بفضل ~~الغنى ولجهل الأغنياء بفضل العلم . PageV01P042 # """""" صفحة رقم 43 """""" # فقلت : حالهما هي القاضية بينهما . وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه ~~وشيء يغي بعضهم فيه عن بعض وعبتموني حين قلت : إن فضل الغني على القوت إنما ~~هو كفضل الآلة حنيفة الدار إن احتيج إليها استعملت وإن استغنى عنها كانت ~~عدة . وقد قال الحضين بن المنذر : وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه ~~بشيء . قيل : فما ينفعك من ذلك قال : لكثرة من يخدمني عليه . وقال أيضا : ~~عليك بطلب الغنى فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عز في قلبك وذل في قلب غيرك ~~لكان الحظ فيه جسيما والنفع فيه عظيما . ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم ~~الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب الأهواء : كان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج . وقال : درهمك ~~لمعاشك ودينك لمعادك . PageV01P043 # """""" صفحة رقم 44 """""" # فقسموا الأمور كلها على الدين والدنيا . ثم جعلوا أحد قسمي الجميع الدرهم ~~. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق ~~الأيام في اليوم . وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين . وكان هشام يقول : ضع ~~الدرهم على الدرهم يكون مالا . ونهى أبو الأسود الدؤلي وكان حكيما أديبا ~~وداهيا أريبا عن جودكم هذا المولد وعن كرمكم هذا المستحدث . فقال لابنه : ~~إذا بسط الله لك الرزق فابسط وإذا قبض فاقبض . ولا تجاود الله فإن الله ~~أجود منك . وقال : درهم من حل يخرج في حق خير من عشرة آلاف قبضا . وتلقط ~~عرندا من ms011 بزيم فقال : تضيعون مثل هذا وهو قوت امرئ مسلم يوما إلى الليل ~~وتلقط أبو الدرداء حبات حنطة فنهاه بعض المسرفين . فقال : ليهن ابن العبسية ~~إن مرفقة المرء رفقه في معيشته . PageV01P044 # """""" صفحة رقم 45 """""" # فلستم علي تردون ولا رأي تفندون . فقدموا النظر قبل العزم . وتذكروا ما ~~عليكم قبل أن تذكروا ما لكم . والسلام . نبدأ بأهل خراسان لإكثار الناس في ~~أهل خراسان . ونخص بذلك أهل مرو بقدر ما خصوا به . قال أصحابنا : يقول ~~المروزي للزائر إذا أتاه وللجليس إذا طال جلوسه : تغذيت اليوم فإن قال : ~~نعم قال : لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب . وإن قال : لا قال : لو كنت ~~تغديت لسقيتك خمس أقداح . فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير . ~~وكنت في منزل ابن أبي كريمة وأصله من مرو . فرآني أتوضأ من كوز خزف فقال : ~~سبحان الله تتوضأ بالعذب والبئر لك معرضة قلت : ليس بعذب إنما هو من ماء ~~البئر . قال : فتفسد علينا كوزنا بالملوحة فلم أدر كيف أتخلص منه وحدثني ~~عمرو بن نهيوي قال : تغديت يوما عند الكندي . فدخل عليه رجل كان له جارا ~~وكان لي صديقا . فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل . وكان أبخل من خلق الله . ~~قال : فاستحييت منه فقلت : سبحان الله لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل قال : ~~قد والله PageV01P045 ~~"""""" صفحة رقم 46 """""" # فعلت . فقال الكندي : ما بعد الله شيء قال عمر : فكتفه والله كتفا لا ~~يستطيع معه قبضا ولا بسطا وتركه . ولو مد يده لكان كافرا ولو مد يده لكان ~~كافرا أو لكان قد جعل مع الله - جل ذكره - شيئا وليس هذا الحديث لأهل مرو ~~ولكنه من شكل الحديث الأول . وقال ثمامة : لم أر الديك في بلدة قط فلا وهو ~~لاقط يأخذ الحبة بمنقاره ثم يلفظها قدام الدجاجة فلا ديكة مرو فإني رأيت ~~ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب قال : فعلمت أن بخلهم شيء في ~~طبع البلاد وفي جواهر الماء . فمن ثم عتم جميع حيوانهم . فحدثت بهذا الحديث ~~أحمد بن رشيد فقال ms012 : كنت عند شيخ من أهل مرو وصبي له صغير يلعب بين يديه ~~فقلت له إما عابثا وإما ممتحنا : أطعمني من خبزكم قال : لا تريده هو مر ~~فقلت : فاسقني من مائكم قال : لا تريده هو مالح قلت : هات من كذا وكذا قال ~~: لا تريده هو كذا وكذا إلى أن عددت أصنافا كثيرة . كل ذلك يمنعنيه ويبغضه PageV01P046 ~~"""""" صفحة رقم 47 """""" # إلي فضحك أبوه وقال : ما ذنبنا هذا من علمه ما تسمع يعني أن البخل طبع ~~فيهم وفي أعراقهم وطينتهم . وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل ~~وصبروا عن الإرتفاق بالمصباح ما أمكن الصبر ثم إنهم تناهدوا وتخارجوا . ~~وأبى واحد منهم أن يغينهم وأن يدخل في العزم معهم . فكانوا إذا جاء المصباح ~~شدوا عينيه بمنديل ولا يزال ولا يزالون كذلك إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح ~~. فإذا أطفئوا أطلقوا عينيه ورأيت أنا حمارة منهم زهاء خمسين رجلا يتغدون ~~على مباقل بحضرة قرية الأعراب في طريق الكوفة وهم حجاج . فلم أر من جميع ~~الخمسين رجلين يأكلان معا وهم في ذلك متقاربون يحدث بعضهم بعضا . وهذا الذي ~~رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس . حدثني مويس بن عمران قال رجل منهم ~~لصاحبه وكانا إما متزاملين وإما مترافقين : لم لا نتطاعم فإن لم نتطاعم فإن ~~يد الله مع الجماعة وفي الاجتماع البركة . وما زالوا يقولون : PageV01P047 # """""" صفحة رقم 48 """""" # طعام الإثنين يكفي ثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الأربعة . فقال له صاحبه : ~~لولا أني أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة . فلما كان ~~الغد وأعاد عليه القول قال له : يا عبد الله معك رغيف ومعي رغيف . ولولا ~~أنك تريد أكثر ما كان حرصك على مؤاكلتي تريد الحديث والمؤانسة اجعل الطبق ~~واحدا ويكون رغيف كل منا قدام صاحبه . وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك ونصف ~~رغيفي ستجده مباركا غنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا لا أنت . وقال خاقان ~~بن صبيح : دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا وإذا هو قد أتانا بمسرجة فيها ~~فتيلة في غاية ms013 الدقة وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح وقد علق ~~على عمود المنارة عودا بخيط وقد حز فيه حتى صار فيه مكان للرباط . فكان ~~المصباح إذا كاد ينطفئ أشخص رأس الفتيلة بذلك . قال : فقلت له : ما بال ~~العود مربوطا قال : PageV01P048 # """""" صفحة رقم 49 """""" # هذا عود قد تشرب الدهن . فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان . فإذا ~~كان هذا دأبنا ودأبه ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة . قال : فبينا ~~أنا أتعجب في نفسي وأسأل الله - جل ذكره - العافية والستر إذ دخل شيخ من ~~أهل مرو فنظر إلى العود فقال : يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شبيه به . ~~أما تعلم أن الريح والشمس تأخذان من سائر الأشياء أو ليس قد كان البارحة ~~عند إطفاء السراج أروى وهو عند إسراجك الليلة أعطش قد كنت أنا جاهلا مثلك ~~حتى وفقني الله إلى ما هو أرشد . - عافاك الله - بدل العود إبرة أو مسلة ~~صغيرة . وعلى أن العود والخلال والقصبة ربما تعلقت بها الشعرة من قطن ~~الفتيلة إذا سويناها بها فتشخص معها . وربما كان ذلك سببا لانطفاء السراج . ~~والحديد أملس . وهو مع ذلك غير نشاف . قال خاقان : ففي تلك الليلة عرفت فضل ~~أهل خراسان على سائر الناس وفضل أهل مرو على أهل خراسان PageV01P049 ~~"""""" صفحة رقم 50 """""" # قال مثنى بن بشير : دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان وإذا ~~هو قد استصبح في مسرجة خزف من هذه الخزفية الخضر . فقال له الشيخ : لا يجيء ~~والله منك أمر صالح أبدا عاتبتك في مسارج الحجارة فأعتبتني بالخزف . أو ~~علمت أن الخزف والحجارة يحسوان الدهن حسوا قال : جعلت فداك دفعتها إلى صديق ~~لي دهان فألقاها في المصفاة شهرا حتى رويت من الدهن ريا لا تحتاج معه أبدا ~~إلى شيء . قال : ليس هذا أريد هذا دواؤه يسير . وقد وقعت عليه . ولكن ما ~~علمت أن موضع النار من المسجة في طرف الفتيلة لا ينفك من إحراق النار ~~وتجفيفه وتنشيف ما فيه ms014 ومتى ابتل بالدهن وتسقاه عادت النار عليه فأكلته . ~~هذا دأبهما . فلو قست ما يشرب ذلك المكان من الدهن بما يستمده طرف الفتيلة ~~منه لعلمت أن ذلك أكثره . وبعد هذا فإن ذلك الموضع من الفتيلة والمسرجة لا ~~يزال سائلا جاريا . ويقال : إنك متى وضعت مسرجة فيها مصباح وأخرى لا مصباح ~~فيها لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى PageV01P050 ~~"""""" صفحة رقم 51 """""" # ترى السفلى ملآنة دهنا . واعتبر أيضا ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة ~~والنخالة التي توضع هناك لتسويتها وتصويبها كيف تجدهما ينعصران دهنا . وهذا ~~كله خسران وغبن لا يتهاون به إلا أصحاب الفساد . على أن المفسدين غنما ~~يطعمون الناس ويسقون الناس وهم على حال يستخلفون شيئا وإن كان روثا . وأنت ~~إنما تطعم النار وتسقي النار . ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاما ~~للنار قال الشيخ : فكيف أصنع جعلت فداك قال : تتخذ قنديلا . فإن الزجاج ~~أحفظ من غيره . والزجاج لا يعرف الرشح ولا النشف ولا يقبل الأوساخ التي لا ~~تزول إلا بالدلك الشديد أو بإحراق النار . وأيهما كان فإنه يعيد المسرجة ~~إلى العطش الأول . وازجاج أبقى على الماء والتراب من الذهب الإبريز . وهو ~~مع ذلك مصنوع والذهب مخلوق . فإن فضلت الذهب بالصلابة فضلت الزجاج بالصفاء ~~. والزجاج مجل والذهب ستار . ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه فلا تحمي ~~جوانبه بوهج PageV01P051 ~~"""""" صفحة رقم 52 """""" # المصباح كما تحمي بموضع النار من المسرجة . وإذا وقع شعاع النار على جوهر ~~الزجاج صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا ورد الضياء كل واحد منهما على ~~صاحبه . واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة أو على وجه الماء أو ~~على الزجاجة ثم انظر كيف يتضاعف نوره . وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه ~~وربما أعماه . وقال جل ذكره : # 7 ( ) الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء ms015 ( ) 7 # . PageV01P052 # """""" صفحة رقم 53 """""" # والزيت في الزجاجة نور على نور وضوء على ضوء مضاعف . هذا مع فضل حسن ~~القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف . وأبو عبد الله هذا كان من أطيب ~~الخلق وأملحهم بخلا وأشدهم أدبا . دخل على ذي اليمينين طاهر بن الحسن وقد ~~كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام . فقال له : منذ كم أنت مقيم بالعراق يا أبا ~~عبد الله فقال : أنا بالعراق منذ عشرين سنة . وأنا أصوم الدهر منذ أربعين ~~سنة . قال : فضحك طاهر وقال : سألناك يا أبا عبد الله عن مسألة وأجبتنا عن ~~مسألتين ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشايخنا على وجه الدهر . وذلك أن ~~رجلا من أهل مرو كان لا يزال يحج ويتجر وينزل على رجل من أهل العراق فيكرمه ~~ويكفيه مؤنته . ثم كان كثيرا ما يقول لذلك العراقي : ليت أني رأيتك بمرو ~~حتى أكافئك لقديم إحسانك وما تجدد لي من البر في كل قدمة . فأما هاهنا فقد ~~أغناك الله عني . قال : فعرضت لذلك العراقي بعد دهر طويل حاجة في تلك ~~الناحية . فكان مما هون عليه مكابدة السفر ووحشة الاغتراب مكان المروزي ~~هناك . فلما قدم مضى نحوه في ثياب سفره وفي عمامته وقلنسوته وكسائه ليحط ~~رحله عنده كما يصنع الرجل بثقته وموضع أنسه . PageV01P053 # """""" صفحة رقم 54 """""" # فلما وجده قاعدا في أصحابه أكب عليه وعانقه . فلم يره أثبته وسأل به سؤال ~~من رآه قط . قال العراقي في نفسه : لعل إنكاره إياي لمكان القناع . فرمى ~~بقناعته وابتدأ مسألته . فكان له أنكر . فقال : لعله أن يكون إنما أتي من ~~قبل العمامة فنزعها . ثم انتسب وجدد مسألته فوجده أشد ما كان إنكارا . قال ~~: فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة . وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به ~~المتغافل والمتجاهل . قال : لو خرجت من جلدك لم أعرفك . وزعموا أنهم ربما ~~ترافقوا وتزاملوا فتناهدوا وتلازقوا في شراء اللحم . وإذا اشتروا اللحم ~~قسموه قبل الطبخ وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة أو بخيط ثم أرسله في ~~خل القدر والتوابل . فإذا طبخوا ms016 تناول كل إنسان خيطه وقد علمه بعلامة . ثم ~~اقتسموا المرق . ثم لا يزال أحدهم يسل من الخيط القطعة بعد القطعة حتى يبقى ~~الحبل لا شيء فيه . ثم يجمعون خيوطهم . فإن أعادوا الملازقة أعادوا تلك ~~الخيوط لأنها قد تشربت الدسم ورويت . وليس تناهدهم من طريق الرغبة في ~~المشاركة ولكن لأن بضاعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ ~~وحده ولأن المؤنة تخف أيضا في الحطب والخل PageV01P054 ~~"""""" صفحة رقم 55 """""" # والثوم والتوابل . ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على ~~قدر . فإنما يختارون السكباج لأنه أبقى على الأيام وأبعد من الفساد . حدثني ~~أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام قال : قلت مرة لجار كان لي من أهل خراسان ~~: أعرني مقلاكم فإني أحتاج إليه . قال : قد كان لنا مقلى ولكنه سرق . ~~فاستعرت من جار لي آخر فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش اللحم في المقلى وشم ~~الطباهج . فقال لي كالمغضب : ما في الأرض أعجب منك : لو كنت خبرتني أنك ~~خبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع إنما خشيتك تريده للباقلى . ~~وحديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم . وكيف لا أعيرك إذا ~~أردت الطباهج والمقلى بعد الرد من وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام : ~~دعانا جار لنا فأطعمنا تمرا وسمنا سلاء ونحن على خوان ليس عليه إلا ما ذكرت ~~والخراساني معنا يأكل . فرايته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك . ~~فقلت لرجل إلى جنبي : ما لأبي فلان يضيع سمن القوم ويسيء المؤاكلة ويغرف ~~فوق الحق قال : وما عرفت علته قلت : لا والله قال : الخوان PageV01P055 ~~"""""" صفحة رقم 56 """""" # خوانه فهو يريد أن يدسمه ليكون كالدبغ له . ولقد طلق امرأته وهي أم ~~أولاده لأنه رآها غسلت خوانا له بماء حار . فقال لها : هلا مسحته وقال أبو ~~نواس : كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد رجل من أهل خراسان . وكان من ~~عقلائهم وفهمائهم . وكان يأكل وحده فقلت له : لم تأكل لوحدك قال : ليس علي ~~في هذا ms017 الموضع مسألة . إنما المسألة على من أكل مع الجماعة لأن ذلك هو ~~التكلف . وأكلي وحدي هو الأصل . وأكلي مع غيري زيادة في الأصل . وحدثني ~~إبراهيم بن السندي قال : كان على ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل خراسان . ~~وكان مصححا بعيدا من الفساد ومن الرشا ومن الحكم بالهوى . وكان حفيا جدا . ~~وكذلك كان في إمساكه وفي بخله وتدنيقه في نفقاته وكلن لا يأكل إلا ما لابد ~~منه ولا يشرب إلا ونشهد أن محمدا عبده ورسوله لابد منه . غير أنه كان في ~~غداة كل جمعة يحمل معه منديلا فيه جردقتان وقطع لحم سكباج مبرد وقطع جبن ~~وزيتونات وصرة فيها ملح وأخرى فيها أشنان وأربع بيضات ليس منها بد . ومعه خلال . PageV01P056 # """""" صفحة رقم 57 """""" # ويمضي وحده حتى يدخل بعض بساتين الكرخ . ويطلب موضعا تحت شجرة وسط خضرة ~~وعلى ماء جار . فإذا وجد ذلك جلس وبسط بين يديه المنديل وأكل من هذا مرة ~~ومن هذا مرة . فإن وجد قيم ذلك البستان رمى إليه بدرهم ثم قال : اشتر لي ~~بهذا أو أعطني بهذا رطبا إن كان في زمان الرطب أو عنبا إن كان في زمان ~~العنب . ويقول له : إياك إياك أن تحابيني ولكن تجود لي فإنك إن فعلت لم ~~آكله ولم أعد إليك . واحذر الغبن فإن المغبون لا محمود ولا مأجور . فإن ~~أتاه به أكل كل سيء معه وكل شيء أتى به . ثم تخلل وغسل يديه . ثم يمشي ~~مقدار مائة خطوة . ثم يضع جنبه فينام إلى وقت الجمعة . ثم ينتبه فيغتسل ~~ويمضي إلى المسجد . هذا كان دأبه كل جمعة . قال إبراهيم : فبينا هو يوما من ~~أيامه يأكل في بعض المواضع إذ مر به رجل فسلم عليه فرد السلام . ثم قال : ~~هلم - عافاك الله فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعا يريد أن يطفر الجدول ~~أو يعدي النهر قال له : مكانك فإن العجلة من عمل الشيطان فوقف الرجل PageV01P057 ~~"""""" صفحة رقم 58 """""" # فأقبل عليه الخراساني وقال : تريد ماذا قال : أريد أن أتغدى . قال : ولم ~~ذلك وكيف طمعت ms018 في هذا ومن أباح لك مالي قال الرجل : أو ليس قد دعوتني قال : ~~ويلك لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام . الآيين فيما نحن فيه أن ~~نكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار تبدأ أنت فتسلم . فأقول أنا حينئذ ~~مجيبا لك : وعليكم السلام . فإن كنت لا آكل شيئا أنا وسكت أنتن ومضيت أنت ~~وقعدت أنا على حالي وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر : وهو أن أبدأ أنا فأقول : ~~هلم وتجيب أنت فتقول : هنيئا . فيكون كلام بكلام . فأما كلام بفعال وقول ~~بأكل فهذا ليس من الإنصاف وهذا يخرج علينا فضلا كثيرا قال : فورد على الرجل ~~شيء لم يكن في حسابه . فشهر بذلك في تلك الناحية وقيل له : قد أعفيناك من ~~السلام ومن تكلف الرد . قال : ما بي إلى ذلك حاجة . إنما هو أن أعفي أنا ~~نفسي من هلم وقد استقام الأمر PageV01P058 ~~"""""" صفحة رقم 59 """""" # ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير عن وال كان بفارس إما أن يكون ~~جالدا أخا مهرويه أو غيره . قال : بينا هو يوما في مجلس وهو مشغول بحسابه ~~وأمره وقد احتجب جهده إذ نجم شاعر من بين يديه فأنشده شعرا مدحه فيه وقرظه ~~ومجده . فلما فرغ قال : قد أحسنت . ثم أقبل على كاتبه فقال : أعطه عشرة ~~آلاف درهم . ففرح الشاعر فرحا قد يستطار له . فلما رأى حاله قال : وإني ~~لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع اجعلها عشرين ألف درهم . وكاد الشاعر ~~يخرج من جلده فلما رأى فرحه قد تضاعف قال : وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف ~~القول أعطه يا فلان أربعين ألفا . فكاد الفرح يقتله . فلما رجعت إليه نفسه ~~قال له : أنت - جعلت فداك - رجل كريم . وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت ~~فرحا زدتني في الجائزة . وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر له ثم دعا ~~له وخرج . قال : فأقبل عليه كاتبه فقال : سبحان الله هذا كان يرضى منك ~~بأربعين درهما تأمر له بأربعين ألف درهم قال : ويلك ms019 وتريد أن تعطيه شيئا ~~قال : ومن إنفاذ أمرك بد قال : يا أحمق إنما هذا رجل سرنا بكلام هو حين زعم ~~أني أحسن من القمر وأشد من الأسد وأن لساني أقطع من السيف وأن أمري أنفذ من السنان PageV01P059 ~~"""""" صفحة رقم 60 """""" # جعل في يدي من هذا شيئا أرجع به إلى شيء نعلم أنه قد كذب ولكنه قد سرنا ~~حين كذب لنا . فنحن أيضا نسره بالقول ونأمر له بالجوائز وإن كان كذبا . ~~فيكون كذب بكذب وقول بقول . فأما أن يكون كذب بصدق وقول ويقال إن هذا المثل ~~الذي قد جرى على ألسنة العوام من قولهم : ينظر إلي شزرا كأني أكلت اثنين ~~وأطعمته واحدا إنما هو لأهل مرو . قال : وقال المروزي : لو لا أنني أبني ~~مدينة لبنيت آريا لدابتي . قال : وقلت لأحمد بن هشام وهو يبني داره ببغداد ~~: إذا أراد الله ذهاب مال رجل سلط عليه الطين والماء . قال : لا بل إذا ~~أراد الله ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف والله ما أهلك الناس ولا أقفر ~~بيوتهم ولا ترك دورهم بلاقع إلا الإيمان بالخلف وما رأيت جنة قط أوقى من اليأس PageV01P060 ~~"""""" صفحة رقم 61 """""" # قال : وسمع رجل من المراوزة الحسن وهو يحث الناس على المعروف ويأمر ~~بالصدقة ويقول : ما نقص مال قط من زكاة ويعدهم سرعة الخلف . فتصدق بماله ~~كله فافتقر . فانتظر سنة وسنة . فلما لم ير شيئا بكر على الحسن فقال : حسن ~~ما صنعت بي ضمنت لي الخلف فأنفقت على عدتك . وأنا اليوم مذ كذا وكذا سنة ~~أنتظر ما وعدت لا أرى منه قليلا ولا كثيرا هذا يحل لك آللص كان يصنع بي ~~أكثر من هذا والخلف يكون معجلا ومؤجلا . ومن تصدق وتشرط الشروط استحق ~~الحرمان . ولو كان هذا على ما توهمه المروزي لكانت المحنة فيه ساقطة ولترك ~~الناس التجارة ولما بقي فقير أصبح ثمامة شديد الغم حين احترقت داره . وكان ~~كلما دخل عليه إنسان قال : الحريق سريع الخلف فلما كثر ذلك القول منهم قال ~~: فلنستحرق الله اللهم إني أستحرقك فأحرق كل ms020 شيء لنا . وليس هذا الحديث من ~~حديث المراوزة ولكنا ضممناه إلى ما يشاكله . PageV01P061 # """""" صفحة رقم 62 """""" # قال سجادة وهو أبو سعيد سجادة : إن من المراوزة إذا لبسوا الخفاف في ~~الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم يمشون على صدور أقدامهم ثلاثة ~~أشهر مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب . وحكى أبو إسحاق إبراهيم بن سيار ~~النظام عن جاره المروزي أنه كان لا يلبس خفا ولا نعلا إلى أن يذهب النبق ~~اليابس لكثرة النوى في الطريق والأسواق . قال : ورآني مرة مصصت قصب سكر ~~فجمعت ما مصصت ماءه لأرمي به . فقال : إن كنت لا ينور لك ولا عيال فهبه لمن ~~تنور وعليه عيال . وإياك أن تعود نفسك هذه العادة في أيام خفة ظهرك فإنك لا ~~تدري ما يأتيك من العيال . # قصة أهل البصرة من المسجديين # قال أصحابنا منة المسجديين : اجتمع ناس في المسجد ممن ينتحل الاقتصاد في ~~النفقة والتنمية للمال من أصحاب الجمع والمنع . وقد كان هذا المذهب صار ~~عندهم كالنسب الذي يجمع على التحاب وكان الذي يجمع على التناصر . وكانوا ~~إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب وتطارحوة وتدارسوه . PageV01P062 # """""" صفحة رقم 63 """""" # فقال شيخ منهم : ماء بئرنا - كما قد علمتم - ملح أجاج لا يقربه الحمار ~~ولا تسيغه الإبل وتموت عليه النخل . والنهر منا بعيد . وفي تكلف العذب ~~علينا مؤنة . فكنا نمزج منه للحمار فاعتل عنه وانتفض علينا من أجله . فصرنا ~~بعد ذلك نسقيه العذب صرفا . وكنت أنا والنعجة كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة ~~أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار . فكان ذلك الماء العذب ~~الصافي يذهب باطلا . ثم انفتح لي باب من الإصلاح فعمدت إلى ذلك المتوضأ ~~فجعلت في ناحية منه حفرة وصهرجتها وملستها حتى صارت كأنها صخرة منقورة . ~~وصوبت إليها المسيل . فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء إليها صافيا لم ~~يخالطه شيء . والحمار أيضا لا تقزز له منه . وليس علينا حرج في سقيه منه . ~~وما علمنا أن كتابا حرمه ولا سنة نهت عنه . فربحنا هذه منذ أيام وأسقطنا ms021 ~~مؤنة عن النفس والمال مال القوم . وهذا بتوفيق الله ومنه . فأقبل عليهم شيخ ~~فقال : هل شعرتم بموت مريم الصناع فإنها كانت من ذوات PageV01P063 ~~"""""" صفحة رقم 64 """""" # الاقتصاد وصاحبة إصلاح . قالوا : فحدثنا عنها . قال : نوادرها كثيرة ~~وحديثها طويل . ولكني أخبركم عن واحدة فيها كفاية . قالوا : وما هي قال : ~~زوجت ابنتها وهي بنت اثنتي عشرة فحلتها الذهب والفضة وكستها المروى والوشي ~~والقز والخز وعلقت المعصفر ودقت الطيب وعظمت أمرها من قدرها عند الأحماء . ~~فقال لها زوجها : أنى هذا يا مريم قالت : هو من عند الله . قال : دعي عنك ~~الجملة وهاتي التفسير . والله ما كنت ذات مال قديما ولا ورثته حديثا . وما ~~أنت بخائنة في نفسك ولا في مال بعلك . إلا أن تكوني قد وقعت على كنز وكيف ~~دار الأمر فقد أسقطت عني مؤنة وكفيتني هذه النائبة . قالت : اعلم أني منذ ~~يوم ولدتها إلى أن زوجتها كنت أرفع من دقيق كل عجنة حفنة . وكنا - كما قد ~~علمت - نخبز في كل يوم مرة . فإذا اجتمع من ذلك مكوك بعته . PageV01P064 # """""" صفحة رقم 65 """""" # قال زوجها : ثبت الله رأيك وأرشدك ولقد أسعد الله من كنت له سكنا وبارك ~~لمن جعلت له إلفا ولهذا وشبهه قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : من ~~الذود إلى الذود إبل . وإني لأرجو أن يخرج ولدك على عرقك الصالح وعلى مذهبك ~~المحمود . فنهض القوم بأجمعهم إلى جنازتها وصلوا عليها . ثم انكفؤا إلى ~~زوجها فعزوه على مصيبته وشاركوه في حزنه . ثم اندفع شيخ منهم فقال : يا قوم ~~لا تحقروا صغار الأمور فإن كل كبير صغير . ومتى شاء الله أن يعظم صغيرا ~~عظمه وأن يكثر قليلا كثره . وهل بيوت الأموال إلا درهم إلى درهم وهم الذهب ~~إلا قيراط إلى جنب قيراط وليس كذلك رمل عالج وماء البحر وهل اجتمعت أموال ~~بيوت إلا بدرهم من هاهنا ودرهم من هاهنا PageV01P065 ~~"""""" صفحة رقم 66 """""" # فقد رأيت صاحب سفط قد اعتقد مائة جريب في أرض العرب ولربما رأيته يبيع ~~الفلفل بقيراط الحمص بقيراط فأعلم أنه لم يربح ms022 في ذلك الفلفل إلا الحبة ~~والحبتين من خشب الفلفل . فلم يزل يجمع من الصغار الكبار حتى اجتمع ما ~~اشترى به مائة جريب . ثم قال : اشتكيت أياما صدري من سعال كان أصابني ~~فأمرني قوم بالفانيذ السكري . وأشار على آخرون بالحريرة تتخذ من النشاستج ~~والسكر ودهن اللوز وأشباه ذلك . فاستثقلت المؤنة وكرهت الكلفة ورجوت ~~العافية . فبينا أنا أدافع الأيام إذ قال لي بعض الموفقين : عليك بماء ~~النخالة فاحسه حارا . فحسوت فإذا هو طيب جدا وإذا هو يعصم : فما جعت ولا ~~اشتهيت الغذاء في ذلك اليوم إلى الظهر . ثم ما فرعت من غدائي وغسل يدي حتى ~~فقلت للعجوز : لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة فإن ماءها جلاء للصدر ~~وقوتها غذاء وعصمة ثم تجففين بعد النخالة فتعود كما كانت . فتبيعين إذا ~~الجميع بمثل الثمن الأول PageV01P066 ~~"""""" صفحة رقم 67 """""" # ونكون قد ربحنا فضل ما بين الحالين قالت : أرجو أن يكون الله قد جمع بهذا ~~السعال مصالح كثيرة لما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك ~~معاشك وما أشك أن تلك المشهورة كانت من التوفيق قال القوم : صدقت مثل هذا ~~لا يكتسب بالرأي ولا يكون إلا سماويا . ثم أقبل عليهم شيخ فقال : كنا نلقي ~~من الحراق والقداحة جهدا لأن الحجارة كانت إذا انكسرت حروفها واستدارت كلت ~~ولم تقدح قدح خير وأصلدت فلم تور وربما أعجلنا المطر والوكف . وقد كان ~~الحجر أيضا يأخذ من حروف القداحة حتى يدعها كالقوس . فكنت أشتري المرقشيتا ~~بالغلاء والقداحة الغليظة بالثمن الموجع . وكان علينا أيضا في صنعة الحراق ~~وفي معالجة القطنة مؤنة وله ريح كريهة . والحراق لا يجيء من الحرق المصبوغة ~~ولا من الحرق الوسخة ولا من الكتان ولا من الخلقان . PageV01P067 # """""" صفحة رقم 68 """""" # فكنا نشتريه بأغلى الثمن . فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو والأعراب وقدحهم ~~النار بالمرخ والعفار . فزعم لنا صديقنا الثوري وهو - ما علمت - أحد ~~المرشدين أن عراجين الأعذاق تنوب عن ذلك أجمع . وعلمني كيف تعالج . ونحن ~~نؤتى بها من أرضنا بلا كلفة . فالخادم اليوم لا تقدح ms023 ولا توري إلا بالعرجون ~~. قال القوم : قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة . ولهذا قال الأول : مذاكرة ~~الرجال تلقح الألباب . ثم اندفع شيخ منهم فقال : لم أرى في وضع الأمور في ~~مواضعها وفي توفيتها غاية حقوقها كمعاذة العنبرية . قالوا : وما شان معاذة ~~هذه قال : أهدى إليها العام ابن عم لها أضحية . فرأيتها كئيبة حزينة مفكرة ~~مطرقة . فقلت لها : مالك يا معاذة قالت : أنا امرأة أرملة وليس لي قيم . ~~ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي . وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه ~~. وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة . ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها ~~. وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا غيرها شيئا لا منفعة فيه . ولكن المرء ~~يعجز لا محالة . ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير . PageV01P068 # """""" صفحة رقم 69 """""" # أما القرن فالوجه فيه معروف وهو أن يجعل كالخطاف ويسمر في جذع من جذوع ~~السقف فيعلق عليه الزبل والكيران وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل ~~والسنانير وبنات وردان والحيات وغير ذلك . وأما المصران فإنه لأوتار ~~المندفة . وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة . وأما قحف الرأس واللحيان وسائر ~~العظام فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق ثم يطبخ . فما ارتفع من الدسم كان ~~للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك . ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها . فلم ~~يرى الناس وقودا قط أصفى ولا أحسن لهبا منها . وإذا كانت كذلك فهي أسرع في ~~القدر لقلة ما يخالطها من الدخان . وأما الإهاب فالجلد نفسه حراب . وللصوف ~~وجوه لا تدفع . وأما الفرث والبعر فحطب إذا جفف عجيب . ثم قالت : بقي الآن ~~علينا الانتفاع بالدم . وقد علمت أن الله عز وجل لم يحرم من PageV01P069 ~~"""""" صفحة رقم 70 """""" # الدم المسفوح إلا أكله وشربه وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها . وإن ~~أنا لم أقع على علم ذلك حتى يوضع موضع الانتفاع به صار كية في قلبي وقدي في ~~عيني وهما لا يزال يعاودني . فلم ألبث أن رأيتها قد تطلقت وتبسمت . فقلت : ~~ينبغي أن ms024 يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم . قالت : أجل ذكرت أن عندي ~~قدورا شامية جددا . وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ ولا أزيد في قوتها من ~~التلطيخ بالدم الحار الدسم . وقد استرحت الآن إذ وقع كل شيء موقعه قال : ثم ~~لقيتها بعد ستة أشهر فقلت لها : كيف كان قديد تلك الشاة قالت : بأبي أنت لم ~~يجيء وقت القديد بعد لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعروق وغير ذلك ~~معاش ولكل شيء إبان فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى ثم ضرب بها ~~الأرض . ثم قال : لا تعلم أنك من المسرفين ، ختى تسمع بأخبار الصالحين . PageV01P070 # """""" صفحة رقم 71 """""" # قصة زبيدة بن حميد : وأما زبيدة بن حميد الصيرفي فإنه استلف من بقال كان ~~على باب داره درهمين وقيراطا . فلما قضاه بعد ستة أشهر قضاه درهمين وثلاث ~~حبات شعير . فاغتاظ البقال فقال : سبحان الله أنت رب مائة ألف دينار وأنا ~~بقال لا أملك مائة فلس وإنما أعيش بكدي وباستفضال الحبة والحبتين . صاح على ~~بابك حمال والمال لم يحضرك وغاب وكيلك فنقدت عنك درهمين وأربع شعيرات . ~~فقضيتني بعد ستة أشهر درهمين وثلاث شعيرات . فقال زبيدة : يا مجنون أسلفتني ~~في الصيف فقضيتك في الشتاء . وثلاث شعيرات شتوية ندية أرزن من أربع شعيرات ~~يابسة صيفية . وما أشك أن معك فضلا وحدثني أبو الأصبغ بن ربعي قال : دخلت ~~عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم فقلت له : ما هذا الضرب المبرح وهذا الخلق ~~السيء هؤلاء غلمان ولهم حرمة وكفاية وتربية . وإنما هم ولد . هؤلاء كانوا ~~إلى غير هذا أحوج . قال : إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جوارشن كان عندي PageV01P071 ~~"""""" صفحة رقم 72 """""" # قال أبو الأصبغ : فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت : ويلك مالك وللجوارشن وما ~~رغبتك فيه قال : جعلت فداك ما أقدر أن أكلمك من الجوع إلا وأنا متكئ ~~الجوارشن ما أصنع به هو نفسه ليس يشبع ولا نحتاج إلى الجوارشن ونحن الذين ~~إنما نسمع بالشبع سماعا من أفواه الناس ما نصنع بالجوارشن واشتد على غلمانه ~~في ms025 تصفية الماء وفي تبريده وتزميله لأصحابه وزواره . فقال له غازي أبو ~~مجاهد : جعلت فداك مر بتزميل الخبز وتكثيره فإن الطعام قبل الشراب . وقال ~~مرة : يا غلام هات خوان النرد وهو يريد تحت النرد فقال له غازي : نحن إلى ~~خوان الخبز أحوج . وسكر زبيدة ليلة فكسا صديقا له قميصا . فلما صار القميص ~~على النديم خاف البدوات وعلم أن ذلك من هفوات السكر . فمضى من ساعته إلى ~~منزله فجعله بركانا لامرأته . PageV01P072 # """""" صفحة رقم 73 """""" # فلما أصبح سأل عن القميص وتفقده فقيل له : إنك قد كسوته فلانا . فبعث ~~إليه ثم أقبل عليه فقال : ما علمت أن هبة السكران وشراءه وبيعه وصدقته ~~وطلاقه لا يجوز وبعد فإني أكره ألا يكون لي حمد وأن يوجه الناس هذا مني ~~السكر . فرده علي حتى أهبه لك صاحيا عن طيب نفس فإني أكره أن يذهب شيء من ~~مالي باطلا . فلما رآه قد صمم أقبل عليه فقال : يا هناه إن الناس يمزحون ~~ويلعبون ولا يؤاخذون بشيء من ذلك . فرد القميص عافاك الله قال له الرجل : ~~إني والله قد خفت هذا بعينه فلم أضع جنبي إلى الأرض حتى جيبته لامرأتي . ~~وقد زدت في الكمين وحذفت المقاديم . فإن أردت بعد هذا كله أن تأخذه فخذه . ~~فقال : نعم آخذه لأنه يصلح لامرأتي كما يصلح لامرأتك . قال : فإنه عند ~~الصباغ . قال : فهاته . قال : ليس أنا أسلمته إليه . فلما علم أنه قد وقع ~~قال : بأبي وأمي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حيث يقول : جمع السر كله ~~في بيت عليه فكان مفتاحه السكر . PageV01P073 # """""" صفحة رقم 74 """""" # قصة ليلى الناعطية : وأما ليلى الناعطية صاحبة الغالية من الشيعة فإنها ~~ما زالت ترقع قميصا لها وتلبسه حتى صار القميص الرقاع وذهب القميص الأول . ~~ورفت كساءها ولبسته حتى صارت لا تلبس إلا الرفو وذهب جميع الكساء . وسمعت ~~قول الشاعر : البس قميصك ما اهتديت لجيبه فإذا أضلك جيبه فاستبدل فقالت : ~~إني إذا الخرقاء أنا والله أحوص الفتق وأرقع الخرق وخرق الخرق ومضيت أنا ~~وأبو إسحاق النظام وعمرو بن نهيوي ms026 نريد الحديث في الجبان ولنتناظر في شيءمن ~~الكلام . فممرنا بمجلس وليد القرشي ، وكان على طريقنا . فلما رآنا تمشى معنا . PageV01P074 # """""" صفحة رقم 75 """""" # فلما جاوزنا الخندق جلسنا في فناء حائطه . وله ظل شديد السواد بارد ناعم ~~. وذلك لثخن الساتر واكتناز الأجزاء ولبعد مسقط الشمس من أصل حائطه . فطال ~~بنا الحديث فجرينا في ضروب من الكلام . فما شعرنا إلا والنهار قد انتصف ~~ونحن في يوم قائظ . فلما صرنا في الرجوع ووجدت مس الشمس وقعها على الرأس ~~أيقنت بالبرسام . فقلت لأبي إسحاق والوليد إلى جنبي يسمع كلامي : الباطنة ~~منا بعيدة وهذا يوم منكر ونحن في ساعة تذيب كل شيء . والرأي أن نميل إلى ~~منزل الوليد فنقيل فيه ونأكل ما حضر فإنه يوم تخفيف . فإذا أبردنا تفرقنا ~~وإلا فهو الموت ليس دونه شيء . قال الوليد رافعا صوته : أما على هذا الوجه ~~الذي أنكرته علينا - رحمك الله هل ها هنا إلا الحاجة والضرورة PageV01P075 ~~"""""" صفحة رقم 76 """""" # قال : إنك أخرجته مخرج الهزء . وقلت : وكيف أخرجه مخرج الهزء وحياتي في ~~يدك مع معرفتي بك فغضب ونتر يده من أيدينا وفارقنا . ولا والله ما اعتذر ~~إلينا مما ركبنا به إلى الساعة . ولم أر من يجعل الأسى حجة في المنع إلا هو ~~وإلا من أبي مازن إلى جبل الغمر . وكان جبل خرج ليلا من موضع كان فيه فخاف ~~الطائف ولم يأمن المستقفي فقال : لو دققت الباب على أبي مازن فبت عنده في ~~أدنى بيت أو في دهليزه ولم ألزمه من مؤنتي شيئا . حتى إذا انصدع عمود الصبح ~~خرجت في أوائل المدلجين . فدق عليه الباب دق واثق ودق مدل ودق من يخاف أن ~~يدركه الطائف أو يقفوه المستقفي وفي قلبه عز الكفاية والثقة بإسقاط المؤنة . PageV01P076 # """""" صفحة رقم 77 """""" # فلم يشك أبو مازن أنه دق صاحب هدية . فنزل سريعا . فلما فتح الباب وبصر ~~بجبل بصر بملك الموت فلما رآه جبل واجما لا يحير كلمة قال له : إني خفت ~~معرة الطائف وعجلة المستقفي فملت إليك لأبيت عندك . فتساكر أبو مازن وأراه ~~أن ms027 وجومه إنما كان بسبب السكر . فخلع جوارحه وخبل لسانه وقال : سكران والله ~~أنا والله سكران قال له جبل : كن كيف شئت . نحن في أيام الفصل لا شتاء ولا ~~صيف . ولست أحتاج إلى سطح فأغم عيالك بالحر ولست أحتاج إلى لحاف فأكلفك أن ~~تؤثرني بالدثار . وأنا كما ترى ثمل من الشراب شبعان من الطعام . ومن منزل ~~فلان خرجت وهو أخصب الناس دخلا . وإنما أريد أن تدعني أغفي في دهليزك ~~إغفاءة واحدة ثم أقوم في أوائل المبكرين . قال أبو مازن وأرخى عينيه وفكيه ~~ولسانه ثم قال : سكران والله أنا سكران لا والله ما أعقل أين أنا والله إن ~~أفهم ما تقول ثم أغلق الباب في وجهه ودخل لا يشك أن عذره قد وضح وأنه قد ~~ألطف النظر حتى وقع على هذه الحيلة PageV01P077 ~~"""""" صفحة رقم 78 """""" # وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا أو كلاما غير معرب ولفظا معدولا عن جهته ~~فاعلموا أنا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغض هذا الباب ويخرجه من حده . ~~إلا أن أحكي كلاما من كلام متعاقلي البخلاء وأشحاء العلماء كسهل بن هارون ~~وأشباهه . قصة أحمد بن خلف : ومن طياب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي . ترك ~~أبوه في منزله يوم مات ألفي ألف درهم وستمائة ألف درهم وأربعين ومائة ألف ~~دينار . فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه . وأخذ أحمد وحده ألف ألف ~~وثلثمائة ألف درهم وسبعين ألف دينار ذهبا عينا مثاقيل وازنة جيادا سوى ~~العروض . فقلت له وقد ورث هذا المال كله : ما أبطأ بك الليلة قال لا والله ~~إلا أني تعيشت البارحة في البيت فقلت لأصحابنا : لولا أنه بعيد العهد ~~بالأكل في بيته وأن ذلك غريب منه لما احتاج إلى هذا الاستثناء وإلى هذه ~~الشريطة . وأين يتعشى الناس إلا PageV01P078 ~~"""""" صفحة رقم 79 """""" # في منازلهم وإنما يقول الرجل عند مثل هذه المسألة : لا والله إلا أن ~~فلانا حبسني ولا والله إلا أن فلانا عزم علي . فأما ما يستثنى ويشترط فهذا ~~ما لا يكون إلا على ما ذكرناه قبل . وقال لي ms028 مبتدئا مرة عن غير مشورة وعن ~~غير سبب جرى : انظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثة فإنها عظيمة ~~البركة كثيرة النزل . وهي تنوب عن الغداء . ولها نفخة تغني عن العشاء . وكل ~~شيء من الأحساء فهو يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء . ومن تحسى الحار عرق . ~~والعرق يبيض الجلد ويخرج من الجوف . وهي تملأ النفس وتمنع من التشهي . وهي ~~أيضا تدفئ فتقوم لك في أجوافهم مقام فحم الكانون من خارج . وحسو طار يغني ~~عن الوقود وعن لبس الحشو . والوقود يسود كل شيء وييبسه . وهو سريع في الهضم ~~وصاحبه معرض للحريق ويذهب في ثمنه المال العظيم . وشر شيء فيه أن من تعوده ~~لم يدفئه شيء سواه . PageV01P079 # """""" صفحة رقم 80 """""" # فعليك يا أبا عثمان بالمثلثة واعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة ~~وأصحاب التجربة . فخذها من حكيم مجرب ومن ناصح مشفق . وكان لا يفارق منازل ~~إخوانه . وإخوانه مخاصيب مناويب أصحاب نفح وترف . وكانوا يتحفونه ويدللونه ~~ويفكهونه ويحكمونه . ولم يشكوا أنه سيدعوهم مرة وأن يجعلوا بيته نزهة ونشوة ~~. فلما طال تغافله وطالت مدافعته وعرضوا له بذلك فتغافل صرحوا له . فلما ~~امتنع قالوا : اجعلها دعوة ليس لها أخت . فلما أكلوا وغسلوا أيديهم أقبل ~~عليهم فقال : أسألكم بالله الذي لا شيء أعظم منه أنا الساعة أيسر وأغنى أو ~~قبل أن تأكلوا طعامي قالوا : ما نشك أنك حين كنت والطعام في ملكك أغنى ~~وأيسر . قال : فأنا الساعة أقرب إلى الفقر أم تلك الساعة قالوا : بل أنت ~~الساعة أقرب PageV01P080 ~~"""""" صفحة رقم 81 """""" # إلى الفقر . قال : فمن يلومني على ترك دعوة قوم قربوني من الفقر وباعدوني ~~من الغنى وكلما دعوتهم أكثر كنت من الفقر أقرب ومن الغنى أبعد وفي قياسه ~~هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء أو تناول من حائطه لبنة ومن ~~خليط دابته عودا . ومر بأصحاب الجداء وذلك في زمان التوليد . فأطعمه الزمان ~~في الرخص وتحركت شهوته على قدر إمكانه عنده . فبعث غلاما له يقال له ثقف ~~وهو معروف ليشتري ms029 له جديا . فوقف غير بعيد . فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر ~~وهو يشير بيده ويومئ برأسه : أن اذهب ولا تقف . فلم يبرح . فلما دنا منه ~~قال : ويلك تهزأ بي كأني مطلوب قال : هذا أطرفه الجدي بعشرة أنت من ذي ~~البابة مر الآن مرمر فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم ~~والجدي بعشرة PageV01P081 ~~"""""" صفحة رقم 82 """""" # إنما ينكر عندنا بالبصرة لكثرة الخير ورخص السعر . فأما في العساكر فإن ~~أنكر ذلك منكر فإنما ينكره من ولا تقولوا الآن : قد والله أساء أبو عثمان ~~إلى صديقه بل تناوله بالسوء حتى بدأ بنفسه . ومن كانت هذه صفته وهذا مذهبه ~~فغير مأمون على جليسه . وأي الرجال المهذب هذا والله الشيوع والتبوع ~~والبذاء وقلة الوفاء . اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا موافقته ~~وطلب رضاه ومحبته . ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من قبله ~~وكمينا من كمائنه . وذلك أن أحب PageV01P082 ~~"""""" صفحة رقم 83 """""" # الأصحاب إليه أبلغهم قولا في إياس الناس مما قبله وأجودهم حسما لأسباب ~~الطمع في ماله . على أني إن أحسنت بجهدي فسيجعل شكري موقوفا . وإن جاوز ~~كتابي هذا حدود العراق شكر وإلا أمسك . لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا ~~الإقليم قد أغنته عن التنويه والتنبيه على مذهبه . وكيف وهو يرى أن سهل بن ~~هارون وإسماعيل بن غزوان كانا من المسرفين وأن الثوري والكندي يستوجبان ~~الحجر . وبلغني أنه قال : لو لم تعرفوا من كرامة الملائكة على الله إلا أنه ~~لم يبتلهم بالنفقة ولا بقول العيال : هات لعرفتم حالهم ومنزلتهم . وحدثني ~~صاحب لي قال : دخلت على فلان بن فلان وإذا المائدة موضوعة بعد وإذا القوم ~~قد أكلوا ورفعوا أيديهم . فمددت يدي لآكل فقال : أجهز على الجرحى ولا تتعرض ~~للأصحاء يقول : اعرض للدجاجة التي قد نيل منها وللفرخ المنزوع الفخذ . فأما ~~الصحيح فلا تتعرض له . وكذلك الرغيف الذي قد نيل منها وللفرخ المنزوع الفخذ ~~. فأما الصحيح فلا تتعرض له . وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه وأصابه بعض ~~المرق ms030 . PageV01P083 # """""" صفحة رقم 84 """""" # وقال لي الرجل : أكلنا عنده يوما وأبوه حاضر وبني له يجيئ ويذهب . فاختلف ~~مرارا . كل ذلك يرانا نأكل . فقال الصبي : كم تأكلون لا أطعم الله بطونكم ~~فقال أبوه وهو جد الصبي : ابني ورب الكعبة وحدثني صاحب مسلحة باب الكرخ قال ~~: قال لي صاحب الحمام : ألا أعجبك من صالح بن عفان كان يجئ كل سحر فيدخل ~~الحمام . فإذا غبت عن إجانة النورة مسح أرفاغه . ثم يتستر بالمئزر . ثم ~~يقوم فيغسله في غمار الناس . ثم يجئ بعد في مثل تلك الساعة فيطلي ساقيه ~~وبعض فخذيه . ثم يجلس ويتزر بالمئزر . فإذا وجد غفلة غسله . ثم يعود في مثل ~~ذلك الوقت فيمسح قطعة أخرى من جسده . فلا يزال يطلي في كل سحر حتى ذهب مني ~~بطلية . قال : ولقد رأيته وإن في زيق سراويله نورة . وكان لا يرى الطبخ في ~~القدور الشامية ولا تبريد الماء في الجرار المذارية لأن هذه ترشح وتلك تنشف . PageV01P084 # """""" صفحة رقم 85 """""" # حدثني أبو الجهجاه النوشرواني قال : حدثني أبو الأحوص الشاعر قال : كنا ~~نفطر عند الباسياني . فكان يرفع يديه قبلنا ويستلقي على فراشه ويقول : # 7 ( ) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ( ) 7 # . حديث خالد بن يزيد : وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة . هو خالويه ~~المكدى . وكان قد بلغ في البخل والتكدية وفي كثرة المال المبالغ التي لم ~~يبلغها أحد . وكان ينزل في شق بني تميم فلم يعرفوه . فوقف عليه ذات يوم سال ~~وهو في مجلس من مجالسهم . فأدخل يده في الكيس ليخرج فلسا وفلوس البصرة كبار ~~. فغلط بدرهم بغلى . فلم يفطن حتى وضعه في يد السائل . فلما فطن استرده ~~وأعطاه الفلس . فقيل له : هذا لا نظنه يحل . وهو بهد قبيح قال : قبيح عند ~~من إني لم أجمع هذا المال بعقولكم PageV01P085 ~~"""""" صفحة رقم 86 """""" # فأفرقه بعقولكم ليس هذا من مساكين الدراهم . هذا من مساكين الفلوس والله ~~ما أعرفه إلا بالفراسة . قالوا : وإنك لتعرف المكدين قال : وكيف لا أعرفهم ~~لم يبق في الأرض مخطراني ولا مستعرض ms031 الأقفية ولا شحاذ ولا كاغاني ولا ~~بانوان ولا قرسي ولا عواء ولا مشعب ولا مزيدي ولا إسطيل إلا وقد كان تحت ~~يدي . ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة . ولم يبق في الأرض كعبي ولا مكد إلا ~~وقد أخذت العرافة عليه . وإنما أراد بهذا أن يؤيسهم من ماله حين عرف حرصهم ~~وجشعهم وسوء جوارهم . PageV01P086 # """""" صفحة رقم 87 """""" # وكان قاصا متكلما بليغا داهيا . وكان أبو سليمان الأعور وأبو سعيد ~~المدائني القاصان من غلمانه . وهو الذي قال لابنه عند موته : إني قد تركت ~~لك ما تأكله إن حفظته وما لا تأكله إن ضيعته . ولما ورثتك من العرف الصالح ~~وأشهدتك من صواب التدبير وعودتك من عيش المقتصدين خير لك معين من هذا المال ~~. وقد دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل حيلة . ثم إن لم يكن لك معين من ~~نفسك ما انتفعت بشيء من ذلك . بل يعود ذلك النهي كله إغراء لك وذلك المنع ~~تهجينا لطاعتك . قد بلغت في البر منقطع التراب وفي البحر أقصى مبلغ السفن . ~~فلا عليك ألا ترى ذا القرنين . PageV01P087 # """""" صفحة رقم 88 """""" # ودع عنك مذاهب ابن شرية فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر . ولو رآني تميم ~~الداري لأخذ عني صفة الروم . ولا أنا أهدى من القطا ومن دعيميص ومن رافع ~~المخش . إني قد بت بالقفز مع الغول وتزوجت السعلاة وجاوبت الهاتف ورغت عن ~~الجن إلى الجن واصطدت الشق وجاوبت النسناس وصحبني الرئي . وعرفت خدع الكاهن PageV01P088 ~~"""""" صفحة رقم 89 """""" # وتدسيس العراف وإلام يذهب الخطاط والعياف وما يقول أصحاب الأكتاف . وعرفت ~~التنجيم والزجر والطرق والفكر . إن هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدية ~~ومن احتيال النهار ومكابدة الليل . ولا يجمع مثله أبدا إلا من معاناة ركوب ~~البحر ومن عمل السلطان أو من كيمياء الذهب والفضة . قد عرفت الرأس حق ~~معرفته وفهمت كسر الإكسير على حقيقته . PageV01P089 # """""" صفحة رقم 90 """""" # ولولا علمي بضيق صدرك ولولا أن أكون سببا لتلف نفسك لعلمتك الساعة الشيء ~~الذي بلغ بقارون وبه تبنكت خاتون . والله ما يتسع صدرك عندي لسر ms032 صديق فكيف ~~ما لا يحتمله عزم ولا يتسع له صدر وحرز سر الحديث وحبس كنوز الجواهر أهون ~~من خزن العلم . ولو كنت عندي مأمونا على نفسك لأجريت الأرواح في الأجساد ~~وأنت تبصر ما كنت لا تفهمه بالوصف ولا تحقه بالذكر . ولكني سألقي عليك علم ~~الإدراك وسبك الرخام وصنعة الفسيفساء وأسرار السيوف القلعية وعقاقير السيوف ~~اليمانية وعمل الفرعوني وصنعة التلطيف على وجهه إن أقامني الله من صرعتي هذه . PageV01P090 # """""" صفحة رقم 91 """""" # ولست أرضاك وإن كنت فوق البنين ولا أثق بك وإن كنت لاحقا بالآباء لأني لم ~~أبالغ في محبتك . ني قد لابست السلاطين والمساكين وخدمت الخلفاء والمكدين ~~وخالطت النساك والفتاك وعمرت السجون كما عمرت مجالس الذكر وحلبت الدهر ~~أشطره وصادفت دهرا كثير الأعاجيب . فلولا أني دخلت من كل باب وجريت مع كل ~~ريح وعرفت السراء والضراء حتى مثلت لي التجارب عواقب الأمور وقربتني من ~~غوامض التدبير لما أمكنني جمع ما أخلفه لك ولا حفظ ما حبسته عليك . ولم ~~أحمد نفسي على جمعه كما حمدتها على حفظه لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم ~~والكيس . قد حفظته عليك من فتنة الأبناء ومن فتنة النساء ومن فتنة الثناء ~~ومن فتنة الرياء ومن أيدي الوكلاء فإنهم الداء العياء . PageV01P091 # """""" صفحة رقم 92 """""" # ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك ولكن لفضل بغضي للقاضي : إن الله - جل ذكره ~~- لم يسلط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد لأن أباه إن كان ~~غنيا قادرا أحب أن يريه غناه وقدرته وإن كان فقيرا عاجزا أحب أن يستريح من ~~شينه ومن حمل مؤنته . وإن كان فلا هم شكروا من جمع لهم وكفاهم ووقاهم ~~وغرسهم ولا هم صبروا على من أوجب الله حقه عليهم . والحق لا يوصف عاجله ~~بالحلاوة كما لا يوصف عاجل الباطل بالمرارة . فإن كنت فالقاضي لك . وإن لم ~~تكن منهم فالله لك . فإن سلكت سبيلي صار مال غيرك وديعة عندك وصرت الحافظ ~~على غيرك . وإن خالفت سبيلي صار مالك وديعة عند غيرك وصار غيرك الحافظ . ~~وإنك يوم تطمع ms033 أن تضيع مالك ويحفظه غيرك لجشع الطمع مخذول الأمل . PageV01P092 # """""" صفحة رقم 93 """""" # احتال الآباء في حبس الأموال على أولادهم بالوقف فاحتالت القضاة على ~~أولادهم بالإستحجار . ما أسرعهم إلى إطلاق الحجر وإلى إيناس الرشد إذا ~~أرادوا الشراء منهم وأبطأهم عنهم إذا أرادوا أن تكون أموالهم جائزة ~~لصنائعهم يا بن الخبيثة إنك وإن كنت فوق أبناء هذا الزمان فإن الكفاية قد ~~مسختك ومعرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك . وزاد في ذلك أن كنت بكرى وعجزة ~~أمك . أنا لو ذهب مالي لجلست قاصا أو طفت في الآفاق - كما كنت - مكديا : ~~اللحية وافرة بيضاء والحلق جهير طل والسمت حسن والقبول على واقع إن سألت عيني PageV01P093 ~~"""""" صفحة رقم 94 """""" # الدمع أجابت . والقليل من رحمة الناس خير من المال الكثير . وصرت محتالا ~~بالنهار واستعملت صناعة سل عني صعاليك الجبل وزواقيل الشام وزط الآجام ورؤس ~~الأكراد ومردة الأعراب وفتاك نهر بط ولصوص القفص وسل عني القيقانية ~~والقطرية . وسل عني المتشبهة وذباجي الجزيرة : كيف بطشي ساعة البطش وكيف ~~حيلتي ساعة الحيلة وكيف أنا عند الجولة وكيف ثبات جناني PageV01P094 ~~"""""" صفحة رقم 95 """""" # عند رؤية الطليعة وكيف يقظتي إذا كنت ربيئة وكيف كلامي عند السلطان إذا ~~أخذت وكيف صبري إذا جلدت وكيف قلة ضجري إذا حبست وكيف رسفاني . في القيد ~~إذا أثقلت فكم من ديماس قد نقبته وكم من مطبق قد أفضيته وكم من سجن قد ~~كابدته . وأنت غلام لسانك فوق عقلك وذكاؤك فوق حزمك . لم تعجمك الضراء ولم ~~تزل في السراء . والمال واسع وذرعك ضيق . وليس شيء أخوف عليك عندي من حسن ~~الظن بالناس فإنهم شمالك على يمينك وسمعك على بصرك . وخف عباد الله على حسب PageV01P095 ~~"""""" صفحة رقم 96 """""" # ما ترجو الله فأول ما وقع في روعي أن مالي محفوظ علي وأن النماء لازم لي ~~وأن الله سيحفظ عقبي من بعدي . إني لما غلبتني يوما شهوتي وأخرجت يوما ~~درهما لقضاء وطري ووقعت عني على سكت وعلى اسم الله المكتوب عليه قلت في ~~نفسي : إني إذا لمن الخاسرين الضالين : لئن ms034 أنا أخرجت من يدي ومن بيتي شيئا ~~عليه لا إله إلا الله أخذت بدله شيئا ليس عليه شيء والله إن المؤمن لينزع ~~خاتمه للأمر يريده وعليه حسبي الله أو توكلت على الله فيظن أنه قد خرج من ~~كنف الله - جل ذكره - حتى يرد الخاتم في موضعه وإنما هو خاتم واحد . وأنا ~~أريد أن أخرج في كل يوم درهما عليه الإسلام كما هو إن هذا لعظيم . ومات من ~~ساعته . وكفنه ابنه ببعض خلقانه وغسله بماء البئر ودفنه من غير أن يصرخ له ~~أو يلحد له ورجع . فلما صار في المنزل نظر إلى جرة خضراء معلقة . قال : أي ~~شيء في هذه الجرة قالوا : ليس اليوم فيها شيء . قال : فأي شيء فيها قبل ~~اليوم قالوا : سمن . PageV01P096 # """""" صفحة رقم 97 """""" # قال : وما كان يصنع به قالوا : كنا في الشتاء نلقي له في البرمة شيئا من ~~دقيق نعمله له فكان ربما برقه بشيء من سمن . قال : تقولون ولا تفعلون السمن ~~أخو العسل . وهل أفسد الناس أموالهم إلا في السمن والعسل والله إني لولا أن ~~للجرة ثمنا لما كسرتها إلا على قبره قالوا : فخرج فوق أبيه وما كنا نظن أن ~~فوقه مزيدا المخطراني الذي يأتيك في زي ناسك ويريك أن بابك قد قور لسانه من ~~أصله لأنه كان مؤذنا هناك . ثم يفتح فاه كما يصنع من تثاءب فلا ترى له ~~لسانا البتة ولسانه في الحقيقة كلسان الثور وأنا أحد من خدع بذلك . ولابد ~~للمخطراني أن يكون معه واحد يعبر عنه أو لوح أو والكاغاني الذي يتجنن ~~ويتصارع ويزبد حتى لا يشك أنه مجنون لا دواء له لشدة ما ينزل بنفسه وحتى ~~يتعجب من بقاء مثله على مثل علته . والبانوان الذي يقف على الباب ويسل ~~الغلق ويقول : بانوا وتفسير ذلك بالعربية : يا مولاي PageV01P097 ~~"""""" صفحة رقم 98 """""" # والقرسي الذي يعصب ساقه وذراعه عصبا شديدا ويبيت على ذلك ليلة . فإذا ~~تورم واختنق الدم مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين وقطر عليه شيئا من سمن ~~وأطبق عليه خرقة وكشف بعضه ms035 . فلا يشك من رآه أن به الإكلة أو بلية شبه ~~الإكلة . والمشعب الذي يحتال للصبي حين يولد : بأن يعميه أو يجعله أعسم أو ~~أعضد ليسأل الناس به أهله . وربما جاءت به أمه وأبوه ليتولى ذلك منه بالغرم ~~الثقيل . لأنه يصير حينئذ عقدة وغلة : فإما أن يكتسبا به وإما أن يكرياه ~~بكراء معلوم . وربما أكروا أولادهم ممن يمضي إلى إفريقية فيسأل بهم الطريق ~~أجمع بالمال العظيم . فإن كان ثقة مليئا وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلا ~~. والعواء الذي يسأل بين المغرب والعشاء . وربما طرب إن كان له صوت حسن ~~وحلق شجي . PageV01P098 # """""" صفحة رقم 99 """""" # والإسطيل هو المتعامي : إن شاء أراك أنه منخسف العينين وإن شاء أراك أن ~~بهما ماء وإن شاء أراك أنه لا يبصر للخسف ولريح السبل . والمزيدي الذي ~~يعارضك وهو ذو هيئة وفي ثياب صالحة . وكأنه قد هاب من الحياء والمعدس الذي ~~يقف على الميت يسأل في كفنه ويقف في طريق مكة على الحمار الميت والبعير ~~الميت يدعى أنه كان له ويزعم أنه قد أحصر وقد تعلم لغة الخراسانية ~~واليمانية والإفريقية وتعرف تلك المدن والسكك والرجال . وهو متى شاء كان من ~~إفريقية ومتى شاء كان من أهل فرغانة ومتى شاء كان من أي مخاليف اليمن شاء PageV01P099 ~~"""""" صفحة رقم 100 """""" # والمكدى صاحب الكداء . والكعبي أضيف إلى أبي كعب الموصلي وكان عريفهم بعد ~~خالويه سنة على ماء . والزكوري هو خبز الصدقة كان على سجني أو على سائل . ~~هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط . وهم أضعاف ما ذكرنا في العدد . ولم يكن يجوز ~~أن نتكلف شيئا ليس من الكتاب في شيء . رفع يحيى بن عبد الله بن خالد بن ~~أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد رغيفا من خوانه بيده ثم رطله والقوم ~~يأكلون . ثم قال : يزعمون أن خبزي صغار . أي ابن . . . يأكل من هذا الخبز رغيفين PageV01P100 ~~"""""" صفحة رقم 101 """""" # وكنت أنا وأبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام وقطرب النحوي وأبو الفتح ~~مؤدب منصور ابن زياد على خوان فلان بن فلان . والخوان ms036 من جزعة . والغضار ~~صيني ملمع أو خلنجية كيماكية . والألوان طيبة شهية وغذية قدية . وكل رغيف ~~في بياض الفضة كأنه البدر وكأنه مرآة مجلوة . ولكنه على قدر عدد الرءوس . ~~فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة . ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم . ولم يغدوا ~~بشيء فيتموا أكلهم . والأيدي معلقة . وإنما هم في تنقير وتنتيف فلما طال ~~ذلك عليهم أقبل الرجل على أبي الفتح وتحت القصعة رقاقة فقال : يا أبا الفتح ~~خذ ذلك الرغيف فقطعه وقسمه على أصحابنا . فتغافل أبو الفتح . فلما أعاد PageV01P101 ~~"""""" صفحة رقم 102 """""" # عليه القول الرابعة قال : مالك - ويلك - لا تقطعه بينهم قطع الله أوصالك ~~قال : يبتلي على يدي غيري أصلحك الله فخجلناه مرة وضحكنا مرة وما ضحكنا ~~صاحبنا ولا خجل . وزرته أنا والمكي . وكنت أنا على حمار مكار والمكي على ~~حمار مستعار . فصار الحمار إلى أسوأ من حال المذود فكلم المكي غلمانه فقال ~~: لا أريد منكم التبن فما فوقه . اسقوه ماء فقط . فسقوه ماء بئر فلم يشربه ~~الحمار وقد مات عطشا . فأقبل المكي عليه فقال : أصلحك الله إنهم يسقون ~~حماري ماء بئر ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة فهو لا يعرف إلا العذب . ~~قال : فامزجوه له يا غلام فمزجوه فلم يشربه . فأعاد المسألة فأمكنه من أذن ~~من لا يسمع إلا ما يشتهي . وقال لي مرة : يا أخي إن ناسا من الناس يغمسون ~~اللقمة إلى أصبارها في المري . فأقول : هؤلاء قوم يحبون الملوحة ولا يحبون ~~الحامض فما ألبث أن أرى أحدهم يأخذ PageV01P102 ~~"""""" صفحة رقم 103 """""" # حرف الجردقة فيغمسها في الخل الحاذق ويغرقها فيه وربما رأيت أحدهم يمسكها ~~في الخل بعد التغريق ساعة فأقول : هؤلاء قوم يجمعون حب الحموضة إلى حب ~~الملوحة . ثم لا ألبث أنة أراهم يصنعون مثل ذلك بالخردل والخردل لا يرام قل ~~لي : أي شيء طبائع هؤلاء وأي ضرب هم وما دواؤهم وأي شيء علاجهم فلما رأيت ~~مذهبه وحمقه وغلبة البخل عليه وقهره له قلت : ما لهم عندي علاج هو أنجع ~~فيهم من أن يمنعوا الصباغ كله لا والله إن ms037 هو غيره وصديق كنا قد ابتلينا ~~بمؤاكلته . وقد كان ظن أنا قد عرفناه بالبخل على الطعام . وهجس ذلك في نفسه ~~وتوهم أنا قد تذاكرناه أمره . فكان يتزيد في تكثير الطعام وفي إظهار الحرص ~~على أن يؤكل . حتى قال : من رفع يده قبل القوم غرمناه دينارا . فترى بغضه ~~إن غرمناه دينارا . وظاهر لا ئمته محتمل في رضا قلبه وما يرجو من نفع ذلك ~~له . ولقد خبرني خباز لبعض أصحابنا أنه جلده على إنضاج الخبز وأنه قال له : ~~أنضج خبزي الذي يوضع بين يدي واجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين ~~المقدارين . وأما PageV01P103 ~~"""""" صفحة رقم 104 """""" # خبز العيال والضيف فلا تقربنه من النار إلا بقدر ما يصير العجين رغيفا ~~وبقدر ما يتماسك فقط فكلفه العويص . فلما أعجزه ذلك جلده حد الزاني الحر ~~فحدثت بهذا الحديث عبد الله العروضي فقال : ألم تعرف شأن الجدي ضرب الشواء ~~ثمانين سوطا لمكان الإنضاج وذلك أنه قال له : ضع الجدي في التنور حين تضع ~~الخوان حتى أستبطئك أنا في إنضاجه . وتقول أنت : بقي قليل ثم تجيئنا به ~~وكأني قد أعجلتك فإذا وضع بين أيديهم غير منضج احتسبت عليهم بإحضار الجدي . ~~فإذا لم يأكلوه أعدته إلى التنور ثم أحضرتناه الغد باردا . فيقوم الجدي ~~الواحد مقام جديين فجاء به الشواء يوما نضيجا فعمل فيه القوم . فجلده ~~ثمانين جلدة جلد القاذف الحر وحدثني أحمد بن المثنى عن صديق لي وله ضخم ~~البدن كثير العلم فاشي الغلة عظيم الولايات أنه إذا دعا على مائدته بفضل ~~دجاجة أو بفضل رقاق أو غير ذلك رد الخادم مع الخباز إلى القهرمان حتى يصك ~~له بذلك إلى صاحب المطبخ PageV01P104 ~~"""""" صفحة رقم 105 """""" # ولقد رأيته مرة وقد تناول دجاجة فشقها نصفين فألقى نصفها إلى الذي عن ~~يمينه ونصفها إلى الذي عن شماله . ثم قال : يا غلام جئني بواحدة رخصة فإن ~~هذه كانت عضلة جدا . فحسبت أن أقل ما عند الرجلين ألا يعودا إلى مائدته ~~أبدا . فوجدتهما قد فخرا علي بما وكانوا ربما خصوه فوضعوه بين ms038 يديه الدراجة ~~السمينة والدجاجة الرخصة . فانطفأت الشمعة في ليلة من تلك الليالي . فأغار ~~على الأسواري على بعض ما بين يديه واغتنم الظلمة . وعمل على أن الليل أخفى ~~للويل ففطن له وما هو بالفطن إلا في هذا الباب . وقال : كذلك الملوك كانت ~~لا تأكل مع السوقة وحثني أحمد بن المثنى أنهم كانوا يعمدون إلى الجرادق ~~التي ترفع عن مائدته : فما كان منها ملطخا دلك دلكا شديدا وما كان منها قد ~~ذهب جانب منه قطع بسكين من ترابيع PageV01P105 ~~"""""" صفحة رقم 106 """""" # الرغيف مثل ذلك لئلا يشك من رآه أنهم قد تعمدوا ذلك . وما كان من الأنصاف ~~والأرباع جعل بعضه للثريد وقطع بعضه كالأصابع وجعل مع بعض القلايا . ولقد ~~رأيت رجلا ضخما فخم اللفظ فخم المعاني تربية في ظل ملك مع علوهم ولسان عضب ~~ومعرفة بالغامض من العيوب والدقيق من المحاسن مع شدة تسرع إلى أعراض الناس ~~وضيق صدر بما تعرف من عيوبهم . وإن ثريدته لبلقاء إلا أن بياضها ناصع ~~ولونها الآخر أصهب ما رأيت ذلك مرة ولا مرتين . وكنت قد هممت قبل ذلك لأن ~~أعاتبه على الشيء يستأثر به ويختص به وأن أحتمل ثقل تلك النصيحة وبشاعتها ~~في حظه وفي النظر له . ورأيت أن ذلك لا يكون إلا من PageV01P106 ~~"""""" صفحة رقم 107 """""" # حاق الإخلاص ومن فرط الإخاء من الإخوان . فلما رأيت البلقة هان علي ~~التحجيل والغرة . ورأيت أن ترك الكلام أفضل وأن الموعظة لغو . وقد زعم أبو ~~الحسن المدائني أن ثريدة مالك بن المنذر كانت بلقاء . ولعل ذلك أن يكون ~~باطلا . وأما أنا فقد رأيت بعيني من هذا الرجل ما لا أخبرك به وهو شيء لم ~~أره إلا فيه ولا سمعت به في غيره . ولسنا من تسمية الأصحاب المتهتكين ولا ~~غيرهم من المستورين في شيء . أما الصاحب فإنا لا نسميه لحرمته وواجب حقه . ~~والآخر لا نسميه ليستر الله عليه ولما يجب لمن كان في مثل حاله . وإنما ~~نسمي من خرج من هاتين الحالتين . ولربما سمينا الصاحب إذا كان ممن يمازج ~~بهذا ورأيناه ms039 يتظرف ويحمل ذلك الظرف سلما إلى منع شينه . PageV01P107 # """""" صفحة رقم 108 """""" # قصة أبي جعفر : ولم أر مثل أبي جعفر الطرسوسي : زار قوما فأكرموه وطيبوه ~~وجعلوا في شاربه وسبلته غالية . فحكته شفته العليا فأدخل إصبعه فحكها من ~~باطن الشفة مخافة أن تأخذ إصبعه من الغالية شيئا إذا حكها من فوق وهذا ~~وشبهه إنما يطيب جدا إذا رأيت الحكاية بعينك لأن الكتاب لا يصور لك كل شيء ~~ولا يأتي لك على كنهه وعلى حدوده وحقائقه . قصة الحزامي : وأما أبو محمد ~~الحزامي عبد الله بن كاسب كاتب مويس وكاتب داود بن أبي داود فإنه كان أبخل ~~من برأ الله وأطيب من برأ الله . وكان له في البخل كلام . وهو أحد من ينصره ~~ويفضله ويحتج له ويدعو إليه . وإنه رآني مرة في تشرين الأول وقد بكر البرد ~~شيئا . فلبست كساء لي قومسيا خفيفا قد نيل منه . فقال لي : ما أقبح السرف ~~بالعاقل وأسمج الجهل بالحكيم ما ضننت أن إهمال النفس وسوء السياسة بلغ بك ما أرى PageV01P108 ~~"""""" صفحة رقم 109 """""" # قلت : وأي شيء أنكرت منا مذ اليوم وما كان هذا قولك فينا بالأمس . فقال : ~~لبسك هذا الكساء قبل أوانه . قلت : قد حدث من البرد بمقداره . ولو كان هذا ~~البرد الحادث في تموز وآب لكان إبانا لهذا الكساء . قال : إن كان ذلك كذلك ~~فاجعل بدل هذه المبطنة جبة محشوة فإنها تقوم هذا المقام وتكون قد خرجت من ~~الخطأ . فأما لبس الصوف اليوم فهو اليوم غير جائز . قلت : ولم قال : لأن ~~غبار آخر الصيف يتداخله ويسكن في خلله . فإذا أمطر الناس وندى الهواء وابتل ~~كل شيء ابتل ذلك الغبار . وإنما الغبار تراب إلا أنه لباب التراب . وهو ~~مالح ويتقبض عند ذلك عليه الكساء ويتكرش لأنه صوف فينضم أجزاؤه عليه فيأكله ~~أكل القادح ويعمل فيه عمل السوس . ولهو أسرع فيه من الأرضة في الجذوع ~~النجرانية PageV01P109 ~~"""""" صفحة رقم 110 """""" # ولكن أخر لبسه حتى إذا أمطر الناس وسكن الغبار وتلبد التراب وحط المطر ما ~~كان في الهواء من الغبار وغسله ms040 وصفاه فالبسه حينئذ على بركة الله وكان يقع ~~إلى عياله بالكوفة كل سنة مرة فيشتري لهم من الحب مقدار طبيخهم وقوت سنتهم ~~. فإذا نظر إلى حب هذا وإلى حب هذا وقام على سعر اكتال من كل واحد منها ~~كيلة معلومة ثم وزنها بالميزان واشترى أثقلها وزنا . وكان لا يختار على ~~البلدي والموصلي شيئا إلا أن يتقارب السعر . وكان على كل حال يفر من ~~الميساني إلا أن يضطر إليه ويقول : هو ناعم ضعيف ونار المعدة شيطان فإنما ~~ينبغي لنا أن نطعم الحجر وما أشبه الحجر وقلت له مرة : أعلمت أن خبز البلدي ~~ينبت عليه شيء شبيه بالطين والتراب والغبار المتراكم قال : حبذا ذلك من خبز ~~وليته قد أشبه الأرض بأكثر من هذا المقدار وكان إذا كان جديد القميص ~~ومغسوله ثم أتوه بكل بخور في الأرض لم يتبخر مخافة أن يسود دخان العود بياض ~~قميصه . فإن اتسخ فأتى بالبخور لم يرض بالتبخر PageV01P110 ~~"""""" صفحة رقم 111 """""" # واستقصاء ما في العود من القتار حتى يدعو بدهن فيمسح به صدره وبطنه ~~وداخلة إزاره . ثم يتبخر ليكون أعلق للبخور وكان يقول : حبذا الشتاء فإنه ~~يحفظ عليك رائحة البخور ولا يحمض فيه النبيذ إن ترك مفتوحا ولا يفسد فيه ~~مرق إن بقي أياما . وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه . فإذا كان في الصيف ~~دعا بثيابه فلبسها على قميصه لكيلا يضيع من البخور شيء . وقال مرة : إن ~~للشيب سهكة . وبياض الشعر هو موته وسواده حياته : ألا ترى أن موضع دبرة ~~الحمار الأسود لا ينبت إلا أبيض والناس لا يرضون منا في هذا العسكر إلا ~~بالعناق واللثام والطيب غال وعادته رديئة وينبغي لمن كان أيضا عنده أن ~~يحرسه ويحفظه من عياله . وإن العطار ليختمه على أخص غلمانه به . PageV01P111 # """""" صفحة رقم 112 """""" # فلست أرى شيئا هو خير من اتخاذ مشط صندل فإن ريحه طيبة . والشعر سريع ~~القبول منه وأقل ما يصنع أن ينفي سهك الشيب . فصرنا في حال لنا ولا علينا . ~~واستلف منه على الأسواري مائة درهم . فجاءني وهو ms041 حزين منكسر . فقلت له : ~~إنما يحزن من لا يجد بدا من إسلاف الصديق مخافة ألا يرجع إليه ماله ولا يعد ~~ذلك هبة منه أو رجل يخاف الشكية فهو إن لم يسلف كرما أسلف خوفا . وهذا باب ~~الشهرة فيه قرة عينك . وأنا واثق باعتزامك وتصميمك وبقلة المبالاة بتخيل ~~الناس لك . فما وجه انكسارك واغتمامك قال : اللهم غفرا ليس ذاك بي . إنما ~~في أني قد كنت أظن أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني وآيسة مني وأني قد ~~أحكمت هذا الباب وأتقنته وأودعت قلوبهم اليأس وقطعت أسباب الخواطر . فأراني ~~واحدا منهم إن من أسباب إفلاس PageV01P112 ~~"""""" صفحة رقم 113 """""" # المرء طمع الناس فيه لأنهم إذا طمعوا فيه احتالوا له الحيل ونصبوا له ~~الشرك . وإذا يئسوا منه فقد أمن . وهذا المذهب من على استضعاف شديد . وما ~~أشك أني عنده غمر وأني كبعض من يأكل ماله وهو مع هذا خليط وعشير . وإذا كان ~~مثله لم يعرفني ولم يتقرر عنده مذهبي فما ظنك بالجيران بل ما ظنك بالمعارف ~~أراني أنفخ في غير فحم وأقدح بزند مصلد ما أخوفني أن أكون قد قصد إلي بقول ~~ما أخوفني أن يكون الله في سمائه قد قصد إلى أن يفقرني قال : ويقولون : ~~ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك فما يقولون إن كان أقصر مني أليس يتخيل في ~~قميصي وإن كان طويلا جدا وأنا قصير جدا فلبسه أليس يصير آية للسابلين فمن ~~أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة للناس ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم ~~أنه فيه مثلي . ومتى يتفق هذا وإلى ذلك محيى وممات . PageV01P113 # """""" صفحة رقم 114 """""" # وكان يقول : أشتهي اللحم الذي قد تهرأ وأشتهي أيضا الذي فيه بعض الصلابة ~~. وقلت له مرة : ما أشبهك بالذي قال : أشتهي لحم دجاجتين . قال : وما تصنع ~~بذلك القائل هو ذا أنا أشتهي لحم دجاجتين واحدة خلاسية مسمنة وأخرى خوامزكه ~~رخصة . وقلت له مرة : قد رضيت بأن يقال : عبد الله بخيل قال : لا أعدمني ~~الله هذا الاسم قلت : وكيف قال : لا يقال ms042 : فلان بخيل إلا وهو ذو مال . ~~فسلم إلى المال وادعني بأي اسم شئت قلت : ولا يقال أيضا : فلا سخي إلا وهو ~~ذو مال . فقد جمع هذا الاسم الحمد والمال واسم البخل يجمع المال والذم . ~~فقد أخذت أخسهما وأوضعهما . قال : وبينهما فرق . قلت : فهاته . قال : في ~~قولهم : بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه . وفي قولهم : سخي إخبار عن خروج ~~المال من ملكه . واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم واسم السخي اسم فيه تضييع ~~وحمد . والمال زاهر نافع مكرم لأهله معز . والحمد ريح وسخرية واستماعك له ~~ضعف وفسولة . وما أقل غناء الحمد والله عنه إذا جاع PageV01P114 ~~"""""" صفحة رقم 115 """""" # وكنا عند داود بن أبي داود بواسط أيام ولايته كسكر فأتته من البصرة هدايا ~~فيها زقاق دبس . فقسمها بيننا . فكل ما أخذ منها الحزامى أعطى غيره . ~~فأنكرت ذلك من مذهبه ولم أعرف جهة تدبيره . فقلت للمكي : قد علمت أن ~~الحزامى إنما يجزع من الإعطاء وهو عدو . فأما الأخذ فهو ضالته وأمنيته وإنه ~~لو أعطى أفاعى سجستان وثعابين مصر وحيات الأهواز لأخذها إذا كان اسم الأخذ ~~واقعا عليها فعساه أراد التفضيل في القسمة . قال : أنا كاتبه وصداقتي أقدم ~~. وما ذلك به . هاهنا أمرا ما نقع عليه . فلم يلبث أن دخل علينا . فسألته ~~عن ذلك . فتعصر قليلا . ثم باح بسره . قال : وضيعته أضعاف ربحه . وأخذه ~~عندي من أسباب الإدبار . قلت : أول وضائعه احتمال السكر . قال : هذا لم ~~يخطر لي قط على بال . قلت : فهات إذا ما عندك . PageV01P115 # """""" صفحة رقم 116 """""" # قال : أول ذلك كراء الحمال . ثم هو على خطر حتى يصير إلى المنزل . فإذا ~~صار إلى المنزل صار سببا لطلب العصيدة والأرز والبستندود . فإن بعته فرارا ~~من هذا صيرتموني شهرة وتركتموني عنده آية . وإن أنا حبسته ذهب في العصائد ~~وأشباه العصائد . وجذب ذلك شراء السمن ثم جذب السمن غيره وصار هذا الدبس ~~أضر علينا من العيال . وإن أنا جعلته نبيذا احتجت إلى كراء القدور وإلى ~~شراء الحب وإلى شراء الماء وإلى كراء من يوقد تحته ms043 وإلى التفرغ له . فإن ~~وليت ذلك الخادم اسود ثوبها وغرمنا ثمن الأشنان والصابون وازدادت في الطمع ~~على قدر الزيادة في العمل . فإن فسد ذهبت النفقة باطلا ولم نستخلف منها ~~عوضا بوجه من جميع الوجوه . لأن خل الداذي يخضب اللحم ويغير الطعم ويسود ~~المرق ولا يصلح إلا للاصطباغ . وهذا إذا استحال خلا . وأكثر ذلك أن يحول عن ~~النبيذ ولا يصير إلى الخل . وإن سليم - وأعوذ بالله - وجاد وصفا لم نجد بدا ~~من شربه ولم تطب أنفسنا بتركه . PageV01P116 # """""" صفحة رقم 117 """""" # فإن قعدت في البيت أشرب منه لم يمكن إلا بترك سلاف الفارسي المعسل ~~والدجاج المسمن وجداء كسكر وفاكهة الجبل والنقل الهش والريحان الغض عند من ~~لا يغيض ماله ولا تنقطع مادته وعند من لا أبالي على أي قطرية سقط مع فوت ~~الحديث المؤنس والسماع الحسن . وعلى أني إن جلست في البيت أشربه لم يكن لي ~~بد من واحد . وذلك الواحد لابد له من دريهم لحم ومن طسوج نقل وقيراط ريحان ~~ومن أبزار للقدر ومن حطب للوقود . وهذا كله غرم . وهو بعد هذا شؤم وحرفة ~~وخروج من العادة الحسنة . فإن كان ذلك النديم غير موافق فأهل الحبس أحسن ~~حالا مني . وإن كان - وأعوذ بالله - موافقا فقد فتح الله على مالي بابا من ~~التلف لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال من هو وإذا علم الصديق أن عندي ~~داذيا أو نبيذا دق الباب دق المدل . فإن حجبناه فبلاء وإن أدخلناه فشقاء . ~~وإن بدا لي في استحسان حديث الناس كما يستحسن PageV01P117 ~~"""""" صفحة رقم 118 """""" # مني من أكون عنده فقد شاركت المسرفين وفارقت إخواني من المصلحين وصرت من ~~ألوان الشياطين . فإذا صرت كذلك فقد ذهب كسبي من مال غيري وصار غيري يكتسب ~~مني . وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ ~~أعوذ بالله من الخذلان بعد العصمة ومن الحور بعد الكور لو كان هذا في ~~الحداثة كان أهون . هذا الدوشاب دسيس من الحرفة وكيد من الشيطان وخدعة من ms044 ~~الحسود وهو الحلاوة التي تعقب المرارة ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد مل ~~منادمتي فهو يحتال لي الحيل وكنا مرة في موضع حشمة وفي جماعة كثيرة والقوم ~~سكوت والمجلس كبير وهو بعيد المكان مني . وأقبل على المكي وقال والقوم ~~يسمعون فقال : يا أبا عثمان من أبخل PageV01P118 ~~"""""" صفحة رقم 119 """""" # أصحابنا قلت : أبو الهذيل . قال : ثم من قلت : صاحب لنا لا أسميه . قال ~~الحزامي من بعيد : إنما يعنيني ثم قال : حسدتم للمقتصدين تدبيرهم ونماء ~~أموالهم ودوام نعمتهم . فالتمستم تهجينهم بهذا اللقب وأدخلتم المكر عليهم ~~بهذا النبز . تظلمون المتلف لماله باسم الجود إدارة له عن شينه وتظلمون ~~المصلح لماله باسم البخل حسدا منكم لنعمته . فلا المفسد ينجو ولا المصلح ~~يسلم . فتكلم يوما فما زال يدخل كلاما في كلام حتى أدخل الاعتذار من ذلك في ~~عرض كلامه . فكان مما احتج به في شدة رؤية الأكيل عليه وفي نفوره منه أن ~~قال : نظر خالد المهزول في الجاهلية يوما إلى ناس يأكلون وإلى إبل تجتر . ~~فقال لأصحابه : أتروني بمثل هذه العين التي أرى بها الناس والإبل قالوا : ~~نعم . فحلف بإلهه ألا يأكل بقلا وإن مات هزالا . PageV01P119 # """""" صفحة رقم 120 """""" # وكان يغتذى اللبن ويصيب من الشراب . فأضمره ذلك وأيبسه . فلما دق جسمه ~~واشتد هزاله سمي المهزول . ثم قال خالد : هأنذا مبتلي بالمضغ ومحمول على ~~تحريك اللحيين ومضطر إلى مناسبة البهائم ومحتمل ما في ذلك من السخف والعجز ~~. ما أبالي احتمله فيمن ليس لي منه بد ولي عنه مذهب . ليأكل كل امرئ في ~~منزله وفي موضع أمنه وأنسه ودون ستره وبابه . هذا ما بلغنا عن خالد بن عبد ~~الله القسري واحتجاجه . فأما خالد المهزول فهو أحد الخالدين . وهما سيدا ~~بني أسد . وفيه وفي خالد بن نضلة يقول الأسود بن يعفر : وقبلك مات الخالدان ~~كلاهما . عميد بني جحوان وابن المضلل . PageV01P120 # """""" صفحة رقم 121 """""" # قصة الحارثي وقيل الحارثي بالأمس : والله إنك لتضع الطعام فتجيده وتعظم ~~عليك النفقة وتكثر منه . وإنك لتغالي بالخباز والطباخ والشواء والخباص ثم ~~أنت مع ms045 هذا كله لا تشهده عدوا لتغمه ولا وليا فتسره ولا جاهلا لتعرفه ولا ~~زائر لتعظمه ولا شاكرا لتثبته . وأنت تعلم أنه حين يتنحى من بين يديك ويغيب ~~عن عينيك فقد صار نهبا مقسما ومتوزعا مستهلكا . فلو أحضرته من ينفع شكره ~~ويبقي على الأيام ذكره ومن يمتعك بالحديث الحسن والاستماع ومن يمتد به ~~الأكل ويقصر به الدهر - لكان ذلك أولى بك وأشبه بالذي قدمته يدك . وبعد فلم ~~تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك ومن إن حمدك لم يحسن أن يحمدك ومن لا يفضل ~~بين الشهي الغذى وبين الغليظ الزهم PageV01P121 ~~"""""" صفحة رقم 122 """""" # قال : يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك . قالوا : ومن أبو الفاتك قال : ~~قاضي الفتيان . وإني لم آكل مع أحد قط إلا رأيت منه بعض ماذمه وبعض ما شنعه ~~وقبحه . فشيء يقبح بالشطار فما ظنك به إذا كان في أصحابه المروءات وأهل ~~البيوتات قالوا : فما قال أبو الفاتك قال : قال أبو فاتك : الفتى لا يكون ~~نشافا ولا نشالا ولا مرسالا ولا لكاما ولا مصاصا ولا نفاضا ولا دلاكا ولا ~~مقورا ولا مغربلا ولا محلقما ولا مسوغا ولا مبلعما ولا مخضرا . والله إني ~~لأفضل الدهاقين حين عابوا الحسو وتقززوا من التعرق وبهرجوا صاحب التمشيش ~~وحين أكلوا بالبارجين وقطعوا بالسكين ولزموا عند الطعام السكتة وتركوا ~~الخوض واختاروا الزمزمة . PageV01P122 # """""" صفحة رقم 123 """""" # أنا والله أحتمل الضيف والضيفن ولا أحتمل اللعموظ ولا الجردبيل . والواغل ~~أهون على من الراشن . ومن يشك أن الوحدة خير من جليس السوء وأن جليس السوء ~~خير من أكيل السوء لأن كل أكيل جليس وليس كل جليس أكيلا . فإن كان لابد من ~~المؤاكلة ولابد من المشاركة فمع من لا يستأثر علي بالمخ ولا ينتهز بيضة ~~البقيلة ولا يلتهم كبد الدجاجة ولا يبادر إلى دماغ رأس السلاءة ولا يختطف ~~كلية الجدي ولا يزدرد قانصة الكركي ولا ينتزع شاكلة الحمل ولا يقتطع سرة ~~الشصر ولا بعرض لعيون الرءوس ولا يستولي على صدور الدجاج ولا يسابق PageV01P123 ~~"""""" صفحة رقم 124 """""" # إلى أسقاط الفراخ ولا ms046 يتناول إلا ما بين يديه ولا يلاحظ ما بين يدي غيره ~~ولا يتشهى الغرائب ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة ولا يهتك أستار الناس ~~: بأن يتشهى ما عسى ألا يكون موجودا . وكيف تصلح الدنيا وكيف يطيب العيش مع ~~من إذا رأى جزورية التقط الأكباد والأسنمة وإذا عاين بقرية استولى على ~~العرق والقطنة وإن أتوا بجنب شواء اكتسح كل شيء عليه لا يرحم ذا سن لضعفه ~~ولا يرق على حدث لحدة شهوته ولا ينظر للعيال ولا يبالي كيف دارت بهم الحال ~~- وإن كان لابد من ذلك فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي . وأشد ~~من كل ما وصفنا وأخبث من كل ما عددنا أن الطباخ ربما أتى باللون الطريف ~~وربما قدم الشيء الغريب والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص PageV01P124 ~~"""""" صفحة رقم 125 """""" # صغير الحجم وليس كالطفيشلية ولا كالهريسة ولا كالفجلية ولا كالكرنبية . ~~وربما عجل عليه فقدمه حارا ممتنعا . وربما كان من جوهر بطيء الفطور وأصحابي ~~في سهولة ازدراد الحار عليهم في طباع النعام وأنا في شدة الحار على في طباع ~~السباع . فإن انتظرت إلى أن يمكن أتوا على آخره . وإن بدرت مخافة الفوت ~~وأردت أن أشاركهم في بعضه لم آمن ضرره . والحار ربما قتل وربما أعقم وربما ~~أبال الدم . ثم قال : هذا علي الأسواري أكل مع عيسى بن سلمان بن علي . ~~فوضعت قدامكم سمكة عجيبة فائقة السمن . فحاط بطنها لحظة فإذا هو يكتنز شحما ~~وقد كان غص بلقمة وهو لمستسق ففرغ من الشراب وقد غرف من بطنها كل إنسان ~~منهم بلقمته غرفة . وكان عيسى ينتخب الأكلة ويختار منهم كل منهوم فيه ~~ومفتون به . PageV01P125 # """""" صفحة رقم 126 """""" # فلما خاف على الأسواري الإخفاق وأشفق من الفوت وكان أقربهم إليه عيسى ~~استلب من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي وانحدار العقاب من غير أن يكون ~~أكل عنده قبل مرته . فقيل له : ويحك استلبت لقمة الأمير من يده وقد رفعها ~~غليه وشحا لها فاه من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة ms047 . قال : لم يكن الأمر ~~كذلك . وكذب من قال ذلك ولكنا أهوينا أيدينا معا فوقعت يدي في مقدم الشحمة ~~ووقعت يده في مؤخر الشحمة معا والشحم ملتبس بالأمعاء . فلما رفعنا أيدينا ~~معا كنت أنا أسرع حركة وكانت الأمعاء متصلة غير متباينة . فتحول كل شيء كلن ~~في لقمته بتلك الجذبة إلى لقمتي لاتصال الجنس والجوهر بالجوهر . وأنا كيف ~~أؤاكل أقواما يصنعون هذا الصنيع ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج ثم قال : إنكم ~~تشيرون علي بملابسة شرار الخلق وأنذال الناس وبكل عياب متعتب ووثاب على ~~أعراض الناس متسرع . وهؤلاء لم يرضوا إلا أن يدعوهم الناس ولا يدعوا الناس ~~وأن يأكلوا ولا يطعموا وأن يتحدثوا عن غيرهم ولا يبالون أن يتحدث عنهم وهم ~~شرار الناس . PageV01P126 # """""" صفحة رقم 127 """""" # ثم قال : أجلس معاوية وهو في مرتبة الحلافة وفي السطح من قريش وفي نبل ~~الهمة وإصابة الرأي وجودة البيان وكمال الجسم وفي تمام النفس عند الجولة ~~وعند تقصف الرماح وتقطع السيوف - رجلا على مائدته مجهول الدار غير معروف ~~النسب ولا مذكور بيوم صالح . فأبصر في لقمته شعرة فقال : خذ الشعرة من ~~لقمتك . ولا وجه لهذا القول إلا محض النصيحة والشفقة . فقال الرجل : وإنك ~~لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة لا جلست لك على مائدة ما حييت ولا ~~حكيتها عنك ما بقيت فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان أحسن وأجمل : تغافله ~~عنه أم شفقته عليه فكان هذا جزاءه منه وشكره له . ثم قال : وكيف أطعم من إن ~~رأيته يقصر في الأكل فقلت له : كل ولا تقصر في الأكل قال : يفطن لفضل ما ~~بين التقصير وغيره وإن قصر فلم أنشطه ولم أحثه قال : لولا أنه وافق هواه PageV01P127 ~~"""""" صفحة رقم 128 """""" # ثم قال : ومد رجل من بني تميم يده إلى صاحب الشراب يستسقيه وهو على خوان ~~المهلب فلم يره الساقي فلم يفطن له . ففعل ذلك مرارا والمهلب يراه وقد أمسك ~~عن الأكل إلى أن يسيغ لقمته بالشراب . فلما طال ذلك على المهلب قال : اسقه ~~يا غلام ما أحب ms048 من الشراب . فلما سقاه استقله وطلب الزيادة منه . وكان ~~المهلب أوصاهم بالإقلال من الماء والإكثار من الخبز . قال التميمي : إنك ~~لسريع إلى السقي سريع إلى الزيادة وحبس يده عن الطعام . فقال المهلب : أله ~~عن هذا إليها الرجل فإن هذا لا ينفعك ولا يضرنا أردنا أمرا وأردت خلافه . PageV01P128 # """""" صفحة رقم 129 """""" # ثم قال : وفي الجارود بن أبي سبرة لكم واعظ وفي أبي الحارث جمين زاجر فقد ~~كانا يدعيان إلى الطعام وإلى الإكرام لظرفهما وحلاوتهما وحسن حديثهما وقصر ~~يومهما . وكانا يتشهيان الغرائب ويقترحان الطرائف ويكلفان الناس المؤن ~~الثقال ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد . فكان جزاؤهم من إحسانهم ما قد ~~علمتم . قال : ومن ذلك أن بلال بن أبي بردة كان رجلا عيابا وكان إلى أعراض ~~الأشراف متسرعا . فقال للجارود : كيف طعام عبد الله بن أبي عثمان قال : ~~يعرف وينكر . قال : فكيف هو عليه قال يلاحظ اللقم وينتهر السائل . قال : ~~فكيف طعام سلم بن قتيبة قال : طعام ثلاثة وإن كانوا أربعة جاعوا . قال : ~~فكيف طعام تسنيم بن الحواري قال : نقط العروس . قال : فكيف طعام المنجاب بن ~~أبي عيينة قال : يقول : لا خير في ثلاث أصابع PageV01P129 ~~"""""" صفحة رقم 130 """""" # في صفحة - حتى أتى على عامة أهل البصرة وعلى من كان يؤثره بالدعوة ~~وبالأنسة والخاصة ويحكمه في ماله . فلم ينج منه إلا من كان يبعده كما لم ~~يبتل به إلا من كان يقربه وهذا أبو شعيب القلال في تقريب موبس له وأنسه به ~~وفي إحسانه إليه مع سخائه على المأكول وغض طرفه عن الأكيل وقلة مبالاته ~~بالحفظ وقلة احتفاله بجمع الكثير - سئل عنه أبو شعيب فزعم أنه لم ير قط أشح ~~منه على الطعام . قيل : وكيف قال : يدلك على ذلك أنه يصنعه صنعة ويهيئه ~~تهيئة من لا يريد أن يمس فضلا على غير ذلك وكيف يجترئ الضرس على إفساد ذلك ~~الحسن ونقض ذلك النظم وعلى تفريق ذلك التأليف وقد علم أن حسنه يحشم وأن ~~جماله يهيب منه . فلو كان سخيا لم يمنع منه بهذا السلاح ولم ms049 يجعل دونه ~~الجنن . فحول إحسانه إساءة وبذله منعا واستدعاءه إليه نهيا . PageV01P130 # """""" صفحة رقم 131 """""" # قال : ثم قيل لأبي الحارث جمين : كيف وجه محمد بن يحيى على غدائه قال : ~~أما عيناه فعينا مجنون وقال فيه أيضا : لو كان في كفه كر خردل ثم لعب ~~الأبلى بالأكرة لما سقطت من بين أصابعه حبة واحدة وقيل له أيضا : فكيف ~~سخاؤه على الخبز خاصة قال : والله لو ألقي إليه من الطعام بقدر ما إذا حبس ~~نزف السحاب ما تجافي عن الرغيف وكان أبو نواس يرتعي على خوان إسماعيل بن ~~نيبخت كما ترتعي الإبل في الحمض بعد طول الخلة ثم كان جزاؤه منه أنه قال : ~~خبز إسماعيل كالوش ي إذا ما شق يرفي