######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الرسالة السابعة عشرة رسالة الحنين إلى الأوطان PageV02P379 # بسم الله الرحمن الرحيم # إن لكل شيء من العلم، ونوع من الحكمة، وصنف من الأدب، سببا يدعو إلى ~~تأليف ما كان فيه مشتتا، ومعنى يحدو على جمع ما كان منه متفرقا. ومتى أغفل ~~حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضم كل جوهر نفيس ~~إلى شكله، وتأليف كل نادر من الحكمة إلى مثله بطلت الحكمة وضاع العلم، ~~وأميت الأدب، ودرس مستور كل نادر. # ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، ~~لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل: " لا يزال الناس بخير ما بقي الأول ~~يتعلم منه الأخير ". # وإن السبب الذي بعث على جمع نتف من أخبار العرب في حنينها إلى أوطانها، ~~وشوقها إلى تربها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقد النار في أكبادها، أني ~~فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع إلى الأوطان، فسمعته ~~يذكر أنه اغترب من بلده إلى آخر أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من ~~جنابه. ولم يزل PageV02P383 ~~عظيم الشأن جليل السلطان، تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانها، ومن ~~شعوب العجم أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحروب، وليس ببابه إلا ~~راغب إليه، أو راهب منه؛ فكان إذا ذكر التربة والوطن حن إليه حنين الإبل ~~إلى أعطانها، وكان كما قال الشاعر: # إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي %~% وأضحى فؤادي نهبة للهماهم # حنينا إلى أرض بها اخضر شاربي %~% وحلت بها عني عقود التمائم # وألطف قوم بالفتى أهل أرضه %~% وأرعاهم للمرء حق التقادم # وكما قال الآخر: # يقر بعيني أن أرى من مكانه %~% ذرى عقدات الأبرق المتقاود # وأن أرد الماء الذي شربت به %~% سليمى وقد مل السرى كل واخد # وألصق أحشائي بيرد ترابها %~% وإن كان مخلوطا بسم الأساود PageV02P384 # فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى ~~مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تواقة. # وقالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك؛ لأن غذاءك منهما، وغذاءهما ~~منه. # وقال آخر: احفظ بلدا ms01 رشحك غذاؤه، وارع حمى أكنك فناؤه. وأولى البلدان ~~بصبابتك إليه بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاءه. # وكان يقال: أرض الرجل ظئره، وداره مهده. والغريب النائي عن بلده، المتنحي ~~عن أهله، كالثور الناد عن وطنه، الذي هو لكل رام قنيصة. PageV02P385 ~~وقال آخر: الكريم يحن إلى جنابه، كما يحن الأسد إلى غابه. # وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحل رضاعه، كالعير الناشط عن بلده، الذي ~~هو لكل سبع قنيصة، ولكل رام دريئة. # وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في ~~القلب رقة وحفاوة. # وقال آخر: أحق البلدان بنزاعك إليه بلد أمصك حلب رضاعه. # وقال آخر: إذا كان الطائر يحن إلى أوكاره، فالإنسان أحق بالحنين إلى ~~أوطانه. # وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من ~~الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرشدة، وطهارة ~~الرشدة من كرم