######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010670 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail.XXX #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسائل الأدبية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010670 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10670 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10670 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1423 ه #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [17- رسالة فصل ما بين العداوة والحسد] PageV01P365 ### || [1- فضل هذا الكتاب] # أصحب الله مدتك السعادة والسلامة، وقرنها بالعافية والسرور، ووصلها ~~بالنعمة التي لا تزول، والكرامة التي لا تحول. # هذا كتاب- أطال الله بقاءك- نبيل بارع، فصل فيه بين الحسد والعداوة، ولم ~~يسبقني إليه أحد ولا إلى كتاب فضل الوعد الذي تقدم هذا الكتاب، ولا إلى ~~كتاب أخلاق الوزراء الذي تقدم كتاب فضل الوعد. # وإنما نبلت هذه الكتب وحسنت وبرعت، وبذت غيرها لمشاكلتها شرف الأشراف، ~~بما فيها من الأخبار الأنيقة الغريبة، والآثار الحسنة اللطيفة، والأحاديث ~~الباعثة على الأخلاق المحمودة، والمكارم الباقية المأثورة، مع ما تضمنته من ~~سير الملوك والخلفاء ووزرائهم وأتباعهم، وما جرت عليه أحوالهم. # فأنا أسألك بساطع كرمك وناصع فضلك، لما امتننت علي بصرف عنايتك إلى ~~قراءتها، فإن لم يمكنك تبحرها والتقصي لجميعها، للأشغال التي تعروك، فبحسبك ~~أن تقف على حدودها، وتتعرف معاني أبوابها بتصفح PageV01P367 ~~أوائلها؛ فإن معك قلبا به من اليقظة والذكاء، والتوقد والحفظ، ما يكفي ~~معه النظر الخاطف. ### || [2- حساد المؤلفين] # إنه لم يخل زمن من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلا وفيه علماء ~~محقون، قد قرأوا كتب من تقدمهم، ودارسوا أهلها، ومارسوا [الموافقين] لهم، ~~وعانوا المخالفين عليهم، فمخضوا الحكمة وعجموا عيدانها، ووقفوا على حدود ~~العلوم، فحفظوا الأمهات والأصول، وعرفوا الشرائع والفروع، ففرقوا ما بين ~~الأشباه والنظائر، وصاقبوا بين الأشكال والأجناس، ووصلوا بين المتجاور ~~والمتوازي، واستنبطوا الغامض الباطن بالظاهر البين، واستظهروا على الخفي ~~المشكل بالمكشوف المعروف، وعرفوا بالفهم الثاقب والعلم الناصع، وقضت لهم ~~المحنة بالذكاء والفطنة، فوضعوا الكتب في ضروب العلوم وفنون الآداب لأهل ~~زمانهم، والأخلاف من بعدهم. ~~يزدلفون بذلك إلى الممتن عليهم بفضل المعرفة التي ركبها الله فيهم، ~~وأبانهم من غيرهم، وفضلهم عليهم، ويباهون به الأمم المخالفة لهم، ويتبارون ~~بذلك فيما بينهم، ولهم حساد معارضون من أهل زمانهم في تلك العلوم والكتب، ~~منتحلة يدعون مثل دعاويهم، قد وسموا أنفسهم بسمات الباطل، وتسموا بأسماء ~~العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزور متزخرفين متشبعين بما لا ~~محصول له، يحتذون أمثلة المحقين ms01 في زيهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في ألفاظهم ~~وألحاظهم، وحركاتهم وإشاراتهم، لينسبوا إليهم ويحلوا محلهم، فاستمالوا بهذه ~~الحيلة قلوب ضعفاء العامة، وجهلاء الملوك، واتخذهم المعادون للعلماء ~~المحقين عدة يستظهرون بهم عند العامة. وحمل المدعية للعلم المزور الحسد على ~~بهت العلماء المحقين، PageV01P368 ~~وعضههم والطعن عليهم، وجرأهم على ذلك ما رأوا من صفو ضعفة القلوب واذلة ~~الناس إليهم، وميل جهلاء الملوك معهم عليهم، وأملوا أن ينالوا بذلك بشاشة ~~العامة، وتستوي لهم الرياسة على طغام الناس ورعاعهم، ويستخولوا رعاتهم ~~وقومهم، فهمروا وهدروا وتوردوا على أهل العلم بغباوتهم، وكشفوا أغطية الجهل ~~عن أنفسهم، وهتكوا سترا كان مسدلا عليهم بالصمت. فقد قيل: «الصمت زين ~~العالم، وستر الجاهل» ؛ طمعا في الرياسة وحبا لها. # وقد قيل: # حب الرياسة داء لا دواء له %~% وقلما تجد الراضين بالقسم # ولم يخل زمن من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو. وهلاك من هلك من الأمم ~~فيما سلف بحب الرياسة. وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدهر فبحب الرياسة. # وقد قيل: هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحب الأمر والنهي، وحب ~~السمع والطاعة. # فأشكل على العامة أمر العالم الحقيقي والمدعي المجاري المنتحل للزور ~~والباطل؛ ثم ترادف عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطريق ~~المنشأ، على الجاهل المستضعف؛ وذي الغباء المسترهف. ### || [3- منتحلو كتب الجاحظ] # ولست آمن- جعلني الله