PageV01P131 ~~"""""" صفحة رقم 132 """""" # وقال : وما خبزه إلا كليب بن وائل ليالي يحمي عزه منبت البقل وكان أبو ~~الشمقمق يعيب في طعام جعفر بن أبي زهير وكان له ضيفا . وهو مع ذلك يقول : ~~رأيت الخبز عز لديك حتى حسبت الخبز في جو السحاب . وما روحتنا لتذب عنا ~~ولكن خفت مرزئة الذباب . وقيل للجماز : رأيناك في دهليز فلان وبين يديك ~~قصعة وأنت تأكل . فمن أي شيء كانت القصعة وأي شيء كان فيها قال : قيء كلب ~~في قحف خنزير وقيل لرجل من العرب قد نزلت بجميع الفبائل فكيف رأيت خذاعة ~~قال : جوع وأحاديث . ونزل عمرو بن معد يكرب برجل من بني المغيرة وهم أكثر ~~قريش طعاما . فأتاه بما حضر . وقد كان فيما أتاه به فضل . فقال لعمر بن ~~الخطاب وهم أخواله : لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين قال : وكيف قال ~~نزلت بهم فما قروني غير قرنين وكعب ثور . PageV01P132 # """""" صفحة رقم 133 """""" # قال عمر : إن ذلك لشبعة . وكم رأينا من الأعراب من نزل برب صرمة فأتاه ~~بلبن وتمر وحيس وخبز وسمن سلاء . فبات ليلته ثم أصبح يهجوه : كيف لم ينحر ~~له - وهو لا يعرف - بعيرا من ذوده أو من صرمته ولو نحر هذا البأس لكل كلب ~~مر به بعيرا من مخافة لسانه لما دار الأسبوع إلا ms050 وهو يتعرض للسابلة يتكفف ~~الناس ويسألهم العلق وسأل زياد عن رجل من أصحابه فقيل : إنه لملازم وما يغب ~~غداء الأمير . فقال زياد : فليغبه فإن ذلك مما يضر بالعيال . فألزموه الغب ~~. فعابوا زيادا بذلك . وزعموا أنه استثقل حضوره في كل يوم وأراد أن يزجر به ~~غيره فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤنة عظيمة . PageV01P133 # """""" صفحة رقم 134 """""" # وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات وكما ينظر الراعي للرعية ~~وعلى مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وقد قال الحسن : تشبه زياد بعمر ~~فأفرط وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس - فجعلتم ذلك عنتا منه . وقال يوسف ~~بن عمر لقوام موائده : أعظموا الثريدة فإنها لقمة الدرداء : فقد يحضر ~~طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه والصبي الذي لم ينبت فمه . وأطعموه ما تعرقون ~~فإنه أنجع وأشفى للقوم . فقلتم : إنما أراد العجلة والراحة بسرعة الفراغ ~~وأن يكيدهم بالثريد ويملأ صدورهم بالعراق . PageV01P134 # """""" صفحة رقم 135 """""" # وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : سيد الطعام الثريد ومثل ~~عائشة في النساء مثل الثريد في الطعام وليعظم صنعة الثريد في أعين قريش ~~سموا عمرو بن عبد مناف حتى غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك . وقال عوف بن ~~القعقاع لمولاه : اتخذ لنا طعاما يشبع فضله أهل الموسم . قلتم : فلما رأى ~~الخبز الرقاق والغلاظ والشواء والألوان واستطراف الناس للون بعد اللون ~~ودوام أكلهم لدوام الطرف وأن ذلك لو كان لونا واحدا لكان اقل لأكلهم قال : ~~فهلا فعلته طعام يد ولم تجعله طعام يدين فقلتم : اتسع ثم ضاق حين أراد ~~إطعامهم الثريد والحيس وكل ما يؤكل بيد دون يدين . والقعقاع عربي كره ~~لمولاه أن يرغب عن طعام العرب إلى طعام العجم . وأراد دوام PageV01P135 ~~"""""" صفحة رقم 136 """""" # قومه على مثل ما كانوا عليه وعلى أن الثروة تفنخهم وتفسدهم وأن الذي فتح ~~عليهم من باب الترفه أشد عليهم مما غلق عليهم من باب فضول اللذة . وقد فعل ~~عمر من جهة التأدب أكثر من ذلك حين دعى إلى عرس فرأى قدرا صفراء وأخرى ms051 ~~حمراء وواحدة مرة وأخرى حلوة وواحدة محمضة . فكازها كلها في قدر عظيمة وقال ~~إن العرب إذا أكلت هذا قتل بعضها بعضا . تفسير كلام أبي فاتك : أما قوله : ~~الفتى لا يكون نشالا فالنشال عنده الذي يتناول من القدر ويأكل قبل النضج ~~وقبل أن تنزل القدر ويتتام القوم . والنشاف : الذي يأخذ حرف الجردقة فيفتحه ~~ثم يغمسه في رأس القدر ويشربه الدسم يستأثر بذلك دون أصحابه . PageV01P136 # """""" صفحة رقم 137 """""" # والمرسال : رجلان : أحدهما إذا وضع في لقمة هريسة أو ثريدة أو حيسة أو ~~أرزة أرسلها في جوف حلقه إرسالا . والرجل الآخر : هو الذي إذا مشى في أشب ~~من فسيل أو شجر قبض على رأسه السعفة أو على راس الغصن لينحيها عن وجهه . ~~وإذا قضى وطره أرسلها من يده . فهي لا محالة تصك وجه صاحبه الذي يتلوه لا ~~يحفل بذلك ولا يعرف ما فيه . وأما اللكام : فالذي في فيه اللقمة ثم يلكمها ~~بأخرى قبل إجادة مضغها أو ابتلاعها . والمصاص الذي بمص جوف قصبة العظم بعد ~~أن استخرج مخه واستأثر به دون أصحابه . وأما النفاض : فالذي إذا فرغ من غسل ~~يده في الطست نفض يديه من الماء فنضح على أصحابه . وأما الدلاك : فالذي لا ~~يجيد تنقية يديه بالأشنان ويجيد دلكهما بالمنديل . وله أيضا تفسير آخر - ~~وليس هو الذي نظنه - وهو مليح . وسيقع في موضعه إن شاء الله . PageV01P137 # """""" صفحة رقم 138 """""" # والمقور : الذي يقور الجرادق . والمغربل : الذي يأخذ وعاء الملح فيديره ~~غدارة الغربال ليجمع أبازيره يستأثر به دون والمحلقم : الذي يتكلم واللقمة ~~قد بلغت حلقومه . نقول لهذا : قبيح دع الكلام إلى وقت إمكانه . والمسوغ : ~~الذي يعظم اللقم فلا يزال قد غص ولا يزال يسيغه بالماء . والمبلعم : الذي ~~يأخذ حروف الرغيف أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه ليحملا له من الزبد والسمن ~~ومن اللبإ واللبن ومن البيض النيم برشت أكثر . والمخضر : الذي يدلك يده ~~بالأشنان من الغمر والودك حتى إذا اخضر وأسود من الدرن دلك به شفته . هذا ~~تفسير ما ذكر الحارثي من كلام أبي فاتك . PageV01P138 # """""" صفحة رقم 139 ms052 """""" # فأما ما ذكره هو فإن اللطاع : معروف وهو الذي يلطع إصبعه ثم يعيدها في ~~مرق القوم أو لبنهم أو سويقهم وما أشبه ذلك . والقطاع : الذي يعض على ~~اللقمة فيقطع نصفها ثم يغمس النصف الآخر في الصباغ . والنهاش : وهو معروف . ~~وهو الذي ينهش اللحم كما ينهش السبع . والمداد : الذي ربما عض على العصب ~~التي لم تنضج وهو يمدها بفيه ويده توترها له . فربما قطعها بنترة فيكون لها ~~انتضاح على ثوب المؤاكل . وهو الذي إذا أكل مع أصحابه الرطب أو والدفاع : ~~الذي إذا وقع في القصعة عظم فصار مما يليه نحاه بلقمته من الخبز حتى تصير ~~مكانه قطعة من لحم وهو في ذلك كأنه يطلب بلقمته تشريب المرق دون إراغة ~~اللحم . والمحول : هو الذي إذا رأى كثرة النوى بين يديه احتال له حتى يخلطه ~~بنوى صاحه . وأما ما ذكره من الضيف والضيفن فإن الضيفن ضيف الضيف . PageV01P139 # """""" صفحة رقم 140 """""" # وأنشد أبو زيد : إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن فأودى بما يقرى الضيوف ~~الضيافن وأما قوله : الواغل أهون علي من الراشن فإنه يزعم أن طفيلي الشراب ~~أهون علي من طفيلي الطعام . وقول الناس : فلا طفيلي ليس من أصول كلام العرب ~~: ليس كالرأشن واللعموظ . وأهل مكة يسمونه البرقي . وكان بالكوفة رجل من ~~بني عبد الله بن غطفان يسمى طفيلا . كان أبعد الناس نجعة في طلب الولائم ~~والأعراس . فقيل له لذلك : طفيل العرائس وصار ذلك نبزا له ولقبا لا يعرف ~~بغيره . فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له : طفيلي . هذا من قول أبي ~~اليقظان . PageV01P140 # """""" صفحة رقم 141 """""" # ثم قال الحارثي : وأعجب من كل عجب وأطرف من كل طريف أنكم تشيرون علي ~~بإطعام الأكلة ودفعي إلى الناس مالي وأنتم أترك لهذا مني . فإن زعمتم أني ~~أكثر مالا وأعد عدة فليس من حالي وحالكم في التقارب أن أطعم أبدا وأنتم ~~تأكلون أبدا . فإذا أتيتم في أموالكم من البدل والإطعام على قدر احتمالكم ~~عرفت بذلك أن الخير أردتم وإلى تربيي ذهبتم . وإلا فإنكم إنما تحلبون حلبا ~~لكم ms053 شطره . بل أنتم كما قال الشاعر : يحب الخور من مال الندامى ويكره أن ~~يفارقه الفلوس ثم قال : والله إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم إلا ~~لسوء رعة على الأسواري لتركته . وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرقا فبلغ ~~ضرسه وهو لا يعلم فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب مولى سليمان . PageV01P141 # """""" صفحة رقم 142 """""" # وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت عينه وسكر وسدر وانبهر وتربد وجهه وعصب ولم ~~يسمع ولم يبصر فلما رأيت ما يعتريه وما يعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ~~ونحن نأكل التمر والجوز والباقلى . ولم يفجأني قط وأنا آكل تمرا إلا استفه ~~سفا وحساه حسوا وذرابه ذروا ولا وجده كثيرا إلا تناول القصعة كجمجمة الثور ~~ثم يأخذ بحضنيها ويقلها من الأرض ثم لا يزال ينهشها طولا وعرضا ورفعا وخفضا ~~حتى يأتي عليها جميعا ثم لا يقع غضبه إلا على الأنصاف والأتلاف ولم يفصل ~~تمرة قط من تمرة . وكان صاحب جمل ولم يكن يرضى بالتفاريق ولا رمى بنواة قط ~~ولا نزع قمعا ولا نفى عنه قشرا ولا نتشه مخافة السوس والدود PageV01P142 ~~"""""" صفحة رقم 143 """""" # ثم ما رأيته قط إلا وكأنه طالب ثأر وشحشحان صاحب طائلة وكأنه عاشق مغتلم ~~أو جائع مقرور والله يا إخوتي لو رأيت رجلا يفسد طين الردغة ويضيع ماء ~~البحر لصرفت عنه وجهي فإذا كان أصحاب النظر وأهل الديانة والفلسفة هذه ~~سيرتهم وهكذا أدبهم فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون ولا يبلغ من الأدب حيث ~~يبلغون قصة الكندي : حدثني عمرو بن نهيوي قال : كان الكندي لا يزال يقول ~~للساكن وربما قال للجار : إن في الدار امرأة حمل . والوحمى ربما أسقطت من ~~ريح القدر الطيبة فإذا طبختم PageV01P143 ~~"""""" صفحة رقم 144 """""" # فردوا شهوتها ولو بغرفة أو لعقة فإن النفس يردها اليسير فإن لم تفعل ذلك ~~بعد إعلامي إياك فكفارتك - إن قال : فكان ربما يوافى إلى منزله من قصاع ~~السكان والجيران ما يكفيه الأيام وإن كان أكثرهم يفطن ويتغافل . وكان ~~الكندي يقول لعياله : أنتم أحسن ms054 حالا من أرباب هذه الضياع : إنما لكل بيت ~~منهم لون واحد . وعندكم ألوان قال : وكنت أتغدى عنده يوما إذ دخل عليه جار ~~له . وكان الجار لي صديقا . فلم يعرض عليه الغداء . فاستحييت أنا منه . ~~فقلت : لو أصبت معنا مما نأكل قال : قد والله فعلت . قال الكندي : ما بعد ~~الله شيء قال : فكتفه والله - يا أبا عثمان - كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا ~~بسطا وتركه ولو أكل لشهد عليه بالكفر ولكان عنده قد جعل مع الله شيئا PageV01P144 ~~"""""" صفحة رقم 145 """""" # قال عمرو : بينا أنا ذات يوم عنده إذ سمع صوت انقلاب جرة من الدار الأخرى ~~. فصاح : أي قصاف فقالت مجيبة له : بئر وحياتك فكانت الجارية في الذكاء ~~أكثر منه في الاستقصاء . قال معبد : نزلنا دار الكندي أكثر من سنة نروج له ~~الكراء ونقضي له الحوائج ونفى له بالشرط . قلت : قد فهمت ترويج الكراء ~~وقضاء الحوائج فما معنى الوفاء بالشرط قال : في شرطه على السكان أن يكون له ~~روث الدابة وبعر الشاة ونشوار العلوفة وألا يخرجوا عظما ولا يخرجوا كساحة ~~وأن يكون له نوى التمر وقشور الرمان والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى وكان في ~~ذلك يتنزل عليهم . فكانوا لطيبه وإفراط بخله وحسن حديثه يحتملون ذلك . PageV01P145 # """""" صفحة رقم 146 """""" # قال معبد : فبينا أنا كذلك إذ قدم ابن عم لي ومعه ابن له إذا رقعة منه قد ~~جاءتني : إن كان مقام هذين القادمين ليلة أو ليلتين احتملنا ذلك وإن كان ~~إطماع السكان في الليلة الواحدة يجر علينا الطمع في الليالي الكثيرة . ~~فكتبت إليه : ليس مقامهما عندنا إلا شهرا أو نحوه . فكتب إلى : إن دارك ~~بثلاثين درهما . وأنتم ستة لكل رأس خمسة . فإذ قد زدت رجلين فلابد من زيادة ~~خمستين . فالدار عليك من يومك هذا بأربعين . فكتبت إليه : وما يضرك من ~~مقامهما وثقل أبدانهما على الأرض التي تحمل الجبال وثقل مؤنتهما على دونك ~~فاكتب إلي بعذرك لأعرفه . ولم أدر أني أهجم على ما هجمت وأني أقع منه فيما ~~وقعت فكتب إلي : الخصال التي تدعوا ms055 إلى ذلك كثيرة . وهي قائمة معروفة : من ~~ذلك سرعة امتلاء البالوعة وما تنقيتها من شدة المؤنة . ومن ذلك أن الأقدام ~~إذا كثرت كثر المشي على ظهور السطوح الطينة وعلى أرض البيوت المجصصة ~~والصعود على الدرج الكثيرة : فينقشر لذلك الطين وينقلع الجص وينكسر العتب ~~مع انثناء الأجذاع لكثرة الوطء وتكسرها لفرط PageV01P146 ~~"""""" صفحة رقم 147 """""" # وإذا كثر الدخول والخروج والفتح والإغلاق والإقفال وجذب الأقفال تهشمت ~~الأبواب وتقلعت الرزات . وإذا كثر الصبيان وتضاعف البوش نزعت مسامير ~~الأبواب وقلعت كل ضبة ونزعت كل رزة وكسرت كل جوزة وحفر فيها آبار الددن ~~وهشموا بلاطها بالمداحي . هذا مع تخريب الحيطان بالأوتاد وخشب الرفوف . ~~وإذا كثر العيال والزوار والضيفان والندماء احتيج من صب الماء واتخاذ ~~الحببة القاطرة والجرار الراشحة إلى أضعاف ما كانوا عليه . فكم من حائط قد ~~تأكل أسفله وتناثر أعلاه واسترخى أساسه وتداعى بنيانه من قطر حب ورشح جر ~~ومن فضل ماء البئر ومن سوء التدبير . وعلى قدر كثرتهم يحتاجون من الخبيز ~~والطبيخ ومن الوقود والتسخين . والنار لا تبقي ولا تذر . وإنما الدور حطب ~~لها . وكل شيء فيها من متاع فهو أكل لها . فكم من PageV01P147 ~~"""""" صفحة رقم 148 """""" # حريق قد أتى على أصل الغلة فكلفتم أهلها أغلظ النفقة . وربما كان ذلك عند ~~غاية العسرة وشدة الحال . وربما تعدت تلك الجناية إلى دور الجيران وإلى ~~مجاورة الأبدان والأموال . فلو ترك الناس حينئذ رب الدار وقدر بليته ومقدار ~~مصيبته لكان عسى ذلك أن يكون نعم ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور ~~السطوح وإن كان في أرض الدار فضل وفي صحنها متسع مع ما في ذلك من الخطار ~~بالأنفس والتغرير بالأموال وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد وهجومهم مع ~~ذلك على سر مكتوم وخبئ مستور من ضيف مستخف ورب دار متوار ومن شراب مكروه ~~ومن كتاب متهم ومن مال جم PageV01P148 ~~"""""" صفحة رقم 149 """""" # أريد دفنه فأعجل الحريق أهله عن ذلك فيه ومن حالات كثيرة وأمور لا يحب ~~الناس أن يعرفوا بها . ثم لا ينصبون التنانير ولا يمكنون ms056 للقدور إلا على ~~متن السطح حيث ليس بينها وبين القصب والخشب إلا الطين الرقيق والشيء لا يقي ~~. هذا مع خفة المؤنة في أحكامها وأمن القلوب من المتالف بسببها . فإن كنتم ~~تقدمون على ذلك منا ومنكم وأنتم ذاكرون فهذا عجب وإن كنتم لم تحفلوا بما ~~عليكم في أموالنا ونسيتم ما عليكم في أموالكم فهذا أعجب . ثم إن كثيرا منكم ~~يدافع بالكراء ويماطل بالأداء . حتى إذا جمعت أشهر عليه فر وخلى PageV01P149 ~~"""""" صفحة رقم 150 """""" # أربابها جياعا يتندمون على ما كان من حسن تقاضيهم وإحسانهم . فكان جزاؤهم ~~وشكرهم اقتطاع حقوقهم والذهاب بأقواتهم . ويسكنها الساكن حين يسكنها وقد ~~كسحناها ونظفناها لتحسن في عين المستأجر وليرغب ثم لا يدع مترسا إلا سرقه ~~ولا سلما إلا حمله ولا نقصا إلا أخذه ولا برادة إلا مضى بها معه . ولا يدع ~~دق الثوب والدق في الهاون والميجان في أرض الدار . ويدق على الأجذاع ~~والحواضن والرواشن . PageV01P150 # """""" صفحة رقم 151 """""" # وإن كانت الدار مقرمدة أبو بالأجر مفروشة وقد كان صاحبها جعل في ناحية ~~منها صخرة ليكون الدق عليها ولتكون واقية دونها دعاهم التهاون والقسوة ~~والغش والفسولة إلى أن يدقوا حيث جلسوا وإلى ألا يحفلوا بما أفسدوا لم يعط ~~قط لذلك أرشا ولا استحل صاحب الدار ولا استغفر الله منه في السر ثم يستكثر ~~من نفسه في السنة إخراج عشرة دراهم ولا يستكثر من رب الدار ألف دينار في ~~الشراء . يذكر ما يصير إلينا مع قلته ولا يذكر ما يصير إليه مع كثرته هذا ~~والأيام التي تنقض المبرم وتبلى الجدة وتفرق الجميع المجتمع عاملة في الدور ~~كما تعمل في الصخور وتأخذ من المنازل كما تأخذ من كل رطب ويابس وكما تجعل ~~الرطب يابسا هشيما والهشيم مضمحلا . ولا نهدام المنازل غاية قريبة ومدة ~~قصيرة . والساكن فيها هو كان المتمتع بها والمنتفع بمرافقها . وهو الذي ~~أبلى جدتها وتحلاها . وبه هرمت وذهب عمرها لسوء تدبيره . PageV01P151 # """""" صفحة رقم 152 """""" # فإذا قسمنا الغرم عند انهدامها بإعادتها وبعد ابتنائها وغرم ما بين ذلك ~~من مرمتها وإصلاحها ثم ms057 قابلنا بذلك ما أخذنا من غلاتها وارتفقنا به من ~~إكرائها خرج على المسكن من الخسران بقدر ما حصل للساكن من الربح . إلا أن ~~الدراهم التي أخرجناها من النفقة كانت جملة والتي أخذناها على جهة الغلة ~~جاءت مقطعة . وهذا مع سوء القضاء والإحواج إلى طول الاقتضاء ومع بغض الساكن ~~للمسكن وحب المسكن للساكن لأن المسكن يحب صحة بدن الساكن ونفاق سوقه إن كان ~~تاجرا وتحرك صناعته إن كان صانعا ومحبة الساكن أن يشغل الله عنه المسكن كيف ~~شاء : إن شاء شغله بعينه وإن شاء بزمانه وإن شاء بحبس وإن شاء بموت ومدار ~~مناه أن يشغل عنه . ثم لا يبالي كيف كان ذلك الشغل إلا أنه كلما كان أشد ~~كان أحب إليه وكان أجدر أن يأمن وأخلق لأن يسكن . وعلى أنه إن فترت سوقه أو كسدت PageV01P152 ~~"""""" صفحة رقم 153 """""" # صناعته ألح في طلب التخفيف من أصل الغلة والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة ~~. وعلى أنه إن أتاه الله بالأرباح في تجارته والنفاق في صناعته لم ير أن ~~يزيد قيراطا في ضريبته ولا أن يعجل فلسا قبل وقته . ثم إن كانت الغلة صحاحا ~~دفع أكثرها مقطعة . وإن كانت أنصافا وأرباعا دفعها قراضة مفتتة . ثم لا يدع ~~مزأبقا ولا مكحلا ولا زائفا ولا دينارا بهرجا إلا دسه فيه ودلسه عليه ~~واحتال بكل حيلة وتأتي له بكل سبب . فإن ردوا عليه بعد ذلك شيئا حلف ~~بالغموس إنه ليس من دراهمه ولا من ماله ولا رآه قط ولا كان في ملكه . فإن ~~كان الرسول جارية رب الدار أفسدها . وإن كان غلاما خدعه . هذا مع PageV01P153 ~~"""""" صفحة رقم 154 """""" # الإشراف على الجيران والتعرض للجارات ومع اصطياد طيورهم وتعريضنا ~~لشكايتهم وربما استضعف عقولهم وطمع في فسادهم وغبنهم . فلا يزال يضرب لهم ~~بالأسلاف ويغريهم بالشهوات ويفتح لهم أبوابا من النفقات ليغبنهم ويربح ~~عليهم . حتى إذا استوثق منهم أعجلهم وحزق بهم حتى يتقوه ببيع بعض الدار أو ~~باسترهان الجميع ليربح مع الذهاب بالأصل السلامة - مع طول مقامه - من ~~الكراء . وربما جعله ms058 بيعا في الظاهر ورهنا في الباطن . فحينئذ يفظ بهم دون ~~المهلة ويدعيها قبل الوقت PageV01P154 ~~"""""" صفحة رقم 155 """""" # وربما بلغ من استضعافه واستثقاله لأداء الكراء أن يدعي أن له شقيصا وأن ~~له يدا ليصير خصما من الخصوم ومنازعا غير غاصب . وربما اكترى المنزل وفيه ~~مرمة فاشترى بعض ما يصلحها . ثم يتوخى عاملا جيد الكسوة وجيرانا آنية وآلة ~~. فإذا شغل العامل وغفل اشتمل على كل ما قدر عليه وتركهم يتسكعون وربما ~~استأجر إلى جنبسجن لينقب أهله إليه وإلى جنب صراف لينقب عليه طلبا لطول ~~المهلة والستر ولطول المدة والأمن . وربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار ~~المسكن : بأن يقتل قتيلا أو يجرح شريفا . PageV01P155 # """""" صفحة رقم 156 """""" # فيأتي السلطان الدار وأربابها إما غيب وإما أيتام وإما ضعفاء فلا يصنع ~~شيئا دون أن يسويها بالأرض وبعد فالدور ملقاة وأربابها منكوبون وملقون . ~~وهم أشد الناس اغترارا بالناس وأبعدهم غاية من سلامة الصدور . وذلك أن من ~~دفع داره ونقضها وساجها وأبوابها مع حديدها وذهب سقوفها إلى مجهول لا يعرف ~~فقد وضعها في مواضع الغرر وعلى أعظم الخطر . وقد صار في معنى المودع وصار ~~المكتري في موضع المودع . ثم ليست الخيانة وسوء الولاية إلى شيء من الودائع ~~أسرع منها إلى الدور . وأيضا إن أصلح السكان حالا من إذا وجد في الدار مرمة ~~ففوضوا إليه النفقة وأن يكون ذلك محسوبا له عند الأهلة يشفف في البناء ~~ويزيد في الحساب . PageV01P156 # """""" صفحة رقم 157 """""" # فما ظنك بقزم هؤلاء أصلحهم وهم خيارهم وأنتم أيضا إنما اكتريتم مستغلات ~~غيرنا بأكثر مما اكتريتموها منا . فسيروا فينا كسيرتكم فيهم وربما بنيتم في ~~الأرض . فإذا صار البناء بنيانكم وإن كانت الأرض لغيركم ادعيتم الشركة ~~وجعلتموه كالإجارة وحتى تصيروه كتلاد مال أو موروث سلف . وجرم آخر : وهو ~~أنكم أهلكتم أصول أموالنا وأخربتم غلاتنا وحططتم بسوء معاملتكم أثمان دورنا ~~ومستغلاتنا حتى سقطت غلات الدور من أعين المياسير وأهل الثروة ومن أعين ~~العوام والحشوة وحتى يدافعوكم بكل حيلة وصرفوا أموالهم في كل وجه وحتى قال PageV01P157 ~~"""""" صفحة رقم ms059 158 """""" # عبيد الله بن الحسن قولا أرسله مثلا وعاد علينا حجة وضررا . وذلك أنه قال ~~: غلة الدار مسكة وغلة النخل كفاف . وإنما الغلة غلة الزرع والنسولتين . ~~وإنما جر ذلك علينا حسن اقتضائنا وصبرنا على سوء قضائكم وأنتم تقطعونها ~~علينا وهي عليكم مجملة وتلووننا بها وهي عليكم حالة . فصارت لذلك غلات ~~الدور - وإن كانت أكثر ثمنا ودخلا - أقل ثمنا وأخبث أصلا من سائر الغلات . ~~وأنتم شر علينا من الهند والروم ومن الترك والديلم إذ كنتم أحضر أذى وأدوم ~~شرا . ثم كانت هذه صفتكم وحليتكم ومعاملتكم في شيء لابد لكم منه فكيف كنتم ~~لو امتحنكم بما لكم عنه مندوحة والوجوه لكم فيه معرضة وأنتم فيها بالخيار ~~وليس عليكم طريق الاضطرار PageV01P158 ~~"""""" صفحة رقم 159 """""" # وهذا مع قولكم : إن نزول دور الكراء أصوب من نزول دور الشراء . وقلتم : ~~لأن صاحب الشراء قد أغلق رهنه وأشرط نفسه وصار بها ممتحنا وبثمنها مرتهنا . ~~ومن اتخذ دارا فقد أقام كفيلا لا يخفر وزعيما لا يغرم . وإن غاب عنها حن ~~إليها . وإن أقام فيها ألزمته المؤن وعرضته للفتن إن أساءوا جواره وأنكر ~~مكانه وبعد مصلاه ومات عنه سوقه وتفاوتت حوائجه ورأى أنه قد أخطأ في ~~اختيارها على سواها وأنه لم يوفق لرشده حين آثرها على غيرها . وإن من كان ~~كذلك فهو عبد داره وخول جاره . PageV01P159 # """""" صفحة رقم 160 """""" # وإن صاحب الكراء الخيار في يده والأمر إليه : فكل دار هي له متنزه إن شاء ~~ومتجر إن شاء ومسكن إن شاء . لم يحتمل فيها اليسير من الذل ولا القليل من ~~الضيم ولا يعرف الهوان ولا يسام الخسف ولا يحترس من الحساد ولا يداري ~~المتعللين . وصاحب الشراء يجرع المرار ويسقى بكأس الغيظ ويكد لطلب الحوائج ~~ويحتمل الذلة وإن كان ذا أنفة . إن عفا عفا على كظم . ولا يوجه ذلك منه إلا ~~إلى العجز . وإن رام المكافأة تعرض لأكثر مما أنكره . قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : ( الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق ) . وزعمتم أن ~~تسقط الكراء أهون إذ كان شيئا ms060 بعد شيء وأن الشدائد إذا وقعت جملة جاءت ~~غامرة للقوة فأما إذا تقطع وتفرق ، فليس يكثرت لها إلا من يفقدها ويذكرها . PageV01P160 # """""" صفحة رقم 161 """""" # ومال الشراء يخرج جملة وثلمته في المال واسعة وطعنته نافذة . ليس كل خرق ~~يرقع ولا كل خارج يرجع . وأنه قد أمن من الحرق والغرق وميل أسطون وانقصاف ~~سهم واسترخاء أساس وسقوط سترة وسوء جوار وحسد مشاكل . وإنه إما لا يزال في ~~بلاء وإما أن يكون متوقعا لبلاء . وقلتم : إن كان تاجرا فتصريف ثمن الدار ~~في وجوه التجارات أربح وتحويله في أصناف البياعات أكيس . وإن لم يكن تاجرا ~~ففيما وصفناه له ناه وفيما عددنا له زاجر . فلم يمنعكم حرمة المساكنة وحق ~~المجاورة والحاجة إلى السكنى وموافقة المنزل PageV01P161 ~~"""""" صفحة رقم 162 """""" # أن أشرتم على الناس بترك الشراء وفي كساد الدور فساد لأثمان الدور وجراءة ~~للمستأجر واستحطاط من الغلة وخسران في أصل المال . وزعمتم أنكم قد أحسنتم ~~إلينا حين حثثتم الناس على الكراء لما في ذلك من الرخاء والنماء فأنتم لم ~~تريدوا نفعنا بترغيبهم في الكراء بل إنما أردتم أن تضرونا بتزهيدكم في ~~الشراء وليس ينبغي أن يحكم على كل قوم إلا بسبيلهم وبالذي يغلب عليهم من ~~أعمالهم . فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم وكلها حجة عليكم وكلها داعية ~~تهمتكم وأخذ الحذر منكم . وليست لكم خصلة محمودة ولا خلة فيما بيننا وبينكم ~~مرضية وقد أريناكم أن كم النازلين كحكم المقيمين وأن كل زيادة فلها نصيب من ~~الغلة . ولو تغافلت لك - يا أخا أهل البصرة - عن زيادة رجلين لم أبعدك - ~~على قدر ما رأيت منك - أن تلزمني ذلك - فيما يتبين - حتى يصير كراء الواحد ~~ككراء الألف وتصير الإقامة كالظعن والتفريغ كالشغل PageV01P162 ~~"""""" صفحة رقم 163 """""" # وعلى أني لو كنت أمسكت عن تقاضيك وتغافلت عن تعريفك ما عليك لذهب الإحسان ~~إليك باطلا إذ كنت لا ترى للزيادة قدرا . وقد قال الأول : والكفر مخبثة ~~لنفس المنعم . وقال الآخر : تبدلت بالمعروف نكرا وربما تنكر للمعروف من كان ~~يكفر . أنت تطالبني ببغض المعتزلة للشيعة وبما بين ms061 أهل الكوفة والبصرة ~~وبالعداوة التي بين أسد وكندة وبما في قلب الساكن من استثقال المسكن وسيعين ~~الله عليك . والسلام . PageV01P163 # """""" صفحة رقم 164 """""" # قال إسماعيل بن غزوان : لله در الكندي ما كان أحكمه وأحضر حجته وأنصح ~~جيبه وأدوم طريقته رأيته وقد أقبل على جماعة ما فيها إلا مفسد أو من يزين ~~الفساد لأهله : من شاعر بوده أن الناس كلهم قد جازوا حد المسرفين إلى حدود ~~المجانين ومن صاحب تنقيع واستئكال ومن ملاق متقرب . فقال : تسمون من منع ~~المال من وجوده الخطأ وحصنه خوفا من الغيلة وحفظه إشفاقا من الذلة بخيلا ~~تريدون بذلك ذمه وشينه وتسمون من جهل فضل الغني ولم يعرف ذلة الفقر وأعطى ~~في السرف وتهاون بالخطأ وابتذل النعمة وأهان نفسه بإكرام غيره جوادا تريدون ~~بذلك حمده ومدحه فاتهموا على أنفسكم من قدمكم على نفسه فإن من أخطأ على ~~نفسه فهو أجدر أن PageV01P164 ~~"""""" صفحة رقم 165 """""" # يخطئ على غيره ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين كان أجدر أن ~~يخطئ في باطن دينه وفيما يوجد بالعقل . فمدحتم من جمع صنوف الخطإ وذممتم من ~~جمع صنوف الصواب فاحذروهم كل الحذر ولا تأمنوهم على حال قال إسماعيل : ~~وسمعت الكندي يقول : إنما المال لمن حفظه وإنما الغني لمن تمسك به . ولحفظ ~~المال بنيت الحيطان وغلقت الأبواب واتخذت الصناديق وعملت الأقفال ونقشت ~~الرسوم فلم تتخذون هذه الوقايات دون المال وأنتم آفته وأنتم سوسه وقادحه ~~وقد قال الأول : احرس أخاك إلا من نفسه . ولكن احسب أنك قد أخذته في ~~الجواسق وأودعته الصخور ولم يشعر به صديق PageV01P165 ~~"""""" صفحة رقم 166 """""" # ولا رسول ولا معين من لك بألا تكون أشد عليه من السارق وأعدى عليه من ~~الغاصب واجعلك قد حصنته من كل يد لا تملكه كيف لك من أن تحصنه من اليد التي ~~تملكه وهي عليه أقدر ودواعيها أكثر وقد علمنا أن حفظ المال أشد من جمعه . ~~وهل أتى الناس إلا من أنفسهم ثم ثقاتهم والمال لمن حفظه والحسرة لمن أتلفه ~~. وإنفاقه هو إتلافه وإن ms062 حسنتموه بهذا الاسم وزينتموه بهذا اللقب وزعمتم ~~أنما سمينا البخل صلاحا والشح اقتصادا كما سمى قوم الهزيمة انحيازا والبذاء ~~عارضة والعزل عن الولاية صرفا والجائر على أهل الخراج مستقصيا PageV01P166 ~~"""""" صفحة رقم 167 """""" # بل أنتم الذين سميتم السرف جودا والنفج أريحية وسوء نظر المرء لنفسه ~~ولعقبه كرما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) ابدأ بمن تعول ( ~~وأنت تريد أن تغني عيال غيرك بإفقار عيالك وتسعد الغريب بشقوة القريب ~~وتنفصل على من لا يعدل عنك ومن لو أعطيته أبدا قد علمتم ما قال صاحبنا لأخي ~~تغلب فإنه قال : يا أخا تغلب إني والله كنت أجري ما جرى هذا الغيل وأجري ~~وقد انقطع النيل . إني والله لو أعطيتك لما وصلت إليك حتى أتجاوز من هو أحق ~~بذلك منك . إني لو أمكنت الناس من مالي لنزعوا داري طوبة طوبة إنه والله ما ~~بقي معي منه إلا ما منعته الناس . ولكني أقول : والله إن لو أمكنت الناس من ~~نفسي لادعوا رقي بعد سلب نعمتي . قال إسماعيل : وسمعته يقول : عجبت لمن قلت ~~دراهمه كيف ينام ولكن لا يستوي من لم ينم سرورا ومن لم ينم غما . PageV01P167 # """""" صفحة رقم 168 """""" # ثم قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وصية المرء يوم فقره ~~وحاجته وقبل أن يغرغر : ) الثلث والثلث كثير ( . - فاستحسنت الفقهاء وتمنى ~~الصالحون أن ننقص من الثلث شيئا لاستكثار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الثلث ولقوله : ) إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون ~~الناس ( . ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يرحم عيالنا إلا بفضل ~~رحمته لنا . فكيف تأمروني أن أوثر أنفسكم على نفسي وأقدم عيالكم على عيالي ~~وأن أعتقد الثناء بدلا من الغنى وأن أكنز الريح وأصطنع السراب بدلا من ~~الذهب والفضة قال إسماعيل : وسمعته يقول لعياله وأصحابه : اصبروا عن الرطب ~~عند ابتدائه وأوائله وعن باكورات الفاكهة فإن للنفس عند كل طارف نزوة وعند ~~كل هاجم نزوة . PageV01P168 # """""" صفحة رقم 169 """""" # وللقادم حلاوة وفرحة وللجديد بشاشة وغرة فإنك متى ms063 رددتها ارتدت ومتى ~~ردعتها ارتدعت . والنفس عزوف ونفور ألوف . وما حملتها احتملت وإن أهملتها ~~فسدت . فإن تكف جميع دواعيها وتحسم جميع خواطرها في أول ردة صارت أقل عددا ~~وأضعف قوة . فإذا أثر ذلك فيها فعظها في تلك الباكورة بالغلاء والقلة فإن ~~ذكر الغلاء والقلة حجة صحيحة وعلة عاملة في الطبيعة . فإذا أجابتك في ~~الباكورة فسمها مثل ذلك في أوائل كثرتها واضرب نقصان الشهوة ونقصان قوة ~~الغلبة بمقدار ما حدث لها من الرخص والكثرة . فلست تلقى على هذا الحساب من ~~معالجة الشهوة عندك إلا مثل ما لقيت منها في نومك حتى تنقضي أيام الفاكهة ~~وأنت على مثل ابتداء حالك وعلى أول مجاهدتك لشهوتك PageV01P169 ~~"""""" صفحة رقم 170 """""" # ومتى لم تعد أيضا الشهوة فتنة والهوى عدوا اغتررت بهما وضعفت عنهما ~~وأتمنتهما على نفسك . وهما أحضر عدو وشر دخيل . فاضمنوا لي النزوة الأولى ~~أضمن لكم تمام الصبر وعاقبة اليسر وثبات العز في قلوبكم والغنى في أعقابكم ~~ودوام تعظيم الناس لكم فإنه لو لم يكن من منفعة الغني إلا أنك لا تزال ~~معظما عند من لم ينل منك قط درهما لكان الفضل في ذلك بيتا والربح ظاهرا . ~~ولو لم يكن من بركة الثروة ومن منفعة اليسر إلا أن رب المال الكثير لو اتصل ~~بملك كبير في جلسائه من هو أوجب حرمة وأقدم صحبة وأصدق محبة وأمتع إمتاعا ~~وأكثر فائدة وصوابا إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد ثم أراد ذلك الملك أن ~~يقسم مالا أو يوزع بينهم طرفا لجعل حظ الموسر أكثر وإن كان في كل شيء دون ~~أصحابه وحظ المخفف أقل وإن كان في كل شيء فوق أصحابه . PageV01P170 # """""" صفحة رقم 171 """""" # قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون ومذهب الحزامى وقصص الكندي وأحاديث الحارثي ~~واحتجاجهم وطرائف نحلهم وبدائع حيلهم . قصة محمد بن أبي المؤمل : قلت لمحمد ~~بن أبي المؤمل : أراك تطعم الطعام وتتخذه وتنفق المال وتجود به . وليس بين ~~قلة الخبز وكثرته كثير ربح . والناس يبخلون من قل عدد خبزه ورأوا أرض خوانه ~~. وعلى أني ms064 أرى وأنت لو لم تتكلف ولم تحمل على مالك بإجادته والتكثير منه ~~ثم أكلت وحدك لم يلمك الناس ولم يكثروا لذلك منك ولم يقضوا عليك بالبخل ولا ~~بالسخاء وعشت سليما موفورا وكنت كواحد من عرض الناس . وأنت لم تنفق الحرائب ~~وتبذل المصون إلا وأنت راغب في الذكر والشكر وإلا لتخزن الأجر . PageV01P171 # """""" صفحة رقم 172 """""" # فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء نرضى لك من الغنيمة بالإياب ومن ~~غنم الحمد والشكر بالسلامة من الذم واللوم فزد في عدد خبزك شيئا فإن بتلك ~~الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكرا وذلك الذم حمدا . أعلمت أنك لست تخرج ~~من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالما لا لك ولا عليك فانظر في هذا الأمر ~~رحمك الله قال : يا أبا عثمان أنت تخطئ وخطأ العاقل أبدا يكون عظيما وإن ~~كان في العذر قليلا لأنه إذا أخطأ أخطأ بتفقه وإحكام . فعلى قدر التفكر ~~والتكلف يبعد من الرشاد ويذهب عن سبيل الصواب . وما أشك أنك قد نصحت بمبلغ ~~الرأي منك . ولكن خف ما خوفتك وإنه مخوف بل الذي أصنع أدل على سخاء النفس ~~بالمأكول وأدل على الاحتيال ليبالغوا لأن الخبر إذا كثر على الموائد ورث ~~ذلك النفس صدودا ولأن كل شيء من المأكول وغير المأكول إذا ملأ العين ملا ~~الصدر . وفي ذلك موت الشهوة وتسكين الحركة PageV01P172 ~~"""""" صفحة رقم 173 """""" # ولو أن رجلا جلس على بيدر تمر فائق وعلى كدس كمثرى منعوت وعلى مائة قنو ~~موز موصوف لم يكن أكله إلا قدر استطرافه ولم يكن أكله إلا على قدر أكله إذا ~~أتي بذلك في طبق نظيف مع خادم نظيف عليه منديل نظيف . وبعد فأصحابنا آنسون ~~واثقون مسترسلون يعلمون أن الطعام لهم اتخذ وأن أكلهم له أوفق من تمزيق ~~الخدم والأتباع له . ولو احتاجوا لدعوا به ولم يحتشموا منه ولكان الأقل ~~منهم أن يجربوا ذلك المرة والمرتين وألا يقضوا علينا بالبخل دون أن يروه . ~~فإن كانوا محتشمين وقد بسطناهم وساء ظنهم بنا مع ما يرون من الكلفة لهم ~~فهؤلاء ms065 أصحاب تجن وتسرع . وليس في طاقتي إعتاب المتجني ولا رد المتسرع . PageV01P173 # """""" صفحة رقم 174 """""" # قلت له : إني قد رأيت أكلهم في منازلهم وعند إخوانهم وفي حالات كثيرة ~~ومواضع مختلفة . ورأيت أكلهم عندك فرأيت شيئا متفاوتا وأمرا متفاقما . ~~فاحسب أن البخل عليهم غالب وان الضعف لهم شامل وأن سوء الظن يسرع إليهم ~~خاصة . ثم لا تداوي هذا الأمر بما لا مؤنة فيه وبالشيء الذي لا قدر له أو ~~تدع دعاءهم والإرسال إليهم والحرص على إجابتهم . والقوم ليس يلقون أنفسهم ~~عليك . وإنما يجيئونك بالاستحباب منك . فإن أحببت أن تمتحن ما قال : فإن ~~الخبز إذا كثر على الخوان فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من التلطخ والتغمير . ~~والجردقة الغمرة والرقاقة المتلطخة لا أقدر أن أنظر إليها . وأستحيي أيضا ~~من إعادتها . فيذهب ذلك الفضل باطلا . والله لا يحب الباطل PageV01P174 ~~"""""" صفحة رقم 175 """""" # قلت : فإن ناسا يأمرون بمسحه ويجعلون الثريدة منه . فلو أخذت بزيهم وسلكت ~~سبيلهم أتى ذلك لك على ما تريد ونريد . قال : أفلست أعلم كيف الثريد ومن أي ~~شيء هي - وكيف أمنع نفسي التوهم وأحول بينها وبين التذكير ولعل القوم ~~الحواري المتلطخ مقام الخشكار النظيف . وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما ~~تعلق به الدسم . قال : عيالي - يرحمك الله - عيالان : واحد أعظمه عن هذا ~~وأرفعه عنه وى خر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواري قلت : فاجعل إذا جميع خبزك ~~الخشكار فإن فضل ما بينه وبين الحواري في الحسن والطيب لا يقوم بفضل ما بين ~~الحمد والذم . PageV01P175 # """""" صفحة رقم 176 """""" # قال : فهاهنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها : وهو أنا نحضر هذه الزيادة من ~~الخبز على طبق ويكون قريبا حيث تناله اليد فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى ~~أن يدعو به ويكون قربه من يده قلت : فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله . ~~فأطعني وأخرج هذه الزيادة من مالك كيف شئت . واعلم أن هذه المقايسة وطول ~~هذه المذاكرة أضر علينا مما نهيتك عنه وأردتك على خلافه . فلما حضر وقت ~~الغداء صوت بغلامه - وكان ضخما جهير ms066 الصوت صاحب تقعير وتفخيم وتشديق وهمز ~~وجزم : يا مبشر هات من الخبز تمام عدد الرءوس PageV01P176 ~~"""""" صفحة رقم 177 """""" # قلت : ومن فرض لهم هذه الفريضة ومن جزم عليهم هذا الجزم أرأيت إن لم يشبع ~~أحدهم رغيفه أليس لا بد له من أن يعول على رغيف صاحبه أو يتنحى وعليه بقية ~~أو يعلق يده منتظرا للعادة فقد عاد الأمر وبطل ما تناظرنا فيه . قال : لا ~~أعلم إلا ترك الطعام البتة أهون علينا من هذه الخصومة قلت : هذا ما لا شك ~~فيه . وقد علمت عندي بالصواب وأخذت لنفسك بالثقة إن وفيت بهذا القول . وكان ~~أكثر ما يقول : يا غلام هات شيئا من قليلة وأقل منها وأعد لنا ماء باردا ~~وأكثر منه وكان يقول : قد تغير كل شيء من أمر الدنيا وحال عن أمره وتبدل ~~حتى المؤاكلة . قاتل الله رجالا كنا نؤاكلهم : ما رأيت قصعة قط رفعت من بين ~~أيديهم إلا وفيها فضل PageV01P177 ~~"""""" صفحة رقم 178 """""" # وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين الموائد الرفعية وإنما ~~جعل كالعاقبة والخاتمة وكالعلامة للبسر والفراغ وأنه لم يحضر للتمزيق ~~والتخريب وأن أهله لو أرادوا به السوء لقدموه قبل كل شيء لتقع الحدة به . ~~بل ما أكل منه إذا جيء به إلا العابث وإلا الذي لو لم يره لقد كان يرفع يده ~~ولم ينتظر غيره ولذلك قال أبو الحارث جمين حين رآه لا يمس : هذا المدفوع ~~عنه ولولا أنه على ذلك شاهد الناس لما قال ما قال . ولقد كانوا يتحامون ~~بيضة البقيلة ويدعها كل واحد منهم لصاحبه حتى إن القصعة لقد كنت وإن البيض ~~خاصة لعلي حاله . وأنت اليوم إذا أردت أن تمتع عينك بنظرة واحدة منها ومن ~~بيض السلاءة لم تقدر على ذلك لا جرم لقد كان تركه ناس كثير ما بهم إلا أن ~~يكونوا شركاء من ساءت رعته . PageV01P178 # """""" صفحة رقم 179 """""" # وكان يقول : الآدام أعداء للخبز وأعداها له المالح . فلولا أن الله انتقم ~~منه وأعان عليه بطلب صاحبه الماء وإكثاره منه لظننت أنه ms067 سيأتي على الحرث ~~والنسل وكان مع هذا يقول : لو شرب الناس الماء على الطعام ما اتخموا . ~~وأقلهم عليه شربا أكثرهم عنه تخما . وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل ~~حتى ينال من الماء . وربما كان شبعان وهو لا يدري . فإذا ازداد على مقدار ~~الحاجة بشم . وإذا نال من الماء شيئا بعد شيء عرفه ذلك مقدار الحاجات فلم ~~يزد إلا بقدر المصلحة . والأطباء يعلمون ما أقول حقا . ولكنهم يعلمون أنهم ~~لو أخذوا بهذا الرأي لتعطلوا ولذهب المكسب وما حاجة الناس إلى المعالجين ~~إذا صحت أبدانهم وفي قول جميع الناس : إن ماء دجلة أمرأ من الفرات وإن ماء ~~مهران أمرأ من ماء نهر بلخ وفي قول العرب : هذا ماء نمير يصلح عليه المال ~~دليل على أن الماء يمرئ PageV01P179 ~~"""""" صفحة رقم 180 """""" # حتى قالوا : إن الماء الذي يكون عليه النفاطات أمرأ من الماء الذي يكون ~~عليه القيارات . فعليكم بشرب الماء على الغداء فإن ذلك أمرأ . وكان يقول : ~~ما بال الرجل إذا قال : يا غلام أسقني ماء أو أسق فلانا ماء أتاه بقلة على ~~قدر الري فإذا قال : أطعمني شيئا أو قال : هات لفلان طعاما أتاه من الخبز ~~بما يفضل عن الجماعة والطعام والشراب أخوان متحالفان ومتآزران وكان يقول : ~~لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا على الخبز وزهدوا في الماء . والناس ~~أشد شيء تعظيما للمأكول إذا كثر ثمنه أو كان قليلا في أصل منبته وموضع ~~عنصره . هذا الجزر الصافي وهذا الباقلى الأخضر العباسي أطيب من كمثرى ~~خراسان ومن الموز البستاني ولكنهم لقصر همتهم لا يتشهون إلا على قدر الثمن ~~ولا يحنون إلى الشيء إلا على PageV01P180 ~~"""""" صفحة رقم 181 """""" # قدر القلة . وهذه العوام في شهوات الأطعمة إنما تذهب مع التقليد أو مع ~~العادة أو على قدر ما يعظم وأنا لست أطعم الجزر المسلوق بالخل والزيت ~~والمري دون الكمأة بالزبد والفلفل لمكان الرخص أو لموضع الاستفضال ولكن ~~لمكان طيبه في الحقيقة ولأنه مالح الطبيعة علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل ~~وكان في ms068 منزله فربما دخل عليه الصديق له وقد كان تقدمه الزائر أو الزائران ~~- وكان يستعمل على خوانه من الخدع والمكايد والتدبير ما لم يبلغ بعضه قيس ~~بن زهير والمهلب PageV01P181 ~~"""""" صفحة رقم 182 """""" # ابن أبي صفرة وخازم بن أبي خزيمة وهرثمة بن أعين . وكان عنده فيه من ~~الاحتيال ما لا يعرفه عمرو بن العاص ولا المغيرة بن شعبة . وكان كثيرا ما ~~يمسك الخلال بيده ليؤيس الداخل عليه من غدائه - فإذا دخل عليه الصديق له ~~وقد عزم على إطعام الزائر والزائرين قبله وضاق صدره بالثالث وإن كان قد ~~دعاه وطلب إليه - أراد أن يحتال له أو الرابع إن ابتلي كل واحد منهما ~~بصاحبه . فيقول عند أول دخوله وخلع نعله وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع ~~: هات يا مبشر لفلان شيئا يطعم منه هات له شيئا ينال منه هات له شيئا ~~اتكالا على خجله أو غضبه أو أنفته وطمعا في أن يقول : قد فعلت PageV01P182 ~~"""""" صفحة رقم 183 """""" # فإن أخطأ ذلك الشقي وضعف قلبه وحصر وقال : قد فعلت وعلم أنه قد أحرزه ~~وحصله وألقاه وراء ظهره لم يرض أيضا بذلك حتى يقول : بأي شيء تغذيت فلا بد ~~له من أن يكذب أو ينتحل المعاريض . فإذا استوثق منه رباطا وتركه لا يستطيع ~~أن يترمرم لم يرض بذلك حتى قول في حديث له : كنا عند فلان فدخل عليه فلان ~~فدعاه إلى غدائه فامتنع . ثم بدا له فقال : في طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها ~~ثم تناول فلا يزال في وثاقه وفي سد الأبواب عليه وفي منعه البدوات . حتى ~~إذا بلغ الغاية قال : يا مبشر أما إذ تغدى فلان