######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010709 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail.XXX #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسائل السياسية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010709 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10709 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10709 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 4- رسالة في الحكمين وتصويب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في فعله PageV01P337 ### || [1- موضوع الرسالة] # وفقك الله للسلامة والغنيمة، وأعزك بالحق، وختم لك بالسعادة، وجعل لك من ~~علمك واعظا ورقيبا [و] من نفسك سامعا ومطيعا؛ وجعل لك مع حزمك نصيبا من ~~التوكل، ومع توكلك حظا من التحذر، حتى تقبل إذنه في الحذر وتطيع أمره في ~~التوكل؛ قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل» ، فجمع بين ~~الأمرين وسوى بين الوصيتين، وقال صلى الله عليه وسلم: «أبل الله من نفسك ~~عذرا، فإذا أعجزك أمر فقل: الله حسبي» ، قال أبو عبيدة ابن الجراح لعمر بن ~~الخطاب حين خاف طواعين الشام فانكفأ راجعا إلى المدينة: «أتفر من قدر ~~الله؟» - قال: «نعم، إلى قدر الله!» وقال له سعيد بن جرير: «قم، أينفع ~~الحذر من القدر؟» - فقال: «لسنا مما هناك في شيء؛ إن الله لا يأمر بما لا ~~ينفع ولا ينهى عما لا يضر» . # وقد كنت حذرتك، يا ابن حسان، أمورا، فكأني أغريتك بها، وآنستك بأمور، ~~فكأني أوحشتك منها، وكنت لا أظن بك من النقصان إلا ما كان عن بلوغ الكمال، ~~ولا من التقصير إلا ما كان عن التفضل، ولا من تضييع الرأي إلا ما أمكن من ~~استدراكه قبل الفوت، ولا من نكوب ما لا يبلغ الكثير إلا ما لا يسبق الندم، ~~ولا من النسيان إلا ما لا يمنع من سرعة الانتباه، ولا من السآمة إلا ما لا ~~يقرب من المعجزة، ولا من الحمية إلا ما لا يخلط العصبية، PageV01P339 ~~ولا من التنافس إلا ما باعد عن التحاسد، وكنت عندي، إن لم تكن مع العلية، ~~فلم تنحط عن الأوساط إلى السفلة، وإن رضيت بحال المنفصلين، لم ترض إلا أن ~~تكون مع المنصفين، وإن لم تكن غنيا لمخالفيك عند مناظرتهم لك، ورائدا ~~لموافقيك عند استعانتهم بك، وآلة لمن استملى منك، ومفزعا لمن سمع إليك، ~~وحرزا لاسرار خصمك، وحائطا من وراء من ذهب من الناس عنك، لم تكن عندي بمخوف ~~على ما انتهى إلي من خبرك ولا ms01 على ما حكاه من لا يتهم على مودتك. # - عتبت عليك في مجادلة الرافضة، فأعتبتني بمماراة الغالية، وأنكرت منك ~~مقارنة الخوارج، فأردفت ذلك بمسامحة النوابت، حين زعمت في جواب مسألة ~~النابتي أن عليا كان أحق بالإمامة من معاوية، وزعمت في جواب الخارجي أن ~~رضاه كان هفوة منه ومكيدة من عدوه، إلا أنها الهفوة التي تبلغ الضلال، ~~والفهمة التي لا تفسد الحكم، والنقصان الذي لا يكمل معه حل العقد، والتضييع ~~الذي لا ينقض معه العهد. # ثم قطعت الشهادة وأوجبت الحكومة أن عليا قال عند موته وأقر عند زلله: # إني عثرت عثرة لا تنجيز %~% سوف أكيس بعدها وأستمر # وأجمع الرأي الشتيت المنتشر # ثم قضيت بعد قطع الشهادة والحكم على غائب الفعل بأنه لم يعن بذلك القول ~~إلا الرضى بالحكمين، وجزمت على أنه لا تأويل لذلك القول إلا ما ذهبت إليه ~~ولا معنى له إلا ما قضيت به. # فأجمع الآن بالك في الاستماع للحق كما جمعت بالك في الاجترام على الباطل، ~~وفرغ قلبك لما أنا واصفه لك ومقربه من عقلك؛ فإن أعجزك الفهم فليس يعجزك ~~التفهم، وأول منازل الإنصاف حسن التثبت، ونعم الرائد التفهم ونعم العون حب ~~الإنصاف! وقال يزيد بن المهلب: «هذا ابن PageV01P340 ~~الأشعث غلب على النصر فغلب على الصبر» ؛ فأحذر أن يقال: «هذا ابن حسان ~~غلب على العلم فغلب على التعلم!» ، وقد قال عامر بن عبد القيس: ~~«الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز ~~الآذان» . # وقد علم أني شديد الحب إلى رشادك، حريص على هدايتك، وأنا بعد ذلك كله ~~أسأل الله أن يديم لك العصمة وأن يوفقك للمعرفة، وقد قال بعض العلماء: «لا ~~تستجب إلا لمخلص أو مظلوم» ؛ فأما نيتي في تبصرتك باب الرشد من العي فقد ~~تقدم القول مني فيها بما سمعت؛ وأما الظلم فمن أظلم لصديقه ممن أفسد نفسه ~~عليه، ومن أجوز على وليه ممن دان بدين عدوه؟ ومن التوفير على حظ هذا الكتاب ~~من الأفهام وعلى حظك من التفهم أن لا يهده ms02 القارىء هدا ولا ينثر كلامه ~~نثرا، فلا يكون نصيب السمع منه إلا صدى الصوت ولا حظ العقل منه إلا استحسان ~~التأليف؛ فعليك بالتوقف وحده بالترسل والتثبت مع تفريغ البال ونفي الاشغال ~~ومع الاحتراس من دبيب الهوى وفراغ المنشإ. ### || [2- لا وجه للمقارنة بين علي ومعاوية] # خبرني أي شيء نفيت لعلي بن أبي طالب من الفضل، وأي شيء نفيت على معاوية ~~من النقص حتى وضعت الخيار بينهما وأقررت الشبهة في أمرهما من غير إكراه ولا ~~إحلال عذر؟ فمن أعجز رأيا ممن زعم [أن ... ] أفضل من سمرة وأن سحبان أخطب ~~من باقل، وأن زيادا أدهى من هبنقة، وأن أبا ذر أصدق من مسيلمة، وأن ~~الجالينوس أطب من أبي دينار! وهل ذلك إلا في مجرى من قال: «أيما أصدق: ~~المسيح بن مريم أو المسيح الدجال؟» ، وهل ذلك إلا كقول القائل: «أيما أحلى: ~~العسل أم الخل؟» وليس للخل حظ في الحلاوة. # قلنا: فكيف تزعم أن عليا أولى بالإمامة من معاوية وليس لمعاوية في PageV01P341 ~~الإمامة حظ؟ ولقد عجبت فطال تعجبي وشنعت فاشتد تشنيعي على النجاشي حيث ~~يقول بفخره على معاوية بعلي: # نعم الفتى أنت، إلا أن بينكما %~% كما تفاضل قرن الشمس والقمر # فمن هذا الذي يقر بانه ليس بين علي ومعاوية في الفضيلة واستحقاق الإمامة ~~إلا بقدر ما بين الشمس والقمر؟ بل نجعل لمعاوية في ذلك حظا ونصيبا، إلا أن ~~نريد مزيد الفرق بين هاشم وعبد شمس، وبين عبد المطلب وحرب، وأبي طالب وأبي ~~سفيان؛ ونذهب إلى البيان والفصاحة، والفصاحة مما قد يتفاضل فيه البر ~~والفاجر ويتساوى فيه الجاهلي والإسلامي؛ وإن أردت معرفة ذلك فانظر في كتابي ~~الذي فرقت فيه بين قبائل قريش وميزت فيه بني عبد مناف وبينت فيه من فضل ~~هاشم وأظهرت فيه جمال عبد المطلب. # أو لست، يا ابن حسان، قد أطمعته في التمثيل بينهما وأقررت بالحاجة إلى ~~تمييز حاليهما، وقد علمنا أن الله- تعالى قدره- قد قال: قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله ~~؛ وقال: أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ~~؛ وليس ms03 ذلك في موضع الخيار وتمييز الحال من الحال ولا على الموازنة بين ~~أتم الخيرين؛ [فلولا] اتقاء الله قلت مقالة تسير مع الركبان [أفردها] بعلي؛ ~~وإن الربيع إبن زياد قال: # عمارة الوهاب خير من علس %~% وزرعة النسا (؟) شر من أنس # وأنا خير منك يا قتب الفرس # وإنما هذا على معنى قول علي لأجناده، وكخطبته على أصحابه عند استبطائه ~~إياهم وتأنيبه لهم: «أبدلني الله بكم من هو خير لي منكم وأبدلكم بي من هو ~~شر لكم مني» ؛ والكلمة تكون جوابا فتدل على معنى، ثم تكون ابتداء فتدل على ~~خلاف ذلك المعنى، وتدور دلالتها مع ظاهر الحالات على قدر ما يسبق من ~~المثالات حتى تكون الكلمة كفرا في حال وإيمانا في حال. PageV01P342 # فكذلك المجاز والتصحيح، والتقريب والتبعيد، والارتجال والتحرير، والكناية ~~والإفصاح، والتعقيد والإسجاح، والخطل والإيجاز، والإفهام والإلغاز، ~~والمعاريض والكنى والاستكراه والهذ، وغير ذلك من أشكال الكلام وحدوده وصوره ~~وأقسامه ودلائله؛ وقد قال كثير: # فهلا فداك الموت من كل ريبة %~% ومن هو أسوأ منك ذلا وأقبح # وقال حسان بن ثابت في بعض ما يصرخ وينافح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # أتهجوه ولست له بكفء %~% فشركما لخيركما الفداء؟ # وسمع أعرابي رجلا يقول: «الشحيح أعذر من الظالم» - فقال: «أخزى الله ~~أمرين خيرهما الشح! # وعتبت عليك في معاونة إبراهيم بن الحسن على ترك القنوت ~~في مسجد ابن رغبان ومحلة البصريين وزاد في التعجب منك والإنكار عليك تخذيل ~~خالد الأزلية، [ .... ] عنه خبرني، حدثني [عن] غدرك إياه؛ فأنت معتزلي نظامي: ~~فكانت محاباة خالد على نصيبه من مذهب البصريين من القنوت- وليس القنوت من ~~دينه- أوفر من محاباتك على نصيبك من مذهب المعتزلة في القنوت- وهو من دينك؛ ~~وقد علمنا أن الذي بناه من ماله وأوقف عليه الغلات لنوابته بصري ابن بصري ~~ثم معتزلي؛ على ذلك اشترى الأرض ووضع الأساس وشيد البنيان وكتب عليه إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان ~~، وهو الفضيل بن عبد الرحمن مولى بني سدوس؛ ولم يزل المسجد يقنت فيه ~~الجبري كما يقنت فيه المعتزلي العدلي، ويقنت فيه النابتي كما ms04 يقنت فيه ~~المعتزلي ومن صلى فيه، حتى عرضت فيه بما دل خالدا- بزعمه- على رقة دينك ~~وسخافة عقلك وحلمك وانفساخ عقدك وسوء المحافظة على نحلتك، غير مكترث لما ~~نال عرضك وغير محتفل بما ثلم دينك وساء وليك وسر عدوك. PageV01P343 ### || [3- فضائل معاوية] # ولم أقل إن معاوية ليس بمذكور بالعقل والحلم وبالدهاء والفهم وبالنكرى ~~والجزم والسودد والعزم، وبالبيان العجيب والغور البعيد، وإنه لم يكن كاتب ~~وحي الله وصاحب ديوان بيت مال الله، وإن أبا بكر لم يوله مقدمة أخيه، وإن ~~عمر لم يجمع له أرباع الشامات وإنه لم يعزله إلى أن توفي ولم يغضب عليه مذ ~~رضي عنه، ولم يكتب له بفضل خصال القضاء وترتيب منازل الحكم، كما كتب إلى ~~أبي موسى الاشعري وإلى قضاته في الأمصار ورجال الفتيا في الأطراف، وإن ~~عثمان لم يؤكد له ما تقدم منهما ويثبت له ما جرى له من قبلهما وزاد في ~~تثبيت عدالته وتزكية بجالته في سني الجماعة وسني الاختلاف؛ وأدنى حالاته أن ~~يكون مؤمنا غير فاسق ووليا غير عدو وعدلا غير مزور، مع علمي بأنهم لم ~~يكونوا ليولوا الثغور والاحرام والإمارات العظام إلا القوي الأمين وصاحب ~~الرأي الرصين. ### || [4- اسس استحقاق الامامة بنظر الجاحظ] # ولكن الخلافة، يا ابن حسان، لا تستحق والامامة لا تستوجب إلا بالتقدم في ~~الفضل والتقدم في السوابق، وإلا بان يكون الفضل إما ظاهرا للعيون ومشهورا ~~عند جميع المسلمين قد أجمعوا على تقديم رجل وتأمير أمير من تلقاء أنفسهم ~~بغير سيف ولا خوف ولا إكراه ظاهر ولا سبب يوجب سوء الظن فضلا على غير ذلك؛ ~~وإما بأن يختاروه عن تشاور وتناظر ويظهر فضله بعد طول التخابر؛ أو يكون له ~~ذلك [في] مصره دون رهطه بميراث العمومة ويستحقها كما تستحق المقامات ~~الموروثة؛ أو يكون ذلك من جهة وصية أو وراثة مشهورة؛ أو يكون ذلك نتيجة ~~خصال كريمة لاقت القرابة وحرمة العترة، فبلغ صاحبها باجتماع الخصلتين ما لا ~~يبلغه صاحب الواحدة ويكون مقنعا للإلف لأنه أمس بالمعدن وأقرب من صاحب ~~المقام وأحرى أن لا يخفى مكانه ms05 على بعيد PageV01P344 ~~الدار، كما لا يأنف منه العظيم الكبير، وإن كان نصيبه من الطاعة دون نصيب ~~كثير ممن لا يجري مجراه في شرفه ولا يشاكله في موضعه؛ وهذه الأركان تجتمع ~~على جميع المقالات إلا ما لا يعده المتكلمون قولا وكان عندهم عارضا بهرجا. ### || [5- معاوية لا يستحق الإمامة] # ولم نجدهم ادعوا لمعاوية إلا أنه كان رجلا من عرض المسلمين وصالح الطلقاء ~~وكاتب الوحي، فقد كتبه قبله من قد علمتم: ابن أبي سرح ثم كان من أمره ما ~~كان، وكتبه علي بن أبي طالب وكتبه حنظلة الكاتب الأسيدي وكتبه زيد بن ثابت، ~~فلم نجد أحدا جعل كتابتهم للوحي سببا الى ادعاء شيء من مراتب الإمامة ~~وطبقات استحقاق الخلافة. # وأما قولهم «خال المؤمنين» ، فأنه إنما يكون خالا لو كان كون ام حبيبة ~~أما للمؤمنين من طريق النسب لا من طريق تحريم النكاح والتعظيم لحقوق الرسول ~~محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولو كان قولهم قياسا مقبولا وتأويلا معقولا لكان ~~أبو بكر وعمر وأبو سفيان أجدادا للمسلمين، ولكان جميع ولد أبي بكر وعمر ~~أخوالا للمسلمين، ولكان سالم بن عبد الله ابن خال المسلمين، وهذا حمل ~~والاحتجاج به سفه والقائل به إما ساقط العقل وإما ظاهر العبث. # وإن كان معاوية قد كان سكن إلى هذا القول وكان هذا القول قد قيل في تلك ~~الأيام، فما كان ذلك منه إلا من خوف شديد وحاجة مفرطة؛ ولو كان للمسلمات ~~خالا لما جاز له أن ينكحهن، وهذا رأي ساقط ومذهب فاضح. ### || [6- معاوية يدعي استحقاقه الامامة لأنه يطالب عليا بدم عثمان] # وليس ينبغي لمعاوية ان يحمد على ما اتفق له من أسباب القوة وتهيأ له من ~~الملك إلا قتلة عثمان والذين صاحوا يوم قالوا: «أخرجوا لنا قتلة عثمان!» . PageV01P345 ~~- فقالوا: «كلنا قتلة عثمان!» ، لان عثمان لو لم يقتل لم يمكنه أن يوهم ~~أغمار الأمة وأغثار أهل الشام والقابلين والمفتونين من الأعراب وأشباه ~~العرب أن عليا هو الذي قتله أو كان السبب [لقت] له عندهم من جهة الشبهة على ~~أهل الغباء والغفلة ms06 أو على من يعميه هواه أو يلي جده، وصار من قتل إمام ~~المسلمين يتبرأ عندهم ممن قتل رجلا من عرض المسلمين، وقاتل المؤمن عندهم ~~ضال والضال لا يكون شاهدا فكيف يكون عندهم حاكما؟ ومن لا يجوز أن يكون ~~عندهم حاكما فكيف يجوز أن يكون عندهم إماما؟ ### || [7- معاوية يستغل موقف سعد وابن عمر ويفيد من اختلاف جند علي واتفاق جنده] # فلما فرغ من تثبيت ذلك عندهم وهمهم أن من منع الضال من الإمامة أحق منه ~~بالإمامة، وأن أولى الناس بمقام الإمام من انتدب للطلب بدمه وبذل في ذلك ~~نفسه لأخذ الحق منه لولده وولي دمه، فلما فرغ من ذلك وهمهم وثبتت عندهم أن ~~من دان بدين سعد وذهب مذهب ابن عمر ممن لا يرى قتال «الفئة الباغية» ويقول: ~~«كن عبد الله المقتول» لا يرى طلبها ولا الدفع عنها إلا بالكف دون البسط ~~وإلا بالجدال دون القتال- وعلى أن عليه إن ظن أن الجدال يؤدي إلى شيء من ~~القتال أن يكون أترك الناس للدعاء إليها والإحواج لها فضلا على غير ذلك من ~~الأمور [ ... ] . # هذا مع ما عليه من طبائع الناس من حب المال والعلو في الحال وأنه متى لم ~~يرعهم السوط وينهكهم السيف فالأمر مريج والفساد شامل والحرب أكيدة والفتن ~~شائعة والأمر مضاع والحق مقموع، ومن عز بز ومن قل فل ومن فل أكل ومن ظهر ~~قتل؛ فالإمام ما لم يحم مكانه وثغر سلطانه فمغلوب معزول ومطلوب مقتول، ~~والرئيس ما لم يذد عن حوضه ويحام عن عشيرته فمسلوب مغلول أو [م] شلو [ل] ~~مأكول على الدنيا ولم يكن معنى قط على هذه الصفة PageV01P346 ~~ولا صحت يوما قط إلا على خلاف هذه الحال. # ومما تهيا له من الأسباب واتفق له من العلل ما كان ظاهرا من رأي سعد وابن ~~عمر في تحريم البسط والأمر بالكف والنهي عن حمل السلاح والإمكان من الحربة: ~~فاجتمع له السبب الذي به يوهم موضع دم عثمان؛ فان سعدا، وإن كان بقية ~~الشورى، فان الحق لا يغريه وإن الباطل لا ms07 يضل به؛ وعلى هذين الاصلين دار [ .......... ] ~~الطمع منه فيها واستجاز الطلب لها والحرص عليها. # ثم اتفق أن جنده يمانية إلا القليل، وجند علي نزارية إلا القليل؛ واتفق ~~أن كان أهل العراق أصحاب الخواطر والنظر والتأويل والقياس، ومع هذه الصفة ~~يكون الاختلاف إذ كانوا عربا وأعرابا وعهدهم بالجاهلية قريب وتعظيم الرؤساء ~~فيهم غير قديم؛ وأهل الشام هم في قلة الخواطر والتنقير وفي قلة الفطنة ~~والتفتيش على خلاف ذلك؛ وكانوا ملوكا وأجناد ملوك أو قرابين ملوك، لا ~~يعرفون إلا طاعة الملوك والكبراء واتباع الرؤساء؛ وقد علمت أنه متى أطاع ~~الجند الرئيس والرئيس يصيب الرأي، فكلهم رئيس وكلهم مصيب ومع الإنصاف تجتمع ~~القوة ويقوى الضعيف، ومع الاختلاف ينتثر الأمر وتنكبت القوة؛ وقيل لرجل من ~~عبس: «كيف نهضتم بالعمائر الكبار على الألوف؟» - قال: «كان لنا رئيس يصيب ~~الرأي وكنا له تبعا فكنا ألف رئيس» . # وجند علي بن أبي طالب من ربيعة ومضر، وهم كانوا أصحاب التحارب في ~~الجاهلية والتجاذب، وفيهم كان التحالف والتجاور، وهم كانوا أصحاب الغزو ~~والغارات والسبي وطلب الطوائل، وأكثرهم أصحاب وبر وعمد وصحار، وأقلهم أصحاب ~~المدر والمحال، وأكثرهم أصحاب الحذر والنجعة والفقه والمواثبة [؟] ؛ ومع ~~الحاجة يكون الطلب والحركة ومع الغناء والخصب يكون الحلم والمروة والتثاقل ~~عن الحركة؛ حتى كان رؤساؤهم يخرجون في الحروب والمغازي متسايرين، لكل رأس ~~لواء ولكل سيد معسكر؛ وما زال أصحاب التجارب PageV01P347 ~~والعقول وأهل النظر والتحصيل من كل ملة وأمة وقرن وبلدة يرون ان الشرك في ~~الحرب كالشرك في الملك وأنهما كالشرك في الزوجة، وأن الخطأ في ذلك لا ~~يستقال والوهن لا يستدرك، وأن هذه الخصال فاحشة الضرر سيئة الاثر، لا يثبت ~~معها إلف ولا يصلح عليها تدبير؛ فاحتملوا ما في التشابه من ضرر التساند ~~لنكود الاخلاق ولشرف الحمية ولما كانوا عليه من حمية الجاهلية. # ألا ترى أن مروان بن محمد لما استبدل قيس عيلان الجند بقيس عيلان الجند، ~~من أبناء قحطان، كيف ظهر انتشار أمره واضطرب حبله واختلفت الكلمة وتقطع ~~النظام وانحلت العقد وأدبر الملك وركدت الريح؟ ms08 هذا وقيس عثمانية عند أنفسها ~~جماعية دعامية فيما تذهب إليه سلطانية، كذلك اصطهرت إليها الملوك، يعني ~~المصاهرة دون النزارية بالانفس، ووليت العراق المرار الكثيرة والثغور ~~العظام والمهم من الأمور الجسام؛ ولم يفعلوا ذلك بتميم ولا بربيعة لما كان ~~فيها من النزوح والخارجية، ولذلك قلت الفتوح في تميم وربيعة؛ وكانت قيس في ~~جملة أمورها ومعظم تدبيرها زارية على الشيعة ناقمة عليها، نافرة من الخوارج ~~ناهية عنها؛ وقد عرفت ما كان من شأن زفر ابن الحارث ومجاشع إبن مسعود وحاتم ~~بن النعمان والجحاف بن حكيم، وحال كل من سيره علي من البصرة بعد وقعة الجمل ~~الى الجزيرة؛ ثم مع ذلك ما برحت أن نزعها ذلك العزم وجذبها ذلك الطمع ولم ~~تدعها الرحم من نزار، وعرف مروان فضل رأي أسلافه على رأيه وتدبيرهم على ~~تدبيره. # ولعل قائلا يقول: «فأين ربيعة السامعة المطيعة وكانت شطر نزار ومعظم ~~الفرسان؟ أو ما كانوا في طاعة علي مجتهدين وعلى معاوية مطيعين، حتى هجروا ~~فيه الإخوان والجيران وفارقوا من أجله الأوطان كصنيع عجل بالبصرة وانتقالهم ~~بعد نصرته يوم الجمل إلى الكوفة حتى نزلت ديارهم وصارت في ربوعهم الازد، ~~يتقدمها ابن نوح؟ قال في ذلك الشاعر: # وشيب رأسي قبل حين مشيبه %~% نزول العبيد في ديار بني عجل PageV01P348 # قلنا لهم عند ذلك: قد كانوا كما وصفتم ثم صاروا شرا من قيس وأكثر خلافا ~~من تميم، على أنهم بتميم أشبه؛ ولذلك قال الحجاج: «الكوفة أشبه بالبصرة من ~~بكر بن وائل بتميم» ؛ بل صارت رجال يمانية أسوأ طاعة وأكثر خلافا من رجال ~~نزار، كالذي كان بين الأشتر والأشعث وكالذي كان بين الأشعث وحجر؛ وما تخفى ~~عليك امور لهمدان وكندة في تلك الأيام، وحال سعيد بن قيس، وما كان من قول ~~عبد الله بن بديل، هذا إن كان بعض ما ذكرنا يعرفها من قبل علي ومعاوية ابن ~~ملجم، ومن إمداده الرأي ومن تشجيعه على الاقدام وإفساد يمانيته عليه فضلا ~~على قيسيته؛ فقال يزيد بن حجبة قبل أن يكون إليه من علي بن أبي ms09 طالب ما ~~كان: # عادت ربيعة قيسا بعد طاعتها %~% حتى اليماني لا يبقي ولا يذر # ثم صرف إلى معاوية مع أكثر قومه من تيم اللات بن ثعلبة وقال: # وقالوا: علي ليس يقتل مسلما %~% فمن ذا الذي يحيي الرفات ويقتل # ثم لحق بالشام خالد بن المعمر في أكثر بني سدوس، ولقدره ولقدر ما جلب إلى ~~معاوية من القوة قال قائلهم: # معاوي أمر خالد بن معمر %~% فإنك لولا خالد لم تعمر # ثم لحق مصقلة بن هبيرة في عامة بني شيبان في رجال كثير ورؤساء لا يحصون، ~~معروف سبب هربهم وشهور تنقمهم؛ وأما مصقلة بن هبيرة فانه طولب بما عليه من ~~مال الله من ثمن من أعتق من بني ناجية؛ وأما يزيد بن حجبة ففر من الجيش لما ~~كان فر من خراج المسلمين إلى ما لا يعرف من هرب النجاشي عند شرب الخمر. PageV01P349 ### || [8- معاوية يلجأ الى الترغيب بالمال والتولية على عكس علي] # والجملة أن رجالات العرب ورؤساء الأعراب وكثيرا من أهل البأس والنجدة ~~والرئاسة في المشيرة كان سوء معاوية ومعاملته أحب إليهم من سوء علي إبن أبي ~~طالب ومعاملته، لأن القوم، لما ثبت عندهم من إطعام خراج مصر عمرو بن العاص ~~ما ثبت، ومن ضمانه لذي الكلاع سميفع بن ناكور ما ضمن، ولحبيب بن مسلمة ما ~~قد علمت، ورأوا ما صنع علي بيزيد بن حجبة وسمعوا رد جوابه على من سأله أن ~~يزيد في عطاء الحسن والحسين وكيف قال، ورأوا مع ذلك شدته على الخائن وقمعه ~~للظالم وأن الرجال أنما تحظى عنده على قدر الزهد والفقه وعلى قدر الوفاء ~~والنجدة وعلى قدر العلم بالكتاب والسنة، لم يكن لهم هم إلا التخلص إلى ~~معاوية وإلا أن يصيروا إلى من يرتع ويرتعون معه ويأخذ ويأخذون معه ويذهب ~~مذهب التودد والتحبب والتألف ويدع مذهب الإمامة وإقامة جزاء الحسنة ~~والسيئة؛ وقد قال خالد ابن المعمر لعلياء بن الهيثم: «اتق الله في عشيرتك ~~وانظر لنفسك ورحمك، ما يؤمل عند رجل أردته على أن يزيد في عطاء الحسن ~~والحسين دريهمات ms10 يسيرة ريثما يبلان بها من طريف عيشهما، فأبى وغضب؟» . ### || [9- حيلة المصاحف تنطلي على الناس] # فكل ما ذكرنا مما اتفق له من غير اكتساب وتهيأ له من غير احتيال، فغير ~~مكره- حفظك الله- معاوية على ما اتفق له ولا ملوم علي ابن أبي طالب على ما ~~امتحن به فيهم؛ فعلى هذه العقدة دار الكلام؛ ثم اتفق له الخلاف الذي كان عن ~~رفع المصاحف والانتشار الذي حدث عن ذلك التدبير والحيلة؛ فانظر هل ألفى علي ~~عندها عاقلا أو صادف بها عزيزا؟ ولقد قال ثم أعاد القول ثم احتج وعرف وزجر ~~وتوعد وقال: «ويحكم! إنها خدعة ومكيدة، وإنها بعد دليل على الفشل وعلى ~~انقطاع القوة؛ فانتهزوا هذه الفرصة فقد دلكم بها على موضع PageV01P350 ~~العورة، وليس بينكم وبين الظفر إلا صبر ساعة» ؛ فكان أشد القوم عليه ~~خلافا وأفحشهم عنودا الذين صاروا بعد إلى إكفاره وإلى البراءة منه بعد ~~إقرارهم بانه كان المستبصر والمحدود والواعظ والمتوعد، وأنهم كانوا ~~المخدوعين والمغرورين والمخذولين؛ فهذا هذا. ### || [10- دهاء عمرو بن العاص وغباء ابي موسى الاشعري] # وكان ما امتحن به علي واشتدت البلوى على أصحابه فيه وعلى اصحاب النبي ~~وعلى من معه من أجناده ومن خاصة أهله، أن صار الحكم الموازي لعمرو بن العاص ~~أبا موسى الأشعري، فكان من خدعه له ومن غدر عمرو به ما قد علمتم؛ ولم تجد ~~الناس اقتصروا من أمرهما على أنه خدعه بفضل أرب وكاده بعد غور واستنزله ~~بفضل [ ........ ؛ فلولا يزال يكون مثلة يبين الرجال من رجال الرأي والدهاء والمادة وجدت ~~العامة والطبقة التي تلي العامة لا يشكون أن أبا موسى كان أغبى «العالمين ~~وأعيا الأولين والآخرين، وأنه فوق جهيزة في سقوط الرأي، وأسوأ حالا من دغة ~~في الرقاعة، وأكثر خطلا وأعجب خطأ وأغرب غلطا من جحا وأعيا لسانا من باقل. ### || [11- دوافع ابي موسى الى موقفه في التحكيم] # وليس يقول هذا- رحمك الله- إلا من لا علم له ولا تحصيل عنده؛ قد عرفنا ~~حال أبي موسى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر ومنزله من عمر ms11 ~~بن الخطاب ومكانه من عثمان بن عفان في كثرة فتوحه وصحة تدبيره، ألا وإنها ~~عن مقارعة شديدة ومنافقة [؟] طويلة بالرأي السديد والكيد البعيد والسيوف ~~الحداد وبالعدة والعتاد وسياسة الأجناد ويمين الفتنة والسلامة العجيبة وحفظ ~~الرعية والقسمة بالسوية، ومع الفقه في الدين والعلم بالقياس والحجج في ~~الفتيا؛ وكان سادس ستة ممن حصلوا من فقهاء الصحابة وأحد القضاة PageV01P351 ~~وأحد الثلاثة، ولذلك قالوا: «ثلاثة أخذوا عن ثلاثة: ابن مسعود عن عمر، ~~وأبو موسى عن علي، وزيد عن أبي» ؛ ويدل على ذلك قول الشاعر في مدح بلال ابن ~~أبي بردة بن أبي موسى وكان قاضيا ابن قاض ابن قاض، قال له: # وأنت يا ابن قاضيين # وقال آخر في بلال: # قضيت على عرق بما لك صاعدا %~% وأوتيت مزمارا وخطبة فيصل # (ذهب من المزمار الى ما كان أعطي أبو موسى في حنجرته من الصفا والشحا؛ ~~وذهب من ذكر الخطبة الى ما كان أعطي في لسانه من البيان) . # - وكان مع ذلك مشهورا بالحلم ومذكورا بالفقه، من المعدودين في أصحاب ~~الفتوح ومن المذكورين في الولاة والعمال ومن المعروفين بالنزاهة وطيب ~~الطعمة ومن المعروفين بصحة الرواية؛ ثم خصلة ما أقل ما تجدها وأكثر ما ~~تفقدها وهي قلة التغير مع طول الولاية والثبات على الأمر الأول مع كثرة ~~الفتوح والفائدة، ولو كان أبو موسى كما يقولون غبيا منقوص العقل ضعيفا، ~~لكان اللوم على تأميره [على] البلدان والأمصار وعلى الجيوش العظام وتسليطه ~~على الأحكام، على من ولاه دونه؛ ولو كان ذلك كذلك لكان لعلي في ذلك أوفر ~~الأقسام. # كلا، ولكننا نقول فيه كما قال أهل العلم من أسلافنا وأهل العدالة من ~~مشايخنا: نقطع الشهادة على كل ما أجمعوا عليه ونقف عند كل ما اختلفوا فيه، ~~وقولي فيه، إن لم يكن قول أبي إسحق بعينه فما أقربه من قوله؛ قال أبو اسحق: ~~كانت التي خلع بها علي بن أبي طالب دون عمرو وبعد التصادر على ذلك والتوكيد ~~له نتيجة خمس خصال، منها انصرافه عن علي، والاخرى ميله الى رأي سعد بن ابي ms12 ~~وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وصهيب بن سنان وأسامة ~~بن زيد من الكف وتحريم القتال، ولذلك روى PageV01P352 ~~بالكوفة ما روى حيث أقعد الناس عن علي بن أبي طالب ونصرته ومعاونته حتى ~~جرى في ذلك بينه وبين الحسن وعمار ما جرى حيث قال: «سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من ~~الماشي والماشي [فيها] خير من الساعي» . # وخصلة اخرى وهي ميله من عدنان لقحطان ولذلك قال يومئذ: «لو كان هذا الأمر ~~لا ينال إلا بالقدم والشرف لكان رجل من أولاد أبرهة بن الصباح أولى بها ~~منهما» ؛ وخصلة اخرى وهي نقصانه لا محالة عن مقدار عمرو في بعد الفكر وشدة ~~المكر، ولكن ليس من خدع مرة او كان دون أدهى الناس فلا اسم له إلا الغبي ~~العيي الجاهل المنقوص؛ وخصلة اخرى وهي ما كان إسرار قلبه من تصييرها الى ~~ابن عمر بكل حيلة وبكل قيد وقوة، ولذلك وافى ابن عمر دومة الجندل، والخصلة ~~من هذه الخصال- رحمك الله- تصرف بنصيبها من إدخال الخطإ على العقل، فما ظنك ~~بها وقد اقبلت معا ثم صادفت عقلا مستهدفا وعرضا قريبا؟. ### || [12- لماذا قبل علي بابي موسى حكما] # وكان أبو اسحق يتعجب من قول من زعم أن عليا إنما اجبر على أبي موسى ~~اجبارا ولم يوجه اختيارا لأن اليمانية أبت أن تكون إلا ميزان نزاريين؛ قال ~~أبو اسحق: قد علمنا أن من شأن طبائع الأزد وتميم وبكر ويربوع وتغلب وقيس ~~وجملة عدنان وجملة قحطان أن تتفانى في أقل من هذا، وقد عرفنا سبب حرب ~~البسوس وسبب حرب لبني قيلة وسبب حرب داحس والغبراء، وهي حرب الإخوة وأطول ~~حرب كانت في الجاهلية وأشدها ضغينة وأبعدها غاية في طلب الطائلة، وما كان ~~بعد ذلك مما كان بين تغلب وقيس وابن أبي الهيذام وقبائل اليمن بالشام وغير ~~ذلك، وكيف كان صغر الأمر في أوائلها وعظمه في أواخرها، وكيف طبائع العرب ~~قاطبة والاعراب خاصة، وكيف نفوس الاجناد، ms13 وكيف حركة الاتباع، وكيف صبرت ~~نزار كلها، مع ما وصفنا، على هذه الذلة PageV01P353 ~~واغضت على هذا القذى وتعرضت لهذا التغير وكيف استنجدت وأطرقت وطايعت ~~وسامحت حتى لم يختلف سيفان، والسيوف عتيدة، ولا اجتمعت في ذلك جماعة ~~والخيام متقابلة. # ثم لم يقل فيه شاعر قصيدة واحدة ولا فخر به فاخر مرة واحدة، فلا هؤلاء ~~هجوا ولا هؤلاء مدحوا؛ وهل يعرف هذا من أخلاقهم وهل يظن هذا بهم؟ بل متى ~~أغضت نزار من اليمن على مثلها؟ ولو كانت معاودة لذلك منها في جاهليتها لما ~~صبرت على ذاك بعد تحول الملك فيها والنبوة إليها، وقد رأيناهم كيف كانوا ~~يوم خزازى ويوم الكلاب والاخير ويوم شويحط ويوم اجتمعت تميم على زرارة ويوم ~~اجتمعت على غزو اليمن في فك تميم من أيدي العباهلة والرئسان الاضبط بن قريع ~~والنمر الحصاني، وكم قتلوا من الملوك عنوة وكم غزوا ديارهم لا يلتمسون حيا ~~دونهم كعروة حذيفة بن زيد وحصن بن حذيفة وفلان وفلان. # واحتسبت كيف لم تتجمد باحتمال ملالها ولم تتقرب بذلك إلى علي ابن أبي ~~طالب ولم تجنح بالورع وتدع بغض الشر وكراهة الفتنة إن كان العجز قد قطعها ~~والجبن قد خلع قلوبها. وكيف حمل على نفسه هذه الدنية وكيف [قبل] بالضغطة ~~وكيف نزل على هذا الحكم وكيف أمكن من نفسه هذا التمكين وأغرى بها هذا ~~الاغراء، وفي دون ذلك مرزية الأعداء وضراوة لأهل العصبية، وقد علم أن فطم ~~العادة شديد وأن نزع صاحب الدربة عسير. # وقال أبو إسحق: احسبهم كانوا القاهرين والغالبين والمتحكمين المتهكمين ما ~~خالف إلى أبي موسى وأي جمع كان هنالك من الأشعريين وأي عز كان في ذلك ~~العسكر لأهل بلده؟ وإن كان غبيا عند أصحابه مضعوفا قليل المعرفة مخدوعا، ~~فماذا الذي اضطرهم إليه؟ فأين كان الاشعث بن قيس؟ وأين كان سعد بن قيس؟ ~~وأين كان عبد الله بن بديل؟ وأين كان قيس بن سعد؟ فان قلت إن القوم لم ~~يرضوا إلا بمن له صحبة، فما حدب لمعاوية هذا التحدب «على PageV01P354 ~~الصحابة، وهذا التعظيم ms14 لمن له هذه الحرمة، وهذا التقديم لمن له هذه ~~التقدمة؟ ولا بأس، فأين كان أبو أيوب الأنصاري وأبو مسعود البدري؟ وأين كان ~~عدي بن حاتم؟ فإن أقرت قحطان بانه لم يكن في جماعته رجل واحد كانت له صحبة ~~يفي موازاة عمرو بن العاص، فقد أقروا بالخسيسة وسلموا بالفضيلة. # ولعمري أن لو كان المسؤولون من نزار لذكروا رجالا قد جمعوا مع الصحبة ~~العقل البارع والتجربة الكثيرة والرأي الاصيل والغور البعيد والحزم والعزم ~~والعلم والنكرى والدهاء والرأي [ ..... ] ، ولو كانت الحال قد بلغت بعلي ~~إلى أن صار لا يمتنع من قهر تلك ~~اليمانية ومن غلبة بعض ذلك الجند، وذلك ظاهر لمعاوية ولجواسيسه السعية، ~~ويزال عنه فرض الجهاد، فمن كان كذلك كان عن حلبة أهل الشام وأجناده ~~المتناصرة بالأيدي المثقفة هو أعجز. # كلا، ليس الأمر على ما قالوا وذكروا، فما دعا إذا معاوية إلى المحاكمه ~~وكيف رضي بالنصفة؟ كان علي بن أبي طالب أشد ورعا وأثقب نظرا وألطف في ~~الأمور تدخلا من أن يوجه مع عمرو بن العاص حكما وهو عنده عبد منقوص أو عدو ~~مرصد، بل لا كرر أن يقلده مثل ذلك الامر وهو عنده ظنين عليه، وكان الاقل من ~~ذلك أن لا يدع الاحتجاج والتبيين والاعتذار الى غيره من رعيته وأجناده؛ فمن ~~أين اتى- يرحمك الله- أمن كلال وجمد وعي لسان، أم من قلة معرفة وضعف مخبرة؟ ~~أو من جبن قلب وشدة هيبة؟ أم من خور في العرق؟ أم من فساد في أصل الطينة؟ ~~أم من خبث في المنشإ والعادة؟ أم من قلة ممارسة للحروب ومقارعة للابطال ~~ومعاودة للقتال، مع قتل الفرسان والقادة والرؤساء والسادة، وهل ربي إلا ~~فيها وهل نبت لحمه إلا عليها وهل يعرف شيئا سواها؟ ~~ألا يدور ما يعرف منها على استفاضة علمه واتساع معرفته؟ # ولو لم يكن علي امتحن منها بشيء قط ولا اختبر بأمر قط إلا بما امتحن به ~~يوم نادى منادي معاوية: «أخرجوا الينا قتلة عثمان!» ، لكان في ذلك أعظم PageV01P355 ~~المحنة وأشد البلاء والفتنة، ولقد ابتلي علي بعقد ms15 لا سبيل إلى حله وبقفل ~~لا حيلة في فتحه، ولو كان باب الحيلة فيه مغلقا ولم يكن [ ..... ] مبهما، ~~لكان أحق من [ .... ] ذلك القفل و [ ..... ] لذلك الغلق؛ ألا ~~ترى أنه لو أخرج إليهم طلبتهم والذين أوقعوا عليهم ~~ظنونهم ومن هو عندهم قاتله إما معينا وإما متوليا وإما بالهوى والمحبة ~~والنحلة والديانة، لدفع إليهم محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر وعمرو بن ~~الحمق وسودان بن حمران ومالك الاشتر وعبد الله بن عديس وعمرو بن زرارة ~~وعمير بن ضابىء وفلانا وفلانا؟ # ولو أخرجوهم إليهم لأمتنعوا بعشائرهم ولمنعتهم الذين قالوا: «كلنا نصيحة ~~واحدة، كلنا قتال عثمان!» ؛ ولو كان كذلك لكان معاوية أول واثب بهم وكان ~~ذلك من أكبر فريضة فيهم، ولو أخرجوهم إليهم وسلموهم في أيديهم، لقتلوهم ~~خبطا بالسيوف ورضخا بالجندل، ولأعجلوهم عن حكم الإمام القائم وعن التثبت ~~والتعرف وعن تمييز ما بين الآمر والمحب والمعين والمتولي والمتهم والمعترف ~~بالدم. # ولو قام علي في كل عددهم وعدتهم يرد عليهم ويكذبهم، لكان تواثب بعضهم إلى ~~بعض بالجدال والقتال أقرب من وثوب معاوية بهم على قرب ذلك منهم، ولو جرى ~~بينهم بعض ما هو دون السابقة والمتأخرة لكان في تشاغلهم واضطراب حبلهم ~~واختلاف كلمتهم وانتشار أمرهم ما يدعو أهل الشام إلى الوثوب بهم والشد ~~عليهم، ولو فعل ذلك والحال كذلك لما كان دون البوار ستر ولا دون الظفر بهم ~~مانع ولا حائل. # وقد علمت- حفظك الله- أن الناس في قتل عثمان على ثلاث طبقات: ~~فطبقة تدعي ان قتل علي لعثمان كان من اكبر طاعاته لله، وهذه الطبقة هم ~~الشيعة والخوارج؛ وإن الطبقة الأخرى هي الذين يرون الوقوف فيه وفي عثمان، ~~وفيه وفي طلحة والزبير، ويتولونهم على أصولهم ويقفون عند أحداثهم، والطبقة ~~الثالثة وهم السواد الاعظم والجمهور الاكبر، منهم أصحاب الحديث PageV01P356 ~~والقضاة والنوابت ومن زعم أن جميع أهل الكلام [ ......... ] وأن الكف ~~عن ذلك هو السنة والجماعة. # فلو أن عليا قال يوم ذلك: كذبوا، لم يكن ذلك تدبيرا، وقد ذكرنا ذلك ~~وفسرناه، ولو قال: صدقوا، لخلعه جميع من يرى ms16 الوقوف وجميع من يرى تبرئته ~~ونفى تلك الدعوى عنه؛ ولو كان على سبيل من قتله لما كان عليه في ذلك اليوم ~~الإقرار بقتله، إذ كان الاقرار فيه ليس بفرض واجب، ولا كان مأخوذا به، وفيه ~~إفساد قلوب العامة وبعض الخاصة، وما كان إلا كرجل قال إن السماء خضراء، فقد ~~صدق، وليس عليه أن يقول في كل حين إن هذه سماء ولا إنها خضراء، ولكن عليه، ~~إن أثر أن يخبر، أن لا ينكر أنها خضراء. # فكذلك كانت حال علي بن أبي طالب إن كان على سبيل من قتله وان لا يرى أن ~~محله في تلك الحال المحل الذي لا يكون أضيق منه، إذ كان لا يمكنه في وجه ~~التدبير أن يقول: صدقوا، ولا أن يقول: كذبوا، فهل ترى التدبير إلا ما صنع ~~علي؟ ولذلك زعم بعض من يفضل عليه أبا بكر وعمر أن ذلك الفضل لهما الى أن ~~امتحن علي بما لم يبلغه امتحانهما، فصار أفضل منهما؛ ولولا أن الله قد علم ~~أن إرادته في نفسه كانت أتم وعلمه أوسع وعزمه أقوى، لما اختبره بذلك ولا ~~امتحنه إلا بمثل ما امتحن به الائمة قبله. # ولو كانت هذه الرسالة تحتمل [تخريج] القول في الحكمين والاحتجاج في جميع ~~أبوابه لاستقصيت ذلك، ولكني سأومىء إليك- إن شاء الله- بجملة يكتفي بها من ~~كان في دون حالك بعد أن يستصحب الإنصاف ويتحفظ من الهوى ويتحذ [ر من] ~~السابق الى القلوب وهي فارغة. ### || [13- اسباب ترك علي القتال] # قد تبين للناس كلهم اختلاف أصحاب علي بعد رفع المصاحف وإخلادهم الى ~~المقام بعد أن رجعوا إلى أوطانهم، وكيف ملوا الحرب وسئموا طول مقارعة PageV01P357 ~~الشر، بعد أن ذاقوا الخفض ووجدوا مس المهاد وشموا ريح الأولاد، وبعد ان ~~عاينوا من عدد الجرحى والصرعى والقتلى، وبعد أن وجدوا خشونة المس ومنع ~~الجانب، وبعد أن قال كبراؤهم: «لا نعود حتى نشمر الكراع ونحد السلاح ونجبي ~~المال» . # وأنا واصف لك جملة القول في الحكمين، إن كان كتابنا هذا يعجز عن التفسير، ~~فأفهمه واعلم اني وجدت ms17 الذين خطؤوا عليا في ذلك لم تجاوز تخطئتهم له ثلاثة ~~أوجه: أحدها اختيار أبي موسى بعينه وفي العسكر من هو أدهى منه وأنصح، وقد ~~قلنا في ذلك جملة كافية إن شاء الله؛ والوجه الآخر إنكارهم حكم الرجال في ~~الأمر الذي قد بينه الكتاب وقطع عليه الشهادة وعرفهم فيه وجه الحق وهو ~~قوله: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~، وإنه مثل قوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا ~~من الله ~~؛ فكما أنه ليس لعلي ولا لغيره أن يحكم الرجال في قطع السارق وفي الامساك ~~عنه وفي ضرب الاجل له، لما ظهر في الآية من الدلالة، فكذلك ليس له ولا ~~لغيره أن يحكم في قتال الفئة الباغية ويترك ما ظهر في صورة الآية وفي ظاهر ~~الكتاب. # والوجه الثالث أنهم قالوا: لم يكن يخلو علي في ترك قتالهم، وقد دعوناه ~~إليه، من وجهين: إما أن يكون كان عاجزا معذورا أو قويا غير معذور، فالعذر ~~في ترك القتال واقع، بل قد فرض الله عليه أن لا يعرض قليل من معه لكثير من ~~مع عدوه من الاعداء، وعليه أن يعرف ذلك الجاهل ويكف عمن عرف الغمر المتسرع، ~~فان قبلوا كان قد بلغ ما أراد من الشفقة والحيطة، وإن ردوا ما قصده كان قد ~~أعذر وأنذر، فظهر في العوام عذره وثبتت على سائر الانام حجته، وإن كان قويا ~~وكان بمثل عدده وعدته يزال الظلم ويدحض الباطل ويقمع العدو، فعليه أن ~~يقاتل: فإن ظفر كان مطيعا منصورا، وإن ظفر به كان مطيعا معذورا. PageV01P358 # قد قلنا في تنازعهم واختلاف قلوبهم ونكوبهم إلى أوطانهم وفي سآمتهم بما ~~قد سمعت، وقد علمنا أن من جمع بين القلوب المختلفة والقلوب المؤتلفة وإن ~~كان عدة المختلف فوق عدة المؤتلف، إنه مذموم التدبير مسخوط التقدير؛ وإذا ~~كانوا كذلك فالرأي ان يكتم الناس داءهم وعيبهم ولا يفطن لذلك عدوهم بكل ما ~~أمكن من الحيلة وبلغه التدبير، وأن يستأني ms18 بهم ويتلطف لهم وينتظر أوبتهم ~~وإفاقتهم من سكرتهم وانتباههم من رقدتهم إلى غاية وإلى نهاية، ولا يعجل الى ~~تفريقهم ما دام الطمع في تراجع قلوبهم ممكنا وكان الأمل في تعايرهم ~~وتراجزهم مأمولا. # فان قال قائل: لا نستطيع أن ننكر أنه قد كان هناك خلاف يوم رفع المصاحف، ~~ولكنا قد علمنا أن الذين عصوه يومئذ في قطع القتال هم الذين أطاعوه اليوم ~~في معاودة القتال، نادمين على ما كان وسلف منهم، مقرين بالخطإ على أنفسهم، ~~مذعنين لصواب رأيه دونهم، وهم كانوا العصاة يوم عصوه، وصار هو العاصي يوم ~~عصاهم، لأنه دعاهم للقتال فأمسكوا عند رؤية المصاحف، ثم دعوه بعد أن تبينوا ~~المكيدة التي كانت بانت له يومئذ، فدخل في مثل ما دخلوا فيه؛ إلا أن القوم ~~كانوا أعذر منه لفضل علمه ونقصهم عن كماله وأن الشبهة عليهم يوم رفع ~~المصاحف كانت أغمض والنفوس أشغل والرأي أقل من الشبهة عليه يوم جاوزوه ~~نادمين سادمين ومقرين متغايرين ومستغفرين نازعين؛ قلنا لهؤلاء القوم: إن ~~كان الشأن في اختلاف ألسنتهم وقلوبهم وفي سوء طاعتهم وفي تثاقلهم عن قتال ~~عدوهم وركونهم الى المقام في أهلهم ليس على ما حكينا ولا على ما ثبت به ~~الخبر عندنا، وإنما كان ذلك في قليل من كثير وفي مقدار لا ينقص الجمهور ~~الاعظم ولا ينقض قوى السواد الاكبر، فهل يخلو تركه لقتالهم من وجوه أنا ~~ذاكرها لكم؟ فان كان عندكم وجه غير ما ذكرنا أو نحن ذاكروه فاذكروه. # لا يخلو ترك علي لقتالهم، إن لم يكن ما قلنا حقا، من أن يكون صار جبانا ~~أو عاد منخوب القلب هيوبا بعد أن كان أشد الناس أشرا وقلبا PageV01P359 ~~وأتمهم بصيرة وعزما؛ وإما أن يكون طمع في نزوع معاوية وتوبة عمرو، وإما ~~أن يكون ذلك منه على طريق الندم على «ما أراق من الدماء ومن عدد القتلى، ~~فتاب من ذلك إذ استبدل باليقين الشك وبالاستبصار الشبهة؛ وإما أن يكون ~~الخرف عجل عليه قبل وقت لداته وقبل العادة المعرو [فة] في رهطه، فظهر ذلك ms19 ~~في تدبيره وغلبه الاختلاط في قوله وعمله؛ وما علمنا أن احدا من المخالفين ~~والموافقين ولا من أهل الوقت ولا مما ينسب إلى الحشو ادعى ذلك عليه ولا ~~قرفه به؛ وكيف يقول ذلك قائل ويطمع في القبول عنه طامع وهو يعلم أن قوله مر ~~[دود] مكذب ورأيه مسخوط معتل! # فاختاروا خصلة من خصلتين: إما أن توجدوا وجها ~~لم يذكر، وإما أن تثبتوا عبثا أن عليا قد كان اعتراه بعض ما ذكرنا من الجبن ~~أو من الخرف أو الطمع في نزوع معاوية أو الندم على ما سلف منه؛ فعلى أي ~~الخصال تعتمدون وأيها تدعون؟ إن ادعيتم الجبن على أشد الناس قلبا وأشرا ~~وأكثرهم للاقران قتلا وأيمنهم نقيبة وأشدهم بصيرة، أكذبتم الامة وبهتتم حكم ~~المعرفة؛ أما عد [د] قتلاه وجرحاه وصرعاه ومن فر منه وترك التعرض له، فلا ~~أعلم ذكرهم إلا فضلا من القول، وما ذلك إلا كمن التمس الزيادة في العامة ~~إذا مد البحر بالفطن، وأما تتابع الظفر ويمن النقيبة فقد علمتم الذي تهيأ ~~له من قتل العظماء والسادة والنجباء وأن ذلك أعظم العناء، وأنه لم يتوجه في ~~جيش قط إلا كان هو المنصور وعدوه المخذول، كشأنه وشأن بني زبيد، وكشأنه ~~وشأن أصحاب الجمل، وكشأنه وشأن أصحاب النهروان، وهل قاومه عدو قط، إلا ما ~~كان في بعض ساعات أيام صفين؟ وهل أتى في ذلك من قبل نفسه ومن تدبيره ~~وتصميمه ومن تعبئته؟ وهل أتي إلا من جنده؟ وهل منع من الظفر بهم إلا بما ~~صنعوا بانفسهم؟ # وقد علمتم ان معاوية قد كان القى بيده وأيس من نفسه حين أحدقت به الرماح ~~وقصد له عبد الله بن بديل في أهل البصائر ومنعه من الفرار بزعمه الذي ذكر ~~في شعر ابن الإطنابة بقوله: PageV01P360 # أبت لي عفتي وأبى حيائي %~% وأخذي المجد بالثمن الربيح # وقولي، كلما جشأت، لنفسي %~% مكانك تحمدي أو تستريحي # وهل نفس عن كربه ورفه عن خناقه ورد عليه حشاشة روحه وابقى عليه علالة ~~نفسه إلا ما كان من اعتزا [مهم] برفع المصاحف ومن ms20 تركهم القتال وهو يذكرهم ~~بالله ويعظهم بالقرآن ويزجرهم بوعده؟ وسنذكر من كلامه الدال على شدة ~~اختلافهم عليه وإبطائهم عن عدوه وركونهم إلى الراحة، المعروف من خطبه ~~والمشهور من كلامه والمذكور من مقامه الذي لا تستطيعون أن تقولوا إنه مما ~~رواه أبو مخنف أو صنعه ابن دأب أو ألفه شوكر أو حيره العتابي وقبل ذلك رشيد ~~الهجري، وهو قوله حين انكشف أمر الصحابة وظهر المكتوم من سره وسر عيوب ~~أجناده: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم المتفرقة أهواؤهم، ما عزت دعوة من ~~دعاكم و [لا] استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم الصلاب وفعلكم يطمع ~~فيكم عدوكم؛ إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت وكيت ~~[ .... ] أعاليل بأضاليل وأضاليل [بأبا] طيل، وسألتموني التأخير، دفاع ذي الدين ~~المطول، استخفكم الجهل حيدي حياد، ولا يمنع الضيم الذليل ولا يدرك الحق إلا ~~بالجد، أي دار بعد داركم تمنعون [و] مع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور- ~~والله- من غررتموه ومن فاز بكم فقد فاز [بال] سهم الأخيب! أصبحت- والله- لا ~~أصدق قولكم ولا أطمع في نصركم. فرق الله [بين] ي وبينكم وأعقبكم من هو شر ~~لكم مني وأعقبني من هو خير لي منكم!» . # فلما نزل [قصد] وه يعتذرون إليه، فقال: «أما [إنكم]- والله- ستلقون بعدي ~~ثلاثا: ذلا شاملا وسيفا قاتلا وأثرة [ ... ] يتخذها الظالمون عليكم سنة ~~فيتفرق جمعكم وتبكي عيونكم ويدخل الفقر [ق] لوبكم فتمنون أنكم رأيتموني ~~فتغنموني فلا يبعد الله إلا من ظلم!» . # وقال في مقام [آ] خر: «وددت- والله- أن لي بكم ألف فارس من بني فراس PageV01P361 ~~إبن غنم!» ، وقال في مقام آخر: «وددت- والله- أن لي بكل عشرة منكم فارسا ~~من بني فراس بن غنم صرف الدينار بالدرهم» [ف] بلغ من تثبيتهم لهذا الخبر ان ~~جعلوه حجة في صرف الدينار في ذلك الدهر؛ [و] قال في مقام آخر: «يا أهل ~~الكوفة المنسر من مناسر أهل الشام أطل عليكم أغلق كل امرىء منكم بابه ~~وانحجز في بيته انحجاز الضبع في وجارها ولمن رمى بكم لقد رمي بأفوق ناصل» ؛ ~~ولابطائهم عن عدوهم قال لهم: «ما قوتل قوم قط في عقر ms21 دراهم إلا ذلوا» في ~~كلام كثير مشهور معروف. # قد قلنا في العذر في اختيار أبي موسى وفي العذر في تأخير القتال بعد أن ~~كان هو الداعي [إ] ليه والحاث عليه؛ ونحن قائلون في نفس التحكيم وبالله ~~التوفيق؛ وجواب آخر: زعم أن عليا لو وجه الحسن او الحسين ابتداء او عبد ~~الله بن عباس او عمار بن [يا] سر أو مالكا الاشتر او قنبرا مولاه او أنصح ~~الناس جيبا أو أيمنهم رأيا أو أشدهم نبراسا أو أبعدهم غورا أو أقواهم عزما، ~~لما استجاز أن يحكمه بينه وبين معاوية؛ [و] كيف وهو على يقين أن معاوية لا ~~يصلح للخلافة في حال من الأحوال، ليس لخوف التبديل به والاشفاق من ذلك ~~الرأي عليهم، ولكن لان الدني والبعيد مانع من ذلك لأن الحق عنده أن أهل بدر ~~والحديبية لو أطبقوا كلهم على أن معاوية أولى بها منه أو على أنه يصلح لها ~~في بعض الحالات، لكانوا ضلالا غير مهتدين ولكانوا [مخ] طئين غير مصيبين؛ ~~وإذا كان إنكارهم لحقه لا يحل عقدة الخلافة وإقرارهم به لا يثبت عقدة ~~الخلافة، بل يكون ذاك منهم مؤكدا ومسددا ومريما ومركبا؛ أما أن يكون رضى ~~رجل أو سخطه تبرما ناقضا خلافته، فلا. # قد علمنا خلاف [ط] لحة والزبير وسعد ومحمد بن مسلمة وصهيب ابن سنان وسلمة ~~بن سلامة بن وقش وهم بدريون، فلم يكن ذلك بناقض لإمامته ولا ناقص من ~~بصيرته؛ [ف] القياس أنه لو لم يكن منه سبب تستحق به الإمامة إلا سبب هؤلاء ~~له، أن إقرارهم غير مثبت كما أن إنكارهم غير ناقض، ولو بان عند الامام أن ~~رجلا أكمل أهل محلته كمالا ثم أبى إمامته من أهل ذلك المصلى PageV01P362 ~~عشرة من وجوههم لأجبرهم الامام عليه ولما التفت إلى ما كان من بغيهم عليه ~~وغلطهم فيه. # ولكنا نزعم أن عليا دافع بمعاريض الكلام وبالتورية وبما يشبه التوهيم ~~وأعمل المكيدة عند الحاجة إلى المكيدة حين رأى اختلاف القلوب وانتشار ~~الامور ونقصان البصائر والركون الى الراحة وطمع أن تكون ms22 عظته وتصرفه ~~وتعريفه وتخويفه مما ينفع فيهم ويسري في طبائعهم وينبههم من رقدتهم ويحرك ~~مواضع الأنفة من قلوبهم إلى انقضاء تلك المدة وفي تلك المهلة والهدنة حين ~~ارتبق فيهم حبله ولم يبق غاية، وبعد ان كتم الداء ودثر الدواء وأرفق ~~العلاج؛ فلما أعضل الداء واستفحل البلاء وظهر العيب واستتم الفساد وصار ~~ستره عيا وكتمه عجزا، خطب بالموعظة على المنابر وقرع بالتأنيب في المحافل ~~وأعذر عنه المقبل والمدبر، وكان على يقين من انهزامهم إن مضى بهم مكرهين ~~غير متبصرين ومختلفين غير متفقين، هذا أسوأ ما كان [ ... ] فه الجيوش عنه ~~فتظهر له الخلة وتتشنع به المثلة. ### || [14- العمل عند المعتزلة كالقول] # وأعلم أن لصاحب الفتنة والمكر والمخبر من معاريض القول من التورية في ~~الكلام ومن إضمار المعاني في الالفاظ إلى ما يخرجه من الكذب وإن وهم ذلك ~~القول السامع الطالب والمستحلف الغاصب الموافقة والرضى بحكمه ما ليس لغيره، ~~وهذا هو المعنى في الفتنة التي أناخها الله تعالى بعباده، وقد كان له أن ~~يتعبدهم بالإفصاح وإن قتلوا عن آخرهم. # ونحن نزعم أن اليمين إذا كانت لازمة لك فهي على ضمير من استحلفك، وإذا ~~كانت غير لازمة فهي على ضمير الحالف؛ وكذلك البيعة وجميع الكلام، والعمل ~~عندنا في ذلك كالقول؛ ولو أن غاصبا أخذ عليك يمينا للبيعة له، كان لك أن ~~تقول «نعم» ولست تريد التي هي خلاف «لا» ولكن تر [يد] PageV01P363 ~~النعم من الابل والبقر؛ وإن كنت تعد أنه يظن غير ما تعني، تقول أيضا عند ~~استخلافه «نعم» وان وهمت الكلمة معنى «نعم» التي هي خلاف «لا» وأنت تريد ~~الطاعة؛ ولو قال لي بعض من أخافه على نفسي: «قل: المسيح ابن الله» ، لكان ~~لي أن أقول [ذلك] وأنوي أنه كذلك عند النصارى، وإن علمت أنه لا يتوهم إلا ~~ما دل عليه [اللفظ] ؛ فان أمكن أن أنوي واوجه الكلام واعمل الاضمار ~~والاستثناء ولا عناء علي فيه ولا مشقة ولا تعتعة يرتاب بها، ثم لم اضمر ~~خوفا من فطنته فقد شرحت بالكفر صدرا، فإذا جاز أن ms23 أقول إن مع الله إلاها ~~آخر وإن محمدا- عليه السلام- كذاب وإن مسيلمة صدوق إذا خفت على نفسي، بعد ~~أن أضمر و [ ... ] وإن كان ظاهر قولي التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~جاز أن أقول إن أبا موسى حكيم وله أن يحكم وأنا أنوي غير ما أظهر وأضمر غير ~~ما أبدي إذا خفت على الناس الفتنة والهرج والفساد وتبديل الحكم. ### || [15- معاوية لم يخدع عليا بل كان هو المخدوع] # فلو لم يظن علي وطمع أن أصحابه سيعودون إلى بصائرهم وإلى ما يشبه أول حا ~~[لهم] عند التخابر والتذاكر وعند قضاء الوطر من الزوجات والاوطان وبعض ~~الملال من طول الاقامة وبعض الحياء من النعيم ومعه الانف من ظهور الاعداء ~~وبعض التوقع للبلاء إذا جرى عليهم حكم عدوهم ولعلهم أن يطالبوهم بطوائلهم ~~ولم يأمنوا الوثبة بهم، لما جاز له ذلك ولما كان لصنيعه ذلك وجه؛ فالمخدوع ~~في هذا الموضع معاوية والخادع علي، وعلي صاحب المكيدة ومعاوية المستراب، ~~لأنه في ذلك ولو فطن لانتثار الامر على علي ثم غزاه بالقلوب المجتمعة ~~والأهواء المتفقة، لما كان دون الظفر مانع ولما كان بعد تلك الوقعة وقعة، ~~فرأى علي أن التدبير في توهيمه وتوهيم أصحابه الرضى بالمساواة والاقرار بان ~~في أمرهما من الشبهة ما يحتاج فيه الى نظر الرجال، وعلم أنه متى أعطاه ما ~~كان لا يطمع فيه ولا يناله طرفه ولا أمنيته ولم يزل يظن، بل لا يشك، أنه لا PageV01P364 ~~يجيب إليه [ ....... ] ولم يكن عرف من سر أصحابه مثل الذي عرفه علي ~~فرأى أنه قد ربح وأن عليا ~~قد خسر؛ فما ينقضي تعجبي من رضى معاوية بتلك الهدنة والمدة مع ما قد كان ~~ظهر من اختلاف أصحاب علي، وأرى الناس يتعجبون من رضى علي بها مع اختلاف ~~أصحابه؛. ### || [16- معاوية ليس ادهى من علي ولكنه كان يستعمل جميع المكايد حلالها وحرامها بينما لم يستعمل علي الا ما وافق الكتاب والسنة] # اللهم إلا أن لا يكون عصى علي عندهم إلا في تحكيم الرجال دون تأخير ~~القتال؛ فان كان ذلك كذلك ms24 فما قولهم وإكثارهم: «عصينا أمس حين قطعنا القتال ~~وعصى علي حين رجعنا ندعوه إلى القتال [-] رأى؛ فقد ينبغي لنا الآن أن نقصد ~~إلى الجواب في لفظ التحكيم: أيجوز أم لا يجوز، فندع ما سوى ذلك من الأمور؛ ~~وإذا لم يبق إلا ذلك فقد سقط ثلاثة أرباع الخلاف، وليس على ذلك بنى القوم ~~أمرهم وجرت عليه عادتهم؛ وربما رأيت بعض من يظن أنه من الخاصة ويزعم ان ~~معاوية كان أبعد غورا وأصح فكرا وأجود روية وأبعد غاية وأدق مسلكا، وليس ~~الأمر كذلك، وسأومىء إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه والمكان الذي دخل عليه ~~الخطأ من قبله، فافهم ذلك. # كان علي لا يستعمل في حربه إلا ما عدله ووافق فيه الكتاب والسنة، وكان ~~معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنة ويستعمل جميع المكايد وجميع الخدع حلالها ~~وحرامها، ويسير في الحرب سيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى، وخاقان إذا لاقى ~~زنبيل وفنغور إذا لاقى المهراج؛ وعلي يقول: «لا تبدؤوهم بقتل حتى يبدؤوكم، ~~ولا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا بابا مغلقا» ؛ فهذه سيرته ~~في ذي الكلاع وأبي الأعور السلمي وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وجميع ~~الرؤساء، كسيرته في الحاشية والحشو والاتباع والسفلة؛ وأصحاب الحروب ان ~~قدروا على البيات بيتوا، وأن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم PageV01P365 ~~نيام فعلوا، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه ساعة، وإن كان الحريق ~~بالنار أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحريق إلى وقت ~~الغرق، وإن أمكن الهدم لم يتكلفوا الحصار ولا يدعون أن ينصبوا العرادات ~~والمجانيق والثقب والتسرب والدبابات والكمين، ولا يدعون دس السموم والتضريب ~~بينهم بالكذب وطرح الكذب في عساكرهم بالسعايات وتوهيم الأمور وإيحاش بعضهم ~~من بعض وقتلهم بكل آلة وحيلة وكيف [ما] وقع القتل وكيف [ما] دارت به الحال. # فمن اقتصر- حفظك الله- من التدبير على ما في الكتاب والسنة كان قد منع ~~نفسه الطويل العريض من التدبير وأما الاشاهي من المكايد؛ والكذب- حفظك ~~الله- أكثر من الصدق، والحرام أكثر عددا من الحلال؛ ولو ms25 سمى إنسان إنسانا ~~باسم الانسان كان قد صدق وليس له اسم غيره؛ ولو قال: هو شيطان، أو كلب، أو ~~حمار، أو شاة، أو بعير، لكان كاذبا في كل ذلك؛ فكذلك الايمان والكفر، وكذلك ~~الطاعة والمعصية، وكذلك الحق والباطل، وكذلك السقم والصحة؛ وكذلك الصواب ~~والخطأ. # فعلي كان بالورع ملجما عن جميع القول إلا ما هو لله رضى، ولا يرى الرضى ~~إلا فيما دل عليه الكتاب والسنة، وممنوع اليد من البطش إلا ما هو لله رضى ~~دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء والنكرى والمكايد والآراء؛ فلما أبصرت ~~العوام- حفظك الله- بوادر معاوية في المكايد ومثابرة غوايته في الخدع وكثرة ~~ما اتفق له وتهيأ على يده، ولم يروا مثل ذلك من علي، ظنوا بقصور رأيهم وقلة ~~عقولهم أن ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند علي؛ فانظر بعد ذلك هل بقي ~~له إلا رفع المصاحف وهي من خدعه، ثم انظر هل خدع بها إلا من عصى عليا ومال ~~عن رأيه وخالف إذنه. # فان زعمت أنه نال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت، وليس في هذا اختلفنا ولا ~~عن غرارة أصحاب علي وعجلتهم وتسرعهم وتنازعهم دفعنا، وإنما PageV01P366 ~~كان القول في التمييز بينهما في الدهاء والنكرى وصحة العقل والرأي البر، ~~لا على أنا لا نصف الصالحين بالدهاء والنكرى ولا نقول: «ما كان أنكر أبا ~~بكر ابن أبي قحافة وما كان أنكر عمر بن الخطاب!» ، ولا يقول أحد عنده من ~~الخبر شيء: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أدهى العرب والعجم وأنكر ~~قريش وأمكر كنانة» لأن هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الأرب ومن يتعمق ~~في الرأي في توكيد أمر الدنيا وزبرجدها وتشديد أركانها؛ فأما أصحاب الآخرة ~~الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر وإنما يصلحون على تدبير الخالق ~~للبشر، فان هؤلا لا يمدحون بالدهاء والنكرى ولم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل ~~منه؛ ألا ترى أن المغيرة بن شعبة، وكان أحد الدهاة، [قال] : «أنت كنت توهم ~~شيئا فتلقيه عنك، ما رأيتك مستجليا أحدا إلا رجمته ms26 كائنا من كان ذلك الرجل، ~~كان- والله- أعقل من أن يخدع وافضل من أن يخدع» ، ولم يذكره بالدهاء ~~والنكرى، هذا مع عجبه باضافة الناس ذلك اليه؛ ولكن قد علم أنه إن أطلق على ~~الائمة الألفاظ التي [لا] تصلح لاهل الطهارة كان ذلك غير مقبول منه، فهذا ~~هذا. # وكذلك كان حكم قول معاوية للجمع: «أخرجوا إلينا قتلة عثمان نحن لكم سلم» ~~، فاجهد كل جهدك واستعن بمن شايعك إلى ان تتخلص الى صواب رأي في ذلك الوقت ~~أضله علي حتى تعلم أن معاوية خادع وان عليا كان المخدوع؛ فإن قلت: وقد بلغ ~~ما أراد ونال ما أحب، قلنا: وهل رأيت كتابا وضع لا على أن عليا كان قد ~~امتحن في أصحابه في دهره لما لم يمتحن به إمام قبله من الاختلاف والمنازعة ~~والتشاج على الرئاسة والتسرع والعجلة، وهل أتي إلا من هذا المكان؟ أو لسنا ~~قد فرغنا من هذا مرة؟ وقد علمنا أن ثلاثة نفر تواطؤوا وتتابعوا على قتل ~~ثلاثة: فانفرد ابن ملجم بالتماس ذلك من علي، وانفرد [عمرو بن بكر التميمي] ~~بالتماس ذلك من عمرو بن العاص وانفرد [البرك بن عبد الله الصريمي] بالتماس ~~ذلك من معاوية؛ فكان من الاتفاق او من الامتحان أن كان علي المقتول من ~~بينهم، وفي قياس مذهبكم أن PageV01P367 ~~تزعموا أن سلامة معاوية وعمرو إنما كانت بحزم كان منهما، وان قتل علي ~~إنما كان من تضييع كان منه، إذ قد تبين لكم من الابتلاء والامتحان في نفسه ~~خلاف الذي قد شاهدتموه في عدوه وكل شيء سوى ذلك فانما هو تبع للنفس، فهذا ~~باب: ### || [17- كفر معاوية في ادعاء أخوة زياد بن أبيه] # والباب الآخر الذي عتبت عليك فيه، وهو زعمك ان معاوية قد ضل من وجوه وكفر ~~من وجوه، فأخطأت في إكفاره ولم تصب الحق في تفسير بعض الوجوه؛ زعمت أنه كفر ~~في حكمه بادعاء زياد بن أبي سفيان وأن من جعل الولد للعاهر وجعل الحجر ~~للفراش ومن رد الحكم المنصوص وبدل هذا القول المفسر فقد كفر؛ وهذا منك سرف ms27 ~~وبعد، وهو شبيه بمذهب أصحاب التكلف والتزيد ومن يريد [ب] العفن الذي في ~~نفسه والذلة التي يجدها في قلبه والريبة التي تشتمل عليها أضلاعه أن يذل من ~~حضره ويوهم من سمع كلامه، أنه إنما يكفر من أكفر من فرط في تعظيمه لحرمات ~~الله ومن شدة غضبه على من عصى الله؛ وعهدي بك تشنع بذلك على العمرية ~~والرافضة وعلى الخوارج والبكرية. # ولو كان معاوية صنع ما تقول على ما فسرت ورد المنصوص على ما ذكرت، لكان ~~جلة السابقين وكبراء والتابعين وفقهاء المحدثين قد سبقوك إلى إكفاره ~~وتشريكه، بل كان أعداؤه وأهل الخلاف عليه قد أكفروه وسبقوا إلى ذلك فيه، ~~فان زعمت أنه قد كان عند غالية الشيع وعند جميع الخوارج كافرا، قلنا: ~~لعمري، لو كانوا لا يكفرونه على خصال كثيرة ولا ترى أنت وأصحابك أنه قد ~~كفر من أجلها، ثم اكفروه على هذه الخصلة، لكان في ذلك متعلق لهم ومصاب ~~ومجال ومسبح؛ ولكن الفريقين جميعا يكفرانه على جميع خصاله التي أنت لا ترى ~~بعضها إثما، فضلا عن أن تكون [عندك] فسقا، ولا تراها فسقا، فضلا عن ان تكون ~~عندك كفرا. PageV01P368 # ثم اعلم أنه لا بد لك من الخبر على تأثيم من ترك إكفاره، بل على إكفار من ~~ترك إكفاره، إذ كان إنما كفره برد المنصوص وما لا يحتمل التأويل؛ وأما أن ~~تجرأ أن تدعي عليهم من إكفاره خلاف ما ثبتت به الشهادة عنهم وخلاف المعروف ~~من قولهم، فلو كان كذلك لكا [ن] الخبر به مشهورا ولكان معروفا مستفيضا؛ بل ~~ينبغي أن يكون قد كان ثبت عنده أن وطيا قد كان، ورأى فيه الشبه والمخايل ~~والاخلاق والشمائل وشبه له القافة، وذهب في سبيل الفراسة وتأويل قول عمر ~~وسمع كلام أبي مريم وقواه رأي المغيرة فقال: «هو ابن أبي سفيان» ، لم يذهب ~~الى تثبيت حكم ولكنه حبل كان عنده من نطفته فكأنه قال: ~~«هو من نطفة أبي سفيان» ، وكان أغلظ أحواله أن يكون كمن استلاط اليوم منا ~~رجلا أو أقر بولد عند موته ms28 ليصرف الميراث عن آخرين، ولم يعترض على قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحكمه وسنته برد ولا جحود؛ والحاكم عندك وعند ~~أصحابك قد يعطل الحكم ويحكم بالهوى ويجلد من يستحق القطع ويقطع من يستحق ~~الجلد؛ ثم أنتم لا ترون إكفاره ولا تشريكه. ### || [18- موقف الجاحظ الحيادي] # ولم أنصب نفسي- حفظك الله- لاحتجاج له إلا بما يلزمني من الاحتجاج من لا ~~يرى إكفاره من السلف، وإياهم أردت وعنهم دافعت؛ وعلى أني على كل حال أكره ~~الزيادة والنقصان، والعدل أولى بنا وهو مذهب إخواننا ومشايخنا وسلفنا من ~~المعتزلة في فرق ما بين الاكفار والتفسيق، وفي فرق ما بين التفسيق ~~والتأثيم، ولسنا ممن يميل في شق عن شق ويتعصب لبعض على بعض ومن يبخس حق ~~الدون، فكأنك به قد تبخس حق من فوقه حتى تصير إلى أئمته المهتدين وخلفائه ~~الراشدين؛ لست عمريا دون أن أكون علويا ولا علويا دون أن أكون عثمانيا، ~~اللهم إلا بما أخص به العترة بسبب القرابة، وأما في غير ذلك فليس شأني إلا ~~محبة الجميع والتوفير على الكل ودفع الظلامة عن الكبير والضعيف على قدر ما ~~شاهدنا عليه من الحالات؛ وليس هذا الكتاب من كتب PageV01P369 ~~أصحاب الاهواء ولا من كتب المتكسبين ولا المتقربين ولا من كتب المفلقين ~~بالباطل ومن جرى من النفاق على أخبث منشإ وأسوإ عادة؛ فعليك [بسنة] أسلافك ~~ودع عنك ما قد أخذ الناس فيه. ### || [19- السفيانية لا تضل معاوية لمبايعته ابنه يزيد] # وأما براءتك منه على قتل حجر وأصحابه وإطعام عمرو خراج، وعلى ادعاء ~~الخلافة وعلى الحكم بالهوى ونبذ كثير من أحكام الكتاب والسنة، والسير في ~~الحرب والسلم سيرة ملوك الغلبة، فهذا ما لم ألمك عليه ولم أنكره منك، وعلى ~~ذلك مضى سلفك الصالح- نصر الله وجوههم-؛ ولكني عتبت عليك في قولك: «وضللته ~~أيضا لبيعته لابنه» ، فان قلت: «وضللته أيضا بالمبايعة ليزيد لانه كان صاحب ~~كذا وكذا ويقول كذا» ، لكان صوابا ولكان قولا عدلا ولكان مصفى مهذبا، وأجود ~~العبارات ما كانت الدلالة فيها غير مستنكرة ويكون اللفظ للمعنى طبقا فاضلا ms29 ~~ولا ناقصا، وأما أن تقول كلمة مرسلة الوجوه مطلقة [ ....... فلا] # ضللته لانه بايع ابنه، وما باس بيعة الابن إذا كان لذلك مستحقا؟ ما ~~الابن ألا كالأخ وما الأخ إلا كابن العم؛ وما علمك؟ لعل عليا قد بايع الحسن ~~ولعل الحسن قد بايع الحسين؟ فأي حجة تدفع ذلك وما البرهان على خلاف ما جاء ~~من ذلك؟ وهل يعترض على هذا المذهب مسلم وهل يجهله عاقل؟ فاياك أن تعود إلى ~~هذا اللفظ مفسرا أو مشروحا مثبتا؛ فكان من حق العلم عليك ومن شكر أياديه ~~عندك ومن الصوت لعراضه والدفع لقدره أن تخلص الفاظك من كل هجنة وأن تصفيها ~~من كل كدر وان تتخير من الألفاظ أبهاها وأقربها دلالة وأن تقصد من المعاني ~~لاطهرها شرفا وأرفعها قدرا وأكرمها منصبا، وقد يلزم من عبر عن العلم وتوكل ~~به وأضاف نفسه إليه أن يعبر عنه بأبين العبارات وأقرب الاختصار وأن يضعه في ~~موضعه وأن يجري عليه كما ينبغي على نفسه وأن يحببه PageV01P370 ~~إلى السامع بالإنصاف وينهيه عنده بالترسل ويوتيه بالنصيحة، وأن يجعل ~~قائده إلى القلوب والعمل وسائقه إلى العقول الانقطاع إليه، ولا يغالب خضمه ~~ولا يناهب الكلام من ناقله ولا يعجله عن جوابه إذا فاتحه ولا يظهر تضجره إن ~~هو أبطأ عنه ولا يغتنم بخلطه إن هوسها ولا بشيء يلفظه ظنا وهو يجد له في ~~الصواب محتملا. ### || [20- كتاب القضية مدخول لفظا وشهودا ومضمونا] # وزعمت أن كتاب القضية في الحكمين يثبت للخوارج حجتهم وأن لفظه يمتنع فيه ~~التوجيه والتورية، وسألتني أن أكتب لك الكتاب لتجمع بين مخارج لفظه ودلائل ~~وصفه وبين احتجاجي له في ضماني عليه؛ والكتاب الذي يدور في صحف أصحاب ~~الاخبار والاسناد هو هذا الكتاب الذي أنا مصوره لك، ولكني بعد ذلك عائد إلى ~~أسانيده بالتصفح في التثبت وعلى أصل مخرجه بالتفتيش والتنقير إن شاء الله: # بسم الله الرحمن الرحيم، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري وحباب بن ~~موسى وعلي ومجاهد عن محمد بن إسحق: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى ~~عليه ms30 أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (قال معاوية: «لو سميتك بهذا لم أحاربك ~~ولولا أنك أسن مني ما قدمتك» ، فأبى علي مليا من النهر ثم تسمح وكتب: هذا ~~ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان: ~~قاضى [علي بن أبي طالب] على أهل العراق [ومن كان معه] من شيعته من ~~المؤمنين والمسلمين [وقاضى معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان معه ~~من شيعته من المؤمنين والمسلمين] أنا ننزل عند حكم الله في كتابه فيما ~~اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجدنا ~~في كتاب الله مسمى أخذنا به، وما لم نجده في كتاب الله مسمى فالسنة العادلة ~~الجامعة غير المفرقة فيما اختلفنا فيه؛ والحكمان عبد الله بن قيس الاشعري ~~وعمرو بن PageV01P371 ~~العاص؛ وأخذ علي ومعاوية عليهما عهد الله ليحكمان بما وجدا في كتاب الله ~~وما لم يجدا في كتاب الله مسمى فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة؛ وأخذ ~~الحكمان من علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان الذي يرضيان من العهد ~~والميثاق ليرضيان بما يقضيانه فيهما من خلع من خلعا وتأمير من أمرا؛ وأخذا ~~من علي ومعاوية والجندين كليهما الذي يرضيانه من العهد والميثاق وأنهما ~~آمنان على أنفسهما وأموالهما، والامة لهما أنصار على ما يقضيان به عليهما ~~وأعوان على من بدل وغير، وأنه قد وجبت القضية من المؤمر والآمر والاستفاضة ~~ورفع السلاح أين ما شاؤوا وكانوا على أنفسهم وأهاليهم وأموالهم وأرضهم ~~وشاهدهم وغائبهم؛ وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ~~ليقضيان بين الأمة ولا يذراهم في الفرقة والحرب حتى يقضيا؛ وآخر أجل القضية ~~بين الناس في انسلاخ شهر رمضان؛ فإن أحبا أن يعجلا ذلك عجلا، وإن أحبا أن ~~يؤخرا ذلك عن ملاءمتهما وتراض أخرا؛ وإن هلك أحد الحكمين فان أمير الشيعة ~~والشيعة يختارون مكانه رجلا لا يألون عن أهل المعدلة والاقتصاد، وان ميعاد ~~القضية أن يقضيا بمكان من أهل الكوفة وأهل الحجاز وأهل الشام سواء ms31 لا ~~يحضرهما فيه إلا من أراد، فان أحبا أن يكون بأذرح وبدومة الجندل كان، وإن ~~رضيا مكانا غيره حيث أحبا فليقضيا على علي ومعاوية أن يجتمعا على الحكمين؛ ~~شهد عبد الله بن عباس والاشعث بن قيس وسعيد بن قيس وورقاء بن ~~[ ......... ] البكري الخارفي وعبد الله بن طفيل البكاوي و (يقال: ~~عبد الله بن طليق البكاوي) وجرير بن يزيد الكندي وعبد الله بن حجل العجلي ~~وعتبة بن زياد المذحجي (أو الانصاري) ومالك بن كعب النحلي (أو الهمداني ~~ويقال: عتبة ابن زيد ويقال زياد بن كعب» . # - وأنا أقول- حفظك الله- أن كتاب القضية كتاب مدحول. منه ما يشبه ألفاظهم ~~ولحنهم وطبع الفصاحة وقريحة البلاغة- وللقوم كلام معروف وجوهر معلوم متى ~~تكلف المولد لم يستطع تغليط الجهابذة فيه إذا طال شعره وامتدت خطبته، وكذلك ~~رسالته واحتجاجه، وقد يخفى ذلك في الشعر القصير والكلام PageV01P372 ~~القليل-؛ وفي هذه القضية كلام ركيك ضعيف خفيف سخيف، وفيها ما يضارع ~~العجمة ويناسب الضعة؛ ومما يبهمه أيضا اختلاف الخوارج والشيعة وما بين أهل ~~الشام واهل العراق من الزوائد والنقصان فيه مع ضعف أسانيده وحال رواته عند ~~رواة الآثار وحمال الأخبار وعند ناقلي الحلال والحرام، ولأن أبعد غاياتهم ~~فيه الزهري وأمتن ما يعتمدون عليه ابن اسحق وهذان لم يدركاه ولا شاهداه؛ ~~فكل من روى ذلك عنهما فليس بالمحمود ولا المثبت المقبول؛ وليس العلم به ~~وبصحته كالخبر الذي ليست للخاصة فيه فضيلة على العامة وإنما هو خبر يدرك ~~عند من يطلب مثله؛ فإذا لم يجده في معدن الصحة وفي جوهر الصدق ومصاب ~~السلامة والبراءة من التهمة فكان معرضا لأصحاب الأهواء أو لمن له في ~~النقصان منه والزيادة فيه وفي تحريفه وتبديله أقوى العلل؛ لم يكن لك ان ~~تقضي به على علي بن أبي طالب في سابقته وشدة ورعه واتساع معرفته وصحة ~~غريزته وثبات حجته فكنت خليقا أن ترد حكم ذلك إلى الأصل الذي به عرفت ~~فضيلته ونقصان غيره عن درجته. # وعلى أن عامة الشهود المذكورين فيه مشكوك في نسبهم، مختلف في أسمائهم، ثم ~~لا ms32 تجدهم إلا أقل القليل من وجوههم وذوي العدالة والأقدار منهم، حتى كان ~~واصفه حيث وصفه وصفه [وصف] من له الخيار عليه: إن شاء أثبته وإن شاء أنكره؛ ~~ونحن لا نشك أن عليا إنما أعطى القوم لفظا ليحكم واستحل ذلك التوهم لما رجا ~~في تلك المهلة والهدنة من رجوع بصائرهم إليهم ومن اجتماعهم بعد فرقتهم؛ وفي ~~هذا الكتاب أن أجل القضية سلخ شهر رمضان، وهذا كلام ظاهره ينقض ظاهر ~~التدبير الذي لا وجه للتحكيم غيره ولا عذر فيه سواه وليس نقضه له بما يعرف ~~[بالاستنباط] وبعد التفكير فيدعى فيه الغلط، بل هو ظاهر فيهما قائم بهما. # وقد قسمنا أقسام التدبير الذي لا يجوز على غيره وعددنا أبواب ذلك وسألنا ~~المخالفين لنا أن يزيدوا فيها وينقصوا منها، فلم نجد ذلك بعد التفكير منها ~~ومنهم وبعد أن مرت عليه الدهور وبردت عليه الحقود؛ فكيف يجوز لنا أن نظن أن PageV01P373 ~~عليا وأصحابه تولوا نقض تدبيرهم بأيديهم ولم يدفعوه ولم يحتالوا فيه وكيف ~~سهلوا وكيف هان عليهم موقعه وهم لا يطمعون في سواه ولا حيلة لهم غيره؟ وبعد ~~فمدار الكلام إنما هو على أن عليهما أن ينظروا في كتاب الله وفي سنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم، فإن دل الكتاب على أن عليا هو الإمام فعلي هو الإمام ~~وسبيل السنة في ذلك سبيل الكتاب وكذلك حالهما في الحكم لمعاوية. # فخبرني- رحمك الله- وقف عندما أسألك عنه عن الكتاب، كيف يجوز أن يدل على ~~معاوية وكيف جواز ذلك وأين بابه وأين مفتاحه والطريق إليه، في أي سورة ذلك ~~الدليل وفي [أي] آية ذلك البرهان يصاب؟ وأين تلك السنة، وأين تطلب، ومن أي ~~شكل هي، وما لفظها، وما أصل معناها؟ وقد علمت أن القرآن الذي أشاروا إليه ~~هو الذي في مصاحفنا وإن السنن التي قصدوا إليها هي التي في صحفنا مما فرض ~~الله في كتابه وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته؛ فانظر فيهما ~~وتبينهما وفتشهما بالنظر الشافي والتقليب المستقصي: هل تجد فيهما اسم ~~معاوية أو صفته او ms33 جليته او صفة عمله او جلية عمله؟. # وقد علمنا ان الله الجليل قدره لم يقل في كتابه: «اقبلوا شهادة أبي بكر ~~وعمر وعثمان» ولكن الله لما قال: ممن ترضون من الشهداء ~~وجدناهم مرضيين نصا فقبلنا شهادتهم؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ليؤمكم خياركم» ، فإذا كان الغرض الذي إليه ينزع الكلام ويشير القول إليه ~~الخير دون الشر والفضل دون النقص، فكل من كان خيرا كان احق بتلك الإمامة؛ ~~فإن كان كتاب القضية إنما دعا الحكمين إلى هذا الجنس من النظر، فليس ~~لمعاوية فيه درك، ولا متعلق ولا طمع، وإن كان على غير هذا الوجه فخبرني ما ~~هو وما شكله وأي صورة هو. # وقد قالوا في وصف السنة فجعلوها العادلة والجامعة غير المفرقة، والسنن ~~كلها عادلة وكلها جامعة غير مفرقة، فأيتهن هي وما علامتها وما شبهتها؟ ~~ويدلك على فساد هذا الأمر أنه لم يأتنا قط أنهما مذ نفذا إلى أن انقضى ~~امرهما PageV01P374 ~~تذاكرا شيئا من ذلك في خلاء ولا ملاء ولا التمسا تأويلا ولا خرجا تفسيرا؛ ~~ولا سمعنا في ذلك إلا ما كان منهما عند المراوضة ان الناس لا يكتبون بعد ~~تفريقهم إلا على رجل لم يخض في الدماء وليس لأحد قبله بيعة ولا وتر؛ فهذا ~~خلاف الشريطة والذي وقعت فيه القضية وإنما جعل إليهما سطرا في كتاب الله ~~والسنة على أيهم أدل فقط، فتركا ذلك البتة. # ثم ابتدءا بابا آخر لم يجر لهما ذكره ولا وقع عليه شرط؛ فلو ان أبا موسى ~~قال: «قد صرفتها إلى ابن عمر» ، وقال عمرو: «قد صرفتها الى ابني عبد الله ~~إبن عمرو ما كان إلا كقول ابي موسى، وهذا عند جميع من شهد القضية خلاف ما ~~وقع عليه شرط القضية، وهما- حفظك الله- لم يحكما على ان لهما ان نحرجاها ~~إلى من أحبا وإنما جعل إليهما في ظاهر الكتاب أن يجتمعا على أحد الرجلين ~~اللذين حكماهما، فأما ان يقول له عمرو وهو يعرف رأيه في عمر وميله إلى ابن ~~عمر: «ما لهذا الأمر خير من ms34 رجل لم يخض في الفتنة، له صحبة ولم يتلطخ ~~بالدماء وليست قبله تباعة ولا ضغينة، فيكون مرضيا ابن مرضي» ثم توهمه ذلك ~~ليسكن إليه ويظهر أن الرأي في وضع شورى بين من كان هذا شكله وهذا صفته، ~~وهذا خروج من حد القضية، وقد صارا حينئذ يختاران للأمة، فلا يثبت ذلك الحكم ~~منهما إلا أن يكونا عن توكيل منهما لهما، أو يكون لأن مكانهما من الإسلام ~~أن يضعا الإمامة حيث أحبا؛ وإذا كانا كذلك فهما أحق بالإمامة ممن يريان ~~إقامته وتقويمه، فلا الأمة وكلتهما ولا مكانهما هذا المكان والحمد لله. # ووجه آخر تستدل به على صواب ما قلنا وتعرف به صحة ما فسرنا: كأن قائلا ~~قال: كان علي قد كان علم ان عمرا وأبا موسى يوم القضية وفي تلك الحال لم ~~يكونا عند أهل العراق وأهل الحجاز عدلين مرضيين، وإذا لم يكونا مرضيين لم ~~يكونا شاهدين، وإذا كانا بعيدين من جواز الشهادة كانا من جواز الحكم أبعد؛ ~~فأظهر علي قولا يتوهم المتوهم معه أنه قد رضي بحكم عمرو وقد علم ان في قلوب ~~اصحابه منه ومن سقوط عدالته ما فيها، وعلم ان عمرا وأبا موسى [إن] PageV01P375 ~~اجتمعا على الحكم له فقد كفي القيل والقال، وإن اجتمعا على معاوية، وعمرو ~~عندهم لا يجوز حكمه، كان على دارس أمره، لأن الحكم كان مجعولا إليهما ولا ~~باجتماعهما يقع؛ ولا يقع أن يلزم عليا حكم عمرو لمعاوية ولا يلزم معاوية ~~حكم ابي موسى لعلي، وإنما الشرط ان يجتمعا ومن اجتمعا عليه فله إنكار ذلك ~~الحكم إذ كان واحد من لا تتم الحكومة إلا به فاسد الحكم؛ وإنما استجاز علي ~~ان يظهر كلاما ما، يحتمل الحكم الفاسد لمكان التقية، وليس هذا التدبير كان ~~معروفا عنده؛ وهذا- أبقاك الله- تدبير معجب ورأي مؤنق في هذا المكان وعند ~~هذه البلية وعند الضيقة والتقية والخوف من الفتنة لا كتدبير معاوية في ذلك، ~~فانا لا نجد له في ذلك مذهبا مرضيا ولا تدبيرا صحيحا. ### || [21- عزل علي معاوية لضلاله فتمرد عليه] # وقد علمت- أبقاك ms35 الله- ان الذي أخرج معاوية إلى حرب علي ولزوم محاربة علي ~~عزل علي له حين بويع له وحين لم يستحل ان