فداك- أن تكون هذه الكتب التي أعنى بتأليفها، ~~وأتأنق في ترصيفها، يتولى عرضها عليك من قد لبس لباس الزور في انتحال وضع ~~مثلها، ونسب نفسه إلى القوة على نظائرها، والمعرفة بما يقاربها، إن لم يكن ~~أخاها فابن عمها، وتشبع بما لم يطعمه الله منها. PageV01P369 # ولعل بعض من حوله، أو بعض من يهزل به، ويرتع في عقله ويلهو بلبه، ويضعه ~~على طبطابة اللعب، وفي أرجوحة العبث، يوهمه الحسد له على ما يدعي من ذلك، ~~ويتقدم إلى آخرين في إيهامهم إياه ذلك، فيزيده فعلهم ضراوة بادعاء ما ليس ~~معه وهو منه عار. فإذا رجع إلى الحقائق علم أن مثله كما قد قيل: # ومن يسكن البحرين يعظم ms02 طحاله %~% ويغبط بما في البطن والبطن جائع # وقد قيل: «الذئب يغبط وهو جائع» . فيلتوي في قراءتها، ويقبض لسانه عن بسط ~~ما يحتاج أن ينشره منها، ويقصر في تفخيم حروفها ولا يملأ فمه منها. ### || [4- الطاعنون على كتب الجاحظ] # بل لا آمن أن يتجاوز ذلك إلى الطعن عليها بقول أو إشارة، فيوهم فساد ~~معانيها ويومي إلى سقوط ألفاظها، من غير أن يظهر المعاداة لها، والحسد ~~لمؤلفها، والحمل عليها بقول يكون دليلا على ما يضمر، وهو أبلغ ما يكون من ~~قلب المستمع وأنجعه فيه، فيقع ذلك بخلده. وقد قيل: «من يسمع يخل» . # وليس يقابله أحد برد، ولا يوازيه بنزاع، فيزداد نشاطا عندما يرى من خلاء ~~الأمر. وقد قيل: «كل مجر في الخلاء يسر» وكل مناظر متفرد بالنظر مسرور، ~~وإنما يعرف جري الخيل عند المسابقة، وبراعة النظر عند المخاصمة. # وقال لي بشر المريسي: عرض كتابي على المأمون في تحليل النبيذ، PageV01P370 ~~وبحضرته محمد بن أبي العباس الطوسي، فانبرى للطعن عليه والمعارضة للحجج ~~التي فيه، وأسهب في ذلك وخطب، وأكثر وأطنب، فقلق المأمون واحتدم، وهاج ~~واضطرم؛ لاستحقار الطوسي وخلاء المجلس له، وكان يحب أن يزعه وازع يكفه بحجة ~~تسكته، فلما لم ير أحدا بحضرته يذب عن كتابي قال متمثلا: # يا لك من قبرة بمعمر %~% خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري # فما كان إلا ريث فراغه من التمثل بهذه الأبيات حتى استؤذن لي فدخلت عليه، ~~فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في النبيذ؟ فقلت: حل طلق يا أمير ~~المؤمنين. فقال: فما تقول فيما أسكر كثيره؟ قلت: لعن الله قليله إذا لم ~~يسكر [إلا] كثيره. ثم قال: إن محمدا يخالفك. فأقبلت على ابن أبي العباس ~~فقلت له: ما تقول فيما قال أمير المؤمنين؟ قال: لا خلاف بيني وبينك [و] ~~كلاما يوهم به أهل المجلس، حبا للتسلم مني والتخلص من مناظرتي، لا على ~~حقيقة التحليل له. فاستغنمت ذلك منه وقلت له: فما لي لا أرى أثر قواه في ~~عقلك؟ فضحك المأمون، فلما رأيت ضحكه ms03 أطنبت في معاني تحليل النبيذ، وابن أبي ~~العباس ساكت لا ينطق، وكان قبل دخولي ناطقا لا يسكت. فلما رأى المأمون ~~سكوته عند حضوري مع كثرة كلامه في ثلب كتابي وعيبه- كان- قبل دخولي، قال ~~متمثلا: # ما لك لا تنبح يا كلب الدوم %~% قد كنت نباحا فما لك اليوم ### || [5- ابناء النعم محسودون] # ثم نظر إلي فقال: إن الكتب عقول قوم وراءها عندهم حجج لها، فما PageV01P371 ~~ينبغي أن يقضى على كتاب إلا إذا كان له دافع عنه، وخصم يبين عما فيه؛ فإن ~~أبناء النعم وأولاد الأسد محسودون. # ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، بإزاء كل حاسد راهن. # وقد قيل في مثل من الأمثال: «الحسن محسود» . وفي مثل آخر: ~~«لن تعدم الحسناء ذاما» . وقال الأحنف بن قيس: # ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا %~% إلا وجدت به آثار مأكول # يقول: يعاث في كل [مرعى] حسن ويؤكل منه، فيعيبه ذلك. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما أحدث الله لعبد نعمة إلا وجدت له ~~عليها حاسدا. ولو أن امرأ كان أقوم من القدح لوجدت له غامزا» . # وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الحاسد لا يملك إلا عنان حسده؛ ~~لأنه مغلوب على نفسه. # وقال الخطاب بن نمير السعدي: الحاسد مجنون؛ لأنه يحسد الحسن والقبيح. ### || [6- فصل ما بين العداوة والحسد] # وقال المهلب بن أبي صفرة: الحسد شهاب لا يبالي من أصاب، وعلى من وقع. # والعداوة لها عقل تسوس به نفسها فينجم قرنها، وتبدي صفحتها في أوقات ~~الهتر. وإلا فإنها كامنة تنتهز أزمنة الفرض. والحسد مسلوب المعقول بإزاء ~~الضمير في كل حين وزمان ووقت. PageV01P372 # ومن لؤم الحسد أنه موكل بالأدنى فالأدنى، والأخص فالأخص. والعداوة وإن ~~كانت تقبح الحسن فهي دون الحسد؛ لأن العدو المباين قد يحول وليا منافقا، ~~كما يحول المولى المنافق عدوا مباينا. # والحاسد