واكتفى فهات لنا شيئا نبعث ~~به فإذا وضعوا الطعام أقبل على أشهدهم حياء أو على أكلا فسأله عن حديث حسن ~~أو عن خبر طويل ولا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه إلى الإشارة باليد أو ~~الرأس كل ذلك ليشغله PageV01P183 ~~"""""" صفحة رقم 184 """""" # فإذا هم أكلوا صدرا أظهر الفتور والتشاغل والتنقر كالشعبان الممتلئ وهو ~~في ذلك غير رافع يده ولا قاطع أكله إنما ms069 هو النتف بعد النتف وتعليق اليد في ~~خلل ذلك فلا بد من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده . وربما شمل ذلك جماعتهم . ~~فإذا علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم حتى يقلعهم من مواضعهم من حوال الخوان ~~ويعيدهم إلى مواضع من مجالسهم وقال : إنما الأكل تارات والشرب تارات . وكان ~~كثيرا ما يقول لأصحابه إذا بكروا عليه : لم لا نشرب أقداحا على الريق فإنها ~~تقتل الديدان وتحفش لأنفسنا قليلا فإنها تأتي على جمبع الفضول وتشتهي ~~الطعام بعد ساعة PageV01P184 ~~"""""" صفحة رقم 185 """""" # وسكره أطيب من سكر الكظة . والشراب على المليلة بلاء . وهو بعد ذلك دليل ~~على أن نبيذي خالص . ومن لم يشرب على الريق فهو نكس في الفتوة ودعى في ~~أصحاب النبيذ وإنما يخاف على كبده من سورة الشراب على الريق من بعد عهده ~~باللحم . وهذه الصبحة تغسل عنكم الأوضار وتنفي التخم . وليس دواء الخمار ~~إلا الشرب بالكبار . والأعشى كان أعلم به حيث يقول : وكأس شريت على لذة ~~وأخرى تداويت منها بها PageV01P185 ~~"""""" صفحة رقم 186 """""" # وهذا - حفظك الله - هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة واحدة ولا ~~يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة وهو يوم سروره التام لأنه قد ربح ~~المرزئة وتمتع بالمنادمة واشترى مرة شبوطة وهو ببغداد وأخذها فائقة عظيمة . ~~وغالى بها وارتفع في ثمنها . وكان قد بعد عهده بأكل السمك وهو بصري لا يصبر ~~عنه . فكان قد أكبر أمر هذه السمكة لكثرة ثمنها ولسمنها وعظمها ولشدة شهوته ~~لها فحين ظن عند نفسه أنه قد خلا بها وتفرد بأطايبها وحسر عن ذراعيه وصمد ~~صمدها هجمت عليه ومعي السدري فلما رآه رأى الموت الأحمر والطاعون الجارف ~~ورأى الحتم المقضي ورأى قاصمة الظهر وأيقن بالشر وعلم أنه قد ابتلي بالتنين ~~فلم يلبثه السدري حتى قور السرة بالمبال PageV01P186 ~~"""""" صفحة رقم 187 """""" # فاقبل علي فقال لي : يا أبا عثمان السدري يعجبه السرر فما فصلت الكلمة من ~~فيه حتى قبض على القفا فانتزع الجانبين جميعا فأقبل علي فقال : والسدري ~~يعجبه الأقفاء فما فرغ من كلامه إلا ms070 والسدري قد اجترف المتن كله فقال : يا ~~أبا عثمان والسدري يعجبه المتون ولم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب الشبوط ~~وعذوبة لحمه . وظن أنه سيسلم له . وظن معرفة ذلك من الغامض . فلم يدر إلا ~~والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعا ولولا أن السدري أبطره وأثقله ~~وأكمده وملأ صدره وملاه غيظا لقد كان أدرك معه طرفا لأنه كان من الأكلة . ~~ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه . فلما أكل السدري جميع أطايبها وبقي ~~هو في النظارة ولم يبق في يده مما كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ ~~الشديد والغرم الثقيل ظن أن في سائر السمكة ما يشبعه ويشفي من كرمه . فبذلك ~~كان عزاؤه . وذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه وحشاشات نفسه PageV01P187 ~~"""""" صفحة رقم 188 """""" # فتولد الغيظ في جوفه وأقلقته الرعدة فخبثت نفسه . فما زال يقئ ويسلح ثم ~~ركبته الحمى وصحت توبته وثم عزمه في ألا يؤاكل رغيبا أبدا ولا زهيدا ولا ~~يشتري سمكة أبدا رخيصة ولا غالية وإن أهدوها إليه ألا يقبلها وإن وجدها ~~مطروحة لا يمسها . فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمل . وقد مات . ~~عفا الله عنا وعنه PageV01P188 ~~"""""" صفحة رقم 2 """""" # الجزء الثانى PageV02P002 ~~"""""" صفحة رقم 3 """""" # قصة أسد بن جاني # فأما أسد بن جاني فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشر لأن البراغيث ~~تزلق عن ليط القصب لفرط لينه وملاسته . وكان إذا دخل الصيف وحر عليه بيته ~~أثاره حتى يغرق المسحاة . ثم يصب عليه جرارا كثيرة من ماء البئر . ويتوطؤه ~~حتى يستوي . فلا يزال ذلك البيت باردا ما دام نديا . PageV02P003 # """""" صفحة رقم 4 """""" # فإذا امتد به الندى ودام برده بدوامه اكتفى بذلك التبريد صيفته . وإن جف ~~قبل انقضاء الصيف وعاد عليه الحر عاد عليه بالإثارة والصب . وكان يقول : ~~خيشتي أرض وماء خيشتي من بئري وبيتي أبرد ومؤنتي أخف . وأنا أفضلهم أيضا ~~بفضل الحكمة وجودة الآلة . وكان طبيبا فأكسد مرة فقال له قائل : السنة وبئة ~~والأمراض فاشية وأنت عالم ولك صبر وخدمة ولك بيان ومعرفة ms071 . فمن أين تؤتى في ~~هذا الكساد قال : أما واحدة فإني عندهم مسلم وقد اعتقد القوم قبل أن أتطيب ~~لا بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب واسمي أسد وكان ينبغي أن ~~يكون اسمي صليبا ومرايل ويوحنا وبيرا وكنيتي أبو الحارث وكان ينبغي أن تكون ~~أبو عيسى PageV02P004 ~~"""""" صفحة رقم 5 """""" # وأبو زكريا وأبو إبراهيم . وعلى رداء قطن أبيض وكان ينبغي أنت يكون رداء ~~حرير أسود . ولفظي لفظ عربي وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور . ~~قال الخليل السلولي : أقبل علي يوما الثوري وكان يملك خمسمائة جريب ما بين ~~كرسي الصدقة إلى نهر مرة . ولا يشتري إلا كل غرة وكل أرض مشهورة بكريم ~~التربة وشرف الموضع والغلة الكثيرة . قال : فأقبل علي يوما فقال لي : هل ~~اصطبغت بماء الزيتون قط قال : قلت : لا والله لو فعلته ما نسيته قال : قلت ~~: أجل إني والله لو فعلته لما نسيته وكان يقول لعياله : لا تلقوا نوى التمر ~~والرطب وتعودوا ابتلاعه وخذوا حلوقكم بتسويغه فإن النوى يعقد الشحم في ~~البطن ويدفئ الكليتين بذلك الشحم واعتبروا PageV02P005 ~~"""""" صفحة رقم 6 """""" # ذلك ببطون الصفايا وجميع ما يعتلف النوى والله لو حملتم أنفسكم على البزر ~~والنوى وعى قضم الشعير واعتلاف القت لوجدتموها سريعة القبول وقد يأكل الناس ~~القت قداحا والشعير فريكا ونوى البسر الأخضر ونوى العجوة . فإنما بقيت الآن ~~عليكم عقبة واحدة : لو رغبتم في الدفإلا لتمستم الشحم . وكيف لا تطلبون ~~شيئا يغنيكم عن دخان الوقود وعن شناعة العكر وعن ثقل الغرم والشحم يفرح ~~القلب ويبيض الوجه . والنار تسود الوجه . أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه ~~النساء . ولكني أقول ذلك بالنظر مني لكم . PageV02P006 # """""" صفحة رقم 7 """""" # وكان يقول : كلوا الباقلي بقشوره فإن الباقلي يقول : من أكلني بقشوري فقد ~~أكلني ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي أكله فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما ~~لطعامكم وأكلا لما جعل أكلا لكم وكان يعين مالا عظيما . ولم يكن له وارث . ~~فكان يسخر ببعضهم فيقول عند الإشهاد : قد علمتم أن لا وارث ms072 لي . فإذا مت ~~فهذا المال لفلان فكان قوم كثير يحرصون على مبايعته لهذا . وقد رأيته أنا ~~زمانا من الدهر ما رأيته قط إلا ونعله في يده أو يمشي طول نهاره في نعل ~~مقطوعة العقب شديدة على صاحبها قال : فهو ذا المجوس يرتعون البصرة وبغداد ~~وفارس والأهواز والدنيا كلها بنعال سندية . PageV02P007 # """""" صفحة رقم 8 """""" # فقيل له : إن المجوسي لا يستحل في دينه المشركة فأنت لا تجده أبدا إلا ~~حافيا أو لابسا نعلا سندية . وأنت مسلم ومالك كثير . قال : فمن كان ماله ~~كثيرا فلابد له من أن يفتح كيسه للنفقات وللسراق قالوا : فليس هاتين منزلة ~~قال الخليل : جلس الثوري إلى حلقة المصلحين في المسجد . فسمع رجلا من ~~مياسيرهم يقول : بطنوا كل شيء لكم فإنه أبقى . ولأمر جعل الله دار الآخرة ~~باقية ودار الدنيا فانية . ثم قال : ربما رأيت المبطنة الواحدة تقطع أربعة ~~أقمصة والعمامة الواحدة تقطع أربعة أزر ليس ذلك إلا لتعاون الطي وترافد ~~الأثناء . فبطنوا البواري وبطنوا الحصر وبطنوا البسط وبطنوا الغداء بشربة ~~باردة ل فقال الثوري : لم افهم مما قلت إلا هذا الحرف وحده PageV02P008 ~~"""""" صفحة رقم 9 """""" # قال الخليل : حم الثوري وحم عياله وخادمه فلم يقدروا مع شدة الحمى على ~~أكل الخبز . فربح كيلة تلك الأيام من الدقيق ففرح بذلك وقال : لو كان منزلي ~~سوق الأهواز أو نطاة خيبر أو وادي الجحفة لرجوت أن أستفضل كل سنة مائة ~~دينار وكان يقول : أول الإصلاح - وهو من الواجب - خصف النعل واستجادة ~~الطراق وتشحيمها في كل الأيام وعقد ذؤابة الشراك من زي النساك لكيلا يطأ ~~عليه إنسان PageV02P009 ~~"""""" صفحة رقم 10 """""" # فيقطعه . ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسخت وغسلها من ~~اتساخها بعد القلب . واجعلها حبرة فإنها مما له مرجوع ومن ذلك اتخاذ قميص ~~الصيف جبة في الشتاء واتخاذ الشاة اللبون إذا كان عندك حمار . واتخاذ ~~الحمار الجامع خير من غلة ألف دينار : لأنه لرحلك وبه يدرك البعيد من ~~حوائجك وعليه يطحن فتستفضل عليه ما يربحه عليك الطحان . وينقل عليه حوائجه ~~وحوائجك حتى ms073 الحطب . ويستقي عليه الماء . وهذه كلها مؤن إذا اجتمعت كانت في ~~السنة مالا كثيرا ثم قال : أشهد إن الرفق يمن وإن الخرق شؤم . واشتريت ~~ملاءة مذارية فلبستها ما شاء الله رداء وملحفة . ثم احتجت إلى طيلسان ~~فقطعتها - يعلم الله - فلبسته ما شاء الله . ثم احتجت إلى جبة فجعلته - ~~يعلم الله - PageV02P010 ~~"""""" صفحة رقم 11 """""" # ظهار جبة محشوة فلبستها ما شاء الله . ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح ~~فجعلته مخاد وجعلت قطنها للقناديل . ثم جعلت ما دون خرق المخاد للقلائس . ~~ثم عمدت إلى أصح ما بقي فبعته من أصحاب الصينيات والصلاحيات . وجعلت ~~السقاطات وما قد صار وقد رأيته وسمعت منه في البخل كلاما كثيرا . وكان من ~~البصريين ينزل في بغداد مسجد ابن رغبان . ولم أر شيخا ذا ثروة اجتمع عنده ~~وإليه من البخلاء ما اجتمع له : منهم إسماعيل بن غزوان وجعفر بن سعيد ~~وخاقان بن صبيح وأبو يعقوب الأعور وعبد الله العروضي والحزامي عبد الله بن كاسب . PageV02P011 # """""" صفحة رقم 12 """""" # وأبو عبد الرحمن هذا شديد البخل شديد العارضة عضب اللسان . وكان يحتج ~~للبخل ويوصي به ويدعو إليه . وما علمت أن أحدا جرد في ذلك كتابا إلا سهل بن ~~هارون . وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال لابنه : أبي بني إن إنفاق ~~القراريط يفتح عليك أبواب الدوانيق وإنفاق الدوانيق يفتح عليك أبواب ~~الدراهم وإنفاق الدراهم يفتح عليك أبواب الدنانير . والعشرات تفتح عليك ~~أبواب المئين والمئون تفتح عليك أبواب الألوف حتى يأتي ذلك على الفرع ~~والأصل ويطمس على العين والأثر ويحتمل القليل والكثير أي بني إنما صار ~~تأويل الدرهم : دار لهم وتأويل الدينار : يدني إلى النار الدرهم إذا خرج ~~إلى غير خلف وإلى غير بدل دار لهم على دوانق مخرجة . وقيل : إن الدينار ~~يدني إلى النار لأنه إذا أنفقته في غير خلف وأخرج إلى غير دل بقيت مخفقا PageV02P012 ~~"""""" صفحة رقم 13 """""" # معدما وققيرا مبلطا . فيخرج الخارج وتدعو الضرورة إلى المكاسب الردية ~~والطعم الخبيثة . والخبيث من الكسب يسقط وهذا تأويل الذي تأوله للدرهم ~~والدينار ms074 ليس له إنما هذا شيء كان يتكلم به عبد الأعلى إذا قيل له : لم سمي ~~الكلب قليطا قال : لأنه قل ولطى وإذا قيل له : لم سمي الكلب سلوقيا قال : ~~لأنه يستل ويلقي وإذا قيل له : لم سمي العصفور عصفورا قال : لأنه عصى وفر PageV02P013 ~~"""""" صفحة رقم 14 """""" # وعبد الأعلى هذا هو الذي كان يقول في قصصه : الفقير . مرفقته سلبة ~~وجردقته فلقة وسمكته سلته في طيب له كثير . وبعض المفسرين يزعم أن نوحا ~~النبي عليه السلام إنما سمي نوحا لأنه كان ينوح على نفسه وأن آدم سمي آدم ~~لأنه حذي من أديم الأرض - وقالوا : كان لونه في أدمته لون الأرض - وأن ~~المسيح سمي المسيح لأنه مسح بدهن البركة . وقال بعضهم : لأنه كان لا يقيم ~~في البلد الواحد . وكان كأنه ماسح يمسح الأرض . ثم رجع الحديث إلى أعاجيب ~~أبي عبد الرحمن : وكان أبو عبد الرحمن : وكان أبو الرحمن يعجب بالرءوس ~~ويحمدها ويصفها . وكان لا يأكل اللحم إلا يوم أضحي PageV02P014 ~~"""""" صفحة رقم 15 """""" # أو من بقية أضحيته أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة . وكان سمى الرأس عرسا ~~لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة . وكان يسميه مرة الجامع ومرة الكامل . ~~وكان يقول : الرأس شيء واحد . وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة . وكل قدر ~~وكل شواه فإنما هو شيء واحد . والرأس فيه الدماغ فطعم الدماغ على حدة . ~~وفيه العينان وطعمهما شيء على حدة . وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخر ~~العين وطعمها على حدة . على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ ونعم من الزبد ~~وأدسم من السلاء . وفي الرأس اللسان وطعمه شيء على حدة . وفيه الخيشوم ~~والغضروف الذي في الخيشوم وطعمهما شيء على حدة . وفيه لحم الخدين وطعمه شيء ~~على حدة - حتى يقسم أسقاطه الباقية . PageV02P015 # """""" صفحة رقم 16 """""" # ويقول : الرأس سيد البدن : وفيه الدماغ وهو معدن العقل ومنه يتفرق العصب ~~الذي فيه الحس وبه قوام البدن . وإنما القلب باب العقل - كما أن النفس هي ~~المدركة والعين هي باب الألوان والنفس هي السامعة الذائقة ms075 وإنما الأنف ~~والأذن بابان . ولولا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه . ~~وفي الرأس الحواس الخمس . وكان ينشد قول الشاعر : وكان يقول : الناس لم ~~يقولوا : هذا رأس الأمر وفلان رأس الكتيبة وهو رأس القوم وهم رؤوس الناس ~~وخراطيمهم وأنفهم ويستقوا من الرأس الرياسة والرئيس - وقد رأس القوم فلان - ~~إلا والرأس هو المثل وهو المقدم . وكان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف ~~وإلى الجبين فوضعه بقرب بيوت النمل PageV02P016 ~~"""""" صفحة رقم 17 """""" # والذر . فإذا اجتمعت فيه أخذه فنفضه في طست فيها ماء . فلا يزال يعيد ذلك ~~في تلك المواضع حتى يقلع أصل النمل والذر من داره . فإذا فرغ من ذلك ألقاه ~~في الحطب ليوقد به سائر الحطب . وكان إذا كان يوم الرءوس أقعد ابنه معه على ~~الخوان . إلا أن ذلك بعد تشرط طويل وبعد أن يقف به على ما يريد وكان فيما ~~يقول له : إياك ونهم الصبيان وشره الزراع وأخلاق النوائح . ودع عنك خبط ~~الملاحين والفعلة ونهش الأعراب والمهنة . وكل ما بين يديك فإنما حقك الذي ~~وقع لك وصار أقرب إليك . PageV02P017 # """""" صفحة رقم 18 """""" # وأعلم أنه إذا كان في الطعام شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهية فإنما ذلك ~~للشيخ المعظم والصبي المدلل . ولست واحدا منهما . فأنت قد تأتي الدعوات ~~والولائم وتدخل منازل الإخوان وعهدك باللحم قريب وإخوانك أشد قرما إليه منك ~~. وإنما هو رأس واحد . فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضا . وأنا بعد ~~أكره لك الموالاة بين اللحم فإن الله يبغض أهل البيت اللحمين . وكان يقول : ~~إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر . وكان يقول : مدمن اللحم ~~كمدمن الخمر . PageV02P018 # """""" صفحة رقم 19 """""" # وقال الشيخ ورأى رجلا يأكل اللحم فقال : لحم يأكل لحما أف لهذا عملا وذكر ~~هرم بن قطبة اللحم فقال : وإنه ليقتل السباع . وقال المهلب : لحم وارد على ~~غير قاوم هذا الموت الأحمر . وقال الأول : أهلك الرجال الأحمران : اللحم ~~والخمر وأهلك النساء الأحمران : الذهب والزعفران . أي بني عود نفسك الأثرة ~~ومجاهدة الهوى والشهوة ms076 . ولا تنهش نهش الأفاعي ولا تخضم PageV02P019 ~~"""""" صفحة رقم 20 """""" # خضم البراذين ولا تدم الأكل إدامة النعاج ولا تلقم لقم الجمال قال أبو ذر ~~لمن بذل من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يخضمون ونقضم والموعد ~~الله . إن الله قد فضلك . فجعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا . ~~واحذر سرعة الكظة وسرف البطنة . وقد قال بعض الحكماء : إذا كنت بطينا فعد ~~نفسك في الزمني . واعلم أن الشبع داعية البشم وأن البشم داعية السقم وأن ~~السقم داعية الموت . ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة . وهو قاتل ~~نفسه وقاتل نفسه ألوم من قاتل غيره . PageV02P020 # """""" صفحة رقم 21 """""" # وأعجب إن أردت العجب وقد قال الله جل ذكره : ) ولا تقتلوا أنفسكم ( . - ~~وسواء قتلنا أنفسنا أو قتل بعضنا بعضا كان ذلك للآية تأويلا . أي بني إن ~~القاتل والمقتول في النار . ولو سألت حذاق الأطباء لأخبروك أن عامة أهل ~~القبور إنما ماتوا بالتخم . واعرف خطأ من قال : أكلة وموتة وخذ بقول من قال ~~: رب أكلة تمنع أكلات . وقد قال الحسن : يا بن آدم كل في ثلث بطنك واشرب في ~~ثلث بطنك ودع الثلث للتفكر والتنفس . وقال بكر بن عبد الله المزني : ما ~~وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص بالكظة وحتى لم ألبس من ثيابي ما ~~يستخدمني وحتى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه . يا بني والله ما أدى حق ~~الركوع ولا وظيفة السجود ذو كظة ولا خشع الله ذو بطنة . والصوم مصحة ~~والوجبات عيش الصالحين . PageV02P021 # """""" صفحة رقم 22 """""" # ثم قال : لأمر ما طالت أعمار الهند وصحت أبدان الأعراب . لله در الحارث ~~ابن كلدة حين زعم أن الدواء هو الأزم وأن الداء هو إدخال الطعام في أثر ~~الطعام أي بني لم صفت أذهان العرب ولم صدقت أحساس العرب ولم صححت أبدان ~~الرهبان مع طول الإقامة في الصوامع وحتى لم تعرف النقرس ولا وجع المفاصل ~~ولا الأورام إلا لقلة الرزق من الطعام وخفة الزاد والتبلغ باليسير . أي بني ~~إن نسيم الدنيا وروح الحياة ms077 أفضل من أن تبيت كظيظا وأن تكون لقصر العمر ~~حليفا . وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن وذكاء الذهن وصلاح المعى ~~وكثرة المال والقرب من عيش الملائكة PageV02P022 ~~"""""" صفحة رقم 23 """""" # أي بني لم صار الضب أطول شيء عمرا إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم ولم زعم ~~الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أن الصوم وجاء إلا ليجعل الجوع حجازا دون ~~الشهوات . افهم تأدب الله فإنه لم يقصد به إلا مثلك . أي بني قد بلغت تسعين ~~عاما ما نقص لي سن ولا تحرك لي عظم ولا انتشر لي عصب ولا عرف دنين أذن ولا ~~سيلان عين ولا سلس بول ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد . فإن كنت تحب ~~الحياة فهذه سبيل الحياة وإن كنت تحب الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم . هذه ~~كانت وصيته في يوم الرءوس وحده فلم يكن لعياله إلا التقمم ومص العظم PageV02P023 ~~"""""" صفحة رقم 24 """""" # وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر لمكان زيادة الدماغ . وكان لا ~~يشتري إلا راس فتي لوفارة الدماغ لأن دماغ الفتي أوفر ويكون مخه أنقص ومخ ~~المسن أوفر ودماغه أنقص . وتزعم الأعراب والعرب أن النطفة إذا وقعت في ~~الرحم في أول الهلال خرج الولد قويا ضخما وإذا كان في المحاق خرج ضئيلا ~~شختا . وأنشد قول الشاعر : لقحت في الهلال عن قبل الطه ر وقد لاح للصباح بشير PageV02P024 ~~"""""" صفحة رقم 25 """""" # ثم نمى ولم ترضع فلوا ورضاع المحج عيب كبير وكان أبو عبد الرحمن يشتري ~~ذلك الرأس من جميع رءاسي بغداد إلا من رءاسي مسجد ابن رغبان . وكان لا ~~يشتريه إلا يوم سبت . واختلط عليه الأمر قيما بين الشتاء والصيف . فكان مرة ~~يشتريه في هذا الزمان ومرة يشتريه في هذا الزمان . وأما زهده في رءوس مسجد ~~ابن رغبان فإن البصريين يختارون لحم الماعز الخصي على الضأن كله . ورءوس ~~الضأن أشحم وألحم وأرخص رخصا وأطيب . ورأس التيس أكثر لحما من رأس الخصي ~~لأن الخصي من الماعز يعرق جلده ويقل لحم رأسه . ولا ms078 يبلغ جلده وإن كان ~~ماعزا في الثمن عشر ما يبلغ جلد التيس . ولا يكون رأسه إلا دونا . ولذلك ~~تخطاه إلى غيره . PageV02P025 # """""" صفحة رقم 26 """""" # وأما اختياره شراء الرءوس يوم السبت فإن القصابين يذبحون يوم الجمعة أكثر ~~فتكثر الرءوس يوم السبت على قدر الفضل فيما يذبحون ولأن العوام والتجار ~~والصناع لا يقومون إلى أكل الرءوس يوم السبت مع قرب عهدهم بأكل اللحم يوم ~~الجمعة ولأن عامتهم قد بقيت عنده فضلة فهي تمنعه من الشهوة ولأن الناس لا ~~يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرءوس واللحم . وأما اختلاط التدبير عليه ~~في فرق ما بين الشتاء والصيف فوجه ذلك أن العلل كانت تتصور له وتعرض له ~~الدواعي على قدر قرمه وحركة شهوته صيفا وافق ذلك أم شتاء . فإن اشتراه في ~~الصيف فلأن اللحم في الصيف ارخص . والرءوس تابعة للحم ولأن الناس في الشتاء ~~لها آكل وهم لها في القيظ أترك . فكان يختار الرخص على حسن الموقع . فإذا ~~قويت دواعيها في الشتاء قال : راس واحد شتوي كرأسين صيفيين PageV02P026 ~~"""""" صفحة رقم 27 """""" # لأن المعلوفة غير الراعية . وما أكل الكسب في الحبس موثقا غير ما أكل ~~الحشيش في الصحراء مطلقا . وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء مع صحته ~~وبدنه وفي شك من استبقائه في الصيف . ولنقصان شهوات الناس للرءوس في الصيف ~~كان يخاف جريرة تلك البقية وجناية تلك الفضلة وكان يقول : إن أكلتها بعد ~~الشبع لم آمن العطب وإن تركتها لهم في الصيف ولم يعرفوا العلة طلبوا ذلك ~~مني في الشتاء . حثني المكي قال : كنت يوما عند العنبري إذ جاءت جارية أمه ~~ومعها كوز فارغ . فقالت : قالت أمك : بلغني أن عندك مزملة ويومنا يوم حار . ~~فابعث إلي بشربة منها في هذا الكوز . قال : كذبت أمي اعقل من أن تبعث بكوز ~~فارغ ونرده ملآن اذهبي فاملئيه من ماء حبكم وفرغيه في حبنا . ثم املئيه من ~~ماء مزملتنا حتى يعود شيء بشيء PageV02P027 ~~"""""" صفحة رقم 28 """""" # قال المكي : فإذا هو يريد أن تدفع جوهرا بجوهر وعرضا بعرض ms079 حتى لا تربح ~~أمه إلا صرف ما بين العرضين الذي هو البرد والحر . فأما عدد الجواهر ~~والأعراض فمثلا بمثل . وقال المكي : دخلت عليه يوما وإذا عنده جلة تمر وإذا ~~ظئره جالسة قبالته . فلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها فأخذتها فمصتها ساعة ~~ثم عزلتها . فقلت للمكي : أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئا قال : ~~والله لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتها فصاح بها صيحة لو كانت قتلت ~~قتيلا ما كان عنده أكثر من ذلك وما كانت إلا في أن تناول الأعراض وتسلم ~~إليه الجوهر . وكانت تأخذ حلاوة النواة وتودعها ندوة الريق . PageV02P028 # """""" صفحة رقم 29 """""" # قال الخليل : كان أبو قطبة يستغل ثلاثة آلاف دينار . وكان من البخل يؤخر ~~تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد وسيل المثاعب ليكتري رجلا واحدا فقط ~~يخرج ما فيها ويصبه في الطريق فيجترفه السيل ويؤديه إلى القناة وكان بين ~~موضع بئره والصب قدر مائتي ذراع . فكان لمكان زيادة درهمين يحتمل الانتظار ~~شهرا أو شهرين وإن هو جرى في الطريق وأوذي به الناس وقال : ونظر يوما إلى ~~الكساحين وهو معنا جالس في رجال من قريش وهم يخرجون ما في بالوعته ويرمون ~~به في الطريق وسيل المثاعب يحتمله فقال : أليس البط والجداء والدجاج ~~والفراخ والدراج وخبز الشعير والصحناء والكراث والجواف جميعا يصير إلى ما ~~ترون فلم يغالي بشيء بصير هو والرخيص في معنى واحد قال : وهم ثلاثة إخوة : ~~أبو قطبة والطيل وبابي من ولد عتاب بن أسيد - واحد منهم PageV02P029 ~~"""""" صفحة رقم 30 """""" # كان يحتج عن حمزة ويقول : استشهد قبل أن يحج . والآخر كان يضحي عن أبي ~~بكر وعمر ويقول : أخطأ السنة في ترك الضحية . وكان الآخر يفطر عن عائشة ~~أيام التشريق ويقول : غلطت - رحمها الله - في صومها أيام العيد . فمن صام ~~عن أبيه وأمه فأنا أفطر عن عائشة . حدثتني امرأة تعرف الأمور قالت : كان في ~~الحي مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي . فلما رأين أن أهل المأتم قد ~~أقمن المناحة اعتزلن وتحدثن . فبينا هن في حديثهن ms080 إذ ذكرن بر الأبناء ~~بالأمهات وإنفاقهم عليهن . وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها ابنها . فقالت ~~واحدة منهن وأم فيلويه ساكتة - وكانت امرأة صالحة وابنها يظهر النسك ويدين ~~بالبخل وله حانوت في مقبرة بني حصين يبيع فيها الأسقاط . - قالت : فأقبلت ~~على أم فيلويه قلت لها : ما لك لا تحدثين معنا عن ابنك كما يتحدثن وكيف صنع ~~فيلويه فيما بينك وبينه قالت : كان يجري علي في كل أضحى درهما فقالت : PageV02P030 # """""" صفحة رقم 31 """""" # وقد قطعه أيضا قالت : ما كان يجري علي إلا ذاك . ولقد ربما أدخل أضحى ~~فقالت : فقلت : يا أم فيلويه وكيف يدخل أضحى في أضحى قد يقول الناس : إن ~~فلانا أدخل شهرا في شهر ويوما في يوم . فأما أضحى في أضحى فهذا لا يشركه ~~فيه أحد قصة تمام بن جعفر كان تمام بن جعفر بخيلا على الطعام مفرط البخل . ~~وكان يقبل على كل من أكل خبزه بكل علة ويطالبه بكل طائلة وحتى ربما استخرج ~~عليه أنه لابن جلاد الدم . وكان إن قال له نديم له : ما في الأرض أحد أمشي ~~مني ولا على ظهرها أحد أقوى على الحضر مني قال : وما يمنعك من ذلك وأنت ~~تأكل أكل عشرة وهل يحمل الرجل إلا البطن لا حمد الله من يحمدك فإن قال : لا ~~والله إن أقدر أن أمشي لأني أضعف الخلق عنه وإني لأنبهر من مشى PageV02P031 ~~"""""" صفحة رقم 32 """""" # ثلاثين خطوة قال : وكيف تمشي وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمالا وهل ~~ينطلق الناس إلا مع خفة الأكل وأي بطين بقدر على الحركة وإن الكظيظ ليعجز ~~عن الركوع والسجود فإن شكا ضرسه وقال : ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه قال ~~: عجبت كيف اشتكيت واحدا وكيف لم تشتك الجميع وكيف بقيت إلى اليوم في فيك ~~حاكة وأي ضرس يقوى على الدرس والطحن والله إن الأرحاء السورية لتكل وإن ~~الميجان الغليظ ليتعبه الدق ولقد استبطأت لك هذه العلة ارفق فإن الرفق يمن ~~ولا تخرق بنفسك فإن الخرق شؤم وإن قال : لا والله إن ms081 اشتكيت ضرسا لي قط ولا ~~تجلجل لي سن عن موضعه منذ عرفت نفسي قال : يا مجنون لأن كثرة المضغ تشد ~~العمور وتقوي الأسنان وتدبغ PageV02P032 ~~"""""" صفحة رقم 33 """""" # اللثة وتغدو أصولها . وإعفاء الأضراس من المضغ يريحها . وإنما الفم جزء ~~من الإنسان . وكما الإنسان نفسه إذا تحرك وعمل قوى وإذا طال سكونه تفتخ ~~واسترخى فكذلك الأضراس . ولكن رفقا فإن الإتعاب ينقص القوة . ولكل شيء ~~مقدار ونهاية . فهذا ضرسك لا تشتكيه بطنك أيضا لا تشتكيه فإن قال : والله ~~إن أروى من الماء . وما أظن أن في الدنيا أحدا أشرب مني للماء قال : لابد ~~للتراب من ماء ولابد للطين من ماء يبله ويرو . أوليست الحاجة على قدر كثرته ~~وقلته والله لو شربت ماء الفرات ما استكثرته لك مع ما أرى من شدة أكلك وعظم ~~لقمتك تدري ما قد تصنع أنت والله تلعب أنت لست ترى نفسك فسل عنك من يصدقك ~~حتى تعلم أن ماء فإن قال : ما شربت اليوم ماء البتة وما شربت أمس بمقدار ~~نصف رطل وما في الأرض إنسان أقل شربا مني للماء قال : لأنك لا تدع لشرب ~~الماء موضعا PageV02P033 ~~"""""" صفحة رقم 34 """""" # ولأنك تكنز في جوفك كنزا لا يجد الماء معه مدخلا والعجب لا تتخم لأن من ~~لا يشرب الماء على الخوان لا يدري مقدار ما أكل ومن جاوز مقدار الكفاية كان ~~حريا بالتخمة . فإن قال : ما أنام الليل كله وقد أهلكني الأرق قال : وتدعك ~~الكظة والنفخة والقرقرة أن تنام والله لو لم يكن إلا العطش الذي ينبه الناس ~~لما نمت . ومن شرب كثيرا بال كثيرا . ومن كان الليل كله بين شرب وبول كيف ~~يأخذه النوم فإن قال : ما هو إلا أن أضع رأسي فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح ~~قال : ذلك لأن الطعام يسكن ويخدر ويحير ويبل الدماغ ويبل العروق ويسترخي ~~عليه جميع البدن . ولو كان في الحق لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار فإن ~~قال : أصبحت وأنا لا أشتهي شيئا قال : إياك أن تأكل قليلا ولا كثيرا فإن ~~أكل ms082 القليل على غير شهوة أضر من الكثير مع الشهوة . قال الخوان : ويل لي ~~ممن قال : لا أريد وبعد وكيف تشتهي الطعام اليوم وأنت قد أكلت بالأمس طعام ~~عشرة وكان كثيرا ما يقول لندمائه : إياكم والأكل على الخمار فإن دواء ~~الخمار الشراب . PageV02P034 # """""" صفحة رقم 35 """""" # الخمار تخمة . والمتخم إذا أكل مات لا محالة . وإياكم والإكثار في عقب ~~الحجامة والفصد والحمام . وعليكم بالتخفيف في الصيف كله . واجتنبوا اللحم ~~خاصة . وكان يقول : ليس يفسد الناس إلا الناس : هذا الذي يتكلم بالكلام ~~البارد وبالطرف المستنكرة لو لم يصب من يضحك له وبعض من يشكره ويتضاحك له - ~~أوليس هو عنده إلا أن يظهر العجب له - لما تكلف النوادر . ألا أهلك قول ~~الناس للأكول النهم وللرغيب الشره : فلان حسن الأكل هو الذي أهلكه وزاد في ~~رغبته حتى جعل ذلك صناعة وحتى ربما أكل - لمكان قولهم وتقريبهم وتعجبهم - ~~ما لا يطيقه فيقتل . فلا يزال قد هجم على قوم فأكل زادهم وتركهم بلا زاد ~~فلو قالوا بدل قولهم : فلان حسن الأكل : فلان أقبح الناس أكلا كان ذلك ~~صلاحا لفريقين . PageV02P035 # """""" صفحة رقم 36 """""" # ولا يزال البخيل على الطعام قد دعا الرغيب البطن واتخذ له الطعام الطيب ~~لفي عن نفسه المقالة وليكذب عن نفسه تلك الظنون . ولو كان شدة الضرس يعد في ~~المناقب ويمدح صاحبه في المجالس لكان الأنبياء آكل الخلق ولخصهم الله - جل ~~ذكره - من الرغب بما لم يعطه أحدا من العالمين . وكيف وفي مأثور الحديث : ( ~~إن المؤمن يأكل في معي واحد وإن المنافق يأكل في سبعة أمعاء ) . أولسنا قد ~~نراهم يشتمون بالنهم وبالرغب وبكثرة الأكل ويمدحون بالزهادة وبقلة الطعام ~~أوليس قد قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : من أدله على الحسناء القتين ~~وقد ساب رجل أيوب ابن سليمان بن عبد الملك فقال في بعض ما يسبه : ماتت أمك ~~بغرا وأبوك بشما PageV02P036 ~~"""""" صفحة رقم 37 """""" # وبعد فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه فقال : أنا ابن آكل العرب بل ~~قد رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يتمدحون بكثرة الشرب كما ms083 يتمدحون بقلة ~~الرزق . ولذلك قالت العرب : قال الشاعر : تكفيه فلذة كبد إن ألم بها من ~~الشواء ويروي شربه الغمر وقال : لا يتأرى لما في القدر يطلبه ولا تراه أمام ~~القوم يقتفر وقال : لا يغمز الساق من أين ولا وصم ولا يعض على شرسوفه الصفر ~~والصفر هي حيات البطون إنما تكون من الفضول والتخم ومن الفساد والبشم . ~~وشرب مرة نبيذ وغناه المغنى فشق قميصه من الطرب . فقال لمولى له له يقال له ~~المحلول وهو إلى جنبه : شق أيضا أنت - ويلك - قميصك - والمحلول هذا من ~~الآيات - PageV02P037 ~~"""""" صفحة رقم 38 """""" # قال : لا والله لا أشقه وليس لي غيره . قال : فشقه وأنا أكسوك غدا . قال ~~: فأنا أشقه غدا . قال : أنا ما أصنع فلم أسمع بإنسان يقايس ويناظر في ~~الوقت الذي إنما يشق فيه القميص من غلبة الطرب غيره وغير مولاه محلول . دخل ~~على الأعمى على يوسف بن كل خير وقد تغدى . فقال : يا جارية هاتي لأبي الحسن ~~غداء . قالت : لم يبق عندنا شيء . قال : هاتي - ويلك - ما كان فليس من أبي ~~الحسن حشمة ولم يشك على أنه سيؤتي برغيف ملطخ وبرقاقة ملطخة وبسكر وبقية ~~مرق وبعرق وبفضلة شواء وببقايا ما يفضل في الجامات والسكرجات . فجاءت بطبق ~~ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل لا شيء غيره . فلما وضعوا الخوان بين يديه ~~فأجال يده فيه وهو أعمى فلم يقع إلا على ذلك الرغيف PageV02P038 ~~"""""" صفحة رقم 39 """""" # وقد علم أن قوله : ليس منه حشمة لا يكون إلا مع القليل . فلم يظن أن ~~الأمربلغ ذلك . فلما لم يجد غيره قال : ويلكم ولأكل هذا بمره رفعتم الحشمة ~~كلها والكلام لم يقع إلا على هذا حدثني محمد بن حسان الأسود قال : أخبرني ~~زكريا القطان قال : كان للغزال قطعة أرض قدام حانوتي فأكرى نصفها من سماك ~~يسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء . قال : وكان الغزال أعجوبة في البخل . ~~وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه . فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم . ~~فإذا أعيا عليه الأمر أخذ من ساكنه جوافة ms084 بحبة وأثبت عليها فلسا في حسابه ~~فإذا أراد أن يتغدى أخذ الجوافة فمسحها على وجه الرغيف ثم عض عليه وربما ~~فتح بطن الجوافة فيطر جنبيها وبطنها باللقمة بعد اللقمة فإذا خاف أن ينهكها ~~ذلك وينضم PageV02P039 ~~"""""" صفحة رقم 40 """""" # بطنها طلب من ذلك السماك شيئا من ملح السمك فحشا جوفها لينفخها وليوهم أن ~~هذا هو ملحها الذي ملحت به ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أنفها وأخذ من طرف ~~الأرنبة ما يسيغ به لقمته وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخر لقمة ليطيب فمه ~~بها ثم يضعها في ناحية . فإذا اشترى من امرأة غزلا أدخل تلك الجوافة في ثمن ~~الغزل من طريق إدخال العروض وحسبها عليها بفلس فيسترجع رأس المال ويفضل ~~الأدم . وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع قال : كان ابن جذام الشيء يجلس ~~إلي . وكان ربما انصرف معي إلى المنزل فيتغذى معنا ويقيم إلى أن يبرد . ~~وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال . فألح علي في الاستزارة وصممت عليه في ~~الامتناع . فقال : جعلت فداك أنت تظن أني ممن يتكلف وأنت تشفق علي لا والله ~~إن هي إلا كسيرات يابسة وملح وماء الحب فظننت أنه يريد اختلابي بتهوين PageV02P040 ~~"""""" صفحة رقم 41 """""" # الأمر عليه . وقلت : إن هذا كقول الرجل : يا غلام أطعمنا كسرة وأطعم ~~السائل خمس تمرات . ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه . وما أظن أن أحدا يدعو ~~مثلي إلى الحربية من الباطنة ثم يأتيه بكسرات وملح . فلما صرت عنده وقربه ~~إلي إذ وقف سائل بالباب فقال : أطعمونا مما تأكلون أطعمكم الله من طعام ~~الجنة قال : بورك فيك فأعاد الكلام فأعاد عليه مثل ذلك القول . فأعاد عليه ~~السائل فقال : اذهب - ويلك - فقد ردوا عليك . فقال السائل : سبحان الله ما ~~رأيت كاليوم أحدا يرد من لقمة والطعام بين يديه قال : اذهب - ويلك - وإلا ~~خرجت إليك والله فدققت ساقيه فقلت للسائل : اذهب وأرح نفسك فإنك لو تعرف من ~~صدق وعبده مثل الذي أعرف لما وقفت طرفة عين بعد رده إياك وكان أبو يعقوب ~~الذقنان ms085 يقول : ما فاتني اللحم منذ ملكت المال . وكان إذا كان يوم الجمعة ~~اشترى لحم بقر بدرهم واشترى بصلا بدانق وباذنجانا بدانق PageV02P041 ~~"""""" صفحة رقم 42 """""" # وقرعة بدانق . فإذا كان أيام الجزر فجزر بدانق وطبخه كله سكباجا . فأكل ~~وعياله يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر وما ينقطع في القدر من البصل ~~والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم . فإذا كان يوم السبت ثردوا خبزهم ~~في المرق . فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل . فإذا كان يوم الاثنين أكلوا ~~الجزر . فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع . فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا ~~الباذنجان . فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم . فلهذا كان يقول : ما فاتني ~~اللحم منذ ملكت المال قال أصحابنا : نزلنا بناس من أهل الجزيرة وإذا هم في ~~بلاد باردة وإذا حطبهم شر حطب وإذا الأرض كلها غابة واحدة طرفاء . فقلنا : ~~ما في الأرض أكرم من الطرفاء . قالوا : هو كريم ومن كرمه نفر . فقلنا : وما ~~الذي تفرون منه قالوا : دخان الطرفاء يهضم الطعام وعيالنا كثير PageV02P042 ~~"""""" صفحة رقم 43 """""" # وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور : منها أن خشكانهم من دقيق شعير ~~وحشوه الذي فيه من الجوز والسكر من دقيق خشكار . وأهل المازج لا يعرفون ~~بالبخل . ولكنهم أسوأ الناس حالا . فتقديرهم على قدر عيشهم . وإنما نحكي عن ~~البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب . ~~فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق فليس سبيله سبيل القوم . قال ~~المكي : كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري . سمى بذلك لكثرة ماله . وكان ~~يقربني وأنا صبي إلى أن بلغت . ولم يهب لي مع ذلك التقريب شيئا قط . وكان ~~قد جاوز في ذلك حد البخلاء . فدخلت عليه يوما وإذا قدامه قطع دار صيني لا ~~تسوى قيراطا . فلما نال حاجته منها مددت يدي لآخذ منها قطعة . فلما نظر إلي ~~قبضت يدي فقال : لا تنقبض PageV02P043 ~~"""""" صفحة رقم 44 """""" # وانبسط واسترسل . وليحسن ظنك فإن حالك عندي على ما تحب فخذه كله فهو لك ~~بزوبره وبحذافيره وهو لك جميعا ms086 نفسي بذلك سخية والله أعلم أني مسرور بما ~~وصل إليك من الخير فتركته بين يديه وقمت من عنده وجعلت وجهي كما أنا إلى ~~العراق فما رأيته وما رآني حتى مات . وقال المكي : سمعني سليمان وأنا أنشد ~~شعر امرئ القيس : لنا غنم نسوقها غزار كأن قرون جلتها العصي فتملأ بيتنا ~~أقطا وسمنا وحسبك من غنى شبع وروي قال : لو كان الذي قال ليحيى بن خالد حين ~~نقب في أبي قبيس وزاد في داره : عمدت إلى شيخ الجبال فزعزعته وثلمت فيه . PageV02P044 # """""" صفحة رقم 45 """""" # وقال حين عوتب في قلة الضحك وشدة القطوب : إن الذي يمنعني من الضحك أن ~~الإنسان أقرب ما يكون من البذل إذا ضحك وطابت نفسه صحبني محفوظ النقاش من ~~مسجد الجامع ليلا . فلما صرت قرب منزله - وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع ~~من منزلي - سألني أن أبيت عنده . وقال : أين تذهب في هذا المطر والبرد ~~ومنزلي منزلك وأنت في ظلمة وليس معك نار وعندي لبا لم ير الناس مثله وتمر ~~ناهيك به جودة لا تصلح إلا له فملت معه فأبطأ ساعة . ثم جاءني بجام لبإ ~~وطبق تمر . فلما مددت قال : يا أبا عثمان إنه لبإ وغلظه وهو الليل وركوده ~~ثم ليلة مطر ورطوبة وأنت رجل قد طعنت في السن . ولم تزل تشكو من الفالج ~~طرفا . وما زال الغليل يسرع إليك . وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء PageV02P045 ~~"""""" صفحة رقم 46 """""" # فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ كنت لا آكلا ولا تاركا وحرشت طباعك . ثم قطعت ~~الأكل أشهى ما كان إليك . وإن بالغت بتنا في ليلة سوء من الاهتمام بأمرك ~~ولم نعد لك نبيذا ولا عسلا . وإنما قلت هذا الكلام لئلا تقول غدا : كان ~~وكان والله وقد وقعت بين نابي أسد لأني لو لم أجئك به وقد ذكرته لك قلت : ~~بخل به وبدا له فيه . وإن جئت به ولم أحذرك منه ولم أذكرك كل ما عليك فيه ~~قلت : لم يشفق علي ولم ينصح . فقد برئت إليك من الأمرين جميعا . وإن شئت ~~فأكلة ms087 وموتة وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على سلامة فما ضحكت قط كضحكي تلك ~~الليلة . ولقد أكلته جميعا فما هضمه إلا الضحك والنشاط والسرور فيما أظن . ~~ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به لأتى على الضحك أو لقضى علي . ولكن ضحك ~~من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب . PageV02P046 # """""" صفحة رقم 47 """""" # وقال أبو القماقم : أول الإصلاح ألا يرد ما صار في يدي لك فإن كان ما صار ~~في يدي لي فهو لي وإن لم يكن لي فأنا أحق به ممن صيره في يدي ومن أخرج من ~~يده شيئا إلى يد غيره من غير ضرورة فقد أباحه لمن صيره إليه وتعريفك إياه ~~مثل إباحته . وقالت له امرأة : ويحك يا أبا القماقم إني قد تزوجت زوجا ~~نهاريا والساعة وقته . وليست على هيئته . فاشتر لي بهذا الرغيف أسا وبهذا ~~الفلس دهنا فإنك تؤجر فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه فيرزقني على يدك ~~شيئا أعيش به فقد والله ساءت حالي وبلغ المجهود مني - فأخذهما وجعله وجهه ~~فرأته بعد أيام فقالت : سبحان الله أما رحمتني مما صنعت بي قال : ويحك سقط ~~والله مني الفلس فمن الغم أكلت الرغيف وتعشق واحدة فلم يزل يتبعها ويبكي ~~بين يديها حتى رحمته . وكانت مكثرة وكان مقلا . فاستهداها هريسة وقال : ~~أنتم أحذق بها فلما كان بعد أيام تشهى عليها رءوسا . فلما كان PageV02P047 ~~"""""" صفحة رقم 48 """""" # بعد قليل طلب منها حيسة . فلما كان بعد ذلك تشهى عليها طفيشلية . قالت ~~المرأة : رأيت عشق الناس يكون في القلب وفي الكبد وفي الأحشاء . وعشقك أنت ~~ليس يجاوز معدتك وقال أبو الأصبغ : ألح أبو القماقم على قوم عند الخطبة ~~إليهم يسأل عن مال امرأة ويحصيه ويسأل عنه . فقالوا : قد أخبرناك بما لها ~~فأنت أي شيء مالك قال : وما سؤالكم عن مالي الذي لها يكفيني ويكفيها سمعت ~~شيخا من مشايخ الأبلة يزعم أن فقراء أهل البصرة أفضل من فقراء أهل الأبلة . ~~قلت : بأي شيء فضلتم قال : هم أشد تعظيما للأغنياء وأعرف بالواجب ms088 . ووقع ~~بين رجلين أبليين كلام فأسمع أحدهما صاحبه كلاما غليظا فرد عليه مثل كلامه ~~. فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكارا شديدا ولم أر لذلك سببا . فقلت : لم أنكرتم ~~أن يقول له مثل ما قال قالوا : لأنه أكثر منه مالا . وإذا جوزنا هذا له ~~جوزنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا ففي هذا الفساد كله وقال حمدان بن صباح ~~: كيف صار رياح يسمعني ولا أسمعه أفهو أكثر مالا مني ثم PageV02P048 ~~"""""" صفحة رقم 49 """""" # قال : ويكون الزائر من أهل البصرة عند الأبلى مقيما مطمئنا . فإذا جاء ~~المد قالوا : ما رأينا مدا قط ارتفع ارتفاعه . وما أطيب السير في المد ~~والسير في المد إلى البصرة أطيب من السير في الجزر إلى الأبلة فلا يزالون ~~به حتى أن من الرأي أن يغتنم ذلك المد بعينه كان أحمد الخاركي بخيلا وكان ~~نفاجا . وهذا أغيظ ما يكون . وكان يتخذ لكل جبة أربعة أزرار ليرى الناس أن ~~عليه جبتين ويشتري الأعذاق والعراجين والسعف من الكلاء فإذا جاء الحمال إلى ~~بابه تركه ساعة يوهم الناس أن له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ذلك كله منها ~~. وكان يكتري قدور الخمارين التي تكون للنبيذ ثم يتحرى أعظمها ويهرب من ~~الحمالين بالكراء كي يصيحوا بالباب : يشترون الداذي والسكر ويحبسون ~~الحمالين بالكراء وليس في منزله رطل دبس PageV02P049 ~~"""""" صفحة رقم 50 """""" # وسمع قول الشاعر : رأيت الخبز عز لديك حتى حسبت الخبز في جو السحاب وما ~~روحتنا عنا ولكن خفت مرزئة الذباب فقال : ولم ذب عنهم لعنه الله ما أعلم ~~إلا أنه شهى إليهم الطعام ونظف لهم القصاع وفرغهم له وسخرهم عليه ثم ألا ~~تركها تقع في قصاعهم وتسقط على آنافهم وعيونهم هو والله أهل لما هو أعظم من ~~هذا كم ترون من مرة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين ~~والثلاثة حتى يتقزز بعضهم ويكفي الله شره قال : وأما قوله : رأيت الخبز عز ~~لديك حتى قال : فإن لم أعز هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض وأصل الأقوات ~~وأمير الأغذية فأي شيء أعز ms089 إي والله إني أعزه وأعزه وأعزه وأعزه مدى النفس ~~ما حملت عيني الماء . وبلغ من نفجه مع ذلك ما أخبرني به إبراهيم بن هانئ ~~قال : كنت عنده يوما إذ مر به بعض الباعة فصاح الخوخ الخوخ فقلت : وقد جاء ~~الخوخ بعد قال : نعم قد جاء وقد أكثرنا منه . فدعاني الغيظ عليه إلى أن ~~دعوت البياع وأقبلت على ابن الخاركي فقلت : ويحك نحن لم نسمع به بعد وأنت ~~قد أكثرت منه وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك PageV02P050 ~~"""""" صفحة رقم 51 """""" # ثم أقبلت على البياع فقلت : كيف تبيع الخوخ فقال : ستة بدرهم قلت : أنت ~~ممن يشتري ست خوخات بدرهم وأنت تعلم أنه بياع بعد أيام مائتين بدرهم ثم ~~تقول : وقد أكثرنا منه وهذا يقول : ستة بدرهم قال : وأي شيء أرخص من ستة ~~أشياء بشيء كان غلام صالح بن عفان يطلب منه لبيت الحمار بالليل . فكان ~~يعطيه كل ليلة ثلاثة أفلس - والفلوس أربعة طسوج - ويقول : طسوج يفضل وحبة ~~تنقص وبينهما يرمي الرامي وكان يقول لابنه : تعطي صاحب الحمام وصاحب المعبر ~~لكل واحد منهما طسوجا وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردك قال أبو ~~كعب : دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في شهر رمضان . وكنت ~~فيهم . فلما صلينا المغرب ونجز ابن جناح أقبل علينا ثم قال : لا تعجلوا فإن ~~العجلة من الشيطان . وكيف لا تعجلون وقد قال الله جل ذكره : وكان الإنسان ~~عجولا وقال : خلق الإنسان من عجل - اسمعوا ما أقول فإن فيما أقول حسن ~~المؤاكلة والبعد من الأثرة PageV02P051 ~~"""""" صفحة رقم 52 """""" # والعاقبة الرشيدة والسيرة المحمودة . وإذا مد أحدكم يده إلى الماء ~~فاستسقى - وقد أتيتم ببهطة أو بجوذابة أو بعصيدة أو ببعض ما يجري في الحلق ~~ولا يساغ بالماء ولا يحتاج فيه إلى مضغ وهو طعام يد لا طعام يدين وليست على ~~أهل اليد منه مؤنة وهو مما يذهب سريعا - فأمسكوا حتى يفرغ صاحبكم فإنكم ~~تجمعون عليه خصالا : منها أنكم تنغصون عليه بتلك السرعة إذا علم أنه لا ms090 ~~يفرغ إلا مع فراغكم . ومنها أنكم تخنقونه ولا يجد بدا من مكافأتكم فلعله أن ~~يتسرع إلى لقمة حارة فيموت وأنتم ترونه . وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص ~~وعلى عظم اللقم . ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له : لم تبدأ بأكل اللحم ~~الذي فوق الثريد قال : لأن اللحم ظاعن والثريد مقيم قال أبو كعب : فربما ~~نسي بعضنا فمد يده إلى القصعة وقد مد يده صاحبه إلى الماء فيقول له موسى : ~~يدك يا ناسي ولولا شيء لقلت لك : يا متغافل PageV02P052 ~~"""""" صفحة رقم 53 """""" # قال : وأتانا بارزة . ولو شاء إنسان أن يعد حبها لعده لتفرقه ولقلته . ~~قال : فنثروا عليها ليلة من ذلك مقدار نصف سكرة . فوقعت ليلتئذ في قطعة ~~وكنت إلى جنبه فسمع صوتها حين مضغتها فضرب يده على جنبي ثم قال : اجرش يا ~~أبا كعب اجرش قلت : ويلك أما تتقي الله كيف أجرش جزءا لا يتجزأ . # قصة ابن العقدى # كان ابن العقدى ربما استزار أصحابه إلى البستان . وكنت لا أظنه ممن يحتمل ~~قلبه ذلك على حال . فسألت ذات يوم بعض زواره فقلت : احك لي أمرك . قال : ~~وتستر علي قلت : نعم ما دمت بالبصرة . قال : يشتري لنا أرزا بقشره ويحمله ~~معه ليس معه شيء مما خلق الله إلا ذلك الأرز فإذا صرنا إلى أرضه كلف أكاره ~~أن يجشه في مجشة له ثم ذراه ثم غربله ثم جش الواش منه . فإذا فرغ من الشراء ~~والحمل ثم من الجش ثم من التذرية ثم من الإدارة والغربلة ثم من جش الواش ثم ~~من تذريته ثم من إدارته وغربلته كلف PageV02P053 ~~"""""" صفحة رقم 54 """""" # الأكار أن يطحنه على ثوره وفي رحاه . فإذا طحنه كلفه أن يغلي له الماء ~~وأن يحتطب له . ثم يكلفه العجن لأنه بالماء الحار أكثر نزلا . ثم كلف ~~الأكار أن يخبزه . وقبل ذلك ما قد كلفهم أن ينصبوا له الشصوص للسمك ويسكروا ~~الدرياجة على صغار السمك لا يدخلوا في السواقي فيدخلوا أيديهم في حجرة ~~الشلابي والرمان . فإن أصبنا من السمك شيئا جعله كبابا على نار ms091 الخبز تحت ~~الطابق حتى لا يحتاج من الحطب إلى كثير . فلا نزال منذ غدوة إلى الليل في ~~كد وجوع وانتظار . ثم لا يكون عشاؤنا إلا خبز أرز أسود غير منخول - ~~بالشلابي . ولو قدر على غير ذلك فعل . قلت له : فلم لا يتخذ موضع مذار من ~~بعض دقاق أرضه فيذري لكم الأرز ثم يكون الخيار في يده إن أراد أن يعجل ~~عليكم الطعام أطعمكم الفرد أو إن أحب أن يتأنى ليطعمكم الجوهري . PageV02P054 # """""" صفحة رقم 55 """""" # قال : والله لئن سمع هذا وعرفه ليتكلفه . الله الله فينا فإنا قوم مساكين ~~ولو قدرنا على شيء لم نحتمل هذا البلاء حدثني المكي قال : بت عند إسماعيل ~~بن غزوان . وإنما بيتني عنده حين علم أني تعشيت عند مويس وحملت معي قربة ~~نبيذ . فلما مضى من الليل أكثره وركبني النوم جعلت فراشي البساط ومرفقتي ~~يدي وليس في البيت إلا مصلى له ومرفقة ومخدة . فأخذ المخدة فرمى بها إلي ~~فأبيتها ورددتها عليه . وأبى وأبيت . فقال : سبحان الله يكون أن تتوسد ~~مرفقك وعندي فضل مخدة فأخذتها فوضعتها تحت خدي فمنعني من النوم إنكاري ~~للموضع ويبس فراشي . وظن أني قد نمت . فجاء قليلا قليلا حتى سل المخدة من ~~تحت رأسي . فلما رأيته قد مضى بها ضحكت وقلت : قد كنت عن هذا غنيا قال : ~~إنما جئت لأسوي رأسك قلت : إني لم أكلمك حتى وليت بها . قال : كنت لهذا جئت ~~فلما صارت المخدة في يدي نسيت ما جئت له والنبيذ - ما علمت - والله يذهب ~~بالحفظ أجمع وحدثني الحزامي والمكي والعروضي قالوا : سمعنا إسماعيل يقول : ~~أوليس قد أجمعوا على أن البخلاء في الجملة أعقل من الأسخياء في الجملة ها ~~نحن أولاء عندك جماعة فينا من PageV02P055 ~~"""""" صفحة رقم 56 """""" # يزعم الناس أنه سخي وفينا من يزعم أنه بخيل . فانظر أي الفريقين أعقل ~~هأنذا وسهل بن هارون وخاقان بن صبيح وجعفر بن سعيد والحزامي والعروضي وأبو ~~يعقوب الخريمي فهل معك إلا أبو إسحاق وحدثني المكي قال : قلت لإسماعيل مرة ~~: لم أر أحدا قط أنفق على ms092 الناس من ماله فلما احتاج إليهم آسوه . قال : لو ~~كان ما يصنعون لله رضا وللحق موافقا لما جمع الله لهم الغدر واللؤم من ~~أقطار الأرض . ولو كان هذا الإنفاق في حقه لما ابتلاهم الله - جل ذكره - من ~~جميع خلقه . حدثني تمام بن أبي نعيم قال : كان لنا جار وكان له عرس . فجعل ~~طعامه كله فالوذقا . فقيل له : إن المؤنة تعظم قال : أحتمل ثقل الغرم ~~بتعجيل الراحة لعن الله النساء ما أشك أن من أطاعهن شر منهن . PageV02P056 # """""" صفحة رقم 57 """""" # وحديث سمعناه على وجه الدهر : زعموا أن رجلا قد بلغ في البخل غايته وصار ~~إماما وأنه كان إذا صار في يده الدرهم خاطبه وناجاه وفداه واستنبطه . وكان ~~مما يقول له : كم من أرض قد قطعت وكم من كيس قد فارقت وكم من خامل رفعت ومن ~~رفيع قد أخملت لك عندي ألا تعرى ولا تضحي - ثم يلقيه في كيسه ويقول له : ~~اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا تزعج منه - وأنه لم يدخل ~~فيه درهما قط فأخرجه وأن أهله ألحوا عليه في شهوة وأكثروا عليه في إنفاق ~~درهم فدافعهم ما أمكن ذلك . ثم حمل درهما فقط . فبينا هو ذاهب إذ رأى حواء ~~قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه . فقال في نفسه : أتلف شيئا تبذل فيه ~~النفس بأكلة أو شربة والله ما هذا إلا موعظة لي من الله فرجع إلى أهله ورد ~~الدرهم إلى كيسه - فكان أهله منه في بلاء . وكانوا يتمون موته والخلاص ~~بالموت أو الحياة . PageV02P057 # """""" صفحة رقم 58 """""" # فلما مات وظنوا أنهم قد استراحوا منه قدم ابنه فاستولى على ماله وداره . ~~ثم قال : ما كان أدم أبى فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام . قالوا : ~~كان يأتدم بجبنة عنده . قال : أرونيها . فإذا فيها حز كالجدول من أثر مسح ~~اللقمة قال : ما هذه الحفرة قالوا : كان لا يقطع الجبن وإنما كان يمسح على ~~ظهره فيحفر كما ترى قال : فبهذا أهلكني وبهذا أقعدني هذا المقعد لو علمت ~~ذلك ms093 ما صليت عليه قالوا : فأنت كيف تريد أن تصنع قال : أضعها من بعيد فأشير ~~إليها باللقمة ولا يعجبني هذا الحرف الأخير لأن الإفراط لا غاية له . وإنما ~~نحكي ما كان في الناس وما يجوز أن يكون فيهم أو حجة أو طريقة . فأما مثل ~~هذا الحرف فليس مما نذكره . وأما سائر حديث هذا الرجل فإنه من البابة . قال ~~ابن جهانة الثقفية : عجبت ممن يمنع النبيذ طالبه لأن النبيذ إنما يطلب ليوم ~~فصد أو يوم حجامة أو يوم زيارة زائر أو يوم أكل سمك طري أو يوم شربة دواء . ~~ولم نر أحدا طلبه وعنده نبيذ ولا ليدخره ويحتكره ولا لبيعه ويعتقد منه . ~~وهو شيء يحسن طلبه وتحسن PageV02P058 ~~"""""" صفحة رقم 59 """""" # هبته ويحسن موقعه . وهو في الأصل كثير رخيص فما وجه منعه ما يمنعه عندي ~~إلا من لاحظ له في أخلاق الكرام وعلى أني لست أوجل - بما أهب منه - على ~~نبيذي النقصان لأني إذا احتجت عن ندمائي بقدر ما أخرجت من نبيذي رجع إلى ~~نبيذي على حاله وكنت قد تحمدت بما لا يضرني فمن ترك التحمد بما لا يضره كان ~~من التحمد بما يضره أبعد . فذكر ابن جهانة ماله من الكرم بهبة نبيذه ولم ~~يذكر ما عليه من اللؤم بحجب ندمائه . قال الأصمعي أو غيره : حمل بعض الناس ~~مدينيا على برذون فأقامه على الارى . فانتبه من نومه فوجده يعتلف . ثم نام ~~فانتبه فوجده يعتلف . فصاح بغلامه : يا بن أم بعه وإلا فهبه وإلا فرده وإلا ~~فاذبحه أنام ولا ينام يذهب بحر مالي ما أراد إلا استئصالي قال أبو الحسن ~~المدائني : كان بالمدائن تمار وكان بخيلا . وكان غلامه إذا دخل الحانوت ~~يحتال فربما احتبس . فاتهمه بأكل التمر فسأله يوما فأنكر . فدعا بقطنة ~~بيضاء ثم قال : امضغها . فمضغها . فلما أخرجها وجد فيها حلاوة وصفرة قال : ~~هذا دأبك كل يوم وأنا لا أعلم أخرج من داري PageV02P059 ~~"""""" صفحة رقم 60 """""" # وكان عندنا رجل من بني أسد إذا صعد ابن الأكار إلى نخلة له ليلقط له رطبا ~~ملأ ms094 فاه ماء . فسخروا به وقالوا له : إنه يشربه ويأكل شيئا على النخلة . ~~فإذا أراد أن ينزل بآل في يده ثم أمسكه في فيه والرطب أهون على أولاد ~~الأكرة وعلى أولاد غير الأكرة من أن يحتمل فيه أحد شطر هذا المكروه ولا ~~بعضه . قال : فكان بعدها يملأ فاه من ماء أصفر أو أحمر أو أخضر لكي لا يقدر ~~على مثله في رءوس النخل وحدثني المصري وكان جار الداردريشي وماله لا يحصى . ~~قال : فانتهر سائلا ذات يوم وأنا عنده . ثم وقف عليه آخر فانتهره إلا أن ~~ذلك بغيظ وحنق . قال : فأقبلت عليه فقلت له : ما أبغض إليك السؤال قال : ~~أجل عامة من ترى منهم أيسر مني . قال : فقلت : ما أظنك أبغضتهم لهذا . قال ~~: كل هؤلاء لو قدروا على داري لهدموها وعلى حياتي لنزعوها أنا لو طاوعتهم ~~فأعطيتهم كما سألوني كنت قد صرت مثلهم منذ زمان فكيف تظن بغضي يكون لمن ~~أرادني على هذا PageV02P060 ~~"""""" صفحة رقم 61 """""" # وكان أخوه شريكه في كل شيء . وكان في البخل مثله . فوضع أخوه في يوم جمعة ~~بين أيدينا ونحن على بابه طبق رطب يساوي بالبصرة دانقين . فينا نحن نأكل إذ ~~جاء أخوه فلم يسلم ولم يتكلم حتى دخل الدار . فأنكرنا ذلك . وكان يفرط في ~~إظهار البشر ويجعل البشر وقاية دون ماله . وكان يعلم أنه إن جمع بين المنع ~~والكبر قتل . قال : ولم نعرف علته ولم يعرفها أخوه . فلما كان الجمعة ~~الأخرى دعا أيضا أخوه بطبق رطب . فبينا نحن نأكل إذ خرج من الدار ولم يسلم ~~ولم يقف . فأنكرنا ذلك ولم ندر أيضا ما قصته . فلما أن كان في الجمعة ~~الثالثة ورأى مثل ذلك كتب إلى أخيه : يا أخي كانت الشركة بيني وبينك حين لم ~~يكثر الولد ومع الكثرة يقع الاختلاف . ولست آمن أن يخرج ولدي وولدك إلى ~~مكروه . وها هنا أموال باسمي ولك شطرها وأموال باسمك ولي شطرها وصامت في ~~منزلي وصامت في منزلك لا نعرف فضل بعض ذلك على بعض . وإن طرقنا أمر الله ما ~~ركدت ms095 الحرب بين هؤلاء الفتية وطال الصخب بين هؤلاء النسوة . فالرأي أن ~~تتقدم اليوم فيما يحسم منهم هذا السبب . فلما قرأ أخوه كتابه تعاظمه ذلك ~~وهاله وقلب الرأي ظهرا لبطن فلم يزده التقليب إلا جهلا . فجمع ولده وغلظ ~~عليهم وقال : عسى أن يكون أحد منكم قد أخطأ بكلمة واحدة أو يكون هذا البلاء ~~من جرائر النساء . PageV02P061 # """""" صفحة رقم 62 """""" # فلما عرف براءة ساحة القوم تمشى إليه حافيا راجلا فقال : ما يدعوك إلى ~~القسمة والتمييز أدع صلحاء أهل المسجد الساعة حتى أشهدهم بأني وكيل لك في ~~هذه الضياع وحول كل شيء في منزلي إلى منزلك وجرب ذلك مني الساعة . فإن ~~وجدتني أروغ وأعتل فدونك - فحاجتي الآن أن تخبرني بذنبي . قال : مالك من ~~ذنب وما من القسمة من بد . فأقام عنده فلما طال عليه الأمر وبلغ منه الجهد ~~قال له : حدثني عن وضعك أطباق الرطب وبسطك الحصر في السكك وإحضارك الماء ~~البارد وجمعك الناس على بابي في كل جمعة كأنك ظننت أنا كنا عن هذه المكرمة ~~عميا إنك إذا أطعمتهم اليم البرني أطعمتهم غدا السكر وبعد غد الهلبات . ثم ~~يصير ذلك أيام الجمع في سائر أيام الأسبوع . ثم يتحول الرطب إلى الغداء ثم ~~يؤدي الغداء إلى العشاء . ثم تصير إلى الكساء ثم الأجداء PageV02P062 ~~"""""" صفحة رقم 63 """""" # ثم الحملان ثم اصطناع الصنائع والله إني لأرثي لبيوت الأموال لخراج ~~المملكة من هذا فكيف بمال تاجر جمعه من الحبات والقراريط والدوانيق ~~والأرباع والأنصاف قال : جعلت فداك تريد ألا آكل رطبة أبدا فضلا على غير ~~ذلك فلا والله لا كلمتهم أبدا قال : إياك أن تخطئ مرتين : مرة في إطماعهم ~~فيك ومرة في اكتساب عداوتهم . أخرج من هذا الأمر على حساب ما دخلت فيه ~~وتسلم تسلم . كان أبو الهذيل أهدى إلى مويس دجاجة . وكانت دجاجته التي ~~أهداها دون ما كان يتخذ لمويس . ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجب من ~~سمنها وطيب لحمها . وكان يعرف بالإمساك الشديد . فقال : وكيف رأيت يا أبا ~~عمران تلك الدجاجة قال : كانت عجبا من ms096 العجب فيقول : وتدري ما جنسها وتدري ~~ما سنها فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسن . وتدري بأي شيء كنا نسمنها . ~~- فلا يزال في هذا والآخر يضحك ضحكا نعرفه نحن ولا يعرفه أبو الهذيل . وكان ~~أبو الهذيل أسلم الناس صدرا وأوسعهم خلقا وأسهلهمسهولة . فإن ذكروا دجاجة ~~قال : أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة فإن ذكروا بطة أو عناقا أو جزورا PageV02P063 ~~"""""" صفحة رقم 64 """""" # أو بقرة قال : فأين كانت هذه الجزور في الجزر من تلك الدجاجة في الدجاج ~~وإن استسمن أبو الهذيل شيئا من الطير والبهائم قال : لا والله ولا تلك ~~الدجاجة وإن ذكروا عذوبة الشحم قال : عذوبة الشحم في البقر والبط وبطون ~~السمك والدجاج ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج . وإن ذكروا ميلاد شيء أو قدوم ~~إنسان قال : كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة وما كان بين قدوم فلان وبين ~~البعثة بتلك الدجاجة إلا يوم . وكانت مثلا في كل شيء وتاريخا في كل شيء ~~وأقبل مرة على محمد بن الجهم وأنا وأصحابنا عنده فقال : إني رجل منخرق ~~الكفين لا أليق شيئا . ويدي هذه صناع في الكسب ولكنها في الإنفاق خرقاء كم ~~تظن من مائة ألف درهم قسمتها على الإخوان في مجلس أبو عثمان يعلم ذلك أسألك ~~بالله يا أبا عثمان هل تعلم ذلك فقلت : يا أبا الهذيل ما نشك فيما تقول - ~~فلم يرض باحتضاري هذا الكلام حتى وكان أبو سعيد المدائني إماما في البخل ~~عندنا بالبصرة . وكان من كبار المغتنين ومياسيرهم . وكان شديد العقل شديد ~~العارضة حاضر الحجة بعيد الروية . PageV02P064 # """""" صفحة رقم 65 """""" # وكنت أتعجب من تفسير أصحابنا لقول العرب في لؤم اللئيم الراضع : قال ~~أصحابنا : كل لئيم بخيل وليس كل بخيل لئيما لأن اسم اللئيم يقع على البخل ~~وعلى قلة الشكر وعلى مهانة النفس وعلى أن له في ذلك عرفا متقدما . قال أبو ~~زيد : هو لئيم وملائم . فاللئيم ما فسرت والملام الذي يقوم بعذر اللئيم . ~~فأما اللئيم الراضع فالذي لا يحلب في الإناء ويرضع الخلف مخافة أن يضيع ms097 من ~~اللبن شيء . قال ثوب بن شحمة العنبري في امرأته الهمدانية : وحديث لا مجة ~~التي حدثتني تدع الإناء تشربا للقادم القادمان : الخلفان المقدمان . فلما ~~بلغه ذلك عنها طلقها . فلما طلقها قيل له : إن البخل إنما يعيب الرجال ومتى ~~سمعت بامرأة هجيت في البخل قال : ليس ذلك بي . أخاف أن تلد لي مثلها . قال ~~رافع بن هريم : . . . . . . . . . تحلب قاعدا وتلمج أحيانا وقبعك حاضر PageV02P065 ~~"""""" صفحة رقم 66 """""" # يدعوا الله أن يجعله صاحب شاء ولا يجعله صاحب إبل وأن يرتضع من الخلف وإن ~~كان معه إناء . والعربي يماري على صاحبه فيقول : إن كنت كاذبا فاحتلبت ~~قاعدا : أي أبدلك الله بكرم الإبل لؤم الغنم . فكيف يتعجب من لؤم الراضع ~~وصنع أبو سعيد المدائني أعظم من ذلك اصطبغ من دون خل وهو قائم حتى فني ولم ~~يخرج منه قليلا ولا كثيرا . وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب الغنية والبخلاء ~~الذين يتذاكرون الإصلاح . فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الحربية في كل يوم ~~ليقتضي رجلا هناك خمسة دراهم فضلت عليه وقالوا : هذا خطأ عظيم وتضييع كثير ~~. وإنما الحزم أن يتشدد في غير تضييع . وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه بضروب ~~من البلاء . فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ له والاستفادة منه . قالوا : ~~نراك تصنع شيئا لا نعرفه والخطأ منك أعظم منه من غيرك . قد أشكل علينا هذا ~~الأمر فأخبرنا عنه فقد ضاقت صدورنا به : خبرنا عن مضيك إلى الحربية لتقتضي ~~خمسة دراهم فواحدة : PageV02P066 # """""" صفحة رقم 67 """""" # أنا لا نأمن عليك انتقاض بدنك وقد خلا ما خلا من سنك وأن تعتل فتدع ~~التقاضي الكثير بسبب القليل . وثانية : أنك إن تنصب هذا النصب فلا بد لك من ~~أن تزداد في العشاء إن كنت ممن يتعشى أو تتعشى إن وبعد فإنك تحتاج أن تشق ~~وسط السوق وعليك ثيابك والحمولة تستقبلك . فمن هاهنا نترة ومن هاهنا جذبة ~~فإذا الثوب قد أودى . ومن ذلك أن نعلك تنقب وترق وساق سراويلك تتسخ وتبلى ~~ولعلك أن تعثر في نعلك فتقدها قدا ولعلك أن تهرتها هرتا ms098 . وبعد فاقتضاء ~~القليل أدلى بك إلى هذا لو بلغت منه شيئا . وإنك أفضل إلا أنا نحب أنك تجاى ~~عن الأمر بشيء فليس كلنا يثق لك بالصواب في كل شيء . قال أبو سعيد : أما ما ~~ذكرتم من انتفاض البدن فإن الذي أخاف على بدني من الدعة ومن قلة الحركة ~~أكثر . وما رأيت أصح أبدانا من الحمالين والطوافين . والقوم قبلى إن يموتوا ~~لم يكن لهم تلك عادة . أو ليس يقول الناس : والله لفلان أصح من الجلاوزة - ~~يعني اختلاف PageV02P067 ~~"""""" صفحة رقم 68 """""" # الجلاوزة في العدو - . ولربما أقمت في المنزل لبعض الأمر فأكثر الصعود ~~والنزول خوفا من قلة الحركة . وأما التشاغل بالبعيد عن القريب فإني لا أعرض ~~للبعيد حتى أفرغ من القريب . وأما ما ذكرتم من الزيادة في الطعام فقد أيقنت ~~نفسي واطمأن قلبي على أنه ليس لنفسي عندي إلا ما لها وأنها إن حاسبتني أيام ~~النصب حاسبتها أيام الراحة فستعلم حينئذ أين أيام الحربية من أيام ثقيف ~~وأما ما ذكرتم من تلقى الحمولة ومن مزاحمة أهل السوق ومن النتر والجذب فأنا ~~أقطع عرض وأما ما ذكرتم من شأن النعل والسراويل فإني من لدن خروجي من منزلي ~~إلى أن أقرب من باب صاحبي فإنما نعلي في يدي وسروايلي في كمي فإذا صرت إليه ~~لبستهما فإذا فصلت من عنده خلعتهما فهما في ذلك اليوم أودع أبدانا وأحسن ~~حالا بقي الآن لكم مما ذكرتم شيء قالوا : لا . قال : فها هنا واحدة تفي ~~بجميع ما ذكرتم . قالوا : وما هي إذا علم القريب الدار ومن لي عليه ألوف ~~الدنانير شدة مطالبتي للبعيد الدار ومن ليس لي عليه إلا الفلوس أتي بحقي ~~ولم يطمع نفسه في مالي . وهذا تدبير PageV02P068 ~~"""""" صفحة رقم 69 """""" # يجمع لي إلى رجوع مالي طول راحة بدني . ثم أنا بالخيار في ترك الراحة ~~لأني أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت . وأخرى أن هذا القليل لو لم يكن ~~فضلة من كثير وموصلا بدين لي مشهور لجاز أن أتجافى عنه . فأما أن أدع شيئا ~~يطمع في فضول ما ms099 يبقي على الغرماء فهذا ما لا يجوز . فقاموا وقالوا بأجمعهم ~~: لا والله لا سألناك عن مشكلة حدثني أحمد المكي أخو محمد المكي - وكان ~~متصلا بأبي سعيد - نسيت القنية ونسيت صنعة المال لأعاجيب أبي سعيد وحديثه ~~قال أحمد : قلت له مرة : والله إنك لكثير المال وإنك لتعرف ما نجهل وإن ~~قميصك وسخ فلم لا تأمر بغسله قال : فلو كنت قليل المال وأجهل ما تعرف كيف ~~كان قولك لي إني قد فكرت في هذا منذ ستة أشهر فما وضح لي بعد الأمر فيه . ~~أقول مرة : الثوب إذا اتسخ أكل البدن كما يأكل الصدأ الحديد والثوب إذا ~~ترادفه العرق وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد أكل السلك وأحرق الغزل . هذا مع ~~نتن ريحه وقبح منظره . PageV02P069 # """""" صفحة رقم 70 """""" # وبعد فإني رجل آتي أبواب الغرماء وغلمان غرمائي جبابرة . فما ظنك بهم إذا ~~رأوني في أطمار وسخة وأسمال درنة وحال حداد جبهوا مرة وحجبوا مرة فيرجع ذلك ~~علينا بمضرة . من إصلاح المال أن ينفي عنه كل ما أعان على حبسه مع ما يدخل ~~من الغيظ ويلقي من كان كذلك من المكروه . فإذا اجتمعت هذه الخواطر هممت ~~نغسلها فإذا همت به عارضني معارض يوهمني أنه أتاني من جهة الحزم ومن قبل ~~العقل فقال : أول ذلك الغرم الذي يكون في الماء والصابون . والجارية إذا ~~ازدادت عناء ازدادت أكلا . والصابون نورة والنورة تأكل الثوب . وإن انحزق ~~لا يزال الثوب على خطر حتى يسلم إلى العصر والدق . ثم إذا ألقي على الرسن ~~فهو بعرض الجذبة والنترة والعلق . ولابد من الجلوس يومئذ في البيت . ومتى ~~جلست في البيت فتحوا علينا أبوابا من النفقة وأبوابا من الشهوات . والثياب ~~لابد لها من دق . فإن نحن دققناها في المنزل PageV02P070 ~~"""""" صفحة رقم 71 """""" # قطعناها . وإن نحن أسلمناها إلى القصار فغرم على غرم . وعلى أنه ربما ~~أنزل بها من المكروه ما هو أشد . وما جلست في المنزل قط إلا أرجف بي ~~الغرماء وادعوا على الأمراض والأحداث . وفي ذلك لهم فساد والتواء وطمع لم ~~يكن عندهم . فإذا ms100 أنا لبستها وقد ابيضت وحسنت وخفت وطابت تبينت عند ذلك وسخ ~~جسدي وكثرة شعري وقد كان بعض ذلك موصولا ببعض فعرفته فاستبان لي ما لم يكن ~~يستبين واكترثت لما لم أكن اكترثت له فيصير ذلك مدعاة إلى دخول الحمام . ~~فإن دخلته فغرم ثقيل مع المخاطرة بالثياب . ولي امرأة جميلة شابة . فإذا ~~رأتني قد أطليت وغسلت رأسي وبيضت ثوبي عارضتني بالتطيب وتلبس أحسن ثيابها ~~مع أمور كثيرة نسي بعضها أحمد وبعضها أنا . وكان أبو سعيد هذا مع بخله أشد ~~الناس نفسا وأحماهم أنفا . بلغ من أمره في ذلك ومن بلوغه فيه أنه أتى رجلا ~~من ثقيف يقتضيه ألف دينار وقد حل عليه المال . فكان ربما أطال عنده الجلوس ~~. ويحضر عنده الغداء فيتغدى معه . وهو في ذلك يقتضيه . فلما طال عليه المطل ~~قال له يوما وهو على خوانه : إن لهذا المال زكاة مؤداة وقد علمنا أنا حين ~~أخرجنا هذا المال من أيدينا أنه معرض للذهاب وللمنازعة الطويلة ولأن يقع PageV02P071 ~~"""""" صفحة رقم 72 """""" # في الميراث . ثم رضينا منك بالريح اليسير بالذي ظنناه بك من حسن القضاء . ~~ولولا ذلك لم نرض بهذا المال . وهذا المال إذا كان شرطه أن يرجع بعد سنة ~~فرفهت عنك بحسن المطالبة شهرا أو شهرين ثم مكث عندي إلى أن أصبت له مثلك ~~شهرا أو شهرين سحق فضله وخرج علينا فضل . ومثلك يكتفي بالقليل . وقد طال ~~اقتضائي وطال تغافلك . يقول هذا الكلام وهو في ذلك لا يقطع الأكل - فأقبل ~~عليه رجل من ثقيف فعرض له بأنه لو أراد التقاضي محضا لكان ذلك في المسجد ~~ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء . فقطع الأكل ثم نزا في وجهه الدم ~~ونظر إليه نظر الجمل الصول ثم كاد يطير ثم أقبل عليه فقال : لا أم لك أنا ~~إنما اصطبغت من دن خل حتى فني من حسن العقل . وأحببت الغنى بفضل بغضي للفقر ~~وأبغضت الفقر بفضل أنفتي من احتمال الذل . تعرض لي - لا أم لك - بأني أرغب ~~في غدائه . والله ما أكلت معه ms101 إلا ليستحي من حرمة المؤاكلة وليصير كرمه ~~سببا لتعجيل الحاجة . ثم نهض بالصك وعليه طينته فاعترض بها الحائط حتى ~~كسرها . ثم تفل في الكتاب وحك بعضه ببعض . ثم مزقه ورمى به . ثم قال لكل من ~~شهد المجلس : هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان اشهدوا جميعا أني قد قبضت ~~منه وأنه برئ من كل شيء أطالبه . ثم نهض . PageV02P072 # """""" صفحة رقم 73 """""" # فلما صنع ما صنع أقبل الغريم على صاحبه فقال : ما دعاك إلى هذا الكلام ثم ~~تقول لهذا الرجل على مائدتي وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف كيف موقع ~~الأمور منه وبعد فقد والله أردت مطله إلى أن أبيع الثمر ورجونا حلاوته . ~~فقد أحسنت إليه وأسأت إلينا وعجلت عليه ماله . اذهب يا غلام فاضرب بذلك ~~الثمر السوق فيعه بما بلغ فأخذ ماله كملا . ثم ركب إليه فأبى أن يأخذه . ~~فلما كثر الأمر في ذلك قال : أظن الذي دعا صاحبك إلى ما قال أنه عربي وأنا ~~مولى . فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال وإن لم تفعل فإني لا ~~آخذه . فجمع الثقفي كل شعوبي بالبصرة حتى طلبوا إليه حتى أخذ المال . وكان ~~أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار وأمرها أن تجمعها من دور ~~السكان وتلقيها على كساحتهم . فإذا كان في الحين جلس وجاءت الخادم ومعها ~~زبيل فعزلت بين يديه من الكساحة زبيلا ثم فتشت واحدا واحدا . فإن أصاب قطع ~~دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلي - فسبيل ذلك معروف . وأما ما ~~وجد فيه من الصوف فكان وجهه PageV02P073 ~~"""""" صفحة رقم 74 """""" # أن يباع - إذا اجتمع - من أصحاب البراذع . وكذلك قطع الأكسية . وما كان ~~من خرق الثياب فمن أصحاب الصينيات والصلاحيات . وما كان من قشور الرمان فمن ~~الصباغين والدباغين . وما كان من القوارير فمن أصحاب الزجاج . وما كان من ~~نوى التمر فمن أصحاب الحشوف . وما كان من نوى الخوخ فمن أصحاب الغرس . وما ~~كان من المسامير وقطع الحديد فللحدادين . وما كان من القراطيس فللطراز . ~~وما كان ms102 من الصحف فلرءوس الجرار . وما كان من قطع الخشب فللا كافين . وما ~~كان من قطع العظام فللوقود . وما كان من قطع الخرق فللتنانير الجدد . وما ~~كان من إشكنج فهو مجموع للبناء ثم يحرك ويثار ويخلل حتى يجتمع قماشه . ثم ~~يعزل للتنور . وما كان من قطع القار بيع من القيار . وإذا بقي التراب خالصا ~~وأراد أن يضرب منه PageV02P074 ~~"""""" صفحة رقم 75 """""" # اللبن للبيع وللحاجة إليه لم يتكلف الماء ولكن يأمر جميع من في الدار ألا ~~يتوضئوا ولا يغتسلوا إلا عليه . فإذا ابتل ضربه لبنا وكان يقول : من لم ~~يتعرف الاقتصاد تعرفي فلا يتعرض له . وذهب من ساكن له شيء كبعض ما يسرق من ~~البيوت . فقال لهم : اطرحوا الليلة ترابا فعسى أن يندم من أخذه فيلقيه في ~~التراب . ولا ينكر مجيئه إلى ذلك المكان لكثرة من يجيء لذلك . فاتفق أن طرح ~~ذلك الشيء المسروق في التراب - وكانوا يطرحونه على كناسته - فرآه قبل أن ~~يراه المسروق منه . فأخذ منه كراء الكساحة فهذا حديث أبي سعيد تمشى قوم إلى ~~الأصمعي مع تاجر كان اشترى ثمرته بخسران كان ناله وسأله حسن النظر والحطيطة ~~. فقال الأصمعي : أسمعتم بالقسمة الضيزى هي والله ما تريدون شيخكم عليه ~~اشترى مني على أن يكون الخسران علي والربح له هذا وأبيكم تجارة أبي العنبس ~~اذهبوا فاشتروا على طعام العراق على هذا الشرط على أني والله ما أدري أصادق ~~هو أم كاذب . PageV02P075 # """""" صفحة رقم 76 """""" # وها هنا واحدة وهي لكم دوني ولابد من أن أحتمل لكم إذ لم تحتملوا لي . ~~والله ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقه وتوجبون رفده . لو كنت أوجب له ~~مثل ما توجبون لقد كنت أغنيته عنكم . وأنا لا أعرفه ولا يصريني بحق . ~~فهلموا نتوزع هذه الفضلة بيننا بالسوية . هذا أحسن ممن احتمل حقا لا يجب ~~عليه في رضا من يجب ذلك عليه . فقاموا ولم يعودوا . فخرج إليه التاجر من ~~حقه وأيس مما قبله . حدثني جعفر ابن أخت واصل قال : قلت لأبي عيينة : قد ~~أحسن الذي سأل امرأته ms103 عن اللحم فقالت : أكله السنور . فوزن السنور ثم قال : ~~هذا اللحم فأين السنور قال : كأنك تعرض بي قال : قلت : إنك والله أهل ذلك : ~~شيخ قد قارب المائة وعليه فاضلة وعياله قليل ويعطي الأموال على مذاكرة ~~العلم والعلم لذته وصناعته . ثم يرقي إلى جوف PageV02P076 ~~"""""" صفحة رقم 77 """""" # منزله وأنت رجل لك في البستان ورجل في أصحاب الفسيل ورجل في السوق ورجل ~~في الكلاء : تطلب من هذا وقر جص ومن هذا وقر آجر ومن هذا قطعة ساج . ومن ~~هذا هكذا ما هذا الحرص وما هذا الكد وما هذا الشغل لو كنت شابا بعيد الأمل ~~كيف كنت تكون ولو كنت مدينا كثير العيال كيف كنت تكون وقد رأيتك فيما حدث ~~تلبس الأطمار وتمشي حافيا نصف النهار - قال : ثم أجمجم . بلغني أنك فقدت ~~قطعة بطيخ فألححت في المسألة عنها فقيل لك : أكلها السنور . فرميت بباقي ~~القطعة قدام السنور لتمتحن صدقهم من كذبهم فلما لم يأكله غرمتهم ثمن ~~البطيخة كما هي قالوا لك : كان الليل . فإن لم تكن التي أكلته من سنانير ~~الجيران PageV02P077 ~~"""""" صفحة رقم 78 """""" # وكان الذي أكله سنورنا هذا فإنك رميت إليه بالقطعة وهو شبعان منه . ~~فأنظرنا ولا تغرمنا نمتحنه في حال غير هذه . فأبيت إلا إغرامهم قال : ويلك ~~إني والله ما أصل إلى منعهم من الفساد إلا ببعض . وقد قال زياد في خطبته : ~~إني والله ما أصل منكم إلى أخذ الحق حتى أخوض الباطل إليكم خوضا . وأما ما ~~لمتني عليه اتفاقا فإنما ذهبت إلى قوله : لو أن في يدي فسيلة ثم قيل لي : ~~إن القيامة تقوم الساع لبادرتها فغرستها . وقد قال أبو الدرداء في وجعه ~~الذي مات فيه : زوجوني فإني أكره أن ألقي الله قال مكرز : العجز فراش وطئ ~~لا يستوطئه إلا الفشل الدثور . وقال عبد الله بن وهب : حب الهويني يكسب ~~النصب . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إياكم والراحة فإنها غفلة . ~~وقال : لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما أركب . وقال : تمعددوا ~~واخشوشنوا PageV02P078 ~~"""""" صفحة رقم 79 """""" # واقطعوا الركب ms104 واركبوا الخيل نزوا . وقال لعمرو بن معد يكرب حين شكا إليه ~~الحقاء : كذبت عليك الظهائر . وقال : احتفوا فإنكم لا تدرون متى تكو الحفلة ~~. وقال : إن يكن الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة . وقال لسعيد بن حاتم : احذر ~~النعمة كحذرك من المعصية ولهي أخوفهما عليك عندي . وقال : أحذركم عاقبة ~~الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل . وقال أكثم بن صيفي : ما أحب ~~أني مكفي كل أمر الدنيا . قالوا : وإن أسمنت وألبنت قال : نعم أكره عادة ~~العجز . أفتراني أدع وصايا الأنبياء وقول الخلفاء وتأديب العرب وآخذ بقولك PageV02P079 ~~"""""" صفحة رقم 80 """""" # وتغدى محمد بن الأشعث عند يحيى بن خالد . فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه ~~وبين السمن وفضل ما بين الأنفاق وزيت الماء . فقال محمد : عندي زيت لم ير ~~الناس مثله . قال يحيى : لا تؤتي منه بشيء فدعا يحيى غلامه . فقال : إذا ~~دخلت الخزانة فانظر الجرة الرابعة عن يمينك إذا دخلت فجئنا منه بشيء . قال ~~يحيى : ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه . وقرب خباز أسد بن عبد ~~الله إليه وهو على خراسان شواء قد أنضجه نضجا وكان يعجبه ما رطب من الشواء ~~. فقال لخبازه : أتظن أن صنيعك يخفى علي إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه ~~ولكن تستحلب جميع دسمه فتنتفع بذلك منه فبلغت أخاه فقال : رب جهل خير من علم PageV02P080 ~~"""""" صفحة رقم 81 """""" # وكان رجل يغشى طعام الجوهري وكان يتحرى وقته ولا يخطئ . فإذا دخل والقوم ~~يأكلون وحين وضع الخوان قال : لعن الله القدرية من كان يستطيع أن يصرفني عن ~~أكل الطعام وقد كان في اللوح المحفوظ أني سآكله فلما أكثر من ذلك قال له ~~رياح : تعال بالعشي أو بالغداة . فإن وجدت شيئا فالعن القدرية والعن آباءهم ~~وأمهاتهم وجاء غلام إلى خالد بن صفوان بطبق خوخ - إما أن يكون هدية وإما أن ~~غلامه جاء به من البستان - فلما وضعه بين يديه قال : لولا أني أعلم أنك قد ~~أكلت منه لأطعمتك واحدة وقال رمضان : كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية . وكنت ~~في الذنب وكان في ms105 الصدر . فلما جاء وقت الغداء أخرج من سلة له دجاجة وفرخا ~~واحدا مبردا . وأقبل يأكل ويتحدث ولا يعرض علي . وليس في السفينة غيري ~~وغيره فرآني أنظر إليه مرة PageV02P081 ~~"""""" صفحة رقم 82 """""" # وإلى ما بين يديه مرة . فتوهم أني أشتهيه واستبطئه . فقال لي : لم تحدق ~~النظر من كان عنده أكل مثلي ومن لك يكن عنده نظر مثلك . قال : ثم نظر إلي ~~وأنا أنظر إليه فقال : يا هناه أنا رجل حسن الأكل لا آكل إلا طيب الطعام . ~~وأنا أخاف أن تكون عينك مالحة وعين مثلك سريعة . فاصرف عني وجهك . قال : ~~فوثبت عليه فقبضت على لحيته بيدي اليسرى ثم تناولت الدجاجة بيدي اليمنى . ~~فما زلت أضرب بها رأسه حتى تقطعت في يدي ثم تحول إلى مكاني فمسح وجهه ~~ولحيته . ثم أقبل علي فقال : قد أخرتك أن عينك مالحة وأنك ستصيبني بعين قلت ~~: وما شبه هذا من العين قال إنما العين مكروه يحدث . فقد أنزلت بنا عينك ~~أعظم المكروه فضحكت ضحكا ما ضحكت مثله . وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحا ~~وحتى كأني لم أفرط عليه . هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا وما رأينا ~~بعيوننا . فأما أحاديث الأصمعي وأبي عبيدة وأبي الحسن فإني لم أجد منها ما ~~يصلح لهذا الموضع إلا ما قد كتبته في هذا الكتاب وهي بضعة عشر حديثا . PageV02P082 # """""" صفحة رقم 83 """""" # قالوا : كان للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي وهو على الكوفة جدي ~~يوضع على مائدته بعد الطعام . ولم يكن أحد يمسه إذ كان هو لا يمسه فأقدم ~~عليه أعرابي يوما ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه فلم يرض بأكل لحمه حتى تعرق ~~عظمه . فقال له المغيرة : يا هذا تطالب عظام هذا الجدي بذحل هل نطحتك أمه ~~وكان الأصمعي يقول : إنما قال : يا هذا تطالب عظام هذا البائس بذحل هل ~~نطحتك أمه . قال : وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق فقال لرجل من الشرط : ~~إن أقدمت على جدي الأمير أسقطت عنك نوبة سنة . فبلغه ذلك فشكاه إلى الحجاج ~~فعزله وولي مكانه زياد ms106 بن جديد . فكان أثقل عليه من عبد الرحمن . ولم يقدر ~~على عزله إذ كان من قبل الحجاج . فكان المغيرة إذا خطب قال : يا أهل الكوفة ~~من بغاكم الغوائل وسعى بكم إلى أميركم فلعنه الله ولعن أمه العوراء وكانت ~~أم زياد عوراء . فكان الناس يقولون : ما رأينا تعريضا قط أطيب من تعريضه . PageV02P083 # """""" صفحة رقم 84 """""" # قالوا : وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسه ولا يمسه أحد فعشي في شهر رمضان ~~قوما فيهم أشعب . فعرض أشعب للجدي من بينهم . فقال زياد : أما لأهل السجن ~~إمام يصلي بهم قالوا : لا . قال : فليصل بهم أشعب . فقال أشعب : أو غير هذا ~~- أصلح الله الأمير - قال : وما هو قال : أحلف بالمحرجات ألا آكل لحم جدي ~~أبدا قالوا : دعا عبد الملك بن قيس الذئبي رجلا من أشراف أهل البصرة . وكان ~~عبد الملك بخيلا على الطعام جوادا بالدراهم . فاستصحب الرجل ساكنا . فلما ~~رآه عبد الملك ضاق به ذرعا . فأقبل عليه فقال له : ألف درهم خير لك من ~~احتباسك علينا واحتمل غرم ألف درهم ولم يحتمل أكل رغيف وتناول أعرابي من ~~بين يدي سليمان بن عبد الملك دجاجة فقال له : يكفيك ما بين يديك وما يليك . ~~قال الأعرابي : ومنها شيء حمى قال : فخذها لا بورك لك فيها PageV02P084 ~~"""""" صفحة رقم 85 """""" # قال : وكان معاوية تعجبه القبة . وتغدى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان ~~فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية . قال معاوية : إنك لبعيد النجعة قال ~~صعصعة : من أدب انتجع وقال : دخل هشام بن عبد الملك حائطا له فيه فاكهة ~~وأشجار وثمار ومعه أصحابه . فجعلوا يأكلون ويدعون بالبركة فقال هشام : يا ~~غلام اقلع هذا واغرس مكانه الزيتون قال : وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي ~~عقيل الثقفي يأكل تمرا هو وأصحابه . فانطفأ السراج . وكانوا يلقون النوى في ~~طست . فسمع صوت نواتين فقال : من هذا الذي يلعب بكعبين وقالوا : باع حويطب ~~بن عبد العزى دارا من معاوية بخمسة وأربعين ألف دينار . فقيل له : أصبحت ~~كثير المال . قال : وما منفعة خمسة وأربعين ألفا مع ms107 ستة من العيال PageV02P085 ~~"""""" صفحة رقم 86 """""" # وقالوا : سأل خالد بن صفوان رجل فأعطاه درهما فاستقله السائل فقال : يا ~~أحمق إن الدرهم عشر العشرة وإن العشرة عشر المائة وإن المائة عشر الألف وإن ~~الألف عشر العشرة الآلاف . أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية مسلم قالوا : ~~كان بلال بن أبي بردة قد خاف الجذام وهو والي البصرة . فوصفوا له الاستنقاع ~~في السمن . وكان يفطر الناس في شهر رمضان . فكانوا يجلسون حلقا وتوضع لهم ~~الموائد . فإذا أقام المؤذن نهض بلال إلى الصلاة ويستحي الآخرون . فإذا ~~قاموا إلى الصلاة جاء الخبازون فرفعوا الطعام قال : واحتقن عمر بن يزيد ~~الأسدي بحقنة فيها أدهان . فلما أدهان . فلما حركته بطنه كره أن يأتي ~~الحلاء فتذهب تلك الأدهان . فكان يجلس في الطست ويقول : صفوا هذا فإنه يصلح للسراج PageV02P086 ~~"""""" صفحة رقم 87 """""" # قال : وخبرنا جار له قال : رأيته يتخلل من الطعام بخلال واحد شهرا كلما ~~تغدى حذف من وقالوا : كان ذراع الذراع مع خالد بن صفوان . فوضعوا بين يديه ~~دجاجة وبين يديه شيء من زيتون . فجعل يلحظ الدجاجة . فقال : كأنك تهم بها ~~قال : ومن يمنعني قال : إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء قال : ومد يده أبو ~~الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرة السعدي فقال : إذا أفردت بشيء فلا ~~تعترض لغيره . قالوا : ومات وعليه للدقاق وحده ثمانون ألف درهم لكثرة طعامه ~~وقالوا : كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملا للحجاج على البصرة . واستعمل على ~~العرق جرير بن بيهس المازني ولقب جرير العطرق . فخرج الحكم يتنزه وهو ~~باليمامة . فدعا العطرق PageV02P087 ~~"""""" صفحة رقم 88 """""" # إلى غدائه . فكل معه فتناول دراجة كانت بين يديه . فعزله وولي مكانه ~~نويرة المازني . فقال نويرة وهو ابن عم العطرق : قد كان في العرق صيد لو ~~قنعت به فيه غنى لك عن دراجة الحكم وفي عوارض لا تنفك تأكلها لو كان يشفيك ~~لحم الجزر من قرم وفي وطاب مملاة مثممة فيها الصريح الذي يشفي من القرم ~~ولما ولي مكانه نويرة