يدعه طرفة عين، ولذلك حين قيل له: ~~«لو شئت ان تدعه حتى إذا تمكن الأمر ومهد وضرب الحق بجرانه عزلته» - قال: ~~«ما كنت منجد المضلين عضدا» ؛ فقد دل ذلك على ان رأيه كان فيهما متقدما؛ ~~فعلي عند ما قال ذلك القول وصنع ذلك الصنيع الذي يتوهم عنهما المتوهم انه ~~قد رضي بعمرو حكما وكره أيضا بما اعطاه الله من صحة الغريزة وقوة القريحة ~~وعجيب التدبير ان يجيء برجل غير ابي موسى ويجيء معاوية بغير عمرو، فكان ~~إنكار حكم عمرو وإزالة جوره، إذ كان عند اهل العراق والحجاز ظنينا، أهون ~~وأيسر من أن يرضى برجلين مسلمين صالحين برين تقيين مسلمين سليمين طاهرين ~~نقيين؛ فإن هما غلطا او بدلا كان نفي حكمهما والسخط لما أبرما من قضيتهما ~~أعسر وأضيق، بل قد اراد ان يجرح شهادة ابي موسى ويسقط حكمه عند جميع الأمة ~~لانه بالأمس قد كان روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الروايات في ~~التثبيط عن علي وأن من سعى معه في تلك الجيوش والحروب مفتون، حتى جرى بينه ~~وبين الحسين وعمار ما قد PageV01P376 ~~رواه الناس وشاع في الآفاق، وصار بعد ذلك حكما لهذا الفاتن ليحد إليه ~~وإلى حبره. # كذلك كان ظاهر حالهما، فنفس حال أبي موسى كانت جارحة لشهادته مفسدة ~~لحكمه، فأراد علي أن يكون بالخيار وكان ينبغي لمعاوية في الحزم أن يفطن ~~لهذه المكيدة وأن يرتاب بظاهر رضاه بأبي موسى، والحال عنده معروفة وجواسيسه ~~كثيرة ومن يكاتبه أكثر عددا. ### || [22- الشيعة والخوارج غافلون عن فهم علي] # والناس- حفظك الله وأرشدك- عن تدبير هذا الامام غافلون، لا الشيعة ~~يعرفونه فيضيفونه اليه ويحتجون به على الخصوم ويوسعون الناس عذرا عند تضايق ~~الأمر عليهم فيه، ولا الخوارج الذين هم عليه ينقمون والمكفرون له من هذه ~~المارقة يعرفون ذلك التدبير، وهم كانوا من خاصة جنده من المحققين وأصحاب ~~البرانس وأصحاب السما دون غيرهم، فيرتدعون عن ms36 إكفاره وشتمه وخلعه؛ وقد كان ~~ينبغي لمن خالف عليا مرة- حفظك الله- وهو مستبصر في نفسه ثم تبين أن الحق ~~معه، أن يرتدع عن الاستبصار في أمر آخر فلا يدري لعل السبيل فيه كالسبيل ~~فيما قبله. ### || [23- ضلال الخوارج في قضية التحكيم] # فلو قال لهم بعض نصحائهم: قد علمتم ما كان منا يوم رفع المصاحف من إضلال ~~وجه الرأي ومن خديعة معاوية إيانا ومن إصابة علي وجه الرأي وتنبيهه لنا، ~~فلعل الذي أعطى من نفسه في الحكمين من شكل ذلك التدبير؛ بل قد رأيتم وسمعتم ~~ما كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قضية الحديبية حين ألغى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب اسم النبوة PageV01P377 ~~وقاضاهم على أن من أتاه من عدوه كان عليه رده، ومن صار إلى عدوه من ~~اصحابه فليس عليهم رده، فماجوا وضاقت نفوسهم وقالوا: «هذه دنية» ، حتى قال ~~أبو بكر: «لو كانت دنية ما أعطاها» ، ثم اقبل على عمرو وقال: الزم غرزه ~~واعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعط دنية» ، فلم ير المسلمون ~~قط قضية أعظم عليهم بركة منها؛ فلو فكر القوم فيما أعطى الله أنبياءه ~~وخلفاءه من صواب التدبير والرأي والمعرفة بغوامض الأمور لما تهوروا تهور ~~الأغمار ولا أقدموا على تخطئة الائمة إقدام من لا يحب التمكن ولا يعرف فضل ~~عقل الإمام على رعيته. ### || [24- موقف ابن عباس من عزل معاوية] # وأما ما رويتم عن ابن عباس أنه قال لعلي حيث أبى إلا عز له وقال: «ما له ~~عندي إلا السيف حتى يغلبه الحق» - فقال له ابن عباس: «وما لك عنده إلا ~~السيف حتى يغلبك الباطل» ، فان باطل معاوية يوم عزم على عز له [لا] يتخوفه ~~على الخلافة ولا ظن أحد ولا دار في وهمه ولا خطر على باله ان الامور ستنفتح ~~وان الحوادث ستنفتق بما تفتحت وتفتقت، ولا ظنوا ان تلك الأعاجيب كانت كامنة ~~في تلك الحالات، ولا قدر ذلك معاوية ولا ظنه ولا طمع فيه، ولكنها أمور ~~تناتجت وأعاجيب ms37 تلاقحت وامور كثيرة- حفظك الله- قد كانت محقرة الاوائل ~~مصغرة الأسباب ثم ترامت بها أمواج البلاء وزخرت بها بحور الفتن حتى عتت ~~وخرجت من الجبلة وطغت وامتنعت على الأطباء؛ وقد قال مجاشع الربعي: «ليس ~~بكبير ما أصلحه المال» وقد يصلح المال الداء وينجع فيه الدواء وربما أعضل ~~الداء فامتنع الشفاء. ### || [25- العامة تستنكر مقتل عثمان فتميل الى معاوية] # وقد خبرتك أن دم عثمان كان من أمتن أسبابه وأجود PageV01P378 ~~مصايده، وكان ذلك الدم دما أكثرته الجماعة واستفظعته الدهماء وكبر في ~~نفوس العامة وفي نفوس اكثر الخاصة؛ وقد رووا ان ابن عمر لما هجم على طارق ~~مولى عثمان يأكل الطعام على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~ظننت ان العقوبة بقتل عثمان تبلغ ما أرى!» ، وقال عدي بن حاتم: «إنكم إن ~~قتلتم عثمان لم تحبق فيه عنز» ، فلما قتل ابنه وفقئت عينه ودخل بعد ذلك على ~~معاوية وقد صار الأمر إليه وله، قال له: «هل حبقت العنز؟» - قال: ~~«أي- والله- والتيس الاضخم!» ؛ وزعموا أنهم حين سمعوا قول كثير في ولد ~~عثمان: # وابن الذي عوقبت في قتله العرب # عجبوا مما ألهم؛ وقد قالوا لعلي بن أبي طالب ولاصحابه يوم الجمل: # ردوا علينا شيخنا ثم بجل %~% ننعي ابن عفان بأطراف الأسل # فإذا كان جند طلحة والزبير وحالهما في دم عثمان والعون عليه وهو محصور ~~حالهما وهم يقولون هذا القول ويطالبون عليا بدمه هذه المطالبة، كيف تتعجب ~~من معاوية وجنده وكيف لا يطالب معاوية عليا بدم عثمان بأهل الشام إذ كان ~~طلحة والزبير يطالبان عليا بدمه، وأصحاب طلحة والزبير يوم الجمل هم فتحوا ~~هذا الباب لأصحاب معاوية يوم صفين؟ وإنما ذكرت لك هذا لتعلم أن معاوية يوم ~~عز له علي لم يكن بالمخوف على ما تهيأ له وأنفق على يده؛ فإن قلت: فان أكثر ~~الناس قد أكثروا في علي وقالوا: «قتل عثمان» ، وقال حسان بن ثابت: # يا ليت شعري وليت الطير تخبرني %~% ما كان شأن علي وابن عفانا # لتسمعن وشيكا في دياركم %~% الله أكبر يا ثارات عثمانا ms38 # وقال الوليد بن عقبة ايضا: # بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم %~% ولا تنهبوه لا تحل مناهبه PageV01P379 ### || [26- المعتزلة يتوسطون الفرق] # قلت لك إني قد سمعت من هذا روايات ورويت فيه أشعارا وسمعت من الناس فيه ~~خوضا كثيرا، وسأقيمك على الواضحة وأقف لك على الجادة، بل على العلم العظيم ~~والمنهج الفسيح إن شاء الله؛ وخير الاقاويل بل أعدلها وأرضاها عند الله ~~أقصدها، ولذلك اخترنا الاعتزال مذهبا وجعلناه نحلة ومفخرا؛ وسنقدم قبل ~~القول في هذه المسألة قولا، فافهمه، قالت الجهمية: ~~«لا نقول إن الله معنى ولا نقول إنه شيء، ومتى أضفنا إليه شيئا فمتى نحن ~~أضفناه إليه فذلك الشيء فعل من أفعاله، كذلك سمعه وبصره وعلمه وقدرته» . ~~وقالت الرافضة: «هو جسم فضلا عن ان نقول إنه شيء» ؛ وقالت المعتزلة: «هو ~~شيء وليس كمثله شيء، وليس بجسم وليس علمه بفعل ولا صنع، وإنما قولنا: له ~~علم، كقولنا: هو عالم، نريد أنه لا يخفى عليه خافية» . # وقالت المرجئة: «القاذف مؤمن» ، وقالت الخوارج: «القاذف كافر» ، وقال ~~بعضهم: مشرك؛ وقالت البكرية: «بل هو أسوأ حالا من المشرك، والمنافق أشد ~~عذابا من الكافر» ؛ وقالت المعتزلة: «هو فاسق كما سماه نصا ولا نسميه كافرا ~~فيلزمنا أن نلزمه أحكام الكفار وليس ذلك حكمه، ولا نقول: ~~مؤمن، فيلزمنا ولايته ومدحه وإيجاب الثواب له، وقد أخبرنا الله تعالى أنه ~~مشؤوم من أهل النار، فنزعم أنه في النار مع الكافر وأنه لا يجوز أن يكون في ~~الجنة مع المؤمن» . # وقالت الخوارج في قتال الفئة الباغية: «نسير فيها بالإكفار وبالسبي ~~والغنائم وباتباع المدبر والاجهاز على الجريح» ؛ وقالت المرجئة: «لا قتال» ~~؛ وقالت المعتزلة بالقول المرضي وهو إيجاب القتال على جهة الدفع لا على ~~القصد إلى القتال ولا على السبي ولا على الاجهاز على الجرحى ولا على ~~استحلال PageV01P380 ~~الاموال، فلم نفرط إفراط الخوارج ولم نقصر تقصير المرجئة، ودين الله بين ~~المقصر والغالي، وهذا الاشتقاق، وهو التوسط والاقتصاد، هو الاعتزال لغلو من ~~غلا وتقصير من قصر؛ والاصل الذي نبني عليه أمورنا فيمن ليس عندنا كعلي ~~وسابقته وأرومته ms39 وكامل خصاله بل في أدنى رجل من أوليائنا، أنا متى وجدنا له ~~عملا يحتمل الخطأ والصواب لم يكن لنا ان نجعل عمله خطأ، حتى يعيينا فيه وجه ~~الصواب، وليس لنا بعد ان قضينا بانه خطأ أن نقضي بأنه خطيئة حتى يعيينا ~~القدر بانه سليم من طريق المآثم، فان قضينا بانه إثم فليس لنا أن نقضي بانه ~~ضلال ونحن نجد لصرف الدفع عنه أنه ضلال الى الاثم محتملا، وإن قضينا بانه ~~ضلال فليس لنا ان نقضي بانه كفر إلا بعد ألا نجد من ذلك بدا فيكون الحق أحق ~~ما قضي به وصبر عليه. # فمن كانت- حفظك الله- هذه سيرته وطريقته في أدنى أوليائه، فكيف تظنه في ~~أرفع أوليائه؟ فهذا ما لا يحل لي أن أظنه بعلي بن أبي طالب؛ فان كان عندك ~~برهان واضح ودليل بين يكشف لنا عن الحال فيه حتى يتبين به انه كان سببا من ~~إراقة دمه، فعلينا السمع واليقين والاقرار وعليك البيان والافهام بالدليل ~~والحرص. # واعلم أن الرجل المخوف على الملك قد يكون محبوسا عند الملك القائم فيموت ~~حتف أنفه: فلا يشك الناس أن الملك هو الذي أمر بقتله، ويموت على فراشه وفي ~~منزله: فلا يشكون انه قد دس إليه السموم وأدب إليه العقارب، ويموت وهو ناء ~~عنه: فلا يشكون انه قد احتال له وتقدم في ذلك من أمره على يدي طبيب أو خادم ~~أو طباخ أو صاحب شراب على بعد داره وشطون مزاره، ولو تمنع مكانه واشتد ~~احتراسه؛ ولو قتله هبوب الريح أو صعقته صاعقة لوجدت من يقول في ذلك قولا ~~مرغوبا عنه. # وقد قال بعض العلماء ممن تعلم: «لقد عجز عن معرفة أمر عثمان من شهده، ~~فكيف بمن غاب عنه؟» ؛ ولو كان معاوية القائم، بزعمه، بدمه هو PageV01P381 ~~القائم بعده بالحجاز والعراق، لوجدت من يقول إنه قد كان دس عليه وربض به ~~وأفسد عليه وأنغل، إن لم يجدوا شيئا ظاهرا؛ هكذا الناس فاعرفهم، إلا من عصم ~~الله ولا يعصم الا المخلصين. ### || [27- موقف علي والناس من مقتل عثمان] # وكان- حفظك ms40 الله- من أعظم ما أثنى به على علي في دم عثمان أن دهماء الامة ~~كانوا يعظمون شأن دمه ويبرثون عليا منه، وكان اكثر أجناد الخلافة والقواد ~~ورؤساء العشائر من سوء الرأي في عثمان وحسن الرأي في قاتليه على خلاف ذلك؛ ~~ولم يكن للناس جند سواهم: فصار علي، إن هو أظهر الدلالة الصحيحة على ~~البراءة من قاتليه، خاف أن يفسد عليه عامة أجناده؛ فكان يمسك من ذكره ما ~~امكنه الامساك، فإذا اضطره القول قال قولا يحتمل رضى الفريقين، ولو شهدته- ~~أرشدك الله- عذرته، ولو وهمت نفسك حالاته التي كان يمتحن بها لصوبته، بل ~~لعلمت انه لا رأي ولا صواب إلا ما اختار ولا رأي إلا ما كان يفعله؛ واحذر- ~~حفظك الله- تخطئة الائمة، فانه [لو] لم ينزل ذلك إلا لأنها كثيرا ما تظهر ~~من تدبيرها شيئا تورى به عن شيء آخر مخافة في حال وطمعا [في] ان تكون مصلحة ~~شأنه في ذلك التدبير، لوجب عليك ترك ذلك، ولذلك روي عن علي: «ما قتلته ولا ~~امرت بقتله وما ساءني وما سرني وروي عنه انه قال: «الله قتله وانا معه» ، ~~في كلام كثير يحتمل التأويل. ### || [28- أنصار معاوية يحتجون له] # وزعمت أنك سمعت رجالا من السفيانية ممن يرى رأي المروانية وبعض من ينحل ~~مذهب الغيلانية ومن أصحاب ثور بن يزيد والاوزاعي يذكرون حججا في تثبيت ~~الخلافة لمعاوية وأن نسبه إليها أقرب من نسب الزبير وطلحة، وأنهم PageV01P382 ~~كانوا يتعجبون ممن رأى الوقوف في حرب علي والزبير وطلحة ولم يقف في حرب ~~علي ومعاوية، وأن معاوية إما أن يكون على الحق وإما أن يكون أثبت على ~~القياس وأبقى على المسائل من أمر طلحة والزبير، وأن حجته في قتال علي أصح ~~من حجة عبد الله بن وهب، وأن عذره أوضح من عذر أصحاب النهر، ولكنه لما كان ~~أهل الحجاز وأهل العراق لبغضتهم على أهل الشام ولطول محاربتهم لأجناد بني ~~مروان وآل أبي سفيان أطلقوا] على عداوتهم البراءة منهم، صار من عرف حقهم ~~استعمل التقية ومن لم يعرفه قال: «تقول تلك الجماعة» ، إذ ms41 كان لا يرى ~~الجماعة إلا تلك الجماعة. ### || [29- موقف طلحة والزبير من علي] # وذلك أن عليا سمى أصحاب الجمل الناكثين لنكث طلحة والزبير لبيعته، ولم ~~يختلف الناس في بيعتهما له، ولا أنكر ذلك الزبير يوم واقفه علي بالبصرة وقد ~~أقر بها طلحة ثم ادعى الإكراه؛ ففي واجب الحكم أن يقضي عليه بإقراره وأن ~~يسأل البينة على دعواه؛ ولم يستشهد إلا أسامة، وليس في قول أسامة وحده حجة ~~على أنه لم يشهد علي، وأسامة ممن ترك بيعة علي، ولو لم يدع بيعة علي لما ~~كان في شهادة الواحد حجة؛ على أنه لم يشهد إلا بأنه بايع وهو كاره، وهذا ~~اللفظ يحتمل الوجوه، وهو بخلاف ما أراد طلحة اشبه. # والحق كله مر والباطل كله حلو؛ وقد خلق الله النار فحفها بالشهوات وخلق ~~الجنة فحفها بالمكاره؛ ومن صفة الطاعة أن يحتمل فيها صاحبها الكلفة والمشقة ~~ومجانبة الهوى، ومن صفة المعصية أن يدخل فيها من طريق الشهوة لها والذهاب ~~معها، وقد رجع الزبير عند الاذكار، وتأخر طلحة الى خلاف موضع صاحب ~~الاستبصار حتى قتل في أخريات الناس، ولذلك قال بعض الناس: ~~«لله مصرع شيخ ما أضيعه» ، وهو لا يستطيع ان يدعي على معاوية عقد بيعة ~~ولا على أصحابه نكثا كما ادعى على الزبير وأقر له بها طلحة. PageV01P383 ### || [30- احتجاج السفيانية بان معاوية لم يكن قاسطا] # «ولو كان معاوية سيىء السيرة في أهل الشام سيىء النظر للعوام غير مصيب في ~~سياسة الأجناد وفي ترتيب الأشراف وفي تقريب العلماء وفي رحمة المساكين ولم ~~يكن عفيفا عن المال شديدا على الفاسد قامعا للظالم قويا في الحق سهل الحجاب ~~معظما للشريف منصفا للضعيف بصيرا بالحزم عالما بالحكم كثير الفتوح رحب ~~العطن واسع الصدر ميمون النقيبة فاضل الحلم، قد جمع المحبة والهيبة، لما ~~لقوا معه بجباههم ظباة السيوف وبنحورهم أطراف الأسنة، ولما خلفوا العيالات ~~وراءهم [و] ملك الروم قد زحف اليهم، ولولا أن عدله عليهم وحسن سيرته فيهم ~~قد كان دخل كل قلب وخص كل شخص وتمكن من كل قلب، لكانت ms42 الملالة لطول الولاية ~~والذي يعتري النفوس من الضجر والضعة عند السآمة قد منع من ذلك وأعان عليه ~~من لم يعنه، ولكان أحسن حالاته أن ينجو منهم سالما لا له ولا عليه. # وهل رأيتم قط أو سمعتم برجل ولي مثل ما ولي من أمر الناس أربعين سنة، ~~عشرين سنة منها كان فيها أميرا وعشرين سنة كان فيها خليفة، وكانوا مع ذلك ~~يوم فارقهم أضن به وأميل إليه منهم في ابتداء ولايته وفي أول ما أذاقهم من ~~حلاوة إمرته، وقد رويتم أن عليا قال: «لا تتمنوا موت معاوية، فإنه لو مات ~~لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها» ؛ وقال معاوية: «لو أن شعرة طرفها في يدي ~~وطرفها الآخر في أيدي الناس لما انقطعت أبدا» - قيل له: «وكيف ذلك؟» - قال: ~~«كنت إذا مدوا أرسلت وإذا أرسلوا مددت» . # فمن أين سماهم القاسطين، والقاسط هو الجائر؟ فأي جور كان رأى منه؟ ولو ~~كان صاحب جور كان من أغضى له على ذلك الجور أجور، فهذا إسم أصحاب يوم الجمل ~~اشتق لهم من النكث لنكث الرجلين؛ وهذا اسم أصحاب النهر اشتق لهم اسم ~~الحرورية من نزولهم بحروراء، واسم المارقين لأنهم مرقوا عنده من الحق ~~مرتين: مرة حين عرفهم أن رفع المصاحف خدعة، فعصوه PageV01P384 ~~ومرقوا عن أمره، ومرة لمسألتهم إياه العودة وهو يرى فيهم الوهن وفساد ~~القلوب وضعف الركن. # خبروني عن معاوية أي جور ظهر منه منذ ولاه عمر إلى أن قتل عثمان، وعلى من ~~كان جار، وأي شيء ذلك الجور، ومن يعرف ذلك ومن يشهد به عليه؟ فان زعمتم أن ~~امتناعه من اعتزاله [عن] العمل هو جور فلذلك سماه قاسطا ثم عم به الجميع ~~لطاعتهم له، فقد قلنا في ذلك ما قد سمعتم؛ وكيف ونحن لم نر أحدا من فقهائهم ~~لم يأخذ منه عطاءه ولا أبى جائزته ولا أسقط اسمه من ديوانه «ولا ترك ابتياع ~~السبي من مغنم عمال ثغوره ولا ترك وطر ما يبيع من مقاسمه ولا ترك الأكل ~~والبيع والابتياع من ثمار قطائعه، ولقد سموا العام الذي ms43 سلم إليه فيه الحسن ~~الخلافة «عام الجماعة» ، ولقد دفع إليه عبد الرحمن إبن سمرة، وهو من كبار ~~الصحابة، مالا كان عنده وعلي حي، وقال: «جبيته في الجماعة فلم أكن لأدفعه ~~إلا في الجماعة» ؛ وقيل لابن عمر: «ما منعك من أخيك ابن الزبير حين نصب ~~نفسه للخلافة وخرج على يزيد بن معاوية؟» » - فقال: «إن أخي وضع يده في فرقة ~~وإني لن أنزع يدي من جماعة وأضعها في فرقة» . ### || [31- احتجاج السفيانية بان عمر وعثمان وليا معاوية وان عليا لم ينل الخلافة بالتشاور والاجماع او النص] # وقلت: وكان مما احتجوا به في استحقاق اسم الخلافة واستيجاب الإمامة أنه ~~قال: «هذا موضع وضعني به عمر بن الخطاب، ولم يعزلني مذ ولاني وقد كان لا ~~يكاد يدع أميرا إلا استبدل به وإلا غضب عليه لبعض ما يكون منه، وربما أمر ~~بإشخاصه إليه، ولم يعزلني ولم يغضب علي مذ رضي عني ولا عزلني مذ ولاني، ثم ~~جمع لي الأرباع بعد أن كان ولاني ربعا وقوى أمري وثبت وطأتي، ثم أكد لي ذلك ~~عثمان بن عفان وشدده وقوى أمري ومكنه، فلم يكن في سني PageV01P385 ~~الاختلاف أكثر في ذلك منه في سني الائتلاف، ثم إنك أمرتني بالاعتزال من ~~غير أن أكون أحدثت حدثا أو أويت محدثا، وأنت لم تأخذها من جهة التشاور ~~والتخاير كما أخذها عثمان، ولا نص عليك عثمان كما نص أبو بكر على عمر، ولا ~~أجمعت عليك الأمة من تلقاء أنفسها كما أجمعت على أبي بكر، فلم يكن لي أن ~~أسلم إليك علقا في الفرقة كنت تسلمته من أهله في الجماعة؛ فإن حاربتني على ~~ما في يدي، منعتك، وإن تركتني، سلمته إلى مثل من سلمه إلي، ولي أن امنعك ~~بالسلاح إن شهرت علي السلاح، وأن أمنعك بالحجة إن طلبته مني بالحجة. ### || [32- احتجاج السفيانية بان ولاية معاوية صارت له بوضع اليد] # وزعمت أنهم قالوا: وقال معاوية: «احسبوا أن هذا العلق الذي قد صار في ~~يدي، وصار لي فيه حق صاحب اليد فيه، كان لقطة طلبها مني بعض ms44 من لم يثبت ~~عندي أن اللقطة له، لا من طريق البينات التي لا معارض لها ولا من طريق ~~العلامات التي يستحق بها اللقطة من جاء بمثل العلامات التي يستحق بها ~~اللقطة: فأنا في منعك محق، وأنت في طلبها مني مبطل، فإن قاتلتني قاتلتك دون ~~حقي، وان كففت عني انتظرت بها صاحبها متى أرادها مني؛ أو لك؟ فكذلك أنت في ~~التماسك ما لو دفعته إليك كنت ظالما له؛ فإذا اجتمعتما على أمر، فعندها لك ~~أن تأمر وتنهى؛ ولست في جهلي فضلك على سعد بأسوأ حالا من سعد حين جهل ~~فضيلتك عليه، وقد أشكل علي كما أشكل على من قبلي؛ ولو كانت أقداركم عند عمر ~~بن الخطاب متميزة وحالاتهم عند أنفسكم وعند الرقباء عليكم غير مشكلة، لكان ~~تكلف التشاور عيا وعجزا، ولكان تكلف عمر ذلك لكم جهلا وضعفا، وكيف أمسكت في ~~ذلك الدهر عن إنكار مخايرة سعد وأنكرته في هذا الدهر؟ فأرنا الفضيلة التي ~~حدثت لك والنقض الذي ظهر له!» . PageV01P386 ### || [33- احتجاج السفيانية بان معاوية أولى الناس بمطالبة علي بدم عثمان] # وزعمت أنهم قالوا: قال معاوية: «قتل إمامي وخليفتي مظلوما وقتل ابن عمي ~~وولي نعمتي مخذولا، ورأيت موضع قاتليه ومنتهكي حرماته في زمان مفتون ودهر ~~اختلاف، واولياء دمه ضعفاء وهم لي أهل وأولياء: فإن أنا طلبتهم وحبستهم إلى ~~أن يقوم إمام يحكم فيهم وكان ذلك مني من طريق القيام بحق الحرمة والحسبة ~~وما يجب من شكر النعمة، كان ذلك حسنا: فهو يحسن من طريق الدين والحسبة ومن ~~طريق الوفاء والمودة ومن طريق الأرحام الماسة ومن طريق ما يوجبه شكر ~~النعمة، وكيف يحسن بي أو يستحسن لي ترك محاولة ذلك وتكلفه وتعاطيه وامتحان ~~الحال فيه مع ما معي من الآلة والقوة والعدد والعتاد والعدة، وقتلته ~~معروفون ومكانهم مشهور؟ فإن حال بيني وبين الاستيثاق منهم أحد كان ظالما، ~~وهل أنا في أخذهم إلا كقوم مات إمامهم فشدوا على من في محالهم وعشائرهم من ~~أهل الدعارة والفساد ومن رجال الفتنة والفساق فحبسوهم إلى أن تجتمع جماعتهم ms45 ~~وتتفق كلمتهم؟ فإن منعني دون هؤلاء القتلة مانع بالسلاح، طلبتهم بالسلاح، ~~وإذا فعل ذلك عدل زالت عدالته وتحول حكمه؛ ولا تجوز الإمامة إلا العدل، بل ~~لا تجوز لمن اشترك في دم أو أعان على قتل مسلم؟ أو منع ولي الدم من أخذ ~~قاتل وليه إلى أن يسلمه إلى من له أن يحكم فيه حكمه» . ### || [34- احتج السفيانية بأن الخلافة شورى ومعاوية أحق بها من بقية الشورى الاربعة] # . وزعمت أن أصحابه قالوا: «كيف جاز لسليمان بن صرد وللمسيب بن نجبة ولعبد ~~الله بن هلال أن يطلبوا بالسلاح قتلة الحسين بن علي، ولا يكون لمعاوية أن ~~يطلب بالسلاح قتلة عثمان؟» ، وقلت: وزعموا أن معاوية زعم أنه أحق PageV01P387 ~~بالخلافة من جميع بقية الشورى: فأما سعد فلم يستحقها قط لانه كان جليسا ~~لا يرى أن يدفع ضيما ولا يمنع حريما، وأن الدفع بالسلاح عمن أراد السلطان ~~بالسلاح بدعة وفسق وضلال وفجور، ولأنه روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد كان آخى عليا دون جميع الصحابة وقال له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ~~، فإن كان صادقا فهلا روى هذه الرواية أيام كان علي حيا وهو يجاذبه الرئاسة ~~ويأبى تقديمه الى مقام الإمامة ويزعم أنه أحق بها منه ويدعوه إلى الشورى ~~ويقول: «ما أنا بقميصي هذا أحق مني بها» ؟ وهل يخلو من أن يكون في روايته ~~كاذبا أو صادقا؟ فإن كان صادقا فقد ضل بامتناعه عن بيعة من هذه عنده صفته ~~وترك تقديم من هذه الرواية فيه ومن مكانه من الرسول هذا المكان؛ وإن كان ~~كاذبا فليس هذا النوع من الكذب من أخلاق الأئمة ومن صفات الخلفاء، وعلى أن ~~من أقر بأنه قد ترك تقديم من هذه صفته، فقد أقر على نفسه بالمعاندة وبترك ~~الإقرار لأهل الحق بحقهم؛ ومتى ثبت ذلك عليه بطل خبره وردت روايته، ومن كان ~~مكذبا في حديثه، فغير إمام ولا حاكم ولا شاهد، فافهم ذلك. # وأما طلحة والزبير، فإن كانا قد اهتديا في بيعته، فقد ضلا في النكث عليه، ~~وإن ms46 كانا قد ضلا في بيعته، فما تابا من ضلالهما ولا خرجا من إدخال الشبهة ~~على رعيتهما، وإدخال شبهة تورث الفتنة أعظم من قتل رجل من المسلمين؛ وفي ~~رجوع الزبير ونكوص طلحة وفيما كان من مسيرهما وتجاذبهما الإمامة فيما ~~بينهما وتقديم أبنائهما الصلاة على النوب واختلاف أمرهما ما يدل على اختلاط ~~التدبير؛ فإنهما لم يكونا من أحلاس الخلافة ولا يتسمان لها ولا ينهضان ~~بأعبائها، وإن الأمر لو أفضى إليهما ومات من ينازعهما، لكان كل واحد منهما ~~أشد على صاحبه من العدو الذي مات عنه، ولو فرغا من حرب علي لألقيا للناس ~~حربا أطول وفتنة أشنع وقتلا أذرع، ولو قتل كل واحد منهما صاحبه أو مات عنه ~~حتف أنفه لجرى بين ابنيهما، إذ كان هذا يصلي بالناس مرة عن أبيه وهذا مرة ~~عن أبيه، من الشر والمناصبة ومن القتال والمغالبة ما «هو أشنع وأفظع PageV01P388 ~~وأدهى وأمر؛ ولو كان ذلك لأصابنا من أتباع أبناء الأبناء وسرعان الغوغاء ~~ما ينسي ما قبله ويشغل عن ذكر ما تقدم امامه، ومن كان كذلك حكم ارتحاله ~~وحله وعقده ونقضه وإبرامه لم يستحق تلك المقادم ولم يستوجب تلك المراتب. # وقالوا: وأما علي بن أبي طالب فإنه مع الشرك في دم عثمان والاشتمال على ~~قتلته لم يزل لا يرى أن يعيد الأمر إلى الشورى وكان ذلك منه طعنا على عمر ~~وزراية منه على أولئك الرقباء والأمناء وخلافا على رأي الجماعة، والطعن على ~~هؤلاء ضلال والخلاف عليهم إثم كبير، وإنما كان الإنصاف والإقرار بالحق ~~والخضوع اللازم أن تجتمع بقية الشورى وهم أربعة فيشتوروا في التخيير ~~كمشورتهم فيه وهم ستة، ولأن ذلك الأمر إنما كان مقصورا على قوم قد أجمعوا ~~على تفضيلهم وتوليتهم وأنه حق لنفر فلا يزول حق الحي لموت الميت، والجماعة ~~الذين كانوا بالأمس راضين لم يتغيروا ولم يتبدلوا، وإنما كانوا ستة فمات ~~عبد الرحمن وقتل عثمان: فلو تركهم علي يجتمعون ولم يبتز الأمر وصيره إلى ~~التخاير والتشاور وإلى طلب من هو أرد عليهم وأنفع لهم ولو بشيء يسير ms47 وذلك ~~هو القياس، لما كان اختلاف كما لم يكن قبله اختلاف، وعلى أن المسلمين لم ~~يتشاوروا قط في أمر الإمامة فما دونها فافترقوا إلا عن غير اختلاف، وكيف ~~يختلفون وقد أطاعوا ربهم وكيف لا يعصمهم وقد اعتصموا بحبله وآثروا حقه؟ ~~قال الله: وأمرهم شورى بينهم ~~، وقال: وشاورهم في الأمر ~~، وقال: ~~فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ~~، ولا يجوز أن يضمن التوفيق لنفسين إذا أرادا الإصلاح ويخذل الجماعة، ولا ~~يجوز أن يوفق من كان من عرض الأمة ويدع الأئمة. # وبعد فهل خالف ذلك الرأي من عمر أحد؟ ولقد اتفقوا عليه بعد موته كما ~~اتفقوا عليه قبل موته؛ ولقد خالف بعضهم أبا بكر في استخلاف عمر وما خالف ~~أحد عمر في وضع الأمر في الستة، ولم يقل أحد من الستة: «فينا واحد لم يكن ~~ينبغي أن يكون معنا» ، أو: «في الناس واحد كان ينبغي أن يكون PageV01P389 ~~معنا» لا ولا قال احد من الأمناء ولا من جميع الجمهور والدهماء: «فيهم ~~واحد لم يكن ينبغي أن يكون فيهم وفينا واحد كان ينبغي أن يكون معهم» ؛ فتمت ~~الكلمة وشاع الرضى واستفاض التسليم. # وقالوا: فعلي لا يصلح لها من هذه الوجوه وطلحة والزبير لا يصلحان لها من ~~حيث ذكرنا، وسعد هو الذي لا يجوز أن يجيء منه ملك ولا إمام في كفر ولا ~~إسلام، لأن من لم يدفع عن بيضة الملك بالسيف فهو مقتول وأمره ضائع، ولم ~~يطلب ملكك أحد فرضي بأخذه دون أن يأخذ نفسك مع الملك، وهذا قائم منذ كانت ~~الدنيا، ولو أمنه أن يثب به أو يثب من أجله واثب ما دام حيا لكان استبقاؤه ~~أحب إليه وألذ له وأبلغ عنده فيما يريد. ### || [35- احتج السفيانية بانه لا بد من الدين والسيف في الملك] # وقالوا: ولو ادعى رجل عندنا النبوة وذكر أنه يستشهد إحياء الموتى والمشي ~~على الماء، ثم زعم أن الملك مستقيم دون منعه بالسيف والسوط، لعلمنا أنه لم ~~يكن ليأتي بعلامة أبدا ولا يقيم شاهدا ms48 على دعواه أبدا، إلا ان يأتي قوم ~~طبائعهم على خلاف طبائعنا وحالاتهم على خلاف حالاتنا وعاداتهم على خلاف ~~عاداتنا وأسبابهم على خلاف أسبابنا؛ فأما والأمر على ما شاهدنا من طبائع ~~الناس اليوم وعلى ما سمعنا من طبائع العرب في جاهليتها وإسلامها والعجم في ~~سالف أيامها، فان ذلك لا يجوز ولا يقوله من يعرف الدنيا وما فيها؛ ولذلك لم ~~يكن للزنادقة مملكة قط ولا تكون أبدا، ولقد اضطر الأمر نصارى الروم ونصارى ~~الحبشة إلى الدفع بالسيف حين رغبت في الملك ومالت إلى الدنيا مع علم جميع ~~العالم أن القتال ليس من دينها ولا من مذهبها. # ألا ترى أن الله لم يخل الدنيا من أن يجعل فيها نبيا يحمل السلاح ويقيم ~~جزاء الحسنة والسيئة ويستعمل السيف والسوط، أو يضم إليه ملكا يذب عن النبوة ~~بعز الملك ويدعو النبي إلى طاعته برأفة النبوة؛ فأما أن يرفع أحدهما من PageV01P390 ~~العالم فلا بد من اجتماع اللين والشدة إما في شخص واحد وإما في شخصين، ~~وقد قال الله: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ~~، وفي المثل المحمود: «قتل البعض إحياء الجميع» ، وليس في الأرض ملك إلا ~~وأطراف مملكته تنتهي إلى حدود ممالك الملوك، فهو وإن تنصر فإن الملوك لا ~~يتنصرون معه، وإن تزندق لم يتزندقوا معه، على أن الملوك لم تنصب الأديان ~~رغبة في الديانات ولكنها تعلم أنها إن لم يكن لها دين لم تلزم بيعة ولم ~~يثبت عقد أولى الملك من بعدها، ولم يتدين الناس بقتال من يخرج عليها ويريد ~~إزالتها؛ وإن لم يكن دين كانت الأموال منتهبة والزوجات مشتركة ولم يثبت نسب ~~ولم يكن لأحد وارث ولم يكن تزويج ولا طلاق ولا ملك ولا عتاق ولم يثبت توكيل ~~ولا أجرة ولا شهادة ولا وصية ولا شرط ولا عهد ولا حدود ولا قصاص ولا قود ~~ولا حبس ولا إقرار ولا إنكار ولا دعوى ولا أيمان ولا بيع ولا شراء ولا ~~ميراث؛ وإنما يحرص عليه لأن به وفيه ثبات ملكه وتوكيد سلطانه، ثم لا يبالي ms49 ~~ما قالوا في الله وما جوزوا على الله وكيف وقعت الأمور بعد أن يستقيم له ~~شيء يكون فيه وبه ثبات الملك. # فإن كنت تحب أن تعلم أن الذي أقول حق فتأمل قول كسرى مع شدة عقله في الله ~~وفي إبليس وفي أعلام زرادشت وفي شرائعه من غشيان الأمهات والتوضؤ بالأبوال، ~~وفي دين قيصر وقوله في الله وفي المسيح وفي بولص، وفي دين ملوك العرب وفي ~~عبادة الحجارة، وفي ملوك الهند في البد وفي تعظيم الزنا، ودخول النيران، ~~وهؤلاء رؤساء الأمم، فانظر كيف تجدهم في الأديان. ### || [36- اسباب صلاح معاوية للخلافة بنظر السفيانية] # وإذا كان هؤلاء وهم بقية الشورى لا يصلحون للإمامة فمن دونهم أجدر ألا ~~يصلح لها وكانوا منها أبعد؛ وقلت إن معاوية أولى بها منهم إذ كان أبرأهم ~~ساحة من هذه العيوب وأسلمهم فناء من هذه