لا يزول عن طريقته إلا بزوال المحسود عليه عنده. والعداوة تحدث ~~لعلة، فإذا زالت العلة زالت معها. والحسد تركيب لعلة يحسد عليها فهو لا ~~يزول إلا بزوالها. ومن هذا قال معاوية رحمه الله: ms04 يمكنني أن أرضي الناس ~~كلهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه منها إلا زوالها. # وأعداء النعمة إذا شوركوا فيها ونالوا منها تزحزحوا عن عداوتها، وكانوا ~~من أهلها المحامين عنها، والدافعين عن حماها. # ومن هذا قال المغيرة بن شعبة: النعمة التي يعاش فيها نعمة محروسة ليس ~~عليها ثائر يغتالها، ولا ذو حسد يحتال في غيرها. # وقال قتيبة بن مسلم: خير الخير وأحصنه خير عيش فيه. وكل خير كان يرضخ ~~بذلا كان من المتألف ممنوعا، ومن الغير آمنا. # وحساد النعمة إن أعطوا منها وتبحبحوا فيها، ازدادوا عليها غيظا وبها ~~إغراء. # والعداوة تخلق وتمل، والحسد غض جديد، حرم أو أعطي، لا يبيد. ~~فكل حاسد عدو، وليس كل عدو بحاسد. وإنما حمل اليهود على الكفر بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم- وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أنه نبي صادق ورسول محق، ~~يقرأون بعثه في توراتهم، ويتدارسونه في بيت مدراسهم- الحسد، وحجز بين ~~علمائهم والإيمان به، ثم نتج لهم الحسد عداوته. # ومن الدليل على أن الحسد آلم وآذى وأوجع وأوضع من العداوة، أنه مغرى بفعل ~~الله عز وجل، والعداوة عارية من ذلك لا تتصل إذا اتصلت إلا PageV01P373 ~~بأفعال العباد. ولا يعادى على فعل الله تباركت أسماؤه ألا ترى أنك لم ~~تسمع أحدا عادى أحدا لأنه حسن الصورة جميل المحاسن، فصيح اللسان حسن ~~البيان. وقد رأيت حاسد هذه الطبقة وسمعت به، وهم كثير تعرفهم بالخبر ~~والمشاهدة. # فهذا دليل على أن الحسد لا يكون إلا عن فساد الطبع، واعوجاج التركيب، ~~واضطراب السوس. # والحسد أخو الكذب، يجريان في مضما واحد؛ فهما أليفان لا يفترقان، وضجيعان ~~لا يتباينان. والعداوة قد تخلو من الكذب؛ ألا ترى أن أولياء الله قد عادو ~~أعداء الله إذ لم يستحلوا أن يكذبوا عليهم؟! والحسد لا يبرأ من البهت، وكيف ~~يبرأ منه وهو عموده الذي عليه يعتمد، وأساسه الذي به البناء يعقد. وأنشد: # كضرائر الحسناء قلن لوجهها %~% كذبا ورورا إنه لدميم # والحسد نار وقوده الروح، لا تبوخ أبدا أو يفنى الوقود. والحسد لا يبلى ~~إلا ببلي المحسود أو ms05 الحاسد. والعداوة جمر يوقده الغضب، ويطفئه الرضا.، فهو ~~مؤمل الرجوع مرجو الإنابة. والحسد جوهر والعداوة اكتساب. # وقال بعضهم: الحسد أنثى، لأنه ذليل؛ والعداوة ذكر فحل، لأنها عزيزة. # والحسد وإن كان موكلا بالأدنى فالأدنى فإنه لم يعر منه الأبعد فالأبعد. ~~فقد رأينا وشاهدنا من كان يسكن العراق وينتحل العلم والأدب، انتهى إليه ~~خبر مشارك له في الصناعة من أهل خراسان وجنبة بلخ من اتساق الرياسة في ~~بلده، وجميل حاله ونبيل محله عند أهل مصره، وطاعة العامة له، وترادف الناس ~~عليه، فطار قلبه فرقا، وأخذته الأرباء، وتنفس الصعداء وانتفض PageV01P374 ~~انتفاض المفلس الممطور، فقال لي رجل من إخواني كان عن يميني، حين رأى ما ~~رأى منه: بحق قال من قال: «لم ير ظالم أشبه بمظلوم من حاسد نعمة؛ فإن نفسه ~~متصل، وكربه دائم، وفكرته لا تنام» . # وهو في أهل العلم أكثر، وعليهم أغلب، وبهم أشد لصوقا منه بغيرهم من ~~الملوك والسوقة. وكأن من ناله التقصير في صناعة العلم عن غايته القصوى قد ~~استشعر حسد كل ما يرد عليه من طريف أدب، أو أنيق كلام، أو بديع معنى. بل قد ~~وقع بخلده لضعفه، وقر في روعه لخساسته، أنه لا ينال أحد منهم رياسة في ~~صناعة، ولا يتهيأ له سياسة أهلها، إلا بالطعن على نواصيهم، والعيب لجلتهم، ~~والتحيف لحقوقهم. # قال لي مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، الذي يعرف بصريع الغواني: خيل ~~إلى نوكى الشعراء أنهم لا يقضى لهم بجودة الشعر إلا بهجائي والطعن في شعري، ~~ولسان يهجى به عرضي، لا أنفك متهما من غير جرم، إلا ما سبق إلى قلوبهم من ~~وساوس الظنون والخواطر التي أوهمتهم أنه لا يسجل لهم بجودة الشعر إلا إذا ~~استعملوا في ما خيل إليهم. # وأخبرني أشياخنا من أهل خراسان أن أبا الصلت الهروي كان عند الفضل بن سهل ~~ذي الرياستين بمرو، فقرأ عليه كتابا ألفه النضر بن شميل، فطعن أبو الصلت ~~فيه، وكان الفضل عارفا بالنضر الشميلي، واثقا بعلمه، مائلا إليه، فأقبل على ~~أبي الصلت وقال له: إن يحيى بن ms06 خالد قال يوما: إن كتبي لتعرض على من يغلظ ~~فهمه عن معرفتها، ويجسو ذهنه عنها، ولا يبلغ أقصى علمه ما فيها- يعرض ~~بإسماعيل بن صبيح- فيطعن فيها ولا يدري ما