بلغه أنه ابن عم له ms108 فعزله . فقال نويرة : ولا ساق ~~سراق العراقة صالح بني ولا كلفت ذنب العطرق وتناول رجل من قدام أمير كان ~~لنا ضخم بيضة فقال : خذها فإنها بيضة العقر . فلم يزل محجوبا حتى مات . PageV02P088 # """""" صفحة رقم 89 """""" # وأتي ضيعة له يتنزه إليها ومعه خمسة رجال من خاصته وقد حملوا معه طعام ~~خمسمائة وثقل عليه أن يأكلوا معه واشتد جوعه فجلس على مشارة بقل . فأقبل ~~ينتزع الفجلة فيطوي جزرتها بعرقها ثم يأكلها من غير أن تغسل من كلب الجوع ~~ويقول لواحد منهم كان أقرب الخمسة إليه مجلسا : لو ذهب هؤلاء الثقلاء لقد ~~أكلنا قالوا : وأكل عبد الرحمن بن أبي بكرة على خوان معاوية فرأى لقم عبد ~~الرحمن . فلما كان بالعشي وراح إليه أبو بكرة قال : ما فعل ابنك التلقامة ~~قال : اعتل . قال : مثله لا يعدم العلة وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي ~~فرأى له لقما منكرا وهاله ما يصنع . قال له : ما اسمك قال لقمان . قال : ~~صدق أهلك أنت لقمان قالوا : وكان له دكان لا يسع إلا مقعده وطبيقا يوضع بين ~~يديه وجعله مرتفعا ولم يجعل له عتبا كي لا يرتقي إليه أحد . قالوا : فكان ~~أعرابي يتحين وقته ويأتيه على فرس PageV02P089 ~~"""""" صفحة رقم 90 """""" # فيصير كأنه معه على الدكان . فأخذ دبة وجعل فيها حصى واتكأ عليها . فإذا ~~رأى الأعرابي قد أقبل أراه كأنه يحول متكأه . فإذا قعقعت الدبة بالحصى نفر ~~الفرس . قالوا : فلم يزل الأعرابي يدينه ويقعقع هو به حتى نفر منه فصرعه . ~~فكان لا يعود بعد ذلك إليه . # رسالة أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي إلى الثقفي # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن جلوسك إلى الأصمعي وعجبك بسهل بن ~~هارون واسترجاحك إسماعيل بن غزوان وطعمك على مويس بن عمران وخلطتك بابن ~~مشارك واختلافك إلى ابن التوأم وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه والقيام عليه ~~واصطناعه وإطنابك في وصف النرويج PageV02P090 ~~"""""" صفحة رقم 91 """""" # والتثمير وحسن التعهد والتوفير - دليل على خبئ سوء وشاهد على عيب وإدبار ~~بعد أن كنت تستثقل ذكرهم ms109 وتستشنع فعلهم وتتعجب من مذهبهم وتسرف في ذمهم . ~~وليس يلهج بذكر الجمع إلا من قد عزم على الجمع ولا يأنس بالبخلاء إلا ~~المستوحش من وفي تحفظك قول سهل بن هارون : في الاستعداد في حال المهلة وفي ~~الأخذ بالثقة وأن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة وأن الحزم كل الحزم ~~والصواب كل الصواب أن يستظهر على الحدثان وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان ~~ردءا دون صروف الزمان وأنا لا نسب إلى الحكمة حتى نحوط أصل النعمة بأن نجعل ~~دون فضولها جنة - شاهد على عجبك بمذهبه وبرهان على ميلك إلى سبيله . وفي ~~استحسانك رواية الأصمعي في أن أكثر أهل النار النساء والفقراء وأن أكثر أهل ~~الجنة البله والأغنياء وأن أرباب الدثور هم الذين ذهبوا بالأجور - برهان ~~على صحة حكمنا عليك ودليل على صواب رأينا فيك . PageV02P091 # """""" صفحة رقم 92 """""" # وفي تفضيلك كلام ابن غزوان حين قال : تنعمتم بالطعام الطيب وبالثياب ~~الفاخرة وبالشراب الرقيق وبالغناء المطرب وتنعمنا بعز الثروة وبصواب النظر ~~في العاقبة وبكثرة المال والأمن من سوء الحال ومن ذل الرغبة إلى الرجال ~~والعجز عن مصلحة العيال - فتلك لذتكم وهذه لذتنا . وهذا رأينا في التسلم من ~~الذم وذاك رأيهم في التعرض للحمد . وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال ~~ويسر باللذات الصحيح الصادق الحس . فأما الفقير فما والطعام الذي آثرتموه ~~يعود رجيعا والشراب يصير بولا والبناء يعود نقضا . والغناء ريح هابة ومسقط ~~للمروءة وسخافة تفسد ورنة تسير . فلذتكم فيما حوى لكم الفقر ونقض المروءة ~~ولذتنا فيما حوى لنا الغنى وبنى المروءة . فنحن في بناء وأنتم في هدم ونحن ~~في إبرام وأنتم في نقض ونحن في التماس العز الدائم مع فوت بعض اللذة وأنتم ~~في التعرض للذل الدائم مع فوت كل مروءة . وقد فهمنا معنى حكايتك وما لهجت ~~به من روايتك . والدليل على انتقاض طباعك وإدباز أمرك استحسانك ضد ما كنت ~~تستحسن وعشقك لما لم تزل تمقت . فبعدا وسحقا ولا يبعد الله إلا من ظلم PageV02P092 ~~"""""" صفحة رقم 93 """""" # والشاعر أبصر بكم حيث يقول ms110 : فإن سمعت بهلك للبخيل فقل : بعدا وسحقا له ~~من هالك مودى تراثه جنة للوارثين إذا أودى وجثمانه للتراب والدود وقال آخر ~~: تبلى محاسن وجهه في قبره والمال بين عدوه مقسوم والحمد لله الذي لم يمتني ~~حتى أرانيك وكيلا في مالك وأجيرا لوارثك . وهل تزيد حال من أنفق جميع ماله ~~ورأى المكروه في عياله وظهر فقره وشمت به عدوه على أكثر من انصراف المؤنسين ~~عنه وعلى بغض عياله وعلى خشونة الملبس وخشونة المأكل وهذا كله مجتمع في مسك ~~البخيل ومصبوب على هامة الشحيح ومعجل للئيم وملازم للمنوع ألا إن المنفق قد ~~ربح المحمدة وتمتع بالنعمة ولم يعطل المقدرة ووفى كل خصلة من هذه حقها ووفر ~~عليها نصيبها والممسك معذب بحصر نفسه وبالكد لغيره مع لزوم الحجة وسقوط ~~الهمة والتعرض للذم والإهانة ومع تحكيم المرة السوداء في نفسه وتسلطيها على ~~عرضه وتمكينها من عيشه وسرور قلبه . PageV02P093 # """""" صفحة رقم 94 """""" # ولقد سرى إليك عرق ولقد دخل أعراقك جور ولقد عمل فيها قادح ولقد غالها ~~غول وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف ولا من شيم أعرقت فيها قريش . ولقد ~~عرض إقراف ولقد أفسدتك هجنة . ولقد قال معاوية : من لم يكن من بني عبد ~~المطلب جوادا فهو دخيل ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو لزيق ومن لم يكن ~~من بني المغيرة تياها فهو سنيد . وقال سلم بن قتيبة : إذا رأيت الثقفي يعز ~~من غير طعام ويكسب لغير إنفاق فبهرجه ثم بهرجه . وقال بلال بن أبي بردة : ~~لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال . إن الله جواد لا يبخل ~~وصدوق لا يكذب ووفي لا يغدر وحليم لا يعجل وعدل لا يظلم . وقد أمرنا بالجود ~~ونهانا عن البخل وأمرنا بالصدق ونهانا عن الكذب وأمرنا بالحلم ونهانا عن ~~العجلة وأمرنا بالعدل ونهانا عن الظلم وأمرنا بالوفاء ونهانا عن الغدر . PageV02P094 # """""" صفحة رقم 95 """""" # فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسه ولم يزجرنا إلا عما لم يرضه لنفسه . وقد ~~قالوا بأجمعهم : إن الله أجود الأجودين وأمجد ms111 الأمجدين كما قالوا : أرحم ~~الرحمين وأحسن الخالقين . وقالوا في التأديب لسائليهم والتعليم لأجوادهم : ~~لا تجاودوا الله فإن الله - جل ذكره - أجود وأمجد . وذكر نفسه - جل جلاله ~~وتقدست أسماؤه - فقال : ) ذو الفضل العظيم ( و) ذي الطول لا إله إلا هو ( . ~~وقال : ) ذو الجلال والإكرام ( . وذكروا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقالوا : لم يضع درهما على درهم ولا لبنة على لبنة . وملك جزيرة العرب فقبض ~~الصدقات وجبيت له الأموال ما بين غدران العراق إلى شحر عمان إلى أقصى ~~مخاليف اليمن . ثم توفي وعليه دين ودرعه مرهونة . ولم يسأل حاجة قط فقال : ~~لا . وكان إذا سئل أعطى وإذا وعد أو أطمع كان وعده كالعيان وإطماعه ~~كالإنجاز . ومدحته الشعراء بالجود وذكرته الخطباء بالسماح . ولقد كان يهب ~~للرجل الواحد الضاجعة من الشاء والعرج من الإبل - وكان أكثر ما يهب الملك ~~من العرب مائة بعير فيقال : وهب هنيدة . وإنما يقال ذلك إذا أريد بالقول ~~غاية المدح - ولقد وهب لرجل ألف بعير . فلما رآها تزدحم PageV02P095 ~~"""""" صفحة رقم 96 """""" # وفخرت هاشم على سائر قريش فقالوا : نحن أطعم الطعام وأضرب للهام . وذكرها ~~بعض العلماء فقالوا : أجواد أمجاد ذوو السنة حداد . وأجمعت الأمم كلها ~~بخيلها وسخيها وممزوجها على ذم البخل وحمد الجود كما أجمعوا على ذم الكذب ~~وحمد الصدق . وقالوا : أفضل الجود الجود بالمجهود . وحتى قالوا في جهد ~~المقل وفيمن أخرج الجهد وأعطى الكل . وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على ~~من جاد بماله فقال الفرزدق : على ساعة لو كان في القوم حاتم على جوده ضنت ~~به نفس حاتم ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة وقد ~~جاد بحوبائه عند المصافنة . فما رأينا عربيا سفه حلم حاتم لجوده بجميع ماله ~~ولا رأينا أحدا منهم سفه حلم PageV02P096 ~~"""""" صفحة رقم 97 """""" # كعب على جوده بنفسه بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخرا . وجعلوا ذلك من ~~حاتم طيئ مأثرة لقحطان على عدنان ثم للعرب على العجم ثم لسكان جزيرة العرب ~~ولأهل تلك البرية على سائر الجزائر والترب . فمن أراد ms112 أن يخالف ما وصف اله ~~- جل ذكره - به نفسه وما منح من ذلك نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وما فطر ~~على تفضيله العرب قاطبة والأمم كافة لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه ~~. ولم نر الأمة أبغضت جوادا قط ولا حقرته بل أحبته وأعظمته بل أحبت عقبه ~~وأعظمت من أجله رهطه . ولا وجدناهم أبغضوا جوادا لمجاوزته حد الجود إلى ~~السرف ولا حقرته . بل وجدناهم يتعلمون مناقبه ويتدارسون محاسنه . وحتى ~~أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله ونحلوه من غرائب الكرم ما لم يكن ~~يبلغه . ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف كما تضاعف الحسنات في ~~الآخرة . نعم وحتى أضافوا إليه كل مديح شارد وكل معروف مجهول الصاحب . ثم ~~وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضد هذه الصفة PageV02P097 ~~"""""" صفحة رقم 98 """""" # وعلى خلاف هذا المذهب : وجدناهم يبغضونه مرة ويحقرونه مرة ويبغضون بفضل ~~بغضه ولده ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما ~~لم يبلغه ومن غرائب البخل ما لم يفعله . وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء ~~بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء . وعلى أنا لا نجد الجوائح إلى أموال ~~الأسخياء أسرع منها إلى أموال البخلاء ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء ~~أقل . والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط فقد يستحق عندهم ~~اسم البخيل ويستوجب الذم من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه ولا حاجة إلا قضاها ~~ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايته . وإنما يقع عليه اسم البخيل إذا كان ~~زاهدا في كل ما أوجب الشكر ونوه وقد يعلق البخيل على نفسه من المؤن ويلزمها ~~من الكلف ويتخذ من الجواري والخدم ومن الدواب والحشم ومن الآنية العجيبة ~~ومن البزة الفاخرة . والشارة الحسنة ما يربى على نفقة السخي المثري ويضعف ~~على جود الجواد الكريم . فيذهب ماله وهو PageV02P098 ~~"""""" صفحة رقم 99 """""" # مذموم ويتغير حاله وهو ملوم . وربما غلب عليه حب القيان واستهتر بالخصيان ~~. وربما أفرط في حب الصيد واستولى عليه حب المراكب . وربما كان ms113 إتلافه في ~~العرس والخرس والوليمة وإسرافه في الإعذار وفي العقيقة والوكيرة . وربما ~~ذهبت أمواله في الوضائع والودائع . وربما كان شديد البخل شديد الحب للذكر ~~ويكون بخله أوشج ولؤمه أقبح فينفق أمواله ويتلف خزائنه ولم يخرج كفافا ولم ~~ينج سليما . كأنك لم تر بخيلا مخدوعا وبخيلا مضعوفا وبخيلا مضياعا وبخيلا ~~نفاجا وبخيلا ذهب ماله في البناء وبخيلا ذهب ماله في الكيمياء وبخيلا أنفق ~~ماله في طمع كاذب وعلى أمل خائب وفي طلب الولايات والدخول في القبالات ~~وكانت فتنته بما يؤمل من الإمرة فوق فتنته بما قد حواه من الذهب والفضة . PageV02P099 # """""" صفحة رقم 100 """""" # قد رأيناه ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كل يوم وعنده في كل يوم ~~عرس ولأن يطعن طاعن في الإسلام أهون عليه من أن يطعن طاعن في الرغيف الثاني ~~ولشق عصا الدين وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع والجوائح عليهم ~~أكلب لأنهم أقل توكلا وأسوأ بالله ظنا . والجواد إما أن يكون متوكلا وإما ~~أن يكون أحسن بالله ظنا . وهو على كل حال بالمتوكل أشبه وإلى ما أشبهه أنزع ~~. وكيفما دار أمره ورجعت الحال به فليس ممن يتكل على حزمه ويلجأ إلى كيسه ~~ويرجع إلى جودة احتياطه وشدة احتراسه . واعتلال البخيل بالحدثان وسوء الظن ~~بتقلب الزمان إنما هو كناية عن سوء الظن بخالق الحدثان وبالذي يحدث الأزمان ~~وأهل الزمان . وهل تجري الأحداث إلا على تقدير المحدث لها وهل تختلف ~~الأزمنة إلا على تصريف من دبرها أولسنا وإن جهلنا أسبابها فقد أيقنا بأنها ~~تجري إلى غاياتها PageV02P100 ~~"""""" صفحة رقم 101 """""" # والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة ~~منهم أو طبيعة فيهم أنك قد تجد الملك بخيلا ومملكته أوسع وخرجه أدر وعدوه ~~أسكن . وتجد أحزم منه جوادا وإن كانت مملكته أضيق وخرجه أقل وعدوه أشد حركة ~~. وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس مرة وروية وأذهلهم عن معرفة العاقبة . فلو ~~كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدهم وتكون الروم أبخل من الصقالبة وكان ينبغي في ms114 ~~الرجال في الجملة وكان ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلا أعقل من أشد الأجواد ~~عقلا وكان ينبغي للكلب - وهو قالوا : هو أسخى من لا فظة والأم من كلب على ~~جيفة والأم من كلب على عرق . وقالوا : أجع كلبك يتبعك ونعم كلب في بؤس أهله ~~ونشهد أن محمدا عبده ورسوله PageV02P101 ~~"""""" صفحة رقم 102 """""" # سمن كلبك يأكلك وأحرص من كلب على عقي صبي وأجوع من كلبة حومل ولهو أبذأ ~~من كلب حش فلان من خرء الكلب واخسأ كما يقال للكلب وكالكلب في الآرى : لا ~~هو يعتلف ولا هو يترك الدابة تعتلف . وقال الشاعر : سرت ما سرت من ليلها ثم ~~عرست على رجل بالعرج ألأم من كلب وقال الله جل ذكره : ) فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ( . وكان ينبغي في هذا القياس أن يكون ~~المراوزة أعقل البرية وأهل خراسان أدرى البرية . ونحن لا نجد الجواد يفر من ~~اسم السرف إلى الجود كما نجد البخيل يفر من اسم البخل إلى الاقتصاد . ونجد ~~الشجاع يفر من اسم المنهزم والمستحي يفر من اسم الخجل . ولو قيل PageV02P102 ~~"""""" صفحة رقم 103 """""" # لخطيب ثابت الجنان : وقاح لجزع - فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع ~~المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة - إلا الجواد لقد كان ~~في ذلك ما يبين قدره ويظهر فضله . المال فاتن والنفس راغبة والأموال ممنوعة ~~وهي على ما منعت حريصة . وللنفوس في المكاثرة علة معروفة لأن من لا فكرة له ~~ولا روية موكل بتعظيم ذي الثروة وإن لم تكن منه منالة . وقد قال الأول : ~~وزادها كلفا بالحب أن منعت أحب شيء إلى الإنسان ما منعا وفي بعض كتب الفرس ~~: كل عزيز تحت القدرة فهو ليل . وقالت معاذة العدوية : كل مقدور عليه فمقلي ~~أو محقور . PageV02P103 # """""" صفحة رقم 104 """""" # ولو كانوا لأولادهم يجمعون ولهم يكدون ومن أجلهم يحرصون لجعلوا لهم كثيرا ~~مما يطلبون ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون . وهذا بعض ما بغض بعض ~~المورثين إلى الوارثين وزهد الأخلاف في طول ms115 عمر الأسلاف . ولو كانوا ~~لأولادهم يمهدون ولهم يجمعون لما جمع الخصيان الأموال ولما كنز الرهبان ~~الكنوز ولاستراح العاقر من ذل الرغبة ولسلم العقيم من كد الحرص . وكيف ونحن ~~نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتل به والذي من أجله كان يجمع على حاله ~~في الطلب والحرص وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع . والعامة لم تقصر ~~في الطلب والحكرة والبخلاء لم يحدوا شيئا من جهدهم ولا أعفوا بعد قدرتهم ~~ولا قصروا في شيء من الحرص والحصر لأنهم في دار قلعة وبعرض نقلة . حتى لو PageV02P104 ~~"""""" صفحة رقم 105 """""" # فالبخيل مجتهد والعامي غير مقصر . فمن لم يستعن على ما وصفنا بطبيعة قوية ~~وبشهوة شديدة وبنظر شاف كان إما عاميا وإما بخيلا شقيا - ففيم اعتلالهم ~~بأولادهم واحتجاجهم بخوف التلون من أزمنتهم قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لوافد كذب عنده كذبة وكان جوادا : لولا خصلة ومقك الله عليها لشردت ~~بك من وافد قوم . وقيل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : هل لك في بيض النساء ~~وأدم الإبل قال : ومن هم قال : بنو مدلج . قال : يمنعني من ذاك قراهم الضيف ~~وصلتهم الرحم . وقال لهم أيضا : إذا نحروا ثجوا وإذا لبوا عجوا . وقال ~~للأنصار : من سيدكم قالوا : الحر بن قيس على أنه يزن فينا ببخل فقال : وأي ~~داء أدوأ من البخل ثم جعله من أدوإ الداء . وقال للأنصار : أما والله ما ~~علمتكم إلا لتكثرون عند PageV02P105 ~~"""""" صفحة رقم 106 """""" # الفزع وتقلون عند الطمع . وقال : كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر . وقال : ~~لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى ثالثا ولا يشبع ابن آدم إلا التراب ~~ويتوب الله على من تاب . وقال : السخاء من الحياء والحياء من الإيمان . ~~وقال : إن الله جواد يحب الجود . وقال : أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش ~~إقلالا . وقال : لا توكي فيوكي عليك . وقال : لا تحص فيحصى عليك . وقالوا : ~~لا ينفعك من زاد ما تبقى . ولم يسم الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن ~~يضع من أقدارهما ومن فتنة ms116 الناس بهما . وقال لقيس بن عاصم : إنما لك من ~~مالك ما أكلت فأفنيت وما لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت . وما سوى ذلك ~~فللوارث . PageV02P106 # """""" صفحة رقم 107 """""" # وقال النمر بن تولب : وحثت على جمع ومنع ونفسها لها في صروف الدهر حق ~~كذوب وكائن رأينا من كريم مرزإ أخي ثقة طلق اليدين وهوب شهدت وفاتوني . ~~وكنت حبستني فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي أعاذل إن يصبح صداي بقفرة بعيدا ~~نآني صاحبي وقريبي ترى أن ما أبقيت لم أك ربه وأن الذي أمضيت كان نصيبي وذي ~~إبل يسعى ويحسبها له أخي نصب في رعيها ودءوب وذي وغدا رب سواه يسوقها وبدل ~~أحجار وجال قليب PageV02P107 ~~"""""" صفحة رقم 108 """""" # وقال أيضا : قامت تباكي أن سبأت لفتية زقا وخابية بعود مقطع وقريت في ~~مقري قلائص أربعا وقريت بعد قرى قلائص أربع أتبكيا من كل شيء هين سفه بكاء ~~العين ما لم تدمع لا تطرديهم عن فراشي إنه لابد يوما أن سيخلو مضجعي هلا ~~سألت بعادياء وبيته والخيل والخمر التي لم تمنع وقال الحارث بن حلزة : بينا ~~الفتى يسعى ويسعى له تاح له من أمره خالج PageV02P108 ~~"""""" صفحة رقم 109 """""" # يترك ما رقح من عيشه يعبث فيه همج هامج لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا ~~تدري من الناتج وقال الهذلي : إن الكرام مناهبو نعم المجد كلهم فناهب أخلف ~~وأتلف كل شي ء ذرعته الريح ذاهب وقالت امرأة : أنت وهبت الفتية السلاهب ~~وإبلا يحار فيها الحالب وغنما مثل الجراد الهارب متاع أيام وكل ذاهب وقال ~~تميم بن مقبل : PageV02P109 # """""" صفحة رقم 110 """""" # وقال الخطيئة : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله ~~والناس وجاء في الأثر : إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة . ~~وفي المثل : اصنع الخير ولو إلى كلب : وقال في الحث على القليل فضلا على ~~الكثير : قال الله جل ذكره : ) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره ( . وقالت عائشة في حبة عنب : إن فيها لمثاقيل ذر . ولذلك ~~قالوا في ms117 المثل : من حقر حرم . وقال سلم بن قتيبة : يستحي أحدهم من تقريب ~~القليل من الطعام ويأبى أعظم منه . وقال : جهد المرء أكثر من عفوه . وقدم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جهد المقل على عفو المكثر وإن كان مبلغ ~~جهده قليلا ومبلغ عفو المكثر كثيرا . وقالوا : لا يمنعك من معروف صغره . ~~وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : اتقوا النار ولو بشق تمرة . وقال : لا ~~تحقروا اللقمة فإنها تعود كالجبل العظيم لقول الله جل ذكره : ) يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات ( . وقال : لا تردوه ولو بصلة حبل . PageV02P110 # """""" صفحة رقم 111 """""" # وقالت العرب : أتاكم أخوكم يستتمكم فأتموا له . وقالوا : مانع الإتمام ~~ألوم . وقالوا : البخيل إن سأل ألحف وإن سئل سوف . وقالوا : إن سئل جحد وإن ~~أعطى حقد . وقالوا : يرد قبل أن يسمع ويغضب قبل أن يفهم . وقالوا : البخيل ~~إذا سئل ارتز وإذا سئل الجواد اهتز . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~( ينادي كل يوم مناديان من السماء : يقول أحدهما : اللهم عجل لمنفق خلفا ~~ويقول الآخر : اللهم عجل لممسك تلفا ) . وقالوا : شر الثلاثة المليم يمنع ~~دره ودر غيره . وقال الله جل ذكره : ) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ( ~~. وقالوا في المثل - إن ألجأك الدهر إلى بخيل : شر ما ألجأك إلى مخة عرقوب ~~. وقال : النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( قل العدل وأعط الفضل ) . وقال ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أنهاكم عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع ~~وهات ) . وقال الله عز وجل : ) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا ( . وقال : ) لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ( . وقال : ) ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح PageV02P111 ~~"""""" صفحة رقم 112 """""" # نفسه فأولئك هم المفلحون } . وقالوا في الصبر على النائبة وفي عاقبة ~~الصبر : عند الصباح يحمد القوم السري . وقالوا : الغمرات ثم ينجلين . وقال ~~الخريمي : ودون الندى في كل قلب ثنية بها مصعد حزن ومنحدر سهل وود الفتى في ~~كل نيل ينيله - إذا ما انقضى - لو أن نائله جزل وقالوا : خير الناس خير ~~الناس للناس وشر الناس شر ms118 الناس للناس . وقالوا : خير مالك ما نفعك . ~~وقالوا عجبا لفرط الكبرة مع شباب الرغبة كلنا يأمل مدا في الأجل والمنايا ~~هي آفات الأمل وقال عبيد الله بن عكراش : زمن خون ووارث شفون وكاسب زون . PageV02P112 # """""" صفحة رقم 113 """""" # فلا تأمن الخون وكن وارث الشفون . وقال : يهرم ابن آدم ويشب معه خصلتان : ~~الحرص والأمل . وكانوا يعيبون من يأكل وحده وقالوا : ما أكل ابن عمر وحده ~~قط . وقالوا : ما أكل الحسن وحده قط . وسمع مجاشع الربعي قولهم : الشحيح ~~أعذر من الظالم فقال : أخزى الله أمرين خيرهما الشح . وقال بكر بن عبد الله ~~المزني : لو كان هذا المسجد مفعما بالرجال ثم قيل لي : من خيرهم لقلت : ~~خيرهم لهم . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ألا أنبئكم بشراركم ~~قالوا : بلى يا رسول الله قال : من نزل وحده ومنع رفده وجلد عبده ) . وقالت ~~امرأة عند جنازة رجل : أما والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك . فلما ~~بلغت الرسالة ابن التوأم كره أن يجيب أبا العاص لما في ذلك من المناقشة ~~والمباينة وخاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك . فكتب هذه وبعث بها إلى ~~الثقفي : PageV02P113 # """""" صفحة رقم 114 """""" # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا ~~وتنويهه بأسمائنا وتشنيعه علينا . وليس يمنعنا من جوابه إلا أنه إن أجابنا ~~لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني أحق بالترك من جوابنا له على قوله ~~الأول . فإن نحن جعلنا لابتدائه جوابا وجعلنا لجوابه الثاني جوابا خرجنا ~~إلى التهاتر وصرنا إلى التخابر . ومن خرج إلى ذلك فقد رضي باللجاج حظا ~~وبالسخف نصيبا . وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى . ومن ~~وقاه الله سوء التكفي وسخفه وعصمه من سوء التصميم ونكده فقد اعتدلت طباعه ~~وتساوت خواطره . ومن قامت أخلاطه على الاعتدال وتكافأت خواطره في الوزن لم ~~يعرف من الأعمال إلا الاقتصاد ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير ~~والإفراط لأن الموزون لا يولد PageV02P114 ~~"""""" صفحة رقم 115 """""" # إلا موزونا كما أن ms119 المختلف لا يولد إلا مختلفا . فالمتابع لا يثنيه زجر ~~وليست له غاية دون التلف . والمتكفي ليس له مأتى ولا جهة ولا له رقية ولا ~~فيه حيلة . وكل متلون في الأرض فمنحل العقد ميسر لكل ريح . فدع عنك خلطة ~~الإمعة فإنه حارص لا خير فيه واجتنب ركوب الجموح ذي النزوات فإن غايته ~~القتل الزؤاف ولا في الحرون ذي التصمم . والمتلون شر من المصمم إذ كنت لا ~~تعرف له حالا يقصد إليها ولا جهة يعمل عليها . ولذلك صار العاقل يخدع ~~العاقل ولا يخدع الأحمق لأن أبواب تدبير العاقل وحيلة معروفة وطرق خواطره ~~مسلوكه ومذاهبه محصورة معدودة . وليس لتدبير الأحمق وحيله جهة واحدة من ~~أخطأها كذب . والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد . والخبز الكاذب عن الشيء ~~الواحد لا يحصى له عدد ولا يوقف منه على حد . والمصمم قتله بالإجهاز ~~والمتلون قتله بالتعذيب . فإن قلنا فليس إليه نقصد وإن احتججنا فليسنا عليه ~~نرد . ولكنا إليك نقصد بالقول وإليك نريد بالمشورة . PageV02P115 # """""" صفحة رقم 116 """""" # وقد قالوا : احفظ سرك فإن سرك من دمك . وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون ~~قوام نفسك . قال المنجاب العنبري : ليس بكبير ما أصلحه المال . وفقد الشيء ~~الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور . ولهذا قالوا في الإبل : لو لم يكن ~~فيها إلا أنها رقوء الدم - فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون ~~. وقد قضوا بأن حفظ المال أشد من جمعه . ولذلك قال الشاعر : وحفظك مالا قد ~~عنيت بجمعه أشد من الجمع الذي أنت طالبه ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها حين ~~قال له البائع : دفعتها إليك بطيئة الإجابة عظيمة المؤنة . - قال : دفعتها ~~إليك بطيئة الاجتماع سريعة التفرق . والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى ~~الدنيا . واعلم أن التخلص من نزوات الدرهم وتقلبه - من سكر الغنى - وتفلته ~~شديد . فلو كان إذ تفلت كان حارسه صحيح العقل PageV02P116 ~~"""""" صفحة رقم 117 """""" # سليم الجوارح لرده في عقاله ولشده بوثاق . ولكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه بقدر ~~قلقه في ولا تغتر يقولهم : مال صامت فإنه ms120 أنطق من كل خطيب وأنم من كل نمام ~~. فلا تكترث بقولهم : هذين الحجرين فتتوهم جمودهما وسكونهما وقلة ظعنهما ~~وطول إقامتهما فإن عملهما وهما ساكنان ونقضهما للطبائع وهما ثابتان أكثر من ~~صنيع السم الناقع والسبع العادي . فإن كنت لا تكتفي بصنيعه حتى تمده ولا ~~تحتال فيه حتى يحتال له فالقبر خير لك من الفقر والسجن خير لك من الذل . ~~وقولي هذا مرة يعقب حلاوة الأبد . فخذ لنفسك بالثقة . فقولك الماضي حلو ~~يعقب مرارة الأبد . فخذ لنفسك بالثقة . ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب ~~العود أحزم منك فإن الشاعر يقول : أني أتيح لها حرباء تنضبة لا يرسل الساق ~~إلا ممسكا ساقا PageV02P117 ~~"""""" صفحة رقم 118 """""" # واحذر أن تخرج من مالك درهما حتى ترى مكانه خيرا منه . ولا تنظر إلى ~~كثرته فإن رمل عالج فلو أخذ منه ولم يرد عليه لذهب عن آخره . إن القوم قد ~~أكثروا في ذكر الجود وتفضيله وفي ذكر الكرم وتشريفه وسموا السرف جودا ~~وجعلوه كرما . وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنفج وكيف والعطاء ~~لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق وليس وراء الحق إلى الباطل كرم . وإذا ~~كان الباطل كرما كان الحق لؤما . والسرف - حفظك الله - معصية . وإذا كانت ~~معصية الله كرما كانت طاعته لؤما . ولئن جمعهما اسم واحد وشملهما حكم واحد ~~ومضادة الحق للباطل كمضادة الصدق للكذب والوفاء للغدر والجور للعدل والعلم ~~للجهل ليجمعن هذه الخصال اسم واحد وليشملنها حكم واحد . وقد وجنا الله عاب ~~السرف وعاب الحمية وعاب المعصية . ووجدناه خص السرف بما لم يخص به الحمية ~~لأنه ليس حب المرء لرهطه من المعصية ولا أنفقته من الضيم من حمية الجاهلية ~~. وإنما المعصية ما جاوز الحق والحمية المعيبة ما تعدى القصد . فوجدنا اسم ~~الأنفة قد يقع محمودا ومذموما وما وجدنا اسم المعصية ولا اسم السرف يقع ~~أبدا إلا مذموما . PageV02P118 # """""" صفحة رقم 119 """""" # وإنما يسر باسم السرف جاهل لا علم له أو رجل إنما يسر به لأن أحدا لا ~~يسميه مسرفا حتى يكون عنده قد ms121 جاوز حد الجود وحكم له بالحق ثم أردفه ~~بالباطل . فإن سر من غير هذا الوجه فقد شارك المادح في الخطإ وشاكله في وضع ~~الشيء في غير موضعه . وقد أكثروا في ذكر الكرم . وما الكرم إلا كبعض الخصال ~~المحمودة التي لم يعدمها بعض الذم . وليس شيء يخلوا من بعض النقص والوهن . ~~وقد زعم الأولون أن الكرم يسبب الغبا وأن الغبا يسبب البله وأنه ليس وراء ~~البله إلا العته . وقد حكوا عن كسرى أنه قال : احذروا صولة الكريم إذا جاع ~~واللئيم إذا شبع - وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف أم جاع وكذب وضرع وأسف . ~~وسواء جاع فظلم غيره أم جاع فظلم نفسه . والظلم لؤم . وإن كان الظلم ليس ~~بلؤم فالإنصاف ليس بكرم . فالجود إذا كان لله كان شكرا له والشكر كرم . ولن ~~يكون الجود - إذا كان معصية - كرما . فكيف يتكرم من PageV02P119 ~~"""""" صفحة رقم 120 """""" # يتوصل بأياديك إلى معصيتك وبنعمتك إلى سخطك فليس الكرم إلا الطاعة . وليس ~~اللؤم إلا المعصية وليس بجود ما جاوز الحق وليس بكرم ما خالف الشكر . ولئن ~~كان مجاوز الحق كريما ليكونن المقصر دونه كريما . فإن قضيتم بقول العامة ~~فالعامة ليست بقدوة . وكيف يكون قدوة من لا ينظر ولا يحصل ولا يفكر ولا ~~يمثل وإن قضيتم بأقاويل الشعراء وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء فما ~~قبحوه مما لا يشك في حسنه أكثر من أن نقف عليه أو نتشاغل باستقصائه . على ~~أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر كما أنه ليس ببخل إلا ما أوجب اللؤم . ولن ~~تكون العطية نعمة على المعطى حتى تراود بها نفس ذلك المعطى . ولن يجب عليه ~~الشكر إلا مع شريطة القصد . وكل من كان جوده يرجع إليه ولولا رجوعه إليه ~~لما جاد عليك ولو تهيأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك - فإنما جعلك ~~معبرا لدرك حاجته ومركبا لبلوغ محبته . ولولا بعض القول لوجب لك عليه حق ~~يجب به الشكر . فليس يجب لمن كان كذلك شكر وإن انتفعت بذلك منه إذا كان ~~لنفسه عمل لأنه ms122 لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك لما تخطاه إليك . PageV02P120 # """""" صفحة رقم 121 """""" # وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على النفع في حجة العقل - الذي إن ~~جاد عليك فلك جاد ونفعك أراد من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع على ~~جهة من الجهات وهو الله وحده لا شريك له . فإن شكرنا للناس على بعض ما قد ~~جرى لنا على أيديهم فإنما هو لأمرين : أحدهما التعبد وقد نعبد الله بتعظيم ~~الوالدين وإن كانا شيطانين وتعظيم من هو أسن منا وإن كنا أفضل منه . والآخر ~~لأن النفس ما لم تحصل الأمور وتميز المعاني فالسابق إليها حب من جرى لها ~~على يده خير وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها . ووجدنا عطية الرجل لصاحبه ~~لا تخلوا أن تكون لله أو لغير الله . فإن كانت لله فثوابه على الله . وكيف ~~يجب علي في حجة العقل شكره وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني ~~- وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر . فإذا كان الأمر كذلك فإنما جعلني سلما ~~إلى تجارته وسببا إلى بغيته أو يكون إعطاؤه إياي من طريق الرحمة والرقة ~~ولما يجد في فؤاده من الغصة والألم فإن كان لذلك أعطى فإنما داوى نفسه من ~~دائه وكان كالذي رفه من خناقه . وإنه كان إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني ~~أو اجترار معونتي ونصرتي فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصلنا . PageV02P121 # """""" صفحة رقم 122 """""" # فلاسم الجود موضعان : أحدهما حقيقة والآخر مجاز . فالحقيقة ما كان من ~~الله والمجاز المشتق له من هذا الاسم . وما كان لله كان ممدوحا وكان لله ~~طاعة . فإذا لم تكن العطية من الله ولا لله فليس يجوز هذا فيما سموه جودا ~~فما ظنك بما سموه سرفا أفهم ما أنا مورده عليك وواصفه لك : إن التربح ~~والتكسب والإستئكال بالخديعة والطعم الخبيثة فاشية غالبة ومستفيضة ظاهرة . ~~على أن كثيرا ممن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرم وغلى الصيانة والتوقي ~~ليأخذ من ذلك بنصيب واف . فما ظنك بدهماء الناس وجمهورهم بل ما ms123 ظنك ~~بالشعراء والخطباء الذين إنما تعلموا المنطق لصناعة التكسب وهؤلاء قوم ~~بودهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حد السلامة غلى الغفلة حتى لا يكون ~~للأموال حارس ولا دونها مانع . فاحذرهم ولا تنظر إلى بزة أحدهم فإن المسكين ~~أقنع منه ولا تنظر غل موكبه فإن السائل أعف منه . واعلم أنه مسك مسكين وإن ~~كان في ثياب جواد وروحه روح نذل وإن كان في جرم ملك . وإن اختلفت وجوه ~~مسألتهم واختلفت أقدار مطالبهم فهو مسكين . إلا أن واحدا يطلب العلق وآخر ~~يطلب الخرق وآخر PageV02P122 ~~"""""" صفحة رقم 123 """""" # يطلب الدوانيق وآخر يطلب الألوف . فجهة هذا هي جهة هذا وطعمة هذا هي طعمة ~~هذا . وإنما يختلفون في أقدار ما يطلبون على قدر الحذق والسبب . فأحذر ~~رقاهم وما نصبوا لك من الشرك واحرس نعمتك وما دسوا لها من الدواهي . واعمل ~~على أن سحرهم يسترق الذهن ويختطف البصر . قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : إن من البيان لسحرا . وسمع عمر بن عبد العزيز رجلا يتكلم في حاجة ~~فقال : هذا والله سحر الحلال . وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~لا خلابة - واحذر احتمال مديحهم فإن محتمل المديح في وجهه كمادح نفسه . إن ~~مالك لا يسع مريديه ولا يبلغ رضا طالبيه . ولو أرضيتهم بإسخاط مثلهم لكان ~~ذلك خسرانا مبينا . فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى وهجاء الساخط أضر من فقد ~~مديح الراضي . وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم وتداولوك بسهامهم لم تر ممن ~~أرضيته بإشخاطهم أحدا يناضل عنك ولا يهاجي شاعرا دونك . بل يخليك غرضا ~~لسهامهم ودريئة لنبالهم . ثم يقول : وما كان عليه لو أرضاهم فكيف يرضيهم ~~ورضا الجميع شيء لا ينال PageV02P123 ~~"""""" صفحة رقم 124 """""" # إني أحذرك مصارع المخدوعين وأرفعك عن مضاجع المغبونين . إنك لست كمن لم ~~يزل يقاسي تعذر الأمور ويتجرع مرارة العيش ويتحمل ثقل الكد ويشرب بكأس الذل ~~حتى كان يمرن على ذلك جلده ويسكن عليه قلبه . وفقر مثلك مضاعف الألم وجزع ~~من لم يعرف الألم أشد . ومن لم يزل فقيرا فهو لا يعرف ms124 الشامتين ولا يدخله ~~المكروه من سرور الحاسدين ولا يلام على فقره ولا يصير موعظة لغيره وحديثا ~~يبقى ذكره ويلعنه بعد الممات ولده . ودعني من حكايات المستأكلين ورقي ~~الخادعين فما زال الناس يحفظون أموالهم من مواقع السرف ويخبئونها من وجوه ~~التبذير . ودعني مما لا نراه إلا في الأشعار المتكلفة والأخبار المولدة ~~والكتب الموضوعة . فقد قال بعض أهل زماننا : ذهبت المكارم إلا من الكتب فخذ ~~فيما تعلم ودع نفسك مما لا تعلم . هل رأيت أحدا قط أنفق ماله على قوم كان ~~غناهم سبب فقره أنه سلم عليهم حين افتقر فردوا عليه - فضلا على غير ذلك ~~أولست قد رأيتهم بين محمق ومحتجب عنه وبين من يقول : فهلا أنزل حاجته بفلان ~~الذي كان يفضله ويقدمه ويؤثره ويخصه - ثم لعل بعضهم أن يتجنى عليه ذنوبا ~~ليجعلها عذرا PageV02P124 ~~"""""" صفحة رقم 125 """""" # في منعه وسببا إلى حرمانه . قال الله جل ذكره : ) يوم يكشف عن ساق ويدعون ~~إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى ~~السجود وهم سالمون ( . فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر والأمر والنهي ~~وأنت سالم العقل والعرض وافر المال حسن الحال . فاتق أن أقوم غدا على رأسك ~~بالتقريع والتعبير والتوبيخ والتأنيب وأنت عليل القلب مختل العرض . عديم من ~~المال سيئ الحال . ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيوف لأن الوقت ~~قصير والحس مغمور . ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة وتطول المدة وتعجز ~~الحيلة ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عم شامتا وجارا حاسرا ووليا قد تحول ~~عدوا وزوجة مختلعة وجارية مستبيعة وعبدا يحقرك وولدا ينتهرك . فانظر أين ~~موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك من البلاء على أن الثناء طعم ولعلك ~~ألا تطعمه والحمد أرزاق ولعلك ألا تحرمه . PageV02P125 # """""" صفحة رقم 126 """""" # وما يضيع من إحسان الناس أكثر . وعلى أن الحفظ قد ذهب بموت أهله . ألا ~~ترى أن الشعر لما كسد أفحم أهله ولما دخل النقص على كل شيء أخ الشعر منه ~~بنصيبه ولما تحولت الدولة في العجم - والعجم لا تحوط ms125 الأنساب ولا تحفظ ~~المقامات - لأن من كان في الريف والكفاية وكان مغمورا بسكر الغنى كثر ~~نسيانه وقلت خواطره . ومن احتاج تحركت همته وكثر تنقيره . وعيب الغني أنه ~~يورث البلادة وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر . وإن أنت صحبت الغني بإهمال ~~النفس أسكرك الغني . وسكر الغني سبة المستأكلين وتهمة الخداعين . وإن كنت ~~لا ترضى بحظ النائم وبعيش البهائم وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثري ومع ~~عز الغني وسرور القدرة فطنة المخف وخواطر المقل ومعرفة الهارب واستدلال ~~الطالب - اقتصدت في الإنفاق وكنت معدا للحدثان ومحترسا من كل خداع . PageV02P126 # """""" صفحة رقم 127 """""" # لست تبلغ حيل لصوص النهار وحيل سراق الليل وحيل طراق البلدان وحيل أصحاب ~~الكيمياء وحيل التجار في الأسواق والصناع في جميع الصناعات وحيل أصحاب ~~الحروب وحيل المستأكلين والمتكسبين ولو جمعت الخبر والسحر والتمائم والسم ~~لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلا وأعرض وأسرى في عمق البدن وأدخل إلى ~~سويداء القلب وإلى أم الدماغ وإلى صميم الكبد ولهي أدق مسلكا وأبعد غاية من ~~العرق الساري والشبه النازع ولو اتخذت الحيطان الرفيعة الثخينة والأقفال ~~المحكمة الوثيقة ولو اتخذت الممارق والجواسق والأبواب الشداد والحرس ~~المتناوبين بأغلظ المؤن وأشد الكلف وتركت التقدم فيما هو أحضر ضررا وأدوم ~~شرا ولا غرم عليك في الحراسة فيه ولا مشقة عليك في التحفظ منه . PageV02P127 # """""" صفحة رقم 128 """""" # إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سم الخياط جعلوا فيه نهجا ولقي رحبا . ~~فأحكم بابك ولو جعلت الباب مبهما والقفل مصمتا لتسوروا عليك من فوقك . ولو ~~رفعت سمكة إلى العيوق لنقبوا عليك من تحتك . قال أبو الدرداء : نعم صومعة ~~المؤمن بيته . وقال ابن سيرين : العزلة عبادة . حلاوة حديثهم تدعو إلى ~~الاستكثار منهم وتدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم . فمن ذلك قول بعضهم لبعض ~~أصحابه : كل رخلة واشرب مشعلا ثم تجشأ واحدة لو أن عليها رحى لطحنت ومن ذلك ~~قول الآخر حين دخل على قوم وهم يشربون وعندهم قيلن فقالوا : اقترح أي صوت ~~شئت قال : أقترح نشيش مقلي PageV02P128 ~~"""""" صفحة رقم 129 """""" # ومن ذلك قول ms126 المديني : من تصبح بسبع موزات وبقدح من لبن الأوراك تجشأ ~~بخور الكعبة . ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء وقدامهم خبيص : أيما أطيب هذا أو ~~الفالوذج أواللوزينج قال : لا أقضي على غائب . ومن ذلك كلام الجارود بن أبي ~~سبرة لبلال بن أبي بردة حين قال له : صف لي عبد الأعلى وطعامه . قال : ~~يأتيه الخباز فيمثل بين يديه فيقول : ما عندك فيقول : عندي جدي كذا وعناق ~~كذا وبطة كذا - حتى يأتي على جميع ما عنده . قال : وما يدعوه إلى هذا قال : ~~ليقتصر كل امرئ في الأكل حتى إذا أتي بالذي يشتهي بلغ منه حاجته . قال : ثم ~~ماذا قال : ثم يؤتى بالمائدة فيتضايقون حتى يخوي تخوية الظليم . فيجدون ~~ويهزل حتى إذا فتروا أكل أكل الجائع المقرور . PageV02P129 # """""" صفحة رقم 130 """""" # وقال آخر : أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل ورقطاء من الحمص ذات جفافين من ~~اللحم لها جناحان من العراق أضرب فيها ضرب اليتيم عند وصي السوء وسئل بعضهم ~~عن حظوظ البلدان في الطعام وما قسم لكل قوم منه فقال : ذهبت الروم بالجشيم ~~والحشو وذهبت فارس بالبارد والحلو . وقال عمر : لفارس الشفارج والحموض . ~~فقال دوسر المديني : لنا الهرائس والقلايا ولأهل البدو اللبأ والسلاء ~~والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد . وقد قال الشاعر : ألا ~~ليت خبزا قد تسربل رائبا وخيلا من البرني فرسانها الزبد ولهم البرمة ~~والخلاصة والحيس والوطيئة . PageV02P130 # """""" صفحة رقم 131 """""" # وقال أعرابي : أتينا ببر كأفواه البعران فخبزنا منه خبزة زيت في النار ~~فجعل الجمر يتحدر عنها تحدر الحشو عن البطان . ثم ثردناها فجعل الثريد يجول ~~في الإهالة جولان الضبعان في ونعت السويق بأنه من عدد المسافر وطعام ~~العجلان وغذاء المبكر وبلغة المريض . يشد فؤاد الحزين ويرد من نفس المحدود ~~. وحيد في السمين ومنعوت في الطيب . قفاره يجلو البلغم ومسمونه يصفي الدم ~~إن شئت كان ثريدا وإن شئت كان خبيصا وإن شئت كان طعاما وإن شئت كان شرابا . ~~وقيل لبعض هؤلاء اللعامظة والمستأكلين والسفافين المقفعين ورئي سمينا : ما ~~أسمنك قال : أكلي الحار وشربي القار والاتكاء على ms127 شمالي وأكلي من غير مالي . PageV02P131 # """""" صفحة رقم 132 """""" # وقد قال الشاعر : وإن امتلأ البطن في حسب الفتى قليل الغناء وهو في الجسم ~~صالح وقيل لآخر : ما أسمنك قال : قلة الفكرة وطول الدعة والنوم على الكظة . ~~وقال الحجاج للغضبان بن القبعثري : ما أسمنك قال : القيد والرتعة . ومن كان ~~في ضيافة الأمير سمن . وقيل لآخر : إنك لحسن السمنة . قال : آكل لباب البر ~~وصغار المعز وأدهن بخام البنفسج وألبس الكتان . والله لو كان من يسأل يعطى ~~لما قام كرم العطية بلؤم المسألة . ومدار الصواب على طيب المكسبة والاقتصاد ~~في النفقة . وقد قال بعض العرب : اللهم إني أعوذ بك من بعض الرزق حين رأى ~~نافجة من ماله من صداق أمه . وأي سائل كان ألحف مسألة من الخطيئة وألأم ومن ~~ألأم من جرير بن الخطفي وأبخل ومن أمنع من كثير وأشح من ابن هرمة ومن كان ~~يشق غبار PageV02P132 ~~"""""" صفحة رقم 133 """""" # ابن أبي حفصة ومن كان يصطلي بنار أبي العتاهية ومن كأبي نواس في بخله أو ~~كان كأبي يعقوب الخريمي في دقة نظره وكثرة كسبه ومن كان أكثر نحرا لجزرة لم ~~تخلق من ابن هرمة وأطعن برمح لم ينبت وأطعم لطعام لم يزرع من الخريمي فأين ~~أنت عن ابن يسير وأين تذهب عن ابن أبي كريمة ولم تقصر في ذكر الرقاشي ولم ~~تذكر سره إن الأعرابي شر من الحاضر سائل جبار وثابة ملاق إن مدح كذب وإن ~~هجا كذب وإن سب كذب وإن طمع كذب . لا يعرفه إلا نطف أو أحمق ولا يعطيه غلا ~~من يحبه ولا يحبه غلا من هو في طباعه . PageV02P133 # """""" صفحة رقم 134 """""" # ما أبطأكم عن البذل في الحق وأسرعكم إلى البذل في الباطل فإن كنتم ~~الشعراء تفضلون وإلى قولهم ترجعون فقد قال الشاعر : قليل المال تصلحه فيبقى ~~ولا يبقى الكثير على الفساد وقد قال الشماخ بن ضرار : وقال أحيحة بن الجلاح ~~: استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب من ابن عم ولا عم ولا خال إني أكب على ~~الزوراء أعمرها إن ms128 الكريم على الأقوام ذو مال وقال أيضا : استغن عن كل ذي ~~قربى وذي رحم إن الغني من استغنى عن الناس والبس عدوك في رفق وفي دعة لباس ~~ذي إربة للدهر لباس ولا يغرنك أضغان مزملة قد يضرب الدبر الدامي بأحلاس ~~وقال سهل بن هارون : إذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي من أن يراني غنيا عنه بالياس PageV02P134 ~~"""""" صفحة رقم 135 """""" # فلا يراني إذا لم يرع آصرتي مستمر يا دررا منه بإبساس لا أطلب المال كي ~~أغني بفضلته ما كان مطلبه فقرا إلى الناس وقال أبو العتاهية : أنت ما ~~استغنيت عن صا - حبك الدهر أخوه فلو أني أشاء نعمت بالا وباكرني صبوح أو ~~نشيل ولاعبني على الأنماط لعس على أنيابهن الزنجبيل ولكني خلقت إزاء مال ~~فأبخل بعد ذلك أو أنيل وقال آخر : أبا مصلح أصلح ولا تك مفسدا فإن صلاح ~~المال خير من الفقر ألم تر أن المرء يزداد عزة على قومه أن يعلموا أنه مثري ~~وقال عروة بن الورد : ذريني للغنى أسعى فإني رأيت الناس شرهم الفقير PageV02P135 ~~"""""" صفحة رقم 136 """""" # وأبعدهم وأهونهم عليهم وإن أمسى له نسب وخير ويقصى في الندى وتزدريه ~~حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ~~ذنبه والذنب جم ولكن الغني رب غفور وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ~~فلعلي أن يكثر المال عندي ويعرى من المغارم ظهري ويرى أعبد لنا وأواق ~~ومناصيف من خوادم عشر وتجر الأذيال في نعمة زو ل تقولان : ضع عصاك لدهر وى ~~كأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر ويجنب سر النجى ولكن أخا ~~الفقر محضر كل شر PageV02P136 ~~"""""" صفحة رقم 137 """""" # وقال آخر : وللمال مني جانب لا أضيعه وللهو مني والبطالة جانب وقال ~~الأخنس بن شهاب : وقد عشت دهرا والغواة صحابتي أولئك إخواني الذين أصاحب ~~فأديت عني ما استعرت من الصبا وللمال مني اليوم راع وكاسب وقال ابن أذينة ~~الثقفي : أطعت العرس في الشهوات حتى أعادتني عسيفا عبد عبد ms129 إذا ما جئتها قد ~~بعت عتقا تعانق أو تقبل أو تفدى من يجمع المال ولا يثبه ويترك العام لعام ~~جدبه يهن على الناس هوان كلبه وقد قيل في المثل : الكد قبل المد وقال لقيط ~~: الغزو أدر للقاح وأحد للسلاح . PageV02P137 # """""" صفحة رقم 138 """""" # وقال أبو المعافى : وإن التواني أنكح العجز بنته وساق إليها حين زوجها ~~مهرا فراشا وطيئا ثم قال لها : اتكي فقصركما - لابد - أن تلدا الفقرا وقال ~~عثمان بن أبي العاص : ساعة لدنياك وساعة لآخرتك . وقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : أنهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال . وقال : ~~خير الصدقة ما أبقى غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول . ~~وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الثلث . والثلث كثير إنك إن تدع ~~ولدك أغنياء خير من أن يتكففوا الناس ) . وقال ابن عباس : وددت أن الناس ~~غضوا من الثلث شيئا لقول النبي عليه السلام : الثلث . والثلث كثير . وقال ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت . وأنتم ~~ترون أن المجد والكرم أن أفقر نفسي بإغناء غيري وأن أحوط عيال غيري بإضاعة ~~عيالي كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا PageV02P138 ~~"""""" صفحة رقم 139 """""" # وقال آخر : كمفسد أدناه ومصلح غيره ولم يأتمر في ذاك أمر صلاح وقال آخر : ~~كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بنيها ولم ترقع بذلك مرقعا وقال الله تبارك وتعالى ~~: ) ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ( . وقال : ) ~~ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ( . فأذن في العفو ولم يأذن في الجهد وأذن ~~في الفضول ولم يأذن في الأصول . وأراد كعب بن مالك أن يتصدق بماله . فقال ~~له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : أمسك عليك مالك . فالنبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يمنعه من إخراج ماله في الصدقة وأنتم تأمرونه بإخراجه في السرف ~~والتبذير وخرج غيلان بن سلمة من جميع ماله فأكرهه عمر على الرجوع فيه وقال ~~: لو مت لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبي رغال . وقال الله جل وعز : ) لينفق ذو ~~سعة من سعته ms130 ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ( . وقال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : يكفيك ما بلغك المحل . وقال : ما قل وكفى خير مما PageV02P139 ~~"""""" صفحة رقم 140 """""" # كثر وألهى . وقال الله تبارك وتعالى : ) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما ( . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إن ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى . وقال الله جل ذكره : ) ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ( . ولذلك قالوا : ~~خير مالك ما نفعك وخير الأمور أواسطها وشر السير الحقحقة والحسنة بين ~~السيئتين . وقالوا : دين الله بين المقصر والغالي . وقالوا حنيفة المثل : ~~بينهما يرمى الرامي . وقالوا : عليك بالسداد والاقتصاد ولا وكس ولا شطط . ~~وقالوا : بين الممخة والعجفاء . وقالوا : لا تكن حلوا فتبتلع ولا مرا فتلفظ ~~. وقالوا في المثل : ليس الري عن التشاف . وقالوا : يا عاد اذكر حلا . ~~وقالوا : الرشف أنقع للظمآن . وقالوا : القليل الدائم أكثر من الكثير PageV02P140 ~~"""""" صفحة رقم 141 """""" # المنقطع . وقال أبو الدرداء : إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهة أن أحمل ~~عليها من الحق ما ملها . وقال الشاعر : وإني لحلو تعتريني مرارة وإني لصعب ~~الرأس غير جموح وقالوا في عدل المصلح ولائمة المقتصد : الشحيح أعذر من ~~الظالم . وقالوا : ليس من العدل سرعة العذل . وقالوا : لعل له عذرا وأنت ~~تلوم . وقالوا : رب لائم مليم . وقال الأحنف : رب ملوم لا ذنب له . وقال : ~~إعطاء السائل تضرية وإعطاء الملحف مشاركة . وقال النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : لا تصلح المسألة إلا في ثلاث : فقر مدقع وغرم مفظع ودم موجع . ~~وقال الشاعر : الحر يلحى والعصا للعبد وليس للملحف غير الرد وقالوا : إذا ~~جد السؤال جد المنع . وقالوا : احذر إعطاء المخدوعين وبذل المغبونين فإن ~~المغبون لا محمود ولا مأجور . ولذلك قالوا : لا تكن أدنى العيرين إلى السهم ~~. يقول : PageV02P141 # """""" صفحة رقم 142 """""" # إذا أعطيت السائلين مالك صارت مقاتلك أظهر لأعدائك من مقاتلهم . وقالوا : ~~الفرار بقراب أكيس . وقال أبو الأسود : ليس من العز أن تتعرض للذل ولا من ~~الكرم أن ms131 تستدعي اللؤم . ومن أخرج ماله من يده افتقر ومن افتقر فلا بد له ~~من أن يضرع والضرع لؤم . وإن كان الجود شقيق الكرم فالأنفة أولى بالكرم . ~~وقد قال الأول : اللهم لا تنزلي ماء سوء فأكون امرأ سوء . وقد قال الشاعر : ~~واخط مع الدهر إذا ما خطا واجر مع الدهر كما يجري وقد قال الآخر : يا ليت ~~لي نعلين من جلد الضبع وشركا من ثغرها لا تنقطع وقد صدق قول القائل : من ~~احتاج اغتفر ومن اقتضى تجوز . وقيل لريسيموس : PageV02P142 # """""" صفحة رقم 143 """""" # تأكل في السوق قال : إن جاع ريسيموس في السوق أكل في السوق . وقال : من ~~أجدب انتجع ومن جاع جشع . وقال : احذروا نفار النعمة فإنها نوار وليس كل ~~شارد بمردود ولا كل ناد بمصروف وقال علي بن أبي طالب : قلما أدبر شيء فأقبل ~~. وقالوا : رب أكلة تمنع أكلات ورب عجلة تهب ريثا . وعابوا من قال : أكلة ~~وموتة . وقالوا : لا تطلب أثرا بعد عين . وقالوا : لا تكن كمن تغلبه نفسه ~~على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن . فانظر كيف تخرج الدرهم ولم تخرجه . ~~وقالوا : شر من المررئة سوء الخلف . وقال الشاعر : إن يكن ما به أصبت جليلا ~~فذهاب العزاء فيه أجل ولأن تفتقر بجائحة نازلة خير لك من أن تفتقر بجناية ~~مكتسبة . ومن كان سببا لذهاب وفره لم تعدمه الحسرة من نفسه واللائمة من ~~غيره وقلة الرحمة وكثرة الشماتة مع الإثم PageV02P143 ~~"""""" صفحة رقم 144 """""" # الموبق والهوان على الصاحب . وذكر عمر بن الخطاب فتيان قرش وسرفهم في ~~الإنفاق ومسابقتهم في التبذير فقال : لخرقة أحدهم أشد علي من عيلته يقول : ~~إن إغناء الفقير أهون علي من إصلاح الفاسد . ولا تكن على نفسك أشأم من ~~خوتعة وعلى أهلك أشأم من البسوس وعلى قومك أشأم من عطر مشم . ومن سلط ~~الشهوات على ماله وحكم الهوى في ذات يده فبقي حسيرا فلا يلومن إلا نفسه . ~~وطوبى لك يوم تقدر على قديم تنتفع به . وقال بعض الشعراء : أرى كل قوم ~~يمنعون حريمهم وليس لأصحاب النبيذ حريم ms132 أخوفهم إذا ما دارت الكأس بينهم ~~وكلهم رث الوصال سئوم فهذا بياني لم أقل بجهالة ولكنني بالفاسقين عليم وقد ~~كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد . فأما اليوم فقد استوى الناس . PageV02P144 # """""" صفحة رقم 145 """""" # قال الأضبط بن قريع لما انتقل في القبائل فأساءوا جواره بعد أن تأذى ببني ~~سعد : بكل وا بنو سعد . خذ بقولي ودع قول أبي العاص . وخذ بقول من قال : عش ~~ولا تغتر وبقول من قال : لا تطلب أثرا بعد عين وبقول من قال : املأ حبك من ~~أول مطرة ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك . أخوك من صدقك ومن أتاك من جهة ~~عقلك ولم يأتك من جهة شهوتك . وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك ولم تأمن ~~لائمته إياك في غدك . إن أخاك الصدق من لن يخدعك ومن يضير نفسه لينفعك وقال ~~عبيد بن الأبرص : واعلمن علما يقينا أنه ومن يرجى لك من ليس معك PageV02P145 ~~"""""" صفحة رقم 146 """""" # ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك وعين من عقلك على طباعك أو ما كان ~~لك أخ نصيح ووزير شفيق . والزوجة الصالحة عون صدق . والسعيد من وعظ بغيرة . ~~فإن أنت لم ترزق من هذا الخصال صل واحدة فلابد لك من نكبة موجعة يبقى أثرها ~~ويلوح لك ذكرها . ولذلك قالوا : خير مالك ما نفعك . ولذلك قالوا : لم يذهب ~~من مالك ما وعظك . إن المال محروص عليه ومطلوب في قعر البحار وفي رءوس ~~الجبال وفي دغل الغياض ومطلوب في الوعورة ا يطلب في السهولة . وسواء فيها ~~بطون الأودية وظهور الطرق ومشارق الأرض ومغاربها . فطلبت بالعز وطلبت بالذل ~~وطلبت بالوفاء وطلبت بالغدر وطلبت بالنسك كما طلبت بالفتك وطلبت بالصدق كما ~~طلبت بالكذب وطلبت بالبذاء وطلبت بالملق - فلم تترك فيها حيلة ولا رقية حتى ~~طلبت بالكفر بالله كما طلبت بالإيمان . وطلبت بالسخف كما طلبت بالنبل . فقد ~~نصبوا الفخاخ بكل موضع ونصبوا الشرك بكل ربع . وقد طلبك من لا يقصر دون ~~الظفر . وحسدك من لا ينام دون الشفاء . وقد يهدأ الطالب ms133 الطوائل والمطلوب ~~بذات نفسه ولا يهدأ الحريص . يقال إنه ليس في الأرض بلدة واسطة ولا بادية ~~شاسعة ولا طرف من الأطراف إلا وأنت واجد بها PageV02P146 ~~"""""" صفحة رقم 147 """""" # المديني والبصري والحيري . وقد ترى شنف الفقراء للأغنياء وتسرع الرغبة ~~إلى الملوك وبغض الماشي للراكب وعموم الحسد في المتفاوتين . وإن لم تستعمل ~~الحذر وتأخذ بنصيبك من المداراة وتتعلم الحزم وتجالس أصحاب الاقتصاد وتعرف ~~الدهور - ودهرك خاصة - وتمثل لنفسك الغير حتى تتوهم نفسك فقيرا ضائعا وحتى ~~تتهم شمالك على يمينك وسمعك على بصرك ولا يكون أحد أتهم عند نفسك من ثقتك ~~ولا أولى بأخذ الحذر منه من أمينك - اختطفت اختطافا واستلبت استلابا وذوبوا ~~مالك وتحيفوه وألزموه السل ولم يداووه . وقد قالوا : بلي المال ربه وإن كان ~~أحمق . فلا تكونن دون ذلك الأحمق . وقالوا : لا تعدم صناع ثلة . فلا تكونن ~~دون تلك الصناع . وقد قال الأول في المال المضيع المسلط عليه شهوات العيال ~~: ليس لها راع ولكن حلبة . وليس مالك المال المعفى من الأضراس فيقال فيه : ~~مرعى ولا أكولة وعشب ولا بعير . فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم ببطنك وبحوائجك ~~وبما ينوبك . ولا بقاء للمال على قلة الرعي وكثرة الحلب . PageV02P147 # """""" صفحة رقم 148 """""" # فكس في أمرك وتقدم في حفظ مالك فإن من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين . ~~والأكرمان : الدين والعرض . وقد قيل : للرمي يراش السهم وعند النطاح تغلب ~~القرناء . وإذا رأت العرب مستأكلا وافق غمرا قالت : ليس عليك نسجه فاسحب ~~وخرق . وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الناس كلهم سواء ~~كأسنان المشط والمرء كثير بأخيه ) ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك ما يرى ~~لنفسه . فتعرف شأن أصحابك ومعنى جلسائك . فإن كانوا في هذه الصفة فاستعمل ~~الحزم وإن كانوا في خلاف ذلك عملت على حسب ذلك . إني لست أمرك إلا بما أمرك ~~به القرآن . ولست أوصيك إلا بما أوصاك به الرسول . ولا أعظك إلا بما وعظ به ~~الصالحون بعضهم بعضا . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( اعقلها ~~وتوكل ) . وقال مطرف ms134 بن الشخير : من نام تحت صدف مائل وهو ينوي التوكل ~~فليرم بنفسه من طمار وهو ينوي التوكل فأين التوقي الذي أمر الله به وأين ~~التغرير الذي PageV02P148 ~~"""""" صفحة رقم 149 """""" # نهى عنه ومن طمع في السلامة من غير تسلم فقد وضع الطمع في موضع الأماني . ~~وإنما ينجز الله الطمع إذا كان فيما أمر به وإنما يحقق من الأمل ما كان هو ~~المسبب له . وفر عمر من الطاعون فقال له أبو عبيدة : أتفر من قدر الله قال ~~نعم إلى قدر الله وقيل له : هل ينفع الحذر من القدر فقال : لو كان الحذر لا ~~ينفع لكان الأمر به لغوا . فإبلاء العذر هو التوكل . وقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لرجل قال في خصومة : حسبي الله : أبل الله عذرا فإذا ~~أعجزك أمر فقل : حسبي الله . وقال الشاعر : ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا من ~~المال يطرح نفسه كل مطرح ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجة ومبلغ نفس عذرها مثل ~~منجح وقال الآخر : فإن لم يكن القاضي قضى غير عادل فبعد أمور لا ألوم لها ~~نفسي وقال زهير البابي : إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالي أيقنت ~~بالخلف وجعلت الخلف مالا يرجع في كيسي ومتى ما لم أحفظه أيقنت بأنه محفوظ ~~فإني أشهدكم أني لم أتوكل قط . إنما التوكل أن تعلم أنك متى أخذت بأدب الله ~~أنك تتقلب في الخير فتجزى بذلك PageV02P149 ~~"""""" صفحة رقم 150 """""" # إما عاجلا وإما آجلا - ثم قال : فلم تجر أبو بكر ولم تجر عمر ولم تجر ~~عثمان ولم تجر الزبير ولم تجر عبد الرحمن ولم علم عمر الناس يتجرون وكيف ~~يشترون ويبيعون ولم قال عمر : إذا اشتريت جملا فاجعله ضخما فإن لم يبعه ~~الخبر باعه المنظر ولم قال عمر : فرقوا بين المنايا واجعلوا الرأس رأسين . ~~ولم قال عثمان حين سئل عن كثرة أرباحه قال : لم أرو من ربح قط . ولم قيل : ~~لا تشتر عيبا ولا شيبا وهل حجر علي بن أبي طالب على ابن أخيه عبد الله بن ~~جعفر إلا ms135 في إخراج المال في غير حقه وإعطائه في هواه وهل كان ذلك إلا في ~~طلب الذكر والتماس الشكر وهل قال أحد : إن إنفاقه كان في الخمور والقمار ~~وفي الفسولة والفجور وهل كان إلا فيما تسمونه جودا وتعدونه كرما ومن رأى أن ~~يحجر على الكرام لكرمهم رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم . وأي إمام بعد أبي ~~بكر تريدون وبأي سلف بعد علي تفتدون . PageV02P150 # """""" صفحة رقم 151 """""" # وكيف نرجو الوفاء والقيام بالحق والصبر على النائبة من عند لعموظ مستأكل ~~وملاق مخادع ومنهوم بالطعام شره لا يبالي بأي شيء أخذ الدرهم ومن أي وجه ~~أصاب الدينار ولا يكترث للمنة ولا يبالي أن يكون أبدا منهوما منعوما عليه ~~وليس يبالي - إذا أكل - كيف كان ذلك الطعام وكيف كان سببه وما حكمه فإن كان ~~مالك قليلا فإنما هو قوام عيالك وإن كان كثيرا فاجعل الفاضل لعدة نوائبك . ~~ولا يأمن الأيام إلا المضلل ولا يغتر بالسلامة إلا المغفل . فأحذر طوارق ~~البلاء وخدع رجال الدهاء . سمنك في أديمك وغثك خير من سمين غيرك لو وجدته ~~فكيف ودونه أسل حداد وأبواب شداد قالت امرأة لبعض العرب : إن تزوجتني كفيتك ~~فأنشأ يقول : وما خير مال ليس نافع أهله وليس لشيخ الحي في أمره أمر وقال ~~المعلوط القريعي : أبا هانئ لا تسأل الناس والتمس بكفيك ستر الله فالله ~~واسع فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا إذا قلت : هاتوا أن يملوا فيمنعوا PageV02P151 ~~"""""" صفحة رقم 152 """""" # ثم رجع الحديث إلى البخلاء وإلى طرف معانيهم وكلامهم . قال ابن حسان : ~~كان عندنا رجل مقل وكان له أخ مكثر وكان مفرط البخل شديد النفح فقال له ~~يوما أخوه : ويحك أنا فقير معيل وأنت غني خفيف الظهر لا تعينني على الزمان ~~ولا تواسيني ببعض مالك ولا تتفرج لي عن شيء والله ما رأيت قط ولا سمعت أنحل ~~منك قال : ويحك ليس الأمر كما تظن ولا المال كما تحسب ولا أنا كما تقول في ~~البخل ولا في اليسر والله لو ملكت ألف ألف درهم لوهبت لك خمسمائة ألف ms136 درهم ~~. يا هؤلاء فرجل يهب في ضربة واحدة خمسمائة الف درهم يقال له : بخيل وأما ~~صاحب الثريدة البلقاء فليس عجبي من بلقة ثريدته وسائر ما كان يظهر على ~~خوانه كعجبي من شيء واحد وكيف ضبطه وحصره وقوي عليه مع كثرة أحاديثه وصنوف ~~مذاهبه وذلك أني في كثرة ما جالسته وفي كثرة ما كان فيه يفنن من الأحاديث ~~لم أره خبر أن رجلا وهب لرجل درهما واحدا فقد كان يفنن في الحزم والعزم وفي ~~الحلم والعلم وفي جميع المعاني إلا ذكر الجود فإني لم أسمع هذا الاسم منه ~~قط : خرج هذا الباب من لسانه كما خرج من قلبه PageV02P152 ~~"""""" صفحة رقم 153 """""" # ويؤكد ما قلت ما حدثني به طاهر الأسير فإنه قال : ومما يدل على أن الروم ~~أبخل الأمم أنك لا تجد للجود في لغتهم اسما . يقول : إنما يسمى الناس ما ~~يحتاجون إلى استعماله . ومع الاستغناء يسقط التكلف . وقد زعم ناس أن مما ~~يدل على غش الفرس أنه ليس للنصيحة في لغتهم اسم واحد يجمع المعاني التي يقع ~~عليها هذا الاسم . وقول القائل : نصيحة ليس يراد به سلامة القلب فقد يكون ~~أن يكون الرجل سليم الصدر ولم يحدث سبب من أجله يقصد إلى المشورة عليك ~~بالذي هو أرد عليك - على حسب رأيه فيك - وجها لنفعك . ففي لغتهم اسم ~~للسلامة واسم لإرادة الخير وحسن المشورة وحملك بالرأي على الصواب . ~~فللنصيحة عندهم أسماء مختلفة إذا اجتمعت دلت على ما يدل عليه الاسم الواحد ~~في لغة العرب . فمن قضى عليهم بالغش من هذا الوجه فقد ظلم . وحدثني إبراهيم ~~بن عبد العزيز قال : تغديت مع راشد الأعور فأتونا بجام فيه بيان سبخي الذي ~~يقال له الدراج فجعلت آخذ الواحدة فأقطع رأسها ثم أعزله ثم أشقها PageV02P153 ~~"""""" صفحة رقم 154 """""" # باثنين من قبل بطنها فآخذ شوكة الصلب والأضلاع فأعزلها وأرمي بما في ~~بطنها وبطرف الذنب والجناح . ثم أجمعها في لقمة واحدة وآكلها . وكان راشد ~~يأخذ البياحة فيقطعها قطعتين فيجعل قطعة في لقمة لا يلقي رأسا ولا ذنبا - ~~فصبر ms137 لي على لقم عدة . فلما بلغت المجهود منه قال : أي بني إذا أكلت الطعام ~~فكل خيره بشره قال : وكان يقول : لم أنتفع بأكل التمر إلا مع الزنج وأهل ~~أصبهان . فأما الزنجي فإنه لا يتخير وأنا أتخير . وأما الأصبهاني فإنه يقبض ~~القبضة ولا يأكل من غيرها ولا ينظر إلى ما بين يديه حتى يفرغ من القبضة . ~~وهذا عدل . والتخير قرفة وجور . لا جرم أن الذي يبقى من التمر لا ينتفع به ~~العيال إذا كان قدام من يتخير . وكان يقول : ليس من الأدب أن تجول يدك في ~~الطبق وإنما هو تمر وما أصاب . وزعم سري بن مكرم وهو ابن أخي موسى بن جناح ~~قال : كان موسى يأمرنا ألا نأكل ما دام أحد منا مشغولا بشرب الماء وطلبه . ~~فلما رآنا لا نطاوعه دعا ليلة بالماء ثم خط بإصبعه خطا وأحاديثه في صدر هذا ~~الكتاب . وهذا منها . PageV02P154 # """""" صفحة رقم 155 """""" # وقال المكي لبعض من كان يتعشى ويفطر عند الباسياني : ويحكم كيف تسيغون ~~طعامه وأنتم تسمعونه يقول : ) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا ( . ثم ترونه لا يقرؤها إلا وأنتم على العشاء ولا يقرأ غير هذه الآية ~~. أنتم والله ضد الذي قال : ألبان إبل تعلة بن مسافر ما دام يملكها على ~~حرام وطعام عمران بن أوفى مثله ما دام يسلك في البطون طعام إن الذين يسوغ ~~في أعناقهم زاد يمن عليهم للئام قال : فمتى تعجب أعجب من خمسين رجلا من ~~العرب فيهم أبو رافع الكلابي وهو شاعر ندى يفطرون عند أبي عثمان الأعور . ~~فإفطاري من طعام نصراني أشد من إفطاري من طعام مسلم يقرأ القرآن ويقول الحق ~~. وحدثني أبو المنجوف السدوسي قال : كنت مع أبي ومعنا شيخ من موالي الحي . ~~فمررنا بناطور على نهر الأبلة ونحن تعبون . فجلسنا إليه . فلم يلبث أن ~~جاءنا بطبق عليه رطب سكر وجيسوان أسود فوضعه بين أيدينا . فأكل الشيخ الذي ~~كان معنا . فلما رأيت أبي PageV02P155 ~~"""""" صفحة رقم 156 """""" # لا يأكل لم آكل وبي إلى ذلك حاجة . فأقبل ms138 الناطور على أبي فقال : لم لا ~~تأكل قال : والله إني لأشتهيه . ولكن لا أظن صاحب الأرض أباح لك طعام الناس ~~من الغريب . فلو جئتنا بشيء من السهريز والبرني لأكلنا . فقال مولانا وهو ~~شيخ كبير السن : ولكني أنا لم أنظر في شيء من هذا قط . قال المكي : دخل ~~إسماعيل بن غزوان إلى بعض المساجد يصلي . فوجد الصف تاما فلم يستطع أن يقوم ~~وحده . فجذب ثوب شيخ في الصف ليتأخر فيقوم معه . فلما تأخر الشيخ ورأى ~~الفرج تقدم فقام في موضع الشيخ وترك الشيخ قائما خلفه ينظر في قفاه ويدعو ~~الله عليه . وكان ثمامة يحتشم أن يقعد على خوانه من لا يأنس به . ومن رأيه ~~أن يأكل بعض غلمانه معه . فحبس قاسم التمار يوما على غدائه بعض من يحتشمه . ~~فاحتمل ذلك ثمامة في نفسه . ثم عاد بعد ذلك إلى مثلها ففعل ذلك مرارا حتى ~~ضج ثمامة واستفرغ صبره . فأقبل عليه فقال : ما يدعوك إلى هذا لو أردتم لكان ~~لساني مطلقا وكان رسولي يؤدي عني . فلم تحبس على طعامي من لا آنس به قال : ~~إنما أريد أن اسخيك فأنفي عنك التبخيل وسوء الظن . PageV02P156 # """""" صفحة رقم 157 """""" # فلما أن كان بعد ذلك أراد بعضهم الانصراف قال له قاسم : أين تريد قال : ~~قد تحرك بطني فأريد المنزل . قال : فلم لا تتوضأ هاهنا فإن الكنيف خال نظيف ~~والغلام فارغ نشيط وليس من أبي معن حشمة ومنزله منزل إخوانه فدخل الرجل ~~فتوضأ . فلما كان بعد أيام حبس آخر . فلما كان بعد ذلك حبس آخر فاغتاظ ~~ثمامة وبلغ في الغيظ مبلغا لم يكن على مثله قط . ثم قال : هذا يحبسهم على ~~غدائي لأن يسخيني بحبسهم على أن يخرءوا عندي لمه لأن من لم يخرأ الناس عنده ~~فهو بخيل على الطعام وقد سمعتهم يقولون : فلان يكره أن يؤكل عنده . ولم ~~أسمع أحدا قط قال : فلان يكره أن يخرأ عنده وكان قاسم شديد الأكل شديد ~~الخبط قذر المؤاكلة . وكان أسخى الناس على طعام غيره وأبخل الناس على طعام ~~نفسه . وكان ms139 يعمل عمل رجل لم يسمع بالحشمة ولا بالتجمل قط . فكان لا يرضى ~~بسوء أدبه على طعام ثمامة حتى يجر معه ابنه إبراهيم . وكان بينه وبين ~~إبراهيم ابنه في القذر ما بينه وبين جميع العالمين فكانا إذا تقابلا على ~~خوان ثمامة لم يكن لأحد على أيمانهما وشمائلهما حظ في الطيبات فأتوه يوما ~~بقصعة ضخمة فيها ثريدة كهيئة الصومعة مكللة بإكليل من عراق بأكثر ما يكون ~~من العراق . فأخذ قاسم الذي يستقبله ثم أخذ يمنة وأخذ ما بين يدي من كان ~~بينه وبين ثمامة حتى لم يدع إلا عرقا قدام ثمامة . ثم مال على جانبه الأيسر ~~فصنع مثل ذلك PageV02P157 ~~"""""" صفحة رقم 158 """""" # الصنيع . وعارضه ابنه وحاكاه فلما أن نظر ثمامة إلى الثريدة مكشوفة ~~القناع مسلوبة عارية واللحم كله بين يديه وبين يدي ابنه إلا قطعة واحدة بين ~~يديه تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه ولم يدفعها . واحتسب بها في الكرامة ~~والبر . فقال قاسم لما فرغ من غدائه : أما رأيتم إكرام ثمامة لابني وكيف ~~خصه فلما حكى هذا لي قلت : ويلك ما أظن أن في الأرض عرقا أشام على عيالك ~~منه فلما حكى هذا لي قلت : ويلك ما أظن أن في الأرض عرقا أشأم على عيالك ~~منه هذا أحرجه الغيظ وهذا الغيظ لا يتركه حتى يتشفى منك . فإن قدر لك على ~~ذنب فقد والله هلكت . وإن لم يقدر أقدره لك الغيظ . وأبواب التجني كثيرة . ~~وليس أحد إلا وفيه ما إن شئت جعلته ذنبا . فكيف وأنت ذنوب من قرنك إلى قدمك ~~وكان ثمامة يفطر أيام كان في أصحاب الفساطيط ناسا . فكثروا عليه وأتوه ~~بالرقاع والشفاعات . وفي حشوة المتكلمين أخلاق قبيحة وفيهم على أهل الكلام ~~وعلى أرباب الصناعات محنة عظيمة . فلما رأى ثمامة ما قد دهمه أقبل عليهم ~~وهم يتعشون فقال : إن الله عز وجل لا يستحيي من الحق . كلكم واجب الحق . ~~ومن لم تجئنا شفاعته فأكرمه كمن تقدمت شفاعته . كما أنا لو PageV02P158 ~~"""""" صفحة رقم 159 """""" # فكذلك أنتم إذا أعجزنا أو بدا لنا فليس بعضكم أحق ms140 بالحرمان من بعض أو ~~بالحمل عليه أو بالاعتذار إليه من بعض . ومتى قربتكم وفتحت بابي لكم وباعدت ~~من هو أكثر منكم عددا وأغلقت بابي دونهم لم يكن في إدخالي إياكم عذر لي ولا ~~في منع الآخرين حجة . فانصرفوا ولا تعودوا قال أبو محمد العروضي : وقعت بين ~~قوم عربدة فقام المغني يحجز بينهم وكان شيخا معيلا بخيلا . فمسك رجل بحلقه ~~فعصره فصاح : معيشتي معيشتي فتبسم وتركه . وحثني ابن كريمة قال : وهبوا ~~للكناني المغني خابية فارغة . فلما كان عند انصرافه وضعوها له على الباب . ~~ولم يكن عنده كراء حمالها . وأدركه ما يدرك المغنين من التيه فلم يحملها . ~~فكان يركلها ركلة فتدحرج وتدور بمبلغ حمية الركلة . ويقوم من ناحية كي لا ~~يراه إنسان ويرى ما يصنع . ثم يدنو منها ثم يركلها أخرى فتدحرج وتدور ويقف ~~من ناحية . فلم يزل يفعل ذلك إلى أن بلغ بها المنزل قالوا : كان عبد النور ~~كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن قد استخفى بالبصرة في عبد القيس من أمير ~~المؤمنين أبي جعفر وعماله . وكان في غرفة قدامها جناح . وكان PageV02P159 ~~"""""" صفحة رقم 160 """""" # لا يطلع رأسه منها . فلما سكن الطلب شيئا وثبت عنده حسن جوار القوم صار ~~يجلس في الجناح يرضى بأن يسمع الصوت ولا يرى الشخص لما في ذلك من الأنس عند ~~طول الوحشة . فلما طالت به الأيام ومرت أيام السلامة جعل في الجناح خرقا ~~بقدر عينه . فلما طالت الأيام صار ينظر من شق باب كان مسمورا . ثم ما زال ~~يفتحه الأول فالأول إلى أن صار يخرج رأسه ويبدي وجهه . فلما لم ير شيئا ~~يريبه قعد في الدهليز . فلما زاد في الأنس جلس على باب الدار ثم صلى معهم ~~في مصلاهم ودخل . ثم صلى بعد ذلك وجلس . والقوم عرب . وكانوا يفيضون في ~~الحديث ويذكرون من الشعر الشاهد والمثل ومن الخبر الأيام والمقامات . وهو ~~في ذلك ساكت إذا أقبل عليه ذات يوم فتى منهم خرج عن أدبهم وأغفل بعض ما ~~راضوه به من سيرتهم فقال له : يا شيخ ms141 إنا قوم نخوض في بعض ضروب فربما ~~تكلمنا بالمثلبة وأنشدنا الهجاء . فلوا أعلمتنا ممن أنت تجنبنا كل ما يسوءك ~~. ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كلها وأخبار المثلب بأسرها لم نأمن أن يكون ~~ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك . فلو عرفتنا نسبك كفيناك سماع ما ~~يسوءك من هجاء قومك ومن مديح عدوك . فلطمه شيخ منهم وقال : لا أم لك محنة ~~كمحنة الخوارج وتنقير كتنقير العيابين ولم لا تدع ما يريبك إلى مالا يريبك ~~فتسكت إلا عما توقن بأنه يسره . PageV02P160 # """""" صفحة رقم 161 """""" # قال : وقال عبد النور : ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر . فتحولت إلى شق ~~بني تميم فنزلت برجل فأخذته بالثقة وأكمنت نفسي إلى أن أعرف سبيل القوم . ~~وكان للرجل كنيف إلى جانب داره يشرع في طريق لا ينفذ . إلا أن من مر في ذلك ~~الشارع رأى مسقط الغائط من خلاء ذلك الجناح . وكان صاحب الدار ضيق العيش ~~فاتسع بنزولي عليه . فكان القوم إذا مروا به ينظرون إلى موضع الزبل والغائط ~~فلا يذهب قلبي إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه . فبينا أنا جالس ذات يوم إذا ~~أنا بأصوات ملتفة على الباب وإذا صاحبي ينتفي ويعتذر وإذا الجيران قد ~~اجتمعوا إليه وقالوا : ما هذا الثلط الذي يسقط من جناحك بعد أن كنا لا نرى ~~إلا شيئا كالبعر من يبس الكعك وهذا ثلط يعبر عن أكل غض ولولا أنك انتجعت ~~على بعض من تستر وتواري لأظهرته . وقد قال الأول : الستر دون الفاحشات ولا ~~يلقاك دون الخير من ستر ولولا أن هذا طلبة السلطان لما توارى . فلسنا نأمن ~~من أن يجر على الحي بلية . ولست تبالي - إذا حسنت حالك في عاجل أيامك - ~~إلام يفضي بك الحال وما تلقى عشيرتك . فإما أن تخرجه إلينا وإما أن تخرجه ~~عنا . قال عبد النور : فقلت : هذه والله القيافة ولا قيافة بني مدلج إنا ~~لله خرجت من الجنة إلى النار وقلت : هذا وعيد . PageV02P161 # """""" صفحة رقم 162 """""" # وقد اعذر من انذر . فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء ms142 ولا ظننت أن ~~الكرم يبلغ ما رأيت من أولئك شهدت الأصمعي يوما وأقبل على جلسائه يسألهم عن ~~عيشهم وعما يأكلون ويشربون . فأقبل على الذي عن يمينه فقال : أبا فلان ما ~~أدمك قال : اللحم . قال : أكل يوم لحم قال : نعم . قال : وفيه الصفراء ~~والبيضاء والحمراء والكدراء والحامضة والحلوة والمرة قال : نعم . قال : بئس ~~العيش هذا ليس هذا عيش آل الخطاب . كان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ~~ورضوانه PageV02P162 ~~"""""" صفحة رقم 163 """""" # يضرب على هذا . وكان يقول : مد من اللحم كمد من الخمر . ثم سأل الذي يليه ~~قال : أبا فلان ما أدمك قال : الآدام الكثير والألوان الطيبة . قال : أفي ~~آدامك سمن قال : نعم . قال فتجمع السمن والسمين على مائدة قال : نعم . قال ~~: ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب رحمة الله عله ورضوانه يضرب على ~~هذا . وكان إذا وجد القدور المختلفة الطعوم كدرها في قدر واحدة وقال : إن ~~العرب لو أكلت هذا لقتل بعضها بعضا . ثم يقبل على الآخر فيقول : أبا فلان ~~ما أدمك قال : اللحم السمين والجداء الرضع . قال : فتأكله بالحوارى قال : ~~نعم . قال : ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب يضرب على هذا . أو ما ~~سمعته يقول : أتروني لا أعرف الطعام الطيب لباب البر بصغار المعزى . ألا ~~تراه كيف ينتفي من أكله وينتحل معرفته ثم يقبل على الذي يليه فيقول : أبا ~~فلان ما أدمك فيقول : أكثر ما نأكل لحوم الجزور ونتخذ منها هذه القلايا ~~ونجعل بعضها شواء . قال : أفتأكل من أكبادها وأسمنتها وتتخذ لك الصباغ قال ~~: نعم . قال : ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب يضرب على هذا . أو ~~ما سمعته يقول : أتروني لا أقدر أتخذ أكبادا وأفلاذا وصلائق وصنابا ألا ~~تراه كيف ينكر أكله ويستحسن معرفته ثم يقول للذي يليه : أبا فلان ما أدمك ~~فيقول : الشبارقات والأخبصة والفالوذجات . قال : طعام العجم وعيش كسرى ~~ولباب البر بلعاب النحل بخالص السمن - حتى أتى على آخرهم . كل ذلك يقول : ~~بئس العيش هذا ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن ms143 الخطاب يضرب على هذا . فلما ~~انقضى كلامه أقبل عليه بعضهم فقال : يا أبا سعيد ما أدمك قال : يوما لبن ~~ويوما زيت ويوما سمن ويوما تمر ويوما جبن ويوما قفار ويوما لحم . عيش آل ~~الخطاب . PageV02P163 # """""" صفحة رقم 164 """""" # ثم قال : قال أبو الأشهب : كان الحسن يشتري لأهله كل يوم بنصف درهم لحما ~~. فإن غلا فبدرهم . فلما حبس عطاؤه كانت مرقته بشحم . ونبئت عن رجل من قريش ~~أنه كان يقول : من لم يحسن يمنع لم يحسن يعطى وأنه قال لابنه : أي بني إنك ~~إن أعطيت في غير موضع الإعطاء أوشك أن تستعطي الناس فلا تعطي . ثم أقبل ~~علينا فقال : هل علمتم أن اليأس أقل من القناعة وأعز . إن الطمع لا يزال ~~طمعا وصاحب الطمع لا ينتظر الأسباب ولا يعرف الطمع الكاذب من الصادق . ~~والعيال عيالان : شهوة مفسدة وضرس طحون . وأكل الشهوة أثقل من أكل الضرس . ~~وقد زعموا أن العيال سوس المال وأنه لا مال لذي عيال . وأنا أقول : إن ~~الشهوة تبلغ ما لا يبلغ السوس وتأتي على ما يقصر دونه العيال . وقد قال ~~الحسن : ما عال أحد قط عن قصد . وقيل ليشخ من أهل البصرة : مالك لا ينمي لك ~~مال قال : لأني اتخذت العيال قبل المال واتخذ الناس المال قبل العيال . وقد ~~رأيت من تقدم عياله ماله فجبره الإصلاح ورفده الاقتصاد وأعانه حسن التدبير ~~. وقال : أر لشهواني تدبيرا ولا لشره صبرا . وقال إياس بن معاوية : إن ~~الرجل يكون عليه ألف PageV02P164 ~~"""""" صفحة رقم 165 """""" # فينفق ألفا فيصلح فتصلح له الغلة . ويكون عليه ألفان فينفق ألفين فيصلح ~~فتصلح له الغلة . ويكون عليه ألفان فينفق ثلاثة آلاف فيتبع العقار في فضل ~~النفقة . وذكر الحديث عن أبي لينة قال : كنت أرى زيادا وهو أمير يمر بنا ~~على بغلة في عنقها حبل من ليف مدرج على عنقها . وكان سلم بن قتيبة يركب ~~بغلة وحده ومعه أربعة آلاف رابطة . ورآه الفضل بن عيسى على حمار وهو أمير ~~فقال : بذلة نبي وقعود جبار ولو شاء أبو سيارة أن يدفع ms144 بالعرب على جمل مهري ~~أو فرس عتيق لفعل . ولكنه أراد هدى الصالحين . وحمل عمر على برذون فهملج ~~تحته . فنزل عنه . فقال لأصحابه : جنبوني هذا الشيطان . ثم قال لأصحابه : ~~لا تطلبوا العز بغير ما أعزكم الله به . قد كنت أعجب من بعض السلف حيث قال ~~: ما أعرف شيئا مما كان الناس عليه إلا الأذان . وأنا أقول ذلك . ولم يزل ~~الناس في هبوط ما ترفعوا بالإسراف وما رفعوا البنيان PageV02P165 ~~"""""" صفحة رقم 166 """""" # للمطاولة . وإن من أعجب ما رأيت في هذا الزمان أو سمعت مفاخرة مويس بن ~~عمران لأبي عبيد الله بن سليمان في أيهما كان أسبق إلى ركوب البراذين وما ~~للتاجر وللبرذون وما ركوب التاجر للبراذين إلا كركوب العرب للبقر ولو كانوا ~~إذا جلسوا في الخيوش واتخذوا الحمامات في الدور وأقاموا وظائف الثلج ~~والريحان واتخذوا القيان والخصيان استرد الناس ودائعهم واسترجعت القضاة ~~أموال الأيتام والحشرية منهم لعادوا إلى دينهم وعيشهم واقتصادهم . وإذا ~~رآهم أصحاب الغلات وأهل الشرف والبيوتات أنفوا أن يكونوا دونهم في البزة ~~والهيئة . فهلكوا وأهلكوا . زعم أبو يعقوب الخريمي أن جعفر بن يحيى أراد ~~يوما حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعي وأنه دفع إلى خادم له كيسا فيه ~~ألف دينار وقال له : سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي . وسيحدثني ويضحكني . فإذا ~~رأيتني قد ضحكت فضع الكيس بين يديه . PageV02P166 # """""" صفحة رقم 167 """""" # فلما دخل فرأى حبا مقطوع الرأس وجرة مكسورة العروة وقصعة مشعبة وجفنة ~~أعشارا ورآه على مصلى بال وعليه بركان أجرد - غمز غلامه بعينه ألا يضع ~~الكيس بين يديه ولا يدفع إليه شيئا . فلم يدع الأصمعي شيئا مما يضحك ~~الثكلان والغضبان إلا أورده عليه فما تبسم فقال له إنسان : ما أدري من أي ~~أمر يك أعجب أمن صبرك على الضحك وقد أورد عليك ما لا يصبر على مثله أم من ~~تركك إعطاءه وقد كنت عزمت على إعطائه وهذا خلاف ما أعرفك به قال : ويلك من ~~استرعى الذئب فقد ظلم . ومن زرع سبخة حصد الفقر . إني والله لو علمت أنه ~~يكتم ms145 المعروف بالفعل لما ارتفقت بنشره له باللسان . وأين يقع مديح اللسان ~~من مديح آثار الغنى على الإنسان فاللسان قد يكذب والحال لا تكذب . لله در ~~نصيب حيث يقول : فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب PageV02P167 ~~"""""" صفحة رقم 168 """""" # أعلمت أن ناووس أبرويز أمدح له من شعر زهير لآل سنان بن أبي حارثة لأن ~~الشاعر يكذب ويصدق وبنيان لا يكذب مرة ويصدق مرة . فلست بعائد إلى هذا ~~بمعروف أبدا . كان الأصمعي يتعوذ بالله من الاستقراض والاستقراض . فأنعم ~~الله عليه حتى صار هو المستقرض منه والمستفرض ما عنده . فاتفق أن أتاه في ~~يوم واحد رجلان . وكان أحدهما يطلب الفرض والآخر يطلب القرض . هجما عليه ~~معا فأثقله ذلك وملأ صدره ثم أقبل على صاحب السلف فقال : تتبدل الأفعال ~~بتبدل الحال . ولكل زمان تدبير ولكل شيء مقدار والله في كل يوم في شأن . ~~كان الفقيه يمر باللقطة فيتجاوزها ولا يتناولها كي يمتحن بحفظها سواه إذ ~~كان جل الناس في ذلك الدهر يريدون الأمانة ويحوطون اللقطة . فلما تبدلوا ~~وفسدوا وجب على الفقيه إحرازها والحفظ لها وأن يصبر على ما نابه من المحنة ~~واختبر به من الكلفة . وقد بلغني أن رجلا أتي صديقا له يستقرض منه مالا ~~فتركه بالباب ثم خرج إليه مؤتزرا . فقال له : مالك قال : جئت للقتال والطام ~~والخصومة والصخب . قال : ولم PageV02P168 ~~"""""" صفحة رقم 169 """""" # قال : لأنك في أخذ مالي بين حالين : إما أن تذهب به . وإما أن تمطلني به ~~. فلو أخذته على طريق البر والصلة لاعتددت عليك بحق ولوجب عليك به شكر . ~~وإذا أخذته من طريق السلف كانت العادة في الديون والسيرة في الأسلاف الرد ~~أو التقاضي . وإذا تقاضيتك أغضبتك وإذا أغضبتك أسمعتني ما أكره فتجمع على ~~المطل وسوء اللفظ والوحشة وإفساد اليد في الأسلاف وأنت أظلم فأغضب كما غضبت ~~. فإذا نقلتني إلى حالك فعلت فعلك وصرت أنا وأنت كما قال العربي : أنا تئق ~~وصاحبي مئق - فما ظنك بمئق من الغيظ مملوء من الغضب لاقى متأقا من الموق ~~مملوءا من ms146 الكفران - ولكني أدخل إلى المنزل فأخرج إليك مؤتزرا فأعجل لك ~~اليوم ما أخرته إلى غد . وقد علمت أن ضرب الموعظة دون ضرب الحقد والسخيمة ~~فتربح صرف ما بين الألمين وفضل ما بين الشتمين . وبعد فأنا أضن بصداقتي لك ~~وأشح على نصيبي منك من أن أعرضه للفساد وأن أعينك على القطيعة . فلا تلمني ~~على أن كنت عندي واحدا من أهل عصرك . فإن كنت عند نفسك فوقهم وبعيدا من ~~مذهبهم فلا تكلف الناس علم الغيب فتظلمهم . PageV02P169 # """""" صفحة رقم 170 """""" # ثم قال : وما زالت العارية مؤداة والوديعة محفوظة . فلما قالوا : أحق ~~الخيل بالركض المعار بعد أم كان يقال : أحق الخيل بالصون المعار وبعد ~~المؤمنين قيل لبعضهم : ارفق به قال : إنه عارية وقال الآخر : فاقتل - فسدت ~~العارية واستد هذا الباب . ولما قالوا : واخفض جناحك إن مشيت تخشعا حتى ~~تصيب وديعة ليتيم وحين أكلت الأمانات الأمناء والأوصياء ورتع فيها المعدلون ~~والصارفون وجب حفظها ودفنها وكان أكل الأرض لها خيرا من أكل الخئون الفاجر ~~واللئيم الغادر . وهذا مع قول أكثم بن صيفي في ذلك الدهر : لو سئلت العارية ~~: أين تذهبين قالت : أكسب أهلي ذما . وأنا اليوم أنهي عن العارية والوديعة ~~وعن القرض