# فليس لمن كانت هذه صفته أن يتحيز مع الخاصة، مع أنه لو حسنت نيته لم
~~تحتمل فطرته معرفة الفصول وتمييز الأمور.
# فإن قالوا: ولعلهم لا يعرفون الله ورسوله كما لا يعرفون عدله من جوره،
~~وتشبيهه بخلقه من نفي ذلك عنه، وكما لا يعرفون [القرآن و] تفسير جمله
~~وتأويل منزله.
# قيل لهم: إن قلوب البالغين مسخرة لمعرفة رب العالمين، ومحمولة على تصديق
~~المرسلين، بالتنبيه على [مواضع] الأدلة، وقصر النفوس على الروية، ومنعها
~~[عن] الجولان والتصرف، وكل ما ربث عن التفكير، وشغل عن التحصيل، من وسوسة
~~أو نزاع شهوة، لأن الإنسان ما لم يكن معتوها أو طفلا فمحجوج على ألسنة
~~المرسلين عند جميع المسلمين، ولا يكون محجوجا حتى يكون عالما بما أمر به،
~~عارفا بما نهي عنه. لأن من لم يعلم في أي الضربين سخط الله وفي أي النوعين
~~رضاه، ثم ركب السخط أو أتى الرضا، لم يكن ذلك منه إلا على الاتفاق. وإنما
~~الاستحقاق مع القصد. والله يتعالى أن يعاقب من لم يرد خلافه ولم يعرف رضاه،
~~أو يحمد من لم يعتمد رضاه ولم يقصد إليه.
# ولم يكن الله ليعدل صنعته ويسوي أداته، ويفرق بينه وبين المنقوص في بنيته
~~وتركيبه، إلا ليفرق بين حاله وحال الطفل والمعتوه.
# PageV01P255
#
# وليس للمعرفة وجه إلا لتبصيره وتخييره، ولولا ذاك لم يكن للذي خص به من
~~الإبانة، وتعديل الصنعة، وإحكام البنية معنى. والله يتعالى عن فعل ما لا
~~معنى له.
# وفي قول الله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} دليل على ما قلنا.
# وليس لأحد أن يخرج بعض الجن والإنس من أن يكون خلق للعبادة إلا بحجة. ولا
~~حجة إلا في عقل، أو كتاب، أو خبر.
# فإن قالوا: فإن ms160 كان الله إنما أبانهم بالتعديل والتسوية للعبادة
~~والاختيار مع الأمة فحكمهم حكم المسلمين المتعبدين، وإنما الإمام إمام
~~المسلمين والمتعبدين.
# قلنا: إنما يلزم الناس الأمر فيما عرفوا سبيله، وليس للعوام خاصة معرفة
~~بسبيل إقامة الأئمة فيلزمها أمر، أو يجرى عليها نهي.
# والعامة وإن كانت تعرف جمل الدين بقدر ما معها من العقول فإنه لم يبلغ من
~~قوة عقولها وكثرة خواطرها أن ترتفع إلى معرفة العلماء، ولم تبلغ من ضعف
~~عقولها أن تنحط إلى طبقة المجانين والأطفال.
# وأقدار طبائع العوام والخواص ليست مجهولة فنحتاج إلى الإخبار عنها بأكثر
~~من التنبيه عليها، لأنكم تعلمون أن طبائع الرسل فوق طبائع
# PageV01P256
#
# الخلفاء، وطبائع الخلفاء فوق طبائع الوزراء، وكذلك الناس على منازلهم من
~~الفضل، وطبقاتهم من التركيب في البخل والسخاء، والبلدة والذكاء، والغدر
~~والوفاء، والجبن والنجدة، والجزع [والصبر] والطيش والحلم، والكبر والتيه،
~~والحفظ والنسيان، والعي والبيان.
# ولو كانت العامة تعرف من الدين والدنيا ما تعرف الخاصة، كانت العامة
~~خاصة، وذهب التفاضل في المعرفة، والتباين في البنية. ولو لم يخالف بين
~~طبائعهم لسقط الامتحان وبطل الاختبار، ولم يكن في الأرض اختيار. وإنما خولف
~~بينهم في الغريزة ليصبر صابر، ويشكر شاكر، وليتفقوا على الطاعة. ولذلك كان
~~الاختلاف هو سبب الائتلاف.
# ويقال لهم عند ذلك: إنكم قد أكثرتم في أمر العوام، وخلطتم في الحكم
~~عليهم. فمرة تزعمون أنا نكذب عليهم حين نزعم أنهم غير محجوجين، لأنهم
~~بزعمكم لا يفصلون بين الأمور، ولا يفرقون بين الكاذب المحتال وبين الصادق
~~المحق. وجعلتم الدليل على ذلك أنكم اعترضتموهم بزعمكم فسألتموهم عن الدليل
~~والحجة، والفرق والعلة، فلم تجدوهم يشعرون بما يلزم فيها ولا يعرفون بابها،
~~وكيف الكلام فيها.
# PageV01P257
#
# وإنا معشر أصحاب المعرفة قد تعمدنا الكذب عليهم، حين زعمنا أنهم يعرفون
~~ذلك، ويفرقون بين معانيه، ومرة تزعمون أنهم يعرفون ما يعرفه الخواص
~~والعلماء، ويعلمون ما يعلمه المتكلمون والفقهاء، من إقامة الأئمة وعقد
~~الخلافة. فمرة تخرجونهم من جميع المعرفة، ومرة تجعلونهم في غاية المعرفة.
~~وأعدل الأمور في ذلك وأقسطها ms161 أن تزعموا أنهم يعرفون جمل الشرائع الظاهرة
~~الجلية وجمل السنن الواضحة المستفيضة، ويجهلون تفسير جملها وتأويل منزلها،
~~وكل منصوص لم يظهر كظهور الحج، ولم يشهر كشهرة صوم رمضان، وغسل الجنابة،
~~وتحريم الخمر والخنزير والميتة والدم.
# ولكن دعونا جانبا، واضربوا عما نقول صفحا، وقربوا جميع القولين لنتعاون
~~عليهما، فأيهما كان أثبت على الامتحان، وأنفى للقذى، وأحسن مغزى، وأجد على
~~الأيام، وأصح على التقليب، دنا به، وحامينا عليه، وتقربنا به، وآثرناه على
~~ما سواه.
# على أنا لا نستملي حق ذلك وصدقه إلا منكم، ولا نحتج عليكم إلا بما تقرون
~~به على أنفسكم.
# خبرونا عن العوام: هل يخلو أمرهم من أن يكونوا محجوجين أو غير محجوجين؟
~~فإن كانوا غير محجوجين فقد دخلوا في أكثر مما عابوا. وإن كانوا محجوجين فهل
~~تخلو الحجة الذي بها قطع الرسول عذرهم من ضربين: إما أن تكون المعرفة بصدق
~~الرسول وفصل ما بينه وبين
# PageV01P258
#