يقرأ عليه منها. إلا أن نار ~~الحسد تلهبه فيهذي هذيان المريض، ويهمز همزات الغيرى، ثم لا يرضى أن يقف ~~عند أول الطعن ويميل عنه حتى يستقصي على نفسه إظهار جهله عند أهل المعرفة، ~~باستيعابه الطعن على ما PageV01P375 ~~لم يبلغ درايته، ولم يحط به علمه، ثم ينسيه جهله الطعن الذي تقدم منه ~~فيها، ويحمله نوكه على استعمال معانيها وألفاظها، في كتبه إلى إخوانه ~~وأعوانه الذين شهدوه في أوان طعنه عليها، وحين ثلبه لها. ### || [7- بعض الكتاب يسرقون كتب الجاحظ أو قسما منها] # وقد عرفت حقيقة ما قال يحيى بن خالد بالتجربة والابتلاء. وإني ربما ألفت ~~الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه، والرسائل والسيرة، والخطب والخراج ~~والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه ~~جماعة من أهل العلم، بالحسد المركب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاعته. وأكثر ~~ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفا لملك معه المقدرة على التقديم ~~والتأخير، والحط والرفع، [والترغيب] والترهيب، فإنهم يهتاجون عند ذلك ~~اهتياج الإبل المغتلمة، فإن أمكنتهم حيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد ~~الذي ألف له فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب ~~نحريرا نقابا، ونقريسا بليغا، وحاذقا فطنا، وأعجزتهم الحيلة، سرقوا معاني ~~ذلك الكتاب وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابا، وأهدوه إلى ملك آخر، ومتوا ~~إليه به، وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوبا إلي، وموسوما بي. ### || [8- الجاحظ ينحل كتبه غيره لتروج] # وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، ~~وأحيله على من تقدمني عصره مثل ابن المقفع والخليل، وسلم صاحب بيت الحكمة، ~~ويحيى بن خالد، والعتابي، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب، فيأتيني أولئك ~~القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان PageV01P376 ~~أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته علي، ويكتبونه بخطوطهم، ~~ويصيرونه إماما يقتدون به، ويتدارسونه ms07 بينهم، ويتأدبون به، ويستعملون ~~ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم، ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس ~~فتثبت لهم به رياسة، [و] يأتم بهم قوم فيه؛ لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب ~~إلى تأليفي. ### || [9- الجاحظ يترك بعض الكتب غفلا اشفاقا من الطعن عليها] # ولربما خرج الكتاب من تحت يدي محصفا كأنه متن حجر أملس، بمعان لطيفة ~~محكمة، وألفاظ شريفة فصيحة، فأخاف عليه طعن الحاسدين إن أنا نسبته إلى ~~نفسي، وأحسد عليه من أهم بنسبته إليه لجودة نظامه وحسن كلامه، فأظهره مبهما ~~غفلا في أعراض أصول الكتب التي لا يعرف وضاعها، فينهالون عليه انهيال ~~الرمل، ويستبقون إلى قراءته سباق الخيل يوم الحلبة إلى غايتها. ### || [10- عودة الى الحسد والعداوة] # وحسد الجاهل أهون شوكة وأذل محنا، من حسد العارف الفطن؛ لأن الحاسد ~~الجاهل يبتدر إلى الطعن على الكتاب في أول وهلة يقرأ عليه، من قبل استتمام ~~قراءته ورقة واحدة؛ ثم لا يرضى بأيسر الطعن وأخفه حتى يبلغ منه إلى أشده ~~وأغلظه، من قبل أن يقف على فصوله وحدوده. وليس ثلبه مفسرا مفصلا، ولكنه ~~يجمل ذلك ويقول: هذا خطأ من أوله إلى آخره، وباطل من ابتدائه إلى انقضائه، ~~ويحسب أنه كلما ازداد إغراقا وطعنا وإطنابا في الحمل على واضع الكتاب، كان ~~ذلك أقرب إلى القبول منه. وهو لا يعلم أن المستمع إليه إذا ظهر منه على هذه ~~المنزلة استخف به، وبكته بالجهل، PageV01P377 ~~وعلم أنه قد حكم من غير استبراء، وقضى بغير روية، فسقط عنه وبطل. # والحاسد العارف الذي فيه تقية ومعه مسكة، وبه طعم أو حياة، إذا أراد أن ~~يغتال الكتاب ويحتال في إسقاطه، تصفح أوراقه ووقف على حدوده ومفاصله، وردد ~~فيه بصره وراجع فكره، وأظهر عند السيد الذي هو بحضرته وجلسائه، من التثبت ~~والتأني حبالة يقتنص بها قلوبهم، وسببا يسترعي به ألبابهم، وسلما يرتقي به ~~إلى مراده منهم، وبساطا يفرش عليه مصارع الخدع. فيوهم به القصد إلى الحق ~~والاجتباء له. فربما استرعى بهذه المخاتل والخدع قلب السيد الحازم. # فمن أعظم البلايا وأكبر المصائب على ms08 مؤلفي الكتب إذا كان العارض لها على ~~السيد الذي منه ترجى أثمانها، وعنده تنفق بضائع أهلها، على هذه الصفة التي ~~وصفتها من الحسد والحذق بأسبابه، والمعرفة بالوجوه التي تثلم المحسود ~~وتهده، وتضع منه ومن كتبه: لا سيما إن كان