المحتد. # وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك. # وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يسرك في غربتك. PageV02P386 # وأنشد: # لقرب الدار في الإقتار خير %~% من العيش الموسع في اغتراب # وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه، فقد شربه، فهو ذاو لا يثمر، ~~وذابل لا ينضر. # وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونة بحب الوطن. # ولذلك قال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه؛ فإن الطبيعة تتطلع ~~لهوائها، وتنزع إلى غذائها. # وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها. # وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببل القطر. # والقول في حب الناس الوطن وافتخارهم بالمحال قد سبق، فوجدنا الناس ~~بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم. PageV02P387 # ولذلك قال ابن الزبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما ~~اشتكى عبد الرزق ". # وترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب، والمحل القفر، والحجر الصلد، وتستوخم ~~الريف، حتى قال بعضهم: # أتجلين في الجالين أم تتصبري %~% على ضيق عيش والكريم صبور # فبالمصر برغوث وحمى وحصبة %~% وموم وطاعون وكل شرور # وبالبيد جوع لا يزال كأنه %~% ركام بأطراف الإكام يمور # وترى الخضري يولد بأرض وبقاء وموتان وقلة ms02 خصب، فإذا وقع ببلاد أريف من ~~بلاده، وجناب أخصب من جنابه، واستفاد غنى، حن إلى وطنه ومستقره. # ولو جمعنا أخبار العرب وأشعارها في هذا المعنى لطال اقتصاصه، ولكن توخينا ~~تدوين أحسن ما سنح من أخبارهم وأشعاهم، وبالله التوفيق. # ومما يؤكد ما قلنا في حب الأوطان قول الله عز وجل حين ذكر الديار PageV02P388 ~~يخبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: " لو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، فسوى بين قتل أنفسهم ~~وبين الخروج من ديارهم. وقال تعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ". # وقال عمر رضي الله عنه: " عمر الله البلدان بحب الأوطان ". # وكان يقال: لولا حب الناس الأوطان لخسرت البلدان. # وقال عبد الحميد الكاتب، وذكر الدنيا: " نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن ~~الإخوان ". # وقالت الحكماء: أكرم الخيل أجزعها من السوط، وأكيس الصبيان أبغضهم ~~للكتاب، وأكرم الصفايا أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدها حنينا ~~إلى أوطانها، وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمها، وخير الناس آلفهم للناس. # وقال آخر: من إمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل ~~زمانه. PageV02P389 # واعتل أعرابي في أرض غربة، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: حسل فلاة، وحسو ~~قلات. # وسئل آخر فقال: محضا رويا، وضبا مشويا. # وسئل آخر فقال: ضبا عنينا أعور. # وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك. # وقيل: الغربة كربة، والقلة ذلة. وقال: # لا ترغبوا اخوتي في غربة أبدا %~% إن الغريب ذليل حيثما كانا # وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقصك الغربة، وتضيمك الوحدة. # وقال آخر: لا تجف أرضا بها قوا بلك، ولا تشك بلدا فيه