######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003459 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Cuthmaniya #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الجاحظ #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: العثمانية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003459 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3459_العثمانية-الجاحظ #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تحقيق وشرح : عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# ### | العثمانية # بسم الله الرحمن الرحيم # عونك اللهم # ثم إنا مخبرون عن مقالة العثمانية، ~~وبالله نستهدى وإياه نستعين، وعليه نتوكل، وما توفيقنا إلا به. # رووا (1) أن أفضل هذه الأمة وأولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة، وكان ~~أول ما دلهم عند أنفسهم على فضيلته وخاصة منزلته، وشدة استحقاقه، إسلامه ~~على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد من عالمه وفى عصره. وذلك أن الناس اختلفوا ~~في أول الناس إسلاما، فقال قوم: أبو بكر بن أبي قحافة، وقال آخرون: زيد بن ~~حارثة، وقال نفر: خباب بن الأرت. # على أنه إذا تفقدنا أخبارهم، وأحصينا أحاديثهم وعدد رجالهم (2)، و [نظرنا ~~في (3)] صحة أسانيدهم. كان الخبر في تقديم أبى بكر أعم، ورجاله أكثر، ~~وإسناده أصح، وهم بذلك أشهر، واللفظ به أظهر، مع الاشعار الصحيحة والأخبار ~~المستفيضة (4) في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته. وليس بين ~~الاشعار وبين الاخبار فرق إذا امتنع في مجيئها وأصل مخرجها التباعد (5) ~~والاتفاق والتواطؤ، ولكنا ندع هذا PageV00P003 ~~المذهب [جانبا (1)]، ونضرب عنه صفحا، اقتدارا على الحجة، وثقة بالفلج ~~والقوة، ونقتصر على أدنى منازل أبى بكر، وننزل على حكم الخصم مع سرفه وميطه ~~(2) فنقول: ~~لما وجدنا من يزعم أن خبابا وزيدا أسلما قبله فأوسط الأمور وأعدلها ~~وأقربها من محبة الجميع ورضا المجادل (3) أن نجعل إسلامهم كان معا، إذ ~~ادعوا أن الاخبار في ذلك متكافئة، والآثار متدافعة، [وليس في الاشعار ~~دلالة، ولا في الأمثال حجة (4)]، ولم يجدوا إحدى القضيتين أولى في حجة ~~العقل من الأخرى (5). PageV00P004 ### || فصل (1): # وقالوا: فإن قال قائل: فما بالكم لم تذكروا عليا في هذه الطبقة ~~وقد تعلمون كثرة مقدميه والرواية فيه؟ ~~قلنا: لأنا قد علمنا بالوجه الصحيح، والشهادة القائمة أنه أسلم وهو حدث ~~غرير، وغلام صغير، فلم نكذب الناقلين، ولم نستطع أن ننزل (2) أن إسلامه كان ~~لاحقا بإسلام البالغين، لان المقلل زعم أنه أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر ~~زعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين، والقياس أن يؤخذ بأوسط الروايتين، وبالأمر ~~بين الامرين، وإنما تعرف [حق (3)] PageV00P005 ~~ذلك من ms001 باطله بأن تحصى سنيه التي ولى فيها، وسني عثمان، وسني عمر وسني ~~أبى بكر، وسني الهجرة، ومقام النبي صلى الله عليه بمكة بعد أن دعا إلى الله ~~وإلى رسالته إلى أن هاجر إلى المدينة، ثم تنظر في أقاويل الناس في عمره، ~~وفى قول المقلل والمكثر، فتأخذ أوسطها وهو أعدلها، وتطرح قول المقصر ~~والغالي، ثم تطرح ما حصل في يديك من أوسط ما روى من عمره [و] سنيه، وسني ~~عثمان وسني عمر وسني أبى بكر. والهجرة ومقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ~~إلى وقت إسلامه، فإذا فعلت ذلك وجدت الامر على ما قلنا وعلى ما فسرنا. # وهذه التأريخات والأعمار معروفة لا يستطيع أحد جهلها والخلاف عليها، لان ~~الذين نقلوا التاريخ لم يعتمدوا (1) تفضيل بعض على بعض، وليس يمكن ذلك مع ~~اختلاف عللهم وأسبابهم، فإذا ثبت عندك بالذي أوضحنا وشرحنا أنه كان يومئذ ~~ابن سبع سنين أقل بسنة أو أكثر بسنة، علمت بذلك أنه لو كان أيضا ابن أكثر ~~من ذلك بسنتين وثلاث وأربع لا يكون إسلامه إسلام المكلف العارف بفضيلة ما ~~دخل فيه، ونقصان ما خرج منه. # 5 - والتاريخ المجتمع عليه أن عليا قتل سنة أربعين في شهر رمضان *). ~~وقالوا: (* فإن قالوا فلعله وهو ابن سبع سنين وثمان (2) سنين قد بلغ من ~~فطنته وذكائه وصحة لبه وصدق حسه وانكشاف العواقب له وإن لم يكن PageV00P006 ~~جرب الأمور، ولا فاتح الرجال، ولا نازع الخصوم، ما يعرف جميع ~~ما يجب على البالغ معرفته والاقرار به. # قلنا: إنما نتكلم على ظاهر الاحكام وما شاهدنا عليه طباع الأطفال. ~~وجدنا حكم ابن سبع سنين، وثمان سنين وتسع سنين، حيث قرأناه (1). ~~وبلغنا خبره - ما لم يعلم مغيب أمره، وخاصة طباعه - حكم الأطفال، وليس ~~لنا أن نزيل (2) ظاهر حكمه والذي نعرف من شكله (3) بلعل وعسى، لأنا كنا لا ~~ندري لعله قد كان ذا فضيلة في الفطنة، فلعله أن يكون ذا نقص فيها. أجاب ~~منهم بهذا الجواب من يجوز أن يكون على في المغيب قد أسلم إسلام البالغ ~~المختار، ms002 غير أن الحكم فيه عنده على مجرى أمثاله وأشكاله الذين إذا أسلموا ~~وهم في مثل سنه كان إسلامهم على تربية الحاضن، وتلقين القيم، ورياضة ~~السائس. ### || فصل (4): # فأما علماء (العثمانية) ومتكلموهم، وأهل القدم والرياسة منهم، ~~فإنهم قالوا: إن عليا لو كان وهو ابن ست سنين وسبع سنين، وثمان سنين وتسع ~~سنين، يعرف فصل ما بين الأنبياء والكهنة، وفرق ما بين الرسل والسحرة وفرق ~~ما بين خبر المنجم (5) والنبي، وحتى يعرف الحجة من الحيلة (6)، وقهر PageV00P007 ~~الغلبة من قهر المعرفة، ويعرف كيد المريب وبعد غور المتنبي، وكيف يلبس ~~على العقلاء، ويستميل عقول الدهماء (1)، ويعرف الممكن في الطبائع من ~~الممتنع فيها، وما يحدث بالاتفاق وما يحدث (2) بالأسباب، ويعرف أقدار القوى ~~في مبلغ الحيلة ومنتهى البطش، ومالا يحتمل إحداثه إلا الخالق، وما يجوز على ~~الله مما لا يجوز في توحيده وعدله، وكيف التحفظ من الهوى، وكيف الاحتراس من ~~تقدم الخادع في الحيلة - كان كونه بهذه الحال وعلى هذه الصفة مع فرط الصبا ~~والحداثة، وقلة التجارب والممارسة، خروجا من نشوء العادة، والمعروف مما ~~عليه تركيب الأمة (3). ~~ولو كان على هذه الصفة ومعه هذه الخاصية، كان حجة على العامة، وآية تدل ~~على المباينة، ولم يكن الله ليخصه بمثل هذه الآية وبمثل هذه الأعجوبة إلا ~~وهو يريد أن يحتج بها له، ويخبر بها عنه، ويجعلها قاطعة لعذر الشاهد، وحجة ~~على الغائب، ولا يضيعها هدرا، ولا يكتمها (4) باطلا. # ولو أراد الاحتجاج بها شهر أمرها وكشف قناعها، وحمل النفوس على معرفتها، ~~وسخر الألسنة لنقلها، والاسماع لادراكها، لئلا يكون لغوا ساقطا، ونسيا ~~منسيا، لان الله لا يبتدع أعجوبة ولا يخترع آية ولا ينقض العادة إلا ~~للتعريف والاعذار، والمصلحة والاستبصار (5). ولولا PageV00P008 ~~ذلك لم يكن لفعلها معنى، ولا لرسالته حجة. والله يتعالى (1) أن يترك ~~الأمور سدى، والتدبير نشرا. ولا يصل أحد إلى معرفة صدق نبي وكذب متنبئ حتى ~~تجتمع له هذه المعارف التي ذكرنا، وهذه الأسباب التي فصلنا. # ولولا أن الله سبحانه خبر عن يحيى بن زكريا أنه (2) آتاه الحكم صبيا، ~~وأنه أنطق ms003 عيسى في المهد رضيعا، ما كانا في الحكم ولا في المغيب إلا كسائر ~~الرسل، وما عليه طبع البشر (3). # فإذ (4) لم ينطق لعلى بذلك قرآن. ولا جاء الخبر به مجئ الحجة القاطعة، ~~والشهادة الصادقة، فالمعلوم عندنا في الحكم وفى المغيب جميعا أن طباعه ~~كطباع عميه حمزة والعباس (5) وهما أمس بمعدن جماع الخير منه، وكطباع جعفر ~~وعقيل أخويه، وكطباع أبويه ورجال عصره وسادة رهطه، ولو أن إنسانا ادعى مثل ~~ذلك لأخيه جعفر أو لعمه حمزة أو لعمه العباس - وهو حليم قريش - ما كان ~~عندنا في أمره إلا مثل ما عندنا فيه *). ### || فصل (6): # (* ولو لم تعرف الروافض ومن ذهب مذهبها في هذا باطل PageV00P009 ~~هذه الدعوى، وفساد هذا المعنى إذا صدقت أنفسها ولم تقلد رجالها، وتحفظت ~~من الهوى وآثرت التقوى، [إلا بترك (1)] على ذكر ذلك لنفسه والاحتجاج به على ~~خصمه وأهل دهره، منذ نازع الرجال، وخاصم (2) الأكفاء، وجامع أهل الشورى ~~وولى وولى عليه، والناس بين معاند يحتاج إلى التقريع، ومراد (3) يحتاج إلى ~~الارشاد، وولى يحتاج إلى المادة. وغفل يحتاج إلى أن يكثر له من الحجة، ~~ويتابع له بين الامارات والدلالات (4) مع حاجة القرن الثاني إلى معرفة الحق ~~ومعدن الامر، لان الحجة إذا لم تصح لعلى في نفسه، ولم يقو على أهل دهره، ~~فهي عن ولده أعجز، وعنهم أضعف. # ثم لم ينقل ناقل واحد أن عليا احتج بذلك في موقف، ولا ذكره في مجلس، ولا ~~قام به خطيبا، ولا أدلى به واثقا، ولا همس به إلى موافق، ولا احتج به على ~~مخالف. ### || فصل (5): # وقد ذكر فضائله وفخر بقرابته وسابقته، وكاثر بمحاسنه ومواقفه، ~~منذ جامع الشورى وناضلهم. إلى أن ابتلى بمساورة معاوية له، وطمعه فيه، ~~وجلوس أكثر أصحاب رسول الله عن عونه، والشد على عضده، كما قال عامر الشعبي: ~~لقد وقعت الفتنة وبالمدينة عشرون ألفا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ما خف فيها منهم PageV00P010 ~~عشرون. ومن زعم أنه شهد الجمل ممن شهد بدرا أكثر من أربعة فقد كذب. كان ~~على وعمار في شق. ms004 وطلحة والزبير في شق. # وكيف يجوز عليه ترك الاحتجاج على المخالف وتشجيع الموافق وقد نصب نفسه ~~للخاصة والعامة، وللخاذل والعادي (1)، ومن لا يحل (2) له في دينه ترك ~~الاعذار إليهم. إذ كان يرى أن قتالهم كان واجبا، وقد نصبه الرسول مفزعا ~~ومعلما، ونص عليه قائما، وجعله للناس إماما، وأوجب طاعته، وجعله حجة في ~~الناس يقوم مقامه. ### || فصل (3): # وأعجب من ذلك أنه لم يدع هذا له أحد في دهره كما لم يدعه لنفسه، ~~مع عظيم ما قالوا فيه في عسكره وبعد وفاته، حتى يقول إنسان واحد إن الدليل ~~على إمامته أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الاسلام، فكلف التصديق ~~(4) قبل بلوغه وإدراكه، ليكون ذلك آية له في عصره، وحجة له ولولده على من ~~بعده. وقد كان على أعلم بالأمور من أن يدع ذكر أكبر حججه والذي بان به من ~~شكله، ويذكر أصغر حججه والذي يشاركه فيه غيره، وقد كان في عسكره من لا يألو ~~في الافراط، ومن يحسب أن الافراط زيادة في القدر. # والعجب له، إن كان الامر كما ذكرتم، كيف لم يقف يوم الجمل ويوم صفين أو ~~يوم النهر في موقف يكون من عدوه بمرأى ومسمع، PageV00P011 ~~فيقول: " تبا لكم وتعسا، كيف تقاتلوني وتجحدون فضلى (1) وقد خصصت بآية ~~حتى كنت كيحيى بن زكريا وعيسى بن مريم " ولا يمتنع الناس من أن يقولوا ~~ويموجوا، فإذا ماجوا تكلموا على أقدار عللهم، وعللهم مختلفة، ولا ينشب ~~أمرهم أن يعود إلى فرقة، فمن ذاكر قد كان ناسيا، ومن نازع قد كان مصرا، وكم ~~مترنح قد كان غالطا، مع ما كان يشيع (2) من الحجة في الآفاق، ويستفيض في ~~الأطراف، ويحتمله الركبان ويتهادى في المجالس. # فهذا كان أشد على طلحة والزبير، وعائشة *) ومعاوية، وعبد الله بن وهب، من ~~مائة ألف سنان طرير، وسيف مشهور. ### || فصل (3): # ومعلوم عند ذوي التجربة والعارفين بطبائع الاتباع (4). # وعلل الأجناد، أن العساكر تنتقض مرائرها وينتشر أمرها، وتنقلب على قادتها ~~(5) بأيسر من هذه الحجة. وأخفى من هذه الشهادة. ### || فصل: # وقد علمتم ما صنعت ms005 المصاحف في طبائع أصحاب على، حين رفعها عمرو بن ~~العاص أشد ما كان أصحاب على استبصارا في قتالهم، PageV00P012 ~~نم لم ينتقض على على من أصحابه إلا أهل الجد والنجدة، وأصحاب البرانس ~~والبصيرة (1). # وكما علمتم من تحول شطر عسكر عبد الله بن وهب حين اعتزلوا مع فروة بن ~~نوفل، لكلمة سمعوها من عبد الله بن وهب كانت تدل عندهم على ضعف الاستبصار ~~والوهن (2) في اليقين. # وهذا الباب أكثر من أن يحتاج مع ظهوره ومعرفة الناس به إلى أن نحشوا به ~~كتابنا. ### || فصل (3): # فأما إسلامه وهو حدث غرير وغلام صغير، فهذا مالا ندفعه، غير أنه ~~إسلام تلقين وتأديب وتربية. وبين إسلام التكليف والامتحان وبين التلقين ~~والتربية فرق عظيم، ومحجة واضحة. # وقالت (العثمانية): إن قالت الشيع: إن الأمور ليس كما حكيتم، ولا كما ~~هيأتموه لأنفسكم، بل نزعم أنه قد كانت هناك (4) في أيام صباه وحداثته فضيلة ~~فطنة، ومزية (5) ذكاء، ولم يبلغ الامر قدر الأعجوبة والآية. # قلنا: إن الذي ذهبتم إليه أيضا لابد فيه من أحد وجهين: # إما أن يكون قد كان لا يزال يوجد في الصبيان مثله في الفطنة PageV00P013 ~~والذكاء وإن كان ذلك عزيزا قليلا، أو كان وجود ذلك ممتنعا، ومن العادة ~~خارجا. فإذا (1) كان قد كان يوجد مثله على عزته وقلته فما كان إلا كبعض من ~~نرى اليوم ممن يتعجب من حسه وفطنته، وحفظه وحكايته وسرعة قبوله على صغر سنه ~~وقلة تجريبه (2). وإن كانت حاله هذه الحال، وطبيعته على هذا المثال، فإنا ~~(3) لم نجد صبيا قط وإن أفرط كيسه وحسنت فطنته وأعجب [به (4)] أهله يحتمل ~~ولاية الله سبحانه وعداوته، والتمييز بين الأمور التي ذكرنا. مع أنه ما ~~جاءنا ولا صح عند أحد منا بخبر صادق، ولا كتاب ناطق، أنه كان لعلى خاصة دون ~~قريش عامة في صباه من إتقان الأمور وصحة المعارف وجودة المخارج، ما لم يكن ~~لاحد من إخوته وأعمامه وآبائه. # وإن كان القدر الذي كان عليه على من الذكاء والمعرفة القدر الذي لم نجد ~~له [فيه (4)] مثلا، ولا رأينا له ms006 شكلا - وهذا هو البديع الذي به يحتج على ~~المنكرين، ويفلج (5) على المعارضين، ويبين للمسترشدين - فهذا باب قد فرغنا ~~منه مرة. ### || فصل: # ولو كان الامر في علي على ما يقولون (6) لكانت في ذلك حجة للرسول في ~~رسالته، ولعلى في إمامته. والآية إذا كانت للرسول وخليفة PageV00P014 ~~الرسول كان أشهر لها، لان وضوح أمر الرسول يزيد (1) على ما للامام ويزيده ~~إشراقا واستنارة (2) وبيانا. ولا يجوز أن يكون الله قد عرف أهل عصرهما ذلك، ~~وهم الشهداء على من بعدهم من القرون ثم يسقط (3). ~~حجته، فلا تخلو تلك الحجة وتلك الشهادة من ضربين: إما أن تكون ضاعت وضلت، ~~وإما أن تكون قد قامت وظهرت. # فإن كانت قد ضاعت فلعل كثيرا من حجج الرسول صلى الله عليه وسلم قد ضاع ~~معها، وما جعل الباقي منها أولى بالتمام من الساقط، والساقط من شكل الثابت. ~~على أن مع الساقط خاصة ليست مع الثابت لأنه حجة على شيئين، والثابت حجة على ~~شئ. ولا يخلو أمر الساقط من ضربين: إما أن يكون الله لم يرد تمامه، أو يكون ~~قد أراده. ~~وأي ذين [كان (4)] ففساده واضح عند قارئ الكتاب. ~~وإن كانت الآية قد تمت إذ كانت الشهادة قد قامت علينا بها كما كانت شهادة ~~العيان قائمة عليهم (5) [فيها (6)] فليس في الأرض عثماني إلا وهو يكابر ~~عقله ويجحد علمه. # ولعمرى إنا لنجد في الصبيان من لو لقنته وسددته أو كتبت له أغمض المعاني ~~وألطفها، وأغوص الحجج وأبعدها، وأكثرها لفظا PageV00P015 ~~وألطفها، وأطولها، ثم أخذته بدرسه وحفظه لحفظه حفظا عجيبا، ولهذه هذا ~~ذليقا (1). فأما معرفته صحيحه من سقيمه، وحقه من باطله. ~~وفصل ما بين المقرب والدليل، والاحتراس من حيث يؤتى المخدوعون، والتحفظ ~~من مكر الخادعين، وتأتى (2) المجرب، ورفق الساحر. وخلابة المتنبئ، وزجر ~~الكاهن (3) وإخبار المنجمين، وفرق ما بين نظم القرآن وتأليفه ونظم سائر ~~الكلام وتأليفه - فليس يعرف فروق النظر واختلاف البحث (4) إلا من عرف ~~القصيد من الزجر (5)، والمخمس من الأسجاع، والمزاوج من المنثور، والخطب من ~~الرسائل، وحتى يعرف العجز العارض الذي يجوز ارتفاعه من ms007 العجز الذي هو صفة ~~في الذات. # فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام، ثم لم يكتف ~~بذلك حتى يعرف عجزه وعجز أمثاله عن مثله، وأن حكم البشر حكم واحد في العجز ~~الطبيعي وإن تفاوتوا في العجز العارض. ~~وهذا مالا يوجد عند صبي ابن سبع سنين وثمان سنين وتسع سنين أبدا، عرف ذلك ~~عارف أو جهله جاهل. ولا يجوز أن يعرف عارف معنى الرسالة إلا بعد الفراغ من ~~هذه الوجوه، إلا أن يجعل جاعل PageV00P016 ~~التقليد والنشو والألف لما عليه الآباء وتعظيم الكبراء، معرفة ويقينا. ~~وليس بيقين ما اضطرب ودخله الخلاج عند ورود معاني لعل وعسى، وما ~~لا يمكن (1) في العقول إلا بحجة تخرج القلب إلى اليقين عن التجويز. # ولقد أعيانا أن نجد هذه المعرفة إلا في الخاص من الرجال وأهل الكمال في ~~الأدب، فكيف بالطفل الصغير والحدث الغرير؟! مع أنك لو أدرت (2) معاني بعض ~~ما وصفت لك على أذكى صبي في الأرض وأسرعه قبولا وأحسنه حكاية وبيانا (3)، ~~وقد سويته [له (4)] ودللته، وقربته [منه] وكفيته مؤونة الروية ووحشة (5) ~~الفكرة. لم يعرف قدره ولا فصل بين حقه من باطله، ولا فرق بين الدلالة وشبيه ~~الدلالة، فكيف له بأن يكون هو المتولى لتجربته (6) وحل عقده، وتخليص ~~متشابهه، واستثارته من معدنه؟! # وكل كلام خرج من التعارف فهو رجيع بهرج، ولغو ساقط. ### || فصل (7): # وقد نجد الصبى الذكي يعرف من العروض وجها، ومن النحو صدرا، ومن ~~الفرائض أبوابا، ومن الغناء أصواتا، فأما العلم بأصول الأديان ومخارج ~~الملل، وتأويل الدين، والتحفظ من البدع، وقبل ذلك الكلام في حجج العقول، ~~والتعديل والتجوير، والعلم بالاخبار وتقدير PageV00P017 ~~الاشكال (1) فليس هذا موجودا إلا عند العلماء. فأما الحشوة والطغام (2) ~~فإنما هم أداة للقادة، وجوارح للسادة. وإنما يعرف شدة الكلام في أصول ~~الأديان من قد صلى به وعجمه، وسلك (3) في مضايقه، وجاثي الأضداد (4)، ونازع ~~الأكفاء (5). # فإن قالت (الشيع): الدليل على أن إسلام على كان اختيارا ولم يكن تلقينا، ~~أن عليا (6) أسلم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، وفى ذكر الدعاء ms008 ~~والاقرار به دليل على أن الإجابة اختيار، لان المسلم بالدعاء مجيب للدعاء. ~~ولا نعلم الدعاء يكون من حكيم لمدعو (7) لا يختار ولا تحتمل فطرته تمييز ~~الأمور وفضل ما بين ما دعا إليه وبين ما دعا إليه غيره. وليس بين قول ~~القائل: دعا النبي صلى الله عليه فلانا إلا الاسلام (8) وبين قوله: كلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلانا الاسلام فرق. وقول المسلمين: دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليا كقولهم: (9) دعا جميع العرب فمن مجيب طائع كعلى، ومن ~~ممتنع عاص كفلان وفلان. PageV00P018 # قالت (العثمانية) عند ذلك: قد عرفنا أن بعضهم قد نقل أن عليا كان أول من ~~أسلم، وقد نقلوا بأجمعهم أنه كان أول من أسلم. وبين قول القائل أسلم فلان ~~أول الناس وبين أن يقول أسلم في أوائل الناس فرق. فأما أن يكون واحد من ~~جميع الصنفين من البعض والجميع فسر مع روايته ومخرج خبره كيف كان إسلامه، ~~أعلى وجه الدعاء والتكليف أم على وجه التلقين والتربية، فلم نر أحدا منهم ~~ميز ذلك ولا فرقه في مخرج الخبر. ونحن لم ندع أن إسلامه كان إسلام تلقين من ~~قبل تفسير الناقلين وتمييز المحدثين، ولكنا نظرنا في التاريخ فعرفنا عمره ~~وابن كم كان يوم توفى، وعرفنا موضع اختلافهم واجتماعهم، فأخذنا أوسطه إذ ~~كان أعدل ما فيه، وأسقطنا قول من كثر وقلل، ثم ألقينا منه سنيه إلى عام ~~إسلامه فوجدنا ذلك يوجب أنه كان ابن سبع. ولو أخذنا أيضا بقول المكثر ~~فجعلناه ابن تسع، وتركنا قول من قلل وقول المقتصد، علمنا بذلك أيضا أن ~~إسلامه كان إسلام تربية وتأديب وتلقين، كما أخذ الله على المسلمين أن ~~يأخذوا به أولادهم. # وقالت (العثمانية) للعلوية: إنا لم ندع أنه أسلم وهو ابن سبع فإنا وجدنا ~~ذلك قائما في خبرهم مفسرا في شهادتهم، ولكنه علم مستنبط من أخبارهم، ~~ومستخرج من آثارهم عند المقابلة والموازنة. ومثل ذلك لو أن رجلا قال لرجل: ~~خذ عشرة في عشرة، كان ذلك في المعنى كقوله: " خذ مائة " وإن لم يكن سماها ms009 ~~له ولا ذكرها بلسانه. # وقالوا: ولولا أن من شأننا الاخذ بالقسط، والحكم بالعدل لأخذنا الشيع ~~بقولهم في عمره وبقول ولده، فإن أحدهما يزعم أن عليا توفى وهو ابن سبع ~~وخمسين. وقال الآخرون: بل توفى وهو ابن ثمان PageV00P019 ~~وخمسين. ولو كان (1) كما تقول الرافضة وولده ما كان أسلم إلا وهو ابن خمس ~~أو ابن ست. وهم لا يألون، ما نقصوا من عمره وصغروا من سنه لكي يجعلوا ~~إسلامه آية له وحجة على إمامته. # ولعمرى لو كان الذين نقلوا أنه كان أول من أسلم نقلوا مع خبرهم أنه أسلم ~~بالدعاء والتكليف، لقد كان ما ذهبتهم إليه مذهبا، وما اعتصمتم به متعلقا، ~~ولكن ما في الأرض كلها حامل خبر (2) ولا صاحب أثر كان في خبره أنه أسلم ~~بدعاء، ولا أنه أسلم بتلقين، وإنما هذا مستخرج من الاخبار. # فإن قالت (الروافض): بل الدليل على أن إسلامه كان طاعة ولم يكن تلقينا ~~قول جميع الأمة إن عليا كان من أول من أسلم، فنفس قولهم أسلم هو كقولهم ~~أطاع واختار، وكذلك قولهم إذا قالوا: كفر فلان: فهو كقولهم: عصا واختار، ~~وإن لم يفسروا، وليس بين قولهم أسلم فلان وكفر فلان فرق، لان المخبر الصادق ~~إذا قال كفر فلان فحكمه عند السامع العداوة والبراءة. ولو قال (3) أسلم ~~فلان كان حكمه المحبة والولاية: فإذا كانوا كلهم قد قالوا: أسلم على، وحكم ~~" أسلم " يثبت الاختيار وإجابة الولاية. قبل أن يجمعوا على أنه كان على ~~التلقين والتربية. فعلى على هذا القياس مطيع في إسلامه. مختار له على غيره. ~~وكذلك لو قالوا: كفر فلان، كان حكمه حكم العاصي المختار حتى PageV00P020 ~~يجمعوا أن كفره كان عن إكراه أو غلط أو هيج مرة، أو هجر النائم (1) أو ~~تلقين المؤدب. فلما كان هذا قياسا موجبا صحيحا، لم يكن لاحد أن يجعل إسلام ~~على إسلام تلقين إلا بمثل الحجة التي جعله بها مسلما، لانهم قد أطبقوا ~~بأجمعهم على إسلامه واختلفوا في السنة. ~~فيجب ألا نزيل حكم " أسلم " إلا بإجماع منهم أنه كان عن تلقين وتربية. ms010 # قلنا لهم: لعمري لو لم يكن ها هنا إجماع يخبر أن إسلامه كان إسلام تلقين ~~ونشو، كان حكم قولهم أسلم على على ما قلتم، لا تجحدون حكمه ولا تظلمون معنا ~~كم فيه، ولكن الذين قالوا إنه توفى وهو ابن كذا وكذا فأخذنا بأوسطها نقصوا ~~(2) من سنيه فإذا هو قد أسلم وهو ابن سبع سنين. ولو أخذنا بقول المكثر ~~وبخسنا القياس حظه كان أيضا إسلامه وهو ابن تسع سنين إسلام تلقين. فبهم ~~عرفنا تقدمه في الاسلام، وبهم عرفنا صغر سنه وحداثته، إذ كان الصبى إذا كان ~~ابن خمس سنين إلى عشر سنين لا يستتاب إن كفر، ولا يلام إن جهل، ولا يعذب إن ~~ضيع. فإذا كانوا بأجمعهم قد قالوا إنه أسلم وهو ابن خمس أو ست أو ثمان أو ~~سبع. فقد قالوا بأجمعهم إنه أسلم إسلام تلقين وإن لم يقولوا بأفواههم، كما ~~قلتم إن قول القائل كفر فلان وأسلم فلان - وإن لم يذكره - [حكم (3)] ~~بالطاعة والمعصية. # قلنا: فكذلك إذا قال رجل أسلم فلان وهو ابن سبع سنين أو ثمان PageV00P021 ~~أو تسع، فقد قال إن إسلامه كان إسلام تلقين وإن لم يذكره ولم يتفوه به ~~كما قلتم، حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل. فإذا ثبت أن إسلام على إسلام ~~تلقين في ذلك الدهر فإسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه. ولو أن عليا كان أيضا ~~بالغا كان إسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه، لان إسلام المقتضب (1) الذي لم ~~يغذ به (2) ولم يعوده ولم يمرن عليه، أفضل من إسلام الناشئ الذي قد ربى فيه ~~ونشأ عليه وحبب إليه، لان خبابا وزيدا يعانيان من الفكر ويتخلصان إلى أمور، ~~وصاحب التربية يبلغ حين يبلغ وقد أسقط إلفه عنه مؤونة الروية، والخطار ~~بالجهالة، وقد أورثه الألف السكون، وكفاه اختلاج الشك (3)، واضطراب النفس ~~وجولان القلب. ### || فصل: # (* ولو كان على أيضا بالغا وكان مقتضبا (4) كزيد وخباب لم يكن ~~إسلامه ليبلغ قدر إسلامهما، لان إسلام التربية يكفي مؤونتين: ~~إحداهما الخطار والتغرير، والاخرى شدة فراق الألف ومكابدة العادة، ونزاع ~~الطبيعة، مع أن ms011 من كان بحضرة الاعلام وفى منزل الوحي، وفى رحال الرسل ~~فالاعلام له أشد انكشافا، والخواطر على قلبه أقل اعتلاجا. وعلى قدر الكلفة ~~في دفع الشبهة والاقرار بخلاف الألف والعادة، والمخاطرة باعتقاد الجهالة، ~~يعظم الفضل، ويكثر الاجر *). PageV00P022 # ولو كان أيضا على أسلم بالغا مدركا، وكان مع إدراكه وبلوغه كهلا، وكان مع ~~كهولته مقتضبا كان إسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه، لان من أسلم وهو يعلم ~~أن له ظهرا كأبى طالب، وردءا كبنى هاشم، وموضعا في بنى عبد المطلب، ليس ~~كالحليف ولا المولى، والنزيل والتابع والعسيف، وكالرجل من عرض قريش (1) ~~وقاطني مكة. [أ] وما علمت أن قريشا خاصة وأهل مكة عامة لم يقدروا على أذى ~~النبي صلى الله عليه ما كان أبو طالب حيا قائما؟! ولقد منع أبو طالب أبا ~~سلمة بن عبد الأسد المخزومي لأنه كان ابن أخته، فما قدرت بنو مخزوم مع ~~خيلائها (2) وعرام شبابها، ومع عزها وشدة عداوتها أن تحص منه شعرة (3) ولا ~~تسمعه كلمة حتى مشت إليه بأجمعها، للذي (4) ترى له في أنفسها، فكان من ~~قولهم له: هذا ابن أخيك قد فرق جماعتنا وسفه أحلامنا وشتم آلهتنا وقد منعته ~~منا، فما بال صاحبنا (5)؟ قال: من لم يمنع ابن أخته لم يمنع ابن أخيه! # فإذا كانت قريش وأهل مكة لا يقدرون على ابن أخيه وابن أخته معه فهم عن ~~ابنه أعجز، وعنه أقعد، وله أعفى (6)، وهو لابنه أحضر نصرا وأشد غضبا، وأحمى ~~أنفا، وليس الممنوع كالمخذول، ولا الضعيف PageV00P023 ~~كالقوى، ولا الآمن كالخائف. فإذا كان إسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه في ~~ذلك الدهر كما عددنا من الطبقات. ورتبنا من المنازل، ونزلنا من الحالات، ~~فإسلام أبى بكر أفضل من إسلامهما، فقد سقطت المنازعة، وارتفعت الخصومة عند ~~من فهم كتابنا ولم يمنع نفسه الحظ بصحبتنا، لفرط التباين وعظم الفرق. ### || فصل: # والدليل على أن إسلام أبى بكر كان أفضل من إسلام زيد وخباب أن زيدا ~~كان رجلا غير مذكور بعلم، ولا مزن بمال (1) ولا مغشى المجلس، ولا مزور ~~الرحل، وكذلك كان خباب، ms012 وكان أبو بكر رضي الله عنه أعلم العرب بالعرب كلهم. ~~وأرواها لمناقبها ومثالبها، وأعرفها بخيرها وشرها، ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لحسان مع سن حسان وعلمه وتحاكم الشعراء إليه، حيث أمره ~~النبي عليه السلام أن يهجو أبا سفيان بن الحارث، وحيث قال له: " اهجهم ومعك ~~روح القدس ". ~~وحيث قال له: هيج الغطاريف على بنى عبد مناف - في قتل أبى أزيهر (2) - ~~والق أبا بكر فإنه أعلم الناس بهم. PageV00P024 ### || فصل: # ولذلك كان جبير بن مطعم أعلم قريش بالعرب بعد أبي بكر، لأنه كان ~~المتولى لتأديبه وتثقيفه، وقد كان أبو بكر قد سمى عائشة له (1). ~~للذي رأى من حسن أثره عليه. # (* وكان أبو بكر. مع علمه بالناس وحسن معرفته، ذا مال كثير ووجه عريض ~~(2)، وتجارة واسعة، وكان جميلا عتيقا (3)، ومزورا مغشيا، ومحببا أديبا صاحب ~~ضيافات (4)، ويعين في الحمالات، ويجتمع إلى مجلسه كبراء أهل مكة، لما يجدون ~~عنده من طريف الحديث وغريب الشعر، حتى كان مثل عتبة وشيبة (5) يجلسان إليه، ~~ويعجبان بحديثه، ثم يتخذ لهم ما يتحدثون عليه ويطول مجلسهم به، من شراب ~~العسل والزبيب PageV00P025 ~~واللبن (1)، فكانت قريش بعد إسلام أبى بكر وكثرة مستجيبيه بمكة تريد ~~تنفير عتبة بن ربيعة من مجلسه وإيحاشه منه، مخافة أن يستميله بحسن دعائه، ~~وتأتيه ورفقه، ورقة دموعه وشدة خشوعه فتقول له: أما إنك ما تأتى ابن أبي ~~قحافة إلا لطيب عسله وإلا لمذقته (2)، وإنما نفروه بهذا وشبهه لأنه كان ذا ~~عيال مملقا ثقيل المؤونة، خفيف ذات اليد، مع سنه وسؤدده وحلمه ورأيه. # ولا سواء إسلام ذي اليسر والمال الدثر، المنفق حريرة كسبه وعقيلة ملكه، ~~والمفرق عنه جمعه والموحش منه أنيسه. الخارج من عز الغنى وكثرة الصديق، إلى ~~ذل القلة وعجز الفاقة، وإسلام من لا حراك به ولا جدا عنده، تابع غير متبوع، ~~ومستجد غير مجد، لان من أشد ما يبتلى به الكريم السب بعد التحية، والضرب ~~بعد الهيبة، والعسر بعد اليسر. # ولا سواء إسلام العالم الأديب الأريب، ذي الرأي السديد، وإسلام غيره. # ثم كان داعية من ms013 دعاة الرسول مقبول القول، متبوع الرأي. ومن كان في صفة ~~أبى بكر فالخوف عليه أشد، والمكروه إليه أسرع، لأنه لم يكن على ظهرها عدو ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا وأبو بكر يتلوه عنده في العداوة. # ولا سواء إسلام من أسلم على أن يمون ويكلف. وإسلام من كان يمان قبل ~~إسلامه ويكلف بعد إسلامه. PageV00P026 # ولا سواء إسلام الكهل النبيه الذي يحسن عند قريش مطالبته، ولا يستحى من ~~طلب الثأر عنده، وإسلام الحدث الذي لا يفي بعداوة الجلة، ولا تستجيز ~~مجازاته العلية *). # ثم كان الذي يلقى أبو بكر في الله ورسوله ببطن مكة، وعلى خلى الروع (1) ~~آمن السرب رخى البال، كما لقى يوم دعا طلحة إلى الاسلام فأسلم ومضى به إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخذلتهما تيم، وأخذهما نوفل بن خويلد بن أسد (2) ~~- فأما ابن إسحاق (3) فزعم أنه كان من شياطين قريش، وأما الواقدي (4) وغيره ~~فزعموا أنه كان يلقب أسد (5) قريش، PageV00P027 ~~وهو الذي يقال له ابن العدوية - فقرنهما في حبل. وفتنهما على دينهما ~~وعذبهما، فلذلك سمى أبو بكر وطلحة " القرينين ". # وأبو بكر الذي قام دون النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وقد اعتوره ~~المشركون حين قال: " أما والله لقد جئتكم بالذبح!! (1) " قال أبو بكر ~~ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله! فصدعوا فودى رأسه. # (* * ثم الذي لقى في مسجده الذي كان بناه على بابه في بنى جمح، وحيث رد ~~الجوار وقال: لا أريد جارا سوى الله. وقد كان بنى مسجدا يصلى فيه ويدعو ~~الناس إلى الاسلام، وله صوت رقيق ووجه عتيق، فكان إذا قرأ وبكى، وقعت عليه ~~(2) المارة والنساء والصبيان والعبيد، فلما أوذى في الله حتى بلغ جهده ~~استأذن النبي صلى الله عليه في الهجرة، فأذن له، فأقبل يريد المدينة فتلقاه ~~الكناني سيد الأحابيش (3)، فعقد له PageV00P028 ~~جوارا وقال: والله لا أدع مثلك يخرج من بين أخشبي مكة. فرجع وقد عقد له ~~الكناني جوارا. كل ذلك رغبة في قرب النبي صلى الله عليه، فلما رجع إلى مكة ~~عاد إلى مسجده وصنيعه. ms014 فمشت قريش إلى جاره وعظموا الامر عنده وأجلبوا عليه ~~فقالوا: قد أفسد أحداثنا. وعبيدنا وإماءنا ونساءنا. في منازلنا!! فمشى إليه ~~الكناني وقال: ليس على هذا أعطيتك الجوار، ادخل بيتك واصنع فيه ما بدا لك * ~~*)! قال له أبو بكر: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ فلما قطع الجوار ~~وترادا العهد وتباريا (1) لقى أبو بكر رضي الله عنه من الأذى والذل والضرب ~~والاستخفاف ما بلغك. وهو أمر موجود في جميع السير. وليس المفتون كالوادع. ~~قال الله سبحانه: " والفتنة أشد من القتل ". وذلك أن المشركين كانوا قد ~~صاروا إلى أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتعذيب. والمسلمون نفر يسير، قد ~~خذلتهم عشائرهم. وأسلمتهم أهلوهم. فألقوا خبابا على الرضف (2). ~~حتى ذهب ماء متنه. وكان أبو ذر حليفا مستضعفا فكان يدخل بالنهار في خلال ~~أستار الكعبة ويخرج بالليل مستخفيا. وكانت بنو مخزوم تعذب عمارا وأباه وأمه ~~برمضاء مكة، فيمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: PageV00P029 ~~" صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة! " فذكر عمار عند ذلك عياذ أبى بكر ~~لبلال حين أعتقه من العذاب فيمن أعتق، فقال: # جزى الله خيرا عن بلال ودينه %~% عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل (1) # وقال سعيد بن جبير: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: والله إن كانوا ~~ليضربون أحدهم ويعطشونه حتى لا يقدر أن يستوى جالسا من الجهد، حتى إن كان ~~أحدهم ليعطيهم الذي سألوه، من الفتنة، وحتى يقال له: اللات والعزى إلهك من ~~دون الله؟ ~~فيقول: نعم، وحتى إن الجعل ليمر بهم فيقال (2) له: هذا إلهك؟ ~~فيقول: نعم. # فلو كان علي بن أبي طالب قد ساوى أبا بكر في الاسلام لقد كان فضله أبو ~~بكر بأن أعتق من المفدين المفتونين بمكة. وحتى [لو (3)] لم يكن غير ذلك ~~لكان لحاقه عسيرا (4)، ولو كان ذلك يوما واحدا لكان عظيما، فكيف وكان بين ~~ظهور النبي عليه السلام ودعائه إلى أن هاجر إلى المدينة ثلاث عشرة ms015 سنة، في ~~كل ذلك أبو بكر وخباب وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتجرعون المرار وعلى ~~وادع رافه، غير طالب ولا مطلوب وليس أنه لم يكن في طباعه (5) النجدة ~~والشهامة، وفى غريزته الدفع والحماية، PageV00P030 ~~ومن أكرم عنصر وأطيب مغرس، ولكن لم تكن تمت له أداته، ولم تستجمع له قواه ~~ولم تتكامل آدابه، لان العقل وإن اشتد مغرزه وثبتت أواخيه وجاد نحته (1) ~~فإنه لا يبلغ بنفسه درك الغاية، دون كثرة السماع والتجربة، ولان رجال الطلب ~~وأصحاب الثأر وأهل السن والقدر يغمطون ذا الحداثة، ويزرون على [ذي (2)] ~~الصبا والغرارة إلى أن يلحق بالرجال يصير من الأكفاء *). (* * حتى كان آخر ~~(3) ما لقى هو وأهله في أمر الغار، وقد طلبته قريش وجعلت فيه مائة بعير كما ~~جعلت في النبي صلى الله عليه وسلم، فلقى أبو جهل أسماء بنت أبي بكر - وهى ~~ذات النطاقين - منصرفها من الغار، فسألها فكتمته فلطمها، فقالت أسماء: لقد ~~لطمني لطمة أندر منها قرطا كان في أذني * *). ### || فصل: # (* * * ثم الذي كان من دعائه إلى الاسلام وحسن احتجاجه حتى أسلم على ~~يديه طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وعثمان، لأنه ساعة ما أسلم دعا إلى ~~الله ورسوله * * *). وكان مألفا، لأدبه وعلمه ورحب عطنه. # (* * * * وقالت أسماء: " ما عرفت أبى إلا وهو يدين بالدين، ولقد رجع ~~إلينا يوم أسلم فدعانا إلى الاسلام فما رمنا حتى أسلمنا وأسلم أكثر جلسائه ~~"، ولذلك قالوا: لمن أسلم بدعاء أبى بكر أكثر ممن أسلم PageV00P031 ~~بالسيف. ولم يذهبوا من قولهم إلى العدد بل عنوا الكثرة في القدر، لان من ~~أسلم على يده خمسة من الشورى، كلهم يفي بالخلافة، وهم أكفاء على ومنازعوه ~~الرياسة والإمامة. فقد أسلم على يده أكثر ممن أسلم بالسيف، لان هؤلاء أكثر ~~من جميع الناس * * * *). ### || فصل: # وممن أسلم على يده بلال، وهو الذي يقول فيه عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: " بلال سيدنا ومولى سيدنا ". ورووا أنه قال: ~~" أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا " وقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلال سابق ~~الحبش، وبلال " مولى أبى بكر " ثلاث مرات. ms016 أسلم على يده فأعتقه من رق ~~الكفر. وأعتقه من رق العذاب حيث كان يفتن في الله ورسوله، وأعتقه من رق ~~العبودية. # وكان من قصة بلال أنه كان عبدا لبنى جمح وكانت دار أبى بكر ومسجده في حي ~~جمح، ولم يكن ببطن مكة مسجد سواه، فلما سمع دعاء أبى بكر أسلم وحده (1) ~~فلما سمع (2) أمية بن خلف فكان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره ~~ببطحاء مكة، ثم يضع صخرة على صدره، ثم يحلف بإلهه لا ينزعها عن صدره أو ~~يكفر بمحمد وإلهه ويؤمن باللات والعزى! وبلال يأبى وهو يقول: أحد أحد! وكان ~~يمر به ورقة بن نوفل فيقول: نعم يا بلال، أحد أحد!! فمر به أبو بكر وهو ~~يريد داره في بنى جمح. فرأى أمية وما يصنع بلال، فقال: ألا تتقى الله؟ PageV00P032 # إلى متى تعذب هذا المسكين؟! قال: أنت أفسدته! يعنى أنت دعوته حتى أسلم - ~~فأنقذه! قال أبو بكر: عندي غلام أسود جلد، على دينك، أعطيكه وآخذه. فأعتقه. ~~فهو عتيقه ثلاث مرات (1). # (* ثم أعتق بعد ذلك من المعذبين في الله ست رقاب، منهم عامر بن فهيرة، ~~شهد بدرا وهاجر مع رسول الله عليه السلام وأبى بكر. لأنه كان في موضع ~~الثقة. حيث خرجا إلى الغار هاربين من المشركين متوجهين إلى المدينة. ~~واستشهد يوم بئر معونة. # وأعتق زنيرة (2) ثلاث مرات. فلما اشتراها وأعتقها ذهب بصرها، وكانت تعذب ~~في الله فيمن يعذب بمكة، فقال المشركون: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى! ~~قالت: كذبوا ما يضران ولا ينفعان! فرد الله عليها بصرها. فزعم الزهري (3) ~~أن موليين لابن الغيطلة (4) أسلما حين رد الله عليها بصرها. وقالا: هذا بلا ~~شك (5) من إله محمد وابن أبي قحافة! # ثم أعتق النهدية وابنتها وقد كانتا تعذبان في الله، وكانتا لامرأة من بنى ~~عبد الدار. ومر بهما أبو بكر وقد بعثت العبدرية (6) معهما بطحين وهى PageV00P033 ~~تقول: والله لا أعتقكما أبدا. قال أبو بكر: حلا (1) يا أم فلان؟ قالت: ~~حلا! أنت أفسدتهما فأعتقهما. قال: فبكأين هما (2) يا أم فلان؟ قالت: ms017 ~~بكذا وكذا. قال: فقد أخذتهما، وهما حرتان. أرجعا إليها طحينها. ~~قالت: أو نفرغ منه يا أبا بكر (3)؟ قال: وذاك إن شئتما. # ومر بجارية بنى مؤمل - حي من بنى عدى بن كعب - وعمر بن الخطاب يعذبها ~~لتترك الاسلام، وهو يضربها فإذا مل قال: أعتذر إليك إني لم أتركك إلا ملالة ~~(4)! فابتاعها فأعتقها. # وأعتق أم عبيس (5). # فقال له أبو قحافة: أي بنى، أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ~~أعتقت رجالا جلدا (6) منعوك وقاموا دونك؟! قال: يا أبت PageV00P034 ~~إنما أعتق المعذبين! فأنزل الله: " أما من أعطى واتقى (1). وصدق بالحسنى ~~" إلى قوله: " وما لاحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى. ~~ولسوف يرضى *) ". فتفهم معنى قوله: " وما لاحد عنده من نعمة تجزى. إلا ~~ابتغاء وجه ربه الاعلى " وتفهم معنى قوله: " ولسوف يرضى ". # وقد سمعت قول الله سبحانه حيث خاطب جماعة المسلمين وذكر الأموال وعظم ~~قدرها في عيونهم، وشدة إخراجها عليهم. وأنه لو كلفهم ذلك لأخرجهم ثقل ~~التكليف إلى غاية البخل بها والشح عليها. والايثار لحبسها فقال: " لا تهنوا ~~(3) وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم، إنما ~~الحياة الدنيا لعب ولهو، وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم " ثم قال: " ولا ~~يسألكم أموالكم. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ". فتفهم معنى ~~هذا الكلام وأن الله لم ينزله عبثا (4). ثم قال: " هاأنتم هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله ~~الغنى وأنتم الفقراء " ألا تراه خاطب جميع المسلمين فقال: " ولا يسألكم ~~أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أصغانكم (5) ". # (* ثم قد علمتم ما قد صنع أبو بكر بماله (6)، وكان المال أربعين ألفا PageV00P035 ~~فأنفقه على نوائب الاسلام وحقوقه، ولم يكن ماله ميراثا لم يكد فيه فهو ~~غزير (1) لا يشعر بعسر اجتماعه (2) وامتناع رجوعه. ولا كان هبة ملك فيكون ~~أسمح لطبيعته وأخرق في إنفاقه، بل كان ثمرة كده وكسب جولانه وتعرضه. ثم لم ~~يكن خفيف الظهر قليل النسل قليل العيال، فيكون قد جمع اليسارين، [لان المثل ms018 ~~الصحيح السائر: قلة العيال أحد اليسارين (3)!] بل كان ذا بنين وبنات وزوجة ~~وخدم وأحشام (4)، يعول مع ذلك أبويه وما ولدا، ولم يكن فتى حدثا فتهزه ~~أريحية الشباب وغرارة الحداثة. ولم يكن بحذاء إنفاقه طمع يدعوه، ولا رغبة ~~تحدوه، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك عنده يد مشهورة فيخاف ~~العار في ترك مواساته (5) وإنفاقه عليه، ولا كان من رهطه دنيا (6) فيسب ~~بترك مكانفته ومعاونته وإرفاقه. فكان [إنفاقه (7)] على الوجه الذي لا نجد ~~أبلغ في غاية الفضل منه *)، ولا أدل على غاية الصدق والبصيرة منه. PageV00P036 # (* وقد تعلمون ما كان يلقى أصحاب النبي عليه السلام ببطن مكة من ~~المشركين، وقد تعلمون حسن صنيع كثير منهم، كصنيع حمزة حين ضرب أبا جهل ~~بقوسه، فبلغ في هامته. في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو جهل يومئذ ~~أمنع البطحاء، وهو رأس الكفر. # ثم صنيع عمر حيث يقول يوم أسلم: " والله لا يعبد (1) الله سرا بعد اليوم! ~~" حتى قال بعد موته عبد الله بن مسعود: " ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر (2) ". # ثم كان الذي لقى في ذلك اليوم بعينه من المشركين، ثم مضيه من فوره حتى ~~يقرع على أبى جهل الباب، فلما حس به أبو جهل خرج إليه وهو يقول: مرحبا بابن ~~أختنا - وكانت أمه حنتمة بنت هاشم ذي الرمحين ابن المغيرة - قال: أتدرى ما ~~صرت بعدك يا أبا الحكم! قال: خير، فليكن. قال: إنه خير. إني آمنت بالله ~~وبرسوله وخلعت الأنداد، وجعلت (3) اللات والعزى، وصدقت محمدا. قال: فلا قرب ~~الله قرابتك!! # ألا ترى إلى قوة (4) شهامته وجلده، وصدق نيته في كشف القناع، والمبادأة ~~لرأس الكفر وسيد البطحاء عند نفسه ورهطه. # وقوله بعد ذلك لجميع المشركين: أما والله لو قد (5) صرنا مائة لتركتموها ~~لنا أو تركناها لكم - يعنى مكة. PageV00P037 # ثم صنيع [الزبير (1)] في سله السيف شادا به مستقبل المشركين، يريد خبط من ~~لقيه منهم. فتلقاه النبي صلى الله عليه مقبلا فقال: مالك يا زبير؟! قال: ~~بأبي أنت وأمي، سمعت قائلا يقول: قد أخذ ms019 محمد وأوذى! فكان أول من شهر سيفا ~~في الاسلام. # ثم صنيع سعد (2) وضربه عظيما من عظمائهم على أم رأسه بلحى بعير، فكان أول ~~من أراق دما في الاسلام. وهو الذي يقول لرسل على حين أتوه يدعونه إلى ~~بيعته: ثكلتني أمي، لئن كنت مع رسول الله صلى الله عليه سادس ستة (3) ما ~~لنا طعام إلا ورق البشام. ثم جاءني أعراب الأوس تعلمني دين الله؟!. # وإنما ذكرت لك هذا لتعلم أقدار القوم والذي لقوا من الجهد والخوف والذل ~~والتطراد والضرب. ولم نسمع لعلى في جميع ذلك ذكرا. # ولم يكن ذلك المكروه سنة ولا سنتين، ولكن ثلاث عشرة سنة، وهذا أمر لا ~~يلحق ولا يدرك الفائت منه. كما قال الله: " لا يستوى منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى (4) ". PageV00P038 # فإذا كان من أنفق وقاتل قبل الفتح أعظم درجة. لان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " لا هجرة بعد الفتح " فما ظنك بمن قاتل وأنفق قبل الهجرة. ومن ~~لدن (1) مبعث النبي صلى الله عليه إلى الهجرة أعظم من القيام بأمر الاسلام ~~بعد الهجرة [و] أفضل من القيام بأمر الاسلام بعد الفتح. # فإن قالوا: قد عرفنا أن أبا بكر قد أنفق قبل الهجرة ولا نعرفه قاتل قبل ~~الهجرة. فقتال على بعد الهجرة أفضل من إنفاق أبى بكر قبل الهجرة. # * (قلنا: إن أبا بكر وإن لم يقاتل قبل الهجرة فقد قتل مرارا وإن لم يمت ~~قبل الهجرة. ولأنه لو جمع جميع المكروه الذي لقى أبو بكر ثلاث عشرة سنة ~~لكان أكثر من عشرين قتلة (2). # ولو كان في ذلك الزمان القتال ممكنا والوثوب مطمعا لقاتل أبو بكر ونهض ~~كما نهض في الردة. وإنما قاتل على في الزمان الذي [قد (3)] أقرن [فيه (3)] ~~أهل الاسلام لأهل الشرك (4)، فطمعوا أن تكون الحرب PageV00P039 ~~سجالا، وقد أعلمهم الله أن العاقبة للمتقين، وأبو بكر مفتون مفرد (1) ~~[ومطرود مشرد، ومضروب معذب (2)] في الزمان الذي ليس بالاسلام وأهله نهوض ~~ولا حركة، ولذلك ms020 قال أبو بكر بعد أن استفاض الاسلام وضرب بجرانه وظهر أمره: ~~" طوبى لمن مات في نأنأة الاسلام " يقول: ~~في أيام ضعفه وقلته *)، حيث كانت الطاعة أعظم. لفرط الاحتمال، والبلاء ~~أغلظ، لشدة الجهد، لان الاحتمال كلما كان أشد وأدوم كانت الطاعة أفضل، ~~والعزم فيه أقوى. # ولا سواء مفتون مشرد لا حيلة عنده، ومضروب معذب لا انتصار به ولا دفع ~~عنده، ومباطش مقرن (3) [يشفى غيظه ويرون غليله، وله مقدم يكنفه ويشجعه. # ولا سواء مقهور (4)] لا يغاث (5)، ولم ينزل القرآن بعد بظفره، PageV00P040 ~~وقد هتك اليأس لطول ما لقى حجاب قلبه. ونقض قوى طمعه حتى بقى وليس معه ~~إلا احتسابه. ومقاتل في عسكر معه عز الرجاء (1) وقوة الطمع، وطيب نفس الآمل (2). # فليس لعلى موقف من المواقف إلا ولابى بكر أفضل منه إما في ذلك الموقف ~~وإما في غيره. ولابى بكر مواقف لا يشركه فيها على ولا غيره. ~~وإنما محص على وامتحن من لدن يوم بدر إلى آخر غزوات النبي صلى الله عليه ~~وسلم (* وبين المحنة في الدهر الذي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~مقرنين لأهل مكة ومشركي العرب ومعهم أهل يثرب أصحاب النخيل والآطام، والارب ~~والاقدام، والصبر والمواساة. والايثار والمحاماة. ~~والعدد الدثر والفعل الجزل، وبين الدهر الذي كانوا فيه بمكة يفتنون ~~ويشتمون ويضربون ويشردون، ويجوعون ويعطشون، مقهورين لا حراك بهم. وأذلاء، ~~لا دفع عندهم، وفقراء لا مال لهم. ومغيظين ولا يمكنهم السفهاء (3)، ~~ومستخفين لا يمكنهم اللقاء (4) - فرق بين. # ولقد كانوا في حال أخرجت لوطا - وهو نبي، والنبي خير من جميع الناس - إلى ~~أن قال لقومه حين لقى منهم ما لقى: " لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ~~". [وقال النبي صلى الله عليه وآله: ~~" عجبت من أخي لوط كيف قال: أو آوى إلى ركن شديد (5)] وهو يأوى إلى الله ~~سبحانه! PageV00P041 # ثم لم يكن ذلك يوما ولا يومين، ولا شهرا ولا شهرين، ولا عاما ولا عامين، ~~ولكن السنين بعد السنين. # وكان أغلظ القوم محنة وأشدهم احتمالا بعد رسول الله صلى ms021 الله عليه أبو ~~بكر الصديق، لأنه أقام ما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وذلك ~~ثلاث عشرة سنة. وإنما قلنا ذلك من أجل أن الناس اختلفوا في مقدار مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى هجرته. فقال قائل: خمس عشرة سنة، وقال آخرون: ~~ثلاث عشرة سنة، وقال قوم: عشر سنين، فكان أعدل الأمور وأقسطها طرح الطرفين، ~~والاخذ بأوسط الروايات *)، كما صنعنا في عمر علي بن أبي طالب، حيث وجدنا ~~ولده جعفر بن محمد [و] هو دونه، يخبر أن عليا استشهد وهو ابن سبع وخمسين، ~~وقالت (علماء الرافضة): نحن أعلم به من ولده إلا الأئمة منهم. ولم يقل هذا ~~القول إمام منهم قط، ولكن على استشهد وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ثم روى ~~الناس بعد أنه استشهد وهو ابن ستين وابن ثلاث وستين وابن أربع وستين، أخذنا ~~بأوسط ما قالوا فطرحنا سنيه وسني عمر وعثمان وأبى بكر والهجرة ومقام النبي ~~صلى الله عليه بمكة، فحصل العدد الذي أثبتناه في صدر ذكرنا القضية. # (* فإن قالوا: قد صنع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة أفضل من جميع ما ~~ذكرتم، ولقى أشد مما لقى أفضلهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أباته ~~في مضجعه وعلى فراشه والمشركون يرصدونه، وقد سقط إليهم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يريد المدينة، فقد تحزموا واجتمعوا وقلبوا PageV00P042 ~~~الرأي فرأوا أن يبيتوه على فراشه إن لم يظهر لهم. فقال لعلى: " نم على ~~فراشي وتغش ببردى الحضرمي، فإنهم إن رأوا حجمك فوق الفراش ودون البرد لم ~~يستريبوا، وخفى لهم (1) أمرى، ولم يتبعوا أثرى ". فنام على على فراشه ينتظر ~~وقع السيوف، ويتوقع رضخ الحجارة، باذلا نفسه مصطبرا. # وليس فوق بذل النفس درجة يلتمسها صابر، ولا يبلغها طالب. # وإن كان أبو بكر قد أحسن في خروجه وهجرته وصحبته، وهربه مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، واستخفائه في الغار. فإن ذلك لن يبلغ من الاحتمال والخطار ~~والخوف، قدر ما كان فيه علي رضي الله عنه، لان طمع النجاة ms022 في أحدهما أقوى، ~~والنفس له أرجى. # قيل لهم: لو كان الامر كما تقولون في هذين الخوفين لم يقم صرف ما بينهما ~~(2) بقدر عشر ما لقى أبو بكر من جميع ما وصفنا وما صنع أبو بكر في ثلاثة ~~عشر سنة، من كثرة الانفاق، وإيثار الفقر على الغنى، والوحدة على الأنسة، ~~والهوان بعد الكرامة. والخوف بعد الامن، والضرب والافتتان بعد الاكرام ~~والتعظيم، مع عتق المعذبين وكثرة المستجيبين، ومع صرف وزن ما بين الطاعتين، ~~لان طاعة الشاب الغرير أو الحدث الصغير، الذي في عز صاحبه عزه، ليس كطاعة ~~الحكيم المحتنك الأريب، الذي لا يرجع تسويده لمن سوده [و] إلى رهطه *). PageV00P043 # * (وفرق آخر: أن أمر الغار وقصة أبى بكر وصحبته مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكونه معه فيه، نطق [به] القرآن وصح به الاجماع، كالصلوات الخمس، ~~والزكاة المفروضة، والغسل من الجنابة، حتى إن من أنكر ذلك عند الأمة مجنون ~~أو كافر. وأمر على ونومه على الفراش أنما جاء مجئ الحديث، وكما تجئ روايات ~~السير وأشعارها، وهذا لا يوازن ذا ولا يكايله *). # وأول مراتب العالم أن يعرف المعارضة والمقابلة، والمنقوص والمتساوى، ولو ~~أن رجلا من أوساط الناس أظهر شكا في قصة على ومبيته، وقال: قد سمعت ذلك ~~ولعله، ولكني مشفق للذي (1) أعرف من أكاذيب الشيع، وتوليد حمال السير، لم ~~يكن عليه بأس من الامام. # ولو قال رجل لك، وهو رجل من أوسط الناس: والله ما أدرى والله، لعل الله ~~إنما عنى بقوله: " ثاني اثنين إذ هما في الغار " علي بن أبي طالب، لوجد عند ~~الامام غاية النكير. # (* وفرق آخر: أنه لو كان مبيت على على فراش النبي صلى الله عليه وسلم جاء ~~مجئ كون أبى بكر في الغار مع النبي، لم يكن في ذلك كبير طاعة، فضلا عن أن ~~يساوى أبا بكر أو يبرز عليه، لان الذين نقلوا - كاذبين كانوا أو صادقين - ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أبات عليا على فراشه، هم الذين نقلوا أن النبي ~~عليه السلام قال: " تغش ببردى، PageV00P044 ~~ونم في ms023 مضجعي، فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه " وهكذا لفظ هذا الحديث، لا ~~يشك في ذلك أحد. ولم ينقل إلينا أن النبي صلى الله عليه قال لأبي بكر: أنفق ~~واحتمل، ولن تعطب ولن يصل إليك مكروه *). # (* فإن قالوا: إن عليا وإن كان حدثا - كما تزعمون - أيام مكة فإنه قد لحق ~~السابق له ثم برز عليه بصنيعه يوم بدر وأحد والخندق، ويوم خيبر، وفى حروب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن قبضه الله سبحانه إلى جنبه، فجمع أمرين: ~~كثرة التعرض للمنايا، وعظم الغناء بقتل الاقران والفرسان، والقادة والسادة، ~~لان من له من قتل الانجاد والأمجاد ما ليس لغيره، فله من التعرض والاحتمال ~~والصبر والاحتساب ما ليس لغيره. # قلنا: إن كثرة القتل وكثرة المشي بالسيف لو كان أشد المحن وأعظم الغناء، ~~وأدل على الرياسة، كان ينبغي أن يكون لعلى والزبير، وأبى دجانة (1)، ومحمد ~~بن مسلمة، وابن عفراء (2)، والبراء بن مالك من عظم الغناء واحتمال المكروه ~~بالقدر العظيم ما ليس للنبي صلى الله عليه وسلم، PageV00P045 ~~لان النبي لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا (1)، وقد علمنا أنه ليس أحد أشد ~~احتمالا ولا أعظم غناء، ولا أظهر فضلا منه صلى الله عليه. # وقد تجد الرجل يقتل الاقران والفرسان وهو لا يستطيع أن يرفع طرفه في ذلك ~~العسكر إلى رجل آخر ليس فيه من قتل الاقران قليل ولا كثير، لمعان هي عندهم ~~أكثر من مشى ذلك المقاتل بسيفه، وقتله لقرنه. # وإذا ثبت أن رئيس العسكر وأشباهه قد ثبتت لهم الرياسة واستحقوا التقديم ~~بغير التقدم والمباشرة، ثبت أن قتل الاقران ليس بدليل على الفضيلة ~~والرياسة. أو ما تعلم أن مع الرئيس من الاكتراث والاهتمام وشغل البال، ~~والعناية والتفقد، ما ليس لغيره. لأنه المخصوص بالمطالبة. وعليه مدار ~~الامر، وبه يستنصر المقاتل وباسمه ينهزم العدو، وبتعبيته ورايته ومعرفته ~~يفل الحد، ولان اختيار الحكيم دليل على احتمال طبيعته واستقلال نفسه، ولان ~~فرته أو عردته أعظم من المأثم والعار من عردة غيره وفرة غيره (2). ~~[و] لو لم يكن من بليته وشدة ms024 ما محص به (3) إلا أن القوم لو ضيعوا PageV00P046 ~~جميعا وحفظ ما أضيفت الهزيمة إلا إليه *)، ولا كان المطلوب غيره، ولا كان ~~الذليل المهان غيره. ولهذا وأشباهه يكون الرئيس أعظم غناء، وأشد احتمالا، ~~لأنك [لو] قذفت فضل صبر المقاتل الواحد في خصاله لم تجد له أثرا ولم تحس له ~~حسا (1). # (* واعلم أن المشي إلى القرن بالسيف ليس هو على ما يتوهمه الغمر من الشدة ~~والفضل وإن كان شديدا فاضلا. ولو كان كما يظنون ويتوهمون ما انقادت النفس ~~ولا استصحبت للقتال، (* * لان النفس المستطيعة المختارة التي قتالها طاعة ~~وفرارها معصية قد عدلت كالميزان في استقامة لسانه وكفتيه، فإذا لم يكن ~~بحذاء سيفه إلى السيف ومكروه ما يأتي به، ما يعادله ويوازنه لم يكن النفس ~~أن تختار الاقدام على الكف، ولكن معه في وقت مشيه إلى القرن أمور تنفحه ~~مشجعة (2)، وإن لم يبصرها الناس وقضوا على ظاهر ما أبصروا من إقدام. والسبب ~~المشجع ربما كان الغضب، وربما كان الشراب (3)، وربما كان الغرارة والحداثة، ~~وربما كان الاحراج، وربما كان الغيرة، وربما كان الحمية وحب الأحدوثة (4)، ~~وربما كان طباعا كطباع القاسي والرحيم. والسخي *) والبخيل، والجزوع من وقع ~~السوط PageV00P047 ~~الصبور، وربما كان السبب الدين، ولكن لا يبلغ الرجل بقوة الدين في قلبه ~~ما لم يشيعه بعض ما ذكرناه أن يمشى إلى السيف، لان الدين مكتسب مجتلب، وليس ~~بأصلي ولا طبيعي، ولان ثوابه مؤجل، والخصال التي ذكرناها طبيعية أصلية. ~~وثوابها معجل. # وقد يكون مع الانسان أسباب محذرة مجبنة، فيكون ركونه (1) وجلوسه طباعا لا ~~يمتنع منه. وربما كانت الأسباب من المشجعات والمجبنات سواء، فيكون جلوسه عن ~~الحرب وقتاله فيها اختيارا، وربما فضلت قوى مشجعاته حتى يكون إقدامه أشرا ~~ومرحا. واهتزازا وطباعا، ولا يكون ذلك طاعة وإن كان في الحكم طاعة. وكذلك ~~الجبن إذا أفرط على صاحبه حتى يكون فراره * *). طباعا لا يكون معصية وإن ~~كان في الحكم معصية. # ولم نرد بهذا الكلام تنقص على رحمه الله ولا إخراجه من الغناء واحتمال ~~المكروه. كما لم نرد تنقص الزبير وأبى ms025 دجانة وابن عفراء ومحمد ابن مسلمة، ~~ولكن هكذا صفة المستطيع المكلف، والمطيع والعاصي. # وإذا كان مع صاحب الاقدام من الأمور المشجعة أمور فاضلة على أسباب جبنه ~~وجلوسه، كان عند الله غير مأجور وإن كان في الحكم الظاهر مأجورا. PageV00P048 # وإن كانت الأسباب المشجعة في وزن الأسباب المجبنة كان مطيعا ولم يكن حيث ~~وضعه القوم، لانهم توهموا مع مشيه بالسيف إلى القرن احتمال المكروه كله، ~~ورفعوا من أوهامهم الأسباب التي لولاها لم يمكنه المشي إلى القرن بالسيف (1). # (* ووجه آخر: أن عليا لو كان كما يقول شيعته، ما كان له بكثرة المشي إلى ~~القرن بالسيف وبقتله له كثير طاعة، ولا احتمال مشقة، لان الشيعة [تزعم (2)] ~~أن رسول الله صلى الله عليه قال لعلي: " إنك ستقاتل من بعدي الناكثين ~~والقاسطين والمارقين ". والناكثون: " طلحة والزبير وأصحابهما، والقاسطون ~~معاوية وأصحابه، والمارقون: عبد الله بن وهب وأصحابه. # فإن كانوا قد [صدقوا وما (3)] كذبوا فما عسى أن يبلغ من احتمال من هو من ~~البقاء والسلامة على ثقة. فالزبير وطلحة وأبو دجانة وابن عفراء ومحمد بن ~~مسلمة أعظم طاعة منه، لانهم أشد احتمالا منه، لانهم يقدمون والمنايا شارعة ~~وهم يرجون ويخافون، وعلى على ثقة من أمره، ويقين من بقائه وسلامته، إلا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا القول إلا قبيل وفاته. ولا سبيل لهم ~~إلى علم ذلك. فيقال لهم: ~~فكذلك خصومكم يمكنهم أن يقولوا لكم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه ~~الكلمة بعيد إسلامه، وإذا لم يكن في قولكم إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالها له قبيل وفاته دليل، ولا في قول خصومكم إن PageV00P049 ~~النبي قالها بعيد إسلامه دليل، فأعدل الأمور وأنصفها بينكم وبينهم أن ~~تجعلوا الخبر في النصف مما بين إسلامه إلى وفاة النبي صلى الله عليه. ~~فإذا كان ذلك كذلك فقد صار الزبير وطلحة وأبو دجانة ومحمد بن مسلمة وابن ~~عفراء أفضل منه *)، لان الفضل في احتمال المكروه. # وقد لزمكم أن تزعموا أن النبي صلى الله عليه قال هذا الكلام لعلى ms026 قبل ~~وقعة بدر، وأنتم إنما تفخرون بوقعة بدر وقتاله بعد ذلك. فما عسى يبلغ من ~~قتال رجل قد وثق بالسلامة والبقاء إلى أن يقاتل الناكثين والقاسطين ~~والمارقين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدهر. # فإذا كان رئيس الجيش أعظم غناء وأشد احتمالا، للذي وصفنا، فأشبه القوم ~~حالا به أعظم غناء وأشدهم احتمالا، على قياس في الرئيس والكثير المشي ~~بالسيف، ولا أحد أشبه بالرئيس ممن اختاره الرئيس وزيرا وصاحبا، ومكانفا ~~ومعينا، لان الرجل إذا كان في رأى العين صاحب أمر الرئيس والمتولى على ~~الخاصة والقربة منه في ظعنه ومقامه، وخلواته، وهربه واستخفائه، وكان هو ~~المبتدئ بالكلام عنده، والمفزع في الحوائج بعده والثاني في الدعاء إلى الله ~~ودينه، ولا نعلم هذه الخصال اجتمعت في غير أبى بكر الصديق رضي الله عنه، ~~لأنه صاحبه في كتاب الله سبحانه، PageV00P050 ~~قال الله عز وجل: " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني ~~اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ". ~~فسماه الله صاحبا في كتابه ثم سماه النبي صلى الله عليه صديقه من بين خلق ~~الله، حتى غلب على اسمه واسم أبيه ولقبه ونسبه، حتى كان الناس أيام رسول ~~الله وبعد وفاته يقولون: قال على وفعل على، وقال عثمان وفعل عثمان، وقال ~~عمر وفعل عمر، وقال طلحة وفعل طلحة، وقال الزبير وفعل، وجميع العشرة الذين ~~هم في الجنة، حتى إذا صاروا إليه قالوا: قال الصديق وقال أبو بكر الصديق، ~~وفعل أبو بكر الصديق. ~~ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وهو القول الذي كان يعيده في كل ~~دار ومنزل: " ما أحد أمن علينا بصحبته وماله من أبى بكر " وفى قوله: " ما ~~أحد أمن علينا بصحبته وماله من أبى بكر " معان كثيرة، فهمه الناس أم ذهبوا ~~عنه. فهذا هذا. # ثم كان النبي عليه السلام بمكة ثلاث عشرة سنة، في كل يوم ذر شارقه يأتي ~~منزل أبى بكر إما صباحا وإما مساء، حتى كان اليوم الذي أذن ms027 الله سبحانه له ~~في الهجرة. وإنه أتاه مهجرا (1) فقال له أبو بكر: ~~بأبي أنت وأمي، كيف جئت اليوم في هذا الوقت؟! ونزل عن سريره وجلس النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجلس أبو بكر بين يديه، قال النبي: ~~هل عندك أحد؟ قال: لا، يا رسول الله، إلا أسماء وعائشة. قال: ~~" فإن ربى قد أذن لي في الهجرة ". فصان صحبته من خلق الله غيره. ~~ثم لم يعلم بخروجه غير ابنتيه أسماء وعائشة، وغير ابنه عبد الله ابن أبي ~~بكر قتيل يوم الطائف، وكان هو الذي يتجسس لهما الاخبار ويأتي بها إليهما في ~~الغار، لأنهما استخفيا في الغار ثلاثا ولم يطلعا على PageV00P051 ~~أمرهما غير عامر بن فهيرة مولى أبى بكر، بدري استشهد يوم بئر معونة، فإنه ~~كان يؤنسهما ويحدثها ويخدمهما في تلك السفرة كلها. وكانت أسماء هي التي ~~تأتيهم بأقواتهم في الغار، فكان صاحبه في الغار، وبمكة في طريقه إلى ~~المدينة، وعلى ظهره ركب النبي صلى الله عليه وسلم (1)، والنفاثي أجيره (2) ~~وعامر بن فهيرة خادم النبي صلى الله عليه ومؤنسه عتيقه ثلاث مرات (3) ~~ومولاه، والظهر ظهره، والمؤونة مؤونته، وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~مقصورة عليه، محبوسة له. مصونة عن سواه، يطلبان معا، وتجعل فيهما قريش شيئا ~~سواء. # وقالت الأنصار: لما سمعنا بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقدومه كنا ~~نخرج إلى ظاهر حرتنا ننتظره، حتى إذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة، ~~حتى إذا كان في اليوم الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم فعلنا ذلك ثم ~~دخلنا منازلنا، فكان أول من أبصره رجل من يهود، فصاح: يا بني قيلة (4)!! ~~فخرجنا إلى النبي صلى الله عليه PageV00P052 ~~وسلم وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر، في مثل سنه وهيئته، وأكثرنا لم يكن ~~رآه، وركبه الناس وما نعرفه من أبى بكر حتى زال الظل عن النبي عليه السلام، ~~فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. فهذا هذا. # ثم لما كان بعد ذلك في يوم بدر. ودلك أن النبي صلى الله ms028 عليه وسلم لما ~~عزم على محاربة قريش قال له سعد: يا نبي الله، لنبني لك عريشا فتكون فيه ~~ونقاتل بين يديك، فأذن لهم فبنوه له، فعدل إليه بعد أن عبأهم وأقامهم على ~~مصافهم وعلى مراتبهم. فدخله وأدخل معه أبا بكر وحده، فلما استقر في العريش ~~قال له أبو بكر: بعض مناشدتك يا رسول الله (1) فإن الله منجز لك ما وعدك. ~~فخفق النبي صلى الله عليه خفقة في العريش فانتبه وهو يقول: أبشر يا أبا ~~بكر. أتاك نصر الله. ~~هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع (2)! # فكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من بين يديه خلق الله في العريش، ~~والناس موقوفون على مراتبهم، فكانت هذه مرتبة أبى بكر. ~~ورتب لسعد بن معاذ بعد أن كان قائما على رأسه على باب العريش متوشحا ~~السيف في نفر من الأنصار يحرسون العريش ومن فيه مخافة كر العدو والجولة. # فإذا كان النبي صلى الله عليه في ذلك اليوم في العريش، وغير ماش PageV00P053 ~~إلى السيف ومعه صاحبه وصديقه، وسيد الأنصار وأفضلهم على باب العريش، عرف ~~أن عظم الغناء وشدة الاحتمال والسبب الدال على الرياسة غير الذي خصه القوم ~~وجعلوه دليلا. فمن أولى أن يكون أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~عظم الغناء واحتمال المكروه، والحال الرفيعة، ممن كان ثاني اثنين في التقدم ~~في الاسلام، وثاني اثنين في الدعاء إلى الله ورسوله، وثاني اثنين في كثرة ~~المستجيبين والاتباع، وثاني اثنين في الغار، وثاني اثنين في الهجرة، وثاني ~~اثنين في العريش، وفى أشباه لهذا كثيرة. # وأما ما ذكرتم من يوم بدر وقتل على الاقران وفضله على من سواه بذلك. فقد ~~قلنا في ذلك بما قد سمعتم. # ونحن ذاكرون وجها آخر ليزيد في الحجة ويكشف من الدلالة. ~~نزعم أنه لم يشهد بدرا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم [من له (1)] مثل ~~غناء أبى بكر ونباهته وكرم موضعه، لان من شهد بدرا مثل الزبير، وطلحة. ~~وسعد، وعبد الرحمن، وعثمان، وبلال، ومسطح ابن أثاثة، ms029 وعامر بن فهيرة، وكان ~~في العريش، فلا أحد يعدله في النباهة، ولا في الغناء والرفعة، والاحتمال ~~لقدر الخلافة، لان الذين عددنا على ثلاثة أصناف: رجل أسلم على يده وبدعائه ~~وشرحه فهو سبب حضوره وحسن بلائه، ورجل أسلم على يده وأعتقه بعد ذلك من رق ~~العذاب ورق العبودية وشهد بدرا وقبل ذلك بمؤونته وكلفته. وإما ربيب PageV00P054 ~~ونسيب وابن خالة كمسطح بن أثاثة، فقد كان ربيبه وابن خالته (1) وعلى يده ~~أسلم، وبه استبصر، ولم يزل في مؤونته قبل بدر وبعد ذلك وفى أيامه، إلا ما ~~كان من يمينه أيام حلف ألا يقربه ولا ينفق عليه ولا يطأ رحله، للذي كان كبر ~~(2) على عائشة مع حسان بن ثابت، حتى أنزل الله سبحانه على رسوله براءة ~~عائشة، وأمر أبا بكر بالانفاق على مسطح وعياله، وبالعفو عنه، وأن يعيده إلى ~~رحله وتحت جناحه، فأنزل الله في محكم كتابه على نبيه يريد أبا بكر - وبين ~~أن (3) يفرد الله الآى ويخصه بمخاطبته وبين أن يريده في الجمهور فرق عظيم، ~~كما أثنى على جملة المهاجرين والأنصار - فقال الله وهو يريد أبا بكر: " ولا ~~يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في ~~سبيل الله وليعفوا ليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ". قال أبو بكر: ~~بلى يا رب. فرده إلى رحله وعفا عنه كما أمره الله، وأجرى عليه وعلى عياله ~~مثل الذي كان يجريه. # وإنما ذكر الله في هذه الآية القربى لأنه كان ابن خالته (4). ~~وجعل أهله وعياله مساكين أبى بكر، وهو أحد بني المطلب بن عبد مناف (5)، ~~وشأنه عظيم. PageV00P055 # وكان أول من حث على قتال المشركين ببدر وتكلم فيه عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبو بكر. # فإذا شهد بنفسه ورأيه وماله ومستجيبيه وأتباعه الذين هم أكفاء ضده عندكم، ~~مع أن بعضهم قد اختير عليه وهو عثمان، والباقون لم يخايرهم ويواز [نهم] ~~فيعرف موضع أفضلهم، وقد فخر عليه سعد فلم يعارضه، فأين مبلغ ما ذكرتم مما ~~ذكرنا، إذا كان (1) مثل سعد من مستجيبيه ms030 - وهو المستجاب الدعوة، وأول من ~~أراق دما في الاسلام، وأول من رمى بسهم يوم بدر، وله يقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ~~" أرم فداك أبي وأمي "، فجمع له أبويه ولم يجمعهما لاحد قبله. ~~وفيه يقول النبي صلى الله عليه: " هذا خالى أباهى فيه فليأت كل امرئ ~~بخاله (2) " وهو أزال كسرى عن قصره وملكه وعن مستقره - ومثل حواري رسول ~~الله صلى الله عليه وابن عمته (3)، مع فروسيته وشدة بأسه والذي عظم الله من ~~شأنه ببدر حين نزلت الملائكة في زيه، عليها عمائم صفر. # ثم الذي كان منه ببدر حين أتى الخبر النبي صلى الله عليه عن قريش ~~بمسيرهم، فاستشار النبي صلى الله عليه، فكان أول من قام أبو بكر، PageV00P056 ~~فتكلم وحث على الجهاد والنصرة، ثم قام عمر، ثم قام المقداد (1) فقال: ~~يا رسول الله، امض لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو ~~إسرائيل لموسى: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " ولكن اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق أن لو سرت بنا إلى برك ~~ذات الغماد (2) لجالدنا من دونه حتى نبلغه. # فإن قالوا: إن أبا بكر لم يشهد [له] احتمال كاحتمال على، لان عليا كان ~~يمشى إلى السيف وأبو بكر وادع رافه في العريش، ودونه الحرس سعد بن معاذ ~~وأصحابه، والركاب له مناخة. # قلنا: قد طعنتم على النبي صلى الله عليه، لان الشأن لو كان كما تقولون ~~لكان النبي صلى الله عليه وادعا وكان على محتملا صابرا. وهذا كلام قد فرغنا ~~منه مرة (3). # أو ما علمت أن صاحب اللواء وإن كان لا يبارز ولا يمشى بالسيف أنه يحتاج ~~من المعرفة بالحرب وعورتها، وإقبال أمرها وإدباره، ويحتاج مع اجتماع القلب ~~واليقظة وقلة الحيرة، والثبات عند الجولة، والعلم PageV00P057 ~~بموضع الشدة والانحياز (1) إلى أكثر مما يحتاج إليه المبارز، لان حفظ ~~الجميع أشد من حفظ الواحد، ولان كل العدو يطالبه ويريد ختله، وكل ذلك بعلمه ~~وعينه، لان خطأه وضعفه أقرب إلى هلكة الجميع من ضعف المبارز وخطئه. ms031 # ولو كان الامر كما تقولون ما كان أحد أسقط في الحرب ولا أصغر حظا ولا أقل ~~أجرا ومكانا من الامام الأكبر والرئيس الأعظم (2) لبعد ما بين بلاد عدوه من ~~بلاده، ولكان عامله أفضل منه. # (* مع أنكم تزيدون في كثرة القتلى وتعظمون شأنهم لتعظموا به من شأن على، ~~كصنيعكم في أمر على ومرحب. حيث فخمتموه بالاشعار ونفختموه (3) بالبلاغات، ~~وسكتم عن قتيل الزبير في ذلك اليوم. ومرحب وياسر أخوان شهدا الوقعة، ~~والنباهة لياسر (4). فقصدتم إلى الأخمل فرفعتموه وشهرتموه إذ كان قتيل على، ~~وقصدتم إلى الارفع فأخملتموه (5) وأخفيتموه، إذ كان قتيل الزبير. أو ما ~~علمت أن الزبير وياسرا التقيا فاضطربا بأسيافهما فلم يغنيا شيئا مرارا، حتى ~~لحجا في موضع (6) واعترضت PageV00P058 ~~بينهما شجرة، فجذباها (1) ضربا وخبطا، ثم جمع الزبير نفسه ومكن سيفه فضرب ~~رأس ياسر ضربة قد منها البيضة ومر السيف حتى عض ثنيتيه، فقيل له: يا أبا ~~عبد الله، ما أجود سيفك! فغضب (2). # وقصدتم إلى عمرو بن عبد ود، فتركتموه أشد من عامر بن الطفيل، وعتيبة بن ~~الحارث، وبسطام بن قيس. # وقد سمعنا بأحاديث حروب الفجار، والذي كان بين المطيبين والاحلاف، وما ~~كان بين قريش ودوس وأمر خزاعة وحلف الفضول. ~~وجميع أمر قريش من خير وشر، فما سمعنا لعمرو بن عبد ود في شئ من ذلك ذكرا *). # (* * وكذا قتيل (3) على الوليد بن عتبة يوم بدر، وما علمنا الوليد حضر ~~حربا قط قبلها ولا بعدها، ولا ذكر فيها بطائل * *). # فلو ذهبتم إلى أن عليا قد بارز وقتل، وأبلى واحتمل، كان ذلك PageV00P059 ~~جميلا، وكان قصدا مقبولا، ولكنكم أخرجتموه من حد الشجاعة، وظننتم أن ~~السرف أمثل وأجل. # وزعمتم أن الذي (1) منع العرب وقريشا أن تجعله الخليفة بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان قتل أبناءها وإخوتها وأعمامها، وما يعلم موضع رجل ~~واحد يوم توفى النبي صلى الله عليه وسلم تسمع له الخاصة والعامة وترى له ~~طاعة، قتل على أباه أو ابنه أو أخاه، غير أبي سفيان بن حرب، فقد كان على ~~قتل ابنه حنظلة، وما ms032 كان أحد من علية قريش والعرب أقرب إلى أن يخالفه في ~~الحق والباطل في ذلك الدهر من أبي سفيان، وقد كان أكره الناس لأبي بكر حين ~~قال لبنى هاشم وبنى أمية " رضيتم مشر بنى عبد مناف أن يلي أموركم رجل من ~~بنى تيم " فإذا كان الذي قتل على ابنه هو الذي أظهر كراهية أبى بكر من بين ~~الناس فكيف حولتم القضية وقلبتم المعنى؟! # فإن ذكروا أبا حذيفة بن عتبة لان عليا قتل أخاه. قيل: أيكون أبو حذيفة ~~ممن أبى عليا بهذه العلة. وأبو حذيفة شهد بدرا فقاتل أباه وأخاه وعمه. ~~واحتملت نفسه وعزمه وصحة إسلامه هذا الصنيع ثم يجزع من أقل منه بعد الزيادة ~~في الاستبصار، وبعد طول الدهر وموت الأحقاد؟! وهذا مالا يشبه ولا يجوز. ~~وكيف يجوز ذلك عليه وهو من المهاجرين الأولين، والسابقين الأولين، وشهد ~~بدرا والمشاهد كلها، وقبض النبي صلى الله عليه وهو عنه راض، واستشهد يوم ~~اليمامة ولواء المهاجرين في يده. PageV00P060 # وكيف يظن هذا بأبي حذيفة ولم يرو عنه في كراهية على حرف قط، ولا قبض لذلك ~~وجها ولا أظهر تعجبا؟! # وكيف يظن هذا بالبدريين والمهاجرين الأولين ومنع على القيام بأمر الناس ~~على هذا الوجه وعلى هذا المعنى كفر بالله ورسوله. وكيف يضطغن امرؤ على على ~~ويسلم قلبه لرسول الله صلى الله عليه؟! لأنه إن كان يعتد صنيع على ذنبا حتى ~~يولد له حقدا والذي تفرد (1) على بذلك أعظم ذنبا وأجدر أن يولد حقدا. وهذا ~~أفخش قبحا، وأبين خطأ من أن يحوجنا إلى (2) كشفه وتبيينه. # وكيف يجوز هذا على أبى حذيفة ولا نعلم رجلا في الأرض أبعد من حمية ~~الجاهلية منه. ولا أسمح نفسا بما وافق كتاب الله منه. ولقد بلغ من إخلاصه ~~ورسوخ الاسلام في قلبه. وحبه عليه وبغضته فيه أن طرح كل ما سواه، وأخرجه ~~ذلك إلى أن زوج أخته فاطمة بنت عتبة ابن عبد شمس (3)، من سالم مولى أبى ~~حذيفة، وقال له: والله إني لأزوجكها وأعلم أنك خير منها!! فعاتبه على ذلك ~~بعض ms033 من نكره ذكره فقال: أفى سالم تعاتبني وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم. PageV00P061 # (*) مع أن لأبي بكر من حسن الأثر في حروب النبي صلى الله عليه ومن احتمال ~~المكروه وتجرع المرار ما ليس لأحد. # (*) من ذلك أن أبا بكر خرج إلى ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر ليبارزه يوم ~~أحد، لان عبد الرحمن طلع يوم أحد على فرس وهو مكفر في السلاح لا يرى منه ~~إلا عيناه وهو يقول: [هل (1)] من مبارز!! ~~ثلاثا، كل ذلك يقول: أنا عبد الرحمن بن عتيق. فنهض أبو بكر يسعى إليه ~~بسيفه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى غضبه وحدته، وعرف الذي ~~عليه من الشدة في قتل ابنه: " شم سيفك وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك *) ". # (* * وإنما يمكن أبا بكر بذل الجهد، فإذا فعل ذلك فلا حال أفضل من حاله * ~~*). # فاجتمع له في ذلك أمران: أحدهما الثواب على شدة الاحتمال، والثاني صيانة ~~النبي صلى الله عليه وإشفاقه عليه. PageV00P062 # وقوله " ارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك " فليس في الأرض معنى شريف فاضل من ~~معاني الدين والدنيا إلا وهو في هذه الكلمة. # وأبو بكر الذي لما رمى النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد أقبل يسعى ~~وإذا إنسان قبل المشرق يطير طيرانا، فلما رآه أبو بكر قال: ~~اللهم اجعله طلحة! فلما توافيا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا هو أبو ~~عبيدة ابن الجراح، فبدره أبو عبيدة وقال: أسألك بالله يا أبا بكر إلا ~~تركتني فوليتني نزعها - يعنى حدائد الزرد اللواتي نشبن في وجهه [و] جبينه ~~من المغفر - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم صاحبكم! يعنى طلحة. # وثرم أبو عبيدة يومئذ من نزع حلقة امتنعت عليه. # ولصنيع طلحة وأبى بكر وموقفهما قالوا: " يوم أحد لبنى تيم! " لان الذين ~~صبروا مع النبي صلى الله عليه من المهاجرين والأنصار سبعة: أبو بكر وطلحة ~~من تيم، وعبد الرحمن بن عوف من ms034 بنى زهرة، وعلى من بني هاشم . والزبير من ~~بنى أسد، وأبو عبيدة من بنى عامر. وإنما قالوا " يوم أحد لبنى تيم " لأنه ~~لم يكن من كل قبيلة إلا رجل واحد من المهاجرين. # وكان فيه رجلان من بنى تيم كما ذكرنا. # وكان من الأنصار سبعة: الحباب بن المنذر بن الجموح، وأبو دجانة، وعاصم بن ~~ثابت بن أبي الأقلح، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير، وسعد ~~بن معاذ. # وأبو بكر أول من تكلم يوم بدر وحث الناس على الجهاد. # وأبو بكر الذي لما قال النبي صلى الله عليه يوم الحديبية: " كيف ترون PageV00P063 ~~يا معشر المسلمين في هؤلاء الذين قد (1)... إلينا من أطاعهم ليصدونا عن ~~المسجد الحرام " قام أول الناس فقال: نرى - والله ورسوله أعلم - أن نمضى ~~لوجهنا. فمن صدنا عن البيت الحرام قتلناه. # وأبو بكر الذي لما أتى بديل بن ورقاء الخزاعي يوم الحديبية في نفر من ~~أصحابه. فأقبل على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد، لقد اغتررت ~~بقتال قومك وإن قريشا ستقاتلكم عن ذراريهم وأموالهم، قد استنفروا الأحابيش ~~وخرجوا إلى بلدح (2)، معهم العوذ المطافيل، والله ما أرى معك أحدا له وجه، ~~مع أنى أراكم قوما لا سلاح لكم، ولو قد عض هؤلاء الحديد لقد أسلموكم، قال ~~أبو بكر: عضضت ببظر اللات، أنحن نسلمه؟! ~~قال له بديل: أما والله لولا يد لك عندي لأجبتك، والله إني وقومي لنحب أن ~~يظهر محمد! # وأقبل عروة بن مسعود في نفر من قومه حتى أناخ راحلته عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: إني تركت كعبا وعامرا على أعداد الحديبية (3) معهم العوذ ~~المطافيل، وما أرى معك أحدا أعرف وجهه ونسبه، وإنهم لخلقاء أن يخذلوك - ~~والقوم سكوت - فغضب أبو بكر وقال: امصص ببظر اللات (4)، أنحن نخذله؟! قال ~~عروة: أما والله لولا يد لك عندي PageV00P064 ~~لأجبتك! وكان عروة قد استعان في حمالة، فكان الرجل يعينه بالفريضتين ~~والثلاث، فمشى إلى أبى بكر فأعطاه عشر فرائض (1). # ألا ترى كثرة أياديه ونبله وامنعا (2)، وحده وشهامته ورياسته؟! ms035 ~~فبهذا وأشباهه يعرف قدر الرجل بمكة وفى قومه، وعند النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجماعة أصحابه. # ولو لم يعلم من شدة قلبه وصواب رأيه وقوة عزمه وقلة وحشته ويمن بركته إلا ~~أن كبار المهاجرين دخلوا عليه، منهم عمر وعثمان وأبو عبيدة. وسعد بن أبي ~~وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في جمع كثيف من المهاجرين، فقالوا ~~بأجمعهم: يا خليفة رسول الله، إن العرب قد انتقضت عليك، وإنك لن تصنع ~~بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئا، اجعلهم عدة لأهل الردة ترمى بهم نحورهم، ~~وأخرى أنا لا نأمن على المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء، فلو ~~استأنيت بغزو الروم حتى يضرب الاسلام بجرانه ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا ~~منه [أ] ويفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ، فتكون قد أنفذت الجيش كما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد دفعت بهم أهل الردة، ولانا نخاف الروم أن ~~تزحف إلينا يومنا هذا. # فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئا؟ قالوا: ~~قد سمعت مقالتنا. قال: والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني لأنفذت ~~هذا البعث، ولا بدأت بأولى منه، والنبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي ~~من السماء وهو يقول: أنفذوا جيش أسامة. PageV00P065 # فلما رأى إبطاءهم عن ذلك وتلكؤهم خرج وحده مغضبا نحو أهل الردة حتى لحقه ~~المهاجرون والأنصار في المسلمين، فقالوا: تكفى يا خليفة رسول الله، وننفذ ~~لأمرك، والصواب ما رأيت. # فلو لم تعلم من شدة قلبه واجتماع رأيه وقلة وحشته إلا هذا كان كافيا. # وأبو بكر الذي ولاه النبي صلى الله عليه يوم حنين ميمنته، وولى عمر ~~ميسرته، فلم يكن النبي صلى الله عليه ليستكفيهما أهم المواضع إليه وهما لا ~~يكفيانه. # ولقد انكشف الناس وثبتا في مواضعهما، وكان أقرب القوم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ - إذ كان لابد لصاحب الميمنة والميسرة من أن يكون أبعد ممن ~~يكون في القلب - أبو سفيان بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن ~~عباس، ms036 وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد (1) أخو أسامة بن زيد لامه وصبر مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء مائة وثلاثة وثلاثون من المهاجرين، ~~وسبعة وستون من الأنصار. # ومما نعرف به شدة شكيمته وصدق وصرامة رأيه قوله للمسلمين يوم توفى النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث قام خطيبا وبالمدينة منافقون لا يألونهم خبالا ~~يعضون عليهم الأنامل من الغيظ، وقد انتقض ما حول المدينة، فكان مما قال في ~~خطبته: PageV00P066 # من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فليعبده، ومن كان يعبد محمدا أو ~~يراه إلها فقد هلك إلهه، فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا ~~على ربكم، فإن دين الله قائم، وكلمة الله قائمة، والله ناصر من نصره، ومعز ~~دينه، وإن كتاب الله بين أظهركم، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمدا، ~~وفيه حلال الله وحرامه. # ثم قال: والله ما نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله ~~المسلولة ما وضعناها عن عواتقنا، ولنجاهدن من خالفنا، فقد جاهدنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه، فلا يبقين مبق إلا على نفسه. # وإنما قال: " من كان يعبد محمدا أو يراه إلها فقد هلك إلهه " لأنه كان ~~سمع من عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب في ذلك كلاما قبيحا حتى ماج الناس في ~~ذلك وقالوا: والله ما مات، ولكن الله رفعه كما رفع عيسى بن مريم، في كلام ~~سنذكره بعد هذا إن شاء الله (1). # ومما يدل على خاصة مكانه وتقديم الناس له، ومعرفة الجميع لفضله، الذي كان ~~من صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صنيع جميع المسلمين، ومن صنيع ~~كفار قريش به، حيث فزعت إليه في أمر أسارى بدر دون غيره. لانهم لما حبسوا ~~ببدر واقترع المسلمون عليهم طمعوا في الحياة، فقالوا بأجمعهم: لو بعثنا إلى ~~أبى بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه! فبعثوا ~~إلى أبى بكر فأتاهم فقالوا: يا أبا بكر. إن فينا الآباء والأبناء، والاخوان ~~والعمومة، وبنى العم، وأبعدنا قريب، ms037 فكلم صاحبك يمن علينا أو يفادينا، قال: ~~نعم لا آلو كم إن شاء الله خيرا! ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه. PageV00P067 ~~فقالوا: ولو بعثنا إلى عمر، فإنا لا نأمن أن يفسد علينا، فلعله أن يكف ~~عنا شره! فأرسلوا إليه فجاءهم. فقالوا مثل قولهم لأبي بكر، فقال: لا آلوكم ~~إن شاء الله شرا! ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وإذا الناس حول النبي، ~~وأبو بكر يفثؤه (1) ويلينه وهو يقول: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قومك ~~فيهم الآباء والأبناء، والعمومة والاخوان، وبنو العم. وأبعدهم منك قريب، ~~فامنن عليهم من الله عليك، أو فادهم يستنقذهم الله بك من النار، فما أخذت ~~منهم فهو قوة للمسلمين، ولعل الله أن يقبل بقلوبهم!! ثم قام فتنحى ناحية ~~وسكت النبي صلى الله عليه وجاء عمر فجلس مجلس أبى بكر فقال: يا نبي الله، ~~هم أعداء الله كذبوك وقاتلوك وأخرجوك، اضرب أعناقهم فإنهم رؤوس الكفر، ~~وأئمة الضلالة، يعز الله بذلك الاسلام ويذل الشرك!! فسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعاد أبو بكر إلى مجلسه وإلى مثل ذلك الكلام، ثم تنحى وقام عمر ~~فجلس مجلسه وأعاد مثل الكلام الأول، ثم تنحى عمر وجلس أبو بكر، ثلاث مرات. ~~فسكت النبي عليه السلام، ثم قام فدخل قبته فمكث ساعة وخرج والناس يخوضون، ~~يقول بعضهم: القول ما قال أبو بكر، وبعضهم يقول: القول ما قال عمر. ~~فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في صاحبيكم؟ دعوهما فإن ~~لهما مثلا: مثل أبى بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرضا والعفو، ومثله ~~في الأنبياء مثل إبراهيم كان ألين على قومه من العسل، أوقد له قومه النار ~~فطرحوه فيها، فما زاد على أن قال: " أف لكم PageV00P068 ~~ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون " وقال: " فمن تبعني فإنه منى ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم " ومثله كمثل عيسى إذ يقول: ~~" إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ". ~~ومثل عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالسخط من الله والنقمة. ms038 ~~ومثله في الأنبياء مثل نوح كان أشد على قومه من الحجارة إذ يقول: ~~" رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " فدعا عليهم دعوة أغرق الله ~~بها الأرض جميعا. ومثله مثل موسى إذ يقول: " ربنا اطمس على أموالهم واشدد ~~على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ". فهذا يدل على أنه كان ~~المفزع والشفيع، والخاصة والثقة وموضع الفضيلة. # وقبل ذلك لما قص النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة كيف أسرى به، قالت ~~قريش على التكذيب له صلى الله عليه: والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى ~~الشام ثم يكون إقبالها شهرا (1)، وزعم محمد أنه مضى إلى بيت المقدس ورجع من ~~ليلته!! فأتوا بأجمعهم أبا بكر ليحتجوا بذلك عليه وليعرفوه خطأه في اتباعه ~~عند أنفسهم، وظنوا أن الجواب في ذلك يمتنع إذ كان قد امتنع عليهم. فأتوا ~~أبا بكر فقالوا: ~~هلك صاحبك! - ألا ترى أنه المذكور بالصحبة، وموضع الحاجة، وأنه المبتدأ ~~والمفزع - زعم أنه أتى بيت المقدس في ليلة وغدا علينا!! قال أبو بكر: إنكم ~~تكذبون عليه، ولئن كان قاله لقد صدق، فما تعجبون من ذلك؟! فوالله إنه ~~ليخبرنا أن الخبر يأتيه من السماء PageV00P069 ~~إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه. فهذا أبعد من مصر (1). ~~ثم نهض أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه ليسأله عن القضية، فأقبل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يصف له وهو يقول: صدقت صدقت! أشهد أنك رسول الله! قال ~~النبي صلى الله عليه: وأنت الصديق! وقد كان أبو بكر الصديق أتى الشام وعرف ~~طرقها وأمورها، وقلبها وعرف جميع ما فيها. # ثم الذي كان من تقديم النبي صلى الله عليه له والمسلمين في قضية ~~الحديبية. وذلك أنهم كتبوا كتابا: # هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب ~~عشر حجج يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. ~~على أنه لا إسلال ولا إغلال (2)، وعلى أن من أحب أن يدخل في عقد محمد ~~وعهده فعل، ومن أحب ms039 أن يدخل في عقد قريش وعهدها فعل، وعلى أنه من أتى منهم ~~محمدا بغير إذن رده، ومن أتى قريشا من أصحاب محمد لم ترده، وعلى أن محمدا ~~يرجع عامه هذا بأصحابه، ويدخل عليهم قابلا (3). ~~في أصحابه فيقيم ثلاثا، لا يدخل علينا السلاح إلا سلاح المسافر، السيوف ~~في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبو ~~عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة (4). وشهد حويطب بن عبد العزى ومكرز بن ~~حفص بن الأخيف. PageV00P070 # ألا ترى أنه كان أول شاهد من المسلمين في صدر الكتاب، والناس كلهم بعده. # ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمل عن سبعة (1). فأول خلق الله سمى ~~أبو بكر. ثم عمر، ثم فلان ثم فلان، فهذا هذا. # ثم لما تحاجز الناس يوم أحد وأراد أبو سفيان الانصراف أقبل يسير على فرس ~~له أنثى قد أشرف على أصحاب النبي صلى الله عليه في عرض الجبل ينادى بأعلى ~~صوته: أين ابن أبي كبشة؟ يعنى النبي صلى الله عليه وسلم. أين ابن أبي ~~قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم بدر. ~~ألا إن الأيام دول والحرب سجال. وحنظلة بحنظلة!! (2) قال عمر: ~~ألا أجيبه يا رسول الله: قال: بلى. قال أبو سفيان: أعل هبل (3)! ~~قال عمر: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم! ~~قال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم. # فلو لم يكن أبو بكر أفضل من شهد أحدا وأنبه، أو أغيظ لأبي سفيان ~~والمشركين، ما جعله أبو سفيان - وهو رئيس القوم - ثانيا، والذي يتلو النبي ~~صلى الله عليه في النداء والمخاطبة، حين يقول: أين ابن أبي كبشة؟ ~~ثم يقول: أين ابن أبي قحافة. فهذا هذا. PageV00P071 # وفى نزول أبى بكر قبر حمزة قبل كل نازل بأمر رسول الله صلى الله عليه، ~~دليل على الفضيلة والنباهة، والقدر والوزارة. # ولما دخل أبو سفيان المدينة أتى النبي صلى الله عليه وقال: يا محمد، إني ~~كنت غائبا في صلح الحديبية فاشدد العهد وزدنا في المدة. قال. ~~أو ms040 لذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم. قال: فهل كان فيكم من حدث؟ ~~قال: معاذ الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فنحن على مدتنا وصلحنا، ~~لا نبدل ولا نغدر. فلما خرج من عنده بدأ بأبي بكر (1) فقال له: هل لك إلى ~~أن تجير بين الناس؟ قال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله. ~~ثم خرج من عنده فأتى عمر فكلمه بمثل ذلك، قال عمر: إني لو وجدت الذر ~~تقاتلكم لاعنتها عليكم! قال أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرا! ~~ثم أتى عثمان، ثم أتى فاطمة، ثم أتى عليا. # ألا ترى كيف جعلوه المقصد والمعتمد قبل الناس وبعد رسول الله صلى الله ~~عليه، ولو لم يكن حال عند أبي سفيان من النبي صلى الله عليه فوق كل حال ما ~~بدأ به قبل جميع من نزع إليه. فهذا هذا. # ثم الذي كان من تقريب النبي عليه السلام، وإكرامه له يوم فتح مكة، وهى ~~الدار التي خرجا منها هاربين معا ثم رجعا إليها آمنين معا، يتسايران ~~ويتحدثان، حيث طلع النبي صلى الله عليه وسلم على العباس وأبى سفيان، والنبي ~~عليه السلام بين أبى بكر وأسيد بن حضير، أبو بكر عن يمينه. وقبل ذلك في ~~الطريق كان بين أبى بكر وعمر، أبو بكر عن يمينه PageV00P072 ~~وعمر عن يساره. فلما صارت الخيل بذى طوى بين الخندمة إلى الحجون، مر ~~النبي صلى الله عليه وأبو بكر يسايره وحده، وإذا بنات أبى أحيحة قد نشرن ~~شعورهن يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فنظر النبي صلى الله عليه إلى أبى بكر ~~وتبسم وقال: كيف كان قال حسان: # * يلطمهن بالخمر النساء * # قال أبو بكر: # * تظل جيادنا متمطرات * # فهذه حاله وخاصته ومكانه وارتفاع قدره. ألا ~~تراهما خرجا من مكة هاربين مستخفيين مصطحبين، ثم رجعا آمنين ظافرين معلنين ~~مصطحبين. # وصعد أبو قحافة الجبل بصغرى بناته وهو يومئذ مكفوف، فبكت بنته فقال لها: ~~لا تخافي فإن أخاك عتيقا أكبر الناس عنده! فلما دخلوا مكة أقبل أبو بكر ~~بأبيه وهو يومئذ شيخ مكفوف له ms041 غديرتان، كأن رأسه ثغامة (1) حتى هجم به على ~~النبي صلى الله عليه وقال: أتيتك بأبي يا رسول الله ليسلم. قال النبي صلى ~~الله عليه: هلا تركت الشيخ في رحله حتى آتيه. فمسح النبي صلى الله عليه يده ~~على صدره، ودعاه إلى الاسلام فأسلم. # وهذا كله يدل على تقديم النبي صلى الله عليه له. # كما نقل الفقهاء أن النبي صلى الله عليه أتى بعس من لبن وهو في أصحابه، ~~وأبو بكر عن يساره ورجل من الاعراب عن يمينه، وأصحابه قد أحبوا سؤره (2)، ~~فشرب النبي وأهوى بالقدح نحو الاعرابى. قال عمر: PageV00P073 ~~أبو بكر يا رسول الله! قال النبي صلى الله عليه: الأيمن فالأيمن (1). # ولم ينقلوا هذا الحديث ليخبروا عن فضيلة أبى بكر ولا عن قرب مقعده ولا عن ~~تقديم عمر له، ولا أن عادة النبي صلى الله عليه وسلم كانت التقديم له، ولا ~~قال عمر ذلك على التذكير له، وإنما أرادوا أن يخبروا عن سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الشرب، وعن فضيلة اليمين على اليسار، وعن التعريف لحرمة ~~المجلس. # ولو كان هذا الخبر في علي وعثمان ما كان الامر إلا كما أخبروا أنهم لم ~~يقصدوا في الحديث إلا تفضيل اليمين على اليسار. # فإن قالوا: فإن عليا كان أفقه من أبى بكر وأعلم بالحرام والحلال منه. ~~والدليل على ذلك أن كثرة ما نقلوا إلينا من اختياراته وأقاويله في ~~الحادثات. من الحلال والحرام. وأبواب الفقه والفتيا والتأويل، مع كثرة ~~الرواية المسندة، وكان يسأل ولا يسأل، ولم يرجع عن شئ قط وليس أحد من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا وله رجعة وأكثر من ذلك، ولم يسمع لأبي بكر ~~بفتيا كثير ولا كثير رواية، ورأس الدين الفقه فيه والعلم به. فلما كان أبو ~~بكر وعلي بن أبي طالب على ما وصفنا وذكرنا، علمنا أن أفقههما أفضل فضلا ~~وأولى بالإمامة، لان عمل الفقه أفضل من غيره، لان أولى الناس بالمسلمين ~~أعلمهم بدينهم، لان من علم الدين لم يجهل أمر الدنيا، لان أمور الدنيا ms042 ~~مياسرة أو شبيه بعلم المياسرة، وعلم الدين مستنبط وتأويله غامض. ~~قالت (العثمانية) عند ذلك: أما العدل والقسط فأن ننظر يوم توفى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو بكر وعلى حيان ظاهر أمرهما، معروف قدرهما PageV00P074 ~~واحتمالهما للعلم والعمل. فلعمري لئن كان لعلى من طول الصحبة وكثرة ~~السماع ومفاوضة الرسول الا [مر]، والمعرفة، وكثرة الارشاد للأمة وصحة الرأي ~~وكثرة الصواب، وكان الناس إليه أشد فزعا [و] ظهر من روايته وحاجة الناس إلى ~~فقهه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام وفاته وأيام أبى بكر، ~~أكثر مما ظهر من أبى بكر في ذلك الدهر، إنه لافقه منه في الدين وأعلم ~~بأبواب الدنيا. # [و] لئن كان إنما كثر مما نقل الناس عنه لأنه عاش والحادثات تحدث، وبقى ~~حتى كان يستفتى ويفتى ويسأل ويجيب، ويروى عنه في الزمان الذي كان يستفتى ~~فيه مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الله بن ~~عمرو، فكان ذلك منه أيام أبى بكر وهى سنتان، وأيام عمر وهى عشر سنين، وأيام ~~عثمان وهى اثنتا عشرة سنة، وأيام نفسه وهى خمس سنين، فليس في ذلك حجة ولا ~~دليل، لأنك تحصى ما يقول الرجل في الدهر الطويل مع كثرة الحادثات، وما يقول ~~الرجل في الدهر القصير مع قلة الحادثات، وإنما ينبغي أن ننظر يوم توفى ~~النبي صلى الله عليه من كان أفضل المسلمين وأفقه في الدين، وأعرف بالأمور، ~~وأصوب رأيا وأشد احتمالا، في ذلك الوقت الذي اختير فيه للخلافة، ونحن نعلم ~~أن عليا لو عاش إلى دهر الحسن وابن سيرين لكان قد ازداد فقها وعلما وتجربة ~~على قدره يوم استشهد رضي الله عنه. # ولا يجوز أن نقدر الرجل بقدر (1) طول الزمان وكثرة الحادثات، وبقدر قصر ~~الزمان وقلة الحادثات. فلئن صح (2) عندنا وعندكم أن أمورا PageV00P075 ~~حدثت، وبلايا نزلت في زمن أبى بكر وأيام وفاة النبي صلى الله عليه، من ~~حلال وحرام أو سياسة جند أو سد ثغر أو تدبير حرب، أو استصلاح عوام، أو ~~ترتيب خواص، فظهر ms043 فيه من رأى على وصوابه وحسن نظره وإرشاده مالم يظهر من ~~أبى بكر - فقد أفلح من زعم أن عليا كان أفقه منه فقها، وأصوب رأيا، وأشد ~~للأمور احتمالا! مع أنا قد نجد عنده من دقائق الفتيا وغامضه وعويصه (1) ما ~~لم يبتل به أحد ولا يبتلى به أحد أبدا. ولعل ذلك لا يصاب عند الامام إلا في ~~جملة الأمور وأصولها، ثم لو دهم الناس عدو، أو حزبهم أمر، أو أعضل بهم ملم ~~من فاتق يختطب الملك بتأويل قد زخرفه، ومن انتشار (2) جند أو اضطراب عوام، ~~أو بدعة شاملة، لم يكن عنده من الغناء والاحتمال والمعرفة بعلاج أدوائها ~~والتأتي لاستصلاحها قليل وكثير. وإنما مدار الأمور على أصالة الرأي، واتساع ~~الصدر، وقوة العزم. # فإن كنا لم نجد لعلى مما ذكرنا شيئا يفضل به أبا بكر في ذلك الدهر فإنا ~~نستدل على صواب رأيه واتساع صدره، وأنه كان المفزع والمرشد بعد رسول الله ~~في المعضلات وعند الشبهات والحادثات، والناس في ذلك الدهر بين مستمع مرشد ~~وبين مستمع مسلم، وبين مطرق واجم وبين خائض قد رنحه (3) الحادثات، واستبهم ~~عليه وجه الصواب، كالذي كان من المسلمين لما اصطلحوا على القضية يوم ~~الحديبية، لانهم لما صاروا إلى الكتاب وتراضى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسهيل بن عمرو PageV00P076 ~~على أن يكتب في الكتاب: " وعلى [أن] من أتى قريشا ممن كان على دين محمد ~~بغير إذن لم ترده إليه " فبلغ من أمر الناس والذي دخل عليهم أن اضطربت ~~قلوبهم، حتى إن النبي صلى الله عليه قال لأصحابه بعد انصراف سهيل بن عمرو: ~~" قوموا فانحروا وأحلوا واحلقوا ". ~~يقولها ثلاثا، كل ذلك ينظرون في وجهه ويسمعون قوله ولا يطيعون أمره، حتى ~~غضب النبي صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة فأخبرها بذلك متعجبا، وكانت ~~معه في تلك السفرة، قالت أم سلمة: ~~" انطلق أنت يا رسول الله إلى الهدى فانحره، فإنهم سيقتدون بك ". فكان ~~أول من وثب عند الكتاب عمر وهو يقول: ~~يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟ قال النبي صلى الله ms044 عليه: بلى. قال: ~~فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ قال النبي عليه السلام: أنا عبد الله ~~ورسوله، ولن أخالف أمره ". فأقبل أبو بكر على عمر فقال: يا عمر، الزم غرزه ~~(1) فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر [به (2)]، ولن يضيعه الله! # ثم إن عمر بن الخطاب عاد إلى أبى بكر فسأله فقال أبو بكر: سلم لله ~~ولرسوله واتهم رأيك. # وقال أبو عبيدة: لا نعطى الدنية أبدا! فقال أبو بكر، يا عم إنها ليست ~~بدنية، ولو كانت دنية ما أعطاها النبي صلى الله عليه وتأباها أنت، وما كان ~~الله ليرضى بذلك. PageV00P077 # أو ما علمت أنه لم يكن في الجميع أشد في ذلك من علي بن أبي طالب وعمر بن ~~الخطاب!؟ وذلك أن عليا هو كان كاتب كتاب القضية، فلما كتب " هذا ما قاضى ~~عليه محمد رسول الله " قال المشركون: # لو نعلم أنك رسوله ما حاربناك، ولكن اكتب: " محمد بن عبد الله "، فقال ~~النبي لعلى: امحها يا علي. فقال على: والله لا محوتها أبدا! قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أرنى مكانها. فأراها فمحاها وكتب " محمد بن عبد الله ". ~~قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن هذا كله حدب على الاسلام وغضب ~~له، ولكنهم لم يطلعوا من الأمور ما تطلعه الرسل. فهذا موقف لأبي بكر مشهور. # وإنما عظمت الفتنة على أصحاب النبي صلى الله عليه لانهم خرجوا لا يشكون ~~في الفتح، لرؤيا النبي صلى الله عليه أنه حلق رأسه ودخل البيت وأخذ مفتاح ~~الكعبة وعرف مع المعرفين (1)، ثم تجهز في تلك الأيام وهو يريد مكة عندهم ~~وقد كان تلا عليهم: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم " الآية. فلما رأوا الصلح والشرط، وعاينوا الرجوع اضطربوا لذلك، مع ~~الذي كان في نفوسهم من قوله: ~~" إن أتى قريشا أحد ممن كان على دين محمد لم ترده، ومن أتى محمدا ممن هو ~~على دين قريش رده ". فأخرجهم ما ذكرت لك إلى ما ذكرت قبل. # وأقبل عمر على أبى بكر ms045 فقال: يا أبا بكر، أليس قد أخبرنا النبي صلى الله ~~عليه عن الله وتلا علينا القرآن: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رؤسكم ومقصرين "؟ قال أبو بكر: نعم. PageV00P078 ~~قال عمر: فما باله رجع بنا ولم ندخلها؟ قال له أبو بكر: وهل قال لك متى؟ ~~إنما قال: لتدخلن، وأنتم داخلوها لا محالة. وإنما كان لك مقالا لو ضرب لك ~~أجلا فرأيت خلافه. واعلم أن الحق ما قال وصنع. # فلم يبق في قلب مخلص جهلا بموضع الحجة في ذلك، ولا في قلب مستريب دخله ~~الشك شيئا إلا أصلحه. فبهذا وشبهه نعرف إخلاص الرجل وقدره، وسعة صدره، ~~وكثرة علمه. # ثم أخرى، أنقذ الله به من الضلالة، والناس بين ساكت لاغناء عنده، أو خائض ~~مستريب يحتاج إلى التعريف. أو موقن يحتاج إلى المادة وتلقين الحجة. # من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفى اقتحم الناس عليه في منزل ~~عائشة، فلما نظروا إليه مسجى دخلهم أمر عظيم أذهلهم وحير عامتهم، حتى ~~قالوا: لم يمت، وكيف يموت وهو شهيد علينا ونحن شهداء على الناس؟! وكيف يموت ~~وقد قال الله: " ليظهره على الدين كله " ولم يظهر بعد؟! # وكان عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب يرددان هذه الآيات، وتوعدا أصحاب ~~النبي صلى الله عليه: من قال إنه مات. وثاروا في حجرة عائشة وعلى الباب: لم ~~يمت! # وكان أول من رآه مسجى فأنكر موته عثمان، وقال: إنه والله ما مات، ولكن ~~الله رفعه إليه كما رفع عيسى بن مريم! والله لا نسمع أحدا يقول مات إلا ~~قطعنا لسانه! # واضطرب الناس وماجوا وقام عمر في الناس خطيبا فقال: PageV00P079 # لا أسمعن أحدا يقول إن محمدا مات! وإن محمدا لم يمت، ولكن الله رفعه. ~~أرسل إليه كما أرسل إلى موسى عليه السلام فلبث عند قومه أربعين ليلة (1). ~~وإني لأرجو أن يقطع الله أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن محمدا مات! # فبينما الناس هكذا إذ أقبل أبو بكر، على فرس له، من السنح (2) فسمع مقالة ~~عمر وما يقوله الناس وما ms046 خاضوا فيه، فبدأ بالنبي صلى الله عليه وسلم فدخل ~~عليه وهو مسجى، فكشف عن وجهه فقبله، ثم أقبل نحو المنبر وقال: أيها... ~~الحالف (3) على رسلك! فلما رآه عمر قعد، وقام أبو بكر خطيبا ثم قال: أيها ~~الناس اجلسوا وأنصتوا، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال: # أيها الناس، إن الله قد نعى نبيكم إلى نفسه وهو حي بين أظهركم ونعاكم إلى ~~أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد. ألم تعلموا أن الله قال " إنك ميت ~~وإنهم ميتون ". # قال عمر: بأبي أنت وأمي! فسكت الناس وأظهروا التسليم، وعرفوا الحق وبكوا، ~~كأنهم لم يكونوا سمعوا بهذه الآية قط. # ثم تلا: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم " ثم تلا: " كل نفس ذائقة PageV00P080 ~~الموت " ثم تلا: " كل شئ هالك إلا وجهه " ثم مر في خطبته المشهورة ~~المعروفة (1). فهذا هذا. # ثم أقبل على عمر وعثمان فقال: قال الله: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " يقول: إنكم شهداء على ~~من تلقون ممن لم يلق النبي صلى الله عليه، كما كان النبي صلى الله عليه ~~عليكم شهيدا. وقال الله: ~~" ليظهره على الدين كله " وإنما أراد دينه، والله متم نوره ومظهر دينه، ~~فإذا أظهر دينه فقد أظهره (2). # فهذا علمه وقدره وفهمه وحاجة الناس إليه. # ثم الذي كان من مشى المهاجرين والأنصار إليه وكلامهم له، ليقبل الصلاة من ~~العرب ويترك الزكاة، وقالوا: إنهم لو قد صلوا لقد زكوا. ~~قال: والله لو منعوني عقالا مما أعطوه النبي صلى الله عليه لجاهدنهم ~~عليه! فقال له المهاجرون والأنصار: أوليس قد قال النبي عليه السلام: ~~" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حقنوا ~~بها دماءهم وأموالهم " قال أبو بكر: إن فبها " إلا بحقها (3) " قالوا: ~~صدقت. ألا ترى إلى أنه قد علم الجميع مالم يعلموا، أو صيرهم إلى رأيه ~~بقدر المخالفة له. PageV00P081 # ونقلوا إلينا أن الأنصار ms047 قالت: يا خليفة رسول الله. أليس قد قال النبي ~~صلى الله عليه: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها حجبوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " قال أبو ~~بكر: فهذا من حقها، والله لو كنت وحدى لجاهدتهم حتى أقتل أو يظهر الله الحق ~~ويزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. # ثم مضى نحو أهل الردة يريدهم مغضبا حتى لحقه المهاجرون والأنصار، فمنعوه ~~وكفوه وتقدموا أمامه. # وهذا خبر نقله أصحاب الاخبار مرجئهم وشيعيهم (1) إلا الروافض، فإنهم لا ~~يطاقون، لان من يجحد المستفيض الشائع بالأسانيد المختلفة في الدهر ~~المتفاوت، ويوجب على خصمه له تصديق الشاذ (2) الذي لا يعرف ولا يدعيه إلا ~~أهل الغلو من الروافض، ممتنع الجانب، عسير المطلب، لا يطاق ولا يجارى. # ثم رأينا عليا يروى عنه، ويزكيه ويفضله، ولم نسمعه روى عن علي شيئا ولا ~~زكاه ولا فضله، على أن عليا قد كان عنده فاضلا عاليا، عالما وجيها. # ثم الذي كان من قول عثمان بن عفان له. وذلك أن عثمان حزن على النبي صلى ~~الله عليه حزنا لم يحزنه أحد، فأقبل أبو بكر يعزيه للذي يرى به من عظيم ما ~~فدحه وغمره، فقال عثمان: ما آسى على شئ، إنما آسى على أنني لم أسأل النبي ~~صلى الله عليه عما فيه نجاة PageV00P082 ~~هذه الأمة! قال أبو بكر: قد سألت النبي صلى الله عليه عن ذلك: ~~فقال: " من قبل الكلمة التي عرضتها على عمى فأباها ". # ألا ترى إلى حاجة الجميع إليه واستغنائه عنهم. # ولو لم يعلم من سعة علمه إلا قوله للمهاجرين والأنصار حين أشاروا عليه ~~بأن يقبل الصلاة وقالوا إنهم لو قد أقاموا الصلاة لآتوا الزكاة. ~~قال أبو بكر: إن تميما إن أذن لها من الاسلام في نقض عروة لم ترض بمثله ~~بكر بن وائل، ولو أعطيت كنانة وألفافها وأحابيشها أمرا لم ترض قيس حتى ~~تزداد، ولئن سمعت قولكم لأنقضن الاسلام عروة عروة. # وفى مشيهم إليه في تأخير جيش أسامة يشيرون عليه ويقولون ما كتبنا ms048 في صدر ~~الكتاب (1)، وفى قوله: " لو بقيت وحدى حتى تأكلني الكلاب ما أخرت جيشا أمر ~~رسول الله صلى الله عليه بإنفاذه والوحي ينزل عليه " فلئن كان ما وصفنا لا ~~يدل على جودة الرأي وصحة العزم وكثرة العلم، وعلى الشهامة والصرامة، واليمن ~~والبركة، فما في الأرض دليل على فضيلة رجل ونقصه. # ومما يدل على سعة علمه وأنه كان المفزع دون غيره أن المهاجرين عامة وبنى ~~هاشم خاصة اختلفوا في موضع دفن رسول الله صلى الله عليه، فقال قائل: خير ~~المدافن البقيع، لأنه كان كثيرا ما يستغفر لأهله (2). وقال آخرون: خير ~~المواضع موضع مصلاه. وقال آخرون: ~~عند المنبر. قال لهم أبو بكر: إن عندي فيما تختلفون فيه علما. قالوا: ~~فقل يا أبا بكر. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: " ما مات PageV00P083 ~~نبي قط إلا دفن حيث يقبض " فخطوا حول فراشه ثم حولوا رأس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالفراش في ناحية البيت. فلم نجد الناس احتاجوا مع خبره إلى ~~شاهد، ولم يختلف عليه في ذلك رجلان. ~~ولا أظهر الشك في خبره إنسان واحد قريب ولا بعيد. هذا والمنزل منزل ~~ابنته، وهو في موضع جر منفعة وكما تكون المنفعة، وهى المأثرة العظمى والشرف ~~الاعلى. # فمن لم يتهم في خبره على هذه الحال ومع هذه العلة حتى قبلت شهادته وحده، ~~لجدير ألا يتقدمه أحد في القدر والعم. والأمانة والصدق. # ومما يدل على أنه كان ثابتا عندهم قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وروايته عنه، وذلك أن عليا قال: كنت إذا سمعت من النبي عليه السلام حديثا ~~ينفعني الله بما شاء منه، فإذا حدثني غيره استحلفته (1)، فإذا حلف لي ~~صدقته، وإن أبا بكر حدثني - وصدق أبو بكر - أن النبي صلى الله عليه قال: " ~~ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلى ركعتين ويستغفر الله إلا ~~غفر له (2) ". # وهذا حديث ما سمعت له براد إلا أهل الغلو من الروافض. وقد قال قوم منهم: ~~إنما كان هذا من على على ms049 التقية للعوام (3)، لطاعة العوام لأبي بكر وعمر. ~~وما في هذا من التقية؟ أن يصدق رجلا على خبره وأن يكذب غيره (4) أو يؤمن ~~غيره. وإن هذا من أخلاق الناس PageV00P084 ~~لموجود: أن يزكى بعض بعضا ويفضل. فنرى عليا يحمل عنه ويروى عنه ويزكيه ~~ويفضله، ولم نره صنع بعلى من ذلك شيئا. # ولقد بلغ من تبطنه (1) لأمر النبي صلى الله عليه أن النبي صلى الله عليه ~~لما حاصر أهل الطائف قال عمر لأبي محجن: إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن ~~يخرج! قال أبو محجن: هل هو إلا أن قطعتم حبلات عنب (2)، وفى الماء والتراب ~~ما يعيده. قال عمر: لا تقدر أن تخرج إلى ماء وتراب، ولا تبرح باب جحرك حتى ~~تموت جوعا. قال أبو بكر: يا عمر لا تقل هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يؤذن له في فتح الطائف. فسأل عمر النبي صلى الله عليه فقال: نعم لم يؤذن ~~لي. # قالوا: ولم يكن علم ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أبى ~~بكر، ولو علمه أحد غيره لكان عمر. # قالوا: في خطبة النبي صلى الله عليه في شكاته التي توفى فيها والمسلمون ~~شهود، وفى معرفته بالذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه دون جميع ~~الناس، دليل على أنه المخصوص بحسن المعرفة. وفضيلة الدراية. # وذلك أن أول ما تكلم به النبي صلى الله عليه على المنبر أن قال: ~~" والذي نفسي بيده، إن لقائم على الحوض الساعة ". ثم تشهد فلما قضى تشهده ~~كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد، ثم قال: " إن عبدا ~~من عباد الله خير بين الدنيا والآخرة فاختار ما عند الله ". ~~فبكى أبو بكر. قالوا: فتعجبنا من بكائه. وقال: بأبي أنت وأمي وبآبائنا PageV00P085 ~~وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا. قالوا: فتعجب الناس من كلام أبى بكر وبكائه ~~وقالوا: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل! # قالوا: وكان أبو بكر أعلمنا (1) برسول الله. # ولو لم يكن من صواب رأيه وصحة فراسته. وتوفيق الله ms050 إياه إلا توليته خالد ~~بن الوليد حرب مسيلمة وطليحة وأهل الردة، وقد عوتب فيه من كل جانب - وعمر ~~تناوله - وهو يقول: لا أشيم سيفا سله الله على أعدائه # ثم اختياره عمر وفراسته فيه، حيث جعل له الامر من بعده، وعوتب فيه ونوزع في أمره. # وكذلك قال عبد الله بن مسعود، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه " رضيت ~~لأمتي ما رضى لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره لها ابن أم عبد " قال: أفرس ~~الناس ثلاثة: المرأة التي جاءت على استحياء حين قالت لأبيها في موسى: " يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين " وامرأة العزيز، وأبو بكر في ~~عمر. # فهل رأيته ضام قوما قط وجامعهم (2) فكان لهم الرأي دونه، وهل عوتب في شئ ~~قط إلا والصواب ما عمل به دون رأى المعاتب له. وهل أشير عليه برأي قط إلا ~~وهو المصيب دون المشيرين عليه!؟ # فأي فقه وأي علم أصلح وأي مذهب أحمد مما عددنا وكثرنا. # ثم أنتم لا تستطيعون أن تخبروا عن علي بن أبي طالب بموقف واحد من هذه ~~الآراء، وكلمة واحدة من هذا الكلام ومن الصواب الذي حكينا PageV00P086 ~~عن أبي بكر في حياة النبي صلى الله عليه، وعند وفاته، وفى أيام خلافته، ~~حتى كأن عليا ورجلا من عرض المسلمين في ذلك الدهر سواء. # وما يخيل إلينا إلا أن الذي قطعه عن كثير من ذلك حداثة سنه، وتقديمه ~~للمشيخة على نفسه. # فإن قالوا: إن عليا قد أشار على عمر بكذا. وقال له يوم كذا وكذا: كذا. # قلنا: إنا لم نكن في عمر وعلى، ولو قد صرنا إلى الاخبار عنهما تقدمنا ~~بالذي يعرفكم فضيلة عمر، كما حكينا ووصفنا وتقدمنا في الاخبار عن فضيلة أبى ~~بكر. # ولقد بلغ من صحة فكره وصدق ظنه وقوة حسه أنه كان يظن الامر فيقع به أو ~~قريبا منه. ولذلك قال عمر: إنك لن تنتفع بعقل المرء حتى تنتفع بظنه. # فمما يدل على صدق ظن أبى بكر وحس نفسه أن عائشة لما دخلت ms051 عليه في شكاته ~~التي قبضه الله إليه فيها، أنشدت عنده شعرا تذكر فيه ما رأيت في أبيها. قال ~~أبو بكر: لا تقولي هذا يا بنية. ولكن قولي: # " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد "، أي بنية إني كنت نحلتك ~~جداد عشرين وسقا من مالي بالعالية، وإنك لم تحوزيه ولم تقبضيه، وإنما هو ~~مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك، قالت عائشة: إنما هي أسماء (1)! قال: ~~إنه ألقى في روعي أن ذا (2) بطن بنت PageV00P087 ~~خارجة [جارية (1)] فوضعت جارية فسميت أم كلثوم. # وله مما كان يقع في خلده ويصدق فيه ظنه وتصح فيه فراسته أمور عجيبة. # ولو قالوا: إن عليا كان من فقهاء أصحاب النبي صلى الله عليه لقد كان ذلك ~~عدلا وقصدا، وحسنا جميلا، كما قال إبراهيم (2) والشعبي: الفقه من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه في ستة: في عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد ~~الله بن مسعود، وأبى بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت. # وقد زاد قوم أبا الدرداء، وأبا موسى. وقد قال مسروق: انتهى علم أصحاب ~~رسول الله إلى هؤلاء الستة: عمر، وعلى، وعبد الله، وأبى، ومعاذ، وزيد. # وقال الشعبي: كانت القضاة أربعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وزيد ~~بن ثابت، وأبو موسى الأشعري. # فلو أنهم كانوا يرضون بقول الفقهاء ورأى التابعين، ولم يسرفوا وقصدوا، ~~كان ذلك قصدا. ولقد تعدوا فيه الحق حتى قالوا: لم يقل قط قولا يمكن أحسن ~~منه، ولا قال قولا قط فرجع عنه، وقد علمنا أن له غير رجعة. لا اثنتين ولا ~~ثلاثا (3)، وأقاويل لا يجوزها أصحاب الفتيا. ~~وما كان إلا كبعض فقهائهم الذين يكثر صوابهم ويقل خطاؤهم، ولم تكن لتجمع ~~جميع هفوات إنسان وأخطاءه حتى تقرأه (4) مجموعا إلا ظننت به PageV00P088 ~~العجز. وليس ذلك كذلك، لأنك لو قذفت بجميع ذلك في محاسنه لخفى عليك ~~موضعه، ولصغر خطره وقدره. # وإنما حكينا هذا لانهم جمعوا لعمر وعثمان أمورا أرادوا بها عيبهم ونقصهم، ~~ولعمرى إن الخطأ لخطأ حيث وقع، ولكن ربما كان ms052 خطأ لا يخرج صاحبه من الحكمة. ~~والخطأ (1) أمر لكل بني آدم فيه حظ ونصيب، وهو أمر لم يسلم منه نبي ولا ~~صديق ولا شهيد ولا أحد من العالمين. # ومما نقررهم به مما رواه حمال الآثار من رجوعه وما لا يجوز من فتياه، ~~قوله: أجمع رأيي ورأى عمر على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت أن أربهن (2). # ونقلوا جميعا أن عمر وعليا اختلفوا في الجد، فقال على بقول، وقال عمر ~~بقول، ثم رجع عمر إلى قول على ورجع على إلى قول عمر. # ونقلوا جميعا أن زيد بن ثابت قال لعلي وهو يحاجه في المكاتب: ~~أرأيت إن زنى أكنت راجمه، قال: لا. قال: أرأيت إن شهد أتقبل شهادته؟ قال: ~~لا. قال زيد: فهو إذن عبد ما بقى عليه درهم. ~~فسكت على. # وزعم أصحاب داود بن أبي هند (3)، عن داود عن الشعبي، أن عليا رجع عن ~~قوله: " في الحرام ثلاث (4) ". PageV00P089 # وكلم على عثمان أن يحجر على عبد الله بن جعفر في شئ كان اشتراه، وقد كان ~~الزبير قال لعبد الله: خذه فأنا شريكك. فقال له عثمان: كيف أحجر على إنسان ~~شريكه الزبير؟! فسكت على. # وقال في المكاتب، إذا أدى من ثمنه شيئا: إنه يسترق بحساب ويعتق بحساب. # وقال في النصرانية تسلم وهى تحت النصراني قال: هو أحق بها ما لم يخرجها ~~من دار الهجرة. # وقال في رجل قال لامرأته: " اختاري " واختارته، ثم قال: ~~" اختاري " فاختارته، ثم قال الثالثة: " اختاري " فاختارته؟ قال: ~~أفرق بينهما، فإن (1) أنا فعلت كذا وكذا. # وقال في أعور فقأ عين صحيح، فأراد الصحيح أن يفقأ عين الأعور الذي فقأ؟ ~~قال: لا يفقؤها إلا أن يؤدى نصف الدية. # وقال في الجد: إنه سادس ستة، وسابع سبعة، وكتب إلى عبد الله بذلك، وقال: ~~قطع الكتاب واجعله سابعا. # وقال في جارية وثبت عليها امرأة رجل غائب فاقتضت عذرتها بإصبعها، ثم ~~قذفتها لتسقطها من عين بعلها، وكانت خافت أن يتزوجها، فرفع ذلك إليه فقال ~~لبعض بنيه: قل في هذه المسألة. قال: عليها صداق مثلها: قال: ms053 لو كلفت الإبل ~~الطحن (2) طحنت! فاشتد تعجب أصحاب عبد الله من هذه المقالة. # وكان يرى حك أصابع الصبيان إذا سرقوا. PageV00P090 # وكان إذا قطع الرجل قطع القدم وترك العقب ليمشى عليه المقطوع، وليعتمد ~~به. وكان يقطع اليد من أصول الأصابع ويدع الكف. # وزعم عبد الله بن سلمة (1) وغيره، عن الأعمش، عن الشعبي أو عن غيره، أنه ~~سئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ألف تطليقة، وله أربع نسوة؟ قال: تبين ~~بثلاث وتقسم الباقية على نسائه. # ويقال لهم: هل تعلمون أن الله ذكر آدم وهو أول النبيين فقال: ~~" فنسى ولم نجد له عزما (2) ". # وذكر موسى وقتله النفس. وذكر يونس بن متى فقال: ~~" وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ". فالدليل على أن يونس ~~قد كان صنيع وأساء قوله: " سبحانك إني كنت من الظالمين ". ~~وقول الله: " فالتقمه الحوت وهو مليم ". # وذكروا داود وسليمان في قضية واحدة ذهب عنها داود وأصابها سليمان، حيث ~~يقول الله: " وفهمناها سليمان " فلم يكن ذهاب داود بمخرجه من قول الله: " ~~وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ". وقد كان منه ما قد علمت، حتى أنزل الله عليه ~~الملكين يكنيان عن PageV00P091 ~~قصته، ويزيدان وعظه في قصة: " وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ". # وقد عاتب الله جل ثناؤه نبيه في غير موضع فقال: " عبس وتولى "، وقال: " ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " وقال: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ". # وعاتبه في الاسرى وأخبره أنه قد تقدم أمره في إطلاقهم حتى قال: ~~" لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (1) ". # وقال الله وهو يريد جمع المأمورين والمنهيين: " ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة (2) ". # فإذا كان الله قد أخبر بما ترى عن المعصومين فلم يتتبع قوم على عمر بن ~~الخطاب، وعثمان بن عفان خطاياهم وهفواتهم، وللعمرية والعثمانية أن يعودوا ~~عليهم بمثل ذلك وأكثر منه؟! # ومن أجهل من رجل زعم أن عليا لم يخط قط ولم يعص قط، ولم يضيع شيئا قط، ms054 ~~وقد سمع الله يحكى أمور أنبيائه، ويذكر أحوال رسله؟! ولسنا نحتاج في هذا ~~الباب إلى أكثر من هذا. # وكيف يقولون: على فوق الناس كلهم في صواب الرأي، والفقه في الدين، ولا ~~يكون كالرجل من عظماء السلف لضرب يخصه فيهما، ونحن إذا سألنا الفقهاء ~~وأصحاب الآثار والعلماء، عن أصحاب القرآن الذين كانوا مخصوصين بحفظه على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه، قالوا: زيد بن ثابت PageV00P092 ~~وأبو زيد (1)، وفلان وفلان. ولم يذكروه في باب المخصوصين بحفظ القرآن ~~أيام حياة رسول الله صلى الله عليه. # فإن سألناهم عن أصحاب الحروف والقراءات والوجوه، الذين بقراءتهم يقرأ ~~الناس، وبقدر اختلافهم اختلف الناس، قالوا: زيد بن ثابت، وأبى بن كعب، وعبد ~~الله بن مسعود. ولم يذكر معهم. لأنا شاهدنا الناس يقولون: هذا في قراءة عبد ~~الله بن مسعود (2) وهكذا هو في مصحف عبد الله. وهذا في قراءة أبى، وهكذا هو ~~في مصحف أبى. وهذا في قراءة زيد، وهكذا هو في مصحف زيد. ولم نرهم يقولون: ~~هذا في قراءة على. ~~وهكذا هو في مصحف على. # وإن سألناهم عن أصحاب التأويل والتفسير قالوا: عبد الله بن عباس، والحسن. ~~وفلان وفلان. ولم يذكروه في هذا الباب. # وإن سألناهم عن أصحاب الرواية، والمشهورين بكثرة الاسناد عن رسول الله ~~صلى الله عليه قالوا: ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، ~~وعائشة. ~~وأبو هريرة. ولم يذكر معهم في هذا الباب. # وإن كان الدليل على فقه المتبوع فقه أتباعه فعبد الله بن مسعود وعائشة ~~أفقه منه، لان أصحاب عبد الله وعائشة أفقه من أصحابه، فكيف صار أفقه خلق ~~الله كلهم والقصة على ما أنبأناكم ووصفنا لكم. # على أنه كان فقيها عالما، قد أخذ من كل باب بنصيب، ولا نقول PageV00P093 ~~فيه - إذ كنا عثمانية وعمرية - قولكم في عمر وعثمان. أو ما تعلم أن الخبر ~~مستفيض بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أقرؤكم أبى "؟! فترى أبيا (1) ~~كان أقرأ منه. وقال: " أفرضكم زيد " فترى زيدا كان أفرض منه. ~~وقال: " وأعلمكم بالحلال والحرام ms055 معاذ " فترى معاذا كان عند النبي صلى ~~الله عليه أعلم منه. وقال: " وأقضاكم على " فينبغي أن يكون على أقضى منهم. ~~وأنتم لا ترضون أن يكون زيد أفرض منه، ولا أبى أقرأ منه، مع أن " أقضاكم ~~على " ليس هو في حديث البصريين، فإن كان كما رواه البصريون فهؤلاء النفر ~~أعلم منه. وإن كان كما رواه غيرهم فكل واحد أفقه من الآخرين فيما ذكرته. ~~فهذا هذا. # فإن صرت إلى أن تسأل الناس عن الاختيار. وجودة الرأي، والقوة في السلطان، ~~والضبط للعدو والعوام قالوا: أبو بكر وعمر. # وإن سألت عن الفتوح قالوا: أبو بكر وعمر وعثمان، لان أبا بكر رد الاسلام ~~في نصابه برد أهل الردة، وهو الفتح الأكبر، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وغزا ~~(2) العدو ومنع الحوزة. # ولان عمر دون الدواوين، وفرض الأعطية وجند الأجناد، ومصر الأمصار، وجبى ~~الفئ (3)، وبلغت خيله إفريقية، وأوطأ خيله خراسان وأقصى كرمان، وأزال ملك ~~بنى ساسان. # ولان عثمان هو الذي افتتح الثغور كلها، افتتح إرمينية، افتتحها حبيب بن ~~مسلمة الفهري وافتتح أذربيجان، افتتحها المغيرة بن شعبة، وقد PageV00P094 ~~كان الأشعث معه فيها، وافتتح إفريقية، افتتحها له عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح. وافتتح سحستان، افتتحها له عبد الله بن سمرة. # فهذا باب المخصوصين بالفتوح. # وإن سألت عن الدهاة وأصحاب الإرب (1) والمكايد قالوا: عمرو ابن العاص، ~~والمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان، ولم نذكر فيهم زيادا لان زيادا لا ~~صحبة له. فهذا باب الدهاة. # وروى الناس عن قبيصة بن جابر الأسدي (2) وكان علامة داهية حكما، أنه قال: ~~" ما رأيت رجلا قط أخوف لله من أبى بكر، ولا أقوى في دين الله من عمر، ولا ~~أصدق حياء من عثمان، ولا أوصل لرحم ولا أعطى من تلاد مال من طلحة. ولا أكثر ~~مخارج في الأمور من معاوية ولا أحضر جوابا، ولا أكثر صوابا من عمرو " ولم ~~نره ذكره. # ثم الذي كان من أسماء بنت عميس، ومن قولها - وعلي بن أبي طالب شاهد، لما ~~تفاخر عندها بنوها من جعفر وأبى بكر ms056 وعلى، قال لها على: ~~اقضى بينهم - قالت: ما رأيت شابا أطهر من جعفر، ولا رأيت شيخا أفضل من ~~أبى بكر، وإن ثلاثة أنت أخسهم لفضلاء. # فهذه قضيتها (3)، ولم يرو عن علي في ذلك إنكار. # فإن قلتم: إن قولها ليس بحجة. قلنا: قد صدقتم لو كان ليس بحجة إلا قولها ~~فقط، ولكن الأمور إذا جاءت من هاهنا وهاهنا كان اجتماعها دليلا على أنه لم ~~يكن عندها مع فضله وصلاحه وسابقته وقرابته ذا رأى. PageV00P095 # ولقد بلغه ذلك عن قريش حتى قام خطيبا معتذرا فقال في خطبته: ~~" حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم! ~~وهل منهم (1) أحد أشد مراسا لها ولا أطول تجربة منى. لقد نهضت فيها وما ~~بلغت العشرين، فها أنا الآن (2) قد ذرفت على الستين، ولكنه لا رأى لمن لا ~~يطاع ". # وقال الأحنف بن قيس لما قدم عبيد الله (3) بن علي بن أبي طالب - وهو قتيل ~~(4) المختار بن أبي عبيد في أيام فتنة ابن مخربة العبدي (5): ما هذا الذي ~~أنتم فيه؟ قالوا: قدم عبيد الله بن علي يدعو الناس: قال: إن كان لابد ~~فجنبوها حسنا وأبا حسن، فإنا لم نجد عندهم علما بالحرب. ولا إنالة للمال. # وقيل لأبي برزة الأسلمي (6): لم آثرت صاحب الشام على صاحب العراق؟ ~~قال: وجدته أطوى لسره، وأملك لعنان جيشه (7)، وأنظر لما في نفسه. # وفى قوله العباس بن عبد المطلب، وهو حليم قريش - وإذا كان حليم PageV00P096 ~~قريش فهو حلم العرب، والحلم اسم جامع للعلم والحزم - وذلك أنه لما قبض ~~عمر وصلى صهيب بالناس دعا العباس عليا فقال: هل أحدثتم شيئا؟ ~~فقال: فاحفظ عنى، فإني لم أقدمك في شئ إلا رأيتك مستأخرا. من ذلك أنى قلت ~~له ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل (1): ادخل عليه فسله، فإن يكن هذا ~~الامر فينا أعلمه الناس، وإن يكن في غيرنا أوصى بنا. ~~فتركت ذلك وقد منيت (2) بدهاة قريش، وقد حيل دوني، فلا يعرضن عليك شئ إلا ~~قلت: لا لا، ولا يا أبتي، تقصر ms057 عينيك وتحك قفاك، بعد فوت الامر. # ففيما ذكرنا دليل أنه كان لا يساوى أبا بكر ولا يجاريه، ولا يدانيه ولا ~~يقاربه. وأنه في طبقة أمثاله طلحة والزبير، وعبد الرحمن وسعد. # فإن قالوا: فإن عليا كان أزهد فيما تناحر الناس عليه، ولان أزهد الناس في ~~الدنيا أرغبهم في الآخرة، ولان أرغبهم في الآخرة أعلمهم بأحوال الآخرة. # قلنا: قد صدقتم في صفة الزهد، ولكن أبا بكر كان أزهد منه. ~~وسندلكم على ذلك. # فمن ذلك أن أبا بكر كان ذا مال كثير، ووجه عريض، وتجارة واسعة، فأنفق ذلك ~~في سبيل الخير وعلى أهله، إيثارا لله ولرسوله، وطلب ما عنده حتى لقى (3) ~~[الله] وما كنت تركته يوم مات غير بعير ناضح. وعبد صيقل (4)، مع الخلافة ~~وكثرة الفتوح والغنائم والخرج والصدقة. PageV00P097 # وكان علي بن أبي طالب مقلا مخفقا (1) يعال ولا يعول، فاستفاد الرباع (2) ~~والمزارع، والعيون والنخيل، ومات ذا مال وأوقاف، وما يحسب ماله ووقفه بينبع ~~(3) إلا مثل كل شئ ملكه أبو بكر مذ كان في الدنيا إلى أن فارقها، وتزوج ~~فأكثر، وطلق فأكثر، حتى عابه بذلك معاوية، وجعله طريقا إلى تنقصه، وسبيلا ~~إلى الطعن عليه، فقال وهو يكنى عن ذكره ويريده، ليكون أسد لسهمه، وأوقع في ~~(4) قلب من سمعه: " إني والله ما أنا بنكحة ولا طلقة ". # والآثار أن عليا رحمة الله عليه، استشهد وعنده تسع عشرة سرية مطهمة (5) ~~وأربع نسوة عقائل. # ولا سواء من كان ذا مال فأنفقه. ومن كان مقلا فكسبه. # ولم يتزوج أبو بكر في خلافته امرأة ولا اتخذ سرية، ولا تفكه بشئ، ولا آثر ~~لذة (6) إن كان له طلقا مباحا. # ثم الذي كان من أبى بكر في عمالته (7): أنه كلف بنى تيم ومن عنده أياديه ~~ومنته أن يردوا ما أخذ من بيت المال فيه، لكي يجعل عمالته لله. وعلى ذلك ~~احتذى عمر. وقد كان على يأخذ عمالته، ولم يخبرنا أصحاب الآثار أنه ردها في ~~بيت المال، ولا كلف ذلك بني هاشم PageV00P098 ~~في وصية. وهذا ما لا يختلف فيه رجلان من أصحاب الآثار، ms058 وحمال الاخبار. # وقد كان أخذ لقوحا وحبشية لرضاع بعض ولده فرد ذلك (1) في بيت المال. # ولما بايع الناس أبا بكر غدا على سوقه كما كان يفعل، فقالوا: ~~فلابد أن نجعل لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يقيمه، قالوا: ~~برديه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مكانهما، وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله ~~كما كان ينفق قبل خلافته. قال: رضيت. فجمع ذلك كله وحفظه، ثم أمر بنى تيم ~~فردوه في بيت المال. فخرج من الدنيا خفيف الظهر، خميص البطن. فلما فعل ذلك ~~قال عمر: رحم الله أبا بكر، لقد شق على من بعده! # فإن قالوا: أوليس قد كان على ينضح بيت المال في كل جمعة ويصلى فيه ~~ركعتين؟ # قلنا: إنا لم نكن في ذكر الأمانة والخيانة، لان أبا بكر وعليا يرتفعان عن ~~هذا الضرب من المديح. وعن هذا الضرب من الثناء، وإنما كنا في ذكر الزهد في ~~المباح، وفى الايثار والرفض للفضول، لان بين الرجل يعطى ماله وعليه، وبين ~~من يعطى ما عليه ولا يعطى ماله فرق. # ومما يدل على فضله أن الله أنزل فيه من القرآن ما لم ينزله في أحد PageV00P099 ~~من المهاجرين والأنصار، كل ذلك يخبر عن فضله، ويدل فيه على مكانه منه، ~~ويثنى عليه ويزكيه ويعظمه. وليس من أفرد الله فيه الآى، وأفرده بالذكر كمن ~~ذكره في جملة المؤمنين، وجمهور الأنصار والمهاجرين. # ولا سبيل إلى المعرفة بأن الله عنى بآية كذا وآية كذا فلانا دون غيره إلا ~~بضربين: إما أن يكون اسمه وخاصة نسبه ونعته (1) مسطورا في الآية، كما ذكر ~~فرعون وأبا لهب، وفلانا وفلانا، وكما ذكر آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ومحمدا صلى الله عليه وعليهم. # أو يكون المراد بالآية وإن لم يذكر اسمه، كما ذكر لقمان، وزيد (2). ~~[وزيد] مشهور النسب معروف القصة أنه المراد بالآية، وبشهرة القصة والنسبة ~~حتى لا يكون بين أهل ذلك الدهر في ذلك تنازع، ولا بين أصحاب التأويل ~~والاخبار في دهرنا هذا، فيكون كأنه مسمى وإن لم يسم. # وقد كانت تحدث بين ms059 الناس أمور فينزل القرآن عقب ذلك، فيعلم المهاجرون ~~والأنصار من المراد بهذا التنزيل. كالذي كان من شأن عائشة وما قرفت به، حتى ~~أنزل الله لذلك السبب آيا كثيرا، وإن لم يكن الله سمى عائشة ولا من قرفها. ~~وكالذي نزل من القرآن في قصة الغار وهجرة النبي صلى الله عليه وأبى بكر، ~~وهربهما من قريش، ونصرة الله لهما. # فكان مما أنزل الله في أبى بكر من تفضيله وتزكيته وإن لم يسمه قوله لجميع ~~المؤمنين: " إن تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين PageV00P100 ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم (1) ". # فلا يخلو قوله: " إلا تنصروه " من أحد وجوه: إما أن يكون خاطب به ~~المشركين عامة. أو خص به الخاذلين العادين والباغين، أو يكون خاطب به ~~المؤمنين. # ولا يجوز أن يكون عنى به المشركين، لأنه لا يجوز في الحكمة وفى المعروف ~~من البيان أن يقول الرجل الحكيم المبين، للعدو المكاشف بعداوته. المظهر ~~لضغنه، الباذل لرأيه وماله، المعاند في فعله: إلا تنصرني فقد نصرني فلان! ~~لان النصر لا يلتمس من العدو المكاشف، وإنما يلتمس من الولي أو من الخاذل. # وكيف يقول هذا وإنما غايته الانتصار منه بغيره. # وفى قول الله عز وجل: " إذ أخرجه الذين كفروا " دليل أن المخاطب بالكلام ~~غير الذين كفروا به وجحدوه وأخرجوه. ولا يجوز أن يكون عنى الخاذلين له من ~~قريش ومشركي مكة إلا والخاذلون قد كانوا هناك معروفين، بائنين من العادين ~~المتوثبين المبادين بالعداوة. ~~المظهرين للمحاربة، ولا نعلمهم كانوا ببطن مكة صنفين متمايزين، [و] ~~فريقين متباينين، حتى يكون كل حزب مشهورا بالذي هو عليه من الخذلان ~~والعداوة، وليس بطن من بطون قريش إلا وقد لقى النبي صلى الله عليه وسلم منه ~~أعظم المكروه وإن كانوا في ذلك على طبقات: ~~من مجتهد لا يبقى، ولا يفتر ولا يسأم، ومن رجل مائل معهم ms060 بضلعه (2). PageV00P101 ~~مبد معهم لضره (وإن كان لا يبلغ غلو الآخر وتصميمه وقلة إغفاله. # ولقد كانت خزاعة وثقيف على بعد أنسابها وأرحامها أحسن تقية من قريش في ~~إظهار العداوة، والأرصاد بالمكروه، والثبات على البغى، كالذي بلغك عن ~~الأخنس بن شريق وعروة بن مسعود، وبديل بن ورقاء، من ركونهم إلى الصلح وحبهم ~~للسلامة، مع قلة التسرع والتوثب، على أنهم قد أجلبوا وطعنوا. وكفروا ~~وكذبوا، بعد الافصاح لهم بالحجة، والإبانة لهم عن المحجة. # ولقد كان أبو لهب على قربه وقرابته، شبيها بأبي جهل في الغلظة والقسوة ~~والجفاء، وكثرة التدري (2) وقلة السآمة. # ولم يكن أبو طالب يوم نزلت هذه الآية حيا مقيما فيكون الله جل ذكره عناه ~~فيمن أطاعه من رهطه بهذا الكلام. على أنه لو كان حيا لقد كان معلوما أنه لم ~~يكن هناك أحد أحسن ذبا، ولا أشد نصرا، ولا أظهر معونة، ولا أشد حماية منه. # ولم يكن الله ليعرف قوما موضع الخلة في النصرة، والتقصير في المدافعة، ~~إلا وأدنى منازلهم أن يكونوا مقرنين (3) لمن ناوأهم، مضطلعين بدفع من شاقهم (4). # ولا نعلم يوم كانت هذه القصة، ونزلت هذه الآية، وبمكة رجل PageV00P102 ~~من بني هاشم مطاع متبوع غير العباس بن عبد المطلب. ولا يجوز أن يقول الله ~~للعباس ومن كان في ذراه ممن يسمع له وينفذ لامره: ~~" إلا تنصروه فقد نصره الله " وقد علم أن العباس وأشباهه من مشيخة بنى ~~عبد مناف لا أعوان لهم يومئذ من بنى عبد مناف، لان بنى عبد مناف دنيا (1) ~~على قربهم وقرابتهم، كانوا أشد الخلق على رسول الله، كأبى سفيان بن حرب، ~~وعقبة بن أبي معيط، والحكم بن أبي العاص، وأبى أحيحة، وعتبة بن ربيعة، ~~وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وفلان وفلان. ولم تكن أمية انمازت في ذلك ~~الدهر من هاشم، وكان يقال للحيين: عبد مناف. [و] كان من أمر عثمان الذي ~~بلغك. # فقد دل الكلام على أن الله إنما عنى بالآية المؤمنين دون الكافرين، إذ ~~كانت مخاطبة العادي والخاذل على ما وصفنا. وليس أنه أراد ms061 تأنيب المؤمنين ~~وتقريع المهاجرين، ولكنه أخبر عن تقصيرهم عن فضيلة أبى بكر إذ ظعنوا وأقام. ~~وليس النقص في الفضل كالنقص في الفرض. فكأنه تعالى وعز قال: لو كنتم صبرتم ~~مع نبيكم. ما أقام، إلى وقت الاذن (2) كصبر أبى بكر معه، ولم تخرجوا هاربين ~~جازعين، ولدار نبيكم مهاجرين، كان أشد لصبركم، وأكمل لرغبتكم، وأنم ~~لتقيتكم. وليس أنكم عصيتم في خروجكم، ولكن بعض الصبر والاحتمال أفضل من ~~بعض، وكذلك الطاعة تطوعها وفرضها، كما قد علمتم أن بلالا وخبابا وعمارا حين ~~فضهم (3) المشركون عن دينهم جزع عمار وأعطاهم الرضا، مع انطواء قلبه PageV00P103 ~~على الاخلاص، وثلج صدره بالايمان، ولكن عزمه كان منقوصا عن التمام، من ~~غير أن يكون ذلك عصيانا ولا خلافا. ويدلك على ذلك قول الله: ~~" إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ". ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~لعمار: " إن عادوا فعد " يريد بن التوسعة والرخصة والاطلاق. ~~وليس على الامر والترغيب. # وكما بلغك عن الرجلين الواردين على مسيلمة. حين قال لأحدهما: أتعلم أنى ~~رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتعلم أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. ~~قال: فأمر به فقتل. وقال للآخر: أتعلم أنى رسول الله؟ قال: نعم. قال: ~~فتعلم أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بتخلية سبيله. فلما بلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه قال: أما الأول فمضى على عزمه ويقينه فهنيئا له، وأما ~~الثاني فأخذ برخصة الله فلا تبعة عليه. # فعلى هذا المثال كان تقصير القوم، لا على وجه الخلاف والمعصية. # وذلك أن أبا بكر أقام بمكة ما أقام النبي صلى الله عليه عليه وسلم، وهاجر ~~الناس الأول فالأول، فبعض أتى المدينة، وبعض أتى الحبشة، حين اشتد عليهم ~~البلاء وطال الذل وقل الناصر، وقويت الضغائن، فكان النفر بعد النفر، والرجل ~~بعد الرجل، يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيأذن له. وأقام أبو ~~بكر وحيدا لا أنيس له، وذليلا لا ناصر له، وخائفا لا أمان معه، في كل يوم ~~يزدادون عليه قوة ويزداد عنهم ضعفا فإذا بلح (1) وبلغ المجهود، ولم ms062 يبق في ~~قواه فضل يستعين به على الصبر، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في المضي ~~إلى إخوانه واللحاق بهم، PageV00P104 ~~فيقول له: " لعل الله أن يجعل لك صاحبا " فيزداد بها أبو بكر قوة، وتحدث ~~له بها همة. وهذه كلمة ما قالها النبي صلى الله عليه لمستأذن قبله، فيعلم ~~أبو بكر عند ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عناه، فيشجع من نفسه، ~~ويشد من منته، طمعه في شرف الصحبة، وإكرامه إياه بفضيلة المرافقة. # وقد استأذن النبي صلى الله عليه الناس [قبله (1)] بسنين، فكان أولهم أبو ~~سلمة بن عبد الأسد (2)، وآخرهم عمر بن الخطاب، لقرب حال عمر في الفضل ~~والصبر من حال أبى بكر. فكأنه خاطب المهاجرين، على التعريف لهم بفضيلة (3) ~~صبر أبى بكر على صبرهم. مشحذة لهم على إعطاء الجهد، وترغيبا لهم في غاية ~~الصبر في مستقبل الأمور وحوادث الامتحان. فكأنه قال: إذا لم تستتموا الصبر، ~~ولم تبلغوا غاية الجهد، ولم تصبروا ما أقام، فقد نصرته أنا إذ أخرجته ثاني ~~اثنين. # والدليل على ما قلنا قول عمر لقريش حين بادأهم العداوة، ونصب لهم الحرب، ~~وأحس من نفسه بالجلد وشدة الشكيمة، وقوة العزيمة: ~~" أما والله أن لو قد صرنا مائة لتركتموها لنا إن تركناها لكم " يعنى ~~مكة. # فلو كان جميع من هاجر إلى الحبشة وأتى المدينة على مثل هذا العزم PageV00P105 ~~والاحتمال والدفع، وهم جميع، لكان ذل من أقام ووحشته أقل، ونفوسهم أطيب. # والدليل على فضيلة مقام أبى بكر على ظعنهم أنهم حيث هاجروا ونزلوا ~~بالنجاشي والأنصار فنزلوا بأكرم منزول به، فكانوا في ذراه آمنين، رافهين ~~وادعين، إلا ما كان من قصة جعفر، وسعاية عمرو. ~~وإحماش النجاشي وتهييجه (1). فما كان ذاك إلا صدر نهار حتى جعل الله ~~العاقبة للمتقين. وأبو بكر والنبي من الوحدة والقلة، والجفوة والوحشة، وخفة ~~ذات اليد، والسب والإهانة، والخوف بالقدر الذي لا يأتي عليه قول وإن كثر، ~~ولا يبلغه وهم وإن اتسع. # وهكذا روينا عن الضحاك وقتادة وأبى بكر الهذلي في تأويل هذه الآية: أن ~~الله عاتب ms063 جميع المؤمنين بها غير أبى بكر. ولو لم يكن رواية (2) ولم يفسر ~~ذلك صاحب تأويل، لم يجز أن يكون تأويله غير الذي قلنا، للذي شرحنا وفصلنا. # ولو كانت هذه المخاطبة وقعت على الخاذلين والعادين، أو على الخاذلين دون ~~العادين والمؤمنين، لقد كان لأبي بكر في الآية ما ليس لأحد، فكيف بها PageV00P106 ~~إن كانت في المهاجرين. لان في قوله " ثاني اثنين " معنى عظيما، وفى قوله: ~~" فأنزل الله سكينته " معنى عظيم. # فإن قالوا: كل ما عظمتم فعظيم، ولكن بعضه لا يجوز إلا للنبي صلى الله ~~عليه دون أبى بكر. وهو قوله: " فأنزل الله سكينته عليه ". # قيل لهم: استكرهتم التأويل، وصرفتم الكلام عن سننه، وغير تأويلكم أشبه ~~بكلام العرب، وأظهر في بيان الخطباء، ومراجعة الحكماء. وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه كان هو الرابط الجأش، الثابت الجنان، الساكن النفس، وهو المعزى ~~لأبي بكر، والمسهل عليه شدة حزنه، والمطيب لنفسه، والمسكن لحركة قلبه، للذي ~~(1) رأى وعاين من اكتراثه ومن اضطرابه، وقلة سكينته، وهذه الحال التي فيها ~~قلب النبي صلى الله عليه وخليفته، وأبو بكر على ما وصفنا وفرقنا، هي ~~الفاصلة بين النبي صلى الله عليه وبين خليفته، إذ كان الخليفة قد شارك ~~النبي صلى الله عليه في حضوره واحتماله، وبان منه النبي صلى الله عليه بشدة ~~عزمه وسعة صدره، وسكون قلبه، كالفصل الذي بين الخليفة وولى عهده. # وكذلك (2) تعجل عمر الهجرة قبل أبى بكر، فكان بذلك أنقص فضلا منه. وتأخر ~~بعد المهاجرين، فكان بذلك أتم فضلا منهم. # (* وفى قول الله: " إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله ~~سكينته عليه " دليل على أن السكينة نزلت على صاحبه، وأن الهاء التي في " ~~عليه " مضمر فيها صاحبه. ولا يشبه أن تكون PageV00P107 ~~السكينة نزلت على من لم يخل من السكينة وقلة الاضطراب، وعلى المسهل على ~~صاحبه والمطيب لنفسه (1) والمبشر له بالنصر، حين يقول: ~~" لا تحزن إن الله معنا ". وهو كما أخبر أبو معاوية الضرير، عن عبد ~~العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت: في ms064 قول الله: ~~" فأنزل الله سكينته عليه " قال: على أبى بكر، فأما النبي صلى الله عليه ~~فقد كانت السكينة عليه من قبل ذلك *). # فإن قالوا: فكيف وقد قال الله على نسق الكلام: " وأيده بجنود لم تروها " ~~والمؤيد بالجنود في هذا الموضع لا يجوز أن يكون إلا النبي صلى الله عليه، ~~لان الجنود الذين عنى الله ملائكته. # قيل لهم: وما تنكرون أن يكون الله أيد رجلا بالملائكة، بشفاعة النبي صلى ~~الله عليه وبشارته وبحق صحبته. كما أيد الله جميع أهل بدر بالملائكة. وكما ~~زعموا أن الملائكة نزلت في زي الزبير، وليس أن الله حين أيد أبا بكر ~~بالملائكة أنه أراه جبريل وميكائيل، ولكن PageV00P108 ~~ليعلمه (1) النبي صلى الله عليه أن بحضرته ملائكة قد أرسلهم الله ليمنعوه ~~من المشركين، ليسكن بذلك روعه، وتهدأ نفسه، وليثق بحضور النصر وتعجيل ~~الدفع. # وقد علمنا أن الله لم يجعل مع كل مؤمن ملكين يكتبان خيره وشره استذكارا، ~~ولكن المؤمن إذا شعر بمكانهما كان أقطع له عن ركوب الأدناس، وأدعى له إلى ~~الاستحياء، وليعلم أن الامر جد وليس بهزل. # فكذلك إحضار الملائكة لأبي بكر. ليكون بشارة النبي صلى الله عليه له بذلك ~~تسكينا لنفسه، وتعجيلا لبعض ما استحق بالاحتمال والمواساة والصبر، من ~~الثواب المعجل دون المؤجل. # ولقد بلغ من ظهور قصة أبى بكر وصحبته ومرافقته وكونه مع النبي صلى الله ~~عليه في الغار، أن الروافض مع شدة الاقدام، والجرأة على تكذيب الناقلين، لم ~~تقدر على دفعه ورده، حتى قال منهم قائلون: ~~إنما أخرجه النبي صلى الله عليه خوفا من أن يدل عليه ويسعى بأمره إلى ~~أعدائه، لأنه كان حسن من النبي بالهجرة، وعرف ميقاته الذي عزم عليه. # وكيف يجوز أن يخاطب الله الناس فيقول: " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين " والذي به كان النبي صلى الله عليه بائنا قد ~~أبر على الأعداء (2) وأربى على الكفار، لان النفاق أعظم من التصريح. PageV00P109 # وهذا ما لا يجوز في عقل، ولا يسنح في فكر، ولا يجوز في التعارف، ms065 ولا يليق ~~بالبيان. # وكيف والله يقول على اتصال اللفظ باللفظ والمعنى بالمعنى. وتركيب الآية ~~الأخرى على الأولى: " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ~~". # ولا كافر أعظم كفرا، ولا أشد عنودا من ثانيه وصاحبه في الغار، ورفيقه في ~~الطريق، والمعزى لشدة حزنه. إن كان الشأن على ما قالوا وكما وصفوا. # وإنما المنافقة (1) أن يكون الرجل معتقدا لجحد الرسول وعداوته ولكن ~~الرسول هو الغالب على داره القاطع لمن بادأه بالعداوة. وناوأه في الفضيلة، ~~فإنما يستبقى نفسه بنفاقه. وبتزميل حقده، وإخفاء ضغنه. ~~فأما رجل مقيم بمكة قليل مفرد، وذليل مطرد، وخائف مشرد، بين استخفاء يعدل ~~الموت، أو هرب يقطع الأحشاء، والذي هرب معه مقهور مخذول، والغالب على داره ~~عدوه، فكيف كان أبو بكر منافقا والحال على ما وصفنا؟! # ولولا كثرة الفساد وما عم الناس من الغلط وفحش الخطأ ما كان لذكر هذا ~~وشبهه معنى. # والأثر المجتمع عليه من أصحاب السير والاشعار والاخبار، أن النبي صلى ~~الله عليه قال لحسان: أما قلت في أبى بكر شيئا (2)؟ فأنشأ يقول: PageV00P110 # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة %~% فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # التالي الثاني المحمود مشهده %~% وأول الناس منهم صدق الرسلا # وثاني اثنين في الغار المنيف وقد %~% طاف العداة به إذ صعد الجبلا # خير البرية أتقاها وأطهرها %~% إلا النبي وأوفاها بما حملا # فجعله تاليا، وثانيا، وصاحبا. # وقال أبو محجن: # وسميت صديقا وكل مهاجر %~% سواك يسمى باسمه غير منكر (1) # سبقت إلى الاسلام والله شاهد %~% وكنت جليسا بالعريش المشهر # وبالغار إذ سميت بالغار صاحبا %~% وكنت رفيقا للنبي المطهر # فجعله سابقا وصديقا، وجليسا وصاحبا. # وقال كعب بن مالك: # سبقت، أخا تيم إلى دين أحمد %~% وكنت لدى الغيران في الكهف صاحبا # فجعله سابقا، وجعله صاحبا. # وقال النجاشي: # غداة أتى بدرا وحر جلادهم %~% وكان جليسا بالعريش مؤازرا (2) # فلو لم تكن له مأثرة إلا ما دلت عليه هذه الآية، وإلا شرف هذه الصحبة، وموقع هذه الخاصة، ~~ونبل هذه المرافقة، ومشاهده الثقة، لكان فوق الجميع في المكانة والفضيلة، ~~وفى مرافقة ms066 النبي صلى الله عليه. PageV00P111 # سمع أهل مكة الهاتف بالليل على قرن الجبل (1) وهو رافع عقيرته، يقول: # جزى الله رب الناس خير جزائه %~% خليلي صفاء طردا كل مطرد # هما نزلا في الصبح ثمت هجرا %~% وأفلح من أمسى رفيق محمد # ليهنئ بنى كعب مكان فتاتهم %~% ومقعدها للمؤمنين بمرصد (2) # وقال الحارث بن هشام: # رفيقان في المحيا وفى الموت ضمنا %~% بأكرم مثوى منزل ومكان # فهذا هذا. # ثم الذي كان من قصة مسطح بن أثاثة وقضيته (3)، وكان ربيبه وابن خالته (4) ~~وفى مؤونته وتحت جناحه، فلما قرفت عائشة بالذي قرفت به وبلغك، آلى أبو بكر ~~ألا ينظر في وجهه، ولا ينفق عليه ولا يكفله ولا يمون عياله، فلما أنزل الله ~~عذر عائشة وبراءتها، ولم يرض لها بالطهارة والعفة حتى جعلها غافلة، فضلا ~~على أن يكون خطر ذلك على بالها فتنفيه، إيثارا للحلال على الحرام. وأنزل ~~الله على رسوله صلى الله عليه في آية (5) يأمر أبا بكر بالصفح عن مسطح. ~~والتجاوز عن ذنبه، وتغمد ما كان منه، وأن يعيده في كنفه وعياله. فقال: " ~~ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة ". ~~فما ظنك بإمرئ يقول الله له وفيه هذا القول. ويصفه بهذه الصفة حتى يقول: ~~" ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر PageV00P112 ~~الله لكم والله غفور رحيم (1) " فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أبى بكر، فلما انتهى إلى قوله: " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " قال أبو ~~بكر: بلى يا رب! فعفا عنه. فوجبت له المغفرة، وأعاده إلى نعمته، وجعل عياله ~~في حشاه وتحت ظله. # فمن أعظم قدرا من رجل يفرد الله له الآى فيه معظما لشأنه، ذاكرا لفضله ~~على لسان جبريل ومحمد عليهما السلام. فهذا هذا. # وقد أجمع أهل التأويل على أن الله عنى بقوله: " والذي قال لوالديه أف ~~لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن ~~إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير ms067 الأولين (2) " أبا بكر، وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر، وأمه. # وكان أبو بكر وأهل بيته أهل بيت إسلام: كان هو مسلما، وامرأته مسلمة، ~~وأبواه مسلمان، وبناته مسلمات، وليس في العشرة الذين قال لهم النبي صلى ~~الله عليه إنهم في الجنة، ولا في قريش قاطبة رجل مؤمن مؤمن الأبوين غير أبى ~~بكر الصديق، ولا في قريش خاصة والمهاجرين عامة صاحب ابن صاحب ابن صاحب غير ~~عبد الله قتيل الطائف ابن أبي بكر الصديق، ابن أبي قحافة المسلم يوم مكة ~~(3)، والقائل فيه رسول الله صلى الله عليه لأبي بكر: " فهلا تركت الشيخ في ~~منزله فأتيناه! ". وله صحبة. # واجتمع أهل التأويل على أن قوله: " أفمن يمشى مكبا على وجهه PageV00P113 ~~أهدى أم من يمشى سويا على صراط مستقيم " نزلت في أبى بكر وأبى جهل. ألا ~~ترى أن أبا جهل رأس الكفر فلم يقرن به ولم يوضع بإزائه من المسلمين إلا رأس ~~مثله. # وقال الله: " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى " الآية، يعنى أبا بكر في ~~إنفاقه المال وعتقه الرقاب والمعذبين، وقوله: " كذب وتولى " يعنى أبا جهل، ~~وليس في الأرض صاحب تأويل خالف تأويلنا (1) ولا رد قولنا إن هذه الآية نزلت ~~في أبى بكر. # وأما قوله: " قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (2) ". فزعم ابن عباس أن القوم الذين ~~ذكرهم بنو حنيفة، وأبو بكر استنفر إليهم العرب، وضمهم إلى المهاجرين ~~والأنصار، حتى أظفر الله يده وأظهر حكمه. # وأما غير ابن عباس فزعم أنهم فارس والروم. # فإن كان [ذلك (3)] كذلك فإن أبا بكر هو المستنفر إلى قتال الروم. وإن كان ~~عمر هو المقاتل لكسرى فإن ذلك راجع إلى أبى بكر بتأسيسه لعمر واختياره له. # وقد زعم جويبر (4) عن الضحاك في قوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين " قال: أبو بكر وعمر. PageV00P114 # وقد زعم وكيع عن الفضل بن دلهم (1) عن الحسن في قوله: ~~" فسوف ms068 يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " قال: هم والله أبو بكر وأصحابه. # ومثل هذا كثير، ولم يجئ المجئ الذي يحتج به المنصف والمرشد، ولكن الحجة ~~القاطعة في إجماع (2) المفسرين في الآيات التي ذكرناها قبل في قصة الغار، ~~والنصرة، وفى قصة مسطح، والعفو عنه والانفاق عليه، وفى قصة عبد الرحمن بن ~~أبي بكر وأبويه ودعائهما له إلى الاسلام ورده عليهما، وقصة أبى بكر وأبى ~~جهل. # وقالت (العثمانية): فإن زعمت الرافضة أن الله أنزل في علي آيا كثيرا، ~~فكان مما أنزل فيه وفى ولده قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم (3) ". فأولى الامر على وولده. فلعمري لئن كان أصحاب الاخبار قد ~~أطبقوا على أنها نزلت في علي وولده إن طاعتهم لواجبة، وإن كان هذا شيئا ~~تقوله متقول، أو جاء من وجه ضعيف، فهو مع ضعفه شاذ، وليس في ذلك لكم حجة. ~~لان الحديث قد يحتمله الرجل الواحد الثقة عن مثله، فيكون شاذا، مالم يكن ~~مستفيضا شائعا قد نقل عن المستفيض الشائع. وقد يكون الحديث يحتمله الرجلان ~~والثلاثة وهم ضعفاء عند أهل الأثر فيكون الحديث ضعيفا لضعف ناقليه، ولا ~~يسمونه شاذا، إذا كان قد جاء من PageV00P115 ~~ثلاثة أوجه، وإنما الحجة في المجئ الذي يمتنع فيه العمد والاتفاق. ~~وهذا الجنس من الخبر هو الاجماع. # وليس يكون الخبر إجماعا من قبل كثرة عدد الناقلين، ولا من قبل عدالة ~~المحدثين، وإنما هو العدد الذي نعلم أنهم لم يتلاقوا ولم يتراسلوا ولا تتفق ~~ألسنتهم على خبر موضوع، مع اختلاف عللهم وأسبابهم، ثم يكون معلوما عند سامع ~~ذلك الخبر من ذلك العدد، أنهم قد نقلوه عن مثلهم في مثل أسبابهم وعللهم. # فإذا كان معلوما أن فرعه كأصله كان ذلك موجبا لليقين، ونافيا لعرو الشك ~~واسترابة التقليد. # وهو كنحو ما نقلوا من قصة الغار، وقصة مسطح. # فأما ما قالوا وادعوا أن الله عنى بقوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم " عليا وولده دون جميع المهاجرين. فليس من شكل ما ~~اشترطنا، ولا من فن ما بينا، لان أصحاب التأويل ms069 زعموا أنها نزلت في عمال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وولاته، وفى المسلمين، وفى أصحاب سراياه وأجنادهم ~~كالعلاء بن الحضرمي وأبى موسى الأشعري، وعتاب بن أسيد، وخالد بن الوليد، ~~ومعاذ بن جبل، يأمر الناس بطاعة الامراء والتسليم لولاة أمورهم. # حديث عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قال: حدثنا عبد الملك بن أبي ~~سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن تأويل قول الله: " أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " فقلت: ~~من أولو الامر؟ فقال: هم أصحاب محمد. قلت: إنهم يزعمون أنه على. ~~فقال: على منهم. PageV00P116 # وهذا من أثبت وأحسن ما يروون في تأويل هذه الآية، ومن أحرى ما جمع ~~الفريقين على تقبله (1) والرضا به، إذ قائله العالم المقبول عند الفريقين، ~~والرئيس الذي لا أحد فوقه في عصره عند الروافض. # وزعم محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح (2) عن ابن عباس، أن الله ~~أنزلها في عبد الله بن حذافة السهمي (3). # فإذا كان تأويلها مشهورا بما ذكرنا من الاختلاف، فليس فيها للمتشيع حجة. # وزعموا أيضا أن الله أنزل في علي: " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ~~كافة (4) " يقول: في طاعة على. # والكلام في هذا كالكلام فيما قبله. لان أصحاب الاخبار والتأويل لا يعرفون ~~ذلك. # والخبر المشهور عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وغيره أن الله أنزلها ~~في ناس من مسلمي أهل الكتاب، كانوا بعد إسلامهم يقيمون السبت (5). ~~ويعافون الذبيحة، لرسوخ العادة، وغلبة الألف (6)، فأنزل الله فيهم: ~~" يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة " يقول: ادخلوا في جميع ~~الشريعة، " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " وزينته لكم الحكم بألفكم له، ونشوكم ~~كان فيه. PageV00P117 # وزعموا أن الله أنزل: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (1) ". # قيل لهم: أما ظاهر الكلام فيدل على ما قال أصحاب التأويل، كابن عباس ~~وغيره، حين زعموا أنها نزلت في عبد الله بن سلام (2)، ورهط من مشركي أهل ~~الكتاب، وذلك أنهم أتوا النبي صلى الله عليه عند الظهر فقالوا: ms070 يا رسول ~~الله، إن بيوتنا قاصية ولا نجد مسجدا دون هذا المسجد، وإن قومنا لما صدقنا ~~الله ورسوله عادونا وتركوا مخالطتنا، وأقسموا ألا يكلمونا. # فبينما هم يشكون عداوة قومهم لهم إذ نزلت " إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " فلما قرأها ~~النبي صلى الله عليه قالوا: رضينا بولاية الله ورسوله والمؤمنين. وأذن بلال ~~للصلاة (3)، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وهم معه، والناس من ~~بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فتلا النبي صلى الله عليه: " ومن يتول الله ~~ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (4) " الآية. فإن تكن هذه ~~الآية كما قال ابن عباس ومجاهد، فليس لعلى فيها ذكر. وإن يكن الامر ليس على ~~ما قال ابن عباس فليس تأويل الرافضة بأقرب التأويل. PageV00P118 # وقد عرفنا أن تأويل ظاهر هذا الكلام يشبه غير الذي قالوا، وليس لنا أن ~~نجعله كما قالوا إلا بخبر عن النبي صلى الله عليه، أو بإجماع من أصحاب ~~التأويل على تفسيره، وذلك أن قوله: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " يدل على العدد الكبير ~~وأنتم تزعمون أنه عنى عليا وحده، وليس لاحد أن يجعل " الذين " لواحد إلا ~~بخبر يجمع عليه، فإن لم يقدر على ذلك فليس له أن يحول معنى الكلام عن ظاهر ~~لفظه، والذي عليه التعامل والتعارف. ولفظ الجميع معروف من لفظ المفرد. لان ~~الرافضة تزعم أن سائلا دخل المسجد فسأل الناس وعلى راكع، فلم يعط شيئا، ~~فنزع على خاتمه فأعطاه، فأنزل الله فيه: " إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ". وأنت إذا سمعت ~~بتأويل ابن عباس وتأويلهم علمت أن تأويلهم بعيد من لفظ التنزيل، قرب (1) ~~تأويل ابن عباس منه. # ولو كان الامر كما قالوا ما كان أحد أعلم به من ابن عباس ولا أشعر (2) به ~~منه. # وأنتم تزعمون أن عليا كان أزهد من أن يحول عليه الحول وعنده مال راهن يجب ~~عليه فيه الزكاة. ms071 # ولو كان ذلك كذلك ما كان بلغ من قدر صنيع رجل في إعطاء درهم ودرهمين من ~~زكاته الواجبة ما إن يبلغ به إلى هذا القدر الذي ليس فوقه قدر، أو يكون كان ~~على مشهورا بإعطاء الزكاة وهو يصلى. PageV00P119 # ولو كان هذا هكذا لكان مشهورا مستفيضا. وكيف اتفق له ألا يزكى إلا وهو ~~يصلى؟! # وإن كان تطوع بإعطاء الخاتم على جهة الايثار والمواساة فليس بمعروف في ~~الكلام أن يكون الرجل إن تصدق بالدرهم والدرهمين متنفلا ومتطوعا أنه معط ~~زكاة، لان الزكاة عندنا ما وجب إخراجه وكان تطهيرا لسائر ماله، وسببا ~~للنماء والبقاء. إلا أن يحمل الكلام على الشاذ، وعلى أبعد المجاز. ~~وليس هكذا كلام الحكيم يريد أن يدل الأمة على إمامته، ويوجب عليهم طاعته. # ولا بد في هذه الآية من أحد ضربين: إما أن يكون لفظها يدل على ما قالوا ~~دون ما قال غيرهم، وإما أن تكون قد نزلت في قصة مشهورة لعلى كقصة الغار حين ~~كانت لأبي بكر. # فإن لم تجدوا إلى واحد من هذين سبيلا فلم يبق إلا أن تزعموا أن الرسول ~~صلى الله عليه قال للناس: إن هذه في علي فاعرفوا له حقه وفضيلته. ولو كان ~~ذلك كذلك ما اختلف فيه أصحاب التأويل، ولا قال فيه ابن عباس الذي قال. # قالت (العثمانية): قد زعمت الروافض أن الله أنزل هذه الآية في علي ~~فاعرفوا له حقه وفضيلته. # ولو كان ذلك كذلك ما اختلف فيه أصحاب التأويل، ولا قال فيه ابن عباس الذي ~~قال (1). # قالت (العثمانية): وقد زعمت الروافض أن الله أنزل فيه: " قل كفى PageV00P120 ~~بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (1) ". # ولا يجوز أن يقول: " ومن عنده علم الكتاب " وهو يعنى عليا إلا وعلى قد ~~كان أشهر من هناك بعلم الكتاب. # وكيف يكون ذلك وقد توفى النبي صلى الله عليه وهو لم يجمع الكتاب بعد؟! ~~وقد زعم الشعبي أنه لم يجمعه إلى أن مات. # وكيف يكون من المشتهرين بعلم الكتاب وأنت إذا سألت أصحاب الاخبار ~~والتأويل عن أسماء ms072 أصحاب التأويل ذكروا ابن عباس ومن دون ابن عباس بطبقات ~~كالحسن البصري، ومجاهد، والضحاك، وعكرمة، وفلان وفلان وفلان، ولا يذكرونه ~~في هذا الصنف، كما لا يذكرون فيه أبا بكر وعمر وعثمان، لانهم لم يكونوا ~~بالمشتهرين بالتأويل وحفظ القرآن ومعرفة معانيه، لان غير ذلك كان أغلب ~~عليهم منه، وقد أخذوا منه بنصيب. ولم يكونوا كمن تجرد لمعرفة التأويل حتى ~~غلب عليه كما غلب على زيد بن ثابت الفرائض، وكما غلب علم التأويل على ابن ~~عباس، وكما غلب كثرة الأسانيد وعدد الآثار على ابن عمر وجابر وعائشة، وكما ~~غلب على أبى وعلى عبد الله القراءات. # ولو كان للناس أن يقولوا في هذه الآية على الظن وما هو أشبه لكان أولى ~~الناس بها عبد الله بن عباس، لأنه كان أعلم الناس بالقرآن. ولو لم يكن ~~عرفنا فضله فيه بالذي ظهر منه، لعرفنا فضله وإن بطن وغاب عن العيان لقول ~~النبي صلى الله عليه فيه: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ". فكيف وقد ~~ظهر من علمه بمعانيه وغريبه، وإعرابه وقصصه PageV00P121 ~~ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، ومكيه ومدنيه، ما لم نجد ~~عند أحد شطره ولا قريبا منه. # وقالت (العثمانية): إنه لا يعجز أحد أن يعمد إلى كل آية في القرآن فيدعى ~~أنها في أبى بكر وعمر كما ادعيتم ذلك في علي، وإنما الشفاء والبيان في صحة ~~الشهادة، وظهور الحجة. # وزعمت العثمانية أن من الدليل على فضيلة أبى بكر على على أن النبي صلى ~~الله عليه سماه " الصديق " دونه، وليس بعد اسم النبي اسم أنبه من الصديق، ~~حتى كان لا يقال قال أبو بكر وفعل أبو بكر إلا والصديق متصل به، وحتى ربما ~~قالوا قال الصديق وفعل الصديق، استغناء عن اسمه وكنيته. # ولقد قال النبي صلى الله عليه: " الزبير حواري وابن عمتي، وطلحة حواري " ~~وقال: " عثمان ذو النورين " فلم يقل المسلمون: قال عثمان ذو النورين، وقال ~~الزبير الحوارى، وقال ذو النورين، استغناء عن أسمائهما وكناهما. # فإن كان المسلمون أشاعوا اسم أبى بكر وتركوا أن يشيعوا ms073 اسم غير أبى بكر، ~~لفضل رأوه في أبى بكر، فهو الذي قلنا وادعينا. وإن كان ذلك منهم لشئ رأوه ~~في وجه رسول الله صلى الله عليه وفى صنيعه بأبي بكر، فلا (1) شئ أدل على ~~الفضيلة والمباينة منه. # ولم يسمه النبي صلى الله عليه عليا باسم ينسبه به، لان ذلك لو كان PageV00P122 ~~لظهر كما ظهر اسم من ذكرنا. ولا سماه أحد من أصحاب رسول الله باسم بان به ~~كما سمى أصحاب رسول الله أبا بكر خليفة رسول الله. # ولابى بكر اسمان يدلان على الفضيلة والمباينة: أحدهما لم يسم به قط إلا ~~نبي أو من يتلوه، والآخر لم يسم به أحد من الناس. # فأما الاسم الذي لم يسم به إلا نبي فقوله " الصديق " بإجماع من المسلمين ~~على هذا الاسم أنه لأبي بكر دون غيره. وأما الاسم الذي لم يسم به مؤمن قط، ~~ولا بعده، فقول جميع الأمة: يا خليفة رسول الله. # فإن كان الذي نقل إلينا أنه [كان] يكتب في دهر النبي صلى الله عليه: ~~" من خليفة رسول الله " ويكتب إليه " إلى خليفة رسول الله " وكما كان ~~الحسن يحلف بالله أن النبي صلى الله [عليه] هو تولى استخلافه، فلا منزلة ~~أعظم منها قدرا، ولا أرفع منها شأنا. # وإن كان المسلمون أجمعوا له على ذلك لخاصة رأوها فيه، فكفى به شرفا ~~وقدرا، ومزية وذكرا. # وإن زعم قوم أن الأسماء التي ارتضاها الرسول صلى الله عليه وحبا بها ~~أصحابه لا تدل على فضيلة ولا على خاصة كرامة، وجسروا على أن يقولوا إنه ليس ~~في قول النبي صلى الله عليه لحمزة إنه أسد الله، وأسد رسوله، فضيلة، وليس ~~في قوله " الزبير حواري " فضيلة - فليس عندنا في ذلك إلا مثل مالهم في صدور ~~أهل القبلة من الاسقاط والإهانة. # فإن قالوا: إن اسم الصديق مولد موضوع محدث، أحدثته العثمانية والحشوية ~~(1). PageV00P123 # قيل لهم، فلعل قولهم: إن حمزة أسد الله، وأسد رسوله، وإن جعفرا الطيار في ~~الجنة، وإن الزبير حواري رسول الله، مولد موضوع صنعته الشيعة، وأحدثه أتباع ~~الزبير ms074 يوم الجمل، لا فرق بين ذلك. # وكيف يكون اسم الصديق مولدا محدثا، وأكثر من تكلم به ليسوا بذوي نحلة ~~فيتقدروا (1) له، ولا بذوي معرفة فيعرفوا فضله، ولا ذوي قرابة فيطلبوا ~~السبق به، مع الذي نجده في الاشعار الصحيحة القديمة، وليس بين الاشعار ~~والاخبار فرق إذا جاءت مجئ الحجج. # وإنما ذكرنا الاشعار مع الاخبار ليعرفوا ظهور أمره، ووجوه دلائله وقهر ~~أسبابه، وليكون آنس للقلوب، وأسكن للنفوس، وأقطع لشغب الخصم، ولجحد (2) ~~المنازع. # فمما جاء من الاشعار في ذلك قول شريح بن هانئ الحارثي (3)، وكان معمرا ~~وكان شيعيا، وهو يرتجز في بعض حروبه: # أصبحت ذا بث أقاسى الكبرا %~% قد عشت بين المشركين أعصرا (4) # ثمت أدركت الرسول المنذرا (5) %~% وبعده صديقه وعمرا PageV00P124 # ويوم مهران ويوم تسترا %~% وباجميراوات والمشقرا (1) # والجمع من صفينهم والنهرا (2) %~% هيهات ما أطول هذا عمرا # ألا ترى أن هذا شريح بن هانئ سمى أبا بكر صديقا على مالم يزل يسمى به. # وقال العجاج بن رؤبة، وهو أعرابي ليس بذى نخلة ولا صاحب خصومة، وقد أدرك ~~الجاهلية: # عهد نبي ما عفا وما دثر %~% وعهد عثمان وعهدا من عمر (3) # وعهد صديق رأى برا فبر %~% وعهد إخوان هم كانوا الوزر # وقال الحارث بن هشام بن المغيرة، حين بلغه ~~وهو بمكة أن الأنصار قد كانوا اجتمعوا وقالوا لقريش في سقيفة بنى ساعدة: ~~منا أمير ومنكم أمير: # * قبض النبي وبويع الصديق * # في قصيدة له طويلة، وهو التي يقول فيها: # * وأراد أمرا دونه العيوق * # وإنما أردنا منها المعنى. # وقال أبو محجن في ذلك: # سميت صديقا وكل مهاجر %~% سواك يسمى باسمه غير منكر PageV00P125 # وقال طريف بن عدي بن حاتم: # أبيدوا قريشا بالسيوف ليظهروا %~% معاهد دين الله بعد محمد # وصديقه التالي المعين بماله %~% طوى البطن محمود الضريبة مذود (1) # وأول من صلى وصاحب حبكه (2) %~% أصاخ لقول الصادق المتطرد # وبعد قتيل الهرمزان، وباركت %~% يد الله في ذاك الأديم المقدد (3) # أقاموا طغاة حائرين عن الهدى %~% وليس يقوم الدين إلا بمهتد # فلما تولوا طامن الحق جأشه %~% وثاب إليهم كل غاو مطرد # أما قوله: " وثاب إليهم ms075 كل غاو مطرد " فإن " الغاوي " مروان ابن الحكم " والمطرد ": ~~أراد أباه الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله صلى الله عليه. # وقال حسان بن ثابت في ذلك أيضا، وهو يهجو بعض الشعراء (4): # لو كنت من هاشم أو من بنى أسد %~% أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصيد # أو في الذؤابة من تيم وقعت بهم %~% أو من بنى جمح الخضر الجلاعيد (5) # أو من سرارة أقوام أولى حسب %~% لم تصبح اليوم نكسا مائل العود (6) PageV00P126 # لولا الرسول وروح القدس يحفظه %~% وأمر ربك حتم غير مردود (1) # وأنني أحفظ الصديق مجتهدا %~% وطلحة بن عبيد الله ذا الجود # أتتكم خيلنا كاللوذ كالحة %~% تطوى السباسب بالشم المناجيد (2) # من كل خيفانة طال اللجام بها %~% وكل مختطف الاقراب كالسيد (3) # وقال طليحة الأسدي في ذلك: # ندمت على ما كان من قتل ثابت %~% وعكاشة الغنمي يا أم معبد (4) # وأعظم من هذين عندي مصيبة %~% رجوعي عن الاسلام رأى المقيد # وتركي بلادي والخطوب كثيرة %~% طريدا وقدما كنت غير مطرد # فهل يقبل الصديق أنى تائب %~% ومعط بما أحدثت من حدث يدي # وقال البارقي في ذلك أيضا: # بكر النعي بخير كندة كلها %~% بابن الأشج وخاله الصديق! # هؤلاء الذين ذكرنا: شريح بن هانئ، والعجاج بن رؤبة، والحارث ابن هشام بن المغيرة، وطريف بن عدي بن حاتم، وحسان بن ثابت، وطليحة الأسدي، ~~ومن أشبههم، ليسوا بأصحاب خصومات ولا نظر في الفاضل والمفضول. PageV00P127 # وإنما قدموه وسموه صديقا على ما لم يزل يسمى به. وهذا أكثر من أن نأتى ~~عليه في كتابنا ونستقصيه. # والعجب من الروافض حين ترى ما قال رشيد الهجري (1) والسيد الحميري، ~~ومنصور النمري حجة في أشعارها إذا كان ذلك القول في علي بن أبي طالب. وإذا ~~قال حسان بن ثابت، والعجاج، والحارث بن هشام، وأشباههم ممن ذكرنا في القدم ~~والقدر، في أبى بكر وعثمان وعمر وتقديمهم، لم يكن حجة. # وفى قول عبد الله بن عباس لعائشة بعد الجمل في دار بنى خلف الخزاعي حين ~~أرسله علي بن أبي طالب إليها: " لم تقولين إنه ليس في الأرض ms076 موضع أبغض إلى ~~من موضع أنتم به. ونحن جعلنا أباك صديقا وجعلناك أم المؤمنين " حجة في أن ~~تسميته بالصديق قد كان مستعملا في ذلك الدهر. # وإذا أحببت أن تعلم قدر هذا الاسم الذي سمى به النبي صلى الله عليه أبا ~~بكر فانظر في كتاب الله. قال الله جل ثناؤه " واذكر في الكتاب إدريس إنه ~~كان صديقا نبيا. ورفعناه مكانا عليا (2) " وقال: " واذكر في الكتاب إسماعيل ~~إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (3) " فذكر صديقيته (4) قبل أن يذكر ~~نبوته. PageV00P128 # وقال في كتابه: " ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسول وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (1) ~~". # ولكن انظر كيف نبين للروافض الحجج بالآيات والاجماع ثم انظر أنى يؤفكون، ~~أي يسخرون (2) بهذه الفضيلة له على على. # ثم الذي كان من تأمير النبي صلى الله عليه أبا بكر عليه حين ولاه الموسم ~~وبعثه أميرا على الحاج سنة تسع، وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من سورة ~~براءة. وكان أبو بكر الامام وعلى المأموم، وكان أبو بكر الدافع بالموسم، ~~ولم يكن لعلى أن يندفع حتى يدفع أبو بكر، ولا يستطيع خلق من الناس أن يزعم ~~أن سنة تسع دفع بالناس غير أبو بكر، ولا يستطيع أحد أن يزعم أن سنة تسع لم ~~يبعث (3) النبي صلى الله عليه بصدر سورة براءة مع علي بن أبي طالب ليقرأه ~~على الناس إذا فرغ أبو بكر. # فإن قال قائل: ألا ترى أنه كان لعلي بن أبي طالب في ذلك الموقف من الفضل ~~ما ليس له لخصلتين: إحداهما أن النبي صلى الله عليه بعث معه بصدر براءة، ~~وقال: " لا يبلغ عنى إلا رجل منى ". والاخرى فرط الاحتمال وشدة الخطار الذي ~~احتمله على حين يقوم بالبراءة وقطع العهد وقد وافى الموسم من قبائل العرب ~~ومن الموتورين والناقمين والحنقين، العدد الذي لا يحصى، والقوة التي لا ~~تدفع، فشمر عن ساقيه وأبدى PageV00P129 ~~صفحته، ففي هاتين الخصلتين دليل على أن له في ms077 ذلك ما ليس لأبي بكر، ~~والمحنة عليه أشد. # قيل له: إن كان الشأن في شدة الخطار والتغرير والتعرض على ما قلتم، فنصيب ~~أبى بكر في ذلك أوفر، والامر عليه أخوف، وهو إليه أسرع، لان أبا بكر كان هو ~~الأمير والوالي والمتبوع، وعلى هو المؤتم والرعية والسامع والمطيع. وبين ~~التابع والمتبوع والآمر والمأمور فرق. # وأما قولكم: إن النبي صلى الله عليه قال حين بعث بصدر سورة براءة مع علي ~~بن أبي طالب: " إنه لا يبلغ عنى إلا رجل منى " فإنما (1) قال هذا وليس ~~بحضرته أبو بكر ليكون على قد قدم عليه، لان النبي صلى الله عليه قد كان وجه ~~أبا بكر قبل ذلك، ثم بعث عليا بعده فلحقه في الطريق. # وقد زعم ناس من (العثمانية) أن النبي صلى الله عليه لم يقل ذلك لعلى ~~تفضيلا منه له على غيره في الدين، ولكن النبي صلى الله عليه عامل العرب على ~~مثل ما كان بعضهم يتعرفه من بعض، وكعادتهم في عقد الحلف وحل العقد، فكان ~~السيد منهم إذا عقد لقوم حلفا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العقد غيره. أو رجل ~~من رهطه دنيا كأخ أو ابن، أو عم، أو ابن عم، فلذلك قال النبي صلى الله عليه ~~ذلك القول. # ثم الذي كان من تفضيله عليه وعلى الناس جميعا أيام شكاته، حيث أمره أن ~~يؤم الناس ويقوم مقامه في صلاته وعلى منبره، حتى أن عائشة وحفصة أرادتا صرف ~~ذلك عنه لعلل سنذكرها في PageV00P130 ~~موضعها إن شاء الله، فقال النبي صلى الله عليه: " إليكن عنى صواحب يوسف، ~~أبى الله ورسوله إلا أن يصلى أبو بكر ". # ولم يستطع أحد من الناس أن يقول إنه صلى بالناس في تلك الأيام غيره، ولا ~~استطاع أحد أن يقول إن المأمور بالصلاة كان غيره. ~~حتى قالوا بأجمعهم: اختاره رسول الله لديننا فاخترناه لدنيانا. وحتى ~~قالوا: ولاه رسول الله صلاتنا، وزكاتنا تبع لصلاتنا وهما معظما أمر الدين. # ولا يستطيع أحد أن يقول: إنه لما تقدم أبو بكر بالناس ليصلى بهم ms078 والنبي ~~صلى الله عليه مسجى قال له رجل واحد: وما لك تصلى بنا على غير عهد ولا سبب. ~~ولا قال رجل من خلفه مثل ذلك، ولا قال رجل من الأنصار: منا مصل ومنكم مصل، ~~كما قالوا: منا أمير ومنكم أمير. # فإن كان الناس مع كثرة الخير والشر فيهم تركوا مجاراته ومدافعته في قيامه ~~في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتبريزه، كان، عليهم عند أنفسهم ~~فكفى بذلك دليلا على الفضل، وحجة على الاستحقاق. # وإن كان رضاهم بذلك وتسليمهم (1)، للذي ثبت عندهم من أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وتقديمه إياه، فليس لأحد في ذلك متكلم، ولا لشاغب (2) فيه متعلق، ~~ولا لواقف فيه عذر، والقوم جميع، ومصلاهم واحد، وتقدمه ظاهر. PageV00P131 # ولم تكن صلاة واحدة فيكون خلسة (1). والقوم كانوا أشد تقديما لذلك المقام ~~من أن يدعوا رجلا لم يقهرهم بسيف، ولم يمتنع عليهم بعشيرة، ولم يفض فيهم ~~الأموال، وليس معه فضل بائن، ولا سبب من من قرابة، ولا أمر من النبي صلى ~~الله عليه. # فإن صاروا إلى الاعتلال بالأحاديث وذكر الآثار قالوا (1): إنما نحتاج إلى ~~المقابلة بين أفعال على وأفعال غيره، لو كنا لا نجد له غير الافعال. ~~فإذا كنا قد وجدنا له من غير الافعال ما هو أدل على الفضيلة من الافعال، ~~لم يكن لنا أن نتخطى الأفضل إلى الانقص في دفع المتغلب، وإقامة المستحق عند ~~ظهوره وزوال التقية فيه. لا أنهم (3) قابلوا بين جميع المهاجرين في القرب ~~والبعد، ولا أنهم صنعوا العلم بفضله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولكنهم قوم قد كانوا من قبل ذلك بثلاث وعشرين سنة يرى بعضهم بعضا ويعرف ~~بعضهم أمر بعض، يغزون معا ويقيمون معا، ويسمعون من النبي صلى الله عليه ~~القول بعد القول، ويرون أحوال الرجال عند النبي صلى الله عليه، وفى ~~المسلمين وفى أنفسهم، فعلموا بذلك فضل أبى بكر، فلما توفى النبي لم يحتاجوا ~~مع علمهم الأول إلى أن يضعوا علما ثانيا. # ولو أن رجلا منا شاهد النبي صلى الله عليه ms079 وأصحابه سنة واحدة ما خفى عليه ~~من المقدم عنده وعند المسلمين، ومن أشبههم به هديا PageV00P132 ~~وعملا، وطريقة وعزما. فما ظنك بالسلف الطيب، والخيار المنتخبين، وأس ~~الاسلام ومرسى قواعده. # وذلك أن أبا بكر لا يخلو حيث أسلم أن يكون أسلم قبل الناس، أو ثانيا، أو ~~ثالثا. فإن كان إسلامه قبل الناس فقد تبين للثاني تقدمه، وللثالث تقدمهما ~~عليه. فإذا كانوا ثلاثة لم يخف عليهم أيهم أفضل. ~~ثم إن أسلم بعدهم نفر لم يخف أيضا قصة الثلاثة المتقدمين. وكلما أسلم قوم ~~لم يخف عليهم حال الأفضل بالذي يرون عند من أسلم قبلهم. ~~فكانوا كذلك ثلاثا وعشرين سنة. # فقد أيقنا أن القوم لم يؤتوا في تقديم أبى بكر من الجهل بموضع الفضل، ~~أطاعوا الله في إقامته أم عصوه. وكذلك لو كانوا قدموا غيره ما كانوا إلا ~~متعمدين. وذلك أن الافعال إنما تدل على ظاهر عدالة الرجل وفضيلته، ولا تدل ~~على باطن طهارته (1) وإخلاصه. # وقول الرسول صلى الله عليه في الرجل ومديحه له وإخباره عن فضله ومنزلته، ~~والوحي ينزل عليه صباح مساء، أدل على طهارته وإخلاصه. # وإذا كان العبد كذلك كانت النفوس إليه أسكن، وكان من التبذل (2) أبعد، مع ~~السلامة من النفاق، والدخل في الاعتقاد، لان (3) الغلط في خبر الرسول صلى ~~الله عليه ونصه وتبيينه وإقراره للرجل (4) PageV00P133 ~~بالفضيلة والاستحقاق، أقل من الغلط فيما بين أقدار الناس، من الموازنة ~~بين أفعالهم وعقولهم. وعلومهم وتجاربهم، وصلاح الناس عليهم، مع كثرة عدد ~~الافعال المتساوية والمتقاربة، ومع كثرة عدد المتساوين والمتقاربين من ~~الرجال. # فمما يدل على تفضيل النبي صلى الله عليه له قوله يوم غدير خم، وهو قابض ~~على يده وقد أشخصه قائما لمن بحضرته: " من كنت مولاه فعلى مولاه. اللهم عاد ~~من عاداه، ووال من والاه ". وقوله: ~~" أنت منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي من بعدي ". ~~وقوله " اللهم آتني بأحب الناس إليك يأكل معي من هذا الطير ". ~~ثلاثا، كل ذلك يحجبه أنس، طمعا أن يكون أنصاريا، فأبى الله إلا أن يجعله ~~الآكل، والآتي، والاحب. ms080 # ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه حين آخى بين أصحابه فقرن بين الاشكال، ~~وقرد (1) بين الأمثال، جعله أخا من بين جميع أمته وعلية أصحابه. # قيل لهم: إن الاخبار لا بد فيها من التصادق كما لا بد في درك العقول من ~~التعارف، فإن في عدم التعارف في حجج العقول، والتصادق في حجج السمع، عدم ~~الانصاف، وبطلان الكلام. # وليس لكم أن ترفعوا خبرا له ضرب من الاسناد وتوجبون (2) تصديق مثله. لان ~~كل واحد من الخصمين لا يعجزه دفع المستفيض بلسانه، PageV00P134 ~~فضلا عن دفع الشاذ وإن كان ناقله عدلا في ظاهره، فإذا كان ناقله ذلك كذلك ~~فأولى الأمور بكم وبهم الصدق، وليس كل من أراد الصدق في مثل هذا قدر عليه ~~إلا بالتقدم في كثرة السماع وانساع الرواية. ~~وليس لاحد، وإن حسن عقله وصح فكره، أن يقول فيما لا يضاف علمه إلا من ~~طريق الخبر حتى يكون صاحب خبر، وطالب أثر، فإذا صح عقله وكثر سماعه، خفت ~~(1) مؤونته على نفسه وعلى خصمه. # أو ما علمتم أن خصومكم وهم أكثر منكم عددا، وأكثر فقيها ومحدثا، يروون أن ~~النبي صلى الله عليه قال: " ليس أحد أمن علينا بصحبته وذات يده من أبى بكر، ~~ولو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن ودا وإخاء ~~إيمان (2) ". فإن كان هذا الحديث كما نقلوا لم يجز أن يكون النبي صلى الله ~~عليه أخا أحد إلا أن يكون الأخ غير الخليل، ولا نعلم الخليل إلا أخص منزلة ~~وأقرب مودة. ~~مع أن قوله " ولكن " دليل على أنه قد كان أخاه. # وأعجب من هذا يروون أن النبي صلى الله عليه قال في شكاته وقبيل وفاته " ~~إنه لم يكن نبي قبلي فيموت حتى يتخذ من أمته خليلا، وإن خليلي منكم ابن أبي ~~قحافة (3) ". # ويروون أن النبي صلى الله عليه قال: " اقتدوا بالذين من بعدي: ~~أبى بكر وعمر ". PageV00P135 # وقد تعلمون أن إسناده عبد الملك (1)، عن ربعي (2) عن حذيفة (3)، والآخر ~~سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء (4)، عن عبد الله (5). # ويروون ms081 أن النبي صلى الله عليه، نظر إلى أبى بكر وعمر مقبلين. ~~فقال: " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا الأنبياء ~~والمرسلين، يا علي لا تخبرهما ". # فزعموا جميعا أن عليا قال: ولو كانا حيين ما حدثتكم. # ويروون جميعا أن عليا قام في الناس خطيبا فقال: " ألا إن خير هذه الأمة ~~بعد نبيها أبو بكر، والثاني عمر، ولو شئت أن أخبركم بالثالث فعلت " فكنى عن ~~ذكر عثمان. # ويروون أن النبي صلى الله عليه لما أسس مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، ثم ~~جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، ~~فسئل النبي صلى الله عليه عن ذلك فقال: ~~" هم الامر الخلافة (6) من بعدي ". # وقالوا: لما قدم المدينة رسول الله صلى الله عليه خط لأهل قباء مسجدهم ~~بعنزة (7) فوضع النبي صلى الله عليه حجرا، ثم قال: يا أبا بكر ضع PageV00P136 ~~حجرا إلى جنب حجري ثم قال: يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب عمر. ~~ثم التفت إلى سائر الناس فقال: وضع رجل حجره حيث أحب. # ويروون أن النبي صلى الله عليه قال يوم الحديبية: " مثل أبى بكر في ~~الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثله في الأنبياء مثل إبراهيم، ومثل ~~عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالسخط، وفى الأنبياء مثل موسى " والحديث ~~طويل ولكني اختصرته. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وضع في كفة الميزان والأمة في الكفة ~~الأخرى، فرجح بهم. ثم أحرج النبي صلى الله عليه ووضع أبو بكر مكانه فرجح ~~بالأمة، ثم أخرج أبو بكر ووضع عمر مكانه فرجح بالأمة، ثم أخرج فرفع الميزان (1). # وقالوا: إن النبي صلى الله عليه قال: " أيها الناس، إن الله بعثني إليكم ~~جميعا فقلتم: كذبت، وقال لي صاحبي: صدقت، فهل أنتم تاركي وصاحبي؟ ". # ومما يؤكد هذا قول النبي صلى الله عليه: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا ~~وقد كان له تردد وكبوة، إلا ما كان من أبى بكر فإنه لم يتلعثم ". # وقالوا: إن النبي صلى الله عليه قال: " إن ms082 أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ~~ذلك له " في كلام طويل. # فإن كان ما رويتم في فضيلة على حقا، وما رووا في فضيلة أبى بكر حقا، فأبو ~~بكر خير من على، وعلى خير من أبى بكر. وهذا هو PageV00P137 ~~التناقض، والحق لا يتناقض. وفى هذا دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يتكلم بذلك ولا قاله، لان الخبر إذا خرج مخرج العام في تفضيل أبى بكر، ~~وكذلك في تفضيل على، فليس له وجه إلا ما قلنا، إلا أن يكون النبي صلى الله ~~عليه قد قال أحد القولين وصحت به الشهادة، ولم يقل الآخر وإنما ولدته ~~الرجال، وصنعته حملة السير. ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إذا كان الاسناد ~~متساويا، وعند الرجال متقاربا. وليس في هذه الأحاديث كلها حديث يضطر خصمه ~~إلى معرفة صحته، أو يكون النبي صلى الله عليه قد تكلم بكثير من هاتين ~~الروايتين وكان معناه وقصده فيها معروفا عند من كان بحضرته، حتى كان الجميع ~~يعرفون خاصه من عامه. ولكن الناقلين احتملوها عن السلف مجردة (1) بغير ~~تأويل معانيها، فأدوها على اللفظ العام، فصار السامع يتناقض عنده إذا قابل ~~بعضها ببعض، لجهله بأصول مخارجها، وكيف كان موقعها. # والذي فسرت لك مثل تعرف به سمت الحجة. وقصد السبيل. ~~وهو كما نقلوا أن النبي صلى الله عليه قال: " ما أقلت الغبراء ولا أظلت ~~الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " ولم يكن بالنبي صلى الله عليه إلى ~~استثناء نفسه حاجة، لمعرفته باستغناء الناس عن ذلك. # وقد عرفنا بوجه آخر أن حديث أبي ذر كان مخرجه مخرج العام وأنه خاص وإن لم ~~تكن خصوصيته موجودة في لفظ الحديث، لأنك إذا سألت الشيع فقلت: أي الرجلين ~~كان أصدق عند النبي صلى الله عليه: PageV00P138 ~~أبو ذر أو على؟ قالوا بأجمعهم: على. وإنما ترك (1) النبي صلى الله عليه ~~لعلمه بمعرفة المسلم بذلك من رأيه. # وكذلك لو سألت العثمانية فقلت: أي الرجلين كان أصدق عند النبي صلى الله ~~عليه: أبو بكر أو أبو ذر؟ قالوا: ms083 أبو بكر، كقول الشيع في علي. ~~فقد أجمع الصنفان جميعا أن غير أبي ذر أصدق من أبي ذر. # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه: " منا خير فارس في العرب ". ~~قالوا: من هو؟ قال: عكاشة بن محصن. # وليس بين الأمة تنازع أن زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب الطيار، ~~والزبير، خير من عكاشة. # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه: " يأتيكم خير ذي يمن، [عليه (2)] مسحة ~~ملك ". فأتاهم جرير بن عبد الله. # فلو كان هذ اللفظ العام عاما في معناه، ولم يكن النبي صلى الله عليه اتكل ~~فيه على معرفة القوم، فترك لذلك الاستثناء والتفسير، لكان واجبا أن يكون ~~جرير خيرا من سعد بن معاذ، ومن حمى الدبر (3)، PageV00P139 ~~ومن غسيل الملائكة (1)، ومكلم الذئب (2). وهذا مالا يقوله مسلم. # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه لأبي سفيان بن الحارث (3): " أبو سفيان ~~خير أهلي " وقد علمنا أن حمزة والعباس وعليا وجعفرا خير من أبي سفيان. # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه: " خير أهل الله عمر بن الخطاب " وقد ~~أجمع المسلمون أن غيره خير منه، لان الناس إما عمري وإما علوي، فالعلوي ~~يقدم عليا، والعمرى يقدم أبا بكر. # والجملة أنه لم يقل أحد قط: إن عمر خير الناس. فهذا باب قد فرغت [منه]، ~~تعرف به أن النبي صلى الله عليه قد يتكلم بالكلام المعروف المعنى عند من ~~حضره، فإذا نقلوا الكلام وتركوا المعنى التبس على العابرين (4) وجه المعنى ~~فيه. # فمن ذلك ما يعرف، كالذي حكينا من حديث أبي ذر، وعكاشة ابن محصن، وجرير، ~~ومنه ما يجهل كحديث على، وأبى بكر. # وقد نقلوا عن النبي صلى الله عليه في رجال كلاما وتفضيلا ما نقل مثله في ~~أبى بكر وعلى، اللذين فيهما التنازع. PageV00P140 # من ذلك أنهم نقلوا عن النبي صلى الله عليه أنه قال: " كم من ذي طمرين (1) ~~لا يؤبه له لو أقسم على الله لابره، منهم البراء بن مالك ". ~~وهذا كلام عظيم إن كان حقا، وليس عندنا فيه إلا أن نرده إلى ms084 الله ورسوله. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في رجال كلاما لو كان قاله في أبى بكر ~~وعلى لكان أصحابهما سيجعلونه في أول ما يحتجون به في الإمامة والتفضيل مثل ~~قول النبي صلى الله عليه: " رضيت لامتى ما رضى لها ابن أم عبد، وكرهت لها ~~ما كره (2) ". # ومن ذلك قوله: " لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ". # وقوله في طلحة يوم أحد، حين واتاه السهم فوقى النبي صلى الله عليه فقال، ~~حين أصابه السهم: حس (3)! فقال النبي صلى الله عليه: ~~" لو قال باسم الله لرفعته الملائكة ". # ومن ذلك دخول عثمان عليه وهو مكشوف الفخذ، فغطاها، فقيل له: يا رسول ~~الله، لم تغطها من أبى بكر وعمر وغطيتها عند دخول عثمان. فقال: " كيف لا ~~أستحي ممن تستحى منه الملائكة ". # وقال: " اهتز العرش لموت سعد بن معاذ (4) ". PageV00P141 # فهذا أيضا باب يعرف به أن الرجل ليس يستحق التقديم بالرواية والحديث، إذ ~~كان هؤلاء دون أبى بكر وعلى في الفضل، وقد جاء فيهم مالم يجئ فيهما. # ولقد رووا في رجل لم يهاجر، ولم يصحب، ولم يشهد المشاهد، ولم ينفق، ولم ~~يتعرض، ولم يدع إلى الله ورسوله، إلا أنهم زعموا أنه كان يطلب الحنيفية قبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه، وهو زيد بن عمرو ابن نفيل، فزعموا أن النبي قال: ~~" يبعث يوم القيامة أمة وحده ". # وأي شئ أدل على كل فضيلة من قول النبي صلى الله عليه لعمار: " لا تؤذوا ~~عمارا فإنما عمار جلدة ما بين عيني ". # ما أعطت الرافضة الطاعة أبدا، ولا رضوا من الناس بالأنصاف! # وقد علمنا أن حمزة وجعفرا وعليا، كانوا أفضل من سعد بن معاذ. ~~ولم يهتز لموتهم عرش الرحمن، وقتلوا شهداء، ولم تحم لحومهم الدبر، ولا ~~غسلتها الملائكة (1). # فالله أعلم بمعانى هذه الأحاديث. ولعل النبي صلى الله عليه قال في كل رجل ~~قولا عدلا. وكان ذلك قولا معروفا مفهوما عند الحاضر، ولكنه أدى اللفظ وترك ~~المعنى (2). # فإذا كانت الأحاديث في أسلافنا وأئمتنا على ما حكيت لك لا تمنع ms085 من معرفة ~~وتدافع ما وصل إلينا منه، كان واجبا أن يكون المفزع في أمرهم إلى الخبر ~~الذي يجئ مجئ الحجة، وترك ما سوى ذلك مما لا يبرئ من PageV00P142 ~~سقم ولا يبرد من حيرة. وإنما الخبر الصحيح الذي لا يعتمد (1) بضعف ~~الاسناد، ولا يترك لضعف الأصل، ولا يوقف فيه لكثرة المعارض والمناوئ (2)، ~~كنحو ما روينا من مآثرهم في مقاماتهم ومشاهدهم، وكصنيع على ومؤازرته ببدر، ~~وككون أبى بكر في العريش. وهذا مالا يتدافع ولا يتناقض، لان قتل على ~~الاقران ببدر ليس بناقض لكون أبى بكر في العريش، ولان موقف على بأحد لا ~~يدفع كون أبى بكر في الغار، ولان صنيع على بخيبر لا يدفع إنفاق أبى بكر ~~الأموال، وعتقه الرقاب. # فهذا وما أشبهه مما لا تجد له رادا ودافعا، وليس هذا من شكل ما قالوا: أن ~~النبي صلى الله عليه قال: " اقتدوا بالذين من بعدي بأبي بكر وعمر " ونقلهم ~~أن النبي صلى الله عليه قال لعلي: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى ". وكما ~~نقلوا أن النبي صلى الله عليه آخى بين نفسه وبين على، وأن النبي قال: " لو ~~كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " في أشباه لهذا قد حكيت لك في صدر ~~الكتاب، لتعرف مجرى الكلام في السلف. # فإن قالوا: فلعل النبي قال: " اقتدوا بالذين من بعدي " وقد كان معلوما في ~~[ذلك] الوقت أن عليا كان مستثنى في هذا القول. # قيل لهم: ولعله قال: " من كنت مولاه فعلى مولاه " [و] قد كان معلوما في ~~ذلك الوقت أن أبا بكر كان مستثنى. PageV00P143 # فإن قالوا: الفرق في ذلك أنكم لا تنكرون روايتنا في علي، ونحن ننكر ~~روايتكم في أبى بكر. # قيل لهم: إن العجز كل العجز أن تعيد على خصمك بشئ لا يعجزه. فإن أبوا إلا ~~جحد الاخبار وتكذيب الآثار والايجاب على الناس ما لا يوجبون لهم مثله فإن ~~الذين نقلوا أن النبي صلى الله عليه قال: " من كنت مولاه فعلى مولاه " لم ~~ينقلوا معه في الحديث: ~~" اللهم وال من والاه، وعاد من ms086 عاداه ". # وإنما سمعنا هذه الزيادة من الشيع، ولم نجد له أصلا في الحديث المحمول. # روى الأعمش - وكان رافضيا - عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة (1) عن أبيه ~~قال: بعث النبي صلى الله عليه عليا في سرية واستعمله عليهم. ~~فلما جاء قال: كيف رأيتم صاحبكم؟ قال: فإما شكوته وإما شكاه غيري، وكنت ~~رجلا مكبابا (2)، فرفعت رأسي فإذا النبي صلى الله عليه قد احمر وجهه وهو ~~يقول: " من كنت وليه فعلى وليه (3) ". # فواحدة أن الذي روى هذا الأعمش، وهو ظنين في علي مضعف عند أهل الحجاز. ~~وسعد بن عبيدة ليس هناك. # وثانية (4) أنه لم يقل من كنت مولاه، وقال: " من كنت وليه " PageV00P144 ~~فإذا اختلفت الألفاظ دل ذلك على الوهن. ولم يقل: " اللهم عاد من عاداه ~~ووال من والاه ". ونحن نشهد أن من كان النبي صلى الله عليه وليه فسعد بن ~~معاذ وليه. وعلى أنهم قد رووا في شكاية أقوام (1) في تلك الغزاة لعلى كلاما ~~قبيحا. # ووجه آخر مما يدل في هذا الحديث على الاختلاف والوهن: أنهم نقلوا أن هذا ~~القول في علي كان أن عليا جارى زيد بن حارثة (2) في بعض الامر، ولاحاه فيه، ~~لأنه أغلظ له (3) فرد عليه زيد مثل مقالته، فقال له على: تقول هذا القول ~~لمولاك؟! فقال زيد: إنما ولائي لرسول الله صلى الله عليه، ولست لي بمولى. ~~فأتى على النبي صلى الله عليه، فشكا إليه زيدا، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ~~من كنت مولاه فعلى مولاه ". وصدق النبي صلى الله عليه أن عليا مولى زيد، ~~إذ كان النبي صلى الله عليه مولاه، وكذلك العباس والفضل، وعبد الله، وقثم، ~~وتمام، ومعبد. # وإذا كانوا هؤلاء موالى زيد لان النبي صلى الله عليه مولاه، فلعلم النبي ~~صلى الله عليه من ذلك ما ليس لهم جميعا (4) فإنما أراد النبي صلى الله عليه ~~أن يعلم زيدا غلطه في ذلك القول، حين ظن أن ابن عم النبي صلى الله عليه ليس ~~مولاه. # فإذا كان أمر على وزيد مشهورا عند أصحاب الآثار، فإنما عنى ms087 PageV00P145 ~~مولى النعمة، وليس في هذا إخبار عن فضل على في الدين. # ولو كان النبي صلى الله عليه قال كما زعمت الروافض: " اللهم عاد من عاداه ~~ووال من والاه " كان هذا القول يدل على أن زيدا قد أتى جرما عظيما، فلم (1) ~~يكن ليتخطى دعاء النبي صلى الله عليه على من عادى عليا إلى غيره إلا بعد ~~وقوعه به. لان زيدا هو المشتكى، ومن أجل صنيعه خرج النبي صلى الله عليه إلى ~~مثل هذا القول الشديد، وهذا الدعاء القاصم، ومن قوله ومذهبه غضب عليه، ~~وعليه نص وإياه عنى. # وإنما يقول هذا ويجوزه من لا علم له بقدر زيد عند النبي صلى الله عليه. ~~أو ما علمت أن زيدا أحد من روى الناس عنه ونقلوا أنه كان أقدم الناس ~~إسلاما. وقد دللنا على فضيلة إسلامه على إسلام على في صدر كتابنا. في كلام ~~العثمانية (2). # وقد بلغ من قدره عند النبي صلى الله عليه وتفضيله إياه أنه لم يكن في ~~سرية قط إلا كان أميرها، ولا أقام ببلاد إلا وهو أميرها. # ويدلك على ذلك أن النبي صلى الله عليه أمره على جعفر الطيار، وعقد له يوم ~~مؤنة، ثم عقد لابنه أسامة على كبار المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن ~~الخطاب، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد ابن أبي وقاص. حتى قال ~~رجال من المهاجرين - وكان أشدهم في ذلك عياش بن أبي ربيعة (3) -: يولى ~~علينا هذا الغلام! فغضب عمر ورد PageV00P146 ~~عليهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه فقال: ألا أعجبك يا رسول الله من رجال ~~يقولون كذا وكذا؟ فمشى النبي صلى الله عليه إلى المنبر في شكاته التي توفى ~~فيها فقال: # ما مقالة بلغتني عن بعضكم في أسامة وتأميره؟! ولئن طعنتم في إمارته لقد ~~طعنتم في إمارة أبيه. وأيم الله إن كان لخليقا للامارة، وإن ابنه لخليق ~~لها، وإن كان لمن أحب الناس إلى، وابنه لمن أحب الناس إلى. # فهو الحب وأبو الحب، وهكذا يقال بالمدينة: أسامة الحب. # ولذلك قال عمر لابنه عبد الله ms088 حين زاد في فريضة أسامة على فريضته، فقال ~~له عبد الله: لم فضلته على ونحن سيان؟ فقال عمر: إن أباه كان أحب إلى النبي ~~صلى الله عليه من أبيك، وكان هو أحب إلى النبي صلى الله عليه منك. # وقالت عائشة عند وفاة النبي صلى الله عليه: لو كان زيد حيا لاستخلفه ~~النبي صلى الله عليه عليكم. # هذا وأبوها الخليفة والمجعول إليه الإمامة. # ومما يدلك على فضيلة أبى بكر ومكانته وخاصته من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعظم شأنه عنده، أن النبي صلى الله عليه [لما] آخى بين المهاجرين والأنصار ~~آخى بينه وبين حمزة، وإليه أوصى حمزة يوم أحد. وقد تعلمون أن حمزة استشهد ~~وهو أجل الناس في صدور المؤمنين، وأعظم في أنفس المهاجرين. وإن امرأ يكون ~~كفئا لحمزة في الاخاء، وحمزة على ما وصفنا، لعظيم الشأن، رفيع المكان. PageV00P147 # ولو لم يعرف من قدره إلا أن ذكره الله باسمه في كتابه، كما ذكر لقمان، ~~ولم يفعل هذا لغيره من هذه الأمة، لقد كان ذلك دليلا على المنزلة والقربة، ~~فكيف يجوز أن يكون في الحديث: " اللهم عاد من عاداه ووال من والاه " وحال ~~زيد وصفته على ما ذكرنا وفسرنا؟! مع أن اللفظ في الحديث لو كان: اللهم عاد ~~من عاداه ووال من والاه، لم يكن فيه دلالة تضطر إلى إمامته، وحجة تقهر ~~العقول وتحملها على معرفة خاصته، ولكنه لفظ يدل على الفضل والقدر، وليس ~~بالتفضيل الذي لا بعده، والتقديم الذي لا فوقه. # وإنما الكلام الذي لا بعده قول النبي صلى الله عليه: " ما أحد أمن علينا ~~بصحبته من أبى بكر " وقوله: " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " ~~وقوله: " أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا ~~النبيين والمرسلين ". # فإذا كان هذا الحديث مختلفا في أصله وفى صحة مخرجه، ومختلفا في تأويله ~~وفرعه، والحجة في أصله متدافعة، والحجة في فرعه متكافئة، فكيف يكون جحد على ~~إمامته واستحقاقه وفضيلته على نظرائه. # ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله وصحة ms089 مخرجه، ثم كان لفظه محتملا ~~لضروب التأويل، ما كان للروافض فيه حجة تقطع الخصم، وتظهر المباينة. # ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله وصحة مخرجه وكان لا يحتمل من التأويل ~~إلا معنى واحدا ما اختلفت في تأويله العلماء، ولا اضطربت فيه الفقهاء، ~~ولكان ذلك ظاهرا لكل من صح لبه، وحسن بيانه، PageV00P148 ~~ولا سيما إذا كان الحديث ليس مفصحا عن نفسه، ومعربا عن تأويله، إلا عن ~~قصد الرسول وإرادته لان يكفيهم مؤونة الرواية والأسباب المشككة فينبغي على ~~هذا القياس أن يكون علماء العثمانية وفقهاء المرجئة تعرف من ذلك ما تعرف ~~الروافض، ولكنها تجحد ما تعرف، وتنكر ما تعلم. # ولو كان هذا الحديث مجتمعا على أصله ولكنه غامض التأويل، وعويص المعنى، ~~لا يكاد يدركه إلا الراسخ في العلم، البارع في حسن الاستخراج، كان العذر في ~~جهل إمامته وفضيلته على غيره واسعا مبسوطا لأكثر المسلمين، وجل الناقلين، ~~ولكبراء المتكلمين. # وإنما صارت الروافض إلى إكفار الأنصار والمهاجرين، بزعمهم (1) أن النبي ~~صلى الله عليه نص على إمامته، ودل على فضيلته، فإنه لابد للناس في كل عصر ~~من إمام من ولده، لان ذلك الموضع إذا كان مقنعا ومعلما كان أخف على الناس ~~في المحنة، وأبعد من الخطأ والزلل، ولان اختيار الله لهم لأنفسهم، لأنه لو ~~كان ذلك لا يكون إلا بالنظر دون النص لم يصلوا إلى إقامته، لكثرة عدد ~~الناس، ولكثرة عدد الفضل، ولما في ذلك من الاشكال عند الموازنة، والشغل عن ~~العدو. # فإذا كان السبب في الإمامة (2) هو الذي قالوا: فلابد من حديث لا يحتمل ~~التأويل، ولا يمنع من معرفة صحة أصله وصدق مخرجه. # فإن قالوا: فإنا سنأتيكم بمثل اللفظ الذي أتيتمونا به حتى لا يكون لفظ ~~أدل على الغاية منه. من ذلك قول النبي صلى الله عليه عند طائر (3) PageV00P149 ~~أتى به فأراد أكله فأحب أن يشركه في أكله أحب الناس إلى الله فقال: " ~~اللهم آتني بأحب عبادك إليك يأكل معي هذا الطائر " ثم قال لأنس: اخرج فانظر ~~من ترى بالباب؟ فخرج فوجد عليا فلم ms090 يأذن له، ولم يعلم النبي صلى الله عليه ~~مكانه طمعا أن يكون أنصاريا. ~~ففعل النبي صلى الله عليه ذلك ثلاثا، كل ذلك يحجبه أنس، ثم أدخله، فلما ~~طلع قال: " اللهم وال (1) ". # قيل لهم: أما واحدة فإن هذا الحديث ساقط عند أهل الحديث، ولو كان صحيحا ~~عندهم فلم يجئ إلا من قبل أنس فقط، وأنس وحده ليس بحجة، فلم (2) يكن في ذلك ~~مقال ولا متكلم. # وثانية: إن أولى الناس ألا يحتج بخبر أنس لأنتم معشر الشيع، لان أنسا ~~عندكم كافر كذاب. # ولقد بلغ من سوء قولكم فيه أنكم زعمتم أنه كذب على على، كذبه وبهته بأمر، ~~فدعا الله عليه ثم بصق في وجهه فبرص من قرنه إلى قدمه. وأنتم تكفرونه بعلمه ~~للحجاج، وتزعمون أنه ليس في الأرض أكفر بالله ولا أجحد لامامة على ولا أنقض ~~لامره، ولا أقتل لشيعته من الحجاج ولا من ولاه، وأن من ولى لهما في طريقهما ~~وحكمهما. # وأخرى أنه إن كان هذا الحديث كما تقولون وقد صدقتم على أنس، فقد زعم أنس ~~بزعمكم أنه كذب النبي صلى الله عليه في موقف واحد ثلاث مرات. وقد أمسك ~~النبي صلى الله عليه عن الطعام وهو يشتهيه، PageV00P150 ~~فأحب لشهوته له أن يشركه فيه أشبه الناس به فدعا ربه، وأنه إذ دعا ربه ~~ثلاث مرار كل ذلك يستجيب له، وكل ذلك يراه أنس ويكذب له ويصده عن حاجته، ~~ويمنعه سرعة الاستجابة، وتعجيل قضاء الحاجة، وتسويغه أكل المشتهى من طعامه. ~~كلما دعا دعوة قال اخرج يا أنس فانظر من بالباب، ثقة منه بربه، واتكالا على ~~الذي عنده له، ويرجع وقد كتمه وحجبه عنه، ومنعه سرور تعجيل الدعاء، وأكل ~~شهى الغذاء. # فإن كان أنس كما تقولون فقد ركب أمرا عظيما، وذهب مذهبا قبيحا. ~~وكيف يصدق على النبي صلى الله عليه من خلقه بهذا (1) وكذبه في وجهه ثم لا ~~تمنعه الأولى من الثانية، والثانية من الثالثة. هذا والوحي ينزل بأسرع من ~~الطرف بلعن قوم ومدح آخرين. # وإن امرأ احتملت نفسه وشاع في طبعه أن ms091 يواجه النبي صلى الله عليه بالكذب ~~ثلاث مرات في أحب الناس وأوجبهم حقا عليه، لحري ألا يصدق عليه في معظم أمر ~~الدين، مع أن الحديث نفسه هو أضعف حديث عند أصحاب الأثر من (2) أن يحوجنا ~~إلى الاطناب فيه، والاخبار عنه. # ومتى ادعينا ضعف حديث وفساده فاتهمتم رأينا، وخفتم ميلنا أو غلطنا ~~فاعترضوا حمال الحديث وأصحاب الأثر، فإن عندهم الشفاء فيما تنازعنا فيه، ~~والعلم بما التبس علينا منه. PageV00P151 # ولقد أنصف كل الانصاف من دعاكم إلى المقنع مع قرب داره وقلة جوره وأصحاب ~~الأثر من شأنهم رواية كل ما صح عندهم. عليهم كان أولهم، مع أن هذا الامر ~~ليس يعرف من قبل الحديث، وإنما يعرف من الوجه الذي به يقضى على جميع الدين. # وإنما احتججنا عليكم في أنس بالذي سمعتم، لأنا وجدناكم تكفرونه حتى إذا ~~جرى سبب يؤكد ما تقولون جعلتم كفره إيمانا، وكذبه تصديقا، وعداوته ولاية. ~~ثم لم ترضوا بأن ألحقتموه بالأولياء وأخرجتموه من حدود الأعداء، حتى أقمتم ~~خبره وحده مقام خبر من يكذب آيا (1) به، أو مقام خبر يمتنع الكذب في مجيئه ~~لاختلاف علل أهله. # فأما نحن فإنا نرى أنه رجل عظيم الحرمة واجب الحق (2). ~~إذ كان قد خدم النبي صلى الله عليه صغيرا واعتصم به كبيرا، وكان من رهط ~~صدق. # وأما ما حكيتم من ولايته للحجاج فقد ولى للحجاج وصلى خلفه من كان يرى ~~إكفاره فضلا عن من يرى تفسيقه، وفى البراءة منه وفى التقية سعة، وفى الخوف ~~عذر. # فأما الذي حكيتم من البياض الذي أصابه فإن المؤمن بعرض مصائب ما كان في ~~دار الدنيا. وما كان الذي أصابه في جنب الذي كان فيه أيوب النبي صلى الله ~~عليه؟! وقد كان شعيب مكفوفا! # ولو كان على كما يقولون فأراد أنه كان إذا بصق على إنسان فأراد PageV00P152 ~~أن يبرص برص، لما كان بينه وبين عيسى بن مريم صلى الله عليه فرق. # والعجب إن كان كما تزعمون، كيف لم يبصق على أبى موسى فيجذمه، أو على جيش ~~صفين فيهزمه؟! بل كان ms092 على أظهر سلما، وأرجح حلما وأشد ورعا، وأكثر فقها، ~~وأبين فضلا، من أن يدعى هذا وشبهه. # وليس يمدح عليا بما لا يليق به إلا هازل أو جاهل. # وأما قولكم إن النبي صلى الله عليه قال: " أنت منى كهارون من موسى إلا ~~أنه لا نبي بعدي " وإن (2) النبي صلى الله عليه أراد بهذا أن يعلم الناس أن ~~عليا وصيه وخليفته، فإنا سنقول في ذلك، وبالله وحده نستعين. # نقول: إن خلافة الرجل لا تكون إلا في إحدى منزلتين: إما في حياة المستخلف ~~وإما بعد موته. ولم يقل أحد إن النبي صلى الله عليه استخلف عليا في غزوة من ~~غزواته، في كثرة ما غزا، وكثرة ما ولى. # قالوا بأجمعهم: إن النبي صلى الله عليه خلفه في غزوة تبوك، واستخلف على ~~المدينة محمد بن مسلمة، وقال قوم: المستخلف ابن أم مكتوم، وهم إن اختلفوا ~~فلم يختلفوا أن عليا كان مقيما بالمدينة والأمير غيره، والامام سواه. PageV00P153 # ولولا أن خلفاء النبي صلى الله عليه في غزواته يصاب عليهم (1) بكل مكان، ~~وفى كل سيرة، لقد كتبته لك في كتابي الذي رددت فيه على من صغر قدر الإمامة ~~وزعم أنها غير واجبة، وأنها تصلح في العدد الكثير. وأما غير ذلك من كتبي ~~فلم أنتحل فيه قولي، وجعلت الكتاب هو الذي عبر عن نفسه، وقمت مقام جميع ~~الخصوم. وجعلت نفسي عدلا بينهم. ولو لم أكن على ثقة من ظهور الحق على ~~الباطل لم أستحل كتمانه مع زوال التقية، وصلاح الدهر، وإنصاف القيم. # ثم رجعنا إلى كلامنا الأول فقلنا: لابد لخلافة الرجل من إحدى منزلتين: ~~إما في الحياة أو بعد الموت: فأما في الحياة فلا يستطيع أحد أن يقول: إن ~~النبي صلى الله عليه استخلف عليا في حياته. وليس يضع ذلك من على، لان أبا ~~بكر وعمر الذين هما عندنا أولى بالامر منه. ~~لم يستخلفهما النبي صلى الله عليه قط في حياته. أو تكون الخلافة بعد ~~الموت فلا يجوز أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه عنى بقوله " أنت منى ms093 ~~بمنزلة هارون من موسى " الخلافة لعلى بعده والذي قد علم أن هارون قد مات ~~قبل موسى: لان هارون وموسى وأمهما ماتوا جميعا في شهر واحد، وكان موسى صلى ~~الله عليه آخرهم موتا. ولذلك قالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلت هارون (2) # فإن قالوا: ومن يقول: إن هارون مات قبل موسى؟ # قيل لهم: إن شئتم فاعترضوا أصحاب التفسير والسيرة، والتمسوا علم PageV00P154 ~~ذلك من قبل أصحاب ابن عباس، وإن شئتم فأهل الكتاب يهودهم ونصاراهم الذين ~~ليس لهم في ذلك دفع مضرة ولا اجتلاب منفعة، ولو آثروا أن يجحدوا ما عرفوا، ~~وأن يطبقوا على إنكار ما علموا، وكان ذلك ممكنا في القدرة، سائغا جائزا، ~~لجحدوا أن بني إسرائيل أخذت موسى بقتل هارون تعنتا وبغيا، أو غلطا أو جهلا. # وهذا مشهور عند أهل الكتاب وأهل التفسير. # وليس أحد أحق بأن يصيب في الأمثال إذا ضربها، ولا أولى بحسن التشبيه إذا ~~شبه، من خيرة الله وصفوته من رسله، فكيف يجوز أن يقول النبي صلى الله عليه ~~لعلى: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى " وهو يريد الخلافة، وهارون لم يكن ~~من موسى خليفة من بعد موته، ولم يكن على خليفة النبي صلى الله عليه في ~~حياته. ففي أي المنزلتين وعلى أية الحالين يكون على خليفة إذ لم يكن ~~استخلفه النبي (1) أيام حياته. بل كيف يجعله من نفسه بمنزلة هارون من موسى ~~وهو يريد الخلافة من بعده، وهارون لم يكن خليفة موسى بعده. # ولابد للحديث مع سوء تأويلكم واضطراب حجتكم من ضربين: # إما أن يكون باطلا لم يتكلم به النبي صلى الله عليه. وإما أن يكون حقا ~~ومعناه غير ما قلتم. وتفسيره غير ما ادعيتم. # ولو أن النبي صلى الله عليه أراد أن يجعل عليا خليفة من بعده إذ لم يكن ~~جعله خليفة أيام حياته، لقال (2): أنت منى بمنزلة يوشع بن نون PageV00P155 ~~إلا أنه لا نبي بعدي " لان يوشع كان خليفة موسى في بني إسرائيل بعده، ~~وكان نبيا قبل موت موسى وبعده. # فإن قالوا: إن النبي صلى الله ms094 عليه لم يقصد إلى الخلافة ولم يرد الإمامة، ~~ولكنه عنى الوزارة. # قلنا: إن وزارة هارون من موسى لابد فيها من أحد أمرين: # إما أن يكون موسى هو جعل له ذلك وهو وزيره على جهة ما يتخذ الامام وزيرا ~~والملك وزيرا على معنى الاختيار والاستكفاء والثقة. # أو يكون وزيره على جهة المؤازرة والمكاتفة والتعاون، على أن كل واحد ~~منهما وزبر صاحبه ومعاونه ومكاتفه، إذا غاب عن قومه كان الآخر خليفته، لا ~~على أن موسى الجاعل ذلك له. # ولا منزلة لهارون من موسى إلا هاتين المنزلتين في جهة الخلافة والوزارة، ~~لان نبوة هارون لا تكون من قبل موسى، والنبوة لا تكون إلا من قبل الله. # وليس يخلو قول موسى لهارون: " أخلفني في قومي " عن ضربين: ~~إما أن يكون هو جعله خليفته على جهة الاختيار والاستكفاء والثقة به، وإما ~~أن يكون خليفة على أن يكون كل واحد منهما إذا غاب عن قومه كان الآخر ~~خليفته. # فإن كانت وزارة هارون وخلافته لموسى إنما كانت منزلتين أنزله فيهما موسى، ~~وليست لهارون من موسى منزلة غيرهما، فقال النبي صلى الله عليه: " أنت منى ~~بمنزلة هارون من موسى " فكأنما قال: لك خلافتي PageV00P156 ~~ووزارتي (1)، فكيف يقول: إلا أنه لا نبي بعدي. والنبوة منزلة من الله ~~لهارون وليست منزلة لهارون من موسى. فإذا كان ذلك كذلك فكيف يستثنى الحكيم ~~المرشد الشئ من [غير] شكله؟! وهل يكون بعض من غير كله؟! # وكيف يقول: قد جعلتك خليفتي ووزيرا، إلا أنى لم أجعلك نبيا مثلي، ومنزلة ~~النبوة ليست إليه كما كانت منزلة الخلافة والوزارة إليه. ~~وإنما قوله: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى " يريد به: إن لك منى مثل ~~الذي كان لهارون من موسى، وهو الخلافة والوزارة. فكيف يقول: " إلا أنه لا ~~نبي بعدي " فيستثنى ما لا يملكه ولا يجوز أن يملكه، مما قد ملكه ويجوز أن ~~يملكه من هو دونه من خلفائه ومن خلفاء خلفائه. # أو يكون هارون كان وزير موسى على جهة المؤازرة والمعاونة، وعلى أن يكون ~~كل واحد منهما ms095 وزير صاحبه وخليفته عند الغيبة وحضور الآخر، ليس أنه قد كان ~~خليفة ووزيرا، وإن كان ذلك كذلك فليست لهارون من موسى منزلة من الوزارة ~~والخلافة إلا ولموسى من هارون مثلها. وإذا كان ذلك كذلك فقد صارت خلافتهما ~~ووزارتهما كنبوتهما أو رسالتهما. وإذا كان ذلك كذلك فكيف يجوز أن يقول ~~النبي صلى الله عليه لعلى: أنت منى بمنزلة هارون من موسى، وليست لهارون من ~~موسى منزلة إلا ولموسى مثلها من هارون؟!. وكيف يجوز أن يقول النبي صلى الله ~~عليه ذلك لعلى ومنزلة هارون من موسى منزلة النبي من PageV00P157 ~~النبي، والشكل من الشكل، والمثل من المثل، وهى منزلة من الله كما أن نبوة ~~موسى منزلة من الله؟! # وكيف يقول: إلا أنه لا نبي بعدي، وسبيل النبوة سبيل منزلة هارون من موسى ~~على ما حكيناه من التعاون والتآزر؟! # وإذا كان هذا الحديث لو صح في أصله وأول مخرجه، وسلم من الزيادة والنقصان ~~وجاء مجئ الحجة. لم يقدر القوم على أن يجعلوه دليلا موجبا وشاهدا صادقا على ~~(1) خلافته وإمامته دون غيره، فما ظنك به إن كان قد دخله من الخلل والضعف ~~والاحتمال في الفساد ما يوجب تكذيبه ورده. # وأقل ما للعثمانية في هذا الحديث أن يساووكم في تأويلكم، وفى ذلك الخلاف ~~بطلان حجتكم. # وقد زعم ناس من العثمانية أن هذا الحديث باطل من أجل أنه لا يحتمل من ~~التأويل إلا ما حكيت لك، وأن النبي صلى الله عليه لا يعلن ولا يظهر غير ما ~~يضمر، ولا يتكلم بالفاسد، ولا يستكره المعاني، ولا يتكلم بالمتعقد (1)، ولا ~~يضرب مثلا ولا يشبه شيئا بشئ إلا وذلك الشئ وفق ما قال: لا يزيد عليه ولا ~~ينقص عنه. # ووجه آخر: أن هذا الحديث لم يرو إلا عن عامر بن سعد (2). ~~فواحدة إن عامر بن سعد هذا لو كان بالفقه والحديث والفضل معروفا PageV00P158 ~~وكان كأمثاله من بنى الصحابة كعبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ~~وأبى سلمة بن عبد الرحمن (1) وغيرهم. ما كان ليكون وحده حجة في تأخير أبى ms096 ~~بكر عن مقامه. فكيف وهو في غير سبيلهم وطريقهم. # ولو سمعنا هذا الخبر من سعد وحده ما كان إلا حجة على نفسه كالحجة على على ~~في روايته أن النبي صلى الله عليه قال في أبى بكر وعمر: " هذان سيدا كهول ~~أهل الجنة ". # وكيف يروى هذا سعد مع قوله في الإمامة: " ما أنا بقميصي هذا أحق منى بها ~~" وهو يدعو عليا إلى الشورى والمخايرة والمكاثرة بالمحاسن، ويقول: " ~~أعيدوها شورى كما كانت ". ويعيب عليا بالاستبداد، ويقول: " كنت سابع سبعة ~~مع النبي صلى الله عليه، ما لنا طعام إلا ورق الشجر، ثم جاءني أعرابي ~~يعلمني دين الله، ما أنا بقميصي هذا بأحق منى بها ". # وإنما فخر بأنه كان سابع سبعة على على لان عليا لم يكن فبهم عنده، وكان ~~إما حدثا صغيرا وإما على أمر غير ذلك. # وسعد من العشرة، ومن الستة، ومن السبعة (2)، والمستجاب PageV00P159 ~~الدعوة، وقال له النبي صلى الله عليه: " ارم فداك أبي وأمي ". ~~ومن كان لهذه الأمور مستحقا لم يجمع بين طلب مخايرة رجل ومكاثرته ~~بالمحاسن وهو مقر أن النبي صلى الله عليه جعل خصمه منه بمنزلة هارون من ~~موسى، إلا أن يكون تأويل الحديث عند سعد وعند من شهد سعدا على غير معناكم. # وحديث عامر على غير ما يروون، وإنما قال: " أنت منى بمنزلة هارون بن ~~موسى، إلا أنه ليس معي نبي " هكذا رووه عن عامر. ~~ابن سعد على غير معناكم. # وفى قول النبي صلى الله عليه: " هذا خالى أباهى به فليأت كل امرئ بخاله ~~(1) " تفضيل له على كل خال في الأرض، وقد كان على خال جعدة بن هبيرة. ولم ~~يستثن أحدا. # فإن قالوا: الدليل على ما قلنا أن النبي صلى الله عليه لما آخى بين ~~المهاجرين والأنصار آخى بينه وبينه، فلولا أنه كان أشبه الناس به هديا، ~~وعلما وفضلا، لم يجعله عدل نفسه دون غيره. # قيل لهم: أنتم ليس لكم علم بالأثر ولا بالخبر. وكيف يعرف الآثار والاخبار ~~من يكفر الأسلاف، ويبرأ من التابعين، ويجحد كل مالم PageV00P160 ~~يوافق ms097 هواه، ويدعى ما وافق هواه وإن كان باطلا، بل لا يرضى حتى يتقول ~~الزور ويولد الباطل. # وليس شئ أيسر من أن يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه لما آخى بين ~~أصحابه آخى بين نفسه وبين أبى بكر. ولكن الحق أحق ما خضع له واحتمل ما فيه. ~~وهذه الفقهاء وأصحاب الآثار عرضة لكم، فإن لم يقولوا إن النبي صلى الله ~~عليه لما آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بين على وسهل بن حنيف فنحن أولى ~~بجحد المعروف منكم. ~~وقد قال الله: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1) ". # وأنتم لستم (2) أصحاب آثار، فاسألوا أصحاب الآثار إن كنتم لا تعلمون، فإن ~~ذلك أمر مشهور لا خفاء به، ولا دافع له، أعنى المؤاخاة بين على وسهل بن ~~حنيف. # ولثقة على به استعمله على المدينة حين خرج عنها. ومن أجل سهل بن حنيف ~~امتنع الزبير وطلحة أن يركبوا عثمان بن حنيف والى على على البصرة بأكثر مما ~~كانوا ركبوه به. ولذلك السبب صلى أبو أمامة بن سهل بن حنيف بالناس في مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وعثمان محاصر، لرأى على كان في ذلك، ولغلبته على ~~الدار، وأنه كان يطاع بأكثر من طاعة الزبير وطلحة وسعد. # وإنما آخى النبي صلى الله عليه بينه وبين سهل بن حنيف الأنصاري كما كان ~~آخى بين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت (3). ولذلك قال PageV00P161 ~~حسان يحامى دونه وينصره بالكلام والشعر، ويظهر الميل على على حين قال: # يا ليت شعري وليت الطير تخبرني %~% ما كان شأن على وابن عفانا (1) # لنسمعن وشيكا في دياركم %~% الله أكبر يا ثارات عثمانا # ولذلك قال في كلام له وهو ~~يعتمد رأى على واختياره: ثكلت أم نزال حرب لقى ابن أبي طالب كفاحا، وسعدت ~~أم نزال رأى لقى ابن أبي طالب سهوا. في كلام كثير. وشعر كثير. # وكما آخى النبي صلى الله عليه بين أبى الدرداء وسلمان. وبين عبد الرحمن ~~ابن عوف وسعد بن الربيع. وبين حذيفة وعمار (2)، وبين حمزة وزيد (3)، وبين ~~أبى بكر وعمر فإن ms098 قالوا: فلعل النبي صلى الله عليه آخى بين على وبين نفسه، ~~وبين على وبين سهل بن حنيف، وهذا مالا يتدافع، كما كان يؤاخى بين الرجل ~~المهاجري وبين الأنصاري، وقبل ذلك ما آخى بين المهاجرين بعضهم في بعض، فكان ~~الرجل منهم تصير (4) المؤاخاة بينه وبين اثنين: ~~مهاجري وأنصاري. # قلنا لهم: أما واحدة فإنا (5) لم نجد لقولكم إن النبي صلى الله عليه آخى ~~عليا إسنادا يثق به أصحاب الحديث فضلا عن أن يكون جاء مجئ PageV00P162 ~~الحديث. ولو كان النبي عليه السلام حيث آخى بين المهاجرين ولم يرض لعلى ~~إلا بنفسه لفضل على على عيره وأنه أشبه الأمة به وأقربهم حالا من حاله، ثم ~~آثر أن يؤاخى بينه وبين رجل من الأنصار كفعله بغيره من المهاجرين - كان ~~ينبغي له أن يؤاخى بينه وبين أفضل الأنصار. ~~إذ كان الذي يمنعه من أن يؤاخى بينه وبين بعض المهاجرين طلب أفضلهم، وكان ~~ينبغي على هذا المذهب أن يؤاخى بينه وبين سعد بن معاذ. # فإن قالوا: سهل بن حنيف أفضل من سعد ومن حمى الدبر ومن غسيل الملائكة. ~~ومن مكلم الذئب (1) ومن غيره، لم يكن هذا منكرا من مكابرتهم وجهلهم. # فإن قالوا: إنه جائز أن يؤاخى بين غير الاشكال في الفضل، وجائز ألا يؤاخى ~~بين المتساوين والمتقاربين. # قيل لهم: فلعل أيضا النبي صلى الله عليه لم يؤاخ بين نفسه وبين على - إن ~~كان آخاه كما زعمتم، من قبل تقارب الحال والمشاكلة في الافعال. ولعل النبي ~~صلى الله عليه لم يؤاخ عليا رأسا إذا أجاز ألا يؤاخى بين الاشكال، ولا ~~يقارب بين الأمثال. وأدنى ما فيه أن يكون ذلك قد كان جائزا. # فإن تركوا هذا أجمع وقالوا: كيف يجوز أن يكون أبو بكر هو الامام وقد كان ~~النبي صلى الله عليه جعله في جيش أسامة. وما زال يقول في شكاته: ~~" أنفذوا جيش أسامة " يعيد ذلك ويكرره، إلى أن قبضه الله إلى جنته. PageV00P163 # قيل لهم: إن في أمر النبي صلى الله عليه له أن يقوم مقامه في الصلاة ~~بالمسلمين، ms099 وعائشة وحفصة قد اعتونتا (1) ليصرفا ذلك إلى عمر، ويقولان: ~~إن أبا بكر رجل رقيق لا يستطيع أن يقوم مقامك. # وهو قد ودع المسلمين في حطبته التي خطبها في شكاته حين قال: ~~" إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا والآخرة فاحتار الآخرة ". ~~فبكى أبو بكر، فعجب الناس منه وقالوا (2): قال رسول الله صلى الله عليه: ~~إن عبدا من عباد الله!! قالوا: وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله ~~عليه. هكذا الخبر. ثم جاء جبريل في شكاته فقال: يا محمد، هذا ملك الموت ~~يستأذن عليك ولم يستأذن على آدمي قبلك. قال: ائذن له. فأذن له جبريل حتى ~~وقف بين يدي النبي صلى الله عليه ثم قال: يا محمد، إن الله أرسلني إليك ~~وأمرني أن أطيعك فيما أمرتني به، فإن أمرتني قبض نفسك قبضتها، وإن كرهت ذلك ~~تركتها. قالوا: فسمع النبي صلى الله عليه يقول: " الرفيق الاعلى " فعلم أنه ~~قد خير صلى الله عليه. # ثم كان عند كل صلاة لا يجد عندها إفاقة يقول: " مروا أبا بكر يصلى بالناس ~~" ويقول: " أبى الله إلا أبا بكر " وفى قوله أبى الله أن يصلى إلا أبو بكر، ~~دليل أن ذلك من قبل الوحي. مع قوله لعائشة وحفصة حين أرادتا صرف ذلك إلى ~~عمر: " أنتن صواحبات يوسف. ~~أبى الله ورسوله أن يصلى إلا أبو بكر " بالغلظ. فلو كان الخطب في ذلك ~~صغيرا ما أغلظ النبي صلى الله عليه لهما، ولا اشتد عليهما. PageV00P164 # فإن قالوا: وما دعا عائشة إلى صرف هذا الامر العظيم والمقام الشريف إلى ~~عمر؟ # قيل: فإنه ليس عندنا في ذلك إلا ما اعتذرت هي به لنفسها، فإنها قالت: إني ~~والله ما أردت صرف ذلك على أنى لم أعرف شرفه وخطره، ولكني خفت أن يتشاءم ~~المسلمون به، وألا يحبوا رجلا قام مقامه أبدا. # فأما حديث الربيع بين صبيح (1) عن الحسن فإنه زعم أنها قالت: ~~خفت ألا يطبق حمل الخلافة، وظننت أن الناس سيريدون منه مثل ما تعودوا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ms100 وعلمت أن أحدا لا يكون كالنبي. ~~فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم جعله في جيش أسامة فقد استثناه حين ~~اشتكى، من جميع الجيش، إذا استخلفه في مقامه، وأمره بالصلاة لامته، لان من ~~صلى في مقام النبي صلى الله عليه وسلم وفى مسجده ومصلاه، في أعياده وسائر ~~أيامه، فقد صلى بجميع الأمة، وتأمر على جميع البرية. # وإنما أدخلنا فيها صلاة الجمعة والعيدين لان النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين قال: " أبى الله ورسوله إلا أن يصلى أبو بكر " لم يستثن صلاة دون صلاة. ~~فإذا كان الكلام عاما والنبي صلى الله عليه وسلم على يقين من فراق الدنيا، ~~والوحي ينزل عليه، فقد دخل في ذلك صلاة العيد والجمعة: لان النبي يتكلم ~~كلاما عاما (1). PageV00P165 # وقد علم الله ورسوله أن الكلام العام يتخذه الناس حجة فيما يدل عليه ~~العام. # وقد علم الله أن أبا بكر سيصلى بالناس في أعيادهم وسائر صلاتهم وأنه ~~سيحتج في استحقاق أبى بكر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أبى الله ~~ورسوله أن يصلى إلا أبو بكر " فكان ذلك دليلا على أن الله قد أراد ذلك ~~وأوجبه، وعناه وأحبه. # فهذا دليل على أن أبا بكر لم يخالف أمر الله بتخلفه عن جيش أسامة إن كان ~~أبو بكر ممن كان في ذلك الجيش قبل شكاة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره له ~~بالصلاة. # ووجه آخر يدل على ما قلنا. وهو أنا لم نجد أحدا من المسلمين ولا من ~~الأنصار والمهاجرين ذكروا عنه في ذلك الدهر حرفا واحدا من ذكر تخلف أبى ~~بكر، لا عاتبا زاريا، ولا مستفهما مسترشدا، ولا متعجبا ناقما. ولا مصوبا ~~عاذرا، ولم يذكر أحد حديثا - ضعف إسناده أم قوى - أن أحدا احتج لأبي بكر ~~ولا عليه (1). # ولا يكون رحل في مثل نباهة أبى بكر وقدره، وفى مثل نباهة ما صار إليه، ~~لأنه لا موضع أولى بشدة (2) الحسد وكثرة الطعن منه، وقد كان منه التخلف ~~الذي لا يخفى موضعه، مع توكيد النبي صلى الله عليه وسلم وشدته على ms101 ذلك، ثم ~~لا يلجأ في تخلفه إلى حجة ولا أمر PageV00P166 ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ثم يطبق (1) جميع الخلق في ذلك على السكوت ~~والرضا والاستحسان أكثر مما صاروا إليه. # هذا وبنو عبد مناف شهود، وخالد بن سعيد (2) قد ترك بيعته ستة أشهر، وقال: ~~أرضيتم معشر بنى عبد مناف أن يلي عليكم رجل من تيم؟! وقال أبو سفيان بن حرب ~~مثل ذلك. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. وقد سمع أبو قحافة رجة وهو ~~بمكة، وهو مكفوف، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~فما صنع الناس؟ قالوا: أقاموا ابنك. قال: فرضيت بنو عبد مناف بذلك؟ قالوا: ~~نعم: قال: وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. ~~قال: فلا مانع لما أعطى الله. ولا معطى لما منع (3). # وفى إطباق الجميع على السكوت على التخلف بعينه، مع قول خالد وأبى سفيان، ~~دليل على أنهم لو وجدوا غميزة أو خلافا أو معصية لم يدعوا الاحتجاج به، ~~والخوض فيه. ولو كانت التقية قطعتهم عن ذلك لقطعتهم عن ذكر الطعن في ~~إمامته، كما قطعتهم عن ذكر الطعن في تخلفه # وفى رضا أسامة وتسليمه وسكوته ~~وقناعته حتى لا يحكى عنه في ذلك كلمة واحدة، دليل على ما قلنا. # فإن قالوا: إن أسامة قد عرف صنيعه في تخلفه ولكنه كان في تقية منه، لان ~~أبا بكر لو لم يكن هو المطاع في العوام، والمقنع PageV00P167 ~~في الدهماء، ما تقدم بنى عبد مناف، وكان أسامة لا يستطيع أن يبدي في دهر ~~عمر من ذلك شيئا، لشدة عمر في تعظيم أبى بكر، لان الطعن في أبى بكر راجع ~~على عمر، وأن رعية عمر هم رعية أبى بكر وكذلك كان أسامة في دهر عثمان، لأنه ~~نسق واحد وسبيل واحدة. # قيل لهم: فما منعه أن يتكلم في دهر على ومع علي يومئذ مائة ألف سيف ~~يطيعه. وهل عندكم في أسامة أكثر من أن تدعوا على ضميره غير ما يدل عليه ~~ظاهر عمله؟! وإن أولى الناس ألا يحتج بأسامة لأنتم، لان أسامة ms102 هو الشاهد ~~لطلحة على على، حين قال على: ~~بايعتني ونكثت بيعتي. قال طلحة: " بايعتك واللج على قفى (1) ". ~~واستشهد أسامة. فقال أسامة: أما السيف على قفاه فلم أره ولكن بايع وهو ~~كاره. في أمور كثيرة تدل على أن أسامة كان عمريا، ليس هذا موضع ذكرها. فهذا ~~هذا. # وفى إطباقهم جميعا يدعونه خليفة رسول الله من تلقاء أنفسهم، لا مكرهين ~~ولا مقهورين، لم يرفع عليهم سوط ولا شهر (2) سيف، ولا سمعوا وعيدا، ولا ~~رأوا لذلك أثرا، ولا رأوا منه إمرة لبعض العشائر، فيخافون أن يتقوى بهم ~~عليهم، مع كثرة العدد واختلاف الأنساب وتفرق الأهواء، و [في] الذي قبله، ~~دليل على ما قلنا، وحجة على الذي ادعينا. PageV00P168 # ومما يقرب من قولنا قول النبي صلى الله عليه: " أنفذوا جيش أسامة " فقد ~~يعلم المستدل أن النبي صلى الله عليه إنما قصد بذلك الامر في خاصته ~~والمطاعين، لان قوله: " أنفذوا " دليل أنه قد كان هناك من ينفذ أمره، وإليه ~~قصد بالامر مقنعين (1) غير ساخطين. # ولو كان الامر إنما كان لأسامة وأصحابه كان اللفظ على غير هذا. # فإذا كان ذلك كذلك فمن أولى بأن يكون من المخاطبين المطاعين من أبى بكر ~~وخليله (2) وصفيه، على ما كتبت لك في كتابي هذا، مع أنا لم نبلغه ولم ~~نستقصه، إما بالخوف منا والكراهة لإطالة الكتاب، وإما بالتقصير منا في ~~معرفة جميع محاسنه. # ووجه آخر: أنك لو جهدت أن تجد لحديث من زعم أن أبا بكر كان في جيش أسامة ~~أصلا لم تجد، وإنما أتى عامة ذلك (3) من قبل كون عمر في ذلك الجيش، لان عمر ~~وأبا عبيدة (4) كانا من أول من انتدب في ذلك الجيش. # ولما كان الناس كثيرا ما يرون عمر يجرى مع أبي بكر غلطوا في ذلك في مواضع ~~كثيرة، حتى جر ذلك على أبى بكر فرار عمر يوم أحد، فقال من لا علم له: وفر ~~يوم أحد أبو بكر وعمر. وموقف أبى بكر والنفر من المهاجرين في يوم أحد أشهر ~~من أن يطمس عليه جاحد. # ومن ذلك ms103 أن عمر كان في جيش ذات السلاسل، فألحقوا به أبا بكر. PageV00P169 # فإن أبوا إلا أن يكون قد كان في ذلك الجيش فالجواب على ما قلنا. # فإن قالوا: قد سمعنا مقالتكم. ولكن ما الدليل على أن النبي صلى الله عليه ~~أمر أبا بكر بالصلاة بالناس؟ # قلنا لهم: إنه ليس لأنه كان مأمورا بالصلاة فقط، ولكنه صلى بالناس سبع ~~عشرة صلاة إلى أن توفى النبي صلى الله عليه. وذلك أن النبي عليه السلام بدئ ~~(1) يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، ويوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ~~ربيع الأول. وهذا هو السبب عندهم. # وزعم أصحاب السير والاخبار أن النبي صلى الله عليه كان يأمر بلالا ~~بالاذن، فإذا وجد إفاقة خرج يصلى بالناس، وإن اشتد ما به قال: ~~" مروا أبا بكر يصلى بالناس " فكان النبي وأبو بكر يصليان على هذه الصفة. # فإن أنكروا أن يكون النبي صلى الله عليه أمر أبا بكر أن يصلى و [ادعوا ~~(2)] أن هذه الأخبار كلها باطل، وأن العلة في هذه الأيام كلها لم تمنع ~~النبي صلى الله عليه من الصلاة حتى مات. # قيل لهم: أرأيتم هذا الذي قلتموه وادعيتموه، أشئ استخرجتموه أو سمعتموه؟ # فإن زعموا أنهم سمعوا قلنا لهم: فأتوا بفقيه واحد أو محدث يقول كما ~~تقولون، ويحدث كما تزعمون، وجميع ما يدعى باطل. PageV00P170 # وإن كان إذا اعترضوا المحدثين والناقلين لم يجدوا أحدا إلا وهو يخبر بما ~~قلنا فالحق أحق أن يتبع. ولا يجوز أن يقولوا: إنا استخرجنا معرفة هذا ~~المعنى، لان الاستخراج لا يكون إلا من عيان أو خبر. # أوليس قد كان النبي موضوعا على سريره حين زاغت الشمس يوم الاثنين إلى حين ~~زاغت من يوم الثلاثاء، يصلى الناس عليه وهو على شفير قبره (1) وأبو بكر ~~يصلى بالناس؟! # فإن أتوا بحديث واحد أنه صلى بالناس في غير ذلك الوقت غير أبى بكر فالقول ~~كما قالوا. وإن أتوا بحديث واحد أنه صلى بالناس غير أبى بكر أول صلاة صلاها ~~المسلمون [حين] اختلفوا في تأمير الامراء واستخلاف الخلفاء عليهم، كما ms104 قالت ~~الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فالقول كما قالوا. # وهل يستطيعون أن يزعموا أنهم قالوا: منا مصل ومنكم مصل. # والعجب (2) كيف لم يقولوا: إن عليا لم يزل هو المصلى بالناس، والمأمور ~~بالصلاة، فغصب حقه وظلم مقامه؟! # وكيف يجوز أن يجئ رجل من أرضه وسمائه من غير نسب ولا سبب، حتى ينفذ من ~~أشرف المقامات، بحضرة القرابة والعشيرة، من عم وابن عم، وقريب ونسيب، وجلة ~~المهاجرين والأنصار، والعظماء وعلية قريش، ودهماء العرب، ثم لا يتكلم في ~~ذلك رجل واحد؟! فإنما PageV00P171 ~~يقول هذا من لا يعرف قدر ذلك المقام في الصدور، وكيف طبائع قريش وأنفة ~~العرب. # فإن قالوا: كيف يكون أبو بكر إماما ولم يجتمع المسلمون على إمامته والرضا ~~به؟! وقد قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقال سلمان: ~~" كرداذ ونكرداذ (1) ". وقال خالد بن سعيد: أرضيتم معشر بنى عبد مناف ~~هذا. وقال أبو سفيان بن حرب مثل مقالته، وخرج الزبير بسيفه شادا (2)، فلما ~~رآه عمر قال: دونكم الكلب. وجلس على [في] منزله واعتل بأنه آلى ألا يبرح ~~حتى يجمع القرآن. # قيل لهم: ليس الامر على ما تقولون ولو كان الامر على ما تقولون ما كان ~~خلاف هؤلاء ناقضا لامره. لان الرجل إذا كان أفضل الناس وأكمله وأنفعه ~~للمسلمين وأرده عليهم (3)، فعليهم إقامته والتسليم له، والرضا به، لان كل ~~ما عددت لك من فضله هم كانوا أعلم به، إذ كانوا يسافرون معا ويقيمون معا، ~~وكانوا أعنى بمعرفة الخير، وأسرع إلى العلم به منا ومن أهل دهرنا. # ولو كان أبو بكر تنتقض إمامته، وكان عليه اعتزال ذلك المقام، بخلاف (4) ~~رجل أو رجلين أو ثلاثة، كان أولى الناس بأن يكون له في الإمامة PageV00P172 ~~سبب ولاحق ومتعلق علي بن أبي طالب، لان (1) سعد بن أبي وقاص كان أحد ~~الشورى وأحد الأكفاء، وقد أباه وقال قولا أبين من قول خالد وأبى سفيان ~~وسلمان، قال: " ما أنا بقميصي هذا أحق منى بها، أعيدوها شورى، أما بالسيف ~~فلا أريدها " وقال لرسل على حين أرادوه على بيعته: ~~ثكلت أم لم ms105 تلدني، لئن كنت سادس ستة مالنا طعام إلا ورق البشام، وقد ~~جاءني أعراب الأوس تعلمني دين الله؟! في كلام كثير (2). # وخالفه طلحة والزبير وهما شريكاه، وأحدهما فارس النبي صلى الله عليه، ~~والآخر وقايته، فقال على: بايعتمانى؟ قال: الزبير، ما بايعتك قط، إن كنت ~~على يقين أنك أولى بها فاجعلها شورى، بيعه وحق دعواك من باطله (3). # وقال طلحة: " بايعت واللج على قفى (4) " حين رقى (5) إليه العساكر وطعنت ~~عليه عائشة واستحلت محاربته. ثم اجتمع على حربه أهل الشام قاطبة فيهم عبد ~~الله بن عمر، وكعب بن مرة البهزي (6) وكان من فضلاء أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهو الذي قال حيث قال النبي صلى الله عليه: " ستكون فتنة هذا ~~فيها يومئذ على الحق " وأومأ إلى رجل مقنع، فكشف عن رأسه فإذا هو عثمان، ~~فلما قتل عثمان وهو يكف عن القتال استنصر، فكان يحدث هذا الحديث. PageV00P173 # ومنهم واثلة بن الأسقع الليثي، وله صحبة ونسك (1)، والنعمان بن بشير، ومسلمة بن مخلد، وحبيب بن مسلمة، وذو الكلاع، ومعاوية ابن حديج (2). # ومن التابعين # أبو مسلم الخولاني، وشرحبيل بن السمط. وعمرو بن وافد الغامدي (3) ~~الذي قال [فيه] مكحول: كأنه قد مات ودخل النار وحوسب (4) ثم رد ~~إلى الدنيا، فمعه خوف المجرب. # ثم خالف عليه خاصة إخوانه ونساك أصحابه، وأهل البصائر من جنده وحمدت (5) ~~حتى أكفروه وخلعوا (6) إمامته وولايته. # وفيهم مع نسكهم وجدهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم ~~فروة بن نوفل الأشجعي، وحرقوص بن زهير، وفيهم من التابعين مثل رئيسهم عبد ~~الله بن وهب الراسبي، وزيد بن حصن الطائي (9). # ولقد دعا محمد بن مسلمة إلى عونه، واعترض آخذا بسيفه، ثم كسره وقال: أضرب ~~المسلمين بسيف ضربت به الكافرين؟! PageV00P174 # فدعا زيد بن ثابت إلى عونه فأبى وقال: أنت والله تعلم أن لو شحا أسد فاه ~~(1) لألقمته كفى دونك، فأما أن أضرب بسيفي لأؤكد لك ملكا فلا. # ودعا عبد الله بن عمر فقال حين أراده على بيعته: إني لن أنزع يدي من ~~جماعة وأضعها في ms106 فرقة. وكذلك قال حين قيل له بعد ذلك: # لو بايعت أخاك عبد الله بن الزبير. قال: إن أخي وضع يده في فرقة، وإني لن ~~أنزع يدي من جماعة وأضعها في فرقة. # وطعن عليه سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعلى طلحة وقال: " فتنة عمياء يخبط ~~أهلها ". قال طلحة: ابن عمك كان أعلم بي وبك حين جعلني في الشورى وأخرجك ~~منها. قال: إن ابن عمى خانك وأمنني. # ودعا (2) إلى بيعته وعونه أسامة بن زيد فقال: إني إذن لمفتون! ~~وأسامة هو الذي كان طلحة استشهده على قوله: " قد بايعت واللج على قفى " ~~فسئل أسامة عن ذلك. فكلمه طلحة بكلام غليظ. # وقول صهيب أيضا، وسلمة بن سلامة بن وقش. كل هؤلاء السبعة [ما منهم (3)] ~~إلا من شهد بدرا. # وزعم ابن سيرين والشعبي أنهما قالا: وقعت الفتنة بالمدينة وأصحاب النبي ~~صلى الله عليه أكثر من عشرة آلاف، فقال: فما يعدون من خف فيها عشرين رجلا. ~~فسميا حرب على وطلحة والزبير وصفين فتنة. PageV00P175 # وكما قال الشعبي: من حدثك أنه شهد الجمل ممن شهد بدرا أكثر من أربعة نفر ~~فكذبه. كان على وعمار في ناحية، وطلحة والزبير في ناحية. # وقد تعلمون أنه لم يكن في الأرض عثماني إلا تعلمون أنه منكر لامامته. وهم ~~أكثر عددا وأكثرهم فقيها ومحدثا. ولقد كان الرجل من أصحاب الآثار يظن به ~~التشيع فيترك ويضعف ويتهم عند أهل العلم. ~~حتى أنه كان يطويه ويستره أكثر مما يستر السوء يكون بجلده. # فلو كان الفاضل الكامل تنتقض إمامته وتفسد عدالته من قبل خلاف أربعة أو ~~خمسة، لما كان في الأرض أشد انتقاصا من إمامة على. # وأما قولكم: إن الأنصار قالت لقريش والمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير! ~~فهذا إلى أن يكون حجة عليكم أقرب، لان النبي صلى الله عليه وعلى آله لو كان ~~أقام عليا وجعله خليفة ووصيا ونص على ذلك بغدير خم، أو في بعض المغازي، ما ~~كان بلغ من حربهم (1) وعنودهم أن يقولوا هذا الكلام والامام قائم الحجة، ~~معروف المكان. # وكيف حاز ms107 أن يلغوا ذكره حتى لا يذكرونه في شئ من مخاطباتهم ومنازعاتهم، ~~إلا والقوم لم يكن عندهم فيه عهد ولا سبب. فهذه حجة قاطعة. # وأخرى: الذي رأينا من قلة مبالاتهم من أقامه المهاجرون كائنا من كان، لان ~~قولهم: منا أمير ومنكم أمير، قول قوم كأنهم قالوا: PageV00P176 ~~لابد لنا معشر الأنصار من أمير على حال، وأنتم بعد أعلم بشأنكم فأمروا ~~عليكم من بدا لكم. وليس في هذا طعن على خاصة أبى بكر، كما أنه ليس فيه ~~تأكيد لامامته دون غيره. # وهذا قول كان من نفر من الأنصار في سقيفة بنى ساعدة، قبل أن يقوم فيهم ~~أبو بكر خطيبا وواعظا، ومبينا ومحتجا. فلا يستطيع أحد أن يقول: إن أحدا ~~منهم رد على أبى بكر خاصة كلمة واحدة. فليس في قولهم: منا أمير ومنكم أمير، ~~خلاف على أبى بكر، وإن كان خلافا فإنما هو على الجميع. # وإن كان هذا الكلام منهم حجة ما كان إلا على من زعم أن الإمامة غير ~~واجبة، أما على من زعم أنها لأبي بكر دون على فإنها غير لازمة. # ولعمرى لو كان القوم حيث قالوا: منا أمير ومنكم أمير قالوا: ~~ولا يكون أميركم إلا على أو فلان أو فلان، أو قالوا: الرأي لكم أن تجعلوا ~~أميركم عليا أو فلانا أو فلانا، كان في ذلك ما يتعلق به متعلق ويشغب به ~~شاغب. وهذا ما لا يحتج به عالم، لان الحجة فيها للرافضة ألزم، وعليها أوكد. # أما قولهم أن سلمان قال ما قال (1)، فإنما سلمان رجل من عرض المسلمين، لا ~~يصلح أن يكون خليفة، ولا يجوز أن يكون في الشورى ومع الأكفاء، فتنتقض به ~~مريرة أو تبرم به، لأسباب: PageV00P177 # منها أنه ليس من المهاجرين، ولا ممن شهد بدرا ولا أحدا، ولا لقى في الله ~~ما لقى نظراؤه عند الناس كبلال وصهيب، وخباب وعمار، ولا كان من الذين آووا ~~ونصروا، وذكروا في القرآن وقدموا. # وكان حديث الاسلام قليل المشاهد، وإنما أسلم حين انحسرت الشدة وانكشف ~~عنهم معظم الكربة، ولكنه كان من الصالحين ms108 ومن الفضلاء المخلصين، وكان عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجيها، وعند خلفائه مقربا، وقد قال النبي فيه ~~قولا حسنا، ولكنه ليس من الأكفاء في الإمامة وموضع الشورى والخلافة، فيكون ~~قوله حجة تنتقض به الإمامة، وطعنه عليه يصرف الخلافة. # ثم آخر: أنا قد وجدناه ولى لعمر بن الخطاب على المدائن، يقيم له الحدود ~~ويجبى له الخراج، ويدعو له على المنبر، ويؤكد له خلافته، وينفذ أمره، مطيعا ~~غير مكره، ومخلى غير مقصور، فولايته لعمر دليل على تصويب أبى بكر، ومطيع ~~عمر أذعن لأبي بكر، ومعظم عمر أشد تعظيما لأبي بكر. # ولقد كان يخرج آذن عمر والناس ببابه فيجعله في الفوج الأول. ~~حتى روى عن أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في ذلك كلام مشهور: من ذلك ~~أنهم كانوا بباب عمر في جلة من قريش والعرب، مثل عيينة بن حصن وغيره، إذ ~~خرج آذن عمر فقال: أين بلال؟ أين سلمان؟ أين صهيب؟ أين عمار؟ ادخلوا. ~~فتغيرت وجوههم واستبان الجزع فيهم، فأقبل عليهم سهيل بن عمرو واعظا، ومعربا ~~(1) ومذكرا، PageV00P178 ~~فقال: دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا [ولئن حسدتموهم (1)] على باب عمر لما ~~أعد الله لهم في الجنة أعظم. # فما في الأرض عاقل يظن أنه يأذن لسلمان قبل أبي سفيان بن حرب وسهيل بن ~~عمرو، ويوليه بلاد كسرى وآل كسرى، وسلمان عنده ظنين في بيعة أبى بكر وناقم ~~عليه. # وقد بارك عمر أبا بكر (2)، في خالد بن سعيد بن العاص، حين عقد له على ~~أجناد الشام، لكلمته التي كانت في بيعة أبى بكر، حتى عزله. # فكيف يحتمل لسلمان الطعن والخلاف ثم لا يرضى له إلا بالولاية على بلاد ~~كسرى، وسلمان لا يجرى عند عمر مجرى خالد ولا قريبا؟! ~~ففي هذا دليل على أن سلمان لم يقل: " كرداذ ونكرداذ (3) ". وإن كانت هذه ~~الكلمة حقا كانت ترجمتها بالعربية: صنعتم ولم تصنعوا. ~~يقول: قد أقمتم فاضلا مجزيا ولو كان غيره كان أفضل منه. # وأخرى فلو كان سلمان كان عنده أن النبي صلى الله عليه كان قد PageV00P179 ~~استخلف عليا ms109 ونصبه إماما وجعله وصيا لم يقل: صنعتم ولم تصنعوا، إلا أن ~~قوله: " صنعتم " تثبيت لامامته، فكأنه قال: هو إمام، لو كان غيره كان خيرا ~~لكم منه. وليس على هذا بنى القول (1). # ولو احتج بهذا القول الزيدية كان أشبه من أن يحتج به الطاعن في إمامة أبى ~~بكر حين قال: ارتد الناس كلهم عن الاسلام بإنكارهم إمامة على، والتسليم لمن ~~أنكر، ما خلا أربعة نفر: سلمان، والمقداد، وأبو ذر، وبلال. ثم زعموا أن ~~حذيفة وعمارا تابا بعد عمر. # ولئن كان بلال كما قالوا من الطعن والخلاف على أبى بكر وعمر، لقد شاركهما ~~حيث ولى لهما دمشق، لان عمر كان ولى بلالا دمشق، فكان أنفذ لامره من أبى ~~عبيدة. # وكيف يكون بلال طاعنا على أبى بكر وعمر حتى قد شهر بذلك من بين الخلق ~~وعمر يوليه، ويقربه ويدنيه، ويقدم إذنه، ويلحق عطاءه بعطاء عثمان وعلى ~~وطلحة والزبير وسعد، ويقول: " بلال سيدنا ومولى سيدنا " ومرة يقول: " أبو ~~بكر سيدنا وأعتق سيدنا ". # ولا يجوز هذا القول من عمر من يجوز طعن بلال على أبى بكر، إلا جاهل بعمر، ~~جاهل بأمر السلطان، وعز الخلافة. # فأما ذكرهم المقداد فما علمنا ولا علم أصحاب الآثار أنه نطق في خلافة أبى ~~بكر وفى نقضها، وفى خلافة على وتوكيدها، بحرف قط، ولا وقف في ذلك موقفا، ~~ولا قام في إنكاره [أ] وتثبيته مقاما، وما ندري: بأي سبب ادعوه، إلا أن ~~يكونوا ذهبوا إلى إن عليا رحمة PageV00P180 ~~الله عليه ربما كانت له الحاجة إلى النبي عليه السلام، فيكبر النبي صلى ~~الله عليه ويعظمه عن مواجهته بها، فيكلف ذلك المقداد. # من ذلك حديث هشام بن عروة، عن أبيه في الرجل إذا دنا من المرأة فأمذى ولم ~~يمسها، فاستحيا على أن يسأل النبي صلى الله عليه عن هذا من أجل ابنته، فقدم ~~المقداد فسأله، فقال النبي عليه السلام: ~~" يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ ". وغير ذلك. # والأغلب علينا (1) أن المقداد لم يزل متنكرا لعلى، لان المقداد حين خطب ~~ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ms110 إلى النبي صلى الله عليه، بعث النبي إليها ~~عليا بذلك يخبرها، وأنه قد رضيه لها، فكره على ذلك فرجع إلى النبي صلى الله ~~عليه، وقال: رأيتها كارهة، فأرسل النبي إليها رسولا فقالت: أولم أخبر عليا ~~أنني قد رضيت لنفسي بما رضى به النبي؟! فقام النبي صلى الله عليه خطيبا ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~" يا علي قم فانظر من عن يمينك وعن شمالك. واعلم أنه ليس لك فضل على ~~أسودهم وأحمرهم (2) إلا بالدين ". فهذا قد روى، والله أعلم. # ولم يرو عن المقداد الطعن على أبى بكر في خلافته ليؤكد بذلك لعلى شيئا. # وأقل ما ينبغي للمتكلم أن يعرف فروق الأمور، فإنه إذا عرف ذلك لم يتعلق ~~من الأسباب إلا بأمتنها. فأما تجريد الباطل وكثرة الدعوى بلا سبب، فهذا جهد ~~العاجز. PageV00P181 # ولربما تعلقوا بالسبب الضعيف، كالذي وجدوا لعمار بن ياسر من عداوة عثمان، ~~وصنيع عثمان به، فلما كان عثمان عندهم في طريق عمر وأبى بكر وفى حيزهما ~~جعلوا طعن عمار عليه طعنا عليهما، واحتجاج عمار لعلى احتجاجا عليهما، # ولو اجتهدت أن تصيب لعمار موقفا واحدا أو كلمة طاعنة على أبى بكر وعمر وعثمان، ~~فضلا عليهما قبل إحداثه، وقبل أن يجرى بينهما ما جرى، ما قدرت عليه. # وهل كان لعمر وال أنفذ لطاعته من عمار؟! ولقد رفع عليه جرير بن عبد الله، ~~فجمع بينهما طمعا في ظهور حجته، والضرح عن نفسه (1)، فلما لم يجد ذلك عنده ~~قال: ما عندنا خير لك يا أبا اليقظان. # ومن أجل ضعف عمار في الولاية وقوة المغيرة حين شكاهما أهل الكوفة قال ~~عمر: " أعضل بي (2) أهل الكوفة، إن وليت عليهم تقيا ضعفوه، وإن وليت عليهم ~~قويا فجروه ". # فإذا كان عمار يخطب على منبر الكوفة بتوكيد إمامة عمر، ويأمر الناس ~~بطاعته، ويقيم الحدود والاحكام بأمره، ويفتح الفتوح بتأميره، فيرى القتل ~~والسبي وإحلال الفروج. غير مكره بوعيد ولا مقصور بإيقاع، فأي دليل أدل مما ~~حكيناه. # ولو أن طاعنا طعن في طاعة سهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبى ms111 أيوب ~~الأنصاري، وأبى مسعود البدري، لعلى، هل كان عندكم PageV00P182 ~~في دفع ذلك إلا مثل ما عندنا من الدفع عن طاعة سلمان وبلال وعمار وأقل ~~منه. # فأما أبو ذر فزعم أصحاب الآثار أنه كان يعظم عمر بن الخطاب تعظيما ما ~~عظمه أحد قط. فمن ذلك أن عمر صافحه يوما فعصر (1) يده وكان أيدا، فصاح: يا ~~قفل الفتنة! ومسح من وجهه العرق بباطن راحته، وعمر موعوك وهو يقول: بأبي ~~رحضاؤك (2) لو قدمت صرنا هكذا - وشبك بين أصابعه - أوجعتني! فخلاه وقال: ما ~~هذا؟ فقال سمعت النبي صلى الله عليه يقول: " لن تزالوا بخير ما كان هذا بين ~~أظهركم ". # وقال عمر لشاب: غفر الله لك! فقام إليه أبو ذر فقال: استغفر لي! ~~وهو حديث فيه أمور كثيرة. # ولو لم يجئ عن أبي ذر من هذا قليل ولا كثير لكان حكمه الرضا والتسليم، إذ ~~لم نر منه طعنا، ولا رأينا له متوعدا. # ولو أعرضتم مائة من أصحاب النبي صلى الله عليه فقلتم: إنهم كانوا طعانين ~~على أبى بكر مؤكدين لخلافة على، ما كان عندنا في أمرهم حديث قائم، ولا خبر ~~شاهد، أكثر من أن حكم الممسك عن الطعن والخلاف هو الرضا (3) والتسليم. # ولقد ينبغي لنا ولكم أن نتفكر في معنى كلمة سلمان (4) فقد PageV00P183 ~~أكثرتم فيها، حيث قال صنعتم ولم تصنعوا، ومعنى هذا الكلام: إنكم قد أقمتم ~~مجزيا وتركتم من هو أجزأ منه، فيجب أن نعرف ~~الخلل الذي لم يسده أبو بكر... (1) التي لم يبلغها، والموضع الذي عجز عنه. ~~ما هو؟ وأي ضرب هو؟ إلا أن امتحن بما لم يمتحن به أحد قبله، ولا يمتحن به ~~أحد بعده، من قيامه في مقام رسول الله صلى الله عليه، في عقب الذي تعود ~~المسلمون من طريقته، وتعرفوا من سيرته في نفسه وفى أمته، ثلاثا وعشرين سنة ~~- وهى السيرة التي لا تحتاج إلى الاخبار عن فضلها، والاطناب في تشريفها - ~~فلم يغادر ولم ينحرف ولم يتغير، ولم يؤثر (2) ولم يضعف. # وقد علمنا أن الذي عظم صغير ما كان من أمر ms112 عثمان، وشنع عظيم ما كان منه ~~من الضعف وغير ذلك، الذي كان من إفراط جلد عمر، وشدة رأيه وشكيمته، ويقظته ~~وخشونته، وثبات عزمه، وحمله نفسه على مذهب صاحبيه قبله. ولذلك قال عن ثلاث ~~(3): " ما قتل عثمان غير عمر ". فالفصل الذي بين النبي صلى الله عليه وأبى ~~بكر أكبر وأظهر من فصل (4) ما بين عمر وعثمان. ولذلك قال عمر بن عبد ~~العزيز: " ليس لله ستر أكثف ولا أسبغ من ستره على الصديق حين لم يتكشف إذ ~~قام يعقب النبي صلى الله عليه ". # وقد تعلمون أن لو كان النبي غائبا عن المدينة في غزاة، أو حجة PageV00P184 ~~وارتدت العرب وانتقضت العهود، وظهر النفاق وماج الناس، فوثب رجل من عرض ~~أصحابه، فلم يزل باللين والشدة، والكف والاقدام، والبطش والحيلة، حتى رده ~~في نصابه، وأعاده كأحسن عادته ببذل النفس فما دونها (1)، لقد كان صنع صنيعا ~~عظيما، وفعل فعلا كبيرا. ~~فكيف برجل قام بأمر الاسلام وقد هتكت أستاره، وتقطعت أطنابه، ومرجت عهوده ~~(2) منفرد (3) بالرأي غير مستعين عليه، ولا مستوحش (4) إلى غيره، بل خالفه ~~الجميع في صوابه (5) وما أوجده الرأي، ودل عليه النظر من عزمه، وقد أبى إلا ~~صرامة وبصيرة وثقة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات غير مخوف ولا متوقع ~~قدومه، فرد أهل الردة قاطبة ما بين أعلى الحيرة، إلى شحر عمان إلى أقاصي ~~اليمن، وقمع النفاق بالمدينة وما حولها، وقتل مسيلمة واستفتح اليمامة، وأسر ~~طليحة، ثم أوطأ خيله الشام، وجند الأجناد، ومنع الحوزة، ووطأ الامر، وقتل ~~العدو بكل مكان. ثم لم يستأثر بدرهم، ولم يكنز دينارا، ولم يخلف درهما، ولم ~~يتفكه بغنيمة، وجعل عمالته مردودة على بيت مال المسلمين، ولذلك قال عمر: " ~~رحم الله أبا بكر لقد شق على من بعده ". # فما الشئ الذي لو كان على هو القيم به كان أجزأ منه، وبلغ منه ما لم ~~يبلغه. وكيف يكون على أجزأ منه ولم تغلق الفتوح إلا في زمانه، ولم نكن ~~الفتن إلا على رأسه، ولم تخرج الخوارج إلا عليه. وهذا PageV00P185 ~~باب (1) الكلام فيه ms113 على على، ولكنا إذا فعلنا ذلك فقد دخلنا في الذي ~~عبنا. # مع أنك لو طفت في الآفاق تطلب لكرداذ ونكرداذ (2) إسنادا (3). ~~ولكنا قد روينا أن سلمان قال: " أصبتم الحق وأخطأتم المعدن " فنرى أنه إن ~~كان قال هذا القول فإنما ذهب إلى أن الامر لو كان في بيت النبي صلى الله ~~عليه وعلى التوارث الأقرب فالأقرب، كان أجدر ألا يطمع فيه ذؤبان العرب ~~ودهاة العجم، على غابر الأيام، وتطاول الدهور. # وسلمان رجل فارسي، وهذا كان شاهد كسرى، فتوهم أن حكم الكتاب والسنة كحكم ~~تدبير السر (4) والقائمين بالملك، فإنما تكلم على عادته وتربيته. # ولعمرى لقد كان في قوم قد ساسوا الناس سياسة ورتبوهم ترتيبا، يقطع عن ~~الطمع في الملك بآيين (5): لم يجعلوا للصانع أن ينتقل عن صناعته إلى ~~الكتابة، ولم يجعلوا للكاتب أن ينتقل من كتابته إلى القيادة، ولم يجعلوا ~~لأبنائهم إلا مثل ما كان لآبائهم، ليعودوا الناس عادة يستوحشون معها إلى ~~الخروج منها (6). # وإنما حسن هذا في ملكهم إذ كان بالرأي والغلبة، ولم يكن لأهله PageV00P186 ~~أمثل من التدبير والحكم. لم يكن شأنهم الاخذ بالكتاب والسنة، وسبيل ~~الإمامة غير سبيل الملك. # فإن كان سلمان إلى هذا المعنى ذهب، وإياه عنى، فإنما قوله حجة للعباسية ~~لا للعلوية. # وسنخبر عن مقالة العباسية ووجوه احتجاجهم بعد فراغنا من مقالة العثمانية، ~~بغاية ما يمكن من الاستقصاء، وإنصاف البعض من بعض، لتكون أنت المختار لنفسك ~~بعقلك، والأقاويل ظاهرة مجلية لذهنك، فلئن أعجزك الاختيار الأرجح بعد ~~الكفاية إنك عن استنباطه وتخليصه أعجز. # وقد ذكر هشيم. عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال: ~~قال سلمان حين بويع: " أصبتم حين بايعتم وحيد الناس. وأخطأتم حين ~~عزلتموها عن أهل بيت نبيكم، ولو وضعتموها فيهم لأكلتم رغدا ". # وهذا حكم من سلمان أن أبا بكر خير من على ومن جميع الناس، والناس على خير ~~الناس أصلح منهم على من دونهم. # وأخرى: أن سلمان حين قال: " كرداذ " كما زعمتم، لو لم يكن عندكم عظيم ~~القدر نبيل الرأي، قدوة عند الاختلاف، لم تسمعوا قوله ms114 بهذا المكان، حتى صار ~~مثل طعنه وخلافه، ينقض إمامة الأئمة، وتتخذونه على خصمائكم حجة. # وإن كان سلمان على ما قد وصفتم، وبالمكان الذي وصفتم، من الحكمة والبيان، ~~فما دعاه إلى أن يكلم العرب والاعراب بالفارسية، وهو عربي اللسان فصيح ~~الكلام، وهو يعلم أنه لم يكن بحضرة المدينة فرس ولا من يتكلم بالفارسية ولا ~~من يفهمها. وهو إنما أراد الاحتجاج عليهم والاعذار إليهم. وأن يقضى حق ~~إمامة على ويقوم بشأنه. PageV00P187 # وقد ينبغي لمن بلغ من صدق نيته وفرط اجتماع لبه (1) وشدة عزيمته أن يتكلم ~~في دار التقية (2) لا في دار العلانية، حتى خاطر بنفسه وبكل شئ يهوله، ومن ~~شأنه أن يفهم الحجة. ويوضح الموعظة، ويبين عن موضع المظلمة، وإلا فسكوته ~~(3) أحسن من الفارسية. # وكيف فهمت معناه العرب وهى لا تعرف (4) من الفارسية قليلا ولا كثيرا، ولم ~~يكن للنبي صلى الله عليه ترجمان يعبر عنه للفرس فيكون ذلك الترجمان كان ~~حاضرا لكلامه، فيفسر للناس معناه. # وكيف نقلت عنه الصحابة إلى التابعين وكل من كان بحضرة القوم حين بايعوا ~~أبا بكر لا يفهمون الفارسية، ويكون سلمان حين تكلم بها استرابوا عندها ~~فسألوه عنها ففسرها. ولو كان ذلك كذلك لحكاه الذين نقلوا الحديث، فكان ذلك ~~أحب إلى الروافض، لانهم إنما نقلوه ليعرفوا من كان الطاعن على أبى بكر. ~~والطعن كلما كثرت فيه المراجعة والمناقضة، وطال سببه، وعرف علمه، كان أدل ~~على الشهرة والاستفاضة، وأن الامر كان حقا معروفا. # فواحدة أن الامر لو كان كذلك لكانت الروافض أسرع الناس إلى حكايته، ~~لتستشهده على الدعوى، والتقوى به الحديث، وتشد به الحجة. PageV00P188 # وثانية: أن الناقلين أنفسهم كانوا سيحكونه، إذ كانوا إنما حكوا نفس ~~الكلمة ليعرفوا أنه قد كان هناك خلاف، ويدلونا على أن سلمان كان ممن خالف، ~~وممن له هذا القدر الرفيع الذي يحتج بخلافه. # وأخرى: أن ذلك لو كان قاله سلمان، وهو طعن على أبى بكر، كان مشهورا عند ~~عمر وعثمان، وأبى عبيدة وسعد وعبد الرحمن، وهؤلاء عندكم شيع أبى بكر. فكيف ~~أطبقوا على ترك التكلم ms115 على سلمان والدار دارهم والحكم حكمهم، ومعهم الرغبة ~~والرهبة، مع أن الجرأة (1) على سلمان أيسر وأسلم مغبة من الجرأة على أبى ~~بكر. وقد أطبقت على طاعته الأمة خلا أربعة نفر: أحدهم سلمان، وليس سلمان ~~معروفا بالنجدة وشدة الشكيمة. ولا وراءه ظهر يمنعه، فكيف لم يزجره عن ذلك ~~زاجر، ولم يدفعه عن ذلك دافع، ولم يناظره مناظر، ولم يتعجب منه متعجب، ولم ~~يرفع ذلك رجل إلى أبى بكر كما رفعوا إليه قول خالد ابن سعيد. # فإن قلت: إن أبا بكر كان مداريا يتسع صدره لأكثر، من هذا كما اتسع صدره ~~فلم يعاتب خالدا ولا أراده على بيعته. كيف سلم على حدة حكم (2) فأين جد عمر ~~وحده وقلة احتماله، واعتقاده لمثل هذا؟! وكيف [سلم] طلحة مع شدة بأوه (3) ~~وصرامته. # ولا نعلم شيئا مما ادعوه أظهر باطلا، ولا أفسد معنى من قوله " كرداذ ~~ونكرداذ ". PageV00P189 # وأما ما ذكرتم من ترك خالد بيعة أبى بكر ثلاثة أشهر فإن الذين نقلوا هذا ~~هم الذين نقلوا أن خالدا يوم توفى النبي صلى الله عليه كان على صدقات ~~اليمن، فقدم بعد أن بايع الناس أبا بكر، فلما دخل المدينة استقبله عثمان ~~وعلى فقال لهما: أرضيتم معشر بنى عبد مناف أن يلي هذا الامر عليكم غيركم؟ ~~فلم يذكر لنا أنهما ردا عليه قولا، ولا أظهرا قبوله. ثم جلس عن بيعته لا ~~يسأله ذاك أبو بكر ولا يدعو إليه، فبينما هو كذلك إذ مر أبو بكر بدار خالد ~~مظهرا (1). ~~لبعض الامر، وخالد في داره. فلم عليه أبو بكر فقال له خالد: أتحب أن ~~أبايعك؟ قال: أحب أن تدخل في صالح ما دخل فيه المسلمون. قال له خالد: موعدك ~~العشية: فأتاه وهو على المنبر فبايعه. # ففي هذا وجوه من الكلام: # منه أن خالدا لم يطعن في إمامة أبى بكر من جهة الجزء (2) والكفاية ~~والكمال والفضل، ولا من طريق ما تفسد به الإمامة وتنتقض به الخلافة وإنما ~~ذكر الحسب وطرائق (3) الجاهلية، وهذا الامر إن كان مقصورا في قوم (4) دون ~~قوم، فليس هو ms116 في بنى عبد مناف عامة. وإن كان ليس [مقصورا] في قوم، وليس ~~لقول خالد معنى، فإن كان مقصورا في عبد مناف للشرف أو للقرابة، فالعباس ~~أولى بذلك من على وجميع عبد مناف. PageV00P190 # ولو أراد عليا لم يقل: أرضيتم بنى عبد مناف؟! لان عثمان وعليا منافيان، ~~بل كان يقول: أرضيتم معشر العترة، أو معشر بني هاشم ومعشر بنى عبد المطلب. ~~مع أنه لو قال ذلك لكان للعباس في ذلك القول من السبب ما ليس لعلى، لان هذا ~~الامر إن صلح أن يخرج من رهط النبي صلى الله عليه دنيا، ومن أقرب الناس ~~إليه، إلى أقصى بنى عبد مناف، لصلح أن يخرج إلى أقصى بنى كلاب. فإذا كان ~~ذلك كذلك فتيم وعبد مناف سواء. # ومما يدلك على أن خالدا لم يقل شيئا، أن هذا الامر إن كان إنما يستحق ~~بالعلم والعمل والجزء (1) والغناء (2) فليس لذكر عبد مناف معنى. # وإن كان هذا الامر لافضل قريش كائنا من كان فلم يقل خالد شيئا، وليس لذكر ~~عبد مناف معنى. # وإن يكن هذا الامر في أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~فلم يصنع خالد شيئا. # وإن يكن هذا الامر لرجل بعينه قد نصبه النبي صلى الله عليه ودل عليه فلم ~~يصنع خالد شيئا، لأنه كان ينبغي له أن يسير بالمنصوص أو بالمدلول عليه. # أو يكون هذا الامر لا يصاب إلا من طريق الوراثة. فإن كان ذلك كذلك فلم ~~يصنع خالد شيئا، لان صاحب الوراثة أظهر أمرا وأشهر PageV00P191 ~~موضعا من أن يحتاج إلى كلمة ليست بان تدل عليه بأقرب منها من أن تدل على ~~خالد نفسه. # ووجه آخر: أنه قصد بكلامه إلى عثمان وعلى جميعا، ليهزهما معا. لان هذا ~~اللفظ الأغلب على ظاهره حب العصبية، والمحاماة على الأحساب، وترك التخاير ~~بالافعال، والتفاضل بالجزء (1) والكمال. # ولعله أراد عثمان دون على، أو لعله أراد نفسه والتذكير بها والتنبيه ~~عليها، فإنه كان أشرف من عثمان وأقدم إسلاما منه، وكان من مهاجرة الحبشة، ~~وكان ذا قدر عظيم. ms117 وهو ابن أبي أحيحة (2). # وكان أبو أحيحة إذا اعتم بمكة لم يعتم بها أحد، إكبارا لقدره، وتفضيلا ~~لحاله (3). # وكان عثمان لا يحالى... سعيد بن العاصي. # وظاهر كلام خالد وقع على عبد مناف جملة، وهو يرى أنه في السر منهم. فإن ~~كنتم أردتم أن تخبروا عن خلاف خالد على أبى بكر وجلوسه عند، فلقد كان ذلك ~~حتى راجع من تلقاء نفسه، وثاب إليه عازب رأيه، فأناب إلى خطته، ودخل في ~~صالح ما دخل فيه غيره. ~~وما كان تخلفه عن بيعته إلا ريثما ذهبت عنه حميته. وانجاب عنه... ~~وتيقظ من نومه. PageV00P192 # وما ذلك بأعجب من اجتماع الأنصار وقوله للمهاجرين الأولين: ~~" منا أمير ومنكم أمير! ~~والدار دارهم. والمهاجرون ضيفانهم ونزول فيهم. وهم أول الناس والعدد ~~والصلاح والرأي، فكانوا مجلبين (1) جادين مجدين، فما هو إلا أن هجم عليه ~~الصديق وقام فيهم مرشدا ومحتجا [حتى] استبدلوا بالخلاف طاعة، وبالضجة ~~إطراقا، بالانفة خضوعا، وبالطيش حلما، وأنصتوا معا واستمعوا معا. # وكأن السائل إنما أراد تعريفنا أنه كان من خالد خلاف. فقد كان ذلك ثم رجع ~~إلى نفسه وعرف موضع خطئه، غير مرغوب ولا مرهوب. # وإن كان إنما أراد أن يجعل هذا وشبهه حجة في إمامة على فليس لعلى رحمة ~~الله عليه في ذلك من الحجة على إمامته قليل ولا كثير، إذ لم يذكروه في شئ ~~من أمورهم. لا في يسير أمرهم ولا عسيره. ~~ولو ذكروه ما كان لذكرهم دليل على أنه أولى بالإمامة من أبى بكر، مهما ~~عددنا عليك من خصاله التي لا يفي بها على ولا غيره. # وإنما كان يكون هذا الادخال حجة لو قلنا: إن أحدا لم يخالف أبا بكر. # ورضى الجميع وسكونهم وصوابهم (2) لم (3) يكن ليتهيأ أبدا، حتى لا ينطق ~~أحد بحرف واحد لا جاهل ولا عالم، ولا عصى ولا حاسد. # وكيف يتفق إطباقهم على سكون واحد والناس من بين حاسد وراض. ~~وعصى وتقى، وحليم وسخيف، وغالط ومصيب، وعاقل وأحمق؟! PageV00P193 # وإذا كان النبي صلى الله عليه مع رجاحته على جميع الخلق لم يسلم على ms118 أمته ~~[من] المستجيبين له، فضلا على جاحديه والمنكرين له، كان أبو بكر أجدر ألا ~~يسلم من رعيته. # ولقد قام رجل إلى النبي صلى الله عليه فقال: والله يا محمد ما عدلت في ~~الرعية، ولا قسمت بالسوية. وقال الله: " ومنهم من يلمزك في الصدقات (1) " ~~وقال: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات (2) ". # وقال عباس بن مرداس: # أتجعل نهبي ونهب العبي %~% د بين عيينة والأقرع (3) # فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس من المجمع # في شعر له طويل. # وقال أبو حذيفة بن عتبة (4) يوم بدر: يقتل أبناءا وأعمامنا وينهانا عن ~~عشيرته (5) والله لئن أدركته لألجمنه بالسيف! # وخالفوا عليه في يوم الحديبية في نحر الهدى، وحيث قالوا: ~~" لا نعطى الدنية مرة بعد مرة " في أمور كثيرة. # فليس في طعن الطاعن دلالة إذا كان المطعون عليه كاملا فاضلا. PageV00P194 ~~وإجماع الناس كلهم على الصواب أمر لا ينال، ولكن إذا كانت الأمة قد أطبقت ~~على طاعة رجل على غير الرغبة والرهبة، ثم لم يكن اغترارا ولا إغفالا، فلس ~~في شذوذ رجل ولا رجلين دلالة على انتقاض أمره، وفساد شأنه. # وليس يحتج بهذا وشبهه إلا رجل جاهل بطبائع الناس وعللهم، ولو كان هذا ~~وشبهه ناقضا لامامة أبى بكر. كانت إمامة على أنقض وأفسد، لان الدنيا انكفت ~~بأهلها عليه (1) وماجت بساكنيها... ~~من ولايته، وتداعت من أقطارها، تريد محاربته، حتى لقد نازعه فيها من ليس ~~في مثل حاله ولا شرف موضعه، ولا في فضيلة دينه فناهضه الحرب، ونازله ~~القتال... بيعته، والتج (2) عليه الخلاف من أهل طاعته، وموضع الجد في ~~عسكره، فرد بأسه في أصحابه، وصرف كيده إلى جنده، وجلس خلى الذرع، رضى ~~البال، [في] عجب الفاتن وسرور المخادع، وعز المصيب، وبأو الأريب (3). ثم ~~بعث رسولا قد اختاره بالحكم عليه وله، وبعث خصمه رسولا قد اختاره بالحكم ~~عليه وله. ~~فكان رسوله المخدوع ورسول خصمه المخادع، ثم رجعت الأمور إلى خصمه، ~~وانتزعت منه ومن ولده مرة بالبطش، ومرة بالحيلة. # ثم كان يرى من خلاف أصحابه واضطراب جنده وتبديل أصحابه مثل ما يرى ms119 خصمه ~~من طاعة خاصته. ونصرة جنده، وثبات عهد أصحابه، فلم يكن ذلك عارا عندنا ولا ~~عندكم على على، ولا دليلا على نقص رأيه، PageV00P195 ~~وضعف حزمه، وسعة علمه وكثرة فضله، وقد أصابه من الخلاف والتعذر وانتشار ~~الامر، واضطراب الحبل، وظفر الأعداء وشماتة الحساد، ما قد رأيتم، ثم قد ~~جئتم تشبثون بطعن سلمان، وقول أبي سفيان، وقعود خالد، كأنكم لم تعرفوا ما ~~عند خصومكم، غرارة ونقصا. # وأعجب من هذا أنكم مرة تزعمون أن الذي حمل بنى أمية على صرف الإمامة عن ~~علي الضغن الذي في نفوسها، والاحقاد التي في صدورها، لقتل على أبناءها ~~وإخوتها وأعمامها. ومرة تعتلون وتحتجون في نقض إمامة أبى بكر بطعن عظيمي ~~بنى أمية في إمامته كعلى، كخالد بن سعيد، وأبى سفيان بن حرب. وإذا شئتم ~~كانا لكم، وإذا شئتم كانا عليكم. # وأما ما ذكرتم من قول أبى بكر: " ما كانت بيعتي إلا فلتة ". ~~وقول عمر: " ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلتة وقى الله شرها " فإن الامر ~~على هذا واضح. والحجة فيه قائمة. # وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفى كان الناس على طبقات: # من رجل مؤمن عالم، ناصح لله ورسوله. # ومن رجل مطاع ليس له علم بالإمامة، وما السبب الذي به تنعقد من السبب ~~الذي به تنحل. # ومن رجل مكانه في قريش أشرف من مكان أبى بكر، وليست غايته صلاح المسلمين، ~~إنما غايته أن يكون الامام من أقرب القبائل إليه، ليزداد هو وقومه بذلك ~~شرفا وفخرا. # ومن رجل له قرابة فهو يرى أنها تغنيه عن العلم والعمل. # ومن رجل شديد في بأسه، ضعيف في دينه، مخف في ذات يده PageV00P196 ~~بعيد الهمة حامل في هدوء الناس وأمنهم، فهو لا يألو إضرام الفتنة، وتهييج ~~السفلة، يرى أن في الهيج ظهور نجدته، وخروجه من الخمول إلى النباهة، ومن ~~الاقلال إلى الاكثار. # ومن رجل دخل في الاسلام مع من دخل في دين الله، دخل من الأفواج. لا يعرف ~~حقيقته، ولا يستريح به إلى الثقة. # ومن رجل أخافه السيف، واتقى ms120 الذل والقتل بإسلامه ونفاقه، كمنافقي المدينة ~~ومن حولها من أهل القرى والبادية، يعضون على المسلمين الأنامل بالغيظ، وهم ~~البطانة لا يألون خبالا، يترقبون الدوائر، وينفرجون إلى الأراجيف، ~~ويستريحون إلى الأماني. # ومن رجل صاحب سلم، يدين لمن غلب، لا يدفع مبطلا ولا يعين محقا. يرى أن ~~صلاح خاصته هو صلاح العامة. # ثم الذي كان من وثوب الأنصار، وهم أهل العدد وأصحاب الدار والأموال، على ~~أمر لو تابعهم المهاجرون عليه حتى يكون من كل فرقة أمير، لفتحت بذلك بابا ~~من الفساد لا يقوى أحد على سده، ولكان الذي يقع بين الأوس والخزرج في الامر ~~أشد مما كان يخاف منها ومن قريش، لان القرابة كلما كانت أمس، والجوار أقرب، ~~كانت العداوة على قدر ذلك. # ولو أن الأنصار حين أتاهم أبو بكر فأظهروا الشقاق والخلاف... (1) عن الحق ~~وجهلوه، ما كان لهم دون البوار مانع، ولكان غير مأمون وثوب من بالمدينة ومن ~~حولها من المنافقين وأشباههم، من الحشو PageV00P197 ~~والطعام، ولكان غير مأمون أن ينضم إليهم من حول المدينة من المرتدين، ممن ~~بدل إسلامه ساعة بلغته وفاة النبي صلى الله عليه. ~~ولو صاروا إلى ذلك لكانوا أقوى من المهاجرين والأنصار، إذ كانوا جميعا ~~نشرا (1) وقلوبهم شتى، وبأسهم بينهم. ولكان غير مأمون عند ذلك أن يغزوهم ~~مسيلمة في أهل اليمامة قاطبة مع من حولها من أهل البادية. ثم كان غير مأمون ~~أن يستمد بجميع أهل الردة ممن نكث (2) ونصب العداوة. # وجميع ما قلنا إنه كان غير مأمون، لم نقله إلا بأسباب قد كانت هناك قائمة ~~معروفة، فما عسى نقمه (3) المهاجرون والأنصار على ما وصفنا ونزلنا. # فقد صدق أبو بكر وصدق عمر أن تلك البيعة كانت فلتة وأعجوبة وغريبة. ~~إذ سلمت على كل ما وصفنا من أسباب الهلكة، وهى سربخ (4)، وليس دونها ستر ~~ولا رد (5). فكانت بيعته يمنا وبركة أنقذ الله بها من الهلكة، وجمع بها من ~~الشتات، ورد بها الاسلام في نصابه، بعد تخلعه واضطرابه. فأماتت السخيمة، ~~وأودعت القلوب السلامة، وجمعتها على الألفة. PageV00P198 # وهذه مكرمة وعطية، ولا ms121 يجوز أن يحبو بها خالق العباد إلا نبيا أو خليفة ~~نبي. # فأما قوله: " ما كانت بيعتي إلا فلتة وقى الله شرها "، فقول امرئ عالم ~~بالعواقب، عالم بأسباب الفتن، شديد الشفقة منها، حامد لربه على السلامة ~~منها. # أو ما علمت أن أبا بكر بينا هو يخطب على المهاجرين في مسجد النبي صلى ~~الله عليه، والنبي مسجى، وهو يحتج عليهم ويعرفهم سرفهم، واعتداءهم في ~~قولهم: إن النبي صلى الله عليه لم يمت. وقد خاف أن يصير بهم الافراط في ~~التعظيم، والغلو في الحب، أن يضارعوا مذهب النصارى وخاف أن يكون آخر أمرهم ~~أشد من أوله. وكان أشد الأمور عليه في ذلك أن مثل عمر، وعبد الرحمن، ~~وعثمان، هم الذين كانوا خرجوا إلى ما لا ينبغي من القول، فبدرهم بالخطبة ~~محتجا عليهم ومعرفا لهم مواضع غلطهم، ونحس إفراطهم، فحين تبين لهم خطؤهم ~~وسلموا لاحتجاجه عليهم، أتاه آت فقال: إن الأنصار قد اجتمعت إلى سعد بن ~~عبادة في سقيفة بنى ساعدة، يقولون: منا أمير ومنكم أمير، فراعه ذلك، وصور ~~له الحزم كل مخوف، فعلم أن الداء الذي عنه نطقوا أشد علاجا من الداء الذي ~~نطق عنه عمر وعثمان وعبد الرحمن، والنفر من المهاجرين الذين قالوا: إن ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله لم يمت، وعلم أن إبراء كل سقم أهون من إبراء ~~سقم الحمية والطمع في الملك، ولا سيما إذا شابهما سوء تأويل، وضافرهما الحس ~~بالقوة. وهذا لهو الداء العضال (1) والداهية العقام. PageV00P199 # فلما انتهى إليه أمرهم، وعرف جميع ما عليه طبائعهم وعللهم، وطبائع ~~أتباعهم، لم يكن شئ أهم إليه من البدار إليهم قبل أن يستفحل الشر، ويتمكن ~~العزم. فمر حثيثا وتبعه عمر، ولحقه أبو عبيدة في نفر من قريش، فيمر بالناس ~~حلقا عزين وهم يبكون ويتحدثون، فيقبل عليهم فيقول: أنتم جلوس تفركون أعينكم ~~وفى الاسلام العسا البدار، وقيل البوار (1). # فلو لم يتداركهم بحيطته ويقظته وصدق حسه، وأبطأ عنهم ريثما كانوا ~~يتطارحون الرأي، ويستثيرون دفين الحسد حتى يتمكن ذلك الحسد، وتتمثل لهم ~~صورة الظفر، فلو ms122 هجم عليهم أبو بكر في ضعف من بالمدينة من قريش، لم يكن في ~~طاقتهم دفعهم، والدار دارهم، والبلاد بلادهم والبادية باديتهم، ومن فيها ~~تبع لهم، فكان من صنيع الله أن كان هو الذائد والقائم. والحارس، والعاطف ~~والمداوى، ولم يكلهم الله إلى نظرهم واختيارهم، فيكون ذلك فسادهم وهلكتهم. # فإن قالوا: فما معنى قول أبو بكر للأنصار حين أتاهم: " إن هذا الامر ليس ~~بخلسة، قد علمتم معشر قريش [أنا] أكرم العرب أحسابا، وأيقنها أنسابا، وأنا ~~عترة النبي صلى الله عليه وأصله، والبيضة التي تفقأت عنه "؟ # فلم يذكر أبو بكر قريشا وأحسابها وعترة النبي صلى الله عليه والبيضة التي ~~تفقأت عنه، إلا وهو يرى أن له عليهم بهذا من الفضل ما ليس لهم، ومن السبب ~~إلى الخلافة ما ليس لهم. فقد ينبغي أن يكون لبنى هاشم على هذا القياس من ~~الفضل والسبب ما ليس لبنى تيم. PageV00P200 # قلنا لهم: إن أبا بكر لم يقل هذا القول وهو يريد معنى مذهبكم فيه، مع ~~أنكم قد قطعتم الكلام، لأنه قال: " فإنه لم يكن فينا فكان يوبخ (1) به وإنا ~~نحن المهاجرون وأنتم الأنصار، وإن الله لم يذكرنا وإياكم في شئ من القرآن ~~إلا بدأ بذكرنا قبلكم، فمنا الامراء ومنكم الوزراء ". # فلم يقل أبو بكر: " قد علمتم يا معشر قريش أنا أكرم العرب أحسابا، ~~وأيقنها أنسابا، وأنا عترة النبي وأصله "، وهو يريد أن يخبر أن الرياسة في ~~الدين تستحق لغير الدين، والخلافة أعظم رياسات الدين، فعلى حسب ذلك تحتاج ~~إلى العمل الصالح. # ولكن أبا بكر خطب على قوم كانوا يرون للحسب قدرا، وللقرابة سببا، فأتاهم ~~من مأتاهم (2) وأخذهم من أقرب مآخذهم، واحتج عليهم بالذي هو عندهم، ليكون ~~أقطع للشغب، وأسرع للقبول. وليس في كل المواضع تفسير لحجة أمثل من إظهار ~~الجملة، وتعريف الناس الغاية، وحملهم على أدق الحجج وأصوبها. ولربما أخفى ~~الامام (3) كثيرا مما يريد بالناس عنهم، للذي... من بعضهم عن فضله، وضيق ~~صدورهم عن سعة فضله، بل يعلم أنه لو أطلعهم طلع إرادته (4)، والذي عزم عليه ~~من ms123 صلاحهم، كانوا أسرع إلى طلب بغضه من عدوهم. PageV00P201 # وقد دل أبو بكر على مذهبه في الأحساب في أول خطبة خطبها على المهاجرين ~~والأنصار. حين قال في كلامه: # " وعليكم بتقوى الله، فإن أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وإني ~~متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وأن زغت فقوموني، أيها الناس إنه لم ~~يدع الجهاد قوم قط إلا ضربهم الله بذل، ولم تشع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم ~~بالبلاء، أيها الناس اتبعوا كتاب الله، واقبلوا النصيحة، فإن الله يقبل ~~التوبة، ويعفو عن السيئة، واحذروا الخطايا التي لكل بني آدم منها نصيب، ~~ولكن خيرهم من اتقى الله، واتقوا يوما لا ينفع فيه حميم ولا شفيع يطاع ". # ألا تراه ذكر جميع بني آدم ثم قال: ولكن خيرهم أتقاهم كما قال الله: ~~" إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ثم قال: " اتقوا يوما لا ينفع فيه حميم ~~ولا شفيع، فقد أخبر عن نفسه ومذهبه في ذلك المقام بغاية ما يتكلم به أصحاب ~~التسوية. فكأن أبا بكر إنما قال: فإن كان هذا الامر معشر الأنصار إنما ~~يستحق بالحسب، ويستوجب بالقرابة فقريش أكرم منكم حسبا، وأقرب منكم قرابة، ~~وإن كان إنما يستحق بالفضل في الدين فالسابقون الأولون من المهاجرين ~~المقدمون عليكم في جميع القرآن أولى به منكم. لان أبا بكر ذكر في صدر كلامه ~~الحسب والقرابة، وفى عجزه فضل المهاجرين على الأنصار. فلما أبصر القوم وجه ~~الحجة، وقررهم بما لم يزل عليه قبل ذلك طبائعهم، لحقوا بالطاعة وأعطوا ~~المقادة. # وكيف يكون كبار الأنصار أفضل من كبار المهاجرين، وقد سبقهم المهاجرون ~~وأسلموا قبلهم بالسنين قبل السنين، والأنصار بعد على دين PageV00P202 ~~آبائهم، وعبادة أصنامهم. ثم الذي لقى المهاجرون في الله ببطن مكة ~~والأنصار وادعون في بيوتهم، رافهون في ديارهم، ناعم بالهم، خلى سربهم (1) ~~لذيذ عيشهم، ثم هاجروا إلى دارهم فكانوا معا في العبادة والجهاد، إلا ما ~~فضلوا به من وحشة الاغتراب، وفراق الدار والأحباب، فللمهاجرين مثل ما ~~للأنصار، وقد بانوا بسابقتهم. وإنما قدموا في القرآن لتقدمهم في الاسلام. # وكما أن ms124 المهاجرين الأولين ليسوا كغيرهم من المهاجرين، وكما أن من أسلم ~~بعد الفتح ليس كمن أسلم قبله، فكذلك ليس من أسلم والناس كلهم كفار غيره، ~~كمن أسلم وقد أسلم الناس قبله. # وأنت إذا تأملت قول الصديق للأنصار: " إن هذا الامر ليس بخلسة " علمت أنه ~~كان ثابت الجنان، رابط الجأش، واثقا بالحجة. ~~عارفا بمواضع الإمامة، وإنما كانت غايته تقريرهم بفضيلة المهاجرين، لانهم ~~إذا صاروا إلى ذلك فلا حاجة به إلى ذكر نفسه وتعريفهم فضله، لان تبريزه كان ~~بينا على المهاجرين، وفضله كان ظاهرا على السابقين. # والدليل على ذلك أن خوض الأنصار وكلامها لم يكن إلا فيما بين جملة ~~الأنصار وجملة المهاجرين، قالوا: منا أمير ومنكم أمير. فما هو إلا أن قررهم ~~بفضيلة المهاجرين فلم يكن لهم بعد ذلك متكلم، حتى أطبقوا جميعا على بيعته ~~هم والمهاجرون من بين جميع المهاجرين - فلا يستطيع أحد أن يدعى أن إنسانا ~~قال من الأنصار: فإن كان لابد أن يكون منكم الامراء فليكن فلان، فإنه أفضل ~~وأحق بقرابة أو بعمل - فسكتوا معا سكتة واحدة، وسلموا معا تسليما واحدا. PageV00P203 # ولو أن الأنصار كانوا قد سلموا للمهاجرين في البدء فلم يفارقوا ولم ~~يتمادوا، وكانوا كالمهاجرين في إطباقهم على أن الامام منهم ما كان ليظهر ~~للناس من شهامة أبى بكر وصرامته واجتماع نفسه وقوة منته، وجلد رأيه، وقلة ~~حيرته وتضجعه (1) مثل الذي ظهر لهم. وإنما يعرف العاقل فضل العاقل في مضايق ~~الأمور، وساعة الجولة، والعجلة والحيرة، وظهور الفتنة، وموجان السفلة، ~~واضطراب العلية (2) واختلاط الخاصة بالعامة. # فهل أعضل به داء فلم يسد ثغره (3)، أم هل نجم بلاء فلم يتول قمعه؟! # وزعمت (العثمانية) أن أحدا لا ينال الرياسة في الدين بغير الدين. ~~ولو جاز أن يعطى الله رجلا عطية ويفضله على غيره لنسبه، وعملهما سواء في ~~دار الدنيا، جاز أن يفضله عليه في الآخرة. # وليس ذلك كالمعافى والمبتلى، لان العافية والبلاء، والشكر والصبر، ~~والثواب على الطاعة بهما والعقاب على المعصية فيهما، إذا وازنت بين عواجل ~~أمورهما وأواجلها من كل وجوهها، رأيتهما سواء ms125 لا فضل بينهما. # وكذلك شأن المملوك والمالك، والفقير والغنى، والمبتلى والمعافى. # فإن كان القريب القرابة والبعيد القرابة سبيلهما في النقص والفضل، والصبر ~~والشكر، والثواب والعقاب، وجميع حلاتهما في العاجل والآجل، كالمعافى ~~والمبتلى، والمالك والمملوك. والفقير والغنى، فليس بين القريب PageV00P204 ~~والبعيد فرق، وليس لقرابته فضيلة على غيره، ولا ينفعه شئ إلا كما نفعت ~~المعافى والغنى في ظاهر أمرهما، وما يقع العيان عليه منهما، وهما في الغنى ~~والمصلحة، والنظر والصنع، سواء. # وليس على هذا بنى القوم أمرهم في القرابة، لانهم زعموا أن القرابة سبب ~~للرياسة في الدين، ولو قالوا إنها سبب للقدر والنباهة في الدنيا كان ذلك ~~وجها، كما ترى من فضل حال المنيع الرهط، الجميل الرواء، والمعافى في بدنه ~~الكثير المال، على الذليل الرهط الذميم في روائه، المبتلى في بدنه، القليل ~~ذات اليد، وهما في مغيب أمرهما. وفيما لا يقع العيان عليه من شأنهما، سواء ~~في صنع الله وفضله وعائدته. # [وإنما] كان لنا أن نزعم أن القرابة تنفع في الدين والحسب فتكون سببا إلى ~~الرياسة فيهما، أن لو كنا رأينا من عظم قدر القرابة ونبل من أجله (1) نال ~~الرياسة الكبرى بالحسب. فإذا رأينا النبي صلى الله عليه لم يستحق ذلك ~~الموضع البائن العالي إلا بالفضل دون المركب (2) كان من مت بقرابته أجدر ~~ألا ينال الرياسة إلا بالفضل دون المركب، لان النبي صلى الله عليه لو كان ~~نال ذلك بالهاشمية كان هو ورجل من عرض بني هاشم سواء. # ولو كان ناله بعبد المطلب لكان ولد عبد المطلب لصلبه أقرب إليه. # وقد نعلم أن ذلك لو كان لشخص بالهاشمية أو بالمطلبية لكان لعلى في ذلك ما ~~ليس لأحد، لأنه ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه فاطمة ابنة أسد ~~بن هاشم. PageV00P205 # فلما وجدنا الامر كما ذكرنا، علمنا أن النبي صلى الله عليه لم يصيره ~~مستحقا لأعظم الرياسات وأشرف المقامات إلا بالعمل، إذ كنا قد وجدنا من ~~يساويه في الهاشمية لا يستحق مثل ماله. # وزعمت (العثمانية) أن لها في التسوية بين القريب ms126 والبعيد حججا كثيرة، قد ~~عرفتها وسمعتها من أهلها. # ولكن كتابي هذا لم يوضع إلا في الإمامة، ولربما ذكرت من المقالة والملة ~~(1) والنحلة التي تعرض في الإمامة صدرا، طلبا للتمام، وتعريفا لوجوه ~~الإمامة وما دخل فيها. # والكلام في التسوية كلام يدخل في باب التعديل والتجوير، وهو باب يشتد ~~الكلام فيه ويغمض، فإن أخبرنا عن فرعه ولم نخبر عن أصله لم ينتفع القارئ ~~به، وصار وبالا عليه. # وقد زعم ناس من (العثمانية) أن الله بفضله ومنه كفى أكثر الناس مؤونة ~~الروية، وتكلف غامض الكلام في التسوية، فأخبرهم في كتابه بأبين الكلام ~~وأوضحه عن معاني التسوية، وما يجوز في عدله وحكمته. فقال وهو يريد أن يعلم ~~الناس أنهم لا ينتفعون بصلاح آبائهم، ولا يضرهم فساد رهطهم فقال: " ~~وإبراهيم الذي وفى. ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للانسان إلا ما سعى (2) ". # فإذا كان كون الانسان ابن نبي وابن خليفة نبي، أو ابن عم نبي ليس من ~~سعيه، فقد أخبر أنه لا شئ له في ذلك حين قال: PageV00P206 ~~" وأن ليس للانسان إلا ما سعى " فالسعى معروف، والكون من رهط دون رهط ليس ~~من سعى المرء في شئ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه لقرابته حين جمعهم " يا ~~عباس بن عبد المطلب، ويا صفية بنت عبد المطلب، ويا فلان ويا فلان، إني لا ~~أغنى عنكم من الله شيئا ". # ولو أن إنسانا من القرابة إذا هو عصى وعصى غيره بمثل معصيته غفر الله ~~[له] لقرابته، ولم يغفر للآخر، وكان إذا أطاع وأطاع غيره بمثل طاعته أعطاه ~~الله أكثر مما يعطى الآخر، لكانا إذا استويا فلم يطيعا جميعا ولم يعصيا، ~~فكانا إما طفلين وإما مجنونين وإما نائمين، وإما ساهيين، أعطى القريب ~~وفضله، ولم يعط الآخر شيئا ولم يسو بينه وبين من لم يطع ولم يعص، كما لم ~~يطع القريب ولم يعص، لم يكن النبي صلى الله عليه ليقول لعمه وعمته: إني لا ~~أغنى عنكم من الله شيئا. # ولذلك قال النبي صلى الله عليه: " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ms127 بذمتهم ~~أدناهم ". # ولذلك قال النبي صلى الله عليه: الناس كلهم سواء كأسنان المشط. ~~والمرء كثير بأخيه. ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه. # ولذلك قال حين بلغه أن عيينة قال: أنا ابن الأشياخ، أنا عيينة بن حصن بن ~~حذيفة بن بدر بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه: " أشرف الناس يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ". # ولذلك أخذ وبرة من جنب بعير يوم حنين فقال: " والذي نفسي بيده ما أنا ~~بهذا أحق من رجل من المسلمين ". PageV00P207 # وقد قال الله: " واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (1) "، فلم يستثن من جميع النفوس ~~نفسا واحدة، لا ابن نبي ولا ابن عمه. # وقال الله: " يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا (2) ". والمولى كلمة واقعة ~~على جميع، فمنه ابن عم المرء، ومنه خليفته. ومنه مولاه من فوق، ومنه مولاه ~~من تحت، ومنه مولاه الذي ملكه قبل عنقه. ~~فإذا قال الله: " يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا " فقد دخل فيه ابن العم ~~وغيره، ولم يستثن الأنبياء دون المسلمين. # وقال: " يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم (3) " ~~وقال: " يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده، ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا (4) " ثم قال: " إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ". ~~فمن اغتر بعد هذا بالقرابة واتكل على غير العمل الصالح فقد رد تأديب الله ~~وتعليمه. # ثم الذي رأينا من قصة ابن آدم حين قرب من أخيه قربانا فتقبل من أخيه ولم ~~يتقبل منه. فقتله حسدا له وبغيا عليه. وكيف لم تنفعه قرابته من آدم حيث ~~لعنه الله وبرئ منه، وجعله من أصحاب النار، ثم قال: " وذلك جزاء الظالمين ~~(5) ". PageV00P208 # لكي لا يتكل أحد ظالم بعده على قرابته، ولا يغتر بأن يكون ابن نبي، ولذلك ~~أرسل الكلام على مخرج العموم. ولم يخرجه ms128 ذلك المخرج إلا وذلك إرادته. # فإن قالوا: إنه لم يكن لصلبه، ولو كان لصلبه لنفعه ذلك عنده. # قلنا: إنه ليس لأحد سمع الله يقول: " واتل عليهم نبأ ابني آدم " أن ~~يجعلهما من عرض بني آدم بعد سبعين قرنا إلا بحجة. ~~وإن لم تكن له في ذلك حجة فليس له أن يزيل معنى ابن عن أصله (1)، لان ~~الأصل المستعمل الموضوع أن يكون الابن للصلب، فإنما جاز أن يقال لابن الابن ~~على التشبيه بالابن، [و] على الحمل عليه. ~~وكذلك الابن الذي هو على التبني والتربية، لان رجلا لو قال: ~~أتاني فلان بن فلان، لم يكن لاحد أن يقول: إنه لم يعن ابنه وربيبه، إلا ~~بحجة، وإلا فالكلام موضوع على أصله وعلى المستعمل المعروف منه. # ثم صنيع الله بابن نوح. وهو كما علمت من أعظم الأنبياء قدرا ومنزلة ~~ومكانا، حين عصى فيمن عصى، كيف غرقه فيمن غرق (2) ممن لا قرابة له ولا ~~ولادة. # فإن قالوا: إنه لم يكن ابنه، لان (3) الله قال: " إنه ليس من أهلك إنه ~~عمل غير صالح (4) "، وذكر امرأة نوح وامرأة لوط فقال: PageV00P209 ~~" كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا (1) ". # قيل لهم: إنه ليس لنا أن ندع قول الله: " ونادى نوح ابنه ". ~~إلى تأويل مختلف فيه. ولقولة الخيانة مخارج غير تأويلكم، وقد تفجر المرأة ~~بعد أن صح منها لبعلها ولد كبير. وفى قوله: " فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ~~" دليل أن محبتهما كان الصفح عن خيانتهما. ~~وأن محبتهما لم تغن (2) عنهما شيئا. # ولا يشبه قولكم [في] نساء الأنبياء الذي نعرف من حسن اختيار الله لهم من ~~طيب المناكح، وطهارة المداخل، وهذا معنى طبائع الناس. ~~لم يكن الله ليترك امرأة نبي تصير إلى تهجينه والتصغير بقدره، لان ~~الرسالة منظفة مصفاة، لا تحمل الأقذاء، ولا تعلق بها الأدناس، ولا يطوق (3) ~~المبطلين عليها الاعتماد. # وفى قول الله لإبراهيم، وهو شجرة الرسالة، وخليل رب العزة حين يقول له: " ~~إني جاعلك للناس إماما (4) " قال إبراهيم إما مستقيما وإما طالبا: ms129 " ومن ~~ذريتي " قال: " لا ينال عهدي الظالمين ". ~~وأخبر أن عهد إمامته وخلافته لا ينال الظالم وإن كان من خير خلق الله. PageV00P210 # ففي هذا دليل أن الرياسة في الدين لا تنال بغير الدين. # وقال الله: " ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة ~~والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (1) " ألا ترى أن الذرية وإن كانت ~~كلها ذرية ومكانها من القرابة سواء، فمنها ولى ومنها عدو. # فإن تركوا هذا جانبا وقالوا: كيف تزعمون أن أبا بكر كان يرى التسوية، ~~وكان لا يرى أن الفروسية أصل للامامة، والقرابة شعبة عن الخلافة. ولم يكن ~~في الأرض رجل أبعد من هذا المذهب من خاصته وخليفته وصنيعته. والمحتذى على ~~مثاله، عمر بن الخطاب، لأنه فضل القرشيات من نساء النبي صلى الله عليه على ~~غيرهن، وفضل العرب في العطاء على الموالى. وقال: " زوجوا الأكفاء " وكان ~~أشد منه في أمر المناكح. # قيل لهم: إنه لم يكن على ظهر الأرض رجل كان أبعد مما قلتم من عمر، ولا ~~[ظهر] منه - خلاف ما ادعيتم - مثل الذي ظهر منه. ~~والدليل على غلطكم وخطأ قولكم، أن عمر لما فرض الأعطية ودون الدواوين ~~وقام إليه أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، فقالا: ~~يا أمير المؤمنين، أديوان كديوان بنى الأصفر (2)، إنك إن فعلت ذلك اتكل ~~الناس على الديوان وتركوا التجارات والمعاش! فقال عمر: ~~قد كثر الفئ والمسلمون. # ففرض للمهاجرين ومواليهم، وللانصار ومواليهم، ممن شهد بدرا PageV00P211 ~~في ستة آلاف ستة آلاف (1) فكان عطاء عمر وعلى وعبد الرحمن وطلحة والزبير ~~وأبي عبيدة بن الجراح، وعطاء بلال وسالم مولى أبى حذيفة وجميع الموالى ~~سواء. # ثم فرض على قدر الفضل والغناء والسابقة، على قدر بعد الدار وقربها من ~~المهاجر، ففرض لأهل اليمن في السبعمائة إلى الألف، وهم أبعد خلق الله منه ~~ومن مضر أرحاما ونسبا، وإنما أرغبهم وزادهم لبعد دارهم من المهاجر (2)، ~~وكانوا أهل قرى ومزارع، فتركوا مطنبهم (3) رغبة في الهجرة. # وفرض لمضر وبلى وكلب وطئ في الثلثمائة إلى الأربعمائة، فتسويته بين مضر ~~وطيئ دليل على ما ms130 قلنا. # وفرض لربيعة في خمسين ومائتين وقال: إنما هاجروا من أطناب بيوتهم. وربيعة ~~أمس به وبمضر من بلى وطيئ. # وفرض لاشراف الأعاجم: لدهقان نهر الملك (4)، وهو فيروز بن يزدجرد، ولابن المخبر خان (5) ولخالد وجميل ابني بصبهرى (6) PageV00P212 ~~دهقان الفلوجة، ولبسظام بن نرسي دهقان بابل، وجفينة العبادي، ورفيل (1) ~~في ألفين ألفين. # وفرض للبوسحتان (1)، والهرمزان، ولسياه وخش (2) وأمقلاس في ألفين ~~وخمسمائة، وهو أقصى شئ أخذه عربي قط، فقيل له في ذلك، فقال: قوم أعاجم ~~أشراف، أحببت أن أتألف بهم غيرهم. # وفرض لسوى هؤلاء النفر من العجم من الحاشية والعوام ممن سبى وأسر وخرج في ~~الصلح مع رئيسه وقائده، في أقل مما فرض للأعراب وحاشية العرب وعوامهم، فقيل ~~له في ذلك فقال: إن الاعرابى إلا يقاتل عن دينه قاتل عن رهطه وشقه وناحيته، ~~وإن لم يكن ذا بصيرة في دينه قاتل محاماة عن حسبه وأصحابه، وقد أمنت تحوله ~~إلى عدوه فأقل ما عنده إذا لم يبل أن يكثر السواد ويكثف الجيش. وهو على حال ~~أفقه في الدين، وأفهم للتأويل، والعجمي ليس بذى بصيرة في الاسلام ولا يقاتل ~~عن داره، ولا يحامى عن حسبه، ولا يدافع عن رهطه وغير مأمون عليه التحول إلى ~~أصحابه فيدل على العورة، وهو أجدر ألا يفهم تنزيلا ولا تأويلا. # وحمل قوما في البحر وآخرين في البر، ففضل على قدر المؤونة، وأعطى على قدر ~~المشقة. PageV00P213 # فهكذا كانت عطاياه، وهكذا كان تدبيره فيما نقلت العلماء وروت الفقهاء، ~~ولا يشك في ذلك صاحب خبر، ولا يدفعه صاحب أثر. # فأما ما ذكروا من تهجينه أمر العجم. وتعظيمه أمر العرب، فإنما كان ذلك ~~لأنه لما ندب الناس إلى قتال كسرى والأساورة تثاقلت عن ذلك العرب والاعراب ~~وجميع المهاجرين والأنصار، هيبة لناحية كسرى والفرس، وخفوا لغزو الروم ~~ونشطوا له، حتى انتدب أبو عبيد الثقفي أول من انتدب، فلذلك عقد على كبار ~~المهاجرين الأولين، والأنصار، والبدريين، فلم يكن له هم إلا تصغير أمرهم ~~وتهجين شأنهم والحط من أقدارهم ليرد ذلك من نفوس العرب. # وهكذا ينبغي أن يكون ms131 تدبير المدبر. # أو ما علمت أن المغيرة بن شعبة لما سمع قيس بن مكشوح يقول حين عاين ~~الفرس: وما رأيت كاليوم حديدا ولا عديدا! وهذا يوم القادسية، وقد كان قيس ~~شهد قبل القادسية حروب الروم، وقيس يومئذ على الخيل، والمغيرة على الرجالة، ~~فأقبل عليه المغيرة منتهرا له وهو يقول: إنما هذا زبد من زبد الشيطان (1)! # وقد كان المغيرة قد عاين مثل الذي عاين قيس، ولكن التدبير كان غير الذي ~~ذهب إليه قيس. # ومن الدليل على ما وصفنا من تدبير عمر، تركه الاستخفاف بأقدار العجم ~~وإظهار احتقارهم والإزراء بهم، بعد جلولاء (2). PageV00P214 # فمن ذلك أنه لما أتى بسيف كسرى وقبائه ومنطقته ألبسه سراقة ابن مالك بن ~~جعشم، ثم قال له: أدبر، ثم قال له: أقبل، فلما أقبل عليه عمر وعنده الناس ~~فقال: أما والله لرب يوم لو كان هذا من كسرى وآل كسرى لكان شرفا لك ولقومك، ~~في أمور كثيرة من هذا الضرب لم يكن عمر لينطق بحرف منها وحربهم مخوفة، ~~ونفوس العرب لهم هائبة. # وهكذا تدبير الخلفاء ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولو كانوا إذا لم يفهموا ~~عن الأئمة لم يعترضوا عليهم ولم يخطئوهم ولم يجهلوهم كان أيسر. # ولا أعلم في الأرض جيلا أجهل بهذا وشبهه ممن ينتحل اسم الكلام وينصب نفسه ~~للخصومات. ثم الروافض خاصة، ليس يعرفون من أمر الامام إلا أنه يعلم ما يكون ~~قبل أن يكون. # ومن الدليل على ما وصفنا به عمر، قوله لسعد بن أبي وقاص حيث وجهه إلى ~~القادسية وأوصاه، قال: يا سعد سعد بن وهيب (1) إن الله عز وجل إذا أحب عبدا ~~حببه إلى الناس، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك أن يقال خال رسول الله صلى ~~الله عليه، فإن الناس في ذات الله سواء. # فأي قول أجمع وأدل، وأي فعل أشبه بالذي حكينا عنه من التسوية، من هذه ~~الأقاويل (2) والأفاعيل. PageV00P215 # وكان سعد خال النبي، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وقد أخذ بيده: " هذا ~~خالى أباهى به فليأت كل امرئ بخاله ". # وفى قول عمر ms132 في المناكح " ليس شئ من خصال الجاهلية إلا وقد تركته، ألا ~~إني لست أبالى إلى من نكحت، وإلى من أنكحت " فإن شئت أن نقول: وأي أمر هو ~~أوجب على العاقل المسلم الحر من ألا يبالي إلى من نكح وأنكح؟ # قلت: وإن قلت إن هذا الكلام من عمر يدل على بقية عصبية فيه. ~~فما تبرأ (1) إليك منه حين جعله (2) من خصال الجاهلية إلا وهو آب له وناه ~~عنه، وزار عليه. وفى قوله هذا دليل على أنه قد اكترث لبقية عادة الجاهلية، ~~وأنه راغب عنهما كما رغب عن أكبر منهما. # وفى قوله لعبد الله بن عمر حين فرض له في ألفين وفرض لأسامة في ألفين ~~وخمسمائة، وابنه قرشي وأسامة مولى، حين قال له عبد الله: ~~أتفضل على أسامة في العطاء وأنا وهو سيان؟ قال: إن أسامة كان أحب إلى ~~رسول الله منك، وكان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك. # ألا ترى أنه يدور مع الدين حيثما دار؟! # وفى قول عبد الله بن عمر لأبيه، تفضل على أسامة في العطاء وأنا وهو سيان، ~~دليل على أن القوم كانوا لا يعرفون إلا الدين والسابقة، والغناء عن ~~المسلمين. # وفى وصيته عند وفاته أن يصلى عليه صهيب، وفى أمره إياه بالصلاة PageV00P216 ~~بالناس في مقامه إلى أن يختار المسلمون رجلا، دليل على ما قلنا. # وصهيب مولى لعبد الله بن جدعان. # والدليل على أن صهيبا رجل من العجم قول رسول الله صلى الله عليه: ~~" بلال سابق الحبشة. وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم ". ~~وهذا حديث لم يختلف فيه فقيهان. # وفى خروج آذنه وحاجبه يوما إلى الناس، وقريش والعرب جلوس ببابه ينتظرون ~~إذنه، فيهم أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكيم ابن حزام. والأقرع بن ~~حابس، وعيينة بن حصن، فنادى بأعلى صوته: ~~أين عمار؟ أين بلال؟ أين صهيب؟ أين سلمان؟ فينهضون مكرمين ومفضلين. ~~وعلى الناس مقدمين، وتلك الجلة وتلك السادة جلوس لا ينطقون ولا ينكرون، ~~فلما كثر ذلك عليهم تمعرت وجوههم، وامتقعت ألوانهم، فأبصرهم سهيل فعرف ما ms133 ~~قد أصابهم ونزل بهم. وكان حليما خطيبا فقال: # لم تتمعر وجوهكم وتتغير ألوانكم، ولا ترجعون باللائمة على أنفسكم؟! ~~دعينا ودعوا، فأبطأنا وأسرعوا، ولئن حسدتموهم على باب عمر للذي أعد الله ~~لهم في الجنة أفضل (1)! # ثم الدليل الذي ليس فوقه دليل، قوله وعنده أصحاب الشورى وكبار المهاجرين ~~وجلة الأنصار، وعلية العرب، وهو موف على قبره ينتظر خروج نفسه: " لو كان ~~سالم حيا ما تخالجني فيه الشك ". وسالم مولى امرأة من الأنصار، وكان حليفا ~~لأبي حذيفة بن عتبة بمكة. فلذلك كان يقال: ~~مولى أبى حذيفة، لان حليف الرجل مولاه. PageV00P217 # فإن كان هذا لا يدل على التباعد من الحمية والاعرابية والعصبية. ~~ولا يدل على التسوية. فما عندنا ولا عند أحد شئ يدل على شئ! وإذا كان هذا ~~مذهبه وقوله في الخلافة فما ظنك به فيما دون الخلافة؟! # وهذا باب إن استقصيناه كثر وشغل الكتاب. وفيما قلنا مقنع لمن كان الحق له ~~مقنعا، والصواب له مألفا. # فهل يقدر أحد أن يحكى عن علي مثل الذي حكينا عن عمر في التسوية، أو ~~شطره؟! # إن أكبر ما رأينا في أيديكم عنه قوله: " إنني قرأت ما بين دفتي المصحف ~~فلم أجد فيه لبنى إسماعيل على بنى إسحاق فضلا ". # فهذا قول إن قاله على فليس فيه دليل أنه أراد به الطعن على عمر وإظهار ~~خلافه، لان عليا قد ملك أكثر الأرض خمس حجج، فلو كان رأيه في خلاف عمر على ~~ما تصفون، وكان عمر عنده لا يرى التسوية في العطاء، لقد كان غير دواوين ~~عمر، وبدل أعطيته وفروضه وحولها إلى الحق عنده، أو نطق فيها بحرف، أو أظهر ~~ذلك في هيئته (1) إن لم ينطق به خطيبا ومحتجا. # وكيف يكون ذلك ولا أحد أعلم بصواب ما دبر عمر في ذلك من على؟! ~~وكيف يكون عمر لا يرى التسوية وقد صنع صنيعا لو قام مقامه أشد الناس سعيا ~~- ما لم يجر عن الحق ويعدل عن السداد - ما كان عنده ولا في طاقته أكثر منه. # والعجب أنكم تزعمون أن عليا كان ms134 يرى التسوية، وأن عمر صاحب PageV00P218 ~~حمية، فأنتم تروون أن أكثر احتجاجه إنما كان بذكر قرابته وأمتن أسبابه ~~ومصاهرته، مع أن القرابة هي التي أخرجتكم إلى هذا الافراط كله، فأنتم تحبون ~~بني هاشم وتفضلونهم للقرابة، وتوجبون لهم الإمامة للقرابة، ثم تزعمون أن ~~عليا كان يرى أن ولد إسماعيل وإسحاق سواء. ~~وكان يرى أن العرب والعجم سواء. # وكيف غضبتم على عمر لأنه فضل قريشا على العرب، والعرب على العجم، ولم ~~تغضبوا على أنفسكم حين فضلتم بنى عبد المطلب على بني هاشم، وفضلتم بني هاشم ~~على بنى عبد شمس؟! # ففضلوا أيضا بنى عبد شمس على سائر قصي، وسائر قصي على سائر كعب، وسائر ~~كعب على سائر قريش، وكذلك سائر قريش على سائر مضر، وكذلك سائر مضر على ~~ربيعة، وربيعة على ولد إسحاق، وولد إسحاق على ولد قحطان. # وإن شئتم ففضلوا ربيعة على اليمن، واليمن على العجم. وإذا أنتم قد دخلتم ~~في كل ما عبتم. # فأما أن تفضلوا من شئتم على من شئتم - وإن كان من لم تفضلوا في القياس ~~كمن فضلتم - فليس ذلك لكم، لان القياس قد اعترض دون مشيئتكم وقضى عليكم. # ولو أن قائلا قال: أنا أزعم أن الناس كلهم بعد بنى عبد المطلب لصلبه ~~سواء، كما قلتم إن الناس كلهم بعد بني هاشم سواء، ما كان (1) الذي قال أمس ~~بالرسول وأولى بالحكم. فإن قلتم: فمن أين كان له أن يقف على PageV00P219 # جد عبد المطلب وليس بينه وبين هاشم إلا أب؟ فيقال لكم (1): وكيف كان لكم ~~أن تقفوا على جد هاشم وبين هاشم وعبد مناف أب واحد؟ ~~وكيف كان لكم أن تقطعوا التفضيل وحق القرابة من لدن هاشم، وهاشم وعبد شمس ~~أخوان لام وأب؟! ولذلك قال الشاعر: # عبد شمس كان يتلو هاشما %~% وهما بعد لام وأب # فاجعلوه يتلو هاشما في حق ~~القرابة واستحقاق الإمامة. وإذ جاز عندكم أن تتخطى الإمامة العم إلى ابن ~~العم كان [ذلك] في الأخ للام وللأب # ثم زعمتم أن الدليل على أن عمر صاحب ~~عصبية وحمية، رده لسلمان ms135 حين خطب إليه ابنته، وسلمان كان أعقل من أن يخطب ~~إلى أبى بكر وعمر وعثمان وعلى. # قلنا: جوابنا في هذا في خطبته إلى علي، وإن كان على أشرف موضعا. مع أن ~~القائم عن سلمان أنه كان يقول: قال لي النبي صلى الله عليه: " يا سلمان لا ~~تبغض العرب فتبغضني ". وكان يقول: أمرنا أن نأتم بكم ولا نؤمكم، وأمرنا أن ~~نزوجكم ولا نتزوج منكم. # فليس في الأرض متعرب وصاحب عصبية إلا وأكبر ما يحتج به في المناكح حديث ~~سلمان. # وقد تمنع الاشراف عقائل نسائها لأسباب غير التحريم، لا يكون ذلك عيبا ~~عليهم في آدابهم، ولا نقصا في أديانهم. # وفى قول على يوم الجمل حين رأى عبد الرحمن بن عتاب صريعا: ~~" شفيت نفسي وجدعت أنفى، قتلت الصناديد من بنى عبد مناف PageV00P220 ~~والمتني (1) الأعيان من بنى جمح! " فقال له رجل: لشد ما جزعت عليه يا ~~أمير المؤمنين! قال: " إنه قد قامت عنى وعنه نسوة لم يقمن عنك " دليل أنه ~~قد كان يرى للأمهات قدرا كثيرا، وللمناكح خطرا عظيما. # وفى كراهته أن يتزوج المقداد ضباعة بنت الزبير، حتى كان من النبي إليه ~~الذي كان، دليل على شدة تدبيره. # وإنما ينبغي أن يقضى بين أصحاب محمد من قد عرف أمورهم في جميع متقلبهم، ~~لأنه غير مأمون على المتكلم إذا قل سماعه أن يخرجه الجهل [إلى] استصغار ~~بعضهم أو تضليله (2) والبراءة منه، فيهلك هلاك الدنيا والآخرة. # وإن أغنى الناس أن يكون أصحاب محمد خصومه لأنتم معشر أصحاب النظر ~~والمتكلمين. # والذين نحلوا عمر العصبية رجلان: رافضي أحب أن يمقته إلى العجم والموالي، ~~ومتعرب عرف أن عمر عند الناس قدوة، فنحله ذلك ليكون له حجة. فاعرف ذلك. # وأما ما ذكروا من أن الزبير خرج شادا بسيفه يوم السقيفة، فإن كانوا ~~صادقين فإن هذا لهو الطيش والتسرع إلى الفتنة. وتهييج الناس على إظهار ~~السلاح. PageV00P221 # وإنما أتى أبو بكر الأنصار واعظا ومحتجا، ومسكنا ومصلحا بألين الكلام ~~وأحسن الهدى، لم يحمل سوطا ولا سيفا، ولم يظهر معازة ولا أراد المغالبة ~~(1). فما ms136 وجه خروج الزبير بسيفه شادا نحوه؟! بل كان أشبه الأمور بالزبير ~~وأولاها به، والذي يجب علينا أن نظنه به، أن يقوم محتجا ومصلحا. فإذا أبان ~~عن حجته وأعذر في موعظته فلم ير ذلك ناجعا (2) ولا مقبولا، ورأى شيئا يجوز ~~به حمل السيف والشد به، كان من وراء ذلك. # وكيف علمتم أن الزبير إنما سل سيفه ليؤكد لعلى إمامته أو ليوطئ له ~~خلافته؟! ولعله إنما أراد الامر لنفسه دون غيره. ولعله إنما غضب لصرف الامر ~~من خاله وكبيره وشيخه العباس بن عبد المطلب فكيف علمتم أنه إنما أراد صرفها ~~عن أبي بكر خاصة؟! وكيف يشد على رجل لم يقل بايعوني ولا أظهر الحرص عليها، ~~وإنما كره أن يبقى الناس نشرا، وعلم أن على الأنصار أن يسمعوا للمهاجرين. ~~وقد قال للناس: " بايعوا أي هذين شئتم " يعنى أبا عبيدة وعمر، إلا أن يكون ~~الزبير قال: ولم كنت أنت المحتج على الأنصار والمعرف لهم فضل المهاجرين ~~عليهم دون على. # ويقال لهم عند ذلك: أما بادي الرأي والذي لا نشك فيه نحن ولا أحد ممن ~~خالفنا، فالذي كان من مناصبة الزبير لعلى ومحاربته له دون الإمامة، وزعمه ~~أنه أفضل منه وأولى بها منه، ولو جعلها شورى لفرعه وبرز عليه. PageV00P222 # ثم الذي لا يشك الناس فيه من طاعته لعمر، وإنما عمر شعبة من شعب أبى بكر. ~~ولقد بلغ من تعظيمه لعمر وطاعته له وإكباره لقدره، أنه محا نفسه من الديوان ~~لما قتل عمر تسلبا عليه (1)، ورفعا لقدره أن بلى منه من الاعطاء والمنع أحد ~~كما كان يليه منه عمر. كما محا نفسه من الديوان حكيم بن حزام لما توفى ~~النبي صلى الله عليه. وكذلك محا نفسه من الديوان عبد الله بن الزبير حين ~~قتل عثمان. # ولقد بلغ من طاعته لعمر أنه بعثه مددا لعمرو بن العاص، فجعل عمرا الأمير ~~عليه ينفذ لامره ويصلى بصلاته. # والذي يدلك على انبتاته (2) في هوى أبى بكر، وانقطاعه، إليه بمودته، ~~الخاصة التي كانت بين أبى بكر وبينه. وذلك أن عبد الله ms137 بن مسعود أوصى إليه ~~حين مات. وعبد الله عمري محض، وهو القائل في عثمان حين برز على الشورى: " ~~ما ألونا أن جعلناها [في أعلا] نا ذا فوق (3) فإذا كان هذا قوله في عثمان ~~وعلى فما ظنك به في أبى بكر وعمر (4) ". # ثم أوصى إليه عثمان بن عفان [و] هو أصل العمرية والعثمانية، والمباينة ~~لعلى وشيعته عندهم. وأوصى إليه عبد الرحمن بن عوف، وهو المختار PageV00P223 ~~لعثمان على على، وصاحب أبى بكر، والدافع بالموسم في خلافة أبى بكر من بين ~~جميع المهاجرين. # هذا مع أسباب الزبير الواشجة بأبي بكر: فمن ذلك إسلامه على يديه، ~~واحتماله مؤونته في مصاهرته، حيث رغب إليه في تزويج ابنته أسماء ذات ~~النطاقين، فولدت عبد الله - وعبد الله كنيته أبو خبيب - وعروة وغيرهما. ~~وكان عبد الله أول مولود ولد في الهجرة، فسماه الزبير باسم جده أبى بكر، ~~لان اسم أبى بكر عبد الله ولقبه عتيق، وإنما لقب بعتيق لعتق وجهه ودقة ~~محاسنه. ثم كنى الزبير بأبي بكر بكنية جده. فكان عبد الله بن الزبير يكنى ~~أبا بكر تيمنا منهم بكنيته وتبركا باسمه. # وقالت عائشة رضي الله عنها: ألا تكنيني يا رسول الله؟ قال: ~~" بلى، اكتنى بابنك " يعنى عبد الله بن الزبير. فكانت عائشة تكنى بأم عبد ~~الله. ولذلك كانت تقول: قال ابني، وفعل ابني، وكادوا يوم الجمل أن يقتلوا ~~ابني. # فيقال للرافضة: أما العيان والوجود فهو الذي خبرناكم به. وأما ما ادعيتم ~~من [أن] الزبير سل سيفا ليؤكد إمامة على فقد ينبغي أن تأتوا على ذلك ~~ببرهان، فأما معاداة الزبير له ومحاربته إياه وفخره عليه، فهذا مالا يدفع ~~عنه، ولقد فخر عليه حين دعاه إلى الشورى وأبى ذلك على فقال: ~~أسلمت بالغا مدركا وأسلمت ناشئا طفلا، وكنت أول من سل سيفا في الاسلام ~~ببطن مكة وأنت مستخف في الشعب يكفلك الرجال ويمونك الأقارب من هاشم، وكنت ~~فارسا وكنت راجلا، وكنت شجاعا وكنت PageV00P224 ~~بطلا. ولئن كنت تزعم [أنك ابن عمه] إني لابن عمته (1). وأنا عابر البحر ~~يوم الحبشة، وفى ms138 هيئتي نزلت الملائكة. وأنا حواري رسول الله صلى الله عليه ~~وفارسه. # خبرني بهذا الكلام أبو زفر (2). عن ضراب (3) أن الزبير كان احتج به. # وخبرني جماعة من العثمانية عن محمد بن عائشة (4)، أن الزبير كان احتج به، ~~وقد سقط عنى بعضه لطول العهد بسماعه. # وقالت (العثمانية): العجب أن الروافض ربما احتجت علينا بأن الزبير سل ~~سيفه ومضى قدما في تأكيد بيعة على وخلع سواه، ونقص من أبى بكر. # فيقال لهم: فما منعكم أن تقولوا لما مات النبي صلى الله عليه وجحد السلف ~~إمامة على: كفر الناس خلا خمسة نفر (5) أولهم الزبير في نفسه وفضيلته على ~~غيره، وأكبر ما كان منه من سل السيف والشد به، وهذا موقف لم يقفه بلال ولا ~~أبو ذر. وأنتم على ثقة أن PageV00P225 ~~ذلك كان. وأن السيف لم يحمل إلا لنصرة على دون العباس وجميع بنى عبد مناف ~~وما ولد قصي. # وكيف لم يكن أدنى منازل الزبير أن يكون قد كان مؤمنا وليا إلى أن جحد ~~إمامة على بعد مقتل عثمان. فيكون سبيله شبيها بسبيل حذيفة وعمار، لأنهما ~~كانا عندكم كافرين حتى تابا في زمن عثمان، فكان يكون الزبير مؤمنا إلى أن ~~كفر عند مقتل عثمان. # وإنما صار حذيفة وعمار عند الرافضة وليين لأنهما قالا بزعمهم: ~~والله ما دخل عثمان حفرته إلا كافرا. وإنه لحيفة على الصراط يوم القيامة. ~~يتأذى به أهل الجمع. # فإن كانوا إنما صاروا إلى توليهما بعد إكفارهما من أجل تصديق هذا الحديث ~~فإن الذين رووه هم الذي رووا أنهما قالا: والله ما دخل عثمان حفرته إلا ~~كافرا. وإنه لجيفة على الصراط يتأذى به أهل الجمع، وإنه لا يلي هذا الامر ~~بعد عمر إلا كل أصفر أبتر! فإن كانا قد تابا بقولهما الأول لقد ارتدا ~~بقولهما الثاني حين قالا: وإنه لا يلي هذا الامر من بعد عمر إلا كل أصفر ~~أبتر. # ولو لم يكن ذلك كذلك بل كانا مرتدين فتابا فتوليتموهما عند توبتهما ~~وعاديتموهما قبل ذلك على طاعتهما لعمر، فما بالكم لم تقولوا مثل ms139 ذلك في ~~الزبير أنه لم يزل مؤمنا حتى جحد إمامة على بعد؟! مع أن سل الزبير سيفه، ~~وعدوه نحو أبى بكر وأصحابه، وقول عمر: " دونكم الكلب " حتى أخذ سيفه وخطر، ~~إنما هو حديث وجدناه في بعض السيرة، وليس من الأخبار المستفيضة، وليس مما ~~يحققه أصحاب الحديث. PageV00P226 # وإن قالوا: فما قول أبى بكر في خطبته التي خطب بها في أول خلافته: " ~~وليتكم ولست بخيركم "؟ وهل يخلو هذا القول من الصدق والكذب. فإن كان صدقا ~~فهو خلاف قولكم في تفضيله على جميع أئمتكم، والرجل كان أعلم بنفسه وبأهل ~~دهره، وإن كان كاذبا فأي كذب أقبح من كذب إمام على منبر جماعة؟! ومن أحق ~~بألا يليهم ويحمل إمامة دينهم ودنياهم ممن يكذب على منبر الرسول من غير أن ~~يكرهه أحد أو يريده عليه، أو يكون في تقية كخائف السوط والسيف؟! بل ما ~~يدعوه إلى الكذب، والكذب مقبح في العقل مقبح في الدين، ولم يكن هناك رهبة ~~تسوقه ولا رغبة تقوده؟! على أن كذب الرعية (1) أسخف وأقبح، وهو لا يخلو من ~~أن يكون صادقا فلا يسعه أن يتقدم من هو خير منه وقد مكنه تقديمه، أو يكون ~~كاذبا (2) فالقول فيه على ما قلنا. # قلنا: إن (العثمانية) تذكر لذلك وجوها: # فمنها: أن الحسن كان يقول: والله أعلم أنه كان خيرهم، ولكن المؤمن يهضم ~~نفسه. فزعم الحسن أنه إنما تهضم نفسه ووضع منها لان الخلف المشفق كثيرا ما ~~يزرى على نفسه ويعيب عليها ويستبطئها (3). ~~ويظهر المقت لها والخوف عليها. فهذا كان مذهب الحسن. # وأما قتادة فزعم أنه قوله: " وليتكم ولست بخيركم " إنما أراد في الحسب، ~~ليعلمهم أنه إذ يليهم بالحسب فإنما وليهم بالسابقة. لانهم PageV00P227 ~~قد كانوا أكثروا من قولهم: أرضيتم معشر بنى عبد مناف أن تلى عليكم تيم؟! ~~وأراد في أول مقام قامه أن يعلمهم [أن] ذلك المقام لا ينال بأن يكون صاحبه ~~خير الناس حسبا ومركبا، إنما ينال بأن يكون خير الناس علما وعملا. # وأما غيرهما فزعم أن من عادة الخائفين الوجلين المشفقين أن يقول ms140 الرجل ~~منهم: كل أحد خير منى؟ ثم يبكى على تضييعه، ويستعظم صغير ذنوبه كأنه ليس في ~~الأرض مذنب سواه، وأكثر ما يقول ذلك عند ذكر بعض ذنوبه أو عند بعض ما ~~يعارضه به الشيطان والانسان، من تزكيته وتقريظه وإظهار تفضيله لنفسه ~~وإحسانه، والعجب (1) بحاله. لأنه ليس بعد أن يرى العبد أن ذنبه من قبل ربه ~~مذهب هو أعظم من استكبار الطاعة واستصغار المعصية. فعند ذلك يعارضه المؤمن ~~بتقريع نفسه وتأنيبها، وتوقيفها على ما فرط منها، وتذكيرها مساويها، ~~واستعظام كل ما كان من تقصيرها وإساءتها، واستصغار كل ما كان من عظيم ~~إحسانها وطاعتها، فيقول: كل أحد خير منى. وما أشبه من الكلام. # وهذا الضرب من اللفظ، إذا كان على هذا الوجه فليس في مجرى الكذب وقول ~~الزور، وإن كان القائل: " كل أحد خير منى " خيرا من كل أحد. # فكأن أبا بكر لما خطب الناس وقام مقام رسول الله صلى الله عليه، وسلم ~~عليه المهاجرون والأنصار وعلية قريش وسادة العرب قياما على أقدامهم، وصفوفا ~~على مراتبهم، يقولون: السلام عليك يا خليفة رسول الله PageV00P228 ~~وألقيت إليه أزمة الأمور، وأعطوه المقادة، وأسمحت نفوسهم له بالطاعة وقد ~~صرفوها عن القرابة وعن أهل الشرف، رأى بسطة عيشه (1) من عز الخلافة وبأو ~~الإمامة، ما لا يعرف قدره غيره، ولا تأتى الصفة على كنهه، وللشيطان (2) ~~هناك مداخل ومخاتل، ودس وتحريك وطمع، ليس يقوى بشرى على دفع تلك الفتنة، ~~وتسكين تلك الحركة، والنهوض بتلك المحنة، إلا بغاية الزري على النفس والهضم ~~لها. والبخس والتخون منها، وتناسى ذكر جميع محاسنها، واجتلاب ذكر جميع ~~مساويها. فبالحري إذا صنع ذلك أن يرد من غربه وطوائع نفسه، وحركة همته، ~~وانتشار عزمه، وانتقاض مرته. # وهذه حال لا يمتحن بها إلا الخلفاء، ولا يختبر بها إلا الأئمة الهدى، لان ~~معهم من قوة المنن ومن فضول الأحلام، وشدة الورع وكثرة العلم، وثبات النفس، ~~والمعرفة بما أداه الطائع، وإماتة الشهوات، وقمع... ما يقام به موريه (3) ~~مكايد الشيطان وتعظيم الانسان، وعز السلطان، والنفس لا تسمح بإعطاء ما ~~عليها ms141 حتى تمنعها مالها. # وإن كان قول أبى بكر: " وليتكم ولست بخيركم " إنما أراد به مداواة قلبه، ~~والزري على نفسه فليس بكذب وإن كان خيرهم، إذ كان إنما أراد إصلاح قلبه، ~~وعلاج دائه، والبعد من تقرير القوم بنقصهم عن فضله، والفخر عليهم بتبريزه. ~~فإنما أراد أن يكون سبيله سبيل من يظهر التعلم إذا علم، وسبيل من يتواضع ~~إذا عظم. فجمع بذلك حسن الأدب، والبعد PageV00P229 ~~من التزكية. والتحبب إلى المستمع، والتواضع لربه، والمداواة لقلبه، ~~والظفر بعدوه، وإحراز دينه. # وقد يكون إخلاص ظاهر لفظه على شئ ومعناه غيره، فلا يكون ذلك كذبا، لمعرفة ~~القائل بفهم المستمع عنه. وهذا باب كثيرا ما يستعمله العرب. # يقول الرجل لامرأته: ألقيت حبلك على غاربك! وهو يعنى طلاقها وليس هناك ~~حبل ألقى على غارب. # ويقول: مالي في هذا الامر ناقة ولا جمل! وليس ذلك يريد. ~~و: لست منها في عير ولا نفير! وليس ذلك يريد. # وقال عمر في الصداق ما بلغكم، فلما احتجت عليه المرأة بقول الله: " ~~وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا (1) " قال: كل أحد أفقه من عمر. # وهذا القول ينبغي أن يكون على قياسكم هذا كذبا. ولا نعلم أحدا رواه عن ~~عمر إلا على التفضيل له. ووجهه قائم معروف. # فإن قالوا: ما معنى قول أبى بكر: " بايعوا أي هذين شئتم "، يعنى عمرو ~~وأبا عبيدة. # قيل لهم: إن أبا بكر إنما قال هذا الكلام للأنصار ومن حضر بعد أن قرر ~~الأنصار بفضل المهاجرين عليهم. وأن الامراء منهم. فعلم عند ذلك أنه بائن ~~عند الأنصار من جميع المهاجرين كما بان عند المهاجرين PageV00P230 ~~ولكنه كان سائسا رفيقا، فكره أن يقول بايعوني، ليكونوا هم الذين يطلبون ~~منه ذلك ويريدونه عليه، ويظهرون حب تقديمه، لتكون النفوس بطاعته أسمح، ~~وفيها أرغب، ولمذهبه أحمد، ولان ذلك عندهم أبعد من الاستبداد عليهم. ~~والافتيات بالامر دونهم، والحرص على التأمر عليهم. ولذلك مشى في الناس بعد ~~بيعته ثلاثا يقول: هل من مستقيل فيقال؟ # وقد قال في خطبته بعد البيعة: # وقد كانت بيعتي فلتة، وخشيت الفتنة، ms142 وأيم الله ما حرصت عليها يوما ولا ~~ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، ومالي فيها راحة. ~~وقد قلدت أمرا عظيما مالي به طاقة، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني. # ألا ترى زهده فيها (1)، وقلة حرصه عليها، وكيف يخبر أنه لو لم يخش الفتنة ~~ما قبلها، ولود أن أقوى الناس عليها مكانه؟! # وقوله " لوددت أن أقوى الناس عليها مكاني " يقول: وددت أنه لو كان في ~~الناس من هو أقوى عليها منى. ليس (2) أنه يرى أن في الأرض يومئذ رجلا هو ~~أقوى عليها منه. # ومثل هذا في كلام العرب كثير. # وقال الراجز (3) وذكر إبله فقال، إذا كانت عليها مغارضها (4): PageV00P231 # * يشربن حتى تنقض المغارض (1) * # يقول: يشربن حتى لو [كانت عليها مغارضها ~~(2)] سمعت لها نقيضا. ~~والبعير لا يورد وعليه غرضه وبطانة. # ثم رجعنا إلى الحديث الأول # فكأن أبا بكر حين قال: " بايعوا أي هذين شئتم ~~" علم أن عمر وأبا عبيدة لا يستجيزان تقدمه والتأمر عليه، كما بلغنا من قول ~~عمر في أبى بكر، يوم جمع المهاجرين والأنصار يستشيرهم في غزو الروم حيث ~~خالفوه وأبى أبو بكر إلا إنفاذ ذلك الجيش والتعريف لهم بالحجة (3) فيه، حين ~~يقول: " الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه. والله ما استبقنا إلى ~~شئ من الخير إلا سبقنا إليه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم ". # وقال أيضا يوم السقيفة حين قال أبو بكر: بايعوا أي هذين شئتم: ~~" والله لان أقدم فتضرب عنقي أحب إلى من أن أتقدم أبا بكر ". ~~وقال: " والله لان أضجع فأذبح كما يذبح الجمل أحب إلى من أن أتقدم أبا ~~بكر! ". # ولقد بلغ من تعظيمه له وتقديمه إياه، أنه قال حين سئل عن الكلالة " والله ~~إني لاستحى الله أن أرى خلاف رأى أبى بكر ". # وأنت لم تجد أبا عبيدة تقدمه في موقف قط، وقد وجدت أبا بكر قد تقدم أبا ~~عبيدة في مواقف كثيرة، في حياة رسول الله صلى PageV00P232 ~~الله عليه وبعد وفاته، كما حكينا لك قبل هذا. ولم ms143 نجد ذكر أبى بكر وعمر ~~في موضع قط إلا وأبو بكر المقدم عليه، مع مقامات لأبي بكر شريفة ليس لعمر ~~فيها ذكر. # فبين أن يكون أبو بكر يأمرهم بذلك أمرا أو يطلب إليهم طلبا، وبين أن ~~يجعله إليهم فيكونوا الطالبين له والراغبين إليه، وليكون ذلك من تلقائهم ~~وطيب أنفسهم، فرق عظيم. # وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عمر والنبي يقول: " ضرب بالحق على لسانه " ~~و " الشيطان يفرق من حسه (1) " واللهم أعز الاسلام بعمر "؟! وأية بيعة أثبت ~~من بيعة عقدها أبو عبيدة والنبي يقول: " لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو ~~عبيدة بن الجراح ". # وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عبد الرحمن بن عوف وقد سماه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " الأمين (2) " فإذا كان أمين رسول الله صلى الله عليه في ~~أمته، والفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، حيث قال: " لا يعبد ~~الله سرا بعد اليوم " قد عقدا بيعته وأكدا أمره (3) فما عسى أن يبلغ قول ~~قائل؟! ولو كان ذلك عن مواطأة من PageV00P233 ~~أبى بكر لأبي عبيدة كما واطأ معاوية عمرو بن العاص، ما استعمل عليه خالد ~~بن الوليد أميرا أيام حياته حتى عزله عمر بن الخطاب، ولكان كما صنع معاوية ~~بعمرو حين أطعمه مصر. # وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عبد الله بن مسعود، والنبي صلى الله عليه ~~يقول: " رضيت لامتى ما رضى لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره ابن أم عبد ~~(1) ". فإذا رضى ابن أم عبد بيعة رجل فقد رضيها النبي عليه السلام، إذ كان ~~النبي قد قال: " رضيت لامتى ما رضى لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره ابن ~~أم عبد ". # ولقد بلغ من تقديمه لأبي بكر وعمر وعثمان أنه قال عند اختيار الناس ~~لعثمان: " ما ألونا أن جعلناها في أعلانا ذا فوق (2) ". # ولقد بلغ من تعظيمه لعمر وتقديمه له، أنه قال: " لقد خشيت الله في حب عمر ~~". وقال: " ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر ". وقال بعد موت عمر: " إن عمر ~~كان ms144 للاسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما مات انثلم ذلك ~~الحصن فصار الناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه ". وقال: " إذا ذكر الصالحون ~~فحى هلا بعمر (3) ". # فإذا كان عمر وعثمان من أتباع أبى بكر وشيعته وأوليائه، وهذا قوله فيهما، ~~وتفضيله لهما، فما ظنك به في أبى بكر؟! PageV00P234 # ولو أن رجلا واحدا من نحو من ذكرنا عقد لعلى إمامة، أو نطق فيه بكلمة، ~~لأكلت الشيع والرافض هذه الأمة فضلا عن أن تحتج يرضاه واختياره، فهذا هذا. # ثم الذي نقلوا إلينا (1) من تثبيت على بيعة أبى بكر. وذلك أنهم قالوا: ~~لما بويع أبو بكر وبايعه على وبنو هاشم، قام أبو بكر فطاف في الناس ثلاثا ~~يقول: " أيها الناس، قد أقلتكم بيعتي "! قالوا: ~~يقول على من بين الناس: " والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ~~صلى الله عليه تصلى بالناس فمن ذا يؤخرك؟! ". # ثم الذي نقله الناس عن علي حين قال على منبره: " ألا إن خير هذه الأمة ~~أبو بكر، والثاني عمر، ولو شئت أن أخبركم بالثالث فعلت ". # ونقلوا جميعا أن عليا قال: بينا أنا يوما عند رسول الله صلى الله عليه إذ ~~أقبل أبو بكر وعمر فقال النبي: " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين ~~والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما بالذي قلت يا علي ". ~~قالوا: قال على: لولا أنهما قد ماتا ما حدثتكم. # قال الشعبي: قال على: " إن أبا بكر كان أواها منيبا، وإن عمر ناصح الله ~~فنصحه الله ". # ونقلوا أن عليا قال - ودخل على عمر وقد مات وهو مسجى - PageV00P235 ~~فقال: رحمك الله يا عمر! والله ما أحد أحب إلى أن ألقى الله بمثل صحيفته ~~من هذا المسجى صاحب السرير! # وبلغه أن رجلا تناول أبا بكر وعمر، فقال للرجل: لو سمعت منك الذي بلغني ~~لألقيت أكثرك شعرا. # وقال: لو أتيت برجل يشتمهما لجلدته حد المفترى. # ثم الذي نقله جميع أصحاب الآثار أنه قال: كنت إذا سمعت من النبي صلى الله ~~عليه حديثا نفعني الله بما شاء منه، ms145 فإذا حدثني غيره عنه استحلفته، فإذا ~~حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني - وصدق أبو بكر - حدثني أن النبي صلى الله ~~عليه قال: " ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلى ركعتين ~~ويستغفر الله إلا غفر له (1) ". # ألا ترى كيف أورده بالتصديق وقلة التهمة، وأقامه مقام التقليد ورفع ~~الاسترابة. # فهذا مذهب على فيهما وتعظيمه لهما. # ثم الذي كان من تزويجه أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه، ~~من عمر بن الخطاب، طائعا راغبا، وعمر يقول: إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " إنه ليس سبب ولا نسب إلا منقطع، إلا نسبى ". قال على: ~~إنها والله ما بلغت يا أمير المؤمنين. ~~قال: إني والله ما أريدها لذاك! فأرسلها إليه فنظر إليها قبل أن يتزوجها، PageV00P236 ~~ثم زوجها إياه، فولدت منه زيد بن عمر، وهو قتيل سودان مروان (1)، فلما ~~أتى النعي أم كلثوم كمدت عليه حزنا حتى ماتت، وقالت: واحربها! ~~قتل أبوها علي بن أبي طالب، وقتل زوجها عمر بن الخطاب، وقتل ولدها زيد بن ~~عمر. # ثم تسمية على أولاده بأسمائهم، كما يتبرك الرجل بأسماء أئمته وقادته، حين ~~سمى بعمر وعثمان وأبى بكر، فأعقب عمر ولم يعقب أبو بكر وعثمان. # ثم الذي كان من قبوله ولاية عمر حين استخلفه على المدينة، ومضى عمر ~~معسكرا يريد جيش مهران (2) بعد وقعة قس الناطف (3) فأتاه على إلى معسكره ~~فأشار عليه فيمن أشار (4) بأن الرأي أن يرجع إلى المدينة ولا يلقاهم بنفسه ~~وحده، بل يكون للمسلمين فيئة (5). فرجع عمر. # وإنما أراد عمر بذلك تحريك الناس ليجدوا ويعزموا. # فإن قالوا: هذا كله باطل، أو قالوا: إن هذا الذي حكيتموه وإن كان حقا ~~فإنما كان على التقية. فقد قلنا في ذلك أجمع بالذي يكتفى به. # والعجب أنهم يوجبون على الناس تصديقهم أن سلمان قال: " كرداذ PageV00P237 ~~ونكرداذ (1) " وأن الزبير خرج شادا بسيفه ليؤكد إمامة على، وأن الأنصار ~~إنما خالفت على المهاجرين نقضا من استبداد أبى بكر (2)، وأن أبا سفيان بن ~~حرب، وخالد بن ms146 سعيد، إنما قالا: " أرضيتم معشر بنى عبد مناف أن بلى عليكم ~~تيم "، نصرة لعلى دون جميع بنى عبد مناف، فإن الله رد عليه الشمس (3)، وإن ~~النبي قال: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى "، وجعل إليه طلاق نسائه، وأنه ~~قسم النار (4)، وصاحب العرض، والقائم على الحوض، فيوجبون علينا أن نصدقهم ~~في هذا ولا يوجبون على أنفسهم لحمال الآثار أن عليا قال في الخلية والبرية، ~~والبائنة، والبتة، وطلاق الحرج، وأمرك بيدك، والحرام، أنها كثلاث تطليقات، ~~ويوجبون على طلاب الحديث أن عليا كان لا يرى الطلاق إلا طلاق السنة. # وهذا أمر ما سمعنا به قط عن علي إلا منهم. # وليس بأعجب من استشهاد خصومهم العيان والاجماع وما عليه الوجود، ~~واستشهادهم القصد والضمير والغيب، وجعلهم له يوازن الظاهر والشائع. # وذلك أن القائل إذا قال: أسلم أبو بكر كهلا وأسلم على طفلا. PageV00P238 ~~قالوا: كان على وهو ابن سبع سنين أرجح عقلا من أبى بكر وهو ابن إحدى ~~وأربعين سنة. فتركوا العيان وعارضوا الشاهد بالغائب. # وإن قال قائل: إن أبا بكر كان مع النبي في الغار وقد نطق به القرآن وثبته ~~الاجماع. قالوا: فإن عليا أباته النبي على فراشه. # وإن قلت: إن النبي سمى أبا بكر بالصديق تفضيلا له ولم يجعل له اسما يفضله ~~به. قالوا: بلى، قد كان النبي سماه الصديق الأكبر، ولكن الناس منعوه ذلك ~~وظلموه، حين لم يسيروه ويشيعوه. # وإن قلت: إن النبي اشتكى أياما وليالي، كل ذلك يأمر أبا بكر بالصلاة، وهو ~~حاضر ولا يأمره، قالوا: لان عليا كان مشغولا بتمريضه. # وإن قلت: إن الناس لما افتتنوا بعد موت النبي وعظموا شأنه حتى دعاهم ~~الافراط إلى أن قالوا: لم يمت، ولكنه يغيب مثل ما غاب موسى عن قومه. فكان ~~أبو بكر هو المتكلم والمحتج والمحامى حتى عرفهم الحق وتنبهوا من الوسنة. ~~قالوا: لان عليا قد كان اشتد حزنه حتى قطعه عن الاحتجاج والتعريف. # فإن قلت: حين أظهروا الفرقة والدار دارهم. لو تركهم أبو بكر ولم يعرفهم ~~فضل المهاجرين عليهم. لكان في ذلك ms147 أشد الفتنة وأكبر الفساد، فعاجلهم وتجرد ~~للاحتجاج عليهم، حين كان كل إنسان همه هم نفسه، وعلى بمعزل حتى كأنه كان ~~غائبا. قالوا: لان عليا قد كان عرف حسد قريش وبغيها عليه، وطاعتها وحبها ~~لأبي بكر، فلم يكن ليقدح في غير مقدح، أو ينفخ في غير فحم. PageV00P239 # فإن قلنا: إن إظهار على الرضا بالشورى دليل على طاعة عمر. ~~قالوا: إنما ذلك للتقية. # فإن قيل: فلم رضى بعبد الرحمن مختارا وعبد الرحمن عنده من عدوه، وأدنى ~~منازله أن يكون كان مخوفا عنده، وأدنى من ذلك أن يكون الغلط غير مأمون ~~عليه. # قلنا: وهلا أظهر من الخلاف شيئا يسير إلينا، وهلا نطق بحرف واحد بقدر ما ~~يتخذه الناس بعد حجة، ولم يكن بلغ أقصى خلافهم فيرى وعيدا أو إيقاعا. # فإن قلت: إن عليا قال لأسماء بنت عميس - وهى يومئذ امرأته - حين تفاخر ~~ولدها من أبى بكر وجعفر وعلى عندها: اقضى بين ولدك. ~~فقالت: ما رأيت شابا كان أطهر من جعفر، ولا رأيت شيخا كان أفضل من أبى ~~بكر. وإن ثلاثة أنت أخسهم لفضلاء (1)! فلم ينكر ولم يحتج، ولم يفرق (2) ولم ~~يتعجب، والكلام يؤثر والقضية تظهر. # قالوا: إن فضله أظهر في الناس من أن يحتاج إلى الاحتجاج. ~~وإنما قالت ذلك مازحة، كما تمزح المرأة مع زوجها وتحرش به (3). # فإن قلت: إن عليا قد بايع أبا بكر وأعطاه صفقته طائعا غير مكره والحكم ~~السابق من الله ورسوله أن المدعى عليه إذا أقر ولم ينكر، ولم ير الوالي أثر ~~جنون ولا إكراها، أن إقراره جائز عليه، فكذلك PageV00P240 ~~على إذا كان قد بايع وليس على رأسه سيف ولا سوط، فحكمه حكم الراضي ~~المسلم. # قالوا: قد كان هناك إكراه ظاهر، ولكن الناس تكاتموه وأخفوه فيما بيننا ~~وبينهم، إذ كان الجمهور الأكبر معهم. # فإن قلت: قد صدقناكم في قولكم إنه قد كان في تقية من أبى بكر وعمر ~~وعثمان، رأيتم أيام سلطان نفسه ومعه مائة ألف سيف تطيعه وأهل الأرض كلهم ~~رعيته ما خلا الشام، لم كان يظهر تزكية ms148 أبى بكر وعمر على منبره وفى مجلسه؟ # قالوا: للتقية من رعيته، إذ كان أكثرهم على هواهم وطاعتهم. # قلنا: قد عرفنا أن تركه لعنهم والبراءة منهم والاخبار عن استبدادهم ~~وظلمهم، على التقية، فما حمله على تزكيتهم والاخبار عن محاسنهم، والرواية ~~الحسنة فيهم. وقد كان له في السكوت سعة، وعن الكلام مندوحة؟! ولقد تعدى في ~~مديح أبى بكر وعمر حتى قال لابن طلحة: " إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن ~~قال الله: " إخوانا على سرر متقابلين ". # وإن قلنا: إن في تسميته بنيه بأسمائهم دليل على تعظيمه لهم. # قالوا: لأنه قد كان علم أن شيعته سيحتاجون في آخر الزمان إلى الترحم على ~~أبى بكر وعمر وعثمان، تقية من شيعتهم، فسمى بنيه بأسمائهم، حتى يكون ذلك ~~الترحم واقعا عليهم. ولان ينصب لهم من إذا قصدوا إليه بالترحم أصابوا الحق ~~ولم يحتاجوا إلى الالطاط (1). PageV00P241 # وإن قلنا: إنه زوج عمر غير مكره (1) ولا شئ أدل على الخاصة والصفاء من ~~المشاركة والمصاهرة. # قالوا: قد كان هناك توعد وتخوف، وقد قال بعضهم: إن هذا باطل وإن عليا لم ~~يزوج عمر قط. ونبئت عن بعضهم أنه قال: قد كان ذلك على التقية، ولكن الله ~~صانها فأخفاها ورفعها. # فقيل له: فخبرنا عن التي رأوها في منزل عمر وعلى فراشه، وولدت منه زيدا، ~~ما هي؟ وأي شئ كانت؟ # قال: شيطانه في صورة امرأة. # وإن قلت لهم: كيف زعمتم أنه كان أشد أهل الأرض قلبا، وأنتم تزعمون أنه ~~كان يتقى كل شئ، حتى ليسلم حرمته إلى كافر من غير أن يشهر عليه سيف أو يضرب ~~بسوط. وقد رأينا من هو في دون حاله في النجدة والشجاعة. والحمية والبصيرة، ~~يمتنع حتى يقتل في دون هذا. وقد تعلمون أنه لم يكلم وله يخدش، فضلا على أن ~~يجرح ويقتل، في جميع المقامات التي زعمتم أنه إنما استجاز واستحل من ~~التقية. # وأعجب من جميع هذا أنا رأيناكم تزعمون أن أبا بكر وعثمان كانا من أجبن ~~البرية وأبعده من حمية، وقد رأينا صنيع أبى بكر في الردة ms149 كيف نهض بالقليل ~~في محاربة الكثير، وكيف أشاروا عليه بأن يستعين بجيش أسامة حتى إذا رد ~~الردة أعاد الجيش إلى حاله. وكيف قال لهم حين قالوا له: إنا قد أمنا غزو ~~الروم إيانا في يومنا هذا، ولسنا نأمن مع ارتداد جميع العرب أن نغزى في عقر ~~دارنا! قال: لو بقيت حتى يأكلني PageV00P242 ~~الكلاب وحدى ما أخرت جيشا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنفاذه. # ثم رأينا عثمان، وهو عندكم أضعف من أبى بكر وأجبن، قد كان محاصرا معطشا ~~مخذولا قد قهره عدوه، والسيوف تلمع على بابه، وقد أفضوا إلى داره، وتسلقوا ~~عليه من خوختة (1)، وهم يريدون نفسه أو خلع الخلافة من عنقه، فصبر حتى قتل ~~كريما محتسبا وهو يقول: ~~" لا أنزع قميصا قمصنيه الله! " وهو يرى الجد وليس معه أمان من قبله. # وقد يزعمون أن عليا قد كان يعلم أنه لا يقتل ولا يموت حتى يقاتل الناكثين ~~والقاسطين والمارقين، ومع ذا يزعمون أن الله (2) قد كان أسر إليه علم كل ما ~~يحدث في هذه الأمة من الفتن والهيج. وهذا لا يشبه اتخاذه أبا موسى حكما ~~عليه وله، مع غباء (3) أبى موسى وعداوته كانت له، ولا سيما إذا قرنه بعمرو ~~بن العاص. وما ظنك برأي عمرو وقد كان فيه معونه (4). # ففي جميع ما قلنا دليل على أن القوم إما أن يكونوا (5) مالكين لأهوائهم. # فإن قالوا: ما الدليل على إسلام أبى بكر فضلا على تقديمه وتفضيله ~~ومباينته؟ ومن أين لكم أن تزعموا أنه قد كان مسلما وأنتم وخصومكم مجمعون ~~على أنه قد كان كافرا، ثم ادعيتم أنه قد أسلم بعد كفره وأنكر ذلك خصومكم، ~~فليس لكم أن ترجعوا عما اجتمعتم عليه إلا بإجماع منكم PageV00P243 ~~يوازنه. وقد ينبغي أن تطرحوا موضع الفرقة وتقضوا بموضع الجماعة، وقد ~~جامعتمونا أن عليا لم يزل مؤمنا. # قيل لهم: إنا لو كنا عرفنا أنه قد كان مرة كافرا من قبل خبر أصحابنا ~~ومجامعة خصومهم لهم، وكان علم ذلك لا يصاب إلا بمجامعتهم لأصحابنا، لقد كان ~~الذي قلتم ms150 واجبا وقياسا صحيحا. ولكنا عرفنا أنه قد كان كافرا بقدر من الخبر ~~قد يكذب مثله (1) وبه ثبت عندنا أنه قد كان في الدنيا، فضلا على أن يكون ~~كان له فعل يسمى كفرا وإيمانا. ~~وإنما الحجة في المجئ الذي لا يكذب مثله، ثم لا نلتفت بعد ذلك إلى موافق ~~ولا إلى مخالف، ولا إلى عقل ولا إلى نظر. ثم نظرنا فإذا الوجه الذي منه ~~علمنا أنه قد كان في الدنيا، منه علمنا أنه قد كان مرة كافرا، و [هو] الوجه ~~الذي منه علمنا أنه قد أسلم بعد كفره. ولو أنا عرفنا كفره بنا وبخصومنا، ~~لما عرفنا إيمانه إلا بنا وبهم. # ووجه آخر من الجواب: أنكم قد جامعتمونا على أنه قد كان يشهد الشهادة. ~~ويأكل الذبيحة، ويظهر الاسلام، في حيث النفاق مستخف وثوب الاسلام داج (2)، ~~والكفر ذليل والاسلام عزيز، [ثم] ادعيتم بعد أن أقررتم أنه قد كان يظهر ~~الاسلام في دار الاسلام، أنه كان مستسرا بالكفر، وأنه كان من المؤلفة ~~قلوبهم. # قال واجب بالقياس أن يحكم له بالاسلام على ظاهر ما اجتمعنا عليه من ~~جملته. ولا ندع موضع الاجماع إلى قولكم وحدكم: إنه قد كان إسلامه PageV00P244 ~~على نفاق، لان الجماعة لا تنزل إلى فرقة، ولان الحجة لا تترك إلا بحجة. # فإن قالوا: فإن أبا بكر لم يشهد قط الشهادة، ولا صلى [إلى] القبلة. # قلنا: ما تقولون في رجل رأيناه كافرا في دار الكفر، ثم رأيناه بعد ذلك في ~~دار الاسلام وفى زي أهله، وحكم الاسلام غال، ومعلوم أن من عادة أهله قتل من ~~كفر، كيف يكون حكم ذلك الرجل؟ # فإن قالوا: ولكنا نقف في مغيبه. # قلنا: اجعلوا أبا بكر ذلك الرجل. # فإن قالوا: فإن أبا بكر لم يزل يظهر الكفر في دار الاسلام، كما كان يظهر ~~الكفر في دار الكفر. # قلنا: لابد لكفره من وجهين: إما أن يكون كان يظهره على عهده وذمة فلذلك ~~لم تقتلوه، أو يكون كان على غير عهد وذمة. # فإن ادعوا أن كفره كان على عهد وذمة كما ms151 جعل الله ورسوله للنصارى ~~ولليهود، خرجوا إلى ما لا نحتاج مع فحشه إلى الكلام فيه. وإن زعموا أنه كان ~~على غير عهد وذمة وحكم الاسلام ظاهر، فما أشبه هذا القول بالقول الأول. # ويقال لهم: خبرونا عن أبي بكر، هل يخلو من أن يكون لم يقل قط في دار ~~الاسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو يكون قد قال ذلك مرة واحدة؟ # فإن زعموا أنه قد قالها مرة واحدة ثم تركها، قيل لهم: فقد أقررتم وجامعتم ~~خصومكم على أنه قد شهد الشهادة، فليس لكم أن PageV00P245 ~~تخرجوه إلى نفاق أو إلى ترك، إلا لمجامعة خصومكم لكم، إذ كانت الفرقة لا ~~تنقض الجماعة. # فإن قالوا: فإنه لم يقل لا إله إلا الله محمد رسول الله مرة قط من دهره، ~~لا على نفاقة ولا على غيره، بل كان يظهر عبادة الأصنام، ثم مع ذلك سلم على ~~حكم الكتاب والسنة، وعلى حكم الدار. فليس عندنا في ذلك إلا إسقاطه وتحريم ~~كلامه وإمضاء حكم مثله فيه. # بل قد ثبت إسلامه بعد الوجوه التي ذكرتها بوجوه: # منها أن الله أثنى على عباده الصالحين، فخص بتفضيله السابقين والمهاجرين ~~الأولين. وقد اجتمعت الأمة أنه من المهاجرين الأولين مع فضيلة هجرته، إذ ~~كانت هجرته وهجرة رسول الله صلى الله عليه معا. ~~فهذا وجه. # ثم الذي رأينا من ذكر الله وثنائه على أهل بدر. وقد أجمع المسلمون أنه ~~كان ممن شهد بدرا، مع ما فضل من الكون في العريش، ولا موضع أدل على الخاصة ~~من ذلك الموضع في ذلك الموقف، مع ما شهد به من مستجيبيه وعتقائه ومواليه، ~~ولقد بلغ من قدر من شهد بدرا أن عامة الفقهاء تحدث أن الله " اطلع على أهل ~~بدر فقال اعملوا ما شئتم " فلذلك كان الحسن يقول: إن طلحة والزبير وعليا في ~~الجنة معا وإن لم يكونوا كانوا (1) في الدنيا، لانهم عتقاء الله من النار، ~~ولم يكن الله ليعتق عبدا ثم يعيده في رقه، ولذلك كان الحسن. وحوشب، وهاشم ~~الأوقص، وبكر ابن أخت ms152 عبد الواحد، يقولون إذا ذكروا يوم الجمل: " هلكت ~~الاتباع ونجت القادة " فهذا هذا. PageV00P246 # ثم الذي كان من ذكر الله وحسن ثنائه على من بايع تحت الشجرة. ~~وأي شئ أعجب من اجتماع السلف مهاجريها وأنصاريها خلا أربعة نفر على تقديم ~~رجل في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضى في أبشارهم وأشعارهم، ~~وفروجهم وأموالهم. ويحمل أماناتهم، ويدعونه خليفة رسول الله، حتى تترك (1) ~~الشريف المطاع ذا السابقة والقدم وتولى مكانه الخامل القليل المقصر، فلا ~~يراد ولا يدافع، ولا يراجع ولا يستفهم، وهو المعروف عندهم بجحد الرسول ~~وعبادة الأوثان، وليس بذى عشيرة منيعة. # ولا يستطيع أحد أن يزعم أنه قد كان واطأ العشائر ليصرفوا إليه عونهم على ~~أن يؤثرهم (2) ويفضلهم، ولو كان ذلك لظهر علمه ولم يخف أثره. ~~ومثل هذا لا يستطاع كتمانه وستره وتزميله. # وكيف وقد سوى بين الرفيع والوضيع، والذليل [و] المنيع؟! فلم (3) يؤثر ~~قريبا ولم يول نسيبا. # ولو استعان بطلحة وولاه وفضله لقد كان لذلك موضعا. وللولاية والتقديم ~~أهلا، بل صنع ضد ما يصنعه أصحاب الميل والأثرة، والعصبية والمواطأة. # ولو كان قريب القرابة لجاز (4) لقائل أن يقول: إنما قدم لقرابته. # ولو كان عصبية لقالوا: إنما استحق بوراثته. # ولو كان منيع الرهط لقالوا: إنما قدم لكثرة قبيلته. PageV00P247 # ولو كان استعان بقوم على مواطأة وشريطة، كصنيع معاوية بذى الكلاع وعمرو ~~بن العاص، لقالوا: إنما قدم رهبة ممن واطأه، ورغبة فيمن أكد هواه. # [و] ولى بنى مخزوم أعناق العرب وقتال أهل الردة، وحرب مسيلمة ومحاربة ~~طليحة. دون رهطه * ولو ولى ذلك طلحة لكان لذلك أهلا ولكن الطاعن قد كان يجد ~~سببا. # وكذلك عمر بن الخطاب لو كان أدخل في الشورى سعيد بن زيد كما كلم في ذلك. ~~وأدخل في الرقباء عبد الله بن عمر كما كلم في ذلك، لكان لذلك أهلا، ولكن ~~الطاعن قد كان يجد متعلقا. # وولى خالد بن الوليد حرب مسيلمة وطليحة وبنى تميم وأهل البادية، وولى ~~عكرمة ردة عمان، وولى المهاجر بن أبي أمية ردة أهل نجير واليمن. وما ms153 زال ~~عمر يعاتبه في خالد فيقول أبو بكر: " لا أشيم سيفا سله الله على الكفار ". ~~فهذا هذا. # والعجب (1) لهذه الأمة كيف اختلفت في رجلين أحدهما خير خلق الله. ~~والآخر شر خلق الله، وكيف اختلفت في رجلين أحدهما لم يزل مؤمنا والآخر لم ~~يزل كافرا، ثم كان المقدم الخسيس الكافر، على الرفيع المسلم! ~~[وهم] أصحاب القرآن وخاصة الرسول من الصحابة والبدريين والأنصار ~~والمهاجرين، وهم الذين قال فيهم التابعون: خير هذه الأمة أصحاب محمد صلى ~~الله عليه! ابتلوا فصبروا، وأنعم عليهم فشكروا. PageV00P248 # والعجب كيف رأوا (1) تفضيل على على أبى بكر وعمر مديحا له. ~~وإنما كان يكون على عاليا رفيعا متقدما زاهدا عالما سائسا أن لو كان أفضل ~~من فضلاء، وأعلم من علماء، وأعقل من عقلاء، وأزهد من زهاد، وأسوس من ساسة، ~~فأما أن يكون أفضل من أنقص الناس، وأزهد من أرغب الناس، وخيرا من شر الناس، ~~وأعلم من أجهل الناس، فليس في هذا التفضيل درك فيتكلفه متكلف، ويقوم به ~~قائم. # والعجب من رجلين بينهما هذا التفاوت والتباين ثم شهد المتكلمين (2) من ~~سمعهما يتنازعان فيهما، فيحسب الحاضر أن شرهما خيرهما، وهو الأريب الأديب ~~الذاهب مع التعارف عن التناكر. وكيف التبس الامر وأشكل أن لم يكن الامر ~~مشكلا ملتبسا. # وكيف يجوز أن يكون أبو بكر لم يزل كافرا، أو يكون كفر بجحده إمامة على ~~وكفر معه المهاجرون والأنصار، وقد أجمع أصحاب الاخبار وحمال الآثار أن ~~النبي صلى الله عليه قال: " إن من أمتي سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ~~" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، دع الله يجعلني منهم. قال: أنت ~~منهم. فقتل مع خالد بن الوليد يوم بزاخة في إمرة أبى بكر وطاعته والاقرار ~~بخلافته، قتله طليحة بن خويلد الأسدي. فكيف يجوز أن تكون إمامة أبى بكر ~~معصية فضلا على أن تكون كفرا والمقتول في طاعته والمنقاد لامره من أهل ~~الجنة. # ثم تزعم الروافض أن من الدليل على أن عليا كان المحق دون طلحة والزبير، ~~أن النبي صلى الله عليه [قال] ms154 وذكر زيد بن صوحان " زيد . PageV00P249 ~~وما زيد! يسبقه عضو منه إلى الجنة " فقتل يوم الجمل. فجعلوا الدليل على ~~صواب على في قتاله أن زيدا قتل في طاعته. # قيل لهم: ففي قول النبي " يسبقه عضو منه إلى الجنة " دليل أن ذلك العضو ~~لم يسبق إلى الجنة إلا وقد قطع في طاعة الله. وقد اجمعوا أن يده قطعت يوم ~~نهاوند، في طاعة عمر. # وهذا باب كبير إن تتبعه متتبع. ولكنا أردنا أن ندل على جميع الأبواب في ~~تفضيل الشيخين، ونفى التنص عنهما (1). # وإن سأل سائل فقال: هل على الناس أن يتخذوا إماما وأن يقيموا خليفة؟ # قيل لهم: إن قولكم " الناس " يحتمل الخاصة والعامة، فإن كنتم قصدتم ~~إليهما، ولم تفصلوا بين حاليهما، فإنا نزعم أن العامة لا تعرف معنى الإمامة ~~وتأويل الخلافة. ولا تفصل بين فضل وجودها ونقص عدمها (2) ولأي شئ ارتدت ~~ولأي أمر أملت، وكيف مأتاها والسبيل إليها، بل هي مع كل ريح تهب، وناشئة ~~تنجم (3) ولعلها بالمبطلين أقر عينا [منها (4)] بالمحقين. # وإنما العامة أداة للخاصة، تبتذلها للمهن، وتزجى بها الأمور، وتطول (5) ~~بها على العدو، وتسد بها الثغور، ومقام العامة من الخاصة مقام جوارح ~~الانسان من الانسان، فإن الانسان إذا فكر أبصر، وإذا أبصر عزم، PageV00P250 ~~وإذا عزم تحرك أو سكن وهدأ (1) بالجوارح [دون القلب. وكما أن الجوارح ~~(2)] لا تعرف قصد النفس ولا تروى في الأمور، ولم يخرجها ذاك من الطاعة ~~للعزم، فكذلك العامة لا تعرف قصد القادة (3) ولا تدبير الخاصة، ولا تروى ~~معها، وليس يخرجها ذلك من طاعة عزمها، وما أبرمت من تدبيرها. # والجوارح والعوام وإن كانت مسخرة ومدبرة فقد تمتنع لعلل تدخلها، وأمور ~~تصرفها، وأسباب تنقضها (4) كاليد يعرض لها الفالج. واللسان يعتريه الخرس، ~~فلا تقدر النفس على تسديدهما وتقويمهما، ولو اشتد عزمها وحسن تأتيها ~~ورفقها. وكذلك العامة عند نفورها وتهييجها (5) وغلبة الهوى والسخف عليها، ~~وإن حسن تدبير الخاصة وتعهد الساسة. ~~غير أن معصية الجارحة أيسر ضررا وأهون أمرا، لان العامة إذا انكفت (6) ~~بالخاصة وتنكرت للقادة، وتشزنت على الراضة (7) كان البوار الذي ms155 لا حيلة له، ~~والفناء الذي لا بقاء معه. # وصلاح الدنيا وتمام النعمة، في تدبير الخاصة وطاعة العامة، كما أن كمال ~~المنفعة وتمام درك الحاجة (8) بصواب قصد النفس وطاعة الجارحة، PageV00P251 ~~لان النفس لو أدركت كل بغية. وأوفت على كل غاية، وفتحت كل مستغلق، ~~واستثارت كل دفين، ثم لم يطعها اللسان بحسن العبارة، واليد بحسن الكتابة، ~~كان وجود ذلك المستنبط - وإن جل قدره وعظم خطره - [وعدمه (1)] سواء. # فالخاصة تحتاج إلى العامة كحاجة العامة إلى الخاصة. وكذلك القلب ~~والجارحة، وإنما العامة جنة للدفع، وسلاح للقطع، وكالترس للرامي، والفأس ~~للنجار. وليس مضى (2) سيف صارم بكف امرئ صارم بأمضى من شجاع أطاع أميره ~~وقلد إمامه! وما كلب أشلاه ربه وأحمشه كلابه، بأفرط تنزقا (3) ولا أسرع ~~تقدما، ولا أشد تهورا، من جندي أغراه طمعه، وصاح به قائده. # وليس في الأعمال أقل من الاختيار، ولا في الاختيار أقل من الصواب، فلباب ~~كل عمل اختياره، وصفوة كل اختيار صوابه، ومع كثرة الاختيار يكثر الصواب. ~~فأكثر الناس اختيارا أكثرهم صوابا، وأكثرهم أسبابا موجبة أقلهم اختيارا، ~~وأقلهم اختيارا أقلهم صوابا. # فإن قالوا: فقد ينبغي للعوام ألا يكونوا مأمورين ولا منهيين، ولا عاصين ~~ولا مطيعين. # قيل لهم: أما فيما يعرفون فقد يطيعون ويعصون. # فإن قالوا: فما الامر الذي يعرفون من الامر الذي يجهلون؟ PageV00P252 # قيل: أما الذي يعرفون فالتنزيل المجرد بغير (1) تأويله، وجملة الشريعة ~~بغير تفسيرها، وما جل من الخبر واستفاض، وكثر ترداده على الاسماع، وكروره ~~على الافهام، وأما الذي يجهلون فتأويل المنزل، وتفسير المجمل، وغامض السنن ~~التي حملتها (2) الخواص عن الخواص من حملة الأثر، وطلاب الخبر، مما يتكلف ~~معرفته ويتتبع في مواضعه، ولا يهجم على طالبه (3) ولا يقهر سمع القاعد عنه. # والخبر، خبران: خبر للخاصة فيه فضل على العامة، كالصلوات الخمس، وصوم ~~رمضان، وغسل الجنابة، وفى المائتين خمسة (4). وخبر تفضل فيه الخاصة العامة، ~~وهو كما سن الرسول في الحلال والحرام، وأبواب القضاء (5) والطلاق، ~~والمناسك، والبيوع، والأشربة. ~~والكفارات وأشباه ذلك. # وباب آخر يجهله العوام ويخبط فيه الحشو، ولا تشعر بعجزها (6) و [لا] ms156 موضع ~~دائها (7). ومتى جرى سببه أو ظهر شئ منه تسنمت أعلاه، وركبت حومته (8)، ~~كالكلام في القدر والتشبيه، والوعد والوعيد، PageV00P253 ~~لأنها قد تحجم (1) [عن] دعوى الفتيا، ولا تتهافت فيها، [ولا] تتسكع فيما ~~لا يعرف منها (2)، ولا تستوحش من الكلام في [التعديل والتجوير، ولا تفرغ من ~~الكلام في (3)] الاختيار والطباع، ومجئ الاخبار (4) وكل ما جرى سببه من ~~دقيق الكلام وجليله في الله وفى غيره. # ولو برز (5) عالم على جادة منهج وقارعة طريق، فنازع في النحو واحتج في ~~العروض. وخاض في الفتيا، وذكر النجوم والحساب، والطب والهندسة، وأبواب ~~الصناعات، لم يعرض له ولم يفاتحه إلا أهل هذه الطبقات. # ولو نطق بحرف في القدر حتى يذكر العلم والمشيئة (6)، والاستطاعة ~~والتكليف، وهل خلق الله الكفر وقدره؟ أو لم يخلقه ولم يقدره لم يبق حمال ~~أغثر (7) ولا يطاف (8) غث، ولا خامل غفل، ولا غبي كهام، ولا جاهل سفيه، إلا ~~وقف عليه ولاحاه، وصوبه وخطاه، ثم لم يرض حتى يتولى من أرضاه، ويكفر من ~~يخالف هواه. فإن جاراه محق، أو أغلظ له واعظ، واتفق أن يكون بحضرته أشكاله، ~~استعوى أمثاله (9) فأشعلوها فتنة، وأضرموها نارا. PageV00P254 # فليس لمن كانت هذه صفته أن يتحيز مع الخاصة. مع أنه لو حسنت نيته لم ~~تحتمل فطرته معرفة الفصول وتمييز الأمور. # فإن قالوا: ولعلهم لا يعرفون الله ورسوله كما لا يعرفون عدله من جوره، ~~وتشبيهه بخلقه من نفى ذلك عنه، وكما لا يعرفون [القرآن و (1)] تفسير (2) ~~جمله، وتأويل منزله. # قيل لهم: إن قلوب البالغين مسخرة لمعرفة رب العالمين. ومحمولة على تصديق ~~المرسلين، بالتنبيه على [مواضع (1)] الأدلة، وقصر النفوس على الروية، ~~ومنعها [عن (1)] الجولان والتصرف، وكل ما ربث عن التفكير (3)، وشغل عن ~~التحصيل، من وسوسة أو نزاع شهوة، لان الانسان ما لم يكن معتوها أو طفلا ~~فمحجوج على ألسنة المرسلين عند جميع المسلمين، ولا يكون محجوجا حتى يكون ~~عالما بما أمر به، عارفا بما نهى عنه، لان من لم يعلم في أي الضربين سخط ~~الله وفى أي النوعين رضاه، ثم ركب السخط أو أتى ms157 الرضا، لم يكن ذلك منه إلا ~~على الاتفاق. وإنما الاستحقاق مع القصد، والله يتعالى أن يعاقب من لم يرد ~~خلافه ولم يعرف رضاه، أو يحمد من لم يعتمد رضاه ولم يقصد إليه. # ولم يكن الله ليعدل صنعته ويسوى أداته (4)، ويفرق بينه وبين المنقوص في ~~بنيته وتركيبه، إلا ليفرق بين حاله وحال الطفل والمعتوه. PageV00P255 ~~وليس للمعرفة وجه إلا لتبصيره (1) وتخييره، ولولا ذاك لم يكن للذي خص به ~~من الإبانة، وتعديل الصنعة، وإحكام البنية (2) معنى. والله يتعالى عن فعل ~~مالا معنى له. # وفى قول الله: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " دليل على ما قلنا. # وليس لاحد أن يخرج بعض الجن والإنس من أن يكون خلق للعبادة إلا بحجة. ولا ~~حجة إلا في عقل، أو كتاب، أو خبر. # فإن قالوا: فإن كان الله إنما أبانهم بالتعديل والتسوية للعبادة ~~والاختيار مع الأمة فحكمهم (3) حكم المسلمين المتعبدين، وإنما الامام إمام ~~المسلمين والمتعبدين. # قلنا: إنما يلزم الناس الامر فيما عرفوا سبيله، وليس للعوام خاصة معرفة ~~بسبيل إقامة الأئمة فيلزمها (4) أمر، أو يجرى عليها نهى. # والعامة وإن كانت تعرف جمل الدين بقدر ما معها من العقول فإنه لم يبلغ من ~~قوة عقولها وكثرة خواطرها أن ترتفع إلى معرفة العلماء، ولم تبلغ من ضعف ~~عقولها أن تنحط إلى طبقة المجانين والأطفال. # وأقدار طبائع العوام والخواص ليست مجهولة فنحتاج إلى الاخبار عنها بأكثر ~~من التنبيه عليها، لأنكم تعلمون أن طبائع الرسل فوق طبائع PageV00P256 ~~الخلفاء، وطبائع الخلفاء فوق طبائع الوزراء، وكذلك الناس على منازلهم من ~~الفضل، وطبقاتهم من التركيب في البخل والسخاء. والبلدة والذكاء، والغدر ~~والوفاء. والجبن (2) والنجدة. والجزع [والصبر (3)] والطيش والحلم، والكبر ~~والتيه، والحفظ والنسيان، والعي والبيان. # ولو كانت العامة تعرف من الدين والدنيا ما تعرف الخاصة كانت العامة خاصة. ~~وذهب التفاضل في المعرفة، والتباين في البنية. ولو لم يخالف بين طبائعهم ~~لسقط الامتحان وبطل الاختبار، ولم يكن (4) في الأرض اختيار، وإنما خولف ~~بينهم في الغريزة ليصبر صابر، ويشكر شاكر، وليتفقوا على الطاعة. ولذلك كان ~~الاختلاف هو سبب ms158 الائتلاف (5). # ويقال لهم عند ذلك: إنكم قد أكثرتم في أمر العوام، وخلطتم في الحكم ~~عليهم. فمرة تزعمون أنا نكذب عليهم حين نزعم أنهم غير محجوجين، لانهم ~~بزعمكم لا يفصلون بين الأمور، ولا يفرقون بين الكاذب المحتال وبين الصادق ~~المحق. وجعلتم الدليل على ذلك أنكم اعترضتموهم بزعمكم فسألتموهم عن الدليل ~~والحجة، والفرق والعلة، فلم تجدوهم يشعرون بما (6) يلزم فيها ولا يعرفون ~~بابها، وكيف الكلام فيها. PageV00P257 ~~وإنا معشر أصحاب المعرفة قد تعمدنا الكذب عليهم. حين زعمنا أنهم يعرفون ~~ذلك. ويفرقون بين معانيه، ومرة تزعمون أنهم يعرفون ما يعرفه الخواص ~~والعلماء، ويعلمون ما يعلمه المتكلمون والفقهاء، من إقامة الأئمة وعقد ~~الخلافة. فمرة تخرجونهم من جميع المعرفة، ومرة تجعلونهم في غاية المعرفة. ~~وأعدل الأمور في ذلك وأقسطها أن تزعموا أنهم يعرفون جمل الشرائع الظاهرة ~~الجلية (1) وجمل السنن الواضحة المستفيضة، ويجهلون تفسير جملها وتأويل ~~منزلها، وكل منصوص لم (2) يظهر كظهور الحج، ولم يشهر كشهرة (3) صوم رمضان، ~~وغسل الجنابة، وتحريم الخمر والخنزير والميتة والدم. # ولكن دعونا جانبا. واضربوا عما نقول صفحا. وقربوا جميع القولين لنتعاون ~~عليهما. فأيهما كان أثبت على الامتحان، وأنفى للقذى، وأحسن مغزى، وأجد على ~~الأيام. وأصح على التقليب، دنا به، وحامينا عليه. ~~وتقربنا به، وآثرناه على ما سواه. # على أنا لا نستملى حق ذلك وصدقه إلا منكم، ولا نحتج عليكم إلا بما تقرون ~~به على أنفسكم. # خبرونا عن العوام: هل يخلو أمرهم من أن يكونوا محجوجين أو غير محجوجين؟ ~~فإن كانوا غير محجوجين فقد دخلوا في أكثر مما عابوا. ~~وإن كانوا محجوجين فهل تخلو الحجة الذي بها قطع الرسول عذرهم من ضربين: ~~إما أن تكون المعرفة بصدق الرسول وفصل ما بينه وبين PageV00P258 ~~المتنبي كما نقول. وإما أن تكون الحجة في الدليل على المعرفة، وليست ~~بالمعرفة. # فإن زعموا أن الحجة هي المعرفة فقد وافقوا وأصابوا، وإن زعموا أنها ~~الدليل على المعرفة فليخبرونا عن ذلك الدليل ما هو؟ # فإن قالوا: هو كلام الذئب (1) وحنين العود (2)، وإظلال الغمامة (3)، وقصة ~~الميضاة (4) وخد الشجرة (5)، وكلام الذراع (6)، وعجز الشعراء ms159 عن تأليف ~~القرآن، والبشارات برسالته في الكتب. # قلنا: قد صدقتم فيما ذكرتم من هذه الآيات والأعاجيب، ولكن PageV00P259 ~~[لا] تخلو عقول العوام من أن تكون قد عرفت هذا كله وأقرت به، أو لم تعرفه ~~ولم تقر به، ولم تودع العلم بصحة مجيئه. # فإن زعموا أنها لم تعرف ذلك ولم تقرر به، قيل لهم: فمن أين زعمتم أن ~~الحجة لهم قاطعة، والفريضة لهم لازمة، ولا يعرفوا الحق ولا الدليل عليه. # وإذا كانت المعرفة لا تستطاع إلا بالدليل، والدليل معدوم. والتكليف لازم، ~~فقد كلفوا ما لا يستطاع، ولم يضع الكلام بيننا وبين الجبرية. # وإن كان الله قد قرر (1) عقولهم بالآيات، وعرفهم صدقها وصحة مجيئها، ~~فإنما الفرق بيننا وبينهم أنا نزعم أن العاقل إذا كان قد جرب بعض التجربة ~~أنه لا يمتنع من تصديق من أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه، وفلق البحر، وأنطق ~~السباع. وأنتم تزعمون أنه يمتنع، ويجوز أن يعتقد أنه أكذب العالمين وأبطل ~~المبطلين، مع ما أراه (2) من عظيم البرهان وعجيب الآيات. ولعل قوم موسى ~~كلما زادهم موسى آية وأردفها بعلامة، ازدادوا جهلا بصدقه (3) واستبصارا في ~~تكذيبه. # وكيف يستطيع ذلك من صحت فطرته، وقد جرب من أمور الدنيا بعض التجربة، وعرف ~~ما يحدث في العادة وغير العادة. # وإن كانت العامة قد قررت بأعلام الأنبياء، وعرفت الآيات كما زعمتم، فقد ~~كان ينبغي لنا إذا سألناهم عن صدقها وصحة مجيئها وإن لم نفصل بينها وبين ~~جبلة المبطل، أن يخبرونا عنها وينزلوا لنا أمرها. فما بالنا PageV00P260 ~~إذا سألناهم لم نرهم يعرفونها. ولا يحصلون مجيئها، ولا يخبرونا عن صدقها. # فإن كان لكم أن تقضوا على العامة بالجهل بين النبي والمتنبى. لانهم لم ~~تروهم يحسنون الفروق، ويفصلون بين الأمور، فقد ينبغي لنا أيضا أن نقضي ~~عليهم بالجهل. وأنهم لم يعرفوا الدلالة، ولم يقرروا (1) بشئ من الآيات ~~والأعاجيب. # فإذا كان القوم عندكم محجوجين قد قرروا وعرفوا، ونحن لا نجد عندهم على ~~المسألة من ذلك شيئا، وجاز لكم أن تزعموا ما زعمتم، فلم لا يجوز لنا أن ~~نزعم أنهم [كانوا] ms160 عارفين وإن لم نجد ذلك عندهم على المسألة. # ولولا أنى قد ذكرت هذا الباب مفسرا في " كتاب المعرفة " لأخبرت من أي ~~وجهة جاز أن يكون بعض العارفين لا يخبر عن كل ما في نفسه ومن أين امتنع ذلك ~~عليه. # فإن قالوا: قد فهمنا قولكم في العامة فما تقولون في الخاصة؟ ~~فهل كلفها الله ذلك أم لم يكلفها كما لم يكلف العامة؟ وفى ذلك سقوط ~~التكليف عن الجميع. # قلنا: بل نقول: إن على الناس إقامة الامام، زيد الخاصة. ~~ولا نقول أيضا إن على الخاصة إقامة الامام إلا على الامكان. # فإن قالوا: وما سبب عجز الخاصة وإمكانها؟ # قلنا: من ذلك أن تكون العامة عليها مع جند الباغي (2) المتغلب. PageV00P261 # فإن قالوا: فهل يلزمها فرض الإقامة إذا كانت العامة كافة عن العون عليها. # قلنا: قد يلزمها في ذلك ولا يلزمها في أخرى. # وإن قالوا: ففي أية الحالين يلزمها؟ # قلنا: إذا كان المستحق للامامة والمستوجب للخلافة معروف الموضع، مكشوف ~~الامر، وكانت التقية عنها زائلة. # فإن قالوا: وكيف لا تكون التقية عنها زائلة، وهى على حال أكثر عددا من ~~جند المتغلب والباغي، والعامة كافة ممسكة لا لها ولا عليها. # قلنا: إنه ليس في حال أكثر عددا. فإذا كانوا أكثر عددا وكانت التقية ~~زائلة، فعليهم إقامته. # فإن قالوا: فلم جعلتم لهم التقية، وأسقطتم عنهم الفرض في الحال التي هم ~~فيها أكثر عددا؟ # قلنا: لأسباب، منها أن العدو إذا كان معدا، ذا سلاح وعتاد وكراع، وكانوا ~~على هيئة وأمرهم جميع، فقليل مجتمع أكثر من كثير نشر (2). مع أن معهم أنفذ ~~السلاحين، وأوفر العتادين: الضرا (1) والدربة، وحسن التدبير والمعرفة، بطول ~~الممارسة وكثرة الحاجة. # ومنها أن الخاصة وإن عرفت موضع المستحق، وظهر لها المستوجب، وكانوا أكثر ~~جماحا، فكل واحد منهم على ثقة من محل صاحبه به (3) وخذلانه له. ولابد، ما ~~دامت التقية، من التواكل والتخاذل، وإن PageV00P262 ~~اتفق رأى الجميع في المغيب على النصرة. وليس ينتفع باتفاق أهوائهم ما لم ~~يتشاعروا (1). # فإن قالوا: إن كان الامر كما تصفون وجب ألا يقيموا ms161 إماما أبدا، لانهم كما ~~لا ينفكون من التقية، كذلك لا ينفكون من التخاذل. # قلنا: ليس الامر كما تقولون، لان تقية بعض الخاصة لبعض قد تزول بأسباب ~~كثيرة: منها أن تسوء سيرة المتسلط الباغي فيهم ويفحش جوره، ويكثر تعضيله ~~(2) واستئثاره وقهره، حتى يكون ذلك إحراجا لهم وسببا للكلام والشكاية ~~والتلاقي، لانهم قد عموا بالاحراج معا ليكون كل واحد من المحرجين يتكل على ~~رأى صاحبه. لعلمه بالذي لقى من المكروه الذي هو فيه، من ثوران النفس وتهييج ~~الطبيعة، فلا يزال بهم ذلك حتى يتفقوا في الظاهر كاتفاقهم في الباطن، إذ ~~كان الاحراج قد شملهم وعمهم. وبلغ أقصاهم بعد أدناهم. وعند التلاقي تزداد ~~النفوس حمية وغضبا وبصيرة. فإذا تباثوا وتكاشفوا وشاع ذلك من شأنهم، وشهر ~~من أمرهم، علموا أن ذلك قد ظهر لعدوهم، والمتسلط عليهم. فإذا علموا ذلك ~~علموا أنهم قد لحجوا في الحرب، ونشبوا في المناصبة. فإذا علموا ذلك لم ~~يجدوا بدا من بذل المال. ~~وإعطاء الجهد. وإنما هي أسباب ترامى، وعلل تداعى، وأمور تهيج أمورا، ~~وأسباب توجب أفعالا، فعند ذلك تمكن الشدة، ويجب الفرض. PageV00P263 ~~ومدار الامر على الامكان، فمتى بطل بطل الفرض، ومتى وجد وجد الفرض. # وربما كان سبب تكاشفهم ما يعرفون من ضعف جند الباغي عليهم. # والمستبد عليهم بأمرهم (1). # ولضعفهم أسباب: فربما كان لاختلاف يقع بينهم. وربما كان لعدو يدهمهم ~~وينازعهم ملكهم، وربما كان للخلل (2) يدخل عليهم. والرقة تصيبهم، من موت ~~أعلامهم، أو قتل قوادهم، وربما كان لضعف رأى مدبرهم وسياسة سائسهم (3)، أو ~~موت قيمهم. # فبهذا وأشباهه تتكاشف الناس، وتظهر على ألسنتهم ضمائرهم، وتبدو أسرارهم، ~~ونفوسهم من قبل ذلك حنقة عليهم، متدينة بخلعهم والاستبدال بهم، وإنما أمسكت ~~عن الانكار وأظهرت التسليم ريثما تجد فرصة وترى خلة، ويستجمع الامر، وتزول ~~التقية. مع أنا نعلم أن العامة أسخف أحلاما وأخف حركة، وأشد طيشا، أن تؤثر ~~الكف والعزلة والتسليم والمجانبة، عند حرب المحقين المتسلطين. ولو كانت ~~تطيق ذلك ويجوز عليها ما كانت العامة بعامة، ولكانت العامة خاصة. ولكنا ~~أجبنا على قدر مجرى المسألة. ms162 # وإنما البلية العظمى والداهية الكبرى، أن تنماز العامة حتى يصير بعضها مع ~~الخاصة، وبعضها مع البغاة والظلمة. PageV00P264 # والجملة أنهم متى أقرنوا لعدوهم (1) وأمكنهم منعهم، والرجل المستحق ظاهر ~~لهم معروف عندهم، فعليهم إقامته والدفع عنه. # فإن قالوا: ومن لهم بمعرفة الرجل الذي لا بعده (2)؟ # قيل: إنه ليس على الناس أن يصنعوا المعرفة، وإنما عليهم إذا عرفوه ~~واستطاعوا إقامته أن يقيموه، ولابد للناس أن يقوم (3) فيهم - إذ فرض ذلك ~~عليهم - رجل يصلح لجباية خراجهم. وإقامة صلاتهم، وسد ثغورهم وتنفيذ ~~أحكامهم. # فإن قالوا: فكيف تعرفون فضله ولم تقابلوا بينه وبين غيره، وأهل الفضل ~~كثير، والفضل ممنون (4) مستفيض؟ # قيل: كما بان عند المعتزلة عمرو بن عبيد، وكما بان الحسن بن حي (5) عند ~~الزيدية من بينها، وكما بان مرداس بن أدية عند جميع الخوارج من بينهم، وكما ~~علمتم من حال غيلان بدمشق، وحال عبد الله بن المبارك بخراسان. ~~وليس أن المعتزلة اجتمعت من أقطار الأرض فقالت نعم جميعها (6). ~~ولا وضعت فيه شورى، ولا تساوى (7) منهم نفر فاحتاجوا إلى القرعة. ~~وكذلك الزيدية في الحسن بن حي. والخوارج في مرداس بن أدية. ولكن PageV00P265 ~~الأمور ترد على القلوب، وتهجم على العقول على طول الأيام، [إما] بالخبر ~~الذي يشفى من الشك ويبرئ السقم، وإما بالعيان (1) الذي يثلج الصدور ويضطر ~~العقول. # وقد علمنا نحن على حداثة أسناننا وتقادم الناس قبلنا. أن جالينوس قد كان ~~بائنا في طبه، وأن الارسطاطاليس كان البائن في المنطق. # وكذلك علمنا أن قيس بن زهير كان داهية قيس في الجاهلية، وأن الحارث بن ~~ظالم كان فاتكها، وأن هرم بن سنان كان جوادها. وأن النابغة كان شاعرها، وأن ~~الحارث بن كلدة كان أطبها، وأن عامر ابن الطفيل كان أفرسها. ولم نضع قط في ~~هذا شورى، ولا وضعه من كان قبلنا، ولا استجمعت قيس فقابلت بين خصال هؤلاء ~~(2) وبين جميع قيس، لتعرف الفضيلة بالموازنة (3) والمقابلة، ولا احتاجوا في ~~ذلك إلى الاقراع والمساهمة. # وإذا كنا مع تقادم الاخبار نعرف البائن في كل عصر. والمقدم في كل أمر، ~~فعلى شبيه ms163 ما وصفنا (4) يعرف الناس فضيلة المستوجب. ~~والخير لا يستطاع كتمانه، والشر لابد من ظهوره. # واعلم أنه لا يمكن أن يكون رجل أعلم الناس بالدين والدنيا ثم لا يسمع به، ~~لأنه لا يصير كذلك إلا بالاختلاف إلى العلماء، وبطول PageV00P266 ~~مجاثاة (1) الفقهاء، وكثرة درس كتب الله وكتب الناس، ومنازعة الخصم ~~ومقاولة الأكفاء. وهذا كله مما يظهر أمره، ويشهر مكانه. # ثم الذي يدخل العالم (2) من خيلاء العلم وعز الحق، وسرور الظفر بما أعيا ~~الناس معرفته، حتى لا يستطيع أن يكتمه وإن اشتد عزمه، وقل رياؤه ونفجه، لان ~~للعلم سورة، ولانفتاحه بعد استغلاقه فرحة، لا يضبطها بشرى وإن اشتدت حنكته، ~~وقويت منته، وفضلت قوته. # وإنك لتجد كثيرا من العقلاء يخاطرون بأعناقهم، لبعض العظمة يجدونها (3) ~~في أنفسهم على خصومهم وأكفائهم. حتى لا يمتنعون من إظهارها والفخر بها، فما ~~ظنك بالعالم إذا كان بائنا بنفسه، وكان في دولته، وتعظيم الناس موكل بصاحبه ~~كيف يستطيع كتمانه وإماتته، مع ما أخذ الله على العالم من حسن الارشاد ~~واحتمال المؤونة، واستنقاذ الناس من الجهالة. ومن القيام بحق العلم تعليم ~~الجاهل. فهذا كله يغنى عن لقاء الكل للكل. # ولو أشكل أمره ولم يبن من أمثاله، وهو للناس أصلح من غيره، فقد أمكن ~~البأس (4) إذ لو كان ظاهرا لهم إقامته لنبه الله على مواضع فضله، ولاذكر ~~الناس ما سقط عنهم من تدبيره، ولبعث الهمم على حبه وطلب محاسنه. PageV00P267 # وكيف يجوز أن يكون أكمل الناس خفى العلم ومغيب العمل، وهو لا يكون كذلك ~~حتى تكثر تجربته ويكثر صوابه، ويشتد حلمه، ويحسن تدبيره، ولابد من كثرة حج ~~وغزو، وصلاة وصوم وصدقة، وذكر وقراءة قرآن، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ~~وحدب على الأولياء وغلظة على الأعداء. إن دام فقره دامت قناعته وقل إسفافه، ~~وإن دام غناه دام بذله وقل طغيانه. وليس من هذا شئ إلا وهو يشهر صاحبه ~~ويظهر للناس مكانه، ويدعو إلى محبته وتعظيمه. # وإن زعموا أنه يجوز أن يكون خير الناس أو أعلم الناس، وإن لم يعرف بشئ ~~مما ذكرنا، فقد صار ms164 خير الناس من لم يعمل خيرا قط. # فإن قالوا: فما تقولون إن وجدوا عشرة سواء؟ # قلنا: قد يكون أن تجدوا عشرة متقاربين، فإذا صاروا إلى الموازنة بان ~~الأفضل من الانقص. وقليلا (1) ما يكون ذلك، كما وجدنا الستة الشورى الذين ~~اختارهم عمر والمهاجرون والأنصار معه، فقد كانوا في طبقة واحدة. ولكن أهل ~~الطبقة قد يتفاضلون بأمر بين لا خفاء به، كما نظروا فاختاروا عثمان غير ~~مكرهين ولا محمولين. # ولكن لا يجوز بوجه من الوجوه أن يتفق عشرة سواء في الحقيقة، وعند ~~الموازنة الصحيحة، لان في اتفاق ذلك بطلان الإمامة. ولو جاز أن يتفق عشرة ~~سواء لجاز أن يكون الرقباء والشهود عليهم سواء. ولو جاز أن تستوى حالاتهم ~~وأفعالهم جاز أن يقولوا لما ينبغي أن يقولوا فيه نعم: " لا " معا، ولما ~~ينبغي لهم أن يقولوا فيه لا: " نعم " معا. PageV00P268 ~~وفى هذا فساد الاختيار والاقراع، فإذا فسد الاختيار والاقراع ولم يكن ~~الرجل بائنا فلا سبيل إلى إقامته. ولم يكن الله ليفرض أمرا ولا يجعل إليه ~~سبيلا، ولم يكن الله ليكلف الناس أمرا إلا وذلك الامر مصلحة لهم. فكيف ~~يمنعهم مصلحتهم، بل كيف يظهر لهم فرض الإمامة وقد أمكنتهم الشدة (1)، ~~والمعلوم عنده أن العالم سيتهيأ فيه ويتفق ما لا يمكن معه أداء الفرض، ولا ~~بلوغ المصلحة. # ولو جاز أن يتفق عشرة سواء في الحقيقة وعند الموازنة في جميع الخصال، ما ~~كان إحياء الموتى وإبراء الأكمه أعجب منه، ولا أخرج من العادة، وإنما جعل ~~الله ذلك لرسله فقط. # ولو جاز أن يتفق في العالم شئ يكون جاعلا (2) من الرسالة جاز ذلك في أمور ~~كثيرة. ولو جاز ذلك اختلط الكاذب بالصادق، والحجة بالشبهة، وهذا مالا يجوز ~~على الله تبارك اسمه، وتعالى جده. # ولو عرفوا موضع الامام بعينه ثم قال الشامي: لا يكون إلا منا، وقال ~~العراقي: لا يكون إلا منا، وقال الحجازي: لا يكون إلا منا، وكذلك التهامي ~~والجزري، وكذلك إذا قال القرشي: لا يكون إلا منا، وقال الحسيني: لا يكون ~~إلا منا، وقال الحسنى: لا ms165 يكون إلا منا، وكذلك الفلاني والفلاني. وكذلك أن ~~لو قال الأباضي: ~~لا يكون إلا منا، وكذلك لو قال الصفري والأزرقي والنجدي والزيدي، PageV00P269 ~~والفلاني والفلاني - لما وصل أهل الحق إلى إقامته إلا بأن يكونوا في عدد ~~الجميع وفى عتادهم. # والامام يقام من ثلاثة أوجه: # فوجه كالذي حكينا ووصفنا. # ووجه آخر مثل ما أقام المسلمون عثمان بن عفان حين اختار عمر ستة متقاربين ~~فاختاروا منهم رجلا، فلولا أن الستة كانوا بائنين عند الجميع لم يطبقوا ذلك ~~الاطباق، لأنه لم يقل واحد: كان ينبغي أن يكون منا (1)، ولم يقل واحد من ~~الرقباء ولا من الفقهاء والخاصة: فينا واحد كان ينبغي أن يكون معهم، ولا ~~قالوا: فيهم واحد كان ينبغي أن يكون معنا، فهذا دليل أن الستة كما كانوا ~~بائنين عند عمر كانوا بائنين عند الخاصة. # ووجه آخر، وهو مثل إقامة الناس لأبي بكر، ليس على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعل شورى كما وضعها (2) عمر، ولا على جهة ما حكينا من أمر الخاصة ~~والعامة بإقامة الامام والنص عليه، لان ذلك أسلم وأخف في المؤونة، وأبعد من ~~الغلط والفتنة، وقد وجدتم ما هو أغمض معنى وأدق مسلكا، وأغوص مستخرجا، ~~وأفحش مأثما، غير مفسر ولا منصوص عليه، كالكلام في التعديل والتجوير، وفصل ~~ما بين الطباع والاختيار، والكلام في التشبيه ونفيه، وفى مجئ الاخبار وحجج ~~العقول. # ونحن لم نر أحدا قط ألحد ولا تزندق من قبل الغلط في كلام PageV00P270 ~~الامام والاختلاف فيها. ومن وجدناه قد ارتد زنديقا أو دهريا من قبل هذه ~~الأبواب أكثر من أن نحصى لهم عددا، أو نقف منهم على حد. # فإذ جاز أن يتركنا وأشد الامرين لنكون نحن الذين نستنبطه ونتكلف معرفته، ~~ليكون عاجل سروره وريثه (1) وآجل ثوابه وعظيم جزائه، كان الذي هو (2) أظهر ~~للعقول، وأسهل على الطالب، وألين كنفا للواطئ، وأقرب مأخذا للمسترشد، أولى ~~بذلك. # ولا بد لهم من أن يقولوا أحد أمرين: إما أن يقولوا: إنا إذ وجدنا نصب ~~الإمام والنص عليه أسلم لنا من الخطأ، فالواجب علينا أن ms166 نزعم أن الله قد ~~فعل ذلك، وإن لم نجد خبرا نضطر إليه، ولا قرآنا ينص عليه، والإمامة مختلفة ~~في ذلك، فإنما أوجبنا ذلك من قبل حسن الظن بالله. وإن لم يكن في القرآن آية ~~تدل على أن الله لم ينصب إماما، ولا في الخبر. # وإما أن تقولوا إن ذلك قد كان وقع منه (3)، وإنما عرفناه بالاخبار ~~والآثار والكتاب. # فإن كانوا إنما حكموا على الله بفعل ذلك لأنه أسلم لهم من الخطأ، وأبعد ~~لهم من الغلط، إلا أنهم قد وجدوا بذلك خبرا قائما، وكتابا دالا، فإن كان ~~ذلك كذلك فلم أوجبوا على الله فعل ما هو أيسر PageV00P271 ~~وأظهر، وقد وجدوا الله لم يصنع ذلك فيما هو أغمض وأشكل. كالذي وصفنا قبل ~~هذا من الكلام في التعديل والتجوير، والتشبيه، ومجئ الاخبار. # وقد علموا مع ذلك أن أكثر الناس لم يؤتوا في هلكتهم إلا من قبل سرف ~~شهواتهم، وغلبة طبائعهم. # وكيف لم يحكموا على الله بغير ما وجدوا من رفع مؤونتها، وقمع دواعيها، ~~حتى لا يلحج الناس طبائعهم، ولا تورطهم شهواتهم، وإنما يحكم بهذا وأشباهه ~~على الله من لا علم له بالله وتدبيره، لان الله لو أسقط عن الناس كل ما ~~أثقل ظهورهم، واستبشعته نفوسهم، وخالف أهواءهم لسقط الامتحان، وبطل ~~الاختبار (1)، إذ لم يكن هناك حلاوة تجتنب ومرارة تركب، ولذيذ يؤخر، وكريه ~~يقدم. # وإن ذهب السائل إلى غير هذا الوجه، وزعم أنه إنما قال إن الله قد نص على ~~إمامة على لان الخبر به جاء المجئ الذي لا يكذب مثله. ~~ولولا أن الخبر صحيح (2) جاز عنده أن يكون الله يطوقهم النظر (3). ~~ويضع لهم الدلالة، ولا ينصهم (4) على شئ ولا يفسره لهم، كفعله فيما هو ~~أدق وأخفى، وأعظم إثما وأشد خطرا. # قيل لهم: إنكم وإن سمعتم فلستم بأعلم بالاخبار من غيركم. ~~ولئن كنتم مجيبين بخبر قد سمعناه معكم فلم يحجنا كما حجكم، إنه لعجب. وإن ~~كان الخبر قد حج جميع من خالفكم مع كثرتهم، وأطبقوا على كتمانه وجحده ~~واتفقوا عليه، إن هذا لاعجب. PageV00P272 # وكيف ms167 تحجون بخبر لا تستطيعون أن تقيموا حجته على من خالفكم. فإن كنتم ~~إنما حجكم سلفكم فحجوا أهل عصركم ومن معكم، كما حجكم من قبلكم من أسلافكم. # وقد نفضنا القرآن من أوله إلى آخره فلم نجد فيه آية (1) تنص على إمامة، ~~ولا أنها إذ لم تنص كانت دالة عند النظر والتفكير، ولا أنها إذ لم تدل ~~بالنظر والتفكير وكان ظاهر لفظها غير ذلك على ما قلتم كان أصحاب التأويل ~~والتفسير مطبقين على أن الله أراد بها إمامة فلان. # فهذا باب لا تقدرون من قبله على حجة. وليس لكم في باب الخبر والاجماع ~~متعلق ولا سبب، مع قول الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. ~~وقول المهاجرين: بل منا الامراء ومنكم الوزراء. # ثم وجدنا أبا بكر وهو متكلم قريش وصاحب أمر المهاجرين، والمنازع عنهم يوم ~~السقيفة، يقول للناس بعد سكون الأنصار وارتداعهم: بايعوا أي هذين شئتم - ~~يعنى عمر وأبا عبيدة - فلم نجده ادعاها لنفسه، ولا أبى أن تكون لغيره. ولم ~~يقل إنسان من الأنصار ولا من المهاجرين، ولا من أفناء الناس (2): إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد كان جعلها لفلان وحض عليها له. ولا أنهم إذا لم ~~يدعوا النص (3) قال قائل إن النبي الله عليه قد كان قال قولا يوم كذا وكذا ~~يدل على أنها لفلان، ولم ينطق بذلك أحد بعد تلك الأيام كما لم ينطق أحد ~~فيها (4). PageV00P273 # ثم وجدنا أبا بكر حين أراد أن يجعلها إلى عمر من بعده كيف يمشى إليه رجال ~~المهاجرين وعلية السابقين، ليصرفها إلى من هو ألين جانبا وأخفض جناحا، وأقل ~~هيبة، ويقولون: يا خليفة رسول الله، إن الحاجة للأرمل والأرملة، والضعيف ~~والضعيفة، وعمر رجل مهيب في صدور الناس والله ما نريد صرفها عنه ألا يكون ~~سبق إلى كل يوم خير! قال أبو بكر: ~~أبربي تهددوني، أما إذا لقيته فقال لي: من (1) استخلفت على عبادي؟ ~~قلت: استخلفت عليهم خير أهلك عندي (2). # فلم يجر بينهم مما يقولون حرف واحد. # ثم أن عمر بعد ذلك جعلها شورى بين ستة وجعل ms168 إليهم الخيار، وسلم ذلك جميع ~~المسلمين، فيهم الزهري والتيمي والهاشمي والأموي والأسدي، على أنها إن وقعت ~~للأسدي لم يكن منكرا عند الجميع، وكذلك الزهري والأموي. # وأعجب من هذا أجمع وأدل على الاختلاف، وأبعد من النص والاجماع، قول عمر ~~في شكاته وهو موف على قبره وعنده المهاجرون الأولون: " لو أدركت سالما مولى ~~أبى حذيفة ما تخالجني فيه الشك ". ~~حين ذكر دعابة على، وبخل (3) الزبير، وبأو طلحة، وحب عثمان لرهطه. PageV00P274 # ثم الذي كان من منازعة سعد بن أبي وقاص لعلى، وتركه بيعته ودعائه له إلى ~~وضع الشورى، والتخاير بالاعمال والجزء (1) فلم تجدوا أحدا من الناس يقول من ~~وراء سعد أو في وجهه: ولم تخايرك وقد اختاره الرسول دونك. # وقد كان ينبغي لأصحاب على ومن معه من المهاجرين والبدريين وسائر الصحابة ~~والتابعين، ألا يمسكوا عن ذكر هذه الحجة وإن أمسك عنها الناس وأضاعوها، ~~وعاندوا أو غلطوا فيها. ولم نعلم هذا وأشباهه إلا دليلا قاطعا لمن لم يمنع ~~قلبه معرفة الحق ولسانه الاقرار به، في محاربة طلحة والزبير وعائشة وعلى، ~~وما أراقوا من الدماء. ولم يقل واحد من الناس: ولم تقاتلون رجلا (2) أو ~~تطلبون مخايرته وقد نصبه النبي صلى الله عليه وفسر أمره، وبين شأنه. [وهذا] ~~دليل على ما قلنا، وبرهان لما ادعينا. # ولقد قال رجل لعمر بن علي: خبرني عن وصية رسول الله صلى الله عليه إلى ~~أبيك. قال: والله إن هذا الكلام ما سمعت به قط إلا الساعة. # وقد تعلمون أن الأمة كلها مع اختلاف أهوائها ونحلها، لا تعرف مما تدعون ~~من أمر النص والوصية قليلا ولا كثيرا، وإنما هذه دعوى مقصورة فيكم، لا ~~يعرفها سواكم. وإن أشد الناس عليكم في الوصية PageV00P275 ~~والنص للزيدية مع تشيعها وإفراطها وشدة إقدامها على عثمان. وسوء قولها ~~وشدة عداوتها للزبير وطلحة. # فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم نصبه للناس وبين أمره واحتج له، لم يكن ~~هناك اختلاف ولا ارتياب، ولا تحير، ولا احتج بذلك المحجوجون على شاذ إن شذ ~~ومفارق. [وفى] هذا وأقل منه ما ms169 يردع ذا اللب، ويكف ذا الحجا. # وزعمت الرافضة أن النبي صلى الله عليه أوصى إلى رجل بعينه، وأمر أمته ~~بالوصية في تركاتهم، لان ذلك أجمع للشمل، وأدعى إلى الألفة، وأمنع للفساد، ~~وأقطع للشغب، وأذهب للضغائن، وأبعد من الغلط. ~~إلا أن الله قد كان يعلم أن النبي صلى الله عليه متى أوصى إلى ذلك ~~المستحق تكفر أمة محمد صلى الله عليه إلا ثلاثة أنفس، وأن الوصي سيضعف عن ~~القيام بالحق، وسبرل مع العام (1) بيديه (2) إظهاره بلسانه، وأنه لا يرضى ~~بالكف عن شتمه الكافرين حتى يزكيهم على منبره. فسبحان الله ما أعجب هذا ~~القول!. # وإن تركوا الكتاب وأضربوا عن الاجماع واحتجوا بالرواية، فما أحد أجحد لها ~~ولا أرد لمعرفتها منهم. مع أن رواية غيرهم أكثر، وعلى ألسنة أصحاب الحديث ~~أظهر. # ولو كانت روايتهم ورواية خصومهم سواء ما كان تأويلهم بأقطع لتأويل خصومهم ~~من تأويل خصومهم لتأويلهم. مع أن الحديث إن كان يحتمل ضروب التأويل فغلط في ~~حق ذلك من باطله رجل فليس بكافر PageV00P276 ~~ولا مكابر، لان ذلك الحديث لو كان صحيحا لم يكن بأبين من القرآن ولا ~~أوضح. # وقد يختلف الناس في تأويله ولا يكفرون ولا يكابرون، فكيف يكفر من غلط في ~~تأويل حديث لو كان رده لم يكن عاصيا. # وإن كانت إمامة على لا تثبت عندهم إلا من قبل الرواية فقد أفلح خصم ~~الرافضة، واستراح من كد المنازعة. # وقد زعم ناس من (العثمانية) أن الله قد اختار للناس إماما، ونصب لهم ~~قيما، على معنى الدلالة والايضاح عنه بالعلامة، لا على النص والتسمية، لان ~~الله إذا قال: " وأشهدوا ذوي عدل منكم ". ~~- وقد عرفنا صفة العدالة - فمتى رأيناها في إنسان علمنا أنه الذي كان عنى ~~الله بالآية وإن لم يسمه فيها. وكذلك قول الرسول: ~~" ليؤمكم خياركم " فقد عرفنا الله الخيار من الشرار، والفضل من النقص، ~~فمتى وجدنا الفضيلة في رجل فهو الذي عناه النبي صلى الله عليه وإن لم يذكره ~~باسمه. # (1) ولا يهمل الناس ويتركهم سدى من وضع لهم الأدلة، ونبههم على موضع ms170 ~~البرهان، وعرفهم أبواب الصلاة. # ولو قلنا إن النبي صلى الله عليه قد اختار (2) للناس إماما على معنى أنه ~~إذ أمر أبا بكر بأن يتقدم المسلمين في مصلاه ومقامه ومنبره فقد استخلفه، ~~جاز ذلك في الكلام. وباب الجواب في هذه المسائل كثير (3). PageV00P277 ~~لأنه لا يجوز أن يكونوا لم يعلموا ذلك وقد علموا ما هو أخفى وأدق وأيسر ~~خطبا وأقل نفعا، وهم القوم الذين لا يؤتون من نصيحة وحسن معرفة. وكيف يؤتون ~~منهما وبهم عرفنا النصيحة والمعرفة. # فإن قالوا: فإنما كان خيرا للناس أن يختاروا لأنفسهم أو يختار النبي لهم. # قلنا: لو كان النبي قد اختاره لهم لقد كان ذلك خيرا لهم من اختيارهم ~~لأنفسهم. فإذ لم يختره (1) لهم فترك اختياره خير لهم، لأنه إذا كان أن لو ~~كان اختاره لهم (2) فقد دل تركه الاختيار أن تركه الاختيار لهم خير لهم، إذ ~~كان قد كان اختار الترك دون الاختيار، وترك الاختيار ربما (3) كان اختيارا. ~~وهو في هذه المواضع اختيار، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليختار ~~لهم ترك النص والتسمية إلا وترك النص والتسمية خير من النص والتسمية. # وإنما هذا مثل قائل لو قال لنا: أرأيتم التأويل الذي قد ضل من أجله عالم، ~~والتشبيه، والوعد والوعيد، والقدر، والأسماء، والاحكام التي قد كفر من ~~أجلها بشر، وبسببها تناحر الناس. وإنما كان خيرا لهم أن يعرفوه بأسره، ~~وينصوا على حقيقته، ويكفوا المؤونة فيه، حتى كان لا يقع خلاف، ولا يوجد ~~خطأ، ولا يشيع فساد، ولا يتفانى الناس أو يتركوا ونظرهم، ويخلوا واختيارهم. # قلنا: الخيرة فيما صنع الله. فلو كان الله بين ذلك بالنص والتفسير PageV00P278 ~~دون الدلالة ووضع العلامة، كان ذلك خيرة، لأنا نعلم أن الله لا يصنع إلا ~~ما هو خير. # فلو لم يفعل ذلك (1) ولم ينص عليه فتركه الامر على ما نحن عليه خير لنا ~~وأفضل. فكيف أوجبتم على الله وحكمتم عليه. # هذا جمل جوابات العثمانية بجمل مسائل الرافضة والزيدية. ولولا أن فيما ~~قدمنا غنى عما أخرنا لقد فسرنا كما أجملنا. ms171 وإنما ملاك وضع الكتاب إحكام ~~أصله، وألا يشذ عنه شئ من أركانه، فأما استقصاؤه حتى لا يجرى بين الخصمين ~~منه إلا شئ قد وضع بعينه، فهذا مالا يمكن الواضع ولا يحتمل الكتاب. ولو ~~أمكن الواضع واحتمله الكتاب لكان طوله قاطعا لنشاط القارئ، ومجلبة لنعاس ~~المستمع، إلا لمن صحت إرادته، وأفرطت شهوته وقوى طبعه، وحسن احتسابه. # وقد أعيتنا هذه الصفة في المعلمين. فكيف [في] المتعلمين. # وعلى أن للنحل صورا كصور الناس، فكما أن بعض الصور أشد مشاكلة لطبعك، ~~وآنق في عينك، وأخف على نفسك، فكذلك النحل في مقابلة الأهواء، ومشاكلة ~~الشهوات، والخفة على النفوس. # فاحذر حوادث الشهوات، واتصال المشاكلة، فإنه أخفى من الدقيق، وأدق من ~~الخفى. # هذا إذا كان المعنى مجردا والمذهب عاريا، فكيف إذا موهه صاحبه، وزخرفه ~~واضعه، بأعذب الألفاظ وأشهاها، وأحسن المخارج وأعفاها (2) PageV00P279 ~~فشفى كل واحد منهما صاحبه، وحببه إلى سامعه، فإن وافق ذلك منه تعظيم ~~لسلفه، وهوى في قائله، فقد أسمحت نفسه بالتقليد، واستسلمت للاعتقاد. # فاحذر في (1) هذه الصفة، ولا تستخفن بهذه الوصية. # واعلم أن واضع الكتاب لا يكون بين الخصوم عدلا، ولأهل النظر مألفا حتى ~~يبلغ من شدة الاستقصاء لخصمه مثل الذي يبلغ لنفسه، حتى لو لم يقرأ القارئ ~~من كتابه إلا مقالة خصمه لخيل له أنه الذي اجتباه لنفسه، واختاره لدينه. # ولولا اتكالي على انقطاع الباطل عن مدى الحق وإن استقصيته وبلغت غايته، ~~ما استجزت حكايته. وقمت (2) مقام صاحبه. # ونحن مبتدئون في كتاب المسائل وبالله ذي المن والطول نستعين، وعليه ~~نتوكل. # هذه جمل أقوال (3) العثمانية، والحمد لله كثيرا دائما، # وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، وآله الطاهرين # وصحبه، وسلم تسليما. PageV00P280 ms172