مع استبطان الحسد واستعمال ~~الدهاء والذكاء جليسا لازما، وتابعا لا يفارق، ومحدثا لا يريم، وليست له ~~رعة تحجره عن الباطل، ولا معه حذر يبعثه على الفكر في العواقب؛ فإن هذا ~~ربما وافق فترة السيد بطول ترداد الكلام، وكثرة تكراره عليه، من تأكيد ~~خطائه، ونصرته قوله، وذياده عنه، واحتجاجه فيه، فيؤثر في قلبه، ويضجع رأيه. ~~فليس للسيد الذي يحب أن تصير إليه الأمور على حقائقها، وتصور له الأشياء ~~على هيئاتها، حيلة في ذلك إلا حسم مادة هذا من أهل الحسد، بالإعراض عنهم، ~~والاحتجاز دونهم. # وربما بلغ من الحاسد جهد الحسد إذا لم يعمل بشهوته، ولم تنفذ سهام ~~لطائفه، أن يقر على نفسه بالخطأ، ويعترف أن الطعن الذي كان منه في الكتاب ~~عن سهو وغفلة، وأنه لم يكن بلغ منه في الاستقصاء ما أراد، وكان مشغول الفكر ~~مقسم الذهن، فلما فرغ له ذهنه وانفرد له همه راجع ما PageV01P378 ~~كان بدر منه، لتظن به الرعة، ويقال إنه لم يرجع عن قوله واعترف بالخطأ ~~إلا من عقل وازع، ودين خالص. وإنما ذلك حيلة منه ودهاء قدمه أمام ما يريد ~~أن يوكد لنفسه ويوطد لها، من قبول القول في سائر ما يرد عليه من الكتب عن ~~غير مواقفة على مواضع، ويجعل ما قد تقدم له من الرجوع عن قوله عند ما تبين ~~له خلاف ما قال، أوثق أسباب عدالته، وأحكم عرى نصفته. # وكان يقال: من لطيف ما يستدعي به الصدق إظهار الشك في الخبر الذي [لا] ~~يشك فيه. # وكان يقال: من غامض الرياء أن ترى بأنك لا ترائي. ومن أبلغ الطعن على ما ~~تريد الطعن عليه أن تطعن ثم تستغفر الله، ثم تتمهل فترة، ثم تعود لطعن هو ~~أعظم منه وأطم من الأول؛ ليوثق بك فيه، ms09 ويقال: إن هذا لو كان عن حسد ما رجع ~~عن الطعن الأول. # وقد قيل: ذو الغيبة المشهور بها المنسوب إليها يقل ضرره، ويضعف كيده، لما ~~شاع له في الناس وانتشر منه، فكان عندهم ظنينا متهما، ومطبوعا عليها، ~~يستمعون منه على قضاء ذمام المجالسة والتلذذ به، من غير قبول ولا اصطفاء ~~له. # وإنما البلية في غيبة حذاق المغتابين الذين يسمعون، فيضحكون ولا يتكلمون. ~~وأحذق منهم الذين يستمعون ويسكتون القائل ويدعون الله بالصلاح للمقول فيه، ~~فهم قد أسكتوا القائل المغتاب ودعوا للمقول فيه، وأوكدوا قول القائل؛ لأنه ~~لو حل عندهم محل البراءة مما قيل له لجبه القائل وردع عن قوله. # وقد قال بعض العلماء: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كان من ~~نبلاء المغتابين وحذاقهم حيث يقول: PageV01P379 # مسا تراب الأرض، منه خلقتما %~% وفيها المعاد والمصير إلى الحشر # ولا تعجبا أن تؤتيا وتعظما %~% فما حشي الإنسان شرا من الكبر # فلو شئت أدلى فيكما غير واحد %~% علانية أو قال ذلك في سر # فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما %~% ضحكت له حتى يلج فيستشري # ومن هذا سرق العتابي المعنى حيث يقول: # إن كنت لا تحذر شتمي لما %~% تعرف من صفحي عن الجاهل # فاخش سكوتي سامعا ضاحكا %~% فيك لمشنوع من القائل # مقالة السوء إلى أهلها %~% أسرع من منحدر سائل # ومن دعا الناس إلى ذمه %~% ذموه بالحق وبالباطل # وسئل القاسم بن معن عن ابن أبي ليلى، فقلب كفيه وقال: # من الناس من يخفى أبوه وجده %~% وجد أبي ليلى كالبدر ظاهر # فلم تثبت عليه به حجة في ذم له ولا مدح. وقد بلغ ما أراد. # وسئل يوما عن علمه فقال: أوعوه وطبا، فإن كان محضا أو مشوبا أظهره الوطب ~~وما خضوه. # فإن قدح- جعلني الله فداك- بالحسد قادح فيما أؤلفه من كتابي لك، وسبق إلى ~~وهمك شك فيه، أعلمتني النكتة التي قدح فيها، ثم قابله بجوابي، فإني أرجو ~~ألا تحتاج إلى حاكم عند تجاثي القولين بين يديك، لعلو الحق على الباطل، ~~ودموغه إياه. # والحسد أذل ms10 نفسا من أن يجاثي أحدا، والعداوة إنما قدمت عليه لأنها عزيزة ~~منيعة. PageV01P380 # ويقال: الحسد لا يبدو إلا في العين وعلى اللسان المقصور عند أهله ~~المؤتلفين على %~% والعداوة تبدو وتنجم قرونها وينبسط لسانها عند الموافقين ~~له والمخالفين عليه. # وسئل خالد بن صفوان عن شبيب بن شيبة فقال: ذاك امرؤ سيط بالحسد وجبل ~~عليه، فليس له أخ في السر ولا عدو في العلانية. # وسئل العتابي عن أهل بغداد فقال: حساد، إخوان العلانية، وأعداء السريرة، ~~يعطونك الكل ويمنعونك القل. # ومما يدلك على أن الحسد أخس وأغبن من العداوة، أن الملل كلها ذمته ~~وعابته. ولا تعلم أن شاذا من الشواذ، وشاردا من الشراد، فضلا عن جيل من ~~الأجيال، أمر بالحسد؛ كما قيل: «عاد من عاداك، وقارع بالعداوة أهلها» . ثم ~~عظم شأن العداوة عندهم، وجل قدرها لديهم، حتى اختلفوا في وجوه العمل فيها؛ ~~فمنهم من أمر بها على