قبائلك. PageV02P390 # وقال أصحاب القيافة في الاسترواح: إذا أحست النفس بمولدها تفتحت مسامها ~~فعرفت النسيم. # وقال آخر: يحن اللبيب إلى وطنه، كما يحن النجيب إلى عطنه. # وقال: كما أن لحاضنتك حق لبنها، كذلك لأرضك حرمة وطنها. # وذكر أعرابي بلدة فقال: رملة كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها، فحضنتني ~~أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها. # وشبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ms03 ثكل أبويه، فلا أم ترأمه، ولا ~~أب يحدب عليه. # وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنس نصيبك من الذل. # وقال الشاعر: # لعمري لرهط المرء خير بقية %~% عليه وإن عالوا به كل مركب PageV02P391 # إذا كنت في قوم عدى لست منهم %~% فكل ما علفت من خبيث وطيب # وفي المثل: " أوضح من مرآة الغريبة ". وذلك أن المرأة إذا كانت هديا في ~~غير أهلها، تتفقد من وجهها وهيئتها ما لا تتفقده وهي في قومها وأقاربها، ~~فتكون مرآتها مجلوة تتعهد بها أمر نفسها. وقال ذو الرمة: # لها أذن حشر وذفرى أسيلة %~% وخد كمرآة الغريبة أسجح # وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعفرا تستنشقه ~~عند نزلة أو زكام أو صداع. وأنشد لبعض بني ضبة: # نسير على علم بكنه مسيرنا %~% وعدة زاد في بقايا المزاود # ونحمل في الأسفار ماء قبيصة %~% من المنشأ النائي لحب المراود # وقال آخر: أرض الرجل أوضح نسبه، وأهله أحضر نشبه. # وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ ~~قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفض PageV02P392 ~~عرقا، ثم ينصب عصاه ويلقى عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الريح، فكأنه ~~في إيوان كسرى!. # وقيل لأعرابي: ما أصبركم على البدو؟ قال: كيف لا يصبر من وطاؤه الأرض، ~~وغطاؤه السماء، وطعامه الشمس، وشرابه الريح! والله لقد خرجنا في إثر قوم قد ~~تقدمونا بمراحل ونحن حفاة، والشمس في قلة السماء، حيث انتعل كل شيء ظله، ~~وأنهم لأسوأ حالا منا، إن مهادهم للعفر، وإن وسادهم للحجر، وإن شعارهم ~~للهواء، وإن دثارهم للخواء. # وحدثني التوزي عن رجل من عرينة قال حدثني رجل من بني هاشم قال: قلت ~~لأعرابي من بني أسد: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: وأين تسكن ~~منها؟ قال: مساقط الحمى حمى ضرية، بها لعمر الله ما نريد بدلا، ولا نبغي ~~عنها حولا، أما الفلوات، PageV02P393 ~~فلا يملولح ماؤها، ولا يحمى ترابها، ولا يعمر جنابها، ليس فيها أذى ولا ~~قذى، ولا أنين ولا ms04 حمى؛ فنحن بأرفه عيش وأرفع نعمة! قلت: فما طعامكم فيها؟ ~~قال: بخ بخ! عيشنا والله عيش تعلل جادبه، وطعامنا أطيب طعام وأهنؤه: الهبيد ~~والضباب واليرابيع، والقنافذ والحيات، وربما والله أكلنا القد، واشتوينا ~~الجلد، فلا نعلم أحدا أخصب منا عيشا، فالحمد لله على ما بسط من السعة، ورزق ~~من الدعة، أو ما سمعت قول قائلنا وكان والله عالما بلذيذ العيش: # إذا ما أصبنا كل يوم مذيقة %~% وخمس تميرات صغار كنائز PageV02P394 # فنحن ملوك الأرض خصبا ونعمة %~% ونحن أسود الغاب عند الهزاهز # وكم متمن عيشنا لا يناله %~% ولو ناله أضحى به حق فائز # ولهذا خبر طويل وصف فيه نوقا أضلها، واقتصرنا منه على ما وصف من قناعته ~~بوطنه. # قال الهاشمي: فلما فرغ من نعته قلت له: هل لك في الغذاء؟ قال: إني والله ~~غاوي إغباب، لاصق القلب بالحجاب، مالي عهد بمضاغ إلا شلو يربوع وجد معمعمة ~~مني فانسلت، فأخذت منه بنافقائه وقاصعائه ودامائه وراهطائه، ثم تنفقته ~~فأخرجته، ولا والله ما فرجت بشيء فرحى به، فتلقاني رويع ببطن الخرجاء، يوقد ~~نويرة تخبو طورا PageV02P395 ~~وتسمو أخرى، فدسسته في إرته فخمدت نويرته، ولا والله ما بلغ نضجه حتى ~~اختلس الرويعي منه، فغلبني على رأسه وجوشه، وصدره وبدنه، وبقي بيدي رجلاه ~~ووركاه، وفقرتان من صلبه، فكان ذلك مما أنعم الله به علي، فاغتبقتها على ~~نكظ منكظ، وبوص بائص عن عراكه إياي، غير أن الله أعانني عليه. فلذلك والله ~~عهدي بالطعام، وإني لذو حاجة إلى غذاء أنوه به فؤادي، وأشد به آدى، فقد ~~والله بلغ مني المجهود، وأدرك مني المجلود. # يصف هذا البؤس والجهد، ويتحمل هذه الفاقة، ويصبر على الفقر، قناعة بوطنه، ~~وحبا لعطنه، واعتدادا بما وصف من رفاغة عيشه. PageV02P396 ~~وحدثنا سليمان بن معبد، أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يرسل خيله، فجاء ~~أعرابي له بفرس أنثى، فسأله أن يدخلها مع خيله، فقال الوليد لقهرمانة أسيلم ~~بن الأحنف: كيف تراها يا أسيلم؟ فقال يا أمير المؤمنين، حجازية، لو ضمها ~~مضمارك ذهبت. قال الأعرابي: أنت والله منقوص الاسم، ms05 أعوج اسم الأب! فأمر ~~الوليد بإدخال فرسه، فلما أجريت الخيل سبق الأعرابي على فرسه، فقال الوليد: ~~أواهبها لي أنت يا أعرابي؟ فقال: لا والله، إنها لقديمة الصحبة، ولها حق ~~ولكن أحملك على مهر لها سبق عاما أول وهو رابض. فضحك الوليد وقال: أعرابي ~~مجنون! فقال: وما يضحككم؟ سبقت أمه عاما أول وهو في بطنها! فاستظرفه ~~واحتبسه عنده فمرض، فبعث إليه الوليد بالأطباء، فأنشأ يقول: # جاء الأطباء من حمص تخالهم %~% من جهلهم أن أداوى كالمجانين # قال الأطباء: ما يشفيك؟ قلت لهم %~% شم الدخان من التسرير يشفيني # PageV02P397 # إني أحن إلى أدخان محتطب %~% من الجنينة جزل غير موزون # فأمر الوليد أن يحمل إليه من رمث سليخة، فوافوه وقد مات. # فهو عند الخليفة، وببلد ليس في الأقاليم أريف منه، ولا أخصب جنابا، فحن ~~إلى سليخة رمث، وحبا للوطن. # وحكى أبو عبد الله الجعفري عن عبد الله بن إسحاق الجعفري قال: أمرت ~~بصهريج لي في بستان، عليه نخل مطل أن يملأ، فذهبت بأم الحسام المرية ~~وابنتها - وهي زوجتي - فلما نظرت أم الحسام إلى الصهريج قعدت عليه وأرسلت ~~رجليها في الماء، فقلت لها: ألا تطوفين معنا على هذا النخل، لنجني ما طاب ~~من ثمره؟ فقالت: ها هنا أعجب إلي. فدرنا ساعة وتركناها، ثم انصرفنا وهي ~~تخضخض رجليها في الماء وتحرك شفتيها، فقلت: يا أم الحسام، لا أحسبك إلا وقد ~~قلت شعرا. قالت: أجل. ثم أنشدتني: # أقول لأدنى صاحبي أسره %~% وللعين دمع يحدر الكحل ساكبه PageV02P398 # لعمري لنهي باللوى نازح القذى %~% نقي النواحي غير طرق مشاربه # بأجرع ممراع كأن رياضه %~% سخاب من الكافور والمسك شائبه # أحب إلينا من صهاريج ملئت %~% للعب فلم تملح لدي ملاعنه # فيا حبذا نجد وطيب ترابه %~% إذا هضبته بالعشي هواضبه # وريح صبا نجد إذا ما تنسمت %~% ضحى أوسرت جنح الظلام جنائبه # وأنشد أبو النصر الأسدي: # أحب الأرض تسكنها سليمى %~% وإن كانت توارثها