والفرض وأكره أن يخالف قولي فعلي . أما القرض فما أنبأتك وأما ~~الفرض فليس يسعه إلا بيت المال . ولو وهبت لك PageV02P170 ~~"""""" صفحة رقم 171 """""" # درهما واحدا لفتحت على مالي بابا لا تسده الجبال والرمال ولو استطعت أن ~~أجعل دونه ردما كردم ياجوج ومأجوج . إن الناس فاغرة أفواههم نحوه من عنده ~~دراهم فليس يمنعهم من النهس إلا اليأس . وإن طعموا لم تبق راغية ولا ثاغية ~~ولا سبد ولا لبد ولا صامت ولا ناطق إلا ابتلعوه والتهموه أتدري ما تريد ~~بشيخك إنما تريد أن تفقره . فإذا أفقرته فقد قتلته . وقد تعلم ما جاء في ~~قتل النفس المؤمنة فلم أشبه قول الأصمعي لهذا الرجل حين قال : أنا أضن بك ~~وأشح على نصيبي منك من أن أعرضه للفساد إلا بقول ثمامة حين قال لابن سافري ~~: بالنظر مني أقول لك ms147 والشفقة مني أسبك . وذلك أنه ندم فرأى أن هذا القول ~~يجعل ذلك منه يدا ونعمة . وشهدت ثمامة وقد أتاه رجل قال : لي إليك حاجة ~~فقال ثمامة : ولي إليك أيضا حاجة . قال : وما حاجتك قال : لست أذكرها لك ~~حتى تضمن لي قضاءها . قال : نعم . قال : فحاجتي ألا تسألني هذه الحاجة . ~~قال : إنك لا تدري ما هي قال : بلى قد دريت . قال : فما هي قال : هي حاجة . ~~وليس يكون الشيء حاجة إلا وهي تخرج إلى شيء من الكلفة . قال : فقد رجعت عما ~~أعطيتك . قال : لكني لا أرد ما أخذت . PageV02P171 # """""" صفحة رقم 172 """""" # فأقبل عليه آخر فقال : لي حاجة إلى منصور بن النعمان . قال : قل . لي ~~حاجة إلى ثمامة بن أشرس لأني أنا الذي أقضي لك الحاجة ومنصور يقضيها لي . ~~فالحاجة أنا أقضيها لك وغيري يقضيها لي . ثم قال : فأنا لا أتكلم في ~~الولايات ولا أتكلم في الدراهم لأن الدراهم من قلوب الناس ولأن الحوائج ~~تنقض . فمن سألته اليوم أن يعطيك سألني غدا أن أعطي غيرك . فتعجيلي تلك ~~العطية لك أروح لي . ليس عندي دراهم ولو كان عندي دراهم لكانت نوائبي ~~القائمة الساعة تستغرقها . ولكن أؤنب لكم من شئتم . علي لكم من التأنيب كل ~~ما تريدون قلت له فإذا أتيت رجلا في أمر لم تتقدم فيه بمسألة كيف يكون ~~جوابه لك فضحك حتى وجاء مرة أبو همام المسوط يكلمه في مرمة داره التي تطوع ~~ببنائها في رباط عبادان فقال : ذكرتني الطعن وكنت ناسيا . قد كنت عزمت على ~~هدمها حين بلغني أن الجبرية PageV02P172 ~~"""""" صفحة رقم 173 """""" # قد نزلتها . قال : سبحان الله تهدم مكرمة ودارا قد وقفتها للسبيل قال : ~~فتعجب من ذا قد أردت أن أهدم المسجد الذي كنت بنيته ليزيد بن هاشم حين ترك ~~أن يبنيه في الشارع وبناه في الرائغ وحين بلغني أنه يخلط في الكلام ويعين ~~البشرية على المعتزلة . فلو أراده أبو همام وجد من ثمامة مربدا جميع مساحة ~~الأرض وكان حين يسوي لك اللفظ لا ينظر في صلاح المعاني من فسادها ms148 . وتمشى ~~رجل إلى الغاضري قال : إن صديقك القادمي قد قطع عليه الطريق . قال : فأي ~~شيء تريد قال : أن تخلف عليه . قال : فليس عليه قطع الطريق بل على قطع وأتى ~~ابن سكاب الصيرفي صديق له يستلف منه مالا فقال : لو شئت أن أقول لقلت وأن ~~أعتل اعتللت وأن أستعير بعض كلام من يستلف منه إخوانه فعلت . وليس PageV02P173 ~~"""""" صفحة رقم 174 """""" # أرى شيئا خيرا من التصحيح وقشر العصا وليس أفعل . فإن التمست لي عذرا فهو ~~أروح لقلبك وإن لم تفعل فهو شر لك . وضاق الفيض بن يزيد ضيقا شديدا فقال : ~~والله ما عندنا من شيء نعول عليه وقد بلغ السكين العظم . والبيع لا يكون ~~إلا مع طول المدة . والرأي أن ننزل هذه النائبة بمحمد بن عباد فإنه يعرف ~~الحال وصحة المعاملة وحسن القضاء وما لنا من السبب المنتظر فلو كتبت إليه ~~كتابا لسره ذلك ولسد منا هذه الخلة القائمة الساعة . فتناول القلم والقرطاس ~~ليكتب إليه كتاب الواثق المدل لا يشك أنه سيتلقى حاجته بمثل ما كان هو ~~المتلقي لها منه - ومضى بعض من كان في المجلس إلى محمد بن عباد ليبشره ~~بسرعة ورود حاجة الفيض إليه . فأتاه أمر لا يقوم به . فأمر بالكتابة إليه ~~ليشغله بحاجته إليه عن حاجته إليه . PageV02P174 # """""" صفحة رقم 175 """""" # فكتب إليه : مالي يضعف والدخل قليل والعيال كثير والسعر غال . وأرزاقنا ~~من الديوان قد احتبست . وقد تفتحت علينا من أبواب النوائب في هذه الأيام ما ~~لم يكن لنا في حساب . فإن رأيت أن تبعث إلي بما أمكنك فعجل به فإن بنا إليه ~~أعظم الحاجة فورد الكتاب على الفيض قبل نفوذ كتابه إليه . فلما قرأه استرجع ~~وكتب إليه : يا أخي تضاعفت على المصيبة حتى جمعت خلة عيالك إلى خلة عيالي . ~~وقد كنت على الاحتيال لهم . وسأضطرب في وجوه الحيل غير هذا الاضطراب . ~~وسأتحرك في بيع ما عندي ولو ببعض الطرح . فلما رجع الكتاب على ابن عباد سكن ~~وألقي صاحبه في أشد الحركة وأتعب التعب . وكان رجل من أبناء الحربية له ms149 ~~سخاء وأريحية . وكان يكثر استزارة ابن عباد ويتلف عليه من الأموال من طريق ~~الرغبة في الأدباء وفي مشايخ الظرفاء . وكان يظن بكرمه أن زيارته ابن عباد ~~في منزله زيادة في المؤانسة . وقد كان بلغه إمساكه ولكنه لم يظن أنه لا ~~حيلة في سببه . فأتاه يوما متطرئا قال : جئتك من غير دعاء . وقد رضيت بما ~~حضر . قال : فليس يحضر شيء . وقولك : بما حضر لا بد من أن يقع على شيء قال : PageV02P175 # """""" صفحة رقم 176 """""" # فقطعة مالح قال : وقطعه مالح ليس هي شيء قال بلى فنحن نشرب على الريق قال ~~: لو كان عندنا نبيذ كنا في عرس . قال : فأنا أبعث إلى نبيذ . قال : فإذا ~~صرت إلى تحويل النبيذ فحول أيضا ما يصلح للنبيذ قال : ليس يمنعني من ذلك ~~ومن إحضار النقل والريحان إلا أن أحتسب لك هذه الزورة بدعوة . وليس يجوز ~~ذلك إلا بأن يكون لك فيها أثر . فقال محمد : فقد انفتح لي باب لكم فيه صلاح ~~وليس على فيه فساد : في هذه النخلة زوج ورشان . ولهما فرخان مدركان . فإن ~~نحن وجدنا إنسانا يصعدها - فإنها سحيقة منجردة - ولم يطيرا - فإنهما قد ~~صارا ناهضين - جعلنا الواحد طباهجة والآخر جردناجا فإنه يوم فطلبوا في ~~الجيران إنسانا يصعد تلك النخلة فلم يقدروا عليه . فدلوهم على أكار لبعض ~~أهل الحربية . فما زال الرسول يطلبه حتى وقع عليه . فلما جاء ونظر إلى ~~النخلة قال : هذه لا تصعد ولا يرتقي عليها إلا بالتبليا والبربند . فكيف ~~أرومها أنا بلا سبب فسألوه أن يلتمس لهم ذلك . فذهب فغبر مليا . ثم أتاهم ~~به . فلما صار في أعلاها طار أحدهما وأنزل الآخر . فكان هو الطباهج ~~والجردناج وهو الغداء وهو العشاء PageV02P176 ~~"""""" صفحة رقم 177 """""" # وكتب إبراهيم بن سيابة إلى صديق له يساويه في الأدب ويرتفع عليه في الحال ~~- وكان كثير المال كثير الصامت - يستسلف منه بعض ما يرتفق به إلى أن يأتيه ~~بعض ما يؤمل . فكتب إليه صديقه هذا يعتذر ويقول : إن المال مكذوب له وعليه ~~. والناس يضيفون إلى الناس في هذا الباب ms150 ما ليس عندهم . وأنا اليوم مضيق ~~وليست الحال كما نحب . وأحق من عذر الصديق العاقل . فلما ورد كتابه على ابن ~~سبابة كتب إليه : إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت ملوما فجعلك الله ~~معذورا . قال عمرو الجاحظ : احتجنا عند التطويل وحين صار طويلا كبيرا إلى ~~أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم وما يتمادحون به وما يتهاجون به ~~شيء وإن قل ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب . ولولا أن يخرج من مقدار ~~شهوة الناس لكان الخبر عن العرب والأعراب أكثر من جميع هذا الكتاب . الطعام ~~ضروب . والدعوة اسم جامع . وكذلك الزلة . ثم منه العرس والخرس والإعذار ~~والوكيرة والنقيعة . والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات . PageV02P177 # """""" صفحة رقم 178 """""" # قال الشاعر : نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر وجاء ~~في الحديث : القرآن مأدبة الله . وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة لقول ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد الرحمن : أولم ولو بشاة . وكان ابن عوف ~~والأصمعي من بعده يذمان عمرو بن عبيد ويقولون : لا يجيب الولائم يجعلان ~~طعام الإملاك والأعراس والسبوع والختان وليمة . والعرس معروف . إلا أن ~~المفضل الضبي زعم أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم : لا عطر بعد عروس . وكان ~~الأصمعي يجعل العروس رجلا بعينه كان بنى على أهله فلم تتعطر له . فسمى بعد ~~ذلك كل بان على أهله بذلك الاسم . ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في ~~الشعر ويظهر في الخبر . PageV02P178 # """""" صفحة رقم 179 """""" # وأما الخرس فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء . وزعموا أن ~~أصل ذلك مأخوذ من الخرسة . والخرسة طعام النفساء . قالت جارية ولدت حين لم ~~يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء : تخرسي لا مخرسة لك . وفي ~~الخرسة يقول مساور الوراق : إذا أسدية ولدت غلاما فبشرها بلؤم في الغلام ~~تخرسها نساء بني دبير بأخبث ما يجدن من الطعام وقال ابن قميئة : شركم حاضر ~~وخيركم د ر خروس من الأرانب بكر فالخروس هي صاحبة الخرسة . والأعذار طعام ms151 ~~الختان . يقال : صبي معذور وصبي معذر جميعا . وقال بعض أصحاب النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو يريد تقاربهم في الأسنان : كنا إعذار عام واحد . وقال ~~النابغة : فنكحن أبكارا وهن بإمة أعجلنهن مظنة الإعذار فزعموا أنهم سموا ~~طعام الإعذار بالإعذار للملابسة والمجاورة . PageV02P179 # """""" صفحة رقم 180 """""" # كان الأصمعي يقول : قد كان للعرب كلام على معان . فإذا ابتدلت تلك ~~المعاني لم تتكلم بذلك الكلام . فمن ذلك قول الناس اليوم : ساق إليها ~~صداقها . وإنما كان هذا يقال حين كان الصداق إبلا وغنما . وفي قياس قول ~~الأصمعي أن أصحاب التمر الذين كان التمر دياتهم ومهورهم كانوا لا يقولون : ~~ساق فلان صداقه . قال : ومن ذلك قول الناس اليوم : قد بنى فلان البارحة على ~~أهله . وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبته ~~وخيمته . وذلك هو بناؤه . ولذلك قال الأول : لو نزل الغيث أبنين امرأ كانت ~~له قبة سحق بجاد وكان الأصمعي يعد من هذا أشياء ليس لذكرها هاهنا وجه . ومن ~~طعامهم الوكيرة . وهو طعام البناء . كان الرجل يطعم من يبني له . وإذا فرغ ~~من بنائه تبرك بإطعام أصحابه ودعائهم . ولذلك قال قائلهم : خير طعام شهد ~~العشيرة العرس والإعذار والوكيرة PageV02P180 ~~"""""" صفحة رقم 181 """""" # ويسمون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم النقيعة . قال الشاعر : ~~والعقيقة دعوة على لحم الكبش الذي يعق عن الصبي . والعقيقة اسم للشعر نفسه ~~. والأشعار هي العقائق . وقولهم : عقوا عنه أي احلقوا عقيقته . ويقولون : ~~عق عنه وعق عليه . فسمى الكبش - لقرب الجوار وسبب المتلبس - عقيقة . ثم ~~سموا ذلك الطعام باسم الكبش . وكان الأصمعي يقول : لا يقولن أحدكم : أكلت ~~ملة بل يقول : أكلت خبزة وإنما الملة موضع الخبزة . وكذلك يقول في الراوية ~~والمزادة يقول : الراوية هو الجمل . وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ~~ذلك . فأما الدعاء إلى هذه الأصناف فمنه المذموم ومنه الممدوح . فالمذموم ~~النقرى والممدوح الجفلى . وذلك أن صاحب المأدبة وولى الدعوة إذا جاء رسوله ~~والقوم في أحويتهم وأنديتهم PageV02P181 ~~"""""" صفحة رقم 182 """""" # فقالوا : أجيبوا إلى طعام فلان . فجعلهم ms152 جفلة واحدة وهي الجفالة . فذلك ~~هو المحمود . وإذا انتقر فقال : قم أنت يا فلان وقم أنت يا فلان فدعا بعضا ~~وترك بعضا فقد انتقر . قال الهذلي : وليلة يصطلى بالفرث جازرها يخص بالنقرى ~~المثرين داعيها يقول : لا يدعوا فيها أصحاب الثروة وأهل المكافأة . وهذا ~~قبيح . وقال في ذلك بعض ظرفائنا : لو كان مكوكان في كفه من خردل ما سقطت ~~واحدة وقال طرفة بن العبد : نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ~~ينتقر ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي وأثبته عاصم ~~بن خليفة الضبي شد عليه فطعنه وهو يقول : وهذا وفي الجفلة لا يدعوني PageV02P182 ~~"""""" صفحة رقم 183 """""" # ويروى : في الحفلة لا يدعوني . كأنه حقد عليه حين كان يدعو أهل المجلس ~~ويدعه . والطعام المذموم عندهم ضربان : أحدهما طعام المجاوع والحطمات ~~والضرائك والسباريت واللئام والجبناء والفقراء والضعفاء . من ذلك : الفث ~~والدعاع والهبيد والقرامة والقرة والعسوم ومنقع البرم والقصيد والقد ~~والحيات . فأما الفظ فإنه وإن كان شرابا كريها فليس يدخل في هذا الباب . ~~وكذلك المجدوح . فأما الفظ فإنه عصارة الفرث إذا أصابهم العطش في المفارز . ~~وأما المجدوح فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود نحروا الإبل وتلقوا ألبابها ~~بالجفان كي لا يضيع من دمائها شيء . فإذا برد الدم ضربوه بأيديهم وجدحوه ~~بالعيدان جدحا حتى ينقطع فينعزل ماؤه من ثقله كما يخلص الزبد PageV02P183 ~~"""""" صفحة رقم 184 """""" # وقال الشاعر : لم تأكل الفث والدعاع ولم تجن هبيدا بجنبة مهتبد وقال أمية ~~بن أبي الصلت : ولا يتنازعون عنان شرك ولا أقوات أهلهم العسوم ولا قرن يقزز ~~من طعام ولا نصب ولا مولى عديم وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي في الفترة ~~وهو يعير بني أسد وناسا من هوازن وهما ابنا القملية : ألم تر جرما أمجدت ~~وأبوكم مع الشعر في قص الملبد شارع إذا قرة جاءت يقول : أصيب بها سوى القمل ~~إني من هوازن ضارع PageV02P184 ~~"""""" صفحة رقم 185 """""" # والقرامة نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها . والعلهز القردان ترض ~~وتعجن بالدم . والقرة الدقيق المختلط بالشعر . كان الرجل ms153 منهم لا يحلق رأسه ~~إلا وعلى رأسه قبضة من دقيق للأكل . فهو معيب . وفي أكل الحيات بقوله ابن ~~مناذر : فإياكم والريف لا يقربنه فإن لديه الحيف والموت قاضيا وقال القطامي ~~في أكلهم القد : تضيفت في طل وريح تلفني وفي طرمساء غير ذات كواكب إلى ~~حيزبون توقد النار بعد ما تلفعت الظلماء من كل جانب فسلمت والتسليم ليس ~~يسرها ولكنه حق على كل جائب فلما تنازعنا الحديث سألتها من الحي قالت : ~~معشر من محارب PageV02P185 ~~"""""" صفحة رقم 186 """""" # ومن المشتوين القد في كل شتوة وإن كان ريف الناس ليس بناضب وقال الراعي : ~~بكى منذر من أن يضاف وطارق يشد من الجوع والإزار على الحشا إلى ضوء نار ~~يشتوي القد أهلها وقد تكرم الأضياف والقد يشتوي وقد يضيقون في شراب غير ~~المجدوح والفظ في المغازي والأسفار فيمدحون من آثر صاحبه ولا يذمون من أخذ ~~حقه منه . وهو ماء المصافنة . والمصافنة مقاسمة هذا الماء بعينه . وذلك أن ~~الماء إذا نقص عن الري اقتسموه بالسواء . ولم يكن للرئيس ولا لصاحب المرباع ~~والصفي وفضول المقاسم فضل على أخس القوم . وهذا خلق عام ومكرمة عامة في ~~الرؤساء . قال الفرزدق : على ساعة لو أن في القوم حاتما على جوده ضننت به ~~نفس حاتم PageV02P186 ~~"""""" صفحة رقم 187 """""" # وبذلك المذهب من الأثرة مدح الشاعر كعب بن يمامة حين آثر بنصيبه رفيقه ~~النمري فقال : ما كان من سوقة أسقى على ظمإ خمرا بماء إذا ناجودها بردا من ~~ابن مامة كعب ثم عي به زو المنية إلا حرة وقدى أو في على الماء كعب ثم قيل ~~له : رد كعب إنك وراد فما وردا وفي المصافنة يقول الأسدي : كأن أطيطا يا ~~بنة القوم لم ينخ قلائص يحكيها الحني المنقح ولم يسق قوما فارسي على الحصى ~~صباب الأداوي والمطيات جنح ويزعمون أن الحصاة التي إن غمرها الماء في ~~الإناء كانت نصيب احدهم تسمى المقلة . وهذا الحرف سمعته من البغداديين . ~~ولم أسمعه من أصحابنا . وقد برئت إليك منه . PageV02P187 # """""" صفحة رقم 188 """""" # وقال ابن جحوش في ms154 المصافنة : ولما تعاورنا الإداوة أجهشت إلى الماء نفس ~~العنبري الجراضم وآثرته لما رأيت الذي به على النفس أخشى لاحقات الملاوم ~~وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من ~~الأمم ولا في ناحية من النواحي . وإن أحدهم ليجوع حتى يشد على بطنه الحجارة ~~وحتى يعتصم بشده معاقد الإزار وينزع عمامته من رأسه فيشد بها بطنه وإنما ~~عمامته تاجه . والأعرابي يجد في رأسه من البرد إذا كان حاسرا ما لا يجده ~~أحد لطول ملازمته العمامة ولكثرة طيها وتضاعف أثنائها . ولربما اعتم ~~بعمامتين . ولربما كانت على قلنسوة حدرية . وقال مصعب بن عمير الليثي : ~~سيروا فقد جن الظلام عليكم فباست امرئ يرجو القرى عند عاصم PageV02P188 ~~"""""" صفحة رقم 189 """""" # دفعنا إليه وهو كالذيخ خاطيا نشد على أكبادنا بالعمائم وقال الراعي في ~~ذلك : يشب لركب منهم من ورائهم فكلهم أمسى إلى ضوئها سرى إلى ضوء نار يشتوي ~~القد أهلها وقد تكرم الأضياف والقد يشتوى فلما أناخوا واشتكينا إليهم بكوا ~~وكلا الخصمين مما به بكى بكى منذر من أن يضاف وطارق يشد من الجوع الإزار ~~على الحشا ومما يدل على ما هم فيه من الجهد وعلى امتداحهم بالأثرة قول ~~الغنوي : إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضه ببعض ويبلى شح نفس وجودها وأنا ~~مقار حين يبتكر الغضى إذا الأرض أمست وهي جدب جنودها PageV02P189 ~~"""""" صفحة رقم 190 """""" # وقال في ذلك العجير السلولي : من النهديات الماء بالماء بعد ما رمى ~~بالمقاري كل قار ومعتم وقال آخر في مثل هذا : لنا إبل يروين يوما عيالنا ~~ثلاث فإن يكثرن يوما فأربع يمدهم بالماء لا من هوانهم ولكن إذا ما قل شيء ~~يوسع على أنها يغشى أولئك بيتها على اللحم حتى يذهب الشر أجمع وقال أبو ~~سعيد الخدري : أخذت حجرا فعصبته على بطني من الجوع وأتيت النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أسأله . فلما سمعته وهو يخطب : من يستعف يعفه الله ومن يستعن ~~يعنه الله رجعت ولم أسأله . قال أعرابي : جعت حتى سمعت من مسامعي دويا . ~~فخرجت ms155 أريغ الصبد فإذا بمغارة وإذا هو جرو ذئب . فذبحته وأكلته وادهنت ~~واحتذيت . PageV02P190 # """""" صفحة رقم 191 """""" # ولما قدم المغيرة القادسية على سعد بسبعين من الظهر وعند سعد ضيق شديد من ~~الحال وذكر الأصمعي عن عثمان الشحام عن أبي رجاء العطاردي قال : لما بلغنا ~~أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد أخذ في القتل هربنا فاشتوينا فخذ أرنب ~~دفينا وألقينا عليها جمالنا . فلا أنسى تلك الأكلة وكان الأصمعي إذا حدث ~~بهذا الحديث قال : نعم الإدام الجوع ونعم شعار المسلمين التخفيف . وذكروا ~~عن عبد الملك بن عمير عن رجل من بني عذرة قال : خرجت زائرا لأخوال لي بهجر ~~. فإذا هم في برث أحمر بأقصى هجر في طلوع القمر . فذكروا أن أتانا تعتاد ~~نخلة فترفع يديها وتعطو بفيها وتأخذ الحلقان والمنسبتة والمنصفة والمعوة . PageV02P191 # """""" صفحة رقم 192 """""" # فتنكبت قوسي وتقلدت جفيري . فإذا قد أقبلت . فرميتها فخرت لفيها . فأدركت ~~فقورت سرتها ومعرفتها . فقدحت ناري وجمعت حطي ثم دفنتها . ثم أدركني ما ~~يدرك الشباب من النوم . فما استيقظت إلا بحر الشمس في ظهري . ثم كشفت عنها ~~. فإذا لها غطيط من الودك كتداعي طيء وغطيف وغطفان . ثم قمت إلى الرطب وقد ~~ضربه برد السحر . فجنيت المعوة والحلقان . فجعلت أضع الشحمة بين الرطبتين ~~والرطبة بين الشحمتين فأظن الشحمة سمنة ثم سلاءة وأحسبها من حلاوتها شهدة ~~أحدرها من الطور . وأنا أتهم هذا الحديث لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به ~~عربي يعرف مذاهب العرب . وهو من PageV02P192 ~~"""""" صفحة رقم 193 """""" # وقال مديني لأعرابي أي شيء تدعون وأي شيء تأكلون قال : نأكل ما دب ودرج ~~إلا أم حبين . فقال المديني : لتهن أم حبين العافية . وقال الأصمعي : تعرق ~~أعرابي عظما . فلما أراد أن يلقيه - وله بنون ثلاثة - قال له أحدهم : ~~أعطينه . قال : وما تصنع به قال : أتعرقه حتى لا تجد فيه ذرة مقيلا . قال : ~~ما قلت شيئا قال الثاني : أعطينه . قال : وما تصنع به قال أتعرقه حتى لا ~~تدري ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله . قال : ما قلت شيئا قال الثالث ms156 : ~~أعطينه . قال : وما تصنع به قال أجعله مخة إدام . قال : أنت له وقال الآخر ~~: فإنك لم تشبه لقيطا وفعله وإن كنت أطعمت الأرز مع التمر وقال الآخر : إذا ~~انغاص منها بعضها لم تجد لها دويا لما قد كان منها مدانيا وإن حاولوا أن ~~يشبعوها رأيتها على الشعب لا تزداد إلا تداعيا PageV02P193 ~~"""""" صفحة رقم 194 """""" # معوذة الإرحال لم توف مرقبا ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا ولا اجترعت ~~من نحو مكة سقة إلينا ولا جازت بها العيس واديا أتتنا تزيجها الجاذيف نحونا ~~وتعقب فيما بين ذاك المراديا فقلت : لمن هذي القدور التي أرى تهيل عليها ~~الريح تربا وسافيا فقالوا : وهل يخفى على كل ناظر قدور رقاش إن تأمل رائيا ~~فقلت : متى باللحم عهد قدوركم فقالوا : إذا ما لم يكن عواريا من أضحى إلى ~~الأضحى وإلا فإنها تكون بنسج العنكبوت كما هيا فلما استبان الجهد لي في ~~وجوههم وشكواهم أدخلتهم في عياليا PageV02P194 ~~"""""" صفحة رقم 195 """""" # فكنت إذا ما استشرفوني مقبلا أشاروا جميعا لجة وتداعيا ومما قالوا في صفة ~~قدورهم وجفانهم وطعامهم مما أنا كاتبه لك . وهم وإن كانوا في بلاد جدب ~~فإنهم أحسن الناس حالا في الخصب . فلا تظنن أن كل ما يصفون به قدورهم ~~وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل . وحثني الأصمعي قال : سألت المنتجع بن نبهان ~~عن خصب البادية فقال : ربما رأيت الكلب يتخطى الخلاصة - وهي له معرضة - ~~شبعا . وقال الأفوه الأودي : تهنا لثعلبة بن قيس جفنة يأوي إليها في الشتاء ~~الجوع وكأنما فيها المذانب حلقة ودم الدلاء على دلوج ينزع PageV02P195 ~~"""""" صفحة رقم 196 """""" # وقال معن بن أوس وهو يذكر قدر سعيد بن العاص في بعض ما يمدحه : أخو شتوات ~~لا تزال قدوره تحل على أرجائها ثم ترحل إذا ما امتطاها الموقدون رأيتها لو ~~شك قراها وهي بالجزل تشعل سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت كهدر الجمال رزما ~~حين تجفل ترى البازل الكوماء فيها بأسرها مقبضة في قعرها ما تجلجل كأن ~~الكهول الشهب في حجراتها تغطرش في تيارها حين يحفل إذا التطمت أمواجها ms157 ~~فكأنها غوائب دهم في المحلة قبل PageV02P196 ~~"""""" صفحة رقم 197 """""" # إذا احتدمت أمواجها فكأنما يزعزعها من شدة الغل أفكل تظل رواسيها ركودا ~~مقيمة لمن نابه فيها معاش ومأكل وضاف الفرزدق أبا السحماء سحيم بن عامر أحد ~~بني عمرو بن مرثد فأحمده وذكر في إحماده قدره فقال : سألنا عن أبي السحماء ~~حتى أتينا خير مطروق لسارى وقام إلى سلافة مسلحب رثيم الأنف مربوب بقار ~~تدور عليهم والقدر تغلي بأبيض من سديف الكوم وارى كأن تطلع الترعيب فيها ~~عذارى يطلعن إلى عذارى PageV02P197 ~~"""""" صفحة رقم 198 """""" # وقال الكميت في صفة القدر : إوز تغمس في لجة تغيب مرارا وتطفو مرارا كأن ~~الغطامط من غليها أراجيز أسلم تهجو غفارا وأما ما ذكروا من صفات القدور من ~~تعير بعضهم بعضا فهو كما أنشدني محمد بن يسير قال : لما قال الأول : إن لنا ~~قدرا ذراعان عرضها وللطول منها أذرع وشبار قال الآخر : وما هذه أخزى اله ~~هذه قدرا ولكني أقول : بوأت للورى فوضعتها برابية من بين ميث وأجرع جعلت ~~لها هضب الرجام وطخفة وغولا أثافي دونها لم تنزع بقدر كأن الليل شحنة قعرها ~~ترى الفيل طافيا لم يقطع PageV02P198 ~~"""""" صفحة رقم 199 """""" # يعجل للأضياف وارى سديفها ومن يأيها من سائر الناس يشبع قال أبو عبيدة : ~~ولما قال الفرزدق : وقدر كحيزوم النعامة أحمشت بأجذال خشب زال عنها هشيمها ~~قال ميسرة أبو الدرداء : وما حيزوم النعامة والله ما تشبع هذه الفرزدق . ~~ولكني أقول : وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ترى الفيل طافيا لم يفصل وقال ~~عبد الله بن الزبير يمدح أسماء بن خارجة : ألم تر أن المجد أرسل يبتغي حليف ~~صفاء قابلا لا يزايله تخير أسماء بن حصن فبطنت بفعل العلا أيمانه وشمائله ~~ومما يجوز في هذا الباب وإن لم يكن فيه صفة قدر قول الفرزدق في العذافر ابن ~~زيد أحد بني تميم اللات بن ثعلبة : لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها بأكثر ~~خيرا من خوان العذافر ولو ضافه الدجال يلتمس القرى وحل على خبازه بالعساكر ~~بعدة يأجوج ومأجوج جوعا لأشبعهم شهرا غداء ms158 العذافر PageV02P199 ~~"""""" صفحة رقم 200 """""" # وقال ابن عبدل في بشر بن مروان بن الحكم : ولو شاء بشر كان من دون بابه ~~طماطم سود أو صقالبة حمر ولكن بشرا أسهل الباب للتي يكون لبشر عندها الحمد ~~والأجر وقالوا في مناقضات أشعارهم في القدور قال الرقاشي : لنا من عطاء ~~الله دهماء جونة تناول بعد الأقربين الأقاصيا جعلنا ألالا والرجام وطففة ~~لها فاستقلت فوقهن أثافيا مؤدية عنا حقوق محمد إذا ما أتانا بائس الحال ~~طاويا أتى ابن يسير كي ينفس كربه إذا لم يرح وافي مع الصبح غاديا فأجابه ~~ابن يسير فقال : وثرماء ثلماء النواحي ولا يرى بها أحد عيبا سوى ذاك باديا PageV02P200 ~~"""""" صفحة رقم 201 """""" # ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي ألا أبشروا هذا اليسيري جائيا وقال ابن يسير ~~في ذلك : قدر الرقاشي لم تنقر بمنقار مثل القدور ولم تفتض من غار لكن قدر ~~أبي حفض إذا نسبت يوما ربيبة آجام وأنهار فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن ~~هانئ الحكمي يذكر قدر الرقاشي بالهجاء أيضا فقال : ودهماء تثفيها رقاش إذا ~~شتت مركبة الآذان أم عيال يغص بحيزوم البعوضة صدرها وتنزلها عفوا بغير جعال ~~هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ربيع اليتامى عام كل هزال وقال فيها أيضا : ~~رأيت قدور الناس سودا من الصلى وقدر الرقاشيين زهراء كالبدر ولو جئتها ملأى ~~عبيطا مجزلا لأخرجت ما فيها على طرف الظفر يثبتها للمعتفي بفنائهم ثلاث كحظ ~~الثاء من نقط الحبر PageV02P201 ~~"""""" صفحة رقم 202 """""" # تبين في محراثها أن عوده سليم صحيح لم يصبه أذى الجمر تروح على حي الرباب ~~ودارم وسعد وتعروها قراضبة الفزر وللحي عمرو نفحة من سجالها وتغلب والبيض ~~اللهاميم من بكر إذا ما تنادوا بالرحيل سعى بها أمامهم الحولى من ولد الذر ~~وقال بعض التميميين وهو بهجو ابن جبار : لو أن قدرا بكت من طول ما حبست على ~~الحفوف بكت قدر ابن جبار ما مسها دسم مذ فض معدنها ولا رأت بعد نار القين ~~من نار والشعوبية والآزاد مردية المبغضون لآل النبي ( صلى الله ms159 عليه وسلم ) ~~وأصحابه ممن فتح الفتوح ورفاغة عيشهم . وهم أحسن الأمم حالا مع الغيث ~~وأسوئهم حالا إذا خفت PageV02P202 ~~"""""" صفحة رقم 203 """""" # السحاب . حتى ربما طبق الغث الأرض باكلإ والماء . فعند ذلك يقول المصرم ~~والمقتر : مرعى ولا أكولة وعشب ولا بعير وكلا تيجع له كبد المصرم . ولذلك ~~قال شاعرهم : فجنبك الجيوش أبا زنيب وجاد على مسارحك السحاب وإذا نظرت في ~~أشعارهم علمت أنهم قد أكلوا الطيب وعرفوه لأن الناعم من الطعام لا يكون إلا ~~عند أهل الثراء وأصحاب العيش . فقال زياد بن فياض يذكر الدرمك وهو الحواري ~~: ولا قد فتى قيس بن عيلان ماجدا إذا الحرب هرتها الكماة الفوارس فقام إلى ~~البرك الهجان بسيفه وطارت حذار السيف دهم قناعس فصادف حد السيف قباء جلعدا ~~فكاست وفيها ذو غرارين نايس فأطعمها شحما ولحما ودرمكا ولم يثننا عنه ~~النسيم الحنادس وقال : تظل في درمك وفاكهة وفي شواء ما شئت أو مرقه PageV02P203 ~~"""""" صفحة رقم 204 """""" # وقال جرير : وقال النمر بن تولب : لها ما تشتهي عسل مصفى وإن شاءت فحواري ~~بسمن ومن أشرف ما عرفوه من الطعام - ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام ~~إلا عبد الله بن جدعان - وهو الفالوذق . مدحه بذلك أمية بن أبي الصلت فقال ~~: إلى ردح من الشيزى عليها لباب البر يلبك بالشهادة ولهم الثريد . وهو في ~~أشرافهم عام . وغلب على هاشم حين هشم الخبز لقومه . وقد مدح به في شعر ~~مشهور وهو قوله : عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف ومن ~~الطعام الممدوح الحيس . وتزعم مخزوم أن أول من حارس الحيس سويد بن هرمى . ~~وقال الشاعر : وإذا تكون شديدة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب PageV02P204 ~~"""""" صفحة رقم 205 """""" # والخبز عندهم ممدوح . وكان عبد الله بن حبيب العنبري أحد بني سمرة يقال ~~له آكل الخبز لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن . وكان سيد بني ~~العنبر في زمانه . وهم إذا فخروا قالوا : منا آكل الخبز ومنا مجير الطير ~~يعني ثوب بن شحمة العنبري . قرتني عبيد تمرها ms160 وقريتها سنام مصراة قليل ~~ركوبها فهل يستوي شحم السنام إذا شتا وتمر جواثي حين يلقى عسيبها وليس يكون ~~فوق عقر الإبل وإطعام السنام شيء . والعقر هو النجدة واللبن هو الرسل . قال ~~الهذلي : لو أن عندي من قريم رجلا لمنعوني نجدة ورسلا وقال الهزلي : ألا إن ~~خير الناس رسلا ونجدة وقال المرار بن سعيد الفقعسي : لهم إبل لا من ديات ~~ولم تكن مهورا ولا من مكسب غير طائل PageV02P205 ~~"""""" صفحة رقم 206 """""" # ولكن حماها من شماطيط غارة خلال العوالي فارس غير مائل مخيسه في كل رسل ~~ونجدة ومعروفة ألوانها في المعاقب وقد وصفوا الثريد فقال الراعي : فباتت ~~تعد النجم في مستحيرة سريع على أيدى الرجل جمودها وقال آخر : وقال ابن هرم ~~: إلى أن أتاهم بشيزية تعد كواكبها الشبك وقال كامل بن عكرمة : فقرب بينهم ~~خبزا ركودا كساها الشحم ينهمر إنهمارا يدف بها غلاماه جميعا تردهما إلى ~~الأرض انهصارا فأصبح سورهم فيها وعلمن لو أن العلم صنفها شيارا فهذا في صفة ~~الثريد . PageV02P206 # """""" صفحة رقم 207 """""" # وقال بشر بن أبي خازم : ترى ودك السديف على لحاهم كلون الرار لبده الصقيع ~~وقال الآخر : جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه وطيب الدهان رأسه فهو أنزع ~~إذا النفر السود اليمانون حاولوا له حوك برديه أرقوا وأوسعوا وقال الزبير ~~بن عبد المطلب : فإنا قد خلقنا إذ خلقنا لنا الحبراة والمسك الفتيت ثيابهم ~~شمال أو عباء بها دنس كما دنس الحميت فميز - كما ترى بين لباس الأشراف وأهل ~~الثروة وغيرهم . وقال الأعشى : والمشرف العود فأكنافه ما بين حمران فينصوب PageV02P207 ~~"""""" صفحة رقم 208 """""" # خير لها إن خشيت جحرة من ربها زيد بن أيوب متكئا تقرع أبوابه يسعى عليه ~~العبد بالكوب وقال أبو الصلت بن ربيعة : اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا في ~~رأس غمدان دارا منك محلالا وليس هذا من باب الإفراط كقول جران العود حين ~~وصف نفسه وعشيقته فقال : فأصبح في حيث التقينا غنيمة سوار وخلخال ومرط ~~ومطرف ومنقطعات من عقود تركنها كجمر الغضى في بعض ما تتخطرف ومن ذلك ms161 قول ~~عدي بن زيد : يا لبينى أوقدي النار إن من تهوين قد حارا رب نار بت أرقبها ~~تقضم الهندي والغاران PageV02P208 ~~"""""" صفحة رقم 209 """""" # وقال الآخر : أرى في الهوى نارا لظبية أوقدت يشب ويذكى بعد وهن وقودها ~~تشب بعيدان اليلنجوج موهنا وبالرند أحينا فذاك وقودها قد ذكرنا الطعام ~~الممدوح ما هو وذكرنا أحد صنفي الطعام المذموم . والصنف الآخر الجزيرة التي ~~تعاب مجاشع بن درام وكنحو السخينة التي تعاب بها قريش . قال خداش بن زهير : ~~يا شدة ما شددنا غير كاذبة على سخينة لولا الليل والحرم وقال عبد الله بن ~~همام : إذا لضربتهم حتى يعودوا بمكة يلعقون بها السخينا وقال جرير : وضع ~~الخزير فقيل : أين مجاشع فشحا جحافله هجف هبلع والخزير لم يكن من طعامهم . ~~وله حديث . والسخينة كانت من طعام قريش . PageV02P209 # """""" صفحة رقم 210 """""" # وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة وكل من كان يقرب النخل - بأكل التمر . ~~فقال الفرزدق : لست بسعد على فيه حبرة ولست بعبد حقيبته التمر وتهجا أسد ~~بأكل الكلاب وبأكل لحوم الناس . والعرب إذا وجدت رجلا من القبيلة قد أتى ~~قبيحا ألزمت ذلك القبيلة كلها . كما تمدح القبيلة بفعل جميل وإن لم يكن ذلك ~~إلا بواحد منها : فتهجوا قريشا بالسخينة وعبد القيس بالتمر وذلك عام في ~~الحيين جميعا . وهما من صالح الأغذية والأقوات . كما تهجو بأكل الكلاب ~~والناس وإن كان ذلك إنما كان من رجل واحد فلعلك إذا أردت التحصيل تجده ~~معذورا . قال الشاعر : يا فقعسي لما أكلته لمه لو خافك الله عليه حرمه فما ~~أكلت لحمه ولا دمه وقال في ذلك مساور بن هند : إذا أسدية ولدت غلاما فبشرها ~~بلؤم في الغلام تخرسها نساء بني دبير بأخبث ما يجدن من الطعام ترى أظفار ~~أعقد ملقات براثنها على وضم الثمام PageV02P210 ~~"""""" صفحة رقم 211 """""" # وقال : بني أسد عن يمحل العام فقعس فهذا إذا دهر الكلاب وعامها إذا أسدى ~~جاع يوما ببلدة وكان سمينا كلبه فهو آكله وتهجى أسد وهذيل والعنبر وبأهلة ~~بأكل لحوم الناس . قال الشاعر في هذيل : وأنتم أكلتم ms162 سحفة ابن مخدم زمانا ~~فما يأمنكم أحد بعد تداعوا له من بين خمس وأربع وقد نصل الأظفار وانسبأ ~~الجلد وقال حسان فيهم : إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له فأت الرجيع وسل عن ~~دار لحيان قوم تواصوا بأكل الجار بينهم فالشاة والكلب والإنسان سيان وهجا ~~شاعر بلعنبر وهو يريد ثوب بن شحمة . وفيه حديث : عجلتم ما صدكم علاجي من ~~العنوق ومن النعاج حتى أكلتم طفلة كالعاج PageV02P211 ~~"""""" صفحة رقم 212 """""" # ولما عير ثوب بن شحمة بأكل الفتى العنبري لحم المرأة سكت إلى أن نزل هو ~~من الجبل فقال : يا بنت عمى ما أدراك ما حسبي إذ لا تجن خبيث الزاد أضلاع ~~إني لذو مرة تخشى بوادره عند الصباح بنصل السيف قراع فهجا ثوب بن شحمة بأكل ~~لحوم المرأة . وكان ثوب هذا أكرم نفسا عندهم من أن يطعم طعاما خبيثا ولو ~~مات عندهم جوعا . وله قصص . ولقد أسر حاتما الطائي وظل عنده زمانا . وقال ~~الشاعر يهجوا بأهلة بمثل ذلك : إن عفاقا أكلته باهله تمششوا عظامه وكاهله ~~وأصبحت أم عفاق ثاكله وهجيت بذلك أسد جميعا بسبب رملة بنت فائد بن حبيب بن ~~خالد بن نضلة حين أكلها زوجها وأخوها أبو أرب . وقد زعموا أن ذاك إنما كان ~~منهما من طريق الغيظ والغيرة . فقال ابن دارة ينعى ذلك عليهم : أفي أن ~~رويتم واحتلبتم شكيكم فخرتم وفيم الفقعسي من الفخر ورملة كانت زوجة لفريقكم ~~وأخت فريق وهي مخزية الذكر أبا أرب كيف القرابة بينكم وإخوانكم من لحم ~~أكفالها العجر PageV02P212 ~~"""""" صفحة رقم 213 """""" # وقال : عدمت نساء بعد رملة فائد - بني فقعس - تأتيكم بأمان وباتت عروسا ~~ثم أصبح لحمها جلا في قدور بينكم وجفان يا صلت إن محل بيتك منتن فارحل فإن ~~العود غير صليب وإذا دعاك إلى المعاقل فائد فاذكر مكان صدارها المسلوب ~~والآن فادع أبا رجال إنها شنعاء لاحقة بأم حبيب وأبو رجال هذا عمها . وقال ~~في ذلك معروف الدبيري : إذا ما ضفت ليلا قفعسيا فلا تطعم له أبدا طعاما فإن ~~اللحم إنسان فدعه وخير ms163 الزاد ما منع الحراما وهذا الباب يكثر ويطول . وفيما ~~ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف الحالات . فإن أردته مجموعا فاطلبه ~~في كتاب الشعوبية فإنه هناك مستقصى . والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير نارا ~~نبح فيجاوبه الكلب فيتبع صوته . ولذلك قال الشاعر : ومسنتنبح أهل الثرا ~~يطلب القرى إلينا وممساه من الأرض نازح PageV02P213 ~~"""""" صفحة رقم 214 """""" # وقال الآخر : عوى حدس والليل مستحلس الندى لمستنبح بين الرميثة والحصر ~~وعاو عوى والليل مستحلس الندى وقد زحفت للغور تالية النجم فمنهم من يبرز ~~كلبه ليجيب ومنهم من يمنعه ذلك . قال زياد الأعجم وهو يهجو بني عجل : وتكلم ~~كلب الحي من خشية القرى وقدرك كالعذراء من دونها ستر وقال آخر : نزلنا ~~بعمار فأشلي كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي أسر إليهم : ~~إذا اليوم أم يوم القيامة أطول وقال آخر : أعددت للضيفان كلبا ضاريا عندي ~~وفضل هراوة من أرزن وقال أعشى بن تغلب : إذا حلت معاوية بن عمرو على ~~الأطواء خنقت الكلابا PageV02P214 ~~"""""" صفحة رقم 215 """""" # وأنشدني ابن الأعرابي وزعم أنه من قول المجنون : ونار قد رفعت لغير خير ~~رجاه لمن تأوبني الرعا تأوبني طويل الشخص منهم يجر ثقاله يرجو العشا فكان ~~عشاءه عندي خزير بتمر مهينة فيه النوى أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن ~~مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل ~~وقال المرار الحماني في كلبه : ألف الناس فما ينبحهم من أسيف يبتغي الخير ~~وحر وقال عمران بن عصام : لعبد العزيز على قومه وغيرهم منن غامره فبابك ~~ألين أبوابهم ودارك مأهولة عامرة وكلبك آنس بالمعتفين من الأم بابنتها ~~الزائره PageV02P215 ~~"""""" صفحة رقم 216 """""" # وكفك حين ترى السائلي ن أندى من الليلة الماطرة وفي أنس الكلاب بالناس ~~لطول الرؤية لهم شعر كثير . وقال الشاعر : يا أم عمرو أنجزي الموعودا وارعي ~~بذاك أمانة وعهودا ولقد طرقت كلاب أهلك بالضحا حتى تركت عقورهن رقودا رأتني ~~كلاب الحي حتى ألفني ومدت نسوج العنكبوت على رحلي وقال الآخر : بات الحويرث ~~والكلاب تشمه ms164 وسرت بأبيض كالهلال على الطوى هذا البيت يدخل في هذا الباب . ~~وقال الآخر : لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم لم ينكر الكلب أني صاحب الدار لكن ~~أتيت وريح المسك تفغمني والعنبر الورد أذكيه على النار PageV02P216 ~~"""""" صفحة رقم 217 """""" # فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني وكان يعرف ريح الزق والقار وقال هلال بن ~~خثعم : إني لعف عن زيارة جارتي وإني لمشنوء إلى اغتيابها إذا غاب عنها ~~بعلها لم أكن لها زءورا ولم تأنس إلى كلابها وما أنا بالداري أحاديث بيتها ~~ولا عالم في أي حوك ثيابها وقال ابن هرمة في فرح الكلب بالضيف لعادة النحر ~~: وفرحة من كلاب الحي يتبعها محض يزف به الراعي وترعيب وقال ابن هرة : فجاء ~~خفي الشخص قد رامه الطوى بضربة مسنون الغرارين قاضب فرحبت واستبشرت حين ~~رأيته وتلك التي ألقى بها كل ثائب وفي منع الكلب من النباح يقول الراعي في ~~الحطيئة : إلا قبح الله الحطيئة إنه على كل ضيف ضافه فهو سالح PageV02P217 ~~"""""" صفحة رقم 218 """""" # دفعت إليه وهو يخنق كلبه ألا كل كلب - لا أبا لك نابح بكيت على مذق خبيث ~~قريته ألا كل عبسي على الزاد نائح وقد قالوا في صفة أبواب أهل المقدرة ~~والثروة إذا كانوا يقومون بحق النعمة . قال الرجز : إن الندى حيث ترى ~~الضغاطا وقال الآخر : يزدحم الناس على بابه والشرع السهل كثير الزحام وقال ~~الآخر : وإذا افتقرت رأيت بابك خاليا وترى الغني يهدي لك الزوارا وليس هذا ~~من الأول إنما هذا مثل قوله : ألم تر بيت الفقر يهجر أهله وبيت الغني يهدي ~~له ويزار إذا ما قل مالك كنت فردا وأي الناس زوار المقل والعرب تفضل الرجل ~~الكسوب والغر الطلوب ويذمون المقيم الفشل والدثر والكسلان . ولذلك قال ~~شاعرهم وهو يمدح رجلا : شتى مطالبه بعيد همه جواب أودية برود المضجع PageV02P218 ~~"""""" صفحة رقم 219 """""" # ومدح آخر نفسه فقال : فإن تأتيني في الشتاء وتلمسا مكان فراشي فهو بالليل ~~بارد وقال آخر : إلى ملك لا ينقض النأي عزمه خروج تروك للفراش الممهد وقال ~~الآخر : فذاك ms165 قصير الهم يملأ عزمه من النوم إذ ملقى فراشك بارد وقال الآخر ~~: أبيض بسام برود مضجعه اللقمة الفرد مرارا تشبعه وهم يمدحون أصحاب النيران ~~ويذمون أصحاب الإخماد . قال الشاعر : وما إن كان أكثرهم سواما ولكن كان ~~أرحبهم ذراعا وقال مزرد بن ضرار : فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت بعلياء نشر ~~للعيون النواظر جعلها شقراء ليكون أضوء لها . وكذلك النار إذا كان حطبها ~~يابسا كان أشد لحمرة ناره . وإذا كثر دخانه قل ضوءه . PageV02P219 # """""" صفحة رقم 220 """""" # وقال الآخر : ونار كسجر العود يرفع ضوءها مع الليل هبات الرياح الصوارد ~~وكلماكان موضع النار أشد ارتفاعا كان صاحبها أجود وأمجد لكثرة من يراها من ~~البعد . ألا ترى النابغة الجعدي حين يقول : منع الغدر فلم أهمم به وأخو ~~الغدر إذا هم فعل خشية الله وأني رجل إنما ذكرى كنار بقبل وقالت الخنساء ~~السلمية : وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار وليس يمنعني من ~~تفسير كل ما يمر إلا اتكالي على معرفتك . وليس هذا الكتاب نفعه إلا لمن PageV02P220 ~~"""""" صفحة رقم 221 """""" # ومما يدل على كرم القوم أيمانهم الكريمة وأقسامهم الشريفة . قال معدان بن ~~جواس الكندي : إن كان ما بلغت عني فلامني صديقي وحزت من يدي الأنامل وكفنت ~~وحدي منذرا في ردائه وصادف حوطا من أعادي قاتل وقال الأشتر مالك بن الحارث ~~في مثل ذلك أيضا : بقيت وحدي وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن ~~لم أشن على ابن حرب غارة لم تخل يوما من نهاب نفوس خيلا كأمثال السعالي ~~شذبا تغدو ببيض في الكريهة شوس حمى الحديد عليهم فكانت لمعان برق أو شعاع ~~شموس وقال ابن سيحان : حرام كنتي مني بسوء وأذكر صاحبي أبدا بذام PageV02P221 ~~"""""" صفحة رقم 222 """""" # لقد أحرمت ود بني مطيع حرام الدهن للرجل الحرام وحرهم الذي قد ستروه ~~ومجلسهم بمعتلج الظلام وإن جنف الزمان مددت حبلا متينا من حبال بني هشام ~~وريق عودهم أبدا رطيب إذا ما أغبر عيدان اللئام PageV02P222 ~~ ms166