الحزم والعقل. # وقال الشعبي لبشر بن مروان: لو وجهت إلى عمرو بن محمد بن عقيل مولى آل ~~الزبير- وكان شتمه- من يأتيك به سحبا وجرا! فقال بشر: إني مستعمل في عدوي ~~قول القائل: # وعاد إذا عاديت بالحزم والنهى %~% تنل ظفرا ممن تريد وتغلب # فكان بهذا ممن يرى المعاداة بالحزم، ويغتالها بالعقل والتأني. # وكان عروة بن المغيرة يقول: شر العداوة ما ستر بالمداراة، وأشقاها للأنفس ~~ما قرع بمثلها باديا. وكان ينشد: # لا أتقي حسك الضغائن بالرقي %~% فعل الذليل ولو بقيت وحيدا # لكن أعد لها ضغائن مثلها %~% حتى أداوي بالحقود حقودا # كالخمر خير دوائها منها بها %~% تشفي السقيم وتبريء المنجودا PageV01P381 # فانتهى قوله إلى ابن شبرمة فقال: «لله در عروة، هذه أنفس العرب!» . # فهؤلاء رأوا كشف المعاداة ولم يروا التأني. # ومنهم من رأى المعاداة بعد الفرار منها والإعذار فيها، فإن هي أبت إلا ~~المقارنة قارنوها بمثلها. # قال شبيب بن شيبة: إذا رأيت الشر قد أقبل إليك فتطامن له حتى يتخطاك، ولا ~~تهجه ولا تبحث عنه؛ فإن أبى إلا أن يبرك عليك فكن من الأرض نارا ساطعة ~~تتلظى. وأنشد: # إذا عاداك محتنك لبيب ms11 %~% فعاد النوم واحترس البياتا # ولا تثر الربوض وخل عنها %~% وإن ثارت فكن شبحا مواتا # تجزك إلى سواك ونح عنها %~% فخير الشر أسرعه فواتا # وإن مالت عليك وخفت منها %~% فواجهها مجاهرة صلاتا # ومنهم من أمر بقبول الإنصاف وترك المحاسبة. قال عبيد الله بن عبد الله ~~ابن [عتبة بن] مسعود: إن الملامات والمذمات كلها قبيحة، وأقبح الملامة ~~والمذمة ما كانتا في ترك نصفة أو شدة منافسة في تعداد الذنوب. وأنشد: # منافسة العدو أو الصديق %~% تجر إلى المذمة والملامه # إذا أعطاك نصفا ذو وداد %~% وبعض النصف فانتهز السلامة # ومنهم من قال: لا ترض من عدوك إلا بالظلم، ولا تقبل إنصافه ونافسه في ~~ذلك. قال العباس بن عبد المطلب: # أبا طالب لا تقبل النصف منهم %~% ولو أنصفوا حتى تعق وتظلما # ومنهم من أمر بمعونة الدهر على العدو إذا حمل عليه. قال: حدثني PageV01P382 ~~إبراهيم بن شعبة المخزومي قال: سمعت من حكى لي عن مصعب بن الزبير قال: ~~إذا رأيت يد الدهر قد لطمت عدوك فبادره برجلك، فإن سلم من الدهر لم يسلم ~~منك. وأنشد: # إذا برك الزمان على عدو %~% بنكبته أعنت له الزمانا # قال العتابي: قلت لطوق بن مالك: إن من شرط الدهر ومن صناعة الزمان السلب، ~~فإذا حملت الأيام على عدوك ثقلا وأمتك منه فزده ثقلا إلى ثقله. قال: فقال ~~لي طوق: من لم ينتهز من عدوه انتهز منه، وحالت الأيام التي كانت بيضا عليه ~~سودا. وأنشد: # لله درك ما ظننت بثائر %~% حران ليس على التراب براقد # أحقدته ثم اضطجعت ولم ينم %~% أسفا عليك وكيف نوم الحاقد # إن تمكن الأيام منك، وعلها، %~% يوما نوفك بالصواع الزائد # ولئن سلمت لأتركنك عارضا %~% بعدي لكل مسالم ومعاند # ومنهم من كان يرى جبر كسر العدو وإقالة عثرته، ونصرته عند وثوب الدهر ~~عليه. # قال: حدثني ابن عبد الحميد قال ابن شبرمة: كانت الحرب يوم صفين بين العرب ~~محضة لا شوب فيها، فكانت محاربتهم كداما واعتناقا، وكانوا إدا مروا برجل ~~جريح كانوا يقولون: خذله قومه فانصروه، وألقاه دهره بمضيعة فردوه ms12 إلى أهله. # وقال ابن شبرمة: ما زلنا نسمع أن المصيبات تنزع السجيات. # قال: وأنشدني بعض أهل العلم في هذا المعنى: # فلو بي بدأتم قبل من قد دعوتم %~% لفرجتها وحدي ولو بلغت جهدي PageV01P383 # إذا المرء ذو القربى وذو الحقد أجحفت %~% به سنة سلت مصيبته حقدي # ومنهم من رأى الإفضال على عدوه وترك مجازاته. وهذا كثير لا يحتاج فيه الى ~~استقصاء شواهده. # قال غيلان بن خرشة الضبي- وقال بعضهم: بل الأحنف بن قيس- لا تزال العرب ~~بخير ما لبست العمائم وتقلدت السيوف وركبت الخيل، ولم تأخذها حمية الأوغاد. ~~قيل: وما حمية الأوغاد؟ قال: أن يروا الحلم ذلا، والتواهب ضيما. # وقال الشعبي لرجل قال له: ألا تنتقم من فلان فقد عاداك ونصب لك؟ # فقال: # ليست الأحلام في حال الرضا %~% إنما الأحلام في حال الغضب # وأنشدني بعض العلماء بيتين وقال: إن الزبيري كان كثيرا ما يتمثل بهما: # وإني لأعدائي على المقت والقلى %~% بني العم منهم كاشح وحسود # أذب وأرمي بالحصى من ورائهم %~% وأبدأ بالحسنى لهم وأعود # وكان عبد الملك بن مروان إذا أنشد: # إني وإن كان ابن عمي كاشحا %~% لمراجم من دونه وورائه # ومعيره نصري وإن كان امرأ %~% متزحزحا في أرضه وسمائه # وإن اكتسى ثوبا نفيسا لم أقل %~% يا ليت أن علي حسن ردائه # وإذا تخرق في غناه وفرته %~% واذا تصعلك كنت من قرنائه # قال: هذا والله من شعر الأشراف. نفى عن نفسه الحسد واللؤم PageV01P384 ~~والانتقام عند الإمكان، والمسألة عند الحاجة. # ومنهم من أمر بالسفه في العداوة واستعمال الخرق فيها. # حدثني نوح بن أحمد عن أبيه عن ابن عباس قال: جاء النابغة الجعدي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل معك من الشعر ما عفا الله عنه؟ قال: ~~نعم. قال: أنشدني منه. فأنشده: # وإنا لقوم ما نعود خيلنا %~% إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا # وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا %~% من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا # وليس بمعروف لنا أن نردها %~% صحاحا ولا مستنكرا أن تعقرا # بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا %~% وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا ms13 # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال: ~~إلى الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلى الجنة إن شاء الله» ~~. # ثم رجع في قصيدته فقال: # ولا خير في جهل إذا لم يكن له %~% حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا # ولا خير في حلم إذا لم تكن له %~% بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا فض الله فاك!» . قال: ~~فأتت عليه عشرون ومائة سنة، كلما سقطت له سن اثغرت أخرى مكانها؛ لدعوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فهذا أحسن ما روي في البادرة التي يصان بها الحلم. # وقال الشاعر الجاهلي: # صفحنا عن بني ذهل %~% وقلنا: القوم إخوان PageV01P385 # عسى الأيام أن يرجع %~% ن حيا كالذي كانوا # فلما صرح الشر %~% وأمسى وهو عريان # مشينا مشية الليث %~% بدا والليث غضبان # يضرب فيه توهين %~% وتضجيع وإذعان # وطعن كفم الزق %~% وهى والزق ملان # وفي الشر نجاة حي %~% ن لا ينجيك إحسان # حدثنا أبو مسهر عن أبيه عن خالد بن عمرو الكلبي قال: # كنا مع أبي برزة الأسلمي في غزاة، فكان منا رجل يمتار لنا الميرة ويقوم ~~بحوائجنا، فإذا أقبل قلنا: جزاك الله خيرا. فغضب لدعائنا، فشكونا ذلك إلى ~~أبي برزة، فقال أبو برزة: كنا نسمع أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر، ~~فاقلبوا له. فكنا نقول له إذا أتانا بالحوائج: جزاك الله شرا وعرا، فيضحك ~~لذلك. # وأنشدني رجل عن بعض الأعراب: # أرى الحلم في بعض المواطن ذلة %~% وفي بعضها عزا يشرف فاعله # إذا أنت لم تدفع بحلمك جاهلا %~% سفيها ولم تقرن به من يجاهله # لبست له ثوب المذلة صاغرا %~% فأصبح قد أودى بحقك باطله # فأبق على جهال قومك إنه %~% لكل حليم موطن هو جاهله # وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «استوصوا بالغوغاء خيرا، فإنهم ~~يطفئون الحريق، ويسدون البثوق» . # وقال أبو سلمى في الجاهلية: # لا بد للسودد من رماح %~% ومن عديد يتقى بالراح # ومن كلاب جمة النباح PageV01P386 # وقال مسلم ms14 بن الوليد: # حلفت لئن لم تلقني سفهاؤها %~% خزاعة والحيان عوف وأسلم # لأرتجعن الود بيني وبينها %~% بقافية تفري العروق فتحسم # من اللاء لا يرجعن إلا شواردا %~% لهن بأفواه الرجال تهمهم # أصابوا حليما فاستعدوا بجاهل %~% إذا الحلم لم يمنعك فالجهل أحزم # ولم نستقص الأبواب كلها بالمعارضة في هذا الكتاب، ولو استقصينا لطالت بنا ~~الأيام وتراخت الليالي إلى بلوغ الغاية في تمام الكتاب. وإنما ذكرنا من كل ~~باب عرض فيه ما دل على معناه الذي إليه قصد. # ولم نر الحسد أمر به أحد من العرب والعجم في حال من الأحوال، ولا ندب ~~إليه ونبه عليه. وقد نبه على العداوة وفصل بين أحوالها بما قد بيناه، فظهر ~~فضلها على الحسد بذلك. ### || [11- الكتاب يطلبون من الجاحظ ان يشاطروه فيء كتبه] # وكنت امرأ قليل الحساد حتى اعتصمت بعروتك، واستمسكت بحبلك واستذريت في ~~ظلك، فتراكم علي الحساد وازدحموا، ورموني بسهامهم من كل أوب وأفق، وتتايعوا ~~علي تتايع الدثر على مشتار العسل. ولئن كثروا لقد كثر بهبوب ريحك إخواني، ~~وبنضرة أيامك وزهرة دولتك خلاني. وأنا كما قلت: # فأكثرت حسادي وأكثرت خلتي %~% وكنت وحسادي قليل وخلاني # فلما بلغت هذا الفصل من تأليف هذا الكتاب دخل علي عشرة نفر من الكتاب قد ~~شملهم معروفك، ورفع مراتبهم جميل نظرك، فهم من طاعتك PageV01P387 ~~والمحبة لك على حسب ما أوليتهم من إحسانك وجزيل فوائدك، فأفاضوا في حديث ~~من أحاديث الحسد، فشعب لهم ذلك الحديث شعوبا افتنوا فيها- والحديث ذو شجون- ~~فما برحوا حتى أتتني رقعة أناسية من الحساد فيها سهام الوعيد، ومقدمات ~~التهديد والتحذير والتخويف، للطعن على ما ألفت من الكتب إن أنا لم أضمن