######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0096338 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Cuthmaniya #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: العثمانية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الفرق والردود #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0096338 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-96338 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/96338 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1411 هـ - 1991 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الجيل، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 #
# كتاب العثمانية # للجاحظ # PageV00P000 #
# - بسم الله الرحمن الرحيم - # عونك اللهم ### | ثم إنا مخبرون عن مقالة العثمانية # وبالله نستهدي وإياه نستعين، وعليه نتوكل، وما توفيقنا إلا به. # رووا أن أفضل هذه الأمة وأولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة، وكان أول ~~ما دلهم عند أنفسهم على فضيلته وخاصة منزلته، وشدة استحقاقه، إسلامه على ~~الوجه الذي لم يسلم عليه أحد من عالمه وفي عصره. وذلك أن الناس اختلفوا في ~~أول الناس إسلاما، فقال قوم: أبو بكر بن أبي قحافة، وقال آخرون: زيد بن ~~حارثة، وقال نفر: خباب بن الأرت. # على أنه إذا تفقدنا أخبارهم، وأحصينا أحاديثهم وعدد رجالهم، و [نظرنا في] ~~صحة أسانيدهم. كان الخبر في تقديم أبي بكر أعم، ورجاله أكثر، وإسناده أصح، ~~وهم بذلك أشهر، واللفظ به أظهر، مع الأشعار الصحيحة والأخبار المستفيضة في ~~حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد وفاته. وليس بين الأشعار وبين ~~الأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها وأصل مخرجها التباعد والاتفاق والتواطؤ، ~~ولكنا ندع هذا المذهب [جانبا]، ونضرب عنه صفحا، اقتدارا على الحجة، وثقة ~~بالفلج والقوة، ونقتصر على أدنى منازل أبي بكر، وننزل على حكم الخصم مع ~~سرفه وميطه فنقول: # لما وجدنا من يزعم أن خبابا وزيدا أسلما قبله، فأوسط الأمور وأعدلها ~~وأقربها من محبة الجميع ورضا المجادل أن نجعل إسلامهم كان معا، إذ ادعوا أن ~~الأخبار في ذلك متكافئة، والآثار متدافعة، [وليس في الأشعار دلالة، ولا في ~~الأمثال حجة]، ولم يجدوا إحدى القضيتين أولى في حجة العقل من الأخرى. ### | فصل: وقالوا: فإن قال قائل: فما بالكم لم تذكروا عليا في هذه الطبقة # وقد تعلمون كثرة مقدميه والرواية فيه؟ # قلنا: لأنا قد علمنا بالوجه الصحيح والشهادة القائمة أنه أسلم وهو حدث ~~غرير وغلام صغير، فلم نكذب الناقلين، ولم نستطع أن ننزل أن إسلامه كان ~~لاحقا بإسلام البالغين، لأن المقلل زعم أنه أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر ~~زعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين، والقياس أن يؤخذ بأوسط الروايتين، ms001 وبالأمر ~~بين الامرين، وإنما تعرف [حق] # PageV01P005 #
# ذلك من باطله بأن تحصى سنيه التي ولي فيها، وسني عثمان وسني عمر وسني أبي ~~بكر، وسني الهجرة، ومقام النبي - صلى الله عليه - بمكة بعد أن دعا إلى الله ~~وإلى رسالته إلى أن هاجر إلى المدينة، ثم تنظر في أقاويل الناس في عمره، ~~وفي قول المقلل والمكثر، فتأخذ أوسطها وهو أعدلها، وتطرح قول المقصر ~~والغالي، ثم تطرح ما حصل في يديك من أوسط ما روى من عمره [و] سنيه، وسني ~~عثمان وسني عمر وسني أبي بكر، والهجرة ومقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بمكة إلى وقت إسلامه، فإذا فعلت ذلك وجدت الأمر على ما قلنا وعلى ما فسرنا. # وهذه التأريخات والأعمار معروفة لا يستطيع أحد جهلها والخلاف عليها، لأن ~~الذين نقلوا التاريخ لم يعتمدوا تفضيل بعض على بعض، وليس يمكن ذلك مع ~~اختلاف عللهم وأسبابهم، فإذا ثبت عندك بالذي أوضحنا وشرحنا أنه كان يومئذ ~~ابن سبع سنين أقل بسنة أو أكثر بسنة، علمت بذلك أنه لو كان أيضا ابن أكثر ~~من ذلك بسنتين وثلاث وأربع لا يكون إسلامه إسلام المكلف العارف بفضيلة ما ~~دخل فيه ونقصان ما خرج منه. # والتاريخ المجتمع عليه أن عليا قتل سنة أربعين في شهر رمضان. # وقالوا: فإن قالوا فلعله وهو ابن سبع سنين وثمان سنين قد بلغ من فطنته ~~وذكائه وصحة لبه وصدق حسه وانكشاف العواقب له وإن لم يكن # PageV01P006 #
# جرب الأمور، ولا فاتح الرجال، ولا نازع الخصوم، ما يعرف جميع ما يجب على ~~البالغ معرفته والإقرار به. # قلنا: إنما نتكلم على ظاهر الأحكام وما شاهدنا عليه طباع الأطفال. وجدنا ~~حكم ابن سبع سنين، وثمان سنين وتسع سنين، حيث قرأناه وبلغنا خبره - ما لم ~~يعلم مغيب أمره، وخاصة طباعه - حكم الأطفال، وليس لنا أن نزيل ظاهر حكمه ~~والذي نعرف من شكله بلعل وعسى، لأنا كنا لا ندري لعله قد كان ذا فضيلة في ~~الفطنة، فلعله أن يكون ذا نقص فيها. أجاب منهم بهذا ms002 الجواب من يجوز أن يكون ~~علي في المغيب قد أسلم إسلام البالغ المختار، غير أن الحكم فيه عنده على ~~مجرى أمثاله وأشكاله الذين إذا أسلموا وهم في مثل سنه كان إسلامهم على ~~تربية الحاضن، وتلقين القيم، ورياضة السائس. ### | فصل: فأما علماء العثمانية ومتكلموهم، وأهل القدم والرياسة منهم # ، فإنهم قالوا: إن عليا لو كان وهو ابن ست سنين وسبع سنين، وثمان سنين ~~وتسع سنين، يعرف فصل ما بين الأنبياء والكهنة، وفرق ما بين الرسل والسحرة، ~~وفرق ما بين خبر المنجم والنبي، وحتى يعرف الحجة من الحيلة، وقهر # PageV01P007 #
# الغلبة من قهر المعرفة، ويعرف كيد المريب وبعد غور المتنبي، وكيف يلبس ~~على العقلاء، ويستميل عقول الدهماء، ويعرف الممكن في الطبائع من الممتنع ~~فيها، وما يحدث بالاتفاق وما يحدث بالأسباب، ويعرف أقدار القوى في مبلغ ~~الحيلة ومنتهى البطش، وما لا يحتمل إحداثه إلا الخالق، وما يجوز على الله ~~مما لا يجوز في توحيده وعدله، وكيف التحفظ من الهوى، وكيف الاحتراس من تقدم ~~الخادع في الحيلة - كان كونه بهذه الحال وعلى هذه الصفة مع فرط الصبا ~~والحداثة، وقلة التجارب والممارسة، خروجا من نشوء العادة، والمعروف مما ~~عليه تركيب الأمة. ولو كان على هذه الصفة ومعه هذه الخاصية، كان حجة على ~~العامة، وآية تدل على المباينة، ولم يكن الله ليخصه بمثل هذه الآية وبمثل ~~هذه الأعجوبة إلا وهو يريد أن يحتج بها له، ويخبر بها عنه، ويجعلها قاطعة ~~لعذر الشاهد، وحجة على الغائب، ولا يضيعها هدرا، ولا يكتمها باطلا. # ولو أراد الاحتجاج بها شهر أمرها وكشف قناعها، وحمل النفوس على معرفتها، ~~وسخر الألسنة لنقلها، والأسماع لإدراكها، لئلا يكون لغوا ساقطا، ونسيا ~~منسيا، لأن الله لا يبتدع أعجوبة ولا يخترع آية ولا ينقض العادة إلا ~~للتعريف والإعذار، والمصلحة والاستبصار. ولولا # PageV01P008 #
# ذلك لم يكن لفعلها معنى، ولا لرسالته حجة. والله يتعالى أن يترك الأمور ~~سدى، والتدبير نشرا. ولا يصل أحد إلى معرفة صدق نبي وكذب متنبئ حتى تجتمع ~~له هذه المعارف التي ms003 ذكرنا، وهذه الأسباب التي فصلنا. # ولولا أن الله سبحانه خبر عن يحيى بن زكريا أنه آتاه الحكم صبيا، وأنه ~~أنطق عيسى في المهد رضيعا، ما كانا في الحكم ولا في المغيب إلا كسائر ~~الرسل، وما عليه طبع البشر. # فإذ لم ينطق لعلي بذلك قرآن. ولا جاء الخبر به مجئ الحجة القاطعة، ~~والشهادة الصادقة، فالمعلوم عندنا في الحكم وفي المغيب جميعا أن طباعه ~~كطباع عميه حمزة والعباس، وهما أمس بمعدن جماع الخير منه، وكطباع جعفر ~~وعقيل أخويه، وكطباع أبويه ورجال عصره وسادة رهطه. ولو أن إنسانا ادعى مثل ~~ذلك لأخيه جعفر أو لعمه حمزة أو لعمه العباس - وهو حليم قريش - ما كان ~~عندنا في أمره إلا مثل ما عندنا فيه. ### | فصل: ولو لم تعرف الروافض ومن ذهب مذهبها # في هذا باطل # PageV01P009 #
# هذه الدعوى، وفساد هذا المعنى إذا صدقت أنفسها ولم تقلد رجالها، وتحفظت ~~من الهوى وآثرت التقوى، [إلا بترك] على ذكر ذلك لنفسه والاحتجاج به على ~~خصمه وأهل دهره، منذ نازع الرجال، وخاصم الأكفاء، وجامع أهل الشورى وولي ~~وولي عليه، والناس بين معاند يحتاج إلى التقريع، ومراد يحتاج إلى الإرشاد، ~~وولي يحتاج إلى المادة، وغفل يحتاج إلى أن يكثر له من الحجة، ويتابع له بين ~~الأمارات والدلالات مع حاجة القرن الثاني إلى معرفة الحق ومعدن الامر، لأن ~~الحجة إذا لم تصح لعلي في نفسه، ولم يقو على أهل دهره، فهي عن ولده أعجز، ~~وعنهم أضعف. # ثم لم ينقل ناقل واحد أن عليا احتج بذلك في موقف، ولا ذكره في مجلس، ولا ~~قام به خطيبا، ولا أدلى به واثقا، ولا همس به إلى موافق، ولا احتج به على ~~مخالف. ### | فصل: وقد ذكر فضائله وفخر بقرابته وسابقته # ، وكاثر بمحاسنه ومواقفه، منذ جامع الشورى وناضلهم. إلى أن ابتلي بمساورة ~~معاوية له، وطمعه فيه، وجلوس أكثر أصحاب رسول الله عن عونه، والشد على ~~عضده، كما قال عامر الشعبي: لقد وقعت الفتنة وبالمدينة عشرون ألفا من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms004 -، ما خف فيها منهم # PageV01P010 #
# عشرون، ومن زعم أنه شهد الجمل ممن شهد بدرا أكثر من أربعة فقد كذب، كان ~~علي وعمار في شق وطلحة والزبير في شق. # وكيف يجوز عليه ترك الاحتجاج على المخالف وتشجيع الموافق وقد نصب نفسه ~~للخاصة والعامة، وللخاذل والعادي، ومن لا يحل له في دينه ترك الإعذار ~~إليهم، إذ كان يرى أن قتالهم كان واجبا، وقد نصبه الرسول مفزعا ومعلما، ونص ~~عليه قائما، وجعله للناس إماما، وأوجب طاعته، وجعله حجة في الناس يقوم ~~مقامه. ### | فصل: وأعجب من ذلك أنه لم يدع هذا له أحد في دهره كما لم يدعه لنفسه # ، مع عظيم ما قالوا فيه في عسكره وبعد وفاته، حتى يقول إنسان واحد إن ~~الدليل على إمامته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاه إلى الإسلام، فكلف ~~التصديق قبل بلوغه وإدراكه، ليكون ذلك آية له في عصره، وحجة له ولولده على ~~من بعده. وقد كان علي أعلم بالأمور من أن يدع ذكر أكبر حججه والذي بان به ~~من شكله، ويذكر أصغر حججه والذي يشاركه فيه غيره، وقد كان في عسكره من لا ~~يألو في الإفراط، ومن يحسب أن الإفراط زيادة في القدر. # والعجب له، إن كان الأمر كما ذكرتم، كيف لم يقف يوم الجمل ويوم صفين أو ~~يوم النهر في موقف يكون من عدوه بمرأى ومسمع، # PageV01P011 #
# فيقول: "تبا لكم وتعسا، كيف تقاتلوني وتجحدون فضلي وقد خصصت بآية حتى كنت ~~كيحيى بن زكريا وعيسى بن مريم" ولا يمتنع الناس من أن يقولوا ويموجوا، فإذا ~~ماجوا تكلموا على أقدار عللهم، وعللهم مختلفة، ولا ينشب أمرهم أن يعود إلى ~~فرقة، فمن ذاكر قد كان ناسيا، ومن نازع قد كان مصرا. وكم مترنح قد كان ~~غالطا، مع ما كان يشيع من الحجة في الآفاق، ويستفيض في الأطراف، ويحتمله ~~الركبان ويتهادى في المجالس. # فهذا كان أشد على طلحة والزبير، وعائشة ومعاوية، وعبد الله بن وهب، من ~~مائة ألف سنان طرير، وسيف مشهور. ### | فصل: ومعلوم عند ms005 ذوي التجربة والعارفين بطبائع الأتباع # وعلل الأجناد، أن العساكر تنتقض مرائرها وينتشر أمرها، وتنقلب على قادتها ~~بأيسر من هذه الحجة، وأخفى من هذه الشهادة. ### | فصل: وقد علمتم ما صنعت المصاحف في طبائع أصحاب علي # ، حين رفعها عمرو بن العاص أشد ما كان أصحاب علي استبصارا في قتالهم، # PageV01P012 #
# ثم لم ينتقض على علي من أصحابه إلا أهل الجد والنجدة، وأصحاب البرانس ~~والبصيرة. # وكما علمتم من تحول شطر عسكر عبد الله بن وهب حين اعتزلوا مع فروة بن ~~نوفل، لكلمة سمعوها من عبد الله بن وهب كانت تدل عندهم على ضعف الاستبصار ~~والوهن في اليقين. # وهذا الباب أكثر من أن يحتاج مع ظهوره ومعرفة الناس به إلى أن نحشوا به ~~كتابنا. ### | فصل: فأما إسلامه وهو حدث غرير وغلام صغير # ، فهذا ما لا ندفعه، غير أنه إسلام تلقين وتأديب وتربية. وبين إسلام ~~التكليف والامتحان وبين التلقين والتربية فرق عظيم، ومحجة واضحة. # وقالت العثمانية: إن قالت الشيع: إن الأمور ليس كما حكيتم، ولا كما ~~هيأتموه لأنفسكم، بل نزعم أنه قد كانت هناك في أيام صباه وحداثته فضيلة ~~فطنة، ومزية ذكاء، ولم يبلغ الأمر قدر الأعجوبة والآية. # قلنا: إن الذي ذهبتم إليه أيضا لا بد فيه من أحد وجهين: # إما أن يكون قد كان لا يزال يوجد في الصبيان مثله في الفطنة # PageV01P013 #
# والذكاء وإن كان ذلك عزيزا قليلا، أو كان وجود ذلك ممتنعا، ومن العادة ~~خارجا. فإذا كان قد كان يوجد مثله على عزته وقلته فما كان إلا كبعض من نرى ~~اليوم ممن يتعجب من حسه وفطنته، وحفظه وحكايته وسرعة قبوله على صغر سنه ~~وقلة تجريبه. وإن كانت حاله هذه الحال، وطبيعته على هذا المثال، فإنا لم ~~نجد صبيا قط وإن أفرط كيسه وحسنت فطنته وأعجب [به] أهله يحتمل ولاية الله ~~سبحانه وعداوته، والتمييز بين الأمور التي ذكرنا. مع أنه ما جاءنا ولا صح ~~عند أحد منا بخبر صادق، ولا كتاب ناطق، أنه كان لعلي خاصة دون قريش عامة ms006 في ~~صباه من إتقان الأمور وصحة المعارف وجودة المخارج ما لم يكن لأحد من إخوته ~~وأعمامه وآبائه. # وإن كان القدر الذي كان عليه على من الذكاء والمعرفة القدر الذي لم نجد ~~له [فيه] مثلا، ولا رأينا له شكلا - وهذا هو البديع الذي به يحتج على ~~المنكرين، ويفلج على المعارضين، ويبين للمسترشدين - فهذا باب قد فرغنا منه ~~مرة. ### | فصل: ولو كان الأمر في علي على ما يقولون # لكانت في ذلك حجة للرسول في رسالته، ولعلي في إمامته. والآية إذا كانت ~~للرسول وخليفة # PageV01P014 #
# الرسول كان أشهر لها، لأن وضوح أمر الرسول يزيد على ما للامام ويزيده ~~إشراقا واستنارة وبيانا. ولا يجوز أن يكون الله قد عرف أهل عصرهما ذلك، وهم ~~الشهداء على من بعدهم من القرون ثم يسقط حجته، فلا تخلو تلك الحجة وتلك ~~الشهادة من ضربين: إما أن تكون ضاعت وضلت، وإما أن تكون قد قامت وظهرت. # فإن كانت قد ضاعت فلعل كثيرا من حجج الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ~~ضاع معها، وما جعل الباقي منها أولى بالتمام من الساقط، والساقط من شكل ~~الثابت. على أن مع الساقط خاصة ليست مع الثابت لأنه حجة على شيئين، والثابت ~~حجة على شئ. ولا يخلو أمر الساقط من ضربين: إما أن يكون الله لم يرد تمامه، ~~أو يكون قد أراده. # وأي ذين [كان] ففساده واضح عند قارئ الكتاب. # وإن كانت الآية قد تمت إذ كانت الشهادة قد قامت علينا بها كما كانت شهادة ~~العيان قائمة عليهم [فيها] فليس في الأرض عثماني إلا وهو يكابر عقله ويجحد ~~علمه. # ولعمري إنا لنجد في الصبيان من لو لقنته وسددته أو كتبت له أغمض المعاني ~~وألطفها، وأغوص الحجج وأبعدها، وأكثرها لفظا # PageV01P015 #
# وألطفها، وأطولها، ثم أخذته بدرسه وحفظه لحفظه حفظا عجيبا، ولهذه هذا ~~ذليقا. فأما معرفته صحيحه من سقيمه، وحقه من باطله، وفصل ما بين المقرب ~~والدليل، والاحتراس من حيث يؤتى المخدوعون، والتحفظ من مكر الخادعين، وتأتي ~~المجرب، ورفق الساحر، وخلابة المتنبئ، ms007 وزجر الكاهن وإخبار المنجمين، وفرق ~~ما بين نظم القرآن وتأليفه ونظم سائر الكلام وتأليفه - فليس يعرف فروق ~~النظر واختلاف البحث إلا من عرف القصيد من الزجر، والمخمس من الأسجاع، ~~والمزاوج من المنثور، والخطب من الرسائل، وحتى يعرف العجز العارض الذي يجوز ~~ارتفاعه من العجز الذي هو صفة في الذات. # فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام، ثم لم يكتف ~~بذلك حتى يعرف عجزه وعجز أمثاله عن مثله، وأن حكم البشر حكم واحد في العجز ~~الطبيعي وإن تفاوتوا في العجز العارض. # وهذا ما لا يوجد عند صبي ابن سبع سنين وثمان سنين وتسع سنين أبدا، عرف ~~ذلك عارف أو جهله جاهل. ولا يجوز أن يعرف عارف معنى الرسالة إلا بعد الفراغ ~~من هذه الوجوه، إلا أن يجعل جاعل # PageV01P016 #
# التقليد والنشو والألف لما عليه الآباء وتعظيم الكبراء، معرفة ويقينا. # وليس بيقين ما اضطرب ودخله الخلاج عند ورود معاني لعل وعسى، وما لا يمكن ~~في العقول إلا بحجة تخرج القلب إلى اليقين عن التجويز. # ولقد أعيانا أن نجد هذه المعرفة إلا في الخاص من الرجال وأهل الكمال في ~~الأدب، فكيف بالطفل الصغير والحدث الغرير؟ مع أنك لو أدرت معاني بعض ما ~~وصفت لك على أذكى صبي في الأرض وأسرعه قبولا وأحسنه حكاية وبيانا، وقد ~~سويته [له] ودللته، وقربته [منه] وكفيته مؤونة الروية ووحشة الفكرة. لم ~~يعرف قدره ولا فصل بين حقه من باطله، ولا فرق بين الدلالة وشبيه الدلالة، ~~فكيف له بأن يكون هو المتولي لتجربته وحل عقده، وتخليص متشابهه، واستثارته ~~من معدنه؟ # وكل كلام خرج من التعارف فهو رجيع بهرج، ولغو ساقط. ### | فصل: وقد نجد الصبي الذكي يعرف من العروض وجها، ومن النحو صدرا # ، ومن الفرائض أبوابا، ومن الغناء أصواتا. فأما العلم بأصول الأديان ~~ومخارج الملل، وتأويل الدين، والتحفظ من البدع، وقبل ذلك الكلام في حجج ~~العقول، والتعديل والتجوير، والعلم بالأخبار وتقدير # PageV01P017 #
# الاشكال فليس هذا موجودا إلا عند العلماء. فأما الحشوة والطغام فإنما ms008 هم ~~أداة للقادة، وجوارح للسادة. وإنما يعرف شدة الكلام في أصول الأديان من قد ~~صلى به وعجمه، وسلك في مضايقه، وجاثى الأضداد، ونازع الأكفاء. # فإن قالت الشيع: الدليل على أن إسلام علي كان اختيارا ولم يكن تلقينا، أن ~~عليا أسلم بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له، وفي ذكر الدعاء والإقرار ~~به دليل على أن الإجابة اختيار، لأن المسلم بالدعاء مجيب للدعاء. ولا نعلم ~~الدعاء يكون من حكيم لمدعو لا يختار ولا تحتمل فطرته تمييز الأمور وفضل ما ~~بين ما دعا إليه وبين ما دعا إليه غيره. وليس بين قول القائل: دعا النبي - ~~صلى الله عليه - فلانا إلا الإسلام وبين قوله: كلف النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلانا الإسلام فرق. وقول المسلمين: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عليا كقولهم: دعا جميع العرب فمن مجيب طائع كعلي، ومن ممتنع عاص كفلان ~~وفلان. # PageV01P018 #
# قالت العثمانية عند ذلك: قد عرفنا أن بعضهم قد نقل أن عليا كان أول من ~~أسلم، وقد نقلوا بأجمعهم أنه كان أول من أسلم. وبين قول القائل أسلم فلان ~~أول الناس وبين أن يقول أسلم في أوائل الناس فرق. فأما أن يكون واحد من ~~جميع الصنفين من البعض والجميع فسر مع روايته ومخرج خبره كيف كان إسلامه، ~~أعلى وجه الدعاء والتكليف أم على وجه التلقين والتربية، فلم نر أحدا منهم ~~ميز ذلك ولا فرقه في مخرج الخبر. ونحن لم ندع أن إسلامه كان إسلام تلقين من ~~قبل تفسير الناقلين وتمييز المحدثين، ولكنا نظرنا في التاريخ فعرفنا عمره ~~وابن كم كان يوم توفي، وعرفنا موضع اختلافهم واجتماعهم، فأخذنا أوسطه إذ ~~كان أعدل ما فيه، وأسقطنا قول من كثر وقلل، ثم ألقينا منه سنيه إلى عام ~~إسلامه، فوجدنا ذلك يوجب أنه كان ابن سبع. ولو أخذنا أيضا بقول المكثر ~~فجعلناه ابن تسع، وتركنا قول من قلل وقول المقتصد، علمنا بذلك أيضا أن ~~إسلامه كان إسلام تربية وتأديب وتلقين، كما أخذ الله على المسلمين أن ~~يأخذوا به أولادهم. ms009 # وقالت العثمانية للعلوية: إنا لم ندع أنه أسلم وهو ابن سبع فإنا وجدنا ~~ذلك قائما في خبرهم مفسرا في شهادتهم، ولكنه علم مستنبط من أخبارهم، ~~ومستخرج من آثارهم عند المقابلة والموازنة. ومثل ذلك لو أن رجلا قال لرجل: ~~خذ عشرة في عشرة، كان ذلك في المعنى كقوله: "خذ مائة" وإن لم يكن سماها له ~~ولا ذكرها بلسانه. # وقالوا: ولولا أن من شأننا الأخذ بالقسط والحكم بالعدل لأخذنا الشيع ~~بقولهم في عمره وبقول ولده، فإن أحدهما يزعم أن عليا توفي وهو ابن سبع ~~وخمسين. وقال الآخرون: بل توفي وهو ابن ثمان # PageV01P019 #
# وخمسين. ولو كان كما تقول الرافضة وولده ما كان أسلم إلا وهو ابن خمس أو ~~ابن ست. وهم لا يألون ما نقصوا من عمره وصغروا من سنه لكي يجعلوا إسلامه ~~آية له وحجة على إمامته. # ولعمري لو كان الذين نقلوا أنه كان أول من أسلم نقلوا مع خبرهم أنه أسلم ~~بالدعاء والتكليف، لقد كان ما ذهبتهم إليه مذهبا، وما اعتصمتم به متعلقا، ~~ولكن ما في الأرض كلها حامل خبر ولا صاحب أثر كان في خبره أنه أسلم بدعاء، ~~ولا أنه أسلم بتلقين، وإنما هذا مستخرج من الأخبار. # فإن قالت الروافض: بل الدليل على أن إسلامه كان طاعة ولم يكن تلقينا قول ~~جميع الأمة إن عليا كان من أول من أسلم، فنفس قولهم أسلم هو كقولهم أطاع ~~واختار، وكذلك قولهم إذا قالوا: كفر فلان، فهو كقولهم: عصا واختار، وإن لم ~~يفسروا. وليس بين قولهم أسلم فلان وكفر فلان فرق، لأن المخبر الصادق إذا ~~قال كفر فلان فحكمه عند السامع العداوة والبراءة. ولو قال أسلم فلان كان ~~حكمه المحبة والولاية: فإذا كانوا كلهم قد قالوا: أسلم علي، وحكم "أسلم" ~~يثبت الاختيار وإجابة الولاية، قبل أن يجمعوا على أنه كان على التلقين ~~والتربية. فعلي على هذا القياس مطيع في إسلامه، مختار له على غيره. وكذلك ~~لو قالوا: كفر فلان، كان حكمه حكم العاصي المختار حتى # PageV01P020 #
# يجمعوا أن ms010 كفره كان عن إكراه أو غلط أو هيج مرة، أو هجر النائم أو تلقين ~~المؤدب. فلما كان هذا قياسا موجبا صحيحا، لم يكن لأحد أن يجعل إسلام علي ~~إسلام تلقين إلا بمثل الحجة التي جعله بها مسلما، لأنهم قد أطبقوا بأجمعهم ~~على إسلامه واختلفوا في السنة. فيجب ألا نزيل حكم أسلم إلا بإجماع منهم أنه ~~كان عن تلقين وتربية. # قلنا لهم: لعمري لو لم يكن ها هنا إجماع يخبر أن إسلامه كان إسلام تلقين ~~ونشو، كان حكم قولهم أسلم علي على ما قلتم، لا تجحدون حكمه ولا تظلمون ~~معناكم فيه، ولكن الذين قالوا إنه توفي وهو ابن كذا وكذا فأخذنا بأوسطها ~~نقصوا من سنيه فإذا هو قد أسلم وهو ابن سبع سنين. ولو أخذنا بقول المكثر ~~وبخسنا القياس حظه كان أيضا إسلامه وهو ابن تسع سنين إسلام تلقين. فبهم ~~عرفنا تقدمه في الإسلام، وبهم عرفنا صغر سنه وحداثته، إذ كان الصبي إذا كان ~~ابن خمس سنين إلى عشر سنين لا يستتاب إن كفر، ولا يلام إن جهل، ولا يعذب إن ~~ضيع. فإذا كانوا بأجمعهم قد قالوا إنه أسلم وهو ابن خمس أو ست أو ثمان أو ~~سبع، فقد قالوا بأجمعهم إنه أسلم إسلام تلقين وإن لم يقولوا بأفواههم، كما ~~قلتم إن قول القائل كفر فلان وأسلم فلان - وإن لم يذكره -[حكم] بالطاعة ~~والمعصية. # قلنا: فكذلك إذا قال رجل أسلم فلان وهو ابن سبع سنين أو ثمان # PageV01P021 #
# أو تسع، فقد قال إن إسلامه كان إسلام تلقين وإن لم يذكره ولم يتفوه به ~~كما قلتم، حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل. فإذا ثبت أن إسلام علي إسلام ~~تلقين في ذلك الدهر، فإسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه. ولو أن عليا كان ~~أيضا بالغا كان إسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه، لأن إسلام المقتضب الذي لم ~~يغذ به ولم يعوده ولم يمرن عليه أفضل من إسلام الناشئ الذي قد ربي فيه ونشأ ~~عليه وحبب إليه، لأن خبابا وزيدا يعانيان من الفكر ms011 ويتخلصان إلى أمور، ~~وصاحب التربية يبلغ حين يبلغ وقد أسقط إلفه عنه مؤونة الروية، والخطار ~~بالجهالة، وقد أورثه الألف السكون، وكفاه اختلاج الشك واضطراب النفس وجولان ~~القلب. ### | فصل: ولو كان علي أيضا بالغا وكان مقتضبا كزيد وخباب لم يكن إسلامه ليبلغ قدر إسلامهما # ، لأن إسلام التربية يكفي مؤونتين: إحداهما الخطار والتغرير، والأخرى شدة ~~فراق الألف ومكابدة العادة ونزاع الطبيعة، مع أن من كان بحضرة الأعلام وفي ~~منزل الوحي وفي رحال الرسل فالأعلام له أشد انكشافا، والخواطر على قلبه أقل ~~اعتلاجا. وعلى قدر الكلفة في دفع الشبهة والإقرار بخلاف الألف والعادة، ~~والمخاطرة باعتقاد الجهالة، يعظم الفضل، ويكثر الأجر. # PageV01P022 #
# ولو كان أيضا علي أسلم بالغا مدركا، وكان مع إدراكه وبلوغه كهلا، وكان مع ~~كهولته مقتضبا، كان إسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه، لأن من أسلم وهو يعلم ~~أن له ظهرا كأبي طالب، وردءا كبني هاشم، وموضعا في بني عبد المطلب، ليس ~~كالحليف ولا المولى، والنزيل والتابع والعسيف، وكالرجل من عرض قريش وقاطني ~~مكة. [أ] وما علمت أن قريشا خاصة وأهل مكة عامة لم يقدروا على أذى النبي - ~~صلى الله عليه - ما كان أبو طالب حيا قائما؟ ولقد منع أبو طالب أبا سلمة بن ~~عبد الأسد المخزومي لأنه كان ابن أخته، فما قدرت بنو مخزوم مع خيلائها ~~وعرام شبابها ومع عزها وشدة عداوتها أن تحص منه شعرة ولا تسمعه كلمة حتى ~~مشت إليه بأجمعها، للذي ترى له في أنفسها، فكان من قولهم له: هذا ابن أخيك ~~قد فرق جماعتنا وسفه أحلامنا وشتم آلهتنا وقد منعته منا، فما بال صاحبنا؟ ~~قال: من لم يمنع ابن أخته لم يمنع ابن أخيه! # فإذا كانت قريش وأهل مكة لا يقدرون على ابن أخيه وابن أخته معه فهم عن ~~ابنه أعجز، وعنه أقعد، وله أعفى، وهو لابنه أحضر نصرا وأشد غضبا، وأحمى ~~أنفا، وليس الممنوع كالمخذول، ولا الضعيف # PageV01P023 #
# كالقوي، ولا الآمن كالخائف. فإذا كان إسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه في ~~ذلك ms012 الدهر كما عددنا من الطبقات، ورتبنا من المنازل، ونزلنا من الحالات، ~~فإسلام أبي بكر أفضل من إسلامهما. فقد سقطت المنازعة، وارتفعت الخصومة عند ~~من فهم كتابنا ولم يمنع نفسه الحظ بصحبتنا، لفرط التباين وعظم الفرق. ### | فصل: والدليل على أن إسلام أبي بكر كان أفضل من إسلام زيد وخباب # أن زيدا كان رجلا غير مذكور بعلم، ولا مزن بمال ولا مغشى المجلس، ولا ~~مزور الرحل، وكذلك كان خباب، وكان أبو بكر رضي الله عنه أعلم العرب بالعرب ~~كلهم، وأرواها لمناقبها ومثالبها، وأعرفها بخيرها وشرها، ولذلك قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لحسان مع سن حسان وعلمه وتحاكم الشعراء إليه، حيث ~~أمره النبي عليه السلام أن يهجو أبا سفيان بن الحارث، وحيث قال له: "اهجهم ~~ومعك روح القدس". وحيث قال له: هيج الغطاريف على بني عبد مناف - في قتل أبي ~~أزيهر - والق أبا بكر فإنه أعلم الناس بهم. # PageV01P024 #
### | فصل: ولذلك كان جبير بن مطعم أعلم قريش بالعرب بعد أبي بكر # ، لأنه كان المتولي لتأديبه وتثقيفه، وقد كان أبو بكر قد سمى عائشة له، ~~للذي رأى من حسن أثره عليه. # وكان أبو بكر، مع علمه بالناس وحسن معرفته، ذا مال كثير ووجه عريض، ~~وتجارة واسعة، وكان جميلا عتيقا، ومزورا مغشيا، ومحببا أديبا، صاحب ضيافات، ~~ويعين في الحمالات، ويجتمع إلى مجلسه كبراء أهل مكة، لما يجدون عنده من ~~طريف الحديث وغريب الشعر، حتى كان مثل عتبة وشيبة يجلسان إليه، ويعجبان ~~بحديثه، ثم يتخذ لهم ما يتحدثون عليه ويطول مجلسهم به، من شراب العسل ~~والزبيب # PageV01P025 #
# واللبن، فكانت قريش بعد إسلام أبي بكر وكثرة مستجيبيه بمكة تريد تنفير ~~عتبة بن ربيعة من مجلسه وإيحاشه منه، مخافة أن يستميله بحسن دعائه، وتأتيه ~~ورفقه، ورقة دموعه وشدة خشوعه، فتقول له: أما إنك ما تأتي ابن أبي قحافة ~~إلا لطيب عسله وإلا لمذقته، وإنما نفروه بهذا وشبهه لأنه كان ذا عيال مملقا ~~ثقيل المؤونة، خفيف ذات اليد، مع سنه وسؤدده وحلمه ورأيه. # ولا ms013 سواء إسلام ذي اليسر والمال الدثر، المنفق حريرة كسبه وعقيلة ملكه، ~~والمفرق عنه جمعه والموحش منه أنيسه، الخارج من عز الغنى وكثرة الصديق، إلى ~~ذل القلة وعجز الفاقة، وإسلام من لا حراك به ولا جدا عنده، تابع غير متبوع، ~~ومستجد غير مجد. لأن من أشد ما يبتلى به الكريم السب بعد التحية، والضرب ~~بعد الهيبة، والعسر بعد اليسر. # ولا سواء إسلام العالم الأديب الأريب، ذي الرأي السديد، وإسلام غيره. # ثم كان داعية من دعاة الرسول مقبول القول، متبوع الرأي. ومن كان في صفة ~~أبي بكر فالخوف عليه أشد، والمكروه إليه أسرع، لأنه لم يكن على ظهرها عدو ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا وأبو بكر يتلوه عنده في العداوة. # ولا سواء إسلام من أسلم على أن يمون ويكلف، وإسلام من كان يمان قبل ~~إسلامه ويكلف بعد إسلامه. # PageV01P026 #
# ولا سواء إسلام الكهل النبيه الذي يحسن عند قريش مطالبته، ولا يستحي من ~~طلب الثأر عنده، وإسلام الحدث الذي لا يفي بعداوة الجلة، ولا تستجيز ~~مجازاته العلية. # ثم كان الذي يلقى أبو بكر في الله ورسوله ببطن مكة، وعلي خلي الروع آمن ~~السرب رخي البال، كما لقي يوم دعا طلحة إلى الإسلام فأسلم ومضى به إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وخذلتهما تيم، وأخذهما نوفل بن خويلد بن أسد ~~- فأما ابن إسحاق فزعم أنه كان من شياطين قريش، وأما الواقدي وغيره فزعموا ~~أنه كان يلقب أسد قريش، # PageV01P027 #
# وهو الذي يقال له ابن العدوية - فقرنهما في حبل، وفتنهما على دينهما ~~وعذبهما، فلذلك سمي أبو بكر وطلحة "القرينين". # وأبو بكر الذي قام دون النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وقد اعتوره ~~المشركون حين قال: "أما والله لقد جئتكم بالذبح! " قال أبو بكر ويلكم، ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله! فصدعوا فودى رأسه. # ثم الذي لقي في مسجده الذي كان بناه على بابه في بني جمح، وحيث رد الجوار ~~وقال: لا أريد جارا سوى الله. وقد كان بنى مسجدا يصلي ms014 فيه ويدعو الناس إلى ~~الإسلام، وله صوت رقيق ووجه عتيق، فكان إذا قرأ وبكى، وقعت عليه المارة ~~والنساء والصبيان والعبيد، فلما أوذي في الله حتى بلغ جهده استأذن النبي - ~~صلى الله عليه - في الهجرة، فأذن له، فأقبل يريد المدينة فتلقاه الكناني ~~سيد الأحابيش، فعقد له # PageV01P028 #
# جوارا وقال: والله لا أدع مثلك يخرج من بين أخشبي مكة. فرجع وقد عقد له ~~الكناني جوارا. كل ذلك رغبة في قرب النبي - صلى الله عليه -، فلما رجع إلى ~~مكة عاد إلى مسجده وصنيعه. فمشت قريش إلى جاره وعظموا الأمر عنده وأجلبوا ~~عليه فقالوا: قد أفسد أحداثنا، وعبيدنا وإماءنا ونساءنا، في منازلنا! فمشى ~~إليه الكناني وقال: ليس على هذا أعطيتك الجوار، ادخل بيتك واصنع فيه ما بدا ~~لك! قال له أبو بكر: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ فلما قطع الجوار ~~وترادا العهد وتباريا لقي أبو بكر رضي الله عنه من الأذى والذل والضرب ~~والاستخفاف ما بلغك. وهو أمر موجود في جميع السير. وليس المفتون كالوادع. ~~قال الله سبحانه: {والفتنة أشد من القتل}. وذلك أن المشركين كانوا قد صاروا ~~إلى أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتعذيب، والمسلمون نفر يسير، قد خذلتهم ~~عشائرهم، وأسلمتهم أهلوهم. فألقوا خبابا على الرضف، حتى ذهب ماء متنه. وكان ~~أبو ذر حليفا مستضعفا فكان يدخل بالنهار في خلال أستار الكعبة ويخرج بالليل ~~مستخفيا. وكانت بنو مخزوم تعذب عمارا وأباه وأمه برمضاء مكة، فيمر بهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول: # PageV01P029 #
# "صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة! " فذكر عمار عند ذلك عياذ أبي بكر ~~لبلال حين أعتقه من العذاب فيمن أعتق، فقال: # جزى الله خيرا عن بلال ودينه * عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل # وقال سعيد بن جبير: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه - من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ ~~قال: والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويعطشونه حتى لا يقدر أن يستوى جالسا من ~~الجهد، ms015 حتى إن كان أحدهم ليعطيهم الذي سألوه، من الفتنة، وحتى يقال له: ~~اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجعل ليمر بهم فيقال ~~له: هذا إلهك؟ فيقول: نعم. # فلو كان علي بن أبي طالب قد ساوى أبا بكر في الإسلام لقد كان فضله أبو ~~بكر بأن أعتق من المفدين المفتونين بمكة، وحتى [لو] لم يكن غير ذلك لكان ~~لحاقه عسيرا، ولو كان ذلك يوما واحدا لكان عظيما، فكيف وكان بين ظهور النبي ~~عليه السلام ودعائه إلى أن هاجر إلى المدينة ثلاث عشرة سنة، في كل ذلك أبو ~~بكر وخباب وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يتجرعون المرار وعلي وادع ~~رافه، غير طالب ولا مطلوب. وليس أنه لم يكن في طباعه النجدة والشهامة، وفي ~~غريزته الدفع والحماية، # PageV01P030 #
# ومن أكرم عنصر وأطيب مغرس، ولكن لم تكن تمت له أداته، ولم تستجمع له قواه ~~ولم تتكامل آدابه، لأن العقل وإن اشتد مغرزه وثبتت أواخيه وجاد نحته فإنه ~~لا يبلغ بنفسه درك الغاية، دون كثرة السماع والتجربة، ولأن رجال الطلب ~~وأصحاب الثأر وأهل السن والقدر يغمطون ذا الحداثة، ويزرون على [ذي] الصبا ~~والغرارة إلى أن يلحق بالرجال يصير من الأكفاء. حتى كان آخر ما لقي هو ~~وأهله في أمر الغار، وقد طلبته قريش وجعلت فيه مائة بعير كما جعلت في النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فلقي أبو جهل أسماء بنت أبي بكر - وهي ذات ~~النطاقين - منصرفها من الغار، فسألها فكتمته فلطمها، فقالت أسماء: لقد ~~لطمني لطمة أندر منها قرطا كان في أذني. ### | فصل: ثم الذي كان من دعائه إلى الإسلام وحسن احتجاجه حتى أسلم على يديه طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وعثمان # ، لأنه ساعة ما أسلم دعا إلى الله ورسوله. وكان مألفا، لأدبه وعلمه ورحب ~~عطنه. # وقالت أسماء: "ما عرفت أبي إلا وهو يدين بالدين، ولقد رجع إلينا يوم أسلم ~~فدعانا إلى الإسلام فما رمنا حتى أسلمنا وأسلم أكثر جلسائه"، ولذلك قالوا: ~~لمن أسلم بدعاء أبي بكر أكثر ms016 ممن أسلم # PageV01P031 #
# بالسيف. ولم يذهبوا من قولهم إلى العدد بل عنوا الكثرة في القدر، لأن من ~~أسلم على يده خمسة من الشورى، كلهم يفي بالخلافة، وهم أكفاء علي ومنازعوه ~~الرياسة والإمامة. فقد أسلم على يده أكثر ممن أسلم بالسيف، لأن هؤلاء أكثر ~~من جميع الناس. ### | فصل: وممن أسلم على يده بلال # ، وهو الذي يقول فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "بلال سيدنا ومولى ~~سيدنا". ورووا أنه قال: "أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا". وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "بلال سابق الحبش". وبلال مولى أبي بكر ثلاث مرات، أسلم ~~على يده فأعتقه من رق الكفر، وأعتقه من رق العذاب حيث كان يفتن في الله ~~ورسوله، وأعتقه من رق العبودية. # وكان من قصة بلال أنه كان عبدا لبني جمح، وكانت دار أبي بكر ومسجده في حي ~~جمح، ولم يكن ببطن مكة مسجد سواه، فلما سمع دعاء أبي بكر أسلم وحده، فلما ~~سمع أمية بن خلف فكان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ~~ثم يضع صخرة على صدره، ثم يحلف بإلهه لا ينزعها عن صدره أو يكفر بمحمد ~~وإلهه ويؤمن باللات والعزى! وبلال يأبى وهو يقول: أحد أحد! وكان يمر به ~~ورقة بن نوفل فيقول: نعم يا بلال، أحد أحد! فمر به أبو بكر وهو يريد داره ~~في بني جمح. فرأى أمية وما يصنع بلال، فقال: ألا تتقي الله؟ # PageV01P032 #
# إلى متى تعذب هذا المسكين؟ قال: أنت أفسدته! يعني أنت دعوته حتى أسلم - ~~فأنقذه! قال أبو بكر: عندي غلام أسود جلد، على دينك، أعطيكه وآخذه. فأعتقه، ~~فهو عتيقه ثلاث مرات. # ثم أعتق بعد ذلك من المعذبين في الله ست رقاب. منهم عامر بن فهيرة، شهد ~~بدرا وهاجر مع رسول الله عليه السلام وأبي بكر. لأنه كان في موضع الثقة. ~~حيث خرجا إلى الغار هاربين من المشركين متوجهين إلى المدينة. واستشهد يوم ~~بئر معونة. # وأعتق زنيرة ثلاث مرات. فلما اشتراها وأعتقها ذهب بصرها، وكانت تعذب ms017 في ~~الله فيمن يعذب بمكة، فقال المشركون: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى! ~~قالت: كذبوا ما يضران ولا ينفعان! فرد الله عليها بصرها. فزعم الزهري أن ~~موليين لابن الغيطلة أسلما حين رد الله عليها بصرها. وقالا: هذا بلا شك من ~~إله محمد وابن أبي قحافة! # ثم أعتق النهدية وابنتها وقد كانتا تعذبان في الله، وكانتا لامرأة من بني ~~عبد الدار. ومر بهما أبو بكر وقد بعثت العبدرية معهما بطحين وهي # PageV01P033 #
# تقول: والله لا أعتقكما أبدا. قال أبو بكر: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا! ~~أنت أفسدتهما فأعتقهما. قال: فبكأين هما يا أم فلان؟ قالت: بكذا وكذا. قال: ~~فقد أخذتهما، وهما حرتان. أرجعا إليها طحينها. قالت: أونفرغ منه يا أبا ~~بكر؟ قال: وذاك إن شئتما. # ومر بجارية بني مؤمل - حي من بني عدي بن كعب - وعمر بن الخطاب يعذبها ~~لتترك الإسلام، وهو يضربها، فإذا مل قال: أعتذر إليك إني لم أتركك إلا ~~ملالة! فابتاعها فأعتقها. # وأعتق أم عبيس. # فقال له أبو قحافة: أي بني، أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ~~أعتقت رجالا جلدا منعوك وقاموا دونك؟ قال: يا أبت # PageV01P034 #
# إنما أعتق المعذبين! فأنزل الله: {أما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى} إلى ~~قوله: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ولسوف ~~يرضى}. فتفهم معنى قوله: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى. ولسوف يرضى} وتفهم معنى قوله: {ولسوف يرضى}. # وقد سمعت قول الله سبحانه حيث خاطب جماعة المسلمين وذكر الأموال وعظم ~~قدرها في عيونهم، وشدة إخراجها عليهم، وأنه لو كلفهم ذلك لأخرجهم ثقل ~~التكليف إلى غاية البخل بها والشح عليها والإيثار لحبسها، فقال: {لا تهنوا ~~وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم، إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} ثم قال: {ولا يسألكم ~~أموالكم. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم}. فتفهم معنى هذا ~~الكلام وأن الله لم ينزله عبثا. ثم ms018 قال: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في ~~سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم ~~الفقراء} ألا تراه خاطب جميع المسلمين فقال: {ولا يسألكم أموالكم إن ~~يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أصغانكم}. # ثم قد علمتم ما قد صنع أبو بكر بماله، وكان المال أربعين ألفا، # PageV01P035 #
# فأنفقه على نوائب الإسلام وحقوقه، ولم يكن ماله ميراثا لم يكد فيه فهو ~~غزير لا يشعر بعسر اجتماعه وامتناع رجوعه، ولا كان هبة ملك فيكون أسمح ~~لطبيعته وأخرق في إنفاقه، بل كان ثمرة كده وكسب جولانه وتعرضه. ثم لم يكن ~~خفيف الظهر قليل النسل قليل العيال، فيكون قد جمع اليسارين، [لأن المثل ~~الصحيح السائر: قلة العيال أحد اليسارين!] بل كان ذا بنين وبنات وزوجة وخدم ~~وأحشام، يعول مع ذلك أبويه وما ولدا، ولم يكن فتى حدثا فتهزه أريحية الشباب ~~وغرارة الحداثة. ولم يكن بحذاء إنفاقه طمع يدعوه، ولا رغبة تحدوه، ولم يكن ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك عنده يد مشهورة فيخاف العار في ترك ~~مواساته وإنفاقه عليه، ولا كان من رهطه دنيا فيسب بترك مكانفته ومعاونته ~~وإرفاقه. فكان [إنفاقه] على الوجه الذي لا نجد أبلغ في غاية الفضل منه، ولا ~~أدل على غاية الصدق والبصيرة منه. # PageV01P036 #
# وقد تعلمون ما كان يلقى أصحاب النبي عليه السلام ببطن مكة من المشركين، ~~وقد تعلمون حسن صنيع كثير منهم، كصنيع حمزة حين ضرب أبا جهل بقوسه، فبلغ في ~~هامته، في نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو جهل يومئذ أمنع ~~البطحاء، وهو رأس الكفر. # ثم صنيع عمر حيث يقول يوم أسلم: "والله لا يعبد الله سرا بعد اليوم! " ~~حتى قال بعد موته عبد الله بن مسعود: "ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر". # ثم كان الذي لقي في ذلك اليوم بعينه من المشركين، ثم مضيه من فوره حتى ~~يقرع على أبي جهل الباب، فلما حس به أبو جهل خرج إليه وهو يقول: مرحبا بابن ~~أختنا - وكانت أمه حنتمة ms019 بنت هاشم ذي الرمحين ابن المغيرة - قال: أتدري ما ~~صرت بعدك يا أبا الحكم! قال: خير، فليكن. قال: إنه خير، إني آمنت بالله ~~وبرسوله وخلعت الأنداد، وجعلت اللات والعزى، وصدقت محمدا. قال: فلا قرب ~~الله قرابتك! # ألا ترى إلى قوة شهامته وجلده، وصدق نيته في كشف القناع، والمبادأة لرأس ~~الكفر وسيد البطحاء عند نفسه ورهطه. # وقوله بعد ذلك لجميع المشركين: أما والله لو قد صرنا مائة لتركتموها لنا ~~أو تركناها لكم - يعني مكة. # PageV01P037 #
# ثم صنيع [الزبير] في سله السيف شادا به مستقبل المشركين، يريد خبط من ~~لقيه منهم. فتلقاه النبي - صلى الله عليه - مقبلا فقال: ما لك يا زبير؟ ~~قال: بأبي أنت وأمي، سمعت قائلا يقول: قد أخذ محمد وأوذي! فكان أول من شهر ~~سيفا في الإسلام. # ثم صنيع سعد وضربه عظيما من عظمائهم على أم رأسه بلحي بعير، فكان أول من ~~أراق دما في الإسلام. وهو الذي يقول لرسل علي حين أتوه يدعونه إلى بيعته: ~~ثكلتني أمي، لئن كنت مع رسول الله - صلى الله عليه - سادس ستة ما لنا طعام ~~إلا ورق البشام. ثم جاءني أعراب الأوس تعلمني دين الله؟ # وإنما ذكرت لك هذا لتعلم أقدار القوم والذي لقوا من الجهد والخوف والذل ~~والتطراد والضرب. ولم نسمع لعلي في جميع ذلك ذكرا. # ولم يكن ذلك المكروه سنة ولا سنتين، ولكن ثلاث عشرة سنة، وهذا أمر لا ~~يلحق ولا يدرك الفائت منه. كما قال الله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى}. # PageV01P038 #
# فإذا كان من أنفق وقاتل قبل الفتح أعظم درجة، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا هجرة بعد الفتح" فما ظنك بمن قاتل وأنفق قبل الهجرة، ومن ~~لدن مبعث النبي - صلى الله عليه - إلى الهجرة أعظم من القيام بأمر الإسلام ~~بعد الهجرة [و] أفضل من القيام بأمر الإسلام بعد الفتح. # فإن قالوا: قد عرفنا أن أبا ms020 بكر قد أنفق قبل الهجرة ولا نعرفه قاتل قبل ~~الهجرة. فقتال علي بعد الهجرة أفضل من إنفاق أبي بكر قبل الهجرة. # قلنا: إن أبا بكر وإن لم يقاتل قبل الهجرة فقد قتل مرارا وإن لم يمت قبل ~~الهجرة. ولأنه لو جمع جميع المكروه الذي لقي أبو بكر ثلاث عشرة سنة لكان ~~أكثر من عشرين قتلة. # ولو كان في ذلك الزمان القتال ممكنا والوثوب مطمعا لقاتل أبو بكر ونهض ~~كما نهض في الردة. وإنما قاتل علي في الزمان الذي [قد] أقرن [فيه] أهل ~~الإسلام لأهل الشرك، فطمعوا أن تكون الحرب # PageV01P039 #
# سجالا، وقد أعلمهم الله أن العاقبة للمتقين، وأبو بكر مفتون مفرد [ومطرود ~~مشرد، ومضروب معذب] في الزمان الذي ليس بالإسلام وأهله نهوض ولا حركة، ~~ولذلك قال أبو بكر بعد أن استفاض الإسلام وضرب بجرانه وظهر أمره: "طوبى لمن ~~مات في نأنأة الإسلام" يقول: في أيام ضعفه وقلته، حيث كانت الطاعة أعظم، ~~لفرط الاحتمال، والبلاء أغلظ، لشدة الجهد، لأن الاحتمال كلما كان أشد وأدوم ~~كانت الطاعة أفضل، والعزم فيه أقوى. # ولا سواء مفتون مشرد لا حيلة عنده، ومضروب معذب لا انتصار به ولا دفع ~~عنده، ومباطش مقرن [يشفى غيظه ويرون غليله، وله مقدم يكنفه ويشجعه. # ولا سواء مقهور] لا يغاث، ولم ينزل القرآن بعد بظفره، # PageV01P040 #
# وقد هتك اليأس لطول ما لقي حجاب قلبه. ونقض قوى طمعه حتى بقي وليس معه ~~إلا احتسابه. ومقاتل في عسكر معه عز الرجاء وقوة الطمع، وطيب نفس الآمل. # فليس لعلي موقف من المواقف إلا ولأبي بكر أفضل منه إما في ذلك الموقف ~~وإما في غيره. ولأبي بكر مواقف لا يشركه فيها علي ولا غيره. # وإنما محص علي وامتحن من لدن يوم بدر إلى آخر غزوات النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وبين المحنة في الدهر الذي كان أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيه مقرنين لأهل مكة ومشركي العرب ومعهم أهل يثرب أصحاب النخيل ~~والآطام، والإرب والإقدام، والصبر والمواساة، والإيثار والمحاماة، والعدد ms021 ~~الدثر والفعل الجزل، وبين الدهر الذي كانوا فيه بمكة يفتنون ويشتمون ~~ويضربون ويشردون، ويجوعون ويعطشون، مقهورين لا حراك بهم، وأذلاء لا دفع ~~عندهم، وفقراء لا مال لهم، ومغيظين ولا يمكنهم السفهاء، ومستخفين لا يمكنهم ~~اللقاء - فرق بين. # ولقد كانوا في حال أخرجت لوطا - وهو نبي، والنبي خير من جميع الناس - إلى ~~أن قال لقومه حين لقي منهم ما لقي: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن ~~شديد}. [وقال النبي صلى الله عليه وآله: "عجبت من أخي لوط كيف قال: {أو آوي ~~إلى ركن شديد} وهو يأوي إلى الله سبحانه! # PageV01P041 #
# ثم لم يكن ذلك يوما ولا يومين، ولا شهرا ولا شهرين، ولا عاما ولا عامين، ~~ولكن السنين بعد السنين. # وكان أغلظ القوم محنة وأشدهم احتمالا بعد رسول الله - صلى الله عليه - ~~أبو بكر الصديق، لأنه أقام ما أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، ~~وذلك ثلاث عشرة سنة. وإنما قلنا ذلك من أجل أن الناس اختلفوا في مقدار مبعث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هجرته. فقال قائل: خمس عشرة سنة، وقال ~~آخرون: ثلاث عشرة سنة، وقال قوم: عشر سنين، فكان أعدل الأمور وأقسطها طرح ~~الطرفين، والأخذ بأوسط الروايات، كما صنعنا في عمر علي بن أبي طالب، حيث ~~وجدنا ولده جعفر بن محمد [و] هو دونه، يخبر أن عليا استشهد وهو ابن سبع ~~وخمسين، وقالت علماء الرافضة: نحن أعلم به من ولده إلا الأئمة منهم. ولم ~~يقل هذا القول إمام منهم قط، ولكن علي استشهد وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ثم ~~روى الناس بعد أنه استشهد وهو ابن ستين وابن ثلاث وستين وابن أربع وستين، ~~أخذنا بأوسط ما قالوا فطرحنا سنيه وسني عمر وعثمان وأبي بكر والهجرة ومقام ~~النبي - صلى الله عليه - بمكة، فحصل العدد الذي أثبتناه في صدر ذكرنا ~~القضية. # فإن قالوا: قد صنع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة أفضل من جميع ما ~~ذكرتم، ولقي أشد مما لقي أفضلهم، وذلك أن ms022 النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أباته في مضجعه وعلى فراشه والمشركون يرصدونه، وقد سقط إليهم أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يريد المدينة، فقد تحزموا واجتمعوا وقلبوا # PageV01P042 #
# الرأي، فرأوا أن يبيتوه على فراشه إن لم يظهر لهم. فقال لعلي: "نم على ~~فراشي وتغش ببردي الحضرمي، فإنهم إن رأوا حجمك فوق الفراش ودون البرد لم ~~يستريبوا، وخفي لهم أمري، ولم يتبعوا أثري". فنام علي على فراشه ينتظر وقع ~~السيوف، ويتوقع رضخ الحجارة، باذلا نفسه مصطبرا. وليس فوق بذل النفس درجة ~~يلتمسها صابر، ولا يبلغها طالب. وإن كان أبو بكر قد أحسن في خروجه وهجرته ~~وصحبته، وهربه مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستخفائه في الغار. فإن ~~ذلك لن يبلغ من الاحتمال والخطار والخوف، قدر ما كان فيه علي رضي الله عنه، ~~لأن طمع النجاة في أحدهما أقوى، والنفس له أرجى. # قيل لهم: لو كان الأمر كما تقولون في هذين الخوفين لم يقم صرف ما بينهما ~~بقدر عشر ما لقي أبو بكر من جميع ما وصفنا وما صنع أبو بكر في ثلاثة عشر ~~سنة، من كثرة الإنفاق، وإيثار الفقر على الغنى، والوحدة على الأنسة، ~~والهوان بعد الكرامة، والخوف بعد الامن، والضرب والافتتان بعد الاكرام ~~والتعظيم، مع عتق المعذبين وكثرة المستجيبين، ومع صرف وزن ما بين الطاعتين، ~~لأن طاعة الشاب الغرير أو الحدث الصغير، الذي في عز صاحبه عزه، ليس كطاعة ~~الحكيم المحتنك الأريب، الذي لا يرجع تسويده لمن سوده [و] إلى رهطه. # PageV01P043 #
# وفرق آخر: أن أمر الغار وقصة أبي بكر وصحبته مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكونه معه فيه، نطق [به] القرآن وصح به الإجماع، كالصلوات الخمس، ~~والزكاة المفروضة، والغسل من الجنابة، حتى إن من أنكر ذلك عند الأمة مجنون ~~أو كافر، وأمر علي ونومه على الفراش إنما جاء مجئ الحديث، وكما تجئ روايات ~~السير وأشعارها. وهذا لا يوازن ذا ولا يكايله. # وأول مراتب العالم أن يعرف المعارضة والمقابلة، والمنقوص والمتساوي، ولو ~~أن رجلا من ms023 أوساط الناس أظهر شكا في قصة علي ومبيته، وقال: قد سمعت ذلك ~~ولعله، ولكني مشفق للذي أعرف من أكاذيب الشيع، وتوليد حمال السير، لم يكن ~~عليه بأس من الإمام. # ولو قال رجل لك، وهو رجل من أوسط الناس: والله ما أدري والله، لعل الله ~~إنما عنى بقوله: {ثاني اثنين إذ هما في الغار} علي بن أبي طالب، لوجد عند ~~الإمام غاية النكير. # وفرق آخر: أنه لو كان مبيت علي على فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~جاء مجئ كون أبي بكر في الغار مع النبي، لم يكن في ذلك كبير طاعة، فضلا عن ~~أن يساوي أبا بكر أو يبرز عليه، لأن الذين نقلوا - كاذبين كانوا أو صادقين ~~- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبات عليا على فراشه، هم الذين نقلوا أن ~~النبي عليه السلام قال: "تغش ببردي، # PageV01P044 #
# ونم في مضجعي، فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه" وهكذا لفظ هذا الحديث، لا يشك ~~في ذلك أحد. ولم ينقل إلينا أن النبي - صلى الله عليه - قال لأبي بكر: أنفق ~~واحتمل، ولن تعطب ولن يصل إليك مكروه. # فإن قالوا: إن عليا وإن كان حدثا - كما تزعمون - أيام مكة، فإنه قد لحق ~~السابق له ثم برز عليه بصنيعه يوم بدر وأحد والخندق، ويوم خيبر، وفي حروب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلى أن قبضه الله سبحانه إلى جنبه، فجمع ~~أمرين: كثرة التعرض للمنايا، وعظم الغناء بقتل الأقران والفرسان، والقادة ~~والسادة، لأن من له من قتل الأنجاد والأمجاد ما ليس لغيره، فله من التعرض ~~والاحتمال والصبر والاحتساب ما ليس لغيره. # قلنا: إن كثرة القتل وكثرة المشي بالسيف لو كان أشد المحن وأعظم الغناء ~~وأدل على الرياسة، كان ينبغي أن يكون لعلي والزبير وأبي دجانة ومحمد بن ~~مسلمة وابن عفراء والبراء بن مالك من عظم الغناء واحتمال المكروه بالقدر ~~العظيم ما ليس للنبي - صلى الله عليه وسلم -، # PageV01P045 #
# لأن النبي لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا. وقد علمنا أنه ليس أحد ms024 أشد ~~احتمالا ولا أعظم غناء، ولا أظهر فضلا منه - صلى الله عليه -. # وقد تجد الرجل يقتل الأقران والفرسان وهو لا يستطيع أن يرفع طرفه في ذلك ~~العسكر إلى رجل آخر ليس فيه من قتل الأقران قليل ولا كثير، لمعان هي عندهم ~~أكثر من مشي ذلك المقاتل بسيفه، وقتله لقرنه. # وإذا ثبت أن رئيس العسكر وأشباهه قد ثبتت لهم الرياسة واستحقوا التقديم ~~بغير التقدم والمباشرة، ثبت أن قتل الأقران ليس بدليل على الفضيلة ~~والرياسة. أوما تعلم أن مع الرئيس من الاكتراث والاهتمام وشغل البال ~~والعناية والتفقد، ما ليس لغيره، لأنه المخصوص بالمطالبة، وعليه مدار ~~الامر، وبه يستنصر المقاتل، وباسمه ينهزم العدو، وبتعبيته ورايته ومعرفته ~~يفل الحد، ولأن اختيار الحكيم دليل على احتمال طبيعته واستقلال نفسه، ولأن ~~فرته أو عردته أعظم من المأثم والعار من عردة غيره وفرة غيره. # [و] لو لم يكن من بليته وشدة ما محص به إلا أن القوم لو ضيعوا # PageV01P046 #
# جميعا وحفظ ما أضيفت الهزيمة إلا إليه، ولا كان المطلوب غيره، ولا كان ~~الذليل المهان غيره. ولهذا وأشباهه يكون الرئيس أعظم غناء، وأشد احتمالا، ~~لأنك [لو] قذفت فضل صبر المقاتل الواحد في خصاله لم تجد له أثرا ولم تحس له ~~حسا. # واعلم أن المشي إلى القرن بالسيف ليس هو على ما يتوهمه الغمر من الشدة ~~والفضل، وإن كان شديدا فاضلا. ولو كان كما يظنون ويتوهمون ما انقادت النفس ~~ولا استصحبت للقتال، لأن النفس المستطيعة المختارة التي قتالها طاعة ~~وفرارها معصية قد عدلت كالميزان في استقامة لسانه وكفتيه، فإذا لم يكن ~~بحذاء سيفه إلى السيف ومكروه ما يأتي به، ما يعادله ويوازنه لم يكن النفس ~~أن تختار الإقدام على الكف، ولكن معه في وقت مشيه إلى القرن أمور تنفحه ~~مشجعة، وإن لم يبصرها الناس وقضوا على ظاهر ما أبصروا من إقدام. والسبب ~~المشجع ربما كان الغضب، وربما كان الشراب، وربما كان الغرارة والحداثة، ~~وربما كان الإحراج، وربما كان الغيرة، وربما كان الحمية وحب الأحدوثة، ~~وربما كان ms025 طباعا كطباع القاسي والرحيم، والسخي والبخيل، والجزوع من وقع ~~السوط # PageV01P047 #
# والصبور، وربما كان السبب الدين، ولكن لا يبلغ الرجل بقوة الدين في قلبه ~~ما لم يشيعه بعض ما ذكرناه أن يمشي إلى السيف، لأن الدين مكتسب مجتلب، وليس ~~بأصلي ولا طبيعي، ولأن ثوابه مؤجل، والخصال التي ذكرناها طبيعية أصلية. ~~وثوابها معجل. # وقد يكون مع الإنسان أسباب محذرة مجبنة، فيكون ركونه وجلوسه طباعا لا ~~يمتنع منه. وربما كانت الأسباب من المشجعات والمجبنات سواء، فيكون جلوسه عن ~~الحرب وقتاله فيها اختيارا، وربما فضلت قوى مشجعاته حتى يكون إقدامه أشرا ~~ومرحا، واهتزازا وطباعا، ولا يكون ذلك طاعة وإن كان في الحكم طاعة. وكذلك ~~الجبن إذا أفرط على صاحبه حتى يكون فراره طباعا لا يكون معصية وإن كان في ~~الحكم معصية. # ولم نرد بهذا الكلام تنقص علي رحمه الله ولا إخراجه من الغناء واحتمال ~~المكروه. كما لم نرد تنقص الزبير وأبي دجانة وابن عفراء ومحمد بن مسلمة، ~~ولكن هكذا صفة المستطيع المكلف، والمطيع والعاصي. # وإذا كان مع صاحب الإقدام من الأمور المشجعة أمور فاضلة على أسباب جبنه ~~وجلوسه، كان عند الله غير مأجور وإن كان في الحكم الظاهر مأجورا. # PageV01P048 #
# وإن كانت الأسباب المشجعة في وزن الأسباب المجبنة كان مطيعا ولم يكن حيث ~~وضعه القوم، لأنهم توهموا مع مشيه بالسيف إلى القرن احتمال المكروه كله، ~~ورفعوا من أوهامهم الأسباب التي لولاها لم يمكنه المشي إلى القرن بالسيف. # ووجه آخر: أن عليا لو كان كما يقول شيعته، ما كان له بكثرة المشي إلى ~~القرن بالسيف وبقتله له كثير طاعة، ولا احتمال مشقة، لأن الشيعة [تزعم] أن ~~رسول الله - صلى الله عليه - قال لعلي: "إنك ستقاتل من بعدي الناكثين ~~والقاسطين والمارقين". والناكثون طلحة والزبير وأصحابهما، والقاسطون معاوية ~~وأصحابه، والمارقون عبد الله بن وهب وأصحابه. # فإن كانوا قد [صدقوا وما] كذبوا، فما عسى أن يبلغ من احتمال من هو من ~~البقاء والسلامة على ثقة. فالزبير وطلحة وأبو دجانة وابن عفراء ومحمد بن ms026 ~~مسلمة أعظم طاعة منه، لأنهم أشد احتمالا منه، لأنهم يقدمون والمنايا شارعة ~~وهم يرجون ويخافون، وعلي على ثقة من أمره، ويقين من بقائه وسلامته، إلا أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل هذا القول إلا قبيل وفاته. ولا سبيل ~~لهم إلى علم ذلك. فيقال لهم: فكذلك خصومكم يمكنهم أن يقولوا لكم: إن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال هذه الكلمة بعيد إسلامه، وإذا لم يكن في قولكم ~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالها له قبيل وفاته دليل، ولا في قول ~~خصومكم إن # PageV01P049 #
# النبي قالها بعيد إسلامه دليل، فأعدل الأمور وأنصفها بينكم وبينهم أن ~~تجعلوا الخبر في النصف مما بين إسلامه إلى وفاة النبي - صلى الله عليه -. ~~فإذا كان ذلك كذلك فقد صار الزبير وطلحة وأبو دجانة ومحمد بن مسلمة وابن ~~عفراء أفضل منه، لأن الفضل في احتمال المكروه. # وقد لزمكم أن تزعموا أن النبي - صلى الله عليه - قال هذا الكلام لعلي قبل ~~وقعة بدر، وأنتم إنما تفخرون بوقعة بدر وقتاله بعد ذلك. فما عسى يبلغ من ~~قتال رجل قد وثق بالسلامة والبقاء إلى أن يقاتل الناكثين والقاسطين ~~والمارقين بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدهر. # فإذا كان رئيس الجيش أعظم غناء وأشد احتمالا، للذي وصفنا، فأشبه القوم ~~حالا به أعظم غناء وأشدهم احتمالا، على قياس في الرئيس والكثير المشي ~~بالسيف، ولا أحد أشبه بالرئيس ممن اختاره الرئيس وزيرا وصاحبا، ومكانفا ~~ومعينا، لأن الرجل إذا كان في رأي العين صاحب أمر الرئيس والمتولى على ~~الخاصة والقربة منه في ظعنه ومقامه، وخلواته، وهربه واستخفائه، وكان هو ~~المبتدئ بالكلام عنده، والمفزع في الحوائج بعده، والثاني في الدعاء إلى ~~الله ودينه، ولا نعلم هذه الخصال اجتمعت في غير أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه، لأنه صاحبه في كتاب الله سبحانه، # PageV01P050 #
# قال الله عز وجل: "إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني ~~اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ms027 إن الله معنا". فسماه الله ~~صاحبا في كتابه ثم سماه النبي - صلى الله عليه - صديقه من بين خلق الله، ~~حتى غلب على اسمه واسم أبيه ولقبه ونسبه، حتى كان الناس أيام رسول الله ~~وبعد وفاته يقولون: قال علي وفعل علي، وقال عثمان وفعل عثمان، وقال عمر ~~وفعل عمر، وقال طلحة وفعل طلحة، وقال الزبير وفعل، وجميع العشرة الذين هم ~~في الجنة، حتى إذا صاروا إليه قالوا: قال الصديق وقال أبو بكر الصديق، وفعل ~~أبو بكر الصديق. ثم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، وهو القول الذي ~~كان يعيده في كل دار ومنزل: "ما أحد أمن علينا بصحبته وماله من أبي بكر" ~~وفي قوله: "ما أحد أمن علينا بصحبته وماله من أبي بكر" معان كثيرة، فهمه ~~الناس أم ذهبوا عنه. فهذا هذا. # ثم كان النبي عليه السلام بمكة ثلاث عشرة سنة، في كل يوم ذر شارقه يأتي ~~منزل أبي بكر إما صباحا وإما مساء. حتى كان اليوم الذي أذن الله سبحانه له ~~في الهجرة، وإنه أتاه مهجرا فقال له أبو بكر: بأبي أنت وأمي، كيف جئت اليوم ~~في هذا الوقت؟ ونزل عن سريره وجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وجلس أبو ~~بكر بين يديه، قال النبي: هل عندك أحد؟ قال: لا يا رسول الله، إلا أسماء ~~وعائشة. قال: "فإن ربي قد أذن لي في الهجرة". فصان صحبته من خلق الله غيره. ~~ثم لم يعلم بخروجه غير ابنتيه أسماء وعائشة، وغير ابنه عبد الله بن أبي بكر ~~قتيل يوم الطائف، وكان هو الذي يتجسس لهما الأخبار ويأتي بها إليهما في ~~الغار، لأنهما استخفيا في الغار ثلاثا ولم يطلعا على # PageV01P051 #
# أمرهما غير عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، بدري استشهد يوم بئر معونة، فإنه ~~كان يؤنسهما ويحدثها ويخدمهما في تلك السفرة كلها. وكانت أسماء هي التي ~~تأتيهم بأقواتهم في الغار، فكان صاحبه في الغار، وبمكة في طريقه إلى ~~المدينة، وعلى ظهره ركب النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنفاثي أجيره ms028 ~~وعامر بن فهيرة خادم النبي - صلى الله عليه - ومؤنسه عتيقه ثلاث مرات ~~ومولاه، والظهر ظهره، والمؤونة مؤونته، وصحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مقصورة عليه، محبوسة له، مصونة عن سواه، يطلبان معا، وتجعل فيهما قريش شيئا ~~سواء. # وقالت الأنصار: لما سمعنا بمخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدومه كنا ~~نخرج إلى ظاهر حرتنا ننتظره، حتى إذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة، ~~حتى إذا كان في اليوم الذي قدم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلنا ذلك ~~ثم دخلنا منازلنا، فكان أول من أبصره رجل من يهود، فصاح: يا بني قيلة! ~~فخرجنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P052 #
# وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر، في مثل سنه وهيئته، وأكثرنا لم يكن رآه، ~~وركبه الناس وما نعرفه من أبي بكر حتى زال الظل عن النبي عليه السلام، فقام ~~أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. فهذا هذا. # ثم لما كان بعد ذلك في يوم بدر. ودلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما عزم على محاربة قريش قال له سعد: يا نبي الله، لنبني لك عريشا فتكون ~~فيه ونقاتل بين يديك، فأذن لهم فبنوه له، فعدل إليه بعد أن عبأهم وأقامهم ~~على مصافهم وعلى مراتبهم. فدخله وأدخل معه أبا بكر وحده، فلما استقر في ~~العريش قال له أبو بكر: بعض مناشدتك يا رسول الله فإن الله منجز لك ما ~~وعدك. فخفق النبي - صلى الله عليه - خفقة في العريش فانتبه وهو يقول: أبشر ~~يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه ~~النقع! # فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر من بين يديه خلق الله في ~~العريش، والناس موقوفون على مراتبهم، فكانت هذه مرتبة أبي بكر. ورتب لسعد ~~بن معاذ بعد أن كان قائما على رأسه على باب العريش متوشحا السيف في نفر من ~~الأنصار يحرسون العريش ومن فيه مخافة كر العدو والجولة. # فإذا كان النبي - صلى الله عليه - في ms029 ذلك اليوم في العريش، وغير ماش # PageV01P053 #
# إلى السيف ومعه صاحبه وصديقه، وسيد الأنصار وأفضلهم على باب العريش، عرف ~~أن عظم الغناء وشدة الاحتمال والسبب الدال على الرياسة غير الذي خصه القوم ~~وجعلوه دليلا. فمن أولى أن يكون أشبههم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في عظم الغناء واحتمال المكروه، والحال الرفيعة، ممن كان ثاني اثنين في ~~التقدم في الإسلام، وثاني اثنين في الدعاء إلى الله ورسوله، وثاني اثنين في ~~كثرة المستجيبين والاتباع، وثاني اثنين في الغار، وثاني اثنين في الهجرة، ~~وثاني اثنين في العريش، وفي أشباه لهذا كثيرة. # وأما ما ذكرتم من يوم بدر وقتل على الأقران وفضله على من سواه بذلك، فقد ~~قلنا في ذلك بما قد سمعتم. # ونحن ذاكرون وجها آخر ليزيد في الحجة ويكشف من الدلالة. نزعم أنه لم يشهد ~~بدرا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[من له] مثل غناء أبي بكر ~~ونباهته وكرم موضعه، لأن من شهد بدرا مثل الزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن ~~وعثمان، وبلال ومسطح بن أثاثة وعامر بن فهيرة، وكان في العريش، فلا أحد ~~يعدله في النباهة، ولا في الغناء والرفعة، والاحتمال لقدر الخلافة، لأن ~~الذين عددنا على ثلاثة أصناف: رجل أسلم على يده وبدعائه وشرحه فهو سبب ~~حضوره وحسن بلائه، ورجل أسلم على يده وأعتقه بعد ذلك من رق العذاب ورق ~~العبودية وشهد بدرا وقبل ذلك بمؤونته وكلفته. وإما ربيب # PageV01P054 #
# ونسيب وابن خالة كمسطح بن أثاثة، فقد كان ربيبه وابن خالته وعلى يده ~~أسلم، وبه استبصر، ولم يزل في مؤونته قبل بدر وبعد ذلك وفي أيامه، إلا ما ~~كان من يمينه أيام حلف ألا يقربه ولا ينفق عليه ولا يطأ رحله، للذي كان كبر ~~على عائشة مع حسان بن ثابت، حتى أنزل الله سبحانه على رسوله براءة عائشة، ~~وأمر أبا بكر بالإنفاق على مسطح وعياله، وبالعفو عنه، وأن يعيده إلى رحله ~~وتحت جناحه، فأنزل الله في محكم كتابه على نبيه يريد أبا بكر - وبين ms030 أن ~~يفرد الله الآي ويخصه بمخاطبته وبين أن يريده في الجمهور فرق عظيم، كما ~~أثنى على جملة المهاجرين والأنصار - فقال الله وهو يريد أبا بكر: {ولا يأتل ~~أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا ليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم}. قال أبو بكر: بلى يا ~~رب. فرده إلى رحله وعفا عنه كما أمره الله، وأجرى عليه وعلى عياله مثل الذي ~~كان يجريه. # وإنما ذكر الله في هذه الآية القربى لأنه كان ابن خالته، وجعل أهله ~~وعياله مساكين أبي بكر، وهو أحد بني المطلب بن عبد مناف، وشأنه عظيم. # PageV01P055 #
# وكان أول من حث على قتال المشركين ببدر وتكلم فيه عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أبو بكر. # فإذا شهد بنفسه ورأيه وماله ومستجيبيه وأتباعه الذين هم أكفاء ضده عندكم، ~~مع أن بعضهم قد اختير عليه وهو عثمان، والباقون لم يخايرهم ويواز [نهم] ~~فيعرف موضع أفضلهم، وقد فخر عليه سعد فلم يعارضه. فأين مبلغ ما ذكرتم مما ~~ذكرنا، إذا كان مثل سعد من مستجيبيه - وهو المستجاب الدعوة، وأول من أراق ~~دما في الإسلام، وأول من رمى بسهم يوم بدر، وله يقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ارم فداك أبي وأمي"، فجمع له أبويه ولم يجمعهما لأحد قبله. وفيه ~~يقول النبي - صلى الله عليه -: "هذا خالي أباهي فيه، فليأت كل امرئ بخاله" ~~وهو أزال كسرى عن قصره وملكه وعن مستقره. ومثل حواري رسول الله - صلى الله ~~عليه - وابن عمته، مع فروسيته وشدة بأسه، والذي عظم الله من شأنه ببدر حين ~~نزلت الملائكة في زيه، عليها عمائم صفر. # ثم الذي كان منه ببدر حين أتى الخبر النبي - صلى الله عليه - عن قريش ~~بمسيرهم، فاستشار النبي - صلى الله عليه -، فكان أول من قام أبو بكر، # PageV01P056 #
# فتكلم وحث على الجهاد والنصرة، ثم قام عمر، ثم قام المقداد فقال: يا رسول ~~الله، امض لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت ms031 بنو إسرائيل لموسى: ~~{اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~معكم مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق أن لو سرت بنا إلى برك ذات الغماد لجالدنا ~~من دونه حتى نبلغه. # فإن قالوا: إن أبا بكر لم يشهد [له] احتمال كاحتمال علي، لأن عليا كان ~~يمشي إلى السيف وأبو بكر وادع رافه في العريش، ودونه الحرس سعد بن معاذ ~~وأصحابه، والركاب له مناخة. # قلنا: قد طعنتم على النبي - صلى الله عليه -، لأن الشأن لو كان كما ~~تقولون لكان النبي - صلى الله عليه - وادعا وكان علي محتملا صابرا. وهذا ~~كلام قد فرغنا منه مرة. # أوما علمت أن صاحب اللواء وإن كان لا يبارز ولا يمشي بالسيف أنه يحتاج من ~~المعرفة بالحرب وعورتها، وإقبال أمرها وإدباره، ويحتاج مع اجتماع القلب ~~واليقظة وقلة الحيرة، والثبات عند الجولة، والعلم # PageV01P057 #
# بموضع الشدة والانحياز إلى أكثر مما يحتاج إليه المبارز، لأن حفظ الجميع ~~أشد من حفظ الواحد، ولأن كل العدو يطالبه ويريد ختله، وكل ذلك بعلمه وعينه، ~~لأن خطأه وضعفه أقرب إلى هلكة الجميع من ضعف المبارز وخطئه. # ولو كان الأمر كما تقولون ما كان أحد أسقط في الحرب ولا أصغر حظا ولا أقل ~~أجرا ومكانا من الإمام الأكبر والرئيس الأعظم لبعد ما بين بلاد عدوه من ~~بلاده، ولكان عامله أفضل منه. # مع أنكم تزيدون في كثرة القتلى وتعظمون شأنهم لتعظموا به من شأن علي، ~~كصنيعكم في أمر علي ومرحب. حيث فخمتموه بالأشعار ونفختموه بالبلاغات، وسكتم ~~عن قتيل الزبير في ذلك اليوم. ومرحب وياسر أخوان شهدا الوقعة، والنباهة ~~لياسر. فقصدتم إلى الأخمل فرفعتموه وشهرتموه إذ كان قتيل علي، وقصدتم إلى ~~الارفع فأخملتموه وأخفيتموه إذ كان قتيل الزبير. أوما علمت أن الزبير ~~وياسرا التقيا فاضطربا بأسيافهما فلم يغنيا شيئا مرارا، حتى لحجا في موضع ~~واعترضت # PageV01P058 #
# بينهما شجرة، فجذباها ضربا وخبطا، ثم جمع الزبير نفسه ومكن سيفه فضرب رأس ~~ياسر ضربة قد منها البيضة ومر السيف حتى عض ms032 ثنيتيه، فقيل له: يا أبا عبد ~~الله، ما أجود سيفك! فغضب. # وقصدتم إلى عمرو بن عبد ود، فتركتموه أشد من عامر بن الطفيل، وعتيبة بن ~~الحارث، وبسطام بن قيس. # وقد سمعنا بأحاديث حروب الفجار، والذي كان بين المطيبين والأحلاف، وما ~~كان بين قريش ودوس، وأمر خزاعة وحلف الفضول، وجميع أمر قريش من خير وشر، ~~فما سمعنا لعمرو بن عبد ود في شئ من ذلك ذكرا. # وكذا قتيل علي الوليد بن عتبة يوم بدر، وما علمنا الوليد حضر حربا قط ~~قبلها ولا بعدها، ولا ذكر فيها بطائل. # فلو ذهبتم إلى أن عليا قد بارز وقتل، وأبلى واحتمل، كان ذلك # PageV01P059 #
# جميلا، وكان قصدا مقبولا، ولكنكم أخرجتموه من حد الشجاعة، وظننتم أن ~~السرف أمثل وأجل. # وزعمتم أن الذي منع العرب وقريشا أن تجعله الخليفة بعد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان قتل أبناءها وإخوتها وأعمامها، وما يعلم موضع رجل واحد ~~يوم توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - تسمع له الخاصة والعامة وترى له ~~طاعة، قتل علي أباه أو ابنه أو أخاه، غير أبي سفيان بن حرب، فقد كان علي ~~قتل ابنه حنظلة، وما كان أحد من علية قريش والعرب أقرب إلى أن يخالفه في ~~الحق والباطل في ذلك الدهر من أبي سفيان، وقد كان أكره الناس لأبي بكر حين ~~قال لبني هاشم وبني أمية: "رضيتم معشر بني عبد مناف أن يلي أموركم رجل من ~~بني تيم" فإذا كان الذي قتل علي ابنه هو الذي أظهر كراهية أبي بكر من بين ~~الناس، فكيف حولتم القضية وقلبتم المعنى؟ # فإن ذكروا أبا حذيفة بن عتبة لأن عليا قتل أخاه. قيل: أيكون أبو حذيفة ~~ممن أبى عليا بهذه العلة، وأبو حذيفة شهد بدرا فقاتل أباه وأخاه وعمه، ~~واحتملت نفسه وعزمه وصحة إسلامه هذا الصنيع، ثم يجزع من أقل منه بعد ~~الزيادة في الاستبصار، وبعد طول الدهر وموت الأحقاد؟ وهذا ما لا يشبه ولا ~~يجوز. وكيف يجوز ذلك عليه وهو من المهاجرين الأولين، والسابقين ms033 الأولين، ~~وشهد بدرا والمشاهد كلها، وقبض النبي - صلى الله عليه - وهو عنه راض، ~~واستشهد يوم اليمامة ولواء المهاجرين في يده. # PageV01P060 #
# وكيف يظن هذا بأبي حذيفة، ولم يرو عنه في كراهية على حرف قط، ولا قبض ~~لذلك وجها ولا أظهر تعجبا؟ # وكيف يظن هذا بالبدريين والمهاجرين الأولين ومنع على القيام بأمر الناس ~~على هذا الوجه وعلى هذا المعنى كفر بالله ورسوله، وكيف يضطغن امرؤ على علي ~~ويسلم قلبه لرسول الله - صلى الله عليه -؟ لأنه إن كان يعتد صنيع علي ذنبا ~~حتى يولد له حقدا والذي تفرد علي بذلك أعظم ذنبا وأجدر أن يولد حقدا. وهذا ~~أفحش قبحا وأبين خطأ من أن يحوجنا إلى كشفه وتبيينه. # وكيف يجوز هذا على أبي حذيفة، ولا نعلم رجلا في الأرض أبعد من حمية ~~الجاهلية منه، ولا أسمح نفسا بما وافق كتاب الله منه. ولقد بلغ من إخلاصه ~~ورسوخ الإسلام في قلبه وحبه عليه وبغضته فيه أن طرح كل ما سواه، وأخرجه ذلك ~~إلى أن زوج أخته فاطمة بنت عتبة ابن عبد شمس من سالم مولى أبي حذيفة، وقال ~~له: والله إني لأزوجكها وأعلم أنك خير منها! فعاتبه على ذلك بعض من نكره ~~ذكره فقال: أفي سالم تعاتبني وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم. # PageV01P061 #
# مع أن لأبي بكر من حسن الأثر في حروب النبي - صلى الله عليه - ومن احتمال ~~المكروه وتجرع المرار ما ليس لأحد. # من ذلك أن أبا بكر خرج إلى ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر ليبارزه يوم أحد، ~~لأن عبد الرحمن طلع يوم أحد على فرس وهو مكفر في السلاح لا يرى منه إلا ~~عيناه وهو يقول: [هل] من مبارز! ثلاثا، كل ذلك يقول: أنا عبد الرحمن بن ~~عتيق. فنهض أبو بكر يسعى إليه بسيفه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حين رأى غضبه وحدته وعرف الذي عليه من الشدة ms034 في قتل ابنه: "شم سيفك وارجع ~~إلى مكانك ومتعنا بنفسك". # وإنما يمكن أبا بكر بذل الجهد، فإذا فعل ذلك فلا حال أفضل من حاله. # فاجتمع له في ذلك أمران: أحدهما الثواب على شدة الاحتمال، والثاني صيانة ~~النبي - صلى الله عليه - وإشفاقه عليه، # PageV01P062 #
# وقوله: "ارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك" فليس في الأرض معنى شريف فاضل من ~~معاني الدين والدنيا إلا وهو في هذه الكلمة. # وأبو بكر الذي لما رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم أحد أقبل ~~يسعى، وإذا إنسان قبل المشرق يطير طيرانا، فلما رآه أبو بكر قال: اللهم ~~اجعله طلحة! فلما توافيا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا هو أبو ~~عبيدة بن الجراح، فبدره أبو عبيدة وقال: أسألك بالله يا أبا بكر إلا تركتني ~~فوليتني نزعها - يعني حدائد الزرد اللواتي نشبن في وجهه [و] جبينه من ~~المغفر - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عليكم صاحبكم! يعني طلحة. # وثرم أبو عبيدة يومئذ من نزع حلقة امتنعت عليه. # ولصنيع طلحة وأبي بكر وموقفهما قالوا: "يوم أحد لبني تيم! " لأن الذين ~~صبروا مع النبي - صلى الله عليه - من المهاجرين والأنصار سبعة: أبو بكر ~~وطلحة من تيم، وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، وعلي من بني هاشم، والزبير ~~من بني أسد، وأبو عبيدة من بني عامر. وإنما قالوا: "يوم أحد لبني تيم" لأنه ~~لم يكن من كل قبيلة إلا رجل واحد من المهاجرين، وكان فيه رجلان من بني تيم ~~كما ذكرنا. # وكان من الأنصار سبعة: الحباب بن المنذر بن الجموح، وأبو دجانة، وعاصم بن ~~ثابت بن أبي الأقلح، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير، وسعد ~~بن معاذ. # وأبو بكر أول من تكلم يوم بدر وحث الناس على الجهاد. # وأبو بكر الذي لما قال النبي - صلى الله عليه - يوم الحديبية: "كيف ترون # PageV01P063 #
# يا معشر المسلمين في هؤلاء الذين قد ... إلينا من أطاعهم ليصدونا عن ~~المسجد الحرام" قام أول الناس فقال: نرى - والله ms035 ورسوله أعلم - أن نمضي ~~لوجهنا، فمن صدنا عن البيت الحرام قتلناه. # وأبو بكر الذي لما أتى بديل بن ورقاء الخزاعي يوم الحديبية في نفر من ~~أصحابه فأقبل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا محمد، لقد اغتررت ~~بقتال قومك وإن قريشا ستقاتلكم عن ذراريهم وأموالهم، قد استنفروا الأحابيش ~~وخرجوا إلى بلدح، معهم العوذ المطافيل، والله ما أرى معك أحدا له وجه، مع ~~أني أراكم قوما لا سلاح لكم، ولو قد عض هؤلاء الحديد لقد أسلموكم، قال أبو ~~بكر: عضضت ببظر اللات، أنحن نسلمه؟ قال له بديل: أما والله لولا يد لك عندي ~~لأجبتك، والله إني وقومي لنحب أن يظهر محمد! # وأقبل عروة بن مسعود في نفر من قومه حتى أناخ راحلته عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال: إني تركت كعبا وعامرا على أعداد الحديبية معهم ~~العوذ المطافيل، وما أرى معك أحدا أعرف وجهه ونسبه، وإنهم لخلقاء أن يخذلوك ~~- والقوم سكوت - فغضب أبو بكر وقال: امصص ببظر اللات، أنحن نخذله؟ قال ~~عروة: أما والله لولا يد لك عندي # PageV01P064 #
# لأجبتك! وكان عروة قد استعان في حمالة، فكان الرجل يعينه بالفريضتين ~~والثلاث، فمشى إلى أبي بكر فأعطاه عشر فرائض. # ألا ترى كثرة أياديه ونبله وامنعا، وحده وشهامته ورياسته؟ فبهذا وأشباهه ~~يعرف قدر الرجل بمكة وفي قومه، وعند النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماعة ~~أصحابه. # ولو لم يعلم من شدة قلبه وصواب رأيه وقوة عزمه وقلة وحشته ويمن بركته إلا ~~أن كبار المهاجرين دخلوا عليه، منهم عمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي ~~وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في جمع كثيف من المهاجرين، فقالوا ~~بأجمعهم: يا خليفة رسول الله، إن العرب قد انتقضت عليك، وإنك لن تصنع ~~بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئا، اجعلهم عدة لأهل الردة ترمي بهم نحورهم، ~~وأخرى أنا لا نأمن على المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء، فلو ~~استأنيت بغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا ~~منه ms036 [أ] ويفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ، فتكون قد أنفذت الجيش كما أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد دفعت بهم أهل الردة، ولأنا نخاف الروم أن ~~تزحف إلينا يومنا هذا. # فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئا؟ قالوا: ~~قد سمعت مقالتنا. قال: والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني لأنفذت ~~هذا البعث، ولا بدأت بأولى منه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه ~~الوحي من السماء وهو يقول: "أنفذوا جيش أسامة". # PageV01P065 #
# فلما رأى إبطاءهم عن ذلك وتلكؤهم خرج وحده مغضبا نحو أهل الردة حتى لحقه ~~المهاجرون والأنصار في المسلمين، فقالوا: تكفى يا خليفة رسول الله، وننفذ ~~لأمرك، والصواب ما رأيت. # فلو لم تعلم من شدة قلبه واجتماع رأيه وقلة وحشته إلا هذا كان كافيا. # وأبو بكر الذي ولاه النبي - صلى الله عليه - يوم حنين ميمنته، وولى عمر ~~ميسرته، فلم يكن النبي - صلى الله عليه - ليستكفيهما أهم المواضع إليه وهما ~~لا يكفيانه. # ولقد انكشف الناس وثبتا في مواضعهما. وكان أقرب القوم إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يومئذ - إذ كان لا بد لصاحب الميمنة والميسرة من أن يكون ~~أبعد ممن يكون في القلب - أبو سفيان بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب، ~~والفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد أخو أسامة بن زيد لأمه، ~~وصبر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هؤلاء مائة وثلاثة وثلاثون من ~~المهاجرين، وسبعة وستون من الأنصار. # ومما نعرف به شدة شكيمته وصدق وصرامة رأيه قوله للمسلمين يوم توفي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - حيث قام خطيبا وبالمدينة منافقون لا يألونهم خبالا ~~يعضون عليهم الأنامل من الغيظ، وقد انتقض ما حول المدينة، فكان مما قال في ~~خطبته: # PageV01P066 #
# من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فليعبده، ومن كان يعبد محمدا أو ~~يراه إلها فقد هلك إلهه، فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا ~~على ربكم، فإن دين الله قائم، وكلمة ms037 الله قائمة، والله ناصر من نصره، ومعز ~~دينه، وإن كتاب الله بين أظهركم، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمدا، ~~وفيه حلال الله وحرامه. # ثم قال: والله ما نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله ~~المسلولة ما وضعناها عن عواتقنا، ولنجاهدن من خالفنا، فقد جاهدنا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه -، فلا يبقين مبق إلا على نفسه. # وإنما قال: "من كان يعبد محمدا أو يراه إلها فقد هلك إلهه" لأنه كان سمع ~~من عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب في ذلك كلاما قبيحا حتى ماج الناس في ذلك ~~وقالوا: والله ما مات، ولكن الله رفعه كما رفع عيسى بن مريم، في كلام ~~سنذكره بعد هذا إن شاء الله. # ومما يدل على خاصة مكانه وتقديم الناس له، ومعرفة الجميع لفضله، الذي كان ~~من صنيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن صنيع جميع المسلمين، ومن ~~صنيع كفار قريش به، حيث فزعت إليه في أمر أسارى بدر دون غيره. لأنهم لما ~~حبسوا ببدر واقترع المسلمون عليهم طمعوا في الحياة، فقالوا بأجمعهم: لو ~~بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد ~~منه! فبعثوا إلى أبي بكر فأتاهم فقالوا: يا أبا بكر، إن فينا الآباء ~~والأبناء، والإخوان والعمومة، وبني العم، وأبعدنا قريب، فكلم صاحبك يمن ~~علينا أو يفادينا، قال: نعم لا آلو كم إن شاء الله خيرا! ثم انصرف إلى ~~النبي - صلى الله عليه -. # PageV01P067 #
# فقالوا: ولو بعثنا إلى عمر، فإنا لا نأمن أن يفسد علينا، فلعله أن يكف ~~عنا شره! فأرسلوا إليه فجاءهم. فقالوا مثل قولهم لأبي بكر، فقال: لا آلوكم ~~إن شاء الله شرا! ثم انصرف إلى النبي - صلى الله عليه - وإذا الناس حول ~~النبي، وأبو بكر يفثؤه ويلينه وهو يقول: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قومك ~~فيهم الآباء والأبناء، والعمومة والإخوان، وبنو العم، وأبعدهم منك قريب، ~~فامنن عليهم من الله عليك، أو فادهم يستنقذهم الله بك من النار، فما ms038 أخذت ~~منهم فهو قوة للمسلمين، ولعل الله أن يقبل بقلوبهم! ثم قام فتنحى ناحية ~~وسكت النبي - صلى الله عليه - وجاء عمر فجلس مجلس أبي بكر فقال: يا نبي ~~الله، هم أعداء الله كذبوك وقاتلوك وأخرجوك، اضرب أعناقهم فإنهم رؤوس ~~الكفر، وأئمة الضلالة، يعز الله بذلك الإسلام ويذل الشرك! فسكت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعاد أبو بكر إلى مجلسه وإلى مثل ذلك الكلام، ثم تنحى ~~وقام عمر فجلس مجلسه وأعاد مثل الكلام الأول، ثم تنحى عمر وجلس أبو بكر، ~~ثلاث مرات. فسكت النبي عليه السلام، ثم قام فدخل قبته فمكث ساعة وخرج ~~والناس يخوضون، يقول بعضهم: القول ما قال أبو بكر، وبعضهم يقول: القول ما ~~قال عمر. # فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما تقولون في صاحبيكم؟ دعوهما ~~فإن لهما مثلا: مثل أبي بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرضا والعفو، ~~ومثله في الأنبياء مثل إبراهيم كان ألين على قومه من العسل، أوقد له قومه ~~النار فطرحوه فيها، فما زاد على أن قال: {أف لكم # PageV01P068 #
# ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} وقال: {فمن تبعني فإنه منى ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم} ومثله كمثل عيسى إذ يقول: {إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ومثل عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل ~~بالسخط من الله والنقمة، ومثله في الأنبياء مثل نوح كان أشد على قومه من ~~الحجارة إذ يقول: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} فدعا عليهم دعوة ~~أغرق الله بها الأرض جميعا. ومثله مثل موسى إذ يقول: {ربنا اطمس على ~~أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}. فهذا يدل ~~على أنه كان المفزع والشفيع، والخاصة والثقة وموضع الفضيلة. # وقبل ذلك لما قص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل مكة كيف أسري به، ~~قالت قريش على التكذيب له - صلى الله عليه -: والله إن العير لتطرد شهرا من ~~مكة إلى الشام ثم يكون إقبالها شهرا، وزعم محمد أنه ms039 مضى إلى بيت المقدس ~~ورجع من ليلته! فأتوا بأجمعهم أبا بكر ليحتجوا بذلك عليه وليعرفوه خطأه في ~~اتباعه عند أنفسهم، وظنوا أن الجواب في ذلك يمتنع إذ كان قد امتنع عليهم. ~~فأتوا أبا بكر فقالوا: هلك صاحبك! - ألا ترى أنه المذكور بالصحبة، وموضع ~~الحاجة، وأنه المبتدأ والمفزع - زعم أنه أتى بيت المقدس في ليلة وغدا ~~علينا! قال أبو بكر: إنكم تكذبون عليه، ولئن كان قاله لقد صدق، فما تعجبون ~~من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرنا أن الخبر يأتيه من السماء # PageV01P069 #
# إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد من مصر. ثم نهض أبو ~~بكر إلى النبي - صلى الله عليه - ليسأله عن القضية، فأقبل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يصف له وهو يقول: صدقت صدقت، أشهد أنك رسول الله. قال النبي - ~~صلى الله عليه -: وأنت الصديق. وقد كان أبو بكر الصديق أتى الشام وعرف ~~طرقها وأمورها، وقلبها وعرف جميع ما فيها. # ثم الذي كان من تقديم النبي - صلى الله عليه - له والمسلمين في قضية ~~الحديبية. وذلك أنهم كتبوا كتابا: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله ~~وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر حجج يأمن فيها الناس ويكف بعضهم ~~عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وعلى أن من أحب أن يدخل في عقد محمد ~~وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها فعل، وعلى أنه من أتى منهم ~~محمدا بغير إذن رده، ومن أتى قريشا من أصحاب محمد لم ترده، وعلى أن محمدا ~~يرجع عامه هذا بأصحابه، ويدخل عليهم قابلا في أصحابه فيقيم ثلاثا، لا يدخل ~~علينا السلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة ~~وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة؛ وشهد ~~حويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف. # PageV01P070 #
# ألا ترى أنه كان أول شاهد من المسلمين في صدر الكتاب، والناس كلهم بعده. ms040 # ونحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمل عن سبعة. فأول خلق الله سمى ~~أبو بكر ثم عمر، ثم فلان ثم فلان. فهذا هذا. # ثم لما تحاجز الناس يوم أحد وأراد أبو سفيان الانصراف أقبل يسير على فرس ~~له أنثى قد أشرف على أصحاب النبي - صلى الله عليه - في عرض الجبل ينادي ~~بأعلى صوته: أين ابن أبي كبشة؟ يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -. أين ابن ~~أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول والحرب سجال، ~~وحنظلة بحنظلة! قال عمر: ألا أجيبه يا رسول الله؟ قال: بلى. قال أبو سفيان: ~~اعل هبل! قال عمر: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم! ~~قال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم. # فلو لم يكن أبو بكر أفضل من شهد أحدا وأنبه، أو أغيظ لأبي سفيان ~~والمشركين، ما جعله أبو سفيان - وهو رئيس القوم - ثانيا، والذي يتلو النبي ~~- صلى الله عليه - في النداء والمخاطبة، حين يقول: أين ابن أبي كبشة؟ ثم ~~يقول: أين ابن أبي قحافة. فهذا هذا. # PageV01P071 #
# وفي نزول أبي بكر قبر حمزة قبل كل نازل بأمر رسول الله - صلى الله عليه - ~~دليل على الفضيلة والنباهة، والقدر والوزارة. # ولما دخل أبو سفيان المدينة أتى النبي - صلى الله عليه - وقال: يا محمد، ~~إني كنت غائبا في صلح الحديبية فاشدد العهد وزدنا في المدة. قال: أولذلك ~~قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم. قال: فهل كان فيكم من حدث؟ قال: معاذ الله. ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فنحن على مدتنا وصلحنا، لا نبدل ولا ~~نغدر. فلما خرج من عنده بدأ بأبي بكر فقال له: هل لك إلى أن تجير بين ~~الناس؟ قال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله. ثم خرج من عنده فأتى عمر ~~فكلمه بمثل ذلك، قال عمر: إني لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم! قال أبو ~~سفيان: جزيت من ذي رحم شرا! ثم أتى عثمان، ثم أتى فاطمة، ثم أتى عليا. ms041 # ألا ترى كيف جعلوه المقصد والمعتمد قبل الناس وبعد رسول الله - صلى الله ~~عليه -، ولو لم يكن حال عند أبي سفيان من النبي - صلى الله عليه - فوق كل ~~حال ما بدأ به قبل جميع من نزع إليه. فهذا هذا. # ثم الذي كان من تقريب النبي عليه السلام، وإكرامه له يوم فتح مكة، وهي ~~الدار التي خرجا منها هاربين معا ثم رجعا إليها آمنين معا، يتسايران ~~ويتحدثان، حيث طلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على العباس وأبي سفيان، ~~والنبي عليه السلام بين أبي بكر وأسيد بن حضير، أبو بكر عن يمينه. وقبل ذلك ~~في الطريق كان بين أبي بكر وعمر، أبو بكر عن يمينه # PageV01P072 #
# وعمر عن يساره. فلما صارت الخيل بذي طوى بين الخندمة إلى الحجون، مر ~~النبي - صلى الله عليه - وأبو بكر يسايره وحده، وإذا بنات أبي أحيحة قد ~~نشرن شعورهن يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فنظر النبي - صلى الله عليه - إلى ~~أبي بكر وتبسم وقال: كيف كان قال حسان: # • يلطمهن بالخمر النساء * # قال أبو بكر: # • تظل جيادنا متمطرات * # فهذه حاله وخاصته ومكانه وارتفاع قدره. ألا تراهما خرجا من مكة هاربين ~~مستخفيين مصطحبين، ثم رجعا آمنين ظافرين معلنين مصطحبين. # وصعد أبو قحافة الجبل بصغرى بناته وهو يومئذ مكفوف، فبكت بنته فقال لها: ~~لا تخافي فإن أخاك عتيقا أكبر الناس عنده! فلما دخلوا مكة أقبل أبو بكر ~~بأبيه وهو يومئذ شيخ مكفوف له غديرتان كأن رأسه ثغامة، حتى هجم به على ~~النبي - صلى الله عليه - وقال: أتيتك بأبي يا رسول الله ليسلم. قال النبي - ~~صلى الله عليه -: هلا تركت الشيخ في رحله حتى آتيه. فمسح النبي - صلى الله ~~عليه - يده على صدره، ودعاه إلى الإسلام فأسلم. # وهذا كله يدل على تقديم النبي - صلى الله عليه - له. # كما نقل الفقهاء أن النبي - صلى الله عليه - أتي بعس من لبن وهو في ~~أصحابه، وأبو بكر عن يساره ورجل من الأعراب عن يمينه، وأصحابه قد أحبوا ~~سؤره، فشرب النبي وأهوى بالقدح نحو ms042 الأعرابي. قال عمر: # PageV01P073 #
# أبو بكر يا رسول الله! قال النبي - صلى الله عليه -: الأيمن فالأيمن. # ولم ينقلوا هذا الحديث ليخبروا عن فضيلة أبي بكر ولا عن قرب مقعده ولا عن ~~تقديم عمر له، ولا أن عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت التقديم له، ~~ولا قال عمر ذلك على التذكير له. وإنما أرادوا أن يخبروا عن سنة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الشرب، وعن فضيلة اليمين على اليسار، وعن التعريف ~~لحرمة المجلس. # ولو كان هذا الخبر في علي وعثمان ما كان الأمر إلا كما أخبروا أنهم لم ~~يقصدوا في الحديث إلا تفضيل اليمين على اليسار. # فإن قالوا: فإن عليا كان أفقه من أبي بكر وأعلم بالحرام والحلال منه. ~~والدليل على ذلك أن كثرة ما نقلوا إلينا من اختياراته وأقاويله في ~~الحادثات، من الحلال والحرام، وأبواب الفقه والفتيا والتأويل، مع كثرة ~~الرواية المسندة، وكان يسأل ولا يسأل، ولم يرجع عن شئ قط، وليس أحد من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا وله رجعة وأكثر من ذلك، ولم يسمع ~~لأبي بكر بفتيا كثير ولا كثير رواية، ورأس الدين الفقه فيه والعلم به. فلما ~~كان أبو بكر وعلي بن أبي طالب على ما وصفنا وذكرنا، علمنا أن أفقههما أفضل ~~فضلا وأولى بالإمامة، لأن عمل الفقه أفضل من غيره، لأن أولى الناس ~~بالمسلمين أعلمهم بدينهم، لأن من علم الدين لم يجهل أمر الدنيا، لأن أمور ~~الدنيا مياسرة أو شبيه بعلم المياسرة، وعلم الدين مستنبط وتأويله غامض. # قالت العثمانية عند ذلك: أما العدل والقسط فأن ننظر يوم توفي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأبو بكر وعلي حيان ظاهر أمرهما، معروف قدرهما # PageV01P074 #
# واحتمالهما للعلم والعمل. فلعمري لئن كان لعلي من طول الصحبة وكثرة ~~السماع ومفاوضة الرسول الأ [مر]، والمعرفة، وكثرة الإرشاد للأمة وصحة الرأي ~~وكثرة الصواب، وكان الناس إليه أشد فزعا [و] ظهر من روايته وحاجة الناس إلى ~~فقهه في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأيام ms043 وفاته وأيام أبي بكر، ~~أكثر مما ظهر من أبي بكر في ذلك الدهر، إنه لأفقه منه في الدين وأعلم ~~بأبواب الدنيا. # [و] لئن كان إنما كثر مما نقل الناس عنه لأنه عاش والحادثات تحدث، وبقي ~~حتى كان يستفتى ويفتي ويسأل ويجيب، ويروى عنه في الزمان الذي كان يستفتى ~~فيه مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الله بن ~~عمرو، فكان ذلك منه أيام أبي بكر وهي سنتان، وأيام عمر وهي عشر سنين، وأيام ~~عثمان وهي اثنتا عشرة سنة، وأيام نفسه وهي خمس سنين، فليس في ذلك حجة ولا ~~دليل، لأنك تحصي ما يقول الرجل في الدهر الطويل مع كثرة الحادثات، وما يقول ~~الرجل في الدهر القصير مع قلة الحادثات. وإنما ينبغي أن ننظر يوم توفى ~~النبي - صلى الله عليه - من كان أفضل المسلمين، وأفقه في الدين، وأعرف ~~بالأمور، وأصوب رأيا وأشد احتمالا في ذلك الوقت الذي اختير فيه للخلافة، ~~ونحن نعلم أن عليا لو عاش إلى دهر الحسن وابن سيرين لكان قد ازداد فقها ~~وعلما وتجربة على قدره يوم استشهد رضي الله عنه. # ولا يجوز أن نقدر الرجل بقدر طول الزمان وكثرة الحادثات، وبقدر قصر ~~الزمان وقلة الحادثات. فلئن صح عندنا وعندكم أن أمورا # PageV01P075 #
# حدثت، وبلايا نزلت في زمن أبي بكر وأيام وفاة النبي - صلى الله عليه -، ~~من حلال وحرام أو سياسة جند أو سد ثغر أو تدبير حرب، أو استصلاح عوام، أو ~~ترتيب خواص، فظهر فيه من رأي علي وصوابه وحسن نظره وإرشاده ما لم يظهر من ~~أبي بكر - فقد أفلح من زعم أن عليا كان أفقه منه فقها، وأصوب رأيا، وأشد ~~للأمور احتمالا! مع أنا قد نجد عنده من دقائق الفتيا وغامضه وعويصه ما لم ~~يبتل به أحد ولا يبتلى به أحد أبدا. ولعل ذلك لا يصاب عند الإمام إلا في ~~جملة الأمور وأصولها. ثم لو دهم الناس عدو، أو حزبهم أمر، أو أعضل بهم ملم ~~من فاتق يختطب الملك بتأويل ms044 قد زخرفه، ومن انتشار جند أو اضطراب عوام، أو ~~بدعة شاملة، لم يكن عنده من الغناء والاحتمال والمعرفة بعلاج أدوائها ~~والتأتي لاستصلاحها قليل وكثير. وإنما مدار الأمور على أصالة الرأي، واتساع ~~الصدر، وقوة العزم. # فإن كنا لم نجد لعلي مما ذكرنا شيئا يفضل به أبا بكر في ذلك الدهر فإنا ~~نستدل على صواب رأيه واتساع صدره، وأنه كان المفزع والمرشد بعد رسول الله ~~في المعضلات وعند الشبهات والحادثات، والناس في ذلك الدهر بين مستمع مرشد ~~وبين مستمع مسلم، وبين مطرق واجم وبين خائض قد رنحه الحادثات، واستبهم عليه ~~وجه الصواب، كالذي كان من المسلمين لما اصطلحوا على القضية يوم الحديبية، ~~لأنهم لما صاروا إلى الكتاب وتراضى النبي - صلى الله عليه وسلم - وسهيل بن ~~عمرو # PageV01P076 #
# على أن يكتب في الكتاب: "وعلى [أن] من أتى قريشا ممن كان على دين محمد ~~بغير إذن لم ترده إليه" فبلغ من أمر الناس والذي دخل عليهم أن اضطربت ~~قلوبهم، حتى إن النبي - صلى الله عليه - قال لأصحابه بعد انصراف سهيل بن ~~عمرو: "قوموا فانحروا وأحلوا واحلقوا". يقولها ثلاثا، كل ذلك ينظرون في ~~وجهه ويسمعون قوله ولا يطيعون أمره، حتى غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فدخل على أم سلمة فأخبرها بذلك متعجبا، وكانت معه في تلك السفرة، قالت أم ~~سلمة: "انطلق أنت يا رسول الله إلى الهدي فانحره، فإنهم سيقتدون بك". فكان ~~أول من وثب عند الكتاب عمر وهو يقول: يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟ قال ~~النبي - صلى الله عليه -: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ قال النبي ~~عليه السلام: أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره". فأقبل أبو بكر على عمر ~~فقال: يا عمر، الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر [به]، ~~ولن يضيعه الله. # ثم إن عمر بن الخطاب عاد إلى أبي بكر فسأله فقال أبو بكر: سلم لله ~~ولرسوله واتهم رأيك. # وقال أبو عبيدة: لا نعطي الدنية أبدا! فقال أبو بكر: يا عم إنها ms045 ليست ~~بدنية، ولو كانت دنية ما أعطاها النبي - صلى الله عليه - وتأباها أنت، وما ~~كان الله ليرضى بذلك. # PageV01P077 #
# أوما علمت أنه لم يكن في الجميع أشد في ذلك من علي بن أبي طالب وعمر بن ~~الخطاب؟ وذلك أن عليا هو كان كاتب كتاب القضية، فلما كتب: "هذا ما قاضى ~~عليه محمد رسول الله" قال المشركون: لو نعلم أنك رسوله ما حاربناك، ولكن ~~اكتب: "محمد بن عبد الله"، فقال النبي لعلي: امحها يا علي. فقال علي: والله ~~لا محوتها أبدا! قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أرني مكانها. فأراها ~~فمحاها وكتب: "محمد بن عبد الله". قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله، إن هذا كله حدب على الإسلام وغضب له، ولكنهم لم يطلعوا من الأمور ما ~~تطلعه الرسل. فهذا موقف لأبي بكر مشهور. # وإنما عظمت الفتنة على أصحاب النبي - صلى الله عليه - لأنهم خرجوا لا ~~يشكون في الفتح، لرؤيا النبي - صلى الله عليه - أنه حلق رأسه ودخل البيت ~~وأخذ مفتاح الكعبة وعرف مع المعرفين، ثم تجهز في تلك الأيام وهو يريد مكة ~~عندهم وقد كان تلا عليهم: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم} الآية. فلما رأوا الصلح والشرط وعاينوا الرجوع اضطربوا لذلك، مع ~~الذي كان في نفوسهم من قوله: "إن أتى قريشا أحد ممن كان على دين محمد لم ~~ترده، ومن أتى محمدا ممن هو على دين قريش رده". فأخرجهم ما ذكرت لك إلى ما ~~ذكرت قبل. # وأقبل عمر على أبي بكر فقال: يا أبا بكر، أليس قد أخبرنا النبي - صلى ~~الله عليه - عن الله وتلا علينا القرآن: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين}؟ قال أبو بكر: نعم. # PageV01P078 #
# قال عمر: فما باله رجع بنا ولم ندخلها؟ قال له أبو بكر: وهل قال لك متى؟ ~~إنما قال: لتدخلن، وأنتم داخلوها لا محالة، وإنما كان لك مقالا لو ضرب لك ~~أجلا فرأيت خلافه، واعلم أن الحق ما قال ms046 وصنع. # فلم يبق في قلب مخلص جهلا بموضع الحجة في ذلك، ولا في قلب مستريب دخله ~~الشك شيئا إلا أصلحه. فبهذا وشبهه نعرف إخلاص الرجل وقدره، وسعة صدره، ~~وكثرة علمه. # ثم أخرى، أنقذ الله به من الضلالة، والناس بين ساكت لا غناء عنده، أو ~~خائض مستريب يحتاج إلى التعريف، أو موقن يحتاج إلى المادة وتلقين الحجة. # من ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما توفي اقتحم الناس عليه في ~~منزل عائشة، فلما نظروا إليه مسجى دخلهم أمر عظيم أذهلهم وحير عامتهم، حتى ~~قالوا: لم يمت، وكيف يموت وهو شهيد علينا ونحن شهداء على الناس؟ وكيف يموت ~~وقد قال الله: {ليظهره على الدين كله} ولم يظهر بعد؟ # وكان عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب يرددان هذه الآيات، وتوعدا أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه -: من قال إنه مات. وثاروا في حجرة عائشة وعلى ~~الباب: لم يمت! # وكان أول من رآه مسجى فأنكر موته عثمان، وقال: إنه والله ما مات، ولكن ~~الله رفعه إليه كما رفع عيسى بن مريم! والله لا نسمع أحدا يقول مات إلا ~~قطعنا لسانه! # واضطرب الناس وماجوا. وقام عمر في الناس خطيبا فقال: # PageV01P079 #
# لا أسمعن أحدا يقول إن محمدا مات، وإن محمدا لم يمت، ولكن الله رفعه، ~~أرسل إليه كما أرسل إلى موسى عليه السلام فلبث عند قومه أربعين ليلة، وإني ~~لأرجو أن يقطع الله أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن محمدا مات! # فبينما الناس هكذا إذ أقبل أبو بكر، على فرس له من السنح، فسمع مقالة عمر ~~وما يقوله الناس وما خاضوا فيه، فبدأ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل ~~عليه وهو مسجى، فكشف عن وجهه فقبله، ثم أقبل نحو المنبر وقال: أيها ... ~~الحالف على رسلك! فلما رآه عمر قعد، وقام أبو بكر خطيبا ثم قال: أيها الناس ~~اجلسوا وأنصتوا، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم قال: أيها الناس، إن الله قد نعى نبيكم إلى نفسه وهو حي ms047 بين ~~أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد، ألم تعلموا أن الله ~~قال: {إنك ميت وإنهم ميتون}. # قال عمر: بأبي أنت وأمي! فسكت الناس وأظهروا التسليم، وعرفوا الحق وبكوا، ~~كأنهم لم يكونوا سمعوا بهذه الآية قط. # ثم تلا: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم} ثم تلا: {كل نفس ذائقة # PageV01P080 #
# الموت} ثم تلا: {كل شئ هالك إلا وجهه} ثم مر في خطبته المشهورة المعروفة. ~~فهذا هذا. # ثم أقبل على عمر وعثمان فقال: قال الله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} يقول: إنكم شهداء على من تلقون ~~ممن لم يلق النبي - صلى الله عليه -، كما كان النبي - صلى الله عليه - ~~عليكم شهيدا. وقال الله: {ليظهره على الدين كله} وإنما أراد دينه، والله ~~متم نوره ومظهر دينه، فإذا أظهر دينه فقد أظهره. # فهذا علمه وقدره وفهمه وحاجة الناس إليه. # ثم الذي كان من مشي المهاجرين والأنصار إليه وكلامهم له، ليقبل الصلاة من ~~العرب ويترك الزكاة، وقالوا: إنهم لو قد صلوا لقد زكوا. قال: والله لو ~~منعوني عقالا مما أعطوه النبي - صلى الله عليه - لجاهدنهم عليه. فقال له ~~المهاجرون والأنصار: أوليس قد قال النبي عليه السلام: "أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم" قال ~~أبو بكر: إن فيها "إلا بحقها" قالوا: صدقت. ألا ترى إلى أنه قد علم الجميع ~~ما لم يعلموا، أو صيرهم إلى رأيه بقدر المخالفة له. # PageV01P081 #
# ونقلوا إلينا أن الأنصار قالت: يا خليفة رسول الله، أليس قد قال النبي - ~~صلى الله عليه -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها حجبوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" قال أبو ~~بكر: فهذا من حقها، والله لو كنت وحدي لجاهدتهم حتى أقتل أو يظهر الله الحق ~~ويزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. # ثم ms048 مضى نحو أهل الردة يريدهم مغضبا حتى لحقه المهاجرون والأنصار، فمنعوه ~~وكفوه وتقدموا أمامه. # وهذا خبر نقله أصحاب الأخبار مرجئهم وشيعيهم إلا الروافض، فإنهم لا ~~يطاقون، لأن من يجحد المستفيض الشائع بالأسانيد المختلفة في الدهر ~~المتفاوت، ويوجب على خصمه له تصديق الشاذ الذي لا يعرف ولا يدعيه إلا أهل ~~الغلو من الروافض، ممتنع الجانب، عسير المطلب، لا يطاق ولا يجارى. # ثم رأينا عليا يروي عنه، ويزكيه ويفضله، ولم نسمعه روى عن علي شيئا ولا ~~زكاه ولا فضله، على أن عليا قد كان عنده فاضلا عاليا، عالما وجيها. # ثم الذي كان من قول عثمان بن عفان له. وذلك أن عثمان حزن على النبي - صلى ~~الله عليه - حزنا لم يحزنه أحد، فأقبل أبو بكر يعزيه للذي يرى به من عظيم ~~ما فدحه وغمره، فقال عثمان: ما آسى على شئ، إنما آسى على أنني لم أسأل ~~النبي - صلى الله عليه - عما فيه نجاة # PageV01P082 #
# هذه الأمة! قال أبو بكر: قد سألت النبي - صلى الله عليه - عن ذلك: فقال: ~~"من قبل الكلمة التي عرضتها على عمي فأباها". # ألا ترى إلى حاجة الجميع إليه واستغنائه عنهم. # ولو لم يعلم من سعة علمه إلا قوله للمهاجرين والأنصار حين أشاروا عليه ~~بأن يقبل الصلاة وقالوا إنهم لو قد أقاموا الصلاة لآتوا الزكاة. قال أبو ~~بكر: إن تميما إن أذن لها من الإسلام في نقض عروة لم ترض بمثله بكر بن ~~وائل، ولو أعطيت كنانة وألفافها وأحابيشها أمرا لم ترض قيس حتى تزداد، ولئن ~~سمعت قولكم لأنقضن الإسلام عروة عروة. # وفي مشيهم إليه في تأخير جيش أسامة يشيرون عليه ويقولون ما كتبنا في صدر ~~الكتاب، وفي قوله: "لو بقيت وحدي حتى تأكلني الكلاب ما أخرت جيشا أمر رسول ~~الله - صلى الله عليه - بإنفاذه والوحي ينزل عليه". فلئن كان ما وصفنا لا ~~يدل على جودة الرأي وصحة العزم وكثرة العلم، وعلى الشهامة والصرامة، واليمن ~~والبركة، فما في الأرض دليل على فضيلة رجل ونقصه. # ومما يدل على سعة ms049 علمه وأنه كان المفزع دون غيره أن المهاجرين عامة وبني ~~هاشم خاصة، اختلفوا في موضع دفن رسول الله - صلى الله عليه -، فقال قائل: ~~خير المدافن البقيع، لأنه كان كثيرا ما يستغفر لأهله. وقال آخرون: خير ~~المواضع موضع مصلاه. وقال آخرون: عند المنبر. قال لهم أبو بكر: إن عندي ~~فيما تختلفون فيه علما. قالوا: فقل يا أبا بكر. قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه - يقول: "ما مات # PageV01P083 #
# نبي قط إلا دفن حيث يقبض" فخطوا حول فراشه ثم حولوا رأس رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالفراش في ناحية البيت. فلم نجد الناس احتاجوا مع خبره ~~إلى شاهد، ولم يختلف عليه في ذلك رجلان، ولا أظهر الشك في خبره إنسان واحد ~~قريب ولا بعيد. هذا والمنزل منزل ابنته، وهو في موضع جر منفعة وكما تكون ~~المنفعة، وهي المأثرة العظمى والشرف الأعلى. # فمن لم يتهم في خبره على هذه الحال ومع هذه العلة حتى قبلت شهادته وحده، ~~لجدير ألا يتقدمه أحد في القدر والعلم والأمانة والصدق. # ومما يدل على أنه كان ثابتا عندهم قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وروايته عنه، وذلك أن عليا قال: كنت إذا سمعت من النبي عليه السلام حديثا ~~ينفعني الله بما شاء منه، فإذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، ~~وإن أبا بكر حدثني - وصدق أبو بكر - أن النبي - صلى الله عليه - قال: "ما ~~من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر ~~له". # وهذا حديث ما سمعت له براد إلا أهل الغلو من الروافض. وقد قال قوم منهم: ~~إنما كان هذا من علي على التقية للعوام، لطاعة العوام لأبي بكر وعمر. وما ~~في هذا من التقية؟ أن يصدق رجلا على خبره وأن يكذب غيره أو يؤمن غيره. وإن ~~هذا من أخلاق الناس # PageV01P084 #
# لموجود: أن يزكي بعض بعضا ويفضل. فنرى عليا يحمل عنه ويروي عنه ويزكيه ~~ويفضله، ولم نره صنع بعلي من ذلك ms050 شيئا. # ولقد بلغ من تبطنه لأمر النبي - صلى الله عليه - أن النبي - صلى الله ~~عليه - لما حاصر أهل الطائف قال عمر لأبي محجن: إنما أنت ثعلب في جحر يوشك ~~أن يخرج! قال أبو محجن: هل هو إلا أن قطعتم حبلات عنب، وفي الماء والتراب ~~ما يعيده. قال عمر: لا تقدر أن تخرج إلى ماء وتراب، ولا تبرح باب جحرك حتى ~~تموت جوعا. قال أبو بكر: يا عمر لا تقل هذا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يؤذن له في فتح الطائف. فسأل عمر النبي - صلى الله عليه - فقال: نعم ~~لم يؤذن لي. # قالوا: ولم يكن علم ذلك من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير أبي ~~بكر، ولو علمه أحد غيره لكان عمر. # قالوا: في خطبة النبي - صلى الله عليه - في شكاته التي توفي فيها ~~والمسلمون شهود، وفي معرفته بالذي أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بكلامه دون جميع الناس، دليل على أنه المخصوص بحسن المعرفة، وفضيلة ~~الدراية. # وذلك أن أول ما تكلم به النبي - صلى الله عليه - على المنبر أن قال: ~~"والذي نفسي بيده، إن لقائم على الحوض الساعة". ثم تشهد فلما قضى تشهده كان ~~أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد، ثم قال: "إن عبدا من ~~عباد الله خير بين الدنيا والآخرة فاختار ما عند الله". فبكى أبو بكر. ~~قالوا: فتعجبنا من بكائه. وقال: بأبي أنت وأمي وبآبائنا # PageV01P085 #
# وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا. قالوا: فتعجب الناس من كلام أبي بكر وبكائه ~~وقالوا: أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رجل! # قالوا: وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله. # ولو لم يكن من صواب رأيه وصحة فراسته، وتوفيق الله إياه إلا توليته خالد ~~بن الوليد حرب مسيلمة وطليحة وأهل الردة، وقد عوتب فيه من كل جانب - وعمر ~~تناوله - وهو يقول: لا أشيم سيفا سله الله على أعدائه. # ثم اختياره عمر وفراسته فيه، حيث جعل له الأمر من بعده، وعوتب فيه ونوزع ~~في أمره. # وكذلك ms051 قال عبد الله بن مسعود، الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه -: ~~"رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره لها ابن أم عبد" قال: ~~أفرس الناس ثلاثة: المرأة التي جاءت على استحياء حين قالت لأبيها في موسى: ~~{يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} وامرأة العزيز، وأبو بكر ~~في عمر. # فهل رأيته ضام قوما قط وجامعهم فكان لهم الرأي دونه، وهل عوتب في شئ قط ~~إلا والصواب ما عمل به دون رأي المعاتب له. وهل أشير عليه برأي قط إلا وهو ~~المصيب دون المشيرين عليه؟ # فأي فقه وأي علم أصلح وأي مذهب أحمد مما عددنا وكثرنا. # ثم أنتم لا تستطيعون أن تخبروا عن علي بن أبي طالب بموقف واحد من هذه ~~الآراء، وكلمة واحدة من هذا الكلام ومن الصواب الذي حكينا # PageV01P086 #
# عن أبي بكر في حياة النبي - صلى الله عليه -، وعند وفاته، وفي أيام ~~خلافته، حتى كأن عليا ورجلا من عرض المسلمين في ذلك الدهر سواء. # وما يخيل إلينا إلا أن الذي قطعه عن كثير من ذلك حداثة سنه، وتقديمه ~~للمشيخة على نفسه. # فإن قالوا: إن عليا قد أشار على عمر بكذا. وقال له يوم كذا وكذا: كذا. # قلنا: إنا لم نكن في عمر وعلي، ولو قد صرنا إلى الإخبار عنهما تقدمنا ~~بالذي يعرفكم فضيلة عمر، كما حكينا ووصفنا وتقدمنا في الأخبار عن فضيلة أبي ~~بكر. # ولقد بلغ من صحة فكره وصدق ظنه وقوة حسه أنه كان يظن الأمر فيقع به أو ~~قريبا منه. ولذلك قال عمر: إنك لن تنتفع بعقل المرء حتى تنتفع بظنه. # فمما يدل على صدق ظن أبي بكر وحس نفسه أن عائشة لما دخلت عليه في شكاته ~~التي قبضه الله إليه فيها، أنشدت عنده شعرا تذكر فيه ما رأت في أبيها. قال ~~أبو بكر: لا تقولي هذا يا بنية. ولكن قولي: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما ~~كنت منه تحيد}، أي بنية إني كنت نحلتك جداد ms052 عشرين وسقا من مالي بالعالية، ~~وإنك لم تحوزيه ولم تقبضيه، وإنما هو مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك، ~~قالت عائشة: إنما هي أسماء! قال: إنه ألقي في روعي أن ذا بطن بنت # PageV01P087 #
# خارجة [جارية]، فوضعت جارية فسميت أم كلثوم. # وله مما كان يقع في خلده ويصدق فيه ظنه وتصح فيه فراسته أمور عجيبة. # ولو قالوا: إن عليا كان من فقهاء أصحاب النبي - صلى الله عليه - لقد كان ~~ذلك عدلا وقصدا، وحسنا جميلا، كما قال إبراهيم والشعبي: الفقه من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه - في ستة: في عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد ~~الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت. # وقد زاد قوم أبا الدرداء وأبا موسى. وقد قال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول ~~الله إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبي ومعاذ وزيد. # وقال الشعبي: كانت القضاة أربعة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ~~ثابت وأبو موسى الأشعري. # فلو أنهم كانوا يرضون بقول الفقهاء ورأي التابعين، ولم يسرفوا وقصدوا، ~~كان ذلك قصدا. ولقد تعدوا فيه الحق حتى قالوا: لم يقل قط قولا يمكن أحسن ~~منه، ولا قال قولا قط فرجع عنه، وقد علمنا أن له غير رجعة، لا اثنتين ولا ~~ثلاثا، وأقاويل لا يجوزها أصحاب الفتيا، وما كان إلا كبعض فقهائهم الذين ~~يكثر صوابهم ويقل خطاؤهم، ولم تكن لتجمع جميع هفوات إنسان وأخطاءه حتى ~~تقرأه مجموعا إلا ظننت به # PageV01P088 #
# العجز. وليس ذلك كذلك، لأنك لو قذفت بجميع ذلك في محاسنه لخفي عليك ~~موضعه، ولصغر خطره وقدره. # وإنما حكينا هذا لأنهم جمعوا لعمر وعثمان أمورا أرادوا بها عيبهم ونقصهم، ~~ولعمري إن الخطأ لخطأ حيث وقع، ولكن ربما كان خطأ لا يخرج صاحبه من الحكمة. ~~والخطأ أمر لكل بني آدم فيه حظ ونصيب، وهو أمر لم يسلم منه نبي ولا صديق ~~ولا شهيد ولا أحد من العالمين. # ومما نقررهم به مما رواه حمال الآثار من ms053 رجوعه وما لا يجوز من فتياه، ~~قوله: أجمع رأيي ورأي عمر على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت أن أربهن. # ونقلوا جميعا أن عمر وعليا اختلفوا في الجد، فقال علي بقول، وقال عمر ~~بقول، ثم رجع عمر إلى قول علي ورجع علي إلى قول عمر. # ونقلوا جميعا أن زيد بن ثابت قال لعلي وهو يحاجه في المكاتب: أرأيت إن ~~زنى أكنت راجمه، قال: لا. قال: أرأيت إن شهد أتقبل شهادته؟ قال: لا. قال ~~زيد: فهو إذن عبد ما بقي عليه درهم. فسكت علي. # وزعم أصحاب داود بن أبي هند، عن داود عن الشعبي، أن عليا رجع عن قوله: ~~"في الحرام ثلاث". # PageV01P089 #
# وكلم علي عثمان أن يحجر على عبد الله بن جعفر في شئ كان اشتراه، وقد كان ~~الزبير قال لعبد الله: خذه فأنا شريكك. فقال له عثمان: كيف أحجر على إنسان ~~شريكه الزبير؟ فسكت علي. # وقال في المكاتب، إذا أدى من ثمنه شيئا: إنه يسترق بحساب ويعتق بحساب. # وقال في النصرانية تسلم وهي تحت النصراني قال: هو أحق بها ما لم يخرجها ~~من دار الهجرة. # وقال في رجل قال لامرأته: "اختاري" واختارته، ثم قال: "اختاري" فاختارته، ~~ثم قال الثالثة: "اختاري" فاختارته؟ قال: أفرق بينهما، فإن أنا فعلت كذا ~~وكذا. # وقال في أعور فقأ عين صحيح، فأراد الصحيح أن يفقأ عين الأعور الذي فقأ؟ ~~قال: لا يفقؤها إلا أن يؤدي نصف الدية. # وقال في الجد: إنه سادس ستة، وسابع سبعة، وكتب إلى عبد الله بذلك، وقال: ~~قطع الكتاب واجعله سابعا. # وقال في جارية وثبت عليها امرأة رجل غائب فاقتضت عذرتها بإصبعها، ثم ~~قذفتها لتسقطها من عين بعلها، وكانت خافت أن يتزوجها، فرفع ذلك إليه فقال ~~لبعض بنيه: قل في هذه المسألة. قال: عليها صداق مثلها، قال: لو كلفت الإبل ~~الطحن طحنت! فاشتد تعجب أصحاب عبد الله من هذه المقالة. # وكان يرى حك أصابع الصبيان إذا سرقوا. # PageV01P090 #
# وكان إذا قطع الرجل قطع القدم وترك العقب ليمشي عليه ms054 المقطوع، وليعتمد ~~به. وكان يقطع اليد من أصول الأصابع ويدع الكف. # وزعم عبد الله بن سلمة وغيره، عن الأعمش، عن الشعبي أو عن غيره، أنه سئل ~~عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ألف تطليقة، وله أربع نسوة؟ قال: تبين بثلاث ~~وتقسم الباقية على نسائه. # ويقال لهم: هل تعلمون أن الله ذكر آدم وهو أول النبيين فقال: {فنسي ولم ~~نجد له عزما}. # وذكر موسى وقتله النفس. وذكر يونس بن متى فقال: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا ~~فظن أن لن نقدر عليه}. فالدليل على أن يونس قد كان صنيع وأساء قوله: ~~{سبحانك إني كنت من الظالمين} وقول الله: {فالتقمه الحوت وهو مليم}. # وذكروا داود وسليمان في قضية واحدة ذهب عنها داود وأصابها سليمان، حيث ~~يقول الله: {وفهمناها سليمان} فلم يكن ذهاب داود بمخرجه من قول الله: ~~{وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}. وقد كان منه ما قد علمت، حتى أنزل الله عليه ~~الملكين يكنيان عن # PageV01P091 #
# قصته، ويزيدان وعظه في قصة: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب}. # وقد عاتب الله جل ثناؤه نبيه في غير موضع فقال: {عبس وتولى}، وقال: {لقد ~~كدت تركن إليهم شيئا قليلا} وقال: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر}. # وعاتبه في الاسرى وأخبره أنه قد تقدم أمره في إطلاقهم حتى قال: {لولا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}. # وقال الله وهو يريد جمع المأمورين والمنهيين: {ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}. # فإذا كان الله قد أخبر بما ترى عن المعصومين فلم يتتبع قوم على عمر بن ~~الخطاب وعثمان بن عفان خطاياهم وهفواتهم، وللعمرية والعثمانية أن يعودوا ~~عليهم بمثل ذلك وأكثر منه؟ # ومن أجهل من رجل زعم أن عليا لم يخط قط ولم يعص قط، ولم يضيع شيئا قط، ~~وقد سمع الله يحكي أمور أنبيائه، ويذكر أحوال رسله؟ ولسنا نحتاج في هذا ~~الباب إلى أكثر من هذا. # وكيف يقولون: علي فوق الناس كلهم في صواب الرأي، ms055 والفقه في الدين، ولا ~~يكون كالرجل من عظماء السلف لضرب يخصه فيهما، ونحن إذا سألنا الفقهاء ~~وأصحاب الآثار والعلماء عن أصحاب القرآن الذين كانوا مخصوصين بحفظه على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه -، قالوا: زيد بن ثابت # PageV01P092 #
# وأبو زيد، وفلان وفلان. ولم يذكروه في باب المخصوصين بحفظ القرآن أيام ~~حياة رسول الله - صلى الله عليه -. # فإن سألناهم عن أصحاب الحروف والقراءات والوجوه، الذين بقراءتهم يقرأ ~~الناس، وبقدر اختلافهم اختلف الناس، قالوا: زيد بن ثابت وأبي بن كعب وعبد ~~الله بن مسعود. ولم يذكر معهم. لأنا شاهدنا الناس يقولون: هذا في قراءة عبد ~~الله بن مسعود، وهكذا هو في مصحف عبد الله، وهذا في قراءة أبي، وهكذا هو في ~~مصحف أبي، وهذا في قراءة زيد، وهكذا هو في مصحف زيد. ولم نرهم يقولون: هذا ~~في قراءة علي، وهكذا هو في مصحف علي. # وإن سألناهم عن أصحاب التأويل والتفسير قالوا: عبد الله بن عباس، والحسن، ~~وفلان وفلان. ولم يذكروه في هذا الباب. # وإن سألناهم عن أصحاب الرواية، والمشهورين بكثرة الإسناد عن رسول الله - ~~صلى الله عليه - قالوا: ابن عمر وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله ~~وعائشة وأبو هريرة. ولم يذكر معهم في هذا الباب. # وإن كان الدليل على فقه المتبوع فقه أتباعه فعبد الله بن مسعود وعائشة ~~أفقه منه، لأن أصحاب عبد الله وعائشة أفقه من أصحابه، فكيف صار أفقه خلق ~~الله كلهم. والقصة على ما أنبأناكم ووصفنا لكم. # على أنه كان فقيها عالما، قد أخذ من كل باب بنصيب، ولا نقول # PageV01P093 #
# فيه - إذ كنا عثمانية وعمرية - قولكم في عمر وعثمان. أوما تعلم أن الخبر ~~مستفيض بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أقرؤكم أبي"؟ فترى أبيا كان ~~أقرأ منه. وقال: "أفرضكم زيد" فترى زيدا كان أفرض منه. وقال: "وأعلمكم ~~بالحلال والحرام معاذ" فترى معاذا كان عند النبي - صلى الله عليه - أعلم ~~منه. وقال: "وأقضاكم علي" فينبغي أن يكون علي أقضى منهم. وأنتم لا ms056 ترضون أن ~~يكون زيد أفرض منه، ولا أبي أقرأ منه، مع أن" أقضاكم علي" ليس هو في حديث ~~البصريين، فإن كان كما رواه البصريون فهؤلاء النفر أعلم منه. وإن كان كما ~~رواه غيرهم فكل واحد أفقه من الآخرين فيما ذكرته. فهذا هذا. # فإن صرت إلى أن تسأل الناس عن الاختيار، وجودة الرأي، والقوة في السلطان، ~~والضبط للعدو والعوام/ قالوا: أبو بكر وعمر. # وإن سألت عن الفتوح قالوا: أبو بكر وعمر وعثمان، لأن أبا بكر رد الإسلام ~~في نصابه برد أهل الردة، وهو الفتح الأكبر، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وغزا ~~العدو ومنع الحوزة. # ولأن عمر دون الدواوين، وفرض الأعطية، وجند الأجناد، ومصر الأمصار، وجبى ~~الفئ، وبلغت خيله إفريقية، وأوطأ خيله خراسان وأقصى كرمان، وأزال ملك بني ~~ساسان. # ولأن عثمان هو الذي افتتح الثغور كلها، افتتح إرمينية، افتتحها حبيب بن ~~مسلمة الفهري وافتتح أذربيجان، افتتحها المغيرة بن شعبة، وقد # PageV01P094 #
# كان الأشعث معه فيها، وافتتح إفريقية، افتتحها له عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح/ وافتتح سحستان، افتتحها له عبد الله بن سمرة. # فهذا باب المخصوصين بالفتوح. # وإن سألت عن الدهاة وأصحاب الإرب والمكايد قالوا: عمرو بن العاص والمغيرة ~~بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان، ولم نذكر فيهم زيادا لأن زيادا لا صحبة له. ~~فهذا باب الدهاة. # وروى الناس عن قبيصة بن جابر الأسدي، وكان علامة داهية حكما، أنه قال: ~~"ما رأيت رجلا قط أخوف لله من أبي بكر، ولا أقوى في دين الله من عمر، ولا ~~أصدق حياء من عثمان، ولا أوصل لرحم ولا أعطى من تلاد مال من طلحة، ولا أكثر ~~مخارج في الأمور من معاوية، ولا أحضر جوابا ولا أكثر صوابا من عمرو" ولم ~~نره ذكره. # ثم الذي كان من أسماء بنت عميس، ومن قولها - وعلي بن أبي طالب شاهد، لما ~~تفاخر عندها بنوها من جعفر وأبي بكر وعلي، قال لها علي: اقضى بينهم - قالت: ~~ما رأيت شابا أطهر من جعفر، ولا رأيت شيخا أفضل من أبي ms057 بكر، وإن ثلاثة أنت ~~أخسهم لفضلاء. # فهذه قضيتها، ولم يرو عن علي في ذلك إنكار. # فإن قلتم: إن قولها ليس بحجة. قلنا: قد صدقتم لو كان ليس بحجة إلا قولها ~~فقط، ولكن الأمور إذا جاءت من هاهنا وهاهنا كان اجتماعها دليلا على أنه لم ~~يكن عندها مع فضله وصلاحه وسابقته وقرابته ذا رأي. # PageV01P095 #
# ولقد بلغه ذلك عن قريش حتى قام خطيبا معتذرا فقال في خطبته: "حتى قالت ~~قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم! وهل منهم أحد ~~أشد مراسا لها ولا أطول تجربة مني. لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، فها ~~أنا الآن قد ذرفت على الستين، ولكنه لا رأي لمن لا يطاع". # وقال الأحنف بن قيس لما قدم عبيد الله بن علي بن أبي طالب، وهو قتيل ~~المختار بن أبي عبيد في أيام فتنة ابن مخربة العبدي: ما هذا الذي أنتم فيه؟ ~~قالوا: قدم عبيد الله بن علي يدعو الناس، قال: إن كان لا بد فجنبوها حسنا ~~وأبا حسن، فإنا لم نجد عندهم علما بالحرب، ولا إنالة للمال. # وقيل لأبي برزة الأسلمي: لم آثرت صاحب الشام على صاحب العراق؟ قال: وجدته ~~أطوى لسره، وأملك لعنان جيشه، وأنظر لما في نفسه. # وفي قول العباس بن عبد المطلب، وهو حليم قريش - وإذا كان حليم # PageV01P096 #
# قريش فهو حليم العرب، والحلم اسم جامع للعلم والحزم - وذلك أنه لما قبض ~~عمر وصلى صهيب بالناس دعا العباس عليا فقال: هل أحدثتم شيئا؟ فقال: فاحفظ ~~عني، فإني لم أقدمك في شئ إلا رأيتك مستأخرا، من ذلك أني قلت له ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ثقيل: ادخل عليه فسله، فإن يكن هذا الأمر فينا ~~أعلمه الناس، وإن يكن في غيرنا أوصى بنا، فتركت ذلك وقد منيت بدهاة قريش، ~~وقد حيل دوني، فلا يعرضن عليك شئ إلا قلت: لا لا، ولا يا أبتي، تعصر عينيك ~~وتحك قفاك بعد فوت الامر. # ففيما ذكرنا دليل أنه كان لا ms058 يساوي أبا بكر ولا يجاريه، ولا يدانيه ولا ~~يقاربه. وأنه في طبقة أمثاله طلحة والزبير، وعبد الرحمن وسعد. # فإن قالوا: فإن عليا كان أزهد فيما تناحر الناس عليه، ولأن أزهد الناس في ~~الدنيا أرغبهم في الآخرة، ولأن أرغبهم في الآخرة أعلمهم بأحوال الآخرة. # قلنا: قد صدقتم في صفة الزهد، ولكن أبا بكر كان أزهد منه. وسندلكم على ~~ذلك. # فمن ذلك أن أبا بكر كان ذا مال كثير، ووجه عريض، وتجارة واسعة، فأنفق ذلك ~~في سبيل الخير وعلى أهله، إيثارا لله ولرسوله، وطلب ما عنده حتى لقى [الله] ~~وما كنت تركته يوم مات غير بعير ناضح. وعبد صيقل، مع الخلافة وكثرة الفتوح ~~والغنائم والخرج والصدقة. # PageV01P097 #
# وكان علي بن أبي طالب مقلا مخفقا يعال ولا يعول، فاستفاد الرباع ~~والمزارع، والعيون والنخيل، ومات ذا مال وأوقاف، وما يحسب ماله ووقفه بينبع ~~إلا مثل كل شئ ملكه أبو بكر مذ كان في الدنيا إلى أن فارقها، وتزوج فأكثر، ~~وطلق فأكثر، حتى عابه بذلك معاوية، وجعله طريقا إلى تنقصه، وسبيلا إلى ~~الطعن عليه، فقال وهو يكني عن ذكره ويريده، ليكون أسد لسهمه، وأوقع في قلب ~~من سمعه: "إني والله ما أنا بنكحة ولا طلقة". # والآثار أن عليا رحمة الله عليه استشهد وعنده تسع عشرة سرية مطهمة وأربع ~~نسوة عقائل. # ولا سواء من كان ذا مال فأنفقه، ومن كان مقلا فكسبه. # ولم يتزوج أبو بكر في خلافته امرأة ولا اتخذ سرية، ولا تفكه بشئ، ولا آثر ~~لذة إن كان له طلقا مباحا. # ثم الذي كان من أبي بكر في عمالته: أنه كلف بني تيم ومن عنده أياديه ~~ومنته أن يردوا ما أخذ من بيت المال فيه، لكي يجعل عمالته لله. وعلى ذلك ~~احتذى عمر. وقد كان علي يأخذ عمالته، ولم يخبرنا أصحاب الآثار أنه ردها في ~~بيت المال، ولا كلف ذلك بني هاشم # PageV01P098 #
# في وصية. وهذا ما لا يختلف فيه رجلان من أصحاب الآثار، وحمال الأخبار. # وقد كان أخذ لقوحا ms059 وحبشية لرضاع بعض ولده فرد ذلك في بيت المال. # ولما بايع الناس أبا بكر غدا على سوقه كما كان يفعل، فقالوا: فلا بد أن ~~نجعل لخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا يقيمه، قالوا: برديه ~~إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مكانهما، وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ~~ينفق قبل خلافته. قال: رضيت. فجمع ذلك كله وحفظه، ثم أمر بني تيم فردوه في ~~بيت المال. فخرج من الدنيا خفيف الظهر، خميص البطن. فلما فعل ذلك قال عمر: ~~رحم الله أبا بكر، لقد شق على من بعده! # فإن قالوا: أوليس قد كان علي ينضح بيت المال في كل جمعة ويصلي فيه ~~ركعتين؟ # قلنا: إنا لم نكن في ذكر الأمانة والخيانة، لأن أبا بكر وعليا يرتفعان عن ~~هذا الضرب من المديح، وعن هذا الضرب من الثناء، وإنما كنا في ذكر الزهد في ~~المباح، وفي الإيثار والرفض للفضول، لأن بين الرجل يعطي ما له وعليه، وبين ~~من يعطي ما عليه ولا يعطي ما له فرق. # ومما يدل على فضله أن الله أنزل فيه من القرآن ما لم ينزله في أحد # PageV01P099 #
# من المهاجرين والأنصار، كل ذلك يخبر عن فضله، ويدل فيه على مكانه منه، ~~ويثني عليه ويزكيه ويعظمه. وليس من أفرد الله فيه الآي، وأفرده بالذكر كمن ~~ذكره في جملة المؤمنين، وجمهور الأنصار والمهاجرين. # ولا سبيل إلى المعرفة بأن الله عنى بآية كذا وآية كذا فلانا دون غيره إلا ~~بضربين: إما أن يكون اسمه وخاصة نسبه ونعته مسطورا في الآية، كما ذكر فرعون ~~وأبا لهب، وفلانا وفلانا، وكما ذكر آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا ~~- صلى الله عليه - وعليهم. # أو يكون المراد بالآية وإن لم يذكر اسمه، كما ذكر لقمان، وزيد. [وزيد] ~~مشهور النسب معروف القصة أنه المراد بالآية، وبشهرة القصة والنسبة حتى لا ~~يكون بين أهل ذلك الدهر في ذلك تنازع، ولا بين أصحاب التأويل والأخبار في ~~دهرنا هذا، فيكون كأنه مسمى وإن لم يسم. # وقد كانت تحدث بين ms060 الناس أمور فينزل القرآن عقب ذلك، فيعلم المهاجرون ~~والأنصار من المراد بهذا التنزيل. كالذي كان من شأن عائشة وما قرفت به، حتى ~~أنزل الله لذلك السبب آيا كثيرا، وإن لم يكن الله سمى عائشة ولا من قرفها. ~~وكالذي نزل من القرآن في قصة الغار وهجرة النبي - صلى الله عليه - وأبي ~~بكر، وهربهما من قريش، ونصرة الله لهما. # فكان مما أنزل الله في أبي بكر من تفضيله وتزكيته وإن لم يسمه قوله لجميع ~~المؤمنين: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين # PageV01P100 #
# كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم}. # فلا يخلو قوله: {إلا تنصروه} من أحد وجوه: إما أن يكون خاطب به المشركين ~~عامة، أو خص به الخاذلين العادين والباغين، أو يكون خاطب به المؤمنين. # ولا يجوز أن يكون عنى به المشركين، لأنه لا يجوز في الحكمة وفي المعروف ~~من البيان أن يقول الرجل الحكيم المبين، للعدو المكاشف بعداوته، المظهر ~~لضغنه، الباذل لرأيه وماله، المعاند في فعله: إلا تنصرني فقد نصرني فلان! ~~لأن النصر لا يلتمس من العدو المكاشف، وإنما يلتمس من الولي أو من الخاذل. # وكيف يقول هذا وإنما غايته الانتصار منه بغيره. # وفي قول الله عز وجل: {إذ أخرجه الذين كفروا} دليل أن المخاطب بالكلام ~~غير الذين كفروا به وجحدوه وأخرجوه. ولا يجوز أن يكون عنى الخاذلين له من ~~قريش ومشركي مكة إلا والخاذلون قد كانوا هناك معروفين، بائنين من العادين ~~المتوثبين المبادين بالعداوة المظهرين للمحاربة، ولا نعلمهم كانوا ببطن مكة ~~صنفين متمايزين، [و] فريقين متباينين، حتى يكون كل حزب مشهورا بالذي هو ~~عليه من الخذلان والعداوة، وليس بطن من بطون قريش إلا وقد لقى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - منه أعظم المكروه وإن كانوا في ذلك على طبقات: من مجتهد ~~لا يبقى، ولا يفتر ولا يسأم، ومن ms061 رجل مائل معهم بضلعه، # PageV01P101 #
# مبد معهم لضره، وإن كان لا يبلغ غلو الآخر وتصميمه وقلة إغفاله. # ولقد كانت خزاعة وثقيف على بعد أنسابها وأرحامها أحسن تقية من قريش في ~~إظهار العداوة، والأرصاد بالمكروه، والثبات على البغي، كالذي بلغك عن ~~الأخنس بن شريق وعروة بن مسعود وبديل بن ورقاء، من ركونهم إلى الصلح وحبهم ~~للسلامة، مع قلة التسرع والتوثب، على أنهم قد أجلبوا وطعنوا، وكفروا ~~وكذبوا، بعد الإفصاح لهم بالحجة، والإبانة لهم عن المحجة. # ولقد كان أبو لهب على قربه وقرابته شبيها بأبي جهل في الغلظة والقسوة ~~والجفاء، وكثرة التدري وقلة السآمة. # ولم يكن أبو طالب يوم نزلت هذه الآية حيا مقيما فيكون الله جل ذكره عناه ~~فيمن أطاعه من رهطه بهذا الكلام. على أنه لو كان حيا لقد كان معلوما أنه لم ~~يكن هناك أحد أحسن ذبا، ولا أشد نصرا، ولا أظهر معونة، ولا أشد حماية منه. # ولم يكن الله ليعرف قوما موضع الخلة في النصرة، والتقصير في المدافعة، ~~إلا وأدنى منازلهم أن يكونوا مقرنين لمن ناوأهم، مضطلعين بدفع من شاقهم. # ولا نعلم يوم كانت هذه القصة، ونزلت هذه الآية، وبمكة رجل # PageV01P102 #
# من بني هاشم مطاع متبوع غير العباس بن عبد المطلب. ولا يجوز أن يقول الله ~~للعباس ومن كان في ذراه ممن يسمع له وينفذ لأمره: {إلا تنصروه فقد نصره ~~الله} وقد علم أن العباس وأشباهه من مشيخة بني عبد مناف لا أعوان لهم يومئذ ~~من بني عبد مناف، لأن بني عبد مناف دنيا على قربهم وقرابتهم، كانوا أشد ~~الخلق على رسول الله، كأبي سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط، والحكم بن أبي ~~العاص، وأبي أحيحة، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ~~وفلان وفلان. ولم تكن أمية انمازت في ذلك الدهر من هاشم، وكان يقال للحيين: ~~عبد مناف. [و] كان من أمر عثمان الذي بلغك. # فقد دل الكلام على أن الله إنما عنى بالآية المؤمنين دون الكافرين، إذ ~~كانت ms062 مخاطبة العادي والخاذل على ما وصفنا. وليس أنه أراد تأنيب المؤمنين ~~وتقريع المهاجرين، ولكنه أخبر عن تقصيرهم عن فضيلة أبي بكر إذ ظعنوا وأقام. ~~وليس النقص في الفضل كالنقص في الفرض. فكأنه تعالى وعز قال: لو كنتم صبرتم ~~مع نبيكم ما أقام إلى وقت الإذن، كصبر أبي بكر معه، ولم تخرجوا هاربين ~~جازعين، ولدار نبيكم مهاجرين، كان أشد لصبركم، وأكمل لرغبتكم، وأنم ~~لتقيتكم، وليس أنكم عصيتم في خروجكم، ولكن بعض الصبر والاحتمال أفضل من ~~بعض، وكذلك الطاعة تطوعها وفرضها، كما قد علمتم أن بلالا وخبابا وعمارا حين ~~فضهم المشركون عن دينهم جزع عمار وأعطاهم الرضا، مع انطواء قلبه # PageV01P103 #
# على الإخلاص، وثلج صدره بالإيمان، ولكن عزمه كان منقوصا عن التمام، من ~~غير أن يكون ذلك عصيانا ولا خلافا. ويدلك على ذلك قول الله: {إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالايمان}. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه - لعمار: "إن ~~عادوا فعد". يريد بن التوسعة والرخصة والإطلاق، وليس على الأمر والترغيب. # وكما بلغك عن الرجلين الواردين على مسيلمة، حين قال لأحدهما: أتعلم أني ~~رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتعلم أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأمر ~~به فقتل، وقال للآخر: أتعلم أني رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتعلم أن محمدا ~~رسول الله؟ قال: نعم، فأمر بتخلية سبيله. فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله ~~عليه - قال: أما الأول فمضى على عزمه ويقينه فهنيئا له، وأما الثاني فأخذ ~~برخصة الله فلا تبعة عليه. # فعلى هذا المثال كان تقصير القوم، لا على وجه الخلاف والمعصية. # وذلك أن أبا بكر أقام بمكة ما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهاجر ~~الناس الأول فالأول، فبعض أتى المدينة، وبعض أتى الحبشة، حين اشتد عليهم ~~البلاء وطال الذل وقل الناصر، وقويت الضغائن، فكان النفر بعد النفر، والرجل ~~بعد الرجل، يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فيأذن له. وأقام ~~أبو بكر وحيدا لا أنيس له، وذليلا لا ناصر له، وخائفا لا أمان معه، في كل ~~يوم ms063 يزدادون عليه قوة ويزداد عنهم ضعفا فإذا بلح وبلغ المجهود، ولم يبق في ~~قواه فضل يستعين به على الصبر، استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المضي إلى إخوانه واللحاق بهم، # PageV01P104 #
# فيقول له: "لعل الله أن يجعل لك صاحبا" فيزداد بها أبو بكر قوة، وتحدث له ~~بها همة. وهذه كلمة ما قالها النبي - صلى الله عليه - لمستأذن قبله، فيعلم ~~أبو بكر عند ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما عناه، فيشجع من ~~نفسه، ويشد من منته، طمعه في شرف الصحبة، وإكرامه إياه بفضيلة المرافقة. # وقد استأذن النبي - صلى الله عليه - الناس [قبله] بسنين، فكان أولهم أبو ~~سلمة بن عبد الأسد، وآخرهم عمر بن الخطاب، لقرب حال عمر في الفضل والصبر من ~~حال أبي بكر. فكأنه خاطب المهاجرين، على التعريف لهم بفضيلة صبر أبي بكر ~~على صبرهم، مشحذة لهم على إعطاء الجهد، وترغيبا لهم في غاية الصبر في ~~مستقبل الأمور وحوادث الامتحان. فكأنه قال: إذا لم تستتموا الصبر، ولم ~~تبلغوا غاية الجهد، ولم تصبروا ما أقام، فقد نصرته أنا إذ أخرجته ثاني ~~اثنين. # والدليل على ما قلنا قول عمر لقريش حين بادأهم العداوة، ونصب لهم الحرب، ~~وأحس من نفسه بالجلد وشدة الشكيمة، وقوة العزيمة: "أما والله أن لو قد صرنا ~~مائة لتركتموها لنا إن تركناها لكم" يعني مكة. # فلو كان جميع من هاجر إلى الحبشة وأتى المدينة على مثل هذا العزم # PageV01P105 #
# والاحتمال والدفع، وهم جميع، لكان ذل من أقام ووحشته أقل، ونفوسهم أطيب. # والدليل على فضيلة مقام أبي بكر على ظعنهم أنهم حيث هاجروا ونزلوا ~~بالنجاشي والأنصار فنزلوا بأكرم منزول به، فكانوا في ذراه آمنين، رافهين ~~وادعين، إلا ما كان من قصة جعفر، وسعاية عمرو، وإحماش النجاشي وتهييجه. فما ~~كان ذاك إلا صدر نهار حتى جعل الله العاقبة للمتقين. وأبو بكر والنبي من ~~الوحدة والقلة، والجفوة والوحشة، وخفة ذات اليد، والسب والإهانة، والخوف ~~بالقدر الذي لا يأتي عليه قول وإن كثر، ولا يبلغه وهم ms064 وإن اتسع. # وهكذا روينا عن الضحاك وقتادة وأبي بكر الهذلي في تأويل هذه الآية: أن ~~الله عاتب جميع المؤمنين بها غير أبي بكر. ولو لم يكن رواية ولم يفسر ذلك ~~صاحب تأويل، لم يجز أن يكون تأويله غير الذي قلنا، للذي شرحنا وفصلنا. # ولو كانت هذه المخاطبة وقعت على الخاذلين والعادين، أو على الخاذلين دون ~~العادين والمؤمنين، لقد كان لأبي بكر في الآية ما ليس لأحد، فكيف بها # PageV01P106 #
# إن كانت في المهاجرين. لأن في قوله: {ثاني اثنين} معنى عظيما، وفي قوله: ~~{فأنزل الله سكينته} معنى عظيم. # فإن قالوا: كل ما عظمتم فعظيم، ولكن بعضه لا يجوز إلا للنبي - صلى الله ~~عليه - دون أبي بكر. وهو قوله: {فأنزل الله سكينته عليه}. # قيل لهم: استكرهتم التأويل، وصرفتم الكلام عن سننه، وغير تأويلكم أشبه ~~بكلام العرب، وأظهر في بيان الخطباء، ومراجعة الحكماء. وذلك أن النبي - صلى ~~الله عليه - كان هو الرابط الجأش، الثابت الجنان، الساكن النفس، وهو المعزي ~~لأبي بكر، والمسهل عليه شدة حزنه، والمطيب لنفسه، والمسكن لحركة قلبه، للذي ~~رأى وعاين من اكتراثه ومن اضطرابه، وقلة سكينته، وهذه الحال التي فيها قلب ~~النبي - صلى الله عليه - وخليفته، وأبو بكر على ما وصفنا وفرقنا، هي ~~الفاصلة بين النبي - صلى الله عليه - وبين خليفته، إذ كان الخليفة قد شارك ~~النبي - صلى الله عليه - في حضوره واحتماله، وبان منه النبي - صلى الله ~~عليه - بشدة عزمه وسعة صدره، وسكون قلبه، كالفصل الذي بين الخليفة وولي ~~عهده. # وكذلك تعجل عمر الهجرة قبل أبي بكر، فكان بذلك أنقص فضلا منه، وتأخر بعد ~~المهاجرين، فكان بذلك أتم فضلا منهم. # وفي قول الله: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته ~~عليه} دليل على أن السكينة نزلت على صاحبه، وأن الهاء التي في {عليه} مضمر ~~فيها صاحبه. ولا يشبه أن تكون # PageV01P107 #
# السكينة نزلت على من لم يخل من السكينة وقلة الاضطراب، وعلى المسهل على ~~صاحبه والمطيب لنفسه والمبشر له بالنصر، حين ms065 يقول: {لا تحزن إن الله معنا}. ~~وهو كما أخبر أبو معاوية الضرير، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ~~ثابت: في قول الله: {فأنزل الله سكينته عليه} قال: على أبي بكر، فأما النبي ~~- صلى الله عليه - فقد كانت السكينة عليه من قبل ذلك. # فإن قالوا: فكيف وقد قال الله على نسق الكلام: {وأيده بجنود لم تروها}، ~~والمؤيد بالجنود في هذا الموضع لا يجوز أن يكون إلا النبي - صلى الله عليه ~~-، لأن الجنود الذين عنى الله ملائكته. # قيل لهم: وما تنكرون أن يكون الله أيد رجلا بالملائكة، بشفاعة النبي - ~~صلى الله عليه - وبشارته وبحق صحبته، كما أيد الله جميع أهل بدر بالملائكة. ~~وكما زعموا أن الملائكة نزلت في زي الزبير، وليس أن الله حين أيد أبا بكر ~~بالملائكة أنه أراه جبريل وميكائيل، ولكن # PageV01P108 #
# ليعلمه النبي - صلى الله عليه - أن بحضرته ملائكة قد أرسلهم الله ليمنعوه ~~من المشركين، ليسكن بذلك روعه، وتهدأ نفسه، وليثق بحضور النصر وتعجيل ~~الدفع. # وقد علمنا أن الله لم يجعل مع كل مؤمن ملكين يكتبان خيره وشره استذكارا، ~~ولكن المؤمن إذا شعر بمكانهما كان أقطع له عن ركوب الأدناس وأدعى له إلى ~~الاستحياء، وليعلم أن الأمر جد وليس بهزل. # فكذلك إحضار الملائكة لأبي بكر، ليكون بشارة النبي - صلى الله عليه - له ~~بذلك تسكينا لنفسه، وتعجيلا لبعض ما استحق بالاحتمال والمواساة والصبر، من ~~الثواب المعجل دون المؤجل. # ولقد بلغ من ظهور قصة أبي بكر وصحبته ومرافقته وكونه مع النبي - صلى الله ~~عليه - في الغار، أن الروافض مع شدة الإقدام والجرأة على تكذيب الناقلين، ~~لم تقدر على دفعه ورده، حتى قال منهم قائلون: إنما أخرجه النبي - صلى الله ~~عليه - خوفا من أن يدل عليه ويسعى بأمره إلى أعدائه، لأنه كان حسن من النبي ~~بالهجرة، وعرف ميقاته الذي عزم عليه. # وكيف يجوز أن يخاطب الله الناس فيقول: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين} والذي به كان النبي - صلى الله عليه - بائنا ms066 ~~قد أبر على الأعداء وأربى على الكفار، لأن النفاق أعظم من التصريح. # PageV01P109 #
# وهذا ما لا يجوز في عقل، ولا يسنح في فكر، ولا يجوز في التعارف، ولا يليق ~~بالبيان. # وكيف والله يقول على اتصال اللفظ باللفظ والمعنى بالمعنى، وتركيب الآية ~~الأخرى على الأولى: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا}. # ولا كافر أعظم كفرا، ولا أشد عنودا من ثانيه وصاحبه في الغار، ورفيقه في ~~الطريق، والمعزي لشدة حزنه، إن كان الشأن على ما قالوا وكما وصفوا. # وإنما المنافقة أن يكون الرجل معتقدا لجحد الرسول وعداوته، ولكن الرسول ~~هو الغالب على داره القاطع لمن بادأه بالعداوة، وناوأه في الفضيلة، فإنما ~~يستبقي نفسه بنفاقه، وبتزميل حقده، وإخفاء ضغنه. فأما رجل مقيم بمكة قليل ~~مفرد، وذليل مطرد، وخائف مشرد، بين استخفاء يعدل الموت، أو هرب يقطع ~~الأحشاء، والذي هرب معه مقهور مخذول، والغالب على داره عدوه، فكيف كان أبو ~~بكر منافقا والحال على ما وصفنا؟ # ولولا كثرة الفساد وما عم الناس من الغلط وفحش الخطأ ما كان لذكر هذا ~~وشبهه معنى. # والأثر المجتمع عليه من أصحاب السير والأشعار والأخبار، أن النبي - صلى ~~الله عليه - قال لحسان: أما قلت في أبي بكر شيئا؟ فأنشأ يقول: # PageV01P110 #
# إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # التالي الثاني المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا # وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العداة به إذ صعد الجبلا # خير البرية أتقاها وأطهرها * إلا النبي وأوفاها بما حملا # فجعله تاليا وثانيا وصاحبا. # وقال أبو محجن: # وسميت صديقا وكل مهاجر * سواك يسمى باسمه غير منكر # سبقت إلى الإسلام والله شاهد * وكنت جليسا بالعريش المشهر # وبالغار إذ سميت بالغار صاحبا * وكنت رفيقا للنبي المطهر # فجعله سابقا وصديقا وجليسا وصاحبا. # وقال كعب بن مالك: # سبقت أخا تيم إلى دين أحمد * وكنت لدى الغيران في الكهف صاحبا # فجعله سابقا وجعله صاحبا. # وقال النجاشي: # غداة أتى بدرا وحر جلادهم * وكان جليسا بالعريش ms067 مؤازرا # فلو لم تكن له مأثرة إلا ما دلت عليه هذه الآية، وإلا شرف هذه الصحبة، ~~وموقع هذه الخاصة، ونبل هذه المرافقة، ومشاهده الثقة، لكان فوق الجميع في ~~المكانة والفضيلة، وفي مرافقة النبي - صلى الله عليه -. # PageV01P111 #
# سمع أهل مكة الهاتف بالليل على قرن الجبل وهو رافع عقيرته، يقول: # جزى الله رب الناس خير جزائه * خليلي صفاء طردا كل مطرد # هما نزلا في الصبح ثمت هجرا * وأفلح من أمسى رفيق محمد # ليهنئ بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد # وقال الحارث بن هشام: # رفيقان في المحيا وفي الموت ضمنا * بأكرم مثوى منزل ومكان # فهذا هذا. # ثم الذي كان من قصة مسطح بن أثاثة وقضيته، وكان ربيبه وابن خالته وفي ~~مؤونته وتحت جناحه، فلما قرفت عائشة بالذي قرفت به وبلغك، آلى أبو بكر ألا ~~ينظر في وجهه، ولا ينفق عليه ولا يكفله ولا يمون عياله، فلما أنزل الله عذر ~~عائشة وبراءتها، ولم يرض لها بالطهارة والعفة حتى جعلها غافلة، فضلا على أن ~~يكون خطر ذلك على بالها فتنفيه، إيثارا للحلال على الحرام، وأنزل الله على ~~رسوله - صلى الله عليه - في آية يأمر أبا بكر بالصفح عن مسطح، والتجاوز عن ~~ذنبه، وتغمد ما كان منه، وأن يعيده في كنفه وعياله. فقال: {ولا يأتل أولو ~~الفضل منكم والسعة}. فما ظنك بإمرئ يقول الله له وفيه هذا القول، ويصفه ~~بهذه الصفة حتى يقول: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله # PageV01P112 #
# لكم والله غفور رحيم} فتلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي ~~بكر، فلما انتهى إلى قوله: "ألا تحبون أن يغفر الله لكم" قال أبو بكر: بلى ~~يا رب! فعفا عنه، فوجبت له المغفرة، وأعاده إلى نعمته، وجعل عياله في حشاه ~~وتحت ظله. # فمن أعظم قدرا من رجل يفرد الله له الآي فيه معظما لشأنه، ذاكرا لفضله ~~على لسان جبريل ومحمد عليهما السلام. ms068 فهذا هذا. # وقد أجمع أهل التأويل على أن الله عنى بقوله: {والذي قال لوالديه أف لكما ~~أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن ~~وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين} أبا بكر وعبد الرحمن بن أبي ~~بكر وأمه. # وكان أبو بكر وأهل بيته أهل بيت إسلام: كان هو مسلما، وامرأته مسلمة، ~~وأبواه مسلمان، وبناته مسلمات. وليس في العشرة الذين قال لهم النبي - صلى ~~الله عليه - إنهم في الجنة، ولا في قريش قاطبة رجل مؤمن مؤمن الأبوين غير ~~أبي بكر الصديق، ولا في قريش خاصة والمهاجرين عامة صاحب ابن صاحب ابن صاحب ~~غير عبد الله قتيل الطائف، ابن أبي بكر الصديق، ابن أبي قحافة المسلم يوم ~~مكة، والقائل فيه رسول الله - صلى الله عليه - لأبي بكر: "فهلا تركت الشيخ ~~في منزله فأتيناه". وله صحبة. # واجتمع أهل التأويل على أن قوله: {أفمن يمشى مكبا على وجهه # PageV01P113 #
# أهدى أم من يمشى سويا على صراط مستقيم} نزلت في أبي بكر وأبي جهل. ألا ~~ترى أن أبا جهل رأس الكفر، فلم يقرن به ولم يوضع بإزائه من المسلمين إلا ~~رأس مثله. # وقال الله: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} الآية، يعني أبا بكر في ~~إنفاقه المال وعتقه الرقاب والمعذبين، وقوله: {كذب وتولى} يعني أبا جهل، ~~وليس في الأرض صاحب تأويل خالف تأويلنا ولا رد قولنا إن هذه الآية نزلت في ~~أبي بكر. # وأما قوله: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما}. فزعم ابن عباس أن القوم الذين ذكرهم ~~بنو حنيفة، وأبو بكر استنفر إليهم العرب، وضمهم إلى المهاجرين والأنصار، ~~حتى أظفر الله يده وأظهر حكمه. # وأما غير ابن عباس فزعم أنهم فارس والروم. # فإن كان [ذلك] كذلك فإن أبا بكر هو المستنفر إلى قتال الروم. وإن كان عمر ~~هو المقاتل لكسرى فإن ms069 ذلك راجع إلى أبي بكر بتأسيسه لعمر واختياره له. # وقد زعم جويبر عن الضحاك في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين} قال: أبو بكر وعمر. # PageV01P114 #
# وقد زعم وكيع عن الفضل بن دلهم عن الحسن في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه} قال: هم والله أبو بكر وأصحابه. # ومثل هذا كثير، ولم يجئ المجئ الذي يحتج به المنصف والمرشد. ولكن الحجة ~~القاطعة في إجماع المفسرين في الآيات التي ذكرناها قبل في قصة الغار، ~~والنصرة، وفي قصة مسطح، والعفو عنه والإنفاق عليه، وفي قصة عبد الرحمن بن ~~أبي بكر وأبويه ودعائهما له إلى الإسلام ورده عليهما، وقصة أبي بكر وأبي ~~جهل. # وقالت العثمانية: فإن زعمت الرافضة أن الله أنزل في علي آيا كثيرا، فكان ~~مما أنزل فيه وفي ولده قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم}. فأولي الأمر علي وولده. فلعمري لئن كان أصحاب الأخبار قد أطبقوا على ~~أنها نزلت في علي وولده إن طاعتهم لواجبة، وإن كان هذا شيئا تقوله متقول، ~~أو جاء من وجه ضعيف، فهو مع ضعفه شاذ. وليس في ذلك لكم حجة، لأن الحديث قد ~~يحتمله الرجل الواحد الثقة عن مثله، فيكون شاذا، ما لم يكن مستفيضا شائعا ~~قد نقل عن المستفيض الشائع. وقد يكون الحديث يحتمله الرجلان والثلاثة وهم ~~ضعفاء عند أهل الأثر فيكون الحديث ضعيفا لضعف ناقليه، ولا يسمونه شاذا، إذا ~~كان قد جاء من # PageV01P115 #
# ثلاثة أوجه، وإنما الحجة في المجئ الذي يمتنع فيه العمد والاتفاق. وهذا ~~الجنس من الخبر هو الإجماع. # وليس يكون الخبر إجماعا من قبل كثرة عدد الناقلين، ولا من قبل عدالة ~~المحدثين، وإنما هو العدد الذي نعلم أنهم لم يتلاقوا ولم يتراسلوا ولا تتفق ~~ألسنتهم على خبر موضوع، مع اختلاف عللهم وأسبابهم، ثم يكون معلوما عند سامع ~~ذلك الخبر من ذلك العدد، أنهم قد نقلوه عن مثلهم في مثل أسبابهم وعللهم. # فإذا كان معلوما أن فرعه كأصله كان ذلك موجبا ms070 لليقين ونافيا لعرو الشك ~~واسترابة التقليد. # وهو كنحو ما نقلوا من قصة الغار وقصة مسطح. # فأما ما قالوا وادعوا أن الله عنى بقوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم} عليا وولده دون جميع المهاجرين، فليس من شكل ما اشترطنا، ~~ولا من فن ما بينا؛ لأن أصحاب التأويل زعموا أنها نزلت في عمال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وولاته، وفي المسلمين، وفي أصحاب سراياه وأجنادهم كالعلاء ~~بن الحضرمي وأبى موسى الأشعري وعتاب بن أسيد وخالد بن الوليد ومعاذ بن جبل، ~~يأمر الناس بطاعة الأمراء والتسليم لولاة أمورهم. # حديث عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قال: حدثنا عبد الملك بن أبي ~~سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن تأويل قول الله: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} فقلت: من أولو الامر؟ فقال: هم أصحاب ~~محمد، قلت: إنهم يزعمون أنه علي، فقال: علي منهم. # PageV01P116 #
# وهذا من أثبت وأحسن ما يروون في تأويل هذه الآية، ومن أحرى ما جمع ~~الفريقين على تقبله والرضا به، إذ قائله العالم المقبول عند الفريقين، ~~والرئيس الذي لا أحد فوقه في عصره عند الروافض. # وزعم محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، أن الله أنزلها في ~~عبد الله بن حذافة السهمي. # فإذا كان تأويلها مشهورا بما ذكرنا من الاختلاف، فليس فيها للمتشيع حجة. # وزعموا أيضا أن الله أنزل في علي: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ~~كافة} يقول: في طاعة علي. # والكلام في هذا كالكلام فيما قبله. لأن أصحاب الأخبار والتأويل لا يعرفون ~~ذلك. # والخبر المشهور عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وغيره أن الله أنزلها ~~في ناس من مسلمي أهل الكتاب، كانوا بعد إسلامهم يقيمون السبت، ويعافون ~~الذبيحة، لرسوخ العادة، وغلبة الألف، فأنزل الله فيهم: {يا أيها الذين ~~آمنوا ادخلوا في السلم كافة} يقول: ادخلوا في جميع الشريعة، {ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان} وزينته لكم الحكم بألفكم له، ونشوكم كان فيه. # PageV01P117 #
# وزعموا ms071 أن الله أنزل: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}. # قيل لهم: أما ظاهر الكلام فيدل على ما قال أصحاب التأويل، كابن عباس ~~وغيره، حين زعموا أنها نزلت في عبد الله بن سلام ورهط من مشركي أهل الكتاب، ~~وذلك أنهم أتوا النبي - صلى الله عليه - عند الظهر فقالوا: يا رسول الله، ~~إن بيوتنا قاصية ولا نجد مسجدا دون هذا المسجد، وإن قومنا لما صدقنا الله ~~ورسوله عادونا وتركوا مخالطتنا، وأقسموا ألا يكلمونا. # فبينما هم يشكون عداوة قومهم لهم إذ نزلت: {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} فلما قرأها ~~النبي - صلى الله عليه - قالوا: رضينا بولاية الله ورسوله والمؤمنين. وأذن ~~بلال للصلاة، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد وهم معه، ~~والناس من بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فتلا النبي - صلى الله عليه -: ~~{ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} الآية. فإن ~~تكن هذه الآية كما قال ابن عباس ومجاهد، فليس لعلي فيها ذكر. وإن يكن الأمر ~~ليس على ما قال ابن عباس فليس تأويل الرافضة بأقرب التأويل. # PageV01P118 #
# وقد عرفنا أن تأويل ظاهر هذا الكلام يشبه غير الذي قالوا، وليس لنا أن ~~نجعله كما قالوا إلا بخبر عن النبي - صلى الله عليه -، أو بإجماع من أصحاب ~~التأويل على تفسيره، وذلك أن قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} يدل على العدد الكبير، ~~وأنتم تزعمون أنه عنى عليا وحده، وليس لأحد أن يجعل {الذين} لواحد إلا بخبر ~~يجمع عليه. فإن لم يقدر على ذلك فليس له أن يحول معنى الكلام عن ظاهر لفظه، ~~والذي عليه التعامل والتعارف. ولفظ الجميع معروف من لفظ المفرد. لأن ~~الرافضة تزعم أن سائلا دخل المسجد فسأل الناس وعلي راكع، فلم يعط شيئا، ~~فنزع علي خاتمه فأعطاه، فأنزل الله فيه: {إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ms072 الزكاة وهم راكعون}. وأنت إذا سمعت ~~بتأويل ابن عباس وتأويلهم علمت أن تأويلهم بعيد من لفظ التنزيل، قرب تأويل ~~ابن عباس منه. # ولو كان الأمر كما قالوا ما كان أحد أعلم به من ابن عباس ولا أشعر به ~~منه. # وأنتم تزعمون أن عليا كان أزهد من أن يحول عليه الحول وعنده مال راهن يجب ~~عليه فيه الزكاة. # ولو كان ذلك كذلك ما كان بلغ من قدر صنيع رجل في إعطاء درهم ودرهمين من ~~زكاته الواجبة ما إن يبلغ به إلى هذا القدر الذي ليس فوقه قدر، أو يكون كان ~~علي مشهورا بإعطاء الزكاة وهو يصلي. # PageV01P119 #
# ولو كان هذا هكذا لكان مشهورا مستفيضا. وكيف اتفق له ألا يزكي إلا وهو ~~يصلي؟ # وإن كان تطوع بإعطاء الخاتم على جهة الإيثار والمواساة فليس بمعروف في ~~الكلام أن يكون الرجل إن تصدق بالدرهم والدرهمين متنفلا ومتطوعا أنه معط ~~زكاة، لأن الزكاة عندنا ما وجب إخراجه وكان تطهيرا لسائر ماله، وسببا ~~للنماء والبقاء. إلا أن يحمل الكلام على الشاذ، وعلى أبعد المجاز. وليس ~~هكذا كلام الحكيم يريد أن يدل الأمة على إمامته، ويوجب عليهم طاعته. # ولا بد في هذه الآية من أحد ضربين: إما أن يكون لفظها يدل على ما قالوا ~~دون ما قال غيرهم، وإما أن تكون قد نزلت في قصة مشهورة لعلي كقصة الغار حين ~~كانت لأبي بكر. # فإن لم تجدوا إلى واحد من هذين سبيلا فلم يبق إلا أن تزعموا أن الرسول - ~~صلى الله عليه - قال للناس: إن هذه في علي فاعرفوا له حقه وفضيلته. ولو كان ~~ذلك كذلك ما اختلف فيه أصحاب التأويل، ولا قال فيه ابن عباس الذي قال. # قالت العثمانية: قد زعمت الروافض أن الله أنزل هذه الآية في علي فاعرفوا ~~له حقه وفضيلته. # ولو كان ذلك كذلك ما اختلف فيه أصحاب التأويل، ولا قال فيه ابن عباس الذي ~~قال. # قالت العثمانية: وقد زعمت الروافض أن الله أنزل فيه: {قل كفى # PageV01P120 #
# بالله شهيدا ms073 بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}. # ولا يجوز أن يقول: {ومن عنده علم الكتاب} وهو يعني عليا إلا وعلي قد كان ~~أشهر من هناك بعلم الكتاب. # وكيف يكون ذلك وقد توفي النبي - صلى الله عليه - وهو لم يجمع الكتاب بعد؟ ~~وقد زعم الشعبي أنه لم يجمعه إلى أن مات. # وكيف يكون من المشتهرين بعلم الكتاب وأنت إذا سألت أصحاب الأخبار ~~والتأويل عن أسماء أصحاب التأويل ذكروا ابن عباس ومن دون ابن عباس بطبقات ~~كالحسن البصري ومجاهد والضحاك وعكرمة، وفلان وفلان وفلان، ولا يذكرونه في ~~هذا الصنف، كما لا يذكرون فيه أبا بكر وعمر وعثمان، لأنهم لم يكونوا ~~بالمشتهرين بالتأويل وحفظ القرآن ومعرفة معانيه، لأن غير ذلك كان أغلب ~~عليهم منه، وقد أخذوا منه بنصيب. ولم يكونوا كمن تجرد لمعرفة التأويل حتى ~~غلب عليه كما غلب على زيد بن ثابت الفرائض، وكما غلب علم التأويل على ابن ~~عباس، وكما غلب كثرة الأسانيد وعدد الآثار على ابن عمر وجابر وعائشة، وكما ~~غلب على أبي وعلى عبد الله القراءات. # ولو كان للناس أن يقولوا في هذه الآية على الظن وما هو أشبه لكان أولى ~~الناس بها عبد الله بن عباس، لأنه كان أعلم الناس بالقرآن. ولو لم يكن ~~عرفنا فضله فيه بالذي ظهر منه، لعرفنا فضله وإن بطن وغاب عن العيان لقول ~~النبي - صلى الله عليه - فيه: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". فكيف ~~وقد ظهر من علمه بمعانيه وغريبه، وإعرابه وقصصه # PageV01P121 #
# ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، ومكيه ومدنيه، ما لم نجد ~~عند أحد شطره ولا قريبا منه. # وقالت العثمانية: إنه لا يعجز أحد أن يعمد إلى كل آية في القرآن فيدعي ~~أنها في أبي بكر وعمر كما ادعيتم ذلك في علي، وإنما الشفاء والبيان في صحة ~~الشهادة، وظهور الحجة. # وزعمت العثمانية أن من الدليل على فضيلة أبي بكر على علي أن النبي - صلى ~~الله عليه - سماه "الصديق" دونه، وليس بعد اسم النبي اسم أنبه من الصديق، ~~حتى كان ms074 لا يقال قال أبو بكر وفعل أبو بكر إلا والصديق متصل به، وحتى ربما ~~قالوا قال الصديق وفعل الصديق، استغناء عن اسمه وكنيته. # ولقد قال النبي - صلى الله عليه -: "الزبير حواري وابن عمتي، وطلحة ~~حواري" وقال: "عثمان ذو النورين" فلم يقل المسلمون: قال عثمان ذو النورين، ~~وقال الزبير الحواري، وقال ذو النورين، استغناء عن أسمائهما وكناهما. # فإن كان المسلمون أشاعوا اسم أبي بكر وتركوا أن يشيعوا اسم غير أبي بكر، ~~لفضل رأوه في أبي بكر، فهو الذي قلنا وادعينا. وإن كان ذلك منهم لشئ رأوه ~~في وجه رسول الله - صلى الله عليه - وفي صنيعه بأبي بكر، فلا شئ أدل على ~~الفضيلة والمباينة منه. # ولم يسمه النبي - صلى الله عليه - عليا باسم ينسبه به، لأن ذلك لو كان # PageV01P122 #
# لظهر كما ظهر اسم من ذكرنا. ولا سماه أحد من أصحاب رسول الله باسم بان به ~~كما سمى أصحاب رسول الله أبا بكر خليفة رسول الله. # ولأبي بكر اسمان يدلان على الفضيلة والمباينة: أحدهما لم يسم به قط إلا ~~نبي أو من يتلوه، والآخر لم يسم به أحد من الناس. # فأما الاسم الذي لم يسم به إلا نبي فقوله "الصديق" بإجماع من المسلمين ~~على هذا الاسم أنه لأبي بكر دون غيره. وأما الاسم الذي لم يسم به مؤمن قط ~~ولا بعده، فقول جميع الأمة: يا خليفة رسول الله. # فإن كان الذي نقل إلينا أنه [كان] يكتب في دهر النبي - صلى الله عليه -: ~~"من خليفة رسول الله" ويكتب إليه: "إلى خليفة رسول الله". وكما كان الحسن ~~يحلف بالله أن النبي - صلى الله عليه - هو تولى استخلافه، فلا منزلة أعظم ~~منها قدرا، ولا أرفع منها شأنا. # وإن كان المسلمون أجمعوا له على ذلك لخاصة رأوها فيه، فكفى به شرفا ~~وقدرا، ومزية وذكرا. # وإن زعم قوم أن الأسماء التي ارتضاها الرسول - صلى الله عليه - وحبا بها ~~أصحابه لا تدل على فضيلة ولا على خاصة كرامة، وجسروا على أن يقولوا إنه ليس ~~في قول ms075 النبي - صلى الله عليه - لحمزة إنه: "أسد الله وأسد رسوله" فضيلة، ~~وليس في قوله: "الزبير حواري" فضيلة - فليس عندنا في ذلك إلا مثل ما لهم في ~~صدور أهل القبلة من الإسقاط والإهانة. # فإن قالوا: إن اسم الصديق مولد موضوع محدث، أحدثته العثمانية والحشوية. # PageV01P123 #
# قيل لهم، فلعل قولهم: إن حمزة أسد الله وأسد رسوله، وإن جعفرا الطيار في ~~الجنة، وإن الزبير حواري رسول الله، مولد موضوع صنعته الشيعة، وأحدثه أتباع ~~الزبير يوم الجمل. لا فرق بين ذلك. # وكيف يكون اسم الصديق مولدا محدثا، وأكثر من تكلم به ليسوا بذوي نحلة ~~فيتقدروا له، ولا بذوي معرفة فيعرفوا فضله، ولا ذوي قرابة فيطلبوا السبق ~~به، مع الذي نجده في الأشعار الصحيحة القديمة، وليس بين الأشعار والأخبار ~~فرق إذا جاءت مجئ الحجج. # وإنما ذكرنا الأشعار مع الأخبار ليعرفوا ظهور أمره، ووجوه دلائله وقهر ~~أسبابه، وليكون آنس للقلوب، وأسكن للنفوس، وأقطع لشغب الخصم، ولجحد ~~المنازع. # فمما جاء من الأشعار في ذلك قول شريح بن هانئ الحارثي، وكان معمرا وكان ~~شيعيا، وهو يرتجز في بعض حروبه: # أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا * قد عشت بين المشركين أعصرا # ثمت أدركت الرسول المنذرا * وبعده صديقه وعمرا # PageV01P124 #
# ويوم مهران ويوم تسترا * وباجميراوات والمشقرا # والجمع من صفينهم والنهرا * هيهات ما أطول هذا عمرا # ألا ترى أن هذا شريح بن هانئ سمى أبا بكر صديقا على ما لم يزل يسمى به. # وقال العجاج بن رؤبة، وهو أعرابي ليس بذي نحلة ولا صاحب خصومة، وقد أدرك ~~الجاهلية: # عهد نبي ما عفا وما دثر * وعهد عثمان وعهدا من عمر # وعهد صديق رأى برا فبر * وعهد إخوان هم كانوا الوزر # وقال الحارث بن هشام بن المغيرة، حين بلغه وهو بمكة أن الأنصار قد كانوا ~~اجتمعوا وقالوا لقريش في سقيفة بني ساعدة: منا أمير ومنكم أمير: # • قبض النبي وبويع الصديق * # في قصيدة له طويلة، وهو التي يقول فيها: # • وأراد أمرا دونه العيوق * # وإنما أردنا منها المعنى. # وقال أبو محجن في ms076 ذلك: # سميت صديقا وكل مهاجر * سواك يسمى باسمه غير منكر # PageV01P125 #
# وقال طريف بن عدي بن حاتم: # أبيدوا قريشا بالسيوف ليظهروا * معاهد دين الله بعد محمد # وصديقه التالي المعين بماله * طوي البطن محمود الضريبة مذود # وأول من صلى وصاحب حنكه * أصاخ لقول الصادق المتطرد # وبعد قتيل الهرمزان، وباركت * يد الله في ذاك الأديم المقدد # أقاموا طغاة حائرين عن الهدى * وليس يقوم الدين إلا بمهتد # فلما تولوا طامن الحق جأشه * وثاب إليهم كل غاو مطرد # أما قوله: "وثاب إليهم كل غاو مطرد"، فإن الغاوي مروان ابن الحكم، ~~والمطرد أراد أباه الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله - صلى الله عليه -. # وقال حسان بن ثابت في ذلك أيضا، وهو يهجو بعض الشعراء: # لو كنت من هاشم أو من بني أسد * أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصيد # أو في الذؤابة من تيم وقعت بهم * أو من بني جمح الخضر الجلاعيد # أو من سرارة أقوام أولي حسب * لم تصبح اليوم نكسا مائل العود # PageV01P126 #
# لولا الرسول وروح القدس يحفظه * وأمر ربك حتم غير مردود # وأنني أحفظ الصديق مجتهدا * وطلحة بن عبيد الله ذا الجود # أتتكم خيلنا كاللوذ كالحة * تطوي السباسب بالشم المناجيد # من كل خيفانة طال اللجام بها * وكل مختطف الأقراب كالسيد # وقال طليحة الأسدي في ذلك: # ندمت على ما كان من قتل ثابت * وعكاشة الغنمي يا أم معبد # وأعظم من هذين عندي مصيبة * رجوعي عن الإسلام رأي المقيد # وتركي بلادي والخطوب كثيرة * طريدا وقدما كنت غير مطرد # فهل يقبل الصديق أني تائب * ومعط بما أحدثت من حدث يدي # وقال البارقي في ذلك أيضا: # بكر النعي بخير كندة كلها * بابن الأشج وخاله الصديق! # هؤلاء الذين ذكرنا: شريح بن هانئ والعجاج بن رؤبة والحارث بن هشام بن ~~المغيرة وطريف بن عدي بن حاتم وحسان بن ثابت وطليحة الأسدي، ومن أشبههم، ~~ليسوا بأصحاب خصومات ولا نظر في الفاضل والمفضول. # PageV01P127 #
# وإنما قدموه وسموه صديقا على ما لم يزل يسمى ms077 به. وهذا أكثر من أن نأتي ~~عليه في كتابنا ونستقصيه. # والعجب من الروافض حين ترى ما قال رشيد الهجري والسيد الحميري ومنصور ~~النمري حجة في أشعارها إذا كان ذلك القول في علي بن أبي طالب. وإذا قال ~~حسان بن ثابت والعجاج والحارث بن هشام وأشباههم ممن ذكرنا في القدم والقدر ~~في أبي بكر وعثمان وعمر وتقديمهم لم يكن حجة. # وفي قول عبد الله بن عباس لعائشة بعد الجمل في دار بني خلف الخزاعي حين ~~أرسله علي بن أبي طالب إليها: "لم تقولين إنه ليس في الأرض موضع أبغض إلي ~~من موضع أنتم به، ونحن جعلنا أباك صديقا وجعلناك أم المؤمنين" حجة في أن ~~تسميته بالصديق قد كان مستعملا في ذلك الدهر. # وإذا أحببت أن تعلم قدر هذا الاسم الذي سمى به النبي - صلى الله عليه - ~~أبا بكر فانظر في كتاب الله. قال الله جل ثناؤه: {واذكر في الكتاب إدريس ~~إنه كان صديقا نبيا. ورفعناه مكانا عليا} وقال: {واذكر في الكتاب إسماعيل ~~إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} فذكر صديقيته قبل أن يذكر نبوته. # PageV01P128 #
# وقال في كتابه: {ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسول وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون}. # ولكن انظر كيف نبين للروافض الحجج بالآيات والإجماع ثم انظر أنى يؤفكون، ~~أي يسخرون بهذه الفضيلة له على علي. # ثم الذي كان من تأمير النبي - صلى الله عليه - أبا بكر عليه حين ولاه ~~الموسم وبعثه أميرا على الحاج سنة تسع، وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من ~~سورة براءة. وكان أبو بكر الإمام وعلي المأموم، وكان أبو بكر الدافع ~~بالموسم، ولم يكن لعلي أن يندفع حتى يدفع أبو بكر. ولا يستطيع خلق من الناس ~~أن يزعم أن سنة تسع دفع بالناس غير أبو بكر، ولا يستطيع أحد أن يزعم أن سنة ~~تسع لم يبعث النبي - صلى الله عليه - بصدر سورة براءة مع علي بن أبي ms078 طالب ~~ليقرأه على الناس إذا فرغ أبو بكر. # فإن قال قائل: ألا ترى أنه كان لعلي بن أبي طالب في ذلك الموقف من الفضل ~~ما ليس له لخصلتين: إحداهما أن النبي - صلى الله عليه - بعث معه بصدر ~~براءة، وقال: "لا يبلغ عني إلا رجل مني". والأخرى فرط الاحتمال وشدة الخطار ~~الذي احتمله علي حين يقوم بالبراءة وقطع العهد وقد وافى الموسم من قبائل ~~العرب ومن الموتورين والناقمين والحنقين، العدد الذي لا يحصى، والقوة التي ~~لا تدفع، فشمر عن ساقيه وأبدى # PageV01P129 #
# صفحته، ففي هاتين الخصلتين دليل على أن له في ذلك ما ليس لأبي بكر، ~~والمحنة عليه أشد. # قيل له: إن كان الشأن في شدة الخطار والتغرير والتعرض على ما قلتم، فنصيب ~~أبي بكر في ذلك أوفر، والأمر عليه أخوف، وهو إليه أسرع، لأن أبا بكر كان هو ~~الأمير والوالي والمتبوع، وعلي هو المؤتم والرعية والسامع والمطيع. وبين ~~التابع والمتبوع والآمر والمأمور فرق. # وأما قولكم: إن النبي - صلى الله عليه - قال حين بعث بصدر سورة براءة مع ~~علي بن أبي طالب: "إنه لا يبلغ عني إلا رجل مني" فإنما قال هذا وليس بحضرته ~~أبو بكر ليكون علي قد قدم عليه، لأن النبي - صلى الله عليه - قد كان وجه ~~أبا بكر قبل ذلك، ثم بعث عليا بعده فلحقه في الطريق. # وقد زعم ناس من العثمانية أن النبي - صلى الله عليه - لم يقل ذلك لعلي ~~تفضيلا منه له على غيره في الدين، ولكن النبي - صلى الله عليه - عامل العرب ~~على مثل ما كان بعضهم يتعرفه من بعض، وكعادتهم في عقد الحلف وحل العقد، ~~فكان السيد منهم إذا عقد لقوم حلفا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العقد غيره، أو ~~رجل من رهطه دنيا كأخ أو ابن أو عم أو ابن عم. فلذلك قال النبي - صلى الله ~~عليه - ذلك القول. # ثم الذي كان من تفضيله عليه وعلى الناس جميعا أيام شكاته، حيث أمره أن ~~يؤم الناس ويقوم مقامه في صلاته وعلى ms079 منبره، حتى أن عائشة وحفصة أرادتا صرف ~~ذلك عنه لعلل سنذكرها في # PageV01P130 #
# موضعها إن شاء الله، فقال النبي - صلى الله عليه -: "إليكن عني صواحب ~~يوسف، أبى الله ورسوله إلا أن يصلي أبو بكر". # ولم يستطع أحد من الناس أن يقول إنه صلى بالناس في تلك الأيام غيره، ولا ~~استطاع أحد أن يقول إن المأمور بالصلاة كان غيره، حتى قالوا بأجمعهم: ~~اختاره رسول الله لديننا فاخترناه لدنيانا. وحتى قالوا: ولاه رسول الله ~~صلاتنا، وزكاتنا تبع لصلاتنا، وهما معظما أمر الدين. # ولا يستطيع أحد أن يقول: إنه لما تقدم أبو بكر بالناس ليصلي بهم والنبي - ~~صلى الله عليه - مسجى قال له رجل واحد: وما لك تصلي بنا على غير عهد ولا ~~سبب. ولا قال رجل من خلفه مثل ذلك، ولا قال رجل من الأنصار: منا مصل ومنكم ~~مصل، كما قالوا: منا أمير ومنكم أمير. # فإن كان الناس مع كثرة الخير والشر فيهم تركوا مجاراته ومدافعته في قيامه ~~في مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتبريزه كان عليهم عند أنفسهم، ~~فكفى بذلك دليلا على الفضل وحجة على الاستحقاق. # وإن كان رضاهم بذلك وتسليمهم للذي ثبت عندهم من أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه - وتقديمه إياه، فليس لأحد في ذلك متكلم، ولا لشاغب فيه متعلق، ولا ~~لواقف فيه عذر، والقوم جميع، ومصلاهم واحد، وتقدمه ظاهر. # PageV01P131 #
# ولم تكن صلاة واحدة فيكون خلسة. والقوم كانوا أشد تقديما لذلك المقام من ~~أن يدعوا رجلا لم يقهرهم بسيف، ولم يمتنع عليهم بعشيرة، ولم يفض فيهم ~~الأموال، وليس معه فضل بائن، ولا سبب من من قرابة، ولا أمر من النبي - صلى ~~الله عليه -. # فإن صاروا إلى الاعتلال بالأحاديث وذكر الآثار قالوا: إنما نحتاج إلى ~~المقابلة بين أفعال علي وأفعال غيره، لو كنا لا نجد له غير الأفعال. فإذا ~~كنا قد وجدنا له من غير الأفعال ما هو أدل على الفضيلة من الأفعال، لم يكن ~~لنا أن نتخطى الأفضل إلى الأنقص في دفع ms080 المتغلب وإقامة المستحق عند ظهوره ~~وزوال التقية فيه. لا أنهم قابلوا بين جميع المهاجرين في القرب والبعد، ولا ~~أنهم صنعوا العلم بفضله بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولكنهم قوم ~~قد كانوا من قبل ذلك بثلاث وعشرين سنة يرى بعضهم بعضا ويعرف بعضهم أمر بعض، ~~يغزون معا ويقيمون معا، ويسمعون من النبي - صلى الله عليه - القول بعد ~~القول، ويرون أحوال الرجال عند النبي - صلى الله عليه -، وفي المسلمين وفي ~~أنفسهم، فعلموا بذلك فضل أبي بكر. فلما توفي النبي لم يحتاجوا مع علمهم ~~الأول إلى أن يضعوا علما ثانيا. # ولو أن رجلا منا شاهد النبي - صلى الله عليه - وأصحابه سنة واحدة ما خفي ~~عليه من المقدم عنده وعند المسلمين، ومن أشبههم به هديا # PageV01P132 #
# وعملا، وطريقة وعزما. فما ظنك بالسلف الطيب، والخيار المنتخبين، وأس ~~الإسلام ومرسى قواعده. # وذلك أن أبا بكر لا يخلو حيث أسلم أن يكون أسلم قبل الناس، أو ثانيا، أو ~~ثالثا. فإن كان إسلامه قبل الناس فقد تبين للثاني تقدمه، وللثالث تقدمهما ~~عليه. فإذا كانوا ثلاثة لم يخف عليهم أيهم أفضل. ثم إن أسلم بعدهم نفر لم ~~يخف أيضا قصة الثلاثة المتقدمين. وكلما أسلم قوم لم يخف عليهم حال الأفضل ~~بالذي يرون عند من أسلم قبلهم. فكانوا كذلك ثلاثا وعشرين سنة. # فقد أيقنا أن القوم لم يؤتوا في تقديم أبي بكر من الجهل بموضع الفضل، ~~أطاعوا الله في إقامته أم عصوه. وكذلك لو كانوا قدموا غيره ما كانوا إلا ~~متعمدين. وذلك أن الأفعال إنما تدل على ظاهر عدالة الرجل وفضيلته، ولا تدل ~~على باطن طهارته وإخلاصه. # وقول الرسول - صلى الله عليه - في الرجل ومديحه له وإخباره عن فضله ~~ومنزلته، والوحي ينزل عليه صباح مساء، أدل على طهارته وإخلاصه. # وإذا كان العبد كذلك كانت النفوس إليه أسكن، وكان من التبذل أبعد، مع ~~السلامة من النفاق والدخل في الاعتقاد، لأن الغلط في خبر الرسول - صلى الله ~~عليه - ونصه وتبيينه وإقراره للرجل # PageV01P133 #
# بالفضيلة والاستحقاق، أقل ms081 من الغلط فيما بين أقدار الناس، من الموازنة ~~بين أفعالهم وعقولهم، وعلومهم وتجاربهم، وصلاح الناس عليهم، مع كثرة عدد ~~الأفعال المتساوية والمتقاربة، ومع كثرة عدد المتساوين والمتقاربين من ~~الرجال. # فمما يدل على تفضيل النبي - صلى الله عليه - له قوله يوم غدير خم، وهو ~~قابض على يده وقد أشخصه قائما لمن بحضرته: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم ~~عاد من عاداه ووال من والاه". وقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا ~~أنه لا نبي من بعدي". وقوله: "اللهم آتني بأحب الناس إليك يأكل معي من هذا ~~الطير" ثلاثا، كل ذلك يحجبه أنس، طمعا أن يكون أنصاريا، فأبى الله إلا أن ~~يجعله الآكل والآتي والأحب. ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه - حين آخى ~~بين أصحابه فقرن بين الأشكال، وقرد بين الأمثال، جعله أخا من بين جميع أمته ~~وعلية أصحابه. # قيل لهم: إن الأخبار لا بد فيها من التصادق كما لا بد في درك العقول من ~~التعارف، فإن في عدم التعارف في حجج العقول والتصادق في حجج السمع عدم ~~الإنصاف وبطلان الكلام. # وليس لكم أن ترفعوا خبرا له ضرب من الإسناد وتوجبون تصديق مثله. لأن كل ~~واحد من الخصمين لا يعجزه دفع المستفيض بلسانه، # PageV01P134 #
# فضلا عن دفع الشاذ، وإن كان ناقله عدلا في ظاهره، فإذا كان ناقله ذلك ~~كذلك فأولى الأمور بكم وبهم الصدق، وليس كل من أراد الصدق في مثل هذا قدر ~~عليه إلا بالتقدم في كثرة السماع واتساع الرواية. # وليس لأحد، وإن حسن عقله وصح فكره، أن يقول فيما لا يضاف علمه إلا من ~~طريق الخبر، حتى يكون صاحب خبر وطالب أثر، فإذا صح عقله وكثر سماعه خفت ~~مؤونته على نفسه وعلى خصمه. # أوما علمتم أن خصومكم، وهم أكثر منكم عددا، وأكثر فقيها ومحدثا، يروون أن ~~النبي - صلى الله عليه - قال: "ليس أحد أمن علينا بصحبته وذات يده من أبي ~~بكر، ولو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن ودا ~~وإخاء إيمان". ms082 فإن كان هذا الحديث كما نقلوا لم يجز أن يكون النبي - صلى ~~الله عليه - آخا أحد إلا أن يكون الأخ غير الخليل، ولا نعلم الخليل إلا أخص ~~منزلة وأقرب مودة. مع أن قوله: "ولكن" دليل على أنه قد كان آخاه. # وأعجب من هذا يروون أن النبي - صلى الله عليه - قال في شكاته وقبيل ~~وفاته: "إنه لم يكن نبي قبلي فيموت حتى يتخذ من أمته خليلا، وإن خليلي منكم ~~ابن أبي قحافة". # ويروون أن النبي - صلى الله عليه - قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر ~~وعمر". # PageV01P135 #
# وقد تعلمون أن إسناده عبد الملك، عن ربعي عن حذيفة، والآخر سلمة بن كهيل، ~~عن أبي الزعراء، عن عبد الله. # ويروون أن النبي - صلى الله عليه - نظر إلى أبي بكر وعمر مقبلين، فقال: ~~"هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا الأنبياء والمرسلين، ~~يا علي لا تخبرهما". # فزعموا جميعا أن عليا قال: ولو كانا حيين ما حدثتكم. # ويروون جميعا أن عليا قام في الناس خطيبا فقال: "ألا إن خير هذه الأمة ~~بعد نبيها أبو بكر، والثاني عمر، ولو شئت أن أخبركم بالثالث فعلت" فكنى عن ~~ذكر عثمان. # ويروون أن النبي - صلى الله عليه - لما أسس مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، ~~ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر ~~فوضعه، فسئل النبي - صلى الله عليه - عن ذلك فقال: "هؤلاء أمراء الخلافة من ~~بعدي". # وقالوا: لما قدم المدينة رسول الله - صلى الله عليه - خط لأهل قباء ~~مسجدهم بعنزة فوضع النبي - صلى الله عليه - حجرا، ثم قال: يا أبا بكر ضع # PageV01P136 #
# حجرا إلى جنب حجري، ثم قال: يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب عمر، ثم التفت ~~إلى سائر الناس فقال: وضع رجل حجره حيث أحب. # ويروون أن النبي - صلى الله عليه - قال يوم الحديبية: "مثل أبي بكر في ~~الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثله في الأنبياء مثل إبراهيم، ومثل ~~عمر في الملائكة مثل ms083 جبريل ينزل بالسخط، وفي الأنبياء مثل موسى" والحديث ~~طويل ولكني اختصرته. # ويروى أن النبي - صلى الله عليه - وضع في كفة الميزان والأمة في الكفة ~~الأخرى، فرجح بهم. ثم أخرج النبي - صلى الله عليه - ووضع أبو بكر مكانه ~~فرجح بالأمة، ثم أخرج أبو بكر ووضع عمر مكانه فرجح بالأمة، ثم أخرج فرفع ~~الميزان. # وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه - قال: "أيها الناس، إن الله بعثني ~~إليكم جميعا فقلتم: كذبت، وقال لي صاحبي: صدقت، فهل أنتم تاركي وصاحبي؟ ". # ومما يؤكد هذا قول النبي - صلى الله عليه -: "ما دعوت أحدا إلى الإسلام ~~إلا وقد كان له تردد وكبوة، إلا ما كان من أبي بكر فإنه لم يتلعثم". # وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه - قال: "إن أبا بكر لم يسؤني قط، ~~فاعرفوا ذلك له" في كلام طويل. # فإن كان ما رويتم في فضيلة علي حقا، وما رووا في فضيلة أبي بكر حقا، فأبو ~~بكر خير من علي، وعلي خير من أبي بكر. وهذا هو # PageV01P137 #
# التناقض، والحق لا يتناقض. وفي هذا دليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يتكلم بذلك ولا قاله، لأن الخبر إذا خرج مخرج العام في تفضيل أبي بكر، ~~وكذلك في تفضيل علي، فليس له وجه إلا ما قلنا، إلا أن يكون النبي - صلى ~~الله عليه - قد قال أحد القولين وصحت به الشهادة، ولم يقل الآخر، وإنما ~~ولدته الرجال وصنعته حملة السير. ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إذا كان ~~الإسناد متساويا، وعند الرجال متقاربا. وليس في هذه الأحاديث كلها حديث ~~يضطر خصمه إلى معرفة صحته، أو يكون النبي - صلى الله عليه - قد تكلم بكثير ~~من هاتين الروايتين وكان معناه وقصده فيها معروفا عند من كان بحضرته، حتى ~~كان الجميع يعرفون خاصه من عامه. ولكن الناقلين احتملوها عن السلف مجردة ~~بغير تأويل معانيها، فأدوها على اللفظ العام، فصار السامع يتناقض عنده إذا ~~قابل بعضها ببعض، لجهله بأصول مخارجها، وكيف كان موقعها. # والذي فسرت لك مثل تعرف به سمت ms084 الحجة وقصد السبيل. # وهو كما نقلوا أن النبي - صلى الله عليه - قال: "ما أقلت الغبراء ولا ~~أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر" ولم يكن بالنبي - صلى الله عليه ~~- إلى استثناء نفسه حاجة، لمعرفته باستغناء الناس عن ذلك. # وقد عرفنا بوجه آخر أن حديث أبي ذر كان مخرجه مخرج العام وأنه خاص وإن لم ~~تكن خصوصيته موجودة في لفظ الحديث، لأنك إذا سألت الشيع فقلت: أي الرجلين ~~كان أصدق عند النبي - صلى الله عليه -: # PageV01P138 #
# أبو ذر أو علي؟ قالوا بأجمعهم: علي. وإنما ترك النبي - صلى الله عليه - ~~لعلمه بمعرفة المسلم بذلك من رأيه. # وكذلك لو سألت العثمانية فقلت: أي الرجلين كان أصدق عند النبي - صلى الله ~~عليه -: أبو بكر أو أبو ذر؟ قالوا: أبو بكر، كقول الشيع في علي. # فقد أجمع الصنفان جميعا أن غير أبي ذر أصدق من أبي ذر. # ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه -: "منا خير فارس في العرب"، قالوا: ~~من هو؟ قال: عكاشة بن محصن. # وليس بين الأمة تنازع أن زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب الطيار والزبير ~~خير من عكاشة. # ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه -: "يأتيكم خير ذي يمن، [عليه] مسحة ~~ملك". فأتاهم جرير بن عبد الله. # فلو كان هذ اللفظ العام عاما في معناه، ولم يكن النبي - صلى الله عليه - ~~اتكل فيه على معرفة القوم، فترك لذلك الاستثناء والتفسير، لكان واجبا أن ~~يكون جرير خيرا من سعد بن معاذ، ومن حمي الدبر، # PageV01P139 #
# ومن غسيل الملائكة، ومكلم الذئب. وهذا ما لا يقوله مسلم. # ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه - لأبي سفيان بن الحارث: "أبو سفيان ~~خير أهلي" وقد علمنا أن حمزة والعباس وعليا وجعفرا خير من أبي سفيان. # ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه -: "خير أهل الله عمر بن الخطاب" وقد ~~أجمع المسلمون أن غيره خير منه، لأن الناس إما عمري وإما علوي، فالعلوي ~~يقدم عليا، والعمري يقدم أبا بكر. # والجملة ms085 أنه لم يقل أحد قط: إن عمر خير الناس. فهذا باب قد فرغت [منه]، ~~تعرف به أن النبي - صلى الله عليه - قد يتكلم بالكلام المعروف المعنى عند ~~من حضره، فإذا نقلوا الكلام وتركوا المعنى التبس على العابرين وجه المعنى ~~فيه. # فمن ذلك ما يعرف، كالذي حكينا من حديث أبي ذر وعكاشة بن محصن وجرير، ومنه ~~ما يجهل كحديث علي وأبي بكر. # وقد نقلوا عن النبي - صلى الله عليه - في رجال كلاما وتفضيلا ما نقل مثله ~~في أبي بكر وعلي اللذين فيهما التنازع. # PageV01P140 #
# من ذلك أنهم نقلوا عن النبي - صلى الله عليه - أنه قال: "كم من ذي طمرين ~~لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك". وهذا كلام عظيم ~~إن كان حقا، وليس عندنا فيه إلا أن نرده إلى الله ورسوله. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في رجال كلاما لو كان قاله في أبي ~~بكر وعلي لكان أصحابهما سيجعلونه في أول ما يحتجون به في الإمامة والتفضيل ~~مثل قول النبي - صلى الله عليه -: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، ~~وكرهت لها ما كره". # ومن ذلك قوله: "لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة". # وقوله في طلحة يوم أحد، حين واتاه السهم فوقى النبي - صلى الله عليه - ~~فقال حين أصابه السهم: حس! فقال النبي - صلى الله عليه -: "لو قال باسم ~~الله لرفعته الملائكة". # ومن ذلك دخول عثمان عليه وهو مكشوف الفخذ، فغطاها، فقيل له: يا رسول ~~الله، لم تغطها من أبي بكر وعمر وغطيتها عند دخول عثمان. فقال: "كيف لا ~~أستحي ممن تستحي منه الملائكة". # وقال: "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ". # PageV01P141 #
# فهذا أيضا باب يعرف به أن الرجل ليس يستحق التقديم بالرواية والحديث، إذ ~~كان هؤلاء دون أبي بكر وعلي في الفضل، وقد جاء فيهم ما لم يجئ فيهما. # ولقد رووا في رجل لم يهاجر، ولم يصحب، ولم يشهد المشاهد، ولم ينفق، ولم ~~يتعرض، ولم يدع ms086 إلى الله ورسوله، إلا أنهم زعموا أنه كان يطلب الحنيفية قبل ~~مبعث النبي - صلى الله عليه -، وهو زيد بن عمرو بن نفيل، فزعموا أن النبي ~~قال: "يبعث يوم القيامة أمة وحده". # وأي شئ أدل على كل فضيلة من قول النبي - صلى الله عليه - لعمار: "لا ~~تؤذوا عمارا فإنما عمار جلدة ما بين عيني". # ما أعطت الرافضة الطاعة أبدا، ولا رضوا من الناس بالأنصاف! # وقد علمنا أن حمزة وجعفرا وعليا كانوا أفضل من سعد بن معاذ، ولم يهتز ~~لموتهم عرش الرحمن، وقتلوا شهداء، ولم تحم لحومهم الدبر، ولا غسلتها ~~الملائكة. # فالله أعلم بمعاني هذه الأحاديث. ولعل النبي - صلى الله عليه - قال في كل ~~رجل قولا عدلا. وكان ذلك قولا معروفا مفهوما عند الحاضر، ولكنه أدى اللفظ ~~وترك المعنى. # فإذا كانت الأحاديث في أسلافنا وأئمتنا على ما حكيت لك لا تمنع من معرفة ~~وتدافع ما وصل إلينا منه، كان واجبا أن يكون المفزع في أمرهم إلى الخبر ~~الذي يجئ مجئ الحجة، وترك ما سوى ذلك مما لا يبرئ من # PageV01P142 #
# سقم ولا يبرد من حيرة. وإنما الخبر الصحيح الذي لا يعتمد بضعف الإسناد، ~~ولا يترك لضعف الأصل، ولا يوقف فيه لكثرة المعارض والمناوئ، كنحو ما روينا ~~من مآثرهم في مقاماتهم ومشاهدهم، وكصنيع على ومؤازرته ببدر، وككون أبي بكر ~~في العريش. وهذا ما لا يتدافع ولا يتناقض، لأن قتل على الأقران ببدر ليس ~~بناقض لكون أبي بكر في العريش، ولأن موقف على بأحد لا يدفع كون أبي بكر في ~~الغار، ولأن صنيع على بخيبر لا يدفع إنفاق أبي بكر الأموال، وعتقه الرقاب. # فهذا وما أشبهه مما لا تجد له رادا ودافعا، وليس هذا من شكل ما قالوا: أن ~~النبي - صلى الله عليه - قال: "اقتدوا بالذين من بعدي بأبي بكر وعمر" ~~ونقلهم أن النبي - صلى الله عليه - قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى". وكما نقلوا أن النبي - صلى الله عليه - آخى بين نفسه وبين علي، وأن ~~النبي قال: "لو كنت ms087 متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" في أشباه لهذا قد ~~حكيت لك في صدر الكتاب، لتعرف مجرى الكلام في السلف. # فإن قالوا: فلعل النبي قال: "اقتدوا بالذين من بعدي" وقد كان معلوما في ~~[ذلك] الوقت أن عليا كان مستثنى في هذا القول. # قيل لهم: ولعله قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" [و] قد كان معلوما في ذلك ~~الوقت أن أبا بكر كان مستثنى. # PageV01P143 #
# فإن قالوا: الفرق في ذلك أنكم لا تنكرون روايتنا في علي، ونحن ننكر ~~روايتكم في أبي بكر. # قيل لهم: إن العجز كل العجز أن تعيد على خصمك بشئ لا يعجزه. فإن أبوا إلا ~~جحد الأخبار وتكذيب الآثار والإيجاب على الناس ما لا يوجبون لهم مثله فإن ~~الذين نقلوا أن النبي - صلى الله عليه - قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" لم ~~ينقلوا معه في الحديث: "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". # وإنما سمعنا هذه الزيادة من الشيع، ولم نجد له أصلا في الحديث المحمول. # روى الأعمش - وكان رافضيا - عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة عن أبيه قال: ~~بعث النبي - صلى الله عليه - عليا في سرية واستعمله عليهم، فلما جاء قال: ~~كيف رأيتم صاحبكم؟ قال: فإما شكوته وإما شكاه غيري، وكنت رجلا مكبابا، ~~فرفعت رأسي فإذا النبي - صلى الله عليه - قد احمر وجهه وهو يقول: "من كنت ~~وليه فعلي وليه". # فواحدة أن الذي روى هذا الأعمش، وهو ظنين في علي مضعف عند أهل الحجاز. ~~وسعد بن عبيدة ليس هناك. # وثانية أنه لم يقل من كنت مولاه، وقال: "من كنت وليه" # PageV01P144 #
# فإذا اختلفت الألفاظ دل ذلك على الوهن. ولم يقل: "اللهم عاد من عاداه ~~ووال من والاه". ونحن نشهد أن من كان النبي - صلى الله عليه - وليه فسعد بن ~~معاذ وليه. وعلى أنهم قد رووا في شكاية أقوام في تلك الغزاة لعلي كلاما ~~قبيحا. # ووجه آخر مما يدل في هذا الحديث على الاختلاف والوهن: أنهم نقلوا أن هذا ~~القول في علي كان ms088 أن عليا جارى زيد بن حارثة في بعض الأمر، ولاحاه فيه، ~~لأنه أغلظ له فرد عليه زيد مثل مقالته، فقال له علي: تقول هذا القول ~~لمولاك؟ فقال زيد: إنما ولائي لرسول الله - صلى الله عليه -، ولست لي ~~بمولى. فأتى على النبي - صلى الله عليه -، فشكا إليه زيدا، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من كنت مولاه فعلي مولاه". وصدق النبي - صلى الله ~~عليه - أن عليا مولى زيد، إذ كان النبي - صلى الله عليه - مولاه، وكذلك ~~العباس والفضل وعبد الله وقثم وتمام ومعبد. # وإذا كانوا هؤلاء موالي زيد لأن النبي - صلى الله عليه - مولاه، فلعلم ~~النبي - صلى الله عليه - من ذلك ما ليس لهم جميعا فإنما أراد النبي - صلى ~~الله عليه - أن يعلم زيدا غلطه في ذلك القول، حين ظن أن ابن عم النبي - صلى ~~الله عليه - ليس مولاه. # فإذا كان أمر على وزيد مشهورا عند أصحاب الآثار، فإنما عنى # PageV01P145 #
# مولى النعمة، وليس في هذا إخبار عن فضل على في الدين. # ولو كان النبي - صلى الله عليه - قال كما زعمت الروافض: "اللهم عاد من ~~عاداه ووال من والاه" كان هذا القول يدل على أن زيدا قد أتى جرما عظيما، ~~فلم يكن ليتخطى دعاء النبي - صلى الله عليه - على من عادى عليا إلى غيره ~~إلا بعد وقوعه به. لأن زيدا هو المشتكى، ومن أجل صنيعه خرج النبي - صلى ~~الله عليه - إلى مثل هذا القول الشديد، وهذا الدعاء القاصم، ومن قوله ~~ومذهبه غضب عليه، وعليه نص وإياه عنى. # وإنما يقول هذا ويجوزه من لا علم له بقدر زيد عند النبي - صلى الله عليه ~~-. أوما علمت أن زيدا أحد من روى الناس عنه ونقلوا أنه كان أقدم الناس ~~إسلاما. وقد دللنا على فضيلة إسلامه على إسلام علي في صدر كتابنا، في كلام ~~العثمانية. # وقد بلغ من قدره عند النبي - صلى الله عليه - وتفضيله إياه أنه لم يكن في ~~سرية قط إلا كان أميرها، ولا أقام ببلاد إلا وهو أميرها. # ويدلك على ms089 ذلك أن النبي - صلى الله عليه - أمره على جعفر الطيار، وعقد له ~~يوم مؤنة، ثم عقد لابنه أسامة على كبار المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن ~~الخطاب وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص. حتى قال رجال ~~من المهاجرين - وكان أشدهم في ذلك عياش بن أبي ربيعة -: يولي علينا هذا ~~الغلام! فغضب عمر ورد # PageV01P146 #
# عليهم، ثم أتى النبي - صلى الله عليه - فقال: ألا أعجبك يا رسول الله من ~~رجال يقولون كذا وكذا؟ فمشى النبي - صلى الله عليه - إلى المنبر في شكاته ~~التي توفي فيها فقال: # ما مقالة بلغتني عن بعضكم في أسامة وتأميره، ولئن طعنتم في إمارته لقد ~~طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن ابنه لخليق ~~لها، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وابنه لمن أحب الناس إلي. # فهو الحب وأبو الحب، وهكذا يقال بالمدينة: أسامة الحب. # ولذلك قال عمر لابنه عبد الله حين زاد في فريضة أسامة على فريضته، فقال ~~له عبد الله: لم فضلته علي ونحن سيان؟ فقال عمر: إن أباه كان أحب إلى النبي ~~- صلى الله عليه - من أبيك، وكان هو أحب إلى النبي - صلى الله عليه - منك. # وقالت عائشة عند وفاة النبي - صلى الله عليه -: لو كان زيد حيا لاستخلفه ~~النبي - صلى الله عليه - عليكم. # هذا وأبوها الخليفة والمجعول إليه الإمامة. # ومما يدلك على فضيلة أبي بكر ومكانته وخاصته من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وعظم شأنه عنده، أن النبي - صلى الله عليه -[لما] آخى بين المهاجرين ~~والأنصار آخى بينه وبين حمزة، وإليه أوصى حمزة يوم أحد. وقد تعلمون أن حمزة ~~استشهد وهو أجل الناس في صدور المؤمنين، وأعظم في أنفس المهاجرين. وإن امرأ ~~يكون كفئا لحمزة في الإخاء، وحمزة على ما وصفنا، لعظيم الشأن، رفيع المكان. # PageV01P147 #
# ولو لم يعرف من قدره إلا أن ذكره الله باسمه في كتابه، كما ذكر لقمان، ~~ولم يفعل هذا لغيره من هذه الأمة، لقد كان ذلك ms090 دليلا على المنزلة والقربة، ~~فكيف يجوز أن يكون في الحديث: "اللهم عاد من عاداه ووال من والاه" وحال زيد ~~وصفته على ما ذكرنا وفسرنا؟ مع أن اللفظ في الحديث لو كان: "اللهم عاد من ~~عاداه ووال من والاه"، لم يكن فيه دلالة تضطر إلى إمامته، وحجة تقهر العقول ~~وتحملها على معرفة خاصته، ولكنه لفظ يدل على الفضل والقدر، وليس بالتفضيل ~~الذي لا بعده، والتقديم الذي لا فوقه. # وإنما الكلام الذي لا بعده قول النبي - صلى الله عليه -: "ما أحد أمن ~~علينا بصحبته من أبي بكر" وقوله: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا" وقوله: "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا ~~النبيين والمرسلين". # فإذا كان هذا الحديث مختلفا في أصله وفي صحة مخرجه، ومختلفا في تأويله ~~وفرعه، والحجة في أصله متدافعة، والحجة في فرعه متكافئة، فكيف يكون جحد على ~~إمامته واستحقاقه وفضيلته على نظرائه. # ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله وصحة مخرجه، ثم كان لفظه محتملا ~~لضروب التأويل، ما كان للروافض فيه حجة تقطع الخصم وتظهر المباينة. # ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله وصحة مخرجه وكان لا يحتمل من التأويل ~~إلا معنى واحدا، ما اختلفت في تأويله العلماء، ولا اضطربت فيه الفقهاء، ~~ولكان ذلك ظاهرا لكل من صح لبه، وحسن بيانه، # PageV01P148 #
# ولا سيما إذا كان الحديث ليس مفصحا عن نفسه، ومعربا عن تأويله، إلا عن ~~قصد الرسول وإرادته، لأن يكفيهم مؤونة الرواية والأسباب المشككة. فينبغي ~~على هذا القياس أن يكون علماء العثمانية وفقهاء المرجئة تعرف من ذلك ما ~~تعرف الروافض، ولكنها تجحد ما تعرف وتنكر ما تعلم. # ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله ولكنه غامض التأويل، وعويص المعنى، ~~لا يكاد يدركه إلا الراسخ في العلم، البارع في حسن الاستخراج، كان العذر في ~~جهل إمامته وفضيلته على غيره واسعا مبسوطا لأكثر المسلمين، وجل الناقلين، ~~ولكبراء المتكلمين. # وإنما صارت الروافض إلى إكفار الأنصار والمهاجرين بزعمهم أن النبي - صلى ~~الله عليه - نص ms091 على إمامته، ودل على فضيلته، فإنه لا بد للناس في كل عصر من ~~إمام من ولده، لأن ذلك الموضع إذا كان مقنعا ومعلما كان أخف على الناس في ~~المحنة، وأبعد من الخطأ والزلل، ولأن اختيار الله لهم لأنفسهم، لأنه لو كان ~~ذلك لا يكون إلا بالنظر دون النص لم يصلوا إلى إقامته، لكثرة عدد الناس، ~~ولكثرة عدد الفضل، ولما في ذلك من الاشكال عند الموازنة، والشغل عن العدو. # فإذا كان السبب في الإمامة هو الذي قالوا: فلا بد من حديث لا يحتمل ~~التأويل، ولا يمنع من معرفة صحة أصله وصدق مخرجه. # فإن قالوا: فإنا سنأتيكم بمثل اللفظ الذي أتيتمونا به حتى لا يكون لفظ ~~أدل على الغاية منه. من ذلك قول النبي - صلى الله عليه - عند طائر # PageV01P149 #
# أتي به فأراد أكله فأحب أن يشركه في أكله أحب الناس إلى الله فقال: ~~"اللهم آتني بأحب عبادك إليك يأكل معي هذا الطائر" ثم قال لأنس: اخرج فانظر ~~من ترى بالباب؟ فخرج فوجد عليا فلم يأذن له، ولم يعلم النبي - صلى الله ~~عليه - مكانه طمعا أن يكون أنصاريا، ففعل النبي - صلى الله عليه - ذلك ~~ثلاثا، كل ذلك يحجبه أنس، ثم أدخله، فلما طلع قال: "اللهم وال". # قيل لهم: أما واحدة فإن هذا الحديث ساقط عند أهل الحديث، ولو كان صحيحا ~~عندهم فلم يجئ إلا من قبل أنس فقط، وأنس وحده ليس بحجة، فلم يكن في ذلك ~~مقال ولا متكلم. # وثانية: إن أولى الناس ألا يحتج بخبر أنس لأنتم معشر الشيع، لأن أنسا ~~عندكم كافر كذاب. # ولقد بلغ من سوء قولكم فيه أنكم زعمتم أنه كذب على علي، كذبه وبهته بأمر، ~~فدعا الله عليه ثم بصق في وجهه فبرص من قرنه إلى قدمه. وأنتم تكفرونه بعمله ~~للحجاج، وتزعمون أنه ليس في الأرض أكفر بالله ولا أجحد لإمامة علي ولا أنقض ~~لأمره ولا أقتل لشيعته من الحجاج ولا من ولاه، وأن من ولي لهما في طريقهما ~~وحكمهما. # وأخرى أنه إن كان هذا ms092 الحديث كما تقولون وقد صدقتم على أنس، فقد زعم أنس ~~بزعمكم أنه كذب النبي - صلى الله عليه - في موقف واحد ثلاث مرات، وقد أمسك ~~النبي - صلى الله عليه - عن الطعام وهو يشتهيه، # PageV01P150 #
# فأحب لشهوته له أن يشركه فيه أشبه الناس به، فدعا ربه، وأنه إذ دعا ربه ~~ثلاث مرار كل ذلك يستجيب له، وكل ذلك يراه أنس ويكذب له ويصده عن حاجته، ~~ويمنعه سرعة الاستجابة، وتعجيل قضاء الحاجة، وتسويغه أكل المشتهى من طعامه. ~~كلما دعا دعوة: قال اخرج يا أنس فانظر من بالباب، ثقة منه بربه، واتكالا ~~على الذي عنده له، ويرجع وقد كتمه وحجبه عنه، ومنعه سرور تعجيل الدعاء وأكل ~~شهي الغذاء. # فإن كان أنس كما تقولون فقد ركب أمرا عظيما، وذهب مذهبا قبيحا. وكيف يصدق ~~على النبي - صلى الله عليه - من خلقه بهذا وكذبه في وجهه ثم لا تمنعه ~~الأولى من الثانية، والثانية من الثالثة. هذا والوحي ينزل بأسرع من الطرف ~~بلعن قوم ومدح آخرين. # وإن امرأ احتملت نفسه وشاع في طبعه أن يواجه النبي - صلى الله عليه - ~~بالكذب ثلاث مرات في أحب الناس وأوجبهم حقا عليه، لحري ألا يصدق عليه في ~~معظم أمر الدين، مع أن الحديث نفسه هو أضعف حديث عند أصحاب الأثر من أن ~~يحوجنا إلى الإطناب فيه والإخبار عنه. # ومتى ادعينا ضعف حديث وفساده فاتهمتم رأينا وخفتم ميلنا أو غلطنا، ~~فاعترضوا حمال الحديث وأصحاب الأثر، فإن عندهم الشفاء فيما تنازعنا فيه، ~~والعلم بما التبس علينا منه. # PageV01P151 #
# ولقد أنصف كل الإنصاف من دعاكم إلى المقنع مع قرب داره وقلة جوره. وأصحاب ~~الأثر من شأنهم رواية كل ما صح عندهم، عليهم كان أولهم، مع أن هذا الأمر ~~ليس يعرف من قبل الحديث، وإنما يعرف من الوجه الذي به يقضي على جميع الدين. # وإنما احتججنا عليكم في أنس بالذي سمعتم، لأنا وجدناكم تكفرونه حتى إذا ~~جرى سبب يؤكد ما تقولون جعلتم كفره إيمانا، وكذبه تصديقا، وعداوته ولاية. ~~ثم لم ترضوا بأن ms093 ألحقتموه بالأولياء وأخرجتموه من حدود الأعداء، حتى أقمتم ~~خبره وحده مقام خبر من يكذب آيا به، أو مقام خبر يمتنع الكذب في مجيئه ~~لاختلاف علل أهله. # فأما نحن فإنا نرى أنه رجل عظيم الحرمة واجب الحق، إذ كان قد خدم النبي - ~~صلى الله عليه - صغيرا واعتصم به كبيرا، وكان من رهط صدق. # وأما ما حكيتم من ولايته للحجاج فقد ولي للحجاج وصلى خلفه من كان يرى ~~إكفاره فضلا عن من يرى تفسيقه، وفي البراءة منه وفي التقية سعة، وفي الخوف ~~عذر. # فأما الذي حكيتم من البياض الذي أصابه فإن المؤمن بعرض مصائب ما كان في ~~دار الدنيا. وما كان الذي أصابه في جنب الذي كان فيه أيوب النبي - صلى الله ~~عليه -؟ وقد كان شعيب مكفوفا! # ولو كان على كما يقولون فأراد أنه كان إذا بصق على إنسان فأراد # PageV01P152 #
# أن يبرص برص، لما كان بينه وبين عيسى بن مريم - صلى الله عليه - فرق. # والعجب إن كان كما تزعمون، كيف لم يبصق على أبي موسى فيجذمه، أو على جيش ~~صفين فيهزمه؟ بل كان علي أظهر سلما وأرجح حلما وأشد ورعا وأكثر فقها وأبين ~~فضلا من أن يدعي هذا وشبهه. # وليس يمدح عليا بما لا يليق به إلا هازل أو جاهل. # وأما قولكم إن النبي - صلى الله عليه - قال: "أنت مني كهارون من موسى إلا ~~أنه لا نبي بعدي" وأن النبي - صلى الله عليه - أراد بهذا أن يعلم الناس أن ~~عليا وصيه وخليفته، فإنا سنقول في ذلك، وبالله وحده نستعين. # نقول: إن خلافة الرجل لا تكون إلا في إحدى منزلتين: إما في حياة المستخلف ~~وإما بعد موته. ولم يقل أحد إن النبي - صلى الله عليه - استخلف عليا في ~~غزوة من غزواته، في كثرة ما غزا وكثرة ما ولى. # قالوا بأجمعهم: إن النبي - صلى الله عليه - خلفه في غزوة تبوك، واستخلف ~~على المدينة محمد بن مسلمة، وقال قوم: المستخلف ابن أم مكتوم. وهم إن ~~اختلفوا فلم يختلفوا أن عليا كان مقيما ms094 بالمدينة والأمير غيره، والإمام ~~سواه. # PageV01P153 #
# ولولا أن خلفاء النبي - صلى الله عليه - في غزواته يصاب عليهم بكل مكان، ~~وفي كل سيرة، لقد كتبته لك في كتابي الذي رددت فيه على من صغر قدر الإمامة ~~وزعم أنها غير واجبة، وأنها تصلح في العدد الكثير. وأما غير ذلك من كتبي ~~فلم أنتحل فيه قولي، وجعلت الكتاب هو الذي عبر عن نفسه، وقمت مقام جميع ~~الخصوم، وجعلت نفسي عدلا بينهم. ولو لم أكن على ثقة من ظهور الحق على ~~الباطل لم أستحل كتمانه مع زوال التقية، وصلاح الدهر، وإنصاف القيم. # ثم رجعنا إلى كلامنا الأول فقلنا: لا بد لخلافة الرجل من إحدى منزلتين: ~~إما في الحياة أو بعد الموت: فأما في الحياة فلا يستطيع أحد أن يقول: إن ~~النبي - صلى الله عليه - استخلف عليا في حياته. وليس يضع ذلك من علي، لأن ~~أبا بكر وعمر الذين هما عندنا أولى بالأمر منه لم يستخلفهما النبي - صلى ~~الله عليه - قط في حياته. أو تكون الخلافة بعد الموت، فلا يجوز أيضا أن ~~يكون النبي - صلى الله عليه - عنى بقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ~~الخلافة لعلي بعده، والذي قد علم أن هارون قد مات قبل موسى: لأن هارون ~~وموسى وأمهما ماتوا جميعا في شهر واحد، وكان موسى - صلى الله عليه - آخرهم ~~موتا. ولذلك قالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلت هارون. # فإن قالوا: ومن يقول: إن هارون مات قبل موسى؟ # قيل لهم: إن شئتم فاعترضوا أصحاب التفسير والسيرة، والتمسوا علم # PageV01P154 #
# ذلك من قبل أصحاب ابن عباس، وإن شئتم فأهل الكتاب يهودهم ونصاراهم الذين ~~ليس لهم في ذلك دفع مضرة ولا اجتلاب منفعة، ولو آثروا أن يجحدوا ما عرفوا، ~~وأن يطبقوا على إنكار ما علموا، وكان ذلك ممكنا في القدرة، سائغا جائزا، ~~لجحدوا أن بني إسرائيل أخذت موسى بقتل هارون تعنتا وبغيا، أو غلطا أو جهلا. # وهذا مشهور عند أهل الكتاب وأهل التفسير. # وليس أحد أحق بأن يصيب في الأمثال إذا ms095 ضربها، ولا أولى بحسن التشبيه إذا ~~شبه، من خيرة الله وصفوته من رسله، فكيف يجوز أن يقول النبي - صلى الله ~~عليه - لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" وهو يريد الخلافة، وهارون لم ~~يكن من موسى خليفة من بعد موته، ولم يكن على خليفة النبي - صلى الله عليه - ~~في حياته. ففي أي المنزلتين وعلى أية الحالين يكون على خليفة إذ لم يكن ~~استخلفه النبي أيام حياته. بل كيف يجعله من نفسه بمنزلة هارون من موسى وهو ~~يريد الخلافة من بعده، وهارون لم يكن خليفة موسى بعده. # ولا بد للحديث مع سوء تأويلكم واضطراب حجتكم من ضربين: # إما أن يكون باطلا لم يتكلم به النبي - صلى الله عليه -. وإما أن يكون ~~حقا ومعناه غير ما قلتم. وتفسيره غير ما ادعيتم. # ولو أن النبي - صلى الله عليه - أراد أن يجعل عليا خليفة من بعده إذ لم ~~يكن جعله خليفة أيام حياته، لقال: "أنت مني بمنزلة يوشع بن نون # PageV01P155 #
# إلا أنه لا نبي بعدي" لأن يوشع كان خليفة موسى في بني إسرائيل بعده، وكان ~~نبيا قبل موت موسى وبعده. # فإن قالوا: إن النبي - صلى الله عليه - لم يقصد إلى الخلافة ولم يرد ~~الإمامة، ولكنه عنى الوزارة. # قلنا: إن وزارة هارون من موسى لا بد فيها من أحد أمرين: # إما أن يكون موسى هو جعل له ذلك وهو وزيره على جهة ما يتخذ الإمام وزيرا ~~والملك وزيرا على معنى الاختيار والاستكفاء والثقة. # أو يكون وزيره على جهة المؤازرة والمكاتفة والتعاون، على أن كل واحد ~~منهما وزبر صاحبه ومعاونه ومكاتفه، إذا غاب عن قومه كان الآخر خليفته، لا ~~على أن موسى الجاعل ذلك له. # ولا منزلة لهارون من موسى إلا هاتين المنزلتين في جهة الخلافة والوزارة، ~~لأن نبوة هارون لا تكون من قبل موسى، والنبوة لا تكون إلا من قبل الله. # وليس يخلو قول موسى لهارون: {اخلفني في قومي} عن ضربين: إما أن يكون هو ~~جعله خليفته على جهة الاختيار والاستكفاء والثقة ms096 به، وإما أن يكون خليفة ~~على أن يكون كل واحد منهما إذا غاب عن قومه كان الآخر خليفته. # فإن كانت وزارة هارون وخلافته لموسى إنما كانت منزلتين أنزله فيهما موسى، ~~وليست لهارون من موسى منزلة غيرهما، فقال النبي - صلى الله عليه -: "أنت ~~مني بمنزلة هارون من موسى" فكأنما قال: لك خلافتي # PageV01P156 #
# ووزارتي، فكيف يقول: إلا أنه لا نبي بعدي، والنبوة منزلة من الله لهارون ~~وليست منزلة لهارون من موسى. فإذا كان ذلك كذلك فكيف يستثني الحكيم المرشد ~~الشئ من [غير] شكله؟ وهل يكون بعض من غير كله؟ # وكيف يقول: قد جعلتك خليفتي ووزيرا، إلا أني لم أجعلك نبيا مثلي، ومنزلة ~~النبوة ليست إليه كما كانت منزلة الخلافة والوزارة إليه. وإنما قوله: "أنت ~~مني بمنزلة هارون من موسى" يريد به: إن لك مني مثل الذي كان لهارون من ~~موسى، وهو الخلافة والوزارة. فكيف يقول: "إلا أنه لا نبي بعدي" فيستثني ما ~~لا يملكه ولا يجوز أن يملكه، مما قد ملكه ويجوز أن يملكه من هو دونه من ~~خلفائه ومن خلفاء خلفائه. # أو يكون هارون كان وزير موسى على جهة المؤازرة والمعاونة، وعلى أن يكون ~~كل واحد منهما وزير صاحبه وخليفته عند الغيبة وحضور الآخر، ليس أنه قد كان ~~خليفة ووزيرا، وإن كان ذلك كذلك فليست لهارون من موسى منزلة من الوزارة ~~والخلافة إلا ولموسى من هارون مثلها. وإذا كان ذلك كذلك فقد صارت خلافتهما ~~ووزارتهما كنبوتهما أو رسالتهما. وإذا كان ذلك كذلك فكيف يجوز أن يقول ~~النبي - صلى الله عليه - لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، وليست ~~لهارون من موسى منزلة إلا ولموسى مثلها من هارون؟ وكيف يجوز أن يقول النبي ~~- صلى الله عليه - ذلك لعلي ومنزلة هارون من موسى منزلة النبي من # PageV01P157 #
# النبي، والشكل من الشكل، والمثل من المثل، وهي منزلة من الله كما أن نبوة ~~موسى منزلة من الله؟ # وكيف يقول: "إلا أنه لا نبي بعدي"، وسبيل النبوة سبيل منزلة هارون من ms097 ~~موسى على ما حكيناه من التعاون والتآزر؟ # وإذا كان هذا الحديث لو صح في أصله وأول مخرجه، وسلم من الزيادة والنقصان ~~وجاء مجئ الحجة، لم يقدر القوم على أن يجعلوه دليلا موجبا وشاهدا صادقا على ~~خلافته وإمامته دون غيره، فما ظنك به إن كان قد دخله من الخلل والضعف ~~والاحتمال في الفساد ما يوجب تكذيبه ورده. # وأقل ما للعثمانية في هذا الحديث أن يساووكم في تأويلكم، وفي ذلك الخلاف ~~بطلان حجتكم. # وقد زعم ناس من العثمانية أن هذا الحديث باطل من أجل أنه لا يحتمل من ~~التأويل إلا ما حكيت لك، وأن النبي - صلى الله عليه - لا يعلن ولا يظهر غير ~~ما يضمر، ولا يتكلم بالفاسد، ولا يستكره المعاني، ولا يتكلم بالمتعقد، ولا ~~يضرب مثلا ولا يشبه شيئا بشئ إلا وذلك الشئ وفق ما قال: لا يزيد عليه ولا ~~ينقص عنه. # ووجه آخر: أن هذا الحديث لم يرو إلا عن عامر بن سعد. # فواحدة إن عامر بن سعد هذا لو كان بالفقه والحديث والفضل معروفا # PageV01P158 #
# وكان كأمثاله من بني الصحابة كعبد الله بن عباس وابن عمر وابن الزبير ~~وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم، ما كان ليكون وحده حجة في تأخير أبي بكر ~~عن مقامه. فكيف وهو في غير سبيلهم وطريقهم. # ولو سمعنا هذا الخبر من سعد وحده ما كان إلا حجة على نفسه، كالحجة على ~~علي في روايته أن النبي - صلى الله عليه - قال في أبي بكر وعمر: "هذان سيدا ~~كهول أهل الجنة". # وكيف يروي هذا سعد مع قوله في الإمامة: "ما أنا بقميصي هذا أحق مني بها" ~~وهو يدعو عليا إلى الشورى والمخايرة والمكاثرة بالمحاسن، ويقول: "أعيدوها ~~شورى كما كانت". ويعيب عليا بالاستبداد، ويقول: "كنت سابع سبعة مع النبي - ~~صلى الله عليه -، ما لنا طعام إلا ورق الشجر، ثم جاءني أعرابي يعلمني دين ~~الله، ما أنا بقميصي هذا بأحق مني بها". # وإنما فخر بأنه كان سابع سبعة على علي لأن عليا لم يكن فيهم عنده، ms098 وكان ~~إما حدثا صغيرا وإما على أمر غير ذلك. # وسعد من العشرة، ومن الستة، ومن السبعة، والمستجاب # PageV01P159 #
# الدعوة، وقال له النبي - صلى الله عليه -: "ارم فداك أبي وأمي". ومن كان ~~لهذه الأمور مستحقا لم يجمع بين طلب مخايرة رجل ومكاثرته بالمحاسن وهو مقر ~~أن النبي - صلى الله عليه - جعل خصمه منه بمنزلة هارون من موسى، إلا أن ~~يكون تأويل الحديث عند سعد وعند من شهد سعدا على غير معناكم. # وحديث عامر على غير ما يروون، وإنما قال: "أنت مني بمنزلة هارون بن موسى، ~~إلا أنه ليس معي نبي" هكذا رووه عن عامر بن سعد على غير معناكم. # وفي قول النبي - صلى الله عليه -: "هذا خالي أباهي به فليأت كل امرئ ~~بخاله" تفضيل له على كل خال في الأرض، وقد كان علي خال جعدة بن هبيرة، ولم ~~يستثن أحدا. # فإن قالوا: الدليل على ما قلنا أن النبي - صلى الله عليه - لما آخى بين ~~المهاجرين والأنصار آخى بينه وبينه، فلولا أنه كان أشبه الناس به هديا، ~~وعلما وفضلا لم يجعله عدل نفسه دون غيره. # قيل لهم: أنتم ليس لكم علم بالأثر ولا بالخبر. وكيف يعرف الآثار والأخبار ~~من يكفر الأسلاف، ويبرأ من التابعين، ويجحد كل ما لم # PageV01P160 #
# يوافق هواه، ويدعي ما وافق هواه وإن كان باطلا، بل لا يرضى حتى يتقول ~~الزور ويولد الباطل. # وليس شئ أيسر من أن يقول قائل: إن النبي - صلى الله عليه - لما آخى بين ~~أصحابه آخى بين نفسه وبين أبي بكر. ولكن الحق أحق ما خضع له واحتمل ما فيه. ~~وهذه الفقهاء وأصحاب الآثار عرضة لكم، فإن لم يقولوا إن النبي - صلى الله ~~عليه - لما آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بين علي وسهل بن حنيف فنحن أولى ~~بجحد المعروف منكم. وقد قال الله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. # وأنتم لستم أصحاب آثار، فاسألوا أصحاب الآثار إن كنتم لا تعلمون، فإن ذلك ~~أمر مشهور لا خفاء به، ولا دافع له، ms099 أعني المؤاخاة بين علي وسهل بن حنيف. # ولثقة علي به استعمله على المدينة حين خرج عنها. ومن أجل سهل بن حنيف ~~امتنع الزبير وطلحة أن يركبوا عثمان بن حنيف والي علي على البصرة بأكثر مما ~~كانوا ركبوه به. ولذلك السبب صلى أبو أمامة بن سهل بن حنيف بالناس في مسجد ~~الرسول - صلى الله عليه - وعثمان محاصر، لرأي علي كان في ذلك، ولغلبته على ~~الدار، وأنه كان يطاع بأكثر من طاعة الزبير وطلحة وسعد. # وإنما آخى النبي - صلى الله عليه - بينه وبين سهل بن حنيف الأنصاري كما ~~كان آخى بين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت. ولذلك قال # PageV01P161 #
# حسان يحامي دونه وينصره بالكلام والشعر، ويظهر الميل على علي حين قال: # يا ليت شعري وليت الطير تخبرني * ما كان شأن علي وابن عفانا # لنسمعن وشيكا في دياركم * الله أكبر يا ثارات عثمانا # ولذلك قال في كلام له وهو يعتمد رأي علي واختياره: ثكلت أم نزال حرب لقي ~~ابن أبي طالب كفاحا، وسعدت أم نزال رأي لقي ابن أبي طالب سهوا. في كلام ~~كثير، وشعر كثير. # وكما آخى النبي - صلى الله عليه - بين أبى الدرداء وسلمان، وبين عبد ~~الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين حذيفة وعمار، وبين حمزة وزيد، وبين أبي ~~بكر وعمر. # فإن قالوا: فلعل النبي - صلى الله عليه - آخى بين علي وبين نفسه، وبين ~~علي وبين سهل بن حنيف، وهذا ما لا يتدافع، كما كان يؤاخى بين الرجل ~~المهاجري وبين الأنصاري، وقبل ذلك ما آخى بين المهاجرين بعضهم في بعض، فكان ~~الرجل منهم تصير المؤاخاة بينه وبين اثنين: مهاجري وأنصاري. # قلنا لهم: أما واحدة فإنا لم نجد لقولكم إن النبي - صلى الله عليه - آخى ~~عليا إسنادا يثق به أصحاب الحديث، فضلا عن أن يكون جاء مجئ # PageV01P162 #
# الحديث. ولو كان النبي عليه السلام حيث آخى بين المهاجرين ولم يرض لعلي ~~إلا بنفسه لفضل علي على غيره وأنه أشبه الأمة به وأقربهم حالا من حاله، ثم ms100 ~~آثر أن يؤاخي بينه وبين رجل من الأنصار كفعله بغيره من المهاجرين - كان ~~ينبغي له أن يؤاخي بينه وبين أفضل الأنصار؛ إذ كان الذي يمنعه من أن يؤاخي ~~بينه وبين بعض المهاجرين طلب أفضلهم، وكان ينبغي على هذا المذهب أن يؤاخي ~~بينه وبين سعد بن معاذ. # فإن قالوا: سهل بن حنيف أفضل من سعد ومن حمي الدبر ومن غسيل الملائكة ومن ~~مكلم الذئب ومن غيره، لم يكن هذا منكرا من مكابرتهم وجهلهم. # فإن قالوا: إنه جائز أن يؤاخى بين غير الأشكال في الفضل، وجائز ألا يؤاخى ~~بين المتساوين والمتقاربين. # قيل لهم: فلعل أيضا النبي - صلى الله عليه - لم يؤاخ بين نفسه وبين علي - ~~إن كان آخاه كما زعمتم - من قبل تقارب الحال والمشاكلة في الأفعال. ولعل ~~النبي - صلى الله عليه - لم يؤاخ عليا رأسا إذا أجاز ألا يؤاخى بين ~~الأشكال، ولا يقارب بين الأمثال. وأدنى ما فيه أن يكون ذلك قد كان جائزا. # فإن تركوا هذا أجمع وقالوا: كيف يجوز أن يكون أبو بكر هو الإمام وقد كان ~~النبي - صلى الله عليه - جعله في جيش أسامة. وما زال يقول في شكاته: ~~"أنفذوا جيش أسامة" يعيد ذلك ويكرره، إلى أن قبضه الله إلى جنته. # PageV01P163 #
# قيل لهم: إن في أمر النبي - صلى الله عليه - له أن يقوم مقامه في الصلاة ~~بالمسلمين، وعائشة وحفصة قد اعتونتا ليصرفا ذلك إلى عمر، ويقولان: إن أبا ~~بكر رجل رقيق لا يستطيع أن يقوم مقامك. # وهو قد ودع المسلمين في حطبته التي خطبها في شكاته حين قال: "إن عبدا من ~~عباد الله خيره الله بين الدنيا والآخرة فاحتار الآخرة". فبكى أبو بكر، ~~فعجب الناس منه وقالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه -: "إن عبدا من عباد ~~الله" قالوا: وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه -. هكذا ~~الخبر. ثم جاء جبريل في شكاته فقال: يا محمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك ~~ولم يستأذن على آدمي قبلك. قال: ائذن له. فأذن له جبريل حتى ms101 وقف بين يدي ~~النبي - صلى الله عليه - ثم قال: يا محمد، إن الله أرسلني إليك وأمرني أن ~~أطيعك فيما أمرتني به، فإن أمرتني قبض نفسك قبضتها، وإن كرهت ذلك تركتها. ~~قالوا: فسمع النبي - صلى الله عليه - يقول: "الرفيق الاعلى" فعلم أنه قد ~~خير - صلى الله عليه -. # ثم كان عند كل صلاة لا يجد عندها إفاقة يقول: "مروا أبا بكر يصلي بالناس" ~~ويقول: "أبى الله إلا أبا بكر" وفي قوله:" أبى الله أن يصلي إلا أبو بكر" ~~دليل أن ذلك من قبل الوحي، مع قوله لعائشة وحفصة حين أرادتا صرف ذلك إلى ~~عمر: "أنتن صواحبات يوسف، أبى الله ورسوله أن يصلي إلا أبو بكر" بالغلظ. ~~فلو كان الخطب في ذلك صغيرا ما أغلظ النبي - صلى الله عليه - لهما ولا اشتد ~~عليهما. # PageV01P164 #
# فإن قالوا: وما دعا عائشة إلى صرف هذا الأمر العظيم والمقام الشريف إلى ~~عمر؟ # قيل: فإنه ليس عندنا في ذلك إلا ما اعتذرت هي به لنفسها، فإنها قالت: إني ~~والله ما أردت صرف ذلك على أني لم أعرف شرفه وخطره، ولكني خفت أن يتشاءم ~~المسلمون به، وألا يحبوا رجلا قام مقامه أبدا. # فأما حديث الربيع بين صبيح عن الحسن فإنه زعم أنها قالت: خفت ألا يطبق ~~حمل الخلافة، وظننت أن الناس سيريدون منه مثل ما تعودوا من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وعلمت أن أحدا لا يكون كالنبي. # فإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله في جيش أسامة فقد استثناه حين ~~اشتكى من جميع الجيش، إذا استخلفه في مقامه وأمره بالصلاة لأمته، لأن من ~~صلى في مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي مسجده ومصلاه، في أعياده ~~وسائر أيامه، فقد صلى بجميع الأمة، وتأمر على جميع البرية. # وإنما أدخلنا فيها صلاة الجمعة والعيدين لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حين قال: "أبى الله ورسوله إلا أن يصلي أبو بكر" لم يستثن صلاة دون صلاة. ~~فإذا كان الكلام عاما والنبي - صلى الله عليه وسلم - على يقين من ms102 فراق ~~الدنيا، والوحي ينزل عليه، فقد دخل في ذلك صلاة العيد والجمعة، لأن النبي ~~يتكلم كلاما عاما. # PageV01P165 #
# وقد علم الله ورسوله أن الكلام العام يتخذه الناس حجة فيما يدل عليه ~~العام. # وقد علم الله أن أبا بكر سيصلي بالناس في أعيادهم وسائر صلاتهم، وأنه ~~سيحتج في استحقاق أبي بكر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أبى الله ~~ورسوله أن يصلي إلا أبو بكر" فكان ذلك دليلا على أن الله قد أراد ذلك ~~وأوجبه، وعناه وأحبه. # فهذا دليل على أن أبا بكر لم يخالف أمر الله بتخلفه عن جيش أسامة إن كان ~~أبو بكر ممن كان في ذلك الجيش قبل شكاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره ~~له بالصلاة. # ووجه آخر يدل على ما قلنا. وهو أنا لم نجد أحدا من المسلمين ولا من ~~الأنصار والمهاجرين ذكروا عنه في ذلك الدهر حرفا واحدا من ذكر تخلف أبي ~~بكر، لا عاتبا زاريا، ولا مستفهما مسترشدا، ولا متعجبا ناقما، ولا مصوبا ~~عاذرا. ولم يذكر أحد حديثا - ضعف إسناده أم قوي - أن أحدا احتج لأبي بكر ~~ولا عليه. # ولا يكون رجل في مثل نباهة أبي بكر وقدره، وفي مثل نباهة ما صار إليه، ~~لأنه لا موضع أولى بشدة الحسد وكثرة الطعن منه، وقد كان منه التخلف الذي لا ~~يخفى موضعه، مع توكيد النبي - صلى الله عليه وسلم - وشدته على ذلك، ثم لا ~~يلجأ في تخلفه إلى حجة ولا أمر # PageV01P166 #
# من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يطبق جميع الخلق في ذلك على السكوت ~~والرضا والاستحسان أكثر مما صاروا إليه. # هذا وبنو عبد مناف شهود، وخالد بن سعيد قد ترك بيعته ستة أشهر، وقال: ~~أرضيتم معشر بني عبد مناف أن يلي عليكم رجل من تيم؟ وقال أبو سفيان بن حرب ~~مثل ذلك. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. وقد سمع أبو قحافة رجة وهو ~~بمكة، وهو مكفوف، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: فما ms103 صنع الناس؟ قالوا: أقاموا ابنك. قال: فرضيت بنو عبد مناف بذلك؟ ~~قالوا: نعم، قال: وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: فلا مانع لما أعطى الله ~~ولا معطي لما منع. # وفي إطباق الجميع على السكوت على التخلف بعينه، مع قول خالد وأبي سفيان، ~~دليل على أنهم لو وجدوا غميزة أو خلافا أو معصية لم يدعوا الاحتجاج به، ~~والخوض فيه. ولو كانت التقية قطعتهم عن ذلك لقطعتهم عن ذكر الطعن في ~~إمامته، كما قطعتهم عن ذكر الطعن في تخلفه. # وفي رضا أسامة وتسليمه وسكوته وقناعته حتى لا يحكى عنه في ذلك كلمة ~~واحدة، دليل على ما قلنا. # فإن قالوا: إن أسامة قد عرف صنيعه في تخلفه ولكنه كان في تقية منه، لأن ~~أبا بكر لو لم يكن هو المطاع في العوام، والمقنع # PageV01P167 #
# في الدهماء، ما تقدم بني عبد مناف، وكان أسامة لا يستطيع أن يبدي في دهر ~~عمر من ذلك شيئا، لشدة عمر في تعظيم أبي بكر، لأن الطعن في أبي بكر راجع ~~على عمر، وأن رعية عمر هم رعية أبي بكر، وكذلك كان أسامة في دهر عثمان، ~~لأنه نسق واحد وسبيل واحدة. # قيل لهم: فما منعه أن يتكلم في دهر علي ومع علي يومئذ مائة ألف سيف ~~يطيعه. وهل عندكم في أسامة أكثر من أن تدعوا على ضميره غير ما يدل عليه ~~ظاهر عمله؟ وإن أولى الناس ألا يحتج بأسامة لأنتم، لأن أسامة هو الشاهد ~~لطلحة على علي، حين قال علي: بايعتني ونكثت بيعتي؟ قال طلحة: "بايعتك واللج ~~على قفي"، واستشهد أسامة. فقال أسامة: أما السيف على قفاه فلم أره ولكن ~~بايع وهو كاره. في أمور كثيرة تدل على أن أسامة كان عمريا، ليس هذا موضع ~~ذكرها. فهذا هذا. # وفي إطباقهم جميعا يدعونه خليفة رسول الله من تلقاء أنفسهم، لا مكرهين ~~ولا مقهورين، لم يرفع عليهم سوط ولا شهر سيف، ولا سمعوا وعيدا، ولا رأوا ~~لذلك أثرا، ولا رأوا منه إمرة لبعض العشائر، فيخافون أن يتقوى بهم عليهم، ~~مع ms104 كثرة العدد واختلاف الأنساب وتفرق الأهواء، و [في] الذي قبله، دليل على ~~ما قلنا، وحجة على الذي ادعينا. # PageV01P168 #
# ومما يقرب من قولنا قول النبي - صلى الله عليه -: "أنفذوا جيش أسامة" فقد ~~يعلم المستدل أن النبي - صلى الله عليه - إنما قصد بذلك الأمر في خاصته ~~والمطاعين، لأن قوله: "أنفذوا" دليل أنه قد كان هناك من ينفذ أمره، وإليه ~~قصد بالأمر مقنعين غير ساخطين. # ولو كان الأمر إنما كان لأسامة وأصحابه كان اللفظ على غير هذا. # فإذا كان ذلك كذلك، فمن أولى بأن يكون من المخاطبين المطاعين من أبي بكر ~~وخليله وصفيه، على ما كتبت لك في كتابي هذا، مع أنا لم نبلغه ولم نستقصه، ~~إما بالخوف منا والكراهة لإطالة الكتاب، وإما بالتقصير منا في معرفة جميع ~~محاسنه. # ووجه آخر: أنك لو جهدت أن تجد لحديث من زعم أن أبا بكر كان في جيش أسامة ~~أصلا لم تجد، وإنما أتى عامة ذلك من قبل كون عمر في ذلك الجيش، لأن عمر ~~وأبا عبيدة كانا من أول من انتدب في ذلك الجيش. # ولما كان الناس كثيرا ما يرون عمر يجري مع أبي بكر غلطوا في ذلك في مواضع ~~كثيرة، حتى جر ذلك على أبي بكر فرار عمر يوم أحد، فقال من لا علم له: وفر ~~يوم أحد أبو بكر وعمر. وموقف أبي بكر والنفر من المهاجرين في يوم أحد أشهر ~~من أن يطمس عليه جاحد. # ومن ذلك أن عمر كان في جيش ذات السلاسل، فألحقوا به أبا بكر. # PageV01P169 #
# فإن أبوا إلا أن يكون قد كان في ذلك الجيش فالجواب على ما قلنا. # فإن قالوا: قد سمعنا مقالتكم. ولكن ما الدليل على أن النبي - صلى الله ~~عليه - أمر أبا بكر بالصلاة بالناس؟ # قلنا لهم: إنه ليس لأنه كان مأمورا بالصلاة فقط، ولكنه صلى بالناس سبع ~~عشرة صلاة إلى أن توفى النبي - صلى الله عليه -. وذلك أن النبي عليه السلام ~~بدئ يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، ويوم الاثنين ms105 لاثنتي عشرة مضت من ~~ربيع الأول. وهذا هو السبب عندهم. # وزعم أصحاب السير والأخبار أن النبي - صلى الله عليه - كان يأمر بلالا ~~بالأذان، فإذا وجد إفاقة خرج يصلي بالناس، وإن اشتد ما به قال: "مروا أبا ~~بكر يصلي بالناس" فكان النبي وأبو بكر يصليان على هذه الصفة. # فإن أنكروا أن يكون النبي - صلى الله عليه - أمر أبا بكر أن يصلي و ~~[ادعوا] أن هذه الأخبار كلها باطل، وأن العلة في هذه الأيام كلها لم تمنع ~~النبي - صلى الله عليه - من الصلاة حتى مات. # قيل لهم: أرأيتم هذا الذي قلتموه وادعيتموه، أشئ استخرجتموه أو سمعتموه؟ # فإن زعموا أنهم سمعوا قلنا لهم: فأتوا بفقيه واحد أو محدث يقول كما ~~تقولون، ويحدث كما تزعمون. وجميع ما يدعى باطل. # PageV01P170 #
# وإن كان إذا اعترضوا المحدثين والناقلين لم يجدوا أحدا إلا وهو يخبر بما ~~قلنا، فالحق أحق أن يتبع. ولا يجوز أن يقولوا: إنا استخرجنا معرفة هذا ~~المعنى، لأن الاستخراج لا يكون إلا من عيان أو خبر. # أوليس قد كان النبي موضوعا على سريره حين زاغت الشمس يوم الاثنين إلى حين ~~زاغت من يوم الثلاثاء، يصلى الناس عليه وهو على شفير قبره وأبو بكر يصلي ~~بالناس؟ # فإن أتوا بحديث واحد أنه صلى بالناس في غير ذلك الوقت غير أبي بكر فالقول ~~كما قالوا. وإن أتوا بحديث واحد أنه صلى بالناس غير أبي بكر أول صلاة صلاها ~~المسلمون [حين] اختلفوا في تأمير الأمراء واستخلاف الخلفاء عليهم، كما قالت ~~الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فالقول كما قالوا. # وهل يستطيعون أن يزعموا أنهم قالوا: منا مصل ومنكم مصل؟ # والعجب كيف لم يقولوا: إن عليا لم يزل هو المصلي بالناس والمأمور ~~بالصلاة، فغصب حقه وظلم مقامه؟ # وكيف يجوز أن يجئ رجل من أرضه وسمائه من غير نسب ولا سبب، حتى ينفذ من ~~أشرف المقامات، بحضرة القرابة والعشيرة، من عم وابن عم، وقريب ونسيب، وجلة ~~المهاجرين والأنصار، والعظماء وعلية قريش، ودهماء العرب، ثم لا يتكلم في ~~ذلك رجل ms106 واحد؟ فإنما # PageV01P171 #
# يقول هذا من لا يعرف قدر ذلك المقام في الصدور، وكيف طبائع قريش وأنفة ~~العرب. # فإن قالوا: كيف يكون أبو بكر إماما ولم يجتمع المسلمون على إمامته والرضا ~~به؟ وقد قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقال سلمان: "كرداذ ونكرداذ". ~~وقال خالد بن سعيد: أرضيتم معشر بني عبد مناف هذا. وقال أبو سفيان بن حرب ~~مثل مقالته، وخرج الزبير بسيفه شادا، فلما رآه عمر قال: دونكم الكلب. وجلس ~~علي [في] منزله واعتل بأنه آلى ألا يبرح حتى يجمع القرآن. # قيل لهم: ليس الأمر على ما تقولون. ولو كان الأمر على ما تقولون ما كان ~~خلاف هؤلاء ناقضا لأمره. لأن الرجل إذا كان أفضل الناس وأكمله وأنفعه ~~للمسلمين وأرده عليهم، فعليهم إقامته والتسليم له والرضا به، لأن كل ما ~~عددت لك من فضله هم كانوا أعلم به، إذ كانوا يسافرون معا ويقيمون معا، ~~وكانوا أعنى بمعرفة الخير وأسرع إلى العلم به منا ومن أهل دهرنا. # ولو كان أبو بكر تنتقض إمامته، وكان عليه اعتزال ذلك المقام، بخلاف رجل ~~أو رجلين أو ثلاثة، كان أولى الناس بأن يكون له في الإمامة # PageV01P172 #
# سبب ولاحق ومتعلق علي بن أبي طالب، لأن سعد بن أبي وقاص كان أحد الشورى ~~وأحد الأكفاء، وقد أباه وقال قولا أبين من قول خالد وأبي سفيان وسلمان، ~~قال: "ما أنا بقميصي هذا أحق مني بها، أعيدوها شورى، أما بالسيف فلا ~~أريدها" وقال لرسل علي حين أرادوه على بيعته: "ثكلت أم لم تلدني، لئن كنت ~~سادس ستة مالنا طعام إلا ورق البشام، وقد جاءني أعراب الأوس تعلمني دين ~~الله؟ " في كلام كثير. # وخالفه طلحة والزبير وهما شريكاه، وأحدهما فارس النبي - صلى الله عليه -، ~~والآخر وقايته، فقال علي: بايعتماني؟ قال الزبير: ما بايعتك قط، إن كنت على ~~يقين أنك أولى بها فاجعلها شورى بيعة وحق دعواك من باطله. # وقال طلحة: "بايعت واللج على قفي" حين رقى إليه العساكر وطعنت عليه عائشة ~~واستحلت محاربته. ثم ms107 اجتمع على حربه أهل الشام قاطبة، فيهم عبد الله بن عمر ~~[و] وكعب بن مرة البهزي وكان من فضلاء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وهو الذي قال حيث قال النبي - صلى الله عليه -: "ستكون فتنة هذا فيها يومئذ ~~على الحق" وأومأ إلى رجل مقنع، فكشف عن رأسه فإذا هو عثمان، فلما قتل عثمان ~~وهو يكف عن القتال استنصر، فكان يحدث هذا الحديث. # PageV01P173 #
# ومنهم واثلة بن الأسقع الليثي، وله صحبة ونسك، والنعمان بن بشير، ومسلمة ~~بن مخلد، وحبيب بن مسلمة، وذو الكلاع، ومعاوية بن حديج. # ومن التابعين أبو مسلم الخولاني، وشرحبيل بن السمط، وعمرو بن وافد ~~الغامدي الذي قال [فيه] مكحول: كأنه قد مات ودخل النار وحوسب ثم رد إلى ~~الدنيا، فمعه خوف المجرب. # ثم خالف عليه خاصة إخوانه ونساك أصحابه وأهل البصائر من جنده وحمدت حتى ~~أكفروه وخلعوا إمامته وولايته. # وفيهم مع نسكهم وجدهم نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~منهم فروة بن نوفل الأشجعي وحرقوص بن زهير، وفيهم من التابعين مثل رئيسهم ~~عبد الله بن وهب الراسبي وزيد بن حصن الطائي. # ولقد دعا محمد بن مسلمة إلى عونه، واعترض آخذا بسيفه، ثم كسره وقال: أضرب ~~المسلمين بسيف ضربت به الكافرين؟ # PageV01P174 #
# فدعا زيد بن ثابت إلى عونه فأبى وقال: أنت والله تعلم أن لو شحا أسد فاه ~~لألقمته كفي دونك، فأما أن أضرب بسيفي لأؤكد لك ملكا فلا. # ودعا عبد الله بن عمر فقال حين أراده على بيعته: إني لن أنزع يدي من ~~جماعة وأضعها في فرقة. وكذلك قال حين قيل له بعد ذلك: لو بايعت أخاك عبد ~~الله بن الزبير. قال: إن أخي وضع يده في فرقة، وإني لن أنزع يدي من جماعة ~~وأضعها في فرقة. # وطعن عليه سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعلى طلحة وقال: "فتنة عمياء يخبط ~~أهلها". قال طلحة: ابن عمك كان أعلم بي وبك حين جعلني في الشورى وأخرجك ~~منها. قال: إن ابن ms108 عمي خانك وأمنني. # ودعا إلى بيعته وعونه أسامة بن زيد فقال: إني إذن لمفتون! # وأسامة هو الذي كان طلحة استشهده على قوله: "قد بايعت واللج على قفي" ~~فسئل أسامة عن ذلك. فكلمه طلحة بكلام غليظ. # وقول صهيب أيضا، وسلمة بن سلامة بن وقش. كل هؤلاء السبعة [ما منهم] إلا ~~من شهد بدرا. # وزعم ابن سيرين والشعبي أنهما قالا: وقعت الفتنة بالمدينة وأصحاب النبي - ~~صلى الله عليه - أكثر من عشرة آلاف، فقال: فما يعدون من خف فيها عشرين ~~رجلا. فسميا حرب علي وطلحة والزبير وصفين فتنة. # PageV01P175 #
# وكما قال الشعبي: من حدثك أنه شهد الجمل ممن شهد بدرا أكثر من أربعة نفر ~~فكذبه. كان علي وعمار في ناحية، وطلحة والزبير في ناحية. # وقد تعلمون أنه لم يكن في الأرض عثماني إلا تعلمون أنه منكر لإمامته، وهم ~~أكثر عددا وأكثرهم فقيها ومحدثا. ولقد كان الرجل من أصحاب الآثار يظن به ~~التشيع فيترك ويضعف ويتهم عند أهل العلم، حتى أنه كان يطويه ويستره أكثر ~~مما يستر السوء يكون بجلده. # فلو كان الفاضل الكامل تنتقض إمامته وتفسد عدالته من قبل خلاف أربعة أو ~~خمسة، لما كان في الأرض أشد انتقاصا من إمامة علي. # وأما قولكم: إن الأنصار قالت لقريش والمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير! ~~فهذا إلى أن يكون حجة عليكم أقرب، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله لو كان ~~أقام عليا وجعله خليفة ووصيا ونص على ذلك بغدير خم، أو في بعض المغازي، ما ~~كان بلغ من حربهم وعنودهم أن يقولوا هذا الكلام والإمام قائم الحجة معروف ~~المكان. # وكيف جاز أن يلغوا ذكره حتى لا يذكرونه في شئ من مخاطباتهم ومنازعاتهم ~~إلا والقوم لم يكن عندهم فيه عهد ولا سبب. فهذه حجة قاطعة. # وأخرى: الذي رأينا من قلة مبالاتهم من أقامه المهاجرون كائنا من كان، لأن ~~قولهم: منا أمير ومنكم أمير، قول قوم كأنهم قالوا: # PageV01P176 #
# لا بد لنا معشر الأنصار من أمير على حال، وأنتم بعد أعلم بشأنكم ms109 فأمروا ~~عليكم من بدا لكم. وليس في هذا طعن على خاصة أبي بكر، كما أنه ليس فيه ~~تأكيد لإمامته دون غيره. # وهذا قول كان من نفر من الأنصار في سقيفة بني ساعدة، قبل أن يقوم فيهم ~~أبو بكر خطيبا وواعظا، ومبينا ومحتجا. فلا يستطيع أحد أن يقول: إن أحدا ~~منهم رد على أبي بكر خاصة كلمة واحدة. فليس في قولهم: منا أمير ومنكم أمير، ~~خلاف على أبي بكر، وإن كان خلافا فإنما هو على الجميع. # وإن كان هذا الكلام منهم حجة ما كان إلا على من زعم أن الإمامة غير ~~واجبة، أما على من زعم أنها لأبي بكر دون علي فإنها غير لازمة. # ولعمري لو كان القوم حيث قالوا: منا أمير ومنكم أمير قالوا: ولا يكون ~~أميركم إلا علي أو فلان أو فلان، أو قالوا: الرأي لكم أن تجعلوا أميركم ~~عليا أو فلانا أو فلانا، كان في ذلك ما يتعلق به متعلق ويشغب به شاغب. وهذا ~~ما لا يحتج به عالم، لأن الحجة فيها للرافضة ألزم، وعليها أوكد. # أما قولهم أن سلمان قال ما قال، فإنما سلمان رجل من عرض المسلمين، لا ~~يصلح أن يكون خليفة، ولا يجوز أن يكون في الشورى ومع الأكفاء، فتنتقض به ~~مريرة أو تبرم به، لأسباب: # PageV01P177 #
# منها أنه ليس من المهاجرين، ولا ممن شهد بدرا ولا أحدا، ولا لقي في الله ~~ما لقي نظراؤه عند الناس كبلال وصهيب وخباب وعمار، ولا كان من الذين آووا ~~ونصروا، وذكروا في القرآن وقدموا. # وكان حديث الإسلام قليل المشاهد، وإنما أسلم حين انحسرت الشدة وانكشف ~~عنهم معظم الكربة، ولكنه كان من الصالحين ومن الفضلاء المخلصين، وكان عند ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وجيها، وعند خلفائه مقربا، وقد قال النبي فيه ~~قولا حسنا، ولكنه ليس من الأكفاء في الإمامة وموضع الشورى والخلافة، فيكون ~~قوله حجة تنتقض به الإمامة، وطعنه عليه يصرف الخلافة. # ثم آخر: أنا قد وجدناه ولي لعمر بن الخطاب على المدائن، يقيم له الحدود ~~ويجبي ms110 له الخراج، ويدعو له على المنبر، ويؤكد له خلافته، وينفذ أمره، مطيعا ~~غير مكره، ومخلى غير مقصور، فولايته لعمر دليل على تصويب أبي بكر، ومطيع ~~عمر أذعن لأبي بكر، ومعظم عمر أشد تعظيما لأبي بكر. # ولقد كان يخرج آذن عمر والناس ببابه فيجعله في الفوج الأول. حتى روي عن ~~أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في ذلك كلام مشهور: من ذلك أنهم كانوا بباب ~~عمر في جلة من قريش والعرب، مثل عيينة بن حصن وغيره، إذ خرج آذن عمر فقال: ~~أين بلال؟ أين سلمان؟ أين صهيب؟ أين عمار؟ ادخلوا. فتغيرت وجوههم واستبان ~~الجزع فيهم، فأقبل عليهم سهيل بن عمرو واعظا ومعربا ومذكرا، # PageV01P178 #
# فقال: دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا [ولئن حسدتموهم] على باب عمر لما أعد ~~الله لهم في الجنة أعظم. # فما في الأرض عاقل يظن أنه يأذن لسلمان قبل أبي سفيان بن حرب وسهيل بن ~~عمرو، ويوليه بلاد كسرى وآل كسرى، وسلمان عنده ظنين في بيعة أبي بكر وناقم ~~عليه. # وقد بارك عمر أبا بكر في خالد بن سعيد بن العاص، حين عقد له على أجناد ~~الشام، لكلمته التي كانت في بيعة أبي بكر، حتى عزله. # فكيف يحتمل لسلمان الطعن والخلاف ثم لا يرضى له إلا بالولاية على بلاد ~~كسرى، وسلمان لا يجري عند عمر مجرى خالد ولا قريبا؟ # ففي هذا دليل على أن سلمان لم يقل: "كرداذ ونكرداذ". وإن كانت هذه الكلمة ~~حقا كانت ترجمتها بالعربية: صنعتم ولم تصنعوا، يقول: قد أقمتم فاضلا مجزيا ~~ولو كان غيره كان أفضل منه. # وأخرى فلو كان سلمان كان عنده أن النبي - صلى الله عليه - كان قد # PageV01P179 #
# استخلف عليا ونصبه إماما وجعله وصيا لم يقل: صنعتم ولم تصنعوا، إلا أن ~~قوله: "صنعتم" تثبيت لإمامته، فكأنه قال: هو إمام، لو كان غيره كان خيرا ~~لكم منه. وليس على هذا بني القول. # ولو احتج بهذا القول الزيدية كان أشبه من أن يحتج به الطاعن في إمامة أبي ~~بكر حين ms111 قال: ارتد الناس كلهم عن الإسلام بإنكارهم إمامة علي والتسليم لمن ~~أنكر، ما خلا أربعة نفر: سلمان والمقداد وأبو ذر وبلال. ثم زعموا أن حذيفة ~~وعمارا تابا بعد عمر. # ولئن كان بلال كما قالوا من الطعن والخلاف على أبي بكر وعمر، لقد شاركهما ~~حيث ولي لهما دمشق، لأن عمر كان ولى بلالا دمشق، فكان أنفذ لامره من أبي ~~عبيدة. # وكيف يكون بلال طاعنا على أبي بكر وعمر حتى قد شهر بذلك من بين الخلق ~~وعمر يوليه، ويقربه ويدنيه، ويقدم إذنه، ويلحق عطاءه بعطاء عثمان وعلي ~~وطلحة والزبير وسعد، ويقول: "بلال سيدنا ومولى سيدنا" ومرة يقول: "أبو بكر ~~سيدنا وأعتق سيدنا". # ولا يجوز هذا القول من عمر من يجوز طعن بلال على أبي بكر، إلا جاهل بعمر، ~~جاهل بأمر السلطان، وعز الخلافة. # فأما ذكرهم المقداد، فما علمنا ولا علم أصحاب الآثار أنه نطق في خلافة ~~أبي بكر وفي نقضها، وفي خلافة علي وتوكيدها، بحرف قط، ولا وقف في ذلك ~~موقفا، ولا قام في إنكاره [أ] وتثبيته مقاما، وما ندري بأي سبب ادعوه، إلا ~~أن يكونوا ذهبوا إلى أن عليا رحمة # PageV01P180 #
# الله عليه ربما كانت له الحاجة إلى النبي عليه السلام، فيكبر النبي - صلى ~~الله عليه - ويعظمه عن مواجهته بها، فيكلف ذلك المقداد. # من ذلك حديث هشام بن عروة عن أبيه في الرجل إذا دنا من المرأة فأمذى ولم ~~يمسها، فاستحيا علي أن يسأل النبي - صلى الله عليه - عن هذا من أجل ابنته، ~~فقدم المقداد فسأله، فقال النبي عليه السلام: "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ". ~~وغير ذلك. # والأغلب علينا أن المقداد لم يزل متنكرا لعلي، لأن المقداد حين خطب ضباعة ~~بنت الزبير بن عبد المطلب إلى النبي - صلى الله عليه -، بعث النبي إليها ~~عليا بذلك يخبرها، وأنه قد رضيه لها، فكره علي ذلك، فرجع إلى النبي - صلى ~~الله عليه - وقال: رأيتها كارهة، فأرسل النبي إليها رسولا فقالت: أولم أخبر ~~عليا أنني قد رضيت لنفسي بما رضي به النبي؟ فقام النبي ms112 - صلى الله عليه - ~~خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا علي قم فانظر من عن يمينك وعن ~~شمالك. واعلم أنه ليس لك فضل على أسودهم وأحمرهم إلا بالدين". فهذا قد روي. ~~والله أعلم. # ولم يرو عن المقداد الطعن على أبي بكر في خلافته ليؤكد بذلك لعلي شيئا. # وأقل ما ينبغي للمتكلم أن يعرف فروق الأمور، فإنه إذا عرف ذلك لم يتعلق ~~من الأسباب إلا بأمتنها. فأما تجريد الباطل وكثرة الدعوى بلا سبب، فهذا جهد ~~العاجز. # PageV01P181 #
# ولربما تعلقوا بالسبب الضعيف، كالذي وجدوا لعمار بن ياسر من عداوة عثمان، ~~وصنيع عثمان به، فلما كان عثمان عندهم في طريق عمر وأبي بكر وفي حيزهما ~~جعلوا طعن عمار عليه طعنا عليهما، واحتجاج عمار لعلي احتجاجا عليهما. # ولو اجتهدت أن تصيب لعمار موقفا واحدا أو كلمة طاعنة على أبي بكر وعمر ~~وعثمان، فضلا عليهما قبل إحداثه وقبل أن يجرى بينهما ما جرى، ما قدرت عليه. # وهل كان لعمر وال أنفذ لطاعته من عمار؟ ولقد رفع عليه جرير بن عبد الله، ~~فجمع بينهما طمعا في ظهور حجته، والضرح عن نفسه، فلما لم يجد ذلك عنده قال: ~~ما عندنا خير لك يا أبا اليقظان. # ومن أجل ضعف عمار في الولاية وقوة المغيرة حين شكاهما أهل الكوفة قال ~~عمر: "أعضل بي أهل الكوفة، إن وليت عليهم تقيا ضعفوه، وإن وليت عليهم قويا ~~فجروه". # فإذا كان عمار يخطب على منبر الكوفة بتوكيد إمامة عمر، ويأمر الناس ~~بطاعته، ويقيم الحدود والأحكام بأمره، ويفتح الفتوح بتأميره، فيرى القتل ~~والسبي وإحلال الفروج، غير مكره بوعيد ولا مقصور بإيقاع، فأي دليل أدل مما ~~حكيناه. # ولو أن طاعنا طعن في طاعة سهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وأبي أيوب الأنصاري ~~وأبي مسعود البدري، لعلي، هل كان عندكم # PageV01P182 #
# في دفع ذلك إلا مثل ما عندنا من الدفع عن طاعة سلمان وبلال وعمار وأقل ~~منه. # فأما أبو ذر فزعم أصحاب الآثار أنه كان يعظم عمر بن الخطاب تعظيما ما ms113 ~~عظمه أحد قط. فمن ذلك أن عمر صافحه يوما فعصر يده وكان أيدا، فصاح: يا قفل ~~الفتنة! ومسح من وجهه العرق بباطن راحته، وعمر موعوك وهو يقول: بأبي رحضاؤك ~~لو قدمت صرنا هكذا - وشبك بين أصابعه - أوجعتني! فخلاه وقال: ما هذا؟ فقال ~~سمعت النبي - صلى الله عليه - يقول: "لن تزالوا بخير ما كان هذا بين ~~أظهركم". # وقال عمر لشاب: غفر الله لك! فقام إليه أبو ذر فقال: استغفر لي! وهو حديث ~~فيه أمور كثيرة. # ولو لم يجئ عن أبي ذر من هذا قليل ولا كثير لكان حكمه الرضا والتسليم، إذ ~~لم نر منه طعنا ولا رأينا له متوعدا. # ولو اعترضتم مائة من أصحاب النبي - صلى الله عليه - فقلتم: إنهم كانوا ~~طعانين على أبي بكر مؤكدين لخلافة علي، ما كان عندنا في أمرهم حديث قائم ~~ولا خبر شاهد، أكثر من أن حكم الممسك عن الطعن والخلاف هو الرضا والتسليم. # ولقد ينبغي لنا ولكم أن نتفكر في معنى كلمة سلمان فقد # PageV01P183 #
# أكثرتم فيها، حيث قال صنعتم ولم تصنعوا، ومعنى هذا الكلام: إنكم قد أقمتم ~~مجزيا وتركتم من هو أجزأ منه، فيجب أن نعرف الخلل الذي لم يسده أبو بكر ... ~~التي لم يبلغها، والموضع الذي عجز عنه، ما هو؟ وأي ضرب هو؟ إلا أن امتحن ~~بما لم يمتحن به أحد قبله، ولا يمتحن به أحد بعده، من قيامه في مقام رسول ~~الله - صلى الله عليه -، في عقب الذي تعود المسلمون من طريقته، وتعرفوا من ~~سيرته في نفسه وفي أمته، ثلاثا وعشرين سنة - وهي السيرة التي لا تحتاج إلى ~~الأخبار عن فضلها، والإطناب في تشريفها - فلم يغادر ولم ينحرف ولم يتغير، ~~ولم يؤثر ولم يضعف. # وقد علمنا أن الذي عظم صغير ما كان من أمر عثمان، وشنع عظيم ما كان منه ~~من الضعف وغير ذلك، الذي كان من إفراط جلد عمر، وشدة رأيه وشكيمته، ويقظته ~~وخشونته، وثبات عزمه، وحمله نفسه على مذهب صاحبيه قبله. ولذلك قال عن ثلاث: ~~"ما قتل عثمان ms114 غير عمر". فالفصل الذي بين النبي - صلى الله عليه - وأبي بكر ~~أكبر وأظهر من فصل ما بين عمر وعثمان. ولذلك قال عمر بن عبد العزيز: "ليس ~~لله ستر أكثف ولا أسبغ من ستره على الصديق حين لم يتكشف إذ قام يعقب النبي ~~- صلى الله عليه - ". # وقد تعلمون أن لو كان النبي غائبا عن المدينة في غزاة أو حجة، # PageV01P184 #
# وارتدت العرب وانتقضت العهود وظهر النفاق وماج الناس، فوثب رجل من عرض ~~أصحابه، فلم يزل باللين والشدة، والكف والإقدام، والبطش والحيلة، حتى رده ~~في نصابه، وأعاده كأحسن عادته، ببذل النفس فما دونها، لقد كان صنع صنيعا ~~عظيما، وفعل فعلا كبيرا. # فكيف برجل قام بأمر الإسلام، وقد هتكت أستاره وتقطعت أطنابه ومرجت عهوده، ~~منفرد بالرأي غير مستعين عليه، ولا مستوحش إلى غيره، بل خالفه الجميع في ~~صوابه وما أوجده الرأي، ودل عليه النظر من عزمه، وقد أبى إلا صرامة وبصيرة ~~وثقة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد مات غير مخوف ولا متوقع قدومه، فرد ~~أهل الردة قاطبة ما بين أعلى الحيرة إلى شحر عمان إلى أقاصي اليمن، وقمع ~~النفاق بالمدينة وما حولها، وقتل مسيلمة واستفتح اليمامة، وأسر طليحة، ثم ~~أوطأ خيله الشام، وجند الأجناد، ومنع الحوزة، ووطأ الأمر، وقتل العدو بكل ~~مكان. ثم لم يستأثر بدرهم، ولم يكنز دينارا، ولم يخلف درهما، ولم يتفكه ~~بغنيمة، وجعل عمالته مردودة على بيت مال المسلمين، ولذلك قال عمر: "رحم ~~الله أبا بكر لقد شق على من بعده". # فما الشئ الذي لو كان علي هو القيم به كان أجزأ منه، وبلغ منه ما لم ~~يبلغه. وكيف يكون علي أجزأ منه ولم تغلق الفتوح إلا في زمانه، ولم تكن ~~الفتن إلا على رأسه، ولم تخرج الخوارج إلا عليه. وهذا # PageV01P185 #
# باب الكلام فيه على علي، ولكنا إذا فعلنا ذلك فقد دخلنا في الذي عبنا. # مع أنك لو طفت في الآفاق تطلب لكرداذ ونكرداذ إسنادا. ولكنا قد روينا أن ~~سلمان قال: "أصبتم الحق وأخطأتم ms115 المعدن" فنرى أنه إن كان قال هذا القول ~~فإنما ذهب إلى أن الأمر لو كان في بيت النبي - صلى الله عليه - وعلى ~~التوارث الأقرب فالأقرب، كان أجدر ألا يطمع فيه ذؤبان العرب ودهاة العجم، ~~على غابر الأيام، وتطاول الدهور. # وسلمان رجل فارسي، وهذا كان شاهد كسرى، فتوهم أن حكم الكتاب والسنة كحكم ~~تدبير السر والقائمين بالملك، فإنما تكلم على عادته وتربيته. # ولعمري لقد كان في قوم قد ساسوا الناس سياسة ورتبوهم ترتيبا، يقطع عن ~~الطمع في الملك بآيين: لم يجعلوا للصانع أن ينتقل عن صناعته إلى الكتابة، ~~ولم يجعلوا للكاتب أن ينتقل من كتابته إلى القيادة، ولم يجعلوا لأبنائهم ~~إلا مثل ما كان لآبائهم، ليعودوا الناس عادة يستوحشون معها إلى الخروج ~~منها. # وإنما حسن هذا في ملكهم إذ كان بالرأي والغلبة، ولم يكن لأهله # PageV01P186 #
# أمثل من التدبير والحكم، لم يكن شأنهم الأخذ بالكتاب والسنة. وسبيل ~~الإمامة غير سبيل الملك. # فإن كان سلمان إلى هذا المعنى ذهب، وإياه عنى، فإنما قوله حجة للعباسية ~~لا للعلوية. # وسنخبر عن مقالة العباسية ووجوه احتجاجهم بعد فراغنا من مقالة العثمانية، ~~بغاية ما يمكن من الاستقصاء، وإنصاف البعض من بعض، لتكون أنت المختار لنفسك ~~بعقلك، والأقاويل ظاهرة مجلية لذهنك. فلئن أعجزك الاختيار الأرجح بعد ~~الكفاية إنك عن استنباطه وتخليصه أعجز. # وقد ذكر هشيم، عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال: قال سلمان حين ~~بويع: "أصبتم حين بايعتم وحيد الناس، وأخطأتم حين عزلتموها عن أهل بيت ~~نبيكم، ولو وضعتموها فيهم لأكلتم رغدا". # وهذا حكم من سلمان أن أبا بكر خير من علي ومن جميع الناس، والناس على خير ~~الناس أصلح منهم على من دونهم. # وأخرى: أن سلمان حين قال: "كرداذ" كما زعمتم، لو لم يكن عندكم عظيم القدر ~~نبيل الرأي، قدوة عند الاختلاف، لم تسمعوا قوله بهذا المكان، حتى صار مثل ~~طعنه وخلافه، ينقض إمامة الأئمة، وتتخذونه على خصمائكم حجة. # وإن كان سلمان على ما قد وصفتم، وبالمكان الذي وصفتم من الحكمة والبيان، ms116 ~~فما دعاه إلى أن يكلم العرب والاعراب بالفارسية، وهو عربي اللسان فصيح ~~الكلام، وهو يعلم أنه لم يكن بحضرة المدينة فرس ولا من يتكلم بالفارسية ولا ~~من يفهمها. وهو إنما أراد الاحتجاج عليهم والاعذار إليهم، وأن يقضي حق ~~إمامة علي ويقوم بشأنه. # PageV01P187 #
# وقد ينبغي لمن بلغ من صدق نيته وفرط اجتماع لبه وشدة عزيمته أن يتكلم في ~~دار التقية لا في دار العلانية، حتى خاطر بنفسه وبكل شئ يهوله، ومن شأنه أن ~~يفهم الحجة، ويوضح الموعظة، ويبين عن موضع المظلمة، وإلا فسكوته أحسن من ~~الفارسية. # وكيف فهمت معناه العرب وهي لا تعرف من الفارسية قليلا ولا كثيرا، ولم يكن ~~للنبي - صلى الله عليه - ترجمان يعبر عنه للفرس فيكون ذلك الترجمان كان ~~حاضرا لكلامه، فيفسر للناس معناه. # وكيف نقلت عنه الصحابة إلى التابعين وكل من كان بحضرة القوم حين بايعوا ~~أبا بكر لا يفهمون الفارسية، ويكون سلمان حين تكلم بها استرابوا عندها ~~فسألوه عنها ففسرها. ولو كان ذلك كذلك لحكاه الذين نقلوا الحديث، فكان ذلك ~~أحب إلى الروافض، لأنهم إنما نقلوه ليعرفوا من كان الطاعن على أبي بكر. ~~والطعن كلما كثرت فيه المراجعة والمناقضة، وطال سببه، وعرف علمه، كان أدل ~~على الشهرة والاستفاضة، وأن الأمر كان حقا معروفا. # فواحدة أن الأمر لو كان كذلك لكانت الروافض أسرع الناس إلى حكايته، ~~لتستشهده على الدعوى، ولتقوي به الحديث، وتشد به الحجة. # PageV01P188 #
# وثانية: أن الناقلين أنفسهم كانوا سيحكونه، إذ كانوا إنما حكوا نفس ~~الكلمة ليعرفوا أنه قد كان هناك خلاف، ويدلونا على أن سلمان كان ممن خالف، ~~وممن له هذا القدر الرفيع الذي يحتج بخلافه. # وأخرى: أن ذلك لو كان قاله سلمان، وهو طعن على أبي بكر، كان مشهورا عند ~~عمر وعثمان وأبي عبيدة وسعد وعبد الرحمن، وهؤلاء عندكم شيع أبي بكر. فكيف ~~أطبقوا على ترك التكلم على سلمان، والدار دارهم والحكم حكمهم، ومعهم الرغبة ~~والرهبة، مع أن الجرأة على سلمان أيسر وأسلم مغبة من الجرأة على أبي ms117 بكر. ~~وقد أطبقت على طاعته الأمة خلا أربعة نفر: أحدهم سلمان، وليس سلمان معروفا ~~بالنجدة وشدة الشكيمة، ولا وراءه ظهر يمنعه، فكيف لم يزجره عن ذلك زاجر، ~~ولم يدفعه عن ذلك دافع، ولم يناظره مناظر، ولم يتعجب منه متعجب، ولم يرفع ~~ذلك رجل إلى أبي بكر كما رفعوا إليه قول خالد بن سعيد. # فإن قلت: إن أبا بكر كان مداريا يتسع صدره لأكثر من هذا، كما اتسع صدره ~~فلم يعاتب خالدا ولا أراده على بيعته. كيف سلم على حدة حكم، فأين جد عمر ~~وحده وقلة احتماله، واعتقاده لمثل هذا؟ وكيف [سلم] طلحة مع شدة بأوه ~~وصرامته. # ولا نعلم شيئا مما ادعوه أظهر باطلا ولا أفسد معنى من قوله "كرداذ ~~ونكرداذ". # PageV01P189 #
# وأما ما ذكرتم من ترك خالد بيعة أبي بكر ثلاثة أشهر، فإن الذين نقلوا هذا ~~هم الذين نقلوا أن خالدا يوم توفي النبي - صلى الله عليه - كان على صدقات ~~اليمن، فقدم بعد أن بايع الناس أبا بكر، فلما دخل المدينة استقبله عثمان ~~وعلي، فقال لهما: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ ~~فلم يذكر لنا أنهما ردا عليه قولا، ولا أظهرا قبوله. ثم جلس عن بيعته لا ~~يسأله ذاك أبو بكر ولا يدعو إليه، فبينما هو كذلك إذ مر أبو بكر بدار خالد ~~مظهرا لبعض الأمر، وخالد في داره. فسلم عليه أبو بكر فقال له خالد: أتحب أن ~~أبايعك؟ قال: أحب أن تدخل في صالح ما دخل فيه المسلمون. قال له خالد: موعدك ~~العشية، فأتاه وهو على المنبر فبايعه. # ففي هذا وجوه من الكلام: # منه أن خالدا لم يطعن في إمامة أبي بكر من جهة الجزء والكفاية والكمال ~~والفضل، ولا من طريق ما تفسد به الإمامة وتنتقض به الخلافة؛ وإنما ذكر ~~الحسب وطرائق الجاهلية. وهذا الأمر إن كان مقصورا في قوم دون قوم، فليس هو ~~في بني عبد مناف عامة. وإن كان ليس [مقصورا] في قوم، وليس لقول خالد معنى، ~~فإن كان مقصورا ms118 في عبد مناف للشرف أو للقرابة، فالعباس أولى بذلك من علي ~~وجميع عبد مناف. # PageV01P190 #
# ولو أراد عليا لم يقل: أرضيتم بني عبد مناف؟ لأن عثمان وعليا منافيان، بل ~~كان يقول: أرضيتم معشر العترة، أو معشر بني هاشم ومعشر بني عبد المطلب. مع ~~أنه لو قال ذلك لكان للعباس في ذلك القول من السبب ما ليس لعلي، لأن هذا ~~الأمر إن صلح أن يخرج من رهط النبي - صلى الله عليه - دنيا، ومن أقرب الناس ~~إليه، إلى أقصى بني عبد مناف، لصلح أن يخرج إلى أقصى بنى كلاب. فإذا كان ~~ذلك كذلك فتيم وعبد مناف سواء. # ومما يدلك على أن خالدا لم يقل شيئا، أن هذا الأمر إن كان إنما يستحق ~~بالعلم والعمل والجزء والغناء فليس لذكر عبد مناف معنى. # وإن كان هذا الأمر لأفضل قريش كائنا من كان فلم يقل خالد شيئا، وليس لذكر ~~عبد مناف معنى. # وإن يكن هذا الأمر في أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~فلم يصنع خالد شيئا. # وإن يكن هذا الأمر لرجل بعينه قد نصبه النبي - صلى الله عليه - ودل عليه ~~فلم يصنع خالد شيئا، لأنه كان ينبغي له أن يسير بالمنصوص أو بالمدلول عليه. # أو يكون هذا الأمر لا يصاب إلا من طريق الوراثة. فإن كان ذلك كذلك فلم ~~يصنع خالد شيئا، لأن صاحب الوراثة أظهر أمرا وأشهر # PageV01P191 #
# موضعا من أن يحتاج إلى كلمة ليست بأن تدل عليه بأقرب منها من أن تدل على ~~خالد نفسه. # ووجه آخر: أنه قصد بكلامه إلى عثمان وعلي جميعا، ليهزهما معا. لأن هذا ~~اللفظ الأغلب على ظاهره حب العصبية، والمحاماة على الأحساب، وترك التخاير ~~بالأفعال، والتفاضل بالجزء والكمال. # ولعله أراد عثمان دون علي، أو لعله أراد نفسه والتذكير بها والتنبيه ~~عليها، فإنه كان أشرف من عثمان وأقدم إسلاما منه، وكان من مهاجرة الحبشة، ~~وكان ذا قدر عظيم، وهو ابن أبي أحيحة. وكان أبو أحيحة إذا اعتم بمكة لم ~~يعتم ms119 بها أحد، إكبارا لقدره وتفضيلا لحاله. # وكان عثمان لائحا ... سعيد بن العاصي. # وظاهر كلام خالد وقع على عبد مناف جملة، وهو يرى أنه في السر منهم. فإن ~~كنتم أردتم أن تخبروا عن خلاف خالد على أبي بكر وجلوسه عنه، فلقد كان ذلك ~~حتى راجع من تلقاء نفسه، وثاب إليه عازب رأيه، فأناب إلى خطته، ودخل في ~~صالح ما دخل فيه غيره. وما كان تخلفه عن بيعته إلا ريثما ذهبت عنه حميته، ~~وانجاب عن ... وتيقظ من نومه. # PageV01P192 #
# وما ذلك بأعجب من اجتماع الأنصار وقوله للمهاجرين الأولين: "منا أمير ~~ومنكم أمير"، والدار دارهم، والمهاجرون ضيفانهم ونزول فيهم. وهم أول الناس ~~والعدد والصلاح والرأي، فكانوا مجلبين جادين مجدين، فما هو إلا أن هجم عليه ~~الصديق وقام فيهم مرشدا ومحتجا، [حتى] استبدلوا بالخلاف طاعة، وبالضجة ~~إطراقا، وبالأنفة خضوعا، وبالطيش حلما، وأنصتوا معا واستمعوا معا. # وكأن السائل إنما أراد تعريفنا أنه كان من خالد خلاف. فقد كان ذلك ثم رجع ~~إلى نفسه وعرف موضع خطئه، غير مرغوب ولا مرهوب. # وإن كان إنما أراد أن يجعل هذا وشبهه حجة في إمامة على فليس لعلي رحمة ~~الله عليه في ذلك من الحجة على إمامته قليل ولا كثير، إذ لم يذكروه في شئ ~~من أمورهم، لا في يسير أمرهم ولا عسيره. ولو ذكروه ما كان لذكرهم دليل على ~~أنه أولى بالإمامة من أبي بكر، مهما عددنا عليك من خصاله التي لا يفي بها ~~علي ولا غيره. # وإنما كان يكون هذا الإدخال حجة لو قلنا: إن أحدا لم يخالف أبا بكر. # ورضى الجميع وسكونهم وصوابهم لم يكن ليتهيأ أبدا، حتى لا ينطق أحد بحرف ~~واحد لا جاهل ولا عالم، ولا عصي ولا حاسد. # وكيف يتفق إطباقهم على سكون واحد والناس من بين حاسد وراض، وعصي وتقي، ~~وحليم وسخيف، وغالط ومصيب، وعاقل وأحمق؟ # PageV01P193 #
# وإذا كان النبي - صلى الله عليه - مع رجاحته على جميع الخلق لم يسلم على ~~أمته [من] المستجيبين له، فضلا على جاحديه ms120 والمنكرين له، كان أبو بكر أجدر ~~ألا يسلم من رعيته. # ولقد قام رجل إلى النبي - صلى الله عليه - فقال: والله يا محمد ما عدلت ~~في الرعية، ولا قسمت بالسوية. وقال الله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} ~~وقال: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات}. # وقال عباس بن مرداس: # أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع # فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس من المجمع # في شعر له طويل. # وقال أبو حذيفة بن عتبة يوم بدر: يقتل أبناءنا وأعمامنا وينهانا عن ~~عشيرته، والله لئن أدركته لألجمنه بالسيف! # وخالفوا عليه في يوم الحديبية في نحر الهدي، وحيث قالوا: "لا نعطي ~~الدنية" مرة بعد مرة. في أمور كثيرة. # فليس في طعن الطاعن دلالة إذا كان المطعون عليه كاملا فاضلا. # PageV01P194 #
# وإجماع الناس كلهم على الصواب أمر لا ينال، ولكن إذا كانت الأمة قد أطبقت ~~على طاعة رجل على غير الرغبة والرهبة، ثم لم يكن اغترارا ولا إغفالا، فليس ~~في شذوذ رجل ولا رجلين دلالة على انتقاض أمره وفساد شأنه. # وليس يحتج بهذا وشبهه إلا رجل جاهل بطبائع الناس وعللهم، ولو كان هذا ~~وشبهه ناقضا لإمامة أبي بكر، كانت إمامة علي أنقض وأفسد، لأن الدنيا انكفت ~~بأهلها عليه وماجت بساكنيها ... من ولايته، وتداعت من أقطارها، تريد ~~محاربته، حتى لقد نازعه فيها من ليس في مثل حاله ولا شرف موضعه، ولا في ~~فضيلة دينه فناهضه الحرب، ونازله القتال ... بيعته، والتج عليه الخلاف من ~~أهل طاعته، وموضع الجد في عسكره، فرد بأسه في أصحابه، وصرف كيده إلى جنده، ~~وجلس خلي الذرع، رضي البال، [في] عجب الفاتن وسرور المخادع، وعز المصيب، ~~وبأو الأريب. ثم بعث رسولا قد اختاره بالحكم عليه وله، وبعث خصمه رسولا قد ~~اختاره بالحكم عليه وله. فكان رسوله المخدوع، ورسول خصمه المخادع. ثم رجعت ~~الأمور إلى خصمه، وانتزعت منه ومن ولده مرة بالبطش، ومرة بالحيلة. # ثم كان يرى من خلاف أصحابه واضطراب جنده وتبديل أصحابه مثل ما يرى خصمه ~~من طاعة خاصته، ونصرة ms121 جنده، وثبات عهد أصحابه. فلم يكن ذلك عارا عندنا ولا ~~عندكم على علي، ولا دليلا على نقص رأيه # PageV01P195 #
# وضعف حزمه، وسعة علمه وكثرة فضله، وقد أصابه من الخلاف والتعذر وانتشار ~~الأمر واضطراب الحبل وظفر الأعداء وشماتة الحساد، ما قد رأيتم. ثم قد جئتم ~~تشبثون بطعن سلمان، وقول أبي سفيان، وقعود خالد، كأنكم لم تعرفوا ما عند ~~خصومكم، غرارة ونقصا. # وأعجب من هذا أنكم مرة تزعمون أن الذي حمل بني أمية على صرف الإمامة عن ~~علي الضغن الذي في نفوسها، والأحقاد التي في صدورها، لقتل علي أبناءها ~~وإخوتها وأعمامها. ومرة تعتلون وتحتجون في نقض إمامة أبي بكر بطعن عظيمي ~~بني أمية في إمامته كعلي، كخالد بن سعيد وأبي سفيان بن حرب. وإذا شئتم كانا ~~لكم، وإذا شئتم كانا عليكم. # وأما ما ذكرتم من قول أبي بكر: "ما كانت بيعتي إلا فلتة"، وقول عمر: "ما ~~كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة وقى الله شرها" فإن الأمر على هذا واضح، والحجة ~~فيه قائمة. # وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما توفي كان الناس على طبقات: # من رجل مؤمن عالم، ناصح لله ورسوله. # ومن رجل مطاع ليس له علم بالإمامة، وما السبب الذي به تنعقد من السبب ~~الذي به تنحل. # ومن رجل مكانه في قريش أشرف من مكان أبي بكر، وليست غايته صلاح المسلمين، ~~إنما غايته أن يكون الإمام من أقرب القبائل إليه، ليزداد هو وقومه بذلك ~~شرفا وفخرا. # ومن رجل له قرابة فهو يرى أنها تغنيه عن العلم والعمل. # ومن رجل شديد في بأسه، ضعيف في دينه، مخف في ذات يده، # PageV01P196 #
# بعيد الهمة حامل في هدوء الناس وأمنهم، فهو لا يألو إضرام الفتنة، وتهييج ~~السفلة، يرى أن في الهيج ظهور نجدته، وخروجه من الخمول إلى النباهة، ومن ~~الإقلال إلى الإكثار. # ومن رجل دخل في الإسلام مع من دخل في دين الله، دخل من الأفواج. لا يعرف ~~حقيقته، ولا يستريح به إلى الثقة. # ومن رجل أخافه السيف، ms122 واتقى الذل والقتل بإسلامه ونفاقه، كمنافقي المدينة ~~ومن حولها من أهل القرى والبادية، يعضون على المسلمين الأنامل بالغيظ، وهم ~~البطانة لا يألون خبالا، يترقبون الدوائر، وينفرجون إلى الأراجيف، ~~ويستريحون إلى الأماني. # ومن رجل صاحب سلم، يدين لمن غلب، لا يدفع مبطلا ولا يعين محقا. يرى أن ~~صلاح خاصته هو صلاح العامة. # ثم الذي كان من وثوب الأنصار، وهم أهل العدد وأصحاب الدار والأموال، على ~~أمر لو تابعهم المهاجرون عليه حتى يكون من كل فرقة أمير، لفتحت بذلك بابا ~~من الفساد لا يقوى أحد على سده، ولكان الذي يقع بين الأوس والخزرج في الأمر ~~أشد مما كان يخاف منها ومن قريش، لأن القرابة كلما كانت أمس، والجوار أقرب، ~~كانت العداوة على قدر ذلك. # ولو أن الأنصار حين أتاهم أبو بكر فأظهروا الشقاق والخلاف ... عن الحق ~~وجهلوه، ما كان لهم دون البوار مانع، ولكان غير مأمون وثوب من بالمدينة ومن ~~حولها من المنافقين وأشباههم، من الحشو # PageV01P197 #
# والطغام، ولكان غير مأمون أن ينضم إليهم من حول المدينة من المرتدين، ممن ~~بدل إسلامه ساعة بلغته وفاة النبي - صلى الله عليه -. ولو صاروا إلى ذلك ~~لكانوا أقوى من المهاجرين والأنصار، إذ كانوا جميعا نشرا وقلوبهم شتى، ~~وبأسهم بينهم. ولكان غير مأمون عند ذلك أن يغزوهم مسيلمة في أهل اليمامة ~~قاطبة مع من حولها من أهل البادية. ثم كان غير مأمون أن يستمد بجميع أهل ~~الردة ممن نكث ونصب العداوة. # وجميع ما قلنا إنه كان غير مأمون، لم نقله إلا بأسباب قد كانت هناك قائمة ~~معروفة، فما عسى نقمه المهاجرون والأنصار على ما وصفنا ونزلنا. # فقد صدق أبو بكر وصدق عمر أن تلك البيعة كانت فلتة وأعجوبة وغريبة، إذ ~~سلمت على كل ما وصفنا من أسباب الهلكة، وهي سربخ، وليس دونها ستر ولا رد. ~~فكانت بيعته يمنا وبركة أنقذ الله بها من الهلكة، وجمع بها من الشتات، ورد ~~بها الإسلام في نصابه، بعد تخلعه واضطرابه. فأماتت السخيمة، وأودعت القلوب ~~السلامة، وجمعتها على الألفة. ms123 # PageV01P198 #
# وهذه مكرمة وعطية، ولا يجوز أن يحبو بها خالق العباد إلا نبيا أو خليفة ~~نبي. # فأما قوله: "ما كانت بيعتي إلا فلتة وقى الله شرها"، فقول امرئ عالم ~~بالعواقب، عالم بأسباب الفتن، شديد الشفقة منها، حامد لربه على السلامة ~~منها. # أوما علمت أن أبا بكر بينا هو يخطب على المهاجرين في مسجد النبي - صلى ~~الله عليه -، والنبي مسجى، وهو يحتج عليهم ويعرفهم سرفهم، واعتداءهم في ~~قولهم: "إن النبي - صلى الله عليه - لم يمت"، وقد خاف أن يصير بهم الإفراط ~~في التعظيم والغلو في الحب، أن يضارعوا مذهب النصارى، وخاف أن يكون آخر ~~أمرهم أشد من أوله. وكان أشد الأمور عليه في ذلك أن مثل عمر وعبد الرحمن ~~وعثمان، هم الذين كانوا خرجوا إلى ما لا ينبغي من القول، فبدرهم بالخطبة ~~محتجا عليهم ومعرفا لهم مواضع غلطهم، ونحس إفراطهم، فحين تبين لهم خطؤهم ~~وسلموا لاحتجاجه عليهم، أتاه آت فقال: إن الأنصار قد اجتمعت إلى سعد بن ~~عبادة في سقيفة بني ساعدة، يقولون: منا أمير ومنكم أمير، فراعه ذلك، وصور ~~له الحزم كل مخوف، فعلم أن الداء الذي عنه نطقوا أشد علاجا من الداء الذي ~~نطق عنه عمر وعثمان وعبد الرحمن، والنفر من المهاجرين الذين قالوا: إن ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله لم يمت، وعلم أن إبراء كل سقم أهون من إبراء ~~سقم الحمية والطمع في الملك، ولا سيما إذا شابهما سوء تأويل، وضافرهما الحس ~~بالقوة. وهذا لهو الداء العضال والداهية العقام. # PageV01P199 #
# فلما انتهى إليه أمرهم، وعرف جميع ما عليه طبائعهم وعللهم، وطبائع ~~أتباعهم، لم يكن شئ أهم إليه من البدار إليهم قبل أن يستفحل الشر، ويتمكن ~~العزم. فمر حثيثا وتبعه عمر، ولحقه أبو عبيدة في نفر من قريش، فيمر بالناس ~~حلقا عزين، وهم يبكون ويتحدثون، فيقبل عليهم فيقول: أنتم جلوس تفركون ~~أعينكم وفي الإسلام العسا البدار، وقيل البوار. # فلو لم يتداركهم بحيطته ويقظته وصدق حسه، وأبطأ عنهم ريثما كانوا ~~يتطارحون الرأي، ويستثيرون دفين الحسد ms124 حتى يتمكن ذلك الحسد، وتتمثل لهم ~~صورة الظفر، فلو هجم عليهم أبو بكر في ضعف من بالمدينة من قريش، لم يكن في ~~طاقتهم دفعهم، والدار دارهم، والبلاد بلادهم، والبادية باديتهم، ومن فيها ~~تبع لهم، فكان من صنيع الله أن كان هو الذائد والقائم، والحارس، والعاطف ~~والمداوي، ولم يكلهم الله إلى نظرهم واختيارهم، فيكون ذلك فسادهم وهلكتهم. # فإن قالوا: فما معنى قول أبو بكر للأنصار حين أتاهم: "إن هذا الأمر ليس ~~بخلسة، قد علمتم معشر قريش [أنا] أكرم العرب أحسابا، وأيقنها أنسابا، وأنا ~~عترة النبي - صلى الله عليه - وأصله، والبيضة التي تفقأت عنه"؟ # فلم يذكر أبو بكر قريشا وأحسابها وعترة النبي - صلى الله عليه - والبيضة ~~التي تفقأت عنه، إلا وهو يرى أن له عليهم بهذا من الفضل ما ليس لهم، ومن ~~السبب إلى الخلافة ما ليس لهم. فقد ينبغي أن يكون لبني هاشم على هذا القياس ~~من الفضل والسبب ما ليس لبني تيم. # PageV01P200 #
# قلنا لهم: إن أبا بكر لم يقل هذا القول وهو يريد معنى مذهبكم فيه، مع ~~أنكم قد قطعتم الكلام لأنه قال: "فإنه لم يكن فينا -فكان يوبخ به- وإنا نحن ~~المهاجرون وأنتم الأنصار، وإن الله لم يذكرنا وإياكم في شئ من القرآن إلا ~~بدأ بذكرنا قبلكم، فمنا الأمراء ومنكم الوزراء". # فلم يقل أبو بكر: "قد علمتم يا معشر قريش أنا أكرم العرب أحسابا وأيقنها ~~أنسابا، وأنا عترة النبي وأصله"، وهو يريد أن يخبر أن الرياسة في الدين ~~تستحق لغير الدين، والخلافة أعظم رياسات الدين، فعلى حسب ذلك تحتاج إلى ~~العمل الصالح. # ولكن أبا بكر خطب على قوم كانوا يرون للحسب قدرا، وللقرابة سببا، فأتاهم ~~من مأتاهم وأخذهم من أقرب مآخذهم، واحتج عليهم بالذي هو عندهم، ليكون أقطع ~~للشغب، وأسرع للقبول. وليس في كل المواضع تفسير لحجة أمثل من إظهار الجملة، ~~وتعريف الناس الغاية، وحملهم على أدق الحجج وأصوبها. ولربما أخفى الإمام ~~كثيرا مما يريد بالناس عنهم، للذي ... من بعضهم عن فضله، وضيق صدورهم عن ~~سعة فضله. ms125 بل يعلم أنه لو أطلعهم طلع إرادته، والذي عزم عليه من صلاحهم، ~~كانوا أسرع إلى طلب بغضه من عدوهم. # PageV01P201 #
# وقد دل أبو بكر على مذهبه في الأحساب في أول خطبة خطبها على المهاجرين ~~والأنصار، حين قال في كلامه: # " وعليكم بتقوى الله، فإن أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وإني ~~متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني، أيها الناس إنه لم ~~يدع الجهاد قوم قط إلا ضربهم الله بذل، ولم تشع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم ~~بالبلاء، أيها الناس اتبعوا كتاب الله، واقبلوا النصيحة، فإن الله يقبل ~~التوبة، ويعفو عن السيئة، واحذروا الخطايا التي لكل بني آدم منها نصيب، ~~ولكن خيرهم من اتقى الله، واتقوا يوما لا ينفع فيه حميم ولا شفيع يطاع". # ألا تراه ذكر جميع بني آدم ثم قال: "ولكن خيرهم أتقاهم"، كما قال الله: ~~{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ثم قال: "اتقوا يوما لا ينفع فيه حميم ولا ~~شفيع"، فقد أخبر عن نفسه ومذهبه في ذلك المقام بغاية ما يتكلم به أصحاب ~~التسوية. فكأن أبا بكر إنما قال: فإن كان هذا الأمر معشر الأنصار إنما ~~يستحق بالحسب ويستوجب بالقرابة، فقريش أكرم منكم حسبا وأقرب منكم قرابة، ~~وإن كان إنما يستحق بالفضل في الدين فالسابقون الأولون من المهاجرين ~~المقدمون عليكم في جميع القرآن أولى به منكم. لأن أبا بكر ذكر في صدر كلامه ~~الحسب والقرابة، وفي عجزه فضل المهاجرين على الأنصار. فلما أبصر القوم وجه ~~الحجة، وقررهم بما لم يزل عليه قبل ذلك طبائعهم، لحقوا بالطاعة وأعطوا ~~المقادة. # وكيف يكون كبار الأنصار أفضل من كبار المهاجرين، وقد سبقهم المهاجرون ~~وأسلموا قبلهم بالسنين قبل السنين، والأنصار بعد على دين # PageV01P202 #
# آبائهم، وعبادة أصنامهم. ثم الذي لقي المهاجرون في الله ببطن مكة ~~-والأنصار وادعون في بيوتهم رافهون في ديارهم ناعم بالهم خلي سربهم لذيذ ~~عيشهم- ثم هاجروا إلى دارهم، فكانوا معا في العبادة والجهاد، إلا ما فضلوا ~~به من وحشة الاغتراب، وفراق الدار والأحباب. ms126 فللمهاجرين مثل ما للأنصار، ~~وقد بانوا بسابقتهم. وإنما قدموا في القرآن لتقدمهم في الإسلام. # وكما أن المهاجرين الأولين ليسوا كغيرهم من المهاجرين، وكما أن من أسلم ~~بعد الفتح ليس كمن أسلم قبله، فكذلك ليس من أسلم والناس كلهم كفار غيره، ~~كمن أسلم وقد أسلم الناس قبله. # وأنت إذا تأملت قول الصديق للأنصار: "إن هذا الأمر ليس بخلسة" علمت أنه ~~كان ثابت الجنان، رابط الجأش، واثقا بالحجة، عارفا بمواضع الإمامة، وإنما ~~كانت غايته تقريرهم بفضيلة المهاجرين، لأنهم إذا صاروا إلى ذلك فلا حاجة به ~~إلى ذكر نفسه وتعريفهم فضله، لأن تبريزه كان بينا على المهاجرين، وفضله كان ~~ظاهرا على السابقين. # والدليل على ذلك أن خوض الأنصار وكلامها لم يكن إلا فيما بين جملة ~~الأنصار وجملة المهاجرين، قالوا: منا أمير ومنكم أمير. فما هو إلا أن قررهم ~~بفضيلة المهاجرين فلم يكن لهم بعد ذلك متكلم، حتى أطبقوا جميعا على بيعته ~~هم والمهاجرون من بين جميع المهاجرين - فلا يستطيع أحد أن يدعي أن إنسانا ~~قال من الأنصار: فإن كان لا بد أن يكون منكم الأمراء فليكن فلان، فإنه أفضل ~~وأحق بقرابة أو بعمل - فسكتوا معا سكتة واحدة، وسلموا معا تسليما واحدا. # PageV01P203 #
# ولو أن الأنصار كانوا قد سلموا للمهاجرين في البدء فلم يفارقوا ولم ~~يتمادوا، وكانوا كالمهاجرين في إطباقهم على أن الإمام منهم، ما كان ليظهر ~~للناس من شهامة أبي بكر وصرامته واجتماع نفسه وقوة منته، وجلد رأيه، وقلة ~~حيرته وتضجعه مثل الذي ظهر لهم. وإنما يعرف العاقل فضل العاقل في مضايق ~~الأمور، وساعة الجولة، والعجلة والحيرة، وظهور الفتنة، وموجان السفلة، ~~واضطراب العلية، واختلاط الخاصة بالعامة. # فهل أعضل به داء فلم يسد ثغره، أم هل نجم بلاء فلم يتول قمعه؟ # وزعمت العثمانية أن أحدا لا ينال الرياسة في الدين بغير الدين. ولو جاز ~~أن يعطي الله رجلا عطية ويفضله على غيره لنسبه، وعملهما سواء في دار ~~الدنيا، جاز أن يفضله عليه في الآخرة. # وليس ذلك كالمعافى والمبتلى، لأن العافية والبلاء، والشكر ms127 والصبر، ~~والثواب على الطاعة بهما والعقاب على المعصية فيهما، إذا وازنت بين عواجل ~~أمورهما وأواجلها من كل وجوهها، رأيتهما سواء لا فضل بينهما. # وكذلك شأن المملوك والمالك، والفقير والغني، والمبتلى والمعافى. # فإن كان القريب القرابة والبعيد القرابة سبيلهما في النقص والفضل، والصبر ~~والشكر، والثواب والعقاب، وجميع حلاتهما في العاجل والآجل، كالمعافى ~~والمبتلى، والمالك والمملوك، والفقير والغنى، فليس بين القريب # PageV01P204 #
# والبعيد فرق، وليس لقرابته فضيلة على غيره، ولا ينفعه شئ إلا كما نفعت ~~المعافى والغني في ظاهر أمرهما، وما يقع العيان عليه منهما، وهما في الغنى ~~والمصلحة، والنظر والصنع، سواء. # وليس على هذا بنى القوم أمرهم في القرابة، لأنهم زعموا أن القرابة سبب ~~للرياسة في الدين، ولو قالوا إنها سبب للقدر والنباهة في الدنيا كان ذلك ~~وجها، كما ترى من فضل حال المنيع الرهط، الجميل الرواء، والمعافى في بدنه ~~الكثير المال، على الذليل الرهط الذميم في روائه، المبتلى في بدنه، القليل ~~ذات اليد، وهما في مغيب أمرهما. وفيما لا يقع العيان عليه من شأنهما، سواء ~~في صنع الله وفضله وعائدته. # [وإنما] كان لنا أن نزعم أن القرابة تنفع في الدين والحسب فتكون سببا إلى ~~الرياسة فيهما، أن لو كنا رأينا من عظم قدر القرابة ونبل من أجله نال ~~الرياسة الكبرى بالحسب. فإذا رأينا النبي - صلى الله عليه - لم يستحق ذلك ~~الموضع البائن العالي إلا بالفضل دون المركب كان من مت بقرابته أجدر ألا ~~ينال الرياسة إلا بالفضل دون المركب، لأن النبي - صلى الله عليه - لو كان ~~نال ذلك بالهاشمية كان هو ورجل من عرض بني هاشم سواء. # ولو كان ناله بعبد المطلب لكان ولد عبد المطلب لصلبه أقرب إليه. # وقد نعلم أن ذلك لو كان لشخص بالهاشمية أو بالمطلبية لكان لعلي في ذلك ما ~~ليس لأحد، لأنه ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه فاطمة ابنة أسد ~~بن هاشم. # PageV01P205 #
# فلما وجدنا الأمر كما ذكرنا، علمنا أن النبي - صلى الله عليه - لم يصيره ~~مستحقا ms128 لأعظم الرياسات وأشرف المقامات إلا بالعمل، إذ كنا قد وجدنا من ~~يساويه في الهاشمية لا يستحق مثل ماله. # وزعمت العثمانية أن لها في التسوية بين القريب والبعيد حججا كثيرة، قد ~~عرفتها وسمعتها من أهلها. # ولكن كتابي هذا لم يوضع إلا في الإمامة، ولربما ذكرت من المقالة والملة ~~والنحلة التي تعرض في الإمامة صدرا، طلبا للتمام وتعريفا لوجوه الإمامة وما ~~دخل فيها. # والكلام في التسوية كلام يدخل في باب التعديل والتجوير، وهو باب يشتد ~~الكلام فيه ويغمض، فإن أخبرنا عن فرعه ولم نخبر عن أصله لم ينتفع القارئ ~~به، وصار وبالا عليه. # وقد زعم ناس من العثمانية أن الله بفضله ومنه كفى أكثر الناس مؤونة ~~الروية، وتكلف غامض الكلام في التسوية، فأخبرهم في كتابه بأبين الكلام ~~وأوضحه عن معاني التسوية، وما يجوز في عدله وحكمته. فقال وهو يريد أن يعلم ~~الناس أنهم لا ينتفعون بصلاح آبائهم، ولا يضرهم فساد رهطهم فقال: {وإبراهيم ~~الذي وفي. ألا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}. # فإذا كان كون الإنسان ابن نبي وابن خليفة نبي أو ابن عم نبي ليس من سعيه، ~~فقد أخبر أنه لا شئ له في ذلك حين قال: # PageV01P206 #
# {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فالسعي معروف، والكون من رهط دون رهط ليس ~~من سعي المرء في شئ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه - لقرابته حين جمعهم: ~~"يا عباس بن عبد المطلب، ويا صفية بنت عبد المطلب، ويا فلان ويا فلان، إني ~~لا أغني عنكم من الله شيئا". # ولو أن إنسانا من القرابة إذا هو عصى وعصى غيره بمثل معصيته غفر الله ~~[له] لقرابته، ولم يغفر للآخر، وكان إذا أطاع وأطاع غيره بمثل طاعته أعطاه ~~الله أكثر مما يعطي الآخر، لكانا إذا استويا فلم يطيعا جميعا ولم يعصيا، ~~فكانا إما طفلين وإما مجنونين وإما نائمين، وإما ساهيين، أعطى القريب ~~وفضله، ولم يعط الآخر شيئا ولم يسو بينه وبين من لم يطع ولم يعص، كما لم ~~يطع ms129 القريب ولم يعص، لم يكن النبي - صلى الله عليه - ليقول لعمه وعمته: إني ~~لا أغني عنكم من الله شيئا. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه -: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ~~بذمتهم أدناهم". # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه -: الناس كلهم سواء كأسنان المشط. ~~والمرء كثير بأخيه. ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه". # ولذلك قال حين بلغه أن عيينة قال: أنا ابن الأشياخ، أنا عيينة بن حصن بن ~~حذيفة بن بدر بن عمرو، قال النبي - صلى الله عليه -: "أشرف الناس يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". # ولذلك أخذ وبرة من جنب بعير يوم حنين فقال: "والذي نفسي بيده ما أنا بهذا ~~أحق من رجل من المسلمين". # PageV01P207 #
# وقد قال الله: {واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} "، فلم يستثن من جميع النفوس نفسا واحدة، ~~لا ابن نبي ولا ابن عمه. # وقال الله: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا}. والمولى كلمة واقعة على ~~جميع، فمنه ابن عم المرء، ومنه خليفته، ومنه مولاه من فوق، ومنه مولاه من ~~تحت، ومنه مولاه الذي ملكه قبل عتقه. فإذا قال الله: {يوم لا يغني مولى عن ~~مولى شيئا} فقد دخل فيه ابن العم وغيره، ولم يستثن الأنبياء دون المسلمين. # وقال: {يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم} وقال: {يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده، ولا مولود هو جاز ~~عن والده شيئا} ثم قال: {إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور}. # فمن اغتر بعد هذا بالقرابة واتكل على غير العمل الصالح فقد رد تأديب الله ~~وتعليمه. # ثم الذي رأينا من قصة ابن آدم حين قرب من أخيه قربانا فتقبل من أخيه ولم ~~يتقبل منه، فقتله حسدا له وبغيا عليه. وكيف لم تنفعه قرابته من آدم حيث ~~لعنه الله وبرئ ms130 منه، وجعله من أصحاب النار، ثم قال: {وذلك جزاء الظالمين}. # PageV01P208 #
# لكي لا يتكل أحد ظالم بعده على قرابته، ولا يغتر بأن يكون ابن نبي، ولذلك ~~أرسل الكلام على مخرج العموم. ولم يخرجه ذلك المخرج إلا وذلك إرادته. # فإن قالوا: إنه لم يكن لصلبه، ولو كان لصلبه لنفعه ذلك عنده. # قلنا: إنه ليس لأحد سمع الله يقول: {واتل عليهم نبأ ابني آدم} أن يجعلهما ~~من عرض بني آدم بعد سبعين قرنا إلا بحجة. # وإن لم تكن له في ذلك حجة فليس له أن يزيل معنى ابن عن أصله، لأن الأصل ~~المستعمل الموضوع أن يكون الابن للصلب، فإنما جاز أن يقال لابن الابن على ~~التشبيه بالابن، [و] على الحمل عليه. # وكذلك الابن الذي هو على التبني والتربية، لأن رجلا لو قال: أتاني فلان ~~بن فلان، لم يكن لأحد أن يقول: إنه لم يعن ابنه وربيبه، إلا بحجة، وإلا ~~فالكلام موضوع على أصله وعلى المستعمل المعروف منه. # ثم صنيع الله بابن نوح. وهو كما علمت من أعظم الأنبياء قدرا ومنزلة ~~ومكانا، حين عصى فيمن عصى، كيف غرقه فيمن غرق ممن لا قرابة له ولا ولادة. # فإن قالوا: إنه لم يكن ابنه، لأن الله قال: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح}، وذكر امرأة نوح وامرأة لوط فقال: # PageV01P209 #
# {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا}. # قيل لهم: إنه ليس لنا أن ندع قول الله: {ونادى نوح ابنه} إلى تأويل مختلف ~~فيه. ولقولة الخيانة مخارج غير تأويلكم، وقد تفجر المرأة بعد أن صح منها ~~لبعلها ولد كبير. وفي قوله: {فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} دليل أن ~~محبتهما كان الصفح عن خيانتهما، وأن محبتهما لم تغن عنهما شيئا. # ولا يشبه قولكم [في] نساء الأنبياء الذي نعرف من حسن اختيار الله لهم من ~~طيب المناكح وطهارة المداخل. وهذا معنى طبائع الناس. لم يكن الله ليترك ~~امرأة نبي تصير إلى تهجينه والتصغير بقدره، لأن ms131 الرسالة منظفة مصفاة، لا ~~تحمل الأقذاء، ولا تعلق بها الأدناس، ولا يطوق المبطلين عليها الاعتماد. # وفي قول الله لإبراهيم، وهو شجرة الرسالة وخليل رب العزة، حين يقول له: ~~{إني جاعلك للناس إماما} قال إبراهيم إما مستقيما وإما طالبا: {ومن ذريتي} ~~قال: {لا ينال عهدي الظالمين}. # وأخبر أن عهد إمامته وخلافته لا ينال الظالم وإن كان من خير خلق الله. # PageV01P210 #
# ففي هذا دليل أن الرياسة في الدين لا تنال بغير الدين. # وقال الله: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ~~فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون} ألا ترى أن الذرية وإن كانت كلها ذرية ~~ومكانها من القرابة سواء، فمنها ولي ومنها عدو. # فإن تركوا هذا جانبا وقالوا: كيف تزعمون أن أبا بكر كان يرى التسوية، ~~وكان لا يرى أن الفروسية أصل للإمامة والقرابة شعبة عن الخلافة، ولم يكن في ~~الأرض رجل أبعد من هذا المذهب من خاصته وخليفته وصنيعته، والمحتذي على ~~مثاله، عمر بن الخطاب، لأنه فضل القرشيات من نساء النبي - صلى الله عليه - ~~على غيرهن، وفضل العرب في العطاء على الموالي. وقال: "زوجوا الأكفاء" وكان ~~أشد منه في أمر المناكح. # قيل لهم: إنه لم يكن على ظهر الأرض رجل كان أبعد مما قلتم من عمر، ولا ~~[ظهر] منه خلاف ما ادعيتم مثل الذي ظهر منه. # والدليل على غلطكم وخطأ قولكم، أن عمر لما فرض الأعطية ودون الدواوين ~~وقام إليه أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، فقالا: يا أمير المؤمنين، ~~أديوان كديوان بني الأصفر، إنك إن فعلت ذلك اتكل الناس على الديوان وتركوا ~~التجارات والمعاش! فقال عمر: قد كثر الفئ والمسلمون. # ففرض للمهاجرين ومواليهم، وللأنصار ومواليهم، ممن شهد بدرا # PageV01P211 #
# في ستة آلاف ستة آلاف، فكان عطاء عمر وعلي وعبد الرحمن وطلحة والزبير ~~وأبي عبيدة بن الجراح، وعطاء بلال وسالم مولى أبي حذيفة وجميع الموالي ~~سواء. # ثم فرض على قدر الفضل والغناء والسابقة، على قدر بعد الدار وقربها من ~~المهاجر، ففرض لأهل اليمن في ms132 السبعمائة إلى الألف، وهم أبعد خلق الله منه ~~ومن مضر أرحاما ونسبا، وإنما أرغبهم وزادهم لبعد دارهم من المهاجر، وكانوا ~~أهل قرى ومزارع، فتركوا مطنبهم رغبة في الهجرة. # وفرض لمضر وبلي وكلب وطيء في الثلثمائة إلى الأربعمائة، فتسويته بين مضر ~~وطيء دليل على ما قلنا. # وفرض لربيعة في خمسين ومائتين وقال: إنما هاجروا من أطناب بيوتهم. وربيعة ~~أمس به وبمضر من بلي وطيء. # وفرض لأشراف الأعاجم: لدهقان نهر الملك، وهو فيروز بن يزدجرد، ولابن ~~النخيرخان ولخالد وجميل ابني بصبهرى # PageV01P212 #
# دهقان الفلوجة، ولبسطام بن نرسي دهقان بابل، وجفينة العبادي، ورفيل في ~~ألفين ألفين. # وفرض للبوسحتان والهرمزان ولسياه وخش وأمقلاس في ألفين وخمسمائة، وهو ~~أقصى شئ أخذه عربي قط، فقيل له في ذلك، فقال: قوم أعاجم أشراف، أحببت أن ~~أتألف بهم غيرهم. # وفرض لسوى هؤلاء النفر من العجم من الحاشية والعوام ممن سبي وأسر وخرج في ~~الصلح مع رئيسه وقائده، في أقل مما فرض للأعراب وحاشية العرب وعوامهم، فقيل ~~له في ذلك فقال: إن الأعرابي إلا يقاتل عن دينه قاتل عن رهطه وشقه وناحيته، ~~وإن لم يكن ذا بصيرة في دينه قاتل محاماة عن حسبه وأصحابه، وقد أمنت تحوله ~~إلى عدوه، فأقل ما عنده إذا لم يبل أن يكثر السواد ويكثف الجيش، وهو على ~~حال أفقه في الدين وأفهم للتأويل، والعجمي ليس بذى بصيرة في الإسلام ولا ~~يقاتل عن داره ولا يحامي عن حسبه ولا يدافع عن رهطه، وغير مأمون عليه ~~التحول إلى أصحابه فيدل على العورة، وهو أجدر ألا يفهم تنزيلا ولا تأويلا. # وحمل قوما في البحر وآخرين في البر، ففضل على قدر المؤونة، وأعطى على قدر ~~المشقة. # PageV01P213 #
# فهكذا كانت عطاياه، وهكذا كان تدبيره فيما نقلت العلماء وروت الفقهاء، ~~ولا يشك في ذلك صاحب خبر، ولا يدفعه صاحب أثر. # فأما ما ذكروا من تهجينه أمر العجم، وتعظيمه أمر العرب، فإنما كان ذلك ~~لأنه لما ندب الناس إلى قتال كسرى والأساورة تثاقلت عن ذلك العرب والأعراب ms133 ~~وجميع المهاجرين والأنصار، هيبة لناحية كسرى والفرس، وخفوا لغزو الروم ~~ونشطوا له، حتى انتدب أبو عبيد الثقفي أول من انتدب، فلذلك عقد على كبار ~~المهاجرين الأولين والأنصار والبدريين، فلم يكن له هم إلا تصغير أمرهم ~~وتهجين شأنهم والحط من أقدارهم ليرد ذلك من نفوس العرب. # وهكذا ينبغي أن يكون تدبير المدبر. # أوما علمت أن المغيرة بن شعبة لما سمع قيس بن مكشوح يقول حين عاين الفرس: ~~وما رأيت كاليوم حديدا ولا عديدا! وهذا يوم القادسية، وقد كان قيس شهد قبل ~~القادسية حروب الروم، وقيس يومئذ على الخيل، والمغيرة على الرجالة، فأقبل ~~عليه المغيرة منتهرا له وهو يقول: إنما هذا زبد من زبد الشيطان! # وقد كان المغيرة قد عاين مثل الذي عاين قيس، ولكن التدبير كان غير الذي ~~ذهب إليه قيس. # ومن الدليل على ما وصفنا من تدبير عمر، تركه الاستخفاف بأقدار العجم ~~وإظهار احتقارهم والإزراء بهم، بعد جلولاء. # PageV01P214 #
# فمن ذلك أنه لما أتي بسيف كسرى وقبائه ومنطقته ألبسه سراقة بن مالك بن ~~جعشم، ثم قال له: أدبر، ثم قال له: أقبل، فلما أقبل عليه عمر وعنده الناس، ~~فقال: أما والله لرب يوم لو كان هذا من كسرى وآل كسرى لكان شرفا لك ولقومك. ~~في أمور كثيرة من هذا الضرب لم يكن عمر لينطق بحرف منها وحربهم مخوفة ونفوس ~~العرب لهم هائبة. # وهكذا تدبير الخلفاء ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولو كانوا إذا لم يفهموا ~~عن الأئمة لم يعترضوا عليهم ولم يخطئوهم ولم يجهلوهم كان أيسر. # ولا أعلم في الأرض جيلا أجهل بهذا وشبهه ممن ينتحل اسم الكلام وينصب نفسه ~~للخصومات، ثم الروافض خاصة، ليس يعرفون من أمر الإمام إلا أنه يعلم ما يكون ~~قبل أن يكون. # ومن الدليل على ما وصفنا به عمر، قوله لسعد بن أبي وقاص حيث وجهه إلى ~~القادسية وأوصاه، قال: يا سعد سعد بن وهيب، إن الله عز وجل إذا أحب عبدا ~~حببه إلى الناس، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك أن يقال خال ms134 رسول الله - ~~صلى الله عليه -، فإن الناس في ذات الله سواء. # فأي قول أجمع وأدل، وأي فعل أشبه بالذي حكينا عنه من التسوية، من هذه ~~الأقاويل والأفاعيل. # PageV01P215 #
# وكان سعد خال النبي، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه - وقد أخذ بيده: ~~"هذا خالي أباهي به فليأت كل امرئ بخاله". # وفي قول عمر في المناكح: "ليس شئ من خصال الجاهلية إلا وقد تركته، ألا ~~إني لست أبالي إلى من نكحت، وإلى من أنكحت" فإن شئت أن نقول: وأي أمر هو ~~أوجب على العاقل المسلم الحر من ألا يبالي إلى من نكح وأنكح؟ # قلت: وإن قلت إن هذا الكلام من عمر يدل على بقية عصبية فيه، فما تبرأ ~~إليك منه حين جعله من خصال الجاهلية إلا وهو آب له وناه عنه، وزار عليه. ~~وفي قوله هذا دليل على أنه قد اكترث لبقية عادة الجاهلية، وأنه راغب عنهما ~~كما رغب عن أكبر منهما. # وفي قوله لعبد الله بن عمر حين فرض له في ألفين وفرض لأسامة في ألفين ~~وخمسمائة، وابنه قرشي وأسامة مولى، حين قال له عبد الله: أتفضل علي أسامة ~~في العطاء وأنا وهو سيان؟ قال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وكان ~~أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك. # ألا ترى أنه يدور مع الدين حيثما دار؟ # وفي قول عبد الله بن عمر لأبيه:" تفضل على أسامة في العطاء وأنا وهو ~~سيان" دليل على أن القوم كانوا لا يعرفون إلا الدين والسابقة، والغناء عن ~~المسلمين. # وفي وصيته عند وفاته أن يصلي عليه صهيب، وفي أمره إياه بالصلاة # PageV01P216 #
# بالناس في مقامه إلى أن يختار المسلمون رجلا، دليل على ما قلنا. # وصهيب مولى لعبد الله بن جدعان. # والدليل على أن صهيبا رجل من العجم قول رسول الله - صلى الله عليه -: ~~"بلال سابق الحبشة، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم". وهذا حديث لم ~~يختلف فيه فقيهان. # وفي خروج آذنه وحاجبه يوما إلى الناس، وقريش والعرب جلوس ببابه ms135 ينتظرون ~~إذنه، فيهم أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام والأقرع بن حابس ~~وعيينة بن حصن، فنادى بأعلى صوته: أين عمار؟ أين بلال؟ أين صهيب؟ أين ~~سلمان؟ فينهضون مكرمين ومفضلين، وعلى الناس مقدمين، وتلك الجلة وتلك السادة ~~جلوس لا ينطقون ولا ينكرون، فلما كثر ذلك عليهم تمعرت وجوههم وامتقعت ~~ألوانهم، فأبصرهم سهيل فعرف ما قد أصابهم ونزل بهم، وكان حليما خطيبا فقال: ~~لم تتمعر وجوهكم وتتغير ألوانكم، ولا ترجعون باللائمة على أنفسكم؟ دعينا ~~ودعوا، فأبطأنا وأسرعوا، ولئن حسدتموهم على باب عمر للذي أعد الله لهم في ~~الجنة أفضل! # ثم الدليل الذي ليس فوقه دليل، قوله وعنده أصحاب الشورى وكبار المهاجرين ~~وجلة الأنصار وعلية العرب، وهو موف على قبره ينتظر خروج نفسه: "لو كان سالم ~~حيا ما تخالجني فيه الشك". وسالم مولى امرأة من الأنصار، وكان حليفا لأبي ~~حذيفة بن عتبة بمكة. فلذلك كان يقال: مولى أبي حذيفة، لأن حليف الرجل ~~مولاه. # PageV01P217 #
# فإن كان هذا لا يدل على التباعد من الحمية والأعرابية والعصبية، ولا يدل ~~على التسوية. فما عندنا ولا عند أحد شئ يدل على شئ! وإذا كان هذا مذهبه ~~وقوله في الخلافة فما ظنك به فيما دون الخلافة؟ # وهذا باب إن استقصيناه كثر وشغل الكتاب. وفيما قلنا مقنع لمن كان الحق له ~~مقنعا، والصواب له مألفا. # فهل يقدر أحد أن يحكي عن علي مثل الذي حكينا عن عمر في التسوية أو شطره؟ # إن أكبر ما رأينا في أيديكم عنه قوله: "إنني قرأت ما بين دفتي المصحف فلم ~~أجد فيه لبني إسماعيل على بني إسحاق فضلا". # فهذا قول إن قاله علي فليس فيه دليل أنه أراد به الطعن على عمر وإظهار ~~خلافه، لأن عليا قد ملك أكثر الأرض خمس حجج، فلو كان رأيه في خلاف عمر على ~~ما تصفون، وكان عمر عنده لا يرى التسوية في العطاء، لقد كان غير دواوين ~~عمر، وبدل أعطيته وفروضه وحولها إلى الحق عنده، أو نطق فيها بحرف، أو أظهر ms136 ~~ذلك في هيئته إن لم ينطق به خطيبا ومحتجا. # وكيف يكون ذلك ولا أحد أعلم بصواب ما دبر عمر في ذلك من علي؟ # وكيف يكون عمر لا يرى التسوية وقد صنع صنيعا لو قام مقامه أشد الناس سعيا ~~- ما لم يجر عن الحق ويعدل عن السداد - ما كان عنده ولا في طاقته أكثر منه. # والعجب أنكم تزعمون أن عليا كان يرى التسوية، وأن عمر صاحب # PageV01P218 #
# حمية، فأنتم تروون أن أكثر احتجاجه إنما كان بذكر قرابته وأمتن أسبابه ~~ومصاهرته، مع أن القرابة هي التي أخرجتكم إلى هذا الإفراط كله، فأنتم تحبون ~~بني هاشم وتفضلونهم للقرابة، وتوجبون لهم الإمامة للقرابة، ثم تزعمون أن ~~عليا كان يرى أن ولد إسماعيل وإسحاق سواء، وكان يرى أن العرب والعجم سواء. # وكيف غضبتم على عمر لأنه فضل قريشا على العرب، والعرب على العجم، ولم ~~تغضبوا على أنفسكم حين فضلتم بني عبد المطلب على بني هاشم، وفضلتم بني هاشم ~~على بني عبد شمس؟ # ففضلوا أيضا بني عبد شمس على سائر قصي، وسائر قصي على سائر كعب، وسائر ~~كعب على سائر قريش، وكذلك سائر قريش على سائر مضر، وكذلك سائر مضر على ~~ربيعة، وربيعة على ولد إسحاق، وولد إسحاق على ولد قحطان. # وإن شئتم ففضلوا ربيعة على اليمن، واليمن على العجم. وإذا أنتم قد دخلتم ~~في كل ما عبتم. # فأما أن تفضلوا من شئتم على من شئتم - وإن كان من لم تفضلوا في القياس ~~كمن فضلتم - فليس ذلك لكم، لأن القياس قد اعترض دون مشيئتكم وقضى عليكم. # ولو أن قائلا قال: أنا أزعم أن الناس كلهم بعد بني عبد المطلب لصلبه ~~سواء، كما قلتم إن الناس كلهم بعد بني هاشم سواء، ما كان الذي قال أمس ~~بالرسول وأولى بالحكم. فإن قلتم: فمن أين كان له أن يقف على # PageV01P219 #
# جد عبد المطلب وليس بينه وبين هاشم إلا أب؟ فيقال لكم: وكيف كان لكم أن ~~تقفوا على جد هاشم وبين هاشم وعبد مناف أب ms137 واحد؟ وكيف كان لكم أن تقطعوا ~~التفضيل وحق القرابة من لدن هاشم، وهاشم وعبد شمس أخوان لأم وأب؟ ولذلك قال ~~الشاعر: # عبد شمس كان يتلو هاشما * وهما بعد لأم وأب # فاجعلوه يتلو هاشما في حق القرابة واستحقاق الإمامة. وإذ جاز عندكم أن ~~تتخطى الإمامة العم إلى ابن العم كان [ذلك] في الأخ للأم وللأب. # ثم زعمتم أن الدليل على أن عمر صاحب عصبية وحمية، رده لسلمان حين خطب ~~إليه ابنته، وسلمان كان أعقل من أن يخطب إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. # قلنا: جوابنا في هذا في خطبته إلى علي، وإن كان علي أشرف موضعا. مع أن ~~القائم عن سلمان أنه كان يقول: قال لي النبي - صلى الله عليه -: "يا سلمان ~~لا تبغض العرب فتبغضني". وكان يقول: "أمرنا أن نأتم بكم ولا نؤمكم، وأمرنا ~~أن نزوجكم ولا نتزوج منكم". # فليس في الأرض متعرب وصاحب عصبية إلا وأكبر ما يحتج به في المناكح حديث ~~سلمان. # وقد تمنع الأشراف عقائل نسائها لأسباب غير التحريم، لا يكون ذلك عيبا ~~عليهم في آدابهم، ولا نقصا في أديانهم. # وفي قول علي يوم الجمل حين رأى عبد الرحمن بن عتاب صريعا: "شفيت نفسي ~~وجدعت أنفي، قتلت الصناديد من بني عبد مناف # PageV01P220 #
# [وأفلتني الأعيار] من بني جمح! " فقال له رجل: لشد ما جزعت عليه يا أمير ~~المؤمنين! قال: "إنه قد قامت عني وعنه نسوة لم يقمن عنك" دليل أنه قد كان ~~يرى للأمهات قدرا كثيرا، وللمناكح خطرا عظيما. # وفي كراهته أن يتزوج المقداد ضباعة بنت الزبير، حتى كان من النبي إليه ~~الذي كان، دليل على شدة تدبيره. # وإنما ينبغي أن يقضي بين أصحاب محمد من قد عرف أمورهم في جميع متقلبهم، ~~لأنه غير مأمون على المتكلم إذا قل سماعه أن يخرجه الجهل [إلى] استصغار ~~بعضهم أو تضليله والبراءة منه، فيهلك هلاك الدنيا والآخرة. # وإن أغنى الناس أن يكون أصحاب محمد خصومه لأنتم معشر أصحاب النظر ~~والمتكلمين. # والذين نحلوا عمر العصبية رجلان: رافضي أحب أن ms138 يمقته إلى العجم والموالي، ~~ومتعرب عرف أن عمر عند الناس قدوة، فنحله ذلك ليكون له حجة. فاعرف ذلك. # وأما ما ذكروا من أن الزبير خرج شادا بسيفه يوم السقيفة، فإن كانوا ~~صادقين فإن هذا لهو الطيش والتسرع إلى الفتنة. وتهييج الناس على إظهار ~~السلاح. # PageV01P221 #
# وإنما أتى أبو بكر الأنصار واعظا ومحتجا، ومسكنا ومصلحا بألين الكلام ~~وأحسن الهدي، لم يحمل سوطا ولا سيفا، ولم يظهر معازة ولا أراد المغالبة. ~~فما وجه خروج الزبير بسيفه شادا نحوه؟ بل كان أشبه الأمور بالزبير وأولاها ~~به، والذي يجب علينا أن نظنه به، أن يقوم محتجا ومصلحا. فإذا أبان عن حجته ~~وأعذر في موعظته فلم ير ذلك ناجعا ولا مقبولا، ورأى شيئا يجوز به حمل السيف ~~والشد به، كان من وراء ذلك. # وكيف علمتم أن الزبير إنما سل سيفه ليؤكد لعلي إمامته أو ليوطئ له ~~خلافته؟ ولعله إنما أراد الأمر لنفسه دون غيره. ولعله إنما غضب لصرف الأمر ~~من خاله وكبيره وشيخه العباس بن عبد المطلب. فكيف علمتم أنه إنما أراد ~~صرفها عن أبي بكر خاصة؟ وكيف يشد على رجل لم يقل بايعوني ولا أظهر الحرص ~~عليها، وإنما كره أن يبقى الناس نشرا، وعلم أن على الأنصار أن يسمعوا ~~للمهاجرين. وقد قال للناس: "بايعوا أي هذين شئتم" يعني أبا عبيدة وعمر. إلا ~~أن يكون الزبير قال: ولم كنت أنت المحتج على الأنصار والمعرف لهم فضل ~~المهاجرين عليهم دون علي! # ويقال لهم عند ذلك: أما بادي الرأي والذي لا نشك فيه نحن ولا أحد ممن ~~خالفنا، فالذي كان من مناصبة الزبير لعلي ومحاربته له دون الإمامة، وزعمه ~~أنه أفضل منه وأولى بها منه، ولو جعلها شورى لفرعه وبرز عليه. # PageV01P222 #
# ثم الذي لا يشك الناس فيه من طاعته لعمر، وإنما عمر شعبة من شعب أبي بكر. ~~ولقد بلغ من تعظيمه لعمر وطاعته له وإكباره لقدره، أنه محا نفسه من الديوان ~~لما قتل عمر تسلبا عليه ورفعا لقدره أن يلي منه من ms139 الإعطاء والمنع أحد كما ~~كان يليه منه عمر. كما محا نفسه من الديوان حكيم بن حزام لما توفى النبي - ~~صلى الله عليه -. وكذلك محا نفسه من الديوان عبد الله بن الزبير حين قتل ~~عثمان. # ولقد بلغ من طاعته لعمر أنه بعثه مددا لعمرو بن العاص، فجعل عمرا الأمير ~~عليه ينفذ لأمره ويصلي بصلاته. # والذي يدلك على انبتاته في هوى أبي بكر، وانقطاعه إليه بمودته الخاصة ~~التي كانت بين أبي بكر وبينه، وذلك أن عبد الله بن مسعود أوصى إليه حين ~~مات. وعبد الله عمري محض، وهو القائل في عثمان حين برز على الشورى: "ما ~~ألونا أن جعلناها [في أعلا] نا ذا فوق". فإذا كان هذا قوله في عثمان وعلي، ~~فما ظنك به في أبي بكر وعمر. # ثم أوصى إليه عثمان بن عفان [و] هو أصل العمرية والعثمانية، والمباينة ~~لعلي وشيعته عندهم. وأوصى إليه عبد الرحمن بن عوف، وهو المختار # PageV01P223 #
# لعثمان على علي، وصاحب أبي بكر، والدافع بالموسم في خلافة أبي بكر من بين ~~جميع المهاجرين. # هذا مع أسباب الزبير الواشجة بأبي بكر: فمن ذلك إسلامه على يديه، ~~واحتماله مؤونته في مصاهرته، حيث رغب إليه في تزويج ابنته أسماء ذات ~~النطاقين، فولدت عبد الله - وعبد الله كنيته أبو خبيب - وعروة وغيرهما. ~~وكان عبد الله أول مولود ولد في الهجرة، فسماه الزبير باسم جده أبي بكر، ~~لأن اسم أبي بكر عبد الله ولقبه عتيق، وإنما لقب بعتيق لعتق وجهه ودقة ~~محاسنه. ثم كني [ابن] الزبير بأبي بكر بكنية جده. فكان عبد الله بن الزبير ~~يكنى أبا بكر تيمنا منهم بكنيته وتبركا باسمه. # وقالت عائشة رضي الله عنها: ألا تكنيني يا رسول الله؟ قال: "بلى، اكتني ~~بابنك" يعني عبد الله بن الزبير. فكانت عائشة تكنى بأم عبد الله. ولذلك ~~كانت تقول: قال ابني، وفعل ابني، وكادوا يوم الجمل أن يقتلوا ابني. # فيقال للرافضة: أما العيان والوجود فهو الذي خبرناكم به. وأما ما ادعيتم ~~من [أن] الزبير سل سيفا ليؤكد إمامة ms140 علي فقد ينبغي أن تأتوا على ذلك ~~ببرهان. فأما معاداة الزبير له ومحاربته إياه وفخره عليه، فهذا ما لا يدفع ~~عنه، ولقد فخر عليه حين دعاه إلى الشورى وأبى ذلك علي فقال: أسلمت بالغا ~~مدركا وأسلمت ناشئا طفلا، وكنت أول من سل سيفا في الإسلام ببطن مكة وأنت ~~مستخف في الشعب يكفلك الرجال ويمونك الأقارب من هاشم، وكنت فارسا وكنت ~~راجلا، وكنت شجاعا وكنت # PageV01P224 #
# بطلا. ولئن كنت تزعم [أنك ابن عمه] إني لابن عمته. وأنا عابر البحر يوم ~~الحبشة، وفي هيئتي نزلت الملائكة. وأنا حواري رسول الله - صلى الله عليه - ~~وفارسه. # خبرني بهذا الكلام أبو زفر، عن ضراب أن الزبير كان احتج به. # وخبرني جماعة من العثمانية عن محمد بن عائشة، أن الزبير كان احتج به، وقد ~~سقط عني بعضه لطول العهد بسماعه. # وقالت العثمانية: العجب أن الروافض ربما احتجت علينا بأن الزبير سل سيفه ~~ومضى قدما في تأكيد بيعة علي وخلع سواه، ونقص من أبي بكر. # فيقال لهم: فما منعكم أن تقولوا لما مات النبي - صلى الله عليه - وجحد ~~السلف إمامة علي: كفر الناس خلا خمسة نفر أولهم الزبير في نفسه وفضيلته على ~~غيره، وأكبر ما كان منه من سل السيف والشد به، وهذا موقف لم يقفه بلال ولا ~~أبو ذر. وأنتم على ثقة أن # PageV01P225 #
# ذلك كان، وأن السيف لم يحمل إلا لنصرة علي دون العباس وجميع بني عبد مناف ~~وما ولد قصي. # وكيف لم يكن أدنى منازل الزبير أن يكون قد كان مؤمنا وليا إلى أن جحد ~~إمامة علي بعد مقتل عثمان، فيكون سبيله شبيها بسبيل حذيفة وعمار، لأنهما ~~كانا عندكم كافرين حتى تابا في زمن عثمان، فكان يكون الزبير مؤمنا إلى أن ~~كفر عند مقتل عثمان. # وإنما صار حذيفة وعمار عند الرافضة وليين لأنهما قالا بزعمهم: والله ما ~~دخل عثمان حفرته إلا كافرا، وإنه لحيفة على الصراط يوم القيامة، يتأذى به ~~أهل الجمع. # فإن كانوا إنما صاروا إلى توليهما بعد إكفارهما ms141 من أجل تصديق هذا الحديث ~~فإن الذين رووه هم الذي رووا أنهما قالا: والله ما دخل عثمان حفرته إلا ~~كافرا، وإنه لجيفة على الصراط يتأذى به أهل الجمع؛ وإنه لا يلي هذا الأمر ~~بعد عمر إلا كل أصفر أبتر. فإن كانا قد تابا بقولهما الأول لقد ارتدا ~~بقولهما الثاني حين قالا: وإنه لا يلي هذا الأمر من بعد عمر إلا كل أصفر ~~أبتر. # ولو لم يكن ذلك كذلك بل كانا مرتدين فتابا فتوليتموهما عند توبتهما ~~وعاديتموهما قبل ذلك على طاعتهما لعمر، فما بالكم لم تقولوا مثل ذلك في ~~الزبير أنه لم يزل مؤمنا حتى جحد إمامة علي بعد؟ مع أن سل الزبير سيفه، ~~وعدوه نحو أبي بكر وأصحابه، وقول عمر: "دونكم الكلب" حتى أخذ سيفه وخطر، ~~إنما هو حديث وجدناه في بعض السيرة، وليس من الأخبار المستفيضة، وليس مما ~~يحققه أصحاب الحديث. # PageV01P226 #
# وإن قالوا: فما قول أبي بكر في خطبته التي خطب بها في أول خلافته: ~~"وليتكم ولست بخيركم"؟ وهل يخلو هذا القول من الصدق والكذب. فإن كان صدقا ~~فهو خلاف قولكم في تفضيله على جميع أئمتكم، والرجل كان أعلم بنفسه وبأهل ~~دهره، وإن كان كاذبا فأي كذب أقبح من كذب إمام على منبر جماعة؟ ومن أحق ~~بألا يليهم ويحمل إمامة دينهم ودنياهم ممن يكذب على منبر الرسول من غير أن ~~يكرهه أحد أو يريده عليه، أو يكون في تقية كخائف السوط والسيف؟ بل ما يدعوه ~~إلى الكذب، والكذب مقبح في العقل مقبح في الدين، ولم يكن هناك رهبة تسوقه ~~ولا رغبة تقوده؟ على أن كذب الرعية أسخف وأقبح، وهو لا يخلو من أن يكون ~~صادقا فلا يسعه أن يتقدم من هو خير منه وقد مكنه تقديمه، أو يكون كاذبا ~~فالقول فيه على ما قلنا. # قلنا: إن العثمانية تذكر لذلك وجوها: # فمنها: أن الحسن كان يقول: "والله أعلم أنه كان خيرهم، ولكن المؤمن يهضم ~~نفسه". فزعم الحسن أنه إنما تهضم نفسه ووضع منها لأن الخلف المشفق كثيرا ms142 ما ~~يزرى على نفسه ويعيب عليها ويستبطئها، ويظهر المقت لها والخوف عليها. فهذا ~~كان مذهب الحسن. # وأما قتادة فزعم أنه قوله: "وليتكم ولست بخيركم" إنما أراد في الحسب، ~~ليعلمهم أنه إذ يليهم بالحسب فإنما وليهم بالسابقة. لأنهم # PageV01P227 #
# قد كانوا أكثروا من قولهم: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم؟ ~~وأراد في أول مقام قامه أن يعلمهم [أن] ذلك المقام لا ينال بأن يكون صاحبه ~~خير الناس حسبا ومركبا، إنما ينال بأن يكون خير الناس علما وعملا. # وأما غيرهما فزعم أن من عادة الخائفين الوجلين المشفقين أن يقول الرجل ~~منهم: كل أحد خير مني؟ ثم يبكي على تضييعه، ويستعظم صغير ذنوبه كأنه ليس في ~~الأرض مذنب سواه، وأكثر ما يقول ذلك عند ذكر بعض ذنوبه أو عند بعض ما ~~يعارضه به الشيطان والإنسان، من تزكيته وتقريظه وإظهار تفضيله لنفسه ~~وإحسانه، والعجب بحاله. لأنه ليس بعد أن يرى العبد أن ذنبه من قبل ربه مذهب ~~هو أعظم من استكبار الطاعة واستصغار المعصية. فعند ذلك يعارضه المؤمن ~~بتقريع نفسه وتأنيبها، وتوقيفها على ما فرط منها، وتذكيرها مساويها، ~~واستعظام كل ما كان من تقصيرها وإساءتها، واستصغار كل ما كان من عظيم ~~إحسانها وطاعتها، فيقول: كل أحد خير مني. وما أشبه من الكلام. # وهذا الضرب من اللفظ، إذا كان على هذا الوجه فليس في مجرى الكذب وقول ~~الزور، وإن كان القائل: "كل أحد خير مني" خيرا من كل أحد. # فكأن أبا بكر لما خطب الناس وقام مقام رسول الله - صلى الله عليه -، وسلم ~~عليه المهاجرون والأنصار وعلية قريش وسادة العرب قياما على أقدامهم، وصفوفا ~~على مراتبهم، يقولون: السلام عليك يا خليفة رسول الله، # PageV01P228 #
# وألقيت إليه أزمة الأمور، وأعطوه المقادة، وأسمحت نفوسهم له بالطاعة وقد ~~صرفوها عن القرابة وعن أهل الشرف، رأى بسطة عيشه من عز الخلافة وبأو ~~الإمامة، ما لا يعرف قدره غيره، ولا تأتي الصفة على كنهه، وللشيطان هناك ~~مداخل ومخاتل، ودس وتحريك وطمع، ليس يقوى ms143 بشري على دفع تلك الفتنة، وتسكين ~~تلك الحركة، والنهوض بتلك المحنة، إلا بغاية الزري على النفس والهضم لها، ~~والبخس والتخون منها، وتناسي ذكر جميع محاسنها، واجتلاب ذكر جميع مساويها. ~~فبالحري إذا صنع ذلك أن يرد من غربه وطوائع نفسه، وحركة همته، وانتشار ~~عزمه، وانتقاض مرته. # وهذه حال لا يمتحن بها إلا الخلفاء، ولا يختبر بها إلا الأئمة الهدى، لأن ~~معهم من قوة المنن ومن فضول الأحلام، وشدة الورع وكثرة العلم، وثبات النفس، ~~والمعرفة بما أداه الطائع، وإماتة الشهوات، وقمع ... ما يقام به موريه ~~مكايد الشيطان وتعظيم الإنسان، وعز السلطان. والنفس لا تسمح بإعطاء ما ~~عليها حتى تمنعها ما لها. # وإن كان قول أبي بكر: "وليتكم ولست بخيركم" إنما أراد به مداواة قلبه ~~والزري على نفسه، فليس بكذب وإن كان خيرهم، إذ كان إنما أراد إصلاح قلبه، ~~وعلاج دائه، والبعد من تقرير القوم بنقصهم عن فضله، والفخر عليهم بتبريزه. ~~فإنما أراد أن يكون سبيله سبيل من يظهر التعلم إذا علم، وسبيل من يتواضع ~~إذا عظم. فجمع بذلك حسن الأدب، والبعد # PageV01P229 #
# من التزكية. والتحبب إلى المستمع، والتواضع لربه، والمداواة لقلبه، ~~والظفر بعدوه، وإحراز دينه. # وقد يكون إخلاص ظاهر لفظه على شئ ومعناه غيره، فلا يكون ذلك كذبا، لمعرفة ~~القائل بفهم المستمع عنه. وهذا باب كثيرا ما يستعمله العرب. # يقول الرجل لامرأته: ألقيت حبلك على غاربك! وهو يعني طلاقها وليس هناك ~~حبل ألقي على غارب. # ويقول: ما لي في هذا الأمر ناقة ولا جمل! وليس ذلك يريد. ولست منها في ~~عير ولا نفير! وليس ذلك يريد. # وقال عمر في الصداق ما بلغكم، فلما احتجت عليه المرأة بقول الله: {وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} قال: كل أحد أفقه من عمر. # وهذا القول ينبغي أن يكون على قياسكم هذا كذبا. ولا نعلم أحدا رواه عن ~~عمر إلا على التفضيل له. ووجهه قائم معروف. # فإن قالوا: ما معنى قول أبي بكر: "بايعوا أي هذين شئتم"، يعني عمرو وأبا ~~عبيدة. # قيل لهم: ms144 إن أبا بكر إنما قال هذا الكلام للأنصار ومن حضر بعد أن قرر ~~الأنصار بفضل المهاجرين عليهم، وأن الأمراء منهم. فعلم عند ذلك أنه بائن ~~عند الأنصار من جميع المهاجرين كما بان عند المهاجرين، # PageV01P230 #
# ولكنه كان سائسا رفيقا، فكره أن يقول بايعوني، ليكونوا هم الذين يطلبون ~~منه ذلك ويريدونه عليه، ويظهرون حب تقديمه، لتكون النفوس بطاعته أسمح، ~~وفيها أرغب، ولمذهبه أحمد، ولأن ذلك عندهم أبعد من الاستبداد عليهم، ~~والافتيات بالأمر دونهم، والحرص على التأمر عليهم. ولذلك مشى في الناس بعد ~~بيعته ثلاثا يقول: هل من مستقيل فيقال؟ # وقد قال في خطبته بعد البيعة: # وقد كانت بيعتي فلتة، وخشيت الفتنة، وايم الله ما حرصت عليها يوما ولا ~~ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، وما لي فيها راحة، وقد قلدت أمرا ~~عظيما ما لي به طاقة، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني. # ألا ترى زهده فيها، وقلة حرصه عليها، وكيف يخبر أنه لو لم يخش الفتنة ما ~~قبلها، ولود أن أقوى الناس عليها مكانه؟ # وقوله: "لوددت أن أقوى الناس عليها مكاني" يقول: وددت أنه لو كان في ~~الناس من هو أقوى عليها مني. ليس أنه يرى أن في الأرض يومئذ رجلا هو أقوى ~~عليها منه. # ومثل هذا في كلام العرب كثير. # وقال الراجز وذكر إبله فقال، إذا كانت عليها مغارضها: # PageV01P231 #
# • يشربن حتى تنقض المغارض * # يقول: يشربن حتى لو [كانت عليها مغارضها] سمعت لها نقيضا. والبعير لا ~~يورد وعليه غرضه وبطانة. # ثم رجعنا إلى الحديث الأول. # فكأن أبا بكر حين قال: "بايعوا أي هذين شئتم" علم أن عمر وأبا عبيدة لا ~~يستجيزان تقدمه والتأمر عليه، كما بلغنا من قول عمر في أبي بكر، يوم جمع ~~المهاجرين والأنصار يستشيرهم في غزو الروم حيث خالفوه وأبى أبو بكر إلا ~~إنفاذ ذلك الجيش والتعريف لهم بالحجة فيه، حين يقول: "الحمد لله الذي يخص ~~بالخير من يشاء من خلقه. والله ما استبقنا إلى شئ من الخير إلا سبقنا إليه، ms145 ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم". # وقال أيضا يوم السقيفة حين قال أبو بكر: بايعوا أي هذين شئتم: "والله لأن ~~أقدم فتضرب عنقي أحب إلى من أن أتقدم أبا بكر". # وقال: "والله لأن أضجع فأذبح كما يذبح الجمل أحب إلى من أن أتقدم أبا ~~بكر". # ولقد بلغ من تعظيمه له وتقديمه إياه أنه قال حين سئل عن الكلالة: "والله ~~إني لأستحي الله أن أرى خلاف رأي أبي بكر". # وأنت لم تجد أبا عبيدة تقدمه في موقف قط، وقد وجدت أبا بكر قد تقدم أبا ~~عبيدة في مواقف كثيرة، في حياة رسول الله # PageV01P232 #
# - صلى الله عليه - وبعد وفاته، كما حكينا لك قبل هذا. ولم نجد ذكر أبي ~~بكر وعمر في موضع قط إلا وأبو بكر المقدم عليه، مع مقامات لأبي بكر شريفة ~~ليس لعمر فيها ذكر. # فبين أن يكون أبو بكر يأمرهم بذلك أمرا أو يطلب إليهم طلبا، وبين أن ~~يجعله إليهم فيكونوا الطالبين له والراغبين إليه، وليكون ذلك من تلقائهم ~~وطيب أنفسهم، فرق عظيم. # وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عمر والنبي يقول: "ضرب بالحق على لسانه" و ~~"الشيطان يفرق من حسه" و "اللهم أعز الإسلام بعمر"؟ وأية بيعة أثبت من بيعة ~~عقدها أبو عبيدة والنبي يقول: "لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن ~~الجراح". # وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عبد الرحمن بن عوف وقد سماه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - "الأمين". فإذا كان أمين رسول الله - صلى الله عليه - ~~في أمته، والفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، حيث قال: "لا يعبد ~~الله سرا بعد اليوم" قد عقدا بيعته وأكدا أمره، فما عسى أن يبلغ قول قائل؟ ~~ولو كان ذلك عن مواطأة من # PageV01P233 #
# أبي بكر لأبي عبيدة كما واطأ معاوية عمرو بن العاص، ما استعمل عليه خالد ~~بن الوليد أميرا أيام حياته حتى عزله عمر بن الخطاب، ولكان كما صنع معاوية ~~بعمرو حين أطعمه ms146 مصر. # وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عبد الله بن مسعود، والنبي - صلى الله عليه ~~- يقول: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره ابن أم عبد". ~~فإذا رضي ابن أم عبد بيعة رجل فقد رضيها النبي عليه السلام، إذ كان النبي ~~قد قال: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره ابن أم عبد". # ولقد بلغ من تقديمه لأبي بكر وعمر وعثمان أنه قال عند اختيار الناس ~~لعثمان: "ما ألونا أن جعلناها في أعلانا ذا فوق". # ولقد بلغ من تعظيمه لعمر وتقديمه له، أنه قال: "لقد خشيت الله في حب ~~عمر". وقال: "ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر". وقال بعد موت عمر: "إن عمر ~~كان للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما مات انثلم ذلك ~~الحصن فصار الناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه". وقال: "إذا ذكر الصالحون فحي ~~هلا بعمر". # فإذا كان عمر وعثمان من أتباع أبي بكر وشيعته وأوليائه، وهذا قوله فيهما ~~وتفضيله لهما، فما ظنك به في أبي بكر؟ # PageV01P234 #
# ولو أن رجلا واحدا من نحو من ذكرنا عقد لعلي إمامة، أو نطق فيه بكلمة، ~~لأكلت الشيع والروافض هذه الأمة فضلا عن أن تحتج يرضاه واختياره. فهذا هذا. # ثم الذي نقلوا إلينا من تثبيت علي بيعة أبي بكر. وذلك أنهم قالوا: لما ~~بويع أبو بكر وبايعه علي وبنو هاشم، قام أبو بكر فطاف في الناس ثلاثا يقول: ~~"أيها الناس، قد أقلتكم بيعتي"! قالوا: يقول علي من بين الناس: "والله لا ~~نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله - صلى الله عليه - تصلى بالناس فمن ذا ~~يؤخرك؟ ". # ثم الذي نقله الناس عن علي حين قال على منبره: "ألا إن خير هذه الأمة أبو ~~بكر، والثاني عمر، ولو شئت أن أخبركم بالثالث فعلت". # ونقلوا جميعا أن عليا قال: بينا أنا يوما عند رسول الله - صلى الله عليه ~~- إذ أقبل أبو بكر وعمر فقال النبي: "هذان سيدا كهول أهل ms147 الجنة من الأولين ~~والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما بالذي قلت يا علي". قالوا: ~~قال علي: لولا أنهما قد ماتا ما حدثتكم. # قال الشعبي: قال علي: "إن أبا بكر كان أواها منيبا، وإن عمر ناصح الله ~~فنصحه الله". # ونقلوا أن عليا قال - ودخل على عمر وقد مات وهو مسجى - # PageV01P235 #
# فقال: رحمك الله يا عمر! والله ما أحد أحب إلى أن ألقى الله بمثل صحيفته ~~من هذا المسجى صاحب السرير! # وبلغه أن رجلا تناول أبا بكر وعمر، فقال للرجل: لو سمعت منك الذي بلغني ~~لألقيت أكثرك شعرا. # وقال: لو أتيت برجل يشتمهما لجلدته حد المفتري. # ثم الذي نقله جميع أصحاب الآثار أنه قال: كنت إذا سمعت من النبي - صلى ~~الله عليه - حديثا نفعني الله بما شاء منه، فإذا حدثني غيره عنه استحلفته، ~~فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني - وصدق أبو بكر - حدثني أن النبي - ~~صلى الله عليه - قال: "ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ~~ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له". # ألا ترى كيف أورده بالتصديق وقلة التهمة، وأقامه مقام التقليد ورفع ~~الاسترابة. # فهذا مذهب علي فيهما وتعظيمه لهما. # ثم الذي كان من تزويجه أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~-، من عمر بن الخطاب، طائعا راغبا، وعمر يقول: إني سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "إنه ليس سبب ولا نسب إلا منقطع إلا نسبي". قال ~~علي: إنها والله ما بلغت يا أمير المؤمنين. قال: إني والله ما أريدها لذاك! ~~فأرسلها إليه فنظر إليها قبل أن يتزوجها، # PageV01P236 #
# ثم زوجها إياه، فولدت منه زيد بن عمر، وهو قتيل سودان مروان، فلما أتى ~~النعي أم كلثوم كمدت عليه حزنا حتى ماتت، وقالت: واحربها! قتل أبوها علي بن ~~أبي طالب، وقتل زوجها عمر بن الخطاب، وقتل ولدها زيد بن عمر. # ثم تسمية علي أولاده بأسمائهم، كما يتبرك الرجل بأسماء أئمته وقادته، حين ~~سمى بعمر وعثمان وأبي بكر، ms148 فأعقب عمر ولم يعقب أبو بكر وعثمان. # ثم الذي كان من قبوله ولاية عمر حين استخلفه على المدينة، ومضى عمر ~~معسكرا يريد جيش مهران بعد وقعة قس الناطف، فأتاه علي إلى معسكره فأشار ~~عليه فيمن أشار بأن الرأي أن يرجع إلى المدينة ولا يلقاهم بنفسه وحده، بل ~~يكون للمسلمين فيئة. فرجع عمر. # وإنما أراد عمر بذلك تحريك الناس ليجدوا ويعزموا. # فإن قالوا: هذا كله باطل، أو قالوا: إن هذا الذي حكيتموه وإن كان حقا ~~فإنما كان على التقية. فقد قلنا في ذلك أجمع بالذي يكتفى به. # والعجب أنهم يوجبون على الناس تصديقهم أن سلمان قال: "كرداذ # PageV01P237 #
# ونكرداذ" وأن الزبير خرج شادا بسيفه ليؤكد إمامة علي، وأن الأنصار إنما ~~خالفت على المهاجرين نقضا من استبداد أبي بكر، وأن أبا سفيان بن حرب وخالد ~~بن سعيد إنما قالا: "أرضيتم معشر بني عبد مناف أن يلي عليكم تيم"، نصرة ~~لعلي دون جميع بني عبد مناف، فإن الله رد عليه الشمس، وإن النبي قال: "أنت ~~مني بمنزلة هارون من موسى"، وجعل إليه طلاق نسائه، وأنه قسم النار، وصاحب ~~العرض، والقائم على الحوض. فيوجبون علينا أن نصدقهم في هذا، ولا يوجبون على ~~أنفسهم لحمال الآثار أن عليا قال في الخلية والبرية، والبائنة، والبتة، ~~وطلاق الحرج، وأمرك بيدك، والحرام، أنها كثلاث تطليقات، ويوجبون على طلاب ~~الحديث أن عليا كان لا يرى الطلاق إلا طلاق السنة. # وهذا أمر ما سمعنا به قط عن علي إلا منهم. # وليس بأعجب من استشهاد خصومهم العيان والاجماع وما عليه الوجود، ~~واستشهادهم القصد والضمير والغيب، وجعلهم له يوازن الظاهر والشائع. # وذلك أن القائل إذا قال: أسلم أبو بكر كهلا وأسلم علي طفلا. # PageV01P238 #
# قالوا: كان علي وهو ابن سبع سنين أرجح عقلا من أبي بكر وهو ابن إحدى ~~وأربعين سنة. فتركوا العيان وعارضوا الشاهد بالغائب. # وإن قال قائل: إن أبا بكر كان مع النبي في الغار وقد نطق به القرآن وثبته ~~الاجماع. قالوا: فإن عليا أباته النبي ms149 على فراشه. # وإن قلت: إن النبي سمى أبا بكر بالصديق تفضيلا له ولم يجعل له اسما يفضله ~~به. قالوا: بلى، قد كان النبي سماه الصديق الأكبر، ولكن الناس منعوه ذلك ~~وظلموه، حين لم يسيروه ويشيعوه. # وإن قلت: إن النبي اشتكى أياما وليالي، كل ذلك يأمر أبا بكر بالصلاة، وهو ~~حاضر ولا يأمره، قالوا: لأن عليا كان مشغولا بتمريضه. # وإن قلت: إن الناس لما افتتنوا بعد موت النبي وعظموا شأنه حتى دعاهم ~~الإفراط إلى أن قالوا: لم يمت، ولكنه يغيب مثل ما غاب موسى عن قومه. فكان ~~أبو بكر هو المتكلم والمحتج والمحامي حتى عرفهم الحق وتنبهوا من الوسنة. ~~قالوا: لأن عليا قد كان اشتد حزنه حتى قطعه عن الاحتجاج والتعريف. # فإن قلت: حين أظهروا الفرقة والدار دارهم، لو تركهم أبو بكر ولم يعرفهم ~~فضل المهاجرين عليهم، لكان في ذلك أشد الفتنة وأكبر الفساد، فعاجلهم وتجرد ~~للاحتجاج عليهم، حين كان كل إنسان همه هم نفسه، وعلي بمعزل حتى كأنه كان ~~غائبا. قالوا: لأن عليا قد كان عرف حسد قريش وبغيها عليه، وطاعتها وحبها ~~لأبي بكر، فلم يكن ليقدح في غير مقدح، أو ينفخ في غير فحم. # PageV01P239 #
# فإن قلنا: إن إظهار علي الرضا بالشورى دليل على طاعة عمر. قالوا: إنما ~~ذلك للتقية. # فإن قيل: فلم رضي بعبد الرحمن مختارا وعبد الرحمن عنده من عدوه، وأدنى ~~منازله أن يكون كان مخوفا عنده، وأدنى من ذلك أن يكون الغلط غير مأمون ~~عليه. # قلنا: وهلا أظهر من الخلاف شيئا يسير إلينا، وهلا نطق بحرف واحد بقدر ما ~~يتخذه الناس بعد حجة، ولم يكن بلغ أقصى خلافهم فيرى وعيدا أو إيقاعا. # فإن قلت: إن عليا قال لأسماء بنت عميس - وهي يومئذ امرأته - حين تفاخر ~~ولدها من أبي بكر وجعفر وعلي عندها: اقضي بين ولدك. فقالت: ما رأيت شابا ~~كان أطهر من جعفر، ولا رأيت شيخا كان أفضل من أبي بكر، وإن ثلاثة أنت أخسهم ~~لفضلاء! فلم ينكر ولم يحتج، ولم يفرق ولم يتعجب، ms150 والكلام يؤثر والقضية ~~تظهر. # قالوا: إن فضله أظهر في الناس من أن يحتاج إلى الاحتجاج، وإنما قالت ذلك ~~مازحة، كما تمزح المرأة مع زوجها وتحرش به. # فإن قلت: إن عليا قد بايع أبا بكر وأعطاه صفقته طائعا غير مكره، والحكم ~~السابق من الله ورسوله أن المدعى عليه إذا أقر ولم ينكر، ولم ير الوالي أثر ~~جنون ولا إكراها، أن إقراره جائز عليه، فكذلك # PageV01P240 #
# علي إذا كان قد بايع وليس على رأسه سيف ولا سوط، فحكمه حكم الراضي ~~المسلم. # قالوا: قد كان هناك إكراه ظاهر، ولكن الناس تكاتموه وأخفوه فيما بيننا ~~وبينهم، إذ كان الجمهور الأكبر معهم. # فإن قلت: قد صدقناكم في قولكم إنه قد كان في تقية من أبي بكر وعمر ~~وعثمان، رأيتم أيام سلطان نفسه ومعه مائة ألف سيف تطيعه وأهل الأرض كلهم ~~رعيته ما خلا الشام، لم كان يظهر تزكية أبي بكر وعمر على منبره وفي مجلسه؟ # قالوا: للتقية من رعيته، إذ كان أكثرهم على هواهم وطاعتهم. # قلنا: قد عرفنا أن تركه لعنهم والبراءة منهم والإخبار عن استبدادهم ~~وظلمهم على التقية، فما حمله على تزكيتهم والأخبار عن محاسنهم، والرواية ~~الحسنة فيهم، وقد كان له في السكوت سعة، وعن الكلام مندوحة؟ ولقد تعدى في ~~مديح أبي بكر وعمر حتى قال لابن طلحة: "إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن ~~قال الله: {إخوانا على سرر متقابلين} ". # وإن قلنا: إن في تسميته بنيه بأسمائهم دليل على تعظيمه لهم. # قالوا: لأنه قد كان علم أن شيعته سيحتاجون في آخر الزمان إلى الترحم على ~~أبي بكر وعمر وعثمان، تقية من شيعتهم، فسمى بنيه بأسمائهم، حتى يكون ذلك ~~الترحم واقعا عليهم. ولأن ينصب لهم من إذا قصدوا إليه بالترحم أصابوا الحق ~~ولم يحتاجوا إلى الإلطاط. # PageV01P241 #
# وإن قلنا: إنه زوج عمر غير مكره، ولا شئ أدل على الخاصة والصفاء من ~~المشاركة والمصاهرة. # قالوا: قد كان هناك توعد وتخوف، وقد قال بعضهم: إن هذا باطل وإن عليا لم ~~يزوج عمر ms151 قط. ونبئت عن بعضهم أنه قال: قد كان ذلك على التقية، ولكن الله ~~صانها فأخفاها ورفعها. # فقيل له: فخبرنا عن التي رأوها في منزل عمر وعلى فراشه، وولدت منه زيدا، ~~ما هي، وأي شئ كانت؟ # قال: شيطانة في صورة امرأة. # وإن قلت لهم: كيف زعمتم أنه كان أشد أهل الأرض قلبا، وأنتم تزعمون أنه ~~كان يتقي كل شئ، حتى ليسلم حرمته إلى كافر من غير أن يشهر عليه سيف أو يضرب ~~بسوط. وقد رأينا من هو في دون حاله في النجدة والشجاعة، والحمية والبصيرة، ~~يمتنع حتى يقتل في دون هذا. وقد تعلمون أنه لم يكلم ولم يخدش، فضلا على أن ~~يجرح ويقتل، في جميع المقامات التي زعمتم أنه إنما استجاز واستحل من ~~التقية. # وأعجب من جميع هذا أنا رأيناكم تزعمون أن أبا بكر وعثمان كانا من أجبن ~~البرية وأبعده من حمية، وقد رأينا صنيع أبي بكر في الردة كيف نهض بالقليل ~~في محاربة الكثير، وكيف أشاروا عليه بأن يستعين بجيش أسامة حتى إذا رد ~~الردة أعاد الجيش إلى حاله. وكيف قال لهم حين قالوا له: إنا قد أمنا غزو ~~الروم إيانا في يومنا هذا، ولسنا نأمن مع ارتداد جميع العرب أن نغزى في عقر ~~دارنا! قال: لو بقيت حتى يأكلني # PageV01P242 #
# الكلاب وحدي ما أخرت جيشا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإنفاذه. # ثم رأينا عثمان، وهو عندكم أضعف من أبي بكر وأجبن، قد كان محاصرا معطشا ~~مخذولا قد قهره عدوه، والسيوف تلمع على بابه، وقد أفضوا إلى داره، وتسلقوا ~~عليه من خوختة، وهم يريدون نفسه أو خلع الخلافة من عنقه، فصبر حتى قتل ~~كريما محتسبا وهو يقول: "لا أنزع قميصا قمصنيه الله! " وهو يرى الجد وليس ~~معه أمان من قبله. # وقد يزعمون أن عليا قد كان يعلم أنه لا يقتل ولا يموت حتى يقاتل الناكثين ~~والقاسطين والمارقين، ومع ذا يزعمون أن الله قد كان أسر إليه علم كل ما ~~يحدث في هذه الأمة من الفتن والهيج. ms152 وهذا لا يشبه اتخاذه أبا موسى حكما ~~عليه وله، مع غباء أبي موسى وعداوته كانت له، ولا سيما إذا قرنه بعمرو بن ~~العاص. وما ظنك برأي عمرو، وقد كان فيه معونة. # ففي جميع ما قلنا دليل على أن القوم إما أن يكونوا مالكين لأهوائهم. # فإن قالوا: ما الدليل على إسلام أبي بكر فضلا على تقديمه وتفضيله ~~ومباينته؟ ومن أين لكم أن تزعموا أنه قد كان مسلما وأنتم وخصومكم مجمعون ~~على أنه قد كان كافرا، ثم ادعيتم أنه قد أسلم بعد كفره وأنكر ذلك خصومكم، ~~فليس لكم أن ترجعوا عما اجتمعتم عليه إلا بإجماع منكم # PageV01P243 #
# يوازنه. وقد ينبغي أن تطرحوا موضع الفرقة وتقضوا بموضع الجماعة، وقد ~~جامعتمونا أن عليا لم يزل مؤمنا. # قيل لهم: إنا لو كنا عرفنا أنه قد كان مرة كافرا من قبل خبر أصحابنا ~~ومجامعة خصومهم لهم، وكان علم ذلك لا يصاب إلا بمجامعتهم لأصحابنا، لقد كان ~~الذي قلتم واجبا وقياسا صحيحا. ولكنا عرفنا أنه قد كان كافرا بقدر من الخبر ~~قد يكذب مثله، وبه ثبت عندنا أنه قد كان في الدنيا، فضلا على أن يكون كان ~~له فعل يسمى كفرا وإيمانا. وإنما الحجة في المجئ الذي لا يكذب مثله، ثم لا ~~نلتفت بعد ذلك إلى موافق ولا إلى مخالف، ولا إلى عقل ولا إلى نظر. ثم نظرنا ~~فإذا الوجه الذي منه علمنا أنه قد كان في الدنيا، منه علمنا أنه قد كان مرة ~~كافرا، و [هو] الوجه الذي منه علمنا أنه قد أسلم بعد كفره. ولو أنا عرفنا ~~كفره بنا وبخصومنا، لما عرفنا إيمانه إلا بنا وبهم. # ووجه آخر من الجواب: أنكم قد جامعتمونا على أنه قد كان يشهد الشهادة، ~~ويأكل الذبيحة، ويظهر الإسلام، في حيث النفاق مستخف وثوب الإسلام داج، ~~والكفر ذليل والإسلام عزيز، [ثم] ادعيتم بعد أن أقررتم أنه قد كان يظهر ~~الإسلام في دار الإسلام، أنه كان مستسرا بالكفر، وأنه كان من المؤلفة ~~قلوبهم. # فالواجب بالقياس أن يحكم له بالإسلام على ms153 ظاهر ما اجتمعنا عليه من جملته. ~~ولا ندع موضع الإجماع إلى قولكم وحدكم: إنه قد كان إسلامه # PageV01P244 #
# على نفاق، لأن الجماعة لا تنزل إلى فرقة، ولأن الحجة لا تترك إلا بحجة. # فإن قالوا: فإن أبا بكر لم يشهد قط الشهادة، ولا صلى [إلى] القبلة. # قلنا: ما تقولون في رجل رأيناه كافرا في دار الكفر، ثم رأيناه بعد ذلك في ~~دار الإسلام وفي زي أهله، وحكم الإسلام غال، ومعلوم أن من عادة أهله قتل من ~~كفر، كيف يكون حكم ذلك الرجل؟ # فإن قالوا: ولكنا نقف في مغيبه. # قلنا: اجعلوا أبا بكر ذلك الرجل. # فإن قالوا: فإن أبا بكر لم يزل يظهر الكفر في دار الإسلام، كما كان يظهر ~~الكفر في دار الكفر. # قلنا: لا بد لكفره من وجهين: إما أن يكون كان يظهره على عهد وذمة فلذلك ~~لم تقتلوه، أو يكون كان على غير عهد وذمة. # فإن ادعوا أن كفره كان على عهد وذمة كما جعل الله ورسوله للنصارى ~~ولليهود، خرجوا إلى ما لا نحتاج مع فحشه إلى الكلام فيه. وإن زعموا أنه كان ~~على غير عهد وذمة وحكم الإسلام ظاهر، فما أشبه هذا القول بالقول الأول. # ويقال لهم: خبرونا عن أبي بكر، هل يخلو من أن يكون لم يقل قط في دار ~~الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو يكون قد قال ذلك مرة واحدة؟ # فإن زعموا أنه قد قالها مرة واحدة ثم تركها، قيل لهم: فقد أقررتم وجامعتم ~~خصومكم على أنه قد شهد الشهادة، فليس لكم أن # PageV01P245 #
# تخرجوه إلى نفاق أو إلى ترك، إلا لمجامعة خصومكم لكم، إذ كانت الفرقة لا ~~تنقض الجماعة. # فإن قالوا: فإنه لم يقل لا إله إلا الله محمد رسول الله مرة قط من دهره، ~~لا على نفاق ولا على غيره، بل كان يظهر عبادة الأصنام، ثم مع ذلك سلم على ~~حكم الكتاب والسنة، وعلى حكم الدار. فليس عندنا في ذلك إلا إسقاطه وتحريم ~~كلامه وإمضاء حكم ms154 مثله فيه. # بل قد ثبت إسلامه بعد الوجوه التي ذكرتها بوجوه: # منها أن الله أثنى على عباده الصالحين، فخص بتفضيله السابقين والمهاجرين ~~الأولين. وقد اجتمعت الأمة أنه من المهاجرين الأولين مع فضيلة هجرته، إذ ~~كانت هجرته وهجرة رسول الله - صلى الله عليه - معا. فهذا وجه. # ثم الذي رأينا من ذكر الله وثنائه على أهل بدر. وقد أجمع المسلمون أنه ~~كان ممن شهد بدرا، مع ما فضل من الكون في العريش، ولا موضع أدل على الخاصة ~~من ذلك الموضع في ذلك الموقف، مع ما شهد به من مستجيبيه وعتقائه ومواليه، ~~ولقد بلغ من قدر من شهد بدرا أن عامة الفقهاء تحدث: "أن الله اطلع على أهل ~~بدر فقال اعملوا ما شئتم" فلذلك كان الحسن يقول: إن طلحة والزبير وعليا في ~~الجنة معا وإن لم يكونوا كانوا في الدنيا، لأنهم عتقاء الله من النار، ولم ~~يكن الله ليعتق عبدا ثم يعيده في رقه. ولذلك كان الحسن وحوشب وهاشم الأوقص ~~وبكر ابن أخت عبد الواحد يقولون إذا ذكروا يوم الجمل: "هلكت الأتباع ونجت ~~القادة". فهذا هذا. # PageV01P246 #
# ثم الذي كان من ذكر الله وحسن ثنائه على من بايع تحت الشجرة. # وأي شئ أعجب من اجتماع السلف مهاجريها وأنصاريها خلا أربعة نفر على تقديم ~~رجل في مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقضي في أبشارهم وأشعارهم، ~~وفروجهم وأموالهم، ويحمل أماناتهم، ويدعونه خليفة رسول الله، حتى تترك ~~الشريف المطاع ذا السابقة والقدم وتولي مكانه الخامل القليل المقصر، فلا ~~يراد ولا يدافع، ولا يراجع ولا يستفهم، وهو المعروف عندهم بجحد الرسول ~~وعبادة الأوثان، وليس بذي عشيرة منيعة. # ولا يستطيع أحد أن يزعم أنه قد كان واطأ العشائر ليصرفوا إليه عونهم على ~~أن يؤثرهم ويفضلهم، ولو كان ذلك لظهر علمه ولم يخف أثره. ومثل هذا لا ~~يستطاع كتمانه وستره وتزميله. # وكيف وقد سوى بين الرفيع والوضيع، والذليل [و] المنيع؟ فلم يؤثر قريبا ~~ولم يول نسيبا. # ولو استعان بطلحة وولاه وفضله لقد كان لذلك موضعا، ms155 وللولاية والتقديم ~~أهلا، بل صنع ضد ما يصنعه أصحاب الميل والأثرة، والعصبية والمواطأة. # ولو كان قريب القرابة لجاز لقائل أن يقول: إنما قدم لقرابته. # ولو كان عصبية لقالوا: إنما استحق بوراثته. # ولو كان منيع الرهط لقالوا: إنما قدم لكثرة قبيلته. # PageV01P247 #
# ولو كان استعان بقوم على مواطأة وشريطة، كصنيع معاوية بذي الكلاع وعمرو ~~بن العاص، لقالوا: إنما قدم رهبة ممن واطأه، ورغبة فيمن أكد هواه. # [و] ولى بني مخزوم أعناق العرب وقتال أهل الردة، وحرب مسيلمة ومحاربة ~~طليحة، دون رهطه. ولو ولى ذلك طلحة لكان لذلك أهلا، ولكن الطاعن قد كان يجد ~~سببا. # وكذلك عمر بن الخطاب لو كان أدخل في الشورى سعيد بن زيد كما كلم في ذلك، ~~وأدخل في الرقباء عبد الله بن عمر كما كلم في ذلك، لكان لذلك أهلا، ولكن ~~الطاعن قد كان يجد متعلقا. # وولى خالد بن الوليد حرب مسيلمة وطليحة وبني تميم وأهل البادية، وولى ~~عكرمة ردة عمان، وولى المهاجر بن أبي أمية ردة أهل نجير واليمن. وما زال ~~عمر يعاتبه في خالد فيقول أبو بكر: "لا أشيم سيفا سله الله على الكفار". ~~فهذا هذا. # والعجب لهذه الأمة كيف اختلفت في رجلين أحدهما خير خلق الله، والآخر شر ~~خلق الله، وكيف اختلفت في رجلين أحدهما لم يزل مؤمنا والآخر لم يزل كافرا، ~~ثم كان المقدم الخسيس الكافر على الرفيع المسلم! # [وهم] أصحاب القرآن وخاصة الرسول من الصحابة والبدريين والأنصار ~~والمهاجرين، وهم الذين قال فيهم التابعون: خير هذه الأمة أصحاب محمد - صلى ~~الله عليه -، ابتلوا فصبروا، وأنعم عليهم فشكروا. # PageV01P248 #
# والعجب كيف رأوا تفضيل علي على أبي بكر وعمر مديحا له. وإنما كان يكون ~~علي عاليا رفيعا متقدما زاهدا عالما سائسا أن لو كان أفضل من فضلاء، وأعلم ~~من علماء، وأعقل من عقلاء، وأزهد من زهاد، وأسوس من ساسة، فأما أن يكون ~~أفضل من أنقص الناس، وأزهد من أرغب الناس، وخيرا من شر الناس، وأعلم من ~~أجهل الناس، فليس في هذا ms156 التفضيل درك فيتكلفه متكلف، ويقوم به قائم. # والعجب من رجلين بينهما هذا التفاوت والتباين ثم شهد المتكلمين من سمعهما ~~يتنازعان فيهما، فيحسب الحاضر أن شرهما خيرهما، وهو الأريب الأديب الذاهب ~~مع التعارف عن التناكر. وكيف التبس الأمر وأشكل أن لم يكن الأمر مشكلا ~~ملتبسا. # وكيف يجوز أن يكون أبو بكر لم يزل كافرا، أو يكون كفر بجحده إمامة علي ~~وكفر معه المهاجرون والأنصار، وقد أجمع أصحاب الأخبار وحمال الآثار أن ~~النبي - صلى الله عليه - قال: "إن من أمتي سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير ~~حساب" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله يجعلني منهم. قال: ~~أنت منهم. فقتل مع خالد بن الوليد يوم بزاخة في إمرة أبي بكر وطاعته ~~والإقرار بخلافته، قتله طليحة بن خويلد الأسدي. فكيف يجوز أن تكون إمامة ~~أبي بكر معصية فضلا على أن تكون كفرا والمقتول في طاعته والمنقاد لأمره من ~~أهل الجنة. # ثم تزعم الروافض أن من الدليل على أن عليا كان المحق دون طلحة والزبير، ~~أن النبي - صلى الله عليه -[قال] وذكر زيد بن صوحان: "زيد. # PageV01P249 #
# وما زيد! يسبقه عضو منه إلى الجنة" فقتل يوم الجمل. فجعلوا الدليل على ~~صواب علي في قتاله أن زيدا قتل في طاعته. # قيل لهم: ففي قول النبي: "يسبقه عضو منه إلى الجنة" دليل أن ذلك العضو لم ~~يسبق إلى الجنة إلا وقد قطع في طاعة الله. وقد أجمعوا أن يده قطعت يوم ~~نهاوند، في طاعة عمر. # وهذا باب كبير إن تتبعه متتبع. ولكنا أردنا أن ندل على جميع الأبواب في ~~تفضيل الشيخين، ونفي التنقص عنهما. # وإن سأل سائل فقال: هل على الناس أن يتخذوا إماما وأن يقيموا خليفة؟ # قيل لهم: إن قولكم "الناس" يحتمل الخاصة والعامة، فإن كنتم قصدتم إليهما، ~~ولم تفصلوا بين حاليهما، فإنا نزعم أن العامة لا تعرف معنى الإمامة وتأويل ~~الخلافة. ولا تفصل بين فضل وجودها ونقص عدمها، ولأي شئ ارتدت ولأي أمر ~~أملت، وكيف مأتاها والسبيل إليها، بل هي ms157 مع كل ريح تهب، وناشئة تنجم، ~~ولعلها بالمبطلين أقر عينا [منها] بالمحقين. # وإنما العامة أداة للخاصة، تبتذلها للمهن، وتزجي بها الأمور، وتطول بها ~~على العدو، وتسد بها الثغور. ومقام العامة من الخاصة مقام جوارح الإنسان من ~~الإنسان، فإن الإنسان إذا فكر أبصر، وإذا أبصر عزم، # PageV01P250 #
# وإذا عزم تحرك أو سكن وهدأ بالجوارح [دون القلب. وكما أن الجوارح] لا ~~تعرف قصد النفس ولا تروى في الأمور، ولم يخرجها ذاك من الطاعة للعزم، فكذلك ~~العامة لا تعرف قصد القادة ولا تدبير الخاصة، ولا تروى معها، وليس يخرجها ~~ذلك من طاعة عزمها، وما أبرمت من تدبيرها. # والجوارح والعوام وإن كانت مسخرة ومدبرة فقد تمتنع لعلل تدخلها، وأمور ~~تصرفها، وأسباب تنقضها، كاليد يعرض لها الفالج، واللسان يعتريه الخرس، فلا ~~تقدر النفس على تسديدهما وتقويمهما، ولو اشتد عزمها وحسن تأتيها ورفقها. ~~وكذلك العامة عند نفورها وتهييجها وغلبة الهوى والسخف عليها، وإن حسن تدبير ~~الخاصة وتعهد الساسة. غير أن معصية الجارحة أيسر ضررا وأهون أمرا، لأن ~~العامة إذا انكفت بالخاصة وتنكرت للقادة، وتشزنت على الراضة، كان البوار ~~الذي لا حيلة له، والفناء الذي لا بقاء معه. # وصلاح الدنيا وتمام النعمة، في تدبير الخاصة وطاعة العامة، كما أن كمال ~~المنفعة وتمام درك الحاجة بصواب قصد النفس وطاعة الجارحة، # PageV01P251 #
# لأن النفس لو أدركت كل بغية، وأوفت على كل غاية، وفتحت كل مستغلق، ~~واستثارت كل دفين، ثم لم يطعها اللسان بحسن العبارة، واليد بحسن الكتابة، ~~كان وجود ذلك المستنبط - وإن جل قدره وعظم خطره -[وعدمه] سواء. # فالخاصة تحتاج إلى العامة كحاجة العامة إلى الخاصة. وكذلك القلب ~~والجارحة. وإنما العامة جنة للدفع، وسلاح للقطع، وكالترس للرامي، والفأس ~~للنجار. وليس مضى سيف صارم بكف امرئ صارم بأمضى من شجاع أطاع أميره وقلد ~~إمامه. وما كلب أشلاه ربه وأحمشه كلابه بأفرط تنزقا ولا أسرع تقدما ولا أشد ~~تهورا من جندي أغراه طمعه وصاح به قائده. # وليس في الأعمال أقل من الاختيار، ولا في الاختيار أقل من ms158 الصواب، فلباب ~~كل عمل اختياره، وصفوة كل اختيار صوابه، ومع كثرة الاختيار يكثر الصواب. ~~فأكثر الناس اختيارا أكثرهم صوابا، وأكثرهم أسبابا موجبة أقلهم اختيارا، ~~وأقلهم اختيارا أقلهم صوابا. # فإن قالوا: فقد ينبغي للعوام ألا يكونوا مأمورين ولا منهيين، ولا عاصين ~~ولا مطيعين. # قيل لهم: أما فيما يعرفون فقد يطيعون ويعصون. # فإن قالوا: فما الأمر الذي يعرفون من الأمر الذي يجهلون؟ # PageV01P252 #
# قيل: أما الذي يعرفون فالتنزيل المجرد بغير تأويله، وجملة الشريعة بغير ~~تفسيرها، وما جل من الخبر واستفاض، وكثر ترداده على الأسماع، وكروره على ~~الافهام. وأما الذي يجهلون فتأويل المنزل، وتفسير المجمل، وغامض السنن التي ~~حملتها الخواص عن الخواص من حملة الأثر وطلاب الخبر، مما يتكلف معرفته ~~ويتتبع في مواضعه، ولا يهجم على طالبه، ولا يقهر سمع القاعد عنه. # والخبر خبران: خبر للخاصة فيه فضل على العامة، كالصلوات الخمس، وصوم ~~رمضان، وغسل الجنابة، وفي المائتين خمسة. وخبر تفضل فيه الخاصة العامة، وهو ~~كما سن الرسول في الحلال والحرام وأبواب القضاء والطلاق والمناسك والبيوع ~~والأشربة والكفارات، وأشباه ذلك. # وباب آخر يجهله العوام ويخبط فيه الحشو، ولا تشعر بعجزها و [لا] موضع ~~دائها. ومتى جرى سببه أو ظهر شئ منه تسنمت أعلاه، وركبت حومته، كالكلام في ~~القدر والتشبيه، والوعد والوعيد. # PageV01P253 #
# لأنها قد تحجم [عن] دعوى الفتيا، ولا تتهافت فيها، [ولا] تتسكع فيما لا ~~يعرف منها، ولا تستوحش من الكلام في [التعديل والتجوير، ولا تفرغ من الكلام ~~في] الاختيار والطباع، ومجئ الأخبار وكل ما جرى سببه من دقيق الكلام وجليله ~~في الله وفي غيره. # ولو برز عالم على جادة منهج وقارعة طريق، فنازع في النحو واحتج في ~~العروض، وخاض في الفتيا، وذكر النجوم والحساب والطب والهندسة وأبواب ~~الصناعات، لم يعرض له ولم يفاتحه إلا أهل هذه الطبقات. # ولو نطق بحرف في القدر حتى يذكر العلم والمشيئة والاستطاعة والتكليف، وهل ~~خلق الله الكفر وقدره أو لم يخلقه ولم يقدره، لم يبق حمال أغثر ولا نطاف ~~غث، ولا خامل غفل، ms159 ولا غبي كهام، ولا جاهل سفيه، إلا وقف عليه ولاحاه، ~~وصوبه وخطاه، ثم لم يرض حتى يتولى من أرضاه، ويكفر من يخالف هواه. فإن ~~جاراه محق، أو أغلظ له واعظ، واتفق أن يكون بحضرته أشكاله، استعوى أمثاله، ~~فأشعلوها فتنة، وأضرموها نارا. # PageV01P254 #
# فليس لمن كانت هذه صفته أن يتحيز مع الخاصة، مع أنه لو حسنت نيته لم ~~تحتمل فطرته معرفة الفصول وتمييز الأمور. # فإن قالوا: ولعلهم لا يعرفون الله ورسوله كما لا يعرفون عدله من جوره، ~~وتشبيهه بخلقه من نفي ذلك عنه، وكما لا يعرفون [القرآن و] تفسير جمله ~~وتأويل منزله. # قيل لهم: إن قلوب البالغين مسخرة لمعرفة رب العالمين، ومحمولة على تصديق ~~المرسلين، بالتنبيه على [مواضع] الأدلة، وقصر النفوس على الروية، ومنعها ~~[عن] الجولان والتصرف، وكل ما ربث عن التفكير، وشغل عن التحصيل، من وسوسة ~~أو نزاع شهوة، لأن الإنسان ما لم يكن معتوها أو طفلا فمحجوج على ألسنة ~~المرسلين عند جميع المسلمين، ولا يكون محجوجا حتى يكون عالما بما أمر به، ~~عارفا بما نهي عنه. لأن من لم يعلم في أي الضربين سخط الله وفي أي النوعين ~~رضاه، ثم ركب السخط أو أتى الرضا، لم يكن ذلك منه إلا على الاتفاق. وإنما ~~الاستحقاق مع القصد. والله يتعالى أن يعاقب من لم يرد خلافه ولم يعرف رضاه، ~~أو يحمد من لم يعتمد رضاه ولم يقصد إليه. # ولم يكن الله ليعدل صنعته ويسوي أداته، ويفرق بينه وبين المنقوص في بنيته ~~وتركيبه، إلا ليفرق بين حاله وحال الطفل والمعتوه. # PageV01P255 #
# وليس للمعرفة وجه إلا لتبصيره وتخييره، ولولا ذاك لم يكن للذي خص به من ~~الإبانة، وتعديل الصنعة، وإحكام البنية معنى. والله يتعالى عن فعل ما لا ~~معنى له. # وفي قول الله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} دليل على ما قلنا. # وليس لأحد أن يخرج بعض الجن والإنس من أن يكون خلق للعبادة إلا بحجة. ولا ~~حجة إلا في عقل، أو كتاب، أو خبر. # فإن قالوا: فإن ms160 كان الله إنما أبانهم بالتعديل والتسوية للعبادة ~~والاختيار مع الأمة فحكمهم حكم المسلمين المتعبدين، وإنما الإمام إمام ~~المسلمين والمتعبدين. # قلنا: إنما يلزم الناس الأمر فيما عرفوا سبيله، وليس للعوام خاصة معرفة ~~بسبيل إقامة الأئمة فيلزمها أمر، أو يجرى عليها نهي. # والعامة وإن كانت تعرف جمل الدين بقدر ما معها من العقول فإنه لم يبلغ من ~~قوة عقولها وكثرة خواطرها أن ترتفع إلى معرفة العلماء، ولم تبلغ من ضعف ~~عقولها أن تنحط إلى طبقة المجانين والأطفال. # وأقدار طبائع العوام والخواص ليست مجهولة فنحتاج إلى الإخبار عنها بأكثر ~~من التنبيه عليها، لأنكم تعلمون أن طبائع الرسل فوق طبائع # PageV01P256 #
# الخلفاء، وطبائع الخلفاء فوق طبائع الوزراء، وكذلك الناس على منازلهم من ~~الفضل، وطبقاتهم من التركيب في البخل والسخاء، والبلدة والذكاء، والغدر ~~والوفاء، والجبن والنجدة، والجزع [والصبر] والطيش والحلم، والكبر والتيه، ~~والحفظ والنسيان، والعي والبيان. # ولو كانت العامة تعرف من الدين والدنيا ما تعرف الخاصة، كانت العامة ~~خاصة، وذهب التفاضل في المعرفة، والتباين في البنية. ولو لم يخالف بين ~~طبائعهم لسقط الامتحان وبطل الاختبار، ولم يكن في الأرض اختيار. وإنما خولف ~~بينهم في الغريزة ليصبر صابر، ويشكر شاكر، وليتفقوا على الطاعة. ولذلك كان ~~الاختلاف هو سبب الائتلاف. # ويقال لهم عند ذلك: إنكم قد أكثرتم في أمر العوام، وخلطتم في الحكم ~~عليهم. فمرة تزعمون أنا نكذب عليهم حين نزعم أنهم غير محجوجين، لأنهم ~~بزعمكم لا يفصلون بين الأمور، ولا يفرقون بين الكاذب المحتال وبين الصادق ~~المحق. وجعلتم الدليل على ذلك أنكم اعترضتموهم بزعمكم فسألتموهم عن الدليل ~~والحجة، والفرق والعلة، فلم تجدوهم يشعرون بما يلزم فيها ولا يعرفون بابها، ~~وكيف الكلام فيها. # PageV01P257 #
# وإنا معشر أصحاب المعرفة قد تعمدنا الكذب عليهم، حين زعمنا أنهم يعرفون ~~ذلك، ويفرقون بين معانيه، ومرة تزعمون أنهم يعرفون ما يعرفه الخواص ~~والعلماء، ويعلمون ما يعلمه المتكلمون والفقهاء، من إقامة الأئمة وعقد ~~الخلافة. فمرة تخرجونهم من جميع المعرفة، ومرة تجعلونهم في غاية المعرفة. ~~وأعدل الأمور في ذلك وأقسطها ms161 أن تزعموا أنهم يعرفون جمل الشرائع الظاهرة ~~الجلية وجمل السنن الواضحة المستفيضة، ويجهلون تفسير جملها وتأويل منزلها، ~~وكل منصوص لم يظهر كظهور الحج، ولم يشهر كشهرة صوم رمضان، وغسل الجنابة، ~~وتحريم الخمر والخنزير والميتة والدم. # ولكن دعونا جانبا، واضربوا عما نقول صفحا، وقربوا جميع القولين لنتعاون ~~عليهما، فأيهما كان أثبت على الامتحان، وأنفى للقذى، وأحسن مغزى، وأجد على ~~الأيام، وأصح على التقليب، دنا به، وحامينا عليه، وتقربنا به، وآثرناه على ~~ما سواه. # على أنا لا نستملي حق ذلك وصدقه إلا منكم، ولا نحتج عليكم إلا بما تقرون ~~به على أنفسكم. # خبرونا عن العوام: هل يخلو أمرهم من أن يكونوا محجوجين أو غير محجوجين؟ ~~فإن كانوا غير محجوجين فقد دخلوا في أكثر مما عابوا. وإن كانوا محجوجين فهل ~~تخلو الحجة الذي بها قطع الرسول عذرهم من ضربين: إما أن تكون المعرفة بصدق ~~الرسول وفصل ما بينه وبين # PageV01P258 #
# المتنبي كما نقول. وإما أن تكون الحجة في الدليل على المعرفة، وليست ~~بالمعرفة. # فإن زعموا أن الحجة هي المعرفة فقد وافقوا وأصابوا، وإن زعموا أنها ~~الدليل على المعرفة فليخبرونا عن ذلك الدليل ما هو؟ # فإن قالوا: هو كلام الذئب، وحنين العود، وإظلال الغمامة، وقصة الميضأة، ~~وخد الشجرة، وكلام الذراع، وعجز الشعراء عن تأليف القرآن، والبشارات ~~برسالته في الكتب. # قلنا: قد صدقتم فيما ذكرتم من هذه الآيات والأعاجيب، ولكن # PageV01P259 #
# [لا] تخلو عقول العوام من أن تكون قد عرفت هذا كله وأقرت به، أو لم تعرفه ~~ولم تقر به، ولم تودع العلم بصحة مجيئه. # فإن زعموا أنها لم تعرف ذلك ولم تقرر به، قيل لهم: فمن أين زعمتم أن ~~الحجة لهم قاطعة، والفريضة لهم لازمة، ولا يعرفوا الحق ولا الدليل عليه. # وإذا كانت المعرفة لا تستطاع إلا بالدليل، والدليل معدوم، والتكليف لازم، ~~فقد كلفوا ما لا يستطاع، ولم يضع الكلام بيننا وبين الجبرية. # وإن كان الله قد قرر عقولهم بالآيات، وعرفهم صدقها وصحة مجيئها، فإنما ~~الفرق بيننا وبينهم أنا نزعم ms162 أن العاقل إذا كان قد جرب بعض التجربة أنه لا ~~يمتنع من تصديق من أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه، وفلق البحر، وأنطق السباع. ~~وأنتم تزعمون أنه يمتنع، ويجوز أن يعتقد أنه أكذب العالمين وأبطل المبطلين، ~~مع ما أراه من عظيم البرهان وعجيب الآيات. ولعل قوم موسى كلما زادهم موسى ~~آية وأردفها بعلامة، ازدادوا جهلا بصدقه واستبصارا في تكذيبه. # وكيف يستطيع ذلك من صحت فطرته، وقد جرب من أمور الدنيا بعض التجربة، وعرف ~~ما يحدث في العادة وغير العادة. # وإن كانت العامة قد قررت بأعلام الأنبياء، وعرفت الآيات كما زعمتم، فقد ~~كان ينبغي لنا إذا سألناهم عن صدقها وصحة مجيئها وإن لم نفصل بينها وبين ~~جبلة المبطل، أن يخبرونا عنها وينزلوا لنا أمرها. فما بالنا # PageV01P260 #
# إذا سألناهم لم نرهم يعرفونها. ولا يحصلون مجيئها، ولا يخبرونا عن صدقها. # فإن كان لكم أن تقضوا على العامة بالجهل بين النبي والمتنبي. لأنهم لم ~~تروهم يحسنون الفروق، ويفصلون بين الأمور، فقد ينبغي لنا أيضا أن نقضي ~~عليهم بالجهل، وأنهم لم يعرفوا الدلالة، ولم يقرروا بشئ من الآيات ~~والأعاجيب. # فإذا كان القوم عندكم محجوجين قد قرروا وعرفوا، ونحن لا نجد عندهم على ~~المسألة من ذلك شيئا، وجاز لكم أن تزعموا ما زعمتم، فلم لا يجوز لنا أن ~~نزعم أنهم [كانوا] عارفين وإن لم نجد ذلك عندهم على المسألة. # ولولا أني قد ذكرت هذا الباب مفسرا في "كتاب المعرفة" لأخبرت من أي وجهة ~~جاز أن يكون بعض العارفين لا يخبر عن كل ما في نفسه ومن أين امتنع ذلك ~~عليه. # فإن قالوا: قد فهمنا قولكم في العامة، فما تقولون في الخاصة؟ فهل كلفها ~~الله ذلك أم لم يكلفها كما لم يكلف العامة؟ وفي ذلك سقوط التكليف عن ~~الجميع. # قلنا: بل نقول: إن على الناس إقامة الإمام، نريد الخاصة. ولا نقول أيضا ~~إن على الخاصة إقامة الإمام إلا على الإمكان. # فإن قالوا: وما سبب عجز الخاصة وإمكانها؟ # قلنا: من ذلك أن تكون العامة عليها مع جند ms163 الباغي المتغلب. # PageV01P261 #
# فإن قالوا: فهل يلزمها فرض الإقامة إذا كانت العامة كافة عن العون عليها. # قلنا: قد يلزمها في ذلك ولا يلزمها في أخرى. # وإن قالوا: ففي أية الحالين يلزمها؟ # قلنا: إذا كان المستحق للإمامة والمستوجب للخلافة معروف الموضع، مكشوف ~~الأمر، وكانت التقية عنها زائلة. # فإن قالوا: وكيف لا تكون التقية عنها زائلة، وهي على حال أكثر عددا من ~~جند المتغلب والباغي، والعامة كافة ممسكة لا لها ولا عليها. # قلنا: إنه ليس في حال أكثر عددا. فإذا كانوا أكثر عددا وكانت التقية ~~زائلة، فعليهم إقامته. # فإن قالوا: فلم جعلتم لهم التقية، وأسقطتم عنهم الفرض في الحال التي هم ~~فيها أكثر عددا؟ # قلنا: لأسباب، منها أن العدو إذا كان معدا ذا سلاح وعتاد وكراع، وكانوا ~~على هيئة وأمرهم جميع، فقليل مجتمع أكثر من كثير نشر. مع أن معهم أنفذ ~~السلاحين، وأوفر العتادين: الضرا والدربة، وحسن التدبير والمعرفة، بطول ~~الممارسة وكثرة الحاجة. # ومنها أن الخاصة، وإن عرفت موضع المستحق، وظهر لها المستوجب، وكانوا أكثر ~~جماحا، فكل واحد منهم على ثقة من محل صاحبه به وخذلانه له. ولا بد، ما دامت ~~التقية، من التواكل والتخاذل، وإن # PageV01P262 #
# اتفق رأي الجميع في المغيب على النصرة. وليس ينتفع باتفاق أهوائهم ما لم ~~يتشاعروا. # فإن قالوا: إن كان الأمر كما تصفون وجب ألا يقيموا إماما أبدا، لأنهم كما ~~لا ينفكون من التقية، كذلك لا ينفكون من التخاذل. # قلنا: ليس الأمر كما تقولون، لأن تقية بعض الخاصة لبعض قد تزول بأسباب ~~كثيرة: منها أن تسوء سيرة المتسلط الباغي فيهم ويفحش جوره، ويكثر تعضيله ~~واستئثاره وقهره، حتى يكون ذلك إحراجا لهم وسببا للكلام والشكاية والتلاقي، ~~لأنهم قد عموا بالإحراج معا ليكون كل واحد من المحرجين يتكل على رأي صاحبه. ~~لعلمه بالذي لقي من المكروه الذي هو فيه، من ثوران النفس وتهييج الطبيعة، ~~فلا يزال بهم ذلك حتى يتفقوا في الظاهر كاتفاقهم في الباطن، إذ كان الإحراج ~~قد شملهم وعمهم، وبلغ أقصاهم بعد أدناهم. ms164 وعند التلاقي تزداد النفوس حمية ~~وغضبا وبصيرة. فإذا تباثوا وتكاشفوا وشاع ذلك من شأنهم، وشهر من أمرهم، ~~علموا أن ذلك قد ظهر لعدوهم، والمتسلط عليهم. فإذا علموا ذلك علموا أنهم قد ~~لحجوا في الحرب، ونشبوا في المناصبة. فإذا علموا ذلك لم يجدوا بدا من بذل ~~المال، وإعطاء الجهد. وإنما هي أسباب ترامى، وعلل تداعى، وأمور تهيج أمورا، ~~وأسباب توجب أفعالا، فعند ذلك تمكن الشدة، ويجب الفرض. # PageV01P263 #
# ومدار الأمر على الإمكان، فمتى بطل بطل الفرض، ومتى وجد وجد الفرض. # وربما كان سبب تكاشفهم ما يعرفون من ضعف جند الباغي عليهم، والمستبد ~~عليهم بأمرهم. # ولضعفهم أسباب: فربما كان لاختلاف يقع بينهم. وربما كان لعدو يدهمهم ~~وينازعهم ملكهم، وربما كان للخلل يدخل عليهم. والرقة تصيبهم، من موت ~~أعلامهم أو قتل قوادهم، وربما كان لضعف رأي مدبرهم وسياسة سائسهم، أو موت ~~قيمهم. # فبهذا وأشباهه تتكاشف الناس، وتظهر على ألسنتهم ضمائرهم، وتبدو أسرارهم ~~ونفوسهم من قبل ذلك حنقة عليهم، متدينة بخلعهم والاستبدال بهم، وإنما أمسكت ~~عن الإنكار وأظهرت التسليم ريثما تجد فرصة وترى خلة، ويستجمع الأمر، وتزول ~~التقية. مع أنا نعلم أن العامة أسخف أحلاما وأخف حركة وأشد طيشا، أن تؤثر ~~الكف والعزلة والتسليم والمجانبة، عند حرب المحقين المتسلطين. ولو كانت ~~تطيق ذلك ويجوز عليها ما كانت العامة بعامة، ولكانت العامة خاصة. ولكنا ~~أجبنا على قدر مجرى المسألة. # وإنما البلية العظمى والداهية الكبرى، أن تنماز العامة حتى يصير بعضها مع ~~الخاصة، وبعضها مع البغاة والظلمة. # PageV01P264 #
# والجملة أنهم متى أقرنوا لعدوهم وأمكنهم منعهم، والرجل المستحق ظاهر لهم ~~معروف عندهم، فعليهم إقامته والدفع عنه. # فإن قالوا: ومن لهم بمعرفة الرجل الذي لا بعده؟ # قيل: إنه ليس على الناس أن يصنعوا المعرفة، وإنما عليهم إذا عرفوه ~~واستطاعوا إقامته أن يقيموه، ولا بد للناس أن يقوم فيهم - إذ فرض ذلك عليهم ~~- رجل يصلح لجباية خراجهم، وإقامة صلاتهم، وسد ثغورهم، وتنفيذ أحكامهم. # فإن قالوا: فكيف تعرفون فضله ولم تقابلوا بينه وبين غيره، وأهل الفضل ms165 ~~كثير، والفضل ممنون مستفيض؟ # قيل: كما بان عند المعتزلة عمرو بن عبيد، وكما بان الحسن بن حي عند ~~الزيدية من بينها، وكما بان مرداس بن أدية عند جميع الخوارج من بينهم، وكما ~~علمتم من حال غيلان بدمشق، وحال عبد الله بن المبارك بخراسان. وليس أن ~~المعتزلة اجتمعت من أقطار الأرض فقالت نعم جميعها، ولا وضعت فيه شورى، ولا ~~تساوى منهم نفر فاحتاجوا إلى القرعة. وكذلك الزيدية في الحسن بن حي، ~~والخوارج في مرداس بن أدية. ولكن # PageV01P265 #
# الأمور ترد على القلوب، وتهجم على العقول على طول الأيام، [إما] بالخبر ~~الذي يشفي من الشك ويبرئ السقم، وإما بالعيان الذي يثلج الصدور ويضطر ~~العقول. # وقد علمنا نحن على حداثة أسناننا وتقادم الناس قبلنا، أن جالينوس قد كان ~~بائنا في طبه، وأن الارسطاطاليس كان البائن في المنطق. # وكذلك علمنا أن قيس بن زهير كان داهية قيس في الجاهلية، وأن الحارث بن ~~ظالم كان فاتكها، وأن هرم بن سنان كان جوادها، وأن النابغة كان شاعرها، وأن ~~الحارث بن كلدة كان أطبها، وأن عامر ابن الطفيل كان أفرسها. ولم نضع قط في ~~هذا شورى، ولا وضعه من كان قبلنا، ولا استجمعت قيس فقابلت بين خصال هؤلاء ~~وبين جميع قيس، لتعرف الفضيلة بالموازنة والمقابلة، ولا احتاجوا في ذلك إلى ~~الإقراع والمساهمة. # وإذا كنا مع تقادم الأخبار نعرف البائن في كل عصر، والمقدم في كل أمر، ~~فعلى شبيه ما وصفنا يعرف الناس فضيلة المستوجب. والخير لا يستطاع كتمانه، ~~والشر لا بد من ظهوره. # واعلم أنه لا يمكن أن يكون رجل أعلم الناس بالدين والدنيا ثم لا يسمع به، ~~لأنه لا يصير كذلك إلا بالاختلاف إلى العلماء، وبطول # PageV01P266 #
# مجاثاة الفقهاء، وكثرة درس كتب الله وكتب الناس، ومنازعة الخصم ومقاولة ~~الأكفاء. وهذا كله مما يظهر أمره، ويشهر مكانه. # ثم الذي يدخل العالم من خيلاء العلم وعز الحق، وسرور الظفر بما أعيا ~~الناس معرفته، حتى لا يستطيع أن يكتمه وإن اشتد عزمه، وقل رياؤه ونفجه، ms166 لأن ~~للعلم سورة، ولانفتاحه بعد استغلاقه فرحة، لا يضبطها بشرى، وإن اشتدت ~~حنكته، وقويت منته، وفضلت قوته. # وإنك لتجد كثيرا من العقلاء يخاطرون بأعناقهم، لبعض العظمة يجدونها في ~~أنفسهم على خصومهم وأكفائهم، حتى لا يمتنعون من إظهارها والفخر بها، فما ~~ظنك بالعالم إذا كان بائنا بنفسه، وكان في دولته، وتعظيم الناس موكل ~~بصاحبه، كيف يستطيع كتمانه وإماتته، مع ما أخذ الله على العالم من حسن ~~الإرشاد واحتمال المؤونة، واستنقاذ الناس من الجهالة، ومن القيام بحق العلم ~~تعليم الجاهل. فهذا كله يغني عن لقاء الكل للكل. # ولو أشكل أمره ولم يبن من أمثاله، وهو للناس أصلح من غيره، فقد أمكن ~~البأس إذ لو كان ظاهرا لهم إقامته لنبه الله على مواضع فضله، ولأذكر الناس ~~ما سقط عنهم من تدبيره، ولبعث الهمم على حبه وطلب محاسنه. # PageV01P267 #
# وكيف يجوز أن يكون أكمل الناس خفي العلم ومغيب العمل، وهو لا يكون كذلك ~~حتى تكثر تجربته ويكثر صوابه، ويشتد حلمه، ويحسن تدبيره، ولا بد من كثرة حج ~~وغزو، وصلاة وصوم وصدقة، وذكر وقراءة قرآن، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ~~وحدب على الأولياء وغلظة على الأعداء، إن دام فقره دامت قناعته وقل إسفافه، ~~وإن دام غناه دام بذله وقل طغيانه. وليس من هذا شئ إلا وهو يشهر صاحبه ~~ويظهر للناس مكانه، ويدعو إلى محبته وتعظيمه. # وإن زعموا أنه يجوز أن يكون خير الناس أو أعلم الناس، وإن لم يعرف بشئ ~~مما ذكرنا، فقد صار خير الناس من لم يعمل خيرا قط. # فإن قالوا: فما تقولون إن وجدوا عشرة سواء؟ # قلنا: قد يكون أن تجدوا عشرة متقاربين، فإذا صاروا إلى الموازنة بان ~~الأفضل من الأنقص. وقليلا ما يكون ذلك، كما وجدنا الستة الشورى الذين ~~اختارهم عمر والمهاجرون والأنصار معه، فقد كانوا في طبقة واحدة. ولكن أهل ~~الطبقة قد يتفاضلون بأمر بين لا خفاء به، كما نظروا فاختاروا عثمان غير ~~مكرهين ولا محمولين. # ولكن لا يجوز بوجه من الوجوه أن يتفق عشرة سواء في الحقيقة، ms167 وعند ~~الموازنة الصحيحة، لأن في اتفاق ذلك بطلان الإمامة. ولو جاز أن يتفق عشرة ~~سواء لجاز أن يكون الرقباء والشهود عليهم سواء. ولو جاز أن تستوي حالاتهم ~~وأفعالهم جاز أن يقولوا لما ينبغي أن يقولوا فيه نعم: "لا" معا، ولما ينبغي ~~لهم أن يقولوا فيه لا: "نعم" معا. # PageV01P268 #
# وفي هذا فساد الاختيار والإقراع، فإذا فسد الاختيار والإقراع ولم يكن ~~الرجل بائنا فلا سبيل إلى إقامته، ولم يكن الله ليفرض أمرا ولا يجعل إليه ~~سبيلا، ولم يكن الله ليكلف الناس أمرا إلا وذلك الأمر مصلحة لهم. فكيف ~~يمنعهم مصلحتهم، بل كيف يظهر لهم فرض الإمامة وقد أمكنتهم الشدة، والمعلوم ~~عنده أن العالم سيتهيأ فيه ويتفق ما لا يمكن معه أداء الفرض، ولا بلوغ ~~المصلحة. # ولو جاز أن يتفق عشرة سواء في الحقيقة وعند الموازنة في جميع الخصال، ما ~~كان إحياء الموتى وإبراء الأكمه أعجب منه، ولا أخرج من العادة، وإنما جعل ~~الله ذلك لرسله فقط. # ولو جاز أن يتفق في العالم شئ يكون جاعلا من الرسالة جاز ذلك في أمور ~~كثيرة. ولو جاز ذلك اختلط الكاذب بالصادق، والحجة بالشبهة، وهذا ما لا يجوز ~~على الله تبارك اسمه، وتعالى جده. # ولو عرفوا موضع الإمام بعينه ثم قال الشامي: لا يكون إلا منا، وقال ~~العراقي: لا يكون إلا منا، وقال الحجازي: لا يكون إلا منا، وكذلك التهامي ~~والجزري، وكذلك إذا قال القرشي: لا يكون إلا منا، وقال الحسيني: لا يكون ~~إلا منا، وقال الحسني: لا يكون إلا منا، وكذلك الفلاني والفلاني. وكذلك أن ~~لو قال الأباضي: لا يكون إلا منا، وكذلك لو قال الصفري والأزرقي والنجدي ~~والزيدي، # PageV01P269 #
# والفلاني والفلاني - لما وصل أهل الحق إلى إقامته إلا بأن يكونوا في عدد ~~الجميع وفي عتادهم. # والإمام يقام من ثلاثة أوجه: # فوجه كالذي حكينا ووصفنا. # ووجه آخر مثل ما أقام المسلمون عثمان بن عفان حين اختار عمر ستة متقاربين ~~فاختاروا منهم رجلا، فلولا أن الستة كانوا بائنين عند الجميع لم ms168 يطبقوا ذلك ~~الإطباق، لأنه لم يقل واحد: كان ينبغي أن يكون منا، ولم يقل واحد من ~~الرقباء ولا من الفقهاء والخاصة: فينا واحد كان ينبغي أن يكون معهم، ولا ~~قالوا: فيهم واحد كان ينبغي أن يكون معنا. فهذا دليل أن الستة كما كانوا ~~بائنين عند عمر كانوا بائنين عند الخاصة. # ووجه آخر، وهو مثل إقامة الناس لأبي بكر، ليس على أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - جعل شورى كما وضعها عمر، ولا على جهة ما حكينا من أمر الخاصة ~~والعامة بإقامة الإمام والنص عليه، لأن ذلك أسلم وأخف في المؤونة وأبعد من ~~الغلط والفتنة، وقد وجدتم ما هو أغمض معنى وأدق مسلكا، وأغوص مستخرجا، ~~وأفحش مأثما، غير مفسر ولا منصوص عليه، كالكلام في التعديل والتجوير، وفصل ~~ما بين الطباع والاختيار، والكلام في التشبيه ونفيه، وفي مجئ الأخبار وحجج ~~العقول. # ونحن لم نر أحدا قط ألحد ولا تزندق من قبل الغلط في كلام # PageV01P270 #
# الإمامة والاختلاف فيها. ومن وجدناه قد ارتد زنديقا أو دهريا من قبل هذه ~~الأبواب أكثر من أن نحصي لهم عددا، أو نقف منهم على حد. # فإذ جاز أن يتركنا وأشد الاأمرين لنكون نحن الذين نستنبطه ونتكلف معرفته، ~~ليكون عاجل سروره وريثه وآجل ثوابه وعظيم جزائه، كان الذي هو أظهر للعقول، ~~وأسهل على الطالب، وألين كنفا للواطئ، وأقرب مأخذا للمسترشد، أولى بذلك. # ولا بد لهم من أن يقولوا أحد أمرين: إما أن يقولوا: إنا إذ وجدنا نصب ~~الإمام والنص عليه أسلم لنا من الخطأ، فالواجب علينا أن نزعم أن الله قد ~~فعل ذلك، وإن لم نجد خبرا نضطر إليه، ولا قرآنا ينص عليه، والإمامة مختلفة ~~في ذلك، فإنما أوجبنا ذلك من قبل حسن الظن بالله، وإن لم يكن في القرآن آية ~~تدل على أن الله لم ينصب إماما، ولا في الخبر. # وإما أن تقولوا إن ذلك قد كان وقع منه، وإنما عرفناه بالأخبار والآثار ~~والكتاب. # فإن كانوا إنما حكموا على الله بفعل ذلك لأنه أسلم لهم ms169 من الخطأ، وأبعد ~~لهم من الغلط، إلا أنهم قد وجدوا بذلك خبرا قائما، وكتابا دالا، فإن كان ~~ذلك كذلك فلم أوجبوا على الله فعل ما هو أيسر # PageV01P271 #
# وأظهر، وقد وجدوا الله لم يصنع ذلك فيما هو أغمض وأشكل، كالذي وصفنا قبل ~~هذا من الكلام في التعديل والتجوير والتشبيه ومجئ الأخبار. # وقد علموا مع ذلك أن أكثر الناس لم يؤتوا في هلكتهم إلا من قبل سرف ~~شهواتهم، وغلبة طبائعهم. # وكيف لم يحكموا على الله بغير ما وجدوا من رفع مؤونتها، وقمع دواعيها، ~~حتى لا يلحج الناس طبائعهم، ولا تورطهم شهواتهم، وإنما يحكم بهذا وأشباهه ~~على الله من لا علم له بالله وتدبيره، لأن الله لو أسقط عن الناس كل ما ~~أثقل ظهورهم، واستبشعته نفوسهم، وخالف أهواءهم، لسقط الامتحان، وبطل ~~الاختبار، إذ لم يكن هناك حلاوة تجتنب، ومرارة تركب، ولذيذ يؤخر، وكريه ~~يقدم. # وإن ذهب السائل إلى غير هذا الوجه، وزعم أنه إنما قال إن الله قد نص على ~~إمامة علي لأن الخبر به جاء المجئ الذي لا يكذب مثله. ولولا أن الخبر صحيح ~~جاز عنده أن يكون الله يطوقهم النظر، ويضع لهم الدلالة، ولا ينصهم على شئ ~~ولا يفسره لهم، كفعله فيما هو أدق وأخفى، وأعظم إثما وأشد خطرا. # قيل لهم: إنكم وإن سمعتم فلستم بأعلم بالأخبار من غيركم. ولئن كنتم ~~مجيبين بخبر قد سمعناه معكم فلم يحجنا كما حجكم، إنه لعجب. وإن كان الخبر ~~قد حج جميع من خالفكم مع كثرتهم وأطبقوا على كتمانه وجحده واتفقوا عليه، إن ~~هذا لأعجب. # PageV01P272 #
# وكيف تحجون بخبر لا تستطيعون أن تقيموا حجته على من خالفكم. فإن كنتم ~~إنما حجكم سلفكم فحجوا أهل عصركم ومن معكم، كما حجكم من قبلكم من أسلافكم. # وقد نفضنا القرآن من أوله إلى آخره فلم نجد فيه آية تنص على إمامة، ولا ~~أنها إذ لم تنص كانت دالة عند النظر والتفكير، ولا أنها إذ لم تدل بالنظر ~~والتفكير وكان ظاهر لفظها غير ذلك على ms170 ما قلتم كان أصحاب التأويل والتفسير ~~مطبقين على أن الله أراد بها إمامة فلان. # فهذا باب لا تقدرون من قبله على حجة. وليس لكم في باب الخبر والإجماع ~~متعلق ولا سبب، مع قول الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. وقول المهاجرين: بل ~~منا الأمراء ومنكم الوزراء. # ثم وجدنا أبا بكر وهو متكلم قريش وصاحب أمر المهاجرين، والمنازع عنهم يوم ~~السقيفة، يقول للناس بعد سكون الأنصار وارتداعهم: بايعوا أي هذين شئتم - ~~يعنى عمر وأبا عبيدة - فلم نجده ادعاها لنفسه، ولا أبى أن تكون لغيره. ولم ~~يقل إنسان من الأنصار ولا من المهاجرين، ولا من أفناء الناس: إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قد كان جعلها لفلان وحض عليها له. ولا أنهم إذا لم ~~يدعوا النص قال قائل إن النبي - صلى الله عليه - قد كان قال قولا يوم كذا ~~وكذا يدل على أنها لفلان، ولم ينطق بذلك أحد بعد تلك الأيام كما لم ينطق ~~أحد فيها. # PageV01P273 #
# ثم وجدنا أبا بكر حين أراد أن يجعلها إلى عمر من بعده كيف يمشي إليه رجال ~~المهاجرين وعلية السابقين، ليصرفها إلى من هو ألين جانبا وأخفض جناحا وأقل ~~هيبة، ويقولون: يا خليفة رسول الله، إن الحاجة للأرمل والأرملة، والضعيف ~~والضعيفة، وعمر رجل مهيب في صدور الناس، والله ما نريد صرفها عنه ألا يكون ~~سبق إلى كل يوم خير! قال أبو بكر: أبربي تهددوني، أما إذا لقيته فقال لي: ~~من استخلفت على عبادي؟ قلت: استخلفت عليهم خير أهلك عندي. # فلم يجر بينهم مما يقولون حرف واحد. # ثم أن عمر بعد ذلك جعلها شورى بين ستة وجعل إليهم الخيار، وسلم ذلك جميع ~~المسلمين، فيهم الزهري والتيمي والهاشمي والأموي والأسدي، على أنها إن وقعت ~~للأسدي لم يكن منكرا عند الجميع، وكذلك الزهري والأموي. # وأعجب من هذا أجمع وأدل على الاختلاف، وأبعد من النص والاجماع، قول عمر ~~في شكاته وهو موف على قبره وعنده المهاجرون الأولون: "لو أدركت سالما مولى ~~أبي حذيفة ما تخالجني فيه الشك". حين ذكر ms171 دعابة علي وبخل الزبير وبأو طلحة ~~وحب عثمان لرهطه. # PageV01P274 #
# ثم الذي كان من منازعة سعد بن أبي وقاص لعلي، وتركه بيعته ودعائه له إلى ~~وضع الشورى، والتخاير بالأعمال والجزء، فلم تجدوا أحدا من الناس يقول من ~~وراء سعد أو في وجهه: ولم يخايرك وقد اختاره الرسول دونك. # وقد كان ينبغي لأصحاب علي ومن معه من المهاجرين والبدريين وسائر الصحابة ~~والتابعين، ألا يمسكوا عن ذكر هذه الحجة، وإن أمسك عنها الناس وأضاعوها، ~~وعاندوا أو غلطوا فيها. ولم نعلم هذا وأشباهه إلا دليلا قاطعا لمن لم يمنع ~~قلبه معرفة الحق ولسانه الإقرار به، في محاربة طلحة والزبير وعائشة وعلي، ~~وما أراقوا من الدماء. ولم يقل واحد من الناس: ولم تقاتلون رجلا أو تطلبون ~~مخايرته وقد نصبه النبي - صلى الله عليه - وفسر أمره وبين شأنه. [وهذا] ~~دليل على ما قلنا، وبرهان لما ادعينا. # ولقد قال رجل لعمر بن علي: خبرني عن وصية رسول الله - صلى الله عليه - ~~إلى أبيك، قال: والله إن هذا الكلام ما سمعت به قط إلا الساعة. # وقد تعلمون أن الأمة كلها مع اختلاف أهوائها ونحلها، لا تعرف مما تدعون ~~من أمر النص والوصية قليلا ولا كثيرا، وإنما هذه دعوى مقصورة فيكم، لا ~~يعرفها سواكم. وإن أشد الناس عليكم في الوصية # PageV01P275 #
# والنص للزيدية مع تشيعها وإفراطها وشدة إقدامها على عثمان، وسوء قولها ~~وشدة عداوتها للزبير وطلحة. # فلو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نصبه للناس وبين أمره واحتج له، لم ~~يكن هناك اختلاف ولا ارتياب ولا تحير، ولا احتج بذلك المحجوجون على شاذ إن ~~شذ ومفارق. [وفي] هذا وأقل منه ما يردع ذا اللب، ويكف ذا الحجا. # وزعمت الرافضة أن النبي - صلى الله عليه - أوصى إلى رجل بعينه، وأمر أمته ~~بالوصية في تركاتهم، لأن ذلك أجمع للشمل، وأدعى إلى الألفة، وأمنع للفساد، ~~وأقطع للشغب، وأذهب للضغائن، وأبعد من الغلط؛ إلا أن الله قد كان يعلم أن ~~النبي - صلى الله عليه - متى أوصى إلى ذلك ms172 المستحق تكفر أمة محمد - صلى ~~الله عليه - إلا ثلاثة أنفس، وأن الوصي سيضعف عن القيام بالحق، وسيترك مع ~~القيام بيديه إظهاره بلسانه، وأنه لا يرضى بالكف عن شتمه الكافرين حتى ~~يزكيهم على منبره. فسبحان الله ما أعجب هذا القول! # وإن تركوا الكتاب وأضربوا عن الإجماع واحتجوا بالرواية، فما أحد أجحد لها ~~ولا أرد لمعرفتها منهم. مع أن رواية غيرهم أكثر، وعلى ألسنة أصحاب الحديث ~~أظهر. # ولو كانت روايتهم ورواية خصومهم سواء ما كان تأويلهم بأقطع لتأويل خصومهم ~~من تأويل خصومهم لتأويلهم. مع أن الحديث إن كان يحتمل ضروب التأويل فغلط في ~~حق ذلك من باطله رجل فليس بكافر # PageV01P276 #
# ولا مكابر، لأن ذلك الحديث لو كان صحيحا لم يكن بأبين من القرآن ولا ~~أوضح. # وقد يختلف الناس في تأويله ولا يكفرون ولا يكابرون، فكيف يكفر من غلط في ~~تأويل حديث لو كان رده لم يكن عاصيا. # وإن كانت إمامة علي لا تثبت عندهم إلا من قبل الرواية، فقد أفلح خصم ~~الرافضة واستراح من كد المنازعة. # وقد زعم ناس من العثمانية أن الله قد اختار للناس إماما، ونصب لهم قيما، ~~على معنى الدلالة والإيضاح عنه بالعلامة، لا على النص والتسمية، لأن الله ~~إذا قال: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} - وقد عرفنا صفة العدالة - فمتى رأيناها ~~في إنسان علمنا أنه الذي كان عنى الله بالآية وإن لم يسمه فيها. وكذلك قول ~~الرسول: "ليؤمكم خياركم" فقد عرفنا الله الخيار من الشرار، والفضل من ~~النقص، فمتى وجدنا الفضيلة في رجل فهو الذي عناه النبي - صلى الله عليه - ~~وإن لم يذكره باسمه. # ولا يهمل الناس ويتركهم سدى من وضع لهم الأدلة ونبههم على موضع البرهان ~~وعرفهم أبواب الصلاة. # ولو قلنا إن النبي - صلى الله عليه - قد اختار للناس إماما على معنى أنه ~~إذ أمر أبا بكر بأن يتقدم المسلمين في مصلاه ومقامه ومنبره فقد استخلفه، ~~جاز ذلك في الكلام. وباب الجواب في هذه المسائل كثير. # PageV01P277 #
# لأنه لا يجوز أن يكونوا لم ms173 يعلموا ذلك وقد علموا ما هو أخفى وأدق وأيسر ~~خطبا وأقل نفعا، وهم القوم الذين لا يؤتون من نصيحة وحسن معرفة. وكيف يؤتون ~~منهما وبهم عرفنا النصيحة والمعرفة. # فإن قالوا: فإنما كان خيرا للناس أن يختاروا لأنفسهم أو يختار النبي لهم. # قلنا: لو كان النبي قد اختاره لهم لقد كان ذلك خيرا لهم من اختيارهم ~~لأنفسهم. فإذ لم يختره لهم فترك اختياره خير لهم، لأنه إذا كان أن لو كان ~~اختاره لهم فقد دل تركه الاختيار أن تركه الاختيار لهم خير لهم، إذ كان قد ~~كان اختار الترك دون الاختيار، وترك الاختيار ربما كان اختيارا. وهو في هذه ~~المواضع اختيار، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليختار لهم ترك ~~النص والتسمية إلا وترك النص والتسمية خير من النص والتسمية. # وإنما هذا مثل قائل لو قال لنا: أرأيتم التأويل الذي قد ضل من أجله عالم، ~~والتشبيه، والوعد والوعيد، والقدر، والأسماء، والأحكام التي قد كفر من ~~أجلها بشر، وبسببها تناحر الناس، وإنما كان خيرا لهم أن يعرفوه بأسره، ~~وينصوا على حقيقته، ويكفوا المؤونة فيه، حتى كان لا يقع خلاف، ولا يوجد ~~خطأ، ولا يشيع فساد، ولا يتفانى الناس أو يتركوا ونظرهم، ويخلوا واختيارهم. # قلنا: الخيرة فيما صنع الله. فلو كان الله بين ذلك بالنص والتفسير # PageV01P278 #
# دون الدلالة ووضع العلامة، كان ذلك خيرة، لأنا نعلم أن الله لا يصنع إلا ~~ما هو خير. # فلو لم يفعل ذلك ولم ينص عليه فتركه الأمر على ما نحن عليه خير لنا ~~وأفضل. فكيف أوجبتم على الله وحكمتم عليه. # هذا جمل جوابات العثمانية بجمل مسائل الرافضة والزيدية. ولولا أن فيما ~~قدمنا غنى عما أخرنا لقد فسرنا كما أجملنا. وإنما ملاك وضع الكتاب إحكام ~~أصله، وألا يشذ عنه شئ من أركانه، فأما استقصاؤه حتى لا يجري بين الخصمين ~~منه إلا شئ قد وضع بعينه، فهذا ما لا يمكن الواضع ولا يحتمل الكتاب. ولو ~~أمكن الواضع واحتمله الكتاب لكان طوله قاطعا لنشاط القارئ، ومجلبة ms174 لنعاس ~~المستمع، إلا لمن صحت إرادته، وأفرطت شهوته، وقوي طبعه، وحسن احتسابه. # وقد أعيتنا هذه الصفة في المعلمين، فكيف [في] المتعلمين. # وعلى أن للنحل صورا كصور الناس، فكما أن بعض الصور أشد مشاكلة لطبعك، ~~وآنق في عينك، وأخف على نفسك، فكذلك النحل في مقابلة الأهواء، ومشاكلة ~~الشهوات، والخفة على النفوس. # فاحذر حوادث الشهوات، واتصال المشاكلة، فإنه أخفى من الدقيق، وأدق من ~~الخفي. # هذا إذا كان المعنى مجردا والمذهب عاريا، فكيف إذا موهه صاحبه، وزخرفه ~~واضعه، بأعذب الألفاظ وأشهاها، وأحسن المخارج وأعفاها، # PageV01P279 #
# فشفى كل واحد منهما صاحبه، وحببه إلى سامعه. فإن وافق ذلك منه تعظيم ~~لسلفه، وهوى في قائله، فقد أسمحت نفسه بالتقليد، واستسلمت للاعتقاد. # فاحذر في هذه الصفة، ولا تستخفن بهذه الوصية. # واعلم أن واضع الكتاب لا يكون بين الخصوم عدلا، ولأهل النظر مألفا، حتى ~~يبلغ من شدة الاستقصاء لخصمه مثل الذي يبلغ لنفسه، حتى لو لم يقرأ القارئ ~~من كتابه إلا مقالة خصمه لخيل له أنه الذي اجتباه لنفسه، واختاره لدينه. # ولولا اتكالي على انقطاع الباطل عن مدى الحق وإن استقصيته وبلغت غايته، ~~ما استجزت حكايته وقمت مقام صاحبه. # ونحن مبتدئون في كتاب المسائل وبالله ذي المن والطول نستعين، وعليه ~~نتوكل. # هذه جمل أقوال العثمانية. والحمد لله كثيرا دائما، وصلى الله على سيدنا ~~محمد نبيه، وآله الطاهرين وصحبه، وسلم تسليما. PageV01P280 ms175