الجدوب # وما دهري بحب تراب أرض %~% ولكن من يحل بها حبيب # وأنشدني حماد بن إسحاق الموصلي: # أحب بلاد الله ما بين صارة ms06 %~% إلى غطفان إذ يصوب سحابها PageV02P399 # بلاد بها نيطت علي تمائمي %~% وأول أرض مس جلدي ترابها # قال: ولما حملت نائلة بنت الفرافصة الكلبية إلى عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه، كرهت فراق أهلها، فقالت لضب أخيها: # ألست ترى بالله يا ضب أنني %~% مرافقة نحو المدينة أركبا # أما كان في أولاد عوف بن عامر %~% لك الويل ما يغني الخباء المطنبا # أبي الله إلا أن أكون غريبة %~% بيثرب لا أما لدي ولا أبا # قال: وزوجت من أبان في كلب امرأة، فنظرت ذات يوم إلى ناقة قد حنت فذكرت ~~بلادها وأنشأت تقول: # ألا أيها البكر الأباني إنني %~% وإياك في كلب لمغتربان # نحن وأبكى ذا الهوى لصبابة %~% وإنا على البلوى لمصطحبان # وإن زمانا أيها البكر ضمني %~% وإياك في كلب لشر زمان # وقال آخر: # ألا يا حبذا وطني وأهلي %~% وصحبي حين يدكر الصحاب # وما عسل ببارد ماء مزن %~% على ظمأ لشاربه يشاب # بأشهى من لقائكم إلينا %~% فكيف لنا به، ومتى الإياب PageV02P400 # وأنشد الغنوي لبعض الهذليين: # وأرى البلاد إذا سكنت بغيرها %~% جدبا وإن كانت تطل وتجنب # وأرى العدو يحبكم فأحبه %~% إن كان ينسب منك أو يتنسب # وأرى السمية باسمكم فيزيدها %~% حبا إلى ... ... ... # قال: ومن هذا أخذ الطائي قوله: # كم منزل في الأرض يألفه الفتى %~% وحنينه أبدا لأول منزل # وأنشد أبو عمرو البجلي: # تمتع من شميم عرار نجد %~% فما بعد العشية من عرار PageV02P401 # ألا يا حبذا نفحات نجد %~% وريا روضه غب القطار # وعيشك إذ يحل القوم نجدا %~% وأنت على زمانك غير زار # شهور ينقضين وما شعرنا %~% بأنصاف لهن ولا سرار # فأما ليلهن فخير ليل %~% وأقصر ما يكون من النهار # وقال آخر: # ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة %~% إلى قرقري قبل الممات سبيل # فأشرب من ماء الحجيلاء شربة %~% يداوي بها قبل الممات عليل # فيا أثلاث القاع، قلبي موكل %~% بكن وجدوى خيركن قليل # ويا أثلاث القاع قد مل صحبتي %~% مسيري فهل في ظلكن مقيل PageV02P402 # أريد انحدارا نحوها فيردني %~% ويمنعني دين، علي ثقيل # أحدث نفسي عنك إذ لست راجعا %~% إليك، فحزني ms07 في الفؤاد دخيل # وأنشد للمجنون: # إلى عامر أصبو، وما أرض عامر %~% هي الرملة الوعساء والبلد الرحب # معاشر بيض لو وردت بلادهم %~% وردت بحورا ماؤها للندى عذب # إذا ما بدا للناطرين خيامهم %~% فثم العتاق القب والأسل القضب # وأنشدنا المازني: # اقرأ على الوشل السلام وقل له: %~% كل الموارد مذ هجرت ذميم # جبل ينيف على الجبال إذا بدا %~% بين الغدائر والرمال مقيم PageV02P403 # تسري الصبا فتبيت في ألواده %~% ويبيت فيه من الجنوب نسيم # سقيا لظلك بالعشي وبالضحى %~% ولبرد مائك والمياه حميم # لو كنت أملك برد مائك لم يذق %~% ما في قلاتك ما حييت لئيم # وقال امرأة من عقيل: # خليلي من سكان ماوان هاجني %~% هبوب الجنوب مرها وابتسامها # فلا تسألاني ما ورائي فإنني %~% بمنزلة أعيا الطبيب سقامها # وقال آخر: # ألا ليت شعري والحوادث جمة %~% متى تجمع الأيام يوما لنا الشملا # وكل غريب سوف يمسي بذلة %~% إذا بان عن أوطانه وجفا الأهلا # وقال آخر: # ألا ليت شعري يجمع الشمل بيننا %~% بصحراء من نجران ذات ثرى جعد # وهل تنفضن الريح أفنان لمتى %~% على لاحق الرجلين مضطمر ورد PageV02P404 # وهل أردن الدهر حسي مزاحم %~% وقد ضربته نفحة من صبا نجد # وقال آخر: # وأنزلني طول النوى دار غربة %~% إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله # فحامقته حتى يقال سجية %~% ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله # ولو كنت في قومي وجل عشيرتي %~% لألفيت فيهم كل خرق أواصله # وأنشد لذي الرمة: # إذا هبت الأرواح من نحو جانب %~% به أهل مي هاج قلبي هبوبها # هوى تذرف العينان منه، وإنما %~% هوى كل أرض حيث حل حبيبها # وقال أبو عثمان: # رأيت عبدا أسود حبشيا لبني أسيد قدم من شق اليمامة فصار ~~ناورا، وكان وحشيا مجنونا لطول الغربة مع الإبل، وكان لا يلقى PageV02P405 ~~إلا الأكرة، فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إلي، ~~وسمعته يقول: لعن الله أرضا ليس بها عرب، قاتل الله الشاعر حيث يقول: # " حر الثرى مستعرب التراب ". # أبا عثمان، إن هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس، ~~فلولا أن ms08 الله رق عليهم فجعلهم في حشاة لطمست هذه العجم آثارهم. أترى ~~الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا! والله ما أمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بقتلهم، إذ لا يدينون بدين، إلا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية ~~منهم إلا تنزيها لهم. # وقيل لأعرابي: ما السرور؟ فقال: أوبة بغير خيبة، وألفة بعد غيبة. # وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: غيبة تفيد غنى، وأوبة تعقب منى. وأنشأ يقول: # وكنت فيهم كممطور ببلدته %~% يسر أن جمع الأوطان والمطرا # وأحسن ما سمعنا في حب الوطن وفرحة الأوبة قوله: PageV02P406 # وياسرتها فاستعجلت عن قناعها %~% وقد يستخف الطامعين المياسر # مشمرة عن ساق خدلاء حرة %~% تجاري بنيها مرة وتحاضر # وخبرها الرواد أن ليس بينها %~% وبين قرى نجران والدرب صافر # فألقت عصاها واستقرت بها النوى %~% كما قر عينا بالإياب المسافر # وقيل لبعض الأعراب: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع ~~الإخوان. قيل: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان، والتنحي عن الأوطان. # وقال آخر: # طلب المعاش مفرق %~% بين الأحبة والوطن # ومصير جلد الرجا %~% ل إلى الضراعة والوهن # حتى يقاد كما يقا %~% د النضو في ثني الرسن # ثم المنية بعده %~% فكأنه ما لم يكن # ووجدنا من العرب: من قد كان أشرف على نفسه، وأفخر في حسبه؛ ومن العجم: من ~~كان أطيب عنصرا وأنفس جوهرا أشد حنينا إلى وطنه، ونزاعا إلى تربته. PageV02P407 # وكانت الملوك على قديم الدهر لا تؤثر على أوطانها شيئا. # وحكى الموبذ أنه قرأ في سيرة إسفنديار بن يستاسف بن لهواسف، بالفارسية، ~~أنه لما غزا بلاد الخزر ليستنقذ أخته من الأسر، اعتل بها، فقيل له: ما ~~تشتهي؟ قال: شمة من تربة بلخ، وشربة من ماء واديها. # واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان مأسورا في القد، فقالت له بنت ملك ~~الروم وقد عشقته: ما تشتهي مما كان فيه غذاؤك؟ قال: شربة من ماء دجلة، وشمة ~~من تربة إصطخر! فغبرت عنه أياما ثم أتته يوما بماء الفرات، وقبضة من تراب ~~شاطئه، وقالت: هذا من PageV02P408 ~~ماء دجلة، وهذه من ms09 تربة أرضك، فشرب واشتم من تلك التربة فنقه من مرضه. # وكان الإسكندر الرومي جال في البلدان وأخرب إقليم بابل، وكنز الكنوز ~~وأباد الخلق، فمرض بحضرة بابل، فلما أشفى أوصى إلى حكمائه ووزرائه أن تحمل ~~رمته في تابوت من ذهب إلى بلده؛ حبا للوطن. # ولما افتتح وهرز بن شيرزاذ بن بهرام جور اليمن، وقتل ملك الحبشة المتغلب ~~- كان - على اليمن، أقام بها عاملا لأنوشروان، فبنى نجران اليمن - وهي من ~~أحصن مدن الثغور - فلما أدركته الوفاة أوصى ابنه شير زاد أن يحمل إلى إصطخر ~~ناوس أبيه، ففعل به ذلك. # فهؤلاء الملوك الجبابرة الذين لم يفتقدوا في اغترابهم نعمة، ولا غادروا ~~في أسفارهم شهوة، حنوا إلى أوطانهم، ولم يؤثروا على تربهم ومساقط رءوسهم ~~شيئا من الأقاليم المستفادة بالتغازي والمدن المغتصبة من ملوك الأمم. # وهؤلاء الأعراب مع فاقتهم وشدة فقرهم يحنون إلى أوطانهم، ويقنعون بتربهم ~~ومحالهم. PageV02P409 # ورأيت المتأدب من البرامكة المتفلسف منهم، إذا سافر سفرا أخذ معه من تربة ~~مولده في جراب يتداوى به. # ومن أصدق الشواهد في حب الوطن أن يوسف عليه السلام، لما أدركته الوفاة ~~أوصى أن تحمل رمته إلى موضع مقابر أبيه وجده يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم ~~السلام. # وروي لنا أن أهل مصر منعوا أولياء يوسف من حمله، فلما بعث الله موسى عليه ~~السلام وأهلك على يديه فرعون وغيره من الأمم، أمره أن يحمل رمته إلى تربة ~~يعقوب بالشام، وقبره علم بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حسامي. # وكذلك يعقوب، مات بمصر فحملت رمته إلى إيلياء، قرية بيت المقدس، وهناك ~~قبر إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. PageV02P410 # ومن حب الناس للوطن، وقناعتهم بالعطن، أن إبراهيم لما أتى بهاجر أم ~~إسماعيل مكة فأسكنها، وليس بمكة أنيس ولا ماء، ظمئ إسماعيل فدعا إبراهيم ~~ربه فقال: " رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم "، ~~أجاب الله دعاءه إذ رضى به وطنا، وبعث جبريل عليه السلام فركض موضع زمزم ~~برجله، فنبع منه زمزم. # ومر بإسماعيل وأمه فرقة من جرهم، فقالوا: أتأذنون لنا أن ms10 ننزل معكم؟ ~~فقالت هاجر: نعم ولا حق لكم في الماء، فصار إسماعيل وولده قطان مكة، لدعوة ~~إبراهيم عليهما السلام. # نعم، وهي مع جدوبتها خير بقاع الأرض، إذ صارت حرما، ولإسماعيل وولده ~~مسكنا، وللأنبياء منسكا ومجمعا على غابر الدهر. # وممن تمسك من بني إسرائيل عليه السلام بحب الأوطان خاصة، ولد هارون، وآل ~~داود؛ لم يمت منهم ميت في إقليم بابل في أي البلدان مات، إلا نبشوا قبره ~~بعد حول، وحملت رمته إلى موضع يدعى الحصاصة بالشام فيودع هناك حولا، فإذا ~~حال الحول نقلت إلى بيت المقدس. # وقال الفرزدق: # لكسرى كان أعقل من تميم %~% ليالي فر من بلد الضباب # فأسكن أهله ببلاد ريف %~% وجنات وأنهار عذاب PageV02P411 # فصار بنو بنيه بها ملوكا %~% وصرنا نحن أمثال الكلاب # فلا رحم الإله صدى تميم %~% فقد أزرى بنا في كل باب # وقال آخر في حب الوطن: # سقى الله أرض العاشقين بغيثه %~% ورد إلى الأوطان كل غريب # وأعطى ذوي الهيئات فوق مناهم %~% ومتع محبوبا بقرب حبيب PageV02P412 ms11