لهم ~~الشركة فيما يجرى علي، فدفعت رقعتهم إلى من قرب إلي منهم، فقرأها ثم قال: ~~«قاتلهم الله! أبظلم يرومون النيل ويلتمسون الشركة في المعروف! لنزع الروح ~~بالكلاليب أهون من بذل معروف بترهيب» . وأنشأ يقول: # أبقى الحوادث من خلي %~% لك مثل جندلة المراجم # قد رامني الأعداء قب %~% لك فامتنعت من المظالم # ودفعها إلى من قرب منه فقرأها. وقال الثاني: «صكة جلمود، ms15 لكل مرعد حسود، ~~يمتطر العرف بالتهديد. خل الوعيد، يذهب في البيد» . ~~وأنشأ يقول: # أبرق وأرعد يا يزي %~% د فما وعيدك لي بضائر # ودفعها إلى الثالث فقرأها وقال: «سألوا ظلما، وخوفوا هضما، لقوا حربا ~~ولقيت سلما» . وأنشأ يقول: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا %~% أبشر بطول سلامة يا مربع # ودفعها إلى الرابع فقرأها وقال: «قول الذليل وبوله سيان» . وأنشأ يقول: # ما ضر تغلب وائل أهجوتها %~% أم بلت حيث تناطح البحران # ودفعها إلى الخامس فقرأها وقال: «نهيق الحمار، ودم الأعيار جبار PageV01P388 ~~جبار» . وأنشأ يقول: # ما أبالي أنب بالحزن تيس %~% أم لحاني بظهر غيب لئيم # ودفعها إلى السادس فقرأها وقال: «إذا علقتك الأمجاد، فليهن عليك الحساد» ~~. وأنشأ يقول: # إذا أهل الكرامة أكرموني %~% فلا أخشى الهوان من اللئام # ودفعها إلى السابع فقرأها وقال: «كيف يخاف الصرعة، من هو في ذي المنعة» . ~~وأنشأ يقول: # كم تنبحون وما يغني نباحكم %~% ما يملك الكلب غير النبح من ضرر # ودفعها إلى العاشر فقرأها وقال: «نوكى هلكى، لم يعرفوا خبرك، ولا دروا ~~أمرك» . وأنشأ يقول: # فلو علم الكلاب بنو الكلاب %~% بحالك عند سيدنا لذلوا # وعندي صديق لي من السوقة له أدب، فقال لي بعقب فراغهم مسرا: ~~إن هؤلاء الكتاب قد أظهروا الاستخفاف بقول الحساد، وضربوا الأمثال في ~~هوانهم عليك، وعرفوا أنك في منعة من عز أبي الحسن أطال الله بقاءه، ومعقل ~~لا يسامى ولا ينال. وأنا أقول بالشفعة: # توق قوما من الحساد قد قصدوا %~% لحط قدرك في سر وفي علن # فقلت له: إني أقول بيتين هما جوابك وجواب الحساد: # إن ابن يحيى عبيد الله أمنني %~% من الحوادث بعد الخوف من زمني # فلست أحذر حسادي وإن كثروا %~% ما دمت ممسك حبل من أبي الحسن PageV01P389 # فلما رأى صديقي اقتفائي آثار الكتاب، باستهانتي للحساد عند اعتلاقي ~~حبائلك أعزك الله، أنشأ متمثلا بقول نصر بن سيار: # إني نشأت وحسادي ذوو عدد %~% يا ذا المعارج لا تنقص لهم أحدا # إن يحسدوني على ما قد بنيت لهم %~% فمثل حسن بلائي جر لي الحسدا # وليس العجب أن ms16 يكثروا وأنا أنعق بمحاسنك، وأهتف بشكرك، ولكن العجب كيف لا ~~تتفتت أكبادهم كمدا. # وكان بعضهم يقول: اللهم كثر حساد ولدي؛ فإنهم لا يكثرون إلا بكثرة ~~النعمة. # فإن كان والدي سبق منه هذا الدعاء، فإن الإجابة كانت مخبوءة إلى زمان ~~عزك؛ فقد رأينا تباشيرها، وبدت لنا عند عنايتك غايتها. # وكان بعض الصالحين يقول: اللهم اجعل ولدي محسودين، ولا تجعلهم مرحومين؛ ~~فإن يوم المحسود يوم عزة، ويوم الحاسد يوم ذلة. # ويقال: إنه لما مات الحجاج سمعوا جارية خلف جنازته وهي تقول: # اليوم يرحمنا من كان يحسدنا %~% واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا # ويقال: إن زياد ابن أبيه قال لحرقة ابنة النعمان: أخبريني بحالكم. ~~قالت: إن شئت أجملت وإن شئت فسرت. فقال لها: أجملي، فقالت: «بتنا نحسد، ~~وأصبحنا نرحم» . فخطبها زياد وكانت في دير لها فكشفت عن رأسها، فإذا رأس ~~محلوق، فقالت: أرأس عروس كما ترى يا زياد؟ وأعطاها دنانير فأخذتها وقالت: ~~جزتك يد افتقرت بعد غنى، ولا جزتك يد استغنت بعد فقر! # ولا نعلم الحسد جاء ~~فيه شيء أكثر من حديث روى عن النبي صلى الله PageV01P390 ~~عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله حفظ القرآن فهو يقوم به ~~آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في وجوه البر آناء ~~الليل وآناء النهار» . # فهذا الحسد إنما هو في طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال بعض الأشراف: # احسد على نيل المكارم والعلى %~% إذ لم تكن في حالة المحسود # حسد الفتى بالمكرمات لغيره %~% كرم ولكن ليس بالمعدود # فهذا ما انتهى إلينا من أخبار الحسد، وزادك الله شرفا وفضلا، وعلما ~~ومعرفة، ولا زلت بالمكان الذي يهدى إليك [فيه] الكتب، وتتحف بنوادر العلوم ~~وفرائد الآداب، إنه قريب مجيب. # تم الكتاب ولله المنة، وبيده الحول والقوة تتلوه رسالة من كلام أبي عثمان ~~أيضا في ذم القواد والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه ~~وآله وسلامه. PageV01P391 ms17