اللوائم، ولأنه أيضا أول PageV01P391 ~~من انتدب؛ ولو أن جميع أهل بدر أمكنهم إنكار المنكر من ملك متغلب إلا ~~أنهم لم يتكلفوا ذلك حتى انتدب رجل من عرض المسلمين فبذل نفسه وأهله وماله ~~ودياره وعشيرته وأصحابه وأمل الناس فيه درك حاجتهم ورجوا الفرج على يديه، ~~كان ذلك المنتدب- وإن كانت سابقة غيره أفضل- أولى بذلك منهم، ولعله أن يلحق ~~بهم في الطاعة أو يجوزهم، كما عقد عمر بن الخطاب لأبي عبيد ابن مسعود على ~~أربعين من أهل بدر وعلى الجماعة الكثيرة من المهاجرين والانصار السابقين ~~وليست له في ذلك علة إلا أنه كان أول من انتدب، ولذلك كانوا رأوه وتحدثوا ~~به، فساروا تحت لوائه وصلوا خلفه وأطاعوا أمره وأكبروه بالخضوع له وأعظموه ~~بالإطراق بين يديه والانتصاب له عند طلعته. ### || [37- رد الجاحظ على حجج السفيانية] # قد كتبت إليك، يا ابن حسان ورسمت لك ما ألقيت إلي من جمل دعواهم مفسرا ~~ومن حججهم مبينا، ولم أقتصر على مقدار ذلك حتى لم أدع لذي هوى نزاعا ولا ~~لذي حيلة متعلقا، لأن أحسم من قلبك هذا الداء وأقطع أصل هذه المادة، ولولا ~~أني- والحمد لله- على ثقة من سهولة الجواب وقرب المأخذ وظهور ms50 المعنى وقمع ~~الحق للباطل وأنه لا يتلقاك إلا مكشوف القناع ناصع البياض مشرق اللون، لما ~~رضيت أن أكون سببا لتنبه العدو ومادة لخواطر الأعداء، ولعل بعضهم أن يعدو ~~علي بالسلاح الذي ألقيت إليه يوم الحفل ويلتمس به نحري على شغل مني؛ فقف ~~الآن على فصل فصل وانظر في باب باب، فإنك ستفهمه ما لم تتشاغل تشاغل ~~المستفرغ وتستبين ما لم تصد عنه صدود المتمقه إن شاء الله. ### || [38- معاوية لم يحتج بحجج السفيانية] # . باسم الله الرحمن الرحيم فأول ما أبدؤك به وأول ما أذكره لك من هذه PageV01P392 ~~الخصال، تعريفك أن معاوية لم يحتج بشيء من هذا قط ولا احتج له به في عصره ~~أحد، ولا جرى لهذا الشكل ذكر قط ولا خطر على بال؛ فمنه ما تكلفه أعداء علي ~~من المتكلمين وأهل السباب من الناصبة الملاعين، ومنه ما هو تخريج من ~~أصحابنا لخصومهم على أنفسهم ليتقدموا في الحجة وفي العتاد والعدة وفي الأخذ ~~بالثقة كصنيعهم واعتلالهم بمذاهب المخالفين ودعوى جميع المبطلين، ومنه ما ~~حضرني عند ابتدائي الإخبار عنهم وما عزمت عليه من استقصاء كل شيء لهم لتعرف ~~قوة أوليائك وعجز أعدائك، وتعلم أن من عرف من حجج الخصم أكثر مما يعرفه ~~الخصم كان بحجج نفسه أعرف وعلى معاني حقه أغوص وعلى غايته أقدر وأنضى، ~~ولكان أيأس للمخالف وآنس للموافق، ولأن تعلم أن أولياءك لو لم يجدوا في ~~أنفسهم فضلا لما أعاروا بعض قوتهم أعداءهم، ولأن لا يبقى على من قرأ كتابي ~~شبهة بعد قراءته، والله الموفق للصواب، وهو على كل شيء قدير. ### || [39- اصحاب السير والاخبار لم يذكروا حجج السفيانية] # ولو كانت هذه الحجج قد احتج بها معاوية واحتج له بها أحد في ذلك الدهر، ~~لكان ذلك مشهورا عند حمال الآثار والمعروفين بالصدق من أصحاب الأخبار ~~والنقلة مثل الزهري ومحمد بن إسحق إمامي أهل الحجاز في علم السير ونقل ~~الأخبار، ومثل قتادة صاحب الأخبار بالبصرة ومن كانت الملوك تكتب إليه من ~~الشامات في المشكلات، ومثل سماك بن حرب بالكوفة، ومثل الشعبي وابن ms51 شبرمة ~~والقاسم بن معن، وجملة من أهل [ع 18] البصرة مثل ابن أبي عيينة، ومثل مسلمة ~~بن محارب، بل مثل أبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب ومحمد إبن حفص وعبيد ~~الله بن محمد بن حفص وأبي عبيدة وأبي اليقظان، ومثل مسمع وكردين وأبي عاصم ~~النبيل، ومثل خلاد بن يزيد والقحذمي ومؤرج وابن قنبر. # وسندع ذكر الأصحاء والثقات وأصحاب التبريز في تصحيح PageV01P393 ~~الروايات، ونذكر من دونهم ممن قد يؤخذ عنه ويطعن عليه كالكلبي وابن ~~الكلبي وعوانة والشرقي بن القطامي وأبي الحسن المدائني والهيثم بن عدي وأبي ~~مخنف لوط بن يحيى وابن جعدبة؛ وكان لا أقل من أن يرويه شوكر وابن دأب ~~والعتبي، أو لرواه رواة الخوارج كعمران بن حطان. والمقعطل والضحاك بن قيس ~~وحبيب بن خدرة وأبي عبيدة كورين ومليل وأصغر بن عبد الرحمن ورعا ومسمار. ### || [40- حجج السفيانية من عمل المتكلمين] # وأنت تعلم اضطرارا أن هذه المسالك ليست مسالك الرواة وإنما هي مسالك ~~المتكلمين إذا كانوا رواة؛ وقد سمعت خطب معاوية ورسائله وكتاب القضية: أفظن ~~أن معاوية كان عنده من هذه الحجج ومن هذه الاعتلالات شيء وهو يدع أن يخطب ~~به ويشيعه ويدعو إليه ويعرضه على أصحابه؟ بل كان لا يدع أن يجعله في كتاب ~~ويقرأه على أجناده في كل خميس واثنين؛ ولم أقل إن معاوية لم يكن فطنا أو ~~بعيد الغور بينا، ولكن لو جمعت إلى عقله ودهائه عقل عمرو بن العاص والمغيرة ~~بن شعبة وزياد والأحنف والمهلب وأضعافهم من الرجال، لما عرفوا من هذا الشكل ~~شيئا بطباعهم دون أن يستعملوا صناعة الكلام، كما أنهم لو أرادوا الحساب ~~والهندسة وعلم اللحون والطب وجميع العلوم لكانوا لا يدركون من ذلك حظا دون ~~كثرة التنقير والتفتيش وطول الدراسة للكتب ومنازعة الرجال؛ وما أشك أنهم ~~أحق بذلك من كثير ممن قد رأيته من المعدودين في أهل النظر، فلا تنكر قولي ~~إنه لم يكن يعرف من هذا قليلا ولا كثيرا. # فدواؤك قبل كل شيء أن تخرج من قلبك أنه كان يحسن هذا وأن عمرا ms52 كان يهتدي ~~له؛ ثم أعلم أنه مولد خبيث ومموه ضعيف، وسنوجدك ذلك فيه بابا بابا وفصلا ~~فصلا؛ وقد يكون الكلام ظاهر العيوب بادي المقاتل مستهدفا PageV01P394 ~~للمطاعن، ولا يفطن له الحازم من الرجال ويفطن له الخسيس العقل من أهل ~~النظر؛ وإن خرجنا كل شيء في هذا الباب كثر الكلام، وإذا كثر الكلام خرج ~~الكتاب من حد الرسائل، ولم نأمن من ملالة القارىء ونعاس المستمع، وفيما ~~نلقي إليك من الجمل ما يغني مثلك عن التفصيل، ولو كان المقصود إليه سواك ~~لما وجدت بدا من التفسير والتخريج وانتظام جميع الامهات واستقصاء جميع ~~الأبواب. ### || [41- حجة السفيانية بعدم توافر الاجماع على علي لا يطعن في خلافته لان الاجماع تابع لفضله] # أما قولهم بقول معاوية: «هذا موضع صرت إليه بالإجماع فلا أخرج منه في ~~الفرقة» ، فإن أكثر الناس يغلطون في حكم الإجماع في هذا المكان ويلحقونه ~~بغير شكله؛ نقول إن الناس إنما أجمعوا على تفضيل الفاضل لفضيلة وجدوها فيه، ~~وليس أنهم وجدوا الفضيلة فيه لأنهم أجمعوا على تفضيله، فالإجماع تبع ~~للفضيلة الموجودة، وليست الفضيلة تبعا للإجماع الذي كان منهم؛ وإذا كان ~~الفضل بارزا، فعليهم الإجماع عليه؛ فإن اختلفوا فلا يبعد الله إلا من خالف، ~~الحق حق الفاضل؛ وإن لم يصل إليه مع ضعف الموافق وقوة المخالف؛ فإن وافق ~~صاحب الحق إجماعا فعليه الشكر والحق حقه، وإن وافق اختلافا فالحق حقه وعليه ~~الصبر. # وقد كان فضل علي ظاهرا، فإن أجمعوا عليه فقد أصابوا حظوظهم ووافقوا محبته ~~إذ كان ذلك حقا، وإن اختلفوا فقد أخطأ المخالف حظه، ولم يضم ذلك عليا لأن ~~ثواب علي على الصبر على البلاء كثوابه على الشكر على الرخاء؛ والحق ليس يجب ~~له بالإجماع بل إنما كان ذلك دليلا على الاستحقاق وحكم مقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحكم مرتبة الإمام والتفضيل إلى أن نعلم أن أمرا قد اضطر إليه؛ ~~فما لم نعلم، فالحكم بالتفضيل PageV01P395 ~~لازم لظاهر الحال، وليس لنا أن نزيل حكم ظاهر الأمر ب «لعل» أو «عسى» ، ~~وليس يزول اليقين إلا باليقين، ms53 ومتى هجمنا على رجل قد أجمع الناس على ~~تأميره طائعين غير مكرهين، ثم رأيناهم يدينون بطاعته ويتقربون إلى الله ~~بنصيحته ويرون أنه إذا ولى رجلا صلاة الجمعة أن له أن يقصر وأن لهم أن ~~يقصروا خلفه، وإن هو عزله كان عليه وعليهم أن يأتوا بخلاف ذلك، ومتى استعمل ~~رجلا على ثغر دانوا بابتياع ذلك السبي ووطنه واستخدامه وبيعه والانتفاع ~~بذلك المقسم وبابتياع العقد والعقارات والمستغلات منه، ومتى عزله حرموا ذلك ~~وسقطوا من لم يجتنبه؛ ومتى استقضى رجلا لزم الناس حكمه ونفذ فيهم أمره ~~ووجبت سجلاته ولزمت قضاياه، ومتى قال: قد عزلتك، كان كالمفتي وكالمشير ~~والمصلح، ثم تراهم إذا كان قاضيا يقومون فوق رأسه ولا يجلسون إلا بأمره. # ولم نر عليا لما عزل سعدا وولى أبا موسى وعزل عمارا وولى المغيرة، قال ~~المعزول: «لا أعتزل البتة!» أو قال: «لا أعتزل حتى أعرف لم عزلني ولم ولى ~~من أنا أعظم عناء منه وأجود سياسة منه وأشرف أرومة منه» ، أو قال: «أنا أسن ~~منه وأكثر فقها وعلما منه» ، أو يدعى أن أهل البلدة به أرضى وأنه لا يرضى ~~أن يكون قد عانى خراب أرضها وفساد رجالها وضياع ثغرها، فلما عمر البلدة ~~وحصن الثغر وأصلح الفاسد وقد كلف وتعب وسهر ونصب، بعثت رجلا يصير له مهنأها ~~فيذهب ببردها وحلاوتها، وأنا قد صلبت بحرها ومرارتها؛ بل تجد المعزول صابرا ~~راضيا والمستعمل قابلا نافذا لأمره وقوله؛ فحكم ظاهر هذه الحال وحكم ~~المرتبة التقديم لأهلها والتفضيل لأربابها حتى ثبتت الحجة ببعض ما يحطه عن ~~أعلى المراتب ويقتصر به على دون الكمال، فالإجماع تابع في هذا الموضع. ### || [42- حجة السفيانية بعدم عمل علي بالشورى لا يطعن في خلافته لأن شورى عمر لا تلزمه] # فأما من حيث ذهب القوم إليه فقد قلنا في ذلك؛ فان قال: «فهلا PageV01P396 ~~جعلها شورى بينه وبين طلحة والزبير؟» - قلنا: قد زعمتم أنهما قد بايعا ~~فإن كانا قد ضلا بتلك البيعة فقد صارا لا يصلحان لإمامة، وإن كان ذلك منهما ~~هدى فقد ضلا بالصمت قبل الحديث؛ ms54 فإن قالوا: قد قلنا ذلك في طلحة والزبير ~~ولكنا قد علمنا أن سعدا لم يبايع وإنما ضل عندنا بعد أن تبين لنا رايه في ~~ترك البسط وفي روايته في تفضيل علي على نفسه بعد وفاة علي ولكن ما باله لم ~~يدع إلى الشورى يومئذ، وتركه للشورى عندها ضغ [ينة] على عمر وتخطئة ~~للجماعة؟ - قلنا: إن عمر لم يشترط ذلك الأبد، ولم يوجبه إلا في الثلاثة الأ ~~[يام] التي قال: «إن انقضت ولم يفرغوا، فاقتلوهم» ؛ وما علم عمر بما يكون ~~من انحفاظ قوم وتبديلهم، وبأي وجه آخر يدل من تقدمهم، وبما يحدث في أنصارهم ~~من العمى الذي يمنع من الحكم، أو مما يعجل من [ ....... ~~الذي يحول دون الخلافة، أو ليس الإمام الذي بعده قد كان له في رعيته من ~~التدبير مثل الذي كان لعمر في رعيته؟. # أولستم تزعمون أن أبا بكر أقام عمر وأن عمر ترك سيرة أبي بكر وصار إلى ~~الشورى ووضعها؟ فإن قلتم: «إنما غير التدبير حين لم يجد واحدا [قادرا] قلت ~~لكم: وكذلك من بعده فغير تدبير عمر كما غير عمر ذلك التدبير عن بعض ما شاهد ~~أبو بكر من الحال المخالفة للحال الأخرى، فليس لنا أن نلزم عليا الشورى إلا ~~بأن يوجد أن عمر قد كان جعل ذلك شرطا محدودا وأن الأمة تلقت ذلك بالتصويب، ~~فلم [يحدث] اختلاف وليس لعمر في سلطانه إلا مثل ما للإمام [من] المصلحة على ~~قدر ما شاهد من الحال؛ وإنما تدبير الأمور على قدر اختلاف الأمور وقد وجدنا ~~عليا نفسه عند الحاجة والضرورة وعند الخطبة على الرعية قد أظهر الرضى بأن ~~يكون أبو موسى وعمرو يتشاوران فيه، فكانا في موضع الشورى في ظاهر الحال ~~وهما عنده على ما هما له عندنا، وكذلك معاوية وقد امتنع قبل ذلك أن يحبس ~~نفسه بمخايرة طلحة والزبير وسعد [فحبسها] بحبالة أخرى أبعد من الأولى من كل ~~ما ذكرنا؛ وإنما كل ذلك بقدر ما يشاهد الإمام من الحال إذ كان ذلك إنما ~~يعرف صوابه من باب الرأي ms55 فقط. PageV01P397 ### || [43- علي اولى بالخلافة للقرابة والرواية والقدم والزهد] # ويقال لهم: فإنا نرد الأمر إليكم: أرأيتم لو أمرتم ان تختاروا بين علي ~~وسعد إماما كيف كنتم تصنعون حتى توجدونا أن سعدا أو [لى] من علي؟ قولوا كيف ~~شئتم؛ قد علمتم أن هذا الأمر، إن كان بالحسب، فإن سعدا ليس من شكل علي، ~~وعلي هاشمي الأبوين وكان أول هاشمي الأبوين كان في الأرض، ولده أبو طالب بن ~~عبد المطلب بن هاشم من فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهم أربعة: علي وجعفر وعقيل ~~وطالب؛ ثم هو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن اخي حمزة والعباس؛ ثم ~~الذي يجمع أبا النبي صلى الله عليه وسلم وأبا طالب [الجد] الأدني بالأم ~~التي جمعهتهما. # فإن كان هذا الأمر إنما يستحق بالرواية فليس لسعد في ذلك حرف واحد مما ~~يوجب له الإمامة والتفضيل على جميع الأمة وما أكثر [من] روى [فيه الرواية] ~~ولكن تلك الرواية ليست من شكل الرواية في علي بن أبي طالب، [فإن] ذكرنا أهل ~~التقدمة في الإسلام والسبق إليه فأدنى حالاته أن يكون مذكورا معهم، وإن ذكر ~~أهل الزهد والتقشف والظلف والنزاهة وقلة الركون إلى الدنيا والميل لى ~~اللذات فأدنى [حالاته] أن يكون مذكورا معهم، وليس بعد هذه الأمهات شيء ~~يستحق به الخلافة إلا ما حددنا وذكرنا، وكلهن مجموعات في علي بن أبي طالب ~~ومتفرقات في سواه، فقد فوضنا الأمر في سعد إليكم: فقولوا كيف شئتم: فإن ~~سددتم قدمتم عليا، وإن تركتم السد [د] ~~كفيتمونا [ .... ] فيكم وأعفيتمونا من ذكركم وشغل القلوب بكم. ### || [44- حق معاوية بالمطالبة بدم عثمان لا يمنحه الحق بالخلافة] # وأما طلبه بدم عثمان، فليس ذلك مستنكرا إذ كانت غايته الاستيثاق منهم إلى ~~أن يقوم حاكم الجماعة؛ ونحن لا نخالفكم أن قاتل عثمان من PageV01P398 ~~أهل النار من كان من العالمين، ولكن معاوية وأهل الشام لم [ .... ~~عند علي بما هو بين [ ............... ....... ~~دون قيام الحجة بالأم ولا بما هو [ ......... ] ولا أن ~~يقتلوا [ ............ ] قتله ومن أمر ومن أشار ومن أظهر محبة ذلك وعلم ~~أنه ms56 لو درجهم إليهم إنهم ~~كانوا لا يقتصرون عليهم حتى يطمعهم ذلك في أكثر ~~منه، كان له حين عرف [ ....... ] أي معنى [ ...... ] وأي طريق ~~يسلك ان يمنعه من ذلك ...... بأهل [ ..... ] فضلا عن أهل الصلاة ~~ومن يشك ان عسكر علي قد كان يشتمل على قو [م ....... ] طوائل ~~وفي رقابهم حقوق ومتى يتهيأ أن يجمع منه ألف مقاتل ليس فيهم إلا ~~مؤمن بريء الساحة [ ..... ] العدالة. ### || [45- علي لم يقتل عثمان ولم يعن عليه] # وأما ما ادعي عليه من قتل عثمان فقد قلنا في ذلك في صدر الكتاب بجملة ~~كافية، وأما القنوت فإني سأقول فيه إن شاء الله وأحمد [ .... .... ] ~~أكثر مما قد كنت قد أوردته على ابن ابراهيم بن الحسين بحضرتك ~~وحضرة [ ..... ] شهادتك عليه بحب المغالبة وقلة التهيب والمرافقة ويغيظك ~~على [ ..... ] يظهر في صدوده وشدة عنوده، ولو كان القنوت وتركه PageV01P399 ms57