######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010501 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Bukhala #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البخلاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010501 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10501 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10501 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1419 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | توطئة # بسم الله الرحمن الرحيم* # تولاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين ~~برحمته. # ذكرت، حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص «1» النهار، وفي تفصيل ~~حيل سراق الليل، وأنك سددت به كل خلل «2» ، وحصنت «3» به كل عورة «4» ، ~~وتقدمت، بما أفادك من لطائف الخدع، ونبهك عليه من غرائب الحيل، فما عسى ألا ~~يبلغه كيد، ولا يجوزه مكر. # وذكرت أن قدر نفعه عظيم، وأن التقدم في درسه واجب. وقلت: ~~ أذكر لي نوادر البخلاء في باب الجد، لأجعل الهزل مستراحا، والراحة جماما ~~«5» ، فإن للجد كدا يمنع من معاودته، ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته. PageV01P015 # وذكرت ملح «الحرامي» «1» ، واحتجاج «الكندي» «2» ، ورسالة «سهل بن هارون» ~~«3» ، وكلام «ابن غزوان» «4» ، وخطبة «الحارثي» «5» ، وكل ما حضرني من ~~أعاجيبهم وأعاجيب غيرهم؛ ولم سموا البخل اصلاحا والشح اقتصادا، ولم حاموا ~~على المنع «6» ، ونسبوه إلى الحزم؛ ولم نصبوا للمواساة، وقرنوها بالتضييع؟ ~~ولم جعلوا الجود سرفا، والأثرة جهلا «7» ؟ ولم زهدوا في الحمد، وقل ~~احتفالهم بالذم؟ ولم استضعفوا من هش «8» للذكر، وارتاح للبذل؟ ولم حكموا ~~بالقوة لمن لا يميل الى ثناء «9» ، ولا ينحرف عن هجاء؟ ولم احتجوا لظلف ~~العيش «10» على لينه، ولمره على حلوه؟ ولم لم يستحيوا من رفض الطيبات في ~~رحالهم مع استهتارهم بها في رحال غيرهم؟ ولم تتابعوا في البخل؟ ولم اختاروا ~~ما يوجب ذلك الإسم، مع أنفتهم من ذلك الإسم؟ ولم رغبوا في الكسب، مع زهدهم ~~في الإنفاق؟ ولم عملوا، في الغنى، عمل الخائف من زوال الغنى، ولم يفعلوا في ~~الغنى عمل الراجي لدوام الغنى؟ ولم وفروا نصيب PageV01P016 ~~ الخوف، وبخسوا نصيب الرجاء، مع طول السلامة، وشمول العافية؟ ~~ والمعافى أكثر من المبتلى؛ وليست الفوائد أقل من الحوائج «1» . # بل كيف يدعو الى السعادة من خص نفسه بالشقوة، فكيف ينتحل نصيحة العامة، ~~من بدأ بغش الخاصة؟ ولم احتجوا، مع شدة عقولهم، لما أجمعت الأمة على ~~تقبيحه؟ ولم فخروا، مع اتساع معرفتهم، بما أطبقوا على تهجينه «2» ؟ وكيف ~~يفطن عند الاعتلال له، ويتغلغل «3» عند الاحتجاج عنه، إلى الغايات عنه، ms001 الى ~~الغايات البعيدة والمعاني اللطيفة، ولا يفطن لظاهر قبحه، وشناعة اسمه، ~~وخمول ذكره وسوء أثره على أهله. # وكيف، وهو الذي يجمع له بين الكد، وقلة المرزئة «4» ، وبين السهر، وخشونة ~~المضجع، وبين طول الاغتراب، وطول قلة الانتفاع، ومع علمه بأن وارثه أعدى له ~~من عدوه، وأنه أحق بماله من وليه، أوليس هو أظهر الجهل والغباوة، وانتحل ~~الغفلة والحماقة، ثم احتج لذلك بالمعاني الشداد، وبالألفاظ الحسان، وجودة ~~الإختصار، وبتقريب المعنى، وبسهولة المخرج، وإصابة الموضع، فكان ما ظهر من ~~معانيه وبيانه مكذبا لما ظهر من جهله ونقصانه. ولم جاز أن يبصر بعقله ~~البعيد الغامض، ويغبى عن القريب الجليل؟!. # وقلت: فبين لي ما الشيء الذي خبل «5» عقولهم، وأفسد أذهانهم، وأغشى تلك ~~الأبصار، ونقض ذلك الإعتدال؟ وما الشيء الذي له PageV01P017 ~~ عاندوا الحق، وخالفوا الأمم «1» ؟ وما هذا التركيب المتضاد، والمزاج ~~المتنافي؟ وما هذا الغباء الشديد الذي الى جنبه فطنة عجيبة؟ وما هذا السبب ~~الذي خفي به الجليل الواضح، وأدرك به الجليل الغامض؟! # وقلت: وليس عجبي ممن ~~خلع عذاره في البخل، وأبدى صفحته للذم، ولم يرض من القول إلا بمقارعة ~~الخصم، ولا من الإحتجاج إلا بما رسم في الكتب؛ ولا عجبي من مغلوب على عقله، ~~مسخر لإظهار عيبه، كعجبي ممن قد فطن لبخله، وعرف إفراط شحه، وهو في ذلك ~~يجاهد نفسه، ويغالب طبعه، ولربما ظن أن قد فطن له، وعرف ما عنده، فموه شيئا ~~لا يقبل التمويه، ورقع خرقا لا يقبل الرقع. فلو أنه كما فطن لعيبه، وفطن ~~لمن فطن لعيبه، فطن لضعفه عن علاج نفسه، وعن تقويم أخلاقه، وعن استرجاع ما ~~سلف من عاداته، وعن قلبه أخلاقه المدخولة «2» إلى أن تعود سليمة، لترك تكلف ~~ما لا يستطيعه، ولربح الإنفاق على من يذمه، ولما وضع على نفسه الرقباء، ولا ~~أحضر مائدته الشعراء، ولا خالط برد «3» الآفاق، ولا لابس الموكلين ~~بالأخبار، ولاستراح من كد الكلفة، ودخل في غمار الأمة. # وبعد، فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه، ولا يفطن لعيب نفسه إذا ~~أطعمهم؟ وإن كان عيبه مكشوفا، وعيب ms002 من أطعمه مستورا؟ ~~ ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر «4» ، وشحت بالقليل من الطعم؟ وقد ~~علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل، وأنه، لو شاء أن PageV01P018 ~~ يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به، كان ذلك عتيدا «1» ، ويسيرا ~~موجودا. # وقلت: ولا بد من أن تعرفني الهنات «2» التي نمت على المتكلفين «3» ، ودلت ~~على حقائق المتموهين، وهتكت عز أستار الأدعياء، وفرقت بين الحقيقة والرياء، ~~وفصلت بين المقهور المنزجر «4» ، والمطبوع المبتهل «5» ، لتقف، كما زعمت، ~~عندها، ولتعرض نفسك عليها ولتتوهم مواقعها وعواقبها. # فإن نبهك التصفح بها على عيب قد أغفلته، عرفت مكانه فاجتنبته، فإن كان ~~عتيدا ظاهرا معروفا عندك، نظرت؛ فإن كان احتمالك فاضلا على بخلك دمت على ~~إطعامهم، وعلى اكتساب المحبة بمؤاكلتهم؛ وإن كان اكتراثك غامر الإجتهاد، ~~سترت نفسك وانفردت بطيب زادك، ودخلت مع الغمار «6» وعشت عيش المستورين. وإن ~~كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالا، وكانت أسبابكما أمثالا وأشكالا، أجبت ~~الحزم الى ترك التعرض، وأجبت الإحتياط إلى رفض التكلف، ورأيت أن من حصل ~~السلامة من الذم، فقد غنم؛ وأن من آثر «7» الثقة على التغرير، فقد حزم. # وذكرت أنك الى معرفة هذا الباب أحوج، وأن ذا المروءة الى هذا العلم أفقر؛ ~~وإني إن حصنت من الذم عرضك، بعد أن حصنت من PageV01P019 ~~ اللصوص مالك، فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار، ولا أم رؤوم. # وسألت أن أكتب لك علة «خباب» «1» في نفي الغيرة، وأن بذل الزوجة داخل في ~~باب المؤاساة والأثرة؛ وأن فرج الأمة في العارية، كحكم الخدمة؛ وأن الزوجة ~~في كثير من معانيها كالأمة، وأن الأمة مال كالذهب والفضة، وأن الرجل أحق ~~ببنته من الغريب، وأولى بأخته من البعيد؛ وأن البعيد أحق بالغيرة، والقريب ~~أولى بالأنفة، وأن الإستزادة في النسل كالإستزادة في الحرث، إلا أن العادة ~~هي التي أوحشت منه، والديانة هي التي حرمته، ولأن الناس يتزيدون أيضا في ~~استعظامه، وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه. # وعلة «الجهجاه» «2» في تحسين الكذب في مواضع، وفي تقبيح الصدق في مواضع، ~~وفي إلحاق ms003 الكذب بمرتبة الصدق، وفي حط الصدق الى موضع الكذب. وأن الناس ~~يظلمون الكذب بتناسي مناقبه «3» ، وتذكر مثالبه «4» ، ويحابون «5» الصدق ~~بتذكر منافعه، وبتناسي مضاره. ~~ وأنهم لو وازنوا بين مرافقهما، وعدلوا بين خصالهما، لما فرقوا بينهما هذا ~~التفريق، ولما رأوهما بهذه العيون. # ومذهب «صحصح» «6» في تفضيل النسيان على كثير من الذكر، وأن الغباء، في ~~الجملة، أنفع من الفطنة، في الجملة، وأن عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس، ~~من عيش العقلاء؛ وأنك لو أسمنت بهيمة، ورجلا ذا مروءة، أو امرأة ذات عقل ~~وهمة، وأخرى ذات غباء وغفلة، PageV01P020 # لكان الشحم إلى البهيمة أسرع، وعن ذات العقل والهمة أبطأ؛ ولأن العقل ~~مقرون بالحذر والإهتمام، ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن، فلذلك ~~البهيمة تقنو «1» شحما في الأيام اليسيرة، ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة. ~~ومتوقع البلاء في البلاء، وأن سلم منه، والغافل في الرجاء إلى أن يدركه ~~البلاء. ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصورة في كتابي الذي سمي ~~«كتاب المسائل» «2» لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب. # فأما ما سألت من احتجاج الأشحاء، ونوادر أحاديث البخلاء، فسأوجدك ذلك في ~~قصصهم، إن شاء الله تعالى، مفرقا وفي احتجاجهم مجملا، فهو أجمع لهذا الباب ~~من وصف ما عندي، دون ما انتهى إلي من أخبارهم، على وجهها. وعلى أن الكتاب ~~أيضا يصير أقصر، ويصير العار فيه أقل. # ونبتدىء برسالة «سهل بن هارون» ثم بطرف أهل «خراسان» ، لإكثار الناس في ~~أهل خراسان. # ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبين حجة طريفة، أو تعرف حيلة لطيفة، أو ~~استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه، إذا شئت، وفي لهو، إذا مللت الجد. # وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع، ومحمود المغبة «3» ، إذا وافق الموضع، ~~ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن الجهة، ودليل على الرقة، والبعد من القسوة، ~~وربما عد من الوفاء، وشدة الوجد على الأولياء. وهو من أعظم ما تقرب به ~~العابدون، واسترحم به الخائفون. PageV01P021 # وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبي له: لا تجزع، فإنه أفتح ~~لجرمه، وأصح ms004 لبصره. # وضرب «عامر بن عبد قيس» «1» بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة «2» ، لا ~~تندى «3» . # وقيل: «لصفوان بن محرز» «4» ، عند طول بكائه، وتذكر أحزانه: ~~ «إن طول البكاء يورث العمى» ؛ فقال: «ذلك لها شهادة» فبكى حتى عمي. # وقد مدح بالبكاء ناس كثير، منهم «يحيى البكاء» ، وهيثم البكاء» . ~~ وكان «صفوان بن محرز» يسمى: «البكاء» . وإذا كان البكاء (وما دام صاحبه ~~فيه فإنه في بلاء، وربما أعمى البصر، وأفسد الدماغ، ودل على السخف، وقضي ~~على صاحبه بالهلع، وشبه بالأمة اللكعاء «5» وبالحدث الضرع) «6» كذلك، فما ~~ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور، الى أن ينقطع عنه سببه. # ولو كان الضحك قبيحا من الضاحك، وقبيحا من المضحك، لما قيل للزهرة ~~والحبرة والحلي والقصر المبني: «كأنه يضحك ضحكا» . # وقد قال الله جل ذكره: «وأنه هو أضحك وأبكى وأنه قد أمات وأحيا» ، فوضع ~~الضحك بحذاء الحياة «7» ، ووضع البكاء بحذاء الموت؛ PageV01P022 # وأنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص. # وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما، ومن مصلحة الطباع كبيرا، وهو ~~شيء في أصل الطباع وفي أساس التركيب؟ لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، وبه ~~تطيب نفسه، وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه الذي هو علة سروره، ومادة قوته. # ولفضل خصال الضحك عند العرب، تسمي أولادها «بالضحاك» و «ببسام» و «بطلق» ~~و «بطليق» . # وقد ضحك النبي، صلى الله عليه وسلم، ومزح، وضحك الصالحون ومزحوا، وإذا ~~مدحوا قالوا: «هو ضحوك السن، وبسام العشيات «1» ، وهش الى الضيف، وذو ~~أريحية «2» واهتزاز، وإذا ذموا قالوا: «هو عبوس، وهو كالح «3» ، وهو قطوب، ~~وهم شتم المحيا، وهو مكفهر أبدا، وهو كريه، ومقبض الوجه، وحامض الوجه، ~~وكأنما وجهه بالخجل منضوج» !. # وللضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، وقصر ~~عنهما أحد، صار الفاضل خطلا «4» ، والتقصير نقصا. # فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر، ومتى أريد ~~بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدا، والضحك ~~وقارا. # وهذا كتاب لا أغرك ms005 منه، ولا أستر عنك عيبه، لأنه لا يجوز أن PageV01P023 ~~ يكمل لما تريده، ولا يجوز أن يوفى حقه، كما ينبغي له. لأن ههنا أحاديث ~~كثيرة، متى اطلعنا منها حرفا عرف أصحابها، وإن لم نسمهم، ولم نرد ذلك بهم ~~وسواء سميناهم، أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم، منهم الصديق والولي والمستور ~~والمتجمل، وليس يفي حسن الفائدة لكم، بقبح الجناية عليهم. # فهذا باب يسقط البتة، ويختل به الكتاب لا محالة، وهو أكثرها بابا، ~~وأعجبها منك موقعا. وأحاديث أخر ليس لها شهرة، ولو شهرت لما كان فيها دليل ~~على أربابها، ولا هي مقيدة أصحابها، وليس يتوفر أبدا حسنها إلا بأن يعرف ~~أهلها، وحتى تتصل بمستحقها، وبمعادنها، واللائقين بها؛ وفي قطع ما بينها ~~وبين عناصرها ومعانيها، سقوط نصف الملحة «1» ، وذهاب شطر النادرة. # ولو أن رجلا ألزق نادرة «بأبي الحارث جمين» «2» ، «والهيثم بن مطهر» «3» ~~، و «بمزبد» «4» ، و «ابن أحمر» «5» ، ثم كانت باردة، لجرت على أحسن ما ~~يكون. # ولو ولد نادرة حارة في نفسها، مليحة في معناها، ثم أضافها إلى «صالح بن ~~حنين» «6» والى «ابن النواء» «7» ، والى بعض البغضاء، لعادت باردة، ولصارت ~~فاترة، فان الفاتر شر من البارد. # وكما أنك لو ولدت كلاما في الزهد، وموعظة الناس، ثم قلت: هذا PageV01P024 ~~ من كلام «بكر بن عبد الله المزنى» و «عامر بن عبد قيس العنبري» ، و «مؤرق ~~العجلي» و «يزيد الرقاشي» «1» ، لتضاعف حسنه، ولا حدث له ذلك النسب نضارة ~~«2» ورفعة لم تكن له. # ولو قلت: قالها «أبو كعب الصوفي» «3» ، أو «عبد المؤمن» «4» أو «أبو ~~نواس» «5» الشاعر أو «حسين الخليع» «6» ، لما كان لها إلا ما لها في نفسها، ~~وبالحري أن تغلط في مقدارها، فتبخس «7» من حقها. # وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها، وأحاديث كثيرة غير مضافة ~~إلى أربابها، أما بالخوف منهم، وأما بالإكرام لهم. # ولولا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلفته، ولما وضعت كلامي موضع الضيم ~~والنقمة، فإن كانت لائمة أو عجز، فعليك، وإن كان عذر، فلي دونك. PageV01P025 ### | رسالة سهل بن هارون الى محمد بن زياد والى بني ms006 عمه من آل زياد # حين ذموا مذهبه في البخل وتتبعوا كلامه في الكتب # «بسم الله الرحمن الرحيم # أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير، وجعلكم من أهله. # قال الأحنف بن قيس «1» : يا معشر بني تميم، لا تسرعوا الى الفتنة، فإن ~~أسرع الناس إلى القتال، أقلهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون: ~~ إذا أردت أن ترى العيوب جمة، فتأمل عيابا، فإنه إنما يعيب، بفضل ما فيه ~~من العيب؛ وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب؛ وقبيح أن تنهي عن مرشد، أو تغري ~~بمشفق. وما أردنا، بما قلنا، إلا هدايتكم وتقويمكم، وإلا إصلاح فسادكم، ~~وإبقاء النعمة عليكم. ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن ~~النية، فيما بيننا وبينكم. ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد ~~اخترناه لأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في الآفاق دونكم، فما كان أحقكم، في ~~تقديم حرمتنا بكم- أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم، وتنبيهنا على ما أغفلنا ~~من واجب حقكم، فلا PageV01P027 ~~ العذر المبسوط «1» عرفتم، ولا بواجب الحرمة قمتم. # ولو كان ذكر العيوب برا وفضلا، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلا. # وإن من أعظم الشقوة، وأبعد من السعادة، ألا يزال يتذكر زلل «2» المعلمين، ~~ويتناسى سوء استماع المتعلمين، ويستعظم غاط العاذلين «3» ولا يحفل بعمد «4» ~~المعذولين. # عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميرا كما أجدته فطيرا، ليكون أطيب ~~لطعمه؛ وأزيد في ريعه. وقد قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ورحمه، لأهله: ~~املكوا العجين، فإنه أريع الطحينين. # وعبتم علي قولي: من لم يعرف مواقع السرف «5» في الموجود الرخيص، لم يعرف ~~مواقع الإقتصاد في الممتنع الغالي. فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل ~~حجمها على مبلغ الكفاية وأشف من الكفاية، فلما صرت الى تفريق أجزائه على ~~الأعضاء، والى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلا على ~~الماء، فعلمت أن لو كنت مكنت الإقتصاد في أوائله، ورغبت عن التهاون به في ~~إبتدائه، لخرج آخره على كفاية أوله، ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر؛ ~~فعبتموني بذلك، وشنعتموه بجهدكم وقبحتموه. وقد قال ms007 الحسن «6» عند ذكر ~~السرف: إنه ليكون في الماعونين «7» : الماء والكلأ، فلم يرض بذكر الماء، PageV01P028 ~~ حتى أردفه بالكلأ. # وعبتموني حين ختمت على سد «1» عظيم، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن ~~رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبي جشع، وأمة لكعاء «2» ، وزوجة خرقاء. «3» # وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في ~~تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، ~~وخطير المركوب، والناعم من كل فن، واللباب من كل شكل، التابع والمتبوع، ~~والسيد والمسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، ومواقع أسمائهم في ~~العنوانات، وما يستقبلون به من التحيات. # وكيف وهم لا يفقدون، من ذلك، وما يفقد القادر، ولا يكترثون له اكتراث ~~العارف. من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمن وأعلف حماره السمسم المقشر. # فعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، وختم على كيس فارغ، ~~وقال: «طينة خير من طنة «4» » . فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم ~~على شيء. # وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، لنجمع بين ~~التأدم «5» باللحم والمرق، ولنجمع، مع الارتفاق «6» ، بالمرق PageV01P029 ~~ الطيب؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا طبختم لحما فزيدوا في ~~الماء، فإن لم يصب أحدكم لحما، أصاب مرقا. # وعبتموني بخصف النعال «1» ، وبتصدير القميص «2» ، وحين زعمت أن المخصوفة ~~أبقى وأوطأ وأوقى، وأنفى للكبر، وأشبه بالنسك، وأن الترقيع من الحزم، وأن ~~الإجتماع مع الحفظ، وأن التفرق مع التضييع. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويلطع «3» ~~إصبعه، ويقول: لو أتيت بذراع لأكلت، ولودعيت الى كراع لأجبت «4» . ولقد ~~لفقت سعدى إبنة عوف إزار طلحة، وهو جواد قريش، وهو طلحة الفياض «5» . # وكان في ثوب عمر رقاع أدم «6» . وقال: من لم يستحي من الحلال، خفت ~~مؤونته، وقل كبره. وقالوا: «لا جديد لمن لا يلبس الخلق» . ~~ وبعث زياد رجلا يرتاد «7» له محدثا، واشترط على الرائد أن يكون عاقلا ~~مسددا، فأتاه به موافقا، فقال: «أكنت ذا معرفة به» ؟ قال: «لا ولا رأيته ms008 ~~قبل ساعته» . قال: «أفناقلته الكلام وفاتحته الأمور، قبل أن توصله إلي» ؟ ~~قال: «لا» . قال: «فلم اخترته على جميع من رأيته» ؟ ~~ قال: «يومنا يوم قائظ، ولم أزل أتعرف عقول الناس بطعامهم ولباسهم في مثل ~~هذا اليوم، ورأيت ثياب الناس جددا وثيابه لبسا «8» ، فظننت به الحزم» . PageV01P030 # وقد علمنا أن الجديد في موضعه دون الخلق؛ وقد جعل الله عز وجل لكل شيء ~~قدرا وبوأ له موضعا، كما جعل لكل دهر رجالا، ولكل مقام مقالا؛ وقد أحيا ~~بالسم، وأمات بالغذاء، وأغص بالماء، وقتل بالدواء. فترقيع الثوب يجمع، مع ~~الإصلاح التواضع، وخلاف ذلك يجمع، مع الإسراف، التكبر. وقد زعموا أن قلة ~~العيال أحد اليسارين، وقد جبر الأحنف يد عنز، وأمر بذلك النعمان. وقال عمر: ~~من أكل بيضة فقد أكل دجاجة، وقال رجل لبعض السادة: أهدي إليك دجاجة، قال: ~~إن كان لا بد فاجعلها بياضة. وعد أبو الدرداء «1» العراق «2» جزر البهيمة «3» . # وعتموني حين قلت: «لا يغترن أحد بطول عمره، وتقوس ظهره، ورقة عظمه، ووهن ~~«4» قوته، أن يرى أكرومته، ولا يخرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه، وتحويله ~~إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعله أن يكون ~~معمرا، وهو لا يدري، وممدودا له في السن وهو لا يشعر؛ ولعله أن يرزق الولد ~~على اليأس، أو يحدث عليه بعض مخبات الدهور، مما لا يخطر على البال، ولا ~~تدركه العقول، فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما ~~كان عن الطلب وأقبح ما يكون به الكسب» . فعبتموني بذلك، وقد قال عمرو بن ~~العاص: «اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك من يموت غدا» «5» . # وعبتموني حين زعمت أن التبذير الى مال القمار، ومال الميراث، PageV01P031 ~~ وإلى مال الإلتقاط، وحباء «1» الملوك، أسرع، وأن الحفظ الى المال المكتسب ~~والغنى المجتلب، وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب «2» ~~البدن، واهتمام القلب أسرع، وأن من لم يحسب ذهاب نفقته، لم يحسب الدخل، فقد ~~أضاع الأصل، وأن من لم يعرف قدره، فقد أذن بالفقر وطاب ms009 نفسا بالذل. # وزعمت أن كسب الحلال مضمن بالإنفاق في الحلال؛ وأن الخبيث ينزع الى ~~الخبيث؛ وأن الطيب يدعو الى الطيب؛ وأن الإنفاق في الهوى، حجاب دون الحقوق؛ ~~وأن الإنفاق في الحقوق، حجاز دون الهوى. فعبتم علي هذا القول؛ وقد قال ~~معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا والى جانبه حق مضيع. وقد قال الحسن: إذا أردتم ~~أن تعرفوا من أين أصاب ماله، فانظروا في أي شيء ينفقه، فإن الخبيث ينفق في ~~السرف. # وقلت لكم، بالشفقة مني عليكم، وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم، ولما يحب ~~في جواركم، وفي ممالحتكم، وملابستكم: «أنتم في دار الآفات، والجوائح «3» ~~غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة، لم يرجع الى بقية؛ فأحرزوا النعمة ~~باختلاف الأمكنة، فإن البلية لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع. وقد قال ~~عمر رضي الله عنه، في العبد والأمة، وفي ملك الشاة والبعير، وفي الشيء ~~الحقير اليسير: «فرقوا بين المنايا» . وقال ابن سيرين لبعض البحريين: «كيف ~~تصنعون بأموالكم» ؟ ~~ قال: «نفرقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض، ولولا أن السلامة أكثر لما ~~حملنا خزائننا في البحر» . قال ابن سيرين: تحسبها «خرقاء «4» وهي صناع» «5» . PageV01P032 # وقلت لكم، عند إشفاقي عليكم: «إن للغنى سكرا، وان للمال نزوة، فمن لم ~~يحفظ الغنى من سكر الغنى، فقد أضاعه؛ ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر، فقد ~~أهمله» . # فعبتموني بذلك؛ وقال زيد بن جبلة «1» : «ليس أحد أفقر من غني أمن الفقر، ~~وسكر الغنى أشد من سكر الخمر» . # وقلتم: «قد لزم الحث على الحقوق، والتزهيد في الفضول، حتى صار يستعمل ذلك ~~في أشعاره، بعد رسائلة، وفي خطبه، بعد سائر كلامه؛ فمن ذلك قوله في يحيى بن ~~خالد: # عدو تلاد المال فيما ينوبه %~% منوع إذا ما منعه كان أحزما! # ومن ذلك قوله في محمد بن زياد: # وخليقتان: تقى وفضل تحرم %~% وإهانة، في حقه، للمال! # وعبتموني حين زعمت أني أقدم المال على العلم؛ لأن المال به يغاث العالم، ~~وبه تقوم النفوس، قبل أن تعرف فضيلة العلم. وأن الأصل أحق بالتفضيل من ~~الفرع، ms010 وأني قلت: «وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، ~~وبالخلة «2» نعمى» . وقلتم: «وكيف تقول هذا، وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدم ~~الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال: بل العلماء قيل: فما بال العلماء ~~يأتون أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة ~~العلماء بفضل الغنى، ولجهل الأغنياء بفضل العلم» . فقلت: حالهما هي الفاصلة ~~بينهما؛ وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه، وشيء يغني بعضهم فيه عن بعض» ؟. # وعبتموني حين قلت: «إن فضل الغني على القوت، إنما هو كفضل الآلة PageV01P033 ~~ تكون في الدار، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغني عنها كانت عدة» . ~~ وقد قال الحضين بن المنذر «1» : «وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه ~~بشيء» . قيل: «فما ينفعك من ذلك» ؟ قال: «لكثرة من يخدمني عليه» . ~~ وقال أيضا: «عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عز في قلبك، ~~وشبهة في قلب غيرك، لكان الحظ فيه جسيما، والنفع فيه عظيما» . # ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتعليم الخلفاء، وتأديب الحكماء، لأصحاب ~~الأهواء. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ~~والفقراء باتخاذ الدجاج. وقالوا: «درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك» . فقسموا ~~الأمور كلها على الدين والدنيا، ثم جعلوا أحد قسمي الجميع، الدرهم. وقال ~~أبو بكر الصديق رحمة الله عليه ورضوانه: «إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق ~~الأيام في اليوم» ، وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين «2» . وكان هشام يقول: ~~«ضع الدرهم على الدرهم، يكون مالا. ونهى أبو الأسود الدؤلي «3» ، وكان ~~حكيما أديبا، وداهيا أريبا، عن وجودكم هذا المولد، وعن كرمكم هذا المستحدث، ~~فقال لإبنه: «إذا بسط الله لك في الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض «4» ، ولا ~~تجاود «5» الله، فإن الله أجود منك» . وقال: «درهم من حل يخرج في حق، خير ~~من عشرة آلاف قبضا» . وتلقط عرجدا «6» من برم فقال: «تضيعون مثل هذا، وهو ~~قوت امرىء مسلم يوما إلى الليل» ؟! وتلقط أبو الدرداء حبات حنطة، فنهاه بعض ~~المسرفين، فقال: «إيها، ابن العبسية، إن فقه المرء رفقه في معيشته» . PageV01P034 # فلستم علي تردون ms011 ولا رأيي تفندون «1» ، فقدموا النظر قبل العزم، وتذكروا ~~ما عليكم قبل أن تذكروا ما لكم. والسلام» . PageV01P035 ### | أهل خراسان # «نبدأ بأهل خراسان» ، لإكثار الناس في أهل خراسان، ونخص بذلك أهل «مرو» ~~«1» ، بقدر ما خصوا به: # قال أصحابنا: يقول المروزي «2» للزائر، إذا أتاه، وللجليس، إذا طال ~~جلوسه: «تغديت اليوم» ؟ فإن قال «نعم» ، قال: «لولا أنك تغديت لغديتك بغداء ~~طيب» ؛ وإن قال: «لا» . قال: «لو كنت تغديت، لسقيتك خمسة أقداح» . فلا يصير ~~في يده على الوجهين قليل ولا كثير. # وكنت في منزل «ابن أبي كريمة» «3» وأصله من مرو، فرآني أتوضأ من كوز «4» ~~خزف، فقال: «سبحان الله تتوضأ بالعذب، والبئر لك معرضة» ؟ قلت: «ليس بعذب، ~~إنما هو من ماء البئر» . قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة» . فلم أدر كيف ~~أتخلص منه. # وحدثني عمرو بن نهيوي «5» قال: «تغديت يوما عند الكندي، PageV01P037 ~~ فدخل عليه رجل كان له جارا، وكان لي صديقا، فلم يعرض عليه الطعام ونحن ~~نأكل (وكان أبخل من خلق الله) ، قال: «فاستحييت منه» ، فقلت: «سبحان الله! ~~لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل» . قال: ~~ «قد والله فعلت» . فقال الكندي: «ما بعد الله شيء» . قال عمرو: ~~ «فكتفه، والله كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا، وتركه، ولو مد يده لكان ~~كافرا، أو لكان قد جعل مع الله، جل ذكره، شيئا» . # وليس هذا الحديث لأهل مرو ولكنه من شكل الحديث الأول. # وقال ثمامة «1» : «لم أر الديك في بلدة قط إلا وهو لا قط، يأخذ الحبة ~~بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب ~~الدجاج ما في مناقيرها من الحب» . قال: «فعلمت إن بخلهم شيء في طبع البلاد، ~~وفي جواهر الماء، فمن ثم عم جميع حيوانهم» . # فحدثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد، فقال: «كنت عند شيخ من أهل مرو، وصبي له ~~صغير يلعب بين يديه، فقلت له، إما عابثا وإما ممتحنا: «أطعمني من خبزكم» . ~~قال: «لا تريده، هو مر» . فقلت: ~~ «فاسقني من مائكم» قال: «لا تريده، هو مالح» . قلت: «هات لي من كذا وكذا» ms012 ~~قال: لا تريده، هو كذا وكذا» . إلى أن عددت أصنافا كثيرة، كل ذلك يمنعنيه ~~ويبغضه إلي. فضحك أبوه وقال: «ما ذنبنا؟ ~~ هذا من علمه ما تسمع» ؟ يعني أن البخل طبع فيهم، وفي إعراقهم، وطينتهم. # وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل، وصبروا عن PageV01P038 ~~ الارتفاق «1» بالمصباح ما أمكن الصبر. ثم أنهم تناهدوا «2» وتخارجوا «3» ~~، وأبى واحد منهم أن يعينهم، وأن يدخل في الغرم «4» معهم. فكانوا إذا جاء ~~المصباح شدوا عينه بمنديل؛ ولا يزال ولا يزالون كذلك، إلى أن يناموا ~~ويطفئوا المصباح، فإذا أطفأوه أطلقوا عينيه. # ورأيت أنا حمارة منهم، زهاء خمسين رجلا، يتغدون على مباقل «5» بحضرة قرية ~~الأعراب، في طريق الكوفة، وهم حجاج. فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان ~~معا، وهم في ذلك متقاربون، يحدث بعضهم بعضا. وهذا الذي رأيته منهم من غريب ~~ما يتفق للناس. # حدثني مويس بن عمران «6» قال: «قال رجل منهم لصاحبه، وكانا إما متزاملين ~~«7» ، وإما مترافقين، «لم لا نتطاعم «8» ؟ فان يد الله مع الجماعة، وفي ~~الإجتماع البركة» ؛ وما زالوا يقولون: «طعام الإثنين لا يكفي الثلاثة، ~~وطعام الثلاثة لا يكفي الأربعة» . فقال له صاحبه: ~~ «لولا أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة» . ~~ فلما كان الغد، وأعاد عليه القول، قال له: «يا عبد الله معك رغيف، ومعي ~~رغيف؛ ولولا أنك تريد الشر، ما كان حرصك على مؤاكلتي. ~~ تريد الحديث والمؤانسة؟ اجعل الطبق واحدا، ويكون رغيف كل منا قدام صاحبه. ~~وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك، ونصف رغيفي، PageV01P039 ~~ ستجده مباركا. إنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا، لا أنت. # وقال خاقان بن صبيح «1» : «دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا، وإذا هو قد ~~أتانا بمسرجة «2» ، فيها فتيلة في غاية الدقة، وإذا هو قد ألقى في دهن ~~المسرجة شيئا من ملح «3» ، وقد علق على عمود المنارة عودا بخيط، وقد حز فيه ~~حتى صار فيه مكان للرباط. فكان المصباح، إذا كاد ينطفىء أشخص «4» رأس ~~الفتيلة بذلك» . قال: «فقلت له: ما بال العود مربوطا» ؟ قال: «هذا عود قد ~~تشرب ms013 الدهن، فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان، فإذا كان هذا دأبنا ~~«5» ودأبه، ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة» . قال: «فبينا أنا ~~أتعجب في نفسي، وأسأل الله جل وذكره العافية والستر، إذ دخل شيخ من أهل ~~مرو، فنظر الى العود فقال: «يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شيء. أما ~~تعلم أن الريح والشمس تأخذوان من سائر الأشياء؟ أو ليس قد كان البارحة عند ~~إطفاء السراج أروى «6» ، وهو عند إسراجك الليلة أعطش «7» ؟ قد كنت أنا ~~جاهلا مثلك حتى وفقني الله إلى ما هو أرشد! اربط، عافاك الله، بدل العود ~~إبرة أو مسلة صغيرة. وعلى أن العود والخلال «8» والقصبة ربما تعلقت بها ~~الشعرة من قطن الفتيلة إذا سويناها بها فيشخص لها. وربما كان ذلك سببا لا ~~نطفاء السراج. والحديد أملس، وهو مع ذلك غير نشاف» . قال خاقان: «ففي تلك ~~الليلة عرفت فضل اهل خراسان PageV01P040 ~~ على سائر الناس، وفضل أهل مرو على سائر أهل خراسان» . # قال مثنى بن بشير «1» : دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان، ~~وإذا هو قد استصبح في مسرجة خزف، من هذه الخزفية الخضر. فقال له الشيخ: لا ~~يجيء والله منك، من صالح أبدا. عاتبتك في مسارج الحجارة، فأعتبتني بالخزف. ~~أو ما علمت أن الخزف والحجارة يحسوان «2» الدهن حسوا؟ قال جعلت فداك! ~~دفعتها إلى حريف «3» لي، دهان، فألقاها في المصفاة شهرا حتى رويت، من ~~الدهن، ريا لا تحتاج معه أبدا الى شيء. قال: ليس هذا أريد؛ هذا دواؤه يسير، ~~وقد وقعت عليه. ولكن ما علمت أن موضع النار من المسرجة، في طرف الفتيلة، لا ~~ينفك من إحراق النار، وتجفيفه، ونشف ما فيه؛ ومتى ابتل بالدهن وتسقاه، عادت ~~النار عليه فأكلته؟ هذا دأبهما. فلو قسمت ما يتشرب ذلك المكان، من الدهن، ~~بما يستمده طرف الفتيلة منه، لعلمت أن ذلك أكثر. وبعد هذا، فإن ذلك الموضع ~~من الفتيلة والمسرجة، لا يزال سائلا جاريا؛ ويقال إنك متى وضعت مسرجة، فيها ~~مصباح، وأخرى لا مصباح فيها، ms014 لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى ترى السفلى ~~ملآنة دهنا. ~~ واعتبر أيضا ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة، والنخالة التي توضع هناك ~~لتسويتها وتصويبها، كيف تجدهما ينعصران دهنا. وهذا كله خسران وغبن، لا ~~يتهاون به إلا أصحاب الفساد. على أن المفسدين إنما يطعمون الناس، ويسقون ~~ناس، وهم على حال يستخلفون «4» شيئا، وإن كان دونا. وأنت إنما تطعم النار، ~~وتسقي النار، ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاما للنار. قال ~~الشيخ: فكيف أصنع جعلت فداك؟ قال: PageV01P041 ~~ تتخذ قنديلا؛ فإن الزجاج أحفظ من غيره، والزجاج لا يعرف الرشح ولا النشف، ~~ولا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا بالدلك الشديد، أو بإحراق النار؛ وأيهما ~~ما كان، فإنه يعيد المسرجة الى العطش الأول. ~~والزجاج أبقى على الماء والتراب، من الذهب الإبريز «1» ؛ وهو مع ذلك ~~مصنوع، والذهب مخلوق، فإن فضله الذهب بالصلابة، فضله الزجاج بالصفاء؛ ~~والزجاج مجل، والذهب ستار. ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه، فلا تحمى ~~جوانبه بوهج المصباح، كما تحمى بموضع النار من المسرجة. وإذا وقع شعاع ~~النار على جوهر الزجاج، صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا، ورد الضياء كل ~~واحد منهما على صاحبه. ~~ واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة، أو على وجه الماء، أو على ~~الزجاجة؛ ثم انظر كيف يتضاعف نوره؛ وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه، ~~وربما أعماه. وقال الله جل ذكره: الله نور السماوات والأرض، مثل نوره ~~كمشكاة «2» فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، ~~نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء ~~ . والزيت في الزجاجة نور على نور، وضوء على ضوء مضاعف. هذا مع فضل حسن ~~القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف. # وأبو عبد الله هذا كان من أطيب الخلق، وأملحهم بخلا، وأشدهم رياء، أدخل ~~على ذي اليمينين، طاهر بن الحسين، وقد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام، فقال ~~له: منذ كم أنت مقيم بالعراق، يا أبا عبد ms015 الله؟ فقال: أنا بالعراق منذ ~~عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ أربعين سنة. قال: فضحك طاهر، وقال: سألناك ~~يا أبا عبد الله عن PageV01P042 ~~ مسألة، فأجبتنا عن مسألتين. ### || قصة العراقي مع المروزي: # ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشيختنا على وجه الدهر، وذلك: إن رجلا ~~من أهل مرو كان ولا يزال يحج ويتجر، وينزل على رجل من أهل العراق، فيكرمه ~~ويكفيه مؤونته. ثم كان كثيرا ما يقول لذلك العراقي: «ليت إني قد رأيتك ~~بمرو، حتى أكافئك، لقديم إحسانك، وما تجدد لي من البر في كل مرة. فأما ههنا ~~فقد أغناك الله عني» . # قال: فعرضت لذلك العراقي، بعد دهر طويل، حاجة في تلك الناحية؛ فكان مما ~~هون عليه مكابدة السفر، ووحشة الاغتراب، مكان المروزي هناك. فلما قدم مضى ~~نحوه في ثياب سفره، وفي عمامته وقلنسوته «1» وكسائه، ليحط رحله عنده، كما ~~يصنع الرجل بثقته، وموضع أنسه. فلما وجده قاعدا في أصحابه، أكب عليه ~~وعانقه، فلم يره أثبته، ولا سأل عنه سؤال من رآه قط. قال العراقي في نفسه: ~~«لعل إنكاره إياي لمكان القناع» ؛ فرمى بقناعه، وابتدأ مساءلته، فكان له ~~أنكر. ~~ فقال: «لعله أن يكون إنما أتي من قبل العمامة» ؛ فنزعها ثم إنتسب، وجدد ~~مساءلته، فوجده أشد ما كان له إنكارا. قال «فلعله إنما أتي من قبل ~~القلنسوة» ؛ وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل، ~~فقال: «لو خرجت من جلدك لم أعرفك» : ترجمة هذا الكلام بالفارسية: ~~«اكرازبوست بارون بيائي نشناستم» «2» . PageV01P043 ### || المشاركة في طبخ اللحم: # وزعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا، فتناهدوا «1» وتلازموا في شراء ~~اللحم، فإذا اشتروا اللحم قسموه، قبل الطبخ، وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه ~~بخوصة «2» أو بخيط، ثم أرسله في خل القدر والتوابل. ~~ فإذا طبخوه تناول كل إنسان خيطه، وقد علمه بعلامة ثم اقتسموا المرق، ثم ~~لا يزال أحدهم يسل من الخيط، القطعة بعد القطعة، حتى يبقى الحبل لا شيء ~~فيه. ثم يجمعون خيوطهم. فإن أعادوا الملازمة، أعادوا تلك الخيوط، لأنها قد ~~تشربت الدسم فقد رويت. وليس تناهدهم ms016 من طريق الرغبة في المشاركة، ولكن لأن ~~بضعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده، ولأن المؤونة ~~تخف أيضا، والحطب والخل والثوم والتوابل، ولأن القدر الواحدة أمكن من أن ~~يقدر كل واحد منهم على قدر وإنما يختارون السكباج «3» لأنها تبقى على ~~الأيام، وأبعد من الفساد. ### || قصة مقلى الخراساني: # حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام «4» قال: قلت مرة لجار كان لي، ~~من أهل خراسان: «أعرني مقلاكم، فإني أحتاج إليه» قال: ~~ «قد كان لنا مقلى، ولكنه سرق» . فاستعرت من جار لي آخر. فلم يلبث ~~الخراساني أن سمع نشيش «5» اللحم في المقلى، وشم الطباهج «6» ، PageV01P044 ~~ فقال لي: كالمغضب: «ما في الأرض أعجب منك، لو كنت أخبرتني أنك تريده للحم ~~أو لشحم لوجدتني أسرع إليك به، إنما خشيتك تريده للباقلي «1» ، وحديد ~~المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم. ~~ وكيف لا أعيرك إذا أردت الطباهج، والمقلى، بعد الرد من الطباهج، أحسن ~~حالا منه، وهو في البيت؟!. ### || طلاق بسبب غسل الخوان: # وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام: دعانا جار لنا، فأطعمنا تمرا ~~وسمن سلاء «2» ، ونحن على خوان «3» ليس عليه إلا ما ذكرت، والخراساني معنا ~~يأكل، فرأيته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك؛ فقلت لرجل إلى جنبي: ~~ما لأبي فلان يضيع سمن القوم، ويسيء المؤاكلة، ويغرف فوق الحق؟ قال: وما ~~عرفت علته؟ قلت: لا والله. قال: الخوان خوانه، فهو يريد أن يدسمه، ليكون ~~كالدبغ له. ~~ ولقد طلق إمرأته، وهي أم أولاده، لأنه رآها غسلت له خوانا له بماء حار، ~~فقال لها: هلا مسحته. ### || الأكل مع الجماعة تكلف: # وقال أبو نواس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، ~~وكان من عقلائهم وفقهائهم. فكان يأكل وحده. فقلت له: «لم تأكل وحدك» ؟ قال: ~~ليس «علي» في هذا الوضع مسألة؛ إنما PageV01P045 ~~ المسأله على من أكل مع الجماعة، لأن ذلك هو التكلف. وأكلي وحدي هو الأصل، ~~وأكلي مع غيري زيادة في الأصل» . ### || السلام والطعام: # وحدثني إبراهيم بن السندي «1» قال: ms017 كان على ربض الشاذروان «2» شيخ لنا، ~~من أهل خراسان. وكان مصححا بعيدا من الفساد، ومن الرشا «3» ، ومن الحكم ~~بالهوى، وكان حفيا «4» جدا، وكذلك كان في إمساكه، وفي بخله، وتدنيقه «5» في ~~نفقاته؛ وكان لا يأكل إلا ما لا بد منه، ولا يشرب إلا ما بدا منه. غير أنه ~~إذا كان في غداة كل جمعة حمل معه منديلا فيه جردقتان «6» ، وقطع لحم سكباج ~~«7» مبرد، وقطع جبن، وزيتونات، وصرة فيها ملح، وأخرى فيها أشنان «8» وأربع ~~بيضات ليس منها بد، ومعه خلال. ومضى وحده، حتى يدخل بعض بساتين الكرخ «9» ، ~~وينظر موضعا تحت شجرة، وسط خضرة، وعلى ماء جار. فاذا وجد ذلك جلس، وبسط بين ~~يديه المنديل، وأكل من هذا مرة، ومن PageV01P046 ~~ هذا مرة. فإن وجد قيم «1» ذلك البستان رمى إليه بدرهم، ثم قال: ~~ اشتر لي بهذا، أو أعطني بهذا، رطبا، (إن كان في زمان الرطب) ، أو عنبا ~~(إن كان في زمان العنب) ويقول له: إياك إياك أن تحابيني «2» ، ولكن تجود ~~لي، فإنك إن فعلت لم آكله، ولم أعد إليك. واحذر الغبن فان المغبون لا محمود ~~ولا مأجور» فإن أتاه به أكل كل شيء معه، وكل شيء أتي به، ثم تخلل، وغسل ~~يديه، ثم تمشى مقدار مائة خطوة. ثم يضع جنبه، فينام الى وقت الجمعة. ثم ~~ينتبه فيغتسل، ويمصي الى المسجد. ~~ هذا كان دأبه كل جمعة!! # قال إبراهيم: فبينا هو يوما من أيامه يأكل في بعض ~~المواضع، إذ مر به رجل فسلم عليه، فرد السلام؛ ثم قال: «هلم عافاك الله» . ~~فلما نظر الى الرجل وقد انثنى راجعا، يريد أن يطفر الجدول أو يعبر النهر، ~~قال له: «مكانك، فإن العجلة من عمل الشيطان» . فوقف الرجل، فأقبل عليه ~~الخراساني وقال: «تريد ماذا» ؟ قال: «أريد أن أتغدى» . ~~ قال: «ولم ذاك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي» ؟ قال الرجل: «أوليس ~~قد دعوتني» ؟ قال: «ويلك، لو ظننت أنك هكذا أحمق، ما رددت عليك السلام. ~~ايحسن فيما نحن فيه أن تكون، إذا كنت أنا الجالس وأنت المار، أن تبدأ ms018 أنت ~~فتسلم، فأقول أنا حينئذ، مجيبا لك: «وعليكم السلام» . فإن كنت لا آكلا ~~شيئا، سكت أنا، وسكت أنت، ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي. وإن كنت آكل ~~فههنا وجه آخر، وهو إن أبدأ أنا، فأقول: «هلم» ، وتجيب أنت فتقول: ~~ «هنيئا» . فيكون كلام بكلام، فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من ~~الإنصاف، وهذا يخرج علينا فضلا كبيرا. قال: فورد على الرجل شيء لم يكن في ~~حسابه. PageV01P047 # فشهر بذلك في تلك الناحية، وقيل له: «قد أعفينا من السلام، ومن تكلف ~~الرد» . قال: «ما بي الى ذلك حاجة، إنما هو أن أعفي أنا نفسي من «هلم» وقد ~~استقام الأمر» . ### || كذب بكذب: # ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير «1» عن وال كان بفارس، إما أن ~~يكون خالدا خومهرويه، أو غيره، قال: # بينا هو يوما في مجلس، وهو مشغول بحسنابه وأمره، وقد احتجب بجهده، إذ نجم ~~«2» شاعر من بين يديه، فأنشده شعرا مدحه فيه، وقرظه «3» ، ومجده. فلما فرغ ~~قال: «قد أحسنت» . ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم» . ففرح ~~الشاعر فرحا شديدا؛ فلما رأى حاله قال: «وإني لأرى هذا القول قد وقع منك ~~هذا الموقع؟ اجعلها ألف درهم» . فكاد الشاعر يخرج من جلده، فلما رأى فرحه ~~قد تضاعف، قال: «وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول؟ أعطه يا فلان ~~أربعين ألفا» . فكاد الفرح يقتله. # فلما رجعت إليه نفسه قال له: «أنت، جعلت فداك، رجل كريم؛ وأنا أعلم أنك ~~كلما رأيتني قد ازددت فرحا، زدتني في الجائزة، وقبول هذا منك لا يكون إلا ~~من قلة الشكر» . ثم دعا له وخرج. # قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: «سبحان الله! هذا كان يرضى منك بأربعين ~~درهما تأمر له بأربعين ألف درهم» ؟ قال: «ويلك! وتريد أن تعطيه شيئا» ؟ ~~قال: «ولم امرت له بذلك» ؟ قال: «يا أحمق، إنما هذا PageV01P048 ~~ رجل سرنا بكلام، وسررناه بكلام. هو حين زعم أني أحسن من القمر، وأشد من ~~الأسد، وأن لساني أقطع من السيف، وأن أمري أنفذ من السنان هل جعل ms019 في يدي من ~~هذا شيئا أرجع به الى بيتي؟ ألسنا نعلم أنه قد كذب؟ ولكنه قد سرنا حين كذب ~~لنا، فنحن أيضا نسره بالقول ونأمر له بالجوائز، وإن كان كذبا، فيكون كذب ~~بكذب وقول بقول. فأما أن يكون كذب بصدق وقول بفعل، فهذا هو الخسران المبين ~~الذي سمعت به» . # ويقال: إن هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة العوام من قولهم: ~~ «ينظر إلي شزرا كأني أكلت إثنين، وأطعمته واحدا» إنما هو لأهل مرو. # قال: وقال المروزي لولا إنني أبني مدينة لبينت آريا لدابتي. # قال: وقلت لأحمد بن هشام «1» ، وهو يبني داره ببغداد: «إذا أراد الله ~~ذهاب مال رجل سلط عليه الطين والماء» . قال: «وما يصنع بذكر الطين والماء؟ ~~إنما إذا أراد الله ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف «2» ، لا والله أن أهلك ~~الناس، ولا أقفر بيوتهم، ولا ترك دورهم بلاقع «3» ، إلا الإيمان بالخلف، ~~وما رأيت جنة «4» قط أوقى من اليأس» . PageV01P049 ### || الزكاة والخلف: # قال: وسمع رجل، من المراوزة، الحسن وهو يحث الناس على المعروف، ويأمر ~~بالصدقة، ويقول: «ما نقص مال قط من زكاة» ، ويعدهم سرعة الخلف. فتصدق ~~المروزي بماله كله فافتقر، فانتظر سنة وسنة، فلما لم ير شيئا بكر على ~~الحسن، فقال: «حسن ما صنعت بي؟ ~~ ضمنت لي الخلف، فأنفقت على عدتك، وأنا اليوم مذ كذا وكذا سنة أنتظر ما ~~وعدت، لا أرى منه قليلا ولا كثيرا. هذا يحل لك؟ اللص كان يصنع بي أكثر من ~~هذا» ؟ # والخلف يكون معجلا ومؤجلا. ومن تصدق وتشرط الشروط استحق الحرمان. ولو كان ~~هذا على ما توهمه المروزي لكانت المحنة فيه ساقطة، ولترك الناس التجارة، ~~ولما بقي فقير، ولذهبت العبادة. # وقيل: أصبح ثمامة شديد الغم حين احترقت داره. وكان كلما دخل عليه إنسان ~~قال: الحريق سريع الخلف. فلما كثر ذلك القول منهم، قال: «فاستحرق الله «1» ~~. اللهم إني أستحرقك فأحرق كل شيء لنا» . ### || الإقتصاد في لبس الاخفاف: # وليس هذا الحديث من حديث المراوزة، ولكنا ضممناه الى ما يشاكله: # قال سجادة، وهو أبو سعيد سجادة: ناس من ms020 المراوزة إذا لبسوا الخفاف «2» في ~~الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم، يمشون على PageV01P050 ~~ صدور أقدامهم ثلاثة أشهر، وعلى أعقاب أرجلهم ثلاثة أشهر حتى يكون كأنهم ~~لم يلبسوا خفافهم إلا ثلاثة أشهر، مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب. # حكى أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، عن جاره المروزي: أنه كان لا يلبس ~~خفا ولا نعلا إلى أن يذهب النبق «1» اليابس، لكثرة النوى في الطريق ~~والأسواق. قال: ورآني مرة. مصصت قصب سكر، فجمعت ما مصصت ماءه، لأرمي به، ~~فقال: «إن كنت لا تنور لك، ولا عيال عليك، فهبه لمن له تنور وعليه عيال. ~~وإياك أن تعود نفسك هذه العادة في أيام خفة ظهرك «2» ، فانك لا تدري متى ~~تأتيك العيال» . PageV01P051 ### | قصة أهل البصرة من المسجديين # قال أصحابنا من المسجديين «1» : # اجتمع ناس في المسجد، ممن ينتحل الإقتصاد في النفقة، والتثمير للمال، من ~~أصحاب الجمع والمنع «2» . وقد كان هذا المذهب عندهم كالنسب الذي يجمع على ~~التحاب، وكالحلف الذي يجمع على التناصر. ~~ وكانوا إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب، وتطارحوه وتدارسوه، ~~إلتماسا للفائدة، واستمتاعا بذكره: ### || الحمار والماء الأجاج: # فقال شيخ منهم # ماء بئرنا، كما قد علمتم مالح أجاج «3» ، لا يقربه الحمار، ~~ولا تسيغه الإبل «4» ، وتموت عليه النخل؛ والنهر منا بعيد، وفي تكلف PageV01P053 ~~ العذب علينا مؤونة «1» . فكنا نمزج منه للحمار فاعتل منه، وانتفض علينا ~~من أجله؛ فصرنا، بعد ذلك، نسقيه العذب صرفا. وكنت أنا والنعجة «2» كثيرا ما ~~نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار. فكان ذلك ~~الماء العذب الصافي يذهب باطلا. ثم انفتح لي فيه باب من الإصلاح، فعمدت الى ~~ذلك المتوضأ، فجعلت في ناحية منه حفرة، وصهرجتها «3» ، وملستها، حتى صارت ~~كأنها صخرة منقورة، وصوبت اليها المسيل، فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء ~~اليها صافيا، لم يخالطه شيء. ولولا التعبد لكان جلد المتغوط «4» أحق ~~بالنتن، من جلد الجنب «5» ، فمقادير طيب الجلود واحدة، والماء على حاله. ~~والحمار أيضا لا تقزز «6» له من ماء الجنابة، وليس علينا حرج في سقيه منه. ms021 ~~وما علينا أن كتابا حرمه، ولا سنة نهت عنه، فربحنا هذه منذ أيام. وأسقطنا ~~مؤونة عن النفس والمال. # قال القوم: هذا بتوفيق الله، ومنه. PageV01P054 ### || مريم الصناع: # فأقبل عليهم شيخ فقال: «وهل شعرتم بموت مريم الصناع؟ فإنها كانت من ~~ذوات الاقتصاد، وصاحبة إصلاح» . قالوا: «فحدثنا عنها» . ~~ قال: نوادرها كثيرة وحديثها طويل، ولكني أخبركم عن واحدة فيها كفاية» . ~~قالوا: «وما هي؟ قال: # زوجت إبنتها، وهي بنت إثنتي عشرة سنة، فحلتها الذهب والفضة، وكستها ~~المروي «1» والوشي «2» والقز «3» والخز «4» ، وعلقت المعصفر «5» ودقت ~~الطيب، وعظمت أمرها في عين الختن «6» ، ورفعت من قدرها عند الأحماء «7» . ~~فقال لها زوجها: أنى لك هذا يا مريم؟ قالت: ~~ هو من عند الله. قال: دعي عنك، وهاتي التفسير، والله ما كنت ذات مال ~~قديما، ولا ورثته حديثا، وما أنت بخائنة في نفسك، ولا في مال بعلك «8» ، ~~إلا أن تكوني قد وقعت على كنز. وكيف دار الأمر، فقد أسقطت عني مؤونة «9» ، ~~وكفيتني هذه النائبة «10» . قالت: إعلم أني منذ يوم ولدتها، إلى أن زوجتها، ~~كنت أرفع من دقيق كل عجنة حفنة؛ PageV01P055 ~~ وكنا، كما قد علمت، نخبز في كل يوم مرة، فإذا اجتمع من ذلك مكوك «1» ~~بعته. فقال لها زوجها: ثبت الله رأيك وأرشدك، وفقد أسعد الله من كنت له ~~سكنا «2» ، وبارك لمن جعلت له إلفا. ولهذا وشبهه قال رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم: «من الذود «3» الى الذود إبل» . وإني لأرجو أن يخرج ولدك على ~~عرقك الصالح، وسلى مذهبك المحمود. وما فرحي بهذا منك بأشد من فرحي بما يثبت ~~الله بك في عقبي «4» من هذه الطريقة المرضية. # فنهض القوم بأجمعهم إلى جنازتها، وصلوا عليها. ثم رجعوا إلى زوجها فعزوه ~~على مصيبته؛ وشاركوه في حزنه. ### || درهم على درهم: # ثم اندفع شيخ منهم فقال: «يا قوم لا تحقروا صغار الأمور، فإن أول كل ~~كبير صغير، ومتى شاء الله أن يعظم صغيرا عظمه، وأن يكثر قليلا كثره. وهل ~~بيوت الأموال الا درهم على درهم؟ وهل الدرهم إلا قيراط إلى جنب قيراط؟ ~~أوليس كذلك رمل عالج «5» وماء ms022 البحر؟ وهل اجتمعت أموال بيوت الأموال إلا ~~بدرهم من ههنا، ودرهم من ههنا؟ قد PageV01P056 ~~ رأيت صاحب سقط «1» قد اعتقد «2» مائة جريب «3» في أرض العرب؛ ولربما ~~رأيته يبيع الفلفل بقيراط، والحمص بقيراط فأعلم أنه لم يربح في ذلك الفلفل ~~إلا الحبة والحبتين، من خشب الفلفل، فلم يزل يجمع من الصغار الكبار، حتى ~~اجتمع ما اشترى به مائة جريب» . ### || ماء النخالة: # ثم قال: «اشتكيت أياما صدري، من سعال كان أصابني. فأمرني قوم بالفانيذ ~~«4» السكري، وأشار علي آخرون بالخزيرة «5» تتخذ من النشاشتج «6» والسكر، ~~ودهن اللوز، وأشباه ذلك. فاستثقلت المؤونة، وكرهت الكلفة، ورجوت العافية. ~~فبينا أنا أدافع الأيام، إذ قال لي بعض الموفقين: «عليك بماء النخالة، ~~فأحسسه» ~~ حارا» . فحسوت فإذا هو طيب جدا، وإذا هو يعصم «8» جدا فما جعت ولا اشتهيت ~~الغداة في ذلك اليوم الى الظهر. ثم ما فرغت من غدائي وغسل يدي حتى قاربت ~~العصر. فلما قرب وقت غدائي من وقت عشائي، طويت العشاء وعرفت قصدي» . # فقلت للعجوز: «لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة؟ فإن ماءها جلاء ~~للصدر وقوتها غذاء وعصمة، ثم تجففين، بعد، النخالة، فتعود كما كانت، ~~فتبيعينه إذا اجتمع بمثل الثمن الأول، ونكون قد ربحنا PageV01P057 ~~ فضل ما بين الحالين» . فقالت: «أرجو أن يكون الله قد جمع لك بهذا السعال ~~مصالح كثيرة، لما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك، وصلاح ~~معاشك» . # وما أشك أن تلك المشورة كانت من التوفيق» . # قال القوم: «صدقت. مثل هذا يكتسب بالرأي، ولا يكون إلا سماويا» . ### || الحراق والقداحة والعرجون: # ثم أقبل عليهم شيخ آخر فقال: «كنا نلقي من الحراق «1» والقداحة «2» جهدا؛ ~~لأن الحجارة كانت، إذا انكسرت حروفها واستدارت، كلت، ولم تقدح قدح خير، ~~وأصلدت فلم تور «3» . وربما أعجلنا المطر والوكف «4» . وقد كان الحجر أيضا ~~يأخذ من حروف القداحة، حتى يدعها كالقوس، فكنت أشتري المرقشيثا «5» بالغلاء ~~والقداحة الغليظة بالثمن الموجع. وكان علينا أيضا في صنعة الحراق، وفي ~~معالجة العطبة «6» مؤونة، وله ريح كريهة. والحراق لا يجيء من الخرق ~~المصبوغة، ولا من الخرق الوسخة، ms023 ولا من الكتان، ولا من الخلقان «7» . فكنا ~~نشتريه بأغلى الثمن. فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو PageV01P058 ~~ والأعراب، وقدحهم النار بالمرخ «1» والعفار «2» ، فزعم لنا صديقنا ~~الثوري، وهو، ما علمت، أحد المرشدين: أن عراجين الأعذاق «3» تنوب عن ذلك ~~أجمع، وعلمني كيف تعالج. ونحن نؤتي بها من أرضنا بلا كلفة. فالخادم اليوم، ~~لا تقدح ولا توري إلا بالعرجون» . # قال القوم: «قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة، ولهذا ما قال الأول: ~~ «مذاكرة الرجال تلقح الألباب» . ### || معاذة العنبرية: # ثم اندفع شيخ منهم فقال: «لم أر في وضع الأمور مواضعها وفي توفيتها غاية ~~حقوقها، كمعاذة العنبرية» . قالوا: «وما شأن معاذة هذه» ؟ # قال: أهدى إليها العام ابن عم لها أضحية «4» . فرأيتها كئيبة حزينة مفكرة ~~مطرقة، فقلت لها: مالك يا معاذة؟ قالت أنا إمرأة أرملة وليس لي قيم «5» ، ~~ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي. وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه. ~~وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة، ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها. ~~وقد علمت أن الله لم يخلق فيها، ولا في غيرها شيئا لا منفعة فيه. ولكن ~~المرء يعجز لا محالة. ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير: PageV01P059 # أما القرن فالوجه فيه معروف، وهو أن يجعل منه كالخطاف «1» ، ويسمر في جذع ~~«2» من أجذاع السقف، فيعلق عليه الزبل «3» والكيران «4» ، وكل ما خيف عليه ~~من الفأر، والنمل والسنانير، وبنات وردان «5» ، والحيات، وغير ذلك. وأما ~~المصران فإنه لأوتار المندفة، وبنا الى ذلك أعظم الحاجة. وأما قحف الرأس، ~~واللحيان، وسائر العظام، فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق، ثم يطبخ، فما ارتفع ~~من الدسم كان للمصباح وللإدام «6» وللعصيدة «7» ، ولغير ذلك، ثم تؤخذ تلك ~~العظام فيوقد بها، فلم ير الناس وقودا قط أصفى ولا أحسن لهبا منه، وإذا ~~كانت كذلك فهي أسرع في القدر، لقلة ما يخالطها من الدخان. وأما الإهاب «8» ~~فالجلد نفسه جراب «9» . وللصوف وجوه لا تعد. وأما الفرث «10» والبعر، فحطب ~~إذا جفف عجيب» . # ثم قالت: «بقي الآن علينا الانتفاع بالدم. وقد علمت أن الله، عز وجل، لم ms024 ~~يحرم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه، وأن له مواضع يجوز فيها، ولا يمنع ~~منها؛ وإن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يرضع PageV01P060 ~~ موضع لإنتفاع به، وصار كية في «1» قلبي، وقذى «2» في عيني، وهما لا يزال ~~يعودني» . # قال: «فلم ألبث أن رأيتها قط طلقت وتبسمت. فقلت: «ينبغي أن يكون قد انفتح ~~لك باب الرأي في الدم» . قالت: «أجل ذكرت أن عندي قدورا «3» شامية جددا. ~~وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ «4» ، ولا أزيد في قوتها من التلطيخ بالدم ~~الحار الدسم، وقد استرحت الآن، إذ وقع كل شيء موقعه» . # قال: «ثم لقيتها بعد ستة أشهر، فقلت لها: كيف كان قديد «5» تلك الشاة» ؟ ~~قالت: «بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد. لنا في الشحم والإلية والجنوب ~~«6» والعظم المعرق وفي غير ذلك معاش. ولكل شيء إبان «7» » . # فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى، ثم ضرب بها الأرض، ثم قال: ~~«لا تعلم أنك من المسرفين، حتى تسمع بأخبار الصالحين» . PageV01P061 ### || زبيدة بن حميد: # وأما زبيدة بن حميد الصيرفي «1» ، فإنه استسلف من بقال، كان على باب ~~داره، درهمين وقيراطا، فلما قضاه بعد ستة أشهر، قضاه درهمين وثلاث حبات ~~شعير. فاغتاظ البقال، وقال: «سبحان الله! أنت رب مائة ألف دينار؛ وأنا بقال ~~لا أملك مائة فلس، وإنما أعيش بكدي وباستفضال» ~~ الحبة والحبتين. صاح على بابك جمال، وحمال، ولم يحضرك، وغاب وكيلك، فنقدت ~~عنك درهمين، وأربع شعيرات، فقضيتني بعد سنة أشهر درهمين، وثلاث شعيرات» ! ~~فقال زبيدة: «يا مجنون أسلفتني في الصيف فقضيتك في الشتاء، وثلاث شعيرات ~~شتوية ندية، أرزن «3» من أربع شعيرات يابسة صيفية، وما أشك أن معك فضلا» «4» . # وحدثني أبو الإصبغ بن ربعي «5» قال: «دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم، ~~فقلت له: ما هذا الضرب المبرح، وهذا الخلق السيء؟ ~~ هؤلاء غلمان، ولهم حرمة وكفاية وتربية، وإنما هم ولد. هؤلاء كانوا الى ~~غير هذا أحوج. قال: «إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جوارشن «6» كان عندي» . # قال أبو الإصبغ: فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت: «ويلك! ما لك ms025 وللجوارشن؟ ~~وما رغبتك فيه» قال: «جعلت فداك! ما أقدر أن PageV01P062 ~~ أكلمك من الجوع إلا وأنا متكيء. الجوارشن ما أصنع به؟ هو نفسه ليس يشبع، ~~ولا يحتاج الى الجوارشن، ونحن الذين إنما نسمع بالشبع سماعا من أفواه ~~الناس، وما نصنع بالجوارشن؟. # واشتد على غلمانه في تصفية الماء، وفي تبريده وتزميله «1» ، لأصحابه ~~وزواره. فقال له غازي أبو مجاهد: «جعلت فداك! مر بتزميل الخبز وبتكبيره، ~~فإن الطعام قبل الشراب» . # وقال مرة: «يا غلام هات خوان النرد» ، وهو يريد تخت النرد. ~~ فقال له غازي: «نحن الى خوان الخبز أحوج» . # وسكر زبيدة ليلة، فكسا صديقا له قميصا؛ فلما صار القميص على النديم خاف ~~البدوات «2» . وعلم أن ذلك هفوة من هفوات السكر. ~~ فمضى من ساعته الى منزله، فجعله برنكانا «3» لامرأته؛ فلما أصبح، سأل عن ~~القميص، وتفقده. فقيل له: «إنك قد كسوته فلانا» فبعث إليه، ثم أقبل عليه، ~~فقال: «ما علمت أن هبة السكران، وشراءه وبيعه، وصدقته، وطلاقه لا يجوز؟ ~~وبعد فإني أكره ألا يكون لي حمد، وأن يوجه الناس هذا مني على السكر، فرده ~~علي حتى أهبه لك صاحيا عن طيب نفس، فإني أكره أن يذهب شيء من مالي باطلا» . ~~فلما رآه صمم أقبل عليه فقال: «يا هناه «4» ! إن الناس يمزحون، ويلعبون، ~~ولا يؤاخذون بشيء من ذلك، فرد القميص عافاك الله» . قال له الرجل: ~~ «إني والله قد خفت هذا بعينه، فلم أضع جنبي الى الأرض حتى جيبته PageV01P063 ~~ لامرأتي. وقد زدت في الكمين وحذفت المقاديم «1» . فإن أردت بعد هذا كله ~~أن تأخذه فخذه» . فقال: «نعم آخذه، لأنه يصلح لأمرأتي كما يصلح لأمرأتك» . ~~قال: «فإنه عند الصباغ» . قال: «فهاته» . قال: ~~ «ليس أنا أسلمته إليه» . فلما علم أنه قد وقع، قال: «بأبي أنت وأمي، رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: جمع الشر كله في بيت، وأغلق عليه، ~~فكان مفتاحه السكر» . ### || ليلى الناعطية: # وأما ليلى الناعطية، صاحبة الغالية من الشيعة، فإنها ما زالت ترقع قميصا ~~لها وتلبسه، حتى صار القميص الرقاع، وذهب القميص الأول. ~~ ورفت «2» كساءها ولبسته، حتى ms026 صارت لا تلبس إلا الرفو، وذهب جميع الكساء. ~~وسمعت قول الشاعر: # إلبس قميصك ما اهتديت لجيبه %~% فإذا أضلك جيبه فاستبدل # فقالت: «إني إذن لخرقاء. أنا، والله، أحوص «3» الفتق، وفتق الفتق، وأرقع ~~الخرق، وخرق الخرق» . ### || وليد القرشي: # ومضيت أنا وأبو إسحاق النظام وعمرو بن نهيوي، نريد الحديث في الجبان «4» ~~، ولنتناظر في شيء من الكلام. فمررنا بمجلس وليد القرشي، وكان على طريقنا، ~~فلما رآنا تمشى معنا. فلما جاوزنا الخندق، جلسنا في PageV01P064 ~~ فناء حائط له ظل شديد السواد، بارد ناعم، وذلك لثخن الساتر، والكتناز ~~الأجزاء، ولبعد مسقط الشمس من أصل حائطه. فطال بنا الحديث، وجرينا في ضروب ~~من الكلام. فما شعرنا إلا والنهار قد انتصف، ونحن في يوم قائظ «1» . فلما ~~أردنا الرجوع، ووجدت مس الشمس ووقعها على الرأس، أيقنت بالبرسام «2» . فقلت ~~لأبي إسحاق (والوليد إلى جنبي يسمع كلامي) : «الباطنة «3» منا بعيدة، وهذا ~~يوم منكر، ونحن في ساعة تذيب كل شيء؛ والرأي أن نميل الى منزل الوليد فنقيل ~~«4» فيه، ونأكل ما حضر، فإنه يوم شديد فإذا أبردنا تفرقنا. وإلا فهو الموت، ~~ليس دونه شيء» . قال الوليد رافعا صوته: «أما على هذا الوجه لا يكون والله ~~أبدا، فضعه في سويداء قليك» . فقلت له: «ما هذا الوجه الذي أنكرته علينا ~~رحمك الله؟ هل ههنا إلا الحاجة والضرورة» ؟ قال: «إنك أخرجته مخرج الهزء» . ~~قلت: «كيف أخرجه مخرج الهزء، وحياتي في يدك، مع معرفتي بك» ؟ فغضب ونتريده ~~من أيدينا، وفارقنا. ولا والله ما اعتذر إلينا مما ركبنا به إلى الساعة، ~~ولم أر من يجعل الأسى في المنع إلا هو، وإلا ما كان من أبي مازن إلى جبل ~~العمي. ### || جبل وأبو مازن: # وكان جبل خرج ليلا من موضع كان فيه، فخاف العسس «5» ، ولم يأمن أحد يتبعه ~~فيضره. فقال: «لو دققت الباب على أبي مازن، فبت PageV01P065 ~~ عنده في أدنى بيت أو في دهليزه، ولم ألزمه من مؤنتي «1» شيئا، حتى إذا ~~انصدع عمود الصبح «2» خرجت في أوائل المدلجين «3» » . # فدق عليه الباب دق واثق، ودق مدل، ودق من يخاف أن يدركه العسس ms027 أو أحد ~~يتبعه، وفي قلبه من الخوف ما يزيد عن الكفاية. فلم يشك أبو مازن أنه دق ~~صاحب هدية، فنزل سريعا. # فلما فتح الباب، ونظر لجبل، أبصر الموت. فلما رآه جبل واجما «4» لا يحير ~~كلمة، قال له: «إني خفت معرة العسس وخوف أحد يضرني أو يتبعني، فملت إليك ~~لأبيت عندك. فتساكر أبو مازن، وأراه أن وجومه إنما كان بسبب السكر. ففتح ~~فاه، وحرك لسانه، وقال: «سكران والله، أنا والله سكران» . قال له جبل: «كن ~~كيف شئت. نحن في أيام الربيع، لا شتاء ولا صيف، ولست أحتاج إلى سطح فأغم ~~عيالك بالحر، ولست أحتاج إلى لحاف فأكلفك أن تؤثرني بالدثار «5» . وأنا كما ~~ترى ثمل «6» من الشراب، شبعان من الطعام، ومن منزل فلان خرجت، وهو أخصب ~~الناس رحلا. وإنما أريد أن تدعني أغفي في دهليزك إغفاءة واحدة، ثم أقوم في ~~أوائل المبكرين» . قال أبو مازن (وأرخى عينيه وفكيه ولسانه) ثم قال: ~~«سكران، والله، أنا سكران، لا والله ما أعقل أين أنا، والله ما أفهم ما ~~تقول» . # ثم أغلق الباب في وجهه، ودخل، لا يشك أن عذره قد وضح، وأنه قد ألطف النظر ~~حتى وقع على هذه الحيلة. PageV01P066 # وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا أو كلاما غير معرب، ولفظا معدولا عن جهته ~~فاعملوا أنا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغض هذا الباب، ويخرجه من حده إلا ~~أن ما حكي كلاما من كلام متعاقلي البخلاء، وأشحاء العلماء، كسهل بن هارون، ~~وأشباهه. ### || أحمد بن خلف اليزيدي: # ومن طياب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي «1» . ترك أبوه في منزله، يوم مات، ~~ألف ألف درهم، وستمائة ألف درهم، ومائة وأربعين ألف دينار. فاقتسمها هو ~~وأخوه حاتم قبل دفنه، فأخذ أحمد وحده ألف ألف وثلاثمائة ألف درهم، وسبعين ~~ألف دينار، ذهبا عينا مثاقيل «2» وازنة جيادا، سوى العروض «3» . # فقلت له، وقد ورث هذا المال كله: ما بطأ بك الليلة؟ قال: لا والله إلا ~~أني تعشيت، البارحة، في البيت. فقلت لأصحابنا: لولا أنه بعيد العهد بالأكل ~~في بيته، وإن ذلك لغريب ms028 منه، لما احتاج إلى هذا الإستثناء، وإلى هذه ~~الشريطة. وأين يتعشى الناس إلا في منازلهم؟ وإنما يقول الرجل عند مثل هذه ~~المسألة: لا والله إلا أن فلانا حبسني، لا والله إلا أن فلانا عزم علي. ~~فأما ما يستثنى ويشترط، فهذا ما لا يكون إلا على ما ذكرناه، من قبل. # وقال لي مبتدئا مرة، عن غير مشورة وعن غير سبب جرى: # أنظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثة «4» ، فإنها عظيمة PageV01P067 ~~ البركة كثيرة الفوائد، وهي تنوب عن الغداء، ولها نفخة تغني عن العشاء. ~~وكل شيء من الإحساء فهو يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء. ~~ ومن تحسى الحار عرق، والعرق ينفض «1» الجلد ويخرج ضر الجوف «2» . ~~ وهي تملأ النفس وتمنع من التشهي. وهي أيضا تدفيء، فيقوم ذلك في أجوافهم ~~مقام فحم الكانون من خارج. وحسو الحار يغني عن الوقود، وعن لبس الحشو. ~~والوقود يسود كل شيء وينتنه. وهو سريع في الهضم، وصاحبه بعرض حريق، ويذهب ~~في ثمنه المال العظيم. وشر شيء فيه أن من تعوده لم يدفئه شيء سواه. فعليك ~~يا أبا عثمان بالمثلثة، واعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة، وأصحاب ~~التجربة. فخذها من حكيم مجرب ومن ناصح مشفق. # وكان لا يفارق منازل إخوانه، وإخوانه مخاصيب متاريب «3» ، أصحاب نفح «4» ~~وترف، وكانوا يتحفونه» ~~ ويدللونه، ويفكهونه ويحكمونه، ولم يشكوا أنه سيدعوهم مرة، وأن يجعلوا ~~بيته نزهة ونشوة فلما طال تغافله، وطالت مدافعته، وعرضوا له بذلك فتغافل، ~~وصرحوا له. فلما امتنع قالوا: اجعلها دعوة ليس لها أخت. فلما بلغ منه ومنهم ~~المجهود، اتخذ لهم طعيما خفيفا، شهيا مليحا، لا ثمن له، ولا مؤونة فيه. ~~فلما أكلوا وغسلوا أيديهم أقبل عليهم فقال: أسألكم بالذي لا شيء أعظم منه، ~~أنا الساعة أيسر وأغنى أو قبل أن تأكلوا طعامي؟ ~~ قالوا: ما نشك أنك، حين كنت والطعام في ملكك، أغنى وأيسر. قال: ~~ فأنا الساعة أقرب الى الفقر، أم تلك الساعة؟ قالوا: بل أنت الساعة أقرب ~~الى الفقر. قال: فمن يلومني على دعوة قوم قربوني من الفقر، PageV01P068 ~~ وباعدوني ms029 من الغنى، وكلما دعوتهم أكثر، كنت من الفقر أقرب ومن الغنى ~~أبعد؟! وفي قياسه هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء، أو تناول ~~من حائطه تينة، ومن خليط دابته عودا. # ومر بأصحاب الجداء، وذلك في زمان التوليد، فأطعمه الزمان في الرخص، ~~وتحركت شهوته على قدر إمكان عنده. فبعث غلاما له، يقال له «ثقف» ، وهو ~~معروف، ليشتري له جديا، فوقف غير بعيد. فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر «1» ، ~~وهو يشير بيده، ويوميء برأسه، أن: ~~ اذهب ولا تقف. فلم يبرح. فلما دنا منه قال: ويلك! تهربني كأني مطلوب؟ ~~قال: هذا طرفة: الجدي بعشرة. أنت من ذي البابة «2» ؟ مر الآن، مر مر. فإذا ~~غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم، والجدي بعشرة إنما ينكر ~~عندنا بالبصرة، لكثرة الخير ورخص السعر. فأما في العساكر فإن أنكر ذلك ~~منكر، فإنما ينكره من طريق رخصه وقلة ثمنه، لا لغير ذلك. # ولا تقولوا الآن: قد والله أساء أبو عثمان إلى صديقه، بل ما تناوله ~~بالسوء حتى بدأ بنفسه. ومن كانت هذه صفته، وهذا مذهبه، فغير مأمون على ~~جليسه. وأي الرجال المهذب «3» ؟ هذا والله الشنوع والتبوع، والبذاء وقلة ~~الوفاء «4» . PageV01P069 # اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا موافقته، وطلب رضاه ومحبته. ~~ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من قبله، وكمينا من كمائنه. وذلك ~~أن أحب الأصحاب اليه، أبلغهم قولا في إيأس الناس مما قبله، وأجودهم حسما ~~لأسباب الطمع في ماله. على أني أحسنت بجهدي، فسيجعل شكري موقوفا؛ فإن جاوز ~~كتابي هذا حدود العراق شكر، وإلا أمسك. لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا ~~الإقليم، وقد أغناه عن التنويه والتنبيه على مذهبه. وكيف، وهو يرى أن سهل ~~بن هارون وإسماعيل بن غزوان، كانا من المسرفين؟ وأن الثوري والكندي ~~يستوجبان الحجر؟ وبلغني أنه قال: لو لم تعرفوا من كرامة الملائكة على الله ~~إلا أنه لم يبتلهم «1» بالنفقة، ولا بقول العيال: «هات هات» لعرفتم حالهم ~~ومنزلتهم. ### || أجهز على الجرحى: # وحدثني صاحب ms030 لي قال: دخلت على فلان بن فلان، وإذا المائدة موضوعة بعد، ~~وإذا القوم قد أكلوا، ورفعوا أيديهم، فمددت يدي لآكل فقال: أجهز على ~~الجرحى، ولا تعرض للأصحاء. (يقول: أعرض للدجاجة التي قد نيل منها، وللفرخ ~~المنزوع الفخذ، فأما الصحيح فلا تعرض له. وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه، ~~وأصابه بعض المرق) . # وقال لي هذا الرجل: أكلنا عنده يوما، وأبوه حاضر، وبني له يجيء ويذهب. ~~فاختلف مرارا، كل ذلك، يرانا نأكل. فقال الصبي: كم تأكلون، لا أطعم الله ~~بطونكم! فقال أبوه، وهو جد الصبي: إبني، ورب الكعبة. PageV01P070 # وحدثني صاحب مسلحة باب الكرخ، قال: # قال لي صاحب الحمام ألا أعجبك من صالح بن عفان؟ كان يجيء كل سحر، فيدخل ~~الحمام، فإذا غبت عن إجانة النورة «1» ، مسح عانته وأرفاغه «2» ، ثم يتستر ~~بالمئزر ثم يقوم فيغسله في غمار الناس «3» . ثم يجيء بعد في مثل تلك ~~الساعة، فيطلي ساقيه وبعض فخذيه، ثم يجلس ويتزر بالمئزر، فإذا وجد غفلة ~~غسله. ثم يعود في مثل ذلك الوقت، فيمسح قطعة أخرى من جسده. فلا يزال يطلي ~~في كل سحر حتى ذهب مني بطلية. # وكان لا يرى الطبخ في القدور الشامية، ولا تبريد الماء في الجرار ~~المذارية «4» . لأن هذه ترشح، وتلك تنشف. # حدثني أبو الجهجاه النوشرواني قال: # حدثني أبو الأحوص الشاعر قال: كنا نفطر عند الباسياني، فكان يرفع يديه ~~قبلنا، ويستلقي على فراشه ويقول: إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ~~ولا شكورا. ### || خالد بن يزيد # وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة «5» ، هو خالويه المكدي «6» ، وكان PageV01P071 ~~ فد بلغ في البخل والتكدية، وفي كثرة المال، المبالغ التي لم يبلغها أحد؛ ~~وكان ينزل في شق بني تميم «1» ، فلم يعرفوه. فوقف عليه ذات يوم سائل، وهو ~~في مجلس من مجالسهم، فأدخل يده في الكيس ليخرج فلسا؛ وفلوس البصرة كبار، ~~فغلط بدرهم بغلي «2» ، فلم يفطن حتى وضعه في يد السائل. فلما فطن استرده، ~~وأعطاه الفلس. فقيل له: هذا لا نظنه يحل، وهو بعد بمثلك قبيح. قال: قبيح ~~عندكم وأما أنا فإني لم ms031 أجمع هذا المال بعقولكم، فأفرقه بعقولكم. ليس هذا ~~من مساكين الدراهم، هذا من مساكين الفلوس. والله ما أعرفه إلا بالفراسة «3» . # قالوا: وإنك لتعرف المكدين؟ قال: وكيف لا أعرفهم؟ وأنا كنت كاجار «4» في ~~حداثة سني. ثم لم يبق في الأرض مخطراني «5» ، ولا مستعرض أقفية «6» ، ولا ~~شحاذ ولا كاغاني ولا بانوان، ولا قرسي ولا عواء، ولا مشعب، ولا فلور، ولا ~~مزيدي ولا إسطبل إلا وكان تحت يدي. ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة؛ ولم يبق ~~في الأرض كعبي ولا مكد، إلا وقد أخذت العرافة عليه، حتى خضع إلى إسحق قتال ~~الحر «7» ، وبنجويه شعر الجمل، وعمرو القوقيل، وجعفر كردي كلك، وقرن أيره، ~~وحمويه عين الفيل، وشهرام حمار أيوب، وسعدويه نائك أمه «8» . وإنما أراد ~~بهذا أن يؤسهم من ماله، حين عرف حرصهم PageV01P072 ~~ وجشعهم، وسوء جوارهم. وكان قاصا متكلما بليغا داهيا، وكان أبو سليمان ~~الأعور، وأبو سعيد المدائني القاصان من غلمانه. وهو الذي قال لابنه عند ~~موته: # «إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته، وما لا تأكله إن ضيعته. ~~ ولما ورثتك من العرف الصالح، وأشهدتك من صواب التدبير، وعودتك من عيش ~~المقتصدين، خير لك من هذا المال. ولو دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل ~~حيلة، ثم لم يكن لك معين من نفسك، لما انتفعت بشيء من ذلك. بل يعود ذلك ~~النهي كله إغراء لك، وذلك المنع تهجينا لطاعتك. # قد بلغت في البر منقطع التراب، وفي البحر أقصى مبلغ السفن. ~~ فلا عليك ألا ترى ذا القرنين؛ ودع عنك مذاهب ابن شرية «1» ، فإنه لا يعرف ~~إلا ظاهر الخبر. ولو رآني تميم الداري «2» ، لأخذ عني صفة الروم. ~~ ولأنا أهدى من القطا، ومن دعيميص «3» ، ومن رافع المخش، «4» إني قد بت ~~بالقفر مع الغول، وتزوجت السعلاة «5» ، وجاوبت الهاتف، ورغت «6» عن الجن ~~الى الحن «7» ، واصطدت الشق «8» ، وجاوبت النسناس «9» ، وصحبني الرئي «10» ~~، وعرفت خدع الكاهن، وتدسيس العراف، وإلى ما PageV01P073 ~~ يذهب الخطاط والعياف، وما يقول أصحاب الأكتاف «1» ، وعرفت التنجيم ~~والزجر، والطرق والفكر «2» . # إن هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدية، ومن احتيال النهار، ms032 ومكابدة ~~الليل» ~~ . ولا يجمع مثله أبدا إلا من معاناة ركوب البحر، أو من عمل سلطان، أو من ~~كيمياء الذهب والفضة، وقد عرفت الرأس «4» حق معرفته، وفهمت كسر الإكسير «5» ~~على حقيقته. ولولا علمي بضيق صدرك، ولولا أن أكون سببا لتلف نفسك، لعلمتك ~~الساعة الشيء الذي بلغ به قارون، وبه تبنكت خاتون «6» . والله ما يتسع صدرك ~~عندي لسر صديق، فكيف ما لا يحتمله عزم، ولا يتسع له صدر. وخزن سر الحديث، ~~وحبس كنوز الجواهر، أهون من خزن العلم. ولو كنت عندي مأمونا على نفسك، ~~لأجريت الأرواح في الأجساد، وأنت تبصر، إذ كنت لا تفهمه بالوصف، ولا تحقه ~~بالذكر. ولكني سألقي عليك علم الإدراك، وسبك الرخام، وصنعة الفسيفساء، ~~وأسرار السيوف القلعية، وعقاقير السيوف اليمانية «7» ، وعمل الفرعوني، ~~وصنعة التلطيف على وجهه، إن أقامني الله من صرعتي هذه. # ولست أرضاك، وإن كنت فوق البنين، ولا أثق بك، وإن كنت لا حقا بالآباء ~~لأني لم أبالغ في محنتك. إني قد لا بست السلاطين PageV01P074 ~~ والمساكين، وخدمت الخلفاء والمكدين، وخالطت النساك والفتاك «1» وعمرت ~~السجون كما عمرت مجالس الذكر، وحلبت الدهر أشطره «2» وصادفت دهرا كثير ~~الأعاجيب، فلولا أني دخلت من كل باب، وجريت مع كل ريح، وعرفت السراء ~~والضراء «3» ، حتى مثلث لي التجارب عواقب الأمور، وقربتني من غوامض ~~التدبير، لما أمكنني جمع ما أخلفه لك، ولا حفظ ما حبسته عليك، ولم أحمد ~~نفسي على جمعه، كما حمدتها على حفظه، لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم ~~والكيس «4» ، قد حفظته عليك من فتنة البناء، ومن فتنة النساء، ومن فتنة ~~الثناء، ومن فتنة الرياء «5» ، ومن أيدي الوكلاء، فإنهم الداء العياء «6» . # ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك، ولكن بفضل بغضي للقاضي. إن الله، عز وجل، ~~لم يسلط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد، لأن أباه، إن كان ~~غنيا قادرا، أحب أن يريه غناه وقدرته، وإن كان فقيرا عاجزا، أحب أن يستريح ~~من شينه ومن حمل مؤونته، وإن كان خارجا من الحالين، أحب أن يستريح من ~~مداراته، فلا هم شكروا من جمع ms033 لهم، وكفاهم، ووقاهم، وغرسهم، ولا هم صبروا ~~على من أوجب الله حقه عليهم. والحق لا يوصف عاجله بالحلاوة، كما لا يوصف ~~عاجل الباطل بالمرارة. فإن كنت منهم، فالقاضي لك، وإن لم تكن منهم فالله ~~لك. فإن سلكت سبيلي صار مال غيرك وديعة عندك، وصرت الحافظ على غيرك. وإن ~~خالفت سبيلي صار PageV01P075 ~~ مالك وديعة عند غيرك، وصار غيرك الحافظ عليك. وإنك يوم تطمع أن تضيع ~~مالك، ويحفظه غيرك، لجشع الطمع، مخذول الأمل. احتال الآباء في حبس الأموال ~~على أولادهم بالوقف، فاحتالت القضاة على أولادهم بالإستبحاث «1» ما أسرعهم ~~الى إطلاق الحجر، وإلى إيناس الرشد، إذا أرداوا الشراء منهم. وأبطأهم عنهم، ~~إذا أرداوا أن تكون أموالهم جائزة لصنائعهم. # يا ابن الخبيثة، إنك وإن كنت فوق أبناء هذا الزمان، فإن الكفاية قد ~~مسختك، ومعرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك؛ وزاد في ذلك أن كنت بكرى، وعجزة ~~أمك «2» . # أنا لو ذهب مالي لجلست قاصا، أو طفت في الآفاق، كما كنت، مكديا. اللحية ~~وافرة بيضاء، والحلق جهيز طل، والسمت «3» حسن، والقبول علي واقع. إن سألت ~~عيني الدمع أجابت، والقليل من رحمة الناس خير من المال الكثير، وصرت محتالا ~~بالنهار، واستعملت صناعة الليل. أو خرجت قاطع طريق، أو صرت للقوم عينا ولهم ~~مجهرا «4» . سل عني صعاليك الجبل «5» وزواقيل «6» الشام وزط الآجام «7» ، ~~ورؤوس الأكراد، ومردة الأعراب، وفتاك نهربط «8» ، ولصوص القفص «9» ، وسل PageV01P076 ~~ عني القيقانية «1» والقطرية «2» ، وسل عني المتشبهة وذباحي الجزيرة «3» ، ~~وكيف بطشي ساعة البطش، وكيف حيلتي ساعة الحيلة، وكيف أنا عند الجولة، وكيف ~~ثبات جناني عند رؤية الطليعة، وكيف يقظتي إذا كنت ربيئة «4» ، وكيف كلامي ~~عند السلطان إذا أخذت، وكيف صبري إذا جلدت، وكيف قلة ضجري إذا حبست، وكيف ~~رسفاني في القيد إذا أثقلت. فكم من ديماس «5» قد نقبته، وكم من مطبق «6» قد ~~أفضيته، وكم من سجن قد كابدته. لم تشهدني وكردويه الأقطع أيام سندان «7» ، ~~ولا شهدتني في فتنة سرنديب «8» ، ولا رأيتني أيام حرب المولتان «9» سل عني ~~الكتيفية والخربية والبلالية، وبقية أصحاب صخر ومصخر، وبقية أصحاب فاس وراس ~~ومقلاس، ms034 ومن لقي أزهر أبا النقم. كان آخر من صادفني حمدويه أبو الأرطال. ~~وأنا مجيب مردويه بن أبي فاطمة، وأنا خلفعت بني هانيء. وأنا أول من شرب ~~الغربى حارا، والبزيل باردا؛ وأول من شرب بالعراق بالكبرة «10» ، وجعل ~~القنقل «11» قرعة. وأول من ضرب «الشاهسبرم» «12» على ورق القرع، وأول من ~~لعب باليرمع 1» PageV01P077 ~~ في البدو، وأسقط الدف المربع من بين الدفاف، وما كان النقاب إلا هداما، ~~حتى نشأت، وما كان الاستقفاء إلا استلابا «1» حتى بلغت. # وأنت غلام، لسانك فوق عقلك، وذكاؤك فوق حزمك، لم تعجمك الضراء، ولم تزل ~~في السراء والمال واسع، وذرعك ضيق. وليس شيء أخوف عليك عندي من حسن الظن ~~بالناس، فأتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، وخف عباد الله على حسب ما ~~ترجو الله. # فأول ما أوقع في روعي أن مالي محفوظ علي، وأن النماء لازم لي، وأن الله ~~سيحفظ عقبي من بعدي، أني لما غلبتني يوما شهوتي، وأخرجت يوما درهما لقضاء ~~وطري «2» ، ووقعت عيني على سكته، وعلى اسم الله المكتوب عليه، قلت في نفسي: ~~إني إذا لمن الخاسرين الضالين، لئن أنا خرجت من يدي، ومن بيتي شيئا عليه: ~~«لا إله إلا الله» وأخذت بدله شيئا ليس عليه شيء. والله إن المؤمن لينزع ~~خاتمه للأمر يريده، وعليه، «حسبي الله» أو: «توكلت على الله» فيظن أنه قد ~~خرج من كنف الله، جل ذكره، حتى يرد الخاتم في موضعه. وإنما هو خاتم واحد، ~~وأنا أريد أن أخرج في كل يوم درهما عليه الإسلام كما هو؟ إن هذا لعظيم» . # ومات من ساعته، وكفنه إبنه ببعض خلقانه، وغسله بماء البئر. ~~ ودفنه من غير أن يضرح له، أو يلحد له «3» ، ورجع. # فلما صار في المنزل نظر الى جرة خضراء معلقة. قال: أي شيء في هذه الجرة؟ ~~قالوا: ليس اليوم فيها شيء. قال: فأي شيء كان فيها قبل PageV01P078 ~~ اليوم؟ قالوا: سمن. قال: وما كان يصنع به؟ قالوا: كنا في الشتاء نلقي له ~~في البرمة «1» شيئا من دقيق نعمله له، فكان ربما برمة «2» بشيء من سمن. ~~قال: ms035 يقولون ولا يفعلون. السمن أخو العسل. وهل أفسد الناس أموالهم الا في ~~السمن والعسل؟ والله إني لولا أن للجرة ثمنا لما كسرتها إلا على قبره. ~~قالوا: فخرج فوق أبيه وما كنا نظن أن فوقه مزيدا. # المخطراني: الذي يأتيك في زي ناسك، ويريك أن بابك «3» قدقور لسانه من ~~أصله لأنه كان مؤذنا هناك. ثم يفتح فاه كما يصنع من يتثاءب، فلا ترى له ~~لسانا البتة. ولسانه في الحقيقة كلسان الثور. وأنا أحد من خدع بذلك. ولا بد ~~للمخطراني أن يكون معه واحد يعبر عنه، أو لوح أو قرطاس قد كتب فيه شأنه ~~وقصته. # والكاغاني: الذي يتجنن ويتصارع ويزبد «4» ، حتى لا يشك أنه مجنون لا دواء ~~له، لشدة ما ينزل بنفسه، وحتى يتعجب من بقاء مثله على مثل علته. # - والبانوان: الذي يقف على الباب ويسل الغلق «5» ، ويقول: بانوا. ~~ وتفسير ذلك بالعربية: يا مولاي. # - والقرسي: الذي يعصب «6» ساقه وذراعه عصبا شديدا، ويبيت PageV01P079 ~~ على ذلك ليلة. فإذا تورم واختنق الدم، مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين ~~«1» وقطر عليه شيئا من سمن، وأطبق عليه خرقة، وكشف بعضه. فلا يشك من رآه أن ~~به الأكلة «2» ، أو بلية شبة الأكلة. # - والمشعب: الذي يحتال للصبي حين يولد، بأن يعميه أو يجعله أعسم «3» أو ~~أعضد «4» ، ليسأل الناس به أهله. وربما جاءت به أمه وأبوه ليتولى ذلك منه ~~بالغرم الثقيل، لأنه حينئذ عقدة «5» وغلة. فإما أن يكتسبا به، وإما أن ~~يكرياه بكراء «6» معلوم. وربما أكروا أولادهم ممن يمضي إلى أفريقية، فيسأل ~~بهم الطريق أجمع، بالمال العظيم. فإن كان ثقة مليئا، وإلا أقام بالأولاد ~~والأجرة كفيلا. # - والفلور: الذي يحتال لخصيته، حتي يريك أنه آدر «7» . وربما أراك أن بها ~~سرطانا أو خراجا أو غربا %~% أو ربما أرى ذلك في دبره بأن يدخل فيه حلقوما ~~ببعض الرئة. وربما فعلت ذلك المرأة بفرجها. # - والكاغان: الغلام المكدي إذا واجر «8» ، وكان عليه مسحة جمال، وعمل ~~العملين معا. # - والعواء: الذي يسأل بين المغرب والعشاء. وربما طرب، إذا كان له صوت حسن ~~وحلق شجي. PageV01P080 # - والإسطيل: هو المتعامي: إن ms036 شاء أراك أنه منخسف العينين، وإن شاء أراك ~~أن بهما ماء، وإن شاء أراك أنه لا يبصر، لخسف ولريح السبل «1» . # - والمزيدي: الذي يدور ومعه الدريهمات، ويقول: هذه دراهم قد جمعت لي في ~~ثمن قطيفة «2» ، فزيدوني فيها رحكمك الله. وربما احتمل صبيا على أنه لقيط. ~~وربما طلب في الكفن. # - والمستعرض: الذي يعارضك وهو ذو هيئة، وفي ثياب صالحة. ~~ وكأنه قد مات من الحياء، ويخاف أن يراه معرفة «3» . ثم يعترضك اعتراضا، ~~ويكلمك خفيا. # - والمقدس: الذي يقف على الميت يسأل في كفنه. ويقف في طريق مكة على ~~الحمار الميت، والبعير الميت فيدعي أنه كان له، ويزعم أنه قد أحصر «4» . ~~وقد تعلم لغة الخراسانية واليمانية والإفريقية، وتعرف تلك المدن والسكك ~~والرجال. وهو، متى شاء كان أفريقيا، ومتى شاء كان من أهل فرغانة «5» ، ومتى ~~شاء كان من أي مخاليف اليمن شاء. # - والمكدي: صاحب الكداء «6» . # - والكعبي: أضيف إلى إبن أبي كعب الموصلي وكان عريفهم بعد خالويه سنة على ~~ماء. # - والزكوري: هو خبز الصدقة، كان على سجين أو على سائل. PageV01P081 # هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط. وهم أضعاف ما ذكرنا في العدد. # ولم يكن يجوز أن نتكلف شيئا ليس من الكتاب في شيء. ### || طرف شتى: # رفع يحيى بن عبد الله بن خالد بن أمية بن عبد الله بن أسيد، رغيفا من ~~خوانه «1» بيده، ثم رطله «2» ، والقوم يأكلون، ثم قال: يزعمون أن خبزي ~~صغار. أي إبن زانية يأكل من هذا الخبز رغيفين؟ # وكنت أنا وأبو إسحاق، إبراهيم بن سيار النظام، وقطرب النحوي «3» ، وأبو ~~الفتح، مؤدب منصور بن زياد، على خوان فلان بن فلان. والخوان من جزعة «4» ، ~~والغضار «5» صيني ملمع، أو خلنجية كيماكية «6» ، والألوان طيبة شهية، وغذية ~~قدية، وكل رغيف في بياض الفضة، كأنه البدر، وكأنه مرآة مجلوة، ولكنه على ~~قدر عدد الرؤوس. ~~ فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة. ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم، ولم يمدوا ~~بشيء فيتموا أكلهم، والأيدي معلقة. وإنما هم في تنقير وتنتيف «7» . # فلما طال ذلك عليهم أقبل الرجل على أبي الفتح، وتحت القصعة رقاقة «8» ، ~~فقال: «يا ms037 أبا الفتح، خذ ذلك الرغيف فقطعه، واقسمه على PageV01P082 ~~ أصحابنا» فتغافل أبو الفتح، ثم أعاد عليه القول: فتغافل، فلما أعاد عيه ~~القول: فتغافل، فلما أعاد عليه القول، الرابعة، قال: مالك، ويلك، لا تقطعه ~~بينهم؟ قطع الله أوصالك! قال: تبتلى على يدي غيري، أصلحك الله فخجلناه مرة، ~~وضحكنا مرة، وما ضحك صاحبنا ولا خجل. # وزرته أنا والمكي، وكنت أنا على حمار مكاري، والمكي على حمار مستعار. ~~فصار الحمار إلى أسوأ من حال الزور» ~~. فكلم المكي غلمانه فقال: لا أريد منكم التبن فما فوقه، اسقوه ماء فقط. ~~فسقوه ماء بئر، فلم يشربه الحمار، وقد مات عطشا. فأقبل المكي عليه، فقال: ~~ أصلحك الله! إنهم يسقون حماري ماء بئر؛ ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة؛ ~~فهو لا يعرف إلا العذب. قال: فامزجوه له يا غلام. ~~ فمزجوه، فلم يشربه. فأعاد المسألة، فأمكنه من أذن من لا يسمع إلا ما ~~يشتهي. # وقال لي مرة: يا أخي، إن أناسا من الناس يغمسون اللقمة الى أصبارها «2» ~~في المري، فأقول هؤلاء قوم يحبون الملوحة، ولا يعجبون بالحامض. فما ألبث أن ~~أرى أحدهم يأخذ حرف الجردقة «3» ، فيغمسها في الخل الحاذق، ويغرقها فيه ~~وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل، بعد التغريق، ساعة، فأقول: هؤلاء قوم ~~يجمعون حب الحموضة الى حب الملوحة. ثم لا ألبث أن أراهم يصنعون مثل ذلك ~~بالخردل. ~~ والخردل لا يرام: قل لي أي شيء طبائع هؤلاء؟ وأي ضرب هم؟ وما دواؤهم؟ وأي ~~شيء علاجهم؟ PageV01P083 # فلما رأيت مذهبه وحمقه، وغلبة البخل عليه، وقهره له، قلت: ما لهم عندي ~~علاج هو أنجع فيهم من أن يمنعوا الصباغ كله. قال: لا والله إن هو غيره! # وصديق لنا آخر، كنا قد ابتلينا بمؤاكلته، وقد كان ظن أنا قد عرفناه بالبخل ~~على الطعام، وهجس ذلك في نفسه، وتوهم أنا قد تذاكرنا أمره. ~~ فكان يتزيد في تكثير الطعام، وفي إظهار الحرص على أن يؤكل، حتى قال: من ~~رفع يده، قبل القوم، غرمناه دينارا فيرى بعضهم أن غرم دينار أولى، فذلك منه ~~محتمل في رضى نفسه، ms038 وما يرجو من نفع ذلك له. # ولقد خبرني خباز لبعض أصحابنا أنه جلده على إنضاج الخبز، وأنه قال له: ~~إنضج خبزي الذي يوضع بين يدي، واجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين ~~المقدارين. وأما خبز العيال والضيف، فلا تقربنه من النار إلا بقدر ما يصير ~~العجين رغيفا، وبقدر ما يتماسك فقط. فكلفه العويص «1» ، فلما أعجزه ذلك، ~~جلده حد الزاني الحر. # فحدثت بهذا الحديث عبد الله العروضي «2» ، فقال: ألم تعرف شأن الجدي؟ ضرب ~~الشواء ثمانين سوطا، لمكان الإنضاج. وذلك أنه قال له: ~~ ضع الجدي في التنور، حين نضع الخوان، حتى أستبطئك أنا في إنضاجه، وتقول ~~أنت: بقي قليل. ثم تجيئنا به، وكأني قد أعجلتك. ~~ فماذا وضع بين أيديهم غير منضج، احتسبت عليهم بإحضار الجدي. ~~ فإذا لم يأكلوه، أعدته الى التنور، ثم أحضرتناه، الغد، باردا، فيقوم ~~الجدي الواحد مقام جديين. فجاء به الشواء يوما نضيجا، فعمل فيه القوم. ~~فجلده ثمانن جلدة، جلد القاذف الحرة. # حدثني أحمد بن المثنى، عن صديق لي وله، ضخم البدن، كثير PageV01P084 ~~ العلم، فاشي الغلة، عظيم الولايات، إنه إذا دعي على مائدته بفضل دجاجة، ~~أو بفضل رقاق، أو غير ذلك، رد الخادم مع الخباز الى القهرمان «1» ، حتى يصك ~~«2» له بذلك الى صاحب المطبخ. # ولقد رأيته، وقد تناول دجاجة، فشقها نصفين، فألقى نصفها إلى الذي عن ~~يمينه، ونصفها الى الذي عن شماله. ثم قال: يا غلام جئني بواحدة رخصة، فإن ~~هذه كانت عضلة «3» جدا. فحسبت أن أقل ما عند الرجلين ألا يعود الى مائدته ~~أبدا. فوجدتهما قد فخرا علي بما حباهما به، من ذلك، دوني. # وكانوا ربما خصوه، فوضعوا بين يديه الدراجة «4» السمينة، والدجاجة ~~الرخصة. فانطفأت الشمعة في ليلة، من تلك الليالي، فأغار علي الأسواري «5» ~~على بعض ما بين يديه، واغتنم الظلمة، وعمل على أن الليل أخفى للويل. ففطن ~~له، وما هو بالفطن إلا في هذا الباب، وقال: ~~ كذلك الملوك، كانت لا تأكل مع السوقة. # وحدثني أحمد بن المثنى أنهم كانوا يعمدون إلى الجرادق «6» التي ترفع عن ~~مائدته، فما ms039 كان منها ملطخا دلك ذلك دلكا شديدا، وما كان منها قد ذهب جانب ~~منه، قطع بسكين من ترابيع الرغيف مثل ذلك، لئلا يشك من رآه أنهم قد تعملوا ~~ذلك، وما كان من الأنصاف والأرباع، جعل بعضه للثريد «7» ، وقطع بعضه ~~كالأصابع، وجعل مع بعض القلايا. PageV01P085 # ولقد رأيت رجلا ضخما، فخم اللفظ، فخم المعاني، تربية في ظل ملك، مع علم ~~جم ولسان عضب «1» ، ومعرفة بالغامض من العيوب، والدقيق من المحاسن، مع شدة ~~تسرع الى أعراض الناس، وضيق صدر بما يعرف من عيوبهم، وأن ثريدته لبلقاء «2» ~~، إلا أن بياضها ناصع، ولونها الآخر أصهب «3» . فرأيت ذلك مرة أو مرتين. ~~وكنت قد هممت قبل ذلك، أن أعاتبه على الشيء يستأثر به «4» ، ويخص به، وإن ~~احتمل ثقل تلك النصيحة، وبشاعتها في حظه، وفي النظر له. ورأيت أن ذلك لا ~~يكون إلا من حاق الإخلاص «5» ، ومن فرط الإخاء بين الأخوان. ~~ فلما رأيت البلقة «6» ، هان علي التحجيل والغرة «7» . ورأيت أن ترك ~~الكلام أفضل، وأن الموعظة لغو «8» . # وقد زعم أبو الحسن المدائني أن ثريدة مالك بن المنذر كانت بلقاء. ~~ ولعل ذلك أن يكون باطلا؛ وأما أنا فقد رأيت بعيني من هذا الرجل ما أخبرك ~~به. وهو شيء لم أره إلا فيه، ولا سمعت به في غيره. # ولسنا من تسمية الأصحاب المتهتكين، ولا في غيرهم من المستورين، في شيء. ~~أما الصاحب، فإنا لا نسميه لحرمته، وواجب حقه، والآخر لا نسميه لستر الله ~~عليه، ولما يجب لمن كان في مثل حاله، وإنما نسمي من خرج من هاتين الحالين، ~~ولربما سمينا الصاحب إذا كان PageV01P086 # ممن يمازح بهذا كثيرا، ورأيناه يتظرف «1» به، ويجعل ذلك الظرف سلما إلى ~~منع شينه «2» . ### || قصة أبي جعفر الطرسوسي: # لم أر مثل أبي جعفر الطرسوسي: # زار قوما فأكرموه وطيبوه، وجعلوا في شاربه وسبلته «3» غالية «4» ، فحكته ~~شفته العليا، فأدخل إصبعه فحكها من باطن الشفة، مخالفة أن تأخذ إصبعه من ~~الغالية شيئا إذا حكتها من فوق. # وهذا وشبهه إنما يطيب جدا، إذا رأيت الحكاية بعينك، لأن الكتاب لا يصور ~~لك كل ms040 شيء، ولا يأتي لك على كنهه، وعلى حدوده وحقائقه. ### || قصة أبي محمد الخزامي: # وأما أبو محمد الخزامي، عبد الله بن كاسب، كاتب مويس، وكاتب داود بن أبي ~~داود، فإنه كان أبخل من برأ الله، وأطيب من برأ الله. ~~ وكان له في البخل كلام، وهو أحد من ينصره ويفضله، ويحتج له، ويدعو اليه. # وأنه رآني مرة في تشرين الأول، وقد بكر البرد شيئا، فلبست كساء لي قومسيا ~~«5» خفيفا، قد نيل منه. فقال لي: ما أقبح السرف بالعاقل، PageV01P087 ~~ وأسمج «1» الجهل بالحكيم. ما ظننت أن إهمال النفس، وسوء السياسة، بلغ بك ~~ما أرى. قلت: وأي شيء أنكرت منا مذ اليوم، وما كان هذا قولك فينا بالأمس؟ ~~فقال: لبسك هذا الكساء قبل أوانه. قلت: قد حدث من البرد بمقداره. ولو كان ~~هذا البرد الحادث في تموز وآب، لكان إبانا «2» لهذا الكساء. قال: إن كان ~~ذلك كذلك، فاجعل، بدل هذه المبطنة، جبة محشوة، فإنها تقوم هذا المقام، ~~وتكون قد خرجت من الخطأ. فأما لبس الصوف اليوم، فهو غير جائز. قلت: ولم؟ ~~قال: لأن غبار آخر الصيف يتداخله ويسكن في خلله، فإذا أمطر الناس، وندي ~~الهواء وابتل كل شيء، ابتل ذلك الغبار. وإنما الغبار تراب، إلا أنه لباب ~~التراب. وهو مالح، وينقبض عند ذلك عليه الكساء ويتكرش، لأنه صوف، فتنضم ~~أجزاؤه عليه. فيأكله أكل القادح «3» ، ويعمل فيه عمل السوس، ولهو أسرع فيه ~~من الأرضة «4» في الجذوع النجرانية. ~~ ولكن أخر لبسه، حتى إذا مطر الناس، وسكن الغبار، وتلبد التراب، وحط المطر ~~ما كان في الهواء من الغبار، وغسله، وصفاه، فألبسه حينئذ، على بركة الله. # وكان يقع إلى عياله بالكوفة، كل سنة مرة، فيشتري لهم من الحب مقدار ~~طبيخهم، وقوت سنتهم. فإذا نظر الى حب هذا، وإلى حب هذا، وقام على سعره، ~~اكتال من كل واحد منها كيلة معلومة، بالميزان، واشترى أثقلها وزنا. وكان لا ~~يختار على البلدي والموصلي شيئا، إلا أن يتقارب السعر. وكان على كل حال يفر ~~من الميساني، إلا أن يضطر اليه. ~~ ويقول: هو ناعم ms041 ضعيف، ونار المعدة شيطان، فإنما ينبغي لنا أن نطعم PageV01P088 ~~ الحجر، وما أشبه الحجر. وقلت له مرة: أعلمت أن خبز البلدي ينبت عليه شيء ~~شبيه بالطين، والتراب، والغبار المتراكم؟ قال: حبذا ذلك من خبز، وليته قد ~~أشبه الأرض بأكثر من هذا المقدار؟ # وكان إذا كان جديد القميص ومغسوله، ثم أتوه بكل بخور في الأرض، لم يتبخر، ~~مخافة أن يسود دخان العود بياض قميصه. فإن اتسخ فأتي بالبخور، لم يرض ~~بالتبخر، واستقصاء ما في العود من القتار «1» ، حتى يدعو بدهن، فيمسح به ~~صدره وبطنه، وداخلة إزارة، ثم يتبخر، ليكون أعلق للبخور. # وكان يقول: حبذا الشتاء، فإنه يحفظ عليك رائحة البخور، ولا يحمض فيه ~~النبيذ، إن ترك مفتوحا، ولا يفسد فيه مرق إن بقي أياما. ~~ وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه. فإذا كان في الصيف، دعا بثيابه، ~~فلبسها على قميصه، لكيلا يضيع من البخور، شيء. # وقال مرة: إن للشيب سهكة «2» . وبياض الشعر الأسود هو موته، وسواده ~~حياته. ألا ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت إلا أبيض. والناس لا ~~يرضون منا، في هذا العسكر، إلا بالعناق واللثام. ~~ والطيب غال، وعادته رديئة. وينبغي لمن كان أيضا عنده، أن يحرسه ويحفظه من ~~عياله. وأن العطار ليختمه على أخص غلمانه به. فلست أرى شيئا هو خير من ~~اتخاذ مشط صندل «3» ، فإن ريحه طيبة، والشعر سريع القبول، وأقل ما يصنع أن ~~ينفي سهك الشيب. قصرنا في حال لا لنا ولا علينا. فكان عطر الحزامي إلى أن ~~فارق الدنيا مشط صندل، إلا أن يطيبه صديق. PageV01P089 # واستسلف منه علي الأسواري مائة درهم، فجاءني وهو حزين منكسر. فقلت له: ~~إنما يحزن من لا يجد بدا من إسلاف الصديق، مخافة ألا يرجع إليه ماله، ولا ~~يعد ذلك هبة منة. أو رجل يخاف الشكية، فهو إن لم يسلف كرما، أسلف خوفا. ~~وهذا باب، الشهرة فيه هي قرة عينك. وأنا واثق باعتزامك وتصميمك، وبقلة ~~المبالاة بتبخيل الناس لك، فما وجه انكسارك واغتمامك؟ # قال: اللهم غفرا! ليس ذاك بي إنما بي أني ms042 قد كنت أظن أن أطماع الناس قد ~~صارت بمعزل عني، وآيسة مني، وأني قد أحكمت هذا الباب وأتقنته، وأودعت ~~قلوبهم اليأس، وقطعت أسباب الخواطر. فأراني واحدا منهم إن من أسباب إفلاس ~~المرء طمع الناس فيه؛ لأنهم إذا طمعوا فيه، احتالوا له الحيل، ونصبوا له ~~الشرك» ~~ ، وإذا يئسوا منه فقد أمن. وهذا المذهب من علي استضعاف شديد. وما أشك أني ~~عنده غمر «2» ، وأني كبعض من يأكل ماله. وهو مع هذا خليط وعشير. وإذا كان ~~مثله لم يعرفني، ولم يتقرر عنده مذهبي، فما ظنك بالجيران، بل ما ظنك ~~بالمعارف؟ أراني أنفتح في غير فحم، وأقدح بزند مصلد «3» . ما أخوفني أن ~~أكون قد قصد إلي بقول. ما أخوفني أن يكون الله في سمائه قد قصد إلى أن ~~يفقرني. # قال: ويقولون: ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك. فما يقولون إن كان أقصر ~~مني، أليس يتخبل في قميصي؟ وإن كان طويلا جدا، وأنا قصير جدا، فلبسه، أليس ~~يصير آية للسائلين؟ فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة للناس؟ ما ينبغي ~~لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي. ومتى يتفق هذا؟ وأنى ذاك محيا وممات؟ PageV01P090 # وكان يقول: أشتهي اللحم الذي قد تهرأ، وأشتهي أيضا الذي فيه بعض الصلابة. ~~وقلت له مرة: ما أشبهك بالذي قال: أشتهي لحم دجاجتين. قال: وما تصنع بذلك ~~القائل؟ هوذا أنا أشتهي لحم دجاجتين: واحدة خلاسية مسمنة، وأخرى خوامزكة ~~«1» رخصة. # وقلت له مرة: قد رضيت بأن يقال: عبد الله بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا ~~الإسم. قلت: وكيف؟ قال: لا يقال فلان بخيل، إلا وهو ذو مال، فسلم إلي ~~المال، وادعني بأي اسم شئت. قلت: ولا يقال أيضا فلان سخي، إلا وهو ذو مال، ~~فقد جمع هذا الإسم الحمد والمال، واسم البخل يجمع المال والذم. فقد اخترت ~~أخسهما وأوضعهما. قال: ~~ وبينهما فرق. قلت: فهاته. قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ~~ملكه، وفي قولهم: «سخي» إخبار عن خروج المال من ملكه. واسم البخيل اسم فيه ~~حفظ وذم، واسم السخي ms043 إسم فيه تضييع وحمد. والمال زاهر، نافع، مكرم لأهله، ~~معز، والحمد ريح وسخرية، واستماعك له ضعف وفسولة «2» . وما أقل غناء الحمد، ~~والله، عنه، إذا جاع بطنه، وعري جلده، وضاع عياله، وشمت «3» به من كان ~~يحسده. # وكنا عند داود بن أبي داود بواسط، أيام ولايته كسكر. فأتته من البصرة ~~هدايا فيها زقاق دبس، فقسمها بيننا، فكلنا أخذ ما أعطي غيره. ~~ فأنكرت ذلك من مذهبه، ولم أعرف جهة تدبيره. فقلت للمكي: قد علمت أن ~~الحزامي إنما يجزع من الإعطاء وهو عدوه، فأما الأخذ فهو ضالته وأمنيته. ~~وإنه لو أعطي أفاعي سجستان، وثعابين مصر، وحيات الأهواز، لأخذها، إذ كان ~~اسم الأخذ واقعا عليها، فعساه أراد التفضيل PageV01P091 ~~ في القسمة. قال: أنا كاتبه، وصداقتي أقدم، وما ذلك به. وإن ههنا أمرا ما ~~نقع عليه. # فلم يلبث أن دخل علينا، فسألته عن ذلك، فتعصر قليلا. ثم باح بسره. قال: ~~وضيعته أضعاف ربحه، وأخذه عندي من أسباب الأدبار. ~~ قلت: أول وضائعه احتمال الشكر. # قال: هذا لم يخطر لي قط على بال. قلت: فهات إذا ما عندك. # قال: أول ذلك كراء «1» الحمال. ثم هو على خطر حتى يصير الى المنزل. فإذا ~~صار الى المنزل، صار سببا لطلب العصيدة «2» ، والأرزة، والبستندود «3» . ~~فإن بعته فرارا من هذا، صيرتموني شهرة، وتركتموني عنده آية، وإن أنا حبسته، ~~ذهب في العصائد، وأشباه العصائد، وجذب ذلك شراء السمن، ثم جذب السمن غيره، ~~وصار هذا الدبس أضر علينا من العيال. # وإن أنا جعلته نبيذا، احتجت إلى كراء القدور، والى شراء الحب «4» ، وإلى ~~شراء الماء، وإلى كراء من يوقد تحته، والى التفرغ له. ~~ فإن وليت ذلك الخادم أسود ثوبها، وغرمنا ثمن الأشنان «5» ، والصابون، ~~وازدادت في الطعم على قدر الزيادة في العمل. فإن فسد، ذهبت النفقة باطلا، ~~ولم نستخلف منها عوضا بوجه من جميع الوجوه. لأن خل الداذي يخضب «6» اللحم، ~~ويغير الطعم، ويسود المرق، ولا يصلح للإصطباغ. PageV01P092 ~~ وهذا إذا استحال خلا، وأكثر ذلك أن يحول عن النبيذ، ولا يصير إلى الخل. ~~وإن سلم، وأعوذ بالله، وجاد وصفا، ms044 لم نجد بدا من شربه، ولم تطب أنفسنا ~~بتركه. فإن قعدت في البيت أشرب منه، لم يمكن إلا بترك سلاف «1» الفارسي ~~المعسل، والدجاج المسمن، وجداء كسكر «2» ، وفاكهة الجبل، والنقل الهش، ~~والريحان الغض، عند من لا يغيض ماله، ولا تنقطع مادته، وعند من لا يبالي ~~على أي قطريه «3» سقط، مع فوت الحديث المؤنس، السماع الحسن. # وعلى أني إن جلست في البيت أشربه، لم يكن لي بدء من واحد، وذلك الواحد لا ~~بد له من دريهم لحم، ومن طسوج «4» نقل، وقيراط ريحان، ومن أبراز للقدر، ومن ~~حطب للوقود. وهذا كله غرم، وهو بعد هذا سؤم، وحرفة، وخروج من العادة ~~الحسنة، فإن كان ذلك النديم غير موافق، فأهل الحبس أحسن حالا مني. وإن كان ~~وأعوذ بالله موافقا، فقد فتح الله على مالي بابا من التلف، لأنه حينئذ يسير ~~في مالي كسيري في مال من هو فوقي. وإذا علم الصديق أن عندي زائرا ونبيذا، ~~دق الباب، دق المدل. فإن حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء. # وإن بدا لي في استحسان حديث الناس، كما يستحسنه مني من أكون عنده، فقد ~~شاركت المسرفين، وفارقت إخواني من المصلحين، وصرت من إخوان الشياطين. فإذا ~~صرت كذلك، فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكسب مني. وأنا لو ابتليت ~~بأحدهما لم أقم له، فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ. أعوذ بالله من ~~الخذلان بعد PageV01P093 ~~ العصمة «1» ، ومن الحور بعد الكور «2» . لو كان هذا في الحداثة «3» كان ~~أهون. # هذا الدوشاب «4» دسيس من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود. وهو ~~الحلاوة التي تعقب المرارة. ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد مل منادمتي، ~~فهو يحتال لي الحيل. # وكنا مرة موضع حشمة، وفي جماعة كثيرة، والقوم سكوت، والمجلس كبير. وهو ~~بعيد المكان مني. فأقبل علي المكي وقال، والقوم يسمعون: يا أبا عثمان من ~~أبخل أصحابنا؟ قلت: أبو الهذيل. قال: ثم من؟ قلت: صاحب لنا لا أسميه. قال ~~الحزامي من بعيد: إنما يعنيني. ~~ ثم قال: حسدتم للمقتصدين تدبيرهم، ونماء أموالهم «5» ، ودوام نعمتهم، ms045 ~~فالتمستم تهجينهم «6» بهذا اللقب، وأدخلتم المكر عليهم بهذا النبز «7» . ~~تظلمون المتلف لماله باسم الجود، إدارة له عن شيئه، وتظلمون المصلح لماله ~~باسم البخل، حسدا منكم لنعمته، فلا المفسد ينجو، ولا المصلح يسلم. ### || حديث خالد عبد الله القسري: # قال أبو عبيدة: بلغ خالد بن عبد الله القسري أن الناس يرمونه PageV01P094 ~~ بالبخل على الطعام. فتكلم يوما، فما زال يدخل كلاما في كلام، حتى أدخل ~~الإعتذار من ذلك في عرض كلامه. فكان مما احتج به، في شدة رؤية الإكيل عليه، ~~وفي نفوره منه، أن قال: نظر خالد المهزول في الجاهلية، يوما، إلى ناس ~~يأكلون، وإلى إبل تجتر، فقال لأصحابه: ~~ أتروني إذا أكلت بمثل هذه العين التي أرى بها الناس والإبل؟ قالوا: ~~ نعم. فحلف بإلهه ألا يأكل بقلا، وأن مات هزلا. فكان يغتذي اللبن، ويصيب ~~من الشراب. فأضمره ذلك وأيبسه. فلما دق جسمه، واشتد هزاله، سمي: المهزول. # ثم قال خالد: هأنذا مبتلى بالمضغ، ومحمول على تحريك اللحيين، ومضطر الى ~~مناسبة البهائم، ومحتمل ما في ذلك من السخف والعجز. ما بالي احتملته فيمن ~~لي منه بد، ولي عنده مذهب. ليأكل كل امريء في منزله، وفي موضع أمنه وأنسه، ~~ودون ستره وبابه. # هذا ما بلغنا عن خالد بن عبد الله القسري «1» واحتجاجه. # فأما خالد المهزول فهو أحد الخالدين، وهما سيدا بني أسد، وفيه، وفي خالد ~~بن نضلة «2» ، يقول الأسود بن يعفر: # وقبلك مات الخالدان كلاهما: %~% عميد بني حجوان، وابن المضلل ### || قصة الحارثي: # وقيل للحارثي بالأمس: والله إنك لتصنع الطعام فتجيده، وتعظم PageV01P095 ~~ عليك النفقة، وتكر منه؛ وإنك لتغالي «1» بالخباز والطباخ والشواء ~~والخباص، ثم أنت مع هذا كله لا تشهده عدوا لتغمه «2» ، ولا وليا فتسره، ولا ~~جاهلا لتعرفه، ولا زائرا لتعظمه، ولا شاكرا لتثبته. وأنت تعلم حين يتنحى من ~~بين يديك، ويغيب عن عينيك. فقد صار نهبا مقسما، ومتوزعا مستهلكا. فلو ~~أحضرته من ينفع شكره، ويبقى شكره، ويبقى على الأيام ذكره، ومن يمتعك ~~بالحديث والإستماع، ومن يمتد به الأكل، ويقصر به الدهر، لكان ذلك أولى بك، ~~وأشبه بالذي ms046 قدمته يدك. # وبعد، فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك، ومن ان حمدك لم يحسن أن يحمدك، ~~ومن لا يفصل بن الشهي القدي، وبين الغليظ الزهم «3» ؟ قال: يمنعني من ذلك ~~ما قال أبو الفاتك. قالوا: ومن أبو الفاتك؟ قال: قاضي الفتيان «4» . وإني ~~لم آكل مع أحد، قط ألا رأيت منه بعض ما ذمه، وبعض ما شنعه وقبحه. فشيء يقبح ~~بالشطار، فما ظنك به إذا كان في أصحاب المروءات، وأهل البيوتات؟ قالوا: فما ~~قال أبو الفاتك. # قال: قال أبو الفاتك: الفتى لا يكون نشالا، ولا نشافا، ولا مرسالا، ولا ~~لكاما، ولا مصاصا، ولا نقاضا، ولا دلاكا، ولا مقورا، ولا مغربلا، ولا ~~محلقما، ولا مسوغا ولا ملغما، ولا مخضرا. فكيف لو رأى أبو الفاتك اللطاع، ~~والقطاع، والنهاش، والمداد، والدفاع، والمحول «5» ؟ PageV01P096 # والله إني لأفضل الدهاقين «1» ، حين عابوا الحسو «2» ، وتقززوا من ~~التعرق» ~~ ، وبهرجوا صاحب التمشيش «4» ، وحين أكلوا بالبارجين «5» ، وقطعوا ~~بالسكين، ولزموا عند الطعام السكتة، وتركوا الخوض، واختاروا الزمزمة. # أنا والله أحتمل الضيق والضيفن، ولا أحتمل اللعموظ ولا الجردبيل. والواغل ~~أهون علي من الراشن «6» . # ومن يشك أن الوحدة خير من جليس السوء، وأن جليس السوء خير من أكيل السوء؟ ~~لأن كل أكيل جليس، وليس كل جليس أكيلا. ~~ فإن كان لا بد من المؤاكلة، ولا بد من المشاركة، فمع من لا يستأثر علي ~~بالمخ، ولا ينتهز بيضة البقيلة «7» ، ولا يلتهم كبد الدجاجة، ولا يبادر إلى ~~دماغ رأس السلاءة «8» ولا يختطف كلية الجدي، ولا يزدرد قانصة الكركي «9» ، ~~ولا ينتزع شاكلة الحمل «10» ولا يقتطع سرة الشيصان «11» ، ولا يعرض لعيون ~~الرؤوس، ولا يستولي على صدور الدجاج، ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ، ولا ~~يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره PageV01P097 ~~ ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين غيره، ولا يتشهى الغرائب، ~~ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، ولا يهتك أستار الناس بأن يتشهى ما عسى ~~ألا يكون موجودا. # وكيف تصلح الدنيا، وكيف يطيب العيش، مع من إذا رأى جزورية، التقط الأكباد ~~والأسنمة، وإذا عاين ms047 بقرية، استولى على العراق والقطنة، وإن أتوا بجنب ~~شواء، اكتسح كل شيء عليه. لا يرحم ذا سن لضعفه، ولا يرق على حدث لحدة ~~شهوته، ولا ينظر للعيال، ولا يبالي كيف دارت بهم الحال؛ وإن كان لا بد من ~~ذلك، فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي. # وأشد من كل ما وصفنا، وأخبث من كل ما عددنا، أن الطباخ، ربما أتى باللون ~~الطريف، وربما قدم الشيء الغريب، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف ~~الشخص، صغير الحجم، وليس كالطفشيلية «1» ، ولا كالهريسة «2» ، ولا ~~كالفجلية، ولا كالكرنبية «3» ، وربما عجل عليه، قدمه حارا ممتنعا، وربما ~~كان من جوهر بطيء الفتور. وأصحابي في سهولة ازدراد «4» الحار عليهم، في ~~طباع النعام، وأنا في شدة الحار علي، في طباع السباع. فإن انتظرت إلى أن ~~يمكن أتوا على آخره، وإن بدرت مخافة الفوت «5» ، وأردت أن أشاركهم في بعضه، ~~لم آمن ضرره. والحار ربما قتل، وربما أعقم، وربما أبال الدم. # ثم قال: هذا علي الأسواري، أكل مع عيسى بن سليمان بن علي، فوضعت قدامهم ~~سمكة عجيبة، فائقة السمن، فجلط بطنها جلطة، PageV01P098 ~~ فإذا هو يكتنز شحما. وقد كان غص بلقمة، وهو المستسقي ففرغ من الشراب، وقد ~~غرف من بطنها كل إنسان منهم بلقمته غرفة. ~~ وكان عيسى ينتخب الأكلة، ويختار منهم كل منهوم فيه، ومفتون به. فلما خاف ~~علي الأسواري الإخفاق، وأشفق من الفوت، وكان أقربهم إليه عيسى، استلب «1» ~~من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي «2» ، وانكدار العقاب «3» ، من غير أن ~~يكون أكل عنده، قبل مرته. فقيل له: ويحك! استلبت لقمة الأمير من يده، وقد ~~رفعها اليه وشحا لها فاه «4» ، من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة. قال: لم ~~يكن الأمر كذلك، وكذب من قال ذلك. ولكنا أهوينا أيدينا معا، فوقعت يدي في ~~مقدم الشحمة، ووقعت يده في مؤخر الشحمة، معا. والشحم ملتبس بالأمعاء. فلما ~~رفعنا أيدينا معا، كنت أنا أسرع حركة، وكانت الأمعاء متصلة غير متباينة، ~~فتحول كل شيء كان في لقمته بتلك الجذبة الى لقمتي، لإتصال ms048 الجنس بالجنس، ~~والجوهر بالجوهر. # وأنا كيف أؤاكل أقواما يصنعون هذا الصنيع، ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج؟ # ثم قال: إنكم تشيرون علي، بملابسة شرار الخلق، وأنذال الناس، وبكل عياب ~~متعتب، ووثاب على أعراض الناس متسرع. وهؤلاء لم يرضوا أن يدعوهم الناس، ولا ~~يدعوا الناس، وأن يأكلوا ولا يطعموا، وأن يتحدثوا عن غيرهم، ولا يبالون أن ~~يتحدث عنهم، وهم شرار الناس. # ثم قال: اجلس معاوية (وهو في مرتبة الخلافة، وفي السطح من PageV01P099 ~~ قريش، وفي نبل الهمة، وأصالة الرأي، وجودة البيان، وكمال الجسم، وفي تمام ~~النفس عند الجولة، وعند تقصف الرماح، وتقطع السيوف) رجلا على مائدته، مجهول ~~الدار، غير معروف النسب، ولا مذكور بيوم صالح. فأبصر في لقمته شعرة، فقال: ~~خذ الشعرة من لقمتك. ولا وجه لهذا القول منه إلا محض النصيحة، والا الشفقة. ~~فقال الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة؟ لا جلست لك على ~~مائدة ما حييت، ولأحكينها عنك ما بقيت. فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان ~~أحسن وأجمل: تغافله عنه أم شفقته عليه. فكان هذا جزاؤه منه، وشكره له. # ثم قال: وكيف أطعم من إن رأيته يقصر في الأكل فقلت له كل، ولا تقصر في ~~الأكل. قال: ولم فطن لفضل ما بين التقصير وغيره؟ وإن قصر فلم أنشطه، ولم ~~أحثه. قال لولا أنه وافق هواه. # ثم قال: ومد رجل من بني تميم يده إلى صاحب الشراب يستسقيه، وهو على خوان ~~المهلب، فلم يره الساقي، ولم يفطن له. ففعل ذلك مرارا والمهلب يراه، وقد ~~أمسك عن الأكل الى أن يسيغ لقمته بالشراب. ~~ فلما طال ذلك على المهلب، قال: اسقه يا غلام ما أحب من الشراب. ~~ فلما سقاه استقله، وطلب الزيادة منه. وكان المهلب أوصاهم بالإقلال من ~~الماء والإكثار من الخبز. قال التميمي: إنك لسريع الى السقي، سريع الى ~~الزيادة. وحبس يده عن الطعام. فقال المهلب: إله عن هذا أيها الرجل، فإن هذا ~~لا ينفعك ولا يضرنا. أردنا أمرا وأردت خلافه. # وقد علمت أني دون معاوية، ودون المهلب بن ms049 أبي صفرة «1» ، وأنهم PageV01P100 ~~ إلي أسرع، وفي لحمي أرتع «1» . # ثم قال: وفي الجارود بن أبي سبرة «2» لكم واعظ، وفي أبي الحارث جمين ~~زاجر. فقد كانا يدعيان الى الطعام، وإلى الإكرام، لظرفهما، وحلاوتهما، وحسن ~~حديثهما، وقصر يومهما. وكانا يتشهيان الغرائب، ويقترحان الطرائف، ويكلفان ~~الناس المؤن الثقال «3» ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد. فكان جزاؤهم من ~~إحسانهم ما قد علمتم. ### || بلال بن أبي بردة # قال: من ذلك أن بلال بن أبي بردة «4» كان رجلا عيابا، وكان إلى أعراض ~~الأشراف متسرعا، فقال للجارود: كيف طعام عبد الله بن أبي عثمان؟ قال: يعرف ~~وينكر. قال: فكيف هو عليه؟ قال: يلاحظ اللقم، وينتهر السائل. قال: فكيف ~~طعام سلم بن قتيبة «5» ؟ قال: طعام ثلاثة، فإن كانوا أربعة جاعوا. قال: ~~فكيف طعام تسنيم إبن الحواري؟ قال: نقط العروس. قال: فكيف طعام المنجاب بن ~~أبي عيينة؟ قال: يقول: لا خير في ثلاث أصابع في صحفة. حتى أتى على عامة أهل ~~البصرة، وعلى كل، من كان يؤثره بالدعوة، وبالآنسة، والخاصة، ويحكمه في ~~ماله. فلم ينج منه إلا من كان يبعده، كما لم يبتل به إلا من كان يقربه. PageV01P101 ### || أبو شعيب القلال ومويس # وهذا أبو شعيب القلال، في تقريب مويس له وأنسه به، وفي إحسانه إليه، مع ~~سخاته «1» على المأكول، وغض طرفه عن الأكيل، وقلة مبالاته بالحفظ، وقلة ~~احتفاله بجمع الكثير، سئل عنه أبو شعيب، فزعم أنه لم ير قط أشح منه على ~~الطعام. قيل: وكيف؟ قال: يدلك على ذلك أنه يصنعه صنعة، ويهيئه تهيئة من لا ~~يريد أن يمس، فضلا على غير ذلك. وكيف يجترىء الضرس على إفساد ذلك الحسن، ~~ونقض ذلك النظم، وعلى تفريق ذلك، وقد علم أن حسنه يحشم «2» ، وأن جماله ~~يهيب منه. فلو كان سخيا لم يمنع منه بهذا السلاح، ولم يجعل دونه الجنن. ~~فحول إحسانه إساءة، وبذله منعا واستدعاءه إليه نهيا. # قال: ثم قيل لأبي الحارث جمين: كيف وجه محمد بن يحيى على غذائه؟ قال: أما ~~عيناه فعينا مجنون. وقال فيه أيضا: لو كان في كفه كر ms050 «3» خردل، ثم لعب به ~~لعب الأبلي «4» بالأكرة «5» ، لما سقطت من بين أصابعه حبة واحدة. وقيل له ~~أيضا: كيف سخاؤه على الخبز خاصة؟ ~~ قال: والله لو ألقي اليه من الطعام بقدر ما إذا جدس، نزف السحاب لوثر «6» ~~، ما تجافى عن رغيف. PageV01P102 ### || أبو نواس # وكان أبو نواس يرتعي «1» على خوان إسماعيل بن نيبخت، كما ترتعي الإبل في ~~الحمض، بعد طول الخلة «2» ، ثم كان جزاؤه منه أنه قال: # خبز اسماعيل كالوش %~% ي إذا ما شق يرفا # وقال: # وما خبزه إلا كليب بن وائل %~% ليالي يحمي عزه منبت البقل «3» ### || أبو الشمقمق # وكان أبو الشمقمق «4» يعيب في طعام جعفر بن أبي زهير، وكان له ضيفان في ~~ضيافة جعفر. وهو مع ذلك يقول: # رأيت الخبز عز لديك حتى %~% حسبت الخبز في جو السحاب # وما روحتنا «5» لتذب عنا %~% ولكن خفت مرزئة الذباب # وقيل للجماز «6» : رأيناك في دهليز فلان، وبين يديك PageV01P103 ~~ قصعة «1» ، وأنت تأكل، فمن أي شيء كانت القصعة، وأي شيء كان فيها؟ قال: ~~قيء كلب، في قحف «2» خنزير. # وقيل لرجل من العرب: قد نزلت بجميع القبائل، فكيف رأيت خزاعة؟ قال: جوع ~~وأحاديث. # ونزل عمرو بن معدي كرب «3» برجل من بني المغيرة، وهم أكثر قريش طعاما، ~~فأتاه بما حضر، وقد كان فيما أتاه به فضل، فقال لعمر بن الخطاب، وهم ~~أخواله: لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين. قال: وكيف؟ ~~ قال: نزلت بهم فما قروني غير قوس وكعب وثور «4» . قال عمر: إن ذلك لشبعة. # وكم قد رأينا من الأعراب من نزل برب صرمة «5» ، فأتاه بلبن، وتمر، وحيس ~~«6» ، وخبز، وسمن سلاء «7» ، فبات ليلته ثم أصبح يهجوه: كيف لم ينحر له ~~(وهو لا يعرفه) بعيرا من ذوده، أو من صرمته. ~~ ولو نحر هذا البائس لكل كلب مر به، بعيرا من مخافة لسانه، لما دار ~~الأسبوع إلا وهو يتعرض للسابلة «8» ، يتكفف الناس، ويسألهم العلق «9» . PageV01P104 # وسأل زياد «1» عن رجل من أصحابه فقيل: إنه لملازم، وما يغب «2» غداء ~~الأمير. فقال زياد: فليغبه، فإن ذلك مما يضر بالعيال. فألزموه الغب. فعابوا ~~زيادا بذلك. وزعموا أنه ms051 استثقل حضوره، في كل يوم، وأراد أن يزجر «3» به ~~غيره، فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤونة عظيمة «4» . ~~ وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات، وكما ينظر الراعي للرعية، ~~على مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد قال الحسن: ~~ تشبه زياد بعمر فأفرط «5» ، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس. فجعلتم ذلك ~~عيبا منه. # وقال يوسف بن عمر لقوام موائده: أعظموا الثريدة، فإنها لقمة الدرداء «6» ~~. فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه، والصبي الذي لم ينبت فمه. ~~وأطعموهم ما يعرفون، فإنه أنجع وأشفى للقرم «7» فقلتم: إنما أراد العجلة ~~والراحة، بسرعة الفراغ، وأن يكيدهم بالثريد، ويملأ صدورهم بالعراق «8» . ### || حديث الرسول # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الطعام الثريد. ومثل عائشة في ~~النساء، مثل الثريد في الطعام. ولعظم صفة الثريد في أعين قريش، PageV01P105 ~~ سموا عمرو بن عبد مناف بهاشم، حين هشم الخبز «1» ، واتخذ منه الثريد، حتى ~~غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك. ### || عوف بن القعقاع # وقال عوف بن القعقاع لمولاه: اتخذ لنا طعاما يشبع فضله أهل الموسم. قلتم: ~~فلما رأى الخبز الرقاق والغلاظ والشواء، والألوان، واستطراف الناس للون بعد ~~اللون، ودوام أكلهم لدوام الطرف، وأن ذلك لو كان لونا واحدا لكان أقل ~~لأكلهم، قال: فهلا جعلته طعام يد، ولم تجعله طعام يدين. فقلتم: اتسع ثم ~~ضاق، حين أراد إطعامهم الثريد والحيس «2» ، وكل ما يؤكل بيد دون يدين. وابن ~~القعقاع عربي كره لمولاه أن يرغب عن طعام العرب إلى طعام العجم، وأراد دوام ~~قومه على مثل ما كانوا عليه. وعلى أن الترفة «3» تفنخهم «4» وتفسدهم، وأن ~~الذي فتح عليهم من باب الترفة أشد عليهم مما أغلق عليهم من باب فضول اللذة. ~~وقد فعل عمر، من جهة التأديب، أكثر من ذلك، حين دعي إلى عرس، فرأى قدرا ~~صفراء، وأخرى حمراء، وواحدة مرة، وأخرى حلوة، وواحدة محمضة. فكدرها كلها في ~~قدر عظيمة. وقال: إن العرب إذا أكلت هذا، قتل بعضها بعضا. ### || تفسير كلام أبي فاتك: # أما قوله: الفتى لا يكون نشالا؛ ms052 «فالنشال» ، عنده، الذي يتناول PageV01P106 ~~ من القدر، ويأكل قبل النضج، وقبل أن تنزل القدر، ويتتام القوم «1» . # و «النشاف» ، الذي يأخذ حرف الجردقة، فيفتحه، ثم يغمسه في رأس القدر، ~~ويشربه الدسم. يستأثر بذلك دون أصحابه. # و «المرسال» رجلان: أحدهما إذا وضع في فيه لقمة هريسة، أو ثريدة، أو ~~حيسة، أو أرزة «2» ، أرسلها في جوف حلقه إرسالا. والوجه الآخر: هو الذي إذا ~~مشى في أشب من فسيل أو شجر، قبض على رأس السعفة «3» ، أو على رأس الغصن، ~~لينحيها عن وجه، فإذا قضى وطره «4» ، أرسلها من يده. فهي لا محالة تصك وجه ~~صاحبه الذي يتلوه، لا يحفل بذلك، ولا يعرف ما فيه. # وأما «اللكام» ، فالذي في فيه اللقمة، ثم يلكمها بأخرى، قبل إجادة مضغها، ~~أو ابتلاعها. # و «المصاص» ، الذي يمص جوف قصبة العظم، بعد أن استخرج مخه، واستأثر به ~~دون أصحابه. # وأما «النفاض» ، فالذي إذا فرغ من غسل يده في الطست، نفض يديه من الماء، ~~فنضح على أصحابه. # وأما «الدلاك» ، فالذي لا يجيد تنقية يديه بالأشنان «5» ، ويجيد دلكها PageV01P107 ~~ بالمنديل. وله أيضا تفسير آخر، وليس هو الذي تظنه، وهو مليح، وسيقع في ~~موضعه، إن شاء الله. # و «المقور» ، الذي يقور الجرادق، ويستأثر بالأوساط، ويدع لأصحابه الحروف. # و «المغربل» ، الذي يأخذ وعاء الملح، فيديره إدارة الغربال ليجمع ~~أبازيره، يستأثر به دون أصحابه. لا يبالي أن يدع ملحهم بلا أبزار «1» . # و «المحلقم» ، الذي يتكلم، واللقمة قد بلغت حلقومه. نقول لهذا: قبيح! دع ~~الكلام الى وقت إمكانه. # و «المسوغ» الذي يعظم اللقم، فلا يزال قد غص، ولا يزال يسيغه بالماء. # و «الملغم» : الذي يأخذ حروف الرغيف، أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه، ليحملا ~~له من الزبد والسمن، ومن اللبأ «2» واللبن، ومن البيض النيمبرشت «3» ، ~~أكثر. # و «المخضر» ، الذي يدلك يده بالأشنان من الغمر «4» والودك «5» ، حتى إذا ~~أخضر واسود من الدرن، دلك به شفته. # هذا تفسير ما ذكر الحارثي من كلام أبي فاتك. فأما ما ذكره هو: # فإن «اللطاع» معروف، وهو الذي يلطع إصبعه، ثم يعيدها في مرق القوم أو ~~لبنهم ms053 أو سويقهم، وما أشبه ذلك. PageV01P108 # و «القطاع» ، الذي يعض على اللقمة، فيقطع نصفها، ثم يغمس النصف الآخر في ~~الصباغ. # و «النهاش» ، هو معروف، وهو الذي ينهش، كما ينهش السبع. # و «المداد» ، الذي ربما عض على العصبة «1» التي لم تنضج، وهو يمدها بفيه، ~~ويده توترها له. فربما قطعها بنترة، فيكون لها انتضاح على ثوب المؤاكل. وهو ~~الذي إذا أكل مع أصحابه الرطب، أو التمر، أو الهريسة، أو الأرزة، فأتى على ~~ما بين يديه، مد ما بين أيديهم إليه. # و «الدفاع» ، الذي إذا وقع في القصعة عظم، فصار مما يليه، نحاه بلقمة من ~~الخبز، حتى تصير مكانه قطعة من لحم. وهو في ذلك كأنه يطلب بلقمته تشريب ~~المرق، دون إراغة اللحم. # و «المحول» ، هو الذي إذا رأى كثرة النوى بين يديه، احتال له حتى يخلطه ~~بنوى صاحبه. وأما ما ذكره من الضيف والضيفن، فإن الضيفن ضيف الضيف. وأنشد ~~أبو زيد: # إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن فأودى بما يقرى الضيوف الضيافن. # يقول: الأكيل لا يكون إلا يكون إلا بمالعاينة، وقد يكون الضيف (وإن كان ~~معه الضيفن) لا يؤاكل من أضافه. يقول: فأكل الكثير من حيث لا أراه، أهون ~~علي. ### || الطفيلي # وأما قوله: «الواغل «2» أهون علي من الراشن «3» » فإنه يزعم أن PageV01P109 ~~ طفيلي الشراب أهون علي من طفيلي الطعام. # وقول الناس: «فلان طفيلي» ، ليس من أصول كلام العرب، ليس كالراشن اللعموظ ~~«1» . وأهل مكة يسمونه البرقي. # وكان بالكوفة رجل من بني عبد الله بن غطفان، يسمى «طفيل» «2» : كان أبعد ~~الناس نجعة في طلب الولائم والأعراس، فقيل له لذلك «طفيل العرائس» ، وصار ~~ذلك نبزا «3» له، ولقبا لا يعرف بغيره. فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له ~~«طفيلي» . هذا من قول أبي اليقظان «4» . # ثم قال الحارثي: # وأعجب من كل عجب، وأطرف من كل طريف، أنكم تشيرون علي بإطعام الأكلة، ~~ودفعي الى الناس مالي. وأنتم أترك لهذا مني. فإن زعمتم أني أكثر مالا، وأعد ~~عدة، فليس بين حالي وحالكم في التقارب، أن أطعم أبدا، وأنتم تأكلون أبدا. ms054 ~~فإذا أتيتم في أموالكم من البذل والإطعام، على قدر احتمالكم، عرفت بذلك أن ~~الخير أردتم، وإلى تزييني ذهبتم. وإلا فإنكم إنما تحلبون حلبا لكم شطره. بل ~~أنتم كما قال الشاعر: # يحب الخمر من مال الندامى %~% ويكره أن تفارقه الفلوس # ثم قال: والله إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم، إلا لسوء رعة علي ~~الأسواري، لتركته. وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرقا، فبلع ضرسه، وهو لا ~~يعلم. فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب، مولى PageV01P110 ~~ سليم. وكان إذا أكل، ذهب عقله، وجحظت عينه «1» ، وسكر، وسدر «2» ، وانبهر ~~«3» ، وتربد وجهه «4» ، وعصب «5» ولم يسمع، ولم يبصر، فلما رأيت ما يعتريه ~~وما يعتري الطعام منه، صرت لا آذان له إلا ونحن نأكل التمر والجوز ~~والباقلي. ولم يفجأني قط وأنا آكل تمرا إلا استفه سفا، وحساه حسوا، وزدا به ~~زدوا «6» . ولا وجده كنيزا الا تناول القطعة كجمجمة الثور، ثم يأخذ ~~بحضنيها، ويقلها من الأرض. ثم لا يزال ينهشها طولا وعرضا، ورفعا وخفضا، حتى ~~يأتي عليها جميعا. ثم لا يقع غصبه إلا على الإنصاف والاثلاث. ولم يفصل تمرة ~~قط من تمرة. وكان صاحب جمل، ولم يكن يرضى بالتفاريق. ولا رمى بنواة قط، ولا ~~نزع قمعا، ولا نفى عنه قشرا، ولا فتشه مخافة السوس والدود. ثم ما رأيته قط، ~~إلا وكأنه طالب ثأر، وشحشحان «7» صاحب طائلة «8» . وكأنه عاشق مغتلم «9» ، ~~أو جائع مقرور «10» . # والله يا إخوتي لو رأيت رجلا يفسد طين الردغة «11» ، ويضيع ماء البحر، ~~لصرفت عنه وجهي. فإذا كان أصحاب النظر وأهل الديانة والفلسفة، هذه سيرتهم، ~~وهكذا أدبهم، فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون، ولا يبلغ من الأدب حيث ~~يبلغون؟! PageV01P111 ### || قصة الكندي: # حدثني عمرو بن نهيوي، قال: # كان الكندي لا يزال يقول للساكن، وربما قال للجار: إن في الدار إمرأة بها ~~حمل، والوحمى «1» ربما أسقطت من ريح الطيبة. فإذا طبختم، فردوا شهوتها، ولو ~~بغرفة أو لعقة، فان النفس يردها اليسير. فإن لم تفعل ذلك، بعد إعلامي إياك، ~~فكفارتك «2» أن أسقطت غرة: عبد أو أمة «3» ، ألزمت ذلك نفسك ms055 أم أبيت» . ~~قال: فكان ربما يوافي الى منزله من قصاع السكان «4» والجيران ما يكفيه ~~الأيام، وكان أكثرهم يفطن ويتغافل. ~~ وكان الكندي يقول لعياله: أنتم أحسن حالا من أرباب هذه الضياع. ~~ إنما لكل بيت منهم لون واحد، وعندكم ألوان. # قال: وكنت أتغدى عنده يوما، إذ دخل عليه جار له. وكان الجار لي صديقا. ~~فلم يعرض عليه الغداء. فاستحييت أنا منه فقلت: لو أصبت معنا مما نأكل. قال: ~~قد، والله، فعلت. قال الكندي: ما بعد الله شيء. قال: فكتفه والله، يا أبا ~~عثمان، كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا، وتركه ولو أكل لشهد عليه بالكفر، ~~ولكان عنده قد جعل مع الله شيئا. # قال عمرو: بينا أنا، ذات يوم، عنده إذ سمع صوت انقلاب جرة من الدار ~~الأخرى، فصاح: أي قصاف! فقال، مجيبة له: بئر وحياتك! فكانت الجارية في ~~الذكاء، أكثر منه في الإستقصاء. PageV01P112 # قال معبد: نزلنا دار الكندي أكثر من سنة، نروج له الكراء، ونقضي له ~~الحوائج، ونفي له بالشرط. قلت: قد فهمت ترويج الكراء، وقضاء الحوائج. فما ~~معنى الوفاء بالشرط؟ قال: في شرطه على السكان أن يكون له روث الدابة «1» ، ~~وبعر الشاة ونشوار «2» العلوفة، وألا يلقوا عظما، ولا يخرجوا كساحة «3» . ~~وأن يكون له نوى التمر، وقشور الرمان، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في ~~بيته. وكان في ذلك يتنزل عليهم؛ فكانوا لطيبه وإفراط بخله، وحسن حديثه، ~~يحتملون ذلك. # قال معبد: فبينا أنا كذلك، إذ قدم ابن عم لي ومعه إبن له، وإذا رقعة منه ~~قد جاءتني: «إن كان مقام هذين القادمين ليلة أو ليلتين، احتملنا ذلك. وإن ~~كان إطماع السكان في الليلة الواحدة، يجر علينا الطمع في الليالي الكثيرة» ~~. فكتبت إليه: «ليس مقامهما عندنا إلا شهرا أو نحوه» . فكتب إلي: «إن دارك ~~بثلاثين درهما، وأنتم ستة، لكل رأس خمسة، فإذا قد زدت رجلين، فلا بد من ~~زيادة خمستين. فالدار عليك من يومك هذا بأربعين» . فكتبت إليه: «وما يضرك ~~من مقامهما، وثقل أبدانهما على الأرض التي تحمل الجبال، وثقل مؤونتهما علي ms056 ~~دونك؟ فاكتب إلي بعذرك لأعرفه» . ولم أدر أني أهجم على ما هجمت، وإني أقع ~~منه فيما وقعت، فكتب إلي: # «الخصال «4» التي تدعو إلى ذلك كثيرة، وهي قائمة معروفة من ذلك سرعة ~~امتلاء البالوعة، وما في تنقيتها من شدة المؤنة، ومن ذلك أن الإقدام إذا ~~كثرت، كثر المشي على ظهور السطوح المطينة، وعلى أرض البيوت المجصصة، ~~والصعود على الدرج الكثيرة. فينقشر لذلك الطين، PageV01P113 ~~ وينقلع الجص، وينكسر العتب. مع إنثناء الأجذاع لكثرة الوطء، وتكسرها لفرط ~~الثقل. وإذا كثر الدخول والخروج والإغلاق والإقفال وجذب الأقفال، تهشمت ~~الأبواب وتقلعت الرزات «1» وإذا كثر الصبيان، وتضاعف البوش «2» نزعت مسامير ~~الأبواب، وقلعت كل ضبة «3» ، ونزعت كل رزة، وكسرت كل حوزة «4» ، حفر فيها ~~آبار الزدو «5» ، وهشموا بلاطها بالمداحي «6» . هذا مع تخريب الحيطان ~~بالأوتاد وخشب الرفوف. # وإذا كثر العيال والزوار، والضيفان والندماء، احتيج من صب الماء واتخاذ ~~الحببة «7» القاطرة، والجرار الراشحة، إلى أضعاف ما كانوا عليه. ~~ فكم من حائط قد تأكل أسفله، وتناثر أعلاه، واسترخى أساسه، وتداعى بنيانه، ~~من قطر حب ورشح جرة، ومن فضل ماء البئر، ومن سوء التدبير. وعلى قدر كثرتهم ~~يحتاجون من الخبيز والطبيخ ومن الوقود والتسخين. والنار لا تبقي ولا تذر. ~~وإنما الدور حطب لها. وكل شيء فيها من متاع فهو أكل لها. فكم من حريق قد ~~أتى على أصل الغلة، فكلفتم أهلها أغلظ النفقة. وربما كان ذلك عند غاية ~~العسرة، وشدة الحال. وربما تعدت تلك الجناية الى دور الجيران، والى مجاورة ~~الأبدان والأموال. فلو ترك الناس حينئذ رب الدار وقدر بليته ومقادر مصيبته، ~~لكان عسى ذلك أن يكون محتملا. ولكنهم يتشاءمون به، ولا يزالون يستثقلون ~~ذكره، ويكثرون من لائمته وتعنيفه. PageV01P114 # نعم ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور السطوح، وإن كان في أرض الدار ~~فضل وفي صحنها متسع مع ما في ذلك من الخطار بالأنفس «1» ، والتغرير ~~بالأموال، وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد، وهجومهم مع ذلك على سر ~~مكتوم، وخبيء مستور. من ضيف مستخف، ورب دار متوار، ومن شراب مكروه، ومن ~~كتاب متهم، ومن ms057 مال جم أريد دفنه، فأعجل الحريق أهله عن ذلك فيه، ومن حالات ~~كثيرة، وأمور لا يحب الناس أن يعرفوا بها ثم لا ينصبون التنانير «2» ، ولا ~~يمكنون للقدور، إلا على متن السطح، حيث ليس بينها وبين القصب والخشب إلا ~~الطين الرقيق والشيء لا يقي. هذا مع خفة المؤونة في إحكامها وأمن القلوب من ~~المتالف بسببها. فإن كنتم تقدمون على ذلك منا ومنكم وأنتم ذاكرون، فهذا ~~عجب. وإن كنتم لم تحفلوا بما عليكم في أموالنا، ونسيتم ما عليكم في ~~أموالكم، فهذا أعجب. # ثم إن كثيرا منكم يدافع بالكراء، ويماطل بالأداء. حتى إذا اجتمعت أشهر ~~عليه، فر وخلى أربابها جياعا، يتندمون على ما كان من حسن تقاضيهم وإحسانهم. ~~فكان جزاؤهم وشكرهم اقتطاع حقوقهم، والذهاب بأقواتهم. ويسكنها الساكن حين ~~يسكنها، وقد كسحناها ونظفناها، لتحسن في عين المستأجر، وليرغب فيها الناظر. ~~فإذا خرج، ترك فيها مزبلة وخرابا، لا تصلحه إلا النفقة الموجعة، ثم لا يدع ~~مترسا «3» إلا سرقه، ولا سلما إلا حمله، ولا نقضا إلا أخذه، ولا برادة إلا ~~مضى بها معه، ويدع دق الثوب، والدق في الهاون والمنحاز «4» ، في PageV01P115 ~~ أرض الدار. ويدق على الأجذاع والحواضن والرواشن «1» ، وإن كانت الدار ~~مقرمدة أو بالاجر مفروشة، وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة، ليكون ~~الدق عليها، ولتكون واقية دونها. دعاهم التهاون، والقسوة، والغش، والفسولة، ~~إلى أن يدقوا حيث جلسوا، وإلى ألا يحفلوا بما أفسدوا. لم يعط قط لذلك أرشا ~~«2» ، ولا استحل صاحب الدار، ولا استغفر الله منه في السر. ثم يستكثر من ~~نفسه، في السنة، إخراج عشرة دراهم، ولا يستكثر من رب الدار ألف دينار في ~~الشهر. ~~ أيذكر ما يصير إلينا مع قلته، ولا يذكر ما يصير إليه مع كثرته؟ # هذا والأيام التي تنقض المبرم، وتبلى الجدة، وتفرق الجميع المجتمع، عاملة ~~في الدور كما تعمل في الصخور، وتأخذ من المنازل كما تأخذ من كل رطب ويابس، ~~كما تجعل الرطب يابسا، واليابس هشيما، والهشيم «3» مضمجلا. # ولانهدام المنازل غاية قريبة، ومدة قصيرة. والساكن فيها هو المتمتع بها ~~«4» ، والمنتفع ms058 بمرافقها. وهو الذي أبلى جدتها وذهب بحلاها، وبه هرمت وذهب ~~عمرها، لسوء تدبيره. فإذا قسنا الغرم عند انهدامها بإعادتها، وبعد ~~إبتدائها، وغرم ما بين ذلك من مرمتها وإصلاحها، ثم قابلنا بذلك ما أخذنا من ~~غلاتها، وارتفقنا به من إكرائها، خرج على المسكن من الخسران، بقدر ما حصل ~~للساكن من الربح. # إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة، كانت جملة، والتي أخذناها على ~~جهة الغلة جاءت مقطعة. وهذا مع سوء القضاء، والأحوج PageV01P116 ~~ الى طول الاقتضاء، ومع بعض الساكن للمسكن، وحب المسكن للساكن. لأن السكن ~~يحب صحة بدن الساكن، ونفاق سوقه إن كان تاجرا، وتحرك صناعته إن كان صانعا. ~~ومحبة الساكن أن يشغل الله عنه المسكن كيف شاء. إن شاء شغله بعينه، وإن شاء ~~بزمانه، وإن شاء بحبس، وإن شاء بموت، ومدار مناه أن يشغل عنه. ثم لا يبالي ~~كيف كان ذلك الشغل، إلا أنه كلما كان أشد كان أحب اليه، وكان أجدر أن يأمن، ~~وأخلق لأن يسكن. وعلى أنه إن فترت سوقه أو كسدت صناعته، ألح في طلب التخفيف ~~من أصل الغلة، والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة «1» . وعلى أنه إن أتاه ~~الله بالأرباح في تجارته، والنفاق في صناعته، لم ير أن يزيد قيراطا في ~~ضريبته، ولا أن يعجل فلسا قبل وقته. # ثم أن كانت الغلة صحاحا «2» دفع أكثرها مقطعة، وإن كانت أنصافا وأرباعا ~~دفعها قراضة مفتتة «3» . ثم لا يدع مزبقا «4» ولا مكحلا ولا زائفا ولا ~~دينارا بهرجا «5» ~~ ، إلا دسه فيه ودلسه «6» عليه، واحتال بكل حيلة، وتأتى له بكل سبب. فإن ~~ردوا عليه بعد ذلك شيئا، حلف بالغموس أنه ليس من دراهمه ولا من ماله، ولا ~~رآه قط ولا كان في ملكه. فان كان الرسول جارية رب الدار أفسدها وربما ~~أحبلها، وإن كان غلاما خدعه وربما شطر به. هذا مع التشرف على الجيران ~~والتعرض للجارات، ومع اصطياد طيورهم وتعريضنا لشاكيتهم. وربما استضعف ~~عقولهم بالشهوات، ويفتح لهم أبوابا من النفقات، ليعيبهم ويربح PageV01P117 ~~ عليهم. حتى إذا استوثق منهم «1» ، أعجلهم وحزق «2» بهم، حتى يتقوه ms059 ببيع ~~بعض الدار، أو باسترهان الجميع، ليربح، مع الذهاب بالأصل، السلامة، مع طول ~~مقامه، من الكراء. وربما جعله بيعا في الظاهر، ورهنا في الباطن، فحينئذ ~~يقتضيهم دون المهلة، ويدعيها قبل الوقت. # وربما بلغ من استضعافه واستثقاله لأداء الكراء، أن يدعي أن له شقيصا «3» ~~وأن له يدا ليصير خصما من الخصوم، ومنازعا غير غاصب. ~~ وربما أخذهم ومعه امرأة يفجر بها، فيجعل استئجار البيوت وتصفح المنازل، ~~علة لدخولها والمقام ساعة فيها. فإذا استقر في المنزل، قضى حاجته منها، ورد ~~المفتاح. وربما اكترى المنزل وفيه مرمة، فاشترى بعض ما يصلحها، ثم يتوخى ~~عاملا جيد الكسوة، وجيرانا أصحاب آنية وآلة، فإذا شغل العامل وغفل، اشتمل ~~على كل ما قدر عليه، وتركهم يتسكعون. وربما استأجر الى جنب سجن لينقب أهله ~~اليه، وإلى جنب صراف لينقب عليه، طلبا لطول المهلة والستر، ولطول المدة ~~والأمن. ~~ وربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار المسكن، بأن يقتل قتيلا أو يجرح ~~شريفا، فيأتي السلطان الدار (وأربابها إما غيب وإما أيتام وإما ضعفاء) فلا ~~يصنع دون أن يسويها بالأرض. # وبعد فالدور ملقاة «4» ، وأربابها منكوبون وملقون. وهم أشد الناس اغترارا ~~بالناس، وأبعدهم غاية من سلامة الصدور. وذلك أن من دفع داره ونقضها وساجها ~~«5» وأبوابها، مع حديدها وذهب سقوفها الى مجهول PageV01P118 ~~ لا يعرف، فقد وضعها في مواضع الغرر «1» وعلى أعظم الخطر. وقد صار في معنى ~~المودع، وصار المكتري في موضع المودع. ثم ليست الخيانة وسوء الولاية الى ~~شيء من الودائع أسرع منها الدور. وأيضا أن أصلح السكان حالا من إذا وجد في ~~الدار مرمة ففوضوا إليه النفقة وأن يكون ذلك محسوبا عند الأهلة، الذي يشفف ~~في البناء «2» ويزيد في الحساب. فما ظنك بقوم هؤلاء أصلحهم وهم خيارهم. ~~وأنتم أيضا ربما أكريتم «3» مستغلات غيركم، بأكثر مما أكتريتموها منه. ~~فسيروا فينا كسيرتكم فيهم، وأعطونا من أنفسكم مثل ما تريدونه منهم. وربما ~~بنيتم في الأرض، فإذا صار البناء بنيانكم (وإن كانت الأرض لغيركم) ادعيتم ~~الشركة، وجعلتموه كالإجارة، وحتى تصيروه كتلاد مال أو مورث سلف. # وجرم ms060 آخر، هو أنكم أهلكتم أصول أموالنا، وأخربتم غلاتنا، وحططتم بسوء ~~معاملتكم أثمان دورنا ومستغلاتنا، حتى غلات الدور من أعين المياسير «4» ~~وأهل الثروة، ومن أعين العوام والحشوة، وحتى تدافعوكم بكل حيلة، وصرفوا ~~أموالهم في كل وجه، وحتى قال عبيد الله بن الحسن «5» قولا أرسله مثلا، وعاد ~~علينا حجة وضررا. وذلك أنه قال: «غلة الدار مسكة وغلة النخل كفاف «6» ، ~~وإنما الغلة غلة الزرع والنسولتين «7» » . وإنما جر ذلك علينا حسن ~~اقتضائنا، وصبرنا على سوء قضائكم. وأنتم تقطعونها علينا وهي عليكم مجملة، ~~وتلووننا بها وهي عليكم حالة. فصارت كذلك غلات الدور (وإن كانت أكثر ثمنا PageV01P119 ~~ ودخلا) ، أقل يمنا وأخبث أصلا، من سائر الغلات. # فأنتم شر علينا من الهند والروم ومن الترك والديلم «1» ، إذ كنتم أحضر ~~أذى وأدوم شرا. ثم كانت هذه صفتكم وحليتكم ومعاملتكم في شيء لا بد لكم منه، ~~فكيف كنتم لو امتحنتم بما لكم عنه مندوحة والوجوه لكم فيه معرضة، وأنتم فيه ~~بالخيار وليس عليكم طريق للإضطرار؟ # وهذا مع قولكم: إن نزول دور الكراء أصوب من نزل دور الشراء. ~~ وقلتم: لأن صاحب الشراء قد أغلق رهنه، وأشرط نفسه، وصار بها ممتحنا، ~~وبثمنها مرتهنا. ومن اتخذ دارا، فقد أقام كفيلا لا يخفر، وزعيما لا يغرم. ~~وإن غاب عنها حن إليها، وإن أقام فيها ألزمته المؤن وعرضته للفتن: إن ~~أساءوا جواره، وأنكر مكانه، وبعد مصلاه، ونأت «2» عنه سوقه، وتفاوتت ~~حوائجه، ورأى أنه قد أخطأ في اختيارها على سواها، وأنه لم يوفق لرشده حين ~~آثرها على غيرها. وأن من كان كذلك، فهو عبد داره، وخول جاره. وإن صاحب ~~الكراء «3» الخيار في يده والأمر إليه؛ فكل دار هي له متنزه إن شاء، ومتجر ~~إن شاء، ومسكن إن شاء. ~~ لم يحتمل فيها اليسير من الذل، ولا القليل من الضيم «4» ؛ ولا يعرف ~~الهوان، ولا يسام الخسف «5» ، ولا يحترس من الحساد، ولا يداري المتعللين. ~~وصاحب الشراء يجرع المرار، وبيسقى بكأس الغيظ، ويكد بطلب الحوائج، ويحتمل ~~الذلة وإن كان ذا أنفة. إن عفا عفا على كظم «6» ، ولا يوجه ذلك منه ms061 إلا الى ~~العجز، وإن رام «7» المكافأة PageV01P120 ~~ تعرض لأكثر مما أنكره. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «الجار قبل ~~الدار، والرفيق قبل الطريق» . # وزعمتم أن تسقط الكراء أهون، إذا كان شيئا بعد شيء. وإن الشدائد إذا وقعت ~~جملة، جاءت غامرة للقوة فأما إذا تقطع وتفرق، فليس يكترث لها إلا من تفقدها ~~وتذكرها. ومال الشراء يخرج جملة، وثلمته «1» في المال واسعة، وطعنته نافذة. ~~وليس كل خرق يرقع، ولا كل خارج يرجع. وأنه قد أمن من الحرق والغرق وميل ~~أسطوان «2» وانقصاف سهم واسترخاء أساس وسقوط سترة وسوء جوار وحسد مشاكل، ~~وأنه أما لا يزال في بلاء، وإما أن يكون متوقعا لبلاء. وقلتم: إن كان تاجرا ~~فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح، وتحويله في أصناف البياعات أكيس ~~«3» . وإن لم يكن تاجرا، ففي ما وصفناه له ناه، وفيما عددنا له زاجر «4» . ~~فلم تمنعكم حرمة المساكنة وحق المجاورة والحاجة الى السكنى وموافقة المنزل، ~~إن أشرتم على الناس بترك الشراء. وفي كساد الدور فساد لأثمان الدور، وجرأة ~~للمستأجر، واستحطاط «5» من الغلة، وخسران في أصل الماء. وزعمتم أنكم قد ~~أحسنتم الينا حين حثثتم الناس على الكراء، لما في ذلك من الرخاء والنماء. ~~فأنتم لم تريدوا نفعنا بترغيبهم في الكراء، بل إنما أردتم أن تضرونا ~~بتزهيدكم في الشراء. ~~ وليس ينبغي أن يحكم عن كل قوم إلا بسبيلهم، وبالذي يغلب عليهم من ~~أعمالهم. # فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم، وكلها حجة عليكم، وكلها PageV01P121 ~~ داعية الى تهمتكم وأخذ الحذر منكم. وليست لكم خصلة محمودة، ولا خلة فيما ~~بيننا وبينكم، مرضية. # وقد أريناكم أن حكم النازلين كحكم المقيمين، وأن كل زيادة فلها نصيب من ~~الغلة. ولو تغافلت لك يا أخا أهل البصرة عن زيادة رجلين، لم أبعدك على قدر ~~ما رأيت منك أن تلزمني ذلك، فيما يتبين، حتى يصير كراء الواحد ككراء الألف، ~~وتصير الإقامة كالظعن «1» والتفريغ كالشغل. ~~ وعلى أني لو كنت أمسكت عن تقاضيك وتغافلت عن تعريفك ما عليك، لذهب ~~الإحسان إليك باطلا. إذ كنت لا ترى للزيادة قدرا. # وقد ms062 قال الأول: «2» # «والكفر مخبثة لنفس المنعم» # وقال الآخر: # تبدلت بالمعروف نكرا «3» وربما %~% تنكر للمعروف «4» من كان يكفر # أنت تطالبني ببغض المعتزلة «5» للشيعة، وبما بين أهل الكوفة والبصرة، ~~وبالعداوة التي بين أسد وكندة، وبما في قلب الساكن من استثقال المسكن ~~وسيعين الله عليك. السلام» . PageV01P122 ### || حديث إسماعيل بن غزوان # قال اسماعيل بن غزوان: لله در الكندي! ما كان أحكمه وأحضر حجته، وأنصح ~~جيبه وأدوم طريقته! رأيته وقد أقبل على جماعة ما فيها إلا مفسد، أو من يزين ~~الفساد لأهله، من شاعر بوده أن الناس كلهم قد جاوزوا حد المسرفين إلى حدود ~~المجانين، ومن صاحب تفقيع «1» واستئكال، ومن ملاق متقرب، فقال: # «تسمون من منع المال من وجوه الخطأ، وحصنه خوفا من الغيلة «2» ، وحفظه ~~إشفاقا من الذلة بخيلا، تريدون بذلك ذامه وشينه «3» وتسمون من جهل فضل ~~الغنى، ولم يعرف ذلة الفقر، وأعطى في السرف، وتهاون بالخطأ، وابتذل النعمة ~~«4» ، وأهان نفسه بإكرام غيره جوادا، تريدون بذلك حمده ومدحه؟ فاتهموا على ~~أنفسكم من قدمكم على نفسه. فإن من أخطأ على نفسه، فهو أجدر أن يخطيء على ~~غيره، ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين، كان أجدر أن يخطيء في ~~باطن دينه وفيما يوجد بالعقل. فمدحتم من مدح صنوف الخطأ، وذممتم من جمع ~~صنوف الصواب. فاحذروهم كل الحذر ولا تأمنوهم على حال» . # قال اسماعيل: وسمعت الكندي يقول: # «إنما المال لمن حفظه، وإنما الغنى لمن تمسك به «5» . ولحفظ المال بنيت ~~الحيطان. وعلقت الأبواب واتخذت الصناديق، وعملت الأقفال، PageV01P123 ~~ ونقشت الرشوم «1» والخواتيم «2» ، وتعلم الحساب والكتاب. فلم يتخذون هذه ~~الوقايات دون المال؛ وأنتم آفته «3» وأنتم سوسه وقادحه «4» ؟ وقد قال ~~الأول: أحرس أخاك إلا من نفسه ولكن أحسب أنك قد أخذته في الجواسق «5» ، ~~وأودعته الصخور، ولم يشعر به صديق ولا رسول ولا معين. من لك بألا تكون أشد ~~عليه من السارق وأعدى عليه من الغاصب «6» ؟ وأجعلك قد حصنته من كل يد لا ~~تملكه، كيف لك من أن تحصنه من اليد التي تملكه، وهي عليه أقدر ودواعيها ~~أكثر، وقد علمنا أن ms063 حفظ المال أشد من جمعه؟ وهل أتي الناس إلا من أنفسهم، ~~ثم ثقاتهم «7» ؟ فالمال لمن حفظه، والحسرة لمن أتلفه «8» . وإنفاقه هو ~~إتلافه، وأن حسنتموه بهذا الإسم وزينتموه بهذا اللقب. # وزعمتم إنما سمينا البخل إصلاحا والشح إقتصادا، كما سمى قوم الهزيمة ~~انحيازا والبذاء «9» عارضة، والعزل عن الولاية صرفا، والجائر «10» على أهل ~~الخراج مستقصيا «11» . بل أنتم الذي سميتم السرف جودا، PageV01P124 ~~ والنفج «1» أريحية «2» ، وسوء نظر المرء لنفسه ولعقبه كرما. قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أبدا بمن تعول «3» » . وأنت تريد أن تغني عيال ~~غيرك بإفقار عيالك، وتسسد الغريب بشقوة القريب، وتتفضل على من لا يعدل عنك، ~~ومن لو أعطيته أبدا لأخذ أبدا. # قد علمتم ما قال صاحبنا لأخي تغلب، فإنه قال: يا أخا تغلب إني والله كنت ~~أجري ما جرى هذا الغيل «4» ، وأجرى وقد انقطع النيل «5» . إني والله لو ~~أعطيتك، لما وصلت إليك، حتى أتجاوز من هو أحق بذلك منك. إني لو أمكنت الناس ~~من مالي لنزعوا داري طوبة طوبة «6» . إنه والله ما بقي معي منه إلا ما ~~منعته الناس. ولكني أقول: ~~ والله إني لو أمكنت الناس من نفسي لادعوا رقي «7» ، بعد سلب نعمتي» . # قال اسماعيل: وسمعته يقول: # «عجبت لمن قلت دراهمه كيف ينام. ولكن لا يستوي من لم ينم سرورا، ومن لم ~~ينم غما» «8» . ثم قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصية المرء ~~يوم فقره وحاجته، وقبل أن يغرغر «9» : «الثلث، والثلث كثير» . PageV01P125 ~~ فاستحسنت الفقهاء، وتمنى الصالحون أن نغص من الثلث شيئا، لاستكثار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الثلث، ولقوله: «إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من ~~أن تدعهم عالة يتكففون الناس «1» » ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرحم ~~عيالنا إلا بفضل رحمته لنا. فكيف تأمرونني أن أؤثر «2» أنفسكم على نفسي، ~~وأقدم عيالكم على عيالي، وأن أعتقد الثناء بدلا من الغنى، وأن أكنز الريح ~~وأصطنع السراب «3» ، بدلا من الذهب والفضة» . # قال إسماعيل: وسمعته يقول لعياله وأصحابه: # «اصبروا عن الرطب عند ابتدائه وأوائله، وعن باكورات الفاكهة. ~~ فإن للنفس ms064 عند كل طارف «4» نزوة، وعند كل هاجم بدوة، «5» وللقادم حلاوة ~~وفرحة، وللجديد بشاشة وغرة. فإنك متى رددتها ارتدت، ومتى ردعتها ارتدعت ~~والنفس عزوف «6» ، ونفور ألوف، وما حملتها احتملت وإن أهملتها فسدت. فإن لم ~~تكف جميع دواعيها وتحسم جميع خواطرها، في أول ردة، صارت أقل عددا وأضعف ~~قوة. فإذا أثر ذلك فيها، فعظها في تلك الباكورة بالغلاء والقلة. فإن ذكر ~~الغلاء والقلة حجة صحيحة وعلة عاملة في الطبيعة. فإذا أجابتك في الباكورة ~~فسمها مثل ذلك في أوائل كثرتها، واضرب نقصان الشهوة ونقصان قوة الغلبة، ~~بمقدار ما حدث لها من الرخص والكثرة، فلست تلقى على هذا الحساب من معالجة ~~الشهوة في غدك، إلا مثل ما لقيت منها في يومك، حتى PageV01P126 ~~ تنقضي أيام الفاكهة وأنت على مثل إبتداء حالك وعلى أول مجاهدتك لشهوتك. ~~ومتى لم تعد الشهوة فتنة والهوى عدوا، اغتررت لهما وضعفت عنهما، وائتمنتهما ~~على نفسك، وهما أحضر عدو وشر دخيل. فاضمنوا لي النزوة «1» الأولى، أضمن لكم ~~تمام الصبر وعاقبة اليسر، وثبات العز في قلوبكم والغني في أعقابكم ودوام ~~تعظيم الناس لكم. فإنه لو لم يكن من منفعة الغنى إلا أنك لا تزال معظما عند ~~من لم ينل منك قط درهما، لكان الفضل في ذلك بينا والربح ظاهرا. ولو يكن من ~~بركة الثروة ومن منفعة اليسر، إلا أن رب المال الكثير لو أتصل بملك كبير، ~~وفي جلسائه من هو أوجب حرمة، وأقدم صحبة وأصدق محبة، وأمتع إمتاعا، وأكثر ~~فائدة وصوابا، إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد، ثم أراد ذلك الملك أن ~~يقسم مالا أو يوزع بينهم طرفا «2» ، لجعل حظ الموسر «3» أكثر، وإن كان في ~~كل شيء دون أصحابه، وحظ المخف أقل، وإن كان في كل شيء فوق أصحابه. # قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون «4» ، ومذهب الحزامي، وقصص الكندي، وأحاديث ~~الحارثي، واحتجاجاتهم، وطرائف بخلهم، وبدائع حيلهم. ### || قصة محمد بن أبي المؤمل: # قلت لمحمد بن أبي المؤمل: # أراك تطعم الطعام وتتخذه، وتنفق المال وتجود به. وليس بين قلة PageV01P127 ~~ الخبز وكثرته كثير ربح. والناس ms065 يبخلون من قل عدد خبزه، ورأوا أرض خوانه. ~~وعلى أني أرى جماجم من يأكل معك أكثر من عدد خبزك. وأنت لو لم تتكلف، ولم ~~تحمل على مالك بإجادته والتكثير منه، ثم أكلت وحدك، لم يلمك الناس، ولم ~~يكترثوا لذلك منك، ولم يقضوا عليك بالبخل ولا بالسخاء، وعشت سليما موفورا، ~~وكنت كواحد من عرض الناس «1» . وأنت لو لم تنفق الحرائب «2» وتبذل المصون ~~«3» ، إلا وأنت راغب في الذكر والشكر، وإلا لتحرز الأجر، فقد صرنا لقلة عدد ~~خبزك من بين الأشياء، نرضى لك الغنيمة بالإياب، ومن غنم الحمد والشكر، ~~بالسلامة من الذم واللوم. فزد في عدد خبزك شيئا، فإن بتلك الزيادة القليلة ~~ينقلب ذلك اللوم شكرا وذلك الذم حمدا. أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد ~~الكلفة العظيمة سالما، لا لك ولا عليك؟ فانظر في الأمر رحمك الله! # قال: يا أبا عثمان، أنت تخطيء، وخطأ العاقل أبدا يكون عظيما، وإن كان في العذر ~~قليلا. لأنه إذا أخطأ أخطأ بنيقة وإحكام «4» . فعلى قدر التفكر والتكلف ~~يبعد من الرشاد «5» ويذهب عن سبيل الصواب. ~~ وما أشك أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك. ولكن خف ما خوفتك، فإنه مخوف. بل ~~الذي أصنع أدل على سخاء النفس بالمأكول، وأدل على الاحتيال ليبالغوا؛ لأن ~~الخبز إذا كثر على الموائد، ورث ذلك النفس صدودا «6» ، وكل شيء من المأكول ~~وغير المأكول، إذا ملأ العين، ملأ PageV01P128 ~~ الصدر، وفي ذلك موت الشهوة وتسكين الحركة. ولو أن رجلا جلس على بيدر تمر ~~فائق، وعلى كدس كمثري «1» منعوت، وعلى مائة قنو موز «2» موصوف، لم يكن أكله ~~إلا على قدر استطرافه، ولم يكن أكله على قدر أكله إذا أتي بذلك في طبق ~~نظيف، مع خادم نظيف، عليه منديل نظيف. # وبعد، فأصحابنا آنسون واثقون مسترسلون، يعلمون أن الطعام لهم اتخذ، وأن ~~أكلهم له أوفق من تمزيق الخدم والأتباع له. ولو احتاجوا لدعوا به، ولم ~~يحتشموا منه، ولكان لا أقل من أن يجربوا ذلك المرة والمرتين، وأن لا يقضوا ~~علينا بالبخل دون أن يروناه. فإن كانوا محتشمين ms066 وقد بسطناهم، وشاء ظنهم بنا ~~مع ما يرون من الكلفة لهم، فهؤلاء أصحاب تجن وتترع «3» . وليس في طاقتي ~~إعتاب المتجني ولا رد المتترع. # قلت له: إني قد رأيت أكلهم في منازلهم وعند إخوانهم، وفي حالات كثيرة ~~ومواضع مختلفة، ورأيت أكلهم عندك، فرأيت شيئا متفاوتا وأمرا متفاقما. فاحسب ~~أن التجني عليهم غالب، وأن الضعف لهم شامل، وأن سوء الظن يسرع إليهم خاصة، ~~لم لا تداوي هذا الأمر بما لا مؤونة فيه بالشيء الذي لا قدر له، أو تدع ~~دعاءهم والإرسال إليهم والحرص على إجابتهم؟ والقوم ليس يلقون أنفسهم عليك، ~~وإنما يجيئونك بالإستحباب منك. فإن أحببت أن تمتحن ما أقول، فدع مواترة «4» ~~الرسل والكتب، والتغضب عليهم إذا أبطؤوا، ثم انظر. # قال: فان الخبز إذا كثر على الخوان فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من PageV01P129 ~~ التلطيخ والتغمير «1» . والجردقة الغمرة والرقاقة المتلطخة، لا أقدر أن ~~أنظر إليها، وأستحيي أيضا من إعادتها. فيذهب ذلك الفضل باطلا، والله لا يحب ~~الباطل. # قلت: فإن ناسا يأمرون بمسحه، ويجعلون الثريدة منه. فلو أخذت بزيهم وسلكت ~~سبيلهم، أتى ذلك على ما تريد ونريد. # قال: أفلست أعلم كيف الثريدة، ومن أي شيء هي؟ وكيف أمنع نفسي التوهم ~~وأحول بينها وبين التذكر؟ ولعل القوم أن يعرفوا ذلك على طول الأيام، فيكون ~~هذا قبيحا. # قلت: فتأمر به للعيال؛ فيقوم الحواري «2» المتلطخ مقام الخشكار «3» ~~النظيف. وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما تعلق به من الدسم. # قال: عيالي يرحمك الله عيالان: واحد أعظمه عن هذا وأرفعه عنه، وآخر لم ~~يبلغ عندي أن يترف بالحواري. # قلت: فاجعل إذا جميع خبزك الخشكار؛ فإن فضل ما بينه وبين الحواري في ~~الحسن والطيب، لا يقوم بفضل ما بين الحمد والذم. # قال: فههنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها، وهو أنا نحضر هذه الزيادة من ~~الخبز على طبق، ويكون قريبا حيث تناله اليد، فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى ~~أن يدعو به، ويكون قربه من يده كثرة على مائدته. # قلت: فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله. فأطعني واخرج ms067 هذه الزيادة من ~~مالك كيف شئت. واعلم أن هذه المقايسة وطول هذه المذاكرة، أضر علينا مما ~~نهيتك عنه وأردتك على خلافه. PageV01P130 # فلما حضر وقت الغداء صوت بغلامه «1» وكان ضخما جهير «2» الصوت، صاحب ~~تقعير «3» وتفخيم وتشديق «4» وهمز «5» وجزم «6» : يا مبشر هات من الخبز ~~تمام عدد الرؤوس. # قلت: ومن فرض لهم هذه الفريضة؟ ومن جزم عليهم هذا الجزم؟ ~~ أرأيت أن لم يشبع أحدهم رغيفه أليس لا بد له من أن يعول على رغيف صاحبه، ~~أو يتنحى وعليه بقية، ويعلق يده منتظرا للعادة فقد عاد الأمر وبطل ما ~~تناظرنا فيه. # قال: لا أعلم إلا ترك الطعام البتة؛ أهون علينا من هذه الخصومة. # قلت: هذا ما لا شك فيه، وقد عملت عندي بالصواب، وأخذت لنفسك بالثقة، إن ~~وفيت بهذا القول. # وكان كثيرا ما يقول: يا غلام هات شيئا من قليه «7» وأقل منها وأعد لنا ~~ماء باردا وأكثر منه. وكان يقول: قد تغير كل شيء من أمر الدنيا، وحال عن ~~أمره وتبدل، حتى المؤاكلة. قاتل الله رجالا كنا نؤاكلهم، ما رأيت قصعة قط ~~رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل. وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو ~~شيء من آيين «8» الموائد الرفيعة، وإنما جعل كالعاقبة والخاتمة، وكالعلامة ~~لليسر وللفراغ، وأنه لم يحضر للتمزيق والتخريب، وأن أهله لو أرادوا به ~~السوء لقدموه قبل كل شيء لتقع الحدة به. بل ما يأكل منه إذا جيء به إلا ~~العابث، وإلا الذي لو لم يره PageV01P131 ~~ لقد كان رفع يده ولم ينتظر غيره. ولذلك قال أبو الحارث جمين، حين رآه لا ~~يمس: «هذا المدفوع عنه» . ولولا أنه على ذلك شاهد الناس، لما قال ما قال. ~~ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة «1» ، ويدعها كل واحد منهم لصاحبه حتى أن ~~القصعة «2» لقد كانت ترفع البيض خاصة لعلى حاله وأنت اليوم إذا أردت أن ~~تمتع عينك بنظرة واحدة منها، ومن بيض السلاءة «3» لم تقدر على ذلك. لا جرم ~~لقد كان تركه ناس كثير، ما بهم إلا أن يكونوا شركاء من ساءت رعته. # وكان يقول: ms068 الآدام «4» أعداء للخبز. وأعداها له المالح. فلولا أن الله ~~انتقم منه وأعان عليه بطلب صاحبه الماء وإكثاره منه، لظننت أنه سيأتي على ~~الحرث والنسل. وكان مع هذا يقول: لو شرب الناس الماء على الطعام ما اتخموا، ~~وأقلهم عليه شربا أكثرهم تخما «5» . وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل ~~حتى ينال من الماء. وربما كان شبعان وهو لا يدري. فإذا ازداد على مقدار ~~الحاجة بشم «6» . وإذا نال من الماء شيئا بعد شيء، عرفه ذلك مقدار الحاجات، ~~فلم يزد إلا بقدر المصلحة. ~~ والأطباء يعلمون أن ما أقول حق، ولكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي ~~لتعطلوا، ولذهب المكسب. وما حاجة الناس الى المعالجين إذا صحت أبدانهم؟ وفي ~~قول جميع الناس أن ماء دجلة أمرأ «7» من الفرات وأن ماء مهران أمرأ من ماء ~~نهر بلخ، وفي قول العرب: «هذا ماء نمير PageV01P132 ~~ يصلح عليه المال» دليل على أن الماء يمريء، حتى قالوا: «إن الماء الذي ~~يكون عليه النفاطات «1» أمرأ من الماء الذي يكون سليه القيارات «2» فعليكم ~~بشرب الماء على الغداء، فإن ذلك أمرأ» . # وكان يقول: ما بال الرجل إذا قال: «يا غلام اسقني ماء أو اسق فلانا ماء» ~~، أتاه بقلة على قدر الري، فإذا قال: «أطعمني شيئا» ، أو قال: «هات لفلان ~~طعاما» ، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشراب أخوان ~~متحالفان ومتوازران؟ وكان يقول: لولا رخص الماء وغلاء الخبز، لما كلبوا على ~~الخبز وزهدوا «3» في الماء. والناس أشد تعظيما للمأكول إذا كثر تمنه، أو ~~كان قليلا في أصل منبته وموضع عنصره. هذا الجزر الصافي، وهذا الباقلي ~~الأخضر العباسي، أطيب من كمثري خراسان، ومن المؤز البستاني. ولكنهم لقصر ~~همتهم لا يتشهون إلا على قدر الثمن، ولا يحنون الى إلا على قدر القلة وهذه ~~العوام في شهوات الأطعمة إنما تذهب مع التقليد، أو مع العادة، أو على قدر ~~ما يعظم عندها من شأن الطعام. وأنا لست أطعم الجزر المسلوق بالخل والزيت ~~والمري، دون الكمأة «4» بالزبد والفلفل، لمكان الرخص، أو لموضع الإستفيضال، ~~ولكن لمكان ms069 طيبه في الحقيقة، ولأنه صالح للطبيعة. ~~ علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل. # وكان إذا كان في منزله، فربما دخل عليه الصديق له، وقد كان تقدمه الزائر ~~أو الزائران؛ وكان يستعمل على خوانه من الخدع والمكايد والتدبير ما لم يبلغ ~~بعضه قيس بن زهير «5» ، والمهلب بن أبي صفرة، PageV01P133 ~~ حازم بن خزيمة، وهرثمة بن أعين «1» وكان عنده فيه من الإحتيال ما لا ~~يعرفه عمرو بن العاص، ولا المغيرة بن شعبة «2» ؛ وكان كثيرا ما يمسك الخلال ~~بيده، ليؤنس الداخل عليه من غدائه؛ فاذا دخل عليه الصديق له، وقد عزم على ~~إطعام الزائر الزائرين قبله، وضاق صدره بالثالث، وإن كان قد دعاه وطلب ~~إليه، أراد أن يحتال له، أو الرابع إن ابتلي كل واحد منهما بصاحبه، فيقول ~~عند أول دخوله وخلع نعله وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع: «هات يا مبشر ~~لفلان شيئا يطعم منه، هات له شيئا ينال منه، هات له شيئا» ، اتكالا على ~~خجله أو غضبه أو أنفته، وطمعا في أن يقول: «قد فعلت» . # فان أخطأ ذلك الشقي وضعف قلبه وحصر، وقال: «قد فعلت» ، وعلم أنه قد أحرز ~~وحصله وألقاه وراء ظهره، لم يرض أيضا بذلك حتى يقول: «بأي شيء تغديت» ؟ فلا ~~بد له من أن يكذب، أو ينتحل المعاريض «3» فإذا استوثق منه رباطا، وتركه لا ~~يستطيع أن يترمرم «4» ، لم يرض بذلك حتى يقول في حديث له: «كنا عند فلان، ~~فدخل عليه فلان فدعاه الى غدائه، فامتنع. ثم بدا له، فقال: في طعامكم بقيلة ~~أنتم تجيدونها، ثم تناوله» : فلا يزال يزيد في وثاقه، وفي سد الأبواب عليه، ~~وفي منعة البدوات حتى إذا بلغ الغاية قال: «يا مبشر أما إذ تغدى فلان ~~واكتفى، فهات لنا شيئا نعبث به» . # فإذا وضعوا الطعام، أقبل على أشدهم حياء، أو على أشدهم أكلا، فسأله عن ~~حديث حسن، أو عن خبر طويل. ولا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه الى الإشارة ~~باليد أو الرأس كل ذلك ليشغله. فإذا هم أكلوا PageV01P134 ~~ صدرا «1» ، أطهر الفتور والتشاغل والتنقر كالشبعان الممتلىء ms070 «2» . وهو في ~~ذلك غير رافع يده ولا قاطع أكله. إنما هو النتف بعد النتف، وتعليق اليد في ~~خلل ذلك. فلا بد من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده، ربما شمل ذلك جماعتهم. فإذا ~~علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم، حتى يقلعهم من مواضعهم من حول الخوان، «3» ~~ويعيدهم الى مواضعهم من مجالسهم، ابتدأ الأكل، فأكل أكل الجائع المقرور «4» ~~وقال: «إنما الأكل تارات والشرب تارات» . # وكان كثيرا ما يقول لأصحابه إذا بكروا عليه: لم لا نشرب أقداحا على ~~الريق؟ فإنها تقتل الديدان، وتحفش «5» لأنفسنا قليلا، فإنها تأتي على جميع ~~الفضول، وتشهي الطعام بعد ساعة. وسكره أطيب من سكر «6» الكظة «7» . والشارب ~~على الملأة بلاء «8» ، وهو بعد ذلك دليل على أنك نبيذي خالص. ومن لم يشرب ~~على الريق فهو نكس «9» في الفتوة ودعي «10» في أصحاب النبيذ. وإنما يخاف ~~على كبده من سورة الشراب على الريق، من بعد عهده باللحم. وهذه الصبحة «11» ~~تغسل عنكم الأوضار «12» ، وتنفي التخم، وليس دواء الخمار إلا الشرب ~~بالكبار. PageV01P135 ~~ والأعشى «1» كان أعلم به حيث يقول: # وكأس شربت على لذة %~% وأخرى تداويت منها بها # وهذا، حفظك الله، هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة واحدة، ولا ~~يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة. وهو يوم سروره التام، لأنه قد ربح ~~المرزئة «2» وتمتع بالمنادمة. # واشترى مرة شبوطة وهو ببغداد وأخذها فائقة عظيمة، وغالى بها «3» وارتفع ~~في ثمنها، وكان قد بعد عهده بأكل السمك. وهو بصري لا يصبر عنه. فكان قد ~~أكبر أمر هذه السمكة، لكثرة ثمنها ولسمنها وعظمها ولشدة شهوته لها. فحين ظن ~~عند نفسه أنه قد خلا بها، وتفرد بأطايبها، وحسر عن ذراعيه وصمد صمدها، هجمت ~~عليه ومعي السدري «4» فلما رآه رأى الموت الأحمر والطاعون الجارف، ورأى ~~الحتم المقضي «5» ، ورأى قاصمة الظهر «6» ، وأيقن بالشر، وعلم أنه قد ابتلي ~~بالتنين. # فلم يلبثه السدري حتى قور السرة «7» بالمبال «8» فأقبل علي فقال لي: ~~ يا أبا عثمان، السدري يعجبه السرر» ، فما فصلت الكلمة من فيه، حتى PageV01P136 ~~ قبض على القفا فانتزع الجانبين جميعا. فأقبل علي فقال: «والسدري ms071 يعجبه ~~الإقفاء» ، فما فرغ من كلامه إلا والسدري قد اجترف المتن كله، فقال: «يا ~~أبا عثمان والسدري يعجبه المتون» ، ولم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب ~~الشبوط «1» وعذوبة لحمه، وظن أنه سيسلم له، وظن معرفة ذلك من الغامض، فلم ~~يدر إلا والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعا. ولولا أن السدري أبطره ~~وأثقله وأكمده وملأ صدره وملأه غيظا لقد كان أدرك معه طرفا، لأنه كان من ~~الأكلة. ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه. # فلما أكل السدري جميع أطايبها. وبقي هو في النظارة، ولم يبق في يده ما ~~كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد والغرم الثقيل، ظن أن في سائر ~~السمكة ما يشبعه ويشفي من قرمه. فبذلك كان عزاؤه، وذلك هو الذي كان يمسك ~~بأرماقه «2» وحشاشات نفسه. فلما رأى السدري يفري الفري «3» ويلتهم التهاما ~~قال: «يا أبا عثمان، السدري يعجبه كل شيء» . فتولد الغيظ في جوفه، وأقلقته ~~الرعدة. فخبثت نفسه، فما زال يقيء ويسلح «4» . ثم ركبته الحمى. # وصحت توبته وتم عزمه، في أن لا يؤاكل رغيبا أبدا ولا زهيدا، ولا يشتري ~~سمكة أبدا رخيصة ولا غالية، وإن أهدوها إليه أن لا يقبلها، وإن وجدها ~~مطروحة لا يمسها. # فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمل. وقد مات. عفا الله عنا وعنه. PageV01P137 ### || قصة أسد بن جاني: # فأما أسد بن جاني، فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشر، لأن البراغيث ~~تنزلق عن ليط القصب «1» ، لفرط لينه وملاسته «2» . # وكان إذا دخل الصيف، وحر عليه بيته، أثاره حتى يغرق المسحاة «3» ، ثم ~~عليه جرارا كثيرة من ماء البئر ويتوطؤه حتى يستوي. فلا يزال ذلك البيت ~~باردا ما دام نديا «4» . فإذا امتد به الندى ودام برده بدوامه، اكتفى بذلك ~~التبريد صيفته. وإن جف قبل انقضاء الصيف وعاد عليه الحر، عاد عليه بالإثارة ~~والصب «5» . وكان يقول: خيشتي أرض، وما خيشتي «6» من بئري. وبيتي أبرد، ~~ومؤونتي أخف. وأنا أفضلهم أيضا بفضل الحكمة وجودة الآلة. # وكان طبيبا فأكسد «7» مرة؛ فقال له قائل: «السنة وبئة والأمراض ms072 فاشية، ~~وأنت عالم ولك صبر وخدمة، ولك بيان ومعرفة، فمن أين تؤتى في هذا الكساد» ؟ ~~قال: «أما واحدة فإني عندهم مسلم؛ وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب، لا بل قبل ~~أن أخلق، إن المسملين لا يفلحون في الطب. واسمي أسد، وكان ينبغي أن يكون ~~اسمي صليبا وجبرائيل ويوحنا وبيرا؛ وكنيتي أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون ~~أبو عيسى، وأبو زكريا، وأبو إبراهيم؛ وعلي رداء قطن أبيض، وكان ينبغي أن ~~يكون PageV01P138 ~~ ردائي «1» حريرا أسود؛ ولفظي لفظ عربي وكان ينبغي أن تكون لغة أهل جندي ~~سابور «2» » . ### || قصة الثوري: # قال الخليل السلولي: أقبل علي يوما الثوري «3» وكان يملك خمسمائة جريب ~~«4» ، ما بين كرسي الصدقة إلى نهر مرة «5» ، ولا يشتري إلا كل غرة، ول أرض ~~مشهورة بكريم التربة، وشرف الموضع، والغلة الكثيرة. قال: # فأقبل علي يوما، فقال لي: «هل اصطبغت «6» بماء الزيتون قط» ؟ ~~ قال: قلت: «لا والله» . قال: «أما والله لو فعلته ما نسيته» . قال: ~~ قلت: «أجل إني والله لو فعلته لما نسيته» . # وكان يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرطب، وتعودوا إبتلاعه، وخذوا ~~حلوقكم بتسويغه «7» . فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفيء الكليتين بذلك ~~الشحم. واعتبروا ذلك ببطون الصفايا «8» وجميع ما يعتلف النوى «9» . والله ~~لو حملتم أنفسكم على البزر والنوى، وعلى قضم الشعير واعتلاف القت 1» PageV01P139 ~~ لوجدتموها سريعة القبول. وقد يأكل الناس القت قداحا، والشعير فريكا «1» ، ~~ونوى البسر «2» الأخضر، ونوى العجوة «3» . فإنما بقيت الآن عليكم عقبة ~~واحدة؛ لو رغبتم في الدفء لا لتمستم الشحم؛ وكيف لا تطلبون شيئا يغنيكم عن ~~دخان الوقود، وعن شناعة السكر، وعن ثقل الغرم. والشحم يفرج القلب. ويبيض ~~الوجه. والنار تسود الوجه؛ أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه الشاء. ولكني ~~أقول ذلك بالنظر مني لكم. # وكان يقول: كلوا الباقلي «4» بقشوره. فان الباقلي يقول: من أكلني بقشوري ~~فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله. فما حاجتكم إلى أن تصيروا ~~طعاما لطعامكم، وأكلا لما جعل أكلا لكم؟ # وكان يعين مالا عظيما، ولم يكن له وارث. فكان يسخر ببعضهم، فيقول عند ms073 ~~الإشهاد: «قد علمتم أنه لا وارث لي، فإذا مت فهذا المال لفلان» . فكان قوم ~~كثير يحصرصون على مبايعته لهذا. وقد رأيته أنا زمانا من الدهر، ما رأيته قط ~~إلا ونعله في يده أو يمشي طول نهاره في نعل مقطوعة العقب، شديدة على ~~صاحبها. قال: فهؤلاء المجوس يرتعون البصرة وبغداد وفارس والأهواز والدنيا ~~كلها بنعال سندية «5» ، فقيل له: ~~ إن المجوسي لا يستحل في دينه المشركة، فأنت لا تجده أبدا إلا حافيا أو لا ~~بسا نعلا سندية. وأنت مسلم ومالك كثير. قال: فمن كان ماله كثيرا فلا بد له ~~من أن يفتح كيسه للنفقات وللسراق؟ قالوا: فليس بين هاتين منزلة؟. PageV01P140 ### || حديث الخليل # قال الخليل: جلس الثوري إلى حلقة المصلحين في المسجد، فسمع رجلا من ~~مياسيرهم يقول: بطنوا كل شيء لكم فإنه أبقى. ولأمر جعل الله دار الآخرة ~~باقية، ودار الدنيا فانية. ثم قال: ربما رأيت المبطنة «1» الواحدة تقطع ~~أربعة أقمصة، والعمامة الواحدة تقطع أربعة أزر «2» . ليس ذلك إلا لتعاون ~~الطي، وترافد «3» الأثناء. فبطنوا البواري «4» ، وبطنوا الحصر، وبطنوا ~~البسط، وبطنوا الغداء بشربة باردة. # قال: فقال له الثوري: لم أفهم مما قلت إلا هذا الحرف وحده. # قال الخليل: حم الثوري، وحم عياله وخادمه، فلم يقدروا مع شدة الحمى على ~~أكل الخبز، فربح كيلة تلك الأيام من الدقيق، ففرح بذلك وقال: لو كان منزلي ~~سوق الأهواز أو نطاة خيبر «5» أو وادي الجحفة «6» ، لرجوت أن استفضل كل سنة ~~مائة دينار. فكان لا يبالي أن يحم هو وأهله أبدا، بعد أن يستفضل كفايتهم من ~~الدقيق. # وكان يقول: إذا رأيت الرجل يشتري الجدي رحمته، فإن رأيته يشتري الدجاج ~~حقرته، فإن رأيته يشتري الدراج «7» لم أبايعه «8» ولم أكلمه. PageV01P141 # وأنه قال: أول الإصلاح، وهو الواجب خصف النعل «1» ، واستجادة الطراق «2» ~~، وتشحيمها «3» في كل الأيام. وعقد ذؤابة الشراك «4» من زي النساك، لكيلا ~~يطأ عليه إنسان فيقطعه. ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسخت، ~~وغسلها من اتساخها بعد القلب. ~~ واجعلها حبرة فانها مما له مرجوع. ومن ذلك اتخاذ قميص الصيف جبة في ms074 ~~الشتاء، واتخاذ الشاة اللبون إذا كان عندك حمار. واتخاذ الحمار الجامع خير ~~من غلة ألف دينار، لأنه لرحلك وبه تدرك البعيد من حوائجك، وعليه تطحن ~~فتستفضل «5» ما يربحه عليك الطحان، وتنقل عليه حوائجه وحوائجك، حتى الحطب، ~~وتستقي عليه الماء. وهذه كلها مؤن إذا اجتمعت كانت في السنة مالا كثيرا. ### || اليمن والشؤم # ثم قال: أشهد أن الرفق يمن، أن الخرق «6» شؤم، اشتريت ملاءة مذارية «7» ~~فلبستها، ما شاء الله، رداء وملحفة. ثم احتجت الى طيلسان «8» فقطعتها، يعلم ~~الله، فلبسته ما شاء الله. ثم احتجت إلى جبة فجعلته، يعلم الله، ظهارة «9» ~~جبة محشوة، فلبستها ما شاء الله. ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح، فجعلته ~~مخاد «10» ، وجعلت قطنها PageV01P142 ~~ للقناديل. ثم جعلت ما دون خرق المخاد للقلانس «1» ؛ ثم عمدت الى أصح من ~~أصحاب الصينيات والصلاحيات، وجعلت ما لا رقعة له ممحاة لي وللجارية، إذا ~~نحن قضينا حاجة الرجال والنساء. وجعلت السقاطات وما قد صار كالخيوط وكالقطن ~~المندوف، صمائم «2» لرؤوس القوارير «3» . # وقد رأيته وسمعت منه في البخل كلاما كثيرا. وكان من البصريين، ينزل ~~ببغداد مسجد ابن رغبان «4» . ولم أر شيخا ذا ثروة اجتمع عنده وإليه من ~~البخلاء ما اجتمع له منهم: إسماعيل بن غزوان وجعفر بن سعيد وخاقان بن صبيح ~~وأبو يعقوب الأعور وعبد الله العروضي والحرامي عبد الله بن كاسب. # وأبو عبد الرحمن هذا شديد البخل، شديد العارضة «5» ، عضب اللسان «6» . ~~وكان يحتج للبخل ويوصي به ويدعو إليه. وما علمت أن أحدا جرد في ذلك كتابا ~~إلا سهل بن هارون وهو. ### || وصية بخيل # وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال لأبنه: # أي بني! إن إنفاق القراريط يفتح عليك أبواب الدوانيق «7» ، وإنفاق ~~الدوانيق يفتح عليك أبواب الدراهم، وإنفاق الدراهم يفتح عليك أبواب ~~الدنانير. والعشرات تفتح عليك أبواب المئين، والمئون تفتح PageV01P143 ~~ عليك أبواب الألوف، حتى يأتي ذلك على الفرع والأصل ويطمس على العين ~~والأثر، ويحتمل القليل والكثير. أي بني! إنما صار تأويل الدرهم «دار الهم» ~~، وتأويل الدينار «يدني إلى النار» . إن الدرهم إذا خرج الى غير خلف، ms075 وإلى ~~غير بدل، دار الهم على دانق مخرجه. وقيل: إن الدينار يدني إلى النار لأنه ~~إذا أنفقه في غير خلف، وأخرج الى غير بدل، بقي مخفقا معدما، وفقيرا مبلطا ~~«1» متحرج المخارج. وتدعوه الضرورة الى المكاسب الرديئة والطعم الخبيثة. ~~والخبيث من الكسب يسقط العدالة، ويذهب بالمروءة، ويوجب الحد، ويدخل النار» . # وهذا التأويل الذي تأوله للدرهم والدينار ليس له، إنما هذا شيء كان يتكلم ~~بعه عبد الأعلى القاص. فكان عبد الأعلى إذا قيل: «لم سمي الكلب قليطا» ~~ » ؟ قال: لأنه «قل ولطى» . وإذا قيل له: لم سمي الكلب سلوقيا؟ قال: لأنه ~~«يستل ويلقي» . وإذا قيل له: لم سمي العصفور عصفورا؟ قال: لأنه «عصى وفر» . # وعبد الأعلى هذا هو الذي كان يقول في قصصه: الفقير رداؤه علقة «3» ، ~~ومرقته سلقة وجردقته فلقة، وسمكته شلقة «4» . في طيب له كثير. # وبعض المفسرين يزعم أن نوحا النبي صلى الله عليه وسلم إنما سمي نوحا لأنه ~~كان ينوح على نفسه. وأن آدم إنما سمي آدم لأنه حذي «5» من أديم «6» PageV01P144 ~~ الأرض وقالوا: كان لونه أدمة لون الأرض، وأن المسيح إنما سمي المسيح لأنه ~~مسح بدهن البركة. وقال بعضهم: لأنه كان لا يقيم في البلد الواحد، وكان كأنه ~~ماسح يمسح الأرض. ### || أعاجيب ابن عبد الرحمن # ثم رجع الحديث الى أعاجيب أبي عبد الرحمن: # وكان أبو عبد الرحمن «1» يعجب بالرؤوس ويحمدها ويصفها. وكان لا يأكل ~~اللحم إلا يوم أضحى، أو من بقية أضحيته «2» ، أو يكون في عرس أو دعوة أو ~~سفرة. وكان سمى الرأس «عرسا» لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة. وكان يسميه ~~مرة «الجامع» ، ومرة «الكامل» . # وكان يقول: «الرأس شيء واحد، وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة «3» . وكل ~~قدر وكل شواء فإنما هو شيء واحد، والرأس فيه الدماغ فطعم الدماغ على حدة؛ ~~وفيه العينان وطعمهما شيء على حدة؛ وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخر ~~العين وطعمها على حدة، على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ وأنعم من الزبد ~~وأدسم من السلاء «4» ؛ وفي الرأس اللسان وطعمه شيء على حدة، وفيه ms076 الخيشوم ~~«5» والغضروف «6» الذي في الخيشوم وطعمهما شيء على حدة؛ وفيه لحم الخدين ~~وطعمه شيء على حدة» ، حتى يقسم اسقاطه الباقية. ويقول: ~~ «الرأس سيد البدن، وفيه الدماغ، وهو معدن العقل، ومنه يتفرق PageV01P145 ~~ العصب الذي فيه الحس، وبه قوام البدن؛ وإنما القلب باب العقل؛ كما أن ~~النفس هي المدركة؛ والعين هي باب الألوان؛ والنفس هي السامعة الذائقة؛ ~~وإنما الأنف والأذن بابان. ولولا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من ~~الضربة تصيبه، وفي الرأس الحواس الخمس» . وكان ينشد. ~~ قول الشاعر «1» : # إذا ضربوا رأسي، وفي الرأس أكثري %~% وغودر عند الملتقى ثم سائري # وكان يقول: «الناس لم يقولوا: هذا رأس الأمر، وفلان رأس الكتيبة، وهو رأس ~~القوم، وهم رؤوس الناس وخراطيمهم وأنفهم، واشتقوا من الرأس الرياسة ~~والرئيس، وقد رأس القوم فلان، إلا والرأس هو المثل وهو المقدم» . # وكان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف «2» وإلى اللحيين فوضعه بقرب ~~بيوت النمل والذر، فإذا اجتمعن فيه أخذه فنفضه في طست فيها ماء، فلا يزال ~~يعيد ذلك في تلك المواضع، حتى يقلع أصل النمل والذر من داره؛ فإذا فرغ من ~~ذلك ألقاه في الحطب، ليوقد به سائر الحطب. # وكان إذا كان يوم الرؤوس أقعد ابنه معه على الخوان. إلا أن ذلك بعد تشرط ~~طويل، وبعد أن يقف له على ما يريده. وكان فيما يقول له: «إياك ونهم ~~الصبيان، وشره الزراع، وأخلاق النوائح «3» . ودع عنك خبط الملاحين والفعلة ~~«4» ، ونهش الأعراب والمهنة «5» . وكل من بين يديك، فإنما حظك الذي وقع ~~وصار أقرب إليك. وإعلم أنه إذا كان في PageV01P146 ~~ الطعام شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهية، فإنما ذلك للشيخ المعظم والصبي ~~المدلل، ولست واحدا منهما. فأنت قد تأتي الدعوات وتجيب الولائم، وتدخل ~~منازل وعهدك باللحم قريب، وإخوانك أشد قرما «1» إليه منك. وأنا بعد أكره لك ~~الموالاة «2» بين اللحم، فإن الله يبغض أهل البيت اللحمين. وكان عمر يقول: ~~«إياكم وهذه المجازر، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر «3» » . وكان يقول: «مدمن ~~اللحم كمدمن الخمر» . وقال المسيح ورأى رجلا يأكل اللحم فقال: ms077 «لحم يأكل ~~لحما، أف لهذا عملا» . وذكر هرم بن قطبة «4» اللحم، فقال: «وإنه ليقتل ~~السباع» . ~~ وقال المهلب «5» : «لحم وارد على غير قرم، هذا الموت الأحمر» . وقال ~~الأول: «أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر، وأهلك النساء الأحمران: الذهب ~~والزعفران» . # أي بني! عود نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش الأفاعي ~~ولا تخضم خضم البراذين «6» ، ولا تدم الأكل إدامة النعاج، ولا تلقم لقم «7» ~~الجمال. قال أبو ذر، لمن بدل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«تخضمون ونقضم والموعد لله» «8» . إن الله قد فضلك فجعلك إنسانا، فلا تجعل ~~نفسك بهيمة ولا سبعا «9» . واحذر سرعة الكظة «10» PageV01P147 ~~ وسرف البطنة. وقد قال بعض الحكماء: «إذا كنت بطينا فعد نفسك في الزمني ~~«1» » وقال الأعشى: # «والبطنة مما تسفه الأحلاما» # واعلم أن الشبع داعية البشم «2» ، وأن البشم داعية السقم، وأن السقم ~~داعية الموت؛ ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، وهو قاتل نفسه وقاتل ~~نفسه ألوم من قاتل غيره. وأعجب إن أردت العجب. وقد قال الله جل ذكره: ولا ~~تقتلوا أنفسكم ~~ . وسواء. قتلنا أنفسنا أو قتل بعضنا بعضا كان ذلك للآية تأويلا. # أي بني! إن القاتل والمقتول في النار. لو سألت حذاق الأطباء لأخبروك أن ~~عامة أهل القبور إنما ماتوا بالتخم. واعرف خطأ من قال: ~~ «أكلة وموتة» ، وخذ بقول من قال: «رب أكلة تمنع أكلات» وقد قال الحسن «3» ~~: «يا ابن آدم كل في ثلث بطنك، ودع الثلث للتفكر والتنفس» . وقال بكر بن ~~عبد الله المزني «4» : «ما وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص «5» بالكظة، ~~وحتى لم ألبس من ثيابي ما يستخدمني، وحتى لم آكل إلا ما لا اغسل يدي منه» . # يا بني! والله ما أدري حق الركوع ولا وظيفة السجود ذو كظة، ولا خشع لله ~~ذو بطنة. والصوم مصحة، والوجبات عيش الطالحين. # ثم قال: لأمر ما طالت أعمال الهند، وصحت أبدان الأعراب. فلله PageV01P148 ~~ در الحارث إبن كلدة «1» حين زعم أن الدواء هو الأزم «2» ، وأن الداء هو ~~إدخال الطعام في إثر الطعام. # أي بني! لم صفت أذهان العرب، ms078 ولم صدقت إحساس الأعراب، ولم صحت أبدان ~~الرهبان، مع طول الإقامة في الصوامع، وحتى لم تعرف النقرس «3» ولا وجع ~~المفاصل ولا الأورام، إلا لقلة الرزء «4» من الطعام، وخفة الزاد والتبلغ ~~باليسير؟ # أي بني! إن نسيم الدنيا وروح الحياة، أفضل من أن تبيت كظيظا وأن تكون ~~بقصر العمر خليقا. وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، ~~وصلاح المعاد، وكثرة المال، والقرب من عيش الملائكة. # أي بني! لم صار الضب «5» أطول شيء عمرا، إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم؟ ولم ~~زعم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصوم وجاء «6» ، إلا ليجعل الجوع حجازا ~~دون الشهوات؟ افهم تأديب الله فإنه لم يقصد به إلا الى مثلك. # أي بني! قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سن، ولا تحرك لي عظم، ولا انتشر لي ~~عصب، ولا عرفت دنين أذن ولا سيلان عين، ولا سلس بول، ما لذلك علة إلا ~~التخفيف من الزاد. فإن كنت تحب PageV01P149 ~~ الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم» . # هذه كانت وصيته في يوم الرؤوس وحده. فلم يكن لعياله إلا التقمم «1» ومص ~~العظم. # وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر، لمكان زيادة الدماغ. ~~ وكان لا يشتري إلا رأس فتى لوفارة الدماغ، لأن دماغ الفتى أوفر، ويكون ~~مخه أنقص، ومخ المسن أوفر ودماغه أنقص. # ويزعمون أن للأهلة والمحاق في الأدمغة والدماء عملا معروفا، وبينها في ~~الربيع والخريف فضلا بينا. وتزعم الأعراب والعرب أن النطفة إذا وقعت في ~~الرحم، في أول الهلال، خرج الولد قويا ضخما، وإذا كان في المحاق خرج ضئيلا ~~شختا «2» . وأنشد قول الشاعر: # لقحت في الهلال عن قبل الطهر %~% وقد لاح للضياء بشير # ثم نمى ولم يراضع فلوا «3» %~% ورضاع المحج عيب كبير «4» # وكان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رأآسي بغداد، إلا من رأآسي ~~مسجد ابن رغبان. وكان لا يشتريه إلا يوم سبت. واختلط عليه الأمر فيما بين ~~الشتاء والصيف، فكان مرة يشتريه في هذا الزمان. # وأما ms079 زهده في رؤوس مسجد ابن رغبان، فان البصريين يختارون لحم الماعز ~~الخصي على الضأن كله، ورؤوس الضأن أشحم وألحم رخصا وأطيب. ورأس التيس أكثر ~~لحما من رأس الخصي، لأن الخصي من الماعز يعرق جلده، ويقل لحم رأسه ولا يبلغ ~~جلده وإن كان ما عزا في الثمن عشر ما يبلغ جلد التيس، ولا يكون رأسه إلا ~~دونا. ولذلك تخطاه إلى غيره. PageV01P150 # وما اختيار شراء الرؤوس يوم السبت، فإن القصابين يذبحون يوم الجمعة أكثر، ~~فتكثر الرؤوس يوم السبت على قدر للفضل فيما يذبحون، ولأن العوام والتجار ~~والصناع لا يقرمون «1» إلى أكل الرؤوس يوم السبت، مع قرب عهدهم بأكل اللحم ~~يوم الجمعة، ولأن عامتهم قد بقيت عنده فضلة، فهي تمنعه من الشهوة. ولأن ~~الناس لا يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرؤوس واللحم. # وأما اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين الشتاء والصيف، فوجه ذلك أن ~~العلل كانت تتصور له، وتعرض له الدواعي على قدر قرمه وحركة شهوته، صيفا ~~وافق ذلك أم شتاء. فإن اللحم في الصيف أرخص، والرؤوس تابعة للحم، ولأن ~~الناس في الشتاء لها آكل، وهم لها في القيظ «2» أترك. فكان يختار الرخص على ~~حسن الموقع. فإذا قويت دواعيها في الشتاء، قال: «رأس واحد شتوي كرأسين ~~صيفيين، لأن المعلوفة غير الراعية، وما أكل الكسب في الحبس موثقا، غير ما ~~أكل الحشيش في الصحراء مطلقا» . وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء مع ~~صحته وبدنه، وفي شك من استبقائه في الصيف، لنقصان شهوات الناس للرؤوس في ~~الصيف، فكان يخاف جريرة تلك البقية وجناية تلك الفضلة. وكان يقول إن أكلتها ~~بعد الشبع لم آمن العطب «3» وإن تركتها لهم في الصيف، ولم يعرفوا العلة، ~~طلبوا ذلك مني في الشتاء!. ### || طرائف العنبري: # حدثني المكي «4» قال: كنت يوما عند العنبري، إذا جاءت جارية PageV01P151 ~~ أمه، ومعها كوز «1» فارغ، فقالت: «قالت أمك: بلغني أن عندك مزملة «2» ، ~~ويومنا يوم حار، فابعث إلي بشربة منها في هذا الكوز» قال: ~~ «كذبت! أمي أعقل من أن تبعث بكوز فارغ ونرده ملآن. ms080 إذهبي فاملئيه من ماء ~~حبكم، وفرغيه في حبنا «3» ، ثم املئيه من ماء مزملتنا، حتى يكون شيء بشيء» . # وقال المكي: فإذا هو يريد أن تدفع جوهرا بجوهر، وعرضا بعرض، حتى لا تربح ~~أمه إلا صرف ما بين العرضين الذي هو البرد والحر، فأما عدد الجواهر ~~والأعراض، فمثلا بمثل. # وقال المكي: دخلت عليه يوما، وإذا عنده جلة «4» تمر، وإذا ظئره «5» جالسة ~~قبالته فكلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها، فأخذتها فمصتها ساعة ثم عزلتها. ~~فقلت للمكي: أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئا؟ ~~ قال: والله لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتها، فصاح بها صيحة، لو ~~كانت قتلت قتيلا ما كان عنده أكثر من ذلك. وما كانت إلا في أن تبادله ~~الإعراض وتسلم إليه الجوهر. وكانت تأخذ حلاوة النواة، وتودعها ندوة الريق. ### || طرائف أبي قطبة: # قال الخليل: كان أبو قطبة يستغل ثلاثة آلاف دينار. وكان من البخل يؤخر ~~تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد، وسيل المتاعب، PageV01P152 ~~ ليكتري «1» رجلا واحدا فقط، يخرج ما فيها، ويصبه في الطريق، فيجترفه ~~السيل، ويؤديه إلى القناة. وكان بين موضع بئره والصب قدر مائتي ذراع، فكان ~~لمكان زيادة درهمين يحتمل الإنتظار شهرا أو شهرين. ~~ وإن هو جرى في الطريق، وأذي به الناس. # وقال: ونظر يوما إلى الكساحين «2» ، وهو معنا جالس في رجال من قريش، وهم ~~يخرجون ما في بالوعته، ويرمون به في الطريق، وسيل المثاعب «3» يحتمله، ~~فقال: أليس البط والجداء والدجاج والفراخ والدراج «4» وخبز الشعير والصحناء ~~«5» والكراث «6» والجواف «7» جميعا تصير إلى ما ترون؟ فلم يغالي بشيء يصير ~~هو والرخيص في معنى واحد؟. # قال الخليل: وسمعته يقول: إياكم والفساء في ثيابكم التي تخرجون فيها، وفي ~~لحفكم التي تنامون فيها، فإن الفساء يدر القمل. إني والله ما أقول إلا ~~بعلم. ثم قال: علمتم إن الصوت يدبغ؟ قلنا: وكيف صار الصوت يدبغ؟ قال: ~~الفسوة هي الضرطة بلا صوت، وإنما تخرجان جميعا من قارورة واحدة، فكيف تكون ~~واحدة طيبة وأخرى منتنة؟ فهذا الذى يدلكم أن الصوت هو الذي يدبغها. # قال: وهم ms081 ثلاثة إخوة: أبو قطبة والطيل وباني، من ولد عتاب بن أسيد. واحد ~~منهم كان يحج عن حمزة، ويقول: «استشهد قبل أن PageV01P153 ~~ يحج» . والآخر كان يضحي عن أبي بكر وعمر، ويقول: «أخطأ السنة في ترك ~~الضحية. وكان الآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق «1» ، ويقول: «غلطت رحمها ~~الله في صومها أيام العيد. فمن صام عن أبيه وأمه، فأنا أفطر عن عائشة» . ### || طرائف فيلويه: # حدثتني امرأة تعرف الأمور، قالت: # كان في الحي مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي، فلما رأين أن أهل ~~المأتم قد أقمن المناحة، اعتزلن وتحدثن. فبينا هن في حديثهن، إذ ذكرن بر ~~الأبناء بالأمهات، وإنفاقهم عليهن. وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها إبنها. ~~فقالت واحدة منهن، وأم فيلويه ساكتة، وكانت امرأة صالحة، وإبنها يظهر النسك ~~يدين بالبخل، وله حانوت في مقبرة بني حصن يبيع فيها الأسقاط «2» . قالت: ~~فأقبلت على أم فيلويه، قالت لها: ~~ ما لك لا تحدثين معنا عن إبنك كما يتحدثن؟ وكيف صنع فيلويه فيما بينك ~~وبينه؟ قالت: كان يجري علي في كل أضحى درهما. ثم قالت: ~~ وقد قطعه أيضا. فقالت لها المرأة: وما كان يجري عليك إلا درهما؟ ~~ قالت: ما كان يجري علي إلا ذاك، ولقد ربما أدخل أضحى في أضحى. ~~ فقالت: فقلت: يا أم فيلويه وكيف يدخل أضحى في أضحى؟ قد يقول الناس: إن ~~فلانا أدخل شهرا في شهر، ويوما في يوم، وأما أضحى في أضحى، فهذا شيء لإبنك ~~لا يشركه فيه أحد. PageV01P154 ### || قصة تمام بن جعفر: # كان تمام بن جعفر بخيلا على الطعام، مفرط البخل؛ وكان يقبل على كل من أكل ~~خبزه بكل علة «1» ، ويطالبه بكل طائلة «2» ؛ وحتى ربما استخرج عليه أنه كان ~~حلال الدم. # وكان إن قال له نديم: «ما في الأرض أحد أمشي مني، ولا على ظهرها أحد أقوى ~~على الحضر «3» مني» قال: «وما يمنعك من ذلك وأنت تأكل أكل عشرة؟ وهل يحمل ~~الرجل إلا البطن؟ لا حمد الله من يحمدك» . فإن قال: «لا والله إن أقدر أن ~~أمشي لأني أضعف الخلق عنه. ms082 وإني لأنبهر من مشي ثلاثين خطوة» . قال: «وكيف ~~تمشي، وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمالا؟ وهل ينطلق الناس إلا مع خفة ~~الأكل؟ وأي بطين «4» يقدر على الحركة؟ وإن الكظيظ ليعجز عن الركوع والسجود، ~~فكيف بالمشي الكثير» ؟ # فإن شكا ضرسه، وقال: «ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه «5» » قال: «عجبت ~~كيف اشتكيت واحدا، وكيف لم تشتك الجميع؟ وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكة؟ ~~وأي ضرس يقوى على الضرس والطحن؟ ~~ والله إن الأرحاء السورية لتكل، وإن المنحاز الغليظ ليتبعه الدق. ولقد ~~استبطأت لك هذه العلة. أرفق فإن الرفق يمن، ولا تخرق بنفسك فإن الخرق شؤم» ~~. وإن قال: «لا والله إن اشتكيت ضرسا لي قط، ولا تحلحلت لي سن عن موضعها، ~~منذ عرفت نفسي» . قال: «يا مجنون لأن PageV01P155 ~~ كثرة المضغ تشد العمور «1» وتقوي الأسنان وتدبغ اللثة وتغذو أصولها، ~~وإعفاء الأضراس من المضغ يريخها «2» ، وإنما الفم جزء من الإنسان. وكما أن ~~الإنسان نفسه إذا تحرك وعمل قوي، وإذا طال سكوته تفتخ واسترخى، فكذلك ~~الأضراس. ولكن رفقا، فإن الأتعاب ينقض القوة. ~~ ولكل شيء مقدار ونهاية. فهذا ضرسك لا تشتكيه، وبطنك أيضا لا تشتكيه» ؟ # فإن قال: «والله إن أروي «3» من الماء، وما أظن أن في الدنيا أحدا أشرب ~~مني للماء» قال: «لا بد للتراب من ماء، ولا بد للطين من ماء يبله ويرويه. ~~أوليست الحاجة على قدر كثرته وقلته. والله لو شربت ماء الفرات ما استكثرته ~~لك، مع ما أرى من شدة أكلك وعظم لقمك. ~~ تدري ما قد تصنع؟ أنت والله تلعب. أنت لست ترى نفسك فسل عنك من يصدقك، ~~حتى تعلم أن ماء دجلة يقصر عما في جوفك» . فإن قال: «ما شربت اليوم ماء ~~البتة، وما شربت أمس بمقدار نصف رطل. ~~ وما في الأرض إنسان أقل شربا مني للماء» ، قال: «لأنك لا تدع لشرب الماء ~~موضعا، ولأنك تكنز في جوفك كنزا لا يجد الماء معه مدخلا. ~~ والعجب لا تتخم، لأن من لا يشرب الماء على الخوان، لا يدري مقدار ما أكل، ~~ومن جاوز ms083 مقدار الكفاية كان حريا بالتخمة» . # فإن قال: «ما أنام الليل كله. وقد أهلكني الأرق «4» » قال: ~~ «وتدعك الكظة «5» والنفخة والقرقرة أن تنام؟ والله لو لم يكن إلا العظش ~~الذي ينبه الناس لما نمت. ومن شرب كثيرا بال كثيرا. ومن كان الليل PageV01P156 ~~ كله بين شرب وبول، كيف يأخذه النوم» ؟ # فإن قال: «ما هو إلا أن أضع رأسي، فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح» ، قال: ~~«ذلك لأن الطعام يسكر ويخدر ويختر «1» ويبل الدماغ ويبل العروق ويسترخي ~~عليه جميع البدن. ولو كان في الحق لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار» . # فإن قال: «أصبحت وأنا لا أشتهي شيئا» ، قال: إياك أن تأكل قليلا ولا ~~كثيرا، فإن أكل القليل على غير شهوة أضر من الكثير مع الشهوة، قال الخوان: ~~«ويل لي ممن قال لا أريد. وبعد، فكيف تشتهي الطعام اليوم، وأنت قد أكلت ~~بالأمس طعام عشرة» ؟ # وكان كثيرا ما يقول لندمائه: «إياكم والأكل على الخمار «2» . فإن دواء ~~الخمار الشراب. الخمار تخمة، والمتخم إذا أكل مات لا محالة. ~~ وإياكم والإكثار في عقب الحجامة «3» والفصد «4» والحمام. وعليكم بالتخفيف ~~في الصيف كله. واجتنبوا اللحم خاصة» . # وكان يقول: ليس يفسد الناس إلا الناس. هذا الذي يضرط ويتكلم الكلام ~~البارد وبالطرف المستنكرة، لو لم يصب من يضحك له، وبعض من يشكره ويتضاحك ~~له، أو ليس هو عنده إلا أن يظهر العجب به، لما ضرط الضارط، ولما تكلف ~~النوادر إلا أهله. قول الناس للأكول النهم وللرغيب الشرة: «فلان حسن الأكل» ~~هو الذي أهلكه وزاد في رغبه، حتى جعل ذلك صناعة، وحتى ربما أكل، لمكان ~~قولهم وتقريبهم وتعجبهم، ما لا يطيقه فلا يزال قد هجم على قوم، فأكل زادهم ~~وتركهم PageV01P157 ~~ بلا زاد. فلو قالوا بدل قولهم: «فلان حسن الأكل» ، «فلان أقبح الناس ~~أكلا» ، كان ذلك صلاحا للفريقين. # ولا يزال البخيل على الطعام قد دعا الرغيب «1» البطن، واتخذ له الطعام ~~الطيب، لينفي عن نفسه المقالة، وليكذب عن نفسه تلك الظنون. ولو كان شدة ~~الضرس يعد في المناقب «2» ويمدح صاحبه به في المجالس، لكانت الأنبياء ms084 آكل ~~الخلق، ولخصهم الله جل ذكره من الرغب بما لم يعطه أحدا من العالمين. وكيف ~~وفي مأثور الحديث «إن المؤمن يأكل في معى واحد، وأن المنافق يأكل في سبعة ~~أمعاء» . أولسنا قد نراهم يشتمون بالنهم وبالرغب وبكثرة الأكل، ويمدحون ~~بالزهادة وبقلة الطعم؟ ~~ أوليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدله على الحسناء القتين «3» ~~» ؟ وقد ساب «4» رجل أيوب بن سليمان بن عبد الملك، فقال في بعض ما يسبه: ~~ «ماتت أمك بغرا «5» ، وأبوك بشما «6» » . # وبعد فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه، فقال: «أنا ابن آكل العرب» ؟ ~~بل قد رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يمتدحون بكثرة الشرب، كما يتدحون لقلة ~~الرزء. وكذلك قالت العرب. # قال الشاعر: # تكفيه فلذة كبد إن الم بها %~% من الشزء ويكفي شربه الغمر PageV01P158 # وقال: # لا يتأرى «1» لما في القدر يطلبه %~% ولا تراه أمام القوم يقتفر «2» # وقال: # لا يغمر «3» الساق «4» من أين «5» ولا وصم «6» %~% ولا يعض على شرسوفه «7» الصفر # والصفر هي حيات البطون، إنما تكون من الفضول والتخم، ومن الفساد والبشم # وشرب مرة النبيذ، وغناه المغني، فشق قميصه من الطرب، فقال المولى له، يقال ~~له «المحلو» ، وهو إلى جنبه: «شق أيضا أنت، ويلك، قميصك» والمحلول هذا من ~~الآيات «8» قال: «لا والله لا أشقه، وليس لي غيره» . قال: ~~ «فشقه، وأنا أكسوك غدا» . «فأنا أشقه غدا» . قال: «أنا ما أصنع بشقك له ~~غدا» ؟ قال: «وأنا ما أرجو من شقه الساعة» ؟ # فلم أسمع بإنسان قط يقايس ويناظر في الوقت الذي إنما يشق فيه القميص PageV01P159 ~~ من غلبة الطرب، غيره وغير مولاه «محلول» . ### || علي الأعمى # دخل علي الأعمى على يوسف بن كل خير، وقد تغدى، فقال: «يا جارية هاتي لأبي ~~الحسن غداء» . قال: «لم يبق عندنا شيء» . قال: ~~ «هاتي، ويلك، ما كان، فليس من أبي الحسن حشمة «1» » . ولم يشك علي أنه ~~سيؤتى برغيف ملطخ، وبرقاقة ملطخة، وبسكر وبقية مرق، وبعرق وبفضلة شواء، ~~وببقايا ما يفضل في الجامات «2» والسكرجات «3» . فجاءت بطبق ليس عليه إلا ~~رغيف أرز قاحل «4» ، لا شيء معه غيره. فلما وضعوا ms085 الخوان بين يديه، فأجال ~~«5» يده فيه، وهو أعمى، فلم يقع إلا على ذلك الرغيف. وقد علم أن قوله: «ليس ~~منه حشمة» لا يكون إلا مع القليل. قلم يظن أن الأمر بلغ ذلك، فلما لم يجد ~~غيره، قال: «ويلكم ولا كل هذا بمرة. رفعتم الحشمة كلها. ~~ والكلام لم يقع إلا على هذا» ؟ ### || الغزال: # حدثني محمد بن حسان الأسود، قال: أخبرني زكريا القطان قال: ~~ كان للغزال قطعة أرض قدام حانوتي. فأكرى «6» نصفها من سماك، يسقط عنه ما ~~استطاع من مؤونة الكراء. PageV01P160 # قال: وكان الغزال أعجوبة في البخل، وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه، ~~فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم، فإذا أعيا عليه الأمر أخذ من ساكنه جوافة ~~بحبة «1» وأثبت عليها فلسا في حسابه. فإذا أراد أن يتغدى أخذ الجوافة، ~~فمسحها على وجه الرغيف، ثم عض عليه. وربما فتح بطن الجوافة فبطن جنبيها ~~وبطنها باللقمة بعد اللقمة. فإذا خاف أن ينهكها ذلك وينضم بطنها، طلب من ~~ذلك السماك شيئا من ملح السمك. فحشا جوفها لينفخها، وليوهم أن هذا هو ملحها ~~الذي ملحت به. ولربما غلبت شهوته، فكدم «2» طرف أنفها، وأخذ من طرف الأرنبة ~~ما يسيغ به لقمته. وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخرها لقمة، ليطيب فمه بها، ~~ثم يضعها في ناحية، فإذا اشترى من إمرأة غزلا أدخل تلك الجوافة في ثمن ~~الغزل، من طريق إدخال العروض، وحسبها عليها بفلس. فيسترجع رأس المال، ويفضل ~~الأدم. ### || ابن المقفع وابن جذام: # وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع، قال: # كان ابن جذام الشبي يجلس إلي، وكان ربما انصرف معي إلى المنزل، فيتغدى ~~معنا ويقيم إلى أن يبرد. وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال. فألح علي في ~~الاستزارة «3» ، وصممت عليه في الإمتناع. فقال: ~~ جعلت فداك أنت تظن أني ممن يتكلف وأنت تشفق علي؟ لا والله إن هي إلا ~~كسيرات «4» يابسة، وملح، وماء الحب. فظننت أنه يريد PageV01P161 ~~ اختلابي «1» بتهوين الأمر عليه. وقلت: إن هذا كقول الرجل: يا غلام أطعمنا ~~كسرة، وأطعم السائل خمس تمرات. ms086 ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه. وما أظن أن ~~أحدا يدعو مثلي إلى الخريبة «2» من الباطنة «3» ، ثم يأتيه بكسرات وملح. # فلما صرت عنده، وقربه إلي، إذ وقف سائل بالباب فقال: أطعمونا مما تأكلون، ~~أطعمكم الله من طعام الجنة. قال: بورك فيك. فأعاد الكلام، فأعاد عليه مثل ~~ذلك القول. فأعاد عليه السائل، فقال: ~~ إذهب، ويلك فقد ردوا عليك. فقال السائل: سبحان الله ما رأيت كاليوم أحدا ~~يرد من لقمة، والطعام بين يديه. قال إذهب ويلك، وإلا خرجت إليك، والله، ~~فدققت ساقيك. قال السائل: سبحان الله، ينهي الله أن ينهر «4» السائل، وأنت ~~تدق ساقيه؟ فقلت للسائل: إذهب وأرح نفسك، فإنك لو تعرف من صدق وعيده مثل ~~الذي أعرف، لما وقفت طرفة عين، بعد رده إياك. ### || أبو يعقوب الدقنان # وكان أبو يعقوب الدقنان «5» يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال. ~~ وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم، واشترى بصلا بدانق «6» ، ~~وباذنجانا بدانق، وقرعة بدانق، فإذا كان أيام الجزر فجزرا PageV01P162 ~~ بدانق، وطبخه كله سكباجا. فأكل وعياله، يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر، ~~وما ينقطع في القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم. فإذا ~~كان يوم السبت ثردوا «1» خبزهم في المرق. فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل؛ ~~فإذا كان يوم الإثنين أكلوا الجزر، فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع، ~~فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان، فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم. ~~فلهذا كان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال. ### || أهل الجزيرة # قال أصحابنا: نزلنا بناس من أهل الجزيرة، وإذا هم في بلاد باردة، وإذا ~~حطبهم شر حطب، وإذا الأرض كلها غابة واحدة طرفاء «2» . فقلنا: ~~ «ما في الأرض أكرم من الطرفاء» . قالوا: «هو كريم، ومن كرمه نفر» . ~~قالوا: فقلنا: «وما الذي تفرون منه» ؟ قالوا: «دخان الطرفاء يهضم الطعام، ~~وعيالنا كثير» . ### || أهل المازح والمديبر # وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور: منها أن خشكنانهم «3» من دقيق ~~شعير، وحشوه- الذي يكون فيه الجوز والسكر، من دقيق خشكار. ~~ وأهل المازح لا يعرفون بالبخل، ولكنهم أسوأ الناس ms087 حالا، فتقديرهم على قدر ~~عيشهم. وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر، وبين خصب ~~البلاد وعيش أهل الجدب «4» . فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف إلا ~~الضيق، فليس سبيله سبيل القوم. PageV01P163 ### || سليمان الكثري # قال المكي: كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري سمي بذلك لكثرة ماله. وكان ~~يقربني وأنا صبي إلى أن بلغت. ولم يهب لي مع ذلك التقريب شيئا قط. وكان قد ~~جاوز في ذلك حد البخلاء. فدخلت عليه يوما، وإذا قدامه قطع دار صيني لا تسوى ~~قيراطا؛ فلما نال حاجته منها، مددت يدي لآخذ قطعة، فلما نظر إلي قبضت يدي، ~~فقال: «لا تنقبض وانبسط واسترسل وليحسن ظنك، فإن حالك عندي على ما تحب، ~~فخذه كله، فهو لك بزوبره «1» ، وبحذافيره، وهو لك جميعا؛ نفسي بذلك سخية. ~~والله يعلم أني مسرور بما وصل إليك من الخير» . فتركته بين يده، وقمت من ~~عنده وجعلته وجهي، كما أنا، إلى العراق. فما رأيته وما رآني حتى مات. # وقال المكي: سمعني سليمان، وأنا أنشد شعر امرىء القيس: «2» # لنا غنم نسوقها غزار %~% كأن قرون جلتها العصي «3» # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا %~% وحسبك من غنى شبع وري «4» # قال: لو كان ذكر مع هذا شيئا من. الكسوة لكان جيدا. # وهو الذي قال ليحيى بن خالد، حين نقب في أبي قبيس، وزاد في داره: ~~ عمدت الى شيخ الجبال فزعزعته وثلمت فيه. # وقال: حين عوتب في قلة الضحك وشدة القطوب: إن الذي يمنعني من الضحك أن ~~الإنسان أقرب ما يكون من البذل إذا ضحك وطابت نفسه. PageV01P164 ### || محفوظ النقاش # صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلا. فلما صرت قرب منزله، وكان منزله ~~أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي، سألني أن أبيت عنده، وقال: «أين تذهب في ~~هذا المطر والبرد، ومنزلي منزلك، وأنت في ظلمة وليس معك نار، وعندي لبأ «1» ~~، لم ير الناس مثله، وتمر ناهيك به جودة، لا تصلح إلا له» . فملت معه. ~~فأبطأ ساعة ثم جاءني بجأم لبأ وطبق تمر، فلما مددت قال: «يا أبا عثمان إنه ms088 ~~لبأ وغلظه، وهو الليل وركوده، ثم ليلة مطر ورطوبة وأنت رجل قد طعنت في ~~السن، ولم تزل تشكو من الفالج طرفا، وما زال الغليل «2» يسرع إليك، وأنت في ~~الأصل لست بصاحب عشاء. فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ، كنت لا آكلا ولا تاركا، ~~وحرشت طباعك «3» ، ثمن قطعت الأكل أشهى ما كان إليك. ~~ وإن بالغت بتنا في ليلة سوء، من الإهتمام بأمرك. ولم نعد لك نبيذا ولا ~~عسلا. وإنما قلت هذا الكلام، لئلا تقول غدا: كان وكان. والله قد وقعت بين ~~نابي أسد. لأني لو لم أجئك به، وقد ذكرته لك، قلت: ~~ «بخل به وبدا له فيه» ؛ وإن جئت به، ولم أحذرك منه، ولم أذكرك كل ما عليك ~~فيه، قلت: «لم يشفق علي ولم ينصح» . فقد برئت إليك من الأمرين جميعا فإن ~~شئت فأكلة وموتة، وإن شئت فبعض الاحتمال، ونوم على سلامة» . # فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة. ولقد أكلته جميعا فما هضمه الا الضحك ~~والنشاط والسرور، فيما أظن. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم لأتي علي ~~الضحك، أو لقضي علي ولكن ضحك من كان وحده PageV01P165 ~~ لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب. ### || حديث أبي القماقم # قال أبو القماقم: أول الإصلاح ألا يرد ما صار في يدي لك، فإن كان ما صار ~~في يدي لي فهو لي، وإن لم يكن لي فأنا أحق به ممن صيره في يدي. ومن أخرج من ~~يده شيئا إلى غيره، من غير ضرورة، فقد أباحه لمن صيره إليه. وتفريقك إياه ~~مثل إباحته. # وقالت له إمرأة: ويحك يا أبا القماقم إني تزوجت زوجا نهاريا «1» ، ~~والساعة وقته، وليست علي هيئة فاشتر لي بهذا الرغيف آسا «2» ، وبهذا الفلس ~~دهنا، فانك تؤجر. فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه. فيرزقني على يدك شيئا ~~أعيش به، فقد والله ساءت حالي، وبلغ المجهود مني؛ فأخذهما وجعلها وجهه؛ «3» ~~فرأته بعد أيام، فقالت: سبحان الله أما رحمتني مما صنعت بي؟ قال: ويحك سقط ~~والله مني الفلس، فمن الغم أكلت الرغيف. # وتعشق واحدة، فلم يزل ms089 يتبعها، ويبكي بين يديها، حتى رحمته. ~~ وكانت مكثرة وكان مقلا «4» فاستهداها هريسة، وقال: أنتم أحذق بها. ~~ فلما كان بعد أيام تشهى عليها رؤوسا، فلما كان بعد قليل طلب منها حيسة ~~فلما كان بعد ذلك تشهى عليها طفيشيلة «5» . قالت المرأة: رأيت PageV01P166 ~~ عشق الناس يكون في القلب وفي الكبد وفي الأحشاء، وعشقك أنت ليس يجاوز ~~معدتك. # وقال أبو الأصبغ: ألح أبو القماقم على قوم عند الخطبة إليهم، يسأل عن مال ~~المرأة ويحصيه. ويسأل عنه. فقالوا: قد أخبرناك بمالها، فأنت أي شيء مالك؟ ~~قال: وما سؤالكم عن مالي؟ الذي لها يكفيني ويكفيها. # سمعت شيخا من مشايخ الأبلة «1» يزعم أن فقراء أهل البصرة أفضل من فقراء ~~أهل الأبلة. قلت: بأي شيء فضلتهم؟ قال: هم أشد تعظيما للأغنياء وأعرف ~~بالواجب. ### || بين رجلين ابليين # ووقع بين رجلين أبليين كلام. فأسمع أحدهما صاحبه كلاما غليظا، فرد عليه ~~مثل كلامه. فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكارا شديدا، ولم أر لذلك سببا. فقلت: ~~لم أنكرتم أن يقول له مثل ما قال؟ قالوا: لأنه أكثر منه مالا. وإذا جوزنا ~~هذا له، جوزنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا، ففي هذا الفساد كله. # وقال حمدان بن صباح: كيف صار رياح «2» يسمعني ولا أسمعه؟ أفهو أكثر مالا ~~مني؟ ثم سكت. # قال: ويكون الزائر من أهل البصرة عند الأبلي مقيما مطمئنا، فإذا جاء المد ~~قالوا: «ما رأينا مدا قط ارتفع ارتفاعه، وما أطيب السير في المد، والسير في ~~المد إلى البصرة أطيب من السير في الجزر الى الأبلة» . ~~ فلا يزالون به حتى يرى أن من الرأي أن يغتنم ذلك المد بعينه. PageV01P167 ### || أحمد بن الخاركي # كان أحمد بن الخاركي بخيلا، وكان نفاجا «1» . وهذا أغيظ ما يكون. وكان ~~يتخذ لكل جبة أربعة أزرار، ليرى الناس أن عليه جبتين. ~~ ويشتري الأعذاق «2» والعراجين «3» والسعف «4» من الكلاء، فإذا جاء به ~~الحمال إلى بابه تركه ساعة يوهم الناس أن له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ~~ذلك كله منها. وكان يكتري قدور الخمارين التي تكون للنبيذ، ثم يتحرى ~~أعظمها، ويهرب من الحمالين ms090 بالكراء» ؟ كي يصيحوا بالباب: ~~ «ويشربون الداذي «5» والسكر، ويحبسون الحمالين بالكراء» وليس له في منزله ~~رطل دبس. وسمع قول الشاعر: # رأيت الخبز عز لديك حتى %~% حسبت الخبز في جو السحاب # وما روحتنا «6» لتذب عنا %~% ولكن خفت مرزئة الذباب # فقال: ولم ذب عنهم لعنه الله؟ والله ما أعلم إلا أنه شهي اليهم الطعام، ~~ونظف لهم القصاع «7» ، وفرغهم له، وسحرهم عليه. ثم ألا تركهم تقع في قصاعهم ~~وتسقط على انافهم وعيونهم؟ هو والله أهل لما هو أعظم من هذا. كم ترون من ~~مرة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة، حتى ~~يتقزر «8» بعضهم، أو يكفي الله شره. PageV01P168 # قال: وأما قوله: # «رأيت الخبز عز لديك حتى» # قال: فإذا لم أعز هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض، وأصل الأقوات «1» ، ~~وأمير الأغذية، فأي شيء أعز. أي والله، إني أعزه، وأعزه، وأعزه، وأعزه، مدى ~~النفس، ما حملت عيني الماء. # وبلغ من نفجه مع ذلك ما خبرني به إبراهيم بن هانيء «2» قال: كنت عنده ~~يوما، إذ مر به بعض الباعة، فصاح: «الخوخ الخوخ» . فقلت: «وقد جاء الخوخ ~~بعد» ؟ قال: «نعم قد جاء، وقد أكثرنا منه» ، فدعاني الغيظ عليه الى أن دعوت ~~البياع، وأقبلت على ابن الخاركي، فقلت: «ويحك نحن لم نسمع به بعد، وأنت قد ~~اكثرت منه؟ وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك» ، ثم أقبلت على البياع فقلت: ~~«كيف تبيع الخوخ؟» ، فقال: «ستة بدرهم» . قلت: «أنت ممن يشتري ست خوخات ~~بدرهم، وأنت تعلم أنه يباع بعد أيام مائتين بدرهم» ؟ ~~ ثم تقول: «وقد أكثرنا منه، وهذا يقول: ستة بدرهم» . قال: «وأي شيء أرخص ~~من ستة أشياء بشيء» . ### || غلام صالح بن عفان # كان غلام صالح بن عفان يطلب منه نفطا لبيت الحمار بالليل، فكان يعطيه كل ~~ليلة ثلاثة أفلس، والطسوج «3» أربعة فلوس. ويقول: ~~ طسوج يفضل وحبة تنقص وبينهما يرمي الرامي. # وكان يقول لابنه: تعطي صاحب الحمام وصاحب المعبر لكل واحد منهما طسوجا، ~~وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردك؟ PageV01P169 # قال أبو كعب: دعا ms091 موسى بن جناح جماعة من جيرانه، ليفطروا عنده في شهر ~~رمضان، وكنت فيهم. فلما صلينا المغرب، ونجز «1» ابن جناح، أقبل علينا ثم ~~قال: لا تعجلوا فإن العجلة من الشيطان. وكيف لا تعجلون وقد قال الله جل ~~ذكره: وكان الإنسان عجولا ~~ وقال: ~~ خلق الإنسان من عجل ~~ . اسمعوا ما أقول، فإن فيما أقول حسن المؤاكلة، والبعد من الأثرة، ~~والعاقبة الرشيدة، والسيرة المحمودة؛ إذا مد أحدكم يده إلى الماء فاستسقى، ~~وقد أتيتم ببهطة «2» أو بجوذابة «3» أو بعصيدة، أو ببعض ما يجري في الحلق ~~ولا يساغ بالماء، ولا يحتاج فيه إلى مضغ، وهو طعام يد لا طعام يدين، وليست ~~على أهل اليد منه مؤونة، وهو مما يذهب سريعا، فأمسكوا حتى يفرغ صاحبكم. ~~فإنكم تجمعون عليه خصالا، منها: إنكم تنغصون عليه تلك الشربة، إذا علم أنه ~~لا يفرغ إلا مع فراغكم. ومنها أنكم تحنقونه، ولا يجد بدا من مكافأتكم، ~~فلعله أن يتسرع الى لقمة حارة، فيموت، وأنتم ترونه، وأدنى ذلك أن تبعثوه ~~على الحرص وعلى عظم اللقم. ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له: «لم تبدأ ~~بأكل اللحم الذي فوق الثريد؟ قال: «لأن اللحم ظاعن «4» والثريد مقيم» . ~~وأنا وإن كان الطعام طعامي، فإني كذلك أفعل، فإذا رأيتم فعلي يخالف قولي ~~فلا طاعة لي عليكم» . # قال أبو كعب: فربما نسي بعضنا فمد يده إلى القصعة، وقد مد يده صاحبه الى ~~الماء. فيقول له موسى: يدك يا ناسي. ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل. # قال: وأتانا بأرزة ولو شاء إنسان أن يعد حبها لعده، لتفرقه ولقلته. PageV01P170 ~~ قال: فنثروا عليها لبكة من دبس مقدار نصف أسيكرة، فوقعت ليلتئذ في فمي ~~قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتها حين مضغتها، فضرب يده على جنبي ثم قال: ~~«أجرش «1» يا أبا كعب أجرش» . قلت: ~~ «ويلك أما تتقي الله! كيف أجرش جزأ لا يتجزأ» ؟ ### || قصة ابن العقدي # كان ابن العقدي ربما استزار أصحابه الى البستان، وكنت لا أظنه ممن يحتمل ~~قلبه ذلك على حال. فسألت ذات يوم بعض زواره فقلت: ~~ «إحك لي أمركم» ms092 . قال: «وتستر علي» ؟ قلت: «نعم ما دمت بالبصرة» . قال: ~~«يشتري لنا أرزا بقشره ويحمله معه، ليس معه شيء مما خلق الله إلا ذلك ~~الأرز. فإذا صرنا إلى أرضه، كلف أكاره أن يجشه في مجشة «2» له، ثم ذراه «3» ~~، ثم غربله. ثم جش الواش «4» منه. فإذا فرغ من الشراء والحمل، ثم من الجش، ~~ثم من التذرية، ثم من الإدارة والغربلة، ثم من جش الواش، ثم من تذريته، ثم ~~إدارته وغربلته، كلف الأكار أن يطحنه على ثوره وفي رحاه «5» . فإذا طحنه ~~كلفه أن يغلي له الماء، وأن يحتطب له، ثم يكلفه العجن، لأنه بالماء الحار ~~أكثر نزلا. ~~ ثم كلف الأكار أن يخبزه. وقبل ذلك ما قد كلفهم أن ينصبوا له الشصوص «6» ~~للسمك، ويسكروا الدرياجة «7» على صغار السمك لا PageV01P171 ~~ يدخلوا في السواقي، فيدخلوا أيديهم في جحرة الشلابي والرمان «1» . فإن ~~أصبنا من السمك شيئا، جعله كبابا على نار الخبز تحت الطابق، حتى لا يحتاج ~~من الحطب إلى كثير. فلا نزال منذ غدوة إلى الليل في كد وجوع انتظار. ثم لا ~~يكون عشاؤنا إلا خبز أرز أسود غير منخول بالشلابي. ~~ ولو قدر على غير ذلك فعل» . # قلت له: «فلم لا يتخذ موضع مراز «2» من بعض رقاق أرضه، فيبذر لكم الأرز ~~ثم يكون الخيار في يده، إن أراد أن يعجل عليكم الطعام أطعمكم الفرد، أو إن ~~أحب أن يتأنى ليطعمكم الجوهري» . ~~ قال: والله لئن سمع هذا وسرفه ليتكلفنه. الله الله فينا، فإنا قوم ~~مساكين، ولو قدرنا على شيء لم نحتمل هذا البلاء. ### || اسماعيل بن غزوان # حدثني المكي قال: بت عند إسماعيل بن غزوان، وإنما بيتني عنده حين علم أني ~~تعشيت عند مويس، وحملت معي قربة نبيذ، فلما مضى من الليل أكثره، وركبني ~~النوم، جعلت فراشي البساط ومرفقتي يدي «3» . ~~ وليس في البيت إلا مصلى له، ومرفقة ومخدة. فأخذ المخدة فرمى بها إلي، ~~فأبيتها «4» ورددتها عليه، وأبي وأبيت. فقال: «سبحان الله! يكون أن تتوسد ~~مرفقك، وعندي فضل مخدة» ؟ فأخذتها فوضعتها تحت خدي. ~~ فمنعني من النوم إنكاري للموضع، ويبس فراشي. ms093 وظن أني قد نمت، فجاء قليلا ~~قليلا، حتى سل المخدة من تحت رأسي. فلما رأيته قد مضى بها، ضحكت وقلت: «قد ~~كنت عن هذا غنيا» ! قال: «إنما جئت لأسوي رأسك» . PageV01P172 ~~ قلت: «إني لم أكن أكلمك حتى وليت بها» قال: «كنت لهذا جئت، فلما صارت ~~المخدة في يدي نسيت ما جئت به. والنبيذ، ما علمت، والله يذهب بالحفظ أجمع» . # وحدثني الحزامي والمكي والعروضي، قالوا: سمعنا إسماعيل يقول: ~~ أوليس قد أجمعوا على أن البخلاء في الجملة أعقل من الأسخياء في الجملة. ~~ها نحن أولاء عندك جماعة فينا من يزعم الناس أنه سخي. ~~ وفينا من يزعم الناس أنه بخيل. فانظر أي الفريقين أعقل؟ هأنذا وسهل بن ~~هارون، وخاقان بن صبيح «1» ، وجعفر بن سعيد، والحزامي، والعروضي، وأبو ~~يعقوب الخريمي «2» . فهل معك إلا أبو إسحاق «3» ؟. # وحدثني المكي، قال: قلت لإسماعيل مرة: «لم أر أحدا قط أنفق على الناس من ~~ماله، فلما احتاج إليهم آسوه» «4» . قال: «لو كان ما يصنعون لله رضى، وللحق ~~موافقا، لما جمع الله لهم الغدر واللؤم من أقطار الأرض. ولو كان هذا ~~الإنفاق في حقه، لما ابتلاهم الله جل ذكره من جميع خلقه» . # حدثني تمام بن أبي نعيم، قال: كان لنا جار، وكان له عرس. ~~ فجعل طعامه كله فالوذق «5» فقيل له: إن المؤونة تعظم. قال: «احتمل ثقل ~~الغرم بتعجيل الراحة. لعن الله النساء، ما أشك أن من أطاعهن شر منهن» . # وحديث سمعناه على وجه الدهر. زعموا أن رجلا قد بلغ في البخل PageV01P173 ~~ غايته، وصار إماما، وإنه كان إذا صار في يده الدرهم، خاطبه وناجاه وفداه ~~واستبطأه. وكان مما يقول له: «كم من أرض قد قطعت، وكم من كيس قد فارقت، وكم ~~من خامل رفعت، ومن رفيع قد أخملت «1» . لك عندي أن لا تعرى ولا تضحى «2» » ~~ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا ~~تزعج منه» . وأنه لم يدخل فيه درهما قط فأخرجه. # وأن أهله الحوا عليه في شهوة، وأكثروا عليه في إنفاق درهم، ms094 فدافعهم ما ~~أمكن ذلك. ثم حمل درهما فقط. فبيناه ذاهب إذ رأى حواء «3» قد أرسل على نفسه ~~أفعى لدرهم يأخذه، فقال في نفسه: «اتلف شيئا تبذل فيه النفس، بأكلة أو ~~شربة، والله ما هذا إلا موعظة لي من الله» . فرجع إلى أهله، ورد الدرهم الى ~~كيسه. فكان أهله في بلاء، وكانوا يتمنون موته والخلاص منه بالموت، والحياة ~~بدونه. # فلما مات وظن أنهم قد استراحوا منه، قدم إبنه، فاستولى على ماله وداره، ~~ثم قال: «ما كان أدم أبي؟ فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام» . قالوا: ~~«كان يتأدم «4» بجبنة عنده» . قال: «ارونيها» «5» . ~~ فإذا فيها حز كالجدول من أثر مسح اللقمة. قال: «ما هذه الحفرة» ؟ ~~ قالوا: كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح على ظهره، فيحفر كما ترى قال: ~~«فهذا أهلكني، وبهذا أقعدني هذا المقعد. لو علمت ذلك ما صليت عليه» . ~~قالوا: «فأنت كيف تريد أن تصنع» ؟ قال: «أضعها من بعيد، فأشير اليها ~~باللقمة» . PageV01P174 # ولا يعجبني هذا الحرف الأخير، لأن الإفراط لا غاية له. وإنما نحكي ما كان ~~في الناس، وما يجوز أن يكون فيهم مثله، أو حجة أو طريقة. فأما مثل هذا ~~الحرف فليس مما نذكره. وأما سائر حديث هذا الرجل فإنه من هذه البابة. ### || حديث ابن جهانة # قال ابن جهانة الثقفية: عجبت ممن يمنع النبيذ طالبه، لأن النبيذ إنما ~~يطلب ليوم فصد. أو يوم حجامة، أو يوم زيارة زائر، أو يوم أكل سمك طري، أو ~~يوم شربة دواء. ولم نر أحدا طلبه وعنده نبيذ، ولا ليدخره ويحتكره، ولا ~~ليبيعه ويعقد منه. وهو شيء يحسن طلبه، وتحسن هبته، ويحسن موقعه. وهو في ~~الأصل كثير رخيص. فما وجه منعه؟ ما يمنعه عندي إلا من لا حظ له في أخلاق ~~الكرام. وعلى أني لست أوجل «1» بما أهب منه على نبيذي النقصان، لأني إذا ~~احتجبت عن ندمائي، بقدر ما اخرجت من نبيذي، رجع إلي نبيذي على حاله، وكنت ~~قد تحمدت بما لا يضرني. فمن ترك التحمد بما لا يضره كان من التحمد بما يضره ms095 ~~أبعد. # فذكر ابن جهانة ما له من الكرم بهبة نبيذه، ولم يذكر ما عليه بحجب ~~ندمائه. ### || حديث الأصمعي # قال الأصمعي أو غيره: حمل بعض الناس مديني على برذون «2» ، فأقامه على ~~الأري «3» . فانتبه من نومه فوجده يعتلف، ثم نام فانتبه فوجده PageV01P175 ~~ يعتلف، فصاح بغلامه: «يا ابن أم بعه وإلا فهبه وإلا فرده وإلا فاذبحه. ~~أنام ولا ينام؟ يذهب بحر مالي؟ ما أراد إلا استئصالي» . ### || حديث أبي الحسن المدائني # قال أبو الحسن المدائني: كان بالمدائن «1» تمار «2» ، وكان غلامه إذا دخل ~~الحانوت يحتال فربما احتبس «3» فاتهمه بأكل التمر. فسأله يوما فأنكر، فدعا ~~بقطنة بيضاء، ثم قال: «امضغها» فمضغها، فلما أخرجها وجد فيها حلاوة وصفرة. ~~قال: «هذا دأبك «4» كل يوم، وأنا لا أعلم؟ ~~ أخرج من داري» . # وكان عندنا رجل من بني أسد، إذا صعد ابن الأكار الى نخلة له، ليلقط له ~~رطبا، ملأ فاه ماء. فسخروا به، وقالوا له: «إنه يشربه ويأكل شيئا على ~~النخلة، فإذا أردا أن ينزل بال في يده، ثم أمسكه فيه» . ~~ والرطب أهون على أولاد الأكرة، وعلى أولاد غير الأكرة من أن يحتمل فيه ~~أحد شطر هذا المكروه ولا بعضه. قال: فكان بعدها يملأ فاه من ماء أصفر أو ~~أخضر، لكيلا يقدر على مثله في رؤوس النخل. ### || حديث المصري # وحدثني المصري وكان جار الدار دريشي، وماله لا يحصى، قال: ~~ فانتهر سائلا ذات يوم وأنا عنده، ثم وقف آخر فانتهره، إلا أن ذلك بغيظ ~~وحنق «5» . قال: فأقبلت عليه فقلت له: «ما أبغض إليك PageV01P176 ~~ السؤال» قال: «أجل عامة من ترى منهم أيسر مني» . قال: فقلت: ~~ «ما أظنك أبغضتهم إلا لهذا» . قال: «كل هؤلاء لو قدروا على داري هدموها، ~~وعلى حياتي لنزعوها. أنا لو طاوعتهم فأعطيتهم كلما سألوني، كنت قد صرت ~~مثلهم منذ زمان. فكيف تظن بغضي يكون لمن أرادني على هذا» . # وكان أخوه شريكه في كل شيء، وكان في البخل مثله، فوضع أخوه في يوم جمعة ~~بين أيدينا، ونحن على بابه، طبق رطب يساوي بالبصرة دانقين، فبينما نحن نأكل ~~إذ جاء أخوه، ms096 فلم يسلم ولم يتكلم حتى دخل الدار. فأنكرنا ذلك، وكان يفرط في ~~إظهار البشر، ويجعل البشر وقاية دون ماله. وكان يعلم أنه إن جمع بين المنع ~~والكبر قتل. قال: ولم نعرف علته، ولم يعرفها أخوه. # فلما كان الجمعة الأخرى، دعا أيضا أخوه بطبق رطب، فبينا نحن نأكل، إذ خرج ~~من الدار ولم يسلم ولم يقف، فأنكرنا ذلك، ولم ندر أيضا ما قصته. فلما أن ~~كان في الجمعة، ورأى مثل ذلك، كتب إلى أخيه: «يا أخي كانت الشركة بيني ~~وبينك حين لم يكثر الولد، ومع الكثرة يقع الإختلاف. ولست آمن أن يخرج ولدي ~~وولدك إلى مكروه. ~~ وها هنا أموال باسمي ولك شطرها وأموال باسمك ولي شطرها، وصامت «1» في ~~منزلي وصامت في منزلك، لا نعرف فضل بعض ذلك على بعض. وإن طرقنا أمر الله، ~~ركدت الحرب بين هؤلاء الفتية، وطال الصخب بين هؤلاء النسوة. فالرأي أن ~~نتقدم اليوم فيما يحسم عنهم هذا السبب» . # فلما قرأ أخوه كتابه، تعاظمه ذلك وهاله. وقلب الرأي ظهرا لبطن، فلم يزده ~~التقليب إلا جهلا. فجمع ولده وغلظ عليهم، وقال: «عسى PageV01P177 ~~ أن يكون أحد منكم قد أخطأ بكلمة واحدة، أو يكون هذا البلاء من جرائر ~~النساء» . فلما عرف براءة ساحة القوم، تمشى اليه حافيا راجلا، فقال: «ما ~~يدعوك إلى القسمة والتمييز؟ ادع صلحاء أهل المسجد الساعة، حتى أشهدهم بأني ~~وكيل لك في هذه الضياع. وحول كل شيء في منزلي الى منزلك. وجرب ذلك مني ~~الساعة، فإن وجدتني أروغ «1» وأعتل، فدونك «2» . فحاجتي الآن أن تخبرني ~~بذنبي» . قال: «مالك من ذنب، وما من القسمة من بد» . فأقام عنده يناشده الى ~~نصف النهار، ثم أقام يومه ذلك الى نصف الليل، يناشده ويطلب إليه. # فلما طال عليه الأمر، وبلغ منه الجهد، قال له: «حدثني عن وضعك أطباق ~~الرطب وبسطك الحصر في السكك، وإحضارك الماء البارد، وجمعك الناس على بابي ~~في كل جمعة، كأنك ظننت أنا كنا عن هذه المكرمة عميا. إنك إذا أطعمتهم اليوم ~~البرني «3» أطعمتهم غدا السكر، وبعد غد الهلباثا «4» . ثم ms097 يصير ذلك بعد ~~أيام الجمع في سائر أيام الأسبوع، ثم يتحول الرطب إلى الغداء ثم يؤدي ~~الغداء إلى العشاء. ثم تصير الى الكساء ثم الأجداء «5» ثم الحملان ثم ~~اصطناع الصنائع. والله إني لأرثي لبيوت الأموال ولخراج المملكة من هذا، ~~فكيف بمال تاجر جمعه من الحبات والقراريط والدوانيق والأرباع والأنصاف؟» ؛ ~~قال: «جعلت فداك تريد أن لا آكل رطبة أبدا فضلا على غير ذلك؟ وأخرى فلا ~~والله لا كلمتهم أبدا» . قال: إياك أن تخطىء مرتين: مرة في إطماعهم فيك، PageV01P178 ~~ ومرة في إكتساب عدواتهم. أخرج من هذا الأمر على حساب ما دخلت فيه. وتسلم ~~تسلم «1» » . ### || أبو الهذيل # كان أبو الهذيل «2» أهدى إلى مويس «3» دجاجة. وكانت دجاجته التي أهداها ~~دون ما كان يتخذ لمويس، ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجب من سمنها وطيب ~~لحمها، وكان يعرفه بالإمساك الشديد. فقال: ~~ «وكيف رأيت يا أبا عمران تلك الدجاجة» ؟ قال: «كانت عجبا من العجب» ، ~~فيقول: «وتدري ما جنسها؟ وتدري ما سنها؟ فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس ~~والسن. وتدري بأي شيء كنا نسمنها وفي أي مكان كنا نعلفها؟» . فلا يزال في ~~هذا، والآخر يضحك ضحكا نعرفه نحن، ولا يعرفه أبو الهذيل. # وكان أبو الهذيل أسلم الناس صدرا، وأوسعهم خلقا، وأسهلهم سهولة. فإن ~~ذكروا دجاجة قال: «أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة؟» ، فإن ذكروا بطة ~~أو عناقا «4» أو جزروا «5» أو بقرة قال: ~~ «فأين كانت هذه الجزور في الجزر، من تلك الدجاجة في الدجاج؟» ، وان ~~استسمن أبو الهذيل شيئا من الطير والبهائم قال: «لا والله ولا تلك الدجاجة» ~~، وإن ذكروا عذوبة الشحم قال: عذوبة الشحم في البقر والبط وبطون السمك ~~والدجاج، ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج» ، PageV01P179 ~~ وإن ذكروا ميلاد شيء، أو قدوم إنسان قال: «كان ذلك بعد أن أهديتها لك ~~بسنة، وما كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة، إلا يوم» . وكانت ~~مثلا في كل شيء، وتاريخا في كل شيء. # وأقبل مرة على محمد بن الجهم «1» ، وأنا وأصحابنا عنده، فقال: ~~ «إني رجل منخرق الكفين «2» ، لا أليق ms098 شيئا. ويدي هذه صناع في الكسب، ~~ولكنها في الإنفاق خرقاء. كم تظن من مائة ألف درهم قسمتها على الأخوان في ~~مجلس؟ أبو عثمان يعلم ذلك. أسألك بالله يا أبا عثمان، هل تعلم ذلك؟» ، ~~فقلت: «يا أبا هذيل ما نشك فيما تقول» . ~~ فلم يرض بإحضاري هذا لكلام حتى استشهدني «3» ولم يرض باستشهادي حتى ~~استحلفني. ### || أبو سعيد المدائني: # كان أبو سعيد المدائني إماما في البخل عندنا بالبصرة. وكان من كبار ~~المعينين ومياسيرهم، وكان شديد العقل، شديد العارضة «4» ، حاضر الحجة «5» ، ~~بعيد الروية. # وكنت أتعجب من تفسير أصحابنا لقول العرب في لؤم اللئيم الراضع، قال ~~أصحابنا: «كل لئيم بخيل، وليس كل بخيل لئيما» . لأن اسم اللئيم يقع على ~~البخل، وعلى قلة الشكر، وعلى مهانة النفس، وعلى PageV01P180 ~~ أن له في ذلك عرقا متقدما «1» . قال أبو زيد: هو لئيم ملأم، فاللئيم ما ~~فسرت، والملأم الذي يقوم بعذر اللئيم «2» . فأما اللئيم الراضع، فالذي لا ~~يحلب في الإناء، ويرضع من الخلف «3» ، مخافة أن يضيع من اللبن شيء. قال ثوب ~~ابن شحمة العنبري في امرأته الهمدانية: # وحديث مالجة «4» التي حدثتني %~% تدع الإناء تشربا للقادم # (القادمان الخلفان المقدمان) ؛ فلما بلغه ذلك عنها طلقها، فلما طلقها قيل ~~له: إن البخيل إنما يعيب الرجل، ومتى سمعت بإمرأة هجيت في البخل؟ قال: ~~ ليس ذلك بي «5» . أخاف أن تلد لي مثلها. # قال رافع بن هريم «6» : # ...... تحلب قاعدا %~% وتملج أحيانا وقعبك حاضر # يدعو الله عليه أن يجعله صاحب شاء، ولا يجعله صاحب إبل، وأن يرتضع من ~~الخلف، وإن كان معه إناء. والعربي ربما أتلى «7» على صاحبه فيقول: «إن كنت ~~كاذبا فاحتلبت قاعدا» . أي أبدلك الله بكرم الإبل لؤم الغنم. # فكيف نتعجب من لؤم الراضع، وقد صنع أبو سعيد المدائني أعظم من ذلك: اصطبغ ~~من دن خل، وهو قائم حتى فني ولم يخرج منه قليلا ولا كثيرا. PageV01P181 # وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب العينة والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح. ~~فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الخريبة في كل يوم ليقتضي رجلا هناك دراهم فضلت ~~عليه، وقالوا: «هذا خطأ ms099 عظيم وتضييع كثير. وإنما الحزم أن يتشدد في غير ~~تضييع. وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه بضروب من البلاء» . # فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ والإستفادة منه؛ قالوا: نراك تصنع شيئا لا ~~نعرفه، والخطأ منك أعظم منه من غيرك. قد أشكل علينا هذا الأمر، فأخبرنا ~~عنه، فقد ضاقت صدورنا به. خبرنا عن مضيك الى الخريبة «1» لتقتضي خمسة ~~دراهم. فواحدة أنا لا نأمن عليك إنتقاض بدنك «2» ، وقد خلا من سنك، وان ~~تعتل فتدع القاضي للكثير بسبب القليل. وثانية أنك تنصب هذا النصب «3» ، فلا ~~بد لك من أن تزداد في العشاء إن كنت ممن يتعشى، أو تتعشى إن كنت ممن لا ~~يتعشى. وهذا إذا اجتمع كان أكثر من خمسة دراهم. وبعد، فإنك تحتاج أن تشق ~~وسط السوق، وعليك ثيابك والحمولة تستقبلك، فمن ههنا نترة «4» ، ومن ههنا ~~جذبة، فإذا الثوب قد أودى. ومن ذلك أن نعلك تنقب وترق وساق سراويلك تتسخ ~~وتبلى. ولعلك أن تعثر في نعلك. فتقدها قدا، ولعلك تهرتها هرتا «5» . وبعد، ~~فاقتضاء القليل أدى بك إلى هذا وما بلغت منه شيئا. وأنك أفضل. إلا أنا نحب ~~أنك تجلي عن الأمر بشيء، فليس كلنا يثق لك بالصواب في كل شيء» . # قال أبو سعيد: «أما ما ذكرتم من انتقاض البدن، فإن الذي أخاف على بدني من ~~الدعة، ومن قلة الحركة أكثر. وما رأيت أصح أبدانا من الحمالين PageV01P182 ~~ والطوافين «1» . والقوم قبلي أن يموتوا لم يكن لهم تلك عادة. وليس يقول ~~الناس: ~~ والله لفلان أصح من الجلاوزة «2» ؟ (يعني اختلاف الجلاوزة في العدو) . ~~ولربما أقمت في المنزل لبعض الأمر، فأكثر الصعود والنزول خوفا من قلة ~~الحركة. ~~ وأما التشاغل بالبعيد عن القريب، فإني لا أعرض للبعيد حتى أفرغ من ~~القريب. وأما ما ذكرتم من الزيادة في الطعم فقد أيقنت نفسي، واطمأن قلبي، ~~على أنه ليس لنفسي إلا ما لها، وأنها إن حاسبتني أيام النصب، حاسبتها أيام ~~الراحة. فستعلم حينئذ أين أيام الخريبة من أيام ثقيف «3» . وأما ما ذكرتم ~~من تلقي الحمولة، ومن مزاحمة أهل السوق، ومن النتر والجذب، ms100 فأنا أقطع عرض ~~السوق من قبل أن يقوم أهل السوق لصلاتهم، ثم يكون رجوعي على ظهر السوق «4» ~~. وأما ما ذكرتم من شأن النعل والسراويل، فإني من لدن خروجي من منزلي، إلى ~~أن أقرب من باب صاحبي، فإنما نعلي في يدي، وسراويلي في كمي. فإذا صرت إليه ~~لبستهما، فإذا فصلت من عنده خلعتهما. ~~ فهما في ذلك اليوم أودع أبدانا «5» وأحسن حالا. بقي الان لكم مما ذكرتم ~~شيء» ؟ قالوا: «لا» ؛ قال: «فههنا واحدة تفي بجميع ما ذكرتم» قالوا: ~~ «وما هي» ؟ قال: «إذا علم القريب الدار، ومن لي عليه ألوف الدنانير، شدة ~~مطالبتي للبعيد الدار، ومن ليس لي عليه إلا الفلوس، أتى بحقي ولم يطمع نفسه ~~في مالي. وهذا تدبير يجمع الى رجوع مالي طول راحة بدني «6» . ثم أنا ~~بالخيار في ترك الراحة، لأني أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت. وأخرى أن ~~هذا القليل لو لم يكن فضلة من كثير، وموصولا بدين لي مشهور، لجاز أن PageV01P183 ~~ أتجافى «1» عنه. فأما أن أدع شيئا يطمع في فضول «2» ما يبقى على الغرماء ~~«3» ، فهذا ما لا يجوز» . فقاموا وقالوا بأجمعهم: «لا والله لا سألناك عن ~~مشكلة» . # حدثني أحمد المكي- أخو محمد المكي- وكان متصلا بأبي سعيد، بسبب العينة، ~~وبسبب صنعة المال، ولأعاجيب أبي سعيد وحديثه. # قال أحمد: قلت له مرة: «والله إنك لكثير المال، وإنك لتعرف ما نجهل، وإن ~~قميصك وسخ، فلم لا تأمر بغسله» ؟ قال: «فلو كنت قليل المال وأجهل ما تعرف، ~~كيف كان قولك لي؟ إني قد فكرت في هذا منذ ستة أشهر، فما وضح لي بعد وجه ~~الأمر فيه. # أقول مرة: الثوب إذا اتسخ أكل البدن، كما يأكل الصدأ الحديد. والثوب إذا ~~ترادفه العرق «4» ، وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد «5» ، أكل السلك وأحرق ~~الغزل. هذا مع نتن ريحه وقبح منظره. وبعد، فإني رجل آتي أبواب الغرماء، ~~وغلمان غرمائي جبابرة، فما ظنك بهم إذا رأوني في أطمار وسخة وأسمال درنة ~~«6» وحال حداد «7» ؟ جبهوا مرة «8» ، وحجبوا مرة. فيرجع ذلك علينا بمضرة من ~~إصلاح المال، وأن ينفي عنه كل ما ms101 أعان على حبسه، مع ما يدخل من الغيظ، ~~ويلقى من كان كذلك من المكروه. # فاذا اجتمعت هذه الخواطر، هممت بغسلها. فإذا هممت به عارضني PageV01P184 ~~ معارض يوهمني أنه أتاني من جهة الحزم ومن قبل العقل، فقال: أول ذلك الغرم ~~الذي يكون في الماء والصابون. والجارية إذا ازدادت عناء، ازدادت أكلا. ~~ والصابون نورة «1» ، والنورة تأكل الثوب وتبلي الخز «2» ، ولا يزال الثوب ~~على خطر حتى يسلم الى القصر والدق. ثم إذا ألقى على الرسن «3» ، فهو بعرض ~~الجذبة والنترة والعلق «4» . ولا بد من الجلوس يومئذ في البيت. ومتى جلست ~~في البيت، فتحوا علينا أبوابا من النفقة وأبوابا من الشهوات. والثياب لا بد ~~لها من دق، فإن نحن دققناها في المنزل قطعناها، وإن نحن أسلمناها الى ~~القصار «5» فغرم على غرم، وعلى أنه ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشد. ~~وما جلست في المنزل قط إلا أرجف بي الغرماء «6» ، وادعوا علي الأمراض ~~والأحداث، وفي ذلك لهم فساد والتواء وطمع لم يكن عندهم. فإذا أنا لبستها، ~~وقد ابيضت وحسنت وجفت وطابت، تبينت عند ذلك وسخ جسدي وكثرة شعري، وقد كان ~~بعض ذلك موصولا ببعض، ففرقته، فاستبان لي ما لم يكن يستبين، واكترثت لما لم ~~أكن أكترث له. فيصير ذلك مدعاة «7» الى دخول الحمام. فإن دخلته فغرم ثقيل، ~~مع المخاطرة بالثياب، ولي امرأة جميلة شابة، إذا رأتني قد اطليت «8» وغسلت ~~رأسي وبيضت ثوبي، عارضتني بالتطيب وبلبس أحسن ثيابها، وتعرضت لي، وأنا فحل، ~~والفحل إذا هاج لم يرد رأسه شيء. فإذا أردت مواقعتها، ورأت حرصي نثرت علي ~~الحوائج نثرا. ثم احتجنا إلى تسخين PageV01P185 ~~ الماء. وأشد من هذا كله أن تعلق، فتحتاج إلى ظئر «1» ، فنقع في ما لا ~~غاية له. # مع أمور كثيرة نسي بعضها أحمد، وبعضها أنا. # وكان أبو سعيد هذا، مع بخله، أشد الناس نفسا وأحماهم أنفا «2» . ~~ بلغ من أمره ذلك ومن بلوغه فيه، أنه أتى رجلا من ثقيف يقتضيه ألف دينار، ~~وقد حل عليه المال. فكان ربما أطال عنده الجلوس. ويحضر عنده الغذاء فيتغدى ~~معه، وهو ms102 في ذلك يقتضيه. # فلما طال عليه المطل، قال له يوما، وهو على خوانه:» إن لهذا المال زكاة ~~مؤداة. وقد علمنا أنا حين أخرجنا هذا المال من أيدينا، أنه معرض للذهاب، ~~وللمنازعة الطويلة، ولأن يقع في الميراث، ثم رضينا منك بالربح اليسير، ~~بالذي ظنناه بك من حسن القضاء، ولولا ذلك لم نرض بهذا المال «3» . وهذا ~~المال إذا كان شرطه أن يرجع بعد سنة، فرفهت عنك بحسن المطالبة شهرا أو ~~شهرين، ثم مكث عندي، إلى أن أصبت له مثلك، شهرا أو شهرين، محق فضله، وخرج ~~علينا فضل. ومثلك يكتفي بالقليل وقد طال اقتضائي وطال تغافلك» . يقول هذا ~~الكلام، وهو في ذلك لا يقطع الأكل. # فأقبل عليه رجل من ثقيف، فعرض له بأنه لو أراد التقاضي محضا لكان ذلك في ~~المسجد، ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء. ~~ فقطع الأكل، ثم نزا «4» في وجهه الدم، ونظر إليه نظر الجمل الصؤول «5» ، ~~ثم كاد يطير «6» ، ثم أقبل عليه فقال: «لا أم لك! أنا إنما PageV01P186 ~~ اصطبغت من دن خل «1» حتى فني من حسن العقل، وأحببت الغنى بغضي للفقر، ~~وأبغضت الفقر بفضل أنفتي من احتمال الذل. تعرض لي لا أم لك بأني أرغب في ~~غدائه؟ والله ما أكلت معه إلا ليستحيي من حرمة المؤاكلة، وليصير كرمه سببا ~~لتعجيل الحاجة «2» » . ثم نهض بالصك «3» ، وعليه طينته، فاعترض بها الحائط ~~حتى كسرها. ثم تفل في الكتاب وحك بعضه ببعض، ثم مزقه ورمى به. ثم قال لكل ~~من شهد المجلس: «هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان، اشهدوا جميعا على أني ~~قد قبضت منه، وأنه بريء من كل شيء أطالبه به، ثم نهض. # فلما صنع ما صنع أقبل الغريم على صاحبه فقال: «ما دعاك إلى هذا الكلام؟ ~~لم تقوله لهذا الرجل على مائدتي، وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف كيف ~~موقع الأمور منه؟ وبعد، فقد والله أردت مطله الى أن أبيع الثمر، ورجونا ~~حلاوته. فقد أحسنت إليه، وأسأت إلينا وعجلت عليه ماله. اذهب يا غلام، فاضرب ~~بذلك الثمر ms103 السوق «4» ، فبعه بما بلغ، فيأخذ ماله كملا «5» » . ثم ركب ~~إليه، فأبى أن يأخذه، فلما كثر الأمر في ذلك قال: «أظن الذي دعا صاحبك الى ~~ما قال إنه عربي وأنا مولى «6» . فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا ~~المال، وإن لم تفعل فإني لا آخذه» . فجمع الثقفي كل شعوبي «7» بالبصرة حتى ~~طلبوا إليه «8» أخذ المال. PageV01P187 # وكان أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار. وأمرها أن تجمعها من ~~دون السكان، وتلقيها على كساحتهم «1» . فإذا كان في الحين بعد الحين جلس ~~وجاءت الخادم معها زبيل «2» ، فعزلت بين يديه من الكساحة زبيلا، ثم فتشت ~~واحدا واحدا، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلى، ~~فسبيل ذلك معروف. وأما ما وجد فيه من الصوف، فكان وجهه أن يباع إذا اجتمع ~~من أصحاب البراذ. «3» ~~ وكذلك قطع الأكسية، وما كان من خرق الثياب، فمن أصحاب الصينيات ~~والصلاحيات وما كان من قشور الرمان، فمن الصباغين والدباغين. وما كان من ~~القوارير، فمن أصحاب الزجاج. وما كان من نوى التمر، فمن أصحاب الخشوف «4» ، ~~وما كان من نوى الخوخ، فمن أصحاب الغرس، وما كان من المسامير وقطع الحديد، ~~فللحدادين. وما كان من القراطيس، فللطراز «5» وما كان الصحف فلرؤوس الجرار. ~~وما كان من قطع الخشب، فللأكافين «6» . وما كان من قطع العظام، فللوقود، ~~وما كان من قطع الخرق، فللتنانير «7» الجدد: وما كان من اشكنج «8» فهو ~~مجموع للبناء، ثم يحرك ويثار ويخلل، حتى يجتمع PageV01P188 ~~ قماشه «1» ، ثم يعزل للتنور. وما كان من قطع القار «2» ، بيع من القيار. ~~فإذا بقي التراب خالصا، وأراد أن يضرب منه اللبن للبيع وللحاجة إليه، لم ~~يتكلف الماء، ولكن يأمر جميع من في الدار أن لا يتوضؤوا ولا يغتسلوا إلا ~~عليه، فإذا ابتل ضربه لبنا. # وكان يقول: من لم يتعرف الاقتصاد تعرفي، فلا يتعرض له. # وذهب من ساكن له شيء، كبعض ما يسرق من البيوت. فقال لهم: اطرحوا الليلة ~~ترابا، فعسى أن يندم من أخذه، فيلقيه في التراب، ولا ينكر مجيئه إلى ذلك ~~المكان، لكثرة من ms104 يجيء لذلك. فاتفق أن طرح ذلك الشيء المسروق في التراب. ~~وكانوا يطرحونه على كناسته، فرآه قبل أن يراه المسروق منه. فأخذ منه كراء ~~الكساحة. # فهذا حديث أبي سعيد. ### || الأصمعي: # تمشى قوم إلى الأصمعي مع تاجر كان اشترى ثمرته، لخسران كان ناله. وسأله ~~حسن النظر والحطيطة «3» . فقال الأصمعي: «أسمعتم بالقسمة الضيزى «4» ؟ هي ~~والله ما تريدون شيخكم عليه. اشترى مني على أن يكون الخسران علي، والربح ~~له. هذا وأبيكم تجارة أبي العنبس «5» . اذهبوا فاشتروا علي طعام العراق على ~~هذا الشرط؛ على أني PageV01P189 ~~ والله ما أدري أصادق هو أم كاذب. وهاهنا واحدة، وهي لكم دوني، ولا بد من ~~أن أحتمل لكم، إذ لم تحتملوا لي: والله ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقه ~~وتوجبون رفده «1» . لو كنت أوجب له مثل ما توجبون، لقد كنت أغنيته عنكم. ~~وأنا لا أعرفه ولا يضربني بحق «2» ، فهلموا نتوزع هذه الفضلة بيننا ~~بالسوية. هذا حسن ممن احتمل حقا لا يجب عليه، في رضى من يجب ذلك عليه» . # فقاموا ولم يعودوا؛ فخرج إليه التاجر من حقه، وأيس «3» مما قبله. ### || حديث جعفر عن أبي عيينة: # حدثني جعفر ابن أخت واصل، قال: # قلت لأبي عيينة «4» : قد أحسن الذي سأل إمرأته عن اللحم، فقالت أكله ~~السنور «5» ، فوزن السنور، ثم قال: «هذا اللحم فأين السنور» ؟ ~~ قال: «كأنك تعرض بي» . قال؛ قلت: «إنك والله أهل ذلك. شيخ قد قارب ~~المائة، وغلته فاضلة «6» ، وعياله قليل، ويعطي الأموال على مذاكرة العلم، ~~والعلم لذته وصناعته، ثم يرقى إلى جوف منزله. وأنت رجل لك في البستان، ورجل ~~في أصحاب الفسيل «7» ، ورجل في السوق، PageV01P190 ~~ ورجل في الكلاء «1» . تطلب من هذا وقر «2» جص «3» ، ومن هزا وقر آجر، ومن ~~هذا قطعة ساج «4» ، ومن هذا هكذا. ما هذا الحرص؟ وما هذا الكد؟ وما هذا ~~الشغل؟ لو كنت شابا بعيد الأمل كيف كنت تكون؟ ~~ ولو كنت مدينا كثير العيال كيف كنت تكون؟ وقد رأيتك فيما حدث تلبس ~~الأطمار وتمشي حافيا نصف النهار» . # قال: «كم أجمجم؛ بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ، فألححت في المسألة ms105 عنها، فقيل ~~لك أكلها السنور، فرميت بباقي القطعة قدام السنور، لتمتحن صدقهم من كذبهم، ~~فلما لم يأكله، غرمتهم ثمن البطيخة كما هي. قالوا لك كان الليل، فإن لا تكن ~~التي أكلته من سنانير الجيران، وكان الذي أكله سنورنا هذا، فإنك رميت اليه ~~بالقطعة وهو شبعان منه. فأنظرنا «5» ولا تغرمنا نمتحنه في حال غير هذه. ~~فأبيت إلا إغرامهم» . # قال: «ويلك إني والله ما أصل إلى منعهم من الفساد إلا ببعض الفساد. وقد ~~قال زياد في خطبته «6» : «والله إني ما أصل منكم الى أخذ الحق حتى أخوض ~~الباطل إليكم خوضا» . وأما ما لمتني عليه آنفا فإنما ذهبت الى قوله: «لو أن ~~في يدي فسيلة، ثم قيل لي إن القيامة تقوم الساعة، لبادرتها فغرستها» . وقد ~~قال أبو الدرداء «7» في وجعه الذي PageV01P191 ~~ مات فيه: «زوجوني، فإني أكره أن ألقى الله عزبا» «1» . والعرب تقول: «من ~~غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء» . قال مكرز «2» : «العجز فراش ~~وطيء، لا يستوطئه إلا الفشل الدثور «3» » . ~~ وقال عبد الله بن وهب «4» : «حب الهوينا يكسب النصب «5» » . وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: «إياكم والراحة، فإنها عقلة «6» » وقال: «لو أن الصبر ~~والشكر بعيران، ما باليت أيهما أركب» . وقال: ~~ «تمعددوا واخشوشنوا «7» » ، واقطعوا الركب، واركبوا الخيل نزوا «8» » . ~~ وقال لعمرو بن معدي كرب «9» ، حين شكا إليه الحقاء «10» : «كذبت عليك ~~الظهائر» «11» ، وقال: «احتفوا، فانكم لا تدرون متى تكون الجفلة «12» » . ~~وقال: إن يكن الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة» . وقال PageV01P192 ~~ لسعيد بن حاتم: «احذر النعمة كحذرك من المعصية، ولهي أخوفهما عليك عندي» ~~. وقال: «أحذركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل» . وقال ~~أكثم بن صيفي «1» : «ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا» . قالوا: «وإن أسمنت ~~وألبنت «2» » ؟ قال: «نعم أكره عادة العجز» . أفتراني أدع وصايا الأنبياء ~~وقول الخلفاء وتأديب العرب، وآخذ بقولك؟! ### || طرائف شتى # وتغدى محمد بن الأشعث «3» عند يحيى بن خالد، فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه ~~وبين السمن، وفضل ما بين الانفاق وزيت الماء «4» . فقال محمد: «عندي زيت لم ~~ير الناس مثله» . قال يحيى: ms106 «لا يؤتى منه بشيء» ؟ فدعا محمد غلامه فقال: ~~«إذا دخلت الخزانة، فانظر الجرة الرابعة عن يمينك إذا دخلت، فجئنا منه ~~بشيء» . قال يحيى: «ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه» . # وقرب خباز أسد بن عبد الله إليه، وهو على خراسان، شواء قد أنضجه نضجا. ~~وكان يعجبه ما رطب «5» من الشواء؛ فقال لخبازه: ~~ «أتظن أن صنيعك يخفى علي؟ إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه، ولكن تستحلب ~~جميع دسمه، فتنتفع بذلك منه» . فبلغت أخاه فقال: ~~ «رب جهل خير من علم» . PageV01P193 # وكان رجل يغشى طعام الجوهري، وكان يتحرى وقته ولا يخطيء. ~~ فإذا دخل، والقوم يأكلون وحين وضع الخوان، قال: «لعن الله القدرية «1» ، ~~من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل هذا الطعام، وقد كان في اللوح المحفوظ إني ~~سآكله» ؟ فلما أكثر من ذلك، قال له رياح: ~~ «تعال بالعشي أو بالغداة فإن وجدت شيئا فالعن القدرية والعن آباءهم ~~وأمهاتهم» «2» . # وجاء غلام إلى خالد بن صفوان «3» بطبق خوخ؛ إما أن يكون هدية، وإما أن ~~غلامه جاء به من البستان؛ فلما وضعه بين يديه قال: ~~ «لولا أني أعلم أنك أكلت منه لأطعمتك واحدة» . # وقال رمضان: كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية «4» ، وكنت في الذنب وكان في ~~الصدر. فلما جاء وقت الغداء، أخرج من سلة له دجاجة وفرخا واحدا مبردا، ~~وأقبل بأكل ويتحدث ولا يعرض علي. ~~ وليس في السفينة غيري وغيره. فرآني أنظر اليه مرة، وإلى ما بين يديه مرة. ~~ فتوهم أني أشتهيه واستبطئه، فقال لي: «لم تحدق النظر؟ من كان عنده أكل ~~مثلي، ومن لم يكن عنده نظر مثلك» . قال: ثم نظر إلي وأنا أنظر إليه، فقال: ~~«يا هناه أنا رجل حسن الأكل، لا آكل إلا طيب الطعام PageV01P194 ~~ وأنا أخاف أن تكون عينك مالحة. وعين مثلك سريعة، فاصرف عني وجهك» قال: ~~فوثبت عليه، فقبضت على لحيته اليسرى، ثوم تناولت الدجاجة بيدي اليمنى، فما ~~زلت أضرب بها رأسه حتى تقطعت في يدي. ~~ ثم تحول إلى مكاني، فمسح وجهه ولحيته، ثم أقبل علي فقال: «قد أخبرتك أن ~~عينك مالحة ms107 «1» ، وأنك ستصيبني بعين» . قلت: «وما شبه هذا من العين» ؟ قال: ~~«إنما العين مكروه يحدث. فقد أنزلت بنا عينك أعظم المكروه» . فضحكت ضحكا ما ~~ضحكت مثله، وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحا، وحتى كأني لم أفرط عليه «2» . # هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا وما رأينا بعيوننا. # فأما أحاديث الأصمعي، وأبي عبيدة وأبي الحسن فإني لم أجد فيها ما يصلح ~~لهذا الموضع إلا ما قد كتبته في هذا الكتاب، وهي بضعة عشر حديثا: # قالوا: كان للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي «3» ، وهو على ~~الكوفة، جدي يوضع على مائدته بعد الطعام. ولم يكن أحد يمسه، إذ كان هو لا ~~يمسه. فأقدم عليه إعرابي يوما، ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه، فلم يرض بأكل ~~لحمه، حتى تعرق عظمه. فقال له المغيرة: «يا هذا، تطالب عظام هذا الجدي بذحل ~~«4» ؟ هل نطحتك أمة» ؟ وكان الأصمعي يقول: إنما قال: «يا هذا تطالب عظام ~~هذا البائس بذحل؟ هل نطحتك أمه» ؟ PageV01P195 # قال: وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق، فقال لرجل من الشرط: «إن أقدمت ~~على جدي الأمير، أسقطت عنك نوبة سنة «1» » . ~~ فبلغه ذلك، فشكاه إلى الحجاج «2» فعزله، وولى مكانه زياد بن جرير فكان ~~أثقل عليه من عبد الرحمن. ولم يقدر على عزله، إذ كان قبل الحجاج. فكان ~~المغيرة إذا خطب قال: «يا أهل الكوفة من بغاكم الغوائل «3» وسعى بكم إلى ~~أميركم، فلعنه الله ولعن أمه العوراء» . ~~ وكانت أم زياد عوراء. فكان الناس يقولون: «ما رأينا تعريضا قظ أطيب من ~~تعريضه» . # قالوا: وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسه، ولا يمسه أحد. فعشى في شهر رمضان ~~قوما فيهم أشعب. فعرض أشعب «4» للجدي من بينهم. ~~ فقال زياد: «أما لأهل السجن إما يصلي بهم» ؟ قالوا: «لا» . قال: ~~ «فليصل بهم أشعب» . فقال أشعب: «أو غير هذا أصلح الله الأمير» . ~~ قال: «وما هو» ؟ قال: أحلف بالمحرجات «5» أن لا آكل لحم جدي أبدا» . # قالوا: دعا عبد الملك بن قيس الذئبي رجلا من أشراف أهل البصرة، وكان عبد ~~الملك بخيلا على الطعام جوادا بالدراهم، PageV01P196 ~~ فاستصحب الرجل ms108 شاكرا «1» ، فلما رآه عبد الملك ضاق به ذرعا. فأقبل عليه، ~~فقال له: «ألف درهم خير لك من احتباسك علينا» . فاحتمل غرم ألف درهم، ولم ~~يحتمل أكل رغيف. # وتناول أعرابي من بين يدي سليمان بن عبد الملك «2» دجاجة، فقال له: ~~«يكفيك ما بين يديك وما يليك» . قال الأعرابي: «ومنها شيء حمى «3» » ؟ قال: ~~«فخذها لا بورك لك فيها» . # قالوا: وكان معاوية تعجبه القبة «4» . وتغدى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان ~~«5» ، فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية؛ قال معاوية: «إنك لبعيد النجعة ~~«6» » . قال صعصعة: «من أجدب انتجع «7» » . PageV01P197 # وقالوا: دخل هشام بن عبد الملك «1» حائطا له «2» ، فيه فاكهة وأشجار ~~وثمار، ومعه أصحابه؛ فجعلوا يأكلون ويدعون بالبركة. فقال هشام: «يا غلام ~~اقلع هذا واغرس مكانه زيتون» . # قالوا: وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي يأكل تمرا هو ~~وأصحابه. ~~ فانطفأ السراج، وكانوا يلقون النوى في طست، فسمع صوت نواتين فقال: «من ~~هذا الذي يلعب بالكعبين «3» » ؟ # وقالوا: باع حويطب بن عبد العزى «4» دارا من معاوية بخمسة وأربعين ألف ~~دينار؛ فقيل له: «أصبحت كثير المال» . قال: «وما منفعة خمسة وأربعين ألفا ~~مع ستة من العيال» ؟ # وقالوا: سأل خالد بن صفوان رجل فأعطاه درهما، فاستقله السائل. ~~ فقال: «يا أحمق إن الدرهم عشر العشرة، وإن العشرة عشر المائة، وإن المائة ~~عشر الألف، وإن الألف عشر العشرة آلاف. أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية ~~«5» مسلم» ؟ PageV01P198 # قالوا: كان بلال بن أبي بردة قد خاف الجذام، وهو والي البصرة. ~~ فوصفوا له الإستنقاع «1» في السمن. فكان إذا فرغ من الجلوس فيه أمر ~~ببيعه. فاجتنب الناس في تلك السنة أكل السمن. وكان يفطر الناس في شهر ~~رمضان، فكانوا يجلسون حلقا «2» ، وتوضع لهم الموائد، فإذا أقام المؤذن نهض ~~بلال الى الصلاة، ويستحي الآخرون. فإذا قاموا الى الصلاة جاء الخبازون ~~فرفعوا الطعام. # قالوا: واحتقن عمرو بن يزيد الأسدي «3» هو أحد الزعماء المشهورين في أيام ~~الأمويين بحقنة فيها أدهان؛ فلما حركته بطنه، كره أن يأتي الخلاء فتذهب تلك ~~الأدهان، فكان يجلس في الطست ويقول: «صفوا ms109 هذا، فإنه يصلح للسراج» . # قالوا: وخبرنا جار له، قال: «رأيته يتخلل «4» من الطعام بخلال واحد شهرا، ~~كلما تغدى حذف من رأسه شيئا، ثم تخلل به، ثم وضعه في مجرى دواته. # وقالوا: كان ذراع الذراع مع خالد بن صفوان، فوضعوا بين يديه دجاجة، وبين ~~يديه شيء من زيتون. فجعل يلحظ الدجاجة، فقال: ~~ «كأنك تهم بها» ، قال: «ومن يمنعني» ؟ قال: «إذا أصير أنا وأنت في مالي ~~سواء» . # قالوا: مد يده أبو الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرة السعدي، فقال: ~~«إذا أفردت بشيء فلا تعترض لغيره» . PageV01P199 # قالوا: ومات وعليه للدقاق «1» وحده ثمانون ألف درهم، لكثرة طعامه. # وقالوا: كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملا للحجاج على البصرة، فاستعمل على ~~العرق «2» جرير بن بيهس المازني، ولقب جرير العطرق. ~~ فخرج الحكم يتنزه، وهو باليمامة «3» ، فدعا العطرق الى غدائه، فأكل معه، ~~فتناول دراجة «4» كانت بين يديه، فعزله، وولى مكانه نويرة المازني، فقال: ~~نويرة، وهو ابن عم العطرق: # قد كان في العرق صيد لو قنعت به %~% فيه غنى لك عن دراجة الحكم # وفي عوارض لا تنفك تأكلها %~% لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم «5» # وفي وطاب مملاة مثممة %~% فيها الصريح الذي يشفي من القرم # فلما ولى مكانه نويرة بلغه أنه ابن عم له فعزله، فقال نويرة: # أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي %~% ونصحي، إذا ما بعتني بالمحلق «6» # ولا أنهل سراق العراقة صالح %~% علي، ولا كلفت ذنب العطرق «7» # فذهبت مثلا. PageV01P200 # وتناول رجل من قدام أمير كان لنا «1» ضخم، بيضة، فقال: «خذها فإنها بيضة ~~العقر «2» » . فلم يزل محجوبا حتى مات. # وأتى ضيعة له يتنزه اليها، ومعه خمسة رجال من خاصته، وقد حملوا معه طعام ~~خمسمائة. وثقل عليه أن يأكلوا معه؛ واشتد جوعه؛ فجلس على مشارة «3» بقل، ~~فأقبل ينتزع الفجلة، فيطوي جزرتها بعرقها، ثم يأكلها من غير أن تغسل، من ~~كلب «4» الجوع، ويقول لواحد منهم كان أقرب الخمسة إليه مجلسا: «لو قد ذهب ~~هؤلاء الثقلاء لقد أكلنا» . # قالوا: وأكل عبد الرحمن بن أبي بكرة «5» على خوان معاوية، فرأى لقم ms110 «6» ~~عبد الرحمن. فلما كان بالعشي، وراح إليه أبو بكرة، قال: ما فعل ابنك ~~التلقامة «7» » ؟ قال: «مثله لا يعدم العلة» . # وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي فرأى له لقما منكرا، وهاله ما يصنع. ~~ قال له: «ما اسمك» ؟ قال: «لقمان» . قال: «صدق أهلك. أنت لقمان» «8» . PageV01P201 # قالوا: «وكان له دكان لا يسع إلا مقعده، وطبيقا «1» يوضع بين يده. ~~ وجعله مرتفعا، ولم يجعل له عتبا، كي لا يرتقي اليه أحد. قالوا: فكان ~~أعرابي يتحين وقته، ويأتيه على فرس، فيصير كأنه معه على الدكان. فأخذ دبة ~~وجعل فيها حصى، واتكأ عليها. فإذا رأى الأعرابي قد أقبل، أراه كأنه يحول ~~متكأه، فإذا قعقعت الدبة «2» بالحصى نفر الفرس. قالوا: فلم يزل الأعرابي ~~يدنيه ويقعقع هو به، حتى نفر به فصرعه. فكان لا يعود بعد ذلك إليه. PageV01P202 ### | من أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي إلى الثقفي # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد، فإن جلوسك الى الأصمعي، وعجبك بسهل بن هارون، واسترجاحك «1» ~~إسماعيل بن غزوان، وطعنك على مويس بن عمران، وخلطتك «2» بابن مشارك، ~~واختلافك إلى ابن التوأم «3» ، وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه والقيام عليه ~~واصطناعه «4» ، وإطنابك في وصف الترويج والتثمير؛ وحسن التعهد والتوفير، ~~دليل خبيء سوء، وشاهد على عيب ودبر «5» بعد أن كنت تستثقل ذكرهم، وتستشنع ~~فعلهم، وتتعجب من مذهبهم وتسرف في ذمهم. وليس يلهج بذكر الجمع إلا من قد ~~عزم على الجمع «6» ، ولا يأنس بالبخلاء إلا المستوحش من الأسخياء. PageV01P203 # في تحفظك قول سهل بن هارون في «الاستعداد في حال المهلة، وفي الأخذ ~~بالثقة، وإن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة «1» ، وإن الحزم كل الحزم ~~والصواب كل الصواب، أن يستظهر على الحدثان «2» ، وأن يجعل ما فضل عن قوام ~~الأبدان ردءا دون صروف الزمان، فانا لا ننسب الى الحكمة حتى نحوط أصل ~~النعمة، بأن نجعل دون فضولها جنة. «3» » ، ~~ شاهد على عجبك بمذهبه، وبرهان على ميلك إلى سبيله. # وفي استحسانك رواية الأصمعي في أن أكثر أهل النار النساء والفقراء، وأن ~~أكثر أهل الجنة البله والأغنياء، وأن أرباب ms111 الدثور «4» هم الذين ذهبوا ~~بالأجور «5» ، برهان على صحة حكمنا عليك، ودليل على صواب رأينا فيك. # وفي تفضيلك كلام ابن غزوان حين قال: «تنعمتم بالطعام الطيب وبالثياب ~~الفاخرة وبالشراب الرقيق وبالغناء المطرب، وتنعمنا بعز الثروة وبصواب النظر ~~في العاقبة، وبكثرة المال والأمن من سوء الحال، ومن ذل الرغبة إلى الرجال ~~«6» والعجز عن مصلحة العيال، فتلك لذتكم، وهذه لذتنا. وهذا رأينا في التسلم ~~من الذم، وذاك رأيكم في التعرض للحمد. ~~ وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال، ويسر باللذات الصحيح الصادق ~~الحس. فأما الفقير فما أغناه عن الحمد، وأفقره إلى ما به يجد طعم PageV01P204 ~~ الحمد. والطعام الذي آثرتموه يعود رجيعا «1» ، والشارب يصير بولا، ~~والبناء يعود نقضا «2» ، والغناء ريح هابة ومسقط للمروءة، وسخافة تفسد، ~~ورنة تسير «3» . فلذتكم فيما حوى لكم الفقر ونقض المروءة، ولذتنا فيما حوى ~~لنا الغنى وبنى المروءة، فنحن في بناء وأنتم في هدم، ونحن في إبرام وأنتم ~~في نقض «4» ، ونحن في التماس العز الدائم مع فوت بع اللذة وأنتم في التعرض ~~للذل الدائم مع فوت كل المروءة» . # وقد فهمنا معنى حكايتك، وما لهجت به روايتك. والدليل على انتقاض طباعك ~~«5» وإدبار أمرك، استحسانك ضد ما كنت تستحسن، وعشقك لما كنت لم تزل تمقت، ~~فبعدا وسحقا. ولا يبعد الله إلا من ظلم. والشاعر أبصر بكم حيث يقول: # فإن سمعت بهلك للبخيل فقل %~% بعدا وسحقا له من هالك مودي «6» # تراثه جنة للوارثين إذا %~% أودى، وجثمانه للترب والدود # وقال آخر: # تبلى محاسن وجهه في قبره %~% والمال بين عدوه مقسوم # والحمد لله الذي لم يمتنى حتى أرانيك وكيلا في مالك «7» ، وأجيرا لوارثك. ~~وأما أنت فقد تعجلت الفقر قبل أوانه، وصرت كالمجلود في PageV01P205 ~~ غير لذة «1» . وهل يزيد حال من أنفق جميع ماله، ورأى المكروه في عياله، ~~وظهر فقره وشمت به عدوه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بغض عياله ~~«2» ، وعلى خشونة الملبس، وجشوبة المأكل «3» وهذا كله مجتمع في مسك «4» ~~البخيل، ومصبوب على هامة «5» الشحيح، ومعجل للئيم، وملازم للمنوع. إلا أن ~~المنفق قد ربح المحمدة، وتمنع بالنعمة، ms112 ولم يعطل المقدرة، ووفى كل خصلة من ~~هذه حقها، ووفر عليها نصيبها، والممسك معذب بحصر نفسه، وبالكد لغيره، مع ~~لزوم الحجة، وسقوط الهمة، والتعرض للذم والإهانة، ومع تحكيم المرة السوداء ~~في نفسه «6» ، وتسليطها على عرضه، وتمكينها من عيشه وسرور قلبه. # ولقد سرى إليك عرق، ولقد أدخل أعراقك خور «7» ، ولقد عمل فيها قادح، ولقد ~~غالها غول. وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف «8» ، ولا شيم أعرقت فيها ~~قريش. ولقد عرض لك إقراف، ولقد أفسدتك هجنة «9» . ولقد قال معاوية: «من لم ~~يكن من بني عبد المطلب جوادا فهو جميل، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو ~~لزيق «10» ، ومن لم PageV01P206 ~~ يكن من بني المغيرة تياها فهو سنيد «1» » . وقال سلم بن قتيبة: «إذا رأيت ~~الثقفي يعز من غير طعام «2» ، ويكسب لغير إنفاق، فبهرجه ثم بهرجه ثم بهرجه ~~«3» » ، وقال ابن أبي بردة: «لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة ~~مال» . # إن الله جواد لا يبخل، وصدوق لا يكذب، ووفي لا يغدر، وحليم لا يعجل، وعدل ~~لا يظلم. وقد أمرنا بالجود ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق ونهانا عن ~~الكذب، وأمرنا بالحلم ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل ونهانا عن الظلم، ~~وأمرنا بالوفاء ونهانا عن الغدر. فلم يأمرنا إلا بما اختاره لنفسه، ولم ~~يزجرنا «4» إلا عما لم يرضه لنفسه وقد قالوا بأجمعهم: ~~ «إن الله أجود الأجودين «5» وأمجد الأمجدين» . كما قالوا: «ارحم الراحمين ~~وأحسن الخالقين» . وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليم لأجوادهم: «لا ~~تجاودوا الله فإن الله جل ذكره أجود وأمجد» وذكر نفسه، جل جلاله وتقدست ~~اسماؤه فقال: «ذو الفضل العظيم» و «ذي الطول لا إله إلا هو» وقال: «ذو ~~الجلال والإكرام» . # وذكروا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لم يضع درهما على درهم، ولا ~~لبنة على لبنة، وملك جزيرة العرب، فقبض الصدقات، وجبيت له الأموال ما بين ~~عذار «6» العراق، إلى شحر عمان «7» ، إلى أقصى مخاليف «8» اليمن، ثم توفي ~~وعليه دين، ودرعه مرهونة. ولم يسأل حاجة قط فقال: «لا» ؛ PageV01P207 ~~ وكان إدا سئل أعطى، وإذا وعد أو أطمع، كان ms113 وعده كالعيان، وإطماعه ~~كالانجاز. ومدحته الشعراء بالجود، وذكرته الخطباء بالسماح. ~~ ولقد يهب للرجل الواحد الضاجعة «1» من الشاء، والعرج «2» من الإبل. ~~ وكان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير، فيقال وهب هنيدة «3» . ~~ وإنما يقال ذلك إذا أريد بالقول غاية المدح. ولقد وهب لرجل ألف بعير، ~~فلما رآها تزدحم في الوادي قال: «أشهد أنك نبي، وما هذا مما تجود به ~~الأنفس» . # وفخرت هاشم على سائر قريش، فقالوا: «نحن أطعم للطعام، وأضرب للهام» ~~وذكرها بعض العلماء، فقالوا: «أجواد مجاد ذوو ألسنة حداد» «4» . وأجمعت ~~الأمم كلها، بخيلها وسخيها وممزوجها، على ذم البخل وحمد الجود، كما أجمعوا ~~على ذم الكذب وحمد الصدق. وقالوا: ~~ «أفضل الجود الجود بالمجهود» . وحتى قالوا في جهد المقل «5» ، وفيمن أخرج ~~الجهد، وأعطى الكل، وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على من جاد بماله، فقال ~~الفرزدق «6» : # على ساعة لو كان في القوم حاتم %~% على جوده ضنت له نفس حاتم # ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة «7» ، وقد PageV01P208 ~~ جاد بحوبائه عند المصافنة «1» فما رأينا عربيا سفه حلم حاتم بجوده بجميع ~~ماله، ولا رأينا أحدا منهم سفه حلم كعب على جوده بنفسه. بل جعلوا ذلك من ~~كعب لإياد مفخرا، وجعلوا ذلك من حاتم لطيء مأثرة، ثم لعدنان على قحطان «2» ~~، ثم للعرب على العجم، ثم لسكان جزيرة لعرب، ولأهل تلك التربة، على سائر ~~الجزائر والترب. # فمن أراد أن يخالف ما وصف الله جل ذكره به نفسه، وما منح من ذلك نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة والأمم كافة، لم يكن عندنا ~~فيه إلا إكفاره واستسقاطه «3» . # ولم نر الأمة أبغضت جوادا قط ولا حقرته، بل أحبته وأعظمته. بل أحبت عقبه، ~~وأعظمت من أجله رهطه. ولا وجدناهم أبغضوا جوادا، لمجاوزته حد الجود الى ~~السرف، ولا حقرته، بل وجدناهم يتعلمون مناقبه «4» ، ويدارسون محاسنه، وحتى ~~أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله، ونحلوه «5» من غرائب الكرم ما لم ~~يكن يبلغه. ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف، كما ms114 تضاعف الحسنات في ~~الآخرة. نعم وحتى أضافوا إليه كل مديح شارد «6» ، وكل معروف مجهول الصاحب. ~~ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضد هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب. ~~وجدناهم يبغضونه مرة، ويحقرونه مرة، PageV01P209 ~~ ويبغضون، بفضل بغضه «1» ، ولده، ويحتقرون، بفضل احتقارهم له، رهطه، ~~ويضيفون اليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه، ومن غرائب البخل ما لم يفعله، ~~وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء، بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء. # وعلى أنا لا نجد الجوائح «2» الى أموال الأسخياء أسرح منها إلى أموال ~~البخلاء، ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقل. # والبخيل عن الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحق عندهم اسم ~~البخل، ويستوجب الذم، من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه، ولا حاجة إلا قضاها، ~~ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايتها. وإنما يقع عليه اسم البخيل إذا كان ~~زاهدا في كل ما أوجب الشكر، ونوه بالذكر، وأذخر الأجر. # وقد يعلق «3» البخيل على نفسه من المؤن، ويلزمها من الكلف، ويتخذ من ~~الجواري والخدم، ومن الدواب والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البزة الفاخرة ~~والشارة الحسنة، ما يربي «4» على نفقة السخي المثري، ويضعف على جود الجواد ~~الكريم. فيذهب ماله وهو مذموم، ويتغير حاله وهو ملوم. وربما غلب عليه حب ~~القيان «5» ، واستهتر بالخصيان «6» ، وربما أفرط في حب الصيد، واستولى عليه ~~حب المراكب. وربما كان اتلافه في العرس والخرس «7» PageV01P210 ~~ والوليمة، وإسرافه في الأعذار «1» وفي العقيقة «2» والوكيرة «3» . وربما ~~ذهبت أمواله في الوضائع «4» والودائع. وربما كان شديد البخل، شديد الحب ~~للذكر، ويكون بخله أوسخ، ولومه أقبح، فينفق أمواله، ويتلف خزائنه، ولم يخرج ~~كفافا، ولم ينج سليما «5» . # كأنك لم تر بخيلا مخدوعا، وبخيلا مفتونا، وبخيلا مضياعا، وبخيلا نفاجا ~~«6» . أو بخيلا ذهب ماله في البناء، أو بخيلا ذهب ماله في الكيمياء «7» ، ~~أو بخيلا أنفق ماله في طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفي طلب الولايات والدخول ~~في القبالات» ~~ ، وكانت فتنته بما يؤمل من الأمرة، فوق فتنته بما قد حواه من الذهب ~~والفضة. قد رأيناه «9» ينفق على ms115 مائدته وفاكهته ألف درهم في كل يوم وعنده ~~في كل يوم عرس «10» ، ولأن يطعن طاعن في الإسلام أهون عليه من أن يطعن في ~~الرغيف الثاني، ولا شق عصا الدين أشد عليه من شق رغيف. لا يعد الثلمة «11» ~~في عرضه ثلمة، ويعدها في ثريدته من أعظم الثلم. ~~ وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع، والجوائح عليهم PageV01P211 ~~ أكلب «1» ، لأنهم أقل توكلا وأ سوأ بالله ظنا. والجواد إما أن يكون ~~متوكلا، وإما أن يكون أحسن بالله ظنا. وهو على كل حال بالمتوكل أشبه، وإلى ~~ما أشبهه أنزع «2» ، وكيفما دار أمره، ورجعت الحال به، فليس ممن يتكل على ~~حزمه، ويلجأ إلى كيسه «3» ، ويرجع إلى جودة إحتياطه، وشدة احتراسه. واعتلال ~~البخيل بالحدثان «4» ، وسوء الظن بتقلب الزمان، إنما هو كناية عن سوء الظن ~~بخالق الحدثان وبالذي يحدث، وأهل الزمان. وهل تجري الأحداث إلا على تقدير ~~المحدث لها، وهل تختلف الأزمنة «5» إلا على تصريف من دبرها؟ أولسنا وإن ~~جهلنا أسبابها، فقد أيقنا بأنها تجري إلى غاياتها؟ # والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر، وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة ~~منهم أو طبيعة فيهم، إنك قد تجد الملك بخيلا، ومملكته أوسع، وخرجه أدر «6» ~~، وعدوة أسكن، وتجد أحزم منه جوادا، وإن كانت مملكته أضيق، وخرجه أقل، ~~وعدوه أشد حركة. # وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس فكرة وروية، وأذهلهم عن معرفة العاقبة. ~~فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدهم «7» ونقص عقولهم وقلة معرفتهم، لكان ~~ينبغى لفارس أن تكون أبخل من الروم، وتكون الروم أبخل من الصقالبة «8» . ~~وكان ينبغي للرجال، في الجملة، أن يكونوا PageV01P212 ~~ أبخل من النساء في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، ~~وكان ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلا أعقل من أسد الأجواد عقلا. وكان ينبغي ~~للكلب، وهو المضروب به المثل في اللؤم، أن يكون أعرف بالأمور من الديك ~~المضروب به المثل في الجود «1» . وقالوا: «هو أسخى من لافظة «2» ، وألأم من ~~كلب على جيفة، وألأم من كلب على عرق «3» » . وقالوا: «أجع «4» كلبك يتبعك» ~~، ونعم كلب ms116 في بؤس أهله، وأسمن كلبك يأكلك، واحرص من كلب على عقي «5» صبي، ~~وأجوع من كلبة حومل «6» ، ولهو أبذأ من كلب، وحش فلان من خرء الكلب، وأخس ~~كما يقال للكلب، وكالكلب في الأري «7» : لا هو يعتلف، ولا هو يترك الدابة ~~تعتلف، وقال الشاعر: # سرت ما سرت من ليلها، ثم عرست %~% على رجل بالعرج ألأم من كلب «8» # وقال الله جل ذكره: «فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، أو PageV01P213 ~~ تتركه يلهث» . وكان ينبغي في هذا القياس أن يكون المراوزة «1» ، أعقل ~~البرية وأهل خراسان أدرى البرية. # ونحن لا نجد الجواد يفر من اسم السرف الى الجود، كما نجد البخيل يفر من ~~اسم المتهور «2» ، والمستحي يفر من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجنان: ~~«وقاح» «3» لجزع. فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود ~~أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين ~~قدره، ويظهر فضله. # المال فاتن، والنفس راغبة، والأموال ممنوعة، وهي على ما منعت حريصة، ~~وللنفوس في المكاثرة «4» علة معروفة، ولأن من لا فكرة له ولا روية، موكل ~~بتعظيم ذي الثروة، وإن لم يكن منه مناله «5» . وقد قال الأول: # وزادها كلفا بالحب أن منعت %~% أحب شيء إلى الإنسان ما منعا «6» # وفي بعض كتب الفرس: «كل عزيز تحت القدرة فهو ذليل» ، وقالت معاذة العدوية ~~«7» : «كل مقدور عليه، فمقلو «8» أو محقور» . # ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم ~~كثيرا مما يطلبون، ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون. وهذا بعض ما بغض ~~بعض المورثين الى الوارثين، وزهد الأخلاف في طول عمر الأسلاف. PageV01P214 ~~ ولو كانوا لأولادهم يمهدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخصيان الأموال، ولما ~~كنز الرهبان الكنوز، ولا ستراح العاقر من ذل الرغبة، ولسلم العقيم «1» من ~~كد الحرص. وكيف ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتل به، والذي من ~~أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع ~~والمنع. # والعامة لم تقصر في الطلب، والحكرة «2» والبخلاء ms117 لم يحدوا شيئا من جهدهم، ~~ولا أعفوا بعد قدرتهم، ولا قصروا في شيء من الحرص والحصر، لأنهم في دار ~~قلعة، وبعرض نقلة «3» . حتى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول. ~~فالبخيل مجتهد، والعامي غير مقصر. فمن لم يستعن على ما وصفنا، بطبيعة قوية، ~~وبشهوة شديدة، وبنظر شاف، كان إما عاميا، وإما شقيا، فيقيم اعتلالهم ~~بأولادهم، واحتجاجهم بخوف التلون من أزمنتهم. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوافد كذب عنده كذبة، وكان جوادا: ~~«لولا خصلة ومقك «4» الله عليها، لشردت بك من وافد قوم» . وقيل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: «هل لك في بيض النساء، وأدم» ~~ الإبل» ؟ قال: «ومن هم» ؟ قيل: «بنو مدلج» «6» . ~~ قال: «يمنعني من ذاك قراهم الضيف، وصلتهم الرحم» . وقال لهم أيضا: ~~ «إذا نحروا ثجوا «7» ، وإذا لبوا عجوا «8» » . وقال للأنصار: «من سيدكم» ~~؟ ~~ قالوا: «جد «9» بن قيس، على أنه يزن «10» فينا ببخل» . فقال: «وأي داء ~~أدوى PageV01P215 ~~ من البخل» ! فجعله داء، ثم جعله من أدوى الداء. وقال للأنصار: «أما والله ~~ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع «1» » . وقال: «كفى ~~بالمرء حرصا ركوبه البحر «2» » . وقال: «لو أن لابن آدم واديين «3» من مال ~~لابتغى ثالثا، ولا يشبع ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» . ~~وقال: السخاء من الحياء، والحياء من الإيمان» . وقال: «إن الله جواد يحب ~~الجود» . وقال: ~~ «أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . وقال: «لا توكيء فيوكأ ~~عليك «4» . وقال: «لا تحص فيحصى عليك «5» » . وقالوا: «لا ينفعك من زاد ما ~~تبقى» . ولم يسم الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن يضع من أقدارهما، ~~ومن فتنة الناس بهما. وقال لقيس بن عاصم «6» : «إنما لك من مالك ما أكلت ~~فأفنيت، وما لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فللوارث» . # وقال النمر بن تولب «7» : # وحثت على جمع ومنع، ونفسها %~% لها في صروف الدهر حق كذوب «8» # وكائن رأينا من كريم مرزأ %~% أخي ثقة طلق اليدين وهوب «9» PageV01P216 # شهدت وفاتوني وكنت حسبتني %~% فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي «1» # أعاذل إن يصبح صداي ms118 بقفرة %~% بعيدا نآني صاحبي وقريبي «2» # ترى أن ما أبقيت لم أك ربه %~% وأن الذي أمضيت كان نصيبي «3» # وذي إبل يسعى ويحسبها له %~% أخي نصب في سقيها ودؤوب «4» # غدت وغدا رب سواه يسوقها %~% وبدل احجارا وجال قليب «5» # وقال أيضا: # قامت تباكى ان سبأت لفتية %~% زقا وخابية بعود مقطع «6» # وقريت في مقرى قلائص أربعا %~% وقريت بعد قرى قلائص أربع «7» # أتبكيا من كل شيء هين %~% سفه بكاء العين ما لم تدمع «8» # فإذا أتاني إخوتي فدعيهم %~% يتعللوا في العيش أو يلهوا معى «9» # لا تطرديهم عن فراشي، إنه %~% لا بد يوما ان سيخلو مضجعي «10» PageV01P217 # هلا سألت بعادياء وبيته %~% والخيل والخمر التي لم تمنع «1» # وقال الحارث بن حلزة «2» : # بينا الفتى يسعى ويسعى له %~% تاح له من أمره خالج «3» # يترك ما رقح من عيشه %~% يعيث فيه همج هامج «4» # لا تكسع الشول بأغبارها %~% إنك لا تدري من الناتج «5» # وقال الهذلي: # إن الكرام مناهبو %~% ك المجد كلهم فناهب «6» # أخلف وأتلف، كل شي %~% ء ذرعته الريح ذاهب «7» # وقالت إمرأة: # أنت وهبت الفتية السلاهب %~% وإبلا يحار فيها الحالب «8» # وغنما مثل الجراد الهارب %~% متاع أيام وكل ذاهب «9» PageV01P218 # وقال تميم بن مقبل: # فأخلف وأتلف، إنما المال عارة %~% وكله مع الدهر الذي هو آكله «1» # وقال أبو ذر: «لك في مالك شريكان: الوارث والحدثان» . وقال الحطيئة «2» : # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه %~% لا يذهب العرف بين الله والناس # وجاء في الأثر: إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة. وفي ~~المثل: «إصنع الخير ولو إلى كلب» . وقال في الحث على القليل فضلا على ~~الكثير، قال الله جل ذكره: «فمن يعمل مثقال «3» ذرة خيرا يره، ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره» ، وقالت عائشة في حبة عنب: «إن فيها لمثاقيل ذر» ، ~~ولذلك قالوا في المثل: «من حقر حرم «4» » . وقال سلم بن قتيبة: «يستحي ~~أحدهم من تقريب القليل من الطعام، ويأتي أعظم منه» ، وقال: «جهد المرء أكثر ~~من عفوه» . وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جهد المقل على عفو المكثر، ~~وإن كان مبلغ جهده قليلا، ومبلغ ms119 عفو المكثر كثيرا. وقالوا: «لا يمنعك من ~~معروف صغره» . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» ~~وقال: «لا تردوا السائل ولو بظلف «5» محرق» وقال: «لا تردوه ولو بفرسن «6» ~~شاة» ، وقال: «لا تحقروا اللقمة، فإنها تعود كالجبل العظيم، لقول الله جل ~~ذكره) «يمحق الله الربا PageV01P219 ~~ ويربي الصدقات» ، وقال: «لا تردوه ولو بصلة حبل «1» » . وقالت العرب: ~~ «أتاكم أخوكم يستتمكم «2» ، فأتموا له» ، وقالوا: «مانع الإتمام ألأم» «3» . # وقالوا: «البخيل إن سأل ألحف «4» ، وإن سئل سوف «5» » وقالوا: «إن سئل ~~جحد، وإن أعطى حقد» ، وقالوا: «يرد قبل أن يسمع، ويغضب قبل أن يفهم» ، ~~وقالوا: «البخيل إذا سئل ارتز «6» ، وإذا سئل الجواد اهتز» . ~~ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ينادي كل يوم مناديان من السماء، يقول ~~أحدهما: اللهم عجل لمنفق خلفا، ويقول الآخر: اللهم عجل لممسك تلفا» . ~~وقالوا: «شر الثلاثة المليم، يمنع دره ودر غيره «7» » . وقال الله جل ذكره: ~~«الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل» . وقالوا في المثل، إذا ألجأه الدهر ~~إلى بخيل: «شر ما ألجأك إلى مخة عرقوب «8» » وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: قل العدل، وأعط الفضل» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «أنهاكم عن عقوق ~~الأمهات ووأد البنات ومنع وهات» «9» . وقال الله عز وجل: «ويطعمون الطعام ~~على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا» ، وقال: ~~ «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» وقال: «ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة، «10» ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» . وقالوا في ~~الصبر على النائبة، وفي عاقبة الصبر: «عند الصباح يحمد القوم السرى «11» » ، PageV01P220 ~~ وقالوا: «الغمرات «1» ثم ينجلينا» وقال الخريمي: # ودون الندى في كل قلب ثنية %~% لها مصعد حزن ومنحدر سهل «2» # وود الفتى في كل نيل ينيله %~% إذا ما انقضى لو أن نائله جزل «3» # وقالوا: خير الناس خير الناس للناس، وشر الناس شر الناس للناس» ، وقالوا: ~~«خير مالك ما نفعك» ، وقالوا: «عجبا لفرط الكبرة مع شباب الرغبة» ، وقال ~~الراجز: # كلنا يأمل مدا في الأجل %~% والمنايا هي آفات الأمل # وقال عبيد الله بن عكراش: «4» : «زمن خؤون ووارث شفون وكاسب حزون ms120 «5» ، ~~فلا تأمن الخؤون وكن وارث الشفون» ، وقال: يهرم ابن آدم ويشب معه خصلتان: ~~الحرص والأمل» . وكانوا يعيبون من يأكل وحده، وقالوا: «ما أكل ابن عمر «6» ~~وحده قط» ، وقالوا: «ما أكل الحسن وحده قط» . وسمع مجاشع الربعي قولهم: ~~«الشحيح أعذر من الظالم» فقال: ~~ «أخزى الله أمرين خيرهما الشح» . وقال بكر بن عبد الله المزني: «لو كان ~~هذا المسجد مفعما بالرجال، ثم قيل لي من خيرهم؟ لقلت: خيرهم لهم» . وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بشراركم» ؟ قالوا: «بلى يا رسول ~~الله» قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده» . وقالت امرأة عند جنازة ~~رجل: «أما والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك «7» » . PageV01P221 ### || رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي: # فلما بلغت الرسالة ابن التوأم كره أن يجيب أبا العاص، لما في ذلك من ~~المنافسة «1» والمباينة «2» ، وخاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك، فكتب ~~هذه، وبعث بها الى الثقفي: # بسم الله الرحمن الرحيم. # أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا، وتنويهه بأسمائنا، ~~وتشنيعه علينا. وليس يمنعنا من جوابه إلا لأنه، إن أجابنا، لم يكن جوابنا ~~إياه على قوله الثاني، أحق بالترك من جوابنا على قوله الأول، فإن نحن جعلنا ~~لابتدائه جوابا، وجعلنا لجوابه الثاني جوابا، خرجنا الى التهاتر، وصرنا الى ~~التخاير «3» . ومن خرج الى ذلك، فقد رضي باللجاج «4» حظا، وبالسخف نصيبا. # وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى. ومن وقاه الله سوء ~~التكفي وسحفه، وعصمه من سوء التصميم ونكده، فقد اعتدلت طبائعه وتساوت ~~خواطره. ومن قامت أخلاطه على الاعتدال، وتكافأت خواطره في الوزن، لم يعرف ~~من الأعمال إلا الإقتصاد، ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير والإفراط، ~~لأن الموزون لا يولد إلا موزونا، كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفا. ~~فالمتتابع لا يثنيه زجر، وليست له غاية دون التلف، والمتكفي ليس له مأتى، ~~ولا جهة، ولا له رقية «5» ، ولا PageV01P222 ~~ فيه حيلة. وكل متلون في الأرض فمنحل العقد، ميسر لكل ربح. # فدع عنك ms121 خلطة الإمعة، فإنه حارض «1» لا خير فيه، واجتنب ركوب الجموع فإن ~~غايته قبل الذواق. ولا خير في المتلون ذي البدوات، ولا في الحرون «2» ذي ~~التصميم. والمتلون شر من المصمم، إذ كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها، ولا ~~جهة يعمل عليها. ولذلك صار العاقل يخدع العاقل، ولا يخدع الأحمق، لأن أبواب ~~تدبير العاقل وحيله معروفة، وطرق خواطره مسلوكة، ومذاهبه محصورة معدودة، ~~وليس لتدبير الأحمق وحيلة جهة واحدة، ومن أخطأها كذب، والخبر الصادق عن ~~الشيء الواحد واحد، والخبر الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد، ولا ~~يوقف منه على حد. والمصمم قتله بالإجهاز، والمتلون قتله بالتعذيب. # فإن قلنا فليس إليه نقصد، وإن احتججنا فلسنا عليه نرد. ولكنا إليك نقصد ~~بالقول، وإليك نريد بالمشورة. وقد قالوا: «إحفظ سرك، فإن سرك من دمك» . ~~وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك. قال المنجاب العنبري: «ليس ~~بكبير ما أصلحه المال» . وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور، ~~ولهذا قالوا في الإبل: ~~ «لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم «3» » ، فالشيء الذي هو ثمن الإبل ~~وغير الإبل أحق بالصون. وقد قضوا بأن حفظ المال أشد من جمعه. ~~ ولذلك قال الشاعر: # وحفظك مالا قد عنيت بجمعه %~% أشد من الجمع الذي أنت طالبه PageV01P223 # ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها، حين قال له البائع: «دفعتها «1» إليك ~~بطيئة الإجابة، عظيمة المؤونة» قال: «دفعتها إليك بطيئة الإجتماع، سريعة ~~التفرق» . # والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا. واعلم أن التخلص من نزوات ~~«2» الدرهم وتفلته والتحرز من سكر الغنى، وتقلبه شديد، فلو كان إذا تفلت ~~كان حارسه صحيح العقل، سليم الجوارح، لرده في عقاله، ولشده بوثاقه. ولكنا ~~وجدنا ضعفه عن ضبطه، بقدر قلقه في يده. ولا تغتر بقولهم: ~~ «مال صامت» «3» ، فإنه أنطق من كل خطيب، وأنم من كل نمام. فلا تكترث ~~بقولهم: «هذين الحجرين «4» » ، وتتوهم جمودهما وسكونهما، وقلة ظعنهما، وطول ~~إقامتهما، فإن عملهما وهما ساكنان، ونقضهما للطبائع، وهما ثابتان، أكثر من ~~صنيع السم الناقع «5» ، والسبع العادي. فإن كنت ms122 لا تكتفي بصنعة حتى تفقده، ~~ولا تحتال فيه حتى تحتال له، فالقبر خير لك من الفقر، والسجن خير لك من ~~الذل. # وقولي هذا مر يعقب حلاوة الأبد، وقول أبي العاص حلو يعقب مرارة الأبد. ~~فخذ لنفسك بالثقة، ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك، فإن ~~الشاعر يقول: # أنى أتيح لها حرباء تنضبة %~% لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا «6» PageV01P224 # واحذر أن تخرج من مالك درهما، حتى ترى مكانه خيرا منه. ولا تنظر إلى ~~كثرته، فإن رمل عالج «1» لو أخذ منه، ولم يرد عليه، لذهب عن آخره. # إن القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله، وفي ذكر الكرم وتشريفه، وسموا ~~السرف جودا وجعلوه كرما. وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنفج «2» ~~؟ وكيف والعطاء لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق، وليس وراء الحق إلى ~~الباطل كرم؟ وإذا كان الباطل كرما كان الحق لؤما. والسرف، حفظك الله، ~~معصية، وإذا كانت معصية الله كرما، كانت طاعته لؤما. ولئن جمعهما إسم واحد، ~~وشملهما حكم واحد (ومضادة الحق للباطل، كمضادة الصدق للكذب، والوفاء للغدر، ~~والجور للعدل، والعلم للجهل) ليجمعن هذه الخصال اسم واحد، وليشملنها حكم ~~واحد. # وقد وجدنا الله عاب السرف، وعاب الحمية «3» ، وعاب العصبية، ووجدناه قد ~~خص السرف بما لم يخص به الحمية، لأنه ليس حب المرء لرهطه من العصبية، ولا ~~أنفته من الضيم من حمية الجاهلية. وإنما العصبية ما جاوز الحق، والحمية ~~المعيبة ما تعدى القصد. فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محمودا ومذموما وما وجدنا ~~اسم العصبية ولا اسم السرف يقع أبدا إلا مذموما «4» وإنما يسر باسم السرف ~~جاهل لا علم له، أو رجل إنما يسر به لأن أحدا لا يسميه مسرفا، حتى يكون ~~عنده قد جاوز حد الجود، وحكم له بالحق، ثم أردفه بالباطل. فإن سر من غير ~~هذا الوجه، فقد شارك المادح في الخطأ، وشاكله في وضع الشيء في غير موضعه. PageV01P225 # وقد أكثروا في ذكر الكرم. وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم ~~يعدمها بعض الذم، وليس ms123 شيء يخلو من بعض النقص والوهن. وقد زعم الأولون أن ~~الكرم بسبب الغنى «1» ، وأن الغنى يسبب البله «2» ، وأنه ليس وراء الأبله ~~إلا المعتوه. وقد حكوا عن كسرى أنه قال: «احذروا صولة الكريم إذا جاع، ~~واللئيم إذا شبع» ، وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف، أم جاع فكذب وضرع وأسف «3» ~~، وسواء جاع فظلم غيره، أم جاع فظلم نفسه، والظلم لؤم. وإن كان الظلم ليس ~~بلؤم فالإنصاف ليس بكرم. وإن كان الجود، على من لا يستحق الجود كرما، ~~فالجود لمن وجب له ذلك ليس بكرم. فالجود إذا كان لله فكان شكرا له، والشكر ~~كرم. فكيف يكون الجود، إذا كان معصية كرما، وكيف يتكرم من يتوصل بأياديك ~~الى معصيتك، وبنعمك الى سخطك؟ فليس الكرم إلا الطاعة، وليس اللؤم إلا ~~المعصية، وليس بجود ما جاوز الحق، وليس بكرم ما خالف الشكر. ولئن كان مجاوز ~~الحق كريما، ليكونن المقصر دونه كريما. # فإن قضيتم بقول العامة، فالعامة ليست بقدوة. وكيف يكون قدوة من لا ينظر ~~ولا يحصل ولا يفكر ولا يمثل «4» ؟ وإن قضيتم بأقاويل الشعراء، وما كان عليه ~~أهل الجاهلية الجهلاء، فما قبحوه مما لا يشك في حسنه أكثر من أن نقف عليه، ~~أو نتشاغل باستقصائه. على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر، كما أنه ليس ~~ببخل إلا ما أوجب اللوم. ولن تكون العطية نعمة على المعطى حتى يراد بها نفس ~~ذلك المعطى «5» . ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد. وكل من كان جوده ~~يرجع إليه، ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيأ له ذلك PageV01P226 ~~ المعنى في سواك لما قصد إليك، فإنما جعلك معبرا لدرك حاجته، ومركبا لبلوغ ~~محبته. ولولا بعض القول لوجب لك الحق عليه حق يجب به الشكر. فليس يجب لمن ~~كان كذلك شكر، وإن انتفعت بذلك منه، إذا كان لنفسه عمل. لأنه لو تهيأ له ~~ذلك النفع في غيرك، لما تخطاه اليك. # وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل، الذي إن ~~جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من ms124 غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع، ~~على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له. فإن شكرنا للناس على بعض ما ~~قد جرى لنا على أيديهم، فإنما هو لأمرين: أحدهما التعبد، وقد تعبد الله ~~بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين، وتعظيم من هو أسن منا وإن كنا أفضل ~~منهم. والآخر لأن النفس ما لم تحصل الأمور وتميز المعاني، فالسابق إليها حب ~~من جرى لها على يده خير، وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها. # ووجدنا عطية الرجل لصاحبه لا تخلو أن تكون لله، أو لغير الله. فإن كانت ~~لله، فثوابه على الله. وكيف يجب علي في حجة العقل شكره، وهو لو صادف ابن ~~سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني، وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر، فإذا كان ~~الأمر كذلك، فإنما جعلني سلما الى تجارته، وسببا إلى بغيته، أو يكون إعطاؤه ~~إياي من طريق الرحمة والرقة، ولما يجد في فؤاده من العصر والألم، فإن كان ~~لذلك أعطى، فإنما داوى نفسه من دائه، وكان كالذي رفه من خناقه «1» . وإن ~~كان إنما أعطاني على طلب المجازاة وحب المكافأة فأمر هذا معروف، وإن كان ~~إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني، أو اجترار معونتي ونصرتي، فسبيله سبيل ~~جميع ما وصفنا وفصلنا. # فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة، والآخر مجاز «2» . فالحقيقة ما كان من ~~الله، والمجاز المشتق له من هذا الإسم. وما كان لله كان ممدوحا، وكان لله PageV01P227 ~~ طاعة. وإذا لم تكن العطية من الله ولا لله، فليس يجوز هذا فيما سموه ~~جودا، فما ظنك بما سموه سرفا؟. # أفهم ما أنا مورده عليك وواصفه لك: إن التربح «1» ، والتكسب، والاستئكال ~~«2» بالخديعة، والطعم الخبيثة، فاشية غالبة، ومستفيضة ظاهرة. ~~ على أن كثيرا ممن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرم، والى الصيانة والتوقي، ~~لبأخذ من ذلك بنصيب وافر، وبمد واف. فما ظنك بدهماء «3» الناس وجمهورهم؟ بل ~~ما ظنك بالشعراء والخطباء الذين إنما تعلموا المنطق لصناعة التكسب؟ وهؤلاء ~~قوم بودهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حد السلامة الى الغفلة، حتى ms125 لا يكون ~~للأموال حارس ولا دونها مانع. فاحذرهم، ولا تنظر إلى بزة «4» أحدهم، فإن ~~المسكين أقنع منه، ولا تنظر إلى مركبه فإن السائل أعف منه «5» . وأعلم أنه ~~في مسك مسكين، إن كان في ثياب جياد، وروحه روح نذل، وإن كان في جرم ملك «6» ~~وكلهم وإن اختلفت وجوه مسألتهم واختلفت أقدار مطالبهم، فهو مسكين. إلا أن ~~واحدا يطلب العلق «7» ، وآخر يطلب الخرق «8» ، وآخر يطلب الدوانيق «9» ، ~~وآخر يطلب الألوف. فجهة هذا هي جهة هذا، وطعمة هذا هي طعمة هذا. وإنما ~~يختلفون في أقدار ما يطلبون، على قدر الحذق والسبب. فاحذر رقاهم «10» ، وما ~~نصبوا لك من الشرك، واحرس PageV01P228 ~~ نعمتك وما دسوا لها من الدواهي. واعمل على أن سحرهم يسترق الذهن ويختطف ~~البصر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان سحرا» ، وسمع عمر ~~بن عبد العزيز يتكلم في حاجة فقال: «هذا والله السحر الحلال» ، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خلابة «1» » . واحذر احتمال مديحهم، فإن ~~محتمل المديح في وجهه، كمادح نفسه. # إن مالك لا يسع مريديه ولا يبلغ رضى طالبيه. ولو أرضيتهم باسخاط مثلهم، ~~لكان ذلك خسرانا مبينا. فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى، وهجاء الساخط أضر من ~~فقد مديح الراضي؟ وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم وتداولوك بسهامهم «2» ، ~~لم تر ممن أرضيته في أسخاطهم أحدا يناضل عنك ولا يهاجي شاعرا دونك، بل ~~يخليك غرضا لسهامهم ودريئة لنبالهم، ثم يقول: وما كان عليه لو أرضاهم؟ فكيف ~~يرضيهم، ورضى الجميع شيء لا ينال؟ وقد قال الأول: وكيف يتفق لك رضى ~~المختلفين؟ وقالوا: منع الجميع أرضى للجميع. # إني أحذرك مصارع المخدوعين، وأرفعك عن مضاجع المغبونين. إنك لست كمن لم ~~يزل يقاسي تعذر الأمور، ويتجرع «3» مرار العيش، ويتحمل ثقل الكد، ويشرب ~~بكأس الذل، حتى كاد يمرن على ذلك جلده ويسكن عليه قلبه. وفقر مثلك مضاعف ~~الألم، وجزع من لم يعرف الألم أشد. ومن لم يزل فقيرا فهو لا يعرف الشامتين، ~~ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين، ولا يلام على فقره، ولا يصير ms126 موعظة ~~لغيره، وحديثا يبقى ذكره، ويعلنه بعد الممات ولده. # دعني من حكايات المستأكلين ورقى الخادعين، فما زال الناس يحفظون PageV01P229 ~~ أموالهم من مواقع السرف، ويجنبونها وجوه التبذير. ودعني مما لا نراه إلا ~~في الأشعار المتكلفة والأخبار المولدة والكتب الموضوعة، فقد قال بعض أهل ~~زماننا: «ذهبت المكارم إلا من الكتب» . فخذ فيما تعلم، ودع نفسك مما لا ~~تعلم. # هل رأيت أحدا قط أنفق ماله على قوم كان غناهم سبب فقره أنه سلم عليهم حين ~~افتقر فردوا عليه فضلا على غير ذلك؟ أولست قد رأيتهم بين محمق «1» ومحتجب ~~عنه، وبين من يقول: فهلا أنزل حاجته بفلان الذي كان يفضله ويقدمه ويؤثره ~~ويخصه؟ ثم لعل بعضهم أن يتجنى عليه ذنوبا ليجعلها عذرا في منعه وسببا إلى ~~حرمانه. # قال الله جل ذكره: «يوم يكشف عن ساق ويدعون الى السجود فلا يستطيعون ~~خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون الى السجود وهم سالمون» «2» . ~~فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر والأمر والنهي، وأنت سالم العقل والعرض، ~~وافر المال حسن الحال. فاتق أن أقوم غدا على رأسك بالتقريع والتعبير ~~وبالتوبيخ والتأنيب، وأنت عليل القلب مختل العرض «3» ، عديم من المال سيء ~~الحال. # ليس جهد البلاء «4» مد الأعناق وانتظار وقع السيوف، لأن الوقت قصير والحس ~~مغمور «5» . ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة «6» وتطول المدة وتعجز الحيلة، ~~ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عم شامتا، وجارا حاسدا، ووليا قد PageV01P230 ~~ تحول عدوا، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة «1» ، وعبدا يحقرك وولدا ~~ينتهرك. ~~ فانظر أين موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك من هذا البلاء. # على أن الثناء طعم «2» ولعلك ألا تطعمه، والحمد أرزاق ولعلك أن تحرمه، ~~وما يضيع من إحسان الناس أكثر. وعلى أن الحفظ «3» قد ذهب بموت أهله ألا ترى ~~أن الشعر لما كسد «4» أفحم أهله؟ ولما دخل النقص على كل شيء أخذ الشعر منه ~~بنصيبه؟ ولما تحولت الدولة في العجم «5» ، والعجم لا تحوط الأنساب، ولا ~~تتحفظ المقامات «6» . لأن من كان في الريف والكفاية، وكان مغمورا بسكر ~~الغنى، كثر نسيانه وقلت خواطره «7» ، ومن ms127 احتاج تحركت همته وكثر تنقيره. ~~وعيب الغنى أنه يورث البلدة، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر. ~~ وإن أنت صحبت الغنى بإهمال النفس أسكرك الغنى، وسكر الغنى شيئة ~~المستأكلين وتضرية الخداعين «8» وإن كنت لا ترضى بحظ النائم وبعيش PageV01P231 ~~ البهائم، وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثري، ومع عز الغنى وسرور القدرة، ~~فطنة المخف، وخواطر المقل، ومعرفة الهارب واستدلال الطالب «1» ، اقتصدت في ~~الإنفاق، وكنت معدا للحدثان، ومحترسا من كل خداع. # ليست تبلغ حيل لصوص النهار، وحيل سراق الليل، وحيل طراق البلدان، وحيل ~~أصحاب الكيمياء وحيل التجار في الأسواق والصناع في جميع الصناعات، وحيل ~~أصحاب الحروب «2» ، وحيل المستأكلين والمتكسبين. ولو جمعت الجفر «3» والسحر ~~والتمائم «4» والسم، لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلا، وأعرض «5» وأسرى في ~~عمق البدن، وأدخل الى سويداء القلب وإلى أم الدماغ «6» وإلى صميم الكبد ~~ولهي أدق مسلكا وأبعد غاية من العرق الساري والشبه النازع، «7» ، ولو اتخذت ~~الحيطان الرفيعة الثخينة والأقفال المحكمة الوثيقة، ولو اتخذت الممارق ~~والجواسق «8» والأبواب الشداد، والحرس المتناوبين بأغلظ المؤن وأشد الكلف، ~~وتركت التقدم فيما هو أحضر ضررا وأدوم شرا ولا غرم عليك في الحراسة فيه، ~~ولا مشقة عليك في التحفظ منه. # إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سم الخياط «9» ، جعلوا فيه طريقا نهجا PageV01P232 ~~ ولقما «1» رحبا فاحكم بابك، ثم أدم إصفاقه «2» ، بل أدم إغلاقه، فهو أولى ~~بك. ~~ بل إن قدرت على مصمت «3» لا حيلة فيه فذلك أشبه بحزمك. ولو جعلت الباب ~~مبهما والقفل مصمتا لتسوروا عليك من فوقك، ولو رفعت سمكه الى العيوق «4» ~~لنقبوا عليك من تحتك. قال أبو الدرداء: «نعم صومعة المؤمن بيته» . قال ابن ~~سيرين: «العزلة عبادة» . # وحلاوة حديثهم تدعو إلى الإستكثار منهم، وتدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم. ~~فمن ذلك قول بعضهم لبعض أصحابه: «أكل رخلة «5» ، وشرب مشعلا «6» ، ثم تجشأ ~~«7» واحدة لو أن عليها رحا «8» لطحنت» . ومن ذلك قول الآخر، حين دخل على ~~قوم وهم يشربون، وعندهم قيان، فقالوا: «أقترح أي صوت شئت» ؟ قال: «أقترح ~~نشيش «9» مقلي» . ومن ذلك قول المديني: «من تصبح بسبع موزات، وبقدح من ms128 لبن ~~الأوارك تجشأ بخور الكعبة «10» » . ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء، وقدامهم خبيص ~~«11» : «أيما أطيب، هذا أو الفالوذج أو PageV01P233 ~~ اللوزينج «1» » ؟ قال: «لا أقضي على غائب» . ومن ذلك قول أبي الحارث جمين ~~لبعض الملوك: «جعلت فداك أي شيء في تلك السلة» ؟ ~~ قال: «بظر أمك» ، قال: «فأعضني به» . ومن ذلك كلام الجارود بن أبي سبرة ~~لبلال بن أبي بردة، حين قال له: «صف عبد الأعلى «2» وطعامه» ، قال: «يأتيه ~~الخباز فيمثل بين يديه فيقول: ما عندك؟ فيقول: ~~ عندي جدي كذا، وعناق «3» كذا، وبطة كذا، حتى يأتي على جميع ما عنده» . ~~قال: «وما يدعوه إلى هذا» قال: «ليقتصر كل امرىء في الأكل، حتى إذا أتي ~~بالذي يشتهي بلغ منه حاجته» . قال: «ثم ماذا» ؟ ~~ قال: «ثم يؤتى بالمائدة فيتسعون ويتضايق ويجدون ويعذر «4» ، حتى إذا ~~فتروا خوى تخوية الظليم «5» ، وأكل أكل الجائع المقرور «6» » . وقال آخر: ~~ «أشتهي ثريدة دكناء «7» من الفلفل، ورقطاء «8» من الحمص، ذات حفافين «9» ~~من اللحم، لها جناحان من العراق، اضرب فيها ضرب اليتيم عند وصي السوء» . ~~وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام، وما قسم لكل قوم منه، فقال: «ذهبت ~~الروم بالحشو والحسو «10» ، وذهبت PageV01P234 ~~ فارس بالبارد والحلو» ، وقال عمر: «لفارس الشفارق «1» والحموض «2» » ؛ ~~وقال دوسر المديني: «لنا الهرائس والقلايا، ولأهل البدو اللبأ والسلاء ~~والجراد والكمأة والخبزة «3» في الرائب والتمر بالزبد» . وقد قال الشاعر: # ألا ليت خبزا قد تسربل رائبا %~% وخيلا من البرني فرسانها الزبد «4» # ولهم البريقة والخلاصة والحيس والوطيئة. وقال اعرابي: «أتينا ببر كأفواه ~~النغران «5» فخبزنا منه خبزة زيت في النار: فجعل الجمر يتحدر عنها تحدر ~~الحشو عن البطنان «6» ، ثم ثردها فجعل الثريد يجول في الإهالة «7» جولان ~~الضبعان «8» في الضفرة «9» ؛ ثم أتانا بتمر كأعناق الورلان «10» ، يوحل فيه ~~الضرس» . وعيب السويق «11» بحضرة إعرابي، فقال: «لا تعبه، فإنه من عدد ~~المسافر، وطعام العجلان، وغذاء PageV01P235 ~~ المبكر «1» ، وبلغة المريض «2» ، وبسرو فؤاد الحزين، ويرد من نفس ~~المحدود، وجيد في التسمين ومنعوت في الطب. قفاره «3» يجلو البلغم، ومسمونه ~~يصفي الدم. إن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا، وإن شئت كان طعاما، ms129 وإن ~~شئت كان شاربا» . وقيل لبعض هؤلاء اللعامظة والمستأكلين والشناغيف ~~والمفقعين «4» ، ورئي سمينا: «ما أسمنك» ؟ قال: «أكلي الحار، وشربي القار ~~«5» ، والإتكاء على شمالي. ~~ وأكلي من غير مالي» . وقد قال الشاعر: # إن امتلاء البطن في حسب الغنى %~% قليل الغناء، وهو في الجسم صالح # وقيل لآخر: «ما أسمنك» ؟ قال: «قلة الفكرة، وطول الدعة، والنوم على الكظة ~~«6» » . وقال الحجاج للغضبان بن القبعثري: «ما أسمنك» ؟ ~~ قال: «القيد والرتعة، ومن كان في ضيافة الأمير سمن» . وقيل لاخر: «إنك ~~لحسن السحنة» ! قال: «آكل لباب البر، وصغار المعز، وأدهن بخام البنفسج «7» ~~وألبس الكتان» . # والله لو كان من يسأل يعطي لما قام كرم العطية بلؤم المسألة. ومدار ~~الصواب على طيب المكسبة، والإقتصاد في النفقة: وقد قال بعض العرب: # «اللهم إني أعوذ بك من بعض الرزق» حين رأى نافجة «8» من ماله، من صداق ~~أمه. PageV01P236 # وأي سأئل كان ألحف من الحطيئة ولا الأم؟ ومن الأم من جرير بن الخطفي «1» ~~وأبخل؟ ومن أمنع من كثير «2» ، وأشح من أبن هرمة «3» ؟ ومن كان يشق غبار ~~ابن أبي حفصة «4» ؟ ومن كان يصطلي بنار أبي العتاهية «5» ؟ ومن كان كأبي ~~نواس «6» في بخله، أو كأبي يعقوب الخريمي في دقة نظره وكثرة كسبه؟ ومن كان ~~أكثر نحرا لجزرة «7» لم تخلق من ابن هرمة، وأطعن برمح لم ينبت، وأطعم لطعام ~~لم يزرع، من الخريمي «8» ؟ فأين أنت عن ابن يسير «9» وأين تذهب عن ابن أبي ~~كريمة؟ ولم تقصر في ذكر الرقاشي ومن لم يذكر شره؟ # والأعرابي شر من الحاضر: سائل جبار، وثابة ملاق. إن مدح كذب، وإن هجا ~~كذب، وإن أيس كذب، وإن طمع كذب. لا يقربه إلا نطف «10» أحمق، ولا يعطيه إلا ~~من يحبه، ولا يحبه إلا من هو في طباعه. # ما أبطأكم عن البذل في الحق، وأسرعكم إلى البذل في الباطل. فإن كنتم ~~الشعراء تفضلون، وإلى قولهم ترجعون، فقد قال الشاعر: PageV01P237 # فقد قال الشاعر: # قليل المال تصلحه فيبقى %~% ولا يبقى الكثير على الفساد # وقد قال الشماخ بن ضرار: «1» # لمال المرء يصلحه فيغني %~% مفاقره أعف من القنوع «2» # وقال ms130 احيحة «3» : # استغن أومت ولا يغررك ذو شب %~% من ابن عم ولا عم ولا خال «4» # اني أكب على الزوراء أعمرها %~% إن الكريم على الأقوام ذو المال «5» # وقال أيضا: # استغن عن كل ذي قربى وذي رحم %~% إن الغني من استغنى عن الناس # والبس عدوك في رفق وفي دعة %~% لباس ذي إربة للدهر لباس «6» # ولا تغرنك أضغان مزملة %~% قد يضرب الدبر الدامي بإحلاس «7» # وقال سهل بن هارون: # أذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي %~% من أن يراني غنيا عنه بالياس «8» # فلا يراني إذا لم يرع آصرتي %~% مستمريا دررا منه بإبساس PageV01P238 # لا أطلب المال كي أغنى بفضلته %~% ما كان مطلبه فقرا الى الناس # وقال أبو العتاهية: # أنت ما استغنيت عن صا %~% حبك الدهر أخوه # فإذا احتجت إليه %~% ساعة مجك فوه «1» # وقال أحيحة بن الحلاج: # فلو أني أشاء نعمت بالا %~% وباكرني صبوح أو نشيل «2» # ولا عبني على الأنماط لعس %~% على أنيابهن الزنجبيل «3» # ولكني خلقت إذا لمال %~% فأبخل بعد ذلك أو أنيل # وقال آخر: # أبا مصلح أصلح ولاتك مفسدا %~% فإن صلاح المال خير من الفقر # ألم تر أن المرء يزداد عزة %~% على قومه أن يعلموا أنه مثري # وقال عروة بن الورد «4» : # ذريني للغنى أسعى فإني %~% رأيت الناس شرهم الفقير «5» # أبعدهم وأهونهم عليهم %~% وإن أمسى له حسب وخير «6» PageV01P239 # ويقصيه الندي وتزدريه %~% حليلته وينهره الصغير «1» # وتلقى ذا الغنى وله جلال %~% يكاد فؤاد صاحبه يطير # قليل ذنبه والذنب جم %~% ولكن الغنى رب غفور # وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل «2» : # تلك عرساي تنطقان على عم %~% د لي اليوم قول زور وهتر «3» # سألتاني الطلاق أن رأتا ما %~% لي قليلا. قد جئتماني بنكر «4» # فلعلي أن يكثر المال عندي %~% ويعرى من المغارم ظهري # ويرى أعبد لنا وأواق %~% ومناصيف من خوادم عشر «5» # وتجر الأذيال في نعمة زو %~% ل تقولان ضع عصاك لدهر «6» # وي كأن من يكن له نشب يح %~% بب ومن يفتقر يعش عيش ضر «7» # ويجنب سر النجي ولك %~% ن أخا المال محضر كل شر «8» # وقال الآخر: # وللمال مني جانب لا أضيعه ms131 %~% وللهو مني والبطالة جانب # وقال الأخنس بن شهاب: «9» # وقد عشت دهرا والغواة صحابتي %~% أولئك إخواني الذين أصاحب «10» PageV01P240 # فأديت عني ما استعرت من الصبا %~% وللمال مني اليوم راع وكاسب # وقال ابن الذئبة الثقفي: «1» # أطعت النفس في الشهوات حتى %~% أعادتني عسيفا عند عبد «2» # إذا ما جئتها قد بعت عذقا %~% تعانق أو تقبل أو تفدي «3» # فمن وجد الغنى فليصطنعه %~% ذخيرته ويجهد كل جهد «4» # وقال: # من يجمع المال ولا يثب به %~% ويترك العام لعام جدبه «5» # يهن على الناس هوان كلبه # وقد قيل في المثل: «الكد قبل المد «6» » . وقال ~~لقيط: «الغزو أدر للقاح وأحد للسلاح» «7» . وقال ابن المعافى: # إن التواني أنكح العجز بنته %~% وساق إليها حين زوجها مهرا # فراشا وطيئا، ثم قال لها اتكي %~% فقصر كما لا بد أن تلدا الفقرا # وقال عثمان بن أبي العاص «8» : «ساعة لدنياك، وساعة لآخرتك» . ~~ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها كم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، ~~وإضاعة المال» ، PageV01P241 ~~ وقال: «خير الصدقة غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى «1» ، وابدأ بمن ~~تعول» ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلث والثلث كثير. إنك إن تدع ~~ولدك أغنياء خير من أن يتكففوا الناس» ، وقال ابن عباس «2» : «وددت أن ~~الناس غضوا من الثلث شيئا، لقول النبي عليه السلام: الثلث والثلث كثير» ، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ «كفى بالمرء إثما يضيع من يقوت» . وأنتم ترون أن المجد والكرم إن أفقر ~~نفسي بإغناء غيري، وأن أحوط عيال غيري بإضاعة عيالي. وقال في ذلك إبن هرمة: # كتاركة بيضها بالعراء %~% وملبسة بيض أخرى جناحا «3» # وقال آخر: # كمفسد أدناه ومصلح غيره %~% ولم يأتمر في ذاك أمر صلاح «4» # وقال الآخر: # كمرضعة أولاد أخرى، وضيعت %~% بنيها، ولم ترقع بذلك مرقعا «5» # وقال الله تبارك وتعالى: «ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين» ، وقال: «ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو» فأذن في العفو، ولم ~~يأذن في الجهد، وأذن في الفضول، ولم يأذن في الأصول. وأراد كعب بن مالك «6» ~~أن يتصدق بماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أمسك ms132 عليك مالك» ، ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم يمنعه من إخراج ماله في الصدقة، وأنتم تأمرونه ~~بإخراجه في السرف PageV01P242 ~~ والتبذير. وخرج غيلان بن سلمة «1» من جميع ماله فأكرهه عمر على الرجوع ~~فيه، وقال: «لو مت لرجمت قبرك، كما يرجم قبر أبي رغال» . وقال الله جل وعز: ~~«لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه فلينفق مما آتاه الله» . وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «يكفيك ما بلغك المحل» . وقال: «ما قل وكفى خير مما ~~كثر وألهى» . وقال الله تبارك وتعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~ «2» . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا ~~أبقى «3» » . وقال الله جل ذكره: ولا تجعل يدك مغلولة «4» إلى عنقك ولا ~~تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~ ولذلك قالوا: «خير مالك ما نفعك، وخير الأمور أوساطها، وسر السير الحقحقة ~~«5» . والحسنة بين السيئتين» ، وقالوا: «دين الله بين المقصر والغالي» ، ~~وقالوا في المثل: «بينهما يرمي الرامي» ، وقالوا: «عليك بالسداد والإقتصاد ~~ولا وكس ولا شطط» «6» ، وقالوا: «بين الممخة والعجفاء «7» » ، وقالوا: «لا ~~تكن حلوا فتبتلع ولا مرا فتلفظ» وقالوا في المثل: «ليس الري عن التشاف «8» ~~» . PageV01P243 # وقالوا: «يا عاقد اذكر حلا «1» » ، وقالوا: «الرشيف أنقع للظمآن «2» » . ~~ وقالوا: «القليل الدائم أكثر من الكثير المنقطع» . وقال أبو الدرداء: ~~«إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملها» . ~~وقال الشاعر: # وإني لحلو تعتريني مرارة %~% وإني لصعب الرأس غير جموح «3» # وقالوا في عذل المصلح، ولائمة المقتصد: «الشحيح أعذر من الظالم» . ~~ وقالوا: «ليس من العدل سرعة العذل» ، وقالوا: «لعل له عذرا وأنت تلوم» ، ~~وقالوا: «رب لائم مليم» ، وقال الأحنف: «رب ملوم لا ذنب له» . ~~ وقال: «إعطاء السائل تضرية «4» ، وإعطاء الملحف مشاركة «5» » . وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصلح المسألة إلا في ثلاث: فقر مدقع «6» ، ~~وغرم مفظع «7» ، ودم موجع» . وقال الشاعر: # الحر يلحى، والعصا للعبد %~% وليس للملحف غير الرد «8» # وقالوا: «إذا جد السؤال جد المنع» ، وقالوا: «إحذر إعطاء المخدوعين، وبذل ~~المغبونين، فإن المغبون ms133 لا محمود ولا مأجور» . ولذلك قالوا: «لا تكن أدنى ~~العيرين الى السهم «9» » يقول: إذا أعطيت السائلين مالك صارت مقاتلك PageV01P244 ~~ أظهر لأعدائك من مقاتلهم. وقالوا: «الفرار بقراب أكيس» ، وقال أبو ~~الأسود: «ليس من العز أن تتعرض للذل، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم» . ومن ~~أخرج ماله من يده افتقر، ومن افتقر فلا بد له أن يضرع، والضرع «1» لؤم. وإن ~~كان الجود شقيق الكرم، فالأنفة أولى بالكرم. وقد قال الأول: «اللهم لا تثر ~~لي ماء سوء فأكون أمرأ سوء» . وقد قال الشاعر: # واخط مع الدهر إذا ما خطا %~% واجر مع الدهر كما يجري # وقد قال الآخر: # يا ليت لي نعلين من جلد الضبع %~% كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع «2» # وقد صدق قول القائل: «من احتاج اغتفر، ومن اقتضى تجوز «3» » ، وقيل ~~لديسموس «4» : «تأكل في السوق» ؟ قال: «إن جاع ديسموس في السوق أكل في ~~السوق» ، وقال: «من أجدب انتجع، ومن جاع خشع» ، وقال: ~~ «احذروا نفار النعمة فإنها نوار. وليس كل شارد بمردود، ولا كل ناد بمصرود ~~«5» » وقال علي بن أبي طالب: «قل ما ادبر «6» شيء فاقبل» . وقالوا: PageV01P245 ~~ «رب أكلة تمنع أكلات. ورب عجلة تهب ريثا «1» » ، وعابوا من قال: «أكلة ~~وموتة» ، وقالوا: «لا تطلب أثرا بعد عين» . وقالوا: «لا تكن كمن تغلبه نفسه ~~على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن» . فانظر كيف تخرج الدرهم، ولم ~~تخرجه. وقالوا: «شر من المرزئة «2» سوء الخلف» . وقال الشاعر: # إن يكن ما به أصبت جليلا %~% فذهاب العزاء فيه أجل # ولأن تفتقر بجائحة «3» نازلة خير لك من أن تفتقر بجناية مكتسبة. ومن كان ~~سببا لذهاب وفره، لم تعدمه الحسرة من نفسه واللائمة من غيره، وقلة الرحمة ~~وكثرة الشماتة، مع الإثم الموبق «4» والهوان على الصاحب. # وذكر عمر بن الخطاب فتيان قريش وسرفهم في الإنفاق، ومسابقتهم في التبذير، ~~فقال: «لحرفة أحدهم أشد علي من عيلته «5» » . يقول: إن إغناء الفقير أهون ~~علي من إصلاح الفاسد. # ولا تكن على نفسك أشأم من خوتعة «6» ، وعلى أهلك أشأم من البسوس «7» ، ~~وعلى قومك أشأم من عطر منشم «8» . ومن ms134 سلط الشهوات على ماله، وحكم الهوى في ~~ذات يده، فبقي حسيرا، فلا يلومن إلا نفسه. وطوبى لك يوم تقدر على قدم تنتفع ~~به. وقال بعض الشعراء: PageV01P246 # أرى كل قوم يمنعون حريمهم %~% وليس لأصحاب النبيذ حريم «1» # أخوهم ما دارت الكأس بينهم %~% وكلهم رث الوصال سؤوم «2» # فهذا بياني لم أقل بجهالة %~% ولكنني بالفاسقين عليم # وقد كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد، فأما اليوم فقد استوى الناس. ~~قال الأضبط بن قريع «3» ، لما انتقل في القبائل، فأساؤوا جواره، بعد أن ~~تأذى ببني سعد: «بكل واد بنو سعد» . # خذ بقولي، ودع قول أبي العاص. وخذ بقول من قال: «عش ولا تغتر» ، ويقول من ~~قال: «لا تطلب أثرا بعد عين» ، ويقول من قال: «املأ حبك من أول مطرة» و «دع ~~ما يريبك الى ما لا يريبك» . أخوك من صدقك ومن أتاك من جهة عقلك، ولم يأتك ~~من جهة شهوتك. وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك، ولم تأمن لائمته إياك في ~~غدك. وقال الآخر: # إن أخاك الصدق من لم يخدعك %~% ومن يضير نفسه لينفعك «4» # وقد قال عبيد بن الأبرص: «5» # وأعلمن علما يقينا أنه %~% ليس يرجى لك من ليس معك # ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وعين من عقلك على طباعك «6» ، أو ~~ما كان لك أخ نصيح ووزير شفيق، والزوجة الصالحة عون صدق. والسعيد من وعظ ~~بغيره. فإن أنت لم ترزق من هذه الخصال خصلة واحدة، فلا بد لك من نكبة موجعة ~~يبقى أثرها، ويلوح لك ذكرها، ولذلك PageV01P247 ~~ قالوا: «خير مالك ما نفعك» ، ولذلك قالوا: «لم يذهب من مالك ما وعظك» . # إن المال محروص عليه، ومطلوب في قعر البحار وفي رؤوس الجبال وفي دغل ~~الغياض «1» ، ومطلوب في الوعورة كما يطلب في السهولة، وسواء فيها بطون ~~الأودية وظهور الطرق ومشارق الأرض ومغاربها. فطلبت بالعز وطلبت بالذل، ~~وطلبت بالوفاء وطلبت بالغدر، وطلبت بالنسك كما طلبت بالفتك «2» ، وطلبت ~~بالصدق وطلبت بالكذب، وطلبت بالبذاء وطلبت بالملق. فلم تترك فيها حيلة ولا ~~رقية، حتى طلبت بالكفر بالله كما ms135 طلبت بالإيمان، وطلبت بالسخف كما طلبت ~~بالنبل. فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع، ونصبوا الشرك بكل ريع «3» . وقد طلبك ~~من لا يقصر دون الظفر، وحسدك من لا ينام دون الشفاء. وقد يهدأ الطالب ~~الطوائل «4» ، والمطلوب بذات نفسه، ولا يهدأ الحريص. # يقال إنه ليس في الأرض بلدة واسطة، ولا نائية شاسعة، ولا طرف من الأطراف، ~~إلا وأنت واجد بها المديني والبصري والحيري «5» ، وقد ترى شنف «6» الفقراء ~~للأغنياء، وتسرع الرغبة الى الملوك، وبغض الماشي للراكب، وعموم الجسد في ~~المتفاوتين. فإن لم تستعمل الحذر، وتأخذ بنصيبك من المداراة، وتتعلم الحزم ~~وتجالس أصحاب الإقتصاد، وتعرف الدهور ودهرك خاصة، وتمثل لنفسك الغير حتى ~~تتوهم نفسك فقيرا ضائعا، وحتى تتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، ولا ~~يكون أحد اتهم عند PageV01P248 ~~ نفسك من ثقتك، ولا أولى بأخذ الحذر. منه من أمينك، اختطفت اختطافا ~~واستلبت استلابا وذوبوا مالك وتحيفوه «1» ، وألزموه السل ولم يداووه. # وقد قالوا: تلى المال ربه وإن كان أحمق، فلا تكونن دون ذلك الأحمق. ~~ وقالوا: لا تعدم امرأة صناع ثلة «2» ، فلا تكونن دون تلك المرأة. وقد قال ~~الأول في المال المضيع المسلط عليه شهوات العيال: ليس لها راع ولكن حلبة ~~«3» . ~~ وليس مالك المال المعفى من الأضراس، فيقال فيه: مرعى ولا أكولة، وعشب ولا ~~بعير. فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم بملء بطنك وبحقائقك، وبما ينوبك. ~~ ولا يقال للمال على قلة الرعي وكثرة الحلب؛ فكس في أمرك «4» ، وتقدم في ~~حفظ مالك، فإن من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين. والأكرمان بالدين والعرض. وقد ~~قيل: «للرمي يراش السهم «5» . وعند النطاح تغلب القرناء» «6» . وإذا رأت ~~العرب مستأكلا وافق غمرا «7» قالت: «ليس عليك نسجه، فاسحق وخرق «8» » . وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس كلهم سواء كأسنان المشط، والمرء ~~كثير بأخيه. ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه. فتعرف شأن ~~أصحابك، ومعنى جلسائك؛ فإن كانوا في هذه الصفة فاستعمل الحزم، وإن كانوا في ~~خلاف ذلك عملت على حسب ذلك. # إني لست آمرك إلا بما أمرك ms136 به القرآن: ولست أوصيك إلا بما أوصاك به PageV01P249 ~~ الرسول، ولا أعظك إلا بما وعظ به الصالحون بعضهم بعضا. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أعقلها وتوكل «1» » . وقال مطرف بن الشخير «2» : «من نام ~~تحت صدف مائل وهو ينوي التوكل، فليرم بنفسه من طمار وهو ينوي التوكل «3» » . ~~ فأين التوقي الذي أمر الله به؟ وأين التغرير «4» الذي نهى عنه؟ ومن طمع ~~في السلامة من غير تسلم فقد وضع الطمع في موضع الأماني. وإنما ينجز الله ~~الطمع إذا كان فيما أمر الله به، وإنما يحقق من الأمل ما كان هو المسبب له. ~~وفر عمر من الطاعون، فقال له أبو عبيدة: «أتفر من قدر الله» ؟ قال: «نعم ~~إلى قدر الله» . وقيل له: «ينفع الحذر من القدر» ! فقال: «لو كان لحذر لا ~~ينفع لكان الأمر به لغوا» . فإبلاء «5» العذر هو التوكل. وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لرجل قال في خصومة: حسبي الله: «أبل الله عذرا، فإذا ~~أعجزك أمر فقل: حسبي الله» . وقال لشاعر: # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا %~% من المال يطرح نفسه كل مطرح # ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجة %~% ومبلغ نفس عذرها مثل منجح # وقال الآخر: # فإن يكن القاضي قضى غير عادل %~% فبعد أمور لا ألوم لها نفسي # وقال زهير البابي: «إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالي أيقنت بالخلف، ~~وجعلت الخلف مالا يرجع في كيسي، ومتى ما لم أحفظ أيقنت بأنه محفوظ، فإني ~~أشهدكم إني لم أتوكل قط. إنما التوكل أن تعلم أنك متى أخذت PageV01P250 ~~ بأدب الله أنك تتقلب في الخيرة مجزى «1» بذلك إما عاجلا وإما آجلا» ، ثم ~~قال: «فلم تجر أبو بكر؟ ولم تجر عمر؟ ولم تجر عثمان؟ ولم تجر الزبير «2» ؟ ~~ولم تجر عبد الرحمن؟ ولم علم الناس يتجرون، وكيف يشترون ويبيعون؟ ولم قال ~~عمر: ~~ إذا اشتريت حملا فاجعله ضخما، فإن لم يبعه الخبر «3» باعه المنظر؟ ولم ~~قال عمر: ~~ «فرقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين» ؟ ولم قال عثمان، حين سئل عن ~~كثرة أرباحه، قال: «لم أرد من ربح قط» ms137 ؟ ولم قيل: لا تشتر عيبا ولا شيبا؟ ~~ وهل حجر علي بن أبي طالب على ابن أخيه عبد الله بن جعفر «4» إلا في إخراج ~~المال في غير حقه، وإعطائه في هواه؟ وهل كان ذلك إلا في طلب الذكر، والتماس ~~الشكر؟ وهل قال أحد ان إنفاقه كان في الخمور والقمار، وفي الفسولة «5» ~~والفجور؟ وهل كان إلا فيما تسمونه جودا وتعدونه كرما؟ ومن رأى أن يحجر على ~~الكرام لكرمهم، رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم. وأي إمام بعد أبي بكر ~~تريدون؟ وبأي سلف بعد علي تقتدون» ؟ # وكيف نرجو الوفاء والقيام بالحق، والصبر على النائبة، من عند لعموظ «6» ~~مستأكل وملاق مخادع ومنهوم بالطعام شره، لا يبالي بأي شيء أخذ الدرهم، ومن ~~أي وجه أصاب الدينار، ولا يكترث للمنة ولا يبالي أن يكون أبدا منهوما ~~منقوما عليه، وليس يبالي إذا أكل كيف كان ذلك الطعام، وكيف كان سببه وما ~~حكمه. فإن كان مالك قليلا فإنما هو قوام عيالك، وإن كان كثيرا فاجعل الفاضل ~~عدة لنوائبك. ولا يأمن الأيام إلا المضلل، ولا يغتر بالسلامة إلا المغفل. ~~فاحذر طوارق البلاء وخدع رجال الدهاء. سمنك في أديمك، PageV01P251 ~~ وغثك «1» خير من سمن غيرك لو وجدته، فكيف ودونه أسل حداد «2» وأبواب ~~شداد. # قالت إمرأة لبعض العرب: «إن تزوجتني كفيتك» ، فأنشأ يقول: # إذا لم يكن لي غير مالك مسني %~% خصاص «3» وبان الحمد مني والأجر # وما خير مال ليس نافع أهله %~% وليس لشيخ الحي في أمره أمر # وقال المعلوط القريعي: # أبا هانيء لا تسأل الناس والتمس %~% بكفيك ستر الله، فالله واسع # فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا %~% إذا قلت: هاتوا، أن يملوا فيمنعوا ### | عود إلى طرائف البخلاء: # ثم رجع الحديث إلى أحاديث البخلاء وإلى طرف معانيهم وكلامهم: ### || حديث ابن حسان # قال ابن حسان: كان عندنا رجل مقل، وكان له أخ مكثر، وكان مفرط البخل، ~~شديد النفج. فقال له يوما أخوه: «ويحك، أنا فقير معيل، وأنت غني خفيف ~~الظهر، لا تعينني على الزمان، ولا تواسيني ببعض مالك، ولا تتفرج لي عن شيء؟ ~~والله ما ms138 رأيت قط، ولا سمعت، بأبخل منك» . قال: «ويحك! ليس الأمر كمها تظن، ~~ولا المال كما تحسب، ولا أنا كما تقول في البخل ولا في اليسر. والله لو ~~ملكت ألف PageV01P252 ~~ ألف درهم لوهبت لك منها خمس مائة ألف درهم. يا هؤلاء فرجل يهب ضربة واحدة ~~خمس مائة ألف يقال له بخيل» ؟. ### || صاحب الثريدة # وأما صاحب الثريدة البلقاء «1» ، فليس عجبي من بلقة ثريدته وسائر ما كان ~~يظهر على إخوانه، كعجبي من شيء واحد، وكيف ضبطه وحصره وقوي عليه مع كثرة ~~أحاديثه وصنوف مذاهبه. وذلك أني في كثرة ما جالسته، وفي كثرة ما كا يفتن ~~فيه من الأحاديث، ولم أره خبر أن رجلا وهب لرجل درهما واحدا. فقد كان يفتن ~~في الحزم والعزم، وفي الحلم والعلم، وفي جميع المعاني، إلا ذكر الجود، فإني ~~لم أسمع هذا الاسم منه قط. خرج هذا الباب من لسانه، كما خرج من قلبه. ### || حديث طاهر الأسير # ويؤكد ما قلت فيه ما حدثني به طاهر الأسير، فإنه قال: ومما يدل على أن ~~الروم أبخل الأمم أنك لا تجد الجود في لغتهم أسما. يقول: إنما يسمي الناس ~~ما يحتاجون إلى استعماله، ومع الإستغناء يسقط التكلف. ~~ وقد زعم ناس أن مما يدل على غش الفرس أنه ليس للنصيحة في لغتهم اسم واحد ~~يجمع المعاني التي يقع عليها هذا الإسم. # وقول القائل: «نصيحة» ليس يراد به سلامة القلب، فقد يكون أن يكون الرجل ~~سليم الصدر، ولم يحدث سبب من أجله يقصد الى المشورة عليك بالذي هو أرد ~~عليك، على حسب رأيه فيك، ووجه لنفعك. ففي لغتهم اسم للسلامة، واسم لإرادة ~~الخير، وحسن المشورة، وحملك بالرأي على الصواب. فللنصيحة عندهم اسماء ~~مختلفة، إذا اجتمعت PageV01P253 ~~ دلت على ما يدل عليه الإسم الواحد في لغة العرب. فمن قضى عليهم بالغش من ~~هذا الوجه فقد ظلم. «1» ### || حديث إبراهيم بن عبد العزيز # وحدثني إبراهيم بن عبد العزيز، قال: تغديت مع راشد الأعور، فأتونا بجام ~~فيه بياح سبخي «2» ، الذي يقال له الدراج. فجعلت آخذ الواحدة فأقطع رأسها، ~~ثم ms139 أعزله. ثم أشقها بإثنين من قبل بطنها، فآخذ شوكة الصلب والأضلاع، ~~فأعزلها، وأرمي بما في بطنها، وبطرف الذنب والجناح ثم اجمعها في لقمة واحدة ~~وآكلها. وكان راشد يأخذ البياحة فيقطعها قطعتين، فيجعل كل قطعة في لقمة، لا ~~يلقي رأسا ولا ذنبا. ~~ فصبر لي على لقم عدة. فلما بلغت المجهود منه قال: «أي بني إذا أكلت لطعام ~~فكل خيره بشره» . ### || الزنجي والاصبهاني والتمر # قال: وكان يقول: لم أنتفع بأكل التمر قط إلا مع الزنج وأهل اصبهان. فأما ~~الزنجي فإنه لا يتخير وأنا أتخير، وأما الأصبهاني فإنه يقبض القبضة ولا ~~يأكل من غيرها، ولا ينظر إلى ما بين يديه حتى يفرغ من القبضة. وهذا سدل، ~~والتخير قرفة وجور «3» . ولا جرم أن الذي يبقى من لتمر لا ينتفع به العيال ~~إذا كان قدام من يتخير. وكان يقول: ~~ ليس من الأدب أن تجول يدك في الطبق، وإنما هو تمر وما أصاب. PageV01P254 ### || حديث سري بن مكرم # وزعم سري بن مكرم، وهو ابن أخي موسى بن جناح، قال: كان موسى يأمرنا ألا ~~نأكل ما دام أحد منا مشغولا بشرب الماء وطلبه. فلما رآنا لا نطاوعه دعا ~~ليلة بالماء، ثم خط بإصبعه خطا في أرزة كانت بين أيدينا فقال: هذا نصيبي، ~~لا تعرضوا له، حتى انتفع بشرب الماء. # وأحاديثه في صدر الكتاب، وهذا منها. # وقال المكي لبعض من كان يتعشى ويفطر عند الباسياني: ويحكم! كيف تسيغون ~~طعامه، وأنتم تسمعونه يقول: «إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا» . ثم ترونه لا يقرؤها إلا وأنتم على العشاء، ولا يقرأ غير هذه ~~الآية؟ أنتم والله ضد الذي قال: # ألبان إبل تعلة بن مساور %~% ما دام يملكها علي حرام # وطعام عمران بن أوفى مثله %~% ما دام يسلك في البطون طعام # إن الذين يسوغ في أعناقهم %~% زاد يمن عليهم للئام # قال: فمتى تعجب فأعجب من خمسين رجلا من العرب فيهم أبو رافع الكلابي، وهو ~~شاعر ندي «1» ، يفطرون عند أبي عثمان الأعور. فإفطاري من طعام نصراني أشد ~~من إفطاري من ms140 طعام مسلم يقرأ القرآن ويقول الحق. ### || حديث أبي المنجوف السدوسي # وحدثني أبو المنجوف السدوسي «2» ، قال: كنت مع أبي ومعنا شيخ من موالي ~~الحي فمررنا على نهر الأبلة، ونحن تعبون، فجلسنا إليه. فلم PageV01P255 ~~ يلبث أن جاءنا بطبق عليه رطب سكر وجيسران «1» أسود، فوضعه بين أيدينا. ~~فأكل الشيخ الذي كان معنا. فلما رأيت أبي لا يأكل لم آكل، وبي إلى ذلك ~~حاجة. فأقبل الناطور على أبي، فقال: «لم لا تأكل» ؟ قال: ~~ «والله إني لأشتهيه، ولكن لا أظن صاحب الأرض أباح لك إطعام الناس من ~~الغريب. فلو جئتنا بشيء من السهريز والبرني «2» لأكلنا» ، فقال مولانا، وهو ~~شيخ كبير السن: «ولكني أنا لم أنظر في شيء من هذا قط» . ### || إسماعيل بن غزوان # قال المكي: دخل إسماعيل بن غزوان الى بعض المساجد يصلي، فوجد لصف تاما، ~~فلم يستطع أن يقوم وحده، فجذب ثوب شيخ في الصف ليتأخر فيقوم معه. فلما تأخر ~~الشيخ، ورأى إسماعيل الفرج «3» ، تقدم فقام في موضع الشيخ وترك الشيخ قائما ~~خلفه ينظر في قفاه، ويدعو الله عليه. ### || ثمامة وقاسم التمار # كان ثمامة يحتشم «4» أن يقعد على خوانه من لا يأنس به، ومن رأيه أن يأكل ~~بعض غلمانه معه. فحبس قاسم التمار يوما على غدائه بعض من يحتشمه فاحتمل ذلك ~~ثمامة في نفسه. ثم عاد بعد ذلك إلى مثلها، ففعل ذلك مرارا حتى ضج ثمامة، ~~واستفرغ صبره. فأقبل عليه فقال: «ما PageV01P256 ~~ يدعوك إلى هذا؟ لو أردتهم لكان لساني مطلقا، وكان رسولي يؤدي عني. ~~ فلم تحبس على طعامي من لا آنس به» ؟ قال: «إنما أريد أن أسخيك، فأنفي عنك ~~التبخيل وسوء الظن» . فلما أن كان بعد ذلك، أراد بعضهم الانصراف، فقال له ~~قاسم: «أين تريد» ؟ قال: «قد تحرك بطني، فأريد المنزل» قال: «فلم لا تتوضأ ~~ههنا؟ فإن الكنيف «1» خال نظيف، والغلام فارغ نشيط، وليس من أبي معن «2» ~~حشمة، ومنزله منزل إخوانه» ، فدخل الرجل يتوضأ؛ فلما كان بعد أيام حبس آخر، ~~فلما كان بعد ذلك حبس آخر، فاغتاظ ثمامة، وبلغ في الغيظ مبلغا لم يكن ms141 على ~~مثله قط، ثم قال: «هذا يحبسهم على غدائي لأن يسخيني. يحبسهم على أن يخرأوا ~~عندي لمه؟ لأن من لم يخرأ عنده فهو بخيل على الطعام؟ ~~ وقد سمعتهم يقولون فلان يكره أن يؤكل عنده، ولم أسمع أحدا قط قال: فلان ~~يكره أن يخرأ عنده» . # وكان قاسم شديد الأكل، شديد الحبط «3» قذر المؤاكلة. وكان أسخى الناس على ~~طعام غيره، وأبخل الناس على طعام نفسه، وكان يعمل عمل رجل لم يسمع بالحشمة ~~ولا بالتجمل قط. فكان لا يرضى بسوء أدبه على طعام ثمامة، حتى يجر معه إبنه ~~إبراهيم. وكان بينه وبين إبراهيم إبنه في القذر بقدر ما بينه وبين جميع ~~العالمين. فكانا إذا تقابلا على خوان ثمامة لم يكن لأحد على أيمانهما ~~وشمائلهما حظ في الطيبات. # فأتوه يوما بقصعة ضخمة فيها ثريدة كهيئة الصومعة مكللة باكليل من عراق، ~~بأكثر ما يكون من العراق «4» . فأخذ قاسم الذي يستقبله، ثم PageV01P257 ~~ أخذ يمنة، وأخذ ما بين يدي من كان بينه وبين ثمامة، حتى لم يدع إلا عرقا ~~قدام ثمامة، ثم مال على جانبه الأيسر فصنع مثل ذلك الصنيع. ~~ وعارضه ابنه وحكاه. فلما أن نظر ثمامة إلى الثريدة مكشوفة القناع، مسلوبة ~~عارية، واللحم كله بين يده وبين يدي إبنه، إلا قطعة واحدة بين يديه، ~~تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه. فلم يدفعها واحتسب بها في الكرامة ~~والبر. # فقال قاسم لما فرغ من غدائه: «أما رأيتم إكرام ثمامة لإبني، وكيف خصه» ~~فلما حكي هذا لي، قلت: «ويلك أظن أن في الأرض عرقا أشأم على عيالك منه. هذا ~~أخرجه الغيظ، وهذا الغيظ لا يتركه حتى يتشفى منك. فإن قدر لك على ذنب فقد ~~والله هلكت، وإن لم يقدر عليه أقدره لك الغيظ. وأبواب التجني كثيرة، وليس ~~أحد إلا وفيه ما إن شئت تجعله ذنبا جعلته، فكيف ذنوب من قرنك إلى قدمك» ! # وكان ثمامة يفطر، أيام كان في أصحاب الفساطيط «1» ، ناسا، فكثروا عليه، ~~وأتوه بالرقاع «2» والشفاعات. وفي حشوة المتكلمين «3» أخلاق قبيحة، وفيهم ~~على أهل الكلام، وعلى أرباب الصناعات، محنة عظيمة. ms142 فلما رأى ثمامة ما قد ~~دهمه، أقبل عليهم وهم يتعشون فقال: ~~ «إن الله عز وجل لا يستحي من الحق، كلكم واجب الحق، ومن لم تجئنا شفاعته ~~فالحرمة كمن تقدمت شفاعته. كما أنا لو استطعنا أن نعمكم بالبر لم يكن بعضكم ~~أحق بذلك من بعض، فكذلك أنتم إذا عجزنا أو بدا لنا، فليس بعضكم بالحرمان من ~~بعض، أو بالحمل عليه «4» ، أو بالإعتذار اليه، من بعض. ومتى قربتكم وفتحت ~~بابي لكم، وباعدت PageV01P258 ~~ من هو أكثر منكم عددا، وأغلقت بابي دونهم، لم يكن إدخالي إياكم عذرا لي، ~~ولا في منع الآخرين حجة» . فانصرفوا ولم يعودوا. # قال أبو محمد العروضي: وقعت بين قوم عربدة، فقام المغني يحجز بينهم، وكان ~~شيخا معتلا بخيلا، فمسك رجل بحلقه فعصره، فصاح: ~~ معيشتي معيشتي، فتبسم. # وحدثني ابن أبي كريمة، قال: وهبوا للكناني المغني خابية فارغة؛ كان عند ~~انصرافه وضعوها له على الباب، ولم يكن عنده كراء حمالها، وأدركه ما يدرك ~~المغنين من التيه، فلم يحملها، فكان يركلها ركلة «1» ، فتتدحرج وتدور بمبلغ ~~حمية الركلة. ويقوم من ناحية كي لا يراه إنسان، ويرى ما تصنع، ثم يدنو منها ~~ثم يركله أخرى، فتتدحرج وتدور، ويقف من ناحية. فلم يزل يفعل ذلك إلى أن بلغ ~~بها المنزل. ### || عبد النور # قالوا: كان عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن «2» قد استخفى ~~بالبصرة، في عبد القيس «3» ، من أمير المؤمنين أبي جعفر وعماله. وكان في ~~غرفة قدامها جناح «4» . وكان لا يطلع رأسه منها. فلما سكن الطلب شيئا، وثبت ~~عنده حسن جوار القوم، صار يجلس في الجناح، يرضى بأن يسمع الصوت ولا يرى ~~الشخص، لما في ذلك من الأنس عند طول الوحشة، فلما طالت به الأيام، ومرت ~~أيام السلامة، PageV01P259 ~~ جعل في الجناح خرقا بقدر عينه. فلما طالت الأيام صار ينظر من شق باب كان ~~مسمورا. ثم ما زال يفتحه الأول فالأول، إلى أن صار يخرج رأسه، ويبدي وجهه. ~~فلما لم ير شيئا يريبه، قعد في الدهليز، فلما ازداد في الأنس، جلس على باب ~~الدار، ثم ms143 صلى معهم في مصلاهم ودخل، ثم صى بعد ذلك وجلس. والقوم عرب، ~~فكانوا يفيضون في الحديث، ويذكرون من الشعر الشاهد والمثل، ومن الخبر ~~الأيام والمقامات. وهو في ذلك ساكت، إذ أقبل عليه ذات يوم فتى منهم، خرج عن ~~أدبهم، وأغفل بعض ما راضوه به من سيرتهم، فقال له: «يا شيخ إنا قوم نخوض في ~~ضروب، فربما تكلمنا بالمثلبة، وأنشدنا الهجاء، فلو أعلمتنا ممن أنت تجنبنا ~~كل ما يسوءك. ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كها، وأخبار المثالب «1» بأسرها، لم ~~نأمن أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك. فلو عرفتنا نسبك كفيناك ~~سماع ما يسوءك من هجاء قومك، ومن مدح عدوك» . فلطمه شيخ منهم وقال: «لا أم ~~لك! محنة كمحنة الخوارج، وتنقير كتنقير العيابين «2» . ولم لا تدع ما يريبك ~~الى ما لا يريبك، فسكت إلا عما توقن بأنه يسره» ؟ # قال: وقال عبد النور: ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر، فتحولت الى شق بني ~~تميم. فنزلت برجل، فأخذته بالثقة، وأكمنت نفسي إلى أن أعرف سبيل القوم. ~~وكان للرجل كنيف إلى جانب داره، يشرع في طريق لا ينفذ، إلا من مر به في ذلك ~~الشارع رأى مسقك الغائط من خلاء ذلك الجناح. وكان صاحب الدار ضيق لعيش، ~~فاتسع بنزولي عليه. ~~ فكان القوم إذا مروا به، ينظرون إلى موضع الزبل والغائط، فلا يذهب قلبي ~~إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه. فبينا أنا جالس ذات يوم، إذ أنا PageV01P260 ~~ بأصوات ملتفة على الباب، وإذا صاحبي ينتفي ويعتذر، وإذا الجيران قد ~~اجتمعوا إليه، وقالوا: ما هذا الثلط «1» الذي يسقط من جناحك، بعد أن كنا لا ~~نرى إلا شيئا كالبعر من يبس الكعك. وهذا ثلط يعبر عن كل غض. ولولا أنك ~~انتجعت «2» على بعض من تستر وتوارى لأظهرته. وقد قال الأول: # الستر دون الفاحشات ولا %~% يلقاك دون الخير من ستر # ولولا أن هذا طلبة السلطان لما توارى. فلسنا نأمن من أن يجر على الحي ~~بلية، ولست تبالي إذا حسنت حالك في عاجل أيامك الام يفضي بك الحال، وما ms144 ~~تلقى عشيرتك. فأما أن تخرجه إلينا، وإما أن تخرجه عنا» . # قال عبد النور: فقلت: «هذه والله القيافة، ولا قيافة بني مدلج «3» . إنا ~~لله! خرجت من الجنة إلى النار» . وقلت: «هذا وعيد وقد أعذر من أنذر» . ~~ فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء، ولا ظننت أن الكرم يبلغ ما رأيت ~~من أولئك «4» . ### || الأصمعي وجلساؤه # شهدت الأصمعي يوما، وأقبل على جلسائه يسألهم عن عيشهم، وعما يأكلون ~~ويشربون. فأقبل على الذي عن يمينه، فقال: «أبا فلان ما إدامك» ؟ قال: ~~«اللحم» ، قال: «أكل يوم لحم» ؟ قال: «نعم» ، قال: «وفيه الصفراء البيضاء ~~والحمراء والكدراء والحامضة والحلوة والمرة» ؟ قال: «نعم» . قال: «بئس ~~العيش! هذا ليس عيش آل PageV01P261 ~~ الخطاب. كان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه يضرب على هذا، وكان ~~يقول: مدمن اللحم كمدمن الخمر» . # ثم سأل الذي يليه، قال: «أبا فلان ما إدامك» «1» ؟ قال: «الآدام الكثيرة ~~والألوان الطيبة» ، قال: «أفي إدامك سمن» ؟ قال: «نعم» ، قال: «فتجمع السمن ~~والسمين على مائدة» ؟ قال: «نعم» . قال: ~~ «ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه يضرب على ~~هذا. وكان إذا وجد القدور المختلفة الطعوم كدرها في قدر واحدة، وقال إن ~~العرب لو أكلت هذا لقتل بعضها بعضا» . # ثم يقبل على الآخر، فيقول: «أبا فلان ما إدامك» ؟ قال: «اللحم لسمين، ~~والجداء الرضع» . قال: «فتأكله بالحواري «2» » ؟ قال: «نعم» قال: «ليس هذا ~~عيش آل الخطاب. كان بن الخطاب يضرب على هذا. ~~ أو ما سمعته يقول: أتروني لا أعرف الطعام الطيب؟ لباب. البر بصغار ~~المعزى. ألا تراه كيف ينتفي من أكله، وتنتحل معرفته» ؟ # ثم يقبل على الذي يليه، فيقول: «أبا فلان ما أدمك» ؟ فيقول: ~~ «أكثر ما نأكل لحوم الجزور، ونتخذ منها هذه القلايا، ونجعل بعضها شواء» ، ~~قال: «أفتأكل من أكبادها واسنمتها، وتتخذ لك الصباغ «3» » ؟ ~~ قال: «نعم» . قال: «ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب يضرب على هذا، ~~أو ما سمعته يقول: «أتروني لا أقدر أن اتخذ أكبادا وأفلاذا «4» وصلائق «5» ~~وصنابا «6» » ؟ ألا تراه كيف ينكر أكله، ويستحسن ms145 معرفته» ؟ PageV01P262 # ثم يقول للذي يليه: «أبا فلان ما أدمك» ؟ فيقول: «الشبارقات «1» والأخبصة ~~والفالوذجات «2» » . قال: «طعام العجم، وعيش كسرى، ولباب البر، بلعاب ~~النحل، بخالص السمن» ، حتى أتى على آخرهم؛ كل ذلك يقول: «بئس العيش هذا. ~~ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب. يضرب على هذا» . # فلما انقضى كلامه أقبل عليه بعضهم، فقال: «يا أبا سعيد ما أدمك» ؟ قال: ~~«يوما لبن، ويوما زيت، ويوما سمن، ويوما تمر، ويوما جبن ويوما قفار، ويوما ~~لحم. عيش آل خطاب» . # ثم قال: قال أبو الأشهب: كان الحسن يشتري لأهله كل يوم بنصف درهم لحما. ~~فإن غلا فبدرهم، فلما حبس عطاؤه كانت مرقته بشحم. # ونبئت عن رجل من قريش أنه كان يقول: «من لم يحسن يمنع لم يحسن يعطي» وإنه ~~قال لابنه: «أي بني؛ إنك إن أعطيت في غير موضع الإعطاء أوشك أن تستعطي ~~الناس فلا تعطى» . ثم أقبل علينا، فقال: هل علمتم أن اليأس أقل من القناعة ~~وأعز؟ إن الطمع لا يزال طمعا، وصاحب الطمع لا ينتظر لأسباب، ولا يعرف لطمع ~~الكاذب من الصادق. والعيال عيالان: شهوة مفسدة وضرس طحون «3» ، وأكل الشهوة ~~أثقل من أكل الضرس؛ وقد زعموا أن العيال سوس المال، وأنه لا مال لذي عيال. ~~وأنا أقول إن الشهوة تبلغ ما لا يبلغ السوس، وتأتي على ما PageV01P263 ~~ يقصر دونه العيال وقد قال الحسن: «ما عال أحد قط عن قصده» . ~~ وقيل لشيخ من أهل البصرة: «مالك لا ينمى لك مال» ؟ قال: «لأني اتخذت ~~العيال قبل المال، واتخذ الناس المال قبل العيال» ، وقد رأيت من تقدم عياله ~~ماله فجبره الإصلاح، ورفده الإقتصاد، وأعانه حسن التدبير، ولم أر لشهواتي ~~تدبيرا، ولا لشرهي صبرا. وقال إياس بن معاوية «1» : «إن الرجل يكون عليه ~~ألف فيصلح فتصلح له الغلة، ويكون عليه ألفان فينفق ألفين فيصلح فتصلح له ~~الغلة، فيكون عليه ألفان فينفق ثلاثة آلاف فيبيع العقار في فضل النفقة «2» ~~» . وذكر الحديث عن أبي لينة «3» ، قال: كنت أرى زيادا وهو أمير يمر بنا ~~على بغلة في عنقها حبل من ليف ms146 مدرج «4» على عنقها» . وكان سلم بن قتيبة ~~يركب بغلة وحده، ومعه أربعة آلاف مرابطة «5» . ورآه الفضل بن عيسى على ~~حمار، وهو أمير، فقال: «قعود نبي وبذلة جبار «6» » ، ولو شاء أبو سيارة «7» ~~أن يدفع بالعرب على جمل مهري «8» ، أو فرس عتيق لفعل، ولكنه أراد هدي ~~الصالحين. وحمل عمر على برذون فهملج «9» تحته، فنزل عنه، فقال لأصحابه: ~~«جنبوني هذا الشيطان» . ثم قال لأصحابه: ~~ «لا تطلبوا العز بغير ما أعزكم الله به» . PageV01P264 # قد كنت أعجب من بعض السلف حيث قال: «ما أعرف شيئا مما كان الناس عليه إلا ~~الأذان» ، وأنا أقول ذلك، ولم يزل الناس في هبوط ما ترفعوا بالإسراف وما ~~رفعوا البنيان للمطاولة. وإن من أعجب ما رأيت في هذا الزمان أو سمعت مفاخرة ~~مويس بن عمران لأبي عبيد الله بن سلمان في أيهما كان أسبق الى ركوب ~~البراذين. وما للتاجر وللبرذون «1» ؟ وما ركوب التجار للبراذين إلا كركوب ~~العرب للبقر. # لو كانوا إذا جلسوا في الخيوش «2» ، واتخذوا الحمامات في الدور، وأقاموا ~~وظائف الثلج والريحان، واتخذوا القيان والخصيان، استرد الناس ودائعهم، ~~واسترجعت القضاة أموال الأيتام والحشرية منهم، لعادوا الى دينهم وعيشهم. ~~واقتصادهم. وإذا رآهم أصحاب الغلات وأهل لشرف والبيوتات أنفوا أن يكونوا ~~دونهم في البزة والهيئة، فهلكوا وأهلكوا. # زعم أبو يعقوب الخريمي أن جعفر بن يحيى «3» أراد يوما حاجة كان طريقه ~~اليها على باب الأصمعي، وأنه دفع إلى خادم له كيسا فيه ألف دينار، وقال له: ~~«سأنزل في رجعتي الى الأصمعي، وسيحدثني ويضحكني. فإذا رأيتني قد ضحكت، فضع ~~الكيس بين يديه» . فلما دخل فرأى حبا «4» مقطوع الرأس، وجرة مكسورة العروة. ~~وقصعة مشعبة، وجفنة أعشارا، ورآه على مصلى بال، وعليه بر كان «5» أجرد، غمز ~~غلامه بعينه ألا يضع الكيس بين يديه، ولا يدفع اليه شيئا. فلم يدع الأصمعي ~~شيئا مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده عليه، فما تبسم. PageV01P265 # فقال له أنس: «ما أدري من أي أمريك أعجب: أمن صبرك على الضحك، وقد أورد ~~عليك ما لا يصبر على مثله، أم من تركك إعطاءه، وقد ms147 كنت عزمت على إعطائه، ~~وهذا خلاف ما أعرفك به» ؟ قال: ~~ «ويلك! من استرعى الذئب فقد ظلم، ومن زرع سبخة «1» حصد الفقر. إني والله ~~لو علمت أنه يكتم المعروف بالفعل، لما احتفلت بنشره له باللسان. وأين يقع ~~مديح اللسان من مديح آثار الغنى على الإنسان. ~~ فاللسان قد يكذب، والحال لا تكذب. لله در نصيب حيث يقول: # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله %~% ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # أعلمت أن ناووس أبرويز «2» امدح له من شعر زهير لآل سنان بن أبي حارثة ~~«3» ؛ لأن الشاعر يكذب ويصدق، وبنيان المراتب لا يكذب مرة ويصدق مرة. فلست ~~بعائد إلى هذا بمعروف أبدا. # كان الأصمعي يتعوذ بالله من الإستقراض والإستفراض «4» ، فأنعم الله عليه، ~~حتى صار هو المستقرض منه، والمستفرض ما عنده. فاتفق أن أتاه في يوم واحد ~~رجلان، وكان أحدهما يطلب الفرض، والآخر يطلب القرض، هجما عليه معا، فأبعله ~~ذلك وملأ صدره ثم أقبل على صاحب السلف، فقال: # تتبدل الأفعال بتبدل الحال. ولكل زمان تدبير ولكل شيء مقدار، والله PageV01P266 ~~ في كل يوم شأن. كان الفقيه يمر باللقطة «1» فيتجاوزها ولا يتناولها، كي ~~يمتحن بحفظها سواه، إذ كان جل الناس في ذلك الدهر يؤدون الأمانة ويحوطون ~~اللقطة، فلما تبدلوا وفسدوا، وجب على الفقيه إحرازها والحفظ لها، وأن يصبر ~~على ما نابه من المحنة واختبر به من الكلفة. # وقد بلغني أن رجلا أتى صديقا له يستقرض منه مالا، فتركه بالباب، ثم خرج ~~اليه، مؤتزرا «2» . فقال له: مالك؟ قال: جئت للقتال واللطام والخصومة ~~والصخب. قال: ولم؟ قال: لأنك في أخذ مالي بين حالين: إما أن تذهب به، وإما ~~أن تمطلني به. فلو أخذته، على طريق البر والصلة، لا عتددت عليك بحق، ولوجب ~~عليك به شكر. وإذا أخذته من طريق السلف، كانت العادة في الديون والسيرة في ~~الإسلاف الرد أو التقاضي. وإذا تقاضيتك أغضبتك أسمعتني ما أكره، فتجمع علي ~~المطل وسوء اللفظ والوحشة وإفساد اليد في الإسلاف، وأنت أظلم. ~~ فأغضب كما غضبت، فإذا نقلتني إلى حالك فعلت فعلك، وصرت أنا وأنت كما ms148 قال ~~العربي: «أنا تئق وصاحبي مئق» «3» . فما ظنك بتئق من الغيظ مملوء من الغضب، ~~لأني متأق من الموق «4» مملوء من الكفران. ولكني أدخل الى المنزل فأخرج ~~اليك مؤتزرا، فأعجل لك اليوم ما ادخرته الى غد. وقد علمت أن ضرب الموعظة ~~دون ضرب الحقد والسخيمة «5» ، فتربح صرف ما بين الألمين، وفضل ما بين ~~الشتمين. # وبعد، فأنا أضن «6» بصداقتي لك، وأشح على نصيبي منك، من أن PageV01P267 ~~ أعرضه للفساد، وأن أعينك على القطيعة، فلا تلمني على أن كنت عندي واحدا ~~من أهل عصرك. فإن كنت عند نفسك فوقهم وبعيدا من مذهبهم، فلا تكلف الناس علم ~~الغيب فتظلمهم. # ثم قال: وما زالت العارية مؤداة، والوديعة محفوظة، فلما قالوا: ~~ «أحق الخيل بالركض المعار، بعد أن كان يقال: «أحق الخيل بالصون المعار» ، ~~وبعد أن قيل لبعضهم: «أرفق به» ، فقال: «إنه عارية» ، وقال الآخر: فأقتل، ~~فسدت العارية، واستد هذا الباب «1» » . # ولما قالوا: # شمر قميصك، واستعد لنائل %~% واحكك جبينك للقضاء بثوم «2» # واخفض جناحك إن مشيت تخشعا %~% حتى تصيب وديعة ليتيم # وحين أكلت الأمانات الأمناء والأوصياء، ورتع فيها المعدلون والصرافون «3» ~~، وجب حفظها ودفنها، وكان أكل الأرض لها خيرا من أكل الخؤون الفاجر واللئيم ~~الغادر. وهذا مع قول أكثم بن صيفي في ذلك الدهر: ~~ «لو سئلت العارية اين تذهبين» ، قالت: «أكسب أهلي ذما» «4» . # وأنا اليوم أنهى عن العارية والوديعة، وعن القرض والفرض. وأكره أن يخالف ~~قولي فعلي. أما القرض فلما أنبأتك «5» ، وأما الفرض فليس يسعه إلا بيت ~~المال. ولو وهبت لك درهما واحدا، لفتحت على مالي بابا لا تسده الجبال PageV01P268 ~~ والرمال. ولو استطعت أن أجعل دونه ردما «1» كردم يأجوج ومأجوج «2» لفعلت. ~~إن الناس فاغرة أفواههم نحو من عنده دراهم، فليس يمنعهم من النهس «3» إلا ~~اليأس، وإن طمعوا لم تبق راغية ولا ثاغية، ولا سبد ولا لبد «4» ، ولا صامت ~~ولا ناطق «5» ، إلا ابتلعوه والتهموه. أتدري ما تريد بشيخك؟ إنما تريد أن ~~تفقره. فإذا أفقرته فقد قتلته. وقد تعلم ما جاء في قتل النفس المؤمنة. # فلم أشبه قول الأصمعي لهذا الرجل حين ms149 قال: «أضن بك، وأشح على نصيبي منك، ~~من أن أعرضه للفساد» ، إلا بقول ثمامة حين قال لا بن سافري: «يا عاض بظر ~~أمه. بالنظر مني أقول لك، وبالشفقة مني أسبك» . ~~ وذلك أنه ندم حين أعضه، فرأى أن هذا القول يجعل ذلك منه يدا ونعمة. # وشهدت ثمامة، وأتاه رجلان قال أحدهما: «لي إليك حاجة» . فقال ثمامة: «ولي ~~إليك أيضا حاجة» ، قال: «وما حاجتك» ؟ قال: لست أذكرها لك حتى تضمن لي ~~قضاءها» ، قال: «قد فعلت» ، قال: «فحاجتي ألا تسألني هذه الحاجة» ، قال: ~~«إنك لا تدري ما هي» . قال: بلى قد دريت» ، قال: ~~ «فما هي» ؟ قال: «هي حاجة. ليس يكون الشيء حاجة إلا وهي تحوج إلى شيء من ~~الكلفة» ، قال: «فقد رجعت عما أعطيتك» . قال: «لكني لا أرد ما أخذت» . # فأقبل عليه الآخر، فقال: «لي حاجة الى منصور بن النعمان» ، قال: ~~ «قل: لي حاجة إلى ثمامة بن أشرس. لأني أنا الذي أقضي لك الحاجة، ومنصور ~~يقضيها لي. فالحاجة أنا أقضيها لك وغيري يقضيها لي» ، ثم قال: ~~ «فأنا لا أتكلم في الولايات ولا أتكلم في الدراهم من قلوب الناس ولأن PageV01P269 ~~ الحوائج تقتص «1» ، فمن سألته اليوم أن يعطيك، سألني غدا أن أعطي غيرك، ~~فتعجيلي تلك العطية لك أروح لي. ليس عندي دراهم، ولو كان عندي دراهم لكانت ~~نوائبي القائمة الساعة تستغرقها. ولكني أؤنب لكم من شئتم علي لكم من ~~التأنيب كل ما تريدون» . قلت له: «فإذا أنبت رجلا في أمر لم تتقدم فيه ~~بمسألة، كيف يكون جوابه لك» ؟ فضحك حتى استند الى الحائط. # وجاء مرة أبو همام السنوط، يكلمه في مرمة داره التي تطوع ببنائها في رباط ~~عبادان «2» ، فقال: «ذكرتني الطعن وكنت ناسيا. قد كنت عزمت على هدمها حين ~~بلغني أن الجبرية «3» قد نزلتها» ، قال: «سبحان الله تهدم مكرمة ودارا قد ~~وقفتها للسبيل «4» » ؟ قال: «فتعجب من ذا؟ قد أردت أن أهدم المسجد الذي كنت ~~قد بنيته ليزيد بن هاشم حين ترك أن يبنيه في الشارع، وبناه في الرائغ «5» ، ~~وحين بلغني أنه يخلط في الكلام، ويعين ms150 الشمرية «6» على المعتزلة. فلو أراده ~~أبو همام وجد من ثمامة مربدا» ~~ جميع مساحة الأرض» . وكان حين يستوي له اللفظ لا ينظر في صلاح المعاني من ~~فسادها. # وتمشى رجل الى الغاضري قال: «إن صديقك القادمي قد قطع عليه الطريق» ، ~~قال: «فأي شيء تريد» ؟ قال: «أن تخلف عليه «8» ، قال: PageV01P270 ~~ «فليس عليه قطع الطريق، بل علي قطع» . # وأتى ابن اشكاب الصيرفي صديق له، يستلف منه مالا. فقال: «لو شئت أن أقول ~~لقلت، وأن أعتل اعتللت، وأن أستعير بعض كلام من يستلف منه إخوانه فعلت، ~~وليس أرى شيئا خيرا من التصحيح وقشر العصا «1» . ليس أفعل. فإن التمست لي ~~عذرا فهو أروح لقلبك، وإن لم تفعل فهو شر لك» . # وضاق الفيض بن يزيد ضيقا شديدا، فقال: «والله ما عندنا من شيء نعول عليه، ~~وقد بلغ السكين العظم «2» . والبيع لا يكون إلا مع طول المدة. ~~ والرأي أن ننزل هذه النائبة بمحمد بن عباد «3» ، فإنه يعرف الحال وصحة ~~المعاملة وحسن القضاء وما لنا من السبب المنتظر. فلو كتبت إليه كتابا لسره ~~ذلك ولسد منا هذه الخلة القائمة الساعة» . # فتناول القلم والقرطاس، ليكتب اليه كتاب الواثق المدل، لا يشك أنه سيتلقى ~~حاجته بمثل ما كان هو المتلقي لها منه. ومضى بعض من كان في المجلس الى محمد ~~ابن عباد ليبشره بسرعة ورود حاجة الفيض إليه؛ فأتاه أمر لا يقوم له إلا بأن ~~يتقدم بالكتابة، ليشغله بحاجته إليه عن حاجته اليه، فكتب اليه: # «مالي يضعف، والدخل قليل، والعيال كثير، والسعر غال، وأرزاقنا من الديوان ~~قد احتسبت، وقد تفتحت علينا من أبواب النوائب في هذه الأيام ما لم يكن لنا ~~في حساب. فإن رأيت أن تبعث إلي بما أمكنك فعجل به، فان بنا إليه أعظم ~~الحاجة» . PageV01P271 # فورد الكتاب على الفيض قبل نفوذه كتابه اليه، فلما قرأه استرجع وكتب ~~إليه: «يا أخي تضاعفت علي المصيبة، حتى جمعت خلة عيالك الى خلة عيالي. ~~ وقد كنت على الاحتيال لهم، وسأضطرب في وجوه الحيل غير هذا الأضطراب، ~~وسأتحرك في بيع ما عندي، ولو ببعض ms151 الطرح «1» » . # فلما رجع الكتاب الى ابن عباد سكن، وألقى صاحبه في أشد الحركة وأتعب ~~التعب. # وكان رجل من أبناء الحربية له سخاء وأريحية، وكان يكثر من استزارة «2» ~~ابن عباد، ويتلف عليه من الأموال، من طريق الرغبة في الأدباء وفي مشايخ ~~الظرفاء. وكان يظن بكرمه، أن زيارته ابن عباد في منزله زيادة في المؤانسة ~~وقد كان بلغه إمساكه، ولكنه لم يظن أنه لا حيلة في سببه. # فأتاه يوما متطرئا «3» ، وقال: «جئتك من غير دعاء، وقد رضيت بما حضر» . ~~قال: «فليس يحضر شيء. وقولك: «بما حضر» لا بد من أن يقع على شيء» . قال: ~~«فقطعة مالح» ، قال: «وقطعة مالح ليس هي شيء» ؟ ~~ قال: «بلى» ، ثم قال: «فنحن نشرب على الريق» ، قال: «لو كان عندنا نبيذ ~~كنا في عرس «4» » ، قال: «فأنا أبعث الى النبيذ» ، قال: «فاذا صرت الى ~~تحويل النبيذ، فحول أيضا ما يصلح للنبيذ» . قال: «ليس يمنعني من ذلك، ومن ~~إحضار النقل والريحان إلا لأني أحتسب لك هذه الزورة بدعوة، وليس يجوز ذلك ~~إلا بأن يكون لك فيها أثر» . قال محمد: «فقد انفتح لي باب لكم فيه صلاح، ~~وليس علي فيه فساد. في هذه النخلة زوج ورشان «5» ، ولهما فرخان PageV01P272 ~~ مدركان، فان نحن وجدنا انسانا يصعدها، فانها سحيقة منجردة «1» ، ولم ~~يطيرا، فانهما قد صارا ناهضين، جعلنا الواحد طباهجة «2» ، والآخر كردناجا، ~~فإنه يوم كردناج» . # فطلبوا في الجيران انسانا يصعد تلك النخلة، فلم يقدروا عليه؛ فدلوهم على ~~أكار لبعض أهل الحربية. فما زال الرسول يطلبه، حتى يقع عليه. فلما جاء به ~~ونظر الى النخلة، قال: «هذه لا تصعد ولا يرتقى عليها إلا بالتبليا والبربند ~~«3» ، فكيف أرومها أنا بلا سبب» ؟ فسألوه أن يلتمس لهم ذلك، فذهب فغبر ~~مليا، ثم أتاهم به. فلما صار في أعلاها طار أحدهما وأنزل الآخر فكان هو ~~الطباهج والكردناج «4» ، وهو الغداء وهو العشاء. # وكتب إبراهيم بن سيابة «5» الى صديق له، يساويه في الأدب، ويرتفع في ~~الحال وكان كثير المال، كثير الصامت، يستسلف منه بعض ما يرتفق به، الى أن ~~يأتيه بعض ما ms152 يؤمل. فكتب اليه صديقه هذا يعتذر، ويقول: «إن المال مكذوب له ~~وعليه، والناس يضيفون الى الناس في هذا الباب ما ليس عندهم. ~~ وأنا اليوم مضيق «6» . وليست الحال كما نحب. وأحق من عذر الصديق العاقل» ~~، فلما ورد كتابه على ابن سيابة، كتب إليه: «إن كنت كاذبا فجعلك الله ~~صادقا، وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا» . ### || علم العرب في الطعام: # قال عمرو الجاحظ: احتجنا عند التطويل، وحين صار الكتاب PageV01P273 ~~ طويلا كبيرا، إلى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، وما يتمادحون ~~به وما يتهاجمون به شيء، وإن قل، ليكون الكتاب طويلا كبيرا، الى أن يكون قد ~~دخل فيه من علم العرب وطعامهم، يتمادحون به وما يتهاجون به شيء، وإن قل، ~~ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب. ولولا أن يخرج من مقدار شهوة الناس، ~~لكان الخبر عن العرب والأعراب أكثر من جميع هذا الكتاب. # الطعام ضروب. والدعوة اسم جامع، وكذلك الزلة «1» . ثم منه العرس والخرس ~~والإعذار والوكيرة والنقيعة. والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات. ~~قال الشاعر: # نحن في المشتاة ندعو الجفلى %~% لا ترى الآدب فينا ينتقر «2» # وجاء في الحديث: «القرآن مأدبة الله» . وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: «أو لم ولو بشاة» ، وكان ابن ~~عون والأصمعي من بعده يذمان عمرو بن عبيد «3» ويقولان: «لا يجيب الولائم» . ~~يجعلان طعام الإملاك والإعراس والسبوع «4» والختان وليمة. ~~ والعرس معروف، إلا أن المفضل الضبي «5» زعم أن هذا الإسم مأخوذ من قولهم: ~~«لا عطر بعد عروس» . وكان الأصمعي يجعل العروس PageV01P274 ~~ رجلا بعينه، كان بنى على أهله فلم يتعطر له، فسمي بعد ذلك كل بان على ~~أهله بذلك الإسم. ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في الشعر، ويظهر في ~~الخبر. # وأما الخرس «1» فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء. ~~ وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة، والخرسة طعام النفساء. قالت جارية ~~ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء: ~~ «تخرسي لا مخرسة ms153 لك» . وفي الخرسة يقول مساور الوراق: # إذا أسدية ولدت غلاما %~% فبشرها بلؤم في الغلام # تخرسها نساء بني دبير «2» %~% بأخبث ما يجدن من الطعام # قوال ابن القميئة: «3» # شركم حاضر وخيركم د %~% رخروس من الأرانب بكر «4» # فالخروس هي صاحبة الخرسة. # والأعذار طعام الختان، يقال: «صبي معذور وصبي معذر جميعا» . ~~ وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يريد تقاربهم في الأسنان: ~~«كنا إعذار عام واحد» . وقال النابغة: # فنكحن أبكارا وهن بإمة %~% أعجلنهنن مظنة الإعذار «5» # فزعموا أنهم سموا طعام الإعذار بالاعذار للملابسة والمجاورة. PageV01P275 # كان الأصمعي يقول: قد كان للعرب كلام على معان، فإذا ابتدلت تلك المعاني ~~لم يتكلم بذلك الكلام. فمن ذلك قول الناس اليوم: «ساق إليها صداقها» . ~~وإنما كان هذا يقال حين كان الصداق إبلا وغنما. وفي قياس قول الأصمعي أن ~~أصحاب التمر، الذين كان التمر دياتهم ومهورهم، كانوا لا يقولون: ساق فلان ~~صداقه» . قال: ومن ذلك قول الناس اليوم: «قد بنى فلان البارحة على أهله» ~~وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبته وخيمته، ~~وذلك هو بناؤه. ~~ ولذلك قال الأول: # لو نزل الغيث لأبنين امرءا %~% كانت له قبة سحق بجاد «1» # وكان الأصمعي يعد من هذا أشياء ليس لذكرها ههنا وجه. # ومن طعامهم الوكيرة، وهو طعام البناء. كان الرجل يطعم من يبني له، وإذا ~~فرغ من بنائه تبرك بإطعام أصحابه ودعائهم. ولذلك قال قائلهم: # خير طعام شهد العشيرة %~% العرس والإعذار والوكيرة # ويسمون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم: ~~ «النقيعة» . قال الشاعر: # إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم %~% ضرب القدار نقيعة القدام «2» # و «العقيقة» دعوة على لحم الكبش الذي يعق عن الصبي «3» . ~~ والعقيقة اسم للشعر نفسه، والأشعار هي العقائق. وقولهم: عقوا عنه PageV01P276 ~~ أي احلقوا عقيقته. ويقولون. عق عنه، وعق عليه. فسمي الكبش لقرب الجوار ~~وسبب الملتبس: «عقيقة» . ثم سموا ذلك الطعام باسم الكبش. # وكان الأصمعي يقول: لا يقولن أحدكم: «أكلت ملة» . بل يقول: ~~ «اكلت خبزة» وإنما الملة موضع الخبزة «1» . وكذلك يقول في الراوية ~~والمزادة. يقول: الراوية هو ms154 الجمل، وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ~~ذلك «2» . # فأما الدعاء إلى هذه الأصناف فمنه المذموم، ومنه الممدوح. فالمذموم ~~النقري، والممدوح الجفلي. وذلك أن صاحب المأدبة وولي الدعوة إذا جاء رسوله، ~~والقوم في أحويتهم «3» وأنديتهم، فقال: أجيبوا إلى طعام فلان، فجعلهم جفلة ~~«4» واحدة، وهي الجفالة، فذلك هو المحمود. وإذا انتقر فقال: قم أنت يا ~~فلان، وقم أنت يا فلان، فدعا بعضا وترك بعضا فقد انتقر. قال الهذلي: # وليلة يصطلي بالفرث «5» جازرها %~% يخص بالنقرى المثرين داعيها # يقول: لا يدعو فيها إلا أصحاب الثروة وأهل المكافأة، وهذا قبيح وقال في ~~ذلك بعض ظرفائنا: # آثر بالجدي وبالمائدة %~% من كان يرجو عنده العائدة # لو كان مكوكان في كفه %~% من خردل ما سقطت واحدة «6» # وقال طرفة بن العبد: # نحن في المشتاة ندعو الجفلى %~% لا ترى الآدب فينا ينتقر PageV01P277 # ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي، وأثبته «1» عاصم ~~بن خليفة الضبي، شد عليه فطعنه وهو يقول: # «هذا وفي الحفلة لا يدعوني» # ويروي: «في الجفلة لا يدعوني» . كأنه حقد عليه حين كان يدعو أهل المجلس ~~ويدعه. # والطعام المذموم عندهم ضربان، أحدهما طعام المجاوع والحطمات والضرائك ~~والسباريت «2» واللئام والجبناء والفقراء والضعفاء. من ذلك الفث «3» ~~والدعاع «4» والهبيد «5» والقرامة والقرة والعسوم ومنقع البرم «6» والقصيد ~~والقد «7» والحيات. فأما الفظ فانه وإن كان شرابا كريها فليس يدخل في هذا ~~الباب، وكذلك المجدوح. فأما الفظ فإنه عصارة الفرث إذا أصابهم العطش في ~~المفاوز؛ وأما المجدوح فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود نحروا الابل ~~وتلقوا ألبابها بالجفان كيلا يضيع من دمائها شيء؛ فاذا برد الدم ضربوه ~~بأيديهم، وجدحوه «8» بالعيدان جدحا حتى ينقطع، فيعتزل ماؤه من ثقله، كما ~~يخلص الزبد بالمخض والجبن بالأنفحة «9» ، فيتصافنون «10» ذلك الماء ~~ويتبلغون به، حتى يخرجوا من المفازة. وقال الشاعر: PageV01P278 # لم تأكل الفث والدعاع ولم %~% تجن هبيدا يجنيه مهتبده # قال أمية ابن أبي الصلت: «1» # ولا يتنازعون عنان شرك %~% ولا أقوات أهلهم العسوم # ولا قرد يقزز من طعام %~% ولا نصب ولا مولى عديم # وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي، في ms155 القرة، وهو يعير بني أسد وناسا من ~~هوازن «2» وهما ابنا القملية «3» : # ألم تر جرما أنجدت وأبوكم %~% مع القمل في حفر الأقيصر شارع «4» # إذا قرة جاءت يقول أصب بها %~% سوى القمل، إني من هوازن ضارع «5» # و «القرامة» : نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها. ~~ و «العلهز» : القردان ترض وتعجن بالدم «6» . و «القرة» : الدقيق المختلط ~~بالشعر. كان الرجل منهم لا يحلق رأسه إلا على رأسه قبضة من دقيق، ليكون ~~صدقة على الضرائك، وطهورا له. فمن أخذ ذلك الدقيق للأكل فهو معيب. # وفي أكل الحيات يقول ابن مناذر: # فإياكم والريف لا تقربنه %~% فان لديه الحتف والموت قاضيا # وهم طردوكم عن بلاد أبيكم %~% وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا PageV01P279 # وقال القطامي «1» في أكلهم القد: # تعممت في طل وريح تلفني %~% وفي طرمساء غير ذات كواكب «2» # الى حيزبون توقد النار بعد ما %~% تلفعت الظلماء من كل جانب «3» . # فسلمت، والتسليم ليس يسرها %~% ولكنه حق على كل جانب «4» # فلما تنازعنا الحديث سألتها: %~% من الحي؟ قالت: معشر من محارب «5» # من المشتوين القد في كل شتوة %~% وإن كان ريف الناس ليس بناصب «6» # وقال الراعي: «7» # بكى معوز من أن يضاف وطارق %~% يشد من الجوع الإزار على الحشا # الى ضوء نار يشتوى القد أهلها %~% وقد يكرم الأضياف والقد يشتوى # وقد يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ في المغازي والأسفار، فيمدحون من ~~آثر صاحبه، ولا يذمون من أخذ حقه منه. وهو ماء المصافنة «8» . و «المصافنة» ~~: مقاسمة هذا الماء بعينه؛ وذلك أن الماء إذا نقص عن الري اقتسموه بالسواء، ~~ولم يكن للرئيس ولصاحب المرباع والصفي وفضول المقاسم «9» فضل على أخس ~~القوم. وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء. قال الفرزدق: PageV01P280 # فلما تصافنا الإدواة أجهشت %~% إلي غضون العنبري الجراضم «1» # على ساعة لو أن في القوم حاتما %~% على جوده ضنت به نفس حاتم # وبذلك المذهب من الأثرة مدح الشاعر كعب بن مامة «2» ، حين آثر بنصيبه ~~رفيقه النمري، فقال: # ما كان من سوقة أسقى على ظمأ %~% خمرا بماء إذا ناجودها بردا «3» # من ابن مامة كعب ثم عي به %~% زو المنية إلا ms156 حرة وقدا «4» # أوفى على الماء كعب ثم قيل له %~% رد كعب، إنك وراد فما وردا # وفي المصافنة يقول الأسدي «5» : # كأن أطيطا يابنة القوم لم ينخ %~% قلائص يحكيها الحني المنقح «6» # ولم يسق قوما فارسي على الحصى %~% صباب الأداوي والمطيات جنح «7» # ويزعمون أن الحصاة التي إذا غمرها الماء في الاناء كانت نصيب أحدهم تسمى ~~«المقلة» «8» . وهذا الحرف سمعته من البغداديين، ولم أسمعه من أصحابنا، وقد ~~برئت إليك منه. # وقال ابن جحوش في المصافنة: # ولما تعاورنا الإدواة أجهشت %~% الى الماء نفس العنبري الجراضم PageV01P281 # وآثرته لما رأيت الذي به %~% على النفس أخشى لا حقات الملاوم «1» # فجاء بجلمود له مثل رأسه %~% ليشرب حظ القوم بين الصرائم «2» # وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من ~~الأمم، ولا في ناحية من النواحي. وأن أحدهم ليجوع حتى يشد على بطنه ~~الحجارة، وحتى يعتصم بشدة معاقد الإزار «3» ، وينزع عمامته من رأسه فيشد ~~بها بطنه. وإنما عمامته تاجة، والأعرابي يجد في رأسه من البرد، إذا كان ~~حاسرا «4» ، ما لا يجده أحد، لطول ملازمته العمامة، ولكثرة طيها وتضاعف ~~أثنائها. ولربما اعتم بعمامتين، ولربما كانت على قلنسوة خدرية «5» . وقال ~~مصعب بن عمير الليثي: # سيروا فقد جن الظلام عليكم %~% فبئس امرؤ يرجو القرى عند عاصم # دفعنا اليه وهو كالذيخ خاطيا %~% نشد على أكبادنا بالعمائم «6» # وقال الراعي في ذلك: # يشب لركب منهم من ورائهم %~% فكلهم أمسى الى ضوئها سرى # الى ضوء نار يشتوي القد أهلها %~% وقد يكرم الأضياف والقد يشتوى # فلما أناخوا واشتكينا اليهم %~% بكوا وكلا الخصمين مما به بكى «7» # بكى معوز من أن يضاف وطارق %~% يشد من الجوع الإزار على الحشا PageV01P282 # ومما يدل على ما هم فيه من الجهد، وعلى امتداحهم بالأثرة، قول الغنوي «1» : # لقد علمت قيس بن عيلان أننا %~% نضار، وأنا حيث ركب عودها «2» # إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضه %~% ببعض، ويبلى شح نفس وجودها «3» # وأنا مقار حين يبتكر الغضا %~% إذا الأرض أمست وهي جدب جنودها «4» # وقال في ذلك العجير السلولي «5» : # من المهديات الماء بالماء ms157 بعد ما %~% رمى بالمقاري كل قار ومعتم «6» # وقال آخر في مثل هذا: # لنا إبل يروين يوما عيالنا %~% ثلاث فإن يكثرن يوما فأربع # تمدهم بالماء لا من هوانهم %~% ولكن إذا ما قل شيء يوسع # على أنها تغشى أولئك بيتها %~% على اللحم حتى يذهب الشر أجمع # وقال أبو سعيد الخدري: أخذت حجرا فعصبته على بطني من الجوع وأتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أسأله. فلما سمعته وهو يخطب: «من يستعف «7» يعفه الله، ~~ومن يستعن يعنه الله، رجعت ولم أسأله» . PageV01P283 # قال أعرابي: «جعت حتى سمعت في مسامعي دويا. فخرجت أريغ «1» الصيد، فإذا ~~بمغارة، وإذا جرو ذئب. فذبحته وأكلته، وادهنت وأحتذيت» . # ولما قدم المغيرة «2» القادسية «3» على سعد بسبعين من الظهر، وعند سعد ~~ضيق شديد من الحال، نحروها، وأكلوا لحومها، وأدهنوا مشحوبها، واحتذوا «4» ~~جلودها. # وذكر الأصمعي عن عثمان الشحام، عن أبي رجاء العطاردي «5» ، قال: «لما ~~بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ في القتل هربنا فاشتوينا فخذ ~~أرنب دفينا «6» وألقينا عليها جمالتنا «7» . فلا أنسى تلك الأكلة» . وكان ~~الأصمعي إذا حدث بهذا الحديث قال: «نعم الأدام الجوع. ونعم شعار المسلمين ~~التخفيف» . # وذكروا عن عبد الملك بن عمير، «8» عن رجل من بني عذرة، قال: ~~ خرجت زائرا لأخوال لي بهجر «9» ، فاذا هم في برث. «10» أحمر، بأقصى PageV01P284 ~~ حجر، في طلوع القمر. فذكروا أن أتانا تعتاد نخلة، فترفع يديها، وتعطو «1» ~~بفيها، وتأخذ الحلقان والمنسبتة والمنصفة والمعوة «2» . فتنكبت قوسي، ~~وتقلدت جفيري «3» . فإذا هي قد أقبلت، فرميتها فخرت لفيها. ~~ فأدركت فقورت سرتها ومعرفتها «4» ، فقدحت ناري، وجمعت حطبي، ثم دفنتها. ~~ثم أدركني ما يدرك الشباب من النوم، فما استيقظت إلا بحر الشمس في ظهري. ثم ~~كشفت عنها، فإذا لها غطيط «5» من الودك «6» ، كتداعي طيء وغطيف وغطفان. ثم ~~قمت إلى الرطب، وقد ضربه برد السحر، فجنيت المعوة والحلقان فجعلت أضع ~~الشحمة بين الرطبتين، والرطبة بين الشحمتين، فأظن الشحمة سمنة، ثم سلاءة. ~~وأحسبها من حلاوتها شهدة أحدرها من الطود. # وأنا اتهم هذا الحديث لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف ms158 مذاهب ~~العرب. وهو من أحاديث الهيثم «7» . # وقال مديني لأعرابي: «أي شيء تدعون، وأي شيء تأكلون» ؟ ~~ قال: «نأكل ما دب ودرج إلا أم حبين «8» » ، فقال المديني: «لتهن أم حبين ~~العافية» . PageV01P285 # وقال الأصمعي: تعرق أعرابي عظما، فلما أراد أن يقليه، وله بنور ثلاثة، ~~قال له أحدهم: «أعطنيه» قال: «وما تصنع به» ؟ قال: ~~ «أتعرقه، حتى لا تجد فية مقيلا» ، قال: «ما قلت شيئا» ، قال الثاني: ~~ «أعطنيه» ، قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أتعرقه، حتى لا يدرى ألعامه ذلك ~~هو أم للعام الذي قبله» ، قال: «ما قلت شيئا» ، قال الثالث: «أعطنيه» ، ~~قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أجعله مخة إدامه» ، قال «أنت له» . # وقال الآخر: # فإنك لم تشبه لقيطا وفعله %~% وإن كنت أطعمت الأرز مع التمر # وقال الآخر: # إذا أنغاض منها بعضها لم تجد لها %~% دويا لما قد كان منها مدانيا «1» # وإن حالوا أن يشعبوها رأيتها %~% على الشعب لا تزداد إلا تداعيا «2» # معوذة الأرحال، لم ترق مرقبا، %~% ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا «3» # ولا اجتزعت من نحو مكة شقة %~% إلينا، ولا جازت بها العيس واديا «4» # ولكنها في أصلها موصلية %~% مجاورة فيضا من البحر جاريا «5» # أتتنا تزجيها المجاذيف نحونا، %~% وتعقب فيما بين ذاك المراديا «6» # فقلت: لمن هذي القدور التي رأى %~% تهيل عليها الريح تربا وسافيا؟ «7» # فقالوا: وهل يخفى على كل ناظر %~% قدور رقاش أن تأمل رائيا «8» PageV01P286 # فقلت: متى باللحم عهد قدوركم؟ %~% فقالوا: إذا ما لم يكن عواريا # ألاضحى الى الأضحى، وإلا فانها %~% تكون كنسج العنكبوت كما هيا # فلما استبان الجهد لي في وجوههم %~% وشكواهم أدخلتهم في عياليا # فكنت إذا ما استشرفوني مقبلا %~% أشاروا جميعا لجة وتداعيا «1» # ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم ما أنا كاتبه لك. وهم وإن ~~كانوا في بلاد جدب، فإنهم أحسن حالا في الخصب. فلا تظنن أن كل ما يصفون به ~~قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل. # وحدثني الأصمعي، قال: سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية، فقال: «ربما ~~رأيت الكلب يتخطى الخلاصة «2» ، وهي له معرضة، شبعا» . # وقال الأفوه الأودي «3» : # تهنا لثعلبة بن قيس جفنة ms159 %~% يأوي إليها في الشتاء الجوع # ومذانب لا تستعار وخيمة %~% سوداء عيب نسيجها لا يرقع «4» # وكأنما فيها المذانب حلقة %~% وذم الدلاء على دلوج ينزع «5» # وقال معن بن أوس، وهو يذكر قدر سعيد بن العاص «6» ، في بعض ما يمدحه: # أخو شتوات لا تزال قدوره %~% يحل على أرجائها ثم يرحل «7» PageV01P287 # إذا ما امتطاها الموقدون رأيتها %~% لو شك قراها وهي بالجزل تشعل # سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت %~% كهدر الجمال رزما حين تجفل «1» # ترى البازل الكوماء فيها بأسرها %~% مقبضة في قعرها ما تحلحل «2» # كأن الكهول الشمط في حجراتها %~% تغطرش في تيارها حين يجفل «3» # إذا التطمت أمواجها فكأنها %~% عوائذ دهم في المحلة قيل «4» # إذا أحتدمت أمواجها فكأنما %~% يزعزها من شدة الغلي أفكل «5» # تظل رواسيها ركودا مقيمة %~% لمن نابه فيها معاش ومأكل «6» # وضاف «7» الفرزدق أبا السحماء، سحيم بن عامر، أحد بني عمرو بن مرثد، ~~فأحمده وذكر في إحماده قدره، فقال: # سألنا عن أبي السحماء حتى %~% أتينا خير مطروق لساري # فقلنا: يا أبا السحماء إنا %~% وجدنا الأزد أبعد من نزار # فقام يجر من عجل إلينا %~% أسابي العناس مع الإزار «8» # وقام الى سلافة مسلحب %~% رثيم الأنف مربوب بقار «9» # تدور عليهم والقدر تغلي %~% بأبيض من سديف الكوم واري «10» # كأن تطلع الترعيب فيها %~% عذارى يطلعن إلى عذاري «11» PageV01P288 # وقال الكميت في صفة القدر: # إوز تغمس في لجة %~% تغيب مرارا وتطفو مرارا # كأن الغطامط من غليها %~% أراجيز أسلم تهجو غفارا «1» # وأما ما ذكروا من صفات القدور، من تعيير بعضهم بعضا، فهو، كما أنشدني ~~محمد ابن يسير: قال: لما قال الأول: # إن لنا قدرا ذراعين عرضها %~% وللطول منها أذرع وشبار «2» # قال الآخر: وما هذه؟ أخزى الله هذه قدرا. ولكني أقول: # بوأت قدري موضعا فوضعتها %~% برابية من بين ميث وأجرع «3» # جعلت لها هضب الرخام وطخفة %~% وغولا أثافي دونها لم تنزع «4» # بقدر كأن الليل سحمة قعرها %~% ترى الفيل فيها طافيا لم يقطع # يعجل للأضياف واري سديفها %~% ومن يأتها من سائر الناس يشبع # قال أبو عبيدة: ولما قال الفرزدق: # وقدر كحيزوم النعامة أحمشت %~% بأجذال خشب زال ms160 عنها هشيمها «5» # قال ميسرة أبو الدرداء: وما حيزوم النعامة؟ والله ما تشبع هذه الفرزدق ~~ولكني أقول: # وقدر كجوف الليل أحمشت غليها %~% ترى الفيل فيها طافيا لم يفصل PageV01P289 # وقال عبد الله بن الزبير «1» يمدح أسماء بن خارجة: # ألم تر أن المجد أرسل يبتغي %~% حليف صفاء وأتلى لا يزايله «2» # تخير أسماء بن حصن فبطنت %~% بفعل العلى أيمانه وشمائله # ترى البازل «3» البختي فوق خوانه %~% مقطعة أعضاؤه ومفاصله # ومما يجوز في هذا الباب، وإن لم يكن فيه صفة قدر، قول الفرزدق في العذافر ~~بن زيد، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة: # لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها %~% بأكثر خيرا من خوان العذافر «4» # ولو ضافه الدجال يلتمس القرى %~% وحل على خبازه بالعساكر # بعدة يأجوج ومأجوج جوعا %~% لأشبعهم شهرا غداء العذافر # وقال ابن عبدل في بشر بن مروان بن الحكم «5» : # لو شاء بشر كان من دون بابه %~% طماطم سود أو صقالبة حمر «6» # ولكن بشرا أسهل الباب للتي %~% يكون لبشر عندها الحمد والأجر # بعيد مراد العين ما رد طرفه %~% حذار الغواشي باب دار ولا ستر «7» # وقالوا في مناقضات أشعارهم في القدور. قال الرقاشي: # لنا من عطاء الله دهماء جونة %~% تناول بعد الأقربين الأقاصيا «8» PageV01P290 # جعلنا ألالا والرجام وطخفة %~% لها فاستقلت فوقهن أثافيا «1» # مؤدية عنا حقوق محمد %~% إذا ما أتانا بائس الحال طاويا # أتى ابن يسير كي ينفس كربها %~% إذا لم يرح وافى مع الصبح غاديا # فأجابه ابن يسير، فقال: # وثرماء ثلماء النواحي ولا يرى %~% بها أحد عيبا سوى ذاك باديا «2» # ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي: %~% ألا أبشروا هذا اليسيري جائيا # وقال ابن يسير في ذلك: # قدر الرقاشي لم تنقر بمنقار %~% مثل القدور، ولم تفتص من غار «3» # لكن قدر أبي حفص، إذا نسبت %~% يوما، ربيبة آجام وأنهار «4» # فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن هانيء الحكمي، يذكر قدر الرقاشي بالهجاء ~~أيضا، فقال: # ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت %~% مركبة الآذان أم عيال «5» # يغص بحيزوم البعوضة صدرها %~% وتنزلها عفوا بغير جعال «6» # ولو جئتها ملآى عبيطا مجزلا %~% لأخرجت ما فيها بعود خلال «7» # هي القدر ms161 قدر الشيخ بكر بن وائل %~% ربيع اليتامى عام كل هزال PageV01P291 # وقال النمر بن تولب: # لها ما تشتهي: عسل مصفى %~% وإن شاءت فحواري بسمن # ومن أشرف ما عرفوه من الطعام، ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا ~~عبد الله بن جدعان «1» ، وهو الفالوذق. مدحه بذلك أمية بن أبي الصلت، فقال: # الى ردح من الشيزى عليها %~% لباب البر يلبك بالشهاد «2» # ولهم الثريد، وهو في أشرافهم عام، وغلب عليه هاشم، حين هشم الخبز لقومه، ~~وقد مدح به في شعر مشهور، وهو قوله: # عمرو العلا هشم الثريد لقومه %~% ورجال مكة مسنتون عجاف «3» # ومن الطعام الممدوح الحيس «4» . وتزعم مخزوم «5» أن أول من حاس الحيس ~~سويد ابن هرمي. وقال الشاعر: # وإذا تكون شديدة أدعى لها %~% وإذا يحاس الحيس يدعى جندب # والخبز عندهم ممدوح. وكان عبد الله بن حبيب العنبري، أحد بني سمرة، يقال ~~له: آكل الخبز، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن. وكان سيدبني ~~العنبر في زمانه. وهم إذا فخروا قالوا: منا آكل الخبز ومنا مجير الطير، ~~يعني ثوب ابن شجمة العنبري. وهم يقدمون اللحم على اللبن، ولذلك قال شاعرهم: PageV01P292 # ولو أنها لم تدفع الرسل دمها %~% رأى بعضها من بعض أنسابها دما # ويقدمون اللحم على التمر، ألا تراه يقول: # قرتني عبيد تمرها وقريتها %~% سنام مصراة قليل ركوبها «1» # فهل يستوي شحم السنام إذا شتا %~% وتمر جواثا حين يلقى عسيبها «2» # وليس يكون فوق عقر الابل وإطعام السنام شيء. والعقر هو النجدة، واللبن هو ~~الرسل. قال الهذلي: # لو أن عندي من قريم رجلا %~% لمنعوني نجدة أو رسلا # وقال الهذلي: # «ألا إن خير الناس رسلا ونجدة «3» » # وقال المرار بن سعيد الفقعسي: # لهم إبل لا من ديات ولم تكن %~% مهورا ولا من مكسب غير طائل «4» # ولكن حماها من شماطيط غارة %~% خلال العوالي فارس غير مائل «5» # مخيسة في كل رسل ونجدة %~% ومعروفة ألوانها في المعاقل «6» # وقد وصفوا الثريد، فقال الراعي: # فبات يعد النجم من مستحيرة «7» %~% سريع على أيدي الرجال جمودها PageV01P293 # وقال فيها أيضا: # رأيت قدور الناس سودا على ms162 الصلى، %~% وقدر الرقاشيين زهراء كالبدر «1» # ولو جئتها ملأى عبيطا مجزلا %~% لأخرجت ما فيها على طرف الظفر # يبينها للمعتفي بفنائهم %~% ثلاث كحظ الثاء من نقط الحبر «2» # تبين في محراثها أن عوده %~% سليم صحيح، لم يصبه أذى الجمر «3» # تروح على حي الرباب ودارم %~% وسعد، وتعروها قراضبة الفزر «4» # وللحي عمرو نفحة من سجالها %~% وتغلب والبيض اللهاميم من بكر «5» # إذا ما تنادوا بالرحيل سعى بها %~% أمامهم الحولي من ولد الذر «6» # وقال بعض التميميين، وهو يهجو ابن حبار: # لو أن قدرا بكت من طول ما حبست %~% من الحفوف بكت قدر ابن حبار «7» # ما مسها دسم مذ فض معدنها %~% ولا رأت بعد نار القين من نار # والشعوبية والآزادمردية «8» المبغضون لآل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، ممن فتح الفتوح، وقتل المجوس، وجاء بالإسلام، تزيد في جشوبة ~~عيشهم، وخشونة ملبسهم، وتنقص من نعيمهم ورفاهة عيشهم. وهم من أحسن الأمم ~~حالا مع الغيث، وأسوأهم حالا إذا خفت السحاب. حتى ربما PageV01P294 ~~ طبق الغيث الأرض بالكلأ والماء فعند ذلك يقول المصرم «1» والمقتر: ~~ «مرعي ولا أكولة» ، وعشب ولا بعير، وكلأ تبجع له كبد المصرم» . ~~ ولذلك قال شاعرهم: # وجنبت الجيوش أبا زينب %~% وجاد على مسارحك السحاب # وإذا نظرت في أشعارهم علمت أنهم قد أكلوا الطيب وعرفوه، لأن الناعم من ~~الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش. فقال زياد بن فياض، يذكر ~~الدرمك «2» ، وهو الحواري: # ولاقت فتى قيس بن عيلان ماجدا %~% إذا الحرب هرتها الكماة الفوارس «3» # فقام الى البرك الهجان بسيفه %~% وطارت حذار السيف دهم قناعس «4» # فصادف حد السيف قباء جلعدا %~% فكاست وفيها ذو غرارين نائس «5» # فأطعمها شحما ولحما ودرمكا %~% ولم تثننا عنه الليالي الحنادس «6» # وقال: # تظل في درمك وفاكهة %~% وفي شواء ما شئت أو مرقه # وقال جرير: # تكلفني معيشة آل زيد %~% ومن لي بالمرقق والصناب؟ PageV01P295 # وقال حسان بن ثابت: # ثريد كأن السمن في حجراته %~% نجوم الثريا أو عيون الضياون «1» # وقال بن هرمة: # الى أن أتاهم بشيزية «2» %~% تعن كواكبها الشبك # وقال كامل بن عكرمة: # فقرب بينهم خبزا ركودا «3» %~% كساها الشحم ينهمر ms163 انهمارا # يدف بها غلاماه جميعا %~% تردهما الى الأرض انهصارا «4» # فأصبح سورهم فيها وعلمي %~% لو أن العلم صنفها إسارا «5» # فهذا في صفة الثريد. # وقال بشر بن أبي خازم: # ترى ودك السديف على لحاهم %~% كلون الرار لبده الصقيع «6» # وقال الآخر: # جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه %~% وطيب الدهان رأسه، فهو أنزع «7» PageV01P296 # إذا النفر السود اليمانون حاولوا %~% له حوك برديه أرقوا وأوسعوا «1» # وقال الزبير بن عبد المطلب: # فإنا قد خلقنا إذ خلقنا %~% لنا الحبرات والمسك الفتيت «2» # ولولا الحمس لم يلبس رجال %~% ثياب أعزة حتى يموتوا «3» # ثيابهم شمال أو عباء %~% بها دنس كما دنس الحميت «4» # فميز كما ترى بين لباس الأشراف وأهل الثروة وغيرهم. # وقال الأعشى: # للشرف العود فأكنافه %~% ما بين حمران فينصوب «5» # خير لها إن خشيت جحره %~% من ربها زيد بن أيوب «6» # متكئا تقرع أبوابه %~% يسعى عليه العبد بالكوب # وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة: # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا %~% في رأس غمدان دارا منك محلالا «7» # وليس هذا من باب الافراط. وباب الافراط كقول جران العود وصف نفسه ~~وعشيقته، فقال: # فأصبح في حيث التقينا غدية %~% سوار وخلخال ومرط مطرف «8» PageV01P297 # ومنقطعات من عقود تركنها %~% كجمر الغضا في بعض ما تتخطرف «1» # ومن ذلك قول عدي بن زيد: # يا لبينى أوقدي النارا %~% إن من تهوين قد حارا # رب نار بت أرقبها %~% تقضم الهندي والغارا «2» # وقال الآخر: # أرى في الهوى نارا لظبية أوقدت %~% يشب ويذكى بعدهن وقودها «3» # تشب بعيدان اليلنجوج موهنا %~% وبالرند أحيانا فذاك وقودها «4» # قد ذكرنا الطعام الممدوح ما هو، وذكرنا أحد صنفي الطعام المذموم والصنف ~~الآخر كالخزيرة التي تعاب بها مجاشع بن دارم «5» ، وكنحو السخينة «6» التي ~~تعاب بها قريش. # قال خداش بن زهير «7» : # يا شدة ما شددنا غير كاذبة %~% على سخينة لولا الليل والحرم «8» # وقال عبد الله بن همام «9» : # إذا لضربتهم حتى يعودوا %~% بمكة يلعقون بها السخينا PageV01P298 # وقال جرير: # وضع الخزير، فقيل: أين مجاشع %~% فشحا جحافله هجف هبلع «1» # والخزير لم يكن من طعامهم، وله حديث. والسخينة كانت من طعام قريش. # وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة ms164 وكل من كان بقرب النخل، بأكل التمر، فقال ~~الفرزدق: # لست بسعدي على فيه حبرة %~% ولست بعبدي حقيبته التمر «2» # وتهجى أسد بأكل الكلاب، وبأكل لحوم الناس. والعرب إذا وجدت رجلا من ~~القبيلة قد أتى قبيحا ألزمت ذلك القبيلة كلها، كما تمدح القبيلة بفعل جميل، ~~وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها. فتهجو قريشا بالسخينة، وعبد القيس بالتمر. ~~وذلك عام في الحيين جميعا، وهما من صالح الأغذية والأقوات. كما تهجو بأكل ~~الكلاب والناس وإن كان ذلك إنما كان من رجل واحد، ولعلك إذا أردت التحصيل ~~تجده معذورا. قال الشاعر: # يا فقعسي «3» لم أكلته لمه؟ %~% لو خافك الله عليه حرمه # فما أكلت لحمه ولا دمه # وقال في ذلك مساور بن هند: # إذا أسدية ولدت غلاما %~% فبشرها بلؤم في الغلام # تخرسها نساء بني دبير %~% بأخبث ما يجدن من الطعام # ترى أظفار أعقد ملقيات %~% براثنها على وضم الثمام «4» PageV01P299 # وقال: # بني أسد إن تمحل العام فقعس %~% فهذا إذا دهر الكلاب وعامها # وقال الفرزدق: # إذا أسدي جاع يوما ببلدة %~% وكان سمينا كلبه فهو آكله # وقال شريح بن أوس، وهو يهجو أبا المهوش الأسدي: # عيرتنا تمر العراق وبره %~% وزادك أير الكلب حسحسة الجمر # وتهجى أسد وهذيل والعنبر وباهلة بأكل لحوم الناس. قال الشاعر في هذيل: # وأنتم أكلتم سحفة ابن محدم %~% زمانا فلا يأمنكم أحد بعد «1» # تداعوا له من بين خمس وأربع %~% وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد «2» # ورفعتم جردانه لرئيسكم %~% معاوية الفلحاء يا لك ما شكد «3» # وقال حسان فيهم: # إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له %~% فائت الرجيع وسل عن دار لحيان «4» # قوم تواصوا بأكل الجار بينهم %~% فالشاة والكلب والانسان سيان «5» # وهجا شاعر بلعنبر «6» ،، وهو يريد ثوب بن شحمة، وفيه حديث: PageV01P300 # عجلتم ما صدكم علاجي %~% من العنوق ومن النعاج «1» # حتى أكلتم طفلة كالعاج «2» # ولما عير ثوب بن شحمة بأكل الفتى لحم المرأة، إلى أن نزل هو من الجبل، ~~قال: # يا بنت عمي ما أدراك ما حسبي %~% إذا لا تجن خبيث الزاد أضلاعي # إني لذو مرة تخشى بوادره %~% عند الصياح ms165 بنصل السيف قراع # فهجا ثوب بن شحمة بأكل لحوم أمرأة، وكان ثوب هذا أكرم نفسا عندهم من أن ~~يطعم طعاما خبيثا، ولو مات عندهم جوعا. وله قصص. ~~ ولقد أسر حاتم الطائي، وظل عنده زمانا. # وقال الشاعر يهجو باهلة بمثل ذلك: # إن غفاقا أكلته باهله %~% تمششوا عظامه وكاهله «3» # وأصبحت أم غفاق ثاكله «4» # وهجيت بذلك أسد جميعا، بسبب رملة بنت فائد بن حبيب بن خالد بن نضلة، حين ~~أكلها زوجها وأخوها أبو أرب، وقد زعموا أن ذاك إنما كان منهما من طريق ~~الغيظ والغيرة، فقال ابن دارة ينعي ذلك عليهم: # أفي أن رويتم واحتلبتم شكيكم %~% فخرتم؟ وفيم الفقعسي من الفخر؟ «5» PageV01P301 # ورملة كانت روجة لفريقكم %~% وأخت فريق، وهي مخزية الذكر «1» # أبا أرب كيف القرابة بينكم %~% وإخوانكم من لحم أكفالها عجر «2» # وقال: # عدمت نساء بعد رملة فائد %~% بني فقعس تأتيكم بأمان # وباتت عروسا ثم أصبح لحمها %~% جلا في قدور بينكم وجفان «3» # وقال البراء بن ربعي، أخو مضرس بن ربعي، يعير صلتا، وهو أخوه، فقال: # يا صلت إن محل بيتك منتن %~% فارحل فان العود غير صليب # وإذا دعاك الى المعاقل «4» فائد %~% فاذكر مكان صدارها المسلوب # والآن فادع أبا رجال إنها %~% شنعاء لا حقة بأم حبيب # وأبو رجال هذا عمها. وقال في ذلك معروف الدبيري: # إذا ما ضفت ليلا فقعسيا %~% فلا تطعم له أبدا طعاما # فإن اللحم إنسان فدعه %~% وخير الزاد ما منع الحراما # وعيرت كلب والقين بن جسر بأكل الخصى. وذلك بسبب النساء، وذلك أن واحدا ~~منهم لما أطعم خصييه بسبب العبث بامرأة، سار مع من ركبوا ذلك منه فيهم مثل ~~هذه السيرة، فقال بعض من ركب ذلك: # أبلغ لديك بني كلب وإخوتهم %~% كلبا فلا تجتروا بعدي على أحد # هذي الخصى فكلوها من نفوسكم %~% كما أكلتم خصاكم في بني أسد PageV01P302 # وهذا الباب يكثر ويطول، وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف ~~الحالات. فإن أردته مجموعا فاطلبه في كتاب الشعوبية «1» . فإنه هناك ~~مستقصى. # والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير نارا نبح، فيجاوبه الكلب، فيتبع ms166 صوته. ~~ولذلك قال الشاعر: # ومستنج أهل الثرى يطلب القرى %~% الينا وممساه من الأرض نازح «2» # وقال الآخر: # عوى حدس والليل مستحلس الندى %~% لمستنبح بين الرميثة والحضر «3» # ويدلك على أنه ينبح وهو على راحلته لينبحه الكلب قول حميد الأرقط: # وعاو عوى والليل مستحلس الندى %~% وقد ضجعت للغور تالية النجم «4» # فمنهم من يبرز كلبه ليجيب، ومنهم من يمنعه ذلك. قال زياد الأعجم، وهو ~~يهجو بني عجل: # وتكعم كلب الحي من خشية القرى %~% وقدرك كالعذراء من دونها ستر «5» # وقال آخر: # نزلنا بعمار فأشلى كلابه %~% علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل «6» # فقلت لأصحابي، أسر إليهم: %~% إذا اليوم أم يوم القيامة أطول؟ PageV01P303 # وقال آخر: # أعددت للضيفان كلبا ضاربا %~% عندي وفضل هراوة من أرزن «1» # وقال أعشى بني تغلب: # إذا حلت معاوية بن عمرو %~% على الأطواء «2» خنقت الكلابا # وأنشدني ابن الأعرابي، وزعم أنه من قول المجنون: # ونار قد رفعت لغير خير %~% رجاء أن تأوبني الرعاء «3» # تأوبني طويل الشخص منهم %~% يجر ثفاله يرجو العشاء «4» # فكان عشاءه عندي خزير %~% بتمر جثيثة فيه النواء # وقال في خلاف ذلك حسان بن ثابت: # أولاد جفنة حول قبر أبيهم %~% قبر ابن مارية الكريم المفضل # يغشون حتى ما تهر كلابهم %~% لا يسألون عن السواد المقبل «5» # وقال المرار الحماني في كلبه: # ألف الناس فما ينبحهم %~% من أسيف يبتغي الخير وحر «6» # وقال عمران بن عصام: # لعبد العزيز على قومه %~% وغيرهم منن غامره PageV01P304 # فبابك ألين أبوابهم %~% ودارك مأهولة عامره # وكلبك آنس بالمعتفين %~% من الأم بابنتها الزائره # وكفك حين ترى السائل %~% ين أندى من الليلة الماطره «1» # فمنك العطاء ومنا الثناء %~% بكل محبرة سائره «2» # وفي أنس الكلاب بالناس، لطول الرؤية لهم، شعر كثير. وقال الشاعر: # يا أم عمرو أنجزي الموعودا %~% وارعي بذاك أمانة وعهودا # ولقد طرقت كلاب أهلك بالضحى %~% حتى تركت عقورهن رقودا # يضربن بالأذناب من فرح بنا %~% متوسدات أذرعا وخدودا # وقال ذو الرمة «3» : # رأتني كلاب الحي حتى ألفتني %~% ومدت نسوج العنبوت على رحلي # وقال الآخر: # بات الحويرث والكلاب تشمه %~% وسرت بأبيض كالهلال على الطوى «4» # هذا البيت يدخل في هذا الباب. ms167 وقال الآخر: # لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم %~% لم ينكر الكلب إني صاحب الدار # لكن أتيت وريح المسك ينفحني %~% والعنبر الورد أذكيه على النار # فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني %~% وكان يعرف ريح الزق والقار «5» PageV01P305 # وقال هلال بن خثعم: # إني لعف عن زيارة جارتي %~% وإني لمنشوء إلي اغتيابها «1» # إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها %~% زؤورا ولم تأنس إلى كلابها # وما أنا بالداري أحاديث بيتها %~% ولا عالم من أي حوك ثيابها # وقال ابن هرمة في فرح الكلب بالضيف، لعادة النحر: # وفرحة من كلاب الحي يتبعها %~% محض يزف به الراعي وترعيب # وقال ابن هرمة: # ومستنح نبهت كلبي لصوته %~% فقلت له: قم باليفاع فجاوب «2» # فجاء خفي الشخص قد رامه الطوى %~% بضربة مسنون الغرارين قاضب «3» # فرحبت واستبشرت حين رأيته %~% وتلك التي ألقى بها كل نائب # وفي معنى الكلب من النباح يقول ابن أعيا في الحطيئة: # ألا قبح الله الحطيئة! أنه %~% على كل ضيف ضافه فهو سالح # دفعت إليه وهو يخنق كلبه %~% ألا كل كلب، لا أبالك، نابح «4» # بكيت على مذق خبيث قريته %~% ألا كل عبسي على الزاد نائح «5» # وقد قالوا في صفة أبواب أهل المقدرة والثروة، إذا كانوا يقومون بحق ~~النعمة. قال الراجز: # «إن الندى حيث ترى الضغاطا» «6» PageV01P306 # وقال الآخر: # يزدحم الناس على بابه %~% والمشرع السهل كثير الزحام # وقال الآخر: # وإذا افتقرت رأيت بابك خاليا %~% وترى الغنى يهدي لك الزوارا # وليس هذا من الأول، إنما هذا مثل قوله: # ألم تر بيت الفقر يهجر أهله %~% وبيت الغنى يهدى له ويزار # وهذا مثل قوله: # إذا ما قل مالك كنت فردا %~% وأي الناس زوار المقل؟ # والعرب تفضل الرجل الكسوب والغر «1» الطلوب، ويذمون المقيم الفشل والدثور ~~الكسلان. ولذلك قال شاعرهم، وهو يمدح رجلا: # شتى مطالبه، بعيد همه %~% جواب أودية، برود المضجع «2» # ومدح آخر نفسه، فقال: # فإن تأتياني في الشتاء وتلمسا %~% مكان فراشي فهو بالليل بارد # وقال آخر: # إلى ملك لا ينقض النأي عزمه %~% خروج تروك للفراش الممهد «3» # وقال الآخر: # فداك قصير الهم يملأ عينه %~% من النوم، إذ ملقى ms168 فراشك بارد PageV01P307 # وقال آخر: # أبيض بسام برود مضجعه %~% اللقمة الفرد مرارا تشبعه # وهم يمدحون أصحاب النيران، ويذمون أصحاب الإخماد. قال الشاعر: # له نار تشب بكل ريح %~% إذ الظلماء جللت اليفاعا «1» # وما أن كان أكثرهم سواما %~% ولكن كان أرحبهم ذراعا «2» # وقال مزرد بن ضرار: # فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت %~% بعلياء نشز، للعيون النواظر «3» # جعلها شقراء ليكون أضوأ لها. وكذلك النار إذا كان حطبها يابسا كان أشد ~~لحمرة ناره، وإذا كثر دخالنه قل ضوؤه. وقال الآخر: # ونار كسحر العود يرفع ضوءها %~% مع الليل هبات الرياح الصوارد «4» . # وكلما كان موضع النار أشد ارتفاعا، كان صاحبها أجود وأمجد، لكثرة من ~~يراها من البعد. ألا ترى النابغة الجعدي حين يقول: # منع الغدر فلم أهمم به %~% وأخو الغدر إذا هم فعل # خشية الله وأني رجل %~% إنما ذكري كنار بقبل «5» # وقالت خنساء السلمية: «6» PageV01P308 # وإن صخرا لتأتم الهداة به %~% كأنه علم في رأسه نار «1» # وليس يمنعني من تفسير كل ما يمر الا اتكالي على معرفتك. وليس هذا الكتاب ~~نفعه إلا لمن روى الشعر والكلام، وذهب مذاهب القوم، أو يكون قد شدا منه ~~شدوا حسنا. # ومما يدل على كرم القوم أيمانهم الكريمة وأقسامهم الشريفة. قال معدان بن ~~جواس الكندي: # إن كان ما بلغت عني فلا مني %~% صديقي وحزت من يدي الأنامل # وكفنت وحدي منذرا في ردائه %~% وصادف حوطا من أعادي قاتل # وقال الأشتر مالك بن الحارث، «2» في مثل ذلك أيضا: # بقيت وحدي وانحرفت عن العلى %~% ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن حرب غارة %~% لم تخل يوما من نهاب نفوس «3» # خيلا كأمثال السعالي شذبا %~% تعدو ببيض في الكريهة شوس «4» # حمي الحديد عليهم فكأنه %~% لمعان برق أو شعاع شموس # وقال ابن سيحان: # حرام كنتي مني بسوء %~% وأذكر صاحبي أبدا بذام «5» # لقد أحرمت ود بني مطيع %~% حرام الدهن للرجل الحرام «6» PageV01P309 # وخزهم الذي لم يشتروه %~% ومجلسهم بمعتلج الظلام «6» # وإن جنف الزمان مددت حبلا %~% متينا من حبال بني هشام «7» # وريق عودهم أبدا رطيب %~% إذا ما اغبر عيدان اللئام!! «8» # تم كتاب «البخلاء» ms169 للجاحظ PageV01P310 ms170